نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله

هوية الکتاب

نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول لمؤسسة علوم نهج البلاغة ومرکز دراسات الکوفة

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية 1206 لسنة 2018 م مصدر الفهرسة: IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda رقم تصنيف BP38.02.M8 N5 2018 LC المؤلف المؤتمر: المؤتمر العلمي الوطني المشترك (1: 2016: كربلاء، العراق). العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله / بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة. بيانات الطبع: الطبعة الاولى. بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة. الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم. سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386). سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية؛(1).

تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الاخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي. تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية. موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359-406 للهجرة - نهج البلاغة، عهد مالك الاشتر. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - قضائه - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (علیه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات. موضوع شخصي: مالك بن الحارث الاشتر النخعي، توفي 39 للهجرة - نقد وتفسير.

مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام - مؤتمرات.

ص: 1

المجلد 1

اشارة

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية 1206 لسنة 2018 م مصدر الفهرسة: IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda رقم تصنيف BP38.02.M8 N5 2018 LC المؤلف المؤتمر: المؤتمر العلمي الوطني المشترك (1: 2016: كربلاء، العراق). العنوان: اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول: نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله / بيان المسؤولية: الذي اقامته مؤسسة علوم نهج البلاغة، مركز دراسات الكوفة. بيانات الطبع: الطبعة الاولى. بيانات النشر: كربلاء، العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة. الوصف المادي: 10 جزء ببليوجرافي في 10 مجلد مادي؛ 24 سم. سلسلة النشر: العتبة الحسينية المقدسة؛ (386). سلسلة النشر: مؤسسة علوم نهج البلاغة، 141 سلسلة المؤتمرات العلمية؛(1).

تبصرة محتويات: المجلد 1، 2: المحور القانوني والسياسي - المجلد 3، 4: المحور الاداري والاقتصادي - المجلد 5: المحور الاجتماعي والنفسي - المجلد 6، 7، 8: المحور الاخلاقي وحقوق الانسان - المجلد 9، 10: المحور اللغوي والادبي. تبصرة ببليوجرافية: يتضمن ارجاعات ببليوجرافية. موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359-406 للهجرة - نهج البلاغة، عهد مالك الاشتر. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في بناء الدولة - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في الحكم - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - سياسته وحكومته - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - قضائه - مؤتمرات. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (علیه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة 40 - للهجرة - نظريته في التعايش السلمي - مؤتمرات. موضوع شخصي: مالك بن الحارث الاشتر النخعي، توفي 39 للهجرة - نقد وتفسير.

مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام - مؤتمرات.

مصطلح موضوعي: الاسلام والدولة - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: النظام الاداري في الاسلام - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والاقتصاد - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والتعايش السلمي - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام والمجتمع - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: الاسلام وحقوق الانسان - مؤتمرات. مصطلح موضوعي: اللغة العربية - بلاغة - مؤتمرات.

مؤلف اضافي: شرح ل (عمل): الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359-406 للهجرة - نهج البلاغة. عهد مالك الاشتر. اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة (كربلاء، العراق). مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة. اسم هيئة اضافي: مركز دراسات الكوفة (النجف، العراق).

عنوان اضافي: عهد مالك الاشتر.

تمت الفهرسة قبل النشرة مكتبة العتبة الحسينية

ص: 2

سلسلة المؤتمرات العلمية (1) نظام الحكم وادارة الدولة في ضوء عهد الامام امير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رحمه الله اعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الاول لمؤسسة علوم نهج البلاغة ومرکز دراسات الکوفة لسنة 1438 ه - 2016 م (المحور القانوني والسياسي) الجزء الأول إصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة

ص: 3

جميع الحقوق محفوظة للعتبة الحسينية المقدسة الطبعة الأولى 1439 ه - 2018 م العراق: كربلاء المقدسة - شارع السدرة - مجاور مقام علي الاكبر (عليه السلام) مؤسسة علوم نهج البلاغة هاتف: 07728243600 07815016633 الموقع الالكتروني: www.inahj.org الايميل: Inahj.org@gmail.com تنويه:

إن الآراء والأفكار الواردة في هذا الكتاب تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسينية المقدسة

ص: 4

المقدمة

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم والصلاة والسلام على خير النعم وأتمها محمد وآله الأطهار الأخيار.

أما بعد:

إنّ مما يمر به وطننا اليوم من تحديات عسيرة، ومخاطر محدقة، ليدعونا جميعاً إلى تكثيف الأبحاث العلمية، وتدارس المظاهر السلبية، وتشخيص مواضع الخلل، وتفعيل العمل، واستنهاض الهمم لدى المفكرين والباحثين والمكلفين بإدارة البلد، من ولاة وسياسيين ومسؤولين.

وإن خير ما يأخذ بيد قادة هذا البلد ويسهم في تحقيق النهوض بوطننا الحبيب، هو دراسة الدستور الذي وضعه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) في عهده لواليه على مصر مالك الأشتر (رضی الله عنه)، فقد كان بحق مفخرة التراث العلمي الإسلامي في إدارة الدولة واستصلاح الرعية وعمارة البلد. ولإدراك هذا السفر الخالد؛ فقد حرصت مؤسسة علوم نهج البلاغة التابعة للأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة، ومركز دراسات الكوفة التابع لرئاسة جامعة الكوفة الموقرة على إقامة مؤتمر علمي وطني مشترك عن هذا العهد وفقاً لمحاور بحثية تتضمن جملة من الحقول المعرفية وهي: (القانون والسياسة، الإدارة والاقتصاد، الاجتماع والنفس، الأخلاق وحقوق الإنسان، اللغة والأدب)

وقد وصلت بحمد الله تعالى عدد البحوث المشاركة مائة وثمانية وعشرون (128) بحثاً موزّعة على المحاور الخمسة ضمن الأعداد الآتية:

1- المحور القانوني والسياسي (24) بحثاً

2-المحور الإداري والاقتصادي (22) بحثاً.

3- المحور الاجتماعي والنفسي (14) بحثاً.

4- المحور الأخلاقي وحقوق الإنسان (33) بحثاً.

5- المحور اللغوي والأدبي (35) بحثاً.

والله ولي التوفيق.

السيد نبيل الحسني الكربلائي عن: اللجنة التحضيرية

ص: 5

شعار المؤتمر:

(عهد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) لمالك الأشتر (رضی الله عنه) رسالة إصلاح ودستور حياة).

جدوى المؤتمر:

1. رسم السياسة العامة للدولة العراقية عبر البعد الاستراتيجي لإدارة الحكم في فكر أمير المؤمنين (علیه السلام) من خلال عهده لمالك الأشتر (رضی الله عنه).

2. استنباط المعرفة العلمية، وجعل العهد مورداً لها وتطبيقها على المجتمع المعاصر.

3. إدراك المعرفة التنظيمية للفرد والمجتمع من استنطاق العهد، فهو صالح لكل الأقوام والأزمان. 4. التأكيد على عالمية العهد، وتوسيع دائرة مصاديقه، إذ إنه دستور حياة، ومنطق إصلاح.

أهداف المؤتمر:

1. استلهام البعد الاستراتيجي والعالمي في فكر أهل البيت (علیهم السلام) من خلال قراءة التراث قراءة معاصرة.

2. استظهار سبل البناء التقوائي الذي سنّه أمير المؤمنين (علیه السلام) لمن كلّف بإدارة البلد وقيادته.

3. تنضيج الرؤى الأكاديمية حول مؤسسات الدولة العراقية وإصلاح المنظومات الإدارية والمالية والسياسية فيها.

4. التلاقح الفكري والمعرفي بين العلماء والمفكرين وأساتذة الجامعات من داخل العراق وخارجه.

ص: 6

اللجنة العلمية:

1. أ. د. حسين لفته حافظ

2. أ. د. أكرم محسن الياسري

3. أ. د. رضا صاحب أبو حمد

4. أ. د. أياد عبد الحسين الخفاجي

5. أ. م. د. صباح صاحب العريض

6. م. د. د. عدنان عاجل عبيد

7. أ. م. د. علي عبد الفتاح الحاج فرهود

8. أ. م. د. علي عباس الأعرجي

9. م. د. د. عدنان مارد جبر

10. أ. م. د. شكيب غازي بصري

اللجنة التحضیریة

1. السيد نبيل قدوري حسن الحسني رئيساً

2. أ. م. د. فكري جواد عبد عضوا

3. أ. م. د. فهد نعيمة مخيلف عضواً

4. أ. م. د. عقيل جاسم دهش العذاري عضواً

5. أ. م. د. ليث قابل الوائلي عضواً

6. أ. م. د. منير عباس عبد الكاظم عضواً

7. أ. م. د. حيدر غانم عبد الحسن عضواً

8. م. د. لواء عبد الحسن عطية عضواً

9. م. د. علي زهير هاشم الصراف عضواً

10. م. د. محمد علي محمد رضا الحكيم عضواً

ص: 7

محاور المؤتمر:

أولاً: المحور القانوني والسياسي:

- المبادئ القانونية والدستورية في ضوء العهد.

- أسس العلاقة بين السلطة والشعب - جدلية الحقوق والواجبات - في ضوء العهد.

- آلیات اختیار ذوي المناصب العامة في الدولة في ضوء العهد.

- سلطات الحاكم ومهامه الوظيفية في ضوء العهد.

- العلاقة بين المركز والإقليم - نظام الولايات - في ضوء العهد.

- استقلال القضاء وآليات اختيار القضاة في ضوء العهد.

- المبادئ الجنائية والعقوبات الجزائية في ضوء العهد.

ثانياً: المحور الإداري والاقتصادي:

- إدارة الدولة في ضوء النظرية الإسلامية والنظم الإدارية المعاصرة.

- التنمية الاقتصادية في ضوء العهد.

- إدارة الموارد البشرية في ضوء العهد.

- استثمار الموارد الطبيعية في ضوء العهد.

ص: 8

ثالثاً: المحور الاجتماعي والنفسي:

- العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في ضوء العهد.

- التعايش السلمي وحسن الجوار في ضوء العهد.

- القيم السلوكية والمحددات النفسية في ضوء العهد.

رابعاً: المحور الأخلاقي وحقوق الإنسان:

- البناء التقوائي والقيمي للراعي قبل الرعية في ضوء العهد.

- مبادئ حقوق الإنسان في ضوء العهد.

- بناء المنظومة القيمية في المجتمع من خلال العهد.

- حق المواطنة والحريات العامة في ضوء العهد.

خامساً: المحور اللغوي والأدبي:

- عهد الإمام علي (علیه السلام) لمالك الأشتر (رضی الله عنه) في ضوء النظريات اللسانية والنقدية المعاصرة.

ص: 9

ص: 10

حُرمة الدماء في العهد العلوي

اشارة

أ. د. ساجد أحميد عبل الركابي أ. م. د. تيسير أحميد عبل الركابي كلية القانون والسياسة جامعة البصرة

ص: 11

ص: 12

مقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابة المنتجبين...

وبعد... فأن مسألة (الدماء) من المسائل المهمة في دين التسامح والمساواة والعدل (الإسلام)، وقد دفعت البشرية دمائها الغزيرة ولا زالت جراء الجور والظلم والأرهاب والعنف، فللدماء حرمة في دين الإسلام أكدتها الآيات القرآنية الكريمة والسُنة النبوية المطهّرة وسيرة آل البيت النبوي الأطهار عليهم الصلاة والسلام.

ولعل أهمية الموضوع تنبع مما يواجهه المسلمون في بلادهم من اراقة الدماء وسفكها مع ماظهر من دعاوى التكفير والأرهاب من جماعات تدعي الإسلام منهجاً لها، فضلاً عن اشكال الأضطهاد والظلم والتنكيل الذي تمارسة أنظمة حاكمة يقودها مسلمون، مما أساء إلى صورة الإسلام وشوّه سمعة المسلمين في العالم، فصّورت وسائل الأعلام الغربي والمعادي أمة الإسلام على أنها أمة تسترخص الدماء وتستهين بإنسانية الإنسان(1).

إن من المبادى الإسلامية الهامة على المتسوى الإنساني مبدأ عصمة الدماء والنفوس والأعراض وحرمتها، فالقاعدة الإساسية في الإسلام هي محقونية الدماء وعصمتها بغض النظر عن هوية اصحابها المذهبية والدينية، لأن القتل وسفك الدماء قبيح في

ص: 13

حكم العقل والعقلاء بإعتباره مصداقاً واضحاً للظلم وهو مما أستقل العقل بقبحه، وأما في شريعة السماء فأن حفظ النفوس من أهم المقاصد التي هدفت الشريعة الغراء إلى تحقيقها(2).

لقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) تجسيداً حياً لروح الإسلام ومبادئه الإنسانية السامية، التي تضمنها القرآن المجيد والسُنة النبوية المطهرة، وقد مثلَّ في عهده (عليه السلام) إلى من ولاه مصر، مالك بن الحارث الأشتر النخعي عام (38 ه / 658 م) أسس الحكم الرشيد العادل والذي تُقاس بِه مستويات صلاح أنظمة الحكم السياسية في كل مكان وزمان.

وإن كان هناك موضع للمقارنة، مع ما وضعتهُ البشرية في سلسلة تطورها وإرتقائها القانوني متمثلاً في المواثيق والعهود والمعاهدات التي نادت بحقوق الإنسان ومنها حق الحياة ومنع الأعدام التعسفي والتطهير العرقي والأبادة الجماعية فأن ما تضمنه عهد الإمام علي (عليه السلام) من تحذير شديد ونهي وتحريم سفك الدماء الإ بحلها، حالة متقدمة، ولا شك في أن تلك العهود والمواثيق استمدت نصوصها وروحها من العهد، وهو يمثل تراثاً إنسانياً خالداً ضمن التراث القانوني والسياسي والحضاري العالمي والذي تستوحي منهُ نصوص وقواعد القانون الدولي العام مضامينها.

إن من ضرورات إقامة الحكم الصالح الذي يفتقد العالم وجوده، وتظهر الحاجة إليه في نواحي الحياة والوجود الإنساني، أن تستقي نصوص ذلك الحكم وشرعيته من المبادى التي أرسى مضامينها الحقيقية والواقعية أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في سنين خلافته القصيرة المضطربة الممزوجة بالأحداث الجسام (35 - 40 ه / 655 - 660 م)، وتلك التي سطرها في عهده إلى مالك بن الحارث

ص: 14

الأشتر النخعي (رضي الله عنه)، فلم تكن المبادى مجرد أفكار مثالية غير قابلة للتطبيق أو صادرة من شخص جلس وحيداً يفكر وينظر بعيداً عن احداث الزمان والمكان

إن الحالة المثلى للحكم الصالح الرشيد التي أوجدها أمير المؤمنين (عليه السلام) في العقل والوجدان والتاريخ الإسلامي هي المعالجة الواقعية لما تواجهه الأمة من أزمات تهدد كيانها ووجودها بالتدهور والإنحلال.

لذلك بات من الضروري البحث والدراسة لهذا الفيض الراقي للفكر الإنساني الذي مثلته نصوص العهد العلوي، وفي أحدى أهم مفاصله الممثلة في (حرمة الدماء) والتي وصف أثرها الكبير والخطير على الحكم، أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنها تُضعفه وتوهنه، بل تزيله وتنقله، وقد أثبتت وقائع التاريخ وأحداثه مصداقيته، مما يستدعي رعايته من قبل ولاة الأمر والساسة الذين تقع على عواتقهم مسؤولية إدارة أمور العباد وصلاح شوؤنهم، وتقتضي دراسة ماتقدم الخوض في المسائل الآتية:

1. أولاً: العهود والمواثيق الدولية.

2. ثانياً: القرآن المجيد.

3. ثالثاً: السنة النبوية.

4. رابعاً: العهد العلوي.

5. خامساً: حُرمة الدماء في العهد.

ص: 15

أولاً / العهود والمواثيق الدولية.

لم يكن الوصول إلى تشريع العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان وابرزها حق الحياة، أمراً يسيراً بل مرَّ بمخاض عسير دفعت ثمنه البشرية ضحايا جراّء الأنظمة الاستعمارية والظالمة والحروب التي زُجت في أتونها شعوباً وأمماً كثيرة وواجهت ويلات واحداثاً مروعة سُفكت فيها الدماء الغزيرة، وسقطت من جراءها ضحايا عديدة، وهُدمت وخُربت شواهد حضارية وثقافية ومدنية واستنزفت من خلالها ثروات طائلة، حتى وصلت البشرية إلى ما وصلت إليه من فقر شديد ومجاعات وانتهاكات لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، دفعت الضمير الإنساني إلى وضع قواعد قانونية دولية حاولت الحد من تلك الانتهاكات وعلاج واصلاح مايمكن إصلاحه وتفادي عدم تكرار تلك المآسي البشرية.

من الوثائق الدولية المهمة التي يمكن تلمس موضوع حق الحياة وعدم انتهاكه وسفك الدماء، الآتي:

أ. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (الجمعية العامة للأمم المتحدة 10 كانون الأول / ديسمبر 1948).

صدر الاعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي تسببت والحرب العالمية الأولى خلال النصف الأول من القرن العشرين، بملايين الاصابات واجتاح الموت والتدمير والتخريب آوربا وأفريقا وآسيا، وأستخدمت فيها الأسلحة الفتاكة التقليدية والبايلوجية والنووية، وقد عكست حقيقة الشر في النفس البشرية في أنظمة وحكومات الدول الأستعمارية والأنظمة السياسة التابعة لها.

وعلى الرغم من أن القوى العظمى التي خاضت الحرب وأنتصرت واسست

ص: 16

واوجدت منظمة الأمم المتحدة لتكون منظمة أممية قادرة على ضبط الصراعات الدولية والحيلولة دون حدوث حرب عالمية ثالثة مدمرة للبشرية مع تنامي صناعة الأسلحة النووية وتطوير وسائل ايصالها بأستخدام التقدم التقني والعلمي، فضلاً عن التنافس والصراع الدولي والاستعداد لأستخدامها مع بدء ظهور الحرب الباردة مابين الكتلتين الاشتراكية والرأسمالية، فأن تلك القوى أرادت أن تضع قواعد قانونية لحماية حقوق الإنسان وحرياته ومعالجة القضايا الخطيرة التي تواجه البشرية وأبرزها الصراعات والحروب الأهلية وأنتهاكات أنظمة الحكم الاستبدادية لحقوق شعوبها في الحياة وهي احدى نتائج الحرب الباردة والتنافس على مناطق النفوذ والهيمنة في العالم من قبل القوى الدولية نفسها وتوابعها من الدول والأنظمة الحاكمة.

وللاعتبارات الإنسانية التي تناولتها ديباجة ميثاق الأمم المتحدة بالقول: «نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف. فقد جاء الاعلان العالمي لحقوق الأنسان بعد ثلاث سنوات من صدور الميثاق وتأسيس الأمم المتحدة.(3) وتضمن الاعلان في أهم نصوصة، (المادة 3) ((لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه)).

وحق الحياة يعني حق الإنسان في حياة منحها الله له منذ ولادته حتى وفاته، ويتضمن هذا الحق السلامة الجسدية والنفسية وعدم انهاء الحياة بالقتل، أو بالاعدام أو التطهير العرقي و الإبادة الجماعية تُمارس من قبل النظام الحاكم دون اساس قانوني شرعي. إن هذه الممارسة كانت ولازالت موجودة في كثير من الدول والأمم والشعوب نتيجة الحكم الجائر والشمولي والظالم الذي يعاقب المواطنين بالاعدام والقتل الجماعي لأسباب عنصرية أو دينية أو طائفية أو سياسية.

ص: 17

وعلى هذا الأساس تضمن الاعلان، وكأمتداد لهذه المادة الأساس، تفاصيل تصب في هذا الحق، عبر النصوص الأخرى، ومنها (م 4) حظر الاسترقاق والاستعباد، (م 5) حظر التعذيب والعقوبة القاسية واللا إنسانية أو الحاطة بالكرامة، (م 6) الاعتراف بالشخصية القانونية، (م 7) المساواة امام القانون، (م 8) حق اللجوء إلى المحاكم الوطنية للإنصاف، (م 9) حظر اعتقال أي أنسان أو حجزه أو نفيه تعسفياً، (م 11) حق المحاكمة العادلة، (م 12) وحظر تعريض احد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون اسرته أو مسكنه أو مراسلاته فضلاً عن حقوق أخرى تضمنها الاعلان في مواده الثلاثين.

ب. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (الجمعية العامة للأمم المتحدة 16 كانون الأول / ديسمبر 1966).

تضمنت المادة (14) من العهد

((1- الناس جميعاً سواء امام القضاء. ومن حق كل فرد، لدى الفصل في أية تهمة جزائية توجه إليه أو في حقوقه والتزاماته في أية دعوى مدنية، أن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون.

2- من حق كل متهم بإرتكاب جريمة أن يعتبر برئياً إلى أن يثبت عليه الجرم)).

وتعتبر المادة ضمانة للإنسان لعدم تعرضه لاجراءات غير قانونية تبرر اعتقاله وسلب حريته أو إنهاء حياته دون محاكمة قانونية تتيح له دفع التهمة الموجهة إليه وممارسة حق الدفاع.

ص: 18

ت. ضمانات تكفل حماية حقوق الذين يواجهون عقوبة الإعدام (المجلس الأقتصادي والأجتماعي / الأمم المتحدة 25 آيار / مايو 1984).

يقصد بالاعدام إنهاء حياة الإنسان لأسباب قانونية كقيام الشخص بأرتكاب جرائم يعاقب عليها القانون بالاعدام، ويكون ذلك بحكم قانوني صادر من محكمة مختصة. وقد يكون هناك تعسف في استخدام النصوص العقابية القانونية لانهاء حق الإنسان بالحياة فتخرج عن نطاق الشرعية لأسباب سياسية غالباً، يتبعها النظام الحاكم أو مؤسساته وأجهزته القمعية، وعلى ضوء ماتقدم وضع المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة ضمانات لأولئك الذين يواجهون عقوبة الاعدام في الفقرات:

((1. في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام، لا يجوز أن تفرض عقوبة الاعدام إلا في أخطر الجرائم على أن يكون مفهوماً نطاقها ينبغي ألا يتعدى الجرائم المعتمدة التي تسفر عن نتائج مميتة أو غير ذلك من النتائج البالغة الخطورة.

2. لا يجوز فرض عقوبة الاعدام إلا حينما يكون ذنب الشخص المتهم قائم على دليل واضح ومقنع لا يدع مجالاً لأي تفسير بديل للوقائع.

3. لا يجوز تنفيذ عقوبة الاعدام إلا بموجب حكم نهائي صادر من محكمة مختصة بعد اجراءات قانونية توفر كل الضمانات الممكنة لتأمين محاكمة عادلة.

4. لكل من يحكم عليه بالاعدام الحق بالأستئناف لدى محكمة أعلى، وينبغي أتخاذ الخطوات الكفيلة بجعل هذا الأستئناف أجبارياً.

5. لكل من يحكم عليه بالاعدام الحق في ألتماس العفو، أو تخفيف الحكم، ويجوز منح العفو أو تخفيف الحكم في جميع حالات عقوبة الإعدام.

6. لا تنفذ عقوبة الإعدام إلا أن يتم الفصل في إجراءات الأستئناف أو أي أجراءات تتصل بالعفو أو تخفيف الحكم.

7. حين تحدث عقوبة الإعدام، تنفذ بحيث لا تسفر إلا عن الحد الأدنى من المعاناة.

ص: 19

ث. مبادى المنع والتقصي الفعالين لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة. (أوصى بها المجلس الأقتصادي والأجتماعي / الأمم المتحدة 24 آيار / مايو 1989).

1. نظراً لكثرة الإجراءات التعسفية من قبل أنظمة الحكم وأجهزتها القمعية والتي أشرت حالة لافتة من أحكام الإعدام الكثيرة ضد الخصوم السياسيين والمعارضة، في نهاية ثمانينات القرن العشرين، والتي شهدت نهاية الحرب الباردة وتحول أهتمام المجتمع الدولي نحو إقامة الديمقراطية وأحترام حقوق الإنسان وكأنها صحوة للضمير العالمي بإتجاة احترام حقوق الإنسان وخاصة حقهُ في الحياة والحد من حالات الإعدام التعسفي.

2. لذلك أوصى المجلس الأقتصادي والأجتماعي التابع للأم المتحدة بمبادى (المنع والتقصي) والتي جاء في (الاجراءات الوقائية) مايأتي: ((1. تحظر الحكومات، بموجب القانون جميع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام دون محاكمة، وتكفل إعتبار هذه العمليات جرائم بموجب قوانينها الجنائية، يعاقب عليها بعقوبات مناسبة تراعي خطورتها. ولايجوز التذرع بالحالات الأستثانية، بما في ذلك حالة الحرب او التهديد بالحرب، أو عدم الأستقرار السياسي الداخلي، أو أي حالة طوارىء عامة أخرى، لتبرير عمليات الإعدام هذه.

3. تحظر الحكومات على الرؤساء والسلطات العامة اصدار أوامر ترخيص لأشخاص أخرين اي نوع من أنواع الإعدام خارج نطاق القانون أو الإعدام التعسفي أو الإعدام دون محاكمة أو تحرضهم على ذلك)).

ص: 20

ج. أتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. (الجمعية العامة الأمم المتحدة 12 كانون الأول / ينايرا 1951).

تجاوزت حالات القتل والتجاوز على حق الحياة الحالات الفردية، لتصبح إبادة وقتل جماعي لمجموعات عرقية ودينية وسياسية معارضة للأنظمة السياسية مما يؤشر إزدياد حالات القمع وسفك الدماء غير القانونية أو خارج نطاق القانون، وهو الذي دفع المجتمع الدولي إلى الوقوف عندها وتوقيع اتفاقية بهذا الخصوص عام 1951، وتضمنت الأتي: ((م 2: في هذه الاتفاقية، تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو أثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه:

أ- قتل أعضاء من الجماعة.

ب- إلحاق اذى جسدي أو روحي خطير بأعفاء من الجماعة.

ج- إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يُراد بها تدميرها المادي كلياً أو جُزئياً.

د- فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

ه- نقل اطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى))

ص: 21

ح. في عقد التسعينات من القرن العشرين شهدت الإنسانية صراعات عرقية وعمليات تطهير وقتل جماعي في يوغسلافيا 1993 ورواندا 1994،

ونتج عنهُ إصدار أنظمة الحماية الجنائية لحقوق الإنسان متمثلة بالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الرواندا فضلاً عن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية 1998، ومنحت المادة(4) من نظام محكمة يوغسلافيا 1994 للمحكمة الدولية سلطة محاكمة الأشخاص الذين يرتكبون جريمة إبادة الأجناس، وهي حسب الفقرة(2) تعني ((أي فعل من الأفعال التالية يُرتكب بقصد القضاء كلياً أو جزئياً على جماعة وطنية أو أثنية أو عرقية أو دينية، بإعتبارها جماعة لها هذه الصفة)). والأفعال هي: قتل أفراد هذه الجماعة، وإلحاق ضرر بدني أو عقلي بالغ بأفراد الجماعة وأرغام الجماعة عمداً على العيش في ظروف يُقصد بها أن تؤدي كلياً أو جزئياً إلى القضاء عليها قضاءً مادياً، وفرض تدابير يُقصد بها منع التوالد في الجماعة، ونقل الأطفال قسراً إلى جماعة أخر.....)) وتضمنت المادة(5) الجرائم المرتكبة في حق الإنسانية وهي ((القتل، الإبادة، الأسترقاق، الأبعاد، السجن، التعذيب، الأغتصاب، الأضطهاد لأسباب سياسية أو عرقية أو دينية، فضلاً عن سائر الأفعال غير الإنسانية)).

وتكررت صيغ مواد محكمة يوغسلافيا في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا عام 1994 في المادتين الثانية والثالثة وتأكدت تلك النصوص الجنائية في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998 بتفاصيل أكثر في المادتين السادسة والسابعة.

ص: 22

ثانياً / القرآن المجيد.

على الرغم من كثرة وتعدد المواثيق والعهود والإتفاقيات الدولية التي أبدعت البشرية في صناعة قواعدها ونصوصها القانونية للحد من الصراعات والحروب وسفك الدماء والقتل الفردي والجماعي وجرائم إبادة الجنس والإبادة الجماعية والتطهير العرقي، إلا أنها لم تفلح في وضع حد لتلك الإنتهاكات وبقيت تلك النصوص إما عاجزة عن الإلمام والاستيعاب لكل حالات ارتكاب تلك الجرائم وتحديد عناصرها وأوصافها وتشريع القواعد الخاصة بمعالجتها، وإما أنها لم يتم تطبيقها على مَن اقترفوا هذه الجرائم وفرض أو أيقاع العقوبة عليهم، فضلاً عن استمرار ارتکاب تلك الجرائم بوتائر متصاعدة وهي في تزايد مستمر.

إن مَن يتفحص قواعد القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني يجد أنها، وإن اختلفت في الصياغات الشكلية، إلا أنها متفقة مع المسار العام للقواعد القانونية الإنسانية الرفيعة التي وجدت في الإسلام والتي تضمنت مبادی عالية الرفعة والسمو في احترام الإنسان وحقوقه، على وفق تشريع إلهي کامل لا يعتريه النقص صالح لكل زمان ومكان. إن أول مصدر لهذا التشريع الإلهي الحكيم هو القرآن المجيد، کلام الله المُنزّل على الرسول الكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن خلال الآيات الكريمة يمكن الإستدلال على كرامة الإنسان وإعلاء منزلتهِ وحرمة دمه وعرضه وماله والتأكيد على حق الحياة و دون المساس بها بأي حال من الأحوال، إلا في حالات وظروف يتسبب الإنسان في فعلها وأرتكابها فتكون عقاباً دنيوياً له.

لقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان، وأعلى منزلته في المخلوقات، وسخر لهُ مما خلق، فإستحق أن يتبوأ المكانة الرفيعة في هذه المعمورة(4) قال تعالى «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا

ص: 23

بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا»(5).

ذلك التكريم يقضي أيضاً وجوب الحفاظ على حُرمات الأموال والأعراض، فلا يجوز ينتهك شيئاً منها(6).

لقد ورد (سفك الدماء) في القرآن المجيد بقول الملائكة لله تعالى وتساؤلهم حين أخبرهم بخلافة الإنسان في الأرض بقوله تعالى «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ»(7).

لقد فهم الملائكة وقوع الفساد وسفك الدماء من قوله «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، (إذ أن الموجود الأرضي بما أنه مادي مركب من القوى الغضبية والشهوية، والدار دار التزاحم، محدودة الجهات، وافرة المزاحمات، مرکباتها في معرض الإنحلال، و انتظاماتها واصلاحاتها في مظنة الفساد ومصب البطلان، لاتتم الحياة فيها الإبالحياة النوعية، ولا يكمل البقاء فيها إلا بالاجتماع والتعاون، فلا تخلو من الفساد وسفك الدماء، ففهموا من هناك إن الخلافة المرادة لاتقع في الأرض إلا بكثرة من الأفراد ونظام اجتماعي بينهم يقضي بالاخرة إلى الفساد والسفك)(8).

وهكذا الكلام، كما يذكر السيد الطباطبائي في تفسيره، في مقام التعرف على ما جهلته الملائكة وإسستیضاح ما أشكل عليهم من أمر هذا الخلفية، وليس من الاعتراض والخصومة في شيء، والدليل قولهم فيما حكاه الله تعالى عنهم: إِنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ(9): «قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»(10)

ص: 24

لقد عظم فعل القتل وسفك الدماء عند الله حتى جعل قتل إنسان بمنزلة قتل الناس جميعاً واحیاء نفس إنسان كإحياء الناس جميعاً، بقوله سبحانه وتعالى «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»(11). وهو كناية عن كون الناس جميعاً ذوي حقيقة واحدة إنسانية متحدة فيها، الواحدة منها والجميع سواء، فمن قصد الإنسانية التي في الواحد منهم فقد قصد الإنسانية التي في الجمع. اما قوله تعالى «وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» فالكلام فيه كالكلام في الجملة السابقة، والمراد بالإحياء ما يُعد في عرف العقلاء إحياء كإنقاذ الغريق وإطلاق الأسير (إن القتل من شاقة أمره أن الذي يقع منه على نفسي واحدة كالذي يقع منه على الناس جميعاً وأن من أحيا نفساً كأنما أحيا الناس جميعاً)(12).

لذلك تم تحريم القتل بغير الحق فقال سبحانه وتعالى «وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ»(13)، فالنفس المحرّم قتلها هي نفس المسلم والمعاهد دون الحربي، والحق الذي يستباح به قتل النفس المحرّم قتلها ثلاثة أشياء: القود والزنا بعد إحصان والكفر بعد إيمان أو إسلام، وأن كانت كافرة لم يتقدم، کفرها إسلام فإن لا يكون تقدم قتلها عهدٌ أو أمان مصداقاً لقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): { لا يحل دم أمريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان وزنا بعد إحصان وقتل نفس بغير حق}. ودلت آية أخرى على حصول سبب رابع وهو قوله تعالى: «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ»(14). وآية أخر سبب خاص وهو الكفر الأصلي، قال تعالى «وَاقْتُلُوهُمْ

ص: 25

حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ»(15). فضلاً عن أسباب أخرى أبداها الفقهاء كتارك الصلاة عند الشافعي، واللائط، و الساحر إذا قال قتلت فلانا بسحري و جوّز بعضهم قتل من يمنع الزكاة أو يأتي البهيمة(16).

لقد تكرر قول الله سبحانه وتعالى في تحريم قتل النفس البشرية في مواضع عديدة ولأسباب كثيرة منها قوله تعالى: «وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا»(17). وهو نهي عن قتل النفس المحترمه إلا بالحق أي إلا أن يكون قتلا بالحق بإن يستحق ذلك لقود أو ردة أو بغير ذلك من الأسباب الشرعية، ولعل في توصیف النفس بقوله (حَرَّمَ اللهُ) من غير تقیید، أشارة إلى حرمة قتل النفس في جميع الشرائع السماوية فيكون من الشرائع العامة(18).

وكذلك الحال في قوله تعالى «وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا»(19).

وكذلك نهی جل شأنه عن القتل لأسباب الخشية من الفقر، كقوله تعالى «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ»(20). وقوله تعالى «وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ»(21). وقوله تعالى «وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا»(23).

(الإملاق) هو الافلاس من المال والزاد ومنه التملق، و (خشية إملاق) خوف

ص: 26

أقتار وفقر، وقد كانت هذه السُنة الجارية بين العرب في الجاهلية لتسرع الجدب والقحط إلى بلادهم فكان الرجل اذا هدده الافلاس بادر إلى قتل أولاده تأنفاً من أن يراهم على ذلة العدم والجوع، وقد علل النهي بقوله «نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ» اي إنما تقتلونهم مخافة أن لاتقدروا على القيام بأمر رزقهم ولستم برازقين لهم بل الله يرزقكم وإياهم جميعاً فلا تقتلوهم، وفي الآية هذه والآية الأخرى من سورة الإسراء نهي شدید عن قتل الأولاد خوفاً من الفقر والحاجة والقول «نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ» هو أيضاً تعليل للنهي وتمهيد لقوله بعده «إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا»(23).

ومن اوجه القتل الأخرى التي نهی عنها الله سبحانه وتعالى، وهو ما تعارفت عليه العرب في الجاهلية بتفضيل الذكر على الأنثی وفي ذلك قوله جل وعلا: «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ»(14) ولذلك كانت عادة وأد البنات كما في قوله تعالى: «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ»(25). يقصد بالمؤودة الجارية المدفونة حية، وكانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة وقعدت على رأسها فأن ولدت بنتاً رمت بها في الحفرة، وإن ولدت غلاماً حبسته.

ومعنى الآيتان، إن المؤودة تُسأل فيقال لها بأي ذنبٍ قُتلت. ومعنی سؤالها توبیخ قاتلها لأنها تقول (قتلت بغير ذنب). وقيل أن معنی (سُئِلَت) طولب قاتلها بالحجة في قتلها وسُئل عن سبب قتلها، وعلى هذا فيكون القتلة هنا هم المسؤولون عن الحقيقة لا المقتولة، وإنما المقتولة مسؤول عنها(26).

لقد توعد جل ثناؤه بالجزاء الأليم لمن يرتكب جريمة القتل وسفك الدم بقوله تعالى: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ

ص: 27

وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا»(27)، والآية تهدید شدید ووعيد أكيد لمن أقترف هذا الذنب العظيم، وقد أغلظ الله سبحانه وتعالى في وعيد قاتل المؤمن متعمداً مخلداً بالنار، غير أن قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ»(28)، وكذا قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا»(29) تصلحان لتقييد هذه الآية فهذه الآية تُوعد النار الخالدة لكنها ليست صريحة في الحتم فيمكن العفو بتوبة أو شفاعة.(30)

لقد جعل الله سبحانه وتعالى لجريمة القتل وسفك الدم وأزهاق النفس المحرّمة عقاباً دنيوياً فضلاً عن العقاب الآخروي، وذلك في قوله تعالى: «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»(31). والآية إشارة إلى حكمة التشريع ودفع ما ربما يتوهم من تشريع العفو والدية وبيان المزية والمصلحة التي في العفو وهي نشر الرحمة وإيثار الرأفة، أن العفو أقرب إلى مصلحة الناس، وحاصله أن العفو لو كان فيه ما فيه من التخفيف والرحمة، لكن المصلحة العامة قائمة بقصاص(32). فإن الحياة لا يضمنها إلا القصاص دون العفو والدية ولا كل شيء مما عداهما، يحكم بذلك الإنسان إذا كان ذا لبّ وقوله «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» أي القتل، وهو بمنزلة التعليل لتشريع القصاص. إن الآية فيها تعريف القصاص وتنكير الحياة ليدل على أن النتيجة أوسع من القصاص وأعظم وهي مشتملة على بيان النتيجة وعلى بيان حقيقة المصلحة وهي الحياة، وهي تتضمن حقيقة المعنى المفيد للغاية فإن القصاص هو المؤدي إلى الحياة، دون القتل فإن من القتل مايقع عدونا ليس يؤدي للحياة(33).

ص: 28

ثالثاً / السُنة النبوية المُطهرة.

تضمنت السنة النبوية الشريفه تحريماً لقتل النفس البشرية إلا بالحق فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): [لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة] و قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): [لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث؛ رجل كفر بعد إسلامه، أو زنی بعد إحصانه، أو قتل فيُقتل](34).

وتأكيداً لحرمة النفس البشرية فأن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شدد على هذا الأمر، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقف بمنى حين قضى مناسكها في حجة الوداع، فقال: إي يوم أعظم حرمة؟ قالوا: هذا اليوم. قال: فأي شهر أعظم حرمة؟ قالوا: هذا الشهر (ذي الحجة)، فقال فأي بلد أعظم حرمة؟ قالوا: هذا البلد (مكة)، قال: فأن دماءكم وأموالکم علیکم حرام کحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه، فيسألكم عن أعمالكم ألا هل بلغت، قالوا: نعم، قال: اللهم أشهد ألا من كانت عندهُ أمانه فلیؤدها إلى من أئتمنه فإنهُ لا يحل دم أمريء مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه ولا تظلموا أنفسكم وترجعوا بعدي كفاراً(35).

وقال الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: [والذي بعثني بالحق لو أن أهل السماء والأرض شركوا في دم أمريء مسلم ورضوا بهِ لأكبهم الله على مناخرهم، في النار، أو قال: على وجوههم(36). وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أول ما يُحكم الله فيه يوم القيامة الدماء فيوقف أبني أدم فيفصل بينهما ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتى لا يبقى

ص: 29

منهم أحد ثم الناس بعد ذلك ثم يأتي المقتول بقاتلهِ فيتشخَّب في دمهِ وجههِ فيقول: هذا قتلني، فيقول: أنت قتلته فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً(37). وروى ابن ماجة عن عبد الله بن عمر فقال رأيتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يطوف الكعبة ويقول (ما أطيبكِ، وما أطيب ريحكِ، وما أعظمكِ وما أعظم حرمتكِ، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك: ماله ودمهِ(38)، كما أنهُ (صلى الله عليه وآله وسلم): أكد عظمة الذنب الذي يرتكبة بقتل النفس وجعله بمنزلة الشرك بقوله الشريف: [كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا رجل يموت مشركاً أو يقتل مؤمناً متعمداً](39)، وكذلك ذكر (صلى الله عليه وآله وسلم): [من أعان على دم امريء مسلمٍ بشطر كلمة كُتب بين عينيه يوم القيامة: آیس من رحمة الله](40).

وذكر (صلى الله عليه وآله وسلم) في موضع آخر أن القاتل ملعون من الله، فعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنهُ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لعن الله من قتل غير قاتله أو ضرب غير ضاربه، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لعن الله من أحدثَ حدثاً أو أوي مُحدثاً، قيل وما المحدث؟ قال: من قتل. وزاد عن ذلك (صلى الله عليه وآله وسلم): بإنه قال: إن أعتى الناس على الله عزَّ وجل من قتل غير قاتله ومن ضرب من لم يضربه(41).

ولم يقتصر تحريم القتل وسفك الدماء على المسلمين بل شمل أيضا المعاهدات وأهل الذمة، إذ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): [من قتل معاهداً في كنهه حرّم الله عليه الجنة]، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): [من قتل نفساً معاهدة بغير حقها لم يجد رائحة الجنة وان ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام](43).

لقد مثّل الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بخلقهِ الرحيم مع المسلمين وأهل الذمة إنموذجاً يُحتذى به في السماحة والعدل ودفع الظلم و تحريم العنف، ولهذا

ص: 30

قال عز وجل فيه «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(43). فلم يضرب بيده الكريمة أحداً قط، إلا أن يضرب بها في سبيل الله تعالى، وما أنتقم من شيء صنع إليه إلا أن تنتهك حرمة الله(44). ومن ثم فلم يكن عقابه (صلى الله عليه وآله وسلم) بغرض الانتقام والثأر وإنما بغرض تطبيق الشريعة السمحاء والحفاظ على الدين القيم. لذلك فهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحد عن تطبيق مبادى الشريعة الإسلامية في تحريم العنف والقتل والأخذ بالقصاص على حرمة دماء المسلمين وأهل الذمة(45). (فعن أنس أن يهودياً رضّ «رضخ» رأس جارية بحجرين، فقيل لها من فعل هذا بكِ؟ فلان، أو فلان؟ حتى سمي اليهودي فأومأت برأسها فجيء به فأعترف فأمر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرضّ رأسهِ بحجرين أعتماداً للمماثلة وحكماً بها)(46).

في الوقت ذاته كان (صلى الله عليه وآله وسلم)، شديد في محاسبة الذين يسفكون الدماء وإن كانوا مسلمين ومن أبرز الحوادث الدالة على ذلك هو بعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد حيث أفتتح مكة داعياً ولم يبعثهُ مقاتلاً ومعهُ قبائل من العرب فوطئوا بني جذيمة بن عامر، فلما رأه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا. فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد فكتُفوا ثم عرضهم على السيف فقتل مَن قتل منهم. فلما أنتهى الخبر إلى الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) رفع يديه إلى السماء ثم قال [اللهمّ أني ابرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد]. ثم دعا رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: [يا علي أخرج إلى هؤلاء القوم فأنظر في أمرهم، وأجعل أمر الجاهلية تحت قدميك]. فخرج الإمام علي (عليه السلام) حتى جاءهم ومعهُ مال قد بعث بهِ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فودّى لهم الدماء وما أُصيبَ لهم

ص: 31

من الأموال، حتى إنهُ ليدي ميلغة الكلب(47)، حتى إذا لم يبقَ شيء من دم ولا مال إلا ودّاه، بقيت معه بقية من المال، فقال الإمام علي (عليه السلام) حين فرغ منهم، هل بقي لكم دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا: لا، قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال أحتياطاً لرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مما لا يعلم ولا تعلمون. ففعل ثم رجع إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره الخبر، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) [أصبت وأحسنت] ثم قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأستقبل القبلة شاهراً يديه حتى أنهُ ليُرى ما تحت منكبيه يقول: [اللهمّ أني ابرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد] ثلاث مرات(48).

ومن الحوادث الأخرى، أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلّظ محلم بن جثامة بن قيس عندما قتل عامر بن الأخبط الأشجعي عندما مرَّ على نفر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعهُ غنم فسلّم عليهم، فقالوا ما سلّم عليكم إلا ليتعّوذ منكم، فحمل عليه جثامة فقتله بشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره وغنمه فقال لهُ (صلى الله عليه وآله وسلم): [إن الله ابي على من قتل مؤمن، قالها ثلاث مرات، وقال لمحلم [أمنتهُ بالله ثم قتلته] أو قتلته بسلاحك في غرّة الإسلام، ودعا (صلى الله عليه وآله وسلم) [اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامه] ثلاث مرات بصوت عالٍ(49)، وحوادث اخرى يذكرها أصحاب السير والمغازي تدلل على حرص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتشديده على حرمة النفس البشرية وتحريم سفك الدم والقتل، و إن دل ذلك على شيء فإنه يدل على سماحة النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وخُلقِه العظيم وتألفه للناس وتأكيداً لسماحة الإسلام ومبادئه السامية(50). وذلك کله كان يمثل البيئة والمناخ الذي نشأ في كنفه الإمام بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتربى عليه، فهو ربيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

ص: 32

ووصيه وقد تشربت في نفسهِ الكريمة هذه المبادىء السامية والراقية ليضعها موضع التطبيق على نفسهِ وأهله وصحبه ورعيته.

رابعاً / العهد العوي.

مَثّلَ عهد أمير المؤمين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إمتداداً للقرآن المجيد والسنة النبوية المطهرة في المجالات كافة، وهي جزء أساس في سلسلة البناء العقائدي والفكري والحضاري للأمة الإسلامية.

في هذا العهد أسند أمير المؤمنين (عليه السلام) سلطات أساسية تمثل أركان بناء اية دولة مؤسسات على وفق القياسات المتطورة والمتقدمة للدول والحكومات الحديثة في عصرنا هذا، أسندها إلى مَن هو محل ثقة وقرب من أمير المؤمنين ومن أتباعه المخلصين وهو مالك بن الحارث الأشتر النخعي وهذه السلطات الرئيسة:

1- جباية الخراج: وهي الوظائف المالية ويخص ميزانية الدولة وموارد تحصيل المال لخزينة الدولة.

2- جهاد العدو: وهي تمثل السياسة الخارجية والتعامل مع الدول الأخرى.

3- أستصلاح الأهل: وتمثل السياسة الداخلية.

4- عمارة البلاد: وهي التنمية الأقتصادية(51).

ولغرض القيام بها على أكمل وجه، يلتزم مَن عُهد إليه أمر مصر والتي وصفها أمير المؤمنين (عليه السلام) بأنها (بلاد قد جرت عليها دول قبلك، من عدل وجور) أي أنها خُبرت أصناف مختلفة من الحكومات والسياسات، ما بين العدل والجور

ص: 33

(الظلم) وهي إشارة إلى أنها بلاد ليس من السهل ولاية الأمر فيها، ووجوب أتخاذ الصالح من الأدراة والقدرة على سياسة الأمور بإتجاه مبتغى أمير المؤمنين (عليه السلام) في الحكم العادل لها.

لذلك فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) فَصّل دقائق الأمور ووضع قواعد وتعليمات تتعلق بتفاصيل دقيقة، قانونية ودستورية وسياسية وأقتصادية وعسكرية وأجتماعية، قلما يجوز حاكم أو ولي أمر العلم والمعرفة الدقيقة فيها، واثقاً إن المهمة ثقيلة على بلاد واسعة ومهمة من الولايات والبلدان الإسلامية إنذاك في سنوات الخلافة المضطربة والحوادث الجسام التي واجهتها الأمة الإسلامية، ولكنه (عليه السلام) كان على ثقة تامة بالشخص الذي ولاه أمر مصر (الأشتر النخعي).

لقد تضمنت تلك التفاصيل حصانة الحاكم وعلاقتة بالرعية ورقابة الجمهور لهُ وسعي الراعي لنيل رضا الرعية وتحقيق العدل الإجتماعي ومبدأ سيادة الأمة وسلطان الرأي العام وأختيار المستشارين وأهل الثقة القريبين من الحاكم وطبقات الهيأة الإجتماعية من الجنود وقادتهم والقضاة والموظفين والوزراء وأصحاب الصناعة والتجارة والعمال، والتحذير من احتجاب الوالي عن رعيته وبطانة السوء ومسؤولية القائد إتجاة الأمة والحرب والصلح وأداب الولاة فضلاً عن تحريم سفك الدماء بغير حقها(52).

ويمكن القول إن تلك الهياكل والأبنية التي وضع هندستها وتصميمها لدولة إسلامية مثالية مطابقة لروح وجوهر الرسالة السماوية للدين الحنيف، الإسلام، أمير المؤمين (عليه السلام) قد سبقت بقرون ما إجتهد في وضع قواعده ونصوصه الدستورية والقانونية فقاء ومشرعون وفلاسفة بعد صراع طويل دفعت البشرية أثماناً باهضة لأدراكهِ وتجسيدهِ على أرض الواقع، إلا أنها لم تُفلح لحد الآن في تحقيقه بصورة

ص: 34

كاملة وناجزة.

لقد سبق أمير المؤمنين (عليه السلام) عصرهُ وعصور أعقبت عصره وتظافرت جهود هدامة في الحيلولة دون تحقيقهُ وآلت الأمور إلى ما آلت إليه أوضاع المسلمين اليوم من أنحطاط وتدهور وضياع.

وبقدر تعلق الأمر بحرمة الدماء في العهد العلوي لمالك الأشتر (رضي الله عنه) فإن دراستهُ لا تتم بمعزل عن باقي تفاصيل العهد، وفي ذلك رابطة وثيقة لا يمكن أهمالها لأسباب شتى:

أ- إن جريمة قتل النفس وسفك الدم هي نتيجة حتمية للظلم والجور وفساد ولاة الأمر وبطاناتهم السيئة والفقر والتجويع والأضطراب والضعف العسكري والسياسي وفشل السياسات العامة ومخاطر التمردات والحرب الأهلية ثم ممارسة القمع إتجاه من يعارض هؤلاء الولاة.

ب- وهي، أي جريمة قتل النفس وسفك الدم الحرام، أيضاً سبباً في تفاقم النقمة الشعبية وكراهية الحاكم والتمرد عليه، بناءً على ما تقدم فإن كيمياء التفاعل بين العناصر المكونة لأي نظام تحدد مستوى العنف وسفك الدماء، سلباً أم إيجاباً، ولذلك فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكد بقوة على تلك العلاقة الإيجابية ما بين الراعي والرعية فيقول: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فأنهم صنفان: إما أخّ لك في الدين، أو نضيراً لك في الخلق.....). وتلك هي قمة الإنسانية التي تميّز الحاكم العادل الصالح والحكم الرشيد، وهي مصداق للحديث النبوي الشريف [ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته].

ص: 35

إن ما يمكن الأستدلال على أن سفك الدماء هي نتيجة لعوامل واسباب تصيب الحكم وتؤدي به إلى الخروج عن جادة الصواب والإيغال في قتل النفس التي حرم الله قتلها، وكان قد قدم لها أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده ليكون التحذير (إياك والدماء وسفكها بغير حلها) في نهاية العهد، فكان تمهيداً نفسياً وعقلياً للمتلقي كي يعي أمور الحكم جيداً، ومن هذه الأفكار التمهيدية التي ذكرها العهد:

أ- قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (ولا تنصبن نفسك لحرب الله «أي مخالفة شريعته بالظلم والجور» فإنه لا يد لك بنقمته «لا طاقة لك بها»، و لا غنى بك عن عفوه ورحمتهِ، ولا تندمن على عفوٍ، و لا تبجحن بعقوبة «كفرح لفظاً ومعنى»، و لا تسرعن إلى بادرة «مايبدو من الحدة عند الغضب في القول أو الفعل» وجدت منها مندوحة «المتسع، أي المخلص»، و لا تقولن: إني مؤمَّر «أي مسلّط» أمر فأطاع، فإن ذلك إدغال «أدخال الفساد» في القلب، ومنهكة للدين «مضعفة وتقرب من الغِيَر «حوادث الزمان بتبدل الدول»....).

ما تقدم يمثل الفساد، والظلم والجور وهو بداية لكل أثام الحكم الجائر الظالم.

ب- العظمة والكبرياء والزهو الذي يصيب الحاكم فيحذر منه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) بقوله: (وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة «العظمة والكبريا» أو مخيلة «الخيلاء والعُجب» فأنظر إلى عِظم مُلك الله فوقك وقدرتهُ منك على ملا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يُطامن «يخفض منه» إليك من طماحك، ويكن عنك من غربَكَ «الحدة» ويفيءُ «يرجع» إليك بما عَزَبَ «غاب» عنك من عقلك).

ت- الأحساس بالسمو والعلو، (إياك ومساماة « المباراة في السمو، أي العلو» الله في عظمته، والتشبة بة في جبروته، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال).

ص: 36

ث- ظلم العباد والإقامة على ظلم، وفي ذلك يقدم أمير المؤمنين (عليه السلام) القاعدة الاساسية للحكم الصالح وهي قاعدة (الإنسان) وتركها يعني الظلم، فيقول (أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوىً من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم؛ ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته «أبطل»، وكان لله حرباً «أي محارباً» حتى ينزع «يقلع عن ظلمه، أو يتوب) ويأتي أمير المؤمنين (عليه السلام) على ذكر نتيجة ذلك فيقول: (وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظُلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد).

ج- أختيار المستشارين، وأمير المؤمنين (عليه السلام) ينصح بإبعاد ذوي الخصال السيئة من المستشارين عن مجالس الحكام لما يؤثرون فيه سلباً بقوله (عليه السلام): (و لا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل «الإحسان»، ويعدك الفقر «يخوفك منه لو بذلت»، و لا جبان يضعفك عن الأمور، و لا حريصاً يزين لك الشرّه «أشد الحرص» بالجور، فإن البخل والحرص غرائز شتى «طبائع متفرقه» يجمعها سوء الظن بالله).

ح- بطانة السوء: وهي التي تزين للحاكم أخطاءه وزلاته وتصورها اعمالاً عظيمة وتحجبهُ عن الرعية ولا تكون أمينة الصلة مع الناس، طامعة غاصبة للحقوق تمتاز بالشرّه والفساد وفي ذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إن أيقن شر وزرائك من كان للإشرار قبلك وزيراً، ومن شركهم في الآثام، فلا يكونن لك بطانة «بطانة الرجل خاصته، وهو من بطانة الثوب خلاف ظهارته»، فإنهم أعوان الأثمة «جمع إثم وهو فاعل الأثم، أي الذنب، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن لهُ مثل أرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثله آصارهم «الذنب والإثم» وأوزارهم «جمع وزر وهو

ص: 37

الذنب والإثم أيضاً» وأثامهم ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه ولا أثماً على إثمهِ...).

خ- مساواة السيء والحسن من الناس (و لا يكونن المُحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء فإن ذلك تزهيد لأهل الإحسان في الإحسان وتدريب لأهل الإساءة على الإساءة فإلزم كلاً منهم ما ألزم منهُ أدباً منك ينفعك الله به وتنفع بهِ أعوانك).

د- سوء أختيار الموظفين، ينصح أمير المؤمنين (عليه السلام) واليه على مصر بحسن أختيار المؤظفين «العمال» فهو (عليه السلام) يقول: (ثم أنظر إلى أمور عمالك وأستعملهم أختباراً «ولهم الأعمال بالأمتحان» و لا توليهم أمورك محاباةً «أي أختصاصاً وميلاً منك لمعاونتهم» وأثرة «أي أستبداد بلا مشورة» فإن المحاباة والأثرة جماع الجور والخيانة)، وينصح أمير المؤمنين (عليه السلام) في مجال الأختيار لولاية الأعمال فقال: (فإصطفِ لولاية أعمالك أهل الورع والعلم والسياسة، وتوخَّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام، فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً وأق-ل في المطامع إشرافاً وأبلغ في عواقب الأمور نظراً من غيرهم، فليكونوا أعوانك على ما تقلدت)، و لا يتكف بذلك، إنما ينصح أن الأمر لا يقف عند الأختيار والتولية إنما في المتابعة والمراقبة فينصح (عليه السلام) قائلاً: (ثم تفقد أعمالهم وأبعث العيون عليهم من أهل الصدق والوفاء فإن تعهدك في السر أمورهم حدوة لهم «أي سوق لهم وحث» على أستعمال الأمانة والرفق بالرعية) ثم تأتي مرحلة العقاب: (فإن أحذ منهم بسط يده إلى خيانة أجتمعت بها أخبار عيونك أكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عملهِ ثم نصبته بمقام المذلة فوسمته بالخيانة وقلدتهُ عار التهمة)، وهو ما يصطلح عليه اليوم (مكافحة الفساد الإداري).

ص: 38

ذ- الإستغلال الأقتصادي البشع والفقر وإهمال العمارة والإحتكار، لذلك أوجه عديدة ذكرها أمير المؤمنين (عليه السلام) منها: إهمال عمارة الأرض والسعي لتحصيل الخراج فقال (عليه السلام): (وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في أستجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمر إلا قليلاً).

ومنها الإحتكار المحرم فقد قال (عليه السلام): (وأعلم - مع ذلك - إن في كثير «أي التجار» ضيقاً «عسر المعاملة» وشحاً «البخل» قبيحاً، وإحتكاراً «حبس المطعوم» ونحوه عن الناس لا يسمحون بهِ الا بأثمان فاجشة» للمنافع، وتحكماً في البياعات وذلك باب مضرّة للعامة، وعيب على الولاة).

ر- أحتجاب الولاة وفقدان ثقة الشعب بهم: نصح أمير المؤمنين (عليه السلام) الأشتر النخعي (رضي الله عنه) بعدم الإحتجاب عن الرعية وأوضح سوء ذلك بقوله: (فإن أحتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور، والأحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما أحتجبوا دونهِ فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق بالباطل)، وفي ذلك سوء النتائج بشيوع اليأس في الحاكم (فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أسیوا من بذلك «العطاء» مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة في-ه عليك، من شكاة» شكاية مظلمة، أو طلب أنصاف في معاملة.

ز- إستئثار البطانة الخاصة بالوالي: فيذكرهم امير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: (ثم إن للوالي خاصة وبطانة، فيهم إستئثار، وتطاول، وقلة إنصاف في المعاملة)، ولذلك على الحاكم أن يحسم أمرهم ويقطع مادة شرورهم وينصح (عليه السلام): (و لا تقطعن لأحد من حاشيتك، وحامتك «الخاصة والقرابة «قطيعة، ولا يطمعن منك في

ص: 39

إعتقاد عقدة، تضر بمن يليها من الناس، في شرب «نصيب من الماء» أو عمل مشترك، يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك «العاقبة» لهم دونك، وعيبه عليك في الدنيا والأخرة).

س- العيوب النفسية والاجتماعية في شخصية الحاكم: يذكر (عليه السلام) العديد منها في عهده إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه)، ويحذره أمير المؤمنين (عليه السلام) منها فهي تؤدي إلى الظلمِ والجور والعدوان، ومن هذه العيوب التي تُذكر بصيغ التحذير:

1- (وإياك والأعجاب بنفسك، والثقة بما يُعجبك منها وحب الاطراء «المبالغة في الثناء»، فإن ذلك من أوثق فُرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان).

2- (وإياك والمن على رعيتك بإحسانك، أو التزّيد «أظهار الزيادة في الاعمال عن الواقع منها في معرض الافتخار» فيما كان من فعلك. أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخُلفك، فإن المن يُبطل الإحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخُلف يوجب المقت عند الله والناس).

3- (وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط «التهاون» فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت «لم يعرف وجه الصواب فيها» أو الوهن «الضعف» عنها إذا أستوضحت، فضع كل أمر موضعه و أوقع كل أمر موقعه).

4- (وإياك والاستئثار «تخصيص النفس بزيادة» بما الناس فيه أسوة «أي متساوون» والتغابي «التغافل» عما تُعنى به عما قد وضح للعيون، فإنه مأخوذ منك لغيرك).

إن هذه الصفات والخصائص السيئة في النفس البشرية، تجعل من الحاكم میالاً أكثر نحو الجور والظلم تساعده وتنّمي فيهِ هذه الروح بطانة السوء والمقربين، فيبتعد

ص: 40

عن رعيته ويحتجب ويتغافل عن كثير من امور رعيته ويقسو قلبه و يجفو ولاي عند ذاك عن إرتكاب الأثام والمعاصي فتزل قدمه ويبغي على خلق الله.

وعند ذاك تاتي اسوأ مراحل الحكم المستبد فتسفك الدماء وتقتل النفس المحرم قتلها إلا بالحق، وعلى ذلك فإن هذه المسألة من أخطر المسائل والقضايا التي عانى منها الحكم منذُ عهود بني امية (عليهم اللعنة) وبنو العباس وحتى اليوم، وفي ذلك يشدد أمير المؤمنين (عليه السلام) على حرمة الدماء.

خامساً / حُرمة الدماء في العهد

يُحذّر أمير المؤمنين (عليه السلام) واليه على مصر بقوله: (إياكَ والدماء وسفكها بغير حلها...)، ولفظ (إياكَ) ضمير منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول بهِ منصوب على التحذير لفعل محذوف تقديره إحذر.

أي إحذر سفك الدماء بغير حقها أو الاسباب الشرعية التي تستدعي سفك الدم وهو تعبير عن قتل النفس المحرم قتلها الإبحقها.

وقد ذكرت تلك الأسباب الشرعية لسفك الدم فيما سبق في القرآن المجيد والسُنة النبوية المطهرّة، وذلك التحذير يعني عدم الوقوع في المحظور والمحرّم مادام غير جائز و لا مشروع من قبل الشارع المقدس أم من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

إن التحذير الشديد من سفك الدماء بغير حلها، إنما هو لمنع الحاكم أو الوالي لأمر أحد الأمصار الإسلامية من عواقب ذلك، بقوله (عليه السلام): (فإنهُ ليس شيء أدنى لنقمة، و لا أعظم لتبعة، و لا أحرى بزوال نعمة، وأنقطاع مُدّة، من سفك الدماء بغير حقها..).

ص: 41

وبذلك فإن هذا الفعل المحرّم يؤدي إلى نقمة الله وغضبه، وينتج عنه تبعة أو مسؤولية عظيمة، تؤدي إلى زوال نعمة الأمن والأمان، والاستقرار والنماء والعيش الكريم، فضلاً عن انتهاء مدة الحكم و التعجيل بنهايتها على سوء بسبب ذلك الفعل المحرم في سفك الدماء.

ويؤكد (عليه السلام) ماسبق إن تحدث به وحذر منه الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بإن [الله سبحانه مبتدىء بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة]. لما لفضاعة هذا الفعل وتاثيره العظيم على كيان المجتمع واستقراره، وهضماً لحقوق الناس في الحياة، حتى جعل عقوبة القصاص، فعن أبي عبدالله (عليه السلام) إنهُ قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (من خاف القصاص كف عن ظلم الناس) ثم أورد الحديث عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)(53)، وبذلك عُدَّ القصاص مبعثاً للحياة كعقوبة دنيوية رادعة من أرتكاب الفعل وتكراره ليحرم الإنسان من حقه في الحياة.

وبعد ذلك يوصي واليه على مصر عبر النهي عن تقوية السلطان بسفك الدم فقال (عليه السلام): (فلا تقوّين سلطانك بسفك دمٍ حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله..). إن في ذلك حكمة بليغة رائعة استقرأت احداث التاريخ قبل عهد الإمام علي بن أبي طالب(35 - 40 ه) واحداث الأمم والدول والشعوب بعده، فكل الممالك والأمبروطوريات وأنظمة الحكم الغاشمة والطاغية التي قامت على سفك الدماء والظلم والجور قد إنهارت وزالت وأصبحت نسياً منسيا، وهي حقيقة ثابتة.

وعلى الرغم من معرفة أمير المؤمنين (عليه السلام) بمن كلفهُ ولاية مصر، وصلته الوثيقة بهِ كأحد قادة جيوشهِ وخبرة في أشد الظروف وأقساها، حتى شبّه منزلته منهُ،

ص: 42

كمنزلة الإمام علي (عليه السلام) نفسه من النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنه يشدد عليه في القول: (و لا عذر لك عند الله و لا عندي في قتل العمد، لأنه فيه قود البدن «القصاص، هو و أضافته للبدن لأنه يقع عليه»). ودل هذا القول بإنه ليس لهُ شفاعة في حد من حدود الله وهو القصاص في القتل العمد دون سبب مشروع لذلك ويسمى اليوم «الإعدام التعسفي».

ويبدأ في نصحهِ في حالة إرتكاب الخطأ بقوله (عليه السلام): (وإن أبتليت بخطأ، وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بالعقوبة «أي عجل بما لم تكن تريده، فأردت تأديباً فأعقب قتلاً، «أي القتل الخطأ»، فإن في الوكزة «الضربه بجمع الكف»،أي قبضته، «اللكمة» فما فوقها مقتلةً، فلا تطمحن «ترتفعن» بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم). وذلك يترتب على الوالي أو الحاكم في حالة القتل الخطأ وغير المقصود دفع الدية إلى ذوي المقتول، وهذا مافعله أمير المؤمنين (عليه السلام) بنفسهِ على الرغم من إنهُ لم يرتكب قط مثل هذا الفعل عمداً أم خطأ وأراد أن يعلم الأمة المبادىء السامية الحقيقية للإسلام وأحترام حقوق الناس في الحياة، فعن أبي عبدالله (عليه السلام) إن أمير المؤمنين (عليه السلام) رفع إليه رجل عذّب عبدهُ حتى مات فضر به مائة نكالاً وحبسهُ سنة وأغرمهُ قيمة العبد فتصدق بها عنهُ.

وعن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل وجد مقتولاً لا يدري من قتله. قال: (إن كان عُرف وكان لهُ أولياء يطلبون ديته أعطوا ديتهِ من بيت مال المسلمين ولا يبطل دم أمرىء مسلم لأن ميراثه للإمام، فكذلك تكون ديته على الإمام، ويصلّون عليه ويدفنونهُ)(54).

کما قضى (عليه السلام) في رجل زحمهُ الناس يوم الجمعة فمات، أن ديته من بيت مال المسلمين، وفي ذلك قال (عليه السلام): (مَن مَات في زحام الناس يوم الجمعة،

ص: 43

أو يوم عرفه أو على جسر لا يعلمون من قتله فديته من بيت المال)، وقال (عليه السلام): (لا يبطل دم أمرىء مسلم).

ويدل ما تقدم أن وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) وعهده مبني على الشريعة الإسلامية والنهي عن القتل والعدوان الذي لا يسيغه الدين، وهو يضعف السلطان و ويهدمهُ وهو تعريف بإن القتل العمد يوجب القود «القصاص» فقال لهُ «قود البدن «أي يجب عليك هدم صورتك كما هدمت صورة المقتول، والمراد إرهابهِ بهذه اللفظة فإنها أبلغ من أن يقول لهُ فإن فيه القود، ثم قال لهُ إن قتلتَ خطأً أو شُبه عمد كالضرب بالسوط فعليك الدية(55).

لقد تسامى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رفعة شأنه ومنزلته عن باقي البشر، في أحترام النفس البشرية، ولم يكن، وهو المقاتل الباسل الشجاع الذي قضى سنين طوال من عمره في معارك نصرة الإسلام ومواقعها الكبيرة، ذلك السفّاك للدماء المحب للقتل، بل كان متسامحاً حتى مع خصومهِ، وبلغ رقيه الإنساني في وصيتهُ (عليه السلام) للحسن والحسين (عليه السلام) لما ضربهُ أبن ملجم (لعنهُ الله)، يوصيهما بقاتلهِ خيراً بقوله: (إنهُ أسير فأحسنوا نزله وأكرموا مثواه فإن بقيت قد قتلت أو عفوت، وإن متُ فأقتلوه قتلي و لا تعتدوا إن الله لايحب المعتدين). وأوصى أيضاً (إلى أكبر ولدي غير طاعن عليهِ في بطن و لا فرج). وقولِه (عليه السلام): (ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي، أنظروا إذا أنا متُ من ضربتهِ هذهِ، فأضربوه ضربة بضربه، و لا تمثلوا بالرجل، فإن سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: [إياكم والمُثلة ولو بالكلب بالعقور)(56).

ص: 44

الخاتمة

إنموذج رائع ومتميز على صعيد الفكر الإنساني، وعلى صعيد المارسة العملية في جوانب الحياة الإجتماعية والقانونية والسياسية والأقتصادية والعسكرية، ذلك ما أبدعهُ أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) من وثيقة قانونية، دستورية، إجتماعية، إخلاقية، إسلامية، متكاملة في أمتداد لنهج القرآن المجيد والسُنة النبوية المطهرّة.

وأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن ليصدر هذه الوثيقة إلى واليه على مصر، على إنها كتاب خاص من حاكم أعلى إلى حاكمهِ في مستوى إدنى في الأدارة والحكم، لتكون دليل عمل في ظرف زماني محدود ومكان محدد ألا وهو (مصر)، إنما جاءت لتكون تشريعاً دينياً ودنيوياً ينظم أحوال البلاد والعباد كافة، على إسس وقواعد ومبادىء هي جوهر الإسلام الحنيف التي نطقت بها آيات القرآن المجيد وأقوال وأفعال النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم).

إن من أساسيات العهد العلوي، حرمة الدماء والتحذير من سفكها بغير حلها، لما للدماء من حرمة عظيمة عند الله ورسولهِ يقابلها عقاب إليم في الدينا ومقيم في الآخرة، ذلك لأن هذا الجرم العظيم يوهن المُلك ويهدم بناء المجتمع والدولة ويُضعف كيان الأمة ويُسهم في قيام حكم الجور والظلم والطغيان.

لقد بين العهد في تفاصيلة الدقيقة العوامل والأسباب، الإجتماعية الأقتصادية، السياسية والنفسية التي تتفاعل لتنتج نظام الظلم والجور الذي يؤدي إل قتل النفوس البريئة، وقد شدد عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) ناصحاً الأخذ بأفضل الأسباب لتجنبها، وقد ابتدأ (عليه السلام) وصاياه في أصلاح نفس الحاكم وحاشيته وبطانته ومنزلة العلماء والحُكماء منهُ قرباً أو بعداً، فضلاً عن عمارة البلاد وإصلاح العباد

ص: 45

والأخذ بإسباب النماء في مجالاته كافة، وأسلوب التعامل مع طبقات المجتمع المختلفة من جُند وقادة وقضاة ووزراء ومستشارين وتجار وصُناع وفقراء ومساكين وذوي حاجة والمرضى (المزمنى)، ولم يدخر أمير المؤمنين (عليه السلام) وسعاً في وضع خطط أصلاح للأمة في مفاصلها الدقيقة وجوانب حياتها كافة.

إن ما توصلت إليهِ الدراسة من نتائج مهمة يمكن ملاحظتها من خلال ربط عناصر العهد العلوي بعد تفكيكها لتصب في جوهر أساس هو قيام الحكم الرشيد على وفق قواعد ومبادى الإسلام الإنسانية السامية.

ولعل أهم النتائج التي أثمرتها الدراسة الأتي:

1- إن حرمة سففك الدماء بغير حلها، التي حذر أمير المؤمنين (عليه السلام) منها واليه على مصر، إنما هي نتاج تفاعل معطيات كثيرة تفرزها تجربة الحكم في بلد ما، سلباً أم إيجاباً، تؤدي إلى زيادة نسبة جرائم القتل أو إنخفاضها تبعاً لنوع نظام الحكم وطبيعة الحاكم، ودرجة التفاعل تلك.

2- إن حرمة سفك الدم لها أسبابها التي أكدت عليها الآيات الكريمة والسُنة النبوية المطهرة، قال تعالى: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا». (سورة المائدة / الآية 32)، فقتل النفس الواحدة بمنزلة قتل المجتمع بأسره والناس فيه جميعاً، وإحياءها، وإنقاذها من الموت هو إحياء لجميع الناس في ذلك المجتمع. لذلك فهي بادئة حياتية مجتمعية لم يدرك أبعادها الإنسانية الحقيقية غير الإسلام وتوصل إلى عقلائيتها المجتمع الدولي اليوم.

3- إن حرمة سفك الدم وقتل النفس التي أكد وشدد عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) في آخر عهدِهِ هي أمتداد للقرآن المجيد والسُنة النبوية المطهرة وآخر عهد

ص: 46

يوليه خليفة المسلمين حقهِ حتى اليوم، أكد تفاصيل ودقائق الأمور التي تؤدي إلى أرتكاب الفعل الإجرامي، وأستكملهُ ببحث نتائجهُ ومعالجة أسبابه والوقاية منه، وأصلاح الضرر من وقوعهِ بسبب الغفلة أو التمادي أو زهو السلطان وأفراط سوطه أو يده أو سيفه.

4- لقد أدركت البشرية وبعد قرون من عهود الطغيان والأستبداد والحروب والمجازر التي تعرضت لها الأمم والشعوب بسبب ملوكها وحكامها وطغيان أجهزة دولهم القمعية، معنى وحقيقة الجريمة وآثارها ونتائجها الهدامة التي أفضت إلى الخراب والتدهور الإنساني للعديد من الشعوب والدول والأمم.

5- أفضى هذا الأدراك المتأخر للاثمان الباهضة على صعيد المعاناة الإنسانية لتكاليف أقامة (حضارات) و (دول مدنية حديثة) قائمة على أنتهاك حقوق البشر في الحياة والإمان والأستقرار، أن تقوم هذه الأمم العظيمة بقدراتها الأقتصادية والعسكرية والسياسية والعلمية، المتحكمة في إدارة العلاقات الدولية، بإصدار العهود والمواثيق وتوقيع الإتفاقيات والمعاهدات و إنشاء المحاكم الجنائية، لمواجهة الأنتهاكات الجسيمة لحق الإنسان في الحياة وحظر أعمال وأجراءات الإعدام التعسفي، وإبادة الجنس البشري والإبادة الجماعية والتطهير العرقي على وفق مبادى إنسانية كريمة سبقهم بها الدين الحنيف من خلال القرآن المجيد والسُنة النبوية المطهرة والقواعد القانونية - الدستورية - الإنسانية التي أوجدها أمير المؤمنين (عليه السلام) على صعيد الفكر والممارسة.

6- حريٌّ بنا إن نعتمد العهد العلوي بما فيه من قيم إسلامية ومبادىء إنسانية وقواعد قانونية وفلسفة حكم صالح ورشيد في إقامة بناء الدولة ومؤسساتها و أجهزتها و إن يكون دليل عمل لولاة الأمر بما يصلح أحوال البلاد والعباد.

والحمد لله رب العالمين والصلاة السلام على محمد وآل محمد.

ص: 47

مراجع الدراسة

أ) القرآن المجيد

ب) التفاسير

1) الطباطبائي: الميزان في تفسير الميزان، مؤسسة النشر الإسلامي، قم 1423 ه.

2) الطبرسي: مجمع البيان في تفسير القرآن، منشورات مكتبة الحياة. بيروت (د. ت).

3) الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن، دار الحديث، القاهرة 1987 م.

4) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن، القاهرة 1381 ه / 1961 م.

ت) كتب الحديث

5) البيهقي: السنن الكبرى، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند 1356 ه.

6) الساعاتي: منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود، المطبعة المنيرية بالأزهرة 1372 ه.

7) الكليني: أصول الكافي، دار المرتضى، بیروت 2012.

8) الكليني: فروع الكافي، دار المرتضى، بیروت 2013.

9) المنذري: الترغيب والترهيب من الحديث الشريف، دار مكتبة الحياة بيروت 1987.

ص: 48

ث) المراجع الأخرى

10) أبي الحديد، نهج البلاغة، دار الكتب العربية الكبرى، القاهرة، 1329 ه.

11) أبن اسحاق: سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، مطبعة المدني، القاهرة، 1383 ه - 1963 م.

12) أبن سعد: الطبقات الکبری، دار بيروت للطباعة 1978.

13) أبن كثير: السيرة النبوية، دار المعرفة بيروت 1976.

14). أبو محمد عبد الملك بن هشام: سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، مطبعة حجازي القاهرة 1937 م.

15) الخشن، الشيخ حسين: الإسلام والعنف، الدار البيضاء - المغرب 2006 م.

16) الحيدر ابادي، د. محمد: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلاقة الراشدة، القاهرة / 1376 ه - 1956 م.

17) الدوري، د. قحطان: الإسلام والإرهاب، مطبعة الرشاد بغداد 1988 م.

18) الركابي، د. ساجد: الإسلام والإرهاب، البصرة 2006 م.

19) الغزالي: إحياء علوم الدين، بيروت 1986 م.

20) الواقدي: المغازي، دار المعارف القاهرة، 1965.

21) عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر، شكبة الفكر،alfeke.net.

ص: 49

الهوامش

1. الشيخ حسين الخشن، الإسلام والعنف، قراءة في ظاهرة التكفير، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - المغرب 2006 ص 64.

2. المصدر السابق، ص 64.

3. وقع ميثاق الأمم المتحدة في 26 حزيران / يونيو 1945 في سان فرانسيسكو في ختام مؤتمر الأمم المتحدة الخاص بنظام الهيأة الدولية وأصبح نافذاً في 24 تشرين الأول / أكتوبر 1945، ويعتبر النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية جزءاً متمماً للميثاق.

4. د. ساجد أحميد عبل الركابي: الإسلام والإرهاب «دراسة في مبادي السلام والحرب في الشريعة الإسلامية «.المركز الوطني للدراسات الإجتماعية والتاريخية. البصرة 2006/ ص 46

5. سورة الإسراء / الآية 70.

6. د. قحطان عبد الرحمن الدوري: الإسلام والإرهاب. في: د. رشدي محمد عليان وآخرون: الدين والإرهاب. بحوث الندوة الفكرية لكلية الشريعة / جامعة بغداد 11/ 4 / 1988 مطبعة الرشاد بغداد 1988 ص 10 - 11.

7. سورة البقرة / الآية 30.

8. السيد محمد حسين الطباطبائي: الميزان في تفسير الميزان. مؤسسة النشر الإسلامي. جماعة المدرسين. قم 1423 ه/ ج 1 ص 115.

9. المصدر السابق: ص 115.

10. سورة البقرة / الآية 32.

ص: 50

11. سورة المائدة / الآية 32.

12. السيد الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن: مصدر سابق. ج 5 ص 316 - 217.

13. سورة المائدة / الآية 151.

14. سورة المائدة / الآية 33.

15. سورة البقرة / الآية 191.

16. أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن. دار الحديث. القاهرة 1987. م 8، ج 15، ص 58، أبو الفضل بن حسن الطبرسي: مجمع البيان في تفسير القرآن. منشورات مكتبة الحياة. بیروت (د. ت) م 3، ج 8 ص 231.

17. سورة الإسراء / الآية 33.

18. الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن. ج 13 ص 90.

19. سورة الفرقان / الآية 68.

20. سورة الأنعام / الآية 141.

21. سورة الأنعام / الآية 151.

22. سورة الإسراء 31.

23. الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن ج 7 ص (371-372)، ج 13 ص 85. وكذلك الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن م 8 ج 15 ص 57.

24. سورة النحل / الآيتان 58 - 59.

25. سورة التكوير / الآيتان 8 - 9.

26. الطبرس: مجمع البيان في تفسير القرأن. م 6 ج 3 ص 49.

27. سورة النساء / الآية 93.

ص: 51

28. سورة النساء / الآية 48.

29. سورة الزمر / الآية 52.

30. الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن. ج 5 ص 39، الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن. م 4 ج 5 ص 136 - 137، ص 156.

31. سورة البقرة / الآية 159.

32. القصاص مصدر، قاص يقاص، من قص أثرهُ إذا تبعهُ، ومنهُ القصاصّ لمن يحدث بالآثار والحكايات، كأنه يتبع اثار الماضي، فتسمية القصاص بالقصاص لما فيه من متابعة الجاني في جنایته فيوقع عليه مثل ما اوقعهُ على غيره. الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن. ج 2 ص 434.

33. الطباطبائي: المصدر السابق ج 2 ص 233.

34. أحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي: منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود، ج 2 المطبعة المنيرية بالأزهر 1372 ه ص 291.

35. محمد بن يعقوب الكليني: فروع الكافي. کتاب الديات، باب القتل (172) دار المرتضی بیروت 2013، ص 1788.

36. المصدر السابق: ص 1787، الساعاتي: ج 2 ص 289، عبد العظيم بن عبد القوي المنذري: الترغيب والترهيب من الحديث الشريف. مج 2، ج 3 دار مكتبة الحياة بیروت 1987 ص 183 - 186.

37. الكليني: فروع الكافي. المصدر السابق ص 1786.

38. الساعاتي: ج 2 ص 289، المنذري: م 2 ج 3 ص 183 - 186.

39. الساعاتي: ج 2 ص 289، المنذري: م 2 ج 2 ص 183 - 186.

ص: 52

40. الساعاتي: المصدر السابق ج 2 ص 290، والمنذري: المصدر السابق ص 187.

41. الكليني: مصدر سابق ص 1788.

42. الساعاتي: مصدر سابق ص 290، المنذري: مصدر سابق ص 187.

43. سورة الأحزاب / الآية 21.

44. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي: إحياء علوم الدين. مج 2، دار الكتب العلمية بیروت 1986 ص 395.

45. د. محمد حمیدالله الحیدر آبادي: مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. مطبعة لجنة التأليف والترجمة، القاهرة ط 2 / 1376 ه - 1956 م ص 282.

46. أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي: السنن الکبری، ج 8 مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حیدر آباد الدكن، الهند، 1356، ص 282.

47. میلغة الكلب: مايحفر من الخشب ليلغ فيه الكلب، ويكون عند أصحاب الغنم

48. أبو محمد عبد الملك بن هشام: سيرة النبي (صلى الله علیه واله) ج 2. مراجعة و تحقیق محمد محيي الدين عبد الحميد. مطبعة حجازي القاهرة 1937 ص 428 - 431. البيهقي: السنن الکبری: ج 9 ص 115، كذلك: عماد الدين أبو الفداء أبن كثير: السيرة النبوية، ح 3 تحقيق مصطفى عبد الواحد. دار المعرفة بيروت 1976 ص 591 - 592.

49. البيهقي: السنن الکبری ج 9 ص 116، ابو عبدالله محمد بن اسحاق بن اليسار المطلبي: سيرة النبي (صلى الله عليه واله). هذبها ابو محمد عبد الملك بن هشام بن ایوب الحميري، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ج 4، مطبعة المدني، القاهرة، 1383 ه - 1963 م، ص 1043- 1045، كذلك: أبو عبدالله محمد بن

ص: 53

أحمد الأنصاري القرطبي: الجامع لأحكام القران، مطبعة دار الكتب المصرية القاهرة، 1381 ه - 1961 م، ج 5 ص 339.

50. ينظر تفاصيل الحوادث في: سيرة أبن اسحاق: ج 4 ص 1039 - 1040، والقرطبي: الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 339 وكذلك أبن سعد، الطبقات الكبرى. مج 3، دار بيروت للطباعة 1978، ص 35 - 37. و محمد بن عمر بن واقد الواقدي: المغازی، ج 2 تحقيق الدكتور مارسدن جونس، دار المعارف القاهرة، 1965 ص 725.

51. عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر. وثيقة إسلامية ذات أبعاد قانونية - سياسية - أجتماعية - أدارية - أقتصادية - عسكرية - شكبة الفكر، .alfeker.net

52. المصدر السابق: ص 5 - 13.

53. محمد يعقوب الكُليني: أصول الكافي (ج 2) کتاب الإيمان والكفر / باب الظلم، دار المرتضی، بیروت 2012، ص 640 و 642.

54. الكُليني: فروع الكافي، کتاب الديات / باب القتل ص 1810، 1847، 1848

55. عز الدين أبي حامد عبدالحميد بن هبة الله المدائني، أبن أبي الحديد، نهج البلاغة، م 4، ج 17. دار الكتب العربية الكبرى، القاهرة، 1329 ه. ص 80.

56. أبن أبي الحديد: نهج البلاغة، ص 112 - 113. وكذلك أبن سعد، الطبقات الكبرى ، م 3، ص 35 - 36

ص: 54

الأساس الإداري والقضائي في عهد الأمام علي (عليه السلام)

اشارة

م. م. هند كامل م. م. أنسام سمير

ص: 55

ص: 56

الملخص

إن الرؤية السياسية التي تبناها الإمام علي (عليه السلام) في دولته كانت ذات آليات متطورة تبعاً للمنهج الإسلامي وتصوراته ولما يمتلك من خبرة دينية وعسكرية واجتماعية جعلته مؤهلاً لأن يكون صاحب منهج متميز في إدارة شؤون الدولة إداريا وقضائيا لذا يرى أمير المؤمنين أن بقاء القيادة السياسية الأولى للدولة في العاصمة وعدم خروجها للحرب اصلح فبقاؤها لإدارة شؤون الجنود والعسكر في الولايات وإدارة بیت المال واقتصاديات الدولة وبسط العدل والقضاء والعمل لاستقرار الدولة والمجتمع وتقدمهما بينما تذهب القيادات العسكرية لمحاربة العدو وقتاله.

ومن هذا المنطلق، فأن عهد الإمام عليٍّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي عهد به إلى واليه على مصر مالك الأشتر، والذي ضمّنه الخطوط العامّة والأمور المفصليّة للحكم وإدارة البلد بما يرضي الله، ويحفظ حقوق الرعية بمختلف طبقاتها، وخصوصاً تلك المغبونة حقّها دائماً، فهو بحقِّ دستور رصين، و قانون متكامل، يقضي على الحاكم أن يجعل وصاياه نصب عينيه، ومفاهيمه لا تفارق مخيلته.

ومن هنا فقد أفرد الإمام علي (عليه السلام) رسالةً مفصّلةً بهذا الخصوص في نهج البلاغة، وألزم الوالي بتطبيق مضامينها، حيث يقول: (هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللّهِ عَلِیٌّ أَمِیرُ الْمُؤْمِنِینَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِی عَهْدِهِ إِلَیْهِ، حِینَ وَلَّاهُ مِصْرَ: جِبَایَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا).

ولكن ليس من السهل الكتابة عن الامام علي عليه (عليه السلام) ودوره الفكري

ص: 57

في ترسيخ أسس بناء الدولة الاسلامية ولاسيما في مجال الإدارة والقضاء. ولكن الواقع الذاتي حفزنا على البحث والدراسة في هذين المجالين لأهميتها لذا سوف نتناول هذا الموضوع في مبحثين:

المبحث الأول: الأساس الإداري في فكر الأمام علي (عليه السلام) وقسمناه الى مطلبين المطلب الأول التنظيم الإداري للدولة في فكر الأمام علي (عليه السلام). أما المطلب الثاني فيتناول السياسة الادارية في فكر الأمام علي (عليه السلام). أما المبحث الثاني فيتضمن الفكر القضائي في عهد الامام علي (عليه السلام) وتم تقسيمه الى مطلبين المطلب الاول التعريف بالقضاء وينقسم الى فرعين: الفرع الأول القضاء في اللغة والفرع الثاني القضاء في الاصطلاح. أما المطلب الثاني فيتناول القضاء في عهد الأمام علي (عليه السلام) وينقسم الى ثلاث فروع: الفرع الأول مؤهلات القاضي وصفاته في فكر الأمام علي (عليه السلام) و الفرع الثاني وصايا الأمام علي في إجراءات التحقيق أما الفرع الثالث فيتناول استقلال القضاء.

ص: 58

المقدمة

أولا / أهمية موضوع البحث:

تتمثل اهمية هذا الموضوع بدور القائد للأمام علي (عليه السلام) في وضع أسس ودعائم الدولة الإسلامية التي تقوم على احترام حقوق الانسان واحترام انسانية الانسان وقد سعى الأمام علي (عليه السلام) سعيا حفيفا في سبيل تحقيق ذلك حيث تركز في ذلك على الجانب الإداري حيث اعتبر الامام علي (عليه السلام) أن الادارة لیست فعلا میکانیکیا بل هي مجموعة صفات وخصال تمتزج فيما بينها للحصول على المدير الجيد والادارة الجيدة وهذه الصفات هي التنظيم فلا ادارة بدون تنظیم ونظام فاذا نقص التنظيم حلت محله الفوضى. أما بالنسبة للمحور الاخر الاكثر بروزا في منهج حكمه (عليه السلام) وهو الأساس القضائي الذي اقترن فيه اسم الامام علي (عليه السلام) بالعدالة وامتزج بها قدرا كبيرا لذا اصبح اسمه عنوانا للعدالة واصبحت مفردة العدالة توحي باسم الامام علي (عليه السلام).

ثانيا / مشكلة البحث.

ان المجتمع الاسلامي يعاني من مشاكل كثيرة في الوقت الحاضر فيما يتعلق بالجانب الإداري المتمثل بالتنظيم الاداري للدولة و السياسة الادارية والجانب القضائي المتعلق بالإجراءات والاحكام القضائية وبالتالي فنحن بحاجة الى اصلاحات واقعية وعملية في هذين المجالين لذا لابد من اختزال هذه المشاكل ومعالجتها معالجة دقيقة حتى نستطيع النهوض بمجتمع قائم على اساس المفاهيم الاسلامية.

ص: 59

ثالثا / خطة البحث:

لقد قسمنا هذا البحث الى مبحثين: تناولنا في المبحث الأول الأساس الإداري في فكر الأمام علي (عليه السلام) وقسمناه الى مطلبين المطلب الأول التنظيم الإداري للدولة في فكر الأمام علي (عليه السلام). أما المطلب الثاني فيتناول السياسة الادارية في فكر الأمام علي (عليه السلام) وقد قسمناه الى فرعين الفرع الاول: الضوابط والمواصفات الشخصية لاختيار الولاة العمال والفرع الثاني: سياسة الإمام علي مع عماله. أما المبحث الثاني فيتضمن الفكر القضائي في عهد الامام علي (عليه السلام) وتم تقسيمه الى مطلبين المطلب الاول التعريف بالقضاء وينقسم الى فرعين: الفرع الأول القضاء في اللغة والفرع الثاني القضاء في الاصطلاح. أما المطلب الثاني فيتناول القضاء في عهد الأمام علي (عليه السلام) وينقسم الى ثلاث فروع: الفرع الأول مؤهلات القاضي وصفاته في فكر الأمام علي (عليه السلام) والفرع الثاني وصایا الأمام علي في إجراءات التحقيق أما الفرع الثالث فيتناول استقلال القضاء.

ص: 60

المبحث الاول: الأساس الاداري للدولة في عهد الأمام علي (عليه السلام)

يمتاز الأساس الاداري عند الأمام علي (عليه السلام) بمتانته وتماسكه واستناده الى قواعد منطقية رصينة فجاء هذا الفكر متميزا بخصائص قد لا يضفر بها اي مفكر داري غربي فهو فكر انساني لأنه ينظر الى الادارة بنظرة انسانية فالذي يتحرك في افق الإدارة هو الانسان وليس الاله كما وان نظرة الامام الى المؤسسة الادارية أنها مجتمع مصغر تتضامن فيه جميع المقومات الاجتماعية كما وان نظرته الى الاداة انها جهاز منظم وليس خليطا من الفوضى وأن لهذا الجهاز هدفا ساميا فالتنظيم لم يوجد عبثا بل وجد من أجل تحقيق اهداف كبيرة في الحياة. لذا سوف نقوم بتقسيم هذا المبحث الى مطلبين نتناول في المطلب الأول التنظيم الاداري لدولة الخلافة في عهد الامام علي (عليه السلام) وفي المطلب الثاني السياسة الإدارية في فكر الإمام علي (عليه السلام).

المطلب الأول: التنظيم الاداري لدولة الخلافة في عهد الامام علي (عليه السلام):

ان اولى أوليات الامام علي (عليه السلام) حين تقلد منصب الخلافة هو تنظيم الجهات التنفيذية والتشريعية لدولته، لأن «الامام هو اعلى سلطة ادارية في الدولة تنتهي اليه جميع السلطات وتستمد العناصر الادارية سلطاتها، بقدر ما يكون الامام منيباً الى القانون والنظم يكون المجتمع منتظماً سائراً في طريق التوازن الاجتماعي والاقتصادي»(1).

ص: 61

وانطلاقاً من ذلك فقد توجه الامام علي (عليه السلام) في مستهل سنة 36 ه الى «بعث... عمالة الانصار»(2)، وكان قد ورث أعباء ثقيلة من العهد السابق ولا سيما ولاة عثمان بن عفان المطعون في سيرتهم وسياستهم التي كانت في مقدمة الاسباب للثورة على الوضع السائد آنذاك، فاصبح «القرار التغييري الأكثر الحاحاً حينذاك هو اعادة النظر في الجهاز الاداري كونه الاداة التنفيذية المسؤولة للخلافة...»(3).

وكان الامام علي (عليه السلام) قد اسند مهام الحكم في عهده الى العمال والاقاليم الى كل من ابي ايوب الانصاري (ت 52 ه) على المدينة(4) وقيل: انه ولي عليهما تمام بن عباس «عندما سار من المدينة نحو البصرة»(5)، وقثم بن العباس (ت 55 ه) على مكة والطائف(6).

اما العاصمة الكوفة فقد تعاقب عليها عدد من الولاة وكان اولهم ابو موسى الاشعري(7)، وعمارة بن شهاب(8)، وقرطبة بن كعب الانصاري (ت 40 ه)، وبو مسعود البدري (ت 40 ه) وهاني بن هون النخعي (ت 40 ه)(9).، وقلد ولاية البصرة وكور الاهواز وفارس وكرمان الى عدد من الولاة منهم عثمان بن حنيف الانصاري (ت 57 ه)(10)، وعبد الله بن عباس، ت 65 ه وقيل 68 ه)(11).

ويذكر ابن عباس قد «جمعت اليه الصدقات والجند والمعاون أيام ولايته كلها...»(12)، وسمرة بن جندب (ت العقد 6 ه)(13)، وعين على المدائن سعد بن مسعود عم المختار الثقفي(14). اما ولاية الموصل وما يحيط بها حتى معركة صفين سنة(37 ه)، سنة (37 ه)، فقد اسندت الى مالك الاشتر (ت 38 ه)(15).

وولي على مسلحة عين تمر مالك بن كعب الارحبي(16). في حين اسندت ولاية البحرين الى عمر بن مسلمة (ت 83 ه)، وقدامة العجلان والنعمان بن العجلان

ص: 62

الانصاري (ت بعد سنة 37 ه) (17)، وعلى عمان الحلو بن عون الازدي، وبعد مقتله توجه معقل بن قيس الرياحي (ت 42 ه)، عندما وثب «بنو ناجية... وارتدوا عن الاسلام»(18).

وعقد الامام علي (عليه السلام) ولاية مصر الى قيس بن سعد (ت 59 ه)، وبعده «بعث علي على أمرة مصر مالك الأشتر النخعي فسار اليها... فلما بلغ القلزم شربه شربة من عسل فكان فيها حتفه... فلما بلغ علياً مالك الاشتر بعث محمد بن ابي بكر (ت 38 ه) على امرة مصر، وقيل وهو الاصح ان علياً ولى محمد بن ابي بكر بعد قيس بن سعد...»(19).

وعهد بولاية اليمن الى كل من عبيد الله بن العباس (ت 85 ه)، وقثم بن العباس.(20).

اما الشام فقد اسند ولايتها الى سهل بن حنيف (ت 38 ه)، ولكن لم يتسنَ له الوصول وتسليم مقاليد الامور(21).

في حين ولي اقليم فارس الى «خليدة بن قرة اليربوعي وقيل ابن ابزي*، ثم تولاها زياد ابن ابه (ت 51 ه) بعد سنة (40 ه) بعدها «طمع اهل فارس واهل کرمان فغلب اهل كل ناحية على ما يليهم واخرجوا عمالهم...»(22).

اما اقليم خراسان فقد «بعث علي خليدة بن قرة اليربوعي ويقال خليدة بن، طريف...»(23)، وولي على اصفهان عمر بن مسلمة (ت 86 ه)(24) وعقدت ولاية الري الى يزيد بن حجية التميمي،(25) وكان على اقليم اصطخر المنذر بن الجارود (ت 61 ه)، وعلى اذربيجان ولى الامام علي عليه السلام الاشعث بن قيس (ت 401 ه)(26)، وعقد لمصقلة بن هبير (ت نحو 50 ه)، على اردشير طره(27).

ص: 63

اما القضاء في العاصمة فقد اسندها الامام علي (عليه السلام) طيلة عهده الى اكثر من قاضي في مقدمتهم شريح القاض (ت 76 ه)، ومحمد بن يزيد بن خليدة الشيباني(28)، وسعيد بن نمران الهمداني (ت 70 ه)، وعبيدة السلماني (ت 72 ه)(29)، وتولى قضاء البصرة عدد من القضاة، منهم ابو الاسود الدؤلي (ت 67 ه)، وقيل الضحاك بن عبد الله الهلالي ويقال: عبد بن فضالة الليثي(30).

وكانت الحجابة من مسؤولية قنبر، مولى الامام علي (عليه السلام)(31).

وتولى مهام الكتاب لدى الامام علي (عليه السلام) عدد من الكتاب، كان اشهرهم عبيد الله بن ابي رافع (ت 40 ه)(32)، ثم سعيد بن نمران الهمداني(33)، وعبد الله بن جعفر (ت 88 ه)،وعبيد الله بن جبير (ت 81 ه)(34).

وكان صاحب الشرطة في عهد الامام علي (عليه السلام) كل من: معقل بن قيس الرياحي (ت 42 ه)(35)، ومالك بن حبيب اليربوعي*، وعلى شرطة الخميس الاصبغ ابن نباتة(36)**

وأسند الأمام علي (عليه السلام) مهمة خزانة بيت المال الى ابن ابي رافع (ت 40 ه)(37) واصبحت الخارطة الجغرافية لدولة الخلافة في هذه المدة هي «الحرمان والمصران، والحجازان، واليمن، والبحران، وعمان، واليمامة ومصر، وفارس، والجبل وخراسان...»(38).

ومن الدعائم التي يستند عليها الحاكم هم الوزراء والاعوان، والمستشارون وقد اولى الامام في فكره الاداري هذه الناحية اهمية كبيرة، وادراجها ضمن فقرات دستوره الشامل لعامة الحكام والولاة ليس لمالك الاشتر فحسب، فأوصى علي عليه السلام باختيار هؤلاء الوزراء والاع-وان والمستشارين بمواصفات غاية في الدقة ولا

ص: 64

سيما ممن لم تكن لهم سوابق ومؤشرات مشينة في العهود التي سبقت، فيكونوا من حسنت سيرتهم وسلوكهم فيوصيه عليه السلام ان: «شر وزرائك من كان قبلك للاشرار وزيراً ومن شركهم في الآثام فانهم اعوان الآثمة واخوان الظلمة...»(39).

وبالرغم من عدم ظهور منصب الوزراء في تلك المدة الا ان اثره كبير فيعدّ «الوزير عوناً على الامور وشريك في التدبير على السياسة ومفزع عند النازلة»(40).

وكان الامام علي (عليه السلام) قد سبق ولاته وعماله في التطبيق العملي لهذه الفقرة من الدستور او العهد الذي نظره، فقد اتّخذَ الامام علي عليه السلام وزراء واعوان ومستشارين من «اهل البصائر واليقين من المهاجرين والانصار مثل: عمار بن ياسر (ت 37 ه)، والمقداد (ت 30 ه) وابي ايوب الانصاري، وخزيمة بن ثابت (ت 37 ه) وابو الهيثم بن النبهان، وقيس بن سعد ومن اشبه هؤلاء من اهل البصيرة والمعرفة»(41).

وتلي هذه الحلقة حلقة اخرى من المستشارين والاعوان وهم على درجة كبيرة من الاستعداد لتقديم العون والمشورة ومنهم الحسن والحسين (عليه السلام) وصعصعة بن صوحان (ت 56 ه)، ومالك الاشتر وغيرهم(42).

ويستدل على نشاطهم في المعاونة والمؤازرة كتابه عليه السلام الذي عاتب فيه احد ابرز وزرائه ومعاونيه ابن عمه عبد الله بن عباس بقوله: «فاني كنت قد اشركتك في امانتي، وجعلتك شعاراً من بطانتي، ولم يكن من أهلي أوثق منك، لمؤاساتي ومؤازرتي...»(43).

ويعد التنظيم الاداري هو الخطوات الاولى لحكم الامام علي (عليه السلام) للانطلاق الى ميدان اوسع بالمهات والمسؤوليات والعمل ووفقاً لما تنبئ به ظروف

ص: 65

التغيير للواقع السياسي وفقاً لرؤية الامام علي عليه السلام السياسية والإدارية «على جادة الخلافة ويحاول ما بوسعه الجهد ان يجعل الحكم والرعية كليهما يحملان في نطاق الله، ويسيران على ما شرعه الإسلام...»(44).

المطلب الثاني: السياسة الإدارية في فكر الإمام علي

وضع الامام علي (عليه السلام) سياسة ادارية محكمة حدد فيها الوظائف واوضح طرق تعيين الموظفين وبين واجباتهم وحقوقهم واقام عليهم تفتيشا دقيقا ووضع اسس الثواب والعقاب والمسؤولية الادارية بشكل عام.

الفرع الأول: الضوابط والمواصفات الشخصية لاختيار الولاة العمال:

مما تقدم يبدو ان الإمام عليا كان ممعنا في اختيار عمال لإيمانه بالشخص الوالي من تأثير في الرعية عن طريق المؤهلات الذاتية والتي تمنحه له السلطة، فيقول في هذا الشأن: «فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة...»(45)، وتؤكد بعض المصادر ان لم يول إلا «ممن عرفوا بالصلاح...»(46)، و «أهل الديانات والأمانات..»(47)، اما بشأن تولية بعض المقربين من الإمام علي وهو من الأمور المنكرة على عثمان بن عفان، فيبرر العقاد هذا الاجراء بقوله: «فهو إذن بضع ما انكره على حكومة عثمان من اتيان الاقرباء بالولايات واقصاء الآخرين عنها... ولكنها مقارنة بالأشكال والحروف دون البواطن والغايات لان المقارنة الصحيحة بين العمليتين تسفر عن فارق كبير كالفارق بين النقيض والنقيض، فبنو هاشم، لم يكن لهم متسع لعمل أو ولاية في حكومة غير الإمام ولم يكن الإمام معتمدا على غيرهم بعد ان حاربته قريش وشاعت الفرقة والشغب بين اعوانه من أبناء الأنصار... وهم مع هذا لم يؤثروا بالولايات كلها...»(48)

ص: 66

ان الضوابط والمؤهلات الشخصية للعامل أو الولي، التي يؤكد عليها ان يكون من أصحاب المروءات وممن صهروا في البيوتات الصالحة ومن لها سبق في الدين الإسلامي وجاءت هذه الصفات الحميدة في قول الإمام علي (عليه السلام) «وتوخ من أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المتقدمة، نانهم اكرم اخلاقا واصلح اعراضا، واقل في المطامع اشرافا وابلغ في عواقب الأمور نظرا»(49).

وللكفاءة وأمانة الشخص المراد توليته، فانهما صفتان غاية في الأهمية والخطورة عند تسلمه زمام المسؤولية، ويبدو ان الإمام علي (عليه السلام) يشير إلى قاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب ويتبين ذلك من وصيته «ولكن اختبرهم بما ولوا الصالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم كان في العامة اثرة، واعرفهم بالأمانة وجها...»(50).

وللشخصية القويمة العارفة بقدر نفسها وقد الآخرين، في سلوكه وسياسته بإدارتها لمهامه في إطار الدولة والمجتمع، فيشير الإمام علي إلى ذلك بقوله:» لا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور، فان الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل» (51).

واشترط الإمام علي (عليه السلام) ان تكون النزاهة من الشروط والمواصفات الرئيسة لعمال الدولة وموظفيها وحدد الإمام علي الشخص النزيه بان «یکسر نفسه عن الشهوات وينزعها عن الجحمات فان النفس امارة بالسوء...»، فيكون مترفعا عن كل النزوات النفسية المعنوية مثل بهرجة الحكم أو أبهته أو النزوات المادية بتصرف بأموال الأمة التي قيد اوامره وعليه ان يحترم ذمم الرعية، ويذكر احد المفكرين عن هذه الحالة الخطرة والمهمة للجهاز الإداري للدولة بقوله: «وكسر النفس عن الشهوات اليت هي التعفف في الموظف الإداري على طرفي نقيض، أو من المستحيل ان عفيفا حتى استرسل مع شهواته وانقاد إلى نفسه الامارة بالسوء المغتر بالإمارة

ص: 67

والجاه الطويل العريض، وهل معنى ايصائه بردع نفسه عند الجحات إلا لتحذيره من الته-ور في المسائل الإدارية والعسكرية وان يتصف بالمتانة والتبصرة المشترطين في كل إداري...»(53)، ويحذر الإمام من احد أمراض الفساد الإداري وهي قبول الموظف الهدية أو اخذ الرشوة فيقول:؟ وان اخذ هدية كان غلولا، وان اخذ الرشوة فهو مشرك»(54).

وللصفات الاخلاقية جانب كبير من الأهمية تبعد صاحبها عن الشبهات والأساليب الدنيئة والملتوية، فمتى كان الموظف صادقا ورعا كان أشد حرصا على شؤون البلاد والعباد وتفضيله المصلحة العامة على موقعه الوظيفي، فضلا عن ان الورع يدفعه إلى الاخلاص فيشير الأمام علي بقوله: «والصق باهل الورع والصدق ثم رضهم على إلا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله...»(55).

ومن الصفات الإنسانية للحاكم الإسلامي ان يكون متواصلا مع شعبه ورعيته واقفا على حوائجهم سواء في حدود موقعه أو عند من تبعه من في دائرته أو رقعته الجغرافية، وهذه صفات القيادي الناجح القريب من شعبه ومن الله سبحانه وتعالى، ويقول الإمام علي: «أيما والي احتجب عن حوائج الناس احتجب الله يوم القيامة عن حوائجه...»(56)، وثم يذكر الإمام علي الحاكم ويحذره من نفسه بقوله: «وإياك والاعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء فان ذلك من اوثق فرص الشيطان في نفسه»(57).

ولا بد لعامل الدولة الإسلامية في أي مفصل من مفاصلها الحكومية أو الإدارية ان يكون على درجة من احترام الذات والابتعاد عن التكلف والتكبر، وان يكون كيسا غير مبتذل في سلوكيات تصغره عند العامة، وهذه النظم من عناصر النجاح الإداري، فيشير الإمام علي إليها في وصاياه إلى احد عماله على الصدقات ان «امض

ص: 68

اليهم بالسكينة والوقار، حتى تقو بينهم فتسلم عليهم ولا تخذج بالتحية لهم»(58). ودعم الإمام علي الشروط والمواصفات أعلاه بان يجري استعمال العمال عن طريق الاختيار والابتعاد عن الشفاعة العصبية القبلية أو الاجتماعية فأشار بقوله: «ثم انظر في أمور عمالك، فاستعملهم اختبارا ولا تولهم محاباة وأثرة»(59). وفي ضوء ما تقدم فان الإمام علي قد «وضع... أسسا متينة للنظام الإداري في الإسلام عند توليه الخلافة عام 35 ه..»(60).

الفرع الثاني: سياسة الإمام علي مع عماله:

57. أ- سياسة الثواب والعقاب.

58. ب- سياسة التفتيش والمراقبة.

59. ج- التوجيهات الإدارية للأمام علي إلى الولاة والعمال.

أ- سياسة الثواب والعقاب:

لقد اتسمت سياسة الامام علي (عليه السلام) مع عماله بين جانبي اللين والشده کل جانب يقدر ويقوم ويأخذ استحقاه من سياسية الامام علي لان امير المؤمنين حين تولي الحكم لم يكن يستهد من تولي الحكم تحصين التجربة او الدولة بقدر ما كان يستهدف المثل الأعلى للإسلام»(61).

وانطلاقا من جوهر هذا الهدف، كان الامام علي (عليه السلام) يحث عماله بتحقيق الافضل لرضى الله سبحانه وتعالى ولخدمة المسلمين ففي احد كتب الثناء والتقدير لاحد العمال المتفانين في واجبهم وعملهم يقول له عليه السلام «أما بعد فقد وفتروا على المسلمين قيثهم، وأطعت ربك ونصحت أمامك فعل المتنزه العفيف

ص: 69

فقد حمدت اثرك ورضيت امامك وابيت رجدك غفر الله لك والسلام»(62).

وضمن سياسة الثواب هذه وثمنينا وتشجيعا من الامام علي (عليه السلام) لكل عامل مخلص في الدولة عسى غيره من العمال والولاة أن يحتذى به فقد ارسل كتابا الى احد العمال الاكفاء في ادارتهم يبلغه فيه رضاه عنه قائلا «فأنك قد اديت خراجك واطعت ربك فغفر الله ذنبك وتقبل سعيك وحسن مآبك»(63).

أما من الجانب الاخر فان الامام علي (عليه السلام) اتبع سياسة الحزم والعقوبة فتفاوتت مساحة هذه السياسة بين العتب والتوبيخ الى الحبس. فالولاة جميعهم في نظر الامام علي (عليه السلام) على السواء الى في تقييم اداء العمل ويضع الامام علي (عليه السلام) هذه الحقيقة امام عين العمال والولاة فيقول لهم «وان تكونوا عندي في الحق سواء فاذا فعلت ذلك وجبت عليك النعمة ولي عليكم الطاعة وان لا تنكصوا عند دعوة ولا تفرطوا في صلاح وان تخوضوا الغمرات الى الحق فان انتم لم تسمعوا لي على ذلك لم يكن احد اهون عليه من فعل ذلك منكم ثم اعظم فيه العقوبة»(64).

وفي تقريع وتوبيخ لاحد عماله لما بلغه عنه من اعمال لا ترضي وانه سوف يتخذ اقصى العقوبات بحقه عندما يتحقق من الامر جاء في الكتاب «ان صلاح ابيك قد غرني بيك وان كان ما بلغني حقا لجمل اهلك وسشع نعلك خير لك فاقبل اليه حين يصل اليك كتابي»(65). وبعد التحقيق قرر الامام علي (عليه السلام) عزله وتقريعه وحبسه»(66). ولم يتسم موقف الامام علي (عليه السلام) بالتهاون مع ابن عمه عبد بن عباس عنما علم (عليه السلام) انه اخذ اموالا من بيت مال المسلمين بعث اليه كتابا شديد اللهجة وفيه من التهديد والتوعد باتخاذ اقصى العقوبات بحقهن واقسم على ذلك قائلا «فوالله لو ان حسنا وحسينا فعلا الذي فعلته لما كانت لهما عندي هوادة لله ولا ضفرا مني برخصة حتى اخذ الحق لظلومهما»(67) وعندما بلغ الامام علي (عليه

ص: 70

السلام) ان مصقلة ابن هبيرة يقسم الفيء بين ابناء عشيرته فقام الامام علي (عليه السلام) بإنذاره في الكتاب الذي بعثه اليه مبلغه موقفه منه بقوله «فولله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لان كان ذلك حقا لتجدن بك عليه هوانا فلا تستهن بحق ربك ولا تصلح دنياك بمحق دينك فتكون من الاخسرين عملا»(68).

ومن مواقف العدالة الملفتة للنظر في سياسة الأمام علي عليه السلام وعدم تهاونه مع اي انحراف صغيرا كان او كبيرا في سياسة الولاة والعمال ففي كتاب فيه الكثير من التقريع والوعظ لا لخيانة امانه او تجاوز لحقوق المسلمين بل لكونه استجابة لدعوة حضور وليمه ويعد الامام علي هذه الدعوة ليس لشخصه عثمان بن حنیف بذات بل تمثل لدعوه بمنصبه في الدولة فكتب اليه «اما بعد يبن حنيف فقد بلغني رجلا من فتية اهل البصرة دعاك الي مآدبة فأسرعت اليها تستطاب لك الالوان وتنقل اليك الجفان وما ظننت انك تجيب الي طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو»(69).

وهنالك العديد من المواقف الأخرى في سياسة الامام علي عليه السلام هذه مع ولاته وعماله»(70).

ب- سياسة التفتيش والمراقبة:

وضمن حلقات سياسة الامام علي (عليه السلام) الادارية كانت حلقة التفتيش والمراقبة لما لهذا الاسلوب من اثر ايجابي على سير الاعمال الادارية في زمن لم تكن الإدارة في الاسلام قد بلغت هذا المستوى من التطور»(71). وكانت سياسة الامام علي (عليه السلام) في هذا الجانب سیاسة دقيقة يحاول فيها ان لا يسمح باي انحراف يضر بالمنفعة العامة للمسلمين ويتوضح ذلك في كتاب لاحد عماله فيقول «فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة لأفتشن عن ذلك تفتیشا شافيا»(72).

ص: 71

ومن اساليب التفتيش الاداري الذي انتهجه الامام علي (عليه السلام) هو التفتيش الميداني بأرسال المفتشين ويمكن القول ان اللجان التفتيشية تذهب الى اماكن العمل الاداري ومن ذلك ما امر به الامام علي (عليه السلام) احد عماله وهو كعب ابن مالك بأن يتراس مجموعة تتولى مهمة التفتيش الميداني ويبلغه الامام علي (عليه السلام) توجيهات وتعليمات عمله بقوله: «اما بعد فاستخلف على عملك واخرج في طائفة من اصحابك حتى تمر بارض السواد كورة كورة فتسالهم عن عمالهم وتنظر في سيرتهم»(73).

ولم يكتفي الامام علي (عليه السلام) بأسلوب التفتيش العلني بل كان يعتمد على اسلوب التفتيش السري وذلك للاطمئنان والمراقبة على سياسات العمال العادلة وسلامة حقوق المسلمين فيوصي عامله على مصر مالك الاشتر بقوله «ثم تفقد اعمالهم وابعث العيون من اهل الصدق والوفاء عليهم فان تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الامانة والرفق بالرعية»(74). أي «اجعل عليهم طرفا او ناظرا يحفظهم ويخبرك بأحوالهم وافعالهم»(75).

ان استخدام الاشخاص الذين حسنت سيرتهم في المراقبة السرية كي يزودوا الوالي او الخليفة بأوثق الاخبار وادق المعلومات عن الموظفين لان تقاريرهم واخبارهم يتوقف على مصير الموظف في حالتي الثواب والعقاب والغاية من مراقبة الموظفين هي ان تقدم تقارير سرية وهم على حقيقتهم غير متظاهرين او مغالطين»(76).

ص: 72

ج. توجيهات الامام علي الادارية:

حرص الامام علي (عليه السلام) على ان تكون متابعته وتوجيهاته لعماله منذ اللحظات الاولى لاستعمالهم اذ يقوم الامام علي (عليه السلام) باستدعاء العامل ليملي عليه توجيهاته الخاصة بعمله وسياسته في ادارته ويذكر انه اراد ان يستعمل رجلا دعاه فأوصاه وقال «عليك بتقوى الله الذي لا بد من لقائه.. وعليك في ما أمرك به بمها يقربك من الله»(77).

ولم يكن الامام علي (عليه السلام) موجها فقط بل كان منكبا ایضا على وضع الخطط والسياقات الادارية للدولة بشكل عام ومنا ما اشار علي السلام الى اعماله للتخصص بالعمل وتقسيمه وتحديد المسؤولية بقوله «واجعل لرأس كل امر من امورك رأسا ليقهره كبيره ولا يشتت عليه كثيرها»(78). وهذا يدل من الناحية التنظيمية والادارية المعاصرة يقوم بجعل الاعمال الموكلة للأفراد على شكل دوائر متشابهة ولجميع الاعمال المتماثلة بدائرة واحدة ولكل عمل يحدد له رئيس من الكتاب بقسم ذلك التقسيم القدرة على ضبط الاعمال الموكلة بحيث لا تكون كبيرة يتعذر على الرئيس ادارتها ولا تخرج عن قدرته بتشتتها»(79).

ومن الاشارات التنظيمية الدقيقة والمهمة التي حذر الامام علي (عليه السلام) عماله وأولاده من ظاهرة خطيره غالبا ما تسبب بالاستئثار بمصالح الدولة والرعية وهي ظاهرة النفعيين والوصوليين الملتفين حول العامل او الوالي أو اي رئيس عمل فيحذر الامام علي (عليه السلام) من ذلك بقوله «فأن للوالي خاصة وبطانة فيهم استأثرا وتطاول وقلة انصاف في معاملة فأحسن مؤونة أولئك يقطع اسباب تلك الاحوال». ومن توجيهات الامام علي (عليه السلام) في السياسة الادارية دعوته الى الوالي ان يتمتع بالصبر ويبتعد عن اتخاذ القرارات المتسرعة وغير المدروسة والتي ربما تعود بالضرر على الدولة والرعية في ان واحد. ويوجه الامام علي (عليه السلام)

ص: 73

في ذلك بقوله «واياك والعجلة بالأمور قبل اوانها وضع كل امر موضعه واوقع كل عمله موقعه»(81).

وفي تنبيه اداري اشار الامام علي (عليه السلام) على الرئيس الاعلى او الوالي بالأشراف المباشر والاطلاع المستمر بكل شؤون دائرته ومعرفة حاجات الموظفين وخلق الانسجام الوظيفي فلا يكون بعيدا او متكلا على غيره فبهذا الخصوص وجه الامام علي (عليه السلام) التوجيه التالي «ثم امورك لابد من مباشرتها منها اجابة عمالك بما يعيا كتابك وفيها اصدار حاجات الناس عند ورودها عليك بما تخرج به صدور اعوانك»(82). ومن الأهداف التي يتوخاها الامام علي (عليه السلام) في متابعة العامل شؤون عماله «حتى لا تخفى عليه احسان محسن ولا إساءة مسيء لا يترك واحدا منها بغير جزاء فأن ترك ذلك تهاون المحسن واجترأ وفسد الامر وضاع العمل»(83).

ويعد التنظيم دلالة من دلالات رقي وتطور الدولة في فكرها و سیاستها وقد سبق الامام علي (عليه السلام) المشرعين السياسيين والاداريين جميعا بالإيعاز الى الاهتمام بالوقت وتنظيم العمل منذ البداية حتى تكون النتائج سليمة ومسددة في عملها وفي علاقتها بالرعية عن طريق الاعمال والخدمات المقدمة لها فيوصي الامام (عليه السلام) بهذا التوجيه «وامضي لكل يوم عمله فان لكل يوم ما فيه»(84). ومن التوجيهات القيمة ايضا التي اشار اليها الامام علي (عليه السلام) هو التذكير بالجانب العبادي الذي هو صلب وجوهر العمل للدولة الإسلامية فحث الأمام علي (عليه السلام) الولاة والعمال بأن يجعلوا أوقاتا خاصة للعمل العبادي والفرائص المكلفين بها عسى ان تكون فيها خير مراجعة مع النفس فيوصي (عليه السلام) بقوله «وأجعل النفسك في ما بينك وبين الله تعالى أفضل تلك المواقيت، وأجزل تلك الاقسام وأن كانت كلها لله، واذا صلحت فيها النية ، وسلمت منها الرعية»(85).

ص: 74

المبحث الثاني مفهوم الفكر القضائي في عهد الإمام علي (عليه السلام)

ان النظام القضائي يعد من الوظائف المهمة والخطرة في الاسلام لاهميته في تحقيق العدالة المساواة، وقد اهتم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في حل الخصومات والنظر في الدعاوى، كما اسند بعض الصحابة مهمة القضاء بين المسلمين في مقدمتهم الامام علي (عليه السلام) مما اكسبه خبرة واسعة في الجانب العملي، فضلا عن سعة علمه في احكام الشرع الاسلامي، ولبيان هذه الاهمية سنقسم هذا المبحث الى مطلبين نبين في المطلب الاول التعريف بالقضاء ودليل مشروعيته اما المطلب الثاني فسنبين فيه الية القضاء في عهد الامام علي (عليه السلام) وذلك على النحو الاتي:-

المطلب الأول: التعريف بالقضاء ودليل مشروعيته

سنتناول في هذا المطلب التعريف بالقضاء على الصعيد اللغوي والاصطلاحي وذلك في الفرع الاول اما الفرع الثاني سنبين فيه الغرض من القضاء ودليل مشروعيته وعلى النحو الاتي:

ص: 75

الفرع الأول: التعريف لغة واصطلاحا

أولا: القضاء في اللغة

يطلق لفظ القضاء في اللغة على معان منها(86):

1- الحكم: بمعنى المنع، ومنه سمي القاضي حاكما لمنعه الظالم من ظلمه، ومنه قوله تعالى ((وقضى ربك ألا تعبدوا الا اياه - الاسراء 23 -))، أي حكم واوجب.

2- الأداء: كما في قوله تعالى ((فاذا قضيتم مناسککم - البقرة 200 -))، أي اديتم وقضى محمد دينه أي اداه.

3- الإنهاء والتبليغ: كما في قوله تعالى ((وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب)) وقوله تعالى ((وقضينا اليه ذلك الامر)) أي انهيناه اليه وبلغناه اياه، لان الخبر ينتهي الى من يبلغه.

4- الهلاك والفراغ: كما في قوله تعالى ((فوكزه موسی فقضى عليه - القصص 15 - وقوله ((فمنهم من قضى نحبه - الأحزاب 23 -)) أي هلك. وقضى حاجته أي فرغ منها. ومنه قوله تعالى ((فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها - الأحزاب 37 -)).

5- المضي: كما في قوله تعالى ((ثم اقضوا الي ولا تنظرون - یونس 71 -)) أي امضوا.

6- الصنع والتقدير: يقال قضاه أي صنعه وقدره. ومنه قوله تعالى ((فقضاهن سبع سموات في يومين - فصلت 12 -)) أي صنعهن وقدرهن وخلقهن. ومنه القضاء والقدر.

واصل هذا اللفظ قضاي لانه من قضيت، فلما جاءت الياء - الالف الاخيرة قلبت همزة. والجمع اقضية. والقاضي في اللغة القاطع للامور. واستقضى فلان جعل

ص: 76

قاضيا. والواقع ان معاني القضاء في اللغة ترجع كلها إلى معنی واحد هو امضاء الشيء واحكامه، او اتمام الشيء والفراغ منه قولا اوفعلا (87).

ثانيا: القضاء في الاصطلاح

عرف الفقهاء القضاء بتعاریف تعددت فيها عباراتهم.

فقد عرفه ابن رشد وابن فرحون والامام علاء الدين ابو الحسن بن خليل الطرابلسي بانه ((الاخبار عن حكم شرعي على سبيل الالزام))(88)، وقد نظر هؤلاء الى صورة اللفظ او متعلقه او لازمه، والا فالقضاء انشاء لا اخبار لحصول مضمونه في الخارج به لا بغيره.

ولذا عرفه القرافي من المالكية بانه ((انشاء الزام او اطلاق)) کالالزام بالصداق او النفقة، واطلاق الارض المحياة اذا زال احياؤها والصيد البري اذا زال احرازه، وان كان من لازمه الزام المالك عند الاختصاص(89).

وعرفه الشافعية بانه ((الالزام ممن له ولاية الالزام بحكم الشرع في الوقائع الخاصة)) فخرجت الشهادة والفتيا لانتفاء ولاية الالزام العامة، وخرج نحو الحكم بثبوت الحلال، فانه ثبوت لا حكم، لان الحكم على عام غیر ممکن(90).

وعرفه فقهاء الاحناف بانه ((قول ملزم يصدر عن ولاية عامة))(91).

على ان هذا التعريف يدخل في القضاء ما ليس بقضاء. وهو قول القاضي في شأن ثبوت رؤية الهلال فهذا منه ليس حكما وانما هو ثبوت.

واقتصر بعض الحنابلة على تعريف القضاء باعتبار الأثر المترتب عليه فقالوا انه ((فصل الخصومات)).

ص: 77

ذلك انه يقضي الى وضع حد للنزاع الناشب. وهم يعنون فصل الخصومات على وجه مخصوص، ليخرج الصلح والتحكيم.

وعرف الجمهور القضاء بانه ((الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للنزاع بالاحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة)).

الفرع الثاني: الغرض من القضاء ودليل مشروعيته

الغرض من القضاء

القضاء امر لازم لقيام الامم، ولسعادتها، وحياتها حياة طيبة، ولنصرة المظلوم، وقمع الظالم، وقطع الخصومات، واداء الحقوق الى مستحقيها، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وللضرب على ايدي العابثين واهل الفساد، كي يسود النظام في المجتمع، فيأمن كل فرد فيه على نفسه وماله، وعلى عرضه وحريته، ومن ثم يزيد الانتاج، فتنهض البلدان ويتحقق العمران، ويتفرع الناس لما يصلحهم دنيا ودينا، فان الظلم من شيم النفوس، ولو انصف الناس استراح قضاتهم.

دليل مشروعيته

القضاء من عمل الرسل عليهم السلام، يدل على ذلك قوله تعالى ((وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان وكلا اتينا حكما وعلا - الانبياء 78، 79 -))، وقوله ((یا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، ان الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب - ص 26 -)).

ورسول الاسلام محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب الرسالة الخاتمة

ص: 78

والدائمة كما كان مامورا بالدعوة والتبليغ، كان مامورا بالحكم والفصل في الخصومات، وقد ورد في القرآن الكريم في غير اية ما يشير الى ذلك، منها قوله تعالى ((فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع اهواءهم - المائدة 48 -)) وقوله ((وان احكم بينهم بما انزل الله ولا تتبع اهواءهم - المائدة 49 -)) وقوله ((وان حکمت فاحکم بينهم بالقسط ان الله يحب المقسطين - المائدة 42 -)) وقوله ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما - النساء 65 -)).

ومن السنة احادیث، منها ما رواه عمرو بن العاص عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ((اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران، واذا اجتهد فاخطأ فله اجر)) وما روته السيدة عائشة ان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ((هل تدرون من السابقون الى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله اعلم. قال: الذين اذا اعطوا الحق قبلوه، واذا سئلوه بذلوه، واذا حكموا للمسلمين حكموا كحكمهم لانفسهم)) وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ((لا حسد الا في اثنتين، رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق. ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعمل بها)). وقد اجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاة والحكم بين الناس(92).

المطلب الثاني: القضاء في عهد الإمام علي (عليه السلام)

تبين في المبحث السابق الاثر الريادي للامام علي (عليه السلام) ولاسيما في عهد الخلفاء الراشدين الذين سبقوه، ((الذي اسهم في منحه القدرة على الاصلاح والتطوير بعد توليه الخلافة، وقد شملت اجراءات الامام علي (عليه السلام) كافة الجوانب ذات الصلة مؤسسة القضاء...))(93)، وهذه الجوانب هي:

ص: 79

الفرع الأول: مؤهلات القاضي وصفاته في فكر الإمام علي (عليه السلام)

لقد اعطى الامام علي (عليه السلام) للقاضي مكانة مرموقة ليقوي موقعه بين عمال الدولة والمجتمع، ففي واحدة من وصايا الامام علي (عليه السلام) المهمة التي تدل دلالة واضحة على سمو شخص القاضي ومكانته يوصي قاضيه شریح بقوله: ((یا شریح قد جلست مجلسا ما جلسه الا نبي او وصي نبي او شقي))(94).

وفي كتابه الى مالك الاشتر يوصيه باختيار القاضي بقوله: ((ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك... واعطه من المنزلة ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك...))(95).

وللامام علي (عليه السلام) تأكيد واضح على ثقافة من يعمل بالقضاء وعلميته، لكيلا يتسبب في ظلم وجور فرد او جماعات لظهور ذلك على امر الامة برمتها، ويوضح الامام علي (عليه السلام) في ذلك بقوله: ((ورجل قمش جهلا، موضع في جهال الامة... قد اسماه اشباه الناس عالما، وليس به... حتی ارتوى من آجر، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، فان نزلت به احدى المبهمات، هيأ لها حشوا رثا من رأيه، ثم قطع به فهو من لبس الشبهات... جاهل خباط جهالات... لم يعض على العلم بضرس واسع.. تصرخ من جور قضائه الدماء وتضج منه المواريث الى الله ...))(96).

ومن سمات القاضي المهمة في فكر الإمام (عليه السلام) التي تقوي قوة القضاء

وقراراته، هو ان يتمتع بالذاكرة القوية وان يكون فطنا عند تعامله مع قضاياه مهما کثرت وتعقدت ويشير الامام علي (عليه السلام) الى هذه السمة بقوله: ((لو اختصم

ص: 80

الي رجلان فقضيت بينهما ثم مكثا احوالا كثيرة ثم اتيا في ذلك لقضيت بينهما قضاء واحدا...))(97).

ومن السمات الضرورية في شخصية القاضي ان يكون ورعا ملتزما اشد الالتزام بالشريعة الإسلامية، متنكرا لذاته، ولا يمل من عمله ويحدد الامام علي (عليه السلام) معالم تلك الشخصية بوصية لمالك الاشتر بتأكيده على تلك السمات بقوله: ((اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الامور ولا تمحکه الخصوم ولا يتمادي في الزلة ولا يحصر في الفيء إلى الحق اذ عرفه...))(98).

وتعد النزاهة وعفة النفس من السمات الاخلاقية الواجب توافرها في شخصية القاضي، ومؤشرا مهما على سلامة العملية القضائية ففي احدى وصايا الامام علي (عليه السلام) في اختيار القاضي اكد على تلك السمة بقوله: ((ولا تشرف نفسه على طمع.. ممن لا يزدهیه اطراء ولا يستميله اغراء...))(99).

وعلى القاضي ان يتمتع بالمبدئية والحزم لكي يمضي في الاحكام واقامة دولة الحق والعدل وان لا تأخذه الرأفة والرحمة على من تثبت ادانتهم، ويذكر ((ان علي بن ابي طالب (عليه السلام)... اقام الحد على رجل فقال: قتلتني يا امير المؤمنين، فقال له: الحق قتلك، قال: فارحمني، قال: الذي اوجب عليك الحد ارحم بك مني...)(100).

وعلى القاضي ان يكون لديه المعرفة التامة باللغة وبفقرات القانون المستمد من القرآن والسنة النبوية الشريفة، وان يكون صيغة النطق بقرار الحكم واضحة وصريحة لا تحتمل التأويل، واكد الامام علي (عليه السلام) على هذه الفقرة المهمة بقوله: ((اذا كان الحد لعل او عسى فالحد معطل))(101).

ص: 81

الفرع الثاني: وصايا الإمام علي في إجراءات التحقيق

اما من الجانب الاخر فقد اكد الامام علي (عليه السلام) على التحقيق الذي هو احد العناصر الرئيسة والمهمة في سير العملية القضائية ولاسيما في القضايا التي يكتنفها الغموض، لذا تحتاج الى فكر قضائي ثاقب من اجل الوصول الى الحقيقة فاولى الامام علي (عليه السلام) هذا الجانب عناية كبيرة وضع لها بعض الاليات في وصاياه وعمله الذي يتم عن فكره القضائي الرصين ومن هذه الاليات، الية التفريق بين المهتمين. وهي طريقة مهمة وذكية في كشف ما ابهم والتبس من القضية عندما يكون فيها اكثر من طرف، وقد مارس الامام علي (عليه السلام) هذه الالية في عهد عمر بن الخطاب واستطاع كشف الجريمة وتحقيق العدالة وانصاف المظلوم وقال الامام علي (عليه السلام): ((انا اول من فرق بين الشهود الا دانيال...))(103).

اما في خلافته فقد تولى التحقيق في قضية بعد ان عجزت امكانية قاضيه شريح من کشف غموضها، فأحيلت القضية الى الامام علي (عليه السلام) فاتخذ اجراء التفريق بين المتهمين، ثم استجوبهم فتباينت اقوالهم مما سهل على الامام علي (عليه السلام) کشف غموض الجريمة واعترافهم بقتل الرجل واخذ امواله(103).

يؤكد الفكر القضائي للأمام علي (عليه السلام) على اهمية الاعتراف في عملية التحقيق ووقائع الثبوت؛ حتى لا يكره المتهم بانتزاع اعترافه بأساليب الضغط والاكراه، ويدعو الامام علي (عليه السلام) الى بناء اقرار الحكم على اعتراف المتهم بذنبه و جريرته، ومن تلك الامثلة اتيان احد مرتكبي الجرائم الى الامام علي (عليه السلام) ((فقالوا انه سرق جملا، فقال: ما أراك سرقت؟ قال: بلى، قال: فلعله شبه لك؟ قال: بلى قد سرقت، قال: فاذهب به یا قنبر فشد اصبعه واوقد النار وادع الجزار ليقطع، ثم انتظر اجيء، فلما جاء قال له: أسرقت؟ قال: لا، فتركه، قالوا: يا

ص: 82

امير المؤمنين، لم تركته وقد اقر لك؟ قال: اخذه بقوله واتركه بقوله...))(104)

ويعد وجود شهود الاثبات من اركان الدعوى القضائية المهمة التي تساعد القاضي على التوصل الى تحقيق العدل والمساواة في القضية المترافع فيها، ودعا الامام علي (عليه السلام) ان يطلب من المترافعين شهودا عدولا فقال: ((واجعل لمن ادعى شهودا غيبا امدا بينهم فان احضرهم اخذت له بحقه وان لم يحضره-م اوجبت عليه القضية...))(105).

وهناك جوانب مهمة اخرى حددها الامام علي (عليه السلام) في موضوع الشهود منها بقوله: ((لا اقبل شهادة على رجل وان كان حي...))(106)*. ومن التفاتات الامام علي (عليه السلام) وذلك بعض التفصيلات للشهود فيقول: ((ان شهادة الصبيان اذا شهدوهم صغار جاءت اذا كبروا ما لم ينسوها، وكذلك شهادة اليهود والنصارى اذا اسلموا جازت شهادتهم والعبد اذا شهد على شهادتهم ثم اعتق جازت شهادته اذا لم يردها الحاكم قبل ان يعتق وقال (عليه السلام)، اذا اعتق العبد لموضوع الشهادة لم يجز شهادته))(107).

اما الشريحة التي تقام عليها الحدود، فقد حددت الشريعة الاسلامية شريحة معينة من المجتمع لا تقام عليهم الحدود، او لا تقع عليهم احكام العلل الشرعية وانسانية فسلجية او مرضية وغيرها ويذكر ((ان من وجوب الامور المعتبرة للحد العلم بالتحريم، وانما اعتبر العقل والبلوغ لان الصبي والمجنون ليسا من اهل التكليف...))(108).

وعلى هذا استثنى الامام علي (عليه السلام) بعضهم من اقامة الحدود عليهم بقوله: ((لا حد على مجنون حتى يستيقظ ولا على الصبي حتى يدرك، ولا على النائم

ص: 83

حتى يستيقظ))(109)، ثم ان الحدود في الشريعة الاسلامية انما شرطت للتقويم وليس للانتقام، وجاء بهذا المعنى ان ((يضرب الرجل في الحد والتعزير ولا يحد ولا يربط، لان لكل عضو قسطا من الضرب ويتوقى الوجه والرأس واعط كل عضو حقه واتق وجهه ومذاكيره...))(110).

الفرع الثالث: استقلال القضاء

على الرغم مما عرف عن استقلال القضاء في عهد الخلفاء الراشدين بصورة عامة، فقد كان القضاء من حيث الوظيفة لم يكن مستقلا ((وانما كان عمل القاضي يقع ضمن مسؤوليات الخلفاء في مركز الخلافة والولاة في المناطق التابعة للدولة...)(111).

اما من حيث سلطة القضاء فقد كان مستقلا وان ((كان الخليفة هو الذي يولي القضاة فان هؤلاء كانوا نوابا عن الخليفة بل كانوا نوابا على الجمهور يوزعون العدل بينهم... ولم يكن تولية الخليفة للقضاة الا تمكينا لمن عنده اهلية للقضاء))(112).

وفي عهد الامام علي (عليه السلام) فقد تمتع القضاة بالاستقلالية التامة في عملهم واصدار احکامهم ففي بداية عهده (عليه السلام) ومع استمرار الفتنة او عز الى قضاة الدولة الاسلامية ((فاقضوا كما کنتم تقضون حتى تكون للناس جماعة... وحين ذاك اعرفكم ما عندي في هذه القضايا والاحكام التي استمررتم عليها...))(113)، وخير دليل على استقلالية القضاء في هذا العهد هو حضور الامام (عليه السلام) و خصمه النصراني عند قاضيه شريح في الكوفة وذلك عندما وجد الامام (عليه السلام) درعا مفقودا منه في حوزة النصراني وعند عرض القضية امام القاضی شریح قضى لصالح النصراني دون تردد او تأثیر من سلطة الخليفة الذي منحهم تلك الحرية في قضائهم(114).

ص: 84

الخاتمة

في نهاية بحثنا توصلنا الى جملة من النتائج من ضمنها:

1- ومن الدعائم التي يستند عليها الحاكم هم الوزراء والاعوان، والمستشارون وقد اولى الامام في فكره الاداري هذه الناحية اهمية كبيرة، وادراجها ضمن فقرات دستوره الشامل لعامة الحكام والولاة ليس لمالك الاشتر فحسب، فاوصى علي عليه السلام باختيار هؤلاء الوزراء والاعوان والمستشارين بمواصفات غاية في الدقة ولا سیما ممن لم تكن لهم سوابق ومؤشرات مشينة في العهود التي سبقت، فيكونوا من حسنت سيرتهم وسلوكهم فيوصيه عليه السلام ان: «شر وزرائك من كان قبلك للاشرار وزيراً ومن شركهم في الآثام فانهم اعوان الآثمة واخوان الظلمة».

2- ويعد التنظيم الاداري هو الخطوات الاولى لحكم الامام علي عليه السلام للانطلاق الى ميدان اوسع بالمهمات والمسؤوليات والعمل ووفقاً لما تنبيء به ظروف التغيير للواقع السياسي وفقاً لرؤية الامام علي عليه السلام السياسية والإدارية «على جادة الخلافة ويحاول ما بوسعه الجهد ان يجعل الحكم والرعية كليهما يحملان في نطاق دين الله، ويسيران على ما شرعه

الإسلام...»

3- لقد اتسمت سياسة الامام علي (عليه السلام) مع عماله بين جانبي اللين والشده كل جانب يقدر ويقوم ويأخذ استحقاه من سياسية الامام علي لان امير المؤمنين حين تولي الحكم لم يكن يستهد من تولي الحكم تحصين التجربة او الدولة بقدر ما كان

ص: 85

يستهدف المثل الأعلى للإسلام»

4- ومن اساليب التفتيش الاداري الذي انتهجه الامام علي (عليه السلام) هو التفتيش الميداني بأرسال المفتشين ويمكن القول ان اللجان التفتيشية تذهب الى اماكن العمل الاداري ومن ذلك ما امر به الامام علي (عليه السلام) احد عماله وهو كعب ابن مالك بأن يتراس مجموعة تتولى مهمة التفتيش الميداني ويبلغه الامام علي (عليه السلام) توجيهات وتعليمات عمله بقوله: «اما بعد فاستخلف على عملك واخرج في طائفة من اصحابك حتى تمر بارض السواد كورة كورة فتسالهم عن عمالهم وتنظر في سيرتهم»

5- وللامام علي (عليه السلام) تأكيد واضح على ثقافة من يعمل بالقضاء وعلميته، لكيلا يتسبب في ظلم وجور فرد او جماعات لظهور ذلك على امر الامة برمتها، ويوضح الامام علي (عليه السلام) في ذلك بقوله: ((ورجل قمش جهلا، موضع في جهال الامة... قد اسماه اشباه الناس عالما، وليس به... حتى ارتوى من أجر، واكتنز من غير طائل، جلس بين الناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، فان نزلت به احدى المبهمات، هيأ لها حشوا رثا من رأيه، ثم قطع به فهو من لبس الشبهات... جاهل خباط جهالات... لم يعض على العلم بضرس واسع.. تصرخ من جور قضائه الدماء وتضج منه المواريث الى الله ...))

6- وتعد النزاهة وعفة النفس من السمات الاخلاقية الواجب توافرها في شخصية القاضي، ومؤشرا مهما على سلامة العملية القضائية ففي احدى وصايا الامام علي (عليه السلام) في اختيار القاضي اكد على تلك السمة بقوله: ((ولا تشرف نفسه على طمع.. ممن لا يزدهيه اطراء ولا يستميله اغراء...))

ص: 86

7- يؤكد الفكر القضائي للامام علي (عليه السلام) على اهمية الاعتراف في عملية التحقيق ووقائع الثبوت؛ حتى لا يكره المتهم بانتزاع اعترافه باساليب الضغط والاكراه، ويدعو الامام علي (عليه السلام) الى بناء اقرار الحكم على اعتراف المتهم بذنبه وجريرته.

8- وقد تمتع القضاة في عهد الامام علي (عليه السلام) بالاستقلالية التامة في عملهم واصدار احكامهم ففي بداية عهده (عليه السلام) ومع استمرار الفتنة او عز الى قضاة الدولة الاسلامية ((فاقضوا کما کنتم تقضون حتى تكون للناس جماعة... وحين ذاك اعرفكم ما عندي في هذه القضايا والاحكام التي استمررتم عليها...))

ص: 87

المصادر

1- الموسوي، محسن باقر، الادارة والنظام الاداري عند الامام علي عليه السلام، بیروت، 1998 م).

2- ابن الجوزي، جمال الدين بن الفرج عبد الرحمن علي (ت 597 ه)، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، تحقیق سهیل زکار، (بیروت، 1995)، ج 3.

3- السعد، غسان، حقوق الانسان عند الامام علي عليه السلام.

4- الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 5.

5- ابن خیاط، تاریخ خليفة خياط.

6- ابن كثير البداية والنهاية، ج 3.

7- اليعقوبي، تاریخ، ج 2.

8- الكندي، ابو عمر محمد بن يوسف (ت 353 ه) الولاة والقضاة، تحقيق: محمد بن اسماعيل واحمد فريد المزيدي (بيروت 2003 م).

9- ابن خیاط، تاریخ خليفة خياط، المسعودی، مروج الذهب، ج 2.

10- ابن قتيبة، الأمانة والسياسية، ج 1.

11- ابن الاثير، الکامل، ج 3.

12- الدينوري، الأخبار الطوال

13- انظر: الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 1.

14- وکیع، محمد بن خلف بن حیان (ت 306 ه)، اخبار القضاء، مراجعة: سعید اللحام، (بیروت 2002 م).

15- ابن الكازروني، مختصر التاريخ.

16- ابن حبیب، المحبر.

ص: 88

17- الجهشياري، الوزراء والكتاب.

18- ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج/ 17.

19- الطرطوشي، سراح الملوك.

20- الاسكافي، ابو جعفر، المعيار والموازنة.

21- المسعودي، مروج الذهب، ج/ 2.

22- عبد المقصود، عبد الفتاح، المجموعة الكاملة الإمام علي بن أبي طالب، ج 4.

23- ابن عبد البر، الاستيعاب في معرفة الاصحاب، ج 2.

24- العقاد، عبقرية الإمام علي.

25- انظر: الكيذري، حدائق الحقائق.

26- الفكيكي، توفيق، الراعي والرعية.

27- المجلسي، محمد باقر، بحار الانوار الجامعة أخبار الأئمة الاطهار، ج/ 72.

28- الحكيم، حسن عيسى، الإمام علي روح الاسلام الخالد.

29- الصدر، محمد الباقر، الأمام علي (عليه السلام) سيرة وجهاد.

30- البلاذري، أنساب الأشراف، ج 2.

31- التوحيدي، البصائر والذخائر، ج/ 2.

32- الزركلي، اعلام، ج/ 7.

33- الشريف الرضي، نهج البلاغة.

34- ابن حمدون، التذكرة الحمدونية.

35- القندوزي، ينابيع المودة ذوي القربى، ج/ 1.

36- شمس الدین، نظام الحكم والادارة في الاسلام.

37- أبو يوسف، الخراج.

38- الكذري، حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة.

89

ص: 89

39- جعفر، نوري، فلسفة الحكم عند الامام علي (عليه السلام).

40- ابن عبد البر، بهجة المجالس وانس المجالس وشحذ الذاهن والهامس، ج 3.

41- حمود، خضیر کاظم، السياسة الادارية في فكر الامام علي (عليه السلام) بين الاصالة والمعاصرة، (بیروت 1999، م).

42- القلقشندي، مآثر الأناقة في معالم الخلافة، ج 2.

43- مختار الصحاح

44- تاريخ القضاء في الإسلام.

45- القضاء في الإسلام: تاريخه ونظامه؛ القضاء في الاسلام.

46- العيساوي: علاء كامل صالح، النظم الادارية والمالية في عهد الامام علي (عليه السلام).

47- الشيخ الصدوق، ابو جعفر محمد بن الحسين: (ت 381 ه - 991 م) من لا يحضره الفقیه، ج 3.

48- ابن ابی الحدید، عز الدين ابو حامد عبد الحميد هبة الله المدائني: (ت 656 ه - 1258 م)، شرح نهج البلاغة، ج 17، تح: محمد ابو الفضل ابراهیم، بغداد - 2005 م.

49- ابن حمدون، محمد بن الحسين بن علي: (ت 562 ه - 1166 م)، التذكرة الحمدونية، ج 1، تح: احسان عباس و بکر عباس، (بیروت - 1996 م)، یاقوت، الحموي (ت 626 ه - 1228 م).

50- الشيخ المفيد، ابو عبد الله بن محمد بن النعمان العكبري: (ت 413 ه- 1022 م).

51- ابن الاخوة: محمد بن احمد القرشي (ت 729 ه)، معالم القربة في احكام الحسبة،

52- تحقیق: محمد محمود شعبان و صدیق احمد عيسى المطبعي، (مصر، 1976 م).

53- الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 4.

54- لمزيد من التفاصيل انظر: الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 3؛

ص: 90

55- العسكري، ابو هلال الحسين بن عبد الله بن سهل (من اعلام ق 2 ه)، الأوائل، (بیروت، 1978 م).

56- الشيخ المفيد: الارشاد؛ الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 3.

57- المتقي الهندي: کنز العمال، ج 5.

58- الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 3.

59- الطوسي: الاستبصار.

60- ابن الاخوة: معالم القربة في أحكام الحسبة.

61- الديلمي: ابو الحسن بن محمد (ت 841 ه - 1437 م)، ارشاد القلوب، (بیروت، 1978 م)، ج 27.

62- ابن الاخوة: معالم القربة.

63- العيساوي: علاء کامل صالح، النظم المالية والادارية في عهد الامام علي (عليه السلام).

64- بدري: ثروت، النظم الاسلامية، (القاهرة، 1964 م)، ج 1.

ص: 91

الهوامش

1. الموسوي، محسن باقر، الادارة والنظام الاداري عند الامام علي عليه السلام، (بيروت، 1998 م)، ص 126.

2. ابن الجوزي، جمال الدين بن الفرج عبد الرحمن علي (ت 597 ه)، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، تحقیق سهیل زکار، (بيروت، 1995)، ج 3/ ص 345.

3. السعد، غسان، حقوق الانسان عند الامام علي عليه السلام، ص 15.

4. الطبري، تاریخ الرسل والملوك، ج 5، ص 155.

5. ابن خیاط، تاریخ خليفة خياط، ص 152، اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 124، ابن كثير البداية والنهاية ج 3/ ص 128.

6. اليعقوبي، تاریخ، ج2/ ص 124، ابن الجوزي، المنتظم، ج 3/ ص 405، تمام بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، ولد بمكة لام ولد واستعمله علي عليه السلام على المدينة، وادرك النبي صلى الله عليه وسلم، ان علياً لما سار الى العراق استعمل تمام، وكان للعباس عشرة من الولد وكان تمام اصغرهم مات ولا عقب له ...: انظر: الاميني، محمد هادي، اصحاب امير المؤمنين والرواة عنه، « بيروت 1992 م) ج 1/ ص 88.

7. اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 124.

8. الكندي، ابو عمر محمد بن يوسف (ت 353 ه) الولاة والقضاة، تحقیق: محمد بن اسماعيل واحمد فريد المزيدي (بيروت 2003 م)، ص 19، عمارة بن شهاب «كان له هجرة واستعمله الامام علي عليه السلام على الكوفة «، انظر: ابن حجر المسقلاني، احمد بن علي (ت 852 ه)، الاصابة في تمييز الصحابة، تحقیق: علي محمد البجاوي، (بیروت، 1993 م).

ص: 92

9. ابن خیاط، تاریخ خليفة خياط، ص 151، المسعودي، مروج الذهب، ج 2/ ص 277

10. اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 124.

11. ابن قتيبة، الامانة والسياسية، ج 1/ ص 105.

12. ابن الأثير، الكامل، ج 3/ ص 263.

13. اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 139.

14. الدينوري، الأخبار الطوال، ص 54، انظر: الطبري، تاریخ الرسل والملوك، ج 1/ ص 565، سعد بن مسعود: وهو (عم المختار بن ابي عبيدة بن مسعود الثقفي، من الاحلاف ويقال: ان مسعوداً جده هو عظیم القريتين، فولد مسعود سعداً وابا عبيدة ...)، انظر: ابن قتيبة، المعارف، ص 400، 401.

15. الدينوري، الأخبار الطوال، ص 154.

16. اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 135، مالك بن کعب الهمداني الارحبي: استعمله علي على دومة الجندل، وحين بعث معاوية مسلم بن عقبة المري اليها ...) و خرج في الف فارس واقتتلوا يوماً ثم انصرف منهزماً، وهو من العشرة الذين شهدوا صحيفة التحكيم في صفين ...)، انظر: الاميني، محمد هادي، اصحاب امير المؤمنين والرواة عنه، ج 2/ ص 905.

17. ابن خیاط، تاریخ خليفة خياط، ص 151.

18. اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 135.

19. ابن کثیر، البداية والنهاية، ج 7/ ص 235.

20. الطبري، تاریخ الرسل والملوك، ج 5 ص 155، «قثم بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أمير أدرك صدر الاسلام في طفولته ... وولاه ... علي بن ابي طالب على المدينة فاستمر الى ان قتل علي، فخرج في ايام معاوية الى سمرقند، استشهد بها

ص: 93

...، الزركلي، أعلام، ج 5/ ص 190.

21. الدينوري، الاخبار الطوال، ص 154.

(*) ابن زي وهو: «عبد الرحمن بن بزي الخزاعي، مولى نافع عبد الحارث الخزاعي، سكن الكوفة واستعمله علي على خراسان، وادرك النبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلفه ...» انظر: ابن عبد البر، (ت 463 ه) الاستيعاب في معرفة الأصحاب (بیروت 2003 م) ج 1/ ص 495.

22. الدينوري، الاخبار الطوال، ص 154.

23. المصدر نفسه، ج 3/ ص 401.

24. الطبري، تاريخ الرسل والملوك ج 4/ ص 558. خليدة بن طريف وهو: «من اصحاب امير المؤمنين عليه السلام بعثه الى خراسان بعد وقعة الجمل، وكانوا قد ارتدوا وعصوا ففتحها، وقيل انه بعث خليدة بن قرة اليربوعي ... ويقال خالد بن قرة بن طريف او خالد بن طریف بن قرة نسبة تارة الى ابيه واخرى الى جده...»، الامینی، محسن، اعیان الشيعة، حققه: حسن الامين، ط 5، بیروت، 200 م)، ج 10/ ص 121.

25. ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 3/ ص 364.

26. المصدر نفسه، ج 3/ ص 171. وهو «یزید بن حجية بن أبي عبيد الله بن خالد بن عائد بن ثعلبة بن الحارث بن تيم اللات بن ثعلبة ... ويقال يزيد بن ربيعة التميمي وقد شهد وقعة صفين مع الامام علي عليه السلام وكان احد الشهود في کتاب الصلح ...»، انظر: الشاهوردي، علي النمازي، مستدرکات علم رجال الحديث، (طهران، 1412 ه)، ج 8/ ص 279.

27. اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 140.

28. المصدر نفسه، ج 2/ ص 140.

ص: 94

29. وكيع، محمد بن خلف بن حیان (ت 306 ه)، اخبار القضاء، مراجعة: سعید اللحام، (بيروت 2002 م)، ص 58.

30. المصدر نفسه، ج 2/ ص 140.

31. ابن خیاط، تاریخ خليفة بن خياط، ص151. هو «عبد الله بن فضالة الليثي: ولدت في الجاهلية فعق عني ابي بفرس ...»، انظر: ابن عبد البر، الاستیعاب، ج 3/ ص 962.

32. المصدر نفسه.

33. ابن الكازروني، مختصر التاريخ، ص 77.

34. ابن حبيب، المحبر، ص 377.

35. الجهشیاري، الوزراء والكتاب، ص 23.

36. ابن خیاط، تاریخ خليفة بن خیاط، ص 151.

(*) مالك بن حبيب اليربوعي: «كان صاحب شرطته في الكوفة، ولما قدم امیر المؤمنين عليه السلام الكوفة بعد حرب البصرة يوم الاثنين ...36 ه، صعد المنبر وخطب اهل الكوفة فقال: والله اني لا ارى الهجر واسماع المكروه لهم قليل والله لئن امرتنا لنقتلنهم...»، انظر الاميني اصحاب امير المؤمنين والرواة عنه، ج 2/ ص 50.

(**) «وكان من خاصة أمير المؤمنين وعمره بعده، روى عنه الاشتر ووصيته إلى ابنه محمد ...» انظر: النجاشي، ابو العباس احمد بن علي بن احمد بن العباس (ت 450 ه)، رجال النجاشی، ط 5، (قم المقدسة 1416 ه)، ص 8.

37. ابن الجوزي، المنتظم، ج 3/ ص 407.

38. الدينوري، الاخبار الطوال، ص 156.

39. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17/ ص 34.

40. المصدر نفسه: ج 9/ 217.

ص: 95

41. الطرطوشي: سراح الملوك، ص 211.

42. الاسكافي، ابو جعفر، المعيار والموازنة، ص 98.

43. انظر: اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 124، المسعودي، مروج الذهب، ج 2/ ص 378.

44. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 16/ ص 130.

45. عبد المقصود، عبد الفتاح، المجموعة الكاملة الإمام علي بن أبي طالب، ج 4/ ص 102.

46. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 11/ ص 70.

47. اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 124.

48. ابن عبد البر، الاستیعاب في معرفة الأصحاب، ج 2/ ص 54.

49. العقاد، عبقرية الإمام علي، ص 168-169.

50. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17/ ص 54.

51. المصدر نفسه: ج 17/ ص 59،

52. انظر: الكيذري، حدائق الحقائق، ص 419، 430.

53. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17/ ص 59.

54. المصدر نفسه: ج 17/ ص 26.

55. الفكيكي، توفيق، الراعي والرعية، ص 25.

56. المجلسي، محمد باقر، بحار الانوار الجامعة أخبار الأئمة الأطهار، ج 72/ ص 345.

57. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17/ ص 36.

58. المجلسي، بحار الأنوار، ج 72/ ص 345.

59. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج17 /ص 87.

ص: 96

60. المصدر نفسه، ج 15/ ص 165.

61. المصدر نفسه، ج17/ ص 154.

62. الحكيم، حسن عيسى، الإمام علي روح الاسلام الخالد، ص 125.

63. الصدر، محمد الباقر، الأمام علي (عليه السلام) سيرة وجهاد، ص 61.

64. البلاذری، أنساب الأشراف، ج 20، ص 387.

65. اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 139.

66. الاسكافي، ابو جعفر، المعيار والموازنة، ص 130.

67. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 18/ ص 41.

68. اليعقوبي، تاریخ، ج 2/ ص 142.

69. التوحيدي، البصائر والذخائر، ج 2، ص 189.

70. الزركلي، اعلام، ج 7، ص 249.

71. الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص 527.

72. ابن حمدون، التذكرة الحمدونية، ج 1، ص 98.

73. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 16/ص 127.

74. القندوزي، ينابيع المودة ذوي القربی، ج 1، ص 439.

75. شمس الدين، نظام الحكم والادارة في الاسلام، ص 542.

76. اليعقوبي ، تاریخ، ج 2/ ص 140.

77. أبو يوسف، الخراج، ص 118.

78. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17/ ص 54.

79. الكذري، حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة، ص 545.

80. جعفر، نوري، فلسفة الحكم عند الامام علي (ع)، ص 55.

81. ابن عبد البر، بهجة المجالس وانس المجالس وشحذ الذاهن والهامس، ج 3، ص 48.

ص: 97

82. حمود، خضیر کاظم، السياسة الادارية في فكر الامام علي (عليه السلام) بين الأصالة والمعاصرة، (بیروت 1999، م)، ص 70.

83. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17/ ص 74.

84. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17/ ص 87.

85. القلقشندي، مآثر الأناقة في معالم الخلافة، ج 2، ص 325.

86. ابن ابی الحدید، شرح نهج البلاغة، ج 17/ ص 68.

87. مختار الصحاح: ص 540.

88. تاريخ القضاء في الإسلام: ص 9.

89. القضاء في الإسلام: تاريخه ونظامه. ص 5، القضاء في الاسلام، ص 11.

90. القضاء في الإسلام: تاريخه ونظامه. ص 6.

91. القضاء في الإسلام: تاريخه ونظامه. ص 6.

92. القضاء في الإسلام: ص 11.

93. القضاء في الإسلام: ص 12، القضاء في الاسلام: تاريخه ونظامه، ص 8.

94. العيساوي: علاء کامل صالح، النظم الادارية والمالية في عهد الامام علي (عليه السلام)، ص 273.

95. الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 3، ص 430.

96. ابن ابی الحدید: شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 47.

97. ابن حمدون: التذكرة الحمدونية، ج 1، ص 84 - 85.

98. الشيخ المفيد: الامالي، ص 286.

99. ابن ابی الحدید: شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 46.

100. ابن ابی الحدید: شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 46.

101. ابن الاخوة: محمد بن احمد القرشي (ت 729 ه)، معالم القربة في احکام

ص: 98

الحسبة، تحقيق: محمد محمود شعبان وصديق احمد عيسى المطبعي، ( مصر، 1976 م)، ص 14.

102. الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 4، ص 653.

103. لمزيد من التفاصيل انظر: الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقیه، ج 3، ص 434؛ العسكري، ابو هلال الحسين بن عبد الله بن سهل (من اعلام ق 2 ه)، الأوائل، (بيروت، 1978 م)، ص 143.

104. الشيخ المفيد: الارشاد، ص 155-116؛ الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 436.

105. المتقي الهندي: کنز العمال، ج 5، ص 217.

106. الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 3، ص 432.

107. الطوسي: الاستبصار، ص 472.

108. الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 3، ص 432.

109. ابن الاخوة: معالم القربة في أحكام الحسبة، ص 227.

110. الديلمي: ابو الحسن بن محمد (ت 841 ه)، ارشاد القلوب، (بیروت، 1978 م)، ج 27، ص 213.

111. ابن الاخوة: معالم القربة، 227.

112. العيساوي: علاء کامل صالح، النظم المالية والادارية في عهد الامام علي (عليه السلام)، ص 41.

113. بدري: ثروت، النظم الاسلامية، (القاهرة، 1964 م)، ج 1، ص 115.

114. انظر: ابو يعلى، الاحکام السلطانية، ص 66؛ العسكري، الاوائل، ص 143.

ص: 99

ص: 100

الرشد السياسي لدى الحاكم بين الغياب والحضور قراءة في الخطاب العلوي عهد الأشتر إنموذجاً

اشارة

د. محمد عبد الحمزة خميس الديني تربية القادسية / الكلية التربوية فرع القادسية -

ص: 101

ص: 102

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله ربِّ العالمين، وأتم الصلاة والتسليم على المبعوث رحمة للعالمين أبي القاسم محمد وآله المصطفين الأخيار، وصحبه المنتجبين الأبرار الذين والوه بإحسان إلى قيام يوم الدين.

الرشد بمفهومه العام إصطلاح يؤميء الى وجود منظمومة فكرية، وسلوكية تكشف عن تحلي الحاكم بالنضج والكياسة بما يجعله مؤهلاً للإدارة والقيادة، ومتمكنا من معالجة الأمور الآنية والمستقبلية، ومنتقلاً بالعباد من حالة التعثر الى حالة الخلاص بما يؤمن لهم العيش الكريم وتوفير الظروف اللازمة السليمة فينتقل بهم الى برَ الأمان، متعديا من الأزمات الى ما يصلح البلاد والعباد بوضع الحلول الكفيلة الناجعة المعربة عن أحقيته لإدارة البلاد.

إن الرشد كمصطلح إذا ما أضيف إليه ما بعده إتضح بحدود ما أضيف إليه کالرشد المالي، والرشد الاجتماعي وهكذا دواليك يتحدد مفهومه بحدود الإضافة، ويتضح المطلب في المقام بإضافة السياسة الى الرشد ليكون الرشد السياسي لدى الحاكم بين الغياب والحضور وأثر ذلك سلباً وإيجاباً، ويتخذ مادته من الخطاب العلوي، وليكون عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الى مالك الأشتر إنموذجاً، سيما وإن هذا العهد المبارك يحدد للوهلة الأولى عمل الحاكم برباعية لا تنفك إحداها عن الأخرى لتشكل منظومة متكاملة تتمثل بالجانب الإقتصادي بجباية خراجها، والجانب الأمني بحفظه،

ص: 103

والجانب الفكري باستصلاح أهلها، ثم التخطيط لإعمار البلاد.

لذا تحدد خطوط البحث المنتظم تحت عنوان الرشد السياسي لدى الحاكم بين الغياب والحضور قراءة في الخطاب العلوي عهد الأشتر إنموذجاً الى محاور ثلاث أولها يحدد مفاهیم مفردات البحث، والثاني يتعلق ببيان الأثر السلبي لغياب الرشد السياسي لدى الحاكم وتحديد مفهوم غيابه، والمحور الثالث يسلط الضوء على تحديد عناصر الرشد السياسي ومقوماته وبيان الأثر الإيجابي لتوفره، فإستعراض للنتائج، وخاتمة للبحث، وثبت بالمصادر.

المحور الأول مفاهيم مفردات البحث

إن من الضروري التعرف على المفردات المكونة للعنوان لإتصالها بتبيان المعنى الإجمالي له، وذلك بالوقوف على المعنى اللغوي والإصطلاحي وبيان التشابك بينهما.

الرشد في اللغة:

تعد الراء والشين والدال - رشد - أصل واحد يدل على إستقامة الطريق(1)، ومنه إصابة وجه الأمر والطريق(2)، ويأتي ويراد منه خلاف الغي، ونقيض الضلال(3) لقوله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»(4)، ويأتي بالفتح والضم ولعل الفارق بينهما إن الأول يخص الأمور الأخروية، والثاني أعم فيشتمل على الدنيوية والأخروية(5)، فهو الإهتداء الى أصح الأمور وأسلمها دنيوية كانت أم دينية، وقيل الرشد بمعنى الصلاح وهو إصابة الحق فيقال: أمر بيّن رشده أي صوابه.(6)

ص: 104

إنّ أغلب المعاني التي ذكرت للرشد تدور في إصابة وجه الأمر والحق، وفي الصلاح والهداية لذا عبّر الراغب عنه في أوضح مصاديقه الكاشفة عنه في الجانب المالي(7)، ومن هنا جاء التوسع في صدق معنى الرشد على الصلاح والإصلاح من إستعماله مع المال الى التوسع في الإستعمال الى الدين، فنجد الإمام الشافعي في معرض بيان تحديد رشد اليتيم من عدمه وتسليمه أمواله يقول: (الصلاح في الدين حتى تكون الشهادة جائزة وإصلاح المال، وإنما يعرف إصلاح المال بأن يختبر اليتيم....)(8)، ومثل هذا التوسع في الإستعمال يبدوا صريحاً في عبارة الشيخ الطوسي بقوله في الموارد ذاته: (فإذا بلغ وأونس منه الرشد فإنه يسلم إليه ماله، وإيناس الرشد منه أن يكون مصلحا لماله عدلاً في دينه، فأما إذا كان مصلحاً لماله غيرُ عدل في دينه غير مصلح لماله فأنه لا يدفع إليه ماله...)(9)، وكذا أشار إجمالاً الى أن الرشد هو العقل وإصلاح المال(10)، والمحصلة إن معاني الرشد اللغوية تحوم حول معنى الهداية والصلاح والنضج، وخلاف الغي، الموحية بحسن التصرف وسلامة التوجه.

الرشد في الإصطلاح

لا يبعد إستعماله عند اهل الفن والصناعة عن معناه اللغوي، فهو عندهم نقیض الغي الدال على إصابة الخير، ومنه الإرشاد بمعنى الدلالة على وجه الإصابة للخير(11)، وبه فسر الطبرسي قوله تعالى: «لَعَلَّهُم يَرشدُون» بإصابة الحق والهداية إليه(12)، وقريب منه عند الثعالبي في الكشف والبيان(13)، فهو أقرب ما يكون إصطلاحاً الى مجموع الإمكانات المتوفرة في الفرد الكاشفة عن صلاحه وأهليته لأدارة الأمور وسلامة تصرفه ضمن الأطر السليمة عند العقلاء، إنه قمة الوعي، والنضج المانع من الانجرار الى الفساد، وجميل تعريف الراغب الأصفهاني له سيما إذا كان أعم من وصفه المالي الى الوصف الأعم فيقول فيه بأنه: (ملكة نفسانية تقتضي إصلاح

ص: 105

المال وتمنع من إفساده، وصرفه في غير الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء)(14).

الرشد شرعاً

ونرصد فيه أبرز المعاني التي استعملها النص القرآني للفظ الرشد لأن التعرّف عليها كفيل بالتعرّف على المعاني ذاتها التي يستعملها الإمام أمير المؤمنين بوصفه العارف بالنص الدال عليه.

لقد ورد إستعمال الرشد في القرآن الكريم مقابل الغي ونقيضه ومنه قوله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»(15)، أي لعلهم يصيبون الحق ويهتدوا إليه(16)، وكذلك إستعمل بمعنى الإيمان في مقابل الكفر ومنه قوله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(17)، أي قد تميّز الإيمان من الكفر بالدلائل الواضحة والآيات الدالة عقلاً وسمعاً على ذلك(18)، ولعل المراد في الآية هو المصداق الأبرز من اللفظ وإنصراف المعنى إليه بدلالة السياق، وعليه نجد الفخر الرازي يذكر ألفاظاً متقابلة لبيان الرشد في المقام بأنه الحق والباطل، والإيمان والكفر، والهدى من الضلالة بكثرة الحجج أي تميّز الرشد من الغي(19)، كذلك إستعمل الرشد قرآنياً في الجانب المالي ومنه قوله تعالى «وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا»(20)، أي إبتلوهم وإختبروهم برشدهم المالي بحسن التصرف ووضع الأموال في محلها(21)، ومثلما إستعمل في الرشد المالي ورد إستعماله في الرشد الإداري کمتلازمتين بين الإختبار المالي والإداري فهما کاشفان عن صلاح الإدارة المالية ومنه قوله تعالى: «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ

ص: 106

فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا» وكذلك ورد إستعماله في الرشد الفكری كقوله تعالى «سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ»

إن القاسم المشترك في المعاني السالفة الذكر كما يبدوا من ظاهر الإستعمال إنها تدور في حسن التصرف، ووضع الأمور في محلها ببعديها المادي والمعنوي، الدنيوي والأخروي والذي يمنع من الإفساد، والصرف في الأوجه النافعة المتطابقة مع مراد العقلاء وأفعالهم.

السياسة في اللغة

تدور معاني السياسة في تدبير الأمور، وحسن رعايتها وإصلاحها، فقال فيها إبن منظور إن السياسة: (تدبير شؤون الدولة، فالساسة هم قادة الأمم ومدبروا شؤونها العامة)(24)، وقال في مورد آخر بأنها - السياسة -: (القيام على الشيء بما يصلحه(25).

السياسة في الإصطلاح

لم تبعد عبارات أهل الفن والإختصاص في تعريف لفظ السياسة عن المعنى اللغوي، إذ تدور في معاني التدبير والقيام بالأعباء على وجهها السليم بما ينجزه ويصلحه من حيث أنها (رأس مال السلطان، وعليها التعويل في حقن الدماء وحفظ الأموال وتحصين الفروج ومنع الشرور وقمع الدعار والمفسدين والمنع من التظالم المؤدي الى الفتنة والأضطراب)(26)، وهي (حفظ الشيء بما محوطه من غيره، فسياسة الرعية حفظ نظامها بقوة الرأي والأخذ بالحدود)(27)، فهي تنظيم العلاقة بين

ص: 107

الحاكم والمحكوم ضمن الأطر السليمة بما يعود فيها النفع على البلاد والعباد، وتنظيم العلاقة بين الأمة والأمم الأخرى بما يحفظ حقوقها ويجلب کرامتها.

إن المتتبع لكلمات أئمة الهدى (عليهم السلام) لا سيما الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يجد بوضوح إستعمالُه للفظ السياسة بمعاني الحفظ والرعاية ومداراة الأمر منها قوله (عليه السلام): (سوسوا إيمانكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، وأدفعوا أمواج البلاء بالدعاء)(28)، ومنها: (سياسة الدين بحسن اليقين(29)، ومنها: سياسة الدين ثلاث: رقة في حزم، وإستقصاء في عدل، وإفضال في قصد)(30)، ومنها: (سياسة الدين حسن الورع واليقين)(31)، ومنها: (حسن السياسة يستديم الرياسة)(32)، ومنها: (من حسنت سياسته دامت ریاسته)، ومنها: (حسن التدبير وتجنب التبذير من حسن السياسة(34) واشباهها بالنص والمعنى كثير يفضي الى المعاني ذاتها.

الحاكم:

ومرادنا منه الفرد الذي يتمتع بمساحة من الصلاحيات التي تؤهله لتطبيق القانون بوصفه الفرد الذي يحضى بمسؤلية فرعية أو رئيسية من الحكم والإدارة.

فنتهي مما سبق الى إجمالي ما إستبطنه عنوان البحث أنه النضج والقدرات الكافية والكفيلة المتوفر في جملة من الأفراد وآلياتهم في عملية إدارة شؤون البلاد والعباد وتسييس حوائجهم لما فيه مصالحهم، وحفظ كرامتهم وحقوقهم والتجاوز بهم لكل الأزمات وعبور العقبات، فيكون حينها الرشد السياسي منظومة تتفاعل فيها عناصرها وآلياتها من أجل السمو بمن يسيسوا أمورهم في شتى المجالات، وبتجاوز الأزمات والإبتعاد عن الإخفاق، وخلق أجواء النجاح الضامن لرقي البلاد والعباد، ومن هنا تبر أهمية حضور الرشد السياسي وخطورة غيابه.

ص: 108

المحور الثاني غياب الرشد السياسي بين التشخيص وأثاره السلبية على المحكومين.

إن توفّر الرشد السياسي لدى الحاكم ومجمل العاملين معه ينبيء عن نضج في القرار الذي يتخذونه، ويكتسب قوة، کما يكون له أثره الإيجابي على الأفراد، كما يعطي الحاكم قدرة على تجاوز الأزمات، وحلحلة الأمور المتشابكة، ويمنحه القدرة على رصد الأخطار ووضع الحلول الناجعة، مع إعطاء مساحة كبيرة لذوي المعرفة والحل والعقد بإبداء آرائهم ومشاركتهم الفاعلة بالإنتفاع من قدراتهم وقابلياتهم، وفسح مساحة واسعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي إن توفر الرشد السياسي فيها ساهم في إيجاد علاقة كبيرة حسنة بين الحاكم والمحكوم، وإن غاب لم تظهر إلاّ التشنجات والتقاطعات في تلك العلاقة مما يؤدي توتر في تلك العلاقات قد يفضي الى ما لا تحمد عقباه.

إن من الضروري تحديد المؤشرات التي تساعد وتعين على تحديد غياب الرشد السياسي كي يتضح بأن غيابه عقبة كؤود لا ينبغي إلاّ تجاوزها لخطورة ذلك الغياب ومن أبرزها:

المؤشر الأول:

إن من أبرز المؤشرات على غياب الرشد هو إخفاء المسؤول حقيقة الفشل وعدم إعترافه بوجود مشكلة، بل يصر على عدم وجودها ويعزز ذلك بتعداد إنجازات من نسج الخيال أو لا يليق أن تذكر لضآلتها من أجل التغطية على مساحة التباطؤ في إنجاز ما كان مأمولا منه.

ص: 109

إن النص القرآني يضع أيدينا على قضية مهمة تتلخص بضرورة تحديد المشكلة وضرورة تطويقها وتحجيمها بالمعالجة بطرحها و طرح علاجها وعدم السكوت عليها أو بذكر الإنجازات بغية تغطية ذلك الفشل، فنلاحظ في سورة التوبة قوله تعالى: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ»(35) كيف يستعرض المولى تبارك وتعالى كثرة المسلمين المتجهين لحرب المشركين يوم حنين وتلبّسهم بحالة العجب مع كثرتهم وكيفية خسارتهم المعركة باديء ذي بدأ حتى ولّو الأدبار منهزمين إلاّ قلة مؤمنة، فلم نجد النص يغض الطرف عن هذه المشكلة بحجة إنتصارات المسلمين السابقة بل طرحها ليعالجها ويسعى لتطويقها حتى لا تتكرر ثانية، فهي رسالة يوجهها النص الكريم تعرب عن حضور الرشد لدى القائد، وخطورة غيابة(36)، وضرورة معالجة المشكلة ووضع الحلول الناجعة لا بذكر الإنجازات التي لا تغني في المقام مع فرض صحتها في المورد ووقوعها على وجه الحقيقة.

إن إنموذجاً آخراً يسوقه النص الكريم يدللنا على ضرورة حضور الرشد وخطورة غيابه حين تطرأ المشكلة، فملك مصر الفرعون حين إستشعر عن طريق الرؤيا ضخامة ما رآه وأصر على التعرف على تأویلٍ سليمٍ يتطابق مع الحقيقة حتى وفقه الله وألهمه الصواب بالتوصل إلى ما كان يريد عن طريق نبي الله يوسف (عليه السلام)، ثم لم يكتف بالتعرف على التأويل بل سلَّم الأمر وزمامه إلى نبي الله يوسف (عليه السلام) کي يحلّ هذه الأزمة موجهاً رسالة الى كلّ حاکم بضرورة تحلية بالنضج الإداري والسياسي، فكما تحلى الملك المصري بالرشد السياسي وخلّص الأمة من الأشكالات وأنقذهم من الهلكة، حريّ بمن يريد بلاده تأمن وتصل الى بر الأمان

ص: 110

أن يتخذ من هذا الأمر وهذا النهج مسلكاً.

إن النهج العلوي الذي خطه امير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) کفیل بمن يرصده يجد ما نحن بصدده واضحاً جلياً، فيكتب الأمام (عليه السلام) الى واليه على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري يؤنبه الى سرعة إستجابته الى وليمة دعل إليها من قبل بعض فتية أهل البصرة، وكان بالإمكان التستر عليه ومحاسبته بالسر، إلاّ أ، الأمر في نظر الإمام (عليه السلام) يستوجب الإظهار وعدم المهادة، بل يستوجب السرعة في المعالجة وكبح الجماح فيقول مخاطباً واليه: (أما بعد یا بن حنیف، فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان. وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو. فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجهه فنل منه. ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدى به، ويستضئ بنور علمه)(37)، إنه أمر يدوي آناء الليل وأطراف النهار ومنهج يتلى في كل زمان، ورشد لابد وأن يكون حاضراً عند كل من يريد التصدى لإدارة البلاد وتسييس شؤون العباد.

إن عهد الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر يشهد لما نحن بصدده حيث يقول (عليه السلام): (ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور. وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم. وإنما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده. فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح. فأملك هواك، وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيها أحبت أو كرهت...)(38).

ص: 111

المؤشر الثاني

إن المؤشر الثاني لغياب الرشد السياسي لدى الحاكم يظهر بإنتاجه الأزمات التي يحاول جاهداً إشغال الرأي العام بها، وكأنه لا يعلو له صوت أو بقاء إلاّ بتلك الأزمات، وخلقه للصراعات، وتفعيله للمآزق، وتشديده على خلق الإرباكات في السياسة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بحجة ضرورة إشغال العامة بالهموم الضيقة، وعدم التوجه الى الأمور العامة، بينما الحاكم الذي يمتلك رشداً سياسياً وأفقاً واسعاً ورؤية سليمة يسارع الى إستحواذ الأزمة وإطلاق الحلول التي تطوقها، فيطرح لها عدّة حلول إستباقية لا تسمح بإنتشارها، بل تقيدها كفعل نبي الله يوسف (عليه السلام) حين إستحوذ على الأزمة الاقتصادية في مصر ببركة ما يحمله من رؤية سليمة، وتقنية وآليات تحديد الأزمة وحضور للرشد السياسي.

وكفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما أشعل معاوية فتيل أزمة سياسية في مصر بإغتياله عامل الإمام محمد بن أبي بكر على يد شرذمة من المنتفعين، فنظر (عليه السلام) الى أهمية المصر ومايمكن أن يحدثه إغتيال محمد بن أبي بكر من أزمة في البلد، فعمد (عليه السلام) الى تطويق تلك الأزمة بإختيار كفاءة عسكرية وإدارية أثبتت التجارب قدرته على حسن القيادة وحسن الطاعة وإمتلاكه لآليات التغيير السليمة، فبادر (عليه السلام) الى إرسال المغوار مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن سلمة بن ربيعة النخعي المعروف بالأشتر، بمعيته عهده المبارك، معلناً عن رشد سیاسي يتحلى به الإمام (عليه السلام) ونظر ثاقب الى ضرورة تطويق الأزمة وتضييق رقعتها بإرسال الأكفأ بغية إصلاح ما أفسده القوم، محدداً له معالم إصلاح ذلك الفساد بقوله (عليه السلام): (ولیکن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في إستجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عبارة أخرب البلاد

ص: 112

وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلاّ قليلا ...)(39).

ومن نماذج تطويق الأزمة وإنهائها لا السعي في إنتاجها موقف الامام يوم إستلم الخلافة الظاهرية، إذ عمد الى التصريح بسعيه الى إرجاع الاموال التي إختلست والتي تصرف بها القوم الى بيت مال المسلمين، وسعيه في تطهير جهاز الحكم بإقالة المفسدين من الولاة، وكذلك النظر بشأن المعارضين السياسين وحفظ حقوقهم إن أبَو الرضوخ لحكم الامام وبيعته ما لم يحدثوا شرخاً في الأمة أو يعيثوا في الارض فساداً، وقد صرّح (عليه السلام) في غير موضع الى بعض عماله بقوله: (وإخفض للرعية جناحك وابسط لهم وجهك، وألن لهم جنابك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك.....)(40)، ومثله في عهده الى مالك الأشتر (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك، مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم، ووالي الامر عليك فوقك، والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم)(41)، ومن نماذج تطويق الأزمة ومعالجتها لا إنتاجها فعله (عليه السلام) حين بلغه عن عين سلطها لمراقبة عمل الولاة والحكام، فقد بلغه أن بن هرمة قد خا سوق الأهواز فکتب (عليه السلام) الى عامله (إذا قرأت كتابي فنح ابن هرمة عن السوق وأوقفه للناس واسجنه وناد عليه، واكتب إلى أهل عملك تعلمهم رأيي فيه، ولا تأخذك فيه غفلة ولا تفريط فتهلك عند الله، وأعزلك أخبث عزلة - وأعيذك بالله منه - فإذا كان يوم الجمعة فأخرجه من السجن، واضربه خمسة وثلاثين سوطا، وطف به إلى الأسواق فمن أتی علیه بشاهد فحلفه مع شاهده وادفع

ص: 113

إليه من مكسبه ما شهد به عليه ومر به إلى السجن مهانا مقبوحا ومنبوحا، واحزم رجليه بحزام، وأخرجه وقت الصلاة ولا تحل بينه وبين من يأتيه بمطعم أو مشرب أو ملبس أو مفرش...)(42)، والنماذج على وأد الأزمات في مهدها لا السعي في إنتاجها كثيرة وفيها أشير إليه كفاية.

المؤشر الثالث

إن الحراك الذي يُحدثه الواعون المهتمون بشأن أبناء جلدتهم لا يُقلق الحاكم المتمتع بالرشد السياسي لأنه يعي أن حراكهم في حقيقته حراك تقويمي، وإن لم يكن تقويمياً كأن يكون لديهم شبهة فهم أحوج ما يكونوا لرفع هذه الشبهة، لا أن يعنفوا ويقمع حراكهم وتکمم أفواههم، ويوصموا بأنواع التهم وتلصق بهم الأوصاف السيئة.

إنّ الحاكم الرشيد المتمتع بالحنكة السياسية السليمة أسرع من غيره في إحتواء الأمور ومعالجتها، وحينها تظهر ضرورة حضور الرشد السياسي لدى الحاكم من حيث قدرته وقابليته على التعايش في ظل السلم الأهلي.

إن من نماذج رشد الحاكم وتفاعله مع حراك الشعوب وإحتوائه وتطويق تلك الأزمة موقف الإمام علي (عليه السلام) من الخريت بن راشد الناجي الذي دخل على الامام بعد مشكلة التحكيم في ثلاثين من أصحابه يمشي بينهم حتى قام بين يديه فقال: (لا والله لا أطيع أمرك، ولا أصلي خلفك، وأني غداً مفارق لك، فقال (عليه السلام): ثكلتك أمك، إذا تنقض عهدك، وتعصي ربك ولا تضر إلاّ نفسك أخبرني لم تفعل ذلك...)(43)، إن الامام يَجِدّ في تطويق الأزمة ويعقد حواراً معهم لبيان ما أشكل عند القوم ويدعوهم الى مؤتمر للإجابة على ما إختلط من الأمر عندهم إلاّ

ص: 114

أنهم نقضوا ما أُبرم ولم يحضروا في الموعد المحدد لهم حتى ذمهم الإمام بعد إستنفاذ الطرق المتعددة معهم فقال فيهم: (بعداً هم کما بعت ثمود، أما لو أشرعت الأسنة إليهم، وصبت السيوف على هاماتهم، لقد ندموا على ما كان منهم...)(44)، وغير بعيد من هذا موقف الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من طلحة والزبير ومن لف لفهما.

إن الحاكم المتصف بالرشد السياسي عليه أن يميّز بين حراك الشعوب القائم على أسس غير سليمة تريد نشر الفوضى بين العباد وتهلك البلاد، وبين التي تبغي الإصلاح وتقصد الخير بالاحتكام الى المنهج السليم المقنن بقانون يكشف عن سلامة هذا التحرك ومشروعية مطالبهم بخلاف الحراك المتجه للإصلاح وعقلانية مطالبه، فالسياسي الراشد هو القادر على التمييز بين الحراكين القادر على إحتوائهما بما يناسب كلّ منهما، حيث يخلق في المجتمع حالة القناعة ويصنع الثقة في الحاكم إذ يُلتمس منه الصدق والجدية في التعامل مع الأزمات إجمالاً والقدرة على إيجاد الحلول بنشر الأمن والأمان.

إن قراءة متأنية لخطاب أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر يظهر منها وضعه الخطة مستقبلية إحترازية تمكنه من التعامل مع أمثال هذه الأزمات فيقول (عليه السلام): (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك، مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم، ووالي الامر عليك فوقك، والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم. ولا تنصبن نفسك لحرب الله، فإنه لا يدي لك بنقمته، ولا غنی بك

ص: 115

عن عفوه ورحمته. ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة. ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع، فإن ذلك إدغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرب من الغير ...)(45)، وكم بين هذا الإستشراف المستقبلي عند الإمام (عليه السلام) وبين ما يختزنه معاویه بوصفه حاکم حيث يروى(46) أن سودة بنت عمارة الهمدانية دخلت عليه بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)، فجعل يؤنبها على تحريضها عليه أيام صفين، وآل أمره إلى أن قال: ما حاجتك؟ قالت: إن الله مسائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقنا ولا يزال يتقدم علينا من قبلك من يسمو بمكانك ويبطش بقوة سلطانك، فيحصدنا حصيد السنبل ويدوسنا دوس الحرمل، يسومنا الخسف ويذيقنا الحتف، هذا بشر بن أرطاة قدم علينا فقتل رجالنا، وأخذ أموالنا، ولولا الطاعة لكان فينا عز و منعة، فإن عزلته عنا شكرناك وإلا کفرناك، فقال معاوية: إياي تهددين بقومك يا سودة؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشوس فأردك إليه فينفذ فيك حكمه فأطرقت سودة ساعة ثم قالت:

صلى الاله على روح تضمنها *** قبر فأصبح فيه العدل مدفونا

قد حالف الحق لا يبغي به بدلا *** فصار بالحق والایمان مقرونا

فقال معاوية: من هذا يا سودة؟ قالت: هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والله لقد جئته في رجل كان قد ولاه صدقاتنا فجار علينا، فصادفته قائما يصلي، فلما رآني انفتل من صلاته ثم أقبل علي برحمة ورفق ورأفة وتعطف، وقال: ألك حاجة؟ قلت: نعم، فأخبرته الخبر، فبكى ثم قال: اللهم أنت الشاهد علي و عليهم، وأني لم آمرهم بظلم خلقك، ثم أخرج قطعة جلد فكتب فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلکم خیر لکم إن کنتم مؤمنين، فإذا قرأت كتابي

ص: 116

هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك، والسلام». ثم دفع الرقعة إلي، فوالله ما ختمها بطين ولا خزنها، فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنا معزولا، فقال معاوية: اكتبوا لها كما تريد، واصرفوها إلى بلدها غير شاكية.

إنها حقيقة ناصعة تكشف عن غياب الرشد السياسي عند معاوية بإختلاقه الأزمات التي يعتاش منها ويُشغل الناس فيها ويكمم أفواه معارضيه.

المحور الثالث حضور الرشد السياسي وآلياته

إنّ الرشد السياسي في حقيقته نتاج تفاعل عدّة مكونات في بناء مستوى معرفي نقدي عند الفرد أو الجماعة يؤهلها لتجاوز الأزمات والإبتعاد عن أسباب الإخفاق في المجالين الاجتماعي والسياسي(47).

إن الرشد لفظ يصح إطلاقه على الحاكم والفرد والمجتمع على حد سواء، فإذا توفرت في الحاكم أو الفرد أو المجتمع مميزات الرشد صح إطلاقه عليها حينئذ فيقال حاکم رشید وفرد رشید و مجتمع رشيد وذلك برصد تصرفاته الحسنة في ضبط المواقف ووضع الأمور في محلها، فحينها تكون ناضجة متميزة بالرجحان، ومن أبرز المؤشرات على وجود الرشد السياسي ترصد من خلال:

1- النزوع العقلي وذلك بإستباقه للحدث أو التعايش مع تفاصيله ولملمة أطرافه بما يخدم الصالح العام، وتغليب المصالح العليا التي تفصح حقيقة عن حضور الرشد السياسي لدى الحاكم، ونرصد أمثال هذا الرشد في أمثلة متعددة منها ترجيح المصلحة وإيثار حفظ النظام ودفع الخطر وتغليبه الى وقت تتضح فيه الأمور وتنكشف فيه

ص: 117

الحقائق، كفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) مع ماله من الأدلة النقلية والعقلية إلاّ أنه آثر تغليب الصالح العام الذي به تحفظ معالم الإسلام فيسجل التاريخ لنا موقف الإمام علي (عليه السلام) من أحداث ما بعد وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) و کیف غلّب مصلحة الاسلام، والمحافظة عليه فيقول (عليه السلام): (أما والله لقد تقمصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحي. ينحدر عني السيل ولا يرقى إلى الطير. فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها کشحا. وطفقت أرتأي بين أن أصول بید جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير. ويشيب فيها الصغير. ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه فرأيت أن الصبر على هاتا أحجی فصبرت وفي العين قذي. وفي الحلق شجا أری تراثي نهبا حتى مضى الأول لسبیله ....)(48)، ومثله ترکه (عليه السلام) لفدك بيد من صادرها مسجلاً بشاعة ما إرتكبوه من غصب للحقوق ومصادرة لنصوص القرآن فيقول (عليه السلام): (بلي كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين. ونعم الحكم الله. وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لوزيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر، وسد فرجها التراب المتراكم، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق)(49).

2- الإيجابية ويُتعرف عليها من خلال الابتعاد عن السلوك التخريبي، والسعي في تكوين شخصية منتجة فعالة تتفاعل مع الآخرين متمتعة بروح الغيرة على الآخرين فيقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهد لمالك منبهاً له على ذلك: (إياك ومساماة الله في عظمته، والتشبّه في جبروته فإن الله يذل كل جبار، ويهين كل محتال)(50)، فإن الامام یزرع في

ص: 118

نفس الوالي خوفا من الله تعالى ثم ينبهه الضرورة العمل المنتج والابتعاد عن السلوك التخريبي ثم يقول (عليه السلام): (أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك هوى فيه من رعیتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمة دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حربا حتى ينزع أو يتوب. وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله يسمع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضا الرعية فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة...)(51)، إن التخويف من عاقبة الظلم إسلوب تربوي ساقه الامام في المقام ووظفه في سياق عهده المبارك.

3- الإنفتاح على الاخرين من حيث كونه سمة عالية المضمون تُكسب المتحلي بها من الحاکمین رشداً تستحق أن يوصف به.

إن فتح قنوات للحوار مع الآخرين ضرورة للتواصل مع أفراد المجتمع وخلق طرق للتواصل بين القائد والقاعدة، وترصد مثل هذه الدعوى في عهد الإمام (عليه السلام) إذ يقول: (...فلا تطولن احتجابك عن رعيتك. فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور. والاحتجاب يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح ویشاب الحق بالباطل وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور وليست على القول سمات يعرف بها الصدق من الكذب، فتحصن من الادخال في الحقوق بلين الحجاب فإننا أنت أحد رجلين: إما امرء سخت نفسك بالبذل في الحق ففيم احتجابك؟ من واجب حق تعطيه؟ أو خلق کریم تسديه؟، وإما مبتلى بالمنع فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات الناس إليك

ص: 119

مالا مؤونة عليك فيه من شكاية مظلمة أو طلب إنصاف. فانتفع بما وصفت لك واقتصر فيه على حظك ورشدك إن شاء الله ...)(52).

4- الإلتزام المقنن المازج بين الحلم والحزم فعن أبي الحسن موسی بن جعفر (عليه السلام) قال: (يا هشام كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: ما عبد الله بشئ أفضل من العقل، وما تم عقل امرء حتى يكون فيه خصال شتي: الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، ونصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيرا منه، وأنه شرهم في نفسه، وهو تمام الأمر)(53).

إن صفات تضمنها خطاب الإمام تكشف عن حزم وعطف کررها في عهده، وليست بالجديده على خطابات أهل البيت فقد روي عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: (لا تصلح الامامة الاّ لرجل في ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه، وحسن الولاية على من يلي حتى يكون لهم كالوالد الرحيم، وفي رواية أخرى حتى يكون للرعية كاأب الرحيم)(54)، ومثله في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) (يا علي ثلاث من لم تكن فيه لم يقم له عمل، ورع يحجزه عن معاصي الله عز وجل، وخلق يداري به الناس، وحلم يرد به جهل الجاهل)(55)، وترجمها الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك حينما يقول: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم. ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل،

ص: 120

ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك. وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم)(57).

5- التوجه المستمر نحو الكمال، فالحاكم الرشيد لا يقف عند حد بعينه من صور الكمال بل يستمر في النزوع نحوه، فنجد في خطابات الامام (عليه السلام) تحديداً سایکلوجيا يحدد فيه معالم الشخصية الرشيدة الحاكمة فيقول (عليه السلام) في جملة من خطاباته محدداً أوصاف الحاكم القائد الرشيد، فمن تتوافر فيه هذه الصفات لايمكن أن يترقى إلاّ بعد التخلص منها ليقدر على الإدارة والقيادة: (وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتخذ قوما دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة)(57).

6- الإستعانة بالآليات المكملة والمعينة على أداء عمله بإشراك أصحاب الرأي الحصيف والمشورة الحسنة من الصادقين وأهل الثقة فيقول (عليه السلام): (وإلصق بأهل الورع، والصدق ثم رضهم على ألاّ يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الاطراء تحدث الزهو، وتدني من العزة)(58)، وقال في موضع آخر مجملاً أهم الشروط المحددة للرشد السياسي لدى الحاكم بقوله: (وأعلم أنه ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم. فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طویلا، وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وان أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده)(59)، ثم يؤكد

ص: 121

على ضرورة تعرق الحاكم على السنن الحميد وعد التجاوز عليها لأن بنقضها فتح الباب لايصح فتحه فيقول (عليه السلام): (ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة وصلحت عليها الرعية. لا تحدثن سنة تضر بشئ من ماضي تلك السنن، فيكون الاجر لمن سنها، والوزر عليك با نقضت منها)(60)، ثم يحدد العقول الواجب الإستإناس بها بوصفهم مستشارين يأنس بآرائهم ويعينوه على ما هو قائم به فيقول (عليه السلام): (وأكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء، في تثبیت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك)(61)، وكما أوصى عامله بالإهتمام بوجهاء الناس وضرورة الإهتمام بذوي المروءات لما في ذلك تعزيز وتقويه للصلات بين عامة الناس وما ينطوي عليه ذلك من بعد إستراتيجي يضمن هدوء المجتمع وإستقراره فنراه يوميء الى طبقات المجتمع وحسن التعامل معهم بشتی تصانيفهم.

الخلاصة من كل ما تقدم يتجلى بوضوح أهمية تكون الرشد السياسي لدى الحاكم، وإن غيابه يجر على الأمة الويلات ويكسبها إنحداراً ومزالق صعبة قد يستعصي في بعض الأحيان معالجتها.

ص: 122

المصادر

القرآن الكريم

1- الأم: محمد بن إدريس الشافعي، ط دار الفكر للطباعة، ط 1، 1400 ه

2- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ناصر مکارم الشيرازي، ط: مدرسة الامام علي بن أبي طالب، 1412 ه

3- أصول المحاضرات: کامل الهاشمي، مؤسسة أم القرى، 1425 ه.

4- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: محمد باقر المجلسي، تح: محمد الباقر البهبودي ط: 1403، 3 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

5- تاج العروس من جواهر القاموس: محمد بن مرتضى الحسيني الزبيدي، تح: علي شيري، دار الفکر بیروت، ط: 1414 ه.

6- التبيان في تفسير القرآن: أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، دار إحياء التراث العربي.

7- التحرير والتنوير: محمد بن طاهر بن عاشور، بلا طبعة.

8- تحف العقول: ابن شعبة الحراني، تصحیح و تعليق: علي أكبر الغفاري ط 2 1404 ه، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسین بقم المشرفة.

9- الخصال: الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، تصحیح علي اکبر غفاري، 1403 ه، نشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم

10- تفسير المراغي: احمد بن مصطفی، دار إحياء التراث العربي

ص: 123

11- جامع البيان في تفسير القرآن: ابو جعفر محمد بن جرير الطبري، دار المعرفة 1412 ه.

12- الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، الناشر مكتبة آية الله المرعشي، 1404 ه.

13- روح المعاني: محمود الآلوسي، دار الكتب العلمية، 1415 ه

14- شرح رسالة الحقوق: حسن السيد علي القبانجي، ط 2، 1406 ه، مؤسسة إسماعيليان

15- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، مصادر تح: محمد أبو الفضل إبراهیم دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي مؤسسة مطبوعاتي إسماعیلیان

16- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي، ط: دار الحديث ط 1

17- الفروق اللغوية: أبو هلال العسكري، تح: مؤسسة النشر الإسلامي، ط 1، 1412 ه.

18- الكافي: محمد بن يعقوب الكليني، تعليق علي أكبر غفاري، دار الكتب الاسلامية، ط 3

19- الكشف والبيان: أحمد بن ابراهيم الثعالبي، دار احیاء التراث العربي، 1422 ه.

20- لسان العرب: جمال الدين محمد بن مکرم، نشر أدب الحوزة، قم، ط: 1405 ه.

21- المبسوط في فقه الإمامية: أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تح: محمد تقي الكشفي، المكتبة المرتضوية.

22- مجمع البحرين: فخر الدين الطريحي، تح: أحمد الحسيني مكتب النشر الثقافي الإسلامي ط 1408 ه.

23- مجمع البيان في تفسير القرآن: أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، منشورات

ص: 124

ناصر خسرو.

24- معجم مقاییس اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زکریا، تح: عبد السلام محمد هارون، ط دار الفكر 1979 م

25- مفاتح الغيب: أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، دار إحياء التراث العربي، 1420 ه

26- مفردات ألفاظ القرآن الكريم: الراغب الأصفهاني، تح: صفوان عدنان عوادي، ط 2، 1427 ه، الناشر طليعة النور.

27- میزان الحكمة: محمد الريشهري، دار الحديث، ط 1 التنقيح الثاني 1416 ه

28- النهاية في غريب الحديث: بن الأثير مؤسسة إسماعیلیان، ط 1346 ه ش

29- نهج البلاغة: شرح محمد عبدة، ط دار الذخائر

30- نهج السعادة: محمد باقر المحمودي ط 1، 1387 - 1998 م، مطبعة النعمان - النجف الأشرف، مؤسسة التضامن الفكري - بيروت،

31- وسائل الشيعة: محمد بن الحسن الحر العاملي، ط: الإسلامية

ص: 125

الهوامش

1. ظ: معجم مقاییس اللغة: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زکریا، تح: عبد السلام محمد هارون، ط دار الفكر 1979 م، 2/ 398

2. ظ: لسان العرب: جمال الدين محمد بن مکرم، نشر أدب الحوزة، قم، ط: 1405 ه، 3/ 175، وظ: تاج العروس من جواهر القاموس: محمد بن مرتضى الحسيني الزبيدي، تح: علي شيري، دار الفکر بیروت، ط: 1414 ه، 4 / 453.

3. ظ: لسان العرب: بن منظور، 3/ 175، وظ: معجم مقاییس اللغة: بن فارس 2/ 398.

4. البقرة: 256.

5. ظ: تاج العروس: الزبيدي 4/ 453، ظ: الفروق اللغوية: أبو هلال العسكري، تح: مؤسسة النشر الإسلامي، ط 1، 1412 ه، ص 256.

6. ظ: مجمع البحرين: فخر الدين الطريحي، تح: أحمد الحسيني مكتب النشر الثقافي الإسلامي ط 1408 ه، 2/ 180.

7. ظ: مفردات ألفاظ القرآن الكريم: الراغب الأصفهاني، تح: صفوان عدنان عوادي، ط 2، 1427 ه، الناشر طليعة النور، ص 196.

8. الأم: محمد بن إدريس الشافعي، ط دار الفكر للطباعة، ط 1، 1400 ه، 3/ 22.

9. المبسوط في فقه الإمامية: أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تح: محمد تقي الكشفي، المكتبة المرتضوية، 2/ 284.

10. ظ: التبيان في تفسير القرآن: أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، دار إحياء التراث العربي، 2/ 131.

ص: 126

11. ظ: التبيان: الطوسي، 2/ 131

12. ظ: مجمع البيان في تفسير القرآن: أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، منشورات ناصر خسرو 1413 ه، 2/ 501.

13. ظ: الكشف والبيان: أحمد بن ابراهيم الثعالبي، دار احیاء التراث العربي، 1422 ه، 2/ 75.

14. مفردات ألفاظ القرآن الكريم: الراغب الأصفهاني، ص 196.

15. البقرة: 186.

16. ظ: جامع البيان في تفسير القرآن: ابو جعفر محمد بن جرير الطبري، دار المعرفة، 1412 ه، وظ: الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، الناشر مكتبة آية الله المرعشي، 1404 ه، 1/ 197.

17. البقرة: 256.

18. ظ: مجمع البيان: الطبرسي 2/ 631.

19. ظ: مفاتح الغيب: أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي ، دار إحياء التراث العربي، 1420 ه، 7/ 15.

20. النساء: 6.

21. ظ: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ناصر مکارم الشيرازي، ط: مدرسة الامام علي بن أبي طالب، 1412 ه، 3/ 110.

22. النساء: 5.

23. الأعراف: 146.

24. لسان العرب: إبن منظور، 6 / 107.

25. لسان العرب: بن منظور، ط أدب الحوزة، 6/ 108، و ظ: تاج العروس: الزبيدي 8/ 322، وظ: النهاية في غريب الحديث: بن الأثير مؤسسة إسماعیلیان

ص: 127

، ط 136 ه ش 2/ 421.

26. شرح رسالة الحقوق: حسن السيد علي القبانجي، ط 2، 1406 ه، مؤسسة إسماعيليان، ص 389.

27. نهج البلاغة: شرح محمد عبدة، ط دار الذخائر، 4 / 35.

28. نهج البلاغة: محمد عبدة، 4/ 35، و ؟ وسائل الشيعة: محمد بن الحسن الحر العاملي، ط: الإسلامية 6/ 7.

29. عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي، ط: دار الحديث ط 1، ص 284.

30. عيون الحكم: الواسطي، ص 284.

31. میزان الحكمة: محمد الريشهري، دار الحديث، ط 1 التنقيح الثاني 1416 ه، 2/ 1384.

32. میزان الحكمة: الريشهري، 2/ 1384.

33. میزان الحكمة: الريشهري، 2/ 1384.

34. میزان الحكمة: الريشهري، 2/ 1384.

35. التوبة: 25.

36. ظ: تفاصيل الحادثة وما يمكن الأفادة منها: تفسير التحرير والتنوير: محمد بن طاهر بن عاشور، بلا طبعة 10/ 58، وظ: تفسير المراغي: احمد بن مصطفی، دار إحياء التراث العربي 10/ 86 وما بعدها، وظ: روح المعاني: محمود الآلوسي، دار الکتب العلمية، 1415 ه 5/ 266.

37. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، مصادر تح: محمد أبو الفضل إبراهیم دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي مؤسسة مطبوعاتي إسماعیلیان، 16/ 205.

ص: 128

38. نهج البلاغة: محمد عبده 3/ 83 - 84.

39. نهج البلاغة: محمد عبدة، 2/ 106.

40. نهج البلاغة: محمد عبدة، 2/ 10.

41. نهج البلاغة - بن أبي الحديد، 17/ 32

42. نهج السعادة: محمد باقر المحمودي ط 1، 1387 - 1968 م، مطبعة النعمان - النجف الأشرف، مؤسسة التضامن الفكري - بيروت، 5/ 34

43. نهج البلاغة: بن أبي الحديد، 3/ 128.

44. نهج البلاغة: بن أبي الحديد، 10/ 74.

45. نهج البلاغة: بن أبي الحديد، 17/ 32.

46. ظ: بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: محمد باقر المجلسي، تح: محمد الباقر البهبودي ط: 3، 1403 ه، دار إحياء التراث العربي، بيروت 41/ 119 - 120

47. ظ: أصول المحاضرات: کامل الهاشمي، مؤسسة أم القرى، 1425 ه، ص 177.

48. نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع): محمد عبدة 1/ 30 - 32.

49. نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع): محمد عبدة 3/ 70 - 72.

50. نهج البلاغة: بن أبي الحديد، 17/ 33.

51. نهج البلاغة: بن أبي الحديد، 17/ 34.

52. تحف العقول: ابن شعبة الحراني، تصحیح و تعلیق: علي أكبر الغفاري ط 2 1404 ه، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسین بقم المشرفة ص 144.

53. الكافي: محمد بن يعقوب الكليني، تعليق علي أكبر غفاري، دار الكتب الاسلامية، ط 3، 1/ 18

ص: 129

54. الكافي: الكليني، 1/ 407.

55. الخصال: الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، تصحیح علي اکبر غفاري، 1403 ه، نشر جماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم، ص 125.

56. نهج البلاغة: محمد عبدة، 3/ 84.

57. نهج البلاغة: محمد عبدة، 2/ 14.

58. شرح نهج البلاغة: بن أبي الحديد، 17/ 44.

59. شرح نهج البلاغة: بن ابي الحديد، 17/ 47.

60. شرح نهج البلاغة: بن أبي الحديد، 17/ 47.

61. شرح نهج البلاغة: بن أبي الحديد، 17/ 47.

ص: 130

الرؤية السياسية عند الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قراءة في عهده الى مالك الاشتر

اشارة

أ. د. شاكر مجيد كاظم قسم التاريخ / كلية الاداب / جامعة البصرة / العراق /

ص: 131

ص: 132

المقدمة

يتناول البحث الدستور الذي وضعه الامام علي بن ابي طالب عليه السلام وابراز الفكر القانوني والسياسي له في حكم الدولة الاسلامية وذلك من خلال العهد، او الرسالة، الذي كتبه الى مالك بن الحارث الاشتر، عندما ولاه على مصر سنة 38 هجرية / 658 ميلادية، وهو اطول عهد كتبه الامام علي واجمعه للمحاسن، وقد ضم ما بين دفتيه على جميع ما تحتاج اليه السلطة أياً كان مسماها والي، عامل، أمير، حاكم، رئيس دولة، في ادارة الحكم في جميع مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية والعسكرية....، ويشير البحث الى ان الامام علي (عليه السلام) يُعد اول من دعى الى الفصل مابين السلطات الثلاث التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، واقرار حقوق الانسان، علاوةً على ذلك فثمة قضية مهمة اشار اليها عهد، (دستور) امير المؤمنين علي عليه السلام وتتناولها الدراسة الا وهي انه وضع القواعد الدستورية العامة في التعامل مع جميع ابناء المجتمع على حد سواء قوامها الرحمة والشفقة، ووفق مبدأ العدل والمساوات، وعلى اساس الحقوق والواجبات، وليس على اساس الدين او المعتقد او العرق او الجنس بمعنى ان يكون التعامل معهم على ما يعرف اليوم حسب المفهوم الساسي ب،، حق المواطنة،، حيث يقول في عهده لمالك واعلم بان الناس (صنفان اما أخ لك في الدين، واما نظير لك في الخَلق).

ويتناول البحث ما دعى اليه الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر عندما ولاه على مصر الى تشكيل النظام اللامركزي، وآلية اختيار الموظفين من ذوي المناصب العالية ممن يتميزون بالكفاءة، والمهنية، والعفة، وحسن

ص: 133

السلوك، على ان يجرى لهم اختبار لمعرفة مدى صلاحيتهم والتعرف على مؤهلاتهم الشخصية.

ويشير البحث الى العلاقة ما بين المركز والاقليم والتي نظمها الامام علي عليه السلام في عهده المالك الاشتر والتي تؤكد على ان الثروات الوطنية ملكاً عاماً لجميع ابناء المجتمع، والتطرق الى ما اورد العهد من طبقات المجتمع المختلفة، ومنها طبقة القضاة وقد اكد فيه على استقلالية مؤسسة القضاء كما يتم الحديث عما ورد بالعهد عن محاربة الفساد والجشع بمختلف صوره وايقاع العقوبات الجزائية على كل موظف تثبت ادانته بإساءت استخدامه للمال العام.

التعريف بالعهد:-

في سنة (38 ه - 658 م) أسند الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، ولاية مصر الى مالك بن الحارث بن يغوث النخعي(1) والمشهور ب (مالك الأشتر)(2) والشتر:- انشقاق جفن العين وبه سمي الاشتر النخعي(3) وقال ابن الكلبي أن الذي ضربه هو أبو مسیکه بن ربیل بن عمرو بن الطمثان من بني أياد بن نزار على عينه في معركة اليرموك(4) وقيل سمي بالاشتر لأنه يلتقط الرجال في الحرب کما يلتقط الديك الحبوب(5) والرأي الأول أثبت.

وكان زعيم قومه وأحد أبطال الإسلام وكان خطيباً بليغاً فارساً(6) ومن أبرز المقاتلين الى جانب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في الجمل وصفين والنهروان(7)، وكانت له منزلة عظيمة عند الأمام علي وله حظوة كبيرة لديه، وقد تحدث الأمام عن تلك المنزلة حيث وصفها بقوله: (فلقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(8). وعندما وصل خبر وفاة مالك الاشتر حزن عليه أمير المؤمنين

ص: 134

علي (عليه السلام)، حزناً شديداً ونعاه للأمة قائلاً ((ألا أن مالك بن الحارث قضى وأوفي بعهده، ولقي ربه فرحم الله مالكاً ولو كان جبلاً لكان قداً، ولو كان حجراً لكان صلداً))(9) فعلى ((مثل مالك فلتبك البواكي))(10).

أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، کان یُعنی باختيار عماله من أهل القدرة والصلاح، والتقوى، ويزودهم بعهود مكتوبة الى أهل ولاياتهم، ثم يتعاهدهم بكتبه موجهاً وناصحاً ومرشداً(11). ولقد زود أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، مالك الاشتر عندما ولاه مصر بتوجيهات وتعليمات مفصلة ومودعه في کتاب عهده اليه، والذي يُعد أول عهد جامع شامل في مطاليبه ومضامينه في التاريخ الإسلامي(12). باعتباره النموذج المثالي في ادارة الدولة،. ويبدو لي أن هذا العهد لیس بنصه الكامل، وإنما هو عبارة عن فقرات أختارها الشريف الرضي وبثها في نهج البلاغة الذي (أودع فيه ما أختاره من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام))(13) وقد أشار الشريف الرضي الى منهجه هذا حيث قال: (فأجمعت بتوفيق الله تعالى على الابتداء باختيار محاسن الخطب ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحكم والأدب)(14).

ويضم العهد القواعد والمباني الفكرية الإسلامية في نظرية الحكم في جميع الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية والعسكرية وتنظيم العلاقات بين الحاكم والمحكوم على أساس العدل والحق والمساواة، وهو خير نتاج أنتجته العبقرية الإسلامية بل الإنسانية في مختلف الأدوار التاريخية. وأن القواعد التشريعية السياسية، والإدارية، والقضائية، والمالية والنظريات الدستورية التي قررها الأمام علي (عليه السلام)، في عهد مالك الاشتر، تُعد مثالاً من أروع الأمثلة للحكم الديمقراطي في الإسلام(15).

وهذا العهد من جملة مآثر أمير المؤمنين (عليه السلام)، التي لا تحصى ولا تستقصی

ص: 135

وهو من أطول عهوده وأعظمها شأناً لانه (يحتوي على أهم القواعد والأصول التي تتعلق بالقضاء والقضاة، وإدارة الحكم في الإسلام، وقرر فيه قواعد مهمة في التضامن الاجتماعي بل التعاون الإنساني لأقامته العدل وحسن الإدارة والسياسة، وبيان الهيئة الاجتماعية وبيان الخراج وأهميته، وكيف يجب أن تكون المعاملة فيه والنظر في عمارة الأرض وما يتعلق بذلك من أصول العمران وما فيه صلاح البلاد ومنابع ثروته وما للتجارة والصناعة من الأثر في حياة الأمة الى غير ذلك من القواعد العامة التي تهدف الى أسمى هدف في العدل الإسلامي، حتى أصبح موضع العناية من رجال الفكر وأعطوه كبير العناية بالشرح والإضافة، واعتنى به علماء القانون وساسة الأمم، فهو أثر خالد ومفخرة الإسلام على مر الدهور)(16).

ويعتبر عهد الأمام علي (عليه السلام) الى واليه على مصر، مالك الاشتر، دستوراً كاملاً للدولة الإسلامية فيه نظريات الإسلام في الحكم والحكومة، ومناهج الدين في الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، والحرب، والادارة، والأمور العبادية والقضائية(17).

وتتضح السياسة الشمولية للعهد من المقدمة التي قدم بها الأمام له وكذلك من بنود العهد ومحتوياته الأخرى، ففي هذه الوثيقة التي هي أطول وثيقة كتبها الإمام علي (عليه السلام)، وأجمعها لحقوق الرعية، ففي صدر هذا العهد أجمل هذه الحقوق أجمالاً ثم فصلها بعد ذلك تفصيلاً، فقال: (هذا ما أمر به عبد الله، علي أمير المؤمنين، مالك بن الحارث الاشتر في عهده اليه حين ولاه مصر، جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها)(18).

فهذه المقدمة تتضمن أربعة أهداف سياسية، رئيسية، يجب أن يسعى اليها الحاكم ويعمل على تحقيقها لرعيته وان يضعها أمام نصب عينيه لغرض إنجازها وهي:-

ص: 136

الأول: يتعلق بجباية الخراج، وما يتعلق بأموال الدولة التي يجب أن تنفق على مختلف القطاعات وتنمية المجتمع.

الثاني: - جهاد العدو، وما يستلزم ذلك من تأسيس جيش قوي له القدرة على حماية البلد والدفاع عنه وبناء مؤسسات عسكرية وأمنية محكمة.

الثالث: - يقوم على الإصلاح الاجتماعي ويقصد بها بناء الإنسان القادر على تطوير بلده ومجتمعه، ورفع مستواه في مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية، وفي مختلف الأمور الأخرى.

الرابع: - التنمية الاقتصادية والعمرانية، والتي تهدف الى بناء مختلف المؤسسات في الدولة لأجل تطوير البلد اقتصادياً، ورفع المستوى المعاشي للمواطنين وإقامة المشاريع المختلفة في البلد.

ومما يؤسف له حقاً أن أغلبية الدول في منظورها السياسي، تختصر على السعي من أجل تحقيق الهدفين الأول والثاني، فتستحصل الضرائب من المواطنين بمختلف الطرق والوسائل والذرائع وتقيم جيشاً قوياً و مؤسسات أمنية ذات سطوة على الناس وفي المقابل فأنها تهمل الهدفين الآخرين وهما، إصلاح المجتمع وتحقيق التنمية.

ونلاحظ أن الأمام علي (عليه السلام)، في عهده هذا لمالك الاشتر، فقد أوضح الرؤية السياسية التي يتبناها الإسلام في إدارة الدولة، والسبل السياسية التي ينتهجها الاسلام في معالجة الأحداث، كما أوضح في العهد الموارد التي على مالك، أن يستمد منها القوانين والتشريعات والأنظمة التي يصدرها في إدارة شؤون البلاد، وقد حددها له بالقرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، ومن التجارب الخاصة بأمير المؤمنين (عليه السلام) في الحياة العامة وفي الشؤون السياسية والتي كان مالكاً شاهداً وحاضراً

ص: 137

عليها بحكم طول صحبته لأمير المؤمنين. ومن خلال قراءتنا للعهد اتضح أن الأمام علي (عليه السلام)، أعطى له حرية الاجتهاد بغية تنفيذ مضامين العهد، أو قد تكون حالات معينة يمكن معالجتها من خلال الاستفادة من تجارب وخبرات الأمم السابقة والسنن الفاضلة التي كان الناس يعملون بها في شؤون حياتهم وتعاملهم اليومي كالعادات والتقاليد والأحكام والأعراف والقيم التي تتفق مع قيم وروح وجوهر الإسلام، لان شرع من سبقنا شرع لنا ما لم ينسخ فقال له: - (والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلة أو أثر عن نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم - أو فريضة في كتاب الله فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها وتجتهد لنفسك في أتباع ما عهدت اليك في عهدي هذا واستوثقت به من الحجة)(19).

لقد دأب الأمام علي (عليه السلام)، وبكثرة على كتابة أوامره الى عماله وولاته على شکل نصائح عامة تبين لهم وللرعية طريق العمل الصحيح، وفق كتاب الله وسنة نبيه المصطفی (صلی الله عليه وآله وسلم)، وكتب علي (عليه السلام) كانت تتميز بالفصاحة والوضوح، والتقنين الجامع في أيجاز یکاد یکون معجزاً تتلقاه القلوب، وكل من يقرأ هذا العهد بعناية يجده قد أحاط بأصول الحكم كلها أجمالاً في أسلوب مشرق أخاذ، فعلي كان يأخذ المواثيق من عماله في كتب يبعث بها اليهم ليعلم كل ذي حق حقه وواجبه(20).

مصادر العهد:-

أهتم العلماء والمؤرخون ورجال الفكر والسياسة بهذا العهد، وعنوا به عناية فائقة، وأوسعوه شرحاً وتحليلاً وتعليقاً، وسندرج أدناه بعض المصادر الأولية التي

ص: 138

ذكرت العهد وبحسب قِدَم وفاة مؤلفيها وهي: -

1- إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي (ت 283 ه)، في كتابه الغارات(21).

2- أبو محمد الحسن بن شعبة الحراني (ت 332 ه)، في كتابه تحف العقول عن آل الرسول وذكر العهد بزيادة بعض الفقرات واختلاف في بعض الألفاظ مما يدل على أن الشريف الرضي في نهج البلاغة نقل ما أختاره من هذا العهد من غير هذا الكتاب(22).

3- القاضي النعمان بن محمد بن منصور المغربي (ت 363 ه)، في كتابه دعائم الإسلام(23).

وهذه المصادر الثلاثة أعلاه هي أقدم عهداً من زمن الشريف الرضي فالعهد ورد في مصادر سابقة ومتقدمة على الشريف الرضي، الذي أورد العه-د في نهج البلاغة.

4- الشريف الرضي (ت 406 ه) في كتابه نهج البلاغة، وقال: - أنه (أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن)(24).

5- الشيخ الطوسي (ت 460 ه) في كتابه الفهرست(25).

6- أبن حمدون (ت 562 ه) في كتابه التذكرة الحمدونية، أذ قال عن العهد أنه: (جمع فيه بين حاشيتي التقوى والسياسة على بعد أقطارها، وجدته يغني عن كثير من كلام الحكماء والقدماء، وهو مع فرط الإطالة مأمون الملاله لجمعه بين البلاغة البارعة والمعاني الرائعة ولولا رغبة الناس لكلام وميل النفوس الى التنقل في الألفاظ لأكتفين بأيراد هذا العهد عن غيره أذ كان حاويا لأشتات الأدب والسياسات جامعا للأسباب التي تلزم الملوك والولاة) ثم أورد نص العهد بطوله(26).

ص: 139

7- أبن أبي الحديد المعتزلي (ت 656 ه) في كتابه شرح نهج البلاغة، حيث قال في هذا العهد (أنه نسيج وحده، ومنه تعلم الناس الآداب والقضايا والأحكام والسياسة)(27).

8- النويري (ت 732 ه) في كتابه نهاية الأرب، حيث نعته بقوله: (ولم أر فيما طالعته من هذا المعنى - أي في وصايا الملوك الى الحكام - أجمع للوصایا، ولا أشمل من عهد كتبه علي بن أبي طالب عليه السلام الى مالك بن الحارث الاشتر، حيث ولاه مصر، فأحببت أن أورده على طوله، وآتي على جملته وتفصيله لأن مثل هذا العهد لا يُهمل وسبيل فضله لا يُجهل) ثم ذكر العهد(28).

9- القلقشندي (ت 821 ه) في كتابه صبح الأعشى، فقد قال فيه: (أنه من العهود البليغة جمع فيه بين معالم التقوى وسياسة الملك)(29)، وذكره أيضاً في كتابه الآخر مآثر الأنافة(30).

10 - المجلسي (ت 1111 ه) في كتابه بحار الأنوار(31).

ولهذا العهد شروح عديدة منها:

1- أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة(32).

2- قطب الدین البيهقي، حدائق الحقائق(33).

3- السرخسي، أعلام نهج البلاغة(34).

4- میثم البحراني، شرح نهج البلاغه(35).

5- شراح نهج البلاغة الذين يزيد عددهم على المائة(36).

6- شرح الشيخ محمد عبده، مفتي الآيار المصرية(37).

ص: 140

7- شرح الشيخ محمد باقر الكجوري والموسوم (أساس السياسة في تأسيس الرياسة)(38).

8- شرح العلامة هادي بن محمد حسين البيرجندي(39).

9- شرح الحسين الهمداني، والموسوم (هدية الحسام لهداية الأحكام)(40).

10- شرح الشيخ عبد الواحد المظفر والموسوم (السياسة العلوية) وهو مخطوط يقع في ثلاث أجزاء(41).

11- شرح الأستاذ توفيق الفكيكي والموسوم (الراعي والرعية)(42).

12- وغيرها من الشروح وقد ذكر العديد منها الشيخ آغا بزرك الطهراني(43).

لقد كان عهد الأمام علي (عليه السلام)، لمالك الاشتر، موضوع العناية منذ أقدم العصور الى يوم الناس هذا عند كثير من رجال العلم(44)، وأعلام الأدب(45)، وأساتذة القانون(46)، وعلماء السياسة، والإدارة، والمالية الاقتصاد، وكبار الفلاسفة وقادة الجيوش وأمراء الحرب في مختلف البلدان(47).

ومما هو جدير بالذكر، أن العهد قد تعرض له عامة شراح نهج البلاغة بشرح مبسط ومختصر، وكل بحسب طريقته في شرح نهج البلاغة(48)، ولو أنها انتزعت من تلك الشروح لكانت عدة مجلدات.

وقد قام السيد (احمد محمد) كاتب مكتبة الأزهر بانتزاع العهد من شرح الشيخ محمد عبده لنهج البلاغة وطبعه على حده وسماه (مقتبس السياسة وسياج الرياسة)، وقال في تقديمه له: (أنه جمع أمهات السياسة وأصول الإدارة في قواعد حدت من فصاحة الكلام وبلاغة الكلام وحسن الأسلوب ما لا يمكن لعاجز مثلي

ص: 141

أن يصفه فدهشت جداً لما لم أجد لهذا الكتاب تداولاً على ألسنة المتكلمين بالعربية خصوصياً المشتغلين بتعلمها من طلبه الأزهر والمدارس الأخرى مع أنه كان من الواجب أن مثل هذا الكتاب يحفظ في الصدور لا في السطور)(49).

ومما يدل على أهمية عهد علي (عليه السلام) لمالك اهتمام العلماء بترجمته لمختلف اللغات العالمية وشرحه ودراسته(50)، بهدف الاستفادة منه(51).

الفصل ما بين السلطات الثلاث.

أن للإمام علي (عليه السلام)، أراء ومفاهيم أدارية قيمة في أدارة الحكم والسياسة ضمنها في (دستور) عهد مالك الاشتر ومن أبرز تلك السياسات هي الفصل ما بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وبذلك فأن للأمام علي (عليه السلام) قصب السبق على كافة رجال السياسة والإدارة والقانون الذين جاءوا من بعده، ونهلوا من مورده، فأقر مبدأ الفصل ما بين السلطات الثلاث(52) وكان أول من أشار اليها في الدساتير الحديثة الدستور الفرنسي الذي صدر في (4 أيلول عام 1791) حيث يعد دستور فرنسا الذي وضع عقب ثورتها 1789 م أول من أقر الفصل ما بين السلطات، وأقر حقوق الإنسان(53) تتصدره العبارة الذائعة الصيت (يولد الناس أحراراً ومتساوين في الحقوق) علما بأن فكرة إعلان (حقوق الإنسان) قد تبلورت خلال الثورة الأمريكية على بريطانيا وقد نص إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية في (6 تموز سنة 1776 م) على (أن كل الرجال قد ولدتهم أمهاتهم سواسية) وتضمن الإعلان في ديباجيته ذكر حقوق الإنسان في المساواة والحرية والسعادة وتغيير الحكومات التي لا ترعى تلك الحقوق، ثم صدر الإعلان الذي سبق دستور (24 يوليو سنة 1793 م) وقد ركز بصيغه خاصة على المساواة وأشار الى

ص: 142

الواجبات، كما أشار الى حق الجميع في التعليم وفي المساعدات العامة ثم صدر إعلان آخر لحقوق الإنسان في (22 أغسطس سنة 1795 م)، وقد سادت مبادئ الإعلان الفرنسي الصادر سنة 1789 م الدساتير الفرنسية التالية وكثيراً من دساتير دول أوربا الغربية الصادرة خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين الميلاديين(54) وبعد أنتهاء الحرب العالمية الثانية صدرت العديد من الوثائق الدولية التي تخص حقوق الإنسان(55) فالذي يقرأ هذه الإشارات للوهلة الأولى يظن أن ذلك من نتاج أفكار رجال العصر الحديث، ومن ثم أصبحت قاعدة دستورية أخذت بها دساتير الدول في القرن العشرين، في حين أن أول من وضع مبدأ الفصل ما بين السلطات الثلاث وأقر حقوق الإنسان هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد نص على ذلك بشكل رسمي ومدون وذلك في العهد الذي كتبه الى مالك الاشتر(56) وهي من أللفتات الأصيلة والمتميزة للفكر الثاقب لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) في الإدارة السياسية للدولة.

1. السلطة التشريعية:-

السلطة التشريعية عند الأمام علي (عليه السلام)، هي القرآن الكريم والسنة النبوية وهما يمثلان الدستور الإسلامي، حيث قال في عهده لمالك: (واردد الى الله ورسوله ما يضلعك - يمنعك - من الخطوب، ويشتبه عليك من الأمور فقد قال تعالى لقوم أحب أرشادهم «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»(57)*. فالرد الى الله الأخذ بمحكم كتابه - النص الصريح - والرد الى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة)(58).

وورد في موضوع آخر من العهد المباني الأخرى للسلطة التشريعية، وذلك في

ص: 143

قوله (عليه السلام) لمالك: (والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة أو سنة فاضلة، أو أثر عن نبينا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - أو فريضة في كتاب الله)(59) وكذلك يضم الدستور الإسلامي في جنباته كما جاء في العهد (سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعية)(60).

كما أن العاملين بالهيئة التشريعية يعملون في تفسير المواد القانونية، وتشريع لوائح قانونية لما يستجد في مجالات التشريع غير المشرع لها، وللهيئة التشريعية أن تقوم باستعراض ما تشابه من مصادر التشريع وتحديد المبادئ الأساسية للدستور الإسلامي(61).

2. السلطة التنفيذية:-

أما السلطة التنفيذية، فهي السلطة الثانية في أدارة الدولة والمتمثلة أياً كان مسماها، والي، عامل، أمير، رئيس دولة، أن تعمل على توفير مستلزمات العيش للمواطنين وتوفير الأمن، وإتاحة فرص العمل لأبناء الأمة وتنظيم حياتهم الاجتماعية وحماية الدولة من خلال أعداد الجيش القوي القادر على الدفاع عنها، وصد هجمات الأعداء وقد أشار الأمام علي (عليه السلام) الى ذلك بقوله: (وأنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في أمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السُبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر)(62).

وتحدث الأمام علي (عليه السلام)، عن الشروط الضرورية الواجب توفرها في القائد الإداري حيث أوجزها في خطبة له بقوله: (أن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم

ص: 144

عليه، وأعلمهم بكتاب الله)(63). فيلاحظ أن الأمام علي (عليه السلام) وضع شرطين أساسين هما القوة، والعلم، والقوة لا يقصد بها فقط القوة الجسدية بل تشمل الجوانب الفكرية والمؤهلات العلمية والذهنية، والمتمثلة من الاطلاع الواسع بأمور الإدارة والحكم وله القدرة على التخطيط الإداري، وما يتمتع به من فن الإدارة.

وأما العلم فهي المعرفة بالدستور الإسلامي، القرآن الكريم والسنة النبوية وتحصيله للعلوم المساعدة الآخرى بما يؤهله للقيام بمهامه كزعيم للدولة، وعلاوة على ذلك ذكر الأمام علي (عليه السلام) شروط أخرى واجب توفرها في الحاكم، الوالي،، القائد، وقد حدها ب (6) ستة شروط، مع بيانه لعلة كل واحدة منها، فأشترط أن يكون كريم النفس لئلا يدفعه الطمع وشدة الحرص الى العدوان على أموال المسلمين وأن يكون عالماً، لأنه قائد المسلمين فيجب أن يهديهم، ولو كان جاهلاً لأضلهم، وأن يكون لين العريكة، رحب الصدر وأن يكون عادلاً في أعطاء الأموال فيسوي بين الناس في العطاء ولا يفضل قوماً على حساب آخرين استجابة لشهوات نفسه، وميول قلبه، وأن يكون نزيهاً في القضاء فلا يرتشي، لأن ذلك مؤذن بذهاب العدل في الأحكام وأن يكون عاملاً بالسنة فيجري الحدود ولو على أقرب الناس اليه، ويعطي الحق من نفسه كما يطلب من غيره(64)، وذلك عندما قال: (لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في أموالهم - حرصه المفرط في أخذها - ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدولة* فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق، ويقف بها دون المقاطع - الحدود التي حدها الله - ولا المعطل للسنة فيهلك الأمة)(65).

ص: 145

ويلاحظ أن فلسفة الحكم عند الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، تتلخص في أن الحكم هو ضرورة اجتماعية أقيم لصالح المجتمع.

3. السلطة القضائية:-

وقد أشار اليها الإمام علي (عليه السلام) باعتبارها ضرورة اجتماعية، لأن الإنسان مجبول على المخاصمة والنزاع مع غيره بفعل حب ذاته وحب التملك، وتُعد السلطة القضائية من أعظم سلطات الدولة، بها يفرق بين الحق والباطل وبها ينتصف للمظلوم من الظالم، وقد رسم الأمام علي (عليه السلام) في عهده الى مالك الاشتر ثلاثة أمور ينبغي أن تتبع في انتقاء أفراد هذه الطبقة ومعاملتهم علماً بأن منصب القاضي يتطلب من شاغله الى جانب علمه بالشريعة صفات أخرى فصلها الأمام في عهده وأناط اختيار طبقة القضاة بتوفرها، وهذا يعني أن فاقدها ليس جديراً بهذا المنصب الخطير(66) وهذه الصفات هي: -

1- أن يكون واسع الصدر، اي له القدرة على استيعاب الآخرين وتحمل ما يصدر عنهم والانصات لارائهم ووجهات نظرهم وافكارهم، وان لايكون انفعالياً، او ذو غلظة في التعامل معهم، كريم الخلق، وذلك لان منصبه يقتضيه أن يخالط صنوفاً من الناس، وألواناً من الخَلق.

2- أن يكون من الورع، وثبات الدين وتأصل العقيدة، والواعي لخطورة مهمته بحيث يرجع عن الباطل أذا تبين له أنه حاد عن شريعة العدل في حكمه ولم يصبها اجتهاده، فلا يمضي حكماً تبين له خطأه. لان الرجوع الى الحق خير من التمادي بالباطل.

3- ان يكون من شرف النفس، ونقاء الجيب، وطهر الضمير، بحيث لا تشرف نفسه

ص: 146

على طمع.

4- أن يكون من الوعي لمهمته، بحيث لا يعجل في الحكم، ولا يُسرع في إبرامه وأنما عليه أن يمضي في دراسة القضية ويستعرض وجوهها المختلفة، فأن ذلك أحرى أن يهديه الى وجه الحق وسنة الصواب، فإذا ما استصعب الأمر واشتبه عليه، فلا يجوز له أن يصدر للقضية حكماً من عند نفسه، وإنمًا عليه أن يقف حتى ينكشف له ما غمض عنه وينجلي له ما أشتبه عليه(67)، فهذه الصفات يجب أن تتوفر في القاضي، وبذلك يضمن الوالي ألا يشغل منصب القضاء الا الأكفاء في عملهم ودينهم، فقال الأمام علي عليه السلام لمالك في عهده: (ثم أختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور ولا تحكمه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء الى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأذى منهم دون أقصاه، أوقفهم في الشبهات وأخذهم في الجمع، وأقلهم تبرماً بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأضرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء، أولئك قليل)(68).

ولم يكن الموضوع الاقتصادي للقاضي غائباً عن ذهن أمير المؤمنين (عليه السلام)، في هذا العهد، لان القاضي بصفته إنساناً قد يجوز عليه الطمع أو أخذ الرشوة، لا سيما أذا لم يكن مكتفياً اقتصادياً عند ذلك تصبح حقوق الإنسان في خطر وتضيع حقوق الضعفاء والمظلومين في بحر الفساد المالي للأغنياء والأقوياء وقد أدرك أمير المؤمنين (عليه السلام) خطورة ذلك وأثره على المجتمع، فوضع الضمانات لتلافيها في عهده لمالك الاشتر ومنها:-

ص: 147

1- مراقبة الحاكم لأحكام القاضي:

وهو أن يكون الوالي أو الحاكم، الرقيب على الأحكام التي يصدرها القاضي، ويقوم بمراجعة تلك الأحكام وتدقيقها حتى يكون الحكم القضائي يطابق الجرم المقترف وبذلك يكون الحاكم بمثابة محكمة التمييز في الوقت الحاضر، التي تميز الأحكام، حتى يكون الحكم متكيفاً مع القوانين والعقوبات المنصوص عليها بشأن القضية، كما أنها تكشف الحكم الجائر. وبذلك يكون الأمام علي (عليه السلام)، أول من وضع فكرة محكمة التمييز وهذا نستشفه مما ورد في دستوره او عهده الذي كتبه لواليه على مصر مالك الاشتر حيث يقول له (ثم أكثر تعاهد قضائه) فعلي (عليه السلام)، لم يكتفي بأن يقوم الحاكم بمراجعة الأحكام القضائية التي تصدر من القاضي، بل يطلب من الوالي أن يكثر من تلك المراجعات لأحكامه، وليس فقط مراجعتها لمرة واحدة أو مراجعة لها بشكل روتيني أو أن يكون على عجلة من أمره بمراجعة أحكامه، بل طلب منه أن يطيل النظر ومراجعتها مرة بعد مرة، ولا يكتفي بمراجعة قضية واحدة ثم يترك مراجعة باقي القضايا، بحجة أن القاضي قد أصاب بتلك القضية بل عليه مراجعة جميع الأحكام التي يصدرها القاضي ولذلك يقول له: (أكثر تعاهد قضائه) أي استمر في مراقبة القاضي وتدقيق جميع أحكامه القضائية حتى لا يظلم إنسان منه جراء تلك الأحكام.

2- منح القاضي راتباً مجزياً:

أن حصول القاضي على مرتبٍ يسد نفقاته ويوفر مستلزمات معيشته لها الأثر الكبير في نزاهته وشفافية أحكامه التي يصدرها، لأنها ستكون بعيدة عن الجور والظلم، لأن القاضي لا يكون، مرتشياً، أما أذا فشى الفساد في مؤسسة القضاء، وأخذ القاضي باستلام أموال الرشوة، فعندها يجلس على دكة الحكم ويصدر الأحكام الجائرة لانها

ص: 148

مغلفة بالمال الفاسد، فيقول الأمام في عهده لمالك بشأن القاضي (وأفسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته الى الناس)(69).

3- ضمان حقوق القاضي:

أن طبيعة عمل القاضي ومكانته الاجتماعية، أوجب الأمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر، أن يصار الى ضمان حقوقه والحفاظ على كرامته وضمان حياته، وماله، وأسرته خشية تعرضه للاعتداء من قبل الذين أصدر بحقهم عقوبات، أو ذويهم، فإذا لم يشعر القاضي بأن له تلك الضمانات، فأن ذلك سوف ينسحب على قراراته القضائية، فيبتعد عن تطبيق القانون، وتدخل المحسوبية والمساومات والشفاعات، خاصة مع الناس الذين لهم مكانة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية في البلد، كما أن منصب القاضي يصبح عرضة للعزل والتغيير، فيسلب مركزه ومكانته، فحينئذ يطبق القانون على طرف واحد وهم الفقراء والضعفاء ومن ليس لهم حول ولا قوة في المجتمع.

هذه الناحية وعاها الأمام علي (عليه السلام)، وأعد لها علاجها لكي يأمن ذلك كله، يجب أن يكون القاضي من الحاكم بمنزلة لا يطمع فيها أحد غيره، ولا تتاح لأحد سواه وبذلك يأمن دس الرجال له عند الحاكم ويثق بمركزه وبنفسه وتكسب منزلته هذه رهبة في قلوب الأشرار، يقوي بها على حملهم على الحق وردهم اليه حين ينحرفون عنه ويتمردون عليه(70) فقد ورد في دستور علي لمالك الاشتر في حقوق القاضي (وأعطيه من المنزلة لديك مالا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فأنظر في ذلك نظراً بليغا)(71).

ص: 149

أن اهتمام الأمام علي (عليه السلام) بالقضاء وحرصه على نزاهته أو تطبيقه على جميع أبناء المجتمع، وأنه لا يوجد أحد فوق القانون، هذه المبادئ الإنسانية السامية، طبقها الأمام علي (عليه السلام)، على نفسه بشكل عملي حتى يكون القدوة للآخرين، فعلي (عليه السلام) وهو بمنصب الخليفة يقف مع خصم له وكان يهودياً، أدعى ضده دعوة باطلة - كيدية - وقف معه سواسية أمام القاضي شريح، وهو الذي عينه الخليفة علي ليكون قاضياً على الكوفة، فلم يأنف الأمام من ذلك ولم يرفض طلب القاضي للمثول أمامه في ساحة القضاء، ولم يقول أنه خليفة فلا يحضر أمام القاضي، أو تتحول جلسة القضاء من مجلس القضاء الى مجلس الخليفة، أو يرفض الحضور أمام خصمه، وهو من أهل الذمة ولم يكن مسلماً أصلاً، فهو من الأقليات الدينية، كان بأمكان الأمام يستغل منصبه ويرفض الحضور ولكنه لم يفعل، لأن دين علي وأخلاقه الإسلامية - الإنسانية - تأنف ذلك، وخلقه الإنساني يرفض ذلك، فحضر شأنه شأن أي شخص عادي في الدولة ووقف بين يدي القاضي وعندما كناه القاضي وقال له يا أبا الحسن، رد عليه الأمام علي (عليه السلام)، قائلاً له أنك لم تنصف خصمي لأنك لم تكنيه كما فعلت معي فيجب أن تكون المعاملة سواسية بين الخصوم ولا يميز بين شخص وأخر، ولو بالألفاظ والكلمات، ثم جاء قرار القاضي ضد علي، ولصالح خصمه اليهودي، الذي أدعى زوراً بأن الدرع الذي مع علي هو له، فأعطاه علي حسب قرار القاضي، هنا أنبهر اليهودي ووقف متعجباً من علي وحكومته وسياسته، فعندها أعترف للأمام بأن دعوته كانت باطلة، وأن أدعائه كان زوراً، وأن الدرع هو للأمام علي حقاً(72).

ص: 150

ولذلك فأن مفهوم العدل في تراث الإمام علي (عليه السلام) يتجسد في مجالين: -

الأول:- أن الأمام نفسه كان مثالاً للعدل، وبالتالي فأنه مجسد حي له ولغيره من الفضائل الأساسية، فنلاحظ أنه كان في حياته مثال التمسك غير المتخاذل بهذه الفضيلة الكبيرة(73).

الثاني: - أن أقوال وأحادیث ورسائل الأمام علي (عليه السلام)، تعد مصادر غنية لمفهوم العدل والفضيلة(74).

وقد وردت تحذيرات في عهد الأمام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر بخصوص الظلم والقمع وهي بالحقيقة خطاب عام لكل حاکم ظالم وتنطبق على كل أولئك الذين يضعفون أمام إغراءات السلطة السياسية بالرغم من كونهم يخضعون شكلياً للإسلام وتشريعاته، فيخاطب الأمام علي (عليه السلام) عامله على مصر، مالك الاشتر قائلاً: (أياك والاستئثار - أي تفضيل نفسك على الآخرين - بما الناس فيه إسوة - متساوین - والتغابي - التغافل - عما تعنی به مما قد وضح للعيون، فأنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور وينتصف منك المظلوم)(75).

وحسب نظرية الأمام علي (عليه السلام) في السياسة فأن السلطة الممنوحة اللحاكم ليست امتیازاً له على رعاياه يحصل عليها بسبب الحكم، وذلك لان الحكم لا يعطي للحاكم أي امتیاز شخصي، وأنما هو بمثابة اختبار من الله له، فهي تعبر بوضوح عن موقف الأمام (عليه السلام) الخاص من نظرية الحكم الإسلامي وهذه المبادئ الأساسية في الفكر السياسي لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) كتبها في عهده لمالك الاشتر إذ قال (فأنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم...)(76)

ص: 151

عهد - دستور - الإمام علي وحقوق الإنسان:-

أن ما تضمنه عهد الأمام علي (عليه السلام) من مبادئ وقيم إنسانية وعدل ومساواة بين جميع أبناء المجتمع حيث ضمن لهم حق العيش والتعبير عن الرأي وضمان كرامتهم، وبذلك فأن عهد علي (عليه السلام)، سبق وثيقة حقوق الإنسان، ولذا فأنه (يصعب على المرء أن يجد اختلافاً بين العهد العلوي والوثيقة الدولية لحقوق الإنسان، فليس من أساس بوثيقة حقوق الإنسان، ألا تجد له مثيلاً في دستور أبن أبي طالب، هذا إلى إطار من الحنان الإنساني العميق يحيط به الأمام دستوره في المجتمع ولا تحيط الأمم المتحدة وثيقتها بمثله)(77).

ولذلك أخذ رجال القانون والسياسة والإدارة في مختلف دول العالم بدراسة عهد الأمام علي وتفسيره، فانبهروا بما وجدوا ما فيه من مبادئ وتشريعات وقفوا منه موقف الإكبار والإعجاب والتعظيم، بل درست على ضوء بعض القوانين والنظم الأوربية الحديثة وثم مقارنتها بالعهد فظهرت میزته وأفضليته وهذا ما دفع بالعديد من دول العالم أن تأخذ من مواد العهد وتضمنها في دساتيرها(78).

وبذلك أصبح عهد الأمام علي عليه السلام، الى مالك الاشتر، (مصدر الهام عبر القرون حيث كان يقرأ كدستور مثالي للإدارة الإسلامية من خلال وصفه المفصل لواجبات الحاکم و حقوق وواجبات معظم موظفي الدولة وطبقات المجتمع الرئيسية)(79) واما ما ذهب اليه الشيخ محمد السند عن أهتمام الأمم المتحدة بعهد الإمام علي عليه السلام وأمينها العام السيد كوفي عنان، ومنظمة حقوق الانسان وتأثره بأقوال الإمام علي التي وردت بالعهد مثل: وأشعر قلبك الرحمة، ولا تكن عليهم سَبُعاً ضارياً، وأعلم بأن الناس صنفان اما أخ لك في الدين أو نظير لك في

ص: 152

الخلق، ودعوة كوفي عنان للمؤسسات القانونية لدراسة العهد والأخذ منه وأصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً في عام 2002 م باعتبار العهد أحد مصادر التشريع الدولية(80) حسب قوله. وذكر احد الباحثين انه قد صوتت على القرار أكثر من 200 دولة وهذا اعتراف صریح من دول العالم على عبقرية الأمام علي (عليه السلام) وإنسانيته و مراعاته لجميع فئات المجتمع لأنه من أروع القوانين والأنظمة والتي بحاجة العالم الى تطبيقها لان الناس اليوم بأمس الحاجة الى العدالة والا يكون الحاكم كالسبع على أبناء مجتمعه(81) وما أشار اليه كذلك الدكتور رضا العطار بشأن القرار الأممي وأستناده على وثائق شملت 160 صفحة باللغة الانكليزية(82). ولكن هنالك من ينفي وجود هذا القرار(83).

ولغرض توثيق ذلك ارتأينا البحث عن رقم القرار ونصه الصادر عام 2002 عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وذلك من خلال مراجعتنا للكتاب السنوي الصادر عن الأمم المتحدة. انظر الملحق رقم (1) والذي يوثق جميع نشاطات المنظمة الدولية، والقرارات الصادرة منها، سواء التي تخص مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة للأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الأخرى المرتبطة بهيئة الأمم المتحدة ومنها لجنة حقوق الإنسان الذي وثقت نشاطاتها في هذا الكتاب في الجزء الثاني من المجلد 56 والصادر في عام 2004، ولكن للأسف الشديد لم نعثر على ذلك القرار الخاص(84). ويبدو لي ان هنالك لبساً قد وقع بشأن علاقة الامم المتحدة بعهد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام، فمن خلال دراستي للموضوع وجدت ان المنظمة الدولية التي ورد فيها ذكر اسم الامام علي وأقتبست بعض من حُکَمِهِ وأقوالهِ فأن ذلك ورد في (تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002)

ص: 153

(2002 ARAB Human Development Report) بدعم من برنامج الامم المتحدة الإنمائي والذي يقع في 168 صفحة باللغة الأنكليزية وقد وجدت أنه ورد ذكر اسم الامام علي عليه السلام في هذا التقرير مرتين وذلك في صفحة رقم 82، وصفحة رقم 107 وتم فيهما الأستشهاد ببعض أقواله وحِكَمِهِ و آراءهِ في مختلف المجالات كالتربية والتعليم وحقوق الإنسان والسياسة والحُكم والعدالة، وفي صفحة 107 وردت فيها ترجمة الى بعض الفقرات مما ورد في عهد الامام علي عليه السلام الى مالك الاشتر كقوله (ثم أختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور ولا تحكمه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء الى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع ولا يكتفي بأذى منهم دون أقصاه، أوقفهم في الشبهات وأخذهم في الجمع، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأضر مهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء ولا يستميله إغراء، أولئك قليل) حيث ترجمت إلى:

(Choose the best among your people to administer justice among them. Choose someone who does not easily give up who is unruffled by enmities, someone who will not persist in wrongdoings who will not hesitate to pursue right once who will not hesitate to pursue right once he knows it someone whose heart knows no greeds who will not be satisfied with a minimum of explanation without seeking the maximum of understanding“ who will be the most steadfast when doubt is cast who will be the least impatient in correcting the opponents

ص: 154

the most patient in pursuing the truth the most stern in meting out judgment; someone who is unaffected by flattery and not swayed by temptation and these are but few).

وقد وضعت تلك الأقتباسات في داخل إطار مربع - بمثابة بوسترات - ضمن النص الأصلي في كلا الصفحتين ولم يُشار في متن كلاهما الى الإمام علي او التنويه الى تلك الأقتباسات من أقواله، أو شرح مضمونها، ولم يذكر اسم مالك الاشتر او عهد الامام علي (عليه السلام) اليه، وفي اسفل ذلك المربع وردت اشارة الى مصدر تلك الأقوال وهو كتاب نهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده، الجزء الاول، الطبعة الثانية، دار البلاغة، بیروت، 1985(85) أنظر الملحق رقم (2 أ، ب، ج). وبذلك يتضح لنا ان الجهة التي اوردت فقرات من عهد الامام علي عليه السلام للاشتر انما قد ورد ذلك ضمناً في تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002 والذي صدر ب 168 صفحة باللغة الانكليزية، وليس كقرار صادر من الجمعية العامة للامم المتحدة او منظمة حقوق الانسان مستندة على وثائق شملت 160 صفحة وهو رقم قريب من الرقم 168 صفحة التي صدر فيها تقرير التنمية البشرية العربية ولعل هذا التوضيح سيساعدنا على رفع اللَبس الذي وقع فيه بعض الاساتذة الكرام من غير قصد.

ورب سائل يسأل لماذا تم اختيار الأمام علي بن ابي طالب عليه السلام والأقتباس من عهده للاشتر وبعض من أقواله وحِكَمِهِ التي طرزت صفحات التقرير؟ فاظن انها دعوة للساسة، واصحاب الحل والعقدَ للأخذ بمنهجه الأنساني السليم في الحُكمُ المتجلي بروح العدالة الاجتماعية والسلام، والحث والنصح لهم على اتخاذ الامام علي عليه السلام كمثال في تأسيس نظام يقوم على الديمقراطية والمعرفة لكون علي المجُسِد الحقيقي لتعاليم ومباديء وقيم الاسلام، وان عهده للاشتر يمثل افضل دستور لحكم الدولة.

ص: 155

الامام علي عليه السلام والنظام اللامركزي في ادارة الدولة.

ان النظرية السياسية للامام علي بن ابي طالب عليه السلام في حكم الدولة الاسلامية تقوم على اساس اتباع النظام اللامركزي في ادارة الدولة وقد تجسد ذلك من خلال دعوته الى تشكيل حكومة محلية في ولاية مصر - اي في اقاليم الدولة - والصفات التي يجب ان تتوفر في وزراءها. فلم يكتفي الأمام علي (عليه السلام) بذكر مميزات وصفات الحاكم للرعية فحسب و أنما ذكر أيضاً في عهده صفات بطانة هذا الحاكم ومن يتخذه أعواناً له في حكمه والمشورة، ومنهم الكُتاب، أن المقصود من لفظ الكُتاب في الأدب الإداري الإسلامي خلال القرن الأول الهجري وحتی العصور الإسلامية المتأخرة هم الوزراء وهذا ما أوضحه أبن أبي الحديد عندما قال: - (أن الكاتب الذي يشير اليه أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الذي يسمى الأن في الاصطلاح العرفي وزيراً لأنه صاحب تدبیر حضرة الأمير والنائب عنه في أموره، واليه تصل مکتوبات العمال، وعنه تصدر الأجوبة، واليه العرض على الأمير، وهو المستدرك على العمال، والمهيمن عليهم، وهو على الحقيقة كاتب الكُتاب، وبهذا يسمونه الكاتب المُطلَق)(86) ويدخل ضمن أعوان الكُتاب الجهاز الإداري الذي ينظم شؤون الدولة كالموظفين والنساخيين، والذين يتولون حفظ الرسائل والبريد وتصنيفها حسب المواضيع وغيرهم فلهم الأثر الكبير في تسيير و إدارة أعمالها.

أن ما يبذله الحاكم من جهد جهيد في اختيار الكتاب - الوزراء - وتحري الصدق والأمانة فيهم وأجراء المفاضلة بين المرشحين وما يستلزم ذلك وبذل الجهد والتدقيق في سيرتهم فأن الأمام علي (عليه السلام) يقول لمالك أن ذلك (دليل على نصيحتك الله)، ولذا فأن الأمام علي (عليه السلام) يجعل عمل الإنسان وما يبذله من جهد ليس من أجل الحصول على فائدة أو مکاسب دنيوية بل يجب أن يكون عمله كله

ص: 156

لله سبحانه وتعالى، وعلى رأس هؤلاء الوزراء جميعاً وهو (كاتب الكُتاب)(87)، أي رئيس الوزراء أو رئيس الحكومة(88) والذي يتصف بأن يكون خيّراً ورعاً تقياً ذو خلق رفيع كما يتميز بأن لديه خبرة ودراية أكثر من باقي الوزراء في مختلف شؤون الدولة، وان يكون لديه خبرة سياسية وله القدرة على التفاوض مع الآخرين وأن يكون شديد الحرص على المحافظة على مصالح رعيته وعدم إظهار الحاكم أمام الحكومات والشعوب الأخرى بالضعف والهوان والدفاع عن مصالح رعيته وهو ما تضمنه العهد للاشتر في قول الإمام علي (عليه السلام): (ولا يضعف عقداً أعتقده لك ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك)(89).

وكما هو معروف ما للوزراء من أثر كبير في تسيير شؤون الدولة، والقدرة على مواجهة المشكلات التي تعترض عملهم، وإيجاد الوسائل الناجحة لها وهذه تأتي من المحصلة النهائية لمجمل خبراتهم المهنية المتراكمة وإلمامهم بشؤون الوزارة المكلف بها، ويتم اختيار هؤلاء الوزراء ليس على مبدأ الظن والحدس، والاعتقاد بل يكون مبنياً على أسس وقواعد سليمة، ممن يتصف بالعلم والورع والمعرفة ومن المشهود بمقدرتهم وكفاءتهم، ولعظمة مسؤولية الكاتب وضع الأمام علي (عليه السلام) شروط معينة لاختيار من يتسنم هذه المسؤولية وتجلت هذه الشروط في عهده الى مالك الأشتر بقوله (ثم أنظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم، وأخصص رسائلك التي تدخل فيها مکایدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فیجتری بها عليك في خلاف لك بحضرة ملا، ولا تقصر به الغفلة عن أيراد مکاتبات عمالك عليك، وإصدار جواباتها على الصواب عنك، وقيما يأخذ لك ويعطي عنك، ولا يضعف عقداً أعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ماعقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور، فأن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل)(90).

ص: 157

فهو يطلب من الحاكم أن يطلع على سيرتهم الذاتية ليتعرف على الوظائف والمهام التي عملوا بها سابقاً وهل كانوا أكفاء في إدارة وانجاز ما تم تكليفهم به، کما یؤخذ بنظر الاعتبار مدى مقبوليتهم من قبل الرعية والانطباع الذي تركوه فيهم، فتكون في نفوسهم محبة لهم جراء ما قدموا اليهم من خدمات، ثم ينتقل الأمام بعهده الى مالك الأشتر بعدم تعيين من يتملق ويقترب زلفى الى الحاكم بهدف الحصول على رضاه والتصنع له وأمره بإبعادهم والقضاء على نفوذ هؤلاء من الوصوليين والمتملقين الذين يكونون من حاشية وبطانة الوالي ويبذلون أقصى ما في وسعهم ليكونوا من اقرب المقربين له وضمن الدائرة الضيقة التي تحيط به لأنهم يرغبون بالاستئثار بالوظيفة دون مراعاة المصالح العامة حيث يقول الإمام علي (عليه السلام): (ثم لا يكن اختيارك إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك، فأن الرجال يتعرضون لفراسات الولاة بتصنيعهم وحسن حديثهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم كان في العامة أثر، وأعرفهم بالأمانة وجهاً فأن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره)(91). فمن الضروري أن يتصفوا بالعفة والفطنة والحكمة وحسن الإدارة والتدبير فأذا عقدوا عقداً للوالي أحكموه، وأذا عُقد عليه عقداً اجتهدوا في نفضه وحله.

ولما كان من الدعائم التي يستند عليها الحاكم هم الوزراء والأعوان والمستشارون، فقد أولى الأمام علي (عليه السلام) في فكره الإداري هذه الناحية أهمية كبيرة وأدرجها ضمن فقرات دستوره الشامل لعامة الحكام والولاة وليس لمالك الاشتر في عهده فحسب فأوصى باختيار هؤلاء الوزراء والأعوان والمستشارين بمواصفات غاية في الدقة ولاسيما من لم تكن لهم سوابق ومؤشرات مشينه في العهود التي سبقت، فيكونوا ممن حسنت سيرتهم وسلوكهم(92) فوصيته (عليه السلام) أن (شر وزرائك

ص: 158

من كان قَبلَكَ للأشرار وزیراً، ومن شَرَكهُم في الآثام، فلا يكونن لك بطانة فأنهم أعوان الآثمة، وأخوان الظلمة)(93).

ا ة وكان الأمام علي (عليه السلام) قد سبق عماله وولاته على الأمصار في التطبيق العملي في اتخاذه الوزراء والمستشارين والأعوان من (أهل البصائر واليقين من المهاجرين والأنصار مثل أبن عباس، والمقداد، وأبي أيوب الأنصاري، وخزيمة بن ثابت وأبي الهيثم بن التيهان و قیس بن سعد بن عباده الأنصاري، ومن أشبه هؤلاء من أهل البصيرة والمعرفة)(94).

منح الأمام علي (عليه السلام) في عهده او دستوره لمالك الاشتر صلاحية تشکیل حكومة محلية وان تحديد عدد أعضائها مناط على قدر الحاجة التي تدعو اليها المصلحة العامة(95). وذلك كل حسب اختصاص كل وزير وهذا ينسجم تماماً مع مبدأ التخصص بالعمل وتقسيمه وتحديد المسؤولية فقال له مخاطباً (أن يكون أحدهم للرسائل الى الأطراف والأعداء، والآخر لأجوبة عمال السواد، والآخر بحضرة الأمير في خاصته وداره، وحاشيته وثقافته)(96)، وحسب فهمنا لهذه التعليمات فان الامام علي (عليه السلام) قد شرع في الدولة الاسلامية نظام الاقاليم او الولايات او الحكم اللامركزي، وذلك بان يكون لكل ولاية حكومتها المحلية التي تدير شوؤنها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك لتوفير المستلزمات والخدمات لمواطني الولاية، ومما لاشك فيه ان نظام الولايات سيترتب عليه ايضاً فسح المجال امام الحكومة المحلية بمعالجة القضايا ذات الطبيعة الخاصة والتي قد تنفرد بها عن باقي الولايات الاخرى فيتم معالجتها وفق الصيغ المحلية المعمول بها والتي اقرها المجتمع بشرط عدم تعارضها وتقاطعها مع قيم الاسلام وتعاليمه وبذلك يكون الامام علي عليه السلام اول المشرعين الى اتباع النظام اللامركزي في ادارة الدولة الاسلامية

ص: 159

وهذه من نوادر فكره السياسي الثاقب ومما لاشك فيه ان لهذا النظام اثاره الايجابية، وفوائده الجمة ولذلك نجد الان العديد من دول العالم تتبع ذلك النظام في ادارة دولها.

وهذا يدل من الناحية التنظيمية والإدارية المعاصرة يقوم بجعل الأعمال الموكولة للأفراد على شكل دوائر متشابهة ولجميع الأعمال المتماثلة بدائرة واحدة، ولكل عمل يُحددّ له رئيس من الكتاب بقسم ذلك التقسيم بالقدرة على ضبط الأعمال الموكولة بحيث لا تكون كبيرة يتعذر على الرئيس إدارتها ولا تخرج عن قدرته بتشتتها(97) وهذا خير دليل على أن الأمام علي (عليه السلام) كان من أوائل السياسيين الذين دعوا الى تكليف الوزراء المهنيين في المناصب الوزارية، أي تشكيل حكومة تكنوقراط حسب المصطلح السياسي اليوم، أن الفكر الثاقب لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) أشار بوضوح الى قضية في غاية الأهمية ألا وهي التخصص المهني والتأكيد على احترامه، وفسح المجال أمامه ليأخذ دوره في العمل وفي الوظيفة التي تُعهد أدارتها اليه، وهذه الصفة المهنية في الإدارة مهمة جداً لأنها تُهيئ الكادر الوظيفي المناسب في إدارة المؤسسات، علاوة على أن صاحب الاختصاص له القدرة في إدارة الوظيفة بشكل سليم، وفي تشخيص السلبيات ومعالجتها، وفي تدعيم الحالات الايجابية ورفدها، وبالتالي فأن المحصلة النهائية تكون في صالح العمل وتطويره وتحسين إنتاجه، وهذا ما دعا اليه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قبل 1400 سنة، فكانت آراءه سبقت عصره، وذلك عندما خاطب مالك الاشتر بقوله، (وأجعل لرأس كل أمر من أمورك رأساً منهم)(98) ويمكن تحليل هذا النص بالشكل التالي:-

وأجعل لرأس = الرأس هو الوزير.

لكل أمر = الوزارات.

ص: 160

من أمورك = من وزاراتك.

رأسا منهم = وزيراً.

فعلي (عليه السلام) منذ القِدّم دعا الى تشكيل حكومات محلية في الاقاليم وزرائها من أصحاب الاختصاص الدقيق، أما عدد أعضاءها فهذا الأمر متروك للحاكم وذلك على قدر الحاجة وبذلك بلور الأمام علي (عليه السلام)، الكثير من المفاهيم الإدارية الإسلامية في عهده الى مالك الاشتر والتي يمكن توضيحها وفق ما يأتي:-

1- التعامل مع الوظائف الإدارية بوصفها عملية ذات طبيعة متحركة وليس بوصفها وظيفة محدده باختصاصها.

2- تجد الإنسان الأساس الذي تستند عليه العملية الإدارية، فهو أساس التفاعل بين الوظائف.

3- تتوجه الوظائف الإدارية نحو البناء القيمي والسلوكي لشخصية الفرد المستقلة وشخصيته من خلال الجماعة بما يحقق وحدة السلوك التنظيمي والانسجام والتعاون والتفاعل بين الأفراد والجماعات.

4- تُشكل مبادئ الأيمان والتقوى والإحسان والعدالة والاستقامة الضوابط التي تحكم العملية الإدارية وتوحد فيما بينها.

5- يُشكل القائد ودوره العامل الرئيسي في تحقيق الانتظام والتفاعل بين الوظائف الإدارية ويخضع التدرج القيادي الى مدى الاقتراب من المواصفات القيادية للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بمعنى آخر، أي مستوى قيادي ينبغي أن يكون أكثر تمثيلاً لخصائص القيادة في الإسلام مقارنة بالمستوى الأدنى منه وهذا يحقق قناعة الرعية ورضاهم عن القائد(99).

ص: 161

طبقات المجتمع:

وردت كلمة (الطبقات) في عهد الأمام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر، ويقصد بها الفئات الاجتماعية وليس الطبقات بالمعنى الذي شاع استعماله في الحياة الاجتماعية والسياسية في العصور الوسطى(100)، وقد اعترف الإسلام کما اعترف الأمام علي (عليه السلام) بالطبقات الاجتماعية اي (الفئات) القائمة على أساس اقتصادي أو مهني أو عليهما معاً وذلك لأن وجود هذه الطبقات (الفئات) ضرورة لا غنى عنها ولا مفر منها في المجتمع، فلا بد أن يوجد تصنيف مهني يسد حاجات المجتمع المتجدد، وإذا اختلفت المهن وتفاوتت الثروات فلا بد ان يختلف مستوى المعيشة ويتفاوت طراز الحياة المادي والنفسي حينئذ توجد الطبقات(101).

يقدم الأمام علي (عليه السلام) وصفات لطبقات الناس المختلفة داخل الدولة والمجتمع وقد قسمها إلى تسع طبقات (فئات) وهي: -

1- الجنود

2- الکتاب

3- القضاة

4- العمال

5- أرباب الجزية

6- أرباب الخراج

7- التجار

8- أرباب الصناعات

9- الطبقة السفلى (ذوي الحاجات الخاصة)(102).

ص: 162

ولكل طبقة منها حقوقها وعليها واجباتها.

أن تقسيم الأمام علي (عليه السلام) المجتمع الى طبقات (فئات) لا يعني هذا أن كل طبقة تعمل بصورة منفردة وكأنها وحدة قائمة بذاتها ليس لها أي علاقة بالطبقة الأخرى وبالتالي فهي في معزل عن سواها، بل كان يريد القول أن هذه الطبقات تعمل جميعاً في بوتقة واحدة وهو المجتمع ولا تنفصل واحدة عن الأخرى لأن لكل منها دور تؤديه يصب في خدمة المجتمع، كما أنها تؤدي خدمة للطبقة الأخرى في ذات الوقت وتلبي حاجاتها، لان كل طبقة من طبقات المجتمع لا تستطيع أن تكون في اكتفاء ذاتي بل يجب التعاون فيما بينها وإنها ترتبط مع بعضها البعض بصلات وعلاقات وشيجة ولذا فأن كل واحدة منها تؤدي دوراً معيناً ومجموع الأدوار لهذه الطبقات يصب في خدمة المجتمع وهذه المعاني هي التي أشار اليها أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) في بداية حديثه وقبل أن يذكر أصناف تلك الطبقات حيث ورد في ديباجة حديثة مخاطباً مالك الاشتر عن هذه الطبقات: (وأعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض)(103).

وهنا أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يشير الى أن الإنسان اجتماعي بطبعه، وهو ما أشار اليه أبن خلدون بعد ذلك أي بعد مرور ثمانمائة سنة من عهد علي (عليه السلام) عندما قال: أن (الإنسان مدني بالطبع)(104)، وهو ما أكد عليه علماء النفس والتربية والاجتماع في العصر الحديث(105)، فهو لا يستطيع أن يعيش منعزلا عن الآخرين وعدم التفاعل معهم لأنه غير قادر على توفير جميع مستلزمات حياته وحاجاته بنفسه بل لا بد من مساهمة ومشاركة الآخرين بتوفيرها.

ص: 163

الناسُ بالناسِ من حضرٍ وباديةٍ *** بعضُ لبعضٍ وإن لم يشعروا خَدمُ(106)

وبذلك فأن الأمام علي (عليه السلام) سبق العلماء والمفكرين وأساتذة الاجتماع بشأن كون الإنسان اجتماعي بطبعه.

فئة الإداريين: -

أما بالنسبة للإداريين فقد طلب الإمام علي (عليه السلام) من مالك في عهده أن يختبرهم وهذا يتفق مع القوانين الإدارية المعاصرة التي تفرض خضوع الموظف الجديد في التعيين لفترة اختبار وهو ما يطبق الآن في الأنظمة الإدارية الحديثة(107)، وبذلك فأن الإمام علي (عليه السلام) أدرك ذلك وأوجده في إدارته للدولة الإسلامية قبل أن يعرفه النظام الإداري الحديث.

كما حذر الإمام علي (عليه السلام) في العهد من عوامل الانحياز والمحاباة عند تعيين الموظفين وأنما يجب ان يكون تعيينهم حسب الكفاءة والمهارات بعيداً عن الوساطة والمحسوبية والقرابة وقد يكون هؤلاء الاقارب المُعَيَنيِن ليس لديهم الكفاءة في إدارة الأعمال فعندها ينخفض مستوى الأداء للدائرة والمؤسسة التي يعملون فيها فالإمام علي (عليه السلام) يضع قاعدة إدارية رصينة في إدارة الحكم في الدولة الراشدة عند تعيين الموظفين فيها، وذلك أعتماداً على الكفاءة وما يمتلكه الفرد من مؤهلات علمية شخصية تساعده في التوظيف في تلك المهنة، وليس على أساس القرابة أو الصلة القبلية، أو على أساس الصداقة والمحسوبية أو بتأثير الانتماءات العقائدية أو الاتجاهات السياسية فالإمام علي (عليه السلام) رفض مثل تلك التعيينات في إدارة الدولة وأكد على قاعدة ((الرجل المناسب في المكان المناسب))، علاوة على ضرورة مراقبة الموظفين والعمال للإطلاع على سير العمل ومعرفة مقدار كفائتهم وكشف

ص: 164

درجة الأمانة التي يتحلون بها فقال له الإمام: - (ثم أنظر في أمور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباةً فأنهما جماع من شُعَب الجور والخيانة)(108).

النزاهة في إدارة الدولة:.

اشترط الإمام علي (عليه السلام) أن تكون النزاهة من الشروط الرئيسية الواجب توفرها عند تعيين ذوي المناصب العامة كالعمال أو الولاة أو الحكام في ادارة الدولة وكذلك في موظفيها وحدد الإمام علي (عليه السلام) الشخص النزيه بأن (یکسر نفسه عن الشهوات وينزعها عن الجمحات فان النفس امارة بالسوء الا ما رحم ربي)(109) فيكون مرتفعاً عن كل النزوات النفسية المعنوية مثل بهرجة الحكم أو أبهته أو النزوات المادية بالتصرف بأموال الأمة التي قيد أوامره، وعليه ان يحترم ذمم الرعية وبذلك فأن الإمام علي (عليه السلام) يشير الى حالة خطيرة في الجهاز الإداري للدولة بكسر النفس عن الشهوات التي هي التعفف في الموظف الإداري لان هناك طرفي نقيض ما بين العفة وما بين الاسترسال بالشهوات لان الأخيرة تؤدي الى انقياده الى نفسه الأمارة بالسوء، ويحذر الإمام علي (عليه السلام) من أحد أمراض الفساد الإداري وهي قبول الموظف الهدية أو أخذ الرشوة(110) فيقول (وأن أَخَذَ هدية كان غلولاً، وان أَخَذَ رشوة فهو كافر)(111).

ومن الأمور المهمة التي وجه الإمام علي (عليه السلام) مالك الاشتر بإيقاع العقوبات الجزائية على كل موظف تثبت إدانته بإساءة استخدام الأموال العامة ثم التشهير به، وعزله عن الوظيفة بتهمة الخيانة، حيث يقول له (فأن أحداً منهم بسط يده الى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة)(112).

ص: 165

أن الشيء الذي يسترعي النظر ويبهر العقل هو أننا نجد أثر هذه التعليمات بعد أن مر على وضعها أربعة عشر قرنا ملموساً وواضحاً في غاية الوضوح في قانون انضباط موظفي الدولة وقانون الخدمة المدنية في العراق في العصر الحديث(113).

طبقة ذوي الحاجات الخاصة: -

كان للفئة العامة والعاجزين عن العمل وأصحاب العاهات التي تمنعهم من اكتساب رزقهم حضوراً في عهد أو دستور الأمام علي (عليه السلام) الى مالك الاشتر، فمن المعلوم أن المجتمع فيه مراتب مختلفة من المستوى الاقتصادي الذي يعيش فيه الناس فهناك الأغنياء وبجانبهم الفقراء، فعلي (عليه السلام) بفكره الإنساني لم ينسى هؤلاء المحتاجين والمعدومين فأنه بدأ بالتشديد والتعظيم بوصيته لمالك فيهم بقوله: (ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم، والمساكين والمحتاجين، وأهل البؤسي والزمني، فأن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، وأحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، وأجعل لهم قسماً من بين مالك وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد، فأن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكل قد استرعيت حقه)(114).

فقد أشار الأمام علي (عليه السلام) الى فئة رئيسية من فئات المجتمع الا وهي فئة أو طبقة العمال ومن الذين لا يستطيعون العمل أما بسبب عاهة تمنعهم من والتي وصفهم بأهل الزمني، وهو الشخص المصاب بعاهة لآن الزمانة هي العاهة(115). أو بسبب صغر سنهم، أو بسبب كبر سنهم، وهو الذين قصدهم بقوله (وذوي الرقة في السن)(116)، أو بسبب المرض الذي يحول بينهم وبين العمل.

وكذلك أشار الأمام علي (عليه السلام) الى أن في هذه الطبقة المساكين وهم الفقراء والمحتاجين وأيضاً القانع والمعتر ( فأن في هذا الطبقة قانعاً ومعتراً، فالقانع

ص: 166

هو السائل والمعتر الذي يعترض للعطاء ولا يسأل(117)، فيمنعه الحياء وعزة النفس أن يظهر بأنه فقير فتحسبه غنياً من شدة التعفف، وهما من ألفاظ القرآن الكريم وهو ه قوله تعالى «وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»(118).

ثم أشار الأمام علي (عليه السلام) الى فئة أخرى ضمن هذه الطبقة الا وهم اليتامى حيث أمره أن يتولى رعايتهم بقوله (وتعهد أهل اليتم) فالحاكم مسؤول عن توفير مستلزمات عيشهم بما يكفل لهم معونتهم حتى يقوى عودهم ويشتد عظمهم لان هؤلاء والفقراء والمعوزين أذا لم توفر لهم الدولة وسائل العيش وفرص العمل فأنه لا يستبعد أن ينحرفوا وأن ينتهجوا طريق الأجرام لأنهم لم يجدوا من يرعاهم ويهتم بهم ويُقوم سلوكهم فأصبحوا عرضة لكل طارق ولكل مسي أن يؤثر عليهم وينجروا وراء تحقيق رغباتهم بالوسائل غير الشرعية وعندها يصبحوا عالة على المجتمع وخطراً يهدد كافة فئاته، كما أن شعور الناس بالظلم وعدم المساواة الاجتماعية وعدم حصولهم على حقوقهم والتباين الكبير بين طبقات المجتمع فأنه يولد شرارة التمرد والثورة على الفئة الحاكمة وفي التاريخ العديد من الشواهد والأدلة التي تدعم ذلك(119).

وقد أوضح الأمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك وسائل رعاية هؤلاء ومصادر الأنفاق عليهم باعتبارهم مواطنين في الدولة ولهم حق، العيش وعليها توفير مستلزمات معيشتهم بقوله: (وأجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي(120) الإسلام في كل بلد فأن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكل قد استرعيت حقه)(121) فأن الأمام علي (عليه السلام) جعل الدولة ضامنة وكافله

ص: 167

بتوفير مستلزمات العيش لرعاياها وذلك بالأنفاق عليهم من خزينة الدولة وهو بیت المال لأنهم من الأصناف المذكورين في قوله تعالى «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(132).

وكذلك يحصلون على المعونات من الدولة من خلال المحاصيل الزراعية التي ترد من أراضي الصوافي التي فتحها المسلمين بالقوة وأصبحت ملكاً لهم لكونهم يدفعون عنها ضريبة العشر لخزينة الدولة فأن خيرها يعود لجميع المسلمين وهنا الأمام علي (عليه السلام) يشير الى موضوع له من الأهمية بمكان في عالم السياسة والاقتصاد الا وهو موضوع الثروات الوطنية بأعتبارها ملكاً عاماً للجميع ولا يستأثر به أحداً دون الآخرين لأنها ثروة عامة ولكل فرد من الأفراد له حق ونصيب فيها، ولا يجوز التصرف بها أو حيازتها وملكيتها لأحد، بل هي ملك عام لجميع أبناء الأمة، وهذا ما أشار اليه الإمام علي (عليه السلام) بأن الثروات التي يتم الحصول عليها كالضرائب المفروضة على المحاصيل الزراعية فأنها لا توزع حكراً على المحتاجين من سكان ذلك الإقليم فقط بل توزع على جميع المحتاجين والمعوزين من أبناء الأمة وذلك عندما جعل لهم حق في غلات صوافي الإسلام في كل بلد (فأن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكل قد استرعیت حقه)(133). ونستطيع أن نعزز رأينا وندعمه بما ذكره أبن أبي الحديد في شرحه للعهد حيث قال أنه (یرید به لا تصرف غلات ما كان من الصوافي في بعض البلاد الى مساكين ذلك البلد خاصة فأن حق البعيد عن ذلك البلد فيها كمثل حق المقيم في ذلك البلد)(124).

وبذلك فأن الإمام علي (عليه السلام) قد سبق جميع الأفكار والآراء التي توصلت

ص: 168

اليها الدول ألحديثه عندما جعلت الثروات الوطنية ملكاً لجميع أبناء الوطن وقد نصت عليها في دساتيرهاً، ومنها الدستور العراقي وذلك حسب ما جاء في المادة(111) من الدستور الصادر في عام 2005(125). فهذه الافكار مستمدة ومستوحاة من فكر الأمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، ففكره سبق عصره الذي عاش فيه بل وسبق العصور التي أتت من بعده لأن مثل تلك الأفكار لم يتوصل سواه اليها. فالنظرية الإسلامية السياسية تؤكد على ان الثروة الوطنية يتم توزيعها على جميع أبناء الأمة(126). لكونها مُلكاً للجميع.

ولغرض تنفيذ تلك التوجهات فأن الأمام علي (عليه السلام) أمر الحاكم بأن يتفقد الفقراء والمساكين وأصحاب العاهات واليتامى وان تكون لديه قاعدة من المعلومات ويوكل بهم من يتفقدهم ويتعرف عليهم ويشخص حالاتهم والمشكلات التي يعانون منها وإيصالها الى الحاكم، حتى يصرف لهم تلك المعونات والمساعدات حيث قال له: (ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرفع اليك أمورهم)(127)، فعلي (عليه السلام) يأمر بتشكيل لجان من ذوي السلوك الحسن وممن عرفوا بالتقوى لفرز وتشخيص حالات الفقر والعوز لغرض معالجتها وإيجاد السبل الناجحة لها.

مميزات عهد الأمام علي (عليه السلام): -

وختاماً وبعد هذه الجولة في هذا السفر الخالد أنه يمكن إدراج المميزات التالية بشأنه:

1- يُعدٌ عهد او دستور الأمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى مالك الاشتر واحداً من أهم الوثائق التاريخية وهو بمثابة ثورة أصلاحية لسير القادة والولاة مع شعوبهم على منواله، ولرسم الطريق وتجديد العلاقة بينهم، وكان من الأهمية

ص: 169

القصوى أن يوضع أمام مسيرة البشرية وتمكين الأجيال من تدارسه والانتفاع بمضامينه ليؤدي دوره في مجال البناء والتوجيه(128).

2- أن هذا العهد يعتبر من أهم الوثائق التي تطرقت للنظام السياسي الإسلامي بتفصيل وشمول لا نجده في غيره من النصوص التي وصلت الينا من تلك الحقبة(129).

3- سبقه الزمني وكونه نتاجاً لتزواج بين الجانب النظري والجانب العملي في السياسة والحكم والإدارة للدولة الاسلامية.

4- أن ما ورد في العهد من مبادئ وقيم وأفكار وقواعد في الحكم وما تضمن من مباني سياسية تتجاوز حدود سياقها التاريخي.

5- أن النصائح الواردة في العهد هي نص أخلاقي بمقدار ما هي نص سياسي ولكنها ليست نظاماً متنوع الأساليب والأغراض أو نظرية في الأخلاق بل تعبير ملهم في الحقيقة عن فضائل روحانية جسدها الأمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) وشعت عنه طبائع فاضت مباشرة من مصادر الوحي الإسلامي وتكشف بالتالي عن جذور الفضيلة والأخلاق في مناخ محكوم بمبدأ الوحي الشامل لكل شيء، فهي تفوق كثيراً المقاييس الموضوعة تقليدياً بالنصوص السياسية أو القانونية الخاصة بالإدارة والحكم، وبغض النظر عن كونها تخاطب لأول وهلة الحاكم أو الوالي في الدولة، فأن القسم الأعظم من النصيحة ينتمي في الحقيقة الى المبادئ الأخلاقية المطبقة عالمياً وبالتالي فأن صلتها بالمحكومين تماثل صلتها بالحاكم(130).

6- أن عهد الأمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الى واليه على مصر مالك الاشتر، کشف عن دور المبادئ الروحية في تشكيل القيم الأخلاقية وتقرير نوعية الممارسة السیاسیة.

ص: 170

التوصيات

ندرج ادناه بعض التوصیات الخاصة بعهد او دستور الامام علي بن ابي طالب عليه السلام الذي كتبه الى مالك الاشتر: -

1- تدریس عهد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام في الكليات والمعاهد وذلك ضمن مادة الديمقراطية وحقوق الانسان ورفع توصية بذلك الى لجنة المناهج في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لاضافته الى مفردات المنهج.

2- توجیه معلمي المدارس ومدرسي الثانويات للتنويه بما جاء بالعهد من افکار و آراء وقيم ومبادئ لتوعية الطلبة وتدعيم روح المواطنة فيهم.

3- ضرورة تضمين الدستور العراقي لفقرات ونصوص من العهد لما لها من اهمية في ترسيخ مبادئ حقوق الانسان والمواطنة، والعدل والمساواة ورفع توصية بذلك الى اللجنة القانونية في مجلس النواب العراقي.

4- ضرورة اطلاع المؤسسات الادارية على العهد، والتعرف على ما ورد فيه من افکار ادارية واجتماعية، واخلاقية وانضباطية والالتزام بها.

5- كتابة وطباعة لوحات تعريفية، وبوسترات، تتضمن فقرات من العهد وتُعلق عند مداخل الجامعات والكليات والمراكز العلمية والمؤسسات ودوائر الدولة المختلفة والمدارس، لغرض التعريف بما ورد بالعهد وحث المواطنين على السير على منوالها لكونها المثال الأعلى للاقتداء به والتي تُعزز قوة التماسك بين جميع ابناء المجتمع العراقي.

6- كتابة مقالات في الصحف والمجلات تتناول موضوع العهد وما يهدف اليه وبیان ابعاده و مضامینه.

ص: 171

7- اقامة ندوات تربوية في وسائل الاعلام المختلفة وكذلك في الكليات والمؤسسات التعليمية ودوائر الدولة يشترك فيها عدد من الاساتذة الجامعيين في مختلف الاختصاصات التاريخية، والاجتماعية والاقتصادية، والقانونية للتعريف بالعهد وتوضيح مضامينه وما ورد فيه من المبادئ والقيم والحقوق والواجبات، لما له من أثر ايجابي في ترسيخ الوحدة الوطنية.

8- توجيه طلبة الدراسات العليا في الكليات ذات الاختصاص بكتابة رسائل واطاريح جامعية عن مضامين عهد الامام علي عليه السلام الى مالك الاشتر في مختلف المجالات.

9- التوصية بقيام الجهات العراقية المختصة بمفاتحة المنظمات الدولية كمنظمة الامم المتحدة، واليونسيف ومنظمة حقوق الانسان وغيرها بادراج عهد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام ضمن لوائحها وبرامجها المتعددة.

ص: 172

الخاتمة:

من خلال دراستنا لموضوع العهد او الدستور الذي كتبه علي بن ابي طالب عليه السلام لواليه على مصر مالك بن الحارث الاشتر سنة 38 ه / 658 م. تبين لنا ان هذا العهد يعد من اطول العهود السياسية التي حفلت بها الثقافة الاسلامية فيما يخص الحياة السياسية ليس في العصر الراشدي فحسب بل على طول التاريخ الاسلامي.

کما ان العهد يُمثل افضل النظريات السياسية في ادارة الدولة الراشدة والمثال الحسن الذي يُقتدى به.

واتضح لنا ان ما جاء في هذا العهد من أفكار وآراء و نظريات في ادارة الدولة الاسلامية قد سبقت المرحلة التاريخية التي ظهر فيها كدعوته الى الفصل بين السلطات الثلات التنفيذية والتشريعية والقضائية والدعوة الى اتباع النظام اللامركزي في ادارة الدولة الاسلامية وتشكيل حكومة محلية من ذوي الاختصاص الدقيق، تكنوقراط في الولايات او الاقاليم فيها، وان يكون التعامل مع جميع ابناء المجتمع على حد سواء دون التمييز او التفرقة بينهم، وفق مبدأ المواطنة، وأقرار العهد لمبدأ حقوق الأنسان. وبذلك فأن أفكار وآراء الامام علي بن ابي طالب عليه السلام في تلك المجالات كان لها قصب السبق.

کما توصلنا ان العهد الذي كتبه الامام علي بن ابي طالب عليه السلام كان من اوائل الراعين الى أعتبار الثروات الوطنية ملكاً عاماً لجميع أبناء المجتمع ولا يجوز أن تستأثر به جماعة دون اخرى.

کما شخص البحث العديد من المفاهيم الادارية، والاساليب التي يجب أن تُتبع في ادارة الدولة وفي تعيين المواطنين ومراقبة الجميع ومحاسبتهم وأنزال العقوبات الرادعة

ص: 173

بحق كل من يسيء الى المال العام لأنه لا احد فوق القانون. ونظراً لأهمية هذا العهد وما تضمنه من أفكار ومبادئ وقيم أنسانية وهذا ما توصلنا اليه من خلال سير البحث فقد لاقى أهتماماً كبيراً من خلال ترجمتهُ الى العديد من اللغات العالمية واقتباس بعض من فقراته وتضمينها في دساتير بعض من الدول أو السير على منواله، کما ان المنظمات الدولية لم تكن بعيدة عن عهد او دستور الامام علي بن ابي طالب عليه السلام وأفكاره وآراءه وحِکَمِهِ بل كانت حاضرة ومتفاعلة معه بشكل إيجابي.

ص: 174

الملاحق

ص: 175

ص: 176

ملحق رقم (1) الكتاب السنوي للامم المتحدة لعام 2002

Yearbook of the United Nations 2002

ص: 177

ملحق رقم (2 أ) صورة غلاف تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002 ARAB HUMAN DEVELOPMENT REPORT 2002 UNITED NATIONS DEVELOPMENT PROGRAMME ARAB FUND FOR ECONOMICAND SOCIAL DEVELOPMENT ARAB HUMAN DEVELOPMENT REPORT 2002 Creating Opportunities for Future Generations 7007

ص: 178

ملحق رقم (2 ب) صورة صفحة رقم 28 من تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002 ARAB HUMAN DEVELOPMENT REPORT 2002« p 82.

Efforts should be made to develop Arabic Language witware for general education, adult training and p uding of profissional skik Programme for de training should be en information industry. Lors should be pused to protect rational andives, induding and pan-Arab institutions. Heritage an , in dudin text, pidu fil de und radio and TV Bordings should be dritid. Developers and use shodd be informed of the able Arab Duces of content and the duction of ICT in the workplace The Internet should be used to the max in order to ir Arab women to participate the multi-media producindemics. A INFO2000 progree of the European Union.

Rab for CT. Priority should be given to research the addresses the ICT trends dis Thember of technological support cen the should be increased The Egyptin expe rience of creating a group of such contro in se province, with UNDP funding, is und in this regard The Tedinology A ss Comitiation Cantre (TAC is provide eing in decironic trade, office manne ent, dother skills to Expeines with him lanpe A network of specialised research instituts show he cut to tackle the prou Essing of the Arabic L ipe and the ne brands of ICT. Thee ons ond he bried in existinn Arbrecard institutions.

European Union in ICT and should be stered Developers and implementer Develapers and implementers should realize the importance of innovation in the age of information bal med information red an be apbisin Arabuntis in order to move hat linksKCT with day diy life The dancer of autant. Content shod be considered a major component in the mad- human dendopment. Chapter 6 mntins the fmous on the of human philities in the Imam Ali bin abi Telek: (556+19 AD.) knowledge and work 9000 morts quakohte nde

ص: 179

Jg914 jtd sibel Gobell jagtl Jlaci XI.

ملحق رقم (2 ج) صورة صفحة رقم 701 من تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002 ARAB HUMAN DEVELOPMENT REPORT 2002. P 107 12 lifted and that the actor's apaty 000 tribute cffectively to poverty cradication is de veloped and strengthened.

Gorenince bemünolog in the Anbic lange The daton a punts relating to a bojda. amuna in the Arabic Lane s ad Another pedaalian irer be Fir nice the WTOIL 2007d Tun"-pin Pro Yar all the NS of modo duas " M"which in the end amung into andmed sent a Atic see linally means in, telter tot . ] Etich die indiq-1 mening the 20mm, ponds to ICT". "Coat", i LML G r opTIGIL dabe The shoot, zich bin phonic dolm, Du free Antidiano " mn" what Fnal, "nular" 3 1 Pon up porn in jure 100 mpka". The other do 91IDENE is, malerih of the frsund Linetton', tid out of the nice. "Tyran dcienins diaria fer ditt another simple dertion Irom the act, Another phonetic Dodifc u ts in mnd ni E is a Sepe lemn jutic" z u wido", ztich this indistic Int l PUNT:tha forchal otsidentit i byen b und kr disisal. Huden y and public w rz Poverty, in the bed was di tris Report-deprivation of apabilities is the anithesis of hoan de clopment. By Quotras, 2 JOLCAT is fundamentally about libertin human capabuities As Kofi Annun, the UN Sceny Cereri d. "Good governance is perhaps the single post portant factor in tradicting porerly and promoting derdlopment". The institutions of 2010mm in the three demens (stre, 4 pdcy and the private sector] But he de signed to contribute to sustainable tende dopment by estabSshing the posial, la Coric dodil draumsines for them.

ng human capabties in order to PTOMICE ho wdfare through, ie, poverty reduc tion, job cestion, environmental protection and the drinem of can In Ene with this concept of liberation, today's cries is at the med allatie Way to eradicate poveriy, ie, to build human development, is to empower the poor to Eft than is out of povery. However, the poor have no capital except their labour power and creative capabilitis, which poverty Sup press. Empowering the poor, the cloc, IC uits the state, the guardian of the interesis of all cities, to adopt polids od progress that equip them with a range of apabilitis and that give them in all decisions affec. ing them. As noted in chapter 6 building - capabilsis tra d icin, train ing and health care-is critical for coming poreray while financial anal boxen cial to give merial expression to people's a publizis. That the state has the utere te pensbay for empowering the poor dos mot ran that the state asums the role of di tect poorider of cocnomic goods and services This approach has failai T uirement is that the state guarantee the provision of affer ent forms of apitel to the poor through dis tributive e te in fact, distributive justice is in sential decent of the societal structure is mature market comodit.

In addition to povertiment, civil society can be a critical social force for empowering the poor, provided the onstraintson forming civil society institutions and on their activitis 2001 T.

Imli Ali bin Abi Talcks on veze He whats upon hinter der is unntatious, who ha TITLE e cocktai baby doda t e and to It hitaal bedonc rche other, is 12d dilbarlis Inting clothes and belir bu ting those the better papir who berns by twins und suctiu p o n the desc he is Cority of pad than he pl to und b is 100 thothandeyado. Tento ni not pure in Engine Ind should be creier than you can becomes , WC ubahen knoes ih nacin , for he ler o gerd who will not be gidia with a only be obited by daydipin, bent minimum of alnmn without acting he tho di vite mii dep the mi dt und sinding star O try the curry and the be the bad shadi zizten doebt is cut storhetta del DIECI I ODLETED * Set the camped the lined and the opponent, the ITS PLENE the risinordoshing the puble plina the truth, the modern in e a Non h ID EY Nİ OT beping ULTI E pinion nd there arbete.

outono. Sou Naha 1 klach, morded by Im Vmad Abitu, Ful, Dur El of 2 lat ndodon grut 1983.

The nhu 12 LIELLTIN HUMAN CAPARILITIES: GOVERNANCE HLVAN DEVELOPMENT AND THE ALLE TIL

ص: 180

قائمة المصادر والمراجع

القرآن الكريم

الاسكافي، ابو جعفر محمد بن عبد الله المعتزلي (ت 220 ه/ 830 م)

(1) المعيار والموازنة، تحقيق محمد باقر المحمودي، ط 1، نشر مؤسسة المحمودي، بیروت، 1981.

اسماعیل، محمد بكر

(2) فقيه الامة ومرجع الأئمة علي بن ابي طالب، ط 1، مطبعة گلها، قم، 2009.

الأعرجي، زهير

(3) العدالة الاجتماعية، ط 1، مؤسسة محراب الفكر، قم، 1994.

الأميني، عبد الحسين

(4) الغدير، ط 4، دار الكتاب العربي، بیروت، 1997.

بحر العلوم، محمد

(5) لمحات من الصراع السياسي في الاسلام، ط 1، زيد للنشر، بغداد، 2007.

البلاذري، ابو الحسن احمد بن يحيى بن جابر (ت 279 ه/ 901 م)

(6) انساب الاشراف، ط 1، تحقیق سهیل زکار، ورياض زركلي، دار الفکر، بیروت، 1996.

البيهقي، قطب الدين الكيذري (من اعلام القرن السادس الهجري)

(7) حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة، تحقيق عزيز الله العطاردي، ط 1، مطبعة

ص: 181

اعتماد، قم، 1416 ه

ابن تغري بردي، جمال الدين ابي المحاسن يوسف (ت 874 ه / 1469 م)

(8) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، قدم له وعلق عليه محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت (ب. ت)..

التميمي، احمد محمد جودي

(9) مالك بن الحارث الاشتر ودوره في الاحداث السياسية في القرن الاول الهجري، رسالة ماجستير، الجامعة المستنصرية، بغداد، 2005.

الجاحظ، ابو عثمان عمر بن بحر (ت 255 ه/ 839 م)

(10) تهذیب الاخلاق، تحقیق ابراهيم بن محمد، ط 1، دار الصحابة للتراث، مصر، 1989.

الجبوري، ماهر صالح علاوي وآخرون

(11) حقوق الأنسان والطفل والديمقراطية، الموصل، 2009.

ابن ابی الحدید، عبد الحميد بن هبة الله (ت 655 ه / 1257 م)

(12) شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهیم، ط 1، دار احياء الكتب العربية، القاهرة، 1959

الحراني، ابن شعبه (ت في القرن الرابع الهجري)

(13) تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليهم، تحقیق علي اکبر الغفاري، ط 2، مؤسسة النشر الاسلامي لجماعة المدرسين، قم، 1404 ه.

حسن، بهي الدين، ومحمد السيد سعيد

ص: 182

(14) حقوقنا الآن وليس غداً، المواثيق السياسية لحقوق الانسان، نشر مركز القاهرة الدراسات حقوق الانسان، سلسلة رقم (8)، (ب. ت).

العلامة الحلي، الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر (ت 726 ه / 1325 م)

(15) خلاصة الأقوال، ط 2، المطبعة الحيدرية، النجف الاشرف، 1381 ه.

ابن حمدون، محمد بن الحسن بن محمد بن علي (ت 562 ه / 1166 م)

(16) التذكرة الحمدونية، نسخة الكترونية نشر موقع الوراق http: // www. alwarraq. Com

حميد الله، محمد

(17) مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ط 6، دار النفائس، بیروت، 1987)

حیدر، اسد

(18) الامام الصادق والمذاهب الأربعة، ط 3، توزیع، مکتبة الصدر، قم (ب. ت)

الخطيب، عبد الزهراء الحسيني

(19) مصادر نهج البلاغة واسانیده، ط 3، دار الأضواء، بیروت، 1985.

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت 808 ه / 1405 م)

(20) تاریخ ابن خلدون، المسمی کتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، دار الكتاب العربي، بیروت، 1957.

ابن دحية الكلبي، أبو الخطار عمر بن الحسن (ت 633 ه / 1235 م)

(21) أعلام النصر المبين في المفاضلة بين اهلي صفين، تحقيق محمد أمحزون، دار

ص: 183

الغرب الإسلامي، بيروت، 1998.

ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن (ت 321 ه 942 م)

(22) الأشتقاق، تحقیق عبد السلام محمد هارون، ط 2، دار المسيرة، بيروت، 1979.

الدستور العراقي

(23) الصادر في عام 2005.

الذهبي، ابو عبد الله شمس الدين محمد (ت 748 ه/ 1347 م)

(24) تاریخ الاسلام، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط 1، دار الكتب العلمية، بیروت، 2005.

رسالة علي بن ابي طالب الى مالك الاشتر

(25) مقالة في الموسوعة الحرة الويكيبيديا http: // ar. Wikipedia. Org

الزركلي، خير الدين

(26) الأعلام، قاموس تراجم، ط 8، دار العلم للملايين، بیروت، 1989.

السرخسي، علي بن ناصر (من اعلام القرن السادس الهجري)

(27) اعلام نهج البلاغة، تحقيق الشيخ عزیز الله العطاردي، ط 1، مؤسسة الطباعة والنشر، طهران، 1415 ه.

السند، الشيخ محمد

(28) بحوث معاصرة في الساحة الدولية، ط 1، نشر مركز الأبحاث العقائدية، مطبعة ستارة، قم، 1428 ه

سوبول، البير

ص: 184

(29) تاريخ الثورة الفرنسية، ترجمة جورج کوسي، ط 4، منشورات بحر متوسط، بیروت، 1989.

السراي، رشید

(30) موضوع اعدل حاکم، مقال بالنت، شبكة اخبار الناصرية بتاريخ 22 / 10 / 2011

الشريف الرضي، محمد بن الحسين بن موسي (ت 406 ه/ 1015 م)

(31) - نهج البلاغة، دار احیاء التراث العربي، بیروت (ب. ت).

شمس الدین، محمد مهدي

(32) دراسات في نهج البلاغة، ط 3، الدار الاسلامية للطباعة، بیروت، 1981.

الشيخ، حسن محمد

(33) ملامح من الفكر الاداري عند الامام علي عليه السلام، ط 1، دار البيان العربي، بیروت، 1993

صبحي، احمد محمود

(34) في فلسفة التاريخ، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية (ب. ت)

الصفار، رشید عبد الحميد

(35) مالك الأشتر بطل صفين، مطبعة أونسيت الميناء، بغداد، 1977.

الطائي، نجاح

(36) سيرة الامام علي بن ابي طالب، ط 1، دار الهدى لأحياء التراث، بیروت، 2003.

ص: 185

الطبري، ابو جعفر محمد بن جریر (310 ه/ 922 م)

(37) تاريخ الطبري، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، دار المعارف، القاهرة، 1999

الطريحي، فخر الدين (ت 1075 ه/ 1674 م)

(38) مجمع البحرین، تحقيق السيد احمد الحسيني، ط 2، مکتب نشر الثقافة الاسلامية قم، 1408 ه

الطهراني، آغا بزرك

(39) الذريعة الى تصانيف الشيعة، ط 2، دار الأضواء، بیروت، 1378 ه.

الطوسي، ابو جعفر محمد بن الحسن (ت 460 ه / 1067 م)

(40) الأمالي، تحقيق، بهراد الجعفري، وعلي اکبر الغفاري، نشر دار الكتب الاسلامية، طهران، 1380 ه

(41) الفهرست، تحقيق الشيخ جواد القيومي، مطبعة باقري، قم، 1422 ه.

عبده، الشيخ محمد

(43) نهج البلاغة، ط 1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بیروت، 1993.

عثمان، محمد فتحي

(43) حقوق الانسان بين الشريعة الاسلامية والفكر القانوني الغربي، ط 1، دار الشروق، القاهرة، 1983.

عدوه، علي سعد تومان

(44) أسس بناء الدولة الاسلامية في فكر الامام علي عليه السلام، ط 1، العتبة العلوية المقدسة، النجف الاشرف، 2011.

ص: 186

العطار، رضا

(45) مفهوم الخلافة في دولة الامام علي عليه السلام، مقال بالنت نشر موقع كتابات، بتاریخ 2008/9/20.

العلياوي، مزهر عبد السادة حنين

(46) صياغة مبادئ ادارة الأعمال وفق المنظور الأسلامي، دراسة استطلاعية، اطروحة دكتوراه، كلية الادارة والاقتصاد، جامعة البصرة، 2007.

الفكيكي، توفيق

(47) الراعي والرعية، ط 1، مطبعة شریعت، قم، 2004.

القاضي النعمان، ابو حنيفة النعمان بن محمد التميمي المغربي (ت 363 ه / 973 م)

(48) دعائم الاسلام، تحقیق آصف بن علي أصغر فيضي، دار المعارف، القاهرة، 1963

قدامة بن جعفر، ابو الفرج (ت 337 ه / 938 م)

(49) الخراج وصناعة الكتابة، تحقیق محمد حسين الزبيدي، دار الرشید، بغداد، 1981

القلقشندي، أبو العباس احمد بن علي بن احمد (ت 821 ه / 1418 م)

(50) صبح الأعشى في كتابة الإنشا، المطبعة المصرية، القاهرة، 1931.

کاظمي، رضا شاه

(51) العدل والذكر تعریف بروحانية الامام علي، ترجمة سيف الدين القصير، ط 1، دار الساقي، بیروت، 2009.

ابن الكلبي، ابو المنذر هشام بن محمد بن السائب (ت 204 ه/ 817 م)

(52) نسب معد واليمن الكبير، تحقیق ناجي حسن، ط 1، عالم الكتب، بیروت، 2004

ص: 187

مارکس، کارل

(53) رأس المال، ترجمة راشد البراوي، مطبعة الشبكشي، القاهرة، 1947.

المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي (ت 111 / 1699 م)

(54) بحار الانوار، ط 2، مؤسسة الوفاء، بیروت، 1983.

محمد، احمد

(55) مقتبس السياسة وسياج الرياسة، المطبعة الأدبية، مصر، 1317 ه.

المحمودي، محمد باقر

(56) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، ط 1، مطبعة النعمان، النجف الاشرف، 1386 ه.

المرزباني، ابو عبد الله محمد بن عمران بن موسي (ت 384 ه/ 994 م)

(57) معجم الشعراء، تحقيق فاروق اسلم، ط 1، دار صادر، بیروت، 2005.

ابن مزاحم، نصر المنقري (ت 212 ه/ 827 م)

(58) وقعة صفين، تحقیق عبد السلام محمد هارون، ط 2، المؤسسة العربية للطباعة بیروت، 1382 ه.

المظفر، عبد الواحد

(59) قائد القوات العلوية مالك الاشتر النخعي، ط 1، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، بیروت، 2008

المعري، ابو العلاء احمد بن عبد الله (ت 449 ه / 1057 م)

(60) دیوان شعره، تحقیق امين عبد العزيز الخانجي، مكتبة الهلال، بیروت، 1924.

ص: 188

المفيد، ابو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري (ت 413 ه/ 1022 م)

(61) الامالي، دار التيار الجديد (ب. ت)

ابن منظور، ابو الفضل جمال الدین محمد بن مکرم (ت 711 ه / 1131 م)

(62) لسان العرب، ط 1، دار صادر، بیروت، (ب. ت)

الموسي، صباح

(63) النقيب وصية الامام علي الى مالك الاشتر (مقال منشور في جريدة النهار اللبنانية)، العدد 882 بتاریخ 22/ 12/ 2009.

میثم البحراني، کمال الدين بن علي بن میثم البحراني (ت 679 ه/ 1280 م)

(64) شرح نهج البلاغة، ط 2، مطبعة خدمات، ایران، 1404 ه.

النحلاوي، عبد الرحمن

(65) التربية الاجتماعية في الاسلام، ط 1، دار الفكر، دمشق، 2006.

النويري، شهاب الدین احمد بن عبد الوهاب (ت 733 ه/ 1332 م)

(66) نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقیق مفید قميحه، ط 1، دار الكتب العلمية، بیروت، 2004.

آل ياسين، محمد حسن

(67) نهج البلاغة لِمَن، ط 3، مطبعة المعارف، بغداد، 1975.

اليعقوبي، احمد بن اسحاق بن جعفر بن وهب بن واضح (ت 292 ه/ 904 م)

(68) تاريخ اليعقوبي، علق عليه خليل المنصور، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1999.

ابو يعلي محمد بن الحسين الفراء (ت 458 ه/ 1065 م)

ص: 189

(69) الاحکام السلطانية، صححه وعلق عليه محمد حامد الفقي، ط 2، مطابع مكتب الاعلام الاسلامي، ایران، 1406 ه.

ابو يوسف، يعقوب بن ابراهيم (ت 181 ه/ 797 م)

(70) کتاب الخراج (ضمن كتاب موسوعة الخراج)، دار المعرفة، بیروت، (ب. ت).

(71) Arab Human Development Report، 2002: Crating opportunities for future generations. New york• 2002. Cited in: http://www.undp. org/rbs

(72) United Nation، The Year book 2002. vol. 56، printed in the United States of America، part Two« (2004). Cited in: https://unyearbook. un.org (the Yearbook 2002).

ص: 190

الهوامش

1. أبن الكلبي، نسب معد واليمن الكبير 1 / 289؛ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، 2 / 135؛ محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، 5 / 99؛ البلاذري، أنساب الأشراف، 2 / 398؛ أبن تغري بردي، النجوم الزاهرة 7 / 326 - 327.

2. المرزباني، معجم الشعراء الشعراء، ص 310.

3. أبن دريد، الاشتقاق، ص 138.

4. أبن الكلبي، نسب معد واليمن الكبير 1 / 57

5. السيد حسني، أعلام نهج البلاغة، ص 265.

6. ((الذهبي، تاريخ الإسلام 2 / 211، أبن تغري بردي، النجوم الزاهره 1 / 138.

7. نصر بن مزاحم / وقعة صفين، 54، 171، 175، 250، 506، 554؛ أبن دحية الكلبي، أعلام النصر المبين / ص 96؛ الزركلي، الأعلام 5 / 259.

8. العلامة الحلي،خلاصة الأقوال، ص 277؛ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار 42/ 176، عبد الحسين الأميني، الغدير 9/ 41

9. الطريحي، مجمع البحرين 2 / 481.

10. الشيخ المفيد، الأمالي، ص 83؛ الذهبي، تاريخ الإسلام 2 / 211.

11. محمد بكر إسماعيل، فقيه الأمة، ص 333.

12. احمد محمد التميمي، مالك بن الحارث الاشتر ودوره في الأحداث السياسية في القرن الأول الهجري، ص 162.

13. محمد حسن آل ياسين، نهج البلاغة لمن ص 11.

14. الشريف الرضي، نهج البلاغة، ص 12.

ص: 191

15. توفيق الفكیكي، الراعي والرعية، ص 8.

16. أسد حیدر، الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 / 570.

17. نجاح الطائي، سيرة الأمام علي بن ابي طالب 6 / 76.

18. أبن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول، ص 126؛ أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17، 24.

19. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17 / 88.

20. محمد بكر إسماعيل، فقيه الأمة، ص 321 - 323.

21. في ص 232.

22. ص 126 - 149؛ وانظر كذلك محمد بكر إسماعيل، فقیه الأمة ص 176.

23. 1/ 354 وما بعدها.

24. محمد عبده، نهج البلاغة 3/ 571.

25. ص 85.

26. (6) 1/ 78 - 79

27. (1) 6/ 58

28. (2) 1/ 78 - 79

29. 6/ 21 - 30.

30. 10/ 12.

31. 3/ 6.

32. 33/ 599 - 612.

33. 17/ 30 وما بعدها.

34. 2/ 539 - 547.

35. 4/ 137 - 187.

ص: 192

36. ص 1/ 89 وما بعدها.

37. أسد رستم، الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1/ 571.

38. نهج البلاغة 3/ 571 - 596.

39. أسد رستم، الأمام الصادق والمذاهب الأربعة 1 / 571.

40. أسد رستم، المصدر نفسه 1/ 571.

41. أسد رستم، المصدر نفسه 1/ 571.

42. أسد رستم، م، ن، 1/ 571؛ وأنظر كذلك عبد الواحد المظفر، قائد القوات العلوية، ص 60 هامش رقم (1).

43. ص 38 وما بعدها.

44. الذريعة، 13 / 373 - 375.

45. رشید عبد الحميد الصفار / مالك الاشتر بطل صفين / ص 32.

46. للتفاصيل راجع عبد الزهره الخطيب / مصادر نهج البلاغة / 3/ 426 - 430.

47. توفيق الفكيكي، الراعي والرعية / ص 38 وما بعدها.

48. للتفاصيل راجع / توفيق الفكيكي / المصدر نفسه / ص 9.

49. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17 / 24 - 91؛ میثم البحراني / 1 / 89 وما بعدها، محمد عبده / نهج البلاغة، 3/ 571 - 596.

50. احمد محمد، ص (2 - 3).

51. توفيق الفكيكي، الراعي والرعية، ص 9

52. آغا بزرك الطهراني، الذريعة الى تصانيف الشيعة 13 / 373؛ عبد الزهراء الخطيب، مصادر نهج البلاغة 3/ 427 - 428.؛ رسالة علي بن أبي طالب الى مالك الاشتر، مقال بالنت نشر موقع ویکیپدیا.

53. توفيق الفكيكي، الراعي والرعية، ص 158.

ص: 193

54. ماهر صالح الجبوري وآخرون، حقوق الإنسان والطفل، ص 62.

55. محمد فتحي عثمان، حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلامية والفكر القانوني الغربي، ص 13.

56. للمزيد من المعلومات عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبنوده الثلاثين راجع، بهي الدين حسن وآخرون، حقوقنا الآن وليس غداً المواثيق الأساسية لحقوق الإنسان، ص 39 - 45، 47 - 345؛ محمد فتحي عثمان، حقوق الإنسان، ص 14 وما بعدها.

57. توفيق الفكيكي، الراعي والرعية، ص 158.

*. القرآن الكريم، النساء، 59.

58. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17 / 40.

59. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17 / 141.

60. أبن أبي الحديد، المصدر السابق 17 / 46.

61. محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 75.

62. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 9 / 327.

63. ابن ابي الحديد، المصدر السابق 9 / 328.

64. محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 160.

*. والدول: جمع دولة بالضم، وهي أسم المال المتداول به يقال هذا الفيء دولة يهتم يتداولونه والمعنى يجب أن يكون الأمام يقسم بالسوية ولا يخص قوماً دون قوم على وجه العصبية لقبيلة دون أخرى، أو لإنسان من المسلمين دون غيره فيتخذ ذلك بطانة، أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 8 / 266.

65. أبن أبي الحديد / شرح نهج البلاغة، 8 / 204

66. محمد مهدي شمس الدين / دراسات في نهج البلاغة، ص البلاغة، ص 75، 78.

ص: 194

67. محمد مهدي شمس الدين، المصدر نفسه، ص 79 - 80.

68. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17 / 58 - 59.

69. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 59.

70. محمد مهدي شمس الدين، دراسات في نهج البلاغة، ص 82.

71. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 59.

72. أبو يعلى، الأحكام السلطانية 1/ 66.

73. رضا شاه کاظمي / العدل والذكر / ص 59.

74. للتفصيل أكثر ينظر: أبن شعبه الحرائي، تحف العقول، ص 171 - 180؛ البيهقي، حدائق الحقائق 2/ 30؛ نجاح الطائي، سيرة الأمام علي بن أبي طالب، 6/ 102 - 106.

75. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 112 - 113؛ البيهقي، حدائق الحقائق 2/ 537.

76. أبن أبي الحديد، المصر نفسه 17/ 32؛ البيهقي، المصدر نفسه 2/ 520.

77. عبد الزهراء الخطيب، مصادر نهج البلاغة 3/ 425.

78. آغا بزرك الطهراني، الذريعة، 13/ 373.

79. ((رضا شاه کاظمي، العدل والذر، ص 106.

80. بحوث معاصره في الساحة الدولية، ص 364 - 365.

81. صباح الموسى، النقيب وصية الأمام علي الى مالك الاشتر، مقال منشور في مجلة النهار اللبنانية، عدد 822 بتاریخ 2009/12/22.

82. رضا العطار، مفهوم الخلافة في دولة الإمام علي (عليه السلام)، مقال بالنت نشر موقع كتابات بتاريخ 2008/9/20.

83. رشيد السراي، مقال بالنت عن موضوع أعدل حاکم، شبكة اخبار الناصرية

ص: 195

بتاریخ 22 / 10 / 2011.

84. United Nation , the year book 2002, vol. 56, printed in the united states of America , part Two, p. 611 -812 (2004).

85. ARAB Human Development Report 2002, p. 82, 107.

86. شرح نهج البلاغة 17/ 61.

87. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 17 / 67.

88. توفيق الفكيكي، الراعي والرعية، ص 147.

89. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17 / 58.

90. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17 / 75.

91. أبن أبي الحديد، المصدر نفسه 17/ 58.

92. علي سعد عدوة، أسس بناء الدولة الإسلامية، ص 204.

93. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 42.

94. أبو جعفر الأسكافي، المعيار والموازنة، ص 98.

95. توفيق الفكیكي، الراعي والرعية، ص 156.

96. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17 / 79.

97. علي سعد عدوة، أسس بناء الدولة الإسلامية، ص 214.

98. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17 / 76.

99. مزهر عبد السادة حنين العلياوي، صياغة مبادئ ادارة الأعمال، ص 51.

100. کارل مارکس، رأس المال 2/ 131 - 143؛ احمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ، ص 231 - 242.

101. محمد مهدي شمس الدين، دراسات في تاريخ البلاغة، ص 35 - 36.

102. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 39.

ص: 196

103. أبن أبي الحديد، المصدر نفسه 17/ 37.

104. أبن خلدون، تاريخ أبن خلدون (المقدمة) 1/ 41.

105. عبد الرحمن النحلاوي، التربية الاجتماعية في الإسلام، ص 19 - 24.

106. أبو العلاء المعري، ديوانه 2/ 277.

107. توفيق الفكيكي، الراعي والرعية، ص 138.

108. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 18.

109. أبن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 30.

110. علي سعد عدوة، أسس بناء الدولة الإسلامية، ص 208.

111. المجلسي، بحار الأنوار 72/ 13.

112. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 53.

113. توفيق الفكيكي، الراعي والرعية، ص 142.

114. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 65.

115. أبن منظور، لسان العرب 13/ 199.

116. البيهقي، حدائق الحقائق 2/ 546.

117. البيهقي، حدائق الحقائق / 2 / 546؛ أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 66.

118. القرآن الكريم / سورة الحج / أيه 36.

119. للتفصيل عن أسباب قيام ثورة الأمام الحسين (عليه السلام) وثورة زيد بن علي، راجع محمد بحرالعلوم، لمحات من التاريخ السياسي 2 / 55، 231؛ وعن الثورة الفرنسية عام 1789، راجع البير سوبول، تاريخ الثورة الفرنسية ص 18 وما بعدها.

120. أراضي الصوافي وهي الأراضي التي فتحت عنوة بحد السيف وكانت ملكاً

ص: 197

لأفراد الأسر الحاكمة لآل کسری، والروم، أو الأراضي التي قتل أصحابها في معارك الفتح الإسلامي، أو هربوا منها وهذه الأراضي تعد ملكاً لبيت مال المسلمين، ويمكن أن يعطي جزء منها لمن هو بحاجة اليها من المسلمين ويدفع عنها العشر، للتفصيل راجع أبو يوسف، الخراج، ص 57 - 58؛ قدامه بن جعفر، الخراج، ص 217 - 218.

121. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 17/ 65.

122. القرآن الكريم، الأنفال أية 41.

123. البيهقي، حدائق الحقائق 2/ 531.

124. أبن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 17/ 66 - 67.

125. المادة (111) من الدستور العراقي الصادر في عام 2005.

126. زهير الأعرجي، العدالة الاجتماعية / ص 13.

127. البيهقي، حدائق الحقائق 2/ 532.

128. عبد الزهراء الخطيب، مصادر نهج البلاغة / 3/ 429.

129. محمد حمید الله، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة، ص 43 - 757.

130. رضا شاه کاظمي، العدل والذكر، ص 106 - 107.

ص: 198

اختيار الحاكم وأبرز واجباته في ضوء عهد الامام علي بن أبي طالب عليه السلام لعاملة على مصر مالك بن الحارث الاشتر النخعي

اشارة

أ. م. د. أسعد حميد أبوشنة جامعة المثنى - كلية التربية للعلوم الانسانية

ص: 199

ص: 200

الخلاصة

يعد عهد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام لمالك بن الحارث الأشتر النخعي رضوان الله عليه عندما ولاه مصر من أهم الوثائق الرسمية التاريخية الغنية بمختلف أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والادارية، كونه صادر من أعلى سلطة في الدولة العربية الاسلامية في عهودها الاولى، ويمثل كذلك مرحلة مهمة من مراحل تطور الفكر السياسي والاقتصادي والاجتماعي والاداري لدى المسلمين، لما شمله من تعلیمات و وصایا وسياسات وأساليب إدارية وطرق اختيار الحاكم، وأساليب مراقبته وعلاقة الحاكم مع المجتمع بمختلف فئاته سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

نحاول في هذا البحث الحديث عن أهم صفات اختيار الحاكم في نظر الامام علي عليه السلام من خلال عهده لمالك الاشتر، أي الصفات التي اهلت مالك كي ينال ثقة الامام علي، فكان ذلك العهد مليئاً بالتعليمات والنصائح والمواعظ، دون أن يمنح الامام علي لمالك الاشتر الحرية المطلقة في التصرف في شؤون الحكم والرعية، بل وضع له أسس صارمة للعمل مصحوبة بأساليب مراقبة فعالة أولها تقوى الله تعالى، وفي مواصفات اختيار الحاكم مع واجباته المكلف بها تكامل واضح تجسيدا لمقولة الرجل المناسب في المكان المناسب، وبناءً على ما جاء في العهد فان الحاكم يمر بثلاث مراحل: اختيار الحاكم وفقاً لصفات محددة، تحديد واجباته الوظيفية وسبل نجاحه، ومن ثم وضع آليات لمراقبته، أي بمعنى وجود منهج متكامل لبناء لنظام السياسي والاداري.

ص: 201

ادارة الامام علي علیه السلام الدولة بعد توليه الخلافة سنة 35 ه / 645 م

الصفات العامة للحاكم

كانت اولى اولويات الامام علي عليه السلام حين تولى الخلافة هو تنظيم الجهات التنفيذية والتشريعية لدولته، بصفته اعلى سلطة ادارية في الدولة وبيده جميع الصلاحيات، وقد توجه الامام في مستهل سنة 36 ه الى بعث عماله الى الامصار الاسلامية، وكان قد ورث اعباء ثقيلة من العهد السابق لاسيما النتائج المترتبة على سياسات ولاة عثمان بن عفان، والتي كان من اهمها مقتل عثمان نفسه بعد حركة احتجاجات واسعة سببت اضطرابا كبيرا في الدولة الاسلامية(1).

ان تصدي الانسان لادارة سياسة العباد فيما يخدم مصالحهم العامة والخاصة تعد مسؤولية كبيرة، ويحتاج من يتصدى لها الى كفاءة ذهنية ونفسية عالية، اذ يتوقف على شخصیته نجاح السياسة او فشلها، باعتباره العقل المدبر والمحرك الاساسي لهذا الموقع الحيوي، ولا يتوقف الامر في السياسة الاسلامية في ادارة شؤون الناس على حفظ مصالح الناس الاقتصادية والاجتماعية، بل يتعداه الى ان يحمل الوالي الاسلامي الناس على الاستقامة على جادة الشريعة ويحثهم على الترقي والسلوك الحسن، لذا إن فإن الوالي بحاجة الى مضاعفة تقوى الله سبحانه وتعالى والاخلاص له والشعور بالرقابة الالهية في كل لحظة من لحظات حياته، فهذا من شأنه جعل الحاكم المؤمن يسير دائها على خط مستقيم فيخلص في عمل-ه اي-ا اخلاص خاصة اذا كان وراءه من يحاسبه بدقة وشده كعلي بن ابي طالب.

لقد وضع الامام علي عليه السلامة صفات عامة يجب أن تتوفر في ولاته تكون اسبابا لاختيارهم، بعض تلك الصفات وردت في عهده لمالك الاشتر والبعض الاخر

ص: 202

في خطبه، وقد اختار مالك الاشتر لصفات عدوة متوفرة في شخصيته، ونشير هنا الى الصفات العامة ثم ننتقل الى مؤهلات مالك، فهو عليه السلام لم يول غير «أهل الصلاح والديانات والامانات»، وقد وضع ضوابط ومؤهلات عامة لشخصية للوالي على النحو الاتي:

1- ان يكون من اصحاب المروءات وممن صهروا في البيوتات الصالحة ومن لها سبق في الاسلام وجاءت هذه الصفات الحميدة(2) في قول الامام علي: «وتوخ من أهل التجربة والحياء من اهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدمة، فانهم أكرم أخلاقاً واصلح اعراضا، واقل في المطامع اشرافا وابلغ في عواقب الامور نظرا»(3).

2- الامانة والكفاءة، مقلما ورد في قوله: «ولكن اختبرهم بما ولوا الصالحين قبلك، فاعمد لاحسنهم كان في العامة أثرة، واعرهم بالامانة وجهاً»(4).

3-الشخصية القويمة العارفة بقدر نفسها وقدر الاخرين، في سلوكه وسياسته بإدارته لمهامه في اطار الدولة والمجتمع(5)، ويشير الامام في هذا الصدد: «لا يجهل مبلغ قدره نفسه في الامور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره اجهل»(6).

4- النزاهة والترفع عن النزوات النفسية والمعنوية، مثل مظاهر الحكم والتصرف في اموال المسلمين دون ضوابط شرعية، أو قبول الرشوة أو الهدية(7)، وقد وصف الامام علي الشخص النزيه بقوله: «يكسر نفسه عن الشهوات وينزعها عن الجمحات فإن النفس امارة بالسوء»(8)، ووصف قابل الهدية وآخذ الرشوة بقوله: «وإن أخذ هدية كان غلولاً، وإن أخذ رشوة فهو مشرك»(9).

5- الصدق والورع والابتعاد عن الاساليب الملتوية، فالوالي الصادق الورع يكون أشد حرصا على شؤون البلاد والعباد وتفضيله المصلحة العليا على موقعه وامتيازاته

ص: 203

(10)، يقول الإمام: «والصق بأهل الورع والصدق ثم رضهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله»(11).

6- التواضع مع الرعية والوقوف على حوائجهم، وهذه صفات الحاكم الصالح القريب من الله تعالى ومن شعبه(12)، وفي هذا الصدد يقول الامام علي: «أيما والي احتجب عن حوائج الناس احتجب الله يوم القيامة عن حوائجه»، ويحذر الامام علي الحاكم من نفسه فيقول: «واياك والاعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه»(13).

7- احترام الذات والابتعاد عن التكلف والتكبر، وان يكون كيساً غير مبتذل في سلوكيات تصغره عند العامة، وهذه النظم من عناصر النجاح الإداري(14)، ويشير الامام علي الى احد عماله على الصدقات الى هذا المعنى بقوله: «امض اليهم بالسكينة والوقار، حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم»(15).

7- صفات اخلاقية ومعنوية مثل؛ سعة الصدر، والحلم، والصبر، وحسن الخلق، والانصاف من النفس وقد ورد عن الامام في هذا الصدد قوله لمالك حين ولاه مصر: «لا تسر الى بادرة وجدت منها مندوحة»، وقوله عليه السلام: «أخر الشر فإنك إذا شئت تعجلته»، وقوله «آلة الرياسة سعة الصدر»

8- الالمام الواسع بخصائص العمل الذي يخوض فيه، فيجب أن يكون ذو معرفة بمتطلبات عمله اكثر من اي شخص آخر أو يكون على الاقل خبيرا بالشخص الاكثر كفاءة لاداء هذا الواجب(16).

واذا كانت تلك الشروط وامثالها لابد ان تتوفر لدى الانسان وهو في منصب الحاكم، فمن الواضح ان المؤمن الحقيقي هو اولى الناس بالتصدي لهذا الموقع، على

ص: 204

اعتبار ان المؤمن يجمع كل الصفات النفسية التي تؤهله لذا الامر الحيوي(17).

اما ولاته على الامصار الاسلامية فكانوا؛ ابي ايوب الانصاري ت 52 ه على المدينة(18)، وقثم بن العباس ت 55 ه على مكة والطائف(19)، أما العاصمة الكوفة فقد تعاقب عليها عدد من الولاة؛ كان اولهم ابو موسى الاشعري(20)، وعمارة بن شهاب(21)، وقرظة بن كعب الانصاري ت 40 ه(22)، وابو مسعود البدري ت 40 ه(23)، وهانئ بن هوذة النخعي ت 40 ه، فيما تولى البصرة والاهواز وفارس وكرمان عدد من الولاة منهم؛ عثمان بن حنيف ت 57 ه(24)، وعبدالله بن عباس ت 65 ه(25)، اما المدائن فقد تولاها سعد بن مسعود الثقفي، فيما تولى الموصل وما يحيط بها مالك بن الحارث الاشتر النخعي(27) أما مصر قد تولاها قيس بن سعد ت 59 ه(28)، اما الشام فقد تولاها سهل بن حنيف ت 38 ه(29).

صفات مالك الاشتر رحمه الله التي اهلته كي يختاره الامام علي علیه السلام لولاية مصر

1- تاريخ مالك الاشتر ومكانته عند الامام

أولى الامام علي عليه السلام التاريخ عناية كبيرة في اختياره مالك الاشتر لولاية مصر، كما وأمره عليه السلام بالتأمل والتدبر في التاريخ كما سيمر بنا لاحقا، فقد ترجمه الذهبي في سير اعلام النبلاء بقوله: «الاشتر ملك العرب، مالك بن الحارث النخعي، أحد الاشراف والابطال المذكورين فقئت عينه يوم اليرموك، وكان شهما مطاعا ألب على عثمان وقاتله، وكان ذا فصاحة وبلاغة، شهد صفين مع علي، وتميز يومئذ وكاد ان يهزم معاوية، فحمل عليه أصحاب علي لما رأوا مصاحف جند الشام على الاسنة يدعون الى كتاب الله، وما أمكنه مخالفة علي، فكف»(30)، وقال العلامة الحلي في خلاصة الاقوال:» قدس الله روحه ورضي عنه، جليل القدر عظيم المنزلة،

ص: 205

وكان اختصاصه بعلي أظهر من أن يخفى، وتأسف أمير المؤمنين لموته وقال: كان لي كما كنت لرسول الله»(31).

وكان لمالك الاشتر مكانة مشهودة في الفتوحات الاسلامية، فقد ذكر جملة من المؤرخين مناقب الاشتر وشجاعته وبسالته في الحروب فقد وصف ان العديم في تاریخ حلب مشاركة الاشتر في فتح الشاح وتوغله في عمق اراض الروم: «واول من قطع جبل اللكام وسار الى المصيصة مالك بن الحارث الاشتر النخعي»(32)، وذكر البلاذري ان مالك الاشتر كان قائداً في فتح انطاكية، وكيف خطط لفتح حلب، وفتحه حصن عازار(33)، وذكر اليعقوبي: «ان ابا عبید ارسل الاشتر الى جمع من الروم وقد قطعوا الدرب، فقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم انصرف وقد عافاه الله واصحابه»(34)، وكان لمالك الاشتر دور كبير في فتح الموصل فقد اشار الواقدي الى ذلك بقوله: «والتقى مالك الاشتر بيورنيك الارمني فلما عاين زيه علم انه من ملوكهم، فطعنه في صدره فأخرج السنان من ظهره»(35)، وروى ابن الاعثم دور مالك في فتح آمد وميافارقين في تركيا بقوله: «ثم ارسل عياض مالك الاشتر النخعي واعطاه الف فارس وارسله الى ناحية آمد وميافارقين، وحين وصل مالك مع الجيش الى آمد تبين له ان القلعة حصينة جدا فأخذ يفكر بالامر وان مقامه سيطول هناك، ولما اقترب من آمد وعاين بنفسه قوة الحصن، امر الجيش ان يكبروا معاً تكبيرة واحدة بأعلى صوت فخاف اهل آمد وتزلزلت اقدامهم وظنوا ان المسلمين يبلغون عشرة آلاف، وانهم لا قبل لهم بحربهم، فأرسلوا شخصا الى الاشتر فأجابهم الى الصلح..»(36).

ذكرنا آنفاً لمحة عن دور مالك بن الحارث الاشتر النخعي في معارك الفتح الاسلامي، التي حاول المؤرخون المحسوبين على السلطات آنذاك طمس معالم تاريخ الاشتر بسبب قربه من علي بن ابي طالب، والتي تدل على تاريخ مشرق حافل

ص: 206

بالانجازات التي تدل جعلته مؤهلا في نظر الامام علي عليه السلام و جديرا بذلك التكليف.

2- ثبات القلب في الظروف القاسية والصعبة، فلا ينهزم او يتراجع مهما كانت المواقف

مثلما حصل في معركة اليرموك التي كان فيها لمالك الاشتر دور مهم في تحقيق النصر، فقد ذكر الكلاعي في الاكتفاء «وتوجه خالد في طلب الروم حين انهزموا فلما بلغوا ثنية العقاب من ارض دمشق وعليها جماعة من الروم عظيمة، اقبلوا یرمون المسلمين من فوقهم بالصخر، فتقدم اليهم الاشتر في رجال من المسلمين واذا امام الروم رجل جسيم من عظمائهم واشدائهم، فوثب اليه الاشتر لما دنا منه فاستویا على صخرة مستوية فاضطربا بسيفيهما فضرب الاشتر کتف الرومي فأطارها، وضربه الرومي بسيفه فلم يضره شيئاً، وأعتنق كل واحد منهما صاحبه، ثم دفعه الاشتر من فوق الصخرة فوقعا منها، ثم تدحرجا والاشتر يقول وهما يتدحرجان: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له بذلك امرت وأنا أول المسلمين. فلم يزل يقول هذا وهو في ذلك ملازم العلج لا يتركه حتى انتهيا الى موضع مستو من الجبل، فلما استقر فيه وثب الاشتر على الرومي فقتله، ثم صاح في الناس ان جوزوا، فلما رأت الروم ان صاحبهم قد قتله الاشتر خلوا سبيل العقبة للناس ثم و انهزموا»(37).

ص: 207

3-أخبار الرسول الاعظم بمالك الاشتر وصلاحه وقوله الحق وفعله وعدم الخشية من السلطة، والوقوف الى جانب المظلومين ونصرتهم

مثلما حصل في حادثة دفن ابو ذر الغفاري (رض)، في الربذة، وفي تفاصيل الرواية ما يوثق تلك الصفات فقد روى الكشي في كتابه رجال الكشي: «حدثني عبيد بن محمد النخعي الشافعي السمرقندي عن ابي احمد الطرطوسي قال حدثني خالد بن طفيل الغفاري عن ابيه عن احلام بن دلف الغفاري وكانت له صحبه قال مكث ابو ذر بالربذة حتى مات، فلما حضرته الوفاة قال لامرأته: اذبحي شاة من غنمك واصنعيها فإذا نضجت فاقعدي على قارعة الطريق فأول ركب ترينهم قولي: يا عباد الله المسلمين هذا أبو ذر صاحب رسول الله قد قضى نحبه ولقي ربه فأعينوني عليه وأجيبوه، فإن رسول الله أخبرني أني أموت في أرض غربة وأنه يلي غسلي ودفني والصلاة عليَ رجال من أمته صالحون»(38).

وعن محمد بن علقمة بن الاسود النخعي قال: «خرجت في رهط أريد الحج منهم مالك بن الحارث الاشتر وعبدالله بن الفضيل التميمي ورفاعة بن شداد البجلي حتى قدمنا الربذة فإذا بإمرأة على قارعة الطريق تقول: يا عباد الله المسلمين هذا أبو ذر صاحب رسول الله قد هلك غريبا ليس لي احد يعيني عليه قال فنظر بعضنا الى بعض وحمدنا الله على ما ساق إلينا واسترجعنا على عظم المصيبة، ثم أقبلنا معها فجهزناه وتنافسنا في كفنه حتى خرج من بيننا بالسواء، ثم تعاونا على غسله حتى فرغنا منه ثم قدمنا الاشتر فصلى بنا عليه ثم دفناه، فقام الاشتر على قبره ثم قال:» اللهم هذا أبو ذر صاحب رسول الله عبدك في العابدين وجاهد فيك المشركين لم يغير ولم يبدل ولكنه رأى منكراً فغيره بلسانه وقلبه حتى جُفي ونُفي وحُرم وحُقر ثم مات وحيداً غريباً، اللهم فاقصم من حرمه ونفاه من مهاجره حرم رسولك. قال: فرفعنا أيدينا جميعاً

ص: 208

وقلنا: أمين. ثم قدمت الشاة التي صنعت فقالت: إنه أقسم عليكم ان لا تبرحوا حتى تتغدوا، فتغدينا وارتحلنا»(39).

أوردنا تلك الروايات إثباتاً لمكانة مالك الاشتر السياسية والتاريخية في صدر الاسلام، وبالفعل فقد حصل ما أخبر به أبو ذر، كما إن إخبار الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بمالك الاشتر وصلاحه، شرف عظيم للاشتر.

4- كان مالك الاشتر من قبيلة مشهود لها بالجهاد والمواقف المناصرة للاسلام

فقد كان من الضروري اختيار شخص لولاية مصر تتوفر فيه كل المواصفات، ومنها المنبت الطيب والقبيلة المعروفة بتاريخها، بعد ان سيطر على مصر عمرو بن العاص ابن النابغة، فلقبيلة مالك الاشتر تاريخ مشهود في ساحات المعارك، فقد كان للنخعيين مئات الفرسان الورعين والشجعان الذين شاركوا على مختلف الساحات، فشاركوا في معركة اليرموك تحت قيادة مالك الاشتر، فقد أورد الكلاعي، ان مالك الاشتر طارد الروم الى حلب على رأس 300 فارس(40)، فيما أشار ابن ابي شبيه انهم كانوا في القادسية 2400 مقاتل، وقال: «كنت لا تشاء ان تسمع يوم القادسية أنا الغلام النخعي، إلا سمعته»(41)، في اشارة الى حجم قبيلة النخعيين في تلك المعركة وافتخار ابناءها عند النزال بقبيلتهم.

5- لكل مرحلة سياسية وتاريخية ظروفها وخصائصها

لكل اقليم خصائصه وظروفه ايضا، لذا كان الاشتر هو الخيار المناسب لادارة اقليم م-صر، وهذا ما كان الامام علي عليه السلام يراعيه في ادارة شؤون البلاد من ناحية اختيار الحاكم المناسب للبيئة والظروف المحيطة.

ص: 209

عهد الامام علي علیه السلام لمالك الأشتر رحمه الله وأبرز المهام الوظيفية الواردة فيه

لم يختر الامام على ولاته بشكل عام ومالك الاشتر بشكل خاص دون ان يوجههم ويرشدهم ويرسم لهم اسس سياساتهم الي تمكنهم من ادام واجباتهم، ويعد عهده عليه السلام للاشتر لما ولاه مصر سنة 37 ه ابلغ واوضح تعاليم يعهد بها خليفة مسلم لاحد ولاته، وهذا يدل على بلوغ الفكر السياسي الاسلامي مرحلة مهمة من التطور على يد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام.

المهام الاساسية للحاكم

يقول عليه السلام في أول العهد «هذا ما أمر به عبدالله أمير المؤمنين، مالك بن الحارث الاشتر في عهده إليه، حين ولاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها».

أ- رعاية المصالح الاقتصادية للبلاد

ب- الدفاع عن البلاد

ج- رعاية شؤون المجتمع

د- تطوير البلاد واعمارها(42)

کما ونلاحظ في هذا النص أمور عدة منها: عدم استخدامه عليه السلام عبارة التبجيل والتعظيم للحاكم، وتحت هذه العناوين الاربع يمكن تعيين جملة من الوظائف وعلى النحو الاتي:

ص: 210

أ- رعاية المصالح الاقتصادية للبلاد

تحت هذا العنوان ذكر الامام علي مجموعة من التعليمات ومنها:

1- «ولا تخل في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الامور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله»(43).

2- «واعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض ولا غنى لبعضها عن بعض»(44)

3- «ولا قوام لهم جميعا الا بالتجار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من اسواقهم ويكفونهم من الترف بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم».

4- «ثم الطبقة الوسطى من اهل الحاجة والمسكنة والذين يحق لهم رفدهم ومعونتهم»

5- «ثم اسبغ عليهم الارزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح انفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت ایدیهم وحجة عليهم ان خالفوا امرك أو ثلموا امانتك».

6- «وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحهم صلاحا لمن سواهم إلا بهم، لان الناس كلهم عيال على الخراج».

7- «استوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوص بهم خيرا فالمقيم منهم والمضطرب بماله، والمترفق ببدنه، فإنهم مواد المنافع، واسباب المرافق، وجُلابها من المباعد والمطارح في برك وبحرك، وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها، ولا يجترئون عليها، فإنهم سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشى غائلته».

8- «وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك واعلم مع ذلك ان في كثير منهم

ص: 211

ضيقا فاحشا، و شحا قبيحا، او احتکارا للمنافع، وتحكما في البياعات وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار، فان رسول الله منع منه، وليكن البيع بيعا سمحا بموازین عدل، واسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع، فمن فارق حكره بعد نهيك اياه فنكل به وعاقبه في غير اسراف».

شمل هذا الجانب من العهد تعلیمات ونصائح وارشادات و مفاهیم اقتصادية مهمة دون ان يهمل الامام علي علاقة الاقتصاد بالمجتمع، فيوجه الامام علي مالكاً بعدم استخدام المستشارين البخلاء المترددين الذين يمنعوه عن أداء واجباته في بناء وتطوير البلد، وعدم استخدام مستشارين جبناء يمنعونه عن فعل الحق وتطبيق القانون، وهذه الوصايا الواردة اعلاه لها صلة مباشرة بحياة المجتمع الذي له خصائص عديدة منها وجود فواق طبقية على اساس المكانة الاقتصادية لكل فئة، مع التأكيد على التكامل بين تلك الفئات، وليس الفوارق مثلما هو شائع لدى المفكرين الاقتصاديين ذوي النزعة المادية، ومن جملة الامور التي أكد عليها الامام علي عليه السلام هي التجارة كونها مصدر مهم في توفير السلع الضرورية لحياة الناس، لذا يوصي عليه السلام مالك الاشتر بهذا الجانب الاقتصادي المهم وبالقائمين عليه، بعدها ينتقل الامام علي الى موضوع آخر مهم هو الطبقة الفقيرة التي يوصي مالكاً برعايتهم بشكل خاص وتوفير العمل المناسب لهم، فمن أهم واجبات الحاكم تفقد أمور مختلف فئات المجتمع، ومراقبة علاقة تلك الفئات الاجتماعية بعضها بالبعض الاخر، والعلاقات الاقتصادية القائمة بين تلك الفئات ضماناً لعدم حصول خلل في الواقع الاقتصادي للبلاد، ومن أهم الامور التي ذكرها امير المؤمنين عليه السلام في عهده لمالك الاشتر وجوب ضبط واردات البلاد لان الجميع معتمد عليها ابتداءً، ومنها تبنى المرافق العامة والمنشآت والمشاريع التنموية في البلاد.

ص: 212

ب- الدفاع عن البلاد

1- «فالجنود بإذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبيل الامن، وليس تقوم الرعية الا بهم».

فالواجب الاول للجيش والوالي هو الدفاع عن المواطنين وحمايتهم كما يحمي الحصن سكانه، وهم بعملهم هذا يكونون مدعاة فخر ورضا للولاة، وهم يكون الدين عزيزا مصانا، ويشكلون مع الرعية او المواطنين المدنيين بناء الدولة.

2- «ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم».

بمعنى العناية بمصدر عيش اولئك الجنود، وتوفير اسباب معاشهم، ومستلزمات ادائهم واجباتهم العسكرية من سلاح وعتاد وغيرها من المستلزمات التي تساعدهم في اداء واجباتهم، وهذا كله يعتمد على واردات الدولة وكيفية تخصیص جزء منها للجيش الذي يعد من أهم مؤسسات قيامها وبقائها.

3- «فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك، وانقاهم جيبا، وافضلهم حلما، ومن يبطئ عن الغضب، ويستريح الى العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الاقوياء، وممن لا يثيره العنف، ولا يقعد به الضعف».

يأمر الامام علي مالكاً بأن يولي المناصب القيادية الجنود من تتوفر فيهم صفات معينة منها رجاحة العقل والحكمة، والذي يسير على المنهج القويم الذي اختطه الله تعالى لرسوله والامام علي عليه السلام، وكذلك امر الامام مالكا ان يختار المطهرين من ذوي الاصول الطيبة والسمعة الحسنة والسيرة العادلة، وكذلك لا غني لمالك عن ذوي الحلم تلك الصفة المهمة للقائد العسكري الذي لا يتسرع

ص: 213

او يقوم بالاعمال المفاجئة، وخاصة عن الغضب الذي عندما يمر به ذلك القائد وتلك الحالة التي غالبا ما يمر بها الجنود في القتال، فان كان كذلك فيجب عليه الرأفه بالضعفاء ممن هم دونه ويقبل الاعذار، ولكنه شديد على المستكبرين ولا يخافهم، وعلى من تتوفر فيه صفات القيادة ان يكون ثابتا عند المواقف الصعبة فلا مهتز او يتزلزل، وبهذا يكون ثابت القدمين حتى في حالات الضعف التي قد يمر بها، فلا يستسلم ابدا او يتقاعس عن أداء واجباته.

3- «ولیکن آثر رؤوس جندك من واساهم في معونته، وافضل عليهم من جدته، بما يسعهم ويسع من ورائهم من خلوف اهليهم، حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو»(45)

أي القائد الحريص على جنوده المساهم في سد احتياجاتهم، لا الذي يترك للجند تدبر أمورهم كل على حد، وكذلك سد احتياجات عائلاتهم حتى لا ينشغل الجند بالتفكير بقوت عائلاتهم ويركزوا جهودهم مع قادتهم في القتال.

4- «فربما حدث من الامور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة انفسهم به».

أن يقدر تضحيات الجنود التي قدموها دون اكراه تحت أمرته وفي سبيل اعلاء كلمة الله سبحانه و احقاق الحق.

ج-رعاية شؤون المجتمع

1- «واشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير في الخلق».

ص: 214

2- «يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى ان يعطيك الله من عفوه وصفحه»(46)

3- «أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصة أهلك، ومن لك اليه هوی من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان الله حربا حتى ينزع أو يتوب»(47)

4- «وليكن أحب الامور اليك اوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وان سخط الخاصة يغتفر مع رضی العامة» (48)

5- «وليس شيء ادعى الى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من اقامة على ظلم فان الله سمیع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد».

6- «وانما عماد الدين، وجماع المسلمين والعدة للاعداء العامة من الامة ليكن صغوك لهم وميلك معهم»

7- «ولیکن ابعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعائب الناس فإن في الناس عيوبا الوالي احق من سترها فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنها عليك تطهير ما ظهر لك والله يحكم على ما غاب عنك فاستر العورة ما استطعت يشتر الله منك ما تحب ستره من رعیتك»

8- «أطلق عن الناس عقدة كل حقد واقطع عنك سبب كل وتر وتغاب عن كل ما لا يضح لك ولا تعجلن الى تصدیق ساع فان الساعي غاش وان تشبه بالناصحين»

9- «وأعلم انه ليس شيئ بأدعى إلى حسن ظن راع برعيته من احسانه اليهم وتخفيفه

ص: 215

المؤونات عليهم وترك استكراهه ایاهم على ما ليس له قبلهم».

10- «ثم الطبقة السفلى من اهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم».

11- «فان عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك وان افضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية»(49)

12- «ایاك والدماء وسفكها بغير حلها، فانه ليس شيء ادعى لنقمة ولا اعظم لتعبئة ولا احری بزوال نعمة، وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها، والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد، فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوین سلطانك بسفك دم حرام، فان ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لان فيه قود البدن».

يبدأ الامام علي عليه السلام في هذا المحور المهم من عهده، وهو المحور الانساني بوصية مالك الاشتر باللطف والرفق بالناس و تحمل اخطائهم واحتمال زلاتهم وتقبل آرائهم حتى وان كانت مختلفة عن آراءه، فليس كل الناس من دین و معتقد مالك الاشتر، فوراء ذلك الاختلاف في الآراء علل واسباب عليه ادراکها، کما ويجب على مالك انصاف الناس من نفسه، وهذه الصفة قد لا تتوفر لدى الكثير من الناس العاديين الذين لا مناصب لديهم، فكيف اذا كان من يجب ان ينصف الناس من نفسه هو الحاكم وولي الامر، وهذه الصفة لا تتوفر الا في اناس معدودین کمالك الاشتر الذي اختاره الامام علي بعناية لهذا الامر، کما اوصى مالكا ان يكون وسطياً غير متطرف، لان الوسطية تؤدي الى العدل مع عامة الناس الذين يمثلون الفئة التي تدافع عن الدين، لذا يجب ان يصغي اليهم ما عدا فئة محددة فيها صفات معينة منها البحث عن عيوب الناس التي واجب على الوالي أن يعرفها هو اولاً لانه الاولى بسترها فهذا واجبه، واوصى الامام مالك بعدم الضغط على الرعية، وعدم اجبارهم

ص: 216

على أمور يكرهونها، وأوصاه بالعناية بشكل خاص بالطبقة الفقيرة التي كان تربطها بالامام علي علاقة خاصة وكان يراعاها في الكوفة بنفسه في دعوة للاقتداء به.

ومن جملة من الامور التي وردت في كلام الامام علي عليه السلام تأكيد حرمة الدماء وان حق الحياة مكفول للجميع، إذ كان الحديث عن الدماء بصورة عامة وليس دماء المسلمين دون غيرهم، فضلا عن المساواة بين الحاكم والمحكوم من حيث لا ضمانات للمنصب او شاغلة في موضوع التعدي على الدماء والحياة، كما ان سفك الدماء يثير غضب ونقمة الشعب مما يؤدي الى خلق الاضطرابات وعدم استقرار المجتمع(50).

د- تطوير البلاد واعمارها

1- «فليكن احب الذخائر اليك العمل الصالح».

2- «فإن شكو ثقلا او عله، او انقطاع شرب او بالة، أو إحالة أرض اغتمرها غرق، أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو ان يصلح به أمرهم ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك، وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم، معتمدا فضل قوتهم، بما ذخرت عندهم من اجمالك، والثقة بهم بما عودتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم»(51).

3- «ولیکن نظرك في عمارة الارض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لا يدرك الا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عبارة أخرب البلاد، واهلك العباد ولم يستقم امره الا قليل»(52).

في هذا المجال يؤكد الامام علي لمالك الاشتر انك يجب ان تكون محبا وخلصا

ص: 217

لما تقوم به، بمعنى يجب توفر الدافع الذاتي للعمل والنجاح الذي هو جوهر العمل الصالح، وبالتالي يتوفر الاتقان في العمل، ثم يوصي الامام عليه السلام مالكاً ان لا يثقل كاهل الناس، ويخفف عنهم ويواسيهم في حالات الاضطرابات الاقتصادية، وقلة الاعمال، فإن سياسته تلك ستعود عليه بالنفع في المستقبل في تأييد حكمه ومساندته وتطوير البلاد، ثم يوصي الامام مالك الاشتر بان يكون هدفه الاساسي هو بناء وتطوير البلاد وليس جمع الواردات، التي لا تنميها وتطورها الا مقدار التطور في مختلف مرافق الدولة والمجتمع، اي بمعنی ضرورة استثمار تلك الاموال، وفي حالة عدم استثمارها، فإن ذلك سيؤدي الى مجيء اليوم التي لا يكون لهذه الأموال من قيمة، وهذا ما يجري الان فالواردات تجمع دون ان تستخدم بالشكل الصحيح في الاعمار والبناء على ارض الواقع.

وهذا المعنى الذي اشار اليه امير المؤمنين عليه السلام هو ذاته الذي نبه القرآن الكريم اليه كحقيقة مهمة في الاموال، وهي انها قوام المجتمع وانها كالعمود الفقري الذي يقوم عليه جسد ذلك المجتمع، ولذلك نهي القرآن الكريم عن ترك تلك الاموال دون تنمية، بيد من يبذرها ويضيعها ويتصرف بها تصرفاً سفيها يؤدي الى ضعف الاقتصاد(53) وانهياره قال تعالى: «وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا»(54).

ص: 218

الهوامش

1. عدوه، علي سعد تومان، اسس بناء الدولة الاسلامية في فكر الامام علي عليه السلام، ط 1، النجف، 2012، ص 200.

2. المصدر نفسه، ص 207.

3. أبن أبي الحديد ، عز الدين ابو احمد عبدالحميد هبة الله المدائني ت 656 ه، شرح نهج البلاغة، تحقیق: محمد ابراهیم، ج 7، بغداد، 2007، ص 54.

4. المصدر نفسه، ص 59.

5. عدوه، المصدر السابق، ص 207.

6. أبن أبي الحديد، المصدر السابق، ص 59.

7. عدوه، المصدر السابق، ص 207.

8. أبن أبي الحديد، المصدر السابق، ص 27.

9. المصدر نفسه، ص 36.

10. عدوه، المصدر السابق، ص 208.

11. أبن أبي الحديد، المصدر السابق، ص 36.

12. عدوه، المصدر السابق، ص 209.

13. أبن أبي الحديد ، المصدر السابق ، ص87. 14. عدوه، المصدر السابق، ص 209.

15. أبن أبي الحديد ، المصدر السابق، ج 15، ص 166.

16. شعبة الدراسات والنشر في العتبة العلوية المقدسة، من وحي نهج البلاغة في الاخلاق والفلسفة والسياسة، 2012،، ص 66 - 67.

17. المصدر نفسه، ص 70.

ص: 219

18. الطبري، محمد بن جریر ت 310 ه، تاریخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم، ج 5، ط 2، مصر، ص 155.

19. اليعقوبي، احمد بن ابي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح، تاريخ اليعقوبي، تحقیق عبدالامير مهنا، ج 2، ط 1، بیروت، 2010، ص 124.

20. المصدر نفسه، ص 124.

21. الكندي، ابي عمر محمد بن يوسف، الولاة والقضاة، بيروت، 1908، ص 19.

22. ابن خیاط، ابي عمرو خليفه، تاریخ خليفة بن خياط، تحقیق اكرم ضياء العمري، ط 2، 1985، ص 151.

23. المسعودي، أبي الحسن بن علي، مروج الذهب، ج 2، تحقیق کمال حسن مرعي، ط 1، بیروت، 2005، ص 387.

24. اليعقوبي، المصدر السابق، ج 2، ص 124.

25. الدينوري، ابي محمد عبدالله بن مسلم ت 27 ه، الامامة والسياسة، تحقیق علي شيري، ج 1، ط 1، 1990، ص 105.

26. الطبري، المصدر السابق، ص 565.

27. الدينوري، أبي حنيفه احمد بن داود ت 282 ه، الاخبار الطوال، تحقیق عبدالمنعم عامر، ط 1، مصر، ص 145.

28. ابن کثیر، أبي الفداء اسماعيل ت 774 ه، البداية والنهاية، ج 7، ط 2، 2010، ص 235.

29. الدينوري، ابي حنيفه...، المصدر السابق، ص 145.

30. الذهبي، شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان ت 748 ه، سير أعلام النبلاء، تحقیق مأمون الصاغرجي، ج 4، ط 1، 1996، ص 34.

31. الحلي، أبي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الاسدي ت 726 ه، خلاصة

ص: 220

الاقول في معرفة الرجال، تحقیق جواد القيومي، ط 4، 1431 ه، ص 276.

32. ابن العديم، الصاحب کمال الدين عمر بن احمد بن ابي جراده، بغية الطلب في تاريخ حلب، تحقیق سهیل زکار، ج 1، بيروت، ص 156.

33. البلاذري، احمد بن يحيى بن جابر ت 279 ه، فتوح البلدان، تحقیق: عبدالقادر محمد علي، ج 1، ط 1، بيروت، ص 302، 306

34. اليعقوبي، المصدر السابق، ج 2، ص 462

35. الواقدي، أبي عبدالله محمد بن عمر ت 207 ه، المغازي، تحقیق مارسدن جونز، ج 1، ط 3، 1984، ص 462

36. ابن الاعثم الكوفي، أبي محمد احمد ت 314 ه، الفتوح، تحقیق علي شيري، ج 1، ط 1، 1991، ص 258.

37. الكلاعي، أبي الربيع سليمان بن موسى الأندلسي ت 634 ه، الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، تحقيق مصطفى عبدالواحد، ج 3، ط 1، 1968، ص 273

38. الكشي، ابي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز، رجال الكشي، تحقیق احمد الحسيني، ط 1، بیروت، 2009، ص 54

39. المصدر نفسه، ص 54.

40. الكلاعي، المصدر السابق، ج 3، ص 273.

41. المصدر نفسه.

42. سوادي، فليح، عهد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام الى واليه على مصر مالك الاشتر، قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العلوية المقدسة، ط 1، 2010، ص 15.

43. المصدر نفسه، ص 17.

ص: 221

44. المصدر نفسه، ص 22.

45. المصدر نفسه، ص 19-21.

46. المصدر نفسه، ص 15.

47. المصدر نفسه، ص 16.

48. المصدر نفسه، ص 17.

49. المصدر نفسه، ص 17 - 19.

50. السعد، غسان، حقوق الانسان عند الامام علي عليه السلام، ط 2، العتبة العلوية المقدسة، 2012، ص 70.

51. المصدر نفسه، ص 15.

52. المصدر نفسه، ص 23.

53. الموسوي، عبد المطلب، نهل الحضارة من نهج البلاغة، ط 1، النجف الاشرف، 2013، ص 65.

54. النساء: 5.

ص: 222

المصادر والمراجع

اولا: القرآن الكريم

ثانيا: المصادر

1- أبن أبي الحديد، عز الدين ابو احمد عبدالحميد هبة الله المدائني ت 656 ه، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد ابراهیم، ج 7، بغداد، 2007.

2- أبن خیاط، ابي عمرو خليفه، تاریخ خليفة بن خیاط، تحقیق اكرم ضياء العمري، ط 2، 1985.

3- أبن كثير، أبي الفداء اسماعیل ت 774 ه، البداية والنهاية، ج 7، ط 2، 2010.

4- أبن العديم، الصاحب کمال الدين عمر بن احمد بن ابي جراده، بغية الطلب في تاريخ حلب، تحقیق سهیل زکار، ج 1، بیروت.

5- أبن الاعثم الكوفي، أبي محمد احمد ت 314 ه، الفتوح، تحقیق علي شيري، ج 1، ط 1، 1991.

6- البلاذري، احمد بن یحیی بن جابر ت 279 ه، فتوح البلدان، تحقيق: عبدالقادر محمد علي، ج 1، ط 1، بيروت.

7- الحلي، ابي منصور الحسن بن يوسف بن المطهر الاسدي ت 726 ه، خلاصة الاقول في معرفة الرجال، تحقیق جواد القیومي، ط 4، 1431 ه.

8- الطبري، محمد بن جریر ت 310 ه، تاریخ الرسل والملوك، تحقيق محمد ابو الفضل ابراهیم، ج 5، ط 2، مصر.

9- الدينوري، ابي محمد عبدالله بن مسلم ت 26 ه، الامامة والسياسة، تحقیق علي

ص: 223

شيري، ج 1، ط 1، 1990.

10- الذهبي، شمس الدين محمد بن احمد بن عثمان ت 748 ه، سير أعلام النبلاء، تحقیق مأمون الصاغرجي، ج 4، ط 1، 1996.

11- الكندي، ابي عمر محمد بن يوسف، الولاة والقضاة، بیروت، 1908.

12- الكلاعي، أبي الربيع سليمان بن موسى الاندلسي ت 634 ه، الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، تحقيق مصطفى عبدالواحد، ج 3، ط 1، 1968.

13- الكشي، ابي عمرو محمد بن عمر بن عبدالعزيز، رجال الكشي، تحقيق احمد الحسيني، ط 1، بیروت، 2009.

14- المسعودي، ابي الحسن بن علي، مروج الذهب، ج 2، تحقیق کال حسن مرعي، ط 1، بیروت، 2005.

15- الواقدي، ابي عبدالله محمد بن عمر ت 207 ه، المغازي، تحقيق مارسدن جونز، ج 1، ط 3، 1984.

16- اليعقوبي، احمد بن ابي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح، تاريخ اليعقوبي، تحقیق عبدالامير مهنا، ج 2، ط 1، بیروت، 2010.

ثالثاً: المراجع الثانوية

1- الموسوي، عبد المطلب، نهل الحضارة من نهج البلاغة، ط 1، النجف الاشرف، 2013.

2- السعد، غسان، حقوق الانسان عند الامام علي عليه السلام، ط 2، العتبة العلوية المقدسة، 2012.

3- سوادي، فليح، عهد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام الى واليه على مصر مالك الأشتر، قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العلوية المقدسة، ط 1، 2010.

ص: 224

4- شعبة الدراسات والنشر في العتبة العلوية المقدسة، من وحي نهج البلاغة في الاخلاق والفلسفة والسياسة، 2012.

5- عدوه، علي سعد تومان، اسس بناء الدولة الاسلامية في فكر الامام علي عليه السلام، ط 1، النجف، 2012.

ص: 225

ص: 226

أجزاء الدولة ووظائفها دراسة تحليلية بين النص الامامي والفلسفي عهد الامام علي (عليه السلام) انموذجا

اشارة

د. اسعد کاظم شبيب كلية العلوم السياسية / جامعة الكوفة

ص: 227

ص: 228

المقدمة:

تعد مسالة تكوين الدولة احدى اهم الكبرويات التي اهتم العقل الإنساني الواعي في بلورتها في محاولة منه لتنظيم المجتمع لا سيما بعد انتهاء حالة الفطرة، وحكم القانون الطبيعي، وبالرغم من ان ظاهرة الدولة تعد ايضا من المفاهيم التنظيمية الحديثة، لكن جذورها كسلطة وتنظيم، ضاربة في القدم، وقد اختلفت وتباينت حجم الاهتمام الحضاري والبشري من حيث التنظير والتباين بالدولة، لكن الذي لا غبار فيه ان العقل الغربي القديم، لا سيما بحضارتي اليونان والرومان، اخذت الدولة حيزا كبيرا من مؤلفات فلاسفتها، حيث كتب افلاطون و ارسطو عن نشأة الدولة، ووظائفها، ومثلها العليا، وطبيعة الانظمة الصالحة والفاسدة التي تحكمها، وتطور فلسفة العقل الغربي في الاهتمام بالدولة مع الزمن حتى انتقلت من كتابات على الورق الى دول واقعية من معالمها القانون، والعلم، واحترام حقوق الانسان، كمعطی من انتاج العقد الاجتماعي - الحقوق والواجباتي - الى جانب التقدم التكنولوجي والصناعي والتفكير في تكوين الدولة الكاملة والناجحة ليس فقط على سطح الارض وانما التفكير بالانتقال والعيش في الفضاء.

وفي سياق الاهتمام بالدولة لم يكن هناك القدر العقلي التنظيري الشامل بتکوین الدولة في سياق دويلات العالم الاسلامي، الذي يعد وريث حضارات قديمة برعت في جوانب عديدة ابرزها التشريعات القانونية الجزائية، لعل ابرز ما كتب في اطار تنظيم الدولة عبر اسلوب النصح والتعامل الاخلاقي هو ما كتبه الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) الى مالك الاشتر حينما ولاه على مصر في مرحلة عدت من افضل

ص: 229

المراحل التاريخ الاسلامي عدلاً وكان بالإمكان ان تتطور، لكن سرعان ما افسدت الخلافات الاسلامية - الاسلامية هذا التطور في مجال حكم الدولة بصورة صالحة، وسادت الانقسامات ولا تزال بين المسلمين انفسهم فأضاعوا انفسهم وضاعت معهم حلم حكم الدولة بالعدالة، وسيادة القانون، و تحقیق رفاهية الانسان وسعادته، وكامل حقوقه وحرياته الدينية والشخصية.

من هنا تأتي دراسة اجزاء الدولة ووظائفها في هذا البحث من خلال تحليل العهد الامامي العريق، ذلك من خلال استخدام المنهج المقارن حيث تتطلب بالدراسة بیان روی فلسفية سبقت مجي الاسلام حيث ابدع فلاسفة اليونان الكبار کسقراط، وافلاطون، وارسطو، في عرض روائهم المتباينة ما بين المثل والواقعية بشان حکم الدولة ووظائفها وطبقاتهم من خلال استخدامنا ايضا للمنهج التحليلي. تأتي هذه المنهجية العلمية من اجل تفكيك و تحليل النص الامامي كتراث انساني واسلامي ومقارنته بالتراث الفلسفي الغربي التقليدي للاستفادة منهما في تطوير فكرنا السياسي وتجديده في مجال نظرية الدولة وبما ينسجم مع عصر الحداثة والتطور العلمي، وايجاد حلول اللازمة لتدبير الدولة وتبيان وجهة نظر النص الامامي في ادارة التنوع الديني والقومي والاثني، وحالات التمزق وضياع الانسان في متاهات الفقر، والجهل، والتكفير، والقمع، والفساد السياسي والاداري والمالي، والى ما لا نهاية من المشاكل التي تواجه اغلب بلدان العالم الاسلامي خاصةً وان عدد من بلدان هذا العالم یدار بصورة فاشلة وبدائية من قبل احزاب وجماعات سياسية اسلامية لاسباب عدة ابرزها نهج الاقصاء الذي تتبناه هذ الجماعات والاحزاب مع المختلف و تتبنى فتوى ومقولات فقهية كالخلافة والحاكمية ونهج السلف وغيرهم، كأنها وضعت هذه المقولات لزمن مختلف عن عصر الحداثة وحقوق الانسان. وعليه جاءت هذه

ص: 230

الدراسة لتباين كيفية تعامل النص الامامي والفلسفي مع الدولة وطبقاتها الاجتماعية التي قسمت الى المحاور الاتية:

اولاً: اجزاء الدولة

ثانياً: وظائف الدولة

ثالثاً: العلاقة بين الطبقات الاجتماعية والدولة

رابعاً: اركان السياسة العدلة

اولاً: أجزاء الدولة

تتمثل الدولة من المنظور الفلسفي والعقلي على اجزاء، فهناك السلطة او يعبر عنها بتسميات مختلفة كالمدبرون مثلما جاء المتون الفلسفية او الخلافة - الامامة، كتصنيفات اسلامية تطلق على رئيس وحاكم الدولة الى جانب عدد من التسميات الحديثة وهناك جزء ثاني يسمى بالحفظة وهم الجيش وهناك القوى العاملة، وسنبين هذه الاجزاء من خلال النقاط الآتية:

1. المدبرون

التدبير يعني التفكير النظري العلمي في القضايا والبحث الفلسفي الدقيق، ووضع البرامج والتفنن في تنفيذها(1). ومن الناحية السياسية هم الذين تقع على عاتقهم ادارة الدولة وتنظيم شؤونها، ويسمون بالحكام او طبقة الصفوة المختارة، وقد اختلفت المنظومات البشرية حول من هم المدبرون واليه اختيارهم، فاذا اتينا الى الفقه الاسلامي، نرى انه يذهب الى ان الوجود الانساني وبقائه يتطلب قيام المعاملة التي لابد من لها من سنة وعدل والذي لابد من انسان يقيم العدل ويتثمل بالنبوة والنبي اذ من الواجب ان يكون له خصوصية ليس لساير الناس حتى يشعر الناس فيه امرا

ص: 231

لا يوجد لهم فيتميز له منهم فيكون له المعجزات(2). وقد اختلف الفقهاء بعد رحيل النبي حول طبيعة اختيار المدبر بعد افتراق الامة الى مذاهب وفرق، فقد ذهب الشيعة الى ان الامامة وشان التدبر هي قضية الالهية وكمسالة دينية تنصيبة قرآنية ونبوية. اما السنة فهي عد مسالة التدبير والخلافة هي مسالة اختياري وشورية مناطة باهل الحل والعقد، اما الفلاسفة القدماء كسقراط وافلاطون وارسطو فقد جعل مسالة التدبير وادارة الدولة مرتبطة بالفضيلة والمعرفة وهي لا تتوفر الا في الفلاسفة بذلك هم رفضوا الحكم الشعبي واختيار الحكام بالانتخاب او ما يعرف بالحكم الديمقراطي وفي هذا السياق يقول سقراط: «ان السياسي الصالح ليس الشخص الذي يفوز في الانتخابات او الذي يسعده الحظ بكسب القرعة - على ما كان الحال في اثينا وانما هو ذلك الحكيم العالم العاقل الذي يشع نور حكمته ومعرفته عدلاً بين مواطنيه»(3).

2. الجيش

وهم الذين تقع على عاتقهم مهمة الدفاع عن المدينة وتسمى بطبقة الحفظة او قوى الامن والدفاع وتتكون هذه الطبقة من القادة والجيش المحارب والاحتياط القادرين على حمل السلاح، وعلى الرغم من خلو الجانب الاسلامي الدستوري الا ما ندر في جانب تنظيم الدولة وتقنينها من الناحية العسكرية اذ اغلب كتب الفقه تشير الى الغزوات واحكام البغاة وهو ما يدخل ضمن الحروب الاهلية والصراعات الاسلامية - الاسلامية، اذ من النوادر هو عهد الاشتر حيث جاء فيه ما يخص هذه الطبقة: «وَاِعلَم أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصلُحُ بَعضُهَا إِلاَّ بِبَعضٍ وَلاَ غِنَى بِبَعضِهَا عَن بَعضٍ فَمِنهَا جُنُودُ الله»(4). اذ ان قضية وأمر الأمن عند الإمام، فهي رضا الناس عن حكومتهم وقبولهم العافية لما يصان من حقوقهم ويتوفر من أسباب ويشيع بينهم من عدل فيهم حق المساواة، وبهذا يسود الأمن في الناس وتظهر مودتهم

ص: 232

لحكومتهم لذا يقول علي في دستوره وان أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد(5). وبخصوص العلاقة القادة والمراتب والجند وعلاقة بينهم، يقول (عليه السلام): «وَلْیکُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِی مَعُونَتِهِ وَ أَفْضَلَ عَلَیهِمْ مِنْ جِدَتِهِ، بِمَا یسَعُهُمْ وَ یسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِیهِمْ، حَتَّی یکُونَ هَمَّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَیهِمْ یعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَیكَ... وَ إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ وَ لَا تَصِحُّ نَصِیحَتُهُمْ إِلَّا بِحِیطَتِهِمْ عَلَی وُلَاةِ الْأُمُورِ... ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَی وَلَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَی غَیْرِهِ وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهُ دُونَ غَایَةِ بَلَائِهِ وَلَا یَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً وَ لا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً»(6)، اما من المنظور الفلسفي فقد وصف افلاطون هذا الجزء بطبقة الجنود المحاربين (حراس دولة المدينة) وقال انها تضطلع بمهمة الدفاع وحماية الدولة من الاعتداءات الخارجية ونظرا لهميتم فقد شبههم بالفضة كمعدن ثمين يأتي من حيث الاهمية والقيمة بعد الذهب.

3. القوى العاملة

وهو جزء مكمل ومتخصص في الانتاج ويشمل كل القوى العاملة من مزارعين وصناع وتجار، ونظر الجانب الاسلامي بعين الحرمة للبطالة والتعطيل وفي حالة وجود قوم متعطلين عن العمل ويتوجب النظر في ارمهم فان كانوا قادرين على العمل وكان الامتناع منه يرجع للكسل وجب ردعهم او نفيهم من الارض ان لم ينفع فيهم الردع والتأنيب اما اذا كان سبب البطالة مرضا او زمانة فيتوجب ان يجمعوا في مکان خاص يكون عليهم فيه قيم ينظر في امورهم ولابد من مال ينفق عليهم منه وتصلح به امورهم به امورهم(7). وفي هذا السياق جاء النص الامامي ليذكر اصناف هذه الطبقة: «وَمِنْهَا عُمَّالُ الْأِنْصَافِ وَالرِّفْقِ وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیَةِ وَالْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ

ص: 233

وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَی» ونظر الفلاسفة لهذا الجزء كقوى اقتصادية رافدة للدولة وان أي انفصال عن القوى الاقتصادية وتهميشها سيودي الى نظام سياسي غير متوازن ومستقر وعادل ولا يكون التوافق السياسي - الاقتصادي الا حيث تكون هناك طبقة وسطى كبيرة من حيث العدد ومن حيث القدرة وقوة الامكانيات.

ثانياً: وظائف الدولة

ما بين حكم الدولة والدفاع عنها واعمارها والقيام بعمليات الانتاج تتمثل وظائف الدولة عند الامام علي في عهد لمالك الاشتر: «جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَإِستِصلاَحَ أَهلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا»(8). ذهب باحثين الى ان الدولة كاداة قانونية واخلاقية تتولى وظائف امنية واقتصادية وسياسية من هنا يبدأ الأمام علي عهده لمالك الاشتر بالكلمات الأربع أعلاه وهي تمثل المرتكزات الوظيفية للدولة من المنظور البشري التقليدي التي تبني عليها الدولة، وتغطي الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وهذه الجوانب تتفاعل وتتداخل بصورة وثيقة وحساسة والقيادة بينها تحتاج إلى قيادة إدارية واعية تمتلك القدرة على التخطيط والموازنة بشكل لا يطغى فيها جانب الاقتصاد على جانب السياسة، ولا تنفرد السياسة عن غيرها من الجوانب الأخرى فالوظيفة الأولى «جباية خراجها» تعني جانباً من المسار الاقتصادي للدولة بكل ما لهذا الجانب من إبعاد ومعطيات وخطط ومشاريع؛ لان الخراج يعني: دفع الضرائب والرسوم المالية بمختلف إشكالها وأصنافها من قبل الناس إلى الدولة لاسيما ضرائب الأرض الزراعیة من اجل أن تقوم الدولة بمهماتها الأخرى من الأعمار والتنمية والصحة والتعليم ومشاريع الحياة العامة. أما المسؤولية

ص: 234

الثانية «جه-اد عدوها» التي تحدد على الدولة مسؤولية الدفاع والأمن(9). و«استصلاح أهلها» يريد بها الإمام الجانب السياسي والاجتماعي والاهتمام برعاية شؤون الأمة والمجتمع، ولزوم توعية المواطنين على مبادئ الحق والعدل وإرادة البناء ومشاريع الخير والبر والإحسان، وتنمية مواهبها وقدراتها وتوظيف طاقاتها في مجال التكافل والتضامن والتوازن، وإشاعة ثقافة الوحدة والإخاء والتعاون، وترسيخ مفاهيم التسامح والمحبة والإيثار والانسجام بين الناس جميعاً وتقع هذه المسؤولية في العصر الحديث على وزارات الدولة التي تعرف بالوزارات الخدمية(10). ويحدد الإمام المسؤولية الرابعة للدولة «بعمارة بلادها»، وفي الفكر الفلسفي قديما قال الفيلسوف اليوناني افلاطون بوجود ثلاث وظائف للدولة لابد من للدولة من تأديتها وهي(11):

أ- اشباع الحاجات الطبيعية وهي مهمة تقع على طبقة العمال والصناع والتجار

ب- حماية الدولة من الخطر الخارجي وهي مهمة تضطلع بها طبقة الجنود والضباط او (حراس المدينة) كما يسميهم افلاطون او الحفظة كما في الادبيات السياسية الاسلامية

ت- حكم الدولة وهي وظيفة تقع في الفكر الفلسفي عند سقراط وافلاطون تقع على عاتق الحكماء والعلماء

وتقوم طبقة الحكام بمهمة وضع القواعد المنظمة للجماعة وادارة شؤونها وهي لا تحصر حديثا بالحكومة او رئيس الدولة وانما بالجانب التشريعي ايضا لما يوديه من مراقبة ومحاسبة والمحافظة على اموال الدولة. اما طبقة الجنود فتضطلع بمهمة الدفاع وحماية الدولة ضد الاعتداءات الخارجية، في حين تقوم طبقة العمال المنتجين بمهمة اشباع حاجات الافراد جميعا وتضم جميع من يقومون بالنشاط الاقتصادي من زراع وعمال وصناع. وفكرة التقسيمات المذكوره اعلاه تبنى على ان المجتمع مزيج من ثلاث

ص: 235

فئات رئيسه تتمثل: باولئك الذين اهلتهم الطبيعة للعمل لا للحكم وهم (العمال والصناع والمزارعين) واولئك الذين يصلحون للحكم بشرط ان يكونوا تحت رقابة غيرهم وتوجيههم وهم (الجند او الحفظة) واولئك الذين يصلحون لاسمى اعباء الحكم كالفصل النهائي في رسم الوسائل وتحديد الاهداف وهم (الحكام). اما الاتجاه الفقهي الذي تعتمد عليه جماعات الاسلام السياسي التقليدية من احزاب وجماعات راديكالية اسلامية فيتخذ مسار مختلف بلجوئها إلى تقديم مجموعة من الواجبات، قد تطول أو تقصر حسب كل مفكر، منوطة بالخليفة للقيام بها. فمعظم الكتابات التي تنتمي لهذا الاتجاه، ونشير بذلك إلى الماوردي في كتابه «الأحكام السلطانية والولايات الدينية» حيث يُفصّل الواجبات أو الوظائف إلى عشرة، وهي(12): حفظ الدين على أصوله المستقرة. وتنفيذ الأحكام بين المتشاجرين. وحماية البيضة والذب عن الحريم. وإقامة الحدود لتصان محارم الله عن الانتهاك. وتحصين الثغور بالعدة والمنعة. وجهاد من حاد عن الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة. وجباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع. وتقدير العطايا وما يستحق في بيت المال. واستكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال. وأن يباشر بنفسه الأمور وتصفح الأحوال لينهض بسياسة الأمة وحراسة الملة. في حين لم يهتم الفقه الشيعي التقليدي بالدولة كثيرا بسبب سيطرة احكام الامامة كنظرية تنصيبة الالهية مقدسة الا في كتابات محدودة ابرزها تلك التي وضعها الشيخ محمد حسين النائيني في كتابه (تبيه الامامة وتنزيه المله) بصوره تقرب كثيرة من نظرية الدولة في الفكر والقانون الدستوري عندما قسم الدولة الى سلطات ثلاث: تشريعية وتنفيذية وقضائية وكل سلطة لها وظائف محددة.

ص: 236

ثالثاً: العلاقة بين الطبقات الاجتماعية والدولة

ينبع النظام التراتبي في كل مجتمع منظم من وجود عدد من الطبقات التي تتوزع على النواحي الاجتماعية وهي لا تكون متفاوتة من الناحية الاقتصادية والتوزيعية بصورة تخلق حالة الا مساواة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وانما كل طبقة تودي دورا ما تقدم خدماتها التخصصية لبناء الدولة وحمايتها وتحقيق سعادة الفرد والمجتمع.

وفي هذا الصدد جاء في عهد الامام علي الى مالك الاشتر : «وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِیَّةَ طَبَقَاتٌ لَا یَصْلُحُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ وَلَا غِنَی بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَمِنْهَا جُنُودُ اللَّهِ وَمِنْهَا کُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ وَمِنْهَا عُمَّالُ الْأِنْصَافِ وَالرِّفْقِ وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْیَةِ وَالْخَرَاجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ وَمِنْهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ ذَوِی الْحَاجَةِ وَالْمَسْکَنَةِ»(13). وعليه تتمثل وظيفه هذه الطبقات بالشكل الاتي:

1- الطبقة الحاكمة ومن ضمنها طبقة القضاة وتقع على عاتقها ادارة الدولة والفصل بين الناس وباشراف الامام لذا يوصي عليه السلام ان يختار الحكام من بين افضل الناس وممن لا تضييق به الامور ولا تمحكه الخصوم. وكذلك قال بشان هذه الطبقة: «ان الناس ينظرون في امورك في مثل ما كنت تنظر فيه امور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم.. فليكن احب الذخائر اليك العمل الصالح فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك»(14).

2- جنود الله (الضباط والجنود) التي يقع على عاتقهم الدفاع عن الدولة من اي اعتداء وحماية الثغور يقول علي (عليه السلام) فيما يخص مهام هذه الطبقة: (فالجنود

ص: 237

باذن الله حون الرعية وزين الولاة وعز الدين وبل الامن).

3- كتاب العامة والخاصة وهم العاملون للعامة كالمحابين في المعتاد من شؤون العامة، كالخراج والمظالم، ومنهم مختون بالحاكم يفضي اليهم باسراره ويوليهم النظر فيما يكتب لأولياه واعدائه وما يقرر في شؤون حربه وسلمه مثلاً.

4- قضاة العدل وهم الذين يفصلون في المنازعات التي تحدث بين الناس، حيث يقضي الحاكم بالحق والذين يسميهم الامام (عمال الانصاف والرفق).

5- التجار والصناع وهم الطبقة المسؤولة عن الانتاج وتلبية متطلبات الناس الغذائية والمنزلية.

6- الطبقة الفقيرة من اهل الحاجة والمسكنة فيوصي الامام بهم من خلال رفدهم ومعونتهم لان الله كلا منهم سمى له سهمه.

أما عن العلاقة بين الدولة وبين الطبقات والفئات الاجتماعية، فيقول الامام (عليه السلام): «فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ، وَ زَيْنُ الْوُلاَةِ وَعِزُّ الدِّينِ وَسُبُلُ الاَمْنِ وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ ثُمَّ لاَ قِوَامَ(155) لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ... ثُمَّ لَا قِوَامَ لِهَذَیْنِ الصِّنْفَیْنِ إِلَّا بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْکُتَّابِ لِمَا یُحْکِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَیَجْمَعُونَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَیُؤْتَمَنُونَ عَلَیْهِ مِنْ خَوَاصِّ الْأُمُورِ وَعَوَامِّهَا. وَلَا قِوَامَ لَهُمْ جَمِیعاً إِلَّا بِالتُّجَّارِ وَذَوِی الصِّنَاعَاتِ فِیمَا یَجْتَمِعُونَ عَلَیْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ وَیُقِیمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَیَکْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَیْدِیهِمْ مَا لَا یَبْلُغُهُ رِفْقُ غَیْرِهِمْ ثُمَّ الطَّبَقَهُ السُّفْلَی مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْکَنَةِ الَّذِینَ یَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ»(16). ويقول الإمام (عليه السلام) عن طبقة حراس الدولة: «فَوَلِّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِى نَفْسِكَ... أَنْقَاهُمْ جَيْباً، وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً، مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ، ويَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ، وَ يَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ، وَ يَنْبُو

ص: 238

عَلَى الْأَقْوِيَاءِ، وَ مِمَّنْ لايُثِيرُهُ الْعُنْفُ، وَ لايَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ»(17).

وبخصوص العلاقة بين تشعبات هذه المؤسسة من القادة والمراتب والجند يقول (عليه السلام): «وَلْیکُنْ آثَرُ رُؤُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِی مَعُونَتِهِ وَ أَفْضَلَ عَلَیهِمْ مِنْ جِدَتِهِ، بِمَا یسَعُهُمْ وَ یسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِیهِمْ، حَتَّی یکُونَ هَمَّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِی جِهَادِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَیهِمْ یعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَیكَ... وَ إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ وَ لَا تَصِحُّ نَصِیحَتُهُمْ إِلَّا بِحِیطَتِهِمْ عَلَی وُلَاةِ الْأُمُورِ... ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَی وَلَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَی غَیْرِهِ وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهُ دُونَ غَایَةِ بَلَائِهِ وَلَا یَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً وَ لا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً»(18)، وهناك فلسفات واقعية نراها مغايرة تمام في اليات التعامل الجند مع الشعب فمثلا يذهب الفكر الواقعي السلطاني لنيقولاى ماكيافيلي في الفصل الرابع عشر من كتابه الشهير (الامير) اذ يقول عن واجبات الامير نحو الجند: «لا ينبغي للامير ان يكون له مقصد او فکر او یعنی بدرس امر سوى الحرب ونظامها وترتيبها لأنها الصنعة الوحيدة الضرورية للذي يأمر وينهى وفائدتها في انها تحفظ ملك من يولد اميرا وترفع الى مرتبة الامراء بعض الناس من الطبقات»(19) ويرى ماكيافيلي ان الامراء الذين يفكرون في الرفاهية اكثر من التفكير في الحرب يفقدون في امارتهم والسبب الذي يفقد الامراء ممالكهم هو احتقارهم الحرب ووسيلة الحصول عليها هي التبحر في علوم الحرب(20)

وعن شخصية طبقة القضاة ومؤهلتهم وعلاقة اللجنة المختصة والمكلفة من قبل الدولة باختيارهم يقول الإمام (عليه السلام): «ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُکْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ مِمَّنْ لاَ تَضِيقُ بِهِ الاُمُور، وَلاَ تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ، وَلاَ يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ وَلاَ يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلاَ تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع وَلاَ يَکْتَفِي بِأَدْنَى

ص: 239

فَهْم دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَکَشُّفِ الاُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُکْمِ. مِمَّنْ لاَ يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ، وَلاَ يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاء وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ»(21). ولضمان نزاهة القاضي يقول ( عليه السلام): «وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاس وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لاَ يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً»(22). وفي هذا المعنى لخص لنا مفكرين طبيعة عمل هذه الطبقة ومؤهلتهم حيث ذكر جورج جرداق: إن الشرط الأول الذي يجب توفره في شخص القاضي في دستور ابن أبي طالب: الكفاءة العلمية، فبدون هذه الكفاءة يضطر القاضي أن يحكم أما بعلمه المحدود وإما بهواه، وكلاهما لا يكفي بأن يقيم حدود المساواة بين الناس(23). اما الراي الثاني لشيخ محمد مهدي شمس الدين: إن الكفاءة العلمية تعني استناد القاضي إلى خبرة الأجيال التي سبقته والى علوم الأولين والشرائع، ذلك لما لأصحابها التفوق على القاضي، وكذلك يشير الأمام إلى ضرورة استناد القاضي إلى قوانين موحدة يعمل بها في إنحاء البلاد جميعاً، ومن الضروريات أن يتراجع عن الخطأ ولا يصر عليه، وأيضاً الدقة في معالجة المشكلات فلا يتسرع إذا اشتبهت عليه الأمور إلى أن تزول الشبهة(24).

رابعاً: اركان السياسة العادلة

من خلال دراسة ما جاء في النص الامامي يمكن لنا نسمي عدد من الوصايا الاخلاقية بانها بمثابة اركان للسياسة العادلة، وتتمث-ل بما يلي:

ص: 240

1. تحقيق الإنصاف والعدالة:

يعد تحقيق العدالة بين ابناء المجتمع من مقومات الدولة الناجحة وقد ذكر الامام علي الى ان شعور الناس في عدم عدالة الحاكم سيودي حتما الى الظلم وان الظلم يودي الى زوال الملك وتعجيل نقمة الله على من اقام الظلم لان الله سميع دعوة المضطهدين، وفي هذا سياق قال الامام علي موصيا بالعدالة والانصاف: «أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ، وَكَانَ لله حَرْباً حَتَّى يَنْزعَ وَيَتُوبَ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ، فَإِنَّ اللهَ سَميِعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِینَ». وبهذا المعنى يكتسب مفهوم العدالة معنى اخلاقي كحالة وسط بين الظلم والانظلام، وبذلك فهو يبتعد بمعاملته مع الشعب عن سياسة الرغبة والرهبة. وبهذا الخصوص جاءات الفقرة الأولى من كلام الإمام تشير إلى قضية رئيسة في الأنظمة السياسية التي تقوم على الاستبداد ولا تخضع لمؤسسات الدولة، ولهذا فأن الأمام (عليه السلام) ينبه على أن تقوية السلطان لا تكون بسياسة القمع(26). بمعنى ان الوالي أو المسؤول في دوائر الدولة أنى كان مستواه ثلاثة اطر يتحرك عبرها، الأول: نفسه التي بين جنبيه، الثاني: خاصته الأقربون منهُ الثالث: عامة الناس، وإنما الوالي ملك الأمة فلا يجوز له إن يجعل نفسه والأقربين يستأثرون بمكاسب الحكم وثروات الدولة، بل لابد أن يتصف للعدالة، والعدالة وحدها، وإنما يكون ذلك بأن حق الناس من نفسه وخاصته ليفيء بعهد الله عليه(27).

ويختلف الامام علي مع كل كتاب ومعلمي الامراء والسلاطين كتلك اوردها نيقولاى ماكيافيلي في كتابه الامير من ان اي امير حتى لو يود ان يكون معروفاً بالرأفة

ص: 241

دون القسوة ولكن ينبغي له أن لا يسئ استعمال الرأفة(28) . في حين يوصي الأمام الوالي قائلاً: «وَ أَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَهَ لِلرَّعِیَّةِ وَ الْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَ اللُّطْفَ بِهِمْ»(29)، ويقول الإمام (عليه السلام) ایضا: «..فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ..»(30)، وكذلك يذكر الأمام غير المسلمين فيقول: «أموالهم كأموالنا ودماؤهم کدمائنا»، اذ ان الرحمة والمحبة في المنظور الامامي للناس عنصران من عناصر نجاح القائد المتصدي في الأمة، في الفقرة الماضية يعالج الإمام العلاقة الوجدانية بين الحكومة والمواطنين، فيلاحظ منه تأكيد على هذه العلاقة الايجابية التي تتوخى منفعة المواطنين وسعادتهم(31).

وضرورة معاملة الناس بالحسنى حتى تنتج الثقة بين الحاكم والمحكوم، إذ قال الإمام (عليه السلام): «وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَیسَ شَیءٌ بِأَدْعَی إِلَی حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِیتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَیهِمْ، وَ تَخْفِیفِهِ الْمَؤُونَاتِ عَلَیهِمْ، وَ تَرْكِ اسْتِکْرَاهِهِ إِیاهُمْ عَلَی مَا لَیسَ لَهُ قِبَلَهُمْ فَلْیکُنْ مِنْكَ فِی ذلِكَ أَمْرٌ یجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِیتِكَ فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ یقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِیلاً، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ، وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ سَاءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ»(32) وهذا يدلل على ان النص الامامي يوصي مرة اخرى بأن يكون قلب الحاكم منبع العطف على المواطنين والمحبة لهم؛ أي: أن على الحاكم أن يحب الناس حباً ابوياً بمجامع قلبه، وان يظهر لهم مودته وعطفه.

في حين ذهب الفكر الفلسفي ما بين المثالية الافلاطونية والبرهانية الواقعية الارسطية اذ ربط افلاطون استمرار حكم الدولة بعدالتها من خلال قوله بان ليس للاجتماع المدني من قاعدة سوى العدل وان أي دولة لا تعرف ان تقوم عليه هي دولة فاسدة موذنة بالانهيار، وقد حدد افلاطون فكرة العدالة في الكاب الرابع من الجمهورية بالقول انها تعني لديه ان يودي كل انسان عمله الخاص به دون ان

ص: 242

يتدخل في عمل سواه فالمدينة عادلة اذا قام الصانع والجندي والحاكم فيها كل بعمله دون ان يتدخل في اعمال الطبقتين الاخريين بعبارة اخرى انها الوشيجة التي توطد الروابط في المجتمع(34). اما ارسطو فقد جعل من العدالة الركن والمثل الثاني للدولة ويميز ارسطو في الفصل الخامس من كتابه عن الاخلاق بين معنيين للعدالة: فهي من ناحية توازي كل الفضيلة الخلقية حيث الرجل العادل هو ذلك الرجل الورع الفاضل الشريف وهي من ناحية اخرى فضيلة خاصة محددة تأخذ مكانها الى جانب الشجاعة والاعتدال والكرم او تلك الفضيلة التي يتحلى بها الانسان في معاملاته مع الاخرين في امور الملكية والعقود وما شاكل ذلك(35). عموماً فقد طور الغرب هذه الفلسفة بعناوین حقوقية ودستورية مكتوبة ضامن بذلك كل حقوق الانسان ولعل ابرز الدساتير والمواثيق الدولية كوثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص في المادة(2): «لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات دونما تمييز من أي نوع، ولاسيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي سیاسياً أو غير سياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر».

2. تحقيق الصالح العام

يقوم المذهب السياسي عند الامام علي (عليه السلام) على تحقيق مسائل مهمة اخرى في قيادة الدولة كضرورة تحقيق رفاهية ورضا المجتمع حتى وان ادى هذا الرضا الى سخط اصحاب المنافعة او ما يسميه ب (سخط الخاصة)، يقول: «وَلْیَکُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَیْكَ أَوْسَطُهَا فِی الْحَقِّ وَأَعَمُّهَا فِی الْعَدْلِ وَأَجْمَعُهَا لِرِضَی الرَّعِیَّةِ، فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ یُجْحِفُ بِرِضَی الْخَاصَّةِ، وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ یُغْتَفَرُ مَعَ رِضَی الْعَامَّةِ. وَلَیْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِیَّةِ أَثْقَلَ عَلَی الْوَالِی مَؤُونَةً فِی الرَّخَاءِ وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِی الْبَلَاءِ وَأَکْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ وَأَقَلَّ شُکْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ، وَأَضْعَفَ

ص: 243

صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ. وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّینِ وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِینَ وَالْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ، فَلْیَکُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَمَیْلُكَ مَعَهُمْ»(36). ويفسر هذا الطرح بان المعادلة الصعبة عند القيادات تتمثل في التوازن بين الخاصة والعامة، بين من يحيط بالقائد من أصحابه ومعاونيه ومدراء شؤون الأمة، وبين أبناء الشعب. ولقد صرح الأمام علي (عليه السلام) بضرورة تفضيل العامة على الخاصة؛ لان سخط عامة الناس يجحف برضى الخاصة، بينما سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة، ويبين الأمام أيضاً معايب الخاصة ووصفهم بأنهم العظيم مؤونتهم والقليل معونتهم، وأنهم يبغضون العدل ويحلون على قضاء حوائجهم، وإذا منعتهم لا يرضون بعذرك، وعند المشاكل يسارعون للهرب، بينما العامة من أبناء الشعب تجدهم عدة جاهزة(37).

ونجد في راي الفلاسفة تحذير من التفاوت الفاحش الذي تسببه الملكية الخاصة لأنها تودي الى نشوء طبقتين متعارضتين طبقة الاغنياء وطبقة الفقراء تناهض احداهما الاخرى وتناصبها العداء والحقد ينجم عنه تمزق وحدة الدولة وتفكك اوصالها لهذا، لهذا رأى افلاطون القضاء على الشر المتمثل بالملكية الخاصة برغم من نفيه ان تكون فكرته هذه تستهدف تحقيق هدف اقتصادي محدد - العمل على رفع مستوى معيشة الشعب او بعض طبقاته - بقدر ما كان يتوخي الوصول الى هدف سياسي يتلخص في توفير اقصى قدر مستطاع من الوحدة داخل الدولة وتحقيق اعلى درجة واعلى قدر من الولاء للوطن من حراسه ونخبته(38). والتي يسميها الامام الا علي بالخاصة القريبة من الحاكم. ومن جانب ثاني يوصي الامام علي بمساعدة الفئات المحتاجة: «ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَی مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْکنَةِ الَّذِینَ یحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ»(39) وقال الامام موصياً ايضا بالفقراء والمساكين: «اللهَ اللهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهُمْ مِنَ الْمَسَاکِينِ وَالْمُحْتَاجِينَ»(40). ثم يوجه الأمام اهتمامه إلى فئة أخرى هم الزمني، وهم أصحاب الإمراض التي يصعب علاجها وهم الذين لا يجدون

ص: 244

العناية الكافية، ثم وجه العناية إلى اليتامی ممن لا يجدون وليا: «..وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَ الزَّمْنَى فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْتَرّاً، وَاحْفَظ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ، وَقِسْماً مِنْ غَلاَّتِ صَوَافِي الْإِسْلاَمِ فِي کُلِّ بَلَ فَإِنَّ لِلْأَقْصَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلاَدْنَى، وَکُلٌّ قَدِ اسْتُرْعِيتَ حَقَّهُ»(41). وكذلك الاهتمام بالناس المتعففين: «وتَفَقَّدْ اُمورَ مَن لایَصِلُ إلَیكَ مِنهُم مِمَّن تَقتَحِمُهُ العُیونُ، وتَحقِرُهُ الرِّجالُ، ففَرِّغْ لاُولئكَ ثِقَتَكَ مِن أهلِ الخَشیَةِ والتَّواضُعِ، فلْیَرفَعْ إلَیكَ اُمورَهُم...» وتاسيس ما كان يعرف بديوان المظالم: «وَاجْعَلْ لِذَوِی الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِیهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً، فَتَتَوَاضَعُ فِیهِ لِلَّهِ، الَّذِی خَلَقَكَ وَتُقْعِدَ عَنْهُمْ جُنْدَكَ، وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ حَتَّی یُکَلِّمَكَ مُتَکَلِّمُهُمْ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ»(42).

3. الشورى وعمل المستشارون:

اهتم الجانب الاسلامي في العلاقه بين السلطة وضرورة اخذ راي اهل الشوری مستنبطين ذلك من القران والسنة، اذ يوكد الماوردي اشهر المفكرين في جانب الفقه الدستوري الاسلامي في كتابه الاحکام السلطانية على ضرورة ان لا يمضي صاحب السلطة الامور المستبهمة برايه لوحدة بحجة خشيته من انشاء الاسرار او تكبرا عن الاستعانه بالاخرين بل ينبغي عليه ان يشاور المؤهلين الامناء ممن حنكتهم التجارب وعرفوا حقائق الامور ومصادرها.

وفي سياق متقدم يقول الامام علي: «وَلاَ تُدْخِلَنَّ فِی مَشُورَتِكَ بِخِیلاً یَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَیَعِدُكَ الْفَقْرَ، وَلاَ جَبَاناً یُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ، وَلاَ حَرِیصاً یُزَیِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ، فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّی یَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللّهِ»(43) وقال ايضا في محاولة لخلق حالة من الانسجام و بناء مجتمع متماسك تسوده الثقة واحترام خصوصيات الناس: «وَلْیَکُنْ أَبْعَدَ رَعِیَّتِكَ مِنكَ وَ أَشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبُهُم

ص: 245

لِمَعایِبِ النّاسِ، فَإِنَّ فِی النّاسِ عُیُوبا الْوالی أَحَقُّ مَنْ سَتَرَها، فَلا تَکْشِفَنَّ عَمّا غابَ عَنكَ مِنها، فَإِنَّما عَلَیكَ تَطهیرُ ما ظَهَرَلَكَ وَ اللّه ُ یَحْکُمُ عَلی ما غابَ عَنكَ..»(44).

ولعله في عرض هذا النص من قبل الامام يريد ان يوصل رسالة هو ان هناك كثير من الدول عادة ما تحيط بالماسك بالسلطة زمرة تسعى لديه بذم الناس، وتشويه صورهم، وكشف أسرارهم لديه وهذه البطانة خطر على الدولة؛ لأنها تجعل الحاكم يرى بعينها ويفكر بعقلها، وهذا ما يفهمه الإمام للحاكم من الوقوع في أمر كهذا(45). ثم يقول الإمام (عليه السلام): «أَطْلِقْ عَقْدَ کُلِّ حِقْدٍ، وَ اقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ کُلِّ وِتْرٍ وَ تَغَابَ عَنْ کُلِّ مَا لَا یَصِحُّ لَكَ، وَ لَا تَعْجَلَنَّ إِلَی تَصْدِیقِ سَاعٍ فَإِنَّ السَّاعِیَ غَاشٌّ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِینَ»(46). وهنا يذكر الإمام بأنه لا ينبغي على الحاكم أن يعجل بتصديق الوشاة والسعاة للأضرار بالآخرين، إذ إن السعاة يتسمون بالوشاية وان تظاهروا بالنصح، وهذا القول ايضاً يدل على روح التعامل مع المواطنين بسبل ذات قيم عليا(47). ثم يوصي الإمام بالاعتماد على رجل الحكمة والعلماء، وهو ما ذهب إليه الفيلسوف اليوناني أفلاطون عبر تأكيده على ضرورة وجود الحاكم الفيلسوف، ويقول الإمام (عليه السلام): «وَ أَکْثِرْ مُدَارَسَهَ الْعُلَمَاءِ، وَ مُنَاقَشَةَ الْحُکَمَاءِ فِی تَثْبِیتِ مَا صَلَحَ عَلَیْهِ أَمْرُ بِلادِكَ، وَ إِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ»(48). وقد ربط الفكر الفلسفي بطا وثيقا بين اصحاب الحكمة او الفلاسفة وما بين ان يحكم بل انهم اناطوا مهمة ادارة الدولة وتدبير شؤونها الى القلة من اهل العلم ويتمثلون بالفلاسفة وفي هذا السياق یری افلاطون ان السلطة ظاهرة فردية ترتبط بشخصية الحاكم يمارسها الفيلسوف على انها خاصة بشخصه ونالها بفضل علمه ومعرفته. وبتعليقه على ضرورة ايجاد الترابط بين العلم والقيادة يقول شمس الدين أن الأمام أشار إلى قضية كبيرة الأهمية في نظام الاجتماع السياسي، إذ أنه حينما ينفصل الجسم عن العلم وعن الفكر، فأنه يتخبط أي الحاكم في مجاهل كثيرة، أو يؤول أمره إلى فقدان العنصر الإنساني، ويغدو العلم من غير غطاء، أو من غير حماية تقع الكراهية والاتهام بين العلماء والحاكمين(49).

ص: 246

4. اختيار الوزير الصالح:

تعد الوزارة بما ولاية عامة صادرة عن الامام او الحاكم في الاعمال العامة، او كمهمة تنفيذية وتفويضية تداري شؤون الناس واحتياجاتهم، ينبغي ان يتوفر سمات يتميز من خلالها الوزير عن غيره من الناس وباعتبار طبيعة منصب الوزير من المسؤوليات الثقيلة والجامعة بين ما هو سائس وما هو مسوس. وقد اشار الامام علي موصي واليه على مصر قائلا: «إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ کَانَ قَبْلَكَ لِلْأَشْرَارِ وَزِیراً وَ مَنْ شَرِکَهُمْ فِی الآْثَامِ، فَلاَ یَکُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً فَإِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ، وَ إِخْوَانُ الظَّلَمَةِ، وَ أَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَیْرَ الْخَلَفِ، مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَ نَفَاذِهِمْ، وَ لَیْسَ عَلَیْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ، وَ أَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ مِمَّنْ لَمْ یُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَی ظُلْمِهِ وَ لاَ آثِماً عَلَی إِثْمِهِ أُولَئِكَ أَخَفُّ عَلَیْكَ مَئُونَةً وَ أَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً، وَ أَحْنَی عَلَیْكَ عَطْفاً، وَ أَقَلُّ لِغَیْرِكَ إِلْفاً، فَاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ، وَ حَفَلاَتِكَ ثُمَّ لْیَکُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ، وَ أَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِیمَا یَکُونُ مِنْكَ مِمَّا کَرِهَ اللَّهُ لِأَوْلِیَائِهِ وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَیْثُ وَقَعَ»(50). وهنا الامام وفق احد الآراء يرى بان استبداد الوزراء والأولياء من الموالي والمصطفين هو إحدى شرور بطانة السوء، الأشرار الذين يتغلبون على الولاة المنغمسين في الترف والنعيم وفي اللذات والشهوات وهم أصحاب الأوزار والآثام(51). ثم يحذر الإمام الحاكم من الحاشية؛ أي: الذين هم بموقع قريب من الحاكم، وبيانه لأهمية العمل بسياسة التكريم والعقوبة جاء في النص: «أَلْصِقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ، ثُمَّ رُضْهُمْ عَلی أَنْ لا یُطروكَ وَلا یُبَجِّحوكَ بِباطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ، فَإنَّ کَثْرَهَ الإطْراءِ تُحْدِثُ الزَّهوَ، وَ تُدْنی مِنَ العِزَّةِ ولا يكون المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء فان في ذلك تزهيداً لأهل الاحسان في الاحسان وتدريباً لأهل الاساءة والزم كلاً منهم ما الزم نفسه»(52). في سياق ذاته اهتمام الفكر الفلسفي في مسالة الوزارة ولكن من باب التخصص حيث ان السلطة التنفيذية اذا تحررت فأنها قادرة على معالجة العجز السياسي.

ص: 247

الخاتمة:

مما تقدم يمكن لنا ان نقول ان فكرة التنظيم او الدولة بالمفهوم الحديث اخذت حيزا في النص الامامي والتفكير الفلسفي، فعندما نأتي اجزاء الدولة نرى ان كل مجتمع او مجموعة بشرية تسكن على ارض محددة تحتاج الدولة الى اجزاء تسير عمل الدولة فهناك المدبرون او القيادة وهنا تأتي أهمية وجود السلطة او الحكومة بل اتفق عليها العقلاء بالاجماع حتى قال الامام علي (عليه السلام) مقولته الشهيرة بوجوب السلطة: لابد للناس من امیر برا كان او فاجر. وقد ذهب النص الامامي في سياق عهد الاشتر بالتأكيد على عدد من مسائل الاخلاقية التي تدل على ان من يتولى ادارة وتدبير شؤون الدولة لابد ان يكون على درجة رفيعة من الحكمة والسمو قائلاً: «ان الناس ينظرون في امورك في مثل ما کنت تنظر فيه امور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم.. فليكن احب الذخائر اليك العمل الصالح فاملك هواك وشح بنفسك عما لا يحل لك»، كما ان التفكير الفلسفي بصورته التقليدية قد اناطت مسالة التدبير لأهميتها بالفلاسفة لكونهم من القلة المؤهلة والمتمتعة بالفضيلة والمعرفة، وتأتي الاجزاء الاخرى مكملة حيث لابد من وجود طبقة الجند او الجيش لأنها الطبقة الضامنة للحماية الدولة وحراستها من المخاطر الخارجية والنزاعات والفوضى الداخلية كما ان الدولة تحتاج الى الطبقات والقوى العاملة اذ انها هي من تقوم بوظيفة الانتاج ورفد الطبقات الاخرى بالغذاء والمنتوجات المصنوعة وغيرهم من هنا فان طبيعة الحياة تقضي وجود القيادة والتدبير وهناك اناس اهلتهم الموهبة او التجربة للمارسة الحكم في حين ان هناك اناس لهم صفات بدنية وقدرة على التحمل تجعل هم خير من يذود عن الدولة ويدافع عنها وهم ما يسمون بالحفظة او الجيش في حين ان الحاجة تقضي وجود الصانع والمزارع والتاجر وهكذا فان الدولة يتفاوت ابناءها

ص: 248

في مجالات اشغالهم وخدماتهم الى ان ينتهي على حد تعبير الفلاسفة الى عدم وجود عاطل عن العمل.

وفي سياق ذي صله ما تقدم يمكن لنا ان نستنج ايضا من الدراسة ان النص الامامي على ان الدولة تقع عليها وظائف لابد من ان تؤديها فهناك كما يسميها الامام علي في عهده للأشتر: «جِبَايَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاِستِصلاَحَ أَهلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا» وهي وظائف تشبه الى حد كبير وظائف الدولة في التفكير الفلسفي التقليدي في طور الافلاطونية المثالية - الارسطية الواقعية، عندما اشاروا الى ان وظائف الدولة تتمثل: بإشباع الحاجات الطبيعة وحماية الدولة من الخطر الخارجي وحكم الدولة، لكن ان الاختلاف ما بين المنظومتين هي ان الاولى تجمدت وتراجعت القهقري وانتقلت من الاجتهاد والتأمل العقلي البشري في مسائل الحكم وادارة الدولة الى المقولات الفقهية وتفسير النصوص بما ينسجم مع هذه المقولات في حين طور الغرب من النظريات الفلسفية التقليدية المذكورة عن الدولة واجزائها وطبقاتها الى التأسيس البراغماتي والعقدي القانوي المتمثل بإيجاد الدساتير الوضعية حيث تطورت وظائف الدولة وفق الفهم السياسي والاقتصادي المعاصر حيث قسمت: الى وظائف دنیا وتشمل: توفير الخدمات والمنافع العامة والاهتمام بشؤون الدفاع والنظام والقانون وحماية حقوق الملكية وادارة الاقتصاد الجزئي والعناية بالصحة العامة وتحسين مستوى العادلة وحماية الفقراء وظائف وسطى وتشمل: معالجة المظاهر الخارجية والتربية والتعليم والبيئة وتنظيم الاحتكارات والتغلب على المشاكل الناجمة عن قصور التعليم وتنظيم القطاع المالي وقطاع الضمان الاجتماعي، ووظائف عليا وتشمل: السياسيات الصناعية واعادة التوزيع.

ص: 249

الهوامش

* كلية العلوم السياسية / جامعة الكوفة

1. محمد جواد اللاريجاني، الإستراتيجية القومية (دراسات في معالمها وأهدافها)، ترجمة علاء رضائي، ط 1، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، 1995، ص 35.

2. جهاد تقي صادق، الفكر السياسي العربي الاسلامي دراسة في ابرز الاتجاهات الفكرية، جامعة بغداد، كلية العلوم السياسية، 1993، ص 51.

3. نقلاً عن غانم محمد صالح، الفكر السياسي القديم والوسيط، بغداد، مكتبة السنهوري، 2001، ص 41.

4. الشريف المرتضى (الجامع)، نهج البلاغة للامام علي بن ابي طالب، شرح محمد عبده، ج 1 - 4، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، (د. ت)، ص 462.

5. جورج جرداق، الأمام علي صوت العدالة الإنسانية، ج 2، ط 2، مملكة البحرين: دار ومكتبة صعصعة، 2001، ص 280.

6. المصدر السابق نفسه، ص 462.

7. جهاد تقی صادق، مصدر سابق، ص 53.

8.الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، ص 457.

9. محمد مهدي شمس الدين، عهد الاشتر، ط 1، بيروت: المؤسسة الدولية للدراسات والنشر، 2000، ص 67.

10. محمد تقي المدرسي، فقه الدستور وأحكام الدولة الإسلامية، ط 1 ، قم: دار محبي الحسين، 2004، ص 8.

11. غانم محمد صالح، مصدر سابق، ص 54.

12. نقلاً عن سعدي كريم سلمان، وظائف الدولة دراسة في الفكر السياسي العربي الاسلامي، مجلة العلوم السياسية، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد. العدد 35، السنة الثامنة عشر، تموز - كانون الثاني 2007، 108.

ص: 250

13. الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، ص 462.

14.المصدر السابق نفسه، ص 458.

15.

16. المصدر السابق نفسه، ص 463.

17. المصدر السابق نفسه، ص 463.

18.المصدر السابق نفسه، ص 464.

19. نيقولاى ماكيافيلي، الامير، ترجمة محمد لطفي جمعة، القاهرة، دار التربية للطباعة والنشر والتوزيع، (د. ت) ص 136.

20. المصدر السابق نفسه، ص 136.

21.الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، 465.

22. المصدر السابق نفسه، ص 466.

21. جورج جرداق، مصدر سابق، ص 256.

24. محمد مهدي شمس الدين، مصدر سابق، ص 120.

25.الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، ص 459.

26. محمد مهدي شمس الدين، مصدر سابق، ص 79.

27. محمد تقي المدرسي، مصدر سابق، ص 11 - 12.

28. نيقولای ماکیافیلی، مصدر سابق، ص 147.

29. الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، ص 458.

30. المصدر السابق نفسه، ص 458.

31. محمد مهدي شمس الدين، مصدر سابق، ص 74.

32. الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، ص 462.

33. مرتضى مطهري، روى جديدة في الفكر الإسلامي، تحقيق وتصحيح عبد الكريم الزهيري، ج 4، ط 1، قم: مكتبة الإمام الصادق، 2008، ص 314.

ص: 251

34. غانم محمد صالح، مصدر سابق، ص 55.

35. المصدر السابق نفسه، ص 92.

36.الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، ص 459 - 458.

37. محمد تقي المدرسي، مصدر سابق، ص 12 - 13.

38. غانم محمد صالح، مصدر سابق، ص 58.

39. الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، ص 463.

40. المصدر السابق نفسه، ص 470.

41. المصدر السابق نفسه، ص 470.

42. المصدر السابق نفسه، ص471.

43. المصدر السابق نفسه، ص 460 - 461.

44.المصدر السابق نفسه، ص 460.

45. محمد مهدي شمس الدين، مصدر سابق، ص 86.

46. الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، ص 460.

47. محمد مهدي شمس الدين، مصدر سابق، ص 86.

48. الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، ص 462.

49. محمد مهدي شمس الدين، مصدر سابق، ص 97.

50.الشريف المرتضى (الجامع)، مصدر سابق، ص 461.

51. توفيق الفكيكي، الراعي والرعية المثل الأعلى للحكم الديمقراطي في الإسلام، بغداد: شركة المعرفة والتوزيع المحدودة، 1990، ص 136.

52. الشريف المرتضى، مصدر سابق، ص 416.

ص: 252

مواصفات وواجبات الحاكم الاسلامي قراءة عهد الامام علي (عليه السلام) لواليه على مصر

اشارة

د. امل هندي

ص: 253

ص: 254

مقدمة

تميزت السنوات المعدودة التي تولى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الخلافة فيها بوفرة الإنتاج الثقافي سواء كان على شكل خطب وكتب ووصايا و عهود، أو على شكل حوادث ووقائع حيث غطى هذا الإنتاج حقولاً عديدة في الفكر والأخلاق والمعارف والحقوق والآداب إلى غير ذلك. وتمثل رسائل الإمام «عليه السلام» إلى ولاته وعماله وموظفيه خير وجه ناصع لسياسة الإسلام في كيفية ادارة البلاد والعباد فهي جامعة للسياسة الإسلامية في كل أبعادها وفي مختلف شؤونها، وكان مجموع الكتب التي أرسلها إلى ولاة الأمصار وعماله على الصدقات والخراج 30 كتاباً، ومجموع وصاياه لأهل بيته وللأمراء والعمال 11 وصية، أما مجموع ما أرسل إلى أمراء الجيوش من كتب فهو إضافة إلى عهدين، وأرسل ثمانية كتب إلى أهل الأمصار وكتب 20 كتاباً إلى أعدائه. وإذا كان هذا الكم الذي وصل ألينا من الكتب والوصايا يعكس شدة الأحداث التي واجهها عليه السلام في مدة خلافته، فإنها تعكس من جهة أخرى حرصه على بناء نظام سياسي وأداري ناجح ويبقى عهد الإمام الذي كتبه إلى عامله مالك الاشتر سنة 37 ه حين بعثه والياً على مصر، يكتسب أهمية فائقة من خلال تحشيده للرؤى والأفكار وعلاجات الواقع فيه، فقد جاء العهد ليؤسس خطاباً ليس معاصراً ومعانقاً لحاضرة فحسب، بل هو خطة منزوعة الخصوصيات، مطلقة الأفكار، صالحة للتطبيق في أية مرحلة مستقبلية يواجهها أصحاب القرار في خضم تجاذبات الواقع السياسية والاجتماعية والفكرية.

إن قراءة هذا العهد بشكل تفصيلي والوقوف على المفاصل الرئيسية التي تناولها

ص: 255

يحتاج إلى سلسلة من الدراسات العميقة والمتخصصة فهو» أطول عهد كتبه واجمعه للمحاسن»، كما نص على ذلك ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة وهو «أفضل مرسوم إداري كتب لحد ألان ولم يصبه غبار النسيان على مرور الزمان». كما يؤيد الإمام الشيرازي وهو من «عيون الفكر السياسي الشاهد على نضج الفكر العبقري في السياسة والإدارة ما يشهد لموهبة الأمام في هذا الفن «،على حد تعبير محمد عمارة.

ولقد تضمن التقرير الذي أعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الخاص بحقوق الإنسان مقتطفات من وصايا أمير المؤمنين عليه السلام التي تضمنها هذا العهد. وسنقتصر في بحثنا هذا على تناول مسألة محورية وجوهرية وردت في ثنايا العهد وتتعلق بصفات الحاكم الاسلامي وواجباته الاساسية تجاه الرعية

وللإحاطة بالأسس والأفكار التي ثبتها الإمام عليه السلام في عهده لمالك الاشتر والتي أسست لنظرية أدارية وقانونية لا زالت مادة للقراءة من قبل نظام الحكم في أية دولة تسعى لتطبيق الرؤية الإسلامية في جهازها الإداري والحكومي، سيتم تناول الموضوع عبر العناوين الرئيسية التالية:

ص: 256

المبحث الأول مواصفات الحاكم الاسلامي

من الأمور الجوهرية في نظام الحكم العادل أن يكون المسؤلون فيه شخصيات قوية فاعلة ومؤثرة في إدارة مفاصل ذلك النظام، توجهه نحو إخصاب الحالة العامة للبلاد وازدهارها في جوانبها المختلفة، ففي الحكم تكمن قوانين وسمات ومؤشرات الظلم والعدل.

ويعد العدل الأساس والمرتكز الأساس الذي لابد أن تقوم عليه اية إدارة ناجحة، فهو لا يختص بزمن دون آخر، ولا تحتاج أليه فئة دون غيرها، بل هو سنة تاريخية أودعت في سياق هذا الكون والوجود الكبير، وظاهرة سيوسيولوجية تأتي ثمارها حين يمارسها الناس إلى جانب ممارستها من قبل الساسة وولاة الأمر في الدولة، وتتمثل ثمارها في ازدهار المجتمع ونظام الحكم، هذا فيما يؤدي الظلم والاستبداد لا إلى انهيار النظام السياسي فحسب، بل وانهيار الكيان الاجتماعي لأية جماعة بشرية.

وإدراكاً منه لمخاطر الحكم ومسؤولياته الكبرى تلك، كان الإمام (عليه السلام) متشدداً في تحدید مواصفات الوالي العادل الذي يمثل قمة الهرم في الجهاز الإداري ومؤكداً على اثر التفاعل السيكولوجي بين ذات الفرد ومبدئه بالنسبة إلى حركة السياسي المسئول على إدارة نظام الحكم، فعندما يعي المسئول عظم مهامه سينطلق

ص: 257

في حركته الإدارية تطبيقاً وتجديداً، واعتدالاً، ومساواة بحرص، ووعي، ونزاهة، ومبدئية، وإخلاص متوخياً تجسيد الهدف المنشود في إسعاد الشعب وعيشه بكرامه وحرية واستقلال. وجاءت نقطة البداية من اختيار الشخص الملائم الذي يمتلك مقومات الإداري الناجح ومبادئ المسلم القوي فجاء اختياره لمالك الاشتر الذي يقول فيه «والله لو کان جبلاً لكان فنداً، ولو كان حجراً لكان صلداً، لا يرتقيه الحافز ولا يوفي عليه الطائر»

وكان لابد للإمام من أن ينبه الوالي إلى عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه فيما يتصل بإدارة شؤون المصر الذي يخضع له من الناحية السياسية والمالية والخلفية، فالإمام يحكم الأقاليم الإسلامية المختلفة بطريقة غير مباشرة أي عبر الولاة، فالوالي أذن هو الخليفة في ولايته فعليه كما على الخليفة واجبات خلقية وسياسية ومالية، وان كانت في حدود أضيق من حدود الخليفة من الناحية السياسية والمكانية، وأوسع من حدود الموظفين الآخرين.

وتناول عهد الإمام لوالي مصر أهم المسائل المتعلقة بشخصية الحاكم، والخطوات الواجب عليه اتخاذها وذلك على النحو التالي:

أولا: - المقومات الخلقية والعقائدية للحاكم

كانت البدایة بالشرط الأصعب ووضع اليد على البداية الصحيحة للقيام بحكم عادل وذلك بتحديد المواصفات الواجب توافرها وترسيخها في نفس القائد الإداري والتي تنطلق من خشية الله تعالى وتقواها. والتقوى معناها حفظ النفس ومراقبتها والسيطرة عليها وقد أمر الإمام «عليه السلام» واله «بتقوى الله وإيثار طاعته وإتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسنته التي لا يسعد احد إلا بإتباعها ولا

ص: 258

يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها.. وأمره إن يكسر نفسه من الشهوات وينزعها عن الجموحات، فان النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله «.وبذلك يؤشر الإمام بعدي التقوى حيث يتمثل بعدها الأول بالعمل بالواجبات والفرائض الدينية، بينما يتمثل بعدها الثاني بترك المحرمات والمحظورات، وأشار إلى الأول بتعبير «إيثار طاعته «والى الثاني «أن يكسر نفسه عن الشهوات».

إن أهمية التقوى تتأتى من إن الإيمان بقوة غيبية شرعية وقاهرة يدعو إرادة الحاكم السياسي للتفاعل مع المكونات الفكرية والقانونية لمقاصد تلك القوة الآلهية، لان مقاصد الله سبحانه التشريعية بالنسبة للإنسان والحياة ونظام الحكم حركة الوعي، بينما تبقى الرؤى الوضعية والتشريعات الأخرى غير قادرة على إنتاج نظام حكم عادل يؤمن الجانبين، العدالة والخير والفضيلة من جانب، والتطور والانفتاح والاستمرارية من جانب آخر. أما فيما يتعلق بالجانب النفسي فعلى الحاكم ان يتجنب الانزلاق والانصياع لرغباته الشخصية ونزعاته الغريزية، فالقدرة على السيطرة الذاتية أمام الرغبات الدنيوية تكتسب أهميتها البالغة بالنسبة للعاملين في الوسط السياسي والإداري باعتبارها النماذج التي تصلح البلاد بصلاحها وتتطور بناها الاجتماعية والثقافية بتطورها وانفتاحها، ويعتبر الأمام السيطرة على الذات مما لا يحل لها فعله إنصافا وعدلاً في السلوك الشخصي للحاكم «فاملك هواك وشح نفسك مما لا يحل لك فان الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو ترهب».

ويستمر الإمام (عليه السلام) بالتأكيد على القيم والشروط العقائدية والأخلاقية التي لا بد إن تتوفر في شخص الحاكم لإيمانه بان الأخلاقية هي الضمانة الحيوية لحسن تطبيق النهج السياسي للعدل الاجتماعي، وفيما عداها لا يتلقى المواطنون من رجال الحكم والإدارة غير الصفات السلبية التي يتحمل أوزارها المجتمع، وكلما ازدادت

ص: 259

قيمة المكانة الوظيفية لرجال الحكم والإدارة والمسؤولية، كلما ازدادت أهمية التوكيد على الاتصافات الاخلاقية العالية والتي يجملها الإمام بعضاً منها في ثنايا عهده للاشتر ومنها، إشاعة الخير للرعية دون منة أو تزيد، والعمل على اقتران الوعود بالتنفيذ وتجنب الخلف بالوعد وإرجاء الأقوال الغير مسنودة بأعمالها «وإياك والمن على رعيتك بإحسانك أو التزيد فيما كان من قبلك...» والحفاظ على السنن الصالحة التي توارثها الناس والتي تدل على الخير والعقل والحكمة والصلاح «ولا تنقض سنة صالحة عل بها صدور هذه الأمة «فضلاً عن الاعتدال في الحكم واتخاذ التدابير في أوانها والابتعاد عن العجلة» وإياك والعجلة بالأور قبل أوانها أو التساقط فيما عند أمكانها... «والاعتدال في الشخصية والابتعاد عن الغضب والعصبية في الأمور «واملك حمية نفسك وسورة حدك وسطوة يدك وغرب لسانك» والارتباط الدائم بالمبدأ ومقاصد الشريعة وعالم الغيب «ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك بذكر المعاد من ربك» وحب الشعب والرحمة به والإحسان إليه والحرص عليه» «واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم»

ثانيا:- الثقافة العامة للحاكم الاسلامي

وبعد إن يفرغ من تحديد المواصفات الشخصية للحاكم العادل، يتجه الإمام «علیه السلام» لرسم برنامج عمل متكامل لكي يعتمده الحاكم في عمله السياسي والإداري، وحيث إن فكرة تأسيس الدولة قائمة على أسس العدل ومبادئ المساواة والأمن، وبدونها يعدم وجود الدولة وينهار كيانها ويتداعى بنيانها، ولما كان الموظف الإداري هو رجل الدولة وهو وحده المسئول عن حفظ جسم الدولة، ومن هنا تأتي أهمية ضرورة تثقيف الموظف الإداري بالثقافة العلمية وتزويده بالمعارف ليتمكن

ص: 260

من تامين الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع وتأمينها بين الأمة والحكومة على المبادئ العلمية والأخلاقية والعرفية التي تقتضيها مصلحة الدولة ودوامها.

ولعل من أهم عناصر الثقافة للإداري الناجح وقوفه على التطورات التاريخية والتشريعية التي مرت بالإقليم الذي يعيش فيه، وخير معين له على تفهم الأخلاق والعادات والعرف وسائر التقاليد الاجتماعية المهمة هو تاريخ البلد وحوادثة الكبرى، فعلى قدر تبحره وسعة اطلاعه في تاريخ بلده ومحيطه، يستطيع القائد الإداري معالجة الأمراض الإدارية والسياسية وحل مایجابهه من المشكلات والمعضلات فيها.

وانطلاقاً من هذا الفهم لفت الأمام عليه السلام نظر واليه الاشتر إلى تاريخ مصر وما دالت عليها من دول وحكومات فيقول «ثم اعلم يا مالك أني قد وجهك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور،

وان الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم»، وفي ذلك إشارة إلى إن السنن التاريخية تعيد نفسها على يد الإنسان، فقد شهد تاريخ مصر حكم الفراعنة وظلمهم فانحسرت حضارتهم وسلطاتهم عن مسرح التاريخ، كما شهد حكاماً عادلين مارسوا مفهوم العدل وطبقوه على واقع الناس فأنتج کیاناً اجتماعياً وسياسيا متلاحماً.

وهذا الأخير هو الذي ينتظره شعب مصر من الولاية السياسية لمالك الأشتر وعليه فلا ينبغي خذلانهم

فيما يتوقعون من مستقبل سياسي عادل ولا يصح للحاكم إن يهمل سنة العدل الان إهمالها يؤدي إلى انهيار کيان الدولة وخذلان الجماهير.

ص: 261

ثالثا: - الفطنة وحسن الاختيار:-

يبين الإمام العلاقة الوطيدة والمباشرة بين صلاح الحكومة وعلو مقامها وبين صلاح الوزراء ونضجهم، فالوزراء هم ارفع الذين يضطلعون بمسؤولية برمجة مشاريع الحكومة وهم الذي يمكنهم قيادة المسيرة

الإدارية نحو الصلاح والفلاح، أو جرها إلى الفساد والانحراف ويوصي عليه السلام واليه بسلب

صلاحية التصدي للوزارة والمناصب الحساسة في الحكومة من كان ذا تجربة وسابقة في وزارات الحكومات الطاغية والأنظمة الفاسدة لأنهم تأقلموا على الثقافة الجائرة السائدة في ذلك النظام، فهم لا يتورعون عن الظلم، فيوكد إن الأمر الذي يحول بينهم وبين التجانس مع حكومة العدل التي ترفض كافة أشكال الظلم والاضطهاد

«شر وزراءك من كان للأشرار قبلك وزيراً، ومن شركهم في الآثام، فلا يكونن لك بطانة فأنهم أعوان الأئمة وأخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم وليس عليه مثل اصارهم و أوزارهم وآثامهم ممن لم يعاون ظالماً على ظلمه ولا آثماً على آثمة».

وبذلك تحذير من المخضرمين الذين أزروا الأشرار والظلمة وشاركوهم في الآثام من الانتهازيين الذين لا يجيدون غير النفاق والإطراء، وحث من جهة أخرى على اختيار الذين ينطقون بالحق مهما كان مراً، ويرشد إلى العناصر الكفوءة المجربة لسد الفراغ خشية، إن تؤدي تلك التصفية إلى قلة الكادر المجرب والمتخصص والعادل،

ص: 262

و البديل عن مراكز التخريب هم النخب المفكرة القادرة على إسناد النظام فكرياً وجماهيرياً.

رابعا: العلاقة المباشرة بالناس:

حين تتنوع مسؤوليات الوالي وتتعدد فانه يعمد في علاقاته مع الناس إلى استخدام أدواته السياسية والوظيفية فتنشأ شبكة من الإداريين والمسئولين الثانويين الذين يمثلون البيروقراطية الجديدة المحيطة بالوالي، فتمثل مراكز جديدة تؤثر على التوجه السياسي العام للوالي فتحرکه وفقاً لإرادتها ومصالحها، ولذلك يبدي الإمام «عليه السلام» احترازاً نظرياً وسلوكياً ضرورياً لمجابهة تلك الظاهرة وأشكالها المتجددة، لذلك ستكون العلاقة الحية والصحيحة مع الناس وجهاً لوجه ضمانة کبری لسيادة الحق. ولابد من رفض السفراء والحجاب والوسطاء بين الوالي وبين شعبه لتربية الولاة على نسق العلاقة المباشرة لكي تصبح منهجاً إسلامياً ثابتاً تصنع من خلاله قرارات الحق والعدل ويأتي قوله بهذا الصدد «فلا تطولن احتجابك عن رعيتك فان احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ویشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور».

على القيادة في هذه الحالة شرح مواقفها وسياساتها تجاه القضايا المختلفة في خطوة للتلاحم بينها وبين جماهيرها وشراكتهما في اتخاذ القرارات والمواقف المتباينة، وهذا الشرح يؤدي إلى رفع الالتباس الحاصل ويشرك الأمة في بلورة الموقف وصياغة إستراتيجية مواجهته الحدث.

ص: 263

ويرى احد الباحثين بان سر نجاح القائمين على الشؤون التنفيذية أنما يكمن في أمرين أساسيين: -

أولهما: إن كبار المسئولين لا يتمكنون من القيام بكافة مهامهم فيضطرون لتفويض البعض منها لمساعديهم ومستشاريهم، وبالطبع فان هنالك مهام ينبغي هم ممارستها مباشرة بأنفسهم، ولكي يستطيع المسئول من الأشراف على سير مهام مساعديه، إلى جانب مباشرته لبعض الأعمال عليه أن يفرق بين الأمور ذات الأولوية عن تلك الثانوية غير الضرورية التي يمكن تفويضها للمساعدين، وعلى أساس ذلك يقوم بأداء وانجاز الأعمال ذات الأولوية على نحو السرعة والدقة بينما يستعين بمساعديه في سائر الأعمال.

وثانيهما:- إن يتم فرز الأعمال الضرورية عن غيرها حتى يعين لها أوقاتها فلا يؤجل عمل اليوم إلى الغد

لان التنظيم والدقة أساسيين للعمل الإداري و كل ذلك مستوحى من قول الإمام علي بن أبي طالب «ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها، منها إجابة عمالك بما يعيا عنه كتابك، ومنها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعدائك وامض لكل يوم عمله فان لكل يوم ما فيه».

وبذلك يؤكد (عليه السلام) على ضرورة التنظيم في العمل والدقة في انجازه عن طريق توزيع الإعمال وتوزيع السلطات التي يعدها من صميم وظائف الحاكم الإسلامي، ومن البديهي أن الأنشطة والفعاليات سوف تصاب بالتعثر والعرقلة ما لم تسير على ضوء منهاج ونظام، وعليه فلا بد للحاکم من تعيين و تحديد آلية عمل السلطات ثم يسند الأعمال إلى أصحابها وفق أهليتهم وجدارتهم.

ص: 264

خامسا:- اعتماد الشورى وتقريب العلماء

من المبادئ الأساسية التي ينبغي للحاكم أتباعها مبدأ الاستشارة التي تعني أشراك الأمة في القضايا التي تتعلق بها وتحريك فعالية المسلمين نحو الأمور المختلفة، وتعد من العناصر العملية في الحيلولة دون التسلط والاستبداد، إلى جانب الانفتاح على أفكار الآخرين والتوصل إلى الأساليب الناجعة للتعامل مع بعض الأمور وتنشا أهميتها من أمرين «التطور والشمولية التي تشهدها القضايا السياسية والثقافية والأخلاقية والاقتصادية وغيرها في كافة مجالات الحياة لاسيما أن التعقيد والتخصص الذي يكتنف اغلب المسائل يجعل من الصعوبة فهمها وإدراك فقراتها وبالتالي لا مناص من استشارة ذوي الخبرة والاختصاص إن كل فرد من أفراد البشر مهما امتلك من قوة عضلية وذكاء حاد مقارنة بالآخرين، فانه يبقى أنساناً محدداً، فإذا استشار الآخرين وتعرف على أفكارهم حصل على النتيجة الأمثل.

وقد اعتمد أمير المؤمنين عليه السلام الشورى عملياً واستشار أصحابه في أكثر من موطن ومناسبة تأسيا بسيرة الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» و تجسيداً لقوله تعالى «وشاورهم في الأمر» ولذلك نصح بها واليه الاشتر في إدارته لأمور الدولة موکداً بعدها العلمي المتمثل في ضم الآراء إلى بعضها، حيث يعطي جميع الآراء القوة والمتانة للرأي المستخلص منها، فضلاً عن بعدها الاجتماعي الذي يتمثل في اجتماع المسلمين للمداولة في أمورهم والبحث عن رأي سليم وسدید.

وإذا يستفيد عالمنا المعاصر اليوم من قضية الاستشارة ويحاول الانفتاح على تجارب الآخرين ولاسيما في الأجهزة المرتبطة بالدولة التي توظف الأفراد من ذوي العلم والتجربة والاختصاص، غير أن الأمر الذي أغفلته اغلب الأوساط إنما یکمن

ص: 265

في المعايير الأخلاقية التي ينبغي إن تتوفر في المستشارين واستبعاد من لا تنطبق عليه تلك المعايير من هيئة الشورى وهذا ما أشار أليه أمير المؤمنين بالقول «ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشره بالجور، فان البخل والجبن الحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله».

بذلك ترى المدرسة الإسلامية ضرورة توافر المعايير والأسس الأخلاقية إلى جانب العقل والدراية والتجربة فتشترط استشارة من يتصف بالإسلام والعقل والحلم والنصح والتقوى والتجربة وتنهي

بالمقابل، عن استشارة من يتصف بالجبن والبخل والحرص والتلون والجهل لان أولئك لا يساعدون على التوصل إلى اتخاذ القرار الصائب. وتساوقاً مع سياسة الشورى، لا بد للحاكم من التقرب إلى أهل العلم والحكمة والمعرفة، إن في ذلك شرفاً وتنويراً وتطويراً وإبداعاً، وتعزيز العوامل الصلاح في الإدارة وتزود النظام بعوامل القوة والتقدم، ففي السياسة منعطفات ومزالق يغفل عنها من لم يشارك العقول رأيها وعقلها وحكمتها فتحدث المهالك وتستعصي معالجتها «وأكثر من مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبیت ما صلح عليه أمر بلادك وإقامة ما استقام به الناس قبلك».

ص: 266

المبحث الثاني مقومات ومبادئ بناء الجهاز الإداري للدولة

فضلاً عن الإرشادات والنصائح التي قدمها الإمام للحاكم لتكون خطوات وبرنامج عمل باتجاه سياسته الإدارية الناجحة يستكمل «عليه السلام» إرشاداته بوضع أسس ومبادئ عامة يمكن اعتمادها في بناء الجهاز الوظيفي القادر على أداء عمله على الوجه الأكمل ولعل ابرز تلك المقومات والأسس:

أولا: الكفاءة والأمانة أساسا للتوظيف

إن من أهم مميزات المجتمع والحكومة الإسلامية سيادة العدل واعتماد المساواة دون تمييز أو تحيز لجانب على حساب الجانب الأخر، فضلاً عن تغييب الوساطة والاتجاهات السياسية والأهواء الشخصية، وإذا كانت النظرة السائدة في اختيار رجال الحكم والإدارة عبر التاريخ تركز في الغالب على الصفات السياسية التي تعبر عن نهج الحكم وسياسته العامة، أو على الاعتبارات الشخصية كالقرابة والصداقة، فان العدالة الإسلامية تقتضي اعتماد الخصال الإسلامية والامتيازات الخلقية في توزيع المناصب والوظائف بحيث يشغل كل فرد المنصب الذي تؤهله اليه كفاءته وجدارته وعلمه وتقواه وورعه.

وفي سياسة العدل المتكاملة لعلي بن ابي طالب يحتل هذا الموضوع حيزاً كبيراً نظراً الى مسؤولية الحكم مسؤولية تاريخية تسعى لانشاء مشروع العدل الاجتماعي

ص: 267

على اسس قويمه، وبضوابط ادارية فعالة وغالباً ما تهمل الخصائص الشخصية للولاة ورجال الحكم والادارة وبخاصة من قبل السياسيين الذين يؤمنون بالمبادي الشمولية في التغيير والبناء في نطاق تصورات مادية تخصهم، وذلك لانهم يرون في الخصائص الشخصية اموراً ثانوية لا قيمة لها ازاء القضايا الاساسية العامة. وقد وضع الامام «عليه السلام» الذي عاش قبل مئات السنين مقاییساً للتوظيف لم تصل اليها ارقى النظم الحديثة واكد على ضرورة ان تسند الوظائف الحكومية لذوي الكفاءة والاختصاص دون غيرهم، واضاف لذلك جانباً اخر لايقل اهمية عن الكفاءة هو الامان ونزاهة النفس ليؤكد بذلك وحدة الشروط الاخلاقية والعقائدية فالشرط الاخلاقي تجسيد للشرط العقائدي وتوكيد له کما انه الشرط العقائدي بلورة للشرط الاخلاقي وتركزة له فيقول «عليه السلام» بهذا الصدد «ثم انظر في امور عمالك فاستعملهم اختباراً ولا تولهم محاباة واثرة فانهم جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم اهل التجربة والحياء من اهل البيوتات الصالحة والقدم في الاسلام المتقدمة فانهم اكرم اخلاقاً واصح اعراضاً واقل في المطامع اشراقاً وابلغ في عواقب الأمور نظراً»

وهو بذلك يلقي على الحاكم مسؤوليات اساسية في انتخاب الولاة والعمال فلابد ان يعرض ولاته وعماله للاختبار والامتحان وان يراعي في عملية الاختيار ما يحظى به هؤلاء من مؤهلات اخلاقية واصالة عائلية وما يتحلون به من كفاءة و تخصص وتجربة، وغير هذا النوع من التعيين الذي يقوم على المحاباة والاثرة والمحسوبية والمنسوبية سيكون ضرباً من الجور والخيانة، اما الجور فانه اي الحاكم يكون قد عدل عن المستحق ففي ذلك جور على المستحق، واما الخيانة فلأن الأمانة تقتضي تقليد العمال الاكفاء فمن لم يعتمد ذلك فقد خان من

ص: 268

ولاه. بل الامر ابعد اثراً من ذلك، بحسب احد الباحثين، فالجور في هذا الموضوع لا يقتصر على عدل الحاكم في التعيين عن المستحق الى غير المستحق فقط، وانما هو يمس غير المستحق من الصميم، واذا ما قصر الموظف عن اداء واجبه او خان او عرض نفسه للفصل والعقاب فكان تعيينه محاباة او اثره قد مهد السبيل الى اقصائه عن الخدمة وتطبيق حدود الله عليه في حالة الخيانة.

وتقاس الكفاءة في العادة بالدراسة والتخصص والشهادة، غير ان تلك الامور لم تكن موجودة في عهد الامام، لذلك كان مقياس الكفاءة بنظره هو توسم قيام الشخص بالواجب المناط به بشكل مرضي، فاذا عين الشخص في منصبه ولم يثبت الكفاءة المطلوبة في الوظيفة فصل عن عمله بعد مدة من اختباره لان وجوده في الوظيفة لم يجعله قادراً على ادار وظيفته على الشكل الامثل. اما الامانة فهي الامتناع عن الاعتداء على اموال الاخرين وحقوقهم، فهي ذات جانبين:

جانب مادي: فالموظف الامين هو الذي لا يقبل الرشوة ولا تمتد يداه الى ما تحتها من اموال الدولة وجانب معنوي فالموظف الامين هو الذي يعطي كل ذي حق حقه في المجال الذي يعمل فيه، فلا يجعل بعض الناس يعتدي على حقوق بعض آخر ولا يجعل الدولة تعتدي على حقوق الناس ولا العكس لا يقبل في التعيين، اذن، شفاعة الا شفاعة الكفاءة والامانة وان تقدمت الثانية على الاولى فالموظف الكفوء غير الامين قد يتجاوز ضرره الاجتماعي ضرر الموظف غير الكفوء فيتخذ كفاءته وسيلة لاتقان الخيانة واتقان التواري عن الانظار، اما الموظف الامين غير الكفوء فیکون ضرره الاجتماعي في حالة وقوعه غير مقصود وغير موجه نحو بعض الناس على حساب البعض الاخر، ويشير احد الباحثين الى خطأ قادة الحكم حينما يركزون على

ص: 269

القدرة التنفيذية لرجال الادارة والمسؤولية بمعزل عن الطبائع الاخلاقية لهم، لان القدرة التنفيذية ليست مجردة عن الطبيعة والطبع وبخاصة في المهمات ذات المغزی الاجتماعي العام ولان كل انسان يحمل صفاته معه اینما حل في الوظيفة الادارية او في غيرها وستباشر تلك الصفات حضورها عبر الاشكال المتعددة للنشاط السياسي والثقافي له.

ولقد لخصت سياسة الامام في تعيين قادته الاداريين بالقول: كان علي (عليه السلام) لايخص بالولايات الا اهل الديانات والامانات واذا بلغه عن احدهم خیانه کتب الیه «وقد جاءتكم موعظة من ربکم فاوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس اشيائهم اذا اتاك كتابي هذافاحتفظ بما في يديك من اعمالنا حتى نبعث اليك من يستلمه منك»

ان المبادي التي استند اليها الامام عليه السلام في تولية عماله هي ذات المبادي التي اوصى بها عماله فاكد لهم بانه لا يجوز للولاة في النظام السياسي الاسلامي ان يوزعوا المناصب على اساس الصلات العائلية والعلاقات السياسية ولا يحق ان يلي امور الناس المحروم من الاصالة العائلية، ولا تناط المسؤولية بسي الخلق او ان يتعهد بشؤون المجتمع لمن يفتقر الى الكفاءة والتخصص لانهم سينزلقون الى خيانة عملهم الاداري.

ومجمل خصائص وسمات الملاكات الادارية وموظفي الدولة من وجهة نظر الامام يمكن ايجازها بما يلي:-

- التجربة والاختصاص والتعايش مع القضايا والمشاكل.

- النجاح والعفة والحياء وصون النفس عن الرذيلة والفحشاء.

ص: 270

- الترعرع على التقوى والورع والفضيلة في البيوتات الصالحة.

- امتلاكه للسابقة الحسنة في الاسلام مما يجعله يتقدم على غيره.

- ان يكون من الشخصيات الذين جهدوا بصون نفوسهم وتهذیب ارواحهم وبعدوا عن الزلات والعثرات.

- ان يكون ممن لهم القدرة على الادارة وبعد النظر ومن اهل التدبر والتأمل في مختلف الامور.

- ان يكون عالي الهمة بعيداً عن المطامع الدنيوية ومغرياتها.

ثانيا: تامين الحاجات المادية للموظفين:

ان الاسلام، بوصفه مدرسة انسانية، وديناً الهياً واقعياً، قد اولى اهمية قصوى التغطية الحاجات المادية للافراد، وقد اكد على ضرورة تلبيتها واشباعها حتى وضع بعض المقرارت والضوابط بهذا الخصوص. وقد سمي لكل فرد من افراد المجتمع سهمه فلكل صنف من اصناف المهن في المجتمع سهماً مالياً يتناسب من طبيعة عمله، وقد نص القرأن الكريم على ذلك واكدته السنة النبوية المطهرة. وكان الامام عليه السلام يحذر بان عدم تلبية حاجات تلك الطبقات سيدفع بالافراد المغرضين لاتخاذ ذلك ذريعة من اجل مقارنة السرقة والرشوة والتعدي على اموال الاخرين وبالتالي تضييع العفة والامانة، وتزول انذاك حجة الوالي على الرعية والعمال فهم يبررون السرقة والخيانة بوقوعهم تحت طائلة الحاجة فيلقوا المسؤولية على الوالي، وعلى العكس من ذلك اذا اعطي الناس حقوقهم كما هي كاملة غير منقوصة ساد العدل المجتمع وانتشر بين ابنائه النظام والتعاون بدل التذمر وسيادة

ص: 271

الفوضى وقد نص عهد الامام الى مالك الاشتر على ذلك بالقول «واعلم ان الرعية طبقات، لايصلح بعضها الاببعض ولاغنى ببعضها عن بعض، فمنها حنودالله ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها اهل الجزية والخراج من الذمة ومسلمة الناس، و منها التجار واهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجات والمسكنة، وكل قد سمى الله سهمه، ووضع على حده وفريضة في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه واله عهداً منه عندنا محفوظا»

ولم يكتف الامام عليه السلام بتعيين انواع الحاجات والمهن، بل فصل وعدد مميزات وخصائص كل طبقة منها مع تبیان اهمية مركزها في المجتمع والطرق التهذيبية والاصلاحية التي يستعان بها على تقوية عناصرها واصلاح معایشها وفق ما تقتضيه سنة البقاء والتطورُ، وركز الامام في هذا الصدد على بعض الطبقات وضرورة تلبية حاجاتها المادية، كالجنود والقضاة نظراً لحساسية وظائفهم واهميتها في حفظ امن المجتمع وكيانه واستقراره واشاعة العدل فيه «فالجنود باذن الله حصون الرعية وزين الولاة وسبل الامن وليس تقوم الرعية الا بهم ثم لا قوام للجنود الا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقومون به على جهاد عدوهم ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ويكون من وراء حاجاتهم.....»

وفيما يخص القضاة فكان الامام رائداً بالاشارة الى موضوع مهم جداً التفتت اليه الحكومات المعاصرة في تعاملها مع تلك الفئة من الموظفين! فحساسية المهام التي يقوم بها القاضي وقلة الافراد الذين تتوفر فيهم صفة القاضي العادل تقتضي معاملة خاصة لتلك الفئة لاسيما من الناحية المالية فيوكد «عليه السلام» على ضرورة ان يلتفت الحاكم الى ضرورة عدم معاناة القاضي من ضيق الحياة المادية وذلك لانه اما ان يستقيل من منصبه أو أن يثبط عزمه فلا یمارس وظيفته كما ينبغي، أو

ص: 272

ان يخشى عليه من الزلل بحيث تنفذ اليه الرشوة التي تجعله يقلب الحق راساً على عقب، «ثم اكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل مایزیل علتة وتقل معه حاجته الى الناس من واعطه المنزلة لديك ما لا يطمح فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظراً بليغاً فان هذا الدين قد كان اسيراً في أيدي الاشرار يعمل فيه الهوى وتطلب به الدنيا» بهذا يعد تامين الاحتياجات الاقتصادية لموظفي الدولة وتحقيق كفايتهم المادية من اصول السياسة التي دأب امير المؤمنين على ترسيخها والتاكيد على انها من الاركان المهمة لادارة شوون البلاد ووسيلة تحول دون خيانة العمال والموظفين وتطاولهم على بيت المال أو تعاطي الرشوة الامر الذي يؤدي الى هضم الحقوق وتصدع النظام وجاء في العهد مانصه «ثم اسبغ عليهم الارزاق فان ذلك قوة لهم على استصلاح انفسهم وغنى لهم عند تناول ما تحت ایدیهم وحجة عليهم ان خالفوك امرك أوثلموا امانتك».

نستنتج مما تقدم ان التزام الحاكم بتلك الارشادات القيمة ستحقق اكثر من هدف وتؤدي الى اكثر من نتيجة، فالكفاية المادية لطبقات المجتمع وموظفي الدولة ودفع استحقاقات كل منهم ستؤدي الى:

1- تحقيق الشرط الذي يجب ان يتوفر في جميع افراد الجهاز الحكومي المدني والقضائي والعسكري وهو نقاوة الجيب.

2- ستمثل تلك الاجراءات قوة لموظفي الدولة يستعينون بها على استصلاح انفسهم وتقويم تصرفاتهم.

3- ستشكل حصانة من الرشوة ومن اختلاس الأموال العامة.

4- ستكون حجة بيد السلطات لمعاقبة المرتشين والسارقين والمعتدين على الاموال

ص: 273

العامة أو الخائنين

لاماناتهم، وفي ذات الوقت ستسلب حجة اولئك المتجاوزين على المال العام.

ثالثا: - تشكيل جهاز المراقبة والاشراف

ادراكاً لاثر المراقبة والمحاسبة في تطبيق العدالة، وبغية الحيلولة دون استغلال بعض الافراد لمناصبهم ومسؤولياتهم لمصالحهم الخاصة، تتاتی ضرورة الاشراف الدقيق والمستمر على فعاليات وانشطة موظفي الدولة وعمالها، ولا يتحقق هذا الهدف الامن خلال تشکیل جهاز اشراف يتصف بالصدق والامانة ليرفع التقارير الموثقة بشأن الولاة والعمال وهي احدى وظائف ومسؤوليات الحاكم الاسلامي. ويصطلح الاسلام على مثل هؤلاء الافراد الذين يمارسون مهمة الاشراف والتحري «بالعيون» ويبعث بهم سراً الى مختلف مناطق البلاد والمراقبة السرية تدفع بالعيال الى الامانة واجتناب الخيانة والاستغلال من جانب، وتحثهم على الرافة والشفقة بالامة، والاسراع في انجاز اعمالهم من جانب اخر واذا كان الامام علي «عليه السلام» قد نهی بشدة عن ممارسة التجسس والتدخل في الامور الشخصية للمجتمع، بيد انه مع ذلك يرى من الضروري فرض رقابة على العاملين في المؤسسات الاسلامية وممارسة ذلك عبر جهاز رقابي خاص ومن خلال موظفين سريين لئلا يتوانی العاملون في اداء وظائفهم، أو يتعدوا على حقوق الناس بالاتكاء الى مالديهم من سلطة. وتجدر الاشارة الى ان سياسة المراقبة والمتابعة للمسؤولين والولاة كان الامام عليه السلام قد اعتمدها بالفعل خلال مدة خلافته، وعهد الامام للاشتر وغيرها من العهود واللوائح التي اصدرها بخصوص المراقبة الدقيقة للولاة وما بعث به من رسائل لولاته، كلها تؤيد تاسيسه لجهاز رقابي مقتدر كان ينهض بمهمة مراقبة

ص: 274

العاملين معه وورد في كتابه الى ابن عباس عامله على البصرة «.. بلغني انك جردت الارض واكلت ماتحت يديك، فارفع الى حسابك واعلم ان حساب الله اشد من حساب الناس والسلام» کانت رقابة الامام علي «عليه السلام» للموظفين اذن على راس سياسته الادارية لهم فهو لا يريد الموظفين لكي يسبحوا باسمه - شان الكثير من الحكام والساسة، وانما يريدهم يسبحون باسم الله تعالى، يريدهم على طريق الله دقبقاً و کاملاً ودائماً، فكما تم نصبهم على يده، كذلك يرى نفسه مسوولاً عن تصرفاتهم. فكان ينصحهم ثم يوجههم ثم يعاقبهم على تصرفاتهم غير المسؤولة، ثم

ان لم يفد ذلك كله كان يعمد الى عزلهم وعقوبتهم ان استحقوا العقوبة، ويؤكد «الشيرازي» بهذا الصدد على ان الحصانة الدبلوماسية والحصانة الادارية وحصانة الوظيفة ونحو هذه المصطلحات. لامفهوم لها عند علي «عليه السلام» اذا خرج الدبلوماسي عن الحق وعمد الموظف الى ما لا يليق به من اجحاف و ظلم او عدم اهتمام بالامة، «فالأصل في اختيار الموظف وابقاء الموظف هو واحد في منطق امیر المومنین علیه السلام لا يختلف احدهما عن الاخر الله: الامة هذا هو الاصل في اختيار الموظف وهذا هو الاصل في الابقاء عليه «لاشك ان للرقابة دور فاعل في رصد العيوب التي تقع من قبل شخص معين أو مجموعة من الناس، ورصد الاخطاء ونقدها يساعدان على عدم تكرارها، أو التقليل من حصولها.

ص: 275

وتنقسم الرقابة الى نوعين

1- رقابة ذاتية: هذه الرقابة مركزها الضمير الانساني والذي يقوم بوعظ الانسان نحو الافعال الحسنة أو يزجره عن الافعال السيئة.

2- رقابة خارجية: هذه الرقابة قوامها افراد المجتمع حيث يقومون بدور الرقيب والمتابع للاخطاء التي تصدر من قبل الولاة أو العمال أو العناصر التي لها دور في المجتمع. وكان الامام يحث الناس على تفعيل الرقابة والنقد لان بها قوام حياة المجتمع وحيويته ويمكن ان تكون رافداً لتقارير «العيون» وتاكيداً لاخبارهم.

ان الدعوة الى تاسيس جهاز رقابي فاعل كانت احدى نصائح الامام للاشتر فقد خاطبه قائلاً:

«ثم انظر في امور عمالك ثم تفقد اعمالهم وابعث العيون من اهل الصدق والوفاء عليهم فان تعاهدك في السر لامورهم عدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية»

ولاتقف مهمة الحاكم عند المراقبة بل تتعداها الى اتخاذ الموقف الحازم من الموظفين والعمال الذين يودون امانة اعمالهم ويعاقب الخائن منهم، وقد ورد عنه «عليه السلام» في عقوبة العمال الخائنين مادياً ومعنوياً «فان احد منهم بسط يده الى خيانة اجتمعت بها اخبار عيونك كتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة في بدنه، واخذته بما اصاب من عمله ثم نصبه بمقام المذلة فوسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة»

والسوأل الذي قد يطرح في هذا المجال ماهي ضوابط المراقبة وماهي شروطها؟ وهل يعتبر تقرير المراقبين حجة بحد ذاته؟

ص: 276

ان القراءة المتانية لوصايا الامام علي بهذا الصدد تشير الى ضوابط معينة في جهاز المراقبة والاشراف وكيفية عمله منها. لابد ان يكون قادة هذا الجهاز من الافراد المعروفين بالورع والتقوى والصدق والامانة ومن المعتمدين لدى الحاكم، حيث لابد من وثوقه بصحة اخبارهم وتقاريرهم التي لايشوبها ادنی كذب أو افتراء، لان على تقاريرهم واخبارهم يتوقف مصير الموظف في حالتي الثواب والعقاب فاذا كذب المفتش أو تحيز أو خان ما أُتمن علیه تعرضت اجراءات الوالي المستنده الى تلك الامور الى الزلل والشطط فلابد ان يكون قصدهم من تمرير التقارير ورفقها للحاكم خدمة الاسلام والمسلمين والحكومة الاسلامية.

3- على الوالي فضلاً عن الدقة في انتخاب العيون والوثوق بسلامتهم الروحية ومکارمهم الخلقية، عليه متابعة سير الاعمال من مختلف الطرق والقنوات بحيث يزول شكه في صحة مايرده من تقارير اذا وردت من عدة قنوات. وهذا يعني انه رغم توفر كافة الشرائط المعتمدة في انتخاب العيون، فان التقرير وحده ليس بحجة هذا اولاً، وثانياً اذا لم يكن هناك من اتفاق ووحدة راي في تقريرما، فلابد من القيام بمزيد من التحقيق والتحري.

4- مع ذلك فموازنة الحاكم في التعامل مع تقارير العيون امراً ضرورياً فبعد تاکده من صحة التقارير لابد ان يعتمدها حجة ينبغي ترتيب الاثر عليها، اذ لو شعر العيون بريبة الحاكم في تقاريرهم التي تتضمن عيوب الولاة ومفاسدهم، وعدم التعامل معها فسوف لن يعد هناك من يكترث لجهاز الاشراف والمراقبة ويفتح الباب على مصراعيه امام المغرضين ليرتكبوا ماشاءوا من المفاسد ختى يقضوا على النظام السائد في المجتمع يتضح بذلك اهمية المراقبة ودورها الفاعل في تقديم تقارير سرية عن الموظفين وهم على حقيقتهم غير متظاهرين أو مغالطين ودورها ايضاً في التحفيز للموظفين والعمال على القيام بواجباتهم على الوجه المطلوب.

ص: 277

رابعا: - الثواب والعقاب في التعامل مع الموظفين:

اذا كان العدل القيمة الاساسية والمبدأ الجوهري الذي قام عليه الاسلام، فهو يعني وضع الشيئ في موضعه، وبناء عليه فان الادارة الصحيحة المنسجمة مع الاسلام هي الادارة التي تفرق في نظرتها بين العامل المحسن والعامل المسيئ فتكافئ الاول وتعاقب الثاني، والمعيار المعتمد في تشجيع الافراد هو ما يقومون به من اعمال وما يترتب عليها من نتائج، فلوغيب الترغيب في النظام وتمتع المحسن بذات الحقوق والواجبات التي يحظى بها المسيئ فستكون النتيجة ان يدب الضعف والوهن في اجهزة الدولة لافتقاد الموظف الحريص للحافز المادي والمعنوي الذي يدفعه للمزيد من العطاء والعمل الدروب. وفي نفس الوقت فان فقدان المسيئ للمحاسبة سيكون عاملاً من عوامل انتشارها وهو امر ياباه الاسلام، في هذا الصدد یاتی تاکید امیر المومنين (عليه السلام) ولايكونن المحسن والمسيئ عندك بمنزلة سواء فان في ذلك تزهيداً لاهل الاحسان في الاحسان وتدريباً لاهل الاساءة على الاساءة «فلابد للحاكم ان يضع كل شخص في منزلته ويصارحه بحقيقة امره کي يستقيم له الناس وتعاونه على القضاء على عوامل الفساد والدس والمواربة والتضليل. يقول «عليه السلام» «ازجر المسيئ بثواب الحسن» ياتي ذلك تساوقاً مع مبادين السياسة الادارية عند الامام «عليه السلام» وهي اتباع الحزم المصحوب باللين اذ يسير النظام السياسي العلوي في التعاطي مع العاملين والولاة في النطاق الحكومي على منهج يجمع بين الحزم واللين فمن وجهة نظر الامام تعد القسوة المطلقة افة تهدد النسق الاداري، وفي الوقت ذاته يلحق اللين اللامحدود اضراراً بادارة المجتمع. فیکون الاهتمام بمكافة المحسنين والعفو عن المذنبين الذي يؤمل بتوبتهم وعودتهم عن ذنوبهم أي «مكافاة المحسن بالاحسان ليزدادو رغبة فيه وتغمد ذنوب المسيئ ليتوب

ص: 278

ويرجع غيه، وتالفهم جميعاً بالاحسان والانصاف».

وفي كل الاحوال فان عفو الوالي وان كان واسعاً رقيقاً ليناً ولكنه لابد ان يكون حازماً وصارماً كلما مس العمل حداً من حدود الله أو تقصير متعمد في اداء الواجب مما يهدد کیان النظام ولدى الامام علي «عليه السلام» اوامر واضحة بالمساواة بين الناس امام القانون فالناس جميعاً متساوون امام القضاء واحكامه وهولاء الناس لا تحدهم الاصفة الانسانية فحسب، فالقريب والبعيد والصديق والعدو، المسلم وغير المسلم سواء لا فرق بينهم امام الحق فلابد للحاكم ان يلزم الحق مع من لزمه من القريب والبعيد ويكون في ذلك صابراً محتسباً لايراعي قرابته وخاصته. ويؤكد بهذا الصدد «وضع الناس في مواضعهم ثم اعرف لكل امريء ما ابلی ولاتضمن بلاء امريئ الى غيره ولاتقصرن به دون غاية بلائه ولا يدعونك شرف امريئ الى ان تعظم من بلائه ما كان صغيراً ولا ضعة امريئ الى ان تستصغر من بلائه ماكان عظيماً»

سیاسية الثواب والعقاب اذن سياسة متوازنة امر الامام باتباعها وفق سياقات تحقق احياناً اهدافاً مزدوجة فثواب المحسن یكون دافعاً له للعمل الدؤوب والاستمرار في العطاء وفي ذات الوقت تكون زجراً للمسيئ ودعوة له بالاقتداء بالمحسنين باداء واجبه على الوجه الاكمل. بینما معاقبة المسيئ ومحاسبته ستكون رادعاً له عن الاستمرار في الخطاء، وتحذير لغيره من السير على خطاه.

ص: 279

تلك الاسس والمباديء التي وضحها الامام، من شانها بناء جهاز اداري مقتدر وكفوء، اذا ما طبقت باخلاص وتفاني، اما الصلاحيات التي منحت للحاكم الاسلامي والقائد الاداري فستمد الجهاز الحاكم والاداري في المجتمع بمرونة كبيرة تجعلها صالحة للاستمرار مادامت تتفاعل مع كل مصلحة تتجدد في الحياة الاجتماعية وكل حاجة تحدث في اوساطه لمجتمع فلا يكون الجهاز الاداري في المجتمع الاسلامي منطوياً على نفسه بعيداً عن مؤثرات الحياة وانما يتفاعل باستمرار مع الاحداث وما يتجدد من الحاجات والظروف نتيجة لهذه المرونة التي اودعها الاسلام فيه.

ص: 280

المبحث الثالث واجبات الحاكم الاسلامي

لاتعد الدولة في الاسلام هدفاً بحد ذاتها، بل هي وسيلة وضرورة تقتضيها ضرورة الحياة الاجتماعية، فهي دولة ذات مهمة حضارية تهدف الى خير الانسان وسعادته من خلال تحقيقها لغاية وجود الانسان على الارض وتحقيق مبدأ الخلافة الربانية وبناء المجتمع السليم.

وتسعى الدولة الاسلامية لتحقيق غايات واهداف نبيلة لانها مسؤولة عن صيرورة المجتمع لا عن وجوده فقط، ولاسيما وانها تقوم على فلسفة شاملة للحياة تؤهل الانسان من خلال قيمتها ومبادئها لدور متميز على المستويات كافة.

من اجل ذلك ولوضع المباديء الاسلامية موضع التطبيق العملي، فان الحاكم الاسلامي يتحمل مسؤوليات وواجبات عدة، تحتمها طبيعة موقعه المهم كقائد اداري وسياسي اعلى. وقد وضح عهد الامام علي (عليه السلام) لواليه على مصر ابعاد تلك الواجبات الجسيمة الملقاة على عاتق الحاكم في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والامنية. ويمكن تلخيص تلك المهام بالاتي:

ص: 281

أولاً: الاصلاح الاجتماعي:

لقد كان الامام علي (عليه السلام) رائداً في دراسته للمجتمع وتحديد المؤثرات فيه، وانطوت فقرات العهد على افکار اجتماعية غاية في الاهمية، حيث يؤكد على الفطرة الاجتماعية التي فطر الخالق سبحانه وتعالى الانسان عليها، ومعناها ان من التكوين الطبيعي للانسان میله الى ابناء جنسه وذلك من حيث التكامل الخلقي والتالف الانساني، وهذه الفطرة هي التي ستحقق التربية الصحيحة لحاجات الانسان وغرائزه التكاملية، كاشباع الجوع والتملك والامن وغير ذلك.

کما تناول الامام تركيبة المجتمع والقوى المؤثرة فيه والقطاعات الضرورية فيه، وحدد كيفية التعامل مع تلك القوى المهمة ومسؤوليات السلطة العليا تجاه كل طبقة.

وبهذا الصدد يذكر الامام ان المجتمع الانساني ينقسم الى عدة طبقات ولايمكن لهذه الطبقات ان يستغني بعضها عن البعض الاخر، ولا يتم صلاحها الا بتعاونها والتئامها

(واعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها الابعض ولا غنى لبعضها عن البعض)

ويعدد الامام هذه الطبقات ويذكر اهمية كل طبقة وما تقدمه من خدمة للطبقات الاخرى وحاجتها اليها وكما يلي:

1- الجنود: وهم الحصون التي يلجأ اليها الرعية للحماية وتحقيق الأمن وبذلك (فالجنود باذن الله حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الامن وليست تقوم الرعية الابهم) تعد الموسسة العسكرية قطب الرحى في تماسك أي مجتمع وهي الحارس الامين لكل فضيلة، والمساعد المتين لقمع كل رذيلة، وميزان العدل، ولولا الجنود لا نعدم

ص: 282

الأمن. وينصح الامام واليه بالقول (فول من جنودك انصحهم في نفسك لله ولرسوله ولامامك، وانقاهم جيباً و أفضلهم حلماً ممن يبطيء عن الغضب ويستريح الى العذر ويرأف بالضعفاء. وينبو على الأقوياء ممن لا يثير العنف ولا يقعد به الضعف)

2- كتاب العامة والخاصة: وهم الذين يكتبون ويحفظون العهود بين الناس وينظموا احوالهم ويدبروا شؤونهم ويسعون لعمارة المجتمع لمنع المظالم، اما الخاصة فهم کتاب الحاكم والذين يكتبون مخاطباته لعماله واعوانه في السلم والحرب.

وحذر (عليه السلام) بان لايجوز اختیار افراد هذه الطبقة بالقرابة وحسن الظن، فان الرجال قد يتصنعون الصلاح ويتظاهرون بالقدرة والامانة ليظفروا بمثل هذا المنصب دون ان يكونوا في حقيقتهم على شيء من الصلاح والكفاءة، والاختيار الامثل هؤلاء يتم على اساس المعرفة التامة بمحيطهم وكفاءتهم وقدرتهم وممن يعرفهم الشعب بالحب لة ورعاية مصالحه والسهر على رفاهيتة وسعادته "ثم انظر في حال كتابك فول على امورك خيرهم واخصص رسائلك التي تدخل فيها مكائدك واسرارك باجمعهم لوجوه صالح الاخلاق.... ثم لا يكن اختيارك اياهم على فراستك وحسن الظن منك... ولكن اختبرهم بها ولوا للصالحين من قبلك"

3- القضاة: وهم الذين يقضون بين الناس بالحق والعدل ويقيموا حكم الله تعالى في خلقه ويأخذوا حق المظلوم من الظالم، ويوصي (علية السلام) (ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك ممن لاتضيق بة الامور ولا تحكمه الخصومة، ولايتمادي في الزلة)

ومن المعروف بان السطلة القضائية من أهم سلطات الدولة بها يفرق بين الحق والباطل، وبها ينتصف للمظلوم من الظالم، ولأجل ذلك كانت الحيطة من الامام

ص: 283

شديدة في اختيار القضاة، وارشد واليه الى ضرورة ان يختار للقضاة من الرعية افضلهم علما «واقومهم نفسا»، «واجودهم فهما»، «واشدهم التزاما»، «وامضاهم دفاعاعن الحق وتثبيتا له»، وغير ذلك من الصفات التي لخصها فقهاء الاسلام «بالاجتهاد المطلق في الشريعة،دوالعدالة»

4- رجال المال (اهل الخراج): ويقصد بهم الموظفين الذين يجمعون مال الله من عباده بالحق ويحفظونه ويصرفونه بالعدل والاحسان واولى الامام علي الخراج في الدولة الاسلامية عناية خاصة وذلك لان الخراج كان المصدر الرئيسي لاقتصاد الدولة في ذلك العصر. ولعل من بديهيات النظريات الاقتصادية المعادلة الدقيقة بين الانتاج والاستهلاك فتطور الاقتصاد في الامة متوقف على احكام تلك المعادلة. ويعرف الخراج بانه «عبارة عن الاجرة التي تتسلمها الدولة عن الارض التي تدخل في حساب المسلمين نتيجة جهاد اسلامي مشروع »، «فلما كان الانتفاع بسبب الارض سموها (اي النفقة) خراجا».

تلك ولما كانت الارض هي المصدر الرئيسي للدولة، كان صلاحها وصلاح القائمين عليها صلاحاً لمن سواهم من الرعية وجاء في نص عهد الامام لمالك الاشتر قوله، وتفقد أمر الخراج بما يصلح اهله فان في اصلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ولاصلاح لمن سواهم الابهم لان الناس كلهم عيال على الخراج واهله «ويضيف قائلاً وليكن نظرك في عمارة الارض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لايدرك الا بالعمارة»

وهذه القاعدة عرفت عند المختصين في علم الاقتصاد في عصرنا بقاعدة «ليس للخراج ان يعرقل الانتاج»

ص: 284

وتاكيدا لما يسمى اليوم بالتنمية المستدامة» والتي تعني عملية تطوير الارض والمجتمعات وكذلك الاعمال التجارية بشرط ان تلبي احتياجات الحاضر بدون المساس بقدرة الاجيال القادمة على تلبية حاجاتها.

5- التجار واهل الصناعات: وهم ركيزة السوق ومن يوفر للناس احتياجاتهم وسلعهم بالتصنيع او المتاجرة. وقد نبه الامام عامله على مصر الى اهمية دور ومكانة اصحاب التجارة و أرباب الصناعات في المجتمع وعلى الوالي مسؤولية تفقد شوؤنهم واحوالهم فيقول «ثم استوصي بالتجار وذوي الصناعات، واوصي بهم خيراً»

من جانب اخر يلفت نظر الوالي الى ما في هذه الطبقة من سلبيات وعيوب اجتماعية واقتصادية فقد يكون في كثير منهم نوع من الشح والبخل فيدعوهم ذلك الى الاحتكار في القوت والحيف اي تطفيف في الوزن والكيل وزيادة في السعر او ما يعبر عنه بالاحتكار الذي نهی عنه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم..

ويتوجب على الوالي ان يتصدى لمنع ذلك ومطاردة المخالفين ومعاقبتهم في غير اسراف «واعلم ان في كثير منهم حيفاً فاحشاً وشحاً قبيحاً، واحتکاراً للمنافع وتحكماً في البياعات وذلك باب مضرة للعامة وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار فان رسول الله منع منه...»

6- الطبقة السفلى: من المعروف بان الطبقة الفقيرة تشكل القسم الاكبر من المجتمع في كل زمان ومكان، لذلك لابد من توجيه كل الطبقات السابقة لحماية ومساعدة هذه الطبقة حتى تنهض مما هي فيه وتنعم بالعدالة الاجتماعية

ويطلق الامام علي علية السلام الطبقة السفلى على طبقة الفقراء ويوصي واليه بها خيراً، والناس من هذه الطبقة هم الذين لا قدرة لهم على الكسب والتكسب،

ص: 285

ويجعل لهم حقوقاً مقررة وثابتة في بيت المال «ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين واهل البوسي والزمني فان في هذه الطبقة قانعاً ومقراً... واجعل لهم قسماً من بيت مالك»

وهؤلاء الفقراء هم اليتامى وكبار السن واصحاب الامراض والعاهات المزمنة وكذلك الذين يمنعهم الحياء عن سؤال الناس رغم حاجتهم «المتعففين».

ويمضي امير المؤمنين في دعوة واليه لرعاية امرهم وبحث احوالهم وان يخصص من وقته قسماً يتفرغ فيه لامور هذه الطبقة والسماح لهم بالتحدث عن قضاياهم واحتياجاتهم ومطالبهم دون خوف «ولايشغلنك عنهم بطر... وتفقد امور من لايصل اليك منهم... ففرغ لاولئك ثقتك من اهل خشيتك فليرفع اليك امورهم ثم اعمل فيهم بالاعذار الى الله سبحانه يوم تلقاه، فان هولاء من بين الرعية احوج الى الانصاف من غيرهم»

أن لكل طبقة من هذه الطبقات حقه وسهمه کما حدده الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد لذلك يوصي الامام بالتوازن بين الحقوق والواجبات، فكما ان لكل شريحة من شرائح المجتمع تودي واجبات تجاه الاخرين، فان لها حقوقاً على الاخرين لابد من ادائها فيكون للمجتمع حق تلبية حاجاتهم المادية وتوفير الامن وتحقيق العدالة وسد حاجة الطبقة الفقيرة كواجب لابد ان يؤديه الحاكم.

ولايقف امام حصول الفرد على حقه حسب أو نشاة او حسب ولا مقصد ولادین فلكل انسان ماسعی اياً كان هذا الانسان، والفرد والجماعة متكافلان في كافة الحقوق، فالفرد اذا كفل له المجتمع فرصة للعمل وكفل له حقه في الامن ضمن نطاق من جهده وطاقه، وجب على هذا الفرد ان يكون بدوره عوناً للجماعة وان يكيف حريته

ص: 286

الفردية بما لايسيء الى مواطنيه، فليس للجماعة ان تظلم الفرد وعلى الفرد حماية المصالح العامة ويحرص عليها كا يحرص على مصلحة الخاصة.

ثانياً: تحقيق الامن والدفاع

تعد الوظيفة الامنية للدولة الاسلامية واجباً في المنظور الاسلامي، ولذا فهي ليست منة من الدولة للمواطنين، بل ان احد مظاهر فقدان السلطة لمشروعيتها هو عدم قدرتها على توفير الامن للشعب. وعلى الدولة ان تسعى لحماية وتفعيل حقوق الانسان بعدها الضمانة الاساسية للامن الداخلي والخارجي لان سياسة الدولة تعد من ابرز عوامل اشاعة اجواء عدم الاستقرار السياسي اذا كانت موجهة ضد حقوق وحريات المواطنين.

وللجيش اهمية كبيرة في حفظ النظام الاسلامي لانه الحصن الحصين للحاكم والرعية وحماية الدين من البغاة والمعتدين، فلذا وضع الاسلام نظاماً دقيقاً في رعاية وتنقية صفوفه من كل مايشين للدين والانسانية وتحديد حقوقهم وواجباتهم ورعاية عوائلهم في حلهم وترحالهم «وليكن اثر رؤوس جندك عندك من واساهم في معونته وافضل عليهم من جدته بما يسعهم من وراءهم من خلوف اهليهم حتى يكون همهم واحداً في جهاد العدو»

وعلى الصعيد الخارجي يحدد الامام عليه السلام معالم العلاقة الطيبة للبلاد الاسلامية مع البلدان المجاورة مع توطيد الاحترام المتبادل وعدم التدخل بشؤون الغير وتجنب الضرر والتربص بالجيران، وياتي الوفاء بالعهد تدعيماً لاركان السلم مع الاخرين ولذلك يفرض على كل من اعطى عهداً او ذمة ان يصونها بجسده وروحه فيهلك او يفي بها، ويخاطب الاشتر بالقول «وان عقدت بينك وبين عدوك عقدة او

ص: 287

البسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالامانة واجعل نفسك جنة دون ما اعطيت فانه ليس من فرائض الله شي الناس أشد عليه اجتماعاً مع تفرق اهوائهم وتشتت ارائهم من تعظيم الوفاء بالعهود... فلا تغدرن بذمتك... فانه لايجتري على الله الا الجاهل الشقي»

ويمكن تلخيص اهم ما جاء في العهد حول الأمن والدفاع بالاتي:

1- ان دعوة السلم هي دعوة ساوية ولذلك يدعو الحاكم الى عدم رفض صلح فيه رضي الله لان في الصلح دعة للجنود «وراحة للحاكم من الهموم «وامناً للبلاد» وقد جعل الله عهده وذمته امناً افضاه بين العباد برحمته وحريصاً يسكنون الى منعته ويستفيضون الى جواره»

2- ولكن علي الحاكم ان يأخذ الحيطة والحذر من عائلة العدو وکيده بعد الصلح فيمكن ان يكون هذا الصلح خدعة من العدو للتربص بالدولة الاسلامية فلابد ان يكون يقضاً حازماً فلا يعتمد حسن الظن في ذلك.

3- يذكر الامام واليه بضوابط الشريعة الاسلامية التي تدعو الى التقيد بالعهد والمواثيق التي تعقد وينصحه بالوفاء ومراعاة الذمة والامانة في الالتزام ببنود العقد وتطبيقه والمحافظة عليه بروحه ونصه.

4- يبين الامام ضابطاً اجتماعياً قد اجتمعت عليه البشر على اختلاف اهوائهم ومذاهبهم لحاجاتهم المتبادلة له وهو احترام العهود والوفاء والالتزام بها ويذكر بانه اذا كان المشركين قد رعو ذلك فحري بالمسلمين ان يكونوا سباقين له لان دينهم دین عهد و موثق فقد جاء في قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» ويذكر الوالي بان عواقب الغدر وخيمة وهي التي تدفع المشركين للالتزام بالعقود ويحذره من خيانه العهد ونقضه.

ص: 288

5- يدعو الامام الى ان يكون العقد المبرم للصلح خالياً من علة او ضعف، واضح المعالم صحیح العبارة لا لبس فيه ولا ابهام «فلا ادغال ولا مدالسة ولا خداع فيه» وهذا يعني ضرورة ان تكون مواد العقد غير قابلة للتأويل او التورية ولاحمال وجوه فيكون ممهدة للافساد والخيانة وحتى لو كان العقد فيه ثقلاً فان الله تعالى يلزمه بادائه وحثه على الصبر في تحمل هذا العقد والالتزام به فهو خير. له من نسخ العقد لان هذا ليس من خلق الاسلام

6- «ولايدعونك ضيق امر لزمك فيه عهد الله الى طلب انفساخه بغير الحق، فان صبرك على ضيق امر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من عذر تخاف تبعته» ويختتم الامام وصاياه فيما يخص الجانب الامني، بالاشارة الى صفات وسمات امر الجند الذي لابد ان يكون انصح الجند الله ورسوله وللامام، ويتسم بنزاهة الروح والبدن، حلیم في تعامله مع الجند. رؤوف بالضعفاء، مهيمن على الاقوياء من ذوي النفوذ، ذا خلق قویم وکریم، وله نسب طاهر وکریم الاصل، شجاع، کریم النفس، صاحب دین وتقوى ملماً بالامور الحربية وفنون القتال، فضلاً عن رعايته لعوائل الجند وتفقد احوالهم.

ثالثا: عمارة البلاد "التنمية الاقتصادية"

عندما بويع الامام علي بن ابي طالب لقيادة الامة الاسلامية واصبح خليفة رابع للمسلمين سنة 35 ه (656 م) أعلن معالم سياسته التي تميزت بتقدم حضاري ملموس، حيث اكد على السياسة المالية وواردات الدولة، والية توزيعها، واهتامه بأمر الخراج والضرائب وما تملكه الدولة من عائدات مالية التي هي ملك الشعب.

وتجدر الاشارة الى ان الموارد المالية في صدر الاسلام کانت تقتصر على الخراج

ص: 289

والجزية والخمس والزكاة، ومن خلال نصوص العهد اولى الامام اهمية متميزة للخراج بعده العصب الرئيسي للموارد المالية فيوصي الوالي بان يصلح القائمين على استحصاله لانهم الاداة المنفذة لجبابيه، فاذا صلح حالهم صلح الخراج، وان صلاح اهل الخراج هو صلاح للامة بكاملها لان الناس كلهم عيال على الخراج واهله اي اعتمادهم في معيشتهم وبناء حياتهم عليه.

ويلتفت الامام الى مسالة مهمة تتعلق بالتحولات الطبيعة وحلول الكوارث الطبيعة كالافات الزراعية وشحة مياه السقي والجفاف والفيضان، الامر الذي يترك اثاراً سلبية على حال الزراعة وينعكس سلبياً على الانتاج.

هذه الاحوال لابد ان ياخذها الحاكم ينظر الاعتبار حين يفرض الخراج فلا يثقل على اهله ويتنازل عن مقدار من الخراج فهو وان كان يسيب نقصاً موقتاً في موارد الدولة في الظاهر، الا ان ذلك يعد ادخاراً غير مباشر للدولة حيث ستصلح الارض فيزيد عطائها مستقبلاً، ويصلح حال اهلها، الامر الذي ينعكس ايجابياً على الرعية والدولة في ان واحد «ولا يثقلن عليك شي خففت به المؤونة عنهم، فانه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك»

وقد رسخ الامام علي عليه السلام بعض السمات للاقتصاد الاسلامي من خلال التاكيد على اهم المبادي للسياسة المالية للدولة لعل ابرزها:

1- الابتعاد عن الربا والاحتكار: التاكيد على قيمة العمل ويستمد ذلك من مبادىء الاسلام حيث اشارت نصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية الى تلك الامور عندما حرمت الربا والاحتكار، ودعت الى حفظ الموازين، والتوازن والاعتدال الذي لايتعدى الافراط والتفريط والبخل والتبذير، كما اهتم الامام بتنظيم معاملات البيع

ص: 290

والشراء ومراقبة الاسعار «فا منع من الاحتكار فان رسول الله منع منه، وليكن البيع بيعاً سمحاً بموازين عدل واسعار لا تحجف بالفريقين من البائع والمبتاع فمن قارف مكره بعد نهيك اياه فنكل به وعاقبه من غير اسراف»

2- الملكية المطلقة الله تعالى: فمن مباني النظام الاسلامي في الاقتصاد هو ان الملكية الله، وملكية الانسان اعتبارية ومؤقتة، وما هو الامستخلف عليها، فلا بد من حفظ الامانة واتقان معادلة الكسب والصرف بما يحقق رضا المستخلف على المستخلف.

3- المال وسيلة: يعرض الامام مبدا فلسفي من مبادى الفلسفة الاقتصادية في الاسلام، وهو ان المال وسيلة وليس غاية، وسيلة لبناء الحياة وخدمة الانسان وتحقيق ادميته على طريق الصلاح.

4- التوزيع العادل للثروة: يوجه الامام واليه بان لا يصطفي نفسه وذويه في اموال الدولة، وانما تنفق تلك الاموال لتطوير وتنمية الحياة العامة من خلال خلق فرص العمل وتقليل معدل البطالة، ورفع مستوى المعيشة للفرد، والقضاء على الجريمة والفساد، واشاعة الرفاه الاقتصادي لسكان الدولة الاسلامية دون تمييز او اعتبار جانبي.

5- عمران الارض والمجتمع: يعرض الامام معادلة يتناسب طرفاها تناسياً طردياً وهي عمران الارض والمجتمع، فكلما تحسن العمران تتعا ظم قدرة تحمل الناس ويزداد عطاؤهم، والمعادلة الثانية تناسبهما عكسياً فتنحدر الارض واهلها نحو الخراب والانحطاط كلما ازداد حرص الحكام على جمع المال «وانما توتی خراب الارض من اعواز اهلها، وانما يعوز اهلها لاشراف انفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر»

ص: 291

6- الامن الاقتصادي: من المبادى المهمة التي يوكد عليها العهد مبدأ توفير الامن للتجار وخاصة في اسفارهم فان له اهمية كبيرة في حفظ التجارة وسهولة حركتها وانسيابيتها في الاسواق، وتحقيق الامن الاقتصادي سيحقق الاستقرار في الاسعار ويضمن سريان العقود التجارية بيسر ونجاج مما يسهم في الحفاظ على مصالح الناس بجلب الربح ودفع الخسارة وينعكس بالتالي على الحالة الاقتصادية للمجتمع ككل واوجز الامام اثار الاخلال بالمعاملات التجارية بقوله «وذلك باب مضره للعامة وعيب على الولاة»

ان تلك المزايا في النظام الاقتصادي الاسلامي والتي رسخها الامام في عهده لواليه الاشتر، انما تعكس تكامل ذلك النظام الذي يستجيب لحاجات الانسان الفطرية دون اطلاق العنان للغرائز، ومن خلال التوازن الذي يجعل الانسان يعيش برفاه واطمئنان لاسيما وان ذلك النظام يتقوم بالاخلاق وهي جوهره الاساس وليس على اساس المنفعة والاحتكار والفساد والاستغلال، ولابد ان تتوجد الوسائل والاهداف في انسجام ثمرته خلق الحياة الافضل للانسان الذي هو اساس المجتمع.

ص: 292

الخاتمة:

لقد وجه الامام رسائل عديدة لولاته وعماله في اقطار الدولة الاسلامية خلال مدة حكمه التي دامت خمس سنوات وثلاث أشهر ومن خلال تلك الرسائل اراد الامام ان يبسط العدل والمساواة بين الرعية من خلال تطبيق مبادىء العدل لدى الحاكم و نظرية الامام في العدل والمساواة بين الرعية قائمة على احترام الانسان وحقوقه التي اسسها الاسلام كدين حق.

من خلال استعراض بعض فقرات عهد الامام علي (عليه السلام) لواليه على مالك الاشتر والمتعلقة بمواصفات الحاكم وواجباته، يمكن القول انه اراد ان يضع اسساً واضحة لادارة الحكم وتطبيق العدالة وايصال الحقوق لاصحابها ومنع الظلم عن الناس وهذه من اهم مميزات ماد يسمى اليوم «الحكم الرشيد» أو مبادىء النزاهة والعدالة والشفافية والمحاسبة التي تعتبر اهم اسس الحكم الصالح والصحيح.

ص: 293

الهوامش

1- حيدر حب الله - الامام علي وتنمية ثقافة اهل الكوفة، (قم: المركز العالي للدراسات الاسلامية. 1985)، ص 46

2- محمد سعيد الاحمد، المستقبلية الاسلامية: نهج البلاغة نموذجاً لانطلاقة الرؤية: مركز الشهيدين الصدرين للدراسات والبحوث العامة، 2006

3- نقلاً عد المصدر السابق، ص 265

4- صادق الحسيني الشيرازي، السياسة من واقع الاسلام (كربلاء: دار صادق للطباعة والنشر، 2005) ط 5،ص 131

5- محمد عمارة - الاسلام وحقوق الانسان، ضرورات لاحقوق، (القاهرة: دار الشروق، 1989 انظر: قاسم)، ص 176

6- انظر قاسم خضير عباس، الامام علي رائد العدالة الاجتماعية والسياسية على ضوء تقرير الامم المتحدة، دار الاضواء، ص 11

7- محمد سعيد الامجد مصدر سبق ذكره،ص 265

8- الشريف الرضي (الجامع) نهج البلاغة - تقديم وشرح محمد عبدة (القاهرة موسسة المختار للنشر والتوزيع، 2006) ص 504

9- نفس المصدر ص 416

10- محمد سعيد الاحمد، مصدر سبق ذكره، ص 265

11- نهج البلاغة - مصدر سبق ذكره، ص 416

12- نفس المصدر، ص 416 - ص 436

13- توفيق الفكيكي - الراعي والرعية (قمم: المكتبة الحيدرية، 2002) ص 60

14- نهج البلاغة مصدر سبق ذكره، ص 417

ص: 294

15- محمد الفاضل اللتكراني، الدولة الاسلامية: شرح لعهد الامام علي الى مالك الاشتر النخعي، (قسم: مركز فقه الائمة الاطهار، 2005) ص 101

16- نهج البلاغة - مصدر سبق ذكره، ص 420

17- عزیز السيد جاسم: علي سلطة الحق، (قمم: الغدير للطباعة والنشر والتوزيع، 2000)، ص 453

18- نهج البلاغة - مصدر سبق ذكره، ص 431

19- اللنكراني، مصدر سبق ذكره، ص 146

20- نهج البلاغة، مصدر سبق ذكره، ص 431

21- اللنكراني - مصدر سبق ذكره، ص 96

22- نهج البلاغة - مصدر سبق ذكره، ص 419

23- نفس المصدر،ص 421

24- عزيز السيد جاسم - مصدر سبق ذكره، ص 473

25- نهج البلاغة، مصدر سبق ذكره ص

26- نوري جعفر فلسفة الحكم عند الامام، (القاهرة، مطبوعات النجاح 1978)، ط 2، ص 51

27- نفس المصدر السابق ص 52

28- عزيز السيد جاسم مصدجر سبق ذكره، ص 473

29 - عباس محمود العقاد - عبقرية الامام علي (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر) ص 169

30- ابن عبد البر يوسف القرطبي - الاستيعاب في معرفة الاصحاب - نقلاً عن احمد عدنان عزيز - العدالة الاجتماعية عند الامام علي بن ابي طالب عليه السلام رسالة ماجستير غير منشورة، 2007 -، ص 108

ص: 295

31- اللنكراني، مصدر سبق ذكره، ص 126

32- نهج البلاغة - مصدر سبق ذكره، ص 421

33- نفس المصدر، ص 421

34- نفس المصدر، ص 422

35- نفس المصدر، ص 425

36- اللنكراني، مصدر سبق ذكره، ص 130

37- نقلاً عن: صادق الشيرازي - مصدر سبق ذكره، ص 202

38- نفس المصدر - ص 101

39- حيدر حب الله - مصدر سبق ذكره، ص 164

40- نهج البلاغة - مصدر سبق ذكره، 426

41- نهج البلاغة - مصدر سبق ذكره، 426

42- اللنكراني، مصدر سبق ذكره، ص 131

43- نفس المصدر، ص 130

44- نهج البلاغة - مصدر سبق ذكره، 420

45 - نفس المصدر، ص 484

46- الشيرزاي - مصدر سبق ذكره، ص 108

47- نهج البلاغة - مصدر سبق ذكره، 420

ص: 296

مصادر التشريع القضائي والقواعد القضائية في عهد الإمام علي (عليه السلام)

اشارة

أ. م. د. علاء كامل صالح العيساوي 1438ه / 2016 م

ص: 297

ص: 298

المقدمة:

يُعّد القضاء من الوظائف المهمة والخطرة في الإسلام لأهميته في تحقيق العدالة والمساواة بين أبناء المجتمع، وقد اهتم الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) في حل الخصومات والنظر في الدعاوى، كما اسند لبعض الصحابة مهمة القضاء بين المسلمين كان في مقدمتهم الامام علي (عليه السلام) مما اكسبه ذلك خبرة واسعة في الجانب العملي فضلاً عن سعة علمه في أحكام الشرع الإسلامي، وقد مارس الأمام علي (عليه السلام) القضاء في عهود الخلفاء الذين سبقوه، فكان هذا قد أسهم في منحه القدرة على الإصلاح والتطوير بعد توليه الخلافة، وقد شملت إجراءات الأمام علي (عليه السلام) كافة الجوانب ذات الصلة بمؤسسة القضاء كأساليب التوليه واختيار القضاة وتحديد واجباتهم.

وبما ان مصادر التشريع والقواعد القضائية التي ارساها الامام علي (عليه السلام) في مجال الإصلاح والتطوير للنظام القضائي من الامور المهمة في خلافته (عليه السلام)، اثرنا ان يتناول بحثنا هذا الموضوع، لان الامة الاسلامية عانت من قضاة السوء في العهود السابقة، ونجد مصداق هذا في قول الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر(1) حينما ولاه على مصر ((فأنظر في ذلك نظراً بليغاً فأن هذا الدين كان اسيراً بأيدي الأشرار يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا...))(2). وقد ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي إن في ذلك إشارة إلى قضاة عثمان فأنهم لم يقضوا بالحق بل بالهوى لطلب الدنيا(3). لذلك فان هذا البحث يبين الهوة الشاسعة في دقة الاحكام عن ماسبقه، وايضا» يعقد مقارنة بين هذه القواعد القضائية وما هو موجود في وقتنا الحاضر،وسنرى من خلال

ص: 299

هذا البحث ان الكثير من القواعد القضائية واحكامها التي تناولتها كتب القانون مأخوذة من عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر ومن الاحكام التي طبقها طول فترة حياته ان الامام (عليه السلام) هو اول من طبق هذه القواعد.

اولا / مصادر التشريع القضائي:

حدد الأمام علي (عليه السلام) المنابع الاساسية لتشريع الاحكام القضائية وهي:

1- القرآن الكريم

وهو المصدر الاول للتشريع واستنباط الاحكام لذا فأن ذلك استوجب اختيار القضاة الذين يمتلكون معرفة واسعة في علوم القرآن من حيث حفظ القرآن وتفسيره ومعرفة الناسخ والمنسوخ والمتشابه من الآيات القرانية، وهذا المنبع الاساسي اكد عليه الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) واوصى بالاستنباط منه معاذ(4) بن جبل(5)، کما حرص عمر على ضرورة الاحتكام للقرآن الكريم وعده المصدر الاساسي والاول في التشريع القضائي(6)، وبنفس هذا الاتجاه نجد الأمام علي (عليه السلام) يؤكد اختياره للقضاة على درجة تفهمهم للقرآن الكريم وقدرتهم على استنباط الاحكام عنه القضائية منه(7).

2- السنة النبوية

وتعني كل ما اثر عن الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) من قوله او فعله او تقرير(8)، وهي المصدر الثاني والمهم في التشريع. كما اكد ذلك الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)، وهو ما جاء التأكيد عليه في عهود الخلفاء الراشدين ومنهم الأمام علي

ص: 300

(عليه السلام) فعلى القاضي ان يحكم فيما عنده من ((الاثر والسنة))(9).

3- علم الائمة الاطهار (عليهم السلام)

ويقصد بذلك الرجوع الى علم الائمة من آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم الذين اوصى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على ضرورة الاعتماد عليهم بقوله: ((اني تارك فيكم الثقلين، ما ان تمسكتم بهما لن تظلوا بعدي ابداً، كتاب الله وعترتي اهل بيتي، فأنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض))(10).

فهم (عليهم السلام) احد مصادر التشريع القائم على قدرتهم في استنباط الاحكام، وعلى الرغم من تأكيد الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) على مسألة ألاجتهاد في القضاء كما جاء ذلك في قول معاذ ((..اجتهد برأيي..))(11)، فان الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) جعل الركون الى علم ألائمة من آل البيت (عليهم السلام) في جميع ألأمور الخاصة بالمسلمين أمراً واجباً.

ومن الطبيعي ان يكون القضاة في مقدمة الذين يلجأون الى علم الائمة (عليهم السلام) وهم اكثر من غيرهم في امس الحاجة لذلك العلم، وهذا العلم يعد الركيزة الاساسية التي لها الاولوية والأهمية القصوى، ويأتي ذلك في تفسير الأمام علي (عليه السلام) لمسألة الاجتهاد بالاشارة الى ان القضاة مهما وصلوا من علم بالفقه واحكام الشرع فأنهم يخطئون في الاجتهاد وفي استنباط الاحكام الصائبة وهذا مما يؤدي الى التباين في الاحكام الصادرة بشأن القضايا المتشابهة لذا لابد من الاستعانة بمن فرض الله ولايتهم من اهل بيت النبوة فهم وحدهم القادرين على الاستنباط(12).

وبهذا ادلى الأمام علي (عليه السلام) في الكتاب الذي بعثه للأشتر بقوله: ((.. على الحاكم ان يحكم بما عنده من الاثر والسنة فاذا اعياه ذلك رد الحكم الى اهله،

ص: 301

فأن غاب اهله عنه ناظر غيره من فقهاء المسلمين ..))(13)، فالأمام (عليه السلام) هنا يدعوا الى رد الامر الى الله تعالى والاخذ بمحكم كتابه والرد الى الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) والاخذ بسنته الجامعة غير المتفرقة ثم قال: ((.. ونحن اهل رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) الذين نستنبط المحكم من كتابه ونميز المتشابه منه ونعرف الناسخ مما نسخ الله ووضع اصره.))(14)، وعزى الأمام علي (عليه السلام) الاختلاف الواضح بين القضاة في اصدار الاحكام يعود لضعفهم بأصول الاستنباط(15). وهذا ما دعى الأمام علي (عليه السلام) الى حث قضاته على ضرورة عرض ما يصدرونه من احكام ولا سيما تلك التي تكون محل شك او شبهة، فأن كل امر اختلف فيه مردود الى حكم الأمام علي (عليه السلام)(16).

4- اجماع الفقهاء

ويظهر ان الامام علي (عليه السلام) دعى الى ضرورة عرض الامور المختلفة بها التي لا يوجد بصددها نص صريح في الكتاب او السنة وفي حالة غياب اهل العلم من الائمة الاطهار (عليهم السلام) على الفقهاء المسلمين في كل ولاية للتناظر والوصول الى اتفاق بشأنها، فقد امر الأمام علي (عليه السلام) ولاته بضرورة متابعة القضاء في ولاياتهم، ودعاهم الى النظر فيما اشتبه من الاحكام، اذ ينبغي جمع فقهاء الولاية ومناظرتهم وامضاء ما يجتمع عليه رأي الفقهاء(17).

ثانيا / القواعد القضائية التي ارساها الامام علي (عليه السلام):

ارسى الامام علي (عليه السلام) العديد من القواعد القضائية المهمة التي استند عليها القضاة فكان بعضها يمثل استمراراً لما اقره الرسول (صلى الله ليه واله وسلم)، والبعض الآخر منها يمثل ما استحدثه الأمام علي (عليه السلام) في مجال اصلاح

ص: 302

وتطوير النظام القضائي ومن تلك القواعد نذكر:

1- توحيد الاحكام في القضايا (عليه السلام) المتشابهة

ابدى الأمام علي (عليه السلام) استغراباً شديداً من ظهور التباين الملحوظ في الاحكام الصادرة بصدد بعض القضايا المتشابهة، وهو يرى عكس ذلك حيث ان القضاء في كل وقت وزمان وفي كل مكان حال لا يتغير مهما طال الزمن او بعد المكان، وبهذا قال: ((لو اختصم الي رجلان فقضيت بينهما ثم مكثا احوالاً كثيرة ثم اتياني في ذلك الامر لقضيت بينهما قضاءاً واحداً، لان القضاء لا يحول ولا يزول)(18)، وبهذا الشان كتب للأشتر يأمره ان يختار قضاة في انحاء ولايته ممن لا يختلفون ولايتدابرون في حكم الله تعالى وسنة رسوله (صلى الله عليه واله وسلم)، ومحل استغراب الأمام علي (عليه السلام) يكمن في ان المسلمين جميعاً الههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد، وهو يتسائل: ((..افأمرهم الله تعالى بالاختلاف فاطاعوه، ام نهاهم عنه فعصوه، ام انزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على اتمامه، ام كانوا شركاءه فلهم ان يقولوا وعليه ان يرضى. ام انزل الله سبحانه ديناً تاماً فقصر الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) عن تبليغه وادائه والله سبحانه يقول: (ما فرطنا في الكتاب من شئ)(19)، وقال فيه ((وهذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقيين))(20) ولو كان من غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، وان القرآن ظاهره انيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه ولاتكشف الظلمات الابه ..))(21).

وقد شخص الأمام علي (عليه السلام) الاثار الناجمة عن الاختلاف وهي اضاعة العدل وفرقة الدين والدخول بالبغي لقوله: ((.. فأن الاختلاف في الحكم اضاعة للعدل وغلاة في الدين وسبب من الفرقة .. فأنما اختلاف القضاة في دخول البغي بينهم واكتفاء كل امرى منهم برأيه ..))(22)، ثم عزى الأمام (عليه السلام) اسباب

ص: 303

ذلك الاختلاف كما ذكر انفاً الى جهلهم باستنباط الاحكام وعدم ارجاع الامر الى من فرض الله ولايته أي رد الامر للإمام علي (عليه السلام)فهو من ((استودعه الله علم كتابه واستحفظه الحكم فيه))(23)، ومن المؤكد ان يكون رد الامر بعد الأمام علي (عليه السلام) للأئمة من آل البیت (علیهم السلام) كما اسلفنا، وبذلك يظهر ان عهد الأمام علي (عليه السلام) شهد ولأول مرة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وحدةً في احكام القضاء ونبذ التباين للقضايا المتشابهة.

2- قاعدة المتهم بريء حتى تثبت ادانته

وهي من القواعد القانونية المعمول بها في الوقت الحاضر(24)، الا ان جذورها تعود الى عهد الأمام علي (عليه السلام) بل انه هو الذي اتحف النظام القضائي بهذه القاعدة، حيث ان الأمام علي (عليه السلام) لم يكن يأخذ على التهمة او الظنة أي بمجرد الادعاء والشك دون بينه نافذة ودليل ناصع. فقد قال: ((اني لااخذ على التهمة ولا اعاقب على الظن ..))(25)، وهو بذلك يستند على القرآن الكريم لقوله تعالى: ((ان بعض الظن اثم))(26)، ولم يقتصر الأمام علي (عليه السلام) في هذا الامر على نفسه وانما طبق ذلك على قضاته حيث كتب الى قاضي الاحواز يأمره بالقول: ((.. ودع عنك اظن واحسب وارى ليس في الدنيا اشكال ..))(27) وهنا يبدو بوضوح ان الأمام علي (عليه السلام) يعد المتهم بريء لا يعاقب بلا دليل ولا يتم ذلك حتى تثبت ادانته.

3- القواعد التي اقرها في مجال الشهادة والشهود

هناك بعض القواعد التي أقرّ الأمام (عليه السلام) العمل بها في العديد من القضاة فيما بعد والى يومنا هذا، ومن تلك القواعد نذكر:

ص: 304

أ- تفريق الشهود(28)

لاشك ان الأمام علي (عليه السلام) كان اول من فرق بين الشهود في الاسلام لئلا يتواطى اثنان منهما على شهادة جائرة تدعو الى طمس الحق وتضليل العدالة، ففي رواية ورد فيها ان قضية طرحت امام القاضي شريح(29) وهي تتمثل بدعوة شاب موجهة ضد مجموعة من الرجال لم يرجع معهم والد الشاب وادعوا انه توفي، فقام شريح بتحليفهم فحلفوا له فبرئهم لعدم توفر البينة لدى الشاب، فرفع الاخير القضية للإمام علي (عليه السلام) الذي ابدى دهشته من فعل شريح وقال: ((.. يا شريح هيهات اهكذا تحكم في مثل هذا ؟... يا شريح والله لأحكمن فيهم بحكم ما حكم به خلق قبلي الا داوود النبي (عليه السلام)))، فأمر قنبر(30) ان يدعوا له شرطة الخميس وامرهم ان يقوم كل واحد منهم بأخذ واحداً من اولئك الرجال وتفريقهم عن بعضهم البعض الاخر، ثم استدعاهم واحداً تلو الاخر وسمع شهادتهم كل واحد على حدة، فبدت الشهادة مختلفة وبذلك انكشفت الحقيقة(31). ومن خلال نص قول الأمام علي (عليه السلام) نلحظ انه اول من طبقها في عهده المبارك.

ب- تدوين شهادة الشهود(32)

ذكر ان الأمام علي (عليه السلام) هو اول من امر بتدوين شهادة الشهود ليحول بذلك عن تراجع الشهود عن اقوالهم او تغييرها بأغراء من رشوة او تدليس من طمع او ميل من عاطفة او خوف، ففي القضية السابقة الذكر التي رفعها شاب لشريح ثم احالها للإمام علي (عليه السلام)، روي انه (عليه السلام) امر كاتبه عبيد الله بن ابي رافع(33) ان يكتب شهاداتهم(34). وهذه ايضاً خطوة اولى في الاسلام، لما ورد ان ما جرى من حكم كان قد حكم به نبي الله داوود (عليه السلام) ولم يسبق الأمام علي (عليه السلام) في ذلك احد من المسلمين، اذ ان الأمام (عليه السلام) هو الرائد

ص: 305

لهم فأن تدوين الشهادات تعني تدوين تفاصيل الدعاوي وما ورد بشأنها من اقوال وشهادات.

ج- اجازة شهادة التائب

اجاز الأمام علي (عليه السلام) شهادة رجل اقيم عليه الحد ثم عرفت توبته(35)، وقد اوصى القاضي شريح: ((.. واعلم ان المسلمين عدول بعضهم على بعض الا مجلوداً في حد لم يتب منه، او معروف بشهادة زور او ظنين..))(36)، ولاشك ان بناء هذه القاعدة سار متوازياً مع العدل الالهي، فأن الله تعالى تقبل من المسلمين نوبتهم لقوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات)(37)، وقول الرسول (صلى الله عليه واله وسلم): ((التائب من الذنب كمن لاذنب له))(38)، وقد اكد الباري عز وجل على قبول التوبة الصادقة بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ..»(39).

د- اجازة شهادة ذو القربى

اكد الأمام علي (عليه السلام) على اجازة شهادة الولد لوالده، والاخوة والقرابات والزوجين بعضهم لبعض شهادة العدول منهم(40)، فالأساس هنا هو ليس القربي وانما توفر شرط العدالة وعليها تبنى احكام الاسلام حيث عد الشهادة العادلة واحدة من اهم ثلاث دعائم تقام عليها احكام المسلمين(41)، وقد انتقد الأمام علي (عليه السلام) ما قام به القاضي شريح حينما رفض اجازة شهادة الأمام الحسن (عليه السلام) في قضية الدرع التي رفعها الأمام (عليه السلام) ضد اليهودي، حيث شهد الأمام الحسن (عليه السلام) ان الدرع لابيه اذ كان من الشهود العدول فكيف

ص: 306

والشاهد هو سيد شباب اهل الجنة لما روي عن الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) قوله: ((الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة))(42)، فكيف لا تجوز شهادة رجل من اهل الجنة(43). ومقابل ذلك فان الأمام علي (عليه السلام) لم يجز شهادة الابن على ابيه(44).

ه- معاقبة شهود الزور

لم يكتف الأمام علي (عليه السلام) بالتأكيد على الشهود العدول، وعدم اجازة شهادة الزور(45)، بل انه (عليه السلام) اكد على معاقبة شاهد الزور عقاباً صارماً مما يدل مدى صرامة وشدة الأمام (عليه السلام) مع شهود الزور وعدم تجرؤ الشهود على الادلاء بشهادة زور في عهده (عليه السلام)، ففي رواية ورد فيها ان الأمام علي (عليه السلام) هدد شاهدين من مغبة قول الزور بقوله: ((.. لا اوتي بشاهد زور الا فعلت كذا كذا ..)) فما كان امام الشاهدان الا الفرار من المجلس وحينما تم استدعاؤهما لم يجدهما(46).

لذا فان اجراءات الأمام (عليه السلام) وعقوباته الصارمة ساهمت بالطبع الى االحدٌ من تزوير الشهادات واثرها في تحقيق العدالة.

4- قاعدة اقرار حق الدولة (الحق العام)

القضية ان ما ظهر بشأن الحق العام في القوانين الوضعية الحديثة التي تتمثل بحق الدولة في الجرائم المرتكبة وليس فقط الحق الخاص، ففي حالة الصلح والتنازل عن فأن الحكم لا يسقط على المجرم لغاية استيفاء الدولة لحقها، فتصدر عليه عقوبة محددة هي التي يطلق عليها اسم ((الحق العام))(47).

ص: 307

فالحق العام هي واحدة من القواعد المهمة التي ارساها الأمام علي (عليه السلام) انذاك فعلى الرغم من حثه (عليه السلام) على تحقيق المصالحة بين المتخاصمين الاصلح يُحرم حلالاً او يحلل حراماً(48)، الا انه (عليه السلام) اكد على ان تأخذ الدولة حقها من المجرم لأسائته للمجتمع بأسره، فقد روي ان رجل ضرب اخر فرفعت القضية للإمام (عليه السلام) وقبل اصدار الحكم تنازل الرجل المضروب عن القضية أي عن حقه الا ان الأمام (عليه السلام) اصدر حكماً يقضي بضرب المتهم بالدرة تسع مرات وقيل خمس عشر مرة وقال: ((.. هذا حق السلطان))(49)، ومن المؤكد ان تكون هذه القاعدة قد طبقت في عهده (عليه السلام) وعمم العمل بها في مختلف ارجاء الدولة.

5- قاعدة الضرورة

ان القضاء عدل ورحمة وانصاف، ونظرة الأمام علي (عليه السلام) في هذه القاعدة، نظرة تجعل للقوانين والاحكام الصادرة عنها لتأخذ مأخذاً انسانياً بعيداً عن الجفاف والقسوة(50)، وهذه القاعدة التي اوجدها الأمام علي (عليه السلام) هي من اهم القواعد المعمول بها في القانون الجنائي الحديث(51)، فقد روي انه جئ لعمر في خلافته بأمرأة جهدها العطش فمرت على راعٍ فطلبت منه ماء، فأبى الراعي ان يعطيها الا ان تمكنه من نفسها، ففعلت. فشاور عمر الناس في رجمها. فقال الأمام علي (عليه السلام): ((هذه مضطرة ارى ان يخلى سبيلها)). ففعل(52).

6- القواعد التي اقرها في مجال البينة واليمين

هناك العديد من القواعد التي اقرها الأمام علي (عليه السلام) في البينة واليمين لضمان العدالة، فقد اولى (عليه السلام) اهمية كبيرة للبيئة التي اوجدها الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وهي: ((البينة على من ادعى واليمين على من انكر))(53)، واشار

ص: 308

الأمام (عليه السلام) الى عدم الحكم على التهمة والظن كما اسلفنا، وكتب لمحمد بن ابي بكر (54): ((.. وان تسأل المدعي البينة والمدعي عليه اليمين ..))(55)، وانكر على القاضي شريح عدم اخذه بشهادة الرجل الواحد، فالأمام (عليه السلام) يرى ان تقبل شهادة الواحد مع يمين صاحب الحق(56)، وقد قضى الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) باليمين مع الشاهد وكذا فعل الأمام علي (عليه السلام) ايضاً(57). وفي الوقت الذي اجاز فيه بعض الفقهاء اليمين مع الشاهد الواحد في الحقوق والاموال فقط فأن الأمام (عليه السلام) كان له حكم وهو ان البينة في الاموال على المدعي واليمين على المدعي عليه، غير ان البينة في الدماء على من انكر براءة مما ادعى عليه واليمين على من ادعى(58)، وغير ذلك من القواعد الاخرى في هذا الباب.

7- القوعد الخاصة في اساليب التعامل مع الخصوم

اوصى الأمام علي (عليه السلام) بالعديد من القواعد فيما يتعلق باسلوب التعامل مع الخصوم في مجالس القضاء، وكان بعضها مما أقره الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وسار على نهجها الأمام علي (عليه السلام)، اما البعض الاخر فأنها بالحقيقة أُقرت من قبل الأمام (عليه السلام) نفسه، وطبقت في عهده واصبحت اساساً استند عليها القضاة ودعى اليها الفقهاء على مرَ الاَزمان، ومن هذا القواعد نذكر:

أ- المساواة بين الخصوم في مجلس القضاء

أي المساواة بينهم من حيث النظر والوجه والكلام وبذلك اوصى شريحاً بقوله: ((..ثم واسِ بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك، حتى لا يطمع قريبك في حيفك، ولا ييأس عدوك من عدلك ..))(59)، ولعل ما يميز عهد الأمام علي (عليه السلام) انه طبق مسألة المساواة بين الخصوم بشكل فعلي حينما رفع قضية سرقة

ص: 309

درعه من قبل اليهودي فجلس الى جنب شريحا» وقال: ((.. لولا ان خصمي ذمي لأستويت معه في المجلس ..))(60)، وذكر ابن العماد الحنبلي ان شريح قام للإمام علي (عليه السلام) فقال له: ((هذا اول جورك))، فقال: ((لو كان خصمك مسلماً لما قمت))(61)، فالأمام (عليه السلام) اعتبر وقوف القاضي له جوراً بحق الخصم. ان موقف الأمام (عليه السلام) وعدله والمساواة بين اليهودي وبين امير المؤمنين (عليه السلام) وخليفة المسلمين قد دفعت ذلك اليهودي الى الاعتراف بحق الأمام (عليه السلام) بالدرع واعتناق الاسلام(62). بل ان الأمام علي (عليه السلام) عد التكنيه لأحد الخصوم وترك الاخر خطأ من القاضي وعدم مساواة بحق الخصم، فقد روي ان الأمام (عليه السلام) دخل على عمر مع خصم له، فكنى عمر الأمام (عليه السلام) وترك الاخر فغضب الأمام (عليه السلام) لذلك(63).

ب- حسن التعامل مع الخصوم

أمر الأمام علي (عليه السلام) بضرورة التعامل بأحسان مع الخصوم ففي الكتاب الذي وجهه لمحمد بن ابي بكر اشار الى هذه النقطة بقوله: ((.. اذا قضيت بين الناس فأخفض لهم جناحك، ولين لهم جنابك، وابسط لهم وجهك ..))(64)، وقد اكد (عليه السلام) ضمن شروط اختيار القضاة على التحلي بسمة التواضع في التعامل مع الخصوم(65)، وقال لقاضي الاحواز(66): ((.. لاتبتز الخصوم ولا تنهر السائل ..))(67) تعبيراً عن حسن معاملة الخصوم بل ان الأمام (عليه السلام) عزل ابا الاسود الدؤلي(68) عن القضاء لسوء تعامله مع الخصم حيث اوضح الأمام (عليه السلام) بسبب العزل بقوله: ((اني رأيت كلامك يعلوا كلام خصمك))(69)، وعلى القاضي ان يحسن الاستماع من الخصوم فلا يأخذ بأول الكلام دون اخره(70). وان ذلك كان تطبيقاً لما تعلمه الأمام من الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) حينما بعثه قاضياً

ص: 310

لليمن اذ قال له الرسول (صلى الله عليه واله وسلم): ((اذا تقاضى اليك رجلان، فلا تقضي للاول حتى تسمع كلام الاخر، فسوف تدري كيف تقضي))، قال الإمام (عليه السلام): ((فما زلت قاضياً بعد))(71).

ولضمان حسن التعامل مع الخصوم من جهة واصدار احکام صحيحة وعادلة من جهة اخرى، فأن الأمام (عليه السلام) حث قضاته على ان لا يقضوا وهم بحالة غضب، اذ ان الغضب يدفع الى قول الحماقات والى الاساءة في التصرف والمعاملة فضلاً عن اصدار احکام سريعة وغير صائبة وهذا ما نجده في قوله لشريح: ((.. واذا غضبت فقم ولا تقضين وانت غضبان.))(72)، کما امر الأمام (عليه السلام) ان لايقضي القضاة وهم جياع لان الجوع هو الاخر يفقد صاحبه القدرة على التفكير والاستماع وربما يدفعهم ذلك الى الاستعجال بأصدار الاحكام او ان تكون الاحكام الصادرة غير صائبة وان الجوع يولد دائماً الغضب ايضاً، ونجد تأكيد الأمام (عليه السلام) للقضاة على عدم الجوع في قوله لشريح: ((.. ولاتقعد في مجلس القضاء حتى تطعم))(73)، فأن ما اشار اليه الأمام (عليه السلام) في عدم الغضب والجوع لا بد انها شكلت اساساً اعتمد عليه القضاة واكد عليه الفقهاء فيما بعد.

8- القواعد الخاصة بأصدار العقوبات

لقد تنوعت العقوبات الصادرة بحق الجناة والمجرمين وفقاً لنوع الجرم المرتكب منذ ايام الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)، وفي عهود الذين سبقوا الأمام علي (عليه السلام) فكان منها عقوبات قصاص وحدود(74)، وهناك عقوبات تعزیریه وتأديبية متمثلة بالحبس او الضرب او النفي او التشهير او الغرامة او غير ذلك(75)، فأن عهد الإمام (عليه السلام) شهد بروز عقوبات اخرى او جدها (عليه السلام) لغرض الحد من الجريمة ومحاربة الانحراف، وقد تكون عقوبات شديدة وصارمة

ص: 311

نذكر هنا ما انفرد الأمام (عليه السلام) في فرضها ابان خلافته اذ لم تكن معروفة قبله ومنها:

أ- عقوبة الحبس المؤبد

وهي عقوبة اصدرها الأمام علي (عليه السلام) بحق بعض اللصوص وبالتحديد بحق من يسرق منهم للمرة الثالثة، ففي المرة الاولى يكون العقاب بقطع اليد وفي المرة الثانية بقطع الرجل من خلاف، وعند معاودة السرقة يودع السارق بالسجن حتى الموت، ويعني انه يلاقي حكماً بالحبس المؤبد، وبهذا الصدد روی ان الأمام علي (عليه السلام): ((اذا سرق الرجل اولاً قطع يمينه فان عاد قطع رجله اليسرى، فان عاد ثالثة خلده في السجن وانفق عليه من بيت المال))(76)، وتفرض هذه العقوبة على الجاني الذي يتسبب بموت المجني عليه بعد امساکه حیث روي ان ثلاث رجال احدهم امسك رجلاً وقام الاخر بقتله، اما الرجل الثالث فكان يراهم دون ان يتدخل لانقاذ المجني عليه فحكم الأمام (عليه السلام) بأن يقتل القاتل وهذه هي عقوبة القصاص المعروفة وسمل عين الذي رأي الجريمة وقضى على الذي امسك المجني عليه ان يسجن حتى يموت کما امسكه(77)، وقد روي ان الأمام علي (عليه السلام)، حكم على امرأة مرتدة: (( .. ان تحبس حتى تسلم او تموت ولا تقتل ..)) (78)، لذا فقد اكد الفقهاء فيما بعد على عقوبة الحبس المؤبد على المرتد عن الدين الاسلامي في حالة عدم الرجوع والتوفي فيبقى المرتد بالسجن لغاية الموت(79) التي اقرها الأمام علي (عليه السلام)، عُمل فيها في الوقت الحاضر وأقرتها قوانين العقوبات الجنائية الحديثة(80).

ص: 312

ب- عقوبة قطع الراتب

لقد اكدت الكثير من المواد القانونية التي تضمنها قانون العقوبات في الدساتير الحديثة عقوبة قطع الراتب عن الموظف الذي يستغل وظيفته استغلالاً غير شرعياً(81)، وهذه العقوبة اول من قام باصدارها الأمام علي (عليه السلام) بحق احد موظفيه الى جانب عقوبات اخرى نتيجة لأستحواذه على اموال و حقوق الرعية، وطلب من الوالي ان يتولى تنفيذ العقوبة، حيث كتب اليه قائلاً: ((.. واقطع عن الخائن رزقه))(82).

ج- قاعدة لاحبس على مفلس

اسقط الأمام علي (عليه السلام) عقوبة الحبس عن المدين المفلس الذي لا يمتلك القدر الكافي من الأموال لسداد ديونه، وبهذا قال (عليه السلام): ((لاحبس على مفلس قال الله عز وجل: «وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ»(83)، فالمعسر اذا ثبت افلاسه وادى اليمين على ذلك ولم يظهر له من المال او بينة يتم اخلاء سبيله(84)، ووجه الأمام علي (عليه السلام) للقاضی شریح امراً بتولي استفاء حقوق الناس من المماطلين في استرجاع الديون من اهل اليسار والمقدرة وان اضطر الامر الى بيع ما لديهم من أملاك او عقار او دار وتسديد الديون من اثمانها، اما من يثبت عسره فلا حكم عليه ويخلى سبيله، حيث روي عن الإمام (عليه السلام) قوله لشريح: ((انظر الى اهل المعك والمطل(85)، ودفع حقوق الناس من اهل المقدرة واليسار، ممن يدلي بأموال الناس الى الحكام، فخذ للناس حقوقهم منهم، وبع فيها العقار والديار، فأني سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول: ((مطل الموسر ظلم للمسلم))(86). ومن لم يكن له عقار ولا دار ولا مال فلا سبيل عليه..)) (87)..

ص: 313

الخاتمة

بسم الله أوله وأخره والحمد لله حمداً كثيراً والصلاة والسلام على نبي الهدى والعروة الوثقى التي لا انفصام لها محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، وبعد أقدم موجزاً مختصراً لأهم ما تناوله البحث وأهم ما أسفر ان الإمام علي (عليه السلام) أبدى اهتمام بالغ بمؤسسة القضاء حيث رسم للقضاة الخطوات الصحيحة في مجال عملهم شمل ذلك تحديد مصادر التشريع القضائي المتمثلة بالكتاب والسنة وعلم الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وإجماع الفقهاء، كما أن الإمام (عليه السلام) أعاد العمل بالعديد من القواعد القضائية التي اقرها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فضلاً عن استحداث قواعد جديدة أخرى كقاعدة ((المتهم بريء حتى تثبت أدانته)) وقاعدة ((إقرار حق الدولة العام)) وقاعدة ((الضرورة)) وغيرها من القواعد الأخرى. وحدد (عليه السلام) أساليب التعامل مع الخصوم بالمساواة واللين وعدم استخدام الشدة أو الضرب كوسيلة للتهديد والإرغام على الاعتراف وما إلى ذلك.

وبالمقابل اوجد الإمام علي (عليه السلام) عقوبات صارمة ومتنوعة بحق الجناة تتناسب مع حجم الجرائم المقترفة كعقوبة الحبس المؤبد، وعقوبة قطع الراتب، وعقوبة النفي وغيرها من العقوبات.

ص: 314

قائمة الهوامش

1- ابو ابراهيم مالك بن الحارث بن يغوث ابن مسلمة بن ربيعة النخعي المعروف بالاشتر، كان من خيرة اصحاب الامام علي (عليه السلام) ومن قادة جيشه الموصفين بالشجاعة والعلم والحكمة، تولى ولاية الجزيرة الفراتية منذ سنة (36 ه / 656 م) وكان مقر اقامته في مدينة الموصل وظل واليا» عليها حتى سنة (39 ه / 659 م) عندما استدعاه الإمام علي (عليه السلام) و ولاه على مصر. فدبر معاوية له مؤامرة دنيئة لاغتياله في نفس السنة قبل ان يصل الى مصر استشهد سنة (39 ه/ 659 م). ينظر ترجمته. ابن سعد، الطبقات الكبرى (تحقیق: محمود ابراهیم زايد، ط - 1، بیروت / د: ت، ج 6، ص 213؛ اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي (تحقيق: العلامة محمد صادق ال بحر العلوم الطباطبائي، النجف الاشرف / 1939)، ج 2، ص 181؛ الثقفي: الاستنفار والغارات (ط - 1، قم المقدسة / 1989)، ج 1، ص 46؛ الطبري: تاريخ الأمم والملوك (تحقیق وتعليق الاستاذ. عبد أ. علي مهنا، ط - 1، بيروت / 1998)، ج 4، ص 199 - 200، ص 209، 270، 278، 237 - 238.

2- نهج البلاغة (ضبط نصه ونظم فهارسه العلمية د. صبحي الصالح، ط - 2، بیروت، 1402 ه/ 1982)، ص 435؛ ابن شعبة الحراني: تحف العقول عن ال الرسول (صلى الله عليهم) (قدم له: العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم، النجف الاشرف - / 1993، ص 91؛ ابن ابي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة (تحقيق: محمد ابو الفضل ابراهیم، ط -1، بیروت / 1987)، ج 17، ص 59.

3- شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 60.

4- أبو عبد الرحمن، معاذ بن جبل بن عمرو بن اوس الأنصاري الخزرجي، من

ص: 315

إجلاء الصحابة. اسلم وهو فتی وشهد بيعة العقبة الأولى وبدر واحد والخندق والمشاهد كلها. توفي في أو بعد طاعون عمواس في سنة (23 ه/ 644 م). ينظر ترجمته في. ابن سعد: المصدر السابق،، ج 3، ص 583 - 590؛ ابن الجوزي: صفوة الصفوة (تحقیق: محمود فاخوري و د. محمد رواسي قلعة جي، بیروت / 1979)، ج 1، ص 489 - 502؛ ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة طهران / 1957)، مج 4، ص 376 - 378.

5- الترمذي: الجامع الصحيح - سنن الترمذي (بيروت / 2000)، ص 384؛ الماوردي: الإحكام السلطانية والولايات الدينية (تحقيق: د - خالد رشید العسلي، بغداد / 1989)، ص 113.

6- وكيع: أخبار القضاة (تحقیق وتعلیق: عبد العزيز مصطفى المراغي، بيروت / د: ت)، ج 2، ص 179؛ ابو الفرج الاصفهاني: الأغاني (تحقيق: سمير جابر، ط - 2، بيروت / 1989)، ج 17، ص 216.

7- المغربي: دعائم الإسلام (القاهرة / 1965)، ج 2، ص 535؛ ابن شعبة الحراني: المصدر السابق، ص 91؛ النوري، الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي: مستدرك الوسائل (قم المقدسة، / 1988)، ج 17، ص 348.

8- السيوطي: شرح سنن ابن ماجة (كراتشي / د: ت)، ج 1، ص 111؛ المناوي: شرح فیض الغدير (ط - 1، القاهرة، / 1937)، ج 1، ص 132.

9- ابن شعبة الحراني: المصدر السابق، ص 91.

10- ابن حنبل: فضائل الصحابة (تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، ط - 1، بیروت، 1403/ 1983) ج 2، ص 585، 603، 779؛ الشيخ المفيد: الفصول المختارة (ط - 1، قم المقدسة -/ 1992)، ص 173؛ ابو نعيم الاصبهاني: حلية الاولياء وطبقات الأصفياء (تحقيق: حسام الدين المقدسي، ط - 4، القاهرة / 1985)،

ص: 316

ج 1، ص 355؛ ابن البطريق الحلي: عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب أمام الأبرار أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) (قم المقدسة - / 1986 م) عمدة عيون صحاح الأخبار، ص 68 - 74.

11- الترمذي: المصدر السابق، ص 384؛ الماوردي: ألاحکام السلطانية، ص 113.

12- ابن شعبة الحراني: المصدر السابق، ص 90.

13- ابن شعبة الحراني: المصدر نفسه، ص 91.

14- ابن شعبة الحراني: المصدر نفسه، 89 - 90.

15- الفكیكي، توفيق: الراعي والرعية ((المثل الأعلى)) للحكم الديمقراطي في الإسلام - شرح عهد الإمام (عليه السلام) الموجه إلى مالك الاشتر حين ولاه مصر (ط - 1، قم المقدسة - /2004)، ص 53.

16- ابن شعبة الحراني: المصدر السابق، ص 91

17- ابن شعبة الحراني: المصدر السابق، ص 91.

18- ابن عقدة الكوفي: فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) (جمعه و رتبه وقدم له: عبد الرزاق حمد حسين حرز الدين، ط - 1، قم المقدسة / 2001)، ص 49؛ الشيخ الطوسي: الامالي (قدم له: العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم، النجف الاشرف/ 1964)، ص 62.

19- سورة الأنعام، اية 31.

20- سورة آل عمران، اية 138.

21- نهج البلاغة، ص 60 - 61.

22- ابن شعبة الحراني: المصدر السابق، ص 91.

23- ابن شعبة الحراني: المصدر السابق، ص 91.

24- ينظر ذلك في: السعدي، د. حمید: شرح قانون العقوبات الجديد - دراسة تحليلية

ص: 317

مقارنة في الاحكام العامة (الجريمة والعقاب والمسؤولية الجنائية) (ط - 2، بغداد / 1976)، ج 1، ص 33 - 47؛ الصيفي، عبد الفتاح مصطفى: قانون العقوبات - القسم العام (ط - 6 ، القاهرة / 1964)، ص 54 - 59.

25- ابن أبي الحديد المعتزلي: المصدر السابق، ج 3، ص 148.

26- سورة الحجرات، اية 12.

27- المغربي: المصدر السابق، ج 2، ص 534؛ الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر السابق، 11، ص 347.

28- ينظر تفصيل هذه القاعدة قانونية في مصطفی، د. محمود محمود: شرح قانون الاجراءات الجنائية (القاهرة / 1965م)، ص 260.

29- ابو امية شريح بن الحارث بن قيس الكندي الكوفي، عمل بالقضاء لاكثر من 60 سنة، عينه الإمام علي (عليه السلام) على قضاء الكوفة ثم عزله ثم اعاده وبقي حتى استشهاد الإمام علي (عليه السلام) توفي ما بين سنة (76 - 80 ه / 695 - 699 م). ينظر ترجمته. ابن سعد: المصدر السابق، ج 6، ص 33 - 34؛ وكيع: المصدر السابق، ج 2، ص 189 - 411؛ ابو الفرج الاصفهاني: الاغاني، ج 17، ص 216 - 244.

30- أبو همدان قنبر بن حمدان، كان من اقرب الناس للإمام علي (عليه السلام) كانت له مساهمات في مختلف الجوانب في عهده الشريف. استشهد على يد الحجاج ابن يوسف الثقفي. ينظر. الطبري: المصدر السابق، ج 5، ص 145 - 155.

31- ينظر تفصيل ذلك في: الشيخ الصدوق: من لایحضره الفقيه (قم المقدسة / 1993)، ج 3، ص 17 - 24؛ الشيخ الطوسي: تهذیب الاحکام في شرح المقنعة (طهران / 1945)، ج 6، ص 316؛ الجزائري: قصص الأنبياء (عليهم السلام) (قم المقدسة / 1984)، ص 338؛ المجلسي: بحار الأنوار، (تحقیق

ص: 318

ونشر: مؤسسة الوفاء، بیروت / 1984)، ج 14، ص 11، ج 40، ص 259؛ الحر العاملي: وسائل الشيعة الى تحصيل الشريعة (تحقیق: مؤسسة اهل البيت (عليهم السلام) لاحياء التراث، ط - 1، قم المقدسة، / 2003)، ج 27، ص 279، ص 436؛ الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر السابق، ج 17، ص 385.

32- ينظر تفصيل هذه القاعدة قانونياً في د. محمود محمود مصطفی: شرح قانون الاجراءات الجنائية، ص 262.

33- عبيد الله بن ابي رافع من خيرة اصحاب الامام علي (عليه السلام) و من ثقاته، تولى ادارة بیت المال بعد وفاة والده ابو رافع، وتولى الكتابة للامام علي (عليه السلام) طول فترة خلافته. ينظر ترجمته. ابن عبد البر النميري: الاستيعاب في معرفة الاصحاب (تحقیق: علي محمد البجاوي، ط - 1، بیروت / 1960)، ج 1، ص 84؛ ابن ابي الحديد المعتزلي: المصدر السابق، ج 11، ص 92؛ اليعقوبي: المصدر السابق، ج 2، ص 176.

34- الشيخ الصدوق: من لایحضره الفقیه، ج 3، ص 24؛ الشيخ الطوسي: تهذیب الإحكام، ج 6، ص 316؛ الجزائري: المصدر السابق، ص 338؛ المجلسي: المصدر السابق، ج 14، ص 11، ج 4، ص 259؛ الحر العاملي: المصدر السابق، ج 27، ص 279؛ الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر السابق، ج 17، ص 385.

35- الشيخ الطوسي: الاستبصار فيما اختلف من الاخبار (ط - 3، طهران / 1970)، ج 3، ص 21، 37؛ تهذیب الاحکام، ج 6، ص 245 - 246؛ الحر العاملي: المصدر السابق، ج 27، ص 385.

36- الكليني: الاصول من الكافي (صححه وعلق عليه: علي اکبر الغفاري، ط - 6،

ص: 319

طهران / 1968)، ج 7، ص 13؛ الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 3، ص 15؛ البراقي، السيد حسين بن السيد احمد: تاريخ الكوفة (استدراك: السيد محمد صادق ال بحر العلوم، تحقیق: ماجد بن احمد العطية، ط 1، النجف الاشرف / 2000)، ص 253.

37- سورة الشورى، اية 25.

38- ابن ماجه: سنن ابن ماجه (تحقیق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت / د: ت)، ج 2، ص 1419؛ البغدادي: مسند ابن الجعد (تحقيق: عامر احمد حیدر ط -1 ، بيروت / 1990)، ص 266؛ القضاعي: مسند الشهاب، (تحقیق: حمدي عبد المجيد السلفي، ط - 2، بیروت / 1986)، ج 1، ص 97؛ البيهقي: السنن الكبرى (بيروت / د: ت)، ج 10، ص 154؛ الهيثمي: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (تحریر: الحافظين العراقي وابن حجر العسقلاني، بيروت / 1987)، ج 10، ص 200؛ الكناني: مصباح الزجاجة (تحقيق: محمد المنتقي الكشناوي، ط - 2، بيروت / 1983)، ج 4، ص 247.

39- سورة التحريم، اية 8.

40- الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر السابق، ج 17، ص 428.

41- الكليني: الفروع من الكافي (صححه و قابله وعلق عليه: علي اکبر الغفاري، ط - 4، طهران، / 1998 م)، ج 7، ص 432؛ الشيخ الصدوق: الخصال، ج 1، ص 155؛ الشيخ الطوسي: تهذیب الاحکام، ج 6، ص 28؛ المجلسي: المصدر السابق، ج 101، ص 291؛ الحر العاملي: المصدر السابق، ج 27، ص 231.

42- ينظر ابن حنبل: فضائل الصحابة، ج 1، ص 768، 774؛ الترمذي: المصدر السابق، ص 998 - 999؛ النسائي: خصائص أمير المؤمنين علي ابن أبي

ص: 320

طالب (کرم الله وجهه) (عليه السلام) (تحقيق:

43- محمد هادي الاميني، ط - 1، النجف الاشرف / 1969)، ص 123، الحاكم النيسابوري: المستدرك على الصحيحين (ط - 1، بیروت / 2002)، ص 956؛ محب الدين الطبري: ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربي (تقديم ومراجعة: جميل ابراهیم حبیب، بغداد / 1984 م)، ص 139؛ القندوزي الحنفي، الشيخ سليمان بن ابراهيم: ينابيع المودة لذوي القربی (سید علي جمال اشرف الحسيني، ط - 2، قم المقدسة، / 2002)، ج 2، ص 34؛ الشبلنجي، الشيخ مؤمن بن حسن مؤمن: نور الإبصار في مناقب آل بيت النبي المختار (صلى الله عليه واله وسلم) (دار احیاء التراث العربي، بيروت / د: ت)، ص 114.

44- ينظر تفصيل ذلك في: الثقفي: المصدر السابق، ج 1، ص 74؛ وكيع المصدر السابق، ج 2، ص 200؛ الكليني: الفروع من الكافي، ج 7، ص 425؛ ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) (قم المقدسة / 1959)، ج 2، ص 378؛ ابن كثير: البداية والنهاية (تحقيق: د. فالح حسين، ط - 1، بیروت / 1987)، ج 8، ص 4 - 5 [الا انه قال نصراني]؛ السيوطي: تاریخ الخلفاء (تحقیق: محمد محي الدين عبد الحميد، ط - 1، القاهرة / 1952)، ص 184 - 185؛ ابن العماد الحنبلی: شذرات الذهب في أخبار من ذهب (تحقيق: شعيب الارناؤوط، محمد نعیم العرقسوسي، ط - 9، بیروت / 1993)، ج 1، ص 85؛ المجلسي: المصدر السابق، ج 101، ص 290؛ وذكر كل من جعفر، نوري: علي ومناوئوه (قدم له: الأستاذ عبد الهادي مسعود، راجعه وعلق عليه: السيد مرتضى الرضوي، ط 4، القاهرة، / 1976)، ص 105؛ العقاد، عباس محمود: عبقرية الإمام علي (بيروت / د: ت)، ص 46 [انه نصراني].

ص: 321

45 الكوفي: الجعفريات (الاشعثيات) (طهران / د:ت)، ص 114.

46- الكليني: الفروع من الكافي، ج 7 ص 413؛ الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 15؛ السيد حسين بن السيد احمد البراقي: المصدر السابق، ص 253.

47- الكليني: الفروع من الكافي، ج 7 ص 413؛ الشيخ الصدوق: من لایحضره الفقیه، ج 3، ص 15؛ البراقي المصدر السابق، ص 253.

48- للاستزادة حول هذه القاعدة ينظر: الصيفي، د. عبد الفتاح مصطفی: حق الدولة في العقاب نشأته واقتضاؤه وانقضاؤه (بيروت / 1971) ص 75 - 196.

49- ابن شعبة الحراني: المصدر السابق، ص 119.

50- الطبري: تاریخ الامم والملوك، ج 4، ص 403 - 404.

51- جرداق، جورج سجعان: الإمام علي صوت العدالة الإنسانية - بين علي والثورة الفرنسية (بيروت / 1958)، ج 2، ص 479.

52- جورج جرداق: المصدر نفسه، ج 2، ص 480.

53- ينظر ذلك في: الشيخ الصدوق: من لایحضره الفقیه، ج 4، ص 354؛ الشيخ الطوسي: تهذیب الاحکام، ج 10، ص 18؛ محب الدين الطبري: ذخائر العقبی، ص 91؛ ابن طاووس الحلي: بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية (ط - 1، مؤسسة ال البيت (عليهم السلام) طهران / 1990)، ص 296؛ المجلسي: المصدر السابق، ج 76، ص 5؛ الحر العاملي: المصدر السابق، ج 28، ص 111.

54- الترمذي: المصدر السابق، ص 387.

55. أبو القاسم محمد بن أبي بكر القرشي التيمي، وأمه أسماء بنت عمیس، ولد

ص: 322

عام حجة الوداع. عينه الإمام علي (عليه السلام) واليا» على مصر، استشهد في سنة (38 ه/ 659 م). ينظر. ابن حجر العسقلاني: تهذیب التهذيب (ط 1، بیروت/ 1984)، ج 9، ص 70 - 71.

56- ابن شعبة الحراني: المصدر السابق، ص 119.

57- الشيخ الطوسي: الاستبصار، ج 3، ص 15.

58- ابن انس: الموطأ (ضبط وتوثیق وتخریج: صدقي جميل العطار، ط - 3، بیروت / 2002)، ص 440؛ الترمذي: المصدر السابق، ص 387؛ قطب الدين الراوندي: فقه القران (ط - 2، قم المقدسة، / 1985)، ج 2، ص 17، ابن البطريق الحلي: عمدة عيون صحاح الأخبار، ص 257.

59- الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر السابق، ج 17، ص 367.

60- الكليني: الفروع من الكافي، ج 7، ص 413؛ الشيخ الصدوق: من لایحضره الفقيه، ج 3، ص 15؛ السيد حسين بن السيد احمد البراقي: المصدر السابق، ص 253.

61- الثقفي: المصدر السابق، ج 1، ص 74؛ وكيع المصدر السابق، ج 2، ص 200؛ الكليني: الفروع، ج 7، ص 425؛ ابن شهر آشوب، مناقب آل ابي طالب، ج 2، ص 378؛ ابن كثير: البداية والنهاية، ج 8، ص 4؛ السيوطي: تاریخ الخلفاء، ص 184؛ المجلسي: المصدر السابق، ج 101، ص 290.

62- شذرات الذهب، ج 1، ص 85.

63- الثقفي: المصدر السابق، ج 1، ص 74؛ وکيع المصدر السابق، ج 2، ص 200؛ الكليني: الفروع، ج 7، ص 425؛ ابن شهر اشوب، مناقب آل ابي طالب، ج 2، ص 378؛ ابن كثير: البداية والنهاية، ج 8، ص 5؛ السيوطي: تاریخ الخلفاء، ص 184؛ المجلسي: المصدر السابق، ج 101، ص 290.

ص: 323

64- ابن ابي الحديد المعتزلي: المصدر السابق، ج 17، ص 15.

65- ابن شعبة الحراني: المصدر السابق، ص 119.

66- ابن شعبة الحراني: المصدر نفسه، ص 119.

67- الأهواز: جمع هوز واصله حوز، غیرت لكثرة استخدام الفرس لها حتى أذهبت أصلها ثم استعملتها العرب بلفظ أهواز، وهي مدينة بناها اردشیر، وهي عبارة عن سبع كور بين البصرة وفارس تقع في الإقليم الثالث وهو إقليم خوزستان وهي قصية الإقليم. ينظر المقدسي: أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم (تحقیق: غازي طليمات، ط - 1، دمشق / 1980)، ج 1، ص 33؛ یاقوت الحموي: معجم البلدان (تحقیق: صلاح بن سالم المصراتي، ط - 1 بیروت / 1997)، ج 1، ص 284 - 287.

68- المغربي: المصدر السابق، ج 2، ص 535؛ الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر السابق، ج 17، ص 348.

69- أبو الأسود ظالم بن عمرو وقيل بن عویمر وقيل عمران الديلي ويقال الدؤلي، من أئمة علم النحو والعربية، كان قاضيا» لابن عباس في البصرة في خلافة الإمام علي (عليه السلام). توفي في سنة (69 ه / 688 م). ينظر ابن سعد: المصدر السابق، ج 7، ص 99؛ ابو الفرج الأصفهاني: الاغاني، ج 12، ص 359 - 368.

70- الاحسائي: عوالي اللألي العزيزية في الأحاديث النبوية (ط - 1، قم المقدسة / 1984 م)، ج 2، ص 343؛ الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر السابق، ج 17، ص 359؛ الهمذاني، الشيخ احمد الرحماني: الإمام علي ابن ابي طالب (عليه السلام) من حبه عنوان الصحيفة (ط - 1، طهران / 1997 م)، ص 679.

71- الحر العاملي: المصدر السابق، ج 27، ص 216.

ص: 324

72- وكيع المصدر السابق، ج 1، ص 84؛ الطوسي: الامالي، ص 134؛ الماوردي: الاحكام السلطانية، ص 75؛ الطرطوشي: سراج الملوك (ط - 1، بیروت 1995)، ص 93؛ ابن أبي الحديد المعتزلي: المصدر السابق، ج 1، ص 18؛ محب الدين الطبري: ذخائر العقبی، ص 94؛ الذهبي: تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والاعلام (القاهرة / 1948)، ج 2، ص 199.

73- الشيخ الطوسي: تهذیب الاحکام، ج 6، ص 227؛ الحر العاملي: المصدر السابق، ج 27، ص 213.

74- الكليني: الفروع من الكافي، ج 7، ص 412؛ الشيخ الصدوق: من لایحضره الفقيه، ج 3، ص 15.

75- ابن قيم الجوزية: الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية (راجعه وصححه: احمد عبد الحليم العسكري، القاهرة / 1960)، ج 1، ص 8.

76. ابن تیمیه : الحسبة في الاسلام (تحقیق: عبد الرحمن محمد قاسم النجدي، د: م/ د: ت)، ج 5، ص 109

77- الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقیه، ج 4، ص 63؛ الشيخ الطوسي: تهذیب الاحکام، ج 18، ص 125 - 126؛ الكوفي: المصدر السابق، ص 141 [الا انه قال من فيء المسلمين [الاحسائي: المصدر السابق، ج 3، ص 571؛ المجلسي: المصدر السابق، ج 76، ص 188؛ الحر العاملي: المصدر السابق، ج 28، ص 258 [الا انه قال حتى يموت في السجن]؛ النوري الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي: المصدر السابق، ج 18، ص 244.

78- الشيخ الصدوق: من لایحضره الفقیه، ج 4، ص 63؛ الشيخ الطوسي: تهذیب الاحکام، ج 10، ص 219؛ الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر السابق، ج 18، ص 227 [واضاف ان يضرب خمسين سوط كل عام].

ص: 325

79- الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر نفسه، ج 18، ص 166.

80- ينظر الشافعي: الام (بيروت / 1973)، ج 4، ص 85؛ الشوكاني: نيل الأوطار من احديث سيد الاخیار، شرح منتقى الأخبار (بيروت / د: ت)، ج 8، ص 8.

81- ينظر تفصيل ذلك في د. حميد السعدي: المصدر السابق، ص 434 - 435؛ د. محمود محمود مصطفی: شرح قانون العقوبات - القسم العام، ص 485 - 487.

82- ينظر تفصيل ذلك في د. حميد السعدي: المصدر السابق، ص 336 -341؛ کرم، جورج: قانون العقوبات معدلاً ومضبوطاً على الأصل (د: ت / د: م)، ص 65 - 66، ص 153 - 157؛ د. محمود محمود مصطفی: شرح قانون العقوبات - القسم العام، ص 537 - 539.

83- المغربي: المصدر السابق، ج 2، ص 533؛ الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر السابق، ج 17، ص 404.

84- سورة البقرة، آية 280.

85- الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي النوري: المصدر السابق، ج 13، ص 431.

86- المطل: هو التسويف والمدافعة بالعدة والدين. ينظر ابن منظور، لسان العرب المحيط (تحقيق: عبدالستار احمد فراج، ط - 1 بيروت/ 1985)، ج 11، ص 624.

87- الكليني: الفروع من الكافي، ج 7، ص 41؛ الشيخ الصدوق: من لايحضره الفقیه، ج 3، ص 15.

88- الكليني: الفروع من الكافي، ج 7، ص 412؛ الشيخ الصدوق: من لايحضره الفقیه، ج 3، ص 15؛ البراقي:، ص 252.

ص: 326

قائمة المصادر والمراجع

خير ما افتتح به القران الكريم

اولا: المصادر الأولية

- ابن الأثير، عز الدين أبو الحسن بن أبي الكرم الجزري (ت 630 ه/ 1231 م):

1- أسد الغابة في معرفة الصحابة، 5 مج (المطبعة الإسلامية، طهران، 1377 ه/ 1957 م).

- ألاحسائي، ابن أبي جمهور محمد بن علي بن إبراهيم (ت في القران العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي):

2- عوالي اللألي العزيزية في الأحاديث النبوية، (ط - 1، دار سيد الشهداء (عليه السلام) قم المقدسة، 1405 ه/ 1984 م).

- ابن انس، الإمام مالك (ت 179 ه / 795 م):

3- الموطأ (ضبط وتوثیق و تخریج: صدقي جميل العطار، ط - 3، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بیروت، 1422 ه/ 2002 م).

- ابن البطريق الحلي، يحيى بن الحسن بن الحسين (ت 533 - 600 ه / 1138 - 1203 م):

4- عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب أمام الأبرار أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) (مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية، قم المقدسة، 1407 ه/ 1986 م).

- البغدادي، علي بن الجعد بن عبد أبو الحسن الجوهري (ت 220 - 302 ه /

ص: 327

817 - 914 م):

5- مسند أبي الجعد (تحقیق: عامر احمد جور، ط - 1، مؤسة نادر، 1410 ه/ 1990 م).

- البيهقي، الشيخ ابراهيم بن محمد (ت 470 ه / 1077 م):

6- السنن الكبرى (دار الفكر للطباعة، بیروت، د: ت).

- الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة (ت 209 - 279 ه/ 822 - 892 م):

7- الجامع الصحيح - سنن الترمذي (دار احياء التراث العربي للطباعة والنشر والتوزيع، 1421 ه/ 2000 م)

- ابن تيمية الحراني، ابو العباس احمد بن عبد الحليم (ت 661 - 728 ه / 1262 - 1327 م):

8- الحسبة في الإسلام، (تحقيق: عبد الرحمن محمد قاسم النجدي، مكتبة ابن تيمية، د: م / د: ت).

- الثقفي، ابو اسحاق ابراهيم بن محمد الأصفهاني (ت 283 ه/ 896 م):

9- الاستنفار والغارات (ط - 1، دار الكتاب، قم المقدسة، 1410 ه/ 1989 م).

- الجزائري، السيد نعمة الله (ت 1050 - 1112 ه/ 1640 - 1700 م):

10- قصص الأنبياء (عليهم السلام) (نشر مكتبة اية الله المرعشي، قم المقدسة، 1404 ه/ 1984).

جعفر محمد النقدي، المطبعة الحيدرية، النجف الاشرف، 1344 ه/ 1915 م).

- ابن الجوزي، ابو الفرج عبد الرحمن بن علي (ت 597 ه/ 1116 م):

11- صفوة الصفوة، 4 ج (تحقیق: محمود فاخوري و د. محمد رواسي قلعة جي دار المعرفة، بیروت، 1399 ه/ 1979 م).

ص: 328

- الحاكم النيسابوري، الحافظ ابو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد (ت 405 ه / 1014 م):

12- المستدرك على الصحيحين (ط - 1، دار احیاء التراث العربي، بیروت، 1422 ه / 2002 م)

- ابن حجر العسقلاني، ابو الفضل احمد بن علي (ت 852 ه / 1448 م):

13- تقريب التهذيب (تحقیق: محمد عوامة، ط - 1، دار الرشید، دمشق، 1406 ه/ 1986 م).

- ابن ابي الحديد المعتزلي، عبد الحميد بن هبة الله (ت 656 ه/ 1258 م):

14- شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد ابو الفضل ابراهیم، ط - 1، دار الجيل، بیروت، 1407 ه / 1987 م).

- الحر العاملي، العلامة الشيخ محمد بن الحسن (ت 1104 ه/ 1692 م):

15- وسائل الشيعة الى تحصيل الشريعة، (تحقيق: مؤسسة اهل البيت (عليهم السلام) الاحياء التراث، ط - 1، قم المقدسة، 1424 ه/ 2003 م):

- ابن حنبل، ابو عبد الله احمد بن حنبل (ت 241 ه/ 855 م):

16. فضائل الصحابة (تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، ط - 1، مؤسسة الرسالة، بیروت، 1403 / 1983 م).

- الذهبي، ابو عبد الله شمس الدين محمد بن احمد عثمان بن قایماز (ت 748 ه/ 1347 م):

17- تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والاعلام (مكتبة القدسي، القاهرة، 1368 ه/ 1948م).

ص: 329

- ابن سعد، محمد بن سعد بن منيع ابو عبد الله البصري الزهري (ت 168 -230 ه / 784 - 941 م):

18- الطبقات الکبری، 8 ج (تحقیق: محمود ابراهیم زايد، ط 1، دار صادر، بیروت / د: ت)

- السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (ت 911 ه/ 1505 م):

19- تاریخ الخلفاء (تحقیق: محمد محي الدين عبد الحميد، ط - 1، مطبعة منير ومطبعة السعادة، القاهرة، 1371 ه / 1952 م).

20- شرح سنن ابن ماجة (دار النشر: قدیمی کتب خانة، كراتشي / د: ت)

- الشافعي، محمد بن ادریس (ت 204 ه/ 819 م):

21- إلام، (دار المعرفة، بیروت، 1393 ه/ 1973 م).

- ابن شعبة الحراني، الشيخ ابو محمد الحسن بن علي بن الحسين (ت القرن الرابع الهجري / القرن العاشر الميلادي):

22- تحف العقول عن ال الرسول (صلى الله عليهم) (قدم له: العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم، منشورات المطبعة الحيدرية ومكتبتها، النجف الاشرف، 1383 ه/ 1963 م).

- ابن شهر آشوب، محمد المازندراني (ت 489 - 588 ه / 1095 - 1992 م).

23- مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) (نشر: مؤسسة العلامة للنشر، قم المقدسة، 1379 ه/ 1959 م).

- الصدوق، الشيخ ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين (ت 386 ه/ 996 م):

24- من لایحضره الفقيه، (مؤسسة النشر الاسلامي، قم المقدسة، 1414 ه/

ص: 330

1993 م).

- ابن ابي طالب، الإمام علي (عليه السلام) (ت 40 ه/ 660 م):

25- نهج البلاغة (ضبط نصه ونظم فهارسه العلمية د. صبحي الصالح، ط 2، دار الكتاب اللبناني، بیروت، 1402 ه/ 1982 م).

- ابن طاوس الحلي، جمال الدین احمد ابن موسی (ت 673 ه/ 1274 م):

26- بناء المقالة الفاطمية في نقض الرسالة العثمانية (ط 1، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) طهران، 1411 ه/ 1990 م).

- الطبري، ابو جعفر بن محمد بن جریر (ت 310 ه/ 922 م).

27- تاريخ الأمم والملوك، 7 ج (تحقیق وتعليق الأستاذ. عبد أ.علي مهنا، ط 1، منشورات: مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، 1418 ه/ 1998 م).

- الطرطوشي، محمد بن محمد بن الوليد (ت 520 ه/ 1126 م).

28- سراج الملوك (ط - 1، دار صادر، بیروت، 1415 ه/ 1995 م).

- الطوسي، الشيخ ابو جعفر محمد بن الحسن (ت 460 ه / 1067 م).

29- الاستبصار فيما اختلف من الاخبار (ط - 3، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1390 ه/ 1970 م).

30- الأمالي (قدم له: العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم، مطبعة النعان، منشورات المكتبة الأهلية، النجف الاشرف، 1384 ه/ 1964 م).

31- تهذیب الاحکام في شرح المقنعة، (دار الكتب الاسلامية، طهران، 1365 ه/ 1945 م).

- ابن عبد البر النميري، ابو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد (ت 463 ه/

ص: 331

1070 م):

32- الاستيعاب في معرفة الأصحاب، 4 ج (تحقیق: علي محمد البجاوي، ط - 1، دار الجيل، بیروت، 1380 ه/ 1960 م).

- ابن عقدة الكوفي، احمد بن محمد بن سعيد (ت 332 ه/ 943 م):

33- فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) (جمعه و رتبه وقدم له: عبد الرزاق حمد حسين حرز الدين، ط - 1، مطبعة نكارش، قم المقدسة، 1421 ه/ 2001 م).

- ابن العماد الحنبلي، ابي الفلاح عبد الحي (ت 1089 ه/ 1678 م):

34- شذرات الذهب في أخبار من ذهب (تحقیق: شعيب الأرناؤوط، محمد نعیم العرقسوسي، ط 9، دار الكتب العلمية، بيروت ن 1413 ه/ 1993 م).

- ابو الفرج الاصفهاني، علي بن الحسين (ت 356 ه / 966 م):

35- الأغاني (تحقیق: سمير جابر، ط 2، دار الفکر، بیروت، 1409 ه/ 1989 م).

-، القضاعی، ابو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر (ت 454 ه/ 1062 م).

36- مسند الشهاب، (تحقیق: حمدي عبد المجيد السلفي، ط 2، مؤسسة الرسالة، بیروت، 1407 ه/ 1986 م).

- قطب الدين الراوندي، ابي الحسين سعيد بن هبة الله (ت 573 ه / 1177 م):

37- فقه القران، (ط - 2، مکتبة اية الله المرعشي النجفي، قم المقدسة، 1405 ه/ 1985 م).

- ابن قيم الجوزية، أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرفي الدمشقي (ت 751 ه/ 1349 م)

38- الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية (راجعه وصححه: احمد عبد الحليم

ص: 332

العسكري، المؤسسة العربية، القاهرة ن 1380 ه/ 1960 م).

- ابن کثیر، عماد الدین ابوالفداء اسماعیل بن عمر (ت 774 ه/ 1372 م):

39- البداية والنهاية (تحقيق: د. فالح حسين، ط. 1، مكتبة المعارف، بیروت، 1407 ه/ 1987 م).

- الكليني، ثقه الاسلام الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الرازي (ت 328 أو 329 ه/ 939 أو 940 م):

40- الأصول من الكافي، 8 ج (صححه وعلق عليه: علي اکبر الغفاري، ط. 6، مطبعة حيدري، نشر: دار الكتب الاسلامية، طهران، 1388 ه/ 1968 م).

41- الفروع من الكافي، (صححه وقابله وعلق عليه: علي اکبر الغفاري، ط 4، مطبعة حيدري، نشر دار الكتب الإسلامي، طهران، 1418 ه/ 1998 م).

- الكناني، احمد بن أبي بكر بن اسماعیل (ت 762 - 840 ه/ 1360 - 1936 م):

42- مصباح الزجاجة، (تحقیق: محمد المنتقى الكشناوي، ط - 2، دار العروبة، بیروت، 1403 ه/ 1983 م).

- الكوفي، محمد بن محمد الاشعث (ت القرن الرابع الهجري / القرن العاشر الميلادي):

43- الجعفريات (الاشعثيات) (مكتبة نينوى الحديثة، طهران / د: ت).

- ابن ماجه، محمد بن یزید (ت 273 ه/ 886 م):

44- سنن ابن ماجه (تحقیق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة، بيروت / د: ت).

- الماوردي، ابي الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي (ت 450 ه/

ص: 333

1058 م):

45- الإحكام السلطانية والولايات الدينية (تحقيق: د. خالد رشيد العسلي، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1409 ه/ 1989 م).

- المجلسي، العلامة محمد باقر (ت 1037 - 1111 ه/ 1627 - 1700 م):

46- بحار الأنوار (تحقیق و نشر: مؤسسة الوفاء، بیروت، 1404 ه/ 1984 م).

- محب الدين الطبري، احمد بن عبد الله (ت 694 ه/ 1294 م):

47- ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربی (تقديم ومراجعة: جميل ابراهيم حبیب، دار القادسية، بغداد، 1404 ه/ 1984 م).

- المغربي، نعمان بن محمد التميمي (ت 259 - 360 ه / 872 - 970 م):

48- دعائم الإسلام (دار المعارف، القاهرة، 1385 ه/ 1965 م).

- المفيد، الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العبكري البغدادي (ت 413 ه/ 1022 م):

49- الفصول المختارة (ط 1، طبع و نشر: المؤتمر العالمي لالفية الشيخ المفيد، قم المقدسة، 1413 ه/ 1992 م).

- المقدسي، محمد بن احمد (ت 335 - 390 ه/ 946 - 990 م):

50- أحسن التقاسيم في معرفة الاقاليم (تحقیق: غازي طليمات، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق ن 1400 ه/ 1980 م).

- المناوی، محمد عبد الرؤوف (952 - 1031 ه/ 1545 - 1621 م):

51- فيض القدير (ط - 1، المكتبة التجارية، القاهرة، 1356 ه/ 1937 م).

- ابن منظور، جمال الدين محمد بن بکر مکرم (ت 711 ه/ 1311 م):

ص: 334

52- لسان العرب المحيط (تحقیق: عبد الستار احمد فراج، ط - 1، دار صادر، بیروت، 1405 ه/ 1985 م).

- النسائي، أبي عبد الرحمن احمد بن شعيب الشافعي (ت 303 ه/ 915 م)

53- خصائص أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (کرم الله وجهه) (عليه السلام) (تحقيق: محمد هادي الاميني، ط. 1، المطبعة الحيدرية، النجف الاشرف، 1388 ه / 1969 م).

- أبو نعيم الاصبهاني، احمد بن عبد الله (ت 430 ه / 1038 م):.

54- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، (تحقيق: حسام الدين المقدسي، ط . 4، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1405 ه/ 1985 م).

- الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر (ت 807 ه / 1404 م):

55- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، (تحرير: الحافظين العراقي وابن حجر العسقلاني، دار الريان للتراث ودار الكتاب العربي، بیروت، 1407 ه / 1987 م).

- وکیع، محمد بن خلف بن حیان (ت 306 ه/ 918 م):

56- أخبار القضاة، (تحقیق وتعلیق: عبد العزيز مصطفى المراغي، عالم الكتب، بیروت / د: ت)

- ياقوت الحموي، شهاب الدين ابو عبد الله ياقوت بن عبد الله (ت 626 ه/ 1238 م):

57- معجم البلدان (تحقیق: صلاح بن سالم المصراتي، ط. 1، دار الفکر، بیروت، 1418 ه/ 1997 م)

- اليعقوبي، احمد بن ابي يعقوب بن جعفر بن وهب الكاتب

ص: 335

(ت 292 ه/ 904 م):

58- تاريخ اليعقوبي (تحقيق: العلامة محمد صادق ال بحر العلوم الطباطبائي، مطبعة الغري، النجف الاشرف، 1358 ه/ 1939 م).

ثانيا / المراجع الحديثة:

- البراقي، السيد حسين بن السيد احمد (ت 1332 ه / 1913 م)

59- تاريخ الكوفة (استدراك: السيد محمد صادق ال بحر العلوم، تحقیق: ماجد بن احمد العطية، ط 1، مطبعة شريعين، نشر: المكتبة الحيدرية، النجف الاشرف، 1424 ه/ 2000 م).

- جرداق، جورج سجعان:

60- الإمام علي صوت العدالة الإنسانية (مطبعة الجهاد، نشر دار الفكر العربي، بیروت، ج 2 - بين علي والثورة الفرنسية، 1378 ه / 1958 م).

- جعفر، د. نوري:

61- علي ومناوئوه (قدم له: الأستاذ عبد الهادي مسعود، راجعه وعلق عليه: السيد مرتضى الرضوي، ط 4، دار المعلم - مطبوعات النجاح، القاهرة، 1396 ه/ 1976 م).

- السعدي، د. حمید:

62- شرح قانون العقوبات الجديد - دراسة تحليلية مقارنة في الإحكام العامة - الجريمة والعقاب والمسؤولية الجنائية (ط - 2، دار الحرية للطباعة، بغداد 1396 ه/ 1976 م)

- الشبلنجي، الشيخ مؤمن بن حسن مؤمن (ت 1298 ه / 1880 م).

63- نور الإبصار في مناقب آل بيت النبي المختار (صلى الله عليه واله وسلم) (دار

ص: 336

احیاء التراث العربي، بيروت / د: ت، اعادت طبعة دار العلوم الحديثة، بیروت، مكتبة الشرق الجديدة، بغداد).

- الصيفي، د. عبد الفتاح مصطفی:

64- حق الدولة في العقاب - نشأته واقتضاؤه وانقضاؤه (طبع: دار الأحد الجيري أخوان، بیروت، 1391 ه، 1971 م).

65- قانون العقوبات - القسم الخاص (دار المعارف، بیروت، 1387 ه / 1967 م).

- العقاد، عباس محمود:

66- عبقرية الإمام علي (دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت / د: ت).

- الفكیكي، توفیق:

67- الراعي والرعية ((المثل الأعلى)) للحكم الديمقراطي في الإسلام - شرح عهد الإمام (عليه السلام) الموجه إلى مالك الاشتر حين ولاه مصر (ط - 1، مطبعة شریعت، نشر: المكتبة الحيدرية، قم المقدسة، 1424 ه/ 2004 م).

- القندوزي الحنفي، الشيخ سليمان بن ابراهیم (ت 1220 - 1294 ه/ 1805 - 1877 م):

68- ينابيع المودة لذوي القربي (سيد علي جمال اشرف الحسيني، ط 2، دار الاسوة للطباعة والنشر، منظمة الاوقاف والشؤون الخيرية، قم المقدسة، 1422 ه/ 2002 م).

- کرم، جورج:

69- قانون العقوبات معدلا «ومضبوطا» على الأصل (د: م / د: ت).

- مصطفی، د. محمود محمود:

ص: 337

70- شرح قانون الإجراءات الجنائية (القاهرة، 1385 ه/ 1965 م).

71- شرح قانون العقوبات - القسم العام (ط - 6، مطابع دار الشعب - الاتحاد الاشتراكي العربي، القاهرة، 1384 ه/ 1964 م).

- النوري، الميرزا حسين بن الميرزا محمد تقي (ت 1333 ه/ 1914 م):

72- مستدرك الوسائل، (نشر مؤسسة أهل البيت (عليهم السلام) قم المقدسة، 1408 ه/ 1988 م).

- الهمذاني، الشيخ احمد الرحماني:

73- الإمام علي ابن ابي طالب (عليه السلام) من حبه عنوان الصحيفة (ط - 1، مؤسسة المنير للطباعة والنشر، مطبعة افست فتاحي، طهران، 1417 ه/ 1997 م).

ص: 338

خصائص الحاكم العادل في كلمات اميرالمؤمنين (عليه السلام) عهد مالك الاشتر (رضوان الله عليه) انموذجا

اشارة

أ. م. د کریم شاتي السراجي

ص: 339

ص: 340

المقدمة

تعد مسألة الحكومة والدولة والحاكم من المسائل المهمة في حياة الانسان و المجتمعات، ومن المسائل الاساسية التي واجهها الفكر البشري منذ نشوء المجتمعات، وقد طرحت في هذا المجال نظريات واراء كثيرة و مختلفة من قبل مفكرين و ادیان و مدارس فلسفية على طول التاريخ وقد سجل لنا التاريخ شواهدا كثيرة على هذا الجهد البشري، ومن اقدم المحاولات في هذا الاتجاه ما وصل الينا من تنظير فكري رائع حول الدولة و الجمهورية من قبل فلاسفة اليونان و بالخصوص افلاطون في جمهوريته التي تحدث فيها عن العدالة و النظام وطبيعة الدولة و الحكومة وقد تأثر به الفيلسوف الاسلامي الكبير الفارابي والف على نهجه المدينة الفاضلة التي تحاكي جمهورية افلاطون في نسقها و عدالتها و حاكمها و مثاليتها.

وكان المحور في هذه المدينة هو الحاكم و الرئيس الذي يمثل الضمانة الاكيدة للدولة الفاضلة العادلة و شبهه بقلب الانسان و علاقته بباقي اعضاء الجسد فاذا صلح القلب صلح و طاب جميع الجسد واذا مرض القلب مرض وخبث جميع الجسد فكذلك الحاكم اذا صلح صلح جميع المجتمع و اذا فسد فسد جميع المجتمع وهذا المعنى يشير اليه الحديث الوارد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (صنفان من امتي اذا صلحا صلحت امتي واذا فسدا فسدت امتي الامراء والقراء)(1)

وقد عالج التشريع الاسلامي من خلال القرآن وسيرة النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والسنة النبوية الشريفة هذه المسألة المهمة الحساسة من خلال بين

ص: 341

صفات و شروط الحاكم العادل وواجباته و حقوقه.

وقد حضيت مسألة الحكومة والعدالة باهتمام كبير من قبل الامام علي (عليه السلام) من خلال تجربته الفذة والرائعة والمتفردة على طول التاريخ في الحكم وادارة الدولة في عصره (عليه السلام) وقد تجسدت هذه التجربة الرائعة في الحكم من خلال سيرته (عليه السلام) و کلماته و خطبه ووصاياه الى الولاة و الامراء، و اشمل واجمل و اطول هذه النصوص واجمعها لاصول ومسائل ادارة الدولة والحكم هو العهد الذي كتبه الى واليه على مصر مالك الاشتر.

وسوف نتناول من خلال هذا العهد صفات وخصائص وواجبات و حقوق الحاكم والمسؤول العادل و اثره في بناء المجتمع والدولة الفاضلة. وقد انتظم البحث في ابعاد عدة: الايماني والاخلاقي (الروحي)، الاداري والسياسي، الاجتماعي، الاقتصادي و العسكري.

البعد الايماني والاخلاقي (التقوى)

ان المتصفح للقرآن الكريم يجد ان كلمة التقوى و مشتقاتها استعملت اكثر من مئتين مرة في القرآن الكريم وهذا التركيز والتأكيد والتكثيف لهذه المفردة يدل على اهميتها وخطورتها في حياة الانسان في الدنيا والاخرة، بل ورد في بعض الآيات ان التقوى سبب لنزول البركات و استقرار المجتمعات قال تعالى «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» الاعراف 96، فالتقوى اصل لكل فضيلة ولذلك نجد ان القران الكريم في كثير من الايات المباركات يوصي بالتقوى وايضا ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و الائمة (عليه السلام) فتجد خطب وكلمات سيد البلغاء والمتكلمين مشحونة بهذه المفردة فلا تخلو كلمة له

ص: 342

(علیه السلام) من الاشارة الى هذه الخصلة التي تعد سببا لسعادة و استقرار وثبات المجتمعات في الدنيا والاخرة.

ان اول وصية للامام (عليه السلام) تضمنها عهده الى مالك الاشتر هي وصية التقوى حيث جاء في العهد (امره بتقوى الله وايثار طاعته واتباع ما امر به في كتابه من فرائضه و سننه التي لا يسعد احد الا بأتباعها ولا يشقى الا مع جحودها و اضاعتها)(2)

حيث ان الامام (عليه السلام) ربط سعادة الانسان وشقاوته باتباع التقوى و تضييعها. فما المقصود بالتقوى؟

التقوى في اللغة من وقى، وكل ما وقى شيئا فهو وقاء له وقاية3.

وايضا هي حفظ الشيء مما يؤذيه و يضره، وجعل النفس في وقاية مما يخاف، ثم يسمى الخوف تارة تقوى، والتقوى خوفا، ثم صار التقوى في تعاريف الشرع حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحضور(4).

و في الاصطلاح: هو الاحتراز بطاعة الله عن عقوبته، وهو صيانة النفس عما تستحق به العقوبة من فعل او ترك(5).

وعرفها الامام الصادق ع ((ان لايفقدك حيث امرك وان لايراك حيث نهاك))(6)

وعليه فالتقوى تعني الالتزام بالاوامر الالهية والانتهاء عن النواهي الالهية. وهي الرقيب الداخلي الذي يحفظ سلوك الانسان عن الزيغ والخروج عن الطريق السوي الذي امر الله تعالى به.

فالتقوى تعتبر صمام امان و ضابط مهم لكل فرد في المجتمع و بالخصوص للحاكم لانها تمنعه ان ينحرف بتأثير شهواته و مطامعه واهوائه و ان يتعالى على نفسه

ص: 343

ليستطيع ان يحكم بين الناس بالعدل والانصاف فلا يجور ولا يتعسف ويضع نصب عينيه رضا الله تعالى فينتصر للمظلوم من الظالم ويرجع الحقوق الى اهلها.

ان النظام الاخلاقي والقيمي في الاسلام يربط الانسان ربطا اكيدا بالله تعالى ويعتبر الانسان موجودا له عمر غير متناه تمتد حياته الى ابعد من هذه الحياة الدنيا المحسوسة الى حياة اخرى لا يموت فيها وان الانسان مخلوق لله تعالى لا يملك حولا ولا قوة الا بأذنه فهو موجود رابط فقير غير مستقل يحتاج في كل ان الى المدد الالهي و هذه الحقيقة لمن يستشعر بها لها تأثير كبير على اخلاق وافعال الحاكم وبهذا الصدد يقول امير المؤمنين: (انا وانتم عبيد ملوكون لرب لا رب غيره يملك منا ما لا نملك من انفسنا)(7)

فمن يعيش هذا الاحساس والشعور تجاه خالقه وربه فلا شك سوف يقوم باعماله على افضل ما يكون و ينضبط ضمن اوامر خالقه و ربه وهذا بدوره يؤدي الى قيام دولة العدل والانصاف بواسطة عدالة هذا الحاكم،

فالحاكم الذي له علاقة بهذا المستوى مع الله تعالى لا يظلم احدا قطعا ولهذا يقول الامام علي (عليه السلام) (والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلته وان دنياكم عندي لا هون من ورقة في فم جرادة تقضمها)(8)

ولذلك كلما كان الحاكم على معرفة و ارتباط بالله تعالى كلما كان ملتزما بالاوامر الالهية مطيعا لشرع الله و قوانينه بين الرعية.

ان ضبط النفس عن الهوى والغضب والميول والرغبات يرتبط ارتباطا وثيقا بالخوف من الله تعالى وتقواه الذي ينعكس على تعامل الحاكم مع رعيته بالعدل والانصاف والرحمة وعدم الاستهتار بأموال المسلمين و التصرف بها على انها ملك

ص: 344

خاص للحاكم يفعل بها كيفما شاء.

يقول امير المؤمنين (عليه السلام) (أأقنع من نفسي بأن يقال ((امير المؤمنين)) ولا اشاركهم في مكاره الدهر؟ أو اكون أسوة لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني اكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها...)(9)

فالتقوى تمثل حصانة للحاكم و المسؤول عن خيانة الامة في الاموال والانفس والاعراض.

ولذلك نجد سيرة ائمة العدل و في مقدمتهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) امير المؤمنين و امام المتقين شديد الحرص على حفظ اموال الامة و اعراض وارواح الناس بل تعامل مع اعدائه بالعدل والانصاف وهذا ما حصل في معركة صفين عندما منع العدو الماء عن جيش الامام علي (عليه السلام)

و عندما كان الماء تحت سيطرتهم وبعد ان دفعهم جيش الامام عن الماء لم يمنعهم (عليه السلام) من الماء و قال ان الماء للجميع، وكذلك ما صنع في معركة الجمل حيث حكم شرع الله ولم يتعداه فلم يسبي النساء والذراري وانما اقتصر على اموال الناكثين التي كانت في ساحة المعركة(10).

وايضا مقولته المعروفة في حق الخوارج ((لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطائه كمن طلب الباطل فأصابه))(11)

و ما ورد عن سيرة عمر بن عبد العزيز حيث رفع السب عن امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) و اعاد بعض الحقوق الى اهلها و كان يقال ان سبب هو تدينه و تقواه التي تميز بها عن باقي خلفاء بني امية(12).

ص: 345

فالتقوى تمثل ركنا اساسيا و شرطا مهما للحاكم العادل التي من خلالها يستطيع الحاكم ان يحكم بالقسط والعدل وبهذا الصدد يقول الامام الحسين (عليه السلام) من كتاب له الى اهل الكوفة: ((فلعمري ما الامام الا الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحق الحابس نفسه على ذات الله تعالى))(13) فحبس النفس و الهوى هو عين التقوى وهو الذي يجعل الحاكم قائما بالقسط والعدل لان اساس الظلم اتباع الهوى وحب الدنيا و طول الامل ولذلك قال امير المؤمنين (عليه السلام) ((اني اخاف عليكم اثنتين اتباع الهوى و طول الامل فاما اتباع الهوى فانه يرد عن الحق واما طول الامل فينسي الاخرة))(14)

وقد اتفق المسلمون(15) على ان الامام لابد ان يكون عادلا حتى لا يجور في حكمه بل الامامية(16) اشترطوا ان يكون معصوما وذكروا لذلك ادلة عقلية ونقلية.

وعليه فعدالة الحاكم موضع اتفاق جميع المسلمين و لها اثر بالغ في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية وحفظ المجتمع و الامة من الانحراف والفساد والضياع.

ولذلك كلما كان الحاكم عادلا متقيا كان رحيما رفيقا شفيعا على ضعاف الناس واهل الحاجة والمسكنة قويا في وجه المستكبرين والظلمة وقد وعد الله المتقين بالمفاز والجنة والرضوان قال تعالى (ان للمتقين مفازا حدائق واعنابا).

ص: 346

البعد الاداري والسياسي

يتضمن عهد الامام (عليه السلام) الى مالك الاشتر قواعد واصول مهمة للعمل الاداري والسياسي بشكل عام و للحاكم والوالي و المتصدي لامور الناس بشكل خاص.

القاعدة الاولى: الاعتبار بتجارب الحكام السابقين

ومن هذه القواعد النظر والتأمل في مسيرة الحكام السابقين وان يراقب الحاكم نفسه بعين العامة والمحكومين.

وقد عبر عنها الامام (عليه السلام) بقوله: (اني قد وجهتك الى بلاد قد جرت عليها دول قبلك، من عدل وجور وان الناس ينظرون من امورك في مثل ما كنت تنظر فيه من امور الولاة قبلك و يقولون فيك ماكنت تقول فيهم و انما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على السن عباده، فليكن احب الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح))(17)

في هذا النص يؤصل الامام لقاعدة مهمة في ادارة الحكم وهي ان الحاكم يراقب خلال سيرة الحكام السابقين و يعتبر بها و يجعل نفسه في صفوف المحكومين والعامة في تقييم اعماله و هذا كلام في غاية الروعة لان الانسان بطبعه عندما يكون ضمن العامة ينظر الى تصرفات الحاكم

بطريقة مختلفة عن الحاكم نفسه و بذلك تكون حكومته وقراراته منطلقة من حاجات الناس ومن رغبة الشعب و عامته واذا كان الحاكم بهذه الصورة فان الله تعالى قد جعل له سننا تجري في عباده ومن هذه السنن الذكر الطيب والرضا من قبل عامة الناس على

ص: 347

هذا الحاكم ان هذه الوصية جعلها الامام في اول وصاياه وعهده الى مالك الاشتر لانها في غاية الاهمية وذلك لان اغلب الذين يتصدون للحكم و المسؤولية يتناسون انتقادهم لاعمال الحاكم والمسؤول عندما کانوا ضمن المحكومين و عامة الناس فينفصل تماما عن تلك المرحلة (مرحلة المحكوم) و يمارس دور الحاكم بدون الاستفادة من تجربته عندما كان محكوما و ضمن عامة الناس و الشعب و هذه الصفة تجعل الحاكم بعيدا عن رغبات و طموح عامة الناس. وهذا ما حصل لمن تولى الحكم بعد عام 2003 م في العراق حيث ان الحكام لم يعتبروا من تجربة النظام البائد مع الشعب العراقي و تناسوا معاناتهم و الامهم وانتقاداتهم و معارضتهم للنظام البائد عندما كانوا في المعارضة و اليوم الكثير منهم يكرر كثيرا من اعمال الظلمة و كان جديرا بهم و بالخصوص اتباع اهل البيت و من يدعون بالرجوع الى الامام علي (عليه السلام) ان يجعلوا سيرة الامام و کلماته و عهده لمالك الاشتر المليء بالوصايا المهمة في مسألة ادارة الدولة و المجتمع موضعا للتطبيق، وهذه الوصية تدعو الى اعطاء اهمية كبيرة لرأي العامة و الشعب. وهي من القوانين المتقدمة في الفكر الانساني في هذا المجال.

القاعدة الثانية: الرحمة والمحبة و اللطف بالناس وعامة الشعب

وهذه القاعدة لها اثر كبير في التفاف الجمهور و عامة الناس حول القائد و الحكام والمسؤول و قد وضع الامام (علیه السلام) مبدأ انسانيا و اخلاقيا عظيما للتعامل مع المجتمع على اساس المشتركات معهم اما باخوة الدين واما باخوة الانسانية حيث قال (عليه السلام): (واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان اما اخ لك في الدين و اما نظير لك في الخلق))(18)

فهذه الوصية من الامام قبل 1400 سنة حيث كانت المفاهيم القبلية و الشعوبية

ص: 348

والعنصرية هي السائدة فالأمام له الريادة والسبق في وضع قانون انساني مهم يحترم الانسان لأنسانيته ويعلو من قيم المحبة والاخاء بين ابناء النوع الانساني وهذا بالواقع هو منطق القرآن (اكرمكم عند الله اتقاكم)الحجرات 13

((وقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس سواسية كأسنان المشط))(19)

فالأمام (عليه السلام) يضع قاعدة مهمة لتعامل الحاكم مع ابناء شعبه وان كان بعضهم من اديان اخرى فالاخوة الدينية مع ابناء دينه والاخوة الانسانية مع ابناء الاديان الاخرى، فالحاكم في منطق الامام (علیه السلام) اب للجميع و ليس طاغوتا و مستبدا بل قلبه مليء بالرحمة والعفو و الحب و هذا ما جسده امير المؤمنين (عليه السلام) عندما تصدى للحكم ابان خلافته (عليه السلام) و الامام يوصي الحاكم بان يعطي من عفوه وصفحه للمسيء من عامة الناس ((ولا يكونن عليهم سبعا ضاريا))(20) لان مسؤولية الحاكم مسؤولية انسانية قائمة على العلاقة الطيبة بينه و بين عامة الناس فهو كالأب الحنون الحريص على مصالحهم الذي يأخذ بأيديهم الى مواطن الخير والصلاح فاذا فعل ذلك فسوف يحصل على ثقة الناس و محبتهم و تعاونهم وان الله تعالى سوف يجري له الذكر الطيب على السنتهم و هذا وعد الهي.

القاعدة الثالثة: انصاف الناس

يتعرض الامام (عليه السلام) في هذه الفقرة الى قاعدة مهمة في الادارة والتصدي للمسؤولية وهي عملية انصاف الحاكم الناس من خاصته حيث قال (عليه السلام) ((أنصف الله و أنصف الناس من نفسك ومن خاصة اهلك ومن فيه هوى من رعيتك فانك إلا تفعل تظلم ومن ظلم عباده الله كان الله خصمه))(21)

ص: 349

العدال والانصاف اساس الحكم و دوامه فان الملك يدوم مع الكفر ولا يدوم مع الظلم فالحاكم و المسؤول العادل الذي يعطي الناس حقهم من نفسهم و من خاصته سوف تكون له مكانة مكرمة ومقدسة عند عامة الناس و بالتالي سوف يكون موضع رضا الله تعالى و نصره وبعكسه سوف يكون مبغوضا من الناس مبغوضا من الله تعالى وكان من خصماء الله تعالى و اعدائه فيأذن بحرب من الله تعالى، و من دواعي تغيير النعم و زوالها هي ظلم العباد لان دعوة المظلوم ليس دونها حجاب بل تخرق الحجب وبهذا الصدد يقول الامام (عليه السلام) ((وليس شيء ادعى الى تغيير نعمة الله، وتعجيل نقمته، من اقامة على ظلم، فان الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد))(22)

القاعدة الرابعة: مداراة العامة على حساب الخاصة

الامام في هذا العهد يضع وصية مهمة للحاكم و المسؤول وهي مداراة العامة على حساب الخاصة من الاقارب والوجهاء واصحاب الثروة و المناصب.

وذلك لان الخاصة يشكلون عبئا على الحاكم و لانهم اصحاب امتيازات بخلاف العامة الذين تقع عليهم اعباء الحرب ومقارعة الاعداء و البناء و الزراعة والصناعة فهم عماد الدين و جماع المسلمين، فإرضائهم على حساب الخاصة لا يؤثر على الامور العامة و مصلحة الدولة و الناس بخلاف ارضاء الخاصة على حساب العامة لان العامة تقع على عاتقهم الاعمال الجسام وادامة المصالح العامة من الدفاع عن كيان الدولة و محاربة الاعداء ومن القيام بتوفير الحاجات الاساسية للدولة من خلال الزراعة و الصناعة و امور اخرى وقد عبر الامام (عليه السلام) عن هذه القاعدة بقوله: (فان سخط العامة يجحف برضا الخاصة وان سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة)(23)

ص: 350

القاعدة الخامسة: اختيار المستشارين

في هذه الوصية الإمام (عليه السلام) يوصي الحاكم و الوالي و المسؤول ان لا يدخل في مشورته بخيلا ولا جبانا ولا حريصا.

مما لاشك فيه ان الحاكم لا يستغني عن المستشارين و لذلك عليه ان ينتخب منهم الشجاع والكريم واهل الحكمة و العقل لان البخل والجبان والحرص صفات مذمومة وسيئة تؤدي الى اخطاء جسيمة وتوقع الحاكم في امور يذم عليها وقد جاء في وصيته (عليه السلام) بهذا الصدد: (ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ولا جبانا يضعفك عن الامور ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فان البخل والجبن والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله تعالى))(24)

ان مركز الخطر في المستشارين والمقربين من الحاكم يجعلونه ينظر الى الامور من وجهة نظرهم وعليه فكلما كانوا يتمتعون بصفات صالحة و خيرة كانت اراء الحاكم صالحة و سديدة والعكس صحيح. ولذلك الامام (عليه السلام) يوصي الحاكم بمشاورة العلماء و الحكماء وان صلاح الامة وخيرها يرتبط بمشاورة اهل الخبرة واهل الاختصاص من العلماء والحكماء و بهذا الصدد يقول الإمام (عليه السلام): (واکثر مدارسة العلماء و مناقشة الحكماء في تثبیت ماصلح عليه امر بلادك و اقامة ما استقام به الناس قبلك)(25)

وهذا النص في غاية الروعة و الدقة لانه يرسم للحاكم المسار الصحيح في اتخاذ المستشارين و المقربين اليه.

القاعدة السادسة: استبعاد اعوان الظلمة من مواقع المسؤولية

هذه وصية مهمة من الامام (عليه السلام) للحاكم العادل في استبعاد وعدم استوزار او تقريب او جعل في بطانته ما كان وزيرا للظلمة لان هؤلاء اصحاب

ص: 351

تاریخ سيء تجاه عامة الناس وفي رقابهم مظالم و اثام كثيرة واصحاب نفاق وليس لهم اخلاص حقيقي تجاه الحكومة الجديدة و انما هم اصحاب مصالح شخصية لا يتوانون في خذلان الدولة و تخريبها، ثم ان هؤلاء يمثلون مرحلة ظالمة كانت لها ضحايا كثيرة من عامة الناس و لذلك وجودهم ينفر العامة والمظلومين من قبلهم فعلى الحاكم العادل ان لا يقرب هؤلاء اليه و يستبعدهم من التصدي لامور العامة و الناس لانهم اعوان الظلمة فهم لا دين لهم ولا ضمير عندهم. وقد جاء في وصيته (عليه السلام) ((ان شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا، ومن شركهم في الاثام، فلا يكونن لك بطانة فانهم اعوان الأئمة واخوان الظلمة وانت واجد منهم خير الخلف))(26)

على اهميتها هذه الوصية الا ان الذين تصدوا للحكم في العراق من اتباع علي (عليه السلام) لم يعملوا بهذه لوصية فقد جعلوا اعوان الظلمة من بطانتهم و استوزروهم وسلطوهم على رقاب الناس في مواقع شتی ومهمة في ادارة الدولة و السبب في ذلك ان هؤلاء منافقون متملقون يزينون الامور للمتصدي والمسؤول على حساب الحق والحقيقة فلا يواجهونه بمر الحق وعادة المسؤول ينسجم نفسيا مع هؤلاء و يبعد من يجاهر بالحق والحقيقة من المخلصين ثم ان الامام (عليه السلام) عندما يوصي الحاكم بعدم استوزار الظلمة يوصیه من جهة اخرى في مكان اخر من العهد بان يقرب منه ويلصق نفسه باهل الاحسان واهل البيوتات الصالحة و السوابق الحسنة و اهل النجدة والشجاعة والسخاء و السماحة(27).

ومما لاشك فيه ان الحاكم عندما يجعل بطانته و مقربيه من اهل هذه الصفات سوف يكونون له عونا على الخير والصلاح وكل ما ينفع الامة لانهم كما عبر عنهم الامام علي (عليه السلام) ((جماع من الكرم وشعب من العرف)(28)

ص: 352

القاعدة السابعة: اعطاء كل ذي حق حقه

في هذه الوصية يوجه الامام (عليه السلام) الحاكم في كيفية التعامل مع الناس و ان لا يجعل المحسن والمسيء في كفة واحدة و بمنزلة سواء لان هذا العمل سوف يقتل حالة الابداع عند المحسن والناس الاخرين من اهل الاحسان و يطمّع المسيء في اسائته و تغيب الموازين الحقة في التمييز بين اهل الاحسان واهل الباطل فعلى الحاكم ان يشعر المحسن باحسانه من خلال اساليب كثيرة لا يعدمها الحاكم من خلال الشكر والتقدير والهدايا والتصريح باعماله الحسنة على رؤوس الاشهاد وايضا بالنسبة للمسيء لابد من محاسبته على قدر اسائته و اشعاره بتقصيره حتى يتجاوزها في القابل ويعبر عن هذه الوصية بقوله (عليه السلام) (ولايكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء فان في ذلك تزهيدا لاهل الاحسان في الاحسان و تدريبا لاهل الاساءة على الاساءة)(29) فالمحسن لابد ان يكافأ لاحسانه والمسيء لابد ان يجازى باسائته حتى يعتبر به غيره.

القاعدة الثامنة: عدم نقض السنن الصالحة السابقة

هنا الامام (عليه السلام) يوصي الوالي بالمحافظة على السنن الصالحة التي كانت سائدة قبله وعدم نقضها لان فيها خير للامة و للصالح العام فيجب ادامتها والعمل على وفقها وان كانت من صنع حكام سابقين ظالمين لان المدار العمل الصالح ((الحكمة ضالة المؤمن))(30) فلا ينبغي على الحاكم التفريط بها مازالت موضع اجتماع وصلاح الامة، وهذه الوصية تشير الى احترام العادات و التقاليد للشعوب التي لا تتقاطع مع الشريعة الاسلامية و بلا شك هذه الوصية تؤدي الى الالفة و المحبة بين الحاكم والمحكومين، والحاكم حقيقته امين على مصالح الامة فلا يتحرك من خلال انانيته و نزعته الشخصية فينظر نظرة سيئة تجاه اعمال الحكام السابقين وان

ص: 353

كانت صالحة و خيرة مادامت لا تحمل اسمه.

القاعدة التاسعة: الاتصال المباشر مع الناس

يضع الإمام (عليه السلام) قاعدة مهمة في ادارة الدولة وهي تواصل الحاكم و المسؤول مع الناس بشكل مباشر وعدم الاحتجاب عنهم لان الاحتجاب عن الناس يؤدي الى القطيعة بين الحاكم والمحكوم بينما التواصل يؤدي الى حالة المحبة والالفة والتواصل من قبل الحاكم مع شعبه و يطلع بصورة مباشرة على حاجاتهم و امورهم مما يؤدي الى التفاف الشعب حول الحاكم والوالي و يغلق الباب امام العصيان و الثورات من قبل الشعب على الحاكم وهذه الوصية تعد من اساسيات الحكومة الصالحة العادلة.

فيقول الامام (عليه السلام) ((فلا تطولن احتجابك عن رعيتك))(31)

القاعدة العاشرة: عدم المن على الرعية باعماله الصالحة

وهذه من الوصايا المهمة للحاكم العادل ان لا يمن على رعيته بصالح اعماله و ينتقصهم من خلال ما يقدم لهم من اعمال و يذكرهم دائما بانهم كانوا اصحاب عوز و حاجة و فقر و بجهوده اصبحوا اهل خير وغني و هذا ما يحصل دائما من قبل الحكام الظلمة عندما يقومون بأبسط الاعمال يمنون على الشعب بها وهذا ما كان يردده النظام البائد فكان يذكر الناس بأنهم كانوا حفاة واهل فقر و حاجة وبجهوده الشخصية اصبحوا بهذا الواقع الجديد فيقول الإمام (عليه السلام) (اياك و المن على رعيتك باحسانك)(32).

ثم ان الامام يوصي الوالي ان لايحدث سنة تضر بالسنن الصالحة السابقة لانه

ص: 354

يصدق عليه ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة عليه وزرها و وزر من عمل بها الى يوم القيامة))(33) وقد جاء في هذه الوصية ((ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة))(34)

البعد الاجتماعي والاقتصادي والعسكري

الامام (عليه السلام) في وصيته الى مالك الاشتر يقسم و يصنف المجتمع الى طبقات و الامام (عليه السلام) يستعمل مصطلح الطبقة و يريد منه الذين ينتمون الى نشاط مهني واحد کالجنود والزراع و القضاة والتجار ... فالتقسيم و التصنيف على اساس العمل و المهنة و ليس على اساس مناطقي او عنصري او قومي او اسياد و عبید، و هذا التقسيم يتناسب مع نسق المدينة المتنوعة و لمتحضرة و الكبيرة لا القرية الصغيرة لان مجتمع المدينة مجتمع يتبادل المصالح و المنافع و التخادم فيما بينهم فالجنود يقدمون الامن للمجتمع والزراع يقدمون مزروعاتهم و منتجاتهم للناس و لولاهم لحصل القحط و هكذا كل صنف من الاصناف يقوم بتقديم خدمة للمجتمع تكون قوامه واستمراره فيقول الإمام (عليه السلام) في وصيته: ((واعلم ان الرعية طبقات لا يصلح بعضها الا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض:

فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الانصاف والرفق، ومنها اهل الجزية و الخراج من اهل الذمة و مسلمة الناس، ومنها التجار واهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة))(35)

الامام علي (عليه السلام) في هذا النص الذي يشير الى علم الامام للمجتمع ومكوناته و مسؤولياته وما يصلحه فان الامام (عليه السلام) يصنف المجتمع على اساس المهن والاعمال وان هذا التصنيف يقتضي التعاون و التلاحم و التخادم بين

ص: 355

ابناء المجتمع لان صلاحهم يقوم على تعاونهم وهلاكهم يقوم على تصارعهم وان كل صنف من هذه الاصناف لا تستقيم اموره الا بالتعاون مع الاصناف الاخرى وهذه طبيعة المجتمع المدني القائم على تبادل الخدمات و المنافع ثم ان الامام علي (عليه السلام) صنف المجتمع الى هذه الاصناف لغاية و لغرض هام هو وضع مناهج و عمل و مسؤوليات وقوانين لكل طبقة (حقوق وواجبات)

ثم ان الامام علي (عليه السلام) يتكلم عن حالة التداخل والتخادم والتعاون بين الطبقات من الجنود والزراع و القضاة...) وانه لا غنى لصنف عن الاصناف الاخرى فان مصالحهم متداخلة متوقفة على المصالح الاخرى لتلك الطبقات فالجنود تقع على عاتقهم حفظ امن البلد من الداخل والخارج وان قوام معيشة الجند يعتمد على ما يقوم به الزراع و التجار من اعمال تستوجب الخراج والضرائب الذي يمد الدولة بالاموال فتقوم الدولة بإعطاء المعاش لهذه الشريحة وهذه يحتاج الى جهاز اداري من القضاة والكتبة لتسيير امور الدولة و الاشراف على هذه النشاطات، و حل النزاعات عن طريق القانون ولولاهم لغاب القانون و سيطر القوي على الضعيف و ضاعت الحقوق وغابت الدولة و اصبح الهرج المرج.

ثم ان الامام (عليه السلام) يوصي الحاكم في كيفية اختبار الجند والقادة و يضع له منهجا دقيقا و رائعا في الاختيار الناجح فأول الصفات والمزايا للجند و القادة التدين والخوف من الله تعالى وقد عبر عنها الامام بالنصيحة الله و للرسول و للامام.

ثم الصفة الثانية ان يكون امينا طاهرا لا يتعدى على اموال الاخرين و يراعي حقوقهم فعبر عنها (واطهرهم جيبا)(36)، وايضا من صفاته ان يكون عونا وسندا للضعفاء و الفقراء شديدا على الاقوياء والظلمة.

ثم انتخابهم واختيارهم من البيوتات الصالحة و اهل التاريخ الحسن ويتصفون

ص: 356

بالنجدة والشجاعة والسخاء و السماحة وهذه الصفات مجمع الخير والصلاح ولها اثر كبير في اشاعة العدل والإنصاف و المحبة والألفة بين عموم الناس.

ثم ان الامام يوصي الوالي ان يتفقد و يتعاهد حوائج الجند باستمرار ويشعرهم بالمحبة والرعاية حتى يبادلونه التضحية والاخلاص والثقة في سبيل حفظ امن الدولة وصد العدوان فيقول (عليه السلام) ((ثم تفقد من امورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما))(37)

ثم ان الامام يوصي الوالي بوصية مهمة جدا للجند و لغيرهم و هي حسن الثناء عليهم وابراز محاسنهم وشجاعتهم ونجدتهم فانها تثير العزيمة فيهم و تدفع بقليل الهمة الى الاندفاع و التسامي نحو النجدة و الشجاعة والبسالة وهذا اسلوب رائع لتشجيع الضعيف والخامل دون لومه واظهار عيوبه لكن من خلال الثناء على المحسن فيقول (عليه السلام) ((وواصل في حسن الثناء عليهم و تمدید ما أبلی ذوو البلاء منهم فان كثرة الذكر الحسن افعالهم تهز الشجاع و تحرض الناكل ان شاء الله))(38)

الإمام (عليه السلام) يضع ضوابط للقائد الذي يكون موضع قرب واهتمام و استخلاص من قبل الوالي ان يكون مواسيا لجنوده في السهر على توفير الضروري من حاجاتهم وعوائلهم حتى يشعروا بالاطمئنان على مستقبلهم ومستقبل اولادهم لكي يقوموا بأداء واجباتهم على افضل ما يكون، وهذه اشارة مهمة من الامام (عليه السلام) لاصلاح طبقة العسكر.

ثم ان الإمام (عليه السلام) يستعرض وصاياه للولي في طبقة القضاة و الحكام الذين يحكمون بين الناس فيذكر الامام (عليه السلام) مجموعة من الصفات والمميزات التي يجب ان يتوافر عليها القاضي والحاكم لان القاضي والحاكم تقع عليه مسؤولية كبيرة ومهمة في اقامة العدل و الانصاف بين الناس، فالقضاء في الاسلام

ص: 357

بمثل مؤسسة مستقلة بذاتها عن الحكومة والسلطة التنفيذية و لا تتدخل في امورها ومن هذه الصفات:

89. 1- ان يكون عالما كثير الاطلاع والدراية و الخبرة بحيث لا تضيق عليه الامور قادرا على اعطاء الحلول و الاحكام بين الخصوم قال (عليه السلام) ((اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الامور..))(39)

90. 2- عفیف النفس (لا تشرف نفسه على طمع)(40) وهذه الصفة جدا ضرورية للقاضي حتى لا يميل في حكمه لمن يبذل له او يتوقع منه نفعا او مصلحة.

91. 3- دقيقا صبورا قوي الحجة والبرهان لا يتسرع في الشبهات وهذا المعنى يشير اليه قوله (عليه السلام) ((ولا يكتفي بأدنی فهم دون اقصاه و اوقفهم في الشبهات و اخذهم بالحجج))(41)

ثم ان الامام يوصي الوالي بأن يتعهد القاضي في البذل والعطاء لكي لا يقع في الحاجة و العوز التي قد تؤدي عند ضعفاء النفوس الى الجور في الحكم لمن يبذل لهم لكي يبقى القضاء نزيها مستقيما لا يؤثر عليه احد وكذلك يجب ان يأخذ مكانه الاجتماعي اللائق به وان يكون موضع اهتمام و تواصل من الوالي حتى لا يتوسل الى الاخرين في اموره فلا يطمع احد فيه من اصحاب الجاه والثروة، فيقول الإمام (عليه السلام) ((ثم اكثر تعاهد قضائه و افسح له في البذل ما يزيل علته و تقل سعة حاجته الى الناس، واعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك))(42).

ومن وصايا الامام علي (عليه السلام) للوالي في كيفية اختيار عماله لادارة امور ولايته و دولته ان لا يختارهم على اساس القرابة و المحاباة بل على اساس المهنية و

ص: 358

الادارة الناجحة من خلال اختبارهم و مراقبتهم.

وان يكونوا من اهل الحياء و من اهل البيوتات الصالحة و القدم في الاسلام ومن اصحاب الاعراض الطيبة الشريفة وهذه وصايا من الامام في غاية الروعة للحاكم والمسؤول الذي يريد ان يدير دولته او مؤسسته بطريقة ناجحة وعادلة ان يعتمد على اشخاص يحملون هذه المواصفات التي تؤهلهم للقيام بأعمالهم على اتم وجه فالحياء في الحديث ((شعبة من شعب الايمان))(43).

((ولكل دين خلق وخلق الاسلام الحياء))(44) فالحياء صفة مهمة للانسان الذي يريد ان يتولى مسؤولية، وايضا كونه من اهل البيوتات الصالحة و القدم في الاسلام، فان لهما اثرا كبيرا على شخصية المتصدي تمنعه من الانحراف عن طريق الحق لان التاريخ المشرق والسمعة الوطيبة بلا شك يكونان حصنا له ازاء الضغوطات المادية والدنيوية.

وقد جاء في هذا الصدد عنه (عليه السلام) ((ثم انظر في امور عمالك ما ستعلمهم اختبارا و لا تولهم محاباة و أثرة فانهم جماع من شعب الجور والخيانة و توخ منهم اهل التجربة و الحي-اء م-ن اهل البيوتات الصالحة و القدم في الاسلام..))(45).

ثم ان الامام يوصي الوالي والمتصدي ان لا يعتمد على فراسته و حسن ظنه في اختيار رجال الدولة بل يعتمد على التجربة و الاختبار و التاريخ الطيب و الحسن في خدمة الناس لان الكثير من هؤلاء يستطيعون التمويه على الوالي و خداعه من خلال تملقهم وحسن خدمتهم وتصنعهم في التقرب للحاكم لانهم اصحاب مصالح خاصة و لا يهمهم امر الدولة والشعب و هي وصية في غاية الاهمية للمتصدي فيقول الامام (عليه السلام) ((ثم لا يكن اختيارك اياهم على فراستك و استنامتك و حسن الظن منك فان الرجال يتعرفون لفراسات الولاة بتصنعهم وحسن خدمتهم و ليس

ص: 359

وراء ذلك من النصيحة والامانة شيء ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك فأعمد لاحسنهم كان في العامة أثرا و اعرفهم بالامانة وجها))(46).

ثم ان الامام (عليه السلام) يوصي الوالي بوصايا تحفظ سلامة ادارة الحكام و عدم الاستنتثار فيما تحت ایدیهم من اموال واعمال واعراض و حقوق الناس، فيوصیه بسد حاجتهم من بیت المال بحيث تخصص لهم رواتب تجعلهم في غنی و کفاية و تضمن لهم حياة معيشية كريمة و ذلك لتحصينهم من خيانة ما تحت ایدیهم من اموال ولاقامة الحجة عليهم فيما لو خانوا الامانة و تعدوا على حقوق الناس والعامة و بذلك يوصي الامام بوضع الرقباء و المفتشين والعيون على ادارتهم واعمالهم حتى يشعروا بمراقبة الوالي لهم فيكون ذلك مانعا من الظلم والعدوان والتفرد في امور ادارتهم واعمالهم.

وبهذا الصدد يقول الامام (عليه السلام): ((ثم اسبغ عليهم الارزاق فان ذلك قوة لهم على استصلاح انفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت ایدیهم وحجة عليهم ان خالفوا امرك او ثلموا امانتك ثم تفقد اعمالهم و ابعث العيون من اهل الصدق والوفاء عليهم))(47).

ثم ان الامام يوصي الوالي في حال اذا ثبتت خيانة على عامل من عماله او موظف في حكومته فلابد من معاقبته بما يستحق لكي يكون عبرة لغيره كما جاء في قوله تعالى «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» البقرة 179

اما في الجانب الاقتصادي فان الامام (عليه السلام) يضع وصايا مهمة في هذا المجال منها ما يتعلق بامر الخراج و جباية الضرائب و اصلاح الارض وعمارتها، فان الدولة لا يمكن ان تقوم بدون هذه الامور لان معيشة الناس من الجند وموظفو الدولة و غيرهم يعتمدون على هذا الرافد المهم ولذلك على الوالي ان يحسن ادارته

ص: 360

وان يعمل على اصلاح الارض و عمارتها وتوفير فرص العمل مما يؤدي الى اصلاح المجتمع و تقدمه و سعادته ثم ان الوالي عليه ان يتبع سياسة عادلة في جباية الضرائب من دون ان تؤدي الى افقار الناس والاضرار بهم وتخريب الاراضي الزراعية فعلى الوالي ان يهتم اولا بأصلاح الارض و زراعتها وتوفير كل مستلزمات اعمار الارض قبل التفكير في طلب الخراج و لذا يقول الامام (عليه السلام) في وصيته: ((وتفقد من امر الخراج بما يصلح اهله فأصلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح عن سواهم الا بهم، لان الناس كلهم عيال على الخراج واهله، وليكن نظرك في عمارة الارض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لان ذلك لا يدرك الا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة اخرب البلاد و اهلك العباد))(48).

وعليه فان سياسة الوالي في الضرائب اذا كانت عادلة ومنصفة وذات نظرة بعيدة سوف تؤدي الى اعمار الارض و زراعتها.

اما اذا كانت سياسة جائزة قائمة على عدم مراعاة الزراع وفرض ضرائب تثقل كاهلهم دون النظر الى واقعهم و ظروفهم سوف تؤدي الى هجران الارض و تركها و بالتالي يصبح البلد لا يجد قوته لان الزراعة هي اساس اقتصاد الدولة و خرابها ينعكس على جميع الاصعدة السياسية و التجارية والدفاعية و لذلك وصى الامام (عليه السلام) في جباية الضرائب بالرفق بأصحاب الارض وعدم اثقال كاهلهم بالضرائب المجحفة لانه سوف يؤدي الى اعوازهم ثم الى عدم قدرتهم على زراعة الارض و هجرانها حيث يقول (عليه السلام) (والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم ... و انما يؤتى خراب الارض من اعواز اهلها))(49)

اما وصية الامام (عليه السلام) بخصوص التجار و اصحاب الصناعات مما لاشك فيه ان التجار واصحاب الصناعات يشكلان اركان مهمة في السياسة وفي

ص: 361

اقتصاد الدولة فالأمام يوصي الوالي بهم خيرا أي انه تقع على عاتق الدولة حمايتهم و توفير الامن لهم و حماية اموالهم و تيسير حركة تجارتهم و تهيئة مستلزمات اعمالهم، فيقول (عليه السلام) (ثم استوص بالتجار و ذوي الصناعات و اوص بهم خيرا)(50)

ومن جهة اخرى الامام (عليه السلام) يوصي الوالي بمراقبتهم ليمنع الاحتكار الذي يقوم به بعض التجار من ضعاف النفوس و اصحاب الشأن لان الاحتكار يمثل خطرا كبيرا على مصالح العامة ولذلك الشريعة المقدسة حرمة الاحتكار ومنعته فقال (عليه السلام) بهذا الصدد: ((واعلم ان في كثير منهم ضيقا فاحشا و شحا قبيحا، واحتكارا للمنافع وتحكما في البياعات و ذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة فامنع من الاحتكار فان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منع منه))(51)

ثم واخيرا الامام (عليه السلام) يوصي الوالي بالطبقة الضعيفة من المجتمع وهم الفقراء والمساكين والايتام بأن يجعل لهم نصيبا من بيت المال لان الدولة مسؤولة عن توفير الحياة الكريمة لهؤلاء وهو تأسيس من قبل الامام لمؤسسات الرعاية الاجتماعية الموجودة الان عند الدولة المتحضرة حيث ان الامام (عليه السلام) امر الوالي بتعهد هؤلاء ورعايتهم و تدبير امورهم و توفير مستلزمات العيش الكريم لهم من قبل الدولة و هذا واجب عليها.

فيقول (عليه السلام) ((ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين واهل البؤس والزمنى فان في هذه الطبقة قانعا ومعتراً(52) واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل لهما قسما من بيت مالك))(53).

ثم ان الامام (عليه السلام) في وصيته يعتبر هذا العمل من افضل الاعمال لان هذه الطبقة محرومة وتحتاج الى الانصاف من قبل الوالي اكثر من غيرها (فأن هؤلاء من بين الرعية الحوج الى الانصاف من غيرهم))(54)

ص: 362

الخاتمة والنتائج

ان هذا العهد يمثل وثيقة مهمة و برنامج عمل متكامل للحاكم والمسؤول في مواقع الدولة والمسؤولية فانه يتضمن وصايا في غاية الدقة والروعة و تضع معالجات من قبل شخصية عملاقة في المجال السياسي والاداري والاجتماعي والاقتصادي والعسكري قد مارست الحكم والادارة والحرب وهو باب علم مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو اعلم الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فما جاء من قوانين و بنود في هذه الوصية تمثل الفكر النير الوهاج و المتميز للامام علي (عليه السلام) في مسائل ادارة الدول والحكم حيث يسجل فيها صفات الحاكم والمسؤول العادل ويضع فيها قواعد واصول ادارة الدولة على كافة الاصعدة.

ص: 363

اما بخصوص النتائج

فان الاسلام من خلال عهد امير المؤمنين قد اسس لمجموعة من المؤسسات الرقابية و الاجتماعية والاقتصادية و السياسية وقد كانت تمثل سابقة في الفكر الانساني حيث ان هذه الافكار والملاحظات لم يكن لها حضورا في دساتير الدول الا متأخرا كمؤسسة الرعاية الاجتماعية التي تعني بالفقراء و المساكين والايتام و اصحابة الحاجة، ومؤسسة الرقابة لاجهزة الدولة من قضاة و وزراء و کتاب و جند و تجار، ومؤسسة النزاهة التي تتابع مؤسسات الدولة و تحفظ المال العام.

وايضا ما ورد من وصايا للحاكم بالتواصل مع رعيته و شعبه باستمرار تعطي اشارات مهمة على ان الحاكم ليس الا خادما لشعبه و رعيته فليس له حق الاستبداد و التفرد والظلم و ايضا ما ورد من وصايا في ثنايا العهد من تقديم مصالح العامة على الخاصة فيه دلالة واضحة على ان السياسة العامة في الاسلام هي تحقيق مصالح الاغلبية من الشعب دون الخاصة و هذا قد تضمنته الدساتير الغربية متأخرا عن عهد الامام (عليه السلام) بمدة طويلة جدا.

وان الحاكم لابد ان يعتمد في قراراته على مجموعة من المستشارين من اهل الخبرة و الاختصاص و الصلاح و لا تكون عشوائية بدون تنسيق و تخطيط.

اشار الامام علي (عليه السلام) الى ان المجتمع يتكون من اصناف مختلفة كالقضاة والجن-ود و التجار...

وان صلاح المجتمع لا يتم الا بتعاون هذه الطبقات و الاصناف فيما بينها.

ص: 364

الهوامش

1. الصدوق / الامالي / 448 / ح 601

2. نهج البلاغة / 450 / عهده الى مالك الاشتر

3. ظ: كتاب العين / 864 (وقی)

4. ظ: الاصفهاني/ مفردات غريب القرآن / 530

5. الجرحاني / كتاب التعريفات / 52

6. ابن فهد / عدة الداعي / 285.

7. نهج البلاغة / 362 / خ 216

8. نهج البلاغة/ 374

9. م. ن / 441

10. ظ: الشيخ المفيد / الجمل / 216

11. محسن الامين / اعيان الشيعة 1 / 524

12. م. ن 1/ 24

13. الفتال النيسابوري / روضة الواعظين / 173

14. البرقي / المحاسن 1 / 211 ح 84

15. ظ: الايجي / المواقف / 398

16. ظ: العلامة الحلي / كشف المراد / 492

17. نهج البلاغة / 449

18. نهج البلاغة / 450

19. محمد جواد مغنية / التفسير الكاشف 7/ 115

20. نهج البلاغة / 450

ص: 365

21. م. ن

22. م. ن / 451

23. م. ن

24. م. ن

25. م. ن / 453

26. م. ن / 452

27. ظ: م. ن/ 454

28. م. ن

29. م. ن / 453

30. م. ن / 497 حكم امير المؤمنين -ع-

31. نهج البلاغة / 461

32. م. ن / 464

33. الشيخ المفيد / الفصول المختارة / 136

34. نهج البلاغة / 453

35. م. ن

36. م. ن / 454

37. م. ن

38. م. ن / 455

39. م. ن

40. م. ن / 456

41. م. ن

42. م. ن

ص: 366

43. سنن النسائي 8/ 110

44. الامام مالك / الموطأ 2/ 905

45. نهج البلاغة / 456

46. م. ن

47. م. ن

48. م. ن 457

49. م. ن 458

50. م. ن

51. م. ن / 459

52. القانع: الذي يسأل الناس، و المعتر: الذي يتعرض للعطاء و لا يسأل. ظ: ابن منظور / لسان العرب 12/ 202

53. نهج البلاغة / 459

54. م. ن/ 460

ص: 367

المصادر

55.- الاصفهاني، محمد الراغب

56. 1- المفردات في غريب القرآن، دفتر نشر الکتاب / ایران

57.- ابن فهد الحلي

58. 2- عدة الداعي، مكتبة وحداني / قم

59.- الامام مالك

60. 3- الموطأ، دار احياء التراث العربي، بيروت

61.- ابن منظور

62. 4- لسان العرب، دار صادر، بيروت ط 2000 م

63.- الايجي

64. 5- المواقف، عالم الكتب، بيروت

65.- البرقي

66. 6- المحاسن، دار الكتب الاسلامية / طهران

67.- الحلي

68. 7- كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، مؤسسة النشر الاسلامي / قم

69.- الفتال النيسابوري

70. 8- روضة الواعظين، منشورات الشريف الرضي / قم

71.- الفراهيدي

72. 9- كتاب العين، مؤسسة النشر الاسلامي / قم

73.- محسن الامین

74. 10- اعيان الشيعة، دار التعارف، بيروت،لبنان

ص: 368

75.- محمد جواد مغنية

76. 11- تفسير الكاشف، دار العلم للملايين،بيروت، لبنان

77.- المفيد

78. 12- الجمل، مكتبة الداوري / قم

79. 13- الفصول المختارة، دار المفيد، بيروت ط2 1993

80.- النسائي

81. 14- سنن النسائي، دار الفكر،بيروت ط 1.

ص: 369

ص: 370

القواعد الفقهية غير المصرح بها في عهد الامام علي (عليه السلام) الى واليه مالك الاشتر (رضي الله عنه)

اشارة

د. هناء محمد حسين احمد التميمي م. ايمان كاظم مزعل العبودي

ص: 371

ص: 372

المقدمة

الانسان يولد في المجتمع ولا يعيش الا فيه. وهذا العيش المشترك تنشأ عنه علاقات ومعاملات بين الافراد وان الفرد لا يمكن ان يتمتع بحرية مطلقة، لأنه يتعارض مع حريات الاخرين ويؤدي الى خصام مستمر لا يوّلد الا فناء المجتمع... لهذا كان لابد من قواعد تحد من هذه الحريات المطلقة وتنظم العلاقات ليعيش افراد المجتمع بأمان واستقرار.

فجاءت الشريعة الاسلامية بأحكامها وقواعدها منظمة لجميع الحريات والعلاقات، سواء كانت هذه العلاقات بين الفرد وربه أم بين الفرد والفرد، أم بين الفرد والجماعة ام بين الجماعة والجماعة فهي بحق دین ودولة(1). هذه الاحكام والقواعد فيها الصلاح والاصلاح للمجتمعات الانسانية اذا طبقت بشكلها الصحيح من مصادرها الالهية اولا ثم من المأثور من تراثنا الاسلامي (الفقه الاسلامي واحكامه وقواعده). والقواعد الفقيه التي هي محور بحثنا، تساعد الفقيه والراعي على فهم مناهج الفتوى ويطلعه على حقائق الفقه ومآخذه(2)، ويمكنه من تخريج الفروع بطريقة سليمة، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة، وقال السيوطي (ت 911 ه): ان فن الاشباه والنظائر فن عظیم، به يطلع على حقائق الفقه، و مدارکه ومآخذه، واسراره، ويتمهر في فهمه، واستحضاره، ويقتدر على الالحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا ينقضي على مر الزمان(3)

ومن هذا المنطلق لا يسعنا الا ان نخطو خطوات ابا الحسن علي بن ابي طالب (عليه

ص: 373

السلام) في تطبيق شرع الله وسنة نبيه الكريم محمد (صلی الله عليه واله وسلم .. (لأنها تجسيداً وتمثيلا للحقيقة المحمدية، فهو «وزيره ونفسه المقدسة و خلفيته، وبلغ من تمثيل اصله القمة وهو امة مستقلة ليس له في الامة مثيل ولا لهم فوقه بعد بنیها دلیل، فكان له الاختصاص الاتم بالرسول الأعظم وله القيادة والسياسة العليا في الحكومة العادلة بمآلها بمحض الحقيقة في تحصيل مصالح العباد واقامة اسس العدل اي سياسة الدولة(4) ..، بتقعيد القواعد العملية لبناء مجتمع اسلامي انساني متوازن يكفل اقامة دولة اسلامية، ندرك ذلك من القواعد الفقهية غير المصرح بها في عهده عليه السلام الى واليه في مصر مالك الاشتر.

وفي هذا البحث ان شاء الله نسلط الضوء على بعض اضاءات حياة واعمال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مستشار الدولة الاسلامية الاول في السياسة والتنظيم الاداري.، ونعرف بشخصية المحارب والوالي مالك الاشتر، ومن ثم نبين اهم القواعد الفقهية غير المصرح بها من عهد الامام علي (عليه السلام) الى واليه التي يوصيه باتباعها وتطبيقها مع الرعية لإقامة حدود الله، فأمره: اولا بحسن الخلق والتواضع، وعدالته مع افراد المجتمع دون تمایز. ومن ثم امره بجباية خراجها، وجهاد عدوها، واستصلاح اهلها، واعمار بلادها ... مبينا بهذا العهد كيفية بناء اقتصادیات الدولة و الدفاع عنها وحمايتها، بایجاد افراد صالحين مؤمنين بدينهم مدافعين عن وطنهم.

ص: 374

الفصل الأول: حياة الإمام (عليه السلام) وحياة واليه (رضوان الله عليه)

المبحث الأول: حياة الامام علي (عليه السلام)

حياته: (600 - 661 م)

علي بن ابي طالب (عليه السلام)، ابن عم رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ولد سنة 600 بعد الميلاد بمكة في قبلة الاسلام، في اول بيت وضع للناس ببكة مباركة وهدى للعالمين، فكانت ولادته من اكبر الآيات الحاكية لمكانته العظيمة من رب البيت، حيث انشق جدار البيت حينما ظهر قمره الى الوجود، فكان مولده (عليه السلام) في بيت الله تشريف خص به لم يسبقه الى ذلك سابق.

يروى ان: (فاطمة بنت اسد بن هاشم تشتكي المخاض و ابو طالب زوجها حائر قلق لا يدري ماذا يصنع، فاذا برسول الله يصادفه، قائلا: يا عم ما شأنك! فأخبره، فأخذ الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) بيده فجائا اليها فذهب بها الى الكعبة المكرمة فأجلسها فيها، قائلا: اجلسي على بركة الله، فطلقت طلقة طيبة، فولدت غلاما طيبا)(5) ... فكانت ولادته تمثل القاعدة الأولى لتولي الخلافة.

وهو اول هاشمي ولد بين هاشمين، وبعد ثلاثة ايام من ولاته فتح عينيه في وجه رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ليقتبس من انوار قدسه بادئ بدء، فيقول الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) آنذاك: (خصني بالنظر وخصصته بالعلم)(6). فتعلم منه عبادة الله الواحد، قبل أن يعلم بوجود الاصنام، فكانت ولادته وتربيته

ص: 375

مسلما، بكلتا الولادتين، فولادته الجسمية كانت في قبلة الاسلام بدلاته النبي (صلى الله عليه واله وسلم)، وولادته العقلية والروحية في حجر الهدى و هو جو الوحي و الرحمة.

كفله النبي (صلى الله عليه واله وسلم) قبل ان يوحى اليه، حينما اصابت قریش صدمة شديده وكان ابو طالب ذو عيال كثير، فأخذه الرسول (صلى الله عليه واله وسلم)، قبل ان يبلغ الرابة من سنه فضمه الى نفسه المقدسة، وفي هذه الفترة تلقی بذور الاخلاق الفاضلة، فترعرع في كنف رحمته حتی بعثه الله نبيا، فاكتملت تربيته عنده بصبغة النبوة والوحي(7)

لقد كان الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) پستهدف من ذلك امرين:

1- يخفف عن كاهل عمه اقتصاديا.

2- ويضع عن نفسه وزر الرسالة بنصرته ومعونته، تناصرا من الجانبين، وليس يحق ذلك الا فيمن يربيه كما يجب، ليستلهمه (صلى الله عليه واله وسلم) كيف يؤازره وينصره في الظروف الصعبة من حياته النيرة(8). انه عليه الصلاة والسلام كان نیمه في فراشه في طفولته ولكي ينام وحده في فراشه في رجولته وبطولته، ذودا عنه وصيانتا لنفسه القديسة، اذ ضحى نفسه المقدسة احتفاظا على الرسول الاعظم.

ولقد آخى الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) بينه وبين نفسه المقدسة، مرتين مره في مكة المكرمة قبل الهجرة، وفي المدينة المنورة بخمسة اشهر بعد الهجرة، فآخی بين المهاجرين، ثم آخی بين المهاجرين والانصار، وقال لعلي (عليه السلام) في كل منهما: (انت اخي في الدنيا والاخرة)(9)، فكان التآخي بينه وبين نفسه المقدسة (عليه السلام) روحیا کمثل ولاته روحيا، فكانت حقيقة هذه الاخوة هي المماثلة و المؤازرة

ص: 376

حيث الاخ يماثل اخاه وهو عونه و ضهره و ظهيره، فأصبحت الاخوة القاعدة الثانية لتولى الخلافة.

لقد آمن علي بن ابي طالب (عليه السلام)

ص: 377

المبحث الثاني: خلافة الامام علي (عليه السلام) نموذجا للسياسة المحمدية

الفصل الثاني: القواعد الفقهية غير المصرح بها

المبحث الأول: تعريف مفردات البحث

تستدعي طبيعة البحث أن نعرج على تعريف بعض المصطلحات التي نرى علاقتها بالموضوع. وهي كالاتي:

اولا - الحاكم.

وهو في اللغة: الحاء والكاف والميم، أصل واحد وهو المنع، وأول ذلك الحكام، وهو المنع من الظلم، وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها... وأحكمته: إذا أخذت على يديه، ويدل في اللغة العربية على منع وقوع الفساد في امر من الامور، واصلاحه، حتی يحقق اعلى درجات الكال وذلك اعتمادا على الفقه والعلم والحكمة(10).

وقد اتفق المسلمون على ان الله تعالى هو الحاكم وحده وهو مصدر لجميع الاحكام. لقوله تعالى «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»(11). وقوله تعالى «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ»

الا ان الحاكم عند الفقهاء هو القاضي او فيما معناه: هو الذات الذي نصب وعين من قبل السلطان لأجل فصل وحسم الدعوى والمخاصمة الواقعة بين الناس توفيقا لأحكامها المشروعة(13) والحاكم

ص: 378

ثانيا - المحكوم.

وهو: المكلف .. المسلم، العاقل، البالغ (انسان کامل الأهلية عند الفقهاء)(14).

ولم يكن تأسيس العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الفكر الإسلامي ناشئة من فراغ أو صادرا من بنيات أفكار العلماء، أو من محض الاجتهاد، بل جاءت بذلك الشريعة الاسلامية التي نزلت على محمد (صلى الله عليه واله وسلم) من خلال القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، بل إن النصوص المتعلقة بالموضوع كثيرة جدا يصعب على المتتبع حصرها. فهي علاقة تقوم على الاحترام المتبادل بين الحاكم والمحكوم، لأن كلا منهما عرف ماله من حقوق، وما عليه من واجبات. وكل منهما يشعر أن الطرف لآخر أهل للاحترام والتقدير، لأنه يشاركه في المسؤولية، ويقوم بجزء منه، ولا يتأتی ذلك الأمر إلا بالتواضع، كما قال الحق تعالى «وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»(10)، وفي الحديث النبوي: «أن الله أوحي إلى أن تواضعوا، حتى يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد»(16). وقال الامام علي (عليه السلام): «اياك ومساماة الله في عظمته، والتشبه به في جبروته. فان الله يذل كل جبار، ويهين كل مختال....

واذا احدث لك ما انت فيه من سلطانك ابهة او مخيلة، فانظر الى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فان ذلك يُطامن اليك من طموحك، ويكف عنك من غربك، يفيي اليك بما عزب عنك من عقلك

ثالثا - القواعد الفقهية:

القواعد في اللغة، هي جمع قاعدة، وهي من الجذر الثلاثي "قعد" أي استقر وثبت في مكانه، وتعني: الاستقرار والثبات، وقد أطلقت العرب على شهر من عدة الشهور: شهر ذي القعدة، سمي بذلك لقُعُودهم في رحالهم عن الغزو والميرة وطلب الكلأ،

ص: 379

وتعني ايضا الاساس، فقد جاء في لسان العرب. القَاعِدَةِ: أَصلُ الأُسِّ، والقَواعِدُ: الإِساسُ، وقواعِد البيت إِساسُه(17)، ومنها قول الله تعالى: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»(18).

وأما اصطلاحا فقد عرفها الفقهاء على أنها: قضية كلية تنطبق على جزيئاتها، أو أنها: الحكم الشرعي الكلي الذي ينطبق على الحكم الفرعي»(19)... وبما أنها حکم شرعي فتتطلب الدليل.

اما الفقه الذي يستمد أصوله من الكتاب الذي هو المصدر الأول لكلّ معرفة، نجده يعني في دلالته اللغوية: العلم بالشيئ وادراکه، وحسن الفهم(20)، كما تشير إلى ذلك أكثر من آية، ومنها على سبيل المثال قوله تعالى «فَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا»(21). أو قوله تعالى«فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»(22). کما نجد أكثر من حديث نبوي شريف يميل إلى نفس معنى الفهم، كقوله (صلى الله عليه واله وسلم): «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين»(23).

فاذا انتقلنا إلى المعنى الاصطلاحي للفقه وجدناه يتجلّى في جملة من الدلالات تجسّدها مجموعة من المترادفات، ومن هذه التعريفات، تعريف الإمام البيضاوي للفقه بأنه: "العلم بالأحكام الشرعية المكتسب من أدِّلتها التفصيلية(24).

فمن خلال هذا التعريف يمكن استنباط أنّ التقعيد الفقهي الإسلامي، يصاحبه استدلال واجتهاد، واستنباط، من شأنه أن يمّكن للعبادات والمعاملات الاستقرار في العقل، وإشاعة الأمان والوئام في علاقة الإنسان بأخيه الإنسان داخل مجتمع إنساني يطبعه العدل والإخاء. وإنّ التقعيد الفقهي من القاعدة تتمثل في وضع الأساس

ص: 380

المستنبط من الدين المدعم بالفعل، المحاط بالقول المنزّل على الحكم، أي التطبيق السليم للأحكام الشرعية وفقا لما يصفه الأصوليين بمناط الحكم. وتكتسب القواعد الفقهية اهمیتها من استمداد اغلبها من الكتاب والسنة النبوية وتعلقها بموضوعات حياتية مهمة.

وعليه فالقاعدة الفقهية تعني: حكم كلي مستند الى دليل شرعي مصوغ صياغة تجريدية محكمة منطبق على جزيئاته على سبيل الاطراد او الاغلبية(25).

المبحث الثاني: القواعد الفقهية غير المصرح بها في عهد الامام علي (عليه السلام) الى واليه في مصر.

بعد قراءتنا للعهد الذي اوصى به الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) واليه، وجدناه متضمنا قواعد فقهية اساسية في سياسة الدين والدولة (غير مصرح بها)، من شأنها ان طبقت، ان تبني دولة اسلامية مقامة على العدل والمساواة، مستثمرة لكل الموارد البشرية والطبيعية وفق ما جاءت به الشريعة الاسلامية.

فالعهد من بدايته الى نهايته مقصده وغايته تحقيق العدالة بكل صورها، شاملة لكل افراد المجتمع وذلك بتحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم جميعا بدون تمیز او عنصرية، وينظم العهد امور الدولة.. من الحاكم (الراعي) الى الرعية، كلا حسب دوره في الحياة. و هو مقصد الشرعية الاسلامية.، و معرفة القواعد الفقهية لغير المتخصص تمكنه من الاطلاع على الفقه الاسلامي بروحه ومضمونه بأيسر الطرق(26). ومن هذه القواعد:

ص: 381

اولا - قاعدة: «انما الاعمال بالنيات»(27)، «الأمور بمقاصدها»(28).

ان معنى النية اللغوي: القصد، وهو استقامة الطريق، او الاعتماد والام والتوجه، فيقال قصده يقصده قصدا(29). اما النية: النوى التحول من دار الى دار.. ونوى الامر ينويه اذا قصدله(30). ثم ان الكلام على تقدير مقتضى، اي: احکام الامور بمقاصدها،. لان الحكم الذي يترتب على أمر يكون على مقتضى ما هو المقصود من ذلك الامر(31).

ومعناها في الاصطلاح الفقهي لا يخرج عن المعنى اللغوي: ان الحكم الذي يترتب على امر يكون بمقتضى المقصود من ذلك الامر(32). فأعمال المكلف وتصرفاته القولية والفعلية تترتب عليها نتائجها واحكامها الشرعية تبعا لمقصود الشخص وغايته وهدفه من وراء هذه الاعمال او التصرفات، فالحكم على تصرف الانسان بكونه واجبا او حراما او مندوبا او مکروها او مباحا، او بكونه مثابا عليه او معاقبا، كل ذلك انما يكون تابعا لقصد المكلف وهدفه من وراء ذلك التصرف.

معنى القاعدة الاجمالي: ان احکام الافعال والاقوال كلها تتبع القصد المراد منها، والامور جمع أمر، وهو لفظ عام للأفعال والأقوال كلها، ومنه قوله تعالى «واله يرجع الامر كله»(33)

واصل هذه القاعدة الحديث النبوي الشريف: «انما الاعمال بالنيات»(34)، وهذا الحديث قاعدة من قواعد الاسلام، فكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الاخرة. لان كسب العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية احد الاقسام، وهي ارجحها لأنها تكون عبادة بانفرادها، ولذلك كانت.. نية المؤمن خير من عمله». فلا خلاف بين أهل العلم في اشتراط النية لسائر العمل ولا يختلف الفقهاء في

ص: 382

ان العمل الذي يراد به التقرب الى الله عز وجل لابد من الاخلاص فيه(35). وقد شرعت لتميیز العبادات من العادات و تمیز بعض العبادات عن بعض، وشرط لسائر العمل... بها الصلاح والفساد للعمل. والشريعة الاسلامية تراعي مقاصد المكلفين وبناء الاحکام، فمتى ظهرت المقاصد أخذ بها وبنى عليها، ولا عبرة باللفظ. ومتی ثبت اللفظ وتردد بين معنيين او اكثر، حمل على المعنى الموافق للقصد(36). لان بالنية تتحدد الأفعال وتتمایز.

وتتضح هذه القاعدة في قوله عليه السلام إلى واليه:

1. جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، و حريما يسكنون الى منعته الى جواره، فلا ادغال ولا مدالسة، ولا خداع فيه.

2. اتقي الله، واثر طاعته واتبع ما امر به في كتابه، من فرائضه وسننه، التي لا يسعد احد الا باتباعها، ولا يشقى الا مع جحودها واضاعتها، وانصر الله بيدك وقلبك ولسانك، فانه جل اسمه، قد تكفل بنصرة من نصره، واعزاز من اعزه... ولیکن احب الذخائر اليك ذخيرة العمل الصالح. (لان التَّقوَى: اعتِمَاد المتقي مَا يحصل بِهِ الحَيلُولَة بَينه وبَين مَا يكرههُ، فالمتقي: هُوَ المحترز مِمَّا اتَّقَاهُ.)... واخلاص النية لله يتم به التوفيق والقبول.

3. وليس يخرج الوالي من حقيقة ما الومه الله من ذلك الا بالاهتمام والاستعانة بالله، وتوطين نفسه على لزوم الحق، والصبر عليه فيما خف عليه او ثقل.

ص: 383

ثانيا - قاعدة «التصرف على الرعية منوط بالمصلحة»(37).

هذه القاعدة من اعظم القواعد الفقهية في السياسة الشرعية والولايات العامة والخاصة في الاسلام. فهي ترسم حدود الادارة العامة وتحدد سلوك الحكام والولاة في جميع التصرفات وتضبط تصرفاتهم النافذة والملزمة او الباطلة المردودة مع من هم تحت ولايتهم.

وهي قاعدة مطردة عامة تسري على الحكام والولاة عموما حتى على راعي الاسرة، فكل ولاية عامة او خاصة منوطة بتحقيق المصلحة ودرء المفسدة، وتتزامن مع مقاصد الشريعة الكبرى في حفظ: الدين، والعقل، والنفس، والمال، والنسل او العرض.

ونجد ان العهد بكامله تناول كل مفردات السياسة في الدولة. بدءاً بمخافة الله سبحانه وتعالى في العبادات والمعاملات وانتهاءً بتقديم العون والمساعدة للفقراء والمساكين، وحتى التجار والصناع والاهتمام بالجيش والقادة والافراد والسياسة الخارجية، فنرى مبدأ جلب المصلحة ودرء المفسدة هو المبدأ الوحيد للتعامل مع افراد المجتمع كلاَ حسب موقعه وحاجته، ووفق ما جاءت به الشريعة الاسلامية

ومعنى القاعدة الاجمالي:. ان تصرف الراعي (الامام، و كل من ولي شيئا من امور المسلمين) في امور رعيته ومن تحت يديه يجب ان يكون مبنيا ومعلقا على المصلحة والنفع التي حددهما الشرع الإسلامي، بعيدا عن المفسدة والضرر، وكل تصرف لا يبني على المصلحة ولا يقصد منه نفع الرعية فانه لا يكون جائزا شرعا. لان الراعي انما اعطيت له السلطة للحفاظ على مصلحة العباد وصيانة دمائهم واعراضهم واموالهم، وهو مؤتمن من قبل الشارع على مصلحة من تحت يديه، و مأمور ان يحوط رعيته بالنصح والنفع والصلاح و موعود على ترك ذلك بأعظم الوعيد(38). والسياسة

ص: 384

حياطة الرعية بما يصلحها لطفا او عنفا. والسياسة المدنية تدبير المعاش مع العموم سنن العدل والاستقامة(39).

واصل القاعدة هذه، قول للأمام الشافعي: «منزلة الامام من الرعية، منزلة الولي من اليتيم»(40). ان نظرية المصلحة نظرية ناضجة في شريعة الاسلام، وابرزها اكثر التطبيق النبوي. ثم ازدادت بروزا واتساعا عندما اشتدت الحاجة اليها بعد توقف الوحي، وذلك من خلال سنة الخلفاء.

ويتبين حرص الامام على الاهتمام بالرعية كأنهم ایتام، کما وصفهم الشافعي، وهو وصف اعده دقيقا لما للرعية من حاجة ماسة للاهتمام الراعي بكل جوانب حياتهم المادية والمعنوية،،، كلهم بدون استثناء.. يتبين حرصه، بقوله:

1. ان اشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان: اما اخا لك في الدين، و اما نظير لك في الخلق... فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب ان يعطيك الله من عفوه وصفحه، فانك فوقهم، ووالي الامر عليك فوقك، و الله فوق من ولاك.

2. انصف الله وانصف الناس من نفسك، و من خاصة اهلك، ومن لك فيه هوی من رعيتك... ولیکن احب الامور اليك اوسطها في الحق، واعمها في العدل، واجمعها لرضى الرعية..

3. وتفقد من امورهم ما يتفقده الولدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به، ولا تحقرن لطفا تعاهدتهم به وان قل، فان داعية لهم الى بذل النصيحة لك، وحسن الظن بك.

4. ثم الطبقة السفلى من اهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم.

ص: 385

5. وتعهد اهل اليتم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له، ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل، والحق كله ثقيل، وقد يخففه الله على اقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم، ووثقوا بصدق موعود الله لهم.

ثالثا - قاعدة: «اليقين لايزال بالشك»(41)

هذه القاعدة من القواعد الفقهية الكبرى المتفق على مدلولها ومعناها، و اساسها نصوص شرعية، وادلة عقلية. فهي تقرر أصلا شرعيا مهمّا تُبنَی عليه أحكام فقهية كثيرة، تعبِّر عن مدى سماحة الشريعة ويُسرها، ورفعِ الحرج فيها عن الناس، وتركِ الشكوك والوساوس، والاعتماد على الثابت يقينا أي قطعا، ولا سيما في حالات الطهارة والصلاة وغيرها من العبادات والمعاملات والعقوبات والأقضية.

واليقين هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء دون تردد، وهو العلم وازاحة الشك وتحقيق الامر(42). واليقين عند الفقهاء اوسع لان الاحكام الفقهية انما تبني على الظاهر(43). اما الشك: هو تردد الفعل بين الوقوع وعدمه.. فاذا ثبت امر من الامور یقینا قطعيا، ثم وقع الشك في وجود ما يزيله، يبقى المتيقن هو المعتبر الى ان يتحقق السبب المزيل(44).

ومعنى القاعدة الاجمالي: يفيد بان الظن لا يؤثر على الحكم. اي ان الامر الثابت والمقرر بدلیل، او امارة، او اي طريق من طرق الاثبات المعتد بها شرعا، والمعبر عنه باليقين، لا يرتفع حكمه بالشك.

ومصدرها الحديث النبويّ الذي أخرجه البخاري عن عبّاد بن تميم عن عمّه في ترك الالتفات للشكّ في الصلاة: «لا ينصرف أحد حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا». قال النووي عند شرح هذا الحديث: «وهذا أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة

ص: 386

من قواعد الفقه، وهي أنّ الأشياء یُحكم ببقائها على أصولها حتى يُتيقّن خلاف ذلك، ولا يضرّ الشك الطارئ عليها».

تتجسد القاعدة بقول الامام عليه السلام:

1- اطلق عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر، وتغاب عن كل ما لا يضح لك، ولا تعجلن الى تصدیق ساع، فان الساعي غاش، وان تشبه بالناصحين.

2- ان حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا، وان احق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وان احق من ساء بلاؤك عنده.

رابعا - قاعدة: «الاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله،(45)».

الاجتهاد: بذل الوسع في تحصيل أمر فيه كلفة ومشقة، و عند الفقهاء: بذل الفقيه وسعه في تحصيل ظن بحكم شرعي(46)

معنى القاعدة: ان احکام القضاة والولاة وفتاوى المفتين ووسائل التحري المبينة على الاجتهاد اذا نفذت ثم تبين خلافها انها لا تنقض ولا تنفسح اذا كان خلافها عن طريق الاجتهاد ایضا(47)، واما اذا تبين مخالفتها للنصوص الثابتة نقضها وفسخها لان الاجتهاد لا يعارض النص... لان الاجتهاد الثاني الاجتهاد الاول، وترجح الاول باتصال القضاء. ولان عدم نقض الاجتهاد الاول يؤدي الى ان لا يستقر حکم لأنه لو نقض الاول بالثاني لنقض بغيره - لأنه ما من اجتهاد الا ويجوز ان يتغير بتغير الازمان - فيؤدي الى ان لا تستقر الأحكام(48). اي فيما يستقبل يقضي بما ادى اليه اجتهاده.

ص: 387

ونجد هذه القاعدة مجسدة في قول الامام عليه السلام:

1- «ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الامة، واجتمعت بها الالفة، وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثن سنة تضر بشيء من ماضي تلك السنن، فيكون الاجر بمن سنها، والوزر عليك بما نقضت.

2- والواجب عليك ان تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، او سنة فاضلة، او اثر عن نبينا او فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها، و تجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت اليك في عهدي هذا، واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك، لكي لا تكون لك علة عند تسرع نفسك الى هواها، فلن يعصم من السوء، ولا يرفق للخير الا الله تعالى.

3- والواجب عليك ان تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة او سنة فاضلة... اجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت اليك في عهدي هذا

خامسا قاعدة «العادة محكمة»(49)

هذه القاعدة احدى القواعد الفقهية الكبرى والتي تقرر أحد مصادر التشريع، وهو العرف بنوعيه اللفظي والعملي، والعادة العامة أو الخاصة، و الذي تقتضي الحاجة إليه في توزيع الحقوق والالتزامات في التعامل بين الناس فيها لا نص فيه من کتاب او سنة او اجماع. وهذا أساس في المقارنة ومعرفة أصول الاجتهاد والتقاضي والمعاملات(50).

والاصل ان السؤال والخطاب يمضي على ماعم وغلب، لا على ما شذوندر، والاصل ان جواب السؤال يمضي على ما تعارف كل قوم في مكانهم... ودليل

ص: 388

القاعدة: قول النبي عليه واله افضل الصلاة والسلام: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح(51)».

وهذه القاعدة فيها مراعاة للأحوال الناس وتعاملاتهم وتجارتهم، فيقول الامام عليه السلام:

- استوص بالتجار خير وذوي الصناعات، واوصي بهم خيرا: المقيم منهم والمضطرب بماله، والمترفق ببدنه، فانهم مواد المنافع واسباب المرافق.

- وليكن البيع سمحا بموازین عدل، و اسعار، لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع.

سادسا - قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»(52).

وهي قاعدة عظيمة، بل من أعظم قواعد الفقه في السياسة الشرعية، وعليها تنبني فروع فقهية كثيرة يتعسر حصرها هنا. وهي اساس لمنع الضار وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة، كما انها مسند لمبدأ الاستصلاح في جلب ودرء المفاسد.

معنى القاعدة الاجمالي: الضرر والضرار قيل: هما لفظتان بمعنى واحد على وجه التأكيد، ويقال: الضرر الذي لك فيه منفعة وعلى غيرك فيه مضرة، والضرار الذي ليس لك فيه منفعة وعلى غيرك المضرة، وقيل: الضرر أن تضر بمن لا يضرك، والضرار أن تضر بمن أضربك، لا على سبيل المجازاة بالمثل والانتصار للحق، بل على سبيل الإضرار والانتقام. ونص هذه القاعدة ينفي الضرر فيوجب منعه مطلقا، ويشمل الضرر الخاص والضرر العام، ويشمل منع وقوعه بطرق الوقاية الممكنة، ويشمل رفعه ايضا بعد وقوعه بما يمكن من التدابير والتي تزيل اثاره وتمنع تكراره.

ص: 389

فالعقوبات المشروعة على المعاصي والمخالفات؛ تشريعها وتقريرها على محدثي الضرر ومرتكبيه فيه عظة وعبرة للآخرين؛ بحيث يمثل ذلك ردعاً وزجراً يمنع من تكراره أو يقلل من فرص حدوثه، على حد ما جاء في قوله - تعالى - «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ»(53)، ولا تجوز المجازاة أو العقوبة على الضرر بإحداث ضرر مثله على المعتدي، لا فائدة منه للمعتدى عليه؛ ويمكن ازالة آثار الضرر عن طريق التعويضات المشروعة التي تجعل الضرر كأن لم يكن، أو تخفف آثاره إلى أقصى حد ممكن؛ فقد روى، أن النبي (صلى الله عليه واله وسلم): كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول [أي الخادم] والقصعة، حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة(54).

و مستند هذه القاعدة ودليلها نص حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضاره الله ومن شاق شاق الله عليه»(55).

ومنها نصيحة الامام علي (عليه السلام) في عدم الاضرار بالطبقات الضعيفة من المجتمع ولا بالتجار والصناع بفرض عليه مالا يطيقونه من اوامر و نواهي، فقال:

- وليكن احب الامور اليك اوسطها في الحق واعمها في العدل واجمعها لرضى الرعية.

- نصف الله وانصف الناس من نفسك ومن خاصة اهلك، ومن لك فيه هوی من رعيتك، فانك الا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده.

ص: 390

الخاتمة

إنّ الطاقة التي تحويها الأمّة الإسلامية لا يمكن أن تقاس، سواء على صعيد العدد أو على صعيد المضمون، ولكن الآفات الكبرى التي تنخر جسم الأمّة الإسلامية تتمثل على الخصوص في ازدواجية المعايير وثنائية التعامل، وأحداث مجتمعين هما مجتمع القول، ومجتمع الفعل، لذلك بات من الضروري التطبيق الفعلي للنصوص الشرعية، وهذا ما أكده عهد الامام علي (عليه السلام) الى واليه مالك الاشتر (رضي الله عنه) من وجوب تعاون الراعي والرّعية في الحفاظ على المصلحة العامّة، وذلك بإشاعة العدل، ومحاربة الظلم، واتخاذ القصاص أداة لتحقيق ذلك. و تعریف العامة من الناس بقيمة الاجتهاد كقاعدة فقهية منبثقة من حقيقة أنّ لكلّ زمان فقه، ولكلّ زمان نازلة، ولكلّ نازلة حكم، وبالتالي فإنّ فقه الفقه معلّق بفقه الواقع، لا والكل محكوم بفقه الكتاب والسنة.

ص: 391

الهوامش

1. مدخل للشريعة الاسلامية، عبد الكريم زيدان ص 5.

2. القواعد الفقيه لابن رجب ص 23.

3. الاشباه والنظائر للسيوطي ص 6.

4. ينظر الشريعة لأبو بكر محمد بن الحسن اآجري، تحقيق الوليد سيف النصر، مؤسسة قرطبة، المكتبة ط 1، سنة 1417، ج 3 / 191.

5. بحار الانوار، محمد باقر المجلسي، مؤسسة الوفاء - بيروت ج 3/ 30

6. المصدر السابق ج 38 / 394.

7. المصدر السابق 35/ 24.

8. البحار الزخار للزيدي ج 35/ 24.

9. المستدرك للحاكم النيسابوري 3/ 14.

10. ينظر: ابن فارس ولسان العرب مادة حكم

11. سورة الأنعام الآية 57

12. سورة الأحزاب الآية 36

13. المادة 1785 من مجلة الاحكام العدلية

14. الاهلية: صلاحية الانسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه وصلاحيته لصدور الافعال منه على وجه يعتد به شرعا... ينظر: تنقيح الاصول لصدر الشريعة ص 92

15. سورة الشعراء الآية 215.

16.سنن ابن ماج

17. ينظر لسان العرب لابن منظور مجلد 3ص 361.

ص: 392

18. سورة البقرة الاية

19. القواعد والضوابط الفقهية

20. معجم مقاییس اللغة لابن فارس م 4 ص 442

21. سورة النساء الاية 78

22. سورة النساء الاية 100

23. صحيح البخاري

24. الابهاج للسبكي 1/ 28

25. نظرية التقعيد الفقه. د. فاروق حمادة الروكي، دار الصفاء بيروت ط 1412، 1/ 53.

26. المدخل لدراسة التشريع الإسلامي، د. عبد الرحمن الصابوني 1/ 269.

27. ينظر: المبسوط للسرخسي ج 6 / 59،

28. ينظر: الاشباه والنظائر لابن السبكي 1/ 54، والاشباه للسيوطي ص 8، 50. والاشباه لابن نجیم ص 27.

29. ينظر : بغية الوعاة لابن جني ج 2/ 132، ولسان العرب لابن منظور مادة (ق ص د)

30. ينظر: معجم مقايس اللغة لابن فارس ج 5/ 366، والقاموس المحيط للفيروز آبادي ج 4/ 397.

31. ورد في مجلة الاحكام العدلية القاعدة الاولى - العبرة في العقود للمقاصد والمعاني للألفاظ والمباني - شرح المجلة ج 1/ 13

32. سورة هود الاية 11

33. صحيح البخاري

34. الاجماع لابن منذر

394) أعمال المؤتمر العلمي الوطني المشترك الأول

ص: 393

35. نظرية المقاصد للشاطبي ص82

36. ينظر: قاعدة (التصرف على الرعية منوط بالمصلحة) دراسة تأصيلية تطبيقية فقهية، د. ناصر بن محمد بن مشري الغامدي (جامعة ام القرى) مكة المكرمة.

37. قاعدة (تصرف الامام بالرعية منوط بالمصلحة) ص 16.

38. قواعد الفقه لمحمد عمیم الاحسان المجددي ص 230.

39. ينظر: الاشباه والنظائر للسيوطي ص 142

40. ينظر المبسوط للسرخسي 3/ 64، والاشباه للسيوطي ص 50،والاشباه للسبكي 1/ 40. والاشباه لابن نجيم ص 55

41. ينظر: لسان العرب لابن منظور مادة (ش ك)

42. ينظر: قاعدة اليقين لايزال بالشك (دراسة تأصيلية) .د. يعقوب عبد الوهاب الباحسين. ودروس في علم الاصول لمحمد باقر الصدر 2/ 237.

43. قاعدة اليقين لايزال بالشك للباحسين ص 44

44. ينظر: الاشباه والنظائر لابن السبكي 1/ 403، والاشباه للسيوطي 93، والاشباه لابن نجيم ص 105.

45. القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الاربعة لل 389

46. موسوعة القواعد الفقهية للبورنو 1/ 431.

47. درر الحكام شرح المجلة ،لعلي حيدر 1/ 30

48. ينظر: المنثور للزركشي 2/ 167.

49. ينظر: الوجيز في ايضاح قواعد الفقه الكلية ص 34. القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الاربعة، د. مصطفى الزحيلي 1/ 298.

50. مسند الامام احمد، كتاب السنة.

51. ينظر: دراسة فقهية تطبيقية لقاعدة (لاضرر ولا ضرار). د. عبد الحي أبرو

ص: 394

52. سورة البقرة الاية 179

53. صحيح البخاری کتاب الایمان 1/ 201

54. المستدرك للحاكم النيسابوري 2/ 66.

ص: 395

المصادر

1- الأشباه والنظائر، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي (المتوفي: 771 ه، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى 1411 ه - 1991 م.

2- الاشباه والنظائر، جلال الدين السيوطي المتوفي (911)، دار الكتب العلمية، بیروت، 1399 ه/ 1979 م.

3- الأَشبَاهُ والنَّظَائِرُ عَلَى مَذهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعمَانِ، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجیم المصري (المتوفى: 970 ه)، تحقیق: محمد مطیع، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط 1، 1419 ه - 1999 م

4- الأصول في القواعد الفقهية لأبي الحسن الكرخي، مطبوع مع تأسيس النظر، مطبعة الإمام - القاهرة.

5- البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الامصار، احمد بن يحيى بن المرتضى المتوفي (840 ه)، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة - مصر 1949 م

6- دليل القواعد الفقهية، الشيخ حيدر اليعقوبي

7- سنن ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (المتوفي 273 ه)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار احیاء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.

8- شرح القواعد الفقهية، أحمد محمد الزرقا، اعتني بها: مصطفي أحمد الزرقاء. دمشق: دار القلم، بیروت: الدار الشامية، الطبعة الرابعة، 1417 ه - 1996 م

9- شرح المجلة، سلیم رستم باز اللبناني. بيروت: المطبعة الأدبية، الطبعة الثالثة،

ص: 396

1923 م

10- شرح مجلة الاحكام العدلية لمنير القاضي، وزارة المعارف العراقية

11- صحيح البخاري بهامش فتح الباري، ابو عبدالله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم البخاري(المتوفي 256 ه)، طبع المطبعة الخيرية، الطبعة الاولى سنة 1319 ه

12- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج ابو الحسين القشيري النيسابوري المتوفي (261 ه)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، المطبعة المصرية، 1972

13- الفقه الاسلامي وادلته، وهبة الزحيلي، دار الفكر المعاصر،الطبعة (31) السنة 2009 م

14- الفقه على المذاهب الاربعة، عبد الرحمن الجزيري، دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية (1424 ه - 2003 م).

15- قاعدة الأمور بمقاصدها - دراسة نظرية و تأصيلية، د. يعقوب الباحسين، مكتبة الرشيد، الرياض، الطبعة الاولى (1419 ه - 1999 م). قواعد الفقه، محمد عميم الإحسان المجددي البركتي

16- كراتشي: الصدف ببلشرز، توزيع: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية، الطبعة الأولى، 1407 ه - 1986 م.

17- قواعد الفقه الإسلامي من خلال كتاب الإشراف على مسائل الخلاف، د. محمد الروكي. جدة: مجمع الفقه الإسلامي، دمشق: دار القلم، الطبعة الأولى، 1419 ه - 1998 م.

18- القواعد الفقهية، مفهومها، نشأتها، تطورها، دراسة مؤلفاتها، ادلتها، مهمتها،

ص: 397

تطبيقاته، تأليف: علي احمد الندوي، قدم لها: العلامة الفقيه مصطفى الزرقاء، دار القلم دمشق، الطبعة السابعة (1428 - 2007)

19- القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الاربعة، محمد مصطفى الزحيلي، الطبعة الثالثة 1430 ه - 2009 م

20- القواعد لابن رجب، زين الدين عبد الرحمن بن احمد بن رجب بن الحسن السلامي البغداي ثم الدمشقي الحنبلي (المتوفي 795 ه)، مطبعة جدة - مكتبة الارشاد.

21- القواعد و الفوائد للشهيد الاول محمد مكي العاملي (المتوفي 965 ه)، مكتبة الداوري - قم، الطبعة الحجرية 1396 ه

22- لسان العرب، ابي الفضل جمال الدين محمد بن مکرم بن منظور الافريقي (المتوفی 711 ه)، مطبعة دار صادر، بیروت - لبنان، 1375 ه- 1955 م، ط 1

23- مئة قاعدة فقهية، الدكتور السيد كاظم المصطفوي، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة لجماعة المدرسين، قم المشرفة

24- المستدرك على الصحيحين، لابي عبدالله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن نعيم النيسابوري المعروف بابن البيع (المتوفي 405 ه)، تحقيق: مصطفی عبد القادر عطا، نشر: دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1 (1411 ه - 1990 م)

25- مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق ودراسة: محمد الطاهر الميساوي. عَمّان: دار النفائس، الطبعة الأولى، 1420 ه - 1999 م.

26- المنشور في القواعد الفقهية، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (المتوفي: 794 ه)، تحقيق د. تيسير فائق، وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة

ص: 398

الثانية، 1405 ه - 1985 م

27- موسوعة القواعد الفقهية، تالیف و جمع و ترتیب و بیان، د. محمد صدقي بن احمد البورنو ابو الحارث الغزي، مؤسسة الرسالة

28- الوجيز في ايضاح قواعد الفقه الكلية، د. محمد صدقي بن احمد بن محمد آل بورنو أبو الحارث الغزي، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة (1426 ه - 1996 م)

29- الوجيز في شرح القواعد الفقهية في الشريعة الاسلامية، د. عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرسالة، بيروت ط 1، (1422 - 2001 م)

30- مقاصد الشريعة لأبو بكر محمد بن الحسن اآجري، تحقيق الوليد سيف النصر، مؤسسة قرطبة، المكتبة، ط 1سنة 1417 ه.

31- الاجماع لابن منذر، محمد بن ابراهيم، تحقیق: فؤاد عبد المنعم احمد، دار المسلم للنشر والطباعة، ط 1425، 1 ه - 2004 م

32- الابهاج في شرح المنهاج، للسبكي. دار الكتب العلمية، 1999 م

33- بحار الانوار، محمد باقر المجلسي، مؤسسة الوفاء - بيروت.

34- البحار الزخار الجامع لمذاهب علماء الامصار. احمد بن يحيى بن مرتضی.

35- بغية الوعاة لابن جني.

36- دراسة فقهية تطبيقية لقاعدة «لاضرر ولا ضرار». د. عبد الحي أبرو

37- درر الحكام شرح المجلة، لعلي حيدر.

ص: 399

38- دروس في علم الاصول لمحمد باقر الصدر.

39- سنن ابن ماجة

40- قاعدة اليقين لايزال بالشك «دراسة تاصيلية .د. يعقوب عبد الوهاب الباحسين

41- القاموس المحيط للفيروز ابادي.

42- المبسوط للسرخسي.

43- المدخل لدراسة التشريع الاسلامي، د. عبد الرحمن الصابوني

44- مسند الامام احمد.

45- نظرية التقعيد الفقهي .د. فاروق حمادة الروكي، دار الصفاء - بيروت ط، 1412.

46- نظرية المقاصد للشاطبي.

ص: 400

مقاربات فقهية من العهد الذهبي د. هيثم الحلفي

اشارة

ص: 401

ص: 402

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم النبين الصادق الأمين واهل بيته الطاهرين وبعد...

يعد عهد الامام علي عليه السلام من النصوص المهمة جدا كونه يحتوى على ضوابط واحكام فقهية لابد من الوقوف امامها ومحاولة دراستها وتحليلها، من هنا كانت البداية مع شخصية الصحابي الجليل مالك الأشتر هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث الكوفيّ، المعروف بالأشتر، من اصحاب امير المؤمنين (عليه السلام) ومن أثبتهم، أدرك رسول الله وهو من ثقات التابعين، وكان رئيس قومه وكان الإمام امير المؤمنين (عليه السلام) يثق به ويعتمد عليه وطالما كان يثني على وعيه وخبرته، كان حضوره فاعلاً في فتح دمشق وقد اصصيبت عينه في حرب اليرموك(1) وبسببها عرف فيما بعد ذلك بالاشتر(2)، وعاش في الكوفة، وقد اثنى عليه الإمام امير المؤمنين قائلاً: (لقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(3) وكان طويل القامة وعريض الصدر، وفارس مقاتل يقل من يجاريه في القتال والصبر في الحرب(4).

نُفي مالك مع عدد من أصحابه إلى حمص في أيام عثمان بسبب اصطدامه بسعيد بن العاص والي عثمان. ولما اشتدت نبرة المعارضة لعثمان عاد إلى الكوفة، ومنع والي عثمان الذي كان ذهب إلى المدينة آنذاك من دخولها، واشترك في ثورة المسلمين على عثمان، وتولي قيادة الكوفيين الذين كانوا قد توجهوا إلى المدينة وكان له دور حاسم في القضاء على حكومة عثمان، توفي مسموماً سنة 39 ه وهو في طريقه مصر لأداء

ص: 403

مهامه الموكلة إليه، حيث لما ولاه علي (عليه السلام) على مصر بلغ ذلك معاوية ودس إليه السم في العسل على يد الدهقان الذي كان مقيماً بالعريش(5)، فتأثر الإمام (عليه السلام) لوفاته كثيراً حتى ظن بعض النخعيين أن الإمام فقط هو صاحب المصيبة(6).

التعريف بالعهد

إنه (عليه السلام) سمى هذه التوصيات التي كتبها إلى مالك الأشتر وارد منه أن يعمل بها سماها بالعهد حيث قال (عليه السلام): (هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر...)(7)

العهد لغة: للعهد في اللغة عدة معان فقد ذكر الجوهري أنه بمعنى: (الأمان، واليمين، والموثق، والذمة، والحفاظ، والوصية، وقد عهدت إليه، أي أوصيته. ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة)(8).

فعهده إليه كان عبارة عن وصية يوصي بها مالك الاشتر ان يعمل بها، ومن الطبيعي انها ليست الوصية بالمعنى الإصطلاحي الفقهي بل بمعناها العرفي؛ لان الأخيرة لا تكون منجزة إلا بعد الموت بل هي بمعنى تعليمات وأوامر يأمر الإمام علي (عليه السلام) مالك الاشتر أن يعمل بها ويطبقها في فترة حكمه على مصر، وهذا ما نصّ الإمام (عليه السلام) عليه فيه، حيث قال: (هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر...)(9)، والملاحظ على هذه الوصايا أنها لو لوحظت في حد نفسها بغض النظر عن كونها موجهة إلى الحاكم والمتصدي للولاية على الناس؛ أنها ليست جميعاً من الواجبات بل بعضها مستحباً، ومع ذلك يأمر بها الإمام المعصوم احد ولاته أن يقوم بها مما ينبه على أنها لابد أن تأخذ وتقرأ في هذا الإيطار لا في حد نفسها بل بما هي واجبات ملقات على عاتق ولي

ص: 404

الامر والحاكم على الناس، فهي بالنظر إليه تعتبر واجبات ومسؤليات يتحتم عليه القيام بها لكي يسقط التكليف الثابت عليه بحكم قبوله مسؤلية الولاية على الناس؛ فإن الوالي بعد قبوله الولاية والحكم على الناس صارت ثمة مجموعة تكاليف ثابتة في عنقه يتحتم عليه امتثالها لكي يسقطها عن عهدته ولا يكون مسؤلاً تجاهها أولاً أمام الله تعالى ثم أمام امير المؤمنين (عليه السلام).

اهمية العهد الذهبي

يكفينا في مقام بيان اهمية عهده (عليه السلام) لمالك الاشتر النخعي أبان توليه منصب الحكم على مصر، اعتماد الأمم المتحدة لهذا العهد كمصدر حقوقي كونه يبين الحقوق والواجبات بين الدولة والشعب، وقد قال الأمين العام للأمم المتحدة: إن هذه العبارة من العهد يجب تعلق على كل المؤسسات الحقوقية في العالم والعبارة هي: واشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم اكلهم، فإنهم صنفان: إما اخ لك في الدين وإما نضير لك في الخل-ق) ب-ل ن-ادى ك-وف-ي عنان بأن تدرس الإجهزة الحقوقية والقانوينية عهد الإمام لمالك الاشتر، وترشيحه لكي يكون احد مصادر القانوني الدولي وبعد مداولات استمرت لمدة سنتين في الأمم المتحدة صوتت غالبية دول العالم على كون عهد علي ابن ابي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر كاحد مصادر التشريع القانوني الدولي وقد تم بعد ذلك إضافة فقرات اخرى من نهج البلاغة غير عهده (عليه السلام) لمالك الاشتر كمصدر للقانون الدولي(10)، فإذا اخذنا بنظر الأعتبار الفارق الزمني الكبير بين اطلاع كوفي عنان على عهده (عليه السلام) وبين تأريخ صدوره، حيث كان قد صدر عنه (عليه السلام) قبل اكثر من اربعة عشر قرناً من الزمان ولازال صالحاً في الاستناد

ص: 405

إليه إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة مما يدل على عظمة الإمام (عليه السلام) وأن كلامه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين.

كما جاء في كتاب los history الموجود حاليا في مكتبة الكونغرس الامريكي بواشنطن لمؤلفه الكاتب الامريكي المعاصر ميشيل هاملتون مورغان الذي يذكر فيه اعجابه الفائق بالسياسة الحكيمة لشخص خليفة المسلمين علي بن ابي طالب بعد ان اطلع على رسائله التي حررها الى ولاته في الامصار الاسلامية ومنهم مالك الاشتر مؤكدا عليهم ان يعاملوا المواطنين من غير المسلمين بروح العدل والمساواة في الحقوق والواجبات(11)، فالكاتب الاجنبي اعتبر ذلك انعكاسا صادقا لسلوكيات الخليفة الحميدة المؤطرة بفضائل الاخلاق التي اهلته للدخول في تاريخ الانسانية من ابوابه العريضة.

ص: 406

المبحث الأول: الوزارات السيادية وشرائط رئيس الحكومة

المطلب الأول: الوزارات السيادية

المطلب الثاني: شرائط رئيس الحكومة

تمهيد

إن وضيفة الوالي والرئيس هي متابعة كل صغيرة وكبيرة في حدود البلد المسؤول عليها ومن الطبيعي أن ذلك لا يتسنى له بالمباشرة وخصوصاً فيما إذا كانت اطراف البلد متباعدة وواسعة، ومن هنا فلا بد من الأعتماد على نظام الوسائط او سلسلة المراتب الإدارية سواء كانت مدنية او عسكرية، وهذا المفهوم كان موجوداً وتحدث عنه الإمام امير المؤمنين (عليه السلام) في عهده غاية الأمر أن هذا المفهوم توسع وأضيفت له مصاديق اخرى في زماننا وإن كان المفهوم واحداً، وسوف يأتي في آخر هذا البحث الملاك فيمن يقع عليهم الإختيار ليكونوا بطانة الحاكم وإدارة الوزارات والمسؤليات المهمة في البلد فانتظر.

وقد اوجز الإمام امير المؤمنين (عليه السلام) في بداية العهد كليات ما يريد الحديث عنه وتناول ذلك بنحو الإجمال ثم اردف ذلك بتفصيل لما اجمله في البداية، حيث ركز حديثه في المقدمة عن المسؤليات السيادية أو الوزارات السيادية وهي:

1- وزارة المالية

2- وزارة الدفاع والداخلية

3- وزارة الثقافة والإعلام

4- وزارة الإسكان والإعمار

ص: 407

المطلب الأول: الوزارات السيادية

1- وزارة المالية:

إن الموارد المالية للدولة الإسلامية في ذلك الزمان تنحصر بالإموال المستحصلة من الخراج وهذه الأموال تقوم الدولة على تقسيمها في انجاز الوضائف الإساسية لعموم الناس، وعلى مصالحهم العامة وقد نصّ الإمام الأمير المؤمنين (عليه السلام) على ذلك من خلال بيان الوظيفة الأساسية التي يجب على الوالي والحاكم القيام بها حيث ذكر ان على الحاكم: (جباية خراجها)، وهذا المورد يمثل عصب الحياة الرئيسية لإنجاز وضائف الدولة وتغطية نفقاتها.

2- وزارة الدفاع والداخلية

إن على الحاكم التصدي لتشكيل وزارتي الداخلية والدفاع، وهما جبهتين أحدهما الغرض منه ردّ العدو الداخلي والثاني الغرض منه رد العدو الخارجي وقد نصّ الإمام امير المؤمنين (عليه السلام) على تشكيل كلا الوزارتين بقوله: (وجهاد عدوها)، ويدخل تحت إطلاق قوله (عدوها) تشكيل أي قوات مسلحة أو غير مسلحة لهذا الغرض؛ طالما أن الجميع يدخل تحت عنوان العدو، وذلك من قبيل جهاز المخابرات وجهاز الأمن الوطني، وغيرهما مما يقتضيه جهاد الأعداء.

3- وزارة الإعلام

نص الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أستصلاح أهل مصر، حيث قال: (استصلاح أهلها)، وهو نضير استصلاح الأرض، حيث أن الارض البوار تحتاج إلى استصلاح وذلك لانها سبقت بفترة كانت الارض فيها غير مزروعة وبتالي فهي

ص: 408

مالحة، وهكذا الحال في الانسان يحتاج إلى استصلاح حيث تعاقبت عليه دول جائرة وعادلة كما ذكر (عليه السلام)، وهذا لا يكون إلا بالتعليم والتثقيف والتوجيه عبر الوسائل المتاحة ذلك الزمان والمتمثلة في حضور الناس للمساجد والحضور في المنتديات العامة وأن الملاحظ من سيرة الإمام كان دائم التوجيه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً لا يصرفه عنه جهاد ولا يقعده عنه سبب، حيث روي أنه (عليه السلام) كان إذا فرغ من الجهاد يتفرغ لتعليم الناس والقضاء بينهم(12).

4- الوزارات الخدمية

من وضائف الحاكم الاهتمام بالوزارات الخدمية من قبيل وزارة الاسكان والإعمار ووزارتي الزراعة والصناعة وغيرهما من الوزارات الخدمية الأخرى وقد نصّ الإمام عليه بقوله: (وعمارة بلادها)، فإن وظيفة هذه الوزارات الثلاث وغيرها، ينصب عملها لعمارة البلاد.

المطلب الثاني: شرائط رئيس الحكومة

إن الشرطان الاساسيان الواجب تحققهما في رئيس الحكومة بل لابد من توفرهما كشرط في تسنم جميع هذه المسؤليات والوزارات السيادية هو أمران ورد النص عليهما في القرآن الكريم هما:

الاول: قال امير المؤمنين (عليه السلام): (تقوى الله وإيثار طاعته وإتباع ما امر به في كتابه، من فرائضه وسننه التي لا يسعد احد إلا بإتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها وان ينصر الله بقلبه ويده ولسانه فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه)(13)؛ حيث ورد النصّ على ذلك في القرآن الكريم، حيث قال عزّ من

ص: 409

قائل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ»(14)، فمن برز لنصرة الله برز الله تعالى لنصرته وهكذا تسير الوزارات في أعمالها على نحو ايجابي سلس، والضامن له ما تعهد الله تعالى به في الآية، وامير المؤمنين (عليه السلام) طالما الكل يسعى لنصرة الله تعالى.

الثاني: نصّ الإمام امير المؤمنين على الشرط الثاني حيث قال: (وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويزعها(15) عند الجمحات(16)، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله)(17)، ومفاده عصيان رغبات النفس وشهواتها وهو ما نصّت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى: «وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي»(18)، فإن النفس الإنسانية لابد من ترويضها بأداء الواجبات والمستحبات وتجنب المحرمات والمكروهات، وإلا خرجت عن حد الإعتدال بالإنسان إلى ما لا يريده الله تعالى.

ص: 410

المبحث الثاني

المطلب الأول: الأطر العامة لسيرة رئيس الحكومة

إن الإمام (عليه السلام) بيّن لمالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه) الأطر العاملة لشخصية رئيس الحكومة وما لها وما عليها، وبداية يخبره بأن عقلية القوم غير مرتبة فالمفاهيم مضطربة عندهم وذلك لانه قد جرت عليهم دول مختلفة من عدل وجور، وبتالي يحتاج إلى إعادة ترتيب المنظومة المعرفية لهم ويجب أن يروا ذلك عملاً لا فقط بالقول من لدن الحاكم، قال (عليه السلام): (ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما کنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما کنت تقول فيهم)(19)، وينبغي أن يحسب رئيس الحكومة حسابه فإنه مراقب من قبل عموما الناس فإنهم ينتظرون منه تلبية حاجاتهم الظرورية والعمل بوظيفته وعليه مراعاة ما يأتي:

1- إن مثل رئيس الحكومة كمثل عامة الناس يجب أن يكون همه وغمه هو العمل الصالح، قال امير المؤمنين: (فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح)(20).

2- يجب ألا ينساق الإنسان وفقاً لشهواته، بل الأمر بالعس بإن يملك الإنسان التحكم بهواه، وهكذا الحال بالنسبة إلى رئيس الحكومة قال امير المؤمنين: (فأملك هواك).

3- رئيس الحكومة مثله كمثل سائر الناس فإنه لا يكون كل شيء له مباح، بل له الحق

ص: 411

فيما يحب ويكره في حدود الأشياء المباحة له، قال امير المؤمنين (وشح بنفسك عما لا يحل لك، فإن الشح بالنفس الانصاف منها فيها أحبت أو كرهت).

4- يجب أن يكون الوالي على بلد رحيماً بالرعية محباً لهم عطوف عليهم كأفراد عائلته، قال امير المؤمنين (عليه السلام): (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم).

5- لا يجوز للوالي على بلد أن يصادر حقوقهم وذلك بالإستحواذ عليها بلا وجه حقٍ؛ ولا يكون صدور الخطأ منهم مبرراً لهذا الفعل، وذلك لانهم من بني البشر وهم معرضون للخطأ، والزلل والمتوقع من الوالي أن يغفر زلاتهم، قال امير المؤمنين (عليه السلام) (ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ)(21).

6- يجب أن يكون نظر الحاكم إلى ما دونه من عموم الرعية كما يرغب أن يكون نظر الله تعالى إليه من العفو والرحمة، قال امير المؤمنين (عليه السلام): (فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم)(22).

7- ويجب أن يكون الحاكم عبداً لله تعالى لا أن يكون عدواً له؛ لأنه بحاجة إلى رحمة الله وعفوه، قال امير المؤمنين (عليه السلام) (ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنه لا يدي لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته)(23).

8- لا ينبغي للحاكم أن يندم على عفوٍ منحه للرعية، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ولا تندمن على عفو)(24).

ص: 412

9- لا ينبغي ان تكون العقوبات الشرعية سبباً للتبجح والشماتة، كما لا ينبغي المصير إلى العقوبة مع امكان التفصي عنها بعذر، قال امير المؤمنين: (ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة ولا تقولن إني فإن ذلك إدغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرب من الغير فأطاع)(25).

10- لا ينبغي للحاكم ان يحس بالأبهة والاستطالة على الاخرين، وإذا ما حدث ذلك، فينبغي أن يتذكر قدرة الله تعالى عليه، قال امير المؤمنين (عليه السلام): (وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك، ويفي إليك بها عزب عنك من عقلك)(26).

11- لا ينبغي للحاكم مباراة الله في علوه؛ لانه يذل كل جبار، قال امير المؤمنين (عليه السلام): (إياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال)(27).

12- يجب على الحاكم أن ينصف الله والناس من نفسه، بأن يؤدي حقوق الله وحقوق الناس على حد سواء ولا ينبغي أن يأخذ من حقوق الله لنفسه او اهله ولمن له فيهم هوى من الرعية؛ وذلك لان مآل ذلك إلى ظلم الناس ومن ظلمهم كان الله خصيمه وهو المدحض لحجته، فضلاً عن ان الظلم يغير النعم ويعجل بزوال الملك، فضلاً عن أن دعوة المظلوم على ظلمه مستجابة، ولا تزال آثاره إلا برد الحق إلى اهله والتوبة، قال امير المؤمنين (عليه السلام): (أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوی من رعیتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته وكان لله حربا حتى ينزع ويتوب وليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله و تعجیل نقمته من إقامة على

ص: 413

ظلم، فإن الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد)(28).

13- ورد في المأثور (أن خير الامور اوسطها) وإذا دار الامر بين ما يكون موجباً للإجحاف بالاكثرية والاقلية فينبغي اختيار ما يكون مجحفاً بالاقلية دون الاكثرية، وخصوصاً إذا كانت الأقلية هي الخاصة، قال الإمام امي المؤمنين: (وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، و أعمها في العدل وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة)(29).

فإن للخاصة مجموعة خصال هي:

أ- ليس احد من الرعية اثقل على الوالي مؤونة في الرخاء من الخاصة، قال الإمام امير المؤمنين (عليه السلام): (وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء)(30).

ب- الخاصة قليلوا المعونة في البلاء، قال امير المؤمنين: (وأقل معونة له في البلاء)(31).

ت- الخاصة يكرهون الانصاف، قال امير المؤمنين (عليه السلام) (وأكره للإنصاف).

ث- الخاصة اقل شكراً عند الإعطاء، قال امير المؤمنين (عليه السلام): (وأقل شكرا عند الاعطاء)(32).

ج- الخاصة لا يعذرون الحاكم إذا منعهم، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (وأبطأ عذرا عند المنع)(33).

ح- الخاصة اضعف صبراً على الملمات قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (وأضعف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة)(34).

والنتيجة من كل هذه الخصال التي يتصف بها الخاصة، فإنه لا بأس بسخط الخاصة مع رضا العامة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة)(35).

ص: 414

14- أن الدين لا يقوم إلا بالعامة فإنهم عماده، والعدة الذين يستعان بهم على الأعداء وبناءاً عليه فلابد ان يكون الحاكم صاغٍ لهم ومائلاً معهم، ومن هنا فقد نصّ الإمام امير المؤمنين (عليه السلام) على ذلك بقوله: (وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم)(36).

15- حث الإمام على أبعاد الحاشية الذي يطلبون معائب الناس وينقلونها إلى الحاكم؛ لان الحاكم المفروض أن يكون الساتر على معائب الناس، قال الإمام امير المؤمنين: (وليكن أبعد رعيتك منك وأشنؤهم عندك أطلبهم لمعائب الناس، فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها)(37).

16- لا ينبغي للحاكم أن يكشف عما غاب عنه بل عليه تقویم ما ظهر له من أخطاء الناس وعيوبهم: (فلا تكشفن عما غاب عنك منها فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك، أطلق عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل وتر)(38).

17- لا ينبغي للحاکم تصديق الساع، فإنه غاش وان تشبه بالناصحين، قال الإمام امیر المؤمنين (عليه السلام): (ولا تعجلن إلى تصديق ساع فإن الساعي غاش وإن تشبه بالناصحين)(39).

18- ولا ينبغي أن تكون في بطانة الحاكم بخيلاً أو من يعده الفق او حريصاً جباناً؛ لانها غرائز يجمعها سوء الظن بالله تعالى: قال امير المؤمنين (عليه السلام): (ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتی يجمعها سوء الظن بالله)(40)

ص: 415

المطلب الثاني: شرائط تسنم الوزارات والمسؤليات المهمة

إن ثمة خصال وسجايا يجب ان يتحلى بها الوزير لكي يقع اختيار الحاكم ورئيس الدولة عليه من بينها:

1- يجب ألا يكون الوزير المختار من قبل رئيس الحكومة وزيراً للأشرار قبل حکومته، ومشتركاً في آثام الحكومات الباطلة، اكد امير المؤمنين على ذلك بقوله (عليه السلام): (إن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة فإنهم أعوان الأئمة وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرا