أنيس المجتهدين

هوية الكتاب

المؤلف: محمد مهدي بن أبي ذر النراقي [ المولى مهدي النراقي ]

المحقق: مركز العلوم والثقافة الإسلامية

الناشر: مكتبة التراث الاسلامي

المطبعة: مكتبة التراث الاسلامي

الطبعة: 1

الموضوع : أصول الفقه

تاريخ النشر : 1430 ه.ق

ISBN (ردمك): 978-964-09-0281-3

المكتبة الإسلامية

أنيس المجتهدين

ص: 1

المجلد 1

اشارة

سرشناسه : نراقی ، مهدی بن ابی ذر

محل نكهداری نسخه : قم

مركز نگهدارنده نسخه : كتابخانه مرعشی

شماره بازیابی نسخه : 4216/1

عنوان و نام پديدآور : انیس المجتهدین[نسخه خطی]

وضعیت استنساخ : سلطان آباد: جمادی الاخر1034ق قرن طاهر حسيني انجداني

مشخصات ظاهري : 1ر-267ر، مختلف سطر؛ 21×17 س م

يادداشت كلی : آغاز كتاب: الحمدلله الذی جعل علم الاصول وسیلة للصعود الی مدارج حقایق المباحث الشرعیة و صیّره ذریعة للعروج الی معارج دقائق مسائل الفقهیة... اما بعد فیقول ... ان علم الاصول مما لایخفی علو رتبته..

انجام كتاب: و وحدة ترجیح كل من الادلة وتعدده صور غیر متناهیة و لابد للمجتهد عند تعارض الترجیحات من نظر آخر للترجیح بینها و بعد الاحاطة بما ذكرناه لایخفی جلیة الحال فیه

تاریخ تالیف:1186 ق.

تدوین و گردآوری: موسسه فرهنگی پژوهشی الجواد

يادداشت مشخصات ظاهری : نوع و تزیینات جلد: تیماج قهوه ای

خط: نسخ و نستعلیق

منابع اثر، نمايه ها، چكيده ها : منابع كتابشناسی: التراث العربی 338/1

منابع كتابشناسی: الذریعة 464/2 و465/2 رقم 1804

منابع كتابشناسی: مدرسه فیضیه 24/1

منابع كتابشناسی: مرعشی 397/1 و 219/11و 214/26 و 140/37

منابع كتابشناسی: امام صادق قزوین 43/1

منابع كتابشناسی: مفتی الشیعه ص89

منابع كتابشناسی: الهیات تهران ص 750

منابع كتابشناسی: كتابخانه مدرسه آخوند ص 1287

منابع كتابشناسی: دائرة المعارف اسلامی 43/1

منابع كتابشناسی: ذریعه ، 464/2

منابع كتابشناسی: العام 2430/3

منابع كتابشناسی: مهدی نراقی

منابع كتابشناسی: مرعشی 397/1،همانجا 219/11

منابع كتابشناسی: نشریه 512/7 و 591/5

منابع كتابشناسی: مكتبة امیر المومنین 157/1

منابع كتابشناسی: مجلس شورا 123/50

ماخذ: فهرست نسخه های خطی كتابخانه آیة اللّه نجفی مرعشی. ج.11

معرفی نسخه : معرفی كتاب: در مباحث اصولی استدلالی در پنج مبحث و هر مبحث در چند باب و فصل. این اثر توسط مركز مطالعات و تحقیقات اسلامی قم در سال 1388ه چاپ شده است. «محمود نظری»

موضوع های كنترل نشده : اصول فقه

ص: 2

أنيس المجتهدين

(في علم الأُصول)

للمولی محمد مهدي النراقي

الجزء الأوّل

التحقيق: مركز العلوم والثقافة الإسلامية

مركز إحياء التراث الإسلامي

بوستان كتاب

1388

ص: 3

ص: 4

دليل الجزء الأوّل

مقدّمة التحقيق ... 7

المبحث الأوّل : في المقدّمات ... 27

الباب الأوّل في نبذ من أحواله ... 29

الباب الثاني في المبادئ اللغويّة ... 36

الباب الثالث في المبادئ الأحكاميّة ... 95

المبحث الثاني : في الأدلّة الشرعيّة ... 181

الباب الأوّل في الكتاب ... 183

الباب الثاني في السنّة ... 202

الباب الثالث في الإجماع ... 336

الباب الرابع في الأدلّة العقليّة ... 386

الباب الخامس في القياس ... 434

فهرس الموضوعات ... 575

ص: 5

ص: 6

مقدّمة التحقيق

اشارة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد ، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

وبعد ؛ بين يديك - أيّها القارئ الكريم - كتاب أنيس المجتهدين أحد مؤلّفات المحقّق الفاضل المولى محمّد مهدي النراقي ، المتوفّى سنة 1209 ه ، التي قام بتحقيقها مركز إحياء التراث الإسلامي في مركز العلوم والثقافة الإسلاميّة. وذلك مع مجموعة من آثار الفاضلين النراقيّين التي أحيل تحقيقها إلى هذا المركز من قبل المؤتمر التكريمي لهذين العلمين ، والذي انعقد في مدينة قم المقدّسة سنة 1382 ش / 1424 ه.

ترجمة المؤلّف

وردت ترجمته بشكل مفصّل - أو مختصر - في كثير من كتب التراجم والتاريخ في القرنين الثاني عشر والثالث عشر من الهجرة النبويّة. وكذا في مقدّمة بعض كتبه أو كتب ولده المولى أحمد النراقي المصحّحة مؤخّرا. وقد كتب سماحة الشيخ رضا الاستادي تأليفا مستقلاّ في ترجمة النراقيّين بالفارسيّة تحت عنوان شرح أحوال وآثار ملاّ مهدى نراقى وملاّ أحمد نراقى وخاندان ايشان ، فإنّ فيما ورد فيه غنى وكفاية.

ولذلك لم نتعرّض هنا لترجمة المولى محمّد مهدي النراقي. وما نقدّمه هنا ما هو إلاّ لمحات عن حياته المباركة ، وقبسات من أنواره الملكوتيّة ، ونشير إلى نقاط عن حياته بقيت مجملة.

ص: 7

اسمه ونسبه

قال قدس سره في مقدّمة كتابه جامعة الاصول : « أمّا بعد ؛ فيقول المحتاج إلى غفران ربّه السرمدي محمّد بن أبي ذرّ النراقي ، المعروف بمهدي ، بصّره اللّه بعيوبه ، ونجّاه من أحزانه وكروبه ... » (1).

وقال في مقدّمة رسالة الإجماع : « أمّا بعد ، فيقول المتمسّك بلطف اللّه الأبديّ والمتشبّث بفضله السرمديّ محمّد بن أبي ذرّ النراقي المعروف بمهدي ، نوّر اللّه قلبه بالأنوار العليّة و ... » (2).

وقد ذكر ولده المولى أحمد في أكثر كتبه ، والإجازة التي كتبها لأخيه الصغير محمّد مهدي الثاني الملقّب ب- « آقا بزرك » ، اسم أبيه ب- « محمّد مهدي » ، وقال في الإجازة : « فمنها ما أخبرني به ... ، والدي واستاذي ، ومن إليه في جميع العلوم استنادي ، مولانا محمّد مهدي بن أبي ذرّ بن الحاجّ محمّد النراقي » (3).

وفي إنهاء الإجازة كتب : « كتبه بيمناه الداثرة ... أحمد بن محمّد مهدي بن أبي ذرّ ابن الحاجّ محمّد القمّي النراقي الكاشاني مسكنا » (4).

كما أنّه ذكر نسبه ب- « أحمد بن محمّد مهدي بن أبي ذرّ النراقي » ، في افتتاح وانتهاء جميع مؤلّفاته.

فالمنتج من هذه الذكريات والعبارات :

أوّلا : أنّ اسمه محمّد بن أبي ذرّ والمعروف بمهدي ، أو محمّد مهدي.

وثانيا : أنّ اسم جدّه أيضا كان محمّد ، المعروف بالحاجّ محمّد القمّي النراقي.

وذلك لأنّ قصبة نراق كانت في سالف الزمان من توابع مدينة قم. وبعد الحقت بمدينة

ص: 8


1- جامعة الأصول : 10.
2- المصدر : 85.
3- راجع عوائد الأيّام : 70 ، مقدّمة التحقيق.
4- عوائد الأيّام : 84 ، مقدّمة التحقيق.

كاشان. كما ذكره أبو الحسن المستوفي في كتابه تاريخ گلشن مراد (1).

واحتمل سماحة الشيخ رضا الاستادي في ابتداء شرح أحوال وآثار ملاّ مهدي نراقي وملاّ أحمد نراقي أن يكون جدّه « الفاضل نصير الدين القمّي » صاحب رسالة الزكويّة. وذكر في الهامش احتمالا آخر بأنّه يمكن أن يكون نصير الدين جدّه لامّه لا جدّه لأبيه (2).

لقبه

يلقّب المولى محمّد مهدي ب- « المحقّق النراقي » و « العلاّمة النراقي ». وقد يعبّر عنه ب- « النراقي الأوّل » ، كما يلقّب ولده المولى أحمد ب- « الفاضل النراقي » وقد يعبّر عنه ب- « النراقي الثاني » ، كما ويعبّر عنهما ب- « النراقيّان » (3) ، وصاحب الجواهر يعبّر عنهما ب- « الفاضل النراقي » (4).

ولادته

لم يرد تاريخ ولادته في أيّ من كتب التراجم والمصادر المتوفّرة لدينا ، ولكن ورد في الكتيبة التي كتبها ولده المولى أحمد النراقي بخطّه ، في آخر إحدى النسخ من كتاب لؤلؤة البحرين ما يلي :

تاريخ وفاة الوالد الماجد ... في أوّل ليلة السبت ثامن شهر شعبان المعظّم من شهور سنة ألف ومائتين وتسع ... وكان عمره الشريف يبلغ ستّين سنة تقريبا (5).

وقد ذكر العلاّمة المحقّق الرجالي المرحوم ميرزا محمّد حسن الزنوزي ( م 1218 ه ) معاصر النراقي في كتاب رياض الجنّة أنّ عمره كان ما يقارب الثلاث وستّين سنة ، وبالنظر إلى أنّ وفاته كانت سنة 1209 ؛ لذا وجب أن تكون ولادته في أواخر النصف الأوّل من القرن الثاني عشر ، أي في سنة 1149. وبناء على ذلك فلا يصحّ ما ذكره

ص: 9


1- راجع شرح أحوال وآثار ملاّ مهدى نراقى وملاّ أحمد نراقى و ... :1. 22.
2- راجع المصدر : 12.
3- راجع أنيس الموحّدين : 14 ، مقدّمة التحقيق ؛ عوائد الأيّام : 30 - 31 ، مقدّمة التحقيق.
4- راجع المصدرين.
5- راجع عوائد الأيّام : 66 ، مقدّمة التحقيق.

المرحوم الشيخ محمّد رضا المظفّر في مقدّمة كتاب جامع السعادات بأنّ ولادته كانت سنة 1128.

مكانته العلميّة

تميّز المحقّق النراقي عن أقرانه بموسوعيّة المعرفة ، وحظي بمكانة علميّة واجتماعيّة ممتازة ، ولم يقتصر على الفقه والاصول ومقدّماتهما ، فقد كان جامعا لأكثر العلوم والفنون. فنراه عالما في الأدب واللغة والفقه والاصول والحديث والرجال والدراية والحكمة والكلام والآداب والأخلاق والرياضيّات والنجوم ، حيث يتجلّى ذلك من خلال تأليفاته الكثيرة المتنوّعة ، فلقد أتاحت له نشأته في الأوساط العلميّة فرص التعلّم المبكّر ، ووفّرت له عقليّته الكبيرة وذكاؤه الوقّاد ، القدرة على استيعاب العلوم والفنون المتعدّدة بسهولة ، وارتقى سلّم العلم فبلغ حدّا يكاد يعدّ من علماء الطراز الأوّل للقرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجري.

ولقد وصفه العلماء المحقّقين من أصحاب التراجم بما لم يصفوا به غيره. وإليك بعض ما قالوا فيه :

1 - قال أبو الحسن المستوفي الغفاري في كتاب تاريخ گلشن مراد :

فريد عصره ووحيد دهره ، مولانا محمّد مهدي بن أبي ذرّ النراقي ، حكيم استندت الشريعة إلى آرائه القويمة ، وعالم تفوّقت آراؤه الصائبة على المستدلّين في كلّ حال ، وفقيه اعترف بفضله وتقدّمه فقهاء عصره ، وعالم يغترف أرباب اليقين من بحر علمه ، نحرير أسرت آراؤه قلوب الأحرار من طلاّبه ، وكان لجامع أفكاره الفضل في إظهار عظمة النقد المحصّل وما احتوى من إفادات العلماء العظام ، فيلسوف تتباهى روحي أفلاطون وأرسطو بوجوده ، ويلهج لسان حال ابن سينا بشكر مساعيه الحميدة.

فيلسوف بحقّ وحكيم مطلق ، جامع المعقول والمنقول ، حاوي الفروع والاصول ، المولى الأعظم والحبر الأعلم ، مظهر الحقائق ، مبدع الدقائق ، أستاذ البشر ، أعلم أهل البدو والحضر ، متمّم علوم الأوائل والأواخر ، كاشف مشكلات المسائل

ص: 10

بالمآثر ، قدوة الحكماء وأفضل العلماء ، سلطان المحقّقين وبرهان المدقّقين ، ينبوع العلم ، مقنّن الرسوم ، مدّ اللّه ظلال إفاداته على رءوس العباد ، متّع اللّه المستفيدين بطول بقائه بمحمّد وآله. كان ماهرا في جميع العلوم ، ومفسّرا لدقائق آراء الأوائل والأواخر ، بل كان له سهم في تكامل العلوم (1).

2 - وقال الزنوزي في كتاب رياض الجنّة :

المولى الجليل محمّد مهدي بن أبي ذرّ الكاشاني النراقي.

كان عالما كاملا فاضلا صالحا جليلا محقّقا مدقّقا ثقة عدلا ثبتا ضبطا متضلّعا نحريرا متبحّرا فقيها حكيما متكلّما مهندسا معاصرا ، ماهرا في أكثر العلوم والفنون والكتب ، إسلاميّة كانت أم غيرها من الملل والأديان. وكان جليل القدر عظيم الشأن ، كريم الأخلاق حسن الآداب ، كثير التأليف ، جيّد التحرير والتعبير ، له مؤلّفات كثيرة لطيفة (2).

3 - وقال الخوانساري في روضات الجنّات :

العالم البارع والفاضل الجامع ، قدوة خيل أهل العلم بفهمه الإشراقي ، مولانا مهدي بن أبي ذرّ الكاشاني النراقي ...

كان من أركان علمائنا المتأخّرين وأعيان فضلائنا المتبحّرين ، مصنّفا في أكثر فنون العلم والكمال ، مسلّما في الفقه والحكمة والاصول والأعداد والأشكال (3).

4 - وكتب العلاّمة الطهراني في أعلام الشيعة :

المولى محمّد مهدي بن أبي ذرّ النراقي الكاشاني المتوفّى سنة 1209 هو جامع السعادات ومصنّفها ، ومعتمد الشيعة ومؤلّفها ، صاحب اللوامع وأنيس المجتهدين والتحفة الرضويّة ، حلاّل مشكلات العلوم في المنثور والمنظوم ، رئيس الأبرار وأنيس التجّار والموحّدين ، في المعاملات والعبادات وأصول الدين ، هذّب بتجريده أصول الأحكام ، وأحرق بمحرقه قلوب الأنام بعد تكميله

ص: 11


1- راجع شرح أحوال وآثار ... :1. 22.
2- المصدر : 24.
3- روضات الجنّات. راجع شرح أحوال وآثار ... : 34.

على الأركان الأعلام مثل صاحب الحدائق ، والمولى الخاجوئي ، والوحيد البهبهاني والمحدّث الفتوني ، وعلاّمة الزمان محمّد بن محمّد زمان ، والمولى مهدي الهرندي والمولى محمّد جعفر القاساني ... إلى أن ركب طائر القدس ولحق بمحلّ الانس وتوسّد التراب خلف مرقد مولاه أبي تراب عليه السلام ، ودفن من ورائه ولده أحمد ، سمي صاحب المستند عليه صلوات اللّه الملك الأحد. وخلّف تصانيفه الرائقة ، وفيها نخبة البيان البديع في بابي الاستعارة والتشبيه من فنّ البيان ، وتوضيح الإشكال ... وشرح لتحرير أقليدس ... وكتاب الرجال الذي رأيت النقل عنه في تأليفات بعض المعاصرين (1).

5 - وجاء في لباب الألقاب :

العارج أعلى المراقي ، الحاجّ الملاّ مهدي بن أبي ذرّ بن الحاجّ محمّد القمّي النراقي كان عالما عيلوما محقّقا مدقّقا ، أستاذ الكلّ في الكلّ ، جامعا لجميع العلوم العقليّة ، ماهرا حاذقا في العلوم الشرعيّة ، كاشفا عن أسرار دقائق لم يطّلع عليها من قبله ، مبيّنا لقواعد حقائق لم يؤسّسها سواه ، فلو قال قائل إنّه بحر العلوم على الحقيقة لما كان في هذا القول متجوّزا بل تكلّم بالحقيقة ، ولو قال قائل : إنّه العلاّمة لما استحقّ الملامة. ولقّبه بعض الأفاضل ب- « خاتم الحكماء والمجتهدين » وهو في محلّه. وقد تلمذ في الرياضيّات والحكمة على الملاّ إسماعيل الخاجوئي في أصفهان ثلاثين سنة ، وفي الشرعيّات على الوحيد البهبهاني مدّة مديدة ...

وحكايات مشقّته في التحصيل ، وتحميله للفقر والفاقة ، وصبره على نوائب الدهر وحوادث الجمّة معروفة ، ورياضاته وعباداته مشهورة حتّى أنّ بعض الصوفيّة ادّعى أنّه من مشايخ السلسلة ، ترويجا لعقيدته الفاسدة ، كلاّ إنّه كان رئيس الحكماء الإلهيّين ، وأعلم الفقهاء والمجتهدين ، وأصل الزهّاد وقدوة العابدين ولعمري إنّه كان ناصرا للملّة والدين ، بل آية من آيات اللّه داعيا إلى الحقّ المبين (2).

ص: 12


1- أعلام الشيعة ، القرن الثالث عشر. راجع شرح أحوال وآثار ... :1. 43.
2- لباب الألقاب : 92. راجع شرح أحوال وآثار ... :2. 44.

6 - وكتب العلاّمة حسن زادة الآملي :

منار شامخ للعلم والتحقيق ، استاذ الكلّ في الكلّ ، العلاّمة المولى مهدي - أو محمّد مهدي - بن أبي ذرّ بن الحاجّ محمّد النراقي رحمه اللّه. أحد نوابغ الدهر ، وجامع أزمّة العلوم والفنون ، السابق في كلّ فنّ ، ودائرة المعارف الناطقة ، والمكتبة العظيمة الحيّة المتحرّكة.

بلا شكّ فإنه يعتبر في الطراز الأوّل من علماء الإسلام الكبار ، في التبحّر والمهارة في جميع العلوم العقليّة والنقليّة بما فيها الأدبيّات والرياضيّات العالية ، ومن نوادر العصر في تحلّيه بالفضائل الأخلاقيّة والملكات الملكوتيّة.

له مصنّفات بارزة ومؤلّفات قيّمة في العلوم المختلفة ، تلقّى العلم في كاشان وأصفهان ، والعتبات المقدّسة في العراق ، على يد عظماء أمثال الملاّ إسماعيل الخاجوئي ، والملاّ محمّد جعفر بيدگلي ، والآغا محمّد باقر الوحيد البهبهاني وغيرهم ، ويعتبر من الأشخاص الذين يشار إليهم حين تذكر الفضائل (1).

7 - وكتب الاستاذ المرحوم السيّد جلال الدين الآشتياني رحمة اللّه عليه :

المجتهد البارع ، والحكيم المحقّق ، الملاّ محمّد مهدي النراقي.

من أكابر علماء الشيعة الذين يمتازون بالشمول والإحاطة والتبحّر والتخصّص في العلوم النقليّة والعقليّة ، والذين يقلّ نظيرهم : الآخوند الملاّ محمّد مهدي النراقي الكاشاني ، المتوفّى سنة 1209 ه ، مجتهد وحكيم عارف ورياضي ، عاش في أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر الهجري القمري ، يعتبر من خرّيجي الحوزة العلميّة في أصفهان ، كما استفاد لفترة من محضر الأساتذة المشهورين العظام في العتبات المقدّسة في كربلاء والنجف. كان النراقي في العلوم العقليّة والنقليّة من تلاميذ الفقيه والحكيم المحقّق الملاّ إسماعيل الخاجوئي والعالم البارع الشيخ محمّد ، والعالم المحقّق الملاّ مهدي الهرندي ، والاستاذ المحقّق الرياضي الآغا ميرزا نصير الأصفهاني (2).

ص: 13


1- مقدّمة خزائن. راجع شرح أحوال وآثار ... : 59.
2- راجع شرح أحوال وآثار ... :2. 70.

8 - وقال تلميذه محمّد بن الحاج طالب طاهرآبادي ، في إنهاء نسخة أنيس المجتهدين :

المولى الأعظم والحبر الأعلم ، سلطان العلماء الإلهيّين وبرهان الحكماء الراسخين ، رئيس المجتهدين ، مشيّد قواعد الاصوليّين ومسدّد أركان المهندسين ، كشّاف حقائق المتقدّمين ، صرّاف نقود المتأخّرين ، أفضل الأوائل المتبحّرين وأكمل الأواخر المسترشدين ، ثالث المعلّمين بل أوّلهم لو كشف الغطاء من البين ، عالم معالم التحقيق ، واقف مواقف التدقيق ، كاشف أستار المسائل ، مجمع إحراز الأواخر والأوائل ، استاذنا بل استاذ البشر والعقل الحادي عشر ، مولانا محمّد مهدي النراقي دام ظلّه العالي (1).

وقال في إنهاء نسخة جامع الأفكار وناقد الأنظار :

قد تمّ تسويد هذا الكتاب ... من مصنّفات استاذي بل استاذ الكلّ في الكلّ ، أفضل أعاظم المدقّقين وأكمل أفاخم المحقّقين ، الفائق على الأوائل والأواخر والأوّلين والآخرين ، الوحيد في عصره والفريد في دهره ، جامع المعقول والمنقول ، حاوي الفروع والأصول ، الجامع بين مرتبتي العلم والعمل ، الحافظ نفسه الشريفة عن الخطأ والزلل ، خاتم الحكماء والمجتهدين في أوانه ، وزبدة الفضلاء والمتبحّرين في زمانه ، محمّد مهدي أيّده اللّه وأبقاه (2).

9 - وقال ولده المولى أحمد النراقي :

والدي واستاذي ومن إليه في جميع العلوم العقليّة والنقليّة استنادي ، كشّاف قواعد الإسلام وحلاّل معاقد الأحكام ، ترجمان الحكماء والمتألّهين ، ولسان الفقهاء والمتكلّمين ، الإمام الهمام ، والبحر القمقام ، اليمّ الزاخر والسحاب الماطر ، الراقي في نفائس الفنون إلى أعلى المراقي (3).

مؤلّفاته في أصول الفقه

1. رسالة في الإجماع ؛ ألّفها في كربلاء ، سنة 1178.

ص: 14


1- راجع شرح أحوال وآثار ... : 93 و 107.
2- راجع شرح أحوال وآثار ... : 93 و 107.
3- المصدر : 37.

2. جامعة الاصول ؛ فرغ من تأليفها سنة 1180.

3. أنيس المجتهدين ؛ تمّ تأليفه سنة 1186.

4. تجريد الاصول ؛ فرغ من تأليفه سنة 1190.

أنيس المجتهدين

لا ريب في نسبة الكتاب إلى مؤلّفه المحقّق المولى محمّد مهدي النراقي.

يقول رحمه اللّه في مقدّمة الكتاب : « أمّا بعد ؛ فيقول الحقير في أنظار أرباب العقول ، مهديّ بن أبي ذرّ النراقي ... وسمّيته أنيس المجتهدين ».

وذكره ولده الفاضل المولى أحمد النراقي في تأليفات والده ، في رسالة كتبه في فهرس مؤلّفات والده ومؤلّفات نفسه (1).

كما وينقل ، أو يستند إلى بعض الآراء والأقوال ، عنه في مؤلّفاته الاصوليّة ، مثل أساس الأحكام وشرح تجريد الاصول ومناهج الأحكام.

ونسبه إليه المترجمون له (2) قاطبة.

تأريخ تأليفه

كتب المؤلّف في إنهاء نسخة الكتاب بخطّه الشريف ما نصّه :

قد تمّ كتاب أنيس المجتهدين ، والحمد لله على إتمامه. وقد فرغت عنه [ كذا ] في يوم الثامن من العشر الاول من الشهر الخامس من السنة السادسة من العشر التاسع من المائة الثانية من الألف الثاني من الهجرة النبويّة ، على مهاجرها ألف صلاة وتحيّة. أسأل اللّه أن يقيل به بعض عثراتي ، ويكتبه في صحائف حسناتي ، ويجعله ممّا ينتفع به الأذكياء ، ويوصل إليّ آخرة في دار الجزاء.

ص: 15


1- راجع عوائد الأيّام : 66 ، مقدّمة التحقيق.
2- راجع : الذريعة إلى تصانيف الشيعة 2 : 464 ، الرقم 1804 ؛ ريحانة الأدب 6 : 165 ؛ تاريخ كاشان : 280 ؛ لباب الألقاب : 92.

فعلى ذلك فرغ المؤلّف من تأليفه يوم الثامن من شهر جمادى الأولى سنة 1186 من الهجرة النبويّة.

ماهيّته

قال رحمه اللّه في مقدّمة الكتاب :

إنّ علم الاصول ممّا لا يخفى علوّ رتبته وسموّ مرتبته ... وتوقّف المباحث الشرعيّة عليه ، وافتقار المسائل الفرعيّة إليه ، وهو عمدة ما يحصل به الاجتهاد ، والوصول إليه دونه خرط القتاد.

وإنّي بعد ما سرّحت النظر في مراتع مسائله ، وأجلت الفكر في ميادين دلائله ظفرت على فوائد جمّة خلت عنها كتب أكثر العلماء ، وعثرت على قواعد مهمّة لم يأت بها أولوا الأيدي الأذكياء ، فجمعتها في هذا الكتاب ؛ تبصرة للأحباب وتذكرة لاولي الألباب ، لعلّ اللّه ينفعني به يوم الحساب ، إنّه هو الكريم الوهّاب.

ودأبي في هذا الكتاب تحقيق ما هو الحقّ من المسائل ، وذكر ما هو الأتمّ من الدلائل ، ولا أتعرّض لذكر ما هو تطويل بلا طائل ... وكذا لا أتعرّض لنقض جميع أدلّة الخصوم. بل لما يستصعب على المفهوم ، واشير في كلّ أصل إلى مسألة فرعيّة تتفرّع عليه ؛ ليحصل بذلك الوقوف على كيفيّة التفريع.

وقد رتّب الكتاب على مباحث ذوات أبواب ، ذوات فصول. وأشار في ذيل كلّ أصل إلى مسألة أو مسائل فرعيّة تتفرّع عليه للوقوف على كيفيّة التفريع للفقيه.

فرتّب الكتاب على مباحث خمسة :

المبحث الأوّل في المقدّمات ، وفيه ثلاثة أبواب ، ومجموع فصولها خمسون.

المبحث الثاني في الأدلّة الشرعيّة : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والأدلّة العقليّة. في خمسة أبواب ، ومجموع فصولها ثمانون.

المبحث الثالث في مشتركات الكتاب والسنّة ، وفيه سبعة أبواب. ومجموع فصولها مائة وخمسة عشر.

ص: 16

المبحث الرابع في الاجتهاد والتقليد ، وفيه بابان في سبعة عشر فصلا.

المبحث الخامس في التعادل والتراجيح ، وفيه ثلاثة فصول.

عملنا في الكتاب

أ - نسخ الكتاب

1. نسخة مكتبة الحاج الشيخ محمّد ، سلطان المتكلّمين في طهران.

2. نسخة مكتبة الحاج الشيخ علي أكبر النهاوندي في مشهد الرضا. سنة تحريرها 1205 ه.

3. نسخة مكتبة الشيخ عبد الحسين الحلّي في النجف الأشرف ، التي حرّرت في زمان حياة المؤلّف.

4. نسخة مكتبة الحوزة العلميّة في قزوين.

5. نسخة مكتبة آية اللّه الحكيم رحمة اللّه عليه في النجف الأشرف.

6. نسخة مكتبة شاه چراغ في شيراز.

7. نسخة مكتبة مدرسة الآخوند الهمداني في همدان ، بخطّ محمّد بن الحاج طالب طاهرآبادي ، تلميذ المؤلّف ، سنة 1192 ه.

8. نسخة مكتبة جامعة الإلهيّات في مشهد الرضا ، حرّرت في سنة 1190 ه.

9. نسخة مكتبة المدرسة الفيضيّة في قم المقدّسة ، بخطّ الميرزا مجد الدين بن أبي القاسم النراقي في سنة 1334 ه.

10. نسخة مكتبة المسجد الأعظم في قم المقدّسة.

11. نسخة مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الأشرف.

12. نسخة مكتبة آية اللّه الشهيد القاضي الطباطبائي في تبريز (1).

ص: 17


1- فهرست نسخه هاى خطى كتابخانه إمام صادق عليه السلام قزوين 1 : 43 ؛ فهرست نسخه هاى خطى كتابخانه غرب - مدرسه آخوند همدان : 63 - 64 ؛ فهرست نسخه هاى خطى كتابخانه مسجد أعظم قم : 37 ؛ شرح أحوال وآثار ملاّ مهدى نراقى وملاّ أحمد نراقى : 93 - 95.

13. نسخة مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي في قم المقدّسة ، المرقّمة ب 4216 بخطّ طاهر الحسيني الأنجداني ، سنة 1234 ه ( ؟ ) في سلطان آباد.

ووقع اختيارنا على النسختين التاليتين :

14. نسخة مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي في قم المقدّسة ، المرقّمة ب 379.

حرّرت بيد علي نقي البزّاز ، بأمر المؤلّف ، في خامس شوّال سنة 1186. أشرنا إليها برمز « أ ».

وهذه النسخة من أجود النسخ خطّا ، واعتمدنا عليها ؛ لأنّها مصحّحة وفي آخرها إشارة إلى مقابلتها مع نسخة المؤلّف :

وقد انتسخت من النسخة التي نسخت من نسخة الأصل بخطّ المصنّف ، وقد كنت مأمورا بأمره العالي بانتساخه ، وأنا أقلّ عبيد ربّ المشرقين ، محمّد حسين بن علي نقي البزّاز الكاشاني.

ومن مميّزات هذه النسخة أنّها قوبلت مع نسخة الأصل وأربع نسخ اخرى ، وصحّحت مجدّدا بأمر المؤلّف ، وبواسطة محمّد ابن الحاجّ طالب الطاهرآبادي ، من تلاميذ المؤلّف.

وهذا نصّ عبارته :

وقد أمرني بمقابلة هذه النسخة وأربع نسخ اخرى مع نسخة الأصل التي كتبها بيده الكريمة.

وقد اتّفق الفراغ في سنة (1189) من الهجرة النبويّة المصطفويّة. والمرجوّ من ألطافه أن يدعو لي بصالح الدعاء ، وليتكثّر (1) لي ما عانيت في هذه المقابلة من الكدّ والعناء.

وكتب ذا الفقير إلى اللّه الهادي ، محمّد بن الحاجّ طالب الطاهرآبادي في سنة (1189) هجريّة.

15. أيضا نسخة مكتبة المرحوم آية اللّه المرعشي النجفي في قم المقدّسة ، المرقّمة ب 10256 ، وهذه النسخة فيها أغلاط كثيرة وسقط في العبارة ، وأشرنا إليها برمز « ب » ، واستفدنا منها في بعض الموارد.

ص: 18


1- كذا.
ب - تخريج الأحاديث

حاولنا تخريج الأحاديث التي أوردها المؤلّف - طاب ثراه - نصّا أو مضمونا عن طرق الخاصّة والعامّة من المصادر الأصليّة المشار إليها في المتن ، كالكتب الأربعة وغيرها.

وخرّجنا أحاديث العامّة عن طرقهم التي ورد ذكرها في غير واحد من كتب الصحاح والسنن ، وفي بعض الموارد من كتبهم الفرعيّة.

ج - تخريج الأقوال

1. حاولنا تخريج الأقوال والآراء الواردة في المتن تصريحا أو تلويحا ، وإرجاعها إلى مصادرها ، وبذلنا ما في وسعنا من الجهد لتخريج الأقوال من مصادرها الأصليّة.

وفي الموارد التي أشار رحمه اللّه فيها إلى أقوال الفقهاء ، أو نسب القول إلى الأكثر ، ذكرنا لها أكثر من مصدر.

2. خرّجنا الإجماعات المنقولة ، أو الشهرة المنقولة من كتب المتقدّمين.

3. خرّجنا الأقوال والآراء التي لم يسمّ المؤلّف رحمه اللّه قائلها واكتفى بالتعبير عنها بمثل :

نقل ، قيل ، بعض الأصحاب ، بعض الاصوليّين ، وغيرها.

د - تقويم النصّ وتنظيم الهوامش

1. اعتمدنا في التحقيق على النسختين اللتين مرّ وصفهما ، وأشرنا إلى بعض الاختلافات التي تغيّر المعنى في الهامش.

2. ميّزنا نصّ الآيات الشريفة القرآنيّة ، بوضعها ما بين القوسين المظهّرتين ، هكذا : ( ... ).

وميّزنا نصّ الأحاديث بوضعها ما بين القوسين المتضايفين ، هكذا : « ... » وكذا نصّ الأقوال الواردة ، وإن كان القول أكثر من سطر وضعناه مصفوفا على اليسار.

3. أمّا الإضافات التي أوردناها - لاستقامة العبارة ، أو من المصادر - فقد وضعناها بين معقوفين ، هكذا : [ ... ].

وتعميما للفائدة ختمنا التحقيق باستخراج فهارس علميّة وفنّيّة شاملة ، تتيح للقارئ الكريم الوصول إلى ما يريد بأقصر الطرق وأيسرها ، يجدها القارئ مطبوعة في آخر الجزء الثاني من هذا الكتاب.

ص: 19

كلمة شكر

ويسّرنا هنا أن نتقدّم بجزيل الشكر وجميل الثناء إلى كافّة الإخوة الأعزّاء الذين ساهموا في تحقيق وإخراج هذا الكتاب الجليل ، نخصّ منهم بالذكر :

الإخوة المحقّقين : فضيلة الشيخ نعمت اللّه جليلي ، والشيخ غلام رضا النقي ، والشيخ ولي اللّه القرباني ، فإنّهم تولّوا معا تحقيق الكتاب ، من مراجعة المصادر وتقويم النصّ والتقطيع ، كما أنّ الشيخ جليلي تصدّى للمراجعة العلميّة لكلّ الكتاب ، والشيخ القرباني تصدّى ثانيا لمراجعة المصادر وتنظيم الهوامش.

والأخوان إسماعيل بيك المندلاوي وطه النجفي في تصحيح التجارب المطبعيّة.

والشيخ محسن النوروزي في المراجعة النهائيّة وإصلاح ما زاغ عنه البصر ، ووضع الفهارس.

والأخوان محمّد خازن ورمضان علي القرباني في تنضيد الحروف وتصحيحها ، وتنظيم الصفحات وإخراجها على أحسن صورة.

ولا ننسى أن نتقدّم بالشكر الخالص إلى كلّ من أسدى خدمة في إنجاز هذا الكتاب وإخراجه إلى النور ، خصوصا مسئولي مركز العلوم والثقافة الإسلاميّة حيث أتاحوا لنا فرصة تحقيق هذا السفر القيّم. والإخوة الأعزّاء في قسم النشر حيث بذلوا جهدهم لإخراج الكتاب بهذه الحلّة القشيبة.

نسأل اللّه تعالى لهم التوفيق في أعمالهم ، ومضاعفة الأجر والثواب منه تعالى ، وعليه نتوكّل وبه نثق وإيّاه نستعين.

علي أوسط الناطقي

المشرف على مركز إحياء التراث الإسلامي

15 ربيع الثاني 1429

قم المقدّسة - ايران

ص: 20

الصورة

ص: 21

الصورة

ص: 22

الصورة

ص: 23

الصورة

ص: 24

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل علم الاصول وسيلة للصعود إلى مدارج حقائق المباحث الشرعيّة ، وصيّره ذريعة للعروج إلى معارج دقائق المسائل الفقهيّة.

أحمده على ما ألهمنا من قواعد المعارف والعلوم الأصليّة ، ووفّقنا للإرشاد إلى مسالك مدارك دروس الشرائع والأحكام الفرعيّة.

والصلاة والسلام على نبيّنا الذي مهّد القوانين والضوابط الكلّيّة ، ولم يدع شيئا من المطالب والمقاصد الجزئيّة. فصلوات اللّه عليه وعلى آله الذين قرّروا المعالم الدينيّة ، وبيّنوا النواميس النبويّة.

أمّا بعد ؛ فيقول الحقير في أنظار أرباب العقول ، مهديّ بن أبي ذرّ النراقي - حشرهما اللّه مع آل الرسول - : إنّ علم الأصول ممّا لا يخفى علوّ رتبته ، وسموّ مرتبته ، وجلالة شأنه ، وشرافة مكانه ، وفخامة فائدته ، وجسامة عائدته ، ومتانة دلائله ، ورشاقة مسائله ، ووثاقة مبانيه ، وحلاوة معانيه ، وتوقّف المباحث الشرعيّة عليه ، وافتقار المسائل الفرعيّة إليه ، وهو عمدة ما يحصل به الاجتهاد ، والوصول إليه دونه خرط القتاد (1).

وإنّي بعد ما سرحت النظر في مراتع مسائله ، وأجلت الفكر في ميادين دلائله ، ظفرت على فوائد جمّة خلت عنها كتب أكثر العلماء ، وعثرت على قواعد مهمّة لم يأت بها اولو الأيدي الأذكياء ، فجمعتها في هذا الكتاب ؛ تبصرة للأحباب ، وتذكرة لاولي الألباب ، لعلّ

ص: 25


1- مثل يضرب لبيان كون الأمر مشكلا جدّا ، كما في المعجم الوسيط : 714 ، « ق ت د » : « يضرب للشيء لا ينال إلاّ بمشقّة عظيمة ».

اللّه ينفعني به يوم الحساب ، إنّه هو الكريم الوهّاب.

ودأبي في هذا الكتاب تحقيق ما هو الحقّ من المسائل ، وذكر ما هو الأتمّ من الدلائل ، ولا أتعرّض لذكر ما هو تطويل بلا طائل ، كما هو مذكور في بعض كتب (1) اولي الفضائل ؛ لأنّي لم أر في مثل ذلك مدحا ، ولذلك طويت عنه كشحا.

وكذا لا أتعرّض لنقض جميع أدلّة الخصوم ، بل لما يستصعب على الفهوم ، واشير في كلّ أصل إلى مسألة فرعيّة تتفرّع عليه ؛ ليحصل بذلك الوقوف على كيفيّة التفريع ، وسمّيته أنيس المجتهدين. ورتّبته على مباحث ذوات أبواب ذوات فصول.

ص: 26


1- في « ب » : « كتب بعض ».

المبحث الأوّل : في المقدّمات

اشارة

وفيه أبواب :

ص: 27

ص: 28

الباب الأوّل : في نبذ من أحواله

اشارة

وفيه فصول :

الفصل الأوّل : في تعريفه
اشارة

اعلم أنّ لفظ « اصول الفقه » لمّا كان مركّبا إضافيّا من « الاصول » و « الفقه » ، ولكلّ واحد من جزءيه معنى لغوي واصطلاحي ، ثمّ صارا علما لعلم خاصّ ؛ فحصل له تعريفان باعتبارين :

أحدهما : باعتبار التركيب. وتعريفه بهذا الاعتبار إنّما يحصل بتعريف كلّ واحد من جزءيه ؛ لأنّ تعريف المركّب إنّما يحصل بتعريف أجزائه.

وثانيهما : باعتبار العلميّة. وبهذا الاعتبار لا يلتفت إلى الأجزاء من حيث دلالتها على معانيها اللغويّة أو العرفيّة ، بل يلتفت إليها من حيث إنّها صارت علما لعلم مخصوص ، ولذا ترى الاصوليّين (1) يعرّفون أوّلا كلّ واحد من لفظي : « الاصول » و « الفقه » ؛ ليحصل التعريف بالاعتبار الأوّل. ثمّ يعرّفون علم الاصول باعتبار العلميّة.

وغير خفيّ أنّ ما هو من المبادئ إنّما تعريفه بالاعتبار الثاني لا الأوّل. نعم ، فيه زيادة بصيرة ، فنحن أيضا نقتدي بهم لذلك ، فنقول في تعريفه بالاعتبار الأوّل :

الاصول لغة : ما يبنى عليه غيره (2). وعرفا : عبارة عن الأدلّة ؛ لابتناء المدلولات عليها.

ص: 29


1- راجع : المحصول 1 : 78 ، ونهاية السؤل 1 : 5 و 6 ، ومعارج الاصول : 47.
2- المصباح المنير : 16 ، « أ ص ل ».

والفقه لغة : الفهم (1) وهو جودة الذهن من حيث استعداده لتحصيل المطالب ، لا العلم على الأصحّ.

واصطلاحا : قد عرّف بتعريفات كثيرة أكثرها لا يخلو من اختلال إمّا في العكس ، أو الطرد.

والصحيح منها هو : أنّه العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة.

وفائدة كلّ واحد من القيود الثلاثة ظاهرة.

وفائدة القيد الرابع إخراج علم اللّه والملائكة والأنبياء. والقيد الخامس لإخراج علم المقلّد ؛ فإنّه ليس مكتسبا من الأدلّة التفصيليّة ، بل من دليل إجمالي مطّرد في جميع ما يعلمه ، وهو أنّ هذا ما أفتى به المفتي ، وكلّ ما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي ؛ فهذا حكم اللّه في حقّي.

وأمّا خروج ما علم كونه من الدين ضرورة - كوجوب الصلاة والزكاة والصوم ، وحرمة الخمر والميتة - فيمكن بكلّ واحد من القيدين الأخيرين. فتأمّل.

وهذا التعريف للفقه إنّما هو بحسب اصطلاح المتشرّعة ، والفقيه على هذا هو من حصّل الأحكام بالنحو المذكور ، وهو المعبّر عنه بالمجتهد.

وأمّا العرف العامّ ، فقد يطلق الفقه على العلم بجملة من الأحكام ولو كان عن تقليد ، والفقيه - على هذا - من حصّل جملة من الأحكام ولو تقليدا.

فحينئذ لو أوصى أحد بمال للفقهاء فهل يحمل « الفقهاء » على المعنى الأوّل أو الثاني (2)؟ الظاهر الثاني ؛ لأنّ العرف العامّ مقدّم على الاصطلاح ، كذا رجّح الشهيد الثاني (3) وهو كذلك ؛ لأنّ المعنى الاصطلاحي ليس من اصطلاح ( الشرع ، بل من اصطلاح ) (4) المتشرّعة ، وكذا الحكم في الأوقاف ، والأيمان ، والنذور ، والتعليقات.

ص: 30


1- الصحاح 4 : 2243 ، والنهاية في غريب الحديث والأثر 3 : 465 ، « ف ق ه ».
2- في « ب » : « الأوّل فقط ، أو عليه وعلى الثاني ».
3- تمهيد القواعد : 34 ، ذيل القاعدة 1.
4- ما بين القوسين لم يرد في « ب ».

ثمّ إنّه أورد على التعريف المذكور إيرادان (1) :

أحدهما : أنّ « الأحكام » جمع معرّف باللام وهو يفيد العموم ، فيلزم منه أن لا يصدق « المجتهد » إلاّ على من كان عالما بجميع الأحكام ، وهذا لا يتمّ في حقّ أكثر المجتهدين ، بل جميعهم.

وأصحّ الأجوبة عنه أنّ المراد بالعلم بالأحكام هو التهيّؤ القريب له ، وإطلاق العلم عليه شائع ، سيّما في مباحث الفقه.

ولدفع هذا الإيراد زاد بعضهم في التعريف « فعلا أو قوّة قريبة » (2).

والحقّ عدم الاحتياج إليه ؛ لما ذكر (3).

وثانيهما : أنّ الفقه غالبا من باب الظنّ ؛ لابتنائه على أخبار الآحاد ، والإجماعات المنقولة ، والأدلّة الاصوليّة المفيدة للظنّ ، فكيف اطلق عليه العلم؟!

وأصحّ الأجوبة عنه أنّ المراد بالعلم معناه الأعمّ ، وهو ترجيح أحد الطرفين وإن لم يمنع من النقيض ، وهذا الإطلاق في المباحث الفقهيّة شائع.

فائدة

اعلم أنّ الاصوليّين أجمعوا على جواز العمل بظنّ المجتهد في نفس الأحكام وموضوعاتها ، وبعض الأخباريّين على عدم جواز العمل به في الأوّل دون الثاني (4) ، وبعضهم عليه مطلقا (5).

واستدلّ الأخباريّون بالعمومات والإطلاقات الدالّة على المنع من الظنّ (6).

ثمّ إنّهم لمّا قالوا بعدم جواز العمل بالظنّ اضطرّوا إلى القول بوجوب تحصيل اليقين في

ص: 31


1- راجع تمهيد القواعد : 1. القاعدة 1.
2- راجع تمهيد القواعد : 1. القاعدة 1.
3- أي التهيّؤ القريب له.
4- منهم الاسترآبادي في الفوائد المدنيّة : 181.
5- لم نقف عليه من الأخباريّين. ونسبه البهبهاني إلى غير الأخباريّين في الفوائد الحائريّة : 4. الفائدة 6.
6- هي الآيات العامّة أو المطلقة الناهية عن العمل بالظنّ : منها قوله تعالى : ( إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) ، النجم (53) : 28 ؛ ومنها الآية 36 من الإسراء (17). راجع الفوائد المدنيّة : 185 و 186.

الأحكام الشرعيّة (1) ؛ فأعرضوا عن الأدلّة الاصوليّة لظنّيّتها ، ولم يمكن لهم إنكار حجّيّة أخبار الآحاد ؛ لانسداد باب الفقه حينئذ ؛ فقالوا : إنّها تفيد العلم (2).

وبما ذكرنا ظهر أنّ مناط الفرق بين المجتهد والأخباريّ أنّ الأوّل يجوّز العمل بالظنّ في الأحكام ، بخلاف الثاني ؛ فإنّه يشترط اليقين.

ولا يخفى أنّ حقّيّة مذهب المجتهدين في غاية الظهور ؛ فإنّ الإجماع منعقد على جواز العمل بظنّ المجتهد ، كما ادّعاه جمع كثير (3). وليس هذا الإجماع من الشيعة فقط ، بل من جميع المسلمين ، فخلاف طائفة قليلة من الأخباريّين لا اعتداد به ، سيّما مع كونهم من المتأخّرين ؛ لأنّ هذا الخلاف نشأ منهم.

والجواب عمّا استدلّوا به : أنّ الحكم المستنبط من اجتهاد المجتهد ليس من باب الظنون ، بل الظنّ في طريقه. وأمّا نفس الحكم فهو معلوم ؛ لكونه حكم اللّه يقينا في حقّه ، فإذا غلب على ظنّ المجتهد حكم شرعيّ بطريق شرعي ، يحصل عنده قياس يقينيّ منتج لمطلوبه ، وهو أنّ هذا الحكم مظنون الثبوت عندي بالطريق الشرعيّ ، وكلّ مظنون الثبوت عندي بالطريق الشرعيّ حكم اللّه يقينا في حقّي ، ينتج ، هذا حكم اللّه يقينا في حقّي.

والصغرى يقينيّة وجدانيّة ، والكبرى ثابتة بالإجماع ، فالحكم المستنبط من الاجتهاد وإن لم يكن معلوما يقينا أنّه حكم اللّه الواقعيّ ، إلاّ أنّه يعلم أنّه حكم اللّه في حقّ المجتهد يقينا ، فهو خارج عن باب الظنون الممنوع عنها ؛ لأنّ المراد منها الظنون التي لم يكن العمل بها واجبا في حقّ الظانّ. والمخرج هو الإجماع.

ثمّ إنّك إن تأمّلت في حديث الإجماع ، فاستمع حتّى يثبت لك المطلوب بطريق برهاني قطعيّ لا ينكر عليه.

فنقول : أدلّة الفقه منحصرة بالكتاب ، والأخبار ، والأدلّة العقليّة الاصوليّة.

والأدلّة العقليّة ، كالاستصحاب ، وأصل العدم ، والقياس وغيرها لا تفيد إلاّ الظنّ ، وكذا

ص: 32


1- الفوائد المدنيّة : 104.
2- المصدر : 144 - 145.
3- منهم ابن الحاجب في منتهى الوصول : 220 ، وعضد الدين في مختصر المنتهى : 481 ، والشيخ حسن في معالم الدين : 239.

أكثر الإجماعات. والقطعيّة منها قليلة ، مع أنّ الأخباريّين قالوا بعدم حجّيّة هذه الأدلّة جميعا.

والكتاب وإن كان قطعيّ المتن إلاّ أنّه ظنّي الدلالة.

والأخبار متواترها قليلة جدّا ، حتّى اعترف بعض بعدم وجودها في أخبارنا رأسا (1).

وآحادها لا تفيد إلاّ الظنّ ؛ لأنّها ظنّيّة السند ، بل أكثرها ظنّي الدلالة أيضا ، وقد وقع فيها تحريفات وتصحيفات وتقطيعات ، وخرج كثير منها مخرج التقيّة ، مع أنّه قد كثر عليهم عليهم السلام الكذّابة.

وورد في الاحتجاج أنّ من أسباب اختلاف الأحاديث افتراء أهل الكذب عليهم (2).

وورد النصّ الصحيح بأنّ المغيرة بن سعيد يدسّ (3) في كتب أصحاب الأئمّة عليهم السلام أحاديث لم يرووها (4) ، وكذا أبو الخطّاب (5).

ومع ذلك أخبارنا متعارضة ، ولا بدّ لنا من الجمع أو الترجيح وهما موقوفان على الظنون الاجتهاديّة. والترجيح بالمرجّحات المنصوصة - كما هو دأب الأخباريّين - أيضا ظنّي ؛ لأنّها أخبار آحاد ، مع أنّها أيضا متعارضة ؛ فإنّ بعضها يدلّ على وجوب أخذ الأوفق بالقرآن أوّلا (6) ، وبعضها يدلّ على وجوب أخذ المخالف لمذهب العامّة أوّلا (7) ، وبعضها على وجوب أخذ الأصحّ سندا أوّلا (8) ، وبعضها على وجوب أخذ المجمع عليه أوّلا (9).

وكذا وقع التعارض فيها في وجوب الأخذ ثانيا وثالثا ورابعا ، فهذه المرجّحات المنصوصة أيضا محتاجة في الترجيح إلى الظنون الاجتهاديّة.

فظهر أنّ جميع أدلّة الفقه - إلاّ قليلها - لا يفيد إلاّ الظنّ ، فلو لم يعمل بالظنّ يلزم انسداد باب الفقه مع كون التكليف باقيا ، وهذا محال.

ص: 33


1- قاله كاشف الغطاء في كشف الغطاء 1 : 218.
2- الاحتجاج 1 : 626 ، ح 146 ، والفوائد الحائريّة : 123 ، الفائدة 6.
3- في هامش « أ » : « يقال : دسّه دسّا : إذا أدخله في شيء بقهر وغلبة وعنف ومكر ، والدسيس : إخفاء المكر ». راجع لسان العرب 6 : 3. « د س س ».
4- راجع اختيار معرفة الرجال : 4. ح 401.
5- راجع اختيار معرفة الرجال : 5. ح 401.
6- راجع وسائل الشيعة 27 : 6. أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، ح 29 و 31.
7- راجع وسائل الشيعة 27 : 7. أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، ح 29 و 31.
8- راجع الكافي 1 : 67 و 68 ، باب اختلاف الحديث ، ح 10.
9- راجع عوالي اللآلئ 4 : 133 ، ح 229.

هذا ؛ وأمّا تعريف أصول الفقه بالاعتبار الثاني أي العلميّة : فالعلم بالقواعد التي يتوصّل بها إلى استنباط الأحكام الشرعيّة الفرعيّة.

الفصل الثاني : في موضوعه

اعلم أنّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيّة ، أو عن العوارض الذاتيّة لنوعه ، أو لعوارضه الذاتيّة.

وبالترديدين يندفع ما أورد على القوم - حيث سامحوا ، وخصّصوا البحث عن عوارضه الذاتيّة فقط - بأنّه يجب على هذا أن يكون جميع موضوعات المسائل موضوع العلم ، وليس كذلك ؛ فإنّ أكثر موضوعاتها إمّا أنواعه ، أو أعراضه الذاتيّة.

ووجه الاندفاع أنّ هذا مسامحة منهم ، ومقصودهم ما ذكرناه ، ولذا صرّح به بعض القدماء كالشيخ الرئيس (1) وغيره.

والعرض الذاتي : ما يلحق الشيء لذاته ، كالتعجّب للناطق.

أو لجزئه المساوي ، كالتعجّب للإنسان.

أو لجزئه الأعمّ - على رأي المتأخّرين (2) - كالتحرّك بالإرادة للإنسان. وهذا القسم لم يعدّه القدماء من الأعراض الذاتيّة ، بل الغريبة. وتصفّح مسائل العلوم يؤيّد قول المتأخّرين ، مثلا أهل الهيئة يبحثون عن الحركة مع أنّ عروضها للفلك بواسطة الجسم الذي هو جزؤه الأعمّ.

أو لعرض يساوي ذاته ، كالضحك للإنسان.

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّ موضوع علم الاصول هو الأدلّة الشرعيّة ؛ لأنّه يبحث فيه :

إمّا عن العوارض الذاتيّة لأنفسها ، كما يقال : الكتاب حجّة ، أو السنّة حجّة ، أو الإجماع حجّة.

ص: 34


1- راجع الشفاء ( المنطق ، كتاب البرهان ، المقالة الثانية من الفنّ الخامس ، الفصل الثاني في المحمولات الذاتيّة ) ، 3 : 125 وما بعدها.
2- راجع نهاية الوصول إلى علم الأصول 1 : 67.

أو عن العوارض الذاتيّة لأنواعها ، كما يقال : المحكم من الكتاب كذا ، والناسخ منه كذا ، وأخبار الآحاد حجّة ، والعامّ كذا ، والخاصّ كذا ، والمطلق أو المقيّد أو المجمل أو المبيّن كذا ، والإجماع المنقول كذا.

أو عن العوارض الذاتيّة لعوارضها الذاتيّة ، كما يقال : العموم كذا ، والخصوص كذا ؛ فإنّهما من العوارض الذاتيّة للأدلّة الشرعيّة ، فالبحث عن حالهما بحث عن العوارض الذاتيّة للعوارض الذاتيّة للأدلّة الشرعيّة.

وأمّا البحث عن التراجيح والاجتهاد ، فهو بحث عن العوارض الذاتيّة لذات الموضوع أو أنواعه ؛ لأنّهما لمّا كانا معتبرين بالقياس إلى الأدلّة ، فهما من عوارضها ، أو عوارض أنواعها ، بل بعض مسائلهما يكون البحث فيها عن عوارض العوارض أيضا ، كما لا يخفى.

ثمّ مسائل كلّ علم لمّا كانت هي المطالب المثبتة فيه - أعني المجموع المركّب من الموضوع والمحمول - فقولنا : الإجماع حجّة ، والأمر يقتضي الوجوب ، وأمثالهما من مسائل علم الاصول.

الفصل الثالث : في مرتبته وفائدته ومعرفته

أمّا مرتبته ، فبعد الكلام ، والعربيّة ، والمنطق ، ووجهه معلوم.

وأمّا فائدته ، فاستنباط الأحكام الشرعيّة ، وهي سبب الفوز بالسعادات.

وأمّا معرفته ، فكفائيّة على الأصحّ ، والسرّ معلوم.

ص: 35

الباب الثاني : في المبادئ اللغويّة

اشارة

وفيه فصول :

فصل [1]

اعلم أنّ المبادئ على قسمين : تصوّريّة ، وتصديقيّة.

والاولى : تصوّر أشياء يتوقّف الشروع مع البصيرة عليه ، فالمبادئ التصوّريّة لعلم الاصول حدّه ، وحدّ موضوعه وأجزائه وجزئيّاته وأعراضه الذاتيّة ، وتصوّر غايته ومرتبته. وقد أشرنا إلى بعضها (1) ، وسنشير إلى بواقيها في مواضع تليق بها.

ومن جملة المبادئ التصوّريّة لهذا العلم تصوّر الأحكام الخمسة مع ما يتعلّق بها ؛ لأنّ الناظر فيه ينظر في أدلّتها ، ومقصوده إثباتها ونفيها ، فلا بدّ أن يكون متصوّرا لها. وهذا ما يعبّر عنه ب- « المبادئ الأحكاميّة ». ونذكرها في الباب الآتي (2) إن شاء اللّه.

والثانية : مقدّمات يتوقّف الاستدلال في هذا العلم عليها. وهي قد تكون بديهيّة ، وقد تكون نظريّة مثبتة في علم آخر. فالمبادئ التصديقيّة لهذا العلم طائفة من مسائل : الكلام ، والعربيّة ، والمنطق. ووجه توقّفه عليها ظاهر.

وقد جرت عادة القوم بذكر بعض مسائل اللغة هنا ؛ لشدّة الاحتياج في هذا العلم إليها ،

ص: 36


1- مرّ تعريفه في الفصل الأوّل ص 29 ، وتعريف موضوعه وما يرتبط به في الفصل الثاني ص 34 ، وبيان مرتبته وفائدته ومعرفته في الفصل الثالث ص 35.
2- يأتي في الباب الثالث : 95.

وتفريع بعض الفروع عليها ، وهو الذي يعبّر عنه ب- « المبادئ اللغويّة ». ونذكرها في هذا الباب إن شاء اللّه.

فصل [2]

اللغة : كلّ لفظ وضع لمعنى. والحقّ أنّه ليس بين اللفظ والمعنى مناسبة ذاتيّة - كما ذهب إليه عبّاد بن سليمان الصيمري (1) ، وأهل التكسير (2) ، وبعض المعتزلة (3) - وإلاّ كان كلّ أحد عالما بكلّ لغة ، ولم يوضع لفظ واحد للنقيضين والضدّين ، كالقرء للطهر والحيض ، والجون للأسود والأبيض.

واستدلّ المخالف : بأنّه لو لم يكن بين اللفظ والمعنى مناسبة طبيعيّة لكان تخصيص هذا اللفظ بهذا المعنى ترجيحا بلا مرجّح (4).

والجواب : أنّ المرجّح هو سبق المعنى إلى ذهن الواضع.

وهذا الجواب على ما نختاره - من أنّ اللغات اصطلاحيّة وواضعها البشر - صحيح.

وعلى مذهب التوقيف فالجواب أنّ المرجّح هو إرادة الواضع المختار. وهذا الجواب يتأتّى على ما اخترناه أيضا.

فصل [3]

اختلف العلماء في أنّ اللغات توقيفيّة أو اصطلاحيّة؟

فذهب بعضهم إلى أنّها توقيفيّة (5) ، أي وضعها اللّه تعالى ، ووقّفنا عليه بالوحي إلى الأنبياء ، أو بخلق أصوات تدلّ عليه ، وأسمعها واحدا أو جماعة ، أو بخلق علم ضروريّ بها.

وذهب بعضهم إلى أنّها اصطلاحيّة (6) ، يعني أنّ واضعها البشر واحدا أو جماعة ثمّ حصل

ص: 37


1- حكاه عنه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 109.
2- أي أرباب علم التكسير.
3- راجع الإحكام في أصول الأحكام 1 : 109.
4- راجع الإحكام في أصول الأحكام 1 : 109.
5- منهم : ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 32 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 111.
6- نسبه الفخر الرازي إلى أبي هاشم في المحصول 1 : 182.

التعريف باعتبار الإشارة ، والتكرار ، والترديد بالقرائن ، كما في الأطفال يتعلّمون اللغات.

وذهب بعض إلى أنّ القدر المحتاج إليه في معرفة الاصطلاح توقيفيّ والباقي اصطلاحيّ (1).

وذهب جمع إلى التوقّف (2).

والحقّ المذهب الثاني ؛ لأنّا نعلم بالبداهة أنّ كثيرا من اللغات حدثت من الناس في وقت لم يكن بينهم نبيّ ، ولم يدّع أحد استماع صوت ، ولا علما ضروريّا بأنّ هذا موضوع لذاك.

نعم ، يمكن القول بإلهام بعض الناس بأن يضع (3) هذا اللفظ لهذا المعنى ، لا بأنّ هذا اللفظ وضعه اللّه لهذا المعنى ؛ لأنّه لم يدّع أحد ذلك ، ولو كان الأمر كذلك لسمع أو نقل ادّعاؤه من أحد.

وبالجملة ، هذا خلاف المعتاد ، ونحن نرى أنّ لغة واحدة تتغيّر بحيث تخرج عن الوضع الأوّل ، كما هو ظاهر من لغة العرب والفرس ، وهذا التغيير والتبديل لا شكّ في استناده إلى البشر. وبالجملة ، استناد وضع اللغات إلى البشر أمر يدلّ عليه الوجدان ، ويقتضيه المشاهدة والعيان.

واستدلّ على هذا المذهب أيضا بقوله تعالى : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ ) (4).

ووجه الاستدلال به : أنّه دلّ على أنّ لكلّ قوم لغة سابقة على إرسال الرسول إليهم. والتوقيف يقتضي كون اللغات مسبوقة بإرسال الرسل (5).

وأجيب عنه : بمنع استلزم التوقيف مسبوقيّة اللغات بالإرسال ؛ فإنّ اللّه علّم آدم اللغات - كما تدلّ عليه آية التعليم (6) - وعرّفها آدم لذرّيّته ، ولمّا جاء كلّ رسول إلى قومه ، كان لهم

ص: 38


1- نسبه الآمدي إلى الإسفرايني في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 111.
2- نسبه الفخر الرازي إلى جمهور المحقّقين في المحصول 1 : 182 وهو مختاره أيضا في ص 192.
3- في « أ » : « يوضع ».
4- إبراهيم (14) : 4.
5- نسبه الفخر الرازي إلى أبي هاشم وأتباعه في المحصول 1 : 187 - 188.
6- البقرة (2) : 31.

لغة ، وأمّا آدم فلم يكن له قوم حتّى يدخل في عموم الآية (1).

وأنت ستعلم اندفاع هذا الجواب بعد ما نردّ استدلال أهل التوقيف بآية التعليم.

هذا ؛ واستدلّ أهل التوقيف على مذهبهم بآيتين : آية تعليم الأسماء (2) ، وقوله تعالى : ( وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ ) (3).

ووجه الاستدلال بالآية الاولى ظاهر.

والجواب عنها : أنّ المراد بالأسماء حقائق الأشياء بدليل الضمير (4) ، أو المراد منها أسماء اللّه الحسنى.

ويمكن أن يقال : المراد بالتعليم إلهام آدم وإقداره على وضع الألفاظ بإزاء المعاني.

ووجه الاستدلال بالآية الثانية أنّه لا يمكن أن يراد من « الألسنة » معناها الحقيقي - أعني العضويّ المخصوص - إذ ليس فيه كثير اختلاف ، فلا بدّ أن يراد منها معناها المجازي ، وهو اللغات ، فيكون المعنى : ومن آياته خلق اللغات المختلفة وتوقيف الناس عليها.

والجواب عنه : أنّه إذا تعيّن الحمل على المجاز ، يمكن أن يراد مجاز آخر ، وهو أن يراد بخلق الألسنة إقدار الناس على وضع اللغات ، وليس إرادة أحد المجازين أولى من إرادة الآخر.

وبما ذكرنا ظهر بطلان المذهبين الآخرين.

إذا علمت الحقّ في هذه القاعدة ، فاعلم أنّه يتفرّع عليها فروع.

منها : المسألة المعروفة ب- « مسألة مهر السرّ والعلانية » وهي ما إذا تزوّج رجل امرأة بألف درهم ، واصطلحا على تسمية الألفين بالألف (5).

وكيفيّة التفريع أنّه بناء على التوقيف يلزم الألف ، ولا مدخليّة للاصطلاح.

ص: 39


1- راجع المحصول 1 : 192.
2- وهي قوله تعالى : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ... ) ، البقرة 2. : 31.
3- حكاه عنهم الفخر الرازي في المحصول 1 : 184 و 185. والآية 22 من سورة الروم 3. .
4- والمراد به ضمير الجمع المذكّر في ( عَرَضَهُمْ ) . والأولى الاستدلال بقوله تعالى : ( بِأَسْماءِ هؤُلاءِ ) .
5- كذا في النسختين. ولكن في التمهيد للإسنوي : 5. وتمهيد القواعد : 82 ، القاعدة 18 : « تسمية الألف بألفين » وهو الصحيح.

وعلى المذهب الحقّ تصير المسألة خلافيّة ، بناء على أنّ المناط هل الاصطلاح اللغوي السابق ، أو الاصطلاح الحادث؟

والحقّ : أنّه إن اعتبر اللفظ والقصد معا في العقود يكون العقد باطلا ، وإن لم يعتبر القصد فالمناط الاصطلاح السابق ، ولا يقاومه الاصطلاح الطارئ ، فيلزم الألف.

وكذا الحال في كلّ عقد اصطلاح المتبايعان أو أحدهما على تسمية العوضين أو أحدهما بغير اسمه المعروف ، بل يمكن التأتّي في غير العقود أيضا. وكيفيّة التفريع في الجميع على ما ذكرنا.

فصل [4]
اشارة

اعلم أنّ طريق معرفة اللغات إمّا النقل المحض وهو إمّا متواتر ، أو آحاد ومثالهما ظاهر.

وإمّا المركّب من النقل والعقل ، كما إذا حصل لنا مقدّمتان نقليّتان ، أو إحداهما نقليّة والاخرى عقليّة ، فرتّبهما العقل وحصّل منهما نتيجة دالّة على وضع لفظ لمعنى. مثلا ثبت بالنقل أنّ الجمع المعرّف باللام يصحّ منه الاستثناء ، وثبت أيضا أنّ الاستثناء إخراج أمر لو لا الاستثناء لدخل هذا الأمر في المستثنى منه ، فيعلم منه أنّ الجمع المعرّف شامل له ولغيره ، وهو معنى الاستغراق ؛ فيثبت من هذا أنّ الجمع المعرّف باللام موضوع للاستغراق. وطريق الإثبات من النقل والعقل.

وذهب بعض العامّة إلى جواز إثبات اللغات بالقياس (1) بأن يسمّى شيء باسم إلحاقا له بشيء مسمّى بذلك الاسم لمعنى يدور معه وجودا وعدما بسبب وجود هذا المعنى في الشيء الأوّل ، كما قالوا : تسمية ماء العنب بالخمر دائرة مع التخمير ، فقبله لا يسمّى خمرا ومعه يسمّى خمرا ، فيعلم منه أنّ علّة التسمية بالخمر وجود التخمير ، فكلّ شيء وجد فيه التخمير يسمّى خمرا ، كالنبيذ وغيره من المسكرات. وكذا تسمية النبّاش بالسارق ؛ للأخذ بالخفية ، واللائط بالزاني ؛ للإيلاج المحرّم.

ص: 40


1- قاله الفخر الرازي ونسبه أيضا إلى ابن سريج وغيره في المحصول 5 : 339.

والجواب : أنّ علّة التسمية ليست التخمير فقط ، بل هو مع المحلّ الخاصّ ، أعني ماء العنب ، وفي النبيذ مثلا وجد أحدهما فقط.

وإذا عرفت هذا ، تعلم أنّه يتفرّع عليه عدم إجراء جميع أحكام أشياء معيّنة مسمّاة بأسماء خاصّة على أشياء أخر سمّيت بأسماء الأشياء الاول بسبب الدوران ، كإجراء أحكام الخمر على جميع المسكرات ، اللّهمّ إلاّ في بعض ثبت بدليل من خارج.

فائدة

ذهب بعض النحاة إلى أنّ الألفاظ بأسرها موضوعة للحقائق الخارجيّة (1).

وهذا القول لا خفاء في بطلانه ؛ لأنّ بعض الألفاظ موضوع للمعدومات الممكنة والممتنعة.

وذهب جمع إلى أنّها بأسرها موضوعة للمعاني الذهنيّة (2).

واستدلّوا : بدوران الألفاظ معها وجودا وعدما ؛ فإنّ من رأى شبحا من بعيد وظنّه إنسانا يسمّي به ، ثمّ إذا تغيّر ظنّه الأوّل وظنّه حجرا يسمّي به (3) ، وهكذا.

والحقّ ، أنّ هذا الدليل غير تامّ ؛ لأنّه يجوز أن يكون لفظا : الإنسان والحجر موضوعين للإنسان والحجر الخارجيّين ، إلاّ أنّ الرائي لمّا ظنّ الشبح المرئيّ إنسانا خارجيّا ، أو حجرا خارجيّا سمّاه بأنّه ما وضع له.

ذهب بعض المتأخّرين إلى أنّ الألفاظ موضوعة للماهيّة من حيث هي مع قطع النظر عن كونها موجودة في الخارج أو الذهن (4).

وهذا المذهب عندي أقرب إلى التحقيق ؛ فإنّ من يضع لفظا بإزاء شيء قد يلاحظ الشيء الخارجيّ ويضع لفظا بإزائه ، وقد يلاحظ ما في ذهنه ولا يلتفت إلى الخارج ويضع

ص: 41


1- راجع : المحصول وهامشه 1 : 200 ، ونهاية السؤل 2 : 16.
2- منهم : الفخر الرازي في المحصول 1 : 200 ، والبيضاوي في منهاج الاصول المطبوع مع نهاية السؤل 2 : 11 ، والعلاّمة في تهذيب الوصول : 63.
3- راجع المحصول 1 : 200.
4- منهم : الأسنوي في نهاية السؤل 2 : 16 ، وملاّ ميرزا جان كما في هامش شرح تجريد الاصول 1 : 101 ( مخطوط ) ، وهو مذهب سلطان العلماء.

لفظا بإزائه فيعلم منه أنّ منظوره الماهيّة من حيث هي ، ولا دخل للخارج والذهن لذلك.

وعلى أيّ تقدير ، لا كلام في أنّ الألفاظ لم توضع للأشباح المثاليّة ، كالصور المرتسمة على الجدار والماء والمرآة ، بل إطلاقها عليها على المجاز.

ويتفرّع على هذا جواز النظر إلى صور النساء الأجنبيّة المرتسمة في الماء والمرآة والجدار ، وعدم الحنث بالنظر إلى شبح زيد - مثلا - في الماء أو المرآة إذا أقسم أن لا ينظر إليه. وكذا الحكم في النذور والعهود والتعليقات.

فصل [5]
اشارة

الكلام يطلق على ما يتلفّظ به حقيقة ، وعلى النفسي مجازا. وهذا ظاهر من اللغة (1) والعرف.

وكذا الحكم في « الكلمة » و « القول » و « الذكر ».

وإذا كان الأمر هكذا ، فكلّ حكم علّق على أحد المذكورات نفيا أو إثباتا ، فتحقّقه موقوف على تحقّقه كذلك. والأمثلة ظاهرة.

قاعدة

لا يشترط في الكلام أن يكون صادرا من متكلّم واحد ، وهذا لا خلاف فيه ، ودليله ظاهر ، فلو توافق شخصان على أن يقول أحدهما : « زيد » والآخر : « قائم » يكون كلاما.

ويتفرّع عليها أنّه إذا وكّل رجل شخصين في إعتاق عبده ، أو بيع متاعه ، فقال أحدهما : « أعتقت » أو « بعت » ، وقال الآخر : « هذا » كان هذا العتق والبيع صحيحين.

ويلزم من هذه القاعدة أنّه لو قال رجل لآخر : « لي عليك ألف » ، فقال المدّعى عليه : « إلاّ عشرة » ، يثبت الإقرار بباقي الألف.

ورجّح في التمهيد (2) عدم الثبوت ؛ لأنّ المدّعى عليه نفى بعض الألف ، ونفي بعض الشيء لا يستلزم ثبوت الباقي وفيه تأمّل.

ص: 42


1- المعجم الوسيط : 796 ، « ك ل م » : « الكلام في أصل اللغة : الأصوات المفيدة ».
2- تمهيد القواعد : 330 ، ذيل القاعدة 101.

وكذا لا يشترط في الكلام أن يكون المتكلّم قاصدا للكلام ، فاهما له ، وهذا أيضا ظاهر.

ويتفرّع عليه وجوب سجود التلاوة عند قراءة الساهي أو النائم آية السجدة.

ضابطة

يجب حمل الألفاظ على المعاني المتعارفة المتبادرة المعتادة ؛ لأنّ الفهم العرفي حجّة.

ويدلّ عليه - مضافا إلى الإجماع - قوله تعالى : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ ) (1).

ويتفرّع عليها فروع كثيرة ، كعدم نقض الوضوء بالخارج من غير السبيلين إذا لم يصر معتادا ؛ لأنّ الأخبار دلّت على نقض الوضوء بالخارج من السبيلين والطرفين (2) ، والمتعارف منهما الموضعان المعتادان ، فلا ينقض بالخارج من غيرهما ، إلاّ إذا اعتيد وانسدّ الطبيعيّان ؛ فإنّ النقض حينئذ إجماعي.

وكذا يتفرّع عليها جواز استعمال الأشياء المعمولة من الذهب والفضّة إذا لم تكن من الأواني المتعارفة.

فصل [6]

لا شبهة في وقوع المترادف في اللغات ، وإنّما الخلاف في جواز وقوع كلّ من المترادفين مقام الآخر.

فذهب بعضهم إلى الجواز مطلقا (3). وبعضهم إلى المنع مطلقا (4). وبعضهم إلى الجواز في لغة واحدة ، والمنع من لغات مختلفة (5).

والحقّ : أنّ النزاع إن كان في جواز وقوع أحد المترادفين مقام الآخر في جميع الموادّ ، فلا يمكن الحكم بالجواز مطلقا إلاّ فيما ثبت بدليل من خارج ؛ لأنّه يجوز أن يحصل التعبّد

ص: 43


1- إبراهيم (14) : 4.
2- راجع الكافي 3 : 35 ، باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقضه.
3- منهم ابن الحاجب في منتهى الوصول : 14.
4- منهم الفخر الرازي في المحصول 1 : 257.
5- منهم البيضاوي في منهاج الاصول المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 157.

بأحدهما في بعض العبادات ، أو الإيقاعات ، أو العقود دون الآخر.

وإن كان النزاع فيه في إفادة أصل المعنى فقط ، أو في مادّة منوطة به فقط ، فلا شبهة في الجواز مطلقا ، ولا مانع منه عقلا وشرعا ولغة ؛ لأنّ المقصود إذا كان إفادة المعنى - وهو يحصل بكلّ واحد من اللفظين - فأيّ مانع من وقوع أحدهما مقام الآخر؟

والقول بأنّهما إذا كانا من لغتين فلا يجوز ؛ للزوم اختلاط اللغات ، ولأنّ أحدهما بالقياس إلى لغة الآخر مهمل ، فلا يفيد ما أفاده (1).

يرد عليه أنّ الاختلاط ليس فيه مفسدة ؛ لأنّ المدلول واحد ، وأهل لغة إذا كانوا عارفين بلغة اخرى ، فلا تكون تلك اللغة مهملة عندهم.

ويتفرّع عليه جواز رواية الحديث بالمعنى المتعارف ؛ لأنّ المقصود من ألفاظ الحديث إفادة أصل المعنى فقط ، مع أنّ الجواز عندنا منصوص (2).

ويتفرّع عليه أيضا عدم انعقاد العقود بالصيغ غير العربيّة ؛ لإمكان حصول التعبّد بالعربيّة فقط ، وإن أمكن أن يقال : انعقاد العقود منوط بما يفيد أصل معنى العقد فقط ، وحينئذ يتّجه الانعقاد. فتأمّل.

فصل [7]

المشترك : لفظ وضع لمعان متعدّدة ، ولا شبهة في وقوعه ، كالقرء للطهر والحيض ، والعين لمعانيها المعروفة ، ووقع في القرآن أيضا ك- ( ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ) (3) و ( عَسْعَسَ ) ك- « أقبل » و « أدبر » (4).

وخلاف جماعة في الموضعين (5) شاذّ ؛ ودليلهم غير ملتفت إليه.

ثمّ إنّ القوم اختلفوا في جواز استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد وعدمه.

ص: 44


1- هذا القول والتعليل للبيضاوي في المصدر.
2- الكافي 1 : 51 ، باب رواية الكتب والحديث ، ح 2 و 3.
3- البقرة (2) : 228.
4- المصباح المنير : 409 ، « ع س س ». والآية في سورة التكوير 4. : 17.
5- نسبه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 42 ، وابن الحاجب إلى المحقّقين في منتهى الوصول : 18.

فجوّزه بعض مطلقا (1). ومنعه بعض آخر كذلك (2). وذهب بعض إلى المنع في المفرد والجواز في التثنية والجمع (3). وبعض آخر إلى الجواز في النفي دون الإثبات (4).

ثمّ المانعون اتّفقوا على أنّه عند عدم القرينة لا يحمل على شيء من معانيه ، بل يجب التوقّف حينئذ ؛ لكونه مجملا.

والمجوّزون بين قائل بأنّه إذا عدم القرينة يجب التوقّف ، وعند وجودها يحمل على ما يدلّ عليه القرينة ، لكن إن دلّت القرينة على واحد يكون الاستعمال فيه حقيقة ، وإن دلّت على متعدّد يكون الاستعمال فيه مجازا.

وقائل بأن المشترك عند عدم القرينة ظاهر في جميع معانيه ، فيجب الحمل عليه.

وقائل بأنّه عند عدم القرينة مجمل يجب فيه التوقّف ، وعند القرينة يحمل على ما يقتضيه القرينة ، ويكون الاستعمال حقيقة وإن كان ما يدلّ عليه القرينة متعدّدا (5).

وهذا هو الحقّ ، وتنقيحه موقوف على بيان امور :

[ الأمر ] الأوّل : إنّما الخلاف في استعمال المشترك في المعاني التي كان الجمع بينها ممكنا ، كالقرء في قولنا : « القرء من صفات النساء ». وأمّا إذا لم يمكن الجمع بينها ، كاستعمال الأمر في الوجوب والتهديد (6) ، فلا خلاف في عدم الجواز.

[ الأمر ] الثاني : لا شبهة في أنّ اللفظ المشترك موضوع لكلّ واحد من معانيه على سبيل لا بشرط شيء ، أي لا بشرط الانفراد ولا الاجتماع. فما وضع له اللفظ واستعمل فيه ، هو كلّ واحد من المعاني بدون الشرطين على ما هو شأن الماهيّة المطلقة التي تتحقّق حالة

ص: 45


1- قاله السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 17 ، وابن الحاجب في منتهى الوصول : 18 ، ونسبه الأسنوي إلى الشافعي في التمهيد : 176.
2- منهم الفخر الرازي في المحصول 1 : 271.
3- منهم البصري في المعتمد في أصول الفقه 1 : 304.
4- نسبه الأنصاري إلى ابن همام في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1 : 201.
5- راجع التمهيد للإسنوي : 177.
6- في هامش « أ » : « عند من قال باشتراكه بينهما ، وإنّما قيّدنا به ؛ لأنّ المصنّف لا يقول به ».

الانفراد والاجتماع معا. والانفراد والاجتماع ليسا من أجزاء (1) الموضوع له ، بل هما من عوارض الاستعمال ، والاستعمال في كلا الحالين على سبيل الحقيقة. هذا إذا دلّت القرينة على أنّ المراد أحد المعاني ، أو مجموعها وأمكن الجمع بينها (2).

وأمّا مع فقد القرينة فيكون مجملا ، ويجب التوقّف ؛ لأنّ اللفظ لمّا كان موضوعا لما هو بمنزلة الماهيّة المطلقة المتحقّقة في ضمن واحد لا بعينه والمجموع ، ونسبته إليهما على السواء ، فالحمل على أحدهما بدون قرينة ترجيح بلا مرجّح ، كما أنّ الحمل على أحد الأفراد المعيّنة أيضا بدون القرينة كذلك.

نعم ، يمكن أن يقال : إذا وقع المشترك في كلام الشارع ، ولم يقم قرينة على أنّ المراد ما هو ، فيمكن الحمل على المجموع ، أو أحد الأفراد على سبيل التخيير ، وإلاّ يلزم الإغراء بالجهل ، والتكليف بما لا يعلم ، وهو غير لائق بمقنّن القوانين ، فتأمّل.

هذا في صورة كون اللفظ المشترك مفردا.

وأمّا إذا كان جمعا أو تثنية واستعمل في أكثر من معنى ، فيكون حقيقة أيضا ؛ لأنّ الجمع والتثنية في قوّة تكرير المفرد بالعطف ، والاتّفاق في اللفظ دون المعنى ؛ فإنّ قولنا : « زيدون » في قوّة المفردات المتعاطفة المتّفقة في اللفظ ، المختلفة في المعنى ؛ لكون حقائق الآحاد مختلفة ، وحينئذ إذا قلنا : « أعين » يكون في قوّة المفردات المتعاطفة ، فكما يمكن حمل كلّ عين على معناه ، فكذلك ما في قوّته.

فإن قيل : لا نسلّم أنّهما في قوّة تكرير المفرد بالعطف ، بل هما يفيدان تعدّد المعنى المستفاد من المفرد ، ولا يدلاّن على المعاني المختلفة كما تدلّ عليها المفردات المتعاطفة ؛ فإنّ زيدا - مثلا - موضوع للمسمّى به ، وزيدين للمسمّيين به لا للمعاني المختلفة ، وحينئذ إذا لم يمكن استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى ، بل كان استعماله مقصورا على معنى واحد ، فيكون المراد من جمعه معاني متعدّدة من نوع المعنى الذي دلّ عليه المفرد. مثلا يكون المراد من « العيون » طائفة متعدّدة من النابعة أو الدامعة ، لا جملة مختلفة مشتملة

ص: 46


1- في « أ » : « أفراد ».
2- في « ب » : « بينهما ».

على الدامعة والنابعة وعين الذهب والشمس.

وإن أمكن استعماله في أكثر من معنى واستعمل فيه ، فيكون المراد من جمعه جملة مركّبة من الجمل التي كلّ جملة منها مشتملة على معان متعدّدة من نوع المعنى الذي دلّ عليه المفرد. مثل أن يكون المراد من العيون طائفة متعدّدة من النابعة ، وطائفة متعدّدة من الدامعة ، وهكذا.

قلنا : لا بدّ لنا من تمهيد مقدّمة ، ثمّ الإشارة إلى الجواب.

وهي أنّه لا شبهة في أنّ أفراد كلّ جمع مختلفة ، إمّا بالاختلاف الشخصي ، كآحاد جموع أسماء الأعلام ، أو بالصنفي فقط ، أو بهما معا ، كآحاد بعض جموع أسماء الصفات والأجناس ، أو بالنوعي فقط ، أو به مع أحد الأوّلين ، أو كليهما ، كآحاد بعض آخر من جموع أسماء الصفات ، بل الاختلاف الجنسي أيضا في بعضها موجود ، ولا شكّ أنّ استعمال كلّ جمع في جميع أفرادها المختلفة بالاختلافات المذكورة على سبيل الحقيقة.

وبعد تمهيد هذه المقدّمة نقول : إذا استعمل « العيون » في النابعة والدامعة وعين الذهب ، يكون آحادها مختلفة بالنوع ، ولا ضير فيه من هذه الجهة ؛ لتأتّي ذلك في الجموع ، كاستعمال « الموجودات » و « المخلوقات » وغيرهما في الأجناس ، والأنواع المختلفة على سبيل الحقيقة.

نعم ، بين اسم الصفة والمشترك فرق ، بأنّ اسم الصفة ك- « الموجود » موضوع لما ثبت له الوجود ، فكلّ ما ثبت له الوجود من أيّ نوع كان ، معنى حقيقي للموجود ، وهذا معنى واحد موجود في جميع الأجناس والأنواع ، والاختلاف بينها (1) إنّما هو من خارج ، فجمعه إنّما يفيد تكرّر هذا المعنى. وكذا الحال في اسم الجنس.

وأمّا المشترك ، فإنّه موضوع لكلّ واحد من هذه الحقائق المختلفة التي تدلّ عليها صيغة الجمع ، فلا يتحقّق في جمعه تكرّر معنى واحد موجود في المفرد ، ولكنّ اسم العلم كالمشترك ؛ فإنّه أيضا موضوع لكلّ واحد من الأشخاص المختلفة ، فلا يلزم في جمعه

ص: 47


1- في « ب » : « بينهما ».

تكرّر معنى واحد موجود (1) في المفرد ، فلا بدّ من ارتكاب أحد من ثلاثة امور :

أحدها : القول بأنّ المراد من تكرّر ما يستفاد من المفرد تعدّد الموضوع له ، سواء كان معنى واحدا أو مختلفا. وهذا هو الحقّ ، ولا شكّ في تحقّق ذلك في جمع المشترك إذا اريد منه المعاني المختلفة.

وثانيها : تأويل اسم العلم بالمسمّى به ، وهذا مع بعده آت في المشترك أيضا ؛ فإنّه كما يمكن تأويل « زيد » بالمسمّى به ، يمكن تأويل « العين » بالمسمّى به ، فجمعه يفيد تكرّر هذا المعنى.

وثالثها : القول بأنّ جمع اسم العلم وإن دلّ على الآحاد المختلفة ، إلاّ أنّ اختلافها لمّا كان شخصيّا لا مانع فيه ، بخلاف جمع المشترك ، فإنّه يدلّ على الآحاد المختلفة بالنوع ، ولذلك لا يجوز. وهذا مع سخافته لم يقل به أحد.

فظهر أنّه يجوز أن يستعمل المشترك - مفردا كان أو جمعا أو تثنية - في أكثر من معنى على سبيل الحقيقة.

[ الأمر ] الثالث : استدلّ المانع مطلقا بأنّه لا شكّ في وضع اللفظ المشترك لكلّ واحد من معانيه ، فإذا استعمل في مجموعها يجب أن يكون بطريق الحقيقة ؛ إذ لا معنى للمجازيّة بعد وضع اللفظ لكلّ واحد منها ، وحينئذ يلزم التناقض ، أو عدم إرادة الأفراد.

بيان الملازمة : أنّ المشترك إذا استعمل في جميع معانيه واريد المجموع من حيث هو مجموع ، فإمّا أن يراد الأفراد أيضا ، أو لا.

فعلى الأوّل يلزم التناقض ؛ لأنّ إرادة المجموع تستلزم عدم الاكتفاء ببعض الأفراد ، وإرادة الأفراد تقتضي الاكتفاء به ، وهو التناقض.

وعلى الثاني يلزم عدم إرادة الأفراد ، وهو يقتضي عدم استعمال اللفظ فيما وضع له ؛ لأنّ المفروض أنّه موضوع لكلّ واحد من الأفراد (2).

ص: 48


1- في « أ » : « لموجود ».
2- تقدّم تخريجه في ص 44.

والجواب : أنّ إرادة الأفراد تقتضي الاكتفاء ببعضها إذا لم يكن باقيها مرادا ، وليس الأمر كذلك ؛ فإنّ معنى إرادة المجموع أنّه يقصد المجموع من حيث هو أوّلا ، ويقصد كلّ واحد من الأفراد ثانيا ، وإرادة الأفراد إن كان المراد (1) كلّ واحد منها بحيث لم يشذّ منها شيء ، فمعناه أنّه يقصد كلّ واحد منها أوّلا ، ويقصد المجموع من حيث هو ثانيا ، وإن كان المراد بعضها ، فمعناه أنّه يقصد هذا البعض دون بعض آخر.

واستدلّ من قال بالجواز مع كون الاستعمال مجازيّا بأنّ اللفظ المشترك موضوع لكلّ واحد من المعاني مع قيد الوحدة ، فالموضوع له مركّب من شيئين : المعنى ، وقيد الوحدة ، فإذا استعمل في المجموع يلزم إلغاء قيد الوحدة التي هي أحد الجزءين ، وإرادة الجزء الثاني فقط ، وهذا إطلاق للكلّ وإرادة الجزء ، فيكون مجازا (2).

والجواب : منع كون الوحدة جزءا للموضوع له ، بل هي من عوارض الاستعمال ، فإنّ الواضع لم يضع لفظ « زيد » لهذا الشخص مع قيد الوحدة بأن يعتبره في الموضوع له ، بل عرض هذا بعد الوضع.

هذا ، مع أنّ العلاقة التي اعتبرها هذا القائل للمجازيّة ليست من العلاقات المعتبرة ؛ لأنّ علاقة الجزء والكلّ أن يطلق الكلّ على الجزء فقط ، أو بالعكس ، كأن يطلق الإنسان - مثلا - على رقبته فقط ، لا عليها وعلى شيء آخر كابنه مثلا ، وهنا اطلق الكلّ على الجزء وشيء آخر ؛ لأنّ الموضوع له المعنى وقيد الوحدة ، وبعد إلغاء قيد الوحدة يستعمل اللفظ في الكثرة ، فيتحقّق المعنى - الذي هو جزء الموضوع له - مع الكثرة التي هي شيء خارجي ، فكأنّه اطلق اللفظ على جزئه وعلى شيء آخر.

واستدلّ المانع في المفرد دون التثنية والجمع : بأنّهما في حكم تكرير المفرد ، فيتعدّد مدلولهما ، بخلاف المفرد.

وقد عرفت جوابه (3).

ص: 49


1- في « ب » : « والمراد من إرادة الأفراد إن كان » ، بدل : « وإرادة الأفراد إن كان المراد ».
2- تقدّم في ص 45.
3- أي عدم كون الوحدة جزءا للموضوع له. وقد تقدّم آنفا.

واحتجّ المانع في الإثبات دون النفي : بأنّ النفي يفيد العموم ، فيتعدّد ، بخلاف الإثبات (1).

وجوابه : أنّ المثبت أيضا يمكن أن يتعدّد مدلوله كما بيّنّاه (2) ، ولو لا ذلك لم يمكن التعدّد في النفي أيضا.

واحتجّ القائل بأنّه ظاهر في الجميع عند التجرّد عن القرينة : بظواهر بعض الآيات ، كقوله تعالى : ( إِنَّ اللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ ) (3) إلى آخره ، وقوله تعالى : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ) (4) إلى آخره.

والجواب : أنّ الصلاة في الجميع بمعنى واحد وهو التعظيم ، وكذا السجود ، وهو غاية الخضوع.

وحقيقة الجواب : أنّ القرينة في الآيتين موجودة ، فليستا ممّا نحن فيه.

إذا عرفت الحقّ في هذه القاعدة تعلم أنّ كلّ لفظ مشترك - مفردا كان أو غيره - إذا وقع في كلام الشارع أو غيره ، فإن دلّت القرينة على المراد ، يحمل عليه وإن كان جميع معانيه ، ومع فقد القرينة يلزم التوقّف.

اللّهمّ (5) إلاّ إذا وقع في كلام الشارع ، فيمكن الحمل على جميع معانيه ، بناء على ما أشرنا إليه (6) ، ولذا حمل « الخير » في قوله تعالى : ( فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ) (7) على معنييه معا ، أعني المال والعمل الصالح ، أي الأمانة والديانة.

وإذا أوصى رجل شيئا لمواليه وكان له موال من أعلى وموال من أسفل ، فمع وجود القرينة يعمل بها ، ومع فقدها يجب التوقّف.

ص: 50


1- تقدّم في ص 45.
2- تقدّم في ص 48.
3- الأحزاب (33) : 56.
4- الحجّ (22) : 18.
5- استثناء من صورة عدم القرينة والتوقّف. ومعنى الاستثناء هو كون وقوع المشترك في كلام الشارع قرينة عامّة على الحمل على جميع المعاني.
6- أي عدم كون الوحدة جزءا للموضوع له. وقد تقدّم في ص 49.
7- النور (24) : 33.

ولا يخفى أنّ تعبير اللفظ بنحو يفيد العموم من القرائن الدالّة على أنّ المراد المجموع.

والفروع لهذه القاعدة كثيرة. وبعد ما ذكرنا يعرف حقيقة الحال في جميع ما يرد عليك.

فصل [8]
اشارة

الحقيقة : اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب ، وهي لغوية ، كالأسد للحيوان المفترس ، وشرعيّة ، كالصلاة للأركان المخصوصة ، وعرفيّة ، وهي إمّا أن تختصّ بقوم مخصوص من أهل علم خاصّ ، أو صناعة معيّنة ، فتسمّى بالعرفيّة الخاصّة ، وقد تسمّى بالاصطلاحيّة أيضا ؛ ومثالها ظاهر. أو لا تختصّ بقوم مخصوص من أهل علم خاصّ ، فتسمّى بالعرفيّة العامّة ، وتنصرف العرفيّة عند الإطلاق إليها ، وهي كالدابّة لذوات الأربع بعد أن كانت في اللغة لكلّ ما يدبّ على الأرض.

ثمّ إنّ الحقيقة الشرعيّة تسمّى بالمنقول الشرعي أيضا ، والعرفيّة بالمنقول العرفي أيضا ، والخاصّة منها بالمنقول اللغوي إن اختصّت بطائفة مخصوصة من أهل اللغة كالفاعل.

والمجاز : اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لأجل مناسبة بينهما ، وتسمّى بالعلاقة.

ومن المجاز ما يسمّى بالمجاز الراجح ، وهو أن يغلب استعماله على الاستعمال الحقيقي ، ويسمّى حقيقته بالحقيقة المرجوحة.

والمشهور في الفرق بين المجاز الراجح والحقيقة مطلقا - أي سواء كانت أصليّة ، أو منقولة - عدم اعتبار الوضع فيه ، واعتباره فيها.

والحقّ : أنّ اعتبار الوضع في المنقولات ليس لازما ، بل يمكن أن يستعمل الشرع أو العرف أو اللغة لفظا في معنى غير الموضوع له بحيث يتبادر منه عند الإطلاق ، ويصير الاستعمال فيه غالبا على استعماله فيما وضع له ، وحينئذ يصير حقيقة فيه ؛ لأنّ التبادر علامة الحقيقة وإن لم يتحقّق وضع وتصريح بالنقل. صرّح به بعض المحقّقين (1).

وحينئذ فالفرق بين المجاز الراجح والمنقولات أنّ المعنى المنقول إليه فيها يجب أن

ص: 51


1- قاله السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 12.

يصير غالبا بحيث يهجر المعنى الأوّل بالكلّيّة حتّى لا يكون محتمل الإرادة عند الإطلاق ، والمعنى المجازيّ في المجاز الراجح لا يصير غالبا كذلك ، بل استعماله غالب على الاستعمال الحقيقي ، إلاّ أنّ المعنى الحقيقيّ يكون محتمل الإرادة عند الإطلاق بالاحتمال المرجوح.

وبالجملة ، إرادة المعنى المنقول إليه يقينيّة ، وإرادة المجاز الراجح ظنّيّة.

فائدة

فائدة (1)

يعرف كلّ واحد من الحقيقة والمجاز بامور :

منها : تصريح الواضع باسمه ، أو حدّه ، أو خاصّته ، كأن يقول : إرادة هذا المعنى من هذا اللفظ غير مشروطة بالقرينة ، أو مشروطة بها (2).

ومنها : التقدّم في الذكر والتأخّر فيه ؛ فإنّه إذا ذكر أهل اللغة معاني متعدّدة للّفظ ولم يعلم الاشتراك - سواء علم أنّ بعضها حقيقة وبعضها مجاز من دون التعيين ، أو وقع الشكّ في الاشتراك والحقيقة والمجاز ، وكونها جميعا مجازات - فإنّه يحكم حينئذ بالحقيقة والمجاز ؛ لأنّه خير من الاشتراك ، كما سيجيء (3) ، ومن كون جميعها مجازات ؛ لبعده. ويحكم بأنّ المقدّم في الذكر حقيقة ، والمؤخّر فيه مجاز ؛ لبعد ذكر المجاز مقدّما على الحقيقة.

ومنها : التبادر وعدمه ، فالأوّل علامة الحقيقة ، والثاني علامة المجاز. والتبادر الذي من علامة الحقيقة أعمّ من أن يكون مطلقا ، أو من حيث الإرادة. فعلى الأوّل يكون جميع معاني المشترك متبادرة على الاجتماع ، وعلى الثاني يكون جميعها متبادرة على البدليّة.

وبعض الاصوليّين جعل علامة الحقيقة عدم تبادر الغير ، وعلامة المجاز تبادره (4).

ص: 52


1- في « ب » : « قاعدة ».
2- مثال للأخير أي « خاصّته ».
3- في تعارض أحوال اللفظ ، الفصل 16 ، ص 72 - 77.
4- قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : 20 ، والوحيد البهبهاني في الفوائد الحائريّة : 324 ، الفائدة 34.

واورد عليه المشترك (1) نقضا. أمّا على علامة الحقيقة ، فإذا استعمل في أحد معانيه ؛ فإنّه يتبادر حينئذ غيره ، أعني المعاني الأخر.

وأمّا على علامة المجاز ، فإذا استعمل في معناه المجازي ؛ إذ لا يتبادر غيره ؛ للتردّد بين معانيه.

وغير خفيّ أنّ النقضين نقيضان فلا يجتمعان ؛ لأنّ معاني المشترك جميعا إن كانت متبادرة على الاجتماع أو البدليّة ، فيكون النقض الأوّل واردا والثاني مندفعا ، وإن لم يكن كذلك ، فبالعكس.

والحقّ : أنّ جميع معاني المشترك متبادرة على الاجتماع إن أخذ التبادر في الدلالة ، وعلى البدليّة إن أخذ التبادر في المراد ؛ فإنّا نعلم أنّ المراد منها أحدها بعينه ، إلاّ أنّا لا نعلمه (2). وحينئذ يظهر أنّ النقض الأوّل وارد ، والثاني مندفع.

فالحقّ أن لا يجعل عدم تبادر الغير علامة للحقيقة ؛ لأنّ المشترك حقيقة بالنسبة إلى كلّ واحد بعينه من معانيه ، مع أنّه يتبادر المعاني الأخر أيضا إمّا مطلقا ، أو من حيث الإرادة ، بل اللازم أن يجعل علامتها التبادر فقط. والمجاز يمكن أن يجعل كلّ واحد من عدم التبادر وتبادر الغير من علائمه.

ثمّ اعلم أنّ تبادر كلّ قوم يدلّ (3) على حقيقتهم فقط ، فإذا تبادر معنى من لفظ في عرفنا (4) ، دلّ على أنّ هذا المعنى حقيقة عرفيّة بالنسبة إلى هذا اللفظ ، ولا يدلّ على أنّه حقيقة لغويّة أيضا.

نعم ، إذا لم نجد له في اللغة معنى حقيقيّا سواه ، فيمكن الحكم بكونه حقيقة لغويّة أيضا ؛ لأصالة عدم التعدّد. وكذا الحكم إذا حصل تبادر معنى من لفظ عند أهل اللغة ؛ فإنّه لا يثبت سوى الحقيقة اللغويّة.

ص: 53


1- والمراد هو المشترك اللفظي. وفي الفوائد الحائريّة : 1. الفائدة 34 أورد المشترك المعنوي على علامة الحقيقة.
2- في « ب » : « لا نعلم ».
3- كذا في النسختين. وحقّ العبارة أن تكون هكذا : « أنّ التبادر عند كلّ قوم يدلّ ».
4- في « ب » : « من لفظ عرفا ».

ومنها : صحّة سلب المعنى الحقيقي للّفظ عن المعنى المستعمل فيه ، وعدمها.

فالأوّل علامة المجاز ، والثاني علامة الحقيقة. مثلا إذا قلنا للبليد : إنّه ليس بحمار ، سلب فيه المعنى الحقيقي للحمار عمّا استعمل فيه الحمار أعني البليد ، وهو جائز ، فيعلم منه أنّ استعمال الحمار في البليد مجازيّ.

وإذا قلنا للبليد : إنّه ليس بإنسان ، يكون فيه المعنى الحقيقيّ للإنسان مسلوبا عمّا استعمل فيه لفظ الإنسان أعني البليد ، هذا غير جائز. فيعلم منه أنّ استعمال الإنسان في البليد على سبيل الحقيقة.

واورد عليه : بأنّ صحّة السلب لا يجوز أن يراد بها صحّة سلب بعض المعاني الحقيقيّة ؛ لأنّه غير مفيد ؛ لجواز كون المعنى المستعمل فيه من البعض الذي لا يجوز سلبه ، فيجب أن يراد بها صحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة ، والعلم به موقوف على العلم بأنّ المعنى المستعمل فيه ليس من المعاني الحقيقيّة ، وهو موقوف على العلم بأنّه من المعاني المجازيّة للّفظ ، وهو موقوف على صحّة السلب ، وهو دور مضمر (1).

وفي علامة الحقيقة يلزم دور مصرّح ؛ لأنّ العلم بعدم صحّة سلب المعاني الحقيقيّة عن المعنى المستعمل فيه موقوف على العلم بأنّه بعض المعاني الحقيقيّة للّفظ ، وهو موقوف على عدم صحّة السلب.

والجواب : أنّا نجزم بأنّه يصحّ العلم بأنّ الإنسان ليس شيئا من المعاني الحقيقيّة للأسد وإن لم يحصل العلم بالمجازيّة ، فيمكن العلم بصحّة سلب المعاني الحقيقيّة للإنسان عن الحيوان المفترس مع عدم العلم بالمجازيّة. وكذا نجزم بأنّه يصحّ العلم بعدم صحّة سلب المعاني الحقيقيّة للإنسان عن البليد وإن لم يعلم أنّه حقيقة فيه. نعم ، يستلزمه ، فغاية الأمر الاستلزام لا التوقّف. وهذا العلم إنّما يحصل لنا عرفا ؛ فإنّ الفهم العرفي حاصل بصحّة السلب وعدمها وإن لم يعلم الحقيقة والمجاز ؛ وهو ظاهر.

ثمّ لا يخفى أنّ الشرط المذكور في التبادر آت هنا أيضا ؛ فإنّ صحّة السلب وعدمها عند كلّ قوم أمارتان للمجاز والحقيقة في اصطلاحهم.

ص: 54


1- راجع الفوائد الحائريّة : 325 ، الفائدة 34.

ومنها : الاطّراد وعدمه. فالأوّل علامة الحقيقة ، والثاني علامة المجاز.

والمراد من الاطّراد أن يستعمل اللفظ في محلّ لوجود معنى ، ثمّ جوّز استعماله في كلّ محلّ وجد فيه ذلك المعنى ؛ فإنّ هذا علامة لكون اللفظ المذكور حقيقة في هذه المحالّ ، وهذا كاستعمال المشتقّات فيمن قامت (1) به. والظاهر أنّ الاطّراد لا يدلّ على الحقيقة كلّيا ؛ لأنّ المجاز قد يطّرد ، كالأسد للشجاع.

والمراد بعدم الاطّراد أن يستعمل اللفظ المجازي في محلّ لوجود علاقة ، ثمّ لم يجوّز استعماله في كلّ محلّ مع وجود تلك العلاقة ، كالنخلة تطلق على الإنسان لطوله ، ولا تطلق على طويل آخر.

واورد عليه : بأنّ « السخيّ » و « الفاضل » يطلقان على غير اللّه ؛ للجود والعلم ، ولا يطلقان على اللّه مع وجودهما فيه تعالى ، وكذا القارورة تطلق على الزجاجة ؛ لاستقرار الشيء فيها ، ولا تطلق على الدّنّ والكوز مع كونهما ممّا يستقرّ فيه الشيء ، فيلزم كونها مجازات (2).

والجواب : أنّ عدم إطلاق « السخيّ » و « الفاضل » على اللّه تعالى لكون أسمائه تعالى توقيفيّة ، أو أنّهما موضوعان لمن كان من شأنه البخل والجهل. والقارورة موضوعة لما يستقرّ فيه الشيء بشرط كونه من الزجاج.

إذا عرفت هذا ، تعلم أنّه يمكن إثبات كون اللفظ حقيقة أو مجازا من العلامات المذكورة.

ومنه يستنبط الأحكام الشرعيّة ، كما نذكر في الفصل الآتي.

فصل [9]

لا خلاف في وجود الحقيقة العرفيّة واللغويّة. وأمّا الشرعيّة فقد اختلفوا في إثباتها ونفيها بعد اتّفاقهم على ثبوت الحقيقة المتشرّعة (3) ؛ فإنّه لا خلاف في أنّ الألفاظ المخصوصة

ص: 55


1- في « ب » : « قام ».
2- قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : 20.
3- كذا في النسختين ولعلّ الأولى : الحقيقة المتشرّعيّة ، أو حقيقة المتشرّعة ، أو الحقيقة عند المتشرّعة.

- كالصلاة والزكاة والحجّ - إذا وقعت مطلقة في كلام المتشرّعة ، تحمل على المعاني الحادثة ، فتكون حقائق عرفيّة خاصّة. إنّما الخلاف في أنّها إذا وقعت مجرّدة عن القرينة في كلام الشارع ، فهل تحمل على المعاني الشرعيّة (1) حتّى تكون حقائق شرعيّة ، أو على المعاني اللغويّة؟ وأدلّة الطرفين مدخولة.

ولكنّ الحقّ وجودها ؛ لما نذكره ، وهو أنّه لا ريب في أنّ ألفاظ الصلاة والزكاة والحجّ - مثلا - كانت في اللغة موضوعة لمعان غير المعاني المتداولة عند أهل الشرع. ولا ريب أيضا في أنّ نقل الشارع هذه الألفاظ من معانيها اللغويّة إلى معانيها الشرعيّة غير معلوم لأحد ؛ لعدم ما يدلّ عليه عقلا أو نقلا ، مع أنّ الأصل عدم النقل.

فالمتيقّن عندنا أنّ الشارع استعمل هذه الألفاظ في المعاني الشرعيّة ، وهي صارت متبادرة عند المتشرّعة بحيث لا يفهمون عند الإطلاق غيرها ، ولكنّهم لم يتصدّوا للنقل ، بل التبادر عندهم ؛ لأجل أنّ الشارع استعملها فيها استعمالا لا ندري أنّه على سبيل النقل أو المجاز ، ولكنّه كان استعمالا شائعا بحيث صار غالبا حتّى صارت المعاني الشرعيّة متبادرة ، وهجر المعاني اللغويّة عند الإطلاق. فثبوت الحقيقة عند المتشرّعة ليس إلاّ لأجل استعمال الشارع وغلبته بحيث حصل التبادر وعدم صحّة السلب عندهم ، فكلّ زمان حصل فيه التبادر وعدم صحّة السلب ، حصل الحقيقة أيضا بالنسبة إلى أهله ، سواء كان شارعا أو غيره ، بل حصوله بالنسبة إلى الشارع أولى ؛ لأنّ أصل الاستعمال منه ، فينبغي التفحّص عن الزمان الذي حصل فيه التبادر وعدم صحّة السلب.

فنقول : غير خفيّ أنّ العلامتين لم تحصلا في ابتداء الزمان الذي أطلق الشارع هذه الألفاظ على المعاني الشرعيّة ؛ لأنّهما موقوفتان على غلبة الاستعمال ولم تحصل فيه ، ففيه لم يحصل حقيقة مطلقا لا الشرعيّة ولا العرفيّة ، فهذه الألفاظ إذا صدرت من الشارع أو من غيره في الزمان المذكور لا يمكن لنا حملها على المعاني الشرعيّة ؛ لعدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه وإن كانت متبادرة عندنا الآن ؛ لأنّه لأجل الغلبة بعد الزمان المذكور.

فظهر أنّ الألفاظ المذكورة إذا صدرت في ابتداء عصر النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يمكن لنا حملها على

ص: 56


1- في « ب » : « الفرعيّة ».

المعاني الشرعيّة ؛ لعدم حصول التبادر فيه ، وأمّا حصوله في عصر الصادقين عليهما السلام فلا شبهة فيه ، بل الحكم كذلك قبل عصرهما ، بل أواخر عصر النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم أيضا بالنسبة إلى الألفاظ التي استعملت في المعاني الشرعيّة في أوائل ظهوره صلى اللّه عليه وآله وسلم ، لا سيّما إذا كانت كثيرة الدوران في المحاورات ، كالصلاة والزكاة والحجّ ؛ لأنّ العقل حاكم بأنّه إذا استعمل لفظ في معنى في سنين ، وكان الاستعمال أكثريا غالبا ، يصير بعد ذلك هذا المعنى متبادرا منه بحيث يضمحلّ المعنى الأوّل عند المستعملين وإن كان الاستعمال بمعونة القرائن ، فثبت الحقيقة (1) الشرعيّة وحقيقة المتشرّعة بالنسبة إلى الألفاظ المذكورة من أواخر عصر النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى ما بعده أيّ وقت كان.

ثمّ هذا في الألفاظ التي علم يقينا أنّ الشارع استعملها في معانيها الشرعيّة ، وصار الاستعمال غالبا بحيث حصل التبادر وعدم صحّة السلب. وأمّا الألفاظ التي لم يعلم فيها أصل الاستعمال ، أو علم ولكن لم تصر كثيرة الدوران بحيث يحصل منها التبادر ، فليس حكمها كذلك.

ثمّ إن كان أصل الاستعمال من واحد من أئمّتنا - صلوات اللّه عليهم - فينبغي أن يراعى فيه ما روعي في صورة كون الاستعمال من النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم من ثبوت الحقيقة الشرعيّة وحقيقة المتشرّعة عند حصول التبادر - لا عند أوائل الاستعمال - والعلم بأصل الاستعمال وغلبته يقينا. ولا يثبت التبادر والحقيقة حينئذ بالنسبة إلى زمان قبل زمانه عليه السلام.

فإن قلت : لمّا لم يكن فهم المعاني الشرعيّة من الألفاظ المذكورة بنقل الشارع ، بل بسبب الاستعمال وغلبته والترديد بالقرائن حتّى صارت متبادرة عند الإطلاق ، فلا يلزم منه الحقيقة الشرعيّة ، بل يمكن أن يكون هذا من باب المجاز الراجح.

قلت : قد تقدّم (2) أنّ الحقّ أنّ الاستعمال في المعنى الثاني إذا صار غالبا بحيث ترك المعنى الأوّل ، لا يكون من المجاز مطلقا لا الراجح ولا غيره ، بل يكون من باب الحقيقة ، وذكر أنّ المجاز الراجح ما ذا ، مع أنّه إن قيل : إنّ المراد من المجاز الراجح هذا المعنى يثبت

ص: 57


1- في « ب » : « الحقائق ».
2- تقدّم في ص 51.

منه المطلوب (1) ؛ لأنّه يجب (2) حينئذ حمل الألفاظ المذكورة عند الإطلاق على معانيها المجازيّة الراجحة ، ولا يبقى نزاع في التفريع.

ثمّ لا يخفى أنّ فروع هذه القاعدة كثيرة ظاهرة ، وكيفيّة التفريع ظاهرة عليك بعد ما عرفت الحقّ فيها.

مسألة : النقل خلاف الأصل ؛ عملا باستصحاب الحال ، وهو حجّة ، كما سيجيء (3) ، فلا بدّ في ثبوته من الدليل (4). وقد وقع الخلاف في أنّ صيغ العقود والفسوخ والالتزامات ، كقول القاضي : « حكمت » هل نقلها الشارع من مدلولاتها اللغويّة - أعني الإخبار إلى إحداث حكم ، أعني الإنشاء - أم لا؟ فقيل (5) بالأوّل ، وإلاّ لزم الكذب أو التسلسل. وقيل بالثاني ؛ للأصل (6) واستعمالها في بعض الأحيان في كلام الشارع في الإخبار.

فعلى الأوّل يجب حمل جميع هذه الصيغ عند الإطلاق والشكّ على الإنشاء ، ولا يعتبر القصد أيضا.

وعلى الثاني على الإخبار ، ولا بدّ في حملها على الإنشاء من القرائن الحاليّة أو المقاليّة ، ويعتبر القصد حينئذ ، وإلاّ لم يحصل التميّز.

والحقّ : أنّ ما استدلّ به على القول الأوّل لا يفيد المطلوب ؛ لأنّه يمكن أن يكون استعمال الشارع بمعونة القرائن والقصد ، وكذا الحكم عندنا ، فلا يلزم كذب ولا تسلسل.

نعم ، يمكن أن يقال : قد حصل تبادر الإنشاء منها عند المتشرّعة ، فيجب أن يحمل في كلامهم عليه ، وحينئذ نحن لا نحتاج إلى القصد. ويمكن أن يطّرد حكمها بالنسبة إلى الشارع أيضا حتّى يكون حكمها كحكم الصلاة وأمثالها ، فتأمّل.

ص: 58


1- في « ب » : « يكون من باب الحقيقة » ، بدل : « ما ذا مع ... المطلوب ».
2- في « ب » : « لا يجب ».
3- راجع في باب الأدلّة العقليّة ، ص 401 ، الفصل 6.
4- قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : 20.
5- قاله الفخر الرازي في المحصول 1 : 317 ، والعلاّمة في تهذيب الوصول : 77.
6- حكاه الأسنوي عن الحنفيّة في التمهيد : 204.
فصل [10]

لا خلاف في اشتراط العلاقة في المجاز ، وهي التي اعتبر أهل اللغة نوعها ، وسيجيء (1) ذكر بعضها. وإنّما الخلاف في أنّه يشترط مع ذلك في آحاد المجازات أن ينقلها أهل اللغة بأعيانها ، أم يكفي وجود العلاقة؟

ذهب فخر الدين الرازي إلى الأوّل (2) ، والأكثرون إلى الثاني. وهو الحقّ ؛ لأنّ آحاد المجازات لو كانت نقليّة لما اكتفى أهل العربيّة في التجوّز بمجرّد العلاقات المعتبرة ، بل كان اللازم عليهم أن يتوقّفوا حتّى يظفروا بالنقل ، والتصفّح يعطي خلاف ذلك ؛ فإنّ من تتبّع كلماتهم المنظومة والمنثورة يعرف أنّهم لا يتوقّفون على النقل ، بل كانوا يعدّون اختراع آحاد المجازات من البلاغة ، ولذلك لم يدوّنوا المجازات كما دوّنوا الحقائق.

وأيضا الحقائق الشرعيّة والعرفيّة مجازات لغويّة ، مع أنّ أهل اللغة لم يعرفوا المعاني الشرعيّة والعرفيّة فضلا عن أن ينقلوها ويستعملوها.

واستدلّ المخالف : بأنّه لو كانت العلاقة كافية لجاز إطلاق (3) الأب على الابن وبالعكس ؛ للسببيّة والمسبّبية ، والنخلة على الحبل الطويل ؛ للمشابهة ، والشبكة للصيد وبالعكس ؛ للمجاورة ، وليس كذلك.

والجواب : أنّ عدم الجواز فيها منصوص (4) من أهل اللغة ، فالمقتضي فيها موجود ، والعدم باعتبار وجود المانع ، والكلام فيما لم يوجد فيه مانع.

وبما ذكرنا ظهر أنّ نقل الآحاد ليس شرطا ، ولكن يشترط وجود أحد أنواع العلاقات المعتبرة التي صرّح بها أهل اللغة ، ولا يكتفى بمطلق العلاقة. ويظهر منه أنّ المجاز موضوع بالوضع النوعي دون الشخصي.

ص: 59


1- في ص 64 ، الفصل 12.
2- المحصول 1 : 329.
3- في « ب » : « إطلاقه من ».
4- في المحصول 1 : 330 : « فلم لا يجوز أن يمنع الواضع منه في بعض المواضع دون البعض » فالنصّ أو المانع محتمل لا مقطوع ، كما هو ظاهر كلام المصنّف رحمه اللّه. والصحيح أن يقال : عدم الجواز فيها لعلّه منصوص ... والعدم باعتبار احتمال وجود المانش. وبعبارة اخرى أنّ وجود الاحتمال يكفي في الجواب كما فعله الرازي.

ويتفرّع على هذا الأصل : جواز وجود المجازات المعتبرة في كلام الشارع وإن لم ينقل آحادها من أهل اللغة ، وجواز تكلّمنا بها في الأقارير والنذور والعهود والتعليقات ، وعدم جواز التكلّم بالمجاز الذي لم يوجد فيه أحد أنواع العلاقات المعتبرة ، بل وجد فيه علاقة غيرها ، لا (1) من الشارع ولا منّا.

فصل [11]
اشارة

لمّا عرفت (2) أنّ الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له ، والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له ، تعلم أنّ اللفظ قبل الاستعمال فيهما لا يكون حقيقة ولا مجازا.

ثمّ لا شبهة في أنّ الحقيقة لا تستلزم المجاز ، يعني إذا كان اللفظ حقيقة في معنى ، لا يلزم كونه مجازا في معنى آخر ، وهذا ظاهر متّفق عليه ؛ لأنّ استعمال اللفظ في موضوعه لا يستلزم استعماله في غيره بوجه من الوجوه ، والحقائق التي ليست لها مجازات كثيرة.

وأمّا العكس ، أعني استلزام المجاز للحقيقة - بمعنى (3) استعمال اللفظ في غير ما وضع له وعدم استعماله فيما وضع له - ففيه خلاف. والحقّ عدم الاستلزام هنا أيضا ؛ لأنّ المجاز لمّا كان لفظا مستعملا في غير ما وضع له ، فيستلزم تقدّم الوضع. وأمّا تقدّم الاستعمال فيما وضع له ، فلا يستلزمه بوجه ، ولذا استعمل لفظ « الرحمن » في معناه المجازي أعني ذا الرحمة القديمة ، ولا يجوز استعماله فيما وضع له وهو ذو الرحمة مطلقا ، فثبت له المجاز دون الحقيقة.

واستدلّ المخالف : بأنّه لو لم يستلزم المجاز الحقيقة ، لعرى الوضع عن الفائدة ؛ لأنّ المطلوب من الوضع استفادة الموضوع له من اللفظ ، فإذا لم يستعمل فيه يكون عبثا (4).

ص: 60


1- قيد ل- « عدم جواز التكلّم ».
2- تقدّم في ص 51 ، الفصل 8.
3- ظاهر العبارة هو تفسير المجاز فقط دون استلزامه للحقيقة. والحقّ أن تفسّر الجملة بأن يقال : بمعنى استلزام استعمال اللفظ في غير ما وضع له استعماله فيما وضع له. وبحذف « وعدم » تستقيم العبارة.
4- راجع الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 10.

واجيب بوجهين :

أحدهما : أنّ كلّ ما أريد به فائدة لا يوجب ترتّبها عليه.

وثانيهما : أنّ الفائدة لا تنحصر فيما ذكر ، بل قد تكون الفائدة في الوضع صحّة التجوّز ؛ لأنّه موقوف على معنى يناسب الموضوع له (1).

فائدة

المجاز على ثلاثة أقسام :

الأوّل : الوضعي ، وهو أن يقع التجوّز في مفردات الألفاظ ، كإطلاق الأسد على الشجاع.

الثاني : العقلي ، وهو أن يقع التجوّز في الإسناد ، نحو : طلعت الشمس ، وأخرجت الأرض أثقالها ؛ فإنّه لم يقع تجوّز في مفردات الألفاظ ؛ لأنّ المراد من الطلوع والشمس ، والإخراج والأرض والأثقال معانيها الحقيقيّة ، وإنّما وقع التجوّز في الإسناد ؛ لأنّه اسند الطلوع والإخراج إلى الشمس والأرض ، مع أنّهما مسندان حقيقة إلى اللّه ، فوقع التجوّز في التركيب. وإنّما سمّي بالمجاز العقلي ؛ لأنّ إسناد الأثر إلى مؤثّره حكم عقلي لا دخل له بالوضع والاصطلاح ، فإذا اسند الأثر إلى مؤثّره الحقيقي فيكون حكما عقليّا حقيقة ، وإذا اسند إلى غيره فيكون نقلا للحكم العقلي حقيقة إلى غيره ، فيكون مجازا عقليّا.

الثالث : الوضعي والعقلي معا ، وهو أن يقع التجوّز في المفردات والإسناد معا ، نحو : إحيائي اكتحالي بطلعتك ؛ إذ المراد من الإحياء السرور ، ومن الاكتحال الرؤية ، ومن الطلعة الصورة ، واسند الإحياء إلى الرؤية مع أنّه مسند حقيقة إلى اللّه.

أصل

إذا كانت للّفظ حقيقة واحدة يجب حمله عليها عند الإطلاق ، وإن كانت له الحقائق الثلاث قدّمت الشرعيّة ، ومع عدمها أو تعذّر الحمل عليها ، قدّمت العرفيّة ، ومع العدم أو التعذّر ، يحمل على اللغويّة.

ص: 61


1- راجع إرشاد الفحول 1 : 74.

ثمّ إنّ العرفيّة العامّة تقدّم على الخاصّة ، كما أنّ الخاصّة تقدّم على اللغويّة. وهذا التفصيل هو المشهور بين القوم ، بل لم نعثر على مخالف سوى بعض المتأخّرين من الأخباريين ، حيث قال :

إنّ المستفاد من أخبارهم عليهم السلام أنّه مع عدم العلم بما هو المراد من الخطاب الشرعي ، يجب الفحص والتفتيش والسؤال ، ومع العجز عن الظفر بالمراد ، يجب رعاية الاحتياط ، على أنّ العرف العامّ غير منضبط ؛ لاختلاف عرف الناس وعاداتهم ، والعرف الخاصّ مختلف ، فيلزم اختلاف الأحكام الشرعيّة باختلافه (1).

أقول : تحقيق الحقّ في هذا الأصل يتوقّف على بيان امور :

[ الأمر ] الأوّل : لا شبهة في تقدّم العرف العامّ على اللغة بشرط تحقّقه ؛ لأنّه أعرف عند الناس ، وهم عند الإطلاق لا يفهمون غيره ، والحكيم لا يتكلّم الناس إلاّ بما يفهمونه.

ويدلّ عليه قوله تعالى : ( وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ ) (2) ، وما ورد عن بعض الصادقين عليهما السلام : « أنّ اللّه أجلّ من أن يخاطب مع قوم ، ويريد منهم خلاف ما هو بلسانهم وما يفهمونه » (3).

وبما ذكرنا اندفع ما ذكر هذا البعض من أنّ العرف العامّ غير منضبط ؛ لأنّ كلامنا في العرف الذي كان منضبطا وثابتا.

ويتفرّع عليه : حمل الألفاظ التي لها معان عرفيّة ولغويّة على معانيها العرفيّة ، سواء وقعت في كلام الشارع ، أو في كلامنا في الأيمان والنذور والتعليقات وغيرها ، كحمل الدابّة على الفرس لا على ما يدبّ على الأرض ، وحمل الراوية على المزادة (4) لا على الجمل الذي يحمل عليه الماء ، وحمل الغائط على الحدث المخصوص لا على المطمئنّ من الأرض.

ويتفرّع عليه أيضا : أنّه إذا حلف أن لا يشرب ماء زيد عن عطش أن يحنث بشرب الماء

ص: 62


1- راجع الحدائق الناضرة 1 : 121.
2- إبراهيم (14) : 4.
3- لم نجده في المجاميع الروائيّة ، ونقله البهبهاني أيضا في الفوائد الحائريّة : 105.
4- « المزادة » : وعاء يحمل فيه الماء في السفر ، كالقربة ونحوها. المعجم الوسيط : 4. « ز ي د ».

مطلقا وإن لم يكن عطشانا ، وبالأكل من أمواله أيضا ؛ لأنّ المفهوم منه عرفا اجتناب مائه مطلقا ، وأمواله كذلك. وذكر الماء ، والتقييد بالعطش للمبالغة وإن كان معناه لغة الاجتناب عن الماء عند العطش.

[ الأمر ] الثاني : لا شبهة أيضا في تقدّم العرف العامّ على الخاصّ ؛ لأنّه أعرف وأغلب. وهذا في صورة كون اللفظ صادرا عن الشارع ، وكون المخاطب جميع الناس ، أو غير من له العرف الخاصّ ، ظاهر. وأمّا في صورة كون المخاطب من له العرف الخاصّ ، أو صدور اللفظ منه في الأيمان وأمثالها ، فالحقّ وجوب الحمل على العرف العامّ أيضا ؛ لأنّه إن لم يكن أعرف عنده ، فلا شبهة في كونه أغلب وأشهر ، ويجب حمل اللفظ على ما هو أغلب. والظاهر أنّه أعرف عنده أيضا.

[ الأمر ] الثالث : وجه تقدّم العرف الخاصّ على اللغة ظاهر إذا كان المخاطب أهل العرف المذكور ، أو صدر اللفظ منه ؛ لأنّه أعرف عنده من اللغة. وأمّا إذا كان غيره ، أو جميع الناس ، فالحقّ وجوب الحمل حينئذ على اللغة ؛ لكونها أعرف.

[ الأمر ] الرابع : قيل في وجه تقدّم الحقيقة الشرعيّة على سائر الحقائق بأنّها طارئة وناسخة لها ، فيجب حمل اللفظ عليها دونها (1).

أقول : الأمر كذلك ؛ لأنّ ثبوت الحقيقة الشرعيّة موقوف على أن يستعمل الشارع اللفظ في معناه الشرعي استعمالا يغلب على استعماله في معانيه العرفيّة واللغويّة ، فبعد ذلك يلزم تبادر المعنى الشرعي عند الإطلاق ، وقبل ذلك لم يثبت حقيقة شرعيّة.

وإذا عرفت ذلك ، تعلم أنّ كلّ لفظ له الحقائق الثلاث أو الحقيقة الشرعيّة مع إحداهما ، يجب حمله عند الإطلاق على حقيقته (2) الشرعيّة ، سواء وقع في كلام الشارع أو غيره ،

ص: 63


1- قاله الوحيد البهبهاني في الفوائد الحائريّة : 99 ، الفائدة 8 ، و 113 ، الفائدة 5.
2- في « ب » : « الحقيقة ».

كحمل الدينار على الدينار من الذهب ؛ لأنّه مقتضاه شرعا ولغة ، دون غيره من الفضّة والفلوس ، كما هو مقتضاه العرفي في بعض البلاد.

نعم ، إن علم بالقرائن والأمارات أنّ المراد معناه العرفي ، يحمل عليه ، وكذا الحكم في الطهارة والصلاة والزكاة وغيرها.

وفروع هذا الأصل كثيرة ؛ وكيفيّة التفريع عليك ظاهرة.

وقد وقع الخلاف في أنّه إذا وقع التغاير بين اصطلاح المعصوم والراوي ، فهل يقدّم الأوّل ، أو الثاني؟ وذلك كالرطل ، فهل يحمل على المدني الذي هو اصطلاح المعصوم ، أو العراقي الذي هو اصطلاح الراوي ، أعني ابن أبي عمير؟ والترجيح لا يخلو عن إشكال ، ولا بدّ من الرجوع إلى القرائن ، إلاّ أنّ الحمل على الأوّل عند فقدها لا يخلو عن رجحان ما ، وغير خفيّ أنّ هذا لا ينافي القطع بتقدّم الحقيقة الشرعيّة على العرفيّة ؛ لأنّ المراد من اصطلاح المعصوم عرف بلده لا ما صار من استعمال الشارع حقيقة ، فتقدّم الثاني قطعا لا ينافي الشكّ في تقدّم الأوّل.

فصل [12]
اشارة

إذا تعذّر حمل الألفاظ على الحقيقة ، فلا بدّ من حملها على المجاز بشرط عدم المانع شرعا ، وكون المجاز ممّا وجد فيه إحدى العلاقات المعتبرة ، كتسمية السبب باسم المسبّب وعكسه ، وتسمية الكلّ باسم الجزء وعكسه ، وتسمية الحالّ باسم المحلّ وعكسه ، والمجاورة والمشارفة والحذف والمشابهة في الشكل والصفة. وقد ذكر بعض آخر ، والعمدة ما ذكرناه.

إذا عرفت هذا ، فكيفيّة التفريع ظاهرة عليك ، مثلا : الاشتراك لمّا كان مرجوحا بالنسبة إلى الحقيقة والمجاز - كما سيجيء (1) - فقيل : النكاح ليس مشتركا بين العقد والوطء ، بل هو حقيقة في الأوّل ، مجاز في الثاني (2). وقيل بالعكس (3).

ص: 64


1- في ص 68 و 73.
2- حكاه الأسنوي عن الشافعي في التمهيد : 190.
3- راجع المصدر : 191.

فعلى الأوّل يكون النكاح في قوله تعالى : ( فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) (1) من باب تسمية المسبّب باسم السبب ؛ لأنّ النكاح حقيقة في العقد وهو سبب للوطء ، وهو المراد هاهنا ، فاطلق عليه إطلاقا للسبب (2) على المسبّب.

وعلى الثاني يكون النكاح في قوله تعالى : ( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) (3) بالعكس ؛ لأنّ المراد به العقد.

وعلى أيّ تقدير ، لو حلف أحد على النكاح ونوى المعنى المجازي ، يلزم عليه ما نواه ؛ لأنّ اليمين يقبل المجاز.

ولو حلف أن يصوم نصف يوم ونوى جميعه ، أو قال : على رقبتي أن أفعل كذا ، يكون من باب تسمية الكلّ باسم الجزء ، ومثال العكس ظاهر.

وإذا قال المصلّي على الميّت : اصلّي على هذه الجنازة - بكسر الجيم - ونوى منها الميّت ، يكون من باب تسمية الحالّ باسم المحلّ ؛ لأنّ الجنازة بالكسر اسم للنعش ، وبالفتح اسم للميّت. ولذا قيل : الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل (4).

والتفريع في باقي أقسام (5) المجاز ظاهر عليك بعد الإحاطة بما ذكر.

تذنيبان

[ التذنيب ] الأوّل : إذا أطلق الشارع شيئا على شيء آخر بعنوان المجاز ، أو أوقع التشبيه بينهما ، وظهر أنّ المراد المشاركة في حكم شرعي ، فهل المراد المشاركة في جميع الأحكام إلاّ ما أخرجه الدليل ، أو مجمل؟

والحقّ : أنّه إن وجد فرد شائع من الأحكام أو أفراد شائعة منها ، يحمل عليهما (6) ، وإلاّ

ص: 65


1- البقرة (2) : 230.
2- أي إطلاقا للموضوع للسبب على المسبّب.
3- النساء (4) : 22.
4- في هامش « ب » : « أي الجنازة ، بالفتح الذي يكون في فوق الكلمة ، اسم للميّت الذي يكون فوق النعش ، أي القراءة بالفتح للدلالة عليه. وبالكسر الذي يكون في أسفل الكلمة ، وضعت للأسفل ، أي النعش ؛ لأنّه يكون أصل الوضش. فتتبّع ».
5- في « ب » : « أسماء ».
6- في « ب » : « عليها ».

يكون المراد المشاركة في الجميع ؛ لأنّ بناء الاستعارة والتشبيه على ذلك ، كما لا يخفى.

وكيفيّة التفريع أنّ قوله عليه السلام : « الطواف بالبيت صلاة » (1) يدلّ على أنّ الأحكام الجارية في الصلاة جارية في الطواف ، فإن لم يوجد أفراد شائعة ، لكان اللازم الحمل على المشاركة في جميع الأحكام ، لكن لمّا كانت الأفراد الشائعة هنا - كالطهارة والنيّة - موجودة ، يحمل عليها دون الأفراد التي ليست بشائعة.

ثمّ الحقّ أنّ لفظ « المنزلة » يفيد العموم ؛ ( لدلالة العرف على ذلك ) (2) ، ويعبّر عنه بعموم المنزلة ، كأن يقول الشارع : هذا بمنزلة ذاك. نعم ، إن كان هناك فرد شائع ، أو أفراد شائعة تتبادر إلى الذهن ، يكتفى بها.

[ التذنيب ] الثاني : إذا تعيّن حمل اللفظ على المجاز ، يجب حمله على أقرب المجازات إلى الحقيقة ؛ لأنّ الأصل حمل اللفظ على الحقيقة ، والمجاز خلاف الأصل ، وكلّما كان أبعد من الحقيقة ، يلزم ارتكاب خلاف الأصل أكثر ، وكلّما كان أقرب إليها ، يلزم ارتكابه أقلّ ، ولا شبهة في مراعاة الثاني إذا أمكن ؛ فإنّ مراعاة الأصل والاجتناب عن خلافه لازم بقدر ما يمكن.

وكيفيّة التفريع أنّ قوله عليه السلام : « لا قول إلاّ بعمل ، ولا عمل إلاّ بنيّة ، ولا نيّة إلاّ بإصابة السنّة » (3) ، وقوله صلى اللّه عليه وآله : « لا صلاة إلاّ بطهور » (4) ، و « لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب » (5) ، و « لا نكاح إلاّ بوليّ » (6) ، و « لا صيام لمن لم يبيّت الصيام » (7) ، و « لا يمين لولد مع والده » (8) وأمثال ذلك ،

ص: 66


1- عوالي اللآلئ 1 : 214 ، ح 70 ، ومستدرك الوسائل 9 : 410 ، ح 2.
2- ما بين القوسين لم يرد في « ب ».
3- كنز العمّال 1 : 217 ، ح 1083 مع اختلاف يسير.
4- تهذيب الأحكام 1 : 49 ، ح 144 ، ووسائل الشيعة 1 : 256 ، أبواب الوضوء ، الباب 1 ، ح 1.
5- عوالي اللآلئ 2 : 218 ، ح 13 ، ومستدرك الوسائل 4 : 158 ، أبواب القراءة ، الباب 1 ، ح 5 و 8.
6- دعائم الإسلام 2 : 218 ، ح 807 ، وعوالي اللآلئ 1 : 306 ، ح 9.
7- سنن الدارقطني 2 : 172 ، باب تبييت النيّة ، ح 2 بتفاوت يسير ، وعوالي اللآلئ 3 : 132 ، ح 5.
8- الكافي 7 : 439 ، باب ما لا يلزم من الأيمان ، ح 1 و 6 ، ووسائل الشيعة 23 : 216 ، أبواب الأيمان ، الباب 10 ، ح 1 - 3.

لا يمكن حملها على نفي الحقيقة ؛ لجواز وجودها مع عدم ما ذكر ، فلا بدّ من حملها على المجاز ، وهو متعدّد ، كنفي الصحّة ، ونفي الثواب ، ونفي الكمال ، ولا شبهة في أنّ الأوّل أقرب إلى نفي الحقيقة من الآخرين ؛ لأنّه يقتضي انتفاء جميع الأحكام واللوازم التي للحقيقة ، فلا يبقى منها سوى اسم فقط ، بخلافهما ؛ فإنّهما يقتضيان انتفاء لازم واحد فقط ، فهما بعيدان عن نفي الحقيقة ، فيجب الحمل على الأوّل.

فصل [13]

اشتهر أنّ الأصل في الكلام الحقيقة ، وقد اشتبه على كثير منهم حقيقة الأمر ، ولذا يوردونه في غير موضعه ، ونحن نشير إلى الصور الآتية في المسألة ، ونقول : غرض القوم أيّ صورة منها ، فنقول : الصور المتصوّرة أربع :

الأولى : أن يكون اللفظ مع القرينة الدالّة على المعنى الحقيقي ، أو المجازي ، ولا شبهة حينئذ في لزوم العمل بمقتضاها.

الثانية : أن يكون الاستعمال معلوما ، ولم يعلم أنّ هذا الاستعمال على سبيل الحقيقة أو المجاز ، ولم يعلم في الخارج لهذا اللفظ معنى حقيقي أو مجازي ، بل كانت المعلوميّة منحصرة بأنّ هذا اللفظ مستعمل في هذا المعنى الذي لا يعلم أنّه حقيقة له أو مجاز. وحينئذ فالمشهور (1) بين القوم أنّ هذا الاستعمال أعمّ من الحقيقة والمجاز ، ولا يجزم بأحدهما إلاّ بالقرائن.

والسيّد المرتضى رضى اللّه عنه على أنّ الأصل في الاستعمال في هذه الصورة الحقيقة (2).

وبعض المتأخّرين على أنّ الأصل فيه المجاز (3) ؛ نظرا إلى كثرة وروده في المحاورات الشرعيّة واللغويّة والعرفيّة.

والحقّ مع المشهور ؛ لأنّ الحمل على أحدهما بدون قرينة يستلزم الترجيح بلا مرجّح ؛ لفقد الرجحان من الطرفين.

ص: 67


1- كما في الفوائد الحائريّة : 114 ، الفائدة 5.
2- الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 13 و 28 و 52.
3- نسبه الوحيد البهبهاني إلى بعض المحقّقين واختاره في الفوائد الحائريّة : 114 و 115 ، الفائدة 5.

الثالثة : أن يعلم للّفظ معنى حقيقي واستعمل في معنى آخر ، ولا يعلم أنّ المعنى الثاني حقيقي حتّى يكون اللفظ مشتركا ، أو مجازي ؛ لعدم أماراتهما ، وحينئذ فالمشهور أنّ الاستعمال في المعنى الثاني بعنوان المجاز ؛ لأنّ الأصل عدم تعدّد الحقيقة وعدم الاشتراك.

والسيّد هنا أيضا مخالف للمشهور وقائل بالاشتراك (1).

والحقّ مع المشهور ؛ لما ذكر.

الرابعة : أن يكون للّفظ معنى حقيقي ومجازي ، وكان المعنيان معلومين بعنوان أنّ أحدهما حقيقة والآخر مجاز ، وأطلق الشارع أو غيره هذا اللفظ بدون القرينة ، وحينئذ يجب حمله على معناه الحقيقي بالاتّفاق ؛ لأنّه المتبادر عند الإطلاق. وما قال القوم من أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة (2) ، فمرادهم منه في هذه الصورة لا الصور الأخر ، ومن لم يحصّل مراد الأقوام زلّ قدمه في هذا المقام.

إذا عرفت ذلك ، فكيفيّة التفريع في الصورة الاولى والرابعة لا تخفى عليك. وكيفيّة التفريع في الصورة الثانية ، أنّه إذا استعمل الشارع ، أو غيره لفظا في معنى ولم نعلم أنّ هذا الاستعمال حقيقي أو مجازي ، ولم نعلم من الخارج أيضا أنّ المعنى الحقيقي له ما ذا ، فحينئذ لا يحكم بكون هذا الاستعمال حقيقيّا حتّى يثبت جميع اللوازم التي للمعنى المستعمل فيه لهذا اللفظ. وإذا ورد في كلام غيره أيضا ، حكمنا بأنّه موضوع للمعنى المذكور ، ولا نحكم بكونه مجازا أيضا ، بل نتوقّف. مثلا : في بعض الأخبار استعملت الصلاة الوسطى في صلاة الظهر (3) ، ونحن لا نعلم أنّ هذا الاستعمال حقيقي أو مجازي ، ولا نعلم من الخارج يقينا حقيقة الصلاة الوسطى ؛ لتعارض الأخبار والأقوال فيها (4) ، فبمجرّد استعمالها في بعض الأخبار في صلاة الظهر ، لا يحكم بأنّ هذا الاستعمال حقيقي بحيث يثبت جميع اللوازم الثابتة لصلاة الظهر لها ، وبالعكس ، وإذا وردت مطلقة في خبر آخر نحكم بأنّ المراد منها

ص: 68


1- الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 52.
2- راجع : المحصول 1 : 339 ، وتهذيب الوصول : 80.
3- الفقيه 1 : 195 - 196 ، ح 600.
4- راجع : التبيان 2 : 275 ، ومجمع البيان 2 : 343.

صلاة الظهر ، بل لا نحكم بذلك ولا بكونه مجازا أيضا ؛ لاحتمال أن يكون حقيقتها صلاة الظهر ، فحينئذ نتوقّف.

والفروع للصورة الثالثة كثيرة جدّا. مثلا : استعمل خطاب المشافهة في المعدومين ، ونعلم له معنى حقيقيّا وهو مخاطبة الموجودين الحاضرين ؛ لأنّ خطاب المشافهة يستعمل حقيقة فيهم ، فيحكم بأنّ استعماله في المعدومين على سبيل المجاز.

وقيل : هذه الخطابات لا تتناول المعدومين لا حقيقة ولا مجازا ، واشتراكهم للموجودين في أحكامها إنّما علم بالإجماع (1). وعلى هذا ، يكون التكليف الذي تعلّق بهم على النحو الذي كان للموجودين الحاضرين ، فينبغي التفحّص عن كيفيّته ، وعلى القول بتناولها لهم حقيقة أو مجازا ، لا يكون تكليفهم على نحو تكليف الحاضرين ، بل على نحو يفهمونه منها.

وكذا استعمل لفظ « المسجد » في مكّة ، ونحن نعلم له حقيقة مخصوصة ، فنحكم بأنّ هذا الاستعمال مجازي ، فلا نثبت جميع اللوازم التي للمسجد لمكّة.

فصل [14]

ذهب المحقّقون إلى أنّه لا يجوز استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي معا (2) ، وذهب بعض (3) إلى الجواز ، وأكثر المجوّزين على أنّ هذا الاستعمال على سبيل المجاز. وربما قيل : إنّه حقيقة ومجاز بالاعتبارين (4).

والظاهر أنّ الخلاف في جواز هذا الاستعمال للمتكلّم مع نصب القرينة ، وجواز إرادة المخاطب كلا المعنيين بعد نصب القرينة أيضا (5) ، لا جواز إرادتهما معا عند عدم القرينة ؛ فإنّ ذلك لا يجوز بالاتّفاق ؛ لأنّ اللفظ عند الإطلاق يجب حمله على الحقيقة ، كما عرفت (6).

ص: 69


1- قاله الشيخ حسن في معالم الدين : 108.
2- منهم الفخر الرازي في المحصول 1 : 343 ، وأبو هاشم وأبو عبد اللّه كما في معارج الاصول : 53.
3- منهم أبو الحسن عبد الجبّار بن أحمد كما في العدّة في أصول الفقه 1 : 54 - 56.
4- راجع معالم الدين : 42 ، وذهب إليه المصنّف في تجريد الاصول.
5- في شرح تجريد الاصول لابن المصنّف ( مخطوط ) : « اختلفوا في أنّه هل يمكن للمخاطب حمل اللفظ عليهما بعد نصب القرينة عليهما معا؟ ».
6- في ص 67 ، الفصل 13.

والحقّ عدم الجواز مطلقا ؛ لأنّ إرادة المجاز موقوفة على القرينة المانعة من إرادة الحقيقة ، وإرادتها موقوفة على عدم القرينة المذكورة ، فالإرادتان لا تجتمعان (1).

وبهذا يندفع ما احتجّ به المجوّزون من أنّه ليس بين إرادة الحقيقة و [ إرادة ] المجاز منافاة ، فلا يمتنع اجتماعهما (2).

ثمّ لا يخفى أنّه لم يقل أحد بجواز استعمال اللفظ فيهما على الحقيقة ؛ لظهور بطلانه ؛ فإنّه لم يوضع لهما معا حتّى يكون استعماله فيهما على الحقيقة.

وقال بعض القائلين بمجازيّة الاستعمال : لمّا لم يكن المعنى المجازي داخلا في الموضوع له واريد في الاستعمال ، فيكون مجازا ؛ لأنّه من باب إطلاق الجزء على الكلّ (3) و (4).

والجواب : أنّ المتنازع فيه استعمال اللفظ في المعنى الحقيقي والمجازي على أن يكون كلّ منهما مناطا للحكم ، ومتعلّقا للإثبات والنفي ، لا استعماله في المجموع المركّب الذي أحد المعنيين جزء منه وينتفي المجموع بانتفائه ، كما ينتفي الإنسان بانتفاء الرقبة ، على ما هو شأن الكلّ المعتبر في باب المجاز ، فهما ليسا كلاّ بالنسبة إلى المعنى الحقيقي.

وبعضهم عكس الأمر وقال : العلاقة إطلاق الكلّ على الجزء ؛ لأنّ الموضوع له هو المعنى الحقيقي مع قيد الوحدة ، فبعد تعريته عنه يصير اللفظ مستعملا في جزء الموضوع له (5).

والجواب ما عرفت (6) من أنّ الوحدة والانفراد من عوارض الاستعمال ، مع أنّ العلاقة المعتبرة إطلاق اللفظ الموضوع للكلّ على الجزء فقط ، لا عليه مع شيء آخر ، وهنا اطلق [ على ] الجزء - أعني المعنى الحقيقي - مع شيء آخر أعني المعنى المجازي.

واستدلّ من قال بكونه حقيقة ومجازا : بأنّ اللفظ إذا كان مستعملا في معنيين ، وكان في

ص: 70


1- اختار المصنّف في تجريد الاصول جواز الاستعمال ، وأنّه حقيقة ومجاز بالاعتبارين. راجع شرح تجريد الاصول لابنه أحمد ( مخطوط ).
2- قاله المحقّق الحلّي في معارج الاصول : 53 و 54.
3- أي إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكلّ.
4- راجع المحصول 1 : 343.
5- المصدر.
6- في ص 49.

أحدهما حقيقة وفي الآخر مجازا ، فيجب أن يكون لكلّ واحد من الاستعمالين حكمه (1).

والجواب : أنّ هذا موقوف على جواز الاستعمال المذكور ، وقد ذكرنا أنّه غير جائز ؛ للزوم التنافي ، فظهر أنّ استعمال اللفظ في معناه الحقيقي والمجازي لا يجوز في إطلاق واحد على جميع التقادير.

ويتفرّع عليه فروع كثيرة :

منها : إذا حلف أن لا ينظر إلى الأسد مثلا ، وأراد منه الحيوان المفترس والرجل الشجاع معا ، لزم الحكم ببطلان هذا الحلف ؛ لعدم جواز ذلك. وكذا الحكم في جميع الألفاظ التي لها المعاني الحقيقيّة والمجازيّة في الأيمان ، والنذور ، والأوقاف ، والوصايا ، والتعليقات.

ومنها : قد ورد أنّ الطفل تابع لأبويه في الإسلام (2) ، والأب حقيقة في معناه المعروف ومجاز في الجدّ ، فهل يباع الطفل المملوك للكافر بإسلام جدّه ، بناء على حمل الأب على معناه الحقيقي والمجازي ، أو لا ، بناء على عدم جواز ذلك؟ وقد عرفت الحقّ. هذا. مع أنّه ليس فيما ورد قرينة ، فتعيّن حمله على معناه الحقيقي وفاقا.

فصل [15]

إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح ، فقيل بترجيحها ؛ مراعاة للأصل (3).

وقيل بترجيحه ؛ مراعاة للغلبة والظهور (4). وقيل بالتوقّف ؛ للتعارض (5).

ومحلّ الخلاف ما إذا لم يهجر الحقيقة بالكلّيّة بحيث كان اللفظ في دلالته عليها مفتقرا إلى القرينة ، وبدونها كانت مماتة لا تراد مطلقا ، بل كانت بحيث تراد في بعض الأوقات ، إلاّ أنّ المجاز أرجح عند العقل ، وقد أشرنا فيما تقدّم (6) أنّ التسمية بالحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح في هذه الصورة دون الصورة الأولى ؛ لأنّ المجاز فيها يصير حقيقة شرعيّة أو عرفيّة.

ص: 71


1- راجع المحصول 1 : 343.
2- وسائل الشيعة 15 : 116 ، أبواب جهاد العدوّ وما يناسبه ، الباب 43 ، ح 1.
3- راجع تمهيد القواعد : 104 ، القاعدة 22.
4- راجع تمهيد القواعد : 104 ، القاعدة 22.
5- راجع تمهيد القواعد : 104 ، القاعدة 22.
6- تقدّم في ص 51.

ثمّ خير الأقوال عندي أوسطها ؛ نظرا إلى حصول غلبة الظنّ.

وكيفيّة التفريع أنّ « الشرب من النهر » حقيقة في الشرب منه بالفم ، ومجاز في الاغتراف منه بالكوز ونحوه والشرب منه إلاّ أنّه مجاز راجح ، فيجب أن يحمل في الأيمان والنذور والتعليقات على معناه المجازي على ما اخترناه. و « السبيل » حقيقة في مطلق الطريق ومجاز في الجادّة ولكنّه مجاز راجح ، فيلزم أن يحمل عليها عند الإطلاق.

فصل [16]

إذا دار اللفظ بين الحقيقة وواحد من المجاز أو النقل أو الاشتراك أو التخصيص أو الإضمار ، رجّح الحقيقة وفاقا ، إلاّ أن يثبت أحدها بالقرينة ، أو دليل خارجي. والدليل مع كيفيّة التفريع ظاهر.

وإذا دار اللفظ بين واحد من الخمسة المذكورة مع آخر منها ، فالحكم على ما نذكره ، وهو أنّ معارضات هذه الخمسة تتصاعد إلى عشرة صور :

[ الصورة ] الاولى : معارضة المجاز والنقل. والحقّ حينئذ أولويّة المجاز ؛ لأنّ المجاز لا يتوقّف على أمر سوى العلاقة ، وثبوت العلاقة والعلم بها في غاية السهولة.

وأمّا النقل ، فموقوف على اتّفاق أرباب المحاورات عليه ، والعلم به في غاية الصعوبة. وبعد فرض حصول العلم به لا كلام في وجوب الأخذ به ؛ لأنّ الخلاف في صورة الشكّ.

وأيضا هو موقوف على نسخ الوضع الأوّل ، وهو خلاف الأصل.

وكيفيّة التفريع : أنّ كلّ لفظ ورد في كلام الشارع واحتمل أن يكون مجازا وأن يكون منقولا ، فيجب أن يحمل على معناه المجازي. مثلا : أطلق الشارع « السبيل » على الدين والمذهب ، فيحتمل أن يكون على سبيل النقل ، ويحتمل أن يكون على سبيل المجاز. والحقّ الثاني ؛ لما عرفت (1) ، فعند الإطلاق يحمل على معناه الحقيقي.

ص: 72


1- تقدّم آنفا ، وهو أنّ المجاز لا يتوقّف على أمر سوى العلاقة.

[ الصورة ] الثانية : معارضة المجاز للاشتراك. والحقّ أنّ المجاز أولى ؛ لأغلبيّته في المحاورات ، والمظنون إلحاق الشيء بالشائع الأغلب ؛ ولأنّ الاشتراك مخلّ بالتفاهم ، فيلزم الاحتراز عنه مهما أمكن. وقد ذكر وجوه أخر لترجيح المجاز. والاعتماد على ما ذكرناه. وذكر وجوه لترجيح الاشتراك على المجاز لا يفيد شيئا ، ولا يقاوم وجها واحدا ممّا ذكر.

وكيفيّة التفريع : أنّ النكاح استعمل في العقد والوطء كليهما ، فيمكن أن يكون من باب الاشتراك ، وأن يكون من باب الحقيقة والمجاز ، فالثاني أولى ؛ لما عرفت.

ثمّ قيل : هو حقيقة في العقد ، مجاز في الوطء (1). وقيل بالعكس (2).

والحقّ الأوّل ؛ لحصول التبادر في العقد دون الوطء. فعلى هذا يحمل النكاح في قوله تعالى : ( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) (3) على العقد ، فيحكم بتحريم معقودة الأب على الابن. وعلى الاشتراك يلزم التوقّف ، كما أشرنا إليه (4). وعلى القول بكونه حقيقة في الوطء ، مجازا في العقد ، يلزم الحكم بتحريم موطوءة الأب دون معقودته.

[ الصورة ] الثالثة : معارضة المجاز والتخصيص ، كقوله تعالى : ( وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ) (5) فيمكن أن يكون المراد بالمشركين ما عدا أهل الذمّة ، فيكون مجازا من باب تسمية الجزء باسم الكلّ. ويمكن أن يكون المراد الحقيقة - أعني جميع المشركين - لكن خصّ عنه أهل الذمّة بدليل من خارج.

ثمّ قيل في أولويّة التخصيص : إنّ الحمل عليه يستلزم حصول المقصود عند وجود القرينة وعدمها.

ص: 73


1- نسبه الأسنوي إلى الشافعي وأصحابه في التمهيد : 190 و 191.
2- راجع المصدر : 191.
3- النساء (4) : 22.
4- في ص 46.
5- التوبة (9) : 36.

أمّا الأوّل فظاهر.

وأمّا الثاني ؛ فلأنّه يلزم حينئذ حمل اللفظ على عمومه والعمل به ، ولا شكّ أنّ المقصود - أعني غير المخصّص - في ضمنه. وأمّا الحمل على المجاز ، فلا يستلزم حصول المقصود عند فقد القرينة ؛ لأنّ اللفظ عند فقدها يحمل على الحقيقة ، ويمكن أن يكون المجاز مقصودا مع عدم كونه في ضمنها (1).

أقول : هذا الدليل لا يفيد شيئا ؛ لأنّ غاية ما يدلّ عليه أنّ اللفظ العامّ الذي لم يوجد له مخصّص ولا قرينة على أنّ المراد منه بعض أفراده ، يلزم أن يحمل على عمومه الذي هو حقيقة ، لكن أمكن في نفس الأمر أن لا يكون بعمومه مقصودا ، بل يكون مخصّصا أو مجازا ، فإن كان مخصّصا في الواقع ، فإنّا عملنا بالمقصود - أعني غير المخصّص - وإن عمل بالزائد أيضا ، وإن كان مجازا ، لم نعمل بالمقصود ؛ لأنّا عملنا بالحقيقة التي ليست مقصودة ، دون المجاز الذي هو المقصود.

وغير خفيّ أنّ الحقيقة فيما نحن فيه هو العامّ ، والمجاز بعض أفراده ، فإذا عمل بالحقيقة عمل بالمجاز أيضا ؛ لأنّ الخاصّ في ضمن العامّ ، والمجاز الذي ليس في ضمن حقيقته هو الذي لم يكن جزءا من الحقيقة ، ولا دخل له بما نحن فيه ، فلا فرق بين الحملين.

هذا ، مع أنّ ثبوت الفرق عند عدم المخصّص والقرينة لا يدلّ على ثبوته عند وجودهما ، كما هو الفرض.

والتحقيق أن يقال : إنّه إذا وجد المخصّص والعلاقة المجوّزة دون القرينة المانعة سوى التخصيص ، يتعيّن الحمل على التخصيص ، وهو ظاهر. وإن وجد المخصّص والعلاقة المجوّزة والقرينة المانعة غيره ، فيمكن الحمل على التخصيص والمجاز كليهما ، ولا منافاة بينهما ؛ فإنّ العامّ يكون حينئذ مخصّصا ومجازا بالاعتبارين ، ولا يظهر حينئذ فائدة في هذا الخلاف.

نعم ، يظهر فائدة في أولويّة التخصيص ، أو المجاز من طريق آخر ، وهو أنّه إذا تعارض الأدلّة الشرعيّة في حكم ، وارتكب التخصيص في طرف ، والتجوّز في طرف آخر ، فعلى

ص: 74


1- قاله الفخر الراي في المحصول 1 : 360.

أولويّة التخصيص يلزم وجود مرجّح في طرفه ، وعلى العكس العكس ، ويمكن أن يرجّح التخصيص بأغلبيّته في الأحكام الشرعيّة ، فتأمّل.

[ الصورة ] الرابعة : معارضة المجاز والإضمار ، كقوله تعالى : ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) (1) فإنّه يمكن إضمار لفظ « أهل » ، ويمكن أن يكون المراد من « القرية » أهلها تسمية للحالّ باسم المحلّ.

قيل : الظاهر كون الإضمار أقرب ؛ لأنّه لا يفتقر إلاّ إلى قرينة ، والمجاز مع افتقاره إليها يفتقر إلى الوضع اللاحق أيضا (2). ولا يخفى ما فيه ، ولذا حكم الأكثر بتساويهما (3).

ثمّ إنّ فائدة هذا الخلاف في الأحكام ما أشرنا إليه في الصورة الثالثة (4).

[ الصورة ] الخامسة : معارضة النقل والاشتراك. وقد اختلف في ترجيحهما. والحقّ رجحان النقل ؛ لأنّ الاشتراك يخلّ بالفهم بخلاف النقل.

والقول بأنّ الاشتراك أكثر من النقل لم يثبت. وكيفيّة التفريع ظاهرة (5).

[ الصورة ] السادسة : معارضة النقل والتخصيص ، كما في لفظ البيع ؛ فإنّه موضوع لمطلق المعاوضة والمبادلة ، واستعمل في لسان الشارع والمتشرّعة في المبادلة المخصوصة الجامعة للشرائط المعيّنة ، فيمكن أن يكون هذا على سبيل النقل ، ويمكن أن يكون على سبيل التخصيص. والثاني أولى ؛ لأنّ التخصيص إمّا مساو للمجاز ، أو أولى منه كما عرفت (6). والمجاز أولى من النقل ، فالتخصيص كذلك. والفائدة ما أشرنا إليه في الصورة الثالثة (7).

ص: 75


1- يوسف (12) : 82.
2- ذهب إليه السيّد ضياء الدين الأعرج في منية اللبيب : 74.
3- منهم : الفخر الرازي في المحصول 1 : 359 ، والبيضاوي في منهاج الاصول المطبوع مع نهاية السؤل 2 : 180 ، والأسنوي في نهاية السؤل 2 : 181.
4- في ص 73 - 74.
5- في « ب » زيادة : « بين المعاني ».
6- في ص6. 75.
7- في ص6. 75.

[ الصورة ] السابعة : معارضة النقل والإضمار ، والثاني أولى ؛ لأنّه إمّا مساو للمجاز ، أو أولى منه ، والمجاز أولى من النقل ؛ فالإضمار كذلك.

وكيفيّة التفريع : أنّ الربا في قوله تعالى : ( وَحَرَّمَ الرِّبا ) (1) يمكن أن يراد به المعنى اللغوي - أي الزيادة - بشرط إضمار مضاف ، أي حرّم أخذ الربا ، فيكون دالاّ على حرمة أخذ الزيادة ، لا على حرمة نفس العقد المتضمّن لمعاوضة الجنس الربوي به متفاضلا ؛ لأنّه لم يثبت نقل الربا إلى العقد المذكور. ويمكن أن يراد به نفس العقد المذكور بناء على تحقّق النقل ، فيدلّ الآية على حرمة نفس العقد المذكور. وقد عرفت الحقّ.

[ الصورة ] الثامنة : معارضة الاشتراك والتخصيص. والثاني أولى ؛ والسرّ ظاهر.

وكيفيّة التفريع : أنّ قوله تعالى : ( وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ) (2) يدلّ على تحريم معقودة الأب على الابن ، سواء كان العقد صحيحا أو فاسدا ؛ بناء على كون النكاح حقيقة في العقد ، وكونه شاملا للصحيح والفاسد ، إلاّ أنّ الفاسد منه مخصّص بالنصّ. وعلى كون النكاح مشتركا بين العقد والوطء لا افتقار إلى التخصيص ؛ لأنّ الآية حينئذ لا تدلّ على تحريم مطلق المعقودة حتّى يحتاج إلى إخراج العقد الفاسد ؛ لاحتمال أن يكون المراد من النكاح الوطء.

[ الصورة ] التاسعة : معارضة الاشتراك والإضمار ، والثاني أولى ؛ لعدم الإجمال فيه ، إلاّ إذا وجد امور متعدّدة يصلح كلّ واحد منها أن يكون مضمرا ، ولم يوجد قرينة دالّة على رجحان أحدها. وهذا الفرض نادر ، بخلاف الاشتراك ؛ فإنّه لا ينفكّ عن الإجمال. والمثال - على ما ذكره بعض (3) - : أنّ لفظة « في » في قوله عليه السلام : « في خمس من الإبل شاة » (4) تحتمل أن تكون مشتركة بين الظرفيّة والسببيّة ، وتحتمل أن تكون للظرفيّة خاصّة.

ص: 76


1- البقرة (2) : 275.
2- النساء (4) : 22.
3- مثّل بها السيّد ضياء الدين الأعرج في منية اللبيب : 73 ، والقمّي في قوانين الاصول 1 : 32.
4- الكافي 3 : 531 ، باب صدقة الإبل ، ح 1.

فعلى الأوّل لا حاجة إلى الإضمار ؛ لاحتمال كونها للسببيّة ، وعلى الثاني لا بدّ من إضمار لفظ « مقدار » حتّى يكون التقدير في خمس من الإبل مقدار شاة.

ثمّ من فوائد الخلاف هنا ما أشرنا إليه في الصورة الثالثة (1).

[ الصورة ] العاشرة : معارضة التخصيص والإضمار. والترجيح للتخصيص ؛ ووجهه ظاهر ممّا سبق.

وكيفيّة التفريع : أنّ قوله عليه السلام : « لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل » (2) يحتمل أن يكون عامّا في الواجب والمستحبّ ، إلاّ أنّ المستحبّ مخصّص بجواز تأخير النيّة إلى الزوال. ويحتمل أن يكون فيه إضمار لفظ « كامل » أو شبهه ، ويكون التقدير « لا صيام كامل » إلى آخره. وحينئذ لا افتقار إلى التخصيص المذكور ؛ لعدم دلالته حينئذ على وجوب التبييت مطلقا.

ثمّ اعلم أنّ القوم صرّحوا بأنّه إذا تعارض النسخ مع واحد من الامور الخمسة ، يلزم الحكم بمرجوحيّة النسخ (3) ؛ لأنّه عبارة عن بطلان الحكم الثابت ، وهو خلاف الأصل. والحكم به مع عدم القطع يؤدّي إلى الفساد. وفي شيء من الامور الخمسة (4) لا يلزم ذلك ، مع أنّ كلّ واحد منها أكثر وجودا من النسخ.

فصل [17]

المشتقّ فرع وافق الأصل في حروفه الاصول ومعناه ، ويعلم من كون المشتقّ فرعا لزوم تحقّق تغيّر ما في اللفظ بينه وبين أصله ؛ إذ الفرعيّة والأصالة لا تتحقّقان بدونه.

والتغيير إمّا بزيادة حرف ، أو حركة ، أو كليهما. وإمّا بنقصان إحدى الثلاث. وإمّا بالزيادة والنقصان معا فيهما معا ، أو في أحدهما فقط ، أو مع كون أحدهما في الآخر. وإمّا بأحدهما

ص: 77


1- في ص 73 - 74.
2- راجع : سنن أبي داود 2 : 329 ، ح 2454 ، وكنز العمّال 8 : 493 ، ح 23789 - 23792.
3- راجع : المحصول 1 : 361 ، والإحكام في أصول الأحكام 2 : 343.
4- أي المجاز ، والنقل ، والاشتراك ، والتخصيص ، والإضمار.

في أحدهما ، والآخر في الآخر أيضا. فيصير أقسام المشتقّ خمسة عشر ، أربعة منها احاديّ ، وستّة منها ثنائيّ ، وأربعة منها ثلاثيّ ، وواحد منها رباعيّ. والأمثلة ظاهرة.

ثمّ المراد من الموافقة المأخوذة في التعريف الموافقة في الحروف الاصول مع الترتيب ، فيخرج عنه المشتقّ بالاشتقاق الصغير ، وهو ما يعتبر فيه الموافقة في الحروف الاصول بدون الترتيب ، نحو : كنى ونكى. وكذا يخرج عنه المشتقّ بالاشتقاق الأكبر ، وهو ما يعتبر فيه المناسبة فيها دون الموافقة ، نحو : ثلب وثلم ، وفي كليهما يعتبر المناسبة في المعنى دون الموافقة فيه (1).

ويبقى التعريف خاصّا بما هو المشهور المعتبر عند القوم ، وهو المشتقّ بالاشتقاق الأصغر ، وهو ما يعتبر فيه الموافقة في الحروف الاصول مع الترتيب والمعنى ، نحو :

ضرب وضارب.

وعلى هذا التعريف يدخل المعدول (2) في تعريف المشتقّ. فإن قلنا باشتقاقه ، فلا إشكال. وإن لم نقل به ، فلا يكون التعريف مانعا ، ولذا زيد في التعريف « بتغيّر ما في المعنى » ، وحينئذ يخرج المعدول ، لكن يخرج المصدر الميمي أيضا.

وقد يوجّه الحدّ بدون الزيادة : بأنّ المراد من الأصل المصدر ، وحينئذ يصير الحدّ مطّردا منعكسا.

واعلم أنّ المشتقّ قد يطّرد ، وهو الذي اعتبر وجود معنى الأصل فيه من حيث إنّه داخل في مفهومه ، ويكون اعتبار ذلك المعنى فيه للتصحيح حتّى يكون المراد من المشتقّ ذاتا مبهمة باعتبار انتساب ذلك المعنى إليها ، كاسم الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة وأمثالها.

وقد لا يطّرد ، وهو الذي اعتبر فيه معنى الأصل ، لا من حيث إنّه داخل في مفهومه ، بل من حيث إنّه مرجّح للتسمية بهذا الاسم من بين الأسماء ، فيكون اعتبار ذلك المعنى فيه للتوضيح دون التصحيح ، كالقارورة ، والدبران ، والعيوق ، وأمثالها (3) ؛ فإنّ تسمية الزجاجة

ص: 78


1- كذا في النسختين. وقسّم الشوكاني في إرشاد الفحول 1 : 54 الاشتقاق إلى الصغير والكبير والأكبر ، وسمّى مثل كنى ونكى كبيرا ، ومثل ضرب وضارب صغيرا ؛ فتسمية المصنّف تخالف المشهور.
2- كثلاث ومثلث ؛ فإنّهما معدولان عن ثلاثة ثلاثة ، وهما بمعنى ثلاثة ثلاثة.
3- في « ب » : « أمثال ذلك ».

بالقارورة باعتبار استقرار الشيء فيها ، إلاّ أنّ اعتبار ذلك فيها ليس من حيث إنّه داخل في مفهومها ، بل من حيث إنّه مرجّح لتعيّن هذا الاسم من بين سائر الأسماء.

وإذا عرفت هذا ، تعلم أنّ تسمية كلّ شيء باسم المشتقّ المطّرد (1) باعتبار وجود مبدأ الاشتقاق فيه تكون على سبيل الحقيقة ، وتسمية غير الزجاجة مثلا بالقارورة باعتبار استقرار الشيء فيه - كالدنّ وأمثاله - تكون على سبيل المجاز.

ويظهر الفائدة في الأحكام في الأيمان ، والتعليقات ، والأوقاف ، وأمثالها.

فصل [18]

إطلاق المشتقّ على ذات باعتبار الحال - يعني عند اتّصافها بالمبدإ ، كالضارب لمباشر الضرب - حقيقة وفاقا ، وباعتبار المستقبل - أي قبل اتصافها به ، كالميّت لمن لم يمت وسيموت - مجاز قطعا ، وباعتبار الماضي - أي بعد وجوده وزواله عنه ، كالضارب لمن ضرب وزال عنه الضرب - ففيه خلاف. فأصحابنا (2) ، والمعتزلة (3) ، وابن سينا (4) على أنّه حقيقة. والأشاعرة (5) على أنّه مجاز.

وذهب بعض (6) إلى أنّه إن لم يمكن بقاؤه فحقيقة ، كالكلام ؛ فإنّ كلّ جزء منه أتى لا يمكن أن يبقى في زمان ، ولا يقارن الماضي ولا المستقبل ، وإن أمكن ولم يبق فمجاز ، كالضرب وأمثاله.

وتوقّف جماعة كالآمدي (7) ، وابن الحاجب (8).

وذكر جماعة أنّ محلّ النزاع ما إذا لم يطرأ على المحلّ وصف وجودي ينافي الأوّل ،

ص: 79


1- في « ب » : « بالمشتقّ مطّرد ».
2- راجع تمهيد القواعد : 84 ، القاعدة 19.
3- راجع المحصول 1 : 240.
4- حكاه عنه الفخر الرازي في المصدر.
5- منهم الفخر الرازي في المصدر 1 : 239 و 240.
6- قاله القاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 176.
7- الإحكام في أصول الأحكام 1 : 86.
8- حكاه عنه الأسنوي في نهاية السؤل 2 : 82.

كإطلاق الضارب على من انقضى عنه الضرب من دون طريان وصف ينافي الضرب. ومع الطريان - كإطلاق الأبيض على من زال عنه البياض وهو الآن أسود - فمجاز اتّفاقا.

وفي كلام بعض أصحابنا أنّ الخلاف فيما كان المشتقّ محكوما به ، كقولنا : زيد ضارب ، أو متكلّم ونحوه ، وأمّا إذا كان محكوما عليه ، كقوله تعالى : ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ) (1) ، و ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ) (2) و ( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ) (3) فحقيقة بلا كلام (4).

وذكر بعض (5) آخر أنّ النزاع في المشتقّ الذي بمعنى الحدوث ، كالضارب وأمثاله ، دون الذي بمعنى الثبوت ، كالمؤمن والكافر والحلو والحامض.

وقال بعض المتأخّرين : إنّ الإطلاق المذكور حقيقة إذا كان اتّصاف الذات بالمبدإ أكثريّا بحيث يكون عدم الاتّصاف مضمحلاّ في جنب الاتّصاف ، سواء كان المشتقّ محكوما عليه أو به ، وسواء طرأ الضدّ أو لا ، كالكاتب ، والخيّاط ، والقارئ ، والمعلّم ، والمتعلّم وأمثالها (6).

والحقّ المذهب الأوّل ؛ لأنّ الضارب - مثلا - وضع في اللغة (7) لمن ثبت له الضرب ، وهذا المفهوم شامل لمباشر الضرب ، ولمن ضرب وزال عنه الضرب ، فإخراج أحد الفردين منه تحكّم.

واستدلّ عليه أيضا ، بأنّ الإطلاق المذكور لو لم يكن حقيقة ، لما صدق مثل المتكلّم والمخبر على أحد حقيقة ؛ لأنّ الكلام مركّب من حروف متتالية ينقضي السابق منها بطريان اللاحق ، ولا شبهة في أنّ ماهيّة الكلام لا تتحقّق بحرف واحد ، بل بعدّة حروف ، وتحقّقها في آن واحد ممتنع ، فلا يتحقّق كلام أصلا ؛ لأنّه قبل حصولها لم يتحقّق ، وبعده قد انقضى (8).

ص: 80


1- النور (24) : 2.
2- المائدة (5) : 38.
3- التوبة (9) : 5.
4- تمهيد القواعد : 85 ، القاعدة 19.
5- ذهب إليه شارح الشرح كما في شرح تجريد الاصول للنراقي الثاني ( مخطوط ).
6- قاله الفاضل التوني في الوافية : 63.
7- راجع لسان العرب 8 : 35 ، « ض ر ب ».
8- راجع المحصول 1 : 240.

ولا يخفى أنّ هذا يرد (1) على أكثر الأفعال.

والحقّ : أنّ المعتبر في اتّصاف ذات بالمبدإ في الحال هو أن يقال في العرف : إنّها متّصفة به ، وهذا متحقّق ما دام الفاعل مباشرا للفعل بالمباشرة العرفيّة ، أي ما دام لم يحصل فصل بين أجزاء الفعل بحيث يقول العرف : زالت المباشرة.

واستدلّ عليه أيضا : بأنّه لو لم يكن الإطلاق المذكور حقيقة ، لما صدق المؤمن على النائم والغافل حقيقة ؛ لأنّ الإيمان بأيّ معنى اخذ غير موجود لهما (2).

وهذا الدليل أيضا غير تامّ ؛ لأنّه يمكن أن يقال : هذا الإطلاق مجازي ، أو مبدأ الإيمان موجود في خزانة النفس عند النوم والغفلة.

وقد استدلّ عليه بأدلّة أخر أيضا إلاّ أنّها غير تامّة ، كما قالوا : قد يطلق الضارب - مثلا - على من انقضى عنه الضرب ، ويقال : زيد ضارب أمس ، والأصل في الإطلاق الحقيقة (3).

وقد عرفت (4) أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة في أمثال هذه الصور ، فالمعتمد ما قدّمناه (5).

هذا ، واستدلّ على المذهب الثاني بوجوه كلّها مندفعة ، وعمدة أدلّتهم : أنّه لو كان إطلاق الضارب - مثلا - على من انقضى عنه الضرب حقيقة ، لما صدق قولنا : « زيد ليس بضارب الآن » مع أنّه صادق بالاتّفاق.

والجواب : أنّ في (6) « الآن » ليس ظرفا للنفي حتّى يكون المراد أنّه يصدق في (7) الآن أنّه ليس بضارب مطلقا ؛ لأنّه عين النزاع ، بل هو ظرف للمنفيّ ، أعني ضاربا ، كما هو المتبادر من هذا التركيب ، فيكون المراد أنّه يصدق أنّه ليس بضارب بضرب موجود في الحال ، ولا ينافي ذلك قولنا : إنّه يصدق في الحال أنّه ضارب مطلقا.

واورد عليه : بأنّ قولنا : « زيد ليس بضارب الآن » وقتيّة ، وهي مستلزمة للمطلقة العامّة بشرط اتّحاد موضوعهما ، فيصدق قولنا : « زيد ليس بضارب في الجملة » ؛ لأنّ المطلقة أعمّ

ص: 81


1- في « أ » : « لا يرد ».
2- راجع : المحصول 1 : 2. والإحكام في أصول الأحكام 1 : 86 - 88.
3- راجع : المحصول 1 : 2. والإحكام في أصول الأحكام 1 : 86 - 88.
4- راجع ص 67 - 69.
5- في ص 80.
6- كذا في النسختين. ولكنّ كلمة « في » زائدة.
7- كذا في النسختين. ولكنّ كلمة « في » زائدة.

القضايا الفعليّة ، وصدق الخاصّ يستلزم صدق العامّ ، وهو ينافي قولنا : زيد ضارب مطلقا (1).

واجيب : بمنع التنافي بين المطلقتين المختلفتين كيفا. هذا. مع أنّا لا نسلّم كون « زيد ليس بضارب الآن » وقتيّة ، بل هي أيضا مطلقة ؛ لأنّ « الآن » ليس ظرفا لسلب مطلق الضرب ، بل قيد للمحمول ، والمراد أنّه ليس بضارب بضرب موجود في الحال ، فكأنّه قيل : « زيد ليس بضارب بالضرب الفلاني ». ويشترط في الوقتيّة أن يكون الوقت وقتا للنفي ، وإذا كانت مطلقة فيكفي للمورد الإشارة إلى ثبوت التنافي بينها وبين المطلقة الموجبة ، ولم يكن له حاجة إلى تجشّم بيان الاستلزام (2).

وعلى التقديرين فإيراده ساقط ؛ لأنّه - كما اشير إليه - لا تنافي بينها وبين المطلقة الاولى ؛ إذ لا تنافي بين المطلقتين ؛ لأنّ النفي في الجملة لا ينافي الثبوت في الجملة.

وغير خفيّ أنّ هذا الجواب غير صحيح ؛ لتحقّق التكاذب بين المطلقتين المختلفتين كيفا عرفا ، فإنّه يقال في الردّ على من قال « زيد قائم » : « هو ليس بقائم » والتكاذب العرفي مستلزم للتنافي اللغوي ، مع أنّ صحّة النفي من خواصّ المجاز ، فينافي الحقيقة.

والحقّ في الجواب أن يقال : صدق النفي المطلق لغة ممنوع ، بل هو عين النزاع كما عرفت ، فلا يجوز لغة أن يقال : « زيد ليس بضارب ». نعم ، يجوز ذلك عقلا ؛ بناء على أنّ صدق نفي الضرب الحالي مستلزم عقلا لصدق نفي الضرب في الجملة.

مثاله : أنّه لا يجوز لغة أن يقال : « ليس الإنسان بحيوان » ويجوز عقلا أن يقال ذلك ؛ بناء على أنّ حيوانا ما كالحيوان الصاهل منفيّ عنه ، ولكنّ جواز السلب في الجملة عقلا لا ينافي الثبوت حقيقة ، فإنّ الحيوان حقيقة في الإنسان ؛ لكونه من أفراد مفهومه مع جواز سلبه عنه في الجملة عقلا. وسرّ ذلك أنّ بناء الحقيقة على اللغة لا على العقل.

واستدلّوا أيضا بأنّه لا يطلق الكافر على المؤمن الذي أسلم بعد الكفر ، وإلاّ لصدق على أكثر الصحابة في حال إسلامهم أنّهم كفّار ، وكذا لا يصدق على العنب الحلو أنّه حامض ،

ص: 82


1- راجع المحصول 1 : 240 - 250.
2- راجع نهاية السؤل 2 : 73 - 90.

وعلى التمر اليابس الأسود أنّه رطب أخضر (1).

واجيب عن الأوّل : بأنّ المنع فيه شرعي. وعن أخويه : بأنّ المنع فيهما عرفي ، واللغة لا تأبى عن الإطلاق المذكور وإن كان مستبعدا عند العقل (2).

وإن خصّص الدعوى بما إذا لم يطرأ على المحلّ ضدّ أو نقيض - كما ذكره بعض (3) - فيندفع هذا الدليل ؛ لأنّ عدم الإطلاق في الامور المذكورة يكون حينئذ اتّفاقيّا ؛ لأجل طريان الضدّ ، ويكون خارجا عن الدعوى ، إلاّ أنّ الاتّفاق المذكور لم يثبت ، بل خلافه ثابت. فالحقّ في الجواب ما ذكر أوّلا.

إذا عرفت هذا ، تعلم حقيقة الحال في المذاهب الأخر ، والتخصيصات المذكورة ، ووجه فسادها.

ثمّ إنّ فروع هذا الأصل كثيرة :

منها : إذا وقف أحد شيئا على سكّان موضع مخصوص ، فعلى ما اخترناه لا يبطل حقّ بعض السكّان بالخروج ، وإن كان مدّة كثيرة.

ومنها : بقاء كراهية الطهارة بالماء المسخّن بالشمس بعد برده.

ومنها : كراهية الحدث تحت الأشجار التي أثمرت في الماضي ولم تكن مثمرة بالفعل.

وأمثال هذه الفروع كثيرة. وكيفيّة التفريع في جميعها ظاهرة عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه.

فصل [19]

كلّ واحد من المشتقّات يدلّ على ذات ما مع صفة معيّنة ، ولا يدلّ على خصوصيّة الذات من كونه جسما أو إنسانا أو حجرا أو غيرها ؛ فإنّ الأبيض لو دلّ على خصوصيّة الذات مثل كونها جسما ، لكان حمل الجسم عليه غير مفيد مع أنّه مفيد قطعا.

ص: 83


1- قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 89.
2- قاله العلاّمة في تهذيب الوصول : 68 و 69.
3- تقدّم في ص 79 - 80.

ويظهر الفائدة في الأحكام في التعليقات والأيمان وأمثالهما ، وفيما صدر مشتقّ من كلام الشارع ولم يكن قرينة تدلّ على تعيين الذات.

فصل [20]
اشارة

الحقّ أنّ الواو العاطفة لمطلق الجمع ، ولا تدلّ على ترتيب أو معيّة. صرّح بذلك رؤساء اللغة (1) حتّى أنّ أبا عليّ الفارسي نقل إجماع الادباء على ذلك (2).

وذكره سيبويه في خمسة عشر موضعا من كتابه (3) ؛ واستدلّ أيضا بأمثلة يتعيّن في بعضها الحمل على المعيّة ، وفي بعضها الحمل على تقدّم ما بعد الواو على ما قبلها.

والحقّ أنّ الحمل على المجازيّة فيها ممكن ، فالمناط ما ذكر أوّلا.

والفرّاء ومن تبعه على أنّها للترتيب (4). واحتجّ بأمثلة لا بدّ فيها من حمل الواو على الترتيب ، وهو لا يفيد مطلوبهم ؛ لأنّه مستفاد من القرائن الخارجيّة ، فلا يدلّ على تعيّن كونها حقيقة فيه فقط.

إذا علمت ذلك تعرف أنّه يجب حمل الواو عند الإطلاق على الجمع مطلقا.

وكيفيّة التفريع أنّه إذا قال رجل لزوجته : « إن كلّمت زيدا وعمرا فأنت عليّ كظهر أمّي » فتحرم بمطلق تكلّمهما ، ولا يتوقّف (5) على تقدّم تكلّم الأوّل على الثاني ، وكذا إذا قال رجل لآخر : « وكّلتك في بيع أرضي ومتاعي » يتخيّر الوكيل في بيعهما بأيّ نحو شاء ، ولا يلزم عليه بيع الأرض أوّلا.

ثمّ الحقّ أنّ الواو العاطفة يجوز حذفها مطلقا إذا دلّت عليه قرينة ، كما ذهب إليه الأكثر ، وإن منعه ابن جنيّ في غير الشعر (6). فمن أورد جملا متعاطفة بتقدير العاطف في المعاملات ،

ص: 84


1- منهم : ابن هشام في مغني اللبيب 2 : 354 ، والفارسي كما في المحصول 1 : 363.
2- حكاه عنه الفخر الرازي في المحصول 1 : 363 ، والأسنوي في نهاية السؤل 2 : 185 ، والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 1 : 313.
3- راجع كتاب سيبويه 1 : 177 - 179.
4- راجع : الإحكام في أصول الأحكام 1 : 96 ، ومغني اللبيب 2 : 354.
5- أي الحكم ، وهو هنا الحرمة.
6- حكاه عنه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 449 ، القاعدة 157.

أو الإيقاعات ، أو التعليقات وادّعى ذلك يقبل قوله.

وذكر بعض النحويّين (1) أنّ هذا الواو مع الاثنين بمنزلة ألف التثنية ، ومع الثلاثة فصاعدا بمنزلة واو الجمع ، فيلزم على ذلك أن لا يكون فرق بين إيراد الكلام في العقود والإيقاعات وغيرهما بلفظ التثنية والجمع ، أو بالواو مع الاثنين والأكثر ، إلاّ أنّ الفقهاء (2) ذكروا أنّه إذا أوصى رجل في مرض موته بعتق سالم وغانم مثلا ، ولم يف الثلث بهما ، يعتق الأوّل خاصّة ، وعلى القاعدة يلزم أن يعتق جزء من كلّ منهما أو يقرع بينهما ؛ لأنّ الحكم فيما إذا قال : « أعتقوا هذين العبدين » كذلك (3).

وهنا فرق آخر ، وهو أنّه إذا قال رجل : « لزيد عليّ ثلاثة دراهم إلاّ درهما » يلزمه درهمان قولا واحدا. وإذا قال : « له عليّ درهم ودرهم ودرهم إلاّ درهما » فعلى القاعدة الحكم كذلك ، إلاّ أنّ بعضهم (4) على أنّ الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة ، فيبطل الاستثناء ؛ لكونه مستغرقا.

قاعدة

الفاء العاطفة موضوعة لمعان :

منها الترتيب ، وهو إمّا ذكري ، وهو عطف مفصّل على مجمل ، نحو « توضّأ ، فغسل وجهه ويديه ، ومسح رأسه ورجليه ». وإمّا معنوي ، نحو « جاء زيد فعمرو ».

ومنها التعقيب ، وهو في كلّ شيء بحسبه ، نحو « تزوّجت فولدت » و « دخل المدينة فمكّة » ، فهو يشتمل التراخي أيضا.

ومنها السببيّة ، نحو ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ ) (5) ، فتقدّم الأوّل في المعاني الثلاثة معتبر إلاّ في الترتيب الذكري.

ص: 85


1- نسبه الشهيد الثاني إلى ابن مالك في تمهيد القواعد : 447 ، القاعدة 157.
2- منهم العلاّمة في تحرير الأحكام 3 : 343 ، المسألة 4758 ، والمحقّق الكركي في جامع المقاصد 10 : 120 ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 446 ، القاعدة 157.
3- فيما إذا كانت قيمتهما زائدة عن الثلث.
4- ذهب إليه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 448 ، القاعدة 157.
5- البقرة (2) : 37.

وذهب الفرّاء إلى أنّها لا تفيد الترتيب مطلقا (1) ، واحتجّ بقوله تعالى : ( أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) (2).

والجواب أنّ الترتيب فيه ذكري ، أو التقدير : « أردنا إهلاكها » كما في كثير من نظائره.

وكيفيّة التفريع : أنّه إذا حلف رجل إن دخل الدار فتكلّم فعليه كذا ، فيشترط تقدّم الدخول على التكلّم ، وإذا قال : « بعتك بدرهم فدرهم » فعلى القاعدة يلزم بطلان البيع ؛ لأنّ الفاء تقتضي أن يثبت الأوّل قبل الثاني ، والثمن يثبت جميعه دفعة. ويمكن الحمل على التعقيب الذكري ، فينعقد البيع بدرهمين.

ثمّ إنّ بعض النحاة مصرّحون بأنّ الفاء الداخلة على خبر المبتدأ - نحو : الذي يأتيني فله كذا - تدلّ على الاستحقاق ، وحذفها لا يدلّ عليه (3).

ويتفرّع عليه استحقاق الجعل وعدمه في حالتي اشتمال كلام المالك على الفاء وعدمها ، كما صرّح به بعض الأصحاب (4).

وبعضهم قال بالاستحقاق في صورة عدم الفاء أيضا ؛ لدلالة العرف عليه مع قطع النظر عنها ؛ لأنّ الجعالة من العقود الجائزة التي يكتفى في ثبوتها بما دلّ عليها (5). وهو حسن.

ووقع الخلاف بين النحاة في أنّ الفاء الجزائيّة ، نحو « من يأتيني (6) فأكرمه » هل تدلّ على التعقيب ، أم لا؟ (7)

وفرّع عليه العامّة استتابة المرتدّ وعدمه ؛ نظرا إلى قوله صلى اللّه عليه وآله : « من بدّل دينه فاقتلوه » (8) فإنّه لو كانت للتعقيب دلّت على قبول توبته ؛ لأنّه لا يتصوّر هنا فائدة للتعقيب إلاّ الأمر

ص: 86


1- معاني القرآن 1 : 371.
2- الأعراف (7) : 4.
3- منهم ابن مالك في التسهيل : 51 ، وحكاه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 452 ، القاعدة 157.
4- منهم الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 452 ، القاعدة 157. ولكنّه لم يستقرّ عليه ، بل احتمل الاجتزاء بدون الفاء لاستحقاق الجعل وقال : « هذا متّجه ».
5- هو مختار الشهيد الثاني أخيرا في المصدر.
6- كذا في النسختين. والصحيح : « من يأتني ».
7- راجع تمهيد القواعد : 453 ، القاعدة 158.
8- الفردوس بمأثور الخطاب 3 : 527 ، ح 5647.

بالتوبة ، فإن تاب لم يقتل ، وإلاّ قتل ، ومجرّد تأخير القتل من الارتداد يعلم من الفاء إذا كانت لمجرّد الترتيب ، ففائدة التعقيب منحصرة فيما ذكر ، ولا يصحّ هذا التفريع عندنا ؛ لأنّ المسألة عندنا منصوصة بقبول توبة المرتدّ الملّي دون الفطري (1).

ضابطة

الحقّ أنّ « ثمّ » يفيد ثلاثة امور : التشريك في الحكم ، والترتيب ، والمهلة. وقد يفيد مجرّد الترتيب دون المهلة ، كالفاء.

وخلاف جماعة في كلّ واحد منها لا اعتداد به. والأمثلة التي استدلّوا بها مأوّلة ، فلو قال رجل لوكيله : « بع هذا ثمّ اشتر الشيء الفلاني » يلزم عليه أن يراعي الترتيب مع المهلة المتعارفة هنا ، ولو قال : « عليّ أن أصوم يوما ثمّ يوما » فعليه الفصل بيوم ؛ لأنّ المهلة لا تتحقّق إلاّ بذلك ؛ لعدم مدخليّة الليل في الصوم. واحتمل بعض الاكتفاء به (2) ، ومع تعيين (3) النيّة يلزم العمل بها.

فائدة

لفظة « أو » تقع لمعان :

منها التخيير ، وهي الواقعة بين شيئين يمتنع الجمع بينهما ، نحو « اجعل هذا الثوب أسود أو أحمر ».

ومنها الإباحة ، وهي الواقعة بين شيئين يجوز الجمع بينهما ، نحو « جالس العلماء أو الحكماء ».

ثمّ إن دخلت « لا » الناهية ، أفادت لزوم الاجتناب عن الجميع ، نحو ( وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ) (4) ، فعلى هذا لو قال رجل بعنوان النذر أو الحلف : لا آكل هذا أو هذا ، يلزم

ص: 87


1- الكافي 7 : 256 ، باب المرتدّ ، ح 1 ، ووسائل الشيعة 28 : 545 ، أبواب حدّ المرتدّ ، الباب 1 ، ح 2 ، 3 ، 5.
2- منهم الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 456 ، القاعدة 59.
3- في « ب » : « تعيّن ».
4- الدهر (76) : 24.

عليه الاجتناب عن كليهما ، وإذا قال : آكل هذا أو هذا ، يبرأ (1) بأكل أحدهما. وهكذا الحكم في التعليقات ، والأقارير ، والشهادات.

ومنها التقسيم (2) ، نحو « الموجود إمّا واجب ، أو ممكن ».

ومنها الجمع ، كالواو ، نحو قوله تعالى : ( وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ ) (3).

ثمّ معرفتها في كلّ موضع بأنّها من أيّ قسم تظهر من المقام والقرائن.

قاعدة

« الباء » (4) موضوعة لمعان معروفة ، وقد وقع الخلاف في كونها للتبعيض ، وأنكره سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه (5).

وقد ورد به النصّ الصحيح (6) عن الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالى : ( وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ ) (7). وعليه بعض المحقّقين (8) من النحاة ، فلا اعتداد بكلام سيبويه. ويظهر منه جواز المسح ببعض الرأس كما هو مذهبنا.

ثمّ كيفيّة التفريع في الأحكام - بعد تشخيص معناها في كلّ مقام - ظاهرة عليك.

ضابطة

« في » تقع لمعان :

منها الظرفيّة ، إمّا حقيقيّة كزيد في الدار ، أو مجازيّة ، كقولنا : « في العلم حياة ».

ص: 88


1- كذا في النسختين ، ولكنّ الصحيح أن يكون « يبرّ » أي يطيع بالوفاء بالنذر.
2- كذا في النسختين والصحيح أنّ التقسيم لا يرد على الموجود ، بل الوارد عليه هو الترديد دون التقسيم ، إلاّ أن يراد بالموجود مفهوم الموجود لا مصداقه ، فهذا المثال قابل للتقسيم والترديد كليهما.
3- النور (24) : 61.
4- في « ب » : « ومنها الباء ».
5- راجع : مغني اللبيب 1 : 142 ، والمحصول 1 : 379 ، ونهاية الوصول إلى علم الأصول 1 : 326.
6- الكافي 3 : 30 ، باب مسح الرأس والقدمين ، ح 4.
7- المائدة (5) : 6.
8- شرح الرضيّ على الكافية 4 : 281.

ومنها السببيّة ، نحو قوله تعالى : ( فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ) (1).

ومنها المصاحبة ، نحو ( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) (2).

وأنكر فخر الدين الرازي كونها للسببيّة ؛ مستدلاّ بعدم النقل من أهل اللغة (3).

وردّ عليه بجواز نقل أهل اللغة وعدم الوصول إلينا (4).

وفيه ما فيه ، مع أنّ أصالة عدم الاشتراك تؤيّد قوله. وعلى هذا يجب حملها في قوله عليه السلام : « في خمسة أوسق زكاة ، وفي خمس من الإبل شاة ، وفي أربعين شاة شاة » (5) ، وأمثالها على الظرفيّة حقيقة أو مجازا. وحينئذ يجب الزكاة من عين النصاب وتكون داخلة فيه ، حتّى لو تلف بعض النصاب بعد الحول وقبل تمكّنه من أداء الزكاة يسقط من الزكاة بحسبه. وإن حملت على السببيّة ، لا يجب الزكاة من عين النصاب ، بل تكون خارجة عنه ، ولا يسقط شيء منها في الفرض المذكور.

ثمّ نظر من (6) حملها على السببيّة إلى أنّ الشاة - مثلا - ليست داخلة في حقيقة الإبل حتّى يتحقّق الظرفيّة ، فالمراد أنّه بسبب خمس من الإبل يجب شاة.

والجواب : أنّ الظرفيّة المجازيّة ممكنة ؛ نظرا إلى القيمة ؛ فيكون المراد في خمس من الإبل مقدار شاة.

وبهذا يظهر ضعف قول من استدلّ على مجيئها لغة للسببيّة (7) بقوله عليه السلام : « في النفس المؤمنة مائة من الإبل » (8) مع أنّه إن تعيّن حملها في مثال على السببيّة لأجل قرينة ، لا يلزم منه الوضع حتّى يكون حقيقة ، بل يكون من باب المجاز.

ثمّ إذا وقعت مطلقة في الكلام ، فالظاهر حملها على الظرفيّة ؛ لأنّها الغالب ، فإذا قال

ص: 89


1- يوسف (12) : 32.
2- القصص (28) : 79.
3- المحصول 1 : 377.
4- راجع معارج الاصول : 58.
5- الكافي 3 : 531 ، باب صدقة الإبل ، ح 1.
6- احتمله الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 430 ، القاعدة 154.
7- قاله الزركشي في البحر المحيط 2 : 41.
8- قد ورد هذا الحديث في كتابه صلى اللّه عليه وآله إلى أهل اليمن. انظر المنتفى من أخبار المصطفى صلى اللّه عليه وآله لابن تيميّة 2 :8. 693.

أحد : « لزيد في هذا العبد مائة درهم » فيحتمل أن تكون للظرفيّة الحقيقيّة ، بأن يكون عند العبد مائة من مال زيد. وأن تكون للظرفيّة المجازيّة ، بأن يكون زيد شريكا في قيمته بهذا القدر ، أو يكون ذلك من القائل بعنوان الوصيّة أو الهبة. وأن تكون للسببيّة ، بأن يكون العبد جانيا على زيد جناية توجب ذلك. وأن تكون للمصاحبة ، والمثال كما ذكر في الظرفيّة الحقيقيّة. وأن تكون بمعنى « من » على ما ذكر بعض من أنّ « في » قد تكون مرادفة « من » أيضا (1) ، والمثال كما ذكر في الظرفيّة المجازيّة. فحينئذ يلزم أن يكلّف البيان ، ومع عدم الإمكان ، فالظاهر الحمل على الظرفيّة المجازيّة ، فتأمّل.

ثمّ إنّ لفظة « في » للظرفيّة المطلقة. ولا يستفاد منها لزوم كون المظروف في أوّل الظرف ، أو وسطه ، أو آخره. فإذا باع شيئا مؤجّلا على أن يؤدّي الثمن في شهر كذا أو يوم كذا ، فيشمل جميع الشهر واليوم ، ولا يختصّ بجزء معيّن منهما. وحينئذ يتوجّه بطلان البيع ؛ للزوم تعيين الأجل بحيث لا يحتمل الزيادة والنقصان. وكذا الحكم في السلم ، والإجارة ، وغيرهما ممّا يلزم فيه تعيين الزمان. وإذا وكّل رجلا في اشتراء دار في بلدة ، لا يلزم على الوكيل أن يشتري دارا في وسط البلد ، أو موضع مخصوص منه ، بل يصحّ اشتراء كلّ دار فيها وإن كان من الدور الخارجة المتّصلة بها.

فصل [21]

اللام موضوعة لمعان. وأكثرها دورانا :

الاستحقاق ، نحو « الحمد لله » ، و « العظمة له ».

والملك ، نحو « المال لزيد ».

والاختصاص ، نحو « الجنّة للمؤمنين ».

والتعليل ، نحو ( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) (2) أي لأجل حبّ المال لبخيل.

والتمليك ، نحو « وهبت هذا المال لزيد ».

ص: 90


1- راجع تمهيد القواعد : 429 ، القاعدة 154.
2- العاديات (100) : 8.

ثمّ لا يخفى أنّ الفرق بين الاستحقاق والملك ظاهر ، وهما لا يستلزمان الاختصاص ، فيمكن تحقّقهما بدونه ، ولكنّ الاختصاص يستلزم الملك ، أو الاستحقاق ، أو كليهما.

والحقّ - كما صرّح به بعض المحقّقين (1) - أنّ اللام عند الإطلاق تفيد الاختصاص عرفا ، وإن لم تفد لغة.

وكيفيّة التفريع : إذا قال رجل : « هذا لزيد » يكون إقرارا بالملك ، فإن قال : أردت أنّه في إجارته أو عارية عنده ، لا يسمع. ولو قال بعنوان اليمين أو التعليق وأمثالهما : « لا أركب الدابّة التي للعبد » لا يتحقّق له الحنث ؛ لأنّ العبد لا يملك شيئا ، ويمكن أن يتحقّق بإرادة المجاز بأن يقصد بها ما عرف (2) به. ولو حلف أن لا يدخل الدار التي لزيد ، يجب أن يراد بها المملوكة.

وفي حكم اللام الإضافة ، كأن يقول : « دابّة العبد » أو « دار زيد ».

ويتفرّع على ما حقّقنا أنّ اللام في قوله عليه السلام في الصحيفة : « اللّهمّ إنّ هذا المقام لخلفائك » (3) إلى آخره تفيد الاختصاص عرفا ، فيدلّ على كون المقام مختصّا بخلفاء اللّه ، ولكن لا يدلّ على نفي وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة ؛ لعدم لزوم حمل « المقام » على صلاة الجمعة والعيدين ، كما بيّنّا في الرسالة التي ألّفناها في هذه المسألة (4).

فصل [22]

« من » يستعمل لمعان :

منها ابتداء (5) الغاية.

ومنها التبيين.

ومنها التعليل ، كقوله : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » (6).

ص: 91


1- راجع الإحكام في أصول الأحكام 1 : 95.
2- « عرف يعرف عرفا : الفرس : قصّ عرفه أي شعر عنقه ». معجم اللغة العربيّة 6 : 2. « ع ر ف ».
3- الصحيفة السجّاديّة : 474 ، دعاؤه يوم الأضحى ويوم الجمعة ، الدعاء 49.
4- ليست هذه الرسالة في متناول أيدينا.
5- في « ب » : « الابتداء للغاية ».
6- الكافي 5 : 437 ، باب الرضاع ، ح 2 ، ووسائل الشيعة 20 : 371 ، أبواب ما يحرم بالرضاع ، الباب 1 ، ح 1.

ومنها التبعيض.

ويظهر المطلوب منها في كلّ مقام بمعونة القرائن ، فلو قال : « بع من أموالي ما شئت » ، و « أعط منها ما شئت » وأمثالهما ، يجب حملها على التبعيض ، ولا يمكن للوكيل (1) بيع الجميع. ولو قال : « خذ مالي من فلان » ، يجب حملها على الابتداء ، فيكون مبدؤها الفلان ، ولا يتعدّى إلى غيره ، فلو مات ليس له الأخذ من ورثته.

ثمّ إنّ لفظة « من » تزاد في النفي ، والنهي ، والاستفهام وفاقا ، بشرط كون مدخولها نكرة ، نحو ( ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ) (2).

وأمّا في الإثبات ، فذهب سيبويه (3) وأكثر البصريّين (4) إلى عدم الجواز. وذهب الأخفش (5) إلى الجواز مطلقا ؛ لقوله تعالى : ( يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) (6) ، وبعض (7) إلى الجواز بالشرط المذكور ، نحو ( يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ ) (8) ، وحملها في الآيتين على التبعيض ممكن ، فالظاهر الأوّل.

ومن فروعه : أنّه إذا قال وليّ الزوجة أو وكيلها : « زوّجت من زينب » أو « من موكّلتي » يكون العقد باطلا ، بناء على الأوّل والثالث ؛ لكونه لحنا ، وعلى الثاني يكون صحيحا. وكذا الحكم إذا قال البائع أو الموجر مخاطبا للمشتري أو المستأجر : « بعت منك » أو « آجرت منك ».

فصل [23]
اشارة

« إلى » موضوعة لانتهاء الغاية. واختلف في دخولها في ذي الغاية. فقيل به مطلقا. وقيل بالعدم كذلك.

ص: 92


1- في « ب » : « الوكيل ».
2- الأعراف (7) : 59.
3- (3 و 4) راجع : مغني اللبيب 1 :3. 426 ، والمحصول 1 : 377 ، ونهاية الوصول إلى علم الأصول 1 : 325.
4- (3 و 4) راجع : مغني اللبيب 1 :4. 426 ، والمحصول 1 : 377 ، ونهاية الوصول إلى علم الأصول 1 : 325.
5- راجع تمهيد القواعد : 424 ، القاعدة 152.
6- الأحقاف (46) : 31.
7- المقتضب للمبرّد 4 : 137.
8- الكهف (18) : 31.

وقيل بالدخول إن كان الغاية من جنس ذي الغاية ، نحو « أكلت السمكة إلى رأسها » ، وبعدمه إن لم تكن من جنسه (1) ، كقوله تعالى : ( أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (2) ؛ فإنّ الليل ليس من جنس النهار الذي يقع فيه الصوم.

وقيل بالدخول إن لم يتميّز الغاية حسّا ، كالمرفق في آية الغسل (3) ، وبعدمه إن تميّزت حسّا ، كالليل في آية الصوم (4).

وقيل في المسألة وجوه أخر (5).

والحقّ عدم الدخول مطلقا ، كما ذهب إليه أكثر المحقّقين ؛ لأنّ غاية الشيء آخره ، وما ينتهي الشيء عنده ، فلا يدخل فيه أصلا ؛ ولدلالة العرف على ذلك. ودخول بعض الغايات في ذويها لأجل القرائن الخارجيّة ، مثلا دخول المرفق في آية الغسل من باب المقدّمة لا لكونه غاية.

وكيفيّة التفريع : أنّه إذا باع شيئا إلى شهر كذا ، أو يوم كذا ، يحلّ الأجل بأوّل جزء منهما.

وهكذا في باقي العقود المؤجّلة إلى وقت كذا.

ثمّ كما أنّ حدّ الانتهاء لا يلزم أن يكون داخلا في المحدود - أعني ذا الغاية - فكذلك حدّ الابتداء ، فكما أنّ ما بعد « إلى » لا يدخل في المحدود ، فكذلك ما بعد « من » ، فإذا قال : « بعتك من السرداب إلى الحجرة » لا يدخل السرداب والحجرة في المبيع ، وإذا قال : « آجرتك من شهر رمضان إلى شهر كذا » يكون مبدأ الإجارة آخر رمضان.

نعم ، إذا دلّت القرينة على أنّ حدّ الابتداء داخل في المحدود ، يعمل بها ، كما إذا قال : « آجرتك من رمضان إلى شوّال » فإنّه إن لم يكن مراده أوّل رمضان ، لكان لغوا.

ص: 93


1- راجع : شرح الرضيّ على الكافية 4 : 271 ، ومغني اللبيب 1 : 74 ، والتمهيد للإسنوي : 221.
2- البقرة (2) : 187.
3- إشارة إلى قوله تعالى : ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ ) ، المائدة (5) : 6.
4- راجع : شرح الرضيّ على الكافية 4 : 4. ومغني اللبيب 1 : 74 ، والتمهيد للإسنوي : 221.
5- راجع : شرح الرضيّ على الكافية 4 : 5. ومغني اللبيب 1 : 74 ، والتمهيد للإسنوي : 221.
تنبيه

الضمير إذا صلح لأن يعود إلى مضاف ومضاف إليه ، فالظاهر إرجاعه إلى المضاف ؛ لأنّه المخبر عنه ، والمضاف إليه إنّما ذكر لأجل تعريفه ، أو تخصيصه ، فإذا قال أحد : « لزيد عليّ ألف درهم ونصفه » ، يلزم عليه ألف وخمسمائة. وقس عليه نظائره.

واعلم أنّ المجاز لا يقع في نفس الحروف مطلقا ، بل في متعلّقات معانيها ، فيقع المجاز فيها أوّلا ثمّ يسري فيها تبعا ، وهو الذي يسمّى في البيان بالاستعارة التبعيّة ، مثلا يقول (1) : « في » للظرفيّة ، و « على » للاستعلاء ، فإذا شبّه أحدهما بالآخر ، ثمّ ذكر الحرف الموضوع للمشبّه به ، فهو الاستعارة التبعيّة ؛ لوقوع المجاز أوّلا في الاستعلاء أو الظرفيّة اللتين (2) من متعلّقات معنى الحرفين لا معناهما ، وإلاّ لكانتا (3) اسمين ، فلو حلف أو نذر أن لا يكون على الظلم مثلا ، يكون مبنى كلامه على المجاز ، ويكون صحيحا ، ويلزم عليه الكفّارة بارتكاب الظلم.

ص: 94


1- في « ب » : « تقول ».
2- تغليب التأنيث غير متعارف.
3- أي كلمتا « على » و « في ».

الباب الثالث : في المبادئ الأحكاميّة

فصل [1]

اعلم أنّ الشائع عند القوم تقسيم الحكم إلى الشرعي والوضعي ، وهو يشعر بعدم دخول الثاني تحت الأوّل ، كما صرّح به جماعة (1).

والحقّ أنّ أحكام الوضع كلّها داخلة في أحكام الشرع ؛ لأنّ كون الشيء سببا - ككون الوقت سببا لوجوب الصلاة - أو شرطا - ككون الطهارة شرطا لصحّة الصلاة - أو مانعا - ككون النجاسة مانعة من صحّتها - إنّما هو بجعل الشارع ووضعه.

ولا نعني بالحكم الشرعي إلاّ ما استفيد منه ، فيجب أن يعرّف الحكم الشرعي بحدّ يدخل فيه الحكم الوضعي ، وقد عرّف بتعريفات كثيرة أكثرها لا يخلو عن شيء ، وأصحّها ما ذكره بعض المحقّقين وهو أنّه خطاب اللّه المتعلّق بأفعال المكلّفين من حيث الاقتضاء ، أو التخيير ، أو الوضع (2).

ويمكن تصحيح الحدّ بدون القيد الأخير ؛ نظرا إلى دخول الحكم الوضعي في الاقتضاء ؛ لأنّه لا معنى لكون الزنى مثلا سببا للجلد إلاّ وجوبه عنده ، ولا معنى لكون الطهارة شرطا للصلاة إلاّ جواز الدخول فيها عندها وحرمته دونها ، وكذا لا معنى لكون نجاسة المبيع مانعة من بيعه إلاّ حرمة الانتفاع عندها. وقس عليه أمثاله.

ص: 95


1- منهم : الفخر الرازي في المحصول 1 : 93 ، والأسنوي في التمهيد : 48 ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 34 ، القاعدة 2.
2- قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : 32.

ثمّ على ما ذكرنا ينقسم الحكم الشرعي إلى الوضعي بأقسامها الآتية ، والخمسة المعروفة ، أعني :

الوجوب ، وهو الحكم الذي يقتضي الفعل اقتضاء مانعا من النقيض ، أو ما يستحقّ تاركه لا إلى بدل ذمّا أو عقابا.

وقولنا : « لا إلى بدل » لإدخال الكفائي وكلّ واحد من أفراد المخيّر ، فلا ينتقض الحدّ بالركعتين الأخيرتين من الصلوات (1) الرباعيّة في المواضع الأربعة (2) ، والزائد على الإصبع الواحدة في المسح ، وأمثالهما ؛ فإنّ المكلّف إن أتى بها (3) اتّصفت بالوجوب مع كون الفعل حينئذ متّصفا بالأفضليّة ، وإن تركها وأتى بالركعتين والإصبع الواحدة مثلا ، يكون الركعتان والإصبع الواحدة متّصفتين بالوجوب مع عدم الأفضليّة ، وتكونان بدلين عن الركعات الأربع والمسح بالثلاث ، فما ترك لم يترك من غير (4) بدل ، بل أتى به.

وقد عرّف الوجوب بتعريفات أخر لا تخلو عن بعض النقوض ، أو المناقشات.

والصحيح ما ذكرناه ، وما في معناه.

والفرض مرادف للوجوب عندنا ، خلافا للحنفيّة ؛ حيث ذهبوا إلى أنّ الفرض ما ثبت بالقطعيّات ، كالآيات القطعيّة ، والسنّة المتواترة. والوجوب ما ثبت بالظنّيات ، كأخبار الآحاد وأمثالها (5).

ويظهر الفائدة عندهم لو نذر أحد أن يؤدّي فريضة ، أو واجبا. وأمّا عندنا فلا يظهر فائدة ، ويرادفهما الحتم ، واللزوم.

والحرمة ، وهو ما يقتضي الترك اقتضاء مانعا من النقيض ، أو ما يستحقّ فاعله ذمّا أو عقابا ، ويرادفها الحظر ، والزجر ، والعصيان ، والقبح.

والندب ، وهو ما يقتضي الفعل اقتضاء غير مانع من النقيض ، أو ما يستحقّ فاعله مدحا

ص: 96


1- في « ب » : « الصلاة ».
2- وهي : المسجد الحرام ، ومسجد الكوفة ، ومسجد النبيّ صلى اللّه عليه وآله ، والحائر الحسيني عليه السلام.
3- أي الرباعيّة والمسح بالزائد عن الإصبع الواحدة.
4- في « ب » : « بغير ».
5- راجع : المحصول 1 : 97 ، والإحكام في أصول الأحكام 1 : 140 ، والتمهيد للإسنوي : 58 ، 59.

أو ثوابا ، ولا يستحقّ تاركه ذمّا أو عقابا ، ويرادفه التطوّع ، والاستحباب ، والنفل ، والسنّة.

والكراهة ، وتعريفها ظاهر بعد العلم بأنّه (1) مقابل الندب.

والإباحة ، وهو الحكم الذي لا يقتضي شيئا من الفعل والترك ، بل هما متساويان ، أو لا يستحقّ فاعله وتاركه شيئا من المدح أو الثواب (2) ، والذمّ أو العقاب ، ويرادفها الجائز ، والحلال.

اعلم أنّه ظهر من التقسيم انحصار أقسام الحكم (3) في الفعل دون الترك ، وقد صرّح به القوم (4) أيضا.

واستدلّوا عليه : بأنّ الترك أمر عدمي ، والتكليف لا يتعلّق بالمعدوم ؛ لأنّ المكلّف به لا بدّ أن يكون شيئا يمكن إحداثه وتركه ، والمعدوم لا يقدر على إيجاده ؛ لاستلزامه تحصيل الحاصل (5).

واورد عليه بأنّ الفقهاء كثيرا ما يستعملون أقسام الحكم في الترك ، فيقولون : يستحبّ في الصلاة ترك السود وترك الثوب الرقيق ، ويكره ترك الرداء للإمام (6).

واجيب : بأنّ المراد من الترك في كلامهم إيجاد الضدّ ، أو توطين النفس عليه ، أو جعله مستمرّا. فالمراد من استحباب ترك السود استحباب فعل يشتمل على ترك السود ، أعني لبس البيض مثلا ، أو توطين النفس على الترك المذكور والعزم عليه بعد ما كان فارغ القلب عنه ، أو الاستمرار على الترك المذكور والبقاء عليه. وحينئذ يكون متعلّق الحكم الفعل دون الترك (7).

أقول : الحقّ أنّه لا فرق في ورود الإيراد المذكور وجوابه بين أن يكون متعلّق الحكم الفعل أو تركه ؛ لأنّه إن اخذ متعلّق الحكم الترك ، فلا بدّ في فعل الترك - أعني إيجاد نفس الترك - إلى الجواب بأحد الوجوه المذكورة ، وفي تركه لا يحتاج إليه ؛ لأنّ ترك الترك هو الفعل.

ص: 97


1- كذا في النسختين. والأولى : « بأنّها ».
2- في « ب » : « أو الذمّ ».
3- والمراد أقسام متعلّقات الحكم.
4- فإنّهم عرّفوا الحكم الشرعي بأنّه خطاب اللّه تعالى ، المتعلّق بأفعال المكلّفين. راجع التمهيد : 4. وغيره.
5- حكاه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 35 ، القاعدة 2.
6- المصدر.
7- راجع منتهى الوصول لابن الحاجب : 43.

وإن أخذ متعلّق الحكم الفعل ، فلا بدّ في تركه إلى الجواب بأحد الوجوه ؛ لأنّه أمر عدمي غير مقدور عليه ، وفي إيجاده لا يحتاج إليه ، غاية ما في الباب أنّ إضافة الفعل والإيجاد وأمثالهما إلى الترك ، وإطلاق ترك الترك على الفعل تجوّز ، وأمّا في ورود الإيراد المذكور. فلا فرق في الواقع بين أن يكون متعلّق الحكم الفعل أو الترك.

ثمّ إن اعتبر كون [ متعلّق ](1) الحكم فعلا - على ما فعله القوم - لا يكون نقيض كلّ واجب حراما وبالعكس ، ولا يكون نقيض كلّ مستحبّ مكروها وبالعكس ؛ لأنّ كلّ واحد منها أمر وجوديّ ونقيضه عدميّ ، فلا يدخل في الأحكام ، وإن لم يعتبر ذلك ، بل عمّم [ متعلّق ](2) الحكم بحيث يشمل الفعل والترك ، يلزم أن يكون نقيض كلّ واجب حراما وبالعكس ، ونقيض كلّ مستحبّ مكروها وبالعكس ، كما يظهر من تعريفاتها بعد عدم اعتبار (3) كونها امورا وجوديّة.

وكلام القوم في هذا المقام غير منقّح ؛ فإنّهم ذكروا أنّ كلّ فعل كان مستحبّا لا يكون تركه مكروها ، بل قد يكون وقد لا يكون. مثلا قالوا : الرداء مستحبّ لغير الإمام من المصلّين وتركه ليس مكروها له ، ويستحبّ للإمام وتركه مكروه له ، مع أنّه إن اعتبر كون [ متعلّق ] الحكم فعلا وجوديا يجب أن لا يكون ترك حكم حكما (4) مطلقا ، وإن لم يعتبر ذلك ، بل كان شاملا للترك أيضا - وإن كان بأحد التوجيهات المذكورة - يلزم أن يكون ترك كلّ واجب حراما وبالعكس ، وترك كلّ مستحبّ مكروها وبالعكس ، كما يظهر من حدودها بعد حذف قيد الفعليّة.

هذا ، مع أنّه قيل : المكروه مشترك بين ثلاثة معان : الحرام ، والمنهيّ بنهي تنزيه - وهو ما كان تركه خيرا من فعله وإن لم يكن فيه عقاب - وترك الأولى كترك النافلة. وهذا الترك لا يسمّى مكروها لكونه منهيّا عنه ، بل لكثرة الثواب في فعله (5).

ص: 98


1- أضيفت بمقتضى الضرورة.
2- أضيفت بمقتضى الضرورة.
3- لم يرد في « ب » : « اعتبار ».
4- أي ترك متعلّق حكم متعلّقا لحكم مطلقا.
5- قاله الفخر الرازي في المحصول 1 : 104.

ويظهر من كلام بعض أنّ ترك كلّ مكروه مستحبّ ، كما قال في تمهيد الاصول (1) عند ذكر جواز كون الترك (2) حكما : إنّ الفقهاء يقولون : يستحبّ ترك كذا وكذا ، إذا كان فعله مكروها (3).

وهذا الكلام كما ترى يشعر بأنّ ترك كلّ مكروه مستحبّ ، فتأمّل.

وتلخيص إيرادنا على القوم : أنّهم ذكروا أنّ ترك المستحبّ قد يكون مكروها ، وقد لا يكون ، وبالعكس. وكذا في الواجب والحرام ، مع أنّه إن بني معرفة الأحكام على حدودها يلزم كلّية الحكم إمّا إيجابا ؛ بناء على عدم الاعتبار المذكور ، أو سلبا ؛ بناء على وجوده. وإن لم يبن معرفتها عليها ، بل على الأدلّة والقرائن الخارجيّتين ، يلزم كون الحدود مختلّة.

وإن كان بناء القوم على كلّيّة الحكم في البعض دون البعض ، مثل أن يقولوا : يكون ترك كلّ واجب حراما ، وبالعكس ، ولا يقولوا بكون ترك كلّ مستحبّ مكروها ، وبالعكس ، يكون الأمر أشنع ، والاختلال في كلامهم (4) أظهر ، كما لا يخفى.

فصل [2]
اشارة

اعلم أنّه لمّا كان البحث في المبادئ الأحكاميّة عن نفس الحكم ، والحاكم ، والمحكوم فيه ، والمحكوم عليه. ومعرفة الحاكم كانت موقوفة على تحقيق الحسن والقبح حتّى يظهر أنّهما بأيّ معنى شرعيّان حتّى يكون الحاكم فيهما هو الشارع ، وبأيّ معنى عقليّان حتّى يكون الحاكم فيهما هو العقل. وهل التلازم بين الشرعيّين والعقليّين ، حتّى كان الحاكم الشرع والعقل معا؟ جرت عادة القوم هنا بالبحث عن الحسن والقبح ، وكونهما عقليّين أو شرعيّين.

وتنقيح هذا البحث موقوف على بيان امور :

[ الأمر ] الأوّل : الحسن والقبح يطلقان على أربعة معان :

الأوّل : استحقاق المدح والذمّ.

ص: 99


1- الظاهر مراده منه هو تمهيد القواعد للشهيد الثاني.
2- فيه مسامحة واضحة.
3- نسبه الشهيد الثاني إلى أكثر الفقهاء في تمهيد القواعد : 35 ، القاعدة 2.
4- في « ب » : « كلامه ».

الثاني : صفة الكمال والنقص.

الثالث : ملاءمة الطبع ومنافرته.

الرابع : ما لا حرج في فعله ، وما حرج فيه.

ولا خلاف في كون المعاني الثلاثة الأخيرة عقليّة ، وإنّما وقع الخلاف في المعنى الأوّل.

فذهب الأشاعرة إلى أنّهما بهذا المعنى شرعيّان ، ولا سبيل للعقل إلى إدراكهما ، بل موقوفان على أمر الشارع ونهيه ، ولو أمر بالقبيح ينقلب حسنا ، ولو نهى عن الحسن ينقلب قبيحا (1).

وذهب المعتزلة إلى أنّهما بهذا المعنى عقليّان ، إلاّ أنّ العقل يدرك حسن بعض الأشياء وقبحها بهذا المعنى بالضرورة ، وفي بعضها يدركه بالنظر ، وفي بعضها لا يدركه ؛ لقصوره وإن كان عقليّا ، وهذا كالعبادات وكيفيّاتها وكمّيّاتها (2).

وهذا مذهب أصحابنا ، وهو الحقّ لوجوه :

منها : أنّ استحقاق المدح على بعض الأفعال - كالإحسان وإغاثة المظلومين - والذمّ على بعضها - كالظلم وإعانة الظالمين - بديهي ، وإنكاره سفسطة ، ولذا قال بهما وبأمثالهما منكر والشرائع والنبوّات.

والظاهر أنّ إنكار الأشاعرة في مقام الجدال وهم في حين الغفلة يعترفون به ، سيّما في مقام الموعظة والنصيحة ، كما يظهر من كتاب إحياء العلوم وغيره من كتبهم (3).

وأيضا إنّهم يقولون بالقياس والاستحسان ولا يتمّان بدون القول به.

ومنها : لو لم يكن الحسن والقبح عقليّين ، لم يقبح من اللّه شيء. ويلزم منه ثلاثة محالات :

عدم قبح كذبه تعالى ، فيرتفع الوثوق بوعده ووعيده ، ولا يمكن إثبات صدقه تعالى بالسمع ؛ لأنّ ثبوته موقوف على صدقه تعالى.

وجواز أن يظهر اللّه المعجزة على يد الكاذب ، فلا يعرف النبيّ من المتنبّئ.

وجواز نسبة التثليث ، والكفو ، والولد ، وأمثالها إليه تعالى.

ص: 100


1- راجع المحصول 1 : 123 و 124.
2- راجع المحصول 1 : 123 و 124.
3- راجع : إحياء العلوم 1 : 78 - 82 ، والبحر المحيط 1 : 111 و 112.

والقول بجريان عادة اللّه (1) بعدم إظهار المعجزة على يد الكاذب ، واه بعد ما ذهبوا إليه.

ومنها : أنّه يلزم حينئذ إفحام النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم بعد رؤية معجزته بتجويز تمكين الكاذب ، أو قبل رؤيتها إذا طلب من المكلّفين الرؤية ولم يريدوها ؛ ووجه اللزوم ظاهر.

[ الأمر ] الثاني : استدلّ الأشاعرة على مذهبهم بأنّ أفعال العباد اضطراريّة ، وحينئذ ينتفي الحسن والقبح العقليّان (2).

والجواب : منع كونها اضطراريّة ، كما ثبت في محلّه.

وبقوله تعالى : ( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (3) ؛ حيث دلّ على أنّ التعذيب لا يكون قبل البعثة مع لزومه قبلها على القول بالحسن والقبح العقليّين.

والجواب : أنّ نفي فعليّة العذاب لا ينافي الاستحقاق ؛ لجواز العفو بدون البعثة. أو المراد نفي التعذيب بالأوامر الشرعيّة بدون البعث دون ما يقتضيه العقل. أو المراد التعذيب الدنيوي. أو المراد من الرسول العقل كما قيل (4). وبعض هذه الوجوه وإن كان مخالفا للظاهر إلاّ أنّه يمكن إجراؤه في النقل الذي كان في الظاهر مخالفا للقطعيّات العقليّة.

ويمكن أن يقال : التعذيب على الوجوب والحرمة الشرعيّين دون العقليّين ، فالحسن والقبح العقليّان يوجبان المدح والذمّ ، لا الثواب والعقاب ، وهما من مقتضيات الحسن والقبح الشرعيّين ، إلاّ أنّ في هذا كلاما ستعرف (5) إن شاء اللّه.

هذا ، مع أنّ الشيعة يقولون : لا يخلو زمان عن حجّة ، فكلّ عصر يكون مسبوقا بالحجّة ، فالتعذيب بسبب إدراك العقول يكون بعد البعثة البتّة ، ويتأتّى هذا القول على مذهب غير الشيعة أيضا ؛ لأنّ آدم عليه السلام رسول وهو سابق الأعصار كلّها (6).

ص: 101


1- كما هو شعار المجبّرة.
2- راجع المحصول 1 : 124 و 125.
3- الإسراء (17) : 15.
4- نسبه السيّد ضياء الدين الأعرج إلى العلاّمة في منية اللبيب : 19.
5- في ص 102 ، الأمر الرابع.
6- قاله الفاضل التوني في الوافية : 171 و 172.

واستدلّوا أيضا بأنّ الحسن والقبح العقليّين ينفيان اختيار اللّه تعالى (1).

وجوابه بديهي.

[ الأمر ] الثالث : اختلف القائلون بالحسن والقبح العقليّين بأنّ الحسن والقبح هل هما ذاتيّان للفعل - أي من مقتضيات ذات الفعل من حيث هي هي - أو يقتضيهما الأوصاف اللازمة للفعل ، أو الوجوه والاعتبارات الإضافيّة العارضة له ، أو المقتضي لهما القدر المشترك بينها وأعمّ من كلّ منها أي يختلف الأفعال في مقتضي حسنها وقبحها ، ففي بعضها الذات ، وفي بعضها الأوصاف اللازمة ، وفي بعضها الاعتبارات الإضافيّة (2)؟

ويدلّ على بطلان القولين الأوّلين : جواز النسخ. وصيرورة القبيح حسنا بالاعتبارات ، كالكذب إذا كان فيه مصلحة ، وقد يجب إذا كان فيه إنقاذ نبيّ من القتل ، وكذا العكس. ولزوم اجتماع النقيضين على القول بهما إذا قال : « لأكذبنّ غدا » ؛ لأنّه لو صدق أحد كلاميه - اليوميّ ، أو الغديّ - كان حسنا ؛ لصدقه ، وقبيحا ؛ لكذبه.

والمذهب الثالث أيضا باطل ؛ لأنّا نعلم جزما أنّ بعض الأفعال حسن لذاته ، كمعرفة اللّه ، ولا يصير قبيحا بوجه من الوجوه. وبعضها قبيح لذاته ، كالشرك والجهل وقتل الأنبياء ، ولا يصير حسنا مطلقا.

فالحقّ : المذهب الأخير.

[ الأمر ] الرابع : قد أشرنا (3) إلى أنّ الحسن والقبح العقليّين غير الحسن والقبح الشرعيّين ، فإنّ الواجب العقلي ما يستحقّ فاعله المدح وتاركه الذمّ ، والحرام العقلي ما يستحقّ فاعله الذمّ. وقس عليهما المستحبّ والمكروه العقليّين.

والواجب الشرعي ما يستحقّ تاركه العقاب وفاعله الثواب ، والحرام الشرعي ما يستحقّ فاعله العذاب.

ص: 102


1- راجع : العدّة في أصول الفقه 1 : 25 و 26 ، والبحر المحيط 1 : 111 - 114.
2- المصدر.
3- في ص 101 ، « ويمكن أن يقال ... ».

والمطلوب هنا بيان أنّ الوجوب والحرمة (1) العقليّين هل يستلزمان الشرعيّين ، أم لا؟

وجه الاستلزام : أنّ الحرام العقلي لا بدّ أن يكون مذموما عند كلّ عاقل وحكيم ، والواجب العقلي لا بدّ أن يكون ممدوحا كذلك ، فالحرام العقلي لا بدّ أن يكون مكروها ممقوتا عند اللّه ، وهذا معنى استحقاق عذابه (2). وقس عليه الواجب العقلي.

وأيضا القطع بعدم العقاب على المحرّمات العقليّة مستلزم لإغراء المكلّفين على القبائح ، وهو قبيح من اللّه تعالى.

ووجه عدم الاستلزام : قوله تعالى : ( وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ ) (3) إلى آخره ، والأخبار الدالّة على أنّ التكليف لا يكون إلاّ بعد البعث (4) ، وما ورد من قولهم عليهم السلام : « كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي » (5).

وقد عرفت الجواب عن الآية (6). ومنه يظهر الجواب عن الأخبار. فالحقّ الاستلزام.

ولو لا ذلك لم يكن للعقل مدخليّة في إدراك أحكام اللّه تعالى مطلقا ، مع أنّه يمتنع الإدراك بدونه ، كما لا يخفى.

نعم ، قد يغلط بعض العقول ، والمناط العقل الصحيح ، فجميع الأحكام الشرعيّة موافقة لمقتضيات العقول الصحيحة ، إلاّ أنّ عقول أمثالنا قاصرة عن إدراك جميعها ، وأحدهما مستلزم للآخر وإن خفي في البعض على بعض العقول.

تقسيم

كلّ واحد من الواجب والمستحبّ قد يوصف بكونه أداء ، أو إعادة ، أو قضاء ، أو تقديما.

فالأداء ما فعل في وقته المقدّر له شرعا أوّلا ، ولم يسبق بآخر مشتمل على نوع من الخلل.

ص: 103


1- في « ب » : « الواجب والحرام ».
2- في « ب » : « عقابه ».
3- الإسراء (17) : 15.
4- منها : ما في الكافي 1 : 162 ، باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة ، ح 1 ، و 164 ، باب حجج اللّه على خلقه ، ح 2 ، والتوحيد : 414 ، باب التعريف والبيان والحجّة ، ح 11.
5- الفقيه 1 : 317 ، ح 937.
6- تقدّم في ص 101.

والإعادة ما فعل ثانيا لخلل في الأوّل. وقيل (1) : لعذر.

وفائدة هذا الخلاف أنّ من صلّى منفردا ثمّ صلّى ثانية جماعة ، يصدق على صلاته الثانية أنّها إعادة على الثاني ؛ لأنّ طلب الفضيلة عذر ، ولا يصدق عليها الإعادة على الأوّل ؛ إذ لم يكن في صلاته الاولى خلل.

والقضاء ما فعل بعد الوقت المذكور بأمر جديد ؛ استدراكا لما وجب سابقا على المستدرك أو مطلقا ، فعبادة النائم والحائض بعد التيقّظ والطهارة قضاء على الثاني ؛ لسبق الوجوب في الجملة ، وليست بقضاء على الأوّل ؛ لعدم وجوب شيء عليهما في حال النوم والحيض.

والحقّ الشقّ الثاني ؛ لأنّ بعض أفراد القضاء سبق له وجوب على المستدرك ، وبعضها لم يسبق له وجوب عليه ، والمناط ورود الأمر الجديد.

والتقديم ما فعل قبله بإذن.

وفائدة قولنا : « شرعا » في تعريف الأداء ظاهرة. وفائدة قولنا : « أوّلا » إخراج ما فعل في وقته الثاني ، كقضاء رمضان ؛ فإنّ الوقت مقدّر له - أعني ما قبل رمضان الذي بعده - إلاّ أنّه وقت ثان ، فلا يكون أداء بل قضاء ، وقيد الأخير لإخراج الإعادة ، وهذا بناء (2) على أن يكون قولنا : « أوّلا » متعلّقا بالمقدّر ، وإن كان متعلّقا بقولنا : « فعل » لا يحتاج التعريف إلى القيد الأخير ؛ لخروج الإعادة حينئذ من (3) قولنا : « أوّلا ».

ثمّ بناء هذه التعريفات على أنّ الأداء يجب أن يفعل في الوقت ابتداء ، والإعادة يجب أن يفعل في الوقت ثانيا باعتبار وقوع الخلل في الأوّل ، فيتحقّق المباينة الكلّيّة بين المفهومات الأربعة ؛ لعدم التصادق بينها.

وبعضهم اكتفى في الأداء بوقوعه في الوقت مطلقا (4) ، أي سواء فعل ابتداء أو ثانيا لخلل في الأوّل. وعلى هذا يكون الإعادة قسما من الأداء ، ويتحقّق بينهما عموم وخصوص مطلقا.

ص: 104


1- راجع منتهى الوصول لابن الحاجب : 34.
2- مرفوع لأنّه خبر.
3- أي من جهة قولنا.
4- قاله الفخر الرازي في المحصول 1 : 116.

وبعضهم (1) لم يعتبر في الإعادة وقوعها في الوقت ، بل قال : هي ما يفعل ثانيا لخلل في الأوّل ، سواء وقع في الوقت أو خارجه. وعلى هذا يكون بينها وبين كلّ من الأداء والقضاء عموم وخصوص من وجه.

والحقّ أنّ بين المفهومات الأربعة مباينة كلّيّة ، وكلّ واحد منها قسيم للبواقي ، كما ذهب إليه الأكثرون (2).

وما قال بعضهم : إنّ الإعادة قسم من الأداء في مصطلح القوم (3) ، خطأ.

ويتفرّع على هذا التقسيم فروع :

منها : أنّه إذا أحرم رجل بالحجّ في عام ، ثمّ أفسده وحجّ في عام آخر ، يكون حجّه قضاء ويجب عليه أن ينوي القضاء ؛ لأنّه بمجرّد إحرامه في العام الأوّل وجب عليه الحجّ مضيّقا في هذا العام ، فيكون وقته المقدّر له ، فبعده ليس وقته.

واحتمل بعضهم كون حجّه في العام الآخر أداء (4) ؛ لأنّ المضايقة المذكورة ليست توقيتا حقيقيّا.

والحقّ الأوّل ، كما ذهب إليه أصحابنا (5).

ومنها : إذا أحرم بالصلاة في الوقت ثمّ أفسدها وأحرم بها ثانيا في الوقت وأتمّها ؛ فإنّها - على ما ذكر - تكون قضاء ؛ لأنّه إذا أحرم بها ابتداء يتضيّق وقتها ، ولذا لا يجوز قطعها.

والحقّ أنّ الإتيان بها ثانيا ليس قضاء ، كما ذكره بعض المحقّقين (6). وقس عليهما نظائرهما.

فصل [3]
اشارة

الحكم الوضعي ينقسم إلى خمسة أقسام : السبب ، والشرط ، والمانع ، والصحّة ، والبطلان.

ص: 105


1- قاله العلاّمة في مبادئ الوصول إلى علم الأصول : 86.
2- في « ب » : « أكثرون ».
3- نسبه المطيعي إلى العضدي واختاره أيضا في سلّم الوصول ، المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 109.
4- قاله الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 43 ، القاعدة 6.
5- راجع المصدر.
6- نقله الأسنوي عن أبي إسحاق الشيرازي في التمهيد : 64 ، وذهب إليه الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 44 ، القاعدة 6.

والعلّة والعلامة مردودتان إلى الأوّل ، والإجزاء وعدمه إلى الأخيرين.

والسبب لغة : ما يتوصّل به إلى أمر ما (1). وعرفا قد عرّف بتعريفات أشهرها : ما يلزم من وجوده الوجود ، ومن عدمه العدم ، لذاته (2). فبالتلازم في الوجود يخرج الشرط ، وبالتلازم في العدم يخرج المانع ، واحترز بالقيد الأخير عن مقارنة السبب لعدم الشرط ، أو وجود المانع ؛ فإنّه لا يلزم حينئذ من وجوده الوجود ، لكن من حيث الذات مستلزم لذلك ، وعن قيام سبب آخر مقامه ؛ فإنّه لا يلزم حينئذ من عدمه العدم ، إلاّ أنّه من حيث الذات أيضا مستلزم لذلك.

وتعريف السبب بأنّه كلّ وصف ظاهر منضبط يكون معرّفا لإثبات حكم شرعي ، أو مناطا لوجوده (3) ، يخصّ السبب الشرعي دون العقلي والعادي.

هذا ، والسببيّة إمّا وقتيّة ، كزوال الشمس لوجوب الصلاة ؛ فإنّ لله عند الزوال حكمين : وجوب الصلاة ، وسببيّة الوقت له.

أو معنوية ، كالزنى لوجوب الجلد ، والإسكار للتحريم ، وجميع أسباب العقوبات والضمان والملك.

ثمّ الحقّ : - على ما هو المشهور - أنّ عدم (4) الشرط إذا قارن السبب لا يمنع السببيّة ، بل يمنع تنجيز حكمه ؛ فإنّ المظاهر إذا علّق الظهار على دخول بلد مثلا ، فلا شكّ في أنّه يصدق على الظهار عند عدم الدخول أنّه سبب للحرمة إلاّ أنّه لم يؤثّر بعد ؛ لعدم تحقّق الشرط.

والشيخ على أنّ المقارنة المذكورة تمنع السبب عن السببيّة (5).

وهو تكلّف ؛ فإنّ تحقّق التأثير ليس معتبرا في مفهوم السبب ، بل هو معتبر في مفهوم الموجب. وبهذا يفرّق بينهما.

ص: 106


1- المصباح المنير : 262 ، « س ب ب ».
2- قاله الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 38 ، القاعدة 3.
3- راجع القواعد والفوائد 1 : 39 ، القاعدة 9.
4- كذا في النسختين. ولكنّ الصحيح أن يقال : « الشرط إذا دخل على السبب » كما في قواعد الأحكام 1 : 184.
5- المبسوط 5 : 154. واستظهره عنه الشهيد في القواعد والفوائد 1 : 5. القاعدة 51.

وفائدة هذا الخلاف أنّ البيع بشرط الخيار يصير سببا لنقل الملك في الحال ، والخيار إنّما أثّر في تأثير (1) حكم السبب ، أعني اللزوم.

وعلى قول الشيخ يلزم أن لا يكون البيع بشرط الخيار سببا للنقل ؛ لأنّ البيع سبب له ، ولكن قارنه عدم الشرط ، فيخرج عن السببيّة.

وقس عليه ما يناسبه.

والشرط ما يلزم من عدمه العدم ، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم ، لذاته ، ولا يشتمل على شيء من المناسبة. فخرج بالأوّل المانع ، وبالثاني السبب ، وبالثالث يدخل الشرط إذا قارن وجوده وجود السبب ، أو المانع ؛ فإنّه يلزم حينئذ الوجود أو العدم لكن لا لذات الشرط ، بل لأجل السبب والمانع ، وبالرابع يخرج جزء العلّة.

والمانع ما يلزم من وجوده العدم ، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته. والقيد الأخير احتراز عن مقارنة عدمه لوجود السبب ، أو عدم الشرط.

وتعريفه ب- « أنّه كلّ وصف منضبط رافع لحكم شرعي » (2) ، يخصّ المانع الشرعي.

ثمّ المانع إمّا مانع للسبب ، كالابوّة بالنسبة إلى اشتراء الأب ، الذي هو سبب للتملّك ودوامه ، أو مانع للحكم ، كالابوّة أيضا بالنسبة إلى قصاص الأب إذا كان قاتلا لابنه.

وأمّا الصحّة والبطلان ، فإمّا أن يستعملا في المعاملات ، أو في العبادات.

ووقع الوفاق على أنّ الصحّة في المعاملات ترتّب الأثر الشرعي ، ( والبطلان ما قابله. وهذا القسم من الصحّة والبطلان ) (3) هو الذي عدّ من أحكام الوضع ؛ فإنّ ترتّب الملكيّة ، وجواز التصرّف على البيع ، واستيفاء المنافع على الإجارة إنّما هو بوضع الشارع وحكمه ، ففي البيع الصحيح مثلا حكمان من أحكام الوضع : أحدهما : سببيّة البيع للملك. وثانيهما : ترتّب الملك على ( البيع. وهما متغايران ؛ فإنّه يصدق على ) (4) البيع أنّه سبب للنقل والملك وإن لم يترتّبا عليه ، فيظهر منه أنّ الصحّة والبطلان خارجان عن حقيقة البيع.

ص: 107


1- كذا في النسختين ، ولعلّ الأصوب : « تأخير ».
2- القواعد والفوائد 1 : 66 و 67 ، القاعدة 36 و 37.
3- ما بين القوسين لم يرد في « ب » وفيه زيادة « و » قبل كلمة « هو ».
4- ما بين القوسين لم يرد في « ب ».

وأمّا الصحّة في العبادات ، فالمتكلّمون (1) على أنّها موافقة أمر الشارع ، والبطلان ما قابله. والفقهاء (2) على أنّها ما أسقط القضاء ، والبطلان ما قابله.

وفائدة الخلاف في الصلاة بظنّ الطهارة إذا ظهر خلافه ؛ فإنّها توصف بالصحّة على الأوّل دون الثاني.

والظاهر أنّ التعريف الأوّل أقرب إلى الصواب ؛ لأنّ المراد ممّا أسقط القضاء في التعريف الثاني إن كان أنّ له قضاء إلاّ أنّه أسقطه ، فينقض بصلاة العيد إذا كانت صحيحة ؛ فإنّه ليس لها قضاء أصلا ، وبالنذر المطلق والقضاء نفسه ؛ وإن كان المراد منه أنّه لا يوجب القضاء - سواء كان له قضاء وأسقطه ، أو لم يكن له في الواقع قضاء - فينتقض بصلاة العيد إذا كانت فاسدة ؛ فإنّه ليس لها قضاء (3) ، مع أنّه على التعريف يلزم أن يكون لها قضاء.

واورد على التعريف الأوّل بأنّ الختان - مثلا - يوصف بكونه موافقا للشريعة مع عدم اتّصافه بالصحّة (4).

وفيه منع عدم الاتّصاف.

والحقّ : أنّ الصحّة والبطلان في العبادات بالمعنيين ليسا من أحكام الوضع ؛ لأنّ كون الفعل موافقا لأمر الشارع ، أو غير موافق له ، أو تمام ما أمر به الشارع حتّى يكون مسقطا للقضاء ، أو غيره ممّا يدركه العقل ، ولا يحتاج إلى وضع الشارع ، فلا يكون من أحكام الوضع ، بل هو عقليّ محض.

نعم ، إن فسّر الصحّة في العبادات أيضا بترتّب الأثر الشرعي ، والبطلان بما قابله - كما احتمله بعض المحقّقين (5) - أمكن القول بكونهما من أحكام الوضع.

ثمّ الحقّ - كما ذهب إليه أصحابنا (6) وأكثر العامّة (7) - أنّ الفاسد يرادف الباطل ، وخالف

ص: 108


1- راجع : المحصول 1 : 1. والإحكام في أصول الأحكام 1 : 175.
2- راجع : المحصول 1 : 1. والإحكام في أصول الأحكام 1 : 175.
3- في هامش « أ » : « فيصدق عليه التعريف. خ ل » ولم يرد في « ب » أيضا.
4- نسبه السيّد ضياء الدين إلى العلاّمة في منية اللبيب : 15.
5- احتمله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 176.
6- قاله الشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 39 ، القاعدة 4.
7- حكاه عنهم الشهيد الثاني في المصدر.

الحنفيّة وقالوا : الباطل هو غير المشروع من أصله ، كبيع الملاقيح. والفاسد هو غير المشروع في وصفه دون أصله ، كالربا ، ولذلك قالوا : لو أسقط الزيادة صحّ البيع ، ولا يحتاج إلى تجديد عقد (1).

فائدة

السبب قد يتقدّم المسبّب تقدّما ذاتيّا ، ويقارنه زمانا ، كالزنى والشرب وأمثالهما.

وقد يتأخّر عن المسبّب زمانا ، كيوم الجمعة بالنسبة إلى غسله في يوم الخميس ، والفجر بالنسبة إلى أذانه ليلا ، ويوم الفطر بالنسبة إلى فطرته في شهر رمضان على قول (2) ، والإحرام بالنسبة إلى غسله قبل الميقات إذا ظنّ فقد الماء.

قيل : وبعض الأسباب ما فيه شكّ في المقارنة ووقوع المسبّب عقيبه ، كصيغ العقود والإيقاعات (3) ؛ فإنّه يمكن أن يقال بمقارنة الحكم للجزء الأخير من الصيغة ، أو بوقوعه عقيبه بغير فصل (4).

ويظهر الفائدة في مواضع :

منها : لو زوّج الكافر ابنه الصغير امرأة بالغة ، ثمّ أسلم الأب والمرأة معا ، فعلى مقارنة الحكم للجزء الأخير فالنكاح يكون باقيا ؛ لتقارن إسلام الزوجين ، ومقارنة المسبّب - أعني إسلام الصغير - للجزء الأخير من السبب ، أعني إسلام أبيه. وعلى الوقوع عقيبه ينفسخ ؛ لتقارن إسلام الأب والزوجة ، ووقوع إسلام الصغير عقيب إسلام الأب ، فيتحقّق إسلام الزوجة قبل إسلام الصغير (5).

أقول : المراد بوقوع المسبّب عقيب السبب إن كان التأخّر الذاتيّ ، فيرجع إلى الأوّل ،

ص: 109


1- راجع : فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1 : 58 و 122 ، والمحصول 1 : 112 ، والإحكام في أصول الأحكام 1 : 140 و 176.
2- قاله الشهيد في القواعد والفوائد 1 : 41 ، القاعدة 13 وفيه : « قول مشهور ».
3- المصدر.
4- الأوّل مذهب أبي الحسن الأشعري والثاني مذهب جماعة. انظر الفروق للقرافي 3 : 218 و 224.
5- راجع القواعد والفوائد 1 : 43 ، القاعدة 13.

أعني المقارنة. وإن كان المراد منه التأخّر الزماني ، فغير مسلّم ؛ لترتّب الحكم على العقود ، والإيقاعات ، والالتزامات بدون فصل زماني ، فالحقّ أنّ هذا البعض (1) الذي ظنّ (2) من المشكوك فيه ، يرجع إلى القسم الأوّل الذي ذكرناه.

فصل [4]
اشارة

لا كلام في أنّ الأحكام الخمسة لا تتعلّق بأفعال غير المكلّفين. وأمّا غيرها من الأحكام الوضعيّة ، فقد يتعلّق بأفعال غير المكلّفين ، كضمان الصبيّ ما يتلفه وما يجنيه على الحيوانات. فعلى مغايرة الأحكام الوضعيّة للشرعيّة فلا إشكال ، وعلى ما اخترناه (3) من دخول الحكم الوضعي تحت الشرعي ، يجب ارتكاب أحد من الأمرين :

إمّا القول بتعلّق الحكم الشرعي بأفعال غير المكلّفين أيضا ، وإبدال « المكلّفين » في تعريفه ب- « العباد » وأمثاله.

وإمّا القول بأنّ الأحكام الوضعيّة المذكورة التي تعلّقت بأفعال غير المكلّفين خارجة عن القاعدة باعتبار الدليل الخارجي ، ولا يتعدّى إلى غيرها.

وهذا هو الحقّ ؛ لأنّه لا شكّ في أنّ جميع الأحكام - وإن كانت وضعيّة - من باب التكليف ، وشرطه الفهم وفاقا ، فلا يتعلّق بالصبيان والمجانين ، وأمثالهما من الغافل والساهي إلاّ ما أخرجه الدليل ، فالصبيّ والمجنون إذا أتلفا مال غيرهما ، يتعلّق بهما الضمان إلاّ أنّه لا يجب عليهما الأداء ؛ لأنّ الوجوب لا يتعلّق بهما اتّفاقا ، بل الوجوب يتعلّق بوليّهما وبهما بعد الكمال.

ويعرف ممّا ذكر أنّ وطء الشبهة لا يوصف بالحلّ والحرمة ؛ لأنّ فاعله الساهي ، وهو ليس بمكلّف ، وهما يتعلّقان بأفعال المكلّفين.

ص: 110


1- أي بعض الأسباب ما فيه شكّ في المقارنة.
2- يستظهر من القواعد والفوائد 1 : 43 ، القاعدة 13 أنّ الظانّ هو الشهيد الأوّل.
3- راجع ص 95.
تذنيب

قد يتداخل بعض الأسباب ، كأسباب الوضوء أو الغسل. فإن نوى رفع واحد منها يرتفع الجميع ، ولا يحتاج إلى نيّة رفع غيره. نعم ، إن نوى عدم رفع غيره يبطل.

والحقّ أنّ هذا الحكم يعمّ أسباب الأغسال الواجبة والمسنونة.

ومنه موجبات الإفطار في يوم واحد بالنسبة إلى التكفير ، والسرقات المتكرّرة مع عدم الظفر بالسارق ، ومرّات الزنى بالنسبة إلى وجوب الحدّ ، وأسباب سجود السهو على رأي بعض الأصحاب (1) ، ومرّات وطء الشبهة بالنسبة إلى وجوب مهر واحد (2).

ثمّ الأصل عدم تداخل الأسباب ؛ لأنّ العقل حاكم بأنّ كلّ سبب يجب أن يترتّب عليه منفردا مسبّبه ، وكلّ علّة يجب أن يوجد معلوله (3) وحدها (4) إذا كانت مستقلّة في العلّيّة ، وإلاّ يلزم توارد العلل على المعلول الواحد.

والقول بأنّ علل الشرع معرّفات يجوز تواردها على معلول واحد (5) ، كلام خال عن التحقيق ؛ فإنّ الشارع إذا جعل أشياء أسبابا لأمر ، كلّ واحد منها مستقلّ في سببيّته له ، فبعد حصول كلّ واحد منها يجب صدور مسبّبه على حدة وإن حصلت جميعا دفعة ؛ لأنّ ذلك حكم السببيّة والمسبّبيّة ، ولا جهة للاكتفاء بواحد للجميع (6).

نعم ، يجوز التخلّف في العلل الشرعيّة بدليل خارجيّ ، بخلاف العلل العقليّة ، فالأسباب المذكورة التي وقع فيها التداخل لأجل الدليل الخارجي ، مثلا علّة تداخل أسباب الوضوء أو الغسل أنّه لا معنى لارتفاع نفس الأحداث التي هي أسباب ، بل المرتفع القدر المشترك

ص: 111


1- ذهب إليه الشيخ في المبسوط 1 : 123.
2- راجع : الفروق للقرافي 2 : 30 ، والقواعد والفوائد 1 : 44 و 45 ، القاعدة 14.
3- كذا في النسختين ، والصحيح « معلولها ».
4- كذا في النسختين ، والصحيح « وحده ».
5- قال الشهيد في القواعد والفوائد 1 : 39 : « السبب ... اصطلاحا ، كلّ وصف ظاهر منضبط دلّ الدليل على كونه معرّفا لإثبات حكم شرعي ».
6- والاكتفاء وعدم الاكتفاء بواحد للجميع عبارة عن تداخل المسبّبات وعدمه ، دون تداخل الأسباب وعدمه ، والكلام في الثاني دون الأوّل ، وكذا قوله : « ارتفاع القدر المشترك يحصل بواحد ».

بين جميعها ، وهو المنع من العبادة المشروطة بهما ، وارتفاع القدر المشترك يحصل بواحد مع نيّة التقرّب من دون نيّة الرفع ، أو مع نيّة رفع واحد منها ، وقس عليهما غيرهما من الأسباب المذكورة.

ثمّ وجد بالتصفّح أنّ الأسباب بالنسبة إلى المسبّبات من حيث الوحدة والتعدّد على أربعة أقسام :

الأوّل : أن يتّحد كلّ واحد منهما ، كالقذف والحدّ.

الثاني : أن يتعدّد كلّ واحد منهما ، كعمّ هو (1) خال ؛ فإنّه يرث نصيب العمّ والخال معا. ومنه ما إذا قتل واحد جماعة (2).

الثالث : أن يتّحد السبب ويتعدّد المسبّب ، إمّا مع اندراج بعض في بعض كالزنى ؛ فإنّه باعتبار اشتماله على الملامسة ، كان اللازم أن يوجب التعزير والحدّ معا ، إلاّ أنّ الأضعف يندرج تحت الأقوى ؛ وإمّا مع عدم الاندراج ، كالحيض والنفاس والاستحاضة الكثيرة ؛ فإنّها توجب الغسل والوضوء ، وكتعمّد الإفطار في رمضان ؛ فإنّه يوجب القضاء والكفّارة.

الرابع : أن يتعدّد السبب ويتّحد المسبّب باعتبار التداخل ، كالأسباب التي أشرنا إليها أوّلا. ولا يمكن أن يتعدّد السبب ويتّحد المسبّب من دون التداخل ؛ لأنّ السبب ما كان مستقلاّ في التأثير ، وفي الفرض المذكور لا يمكن أن يتحقّق ذلك.

إذا عرفت هذا التفصيل ، يلزم عليك أن تتفحّص في كلّ سبب ومسبّب يردان عليك حتّى تعلم أنّهما من أيّ قسم من الأقسام الأربعة ، ولا إشكال إلاّ في معرفة تداخل الأسباب عند تعدّدها.

وقد عرفت أنّه ينبغي أن يكون الأصل عندك عدم التداخل حتّى يظهر عليك خلافه بدليل خارجي ، مثلا قيل : إذا نوى داخل المسجد صلاة فريضة أو نافلة راتبة ، تجزي عن

ص: 112


1- هو فيما إذا تزوّج زيد بأخت أخيه عمرو من أبيه - وهي من أمّ عمرو - فإذا مات ابن زيد مثلا فعمرو هو عمّ الميّت وخاله معا.
2- والفرق بين المثالين أنّ الأسباب في الأوّل مختلفة من حيث العنوان ، وفي الثاني متّحدة.

صلاة التحيّة (1). وقيل بإجزاء تكبيرة الإحرام عنها وعن تكبيرة الركوع إذا نواهما (2) ، فنحن إذا تتبّعنا ولم نجد دليلا على الإجزاء ، نقول بعدمه في الصورتين ، لكنّ الإجزاء في الثاني مرويّ (3) ، ولذا حكم به الشيخ (4).

فائدة

قد حكم بعض الأصحاب بأنّه إذا اجتمع أسباب الوجوب في مادّة واحدة يجزي نيّة الوجوب ، ولا يجب التعرّض للخصوصيّات (5) ، كما إذا نذر الصلاة اليوميّة ، أو الصوم الواجب عليه ، أو الحجّ كذلك وإن اشتمل نذره على هيئة زائدة ، كما إذا نذر إيقاع الصلاة في أوّل وقتها ، أو في مكان خاصّ له رجحان ، أو قراءة سورة معيّنة في صلاته ؛ لأنّ (6) الوجوب الأصلي صار بسبب النذر متشخّصا بهذا التشخّص الزماني ، أو المكاني ، أو الكيفي.

وهذا القائل قد حكم بأنّه يجب أن نتعرّض في النيّة لمشخّصات الفعل عن غيره كجنسه ، وفصله ، وخواصّه المميّزة. ففي صلاة الظهر - مثلا - يجب التعرّض للصلاة ، والظهر ، والوجوب (7).

وعلى هذا يشكل الاكتفاء في الفرض المذكور بنيّة الوجوب فقط من غير التعرّض للخصوصيّات.

والحقّ : أنّ التعرّض للوجه في النيّة ليس بلازم ، إنّما اللازم أن يتعرّض في النيّة لما يشخّص الفعل ، ويمتاز به عن غيره.

وغير خفيّ أنّ الجنس - أعني كونها صلاة مثلا - والفصل - أعني كونها صلاة نذر أو ظهر

ص: 113


1- ذهب إليه المالكيّة. راجع : الفروق للقرافي 2 : 29 ؛ واحتمله الشهيد في القواعد والفوائد 1 : 1. القاعدة 15.
2- راجع : الخلاف 1 : 97 ، المسألة 63 ، والمبسوط 1 : 158.
3- الفقيه 1 : 407 - 408 ، ح 1216 ، وتهذيب الأحكام 3 : 45 ، ح 157.
4- راجع : الخلاف 1 : 97 ، المسألة 63 ، والمبسوط 1 : 158.
5- قاله الشهيد في القواعد والفوائد 1 : 82 ، الفائدة 5.
6- تعليل لاشتمال النذر على هيئة زائدة.
7- راجع القواعد والفوائد 1 : 80 ، الفائدة 4.

مثلا - من المشخّصات ، فينبغي التعرّض لهما في النيّة. اللّهمّ إلاّ إذا وقعت في وقت لم يشرك (1) فيه غيرها على ما حكم به بعض المتأخّرين (2).

وإذا كان التعرّض للفصل لازما ، فكيف يحكم بالاكتفاء بنيّة الوجوب فقط في الفرض المذكور من دون التعرّض للظهر والنذر؟!

نعم (3) ، الحقّ أنّ التعرّض للظهر كاف فيه ، ولا يحتاج إلى التعرّض لكونه نذرا ؛ لأنّ السبب الثاني - أعني النذر - لم يوجب شيئا لم يجب بالسبب الأوّل ، بل الواجب بالنذر ما كان واجبا أوّلا ، ولم يكن غرض الناذر في نذره إلاّ إيقاعه البتّة.

ويمكن أن يقال : غرض القائل المذكور من نيّة الوجوب نيّة الظهر مع الوجوب ، فتأمّل.

ضابطة

السبب إمّا قولي ، أو فعلي. والثاني إمّا منصوص من الشارع بالسببيّة ، كالزنى وأمثاله. وإمّا غير منصوص منه بالسببيّة ولكن يكون قائما مقام أحد الأوّلين (4) إذا دلّ عليها القرائن الحاليّة ، أو المقاليّة ، كتقديم الطعام إلى الضيف ، فلا يحتاج إلى الإذن الصريح ، وتسليم الصدقة إلى الفقير ، والهديّة إلى المهدى إليه. ومنه جوائز الملوك واولي الخطر ، والتقبيل ، والوطء ، واللمس بالشهوة في عدّة الطلاق الرجعي ، وقس عليها أمثالها.

ومن الأسباب الفعليّة غير المنصوصة الإرادة ، والمشيّة ، والمحبّة ، والكراهة ، والحسد ، وأمثالها من الامور القلبيّة. فلو علّق ظهار زوجته على إضمارها بغضه وأمثاله فادّعته ، صدّقت ؛ لأنّ قولها مقبول في أمثال ذلك. نعم ، إن ادّعى عليها التهمة يحلفها.

وقس عليه أمثاله من التعليقات والأيمان.

ص: 114


1- في « ب » : « لم يشترك ».
2- قاله العاملي في مدارك الأحكام 3 : 310 و 311.
3- في « ب » : « ثمّ ».
4- أي يقوم مقام القول.
فصل [5]
اشارة

لو علّق حكم على سبب أو شرط متوقّعين (1) ، وكان الحكم بحيث يختلف وقت التعليق ووقت وقوعهما ، فالحقّ اعتبار الحكم في وقت الوقوع ؛ لأنّ غرض المعلّق أن يقع الحكم في وقت الوقوع لا قبله ، فيجب كون الحكم ممّا يقتضيه ذلك الوقت لا الوقت الذي قبله.

والفروع لهذه القاعدة كثيرة :

منها : أنّه إذا أوصى بثلث ماله ، فالاعتبار بثلث ماله يوم الوفاة دون وقت الوصيّة.

ومنها : إذا نذر بثلث ماله مثلا ، فإن كان نذره مطلقا ، فالمعتبر وقت النذر ، وإن كان معلّقا على شرط ، فالمعتبر على ما اخترناه وقت وقوع الشرط.

ومنها : لو نذر عتق عبده عند شرط ، فوقع الشرط في وقت المرض ، فيلزم اعتباره من الثلث.

وأمثال هذه الفروع كثيرة. وكيفيّة التفريع في الجميع ظاهرة.

تتميم

قد يترتّب بعض الأحكام على أسباب يمكن اعتبارها في الحال وفي المآل. والحكم المترتّب على أحد الاعتبارين يخالف الحكم المترتّب على الآخر ؛ لأنّ مقتضى السبب الموجود في الحال يخالف مقتضى السبب الموجود في المآل. ولم نعثر على مرجّح لهذا الأصل في كتب الاصول.

وله فروع منتشرة في الكتب الفقهيّة (2) ، وفي بعضها رجّح الاعتبار الحالي ، وفي بعضها المآلي.

ولا يخفى أنّ ما يقتضيه ( النظر اعتبار الحال ؛ لأنّ كلّ ما يفعل في وقت يجب أن يكون ممّا يقتضيه السبب الموجود فيه ، والإعراض عنه والأخذ بما يقتضيه ) (3) السبب الكائن بعد

ص: 115


1- المناسب لكلمة « أو » إفراده أي « متوقّع ».
2- راجع القواعد والفوائد 1 : 361 - 365 ، القاعدة 142.
3- ما بين القوسين لم يرد في « ب ».

ذلك غير معقول ، إلاّ أنّ بعض الأحكام نظر فيها إلى المآل ، إمّا لنصّ ، أو لأدلّة أخر ، أو لكون المآل معتبرا في نظر المرجّح.

وكيفيّة التفريع : أنّ الدهن النجس إذا قلنا بقبوله الطهارة ، لا يجوز بيعه ؛ لكونه من مقتضيات السبب الموجود في الحال ، ومن اعتبر السبب الموجود في المآل يجب أن يقول بجواز بيعه. وكذا الحكم في الماء النجس ، وقد اعتبر فيه المآل بعض الأصحاب (1). وحكم الأصحاب (2) بجواز بيع السباع ؛ نظرا إلى جواز الانتفاع بجلودها ، وهو من اعتبار المآل ، إلاّ أنّ له أدلّة خارجيّة (3). ولا يجوز بيع الآبق والضالّ بدون الضميمة ؛ نظرا إلى الحال.

ولو ظهر فقدان المسلم فيه قبل حلول الأجل ، ففي تنجيز الخيار وتأخيره خلاف ؛ نظرا إلى الاعتبارين.

ولو عيّن المسلم موضعا لقبض المسلم فيه فيه ، فخرب أو خرب موضع العقد عند الإطلاق ، فهل يتعيّن الحمل إليهما ؛ نظرا إلى الحال ، أو لا ؛ نظرا إلى المآل؟ ولو كان دين الغارم مؤجّلا ، فهل يجوز له أخذ الزكاة قبل حلوله؟ ففيه الوجهان. وأنت تعرف الحقّ فيها وفي أمثالها ممّا يرد عليك بعد ما علمت حقيقة الحال.

فصل [6]

زاد بعض (4) الاصوليّين في الحكم الوضعي الرخصة ، ومقابلها العزيمة.

والرخصة لغة (5) : التسهيل. وعرفا : الحكم الثابت مع قيام ما يقتضي المنع ، لعذر المشقّة والحرج.

ص: 116


1- راجع القواعد والفوائد 1 : 364 ، القاعدة 142.
2- منهم : فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1 : 403 ، والشهيد في القواعد والفوائد 1 : 364 ، القاعدة 142 ، والشهيد الثاني في مسالك الأفهام 3 : 125.
3- منها عموم أو إطلاق قوله تعالى : ( وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ ) ، البقرة (2) : 275. ومنها صحيحة عيص المرويّة في الكافي 5 : 3. باب جامع فيما يحلّ الشراء والبيع منه وما لا يحلّ ، ح 4 ، وتهذيب الأحكام 6 : 373 ، ح 1085.
4- انظر الإحكام في أصول الأحكام 1 : 186 و 187.
5- الصحاح 3 : 1041 ، « ر خ ص » ، والمصباح المنير : 223.

والعزيمة لغة (1) : القصد المؤكّد. وعرفا : الحكم الثابت لا لعذر المشقّة والحرج.

فمباح الأصل ليس رخصة ؛ لأنّ جواز فعله ليس لأجل المشقّة والحرج.

وما قيل في تعريف العزيمة : بأنّها الحكم الثابت لا مع قيام المقتضي للمنع (2) ، يرد عليه : أنّ مطلق التكليف عزيمة مع قيام المقتضي للمنع ، وهو (3) الأصل ؛ فإنّ الأصل عدم التكاليف. ويمكن التوجيه بعناية ، فتأمّل.

وقيد الأخير في تعريف الرخصة لإخراج التكاليف كلّها ؛ فإنّها أحكام ثابتة ، وفي بعضها - بل في كلّها - قام ما يقتضي المنع ؛ لأنّ جميع التكاليف على خلاف الأصل ، لكنّ ثبوتها ليس لأجل المشقّة والحرج.

ثمّ إنّ الرخصة إمّا واجبة ، كوجوب أكل الميتة للمضطرّ. أو مندوبة ، كتقديم غسل الجمعة لخائف فقد الماء ، أو مكروهة ، كالتقيّة في المندوبات مع خوف الالتباس على العوامّ ، وعدم ظنّ الضرر. أو مباحة ، كاستعمال الأحجار في الاستنجاء مع وجود الماء بالشروط المعلومة ، وما ورد فيه الرخصة من المعاملات المخالفة للأصل ، كبيع العرايا (4) وأمثاله.

وقد يقع الاشتباه في بعض المواضع. وبعد ما عرفت الفرق لا يلتبس حقيقة الحال عليك.

وممّا وقع فيه الإشكال القصر في السفر ؛ فإنّه عزيمة عند أصحابنا (5) مع أنّ تعريف الرخصة يصدق عليه ، والآية الشريفة (6) أيضا تدلّ على ذلك. وبيّن الأصحاب عذرهم في ذلك في كتبهم الاصوليّة والفروعيّة (7).

وزاد بعض آخر في خطاب الوضع التقدير (8) ، وهو أن يقدّر المعدوم كالموجود أو

ص: 117


1- لسان العرب 12 : 399 ، « ع ز م ».
2- راجع المحصول 1 : 120.
3- أي المقتضي للمنع عبارة عن استصحاب عدم التكليف.
4- العرايا جمع العريّة ، وهي النخلة تكون في دار الإنسان. راجع لسان العرب 9 : 4. « ع. ر. ي ».
5- راجع : الانتصار : 160 ، والنهاية : 122 ، والخلاف 1 : 569 ، وشرائع الإسلام 1 : 103.
6- وهي قوله تعالى : ( وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ) ، النساء (4) : 101.
7- راجع تمهيد القواعد : 47 ، القاعدة 7.
8- انظر الفروق للقرافي 1 : 161.

بالعكس لتصحيح الحكم الشرعي ؛ فإنّه لو لم يرتكب ذلك في بعض الموارد يلزم الإشكال. مثلا : ورثة المقتول يورّثون الدية عنه ، وشرط التوريث دخول ما يورّث في ملك المورّث ، مع أنّ الدية لم تدخل في ملكه في حياته ؛ لعدم جواز تقدّم المسبّب على السبب ، ولا معنى لدخولها في ملكه بعد موته ، فيقدّر دخولها في ملكه قبل موته في آن لتمكّن التوريث ، فقدّر المعدوم موجودا.

ومن هذا القبيل جميع ما يسمّى بالملك الضمني ، كما إذا اشترى رجل أباه ، فإنّه يقدّر دخوله في ملكه في آن ، ثمّ يعتق عليه.

ومنه ما إذا قال لغيره : « أعتق عبدك عنّي » أو « أدّ من مالك ديني ». وليس هذه الامور من باب الكشف بمعنى أنّه يتبيّن بعد تقدّم الملكيّة ؛ إذ ذلك مستلزم لتقدّم سبب الملكيّة ، وهنا لم يتحقّق سبب أصلا.

فصل [7]

لا شبهة في أنّ المندوب ليس بتكليف ؛ لأنّه من الكلفة ، أي المشقّة ، وما ليس فعله لازما ليس فيه مشقّة. واشتماله على المشقّة إذا فعل لتحصيل الثواب ، لا يستلزم كونه شاقّا مطلقا. ويظهر الفائدة إذا قال بعنوان النذر أو اليمين وأمثالهما : « عليّ أن أؤدّي تكليفا ».

قد اختلف في كونه مأمورا به ، والحقّ أنّه ليس بمأمور به حقيقة ؛ لأنّ الأمر حقيقة في الوجوب ، فما ليس واجبا ليس بمأمور به ، ولأنّ خلاف الأمر معصية ، كما يدلّ عليه الآية (1) والأخبار (2) ، ومخالفة الندب ليست كذلك ؛ ولقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لو لا أن أشقّ على أمّتي ، لأمرتهم بالسواك » (3). وحمل القول بأنّ المعصية في مخالفة الأمر الإيجابي (4) ؛ وحمل الأمر في قوله عليه السلام عليه أيضا (5) ، تخصيص من غير دليل.

ص: 118


1- وهي قوله تعالى : ( أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ) ، طه (20) : 93.
2- راجع : جامع الاصول 7 : 618 ، ح 5781 ، وتهذيب الوصول : 97 ، فاستدلّ العلاّمة فيه برواية بريرة.
3- كنز العمّال 7 : 398 ، ح 19483.
4- قالهما الغزالي في المستصفى : 4. والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 164 و 165 ، وابن الحاجب في منتهى الوصول : 36.
5- قالهما الغزالي في المستصفى : 4. والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 164 و 165 ، وابن الحاجب في منتهى الوصول : 36.

واستدلّ المخالف : بأنّه طاعة ، وهي فعل الأمور به. وبأنّ أهل اللغة مصرّحون بأنّ الأمر ينقسم إلى الإيجاب والندب ، والمقسم مشترك بين الأقسام (1).

والجواب : منع كون كلّ طاعة مأمورا بها حقيقة ، وكذا كون كلّ مقسم حقيقة في أقسامه ، بدليل كون الإباحة والتهديد من أقسامه مع كون الأمر فيهما مجازا بالاتّفاق.

ويظهر فائدة الخلاف فيما إذا نذر أو حلف أن يأتي بصلاة مأمور بها ، فهل يبرأ ذمّته بالنوافل ، أم لا؟ وقد عرفت الحقّ (2).

ثمّ الكلام في كون المكروه تكليفا ومنهيّا عنه كالكلام في كون المندوب تكليفا ومأمورا به ، والأدلّة التي تجري في عدم كون المندوب تكليفا ومأمورا به تجري في عدم كون المكروه تكليفا ومنهيّا عنه.

ثمّ إنّك قد عرفت فيما سبق (3) أنّ المكروه يطلق على ثلاثة معان : من جملتها الحرام ، فهذان الحكمان للمعنيين الأخيرين له ؛ لكون الحرام تكليفا ومنهيّا عنه جزما.

وكيفيّة التفريع كما عرفت في المندوب.

فصل [8]
اشارة

اعلم أنّ المباح يطلق على معان :

منها المأذون فيه شرعا ، مباحا كان ، أو واجبا ، أو مندوبا ، أو مكروها.

ومنها ما لا يمتنع عقلا ، لازما كان ، أو راجحا ، أو متساوي الطرفين.

ومنها ما استوى فيه الطرفان شرعا - وهو الذي عدّ من الأحكام الخمسة ، وقسيما للواجب - أو عقلا ، كأفعال غير العقلاء.

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّه نقل عن بعض الاصوليّين القول بكون المباح جنسا للواجب (4) ؛

ص: 119


1- راجع المصادر.
2- وهو عدم كون المندوب مأمورا به حقيقة.
3- مرّ في ص 98.
4- راجع الإحكام في أصول الأحكام 1 : 170.

مستدلاّ بأنّ حقيقة المباح المأذون فيه في الفعل (1) ، وهو حاصل في الواجب.

وأورد عليه ابن الحاجب : بأنّ حقيقته ليس ما ذكر فقط ، بل هو جنسه ، وفصله « مساوي الطرفين » وهو لم يوجد في الواجب (2).

وغير خفيّ أنّ العاقل لا يقول : إنّ المباح الذي هو من أقسام الحكم وقسيم للواجب جنس له ، فالظاهر بل الجزم أنّ غرض القائل من المباح الذي جعله جنسا للواجب ، هو المباح بالمعنى الأوّل الذي ذكرناه ، والمورد حمل المباح في كلامه على المعنى الثالث. وليت شعري ما الداعي له مع أنّه عدّ المعنى الأوّل من جملة معاني المباح؟

إذا عرفت ذلك تعلم أنّه إذا اطلق المباح في كلام الشارع وغيره يكون مشتركا بين المعاني المذكورة ، إلاّ أنّ المتبادر والفرد الأظهر منها المعنى الثالث منها ، فيجب الحمل عليه. وكذا الأمر في الأيمان ، والتعليقات ، وأمثالهما.

ثمّ الحقّ أنّ الإباحة حكم شرعي ، كما ذهب إليه القوم أجمعون (3).

وخالف بعض المعتزلة وقال : الإباحة ما لا منع في فعله وتركه ، وهذا ثابت في الأفعال قبل بعثة الشرع ، فلا معنى لكونه حكما شرعيّا (4).

والجواب : أنّ الإباحة قسمان : أحدهما شرعيّة (5) ، وهو ما تعلّق خطاب الشرع بكونه مباحا. وثانيهما غير شرعيّة (6) ، وهو الذي كان ثابتا للأفعال قبل بعثة الرسل ، والإباحة التي من الأحكام الشرعيّة هو القسم الأوّل دون الثاني ؛ فإنّه ليس إباحة شرعيّة.

تذنيب

أجمع القوم على أنّ المباح أي ما استوى فيه الطرفان موجود وليس بمأمور به ؛ لأنّ الأمر طلب وهو يستلزم الترجيح ، وما استوى فعله وتركه ليس فيه ترجيح.

ص: 120


1- في « ب » : « العمل ».
2- حكاه عنه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 170.
3- راجع الإحكام في أصول الأحكام 1 : 168.
4- حكاه عنهم الآمدي في المصدر.
5- كذا في النسختين ، والصحيح « شرعي ».
6- كذا في النسختين ، والصحيح « شرعي ».

وأنكر الكعبي المباح بالمعنى المذكور وقال : كلّ مباح إمّا واجب بعينه ، أو مقدّمة له ، وهي أيضا واجبة.

واستدلّ على وجوبه : بأنّه إمّا عين ترك الحرام ، كإطباق الفم ، فإنّه ترك القذف. أو مقدّمة لتركه ، كالكلام وإطباق الفم لترك شرب الخمر ؛ فإنّه لا يتمّ إلاّ بهما أو بأمثالهما من الامور المباحة ، وترك الحرام وما لا يتمّ ترك الحرام إلاّ به واجب (1).

وقد ذكر القوم لإبطال استدلاله وجوها :

منها : أنّه يلزم أن يكون واجب - كالصلاة مثلا - حراما ، إذا صار فعلها سببا لترك واجب ؛ لأنّ سبب الحرام حرام ، فيكون الشيء الواحد حراما واجبا (2).

ولا يخفى ما فيه ؛ لإمكان أن يلتزمه بالاعتبارين.

ومنها : أنّ المسلّم وجوب المقدّمة الشرعيّة دون العقليّة والعاديّة (3).

ولا يخفى ما فيه أيضا ؛ لما سيجيء (4).

ومنها : أنّ قوله : « المباح [ ما ] لا يتمّ الواجب (5) إلاّ به » غير مسلّم ؛ لأنّه غير معيّن ؛ لإمكان الحصول (6) بغيره (7).

وفيه : أنّ هذا ينفي الوجوب العيني ، ويثبت التخييري (8) ، وهو كاف.

ويمكن أن يحرّر هذا الجواب بوجه لا يرد على القوم شيء ، بأن يقال : إذا بني الأمر على وجوب المقدّمات الشرعيّة والعقليّة ، فلا بدّ أن يقال : إذا كان شيء حراما وكان واجب الترك ، لا يتحقّق هذا الترك إلاّ في ضمن واحد من الامور المباحة ، وليس واحد منها معيّنا له ، بل كلّ واحد منها يصلح له ، فالمقدّمة للترك أمر كلّي مشتمل على أفراد كثيرة ، وكلّ واحد منها مباح عينا ، وإن كان فردا لمفهوم كلّيّ هو واجب يمكن أن يتحقّق في ضمنه ،

ص: 121


1- (1. 3) حكاهم الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 168 - 169.
2- أي في مقدّمة الواجب راجع ص 134 وما بعدها.
3- والمراد به هو ترك الحرام.
4- أي حصول الواجب وهو ترك الحرام.
5- حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 169.
6- في « ب » : « التخيير ».

وبذلك يكون من أفراد الواجب التخييري. وغرض القوم ليس إلاّ إثبات المباح عينا ، ولا يضرّهم اتّصافه بالوجوب من جهة اخرى ، سيّما وقد بلغت كثرة الأفراد لأكثر المقدّمات الواجبة إلى حدّ اضمحلّ الوجوب بالنسبة إلى كلّ فرد منها.

هذا ، وفوق ذلك كلام ، وهو إنّ كلّ واحد من الامور المباحة ليس في كلّ وقت من أفراد الواجب التخييري ، بل إذا حصل به ترك الحرام. فكلّ واحد منها مباح عينا ، وقد يتّصف بالوجوب باعتبار عارض ، وهذا جائز ؛ فإنّ القبيح قد يصير حسنا وبالعكس بسبب خارج ، فالمباح الذي حصل به ترك الحرام يكون واجبا من هذه الجهة ، فإذا تعرّض بعده لمباح آخر - لم يحصل به ترك الحرام ، ولكن كان بحيث لو لم يعمل المباح الأوّل لحصل ترك الحرام به - لا يكون واجبا ، مثلا إذا أطبق الفم لترك شرب الخمر ، يكون واجبا من باب المقدّمة. ثمّ إذا وضع اليد على الفم لا يكون واجبا ؛ لعدم كونه من المقدّمة.

ويعلم من هذا أنّ هذه المباحات لا تتّصف بالوجوب إذا لم يكن فعلها لأجل ترك الحرام ، بل فعلت في وقت لم يسبق بإرادة الحرام ، بل لم يخطر بباله أيضا. كيف؟ وفي هذه الحالة (1) ليست مقدّمات للواجب الحقيقي ؛ لأنّ عدم الحرام - من دون كفّ النفس عنه وقصد استمراره مع خطوره بالبال - لا يتّصف بالوجوب ، وإلاّ لزم أن يثاب كلّ إنسان في كلّ وقت بعدم صدور كلّ محرّم عنه ، وهو باطل ، فجميع المباحات مباحة عينا في كلّ وقت ، ومن شأنها أن تتّصف بالوجوب باعتبار عارض ، وقد تتّصف بالفعل إذا حصل العارض ، كما أنّ من شأن جميع القبائح أن تتّصف بالحسن في بعض الأوقات بسبب عارض ، وقد تصير حسنة بالفعل وبالعكس ، وليس حال أفراد الواجب التخييري كذلك ، بل هي متّصفة بالوجوب مع قطع النظر عن عارض وسبب خارجي ، فتأمّل.

ثمّ فوق هذا أيضا كلام ، وهو أنّ شيئا من المباحات ليس مقدّمة لترك الحرام ، ولا فردا منه ؛ لأنّ الترك هو الكفّ ، ولا دخل له بالامور المباحة. نعم ، هي مقارنة له كباقي الأحكام. مثلا ترك الحرام هو الكفّ عن شرب الخمر ، ولا دخل له بإطباق الفم أو الكلام أو أمثالهما.

ص: 122


1- أي حالة عدم اقتران فعل المباح بإرادة الحرام.

فإذا حصل منع النفس عن الشرب حصل ترك الحرام ، ولا يتوقّف على شيء من حالات الفم. نعم ، يقارن الترك بعض هذه المباحات ، إلاّ أنّه لا يتوقّف عليها ، فأحسن التدبّر.

فصل [9]

قد أشرنا فيما تقدّم (1) أنّ من معاني الحسن والقبح ما لا حرج في فعله ، ومقابله. وعلى هذا يكون كلّ من المباح والمكروه حسنا.

ويتفرّع عليه براءة ذمّة من حلف على فعله بإيقاعهما.

والإحسان لا يشمل فعل المباح والمكروه ، بل يختصّ فعل الواجب والمستحبّ.

والحقّ ، أنّ المحسن فاعل الإحسان ، ولا يشمل فاعل الحسن كما قيل (2). فمن قال : « عليّ أن أفعل فعل المحسنين » لا يبرأ ذمّته بفعل المباح والمكروه. ولا يرتفع الضمان على (3) قاطع يد الجاني قصاصا إذا مات ؛ نظرا إلى أنّه فاعل الحسن ، أي المباح ، وقد قال اللّه : ( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ) (4).

نعم ، يتسلّط المنفق على الحيوان إذا كان ملتقطا أو مستودعا (5) على الرجوع إلى المالك ؛ لكونه محسنا. ويقبل قول الوكيل في الردّ إذا لم يكن وكالته بجعل ؛ لأنّه محسن أيضا.

وقس عليهما أمثالهما.

فصل [10]

الواجب العيني ما طلب من كلّ واحد من المكلّفين بخصوصه ، ولا يسقط عن بعضهم بفعل بعض آخر.

والكفائي ما وجب على الجميع ولكن يسقط عنهم بفعل البعض.

ص: 123


1- تقدّم في ص 99 - 100.
2- قاله الأسنوي في التمهيد : 62.
3- متعلّق « على » الضمان دون لا يرتفع.
4- التوبة (9) : 91.
5- هذا بخلاف ما إذا غصبه ؛ فإنّ المنفق لا يرجع إلى المالك ؛ لأنّ تعليفه مثلا لا يصدق عليه الإحسان.

وأنكره بعض الشافعيّة وقالوا : إنّه لا يجب على الكلّ ، بل على بعض مبهم (1).

ويدفعه الإجماع على تأثيم الجميع بالترك.

واستدلّوا عليه بوجوه ثلاثة :

أوّلها : لو وجب على الجميع ، لم يسقط بفعل البعض.

والجواب : أنّ هذا مجرّد استبعاد.

وثانيها : أنّ آية النفر (2) تدلّ على وجوبه على بعض مبهم.

والجواب : أنّ الآية مأوّلة بأنّ فعل بعض يسقط عن الكلّ ؛ ودليل التأويل الإجماع.

وثالثها : أنّه كما يجوز الأمر ببعض غير معيّن ، يجوز أمر بعض غير معيّن.

والجواب : أنّ الفرق بينهما واضح ؛ فإنّ التأثيم بغير المعيّن معقول ، وتأثيم غير المعيّن غير معقول.

ثمّ السقوط عن الجميع موقوف على العلم بفعل البعض ، أو على الظنّ الشرعي به ، ولو حصل أحدهما لطائفة دون اخرى سقط عن الاولى دون الثانية. فإذا أخبرنا بموت أحد ، فسقوط صلاته عنّا موقوف على القطع بوقوع الصلاة عليه ، أو على شهادة العدلين عليه ، أو على خبر واحد محفوف بالقرائن ، فلو أخبر واحد به لا تسقط عنّا بمجرّده.

ويتفرّع عليه أيضا : عدم السقوط عنّا إذا صلّى فاسق على الميّت بحضرتنا ؛ لأنّه لا بدّ من الظنّ الشرعي بإيقاع أفعال الصلاة صحيحة ، وإخبار الفاسق في ذلك غير مقبول. وقس عليه صلاة ما فوق الواحد مع فقد العدالة.

ومن التفريعات : أنّه إذا شرع بعض في صلاة الميّت ، وفي الأثناء شرع بعض آخر فلا بدّ له من نيّة الوجوب ؛ لعدم السقوط بعد. ولو تمّ صلاة البعض الأوّل ثمّ شرع بعض آخر ، فالظاهر لزوم نيّة الندب ؛ لعدم تعقّل الوجوب مع السقوط.

وقيل : إنّ وظيفته أيضا الوجوب ؛ لأنّه متعلّق بالجميع ، والسقوط بفعل البعض

ص: 124


1- حكاه البصري في المعتمد 1 : 138 ، والفخر الرازي في المحصول 2 : 186 - 187 ( هامش ) ، والمطيعي في سلّم الوصول ، المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 185 - 195 ، والأسنوي في نهاية السؤل 1 : 185 - 197.
2- وهي قوله تعالى : ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ ) ، التوبة (9) : 122.

للتخفيف ، وهو لمن لم يفعل مطلقا (1).

وفيه ما فيه.

ويجري هذا الخلاف في باقي الفروض الكفائيّة ، كجواب السلام ، والأمر بالمعروف ، وغيرهما.

وممّا يتفرّع على الوجوب الكفائي كونه أفضل من فرض العين ، على ما ذكره بعض المحقّقين ؛ لأنّ صيانة جماعة كثيرة أفضل من صيانة نفس واحدة (2).

ولا يخفى أنّ هذا صحيح إذا استند الأفضليّة إلى إسقاط الذمّ ، وأمّا إذا اسند إلى زيادة الثواب فلا يتمّ ؛ لأنّ كلّ من تعلّق به الوجوب الكفائي لا يثاب بفعل البعض ، بل يسقط منه الحرج ؛ والثواب مخصوص بالفاعل. وغير خفيّ أنّ إسقاط الذمّ أيضا من الكثير يكفي ؛ لكونه أفضل وأكثر ثوابا.

ثمّ المستحبّات أيضا قد تكون كفائيّة ، كالأذان والإقامة للجماعة الواحدة ، وابتداء السلام ، وتسميت العاطس لها (3). وبعض التفريعات جارية (4) هنا أيضا.

فصل [11]
اشارة

الواجب المعيّن ما تعلّق الوجوب به بخصوصه ، كالصلاة ، والصوم ، وأمثالهما.

والواجب المخيّر ما عيّن له الشارع بدلا من غير نوعه اختيارا.

وبالقيدين الأخيرين (5) يخرج الموسّع والكفائي ، والغسل والوضوء إذا لم يمكنا.

وتحقيق المقام : أنّ المأمور به في الواجب التخييري أمر كلّي له أفراد متعدّدة ، أيّها حصلت (6) في الخارج ، يكون الكلّي في ضمنها (7) ؛ فالمأمور به في الكفّارة إحدى الخصال

ص: 125


1- المجموع شرح المهذّب 5 : 213 ، 245 ، وفتح العزيز 5 : 192.
2- حكاه النووي عن إمام الحرمين واختاره في المجموع شرح المهذّب 1 : 37 و 45 ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 49 ، القاعدة 8.
3- أي للجماعة.
4- كذا في النسختين والصحيح أن يكون « جار باعتبار بعض ».
5- أي « بخصوصه واختيارا ».
6- كذا في النسختين والصحيح « حصل ».
7- كذا في النسختين والصحيح « ضمنه ».

الذي هو قدر مشترك بين جميعها ، وأيّتها وجدت يتحقّق القدر المشترك فيها ، فلا يجب فعل كلّ واحد من الأفراد ؛ لتحقّق المأمور به بدونه ، ولا فعل واحد معيّن منها ؛ لعدم تعلّق الوجوب به بخصوصه ، ولا يجوز الإخلال بكلّ واحد منها لا إلى بدل ؛ لعدم تحقّق المأمور به حينئذ ؛ فالواجب حينئذ واحد منها لا على التعيين. فالتخيير حينئذ بين الأفراد ، بمعنى أنّ المكلّف مخيّر بين كلّ واحد منها وبين الأفراد الأخر ، وأيّها فعل كان واجبا بالأصالة ، ولا يتخيّر بين المأمور به الذي هو القدر المشترك والمفهوم الكلّي ؛ لأنّه أمر واحد لا تعدّد فيه حتّى يعقل التخيير فيه. وهذا هو الذي اختاره أصحابنا (1) ورؤساء المعتزلة (2).

والدليل عليه الإجماع ، والتنصيص عليه في موارد مخصوصة ، وهي لا تحتمل سوى التخيير ؛ لأنّه إذا قال رجل لغيره : « افعل أحد هذين ، واختر أيّهما شئت ، ولا يجوز لك تركهما معا ، ولا يجب عليك فعلهما معا » لا يفهم منه سوى التخيير بالمعنى الذي ذكرناه.

وذهب الأشاعرة إلى أنّ الواجب واحد غير معيّن يتعيّن بفعل المكلّف (3). والظاهر - كما قال الإمام الرازي (4) - إنّ هذا راجع إلى مذهب التخيير ، فلا نزاع معنى. ولو أرادوا غيره ، فلا ريب في بطلانه.

وقال بعض المعتزلة : الواجب هو الجميع ، ولكن يسقط بواحد (5).

ويدلّ على فساده أنّه لو وجب الجميع ، لكان اللازم الإتيان به ، ولم يبق للتخيير حينئذ معنى. ولا أدري من أين يفهم من موارد التخيير وجوب الجميع وإسقاطه بواحد ؛ فإنّه لا دلالة عليه بواحدة من الثلاث.

وقال بعض : إنّ الواجب واحد معيّن ، لكن يسقط به وبكلّ واحد من الأفراد الأخر (6).

ص: 126


1- منهم : السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 88 ، والعلاّمة في مبادئ الوصول : 102 ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 51 ، القاعدة 9.
2- منهم البصري في المعتمد 1 : 77 ، ونسبه أيضا إلى أبي علي وأبي هاشم في ص 79 ، والفخر الرازي في المحصول 2 : 159.
3- حكاه الفخر الرازي في المحصول 2 : 159 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 141 ، والشيخ حسن في معالم الدين : 72.
4- المحصول 2 : 159.
5- حكاه الباجي عن محمّد بن خويزمنداد في إحكام الفصول : 97 و 98.
6- راجع منهاج الاصول ، المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 142.

وظهر بطلانه ممّا ذكرنا.

وهنا مذهب آخر ينسبه كلّ من الأشاعرة والمعتزلة إلى الآخر ، واتّفقا على بطلانه ، وهو أنّ الواجب واحد معيّن عند اللّه ، مبهم عندنا (1).

ووجه ظهور سخافته : أنّ الواجب إذا كان معيّنا عند اللّه ، فلا معنى لأن يخيّر عباده بينه وبين غيره.

ثمّ اورد (2) على مذهب التخيير بأنّه لا معنى لتعلّق التكليف بالمبهم ؛ لاستحالة إيقاعه.

والجواب - كما أشرنا إليه (3) - : أنّ التكليف إنّما تعلّق بالمعيّن ، وهو الأمر الكلّي الصادق على كلّ واحد من الأفراد ، وكون الواحد المبهم واجبا إنّما هو لأجل اشتماله على هذا الأمر الكلّي.

واورد شبه آخر واهية ، وأجوبتها ظاهرة (4).

إذا عرفت ذلك ، فاعلم أنّه يتفرّع عليه أنّ المكلّف إذا أتى بجميع أفراد الواجب المخيّر معا دفعة ، فهل يوصف المجموع بالوجوب ؛ نظرا إلى عدم رجحان بعضها ، فيكون المسقط للفرض جميعها ؛ لأنّه أيضا من أحد الأفراد ، فيثاب المكلّف على الجميع ثواب واجب. أو يكون كلّ واحد منها مسقطا للفرض ، ويوصف كلّ واحد منها بالوجوب ، فيثاب على كلّ واحد ثواب واجب. أو يكون الواجب أحد الأفراد إذا تساوت ، وأدناها أو أعلاها إذا تفاوتت ، فيثاب عليه ثواب الواجب ، وعلى البواقي ثواب التطوّع (5)؟

قيل : الموصوف بالوجوب ليس إلاّ واحدا منها ، وهو الذي يتحقّق به مسمّاه ؛ لأنّ الشارع لم يطلب منّا سواه ، فيثاب عليه ثواب الواجب ، وعلى البواقي ثواب المستحبّ (6).

ص: 127


1- حكاه عنهم الأنصاري في فواتح الرحموت المطبوع مع المستصفى 1 : 66 ، والفخر الرازي في المحصول 2 : 160 ، والأسنوي في التمهيد : 79 ، والشيخ حسن في معالم الدين : 72 و 75.
2- هو ما يسمّى بقول « التراجم » ؛ لأنّ الأشاعرة يرجمون به المعتزلة ويروونه عنهم ، وكذلك المعتزلة يفعلون ، ولا يعلم قائله ، ولكن نسبه الأصفهاني إلى أبي الخطّاب الحنبلي ، راجع : المعتمد 1 : 87 ، والمحصول 2 : 160 ، والإبهاج 1 : 54 ، وسلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 141.
3- في ص 125.
4- راجع تمهيد القواعد : 4. القاعدة 9.
5- راجع تمهيد القواعد : 4. القاعدة 9.
6- المصدر : 59 ، القاعدة 12.

وفيه تأمّل ؛ لأنّ الشارع وإن لم يطلب منّا سوى ما يتحقّق به مسمّى الوجوب ، إلاّ أنّه تحقّق في الفرض المذكور في جميع الأفراد ، فيجب أن يكون ثوابه ثواب الواجب. وإن أتى بالأفراد على التعاقب ، فلا تأمّل في كون ما أتى به أوّلا واجبا ، فثواب البواقي ليس إلاّ مستحبّا.

ثمّ إنّ بعض الأفراد إذا كان داخلا في بعض آخر ، كمسح الرأس في الوضوء - حيث إنّ بعض أفراده المسح بإصبع واحدة ، وهو داخل في المسح بثلاث مثلا وأتى المكلّف بالفرد الأكمل - فالحقّ هنا أنّه يوصف بالوجوب ؛ لأنّ الواجب هو الماهيّة الكلّيّة التي يمكن أن تتحقّق في الفرد الناقص والكامل ، وهنا تحقّقت في الكامل ، فيتّصف بالوجوب ، ويثاب عليه ثواب الواجب.

ومن قال : إنّ القدر الزائد مستحبّ (1) ، فنظره إلى أنّه ليس بواجب. وجوابه معلوم.

وإذا ترك جميع الأفراد ، فلا شبهة في أنّه لا يعاقب إلاّ على أقلّها ؛ لأنّه لم يطلب سواه.

وممّا يتفرّع عليه : أنّه إذا أوصى رجل بفرد معيّن من أفراد الكفّارة ، وكان أعلى الأفراد ، فهل يحسب من الأصل ؛ نظرا إلى أنّه لو أتى به اتّصف بالوجوب ، أو يحسب الزيادة من الثلث ؛ نظرا إلى أنّ الواجب أقلّ منه؟ والظاهر ، الثاني.

تذنيب

يصحّ التخيير بين الواجب والندب ، وهذا ما يقال : إنّ أحد الفردين أفضل ، كالتخيير بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر على القول به ، والتخيير بين القصر والإتمام في المواطن الأربعة (2) ، وتخيير النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم في قيام الليل بين الثلث والنصف والثلثين (3) ، وتخيير المدين بين الإنظار والصدقة (4) ، وغير ذلك.

ويجوز التخيير بين المندوبين ، كما إذا نذر بأن يفعل أحد الأمرين ، ولم يجر الصيغة ؛ فإنّه يستحبّ الوفاء به ، ويتخيّر بينهما.

ص: 128


1- راجع تمهيد القواعد : 59 و 60 ، القاعدة 12.
2- هي المسجد الحرام ، ومسجد النبيّ ، والحائر الحسيني ، ومسجد الكوفة.
3- كما يستفاد ذلك من الآيات 1 - 4 من المزّمّل (73).
4- كما يدلّ عليه قوله تعالى : ( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) ، البقرة (2) : 280.

ولا يجوز التخيير بين المباح والحرام وفاقا.

وما روي من تخيير النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ليلة الإسراء بين اللبن والخمر فاختار اللبن ، فقال له جبرئيل : اخترت الفطرة ، ولو اخترت الخمر لغوت أمّتك (1) ، ليس تخييرا بين المباح والحرام ؛ لعدم كون الخمر حراما لو اختار. نعم ، كان له سوء عاقبة ، وهذا غير الحرمة.

تتميم

الحقّ أنّه يصحّ النهي تخييرا ، بمعنى أن يحرّم واحد لا بعينه ، وذلك كتحريم إحدى الاختين جمعا ، وتحريم البنت أو الأمّ ، وتحريم وطء إحدى الأمتين. وهذه المسألة كمسألة الوجوب التخييري اختلافا ، وتحقيقا ، ودليلا ، وردّا ، وإيرادا ، وجوابا ، وتفريعا ؛ فلا نطيل الكلام بذكرها.

فصل [12]
اشارة

الواجب المضيّق ما ساواه وقته. والموسّع ما فضل وقته عليه.

ولا يجوز أن ينقص الوقت من الفعل ؛ للزوم التكليف بما لا يطاق. وما ورد من وجوب الصلاة على الصبيّ إذا بلغ وقد بقي من الوقت مقدار ركعة (2) ، وعلى الحائض إذا طهرت كذلك (3) فالمراد منه القضاء.

ثمّ إنّه قد وقع الخلاف في الموسّع في موضعين ، فلا بدّ من ذكره وبيان الحقّ :

[ الموضع ] الأوّل : في ثبوته. فذهب أصحابنا (4) ومحقّقو العامّة إلى أنّه جائز وواقع (5) ، بمعنى أنّه يجوز أن يأمر الشارع بفعل في وقت يفضل عنه ، ويكون جميعه وقتا لأدائه ،

ص: 129


1- انظر صحيح مسلم 1 : 145 ، ح 259 / 162.
2- ذكرى الشيعة 2 : 351.
3- تهذيب الأحكام 1 : 391 ، ح 1207.
4- قال الشيخ حسن في معالم الدين : 73 : « أكثر الأصحاب » لأنّ ظاهر المفيد هو اختصاص الوجوب بأوّل الوقت.
5- راجع : الإحكام في أصول الأحكام 1 : 146 ، ومعارج الأصول : 74 ، ومعالم الدين : 73.

بمعنى أنّه يجوز إيقاعه في أيّ جزء من أجزائه ، وفي أيّ جزء اتّفق يكون أداء وواجبا بالأصالة ، فمرجعه حقيقة إلى الواجب التخييري. والفرق أنّ التخيير في التخييري بين الجزئيّات المتخالفة بالحقيقة ، وهنا في الجزئيّات المتماثلة بالحقيقة ، المتمايزة بالشخصيّة.

وبعبارة اخرى : التخيير هناك بين جزئيّات الفعل ، وهنا بين أجزاء الوقت.

قالوا : وقد وقع ؛ قال اللّه : ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ ) (1) ، ولا شكّ في تطبيقه على ما ذكر. وكذا الواجبات التي أوقاتها جميع العمر ، كالنذر المطلق وقضاء الواجبات.

والدليل على الجواز : أنّ السيّد إذا أمر عبده بفعل في وقت يفضل عنه ، وخيّره في إيقاعه بين أوّله ووسطه (2) وآخره ، لم يعدّه العرف محالا (3) ، بل يجوّزه ويحكم بالامتثال إذا أوقعه في أيّ جزء منه.

وعلى الوقوع : ما ورد من الأوامر المطلقة (4) التي تدلّ على إيقاع الفعل في وقت يفضل عنه من غير تقييد بأوّله ، أو وسطه ، أو آخره ، أو بجزء معيّن من أجزائه. وليس المراد منها تطبيق أجزاء الفعل على أجزاء الوقت ، ولا تكريره مرّة بعد اخرى حتّى ينقضي الوقت إجماعا ، فتعيّن القول بكونه واجبا على التخيير في أجزاء الوقت.

ثمّ المانعون بين قائل بأنّ الوجوب مختصّ بأوّل الوقت وبعده قضاء ، وهم ثلّة من الشافعيّة (5). وقائل بأنّه مختصّ بآخره وقبله نفل مسقط للوجوب ، كتقديم الزكاة ، وهم قليل من الحنفيّة (6). وقائل بأنّه مختصّ بآخره ويقع الفعل قبله مراعى ، فإن بقي المكلّف في آخره على صفة التكليف يظهر أنّ ما أتى به كان واجبا ، وإلاّ كان نفلا ، وهو الكرخي (7).

واحتجّوا بأنّه لا يجوز الزيادة في الوقت ؛ لأدائها إلى جواز ترك الواجب ، فلا بدّ من

ص: 130


1- الإسراء (17) : 78.
2- في « ب » : « وأوسطه ».
3- في « ب » : « مجازا ».
4- منها الآية المذكورة آنفا ( الإسراء (17) : 78 ).
5- (5 و 6) راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 5. ومعارج الاصول : 74 ، ومعالم الدين : 73.
6- (5 و 6) راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 6. ومعارج الاصول : 74 ، ومعالم الدين : 73.
7- راجع المصدر.

صرف الأمر إلى جزء معيّن منه ، وهو إمّا أوّله أو آخره ؛ لعدم القول بالواسطة. فمن خصّ الوجوب بأوّله قال : لأنّه لو لم يكن هو لما برئ ذمّته بأدائه فيه. ومن خصّه بالأخير قال : لو لم يكن هو لعصى المكلّف بتأخيره.

ودليل كلّ منهما جواب عن الآخر ، فيفسخ القولان ، ويثبت منه الوجوب التخييري في أجزاء الوقت.

وممّا ذكرنا في إثبات الوجوب الموسّع يظهر الجواب عمّا ذكروا من أدائه إلى جواز ترك الواجب.

[ الموضع ] الثاني : في وجوب البدل - وهو العزم على الفعل في الجزء الثاني من الوقت إذا أخّره عن جزئه الأوّل ، وفي الجزء الثالث إذا أخّره عن الثاني ، وهكذا - وعدمه.

فبعض أصحابنا كالسيّد والشيخ (1) على وجوبه ، أي تخيير (2) المكلّف بين الفعل والعزم عليه إلى الضيق ، ومعه يتعيّن الفعل ، ولا يجوز تركهما معا في وقت.

والأكثر على عدم وجوبه ، أي يجوز تركهما معا قبل الضيق ، ومعه يجب الفعل ، ولا يجب العزم في وقت. وهو الحقّ ؛ لأنّ الأوامر مطلقة (3) ، ولا تدلّ على وجوب بدليّة العزم بإحدى الثلاث ، بل لا يفهم منها سوى وجوب الفعل على التخيير في أجزاء الوقت. ولا يدلّ عليه أيضا غيرها من الأدلّة الخارجيّة.

والاستدلال عليه : بأنّ العزم لو كان بدلا لجاز الاكتفاء به من دون أداء الفعل مطلقا ؛ لأنّ هذا شأن البدل ، غير صحيح ؛ لأنّهم لم يقولوا : إنّه بدل عن الفعل مطلقا ، بل عنه إذا وقع فيه التأخير إلى وقت الضيق ، ومعه يتعيّن الفعل.

احتجّ الخصم : بأنّه لو جاز ترك الفعل قبل ضيق الوقت من غير بدل ، لزم خروجه عن الوجوب ؛ لأنّه يلزم حينئذ عدم تعلّق الإثم بالمكلّف إذا مات فجأة في أثناء الوقت من دون

ص: 131


1- الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 147 ، والعدّة في أصول الفقه 1 : 235.
2- في « ب » : « يتخيّر ».
3- منها الآية 78 من الإسراء (17).

الإتيان به وببدله ، فلا يكون الفعل واجبا ؛ لأنّ الواجب ما يكون تاركه لا إلى بدل آثما. ويلزم منه تساوي الفعل بالنسبة إلى قبل دخول الوقت وبعده ، وعدم انفصاله عن المندوب (1).

والجواب : أنّ هذا الوجوب لمّا كان وجوبا على التخيير في أجزاء الوقت ، فما لم يتحقّق الترك في جميع أجزائه ، لم يتعلّق به الإثم ؛ لأنّه في المخيّر يتعلّق بترك جميع أفراد الفعل ، والمدرك لبعض الوقت إذا مات فجأة ، لم يترك جميع أفراد الفعل ؛ لأنّه موقوف على إدراك جميعها وهو لم يدركه ، بل بعضها وهو لم يكن متعيّنا عليه ؛ لأنّ الواجب عليه أحد الأفراد لا على التعيين من المجموع ، فما تركه لم يكن واجبا عليه ، وما هو الواجب لم يدركه حتّى يتحقّق الترك.

وممّا ذكر يظهر الفرق بينه وبين الإتيان به قبل الوقت ؛ لأنّه لمّا كان من أحد أفراد الواجب المخيّر ، يسقط به الفرض ، بخلاف الإتيان به قبل الوقت.

وكذا يظهر الفرق بينه وبين المندوب وهو ظاهر.

هذا ، وقيل : العزم على فعل كلّ واجب قبل الإتيان به إجمالا وتفصيلا عند تذكّره من أحكام الإيمان ، فلزوم الإثم على تركه لذلك ، لا لكونه من أحد أفراد الواجب المخيّر (2).

واورد عليه : بأنّ معنى العزم على الفعل قصد الإتيان به ، فإن اريد به القصد المقارن له أعني النيّة ، فوجوبه مسلّم ، لكنّه غير محلّ النزاع ، وإن اريد به القصد غير المقارن ، فلا نسلّم وجوبه ، ولا دليل عليه (3).

أقول : ليس محلّ النزاع حالة الغفلة ؛ لعدم تعلّق التكليف حينئذ ، بل عند التذكّر الإجمالي أو التفصيلي ، ولا شكّ في أنّه إذا لم يتحقّق حينئذ قصد الإتيان بالواجب ، يتحقّق قصد تركه ؛ لعدم خلوّ المكلّف عن أحد هذين القصدين عند التذكّر ، فالمراد من العزم عدم إرادة الترك ؛ لتلازمهما. ولا شبهة في ترتّب الإثم عليه ؛ لأنّه من أحكام الإيمان أي من

ص: 132


1- راجع معالم الدين : 75 - 78.
2- قاله العلاّمة في تهذيب الوصول : 109 ، والشيخ حسن في معالم الدين : 75.
3- راجع : المحصول 2 : 177 ، وقوانين الاصول 1 : 119.

توابعه ومكمّلاته ، لا من لوازمه غير المنفكّة ، وإلاّ لزم خروج المكلّف عن الإيمان عند قصد ترك الواجب ، وهو باطل.

والقول بعدم ترتّب الإثم على إرادة ترك الواجب مناف لأخبار النيّة (1) ، وإن دلّ عليه بعض الظواهر (2) ، فتأمّل.

وقال بعضهم : وجوب العزم على الفعل لأجل توقّف تحقّق التصديق الذي هو الإذعان عليه ، وهو من لوازم الإيمان (3).

وهو كما ترى ؛ لأنّ التصديق لا يتوقّف على إرادة الفعل مطلقا ؛ فإنّ فسّاق المسلمين يذعنون بوجوب الواجبات ، ويصدّقون به ، ولا يريدون فعلها. ولو ثبت التوقّف ، لزم خروج من لم يعزم على فعل واجب - إذا كان وجوبه بديهيّا - عن الإيمان ، وهو باطل.

إذا عرفت ذلك تعلم أنّه لا يجب العزم في الواجبات الموسّعة إذا لم يؤدّها في أوائل الأوقات وأواسطها (4) ، على أنّه من أحد أفراد الواجب المخيّر ، بل إن وجب يكون وجوبه لأجل ما ذكر. فلا فرق في وجوبه حينئذ قبل دخول الوقت وبعده ، ولا بين الواجب الموسّع والمضيّق ، فلا يجب بعد دخول وقت الموسّع عزم لم يجب (5) قبله ، كما هو مذهب القائلين بالعزم (6).

ويتفرّع على وجوب عدم إرادة ترك الواجب ترتّب الإثم على من وطئ زوجته ظانّا أنّها أجنبيّة ، وعلى من قتل قاتل أبيه ظانّا أنّه بريء.

تذنيب

من أدرك وقت الواجب الموسّع وظنّ الموت في أثنائه ، يجب أن يؤدّي الفعل قبل الجزء الذي ظنّ موته فيه ، فلو تركه قبله ومات عصى ؛ لأنّه متعبّد بظنّه وخالف.

ص: 133


1- منها ما في الكافي 2 : 85 ، باب النيّة ، ح 5.
2- المصدر : 428 ، باب من يهمّ بالحسنة والسيّئة ، ح 1 و 2 و 4.
3- قاله المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 164.
4- في « ب » : « أوسطها ».
5- في « ب » : « ولم يجب ».
6- نسبه الفخر الرازي إلى أكثر المتكلّمين في المحصول 2 : 175.

وإن كذب ظنّه ، وبقي وأتى بالفعل بعد الجزء المذكور ، فالحقّ ترتّب العصيان عليه أيضا ؛ لما ذكر.

وهل فعله حينئذ أداء أو قضاء؟ الصواب أنّه أداء ؛ لصدق تعريفه عليه وعدم اعتبار الظنّ بعد ظهور فساده. وقيل : قضاء ؛ لتعيّن وقته باعتبار الظنّ (1).

وجوابه : أنّ هذا مشروط باستمراره ، ومع ظهور فساده لا عبرة به.

ويجري الأحكام المذكورة في الواجب الذي وقته العمر.

ومن ظنّ السلامة ، أو شكّ بينها (2) وبين الموت ، وأخّر الفعل عن أوّل الوقت فمات فجأة ، لم يكن عاصيا ؛ لأنّ التأخير جائز له ، ولم يحدث مناف له ، وكذا ما وقته العمر.

والفرق بينهما بأنّه لو أخّر الأخير مع ظنّ السلامة فمات فجأة عصى وإن لم يتحقّق الوجوب ، تحكّم.

وكيفيّة التفريع : أنّ من عليه نذر مطلق إذا ظنّ موته في زمان يجب أداؤه قبله ، ومع التأخير يأثم ، وإن أتى به بعده يكون أداء ، ويلزم نيّة الأداء. وإن ظنّ السلامة فمات فجأة ، لم يكن آثما. وقس عليه باقي الواجبات التي وقتها مدّة العمر ، والواجبات الموسّعة.

فصل [13]

اختلف القوم في وجوب ما لا يتمّ الواجب إلاّ به إذا كان مقدورا - ويعبّر عنه بمقدّمة الواجب - على أربعة أقوال :

الأوّل : الوجوب مطلقا ، ذهب إليه الأكثر.

الثاني : عدمه مطلقا.

الثالث : وجوب السبب دون باقي المقدّمات ، ونسبه الأكثر إلى المرتضى رحمه اللّه (3) ، وستعلم ما فيه.

ص: 134


1- نسبه الآمدي إلى القاضي أبي بكر في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 150.
2- في « ب » : « بينهما ».
3- الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 83. وقال الشيخ حسن في معالم الدين : 60 : « وكلامه في الذريعة والشافي غير مطابق للحكاية ».

الرابع : وجوب الشرط الشرعي دون غيره ، ذهب إليه ابن الحاجب (1).

والحقّ الأوّل.

وقبل الخوض في الاستدلال لا بدّ من بيان امور :

[ الأمر ] الأوّل : ما يتوقّف عليه الواجب إمّا سبب ، أو شرط. وكلّ منهما إمّا عقلي ، أو شرعي ، أو عادي.

فالسبب العقلي كالصعود للكون على السطح ، والضرب بالسيف للقتل. والشرعي غير المقدور عليه كالدلوك لوجوب الظهر ، والمقدور عليه كالصيغة الشرعيّة بالنسبة إلى حصول الملك وإباحة الوطء. والعادي كالإطعام للإشباع.

والشرط العقلي كقطع المسافة للحجّ. والشرعي كالوضوء للصلاة والملك للعتق. والعادي كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه.

ولم يتعرّض القوم للعلل الناقصة والمعدّ ورفع المانع وباقي أجزاء العلّة التامّة ، وكأنّهم أدرجوها في الشرط.

وينقسم مقدّمة الواجب باعتبار آخر إلى ما يتوقّف وجود الواجب عليه ، كبعض الأمثلة السابقة من السبب والشرط. وإلى ما يتوقّف صحّته عليه ، كالوضوء للصلاة. وإلى ما يتوقّف العلم بصحّته عليه ، كالصلاة إلى أربع جهات ؛ للعلم بإتيان الصلاة إلى القبلة ، وكالصلاة في كلّ واحد من الثوبين ، الطاهر والنجس ؛ للعلم بإتيان الصلاة في الثوب الطاهر.

وهذا القسم من المقدّمة إمّا أن يكون فعلا ، كما ذكر أو تركا ، كما إذا طلّق واحدة من زوجاته على التعيين ثمّ نسيها ؛ فإنّه يحتمل وجوب ترك الجميع عليه من باب المقدّمة. فلو طلّق واحدة منهنّ من غير تعيين ، فقد اختلف في وقوعه ، فإن قلنا به ، احتمل حينئذ أيضا وجوب ترك الجميع من باب المقدّمة.

[ الأمر ] الثاني : قدماء القوم أطلقوا القول بأنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب (2) ، وقيّد

ص: 135


1- منتهى الوصول : 36.
2- كالغزالي في المستصفى : 57 ، والفخر الرازي في المحصول 2 : 192 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 152 و 153. وفي الذريعة إلى أصول الشريعة للسيّد 1 : 83 : « هل الأمر بالشيء أمر بما لا يتمّ إلاّ به؟ ».

المتأخّرون الواجب بالمطلق (1) ؛ لأنّ مطلق الواجب على قسمين :

أحدهما : المقيّد ، وهو ما كان وجوبه مقيّدا بمقدّمة زائدة على الامور المعتبرة في التكليف ، كالزكاة المتوقّف وجوبها على ملك النصاب ، والحجّ المتوقّف وجوبه على الاستطاعة.

ولا خلاف في عدم وجوب هذه المقدّمة ؛ لأنّه قال الشارع : من ملك النصاب يجب عليه الزكاة ، ومن استطاع يجب عليه الحجّ ، وليس هذا أمرا بتحصيل النصاب والاستطاعة ، بل المراد إن اتّفق ذلك يجب الزكاة والحجّ ، وإن لم يتّفق فلا وجوب ، ولذا قيل : ما ارتكبه القدماء - من عدم التقييد - صحيح (2) ؛ لأنّ غرضهم من الواجب ما هو واجب بالفعل والحقيقة ، والواجب المقيّد قبل اتّفاق مقدّمته ليس كذلك (3).

وثانيهما : الواجب المطلق ، وهو ما أمر به الشارع مطلقا من غير تقييد وجوبه بمقدّمة زائدة ، كالصلاة التي أمر بها في حالة الطهارة والحدث ، ولكنّها تتوقّف على الطهارة ، إلاّ أنّ الطهارة ليست قيدا لوجوبها ، بل هي واجبة وإن لم يتّفق الطهارة. وهذه المقدّمة هي التي وقع فيها الخلاف.

وقد يكون واجب بالنسبة إلى مقدّمة مقيّدا ، وبالنسبة إلى اخرى مطلقا ، كالصلاة بالنسبة إلى البلوغ والطهارة ، فلا يجري الخلاف في الاولى ، ويجري في الثانية.

[ الأمر ] الثالث : وجوب الشيء إمّا عقلي ، وهو لا بدّيّة فعله ، أي العقل يحكم بأنّه لا بدّ من فعله ولا مفرّ منه. وإمّا شرعي ، وهو أن يتعلّق خطاب الشارع به أصالة أو تبعا حتّى لو ترك ترتّب عليه العصيان.

ثمّ الظاهر من كلام الأكثر أنّه لا خلاف في ثبوت الوجوب العقلي لجميع مقدّمات

ص: 136


1- راجع معالم الدين : 60 : « أنّ الأمر بالشيء مطلقا ».
2- أي لا نحتاج إلى قيد الإطلاق ؛ لفهم القيد من كلمة « الواجب » ، فليس معنى العبارة حصر الصحّة في عبارة القدماء. ولو كان الحصر مرادا ، لقال : « هو الصحيح ».
3- قاله الملاّ ميرزا في حاشية معالم الدين : 57. وهو حسن في عبارة « مقدّمة الواجب » لا في « مقدّمة الشيء » ، فإنّه يحتاج إلى القيد.

الواجب ، سواء كانت عقليّة ، أو شرعيّة ، أو عاديّة ؛ بمعنى أنّه لا بدّ من فعلها عقلا في تحصيل الواجب وإن قيل : لم يتعلّق بها خطاب الشارع أصلا وتبعا ، بل تعلّق بذي المقدّمة فقط ، وكان تارك الواجب عاصيا من جهة تركه فقط لا من جهة ترك المقدّمة أيضا (1). فالخلاف إنّما هو في الوجوب الشرعي للمقدّمات ، بمعنى أنّه هل تعلّق بها خطاب الشارع تبعا لخطابه بذي المقدّمة حتّى يكون الخطاب بالعتق خطابا لتحصيل الملك والعتق ، ويكون تاركه تاركا للواجبين ، ويترتّب على كلّ منهما إثم على حدة؟ (2)

هذا ، والظاهر من كلام المرتضى - كما نذكره - عدم الوجوب العقلي أيضا للمقدّمات سوى السبب (3).

والحقّ أنّ ثبوت الوجوب العقلي بديهي عقلي ، ويدلّ عليه جميع الأدلّة الآتية ، وما ذكره رحمه اللّه ستعلم ما فيه.

[ الأمر ] الرابع : المشهور عند القوم عدم الخلاف في بقاء الواجب المطلق على إطلاقه في كلّ حال وإن لم يتّفق مقدّمته ، يعني إذا لم يتّفق الطهارة لا يرتفع وجوب الصلاة ، كما يرتفع وجوب الزكاة عند عدم اتّفاق النصاب.

ويظهر من كلام المرتضى رحمه اللّه اختصاص وجوبه بحال وجود مقدّمته ، وأمّا في حال عدمها فلا يبقى على وجوبه ، بل يكون حينئذ بالنسبة إلى مقدّمته واجبا مقيّدا ، فلا يجب تحصيل مقدّمته ؛ لأنّها من مقدّمات الواجب المقيّد (4).

وحاصل كلامه : أنّ جميع مقدّمات الواجب ليست واجبة ؛ لاحتمال كونها من مقدّمات الواجب المقيّد ، لا أنّها ليست بواجبة مع كونها من مقدّمات الواجب المطلق.

ثمّ لمّا ذهب إلى ذلك ، لزمه الفرق بين السبب والشرط ؛ لأنّه يمكن أن يقيّد وجوب الشيء باتّفاق وجود شرطه ، ولا يمكن تقييد وجوب الشيء بوجود سببه ؛ لأنّ السبب

ص: 137


1- نسبه الشيخ حسن إلى قيل في معالم الدين : 61.
2- راجع المصدر : 60 - 61.
3- الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 83 و 84.
4- راجع المصدر.

مستلزم للمسبّب ، فتقييد وجوبه بوجوده يؤدّي إلى تقييد وجوب الشيء بوجوده وهو محال ؛ فلا يجوز أن يقال - مثلا - : « إذا اتّفق الصعود إلى السطح يجب الكون عليه » ، فلذا حكم بأنّ الأمر بشيء أمر بسببه دون شرطه ، وتفريقه بينهما في هذه الصورة ، لا أنّهما إذا كانا من مقدّمات الواجب المطلق يجب السبب دون الشرط ، كما نسب إليه الأكثر.

واحتجّ السيّد على ما ذهب إليه بأنّ الواجب على قسمين : مطلق ومقيّد ، والثابت بالأوامر مطلق الوجوب وهو غير الوجوب المطلق ؛ لأنّ الأوّل أعمّ من الثاني ، ولا دلالة للعامّ على الخاصّ ، فيحتمله والمقيّد ، فالمتيقّن وجوبه عند وجود المقدّمة ، وأمّا عند عدمها فموضع شكّ (1).

وجوابه : أنّ الأمر إذا ورد بشيء مطلقا ، فالظاهر كونه مطلوبا في جميع الحالات ، إلاّ إذا علم التقييد ، فالأوامر المطلقة تدلّ على الوجوب المطلق ، لا مطلق الوجوب ، ولذا إذا أمر السيّد عبده بالصعود إلى السطح ، لا يصحّ منه الاعتذار بأنّه لم يكلّفني نصب السلّم ، ولم يتّفق وجوده لي ، بل إن لم يصعد واعتذر بذلك مع القدرة على نصب السلّم ، يذمّه العقلاء. فكلّ واجب ورد به أمر وله مقدّمات ، فإن علم بالدليل تقييد وجوبه بمقدّمة منها ، يحكم بأنّه واجب مقيّد بالنسبة إليها ، وإن لم يعلم ذلك ، يحكم بكونه مطلقا بالنسبة إليها ، وهذا هو المعيار في ذلك.

إذا عرفت ذلك ظهر عليك أنّه لا خلاف يعتدّ به في ثبوت الوجوب العقلي لجميع مقدّمات الواجب المطلق في جميع الحالات ، إنّما الخلاف في الوجوب الشرعي لها. والحقّ ثبوته بأجمعها ؛ لوجوه :

منها : أنّا قد بيّنّا في بحث الحسن والقبح (2) أنّ الوجوب والحرمة العقليّين يستلزمان الوجوب والحرمة الشرعيّين.

ومنها : أنّ الأحكام الشرعيّة منوطة بالمصالح ، فكلّ واجب يشتمل على مصلحة ،

ص: 138


1- الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 84 و 85.
2- تقدّم في ص 102 - 103.

ومقدّمته لكونها وسيلة إليه تشتمل على تلك المصلحة بعينها ، فتكون واجبة. ولمّا فهم هذا الاشتمال من الأمر بذي المقدّمة ، فيكون الأمر بها تابعا له.

ومنها : أنّه قد ورد في بعض الآيات والأخبار المدح على فعل مقدّمة الواجب (1) ، وفي بعضها الذمّ على تركها ، وهذا مستلزم لوجوبها.

ومنها : أنّ السيّد إذا أمر عبده بفعل ، وكان قادرا على تحصيل مقدّمته ، فتركه واعتذر في ذلك بفقدها أو عدم وجوبها ، يذمّه العرف. ولا يخفى أنّ ذمّ العرف حقيقة على اعتذاره وإن توجّه على ترك أصل الفعل أيضا.

فاندفع ما قيل في الجواب : إنّ الذمّ يتوجّه على ترك الفعل ، لا على ترك مقدّمته (2).

هذا ، واستدلّ عليه أيضا ؛ بأنّه لو لم يجب المقدّمة مع وجوب ذي المقدّمة ، يلزم التكليف بما لا يطاق ، ومع عدمه يلزم خروج الواجب المطلق عن وجوبه ، واللازمان باطلان (3).

واجيب : بتسليم وجوبه ، وعدم لزوم التكليف بما لا يطاق ؛ فإنّ المحال وجوب الفعل عند عدم وجود مقدّمته ، لا عند عدم وجوبها ؛ فإنّ الإتيان بذي المقدّمة مع عدم وجودها محال ، فيلزم اللازم المذكور. وأمّا مع وجودها ، فيمكن الإتيان به وإن لم تكن واجبة. والمطلوب أنّ وجوبها حينئذ عقلي ، أي لا بدّ من فعلها ، وليس لها وجوب شرعي ، أي تعلّق خطاب الشرع بها بحيث لو تركت ترتّب عليها (4) إثم على حدة. فهذا الدليل ممّا يثبت به الوجوب العقلي لا الشرعي (5).

وقيل عليه أيضا : إنّه لو ورد ما ذكر ، يلزم وروده في صورة وجوب المقدّمة أيضا ؛ لأنّ وجوبها شرعا لا يستلزم وجودها عقلا. فإن عدمت ، فإمّا أن يبقى الفعل واجبا ، أو لا ، فعلى

ص: 139


1- كآية 6 من سورة المائدة (5) : ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... ) ، والأحاديث الآمرة بالصلاة إلى أربع جهات عند اشتباه القبلة ، فراجع الفقيه 1 : 1. ح 854 ، والصلاة في الثوبين عند اشتباه الطاهر بالنجس. فراجع : الفقيه 1 : 1. ح 756 ، وتهذيب الأحكام 2 : 225 ، ح 887.
2- أجاب به القمّي في قوانين الاصول 1 : 105.
3- راجع معالم الدين : 62.
4- أي على تركها.
5- راجع معالم الدين : 62.

الأوّل يلزم التكليف بما لا يطاق ، وعلى الثاني خروج الواجب عن وجوبه ، والغرض أنّ وجوب المقدّمة شرعا إنّما هو في صورة كونها مقدورة ، ومع عدم كونها مقدورة لا يتعلّق بها وجوب ، فيلزم أحد الأمرين (1).

فإن قيل في الجواب هنا : قد يتحقّق وجوب الفعل عند عدم مقدّمته ، وليس وجوبه بأن يؤدّى في هذه الحال ، بل عند وجود مقدّمته.

نقول هناك : إذا لم يناف وجوب الفعل عدم وجود ما يتوقّف عليه ، فلا ينافي وجوبه عدم وجوب ما يتوقّف عليه أيضا بطريق أولى.

والحقّ أنّ هذا النقض غير لازم ؛ لأنّه في حال عدم المقدّمة يمكن أن يقال : يسقط الوجوب عن الفعل ؛ لأنّ عدم ما يتوقّف عليه الشيء مستلزم لعدم هذا الشيء ، ووجوب الفعل عند عدم مقدّمته غير مسلّم ، بل هو في هذه الحال يصدق عليه أنّه بحيث يصير واجبا عند وجود مقدّمته ، فليس وجوبه حاليّا ، بل استقباليّا.

واحتجّ المانع مطلقا بوجوه ضعيفة :

منها : أنّه لو وجب مقدّمة الواجب لزم صحّة شبهة الكعبي (2).

وقد عرفت جوابها (3) من غير احتياج إلى منع وجوب مقدّمة الواجب.

ومنها : أنّه قد يأمر أحد غيره بفعل مع غفلة الآمر عمّا يتوقّف عليه هذا الفعل ، فالأمر بفعل إذا لم يستلزم تصوّر ما يتوقّف عليه ، فكيف يدلّ على إيجابه؟! (4)

والجواب : أنّ العلم بلوازم الأفعال غير لازم ، فيمكن أن يكون شيء لازما لأفعالنا مع عدم علمنا به ، مع أنّ هذا يجري فيمن يجوز عليه الغفلة ، وفيما نحن فيه ليس كذلك ؛ لأنّ الآمر هو الشارع للأحكام ، ولا يجوز عليه الغفلة (5).

ص: 140


1- راجع معالم الدين : 61 ، والوافية : 221.
2- وهي إنكار المباح ، راجع ص 121.
3- تقدّم في ص 121 - 122.
4- راجع نهاية السؤل 1 : 197 و 198.
5- في « ب » : « غفلة ».

ومنها : لو وجب ما لا يتمّ الواجب إلاّ به لافتقر إلى نيّة على حدة (1).

والجواب : أنّ نيّة الواجب تكفي عن نيّة لازمه.

ومنها : أنّه لو وجب لزم ترتّب الإثم على تركه وليس كذلك (2).

والجواب : أنّه لا خلاف في وجوب كلّ واحد من أجزاء الواجب المركّب كالصلاة ؛ فإنّ كلّ واحد من أجزائها واجب وفاقا ، فإذا تركت الصلاة يلزم أن يترتّب على كلّ واحد منها إثم على حدة ، فما تقولون هنا نحن نقول هناك ، فإن التزمتم ترتّب الإثم على ترك كلّ واحد منها ، فإنّا أيضا نلتزم ترتّب الإثم على تركه.

ومنها : أنّه لو وجب لاستحال التصريح بعدم وجوبه ؛ للزوم التناقض (3).

والجواب : أنّ هذا في حكم الاستثناء.

ومنها : أنّ الطلب صريحا لم يتعلّق به ، بل تعلّق بالواجب نفسه (4).

والجواب : أنّ الطلب لا ينحصر في الصريح ، بل يكفي الضمني أيضا. والقول بأنّه لم يوجد هنا واحدة من الدلالات الثلاث واه ؛ فإنّ الالتزاميّة موجودة ، كما لا يخفى على من يعرفها.

فإن قيل : لا بدّ في الالتزاميّة من اللزوم العقلي أو العرفي.

قلت : اللزوم العقلي موجود وإن لم يكن مقصودا للمتكلّم ؛ فإنّ الدلالة التي ليست بصريحة إمّا دلالة اقتضاء ، أو إيماء ، أو إشارة. ودلالة الإشارة هي الالتزاميّة مع عدم كون المعنى الالتزامي في قصد المتكلّم ، كدلالة قوله تعالى : ( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (5) مع قوله : ( وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ ) (6) على أنّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر ، وما نحن فيه من هذا القبيل.

واستدلّ من خصّ الوجوب بالسبب :

أمّا على نفي وجوب ما عداه ، فبما مرّ (7) ، وبأصالة عدم الوجوب ، وأصالة اتّحاد متعلّق الخطاب.

ص: 141


1- راجع نهاية السؤل 1 : 197 و 198.
2- راجع نهاية السؤل 1 : 197 و 198.
3- راجع : المصدر 1 :2. 211 ، وقوانين الأصول 1 : 99 - 106.
4- راجع : المصدر 1 :2. 211 ، وقوانين الأصول 1 : 99 - 106.
5- الأحقاف (46) : 15.
6- لقمان (31) : 14.
7- مرّ آنفا من أدلّة المنع.

وأمّا على وجوبه ، فبأنّ القدرة تتعلّق حقيقة بالسبب دون المسبّب ؛ لأنّ إيجاد السبب مستلزم لإيجاده ، وبدون إيجاده لا يمكن إيجاده ، فالأمر بالمسبّب أمر حقيقة بالسبب وإن تعلّق ظاهرا به (1).

والجواب عن الجزء الأوّل :

أمّا عمّا مرّ من أدلّة المنع ، فلما عرفت جوابها (2).

وأمّا عن الأصل ، فبأنّ حجّيّته عند عدم الدليل.

وعن الجزء الثاني : فنحن نقول به. ويدلّ عليه - مضافا إلى ما ذكره وذكرنا قبل ذلك - نقل الإجماع ؛ فإنّه نقل جماعة الإجماع على وجوب السبب (3).

واحتجّ ابن الحاجب على عدم وجوب غير الشرط الشرعي بما مرّ (4).

وقد عرفت الحال. وعلى وجوبه : بأنّه لو لم يجب لكان الآتي بالمشروط فقط آتيا بجميع ما امر به ، فيلزم خروجه عن كونه شرطا شرعيّا (5).

واجيب (6) بمنع الشرطيّة (7) ، أي ليس الآتي بالمشروط فقط آتيا بجميع ما امر به ، لأنّ الإتيان بالمشروط بدون الشرط غير صحيح. وليس هذا لكونه واجبا شرعيّا ، بل لكونه ممّا لا بدّ منه شرعا ، كما أنّ الشرط العقلي ممّا لا بدّ منه عقلا. فالفرق بينهما أنّ اللابدّيّة في العقلي عقليّة ، وفي الشرعي شرعيّة ، واللابدّيّة الشرعيّة غير الوجوب ، بناء على مغايرة الحكم الوضعي للشرعي.

وقد عرفت (8) أنّ الحقّ عدم المغايرة بينهما ؛ فاللابدّيّة الشرعيّة مستلزمة للوجوب

ص: 142


1- راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 83 ، وتهذيب الاصول : 110.
2- في ص 140 وما بعدها.
3- كابن الحاجب في منتهى الوصول : 36 و 37 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 90 و 91 ، والتفتازاني في شرح الشرح كما في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 200.
4- راجع ص 135.
5- راجع : منتهى الوصول لابن الحاجب : 36 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 90 و 91 ، ونهاية السؤل 1 : 206.
6- أجاب به الأسنوي في نهاية السؤل 1 : 200 و 201.
7- والمراد بها الملازمة.
8- راجع ص 95.

الشرعي (1) إذا كانت في شرط الواجب لا في شرط المندوب أيضا ؛ فإنّ مجرّد الشرطيّة لا يستلزم الوجوب الشرعي ، كما أنّ الوضوء شرط للنافلة وليس بواجب شرعي ، بل الشرطيّة - مع كون الشرط من مقدّمات الواجب - تستلزم الوجوب الشرعي. وقد عرفت (2) أيضا أنّ الوجوب العقلي مستلزم للوجوب الشرعي ، فالفرق تحكّم.

هذا ، واعلم أنّ الشرط الشرعي إمّا أن يتعلّق به صريح أمر آخر سوى ما يفهم من الأمر بالمشروط ، وهو الغالب كالوضوء ، أو لا. ولا خلاف في وجوب الأوّل ؛ لأنّه قسم من الواجب الأصلي - وهو ما تعلّق به الأمر أصالة وصريحا - إلاّ أنّه واجب لغيره ، وقسمه الآخر ما هو واجب لنفسه ، كالصلاة وأمثالها. ولا خلاف في أصل الوجوب الشرعي للواجب الأصلي بقسميه ، وإنّما الخلاف في وجوب مقابله وهو الواجب التبعي ، أي ما فهم إيجابه من إيجاب شيء آخر ، سواء كان له وجوب أصلي أيضا ، أو لا.

فالخلاف في مقدّمة الواجب إن كان في أصل وجوبها ، لم يجز وقوعه في الشرط الشرعي الذي دلّ عليه صريح الأمر ؛ لكونه واجبا وفاقا ، وإن كان في وجوبها التبعي - أي كون إيجاب ذي المقدّمة مستلزما لإيجاب المقدّمة - جاز وقوعه فيه أيضا ، إلاّ أنّ هذا الخلاف فيه عديم الفائدة ؛ لأنّه إذا كان له وجوب أصلي بلا خلاف (3) ، فما الفائدة للخلاف في أنّه هل له وجوب تبعي ، أم لا؟ ولذا قيل : الظاهر من كلام القوم أنّ الخلاف فيما لم يتعلّق به أمر آخر غير ما تعلّق بمشروطه - سواء كان شرطا شرعيّا أو غيره - بأنّه هل يجب تبعا ، أم لا؟ (4)

فإن قلت : الشرط الشرعي لا بدّ من أن يتعلّق به أمر الشارع ؛ لأنّه لا معنى لشرطيّته إلاّ حكم الشارع بأنّه يجب الإتيان به عند الإتيان بمشروطه ، فالشرط الذي لم يتعلّق به هذا الحكم لا يكون شرطا شرعيّا ، فلا يتحقّق الشرط الشرعي الذي لم يتعلّق به صريح الأمر.

ص: 143


1- الاستلزام دليل المغايرة ، فلا يخفى ما في الجمع بين نفي المغايرة وإثبات الاستلزام.
2- راجع ص 103.
3- هذا خبر « أنّه » والضمير في « أنّه » راجع إلى الإيجاب وفي « له » راجع إلى الشرط الشرعي.
4- قاله القاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 91 ، والقمّي في قوانين الاصول 1 : 108.

قلت : الشرطيّة من خطاب الوضع ، وهو غير الأمر والإيجاب ، فيمكن أن يجعل الشارع أمرا شرطا لغيره من غير أن يأمر به.

فالشرط إمّا أن يأمر به الشارع ويصرّح بالشرطيّة ، وهو الشرط الشرعي الذي تعلّق به صريح الأمر.

أو يصرّح بالشرطيّة من دون الأمر ، وهو الشرط الشرعي الذي لم يتعلّق به صريح الأمر.

وهذا القسم إن وجب ليس وجوبه من الأمر ، بل من الشرطيّة الشرعيّة ، مع كون الشرط من مقدّمات الواجب.

أو لا يأمر به ولا يصرّح بالشرطيّة أيضا ، ولكن يعلم عقلا أنّ الفعل موقوف عليه وهو الشرط العقلي ، ووجوبه من الشرطيّة العقليّة مع كونه من مقدّمات الواجب.

إذا عرفت ذلك ، فكيفيّة التفريع ظاهرة عليك. والفروع لهذا الأصل كثيرة ، وقد سبق جملة منها.

ومنها : أنّه إذا مات رجل وعليه حجّة واجبة ، فعلى القول بوجوب المقدّمة يجب أن يحجّ عنه عن بلده ، وعلى القول الآخر يجوز أن يحجّ عنه من أيّ موضع اتّفق. وهو المشهور عند أصحابنا (1) ؛ لأدلّة خارجيّة (2).

ثمّ إنّ مقدّمة الواجب إمّا أن لا يكون لها معارض من العقل والنقل ، أو يكون لها ذلك.

فالأوّل لا تأمّل في وجوبه على ما اخترناه ، كدخول جزء من الليل في الصوم ، والإتيان بالصلوات الخمس أو ثلاث - على اختلاف القولين - لمن ترك واحدة ولم يدر بعينها (3).

والثاني يجب فيه الفحص والتفتيش حتّى يظهر الترجيح ، وذلك كالشبهة في موضوع (4) الحكم ، مثل أن يسقط تمرة نجسة بين تمر كثير ولم تتميّز ، أو اشتبه لحم الميّت بالمذبوح ، وأمثال ذلك ، فإنّه يجب حينئذ ترك الجميع من باب المقدّمة ، إلاّ أنّ له معارضا ، وهو أصالة

ص: 144


1- راجع تذكرة الفقهاء 7 : 96 و 97 ، المسألة 67.
2- تهذيب الأحكام 5 : 405 ، ح 1411 و: 415 ، ح 1445.
3- ليس ما ذكر مقدّمة للواجب ، بل مقدّمة للعلم بامتثاله ، ويعرف هذا بالمقدّمة العلميّة لا العينيّة ، والكلام في المقدّمة في الثانية.
4- في « ب » : « موضع ».

الحلّيّة والطهارة حتّى يعرف الحرام والنجس بعينه ، كما دلّ عليه بعض الأخبار (1).

والمشهور بين الفقهاء وجوب الاجتناب عن الجميع لو وقع الشبهة (2) في المحصور عادة ، وعدمه لو وقع في غيره (3). وتأمّل بعضهم (4) في الفرق. ولعلّك تعرف حقيقة الحال بعد ذلك.

وقد يكون وجوب مقدّمة الواجب معتضدا بدليل آخر ، وحينئذ لا شبهة في وجوبها.

وقد يستدلّ بعدم وجوب مقدّمة شيء على عدم وجوبه ، كما يقال : الصلاة في الدار المغصوبة ليست بواجبة ؛ لأنّ الكون فيها من مقدّمات الصلاة فيها وهو ليس بواجب ؛ للنهي عنه ؛ فالصلاة فيها ليست بواجبة ، وإذا لم تكن واجبة تكون باطلة ، وقد يعتضد ذلك بأنّها منهيّ عنها ؛ لكونها مضادّة للخروج المأمور به ، والأمر بالشيء نهي عن ضدّه.

وبالجملة ، في أمثال هذه المواضع يجب الفحص حتّى يظهر الترجيح.

وإذا عرفت حقيقة الحال في مقدّمة الواجب مع كيفيّة التفريع ، تعرف ذلك في مقدّمة الحرام والمستحبّ والمكروه ، ولا يحتاج إلى بيان.

فصل [14]

هل يجوز اتّصاف شيء واحد بحكمين من الأحكام الخمسة ، مثل أن يكون واجبا حراما ، أو واجبا مكروها ، وهكذا؟

والحقّ عدم الجواز مطلقا ، إلاّ أنّ له صورا وقع في بعضها الخلاف ، فلا بدّ من ذكرها وبيان ما هو الحقّ :

[ الصورة ] الأولى : لا خلاف في جواز ذلك في الواحد بالجنس ، بأن يكون شيء جائز

ص: 145


1- منها : ما دلّ على أصالة الحلّيّة كما في الكافي 5 : 313 ، باب النوادر ، ح 39 و 40 ، و: 339 ، باب الجبن ، ح 1 و 2. ومنها : ما دلّ على أصالة الطهارة كما في تهذيب الأحكام 1 : 1. ح 832.
2- كذا في النسختين. والأولى : « المشتبه ».
3- منهم : العاملي في مدارك الأحكام 1 : 107 ، والوحيد البهبهاني في الفوائد الحائريّة : 248 ، وراجع الحدائق الناضرة 1 : 148 و 149.
4- ذهب القمّي إلى عدم الفرق فيما لا نصّ فيه وقال في المحصور : « والذي يترجّح في النظر هو عدم الوجوب ». راجع : قوانين الاصول 1 : 4. والحدائق الناضرة 1 : 148.

الاتّصاف بوصفين مفارقين ، فيجب بأحد الاعتبارين ، ويحرم بالاعتبار الآخر مع بقاء وحدته الجنسيّة في الحالين ، كضرب اليتيم تأديبا وظلما ، والسجود لله وللشمس ، ويكون حينئذ بين المأمور به والمنهيّ عنه تباين.

والدليل على جواز ذلك أنّ الفردين من الواحد بالجنس في حكم المتباينين ، وجواز تعلّق الأمر بأحدهما ، والنهي بالآخر في غاية البداهة.

[ الصورة ] الثانية : أن يتعلّق الوجوب والحرمة بالواحد الشخصي في زمان واحد من جهة واحدة ، سواء كان هذه الجهة ذات هذا الشيء أو غيرها ، ويكون حينئذ بين المأمور به والمنهيّ عنه مساواة. ولا يجوز ذلك ؛ لامتناع التكليف بالمحال.

[ الصورة ] الثالثة : أن يتعلّقا به من جهتين متلازمتين ، ويكون حينئذ بين المأمور به والمنهيّ عنه مساواة أيضا ؛ لعدم تصوّر انفكاك إحدى الجهتين عن الاخرى. وهذا أيضا غير جائز ؛ للزوم التكليف بالمحال. وفي هاتين الصورتين إن تعارضت الأدلّة بالأمر والنهي يجب الجمع أو الطرح.

[ الصورة ] الرابعة : أن يتعلّقا به من جهتين بينهما عموم وخصوص مطلقا ، فيتصوّر الانفكاك من إحدى الجهتين دون الاخرى ، ويكون حينئذ بين المأمور به والمنهيّ عنه أيضا عموم وخصوص مطلقا. ولا يجوز ذلك أيضا لما ذكر ؛ لأنّ فعل العامّ مثلا يستلزم فعل الخاصّ مع أنّه لازم الترك ، فالأدلّة إذا تعارضت بالعموم والخصوص ، يجب حمل العامّ على الخاصّ.

وقد ادّعي الوفاق على عدم الجواز في هذه الصورة (1) ، إلاّ أنّ الأدلّة التي ذكروا على الجواز في الصورة الخامسة تجري فيها أيضا ، ولكنّها مدفوعة عنهما معا ، كما ستعرف (2).

ص: 146


1- ادّعاه الشيخ حسن في معالم الدين : 93.
2- يأتي في ص 151.

[ الصورة ] الخامسة : أن يتعلّقا به من جهتين بينهما عموم وخصوص من وجه ، ويكون النسبة بين المأمور به والمنهيّ عنه ذلك ، فيتحقّق الانفكاك من كلّ واحد من الجهتين من وجه ، ويجتمعان أيضا في بعض الموادّ. وحينئذ يتحقّق الوجوب والحرمة في مادّة واحدة باعتبار هاتين الجهتين ، كالصلاة في المكان الغصبي ؛ فإنّ الصلاة مأمور بها ، والغصب منهيّ عنه ، والصلاة في المكان الغصبي فرد لكلّ منهما.

وقد وقع الخلاف في صحّة ذلك ، فالأشاعرة على الصحّة ، وقالوا : إذا أتى المكلّف بما فيه التصادق ، يكون مطيعا عاصيا من جهة الأمر والنهي (1).

والقاضي على أنّه لا يصحّ ذلك ، وإن فعل ذلك كان حراما صرفا (2) ، إلاّ أنّه مسقط للفرض ؛ فإنّه يمكن أن يصير معصية مسقطة للفرض ، كما أنّ من شرب مجنّنا حتّى جنّ يسقط عنه الفرض (3).

وأصحابنا وأكثر المتكلّمين على عدم الصحّة ، وعدم سقوط الفرض به. ولم نجد من أصحابنا مخالفا في ذلك سوى الفضل بن شاذان على ما نقل عنه الكليني في كتاب الطلاق من الكافي بأنّه حكم بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة (4).

ويظهر من كلام المرتضى في الذريعة أيضا صحّة الصلاة فيها (5). وربما دلّ كلامه فيها على جواز اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد (6). ونقل عنه الشهيد بأنّه حكم بصحّة الصلاة التي وقعت رياء (7) ، بمعنى سقوط الفرض بها وإن لم يترتّب عليها الثواب. وهذا يدلّ

ص: 147


1- راجع الإحكام في أصول الأحكام 1 : 158.
2- معناه تقديم جانب النهي على الأمر.
3- راجع المحصول 2 : 291.
4- الكافي 6 : 94 ، باب الفرق بين من طلّق على غير السنّة وبين المطلّقة.
5- صرّح السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 191 بعدم الإجزاء. نعم نسب القول بالصحّة إليه الشهيد في الدروس الشرعيّة 1 : 5. وفي البيان : 63.
6- لم نعثر على ذلك في الذريعة بعد الفحص في مظانّه. وقال الشيخ حسن في معالم الدين : 93 : « الحقّ امتناع توجّه الأمر والنهي إلى شيء واحد. ولا نعلم في ذلك مخالفا من أصحابنا » وهذا يشعر بعدم صحّة ما نسب إليه المصنّف.
7- قاله السيّد المرتضى في الانتصار : 100 ، ونقله عنه الشهيد في القواعد والفوائد 1 : 79 ، الفائدة 3.

على جواز اجتماع الوجوب والحرمة في شيء باعتبار جهتين.

ثمّ القائلون بعدم الصحّة قالوا : ما تصادق فيه العمومان يتحقّق فيه بينهما التعارض من وجه ، فيجب أن يخصّص الأضعف بالأقوى.

واحتجّوا على ذلك : بأنّه لا يمكن أن يكون شيء مطلوبا ومبغوضا لأحد ، سيّما للعالم بجميع الجزئيّات ، فكيف يأمر بشيء هو فرد لما نهى عنه؟! (1)

والقول بأنّ جهة المطلوبيّة غير جهة المبغوضيّة ، لا ينفع ؛ لأنّ متعلّق الجهتين واحد ، فيكون شيء واحد مطلوبا ومبغوضا.

وبأنّ العرف كما يفهم التخصيص من الأمر بالخاصّ المطلق بعد النهي عن العامّ المطلق أو بالعكس ، كذلك يفهمه من الأمر بالعامّ من وجه بعد النهي عن عامّ من وجه آخر أو بالعكس ، فالشارع إذا أمر بالصلاة مطلقا ، ونهى عن التصرّف في المكان المغصوب كذلك ، يفهم العرف أنّ المأمور به الصلاة التي وقعت في غير المكان الغصبي ، أو (2) المنهيّ عنه التصرّف الذي [ هو ](3) غير الصلاة ، وتعيّن (4) أحدهما من جهة قوّته بالمؤيّدات الخارجيّة من الأدلّة وعمل الفقهاء.

وهنا (5) رجّح طرف النهي ؛ لكونه أقوى ؛ لاعتضاده بعمل الأصحاب (6) إلاّ ما شذّ (7) ؛ ولأنّ العبادة إذا كانت محتملة للوجوب والحرمة ، يرجّح جانب التحريم ؛ لما ورد من التثبّت والكفّ عند تعارض الأمر والنهي (8) ، وللاستقراء ؛ فإنّه يدلّ على أنّ دأب الشارع في أمثال المقام ترجيح الكفّ ، كصلاة الحائض في أيّام الاستظهار وأمثالها.

ص: 148


1- راجع : المحصول 2 : 291 ، والإحكام في أصول الأحكام 1 : 159 ، ومعالم الدين : 94 ، والوافية : 91.
2- في « ب » : « و ».
3- أضفناه بمقتضى لزوم كون الصلة جملة أو شبهها.
4- في « ب » : « تعيين ».
5- أي في مسألة الصلاة والغصب ونحوها ممّا كان أحد العنوانين عبادة.
6- يعلم ذلك بالمراجعة إلى كتب الفقه.
7- كذا في النسختين. والأولى « إلاّ من شذّ » كما في قوانين الاصول 1 : 153.
8- مثل ما دلّ على ترك الحائض الصلاة أيّام الاستظهار. راجع : الكافي 3 : 8. باب المرأة ترى الدم قبل أيّامها أو بعد طهرها ، ح 2 و 3 ، وتهذيب الأحكام 1 : 171 ، ح 488 ، و 248 ، ح 712 ، و 401 ، ح 1253 ، و 5 : 400 ، ح 1390. وما دلّ على الكفّ عن الوضوء من الماءين : أحدهما نجظ. منها : ما في الكافي 3 : 10 ، باب الوضوء من سؤر الدوابّ والسباع والطير ، ح 6 ، ووسائل الشيعة 1 : 151 و 155 ، أبواب الماء المطلق ، الباب 8 ، ح 2 و 14.

وقيل أيضا : لأنّ دفع المفسدة أهمّ من جلب المنفعة (1).

وهذا إنّما يتمّ فيما يحتمل الندب والحرمة لا الوجوب والحرمة ؛ لأنّ ترك الوجوب أيضا يشتمل على المفسدة.

فإن قيل : لم لا يجوز أن يبقى كلّ واحد من الأمر والنهي على إطلاقه من غير تخصيص أحدهما بالآخر حتّى إذا أتى المكلّف بما اجتمعا فيه ، استحقّ العقوبة بالنهي وإن كان ممتثلا للأمر ؛ فإنّه لا مانع - لغة وعقلا - أن يقول أحد لغيره : « اكتب ، ولا تكتب في الموضع الفلاني ، ولو كتبت فيه لعاقبتك ولكن حصّلت مطلوبي »؟ ولذا قيل : النهي لا يدلّ على الفساد (2).

قلت : هذا جائز عند التصريح (3) ، وأمّا عند التعارض - كما نحن فيه - فلا يفهم منه إلاّ التخصيص كما ذكر.

احتجّ الخصم بوجهين :

أحدهما : أنّ السيّد إذا أمر عبده بخياطة ثوب ونهاه عن الكون في مكان مخصوص ثمّ خاطه فيه ، فإنّا نجزم بأنّه مطيع عاص معا من جهتي الأمر والنهي (4).

قيل في الجواب : بالفرق في الموضعين بأنّ الكون في المكان المغصوب جزء من الصلاة ؛ لأنّه عبارة عن شغل الحيّز ، وهو جنس للحركة والسكون ، ولا شكّ في أنّهما جزءان للصلاة ؛ لأنّ من أجزائها القيام والركوع وملاصقة الأرض للسجود وغير ذلك ، فالكون هنا جزء من ماهيّة الصلاة في المكان الغصبي ، وهو منهيّ عنه ، فلو كان الصلاة في المكان الغصبي مأمورا بها ، لكان هو أيضا كذلك ؛ لأنّ الأمر بشيء أمر بأجزائه وفاقا كما علمت.

وأمّا الكون في المكان المخصوص فليس جزءا من الخياطة ؛ لأنّها أمر حاصل من الحركة والسكون ، فهما (5) معدّان لها وليسا جزءين من ماهيّتها ، فالكون المذكور ليس جزءا

ص: 149


1- ذهب إلى الاعتناء بدفع المفاسد الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4 : 217 ، وابن الحاجب في منتهى الوصول : 167.
2- نقله الفخر الرازي عن أكثر الفقهاء في المحصول 2 : 291.
3- في « ب » : « الصريح ».
4- حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : 94.
5- في « ب » : « وهما ».

من الخياطة ، فالأمر بها لا ينافي النهي عنه (1).

والحقّ أنّ هذا الفرق غير مفيد ؛ لأنّ الكون في المكان المخصوص من لوازم الخياطة وإن لم يكن من أجزائها ، ولا معنى للأمر بشيء والنهي عن لوازمه ؛ لأنّ الأمر بالشيء أمر بما لا يتمّ الشيء إلاّ به ، كما عرفت (2).

والجواب (3) : بأنّ ما هو من لوازم الخياطة مطلق الكون ، لا الكون في المكان المخصوص ؛ لأنّ أشخاص الخياطة لا تتبدّل بتبدّل الأمكنة ، بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة ؛ فإنّ هذا الكون المخصوص من أجزائها ؛ لأنّ أشخاصها تتبدّل بتبدّل الأمكنة. غير صحيح ؛ لعدم تعقّل الفرق بينهما ، مع أنّه يمكن إيراد (4) مثال كان مساويا لما نحن فيه ضرورة ، وهو أن يأمر السيّد عبده بمقدار معيّن من المشي في كلّ يوم ، ونهاه عن الدخول في موضع خاصّ ، فمشى فيه.

فالحقّ في الجواب أن نمنع (5) حصول الإطاعة مع النهي المذكور ؛ فإنّه يدلّ على أنّ الكون المطلوب في الصلاة غير الكون في المكان المغصوب.

وثانيهما : أنّه لو اتّحد متعلّق الأمر والنهي ، لكان القول بالمنع موجّها ، وأمّا إذا لم يكن كذلك ، فلا يتصوّر منع ، وهنا كذلك ؛ فإنّ متعلّق الأمر مطلق الصلاة ، ومتعلّق النهي مطلق الغصب ، وهما مفهومان متغايران يتعقّل انفكاك كلّ منهما من الآخر ، إلاّ أنّ المكلّف جمعهما في مادّة واحدة مع إمكان عدمه ، وذلك لا يخرجهما عن حقيقتهما ، فهما باقيان على اختلافهما الذاتي ، فيكون متعلّق الأمر طبيعة كلّيّة ، ومتعلّق النهي طبيعة اخرى ، إلاّ أنّهما اجتمعتا في ضمن شخص واحد هو الصلاة في الدار المغصوبة (6).

ص: 150


1- أجاب به الشيخ حسن في معالم الدين : 94.
2- أي في مقدّمة الواجب ، راجع ص 134 ، الفصل 13. واعلم أنّ ما قاله المصنّف في تعليل مدّعاه يتوقّف على كون لازم الشيء - وهو معلوله - مقدّمة له - وهي علّته - وفيه ما لا يخفى.
3- أي الجواب عن احتجاج الخصم.
4- في « ب » : « أن يراد ».
5- في « ب » : « يمنع ».
6- حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : 95.

والجواب : أنّ التكليف وإن تعلّق ظاهرا بالطبائع ، إلاّ أنّ تعلّقه حقيقة بالجزئيّات ، فمتعلّق التكليف في الصلاة أفراد الصلاة التي يختارها المكلّف ، وكذا في الغصب. ولا شكّ أنّ كلّ واحد من الأفراد التي يختارها المكلّف شخص (1) بسيط ليس فيه تركيب خارجي ، فالصلاة في الدار المغصوبة شخص بسيط متعلّق الأمر والنهي معا ؛ فإنّ الكون الذي هو جزء الصلاة ومأمور به هو بعينه الغصب الذي تعلّق به النهي ، وليست هذه الصلاة مركّبة من طبيعتين تركّبا خارجيّا يكون أحدهما متعلّق الأمر (2) ، والاخرى متعلّق النهي ، بل التركيب بمجرّد تحليل العقل ، وهو غير مفيد في المقام (3).

ثمّ لا يخفى أنّ ما قال الأشعري هنا (4) يمكن أن يقال بعينه في الصورة الرابعة ، بأن يقال : إذا قال : « أكرم العلماء ولا تكرم زيدا » وكان عالما ، فأكرم زيدا ، يكون مطيعا وعاصيا بالدليلين المذكورين (5).

والجواب الجواب ، إلاّ أنّه قيل : عدم الجواز فيها متّفق عليه كما أشرنا إليه (6). ولعلّ بناء الفرق على أنّ هذه الصورة (7) على قسمين :

أحدهما : ما ينفكّ المنهيّ عنه عن المأمور به دون العكس ، كما إذا نهى عن إكرام العلماء ، وأمر بإكرام زيد وكان عالما.

وثانيهما : ما ينفكّ المأمور به عن المنهيّ عنه دون العكس ، كالمثال الذي ذكر أوّلا من الأمر بإكرام العلماء والنهي عن إكرام زيد ، وكمطلق الصوم وصوم يوم النحر. وفي كلّ منهما متعلّق الأمر والنهي فيه واحد ، أي ماهيّة واحدة ، ولا فرق بين المتعلّقين إلاّ بالإطلاق والتقييد. فيعلم أنّ الغرض حمل المطلق على المقيّد ؛ إذ النهي عن فرد خاصّ - مثلا - دليل

ص: 151


1- في « ب » : « مشخّص ».
2- كذا في النسختين ، والصحيح : « إحداهما متعلّقة الأمر ».
3- أي تحليل العقل لا يمنع عن سراية كلّ من الأمر والنهي إلى متعلّق الآخر.
4- راجع المحصول 2 : 285 - 290.
5- من دون حمل للعامّ على الخاصّ.
6- تقدّم في ص 146.
7- أي الصورة الرابعة.

على أنّ المأمور به ليس هو الماهيّة الكلّيّة ، بل بعض الأفراد ، بخلاف الصورة الخامسة ؛ فإنّ المأمور به فيها ماهيّة ، والمنهيّ عنه ماهيّة اخرى.

والحقّ : عدم الفرق في نفس الأمر بين الصورة الرابعة والخامسة ؛ لأنّه كما يمكن أن يقال في الخامسة : لا امتناع في تعلّق الأمر بالطبيعة الكلّيّة وهي مطلوبة ، والغرض من النهي عدم حصول المنهيّ مقارنا لها ، وإن حصل مقارنا لها كان ممتثلا للأمر ، فلا حاجة إلى تقييد الأمر بغير المنهيّ عنه ، يمكن أن يقال ذلك في الرابعة أيضا بعينه.

وكما يمكن أن يقال في الرابعة بأنّ النهي عن الفرد الخاصّ يدلّ على أنّ المراد بالمأمور به بعض أفراد الطبيعة ، يمكن أن يقال ذلك في الخامسة أيضا بعينه ، إلاّ أنّه يبدّل النهي عن الفرد الخاصّ بالنهي عمّا يتحقّق المأمور به في ضمنه بعض الأوقات. وهذا هو الحقّ. فلا فرق بين ما ينفكّ فيه الجهتان ، وبين ما ينفكّ فيه إحدى الجهتين في عدم جواز الاجتماع.

هذا ؛ واعلم ، أنّ قول القاضي فيما وافقنا - من عدم الصحّة (1) - فلا كلام فيه. وأمّا ما تفرّد به من كونه مسقطا للفرض (2) ، ففساده في غاية الظهور ، غير محتاج إلى البيان.

[ الصورة ] السادسة : أن يتعلّق الوجوب والكراهة بالواحد الشخصي ، كالصلاة في الحمّام وغيره من المواضع المعروفة ، وقد ثبت في الشرع كراهة الصلاة فيها (3) ، وكذا كراهة الصوم في بعض الأزمنة (4) ، ولذا استدلّ الأشعري بثبوتهما على ما ذهب إليه من جواز اجتماع الوجوب والحرمة ؛ لأنّ الأحكام متضادّة ، فإذا جاز اجتماع الوجوب والكراهة ، يجوز اجتماع الوجوب والحرمة أيضا.

وقد اضطرب القوم في تصحيح ذلك ، فقال بعضهم (5) : الكراهة لا تتعلّق بنفس الفعل ، بل بوصفه ، فمتعلّق الكراهة في الصلاة في الحمّام التعرّض للنجاسة ، أو لكشف العورة ، وفي

ص: 152


1- تقدّم في ص 147.
2- حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 158 ، والفخر الرازي في المحصول 2 : 290.
3- راجع الكافي 3 : 387 ، باب الصلاة ... في البيع والكنائس والمواضع التي تكره الصلاة فيها.
4- كيوم عرفة إذا أضرّ بالدعاء ، ويوم عاشوراء ، ويوم الأضحى وغيرها. راجع الكافي 4 :4. 148 ، باب الحائض والمستحاضة ، ح 1 - 11.
5- راجع : الإحكام في أصول الأحكام 1 : 162 ، وقوانين الاصول 1 : 143.

جوف الوادي التعرّض للسيل ، وفي جادّة الطريق منع المارّة. وقس عليها أمثالها.

والحقّ : أنّ هذا التوجيه غير صحيح ؛ لأنّه على هذا يرجع الكراهة إلى وصف خارج عن الصلاة ، مع أنّ الظواهر تدلّ على كراهية (1) نفس الصلاة ، كقوله عليه السلام : « يكره الصلاة في الحمّام » (2).

وقيل : المراد من الكراهة كون الفعل أقلّ ثوابا (3).

اورد عليه : بأنّه يلزم على ذلك كون جميع الصلوات (4) مكروهة سوى الصلاة في المسجد الحرام ؛ لأنّ الصلاة في أيّ موضع ومسجد اتّفقت تكون أقلّ ثوابا من الصلاة في المسجد الحرام (5).

واجيب : بأنّ كلّ صلاة لا يشتمل على مرجوحيّة ولا راجحيّة سوى الراجحيّة التي يشتمل عليها أصل الصلاة يتّصف بالإباحة ، كما يقال : الصلاة في البيت مباحة ، بمعنى أنّ الصلاة فيه لا تشتمل على مرجوحيّة ، ولا على مزيّة خارجة عن أصل الصلاة ، وكلّ صلاة يشتمل على مزيّة خارجة - كالصلاة في المساجد - يتّصف بالاستحباب ، بل قد يصل حدّ الوجوب إذا نذر أن يصلّي في مسجد ، وحينئذ يجتمع وجوبان. وكلّ صلاة يشتمل على مرجوحيّة - كالصلاة في الحمّام وأمثاله - يتّصف بالكراهة. والمراد أنّ الصلاة فيه مرجوحة بالنسبة إلى الصلوات (6) المباحة أي أقلّ ثوابا منها ، فالاتّصاف بالاستحباب والكراهة بالنسبة إلى الفرد المباح ، فلا يلزم ما ذكر (7).

أقول : هذا توجيه ليس به كثير بأس ، إلاّ أنّ الأصوب أن يقال : إنّ المراد من كراهة الصلاة في الحمّام وأمثاله أنّ الفعل في نفسه راجح ، إلاّ أنّه مرجوح بالنسبة إلى الأفراد الأخر ، وهي أولى منه ، ولا مانع في كون أحد أفراد الواجب المخيّر مرجوحا بالنسبة إلى

ص: 153


1- في « ب » : « كراهة ».
2- راجع الكافي 3 : 390 ، باب الصلاة في ... المواضع التي تكره الصلاة فيها ، ح 12.
3- راجع قوانين الاصول 1 : 143.
4- في « ب » : « الصلاة ».
5- حكاه القمّي في قوانين الاصول 1 : 143 و 144.
6- في « ب » : « الصلاة ».
7- حكاه القمّي في قوانين الاصول 1 : 143 و 144.

الأفراد الأخر ، كالقصر في المواطن الأربعة (1) ، وصلاة الظهر في يوم الجمعة على المشهور. ويمكن أن يصل المرجوحيّة إلى حدّ يستحقّ اسم الكراهة إلاّ أنّ ذلك بالنسبة إلى غيره ، ولا منع في اتّصاف الفرد المرجوح بأصل الرجحان ؛ لأنّ مرجوحيّته بالنسبة إلى الفرد الذي هو أولى منه ، فراجحيّته حقيقيّة ، ومرجوحيّته إضافيّة ، ولذا سمّاه بعض الاصوليّين خلاف الأولى دون المكروه (2) ؛ لأنّ المكروه أن يكون الفعل في نفسه مرجوحا ، وهذا ليس كذلك ، بل مرجوحيّته (3) بالقياس إلى الغير. فظهر أنّ الوجوب والكراهة لم يتعلّقا بشخص واحد ، فلا يقوم حجّة للأشعري.

وإذا عرفت كيفيّة الحال في الصورة المذكورة ، تعلم كيفيّتها في بواقيها من اجتماع الوجوب مع الاستحباب والإباحة ، واجتماعهما مع الحرمة والكراهة. وبالجملة ، اجتماع كلّ واحد من الخمسة مع كلّ واحد منها. و (4) يتكثّر الأقسام ، سيّما مع إمكان كون الوجوب عينيّا وتخييريّا ، وكذا الحرمة.

والضابط : أنّه لا يجوز اجتماع اثنين منها في الواحد الشخصي مطلقا ، وإلاّ لزم توارد الأضداد على محلّ واحد. مثلا : في صورة توارد الوجوب والكراهة على عبادة نقول (5) : فعل العبادة المكروهة راجح ، بل مانع من النقيض مع اتّصافه بالكراهة المقتضية لرجحان الترك ، ورجحان الفعل لا يجتمع مع رجحان الترك. فكلّ واجب أو مستحبّ تعلّق به نهي تحريمي ، أو تنزيهي في وقت خاصّ أو موضع خاصّ (6) وثبت هذا النهي ، يجب الحكم ببطلانه. وإن ثبت صحّته من جانب الشرع - كالصلاة في الحمّام وأمثاله ، والصيام المكروهة (7) - يجب أن يصحّح بمثل ما ذكرنا.

وكلّ واجب تعلّق به الاستحباب ظاهرا يجب أن يحكم بتغاير محلّهما ، مثلا : قد يكون

ص: 154


1- وهي : المسجد الحرام ، ومسجد النبيّ صلى اللّه عليه وآله ، ومسجد الكوفة ، والحائر الحسيني عليه السلام.
2- كما في قوانين الاصول 1 : 146 : « سمّاه بعضهم بخلاف الأولى ».
3- في « ب » : « مرجوحيّة ».
4- لم يرد في « ب » : « و ».
5- في « ب » : « يقول ».
6- لم يرد في « ب » : « أو موضع خاصّ ».
7- كذا في النسختين. والمراد الصيام في الأزمنة المكروهة.

بعض أفراد الواجب المخيّر مستحبّا ، كالإتمام في المواطن الأربعة (1). ولا شكّ أنّ الاستحباب مقصور على هذا الفرد ، والوجوب شامل له وللقصر تخييرا ، فالوجوب تخييري والاستحباب عيني ، فاختلف محلّهما ؛ لأنّ محلّ الوجوب أمر كلّي ، ومحلّ الاستحباب فرد شخصي.

إذا عرفت ذلك ، فكيفيّة التفريع أنّ الآيات والأخبار إذا تعارضت بالأمر والنهي في شيء واحد حتّى يتحقّق التساوي بين المأمور به والمنهيّ عنه ، يجب الجمع أو الطرح.

وإذا تعارضت بالعموم والخصوص مطلقا يجب حمل العامّ على الخاصّ مع تقاوم الخاصّ للعامّ ، وإن لم يقاومه يعمل بالعامّ وينطرح (2) الخاصّ.

وإذا تعارضت بالعموم والخصوص من وجه يخصّص الأضعف بالأقوى. مثلا : قوله تعالى : ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ ) (3) الآية يدلّ على عدم قبول خبر الفاسق في الواجبات والمستحبّات والمكروهات ، وقبول خبر غير الفاسق فيها جميعا. وقوله عليه السلام : « من بلغه شيء من الثواب » (4) إلى آخره وأمثاله يدلّ على قبول خبر الفاسق والعادل في المستحبّات والمكروهات دون الواجبات. فيتحقّق بينهما التعارض بالعموم والخصوص من وجه. فنقول : إنّ الخبر معاضد بأخبار أخر (5) ، وبالشهرة (6) ، وبامور أخر (7) ، فيخصّص الآية (8) به.

وممّا يمكن أن يتفرّع عليه الذبح بآلة مغصوبة في الأضحية والهدي ، والطهارة في المكان المغصوب أو من الإناء المغصوب.

وتأمّل بعضهم (9) في ذلك ؛ نظرا إلى أنّ متعلّق النهي فيها ليس عين متعلّق الأمر ولا جزءا

ص: 155


1- هي : المسجد الحرام ، ومسجد النبيّ صلى اللّه عليه وآله ، ومسجد الكوفة ، والحائر الحسيني عليه السلام.
2- كذا في النسختين ، والأولى : « يطرح ».
3- الحجرات (49) : 6.
4- المحاسن 1 : 93 ، ح 52 و 53 ، والكافي 2 : 87 ، باب من بلغه ثواب من اللّه على عمل ، ح 1 و 2.
5- راجع المصدر.
6- لأنّ المشهور هو التسامح في أدلّة السنن.
7- منها : أنّ إخراج مادّة الاجتماع من تحت أخبار من بلغ يوجب لغويّتها ، هذا بخلاف العكس.
8- فيصير خبر الفاسق في المستحبّات والمكروهات حجّة.
9- ذهب العلاّمة في قواعد الأحكام 1 : 198 ، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد 1 : 192 و 193 إلى بطلان الطهارة في المكان المغصوب ، وصحّتها إذا كانت من الإناء المغصوب.

منه ، بخلاف الكون في الصلاة والماء المغصوب للطهارة ؛ لأنّهما من أركان الفعل ، وليس هذا ببعيد.

نعم ، تتفرّع عليه الفروع المذكورة بالواسطة ؛ لأنّها تتفرّع على أصل أنّ النهي هل يدلّ على الفساد ، أو لا؟ وهو يتفرّع على هذا. وهذا بناء (1) على أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه الخاصّ ، فيكون الطهارة التي هي ضدّ للمأمور به - أعني ردّ الإناء إلى مالكه مثلا - منهيّا عنها ، فتتفرّع على الأصل المذكور المتفرّع على ما نحن فيه.

وإذا عثرت على (2) اجتماع حكمين من الأحكام الخمسة في شيء واحد ، فيجب أن تصحّح بما ذكر ، ولا تحكم بأنّه موصوف بهما معا حتّى يرد الإشكال ، مثلا : إذا نهى الشارع عن الصوم في يوم كذا ، فإن (3) لم يكن صحّته ثابتة يحكم بفساده ، وإن كانت ثابتة نقول : الفعل راجح في نفسه ، ويترتّب عليه الثواب ، إلاّ أنّه مرجوح بالنسبة إلى أفراد أخر.

فصل [15]
اشارة

الواجب إمّا أن يكون قدره معيّنا ، كالصلاة وأمثالها. وإمّا أن لا يكون كذلك ، بل يكون معلّقا على اسم يتفاوت بالزيادة والنقصان ، كمسح مقدّم الرأس في الوضوء ، وقراءة التسبيح في الركوع والسجود ، والتسبيحات الأربع في الركعتين الأخيرتين ، والحلق والتقصير والهدي ؛ فإنّ جميع ذلك معلّق على اسم يتفاوت بالقلّة والكثرة ، فالقدر المتيقّن وجوبه ما يحصل به المسمّى.

وإن زيد عليه ، فهل يقع هذه الزيادة واجبة أو مستحبّة؟ فيه ثلاثة أقوال (4). ثالثها : التفصيل بأنّ الفعل لو وقع دفعة يكون المجموع واجبا ، وإلاّ ما يقع أوّلا ممّا يحصل به المسمّى يكون واجبا ، والزائد يكون نفلا.

ص: 156


1- خبر.
2- لم يرد في « ب » : « على ».
3- في « ب » : « فإذا ».
4- راجع المحصول 2 : 196.

وهو الحقّ ؛ لأنّ الواجب - في أمثال ذلك - المفهوم الكلّي الذي يمكن حصوله في ضمن جزئيّات كثيرة ، فأيّ جزئي حصّله يكون هذا المفهوم في ضمنه ، فيكون واجبا ، سواء كان زائدا أو ناقصا ، فإذا أوقع الفرد الزائد عن المسمّى دفعة يكون واجبا ، وإذا أوقع ما يحصل به المسمّى أوّلا ثمّ أوقع الزائد على التعاقب ، يقع الزائد مستحبّا ؛ لأنّ ما يحصل به المسمّى كان من جملة الأفراد التي كان المفهوم الكلّي في ضمنها ، وبمجرّد حصوله حصل الواجب ، فالزائد لا يتّصف بالوجوب ؛ للأصل.

وما احتجّ به النافي مطلقا (1) - بأنّ الزيادة يجوز تركه لا إلى بدل ، فلا يكون واجبا وإن وقع دفعة - فمردود ؛ لأنّه يجوز أن يكون الواجب التخييري ماهيّة كلّيّة في ضمن أفراد متعدّدة بعضها جزء بعضها ، كالتخيير بين القصر والإتمام. وحينئذ يكون المجموع - الذي هو من جملة الأفراد الزائدة - بدلا عن الأفراد الناقصة ، ويتّصف بالوجوب. وهو ظاهر.

وإذا عرفت ذلك ، فكيفيّة التفريع أنّه إذا وقع الزيادة عن المسمّى في الامور المذكورة دفعة ، يكون المجموع واجبا. وإن وقع ذلك على التعاقب ، يقع المسمّى واجبا والباقي نفلا ، ويكون الثواب في الأوّل أكثر منه في الثاني ؛ نظرا إلى أنّ ثواب الواجب أكثر من [ ثواب ] المستحبّ.

ثمّ لا يخفى أنّ المستحبّ أيضا إذا كان معلّقا على اسم تفاوت بالقلّة والكثرة ، يكون حكمه كما ذكر ، فإذا وقع ما يحصل به المسمّى ثمّ وقع الزيادة على التعاقب ، لا يتّصف هذه الزيادة بالاستحباب ؛ لأنّه حصل بالجزء ، والأصل عدم استحباب الزائد.

نعم ، قد ثبت (2) استحباب الزائد بالدليل ، كاستحباب الزائد عن زوجة واحدة مع تعليق الاستحباب على التزوّج (3). وكذا كلّ حكم علّق على اسم تفاوت بالقلّة والكثرة ، فإن حصل الزيادة مع ما يحصل به المسمّى دفعة ، يحصل الحكم بالمجموع. وإن حصلت بعده ، يحصل

ص: 157


1- أي سواء كان الزائد في ضمن المجموع أم لا فهو غير واجب وهو رأي الفخر الرازي في المحصول 2 : 196.
2- في « ب » : « يثبت ».
3- لم نعثر على دليل استحباب الزائد عن زوجة واحدة.

به ، ولا يكون للزيادة مدخليّة في الحكم ، وذلك كتعليق إحراز نصف الدين (1) وأفضليّة الركعتين على سبعين ركعة (2) على التزوّج.

فائدة

كلّ واحد من الواجب والمستحبّ لا يجزئ عن الآخر ؛ لتغايرهما ، والأصل عدم قيام المغاير للشيء مقامه.

نعم ، قد ثبت (3) بالدليل إجزاء كلّ منهما عن صاحبه في مواضع :

أمّا إجزاء الوجوب عن الندب ، فكإجزاء صلاة الاحتياط عن النافلة لو ظهر عدم الاحتياج إليه ، وإجزاء صوم وقع بنيّة القضاء من رمضان عن الصوم المستحبّ لو ظهر بعده عدم وجوب القضاء عليه.

وأمّا إجزاء الندب عن الوجوب ، فكإجزاء صوم يوم الشكّ عن رمضان ، وإجزاء الوضوء المجدّد لو ظهر أنّه كان محدثا على الأقوى. وقد ذكر مواضع كثيرة وقع في بعضها الخلاف. ويجب أن يكون الأصل عندك عدم الإجزاء حتّى يثبت بالدليل القطعي (4).

ضابطة

ثواب الواجب أعظم من ثواب المستحبّ ؛ لما ورد من « أنّ القدر الذي يمتاز به الواجب هو سبعون درجة » (5). وللخبر القدسي « وما تقرّب إليّ المتقرّبون بمثل أداء ما افترضت عليهم » (6) ؛ ولاشتماله على مصلحة زائدة ، وهذا جار في كلّ واجب ومستحبّ ، إلاّ في مواضع :

ص: 158


1- الكافي 5 : 328 ، باب كراهة العزبة ، ح 2.
2- المصدر ، ح 1.
3- في « ب » : « يثبت ».
4- راجع القواعد والفوائد 1 : 83 ، الفائدة 6.
5- راجع تمهيد القواعد : 61 ، القاعدة 12 ، وذهب إليه ابن خزيمة كما في حاشية ردّ المحتار 1 : 126.
6- الكافي 2 : 352 ، باب من آذى المسلمين ، ح 7 ، ووسائل الشيعة 1 : 104 ، أبواب مقدّمة العبادات ، الباب 23 ، ح 17.

منها : إبراء الدين ، المستحبّ بالنسبة إلى إنظار المعسر ، الواجب (1).

ومنها - على ما ذكر - : ابتداء السلام بالنسبة إلى ردّه (2).

ومنها : الصلاة التي يعيدها المنفرد جماعة ، فإنّها مستحبّة ، ولكنّها أفضل من الصلاة الواجبة التي سبقت (3).

وقد ذكر بعض الأصحاب مواضع أخر (4). ويمكن أن يستخرج مواضع كثيرة على ما يستنبط من الأخبار ؛ فإنّ ردّ السلام من الواجبات ، وزيارة النبيّ والأئمّة من المستحبّات ، ولا شبهة في كون الثاني أعظم ثوابا من الأوّل (5). فتأمّل.

فصل [16]

قد عرفت فيما سبق (6) معنى الصحّة في العبادات وهو (7) موافقة الأمر وامتثاله على المشهور ، ويرادفها الإجزاء.

وأكثر الأصحاب على أنّ الإجزاء والقبول متلازمان ، بمعنى أنّ كلّ عبادة تكون مجزئة تكون مقبولة ، أي يترتّب عليها الثواب. وخالف المرتضى رحمه اللّه وقال بعدم تلازمهما (8). فيمكن أن يوجد الإجزاء من دون القبول ، دون العكس ؛ فإنّه يمكن أن يقع العبادة على الوجه المأمور به بحيث تبرأ ذمّة فاعله (9) ، ويكون مطيعا ، ولكن لم يترتّب عليها الثواب.

ص: 159


1- كما في سورة البقرة (2) : 280. وهي قوله تعالى : ( وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ) .
2- راجع الكافي 2 : 644 ، باب التسليم ، ح 3 و 8.
3- تهذيب الأحكام 3 : 150 ، 175.
4- راجع القواعد والفوائد 2 : 107 ، القاعدة 185.
5- راجع الكافي 4 : 579 ، باب فضل الزيارات وثوابها ، والأبواب التي بعده. واعلم أنّه ليس في الأخبار المذكورة أنّ زيارتهم عليهم السلام أعظم ثوابا من ردّ السلام ولكن يعلم الإنسان أنّ ما ذكر من الثواب والفضيلة لزيارتهم عليهم السلام لا يكون في ردّ السلام ، ولذا قال المصنّف رحمه اللّه : « يستخرج ويستنبط ».
6- مرّ في ص 108.
7- كذا في النسختين ، والأولى « هي ». بدليل « يرادفها ».
8- راجع : الانتصار : 100 ، واستظهره الشهيد من كلامه في القواعد والفوائد 2 : 97 ، القاعدة 180.
9- كذا في النسختين ، والأولى « فاعلها ».

وأيّد (1) ذلك بكثير من الظواهر : كقوله تعالى : ( إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (2) ، مع أنّ عبادة غيرهم أيضا مجزئة إجماعا. وقوله تعالى : ( لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ) (3) ، مع أنّ الصدقات الواجبة المتبوعة بهما ليست بباطلة.

وما ورد من أنّ صلاة شارب الخمر إذا سكر لا تقبل أربعين صباحا (4) ، مع أنّ صلاته ليست بفاسدة في هذه المدّة.

وما ورد من أنّ الصلاة لا يقبل منها إلاّ ما أقبل عليه ، فربّما قبل نصفها ، وربّما قبل ثلثها (5) ، مع أنّها بدون الإقبال مجزئة.

وسؤال إبراهيم وإسماعيل التقبّل (6) ، مع أنّ فعلهما كان مجزئا صحيحا.

والجواب عن الجميع : أنّ المراد بالقبول القبول الكامل المشتمل على زيادة الثواب الموعود به ، مع أنّه فسّر « المتّقين » في الآية بالمؤمنين (7) ، وفي بعض الأخبار أنّ المراد منهم الشيعة (8).

وسؤال إبراهيم وإسماعيل يمكن أن يكون للواقع ، يدلّ عليه بعده ( رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) (9) مع أنّهما كانا مسلمين.

ثمّ الظاهر أنّ السيّد لمّا ذهب إلى أنّ الإجزاء في العبادة ما (10) يوجب سقوط القضاء دون موافقة أمر الشارع ، قال بالفرق بينه وبين القبول ؛ لأنّ سقوط القضاء غير مستلزم للقبول ؛ لما سبق ، فيكون مراده من الإجزاء - المنفكّ عن القبول في الآيات والأخبار المذكورة - ما يلزمه سقوط القضاء.

ص: 160


1- أيّد عدم التلازم الشهيد في القواعد والفوائد 2 : 97 - 99 ، القاعدة 180.
2- المائدة (5) : 27.
3- البقرة (2) : 264.
4- الكافي 6 : 400 ، باب آخر منه ، ح 1 - 6 و 8 - 12.
5- المصدر 3 : 362 ، باب ما يقبل من صلاة الساهي ، ح 1 ، والفروق 2 : 53.
6- إشارة إلى الآية 127 من البقرة (2) وهي قوله تعالى : ( رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا ) .
7- نسبه الطبري في جامع البيان 6 : 123 إلى جماعة من أهل التأويل منهم الضحّاك.
8- انظر الصافي 1 : 92 ، والبرهان 1 : 123 ، ح 310 / 1 ، و 2 : 273 ، ح 3028 / 3. قيّد المعصوم عليه السلام فيه المتّقين بالعارفين ، وفسّر المعصوم عليه السلام المتّقين في أوّل البقرة بالشيعة.
9- البقرة (2) : 128.
10- لم يرد في « ب » : « ما ».

وقد عرفت الجواب.

ويظهر من كلام الشهيد أنّ القبول عنده غير الإجزاء وإن فسّر بموافقة الأمر وامتثاله ، حيث قال - بعد ذكر أنّ القبول عنده غير الإجزاء - : لأنّ المجزئ ما وقع على الوجه المأمور به شرعا ، وبه يخرج عن العهدة ، وتبرأ الذمّة ، ويسمّى فاعله مطيعا ، والقبول ما يترتّب عليه الثواب (1).

والإتيان بالفعل على الوجه المأمور به شرعا هو موافقة الأمر وامتثاله.

وغير خفيّ أنّه لا فرق في الاستدلال بالظواهر المذكورة على مغايرة الإجزاء للقبول والجواب عنه بين تفسير الإجزاء بما يوجب سقوط القضاء ، أو موافقة الأمر ، إلاّ أنّ الحكم بالمغايرة في الصورة الثانية أفحش ؛ لأنّ السيّد إذا أمر عبده بشيء ووعد عليه الإحسان ، ففعل العبد ما أمره به على النحو المأمور به ، وكان موافقا لأمره ، فلم يقبله السيّد وردّه ولم يحسن إليه ، يذمّه العقلاء ، وينسبونه إلى خلاف العدل ، بخلاف ما إذا لم يأت بالفعل على النحو المأمور به وإن أسقط عنه القضاء.

ويرد عليهما (2) : أنّ العبادة التي لم يترتّب عليها الثواب كيف يخرج بها المكلّف عن التكليف؟! بل تكون لاغية عبثا ؛ لأنّ كلّ تكليف يترتّب عليه الثواب والعقاب.

وبعض العرفاء وافق السيّد وقال :

لكلّ عبادة قالب وصورة ، وروح وحقيقة ، فروح الصلاة - مثلا - وحقيقتها هو الإقبال والإخلاص والخشوع والحضور ، فإذا أتى بأفعال الصلاة التي هي قالبها من دون الإتيان بما هو روحها ، يكون ممتثلا لأمر اللّه ، خارجا عن عهدة التكليف ؛ لأنّ تكليفه كان هذا ، ولكن لا يثاب ثواب الصلاة ؛ لأنّه موقوف على إيجاد حقيقة الصلاة وروحها دون قالبها ، فهذه الصلاة من حيث الصورة مجزئة ، فيخرج المكلّف بها عن عهدة التكليف ، ومن حيث الحقيقة غير مجزئة ، فلا يثاب عليها ، فتأمّل فيه (3).

ص: 161


1- القواعد والفوائد 2 : 97 ، القاعدة 180.
2- أي يرد على السيّد المرتضى والشهيد.
3- لم أهتد إلى اسم هذا العارف القائل بعدم التلازم بين الإجزاء والقبول.

ثمّ الحقّ أنّ الإجزاء في العبادة هو موافقة الأمر دون ما يوجب سقوط القضاء ؛ لأنّ القضاء فرض مستأنف يحتاج إلى أمر جديد كما تعلم (1) ، ولو كان الإجزاء ما يوجب (2) سقوط القضاء ، لكان مستلزما لترتّب القضاء على الأداء.

ثمّ إنّ السيّد لمّا فرّق بين الإجزاء والقبول بالنحو المذكور فرّع عليه الحكم بأنّ كلّ عبادة حكم عليها الشارع بعدم القبول لا تكون مقبولة ، ولكن تكون مجزئة ولا تحتاج إلى القضاء ؛ ولذا ذهب إلى أنّ العبادة بنيّة الرياء مجزئة وإن لم يترتّب عليها الثواب ؛ لأنّ الأخبار الواردة في النهي عن الرياء (3) إنّما تدلّ على عدم القبول الموجب للثواب (4).

وأنت تعلم كيفيّة الحال بعد الإحاطة بما حقّقناه.

فصل [17]

الحقّ أنّ العبادات - كالصلاة والصوم وأمثالهما - والعقود - كالبيع والصلح ونحوهما - والإيقاعات - كالنكاح والطلاق وشبههما - لا تطلق حقيقة على الفاسد منها ؛ لأنّ هذه ماهيّات جعليّة موضوعة بإزاء ما بيّنه الواضع ، أعني الفعل الخاصّ المشتمل على الأركان والشرائط المخصوصة ، فلو اختلّ أحدها لا يكون من الموضوع له. ويتفرّع عليه عدم الامتثال والخروج عن العهدة إذا فسدت العبادة ، وعدم ترتّب الأثر على العقود الفاسدة.

وتظهر الفائدة في الأيمان ، والنذور ، وأمثالهما أيضا.

فصل [18]

إذا رفع الوجوب بسبب النسخ أو انتفاء الشرط أو وجود المانع ، فهل يبقى الجواز أم لا؟ قولان. وقبل الخوض في الاستدلال لا بدّ من تقديم مقدّمة يعلم بها تحرير محلّ النزاع ، وهي أنّ الجواز على قسمين :

ص: 162


1- يأتي في ص 168.
2- لم يرد في « ب » : « ما يوجب ».
3- منها ما في الكافي 2 : 222 - 224 ، باب الكتمان ، ح 1 و 10 و 14.
4- راجع الانتصار : 100.

أحدهما : الجواز بالمعنى الأعمّ الذي هو بمعنى مطلق الإذن ، وهو قدر مشترك بين الواجب ، والسنّة ، والإباحة ، والكراهة.

وثانيهما : الجواز بالمعنى الأخصّ وهو استواء الطرفين ، وهذا إمّا أن يكون ثبوته بحكم (1) الشارع وبيانه ، فهو الإباحة الشرعيّة التي هي من الأحكام الخمسة ، أو من العقل فهو الإباحة العقليّة الأصليّة التي تكون هي الأصل في الأشياء والأفعال قبل بيان الشارع.

والوجوب ماهيّة مركّبة من الجواز بالمعنى الأعمّ والمنع من الترك ، والأوّل جنسه ، والثاني فصله ، فالأمر الدالّ على الوجوب يدلّ على جنسه تضمّنا ، وليس الجواز بالمعنى الأخصّ جزءا للوجوب ؛ لأنّه قسيمه ، ولا مدخليّة للإباحة العقليّة للوجوب ؛ لأنّها ليست من أحكام الشرع ، فلا كلام في أنّ كلّ فعل رفع وجوبه يجوز الإقدام عليه ؛ نظرا إلى الإباحة الأصليّة إن كان حكمه قبل الوجوب ذلك. فالخلاف في أنّه إذا رفع الوجوب هل يبقى الجواز بالمعنى الأعمّ الذي هو جزؤه ، أم لا؟

والتحقيق عدم بقائه ؛ لأنّه جنسه ، والمنع من الترك فصله ، والجنس متقوّم بفصله ، فإذا رفع الفصل يرفع الجنس أيضا.

فإن قيل : الجنس محتاج إلى فصل ما ، لا إلى فصل معيّن ، فرفع هذا الفصل - أعني المنع من الترك - مستلزم لرفع الجنس إذا لم يخلفه فصل آخر ، مع أنّ رفع المنع من الترك يقتضي ثبوت الإذن فيه ، فيكون هذا فصلا للجنس المذكور ، فكان أوّلا في ضمن الوجوب ، وثانيا في ضمن الجواز بالمعنى الأخصّ.

قلنا : أمّا أوّلا : فحدوث الفصل الآخر إمّا أن يكون قبل ارتفاع الجنس ، أو معه ، أو بعده. والأوّل غير ممكن ؛ لأنّه متأخّر عن ارتفاع الفصل الأوّل الذي يقارنه ارتفاع الجنس. وعلى الأخيرين يتحقّق ارتفاع الجنس. فإن حدث بعد ذلك ، لا يكون الجواز الذي كان في ضمن الواجب ، ولا يصدق حينئذ أنّه رفع الوجوب وبقي الجواز ، مع أنّه بعد ارتفاع الجنس والفصل لا مقتضي لحدوث هذا الجنس وفصل آخر ، فرجع الأمر حينئذ إلى ما كان

ص: 163


1- في « ب » : « لحكم ».

قبل الوجوب من الإباحة العقليّة أو التحريم.

وأمّا ثانيا : فلأنّ الجواز الذي كان في ضمن الوجوب لا يمكن أن يتحقّق بعينه في ضمن الإباحة ؛ لأنّ حصص الجنس متفاوتة ، والحصّة الموجودة منه في ضمن نوع غير الحصّة التي في ضمن نوع آخر ، وكلّ فصل علّة للحصّة التي معه ، فتزول بزواله ؛ لأنّ المعلول يزول بزوال علّته (1) ، فإذا ارتفع المنع من الترك ، يرتفع الجواز الذي كان معه ، والجواز الذي يتحقّق مع الإذن فيه غير الجواز المرتفع.

فإن قيل : إذا كان الكلّي الطبيعي موجودا في الخارج - كما هو التحقيق - يلزم أن يكون الجنس الموجود في ضمن أنواعه واحدا ، بمعنى أنّ الجنس الموجود في ضمن هذا النوع هو بعينه الجنس الموجود في ضمن نوع آخر.

قلت : يلزم منه أن يكون واحدا بالمعنى لا بالعدد ، وإلاّ لم يمكن أن يكون الفصول المختلفة عللا له ، والوحدة المعنويّة لا تنافي الاختلاف العدديّ ، فيلزم ما ذكر.

واحتجّ بعض من أنكر البقاء (2) : بأنّ زوال الوجوب الذي هو معلول للأمر مستلزم لزوال الأمر ؛ لاستلزام رفع المعلول لرفع علّته (3) ، فإذا زال الأمر يزول الجواز أيضا ؛ لعدم وجود المقتضي له حينئذ.

واجيب : بأنّ الاستلزام ممنوع ، لأنّ ثبوته مسلّم فيما لو كان الأمر علّة للوجوب مطلقا ، أي من دون شرط عدم طريان الرافع ، وأمّا إذا كان مشروطا به ، فيمكن أن يرتفع الوجوب بدون ارتفاع الأمر ؛ لجواز ارتفاعه بارتفاع شرط تحقّقه (4).

ولا يخفى ما فيه. فتأمّل.

واحتجّ القائل بالبقاء : بأنّ الوجوب ماهيّة مركّبة من الجزءين ، ورفع المركّب قد يتحقّق برفع جميع أجزائه ، وقد يتحقّق برفع بعض أجزائه ، فالرفع أعمّ منهما (5) ، ولا دلالة للعامّ على

ص: 164


1- في « ب » : « العلّة ».
2- منهم الغزالي في المستصفى : 59.
3- استلزام عدم المعلول لعدم العلّة هو في مقام الإثبات دون الثبوت.
4- قاله الشيخ حسن في معالم الدين : 87.
5- في « ب » : « منها ».

الخاصّ ، ففي رفع الوجوب يكفي رفع المنع من الترك الذي هو أحد جزءيه ، ولا يلزم رفع الجواز أيضا (1).

وردّ : بأنّ [ بقاء ] الجواز حينئذ لا يكون محقّق الوقوع ، فلا يثبت مطلوبكم (2).

واجيب : بأنّ الظاهر بقاؤه ؛ لأنّه كان ثابتا أوّلا ؛ لوجود مقتضيه ، والأصل استمراره حتّى يثبت خلافه (3).

وأنت بعد ما علمت من عدم إمكان بقاء الجواز ، تعلم سقوط هذا الجواب مع أصل الاحتجاج.

وإذا علمت ذلك تعلم أنّ الحقّ أنّه إذا ارتفع الوجوب ، يرجع الحكم إلى ما كان عليه قبل ورود الأمر من إباحة ، أو تحريم ، أو غيرهما. ورجوعه إلى الإباحة العقليّة إذا كان قبله عليها لا سترة به. ورجوعه إلى التحريم إنّما يكون في العبادة ؛ لأنّها لمّا كانت توقيفيّة فهي موقوفة على بيان الشارع وأمره ، فإذا أمر بها تكون إمّا واجبة أو مستحبّة ، وإذا رفع الأمر لا يجوز فعلها ؛ لأنّ العبادة لا تكون مباحة ، ولذا لمّا نسخ وجوب التوجّه إلى بيت المقدس ، صار التوجّه إليه حراما. فالعبادة إذا رفع وجوبها لا يمكن أن يرجع (4) إلى الإباحة.

وأمّا غير العبادة ، فيرجع إلى ما كان عليه قبل حكم الشرع من حكم العقل من إباحة ، أو حرمة ، أو غيرهما ؛ فإنّ للعقل في كلّ فعل حكما.

وإن كان قبل الوجوب على حكم من أحكام الشرع ، فهل يرجع بعد رفع الوجوب إلى هذا الحكم الشرعي ، أو إلى الحكم العقلي الذي كان قبله؟ الظاهر الثاني ؛ لأنّ الحكم الشرعي الذي كان قبل الوجوب رفع به (5) ، وبعد رفعه لا يعود ؛ لعدم المقتضي ، فيرجع إلى الحكم العقلي.

ومن التفريعات لهذا الأصل : أنّه إذا كان الإمام عليه السلام ، أو نائبه شرطا لوجوب الجمعة ، ففي

ص: 165


1- راجع معالم الدين : 87.
2- فإنّ مطلوبهم وقوع بقاء الجواز ودليلهم يقتضي إمكان البقاء. راجع المصدر : 89.
3- قاله الشيخ حسن في المصدر.
4- أي يرجع الحكم.
5- في « ب » : « رفع به ومنع ».

زمان الغيبة لا يجوز فعلها على ما اخترناه ، فيبطل التخيير. وقس عليه نظائره.

ثمّ اعلم أنّ بعض القائلين ببقاء الجواز ذهب إلى أنّ الباقي هو المعنى الظاهر من الجواز ، أي الإباحة (1). وقال بعضهم : إنّ الباقي هو الاستحباب (2). وقال بعضهم : الباقي ما يعمّهما (3) والمكروه (4).

ولا يخفى أنّه لو تمّ قولهم كان خير أقوالهم أوسطها ؛ لأنّ الوجوب مركّب من الإذن في الفعل ورجحانه والمنع من الترك ، فإذا رفع الأخير بقي الأوّلان.

[ البحث في أفعال المكلّفين والمكلّف ]

واعلم أنّه لمّا كان البحث في المبادئ الأحكاميّة عن الحكم والحاكم والمحكوم فيه - وهو أفعال المكلّفين - والمحكوم عليه - وهو المكلّف - وقد ذكرنا الأبحاث المتعلّقة بالأوّلين ، فلا بدّ من ذكر الأبحاث المتعلّقة بالأخيرين ، فنذكرها في فصول :

فصل [19]

امتناع التكليف بالمحال ظاهر ؛ لقبحه ، فلا يصدر من الحكيم. ولم يخالف أحد سوى الأشاعرة (5) ، ولهم شبه واهية. ولمّا كان ثبوت المطلوب وضعف شبه المخالفين. وكيفيّة التفريع في غاية الوضوح ، فلا نطيل الكلام بذكرها.

مسألة : لا يشترط في التكليف بفعل حصول الشرط الشرعي له ، ولذا يجب الصلاة على

ص: 166


1- جعله المطيعي في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 237 مقتضى كلام صاحب المحصول.
2- نسبه الطرطوشي إلى المالكيّة ، كما في المصدر.
3- في « ب » : « يعمّها ».
4- نسبه المطيعي إلى الأكثر في سلّم الوصول المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 237.
5- قال الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 179 : « اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا يطاق نفيا وإثباتا ... وميله في أكثر أقواله إلى الجواز ».

المحدث والجنب مع عدم تحقّق شرطها فيهما ، وهو الطهارة. ويجب الصلاة على من لم يتلبّس بالنيّة مع أنّها شرطها. والاستقراء يفيد القطع في ذلك. والسرّ في ذلك ما تقدّم من وجوب تحصيل الشرط للواجب المطلق ، فيجب على المحدث أن يتطهّر ويصلّي.

وقد وقع الخلاف في تكليف الكفّار بفروع الشريعة على أقوال (1) : ثالثها : أنّهم مكلّفون بالنواهي دون الأوامر. ورابعها : أنّ المرتدّ مكلّف دون الكافر الأصلي. وخامسها : أنّهم مكلّفون بما عدا الجهاد.

ثمّ بعض المنكرين قال بعدم الجواز (2) ، وبعضهم قال بعدم الوقوع (3).

والحقّ الجواز والوقوع.

والدليل على الأوّل ، ما ذكرنا أوّلا ؛ فإنّ انتفاء الشرط الشرعي للتكليف - وهو الإيمان - لا ينافي وجوبه كما علمت (4). ولا يتصوّر مانع سواه.

احتجّ الخصم : بأنّه لو صحّ تكليف الكافر ، لأمكن له الامتثال مع أنّه لا يمكن ، أمّا في حالة الكفر ، فظاهر. وأمّا بعده ، فلأنّ الإسلام يجبّ (5) ما قبله ، فيسقط عنه التكليف ، والامتثال فرعه.

والجواب : أنّه ممكن في حال الكفر بأن يسلم ، ثمّ يمتثل التكليف كالمحدث والجنب.

وعلى الثاني ، ما ورد من الأوامر العامّة بالعبادات الشاملة لهم ، كقوله تعالى : ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) (6) ، و ( وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) (7) ، و ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) (8) الآية.

ص: 167


1- راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 75 - 81 ، ومنهاج الاصول المطبوع مع نهاية السؤل 1 : 369 وما بعدها ، وتمهيد القواعد : 76 و 77 ، القاعدة 17.
2- هم من أصحاب الرأي وأبي حامد الإسفرايني. ونسب الآمدي عدم الجواز إلى بعض الثنويّة في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 180.
3- هم من أصحاب الرأي وأبي حامد الإسفرايني. ونسب الآمدي عدم الجواز إلى بعض الثنويّة في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 180.
4- ما مرّ هو انتفاء شرط المكلّف به دون شرط التكليف ، راجع مقدّمة الواجب ، ص 134 ، وأوّل هذه المسألة. والتنافي بين انتفاء شرط التكليف ووجوب العمل واضح.
5- تفسير القمّي 1 : 148.
6- البقرة (2) : 21.
7- يس (36) : 61.
8- آل عمران (3) : 97.

وما ورد من ذمّهم على ترك العبادة ، كقوله تعالى : ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) (1).

وما دلّ من أنّ اللّه يعاقبهم على ترك العبادات ، كقوله تعالى : ( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ) (2) الآية.

احتجّ الخصم : بأنّه لو وقع التكليف لوجب عليهم القضاء (3).

والجواب : أنّ الأمر بالأداء ليس أمرا بالقضاء ، بل هو بأمر جديد ، فلا ملازمة بينهما.

وكيفيّة التفريع : أنّه يحرم علينا إعانة الكفّار بالمحرّم عندنا ، كالخمر ، والخنزير ، والأكل والشرب في نهار رمضان. وعلى القول بعدم تكليفهم لا تحرم. وإذا زنى ذمّيّ ، فيجب عليه الحدّ بمقتضى شرعنا ، أو شرعهم ، والحاكم مخيّر في ذلك. ويتأتّى عدم الوجوب على القول بعدم تكليفهم ، كما ذهب إليه بعض العامّة (4).

فصل [20]

قيل : كلّ مكلّف به لا بدّ أن يكون فعلا ، فالمكلّف به في النهي فعل ضدّ المنهيّ [ عنه ] ؛ فإذا قيل : لا تتحرّك ، فمعناه اسكن ، وليس المراد منه التكليف بترك الحركة ؛ لأنّه عدم ، وكلّ عدم غير مقدور عليه (5).

والأكثر على أنّ المكلّف به في النهي الترك ، إلاّ أنّهم اختلفوا في أنّ المراد منه الكفّ وتوطين النفس عليه حتّى يكون فعلا أيضا ، أو نفي الفعل؟ ذهب إلى كلّ منهما طائفة (6) ؛ فالمذاهب ثلاثة.

وحجّة الأوّل ما ذكر.

ص: 168


1- فصّلت (41) : 6 و 7.
2- المدّثّر (74) : 42 و 43.
3- حكاه الأسنوي في نهاية السؤل 1 : 370.
4- راجع تمهيد القواعد : 77 ، القاعدة 17.
5- نسبه القاضي عضد الدين إلى أكثر المتكلّمين في شرح مختصر المنتهى 1 : 202 ، ويفهم ذلك من العلاّمة في تهذيب الوصول : 111.
6- راجع : المستصفى : 72 ، والمحصول 1 : 350 ، وتهذيب الوصول : 111 ، والتمهيد للإسنوي : 294.

وجوابها : منع عدم القدرة على العدم إذا كان مضافا. وتعرف له زيادة بيان.

هذا ، مع أنّ هذه الحجّة إن تمّت لا تدفع القول الثاني.

وحجّة الثاني وجهان :

أوّلهما : أنّ حمل النهي على أنّ المراد منه إيجاد الضدّ خلاف اللغة والعرف ، فاندفع القول الأوّل. وليس المراد منه نفي الفعل ؛ لأنّه غير مقدور عليه ، والمكلّف به يجب أن يكون ممكن الوقوع من المكلّف (1).

وجوابه : أنّ نفي الفعل لو لم يكن مقدورا عليه ، لم يكن الفعل أيضا كذلك ؛ لأنّ نسبة القدرة إلى الطرفين على السواء.

وردّ : بأنّه عدم كان ثابتا قبل واستمرّ ، ولا يمكن أن يكون أثرا للقدرة ؛ لأنّه لا بدّ لها عقلا من أثر حادث متجدّد (2).

ولا يخفى ما فيه ؛ فإنّ إبقاء الاستمرار وعدم رفعه ممّا يصلح أن يكون متعلّقا للقدرة ، بل هو المكلّف به في النهي ليس إلاّ.

وثانيهما : أنّ المكلّف به في النهي لو كان نفي الفعل ، لزم أن يترتّب عليه الثواب وإن لم يتحقّق الكفّ ؛ لأنّ المكلّف به في الحرام ما يترتّب عليه الثواب ، فيلزم أن يكون تارك الزنى - مثلا - مثابا وإن لم يكفّ نفسه عنه ، كما في صورة عدم القدرة ، أو الشوق ، أو الشعور (3).

وجوابه : أنّ الثواب يترتّب على نفي الفعل ، إلاّ أنّه مشروط بأن يكون مقارنا للشعور والقدرة.

وإذا عرفت عدم تماميّة القولين الأوّلين - بل عدم صحّة القول الأوّل ؛ لما ذكر في حجّة الثاني - تعلم أنّه لا بأس بالقول الثالث ، بل هو الحقّ ؛ لأنّه قد يتحقّق ترك الحرام مع إرادة الفعل عند القدرة ، ولا شكّ أنّه لا يمكن تحقّق الكفّ حينئذ ، فثبت القدرة على نفي الفعل من دون الكفّ.

ص: 169


1- تقدّم تخريجهما آنفا في أوّل البحث ، وأيضا راجع شرح مختصر المنتهى 1 : 202 و 203.
2- تقدّم تخريجهما آنفا في أوّل البحث ، وأيضا راجع شرح مختصر المنتهى 1 : 202 و 203.
3- قاله الأسنوي في نهاية السؤل 2 : 307.

وأيضا لو كان المكلّف به في النهي الكفّ (1) ، يلزم أن لا يترتّب الإثم على ترك الواجب (2) بدون الكفّ (3) ، فمن ترك الصلاة مثلا من دون أن يكفّ نفسه (4) ويوطّنه على الترك ، لا يكون معاقبا وهو باطل.

وأيضا إذا كان المطلوب بالنهي هو الكفّ ، فيكون فعلا واجبا ، فتركه إنّما يتحقّق بالكفّ عنه على ما هو الفرض ، فيترتّب الإثم في الحرام على الكفّ عن الكفّ ، مع أنّ فاعل الحرام لا يجد من نفسه الكفّ عن الكفّ.

وأيضا على تفسير القدرة يدخل عدم الفعل في المقدور ، كما لا يخفى (5).

وكيفيّة التفريع على الخلاف الأوّل : أنّه إذا قال : « إن خالفت أمري ، فأنت عليّ كظهر أمّي » فقال لها : « لا تكلّمي زيدا » فكلّمته ، فعلى القول الأوّل يقع الظهار ؛ لأنّ المراد من قوله : « لا تكلّمي » اسكتي ، فوقع مخالفة الأمر. وعلى القول الثاني لا يقع ؛ لأنّه لم يقع مخالفة الأمر ، بل النهي.

وعلى القول الأوّل يلزم أن يكون النهي عن كلّ شيء أمرا بضدّه ، فإذا كان له ضدّ واحد يتعيّن ، وإن كان له أضداد فيكفي واحد منها. ولا يخفى أنّ ثبوت هذا (6) لا ينافي ما ذهبنا إليه (7) ؛ لأنّ هذا إنّما يكون على سبيل الاستلزام لا العينيّة (8).

ويتفرّع على الثاني (9) أنّه لو حصلت نخامة في فم الصائم ، فتركها حتّى نزلت بنفسها إلى جوفه ، فعلى القول الثاني لا يبطل صومه ، بل إنّما هو في صورة ابتلعها قصدا. وعلى القول الثالث يبطل.

ص: 170


1- في هامش « أ » : « لا النفي ؛ لعدم كونه مقدورا ».
2- في هامش « أ » : « لعدم كونه مقدورا ، ووجوب ترتّب الإثم على المقدور الصادر من المكلّف ».
3- في هامش « أ » : « عن الواجب ».
4- في هامش « أ » : « عن الصلاة ».
5- في هامش « أ » : « إذ القدرة بالنسبة إلى طرفي النقيض متساوية ، ولا شكّ أنّ الفعل مقدور ، فنفي الفعل الذي هو نقيضه أيضا مقدور ».
6- في هامش « أ » : « كما سبق في بحث استلزام كلّ من الأمر والنهي ».
7- في هامش « أ » : « من بطلان القول الأوّل ».
8- في هامش « أ » : « كما يلزم من القول الأوّل ».
9- أي على الخلاف الثاني ، وهو أنّ المراد من الترك هل هو الكفّ ، أو نفي الفعل؟

ولو قال : « لو فعلت ما ليس فيه رضى فعليّ كذا » فترك إحدى الواجبات ، ففيه الوجهان ، وقد عرفت الحقّ.

فصل [21]

الفهم شرط التكليف ، وبه قال أصحابنا وكلّ من أحال تكليف المحال (1) ؛ للزومه لولاه ، ولو لم يكن شرطا له لصحّ تكليف البهائم.

وقد ورد أخبار كثيرة بأنّ التكليف يتوقّف على فهم المكلّف وعلمه (2). ويدلّ عليه بعض الآيات (3) أيضا.

واحتجّ المخالف : بأنّه تعلّق بالصبي والمجنون ضمان ما أتلفاه (4) ، ومع اشتراط التكليف بالفهم لا معنى لضمانهما.

واجيب : بأنّه ليس بتكليف ، بل من الأسباب ، والمكلّف بها الوليّ ، وعلى تقدير تعلّق التكليف بهما - نظرا إلى دخول الحكم الوضعي في الشرعي - لا منع أيضا ؛ لأنّه يجوز التخلّف عن الأصل باعتبار النصّ. ومن ذلك صحّة جميع ما تعلّق بغير المكلّفين من الأحكام الوضعيّة على فرض الثبوت ، كضمان النائم والسكران ما أتلفاه. وقد تقدّم أيضا ما ينفع في المقام (5).

واحتجّ أيضا : بأنّه تعالى خاطب السكران بقوله : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) (6) ، ومخاطبة السكران من باب التكليف بمن لا يعلم (7).

ص: 171


1- كذا في النسختين. والأولى : « التكليف بالمحال ».
2- منها : ما في التوحيد : 410 - 413 ، باب التعريف والبيان والحجّة والهداية ، ح 2 - 4 و 7 - 11 ، ومنها : حديث رفع القلم ، كما في بحار الأنوار 40 : 277 ، ح 41 ، ومنها : حديث الرفع ، كما في الخصال 2 : 417 ، باب التسعة ، ح 9 ، ووسائل الشيعة 15 : 369 ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، ح 1.
3- منها : قوله تعالى : ( لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها ) ، الطلاق (65) : 7.
4- حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 200.
5- أجاب به الآمدي في المصدر.
6- النساء (4) : 43.
7- راجع الإحكام في أصول الأحكام 1 : 201.

واجيب بوجهين (1) :

أحدهما : أنّ المراد من السكران الثمل ، وهو من ظهر منه مبادئ الطرب وعقله ثابت بعد ، وكثيرا ما يسمّى الثمل سكرا من باب المجاز ؛ لأنّه يؤدّي إليه غالبا ، ولفظة « حتّى » على هذا بمعنى الغاية ، ويكون ما بعدها مؤوّلا ، أي يتكامل فيكم العلم والفهم.

وثانيهما : أنّ المراد منه لا تسكروا وقت الصلاة ، نحو « لا تموتنّ وأنتم كافرون » أي لا تكفروا ، فتموتوا وأنتم كافرون. وعلى هذا لفظة « حتّى » بمعنى كي.

وكيفيّة التفريع : أنّه يحكم بنفي تعلّق الحكم بغير المكلّفين ، كالحكم بنفي الحدّ عن المجنون إذا زنى ، ونفي صحّة تزويج السكرى نفسها ، ونفي صحّة طلاق السكران ؛ وتعلّق الحكم بغير المكلّفين في بعض الموادّ لدليل خارجي ، كوجوب قضاء الصلاة على النائم والسكران.

ثمّ الحقّ اشتراط الفهم في ابتداء الفعل وأثنائه ، فلو زال الفهم في وسط الفعل سقط التكليف ؛ لأنّ الأدلّة تشمل بعمومها أثناء الفعل أيضا ، ولذا لم يفرّق القوم بينهما.

وذكر بعض المتأخّرين : أنّه يظهر من الأدلّة اشتراط الفهم في ابتداء الفعل فقط ، حتّى لو نوى الفعل المتوقّف على النيّة مع الفهم ثمّ زال في أثنائه ، صحّ هذا الفعل (2).

وفرّع عليه صحّة صلاة الساهي عن بعض الأفعال ، وصوم النائم وصوم من أكل سهوا إذا وقع النيّة منهم مع التذكّر (3).

ولا يخفى أنّ إخراج هذه الأشياء من القاعدة لدليل خارجي ، وفي غيرها - ممّا لم يثبت التخلّف بدليل خارجي - يكون الحكم كما ذكرناه. ويتفرّع عليه عدم صحّة صوم المغمى عليه في أثناء اليوم ، وعدم وجوب القضاء عليه.

فصل [22]

اتّفق أكثر العقلاء على امتناع تعلّق التكليف بالمعدوم ، وخالف الأشاعرة وصرّحوا بأنّ

ص: 172


1- راجع الإحكام في أصول الأحكام 1 : 201.
2- راجع تمهيد القواعد : 68 و 2. القاعدة 15.
3- راجع تمهيد القواعد : 68 و 2. القاعدة 15.

المعدوم مكلّف (1). ولا بدّ من تحرير محلّ النزاع ، والإشارة إلى ما هو الحقّ.

فنقول : يتصوّر هاهنا صور :

الأولى : أن يكون المراد من تكليف المعدوم تكليفه تنجيزا ، بأن يطلب منه الفعل في حالة العدم ، ولا ريب في بطلانه ؛ فإنّ الفهم لو كان شرطا للتكليف ، فالوجود أولى بذلك.

والظاهر أنّ الأشعري أيضا لم يقل به.

الثانية : أن يكون المراد منه تكليفه في حالة الوجود ، بأن لا يكون التكاليف الشرعيّة متعلّقة بالمعدوم في حالة عدمه ، بل إذا صار موجودا وحصل فيه شرائط التكليف حدث تعلّقها به ، وعلى هذا لم يتوجّه على المعدوم شيء ، لا تنجيز التكليف ، ولا التعلّق العقلي. وإطلاق تكليف المعدوم على ذلك بناء (2) على أنّه لمّا استمرّ الأمر الأزلي إلى زمان وجوده وصار بعد الوجود داخلا تحته ، فكان للأمر المذكور علاقة ما به في حال عدمه أيضا.

وغير خفيّ أنّ هذا لا ضير فيه ؛ لأنّ بناءه على أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم أخبر الموجودين الحاضرين بأنّ كلّ معدوم يوجد ، فيكلّفه اللّه بما كلّفكم ، فالأوامر الإلهيّة لم تتعلّق بالمعدومين مطلقا ، ولكن لمّا علم اللّه أنّه يوجد المعدومين ، فأخبر الأنبياء بأن يخبروا الموجودين بأنّ من يوجد يكون مكلّفا بما يتضمّن هذه الأوامر ، فيحدث تعلّق الأمر بكلّ أحد بعد وجوده بخبر النبيّ. وهذا ممّا نقول به ، ولكنّ الإطلاق المذكور على ذلك غير مناسب ، والتعليل المذكور غير صالح لتصحيحه ، ومراد الأشاعرة أيضا ليس هذا.

الثالثة : أن يكون المراد منه التعلّق العقليّ ، وهو أنّ المعدوم الذي علم اللّه في الأزل أنّه يوجد فيما لا يزال قد تعلّق به التكليف الذي يفعله إذا وجد وحصل فيه شرائط التكليف ، وعلى هذا يتعلّق التكليف بالمعدوم ، إلاّ أنّه ليس تعلّقا تنجيزيّا.

واورد عليه : بأنّ مطلق التعلّق يتوقّف على متعلّق موجود ؛ لأنّ الإضافة تتوقّف على المضاف إليه (3).

ص: 173


1- وممّن صرّح به الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 202.
2- خبر لإطلاق.
3- راجع : المحصول 2 : 255 - 259 ، وتهذيب الوصول : 117 ، والإحكام في أصول الأحكام 1 : 202.

واجيب : بأنّ المتعلّق هو الموجود العلمي ؛ فإنّ ما تعلّق به التكليف وإن كان معدوما في الخارج ، إلاّ أنّه موجود في علم اللّه ، فتعلّق به التكليف تعلّقا علميّا ، وإذا وجد في الخارج يتعلّق به تعلّقا تنجيزيّا. وهذا هو مراد الأشاعرة (1).

واحتجّوا أمّا أوّلا : فبأنّ كلامه أزلي ، وإلاّ لزم قيام الحوادث (2) بذاتها ، ومن جملة كلامه الأمر والنهي ، وكلّ منهما تكليف ، فيكون التكليف أزليّا. ومن اللوازم الذاتيّة للتكليف التعلّق ؛ لعدم تحقّقه بدونه ، فيكون التعلّق أيضا أزليّا ، ولا يتصوّر ذلك إلاّ بأن يتعلّق التكليف بالمعدوم (3).

وغير خفيّ أنّ كون الكلام عندهم أزليّا بناء (4) على ما ذهبوا إليه من إثبات الكلام النفسي ، وهو باطل عندنا ، بل الكلام مؤلّف من الحروف وهو حادث ، وليس قائما بذاته حتّى يلزم ما ذكر. وقد حقّق ذلك في محلّه.

وأمّا ثانيا : فبأنّا مكلّفون بأوامر النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم مع كوننا معدومين في حالة أمره (5).

واجيب : بأنّه يحدث تعلّقها بنا (6) بخبر النبيّ إذا وجدنا كما تقدّم. فكلّ موجود وإن دخل تحت الأوامر الصادرة عند عدمه ، إلاّ أنّ تعلّقها به لم يكن عند عدمه ، بل بعد وجوده ؛ فإنّ الآمر إذا علم وجود شخص فيما بعد ، وأراد في وقت عدمه أن يأمره بشيء عند وجوده ، ولم يكن في غرضه تعلّق الأمر به في حالة عدمه ، يجوز أن يأمره به مطلقا من غير تقييد ، كأمر الرجل ولده الذي أيقن من طريق بأنّه سيولد بتعلّم إحدى الصناعات (7).

هذا ، مع أنّ تعلّق التكليف بالمعدوم لا يترتّب عليه فائدة وإن كان له وجود علمي ، وصدور أمر لم يكن فيه فائدة قبيح من الحكيم.

والقول بأنّه يترتّب عليه الفائدة بعد زمان ، أي حالة وجوده ، وهو كاف لخروجه عن

ص: 174


1- راجع : المحصول 2 : 255 - 259 ، وتهذيب الوصول : 117 ، والإحكام في أصول الأحكام 1 : 202.
2- في « ب » : « الحادث ».
3- راجع : المحصول 2 : 255 - 259 ، وتهذيب الوصول : 117 ، والإحكام في أصول الأحكام 1 : 202.
4- خبر.
5- تقدّم تخريجها آنفا.
6- في « ب » : « بها بناء ».
7- تقدّم تخريجهما آنفا.

القبح مع إمكان ترتّب فائدة على التعلّق في حالة العدم أيضا وإن لم نعلمها (1) ، ضعيف جدّا ، كما لا يخفى.

ثمّ لمّا عرفت أنّ كلامه تعالى ليس أزليّا ، فلا يكون فرق بين أوامره تعالى وخطابات النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم في شمولها للمعدومين وعدمه. وكيفيّة التفريع أيضا في الجميع واحدة.

وقد وقع الخلاف في شمول خطاب اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وآله للمعدومين. وللمجوّزين حجج يمكن إجراؤها فيما نحن فيه. وسيجيء تحقيقه مع كيفيّة التفريع.

فصل [23]

الإكراه إذا بلغ حدّ الإلجاء لا يصحّ معه التكليف بأحد الطرفين ؛ لأنّ أحدهما حينئذ واجب الوقوع ، والآخر ممتنع الوقوع ، فلا يبقى معه قدرة على أحدهما ، والتكليف مشروط بها.

ولم يخالف فيه سوى المجوّزين للتكليف بما لا يطاق (2).

وإذا لم يبلغ حدّ الإلجاء ، فالمشهور جواز التكليف بأحد الطرفين ؛ لبقاء القدرة.

وقال المعتزلة : لا يجوز ؛ نظرا إلى أنّ المكلّف به يترتّب عليه الثواب ، أو العقاب ، وفعل المكره لا يترتّب عليه شيء منهما (3) ؛ لأنّه أتى به لأجل الإكراه ، لا لأجل أمر الشارع (4).

والجواب : أنّه إذا اختار نقيض ما اكره عليه ، فلا شبهة في كونه أبلغ في إطاعة أمر الشارع إذا كان (5) مأمورا به منه ، وأبلغ في مخالفة أمره إذا كان (6) منهيّا عنه منه.

وإذا اختار ما اكره عليه ، فيقدر أن يأتي به لأجل أمر الشارع أو نهيه ، فيترتّب عليه الثواب أو العقاب. وهذا كاف للمطلوب (7).

ص: 175


1- تقدّم تخريجها آنفا.
2- هم أبو الحسن الأشعري وأصحابه.
3- في « ب » : « منها ».
4- راجع : المعتمد 1 : 165 ، والتمهيد : 120.
5- ضمير « كان » في الموردين راجع إلى « نقيض ».
6- ضمير « كان » في الموردين راجع إلى « نقيض ».
7- في « ب » : « في المطلوب ».

أقول : وممّا يدلّ على قول المعتزلة قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « رفع عن أمّتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » (1) ، فيجب حمل الإكراه فيه على الإلجاء ، أو القول بأنّ الموارد التي بقي فيها التكليف مع الإكراه مخصّصة من القاعدة. وهذا أقوى.

وكيفيّة التفريع : أنّه إذا ألجئ الصائم على الإفطار بأن وجر شيء في حلقه ، أو حبس رجل من الصلاة أو غيرها من الطاعات ، يسقط عنه التكليف ؛ نظرا إلى عدم بقاء القدرة.

وكذا الإلجاء على الزنى ، وإمكانه في حقّ المرأة ظاهر. وأمّا في حقّ الرجل ، فالظاهر كذلك أيضا ، كما لا يخفى.

ولا يباح القتل بالإكراه إذا لم يبلغ حدّ الإلجاء. وإن علم أنّه إذا لم يقتل قتل ، فإذا قتل يجب به القصاص إجماعا ، فهذا مخصّص.

وإذا اكره على إتلاف المال ، لم يتعلّق به شيء ، ويتعلّق الضمان بالآمر.

وفروع هذه القاعدة كثيرة. وحقيقة الحال ظاهرة عليك في جميعها بعد تحقيق الأصل.

والضابط : أنّه لا يترتّب على فعل المكره شيء إلاّ في مواضع مخصوصة : منها ما ذكر.

ومنها : الإكراه على الحدث في الصلاة والطواف ، فإنّه يبطلهما (2). ووقع الخلاف في أنّ الإكراه على فعل المنافي غير الحدث هل يبطل الصلاة ، أم لا؟

ومنها : الإكراه على إعطاء الخمس والزكاة ؛ فإنّه (3) يبرئ الذمّة.

ومنها : الإكراه على الإرضاع ؛ فإنّه ينشر الحرمة.

ومنها : إكراه الحربيّ والمرتدّ عن ملّة ، والمرتدّة مطلقا على الإسلام ؛ فإنّ إسلامهم مقبول حينئذ ، بخلاف الذمّيّ.

ومنها : الإكراه على تولّي الحدّ والقصاص.

وقد ذكر بعض مواضع أخر أيضا (4).

ص: 176


1- سنن ابن ماجة 1 : 659 ، ح 2043 ، والخصال 2 : 417 ، باب التسعة ، ح 9 ، ووسائل الشيعة 15 : 369 ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، ح 1.
2- في « ب » : « يبطلها ».
3- في « ب » : « فإنّها ».
4- راجع تمهيد القواعد : 75 و 76 ، القاعدة 17.
فصل [24]
اشارة

الفعل المكلّف به إذا كان مشروطا بشرط ، فإن جهل الآمر انتفاء شرطه ، يصحّ التكليف به (1) إجماعا ، كتكليف السيّد عبده بفعل (2) في غد مع جهله بموته قبله.

وإن علم انتفاءه لم يصحّ التكليف به على الأقوى ، وفاقا لمحقّقي أصحابنا والمعتزلة (3) ، وخلافا للأشاعرة (4). فكلّ فعل مكلّف به في زمان لا بدّ أن يدرك المكلّف مقدارا منه يتمكّن فيه من أدائه ، فإن علم عدم الإدراك سقط الوجوب ، كتكليف زيد بصوم غد مع العلم بموته أو جنونه فيه أو قبله. وإن لم يعلم يجب الشروع فيه ، فإن أدرك جميع الوقت استقرّ الوجوب ، وإلاّ تبيّن (5) سقوطه.

لنا : أنّ الإتيان بالفعل مع عدم شرطه غير ممكن ، فالتكليف به تكليف بما لا يطاق.

وأيضا لو صحّ التكليف مع علم الآمر بانتفاء الشرط ، لصحّ مع علم المأمور به أيضا ، واللازم باطل بالإجماع. وبيان الملازمة ظاهر.

واجيب : بأنّ الأمر كما يحسن لمصلحة في المأمور به ، كذلك (6) قد يحسن في نفس الأمر ، كما إذا أمر السيّد عبده ، أو غيره غيره بفعل للامتحان مع علمه بأنّه يمنعه عن الفعل ، وحينئذ لا يلزم التكليف بما لا يطاق ؛ لأنّه يلزم إذا كان المراد من الأمر فعل المأمور به (7) بانتفاء الشرط ؛ لأنّه لا معنى حينئذ للامتحان (8).

ولا يخفى أنّه لو حسن الأمر لنفسه (9) لا للمأمور به ، لما دلّ مطلق الأمر بشيء على حسن المأمور به ، ولا على وجوب مقدّمته ، ولا على النهي عن ضدّه ، بل توقّف ذلك على ثبوت أنّ

ص: 177


1- لم يرد في « ب » : « التكليف به ».
2- لم يرد في « ب » : « بفعل ».
3- راجع معالم الدين : 82.
4- راجع معالم الدين : 82.
5- في « ب » : « يتبيّن ».
6- لم يرد في « ب » : « كذلك ».
7- في « ب » بعد « به » : « ولا صحّة التكليف مع علم المأمور به ».
8- حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : 84 و 85.
9- أي لمصلحة في نفس الأمر لا في المأمور به.

المراد من الأمر فعل المأمور به ، فكان الواجب الفحص عن كلّ أمر حتّى يعلم أنّه من الفرد الذي يستلزم الامور المذكورة أم لا ، مع أنّ القوم يحكمون باستلزام مطلق الأمر للامور المذكورة من غير فحص.

هذا ، مع أنّ صحّة التكليف المذكور مستلزمة للإغراء بالجهل ؛ لأنّ المأمور معتقد حينئذ إرادة الآمر منه الفعل مع أنّه ليس كذلك. والمثال الذي ذكر - لو سلّم حسنه - تمّ في حقّ غير اللّه ؛ لأنّ المطلوب منه تحصيل العلم بحال الغير ، واللّه غنيّ عن ذلك.

احتجّ الخصم : بأنّه لو لم يصحّ التكليف بفعل علم عدم شرطه ، لم يكن تارك كلّ مكلّف به عاصيا ؛ لأنّ من شروطه إرادة المكلّف ، واللّه علم عدم الإرادة منه (1).

والجواب : أنّ المراد من الشرط شرط الواجب المقيّد الذي ليس تحصيله واجبا على المكلّف ، أو شرط الواجب المطلق الذي لم يقدر المكلّف على تحصيله ؛ فإنّه لو علم انتفاء هذين الشرطين في الواقع ، لم يصحّ التكليف.

وأمّا شرط الواجب المطلق الذي كان المكلّف قادرا على تحصيله ، فيصحّ التكليف بمشروطه. والإرادة من هذا القبيل ؛ فإنّ المكلّف يقدر على تحصيلها ، فعدمها من سوء اختياره ، فلا يسقط به التكليف.

ولو كان المراد من الشرط شرط الواجب المطلق الذي أمكن تحصيله ، لم يكن فرق بين هذه المسألة وما تقدّم (2) من أنّ التكليف بالواجب المطلق لا يتوقّف على حصول شرطه.

ولهم بعض أدلّة ضعيفة أخر (3). وجوابها في غاية الظهور ، ولذا لم نتعرّض لها.

وفروع هذه القاعدة كثيرة : كعدم وجوب الكفّارة على من أفطر في نهار رمضان عمدا ثمّ مات ، أو جنّ ، أو مرض ، أو سافر ؛ لأنّ كلاّ منها كاشف عن عدم وجوب الصوم ؛ لانتفاء شرطه.

وكعدم وجوب قضاء الحجّ عمّن أيسر ومات في سنة اليسر قبل التمكّن من الحجّ.

ص: 178


1- حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : 84.
2- في ص 166 - 167.
3- راجع معالم الدين : 84.

وعدم نقض تيمّم من وجد الماء ولم يتمكّن من الطهارة.

وعدم وجوب قضاء الصلاة على من أدرك الوقت ومات ، أو جنّ ، أو حاضت ، أو نفست قبل مضيّ وقت يسع فعل الصلاة.

فائدة

فائدة (1)

قد تقدّم (2) أنّ الفهم والعلم شرط التكليف ، ولذا لا يتعلّق بالساهي والغافل وغير العاقل وأمثالهم. وربما يتراءى تنافيه لما ذكر القوم من تعلّق التكليف بالجاهل وعدم معذوريّته إلاّ في مواضع مخصوصة ؛ لأنّ العلم إن كان شرطا في التكليف لزم عدم تعلّقه بالجاهل أيضا ، وإن لم يكن شرطا له لزم تعلّقه بالساهي وغير العاقل وأمثالهما أيضا (3).

والحقّ عدم المنافاة ؛ لأنّ سقوط التكليف عنهم بناء (4) على فقدانهم العلم ، وعدم تمكّنهم من تحصيله أيضا. فلو كلّفوا مع ذلك يلزم التكليف بما لا يطاق ، ولذا حكموا بسقوط التكليف فيما لا نصّ فيه ، وصرّحوا فيه بالإباحة ؛ لأنّ التكليف به مع عدم إمكان تحصيل العلم به من الأدلّة تكليف بما لا يطاق.

وأمّا تكليف الجاهل فليس تكليفا بما لا يطاق ؛ لأنّ عدم علمه باعتبار تقصيره ؛ فإنّه كان متمكّنا من تحصيله فقصّر ولم يحصّله ؛ فإنّ كلّ مكلّف يعلم أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وآله أتى بواجبات ومحرّمات كلّف بها كلّ مكلّف ، ومكّنه اللّه من العلم بها ، فلو سامح ولم يحصّلها يكون عاصيا باعتبار التقصير.

فمثله مثل عبد أعطاه سيّده طومارا مطويّا فيه بعض الأوامر ، وقال له : يلزم عليك أن تفتحه وتقرأه وتعمل بجميع ما فيه ، وكان العبد متمكّنا من قراءته إمّا بنفسه أو بإعانة الغير ، فلو لم يعمل به متعذّرا بعدم العلم به عدّ عاصيا.

ومثل غير العاقل والساهي ومن لم يصل إليه دليل الحكم بعد الفحص التامّ ، مثل عبد

ص: 179


1- في « ب » : « قاعدة ».
2- تقدّم في ص 171 ، الفصل 21.
3- للمزيد راجع معالم الدين : 82.
4- خبر.

أعطاه سيّده الطومار المطويّ في موضع لم يقدر على قراءته بوجه ، أو كتب الطومار ولم يعطه ، فلا يتوجّه عليه ذمّ باعتبار عدم العمل.

وما ذكر إنّما يجري في الجاهل في نفس الحكم الشرعي ، كالجاهل ببطلان الصلاة في المكان المغصوب. وأمّا الجاهل في موضوعه - كالجاهل بأنّ هذا المكان مغصوب - فلا يجري فيه ما ذكر ؛ لأنّ الأوّل علم أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم جاء ببعض الأحكام وعلمها إجمالا ، ويتمكّن من تعلّمها تفصيلا ، وذمّته مشغولة بالعمل بها يقينا ، فيجب عليه تعلّمها والعمل بها ؛ لأنّ شغل الذمّة اليقينيّ محتاج إلى البراءة اليقينيّة.

وأمّا الثاني ، فلا يجب عليه الفحص عن كلّ مكان مثلا بأنّه مغصوب أم لا ، ولا عن كلّ طعام بأنّه نجس أم لا ؛ لأنّ الأصل عدم الغصب والنجاسة. وكذا الحكم في جميع موضوعات الأحكام. ولذا ترى العلماء يفرّقون في الأكثر بين الجهل في نفس الحكم وموضوعه.

وممّا ذكر علم أنّه يجب على كلّ مكلّف تعلّم ما يجب عليه وما يحرم عليه من الأحكام المتعلّقة بالعبادات والمعاملات بشرط التمكّن ، فلو لم يتمكّن - كالمستضعف وأمثاله ممّن يستحيل عادة أن يفهمها ومع ذلك بذل جهده - فهو معذور ، وكذا الحكم فيمن لم يتمكّن من الوصول إلى العلماء بعد بذل جهده ، ولو تمكّن من أخذ بعضها ، يجب عليه أخذه دون البعض الآخر.

ثمّ إنّ كيفيّة أخذ الأحكام تظهر فيما بعد. وكيفيّة التفريع واضحة.

ص: 180

المبحث الثاني : في الأدلّة الشرعيّة - أعني الكتاب ، والسنّة ، والإجماع - والأدلّة العقليّة

اشارة

وأمّا القياس ، فله أقسام ، بعضها ليس حجّة عندنا وفاقا ، وبعضها حجّة عند بعض أصحابنا. فلا بدّ لنا من بيانه ، وإبطال الباطل وإحقاق الحقّ.

فهنا أبواب :

ص: 181

ص: 182

الباب الأوّل : في الكتاب

اشارة

وفيه فصول :

فصل [1]
اشارة

الكتاب لغة (1) يتناول كلّ مكتوب ، وخصّ شرعا بالقرآن. وقد عرّف القرآن بتعريفات لا يتمّ واحد منها :

منها : أنّه كلام منزل للإعجاز بسورة منه (2).

والإيراد عليه بوجوه :

الأوّل : أنّه دوريّ ؛ لأنّ القرآن مأخوذ في تعريف السورة ، كما يجيء (3).

الثاني : أنّه ليس تعريفا بالحدّ ولا بالرسم ؛ لأنّ الأوّل يكون بالأجزاء ، والثاني باللوازم البيّنة ، وكونه للإعجاز ليس كذلك.

الثالث : أنّه لا يتناول البعض ؛ لأنّ لفظة « من » للتبعيض ، والضمير عائد إلى الكلام ، و « منه » في موضع الحال ، وقوله : « بسورة » يفيد العموم ، كما هو شأن كلّ نكرة مقارنة للوحدة وإن كانت في سياق الإثبات ، كقولهم : « تمرة خير من جرادة » فيصير المعنى أنّه كلام (4) منزل للإعجاز بكلّ سورة حال كون كلّ سورة جزءا من هذا الكلام » والكلام الذي كلّ

ص: 183


1- المصباح المنير : 524 ، « ك ت ب ».
2- قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : 45 ، ومختصر المنتهى : 109.
3- في « ب » : « سيجيء ». وسيجيء في ص 186.
4- في « ب » : « كلامه ».

سورة جزء منه هو مجموع القرآن دون أبعاضه. فعلى هذا لا يكون القرآن صادقا على بعضه ، وهو لا يلائم غرض الاصولي ؛ لأنّه إذا قال : دليل هذا الحكم القرآن ، إنّما يريد منه بعضه.

ويمكن أن يدفع ذلك بتقدير مضاف (1) ، بأن اريد « بسورة من جنسه » في العلوّ والبلاغة ، وحينئذ يصير المعنى أنّ كلّ سورة من جنس هذا الكلام.

ولا يخفى أنّه يصدق على كلّ بعض « أنّ كلّ سورة من جنسه في البلاغة والعلوّ » فيكون القرآن اسما لمفهوم كلّي صادق على المجموع ، وعلى كلّ بعض منه ، إلاّ أنّ هذا خلاف الظاهر ، والاجتناب عن أمثاله في الحدود لازم.

ومنها : أنّه ما نقل بين دفّتي المصحف تواترا (2).

وهو أيضا دوريّ ؛ لأنّ معرفة المصحف تتوقّف على معرفة القرآن ؛ لأنّه ما كتب فيه القرآن ، ولو لم يتميّز المصحف عن سائر الكتب بكتابة القرآن فيه ، لصدق التعريف على سائر الصحف أيضا.

ويرد عليه الإيراد الثاني (3) أيضا ؛ لأنّ النقل المذكور ليس من أجزاء القرآن ، ولا من لوازمه البيّنة.

ومنها : أنّه كلام لا يصحّ الصلاة بدون تلاوة بعضه (4).

ويرد عليه الإيراد الثالث (5) ، وينتقض طردا بمثل التشهّد.

ومنها : أنّه كلام يحرم مسّ خطّه محدثا (6).

ومنها : أنّه كلام بعض نوعه معجز ، أو كلام اللّه المنزل للإعجاز (7).

ويرد على هذه الثلاثة الإيراد الثاني ، مع أنّه يرد على الأوّل ، أنّ حرمة المسّ ممّا وقع فيه الخلاف.

قيل : الحقّ أنّ هذه التعريفات لفظيّة ، والمراد منها تصوير مفهوم اسم القرآن بذكر

ص: 184


1- والمراد المضاف إلى الضمير في « منه » والمضاف هو لفظ « جنس ».
2- قاله الغزالي في المستصفى : 81 ، ونسبه القاضي عضد الدين إلى قوم في شرح مختصر المنتهى 1 : 109.
3- راجع المصدر.
4- راجع المصدر.
5- راجع المصدر.
6- قاله المطيعي في سلّم الوصول ، المطبوع مع نهاية السؤل 2 : 3.
7- قاله الأسنوي في نهاية السؤل 2 : 3.

بعض أحكامه العارضة ، وليس المراد منها التحديد ولا التمييز ، وحينئذ تكون التعريفات بأجمعها صحيحة ؛ لعدم اعتبار الانعكاس والاطّراد ، وكونه بالجزء أو اللازم البيّن في التعريف اللفظي (1).

أقول : يمكن تصحيح التعريف الآخر بأن يقال : الإنزال للإعجاز لا يصدق على غير القرآن ، فلا يصدق على سائر المعجزات حقيقة بأنّها معجزات منزلة ، فالإنزال للإعجاز بيّن الثبوت للقرآن ، بيّن الانتفاء عن غيره ، فلا ينتقض التعريف.

ولو لا وقوع الخلاف في حرمة مسّ القرآن ومسّ غيره من أسماء اللّه وأنبيائه ، لأمكن تصحيح التعريف الرابع أيضا بنحو ما ذكر ، فالصواب هو التعريف الأخير ، ويدخل فيه كلّ بعض من القرآن وإن كان نحو « قل » و « افعل » ؛ فإنّه من حيث الجزئيّة ، واعتباره مع السابق واللاحق يكون منزلا للإعجاز ، ويصدق عليه القرآن ، ولذا يحرم مسّه على القول بحرمة مسّ القرآن.

ويتفرّع عليه أيضا ثبوت جميع الأحكام اللازمة للقرآن لكلّ بعض منه.

ويظهر الفائدة أيضا في الأيمان ، والتعليقات ، وأمثالهما.

ثمّ إنّه قيل لتأييد أنّ هذه التعريفات لفظيّة : إنّ القرآن اسم علم شخصي ، فلا يعرّف ؛ لأنّ التعريف إنّما يكون للحقائق الكلّيّة دون الأعلام الشخصيّة (2).

أقول : بناء هذا القائل على أنّ القرآن اسم لهذا المؤلّف الحادث القائم بأوّل محلّ أوجده اللّه فيه ، والقائم بالمحالّ الآخر ليس عينه ، بل مثله ، فيكون القرآن شخصا واحدا. وهذا مذهب ضعيف.

والتحقيق : أنّه اسم لهذا المؤلّف من دون تعيين المحلّ ، فيكون مفهوما كلّيّا صادقا على ما ثبت في أيّ محلّ كان ، سواء كان ذوات الملائكة ، أو صدور الحفّاظ ، أو متون الصحف ، أو غير ذلك. ولو لا ذلك لم يصدق القرآن حقيقة على ما يقرأه القرّاء وما ثبت في الصحف ،

ص: 185


1- قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : 45 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 109 ، وراجع : الإحكام في أصول الأحكام 1 : 211 و 212 ، وذكرى الشيعة 1 : 44 و 45 ، وإرشاد الفحول 1 : 85 و 86.
2- قاله القاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 109.

ويلزم منه عدم ترتّب الأحكام الثابتة للقرآن عليه (1) ، وهو واه.

تتمّة

عرّف السورة بأنّها البعض المترجم أوّله وآخره توقيفا (2).

واورد عليه : بأنّه يدخل فيه الآية ؛ إذ لا معنى للمترجم إلاّ المبيّن ، وبيان أوّل الآية وآخرها بالتوقيف (3).

وقيل : هي طائفة من القرآن مصدّرة بالبسملة ، أو البراءة (4).

ونقض طرده بالآية التي بعد البسملة والبراءة. فاضيف إليه « متّصل آخرها بالبسملة ، أو البراءة » فنقض عكسه بالسورة الأخيرة. فاضيف إليه « أو غير متّصل بشيء منهما » (5) فنقض طرده بسورتين (6) وببعض سورة النمل.

وقيل : هي الطائفة المترجمة ، أي المسمّاة باسم خاصّ (7).

ونقض طرده بآية الكرسيّ (8) ، وآية المباهلة (9) ، والمداينة(10).

واجيب : بأنّ المراد من التسمية تسمية الشارع ، ولم يثبت تسمية الآيات المذكورة من الشارع ، بل يجوز أن تكون من النبيّ أو غيره ، بخلاف تسمية السور ؛ فإنّها من اللّه تعالى.

والأولى أن يراد من الترجمة ما يكتب في عنوان السور بالحمرة ؛ فإنّ الترجمة قد تطلق

ص: 186


1- راجع المصدر.
2- قاله القاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 109.
3- راجع المصدر.
4- راجع المصدر.
5- في هامش « أ » : الظاهر سقوط لفظة « منهما » إذ معها يبقى نقض الطرد بحاله ؛ لأنّه يصدق على صدور السور أنّه طائفة من القرآن مصدّرة بالبسملة ، وآخره غير متّصل بشيء من البسملة وبراءة. أمّا لو اسقطت لفظة « منهما » ، لم يصدق عليه ؛ فإنّ آخره متّصل بشيء وهو آية اخرى. ولا بدّ من زيادة لفظة « فيه » بعد « متّصل » حتّى لا يخرج السورة الأخيرة لو اتّصل آخره بالتأريخ ؛ إذ التأريخ ليس من القرآن. « نصرآبادي ».
6- والمراد بهما سورتا « والضحى » و « ألم نشرح » وسورتا « الفيل » و « لإيلاف قريش ».
7- نسبه السيوطي إلى غير الجعبريّ في الإتقان 1 : 52.
8- البقرة (2) : 255. وهي قوله تعالى : ( اللّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ .... )
9- آل عمران (3) : 61. وهي قوله تعالى : ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ .... )
10- البقرة (2) : 282. وهي قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ .... )

على ما يكتب في عنوان المكاتيب من اسم المرسل إليه وأمثاله.

ولو أريد التخلّص عن هذا التوجيه أيضا ، فيجب أن تعرّف ب- « أنّها طائفة من القرآن يكتب ترجمتها في عنوانها بالحمرة » وحينئذ لا يرد عليه نقض ، ولا يحتاج إلى تكلّف التوجيه.

ووحدة سورة « والضحى » و « ألم نشرح » وكذا « الفيل » و « لإيلاف » - على ما ذهب إليه جماعة من الأصحاب (1) - لم تثبت. والأخبار (2) التي استدلّوا بها عليها غير دالّة على مطلوبهم ، وبعض الأخبار (3) يدلّ صريحا على التعدّد.

فصل [2]
اشارة

القرآن متواتر ؛ لتوفّر الدواعي على نقله ؛ لكونه من اصول الأحكام (4) ، ومتحدّى به للإعجاز ، وما هو شأنه ذلك يجب أن يتكثّر فيه النقل إلى أن يتواتر ، فما لم يتواتر ليس بقرآن.

والبسملة في كلّ سورة جزء منها عندنا ؛ للإجماع ، والأخبار المتظافرة (5) ، وكونها مكتوبة بلون خطّ القرآن ، كسائر الآيات المتكرّرة نحو ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) (6) و ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) (7) و ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) (8) مع مبالغة الصدر الأوّل بتجريد القرآن عمّا سواه.

وخالف أكثر العامّة ، وحكموا بأنّها ليست من القرآن في أوّل سورة ، مع أنّه روي في

ص: 187


1- منهم : الشيخ في التبيان 10 : 371 ، والعلاّمة في قواعد الأحكام 1 : 273 ، والمحقّق الكركي في جامع المقاصد 2 : 262.
2- منها : صحيحة زيد الشحّام ، المرويّة في تهذيب الأحكام 2 : 72 ، ح 266 ، ورواية مفضّل ، المرويّة في مجمع البيان 10 : 544 ، ورواية أبي العبّاس عن أحدهما عليهما السلام ، المرويّة في مجمع البيان 10 : 544.
3- وهي رواية مفضّل ، المرويّة في مجمع البيان 10 : 544. وجه الدلالة على التعدّد أنّ الاستثناء فيها متّصل ، واستثناء عن سورتين « لا تجمع بين سورتين في ركعة واحدة إلاّ الضحى وأ لم نشرح ، وسورة الفيل ولإيلاف قريش ».
4- في « ب » : « الكلام ».
5- راجع البرهان 1 : 95 و 96 ، ح 222 - 230.
6- الرحمن (55) : 13.
7- القمر (54) : 17.
8- المرسلات (77) : 15.

طرقهم أنّه ذكر عند ابن عبّاس أنّه ترك بعض الناس قراءة البسملة في أوائل السور ، فقال : سرق الشيطان من الناس آية (1).

وروي أيضا أنّه قال : من تركها ، فقد ترك مائة وأربع عشرة آية (2).

والظاهر أنّ تحقّق ترك العدد المذكور مبنيّ على اعتبار البسملة في وسط النمل مع البسملة في أوائل السور ؛ لأنّها مائة وثلاث عشرة. ويمكن أن يقال : بناء ذلك على المبالغة وإن لم يكن للبراءة بسملة.

وقد أجاب العامّة عن الروايتين بأجوبة واهية.

وأقوى احتجاجاتهم على عدم الجزئيّة : أنّ القرآن يجب أن يتواتر ، ولم يتواتر أنّ البسملة من القرآن في أوائل السور ، وإلاّ لم يختلف فيه الطوائف (3).

والجواب : أنّ العلّة في توفّر الدواعي على النقل تعطي تواتر المكرّر في محلّ ما ، وليس تواتره في كلّ محلّ لازما ، ولا كلام في تواتر البسملة في وسط النمل ، مع أنّ تواتر جميع آيات القرآن عند جميع الطوائف محلّ كلام ، خصوصا إذا حدث سبب خارجي.

وقد ذكر بعض علماء العامّة (4) أنّه لمّا تواتر كون البسملة من القرآن في أوائل السور من مذهب عليّ عليه السلام ، فوضع أنس بن مالك بأمر المعاندين أحاديث دالّة على عدم الجزئيّة عنادا.

وكيفيّة التفريع على كون القرآن متواترا : أنّه لا يقع التعارض بينه وبين أخبار الآحاد وما في قوّتها من الأدلّة ؛ لعدم تقاومها مع المتواتر ، فيجب العمل به بشرط عدم مانع آخر من جهته ، كالإجمال ، وأمثاله.

والتفريع على جزئيّة البسملة - على ما ذهب إليه أصحابنا (5) - أنّه يجب تعيين السورة عند قراءة البسملة ، كما قال به الأصحاب (6).

ص: 188


1- الإحكام في أصول الأحكام 1 : 217 ، وأصول السرخسي 1 : 279 - 281 ، وراجع نهاية الوصول إلى علم الأصول 1 : 336 - 339.
2- الإحكام في أصول الأحكام 1 : 217 ، وأصول السرخسي 1 : 279 - 281 ، وراجع نهاية الوصول إلى علم الأصول 1 : 336 - 339.
3- الإحكام في أصول الأحكام 1 : 217 ، وأصول السرخسي 1 : 279 - 281 ، وراجع نهاية الوصول إلى علم الأصول 1 : 336 - 339.
4- لم أعثر عليه.
5- منهم الشهيد في الدروس الشرعيّة 1 : 171.
6- منهم الشهيد في البيان : 157.
تتميم

المشهور أنّ القراءات السبع (1) متواترة ، وبعضهم أضاف إليها الثلاث الباقية (2).

والحقّ أنّ تواترها لم يثبت ؛ لأنّ خلافه كاد أن يكون إجماعا.

ثمّ المشهور بين قول بتواتر السبع مطلقا (3) ، وبين قول بتواتر ما هو من قبيل جوهر اللفظ ك- « ملك » و « مالك » دون ما هو من قبيل الهيئة ، كالمدّ ، والإمالة ، وأمثالهما. وهو الذي ذهب إليه الأكثر (4). وهو لا يخلو عن إشكال ؛ لأنّ القرآن عبارة عن اللفظ ، وهو مركّب من الجزء المادّي الذي هو من قبيل الجوهر ، ومن الجزء الصوري الذي هو الهيئة ، وتواتره إنّما يتمّ بتواتر كلا جزءيه ، اللّهمّ إلاّ أن يلتزم بأنّ القرآن بالإطلاق ليس متواترا في القراءات (5) السبع ، بل المتواتر جوهره فيها.

ثمّ الحجّة على تواتر السبع والعمل بها ، أنّه وصل إلينا من السلف هذه القراءات السبع على نحو يفيد العلم ، وقولهم حجّة ؛ لإدراكهم النبيّ صلى اللّه عليه وآله وأصحابه. وقد أمر أئمّتنا بقراءة القرآن كما يقرأ الناس إلى قيام القائم (6).

ويؤيّده تقريرهم أيضا. وورد بعض الأخبار عنهم بأنّ القرآن نزل على سبعة أحرف (7).

ويرد عليه : أنّه لا شكّ أنّ القرآن النازل من اللّه واحد لا اختلاف فيه ، فكيف يكون السبع حجّة ، ولم يثبت أنّ المراد من سبعة أحرف القراءات السبع؟! بل قال الصادق عليه السلام لحمّاد - حين قال له : قد ورد منكم أنّ القرآن نزل على سبعة أحرف - : « أدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه » (8).

وبعض أهل اللغة فسّر سبعة أحرف بسبعة لغات ، كلغة اليمن ، وهوازن ، وأهل مصر ،

ص: 189


1- في « ب » : « القراءة بالسبع ».
2- كما في قوانين الاصول 1 : 406 ، وفيه : « ومشايخ القراءات الثلاث الباقية هم : أبو جعفر ، ويعقوب ، وخلف ».
3- (3 و 4) كما في المصدر.
4- في « ب » : « القرّاء ».
5- الكافي 2 : 633 ، باب النوادر ، ح 23.
6- راجع جامع البيان 1 : 9 - 15.
7- تفسير العيّاشي 1 : 88 ، ح 42 / 2 ، والخصال 2 : 358 ، باب السبعة ، ح 43.

وأمثالها (1) ، مع أنّه قد ورد بعض النصوص عن أئمّتنا عليهم السلام بأنّ القرآن نزل على حرف واحد ، وكذب من زعم أنّه نزل على سبعة أحرف ، والاختلاف إنّما جاء من قبل الرواة (2).

ويمكن الجواب : بأنّه لمّا ثبت تواتر القرآن ، ووصل إلينا باعتبار اختلاف الرواة القراءات السبع على نهج واحد من حيث الشهرة ، ولا يمكن تخصيص واحدة منها بالتواتر والحجّيّة ، وإلاّ لزم الترجيح بلا مرجّح ، فحكم بتواتر السبع وحجّيّتها وإن لم يكن النازل من عند اللّه إلاّ قراءة واحدة ، وتقرير الأئمّة وأمرهم بها لأجل هذا ، وعدم إظهارهم ما هو الحقّ للتقيّة ، والغرض أنّه ثبت تواتر القرآن وحجّيّته ، ويعلم أنّه نزل بقراءة واحدة ، إلاّ أنّه وقع الاختلاف في نقله لأسباب نذكرها ، فنقلوه لنا على النحو المذكور ، فيمكن أن يكون واحدة منها حجّة ، ويمكن أن يكون بعض من كلّ واحدة منها حجّة ، إلاّ أنّ ذلك ليس بمعلوم لنا. فيلزم إمّا القول بعدم التواتر والحجّيّة مطلقا ، أو بالترجيح بلا مرجّح ، أو حجّيّة القراءات السبع وتواترها. والأوّلان باطلان ضرورة ؛ فالأخير حقّ.

ثمّ المخالف للمشهور صاحب الكشّاف من العامّة (3) ، وابن طاوس (4) ، ونجم الأئمّة (5) من أصحابنا ؛ فإنّهم حكموا بعدم تواتر القراءات السبع وحجّيّتها.

ويمكن أن يحتجّ له بمنع تواترها ؛ لأنّ القوم صرّحوا بأنّ لكلّ قار من القرّاء السبعة راويين ، وقولهما لا يفيد العلم ، مع أنّ شرط ثبوت التواتر استواء الطرفين والوسط في إفادة العلم ، فحصول التواتر - لو سلّم - إنّما هو في الطبقة اللاحقة لا الاولى ، وهو غير كاف.

ولو سلّم تواترها عن القرّاء السبعة ، فلا نسلّم حجّيّتها وجواز العمل بها ؛ لأنّهم كانوا من أهل الخلاف استبدّوا بآرائهم ، وتصرّفوا في القرآن بمجرّد الاستحسان من غير استناد إلى

ص: 190


1- فسّرها بذلك ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر 1 : 369 ، « ح ر ف ».
2- الكافي 2 : 630 ، باب النوادر ، ح 12 و 13.
3- قال في الكشّاف 2 : 69 - 70 في ذيل تفسير قوله تعالى : ( وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) : « والذي حمله ... » حيث يدلّ على أنّ قراءة ابن عامر كانت رأيا منه ، والصواب والصحيح خلافه ، وهذا إنكار تواتر القراءات السبع.
4- انظر سعد السعود : 362 - 363.
5- قال في شرحه على الكافية 2 : 336 : « لا نسلّم تواتر القراءات السبع ».

حجّة وبرهان ، ولذا وقع بينهم اختلافات كثيرة ، وقد نقل (1) أنّ المصاحف التي وقعت إلى القرّاء في عصر القراءة كانت خالية عن الإعراب والنقط ، ولم تكن معربة ممّن كان قبلهم من الذين أدركوا النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ورووا عنه.

نعم ، ذكر بعض الادباء أنّ أبا الأسود الدؤلي أعرب مصحفا واحدا في زمان خلافة معاوية ، فلمّا رأوا المصاحف خالية عن الإعراب والنقط ، تصرّفوا فيها على ما اقتضته آراؤهم ووافقته مذاهبهم في اللغة والعربيّة ، كما تصرّفوا في سائر العلوم من النحو والتصريف ، فحصل اختلاف كثير بينهم في الإعراب والنقط والإدغام والإمالة وأمثالها ، وكان أصحاب الآراء في القراءة كثيرة ، وكان دأب الناس أنّه إذا جاء قار جديد صاحب رأي ، أخذوا بقوله وتركوا قراءة من تقدّمه ، سواء كان من السبعة ، أو لا ؛ نظرا إلى أنّ كلّ قار متأخّر كان منكرا لقول من تقدّم عليه ، ثمّ بعد زمان رجعوا عن هذه الطريقة ، وبعضهم يأخذ قول بعض المتقدّمين ، وبعضهم يأخذ قول بعض آخر منهم ، فحصل بين الناس في ذلك اختلاف ، ثمّ اتّفقوا على الأخذ بقول السبعة من غير بيّنة وحجّة ؛ لأنّ الأرجح منهم في أصحاب الآراء كان كثيرا ، فإذا كان قولهم بمجرّد الرأي من غير استناد إلى قول النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن قوله حجّة لنا ، كيف يبقى الوثوق بقولهم؟! بل كثيرا ما ينقل قولهم مقابلا لقول المعصوم ، كما يقال : قراءة عاصم أو حفص كذا ، وقراءة عليّ عليه السلام كذا ، وربما يجعل قولهم قسيما لقول النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ، كما يظهر في الاختلاف الواقع في قراءة ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) (2).

ثمّ لو سلّم أنّ بناء قراءتهم على الرواية من النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فلا نسلّم حجّيّتها لنا كرواية الحديث ، لكونهم مخالفين.

ولا يخفى أنّ ما ذكر لا يخلو عن قوّة ، إلاّ أنّ الأمر فيه سهل ؛ لأنّ أمر الإعراب والنقط والإمالة وأمثالها لمّا كان ظاهرا من اللغة ، صار موكولا إلى أهل اللسان ، ولم يتعرّضه

ص: 191


1- راجع النشر في القراءات العشر 1 : 7 ، ومناهل القرآن في علوم القرآن 1 : 251 ، وآلاء الرحمن في تفسير القرآن - ضمن موسوعة العلاّمة البلاغي - 1 : 44 - 75.
2- الفاتحة (1) : 7.

النبيّ صلى اللّه عليه وآله وأصحابه ، ولذا لم يعرب المصاحف التي في خزانة مولانا الرضا عليه السلام ، وشاع أنّها بخطّه وخطّ آبائه عليهم السلام ، والقرّاء السبعة كانوا من أهل اللسان ، عارفين بكيفيّة الإعراب والنقط ، فقولهم حجّة ، إلاّ فيما ظهر أنّه خلاف القواعد العربيّة.

وجواز كون كلمة واحدة في لغة العرب ذات وجوه من الإعراب ، يدفع استبعاد كون كلام اللّه مختلفا ؛ لأنّ القرآن نزل على لغة العرب باسلوب خاصّ.

وقد ذكر جواب آخر لهذا الاستبعاد ، فلا شبهة في جواز القراءات السبع في الصلاة وغيرها.

نعم ، يشكل الأمر في اختلاف القراءات الذي يختلف به الأحكام ، وهذا قليل. وإذا وقع ، كقوله تعالى : ( يَطْهُرْنَ ) (1) - بالتخفيف والتشديد - يجب الرجوع إلى المرجّحات الخارجيّة ، ومع فقدها فالمشهور التخيير في العمل بأيّها شاء.

وذهب بعض أصحابنا إلى رجحان قراءة عاصم بطريق أبي بكر (2) ، فتأمّل.

ثمّ إنّه لا عمل على القراءة الشاذّة وليست بحجّة (3).

وقيل : إنّها كأخبار آحاد والعمل على المشهور (4) وإن أمكن فيه المناقشة على ما ذكرناه.

ثمّ على المشهور لو لم يثبت من الأخبار وجوب التتابع في صوم كفّارة رمضان ، لكان اللازم أن يحكم بعدم وجوبه ؛ نظرا إلى القراءة المشهورة في كفّارة اليمين ، وهي : ( فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ) (5) من دون « متتابعات ». وعلى القول الآخر (6) يلزم الحكم بوجوبه ، نظرا إلى هذه الضميمة ، إلاّ أنّ وجوب التتابع ثابت عندنا من النصوص (7).

ص: 192


1- البقرة (2) : 222.
2- ذهب إليه العلاّمة في منتهى المطلب 5 : 64 ، والفاضل التوني في الوافية : 149.
3- قال العلاّمة في المصدر : « السادس : لا يجوز أن يقرأ بالشاذّ - وإن اتّصلت روايته - ؛ لعدم تواترها ».
4- في هامش « أ » : « القائل أبو حنيفة » ولكن قال القمّي في قوانين الاصول 1 : 409 : « لا عمل بالشواذّ ... وذهب بعض العامّة إلى أنّها كأخبار الآحاد يجوز العمل بها ». ونسبه السيوطي في الإتقان 1 : 76 إلى أشخاص ، منهم أبو حنيفة ، ونسبه العلاّمة أيضا إلى أبي حنيفة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 1 : 333. وحاصل ما ذكر إمّا عدم صحة ما في الهامش وما يوافقه، أو عدم صحة المتن، أو كون «والعمل علی المشهور» من تتمة كلام المصنف.
5- المائدة (5) : 89.
6- وهو قراءة ابن مسعود بضميمة « متتابعات ».
7- منها : ما في الكافي 7 : 452 ، باب كفّارة اليمين ، ح 3 و 8.
فصل [3]
اشارة

أجمع المسلمون على وجوب العمل بالقرآن الموجود الآن واتّباعه. وقد وقع الخلاف بين أصحابنا في تغييره ، وتحريفه. فمعظم الأخباريّين على أنّه وقع فيه التحريف ، والزيادة ، والنقصان (1). والصدوق (2) والسيّد (3) والطبرسي وأكثر المجتهدين على أنّه لم يقع فيه ذلك (4) ، بل القرآن الذي نزل به جبرئيل هو ما بين دفّتي المصحف من غير زيادة ونقصان.

احتجّ الأوّلون بوجوه :

منها : استفاضة الأخبار بالسقوط في بعض المواضع المعيّنة من القرآن ، والتحريف في بعضها ، كآية الغدير (5) ، وآية ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى ) (6) ، وآية ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ) (7) ، وغيرها (8).

ومنها : الأخبار (9) الدالّة على وقوع تحريف وزيادة في القرآن من غير تعيين موضعهما (10).

ومنها : أنّ كتّاب الوحي كانوا أربعة عشر رجلا ، والقرآن نزل منجّما بحسب المصالح ، وكانوا في الأغلب لا يكتبون إلاّ آيات الأحكام وما ينزل في المجامع ، ولم يكونوا متمكّنين من كتابة ما ينزل في خلوات النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ، بل كتابة الجميع كان منحصرا بعليّ عليه السلام ، فكان

ص: 193


1- راجع الوافية : 147.
2- تصحيح الاعتقاد ( ضمن مصنّفات الشيخ المفيد / ج 5 ) : 123.
3- جوابات المسائل الرازية ( ضمن رسائل الشريف المرتضى / ج 1 ) : 102 - 105 ، ونقله الطبرسي في مجمع البيان 1 : 42 ، الفنّ الخامس.
4- مجمع البيان 1 : 42 ، الفنّ الخامس.
5- وهي قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ، المائدة (5) : 67.
6- النساء (4) : 2.
7- آل عمران (3) : 110.
8- نقل القمّي الأخبار عن منبع الحياة للسيّد نعمة اللّه الجزائري في قوانين الاصول 1 : 403.
9- راجع الكافي 2 : 634 ، باب النوادر ، ح 28.
10- في « ب » : « موضعها ».

قرآنه (1) جامعا ، فلمّا مضى النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ووقع التنازع بين الأمّة ، جمعه كما انزل ، وشدّ بردائه وأتى به إلى المسجد وخاطب الصحابة ، وقال : « هذا كتاب ربّكم على ما انزل » ، فقال له عمر : لا حاجة لنا فيه ، حسبنا كتاب عثمان ، فقال عليه السلام : « لن تروه ولن يراه أحد أبدا (2) حتّى يظهر قائمنا » (3).

ومنها : حكاية إبقاء مصحف عثمان وطبخ غيره من مصاحف كتّاب الوحي ، ولو لم يختلف ، لما ارتكبوا هذا القبيح (4).

ومنها : أنّ عثمان أرسل سبعة مصاحف إلى أهل الأمصار وكلّها بخطّه (5) ، فوجد فيها اختلاف كثير ، فإذا اختلف المصاحف التي بخطّه ، فكيف حال غيرها من مصاحف كتّاب الوحي؟

واحتجّ الآخرون : بقوله تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) (6) ، وبقوله عليه السلام : « القرآن واحد ، نزل من عند واحد على نبيّ واحد ، وإنّما الاختلاف من جهة الرواة » (7) ، وبأنّ القول بوقوع التبديل في القرآن الذي بين أيدينا فتح لباب الكلام على إعجاز القرآن وعدم مقدرة البشر على الإتيان بمثله ، وعلى استنباط الأحكام منه (8).

واجيب (9) عن الأوّل : بأنّ المراد من الحفظ حفظ نوعه ، وهو كما نزل محفوظ عند أهل البيت ، فلا يمحى عن العالم.

وعن الثاني : بأنّه يدلّ على خلاف المطلوب.

وعن الثالث : بأنّه لم يقع فيه تغيير يخرج به عن اسلوبه الخاصّ الذي هو مناط الإعجاز ،

ص: 194


1- في « ب » : « قراءته ».
2- لم يرد في « ب » : « أبدا ».
3- الكافي 2 : 633 ، باب النوادر ، ح 23. مع اختلاف.
4- نقله عن منبع الحياة للجزائري في قوانين الاصول 1 : 404.
5- نقله ابن طاوس في سعد السعود : 437 عن مقدّمات علم القرآن لبحر الرهني ، والقمّي عن منبع الحياة للجزائري في قوانين الاصول 1 : 404.
6- الحجر (15) : 9.
7- الكافي 2 : 630 ، باب النوادر ، ح 12.
8- راجع قوانين الاصول 1 : 405.
9- راجع قوانين الاصول 1 : 405.

وكذا لم يقع تحريف في آيات الأحكام ، وإن فرض وقوعه بيّنه الأئمّة عليهم السلام على وجه لا يقدح في استنباط الأحكام منه.

وغير خفيّ أنّ أخبار القائلين بوقوع التغيير وسائر أدلّتهم لا تدلّ على وقوع الزيادة ، وما يقدح في الإعجاز هو وقوع الزيادة. فالقول بوقوع النقصان وعدم وقوع الزيادة لا يخلو عن قوّة. ووقوع بعض التحريفات أيضا لا يخرجه عن الاسلوب الخاصّ ، فلا يقدح في الإعجاز.

تحديد

في القرآن محكم ومتشابه ، ونصّ وظاهر ، ومأوّل ومجمل.

وقد عرّف المحكم بتعريفات كثيرة وأصحّها : أنّه ما اتّضح معناه. والمتشابه خلافه (1).

والنصّ : ما لم يحتمل غير ما يفهم منه لغة.

والظاهر : ما دلّ على أحد محتملاته دلالة راجحة. والمأوّل خلافه.

والمجمل : ما دلّ على أحد محتملاته دلالة مساوية. فالمحكم أعمّ من النصّ مطلقا ، وأخصّ من الظاهر كذلك. والنصّ مباين للظاهر. وقد فسّر بعض أهل اللغة النصّ بالمضبوط المتقن (2). وعلى هذا يكون المحكم مساويا له. ونسبة الثلاثة مع البواقي ونسبة بعضها مع بعض ظاهرة.

فصل [4]

ذهب الأخباريّون إلى أنّه لا يجوز تفسير القرآن بدون نصّ من النبيّ صلى اللّه عليه وآله أو الأئمّة عليهم السلام فكلّ آية منه لم يرد في تفسيرها أثر منهم عليهم السلام لا يجوز العمل بها ، سواء كانت من النصوص ، أو المحكمات ، أو الظواهر ، أو المتشابهات ، وقالوا : كلّ القرآن متشابه بالنسبة إلينا (3).

ويؤول قولهم إلى عدم حجّيّة القرآن مطلقا ؛ لأنّ الآيات التي لم يرد في تفسيرها الآثار

ص: 195


1- نسبه الزركشي إلى بعض المتأخّرين في البحر المحيط 1 : 365.
2- راجع المصدر : 363.
3- نسبه إليهم السيّد المحدّث الجزائري في منبع الحياة على ما في حاشية قوانين الاصول 1 : 393.

المعصوميّة لا يجوز تفسيرها حينئذ ، والعمل بها ، والتي وردت في تفسيرها الآثار يكون الحجّة هي دونها.

وذهب بعض إلى جواز العمل بالمحكمات دون الظواهر (1).

وأجمع أهل الاجتهاد على أنّ كلّ آية كانت واحدة من الثلاث الاول يجوز تفسيرها والعمل بها من دون الافتقار إلى ورود نصّ في تفسيرها ، بل كلّ من كان عارفا بلغة العرب ، وحصل له من العلم ما تمكّن من فهمها ، يجوز أن يفسّرها ويعمل بها ، وتكون حجّة له وعليه. وإن كانت من الأخيرة - أي المتشابهات - فلا يجوز أن يعمل بأحد محتملاتها بمجرّد إخطاره بالبال من دون شاهد من العقل أو النقل ، كما يظهر من كلام المبتدعين ، بل حجّيّته موقوفة على الدليل.

وهذا هو الحقّ ؛ لوجوه :

منها : أنّ اللّه تعالى أنزل قرآنا بلسان عربيّ مبين ، وجعله قطعا لعذر المكلّفين وحجّة على العالمين ، ووصفه بكونه نورا وهدى وبيانا وشفاء ، وأودع فيه دلائل التوحيد ، ومعرفة صفاته الكماليّة ، واصول الأحكام ، وما يتعلّق بالحلال والحرام ، وأمر عباده بالتفكّر فيه ، وندبهم على الاستنباط منه ، وذمّ على ترك تدبّره ، وذكر فيه المواعظ والنصائح ، وأمر الناس بأخذها والعمل بها ، وقصّ فيه قصص الماضين ، وأمر عباده بالعبرة عنها.

وعلى قول الأخباريّين لم يتصوّر منه هذه الفوائد ، بل لم يجز لنا الانتفاع منه مطلقا.

ومنها : أنّه يمتنع أن يخاطب اللّه بما يدلّ ظاهره على غير مراده ؛ لإجماع الأمّة سوى المرجئة ، وللزوم التكليف بما لا يطاق ، أو الإغراء بالجهل. ولا شكّ أنّ ما عدا المتشابهات صريح أو ظاهر فيما فهم القوم منه.

ومنها : استفاضة الأخبار بعرض الحديث - مطلقا ، أو عند التعارض - على القرآن ، وأخذ ما وافقه ، وطرح ما خالفه (2) ، والعرض عليه يتوقّف على كونه مفهوم المعنى.

ص: 196


1- ذهب إلى هذا التفصيل السيّد صدر الدين في شرح الوافية كما في المصدر.
2- راجع : تفسير العيّاشي 1 : 82 - 83 ، ح 18 / 1 - 24 / 7 ، والكافي 1 : 69 ، باب الأخذ بالسنّة وشواهد الكتاب ، ح 1 - 5 ، والبرهان 1 : 67 - 68.

ومنها : الخبر المتواتر عن النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إنّي تارك فيكم الثقلين ... » (1).

وعلى مذهب الأخباريّين ما ترك إلاّ الثقل الواحد ؛ لعدم كون الثقل الأكبر حجّة.

ومنها : ما روي عن ابن عبّاس أنّه قسم وجوه التفسير على أربعة أقسام : قسم لا يعذر أحد بجهالته ، وقسم يعرفه العرب بكلامها ، وقسم يعرفه العلماء ، وقسم لا يعلمه إلاّ اللّه (2).

فالأوّل : ما فيه من اصول الشرائع والأحكام وجمل دلائل التوحيد.

والثاني : حقائق اللغة وموضوع كلام العرب.

والثالث : تأويل المتشابه وفروع الأحكام.

والرابع : ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة.

ومنها : ما روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وآله : « أنّ القرآن ذلول ذو وجوه ، فاحملوه على أحسن الوجوه » (3) و « أنّ للقرآن ظهرا وبطنا ... » (4).

ومنها : أمرهم عليهم السلام في عدّة أخبار بالتمسّك بالقرآن عند ظهور الفتن واختلاف الآراء (5).

ومنها : أمرهم عليهم السلام بتدبّر القرآن وفهم آياته ، والنظر في محكماته ، والإضراب عن متشابهاته (6).

ومنها : ما ورد في تفسير قوله تعالى : ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ ) (7) أنّ الرادّ إلى اللّه الآخذ بمحكم كتابه ، والرادّ إلى الرسول الآخذ بسنّته الجامعة (8).

ومنها : ما ورد منهم عليهم السلام من التوبيخ على ترك العمل به (9).

ص: 197


1- راجع : تفسير العيّاشي 1 : 78 ، ح 8 / 8 ، والبرهان 1 : 20 ، باب في الثقلين.
2- نقله الطبرسي في مجمع البيان 1 : 26 و 27.
3- مجمع البيان 1 : 13 ، الفنّ الثالث.
4- راجع تفسير العيّاشي 1 : 86 - 87 ، ح 33 / 2 ، 35 / 4 ، 36 / 5 ، 39 / 8.
5- منها : ما في تفسير العيّاشي 1 : 74 ، ح 1 / 1 ، وبحار الأنوار 37 : 209 ، ح 16.
6- راجع : الاحتجاج 1 : 136 ، ح 42 ، وبحار الأنوار 37 : 209 ، ح 16.
7- النساء (4) : 59.
8- نهج البلاغة : 600 ، الكتاب 53 ، الفقرة 64 و 65. وفيه : « الردّ والأخذ » مكان « الرادّ والآخذ ». وعنه في الصافي 1 : 8. وفيه كما في المتن.
9- راجع بحار الأنوار 7 : 215 ، ح 116.

ومنها : ما ورد منهم عليهم السلام من تعليم الاستدلال به (1).

ومنها : وقوع الاحتجاج به من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام وتقريرهم عليه (2).

ومنها : بعض الآيات ، كقوله تعالى : ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ ) (3) ؛ حيث أثبت استنباطا للعلماء ، والتخصيص خلاف الأصل ، وقوله تعالى : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ... ) (4) الآية ؛ حيث دلّ على جواز اتّباع غير المتشابه ، وقوله تعالى : ( هُدىً وَنُورٌ ) (5) و ( نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ) (6) وغيرها من الآيات.

وهذه الآيات لمّا كانت محكمة ، تقوم حجّة على من قال بجواز العمل بالمحكم دون الظواهر.

وأمّا على الأخباريّين الذين قالوا : إنّ جميع القرآن متشابه بالنسبة إلينا ، فلا تنهض حجّة ؛ لأنّ الاستدلال بها على إبطال مذهبهم يصير دوريّا.

وقد اجيب عن بعض الوجوه المذكورة بأجوبة ظاهرة الاندفاع ، فلا نطيل الكلام بذكرها ودفعها.

احتجّ الأخباريّون بأربعة وجوه :

[ الوجه ] الأوّل : أنّه يجوز أن يكون ما نفهم من الظواهر غير مقصود ، ولا يلزم منه التخاطب بما يدلّ ظاهره على غير المقصود ؛ لجواز ظهور المقصود منها للمخاطبين بمعونة القرائن المنضمّة معها عند النزول (7).

والجواب عنه بالنقض والحلّ :

أمّا النقض : فبأنّه يرد على ظواهر السنّة أيضا.

وأمّا الحلّ : فبأنّ المتكلّم إذا أراد خلاف ظاهر اللفظ ، يلزم عليه نصب قرينة تدلّ عليه ،

ص: 198


1- راجع : الوافية : 136 - 144 ، وقوانين الاصول 1 : 393.
2- المصدر.
3- النساء (4) : 83.
4- آل عمران (3) : 7.
5- المائدة 5. : 44 و 15.
6- المائدة 5. : 44 و 15.
7- حكاهما الفاضل التوني في الوافية : 136 و 137.

فإذا لم ينصب قرينة يعلم أنّه أراد ظاهره ، فإذا حان حين العمل ولم يعثر على قرينة بعد الفحص يجب حمل اللفظ على ظاهره. ولا فرق في ذلك بين المخاطبين والغائبين ؛ لأنّ تكليف الجميع على السواء ، فإن ظهر لنا أنّ تكليف المخاطبين من خطاب كان على خلاف ما يفهم من ظاهره لقرينة كانت ظاهرة لهم ، لزم علينا حمل اللفظ على خلاف ظاهره. وإن لم يظهر يلزم علينا حمله على ظاهره.

[ الوجه ] الثاني : أكثر تفاسير أهل العصمة بل كلّها ممّا يخالف الظواهر ، كما يظهر من الأخبار (1). فالآيات التي فسّرها المعصوم ووصل إلينا تفسيره لا يمكن حملها على الظاهر ؛ لأجل تفسير المعصوم ، وكذا التي لم يفسّرها ؛ لتأتّي هذا الاحتمال فيها (2).

والجواب : أنّ التفاسير التي وردت منهم عليهم السلام بعضها من ظواهر القرآن ، وبعضها من بواطنه ؛ فإنّ للقرآن ظاهرا وباطنا ، كما ورد عنهم عليهم السلام (3) ، ولا منع في جمعهما ، فكلّ ما ورد منهم في تفسير القرآن ممّا يخالف الظاهر فهو من بطونه. ولا يقدح هذا في جواز إرادة ما يفهم من الظاهر.

[ الوجه ] الثالث : استفاضة الأخبار بالمنع عن تفسير القرآن بالرأي ، وفي بعضها وعيد عليه (4)(5).

والجواب عنه أمّا أوّلا : فبأنّ المراد من التفسير بالرأي الممنوع منه هو أن يكون للإنسان ميل إلى شيء فأخذ آية من القرآن وحملها عليه ، ولولاه لم يفعل كذلك ، كما يوجد في كلام المبتدعين.

وأمّا ثانيا : فبأنّ المراد منه ما نشأ عمّن لم يظفر بدقائق القرآن وغرائبها ممّا يتوقّف على النقل والسماع ، أو بعض العلوم ، بل فسّر بمجرّد وقوفه على ظاهر العربيّة.

ص: 199


1- وهي الأخبار التي تكون أخصّ مطلقا ، أو من وجه من الآيات.
2- حكاهما الفاضل التوني في الوافية : 136 و 137.
3- راجع : تفسير العيّاشي 1 : 86 - 87 ، ح 33 / 2 ، 35 / 4 ، 36 / 5 ، 39 / 8 ، والبرهان 1 : 44 ، ح 139 / 1.
4- هذه الروايات مذكورة في مجمع البيان 1 : 39 ، الفنّ الثالث ، والصافي 1 : 32 ، المقدّمة الخامسة ، والبرهان 1 : 39 - 42 ، ح 121 - 133.
5- حكاه الفاضل التوني في الوافية : 139 و 140.

وأمّا ثالثا : فبأنّ المراد منه حمل المجمل والمتشابه ، أو أمثالهما من الألفاظ المشكلة على أحد المحتملات ، والجزم به من غير دليل عقلي أو نقليّ.

ويدلّ عليه أنّ المراد من التفسير كشف المراد عن اللفظ المشكل أو كشف المغطّى ، فالمراد من التفسير بالرأي القطع بالمراد من اللفظ المشكل من غير دليل.

ويدلّ عليه أيضا أنّ الشيخ الطبرسي قال :

قد صحّ عن النبيّ وعن الأئمّة القائمين مقامه أنّ تفسير القرآن لا يجوز إلاّ بالأثر الصحيح والنصّ الصحيح. وروت العامّة أيضا عن النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم أنّه قال : « من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحقّ فقد أخطأ » (1).

مع أنّا نرى أنّه يفسّر القرآن من غير استناد إلى نصّ وأثر.

[ الوجه ] الرابع (2) : استفاضة الأخبار بأنّ علم القرآن منحصر في النبيّ والأئمّة عليهم السلام (3).

والجواب : أنّ المراد أنّ علم الكتاب كلّه - أي ظاهره وباطنه ، ومحكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، وبالجملة ، الإحاطة التامّة الواقعيّة لجميع ما أودع اللّه في القرآن - منحصر بهم عليهم السلام ، وقد نطق بذلك أخبار كثيرة ، كقول الصادق عليه السلام : « ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ، ظاهره وباطنه غير الأوصياء » ، وقوله عليه السلام : « ما ادّعى أحد من الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أنزل إلاّ كذّاب ، وما جمعه وما حفظه كما نزّله اللّه تعالى إلاّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام والأئمّة من بعده » (4).

ولا بعد في ادّعاء دلالة جميع الأخبار التي تدلّ على انحصار علم القرآن فيهم على ذلك إمّا تصريحا ، أو تلويحا.

وغير خفيّ أنّه بعد ملاحظة أدلّتنا المتقدّمة يظهر أنّه لو لم يحمل الأخبار المذكورة على ما ذكر ، لزم طرحها.

ص: 200


1- مجمع البيان 1 : 13 ، الفنّ الثالث.
2- حكاه الفاضل التوني في الوافية : 137.
3- منها ما في الكافي 1 : 229 ، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلاّ الأئمّة عليهم السلام ، ح 5.
4- الكافي 1 : 228 ، باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلاّ الأئمّة عليهم السلام ، ح 1 و 2. والروايتان منقولتان عن أبي جعفر الصادق عليه السلام.

فإن قيل : الأصل الثابت عند الشيعة عدم العمل بالظنّ إلاّ بدليل ، كالعمل بأخبار (1) الآحاد ، والعمل بظواهر الكتاب من باب الظنون.

قلنا : هذا الظنّ أيضا خارج بالأدلّة المتقدّمة ؛ فإنّها تفيد القطع بجواز العمل.

ولا يخفى أنّ الكتاب والسنّة مشتركان في اشتمالهما على المحكم والمتشابه ، والنصّ والمجمل وغيرها ، فما يرد على العمل بأحدهما يرد على العمل بالآخر.

والأخباريّون فرّقوا بينهما بمجرّد الأخبار المذكورة (2). وقد عرفت جوابها (3).

فإن قيل : نحن نسلّم أنّ المحكم والظاهر يجوز العمل بهما ولكنّ تمييزهما عن المتشابه غير ممكن لنا ، فكلّ القرآن متشابه بالنسبة إلينا.

قلت : هذا مكابرة صريحة ، وتمييز كلّ واحد من المحكم والنصّ والظاهر والمتشابه عن الآخر واضح لمن له أدنى فطانة في علم القرآن.

ثمّ كيفيّة التفريع على هذا الاختلاف ظاهرة ؛ فإنّه يلزم على مذهب الأخباريّين عدم جواز الاستدلال بالآيات التي لم يرد في تفسيرها نصّ ، بل لا يجوز الاستدلال بها مطلقا (4).

وأمّا على المذهب (5) الحقّ ، فيجوز بغير المتشابه مطلقا ، وبه بمرجّح خارجي.

ص: 201


1- في « ب » : « بالأخبار ».
2- راجع قوانين الاصول 2 : 220 و 221.
3- في ص 195 - 196.
4- هذا ناظر إلى طائفة قائلة بتشابه كلّ القرآن من الأخباريّين.
5- في « ب » : « مذهب ».

الباب الثاني : في السنّة

اشارة

وهي لغة : السيرة والطبيعة (1). وقد عرفت (2) إطلاقها عرفا على المستحبّ. والتي من الأدلّة هي ما ظهر من النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم غير قرآن من قول ، أو فعل ، أو تقرير غير عاديّ ، فدخل الحديث القدسي ؛ لكونه ظاهرا منه ، وخرج الثلاثة العاديّة.

والتحديد ب- « أنّها ما صدر من النبيّ » (3) ، انتهى. يرد عليه : أنّ الحديث القدسي ما صدر عنه ، إلاّ أن يراد بالصدور الظهور.

ومن قال : « هي قول النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ، أو فعله ، أو تقريره ، غير قرآن ولا عاديّ » (4) يرد عليه : أنّ القرآن والحديث القدسيّ كلاهما يخرجان (5) بالأوّل ؛ لعدم كونهما قول النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ، بل قول اللّه ، والنبيّ حكاه. فيكون الحدّ مشتملا على ما لا حاجة إليه - أعني قوله : « غير قرآن » - ومنتقض (6) العكس.

وبعضهم (7) لم يذكر القيد الأخير (8).

والإيراد عليه ظاهر ، فصحيح الحدود ما ذكرناه.

ص: 202


1- لسان العرب 13 : 225 ، « س ن ن ».
2- تقدّم في ص 96 - 97.
3- راجع : منتهى الوصول : 47 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 113 ، وزبدة الاصول : 87 ، الهامش 1.
4- اختاره أوّلا البهائي في زبدة الاصول : 87.
5- كذا في النسختين. والأولى : « يخرج ».
6- عطف على قوله : « مشتملا » أي ينتقض جامعيّة التعريف ؛ لخروج الحديث القدسي عن التعريف وهو وداخل في السنّة.
7- راجع : منتهى الوصول لابن الحاجب : 47 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 113.
8- وهو قوله : « ولا عاديّ ».
فصل [1]
اشارة

الخبر حقيقة في القول المخصوص ، ويطلق مجازا على بعض الدلائل والإشارات ، كما يقال : « النجم الفلاني يخبر أنّ الليل قد انتصف » و « يخبرني عينه ما في قلبه ». وقد يطلق على حكم الذهن بأمر على آخر ، ويقال له : الخبر العقلي ، كما يقال للأوّل : اللفظي. وهذا الإطلاق ليس حقيقيّا (1) ؛ لأنّ الخبر حقيقة في اللفظ المركّب الخاصّ ، بل بعضهم (2) لم يجوّزه مجازا أيضا.

ثمّ من الناس (3) من قال : إنّ الخبر لا يحدّ ؛ لبداهته ؛ لأنّ كلّ أحد يعرف أنّ معنى قوله : « أنا موجود » نسبة الوجود إليه ، وإذا كان هذا الخبر الخاصّ بديهيّا ، فمطلق الخبر أيضا يكون كذلك ؛ لكونه جزءا له.

ولأنّ (4) التمايز بين الخبر والإنشاء يعرفه كلّ أحد بالضرورة ، ولذا يورد كلاّ منهما في موضعه ، ولا يورد أحدهما في موضع الآخر ، وهو يتوقّف على العلم بالمتمايزين.

والجواب عن الأوّل : أنّ المسلّم أنّه علم نسبة الوجود إليه ، أي حصل في نفسه هذه النسبة مع باقي ما يتمّ به الخبر ، وهو (5) غير تصوّر ماهيّة الخبر.

وبيان ذلك : أنّه قد يحصل (6) بعض الأشياء بنفسه في النفس من دون تصوّر ماهيّته ؛ فإنّ أكثر النفوس لم يتصوّر ماهيّات بعض الصفات الحاصلة فيه ، كما يتّفق أنّ العالم بعلم لم يتصوّر حقيقة العلم ، والشجاع لم يتصوّر ماهيّة الشجاعة ، وصاحب المروءة لم يتصوّر ماهيّة المروءة ، وهكذا ؛ فيظهر منه أنّ حصول الشيء بنفسه - أي العلم الحضوريّ - غير

ص: 203


1- في « ب » : « حقيقة ».
2- حكاه العلاّمة عن المعتزلة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 1 : 284 - 285 ، والكلباسي في الرسائل الرجاليّة 1 : 417.
3- ذهب الفخر الرازي إلى غناه عن التعريف في المحصول 4 : 221 ، وراجع أيضا : منتهى الوصول لابن الحاجب : 65 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 145 و 146.
4- تعليل ثان للبداهة ، لا لعدم إمكان الحدّ.
5- أي العلم بنسبة الوجود إليه.
6- في « ب » : « حصل ».

تصوّره ، أي العلم الحصولي ، وكلّ منهما ينفكّ عن الآخر ؛ لأنّه كما يمكن حصول الشيء بنفسه في الذهن من غير حصول صورته كما ذكر ، كذلك يمكن حصول صورته فيه من غير حصول نفسه فيه ، كما يرتسم الذهن بصورة زيد من دون حصول نفسه فيه. وكيف لا يفترقان (1) مع أنّ الأوّل جزئي ، والثاني كلّيّ؟! لأنّ (2) نفس الشيء وعينه لا تصدق على غيره.

وأمّا صورته المطابقة له ، فتصدق على كثيرين ، فالذهن ما لم يتصوّر بصورة شيء ، لم يتصوّره بماهيّته ، ولم يحصل له حدّه وإن حصل بنفسه فيه ، وحينئذ نقول فيما نحن فيه : إنّ المسلّم [ هو ](3) حصول ماهيّة الخبر بنفسها في الذهن ، وأمّا تصوّرها ، فلا ، وهو ظاهر.

والجواب عن الثاني : أنّ التمايز بين الشيئين لا يتوقّف على تصوّرهما بالكنه ، غاية الأمر أنّه يتوقّف على تصوّرهما بوجه ما ، وهو يحصل بعد حصولهما بنفسهما في الذهن وإن لم يتصوّرا بالماهيّة.

وإذا عرفت أنّ الخبر يمكن تحديده ، فاعلم أنّه قيل في حدّه : إنّه كلام يحتمل الصدق أو الكذب (4). وقيل : التصديق أو التكذيب (5).

واورد عليهما : بأنّ الصدق : الخبر المطابق ، والكذب : الخبر الذي ليس بمطابق ، والتصديق والتكذيب : الإعلام بالصدق والكذب ؛ فهما مأخوذان في التعريفين مع أنّهما من أنواع الخبر ، ولذا يؤخذ في تعريفهما ؛ فتعريفه بهما يستلزم الدور (6).

ص: 204


1- في « ب » : « لا يفرّقان ».
2- تعليل لجزئيّة المعلوم بالعلم الحضوري.
3- أضفناه لاستقامة العبارة.
4- في « ب » : « والكذب » ، واختار السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 477 المشتمل على « أو » لا الواو. وعدّ الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1 : 63 المشتمل على « أو » أولى من المشتمل على الواو بدليل استحالة اجتماع الصدق والكذب في خبر واحد. واختار المشتمل على الواو القاضي أبو بكر والمعتزلة كما في منتهى الوصول لابن الحاجب : 65.
5- ذكر القاضي عضد الدين المشتمل على « أو » بعنوان قيل في شرح مختصر المنتهى 1 : 145 ، والأسنوي في نهاية السؤل 2 : 161. واختار الشهيدان المشتمل على الواو. راجع : القواعد والفوائد 1 : 5. القاعدة 83 ، وتمهيد القواعد : 245 ، القاعدة 90.
6- حكاه ابن الحاجب في منتهى الوصول : 66 وارتضاه ، وقال : « لا جواب عنه ». وكذا القاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 145.

والجواب : أنّ الصدق والكذب من الأعراض الذاتيّة للخبر لا من أنواعه ؛ فإنّ الصدق هو المطابقة ، والكذب اللامطابقة ، أي مطابقة الخبر وعدم مطابقته ؛ لأنّهما لمّا كانا من الأعراض الذاتيّة له فلا يعرضان لغيره ، وتعريف الشيء بالعوارض الذاتيّة صحيح غير مستلزم للدور ؛ لأنّ معرفة العرض الذاتي لا تتوقّف على معروضه ، ومجرّد ذكر المعروض في تعريف العرض الذاتي لما ذكر - بعد القطع بخروجه عن حقيقته وذاتيّاته - لا يصحّح التوقّف. وهذا كما يقال : الأبيض جسم له الكيفيّة الخاصّة ، مع أنّ الجسم ليس من ذاتيّات الأبيض ، فذكره لأجل أنّ البياض من عوارضه اللازمة.

هذا ، وربما قيل : إنّ الصدق المأخوذ في تعريف الخبر هو المعنى المصدري ، وما عرّف بالخبر هو المشتقّ - أي الصادق - فلا دور (1).

وفيه تأمّل ؛ لأنّ تعريف الصادق بالخبر المطابق مستلزم لتعريف الصدق بموافقة الخبر للمخبر به ، أو بالإخبار عن الشيء على ما هو عليه.

ثمّ المراد من كونه محتملا للصدق والكذب أن يكون محتملا لهما من حيث هو ، أي نظرا إلى مفهومه الظاهر مع قطع النظر عن الامور الخارجة ، فلا يرد النقض بكلام يكون صادقا أو كاذبا قطعا. وبمثل قولنا : « الإنسان حيوان ناطق » إذا قصد به التحديد ؛ لأنّ المطلوب منه التصوّر لا التصديق بثبوت الحدّ للمحدود ، فلا يجري فيه الصدق والكذب.

ومن هذا القبيل ما لو قيل : كلامي كاذب في هذه الساعة ، وأراد منه هذا الكلام ؛ فإنّه لا يحتمل الصدق أو الكذب ؛ لأنّ صدقه مستلزم لكذبه ، وبالعكس ، فلا يكون خبرا ، بل إنشاء. والسرّ أنّ الصدق والكذب إنّما يعرضان لما كان له خارج يتصوّر بينهما المطابقة وعدمها ، وهنا لم يتحقّق ذلك.

نعم ، لو ابقي هذا الكلام على ظاهره واريد غيره كان خبرا.

واورد عليهما (2) أيضا : بأنّه إن عطف بين الصدق والكذب بالواو ، لزم أن يكون كلّ

ص: 205


1- قاله التفتازاني في المطوّل : 36 في أحوال الإسناد الخبري.
2- أي على التعريفين للخبر.

خبر صادقا وكاذبا وهو محال ، وإن عطف بينهما ب- « أو » لزم الترديد في الحدّ ، وهو غير جائز (1).

والجواب : اختيار الشقّ الثاني كما ذكرناه (2) ، والترديد إنّما هو في أفراد المحدود لا في الحدّ ، والمراد أنّ الخبر قابل لأحدهما.

وقيل : الخبر كلام لنسبته خارج (3).

وقيل : كلام يفيد بنفسه نسبة أمر إلى آخر (4).

وأضاف بعضهم « إثباتا أو نفيا » (5).

قيل : يرد عليهما نحو « اضرب » وغيره ممّا يدلّ على الطلب بناء على تحقّق النسبة فيه (6) ، إمّا لأجل أنّ الحدث المطلوب منه منسوب إلى المخاطب ، فيكون المطلوب من « اضرب » الضرب المنسوب إلى زيد مثلا. وإمّا لأجل أنّ الطلب فيه منسوب إلى المتكلّم عقلا ، فقولنا : « اضرب » يدلّ التزاما على قولنا : « أطلب منك الضرب ».

واجيب : بأنّا سلّمنا تحقّق النسبة - على ما ذكر - فيه إلاّ أنّه لا يرد نقضا على التعريفين.

أمّا على الأوّل ، فظاهر ؛ لأنّه ليس لهذه النسبة متعلّق خارجي ، بخلاف « ضرب زيد » ؛ فإنّ لنسبته العقليّة متعلّقا خارجيّا هو الضرب الخارجي المنسوب إلى زيد.

وأمّا على الثاني ، فلأنّ المراد من إفادته النسبة أن يعلم منه وقوعها. هذا على تقدير عدم الإضافة المذكورة (7) ، ومعها لا يحتاج إلى هذا ، بل نقول : المراد من الإثبات إيقاع النسبة ، أي

ص: 206


1- قال ابن الحاجب في منتهى الوصول : 65 : « ولو سلّم فلم يدخل كلّ واحد الصدق والكذب » وقال في ص 66 : « ويختصّ بأنّ حرف « أو » للترديد وهو مناف للتعريف » ، واختاره القاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 145 و 146.
2- أي في تعريف الخبر ص 204. وفي « ب » : « ذكرنا ».
3- جعله ابن الحاجب أولى في منتهى الوصول : 66 ، وكذا في مختصر المنتهى : 145 ، واختاره التفتازاني في المطوّل : 37 ، والبهائي في زبدة الاصول : 88.
4- اختاره ابن الحاجب وجعله أقرب معنى في منتهى الوصول : 66 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 145 ، وكذا شارح المختصر : 147.
5- أضافهما البصري في المعتمد 2 : 75. وفيه : « نفيا أو إثباتا ».
6- أورده ابن الحاجب في منتهى الوصول : 66 ، وفي مختصر المنتهى : 145.
7- أي إثباتا أو نفيا.

التصديق بها. ومن السلب انتزاعها. وعلى التقديرين لا يرد نحو « اضرب » باعتبار نسبة الحدث إلى المخاطب ؛ إذ لم يعلم وقوعها ، ولم يحصل التصديق بها.

وأيضا المراد من قوله : « بنفسه » أن يكون الإفادة المذكورة منه باعتبار الوضع ، ودلالة « اضرب » على إثبات الطلب للمتكلّم باعتبار العقل لا الوضع (1).

ولا يخفى أنّه يخرج حينئذ الخبر الذي تركّب من الألفاظ المستعملة في معانيها المجازيّة ؛ لأنّ دلالتها ليست باعتبار الوضع ، وتعميم الوضع بحيث يتناول المجاز يستلزم دخول « اضرب » ونحوه باعتبار الدلالة على نسبة الطلب إلى المتكلّم ؛ لأنّ الأمر بالضرب سبب لها.

وما قيل : إنّه لو اريد [ من ](2) « بنفسه » كونه مستعملا بذاته ، خرج نحو « اضرب » ودخل الخبر المركّب من الألفاظ المجازيّة ، لا يخفى ضعفه ؛ لعدم تحقّق الاستعمال باعتبار الذات في كليهما. وإن أمكن أن يقال بتحقّقه في الألفاظ المجازيّة ، يمكن (3) أن يقال في نحو « اضرب » ؛ لعدم التفاوت بينهما ، ولأجل ذلك لا يخلو هذا التعريف عن فساد.

ويرد عليه (4) أيضا : أنّ تحقّق العلم بوقوع النسبة والتصديق بها إنّما هو في صورة صدق الخبر دون كذبه ، فيخرج الخبر الكاذب عن هذا التعريف.

ومثل هذا الإيراد يرد على سابقه أيضا ؛ لأنّ الخبر الذي لنسبته خارج هو الصادق دون الكاذب.

وأجاب بعضهم عنه : بأنّ مدلول كلّ خبر هو الصدق فقط (5) ، أي وقوع النسبة ، والكذب احتمال عقلي يجوّزه العقل ؛ نظرا إلى أنّ مدلول اللفظ لا يجب أن يكون ثابتا في

ص: 207


1- أجاب به القاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 147. وقال : « صرّح البصري بالثاني في المعتمد 1 : 75 ». ومراده بقوله : « بالثاني » هو تفسير « بنفسه ».
2- أضفناه لاستقامة العبارة.
3- في « ب » : « أمكن ».
4- أي على التعريف الثاني وهو رابع التعريفات للخبر.
5- ذهب إليه القرافي في الفروق 1 : 24 ، ونقله التفتازاني عن بعض المحقّقين واختاره في المطوّل : 41. وذكر الكلباسي رحمه اللّه في الرسائل الرجاليّة 1 : 425 : أنّ مراد التفتازاني من قوله : « بعض المحقّقين » هو الرضيّ نجم الأئمّة.

الخارج ، فيصحّ تخصيص التعريف بالخبر الصادق ؛ نظرا إلى أنّ كلّ خبر من حيث الوضع يجب أن يكون صادقا ، ويصحّ تعميمه أيضا ؛ نظرا إلى الاحتمال العقلي ، كما في التعريفين الأوّلين (1).

وفي هذا الجواب تأمّل لا يخفى.

ثمّ الحقّ ، أنّه لا ينتقض بالمركّبات الناقصة المشتملة على نسبة ثبوتيّة ، أو سلبيّة ، كالمركّب الإضافي ، أو (2) التوصيفي ؛ لأنّك عرفت (3) أنّ المراد من إفادة النسبة العلم بوقوعها ، ومن الإثبات التصديق بها ، فمع الزيادة المذكورة في التعريف وبدونها لا ترد (4) نقضا عليه ؛ لأنّها لا تفيد العلم بوقوع النسبة والتصديق بها ، بل تفيد تصوّرها.

وإنّما أطنبنا الكلام في تعريف الخبر ، مع عدم كونه من الامور المهمّة ؛ لوقوع الاختلاف الشديد فيه بين القوم ، ولا بدّيّة بيان ما هو الحقّ وقد عرفته.

على أنّه يختلف بعض الأحكام باختلافه ، مثلا إذا قال رجل : « من أخبرني بمجيء زيد فله ألف درهم » فقال رجل : « جاء زيد » وكان كاذبا ، يمكن أن يقال بلزوم الألف عليه ؛ لصدق الخبر عليه على ما هو الحقّ. وعلى القول بأنّ الخبر يختصّ بالصادق ، فلا يلزمه شيء.

والحقّ (5) أنّه لا يلزم عليه شيء ، لا لذلك ، بل لأنّ العرف يحكم بأنّ المراد من الإخبار في قوله هو الإخبار الصادق.

ويتفرّع عليه (6) أيضا لزوم الألف عليه بالإخبار ثانيا وثالثا ؛ لصدق الخبر عليه ، بخلاف ما لو قال : « من بشّرني بمجيء زيد » فإنّه لا يلزم عليه شيء بالإخبار ثانيا وثالثا ؛ لأنّ البشارة هو الخبر السارّ ، وهو يختصّ بالخبر الأوّل.

ص: 208


1- والمراد بهما ما تقدّما في ص 204.
2- في « ب » : « و ».
3- في ص 206 : « وأمّا على الثاني ... ».
4- الضمير المستتر راجع إلى المركّبات.
5- هذا يشبه إنكار الثمرة بعد إثباتها وهو أمر غير معتاد.
6- أي على الاختلاف في تعريف الخبر ، ولكن في تفرّع ما ذكر على الاختلاف المذكور خفاء.
تتمّة

الخبر يطلق تارة على ما يقابل الإنشاء ، وهو الذي ذكرناه (1). واخرى على ما يرادف الحديث وهو قول المعصوم ، أو حكاية قوله ، أو فعله ، أو تقريره.

وتحديده بأنّه « ما يحكي قوله » (2) إلخ. منتقض العكس بما سمع منه من غير أن يحكيه عن معصوم آخر ، والطرد بعبارات غيره المتضمّنة لنقل الحديث بالمعنى.

وتحديده ب- « ما جاء عن المعصوم » (3) لا يخفى فساده ؛ فالأصحّ ما ذكر أوّلا (4).

وقد يجعل الحديث أعمّ مطلقا من الخبر (5).

وقد يخصّ الحديث بما جاء عن المعصوم ، فيقال للعالم بما جاء عن النبيّ والأئمّة : المحدّث ، والخبر بما جاء عن غيره ، فيقال للعالم بالتواريخ وأمثالها : الأخباريّ (6).

ولا يخفى أنّ هذه اصطلاحات ، ولا مشاحّة فيها ، لكنّ أشهر استعمالات الحديث عندنا ما ذكر أوّلا (7). وأمّا عند العامّة ، فيطلق على قول الصحابي أو التابعي ، وعلى حكاية قولهما أو فعلهما أو تقريرهما.

فائدة

ذهب المرتضى رحمه اللّه (8) من أصحابنا وبعض العامّة (9) إلى أنّه لا بدّ في كون صيغة الخبر خبرا واستعمالها في فائدتها من قصد المخبر كونها خبرا ، وبدونه لا تكون خبرا.

ص: 209


1- تقدّم في ص 203.
2- ذهب إليه أحمد البصري في فائق المقال : 41 ، والقمّي في قوانين الاصول 1 : 409.
3- أشار الشهيد الثاني إلى هذا التعريف في البداية في علم الدراية : 28 ، وشرح البداية : 54.
4- أي قول المعصوم أو حكاية قوله أو فعله أو تقريره.
5- حكاه قولا في تدريب الراوي 1 : 42 و 43.
6- حكاه قولا في تدريب الراوي 1 : 42 و 43.
7- أي قول المعصوم أو حكاية قوله أو فعله أو تقريره.
8- الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 478 ، وذهب إليه غيره من أصحابنا الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1 : 64 ، والمحقّق الحلّي في معارج الاصول : 138.
9- ذهب إليه من العامّة البصري في المعتمد 2 : 73. وفي ذيله ما يوهم المنافاة ولا منافاة عند التأمّل ، والغزالي في المستصفى : 8. والتفتازاني في المطوّل : 48 : « ... فإنّ ضرب مثلا لا يصير خبرا ... ».

واحتجّوا عليه : بأنّ هذه الصيغة قد تصدر عن الساهي والمجنون والنائم وأمثالهم ممّن لا قصد له إلى شيء أصلا ، وقد تصدر عمّن يقصد بها غير الخبر مجازا ، كقوله تعالى : ( وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ ) (1) ، وقوله : ( فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ ) (2) ، ولا شكّ أنّ الصيغة في الصورتين ليست خبرا ، وليس ذلك إلاّ لعدم القصد إلى الخبريّة ، فصيغة الخبر لا تحمل عليه ما لم يتحقّق مرجّح القصد (3).

وذهب الأكثر إلى عدم الاحتياج إلى القصد ، وهو الحقّ ؛ لأنّ ما وضع للخبر هو الصيغة فقط من دون اعتبار القصد ، فالوضع مرجّح لا يفتقر إلى غيره ، فعند الإطلاق يجب حملها عليه.

وصدورها عن الساهي وأمثاله لا يخرجها عن الخبريّة لغة ، إلاّ أنّه لا يترتّب عليها فائدة الخبر ؛ لأنّها موقوفة على صدورها عن عاقل. وليس هذا خاصّا بالخبر ، بل كلّ كلام حكمه كذلك.

واستعمالها في بعض الأحيان في غير الخبر مجازا لا يدلّ على اعتبار القصد ، بل كون الاستعمال مجازيّا حينئذ دليل على عدم اعتباره.

وبالجملة ، صيغة الخبر وحدها حقيقة فيه ، وصيغة الإنشاء حقيقة فيه. وعند الإطلاق يجب حمل كلّ واحد منهما على معناه الحقيقي.

ولمّا كان بين الخبر والإنشاء مناسبة ، يصحّ أن يطلق ما وضع لأحدهما على الآخر مجازا.

ومن هذا القبيل استعمال صيغ العقود ، ك- « بعت » و « أنكحت » و « طلّقت » وأمثالها في الإنشاء ؛ فإنّها في اللغة أخبار ، إلاّ أنّ الشرع استعملها إنشاء ؛ لأنّه يقصد منها حدوث الحكم وهي موجدة له عند التّلفظ ، وهذا معنى الإنشاء.

والحقّ : أنّ هذا الاستعمال من الشرع في أوّل الأمر إنّما كان مجازا لأجل المناسبة ؛ لعدم ثبوت النقل ، وهل صار هذا الاستعمال غالبا بحيث يتبادر عنها معنى الإنشاء حتّى تكون حقيقة فيه؟

ص: 210


1- المائدة (5) : 45.
2- البقرة (2) : 197.
3- راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 478 ، والعدّة في أصول الفقه 1 : 64 ، والمحصول 4 : 223.

الحقّ : عدم ثبوت ذلك ، فكلّ موضع وجد فيه قرينة الإنشاء - أعني القصد إلى حدوث الحكم - يحمل عليه ، وإن لم توجد يحمل على الخبر.

ويتفرّع عليه : لزوم القصد التفصيلي أو الإجمالي في صيغ العقود ، فلا عبرة بصيغة الغافل والساهي ، ومن لم يتصوّر معنى الإنشاء فأجرى الصيغة غير قاصد إلى معنى الإنشاء والخبر ، أو قاصدا للخبر ، ولكن يكفي مجرّد العلم بأنّ المراد منها حدوث الحكم.

والقول بأنّ هذه الصيغ مفيدة لحدوث الحكم من الشرع وإن لم يتحقّق قصد ، مشكل ؛ لأنّ هذا موقوف على كونها حقائق شرعيّة في الإنشاء ولم يثبت.

ثمّ لا بدّ لنا هنا من الإشارة إلى امور :

الأوّل : إن قيل : المراد بالإنشاء إن كان إحداث الحكم عند التلفّظ بالصيغة ، يلزم في التعليقات تعليق الواقع على ما لم يقع ؛ فإنّ الجملة الجزائيّة في قول الرجل لزوجته : « إن دخلت الدار فأنت طالق ، أو كظهر أمّي » إنشاء ، فعند التكلّم يجب حدوث الطلاق أو الظهار ، مع تعليقهما على دخول الدار الذي لم يقع بعد ، وهو محال.

قلنا : حدوث الحكم عند التلفّظ بالصيغة إنّما هو عند عدم التعليق ، وأمّا عنده ، فحدوثه عند تحقّق ما علّق عليه ، وانعدام الصيغة عند تحقّقه - بناء على كونها غير قارّة الذات - لا يمنع تحقّق الحكم ؛ لأنّها ليست سببا حقيقيّا له ، بل من الأسباب المعرّفة ، فيجوز حدوث مسبّبها بعد انعدامها.

الثاني : إن قيل : إنّ صيغ العقود إن اوقعت بعنوان الاستقبال ، كأن يقول : « أبيعك » أو « انكحك » ، فلا تخلو من أن تكون خبرا - على ما يشعر به بعض تعريفاته - أو إنشاء - على ما يشعر به بعض آخر منها - وعلى التقديرين يلزم أن يقع العقد بها.

أمّا على التقدير الأوّل ، فلأنّه كما يصحّ أن يراد الإنشاء من الجملة الخبريّة إذا كانت ماضية ، فكذا يصحّ إذا كانت مستقبلة ؛ لعدم الفرق.

وأمّا على [ التقدير ] الثاني ، فظاهر.

ص: 211

قلت : أمّا على التقدير الأوّل ، فإنّا لا نسلّم أنّ كلّ خبر يصحّ أن يراد منه الإنشاء. سلّمناه ولكن لا نسلّم جوازه في صيغ العقود ؛ لأنّها متلقّاة من الشرع.

وأمّا على [ التقدير ] الثاني ، فإنّ المراد من الإنشاء غير الخبر - أي ما ليس لنسبته خارج - ، وهذا مفهوم كلّي له أفراد مختلفة بعضها إحداث الفعل في الحال ، وبعضها إحداثه في الاستقبال ، وبعضها طلب الفعل ، وبعضها معان أخر ، ووقوع العقد بواحد منها للمناسبة لا يستلزم وقوعه بغيره ممّا ينافيه.

الثالث : الحقّ - كما أشرنا إليه (1) - أنّ صيغ العقود إذا قصد بها حدوث الحكم تكون إنشاء ؛ لصدق حدّ الإنشاء عليها ، وعدم صدق الخبر عليها ؛ ولأنّها لمّا كانت صيغ الماضي ، فلو كانت أخبارا (2) لبقيت على ما كانت عليه من كونها ماضية ؛ لعدم ورود مغيّر حينئذ ، بخلاف ما لو كانت إنشاء. وحينئذ لم تقبل التعليق ؛ لأنّه يتصوّر فيما لم يقع بعد ، مع أنّها قابلة له إجماعا.

وخالف بعض الناس وقال : إنّها أخبار (3) ؛ محتجّا بأنّ الخبر إمّا أن يخبر عمّا في الخارج ، أو عمّا في الذهن ، والصيغ المذكورة من الثاني. وحينئذ يصدق عليها حدّ الخبر دون الإنشاء ، وتبقى على ما كانت عليه من كونها ماضية ، ولم تقبل التعليق ، بل القابل له حقيقة ما في الذهن ، واللفظ إخبار عنه ، فكأنّه قال : ثبت في ذهني تعليق الطلاق (4).

ولا يخفى أنّه لو بني الأمر على تعميم الخبر واكتفي فيه بالإخبار عمّا في الذهن ، فات المطابقة وعدمها ، ولم يتحقّق فيه صدق وكذب ؛ لأنّ المطابقة هي موافقة النسبة العقليّة للخارجيّة ، وما في الذهن ليس إلاّ النسبة العقليّة ، فإذا لم يكن له خارج ، لا معنى للمطابقة حينئذ.

ص: 212


1- في ص 211.
2- يجوز بكسر الهمزة أيضا.
3- يجوز بكسر الهمزة أيضا.
4- حكاه القرافي عن الحنفيّة في الفروق 1 : 28 و 29 ، والشهيد في القواعد والفوائد 1 : 254 ، ذيل قاعدة 83 ، والشهيد الثاني في تمهيد القواعد : 245 ، الباب الثامن في الأخبار.

ثمّ لو سلّم تعميمه واندفاع الوجهين الأوّلين (1) به ، فلا نسلّم اندفاع الوجه الثالث به. وما ذكره في بيانه (2) واه ؛ لأنّ التعليق إنّما وقع حقيقة في الماضي الذي يتلفّظ به وهو غير جائز ، ولو سلّم عدم وقوع التعليق فيه حقيقة ، فنقول : إنّ الثابت في الذهن ليس تعليق الطلاق الواقع فيه ، بل تعليق الماضي الواقع فيه ، ومطلق الماضي - سواء كان في اللفظ ، أو في الذهن - لا يقبل التعليق ، فلا مفرّ إلاّ القول بكونها إنشاء.

فصل [2]
اشارة

المشهور أنّ الصدق مطابقة الخبر للواقع ، والكذب عدم مطابقته له.

والنظّام على أنّ الصدق مطابقة الخبر لاعتقاد المتكلّم ، والكذب عدمها ، ولا عبرة فيهما بمطابقته للواقع وعدمها (3).

والجاحظ على أنّ الصدق مطابقته للواقع ، والاعتقاد بها (4) معا ، والكذب عدم مطابقته له مع الاعتقاد بعدمها ، وما لم يحمل عليه الوصفان لا يكون صدقا ولا كذبا ، بل واسطة بينهما ، وهي أربعة أقسام : مطابقته للواقع مع الاعتقاد بعدمها ، أو بدون اعتقاد أصلا - كخبر من لا شعور له كالمجنون وأمثاله ، أو له شعور بدون اعتقاد كالشاكّ - وعدم مطابقته له مع اعتقادها ، أو بدونه أصلا (5).

والحقّ القول المشهور كما أشرنا إليه سابقا (6). والذي يدلّ على حقّيّته وإبطال القولين الأخيرين أنّ الكافر إذا قال : « الإسلام حقّ » يحكم بصدقه ، وإذا قال خلافه ، يحكم بكذبه إجماعا.

ص: 213


1- والمراد بهما صدق الإنشاء وعدم صدق الخبر. والمراد بالوجه الثالث قوله : « ولأنّها لمّا كانت ... ».
2- وهو قوله : « ولم تقبل التعليق بل القابل له حقيقة ما في الذهن ».
3- راجع : منتهى الوصول لابن الحاجب : 67 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 149. وفسّره التفتازاني في المطوّل : 37 بأنّ قائله النظّام.
4- لم يرد في « ب » : « بها ».
5- راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 479 ، والإحكام في أصول الأحكام 2 : 17 ، ونهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 288 - 291 ، وتمهيد القواعد : 247 ، القاعدة 91.
6- في ص 204.

احتجّ النظّام بقوله تعالى : ( وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) (1) حيث كذّبهم في قولهم : ( نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ ) مع أنّ خبرهم كان مطابقا للواقع ، فكذبه لعدم اعتقادهم (2).

والجواب : أنّ التكذيب إنّما هو في شهادتهم ؛ لأنّها تكون عن علم ، ولم تكن شهادتهم هذه عن علم. أو في استمرارها ؛ لأنّهم زعموا أنّها تستمرّ منهم ، فكذّبهم بانقطاعها بعد ذلك. وقد ذكر وجوه أخر (3). وما ذكرنا كاف للمطلوب.

واحتجّ الجاحظ بقوله تعالى : ( أَفْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ) (4) ، حيث حصروا خبر النبيّ بنبوّته في كونه افتراء ، أو كلام مجنون. ولم يقصدوا بالأخير الصدق ؛ لعدم اعتقادهم ذلك ، ولا الكذب ؛ لأنّهم جعلوه قسيمه ، فأثبتوا واسطة بينهما وهم أهل اللسان (5).

والظاهر أنّ قصد الجاحظ أنّه يثبت واسطتان من الأربع من الآية ؛ لأنّهم جعلوا خبره صلى اللّه عليه وآله وسلم - بزعمهم الفاسد - إمّا الكذب ، وعبّر عنه بالافتراء ، الذي هو عدم المطابقة مع اعتقاد عدمها. ويظهر منه أنّ عدم المطابقة مع اعتقادها أو بدونه أصلا من الوسائط ، فثبت هنا واسطتان. وإمّا كلام مجنون ، وكونه واسطة بناء (6) على عدم كونه عن اعتقاد عدم المطابقة ، وإلاّ فهو بزعمهم لم يكن مطابقا للواقع ، فهذا القسم يثبت من كلا شقّي الترديد ، ويبقى الصدق وكونه مطابقتهما معا. والواسطتان (7) الاخريان غير معلومة من الآية ، ويعلم حالها بالمقايسة وعدم القائل بالفصل.

والجواب : أنّ الكذب أعمّ من الافتراء ؛ لكون القصد معتبرا في الثاني دون الأوّل ، فترديدهم خبره إنّما كان بين الافتراء وعدمه ، فكأنّهم قالوا : أكذب من قصد ، فيكون مفتريا ، أو من غير قصد ، فيكون مجنونا؟ فإنّ الكاذب من غير قصد يكون مجنونا. ففي الشقّ الثاني تحقّق الكذب الذي ليس بافتراء.

ص: 214


1- المنافقون (63) : 1.
2- راجع : منتهى الوصول لابن الحاجب : 67 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 149 ، والمطوّل : 37.
3- للمزيد راجع المطوّل : 37 و 38.
4- سبأ (34) : 8.
5- راجع : منتهى الوصول لابن الحاجب : 66 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 148 و 149 ، والمطوّل : 39.
6- خبر مرفوع.
7- عطف على « الصدق » أي يبقى ثلاثة امور غير معلومة من الآية. والضمير في « حالها » راجع إلى الثلاثة.

ويتفرّع على هذا الخلاف أنّه إذا قال المنكر : « إن شهد لك زيد فهو صادق » يكون إقرارا على المذهب المختار ومذهب الجاحظ ؛ لامتناع الصدق مع البراءة.

وفيه : أنّه يمكن أن يكون اعتقاد المخبر (1) استحالة شهادة زيد ، والمحال قد يستلزم محالا آخر.

ولا كلام في عدم كونه إقرارا على مذهب النظّام.

ولو قال المدّعي بعد إقامة البيّنة : « كذب شهودي » يسقط دعواه على المذهبين الأوّلين دون الآخر. ولو قال : « لم يصدق شهودي » يسقط على المذهب الحقّ دون الآخرين. وفي حكم السقوط ثبوت الإقرار لو قال له المنكر : « صدق شهودك » أو « لم يكذبوا ».

تقسيم

الخبر باعتبار ينقسم إلى ما يعلم صدقه إمّا بالضرورة ، كالمتواتر ، أو بالنظر ، كخبر اللّه ، وخبر النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم والمحتفّ بالقرائن. ووقوع المتشابهات التي اريد خلاف ظاهرها ، والعمومات المخصّصة ، والمطلقات المقيّدة في كلامهما لا ينافي الصدق ؛ لأنّه من لوازم المحاورات ، وقد نصب القرينة الدالّة على المراد للمخاطبين.

وإلى ما يعلم كذبه بالضرورة ، أو النظر (2). والمثال ظاهر.

وإلى ما لا يعلم صدقه ولا كذبه ، وهو على ثلاثة أقسام : ما يظنّ صدقه ، كخبر العدل ، وما يظنّ كذبه ، كخبر الكاذب ، وما يشكّ فيهما ، كخبر مجهول الحال.

وقال بعض الناس (3) : كلّ خبر لا يعلم صدقه فهو كذب.

وهذا فاسد ؛ لبداهة كون الجهل واسطة بين العلم بشيء والعلم بنقيضه ؛ وللزوم ارتفاع النقيضين لو أخبر رجل بقيام زيد مثلا في وقت ، وأخبر آخر بعدم قيامه فيه.

ويظهر فائدة هذا الخلاف في الأيمان ، والتعليقات ، وأمثالهما.

ص: 215


1- كذا في النسختين. والأنسب : « المنكر ».
2- في « ب » : « بالنظر ».
3- نسبه القاضي عضد الدين إلى بعض الظاهريّة في شرح مختصر المنتهى 1 : 150.
فصل [3]

ينقسم الخبر باعتبار آخر إلى متواتر وآحاد.

والمتواتر : خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه. وقيل : أخبار جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب (1).

والحقّ - كما ذهب إليه أكثر العقلاء - : أنّه يجوز تحقّق خبر يفيد بنفسه العلم ؛ لكثرة المخبرين ، وقد وقع ، كالخبر بوجود البلاد النائية والامم الماضية ، كمكّة وسائر المدن المعروفة ، والأنبياء وباقي الأقوام المشهورة. فإنّا نجد من أنفسنا العلم بها كما نجد منها العلم بالمحسوسات ، ولا ريب في استناد علمنا إلى الخبر.

وخالف السمنيّة (2) والبراهمة (3) في ذلك ، فقال قوم منهم : لا يمكن تحقّق خبر يفيد العلم ، بل الممكن تحقّق ما يفيد الظنّ (4). وقال آخرون بإمكانه فيما يوجد في زمان الخبر ، لا فيما سلف.

واحتجّوا بوجوه ضعيفة :

منها : أنّه كما يجوز الكذب على كلّ واحد منهم حالة الانفراد ، فكذا يجوز عليه في حالة الاجتماع ؛ فإنّ الجملة هي الأفراد بشرط الاجتماع (5).

والجواب : أنّ حكم الجملة قد يخالف حكم الآحاد ، وهذا بديهيّ.

ومنها : لو حصل القطع من الخبر المتواتر لما فرّقنا بين ما مثّل ، وبين علمنا بأنّه لا واسطة بين النفي والإثبات ، وبأنّ الأربعة زوج ، مع أنّ الفرق ظاهر (6).

وجوابه : أمّا على القول بكون العلم الحاصل من المتواتر نظريّا (7) : فظاهر ؛ لأنّ الفرق باعتبار النظريّة والضرورة.

ص: 216


1- ذهب إليه ابن الحاجب في منتهى الوصول : 69 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى : 153.
2- في القاموس المحيط 4 : 238 ، « سمن » : « السّمنيّة - كعرنيّة - قوم بالهند دهريّون قائلون بالتناسخ ».
3- المصدر : 81 ، « برهمة » : « البراهمة قوم لا يجوّزون على اللّه تعالى بعثة الرسل ».
4- راجع الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 481.
5- راجع معالم الدين : 184.
6- راجع معالم الدين : 184.
7- نسبه السيّد المرتضى إلى أبي القاسم البلخي ومن وافقه في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 485 ، ونسبه ابن الحاجب إلى الكعبي والبصري في منتهى الوصول : 68 ، ومختصر المنتهى : 152.

وأمّا على القول بكونه ضروريّا (1) ، فبأنّ الضروريّات قد تختلف لا في حصول القطع وعدمه ؛ فإنّه متحقّق في جميعها ، بل في سرعة الانتقال وأمثاله (2) ، والفرق هنا لذلك.

ومنها : أنّه يجوز أن يجتمع جمع كثير يتحقّق به التواتر على خبر كاذب ؛ لاعتيادهم الكذب ، كما نشاهد من كثير الناس ، أو لخوف من سلطان وأمثاله ، أو لدفع فساد عن أنفسهم ، أو لطمع دنيويّ أو دينيّ ، كما وضع كثير من الزهّاد أحاديث دالّة على فضائل الأوقات ؛ لحمل الناس على العبادة. أو للالتباس عليه إمّا لغلط البصر ، أو لعروض بعض الحالات ، كالفكر والخوف الشديدين ؛ فإنّ الإنسان قد يرى في مثل هذين الحالين صورا لا تحقّق لها في الخارج. أو لاشتباه حالة باخرى ، كالسكتة بالموت ، أو ذات باخرى. وهذا جائز عقلا ؛ لأنّ اللّه يقدر على خلق مثل زيد في جميع مشخّصاته ، ونقلا ؛ لأنّ المسيح شبّه بغيره (3) ، وجبرئيل تصوّر بصورة دحية الكلبي (4) ، وتشكّلت الملائكة يوم بدر بأشكال بني آدم (5) ، وأمثال ما ذكر كثيرة.

والجواب : أنّ هذه احتمالات نادرة لا يلتفت إليها العقول السليمة ، مع أنّ موضع النزاع اجتماع عدد التواتر على إحداها (6) ، وهذا أمر لا يكون.

على أنّا نقول : حصول العلم عقيب الخبر المتواتر ضروري ، فهذا تشكيك في مقابله ، فإن كانت (7) صالحة للإيراد ، فإنّما ترد على من رام إثبات حصول العلم عن المتواتر بالدليل.

ومنها : أنّه لو حصل العلم من الخبر المتواتر لزم حصوله ممّا ادّعى اليهود والنصارى من تواتر النقل من موسى وعيسى بأنّه لا نبيّ بعده (8).

ص: 217


1- نسبه السيّد المرتضى إلى أبي علي وأبي هاشم ومن تبعهما في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 485 ، ولكنّ ابن الحاجب نسبه إلى الجمهور في المصدرين.
2- كذا في النسختين. والأولى : « عدمها » أو « أمثالها ».
3- حكاه الفخر الرازي في المحصول 4 : 246.
4- المصدر : 247.
5- المصدر : 248.
6- أي الاحتمالات. والمراد أنّ اجتماع عدد التواتر على اعتياد الكذب ، أو الخوف من السلطان ، أو الدفع أمر لا يكون.
7- الضمير المستتر راجع إلى الاحتمالات.
8- حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : 184.

وجوابه : أنّ نقل اليهود والنصارى لم يحصل بشرائط المتواتر (1) ؛ لانقراض اليهود في قضيّة بخت نصّر بحيث لم يبق منهم عدد يفيد قولهم العلم (2) ، وقلّة النصارى في المبدأ.

لا يقال : يلزم حينئذ عدم تواتر ما يدلّ على نبوّة نبيّنا صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وإلاّ حصل العلم لجميع الطوائف ، ولو حصل لم يخالف أحد نبوّته ؛ لأنّ العاقل لا يخالف مقتضى علمه.

والجواب : أنّ ما يدلّ على نبوّته صلى اللّه عليه وآله وسلم إمّا عقلي ولا تواتر فيه ؛ لاشتراط كون المتواتر محسوسا ، وإمّا حسّي متواتر بالتواتر اللفظي أو (3) المعنوي. وعدم حصول العلم منه لبعض الطوائف باعتبار الالتباس عليهم ، وجمودهم على الشّبه الواهية ، كما هو حال السوفسطائيّة ، مع أنّه يمكن حصول التواتر لطائفة دون اخرى إذا لم يقع عنها البحث والفحص.

لا يقال : يمكن أن يكون نقل اليهود والنصارى من هذا القبيل.

لأنّا نقول : قد وقع منّا الفحص عن نقلهم ، وعثرنا على ما يكذب تواتره كما ذكرنا. وأيضا لنا براهين قاطعة منافية له ، كما لا يخفى.

وقد أوردوا بعضا آخر من الشكوك (4). والحقّ : أنّ جميعها تشكيك في الضروري (5) ، فلا يستحقّ الجواب.

ويتفرّع عليه : عدم معارضة شيء من الأدلّة للمتواتر ؛ لأنّ تواتر المتعارضين غير واقع ، بل غير جائز ، وغيره ممّا لا يفيد العلم لا يقاوم ما يفيده.

ثمّ الحقّ - كما ذهب إليه الأكثر - : أنّ العلم الحاصل منه ضروريّ ؛ إذ لو كان نظريّا لتوقّف على ترتيب المقدّمتين ، واللازم منتف ؛ فإنّه حاصل لمن ليس من أهل البحث والنظر ، كالبله والصبيان ، وكلّ أحد يحصل له العلم بوجود بلد تواتر الإخبار عليه من غير سابقة فكر ونظر ، فكذا الملزوم. والملازمة ظاهرة.

ص: 218


1- في « ب » : « التواتر ».
2- راجع المحصول 4 : 256.
3- في « ب » : « و ».
4- راجع : منتهى الوصول لابن الحاجب : 68 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 151.
5- في « ب » : « الضرورة ».

وقيل : لو كان نظريّا لساغ الخلاف فيه ، وليس كذلك (1).

وفيه ما فيه ؛ فإنّ كثيرا من النظريّات القطعيّة موضع وفاق.

وذهب بعض الناس إلى أنّه نظريّ (2). واحتجّ : بأنّه متوقّف على أنّ المخبر عنه محسوس ، وأنّ المخبرين جماعة لا يجوز تواطؤهم على الكذب ، فيكون نظريّا ؛ لتوقّفه على الوسط.

والجواب : أنّ العلم لا يتوقّف عليه ، بل هو حاصل ضرورة. ومثل هذا الوسط يمكن فرضه لكلّ ضروريّ (3) ، كالانقسام إلى المتساويين لزوجيّة الأربعة ، واشتمال الكلّ على جزء آخر لأعظميّة الكلّ من الجزء.

نعم ، كثيرا ما يشتبه بالنظريّ ؛ لخفاء الشروط الآتية المعتبرة فيه ، فيحتاج إلى التأمّل ليظهر تحقّقها أو عدمه. ونظيره بعض التصديقات الضروريّة حيث يتوقّف العقل فيه ؛ لعدم تصوّر الطرفين ؛ فإنّه يجوز كون التصديق ضروريّا ، وتصوّر طرفيه نظريّا.

وتوقّف المرتضى (4) ؛ لعدم دليل صالح على أحد الطرفين ، وقد عرفته (5).

وذهب الغزالي إلى أنّه (6) ليس ضروريّا لا يحتاج إلى ملاحظة الوسط مطلقا ، ولا نظريّا يحتاج إلى الحركة الفكريّة والشعور بتوسّط الوسط ، بل الواسطة حاضرة في الذهن ، إلاّ أنّها لا تحتاج إلى الحركة والشعور بتوسّطها (7).

ومراده من الواسطة ما ذكر في حجّة القول بكونه نظريّا.

ولا يخفى أنّ قوله راجع إلى ثبوت الواسطة بين الضروريّ والنظريّ ، وفساده ظاهر.

ص: 219


1- نسبه ابن الحاجب إلى الجمهور في منتهى الوصول : 68 ، ومختصر المنتهى : 152.
2- منهم : أبو القاسم البلخي ، كما في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 485 ، ونسبه ابن الحاجب إلى الكعبي والبصري في منتهى الوصول : 68 ، ومختصر المنتهى : 152.
3- غير القضيّة الاولى ، وهي استحالة ارتفاع النقيضين ، أو عدم الواسطة بين النفي والإثبات. وأمّا استحالة اجتماع النقيضين ، فهي أيضا معلّلة باستلزام اجتماعهما ثبوت الواسطة.
4- الذريعة إلى اصول الشريعة 2 : 485.
5- آنفا.
6- أي العلم الحاصل من التواتر.
7- المستصفى : 106 و 107.
فصل [4]
اشارة

يشترط في صحّة التواتر شروط ، بعضها في المخبرين ، وبعضها في السامعين :

والأوّل أربعة :

الأوّل : أن يبلغ عددهم في الكثرة حدّا يمتنع معه عادة تواطؤهم على الكذب. ووجه اشتراطه ظاهر.

والحقّ أنّه لا يشترط فيه عدد خاصّ ، بل الضابط فيه ما يفيد العلم ، وهو يختلف باختلاف القرائن والوقائع ، وأحوال المخبرين والسامعين. وتفاوت كلّ منها يوجب اختلاف العدد بحيث لا يمكن حصره ، فكيف إذا تركّب بعضها مع بعض. ولو كان العدد المخصوص معتبرا لما وقع الاختلاف؟

وأيضا يحصل لنا العلم من الأخبار المتواترة من غير تنبّه (1) لعدد مخصوص ، ولو كان شرطا ، لتوقّف حصوله على حصوله.

واجيب عنه : بأنّ التوقّف على حصوله في الواقع ، لا على العلم به (2).

وفيه : أنّ حصول العلم لو كان مسبّبا عن عدد خاصّ ، لعلم حصوله عند حصوله ، مع أنّه يحصل لنا العلم من الأخبار المتواترة ولا ننتقل منه إليه.

ثمّ لمّا كان حصول العلم من الخبر المتواتر تدريجيّا - لأنّه إذا سمع من واحد أفاد ظنّا ، وكلّما تكرّر قوي ، وهكذا يتقوّى بتدريج إلى أن يصير علما - فحصول العلم بعدد التواتر يتوقّف على ضبطه تدريجا ، وهذا مع صعوبته موجب لاختلافه للأسباب المذكورة.

هذا ، ولكن يجب في المتواتر أن يكون للتعدّد والكثرة دخل في إفادة العلم وإن اختلف بالامور المذكورة ، فيخرج الخبر المحفوف بالقرينة.

ثمّ القائلون باشتراط العدد الخاصّ اختلفوا فيه على أقوال شتّى (3). ولكلّ قول شبهة

ص: 220


1- في « ب » : « تنبيه ».
2- أجاب به الباجي في إحكام الفصول : 246.
3- راجع : الإحكام في أصول الأحكام 2 : 37 و 38 ، والمحصول 4 : 265 و 266 ، ومنتهى الوصول لابن الحاجب : 70 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 154.

واهية. ولا فائدة في ذكرها بعد العلم ببطلانها.

الثاني : أن يخبروا عن محسوس ، فلا تواتر في المعقول ، كحدوث العالم وأمثاله ؛ لتأتّي الاشتباه في العقليّات ، ومعارضة الوهم للعقل فيها ، فلا يفيد قولهم العلم.

الثالث : أن يكون إخبارهم عن علم لا عن ظنّ.

وقيل : إنّ هذا الشرط لا يعمّ جميع المخبرين ، بل يكفي ثبوته لبعضهم (1).

الرابع : استواء الطرفين والواسطة في إفادة العلم بأن يبلغ كلّ واحدة من الطبقة الاولى المشاهدين لمدلول الخبر ، والطبقة الواسطة الناقلين عن الاولى - متّحدة كانت أو متعدّدة - والأخيرة الناقلين عن الواسطة ، عدد التواتر ، ويكون خبر كلّ منها عن علم.

فلو ذكر واحد خبرا لجماعة وكلّ منهم لجماعة اخرى ، وهكذا إلى أن يبلغ في طبقة إلى عدد كثير يفيد قولهم العلم لو لا المانع ، لم يكن متواترا. ومن هذا الطريق يحصل الأراجيف بين الناس وتشتهر إذا لم يسند كلّ مخبر خبره إلى القائل الأوّل ، ولذا إذا اشتهر الأراجيف يذكرها كلّ أحد ولا يعرف القائل الأوّل.

وغير خفيّ أنّ هذا الشرط في كلّ تواتر تحقّق فيه الطبقات الثلاث ، وإذا تحقّق فيه طبقتان من دون تحقّق واسطة ، فيشترط استواؤهما في إفادة العلم ولا حاجة إلى ذكر الواسطة ، وإن كان المخبرون هم المشاهدين ، فينتفي هذا الشرط رأسا.

الثاني اثنان :
اشارة

الأوّل : أن لا يسبق الخبر المتواتر تقليد ، أو شبهة للسامع. وهذا الشرط قد تفرّد بذكره المرتضى رحمه اللّه (2) ، وتبعه أعيان المتأخّرين عنه (3). وهو حقّ.

ويدلّ على اعتباره نقلا : قوله تعالى : ( إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) (4). وعقلا : كون كلّ واحد من الشبهة والتقليد في القلب بمنزلة معارض قويّ لما

ص: 221


1- ذهب إليه ابن الحاجب في منتهى الوصول : 69 وفي مختصر المنتهى : 153 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 153.
2- الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 491.
3- كالعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 319 - 320 ، والشيخ حسن في معالم الدين : 186.
4- الزخرف (43) : 23.

يفيده العلم ، فيمنعه من أن يؤثّر أثره فيه.

وبه يندفع ما يحتجّ به مخالفونا من أنّه لو تواتر معجزات النبيّ أو (1) النصوص على خلافة عليّ عليه السلام لحصل لنا العلم (2).

الثاني : أن لا يكون السامع عالما بمدلول الخبر ضرورة ، بأن يكون مشاهدا له ؛ لاستلزامه تحصيل الحاصل.

وفيه نظر ، أمّا على التعريف الأخير (3) المذكور للمتواتر ، فظاهر ؛ لعدم اعتبار إفادة العلم فيه. وأمّا على التعريف الأوّل (4) له ؛ فلأنّ العلم الحاصل من الخبر مخالف بالنوع للعلم الحاصل من المشاهدة ، فلا يلزم تحصيل الحاصل.

وهنا شروط فاسدة اعتبرها بعض الناس (5) أعرضنا عن ذكرها لعدم الفائدة فيه.

تتمّة

قيل : كلّ عدد أفاد خبرهم علما بقضيّة لشخص فمثله يفيد العلم بها (6) لشخص آخر ، وبغيرها لكلّ منهما (7).

وغير خفيّ أنّ هذا يتوقّف على تساوي المخبرين والقضيّة والسامع من كلّ وجه ؛ لما عرفت (8) من أنّ الخبر يختلف في إفادة العلم باختلافها ؛ وتساويها من كلّ وجه نادر. نعم ، مع فرض تحقّقه (9) يفيد العلم.

ويتفرّع عليه : جواز عمل الحاكم - بناء على القول بجواز العمل بعلمه كما هو الحقّ -

ص: 222


1- في « ب » : « و ».
2- راجع المحصول 4 : 259.
3- وهو أخبار جماعة يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب. راجع ص 216.
4- وهو تعريف المتواتر بإفادته العلم. راجع ص 216.
5- راجع : منتهى الوصول لابن الحاجب : 70 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 155.
6- لم يرد في « ب » : « بها ».
7- نسبه الآمدي إلى القاضي أبي بكر وأبي الحسين البصري في الإحكام في أصول الأحكام 2 : 42 ، وابن الحاجب في منتهى الوصول : 71 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 155.
8- راجع ص 221.
9- أي تحقّق التساوي.

بإخبار (1) جماعة في واقعة ، وعدم العمل بإخبارهم (2) في واقعة اخرى ، وبإخبار (3) مثلهم في الاولى والاخرى. وكذا يجوز حصول العلم من إخبار (4) جماعة لحاكم دون آخر.

فصل [5]

المتواتر إمّا لفظي ، وقد عرفته (5). وإمّا معنوي ، وهو المعنى الكلّي الذي كان قدرا مشتركا بين أخبار جماعة كثيرة يمتنع تواطؤهم على الكذب في وقائع مختلفة. فكلّ واحد من هذه الأخبار وإن لم يبلغ حدّ التواتر إلاّ أنّ هذا المعنى الكلّي المشترك بين جميعها متواتر ؛ لأنّ كلّ واحد منها يدلّ عليه بجهة التضمّن ، أو الالتزام. وذلك كشجاعة عليّ عليه السلام ؛ فإنّه قد نقل منه عليه السلام وقائع مختلفة من الغزوات يدلّ كلّ واحدة منها على شجاعته ، كغزوة خيبر ، واحد ، وبدر ، وغيرها ، فكلّ واحدة منها إن لم يكن متواترا ، فلا شكّ في تواتر القدر المشترك بينها وهو الشجاعة. وكذا الحكم في سخاوته عليه السلام ، وسخاوة حاتم. ويمكن فتح هذا الباب في معجزات النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم مماشاة للخصم ؛ لأنّه كاف للمطلوب.

فصل [6]
اشارة

خبر الواحد : ما لم يبلغ حدّ التواتر ، قلّت رواته (6) أو كثرت.

وقيل : ما أفاد الظنّ (7).

والصواب الأوّل ؛ لجواز وجود خبر واحد لا يفيد الظنّ. وهو بنفسه لا يفيد القطع ، كما سيجيء (8). نعم ، قد يفيده بانضمام القرائن إليه.

والحقّ : أنّ هذا جائز بل واقع ، والمنكر مكابر ؛ فإنّا إذا علمنا أنّ زيدا مريض ، واتّفق حذّاق (9) الأطبّاء على عدم برئه ، ثمّ أخبرنا عدل ورع بموته ، وسمعنا من داره صراخا

ص: 223


1- يجوز فتح الهمزة أيضا.
2- يجوز فتح الهمزة أيضا.
3- يجوز فتح الهمزة أيضا.
4- يجوز فتح الهمزة أيضا.
5- تقدّم في ص 216.
6- في « ب » : « رواية ».
7- ذهب إليه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 517.
8- في ص 225.
9- في « ب » : « صدق ».

وواعية ، وخرجت المخدّرات كاشفات الرءوس ولاطمات الخدود ومازقات الجيوب ، وانضمّ إليه بعض آخر من القرائن ، فإنّا نقطع بموته ويحصل لنا العلم به.

لا يقال : حصول العلم هنا من القرائن ، ولا دخل للخبر فيه ، كما يحصل العلم بخجل الخجل ووجل الوجل من القرائن من دون خبر.

لأنّا نقول : للخبر دخل في إفادة العلم ؛ إذ لولاه لجوّزنا موت شخص آخر.

احتجّ الخصم بوجوه ضعيفة (1) :

منها : أنّه لو أفاد القطع لوجب الحكم بتخطئة المخالف له بالاجتهاد ، وهو خلاف الإجماع.

وجوابه : التزام التخطئة على فرض المخالفة مع اعتقاده (2) بأنّه مفيد للعلم ، إلاّ أنّ هذا غير واقع ؛ لأنّ أحدا لا يخالف مقتضى علمه ، بل من خالف فمخالفته لأجل عدم تحقّق شرائط العلم عنده ، وحينئذ يجوز له المخالفة بشرط كون المقام قابلا للاشتباه ، وإن لم يكن كذلك ، فيكون مخالفته بمجرّد المكابرة ، أو (3) العناد ، وحينئذ يجوز تخطئته.

ومنها : أنّ حصول القطع منه يؤدّي إلى حصول القطعين المتناقضين إذا اخبرنا بخبرين متناقضين محفوفين بالقرائن ، وهو مستلزم لاجتماع النقيضين ؛ لأنّ المقطوع به واقع في الخارج ، وهو محال.

وجوابه : أنّ الفرض المذكور محال عادة.

ومنها : أنّ الخبر المحفوف بالقرائن كثيرا ما يظهر كذبه للاشتباه وأمثاله ، كما إذا أخبر عدل بموت زيد ، وقارن خبره بالصراخ (4) وإحضار الجنازة ، ثمّ ظهر أنّه لحقت به سكتة.

وقد ظهر جوابه ممّا ذكرنا في جواب بعض شبه من قال : التواتر لا يفيد العلم (5).

ومنها : أنّه لو حصل العلم منه ، لاطّرد في كلّ خبر واحد ، واللازم باطل.

ص: 224


1- راجع الإحكام في أصول الأحكام 2 : 48 - 51.
2- الضمير راجع إلى المخالف لا إلى من قام عنده الخبر المفيد للعلم.
3- في « ب » : « و ».
4- في « ب » : « الصراخ ».
5- راجع ص 216 وما بعدها.

وجوابه : أنّه إن اريد الاطّراد في كلّ خبر انضمّ إليه القرائن المعتبرة في حصول العلم ، فنمنع بطلان اللازم. وإن اريد الأعمّ ، فالملازمة ممنوعة. والفرق ظاهر.

وقد احتجّوا بوجوه ضعيفة أخر (1) لا فائدة في نقلها ؛ لظهور فسادها.

ثمّ الحقّ : أنّ التصفّح يعطي وجود الأخبار المحفوفة بالقرائن في ضمن الأخبار المرويّة عن أئمّتنا عليهم السلام ، وهي الأخبار التي انضمّت بالقرائن المفيدة للعلم ، وهي عندنا آية محكمة - خصوصها ، أو عمومها ، أو فحواها - أو سنّة قطعيّة كذلك ، أو دلالة العقل ، أو الإجماع. فإن عثرت على خبر واحد وافق إحدى الأربع ، فاحكم بكونه محتفّا بالقرينة ، مفيدا للعلم لا يعارضه شيء من الأدلّة الظنّيّة ، ولا يجوز تعارضه لما يفيد العلم ، كما عرفت (2).

وقد وقع الخلاف في أنّ إفادة العلم من القرائن فقط ، أو منها ومن الخبر؟ (3)

ويظهر الفائدة فيما دلّ عليه القرائن من دون خبر ، كالشهادة بالإعسار عند صبره على الجوع وأمثاله في الخلوة ، والتصرّف في الهديّة من غير لفظ ، وقبول بعض الامور من الصبيّ المميّز ، وأكل طعام الأصدقاء ، وبعض التصرّفات في امورهم ، وأمثالها.

والتحقيق أنّ كثيرا من المواضع لا يحصل العلم [ فيها ] من القرائن فقط ، بل يحصل بانضمام الخبر إليها.

نعم ، يمكن أن يتظاهر القرائن في بعض الموارد بحيث تفيد العلم ، وحينئذ يجب العمل بها.

تذنيب

ذهب بعض الناس إلى أنّ كلّ خبر يفيد العلم ، سواء اقترن بالقرينة أم لا (4).

والحقّ : أنّه ظاهر البطلان ؛ لأنّ كلّ أحد يجد من نفسه تزايد اعتقاده الحاصل من خبر الواحد عند ازدياد الأخبار حتّى يصير يقينا ، ولو حصل العلم من الخبر الأوّل

ص: 225


1- راجع : منتهى الوصول : 71 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 156.
2- آنفا ؛ لأنّ تعارض العلمين محال عادة.
3- راجع الإحكام في أصول الأحكام 2 : 48.
4- راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 517 ، ومعارج الاصول : 140.

امتنعت الزيادة. والتفاوت في العلم وإن كان ممكنا إلاّ أنّ الجميع مشترك في كونه مانعا من النقيض ، وهنا ليس الأمر كذلك ؛ لأنّ كلّ واحد من الأخبار لا يمنع النقيض حتّى ينتهي إلى حدّ التواتر.

وأيضا لو كان الخبر الواحد مفيدا للعلم ، وجب تخطئة المخالف له في الاجتهاد ، وهو باطل.

واحتجّ من قال بإفادته العلم : بأنّ العمل به واجب إجماعا ، ولو لم يفد العلم لم يجز العمل به ؛ لظواهر الآيات الدالّة على ذمّ اتّباع الظنّ ، كقوله تعالى : ( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (1) ، وقوله تعالى : ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَ ) (2) في معرض الذمّ (3).

وقد عرفت جوابه فيما تقدّم (4) ، وأشرنا هناك أنّ هذا مذهب الأخباريين من أصحابنا في الأخبار المرويّة عن أئمّتنا عليهم السلام ، وأجبنا عن شبههم ، وبيّنّا فساد رأيهم بطرق (5) قطعيّة.

فصل [7]

الحقّ أنّه إذا أخبر واحد بحضرة النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم ولم ينكر عليه لم يدلّ على صدقه ، إلاّ أن يستشهده به وادّعى عليه علمه.

أمّا الثاني ، فظاهر.

وأمّا الأوّل (6) ، فلإمكان عدم سماعه ، أو فهمه ، أو تأخيره إلى وقت بيان الحاجة ، أو عدم علمه (7) به ؛ لكونه دنيويّا.

ويظهر منه عدم حجّيّة مثل هذا الخبر ؛ وهو أظهر لو أخبر بحضرة واحد من الأئمّة عليهم السلام ؛ لإمكان التقيّة وغيرها من المصالح.

ص: 226


1- الإسراء (17) : 36.
2- النجم (53) : 23.
3- نسبه الآمدي إلى أحمد بن حنبل وبعض أصحاب الحديث في الإحكام في أصول الأحكام 2 : 48.
4- ص 198 - 199.
5- في « ب » : « بطريق ».
6- مراده من الثاني صورة ما بعد الاستثناء ، ومن الأوّل ما قبله.
7- فيه إنكار عموم علمه عليه السلام.
فصل [8]

قيل : التواتر السكوتي - وهو إخبار واحد بحضرة جماعة بلغوا عدد التواتر مع سكوتهم - يفيد صدق الخبر (1).

وقيل : يلزم تقييده بما إذا استشهدوا به ، وعلم كونهم عالمين به ؛ لكون الخبر ممّا امتنع عادة (2) عدم علمهم به ، أو لأمر آخر ، ولم يعلم داع لهم على السكوت من رغبة ، أو رهبة (3).

وغير خفيّ أنّ الخبر مع الشروط الثلاثة يفيد العلم بصدقه عادة ؛ لأنّ سكوتهم وعدم تكذيبهم مع علمهم بكذبه يستحيل عادة.

والوجه في اعتبار الشرط الثاني (4) ظاهر ؛ لأنّ الخبر إذا كان غريبا لا يمكن أن يطّلع عليه إلاّ الأفراد ، فيمكن عدم اطّلاع واحد منهم ، فسكوتهم (5) لهذا.

وأمّا اعتبار الشرط الأوّل (6) ، فالظاهر عدم لزومه ؛ لأنّه يبعد سكوت هذا الجمع الكثير عن التكذيب مع علمهم بكذبه وإن لم يستشهدوا. نعم ، هو يفيد التقوية والتأكيد.

وكذا الشرط الثالث (7) أيضا ؛ لأنّ اجتماع الجمّ الغفير على كتمان ما علموه بحيث لم يشذّ منهم واحد ، يستحيل عادة وإن فرض وجود داع لهم ، ولذا لم يسمع اتّفاق أهل بلد على كتمان الرخص ، أو الغلاء مع وجود داع لهم.

فصل [9]

العامّة على أنّ ما توفّر الدواعي على نقله - كاصول الأديان ، وفروعها الضروريّة ، والمعجزات العظيمة ، والحوادث الغريبة ، كقتل السلطان وأمثاله - إذا تفرّد بالخبر عنه

ص: 227


1- راجع المحصول في علم أصول الفقه 4 : 286.
2- لم يرد في « ب » : « عادة ».
3- ذهب إليه ابن الحاجب في منتهى الوصول : 72 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 158.
4- وهو قوله : « علم كونهم عالمين به ».
5- في « ب » : « وسكوتهم ».
6- هو قوله : « إذا استشهدوا به ».
7- وهو قوله : « ولم يعلم داع لهم على السكوت ».

واحد - مع مشاركة غيره له فيما صار سبب علمه (1) به كالمشاهدة ، أو السماع ، أو غيرهما - يكون كاذبا (2). ونسبوا خلافه على الإطلاق إلى الشيعة (3) ، وهو فرية ؛ لأنّهم قالوا : إنّ الكذب مشروط بعدم حامل لهم على الكتمان ، فمع وجوده - كالتقيّة والرغبة وأمثالهما - لا يحكم به. فإذا أخبر واحد بأنّ فيما بين الحرمين بلدة أوسع منهما ، يحكم بكذبه ؛ لعدم تصوّر حامل على الكتمان لمن شاركه في سبب العلم. وإذا أخبر واحد بأنّ زيدا قتل عمرا ، وكان المشاركون له في سبب العلم أقرباءه (4) ، فلا يحكم بكذبه باعتبار كتمانهم (5) ؛ لوجود الداعي.

ومن هذا القبيل عدم تواتر النصوص الجليّة والخفيّة على خلافة عليّ عليه السلام عند المخالفين لو كانوا صادقين ؛ لفتور الدواعي عن نقلها رهبة ، أو رغبة.

ومن هذا القبيل عدم اشتهار بعض الأحكام عن أئمّتنا عليهم السلام مع كونها ممّا يعمّ به البلوى.

واعلم أنّه ربما يتوهّم (6) أنّ كثيرا من معجزات الأنبياء لم يتواتر ، مع كونه ممّا يتوفّر الدواعي على نقله ، كانشقاق القمر ، وحنين الجذع ، وتسبيح الحصى ، وتكلّم عيسى في المهد ؛ فإنّ النصارى لم ينقلوا كلامه فضلا عن أن يتواتر بينهم ، وكذا لم يتواتر كثير من الأحكام الضروريّة مع مسّ الحاجة إليه ؛ والمثال ظاهر.

وتحقيق المقام على وجه يندفع عنه أمثال هذه التوهّمات : أنّ توفّر الدواعي على النقل ممّا يقع فيه الاختلاف والتشكيك بالنسبة إلى الامور ، فهو في بعضها فوق التمام ، وفي بعضها أقلّ ، وهكذا نتنزّل بالتدريج إلى العدم.

وكذا عدد المطّلعين على مدلول الخبر ممّا يقع فيه التفاوت ؛ ففي مدلول بعض الأخبار يبلغ عددهم حدّ التواتر ، وفي بعض آخر يكون أقلّ ، وهكذا يتنزّل إلى أن يصل إلى الواحد.

ص: 228


1- في « ب » : « لعلمه ».
2- ذهب إليه ابن الحاجب في منتهى الوصول : 73 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 158 و 159.
3- نسبه ابن الحاجب ، والقاضي عضد الدين إلى الشيعة في المصدرين المذكورين.
4- أي أقرباء زيد.
5- في « ب » : « كتمانه ».
6- المتوهّم هو الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2 : 58 و 59.

وكذا أهواء كلّ واحد منهم في النقل وعدمه ممّا يقع فيه التفاوت ؛ فبعضهم يعتني بالإظهار ، وبعض آخر بالكتمان ، وآخر لا يبالي بشيء منهما ؛ فتفاوت النقل في كلّ قضيّة اشتهارا وخفاء بقدر تفاوت الامور الثلاثة زيادة ونقصانا ، فاشتهار كلّ معجزة بقدر ما يقتضيه توفّر الدواعي على نقله ، وعدد المطّلعين عليه ، وسعيهم في إظهاره. فإن فرض شيء توفّر الدواعي على نقله ، ولو وجد لكان المطّلعون عليه كثيرا ، ومع ذلك لم يشتهر ، فإن تفرّد بنقله واحد يحكم بكذبه ؛ لأنّ مقتضى توفّر الدواعي وكثرة المطّلعين أكثر من ادّعاء واحد ، فلو ادّعى واحد بأنّ القرآن عورض بمثله ولكن لم ينقل ، يكون كاذبا.

فصل [10]
اشارة

التعبّد بخبر الواحد عقلا جائز وفاقا ، وخلاف ابن قبة من أصحابنا (1) وجماعة من أهل الخلاف (2) لا اعتداد به ؛ لأنّه لا يلزم منه محال في العقل ، ولا نعني منه (3) سواه. وحجّتهم (4) واهية ، فالأولى عدم الالتفات إليها.

والحقّ وقوعه بالشروط الآتية (5) - أي حجّيّته ووجوب العمل (6) به - وفاقا لأعلام المتأخّرين (7) ، وخلافا لأعيان القدماء (8).

لنا وجوه من الأدلّة :

منها : أنّ باب العلم القطعي في أمثال زماننا مسدود إلاّ فيما علم ضرورة وهو قليل ، لما

ص: 229


1- حكاه عنه السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 517 ، والمحقّق الحلّي في معارج الاصول : 140 ، والشيخ حسن في معالم الدين : 189.
2- منهم أبو علي الجبائي ، وابن الحاجب كما في منتهى الوصول : 73 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 159.
3- أي من الجواز العقلي سوى عدم لزوم المحال.
4- ذكرها ابن الحاجب في منتهى الوصول : 73 و 74 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 159.
5- في ص 241 ، الفصل 11.
6- تفسير للضمير المجرور في « وقوعه ».
7- كالمحقّق الحلّي في معارج الاصول : 140 ، والشيخ حسن في معالم الدين : 189 ، وكلّ من قال بانفتاح باب العلم بالأحكام.
8- كالسيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 528 و 554 ، وحكاه الشيخ حسن عن ابن زهرة وابن البرّاج وابن إدريس في معالم الدين : 189 ، وكلّ من قال بانسداد باب العلم بالأحكام.

ذكرنا فيما تقدّم (1) ، فيجب العمل بالظنّ ، وإلاّ يلزم تعطيل الأحكام ، وسدّ أبواب الحلال والحرام. ولا شكّ أنّ الظنّ الحاصل من أكثر أخبار الآحاد أقوى من الظنّ الحاصل من سائر الأدلّة ، مع أنّ أكثر الأحكام ممّا لا يمكن استنباطه إلاّ من الأخبار دون غيرها من الأدلّة ، فالعمل بها متعيّن.

ومنها : اشتهار العمل به بين أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم والتابعين من غير نكير ، وقد عملوا به في الوقائع الكثيرة ، كما ذكر في كتب السير والاصول ، ولم ينكر عليهم أحد ، وإلاّ لنقل (2).

ومنها : ما تواتر أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم كان (3) يرسل الآحاد إلى القبائل لتبليغ الأحكام ، وكان العمل بقولهم لازما عليهم ، ولا يتمّ هذا بدون حجّيّة أخبار الآحاد (4).

ومنها : اشتهار العمل به بين أصحاب الأئمّة عليهم السلام ؛ فإنّه شاع وذاع منهم وممّن يليهم غاية الاهتمام بروايته والعمل به ، والاعتناء في تدوينه وضبطه ، والسعي في ترويجه ونشره ، والبحث عن حال رواته ، والفحص عن الثقة وغيره ، وقد كانت هذه طريقة مستمرّة بين أصحاب جميع الأئمّة عليهم السلام ومقاربيهم ، والتتبّع الصادق يشهد بأنّ إنكار الحجّيّة إنّما نشأ (5) من المرتضى رضى اللّه عنه وأتباعه ، ولذا قال العلاّمة :

أمّا الإماميّة ، فالأخباريّون منهم ... لم يعوّلوا في اصول الدين وفروعه إلاّ على أخبار الآحاد المرويّة عن الأئمّة عليهم السلام. والاصوليّون منهم - كأبي جعفر الطوسي وغيره - وافقوا على قبول خبر الواحد ، ولم ينكره سوى المرتضى وأتباعه ؛ لشبهة (6) حصلت لهم (7). انتهى.

ويدلّ عليه وجود الاختلاف بين الأصحاب بحسب اختلاف الأخبار ، ولو لم تكن حجّة

ص: 230


1- في ص 31.
2- راجع : معارج الاصول : 144 ، ومنتهى الوصول لابن الحاجب : 74.
3- لم يرد في « ب ».
4- راجع : معارج الاصول : 144 ، ومنتهى الوصول لابن الحاجب : 74.
5- في « ب » : « ينشأ ».
6- والشبهة هي أنّ الإماميّة حين بحثهم مع العامّة لمّا لم يتمكّنوا من التصريح بكذبهم وردّ أخبارهم ، احتالوا في ذلك بالقول بأنّ خبر الواحد ليس بحجّة ، فزعم السيّد وأتباعه أنّ ذلك مذهب لهم.
7- نهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 403.

عندهم لكان اللازم عدم الاختلاف لو كان مستندهم قاطعا ، أو الاختلاف بنحو آخر لو كان مستندهم غير قاطع دون الأخبار.

وقد بالغ الشيخ في حجّيّة أخبار الآحاد ، وادّعى إجماع الأصحاب على العمل بالأخبار المرويّة عن الأئمّة عليهم السلام حتّى قال :

لو رواها غير الإمامي وكان الخبر سليما عن المعارض ، واشتهر نقله في هذه الكتب الدائرة بين الأصحاب ، عمل به.

- وذكر - أنّ قديم الأصحاب وحديثهم إذا طولبوا بصحّة ما أفتى به المفتي منهم ، عوّل (1) على المنقول في أصولهم المعتمدة ، وكتبهم المدوّنة ، فيسلّم له خصمه (2) منهم الدعوى في ذلك ، وهذه سجيّتهم من زمن النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى زمن الأئمّة عليهم السلام (3).

وغير خفيّ أنّ اللازم من الطرق الثلاث (4) تواتر العمل بأخبار الآحاد من عصر النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى عصر المرتضى رضى اللّه عنه ، وكونه طريقة مستمرّة من غير نكير ، فيظهر منه أنّه كان إجماعيّا ، لا سكوتيّا مفيدا للظنّ ، بل قطعيّا ، كما لا يخفى. وهذا يفيد القطع بحجّيّتها ووجوب العمل بها ؛ لأنّ عملهم حجّة لنا ، ولو وقع الخلاف بينهم لنقل ؛ لأنّه ممّا يتوفّر الدواعي عليه.

لا يقال : ثبوت كلّ واحد من الطرق المذكورة لنا (5) بأخبار الآحاد ، فيلزم الدور.

لأنّا نقول : كلّ واحد منها وإن ثبت بأخبار كلّ واحد منها من الآحاد إلاّ أنّ القدر المشترك بينها متواتر ، فيثبت عندنا كلّ واحد من الطرق الثلاث بالتواتر المعنوي ، ولها قدر مشترك هو المطلوب ، وهو أجلى من كلّ متواتر ؛ لكونه قدرا مشتركا بين المتواترات الثلاثة.

وقد اعترض عليها بوجوه (6) كلّها بالإعراض عنه حقيق.

ثمّ هنا أخبار خاصّة تدلّ على الحجّيّة كالأخبار التي وردت في حكم اختلاف الأحاديث (7) ؛ فإنّها تدلّ على الحجّيّة بأحد الشروط المثبتة فيها. والأخبار الواردة بالأمر

ص: 231


1- (1 و 2) المناسب لقوله : « طولبوا » أن يقال : « عوّلوا » و « لهم خصمهم ».
2- (1 و 2) المناسب لقوله : « طولبوا » أن يقال : « عوّلوا » و « لهم خصمهم ».
3- العدّة في أصول الفقه 1 : 126.
4- هي : اشتهار العمل بالآحاد بين أصحاب النبيّ ، واشتهاره بين أصحاب الأئمّة ، وإرسال النبيّ الآحاد للتبليغ.
5- متعلّق بقوله : « ثبوت » لا « المذكورة ».
6- راجع : منتهى الوصول لابن الحاجب : 74 و 75 ، وشرح مختصر المنتهى 1 : 161.
7- منها ما في الكافي 1 : 67 و 68 ، باب اختلاف الحديث ، ح 10.

بإبلاغ الأحاديث إلى الناس (1). والأخبار الواردة بضبط كتب الأحاديث (2). فهذه الأخبار وإن لم تكن مستقلّة في إفادة الحجّيّة ؛ نظرا إلى أنّها لم تبلغ حدّ التواتر ، فلا شكّ في كونها مقوّية لها.

ومنها : قوله تعالى : ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (3).

وجه الاستدلال به : أنّه يدلّ على وجوب الحذر عند إنذار الطائفة من كلّ فرقة ، وهو (4) بعمومه يشمل الكثير والقليل ، فيصدق على الثلاثة قطعا إن لم يصدق على الاثنين ، فإذا لم يعتبر فيه عدد التواتر ، فبعضه (5) أولى بذلك ، وهذا يدلّ على وجوب العمل بخبر الواحد.

ثمّ الضمير في الأفعال الثلاثة وإن رجع إلى مجموع الطوائف ، والمراد من القوم وإن كان جميع من يصل إليه الإنذار منهم ، إلاّ أنّ المراد التوزّع - بأن يختصّ بإنذار كلّ بعض من القوم بعض من الطوائف ، قلّ أو كثر - لا الاجتماع ، وإلاّ بطل الفائدة. وهذا كما يقال : أمر السلطان بإرسال واحد من كلّ مائة ليقاتلوا أعداءه ؛ فإنّ الضمير في الفعل المذكور فيه وإن رجع إلى جميع الذاهبين ، إلاّ أنّ المقاتلة تحصل بكلّ واحد منهم. ولو كان عدد التواتر شرطا ، لوجب أن يقال : ولينذر كلّ واحد من الطوائف ، أو ما يحصل به التواتر كلّ واحد من القوم.

وغير خفيّ أنّ فهم وجوب الحذر من الآية لدلالتها على ذمّ عدم النفر والإنذار ، وهو موجب لوجوب الحذر ؛ ولامتناع (6) الترجّي على اللّه ، فحمل على الطلب ؛ لكونه لازما للترجّي ؛ فإنّ المترجّى طالب ، وعدم وجود مجاز أرجح منه.

والإيراد عليه (7) : بأنّه إذا امتنع يجب الحمل على أقرب المجازات وهو مطلق الطلب

ص: 232


1- منها ما في الكافي 1 : 403 ، باب ما أمر النبيّ صلى اللّه عليه وآله بالنصيحة ... ، ح 1 و 2.
2- منها ما في المصدر : 52 ، باب رواية الكتب ، ح 9 و 10.
3- التوبة (9) : 122.
4- أي كلّ فرقة ، أو لفظ فرقة.
5- أي إذا لم يعتبر في صدق لفظ « فرقة » عدد التواتر ، ففي صدق لفظ « الطائفة » التي هي بعض من الفرقة غير معتبر بطريق أولى.
6- هذا دليل آخر لفهم وجوب الحذر من الآية.
7- أي على الدليل الثاني. وضمير « امتنع » راجع إلى الترجّي.

دون الوجوب ، فاسد ؛ لأنّه لا معنى لجواز الحذر وندبه ، بل إن حصل موجبه وجب ، وإلاّ انتفى رأسا.

فإن قيل : الإنذار إن كان المراد منه الإخبار فلا يثبت منه وجوب الحذر مطلقا ؛ لأنّ الإخبار عن المباح والندب والمكروه لا يوجب وجوب الحذر ، وإن كان المراد منه التخويف - كما هو الظاهر منه - فلا يثبت منه إلاّ حجّيّة الخبر عن الواجب والحرام دون غيرهما من الأحكام ، فالمدّعى - وهو حجّيّة مطلق الخبر - أعمّ ممّا ثبت.

قلنا : نختار الثاني ، ونثبت حجّيّة الخبر عن غيرهما بالأولويّة ، وعدم القول بالفصل.

نعم ، قيل بالعكس في بعض الأخبار (1) كما يجيء (2).

والقول (3) بأنّه يمكن أن يكون المراد من الإنذار التخويف على ترك أو فعل ثبتا (4) بطريق القطع ، فإنّه يحصل للنفس منه خوف وإن كان من خبر واحد ، لا يلائم التفقّه ، كما لا يخفى.

فإن قيل : المراد من التفقّه معرفة الاصول ، أو الاجتهاد في الفروع ، فيكون المراد من الإنذار الفتوى ، ومن الحذر التقليد.

قلت : الأوّل خلاف المتبادر ؛ لأنّ العرف ما يفهم من التفقّه إلاّ معرفة الفروع ، وإن حمل على معناه اللغوي - أعني مطلق التفهّم - يثبت منه المطلوب.

والثاني غير صحيح ؛ لأنّ الاجتهاد والتقليد بالمعنى المصطلح إنّما حدثا بعد النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم والأئمّة ؛ لسدّ أبواب الفقه وعدم الظفر بمطلوبهم كما ينبغي. وأمّا في زمانهم وأمثاله ، فكان التمكّن حاصلا ، فلم يكن الاحتياج إليهما ، فيجب أن يكون المراد من التفقّه إمّا المعنى اللغويّ ، أو ما كان متعارف أصحاب النبيّ والأئمّة عليهم السلام ومن يليهم ، فيكون المراد من الإنذار إلقاء كلامهم ، ومن الحذر وجوب الاستماع له.

ص: 233


1- والمراد بها أخبار من بلغ التي تأتي في ص 261 ؛ فإنّ مضمون تلك الأخبار هو حجّيّة الخبر القائم على الاستحباب والمكروه ، وإثبات حجّيّة القائم على الوجوب والحرام بالأولويّة. والقائل به كلّ من قال بدلالة أخبار من بلغ على حجّيّة الخبر الضعيف في مورد الاستحباب والمكروه.
2- في ص 261.
3- قاله العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 384 ، والفاضل التوني في الوافية : 163.
4- والمناسب لكلمة « أو » هو إفراد الفعل.

وما قيل - بعد تسليم ما ذكر - : تكون الآية ظاهرة في حجّيّة خبر الواحد ، وهو لا يكفي ؛ لأنّ الظاهر لا يجري في الاصول (1) ، مدفوع بأنّ الظاهر يجب العمل به ، وإرادة خلافه قبيحة ، كما عرفت سابقا (2).

ثمّ ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الضمير في الفعلين يعود إلى المتخلّفين من المؤمنين بعد نفور الطوائف منهم إلى الجهاد ، والضمير في « رجعوا » يعود إلى الطوائف (3). فالمراد أنّه يجب نفر طائفة من كلّ فرقة إلى الجهاد ، وتخلّف الباقي لأجل التفقّه في الدين بسماعهم ما يتجدّد من النصوص ، واستنباط الأحكام منها حتّى إذا رجع النافرون إليهم من السفر ، أو في الأحكام والحوادث ، أنذروهم.

واحتجّ : بأنّ صدر الآية دالّ على هذا ، وهو قوله تعالى : ( وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ) (4) أي إلى الجهاد (5).

وهذا خلاف الظاهر ، فيجب الحمل على ما ذهب إليه الأكثر. ولا ينافيه صدر الآية ، كما لا يخفى.

ومنها : قوله تعالى : ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ) (6) أمر بالتبيّن عند مجيء الفاسق ، فيدلّ على أنّ العدل بخلافه ؛ عملا بمفهوم الشرط وهو منحصر في القبول - وهو المطلوب - والردّ ، فيلزم كونه أسوأ حالا من الفاسق وهو باطل. والمفهوم وإن كان أعمّ من مجيء العدل ؛ لكونه عدم مجيء الفاسق ، لكنّه فرد منه وهو كاف للمطلوب.

والإيراد عليه بمنع حجّيّة مفهوم الشرط (7) ، ضعيف كما ستعلم (8).

واورد عليه : بأنّه نزل في وليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى

ص: 234


1- قاله ابن الحاجب في منتهى الوصول : 75 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 162.
2- في ص 195 - 196 ، الفصل 4.
3- نسبه الشيخ إلى قتادة والضحّاك وابن عبّاس في التبيان 5 : 321 ، ذيل الآية 122 من التوبة (9).
4- التوبة (9) : 122.
5- راجع التبيان 5 : 321.
6- الحجرات (49) : 6.
7- راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 1 : 399 ، ومنتهى الوصول لابن الحاجب : 75 ، ومعارج الاصول : 145.
8- راجع ج 2 ، ص 857 في مفهوم الشرط.

بني المصطلق ، فلمّا دنا ديارهم ، ركبوا مستقبلين له ، فظنّ أنّ ركوبهم لمقاتلته ، فرجع وأخبر النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم بأنّهم ارتدّوا ، فالأمر بالتبيّن إنّما هو في هذا الخبر لا في مطلقه. وأيّده بأنّ التعليل الواقع فيه يجري فيه وفي أمثاله (1).

وجوابه : أنّ تخصّص السبب لا يدلّ على تخصّص الحكم ؛ فإنّ مدار الاستدلال على اللفظ ، واللفظ هنا للعموم ؛ لأنّ التنكير في « فاسق » و « نبأ » للعموم ، وحمله على التعظيم - مع بعده - يرد عليه ما سنذكره (2). وليس المراد من التعليل الوقوع في الفساد المذكور ، بل عرضته. فالمطلوب أنّ قبول خبر الفاسق في عرضة هذا الفساد وشرفه ، كما يقال : لا تسافر وحدك ؛ فيضلّ عنك الطريق.

وأيضا إن حمل الآية على المورد بأن يكون المراد منه إن جاءكم مثل الوليد بمثل هذا النبأ الذي يستلزم قبوله قتل النفوس وأمثاله ، فتبيّنوا خوف أن تصيبوا ... ، فيدلّ بالمفهوم على عدم التثبّت في نبأ لا يكون الجائي به مثل الوليد ، أولا (3) يشتمل على مثل هذا الفساد ، فإمّا يجب ردّه وهو ظاهر البطلان ؛ للزوم ردّ خبر عادل يستلزم ردّه قتل النفوس وأمثاله ، فيلزم كون العدل أسوأ حالا من مثل الوليد ، أو قبوله. فمع عدم القول به يندرج فيه المطلوب (4).

واعترض عليه أيضا : بأنّ العمل بالمفهوم لا يصحّ في المورد ؛ لعدم قبول خبر العدل في الردّة (5) ، فغيره أولى بذلك ، فيلزم أن يكون المراد ب- « فاسق » أحدا أو رجلا حتّى ينتظم معنى الآية. والتعبير عنه بالفاسق للإشعار بكون المخبر فاسقا (6).

والجواب : أنّه مخصّص من عموم المفهوم بدليل من خارج ، والقول به أولى من صرف

ص: 235


1- أورده الشيخ في العدّة في أصول الفقه 1 : 112. والقصّة مذكورة في أسباب النزول للواحدي :1. 269.
2- في هامش « أ » : « لقوله : وأيضا إن حمل الآية على المورد إلى آخره ».
3- في « ب » : « ولا ».
4- توضيحه : أنّ المأخوذ في المنطوق أمران : فسق المخبر ، وكون النبأ مهمّا. فللمفهوم عند وجود النبأ ثلاث صور : كون المخبر عادلا والنبأ مهمّا أو غير مهمّ ، وكون المخبر فاسقا والخبر غير مهمّ ، فيدلّ المفهوم على حجّيّة الخبر في الصور الثلاث ، والمطلوب هو القسمان الأوّلان ، والثالث خارج ؛ ولذا قال المصنّف رحمه اللّه : « فمع عدم القول به - أي بعموم المفهوم - يندرج فيه المطلوب ».
5- في « ب » : « الردّ ».
6- قاله العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 391 - 392 ، باب في السنّة.

الكلام عن حقيقته (1) ، فاللازم إبقاء اللفظ على الوصفيّة وإرادة العموم منه ، ومن نبأ ، ومن المفهوم ، إلاّ فيما ثبت المخصّص. والتأمّل في جواز التخصيص في المورد دون غيره مجرّد استبعاد ؛ فإنّه كما يجوز تخصيص العامّ ببعض أفراد المورد أو كلّها ، وإخراج ما عداه عنه (2) ، فكذا يجوز تخصيصه ببعض أفراد غيره أو كلّها ، وإخراج ما عداه عنه ، ولا بدّ لنفيه من دليل.

ثمّ الاستدلال على المطلوب بهذه الآية من مفهوم الشرط لا الصفة - كما توهّم (3) - لأنّه علّق وجوب التبيّن على مجيء الفاسق بالخبر. فهذا المجيء الخاصّ هو الشرط والعلّة ، فبانتفاء كلّ جزء منه ينتفي الجزاء. وليس الشرط هو مطلق المجيء ، أو مطلق المجيء بالخبر حتّى يقال : فهم انتفاء الجزاء عند انتفائهما من باب مفهوم الشرط ، وفهم انتفائه عند انتفاء مجيء الفاسق بالخبر ، ومجيء العدل به من باب مفهوم الصفة ، ولذا لو قيل : « إن جاءك العلماء (4) فأكرمهم » يعلم انتفاء إكرام غيرهم من مفهوم الشرط ، ولو قيل : « أكرم العلماء » يعلم انتفاء إكرام غيرهم من مفهوم الصفة.

هذا ، مع أنّا نعلم أنّ الصالح للعلّيّة فيما نحن فيه ليس إلاّ إخبار الفاسق ؛ لمناسبته للتثبّت ، واقترانه معه.

ومنها : قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى ) (5) الآية. أوعد على كتمان ما أنزل من البيّنات والهدى ؛ فيجب الإظهار ، والمسموع من النبيّ والأئمّة عليهم السلام من الهدى ؛ فيجب إظهاره (6) ؛ فيجب العمل به ، وإلاّ لم يكن للإظهار فائدة (7).

والإيراد (8) عليه : بأنّ المتبادر من « ما أنزل » القرآن ، ومع التسليم أين وجوب العمل؟ لا يخلو عن تأمّل.

ص: 236


1- وهو إرادة أحد أو رجل من الفاسق.
2- في « ب » : « منه ».
3- توهّمه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 2 : 71.
4- في « ب » : « فاسق العلماء ».
5- البقرة (2) : 159.
6- لم يرد في « ب » : « فيجب إظهاره ».
7- ذكره العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 393.
8- أورده السيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 535.

وهنا وجوه أخر من الأدلّة (1) تركناها ؛ لعدم تماميّتها.

واحتجّ الخصم : بوجوه ضعيفة عمدتها وجهان :

أوّلهما : قوله تعالى : ( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (2) و ( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) (3) ، ونحو ذلك من الآيات (4) الدالّة على ذمّ اتّباع الظنّ. ولا ريب أنّ خبر الواحد لا يفيد إلاّ الظنّ ، فلا يجوز اتّباعه (5).

وجوابه : أنّ ظنّ المجتهد من أخبار الآحاد وسائر الأدلّة مخصّص بالإجماع ، كما عرفت (6) مرارا. على أنّ الظاهر من الظنّ في آيات الذمّ اختصاصه بالظنّ في الاصول ؛ لأنّها وردت ذمّا للكفّار ، وهذا يتأتّى في آية النهي (7) أيضا.

وأجاب بعضهم (8) : بالانتقاض بوجوب العمل بالظنّ في تفاصيل المجملات (9) التي علم وجوبها عقلا من الامور الدنيويّة ، كخبر العدل في كون أسد على الطريق ، أو مضرّة شيء معيّن ، أو انكسار جدار مشرف على الانهدام ؛ فإنّه لمّا وجب عقلا اجتناب المضارّ إجمالا ، وجب عقلا اجتناب تفاصيله كالامور المذكورة ، ويجب العمل بالظنّ فيها ، ولذا لو لم يحترز عنها بخبر واحد يذمّه العقلاء.

أقول : بعض من قال بوجوب العمل بخبر الواحد عقلا احتجّ به عليه ، وقال : قد بعث النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم لجلب المنافع ودفع المضارّ ، ومضامين أخبار الآحاد تفاصيل لهما ، وهي تفيد الظنّ ؛ فيجب العمل بها ، كما يجب به في الامور المذكورة (10).

ص: 237


1- راجع : الذريعة إلى أصول الشريعة 2 : 531 - 534 ، والإحكام في أصول الأحكام 2 : 71.
2- الإسراء (17) : 36.
3- النجم (53) : 28.
4- منها : قوله تعالى : ( وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) ، البقرة (2) : 169.
5- حكاه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأصول 3 : 411 - 413.
6- في ص 32.
7- وهي قوله تعالى : ( وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) ، الإسراء (17) : 36.
8- لعلّ المراد بهذا البعض هم : البصري في المعتمد 2 : 106 و 107 ، وابن الحاجب في منتهى الوصول : 76 ، والقاضي عضد الدين في شرح مختصر المنتهى 1 : 163.
9- أي مصاديق القواعد العقليّة.
10- قاله البصري في المعتمد 2 : 107.

والمدّعى وإن كان حقّا عندنا - فإنّه يجب العمل بخبر الواحد عقلا ، كما ثبت من الدليل الأوّل (1) ، ونقلا كما ثبت من باقي الأدلّة - إلاّ أنّ هذا الدليل (2) لا يخلو عن تأمّل ؛ لإمكان منع وجوب العمل بالظنّ في تفاصيل ما يجب قطعا ، بل العمل به فيها (3) أولى ؛ للاحتياط. على أنّه ربما يكون الاحتياط ترك العمل به ، كما إذا احتمل العمل به مضرّة. فهذا النقض غير وارد ، كما أنّ النقض بالشهادة والفتوى (4) أيضا كذلك ؛ لإمكان أن يقال : إنّهما مخصّصان بدليل من خارج.

وثانيهما : إصرار المرتضى رحمه اللّه في نفي حجّيّته ، وادّعاؤه الإجماع عليه. وذكر أنّ شيوخ الطائفة ورؤساءهم قد ملئوا الطوامير ، وسطّروا الأساطير في الاحتجاج عليه والنقض على من خالفهم ، وصرّح بأنّهم يعلمونه بديهة ، كما يعلمون بطلان القياس (5). وقد كرّر أمثال هذه العبارات في كتبه ، ولو لم يتّضح له لما أصرّ بهذه المثابة.

وجوابه : أنّ كلامه معارض بما ذكره الشيخ من المبالغة ، ودعوى الإجماع على خلافه (6). وكيف يسمع دعوى الضرورة في أنّ الإماميّة ينكرون العمل بخبر الواحد ، مع أنّا نعلم قطعا أنّ معظمهم يعملون به؟!

وأيضا لا شبهة في بقاء التكليف ، فإن اكتفي فيه بالظنّ ، فهو حاصل من خبر الواحد ، وإلاّ يلزم التكليف بالمحال ؛ لعدم إمكان تحصيل القطع في شيء من مضامين أخبار الآحاد.

والقول بأنّ معظم الفقه يعلم بالضرورة ، والتواتر ، و (7) الإجماع - كما قال المرتضى رضى اللّه عنه (8) - ضعيف ؛ لضرورة العلم بخلافه.

ص: 238


1- تقدّم في ص 229 ومرّ الباقي فيما بعدها.
2- والمراد به هو النقض.
3- في « ب » : « فيهما ».
4- راجع معارج الاصول : 142.
5- راجع جوابات المسائل التبّانيّات ( ضمن رسائل الشريف المرتضى / ج 1 ) : 24.
6- راجع العدّة في أصول الفقه 1 : 126.
7- في « ب » : « أو ».
8- حكاه عنه الشيخ حسن في معالم الدين : 196 ، ولم أجده في كتبه.

هذا ، مع أنّ دعوى الإجماع من السيّد خبر واحد ، والعمل به مناف لغرضه (1).

وإذا عرفت ذلك تعلم أنّ الحقّ وجوب العمل بخبر الواحد بالشروط الآتية ، وإن لم ينضمّ إليه القرائن المفيدة للعلم.

وكيفيّة التفريع ظاهرة.

فائدة

الحقّ أنّ الشيخ ما اعتبر في حجّيّة خبر الواحد انضمام القرينة ، بل يعمل بالخبر العاري عنها أيضا ، كما قال في العدّة :

فأمّا ما اخترته من المذهب - يعني العمل بخبر الواحد - : فهو أنّ خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا ، وكان مرويّا عن النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم أو (2) عن الأئمّة عليهم السلام ، وكان ممّن لا يطعن في روايته ، ويكون سديدا في نقله ، ولم يكن هناك قرينة تدلّ على صحّة ما تضمّنه الخبر - لأنّه إذا كان هناك قرينة تدلّ على صحّة ذلك ، كان ذلك باعتبار القرينة ، وكان موجبا للعلم كما يذكر فيما بعد - جاز العمل به.

والذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة المحقّة ؛ فإنّي وجدتها مجتمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ، ودوّنوها في اصولهم ، لا يتناكرون ذلك ، ولا يتدافعونه (3). انتهى.

ولكلامه هذا ذيل ، في مواضع (4) منه أيضا دلالة على المطلوب ، وكذا في كلماته الأخر أيضا في العدّة (5) ، وفي ديباجة الاستبصار ؛ حيث قال - بعد ذكر القرائن الأربع

ص: 239


1- الضمير راجع إلى الخصم أي منكر حجّيّة خبر الواحد ، لا السيّد ؛ فإنّ السيّد محصّل للإجماع ، وعدم حجّيّة خبر الواحد عنده مقطوع به ، وأمّا بالنسبة إلى غيره فهو غير مفيد ؛ لأنّه الإجماع المنقول بخبر الواحد ، بل يلزم من قبوله نقض غرضه.
2- في « ب » : « و ».
3- العدّة في أصول الفقه 1 : 126.
4- من تلك المواضع قوله في العدّة في أصول الفقه 1 : 136 : « فعلم أنّ ادّعاء القرائن في جميع هذه المسائل دعوى محالة » ، وقوله : « ومن ادّعى القرائن ... ». وقوله : « ومن قال عند ذلك ... ».
5- منها قوله في العدّة في أصول الفقه 1 : 116 : « والثاني : أنّا سلّمنا أنّهم عملوا ... » يعلم من هنا أنّ محلّ النزاع بين القائل بحجّيّة الخبر ، والقائل بعدمها هو الخبر المجرّد عن القرينة ، وهو المطلوب هنا. ومنها قوله في العدة في أصول الفقه 145:1: «فمتی تجرد الخبر...».

المفيدة للعلم على ما ذكرنا - :

كلّ خبر لا يكون متواترا ويتعرّى من واحد من هذه القرائن ، فإنّ ذلك خبر واحد ، ويجوز العمل به على شروط ، فإذا كان خبر لا يعارضه خبر آخر ، فإنّ ذلك يجب العمل به ؛ لأنّه من الباب الذي عليه الإجماع في النقل ، إلاّ أن يعرف فتاويهم بخلافه ، فيترك لأجلها العمل به (1). انتهى.

ولا ينافيه ما في ديباجة التهذيب حيث اشترط فيها انضمام القرائن إليه في صحّة العمل (2) ؛ لأنّ مراده بها فيها صحّة الأسانيد ، أو وجود الخبر في اصول الأصحاب ، لا القرائن المفيدة للعلم ، وإلاّ لزم التناقض في كلامه.

ومنه يعلم أنّه لا ينافي ما ذكرنا ما يقول الشيخ كثيرا في التهذيب والاستبصار في مقام ردّ الأخبار : أنّها أخبار آحاد لا توجب علما وعملا (3) ؛ لأنّ المراد أنّها لم يوجد معها الشروط التي يجب مراعاتها ، كصحّة الأسانيد ، أو وجودها في الاصول ، أو عدم مخالفتها لعمل الطائفة وأمثالها.

وإذا عرفت أنّ الشيخ لم يعتبر في حجّيّة خبر الواحد اقترانه بالقرائن المفيدة للعلم ، تعلم أنّ المخالفة بينه وبين المرتضى رحمه اللّه معنويّة ؛ لأنّه اعتبره فيها.

وبهذا يظهر ضعف ما ذكره بعض المتأخّرين من أنّ الإنصاف أنّه لم يتّضح عن حال الشيخ وأمثاله المخالفة للمرتضى ؛ إذ كانت أخبار الأصحاب يومئذ قريبة العهد بزمان لقاء المعصومين ، واستفادة الأحكام منهم ، وكانت القرائن العاضدة لها ميسّرة ، كما أشار إليه السيّد (4) ، ولم يعلم أنّهم اعتمدوا على الخبر المجرّد لتظهر مخالفتهم له (5).

ثمّ أيّد كلامه بما ذكره المحقّق (6) من أنّ الشيخ وإن قال بوجوب العمل بخبر العدل ، إلاّ أنّه يتبيّن عند التحقيق أنّه لا يعمل بالخبر مطلقا ، بل بهذه الأخبار التي رويت عن الأئمّة عليهم السلام

ص: 240


1- الاستبصار 1 : 4.
2- تهذيب الأحكام 1 : 3.
3- تهذيب الأحكام 1 : 242 ، ذيل الحديث 697 و 698 ، والاستبصار 1 : 92 ، ذيل الحديث 295.
4- تقدّم في ص 238.
5- قاله الشيخ حسن في معالم الدين : 197 و 198. وفيه : « لتظهر مخالفتهم لرأيه فيه ».
6- معارج الاصول : 147.

ودوّنها الأصحاب ، لا أنّ كلّ خبر يرويه الإمامي يجب العمل به (1) ، وذلك لما عرفت من تصريح الشيخ بعدم اعتبار القرائن المفيدة للعلم.

والتأييد الذي ذكره لا يدلّ على مطلوبه أصلا ؛ لأنّ وجوده في اصول الأصحاب لا يوجب إفادة العلم ، وإلاّ لم يحصل هذا الاختلاف بينهم حتّى أنّ كثيرا ما يناقض واحد منهم نفسه في كتابين ، بل في كتاب واحد. فالحقّ أنّهم أيضا كانوا مثلنا في عدم تمكّنهم لتحصيل القرائن المفيدة للعلم إلاّ في قليل.

نعم ، هذا التمكّن كان حاصلا لأصحاب الأئمّة عليهم السلام.

فصل [11]

للعمل بخبر الواحد شرائط أكثرها يتعلّق بالراوي ، وبعضها يتعلّق بغيره.

والثاني ثلاثة أمور :

الأوّل : وجوده في أحد الكتب المعتبرة للشيعة ، كالكتب الأربعة ، أو غيرها ممّا ثبت حجّيّته عندنا.

والثاني : عدم وجود معارض أقوى منه من الآيات ، أو الأخبار ، أو الأدلّة العقليّة ، أو الإجماعات المنقولة. ولعلّك تعرف تفصيل ذلك في موضعه (2).

والثالث : عدم مخالفته لعمل الأصحاب ، فلو لم يعمل به أحد من الأصحاب لا يجوز العمل به ، كما ورد أنّ المستحاضة إذا أخلّت بالأغسال تقضي صومها دون صلاتها (3).

ولو كان مخالفا للشهرة يجوز العمل به بشرط أن يكون الظنّ الحاصل منه أقوى من الظنّ الحاصل منها ، ولو عكس لا يجوز (4) ؛ لعدم جواز ترجيح المرجوح ، وهو يختلف باختلاف المرجّحين ، وملاحظة القرائن الخارجيّة.

ص: 241


1- قاله الشيخ حسن في معالم الدين : 197 و 198. وفيه : « لتظهر مخالفتهم لرأيه فيه ».
2- راجع ج 2 ، ص 973 ، في التعادل والتراجيح.
3- الفقيه 2 : 144 ، ح 1991.
4- في « ب » : « لم يجز ».

وأمّا الأوّل ، فامور :

منها : العقل ، فلا يقبل رو