الزهرة البارقة لمعرفة أحوال المجاز والحقيقة

هویة الکتاب

الزُهَرَةُ البَارِقَة لِمَعرِفَةِ أَحوَالِ المَجَازِ وَالحَقِيقَة

تَألِيْفُ

الْعَلَّاْمَةِ المُحَقّقِ الْفَقِيْهِ الْأُصُوْلِيّ

الحَاْجّ السَّيِّد مُحَمَّد بَاْقِر المُوْسَوِيّ الشَّفْتِيّ قُدِّسَ سِرُّه

المَعْرُوْف بِحُجَّةِ الْإِسْلَاْمِ عَلَى الْإِطْلَاْق

(1180 - 1260 ق)

تَحْقِيْقُ

السَّيِّد مُحَمَّد الرِّضَا الشَّفْتِيّ

ص: 1

المجلد 1

اشارة

ص: 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ص: 3

ص: 4

مقدّمة المركز

الحَمْدُ لِلهِِ رَبِّ العَالمَينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

أمَّا بَعْدُ فَقَدِ اهْتَمَّ المُسْلِمُونَ باللُّغَة الْعَرَبِيَّةِ اهْتِمِامًا يَنْقَطِعُ نَظِيرَهُ فِي بَقِيَّةِ لُغَاتِ الْعَالَمِ، فَقَسَّمُوهَا إِلى اثْنَي عَشَرَ عِلْمًا، وَتَوَسَّعُوا فِي كُلِّ عِلْمٍ مِنْهَا، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهَا يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ عُلُومٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالاِشْتِقَاقِ الَّذِي يُدَرَّسُ فِي عِلْمِ الصَّرْفِ، وَالنَّحْوِِ، وَالْبَلَاغَةِ، وَمِنْ تِلْكَ المَوَاضِيعِ المُشْتَرَكَةِ مَوْضُوعُ الحَقِيقَةِ وَالمَجَازِ؛ فَالدّرَاسَاتُ الأَوَّلِيَّةُ لَهُ نَجِدُهَا فِي كِتَابِِ سِيبَوَيْه المُتُوَفّى سَنَة 180ﻫ، ثُمَّ كَانَتْ هُنَاكَ آرَاءٌ أُخْرَى حَوْلَ ثُبُوتِ المَجَازِ في اللُّغَةِ؛ فَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازَ فِيهِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ كُلّهُ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةَ فِيهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ أَثْبَتَت ِالدِّرَاسَاتُ أَنَّ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ فِيهَا الحَقِيقَةُ، وَفِيهَا المَجَازُ.

ثُمَّ تَوَسَّعَ البَيَانِيُّونَ في أَقْسَامِ المَجَازِ، فَقَسَّمُوهُ عَلَى مَجَازٍ عَقْلِيٍّ وَيَقَعُ فِي الإِسْنَادِ، وَمَجَازٍ لُغَوِيّ.

وَالمَجَازُ اللُّغَوِيّ قَسَّمُوهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍٍ: مَجَازٌ مُفْرَدٌ مُرْسَلٌ، وَمَجَازٌ مُفْرَدٌ بِالاِسْتِعَارَةِ، وَمَجَازٌ مُرَكَّبٌ مُرْسَلٌ، وَمَجَازٌ مُرَكَّبٌ بِالاِسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ.

ثُمَّ تَلَاهُم الأُصُولِيُّونَ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ حَتَّى وَصَلَ المُتَأَخِّرُونَ مِنْهُم إِلَى الذّرْوَةِ، فَتَعَمَّقَتْ مَبَاحِثُهُم اللُّغَوِيَّةُ وَالدَّلَالِيَّةُ الَّتِي اتَّسَمَتْ بِالدِّقَّةِ وَالْتَعَمُّقِِِ عَنْ طَريْقِ رَصْدِ المَعَالِم الدّلَالِيَّةِ العَمِيقَةِ، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الفَهْمِ الدَّقِيقِ لِفَحْوَى

ص: 5

الخِطَابِِ، فَخَاضُوا فِي أَقْسَامِ الأَلْفَاظِ وَالدّلَالَاتِ، فَبَحَثُوا الاِشْتِرَاكَ وَالتَّرَادُفَ وَأَفَاضُوا الجَدَلَ حَوْلَهمُا، وَقَسَّمُوا الدّلَالَاتِ بِحَسَبِ المَنْطُوقِ وَالمَفْهُومِ مِنِ الخِطَابِ، كَمَا أَبَانُوا عَنْ قُدْرَةٍ لُغَوِيَّةٍ فِي تَحْدِيدِ أَدَوَاتِ ضَبْطِ الدّلَالَةِ المُعَيَّنَةِ، فَبَحَثُوا الاسْتِغْرَاقَ وَالْعُمُومَ وَالشَّرْطَ وَالاسْتِثْنَاءَ وَالتَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ والإِطْلَاقَ وَالتَّقْيِيدَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِن المَبَاحِثِ، فَتَوَصَّلُوا إِلَى مَفَاهِيمَ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ لَمْ يَتَوَصَّلْ إِلَيْهَا اللُّغَوِيُّونَ أَوْ النُّحَاةُ، أَوْ البَيَانِيُّونَ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُم فَصَّلُوا القَوْلَ حَوْلَ مَاهِيَّة الحَقَيقَة وَالمَجَاز، وَأَقْسَامِهِمَا، وَالمَعَايِير المُمَيِّزَة لِكُلِّ قِسْمٍ؛ كَالحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، وَالحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالحَقِيقَةِ الْوَضْعِيَّةِ، وَالَحقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ، وَكَذَلِكَ الحَالُ فِي تَقْسِيمِ المَجَازِ وَالتَّعَمُّقِ فِي مَبَاحِثِهِ.

وَقَدْ أَلَّفَ الْعَلَّاْمَةُ المُحَقِّقُ الْفَقِيْهُ الْأُصُوْلِيُّ الحَاْجُّ السَّيِّدُ مُحَمَّد بَاْقِر المُوْسَوِيّ الشَّفْتِيّ (قدس سره)، المَعْرُوْفُ بِحُجَّةِ الْإِسْلَاْمِ عَلَى الْإِطْلَاْقِ (1180- 1260ﻫ) كِتَابَ الزُهَرَة البَارِقَة لِمَعرِفَةِ أَحوَالِ المَجَازِ وَالحَقِيقَة.

وَقَد احْتَوَى هَذَا الْكِتَابُ عَلَى مَبَاحِثَ نَفِيسَةٍ وَفَرَائِدَ قَيِّمَةٍ مِن المَسَائِلِ الأُصُولِيَّةِ وَالعَرَبِيَّةِ، وَمَبَاحِثِ الأَلْفَاظِ وَالمَبَادِئ اللُّغَوِيَّةِ؛ مِنْهَا بَيَانُ مَاهِيَّةِ الحَقِيقَة وَالمَجَاز، والأَمَارَات الَّتِي بِهَا يَحْصَلُ الامْتِيَازُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالمَجَازِِ، وَتَحَقُّقِ الوَاسِطَة فِي الأَلْفَاظِ بَيْنَ المَجَازِ وَالحَقِيقَةِ وَتَعَارض الأَحْوَالِ وَغَيْرهمَا، وَتَقْسِيم الحَقِيقَةِ وَالمَجَازِ عَلَى الأَقْسَامِ المَعْرُوفَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِن الأُمُورِِ المُهِمَّةِ، وَاللَّفْظ المُشْتَرَك، وَالفَرْق بَيْنَ القَرِينَةِ الَّتِي فِي المُشْتَرَكِ وَالَّتِي فِي المَجَازِ، وَالفَرْق بَيْنَ اسْمِ الفَاعِلِ وَالفِعْلِ، وَوَجْه اعْتِبَارِ العِلَاقَةِ فِي المَجَازَاتِ، وتَحْدِيدِهَا وَبَيَان أَنْوَاعِهَا، وَوَجْه اشْتِرَاطِ العِلَاقَةِ فِي المَعَانِي المَجَازِيَّةِ، وَتَحَقّق الوَاسِطَةِ فِي الأَلْفَاظِ

ص: 6

بَيْنَ المَجَازِ وَالحَقِيقَةِ وَتعَارض الأَحْوَالِ وَغَيْرهمَا، وَالحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة، وَالثَّمَرَة المُترَتِّبَة عَلَى ثُبُوتِ الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَعَدَمه، وَغَيْر ذَلِكَ مِن المَبَاحِثِ القَيِّمَةِ.

وَقَدْ قَامَ سَمَاحَةُ السَّيِّدِ مُحَمَّد الرِّضَا الشَّفْتِيّ مَشْكُورًا وَمَأْجُورًا بِتَحْقِيقِهِ، وَقَدْ قُمْنَا بِمُرَاجَعَتِهِ، وَضَبْطِهِ، وَوَضْعِ الفَهَارِسِ الفَنِيَّةِ، وَلَا نَنْسَى تَقْدِيمَ الشُّكْر والثَّنَاءِ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ شَادِي وَجِيه وَهْبِي عَلَى مُرَاجَعَتِهِ لِلْكِتَابِ، وَالأَخ مُرْتَضَى حرَيِّج عَلَى تَدْقِيقِهِ لُغَوِيًّا، والأَخ مُصْطَفَى عِمَاد الْحَمْدَان عَلى إخرَاجِ الكِتَابِ طِباعِيًّا وعَمَل فَهَارِسِهِ الفَنِّيَّةِ.

هَذَا وَنَسْأَلُ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَنْفَعَ المُؤْمِنِينَ بِهَذَا السِّفْرِ القَيِّمِ الَّذِي يُشَكِّلُ إِضَافَةً إِلَى مَكْتَبَتِنَا الإِسْلَامِيَّةِ.

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنْ الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالمَِينَ.

د. إحْسَان عَلِيّ الغُرَيْفِيّ

مُدِيْرُ مَرْكَزِ تُرَاثِ كَرْبَلَاء

قِسْمُ شُؤُوْنِ المعارفِ الإسلاميَّةِ والإنسانيَّة

24 رجب 1442ﻫ/9 آذار 2021م

ص: 7

ص: 8

مقدّمة التحقيق

لمحةٌ من حياة المؤلّف

اشارة

لمحةٌ من حياة المؤلّف(1)

اسمه ونسبه

هو السيّد محمّد باقر ابن السيّد محمّد نقي (بالنون) الموسويّ النسب، الشفتيّ الرشتيّ الجيلانيّ الأصل واللّقب، الغرويّ الحائريّ الكاظميّ العلم والأدب، العراقيّ، الأصفهانيّ البيدآبادي المنشأ والموطن والمدفن والمآب، الشهير في الآفاق بحجّة الإسلام على الإطلاق، من فحول علماء الإماميّة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ومن كبار زعماء الدين وأعلام الطائفة.

ص: 9


1- وردت ترجمته في: بيان المفاخر: المجلّد الأوّل والثاني، روضات الجنّات: 2/ 100؛ الفوائد الرضويّة: 2/426، تاريخ أصفهان: 97، طبقات أعلام الشيعة (ق13): 2/ 193، قصص العلماء: 135، الروضة البهيّة في الإجازة الشفيعيّة: 19، مستدرك الوسائل: 3/ 399، أعيان الشيعة: 9/ 188، ريحانة الأدب: 1/312، الكنى والألقاب: 2/ 155، لباب الألقاب: 70، الكرام البررة: 1/ 192، معارف الرجال: 2/196، مكارم الآثار: 5/ 1614، نجوم السماء: 63، بغية الراغبين (المطبوع ضمن موسوعة الإمام شرف الدين): 7/ 2949، تكملة أمل الآمل: 5/ 238، موسوعة طبقات الفقهاء: 13/ 533، دانشمندان وبزرگان أصفهان: 1/ 373، تذكرة القبور: 149، رجال ومشاهير أصفهان: 255، وفيات العلماء: 162، غرقاب: 210، بغية الطالب: 171، هديّة الأحباب: 140، مزارات أصفهان: 163، تذكرة العلماء: 213، أعلام أصفهان: 2/141.

وأمّا نسبه الشريف:

فهو السيّد محمّد باقر بن محمّد نقي بن محمّد زكي بن محمّد تقي ابن شاه قاسم ابن مير أشرف ابن شاه قاسم ابن شاه هدايت ابن الأمير هاشم ابن السلطان السيّد عليّ قاضي ابن السيّد عليّ ابن السيّد محمّد ابن السيّد عليّ ابن السيّد محمّد ابن السيّد موسى ابن السيّد جعفر ابن السيّد إسماعيل ابن السيّد أحمد ابن السيّد محمّد ابن السيّد أحمد ابن السيّد محمّد ابن السيّد أبي القاسم ابن السيّد حمزة ابن الإمام موسى الكاظم (علیه السلام) (1).

ولادته ونشأته

ولد على أصحّ القولين في سنة 1180 أو 1181ﻫ(2) في قرية من قرى: «طارم العُليا»، وانتقل إلى شفت وهو ابن سبع سنين(3).

ثمّ هاجر إلى العراق لطلب العلوم الدينيّة والكمالات النفسانيّة في حدود سنة 1197 ﻫ أو قريبًا من ذلك، وهو ابن ستّ أو سبع عشرة سنة(4)، فحضر في أوّل أمره على الأستاذ الأكبر الآقا محمّد باقر الوحيد البهبهاني في كربلاء(5)، ثمّ على أستاذه العلّامة المير سيّد عليّ الطباطبائيّ صاحب الرياض.

ص: 10


1- هكذا ذكره صاحب الترجمة في ديباجة كتابه «مطالع الأنوار: 1/ 1».
2- روضات الجنّات: 2/ 102، تاريخ أصفهان: 97.
3- بيان المفاخر: 1/ 24 -25.
4- روضات الجنّات: 2/ 102.
5- صرّح بذلك صاحب الترجمة (قدس سره) في بعض إجازاته، إذ قال: «... عن المولى الساطع... الّذي فزنا بالاستفادة من جنابه في أوائل التحصيل في علم الأصول، وقرأنا عليه من مصنّفاته ما هو مشهور بالفوائد العتيق... مولانا آقا محمّد باقر البهبهاني((كتاب الإجازات: مخطوط).

ثمّ رحل إلى النجف الأشرف وأقام فيها سبع سنين، وحضر فيها على العلّامة الطباطبائيّ بحر العلوم، والشيخ الأكبر صاحب كشف الغطاء قدّس سرّهم.

ثمّ سافر إلى الكاظميّة، فحضر فيها على المحقّق السيّد مُحسن الأعرجي البغداديّ (قدس سره) قليلًا، فقد قرأ عليه القضاء والشهادات، وأقام عنده مدّة من الزمان.

ولمّا حلّت سنة 1205 ﻫ وقد تمّ بها على المترجم في العراق ثمان سنين بلغ فيها درجة سامية ومكانة عالية، رجع إلى ديار العجم(1) وتوطّن في أصفهان(2) مع الحاجّ الشيخ محمّد إبراهيم الكلباسيّ (قدس سره) وكانا صديقين رفيقين شفيقين.

ثمّ اتّفق له في سنة 1215 ﻫ الارتحال من أصفهان إلى قم أيّام زعامة المحقّق القمّي (قدس سره) فحضر مجلسه فيما ينيف على ستّة أشهر(3)، وكان يقول: «أرى لنفسي الترقّي الكامل في هذه المدّة القليلة بقدر تمام ما حصل لي في مدّة مقامي بالعتبات

ص: 11


1- كما نصّ عليه نفسه (قدس سره) في حواشي بعض إجازاته، قال: «قد حُرِمنا من شرافة مجاورة العتبات العاليات -على مشرّفها آلاف التحيّة والصلوات- وانتقلنا منها إلى ديار العجم في سنة خمس ومائتين بعد الألف، وكان مولانا مولى الكلّ آقا محمّد باقر البهبهانيّ في الحياة، ثمّ انتقل إلى الفردوس الأعلى في سنة ستّ ومائتين بعد الألف قدّس الله تعالى روحه السعيدة» (كتاب الإجازات: مخطوط).
2- قال المترجم له في حاشية بعض إجازاته ما هذا نصّه: (انتقل المرحوم المغفور مير عبد الباقي إلى دار الآخرة -قدّس الله تعالى روحه- في أوائل ورودي في أصبهان في سنة سبع ومائتين بعد الألف من الهجرة» (كتاب الإجازات: مخطوط).
3- قال سيّدنا المترجم (قدس سره) في حاشية كتابه «مطالع الأنوار: ج 1»: «اعلم: أنّه اتّفق لي في سنة مائتين وخمس عشرة بعد الألف الارتحال من أصبهان إلى بلدة قم، ومكثت فيها أربعة أشهر أو أكثر، وكنت مشتغلًا بكتابة هذا المجلّد من الشرح، إلخ».

العاليات»(1)، فكتب له الميرزا (قدس سره) إجازة مبسوطة مضبوطة كان يراها غنيمة ذلك السَّفر المبارك.

ثمّ سافر بعدها إلى كاشان، فحضر على المولى محمّد مهدي النراقيّ (قدس سره) وتلمذ عليه مدّة قليلة(2).

نُقل عن بعض المشايخ أنّه بعد وروده إلى أصفهان لم يكن يملك شيئًا من الكتب إلّا مجلّدًا واحدًا من المدارك، كما لم يكن يملك من الأموال، ولا من الأثاث والأغراض إلّا منديلًا لمحلّ الخبز، ويسمّى بالفارسيّة: سفره(3).

وسكن في مدرسة السلطان -المفتوح بابه إلى چهارباغ العبّاسيّ- المعروفة في أصفهان بمدرسة چهارباغ، فاجتمع الطلّاب والمشتغلون عنده للتحصيل والتعليم، فأخرجه المدرّس من المدرسة عنادًا وصدًّا فلم يعارضه(4).

وبعد برهة من الزمن اجتمع حوله أهل العلم والمحصّلون، وانتقلت إليه رئاسة الإماميّة في أغلب الأقطار بعد رحيل المشايخ (رحمهم الله) فصار مرجعًا للفتوى، وأقبلت عليه الدنيا فانتهت إليه الرئاسة الدينيّة والدنيويّة.

وكان الباعث على ترويج أمره في أصفهان وفي غيره من البلاد، العالم الربّانيّ والمحقّق الصمدانيّ الميرزا أبو القاسم الجيلانيّ القمّيّ (قدس سره) المقبول قوله عند العوام والخواص وعند السلطان والرعيّة.

ص: 12


1- ينظر روضات الجنّات: 2/ 100.
2- الروضة البهيّة في الإجازة الشفيعيّة: 19.
3- المصدر نفسه.
4- ينظر طرائف المقال: 2/377.

وأيضًا تقديم العالم الزعيم الحاج الشيخ محمّد إبراهيم الكرباسيّ (قدس سره) إيّاه في المشي والحكم وغيرهما، فكلّ هذه الأمور كانت ترفع شأنه، إلّا أنّ يده تعالى فوق الأيدي، ترفع وتضع طبق المصالح الربّانيّة(1).

وكانت بينه وبين الشيخ الكرباسي المذكور صِلة متينة وصداقة تامّة من بدء أمرهما، فقد كانا زميلين كريمين في النجف، تجمع بينهما معاهد العلم، وشاء الله أن تنمو هذه المودّة شيئًا فشيئًا، ويبلغ كلّ منهما في الزعامة مبلغًا لم يكن يحدث له في البال، وأن يسكنا معًا بلدة أصفهان، ويتزعّما بها في وقت واحد، ولم تكن الرئاسة لتكدّر صفو ذلك الودّ الخالص، أو تؤثّر مثقال ذرّة، فكلّما زادت سطوة أحدهما زاد اتّصالًا ورغبة بصاحبه.

حجّ بيت الله الحرام في سنة 1231 ﻫ(2) من طريق البحر، وكان ذلك أيّام محمّد عليّ باشا المصريّ، وكانت له زيارة خاصّة له، فأخذ منه «فدك» وكفل بها سادات المدينة(3)، وكذلك حدّد المطاف على مذهب الشيعة للمسلمين في مكّة المكرّمة(4).

ص: 13


1- الكرام البررة: 1/ 194.
2- صرّح بذلك نفسه (قدس سره) في مناسكه (مناسك الحجّ: مخطوط، الصفحة 56).
3- قصص العلماء: 145؛ وقد أشار بذلك الميرزا حبيب الله نيّر (قدس سره) ضمن مرثيّته للمترجم (قدس سره) (معادن الجواهر: 1/ 23) بقوله: ميراث أولاد الزهراء استردّ لهم *** من غاصبي فدك في طوفه الحرما
4- تاريخ أصفهان: 97.

وفي سنة 1243ﻫ(1) أخذ في بناء المسجد الأعظم بأصبهان(2) وأنفق عليه ما يقرب من مائة ألف دينار شرعيّ تقريبًا من أمواله الخالصة، ومالَ بقبلته إلى يمين قبلة سائر المساجد يسيرًا، وجعل له مدارس وحجرات للطلبة، وأسّس أساسًا لم يعهد مثله من أحد من العلماء والمجتهدين، وبنى فيه قبّة لمدفنه، وهي الآن بمنزلة مشهد من مشاهد الأنبياء والأئمّة (علیه السلام) مطاف للخلائق في أوقات الصلوات الخمس.

إطراء العلماء عليه

1 - الفقيه المحقّق ميرزا أبو القاسم القمّي (قدس سره)

وهو من أساتذته ومشايخه، قال في إجازته الكبيرة له: «... فقد استجازني الولد الأعزّ الأمجد، والخلّ الأسعد الأرشد، العالم العامل الزكيّ الذكيّ، والفاضل الكامل الألمعيّ اللوذعيّ، بل المحقّق المدقّق التقيّ النقيّ، ابن المرحوم المبرور السيّد محمّد نقي، محمّد باقر الموسويّ الجيلانيّ، أسبل الله عليه نواله، وكثّر في الفرقة الناجية أمثاله»(3).

2 - الحكيم المولى عليّ النوري (قدس سره)

وهو من أساتذته، قد أطرى عليه بقوله: «علّامة العهد، فقيه العصر، حجّة

ص: 14


1- صرّح بهذا التاريخ معاصره الأديب الفاضل الميرزا محمّد عليّ الطباطبائيّ الزوّاريّ، المتخلّص بوفا (المتوفّى سنة 1248 ﻫ) في تذكرته الموسومة بالمآثر الباقريّة: ص 232، الّتي جمع فيها بعض من القصائد والمقطّعات الّتي أنشدها الشعراء في مدح حجّة الإسلام (قدس سره) ووصف مسجده الأعظم.
2- أنشأه في محلّة «بيد آباد»، وهي من محلّات أصفهان العظيمة.
3- بيان المفاخر: 2/ 7.

الطائفة المحقّة، قبلة الكرام البررة، الفريد الدهريّ، والوحيد العصريّ، مطاع، واجب الاتّباع، معظّم، مجموعة المناقب والمفاخر، آقا سيّد محمّد باقر، دامت بركات فضائله الإنسيّة وشمائله القدسيّة»(1).

3 - العلّامة الفقيه الحاج محمّد إبراهيم الكرباسيّ (قدس سره)

أطرى على صاحب الترجمة بقوله: «... لكون السيّد - ضاعف الله فضله عليه - من أركان المحقّقين، وأساطين الفقهاء الراسخين، فضلًا عن مجرّد كونه من المجتهدين الّذين يجب إطاعة أمرهم وإمضاء حكمهم... والسيّد الباقر - دام تأييده - فوق ذلك ومن أعلام الطائفة وأركانها»(2).

4 - العلّامة السيّد محمّد شفيع الجابلقيّ (قدس سره)

قد وصفه في كتابه «الروضة البهيّة في الطرق الشفيعيّة» بقوله:

«السيّد السند، والركن المعتمد، الإمام الأجلّ الأعظم، النحرير الذاخر، والسحاب الماطر، الفائق على الأوائل والأواخر، الحاج السيّد محمّد باقر بن محمّد نقيّ الرشتيّ الشفتيّ... وكان أزهد أهل زمانه وأعبدهم وأسماهم؛ فلذا أقبلت له الدنيا بحيث انتهت الرئاسة الدينيّة والدنيويّة إليه»(3).

زهده وعبادته

قال المحدّث القمّي (قدس سره) في الفوائد الرضويّة، نقلًا عن صاحب التكملة: «حجّة

ص: 15


1- رسالة في أحكام القناة للمترجم له: مخطوط، الصفحة 81.
2- المصدر نفسه: 90.
3- الروضة البهيّة في الإجازة الشفيعيّة: 19.

الإسلام السيّد محمّد باقر، كان عالمًا ربّانيًّا روحانيًّا، ممّن عرف حلال آل محمّد (علیه السلام) وحرامهم، وشيّد أحكامهم، وخالف هواه، واتّبع أمر مولاه، كان دائم المراقبة لربّه، لا يشغله شيء عن الحضور والمراقبة. وقال: حدّثني والدي (قدس سره) أنّ آماق عين السيّد كانت مجروحة من كثرة بكائه في تهجّده.

وحدّثني بعض خواصّه، قال: خرجت معه إلى بعض قراه، فبتنا في الطريق، فقال لي: ألا تنام؟! فأخذت مضجعي فظنّ أنّي نمت، فقام يصلّي، فو الله إنّي رأيت فرائصه وأعضاءه ترتعد بحيث كان يكرّر الكلمة مرارًا من شدّة حركة فكّيه وأعضائه حتّى ينطق بها صحيحة»(1).

إقامته الحدود الشرعيّة

يعتقد السيّد حجّة الإسلام أنّ إقامة الحدود واجبة على الفقيه الجامع لشرائط الفتوى في عصر الغيبة عند التمكّن من الإقامة والأمن من مضرّة أهل الفساد، وألّف (قدس سره) في إثبات هذا الاعتقاد رسالة؛ وبهذا كان يقيم الحدود الشرعيّة ويجريها بيده أو يد من يأمره بلا خشية ولا خوف (2).

مشايخ روايته

يروي عن عدّة من أعلام الأمّة، وإليك سرد ما نصّ عليه (قدس سره) في بعض إجازاته أو نبّه عليه غيره:

ص: 16


1- الفوائد الرضويّة: 2/ 429.
2- روضات الجنّات: 2/ 101.

1 - الأمير السيّد عليّ الطباطبائيّ الحائريّ (المتوفّى سنة 1231 ﻫ).

2 - الميرزا أبو القاسم الجيلانيّ القمّيّ (المتوفّى سنة 1231 ﻫ)(1).

3 - الشيخ سليمان بن معتوق العامليّ (المتوفّى سنة 1227 ﻫ).

4 - السيّد محسن الأعرجيّ البغداديّ (المتوفّى سنة 1227 ﻫ).

5 - الشيخ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى سنة 1227 ﻫ).

6 - الميرزا محمّد مهدي الموسويّ الشهرستانيّ (المتوفّى سنة 1216 ﻫ).

تلامذته

قد تخرّج من مجلس تدريسه أكثر من مائة وخمسين مجتهد، لا يسع المقام لاستقصائهم، فنقتصر على ذكر بعضٍ من أكابرهم وأعاظمهم:

1 - السيّد آقا بزرك الحسينيّ القاضي عسكر الأصفهانيّ.

2 - الحاج محمّد جعفر بن محمّد صفي الآبادهاي.

3 - الملّا أحمد بن عليّ أكبر التربتي.

4 - المولى عليّ أكبر بن إبراهيم الخوانساريّ.

5 - الحاج ملّا عبد الباقي الكاشانيّ.

6 - المولى عبدالوهّاب الشريف القزوينيّ.

ص: 17


1- هي إجازة كبيرة مبسوطة، تاريخها: ليلة عيد الفطر سنة 1215 ﻫ، أوّلها بعد البسملة: (الحمد لله والصلاة على رسول الله وعلى آله أولياء الله). طبعت مصوّرتها بتمامها في «فهرست كتب خطّي كتابخانه هاي أصفهان: 1/ 401». وينظر روضات الجنّات: 2/ 100، وبيان المفاخر: 2/ 7.

7 - الحاج محمّد إبراهيم القزوينيّ.

8 - السيّد محمّد باقر الموسويّ الأصفهانيّ (صاحب روضات الجنّات).

9 - الحاج آقا محمّد بن محمّد إبراهيم الكرباسيّ.

10 - المولى محمّد بن محمّد مهدي المازندرانيّ الشهير بالحاج الأشرفي.

وغيرهم من الأعلام لم نذكرهم رومًا للاختصار، ومَن أراد أن يطّلع على أسمائهم وترجمتهم فليراجع الجزء الأوّل من كتاب: «بيان المفاخر» للمحقّق المرحوم السيّد مصلح الدّين المهدويّ، وغيره من كتب التراجم والسير.

أولاده

له (قدس سره) أولاد متعدّدون، كلّهم علماء أجلّاء، وسادة فضلاء، انتهت إليهم الرئاسة الدينيّة والعلميّة بعد أبيهم في أصفهان، وهم:

1 - السيّد أسد الله (1228- 1290 ﻫ)(1).

ص: 18


1- وردت ترجمته في: روضات الجنّات: 2/ 103 (ذيل ترجمة أبيه)، أعيان الشيعة: 11/109، بيان المفاخر: 2/245- 351، الكنى والألقاب: 2/ 156، الفوائد الرضويّة: 1/ 42، أحسن الوديعة: 1/ 78، المآثر والآثار: 138، الروضة البهيّة في الإجازة الشفيعيّة: 22، ماضي النجف وحاضرها: 1/ 133، معارف الرجال: 1/ 94، مكارم الآثار: 3/ 836، لباب الألقاب: 71، ريحانة الأدب: 2/ 26، قصص العلماء: 122، الكرام البررة: 1/124، نجوم السماء: 332، بغية الراغبين (المطبوع ضمن موسوعة الإمام شرف الدين): 7/ 2950، تكملة أمل الآمل: 2/ 165، مرآة الشرق: 1/ 146، رجال ومشاهير أصفهان: 153، تاريخ أصفهان ورى: 262، تاريخ أصفهان: 305، دانشمندان وبزرگان أصفهان: 1/ 253، أعلام أصفهان: 1/519، منتخب التواريخ: 718، ناسخ التواريخ: (تاريخ قاجار) 3/ 103، علماي معاصرين: 331، روضة الصفا: 10/ 458.

قال الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين في ترجمة والده (قدس سره): «وخَلَفَه ولده الأبرّ الأغرّ، الفقيه الأصولي، المحقّق البحّاثة، العلّامة السيّد أسد الله، كان (رحمة الله) على شاكلة أبيه في العلم والعمل والجهاد لنفسه والمراقبة عليها آناء الليل، وأطراف النهار. وقد انتهت إليه رئاسة الدين في إيران، وانقادت لأمره عامّة الناس وخاصّتها حتّى السلطان ناصرالدين شاه...»(1).

2 - السيّد محمّد مهدي(2).

3 - السيّد محمّد عليّ(حدود 1227 - 1282 ﻫ)(3).

4 - السيّد مؤمن(1294 ﻫ)(4).

5 - السيّد محمّد جعفر (المتوفّى في عاشوراء 1320 ﻫ)(5).

ص: 19


1- بغية الراغبين (المطبوع ضمن موسوعة الإمام شرف الدين): 7/ 2950.
2- وردت ترجمته في: رجال أصفهان: 146، تذكرة القبور: 81، بيان المفاخر: 2/ 161، دانشمندان وبزرگان أصفهان: 1/ 381.
3- وردت ترجمته في غرقاب: 222، الكرام البررة (القسم الثالث): 119، تذكرة القبور: 81، بيان المفاخر: 2/ 159- 160، مكارم الآثار: 7/ 2490 - 2487، بزرگان ودانشمندان أصفهان: 1/ 379.
4- وردت ترجمته في تذكرة القبور: 81، بيان المفاخر: 2/ 160، دانشمندان وبزرگان أصفهان: 1/ 380، رجال أصفهان: 147، تكملة أمل الآمل: 6/ 96، المآثر والآثار: 184، تكملة نجوم السماء: 1/ 400.
5- وردت ترجمته في بيان المفاخر: 2/ 155- 157، نقباء البشر: 1/279، دانشمندان وبزرگان أصفهان: 1/377، تاريخ أصفهان: 324، المآثر والآثار: 1/ 249، معجم رجال الفكر والأدب: 1/ 398، أعلام أصفهان: 2/ 288.

6 - السيّد زين العابدين(المتوفّى قبل 1290 ﻫ)(1).

7 - السيّد أبو القاسم (المتوفّى 1262 ﻫ)(2)

8 - السيّد هاشم (المتوفّى قبل 1293 ﻫ)(3)

مؤلّفاته القيّمة
اشارة

له مؤلّفات كثيرة، ورسائل متعدّدة، كلّها تفصح عن تضلّعه في شتّى العلوم المختلفة خصوصًا الفقه والرجال، وتظهر منها جامعيّته من المعقول والمنقول، وإليك أسماء بعضها:

«الكتب والرسائل الفقهيّة»

1- مطالع الأنوار المقتبسة من آثار الأئمّة الأطهار (علیه السلام)

شرح لكتاب شرائع الإسلام، لم يخرج منه غير مقاصد كتاب الصلاة إلى آخر أحكام صلاة الأموات في ستّة مجلّدات، إلّا أنّه مشتمل على أغلب قواعد الفقه وضوابطه الكلّيّة، بل يحتوي على معظم المسائل المتفرّقة من الطهارة إلى الديّات.

ص: 20


1- وردت ترجمته في بيان المفاخر: 2/ 157 و158، الكرام البررة: 2/ 589، دانشمندان وبزرگان أصفهان: 1/378، تكملة نجوم السماء: 1/ 368، المآثر والآثار: 1/ 221، تذكرة القبور: 146، أعلام أصفهان: 3/ 261.
2- وردت ترجمته في دانشمندان وبزرگان أصفهان: 1/ 376، الكرام البررة: 1/ 51، بيان المفاخر: 2/ 154، مكارم الآثار: 5/ 1619.
3- وردت ترجمته في بيان المفاخر: 2/ 162، آثار ملّي أصفهان: 193.

طبع سنة 1408 ﻫ بالطبع الأفست، وقد قامت بطبعه مكتبة مسجد السيّد حجّة الإسلام الشفتيّ (قدس سره) بأصفهان.

2 - تحفة الأبرار الملتقط من آثار الأئمّة الأطهار لتنوير قلوب الأخيار

رسالة فارسيّة مبسوطة، يتعرّض فيها للأدلّة غالبًا، وهي في خصوص الصلاة، مرتّبة على مقدّمة في مسائل الاجتهاد والتقليد، وأبواب ثلاثة ذات مباحث، وخاتمة في الخلل وأحكام الشكوك، والخاتمة رسالة كبيرة جدًّا، سيأتي الكلام عنها(1).

طبعت دون خاتمتها سنة (1409 ﻫ) في مجلّدين كبيرين بتحقيق الحجّة الحاج السيّد مهدي الرجائيّ -دامت بركاته- قامت بطبعها مكتبة مسجد السيّد حجّة الإسلام (قدس سره) بأصفهان.

3 - المصباح الشارقة

قال مؤلّفه في مفتتح المجلّد الأوّل من كتابه: «مطالع الأنوار» بعد نقل حديث في فضل الصلاة، ما لفظه:

«وقد تكلّمنا في هذا الحديث في المصباح الشارقة بما قد بلغ التطويل والإطناب في الغاية، وأبرزنا فيه كثيرًا من الإشكالات المتوجّهة إليه وعقّبنا كلًّا منها بما يزيله»(2).

4 - السؤال والجواب

فارسيّ وعربيّ، وهو أجوبة مسائله المعروفة في مجلّدين كبيرين، تشتمل على

ص: 21


1- ينظر: صفحة 24، تسلسل 17 من هذا الكتاب.
2- مطالع الأنوار: 1/ 4.

أربعين كتابًا من الكتب الفقهيّة، ورسائل متعدّدة في مسائل متبدّدة، منها: «رسالة في الأوقاف» ومنها: «رسالة في إقامة الحدود في زمن الغيبة»، إلى غير ذلك من الرسائل الّتي نذكر كلًّا منها بعنوان مستقلّ.

5 - كتاب القضاء والشهادات

قال عنه صاحب الروضات (قدس سره): «ومن تصنيفاته الفائقة أيضًا كتاب ألّفه في القضاء والشهادات بطريق الاستدلال التامّ زمن قراءته في تلك المباحث على شيخه السيّد محسن المرحوم»(1).

6 - مناسك الحجّ

فارسي، ذكر فيه واجبات الحجّ ومستحبّاته، ورتّبه على مقدّمة وثلاثة مقاصد وخاتمة؛ صرّح في أواسطه بأنّه ألّفه سنة (1231 ﻫ) حين توجّهه إلى بيت الله الحرام من طريق البحر.

7 - رسالة في آداب صلاة الليل وفضلها

مدرجة في كتابه المتقدّم: «السؤال والجواب»(2).

8 - رسالة في إبراء الوليّ مدّة المتعة عن المولّى عليه

قال صاحب الذريعة (رحمة الله): «رسالة في هبة الولي مدّة الزوجة المنقطعة للمولّى عليه، ثلاثة: إحداها للسيّد محمّد باقر بن محمّد نقي الشفتيّ

ص: 22


1- روضات الجنّات: 2/ 101.
2- بيان المفاخر: 2/ 17.

الأصفهانيّ، اختار فيها الجواز»(1).

9 - رسالة في حرمة محارم الموطوء على الواطي

هي رسالة متوسّطة مدرجة في كتابه المتقدّم: «السؤال والجواب»؛ أوّلها بعد البسملة: «الحمد لمن أبدع السماوات والأرضين».

10 - الردّ على رسالة تعيين السلام الأخير في النوافل

كتبه في الردّ على رسالة المولى عليّ أكبر الإيجهيّ الأصفهانيّ(المتوفّى 1232 ﻫ).

11 - الردّ على ردّ المولى الإيجهيّ

كتبه ثانيًا بعد ردّ المولى الإيجهيّ (رحمة الله) على الردّ الأوّل.

12 - إقامة الحدود في زمن الغيبة

هي رسالة كبيرة استدلاليّة، مدرجة في كتابه المتقدّم: «السؤال والجواب». طبعت سنة 1425ﻫ بتحقيق حفيده حجّة الإسلام والمسلمين الحاجّ السيّد مهدي الشفتيّ (دام ظله) قامت بطبعها أنّ الإضمار أوجز وأخصرمكتبة مسجد السيّد حجّة الإسلام (قدس سره) بأصفهان.

13 - رسالة في اشتراط القبض في الوقف

هي رسالة استدلاليّة مفصّلة، مدرجة في كتابه: «السؤال والجواب»، كتبها في الردّ على المولى أحمد النراقيّ (قدس سره) (2). طبعت سنة 1379ش بتحقيق الحجّة الدكتور

ص: 23


1- الذريعة: 52/ 159، الرقم 53- 55.
2- وألّف الميرزا أبو القاسم بن محمّد مهدي النراقيّ (رحمة الله) (المتوفّى 1256 ﻫ): «ملخّص المقال في دفع القيل والقال»، في الردّ على هذه الرسالة إجابة لسؤال أخيه المولى أحمد المذكور. والنسخة المخطوطة منه موجودة في المكتبة المرعشيّة برقم 3136، مذكورة في فهرسها: 8/ 365.

السيّد أحمد التويسركاني - دامت بركاته - تحت عنوان: «رسالة وقف».

14 - رسالة في أحكام الغسالة

ذكرها ولده العلّامة الحاج السيّد أسد الله (قدس سره) في شرحه الكبير على شرائع الإسلام حيث قال: «وقد كتب - روحي فداه - رسالة في مسألة الغسالة»(1).

15 - رسالة في تطهير العجين بتخبيزه وعدمه

ذكرها العلّامة السيّد محمّد صادق الچهارسوقي (قدس سره) وعبّر عنها بالقدريّة(2).

16 - رسالة في الأراضي الخراجيّة

هي رسالة استدلاليّة كبيرة، كتبها في جواب مسألة سُئِل عنها، توجد نسخة خطيّة منها ضمن مجموعة في المكتبة الخاصّة للدكتور السيّد أحمد التويسركاني

-دامت بركاته- وقد قدّم لنا مصوّرة فيها مشكورًا.

17 - رسالة في أحكام الشكّ والسهو في الصلاة

رسالة كبيرة جدًّا، حسنة الوضع والتفريع، جعلها تتمّة لكتابه: «تحفة الأبرار». ذكرها صاحب الذريعة، وعبّر عنها بالشكيّات(3).

طبعت سنة 1394 ش بتحقيق حفيده حجّة الإسلام والمسلمين الحاجّ السيّد مهدي الشفتيّ (دام ظله) قامت بطبعها مكتبة مسجد السيّد حجّة الإسلام بأصفهان.

ص: 24


1- شرح شرائع الإسلام: كتاب الطهارة، مخطوط.
2- نقله عنه في بيان المفاخر: 2/ 54.
3- الذريعة: 14/ 218، الرقم 2268.

18 - رسالة في طهارة عرق الجنب من الحرام

نسبها إليه ولده العلّامة السيّد أسد الله (قدس سره) في شرحه الكبير على الشرائع(1).

19 - رسالة في صلاة الجمعة

صرّح بها في كتابه: «مطالع الأنوار»(2)؛ اختار فيها وجوبها التخييريّ.

20 - رسالة في العقد على أخت الزوجة المطلّقة

كتبها في جواب سائل سأله عن ذلك، مدرجة في كتابه: «السؤال والجواب». قد طبعت هذه الرسالة سنة 1383 ش ضمن «ميراث حوزة أصفهان»(3)، بتحقيق حفيده حجّة الإسلام والمسلمين الحاجّ السيّد مهدي الشفتيّ (دام ظله).

21 - رسالة في حكم صلح حقّ الرجوع في الطلاق الرجعي

مدرجة في كتابه: «السؤال والجواب»، كتبها في جواب مسألة سُئِل عنها، فرغ منها في مزرعة تندران من مزارع كرون من محالّ أصفهان في يوم الاثنين السابع من جمادى الآخرة سنة 1235 ﻫ، قد طبعت هذه الرسالة سنة 1383 ش ضمن «ميراث حوزة أصفهان»(4) بتحقيق حفيده حجّة الإسلام والمسلمين الحاجّ السيّد مهدي الشفتيّ (دام ظله).

22 - رسالة في جواز الاتّكال بقول النساء في انتفاء موانع النكاح فيها

صرّح بها المؤلّف (قدس سره) في مطالع أنواره بقوله: «... والظاهر وثاقته كما

ص: 25


1- شرح شرائع الإسلام: كتاب الطهارة، مخطوط، الصفحة: 156.
2- مطالع الأنوار: 4/ 148.
3- ميراث حوزة أصفهان: 1/ 297 - 322.
4- المصدر نفسه: 1/ 279 - 296.

حقّقناه في رسالتنا الموضوعة في جواز الاتّكال بقول المرأة في خلوّها عن موانع النكاح»(1).

وذكرها كلّ من العَلَمَين الشيخ الطهرانيّ والسيّد الأمين قدّس سرّهما(2).

23 - رسالة في حكم الصلاة في جلد الميتة المدبوغ

هي رسالة كبيرة استدلاليّة كتبها في جواب السؤال عن حكم الصلاة في جلد الميتة المدبوغ، مدرجة في كتابه الكبير «السؤال والجواب».

24 - رسالة في ثبوت الزنا واللواط بالإقرار

مدرجة في كتابه: «السؤال والجواب»، كتبها في جواب مسألة سئل عنها.

25 - رسالة في شرح جواب المحقّق القمّي

شَرَح فيها جوابه عن مسألة في الطلاق، في حياته وحسب أمره، يذكر فيها جوابه، ثمّ إيضاح الجواب(3).

26 - رسالة في عدم جواز التقليد للمجتهد الميّت

أوجب فيها العدول إلى المجتهد الحيّ بمجرّد موت المجتهد، ولمّا رآها الميرزا عبد الوهّاب القزوينيّ(4) (قدس سره) كتب في ردّها رسالة: «هداية المسترشدين في حكم

ص: 26


1- مطالع الأنوار: 6/ 518.
2- الذريعة: 5/ 241، الرقم 1153، وأعيان الشيعة: 44/ 112.
3- ينظر الذريعة: 31/ 179، الرقم 600.
4- هو الميرزا عبد الوهّاب الشريف ابن محمّد عليّ القزوينيّ، من أكابر تلامذته والمجازين منه بإجازة كبيرة مبسوطة، ذكر في كتابه «هداية المسترشدين» أنّه ألّف أوّلًا رسالة فارسيّة مختصرة، وأخرى عربيّة في مسائل التقليد، ثمّ بعد ما رأى رسالة حجّة الإسلام في التقليد وإيجابه على المقلّد العدول إلى المجتهد الحيّ بعد موت من كان يقلّده، كتب هذه الرسالة ناقلًا لعين عبارات حجّة الإسلام ثمّ الردّ عليه (ينظر الذريعة: 25/193، الرقم 217).

التقليد للعوام»(1).

27 - رسالة في أحكام القناة

هي رسالة فارسيّة كتبها في جواب مسائل بعض أهالي يزد، مدرجة في كتابه الكبير: «السؤال والجواب».

28 - رسالة في ولاية الحاكم على البالغة غير الرشيدة

كتبها في جواب مَن سأله عن المسألة، مدرجة في كتابه: «السؤال والجواب». وطبعت هذه الرسالة سنة 1386 ش ضمن «ميراث حوزة أصفهان»(2) بتحقيق حفيده حجّة الإسلام والمسلمين الحاجّ السيّد مهدي الشفتيّ (دام ظله).

29 - رسالة في حكم الصلاة عن الميّت

كتبها في جواب مسألة سئل عنها، مدرجة في كتابه: «السؤال والجواب».

30 - رسالة في تحديد آية الكرسيّ

رسالة في جواب مَن سأل عن تحديد هذه الآية، مدرجة في السؤال والجواب.

ص: 27


1- الذريعة: 4/ 389، والكرام البررة: 2/ 810.
2- ميراث حوزة أصفهان: 3/ 125- 171.

قد طبعت هذه الرسالة سنة 1386 ش ضمن «ميراث حوزة أصفهان»(1) بتحقيق حفيده حجّة الإسلام والمسلمين الحاجّ السيّد مهدي الشفتيّ (دام ظله).

31 - رسالة في زيارة عاشوراء وكيفيّتها

مدرجة في كتابه: «السؤال والجواب»، كتبها في جواب مَن سأله عن كيفيّة الزيارة وصلاتها، فأدرج في الجواب: أنّ صلاتها ركعتان، لا أكثر، تفعلهما بعد الفراغ من اللعن والسلام والدعاء والسجدة.

طبعت هذه الرسالة سنة 1394 ش ضمن «فقه نينوا»، قامت بطبعها مكتبة مسجد السيّد حجّة الإسلام بأصفهان.

32 - رسالة في صيغ النكاح

هي رسالة فارسيّة في بيان أنحاء إجراء الصيغة وأنواع تغييراته، ذكر فيها أربع عشرة صورة لصيغة النكاح.

«الكتب والرسائل الحديثيّة»

33 - الحاشية على الكافي

هي حواشٍ قليلة على كتاب الفروع من الكافي، من الطهارة إلى الحجّ.

34 - الحاشية على الوافي

نصّ عليها المؤلّف (قدس سره) في كتابه: «مطالع الأنوار»(2).

ص: 28


1- ميراث حوزة أصفهان: 3/ 96- 125.
2- مطالع الأنوار: 5/ 27.
«الكتب والرسائل الأصوليّة»

35 - الزهرة البارقة لمعرفة أحوال المجاز والحقيقة

وهو الكتاب الّذي بين يديك، وسيأتي الكلام عنه مفصّلًا تحت عنوان: «بين يدي الكتاب».

36 - رسالة في الاستصحاب

نصّ عليها المؤلّف (قدس سره) في مطالع الأنوار(1).

37 - الحاشية على تهذيب الوصول

هي حاشية علميّة مفصّلة على كتاب: «تهذيب الوصول إلى علم الأصول» من تأليف آية الله العلّامة الحلّي (قدس سره)، ذكرها المؤلّف (قدس سره) في كتابه الّذي بين يديك.

38 - الحاشية على أصول معالم الدين

هي تعليقات مدوّنة بمنزلة شرح مبسوط على كتاب «معالم الدين في الأصول» للشيخ حسن ابن الشهيد الثاني -قدّس سرّهما- ذكرها في كتابه: «مطالع الأنوار»(2)، وفي هذا الكتاب أيضًا.

«الكتب الرجاليّة»

39 - الرسائل الرجاليّة

تنيف على اثنتين وعشرين رسالة في أحوال عشرين رجلًا من الرواة(3).

ص: 29


1- مطالع الأنوار: 1/ 136.
2- مطالع الأنوار: 5/ 393، وفيه: «... مضافًا إلى الوجوه الّتي أبرزناها في مقام ترجيح أقرب المجازات على غيره فيما علّقناه في أصول المعالم في مباحث المجمل والمبيّن».
3- الذريعة: 10/ 246، الرقم 789.

طبعت هذه الرسائل في مجلّد واحد سنة 1417 ﻫ بتحقيق الحجّة الحاج السيّد مهدي الرجائيّ - دامت بركاته - قامت بطبعها مكتبة مسجد السيّد حجّة الإسلام الشفتىّ بأصفهان.

40 - الحاشية على الرجال

هي تعليقات مختصرة على كتاب«الرجال» لشيخ الطائفة الطوسيّ (رحمة الله).

41 - الحاشية على الفهرست

تعليقات مختصرة غير مدوّنة على كتاب: «الفهرست» لشيخ الطائفة (رحمة الله).

42 - الحاشية على خلاصة الأقوال

صرّح بها في حاشية المجلّد الثاني من كتابه «مطالع الأنوار».

«الكتب والرسائل المتفرّقة»

43 - رسالة في أصول الدين

فارسيّة، في عدّة أبواب(1).

44 - سؤال وجواب

عن بعض عقائد الشيخيّة، بالفارسيّة، طبع أوّلًا بعد وفاته سنة 1261 ﻫ، كما ذكره صاحب الذريعة(2)، وقد طبع ثانيًا سنة 1388 ش طباعة حروفيّة محقّقة، قامت بتحقيقه وطبعه مكتبة مسجد السيّد.

ص: 30


1- فهرس مخطوطات مكتبة كليّة الإلهيّات في طهران: 1/ 11، ش 335.
2- الذريعة: 12/ 243، الرقم 1594.

45 - الحلية اللامعة للبهجة المرضيّة

عبارة عن تعليقات مدوّنة بمنزلة شرح مبسوط على شرح الفاضل السيوطيّ على ألفيّة النحو(1). طُبع سنة 1393 ش، قامت بطبعه مكتبة مسجد السيّد بأصفهان.

وفاته ومرقده

عاش -قدّس الله نفسه الزكيّة- ثمانين سنة تقريبًا، ثمّ أجاب الدعوة الإلهيّة في عصيرة يوم الأحد، الثاني من شهر ربيع الثاني سنة 1260 ﻫ(2) على أصحّ الأقوال؛ ودفن بعد ثلاثة أيّام من وفاته في البقعة الّتي بناها لنفسه في جانب مسجده الكبير بأصبهان، وهي الآن مشهد معروف ومزار متبرّك.

قال المحقّق الچهارسوقي (قدس سره) في الروضات: «ولم يرَ مثل يوم وفاته، يوم عظيم، ملأت زقاق البلد من أفواج الأنام رجالًا ونساءً، يبكون عليه بكاء الفاقد والده الرحيم ومشفقه الكريم، بحيث كانت همهمة الخلائق تسمع من وراء البلد، وغسّل في بيته الشريف، ثمّ أُتي به إلى المسجد، فصلّى عليه ولده الأفضل وخلفه الأسعد الأرشد والفقيه الأوحد والحبر المؤيّد... مولانا وسيّدنا السيّد أسد الله....

ص: 31


1- ينظر الذريعة: 7/ 82.
2- هذا التاريخ مطابق لما كتبه صاحب الروضات (رحمة الله) في بياضه (ينظر مقدّمة النهريّة: 20)، وكذا مطابق لما كتبه العلّامة الشيخ محمّد جعفر بن محمّد إبراهيم الكرباسيّ (المتوفّى 1292ق) في ظهر كتابه: منهج الرشاد في شرح إرشاد الأذهان (ينظر فهرس مخطوطات مكتبة مركز إحياء التراث الإسلاميّ: 6/79، الرقم 90). وضبطه كذلك العالم الفاضل الشاعر رضا قليخان هما الشيرازيّ (المتوفّى 1290 ق) فقال في «ديوانه: ص 104» في تاريخ وفاته: در أول حمل ودويم ربيع دويم *** زدامگاه جهان شد بسوى دار سلام بلفظ تازى تاريخ رحلتش گفتم *** و بشمرى مأتين است وألف وستّين عام

إلى أن قال:

وقد أنشدت قصيدة طويلة في مرثيّته بالعربيّة، ومطلعها كما يمرّ بالنظر الفاتر:

لمن العزاء وهذه الزفرات ما هي في الزمر *** تبكي السماء وفي الأرض الفساد به ظهر

وجرت عيون الدمع من صمّ الجبال وحاولت *** زول وانشقّت جيوب الصبر واشتمل الضرر

واغبرّت الآفاق واختلّ السياق بأسره *** وتغيّرت شمس المشارق منه وانخسف القمر

ما أكثر الحزن الجديد وأكبر الهول الشديد *** وأعظم الرزء المفخّم في الخلائق للبشر

من فقد سيّدنا الإمام الباقر العلم الّذي *** جلّت عن العدّ المحامد منه والكرامات الكبر

بكّاء جوف الليل من خوف الإله ومقتدى *** طول النهار على نيابته الإمام المنتظر

إلى تمام ثمانين بيتًا تقريبًا، ويقول في آخرها مؤرّخًا لوفاته:

وسألت طبعي القرم عن تاريخ رحلته *** فجرّ ذيلًا وقال: «الله أنزله كريم المستقر»(1)

(1260)

ص: 32


1- روضات الجنّات: 2/ 104.

بين يدي الكتاب

اشارة

كتابنا الحاضر هو: «الزهرة البارقة لمعرفة أحوال المجاز والحقيقة»، مشتمل على جمّ غفير من المسائل الأصوليّة والعربيّة، ومباحث الألفاظ والمبادئ اللغويّة.

قال المؤلّف (قدس سره) في أوّله بعد خطبة مختصرة:

«هذه مقالة أرادها منّي بعض من كنت أعتني بصلاح حاله وأهتمّ بإنجاح مقاله وسؤاله، قد بيّنت فيها- بإعانة الله سبحانه - مباحث الحقيقة والمجاز بما لم يبيّن إلى الآن في رسالة ولا كتاب، وأوضحت الأمر فيها بحيث يصل إلى حقيقة الحال كلّ من له أدنى دربة بلا ارتياب».

قال صاحب الروضات (رحمة الله) عند ذكر مصنّفات أستاذه حجّة الإسلام (قدس سره) ما هذا لفظه:

«ومنها كتاب سمّاه: الزهرة البارقة في أحوال المجاز والحقيقة، يشتمل على جمّ غفير من المسائل الأصوليّة والعربيّة ومباحث الألفاظ والمبادئ اللغويّة في نحو من ثمانية آلاف بيت» (1).

وقال المحقّق الطهرانيّ (قدس سره) في موضع من ذريعته:

«الزهرة البارقة، وفي نسخة: الباهرة، في الحقيقة والمجاز، في ثمانية آلاف بيت، مشتمل على كثير من مباحث علم الأصول، للسيّد حجّة الإسلام محمّد باقر بن محمّد تقي(2) الموسويّ الجيلانيّ الشفتيّ الأصفهانيّ المتوفّى 1260، ذكره في

ص: 33


1- روضات الجنّات: 2/ 101.
2- كذا، والصواب: محمّد نقي.

الروضات، وطبع بعد وفاته بأمر تلميذه وصهره الآقا محمّد مهدي ابن الحاج الكلباسيّ. مرتّب على مقدّمة وأبواب وخاتمة» (1).

وقال في موضع آخر: «الطراز في الحقيقة والمجاز، أو الحقيقة والمجاز، كما مرّ في 7: 51، للسيّد محمّد باقر حجّة الإسلام الرشتيّ، كما في نسخة ميرزا محمّد طاهر التنكابنيّ المعاصر بطهران» (2).

لكنّ الصحيح في اسم الكتاب هو ما ذكرناه: الزُهَرَة البَارِقَةِ لمعرفة أحوال المجاز والحقيقة، كما سمّاه به مصنّفه -أعلى الله مقامه- في المقدّمة صريحًا.

فهرست ما في الكتاب

رتّب المصنّف (رحمة الله) كتابه هذا على مقدّمة وأبواب وخاتمة كما ذكر في أوّله، لكنّ الموجود من نسخة الأصل ينتهي إلى الباب الرابع وليس فيها الخاتمة.

المقدّمة: في بيان ماهيّة الحقيقة والمجاز.

والباب الأوّل: في تحقيق العلاقة.

والباب الثاني: في الأمارات الّتي بها يحصل الامتياز بين الحقيقة والمجاز.

والباب الثالث: في تحقّق الواسطة في الألفاظ بين المجاز والحقيقة وتعارض الأحوال وغيرهما.

والباب الرابع: في تقسيم الحقيقة والمجاز إلى الأقسام المعروفة، وما يتعلّق بها من الأمور المهمّة.

ص: 34


1- الذريعة: 12/ 72، الرقم 506.
2- المصدر نفسه: 15/ 157، الرقم 1034.
تأريخ تصنيف الكتاب

لم يذكر المؤلّف (قدس سره) تاريخ التأليف، لكن يبدو من دعائه لأستاذه العلّامة المحقّق السيّد محمّد مهديّ الطباطبائيّ النجفيّ المعروف ببحر العلوم (قدس سره) أنّه ألّفه قبل سنة (1212 ﻫ) حيث توفّي أستاذه فيها، حيث قال ما هذا نصّ كلامه رفع مقامه:

«ولهذا ادّعى سيّد الأواخر والأوائل، ومفخر الأماثل والأفاضل، الّذي قد انتهت إليه مراتب الفضيلة والسعادة، وحاوت عليه السعادة الدنيويّة والأخرويّة، أستاذنا بل أستاذ البريّة في عصره أدام الله إفادته وإفاضته».

ص: 35

عملنا في التحقيق

النسخ المعتمدة

للكتاب نسخ كثيرة جدًّا في مختلف المكتبات، إلّا أنّا اعتمدنا في تحقيقه على ثلاث نسخ خطّيّة، وهي كالآتي:

1.النسخة الأصليّة بخطّ المؤلّف (قدس سره) الموجودة في المكتبة المرعشيّة في قم المقدّسة برقم 5420، المذكورة في فهرس مخطوطاتها: 14/ 204. وهي واضحة الخطّ مقروءة، إلّا أنّ المصنّف جعل فيها تغييرات وزيادات، وحذف بعض العبارات ثمّ كتبها مرّة أخرى، كما أنّ بعض الأوراق منها مخطوط بخطّ يغاير الأصل؛ تقع في 169 ورقة بحجم 5/ 21 × 16 سم، مختلفة الأسطر، ناقصة من آخرها صفحة؛ قد أشرنا إليها بنسخة الأصل.

2.النسخة الخطّيّة المحفوظة في المكتبة الرضويّة في مشهد المقدّسة تحت رقم 6867، وهي بخطّ النسخ، مجهولة الكاتب، تقع في 174 ورقة بحجم 15 × 21 سم، مختلفة الأسطر، وقد رمزنا لها بالحرف: «ق».

3.النسخة الخطّيّة المحفوظة في مكتبة مجلس الشورى الإسلاميّ في طهران برقم 7661، المذكورة في فهرس مخطوطاتها: 29/ 154. وهي بخطّ النسخ، مجهولة الكاتب، تقع في 171 ورقة بحجم 5/ 14× 5/ 20 سم، وكلّ ورقة تحتوي على 22 سطرًا، وقد رمزنا لها بالحرف: «ج».

ص: 36

منهجنا في التحقيق

1.مقابلة النسخ الخطّيّة وضبط الاختلافات الواردة بينها، وترجيح نسخة الأصل على غيرها عند الاختلاف، إلّا إذا ثبت خطؤها، فرجّحنا غيرها مع الإشارة إلى ذلك في الهامش.

2.تثبيت الزيادات الّتي انفردت بها بعض النسخ دون بعض، والإشارة إليها في الهامش.

3.استخراج المصادر والمآخذ من الآيات القرآنيّة الكريمة، والأحاديث الشريفة، والأقوال الواردة، والشواهد الشعريّة، على قدر المستطاع.

4.إيضاح المواضع المشكلة والعبارات المبهمة، وشرح بعض اللغات الغريبة الواردة في المتن مع الاستعانة بكتب اللغة ومعاجم العربيّة.

5.إضافة العناوين الفرعيّة في المتن بين قوسين معقوفين كي يسهّل الوصول إلى تفاصيل الموضوع.

ولقد بذلنا قصارى جهدنا في تحقيق هذا السفر القيّم وإخراجه إلى عالم النور، فما وجد فيه من خلل أو خطأ فهو عن قصور لا تقصير، ونسأل الله تعالى أن يتقبّل منّا هذا القليل بقبول حسن، ونسأله -سبحانه- أن يوفّقنا لإحياء سائر آثار المؤلّف -أعلى الله مقامه- جزاءً لجزيل خدماته المباركة في إحياء الشريعة الغرّاء.

كلمة شكر وثناء

وفي الختام نتقدّم بالشكر الجزيل والثناء الجميل إلى الأستاذ المحقّق الحجّة الشيخ حسين حلبيان الأصفهانيّ -حفظه الله ورعاه- لمساعدته في مقابلة الكتاب

ص: 37

مع النسخ الخطّيّة وتخريج بعض المصادر، فقد بذل في هذا السبيل كلّ وسعه، فللّه درّه وعليه أجره.

وأَحْمدُ اللهَ وأشكرُهُ كثیرًا أنْ وفّقَني إلى إنجازِ هذا العملِ، وأرى من الواجبِ أن أَتقدّمَ بجزیلِ شكري وعظیِمِ امتناني إلى العتبةِ العبّاسیّةِ المقدّسةِ، وإلى سماحةِ المتولِّي الشَّرعيِّ السَّيِّدِ أحمدَ الصافي-دامَ عزُّهُ-، وإلى السّيّد محمّد الأُشيقر أمینِها العامِّ، وإلى سماحةِ الشّيخِ عمّارٍ الهلاليِّ رئيسِ قسمِ شؤونِ المعارفِ الإسلاميّةِ والإنسانيّةِ؛ لاهتمامِهم بنشْرِ آثارِ السَّلَفِ الصَّالحِ من أساطینِ علمائِنا الأَعاظمِ، ولا سيّما لمساعدتِهم في طَبْعِ هذا الأثرِ النّفیسِ وإخراجِهِ بهذهِ الحُلَّةِ القشیبةِ، راجینَ لهم دوامَ التوفیقِ لمثلِ هذهِ المشاریعِ المهمّةِ.

وأتقدّمُ بخالصِ شكري لكلِّ من أسهمَ أو نَصحَ وأرشدَ من أجلِ إخراجِ هذا السِّفْرِ القيِّمِ إلى النورِ، شكر اللهُ مساعیَهم الجمیلةَ، ووفّقَهم لما یحبُّ ویرضى، مع أصدقِ الدعواتِ بدوامِ الصِّحّةِ والعافیةِ والتوفیقِ لخدمةِ العِلْمِ وأهلِهِ.

وآخرُ دعوانا أنِ الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمینَ والصَّلاةُ والسَّلامُ علی محمّدٍ وآلهِ الطیّبینَ الطَّاهرینَ.

المحقّق

السیّدُ محمّد رضا، ابن السيّد مهديّ، ابن السيّد محمّد رضا الثاني، ابن السيِّد محمّد باقر الثاني، ابن السيّد أسد الله، ابن الحاج السيّد محمّد باقر الشفتيّ المعروف بحجّةِ الإسلامِ

27 صفر المظفّر سنة 1442ﻫ.

ص: 38

نماذج من النسخ المعتمدة

ص: 39

الصفحة الأولى من نسخة الأصل

ص: 40

الصفحة الأخيرة من نسخة الأصل

ص: 41

الصفحة الأولى من نسخة (ج)

ص: 42

الصفحة الأخيرة من نسخة (ج)

ص: 43

الصفحة الأولى من نسخة (ق)

ص: 44

الصفحة الأخيرة من نسخة (ق)

ص: 45

ص: 46

غلاف

ص: 47

ص: 48

بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين(1)

الحمد لله الّذي تنزّهت حقيقته عن مجازيّة العقول القادسة، وتكبّرت صفاته عن صحّة السلب والمجاورة والمشابهة، واطّردت آلاؤه إلى عباده بالمبادرة والمسارعة، والصلاة والسلام على سيّد رسله وأفضل أنبيائه الزاكية وعترته الأماجد الفاخرة، سيّما ابن عمّه ووصيّه الّذي به ختمت علائق الفضيلة والسعادة.

وبعد، يقول أحوج العباد إلى غفران ربّه الغافر ابن محمّد نقي الموسويّ محمّد باقر: هذه مقالة أرادها منّي بعض من كنت أعتني بصلاح حاله وأهتمّ بإنجاح مقاله وسؤاله، قد بيّنت فيها بإعانة الله سبحانه مباحث الحقيقة والمجاز بما لم يبيّن إلى الآن في رسالة ولا كتاب، وأوضحت الأمر فيها بحيث يصل إلى حقيقة الحال كلّ من له أدنى دربة بلا ارتياب.

وأرجو منه ومن سائر الإخوان الدعاء عند استيلاء الخلائق بالمنام، والصفح عن زلّاتي لاعترافي بأنّني من أضعف الأنام.

وسمّيتها بالزُهَرَة البَارِقَة لمعرفة أحوال المجاز والحقيقة، ورتّبتها على مقدّمة وأبواب وخاتمة.

ص: 49


1- في «ق»: وبه ثقتي.

ص: 50

المقدّمة في بيان ماهيّتهما

في بيان ماهيّة الحقيقة

اعلم: أنّ الحقيقة فعيلة من حقّ الأمر إذا ثبت، أو من حقّقتُ الأمرَ إذا أثبتُّه؛ وعلى الأوّل يكون للفاعل، فمعناها الثابتة، وعلى الثاني يجوز أن يكون للمفعول أيضًا(1)، فمعناها على هذا المثبِتة أو المثبَتة(2).

ولا يخفى أنّ صيغة «فعيل» إذا كانت للفاعل سواء كانت من اللازم أو المتعدّي، يجب فيها مراعاة التذكير والتأنيث؛ وأمّا إذا كانت للمفعول وجرت على موصوفها يستوي فيه الأمران(3)، بخلاف ما إذا لم تكن جارية عليه، فكالأوّل دفعًا للالتباس، كقولك: قتيل فلان وقتيلته.

فعلى هذا إذا قلت: الكلمة الحقيقة، فلا شبهة في صحّته من حيث الصناعة فيما إذا كانت للفاعل، ويكون معناه بناءً على الاشتقاق من اللازم: الكلمة الثابتة؛

ص: 51


1- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): أي كما جاز أن يكون للفاعل، جاز أن يكون بمعنى المفعول، لكن معنى الفاعل هنا يختلف مع الأوّل، كما يظهر ممّا ذكرنا. منه.
2- ينظر الإيضاح: 275.
3- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): إن قيل: ما السرّ في تسوية المذكّر والمؤنّث في «فعيل» إذا كان للمفعول بخلاف ما إذا كان للفاعل؟ أُجيب بأنّه: لعلّ السرّ في ذلك هو أنّ مع الأقرب معاملة الفعل، بخلاف الأبعد؛ ليحصل الفرق بينهما. منه.

لثبوتها في محلّها الأصليّ والموضوعة له؛ وبناءً على الاشتقاق من المتعدّيّ: الكلمة المثبتة؛ لإثباتها المدّعى والمدلول.

وأمّا إذا كانت للمفعول فصحّته مشكلة، لما عرفت من التسوية بين الذكور والنسوة، إلّا أن يمنع أصل الاستعمال، أو يدّعى أنّ مرادهم من التسوية بينهما أنّه لا يعتبر فيها حينئذٍ إلحاق العلامة كما في الأوّل، لا أنّ المعتبر عدم الإلحاق، فإلحاقها حينئذٍ غير مضرّ ويكون معنى قولك: «الكلمة الحقيقة» حينئذٍ: الكلمة المثبتة في محلّها الأصليّ؛ وأمّا إذا قلت: «اللفظ الحقيقة»، فينبغي أن لا يصحّ مطلقًا؛ لأنّ الموصوف مذكّر، فيجب التجريد من علامة التأنيث في جميع الحالات إلّا إذا أوّل اللفظ بالكلمة فكما مرّ.

هذا كلّه فيما إذا كانت محمولة على المعنى اللغويّ، وأمّا إذا كان المراد منها المعنى الاصطلاحيّ فالاستعمال صحيح في جميع الصور المتصوّرة؛ لأنّ التاء حينئذٍ ليست للتأنيث، بل للنقل من الوصفيّة إلى الاسميّة، والاسم من قبيل الجوامد، فلا يجب المطابقة.

عقد وحلّ

قيل(1): معنى كون التاء للنقل من الوصفيّة إلى الاسميّة أنّ اللفظ إذا صار بنفسه اسمًا(2) لغلبة الاستعمال بعد ما كان وصفًا كانت(3) اسميّته فرعًا لوصفيّته، فيشبّه

ص: 52


1- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): والقائل جماعة، منهم: الچلبيّ في حواشي المطوّل. منه.
2- في المصدر: اسمًا بنفسه.
3- في المصدر: كان.

بالمؤنّث؛ لأنّ المؤنّث فرعٌ للمذكّر(1)، فيجعل التاء علامة للفرعيّة، كما جعل علامة في: «رجلٌ علّامة» لكثرة العلم، بناءً على أنّ كثرة الشيء فرع تحقّق أصله(2)، انتهى.

وفيه تأمّل؛ لأنّ الظاهر من قولك: «أنّ التاء للنقل»، أنّ فائدتها نقل اللفظ من الوصفيّة إلى الاسميّة، فتحقّق النقل حينئذٍ متوقّف على إلحاق التاء؛ ومقتضى ما ذكره هذا القائل حيث قال: «إنّ الاسم(3) إذا صار» إلخ: أنّ إلحاقها متوقّفٌ على تحقّق النقل، فنقول: إنّ تحقّق النقل موقوفٌ على إلحاق التاء، كما هو الظاهر من قولهم: «إنّ التاء للنقل»، وإلحاقها موقوفٌ على تحقّق النقل على ما ذكره، فينتج: إنّ تحقّق النقل موقوفٌ على تحقّق النقل، فيلزم الدور.

وعلى تقدير الإغماض عن ذلك الظاهر وقلنا: إنّ معنى قولهم: «إنّها للنقل»: أنّ الاسم المنقول بعد تحقّق النقل ألحق فيه التاء، نقول: إنّ الدور حينئذٍ وإن كان مندفعًا، لكنّه خلاف الواقع(4)؛ إذ اللفظ المصحوب بالتاء صار لغلبة الاستعمال اسمًا، فحينئذٍ لا يصدق أنّ التاء لأجل تحقّق النقل؛ لوجودها قبله أيضًا.

ص: 53


1- في المصدر: المذكّر.
2- حاشية المطوّل، للچلبيّ: 509، وينظر نهاية الوصول: 1/ 236، وغاية الوصول: 1/ 151.
3- كذا في الأصل، والأولى كما في «ق»: اللفظ.
4- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): ولا يخفى أنّ دعوى مخالفة الواقع إنّما تتوجّه إذا كان التعبير على ما تقدّم في كلام القائل، ويمكن التعبير بحيث لم يتوجّه عليه ذلك بأن يقال: إنّ اللفظ إذا نقل إلى معنى بعد ما كان وصفًا، كانت اسميّته فرعًا لوصفيّته، إلى آخر ما تقدّم، فيكون النقل على وجه التعيين وحينئذٍ لا يتوجّه عليه إلّا ما ذكر أخيرًا من اقتضائه لحوق التاء في كلّ وصف نقل إلى معنى كالكافي والشافي والوافي وأمثالها مع أنّه خلاف الواقع، فتأمّل. منه.

وأيضًا أنّ ما ذكره يقتضي إلحاق التاء في لفظ «الفاعل» و«المفعول» ونحوهما ممّا صارت الاسميّة فيه غالبة على الوصفيّة، بل(1) وفي كلّ ما كان فرعًا لشيء، فكان اللازم إلحاقها في المعرفة؛ لكونها فرعًا للنكرة وغيرها مع أنّ الأمر ليس كذلك قطعًا.

ويمكن أن يقال: إنّ التاء في الوصف وإن كانت موجودة قبل الغلبة، لكنّها لم تكن لازمة في تلك الحالة، بل كان اللازم إزالتها إذا كان الوصف جاريًا على المذكّر، وأمّا بعد بلوغه إلى حدّ الغلبة فهي لازمة مطلقًا، ولهذا يقال: الكلمة الحقيقة واللفظ الحقيقة، فعلى هذا معنى قولهم: «إنّ التاء للنقل» إلخ، أنّ وجودها دائمًا أو لزومها لذلك(2).

لكن بقي الكلام في سرّ لزوم التاء حينئذٍ، ويمكن أن يقال: لعلّ وجهه أنّ الوصف بعد بلوغه إلى حدّ الاسميّة صار مشابهًا للأعلام، وهي غير متغيّرة لما بيّن في محلّه، فمشابهها أيضًا كذلك(3).

في بيان ماهيّة المجاز

وأمّا المجاز، فهو إمّا مصدر ميميّ، أو اسم للمكان من الجواز، وأيّ منهما كان

ص: 54


1- «بل» لم ترد في «ق» و«ج».
2- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): ويؤيّد ذلك أنّ التمسّك بتلك المقالة -أي كون التاء للنقل- إنّما هو في ما إذا قدّر الموصوف مذكّرًا، كما يقال: هذا كتاب كافية أو شافية، فيتوهّم أنّ اللازم تجريد الوصف من التاء، فيقال: إنّ وجود التاء حينئذٍ لكون الاسم منقولًا عن معناه الوصفيّ. منه.
3- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): فيكون التاء حينئذٍ من قبيل الدال في «زيد»، فكما لا يسقط ذلك أبدًا، كذلك التاء. منه.

أصله: «مَجْوَز» بفتح العين؛ لأنّ المصدر الميميّ من الثلاثيّ المجرّد قياسه فتح العين كالمقتَل والمشرَب، وأمّا كسرها كالمَرْجِع، فقليل إلّا فيما كان فاؤه واوًا، فالأكثر فيه الكسر كالموضِع.

وأمّا اسم المكان فإنّه إذا كان من الفعل الّذي مضارعه مفتوح العين أو مضمومها ولم يكن من باب المثال، فالقياس فيه أيضًا كذلك على ما بيّن في محلّه، ولمّا كان ما قبل الواو حرفًا صحيحًا وساكنًا، نقلت فتحته إليه، فقلبت بالألف، فصار مجازًا.

إذا عرفت ذلك، ظهر لك أنّ إطلاق الحقيقة على اللفظ المستعمل في الموضوع له مجاز، والعلاقة المشابهة، وقد ظهرت ممّا تقدّم، فيكون استعارة، وأمّا إطلاق المجاز على المستعمل في غير الموضوع له فكذلك؛ لما عرفت من أنّه مشتقٌّ من الجواز، وهو إمّا بمعنى العبور والتعدّي، تقول: جاز المكان يجوزه جوازًا إذا تعدّاه(1)، أو بمعنى الإمكان قسيم للواجب والحرام، تقول: جاز الشيء يجوز جوازًا، أي: ليس في تركه ولا في فعله عقاب.

وعلى التقديرين إمّا أن يكون مصدرًا ميميًّا، أو من أسماء المكان، فهنا احتمالات أربعة:

الأوّل: أن يكون المجاز مصدرًا ميميًّا من الجواز الّذي بمعنى العبور، ولا شبهة أنّ العبور من خواصّ الأجسام، فتكون نسبته إلى غيرها مجازًا لا محالة، فإطلاقه على اللفظ المخصوص مجازٌ والعلاقة المشابهة؛ لأنّ اللفظ المستعمل في غير الموضوع له قد تعدّ عن معناه الأصليّ، فكأنّه جاز مكانه الحقيقيّ، فيكون استعارة،

ص: 55


1- ينظر النهاية: 1/ 314، ولسان العرب: 5/ 328.

ولا يخفى أنّ المصدر حينئذٍ بمعنى الفاعل.

والثاني: أن يكون اسمًا للمكان من الجواز بمعنى العبور أيضًا، ومعناه الحقيقيّ حينئذٍ: المكان الّذي هو محلّ العبور، فإذا أُطلق وأُريد منه اللفظ المخصوص يكون مجازًا؛ والعلاقة المشابهة أيضًا؛ إذ المتكلّم لمّا استعمله في غير الموضوع له كأنّه محلّ جاز المتكلّم فيه عن المعنى الأصليّ.

والثالث: أن يكون مصدرًا ميميًّا من الجواز الّذي بمعنى الإمكان، وهو إنّما يكون حقيقة إذا أُريد منه هذا المعنى، فإطلاقه على الكلمة المخصوصة مجاز، ويمكن التكلّف في تحقّق العلاقة بأنّه من قبيل إطلاق اسم المسبّب على السبب؛ لأنّ الكلمة صارت سببًا لاستعمالها في غير معناها الأصليّ؛ إذ لو لم يكن لما أمكن ذلك، فيكون المجاز مرسلًا.

والرابع: أن يكون اسمًا للمكان منه أيضًا؛ وربما يقال: إنّه حينئذٍ حقيقة؛ لأنّ الجواز بهذا المعنى كما يمكن حصوله للأجسام كذا يمكن حصوله في الأعراض، فاللفظ يكون موضعًا لذلك الجواز؛ لأنّه موضع لجواز أن يستعمل في غير معناه الأصليّ.

ثمّ لا يخفى أنّ كون الحقيقة والمجاز مجازين في اللفظين المخصوصين إنّما هو بحسب أصل اللغة، وبالجملة: هما مجازان لغويّان في اللفظين المخصوصين، وأمّا في الاصطلاح فحقيقتان، فإذا استعملهما المخاطب بالاصطلاح في معناهما اللغويّ يكونان مجازيّين بحسب الاصطلاح.

ومن هنا يعلم الجواب عمّا لو سئل: أيّ حقيقة يكون مجازًا وحقيقة؟ وأيّ مجاز يكون حقيقة ومجازًا؟ فإنّ لفظ «الحقيقة» إذا استعمله المخاطب بعرف اللغة في

ص: 56

المعنى اللغويّ واللفظ المخصوص يكون حقيقة في الأوّل ومجازًا في الثاني، وكذا إذا استعمل لفظ «المجاز» في المعنيين، فإنّه يكون حقيقة في اللغويّ ومجازًا في الاصطلاحيّ، وأمّا إذا استعمله المخاطب بعرف الاصطلاح، فيتعاكس الأمران.

في تحقيق معنى الحقيقة والمجاز بحسب الاصطلاح

هذا معناهما اللغويّ، وأمّا الاصطلاحيّ فقد اختلف في ذلك، فقيل: إنّ الحقيقة لفظ مستعمل فيما وضع له، ويعرف المجاز بالمقايسة(1).

وفيه نظر؛ لاستلزامه انتقاض كلّ من الحقيقة والمجاز بالآخر؛ بيان ذلك: هو أنّ اللفظ إذا كان موضوعًا عند طائفة لمعنى وعند أخرى لآخر، كلفظ «الفعل» مثلًا، فإنّه موضوع في اللغة للحدث المعلوم، وعند النحاة للكلمة المخصوصة، فإذا استعمله المخاطب بعرف اللغة في الحدث يكون حقيقة لا محالة، مع أنّه يصدق عليه أنّه لفظٌ مستعملٌ في غير الموضوع له، وإذا استعمله في الكلمة يكون مجازًا كذلك مع أنّه يصدق عليه أنّه مستعملٌ في الموضوع له، فانتقض حدّ المجاز بالحقيقة وبالعكس.

وكذا الكلام فيما إذا استعمله المخاطب بعرف النحاة في الحدث والكلمة المخصوصة؛ ولهذا قيّد جماعة من الأعلام الحدّين المذكورين باصطلاح به التخاطب، فقالوا: الحقيقةُ لفظٌ مستعملٌ فيما وضع له في اصطلاح به التخاطب(2).

ص: 57


1- ينظر قوانين الأصول: 1/ 54.
2- ينظر مبادئ الوصول: 70، ونهاية الوصول: 1/ 240، ومنية اللبيب: 1/ 198، والمحصول، للفخر الرازيّ: 1/ 112، والمطوّل: 565.

وكذلك الكلام في حدّ المجاز، فَتُوُهِّمَ أنّه حينئذٍ يندفع النقض المذكور؛ لأنّ لفظ «الفعل» مثلًا إذا استعمله المخاطب بعرف اللغة في الحدث لا يصدق عليه إلّا حدّ الحقيقة؛ إذ ليس هو إلّا الموضوع له بذلك الاصطلاح، فلا يصدق عليه حينئذٍ أنّه مستعملٌ في غير ما وضع له بذلك الاصطلاح وإن كان مستعملًا في غير ما وضع له باصطلاح آخر.

وكذا إذا استعمله في الكلمة المخصوصة، فإنّه لا يصدق عليه حدّ الحقيقة، إذ لم يصدق عليه أنّه مستعملٌ في الموضوع له بهذا الاصطلاح وإن كان موضوعًا له باصطلاح آخر؛ وهكذا فيما إذا استعمله المخاطب بعرف النحاة فيهما.

قيد «اصطلاح التخاطب» لا يكفي لدفع الانتقاض

وفيه نظر؛ لأنّا لا نسلّم سلامة الحدّين عن الانتقاض بزيادة القيد المذكور، أمّا إذا كان القيد متعلّقًا ب- «استعمل» فواضح، إذ المعنى حينئذٍ هكذا: الحقيقة اللفظ المستعمل في اصطلاح به التخاطب في موضوع له، وهو لا يستلزم أن يكون ذلك موضوعًا له في ذلك الاصطلاح؛ لصدقه ولو لم يكن ذلك موضوعًا له بذلك الاصطلاح، بل كان موضوعًا له باصطلاح آخر.

وأمّا إذا كان متعلّقًا بالموضوع له، أو بما وضع له -كما هو الظاهر والظاهر أنّ بناء الدفع عليه- فلبقاء الانتقاض أيضًا في مواضع:

في اللفظ المشترك

الأوّل: في اللفظ المشترك إذا استعمل في أحد معانيه لأجل المناسبة بينه وبين معنى آخر منها.

ص: 58

توضيح ذلك: هو أنّ اللفظ المشترك يمكن استعماله من وجهين، أحدهما: استعماله في الموضوع له لملاحظة الوضع، وهو ظاهر؛ والثاني: استعماله في بعض معانيه لا لذلك، بل لتحقّق المناسبة بينه وبين معنى آخر من معانيه.

ولا شكّ أنّه يصدق عليه في الصورتين أنّه استعمل في ما وضع له في اصطلاح به التخاطب، فيلزم أن يكون حقيقة فيهما، مع أنّه في الصورة الثانية مجاز قطعًا، فقيد «اصطلاح التخاطب» لا يجدي نفعًا.

في النقل التعيّنيّ

والثاني: في النقل التعيّنيّ، وهو أن يستعمل اللفظ في غير الموضوع له مجازًا، ثمّ كثر استعماله فيه إلى أن صار حقيقة فيه وهُجر المعنى الأوّل؛ ولا شكّ أنّ هذا اللفظ حقيقة في هذا المعنى بعد الغلبة مع أنّه يصدق عليه أنّه استعمل في غير الموضوع له في اصطلاح التخاطب، ومجاز قبل الغلبة مع أنّه يصدق عليه أنّه استعمل في الموضوع له في اصطلاح التخاطب في الجملة.

في النقل التعيينيّ

والثالث: في النقل التعيينيّ، وهو أن يخصّص اللفظ في أوّل الأمر لغير معناه الموضوع له مع ملاحظة المناسبة بينهما؛ وهذا اللفظ عند المخاطب بعرف الناقل، سواء استعمل في المعنى المنقول منه، ثمّ في المنقول إليه، أو بالعكس، يصدق عليه أنّه استعمل في غير ما وضع له، أو فيه في اصطلاح التخاطب.

ولو فرض الاستعمال فيهما(1) مع تعدّد المستعمل واتّحاد زمان الاستعمال، كان

ص: 59


1- جاء في حاشية الأصل: أي المنقول إليه ومنه.

الانتقاض أظهر؛ لعدم ورود دعوى ظهور المشتقّ في الحال حينئذٍ، كما عند اتّحاد المستعمل وتعدّد زمان الاستعمال، مع أنّ المعرّفين بأجمعهم لم يأتوا بصيغة المشتقّ الّذي يمكن دعوى ظهور الحال فيه، بل بعضهم أتى بصيغة الماضي(1).

ثمّ الفرق بين الصورة الثانية والثالثة مع اشتراكهما في أصل النقل: اعتبار وحدة المعنى في الأولى وتعدّده في الثانية، ولهذا فرّقنا بينهما وإن أمكن إدخالهما في عنوان واحد.

والرابع: فيما إذا كان اللفظ موضوعًا عند طائفة لمعنى وكان عندهم له معنى مجازيّ، فإنّه إذا استعمل في المعنى الحقيقيّ، ثمّ في المجازيّ، أو بالعكس، يصدق عليه حال استعماله في المعنى المجازيّ حدّ الحقيقة وفي المعنى الحقيقيّ حدّ المجاز ولو مع القيد المذكور، ولو فرضت الاستعمال هنا أيضًا مع تعدّد المستعمل واتّحاد زمان الاستعمال، كان الانتقاض أظهر لما مرّ.

وبالجملة: ذلك القيد لا يسلّم الانتقاض ولم يحصل بسببه الامتياز؛ ولهذا ترى أنّ جملة من الأعلام لم يلتفتوا إلى هذا القيد، بل اختاروا الحدّ المذكور للحقيقة والمجاز وأجابوا عن انتقاض كلّ منهما بالآخر باعتبار قيد «الحيثيّة»، بناءً على أنّ الأمور الّتي تختلف بالاعتبار يعتبر في تعاريفها التقييد بالحيثيّة وإن لم يصرّح بها؛ لانسباق الذهن إليها.

فعلى هذا يقال: إنّ لفظ «الفعل» مثلًا لو استعمله المخاطب بعرف اللغة في

ص: 60


1- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: وبناءً على قول هذا البعض يكون الانتقاض أظهر، إذ ظاهره: اللفظ إن استعمل في زمان سابق في الموضوع له فحقيقة، وهو صادق حقيقة على اللفظ حال الاستعمال في المعنى المجازيّ كما لا يخفى، منه (دام ظله) العالي.

الكلمة المخصوصة، لم يصدق عليه حدّ الحقيقة؛ لوضوح أنّه لم يستعمل في الموضوع له من حيث هو كذلك.

وفيه نظر أيضًا؛ لأنّا لا نعرف فرقًا بين القيدين.

قيد «الحيثيّة» لا يدفع الانتقاض

إذ نقول: إن أريد بعدم صدق حدّ الحقيقة المقيّد بالحيثيّة على لفظ «الفعل» في المثال المفروض، عدمُ الصدق بالنظر إلى مجرّد هذا الاستعمال فقط، فهو مسلّم، لكن نقول: الحدّ المقيّد باصطلاح التخاطب أيضًا كذلك، ضرورة أنّه لا يصدق على ذلك اللفظ حينئذٍ بالنسبة إلى ذلك الاستعمال أنّه مستعملٌ في ما وضع له في اصطلاح به التخاطب، وكيف؟! مع أنّه غير الموضوع له بذلك الاصطلاح.

وإن أريد بعدم الصدق عدمه مطلقًا وإن كان مع قطع النظر عن خصوصيّة هذا الاستعمال، فهو ممنوعٌ، وكيف لا؟ مع أنّ المفروض أنّ هذا اللفظ قبل هذا الاستعمال أو معه قد استعمل في الموضوع له من حيث هو موضوع له، فيصدق عليه أنّه استعمل في الموضوع له من حيث هو موضوع له في الجملة، فيلزم أن يكون حقيقة في هذا الاستعمال مع أنّه مجاز، فيرد الانتقاض في جميع ما تقدّم من المواضع المذكورة، فلا فرق بين الحدّ المقيّد باصطلاح التخاطب أو الحيثيّة.

ويمكن أن يقال: إنّ عدم الفرق بين الحدّ المقيّد بالقيدين إنّما يسلّم إذا كان المراد ثاني شقّي الترديد، وأمّا إذا كان المراد أوّلهما، فعدم الفرق في غير استعمال المشترك من المواضع المذكورة مسلّم(1)، وأمّا فيه فلا، بل يندفع النقض به أيضًا مع قيد «الحيثيّة»

ص: 61


1- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: بمعنى أنّه كما يندفع الانتقاض بقيد «اصطلاح به التخاطب»، كذا يندفع بقيد الحيثيّة أيضًا، منه (دام ظله) العالي.

ويبقى مع «اصطلاح التخاطب» كما لا يخفى، فقيد «الحيثيّة» لذلك أولى منه.

لكن يمكن المناقشة بأنّا نرى كلمات المُكتفين بالحيثيّة مختلفة، فبعضهم قال: اللفظ إن استعمل فيما وضع له فحقيقة، وإلّا فمجاز؛ وبعضهم قال: المجاز اللفظ المستعمل في غير الموضوع له(1).

وبعد ملاحظة الحيثيّة يكون التقرير في الأوّل: وإن لم يستعمل اللفظ فيما وضع له من حيث إنّه الموضوع له فمجاز؛ وفي الثاني: المجاز اللفظ المستعمل في غير الموضوع له من حيث إنّه غير الموضوع له.

والأخير غير صادق بالنسبة إلى استعمال المشترك في الفرض المذكور؛ لعدم استعماله في غير الموضوع له، كما لا يصدق عليه حدّ الحقيقة لما مرّ، فيلزم أن لا يكون حقيقة ولا مجازًا، وفساده ظاهر.

أمّا الأوّل: فهو وإن كان صادقًا عليه؛ لوضوح أنّه يصدق على المشترك حينئذٍ أنّه لم يستعمل في الموضوع له من حيث هو موضوع له، لكن ينتقض طرد الحدّ حينئذٍ بالألفاظ المهملة والمستعملة في غير معانيها غلطًا، كقولك: «خذ هذا الكتاب»، مشيرًا إلى فرس، وكذا الألفاظ الموضوعة الغير المستعملة لا في معانيها الحقيقيّة ولا في غيرها؛ لصدقه على الجميع مع عدم كونه من أفراد المحدود.

وبالجملة: حدّ المجاز بناءً على الأوّل وإن كان منعكسًا، لكنّه ليس بمطّرد لما عرفت، وأمّا على الثاني فليس بمطّرد ولا منعكس.

ص: 62


1- ينظر قوانين الأصول: 1/54، ومفاتيح الأصول: 29، وتهذيب الوصول: 75، وأنيس المجتهدين: 1/ 51، والمطوّل: 565، والمحصول، للفخر الرازي: 1/295.

أمّا الأوّل فلدخول الألفاظ المستعملة في غير معانيها غلطًا تحت الحدّ حينئذٍ، إذ يصدق عليها أنّها استعملت في غير الموضوع له من حيث إنّه كذلك، فتأمّل.

وأمّا الثاني: فلما عرفت من عدم صدق الحدّ حينئذٍ على المشترك في الفرض المتقدّم، بل نقول: إنّه على هذا لم يصدق على شيء من المجازات الصحيحة؛ لوضوح أنّها لم تستعمل في غير الموضوع له من حيث إنّه غير الموضوع له، بل استعملت في غير الموضوع له من حيث وجدان العلاقة بينه وبين الموضوع له.

مع أنّا نقول: إنّ الحيثيّة المذكورة في حدّ المجاز إمّا تعليليّة كما هي في حدّ الحقيقة كذلك، أو تقييديّة؛ وكلاهما غير ممكن.

أمّا الأوّل: فلما عرفت من أنّ المصحّح للاستعمال المجازيّ ليس عدم الوضع، بل تحقّق العلاقة بين المعنى المجازي وبين الموضوع له.

وأمّا الثاني: فلما عرفت أيضًا من الانتقاض، إلّا أن يقال(1): إنّ المراد غير الموضوع له الّذي يكون بينه وبين الموضوع له علاقة.

والحاصل: أنّ قيد «الحيثيّة» وإن أسلم حدّ الحقيقة عن الانتقاض، لكن لم يسلم حدّ المجاز، وأمّا «اصطلاح التخاطب» فمجرّده في حدّ المجاز غير كافٍ أيضًا، بل لا بدّ أن يقال: إنّه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح به التخاطب، لعلاقة بينه وبين الموضوع له، أو نحو ذلك ممّا يؤدّي مؤدّاه، وإلّا لانتقض بالألفاظ المستعملة في غير معانيها غلطًا.

ص: 63


1- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: هذا بناءً على اختيار الشقّ الأوّل من الترديد المذكور، وأمّا بناءً على الشقّ الثاني فالانتقاض بالنسبة إلى حدّ الحقيقة أيضًا متحقّق، منه (دام ظله) العالي.

حدّ آخر للحقيقة والمجاز

وقال جمع من الأعلام: إنّ الحقيقةَ اللفظُ المستعمل في وضع أوّل، والمجاز في غيره لعلاقة، أي اللفظ المستعمل في غير وضع أوّل لعلاقة(1).

ولا يخفى أنّ هؤلاء الجماعة إمّا أن يجعلوا لفظ «الوضع» هنا بمعنى الموضوع وكلمة «في» صلة للاستعمال، فيكون الحاصل: أنّ الحقيقة اللفظ المستعمل في الموضوع له الأوّلي، فيرد عليهم جميع ما تقدّم.

مضافًا إلى أنّ قيد «أوّل» هنا لا ثمرة له، بل هو مخلّ على ما سيأتي، فيحتاج لتصحيح الحدّ إمّا إلى قيد «الحيثيّة» أو «اصطلاح التخاطب»، وقد عرفت حالهما؛ أو يبقونه على ظاهره ويجعلون كلمة «في» للسببيّة كما صرّح به الشارح العضديّ(2)، فيكون الحاصل على هذا: أنّ الحقيقة لفظ مستعمل بسبب وضع أوّل، وهو مع عدم مأنوسيّته منظور فيه من وجوه:

أمّا أوّلًا: فلأنّ طرده منقوض بالمجاز، إذ هو أيضًا مسبّب للوضع؛ لوضوح أنّه لو لم يتحقّق الوضع لم يتحقّق المجاز، وهو ظاهر.

وربّما دُفع ذلك بإرادة السبب القريب من السببيّة، وهو غير متحقّق إلّا في الحقيقة؛ إذ الوضع وإن كان سببًا لاستعمال اللفظ في المعنى المجازيّ، إلّا أنّه سبب بعيد، والسبب القريب فيه وجودُ العلاقة.

ص: 64


1- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 505، وزبدة الأصول: 75، ومفاتيح الأصول: 30.
2- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 505. وهو عبد الرحمن بن ركن الدين أحمد بن عبد الغفّار البكريّ القاضي عضد الدين الإيجي الحنفيّ، له الكثير من التصانيف، ت سنة 756ﻫ. ينظر: هديّة العارفين: 1/527.

والتحقيق أن يقال: إنّ الوضع في الحقيقة بانفراده ليس سببًا قريبًا تامًّا، وكذا وجود العلاقة في المجاز، بل لا بدّ من انضمام الإرادة القريبة من المستعمل إليهما، فالسبب القريب التامّ في الأوّل الوضعُ وإرادة المستعمل، وفي الثاني وجودُ العلاقة مع إرادته.

وأمّا ثانيًا: فلانتقاض عكسه بالمشترك عند استعماله في الموضوع له الثانوي فصاعدًا(1)، إذ لم يصدق عليه حينئذٍ أنّه استعمل بسبب وضع أوّل، بل بسبب الثاني مثلًا.

ويمكن دفع ذلك أيضًا بأنّه يمكن أن يكون مرادهم بالوضع الأوّل ما لم يلاحظ فيه الوضع الآخر، سواء تحقّق للّفظ وضع آخر كما في المشترك، أو لا كما في الألفاظ الّتي لم يتحقّق لها إلّا وضع واحد؛ فعلى هذا يصدق على كلّ معنى من معاني المشترك أنّه وضع أوّل.

لكن هذا التوجيه وإن أسلم عكس الحدّ بالنسبة إلى الألفاظ المشتركة، لكنّه يفسد عكسه بالنسبة إلى الألفاظ المنقولة، تخصيصيًّا كان النقل أو تخصّصيًّا؛ لوضوح أنّ ملاحظة الوضع الأوّل فيه معتبرة عند علماء الأصول.

ص: 65


1- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: ولا يخفى أنّ هذا الانتقاض إنّما هو إذا كان وضع المشترك من واضع؛ وتوضيح ذلك: أنّ تحقّق المشترك يمكن أن يكون من وجهين، الأوّل: أن يضع واضع لفظًا لمعنى وآخر يضعه لمعنى آخر، وهذا اللفظ وإن لم يكن عند كلّ واحد من الواضعين مشتركًا، لكنّه عند غيرهما مشترك فيما إذا وصل الوضعان إليه. والثاني: أن يضع واضع واحد لفظًا لأكثر من معنى وهذا اللفظ مشترك مطلقًا، سواء كان عند الواضع أو غيره ممّن يطّلع على الوضع، ولا يرد النقض بالنسبة إلى الأوّل؛ لصدق أنّ كلّ وضع هناك أوّل، بل يرد بالنسبة إلى الثاني، فيجاب بما يأتي، مع ما فيه، منه (دام ظله) العالي.

ويمكن التخلّص عن ذلك بتكلّف، وهو أنّ المراد بالوضع الآخر المنفي ملاحظته في حدّ الحقيقة هو الوضع الّذي يكون باقيًا على حاله، وليس الأمر في المنقولات كذلك؛ لأنّها قد هجرت عن المعاني الأوّليّة وصارت مجازات فيها وحقائق في غيرها، فعلى هذا يكون المراد بالوضع الأوّل الوضع الذي لم يلاحظ فيه الوضع الآخر الّذي يكون باقيًا على حاله.

لكن يبقى الكلام في أنّه لا شكّ أنّه يجوز للواضع بعد وضعه اللفظ لمعنى أن يلاحظه، فيضعه لمعنى آخر مناسب للمعنى الأوّل مع بقاء المعنيين على حالهما، فيكون اللفظ مشتركًا بينهما، إذ لم يعتبر في المشترك لزوم عدم الملاحظة.

وأمّا ثالثًا: فلما ذكرنا سابقًا من الانتقاض بالمشترك عند استعماله في أحد معانيه، لا لكونه موضوعًا له على ما مرّ، وبالنقل مطلقًا وغيره؛ لأنّه يصدق على كلّ منها أنّه لفظ استعمل بسبب وضع أوّل في الجملة، فيحتاج إلى أحد القيدين المذكورين وقد عرفت حالهما.

وأمّا رابعًا: فلأنّ كلمة «في» في الحدّ على ما تقدّم سببيّة، فيكون معنى الحدّ في المجاز على هذا: لفظ استعمل بسبب غير وضع أوّل لعلاقة، وسخافته ظاهرة؛ لما عرفت من أنّ المراد بالسبب هو العلاقة، وحاصله حينئذٍ أنّه لفظ استعمل بسبب العلاقة للعلاقة.

ويمكن دفع ذلك بتكلّف، وهو أن يقال: إنّ قولهم: «المجاز لفظ استعمل في غيره لعلاقة» أنّ كلمة «في» فيه صلة للاستعمال، لا للسببيّة، وإن كان في حدّ الحقيقة لها، وأنّ الضمير في «غيره» وإن كان عائدًا إلى الوضع الّذي في قولهم: «الحقيقة لفظ استعمل في وضع أوّل»، لكنّ المراد به هنا الموضوع له من باب

ص: 66

الاستخدام، فيكون المعنى على هذا: المجاز لفظ استعمل في غير الموضوع له لعلاقة بينه وبين الموضوع له؛ وهو وإن كان صحيحًا في نفسه، لكن عكسه منقوض باستعمال المشترك في الفرض المتقدّم.

ويمكن أن يدفع ذلك بجعل كلمة «في» للظرفيّة وإبقاء الوضع الّذي هو المرجع لضمير في «غيره» على معناه، إذ المعنى على هذا: أنّ المجاز اللفظ المستعمل في غير وضع أوّل بعلاقة؛ وصدقه على المشترك في الاستعمال المفروض وغيره من المجازات الصحيحة ظاهر.

ويمكن اختيار الحدّ المذكور سابقًا، لكن مع اعتبار قيد «الحيثيّة»(1)وذكر «العلاقة» في حدّ المجاز، فالحقيقة: اللفظ المستعمل في الموضوع له من حيث إنّه موضوع له؛ والمجاز: اللفظ المستعمل في غير الموضوع له من حيث هو كذلك لعلاقة بينهما، لكن بعد إرادة الاستعمال الحالي من الاستعمال واعتبار صدق كلّ من الحدّين بالنسبة إلى معنى واحد.

وحينئذٍ لا يرد شيء ممّا تقدّم، أمّا عدم ورود الانتقاض بالنقل مطلقًا؛ فلأنّ الناقل إذا استعمل اللفظ في المعنى المنقول منه، ثمّ في المنقول إليه، أو بالعكس، ففي حال استعماله في المنقول إليه لم يصدق عليه إلّا حدّ الحقيقة؛ لأنّه في هذا الاستعمال لم يستعمل إلّا في الموضوع له وإن استعمل قبله أو بعده في غيره.

وكذا في حال استعماله في المنقول منه لم يصدق عليه إلّا حدّ المجاز؛ لأنّه لم يستعمل في هذا الاستعمال إلّا في غير الموضوع له وإن استعمل قبله أو بعده في

ص: 67


1- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: لكنّ «الحيثيّة» في المجاز تقييديّة وإن جاز أن تكون في الحقيقة تعليليّة أيضًا، منه (دام ظله) العالي.

الموضوع له، فإرادة الاستعمال الحالي من الاستعمال في الحدّين يسلم انتقاض كلّ منهما بالآخر فيما ذكر.

إن قيل: عدم الانتقاض مطلقًا ممنوعٌ ولو مع إرادة الاستعمال الحالي من الاستعمال؛ لأنّ اللفظ حين استعماله في المنقول إليه كما يصدق عليه أنّه مستعمل في الموضوع له، يصدق عليه أنّه استعمل في غير الموضوع له أيضًا في تلك الحالة؛ إذ هو غير الموضوع له لغة.

وبالجملة، هو موضوع له في اصطلاح به وقعت المخاطبة وغيره في غيره، والمفروض أنّ قيد «اصطلاح التخاطب»(1) غير ملحوظ.

قلت: حدّ المجاز على ما ذكرنا هو اللفظ المستعمل في غير الموضوع له من حيث إنّه غير الموضوع له، واللفظ المفروض في ذلك الاستعمال وإن كان يصدق عليه أنّه استعمل في غير الموضوع له، لكن لا من حيث إنّه غير الموضوع له، بل استعمل فيه من حيث إنّه موضوع له، فلا انتقاض.

ثمّ إنّ هذا كلّه فيما إذا كان زمان الاستعمال في المنقول إليه مغايرًا لزمان الاستعمال في المنقول منه، وأمّا إذا فرض اتّحاد زمان الاستعمالين بأن يكون الاستعمالان من شخصين في آن واحد، فحينئذٍ وإن كان حدّ كلّ واحد منهما صادقًا على الآخر، إلّا أنّه لمّا اعتبرنا صدق كلّ من الحدّين بالنسبة إلى معنى واحد، يدفع الانتقاض أيضًا(2).

ص: 68


1- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: ولا يخفى أنّ قيد «اصطلاح التخاطب» وإن كان مشتركًا مع الحيثيّة فيدفع النقض في غير المشترك، إلّا أنّه لمّا لم يندفع به النقض به أيضًا، فلذا تركه واختار الحيثيّة، منه (دام ظله) العالي.
2- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: لأنّه بالنسبة إلى استعماله في المعنى المنقول إليه حينئذٍ حقيقة يصدق عليه حدّها ولا يصدق عليه حدّ المجاز بالنسبة إلى ذلك المعنى في تلك الحالة وإن يصدق عليه حدّه بالنسبة إلى المنقول منه فيها، وكذا الكلام بالنسبة إلى استعماله في المنقول منه؛ فإنّه لا يصدق بالنسبة إلى ذلك المعنى حدّ الحقيقة وإن يصدق عليه حدّها في تلك الحالة بالنسبة إلى المعنى المنقول إليه، منه (دام ظله) العالي.

وأمّا عدم ورود الانتقاض باللفظ الّذي له مجاز، فلمثل ما ذكرنا، سواء اتّحد المستعمل واختلف زمان الاستعمال، أو العكس.

وأمّا النقض بالاشتراك، فدفعه بالنسبة إلى حدّ الحقيقة ظاهر؛ لأنّه عند استعماله في أحد معانيه، لا لكونه موضوعًا له - بل لأجل العلاقة - لا يصدق عليه أنّه استعمل في الموضوع له من حيث إنّه الموضوع له، بل استعمل في الموضوع له من حيث العلاقة.

وأمّا بالنسبة إلى حدّ المجاز فمشكل؛ لأنّ حدّه على ما ذكر: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له من حيث هو كذلك لعلاقة، وهو غير صادق بالنسبة إليه حينئذٍ؛ لاستعماله في الموضوع له لأجل العلاقة(1).

فلو قيل: المجاز اللفظ المستعمل للعلاقة(2)، يسلم من هذا أيضًا؛ لأنّ المفروض أنّه استعمل في الموضوع له لأجل العلاقة بينه وبين المعنى الآخر.

ص: 69


1- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: إلّا أن يدّعى أنّ معنى المشترك حين ملاحظة العلاقة بينه وبين معنى آخر يصدق عليه أنّه غير الموضوع له، لكنّه مشكل، منه (دام ظله) العالي.
2- جاء في حاشية الأصل: لكن بعد مراعاة ما تقدّم من إرادة الاستعمال الحالي من الاستعمال واعتبار صدق الحدّ بالنسبة إلى معنى واحد. منه.

أخذ «اللفظ» في حدّ الحقيقة والمجاز أولى من أخذ «الكلمة»

إرشاد رشاد

اعلم: أنّ اختيار «اللفظ» المتناول للمفرد والمرّكب في حدّي الحقيقة والمجاز كما أطبقت عليه ألسنة أئمّة الأصول(1)، دون «الكلمة» الظاهرة في المفرد على ما ذهب إليه أكثر علماء البيان(2)؛ لئلّا يتوهّم اختصاص الانقسام إليهما بالمفردات؛ لأنّه كما تتّصف المفردات بهما تتّصف المركّبات أيضًا؛ إذ المصحّح للاتّصاف بهما الوضع، وهو كما يتحقّق في المفردات يتحقّق في المركّبات أيضًا على ما سيأتي.

في بيان تحقّق الوضع في المركّبات

فما توهّمه بعض الأعلام من اختصاص الانقسام إليهما بالمفردات، فيرجّح بذلك «الكلمة» على «اللفظ» في الاختيار(3)؛ ففساده لا يحتاج إلى البيان؛ لأنّ منشأ هذا التوهّم إمّا تخصيص الوضع المعتبر في الحدّين وجودًا وعدمًا بالشخصيّ، أو توهّم انتفاء مطلق الوضع في المركّبات ولو كان نوعيًّا.

وكلاهما فاسد، أمّا الأوّل: فلاستلزامه عدم اتّصاف كثير من الألفاظ المفردة كالأفعال والصفات والمثنّى والمجموع والمصغّر والمنسوب بالحقيقة؛ لأنّ الوضع

ص: 70


1- ينظر الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 10، ونهاية الوصول: 1/ 240، وغاية الوصول: 1/ 151، والمعتمد: 1/ 11، والمحصول، للفخر الرازيّ: 1/ 112، ومنية اللبيب: 1/ 198.
2- ينظر الإيضاح: 272، والمطوّل: 348، ومختصر المعاني: 215، وحاشية الدسوقيّ على المختصر: 2/ 321.
3- ينظر شرح الوافية، للسيّد بحر العلوم (مخطوط): الورقة 2، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 552، والمطوّل: 349.

المتحقّق فيها نوعيّ، فلا وجه لتخصيص الإخراج بالمركّبات.

وأمّا الثاني: فلوجوه:

أمّا أوّلًا: فلأنّ أئمّة الأصول والبيان اتّفقوا في بحث المجاز على تقسيمه إلى المجاز في المفرد والمجاز في المركّب(1)، كما لا يخفى على من له أدنى اطّلاع على كتبهم، فلو لم يثبت الوضع في المركّبات أصلًا، لما كان لهذا التقسيم وجه؛ لأنّ المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له.

وأمّا ثانيًا: فلأنّه لو انتفى الوضع في المركّبات مطلقًا، لزم تحقّق الواسطة في الألفاظ المستعملة بالاستعمال الصحيح بين المجاز والحقيقة، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

أمّا الشرطيّة؛ فلأنّ الألفاظ المركّبة المستعملة في المعاني المستفادة منها عند انتفاء الوضع فيها لا يكون حقيقة ولا مجازًا؛ أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فلأنّ المجاز فرع الوضع؛ إذ هو اللفظ المستعمل في غير الموضوع له لعلاقة بينه وبين الموضوع له، والمفروض انتفائه.

وأمّا بطلان التالي؛ فلاتّفاقهم على أنّ الاستعمال الصحيح منحصرٌ فيهما.

وأمّا ثالثًا: فلأنّ الوضع في المركّبات لو كان منتفيًا أصلًا، لزم عدم استفادة المعاني منها، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

ص: 71


1- ينظر المحصول، للفخر الرازيّ: 1/ 321، ونهاية الوصول: 1/ 272، وتهذيب الوصول: 70، ومنية اللبيب: 1/ 224، ومختصر المعاني: 218، وحاشية الدسوقيّ على المختصر: 2/ 334.

أمّا الملازمة؛ فلاتّفاقهم على أنّ الدلالة اللفظيّة الوضعيّة منحصرةٌ في الحقائق والمجازات، وعلى تقدير عدم اتّصاف المركّبات بشيء منهما يلزم انتفاء الاستفادة.

وأمّا بطلان التالي، فمعلوم بالوجدان ومشاهد بالعيان.

وأمّا رابعًا: فلأنّ المستفاد من المركّبات معنى واحد عند اتّحاد الهيئة ولو مع اختلاف المادّة، ومعانٍ مختلفة عند اختلاف الهيئة ولو مع وحدة المادّة.

أمّا الأوّل: فلأنّ المستفاد من الهيئة الإسناديّة في التركيب الإسناديّ في: زيدٌ قائمٌ، هو المستفاد في: عمرو شاعر، وخالد كاتب، وبكر فاضل، ونحوها، وكذا المستفاد من الهيئة الإضافيّة في الإضافيّ في نحو: غلامُ زيدٍ، هو المستفاد في: مالُ بكرٍ، وبيتُ خالدٍ، وابن وليد، ونحوها، وكذا الكلام في التوصيفيّ في: زيد الغلام، وعمرو الشاعر، وخالد الكاتب، وهكذا.

وأمّا الثاني: فلأنّ المستفاد من: «زيد غلام»، غير ما هو المستفاد من: «زيد الغلام»، والمستفاد منهما خلاف ما هو المستفاد من: «غلام زيد»، والمادّة في الجميع واحدة، والمعاني المستفادة منها مختلفة باختلاف الهيئة، ووحدة المعنى عند اتّحاد الهيئة ولو مع اختلاف المادّة واختلافه عند اختلافها ولو مع اتّحاد المادّة أمارةٌ ظاهرة وقرينةٌ لائحة على أنّه ليس إلّا لأجل تعيين الواضع كلًّا من تلك الهيئات بإزاء معنى خاصّ، وليس القصد من وضع المركّبات إلّا ذلك، وسيجيء لك مزيد توضيح في ذلك.

ص: 72

في أنّ «الوضع» المأخوذ في حدّي الحقيقة والمجاز هل هو شخصيّ أو نوعيّ أو أعمّ منهما؟

تعقيد وتفكيك

اعلم: أنّ «الوضع» المأخوذ في حدّ الحقيقة والمجاز إمّا شخصيّ فقط، أو نوعيّ كذلك، أو أعمّ؛ والجميع فاسد.

أمّا الأوّل: فلاستلزامه انتقاض عكس الحدّ في الحقيقة بخروج الأفعال والصفات والمركّبات وما ضاهاها ممّا يكون الوضع فيه نوعيًّا، وطرد الحدّ في المجاز بدخول ما ذكر فيه كما لا يخفى.

وأمّا الثاني: فلاستلزامه انتقاض عكس الحدّ في الحقيقة بخروج نحو: إنسان وزيد ونحوهما ممّا يكون الوضع فيه شخصيًّا، وطرده بدخول المجازات كلّها، لقولهم: إنّ المجازات موضوعة بالوضع النوعيّ(1)، وطرد حدّ المجاز بدخول ما كان الوضع فيه شخصيًّا عند استعمالها في معانيها الأصليّة، وعكسه بخروج المجازات، بل لا يبقى لحدّ المجاز مصداق؛ لما مرّ من أنّ المجازات موضوعة بالوضع النوعيّ، فلا يصدق أنّها مستعملة في غير ما وضعت له.

وأمّا الثالث: فلاستلزامه انتقاض طرد الحدّ في الحقيقة بدخول المجازات كلّها، وعكس الحدّ في المجاز بخروج المجازات، بل لا يبقى للحدّ مصداق وللمحدود أفراد.

والجواب عنه: هو أنّ لكلّ من الوضع والوضع النوعيّ عندهم إطلاقين، تحقيق

ص: 73


1- ينظر إشارات الأصول: 1/ 72، وبدائع الأفكار: 1/ 50.

المقام وتوضيح المرام يقتضي البسط في الكلام، فأقول: إنّ الوضع بالنسبة إلى الموضوع ينقسم إلى الوضع الشخصىّ والنوعيّ.

بيان ذلك: هو أنّه لا شبهة في امتناع تحقّق الوضع من غير أن يتصوّر الموضوع، فالموضوع المتصوّر حين الوضع إمّا ملحوظ بحسب الهيئة والمادّة، كالإنسان وزيد والفرس والحيوان وأمثالها، فإنّ الواضع لاحظها بالاعتبارين المذكورين، ثمّ عيّنها لمعانيها المعلومة، أو ملحوظ بحسب الهيئة دون المادّة، كالأفعال والصفات والمثنّى والمجموع وما ضاهاها، فإنّ الملحوظ فيها هيئاتها دون الموادّ على ما سيأتي.

والأوّل: يسمّى الوضع فيه شخصيًّا؛ لتشخّص الموضوع الحاصل بهيئة(1) مخصوصة في ضمن مادّة معيّنة.

والثاني: يسمّى نوعيًّا؛ إذ المعتبر فيه نوع الهيئة لا شخصها المتشخّص في ضمن مادّة مخصوصة(2).

ص: 74


1- في «ق»: لهيئة.
2- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: والحاصل أن ليس المراد بالوضع الشخصيّ ما يكون الموضوع فيه جزئيًّا حقيقيًّا لا يتكثّر بتكثّر الاستعمالات، ضرورة أنّ الإنسان وزيد ونحوهما من الأسماء الّتي يكون الوضع فيها شخصيًّا يتعدّد بتعدّد المستعملين ويتكرّر بتكرّر الاستعمالات، فلكلّ منها أفراد متكثّرة كهيئة المشتقّ، بل المراد بالوضع الشخصيّ ما تكون المادّة والهيئة فيه ملحوظتين مع بقاء الترتيب بين الحروف حال الوضع، وبالجملة: ما لا يختلف اختلافًا راجعًا إلى أصل اللفظ وجوهر الكلمة وإن تكثّرت أفراده المتمايزة باعتبار الأمور الخارجة عن اللفظ، كاختلاف المستعمل أو الزمان، والمراد بالوضع النوعيّ ما يقابل هذا المعنى، أي يكون التمايز بين أفراده راجعًا إلى أصل اللفظ وجوهر الكلمة أيضًا، منه (دام ظله) العالي.

وبالجملة: اللفظ الّذي عيّنه الواضع للإفادة إمّا أن يكون(1) جهة التعيين فيه مستندة إلى كلّ من الهيئة والمادّة، أو إلى الأوّل دون الثاني، أو بالعكس، أو لا إلى شيء منهما، فههنا أربعة احتمالات.

واللازم في الأوّل: مراعاة الأمرين، إذ الإخلال بأيّ منهما كان موجبًا للإخلال بالإفادة؛ لاستنادها بتعيين الواضع إلى مجموعهما، فالمعتبر فيه شخص ذلك اللفظ، لكن بحيث يبقى(2) الهيئة والمادّة مع ترتيب الحروف الّذي حالَ الوضع(3)، فتعدّد المستعملين والاستعمال مع بقاء الترتيب غير مضرّ، وبقاء الهيئة والمادّة مع الإخلال به مخلّ؛ ولذا يقال: الوضع فيه شخصيّ.

وفي الثاني: مراعاة الهيئة فقط؛ إذ الإفادة دائرة مدارها، فلا دخل لشيء من الموادّ في إفادته، فالإخلال بموادّ مخصوصة غير مضرّ، إلّا أنّ أصل المادّة ممّا لا بدّ منه، لا لاستناد الإفادة إليه، بل لتحقّق الهيئة؛ ضرورة افتقار العرض إلى محلّ يقوم به، فالمعتبر في الإفادة حينئذٍ نوع تلك الهيئة ولذا يقال: الوضع فيه نوعيّ.

وكذا الأمر في الثالث، لكن بالنسبة إلى المادّة، فالإخلال بالهيئة فيه غير مخلّ للإفادة؛ لاستنادها إلى المادّة، فيجب تحقّقها مع أيّ هيئة صاحبتها المادّة، فيكون الوضع فيه أيضًا نوعيًّا لما تقدّم، ويمكن التمثيل لهذا القسم بالمصادر، فإنّ دلالتها على الأحداث ثابتة، سواء وجدت مع هيئة الفعل أو الوصف، أو لا، فتأمّل(4).

ص: 75


1- كذا في الأصل، والصواب: أن تكون.
2- كذا في الأصل، والصواب: تبقى.
3- أي الّذي هو ثابتٌ حال الوضع.
4- جاء في حاشية الأصل: الأمر بالتأمّل هنا إشارة إلى أنّه ليس المراد من كون المادّة فيه ملحوظة دون الهيئة أنّ الهيئة فيه غير ملحوظة أصلًا؛ لوضوح أنّ الإخلال بترتيب الحروف فيه مخلّ للإفادة، فالهيئة فيه مرعيّة ولو في الجملة، لا مطلقًا. منه.

وأمّا القسم الرابع: فيترآى في بادي النظر أنّه غير متصوّر؛ لامتناع تعيين اللفظ للإفادة، ولا تكون جهة التعيين فيه مستندة إلى شيء منهما من المادّة والهيئة، لكنّ الأمر ليس كذلك، بل المجازات كلّها من هذا القبيل، فإنّها قد عُيّنت للدلالة على المعاني المجازيّة مع عدم استناد الإفادة إلى شيء من مادّة اللفظ وهيئته؛ لكون المعتبر فيها نوع العلاقة في [ضمن] معنى أيّ لفظ تحقّق، من غير اعتبار هيئة دون أخرى ومادّة دون غيرها، ولا خصوص لفظ دون غيره، فتأمّل، وسيجيء لك زيادة توضيح في هذا المطلب.

كشفُ إجمال لتوضيح مقال

اعلم: أنّ كيفيّه صدور النوعين المذكورين للوضع من الواضع إمّا في الشخصيّ، فهي أنّ الواضع يتصوّر لفظًا متشخّصًا بمادّة وهيئة مخصوصة، ثمّ يعيّنه لمعنى مخصوص ليستعمله المُسْتَعْمِل فيه حتّى ينتقل إليه كلّ من له اطّلاع على وضعه، فالمعتبر في وضعه حينئذٍ تلك المادّة والهيئة مع الترتيب، دون شيء آخر من صدوره في زمان دون آخر ومن مستعمل دون غيره، فكلّ مخاطب باصطلاحه إذا استعمله في ذلك المعنى في أيّ زمان كان يصدق عليه أنّه ذلك اللفظ الموضوع.

فحينئذٍ لا يتوهّم أنّ اللفظ المذكور لو استعمله غير الواضع مثلًا ينبغي أن لا يكون حقيقة، إذ من جملة مشخّصاته صدوره من الواضع مثلًا في زمان مخصوص؛ ومعلوم أنّ المتشخّص ينتفي بزوال تشخّصه، فحينئذٍ لا يصدق عليه أنّه ذلك

ص: 76

اللفظ الموضوع، وعلى تقدير اعتبار المادّة والهيئة في الوضع دون غيرهما، لا يكون الوضع فيه شخصيًّا؛ لتحقّقها في ضمن أفراد متكثّرة.

أمّا اندفاع التوهّم الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فلأنّ المراد بتشخّص الموضوع في المقام بالنسبة إلى خصوصيّته مادّة وهيئة بمقابلة ما سيأتي، فلا يضرّ تعدّد الأفراد.

وإمّا في الوضع النوعيّ، فهي أن يلاحظ الواضع حال الوضع نوع الهيئة، كهيئة المشتقّ مثلًا.

تحقيق في الوضع النوعيّ

اشارة

تنقيحه يحتاج إلى بسط الكلام في مقامين:

المقام الأوّل

الأوّل: أنّ النوع أمر مبهم، والشيء ما لم يتشخّص لم يوجد، لا في الخارج ولا في الذهن، وكيف يتصوّر تعقّل النوع؟

وجوابه: أنّ تعقّله يكون بأحد الوجهين، إمّا بأن يتعقّل الهيئة المتحصّلة من الحروف الّتي يكون أوّلها مفتوحًا وثانيها ألفًا وثالثها مكسورًا ورابعها منوّنًا؛ أو بأن يتعقّله في ضمن مادّة مخصوصة بأن يتعقّل الهيئة الّتي على زنة «فاعل» مثلًا.

المقام الثاني

والمقام الثاني: في أنّ الموضوع في الوضع النوعيّ، هل يكون النوع المتعقّل نفسه بأن يقول الواضع: إنّي قد عيّنت الهيئة المتحصّلة من الحروف على النهج المذكور مثلًا للدلالة على ذات ما ثبت له المبدء المقترن بها، أو يكون الموضوع أفراد النوع المتعقّل بأن يقول: إنّي وضعت كلّ فرد من أفراد تلك الهيئة للدلالة، إلخ؟

ص: 77

والفرق بين الاعتبارين: هو أنّ الموضوع في الأوّل نفس النوع، وفي الثاني أمر مغاير له، بل النوع حينئذٍ عنوان للموضوع وآلة لملاحظته؛ لكون الموضوع أفرادًا له.

والافتقار إلى تعقّل النوع أمّا في الصورة الأولى فظاهر(1)، وأمّا في الصورة الثانية فلأنّ الجزئيّات لعدم انضباطها وانحصارها لا يمكن تعقّلها مفصّلًا، فيلزم تعقّلها مجملًا في ضمن النوع؛ لامتناع تحقّق الوضع من دون تعقّل الموضوع، لا مفصّلًا ولا مجملًا؛ وكون الوضع نوعيًّا في هذا القسم بناءً على الأوّل ظاهر، وأمّا على الثاني فلكون الموضوع متصوّرًا بنوعه لا بشخصه.

لا يقال: في القسم الأوّل أيضًا كذلك، ضرورة أنّ لفظ «الإنسان» يتكرّر بتكرّر الاستعمال، فتكون تلك الألفاظ المتكرّرة أفرادًا، فالوضع إمّا أن يتعلّق بالنوع، أو بالأفراد، وأيًّا ما كان يكون الوضع فيه كالثاني.

لأنّا نقول: قد عرفت ممّا ذكرنا أنّ التشخّص في هذا القسم باعتبار تشخّص المادّة والهيئة جميعًا، وليس الأمر في القسم الثاني كذلك قطعًا.

هذا، والتحقيق أن يكون متعلّق الوضع في النوعيّ أفراد النوع المتعقّل، لا النوع نفسه؛ إذ لو كان متعلّقه النوع لا الأفراد لزم أن لا تكون جزئيّات الهيئات المستعملة كالضارب والقاتل والآكل وأمثالها بخصوصيّاتها حقيقة مطلقًا، ولو عند استعمالها في المعاني المعلومة.

أمّا على القول بعدم وجود الكليّ الطبيعيّ في الخارج فظاهر؛ إذ الموضوع وهو النوع ليس بموجود في الخارج حينئذٍ، والموجود في الخارج -[و] هو الأفراد- غير الموضوع، والموضوع -وهو النوع- غير موجود، فيلزم عدم اتّصاف شيء من

ص: 78


1- جاء في حاشية الأصل: لما عرفت من امتناع تحقّق الوضع من دون تعقّل الموضوع. منه.

الألفاظ الّتي يكون الوضع فيها نوعيًّا بالحقيقة.

وأمّا على القول بوجوده فيه، فإنّه وإن كان النوع في الخارج موجودًا، إلّا أنّه في ضمن الأشخاص، فمع ملاحظة خصوصيّات الجزئيّات يكون المجموع غير الموضوع، فيلزم عدم اتّصاف تلك الجزئيّات بوصف الحقيقة؛ إذ الحقيقة: اللفظ الموضوع المستعمل في الموضوع له، وجزئيّات النوع وأفراده على هذا التقدير ليست بموضوعة.

وهو خلاف الإنصاف، بل خلاف الوفاق، بل يلزم عدم اتّصافها بوصف المجازيّة أيضًا؛ إذ المجاز: اللفظ الموضوع المستعمل في غير ما وضع له، وفيما نحن فيه قد استعمل الغير الموضوع فيما وضع له، فيلزم الواسطة في الألفاظ المستعملة بالاستعمال الصحيح بين الحقيقة والمجاز، وهو بيّن الفساد؛ لإطباقهم على انحصار اللفظ المستعمل بالاستعمال الصحيح فيهما.

إذا تحقّق ذلك نقول: إنّ الوضع المتحقّق في الأفعال والصفات والمثنّى والمجموع والمصغّر والمنسوب كلّها من هذا القبيل، وكذا المركّبات على ما عرفت.

معنى آخر للوضع النوعيّ

وللوضع النوعيّ معنى آخر، وهو مختصّ بالمجازات، وهو ثبوت الرخصة من الواضع بأنّ كلّ لفظ يكون بين معناه ومعنى آخر إحدى العلائق الآتية، يجوز استعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى مع إقامة القرينة الدالّة على ذلك وإطلاق الوضع النوعيّ على ذلك.

أمّا الوضع؛ فلأنّه لمّا ثبتت الرخصة من الواضع في استعمالها في تلك المعاني بشرط القرينة، فكأنّه قد عيّنها للدلالة عليها واستعمالها فيها بشرطها، وأمّا

ص: 79

النوعيّ؛ فلأنّ المعتبر فيه نوع العلاقة والمناسبة، فأينما تحقّق جاز الاستعمال من دون مدخليّة فيه لخصوص لفظ دون آخر.

الفرق بين هذين القسمين للوضع النوعيّ

والفرق بين هذين القسمين للوضع النوعيّ من وجهين:

الأوّل: أنّ الوضع النوعي الّذي في المجازات غير كافٍ في دلالة اللفظ على المعنى، بل لا بدّ من الاقتران بالقرينة كما عرفت، بخلاف الّذي تقدّم، فإنّه كافٍ في الدلالة من غير افتقار إلى قرينته(1).

والثاني: هو أنّ المعتبر في الوضع النوعيّ بالمعنى المتقدّم إمّا هيئة اللفظ أو مادّته النوعيّتان، بخلاف هذا القسم، فإنّه لم يعتبر فيه خصوصيّة هيئة دون أخرى ومادّة دون غيرها، بل المعتبر فيه نوع العلاقة في ضمن معنى أيّ لفظ اتّفق، بأيّة هيئة ومادّة.

ألا ترى أنّ من جملة العلاقة: الكلّيّة والجزئيّة، فأينما تحقّقت يجوز إطلاق لفظ الموضوع للكلّ على الجزء كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾(2)؛ وكذا قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ﴾(3)، حيث أطلق لفظ «اليد» الموضوع للعضو المخصوص من المنكب إلى الأشاجع(4) على

ص: 80


1- كذا في الأصل، وفي «ج وق»: قرينة.
2- سورة النساء: 43.
3- سورة البقرة: 19.
4- جاء في حاشية الأصل: اعلم: أنّ الأشاجع على ما في القاموس وغيره: أصول الأصابع الّتي تتّصل بعصب ظاهر الكفّ [القاموس المحيط: 3/ 43، ومجمع البحرين: 4/ 352]، والمراد بها في المقام الأصابع تسميةً للكلّ باسم جزئه، ومع ذلك لا بدّ من تقدير مضاف أيضًا، ففي العبارة مجاز حذف في كلمة، والتقدير: من المنكب إلى أطراف الأصابع. منه.

جزئه، وهو الزند إلى التمام؛ وأطلق لفظ «الأصابع» الموضوع للمعنى المعلوم على جزئه، وهو الأنامل، فلا يعتبر خصوص هيئة ومادّة دون أخرى، ولا خصوص لفظ دون غيره.

وكذا الكلام في الجزئيّة والكلّيّة كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾(1)، وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾(2)، حيث أطلق لفظ «الرقبة» الموضوع للجزء على الكلّ، و«الركوع» الموضوع لجزء الصلاة عليها، بناءً على بعض الوجوه.

ويمكن أن يقال: إنّ تسميته بالنوعيّ لأنّ المعتبر فيه نوع اللفظ؛ لما عرفت أنّ مرجع الوضع هنا إلى أنّ كلّ لفظ إذا وجد بين معناه وغيره إحدى العلائق الآتية جاز استعماله فيه.

إن قلت: قد تقدّم أنّ جهة التعيين في هذا القسم غير راجعة إلى شيء من الهيئة والمادّة، فلو كان المعتبر فيه نوع اللفظ لزم استنادها إمّا إلى الهيئة والمادّة معًا، أو [إلى] إحداهما فقط، وأيّ ما كان لا يخرج عن الأقسام المذكورة، فلا يكون مقابلًا لها.

قلنا: فرقٌ بين النوع في هذا المقام وفيما تقدّم، إذ النوع هناك سواء كان هيئة أو مادّة، كان المراد منه ما كان مصطلحًا بين أئمّة الميزان، كهيئة «فاعل» ومادّة «ضرب» مثلًا، بخلاف النوع فيما نحن فيه، فإنّ المراد منه ما هو الجنس عندهم.

ص: 81


1- سورة النساء: 92.
2- سورة البقرة: 43.

والحاصل: أنّ جهة التعيين في هذا القسم وإن استندت إلى مادّة اللفظ وهيئته كما في القسم الأوّل، لكنّهما هناك كانتا ملحوظتين تفصيلًا وهنا إجمالًا؛ لوضوح أنّ اللفظ الّذي استعمل في المعنى المجازيّ كانت هيئته ومادّته معتبرتين قطعًا.

فالفرق بينه وبين الأقسام الثلاثة: هو أنّ في الأوّل يكون كلّ من الهيئة والمادّة ملحوظة تفصيلًا، كالهيئة في الثاني والمادّة في الثالث، وفيما نحن فيه لا تكون المادّة والهيئة معًا ملحوظتين ولا إحداهما كذلك، وهو لا ينافي كونهما ملحوظتين إجمالًا، فكأنّه قيل: إنّ الملحوظ حين الوضع إمّا المادّة والهيئة تفصيلًا، أو إحداهما كذلك، أو لا يكون شيء منهما ملحوظًا كذلك، فحينئذٍ لا يلزم انتفاء الملحوظيّة مطلقًا، ضرورة أنّ نفي الأخصّ غير مستلزم لنفي الأعمّ.

الوضع المأخوذ في الحدّين أعمّ من الشخصي والنوعيّ

إذا عرفت ذلك فلنعد إلى المطلوب، فنقول: إنّ المراد بالوضع المأخوذ في الحدّين وجودًا وعدمًا ما بُيّن في الشقّ الثالث من الترديد، أي المراد أعمّ من الشخصيّ والنوعيّ، لكن بالمعنى الأوّل، ولا يلزم انتقاض طرد حدّ الحقيقة بدخول المجازات، ولا عدم بقاء المصداق لحدّ المجاز؛ لأنّ الوضع الثابت فيها(1) النوعيّ بالمعنى الثاني، لا الأوّل.

فالحقيقة: اللفظ المستعمل في ما وضع له بالوضع الشخصىّ أو النوعيّ، لكن بالمعنى الأوّل؛ والمجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له بالوضع الشخصيّ أو النوعيّ بذلك المعنى أيضًا، فلا منافاة بينه وبين ثبوت الوضع النوعيّ بالمعنى

ص: 82


1- أي في المجازات.

الآخر -وهو المعنى الثاني- فيه.

والحاصل: أنّ للوضع إطلاقين: خاصّ، وهو تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه؛ وعامّ، وهو تعيين اللفظ للدلالة على المعنى مطلقًا، أعمّ من أن يكون بنفسه أو بالقرينة؛ والمعتبر في الحدّين وجودًا في حدّ الحقيقة وعدمًا في حدّ المجاز هو المعنى الخاصّ، فلا يلزم انتفاء مطلق الوضع في المجازات.

وبما ذكرنا ظهر الجواب عن توهّم التناقض في كلامهم حيث قالوا: «إنّ المجازات موضوعة بالوضع النوعيّ»، مع قولهم: «إنّ المجاز لفظ مستعمل في غير الموضوع له»، حيث ظهر أنّ الوضع المنفيّ في المجاز هو الوضع بالمعنى الخاصّ، والثابت فيه الوضع بالمعنى العامّ، فلا يلزم المنافاة.

شبهة في أنّ الألفاظ المشتركة عند استعمالها في معانيها يلزم أن يكون مجازًا لا حقيقة، مع الجواب عنها

إشكالات وتفصّيات

الإشكال الأوّل
اشارة

الإشكال الأوّل هو أن يقال: لو كان الوضع المعتبر في حدّي الحقيقة والمجاز وجودًا وعدمًا الوضع بالمعنى الأوّل، لزم أن لا تكون الألفاظ المشتركة عند استعمالها في معانيها حقيقة، بل مجاز، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الملازمة: هو أنّ الوضع المعتبر في حدّ الحقيقة حينئذٍ هو تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه، ومعلوم أنّ الألفاظ المشتركة غير دالّة على شيء من معانيها إلّا بالقرينة، فيلزم خروجها عن حدّ الحقيقة ودخولها في حدّ المجاز؛ وأمّا

ص: 83

بطلان التالي فبالاتّفاق(1).

الجواب عن الإشكال الأوّل

والجواب عنه: هو أنّا لا نسلّم انتفاء الوضع بهذا المعنى في الألفاظ المشتركة، وافتقارها في الدلالة على شيء من معانيها بعينه غير مستلزم لذلك؛ لجواز أن تكون معيّنة للدلالة على كلّ من معانيها بأنفسها، لكن لم تحصل الدلالة لمانع الاشتراك، بل الظاهر أنّ الأمر كذلك.

نعم، كان الاعتراض متوجّهًا لو كان المأخوذ في الحدّ الدلالة على المعنى بالنفس، وأين هذا من تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه؟!

والحاصل: أنّ هنا فعلًا وغاية؛ غاية ما هناك انتفاء الغاية، أي دلالة اللفظ على المعنى بنفسه، وظاهرٌ أنّ انتفاء الغاية غير مستلزم لانتفاء الفعل الّذي لأجلها، وربّ فعل لا يترتّب عليه غايته لمانع، فنقول: الظاهر بل لا شبهة في انّ الواضع في بادي الأمر إنّما عيّن المشترك للدلالة على المعنى بنفسه، وهذه الغاية كانت لا محالة مترتّبة عليه لو لم يعرض الاشتراك، وأمّا بعد عروضه فلا.

لكن هذا الجواب ممّا لا شبهة فيه عند تعدّد الواضع للمشترك(2)، وأمّا عند

ص: 84


1- جاء في حاشية الأصل: هذا بناءً على انحصار الاستعمال الصحيح في الحقيقة والمجاز، وحيث قد انتفى الأوّل تعيّن الثاني، وإلّا يمكن دعوى عدم المجازيّة في الألفاظ المشتركة مطلقًا ولو عند استعمالها في غير ما وضعت لها، بناءً على أنّ الكلام على تسليم أنّ المعتبر في الحقيقة الوضع بالمعنى المذكور، والمفروض انتفاؤه في الألفاظ المشتركة، ومعلوم أنّ المجاز يتوقّف على ذلك الوضع، فيلزم من انتفاء الموقوف عليه انتفاء الموقوف كما لا يخفى. منه.
2- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: بناءً على أنّ كلّ واحد من الواضعين قد عيّن اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه، وكانت الغاية مترتّبة عليه عند كلّ واحد منهما، لكن لمّا وصل إلى ثالث عرض الاشتراك، فمنع من ترتّب الغاية، فحينئذٍ قد حصل الوضع بالمعنى المذكور مع افتقار الدلالة إلى شيء من المعنيين بعينه إلى قرينة، منه (دام ظله) العالي.

وحدته فمشكل، بناءً على أنّه كيف يتصوّر من عاقل صدور فعل لأجل غاية مع علمه بعدم ترتّبها عليه حين الصدور، بل مع صدور ما يمنع عن ترتّبه عليه منه(1).

ولا شكّ أنّ مثل هذا الشخص مقبوح عند العقلاء ومعدود في زمرة السفهاء؛ للزوم أن تكون غاية فعل كلّ فاعل عاقل ممكنة الحصول عنده ومرجوّة الوقوع لديه، لاسيّما بالنسبة إلى الواضع، لاسيّما إذا كان الله سبحانه.

والحاصل: نحن نقول: إنّ صدور الفعل وعدم ترتّب الغاية وإن لم يكن محالًا، بل جائز وواقع كما مرّ، إلّا أنّه فيما إذا لم يعلم الفاعل حين الفعل ذلك، لاسيّما إذا كان المانع من الترتّب(2) منه، وأمّا معه فلا كما لا يخفى، وما نحن فيه من هذا القبيل(3).

فالحقّ في الجواب أن يمنع انتفاء الدلالة في المشترك وتوقّفها على القرينة؛ لأنّه لا شبهة أنّ العالِم بالوضع والموضوع له إذا سمع اللفظ المنفرد، كما ينتقل ذهنه إلى

ص: 85


1- جاء في حاشية الأصل: وما نحن فيه من هذا القبيل؛ لأنّ الاشتراك الّذي هو المانع من قبل الواضع. منه.
2- في «ق»: الترتيب.
3- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: لا يقال: إنّ هذا إنّما يتوجّه إذا كان قصد الواضع في أوّل الأمر الاشتراك، وهو ليس بلازم؛ لجواز أن يضع اللفظ أوّلًا لمعنى ولم يكن قصده وضعه للآخر، وحينئذٍ قد ترتّبت عليه غايته، ثمّ بعد ذلك وضعه لمعنى آخر، فقد حصل الاشتراك؛ لأنّا نقول: يجري الكلام حينئذٍ في الوضع الثاني، فنقول: إنّه ليس بجائز، منه (دام ظله) العالي.

معناه، ينبغي أن يكون بالنسبة إلى اللفظ المشترك أيضًا كذلك؛ لأنّا نقطع بأنّ المقتضي للدلالة في الأوّل هو اللفظ المعلوم الوضع، وهو متحقّق فيما نحن فيه أيضًا، فيجب حصول الدلالة أيضًا.

غاية ما في الباب: أنّ المعنى هناك كان منفردًا وههنا متعدّد، والضرورة قاضية بأنّ تعدّده لا يوجب فقدان ثمرة الوضع، وهو الانتقال إلى الموضوع له.

وقصارى ما يتخيّل في المقام أنّه بناءً على المذهب الحقّ من عدم جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد، يبقى متردّدًا في أنّ مراد المستعمل أيّ من المعاني المدلول عليها بالمشترك، فلا بدّ من الاقتران بالقرينة ليعيّن ذلك، فافتقار المشترك إلى القرينة إنّما هو لتعيين المراد بين المعاني المدلول عليها، لا لإثبات الدلالة(1).

توضيح وتكميل

اعلم: أنّ من الأمور الظاهرة أنّ المقتضي للدلالة هو اللفظ المعلوم الوضع، فإذا صدر من المستعمل باستعمال صحيح وكان منفردًا، كما ينتقل السامع منه إلى معناه، كذا يظهر عليه أنّ مراده ذلك المعنى، فيصل إلى المقصود، فلا حاجة له إلى قرينة أصلًا، لا لإثبات الدلالة ولا لتعيين المقصود.

وأمّا اللفظ المشترك، فعند استماعه وإن يفهم معناه أيضًا، لكن لمّا كان متعدّدًا ولم يجز استعماله في الجميع، يزاحم المعنى المقصود غيره، فلم يظهر المراد بعينه، فلا بدّ على المستعمل أن يقارنه بالقرينة؛ لتكون دافعة للمزاحمة ومعيّنة للإرادة، فالقرينة فيه لدفع المزاحمة، لا لإثبات الدلالة؛ لتحقّقها مع انتفائها أيضًا.

ص: 86


1- ينظر معالم الأصول: 125.
في الفرق بين القرينة الّتي في المشترك والّتي في المجاز

ومنه يعلم الفرق بين القرينة المفتقر إليها في المشترك والمجاز، بأنّها في المشترك لدفع المزاحمة وتعيين المدلول، لا لإثبات أصل الدلالة، وظاهرٌ أنّها في المجاز معتبرة في نفس الدلالة، ولذا لا تحصل بالنسبة إلى المعنى المجازيّ إلّا بها، فلا يلزم أن يكون المشترك عند استعماله في معناه مجازًا.

والحاصل: أنّ المشترك عند تجرّده دلالتُهُ ثابتةٌ، وإنّما المنتفي العلم بالمراد؛ والإرادة ليست عين الدلالة ولا مستلزمة لها حتّى يلزم من انتفائها انتفاؤها، والافتقار إلى القرينة إنّما هو في الإرادة، لا الدلالة(1).

اعتبار الإرادة في معنى الدلالة لا وجه له

نعم، الاعتراض إنّما يكون وجيهًا لو اعتبرنا الإرادة في الدلالة بأن يقال: إنّ معنى دلالة اللفظ كونه بحيث يفهم منه المعنى على أنّه مراد للمتكلّم -كما ذهب إليه بعض من لا تحقيق له(2)- فإنّه مع انتفاء العلم بالإرادة لم يوجد(3) الدلالة.

ص: 87


1- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: إن قيل: إنّ اللفظ إنّما يدلّ على المعنى المستعمل فيه، ولا شبهة في مجهوليّته في المشترك عند التجرّد، والجهل به يستلزم انتفاء الدلالة وإلّا كان معلومًا، مع أنّ الواقع خلافه. قلنا: إن أريد بالمستعمل فيه ما يمكن أن يكون مستعملًا فيه من غير واسطة، أي الموضوع له، فالملازمة مسلّمة وبطلان التالي ممنوع؛ لما تقدّم من أنّ الدلالة بالنسبة إلى جميع المعاني ثابتة؛ وإن أريد خصوص مراد المستعمل في ذلك الاستعمال، بمعنى أن يعلم من اللفظ مراد المتكلّم بعينه، فالملازمة ممنوعة؛ لما عرفت من الفرق وستعرف أيضًا بنحو أوضح، منه (دام ظله) العالي.
2- لم نعثر عليه.
3- كذا في الأصل، والصواب: لم توجد.

لكنّه فاسد، إذ لو كانت الإرادة معتبرة في الدلالة، يلزم انتفاؤها عند انتفاء العلم بالمراد، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

وأمّا الملازمة فبيّنة، وأمّا بطلان التالي فلأنّا كثيرًا ما نقطع بانتفاء الإرادة من المستعمل مع تحقّق الدلالة، كالألفاظ الموضوعة الصادرة من النائم والساهي والهاذل، فإنّه لا شبهة في الانتقال منها إلى معانيها مع العلم بانتفاء الإرادة.

وكذا الكلام في الاستعارات، فإنّها دالّة على معانيها بواسطة دلالتها على معانيها الحقيقيّة الغير المقصودة، فإنّ «أسدًا» في قولنا: «رأيت أسدًا يرمي» لمّا دلّ على معناه الموضوع له ودلّت القرينة على عدم إرادته، انتقل الذهن عنه إلى أنّ المراد ما يشبهه ويشاركه في أخصّ صفاته وأظهرها، وهو الرجل الشجاع، بل المجازات كلّها من هذا القبيل، فإنّه مع العلم بعدم إرادة الموضوع له للقرينة الصارفة ينتقل الذهن منها إليه(1).

وكذا الكلام في الألفاظ الصادرة عمّن لا اطّلاع له بأوضاعها، كاللغات الغريبة وغيرها.

وهكذا الأمر في الألفاظ الّتي لها معانٍ عند اصطلاح وراء المعاني الّتي لها عند اصطلاح آخر، فإنّ المتبادر عند أهل كلّ اصطلاح هو المعنى الّذي اصطلحوا عليه وإن كان المستعمل من أهل اصطلاح آخر، فإنّ خصوصيّة المستعمل وإن كانت صارفة عن المعنى الّذي عند غيره، إلّا أنّها إنّما تصرف عن الحمل على المتبادر، لا عن أصل الفهم والتبادر، ففي جميع هذه الأمثلة تحقّقت الدلالة الوضعيّة منفكّة

ص: 88


1- جاء في حاشية الأصل بخطّ غيره: فإنّ قولنا: «اعتق رقبة مؤمنة» مع دلالة العتق والإيمان على عدم كون المراد من الرقبة معناها، ينتقل الذهن منها إليه أيضًا، منه (دام ظله) العالي.

عن الإرادة، فاعتبار الإرادة في معنى الدلالة لا وجه له.

الدلالة لم تكن مشروطة بالإرادة

وأضعف من ذلك(1) ما ذهب إليه بعض آخر، وهو أنّ الإرادة وإن لم تؤخذ في معنى الدلالة، لكنّها ممّا اشترط في الدلالة وتوقّفت عليه(2).

لأنّا نقول: إنّ الدلالة لو كانت مشروطة بالإرادة؛ لما وجدت بدونها، والتالي باطل، فالمقدّم مثله، والشرطيّة ظاهرة، وبطلان التالي قد ظهر مفصّلًا.

وأيضًا المراد من اشتراط الدلالة بالإرادة إمّا أن يكون أنّها مشروطة بالإرادة النفس الأمريّة، أو بالعلم بها؛ وكلاهما فاسد.

أمّا الأوّل: فلعدم الارتباط والعلاقة بين الدلالة والإرادة الواقعيّة، فلا وجه لجعلها شرطًا لها.

وأمّا الثاني: فلاستلزامه الدور أو التسلسل؛ لأنّ المفروض أنّ دلالة اللفظ موقوفة على العلم بالإرادة، والعلم بالإرادة إن كان من دلالة اللفظ بعينه، فذلك دور ظاهر، وإن كان من لفظ آخر ننقل الكلام إلى دلالته، فيلزم الدور أو التسلسل، فيلزم انسداد باب الإفادة والاستفادة.

إن قيل: نختار الثاني ونمنع لزوم المحذور، لإمكان العلم بالإرادة من

ص: 89


1- جاء في حاشية الأصل: ولا يخفى أنّ الاعتراض المذكور بناءً على هذا القول كان متوجّهًا أيضًا كما لا يخفى. منه.
2- قال السيّد المجاهد في المفاتيح: حُكي عن الشيخ الرئيس القول بالتوقّف عليها (مفاتيح الأصول: 4).

القرينة الحاليّة.

قلنا: هذا فاسد، أمّا أوّلًا: فلاستلزامه انسداد باب الإفادة والاستفادة من جهة الألفاظ، والضرورة قاضية ببطلانه.

وأمّا ثانيًا: فلورود الاعتراض المذكور بالنسبة إلى جميع الألفاظ وإن كانت متّحدة المعاني، فيكون تفسير الوضع بتعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه فاسدًا كما لا يخفى، فيلزم أن تكون جميع الحقائق مجازات ولا مدفع له.

وأمّا ثالثًا: فلأنّه لا وجه لنسبة الدلالة إلى اللفظ؛ لاستقلال تلك القرينة حينئذٍ بها.

الإشكال الثاني
اشارة

والإشكال الثاني: هو أنّ المعتبر في الحقيقة والمجاز لو كان الوضع بالمعنى المذكور، لزم أن لا تكون الألفاظ الّتي يكون الوضع فيها عامًّا والموضوع له خاصًّا -كالمضمرات والموصولات وأسماء الإشارة- عند استعمالها في المعاني الجزئيّة حقيقة ولا مجازًا؛ والتالي باطل لما تقدّم من انحصار الألفاظ المستعملة بالاستعمال الصحيح فيهما، فالمقدّم مثله.

بيان الملازمة: أمّا بالنسبة إلى الحقيقة؛ فلأنّ دلالة «هو» في قولك: «جاءني زيد وهو عالم» على أنّ المراد به «زيد»، يتوقّف على تقدّم «زيد» عليه، وكذا «هذا» في قولك: «هذا زيد»، فإنّ دلالته على أنّ المشار إليه هو «زيد» موقوفة على الإشارة إليه؛ والّذي في قولك: «جاءني الّذي هو ابن عمرو»، فإنّ دلالته على أنّ المراد به «ابن عمرو» يتوقّف على الصلة، وهكذا الكلام في أمثالها، فلا تكون الدلالة على شيء من هذه الألفاظ بالنسبة إلى تلك المعاني بأنفسها، فلا تكون حقيقة.

ص: 90

وأمّا بالنسبة إلى المجاز؛ فلأنّه اللفظ المستعمل في غير الموضوع له، وهذه الألفاظ قد استعملت في المعاني الموضوعة له؛ لأنّ المفروض أنّها قد وضعت لكلّ من تلك المعاني الجزئيّة(1).

إن قلت: إنّ الوضع بالمعنى المذكور يشتمل على فعل وغاية كما تقدّم، وغاية ما هناك انتفاء الغاية، وهو غير مستلزم لانتفاء الفعل، بل نقول: إنّها موضوعة للدلالة على المعاني بأنفسها، لكن لمّا وضعت لكلّ من تلك المعاني بخصوصيّاتها فزاحم كلّ منها صاحبها في الدلالة؛ فلأجل تلك المزاحمة انتفت الدلالة مع تحقّق التعيين لها، فالتعيين للدلالة على المعاني فيها متحقّق، لكنّها قد انتفت لأجل المانع المذكور.

قلنا: قد عرفت الجواب عن ذلك ممّا ذكرناه، بيانه: هو أنّ غاية فعل كلّ عاقل لا بدّ أن تكون ممكنة الحصول عنده ومرجوّة الوقوع لديه في حال الفعل، وإلّا يقبح عند العقلاء ويعدّ في زمرة السفهاء، لاسيّما إذا كان المانع منه كما فيما نحن فيه؛ إذ المانع هو الوضع لكلّ واحد من تلك المعاني، وهو إنّما نشأ من الواضع للمعاني.

الجواب عن الإشكال الثاني

فالحقّ في الجواب أن يقال: إنّا لا نسلّم انتفاء مطلق الدلالة في الألفاظ المذكورة، للقطع بأنّ الإنسان حين استماع لفظة «هو» ينتقل ذهنه إلى أنّ المراد به

ص: 91


1- جاء في حاشية الأصل: هذا عند استعمالها فيما وضعت تلك الألفاظ لها، ويمكن الاستدلال على عدم صدق المجازيّة بالنسبة إليها مطلقًا ولو عند استعمالها في غير ما وضعت لها، بناءً على أنّ صدق المجازيّة متوقّف على الوضع بذلك المعنى المذكور على ما هو المفروض، والمفروض انتفاؤه، فيلزم عدم صدق المجازيّة مطلقًا؛ لوضوح أنّ انتفاء الموقوف عليه يستلزم انتفاء الموقوف. منه.

واحد من المفرد المذكّر الغائب، وعند استماع «هذا» ينتقل ذهنه إلى أنّ المراد به فرد من الأفراد المشار إليه القريب، وتحيّره ليس إلّا لأجل تعيين فرد من تلك الأفراد، فالافتقار إلى القرينة إنّما هو لتعيين المدلول، لا لإثبات الدلالة.

والحاصل: أنّ المنتفي في تلك الألفاظ الدلالة التفصيليّة والافتقار إلى القرينة لتحصيلها، وأمّا الإجماليّة فتحقّقه فيها بأنفسها؛ وقولهم: «الوضع تعيين اللفظ للدلالة على المعنى لذاته» أعمّ من التفصيليّة والإجماليّة.

الإشكال الثالث
اشارة

والإشكال الثالث: هو أنّ الوضع المعتبر في حدّ الحقيقة لو كان بالمعنى المذكور، لزم أن لا تكون المنقولات التعينيّة -وهي أكثر المصطلحات العرفيّة عند استعمالها في المعاني المنقول إليها- حقيقة؛ لأنّها غير معيّنة للدلالة على معانيها المنقولة إليها بأنفسها، بل استعملت فيها على سبيل المجاز، ثمّ شاع الاستعمال فيها إلى أن هجرت المعاني الأصليّة واستفيدت تلك المعاني منها من غير قرينة، فالمتحقّق فيها الدلالة على المعاني المنقول إليها بأنفسها من غير تعيين.

وبالجملة: قد عرفت ممّا ذكرنا أنّ الوضع بالمعنى المذكور يشتمل على فعل وغاية، والنقض في الألفاظ المشتركة بالنسبة إلى انتفاء الغاية مع تحقّق الفعل فيها، والأمر ههنا بالعكس، إذ الغاية - وهي الدلالة على المعنى بالنفس - متحقّقة فيها، والمنتفي الفعل، وهو التعيين لما عرفت.

وأمّا بطلان التالي؛ فلاتّفاقهم على تقسيم الحقيقة إلى اللغويّة والشرعيّة والعرفيّة، سواء كانت تعيينيّة أو تعيّنيّة، ولتحقّق خواصّ الحقيقة فيها.

ص: 92

الجواب عن الإشكال الثالث
اشارة

والجواب عنه يمكن من وجهين:

الوجه الأوّل

الأوّل: أنّا لا نسلّم انتفاء مطلق التعيين فيها، بل المنتفي تعيين خاصّ، وأمّا الثابت فيها فهو الّذي منشؤه شيوع الاستعمال وكثرته، فيقال: إنّ كثرة استعمال تلك الألفاظ في تلك المعاني معيّنة إيّاها للدلالة عليها بأنفسها.

غاية ما في الباب أنّ المتبادر من تعيين شيء لشيء آخر، جعل الأوّل للثاني بالقصد والإرادة، وحيثما وجدت القرينة على عدم إرادة هذا الظاهر، وجب العمل بمقتضاها، والقرينة في المقام هو ما تقدّم من اتّفاقهم على أنّ من أقسام الحقيقة: العرفيّة ولو كانت تعيّنيّة، فاتّفاقهم قرينة على عدم إمكان إرادة المعنى المتبادر من لفظ «التعيين» في تفسير الوضع.

وحملُ اللفظ على خلاف ظاهره عند وجدان القرينة ليس بمتروك في كلمات العرب ولا بمهجور عند أئمّة الأدب، لكن وجب حمل اللفظ في المقام على المعنى العامّ الشامل للمعنى المتبادر وغيره، لا على كلّ واحد منهما حتّى لا يلزم استعمال اللفظ في استعمال واحد في المعنى الحقيقيّ والمجازيّ.

الوجه الثاني

والثاني: هو أن يحمل التعيين على التعيّن، فيكون المعنى: أنّ الوضع تعيّن اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه، ولا شبهة في تحقّقه في جميع الحقائق منقولًا كان أو غيره، تعيينيًّا كان الأوّل أو تعيّنيًّا، إلّا أنّه لمّا كان التعيّن والتعيين من الأمور المتضايفة، فلا

ص: 93

ينفك أحدهما عن الآخر لا محالة، فالمتعيّن يفتقر إلى معيّن البتّة، وهو في المنقولات التعيّنيّة إمّا كثرة الاستعمال وشيوعه أو المستعملين؛ لكون الاستعمال من فعلهم.

وأيّ منهما كان، إطلاق التعيين عليه إطلاق اللفظ على خلاف ظاهره، أمّا على الأوّل فظاهر، وأمّا على الثاني فلما عرفت من أنّ الظاهر من التعيين جعل شيء لآخر بالقصد والإرادة، والمستعملون وإن كانوا من أهل القصد والإرادة، لكنّهم لم يقصدوا من استعمالهم اللفظ فيما نحن فيه تعيّنه للإفادة بنفسه كما لا يخفى، بل إنّما هو أمر نشأ من غلبة الاستعمال، إلّا أنّ انقسام النقل إلى التعيينيّ والتعيّنيّ والتخصيصيّ والتخصّصيّ ممّا يوجب المصير إلى أحد الحملين المذكورين.

نعم، بقي في المقام شيء، وهو أنّ الجوابين المذكورين يوجبان إطلاق الواضع على الكثرة أو المستعملين للألفاظ المنقولة الّتي كلامنا فيها مع عدم قصدهم التعيين، لكنّا نلتزم ذلك(1) ونقول: ليس ذلك إلّا استعمال اللفظ وإرادة خلاف ظاهره مع قيام القرينة على ما تقدّمت إليه الإشارة، فلا تغفل.

الإشكال الرابع
اشارة

والإشكال الرابع: هو أنّ اعتبار الوضع بالمعنى المذكور في الحقيقة يستلزم عدم اتّصاف شيء من الحروف بها ولو عند استعمالها في معانيها؛ لأنّ الحقيقة على ما تقدّم: اللفظ المستعمل في الموضوع له بالوضع الّذي هو تعيين اللفظ للدلالة على المعنى لذاته؛ ودلالة الحروف على معانيها الإفراديّة ليست بأنفسها، بل موقوفة

ص: 94


1- جاء في حاشية الأصل: بأنّ الجواب الأوّل يوجب إطلاق الواضع على الكثرة، والثاني يوجب إطلاقه على الثاني. منه.

على انضمام المتعلّق إليها، لحكم النحاة: «أنّ الحرف ما يدلّ على معنى في غيره»، أي بواسطة غيره، وهو المتعلّق.

وأمّا بطلان التالي؛ فللقطع بأنّه كما تنقسم الأسماء والأفعال إلى الحقيقة والمجاز، كذلك الحروف، وتصريحهم في كثير من الحروف بأنّها حقيقة في بعض المعاني ومجاز في الآخر، شاهد صدق على ذلك.

الجواب عن الإشكال الرابع

والجواب عنه يستدعي التكلّم في كلام النحاة، ثمّ الإشارة إلى ما هو الحقّ في المقام عند فحول المحقّقين من الأعلام، فأقول أوّلًا: إنّ التقييد بأنّ الحرف غير مستقلّ في الدلالة على المعنى الإفراديّ ليس لأجل استقلاله بالدلالة على المعنى التركيبيّ، بل لاشتراك كلّ من الاسم والفعل والحرف في عدم الاستقلال بالنسبة إلى دلالة المعاني التركيبيّة، والمراد بالمعنى الإفراديّ ما فهم من اللفظ حال الإفراد، ومن التركيبيّ ما يتّصف اللفظ به حال التركيب، كالفاعليّة والمفعوليّة والابتدائيّة والخبريّة وهكذا.

وظاهرٌ أنّ دلالة «زيد» في قولنا: «ضرب زيد» على الفاعليّة و«ضربت زيدًا» على المفعوليّة موقوفة على انضمام الفعل في الموضعين إليه، وكذا دلالة «ضرب» في قولنا: «زيد ضرب» على الخبريّة موقوفة على انضمام «زيد» إليه، فامتياز الحرف عن أخويه بالنسبة إلى الدلالة على المعاني الإفراديّة حيث يستقلّان(1) في ذلك دونه، ولذا يقال: إنّ الحرف غير مستقلّ في الدلالة على المعنى الإفراديّ وإن كان معناه

ص: 95


1- كذا في «ق»، وفي الأصل و«ج»: يستقلّ هما.

غير مختلف في حالة التركيب والإفراد.

تعريف الاسم والحرف عند النحاة
اشارة

ثمّ إنّ النحاة على ما رأينا منهم عرّفوا الاسم والحرف بما حاصله: أنّ الأوّل: لفظ دالّ على معنى في نفسه، إلى آخر ما ذكروا؛ والثاني: لفظ دالّ على معنى في غيره(1).

والضمير في «نفسه» و«غيره» لا محالة يفتقر إلى مرجع، وهو إمّا الاسم مثلًا، أو اللفظ، أو المعنى؛ وعلى التقادير إمّا أن تكون كلمة «في» في الموضعين للظرفيّة أو السببيّة، وعلى التقادير الستّة الظرف إمّا لغو أو مستقرّ، وعلى تقدير الاستقرار إمّا صفة لمعنى أو حال من ضمير «دلّ»، فالأقسام ثمانية عشر(2).

لكن جعل الاسم مرجعًا فاسد؛ لاستلزامه أخذ المحدود في الحدّ، فبطل(3) من الأقسام ستّة، وبقي اثنا عشر:

القسم الأوّل

الأوّل: أن يكون المرجع في الموضعين لفظة «معنى»، وكلمة «في» للسببيّة، والمتعلّق الفعل المذكور، والمعنى في الأوّل: أنّ الاسم ما دلّ على معنى باعتبار نفس ذلك المعنى لا باعتبار غيره، وفي الثاني: انّ الحرف ما دلّ على معنى باعتبار غير

ص: 96


1- ينظر الإيضاح في علل النحو: 54، وشرح جمل الزجّاجيّ: 86.
2- جاء في حاشية الأصل: وهذه الاحتمالات الثمانية عشر إنّما هي في صورة التوافق في المرجع، وكلمة «في» في الحدّين وإن لاحظت التخالف فيهما أو في أحدهما بأن يحمل كلمة «في» في حدّ الاسم على الظرفيّة، وفي حدّ الحرف على السببيّة، أو بالعكس، وكلّ ذلك مع التوافق في المرجع والتخالف زادت الأقسام جدًّا. منه.
3- في «ق»: فيبطل.

ذلك المعنى، أي المتعلّق.

القسم الثاني

والثاني: كالأوّل، إلّا أنّ المتعلّق محذوف، والمعنى: الاسم ما دلّ على معنى حاصل في ذهن المتكلّم باعتبار نفسه؛ والحرف ما دلّ على معنى حاصل في ذهنه(1) لا باعتبار نفسه، بل باعتبار غيره.

وكلام ابن الحاجب(2) في الإيضاح على ما حكاه المحقّق الشريف(3) عنه يحتملهما، لكن مع ظهور الكلام المنقول في حدّ الاسم في المعنى الأوّل، وفي حدّ الحرف في الثاني؛ لأنّه(4) قال:

قال في الإيضاح: الضمير في «ما دلّ على معنى في نفسه» يرجع إلى «معنى»، أي ما دلّ على معنى باعتباره في نفسه وبالنظر إليه في نفسه، لا باعتبار أمر خارج عنها(5)؛ ولذلك قيل: الحرف(6) ما دلّ على معنى في غيره، أي حاصل في غيره، أي

ص: 97


1- في «ق وج»: في ذهن المتكلّم.
2- عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس المحقّق جمال الدين أبو عمرو ابن الحاجب الكرديّ الدوينيّ الأصل الإسنائيّ المولد المقرئ النحويّ الأصوليّ الفقيه المالكيّ صاحب التصانيف، ت سنة 646ﻫ. ينظر: الوافي بالوفيات: 19/322.
3- المير سيّد علي بن محمّد بن علي الشريف الحسينيّ الحنفيّ الاسترآباديّ، كان متكلّمًا بارعًا، كثير التحقيق، ماهرًا في الحكمة والعربية، صاحب المصنّفات والحواشي والشروح المعروفة منها: حاشيته على أول تفسير الكشاف وعلى المطول، وعلى شرح الكافية. ينظر: الكنى والألقاب: 2/358.
4- جاء في حاشية الأصل: المحقّق الشريف. منه.
5- في المصدر: عنه.
6- في المصدر: قيل في الحرف.

باعتبار متعلّقه لا باعتباره في نفسه(1)، انتهى.

لكنّ المذكور في بعض نسخ الإيضاح على ما رأينا، غير مطابق لذلك.

القسم الثالث

والثالث: كالأوّل إلّا أنّ «في» للظرفيّة، وظاهره فاسد، سواء كان في حدّ الاسم أو الحرف.

أمّا في الأوّل: فلأنّ المعنى حينئذٍ: أنّ الاسم ما دلّ على معنى، وتلك الدلالة في نفس ذلك المعنى، والدلالة منسوبة إلى اللفظ وصفة له وقائمة به، فانتسابها إلى المعنى فاسد، إلّا أن يوجّه بأنّه لمّا كان المعنى مستقلًّا، فاستقلاله سبب لدلالة اللفظ عليه بانفراده، ولهذا(2) نسبت الدلالة إليه.

وأمّا في الثاني: فلأنّ المعنى حينئذٍ: أنّ الحرف ما دلّ على معنى(3)، وتلك الدلالة في غير ذلك المعنى؛ وفساده إنّما هو إذا أريد من غير المعنى المتعلّق، ووجه الفساد يظهر ممّا ذكر آنفًا، وأمّا إذا أريد منه نفس الحرف، فصحّته ظاهرة، لكنّ التكلّف فيه ظاهر.

القسم الرابع

والرابع: كالثاني إلّا في «في» فكالثالث؛ وظاهره في حدّ الاسم لا معنى له، وأمّا في الحرف(4) فالمعنى أنّه ما دلّ على معنى حاصل في غير ذلك المعنى، وذلك الغير

ص: 98


1- الإيضاح في شرح المفصّل: 31.
2- في «ق»: ولذا.
3- في «ق»: المعنى.
4- في «ق»: الحروف.

إمّا في ذهن المتكلّم(1) أو متعلّقه، وسيظهر لك ذلك عن قريب.

القسم الخامس

والخامس: كالأوّل أيضًا، إلّا أنّ المرجع فيه اللفظ، والمعنى في حدّ الاسم أنّه لفظ دالّ على معنى باعتبار نفس ذلك اللفظ، لا باعتبار غيره، وفي حدّ الحرف أنّه لفظ دالّ على معنى باعتبار غير ذلك اللفظ، لا باعتبار نفسه.

القسم السادس

والسادس: كالثاني إلّا في المرجع فكالخامس، والمعنى في الأوّل: أنّ الاسم لفظ دالّ على معنى حاصل في ذهن المتكلّم باعتبار نفس ذلك اللفظ، لا باعتبار غيره، وفي الثاني: أنّ الحرف لفظ دالّ على معنى حاصل باعتبار غير ذلك اللفظ، لا باعتبار نفسه.

القسم السابع

والسابع: كالثالث إلّا في المرجع فكالخامس؛ والمعنى في الأوّل: أنّ الاسم لفظ دالّ على معنى في نفس ذلك اللفظ؛ وفي الثاني: أنّ الحرف لفظ دالّ على معنى في غير ذلك اللفظ؛ وهذا بظاهره هنا وإن كان فاسدًا، لكنّه في الأوّل لا بأس به.

القسم الثامن

والثامن: كالرابع إلّا في المرجع فكالسابع، والمعنى في الأوّل: الاسم لفظ دالّ على معنى ثابت في نفس ذلك اللفظ، وفي الثاني: أنّ الحرف لفظ دالّ على معنى

ص: 99


1- جاء في حاشية الأصل: لا يخفى أنّ الاسم أيضًا يدلّ على معنى حاصل في ذهن المتكلّم. منه.

ثابت في غير ذلك اللفظ.

وأنت بعد الإحاطة بما ذكر متمكّن من استخراج بقيّة الأقسام.

الجواب عن الإشكال الرابع
اشارة

إذا عرفت ذلك، فاعلم: أنّ الجواب عن الاعتراض المذكور يمكن من وجوه:

الجواب الأوّل

الأوّل: أنّه يمكن أن يكون مقصود النحاة من قولهم: «الحرف ما دلّ(1) على معنى في غيره»(2)، هو المعنى الثامن، فالاعتراض حينئذٍ مندفع؛ لأنّ معنى الحدّ حينئذٍ -على ما عرفت- أنّه يدلّ على معنى ثابت في غير ذلك اللفظ، ولا يدلّ على أنّ ذلك الغير شرط في الدلالة حتّى لا تكون دلالة الحرف على المعنى بنفسه، فيلزم انتفاء الوضع فيه، فلا يتّصف بالحقيقة والمجاز.

لكنّ هذا الجواب لا شبهة فيه إن صحّت إرادة هذا المعنى في المقام، فاللازم صرف العنان إلى بيان ذلك، فنقول: هذا المعنى هو الّذي ارتضاه نجم الأئمّة وبنى عليه حمل كلامهم وتصدّى لبيانه وأطال فيه الكلام، فلا بأس بذكر مقالته في المقام، ثمّ التعرّض بما يتوجّه عليه من النقض والإبرام، فاعلم أنّه (قدس سره) قال:

معنى الكلام على ما اخترناه -أعني جعل «في نفسه» صفة ل-«معنى»، والضمير

ص: 100


1- في «ق»: ما دلّ.
2- ينظر شرح الرضيّ على الكافية: 1/ 136، و4/ 259، والإيضاح في علل النحو: 54، وشرح جمل الزجّاجيّ: 86.

ل-«ما»- أنّ(1) الاسم كلمة دلّت على معنى ثابت في نفس تلك الكلمة، والحرف كلمة دلّت على معنى ثابت في لفظ غيرها، ف-«غير» صفة ل-«لفظ».

وقد يكون اللفظ الّذي فيه معنى الحرف مفردًا كالمعرّف باللّام والمنكّر بتنوين التنكير، وقد يكون جملة كما في: «هل زيد قائم؟»؛ لأنّ الاستفهام معنى في الجملة، إذ قيام «زيد» مستفهم عنه، وكذا النفي في نحو(2): «ما قام زيد»، إذ قيام زيد منفيّ، فالحرف موجد لمعناه في لفظ غيره، إمّا مقدّم عليه كما في نحو: «بصريّ»، أو مؤخّر عنه كما في «الرجل».

والأكثر أن يكون معنى الحرف مضمون ذلك اللفظ، فيكون متضمّنًا للمعنى الّذي أحدث فيه الحرف مع دلالته على معناه الأصليّ، إلّا أنّ هذا تضمّن معنى لم يدلّ عليه لفظ المتضمّن، كما كان لفظ «البيت» متضمّنًا لمعنى الجدار ودالًّا عليه، بل الدالّ على المضمون فيما نحن فيه لفظ آخر مقترن بالمتضمّن، فرجل في قولك: «الرجل»، متضمّن لمعنى التعريف الّذي أحدث فيه اللام المقترن به، وكذا «ضرب زيد» في: «هل ضرب زيد؟»، متضمّن لمعنى الاستفهام، إذ «ضرب زيد» مستفهم عنه، ولا بدّ في المستفهم عنه من معنى الاستفهام، وموجده فيه: «هل».

وقد يكون معنى الحرف ما دلّ عليه غيره مطابقة وذلك إذا كان ذلك الغير لازم الإضمار، كما دلّت همزة «اضرب» ونون «نضرب» على معنى الضميرين اللازم إضمارهما.

ص: 101


1- «أنّ» لم ترد في المصدر.
2- «نحو» لم ترد في المصدر.

وقد يكون الحرف دالًّا على معنيين كلّ منهما في كلمة، كحروف المضارعة الدالّة على معنى في الفعل ومعنى في الفاعل.

والأغلب في معنى الحرف أن يكون معنى الأسماء الدالّة على المعاني دون الأعيان، وقد تكون دالّة على العين أيضًا، كالهمزة في «اضرب» ونون «نضرب» وتاء «تضرب» في خطاب المذكّر، فإنّها تفيد معاني الفاعلين بعد الأفعال.

ثمّ نقول: إنّ معنى «من» الابتداء، فمعنى «من» ومعنى لفظ «الابتداء» سواء، إلّا أنّ الفرق بينهما أنّ لفظ «الابتداء» ليس مدلوله مضمون لفظ آخر، بل مدلوله معناه الّذي في نفسه مطابقة، ومعنى «من» مضمون لفظ آخر يضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصليّ، فلهذا جاز الإخبار عن لفظ «الابتداء» نحو: الابتداء خير من الانتهاء، ولم يجز الإخبار عن «من»؛ لأنّ الابتداء الّذي هو مدلولها في لفظ آخر، فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه؟!، بل في لفظ غيره؛ وإنّما يخبر عن الشيء باعتبار المعنى الّذي في نفسه مطابقة.

فالحرف وحده لامعنى له أصلًا، إذ هو كالمنصوب(1) بجنب شيء ليدلّ على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما(2)، فإذا أفرد(3) عن ذلك الشيء بقي غير دالّ على معنى أصلًا؛ فظهر بهذا أنّ المعنى الإفراديّ للاسم والفعل في أنفسهما وللحرف في غيره.

ولا يصحّ الاعتراض على حدّ الحرف بالصفات؛ وذلك بأن يقال: إنّ

ص: 102


1- في المصدر: كالعَلَم المنصوب.
2- «ما» لم ترد في المصدر.
3- في المصدر: انفرد.

«طويل»(1) مثلًا في: «جاءني رجل طويل»، موجد لمعناه، أي الطول في موصوفه حتّى صار الموصوف متضمّنًا له؛ وذلك أنّ معنى «طويل» ذو طول، فهو دالّ على معنيين أحدهما قائم بالآخر، إذ الطول قائم بذي طول(2)، فمعناه الطول وصاحبه، لا مجرّد الطول الّذي في «رجل»، وإنّما ذكر الموصوف قبله ليعيّن ذلك الصاحب الّذي دلّ عليه «طويل» وقام به الطول، لا ليقوم به الطول.

وأمّا قولهم: «النعت دالّ على معنى في متبوعه»، فلكون المتبوع معيّنًا لذلك الّذي قام به المعنى ومخصّصًا له وكونه إيّاه، بل المصدر في قولك: «ضرب زيد»، مفيد لمعنى في لفظ غيره، أعني ضاربيّة زيد، لكنّهم احترزوا عن مثله بقولهم: «دلّ»، أي دلّ بالوضع، ولم يوضع المصدر ليفيد في لفظ غيره معنى، إذ يصحّ أن يقول: «الضرب شديد»، ولا يذكر الضارب، ولا يخرج بذلك عن الوضع.

ويصحّ أن يعترض عليه بالأفعال، فإنّ «ضَرَبَ» موضوع(3) ليدلّ على ضاربيّة ما ارتفع به، ولا يندفع هذا الاعتراض إلّا بما قال بعضهم: «الحرف ما لا يدلّ إلّا على معنى في غيره»(4)، فإنّ «ضرب» مفيد في نفسه الإخبار عن وقوع ضرب وفي فاعله عن ضاربيّته، بخلاف «مِن»، فإنّه لا يفيد إلّا معنى الابتداء(5) في غيره(6)، انتهى كلامه أعلى الله مقامه.

ص: 103


1- في المصدر: لفظ طويل.
2- كذا في الأصل، وفي «ق»: بذو طول.
3- في المصدر: وضع.
4- تقدّم تخريجه ص: 96.
5- في المصدر: الابتداء.
6- شرح الرضي على الكافية: 1/ 36 - 38.

وفيه نظر؛ لأنّ ثبوت معنى الكلمة في نفسها، أو في لفظ غيرها، ممّا لا نفهم له معنى.

أمّا في الأوّل: فلأنّ كثيرًا من الأسماء يكون المعاني المدلول عليها بها جواهر، كزيد مثلًا، إذ معناه الذات المسمّى، وهو غير ثابت في لفظ «زيد»؛ وكيف؟! مع أنّ ثبوته وقيامه به يستلزم قيام الجوهر بالعرض، وهو ممّا لا يكاد يشكّ في فساده.

وأمّا الأسماء الّتي تكون المعاني المستفادة منها أعراضًا، كالأكل والشرب والضرب والقتل وأمثالها، فإنّه وإن لم يكن فيها تلك المفسدة، إذ قيام العرض بالعرض غير عزيز، كقيام السرعة والبطئ في الحركة وغيره على ما بيّن في محلّه(1)، لكنّا نقطع بانتفاء كون الأمر في الواقع كذلك.

وأيضًا مقتضى قيام العرض بالعرض عدم انفكاك الأوّل عن الثاني في الوجود وإن أمكن انفكاك الثاني عنه؛ وليس الأمر فيما نحن فيه كذلك؛ لوضوح أنّه كثيرًا ما يتحقّق معنى الضرب في الخارج مع عدم التلفّظ به، فتأمّل.

وأمّا في الثاني: أي دلالة الحرف على معنى ثابت في لفظ غيره فهو أيضًا ممّا لا ريب في فساده، إذ معنى «مِن» و«إلى» الابتداء والانتهاء، وكيف يقال: إنّهما ثابتان في لفظ «البصرة» و«الكوفة» في قولك: «سرت من البصرة إلى الكوفة»؟!

وأيضًا قد عرفت أنّ مقتضى قيام العرض بالآخر هو ما تقدّم، فيرد عليه ما قد سبق ذكره، وأيضًا لو كان معنى همزة «اضرب» مثلًا العين، فيلزم من ثبوته وقيامه في لفظ آخر قيام الجوهر بالعرض كما لا يخفى؛ وما ذكره من ثبوت التعريف في لفظ «الرجل»، والاستفهام في لفظ: «أزيد قائم؟»، وغيرهما، معلوم البطلان.

ص: 104


1- شرح الإلهيّات: 2/ 730.

هذا إن حمل الكلام على ظاهره، ولو حمل على خلاف الظاهر بأن يقدّر مضاف في العبارة بأن يقال: إنّ المراد إنّ الحرف يدلّ على معنى ثابت في معنى لفظ غيره، وقوله: «قد يكون اللفظ الّذي فيه معنى الحرف»، أي في معناه معنى الحرف، ففيه أيضًا أنّه يلزم على هذا أن يكون معنى الكلام في حدّ الاسم أنّه دالّ على معنى ثابت في معنى نفسه، فيلزم ظرفيّة الشيء لنفسه(1).

وأيضًا على هذا التقدير ينبغي إرجاع الضمير في «نفسه» إلى المعنى حتّى لا يلزم منه تقدير مضاف، ثمّ بناءً على هذا المعنى يشاهد الاختلاف بين الحروف في تحقّق هذا المعنى فيه، إذ كلمة «في» ونحوها ممّا لا بأس به؛ إذ هي للظرفيّة، وثبوتها في الكوز وقيامها به في قولك: «الماء في الكوز» ظاهر، وفي قولك: «زيد كعمرو»، إذ المثليّة الّتي [هي] مدلول الكاف ثابتة في معنى أحد اللفظين.

وكذا الكلام في مثل: «الجلّ للفرس» وأمثالها، إلّا أنّ مثل: لعلّ وليت وهل ومن وإلى في مثل قولك: لعلّ زيدًا قائم، وليت الشباب يعود، وهل زيد قائم، وسرت من البصرة إلى الكوفة، ونحوها، تحقّق المعنى المذكور فيه مشكل؛ لأنّ كلًا من الترجّي والتمنّي والاستفهام والابتداء والانتهاء ثابت في المتكلّم، لا في معنى الجمل المذكورة بعدها.

لا يقال: إنّ الابتداء والانتهاء في قولك: «سرت من البصرة إلى الكوفة» ثابتان في البصرة والكوفة، ضرورة تحقّق ابتداء كلّ شيء وكذا انتهائه فيه.

لأنّا نقول: ليس المراد من قولهم: إنّ «مِن» للابتداء و«إلى» للانتهاء، أنّهما للابتداء والانتهاء الّذين لمدخولهما، بل المراد أنّ «من» تفيد أنّ أوّل زمان تلبّس

ص: 105


1- ينظر همع الهوامع: 1/ 7.

الفاعل بالفعل المذكور قبل «مِن» فيما بعدها، وأنّ «إلى» مفادها أنّ انتهاء تلبّسه بذلك الفعل فيما بعدها، ولهذا يصحّ أن يقال: «سرت من البصرة إلى الكوفة» مع ابتداء السير من وسط البصرة، بل وآخرها، وانتهائه في(1) أوّل الكوفة.

نعم، كلّ من الترجّي والتمنّي والاستفهام ونحوها متعلّق بمعاني الجمل المذكورة بعدها، لا أنّها ثابتة فيها، وإرادة هذا المعنى من الثبوت فيها(2) يستلزم انتقاض طرد حدّ الحرف بدخول هذه الأسماء -أي التمنّي والترجّي ونحوهما من الأسماء الدالّة على المعاني المتعلّقة بمعاني غيرها- فيه.

وأيضًا إذا كان معنى همزة «اضرب» ونون «نضرب» وتاء «تضرب» عين ما دلّت عليه «أنا» و«نحن» و«أنت»، كيف يكون معنى الحرف غير مستقلّ بالمفهوميّة، وكيف يحكم بحرفيّة بعضها واسميّة الآخر مع اشتراكهما في المفهوم؟!

ثمّ على تقدير تسليم الجميع، حملُ الكلام عليه غير مجد لدفع الاعتراض؛ لتصريحه (قدس سره) بأنّ الحرف وحده لا معنى له أصلًا، فقال: «إذا أفرد عن متعلّقه بقي غير دالّ على معنى أصلًا»(3)، فتكون دلالته على معناه موقوفة على ذكر المتعلّق، فلا تكون دلالته بنفسه، وهو عين الاعتراض.

إلّا أن يقال: إنّ هذا مأخوذ في وضع الحرف، فإذا أفرد عن المتعلّق لم يكن مستعملًا فيما وضع له، فاستعماله فيما وضع له إنّما يكون إذا ذكر مع المتعلّق.

ص: 106


1- في «ق»: من.
2- أي في معاني الجمل المذكورة.
3- شرح الرضيّ على الكافية: 1/ 38، وفيه: «فإذا انفرد عن ذلك الشيء بقي غير دالّ على معنى أصلًا».

لكنّا نقول: هذا لا معنى له؛ لأنّ الموضوع له للفظ هو ما عيّن اللفظ بإزائه، والاقتران بالمتعلّق لا يجعل غير الموضوع له موضوعًا له.

نعم، يمكن أن يقال: إنّ الواضع جعل الاقتران بالمتعلّق شرطًا للدلالة على الموضوع له، فإذا أفرد عنه انتفت الدلالة؛ لانتفاء شرطها على ما ذهب إليه بعضهم(1).

لكن بناءً الكلام عليه غير حاسم للإشكال على ما هو غنيّ عن البيان، مع أنّه يرد عليه: أنّ معنى الحرف الّذي اشترط ذكر المتعلّق في دلالته عليه لا يخلو إمّا أن يمكن دلالة الحرف عليه من دون أن يذكر المتعلّق، أم لا؛ وكلاهما فاسد، أمّا الأوّل: فلأنّه إنّما يكون إذا كان(2) الحروف موضوعة للنسب المطلقة الّتي يعبّر عنها بلفظ «الاسم»، كالابتداء والانتهاء والغرض(3) ونحوها، فيلزم اتّحاد المعنى الحرفيّ والاسميّ، فتكون معاني الحروف مستقلّة، فحينئذٍ يصحّ وقوعه محكومًا عليه وبه، فيبطل(4) اتّفاقهم على عدمه.

وأيضًا لو كانت المعاني الحرفيّة ما ذكر، يلزم من اشتراط الدلالة بذكر المتعلّق إمّا خروج الشرط عن كونه شرطًا، أو تخلّف المعلول عن علّته التامّة، والتالي بشقّيه باطل، فالمقدّم مثله.

أمّا الشرطيّة فلأنّا نقول: إنّه لو استعمل الحرف من غير ذكر المتعلّق، إمّا أن

ص: 107


1- لم نعثر عليه في مظانّه.
2- كذا في الأصل، والصواب: كانت.
3- كذا في الأصل، وفي «ج»: والعرض.
4- في «ق»: فيبطله.

يكون دالًّا على معناه حينئذٍ وينتقل المخاطب منه إليه، أو لا؛ وعلى الأوّل يلزم الأوّل؛ لأنّ المفروض أنّ ذكر المتعلّق شرط في تحقّق الدلالة وقد تحقّقت مع انتفائه، وعلى الثاني الثاني؛ إذ وضع اللفظ لمعنى مستقلّ مع علم المخاطب بوضعه له علّة تامّة لدلالته عليه وانتقاله منه إليه والمفروض تحقّقه مع انتفاء الدلالة، فيلزم التخلّف، وأمّا بطلان التالي فظاهر.

وأيضًا لو كانت المعاني الحرفيّة ما ذكر، يمكن الاستغناء في الدلالة عليها عن الاشتراط كما في الأسماء، فالاشتراط مع إمكان الاستغناء عنه لغوٌ بحتٌ لا يصار إليه.

وأمّا الثاني: -أي ما إذا لم تكن دلالة الحرف على المعنى إلّا بذكر المتعلّق، وذلك إنّما يكون إذا كان المعنى النسب المخصوصة- فلأنّ ذكر المتعلّق حينئذٍ ضروريّ يحكم به العقل؛ لوضوح أنّ النسبة لا تتعيّن إلّا بالمنسوب إليه، فما لم يذكر متعلّق الحرف لا يتحصّل معناه لا في العقل ولا في الخارج على ما سيجيء تحقيقه، فلا افتقار إلى اشتراط الواضع(1).

الجواب الثاني عن الإشكال الرابع

والجواب الثاني عن الاعتراض: ما ذكره بعضهم(2)، حاصله: أنّ الاعتراض مبنيّ على حمل الدلالة بنفسه المأخوذ في حدّ الوضع على أن تكون(3) الدلالة

ص: 108


1- ينظر شرح الوافية، للسيّد بحر العلوم (مخطوط): الورقة 7.
2- لم نعثر عليه في مظانّه.
3- في «ج»: لا يكون.

مستندة إلى نفس اللفظ الموضوع من غير افتقار إلى غيره مطلقًا؛ وهو ليس بلازم؛ لجواز أن يكون المراد من الدلالة بنفسه أن لا يكون بواسطة قرينة مانعة عن المعنى الأصليّ، فلا يضرّ الافتقار في الدلالة إلى ما لم يكن كذلك، فحينئذٍ نقول: إنّ الحرف وإن كان دالًّا على المعنى بواسطة المتعلّق، لكنّه ليس مانعًا عن المعنى الأصليّ في الحرف كما لا يخفى.

وهذا الجواب كأنّه مبنيّ على حمل كلمة «في» في الحدّ على السببيّة وجعل الظرف لغوًا.

وفيه أيضًا نظر، أمّا أوّلًا: فلأنّ المراد بالمعنى الأصليّ إمّا الموضوع له، أو غيره، وكلاهما فاسد، أمّا الأوّل فلاستلزامه الدور؛ لأنّه في قوّة أخذ الوضع في تعريفه، وأمّا الثاني: فلأنّه غير معلوم، فيلزم جهالة الشيء المأخوذ في الحدّ، وهي غير جائزة؛ لأنّ التحديد إنّما هو لتحصيل المعنى المحدود، وهو مع الجهل بالحدّ غير معقول.

وقد أجيب عن ذلك: بأنّ المراد بالمعنى الأصليّ ما لا يستعمل اللفظ باعتباره إلّا فيه، أو فيما يناسبه، فلا يلزم جهالة المأخوذ في الحدّ كما لا يخفى، ولا الدور؛ لأنّ تصوّر المعنى الأصليّ بهذا الوجه غير متوقّف على معرفة الوضع قطعًا.

وفيه نظر؛ لأنّ الضمير في «باعتباره» إمّا راجع إلى الوضع، أو إلى المعنى، لا سبيل إلى الثاني؛ لأنّ استعمال اللفظ في المعنى ليس باعتباره، ألا ترى أنّه لو لم يتحقّق الوضع له، لا يمكن استعماله فيه أبدًا، بل السبب لصحّة استعمال اللفظ في المعنى إنّما هو الوضع، فتعيّن الأوّل، فيلزم الدور لما مرّ.

وأيضًا الانحصار المذكور إنّما يصحّ في الألفاظ المفردة، وأمّا في الألفاظ المشتركة فلا؛ لأنّه كما يصحّ استعمال اللفظ المشترك باعتبار الوضع لمعنى فيه وفيما

ص: 109

يناسبه، كذلك يصحّ استعماله باعتباره أيضًا في غيره، وهو المعنى الآخر له وما يناسبه، فتأمّل.

وأمّا ثانيًا: فلأنّ الظاهر من دلالة اللفظ لذاته أو لنفسه، استقلاله في الدلالة وعدم توقّفه على شيء أصلًا، لا على القرينة المانعة عن المعنى الأصليّ ولا على غيرها، فحمله على المعنى المذكور لما فيه من شدّة المخالفة لظاهر اللفظ لا يصار إليه في مقام الحدود والتعاريف.

وأمّا ثالثًا: فلأنّه يقتضي ثبوت الوضع بالمعنى المذكور في الكناية؛ لأنّ القرينة فيها ليست مانعة عن إرادة المعنى الأصلي، فيلزم أن تكون الكناية حقيقة؛ لاتّفاقهم على انحصار الوضع بالمعنى المذكور في الحقائق، وهو فاسد كما لا يخفى.

وربّما أجيب عن الإشكال: بأنّ المراد من دلالة اللفظ بنفسه أن لا تكون دلالته على المعنى بواسطة قرينة مانعة عن غيره.

وهذا الجواب وإن كان يفترق عن الجواب المذكور بسلامته عن الاعتراض الأوّل، لكن يشترك معه في الاعتراضين الأخيرين كما لا يخفى، إذ هما في المآل متقاربان، ولهذا أدرجناه في ضمنه.

الجواب الثالث عن الإشكال الرابع

والجواب الثالث عن الاعتراض: ما اختاره جمع من المحقّقين(1)، حاصله: أنّا لا نسلّم انتفاء الوضع بالمعنى المذكور في الحروف؛ وما اشتهر في ألسنة النحاة من نسبة

ص: 110


1- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 659 و662.

الحرف(1) إلى عدم الاستقلال إمّا يكون منافيًا لذلك إذا كان مرادهم عدم الاستقلال في الدلالة؛ وهو غير مسلّم؛ لتصريحهم بأنّ المراد عدم الاستقلال بحسب المفهوم، بناءً على أنّ معنى الحرف أمر نسبيّ، والنسبة لا تتعيّن ولا تتحصّل إلّا بتعيّن(2) المنسوب إليه وتحصّله.

فالمعنى الحرفيّ لقصوره في نفسه ونقصانه في حدّ ذاته لكونه تعلّقيًّا، لا يمكن أن يتعقّل إلّا بذكر متعلّقه، ولا أن يتحصّل إلّا بتحصّله، فعدم الاستقلال إمّا هو لذلك، وكذا الافتقار إلى ذكر المتعلّق.

فتكون المعاني الحرفيّة في الأذهان كالأعراض الموجودة في الأعيان، وكما أنّ تحصّل الأعراض وتحقّقها في الخارج لا يمكن إلّا بموضوع تقوم به ومحلّ تتحصّل بتحصّله، كذلك المعنى الحرفيّ لنقصانه في ذاته لا يمكن أن يتحصّل في الذهن إلّا بتحصّل متعلّقه، فما لم يوجد المتعلّق في الذهن ولم يعقل لا يمكن وجود المعنى الحرفيّ فيه وتعقّله؛ لكونه حالته، فلا يكون ذكر المتعلّق لافتقار الحرف في الدلالة إليه واشتراطها به.

فعلى هذا نقول: إنّ الوضع بالمعنى المذكور متحقّق في الحروف، وهي مستقلّة في الدلالة على معانيها وإن لم يكن وجودها كافيًا لوجود المدلول لنقصانه.

وذلك كما يقال: إنّ الباري تعالى قادر على أشدّ أنحاء القدرة ومستقلّ فيها بأكمل وجوه الاستقلال، ومع ذلك لا يُوْجد الممتنع كشريك الباري واجتماع النقيضين؛ لكون نفسه آبية عن الوجود وناقصة عن التحصّل، وكما أنّ نقصان ذاته

ص: 111


1- في «ق»: الحروف.
2- في «ق»: بتعيين.

عن التحصّل وإباء نفسه عن الموجوديّة لا يصير دليلًا على ضعف قدرة القادر وعدم استقلاله فيها، كذلك نقصان المعنى الحرفيّ في ذاته وإبائه عن التعقّل منفكًّا عن المتعلّق لا يصير دليلًا على ضعف دلالة الدالّ وعدم استقلاله فيها.

إن قيل: إنّ الدلالة على ما عرّفها الجمهور: كون الشيء بحيث يحصل من العلم به العلم بشيء آخر، وهو المدلول(1)، واستقلال الحرف فيها مع عدم العلم بالمدلول منافٍ لذلك.

قلنا: العلم بالدالّ إنّما يستلزم العلم بالمفهوم إذا أمكن العلم به بمجرّد ذلك العلم، أي عند انتفاء المانع، وقد عرفت المانع.

على أنّا نقول: إنّ اللازم من التفسير المذكور للدلالة أنّ العلم بالدلالة يستلزم العلم بالمدلول، والعلم بها في الحروف إنّما هو عند اقترانها بالمتعلّق، فحينئذٍ يحصل العلم بالمفهوم، وأمّا عند عدمه فلا؛ لما عرفت.

فإن قلت: إذا كان استقلال الحرف في الدلالة غير كافٍ لحصول المفهوم وتعقّله، بل لا بدّ في ذلك من ذكر المتعلّق، فالحكم باستقلاله فيها وعدم اشتراطها بذكر المتعلّق مع عدم حصولها إلّا به تحكّم ظاهر.

قلنا: لمّا رأيناهم مطبقين على اتّصاف الحروف بالحقيقة وأنّها غير منفكّة عن الوضع بالمعنى المذكور، لزمنا الحكم بذلك؛ وإنّما المقصود في هذا المقام التنبيه على أنّ ما اشتهر بينهم من عدم استقلال الحروف بحسب المفهوم غير منافٍ لذلك لما مرّ.

ص: 112


1- ينظر الحاشية على تهذيب المنطق: 23 و188، وتحرير القواعد المنطقيّة: 83، وكتاب التعريفات: 46، وشرح مطالع الأنوار: 1/ 103.

وكذا قولهم: «الحرف ما دلّ على معنى في غيره» غير منافٍ أيضًا؛ لجواز أن يكون كلمة «في» للسببيّة والظرف مستقرًّا صفة، فيكون المعنى: الحرف ما دلّ على معنى حاصل بسبب غيره على ما تقدّم، والّذي يلزم من ذلك حصول المعنى الحرفيّ بسبب الغير، وهو ممّا لا ريب فيه كما عرفت، لا أن تكون دلالته بالغير حتّى يلزم(1) عدم الاستقلال في الدلالة.

وكيف مع أنّه لو كان المراد ذلك، ينتقض طرد حدّ الحرف بدخول المجازات بأسرها فيه، لكن يمكن دفع ذلك بأنّ المراد بالغير في تفسير الحرف متعلّق المعنى الحرفيّ كما صرّحوا به، والّذي يكون لأجله دلالة المجازات على المعاني المجازيّة هو القرينة، لا متعلّق المعنى.

وممّا يدلّ على هذا المعنى ما وقع من صاحب التسهيل في تعريف الكلمة حيث قال:

إنّها لفظ مستقلّ دالّ بالوضع، إلى آخره(2).

ومعلوم أنّ الكلمة منقسمة إلى الاسم والفعل والحرف، فلا بدّ أن يكون الحدّ شاملًا لكلّ من أقسام المحدود كما لا يخفى، فيجب أن يكون الحرف أيضًا مستقلًّا دالًا بالوضع، والاستقلال إمّا بحسب المفهوم أو الدلالة، وحيث قد عرفت عدم جواز إرادة المعنى الأوّل، فقد تعيّنت إرادة الثاني، وهو المطلوب، فلا حاجة إلى ما حملنا الكلام عليه في «الحلية اللامعة»(3).

ص: 113


1- في «ق»: تلزم.
2- تسهيل الفوائد: 3.
3- الحلية اللامعة، للمصنّف (قدس سره): 1/ 170.

وأيضًا يجب صدق الدالّيّة بالوضع بالنسبة إلى جميع الأقسام، وحيث قد كانت الدلالة في أخويه على سبيل الاستقلال، ينبغي أن تكون بالنسبة إليه أيضًا كذلك؛ مضافًا إلى أنّه الظاهر المتبادر من قولك: الدالّ بالوضع، كما لا يخفى.

وإرادة الدلالة الاستقلاليّة بالنسبة إلى الاسم والفعل وغيرها بالنسبة إلى الحرف يستلزم الجمع بين المعنى الراجح والمرجوح، بل الحقيقة والمجاز، وهو غير جائز في نفسه، سيّما في مقام الحدود والتعاريف، كما لا يخفى.

وإن أردت تكميل المرام بتوضيح المقام، فاعلم: أنّ المعاني الحرفيّة والاسميّة متّحدة بالذات ومختلفة بالاعتبار، وتتّصف(1) بالاستقلال وعدمه باختلاف المقاصد والأغراض، فإذا لوحظت قصدًا وبالذات تكون معاني اسميّة مستقلّة؛ وإذا لوحظت لا من هذه(2) الحيثيّة، بل آلة لملاحظة حال الغير ووصلة لتعرّف حاله، تكون معاني حرفيّة غير مستقلّة.

فالابتداء مثلًا معنى متعلّق بالغير وحالة له إذا لاحظه العقل بذاته ويكون المقصود من تعقّله ذاته، لا أن يكون آلة لتعرّف حال متعلّقه، يكون معنى مستقلًّا في نفسه ملحوظًا في ذاته صالحًا لأن يحكم عليه وبه بأن يقال: الابتداء خير من الانتهاء مثلًا، ويلزمه تعقّل متعلّقه إجمالًا وتبعًا، ضرورة أنّ الابتداء لا ينفك عمّا له الابتداء، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظ «الابتداء».

وإذا لاحظه من حيث إنّه آلة لتعرّف حال الغير، كما إذا لاحظه من حيث هو حالة بين السير والبصرة، وجعله آلة لتعرّف حالهما بأن يكون السير منها لا من

ص: 114


1- في «ق»: ويتّصف.
2- في «ق»: هذا.

غيرها، كان معنى غير مستقلّ بنفسه، لا يصلح أن يحكم عليه وبه؛ لأنّ الحكم على الشيء أو به إنّما يمكن إذا كان ملحوظًا قصدًا ليمكن اعتبار النسبة بينه وبين غيره، وهو بهذا الاعتبار مدلول لفظة «مِن».

وإن كنت في تحيّر في تصوير ذلك وريب في الفرق بين المعاني الاسميّة والحرفيّة، فاعلم: أنّ المدركات بالقوى الباطنة كالمحسوسات بالقوى الظاهرة، فكما أنّك تنظر تارةً إلى المرآة ويكون الداعي إلى ذلك اختبار حال الصورة، فلا شكّ أنّ لك حينئذٍ مبصَرَين: الصورة والمرآة، لكن لا شبهة في أنّ المشاهد ذاتًا وقصدًا الصورة، وإنّما تكون المرآة مشاهدة بتبعيّتها؛ لأنّك جعلتها آلة لملاحظتها ووصلة لتعرّف حالها، ولا ريب أنّ الصورة حينئذٍ بحيث نقدر أن نحكم عليها بالحسن أو القبح، وأمّا المرآة فإنّها ليست بمشاهدتها على هذا الوجه بحيث نقدر أن نحكم عليها.

وأخرى يتعاكس الأمر بأن تنظر إلى المرآة ويكون الداعي اختبار حالها(1)، فلا شكّ أنّ لك حينئذٍ مبصَرَين أيضًا: المرآة والصورة، والكلام في الملحوظ قصدًا وتبعًا ظاهر، ولا شبهة أنّ المرآة حينئذٍ بحيث تقدر أن تحكم عليها، وأمّا الصورة(2) فلا.

وهكذا الأمر في اللمس والذوق والشمّ والسمع، فإنّك قد تلمس أو تذوق أو تشمّ أو تسمع شيئًا ويكون الداعي اختبار حال الملموس والمذوق والمشموم

ص: 115


1- جاء في حاشية الأصل: وفيه تأمّل، والأولى على محاذاة ما سيأتي أن يقال: إنّك قد تنظر إلى شيء ويكون الداعي اختبار حال المبصر، فحينئذٍ يكون المبصر ملحوظًا قصدًا، يكون بحيث تقدر أن تحكم عليه، ويكون البصر في تلك الحالة ملحوظًا تبعًا وآلة لتعرف حاله؛ وقد يكون الداعي إلى النظر اختبار حال البصر، فحينئذٍ يكون البصر ملحوظًا قصدًا يصلح أن يحكم عليه، والمبصر الملحوظ تبعًا وآلة غير صالح لذلك كما لا يخفى. منه.
2- في «ق»: في الصورة.

والمسموع، ولا شبهة أنّ هذه الأشياء في تلك الحالة مقصودة قصدًا يمكن أن يحكم عليها أو بها؛ وأمّا الحواسّ المذكورة فإنّما جعلت آلة لملاحظة حالها ووصلة لتعرف أحوالها وملحوظة تبعًا، فلا ريب أنّها حينئذٍ ليست بحيث تقدر أن تحكم عليها أو بها.

وقد يكون الداعي إلى الإحساس اختبار حال الحواسّ، فإنّها حينئذٍ ملحوظة قصدًا، والأمور المذكورة من المذوق والمشموم ونحوها ملحوظة تبعًا وجعلت آلة لتعرف حالها عكس ما في الأوّل، والحال في صلاحيّة الحكم والعدم كذلك.

وكذلك الحال في المدركات بالقوى الباطنة، فإنّ معنى واحدًا كالابتداء مثلًا قد يدرك ملحوظًا قصدًا ويكون الداعي إلى الإدراك ملاحظة نفسه، لا أن يجعل آلة لملاحظة غيره، فإنّه حينئذٍ يكون معنى اسميًّا مستقلًّا يصلح أن يحكم عليه أو به، وقد يدرك لا قصدًا، بل تبعًا وآلة لملاحظة غيره ووصلة لتعرف حاله، فحينئذٍ يكون معنى حرفيًّا غير مستقلّ لا يصلح لأن يحكم عليه أو به.

وكذا الكلام في النسبة الّتي في: «زيد كاتب»، وقولك: نسبة الكتابة إلى زيد، فإنّها في الأوّل مدركة من حيث إنّها حالة بين «زيد» و«كاتب» وآلة لتعرف حالهما، فكأنّها مرآة تشاهدهما بها مرتبطًا أحدهما بالآخر، فيكون معنى حرفيًّا غير مستقلّ بالمفهوميّة، فلا يمكن أن يحكم عليها أو بها ما دامت مدركة على هذا الوجه، وفي الثاني ملحوظة في ذاتها مدركة بنفسها من غير أن يجعل آلة لملاحظة الغير ووصلة لتعرف حاله، فيكون معنًا اسميًّا مستقلًّا بالمفهوميّة صالحًا لأن يحكم عليه أو به.

وكذا الكلام في الظرفيّة والغرض(1) والتمنّي والترجّي ونحوها، ولهذا يقال:

ص: 116


1- كذا في الأصل، وفي «ق»: والعرض.

إنّ لفظة «مِن» مثلًا موضوعة لكلّ واحد من جزئيّات الابتداء المخصوصة المتعقّلة من حيث إنّها حالات لمتعلّقاتها وآلات لتعرف أحوالها(1).

إذا علمت المعنى الحرفيّ، ظهر لك أنّه لو لم يذكر متعلّقه لا يتحصّل معناه، لا في العقل ولا في الخارج، وإنّما يتحصّل بتحصّله ويتعقّل بتعقّله، فذكر المتعلّق إنّما هو ممّا حكم به العقل وقضى به الفطرة في تحصّل معناه، لا أنّه ممّا يشترط به الواضع في دلالة الحرف حتّى يلزم عدم الاستقلال فيها كما تقدّم.

الجواب الرابع عن الإشكال الرابع

والجواب الرابع: هو أنّه إن كان المراد بالدلالة التفصيليّة، فانتفاؤها في الحروف وإن كان مسلّمًا، لكن لا نسلّم اعتبارها في حدّ الوضع، وكيف؟! مع أنّه لا اختصاص له بالحروف، إذ كثير من الأسماء كذلك، كما عرفت في الألفاظ المشتركة وغيرها.

وإن كان المراد أعمّ، فاعتبارها في تعريف الوضع وإن كان مسلّمًا، لكن لا نسلّم انتفاء الدلالة الإجماليّة في الحروف؛ لظهور انتقال الذهن حين استماع لفظة «مِن» إلى واحد من الابتداءات الجزئيّة الربطيّة، كما لا يخفى، وكذا الحال في «إلى» و«في» وغيرهما، وهو ظاهر، والافتقار إلى ذكر المتعلّق إنّما هو للدلالة التفصيليّة، كالقرينة في المشترك، فالدلالة الإجماليّة في الحروف ذاتيّة، وهو يكفي لدفع المحذور.

ص: 117


1- جاء في حاشية الأصل: والحاصل: أنّ الوضع في الحرف وإن كان عامًّا، لكن الموضوع له خاصّ، إذ الحروف موضوعة باعتبار معنى عامّ، وهو نوع من النسبة كالابتداء مثلًا لكلّ ابتداء معيّن بخصوصه، إذ لو كان الموضوع له أيضًا تلك النسب المطلقة تكون معاني الحروف مستقلّة. منه.

ويمكن الجواب أيضًا بعد تسليم انتفاء الدلالة الذاتيّة في الحروف، بأنّ انتفاء الدلالة الذاتيّة فيها لا ينافي ثبوت الوضع بالمعنى المذكور فيها؛ لما تقدّم سابقًا من أنّ الوضع بالمعنى المذكور يشتمل على فعل وغاية، وغاية ما يلزم بعد تسليم انتفاء الدلالة الذاتيّة انتفاء الغاية، وهو غير مستلزم لانتفاء الفعل، إذ ربّ فعل لا يترتّب عليه غايته، فحينئذٍ نقول: يجوز أن يكون الوضع بالمعنى المذكور فيها متحقّقًا، ومع ذلك تكون الدلالة متوقّفة على الغير، فالإيراد إنّما يكون متوجّهًا إذا اعتبرت الدلالة الذاتيّة في الحقيقة أو الوضع، لكنّ الأمر ليس كذلك.

إن قيل: ثبوت الوضع بالمعنى المذكور ينبغي أن يكون مستلزمًا لتحقّق الغاية، وكذا انتفائها ينبغي أن يكون مستلزمًا لانتفاء الوضع، وإلّا يلزم خلوّ الوضع عن الفائدة، وهو فاسد؛ لأنّ الفاعل المختار لا ينفك فعله عن الفائدة كما حقّق(1) في محلّه.

قلنا: المعتبر في الفاعل المختار اعتقاد الفائدة وكون الفعل لأجلها، وأمّا مطابقة هذا الاعتقاد للواقع فلا، كما لا يخفى، واللازم على تقدير انتفاء الدلالة الذاتيّة فيما نحن فيه عدم مطابقته للواقع، لا عدم الاعتقاد، فاللازم غير محذور والمحذور غير لازم.

نعم، يتوجّه حينئذٍ ما سبق إليه الإشارة من أنّ تحقّق الفعل وانتفاء الغاية وإن لم يكن ممتنعًا، لكن ذلك إنّما يكون إذا لم يكن الفاعل حال الفعل عالمًا بعدم ترتّبها عليه، وأمّا معه فلا، إذ الفعل مع العلم بعدم ترتّب الفائدة كالفعل مع عدم الاعتقاد بها أو اعتقاد عدمها.

ص: 118


1- في «ق»: تحقّق.

ويمكن الجواب عنه بأنّ المعاني على قسمين: مستقلّة وغير مستقلّة، والمحوج إلى وضع اللفظ للقسم الأوّل محوج إلى وضعه للقسم الثاني أيضًا، إذ كما أنّ الحاجة داعية إلى التعبير عن القسم الأوّل، كذلك داعية إلى التعبير عن القسم الثاني أيضًا، فكما يجب وضع اللفظ لذاك يجب وضعه لذا أيضًا.

إن قلت: سلّمنا ذلك، لكنّ الكلام في التعيين للدلالة الذاتيّة أو لا، فيمكن وضع اللفظ له وتجعل دلالته مشروطة بالغير.

قلنا: القدر المتيقّن في المقام توقّف حصول المعنى فيما نحن فيه بالغير كما سبق مشروحًا، وكذا توقّف الدلالة على التسليم، وأمّا كون الاشتراط فيها(1) من الواضع حتّى يلزم انتفاء الوضع بالمعنى المذكور في الحروف، فغير معلوم وغير مسلّم، فتأمّل جدًّا.

في أنّ الفعل لا يلزم أن يكون حقيقة ولا مجازًا مع الجواب عنه

الإشكال الخامس
اشارة

والإشكال الخامس، هو أنّه لو كان الوضع المعتبر في الحقيقة والمجاز الوضع بالمعنى المذكور، يلزم أن لا تكون الأفعال حقيقة ولا مجازًا، واللازم باطل لما عرفت مرارًا، فالملزوم مثله.

أمّا الملازمة؛ فلأنّهم ذكروا أنّ الأفعال موضوعة للحدث والزمان والنسبة إلى فاعل معيّن، ومعلوم أنّه لو لم يذكر الفاعل المعيّن لا يدلّ على النسبة، فلا تحصل دلالته على المعنى الموضوع له؛ لأنّ توقّف دلالته على الجزء على الغير يستلزم

ص: 119


1- أي في الدلالة.

توقّف الدلالة على الكلّ عليه، فثبت أنّ الفعل لا يدلّ على المعنى الموضوع له بنفسه، ولمّا كان المعتبر في الوضع المعتبر في الحقيقة الدلالة النفسيّة، فلا يكون الفعل عند استعماله فيما وضع له حقيقة.

وأمّا عدم كونه مجازًا؛ فلأنّ المجاز اللفظ المستعمل في غير الموضوع له بذلك المعنى، فيتوقّف تحقّقه على ثبوت الوضع بذلك المعنى، وقد عرفت انتفاءه، ومن البيّن أنّ انتفاء الموقوف عليه يستلزم انتفاء الموقوف، فيلزم أن لا تتّصف الأفعال بالحقيقة ولو عند استعمالها فيما وضعت له، ولا بالمجازيّة ولو عند استعمالها في غيره.

الجواب عن الإشكال الخامس
اشارة

ويمكن الجواب عنه من وجوه:

الجواب الأوّل

الأوّل: هو ما تقدّم في الحرف(1)، حاصله: أنّ الافتقار إلى الغير إنّما هو لقصور المعنى ونقصه، بناءً على أنّ النسبة لمّا كانت مأخوذة في معنى الفعل، ومعلوم أنّها لا تعقل إلّا بتعقّل طرفيه، فما لم يذكر الفاعل لا يتحصّل معناه، فلا يمكن تعقّله، فالافتقار إلى ذكر الفاعل لذلك، لا لعدم استقلال الفعل في الدلالة حتّى يلزم انتفاء الدلالة الذاتيّة فيه، فيرد الانتقاض به.

الجواب الثاني

والثاني: هو الجواب الرابع في الحروف، فتدبّر حتّى يظهر لك الحال، فلا افتقار إلى تفصيل المقال.

ص: 120


1- في «ق»: الحروف.
الجواب الثالث

والثالث: هو أنّ الفعل له مدلول مطابقيّ، وهو الحدث والزمان مع نسبة الأوّل إلى فاعل معيّن، ومدلول تضمّنيّ، وهو كلّ من الحدث والزمان، وانتفاء الدلالة الذاتيّة إنّما هو بالنسبة إلى المدلول المطابقيّ، وأمّا بالنسبة إلى الدلالة التضمّنيّة فثابتة؛ لوضوح أنّ الفعل بالنسبة إلى الدلالة على الحدث مثلًا لا يتوقّف على انضمام ضميمة إليه.

فحينئذٍ نقول: إنّ قولهم في تفسير الوضع: أنّه تعيين اللفظ للدلالة على المعنى لذاته(1)، أعمّ من أن يكون المعنى مطابقيًّا أو تضمّنيًّا، فالدلالة الذاتيّة بالنسبة إلى أيّ منهما كانت كافية لتحقّق الوضع، وإنّما ينتفي بانتفائها ولو بالنسبة إلى الدلالة التضمّنيّة، فتأمّل(2).

فعلم من ذلك أنّ الفعل له معنى غير مستقلّ، وهو المدلول المطابقيّ، ومعنى مستقلّ، وهو المدلول التضمّنيّ، وانتفاء الدلالة الذاتيّة إنّما هو بالنسبة إلى الأوّل دون الثاني.

لكن يرد هنا إشكال، وهو أنّ الدلالة التضمّنيّة دلالة اللفظ على الجزء في ضمن دلالته على الكلّ، أي المدلول المطابقيّ، فلا يمكن انفكاكها عنها، فكيف يمكن أن تكون الدلالة التضمّنيّة لذاته مع كونها متوقّفة على الدلالة

ص: 121


1- ينظر قوانين الأصول: 2/ 19.
2- جاء في حاشية الأصل: وجهه أنّ الظاهر من المعنى هو المعنى المطابقيّ، كما هو المراد بالنسبة إلى غير الفعل، فإرادة المعنى التضمّنيّ يستلزم الجمع بين المعنى الظاهر وغيره في لفظ واحد بإرادة واحدة، وهو غير مرضيّ عند المحقّقين. منه.

المطابقيّة المتوقّفة دلالتها على الغير؟!

الجواب الرابع

والجواب الرابع: وهو التحقيق أن يقال: إنّ ذلك مبنيّ على أن تكون النسبة إلى فاعل معيّن مأخوذةً في وضع الفعل، وهو غير صحيح، بل الحقّ وفاقًا لبعض المحقّقين أنّه موضوع للحدث والزمان مع نسبة الأوّل إلى فاعل ما(1).

فعلى هذا نقول: إنّه لا يحتاج في الدلالة على هذا المعنى إلى ضميمة، ضرورة أنّه عند استماع لفظة «ضرب» ينتقل الذهن إلى الحدث والزمان المخصوص ونسبة الحدث إلى فاعل ما، فلو كانت النسبة إلى فاعل معيّن معتبرة في وضعه، لكان معناه المطابقيّ: الحدث والزمان ونسبته إلى فاعل معيّن، فما لم يذكر الفاعل المعيّن لم يتحصّل المعنى المطابقيّ، فيلزمه عدم تحصّل المعنى التضمّنيّ أيضًا لما عرفت.

والضرورة قاضية بفساده، إذ يلزم منه أنّ «ضرب» مثلًا حين التجرّد من الفاعل المعيّن لا يفهم منه الحدث أيضًا، أو يلزم تحقّق الدلالة التضمّنيّة من دون الدلالة المطابقيّة، وهو ينافي اتّفاق أئمّة الميزان(2) على عدم تحقّق التضمّن بدون المطابقة، فيكون الفعل مستقلًّا في الدلالة، فاندفع الانتقاض بإعانة المؤيّد الفيّاض، فتأمّل.

ص: 122


1- لم نعثر عليه في مظانّه.
2- حاشية ملّا محمّد صادق على شرح الكاتي على متن ايساغوجي: 48، وتحرير القواعد المنطقيّة: 94 -95.
لِمّ عدم وقوع الفعل مسندًا ووقوع الاسم مسندًا ومسندًا إليه

لِمّ عدم وقوع الفعل مسندًا(1) ووقوع الاسم مسندًا ومسندًا إليه

ذِكْرُ تعليلٍ لحكمٍ مشهورٍ

اعلم: أنّه قد ظهر ممّا ذكرنا سرّ ما اشتهر من وقوع الفعل مسندًا وعدم وقوعه مسندًا إليه؛ إذ قد عرفت أنّه موضوع للحدث مع نسبته إلى الفاعل، فالمسنديّة مأخوذة في وضعه، فوقوعه مسندًا إليه يستلزم خروجه عن وضعه، وأمّا الاسم فلمّا كان موضوعًا لمعنى مستقلّ من غير أن يعتبر نسبته إلى غيره أو نسبة الغير إليه، فلهذا قد يلاحظ على النحو الأوّل، فيقع مسندًا، وقد يلاحظ على الثاني، فيقع مسندًا إليه.

في الفرق بين اسم الفاعل والفعل

دفع إيهام لتتميم مقام

إن قلت: إنّ ما ذكر من كون الفعل موضوعًا للحدث والنسبة إلى فاعل ما، يقتضي أن يكون اسم الفاعل فعلًا؛ لكونه أيضًا للحدث ونسبته إلى ذات ما، فيردّ عليه شيئان، الأوّل: ما ذكر، والثاني: عدم وقوعه إلّا محكومًا به كالفعل؛ وهما خلاف الوفاق.

قلنا: إنّ الزمان جزء من مفهوم الفعل كما تقدّم، واسم الفاعل لم يكن كذلك؛ لأنّه موضوع للذات المتّصفة بالمبدأ، فالفرق(2) بينهما من وجهين، الأوّل: أنّ الزمان جزء من مفهوم الفعل، بخلاف اسم الفاعل، فإنّه لا مدخليّة للزمان في معناه بحسب الوضع، والثاني: هو أنّ الفعل موضوع للحدث المنسوب إلى

ص: 123


1- كذا في الأصل، والصواب كما في «ج»: مسندًا إليه.
2- في «ق»: والفرق.

الذات، واسم الفاعل موضوع للذات المنسوب إليها الحدث، أي المتّصفة به.

إن قلت: كيف لا يكون الزمان داخلًا في مفهوم اسم الفاعل مع أنّ تقسيم النحاة إيّاه إلى الماضي والحال والاستقبال مشهور بينهم، وخلاف أئمّة الأصول في حقيقته في الحال فقط أو في الماضي أيضًا معروف فيما بينهم؟

قلت: ليس مرادهم من ذلك أنّ الزمان جزء من مدلوله، بل مرادهم إطلاق اسم الفاعل على الذات المتّصفة بالمبدأ في الحال أو في الماضي أو في الاستقبال، لا أن يكون ذلك الزمان جزءًا من مفهومه كما لا يخفى.

لا يقال: إنّه يلزم على هذا أن لا يكون اسم الفاعل إلّا مسندًا إليه مع أنّه خلاف الواقع؛ لأنّ اللزوم ممنوع، إذ حاصل ما ذكر أنّ اسم الفاعل موضوع للدلالة على الذات المتّصفة بالحدث المدلول عليه بمادّته، فتلك الذات المتّصفة بذلك الحدث المدلول عليها باسم الفاعل مبهمة، إذ ليس معنى اسم الفاعل كضارب -مثلًا على ما ذكر إلّا- ذا ضرب.

وقد يكون المقصود تعيين تلك الذات، فيقال: زيد ضارب مثلًا، أي زيد نفس تلك الذات المتّصفة بالمبدأ، فيكون اسم الفاعل حينئذٍ مسندًا؛ وقد لا يكون المقصود من ذكر اسم الفاعل ذلك، بل المقصود إثبات حكم لتلك الذات المتّصفة بالمبدأ.

وبعبارة أخرى: إثبات حكم لما صدق عليه تلك الذات، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾(1)، وكذا قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾(2) ونحوهما، فحينئذٍ يكون اسم الفاعل مسندًا إليه.

ص: 124


1- سورة المائدة: 38.
2- سورة النور: 2.

الباب الأوّل

ص: 125

ص: 126

الباب الأوّل: في تحقيق العلاقة

اشارة

لمّا كان المأخوذ في حدّ المجاز لفظ «العلاقة»، توقّفت معرفته على معرفتها، فلهذا قدّمنا الكلام في بيانها على المباحث الآتية، فنقول: تحقيق الحال فيها يقتضي التكلّم في مباحث:

الأوّل: في وجه اعتبار العلاقة في المجازات.

والثاني: في تحديدها وبيان أنواعها(1).

والثالث: في أنّه هل تكتفي في التجوّز بوجدان العلاقة، أو لا بدّ نقل الآحاد عن أهل اللغة؟

ص: 127


1- جاء في حاشية الأصل: الأنسب تأخير التكلّم في المقام الأوّل عن التكلّم في المقام الثاني. منه.

المبحث الأوّل: في وجه اعتبار العلاقة في المجازات

اشارة

فنقول: وجه اعتبارها في المجازات هو أنّ أمر اللغات توقيفيّ، والتخطّي في الأمور التوقيفيّة يجب أن يكون على قدر ما حصلت فيه الرخصة والّذي علم الإذن فيه من الواضع(1) في استعمال اللفظ في غير ما وضع له عند تحقّق العلاقة.

وأيضًا استعمال اللفظ في غير ما وضع له ارتكاب لما خالف الأصل؛ لأنّ اللفظ إنّما وضع للدلالة على الموضوع له، فاستعماله في غيره إخراج للشيء عن محلّه إلى غيره، والواجب في مخالفة الأصل الاقتصار على القدر الّذي علم الأمن بفساده، وهو فيما نحن فيه إنّما يكون مع تحقّق العلاقة بين الموضوع له وغيره.

وجه اشتراط العلاقة في المعاني المجازيّة

وأيضًا قد عرفت أنّ المجاز: اللفظ المستعمل في غير الموضوع له، ومعلوم أنّ المعاني الغير الموضوع لها غير محصورة ولا متناهية، فلا يمكن استعماله في الجميع كما لا يخفى، فعُيّن(2) بعضها الّذي تحقّقت المناسبة بينه وبين الموضوع له لذلك؛ لئلّا يلزم الترجيح من غير مرجّح.

وأيضًا دلالة المجاز على معناه المجازيّ دلالة للفظ على غير معناه الموضوع له، فلو لم يشترط فيه العلاقة يكون(3) دلالته على بعض المعاني دون غيره تخصيصًا من

ص: 128


1- في «ق وج»: من الواضع بالنسبة إلى استعمال.
2- في «ق وج»: فتعيّن.
3- كذا في الأصل، والصواب: تكون.

غير مخصّص؛ لأنّ نسبة ذلك البعض إلى اللفظ الموضوع كنسبة غيره إليه.

وأيضًا إنّ دلالة المجاز بالنسبة إلى المعنى المجازيّ إمّا من الدلالة الوضعيّة كما عليه علماء الميزان، أو العقليّة كما عليه أئمّة البيان(1)؛ وأيّ منهما كان يستلزم المطلوب.

أمّا الوضعيّة؛ فللانتساب إلى الوضع، فلو لم يكن بين المستعمل له(2) والموضوع له مناسبة، لما كان لهذه النسبة وجه.

وأمّا الثاني: فلأنّه إنّما سمّي بذلك لانتقال العقل من الموضوع له إلى غيره، إمّا على الفور، أو بعد التأمّل في القرائن؛ وذلك إنّما يكون لأجل المناسبة والعلاقة بينهما، حيث يستبق الذهن إلى المعنى الموضوع له، لكن لمّا قامت القرينة على عدم إرادته، ينتقل منه إلى ما يناسبه.

وأيضًا لو لم يعتبر(3) العلاقة في المجاز، لكان المجاز إمّا موضوعًا جديدًا، أو غير مفيد؛ والتالي بشقّيه باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الشرطيّة: هو أنّ المعنى المستعمل فيه إمّا أن يكون قد عيّن ذلك اللفظ له، أو لا، وعلى الأوّل يلزم الأوّل، وهو ظاهر، وعلى الثاني يلزم الثاني؛ لأنّ الدلالة ليست صفة ذاتيّة للفظ حتّى لا يمكن انفكاكها عنه(4)، بل يحتاج في ثبوتها له إلى واسطة، وهو تعيين الواضع إيّاه لشيء، وحيث قد انتفى التعيين كما هو المفروض،

ص: 129


1- ينظر كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 1/ 790 -791.
2- الصحيح كما في «ق»: المستعمل فيه.
3- كذا في الأصل، والصواب: لم تعتبر.
4- المفروض: انفكاكها عنه.

ينتفي(1) الدلالة ضرورة انتفاء المعلول بانتفاء العلّة.

لا يقال: هذا مشترك الورود؛ لوضوح انتفاء التعيين بالنسبة إلى المعنى المجازي في صورة وجدان العلاقة أيضًا.

لأنّا نقول: التعيين وإن كان منتفيًا في تلك الصورة أيضًا، لكن لمّا تحقّقت المناسبة بينه وبين ما عيّن اللفظ له ووجدت القرينة على عدم إرادته، يمكن انتقال الذهن من ذلك اللفظ بمعونة المناسبة والقرينة إلى المعنى المناسب للموضوع له، فتتحقّق الدلالة، وأمّا في صورة فقدان العلاقة، فقد انتفى التعيين والمناسبة، فلا سبيل للإفادة.

وأمّا بطلان الشقّ الأوّل من التالي فظاهر، وأمّا الشقّ الثاني؛ فلأنّ وضع الألفاظ للإفادة والاستفادة.

إن قلت: لا نسلّم انتفاء الإفادة عند انتفاء المناسبة؛ لوضوح أنّ المخاطب بقولك: «خذ الكتاب» مشيرًا إلى الفرس، ينتقل ذهنه إلى أنّ المراد الفرس، فتحقّقت الإفادة مع فقدان المناسبة.

قلنا: الانتقال وإن كان متحقّقًا، لكنّه ليس لأجل إفادة اللفظ، بل من الإشارة الّتي يستلزم تعيّن المشار إليه، فوجود اللفظ وعدمه بالنسبة إلى ذلك الانتقال سيّان.

إن قيل: إنّ التكلّم بالكلام لإفادة المرام، وحيث قد حصلت ينبغي أن يكون صحيحًا، سواء كانت مستندة إلى اللفظ أو القرينة، فلا يضرّ انتفاء العلاقة مع تحصّل الغاية للاستعمال والمحاورة.

ص: 130


1- كذا في الأصل، والصواب: تنتفي.

قلت: فمن البيّن(1) أنّه لا يلزم أن تكون القرينة في المجازات إشارة، وحيث كانت غيرها لم يحصل الغاية، وعلى تقدير أن تكون إيّاها نقول: إنّها مستقلّة في الدلالة ولا مدخليّة للفظ في ذلك أصلًا، فلا فائدة لذكره، فيكون لغوًا، فينبغي أن لا يكون صحيحًا، سيّما إذا كان ذكره محتملًا للإخلال، بل ظاهرًا فيه.

وما نحن فيه من هذا القبيل؛ لوضوح أنّه لو لم يذكر لفظ «الكتاب» في المثال المذكور واكتفى بالإشارة، ينتقل المخاطب إلى المشار إليه، وأمّا مع ذكره فيبقى متردّدًا من حيث الإشارة وعدم المناسبة بين المشار إليه ولفظ «الكتاب»، فيقرب تارةً من المقصود ويبعد عنه أخرى، وقد اتّفقوا على أنّ الدالّ على المراد في المجازات هو اللفظ بشرط القرينة أو مجموعهما، وكيف يكون الدالّ على الشيء موجبًا للإخلال به؟!

واتّضح اعتبار العلاقة في المجازات بتأييد المؤيّد للخيرات والموفّق للحسنات.

والتحقيق أنّ الدالّ في المجازات اللفظ بشرط القرينة لا مجموعهما

تعليق جميل

اعلم: أنّه حيث قد(2) أنجرّ الكلام إلى أنّ الدالّ على المراد في المجازات هو اللفظ بشرط القرينة أو مجموعهما، فبالحريّ أن نعطف العنان إلى إظهار الحقّ في ذلك المرام، فإنّي إلى الآن ما رأيت أحدًا منهم قد أبان الحقّ فيه.

فنقول: معنى قولنا: «الدالّ اللفظ بشرط القرينة»، هو أنّ السامع حين استماع

ص: 131


1- في «ق»: من البيّن.
2- «قد» لم ترد في «ق».

اللفظ ينتقل ذهنه إلى الموضوع له، وانتقاله إلى أنّ المراد منه غيره متوقّف على قيام القرينة الصارفة عن الموضوع له، فعند انتفاء القرينة يكون الدالّ موجودًا، لكن وصف الدلالة بالنسبة إلى المعنى المجازيّ غير ثابت، فالقرينةُ مثبتةٌ له الدلالة.

وأمّا إذا كان الدالّ هو المجموع، فعند انتفائها وإن انتقل الذهن إلى الموضوع له وأنّه يتوقّف الانتقال إلى غيره على وجودها، لكن الدالّ ليس بموجود عند انتفائها، بل جزؤه.

رأي المؤلّف (قدس سره)

والتحقيق هو الأوّل، أمّا أوّلًا؛ فلأنّ للوضع عندهم إطلاقين كما تقدّم: عامّ وخاصّ؛ وظاهرهم الاتّفاق على ثبوت الوضع بالمعنى العامّ في المجازات، وهو تعيين اللفظ للدلالة على المعنى، سواء كان بنفسه أو بواسطة غيره، والمراد باللفظ هو المجاز، فتعيّن أن يكون هو الدالّ في المجازات، لا مجموع اللفظ والقرينة.

إن قيل: لا نسلّم منافاة ثبوت الوضع بالمعنى العامّ في المجازات، للقول بأنّ الدالّ مجموع اللفظ والقرينة؛ لجواز أن يكون المراد من «اللفظ» في قولهم: «تعيين اللفظ» ما يشمل القرينة أيضًا، ففي قولك: «رأيت أسدًا في الحمّام»، نقول: إنّه قد عيّن مجموع لفظي «الأسد» و«في الحمّام» للدلالة على المعنى المجازيّ.

قلنا: هذا فاسد، أمّا أوّلًا: فلأنّ القرينة لا يلزم أن تكون لفظًا دائمًا، بل يجوز أن تكون غيره أيضًا، فحينئذٍ لا يمكن أن يطلق اللفظ على مجموع القرينة وذيها كما لا يخفى.

وأمّا ثانيًا: فلأنّ المفروض ثبوت الوضع بالمعنى المذكور في المجازات، فلو كان المراد من اللفظ ما ذكر يلزم أن يكون المجاز عبارة عن مجموع القرينة وذيها؛

ص: 132

وفساده لا يحتاج إلى البيان.

وأمّا ثالثًا: فلأنّ الوضع الثابت في المجاز هو تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بواسطة غيره، والمراد بالغير القرينة، فلا يجوز أن يكون المراد من اللفظ ما يشمل القرينة؛ لعدم كونها مغايرة اللّفظ المعيّن.

ويمكن الجواب عنه: بثبوت المغايرة بين الجزء والكلّ، فيمكن أن يكون مجموع اللفظ دالًا بواسطة جزئه، لكن لا يخفى ما فيه من التعسّف والتكلّف.

إن قيل: ما المانع عند كون المراد هو اللفظ المجازيّ مع كون الدالّ هو المجموع؟

قلنا: لو كان الدالّ المجموع، لكان اللفظ في المجازات جزءًا للمعيّن والدالّ، فلا يصحّ استناد التعيين والدلالة إليه حقيقة.

وجعله من قبيل تسمية الجزء باسم الكلّ وإن كان ممكنًا، لكنّه مع ما فيه من ارتكاب خلاف الظاهر الّذي يحترز عنه في الحدود، لا يساعده مقابلة هذا المعنى للوضع بالمعنى الخاصّ له المختصّ بالحقيقة، وهو تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه، حيث إنّ المعيّن والدالّ هناك نفس اللفظ من غير افتقار إلى القرينة، فينبغي أن يكون في مقابله أيضًا نفس اللفظ، لكن أعمّ من أن يكون بنفسه أو بغيره.

وأيضًا قد اتّفقوا على ثبوت الوضع بالمعنى العامّ في الحقائق أيضًا، ولا شبهة أنّ الدالّ هناك نفس اللفظ، فينبغي أن يكون فيما نحن فيه أيضًا ذلك.

وأمّا ثانيًا؛ فلأنّه قد تقدّم أنّ الدلالة ليست وصفًا ذاتيًّا للّفظ، بل فيما نحن فيه بمعونة الوضع، وحينئذٍ نقول: إذا أطلق اللفظ يفهم منه العالم بالوضع المعنى الموضوع له لتعيينه الواضع لأجله، وحيث ما وجدت القرينة الصارفة عن ذلك المعنى نقول: إنّ نسبة ذلك اللفظ إلى المعنى المناسب لِمَا عيّن له أولى من نسبته إلى غيره.

ص: 133

وكذا نسبة ذلك المعنى المناسب من بين المعاني إلى ذلك اللفظ أولى من نسبة غيره إليه، فلأجل ذلك ينتقل الذهن منه إليه، وهو معنى دلالة اللفظ على ذلك المعنى، لكن لمّا كان هذا الانتقال متوقّفًا على وجود تلك القرينة على ما تقدّم، قلنا: إنّ الدالّ على المعاني المجازيّة هو اللفظ بشرطها، ولا يمكن انتساب الدلالة على ذلك المعنى إلى القرينة، سواء كانت على سبيل الاستقلال، أو جزءًا للدالّ؛ لأنّ ذلك المعنى لم يكن موضوعًا لتلك القرينة، ولا يلزم أن يكون مناسبًا لما وضعت له أيضًا.

أمّا الأوّل: فظاهر، إذ الكلام على تقديره، وإلّا لم تكن قرينة ولا ممّا يكون الكلام فيه.

وأمّا الثاني: فلأنّه لم يشترط أحدٌ العلاقة بين المعنى المجازيّ ومعنى لفظ «القرينة»، بل العلاقة المعتبرة في المجازات - على ما تقدّم وسيجيء الكلام في تحقيقها - عبارة عن المناسبة بين المعنى المستعمل فيه اللفظ وبين ما وضع له ذلك اللفظ، لا بينه وبين ما وضع له لفظ آخر؛ فلو كان الدالّ في المجازات مجموع اللفظ والقرينة، لزم اعتبار العلاقة بين المعنى المجازيّ وبين المعنى الحقيقيّ لكلا اللفظين، والتالي باطل؛ لما عرفت من عدم اشتراط أحد ذلك، فالمقدّم مثله، والملازمة ظاهرة ممّا ذكرناه.

إن قلت: إنّ المجاز يفتقر إلى قرينتين: صارفة ومعيّنة، والقرينة المعيّنة هي ما عيّنت معنى واحدًا من بين المعاني للفظ، فلو لم تكن القرينة دالّة على المعنى المجازيّ لما أمكن تعيينه.

قلنا: لا نسلّم افتقار المجاز على سبيل الإطلاق إلى قرينتين، بل اللازم فيه الصارفة، وأمّا المعيّنة فلا.

ص: 134

تحقيقه: إنّ المعنى المجازيّ للّفظ إمّا أن يكون واحدًا أو متعدّدًا.

وعلى الأوّل اللازم على المستعمل لذلك اللفظ في المعنى المجازيّ أن يقارنه بالقرينة المانعة عن إرادة المعنى الحقيقيّ، وهي المسمّاة بالقرينة الصارفة، ولا حاجة له حينئذٍ إلى القرينة المعيّنة، بل لا معنى لها أيضًا؛ لتعيّن المعنى المجازيّ في نفسه.

وعلى الثاني نقول: إنّ تلك المعاني المجازيّة(1) إمّا أن يكون لبعضها رجحان بأيّ رجحان كان على غيره، أم لا، وعلى الأوّل إمّا أن يكون البعض الراجح واحدًا أو متعدّدًا، وعلى تقدير التعدّد في الراجح إمّا أن تكون المعاني الراجحة متساوية في الرجحان، أو متفاوتة بالشدّة والضعف.

وكيف كان، والقدر اللازم على المتجوّز عند وحدة الراجح أو الأرجح إذا لم يكن مراده غير الراجح أو الأرجح، هو إقامة القرينة الصارفة لا غيره، إذ الرجحان أو الأرجحيّة يوجب المصير إليهما(2)، فلا حاجة أيضًا إلى المعيّنة(3).

ولا شبهة في حصول الدلالة على المعاني المجازيّة في الصور المفروضة، فنقول: حيث قد ثبتت الدلالة مع عدم مدخليّة للقرينة فيها(4)، -أمّا للصارفة فلما

ص: 135


1- في «ق»: المجازي.
2- جاء في حاشية الأصل: لا يقال: إنّ وحدة المعنى في الأوّل معيّنة له، والراجحيّة والأرجحيّة كذلك في الثاني، فلا يصحّ أن يقال: قد ثبتت الدلالة مع انتفاء القرينة المعيّنة؛ لأنّا نقول: لم يعهد منهم إطلاق القرينة على مثل ذلك، على أنّا نقول: إنّ دلالة المجاز من الدلالة اللفظيّة، وبناءً على الاحتمال المذكور لم يكن الأمر كذلك؛ لكون المركّب من الداخل والخارج خارجًا، فتأمّل جدًّا. منه.
3- جاء في حاشية الأصل: أي كما لا حاجة في صورة وحدة المعنى المجازيّ، لا حاجة إليها عند التعدّد في تلك الصور. منه.
4- جاء في حاشية الأصل: أي على أنّها دالّة، وإلّا التوقّف والاشتراط ممّا لا شبهة فيه كما تقدّم. منه.

تقدّم(1)، وأمّا للمعيّنة فلأنّ المفروض عدمها-، علم أن ليس الدالّ مجموع اللفظ والقرينة، وحيث كان هذا الانتقال متوقّفًا على القرينة(2)، ثبت المدّعى بتمامه.

وأمّا في صورة التعدّد مع انتفاء الراجح والأرجح، فحينئذٍ وإن كان اللازم إقامة القرينتين أو واحدة ذات جهتين، لكنّا نقول: لا يجوز أن يقال: إنّ القرينة المعيّنة حينئذٍ دالّة أو جزءًا للدالّ؛ لانتفاء القول بالفصل؛ ولأنّها لو كانت كذلك لزم انتفاء الدلالة عند انتفائها، والتالي باطل، فالمقدّم مثله، والملازمة بيّنة، وأمّا بطلان التالي فلما عرفت من تحقّق الدلالة في الصور المتقدّمة مع انتفاء المعيّنة.

غاية ما في الباب أنّا نقول: إنّ الدلالة في الصور السابقة مشروطة بقرينة واحدة، وههنا(3) مشروطة بقرينتين أو ذات جهتين.

على أنّا نقول: يمكن منع الاشتراط أيضًا في المقام بأن يقال: إنّ القرينة المعيّنة في المعاني المجازيّة كالقرينة في الألفاظ المشتركة؛ وحيث قد عرفت أنّها فيها لتعيين

ص: 136


1- جاء في حاشية الأصل: من عدم الوضع والمناسبة. منه.
2- جاء في حاشية الأصل: إذ الدعوى عدميّ ووجوديّ، أمّا العدميّ فهو أنّ الدالّ على المعاني المجازيّة ليس مجموع اللفظ والقرينة، وأمّا الوجوديّ فهو أنّ الدالّ اللفظ بشرطها. منه.
3- جاء في حاشية الأصل: إن قيل: كما أنّ عدم توقّف الدلالة في تلك الصورة على القرينة المعيّنة غير منافٍ لتوقّفها عليها في هذه الصورة، فليكن كذلك فيما إذا كانت جزءًا للدالّ بأن لم يكن عدم الجزئيّة في ذلك المقام منافيًا للجزئيّة ههنا. قلنا: اشتراط شيء بشيء في وقت وبشيئين في آخر ممكن لا شبهة فيه، كما أنّ جزئيّة شيء لشيء في وقت وشيئين له في آخر كذلك، إلّا أنّ عدم الجزئيّة في تلك الصورة مستلزم لعدمها ههنا؛ لأنّ اللفظ هناك كان دالًا لأجل المناسبة والقرينة، فليكن هنا كذلك. منه.

المدلول لا لإثبات الدلالة، نقول: إنّها في المقام أيضًا كذلك بأنّ اللفظ عند قيام القرينة الصارفة عن حمله على الموضوع له، ينتقل الذهن منه إلى جميع المعاني المناسبة له لما تقدّم؛ ولمّا لم يجز استعماله في الجميع، يبقى متردّدًا في أنّ مراد المستعمل أيّ معنى من تلك المعاني المناسبة المدلول عليها بلفظ المجاز المقترن بالقرينة الصارفة، فيحتاج إلى قرينة معيّنة لذلك المعنى من بين تلك المعاني، فالافتقار إلى القرينة المعيّنة حينئذٍ لتعيين المراد والمدلول، لا لإثبات الدلالة، كما سبق تحقيقه في المشترك.

لا يقال: إنّ هذا منافٍ لما سبق في الفرق بين القرينة في المجاز والمشترك من أنّ القرينة في الأوّل لإثبات الدلالة، وفي الثاني لتعيين المدلول ودفع المزاحمة.

لأنّا نقول: الفرق المذكور إنّما كان بالنسبة إلى القرينة الصارفة في المجازات، وأمّا بالنسبة إلى المعيّنة فيها فكلّا، بل هي في المجازات كالقرينة في المشتركات بعينها، فلا فرق بينهما من تلك الجهة أصلًا.

نعم، الفرق بينهما من جهة أخرى، وهي أنّها في المجازات معيّنة لمعنى من المعاني المجازيّة، وهناك معيّنة لمعنى من الحقيقيّة.

ص: 137

في تحقيق العلاقة وبيان أنواعها

المبحث الثاني: في تحقيق العلاقة وبيان أنواعها

اشارة

اعلم: أنّ العلاقة قد فسّرت بأنّها اتّصال ما للمعنى المستعمل فيه بالمعنى الموضوع له(1)، والطرق المنضبطة لتحقّقها خمس وعشرون(2):

الأوّل والثاني: الجزئيّة والكلّية
اشارة

الأوّل والثاني: الجزئيّة والكلّيّة، فيطلق الاسم الموضوع للكلّ على الجزء،

ص: 138


1- ينظر مفاتيح الأصول: 56، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 517 و520. قال الدسوقي: (والعَلاقة بفتح العين سواء كانت في المعاني كعلاقة المجاز والحبّ القائم بالقلب، أو المحسوسات كعلاقة السيف والسوط، وقيل: إنّها بالفتح في المعاني وبالكسر في الحسّيّات( «الحاشية على شرح التلخيص 2/ 337».
2- قال المحقّق القزوينيّ (رحمة الله) في تعليقته على معالم الأصول: اختلفت كلمتهم في ضبط أنواع العلاقة من حيث العدد، إذ أنّ بعضهم ردّها إلى اثنين: المشابهة وغيرها كما في بعض كتب البيان، وفي مختصر الحاجبيّ عدّ منها أربعة: المشابهة في الشكل أو في الوصف الظاهر، والكون، والأول، والمجاورة [كن عن العضديّ في «شرح مختصر المنتهى: 1/ 517» أنّها تتصوّر من وجوه خمسة]، وعن الآمديّ أنّها تتصوّر من وجوه خمسة [الإحكام: 1/ 54]، وفي شرح المنهاج عدّ منها تسعة، ومن أجلّة المعاصرين من عدّ منها عشرة، وفي تهذيب العلّامة أحد عشر [تهذيب الوصول: 70]، وفي نهايته كما عن الفخر والبيضاويّ اثنا عشر، وفي زبدة شيخنا البهائيّ أنّها محصورة في خمسة وعشرين، ناسبًا إلى القدماء [زبدة الأصول: 76]، وعزي أيضًا إلى المشهور كما عن شرحها للفاضل، وعن بعضهم أنّها ستّة وعشرون كما نقله في المفاتيح، وعن الصفي الهندي: الّذي يحضرنا من أنواعها أحد وثلاثون، وفي المفاتيح عن أستاذه أنّها غير محصورة، انتهى (تعليقة على معالم الأصول: 1/317).

ومصحّح الاستعمال جزئيّة المستعمل فيه، كما في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾(1)، فأطلق الأصابع على الأنامل؛ لأنّ الموضوع في الأذن الأنملة الّتي هي جزء من الأصابع، والغرض منه(2) المبالغة، كأنّهم جعلوا جميع الإصبع في الأذن حتّى لا يسمعوا شيئًا من الصاعقة(3).

ويمكن المناقشة في مجازيّة الآية الشريفة بأن يقال: إنّ الإصبع كما يطلق على الأصابع إلى الأشاجع(4)، كذا يطلق على بعضه.

ويمكن أن يقال: إنّ هذا الإطلاق ليس بمجازيّ؛ لعدم صحّة السلب؛ ألا ترى أنّ من أدخل(5) أنامله في شيء، لم يصحّ أن يقال: إنّه ما أدخل إصبعه فيه؛ وأيضًا إذا حلف أحد أن لا يدخل أصابعه في شيء، والظاهر أنّه يلزمه الحنث بدخول الأنامل، فلو كان الإطلاق مجازيًّا لم يكن الأمر كذلك.

ولك أن تقول: إنّ ذلك وإن كان مسلّمًا، لكنّ اللازم منه حقيقيّة الإضافة، أي جعل الإصبع في الأذن، ولا يلزم منه حقيقيّة المضاف إليه، والكلام إنّما هو في ذلك كما في «عمل يوم»، فإنّ هذه الإضافة وإن كانت حقيقة فيما إذا كان العمل في بعض النهار مثلًا، لكن حمل «اليوم» عليه مجاز، وكذلك «ضرب زيد» حقيقة مع

ص: 139


1- سورة البقرة: 19.
2- في «ق»: منهم.
3- ينظر قوانين الأصول: 1/ 138، ومفاتيح الأصول: 56، وشرح مختصر المنتهى (حاشية التفتازانيّ): 1/522، ومختصر المعاني: 220، والمطوّل: 356.
4- الأشاجع على ما في القاموس وغيره: أصول الأصابع الّتي تتّصل بعصب ظاهر الكفّ (القاموس المحيط: 3/ 43، ومجمع البحرين: 4/ 352).
5- في «ق وج»: دخل.

كون الضرب واقعًا على بعض أجزائه، ولا شبهة في أنّ استعمال «زيد» على ذلك الجزء مجاز؛ هذا.

وكذا يطلق الاسم الموضوع للجزء على الكلّ، والمصحّح كلّيّة المستعمل فيه للموضوع له، كما في: «أعتق رقبة مؤمنة»، حيث أطلق لفظ «الرقبة» الموضوع للعضو المخصوص على صاحبه.

يشترط في إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكلّ أمران
اشارة

اعلم: أنّه قد اشترط العلماء في إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكلّ أمرين، أحدهما راجع إلى الجزء، والثاني إلى الكلّ.

الأمر الأوّل
اشارة

أمّا الأوّل: فهو أن يكون ذلك الجزء ممتازًا من(1) بين سائر الأجزاء بأن يكون ممّا يلزم من انتفائه انتفاء الكلّ، فلا يصحّ الإطلاق بالنسبة إلى الجزء الّذي لم يكن الأمر فيه كذلك، فلا يصحّ إطلاق الأنامل ولا الأصابع ولا الأذن وأمثالها على الإنسان؛ لعدم لزوم انتفائه بانتفائها.

إن قيل: كيف يصحّ منك هذه المقالة مع أنّ الحكم بأنّ المركّب ينتفي بانتفاء الجزء من الأمور المشهورة المسلّمة، ولا تقييد في ذلك بجزء دون آخر.

قلنا: كما اشتهرت هذه المقالة الّتي مقتضى إطلاقها لزوم(2) انتفاء المركّب بانتفاء أيّ جزء كان، كذا اشتهرت تلك المقالة الدالّة على عدم إرادة الإطلاق من هذه

ص: 140


1- «من» لم ترد في «ق».
2- في «ق»: لزوم إطلاقها.

المقدّمة أيضًا.

فالتحقيق أن يقال: إنّ الجزء إذا لوحظ بالنسبة إلى المركّب إمّا أن يكون له دخل في قوامه، أو لا، بل له دخل في كماله، لا في قوامه، والمراد من قولهم: «إنّ المركّب ينتفي بانتفاء الجزء»، هو الجزء الّذي يكون من قبيل الأوّل، فلا شبهة في صحّة الكلام حينئذٍ، وأمّا الجزء الّذي لا يكون الأمر فيه كذلك، بل له مدخليّة في كماله، فاللازم من انتفائه انتفاء الكمال، لا انتفاء الأصل.

والمراد من الاشتراط في هذا المقام أن لا يكون الجزء الّذي يطلق لفظه على الكلّ من هذا القبيل، بل يكون من قبيل(1) الأوّل، فلا تنافي بين الكلامين.

سرّ الاشتراط المذكور

نعم، بقي الكلام في سرّ الاشتراط المذكور، ووجه عدم جواز الإطلاق إذا كان الجزء من قبيل(2) الثاني، فنقول في بيانه: قد عرفت مرارًا أنّ أمر اللغات توقيفيّ وأنّه قد منع التصرّف في الأمور التوقيفيّة إلّا على القدر الّذي علم أو ظنّ فيه الرخصة، و(3) أنّ استعمال اللفظ في غير الموضوع له خلاف الأصل، والواجب فيما خالف الأصل الاقتصار على المقدار(4) المتيقّن.

والّذي ثبت فيه الرخصة من الواضع بالنسبة إلى استعمال اللفظ الموضوع

ص: 141


1- في «ق وج»: قبيل.
2- في «ق وج»: قبيل.
3- في «ق»: أو.
4- الأولى: القدر، كما في باقي النسخ.

للجزء في الكلّ، هو ما إذا كان الأمر كذلك دون غيره، وعدم ثبوت الإذن كافٍ لعدم جواز الاستعمال؛ لعدم تصريح الواضع بأنّ كلّ جزء يصحّ إطلاق لفظه على كلّه، لا على سبيل العموم ولا على سبيل الإطلاق.

على أنّ كفاية الإطلاق في أمثال المقام محلّ كلام، بل ظهر بالتصفّح في كلمات البلغاء والتتبّع في محاورات الفصحاء تجويزهم استعمال لفظ الجزء في كلّه، لكنّ الواجب الاقتصار على أفراد النوع الّذي هو مورد استعمالاتهم ومحلّ مخاطباتهم، وهو ما إذا كان الجزء متّصفًا بالصفة المذكورة دون غيره.

الأمر الثاني
اشارة

والأمر الثاني الراجع إلى الكلّ هو ما كان للكلّ تركّب حقيقيّ حسّيّ(1) كالإنسان؛ والسرّ في الاشتراط هنا هو ما ذكرنا آنفًا، فلا يحتاج إلى الذكر.

وأمّا في إطلاق الكلّ على الجزء، فقد احتملنا في بعض تعليقاتنا(2) اعتبار الأمرين المذكورين فيه أيضًا، لكن لم يظهر منهم اشتراطه بما ذكر، وكأنّه قد ظهر لهم أنّ موارد الاستعمال فيه أعمّ من ذلك.

ص: 142


1- جاء في حاشية الأصل: «ولا يخفى عليك أن ليس المراد من التركّب الحقيقىّ الحسّي أن تكون الأجزاء مجتمعة في الوجود ومحيطة بالكلّ هيئة محسوسة كالسكنجبين مثلًا؛ لشيوع إطلاق جزء الصلاة عليها كالركوع مثلًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ سورة البقرة: 43 [وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [سورة المرسلات: 48]، مع أنّه ليس الأمر فيها كذلك كما لا يخفى، بل المراد أعمّ من ذلك، فيشمل مثل الصلاة الّتي تكون أجزاؤها محسوسة حال اشتغال المصلّي بها، فتأمّل». منه.
2- تعليقته على معالم الدين، مخطوط: الصفحة 85.
الكلام في اندراج هاتين العلاقتين تحت الحدّ المذكور للعلاقة

ثمّ اندراج هاتين العلاقتين تحت الحدّ المذكور للعلاقة ممّا لا شبهة فيه؛ لوضوح اتّصال الجزء بكلّه وكذا العكس.

لكن يرد: أنّ تعريف العلاقة المعتبرة في المجاز بما ذكر تعريفٌ بالأعمّ؛ لوضوح تحقّق الاتّصال بين الكلّ وجزئه مطلقًا وإن لم يكن الكلّ ولا الجزء متّصفًا بالصفة المذكورة، فقولك: «العلاقة عبارة عن اتّصال ما بين المستعمل فيه والموضوع له» يقتضي جواز إطلاق اسم الكلّ على الأذن مثلًا، مع أنّ الأمر ليس كذلك، فالحدّ غير مطّرد.

ويمكن الجواب عنه: بأنّ الأمر وإن كان كذلك(1)، لكنّ التعريف المذكور ليس للعلاقة المعتبرة في المجاز، بل لمطلق العلاقة، فتأمّل.

الثالث من أنواع العلاقة: المشابهة في الشكل والصفة
اشارة

والثالث من الطرق المذكورة: المشابهة، أي مشابهة المستعمل فيه لما وضع له، وتلك الشباهة إمّا في الشكل، كإطلاق الإنسان والفرس على المنقوش في الجدار؛ أو في الصفة، كإطلاق الأسد على الشجاع؛ لمشابهته إيّاه في وصف الشجاعة(2).

إن قيل: كما أنّ الرجل الشجاع شابه الأسد في الشجاعة، فقد شابهه الأسد أيضًا، كما جاز استعمال لفظ «الأسد» فيه ينبغي أن يجوز العكس أيضًا، وكذا الكلام في الشكل والمتشكّل.

ص: 143


1- جاء في حاشية الأصل: أي صادقًا لما ذكر أيضًا. منه.
2- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 517.

قلت: إنّ «الأسد» أصل في تلك الصفة، وإنّ الصفة صفته حقيقة، و«الرجل» متطفّل عليه وفرع له، ولهذا صار الأوّل مشبّهًا به والثاني مشبّهًا، وجاز استعمال لفظ «الأسد» فيه دون العكس، وهكذا الأمر في الشكل والمتشكّل.

ثمّ لمّا كان الشكل لكلّ متشكّل أمرًا واحدًا؛ لأنّه عبارة عن الهيئة المحيطة به، ومعلوم أنّه لا تعدّد فيها(1) ولا اختلاف، لم يشترط فيه شكل دون آخر؛ ولمّا كان هو أمرًا محسوسًا من كلّ متشكّل، فلا محالة يكون ظاهر الثبوت له، فلا يحتاج إلى اشتراط الظهور أيضًا.

وأمّا الصفة فلمّا لم يكن الأمر فيها كذلك؛ لوضوح أنّه يجوز أن يكون لموصوف واحد صفات متعدّدة مختلفة بالظهور والخفاء ولم يكن الاشتراك في أيّ صفة، كانت مصحّحًا، لم يكتفوا في جواز التجوّز بمطلق الاشتراك في الصفة، بل اشترطوا الاشتراك في صفة ظاهرة.

وذلك(2) لأنّ استعمال اللفظ في غير معناه لا بدّ أن يكون بحيث يمكن للسامع بسهولة الانتقال إلى سرّه(3)، وإذا كانت الصفة ظاهرة الثبوت بالنسبة إلى المعنى الحقيقيّ للّفظ نقول: إنّه كما ينتقل السامع إلى المعنى الموضوع له عند استعماله فيه، ينتقل إلى تلك الصفة أيضًا لظهورها بالنسبة إليه، فإذا استعمل في غيره، سواء عيّن ذلك الغير بالقرينة المعيّنة أم لا، يمكن للسامع التنبّه إلى سرّ ذلك الاستعمال بأن يقول: إنّ تلك الصفة كانت ثابتة للمعنى الحقيقيّ لهذا اللفظ، واستعماله في غيره لعلّه لثبوت تلك الصفة له، فيظهر له وجه الاستعمال.

ص: 144


1- أي في الهيئة المحيطة به.
2- جاء في حاشية الأصل: أي عدم كفاية الاشتراك في مطلق الصفة لصحّة التجوّز. منه.
3- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): أي سرّ ذلك الاستعمال.

وأمّا إذا لم يكن(1) الصفة كذلك(2)، فيمكن أن لا ينتقل إليها عند استعماله فيه، فعند(3) استعماله في غيره لا يظهر سرّ الاستعمال، فيفوت ما يوجد في البلاغة من الأسرار.

وأيضًا قد عرفت مرارًا أنّ أمر اللغات توقيفيّ، والتصرّف في الأمور التوقيفيّة يجب أن يكون على قدر ثبتت فيه الرخصة، والقدر الثابت في استعمال اللفظ في غير معناه الموضوع له لأجل الشباهة إنّما هو إذا كانت الشباهة في شكل، أو في صفة ظاهرة، وعدم الثبوت كافٍ لعدم الجواز في أمثال المقام.

وأيضًا أنّ استعمال اللفظ في غير ما وضع له مخالف للأصل، والواجب فيما خالف الأصل الاقتصار على القدر المتيقّن، وهو ما تقدّم دون غيره.

وأيضًا قد عرفت أنّ التحقيق الدالّ في المجازات هو اللفظ بشرط القرينة، وأنّ دلالته عليها إنّما هو لأجل المناسبة بين المعاني المجازيّة والموضوع له؛ والمناسبة فيما نحن فيه لأجل الاشتراك في صفة، فإذا لم تكن الصفة ظاهرة لم تظهر المناسبة، فلا تتحقّق الدلالة، هذا.

ص: 145


1- الصواب كما في «ق»: لم تكن.
2- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): أي ظاهرة الثبوت بالنسبة إلى المعنى الحقيقيّ.
3- جاء في حاشية الأصل: لا يقال: إنّ هذا إنّما يتمّ إذا لم يقترن المجاز بالقرينة المعيّنة، وأمّا عند اقترانه بها فلا؛ لأنّا نقول: إنّ القرينة المعيّنة إنّما تعيّن المعنى المجازيّ، لا الجهة المشابهة بينه وبين المعنى الحقيقيّ، وعلى تقدير تعيينها إيّاها أيضًا نقول: إنّ تلك الصفة لا تخلو إمّا أن تكون ظاهرة الثبوت بالنسبة إلى المعنى المجازيّ فيكون ذلك المعنى أصلًا فيها، أو إلى المعنى الحقيقيّ فيخرج عمّا نحن فيه وإن كانت حقيقة بالنسبة إليه، والمفروض أنّها كذلك بالنسبة إلى المعنى الحقيقيّ أيضًا، فلا تتحقّق الأصالة والفرعيّة، فتأمّل. منه.
الكلام في اندراج هذه العلاقة تحت حدّها المتقدّم

بقي الكلام في صدق الحدّ المذكور للعلاقة على هذا النوع الّذي كلامنا فيه، فنقول: أمّا بالنسبة إلى الشكل، فإذا كان هو المستعمل فيه اللفظ المجازيّ، فصدق الحدّ حينئذٍ ظاهر؛ إذ لا شبهة في اتّصال كلّ شكل بمتشكّله، لكنّ الأمر ليس كذلك، بل المستعمل فيه والمعنى المجازيّ هو ما حلّت فيه الصورة، وهو ظاهر.

ويرشدك إلى ذلك التوجّه(1) إلى المراد، إذ المقصود أنّ العلاقة تتحقّق باشتراك في الشكل أو الصفة، أي اشتراك المستعمل فيه للموضوع له في الشكل كما في الصفة، وحينئذٍ يشكل الأمر؛ لانتفاء الاتّصال بين المستعمل فيه الّذي هو المحلّ للصورة وبين الموضوع له كما لا يخفى.

وأمّا بالنسبة إلى الصفة فكذلك؛ لوضوح أنّ المستعمل فيه في قولنا: «رأيت أسدًا في الحمّام»، هو الرجل الشجاع، وعدم اتّصاله بالحيوان المفترس الّذي هو الموضوع له للفظ «الأسد» ممّا لاريب فيه؛ وحمل الاتّصال بالموضوع له على الاتّصال بشكله في الأوّل وبصفته في الثاني وإن كان ممكنًا في نفس الأمر، لكن ارتكاب مثله في الحدود مهجور وفي الرسوم متروك.

ويمكن الجواب عنه: بأنّ الاتّصال أعمّ من أن يكون في الأعيان أو في الأذهان، ولا نسلّم انتفاء مطلق الاتّصال في المقام، بل القدر المسلّم انتفاء الاتّصال الخارجيّ، ولا يلزم منه انتفاء المطلق؛ لعدم استلزام انتفاء الخاصّ لانتفاء العامّ، فنقول: إنّ الاتّصال الذهنيّ متحقّقٌ في المقام؛ لوضوح انتقال السامع عند إطلاق

ص: 146


1- في «ج»: التوجيه.

«الفرس» على المشابه لشكله إلى المعنى المستعمل فيه والموضوع له كليهما، وكذا عند إطلاق «الأسد» على الرجل الشجاع.

لكن فيه نظر؛ لأنّه قد تقدّم أنّ الدلالة في المجازات لأجل المناسبة والعلاقة، وهي مفسّرة باتّصال المعنيين، فلو كان المراد بالاتّصال الاتّصال الذهنيّ الّذي عبارة عن حصول المعنيين فيه مجتمعًا(1)، لزم الدور؛ لأنّ الدلالة على المعنى المجازيّ وفهمه من اللفظ الّذي عبارة عن حصوله في الذهن موقوف -بناءً على مرّ- على العلاقة الّتي مفسّرة(2) باتّصال المعنيين كما تقدّم.

فلو كان المراد باتّصالهما الاتّصال الذهنيّ، يكون الاتّصال موقوفًا على الحصول في الذهن، وهو دور ظاهر؛ لأنّ حصول المعنى المجازيّ في الذهن موقوف على دلالة اللفظ عليه، ودلالة اللفظ عليه موقوفة على اتّصاله بالموضوع له، واتّصاله به موقوف على حصوله في الذهن، فينتج: أنّ حصول المعنى المجازيّ في الذهن موقوف على حصوله في الذهن.

والجواب عنه: أنّا لا نسلّم أنّ حصول المعنى المجازيّ في الذهن موقوف على دلالة اللفظ عليه، بل الأمر بالعكس؛ لأنّ معنى اللفظ حقيقيًّا كان أو مجازيًّا لو لم يظهر للسامع ولم يعلم وضع اللفظ له، لم يمكن فهمه منه كما لا يخفى.

نعم، فهم المعنى(3) على أنّه مراد للمتكلّم(4) دون غيره موقوفٌ على دلالة اللفظ

ص: 147


1- كذا في الأصل، وفي هامشه: مجتمعين خ ل؛ وهو الصواب.
2- كذا في الأصل؛ والصواب: الّتي هي مفسّرة.
3- في «ق»: المعنى منه.
4- في «ق»: المتكلّم.

عليه، وذلك بالنسبة إلى المعنى المجازيّ فيما نحن فيه متوقّف على اتّصاله بالمعنى الموضوع له في الذهن، وذلك يتوقّف على حصول سابق للمعنيين فيه والعلم بوضع ذلك اللفظ لذلك المعنى واتّصال المعنى المجازيّ له، فلا يلزم دور ولا فساد آخر.

على أنّه يمكن التوجيه بحمل الاتّصال بالموضوع له على مطلق التعلّق به والمناسبة له، سواء كان على سبيل الاتّصال كما في الكلّيّة والجزئيّة ونحوهما، أو لا كما فيما نحن فيه ومثله، لا سيّما بعد ملاحظة التعميم المستفاد من «ما» في قوله: «اتّصال ما»، وهذا المقدار كافٍ في المقام، فيصحّح به سقم الكلام.

النوع الرابع من العلاقة: كون المستعمل فيه على صفة
اشارة

الرابع من تلك الطرق: كون المستعمل فيه على صفة.

تحقيق المقام يقتضي أن يقال: إنّ الموصوف قد يتّصف بصفات متعدّدة، لكن لا على سبيل التعاقب، بل اجتماعها فيه ممكن، كاتّصاف «زيد» بالمشي والأكل والنظر ونحوها، وليس الكلام في مثل ذلك، بل إطلاق الكلّ على ذلك الموصوف على سبيل الحقيقة(1)، فيقال له: ماشٍ وآكلٌ وناظرٌ حقيقةً.

وقد يتّصف بصفات متعدّدة على سبيل التعاقب، بمعنى أنّ اتّصافه باللاحقة يستلزم زوال السابقة، كالحريّة والرقّية والبلوغيّة والصغريّة(2) ونحوها.

ص: 148


1- جاء في حاشية الأصل: يعني يكون لذلك الموصوف بإزاء كلّ صفة لفظ يكون إطلاق ذلك اللفظ على ذلك الموصوف عند الاتّصاف حقيقة، كالماشي حال الاتّصاف بالمشي، والآكل حال الاتّصاف بالأكل وهكذا. منه.
2- في «ج»: الصغاريّة.

وكلامنا في هذا المقام فيما ينتظم بهذا النظام، فالمراد أنّ اللفظ الّذي يطلق على ذلك الموصوف حقيقة عند اتّصافه بالصفة السابقة يجوز إطلاقه عليه مجازًا عند اتّصافه باللاحقة الموجبة لزوالها حينئذٍ؛ لاتّصافه بها سابقًا، كإطلاق «العبد» على المعتق ونحوه، فتكون هذه العلاقة عكس العلاقة السابقة، إذ المعتبر هناك تعدّد الذات ووحدة الصفة، وفيما نحن فيه وحدة الذات وتعدّد الصفة.

إن قيل: إنّ ذلك اللفظ كالعبد مثلًا لا يخلو إمّا كان موضوعًا للذات وحدها، أو صفتها السابقة كذلك، أو لهما معًا، وأيّ منها كان لا يستقيم الكلام، أمّا الأوّل: فلوضوح بقاء الذات في كلا الحالين، فينبغي أن يكون الاستعمال في الحالة الثانية أيضًا على سبيل الحقيقة؛ لكونه استعمالًا للّفظ في الموضوع له.

وأمّا الثاني: فللقطع بعدم كون لفظ «العبد» مثلًا موضوعًا لوصف الرقّيّة فقط، وعلى فرض تسليم ذلك يكون ذلك من إطلاق لفظ الحال على المحلّ، فيندرج تحت تلك العلاقة، فلا وجه لإفراده عنها الموجبِ للكلامِ الإطالةَ.

وأيضًا لو كان «العبد» مثلًا موضوعًا لتلك الصفة، يكون لفظ «المعتق» أيضًا موضوعًا لصفة(1) الحرّيّة؛ لعدم الفرق بينهما، فالتفرقة تحكّم، وحينئذٍ يفسد الكلام؛ لظهور أنّ وصف الحرّيّة لم يكن على صفة الرقّيّة، بل الموصوف به.

لا يقال: لا نسلّم استلزام كون الموضوع له للفظ «المعتق» وصف الحرّيّة كون المستعمل فيه للفظ «العبد» ذلك حتّى يلزم المحذور؛ لجواز أن يكون المستعمل فيه له الموصوف بتلك الصفة، مع كون الموضوع له للفظ«المعتق» إيّاها(2)، وحينئذٍ لا

ص: 149


1- في «ق»: للصفة.
2- أي تلك الصفة.

يلزم المحذور؛ لوضوح اتّصاف الموصوف بوصف الرقّيّة سابقًا، وليس المراد من الكون على الصفة إلّا ذلك.

لأنّا نقول: هذا خلاف الإنصاف؛ لأنّ ظاهرهم أنّ المعنى الّذي يكون لفظ «المعتق» حقيقة فيه إذا استعمل لفظ «العبد» فيه يكون مجازًا والعلاقة ما تقدّم، فإذا كان الموضوع له الوصف المذكور، يلزم ما تقدّم من المحذور.

وأمّا الثالث: فلأنّه لو كان الموضوع له مجموع الصفة والموصوف، يكون إطلاق لفظ «العبد» على الذات حينئذٍ إطلاقًا لاسم الموضوع للكلّ على جزئه، فالعلاقة حينئذٍ الجزئيّة، فينبغي الاكتفاء عن ذكر هذه العلاقة بذكر تلك.

قلت: نختار الأوّل، فنقول: إنّ الموضوع له هو الذات في حالة اتّصافه بتلك الصفة، فالموضوع له للفظ «العبد» مثلًا هو الذات المعلومة، لكن لا مطلقًا، بل بشرط ثبوت وصف الرقّيّة وفي حالة ثبوته له، وإنّما يكون حقيقة عند استعماله في تلك الذات في حالة اتّصافها بها، فإذا استعمل فيها عند زوالها واتّصافها بصفة أخرى مضادّة لها، يكون ذلك استعمالًا له في غير الموضوع له، ولا نعني بالمجاز إلّا ذلك.

فنقول: إنّ تلك الذات حينئذٍ لها ثلاثة ألفاظ مثلًا، اثنان منها بشرط شيء، وهما: العبد والمعتق، فإنّ الأوّل موضوع لها بشرط اتّصافها بالرقيّة، والثاني موضوع لها بشرط زوالها واتّصافها بالحريّة، فإذا استعمل الأوّل فيها في الحالة الأولى والثاني في الحالة الثانية، يكون استعمالًا للّفظ في الموضوع له، وأمّا في غيرها، فيكون استعمالًا له في غيره، وواحد منها لا بشرط شيء كالإنسان، أو الاسم الّذي لقّب به، ولهذا يكون إطلاقه عليها في كلتا الحالتين على سبيل الحقيقة.

ص: 150

الإشكال في أنّ حكمهم بمجازيّة اللفظ باعتبار ما كان، ينافي حكمهم: أنّ إطلاق المشتقّ على الذات لا يتوقّف على بقاء المبدأ، مع الجواب عنه

بحث وتخليص

اعلم: إنّ في المقام إشكالًا، وهو أنّهم قد اختلفوا في أنّ صدق المشتقّ على الذات حقيقة، هل يكون متوقّفًا على بقاء المبدأ، أو لا؟ والمنقول من المعتزلة والإماميّة: الثاني(1).

وهو منافٍ لما اتّفقوا عليه في بحث المجاز من أنّ بعض أقسامه: اللفظ المطلق على المستعمل فيه باعتبار ما كان عليه، فإنّ مقتضى المقالة الأولى: أنّ لفظ «الضارب» مثلًا إذا أطلق على ذات باعتبار صدور المبدأ منها مع عدم البقاء، يكون حقيقة، ومقتضى المقالة الثانية: أنّه مجاز، فيلزم أن يكون اللفظ الواحد بالنسبة إلى معنى واحد في حالة واحدة حقيقة ومجازًا، ولا شبهة في استحالته.

الجواب عن الإشكال
اشارة

ويمكن الجواب عنه من وجهين:

الجواب الأوّل

الأوّل: أن يقال: إنّ مبنى الإشكال إنّما هو على إبقاء المقالتين على ظاهريهما، وهو غير لازم؛ لجواز أن يكون مرادهم ممّا قالوا في المشتقّ فيما لم يكن زوال ذلك

ص: 151


1- ينظر مبادئ الوصول: 67، ونهاية الوصول: 1/ 194، وزبدة الأصول: 61، ومفاتيح الأصول: 13.

المبدأ عن الذات فيه باعتبار طريان صفة لا يمكن العود إليه(1)، كالكتابة مثلًا، فإنّ اتّصافها بها إنّما هو بتحريك الأصابع، وزوالها بانتفاء ذلك التحريك، وكذا الضرب، فإنّ اتّصافها به إنّما هو عند الاتّصاف بالهيئة المعلومة وزواله بزوالها، لكن بحيث لو أراد يمكن الاتّصاف بكلّ منهما ثانيًا.

والمراد ممّا قالوا في هذا المقام فيما يكون زوال تلك الصفة فيه بطريان صفة لا يمكن العود إليها أبدًا كالرقّيّة مثلًا، فإنّ زوالها بطريان وصف العتقيّة الّتي لا يمكن بعدها العود إليها أبدًا، والصغريّة فإنّ زوالها بطريان وصف البلوغيّة الّتي لا يمكن بعدها العود إليها كذلك.

هذا على القول بتعميم محلّ النزاع في مسألة المشتقّ، سواء طرأ على المحلّ وصف وجوديّ يناقض الأوّل أو يضادّه، أم لا، وأمّا على القول بتخصيصه بغير الأوّل، تكون دائرة المجاز لعلاقة الكون عليه أوسع، إذ حينئذٍ لا يعتبر في المجازيّة عدم إمكان العود إلى الوصف الأوّل كما لا يخفى، فتضيق دائرة الحقيقة في المشتقّ وينعكس الأمر على تقدير التعميم.

الجواب الثاني

والثاني: هو أنّ التنافي إنّما يكون إذا كان الحكمان واردين على موضوع واحد، وهو غير مسلّم؛ لأنّ مرادهم ممّا قالوا: «إنّ صدق المشتقّ حقيقة لا يقتضي بقاء المبدأ»، ليس المشتقّ مطلقًا، بل اسم الفاعل والصفة المشبّهة على ما صرّح به بعضهم.

ص: 152


1- أي المبدأ.

ويكون المراد ممّا قالوا في المجاز ما إذا لم يكن اللفظ ممّا ذكر، سواء كان مشتقًّا لكن لم يكن ممّا ذكر، أو لم يكن مشتقًّا أصلًا كالحجر المنقلب من الماء، فإنّه يجوز إطلاق الماء عليه باعتبار ما كان.

لكن فيه نظر؛ لأنّ كلًّا من «العبد» و«اليتيم» من الصفات المشبّهة، مع أنّهم مصرّحون بالمجازيّة فيهما.

ثمّ اندراج هذا النوع من العلاقة تحت الحدّ المذكور لها بعد التوجيه المذكور ظاهر.

النوع الخامس من العلاقة: إطلاق اللفظ على ما يؤول إلى ما وضع ذلك اللفظ له
اشارة

الخامس من الطرق المذكورة: إطلاق اللفظ على ما يؤول إلى ما وضع ذلك اللفظ له، كما في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾(1).

تحقيق ذلك يقتضي أن يقال: إنّ هذا النوع من العلاقة يشترك مع السابقة في اعتبار وحدة الذات وتعدّد الصفة، وفي أنّه وُضع لتلك الذات بإزاء كلّ من تلك الصفة لفظ خاصّ، كالشارب والسكران مثلًا، فإنّ الأوّل وضع باعتبار وصف الشرب، والثاني باعتبار وصف آخر.

وكذلك العصير(2) والخمر ونحوهما، إلّا أنّه يفترق عنها باعتبار أنّ المجازيّة كانت هناك في حالة الاتّصاف بالصفة اللاحقة باعتبار الصفة السابقة على ما تقدّم تحقيقه؛ وهنا(3) يكون الأمر بالعكس، أي المجازيّة في حالة اتّصافها بالصفة

ص: 153


1- سورة يوسف: 36.
2- في «ق»: العصر.
3- في «ق»: وههنا.

السابقة باعتبار اللاحقة، فيطلق اللفظ الّذي كان للذات عند اتّصافها بالصفة اللاحقة في حالة اتّصافها بالصفة السابقة؛ لاتّصافها بها فيما بعد.

وبما ذكرنا ظهر لك أنّ قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ لو فسّر بأنّي أستخرج عصيرًا، يكون من هذا القبيل؛ لكون العصير آيلًا إلى الخمر، وأمّا لو فسّر بأنّي أعصر عنبًا، فالظاهر أنّه لا يكون كذلك؛ لعدم بقاء الذات في الحالين، بل يكون من قبيل إطلاق اسم الشيء على علّته المادّيّة، وسيجيء الكلام في تحقيقه.

وهمٌ وإزاحةٌ

لا يقال: إنّ في كلام الأصوليّين تكرارًا؛ لأنّهم ذكروا في بحث المشتقّ أنّ إطلاقه على الذات في حالة تلبّسه بالمبدأ حقيقة اتّفاقًا، وفيما لم يتلبّس به بعد - بل سوف يتلبّس به - مجاز كذلك؛ وهذا هو الّذي ذكروه في مبحث المجاز في هذا المقام الّذي كلامنا فيه، وذكره في أحد الموضعين كان مغنيًا عن الذكر في الآخر، فما وجه التكرار؟

لأنّا نقول: يمكن الجواب عن ذلك من وجهين:

الأوّل: أنّ لزوم التكرار ممنوع؛ لأنّ المراد ممّا ذكروا في مبحث المشتقّ هو أنّ إطلاق المشتقّ متى يكون على سبيل الحقيقة ومتى يكون على سبيل المجاز، وما ذكروا في بحث المجاز بيانٌ لما يصحّح المجازيّة، وأين هذا من ذاك؟! إذ بينهما غاية الخلاف، فمِن أين التكرار؟!

والثاني: هو أنّ ما ذكروه في بحث المجاز لا اختصاص له بالمشتقّ، إذ المقصود أنّه يصحّ إطلاق كلّ لفظ على ما يؤول إلى ما وضع ذلك اللفظ له، أعمّ من أن يكون مشتقًّا أو غيره، كإطلاق الحجر على الماء الّذي ينقلب إليه، والهواء على الماء

ص: 154

الّذي ينقلب إليه، ونحوهما.

ثمّ اعلم: إنّ تقييد الوصف في العلاقة المتقدّمة بما لا يمكن بعده العود إلى السابقة غير مرعيّ في هذه العلاقة، فيعمّ الحكم ولو كان الوصف ممّا يمكن بعده العود إلى السابقة أيضًا.

النوع السادس من العلاقة: المجاورة
اشارة

السادس من الطرق المنضبطة: المجاورة، أي كون الشيء مجاورًا لما وضع له اللفظ، فيصحّ إطلاق ذلك اللفظ على ذلك الشيء المجاور.

عقدٌ وحلٌّ

إن قيل: إنّ مجاورة الشيء لآخر لو كان مصحّحًا لإطلاق لفظه عليه، لجاز إطلاق لفظ «المسجد» على البيت الّذي بجواره وبالعكس، أو إطلاق «بيت الخلاء» على البيت وبالعكس، و«الحمّام» عليها وبالعكس، وإطلاق «الإنسان» على الفُرُش المبسوطة في بيته وبالعكس، وإطلاق «القمّل» على الإنسان وبالعكس، وهكذا الكلام في كثير من الأشياء، بل جميعها، إذ ما من شيء إلّا وله مجاور، والتالي باطل؛ لانّا نقطع بعدم الجواز في كثير منها، فالمقدّم مثله، والملازمة بيّنة.

في تحقيق المجاورة وبيان أقسامها

قلنا: تحقيق المقام يقتضي أن يقال: إنّ مجاورة شيء لآخر على أقسام:

الأوّل: أن لا يكون على سبيل الاتّصال به(1) والانضمام معه، كما يقال: فلان

ص: 155


1- «به» لم ترد في «ج».

يرجو في مجاورة الإمام الاستخلاص من العقاب والتوصّل إلى الآمال والثواب، وكما يقال: نعم البيت بيت فلان؛ لأنّه في مجاورة النهر والمسجد والحمّام والسوق، مع أنّه لم يتّصل بشيء منها.

والثاني: أن يكون على سبيل الاتّصال، لكن لا على حدّ الغلبة أو الدوام(1) بحيث أن يكون(2) ملحوظة في الأنظار ومعهودة في الأوهام، كالشبكة والصيد وغيرهما ممّا ينتظم بهذا النظام.

والثالث: أن يكون الاتّصال على سبيل الشيوع أو الدوام، لكن بحيث أن لا يكون ذلك معهودًا في الأنظار ومركوزًا في الخاطر والخيال، كالبيوت المتّصلة بالمساجد ونحوها.

والرابع: أن يكون الاتّصال على النهج المذكور، لكن بحيث يكون ذلك معهودًا في الأنظار ومركوزًا في الخاطر والخيال وملحوظًا ومعمولًا بين الناس، حتّى لو استعمل اللفظ في معناه الموضوع له ينتقل الذهن إلى مجاوره، أو يقرب من ذلك، كالمياه بالنسبة إلى الأنهار والميزاب والعيون ونحوها.

والمصحّح للاستعمال هو القسم الرابع، فلو كان شيء مجاورًا لآخر على النحو المذكور يجوز استعمال لفظه فيه، كقولك: جرى الميزاب وجرت الأنهار.

ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾(3)، بناءً على أنّه جمع للميزان

ص: 156


1- في «ج»: والدوام.
2- كذا في الأصل، والصواب: أن تكون.
3- سورة الأعراف: 8، و سورة المؤمنون: 102.

الّذي [هو] عبارة عمّا يوزن به، والمراد منه في المقام الموزون، ومثله الكلام في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾(1)، وكذا قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا﴾(2)، أي: ماء يشرب منه(3).

وأمّا الأقسام الأُوَل فلا يتصحّح بها الاستعمال؛ لما تقدّم مرارًا من توقيفيّة أمر اللغات، وأنّ التصرّف في الأمور التوقيفيّة لا يجوز إلّا على(4) ما ثبت فيه الرخصة، وأنّ استعمال اللفظ في غير الموضوع له مخالف للأصل، واللازم فيما خالف الأصل الاقتصار على القدر المتيقّن.

وأيضًا المقصود من الاستعمال انتقال السامع إلى المراد، فلو كان المستعمل فيه معناه الموضوع له يتحصّل الغاية للعلم بالوضع، وكذا إذا كان الشيء مجاورًا مع كون المجاورة على النحو الّذي مرّت إليه الإشارة؛ لوجود القرينة الصارفة عن المعنى الموضوع له، فينتقل الذهن إلى مجاوره، وأمّا إذا لم يكن الأمر كذلك، فليس فيه الأمن من انتفاء الغاية، فتأمّل.

ص: 157


1- سورة المؤمنون: 103.
2- سورة الإنسان: 6، وسورة المطفّفين: 28.
3- جاء في حاشية الأصل: إشارة إلى أنّ الباء في «بها» بمعنى «من» التبعيضيّة. منه.
4- «على» لم ترد في «ق».
الكلام في اندراج هذه العلاقة تحت حدّها المتقدّم

بقي الكلام في اندراج هذه العلاقة تحت حدّها المتقدّم، فنقول: لا شبهة في ذلك، سواء أُبقي على ظاهره، أو يحمل(1) على خلافه على ما تقدّم.

لكن على التقديرين لا يخفى ما فيه.

أمّا على الأوّل: فلاستلزامه انتقاض عكس الحدّ بخروج كثير من أنواع العلاقات المعتبرة على ما مرّت إليه الإشارة، وطرده بدخول القسم الثاني والثالث من الأقسام المذكورة للمجاورة، وأمّا على الثاني: فلأنّ عكس الحدّ وإن كان سالمًا، لكن طرده منقوض بجميع الأقسام الثلاثة الأُوَل للمجاورة.

والجواب: أنّا نختار الثاني وندفع انتقاض الطرد، إمّا على نحو تقدّمت إليه الإشارة، أو نقول: إنّ المراد بالمستعمل فيه المأخوذ في الحدّ المذكور هو ما كان مستعملًا فيه من أهل اللغة، وبالجملة: الموارد المتتبّع فيها، ولا شبهة أنّ الموارد الّتي من أقسام المجاورة مقصورة في القسم الرابع منها(2) على ما مرّت في الأمثلة(3) المذكورة، وأمّا الأقسام الثلاثة الأُوَل فهي وإن كانت أقسامًا لمطلق المجاورة، لكنّها ليست ممّا علم الاستعمال من أهل اللغة لأجلها، فتأمّل.

النوع السابع والثامن من العلاقة: الحالّيّة والمحلّيّة
اشارة

السابع والثامن: الحالّيّة والمحلّيّة، فيجوز إطلاق اسم المحلّ على

ص: 158


1- كذا في الأصل، والأولى: حُمِلَ.
2- أي من أقسام المجاورة.
3- في «ق»: المسألة.

الحالّ وبالعكس.

أمّا الأوّل: فقد اشتهر التمثيل له بقوله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾(1)، إذ النادي عبارة عن المجلس، والمراد به في الآية الشريفة أهله الحالّ فيه.

وربما جعل منه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾(2)، إذ المراد بالقرية أهلها الحالّ فيها.

ومن هذا القبيل أيضًا قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾(3)، إذ المهلك والمجيء عليهم العذاب أهل القرية، لا نفسها.

وأمّا الثاني: فقد اشتهر التمثيل له أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ الله﴾(4)، إذ المراد بها الجنّة الّتي تحلّ فيها الرحمة.

تحقيق المقام يستدعي بيان أمور
اشارة

تحقيق المقام وتنقيح المرام يقتضي التكلّم في بيان أمور:

الأوّل: في معنى الحلول وتقسيمه إلى القسمين.

والثاني: في أنّ المصحّح في المجازيّة هل هو قسم واحد منهما، أو هما معًا؟

والثالث: في الفرق بين الحالّ والمحلّ، فبين(5) الجزئيّة والكلّيّة، والظرفيّة

ص: 159


1- سورة العلق: 17.
2- سورة يوسف: 82.
3- سورة الأعراف: 4.
4- سورة آل عمران: 107.
5- في «ق وج»: وبين.

والمظروفيّة، وبينهما وبين المجاورة؛ والتنبيه على عدم صحّة التمثيل بالآيات المذكورة لما نحن فيه.

الأمر الأوّل: في معنى الحلول وتقسيمه إلى القسمين
اشارة

أمّا الأوّل: فقد اختلفت مقالة أرباب العقول في ذلك، فقال بعضهم: إنّ الحلول اختصاص شيء بشيء بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر، كالبياض في الجسم مثلًا، فإنّ الإشارة إليه عين الإشارة إلى الجسم وبالعكس، وكذا الكلام في السواد والحمرة والخضرة والزرقة، فإنّ الإشارة إليها عين الإشارة إلى ما كانت فيها(1).

أورد عليه(2) بانتقاض عكس الحدّ بخروج الصور العلميّة الحالّة في محالّها والأصوات الحالّة في الهواء، وكذلك الأطراف، فإنّ النقطة حالّة في الخطّ والخطّ في السطح، فإنّ الإشارة المأخوذ في الحدّ إمّا عقليّة، أو حسّيّة، لا سبيل إلى الأوّل؛ لوضوح حكم العقل بالمغايرة بين كلّ حال ومحلّ(3)، فلا تكون الإشارة العقليّة بالنسبة إلى أيّ حال كان عين(4) الإشارة إلى محلّه وبالعكس، فتعيّن الثاني.

وحينئذٍ نقول: أمّا خروج الصور العلميّة؛ فلأنّها ليست ممّا تقبل الإشارة الحسّيّة كما لا يخفى، وكذلك الكلام بالنسبة إلى الأصوات، وأمّا خروج الأطراف؛

ص: 160


1- ينظر نهاية المرام: 1/ 293، وإشراق هياكل النور: 75 -76، وشرح عيون الحكمة: 3/ 10، وشرح الهداية الأثيريّة: 33، وكشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 1/ 707.
2- ينظر شرح الهداية الأثيريّة: 33، وكشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 1/ 706-707.
3- في «ج»: والمحلّ.
4- في «ج»: العين.

فلأنّها وإن كانت ممّا تقبل الإشارة الحسّيّة، لكنّ الإشارة إلى الخطّ ليست عين الإشارة إلى النقطة ولا بالعكس؛ وكذا الكلام بالنسبة إلى الخطّ والسطح.

وبانتقاض طرده بحصول الجسم في المكان وبالسرعة بالنسبة إلى الجسم.

أمّا الأوّل: فلأنّ المكان إمّا عبارة عن البعد(1)، أو السطح المحويّ من الجسم الحاوي المماسّ للسطح الظاهر من الجسم المحويّ، وعلى الأوّل قيل: صدق الحدّ عليه ظاهرٌ، وعلى الثاني؛ لأنّ الإشارة إلى الجسم إشارة إلى سطحه وبالعكس، والإشارة إلى سطحه إشارة إلى السطح الّذي هو مكانه؛ لانطباقه عليه.

وأمّا الثاني: فلأنّ السرعة تكون في الجسم بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر.

وأجيب: أمّا عن الانتقاض بالصور العلميّة والأصوات(2)، فبأنّ الإشارة الحسّيّة أعمّ من أن تكون تحقيقيّة أو تقديريّة، بمعنى أنّه لو كان الشيء مشارًا إليه بالإشارة الحسّيّة، لكانت الإشارة إليه عين الإشارة إلى الآخر، فحينئذٍ نقول: إنّ الصوت لو كان مشارًا إليه بالإشارة الحسّيّة، لكان الإشارة إليه عين الإشارة إلى محلّه وبالعكس، وأنّ الصور العلميّة حالّة في النفس، فلو كان شيء منهما قابلًا للإشارة الحسّيّة، لكان الأمر فيه على ما ذكر.

وأمّا عن الانتقاض بالأطراف، فبعدم تسليم عدم صدق الحدّ عليها؛ لأنّ الإشارة إلى الخطّ مثلًا قد تكون بخروج النقطة الموهومة من البصر نحو المشار إليه

ص: 161


1- في «ق»: البعد المجرّد.
2- جاء في حاشية الأصل: مع أنّه يمكن منع صدق الحلول بالنسبة إلى الصور العلميّة والأصوات، فتأمّل. منه.

المرتسمة لخطّ موهوم ممتدّ بامتداد المسافة الواقعة بين المشير والمشار إليه، وينتهي طرفه على نقطة منه(1)، فحينئذٍ تكون الإشارة إلى الخطّ عين الإشارة إلى النقطة، وقد يكون بخروج الخطّ الموهوم المرتسم للسطح الموهوم المنطبق طرفه الّذي هو الخطّ على الخطّ المشار إليه، فحينئذٍ تكون(2) الإشارة إلى الخطّ عين الإشارة إلى النقطة أيضًا.

وكذا الكلام بالنسبة إلى الخطّ والسطح، فإنّ الإشارة إلى السطح قد تكون بامتداد خطّيّ واقعًا طرفه على نقطة منه، وقد يكون بامتداد سطحيّ ينطبق طرفه على خطّ منه، وقد يكون بامتداد جسميّ ينطبق السطح الّذي هو طرفه عليه.

وفيه نظر؛ لأنّ ما ذكر إنّما يقتضي أن تكون الإشارة إلى النقطة عين الإشارة إلى الخطّ وبالعكس إذا كانت الإشارة إلى الخطّ بالنحو الثاني، وأمّا إذا كانت بالنحو الأوّل فلا؛ لوضوح أنّه يمكن الإشارة حينئذٍ بحيث لم يقع طرف الخطّ الموهوم على أحد طرفيه الّذي(3) يكون الكلام فيهما(4)، فحينئذٍ قد تحقّقت الإشارة إلى الخطّ دون الإشارة إلى تلك النقطتين اللّتين أورد الاعتراض(5) بالنسبة إليهما وإن كانت إشارة(6) إلى نقطة موهومة غيرهما.

ص: 162


1- أي من المشار إليه.
2- في «ق»: تكون.
3- في «ق»: الّذي.
4- في «ق»: فيه.
5- في «ج»: اعتراض.
6- في «ج»: الإشارة.

وأيضًا قد تكون الإشارة إلى الخطّ بحيث ينطبق طرف ذلك الخطّ على إحدى النقطتين وليست إشارة إلى النقطة الأخرى، ففي الصورتين قد تحقّقت الإشارة إلى المحلّ مع انتفاء الإشارة إلى الحالّ.

وكذا الكلام في السطح؛ فإنّ الإشارة إلى الخطّ وإن كانت إشارة إلى السطح على فرض التسليم، لكنّ الإشارة إلى السطح لا يلزم أن تكون إشارة إلى ذلك الخطّ؛ لجواز أن تتحقّق الإشارة إلى السطح بالإشارة إلى الخطّ الّذي في الطرف للآخر(1)، فحينئذٍ تتحقّق الإشارة إلى المحلّ مع انفكاكها عن الحالّ.

الحلول على قسمين

فالحقّ في الجواب أن يقال: إنّ الحلول على قسمين: سريانيّ، وهو أن لا يكون شيء من أجزاء المحلّ فارقًا عن الحالّ بأن يكون بإزاء كلّ جزء منه جزء من الحالّ؛ وطريانيّ، وهو أن لا يكون الأمر فيه كذلك، والحدّ المذكور للقسم الأوّل منه، والحلول الّذي في الأطراف من القسم الثاني، فلا يضرّ عدم صدق الحدّ بالنسبة إليها.

وأمّا عن الانتقاض بالطرد، فبعدم تسليم شمول الحدّ- أمّا بالنسبة إلى السرعة والجسم فظاهر؛ لأنّ السرعة غير قابلة للإشارة الحسّيّة، بل المشار إليه هو السريع، وعلى فرض التسليم نقول: إنّ السرعة ليست وصفًا للجسم حقيقة وبالذات، بل وصف للحركة كذلك، وبواسطتها يتّصف الجسم بها، فلا يشمله اختصاص شيء بشيء؛ لأنّ المتبادر منه ما يكون من غير واسطة.

ص: 163


1- كذا في الأصل، وفي «ق»: الآخر، وفي «ج»: الأخرى.

وأمّا بالنسبة إلى المكان؛ فلأنّ المراد من اختصاص شيء بشيء هو أن يكون الشيء الأوّل وصفًا للشيء الثاني، كالبياض بالنسبة إلى الجسم؛ وليس الجسم بالنسبة إلى المكان كذلك، وإلّا يلزم امتناع مفارقة الجسم عن المكان؛ لامتناع مفارقة الصفة عن الموصوف مع بقاء الصفة بحالها، نعم، يجوز زوال الصفة وانعدامها.

تعريف آخر للحلول

وقال بعض آخر:

الحلول هو الاختصاص الناعت، أي التعلّق الخاصّ الّذي يصير به أحد المتعلّقين نعتًا للآخر والآخر منعوتًا به، والأوّل -أعني النعت- حال، والثاني -أعني المنعوت- محلّ(1).

ولا يخفى أنّ المراد إمكان اشتقاق اسم من ذلك وجعله نعتًا للآخر كالبياض مثلًا، فإنّه يمكن أن يشتقّ منه أبيض، فيقال: «الجسم الأبيض»، لكن يرد على طرده نحو: «زيد متموّل» و«الجسم متمكّن» وأمثالهما، إلّا أن يدفع ذلك بمثل ما تقدّم، فيرجع إلى التعريف الأوّل.

وربما قيل في تفسيره شيء آخر، إلّا أنّه يرجع في المآل إلى الأوّل أيضًا، فلا يحتاج إلى الذكر.

ص: 164


1- ينظر المحاكمات بين شرحي الإشارات: 2/ 103، وإشراق هياكل النور: 76، وشرح الهداية الأثيريّة: 33، والحكمة المتعالية: 1/ 231، وكشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 1/ 716 -717.
الأمر الثاني: في أنّ المصحّح للتجوّز هو القسم الأوّل منهما فقط

وأمّا الكلام في الأمر الثاني، فاعلم: أنّك قد عرفت أنّ الحلول على قسمين، والظاهر أنّ المصحّح للتجوّز هو القسم الأوّل منهما، لا القسمان معًا، لما عرفت مرارًا أنّ أمر اللغات توقيفيّ، والتصرّف في الأمور التوقيفيّة إنّما يكون على وفق ما ثبت فيه الرخصة، والقدر الثابت فيما نحن فيه هو ما كان الحلول سريانيًّا لا مطلقًا. وأيضًا استعمال اللفظ في غير ما وضع له خلاف الأصل، واللازم فيما خالف الأصل الاقتصار على القدر المتيقّن.

الأمر الثالث: في الفرق بين الحالّ والمحلّ والكلّيّة والجزئيّة والظرف والمظروف والمجاورة
اشارة

وأمّا الكلام في الأمر الثالث، فنقول: إنّ الفرق بين الحالّ والمحلّ وبين الكلّ والجزء من وجوه بعضها مطّرد بخلاف الآخر.

أمّا الأوّل: فهو أنّ الجزء هو الّذي له مدخل في قوام الكلّ، بخلاف الحالّ، فإنّ الأمر فيه ليس كذلك، والكلّ هو الّذي يتقوّم بالجزء وينتفي بانتفائه، بخلاف المحلّ.

وأيضًا الجزء هو الّذي له تقدّم بالطبع على الكلّ، وهو الّذي له تأخّر كذلك عن الجزء، بخلاف الحالّ والمحلّ، فإنّ الأمر فيهما متعاكس، إذ المحلّ له تقدّم على الحالّ.

إن قيل: إنّ الكلّ على قسمين، أحدهما: يوجد(1) أجزاؤه في الخارج على

ص: 165


1- كذا في الأصل، والصواب: توجد.

الانفراد، ثمّ بالاجتماع يتحصّل الكلّ؛ والثاني: ليس الأمر فيه كذلك، كالإنسان مثلًا، بأنّ الرقبة(1) ليس لها تقدّمٌ عليه في الخارج(2).

قلنا: الحالّ والمحلّ أيضًا كذلك، إذ قد يكون للمحلّ وجود في الخارج منفردًا عن الحالّ، كالثياب المصبوغة مثلًا، وقد لا يكون كذلك، كالجسم الأبيض ونحوه، ولكن لمّا لوحظت جهة التوقّف والافتقار، حكم بتقدّم الجزء على الكلّ مطلقًا والمحلّ على الحالّ كذلك.

وأمّا الثاني: فهو أنّ الإشارة إلى الجزء ليست(3) عين الإشارة إلى الكلّ ولا العكس، فإنّ الإشارة إلى الرقبة تغاير الإشارة إلى الإنسان وبالعكس، بخلاف الحالّ والمحلّ، فإنّ الأمر فيه على ما عرفت.

وإنّما حكمنا بعدم اطّراده؛ لأنّ الجزء قد لا يبقى بحيث يمكن الإشارة الحسّيّة إليه، كالخلّ مثلًا بالنسبة إلى السكنجبين.

الفرق بين الحالّ والمحلّ وبين الظرف والمظروف

وأمّا الفرق بينهما وبين الظرف والمظروف، فهو أنّ الحال والمحلّ هما اللّذان موجودان بوجود واحد كالسواد ومحلّه، بخلاف الظرف والمظروف، فإنّهما موجودان بوجودين.

وأيضًا أنّ وجود المحلّ موقوف عليه لوجود الحالّ، بخلاف الظرف بالنسبة إلى

ص: 166


1- في «ج»: الرقبة.
2- حقّ العبارة هكذا: فإنّ الرقبة ليس لها تقدّم عليه في الخارج.
3- في «ق»: ليست.

المظروف، فإنّ وجوده لم يتوقّف على وجوده.

الفرق بين الحالّ والمحلّ وبين المتجاورين

وأمّا الفرق بينهما وبين المتجاورين، فكالفرق بينهما وبين الظرف والمظروف وقد عرفت.

الفرق بين الظرف والمظروف وبين المتجاورين

بقي الكلام في الفرق بين الظرف والمظروف وبين المتجاورين، فنقول: إنّ الظرف والمظروف(1) هما اللّذان يكون وضع أحدهما(2) لتقرّر الآخر فيه، بخلاف المتجاورين، فإنّ الأمر فيهما ليس كذلك.

وبالجملة: المجاورة بالنظر إلى معناها اللغويّ وإن كان أعمّ، فتكون النسبة بين الظرف والمظروف والمتجاورين عموم(3) مطلقًا؛ لأنّ كلّ ظرف ومظروف يصدق عليهما أنّهما متجاوران(4)، وبعض المتجاورين لا يصدق عليهما أنّهما ذلك، فيكون

ص: 167


1- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): ليس المقصود تعريف الظرف والمظروف بما ذكر، فإنّ الماء متقرّر في الحياض والآبار ونحوهما، مع أنّ شيئًا منها لا تسمّى ظرفًا؛ وكذا الجنازة، فإنّها اسم للشيء المعلوم الّذي يحمل به الميّت ولا يسمّى ظرفًا أيضًا، وإن أردت تعريف الظرف قلت: إنّه عبارة عمّا كان على هيئة مهيّئة لتقرّر الآخر فيه، وذلك الآخر يسمّى مظروفًا.
2- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): أي الظرف.
3- كذا في الأصل، والصواب: عمومًا.
4- جاء في حاشية الأصل: يمكن المناقشة في إطلاق المجاورة على الظرف والمظروف في العرف والعادة، بل الظاهر عدم إطلاقهم المجاورة على المشتمل والمشتمل فيه والمحيط والمحاط، بل يطلقون ذلك على الشيء الخارج المتّصل بالشيء، أو القريب منه. منه.

ذكر المجاورة مغنيًا عن ذلك.

ولعلّه لهذا لم يتعرّض جميعهم في بيان العلائق المصحّحة للتجوّز للظرف والمظروف، لكن بالنظر(1) إلى الأمثلة المتقدّمة يمكن الافتراق(2) بينهما بما ذكر، فتأمّل.

التنبيه على عدم صحّة التمثيل بالآيات المذكورة لما نحن فيه

وأمّا التمثيل في الآية(3) الأولى وكذا الثانية والثالثة لإطلاق اسم المحلّ على الحالّ، فغير صحيح، بناءً على ما عرفت من معنى الحلول، إذ ليس أهل المجلس حالًّا فيه ولا أهل القرية حالًّا فيها، إلّا أن يقال: إنّ ذلك بحسب الدقائق الحكميّة، ومعنى الحلول بحسب العرف والعادة أعمّ منه، وابتناء القواعد اللفظيّة على الدقائق الحكميّة ممّا لا وجه له.

لكن لا شبهة في عدم إطلاق الحلول في العرف على أهل المجلس بالنسبة إليه ولا على أهل القرية بالنسبة إليها، فلا يقال: أهل المجلس حالّ فيه، ولا أهل القرية حالّ فيها، فالتمثيل بالآيات المذكورة لتسمية الحالّ باسم المحلّ غير مطابق، بل الظاهر أنّها من باب الإضمار والحذف، فالتقدير في الآية الأولى: فليدع أهل ناديه، وفي الثانية: واسأل أهل القرية، وفي الثالثة: وكم من قرية أهلكنا أهلها فجاء أهلها بأسنا، أو: وكم من أهل قرية أهلكناهم فجاءهم بأسنا.

ص: 168


1- في «ق»: النظر.
2- كذا في الأصل، والأولى: التفرقة.
3- كذا في الأصل، والصواب كما في باقي النسخ: بالآية.

إن قيل: يجب الرجوع في القواعد اللفظيّة إلى العرف والعادة، ولا ريب في أعميّة المحلّ عندهم ممّا تقدّم، ألا ترى أنّهم يشيرون إلى مكان معيّن(1) ويقولون:

هذا محلّ فلان، وكذا محلّ فلان في بغداد، أو بلد كذا، أو قرية كذا، أو سوق كذا، وأمثالها.

وأيضًا يفسّرون المذبح بمحلّ الذبح، والمخرج بمحلّ الخروج، والمقتل بمحلّ القتل، وهكذا، مع أنّه ليس شيء من هذه الأشياء حالًّا ومحلًّا بالمعنى المتقدّم، فيعلم من ذلك أعميّة المحلّ عندهم، ويتصحّح بذلك كلام مَنْ جعل الآيات المذكورة من باب تسمية الحالّ باسم المحلّ، فيندفع الإيراد.

قلنا: أمّا تفسير أسماء المكان بمحلّ الذبح مثلًا، فغير مسلّم، بل إنّها مفسّرة بمكان الذبح ومكان الخروج وهكذا، ويؤيّد ذلك قول أئمّة الصرف حيث سمّوها بأسماء المكان، لا المحلّ؛ وعلى تقدير التسليم لا يجدي نفعًا لما يأتي.

وأمّا إطلاق المحلّ في قولهم: هذا محلّ فلان ونحوه، فهو وإن كان مسلّمًا، لكنّه بانفراده غير حاسم للإشكال؛ إذ لا بدّ من إطلاق الحالّ على الأشياء الواقعة فيها أيضًا حتّى يصدق إطلاق اسم المحلّ على الحالّ، وهو بديهيّ الفساد، إذ لا شبهة في استنكاف قول من قال: فلان حالّ في هذا المكان، أو الذبح حالّ في ذلك المكان، ونحوهما.

لا يقال: إنّ جواز إطلاق المحلّ في المواضع المذكورة يستلزم جواز إطلاق الحالّ على الأمور الواقعة فيها، إذ المحلّ اسم لما وقع عليه الحلول.

ص: 169


1- «معيّن» لم ترد في «ج».

لأنّا نمنع الملازمة، بل نقول: إنّ ذلك مبنيٌّ على بقاء ذلك الاسم على معناه الوصفيّ، وهو غير مسلّم؛ لجواز كونه من باب غلبة الاسميّة على الوصفيّة، بل الظاهر ذلك، إذ لو كان ذلك باقيًا على معناه الوصفيّ؛ لما كان إطلاق لفظ الحالّ على الأمور الواقعة فيها مستكرهًا، والتالي باطل، ضرورة استحسان الإنكار على القائل بأنّ أهل القرية حالّ فيها ونحوه، فالمقدّم مثله، والملازمة بيّنة، فذلك قرينة ظاهرة على عدم بقاء المحلّ على معناه الوصفيّ.

فيعلم من ذلك أنّ للفظ «المحلّ» عندهم إطلاقين:

أحدهما: هو ما تقدّم، كأبيض مثلًا، وهو يستلزم جواز إطلاق الحالّ على البياض.

والثاني: مرادفة المكان، لكن لم يثبت استعمال لفظ «الحالّ» بمعنى الكائن و«الحلول» بمعنى الكون، فلا يكون للفظ «الحالّ» إلّا معنى واحد، ولمّا كان الكلام في تسمية الحالّ باسم المحلّ، يجب أن يكون ذلك فيما يصدق الحاليّة والمحلّيّة؛ وقد عرفت أنّه إنّما يكون بالمعنى المتقدّم دون غيره، وعدم الثبوت كافٍ في أمثال المقام.

وأمّا التمثيل بآية الرحمة لتسمية المحلّ باسم الحالّ، فغير مطابق أيضًا، إذ الرحمة غير حالّة في الجنّة، حتّى يقال: إنّه من باب إطلاق اسم الحالّ على المحلّ، بل الرحمة واردة في الجنّة على الساكنين فيها، وإنّما تكون الجنّة(1) حينئذٍ مكانًا لورود الرحمة على عباده الّذين يرجون رحمة ربّهم، لا محلًّا لحلول الرحمة فيها، والقدر الثابت في إطلاق اسم الحالّ على المحلّ هو أن يكون من هذا الباب كما عرفت.

ص: 170


1- «الجنّة» لم ترد في «ق».
رفع إبهام لتتميم مرام

إن قلت: إن لم تكن الآية الشريفة من باب تسمية المحلّ باسم الحالّ، فما [هو] مصحّح إطلاق لفظ «الرحمة» على الجنّة؟

قلت: يمكن أن تكون تلك المشابهة، فيكون الكلام من باب الاستعارة للمبالغة في مدح الجنّة حتّى كأنّها نفس الرحمة، فنحن وإن كنّا موافقين معهم في أصل المعنى الّذي ذكروه في بيان الآية الشريفة. لكنّا معرضون عمّا ذكروا في تصحيح الاستعمال فيها.

على أنّه يمكن المناقشة في ارتكاب أصل التجوّز في الآية الشريفة.

بيان ذلك هو أن يقال: إنّ «الرحمة» في اللغة رقّة القلب وانعطاف يقتضي التفضّل والإحسان(1)، لكن إذا نسبت إلى الله تعالى يراد بها برّه وإحسانه؛ لأنّ أسماءه تعالى تؤخذ باعتبار الغايات الّتي هي الأفعال، دون المبادئ الّتي هي الانفعالات - كما فصّلنا في «الحلية اللامعة»(2)، من أراد الاطّلاع فليطلب إليه المراجعة - وإليه الإشارة بقول أهل العرفان: «خذ الغايات واترك المبادي»(3).

فعلى هذا نقول: إنّ أصل الجنّة رحمة الله سبحانه؛ لكونها برّه(4) وإحسانه تعالى على عباده، فلا حاجة إلى ارتكاب الحاليّة والمحليّة، ولا إلى المشابهة والاستعارة بالوجه الّذي مرّت إليه الإشارة.

ص: 171


1- ينظر: الصحاح: 5/ 1929 «رحم»، ولسان العرب: 12/ 231، والفروق اللغويّة: 251.
2- الحلية اللامعة، للمصنّف (قدس سره): 1/ 108- 109.
3- ينظر أسرار الحكم: 52.
4- «لكونها برّه» لم ترد في «ق».

نعم، يمكن حمل الكلام على المبالغة بوجه آخر، وهو أن يقال: إنّ الجنّة على هذا تكون فردًا من أفراد رحمته سبحانه، وإطلاق «الرحمة» عليه(1) حينئذٍ على سبيل الإطلاق، إمّا للمبالغة على عِظَمِ نفسها وجلالة شأنها، أو لاستلزامها التشرّف بأنواع رحمة الله سبحانه وأقسام نِعَم الله عزّ شأنه، حتّى كأنّها نفس الكلّ.

اللّهمّ اجعل ختامنا بمشارفة فردوسك، كما اختتم كلامنا بوصف جنّتك، وأزل حلول معاصيك عن نفوسنا، كما أزلنا القول الموهم(2) لسلب(3) الرحمة عن جنّتك، وافرق بيننا وبين أعدائك كما افترقنا المغايرة بين رحمتك وجنّتك بمحمّد وآله الحالّين في طاعتك، بل المحلّين لها.

الاشتراك في المحلّ لا يكون مصحّحًا للتجوّز
تنبيه تفريعيّ

اعلم: أنّ الفاضل العضديّ قال عند تعميم المجاورة:

وهذا يعمّ ما يكون أحدهما في الآخر.

إلى أن قال:

وما لا يكون كذلك، بل هما في محلّ واحد، أو في محلّين، أو حيّزين

ص: 172


1- كذا في الأصل، والصواب: عليها.
2- جاء في حاشية الأصل: لأنّ القول بأنّ قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ الله﴾ [سورة آل عمران: 107] من إطلاق «الرحمة» على الجنّة وأنّه من باب إطلاق الحالّ، ظاهره يوهم أنّ نفس الجنّة ليست من رحمة الله سبحانه. منه.
3- في «ق»: لسبب.

متقاربين(1)، انتهى.

ولا يخفى أنّ المرجع لضمير التثنية في كلامه المعنى الحقيقيّ والمجازيّ، يعني أن يكون المعنى الحقيقيّ والمجازيّ في محلّ واحد، إلخ.

تحقيق المقام يستدعي بيان أمور
اشارة

تحقيق المقام يقتضي التكلّم في كلّ من الأمور الثلاثة، فأقول:

الأمر الأوّل: في كون المعنى الحقيقيّ والمجازيّ في محلّ واحد

أمّا الأوّل: فقد مثّل له بتسمية الإيمان أو العلم بالحياة، وبتسمية الكفر أو الجهل بالموت؛ وحمل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾(2).

ونحن نقول: أمّا التمثيل بتسمية العلم أو الإيمان بالحياة، فلا بأس به(3)، وأمّا التمثيل بتسمية الكفر أو الجهل بالموت فغير مطابق؛ لأنّ المدّعى إطلاق لفظ أحد الحالّين في محلّ على الحالّ الآخر منهما، والموت ليس حالًّا في النفس كالجهل أو الكفر، بل هو يتحقّق بقطع علاقتها من البدن العنصريّ، فلا دخل له لما نحن فيه.

ثمّ إنّ العلاقة على هذا العنوان لم تحضر في البال المتعرّض لها من الأعلام، ولم يكن لديّ كتب الأصول عند تدوين هذه الرسالة حتّى تتيسّر المراجعة، لكن عدّة من الكتب الموجودة كانت عنها خالية مع أنّه استقصي في بعضها ذكر أنواع

ص: 173


1- شرح مختصر المنتهى: 1/ 517.
2- سورة الأنعام: 122.
3- جاء في حاشية الأصل: مع إمكان المناقشة فيه أيضًا، لحلول الحياة في جميع البدن بخلاف العلم. منه.

العلائق الخمس والعشرين بأجمعها.

فلهذا نبني الكلام على عدم التعرّض لها، فنقول: عدم تعرّضهم لها إمّا لعدم كون اشتراك الحالّين في محلّ مصحّحًا للتجوّز عندهم، أو لإدراجهم إيّاه تحت بعض آخر من العلائق المذكورة؛ بمعنى أنّ بعضًا ممّا ذكروه كان أعمّ من ذلك، فاستغنوا بذكر العامّ عن ذكر الخاصّ، أو لغفلتهم عنه وعدم تنبّههم له مع كونه مصحّحًا كغيره من أنواع العلائق، أو للمسامحة مع كونه مصحّحًا للتجوّز عندهم وتنبّههم له.

والأخيران بعيدان، أمّا الأوّل: فلأنّهم مع تبحّرهم في العلوم ونهاية اطّلاعهم على استعمالات الفصحاء وغاية مزاولتهم لمخاطبات البلغاء، لو كان ذلك لاطّلعوا عليه وتظافروا به(1)، فالحكم بغفلة الجميع خارج عن الإنصاف ومهجور عن الصواب.

وأمّا الثاني: فلغاية اهتمامهم في ضبط العلوم ونهاية جهدهم في جمع القواعد والرسوم، كما لا يخفى على المطّلع بكتبهم والعارف بسيرتهم.

ومع ذلك احتمال المسامحة في مثل هذه الأمور العظيمة ممّا لا وجه له، فتعيّن أن يكون عدم الذكر إمّا لعدم كونه مصحّحًا للتجوّز عندهم، أو لشمول ما ذكروه له، أمّا الأوّل فلا بأس به، وعلى من ادّعى الثبوت الإثبات، إذ للمانع يكفي الاحتمال، وأمّا الثاني فليس القابل للشمول من العلائق المذكورة غير المشابهة والمجاورة كما لا يخفى على من له أدنى دربة.

وأمّا المشابهة فكذلك أيضًا، إذ لا يلزم أن يكون الحالّان في محلّ بحيث يكون

ص: 174


1- كذا في الأصل، والصواب: وظفروا به.

أحدهما مشابهًا للآخر، فحينئذٍ يكون بين العلاقة المشابهة وما نحن فيه عموم من وجه، والاستغناء بذكر العامّ عن الخاصّ إنّما هو إذا كان العامّ أعمّ مطلقًا والخاصّ أخصّ كذلك كما لا يخفى.

نعم، إنّما يمكن ذلك إذا قيّد الحالّان بما إذا كان أحدهما مشابهًا للآخر، فحينئذٍ يندرج تحت المشابهة ويصحّ التجوّز، لكن لا لأجل الاشتراك في المحلّ كما يوهمه كلام ذلك الفاضل(1)، بل لأجل المشابهة، وعليه يحمل إطلاق «الموت» على الجهل أو الكفر، و«الحياة» على العلم أو الإيمان كما في الآية الشريفة.

وأمّا المجاورة فهي وإن عمّمها ذلك الفاضل بحيث تشمل ما نحن فيه أيضًا بناءً على زعمه، لكنّ التحقيق أنّه ليس كذلك؛ لأنّ الحالّين قد يكونان مثل العلم والحياة والجهل والكفر وأمثالها، والمجاورة غير صادقة في حقّها، كما يظهر عند المراجعة إلى الوجدان وتتبّع العرف والاستعمال.

نعم، قد تكونان مثل البياض والسواد في الجسم الأبلق، وهذا القسم وإن صدقت المجاورة اللغويّة عليه، لكنّه ليس من كون الحالّين في محلّ؛ لثبوت المغايرة بين محلّ كلّ من السواد والبياض، ولا ممّا أظنّ أن يصحّ به التجوّز على ما تقدّم تحقيقه.

وكان الموجب لذلك الفاضل في الحكم بكون الحالّين في محلّ مصحّحًا للتجوّز، هو أنّه رأى في كلمات البلغاء استعمال «الحياة» في العلم و«الموت» في الجهل، ونحوهما، ولم يظهر له شمول ما ذكروه في أنواع العلائق له، أراد أن يعنون لذلك عنوانًا ينضبط به أمره، فقال: أو هما في محلّ(2).

ص: 175


1- المقصود هو الفاضل العضديّ، تمّ تخريجه ص173.
2- شرح مختصر المنتهى: 1/ 517.

ولعلّ وجه عدم شمول المشابهة له عنده هو أنّ ظاهر المشابهة أن يكون هناك ذات متّصفة بصفة وذات أخرى لاتّصافها بها يحصل لها المشابهة، وهذا إنّما يتصوّر في الجواهر ليمكن الاتّصاف بالصفة، وما نحن فيه ليس كذلك كما لا يخفى.

أو أنّ مطلق الشباهة غير مصحّح للتجوّز، بل الشباهة في الصفة الظاهرة على ما مرّ الكلام فيه(1)، وهي منتفية هنا، لا مطلق الشباهة.

أو أنّ مقصوده التنبّه على أنّه كما يتصحّح التجوّز بالعلاقات المقرّرة عندهم، يتصحّح أيضًا بكون الحالّين في محلّ مطلقًا وإن انتفت بينهما المشابهة.

وفي الجميع نظر، أمّا في الأوّل: فلأنّه مبنيّ على عدم جواز قيام العرض بالعرض، وهو فاسد كما بيّن في محلّه(2).

وأمّا في الثاني: فلأنّ الشباهة بين العلم والحياة والجهل والموت ليست أخفى(3) من كثير من المواضع الّتي تجوّزوا فيها لتحقّق الشباهة، كما لا يخفى على المطّلع بمباحث البيان وأشعار الفصحاء.

وأمّا في الثالث: فلما تقدّم مرارًا من توقيفيّة أمر اللغات، فعلى من ادّعى ثبوت الرخصة(4) الإثبات: على أنّه لو جاز ذلك؛ لصحّ إطلاق اسم الكفر على الحياة والعلم على الكفر ونحوهما، مع أنّ ثبوت الاستعمال في أمثال ذلك غير واضح، وعدم الثبوت كافٍ في المقام، ولا يكفي مجرّد الاحتمال، والله عالم بحقيقة الحال.

ص: 176


1- تقدّم في ص144.
2- تقدّم في ص104.
3- في «ق»: أخصّ.
4- كصاحب قوانين الأصول: 25.
الأمر الثاني: في كون المعنى الحقيقيّ والمجازيّ في محلّين

وأمّا الأمر الثاني: أي كون المعنى الحقيقيّ والمجازيّ في محلّين، فنقول: الظاهر أنّ قوله: «متقاربين»، مأخوذ هنا أيضًا، وإلّا يلزم جواز إطلاق اسم أيّ حالّ كان على الحالّ الآخر، والضرورة قاضية بفساده، فالمقصود أنّ كون الحالّين في محلّين متقاربين يصحّح إطلاق لفظ أحدهما على الآخر، كما يقال لكلام الوزير: إنّه كلام الأمير.

ثمّ إنّه يرد في هذا ما أوردناه فيما قبله من أنّ العلاقة على هذا العنوان لم يحضر في البال(1) المتعرّض لها من الأعلام، وأنّ عدم التعرّض مبنيٌّ على أحد الأمور المتقدّمة وقد علم الكلام فيها، فلا يحتاج إلى الإعادة، إلّا أنّ شمول المجاورة في كلامهم لما نحن فيه أقرب من شمولها لما قبله كما لا يخفى.

لكن يمكن الجواب عنه أيضًا بأنّ المجاورة بين الحالّين في محلّين متقاربين بواسطة التقارب بين محلّيهما، والظاهر من المجاورة ما يكون من غير واسطة، مضافًا إلى ما تقدّم في تحقيق المجاورة، فالحقّ أنّ كون الحالّين في محلّين متقاربين مصحّحًا للتجوّز غير ثابت، وعلى المدّعي للثبوت الإثبات، وأنّ إطلاق كلام الأمير على كلام الوزير مبنيّ على المشابهة.

الأمر الثالث: في كون المعنى الحقيقيّ والمجازيّ في حيّزين متقاربين

وأمّا الأمر الثالث: أي كون المعنى الحقيقيّ والمجازيّ في حيّزين متقاربين، فتوضيح الحال فيه يقتضي بيان الفرق بين المحلّ والحيّز، فنقول على سبيل الإجمال:

ص: 177


1- كذا في الأصل، والصواب: بال.

إنّ المحلّ هو ما كان مقوّمًا للحالّ وأنّ الإشارة إليه عين الإشارة إليه، بخلاف الحيّز، فإنّه ليس مقوّمًا للمتحيّز فيه ولا تكون الإشارة إليه عين الإشارة إلى المتحيّز(1)؛ لكونهما موجودين بوجودين متمايزين(2).

ثمّ إن كان المراد منه المجاورة بالمعنى المتقدّم، فلا كلام فيه، وإلّا يكون الأمر فيه كسابقيه، فلا حاجة إلى الذكر والإعادة؛ لكفاية ما مرّت إليه الإشارة.

النوع التاسع والعاشر من العلاقة: العلّيّة والمعلوليّة
اشارة

التاسع والعاشر: العلّيّة والمعلوليّة، فيطلق اسم العلّة على معلولها وبالعكس.

في تعريف العلّة التامّة والناقصة

تحقيق المقام يقتضي التكلّم فيهما وفي أقسامهما، ثمّ الإشارة إلى المطلوب، فنقول: إنّ العلّيّة منقسمة إلى تامّة وناقصة، وعرّف بعضهم الأولى: بأنّها جميع ما يتوقّف عليه وجود شيء، تدخل فيه الشرائط والآلات وعدم الموانع، والثانية: بأنّها بعض ما يتوقّف عليه وجوده(3).

وفيه بحث؛ لأنّ ظاهر هذا التعريف يعطي انحصار العلّة التامّة في المركّب، وهو فاسد؛ لوضوح أنّ العلّة التامّة قد تكون بسيطة، فينتقض عكس الحدّ بخروج العلّة التامّة البسيطة.

ص: 178


1- جاء في حاشية الأصل: فيه أنّ الهيولي محلّ للصورة وليست مقوّمة لها. منه.
2- ينظر كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 1/ 725.
3- ينظر إيضاح المقاصد: 94، ومطالع الأنظار: 68، وحاشية المحاكمات: 287، والإشارات والتنبيهات: 3/11، وشرح مطالع الأنوار: 92، والجوهر النضيد: 206.

إن قيل: لا نسلّم إمكان بساطة العلّة؛ لأنّ ما لا ينفك عنه أيّة علّة فرضت اعتبار إمكان المعلول معها، فيلزم التركيب.

قلنا: هذا ليس بشيء، أمّا أوّلًا: فلأنّ اعتبار إمكان المعلول مع العلّة ليس موقوفًا عليه المعلول؛ إذ الموقوف عليه له إمكانه النفس أمريّ، سواء اعتبره المعتبر أم لا.

وأمّا ثانيًا: فلما قيل: إنّ الإمكان وصف المعلول؛ لأنّه علّة حاجته إلى العلّة، فالشيء ما لم يعتبر متّصفًا به لم يطلب له علّة، فالإمكان مأخوذ في جانب المعلول، فنحن نأخذ شيئًا ممكنًا، ثمّ نطلب له سببًا وعلّة، ولا شكّ أنّه لا يعتبر مع ذلك السبب إمكان المعلول مرّة أخرى.

وأيضًا أنّ المركّب لتحقّق التركيب فيه يكون ممكنًا، وكلّ ممكن يفتقر إلى علّة تامّة، فلا بدّ أن ينتهي إلى علّة بسيطة لبطلان التسلسل، فالحقّ أن يقال: إنّ ما يتوقّف عليه الشيء علّة تامّة إن لم يتوقّف ذلك الشيء على أمر خارج عنه، وناقصة إن توقّف، وبعبارة أخرى: إنّ ما يتوقّف عليه الشيء إن استقلّ في تحقّقه فتامّة، وإلّا فناقصة(1).

في أقسام العلّة الناقصة

ثمّ العلّة الناقصة منقسمة إلى أربعة أقسام: المادّيّة والصوريّة والفاعليّة والغائيّة؛ لأنّها لا تخلو إمّا أن تكون جزءًا للمعلول، أو لا، والأوّل إمّا أن يكون المعلول معه بالقوّة، أو بالفعل.

ص: 179


1- ينظر شرح كتاب القبسات: 164- 165، وكشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 2/ 1209.

والأوّل هو الأوّل، كالخشب بالنسبة إلى السرير، والطين بالنسبة إلى الكوز، والثاني هو الثاني، كصورة السرير، فإنّ وجودها لا ينفكّ عن وجود السرير، فوجوده معها بالفعل، لكن لا بها فقط؛ لأنّ المفروض أنّ العلّة الصوريّة من أقسام العلل الناقصة، بل بها وبسائر أقسام العلل.

إن قيل: إنّ انحصار جزء الماهيّة في المادّة والصورة ممنوع؛ لوضوح أنّ من أجزائها الجنس والفصل، وليس شيء منهما مادّة ولا صورة(1).

قلت: قد أجيب عنه بأنّ هذه القسمة ليست لمطلق أجزاء الماهيّة، بل لأجزائها الخارجيّة، والجنس والفصل ليسا كذلك، بل من الأجزاء العقليّة التحليليّة.

وفيه نظر، فالحقّ أن يجاب بعدم تسليم خروجهما عن المادّة والصورة؛ لما ذكروا من أنّ الجنس إذا أخذ بشرط أن لا يكون معه فصل يكون مادّة، والفصل إذا أخذ بشرط أن لا يكون معه جنس يكون صورة، وإذا أخذ كلّ منهما لا بشرط شيء كان الأوّل جنسًا والثاني فصلًا(2).

لا يقال: المأخوذ لا بشرط شيء جزء للماهيّة، مع أنّه ليس بمادّة ولا صورة، فبطل الانحصار.

ص: 180


1- جاء في حاشية الأصل: ولا يخفى عليك أنّه ليس المراد من المادّة والصورة في المقام ما يخصّ الأجسام من المادّة والصورة الجوهرتين، بل ما يعمّهما وغيرهما من الجواهر والأعراض الّذي يكون الشيء معه بالقوّة أو بالفعل، إذ المراد بالصورة في هذا المقام ما يكون الشيء معه بالفعل، فإن كان لعنصر ذلك الشيء قوام بدونه، تكون تلك الصورة عرضًا، كالصورة الّتي للكوز، وذلك الشيء يسمّى بالموضوع؛ وإن لم يكن له قوام إلّا به - كالنفس الّتي للحيوان - تكون تلك الصورة جوهرًا وصورة باصطلاح آخر، وذلك الشيء يسمّى بالمادّة والهيولى. منه.
2- ينظر المواقف: 1/ 426، وحكمة العين وشرحه: 175.

لأنّا نقول: إنّهم صرّحوا بأنّ الجنس والفصل إن أخذا لا بشرط شيء يمكن أن يحمل كلّ منهما على الماهيّة، فيعلم منه أنّهما بهذا الاعتبار ليسا جزأين؛ لوضوح عدم حمل الجزء على كلّه.

وما يقال من أنّ الجنس جزء للماهيّة وكذا الفصل، فإنّه لم يكن المراد منه ظاهره، بل المراد أنّهما جزءان إذا أخذا باعتبار آخر، أي بشرط لا، لا بهذا الاعتبار الّذي هو لا بشرط شيء، فلا إشكال من هذه الجهة.

نعم، يتوجّه الإشكال من وجه آخر، وهو أنّ حصر المادّة في جزء الماهيّة فاسد؛ لأنّهم ذكروا في أمثلة المادّة «اللوح» للكتابة، و«الوادي»(1) للماء، ونحوهما، مع أنّ «اللوح» ليس جزءًا للكتابة ولا «الماء» للسيلان.

فالحقّ أن يقال في تعريفها ما ذكره بعض المحقّقين، وهو أنّ العلّة المادّيّة ما يكون الشيء معه بالقوّة، أي يكون فيه قوّة قبول المعلول، سواء كان جزءًا له، أو لا كما عرفت؛ ولهذا(2) يسمّى بالعلّة القابلة أيضًا.

والثاني - أي ما لا يكون جزءًا للمعلول، بل كان خارجًا عنه -، لا يخلو إمّا أن يكون منه وجود المعلول، كالنجّار بالنسبة إلى السرير، والفاعل للكوز بالنسبة إليه، فهي العلّة الفاعليّة؛ أو لأجله وجودُه، فهي العلّة الغائيّة(3)، الجلوس على

ص: 181


1- جاء في حاشية الأصل: في قولهم: سال الوادي. منه.
2- جاء في حاشية الأصل: أي: ولأنّ في العلّة المادّيّة قوّة قبول المعلول. منه.
3- جاء في حاشية الأصل: ويسمّى بالغرض بالنسبة إلى الفاعل، فالغرض والعلّة الغائيّة متّحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار، فمن حيث نسبة الجلوس إلى الفاعل يكون غرضًا له، ومن حيث نسبته إلى السرير يكون علّة غائيّة له. منه.

السرير بالنسبة إليه، وهو علّة فاعليّة لعلّيّة الفاعل للمعلول أيضًا؛ لوضوح أنّ النجّار يتصوّر أوّلًا جلوس الأمير على السرير، فيوجب ذلك التصوّر إقدامه على إيجاده في الخارج، ومعلولة أيضًا بالنسبة إلى المعلول، فلها وصف المعلوليّة والعلّيّة الفاعليّة والغائيّة باعتبارات مختلفة.

فالجلوس مثلًا من حيث الوجود الذهنيّ علّة فاعليّة بالنسبّة إلى اتّصاف الفاعل بوصف العلّيّة للسرير، فيتّصف بوصف العلّيّة الفاعليّة، وموجب لإقدامه على إيجاده في الخارج، فيتّصف بوصف العلّيّة الغائيّة، ومن حيث الوجود الخارجيّ معلول للسرير؛ لوضوح أنّ الجلوس في الخارج عليه(1) إنّما يتحقّق بعد وجوده(2)، هذا ملخّص ما ذكروه.

وفيه نظر؛ لأنّه لا شبهة في أنّ الشرط وعدم المانع ممّا توقّف عليه وجود المعلول، فيكون من العلل الناقصة مع عدم الاندراج فيما ذكر من الأقسام؛ لأنّهما وإن كانا من الأمور الخارجة عن المعلول، إلّا أنّهما ليسا ممّا يصدر منه ولا لأجله وجود المعلول، ولهذا ذهب بعض الأعلام إلى تخميس القسمة في المقام، فقال:

إنّ العلّة الناقصة إن كانت داخلة في المعلول، فهي المادّيّة إن كان بها وجود الشيء بالقوّة، وإلّا فالصوريّة، وهي إذا حصلت كان الشيء معه موجودًا بالفعل، وإن كانت خارجة، فهي العلّة الفاعليّة إن كان منها وجود الشيء، والغائيّة إن كان

ص: 182


1- أي على السرير.
2- ينظر إلهيّات المحاكمات مع تعليقات الباغنويّ: 39، والتحصيل: 520، والجوهر النضيد: 206، والحكمة المتعالية: 5/ 267، والشواهد الربوبيّة: 69، وكشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 2/ 1210.

لأجلها الشيء، والشرط إن لم يكن كذلك.

قال: وعدم المانع داخل في الشرط؛ لأنّ المراد من الشرط هنا ما كان موقوفًا عليه شيء وخارجًا عنه، ليس وجوده منه ولا لأجله(1).

لكن بقي في المقام إيراد مشهور، وهو أنّ الشرط جزء للعلّة التامّة؛ لما تقدّم من أنّ المراد بها ما لا يكون الشيء متوقّفًا على الخارج عنه، فلا يتحقّق(2) العلّة التامّة إلّا بعد دخول الشرائط فيها؛ لأنّ الشرط ممّا يتوقّف عليه أيضًا، فحينئذٍ نقول: إنّ من الشرائط عدم المانع، وهو عدميّ، فلا يجوز أن يكون جزءًا من العلّة التامّة، وإلّا لم يكن(3) العلّة التامّة موجودة.

وأجاب عن ذلك بعضهم بأنّ العلّة التامّة لا يجب أن يكون(4) وجوديّة بجميع أجزائها، بل الواجب وجود العلّة الموجودة فيها؛ لكونها مفيدة للوجود، ولا امتناع في توقّف الإيجاد على قيد عدميّ، على أنّا نقول: لا نسلّم أنّ عدم المانع عدميّ مطلقًا، وإنّما يكون كذلك لو كان المانع أمرًا وجوديًّا، لا مطلقًا(5).

ص: 183


1- حكمة العين وشرحه: 116، وينظر أيضًا: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 2/ 1211.
2- كذا في الأصل، والصواب: فلا تتحقّق.
3- كذا في الأصل، والصواب: لم تكن.
4- كذا في الأصل، والصواب: أن تكون.
5- أجاب عن ذلك في حكمة العين وشرحه: 177، وينظر أيضًا: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: 2/1211.
التنبيه على أمور
اشارة

وينبغي التنبيه هنا على أمور:

الأمر الأوّل

المعلول لا يجب أن يكون له جميع ما ذكر من أقسام العلّة دائمًا

الأوّل: أنّه لا يتوهّمن ممّا ذكر أنّ كلّ معلول يجب أن يكون له جميع الأقسام المذكورة للعلّة الناقصة حتّى تكون علّته التامّة مشتملة على جميعها، فإنّ المعلول المجرّد لا تكون له علّة مادّيّة ولا صوريّة، فتأمّل.

وقد يكون فاعل المعلول غير شاعر لما يصدر عنه، فلا يكون له علّة غائيّة، وقد لا يتوقّف صدور المعلول على وجود أمر ولا عدمه، فلا يكون له شرط؛ ولهذا قيل:

إنّ الّذي لا بدّ في كلّ معلول هو العلّة الفاعليّة، فربما تكون وحدها تامّة كافية في إيجاده، وربما ينضمّ إليها أمر أو أمران من الأمور المذكورة، فيستقلّ معه بالتأثير، وقد ينضاف إليها الجميع، فيتمّ العلّيّة(1)، انتهى.

ولا يخفى أنّه بناءً على ما ذكر من أنّ العلّة الفاعليّة قد تكون وحدها تامّة كافية في إيجاده، فجعل العلّة الفاعليّة على سبيل الإطلاق من أقسام العلّة الناقصة ممّا لا وجه له، فتأمّل(2).

ص: 184


1- لم نعثر عليه.
2- جاء في حاشية الأصل: وجهه: هو أنّه كما أنّه لا يمكن انفكاك المعلول عن العلّة الفاعليّة، كذلك لا يمكن الانفكاك عن الغائيّة إلّا على تقدير كون الفاعل غير شاعر، وهو قليل. منه.
الأمر الثاني: ذكر اختلاف الأعلام في التعبير عن هذه العلاقة

والثاني: قد اختلفت مقالة الأعلام في التعبير عن هذه العلاقة، فبعضهم عبّر عنها بالعلّة والمعلول - كما عبّرنا - وبعضهم بالسبب والمسبّب، والمراد واحد، فعلى هذا ينقسم السبب أيضًا إلى تامّ وناقص، ويحدّ كلّ منهما بما سبق من أنّ السبب التامّ هو ما لم يكن الشيء متوقّفًا على الخارج عنه، والناقص ما كان متوقّفًا عليه وعلى الخارج عنه أيضًا، والناقص ينقسم إلى ما ذكر من الأقسام الأربعة، فيقال: سبب مادّي وصوريّ وفاعليّ وغائيّ.

لكن يرد هنا إشكال، وهو أنّ ما اشتهر في الكتب والألسنة من أنّ السبب هو ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، لا يخلو إمّا أن يجعل ذلك حدًّا للسبب التامّ، أو لمطلق السبب.

وفي كليهما نظر، أمّا في الأوّل: فلاستلزامه انتقاض طرد الحدّ بدخول السبب الصوريّ فيه؛ لما عرفت من أنّ وجود المسبّب لا ينفكّ عنه، فيلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، فيلزم أن يكون تامًّا مع أنّه ناقص، وأمّا في الثاني: فلانتقاض عكسه بخروج غير الصوريّ من الأقسام الناقصة للسبب الناقص؛ لأنّها وإن كانت ممّا يلزم من عدمها العدم، لكن لا يلزم من وجودها الوجود كما لا يخفى.

والجواب عنه: هو أنّا نختار الأوّل؛ لأنّه المتبادر عند الإطلاق، ونمنع انتقاض الطرد بما ذكر؛ لأنّ معنى قولنا: «السبب ما يلزم من وجوده الوجود»، هو أن يكون وجوده كافيًا في وجود المسبّب ويكون وجوده منه، ولا شبهة في عدم تحقّقه بالنسبة إلى السبب الصوريّ.

غاية ما هناك أنّ وجود المسبّب لا ينفك عنه، وأين هو من ذلك؟! فعلى هذا

ص: 185

يلزم أن تكون جميع الأقسام المذكورة للسبب الناقص من جملة الشرائط، لما قالوا من أنّ الشرط هو ما لا يلزم من وجوده الوجود، بل يلزم من عدمه العدم، وكلّ من تلك الأقسام كذلك.

ويمكن التزام ذلك، إذ لا مشاحّة في الاصطلاح، إلّا أنّ المتبادر من الشرط الموقوف عليه الخارجيّ، فيشكل بالسبب المادّي والصوريّ؛ لأنّهما من الأجزاء كما لا يخفى.

الأمر الثالث: في أنّ جواز التجوّز في المقام عامّ في جميع الأقسام

والثالث: هو أنّ جواز التجوّز في المقام هل هو عامّ في جميع الأقسام، أو مختصّ بالبعض؟

والظاهر من كلماتهم الأوّل، فينبغي التمثيل لكلّ من الأقسام حتّى يتبيّن(1) الأمر ويظهر المرام، فنقول: أمّا إطلاق السبب الفاعليّ على المسبّب، فكقولك: رعينا الغيث، إذ المراد به النبات، ووجوده ظاهرًا(2) من الغيث، فأطلق عليه.

ومن هذا القبيل إطلاق «اليد» على النعمة، كما في قولك: «كثرت أيادي فلان عندي»، أي نعمه، فالنعمة لمّا كانت غالبًا صادرة من اليد، تكون اليد علّة فاعليّة له.

وربّما مثّل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾(3)، إذ المراد: جاء أمر ربّك؛ وهو

ص: 186


1- في «ق»: تبيّن.
2- جاء في حاشية الأصل: إنّما قال: ظاهرًا؛ لأنّه في الحقيقة من الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا﴾ [سورة النبأ: 14 -15]، ولا يخفى عليك أنّ في إطلاق العلّة الفاعليّة على غير ذي الشعور خفاء. منه.
3- سورة الفجر: 22.

معلول له تعالى، وهو علّته الفاعليّة.

وفيه نظر؛ لأنّ مقتضى قولنا:

«إنّ الاستعمال من إطلاق السبب على المسبّب»، هو أنّه لو أقيم المسبّب مقامه وعبّر به عنه؛ لاستقام الكلام من غير تجوّز وإبرام، كما في قولنا: «رعينا الغيث»، إذ لو بدّلت الغيث بالنبات وقلت: «رعينا النبات»؛ لاستقام الكلام من غير تجوّز، وليس الأمر في الآية الشريفة كذلك، إذ لو قلت: وجاء أمرك، لم يستقم. وما ذكر من أنّ المراد: جاء أمر ربّك، فهو مسلّم، لكنّه لا دخل له لما نحن فيه، بل من باب الإضمار.

وأمّا إطلاق اسم المسبّب على السبب الفاعليّ، فكقولك: «أمطرت السماء نباتًا»، إذ المراد من النبات الغيث، وقد عرفت أنّه سببٌ فاعليٌّ ظاهرًا للنبات، أي: أمطرت السماء غيثًا.

وأمّا إطلاق السبب المادّي على المسبّب، فقد مثّل له بقولك: «سال الوادي». وفيه تأمّل، إذ معناه: سال الماء، و«الوادي» ليس سببًا مادّيًّا للماء، بل الظاهر أنّه إمّا من إطلاق اسم المحلّ على الحالّ، أو من باب تسمية الشيء باسم مجاوره.

ويمكن توجيه ذلك بما مرّ من أنّ المراد من السبب المادّي: ما فيه قوّة وجود المسبّب، إمّا بصيرورته إيّاه، أو بتحقّقه فيه، كالنقش في اللوح والماء بالنسبة إلى الوادي كذلك.

وكيف كان، فلو مثّلت لذلك بإطلاق الخشب على السرير، كما في قولك:

«جلس الأمير على الخشب»، لكان أظهر.

ص: 187

وأمّا عكسه(1)، فيمكن التمثيل له بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾(2)، إذا فسّر بقولك: «أعصر عنبًا»، بناءً على أنّ العنب سبب مادّيّ للخمر(3)، فأطلق لفظ «الخمر» عليه.

وأمّا إطلاق السبب الغائيّ على المسبّب، فقد مثّل له جمعٌ بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾، إذا فسّر(4) على ما تقدّم(5).

وفيه نظر؛ لأنّ الخمر ليست سببًا غائيًّا للعنب، بل لعصره، نعم، يتوجّه ذلك فيما إذا فسّر بأنّي أراني اشتغل بالعصر.

وأمّا إطلاق السبب الصوريّ على المسبّب، فقد قيل:

إنّ إطلاق القدرة على اليد من هذا القبيل، فإنّ القدرة تشابه الصورة لليد من حيث إنّ الأثر الصادر عن اليد لا يكون إلّا بتوسّط القدرة، فكانت كالجسم(6) الّذي لا يؤثّر إلّا بتوسّط صورته، ولحلول القدرة فيها، كحلول الصورة في المادّة(7).

ص: 188


1- أي: إطلاق المسبّب على السبب المادّي.
2- سورة يوسف: 36.
3- جاء في حاشية الأصل: في كون العنب من العلّة المادّيّة خفاء، بناءً على ما مرّ من كون العلّة المادّيّة جزءًا للمعلول، وليس العنب جزءًا للخمر؛ وكونه من ذلك بناءً على ما مرّ من أنّ العلّة المادّيّة ما فيه قوّة وجود المعلول وكون العنب من ذلك، ظاهرٌ. منه.
4- في «ق»: إذا فسّر بقولك: أعصر عنبًا.
5- ينظر تمهيد القواعد: 101، ومفاتيح الأصول: 55- 56.
6- جاء في حاشية الأصل: والمناسب أن يقال: فكانت كالصورة الّتي لا تؤثر اليد إلّا بتوسّطها. منه.
7- منية اللبيب: 1/ 226.

وفيه نظر؛ لأنّ غاية ما يلزم من ذلك شباهة القوّة للصورة، فيصحّح بها إطلاق لفظ «الصورة» على القوّة، ولا يلزم من ذلك كون القدرة صورة لليد، كما هو المراد، والمثال المطابق لا بدّ أن يكون من قبيل إطلاق الصورة الجسميّة على الجسم.

تنبيهٌ

اعلم: أنّ السبب الصوريّ والمادّيّ ومسبّبهما لمّا كان مندرجًا تحت الجزء والكلّ والحالّ والمحلّ، لم يتعرّض جميع العلماء لذكرهما؛ لشمول ما ذكروه لهما، والكلام في صدق الحدّ المذكور للعلاقة على هذه الأقسام للعلّة يظهر بعد الإحاطة بما أسلفنا لك، فلا يحتاج إلى الذكر.

ثمّ إنّ العلماء لمّا تسامحوا في أمر العلاقات وبالغوا في تحقيقها في الإيجاز والاختصار، مع أنّها كانت من الأمور المهمّة؛ لِما يترتّب عليها من الفوائد المتكثّرة، تعرّضنا بإعانة الله سبحانه لكشف الحجاب عن حالها ورفض جلباب الجهل عن فنائها.

لكن لمّا طال الكلام في بيان ما ذكر من الأقسام وأمكن للمطّلع بما ذكرناه تحقيق حال الباقية(1)، اكتفينا بتحقيق الأقسام المذكورة، حذرًا عن كثرة الإطالة الموجبة للملالة والكلالة.

ص: 189


1- كذا في الأصل، والصواب: البقيّة.

نقل آحاد المجاز ليس بشرط في التجوّز

المبحث الثالث: في أنّه هل يكتفي في التجوّز بوجدان العلاقة أو يشترط مع ذلك نقل الآحاد عن أهل اللغة

اشارة

فيه خلاف بين الأعلام، والحقّ وفاقًا للأكثر هو الأوّل(1)، ويدلّ على ذلك وجوه من الأدلّة:

الدليل الأوّل للقول بعدم الاشتراط

الأوّل: هو أنّ وضع الألفاظ للإفادة والاستفادة، وأنّ فتح باب المجازات لتحصيل الأمور المعتبرة في البلاغة والفصاحة، ونعلم أنّ الواضع إنّما اعتبر العلاقة فيها ليحصل(2) الدلالة، فتتحقّق الاستفادة.

توضيح ذلك: هو أنّ دلالة اللفظ على المعنى إمّا هو لوضعه له، فلا يمكن الدلالة بالنسبة إلى ما لم يوضع له؛ لانتفاء مقتضيها، إلّا فيما كان بينه وبين الموضوع له مناسبة، فلأجل تلك المناسبة مع قيام القرينة المانعة عن إرادة الموضوع له ربّما يمكن الانتقال إلى المعنى المناسب، فلذلك اعتبرت المناسبة والعلاقة في المجازات كما تقدّم.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ وضع الألفاظ واعتبار العلاقة في المجازات لمّا كان

ص: 190


1- كذا في الأصل، والأولى: هو الأوّل، كما في بعض النسخ، ينظر نهاية الوصول: 1/ 278، وأنيس المجتهدين: 1/ 59، وقوانين الأصول: 1/ 73، ومفاتيح الأصول: 54، وغاية الوصول: 1/ 155، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 523، وزبدة الأصول: 82.
2- كذا في الأصل، والصواب: لتحصل.

لذلك، يعلم بالقطع واليقين لا بالظنّ والتخمين أنّ مقصود الواضع اعتبار أصل العلاقة في المعنى المجازيّ من دون مدخليّة فيه لمستعمل دون غيره، ومعنى دون آخر، ولفظ دون سواه، فينبغي أن يجوّز التجوّز بمجرّد وجدان العلاقة ولو لم يصدر الاستعمال من مستعمل قطّ.

لا يقال: إنّه لو كان الأمر كذلك، ينبغي أن لا يشترط نقل نوع العلاقة من الواضع أيضًا، إذ مقتضى ما ذكرت كفاية العلاقة مطلقًا في التجوّز، مع أنّكم لا تقولون بذلك، فيعلم أنّ الأمر ليس على ما ذكرت، فحينئذٍ لا بدّ من الاقتصار في التجوّز على ما نقل من أهل اللغة.

لأنّا نقول: إنّ اشتراط نقل أصل العلاقة من الواضع إنّما هو لتعيين نوع العلاقة الّتي يمكن بسببها حصول الدلالة؛ لعدم الأمن من العلم بذلك لغيره.

الدليل الثاني للقول بعدم الاشتراط

والثاني: هو أنّه لو كان نقل الآحاد شرطًا، اقتصر أهل العربيّة على ما ثبت(1) فيه النقل، والتالي باطل، فالمقدّم مثله(2).

أمّا الملازمة فبيّنة، إذ النقل حينئذٍ شرط في التجوّز، وانتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط.

وأمّا بطلان التالي؛ فلأنّ من تتبّع استعمالاتهم وتصفّح تفاصيل محاوراتهم في

ص: 191


1- في «ق»: ثبتت.
2- ينظر نهاية الوصول: 1/ 278، ومفاتيح الأصول: 54، ومنية اللبيب: 1/ 229، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 523، وأنيس المجتهدين: 1/ 59.

نظمهم ونثرهم، يعلم بالقطع واليقين لا بالظنّ والتخمين أنّهم لا يقتصرون على ذلك، بل كلّما كان اختراع المجازات فيه أكثر يحكمون بأنّ ذلك أبلغ، وكانت رغبتهم في الرجوع إلى مثل ذلك أشدّ.

إن قيل: إنّ المراد بمن لم يقتصر على الموارد المنقولة إمّا جميع العلماء، أو بعضهم، والأوّل غير ثابت، والثاني غير نافع، أمّا الأوّل فلأنّ المسألة محلّ خلاف، وسيجيء أنّ جماعة منهم لم يجوّزوا التعدّي عن الموارد المنقولة وأوجبوا الجمود عليها، وأمّا الثاني فظاهر.

قلنا: إنّ المراد إطباق أرباب العربيّة، والمخالفة إنّما هي لبعض المدوّنين للكتب وهي غير مضرّة؛ لأنّ حالهم في أمثال ذلك كحالنا.

إن قلت: إنّ الدليل المذكور غير مثبت للمدّعى؛ إذ المدّعى الاكتفاء في التجوّز بتحقّق العلاقة لأيّ مستعمل كان؛ وغاية ما ثبت من ذلك عدم اقتصار علماء العربيّة على الموارد المنقولة من أهل اللغة، ولا يلزم من ذلك جواز التجوّز لأمثالنا ولو مع وجدان العلاقة.

قلنا: إنّ في المسألة قولين: اشتراط نقل الآحاد والعدم، وحيث قد أبطلنا الأوّل، تعيّن الثاني، إذ لا ثالث.

لا يقال: إنّه قد تقدّم مرارًا أنّ أمر اللغات توقيفيّ، والأمور التوقيفيّة يجب الاقتصار فيها على ما حصلت فيه الرخصة، وعلماء العربيّة حالهم في أمثال ذلك كحالنا، فكيف يجوز لهم التعدّي في الأمور التوقيفيّة؟

لأنّا نقول: إنّه لمّا كان اطّلاعهم بسيرة الواضع وطريقته أكثر، وتتبّعهم في مقالاته أشدّ، فحيث قد ظهر علينا عدم اقتصارهم على الموارد المنقولة من تتبّع

ص: 192

كلماتهم وتصفّح مقالاتهم مع ما ذكر، نعلم(1) أنّه ظهر عليهم رضا(2) الواضع في ذلك وأنّ مقصوده اعتبار أصل العلاقة من أيّ مستعمل كان.

الدليل الثالث للقول بعدم الاشتراط

والثالث: هو أنّه لو كان المجاز نقليًّا؛ لما افتقر إلى النظر في العلاقة، والتالي باطل، فالمقدّم مثله، أمّا الملازمة فلأنّه على هذا التقدير كلّما تحقّق فيه النقل صحّ التجوّز، وإلّا فلا، ولو وجدت عدّة علاقات، فالنظر إلى العلاقة(3) وعدمه سيّان(4).

وفيه نظر؛ لأنّ المراد بالافتقار إلى النظر في العلاقة إمّا افتقار الواضع، أو غيره، وعلى الأوّل نقول: إنّ بطلان التالي حينئذٍ وإن كان مسلّمًا لما مرّ مشروحًا من عدم جواز استعمال اللفظ في غير الموضوع له إلّا مع تحقّق العلاقة بينه وبين الموضوع له، وهو موقوف على النظر، لكنّ الملازمة ممنوعة كما لا يخفى، إذ اللازم -بناءً على القول باشتراط نقل الآحاد- عدم جواز التجوّز لغير الواضع إلّا فيما تحقّق فيه النقل، سواء وجدت العلاقة أم لا، لا عدم افتقار الواضع إلى النظر في العلاقة في تجوّزه.

وعلى الثاني نقول: إنّ عدم افتقار غير الواضع إلى النظر في العلاقة إمّا أن يكون

ص: 193


1- في «ق»: فعلم.
2- في «ق»: رضاء.
3- في «ق»: العلاقات.
4- ينظر نهاية الوصول: 1/ 279، ومنية اللبيب: 1/ 228، وتهذيب الوصول: 70، وغاية الوصول: 1/ 156، ومفاتيح الأصول: 55، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 523، وقوانين الأصول: 1/ 73.

فيما نقل من أهل اللغة، أو في غيره، فإن كان الأوّل نقول: إنّ الملازمة حينئذٍ وإن كانت مسلّمة؛ لأنّ النقل من الواضع يستلزم العلاقة، فلا يفتقر غيره إلى النظر فيها، لكن بطلان التالي ممنوع، ودعوى إطباق أهل العربيّة على النظر فيه غير مسلّمة.

وإن كان الثاني نقول: بناءً على القول باشتراط نقل الآحاد لا يجوز التجوّز في غير المنقول، ومعلوم أنّ النظر في العلاقة متفرّع على الجواز، فالملازمة حينئذٍ مسلّمة أيضًا، لكن بطلان التالي ممنوع.

ويمكن الجواب عنه بأن يقال: إنّ المراد أنّه لو كان المجاز نقليًّا لما جاز التجوّز في غير المنقول، ولو لم يجز التجوّز في غير المنقول لما افتقر إلى النظر في العلاقة فيه، لكنّهم أطبقوا على الافتقار إلى النظر في العلاقة، وهو يستلزم إطباقهم على جواز التجوّز؛ لوضوح أنّه عند عدم جواز التجوّز في غير المنقول لا وجه للافتقار إلى النظر في العلاقة، فيكون حاصل الاستدلال: التمسّك بإطباق العربيّة على جواز التجوّز في غير المنقول، وهو يردّ القول باشتراط نقل الآحاد، فيكون هذا الدليل بناءً على هذا التقرير قريبًا من الدليل الثاني.

هذا على اختيار الثاني من شقّيي الترديد، ويمكن الجواب باختيار الأوّل أيضًا بأن يقال: إنّ نقل الآحاد من الواضع يتصوّر على وجهين، أحدهما: أنّه استعمل اللفظ المخصوص في المعنى المخصوص، والثاني: أنّه أذن في استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى.

واستلزامُ النقل تحقّقَ العلاقة مسلّمٌ لو كان من قبيل الثاني، وأمّا لو كان من الأوّل فلا؛ لإمكان أن يكون استعماله فيه على سبيل الغلط فيما(1) إذا كان

ص: 194


1- «فيما» لم ترد في «ق وج».

الواضع ممّن تطرّق إليه هذا الاحتمال، فحينئذٍ يفتقر إلى النظر في العلاقة ليظهر عليه تحقّقها، فتأمّل.

على أنّه يمكن أن يقال بالافتقار مطلقًا ولو كان من القبيل الثاني؛ لأنّ الغالب في أمثال هذا النقل أن يكون بطريق الآحاد، وحينئذٍ لا يحصل العلم بصدقه. نعم، يحصل الظنّ به، والعمل بالظنّ وإن جاز عند انسداد باب العلم، لكن عند إمكان الأقوى يجب تحصيله، ولا شبهة أنّه عند النظر وظهور العلاقة يقوى الظنّ المستفاد من النقل، فينبغي أن يكون افتقار النظر في العلاقة لذلك.

وأيضًا يمكن أن يكون افتقاره إلى النظر في العلاقة لاستخراج جهات حسن المجاز، فيطّلع على الحكمة الموجبة لهجر الحقيقة.

الدليل الرابع للقول بعدم الاشتراط

والرابع: هو أنّه لو كان نقليًّا، لزم أن يكون اعتناؤهم في تدوين المجازات كاعتنائهم في تدوين الحقائق، والتالي باطل كما لا يخفى على المتتبّع في كلماتهم وكتبهم المدوّنة، فالمقدّم مثله.

وأمّا الملازمة؛ فلأنّه بناءً على هذا القول يكون الأمر في المجازات كالحقائق، فالمقتضي لنقلها متحقّق فيها(1).

وفيه نظر؛ لأنّ مقتضى ذلك لزوم نقل الآحاد في الحقائق، وهو ممّا ادّعي الاتّفاق على خلافه(2).

ص: 195


1- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 523، وأنيس المجتهدين: 1/ 59.
2- لم نعثر عليه.

وأيضًا قد عرفت سابقًا أنّ كثيرًا من الألفاظ يكون الوضع فيه نوعيًّا، وكذا قد يكون الوضع عامًّا والموضوع له خاصًّا، وهو ينافي نقل الآحاد.

دليل القائلين بالاشتراط مع الجواب عنه
اشارة

والقول الآخر محكيّ عن جماعة، منهم: الفخر الرازي(1)؛ فاشترطوا في التجوّز نقل الآحاد بأعيانها، واستدلّوا على ذلك بوجوه:

الدليل الأوّل للقول بالاشتراط
اشارة

الأوّل: أنّه لو لم يشترط في التجوّز نقل الآحاد، بل اكتفى فيه بوجود العلاقة، لجاز التجوّز كلّما تحقّقت، والتالي باطل، فالمقدّم مثله، أمّا الملازمة فبيّنة، وأمّا بطلان التالي فلعدم جواز إطلاق «النخلة» على طويل غير الإنسان مع تحقّق المشابهة، و«شبكة» للصيد مع تحقّق المجاورة، و«الابن» للأب وعكسه مع تحقّق السببيّة والمسببيّة(2).

أجيب عن ذلك(3): بمنع الملازمة، إذ العلاقة ليست علّة تامّة وسببًا تامًّا لصحّة الاستعمال حتّى يمتنع التخلّف، بل مقتضية لها، والتخلّف في المواضع المذكورة

ص: 196


1- المحصول: 1/ 329، وحكاه عنه في قوانين الأصول: 1/ 73، ومنية اللبيب: 1/ 230، وأنيس المجتهدين: 1/ 59.
2- ينظر قوانين الأصول: 1/ 75، وإشارات الأصول: 1/ 20، ونهاية الوصول: 1/ 278، وتهذيب الوصول: 70، ومنية اللبيب: 1/ 230، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 523، وغاية الوصول: 1/ 157، وأنيس المجتهدين: 1/ 59.
3- المجيب هو الحاجبيّ في المختصر والعضديّ في شرحه: 1/ 526، وينظر أيضًا قوانين الأصول: 1/75، ومنية اللبيب: 1/230، وزبدة الأصول: 76، وغاية الوصول: 1/157.

لوجود المانع عن الاستعمال، ووجوده غير مضرّ لمقتضيّته العلاقة؛ لوضوح أنّ عدم المانع ليس جزءًا من المقتضي حتّى يلزم عدم وجوده(1) مع وجوده(2).

وقيل(3): هذا الجواب تبرّع من المجيب، إذ لا حاجة له في الجواب إليه، إذ المقصود أنّه لا حاجة إلى النقل؛ وذلك لا يستدعي كون العلاقة مستقلّة في الاقتضاء، بل يجوز أن يكون المقتضي مركّبًا منها ومن غيرها بكون ذلك الغير غير النقل(4).

وفيه نظر، أمّا أوّلًا: فلأنّ المفروض في الدليل الاكتفاء في التجوّز بمجرّد العلاقة، فلا يكون ذلك إلّا مع كونها مستقلّة في الاقتضاء.

وأمّا ثانيًا: فلأنّ عمدة الثمرة المترتّبة(5) على القول بعدم اشتراط نقل الآحاد، جواز التجوّز فيما لم يثبت النقل فيه من أهل اللغة، والاحتمال الّذي ذهب إليه هذا القائل يستلزم انتفاؤها؛ لأنّ جواز التجوّز حينئذٍ مشروط بالأمر المركّب الّذي يكون أحد جزأيه العلاقة والجزء الآخر غيرها، وهو مجهول، والجهل بالشرط يستلزم الجهل بالمشروط، فحينئذٍ لا يمكن التجوّز إلّا فيما ثبت فيه النقل، فيلزم انتفاء الثمرة بين القولين، فالجواب المذكور ليس تبرّعًا من المجيب، بل ممّا لا بدّ منه.

وحاصله: أنّ العلاقة مستقلّة في اقتضاء صحّة التجوّز، لكن تخلّفت في الأمثلة

ص: 197


1- أي وجود المقتضي.
2- أي وجود المانع.
3- جاء في حاشية الأصل: ردٌّ على الفاضل الباغنويّ. منه.
4- لم نعثر عليه.
5- في «ق»: المرتّبة.

المذكورة لمانع، وتخلّف المقتضى عن المقتضي لمانع جائز.

ويرد عليه: أنّ جواز التجوّز حينئذٍ مشروط بالعلم بوجود العلاقة وانتفاء المانع، فيلزم انتفاء عمدة الثمرة بين القولين أيضًا؛ لأنّ العلم بعدم المانع لا يكاد يحصل إلّا فيما ثبت فيه النقل.

ويمكن الجواب عنه من وجهين:

الأوّل: أنّ العلاقة مقتضية لصحّة التجوّز، فينبغي صحّته إلّا فيما ثبت فيه المانع، ولا شبهة في عدم ثبوته في كثير من المواضع، فيصحّ فيه التجوّز بناءً على القول بعدم اشتراط نقل الآحاد، بخلافه على القول بالاشتراط، فتأمّل.

والثاني: هو أنّ المراد بالعلم الّذي اعتبر بالنسبة إلى انتفاء المانع إن كان ظاهره، نقول: انتفاؤه في كثير من المواضع وإن كان مسلّمًا، لكن نمنع اعتباره فيما نحن فيه؛ لأنّ المجاز فرع الحقيقة ونحن نكتفي فيها بالظنّ، فلو اعتبرنا القطع في المجاز يلزم مزيّة الفرع على الأصل، وأيضًا اكتفاء الظنّ في الأصل يستلزم الاكتفاء به في الفرع بطريق أولى.

وإن كان المراد منه ما يعمّ الظنّ أيضًا، نسلّم اعتباره، لكن نمنع انتفاءه في كثير من المواضع؛ لأنّ المانع في الأمثلة المذكورة -على ما صرّح به جماعة- منع أهل اللغة، فإذا ثبت منعه بعد التتبّع فهو، وإلّا فيدفع المانع مطلقًا، -سواء كان منع الواضع، أو غيره- بالأصل، فيحصل الظنّ بالعدم، فيصحّ التجوّز.

ص: 198

دفع إيراد لتسديد مقام

وهنا سؤال، وهو أنّه كما تكون العلاقة مقتضية لصحّة الاستعمال يكون الوضع مقتضيًا لها أيضًا، وكما جاز تخلّف المقتضى عن المقتضي في الأوّل على ما مرّ، ينبغي أن يجوز ذلك بالنسبة إلى الثاني أيضًا بأن يتحقّق الوضع المقتضي لصحّة الاستعمال وامتنع الاستعمال.

فعلى هذا ما استدلّ به جماعة من المتأخّرين(1) -ردًّا على قدماء الأعلام حيث ذهبوا إلى أنّ الضمائر وأسماء الإشارة والموصولات وأمثالها موضوعة للمعنى العامّ، وهو المعنى الكلّيّ الّذي تصوّره الواضع حال الوضع، فيكون كلّ من الوضع والموضوع له فيها عامًّا، بأنّه لو كان كذلك ينبغي أن يصحّ استعمال هذه الألفاظ المخصوصة على تلك المعاني العامّة؛ لوجود المقتضي لصحّة الاستعمال وهو الوضع، مع أنّه غير صحيح؛ للقطع بعدم جواز استعمال «هذا» وإرادة المشار إليه المبهم، و«أنا» وإرادة متكلّم لا بعينه، فيعلم منه فساد مذهبهم- ممّا لا وجه له؛ لما عرفت من أنّ الوضع مقتض لصحّة الاستعمال كالعلاقة، وكما جاز تخلّف المقتضى فيها، ينبغي أن يجوز بالنسبة إلى الوضع أيضًا، فلا يلزم من عدم صحّة الاستعمال عدم الوضع.

الجواب عن الإيراد

والجواب عنه يمكن من وجهين:

الأوّل: أنّ المانع فيما ذكر من النخلة والشبكة ونحوهما -على ما حكاه

ص: 199


1- ينظر إشارات الأصول: 1/ 15 -16.

جماعة(1)- منع أهل اللغة، فلو لم يكن ذلك لصحّ الاستعمال، وهذا المنع غير ثابت بالنسبة إلى تلك الألفاظ، واحتمال وجوده، أو وجود غيره، مدفوعٌ بالأصل.

فحينئذٍ نقول: لو كان الأمر على ما ذهب إليه القدماء من كون الموضوع له للألفاظ المذكورة تلك المعاني العامّة، كان المقتضي لصحّة الاستعمال موجودًا من غير مانع، فيجب ترتّب المقتضي -وهو صحّة الاستعمال- عليه، وحيث لم يصحّ ذلك، يعلم عدم كون الأمر على ما ذهبوا إليه.

والثاني: بثبوت(2) الفرق بين الوضع والعلاقة؛ لأنّ الوضع لمّا كان من فعل الواضع، يعلم من تحقّقه إذنه ورضاه في استعمال اللفظ فيما وضعه له، وأمّا العلاقة، فليس الأمر فيه كذلك؛ لما عرفت من أنّها عبارة عن المناسبة بين المعنيين، فبمجرّد العلم بالمناسبة لا يعلم صحّة الاستعمال، بل مشروطة بثبوت الإذن، فما لم يثبت فيه إذن لم يجز فيه الاستعمال.

فحينئذٍ نقول: إنّه بناءً على ما ذهب إليه القدماء من ثبوت الوضع لتلك الألفاظ في تلك المعاني الكلّيّة، يلزمه العلم برضا الواضع في الاستعمال، فلا بدّ أن يكون صحيحًا، وأمّا الأمر فيما نحن فيه فليس كذلك، فتأمّل.

وبما ذكرنا في هذا المقام يظهر لك أنّه لو ادّعى أحدٌ أنّ الوضع سبب تامّ لصحّة الاستعمال، لم يكن بعيدًا، فحينئذٍ لا يجوز تخلّفها عنه، بخلاف العلاقة.

لا يقال: إنّه منافٍ لما هو المشهور -وسيجيء تحقيقه- من عدم استلزام المجاز

ص: 200


1- حكاه في شرح مختصر المنتهى: 1/ 532، وأنيس المجتهدين: 1/ 59، وقوانين الأصول: 1/ 75.
2- في «ق»: ثبوت.

للحقيقة، وقد ذكروا ألفاظًا مخصوصة قد استعملت في المعاني المجازيّة مع عدم استعمالها فيما وضعت له، كالرحمن والأفعال المنسلخة عن الزمان(1).

لأنّا نقول: إنّ المعتبر في الحقيقة فعليّة الاستعمال، ومعلوم أنّ صحّة الاستعمال لا يستلزمها(2)، وعلى فرض تسليم عدم صحّة الاستعمال فيما ذكر نقول: المراد أنّ الوضع يستلزم الصحّة مع بقائه وعدم مهجوريّته، والألفاظ المذكورة لمّا تحقّق النقل فيها بطل الوضع الأولى(3) وثبت بالنسبة إلى المعاني المستعملة فيها، فقد انتفى الوضع بالنسبة إلى المعاني الأصليّة، ولهذا لم يصحّ الاستعمال لانتفاء مقتضيها أو علّتها.

الردّ على الجواب من دليل القائلين باشتراط نقل الآحاد

وحيث قد فرغنا من دفع هذا الإيراد، وجب العود إلى ما كنّا فيه، فنقول: لا يخفى عليك أنّ الجواب المذكور عن الدليل المذكور للقائلين باشتراط نقل الآحاد مبنيٌّ على منع الملازمة وتسليم تحقّق العلاقة في الأمثلة المذكورة، ويمكن الجواب عنه بعد تسليمها ومنع تحقّقها فيها.

بيان ذلك: هو أنّك قد عرفت مرارًا أنّ أمر اللغات توقيفيّ، وأنّ التعدّي في الأمور التوقيفيّة إنّما يجوز على قدر ما ثبتت فيه الرخصة، وحينئذٍ نقول: نحن ومن

ص: 201


1- ينظر إشارات الأصول: 1/ 15، وشرح الوافية، للسيّد بحر العلوم: (مخطوط) الورقة 47، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 553.
2- كذا في الأصل، والصواب: لا تستلزمها.
3- كذا في الأصل، والصواب: الأوّل.

شاركنا في عدم اشتراط نقل الآحاد في المسألة لم ندع أنّ أهل اللغة صرّحوا بجواز إطلاق لفظ كلّ مشابه بأيّة شباهة كانت على مشابهه ولفظ كلّ مجاور بأيّة مجاورة كانت على مجاوره، حتّى يلزم الانتقاض بمثل «النخلة» و«الشبكة»، لعموم اللفظ الدالّ على الإذن أو إطلاقه.

بل نقول: إنّه ظهر لنا بعد التتبّع في مقالاتهم والتصفّح في محاوراتهم، أنّ المعتبر نوع المناسبة بين المعنيين، وهذا أمر معنويّ لا يتّصف بالعموم ولا بالإطلاق، لكن يجب اعتبار كلّ ما وجد بين المعنيين من المناسبة، إلّا ما علم عدم اعتباره في الموارد المتعدّية، يتعدّى في غير مورد استعمالهم بعد اعتبار ما ذكر فيه.

إذا عرفت ذلك نقول: قد وجد في استعمالاتهم إطلاق «النخلة» على الإنسان الطويل، والمشابهة المتحقّقة بينهما في أمور، الأوّل: في الطول، والثاني: في الاضمحلال بعد استيلاء الماء عليهما، والثالث: في الافتقار في ترتّب الثمرة المطلوبة منهما إلى فرد من نوعهما(1)، والرابع: في فسادهما بطريان الانفصال على رأسهما.

والنقض المذكور مبنيٌّ على أنّ المصحّح لاستعمال «النخلة» في الإنسان هو الطول فقط، فيقال: إنّه لو لم يشترط نقل الآحاد، ينبغي أن يجوز استعمالها في كلّ ما له طول، كالجبال والجدار ونحوهما.

ونحن نقول: دعوى انحصار المصحّح في ذلك ممنوعة؛ لجواز أن يكون المجموع من الأمور المذكورة، وعلى المدّعي الإثبات وللمانع يكفي الاحتمال، فحينئذٍ فالقدر اللازم جواز إطلاقها على فرد آخر من الإنسان واجد للأمور

ص: 202


1- في «ق»: نوعها.

المذكورة، وهو مسلّم، لا على الجبال والجدار وغيرهما، فالنقض مندفع.

وأمّا بالنسبة إلى إطلاق «الشبكة» بالنسبة إلى الصيد، فنقول: القدر المعلوم من تصفّح محاوراتهم استعمال أحد المجاورين على الآخر فيما إذا كانت المجاورة بينهما معهودة في الأنظار وملحوظة في خزانة الخيال، كما تقدّم في الأمثلة المتقدّمة، فنقول: بناءً على المختار من عدم اشتراط نقل الآحاد، إذا ظهرت المجاورة بين الشيئين على هذا الحدّ ووجدت المؤانسة بينهما بهذا الطور، جاز التجوّز وإن لم يصدر(1) الاستعمال من أهل اللغة، وليس الأمر في «الشبكة» و«الصيد» كذلك.

وعلى فرض التسليم نقول: بناءً على ما تقدّم من توقيفيّة أمر اللغات، القدر المتيقّن من تتبّع موارد الاستعمالات جواز إطلاق أحد المجاورين على الآخر فيما إذا لم يستنكف أحدهما عن مجاورة الآخر، كما في الأمثلة المتقدّمة، والأمر فيما نحن فيه ليس كذلك كما لا يخفى.

أو يقال: إنّ المجاورة مصحّحة للتجوّز فيما إذا كانت المجاورة على النحو المذكور مع اشتراكهما في الشعور أو العدم، وأمّا مع الاختلاف كما فيما نحن فيه فلا.

هذا في الجواب عن النقض بالنخلة والشبكة، وأمّا بالنسبة إلى الابن والأب، فما ساعدني التوفيق الآن لصرف الفكر إلى استكشاف حالهما، ولعلّ الله يوفّقني لذلك فيما بعد.

الدليل الثاني للقول بالاشتراط

والثاني: هو أنّه لو جاز التجوّز بدون النقل، لكان ذلك إمّا قياسًا، أو اختراعًا،

ص: 203


1- كذا في الأصل، والصواب: يُنقل.

والتالي بقسميه باطل، فالمقدّم مثله، أمّا الملازمة فلأنّ استعمال اللفظ في المعنى المجازيّ الّذي لم ينقل من الواضع، إمّا لعلّة مشتركة بينه وبين ما نقل عنهم، أو لا، وعلى الأوّل يلزم الأوّل، وعلى الثاني الثاني، وأمّا بطلان القسم الأوّل من الثاني، فلما سيجيء من بطلان القياس في اللغات وإن قيل بجوازه في الأحكام، وأمّا الثاني فظاهر(1).

والجواب عنه: هو أنّ بطلان ما ذكر من قسمي التالي وإن كان مسلّمًا، لكن نمنع لزومه؛ لأنّ استعمال اللفظ في المعنى الّذي لم ينقل لعلّة مشتركة إنّما يكون قياسًا إذا كان الاستعمال مستندًا إلى تلك العلّة فقط، ونحن لم نقل بذلك، بل نقول: إنّه ظهر لنا من تتبّع الاستعمالات وتصفّح المحاورات إذن الواضع في الاستعمال عند وجدان العلاقة، فالاستناد إلى إذنه في الاستعمال، فلا يلزم قياس ولا اختراع.

الدليل الثالث للقول بالاشتراط

والثالث: هو أنّه لو لم يشترط النقل في آحاد المجاز، لزم خروج القرآن عن كونه عربيًّا، والتالي باطل، فكذلك المقدّم.

بيان الشرطيّة: هو أنّ العربيّ ما كان منقولًا من العرب، فما لم ينقل من العرب لم يكن عربيًّا، وقد اشتمل القرآن على مجازات متكثّرة، فلو لم يكن(2) هي عربيّة، لما

ص: 204


1- ينظر إشارات الأصول: 1/ 20، ومفاتيح الأصول: 53، ونهاية الوصول: 1/ 278 و280، وأنيس المجتهدين: 1/ 59، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 523، وغاية الوصول: 1/ 157- 158.
2- كذا في الأصل، والصواب: لم تكن.

كان القرآن عربيًّا؛ لأنّ ما بعضه عربيّ ليس كلّه عربيًا، وأمّا بطلان التالي فلقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾(1).

وهذا الاستدلال من عجيب ما وقع لبعض(2) في هذا المقام، إذ يتطرّق إليه وجوه من الأنظار:

الأوّل: أنّا لا نسلّم بطلان التالي، وتحقيقه على ما ينبغي يليق أن يذكر في مباحث الحقيقة الشرعيّة، فالإحالة إلى ما يذكر فيها أنسب وأحرى.

والثاني: هو أنّ ذلك غير مثبت للمدّعى؛ لأنّ المدّعى أنّه لا يجوز التجوّز بلا نقل من الواضع، والدليل المذكور على فرض تماميّته إنّما يدلّ على كون المجازات المذكورة في القرآن عربيّة، لا أنّه لا يجوز التجوّز بلا نقل.

والثالث: هو أنّ المناسب في(3) المجازات الواقعة في القرآن، إمّا أن يتحقّق الاستعمال فيها من أهل اللغة أو لا، وعلى الأوّل لا وجه للتمسّك به كما لا يخفى، و على الثاني يبطل القول بالاشتراط؛ لأنّ المفروض أنّ تلك المجازات لم يصل الاستعمال فيها من أهل اللغة، فلو لم يجز التجوّز إلّا بعد النقل من أهل اللغة؛ لما وقع في القرآن فيما لم ينقل، والمفروض أنّه واقع، فيجوز التجوّز من غير نقل أيضًا، فبطل القول بالاشتراط، فالتمسّك بالدليل المذكور لإبطال القول بالاشتراط

ص: 205


1- سورة يوسف: 2.
2- نقل هذا القول الآمديّ في الإحكام: 1/ 36 من القاضي أبي بكر، وينظر نهاية الوصول: 1/ 280، وتهذيب الوصول: 70، ومنية اللبيب: 1/ 230، وإشارات الأصول: 1/ 29، وقوانين الأصول: 1/ 74.
3- «المناسب في» لم ترد في «ق».

أنسب من التمسّك به لإثباته.

والرابع: هو أنّ ذلك بعد الإغماض عن جميع ما فيه، مبنيّ على توقّف اتّصاف اللفظ بكونه عربيًّا على نقل شخصه من العرب، وهو غير مسلّم، بل نقول: الظاهر أنّه يكفي في اتّصافه بذلك تجويز نوع الاستعمال منهم، وفيما نحن فيه كذلك، كما عرفت مرارًا.

ص: 206

الباب الثانی

ص: 207

ص: 208

الباب الثاني: في الأمارات الّتي بها يحصل الامتياز بين الحقيقة والمجاز

اشارة

وحيث قد علمت سابقًا أنّ الحقيقة: اللفظ المستعمل في الموضوع له، والمجاز: المستعمل في غيره، ظهر لك أنّ الامتياز بينهما متوقّفٌ على معرفة الموضوع له وغيره.

ولمّا لم يمكن استعلام الموضوع له وغيره من الواضع في هذه الأعصار وما ضاهاها ليحصل الامتياز بينهما، وكان فهم المعاني من الكتاب والسنّة، بل كلّما ينخرط في سلك الدلالة اللفظيّة، متوقّفًا عليه، قرّر العلماء -شكر الله مساعيهم- علامات بها يعرف الحقيقة والمجاز، وأسّسوا -جزى الله متاعبهم- أمارات بها يحصل لكلّ واحد منهما عن الآخر الامتياز؛ ليرجع الجاهل بأيّ اصطلاح كان إذا أراد معرفة الحقيقة والمجاز فيه إليها ويعمل بمقتضاها، وأمّا العالم بالوضع والاصطلاح، فلا يحتاج إلى شيء منها إلّا لتعليم الجاهل.

وحيث قد كانت المسألة من أهمّ المسائل الأصوليّة وأحوجه؛ لكون استنباط الأحكام الشرعيّة وغيرها ممّا ينخرط في سلك الدلالة اللفظيّة متوقّفًا على فهم المعاني من المباني المعلومة المتوقّف على الامتياز بين الحقيقة والمجاز المتوقّف على معرفة الأمارات، لزم علينا أن نحقّقها ونوضّحها حتّى يكون بياننا هذا متمّمًا لما ذكروه، وموصلًا إلى ما أغفلوه، ومبيّنًا لما أجملوه، ومبلّغًا إلى ما أبهموه، فنقول: تحقيق الحقّ في ذلك المطلب يقتضي التكلّم في فصول:

ص: 209

ص: 210

الفصل الأوّل: فيما يتوصّل إلى الحقيقة والمجاز من كلمات أهل اللغة

وهو من وجوه:

الأوّل: التصريح باسمهما(1) بأن يقال: هذا اللفظ في هذا المعنى حقيقة، وفي ذلك مجاز.

والثاني: التصريح بحدّهما، كأن يقال: هذا اللفظ في هذا المعنى مستعمل في الموضوع له، وفي ذلك المعنى مستعمل في غير الموضوع له.

والثالث: التصريح بخاصّته، كأن يقال: هذا اسم لهذا المعنى وليس باسم لذلك المعنى، أو هذا اللفظ يتبادر منه هذا المعنى، أو غير متبادر منه ذلك المعنى، أو يصحّ عنه السلب، أو لا يصحّ، أو يفتقر فهم هذا المعنى منه إلى القرينة، أو لا يفتقر إليها، أو هذا اللفظ معناه هذا ولم يكن معناه ذلك، وأمثال ذلك(2).

لكن لا شبهة في قلّة صدور أمثال ذلك من الواضع، نعم، كثيرًا ما تذكر المعاني المتعدّدة في كتب اللغة للّفظ، وهل اقتضى ذلك كونه حقيقة في الجميع، أو مجازًا فيه، أو حقيقة في بعضٍ مجازًا في آخر؟ والأوّل مرجوح لاستلزامه تعدّد الوضع عدد المعاني، وهو غير معلوم، فالأصل عدمه؛ وكذا الثاني؛ لأنّ القول بمجازيّة

ص: 211


1- في «ق»: باسمها.
2- ينظر منية اللبيب: 1/ 219، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 530، وأنيس المجتهدين: 1/ 52، وتهذيب الوصول: 69، ونهاية الوصول: 1/ 292.

الجميع يستلزم وضعًا لغيره، وهو منفيّ بالأصل.

فالتحقيق يقتضي التفصيل بأن يقال: إنّ المعنى الأوّل ينبغي أن يكون من المعاني الحقيقيّة، وبقيّة المعاني معاني مجازيّة بالنسبة إليه إن وجدت العلاقة المعتبرة بينها وبينه، وإن وجدت في بعضها دون الباقي، ينبغي أن يكون ذلك البعض من المعاني المجازيّة؛ لئلّا يلزم تعدّد الوضع المدفوع بالأصل.

وأمّا الباقي فالمعنى الواحد منه لا بدّ أن يكون من المعاني الحقيقيّة، والكلام في غيره كما ذكر، فإن وجدت العلاقة بينه وبين ذلك المعنى الواحد، فيكون من المعاني المجازيّة كلًّا أو بعضًا، وإلّا يكون الأمر كما تقدّم، وهكذا إلى أن ينتهي الأمر.

فعلم من ذلك أنّه قد يكون الجميع من المعاني الحقيقيّة، كما إذا فقدت العلاقة في الجميع بالنسبة إلى المعنى الأوّل وغيره، وقد يكون الجميع من المعاني المجازيّة، كما إذا علم من خارجٍ وضع ذلك اللفظ لغير تلك المعاني ووجدت العلاقة بينها وبينه.

ص: 212

الفصل الثاني: في صحّة السلب وعدمها

اشارة

اعلم: أنّ من الأمارات الموصلة إلى الحقيقة والمجاز: صحّةُ السلب وعدمها، فإنّ الأوّل دليل المجازيّة، والثاني دليل الحقيقة(1).

وكلّ منهما إنّما يتمسّك به: فيما إذا علم أنّ للّفظ معنى حقيقيًّا واستعمل في محلّ وعلم المستعمل فيه، لكن لم يعلم أنّه معنى حقيقيّ له أو مجازيّ، فيستعلم بصحّة سلب ذلك المعنى الحقيقيّ عنه وعدمها، فإن صحّ ذلك يعلم أنّه معنى مجازيّ، وإلّا فحقيقيّ.

كلفظ: «الحمار» و«الإنسان» عند استعمال كلّ منهما في البليد، فإنّ كلًّا منهما له معنى حقيقيّ معلوم واستعمل وعلم المستعمل فيه؛ ولمّا صحّ سلب المعنى الحقيقيّ للحمار عنه، علمنا أنّ مصحّح الاستعمال العلاقة؛ ولمّا لم يصحّ سلب المعنى الحقيقيّ للإنسان عنه، علمنا أنّه من المعاني الحقيقيّة.

أو لم يعلم المعنى الحقيقيّ للّفظ أصلًا وعلم المستعمل فيه، كالجاهل باصطلاح قوم، فإنّه إذا علم بعد النظر إلى محاوراتهم أنّ معنىً معلومًا يكون موردًا لاستعمال

ص: 213


1- ينظر الإحكام: 1/ 27، وغاية الوصول: 1/ 159، وإشارات الأصول: 1/ 70، وأنيس المجتهدين: 1/ 54، والفوائد الحائريّة: 325، وقوانين الأصول: 1/ 63، ونهاية الوصول: 1/298، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 530.

لفظ معلوم عندهم، لكن لم يعلم أنّ مصحّح استعمالهم فيه الوضع أو العلاقة، فيختبر بصحّة السلب، فإن صحّ نفي(1) ذلك اللفظ عن ذلك المورد عندهم، يعلم أنّه معنى مجازيّ، وإلّا فهو معنى حقيقيّ.

إن قيل: لا يمكن التشبّث بهما إلّا عند تحقّق المسلوب والمسلوب عنه كما لا يخفى، ففي صورة الجهل بالموضوع له والعلم بالمستعمل فيه لم يوجد فيها المسلوب، وسلب اللفظ عن المستعمل فيه لا دخل له؛ لوضوح المغايرة بين كلّ لفظ ومعناه.

قلنا: الأمر وإن كان كذلك، لكن تحقّق المسلوب والمسلوب عنه لا يلزم أن يكون بالنسبة إلى ذلك الشخص، بل قد يكون بالنسبة إليه، كما إذا علم الموضوع له، فيكون صحّة السلب والعدم بالنظر إليه نفسه؛ وقد يكون بالنسبة إلى غيره، كأهل الاصطلاح الّذي أريد العلم بحقائق ألفاظهم ومجازاتها، فإنّ المعاني الحقيقيّة والمجازيّة الّتي لهم معلومة، واستعلام الجاهل بصحّة السلب وعدمها بالنسبة إليهم، فلو كان المستعمل فيه المعلوم معنى حقيقيًّا للّفظ عندهم، لم يمكن السلب عندهم، لعدم(2) إمكان سلب الشيء(3) عن نفسه؛ ولو كان مجازيًّا أمكن ذلك، أي سلب المعنى الحقيقيّ المعلوم لهم عن المستعمل فيه عندهم، فتحقّق المسلوب والمسلوب عنه.

وقد علمت بما ذكرنا مقامين للتمسّك بصحّة السلب والعدم، وهنا مقام آخر،

ص: 214


1- في «ق»: بقي.
2- في «ق»: بعدم.
3- في «ق»: الّتي.

وهو أن يعلم الموضوع له اللفظ(1) ولم يعتبر(2) الاستعمال في المعنى الّذي يتمسّك فيه بصحّة السلب وعدمها، بل يكون معنىً معلومًا موجودًا في خزانة الخيال، لكن لم يعلم أنّه من الموضوع له لذلك اللفظ، أم لا، نختبر ذلك بصحّة السلب والعدم؛ وفائدة ذلك الاقتران بالقرينة وعدمه لو أردنا الاستعمال.

وهذه الصورة كالصورة الأولى، إلّا أنّ الاستعمال هناك ثابت في المعنى الّذي نختبره بصحّة السلب والعدم، بخلاف ما نحن فيه.

إن قلت: إنّ المعاني غير متناهية، والألفاظ متكثّرة، وإرادة استعمال ذلك اللفظ دون الألفاظ الأخر في ذلك المعنى دون المعاني الأخر وملاحظة سلب ذلك الموضوع له دون غيره عن ذلك المعنى دون غيره يحتاج إلى مخصّص، فإنّ الاستعمال في الصورة الأولى لمّا كان ثابتًا كان ذلك مخصّصًا، والمفروض أنّ الاستعمال فيما نحن فيه غير ثابت، فما المخصّص في ذلك؟

قلنا: المخصّص في ذلك مناسبة ذلك المعنى لما وضع له ذلك اللفظ على ما سيأتي أنّ ما يتمسّك فيه بصحّة السلب وعدمها لا بدّ أن يكون من هذا القبيل.

المقامات الّتي يتشبّث فيها بصحّة السلب والعدم

فقد تحقّق بما تقرّر: أنّ المقامات الّتي يُتشبّث فيها بصحّة السلب والعدم ثلاثة، وإن شئت قلت: خمسة:

الأوّل: أن يعلم المعنى الحقيقيّ للّفظ والمستعمل فيه.

ص: 215


1- في «ق»: في اللفظ.
2- في «ق»: ولم يغير.

والثاني: أن يعلم المعنى الموضوع له له ويلاحظ ذلك مع معنى من المعاني من غير تحقّق الاستعمال فيه.

والثالث: كالأوّل في الأوّل وكالثاني في الثاني.

والرابع: عكس ذلك، أي كالثاني في الأوّل وكالأوّل في الثاني.

والخامس: في صورة الجهل باصطلاح قوم على ما تقدّم تحقيقه.

وهمٌ وإزاحة

اعلم: أنّه قيّد الفاضل العضديّ صحّة السلب بنفس الأمر، فقال مشيرًا إلى أمارات المجاز:

منها: صحّة النفي في نفس الأمر، كقولك للبليد: إنّه ليس بحمار.

ثمّ قال:

وإنّما قلت: في نفس الأمر؛ ليندفع: ما أنت بإنسان؛ لصحّته لغة(1)، انتهى.

أقول: من الحريّ توضيح مراده أوّلًا، ثمّ الإشارة إلى أنّ القيد المذكور هل يكون مفتقرًا إليه، أم لا؟

توضيح مراد الفاضل العضديّ

أمّا الأوّل فنقول: إنّ أفراد الماهيّة بالنسبة إلى كمالها الميسّر لها على أقسام: عالٍ، وسافلٍ، وما بينهما، وقد يبلغ بعض الأفراد في العلوّ حدًّا كأنّه قد خرج عن تحت أفراد تلك الماهيّة وانخرط في زمرة من هو أشرف منها، فإذا وصل بعض الأفراد

ص: 216


1- شرح مختصر المنتهى: 1/ 530.

في الكمال إلى تلك المرتبة، يصحّ سلب(1) اسم الماهيّة عن ذلك البعض على سبيل المبالغة في العرف واللغة، كقوله تعالى حكاية عن نسوة مصر في يوسف (علیه السلام) حيث رأينه وأكبرنه وقطّعن أيديهنّ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾(2)، فقد سلب اسم البشريّة عنه (علیه السلام) مع أنّه من أفراده.

فلو قيل: إن [كانت] صحّة السلب أمارة المجازيّة على الإطلاق، يلزم أن يكون إطلاق «البشر» عليه (علیه السلام) على سبيل المجاز، مع أنّ الأمر ليس كذلك، بخلاف ما إذا قيّد بما مرّ؛ لوضوح عدم إمكان سلب البشريّة عنه (علیه السلام) في الواقع ونفس الأمر.

وكذا الكلام في السافل، فإنّه قد يبلغ حدًّا كأنّه قد خرج عن أفراد تلك الماهيّة وانخرط في سلك الأدون منها، فحينئذٍ يمكن سلب(3) اسم تلك الماهيّة عنه على سبيل المبالغة، كما يقال للبليد: ما أنت بإنسان مع أنّه من أفراده، لكن لمّا لم يصحّ ذلك في نفس الأمر والواقع، لم يلزم المجازيّة.

وبما ذكر ظهر لك أنّه كما يصحّ ذلك في اللغة، يصحّ في العرف أيضًا، فذكر اللغة في كلام الفاضل المذكور ينبغي أن يكون على سبيل التمثيل.

قيد «نفس الأمر» في صحّة السلب غير مفتقر إليه

وأمّا الثاني فنقول: الظاهر عدم الافتقار إلى القيد المذكور؛ لأنّ مقتضى قولهم: «صحّة السلب من علامة المجاز» أنّ صحّة السلب الحقيقيّ من علامته؛ لأنّ

ص: 217


1- «سلب» لم ترد في «ق».
2- سورة يوسف: 31.
3- «سلب» لم ترد في «ق».

«الأصل في الاستعمال الحقيقة»، والسلب المذكور فيما ذكر ليس سلبًا حقيقيًّا، بل سلب مجازيّ مبالغة، والسلب الحقيقيّ هو السلب في الواقع ونفس الأمر، فالتقييد به غير مفتقر إليه.

فقولنا: «زيد ليس بحمار»، سالبة حمليّة، ووضعها لسلب المحمول عن الموضوع في نفس الأمر، فلا يمكن استعمالها حقيقة إلّا إذا تحقّق السلب كذلك؛ والسالبة الحقيقيّة فيما صحّت من أمارة المجاز، والسالبة في قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾(1) ونحوه ليست كذلك، بل سالبة مجازيّة، هذا.

الاعتراضات الواردة على جعل «صحّة السلب وعدمها» علامة
اشارة

ثمّ إنّ في المقام اعتراضات:

الاعتراض الأوّل

الأوّل: أنّ جعل صحّة السلب دليل المجاز وعدمها دليل الحقيقة ممّا لا ثمرة فيه، إذ المفروض أنّ المعنى الحقيقيّ معلوم والمستعمل فيه كذلك، فينبغي النظر إليهما، فإن كان من الأوّل فمعنى(2) حقيقيّ، وإلّا فمجازيّ(3).

الاعتراض الثاني

والثاني: أنّ جعلهما دليل الحقيقة والمجاز فاسد؛ لأنّ صحّة السلب الّتي جعلت

ص: 218


1- سورة يوسف: 31.
2- كذا في الأصل، والصواب: فالمعنى.
3- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 530.

دليلًا على المجاز إمّا أن يراد بها صحّة سلب بعض المعاني الحقيقيّة عن المستعمل فيه، أو جميعها؛ وكلاهما فاسد(1).

أمّا الأوّل: فلوضوح أنّ سلب بعض المعاني الحقيقيّة غير مستلزم للمجازيّة، ألا ترى أنّ المشترك يصحّ سلب كلّ معنى من معانيه عن الآخر، مع أنّ اللفظ في الجميع حقيقة.

هذا في علامة المجاز، وأمّا في علامة الحقيقة فلاستلزامها الدور؛ فلأنّ العلم بعدم صحّة سلب المعنى الحقيقيّ عن المستعمل فيه موقوف على العلم بأنّه من المعنى الحقيقيّ، والمفروض أنّ العلم بكونه من المعنى الحقيقيّ موقوف على العلم بعدم صحّة السلب، فيلزم توقّف العلم بعدم صحّة السلب على العلم بعدم صحّة السلب، وهو دور ظاهر.

وأمّا الثاني: فلاستلزامه الدور، أمّا بالنسبة إلى المجاز فلأنّ العلم بصحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة عن المستعمل فيه موقوف على العلم بأنّه ليس منها، والعلم بأنّه ليس منها موقوف على العلم بأنّه من المعاني المجازيّة، والمفروض أنّه توقّف العلم بالمجازيّة على العلم بصحّة السلب، فيلزم توقّف العلم بصحّة السلب على العلم بصحّة السلب، وهو دور مضمر(2).

ص: 219


1- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 530، والكاشف عن المحصول: 2/ 380، ونهاية الوصول: 1/ 298، وغاية الوصول: 1/ 159، والفوائد الحائريّة: 325، الفائدة 34، وأنيس المجتهدين: 1/ 54، وقوانين الأصول: 1/ 64-65، وإشارات الأصول: 1/ 70 -71.
2- جاء في حاشية الأصل: لكن بواسطة، إذ الدور إذا انحصل بمقدّمتين يكون مصرّحًا، وإذا انحصل بثلاث مقدّمات يكون مضمرًا بواسطة، وإذا انحصل بأربع منها يكون مضمرًا بواسطتين؛ وما نحن فيه من القبيل الثاني، فتوهّم أنّه دور مضمر بواسطتين، لا وجه له. منه.

لا يقال: يمكن تقريره على وجه يصير الدور مصرّحًا بأن يقال: العلم بصحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة عن المستعمل فيه متوقّف على العلم بعدم كون المستعمل فيه من المعاني الحقيقيّة، فلو توقّف العلم بعدم كونه منها على العلم بصحّة السلب، يلزم أنّ العلم بصحّة السلب متوقّف على العلم بصحّة السلب.

لأنّا نقول: يمكن الجواب عنه بأنّ المفروض أنّ العلم بالمجازيّة متوقّف على العلم بصحّة السلب، لا العلم بعدم كون المستعمل فيه من المعاني الحقيقيّة متوقّف عليه، ولذا يقولون: «إنّ عدم صحّة السلب علامة الحقيقة وصحّته علامة للمجاز»(1)، لا لعدم الحقيقيّة، والعلم بعدم الحقيقة غير مستلزم للعلم بالمجازيّة على سبيل الإطلاق، وسيجيء تفصيله.

أو يقال: إنّ العلم بصحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة عن المستعمل فيه متوقّف على العلم بكونه من المعاني المجازيّة، والمفروض أنّ العلم بكونه من المعاني المجازيّة متوقّف على العلم بصحّة السلب، فالعلم بصحّة السلب يتوقّف على العلم بصحّة السلب.

لأنّا نمنع توقّف سلب جميع المعاني الحقيقيّة عن المستعمل فيه على العلم بكونه من المعاني المجازيّة؛ لأنّ الموقوف عليه لذلك العلمُ بعدم وضع اللفظ له، لا العلم بكونه من المعاني المجازيّة، والأوّل غير مستلزم للثاني؛ لإمكان العلم بعدم وضع اللفظ لمعنى مع عدم كونه من المعاني المجازيّة لانتفاء العلاقة.

ص: 220


1- ينظر قوانين الأصول: 1/ 63، ومفاتيح الأصول: 97.

ولا يخفى عليك أنّه يظهر الجواب ممّا ذكر عن أصل الدور ولو كان مضمرًا؛ لما عرفت من منع توقّف عدم كون المستعمل فيه من المعاني الحقيقيّة على العلم بكونه من المعاني المجازيّة، بل بعدم وضع اللفظ له، لكنّه هنا مستلزم لذلك لثبوت الاستعمال وانحصاره إذا كان صحيحًا في الحقيقة والمجاز، وحيث قد انتفى الأوّل تعيّن الثاني، لكنّه ليس لأجل العلم بعدم الوضع فقط، بل مع ما ذكر، فتأمّل.

نعم، يرد: أنّه عند العلم بعدم وضع اللفظ لذلك المعنى لا وجه للرجوع إلى العلامة لتشخيص المجاز والحقيقة، إذ الرجوع إنّما هو في مقام الجهل والشبهة.

وأمّا بالنسبة إلى الحقيقة؛ فلأنّ العلم بعدم صحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة عن المستعمل فيه موقوفٌ على العلم بأنّه منها؛ لوضوح أنّه لو لم يكن منها أمكن سلب جميع المعاني الحقيقيّة عنه، فلو توقّف العلم بأنّه من المعاني الحقيقيّة على العلم بعدم صحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة، يلزم توقّف العلم بعدم صحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة على العلم بعدم صحّة سلب جميع المعاني الحقيقيّة، وهو أوضح ممّا سبق؛ لكونه دورًا مصرّحًا.

الجواب عن الاعتراض الأوّل

والجواب عن الأوّل من وجهين:

الأوّل: أنّ ذلك إنّما يرد بناءً على الشقّ الأوّل فيما يتمسّك فيه بصحّة السلب، وأمّا على الشقّ الثاني على ما ذكرناه فلا، كما لا يخفى.

والثاني(1): أنّ المعنى الحقيقيّ للّفظ قد يكون بحيث يمكن للناظر فيه الامتياز

ص: 221


1- في «ق»: والثاني هو.

بينه وبين غيره بسهولة، كالأمر مثلًا، فإنّ معناه الحقيقيّ الوجوب، فإذا استعمل وعلم المستعمل فيه أنّه الإباحة مثلًا، يمكن للناظر الحكم بمغايرة المستعمل فيه للمعنى الحقيقيّ بسهولة، فلا حاجة له للرجوع إلى صحّة السلب وعدمها لذلك.

وقد لا يكون الأمر كذلك، فيكون المستعمل فيه ممّا لا يمكن الحكم بمغايرته للمعنى الحقيقيّ المعلوم بسهولة ولا بعدمها كذلك، والرجوع إلى صحّة السلب وعدمها إنّما هو في مثل هذا المقام.

والسرّ في ذلك: هو أنّ المعنى الموضوع له اللفظ قد يكون بحيث لا يكون له أفراد مختلفة، فلا يلتبس بغيره؛ وقد لا يكون كذلك، كما إذا وضع اللفظ لمعنى عامّ مختلف الأفراد في الخارج، بعضها ممّا يقطع فيه بأنّ استعمال ذلك اللفظ فيه على سبيل الحقيقة، وبعضها ممّا يشكّ فيه بسبب العوارض الموجبة لذلك، كلفظ «الإنسان» مثلًا، فإنّه موضوع للحيوان المدرك للمعقول، ولا شكّ أنّ أفراده في الخارج مختلفة بحسب تحقّق هذا المعنى فيها، وكثير منها نقطع بأنّ استعمال ذلك اللفظ فيه على سبيل الحقيقة، وبعضها كالبليد ممّا يشكّ فيه لخفاء ذلك المعنى فيه، فمعلوميّة المستعمل فيه غير كافية للامتياز، فيرجع إلى صحّة السلب العرفيّة وعدمها، فيعمل بمقتضاها.

وبعبارة أوضح، وهي: أنّ الماهيّات الموضوع لها قد يكون صدقها على أفرادها متساويًا، ويعبّر عنها بالتواطئ؛ وقد يكون متفاوتًا، ويعبّر عنها بالمشكّك؛ والتمسّك بصحّة السلب وعدمها في القسم الثاني، لا الأوّل، فإنّ الأفراد حينئذٍ لمّا كانت مركّبة ممّا به الاشتراك والامتياز ربّما يصير ذلك موجبًا للتردّد والشكّ في صدق الماهيّة عليها حقيقة، فيختبر ذلك بصحّة السلب وعدمها.

ص: 222

الجواب عن الاعتراض الثاني
اشارة

والجواب عن الثاني بوجوه:

الجواب الأوّل عن الاعتراض الثاني

الأوّل: أنّ المراد صحّة سلب بعض المعنى الحقيقيّ.

قولك: «إنّ سلب البعض غير مستلزم للمجازيّة»، قلنا: ممنوع؛ لأنّ اللفظ بالنسبة إلى المعنى المسلوب عنه متردّد بين الاشتراك والمجاز، إذ لو لم يكن مجازًا فيه لكان حقيقة، فيلزم الاشتراك، ومعلوم أنّ المجاز خيرٌ منه، والنقض بالاشتراك غير وارد؛ لأنّ الكلام فيما لم يثبت فيه الوضع(1).

وفيه نظر، أمّا أوّلًا: فلأنّ الأمر لو كان كذلك، لما كان لجعل صحّة السلب أمارة للمجاز فائدة، إذ يكفي في ذلك ما ذكروا في تعارض الأحوال من أنّه إذا دار العلم بين المجاز والاشتراك، الأوّل خيرٌ من الثاني.

وأمّا ثانيًا: فلأنّ ذلك إنّما يصحّ على القول بأولويّة المجاز من(2) الاشتراك، وأمّا على القول بالعدم فلا، كما لا يخفى.

والظاهر أنّ الأمر ليس كذلك؛ لأنّهم يذكرون الخلاف عند ذكر معارضة المجاز والاشتراك، ولم نجد لأحد منهم التعرّض للخلاف عند ذكر صحّة السلب، فيظهر من ذلك عدم الخلاف؛ لبعد تحقّقه وعدم التعرّض له.

وأمّا ثالثًا: فلأنّا نقول بعد تسليم الجواب المذكور: إنّما يرتفع به الإشكال عن

ص: 223


1- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 530، وأنيس المجتهدين: 1/ 54.
2- في «ق»: على.

علامة المجاز، وأمّا بالنسبة إلى علامة الحقيقة فإرادة البعض غير حاسمة للإشكال المتقدّم كما لا يخفى.

أقول: ويمكن الجواب عن الجميع بعد تمهيد مقدّمة، وهي: أنّك قد عرفت ممّا تقدّم أنّ التمسّك بهاتين العلامتين إنّما هو إذا كان الموضوع له اللفظ معنى عامًّا متكثّر الأفراد في الخارج، ففي بعض المواضع نقطع بكونه فردًا من ذلك وبكون(1) اللفظ حقيقة فيه، فلا حاجة فيه للرجوع إلى العلامة، وتمسّكهم بعدم صحّة السلب ليس في مثل هذا المقام؛ لوضوح أنّ التمسّك(2) بالعلامة إنّما هو في مقام الشكّ بالحقيقة والمجاز، لا في مقام العلم.

وفي بعض المواضع نشكّ في ذلك باعتبار اشتراكه لذلك البعض في بعض الأمور وافتراقه عنه في الآخر، فبالنظر إلى الاشتراك نجوّز(3) الحقيقيّة وإلى الافتراق المجازيّة.

والحاصل: أنّ الشكّ في أنّ ما به الافتراق والامتياز بين الموضعين هل بلغ حدًّا في العرف والعادة بحيث لا يجوز معه الحكم بأنّ ذلك البعض من أفراد ذلك المعنى العامّ، فيكون إطلاق لفظه عليه مجازًا، أو لا؟ بل مع الامتياز المذكور يعدّ في العرف والعادة من أفراده حقيقة، فحينئذٍ يكون إطلاق ذلك اللفظ عليه حقيقة، فيرجع إلى صحّة سلب ذلك المعنى المعلوم عن ذلك البعض وعدمها، فإن صحّ ذلك عند أهل العرف يعلم أنّ الامتياز المذكور بلغ إلى ذلك الحدّ، وإلّا فلا،

ص: 224


1- في «ق»: يكون.
2- في «ق»: التمسّك.
3- في «ق وج»: يجوز.

فيتوصّل إلى الحقيقة والمجاز.

كلفظ «الإنسان» مثلًا، فإنّا نعلم أنّه موضوع للحيوان المدرك للمعقول، وفي كثير من موارد الاستعمال نقطع بتحقّقه فيه، فنعلم أنّ لفظ «الإنسان» فيه حقيقة، فلا حاجة للرجوع إلى العلامة، وفي بعض الموارد كالبليد مثلًا نشك في ذلك ممّا به الاشتراك بينه وبين الموارد المذكورة وممّا به الامتياز الّذي هو البلادة، وكلفظ «الماء» مثلًا، فإنّا نعلم بأنّه موضوع للجسم المخصوص؛ وفي كثير من الموارد نقطع بتحقّق الموضوع له فيه، فيكون استعماله فيه حقيقة.

وفي بعض الموارد كالممتزج ببعض الأجسام كالتراب وغيره نشكّ في ذلك ممّا به الاشتراك والامتياز، فنختبر بصحّة السلب والعدم، فإن صحّ في العرف ذلك نعلم أنّ الاختلاط المذكور أخرجه عن ذلك، فيكون استعمال لفظ «الماء» فيه مجازًا، وإلّا فحقيقة، وهكذا الكلام في كلّ ما يكون بهذا المنوال.

إذا عرفت ذلك نقول: أمّا الجواب عن الأوّل: فبأنّ الفائدة المترتّبة على صحّة السلب غير ما يترتّب على أولويّة المجاز من الاشتراك، والمنفي بالأوّل غير ما هو المنفي بالثاني، وكذا الثابت بالأوّل غير ما هو الثابت بالثاني.

بيان ذلك: هو أنّ المنفي بسلب ذلك المعنى عن المسلوب عنه كون المعنى المسلوب عنه من أفراد ذلك المعنى الموضوع له، فيعلم من ذلك أنّ استعمال ذلك اللفظ فيه لا يكون على سبيل الحقيقة، لكن بحسب ذلك الوضع لا مطلقًا؛ لجواز أن يكون اللفظ المذكور موضوعًا لذلك المعنى بوضع آخر، فيلزم أن يكون استعماله فيه على سبيل الحقيقة، والمنفي بأولويّة المجاز من الاشتراك هذا الاحتمال، فيعلم أنّ استعمال اللفظ فيه على سبيل المجاز.

ص: 225

وبعبارة أخرى: إنّ المنفيّ بصحّة السلب الاشتراك المعنويّ، وبأولويّة المجاز الاشتراك اللفظيّ، فكيف يكون الثاني منفيًّا عن الأوّل؟!

وأمّا عن الثاني: فقد ظهر بما ذكرنا في الجواب عن الأوّل، وإن أردت التوضيح فاعلم: أنّ الموضع الّذي يتمسّك فيه بصحّة السلب وراء الموضع الّذي يتمسّك فيه بأولويّة المجاز كما عرفت، فكون الثاني محلًّا للخلاف لا يستلزم أن يكون الأوّل من ذلك كما لا يخفى.

والحاصل: أنّ اللازم ممّا ذكر اتّفاقهم على أنّ اللفظ في المعنى المسلوب عنه بالنظر إلى وضعه للمعنى المسلوب مجازٌ وإن استلزمهم الخلاف في ذلك بالنظر إلى وضعه الآخر، فالقائلون بأولويّة المجاز ينفون الوضع الآخر أيضًا، فلا يكون ذلك اللفظ في ذلك المعنى إلّا مجازًا عندهم، والقائل بأولويّة الاشتراك يثبته.

إن قلت: كيف يمكن أن يكون الأمر على ما ذكر؟ فإنّ اللازم منه أن يكون ذلك اللفظ في ذلك المعنى عند القائل بأولويّة الاشتراك مجازًا بالنسبة إلى صحّة السلب وحقيقة بالنسبة إلى أولويّة الاشتراك، فيلزم أن يكون لفظ واحد في معنى واحد في آن واحد مجازًا وحقيقة، وهو محال للزوم التناقض، إذ المجاز: اللفظ المستعمل في غير الموضوع له، والحقيقة: المستعمل فيما وضع له.

قلت: الاستحالة إنّما تلزم إذا كانت المجازيّة والحقيقيّة من حيثيّة واحدة، وليس الأمر فيما نحن فيه كذلك، إذ المجازيّة إنّما هي بالنسبة إلى وضع المعنى المسلوب، والحقيقيّة إنّما هي بالنسبة إلى وضع الآخر، ولا استحالة في ذلك.

ألا ترى أنّ اللفظ المشترك إذا استعمل في بعض معانيه، لا لكونه موضوعًا له، بل لكونه مناسبًا للمعنى الآخر، يكون مجازًا، مع أنّه من المعاني الحقيقيّة، والمجازيّة

ص: 226

بالنسبة إلى تلك المناسبة والحقيقيّة لا بالنسبة إليها، بل باعتبار الوضع الآخر، وما نحن فيه من هذا القبيل من غير فرق، فيعلم من ذلك أنّ الحكم باتّحاد آن المجازيّة مع آن الحقيقيّة غير صحيح؛ لأنّ آن المجاز(1) آن ملاحظة المناسبة، وآن الحقيقة آن ملاحظة الوضع، فاختلف الآنان وانتفى الاتّحاد.

لكن يرد عليه: أنّه بناءً على ما ذكر لم يكن صحّة السلب دليل العلم بالمجاز الفعليّ على القول بأولويّة الاشتراك من المجاز، بل يكون دليلًا على المجاز بالقوّة، بمعنى أنّه لو لاحظ المستعمل عند استعمال ذلك اللفظ في المعنى المسلوب عنه وضعه للمعنى المسلوب يكون مجازًا، فتكون المجازيّة متوقّفة على ملاحظة تلك المناسبة، ثمّ العلم بها.

فعلى هذا يمكن للقائل بأولويّة الاشتراك الحكم بالمجازيّة بمجرّد وجدان اللفظ مستعملًا في المعنى المسلوب عنه، بل يلزمه القول بالحقيقة حينئذٍ؛ لأنّ الاستعمال عنده دليل الحقيقة، وقد تحقّق، إلّا إذا ثبت أنّ مصحّح الاستعمال ملاحظة المناسبة، لا الوضع.

وبالجملة: لا تكون صحّة السلب بناءً على القول بأولويّة الاشتراك دليلًا على المجاز فيما تحقّق فيه الاستعمال، مع أنّ الظاهر من كلماتهم ذلك، ولا يخفى عليك أنّ هذا إنّما يرد إذا تحقّق الاستعمال بالنسبة إلى المعنى المسلوب عنه، وأمّا إذا لم يتحقّق ذلك -كما في الصورتين المذكورتين من الصور الخمس المتقدّمة- فلا، فهناك يكون صحّة السلب دليل المجاز من غير إشكال.

ص: 227


1- في «ق»: المجازيّة.

وأيضًا: أنّ أصل الإشكال إنّما يرد إذا علم الموضوع له اللفظ، وأمّا فيما إذا لم يعلم ذلك أصلًا كما ذكرنا في الجاهل بالاصطلاح، فالإشكال غير وارد أصلًا، كما لا يخفى على العارف المتفطّن بما ذكرناه.

وأمّا الجواب عن الثالث: فبأنّا نقول: أمّا بالنسبة إلى الصورة الّتي ذكرناها - أي بالنسبة إلى الجاهل بالاصطلاح - فلأنّا نقول: إنّ علمه بكون المعنى من المعاني الحقيقيّة وإن توقّف على علمه بعدم صحّة السلب، لكن علمه بعدم صحّة السلب ليس متوقّفًا على علمه بكون المعنى من المعاني الحقيقيّة، بل على علم أهل الاصطلاح بكونه منها؛ وعلمهم بكونه منها غير متوقّف على عدم صحّة السلب؛ لجواز اطّلاعهم بذلك إمّا بنصّ الواضع، أو بأمارات أُخر، أو عدم صحّة السلب بالنسبة إلى غير ذلك الشخص، فالدور مندفع لاختلاف الجهات والحيثيّات.

وأمّا بالنسبة إلى غيرها فنقول: إنّ القواعد اللفظيّة مأخوذة من متفاهم العرف واللغة، فلا بدّ عند عدم انضباط شيء منها من الرجوع إليهما حتّى تنضبط.

إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّه إذا استعمل لفظ في مورد ولم نعلم أنّه من أفراد الموضوع له أم لا، نرجع إلى صحّة السلب العرفيّة، فإذا لم يصحّ سلب ذلك المعنى عن ذلك المورد، نعلم أنّه من أفراده، فحينئذٍ نقول: علمنا بأنّه من المعنى الحقيقيّ للّفظ متوقّفٌ على عدم صحّة السلب العرفيّة، وعدمها متوقّف على علمهم بكونه من المعاني الحقيقيّة نظير ما تقدّم، فارتفع الإشكال بعون الموفّق المتعال.

الجواب الثاني عن الاعتراض الثاني

والجواب الثاني: وهو مبنيّ على إرادة البعض أيضًا، ويدفع النقض بالمشترك بأنّ السلب في المشترك ليس على سبيل الإطلاق، بل بالنسبة إلى بعض المعاني، إذ

ص: 228

قولك: «هذا ليس بعين» مشيرًا إلى الفضّة بالنسبة إلى غير وضع العين لها، فلا بدّ من القرينة الدالّة على ذلك، وإلّا لم يصحّ السلب؛ وصحّة السلب الّتي نقول إنّها من خواصّ المجاز صحّة السلب على الإطلاق إلى المجرّدة عن القرينة، والسلب الّذي في المشترك إنّما هو مع الاقتران بالقرينة.

ثمّ إنّ مقتضى ما ذكر أنّ خواصّ الحقيقة عدم صحّة السلب على الإطلاق، لا بالنسبة إلى البعض فقط؛ ولا شبهة في تحقّقه في المشترك، إذ صحّة السلب فيه إنّما هو بالنسبة إلى بعض المعاني، وأمّا السلب على الإطلاق، فغير ممكن كما لا يخفى.

بقي الكلام بالنسبة إلى الدور المذكور، فنقول: قد عرفت اندفاعه بما ذكرناه في الجواب الأوّل، فتأمّل.

الجواب الثالث عن الاعتراض الثاني

والجواب الثالث: هو أنّا نختار أنّ المراد سلب جميع المعاني الحقيقيّة، لكن نقيّدها(1) باليقينيّة، والّذي يتوقّف عليه سلب جميع المعاني الحقيقيّة عن مورد الاستعمال عدم كونه منها، وهو مسلّم؛ لأنّه المفروض، لكن ذلك غير مستلزم للمجازيّة، إلّا بعد التمسّك بأولويّة المجاز من(2) الاشتراك، فيجيء الكلام فيه على نحو ما تقدّم.

الاعتراض الثالث

والاعتراض الثالث: هو أنّ العلامة وإن لم يشترط فيها الانعكاس، لكن

ص: 229


1- في «ق»: تفيدها.
2- في «ق»: على.

يشترط فيها الاطّراد، بمعنى أن لا يتخلّف وجودها عمّا هو علامة لها وإن جاز تخلّفه عنها؛ فعلى هذا يقال: إنّه لو كان عدم صحّة السلب علامة للحقيقة، لما جاز تخلّفه عنها، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

أمّا الملازمة فقد ظهرت ممّا علمت، وأمّا بطلان التالي فلأنّ اللفظ المستعمل في جزئه أو خارجه المحمول عليه - كالإنسان مثلًا في الناطق والكاتب - يمكن فيه السلب، فلا يجوز أن يقال: «الناطق ليس بإنسان»، وكذا الكاتب، مع أنّ اللفظ في كلّ منهما مجاز.

والحاصل: أنّ الموضوع له إمّا مباين للمستعمل فيه، أو مساوٍ له، أو أعمّ منه، أو أخصّ، والسلب إنّما يمكن في الأوّل، كما يقال: «زيد ليس بحمار»، بمعنى أنّ مفهوم الحماريّة مسلوب عنه، وأمّا في الصور الثلاث الباقية فلا، أمّا في صورة التساوي فظاهر، إذ المتساويان متساوقان في الوجود، فكيف يسلب أحدهما عن الآخر؟! وأمّا في صورة العموم - كالحيوان عند استعماله في الإنسان - فلأنّ كلّ إنسان حيوان، فكيف يسلب عنه مفهوم الحيوانيّة؟!

وبالجملة: كلّ أخصّ لا ينفك عن الأعمّ، فلا يمكن سلبه عنه، وأمّا في صورة الأخصّيّة فلما عرفت من أنّ الأخصّ غير منفكّ عن الأعمّ، فيلزم أن يكون اللفظ في جميع الصور الثلاث حقيقة؛ لوجود علامتها فيه، مع أنّه مجاز في نفس الأمر، فلا يكون عدم صحّة السلب دليلًا على الحقيقة، إلّا في صورة التباين بين الموضوع له والمستعمل فيه.

الجواب عن الاعتراض الثالث

والجواب عنه: أنّ ذلك إنّما يتوجّه لو قلنا: إنّ صحّة السلب إنّما تكون باعتبار

ص: 230

حمل الشيء على ما هو مغاير له، فيلزم أن يكون عدمها بهذا الاعتبار علامة الحقيقة، وقد وجد في المواضع المذكورة مع عدم كون اللفظ فيها حقيقة، ونحن لم نقل بذلك(1).

توضيح المقام يقتضي أن يقال: إنّ صحّة السلب قد تكون باعتبار حمل الشيء على المغاير، وقد تكون باعتبار حمل الشيء بمعنى هو هو، والمعتبر في المجاز صحّة السلب بالاعتبار الثاني، وقد يجتمع مع الاعتبار الأوّل، كما إذا كان بين الموضوع له والمستعمل فيه تباين، كما في قولك: «البليد ليس بحمار»، أمّا السلب بالاعتبار الأوّل؛ فلوضوح أنّ مفهوم الحمار مسلوب عن البليد، وأمّا بالاعتبار الثاني؛ فلأنّ سلب مفهومه عنه يستلزم رفع الاتّحاد بين المفهومين، فيقال: مفهوم الحمار ليس عين مفهوم البليد.

وقد يفترق عنه، كما في الصور المذكورة، فإنّه يتحقّق السلب فيها بالاعتبار الثاني؛ لوضوح أنّ مفهوم «الإنسان» ليس عين مفهوم «الناطق»، ولا عين مفهوم «الكاتب»، بخلافه بالاعتبار الأوّل؛ لوضوح عدم جواز سلب مصداق(2)

ص: 231


1- جاء في حاشية الأصل: وحاصل الجواب: إنّ عدم صحّة السلب الموضوع له عن المستعمل فيه قد يكون باعتبار المصداق، وقد يكون باعتبار المفهوم؛ ومعلوم أنّ صحّة السلب باعتبار المصداق مستلزم لصحّته باعتبار المفهوم، لكن لا عكس؛ لجواز أن يتحقّق السلب باعتبار المفهوم ولا يتحقّق باعتبار المصداق، كما في المتساويين. إذا علمت ذلك فاعلم: أنّه كما يمكن سلب الإنسان عن البليد مصداقًا، كذا يتحقّق مفهومًا، بخلاف الإنسان بالإضافة إلى الناطق، فإنّ السلب عنه ممكن مفهومًا، لكن غير ممكن مصداقًا، فالمعتبر فيكلّ من علامة الحقيقة والمجاز باعتبار المفهوم دون المصداق، فلا إيراد. منه.
2- في «ق»: مفهوم.

«الإنسان» عن مصداق(1) «الناطق» و«الكاتب»، لكنّ السلب بذلك الاعتبار كافٍ لاتّصاف اللفظ بالمجازيّة.

فظهر من ذلك أنّ السلب بالاعتبار الثاني أعمّ من السلب بالاعتبار الأوّل، فكلّما يتحقّق فيه السلب بالاعتبار الأوّل يتحقّق بالاعتبار الثاني من غير عكس، ولمّا كان نقيض الأخصّ أعمّ وبالعكس، كان عدم صحّة السلب بالاعتبار الثاني أخصّ من عدم صحّة السلب بالاعتبار الأوّل، بمعنى أنّ كلّما لم يصحّ فيه السلب بالاعتبار الثاني لم يصحّ بالاعتبار الأوّل، وليس كلّما لم يصحّ فيه السلب بالاعتبار الأوّل لم يصحّ بالاعتبار الثاني، كما عرفت عند استعمال «الإنسان» في «الناطق» مثلًا، فإنّه لم يصحّ فيه السلب بالاعتبار الأوّل مع أنّه صحّ بالاعتبار الثاني.

ولمّا كان المعتبر في المجاز الأعمّ -أي صحّة السلب بالاعتبار الثاني على ما عرفت- كان المعتبر في الحقيقة الأخصّ، أي عدمها بذلك الاعتبار، لكن لمّا كان الأخصّ مستلزمًا للأعمّ، علم أنّ عدم صحّة السلب بالاعتبار الثاني لا ينفكّ عن عدمها بالاعتبار الأوّل، فالمعنى الحقيقيّ لا يفترق عن عدم صحّة السلب بالاعتبارين، فاندفع النقض باللفظ المستعمل في الجزء والخارج اللازم المحمول؛ لعدم تحقّق السلب إلّا باعتبار واحد.

ص: 232


1- «مصداق» لم ترد في «ق».

في تحقيق التبادر وعدمه

الفصل الثالث: في التبادر وعدمه أو عدم تبادر الغير وتبادره

اشارة

الفصل الثالث: في التبادر وعدمه أو(1) عدم تبادر الغير وتبادره

فإنّ الأوّل دليل الحقيقة، والثاني دليل المجاز؛ ونعني بالتبادر: استباق المعنى عند استماع اللفظ مجرّدًا عن القرينة(2).

وجه دلالته عليها: هو أنّ القول بالدلالة الذاتيّة لمّا كان فاسدًا، تعيّن أن تكون الدلالة للوضع، وحيث قد علمت دلالة اللفظ على المعنى بنفسه، علم أنّ منشأه وضعه له، ولا نعني بالدلالة على الحقيقة في المقام إلّا ذلك.

والحاصل: أنّ الوضع علّة لاستباق المعنى من اللفظ، وهو معلول له، فإنّه كما إذا حصل العلم بالعلّة من قبل الواضع وغيره، يحصل العلم بالمعلول، ينبغي العكس أيضًا بأن يكون العلم بالمعلول موجبًا للعلم بالعلّة، فيُعلم(3) من استباق المعنى من اللفظ حال تجرّده عن القرينة وضعه له؛ لئلّا يلزم تخلّف المعلول عن العلّة، إلّا أنّ الأوّل من باب اللّمّ، والثاني من باب الإنّ.

ص: 233


1- في «ق»: و.
2- ينظر تهذيب الوصول: 69، وغاية الوصول: 1/ 159، وقوانين الأصول: 1/ 56، ومفاتيح الأصول: 68، ومنية اللبيب: 1/ 219، والإحكام: 1/ 30.
3- في «ق»: فيعلم.
إيرادات وتفصّيات
الإيراد الأوّل على التبادر مع الجواب عنه
اشارة

الأوّل: أنّه لو كان التبادر أمارة للحقيقة، لزم أن لا تكون الألفاظ المشتركة عند استعمالها في معانيها الموضوعة لها حقيقة، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

أمّا الملازمة فلوضوح أنّ السامع عند استماعه اللفظ المشترك من غير قرينة، يبقى متردّدًا في فهم معنى من معانيه منه وحمله عليه، فلو كان شيء من معانيه متبادرًا لما كان الأمر كذلك؛ وأمّا بطلان التالي فظاهر(1).

وجوابه ظاهر، فإنّ مقتضى قولنا: «التبادر علامة الحقيقة»، أنّه إذا ثبت تبادر المعنى من اللفظ، يدلّ ذلك على أنّه حقيقة فيه، لا أنّه إذا انتفى انتفت، وكيف؟! مع أنّ للحقيقة(2) أمارات يكفي في كون اللفظ حقيقة تحقّق شيء منها(3) ولو لم تتحقّق غيرها(4).

وهذا كما يقال: «إنّ الجرّ من علامة الاسم»، ليس معنى ذلك إلّا أنّه إذا وجد الجرّ في كلمة يدلّ على أنّه(5) اسم، لا أنّ عدم وجوده دليل على العدم؛ وكيف مع بعض الأسماء ممّا لا يمكن وجوده فيه، كالأسماء الغير المنصرفة.

ص: 234


1- ينظر منية اللبيب: 1/ 220، وغاية الوصول: 1/ 160، والإحكام: 1/ 27، وأنيس المجتهدين: 1/ 53، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 531.
2- في «ق»: الحقيقة.
3- في «ق»: منهما.
4- المفروض: ولو لم تحقّق غيرها.
5- كذا في الأصل، والصواب: أنّها.

وبالجملة: هذه الأمور خواصّ وعلامات، لا حدود وتعاريف؛ والمعتبر في الخاصّة الاطّراد، لا الانعكاس، بخلاف الحدّ، فإنّه يعتبر فيه الانعكاس أيضًا.

وتوضيح الأمر في الاطّراد والانعكاس يُطلب فيما ذكرناه في مواضع متعدّدة، كالحلية اللامعة(1)، وحاشيتي التهذيب والمعالم(2)، لا سيّما الأخير، فإنّه كمشعلة لامعة للإيصال إلى حقيقتهما بلا كلام.

لكن إذا لوحظ الخواصّ بمجموعها يلزم منه الانعكاس؛ لوضوح أنّ انتفاء جميع العلائم للحقيقة مثلًا يستلزم انتفاءها، فالإيراد(3) المذكور لا وجه له، نعم، له وجه بالنسبة إلى المجاز، فإنّ علامته عدم التبادر وقد تحقّق في المشترك، مع أنّه بالنسبة إلى جميع معانيه حقيقة، فلا تتحقّق(4) الاطّراد مع أنّه على ما عرفت لازم.

ويمكن الجواب عنه: بأنّ عدم التبادر إنّما يدلّ على المجاز إذا لم يعارضه(5) علامة الحقيقة، وأمّا مع المعارضة فلا، وما نحن فيه كذلك؛ لأنّ نصّ الواضع وكذا عدم صحّة السلب دليلٌ على الحقيقة، فتأمّل.

ثمّ اعلم: أنّ بعضًا منهم لأجل الفرار عن هذا الإيراد غيّر الكلام في المقام، فقال: إنّ علامة الحقيقة: عدم تبادر الغير، وعلامة المجاز: تبادره(6)، فحينئذٍ لا يرد

ص: 235


1- الحلية اللامعة: 1/185.
2- كلتاهما مخطوطتان.
3- في «ق»: فإيراد.
4- كذا في الأصل، والصواب: فلا يتحقّق.
5- كذا في الأصل، والصواب: لم تعارضه.
6- قاله الوحيد البهبهانيّ في الفوائد الحائريّة: 324، الفائدة 34، وينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 530، وأنيس المجتهدين: 1/ 52.

النقض المذكور، أمّا بالنسبة إلى علامة الحقيقة فلأنّ المشترك إذا أطلق، كما أنّه لم يتبادر منه شيء من معانيه، كذا لم يكن غير معانيه متبادرًا أيضًا، وأمّا بالنسبة إلى المجاز فلأنّ علامة المجاز على هذا: التبادر إلى الغير، وقد عرفت انتفاءه.

وفيه نظر؛ لأنّك قد عرفت دفع الإيراد ممّا ذكرناه، فلا يحتاج لدفعه إلى تغيير العلامة، مع أنّ ما جُعل علامة للحقيقة غير صحيح، كما يجيء إليه الإشارة.

وأيضًا: أنّ ما جعل علامة للمجاز من التبادر إلى الغير، إنّما يندفع به إذا فرض استعمال المشترك في معناه الحقيقيّ، وأمّا إذا فرض استعماله في معناه المجازيّ فلا؛ لأنّ المفروض أنّ معانيه الحقيقيّة غير متبادرة منه، فلا يتحقّق التبادر إلى الغير في ذلك المعنى مع كونه معنى مجازيًّا، فيلزم أن لا يكون المجاز مجازًا، بل حقيقة لتحقّق علامتها الّتي هي عدم تبادر الغير فيه.

والجواب عنه: هو ما تقدّم من أنّ المعتبر في الخاصّة الاطّراد، لا الانعكاس، فمقتضى القول بأنّ التبادر إلى الغير من علامة المجاز هو أنّ وجوده يستلزم الوجود، وأمّا العدم فغير مستلزم للعدم، وسيجيء لذلك مزيد توضيح.

لكن قد اندفع الإيراد بما ذكر في خاصّة المجاز، وأمّا بالنسبة إلى خاصّة(1) الحقيقة فغير مندفع، إذ عدم التبادر إلى الغير متحقّق مع أنّ المعنى مجازيٌّ، فلم يتحقّق الاطّراد.

وأيضًا قد يشتهر اللفظ في المعنى المجازيّ بحيث يتردّد السامع عند التجرّد عن القرينة، فحينئذٍ يلزم أن يكون ذلك المعنى معنى حقيقيًّا؛ لأنّ غيره غير متبادر منه.

ص: 236


1- في «ق»: الخاصّة.
نقل الجواب الظاهر من بعض المحقّقين مع تزييفه وإبطاله

ولا يخفى أنّ هذا كلّه مبنيٌّ على تسليم انتفاء التبادر في معاني المشترك، والّذي يظهر من بعض المحقّقين في الجواب عن أصل الإيراد، وبه يضمحلّ كثير من المناقشات، هو دعوى التبادر فيها، فذكر ما حاصله:

أنّ التبادر إمّا أن يعتبر بالنسبة إلى الدلالة، أو بالنسبة إلى الإرادة، وعلى الأوّل يكون جميع معاني المشترك متبادرًا، لكنّ التردّد لأجل الإبهام في المراد؛ لوضوح أنّ دلالة اللفظ على المعنى بواسطة الوضع، فالعالم بالوضع عند استماعه ينبغي أن يفهم معناه منه، لكن عند كون المعنى متعدّدًا يبقى متردّدًا في انّ مراد المستعمل أيّ معنى من تلك المعاني المتعدّدة، فتردّده إنّما هو في تعيين المراد، لا في أصل الدلالة.

وعلى الثاني فنقول: بناءً عليه يكون جميع معاني المشترك أيضًا مفهومًا منه، إلّا أنّه على سبيل البدليّة، فإنّا نعلم أنّ مراد المستعمل واحد من تلك المعاني، لكن لا نعلم تعيينه، ففي الصورتين معاني المشترك متبادرة، لكن في الأوّل على الاجتماع، وفي الثاني على البدليّة(1).

وربّما قيل في دفع هذا الجواب:

بأنّ مثل هذا التبادر لا ينفع؛ لأنّ التبادر الّذي يكون أمارة للحقيقة هو الّذي يصير المعنى به متعيّنًا عند السامع(2).

ص: 237


1- ذكر الاعتراض الآمديّ في الإحكام: 2/ 243؛ والإيجيّ في شرح مختصر المنتهى: 1/ 533، وينظر أيضًا: البحر المحيط: 1/ 584، وغاية الوصول: 1/ 160، ومفاتيح الأصول: 69.
2- لم نعثر عليه.

وفيه نظر؛ لأنّ المقصود من تقرير هذه العلامات إنّما هو تشخيص المعاني الحقيقيّة والمجازيّة، فحينئذٍ نقول: إن أريد بتعيّن المعنى عند السامع بحيث يمتاز(1) المعاني المتبادرة عن غيرها، فهو مسلّم، لكنّه في المقام متحقّق، وإن أريد بتعيّنه تعيّنه بحيث يعلم المراد، فهو ممنوع، وكيف؟! مع أنّ ذلك قد يتّفق مع العلم بالوضع إمّا(2) من طريق العلامة، بل من نصّ الواضع، كما إذا كان الموضوع له متعدّدًا.

فالحقّ أن يقال في دفع هذا الجواب -بعد تسليم التبادر على ما ذكر- بأنّه لا شبهة أنّ الافتقار إلى التبادر وغيره من الأمارات المقرّرة لتشخيص المعاني الحقيقيّة والمجازيّة إنّما هو بالنسبة إلى من لم يكن عالمًا بأوضاع الألفاظ، وأمّا العارف بها فلا يحتاج إليها كما لا يخفى(3).

فعلى هذا نقول: الجواب المذكور انّما هو جواب بالنسبة إلى العالم بوضع المشترك؛ لوضوح أنّ فهم المعاني -سواء كان على الاجتماع أو البدليّة- إنّما يتحقّق بالنسبة إلى العالم بوضع المشترك، وأمّا بالنسبة إلى الجاهل فلا، كما لا يخفى، مع أنّك قد عرفت أنّ الافتقار إلى العلامة إنّما هو بالنسبة إليه.

لا يقال: إنّ تبادر المعاني وإن كان بالنسبة إلى العالم بالوضع، لكن اطّلاع الجاهل على ذلك كافٍ في إثبات المرام.

لأنّا نقول: إنّ التبادر على النهج المذكور في اللفظ المشترك إنّما هو في ذهن العالم بالوضع، ولا يظهر منه أثر في الخارج حتّى ينفع حال الجاهل.

ص: 238


1- كذا في الأصل، والصواب: تمتاز.
2- كذا في الأصل.
3- ينظر قوانين الأصول: 1/ 57.

ثمّ وإن كان الظاهر من هذا الكلام ضعف أصل الإيراد وعدم وقعه في المقام؛ لوضوح أنّ التردّد في معاني المشترك عند الاستعمال وعدم استباق شيء منها إلى الذهن على تقدير التسليم إنّما هو بالنسبة إلى العالم بالوضع، ولا يتصوّر في حقّ الجاهل.

فحينئذٍ نقول: إنّ عدم التبادر مثلًا مع العلم بالوضع غير مضرّ، ومناقشة لزوم المجازيّة حينئذٍ مجازفة؛ والجواب المذكور وإن كان صالحًا لدفع هذا الإيراد، لكن لمّا كان الإيراد على التقرير المذكور ظاهر الفساد ويمكن أن يقرّر بما نقرّره، لم نحكم(1) بضعفه بالمرّة.

تقرير الإيراد على النحو الصحيح

فالحقّ أن يقرّر الاعتراض بنحو آخر، وهو أن يقال: مقتضى جعل التبادر أمارة للحقيقة وعدمه أمارة للمجاز، هو أنّ الجاهل باصطلاح قوم بعد التتبّع في محاوراتهم والتصفّح في مخاطباتهم، كلّما ظهر عليه أنّهم يفهمون المعنى المعلوم من اللفظ المخصوص عند التجرّد عن القرينة ويستبق إلى أذهانهم ذلك في تلك الحالة، يحكم بأنّه معنى حقيقيّ له عندهم.

وكلّما يظهر عليه عدم الفهم والاستباق بأن توقّف في نظره الفهم وحمل اللفظ عليه عندهم على القرينة، يحكم بأنّه معنى مجازيّ، فعلى هذا يلزمه الحكم بمجازيّة المشترك عند استعماله في معناه الموضوع له؛ لأنّ الحمل عليه لا يمكن إلّا مع القرينة، فيتخيّل أنّ فهم المعنى عندهم موقوف عليها، فيكون ذلك المعنى غير

ص: 239


1- في «ق»: لم يحكم.

متبادر عندهم في نظره.

هذا بالنسبة إلى علامة المجاز، وأمّا بالنسبة إلى أمارة الحقيقة فنقول: إنّ معنى المشترك وإن كان متبادرًا عند العالمين بالوضع، لكنّه لا ينفع حال الجاهل؛ لأنّ توصّله إلى فهم أرباب الاصطلاح إنّما هو بحمل اللفظ على المعنى، وحيث لم يمكن(1) ذلك في المشترك لم يظهر عليه ذلك، فلا يظهر عليه التبادر مع أنّه معنى حقيقيّ.

والجواب عن الثاني وإن أمكن بما تقدّم من عدم اشتراط الانعكاس في العلامة، لكنّ الإيراد بالنسبة إلى أمارة المجاز غير مندفع، إلّا بأن يقال: إنّ أمارته تبادر الغير، إذ حينئذٍ يكون الحكم بالمجازيّة متوقّفًا على ذلك، وهو مفقود فيما نحن فيه لما عرفت، فلا يمكنه الحكم بالمجازيّة.

إن قيل: إنّ هذا إنّما هو إذا اعتبر استعمال المشترك في معناه الحقيقيّ، لكن يتوجّه النقض فيما إذا استعمل في المعنى المجازيّ مع القرينة، إذ لم يظهر للجاهل إنّه من المعاني الّتي يتبادر غيرها من اللفظ حتّى يحكم أنّه معنى مجازيّ له، إذ عند تجرّده عن القرينة لا يحمل على شيء، فلا يظهر له تبادر غيره، فيحكم أنّه معنى حقيقيّ له؛ لفقدان أمارة المجاز، مع أنّه معنى مجازيّ في نفس الأمر.

قلنا: هذا أيضًا مدفوع بما تقدّم من عدم اشتراط الانعكاس.

توضيحه: إنّ اللفظ المشترك إنّما يلزم أن يكون حقيقة إذا ظهر تبادر المعنى منه، وليس الأمر فيما نحن فيه كذلك.

ص: 240


1- في «ق»: لم يكن.

غاية ما هناك: أنّه معنى مجازيّ له، مع أنّ غيره غير متبادر منه، وهذا إنّما يضرّ إذا شرطنا الانعكاس في العلامة وقد عرفت عدمه.

والحاصل أنّا نقول: إنّ تبادر الغير أمارة للمجاز، بمعنى أنّ كلّما تحقّق ذلك يلزم أن يكون معنى مجازيًّا، لا أنّ ما لم يتحقّق فيه ذلك يلزم أن لا يكون(1) معنى مجازيًّا، فاللازم ممّا ذكر أنّ الوجود مستلزم للوجود، لكنّ العدم غير مستلزم للعدم، والنقض إنّما يتوجّه إذا قارن الوجود العدم، أي تحقّق تبادر الغير ولم يكن مجازًا، وليس الأمر في المقام كذلك، بل المتحقّق فيه مقارنة العدم للوجود، وهو غير مضرّ لما عرفت.

وغاية ما في الباب: أنّه لا يمكن للجاهل تشخيص المعاني الحقيقيّة والمجازيّة في الألفاظ المشتركة بالرجوع إلى تبادر المعنى وتبادر غيره، وهو ممّا لا ينكره ولا ممّا يستنكر بعد ما عرفت من لزوم الاطّراد في العلامة دون الانعكاس.

وبمثله يجاب في اللفظ المشتهر في المعنى المجازيّ، بحيث لو ورد مجرّدًا عن القرينة يبقى السامع متردّدًا في حمله على المعنى المجازيّ والحقيقيّ، ولا يمكن فيه أيضًا تشخيص المعاني الحقيقيّة والمجازيّة للجاهل بالتبادر وتبادر غيره، وقد عرفت أنّه غير ضائر.

نعم، ربما يتّفق أنّ اللفظ المشترك يشتهر في بعض معانيه بكثرة الاستعمال، فإذا استعمل في غير(2) المعنى المشتهر من معانيه يكون حقيقة، مع أنّه يلزم أن يكون مجازًا فيه؛ لأنّ غير ذلك المعنى متبادر منه، فيلزم عدم الاطّراد في العلامة.

ص: 241


1- في «ق»: أن يكون.
2- في «ق»: الغير.

ويمكن الجواب عنه بأنّ اشتهار المشترك لو بلغ إلى هذا الحدّ - أي بحيث لو استعمل في غير المعنى المشتهر، يكون ذلك المعنى المشتهر متبادرًا منه - لا نسلّم بقاءه على وصف الاشتراك بالنسبة إلى المعنى المشتهر وغيره، بل نقول: إنّه حينئذٍ من باب المنقولات التعيّنيّة، فيكون منقولًا من الاشتراك إلى الانفراد، والاشتراك بحسب أصل الوضع(1) غير نافع.

وممّا ذكر ظهر الجواب عمّا لو فرض اشتهار المشترك في المعنى المجازيّ.

وقد تحصل بما تقرّر: أنّ علامة الحقيقة(2): تبادر المعنى، لا عدم تبادر الغير، وعلامة المجاز: التبادر إلى الغير، لا عدم التبادر.

الإيراد الثاني على التبادر مع الجواب عنه
اشارة

والإيراد الثاني: هو أنّ جعل التبادر دليلًا على الحقيقة فاسد؛ لابتنائه على مذهب فاسد، وهو القول بأنّ دلالة الألفاظ ذاتيّة.

أمّا الصغرى، فلأنّ مقتضى ذلك(3) أنّه إذا كان المعنى الحقيقيّ للّفظ غير معلوم وتحقّق فهم المعنى منه عند تجرّده عن القرينة، يعلم من ذلك أنّه معنى حقيقيّ له، وهو على القول بأنّ دلالة الألفاظ وضعيّة ممّا لا يتعقّل؛ لأنّه حينئذٍ يكون من

ص: 242


1- في «ق»: بحسب الأصل والوضع.
2- جاء في حاشية الأصل: بأن يقال: إنّ اللفظ المذكور إذا لوحظ مع معناه الحقيقيّ، يصدق عليه أنّ غيره متبادر منه، فيلزم أن يكون مجازًا مع أنّه معنى حقيقيّ له، أو يقال: إنّ اللفظ في هذا المعنى المشتهر مجاز مع تحقّق علامة الحقيقة، والجواب ظاهر ممّا ذكرناه، فلا حاجة إلى الذكر. منه.
3- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): أي جعل التبادر علامة للحقيقة.

الأمور التوقيفيّة، والتوصّل إلى الأمور التوقيفيّة من غير إعلام غير ممكن، فكيف يمكن حمل اللفظ على معنى دون غيره مع عدم العلم بالتعيين؟! ولهذا يقال: إنّ العلم بالوضع عن شرط في الدلالة، ومعلوم أنّ المشروط ينتفي بانتفاء شرطه.

فعلى هذا نقول: إنّ جعل التبادر -بناءً على القول بوضعيّة الدلالة- دليلًا على الحقيقة يستلزم الدور؛ لأنّ المراد من المعنى الحقيقيّ هو الموضوع له، وفهم الموضوع له من اللفظ موقوف على العلم بوضعه له لما عرفت؛ ومقتضى جعل التبادر دليلًا على الحقيقة أنّ العلم بوضعه له موقوف على فهم الموضوع له منه، فيكون فهم المعنى متوقّفًا على فهم المعنى(1).

وأمّا الكبرى -أي فساد ما يتوقّف على الفاسد- فظاهرة.

الجواب عن الإيراد الثاني
اشارة

والجواب عنه من وجهين:

الجواب الأوّل

الأوّل: أنّ ذلك ليس مبنيًّا على القول المذكور، وتوهّم الدور مبنيٌّ على الخلط بين الجهات والحيثيّات.

وإن أردت حقيقة الحال فاعلم: أنّك قد عرفت سابقًا أنّ هذه العلامات إنّما هي بالنسبة إلى الجاهل بالوضع؛ لوضوح عدم افتقار العالم به إلى شيء منها، فحينئذٍ نقول: مقتضى قولنا: التبادر دليل على الحقيقة، أنّ الجاهل بأيّ اصطلاح

ص: 243


1- ينظر مفاتيح الأصول: 68.

كان إذا تتبّع محاورات أربابه وتفحّص مخاطباتهم ونظر إلى موارد استعمالاتهم، يمكن أن يظهر له بالترديد بالقرائن والإشارة أنّ اللفظ المعلوم عند استعماله يريدون منه المعنى المعلوم، ويستبق إلى أذهانهم ذلك، ويحملونه عليه عند الإطلاق، وبذلك يحكم أنّ اللفظ المذكور وضع لذلك المعنى عندهم.

فحينئذٍ نقول: إنّ علم الجاهل بكونه من الموضوع له متوقّف على فهم أهل الاصطلاح المعنى المذكور منه، فلو كان فهمهم ذلك متوقّفًا على علمه بالموضوع له، كان الدور مسلّمًا؛ لكنّ الأمر ليس كذلك؛ لأنّ فهمهم المعنى منه إنّما يتوقّف على علمهم بالوضع.

وغاية ما يلزم من ذلك أنّ علم الجاهل بالوضع متوقّف على فهم أهل الاصطلاح ذلك المعنى منه، وفهمهم إيّاه موقوف على علمهم بالوضع، فينتج: أنّ علم الجاهل بالوضع متوقّف على علم أهل الاصطلاح به، وهو مسلّم وليس بدور أصلًا؛ لاختلاف الجهة.

الجواب الثاني

والثاني: ما أفاده بعض الأماجد(1)، حاصله: أنّ وضع اللفظ إمّا أن يكون بتعيينه بإزاء المعنى، أو بتحقّق الغلبة والاشتهار، وعلى الأوّل لا يخلو إمّا أن يكون فهم المعنى من اللفظ بعد اشتهاره فيه، أو قبله، وتوقّف الفهم على العلم بالوضع إنّما هو في القسم الثالث فقط، دون الأوّلين، بل سبب الفهم فيهما نفس الغلبة والاشتهار، فدعوى توقّف فهم المعنى على العلم بالوضع في الدلالة الوضعيّة

ص: 244


1- هو السيّد المجاهد في مفاتيح الأصول: 68.

مطلقًا ممنوعة، فحينئذٍ نقول: إنّ التمسّك بالتبادر لإثبات المعاني الحقيقيّة فيما إذا كان الفهم حاصلًا مع عدم العلم بالوضع، فالدور مدفوع.

ويمكن الجواب عنه: بأنّ الغلبة والكثرة في المنقولات التعيّنيّة بمنزلة الواضع، وتعيّن اللفظ بإزاء ذلك المعنى وضع له؛ وحينئذٍ نقول: إنّ السامع إمّا أن يكون عالمًا بذلك التعيّن، أو لا، وعلى الأوّل نقول: إنّ انصراف ذهنه إلى ذلك المعنى عند إطلاقه وإن كان مسلّمًا، لكنّه لأجل العلم بالتعيّن، وهو العلم بالوضع، وعلى الثاني نمنع الانصراف المذكور، بل الظاهر انصراف ذهنه إلى المعنى المنقول منه، فيكون فهم ذلك المعنى منه متوقّفًا على العلم بالوضع، وهو المطلوب.

وأمّا الألفاظ الموضوعة بالتعيين فنقول: إنّ السامع إمّا أن يكون عالمًا بالوضع، أم لا، وعلى الأوّل نقول: إنّ فهم المعنى إنّما هو باعتبار العلم بذلك الوضع، ولهذا لا مدخليّة للكثرة في أصل الفهم لحصوله ولو عند عدم العلم بها، وعلى الثاني نقول: إنّه وإن لم يعلم بتعيينه له، لكنّه نظرًا إلى علمه بالكثرة يكون عالمًا بتعيّنه له، فيكون اللفظ عنده من قبيل المنقولات التعيّنيّة، فلم يتحقّق الفهم عند عدم العلم بالوضع.

إن قيل: إنّ الاشتهار يقتضي تبادر المعنى وفهمه من اللفظ المجرّد قطعًا؛ لحصول المؤانسة الموجبة للتفاهم، والتفاهم للاشتهار لا يقتضي العلم بالاشتهار، فضلًا عن العلم بالوضع.

قلنا: إن أريد أنّ التفاهم للاشتهار لا يقتضي العلم بالاشتهار أنّه لا يقتضي العلم به تفصيلًا، فهو مسلّم، لكنّه غير مجد؛ وإن أراد العلم به إجمالًا، فهو ممنوع، بل نقول: إنّ فهمه منه إنّما هو لارتكاز الكثرة والشهرة في خزانة الخيال، ولهذا لا يحصل عند من لم يكن مطّلعًا بذلك الاشتهار، بل المتبادر عنده المعنى المنقول منه كما لا يخفى.

ص: 245

نعم، يمكن منع التوقّف المذكور بأن يقال: إنّ فهم المعنى لو كان متوقّفًا على العلم بالوضع، لزم أن لا يحصل عند عدمه، والتالي باطل، فالمقدّم مثله، أمّا الملازمة فبيّنة، وأمّا بطلان التالي فلأنّ العوامّ يفهمون المعاني من الألفاظ المستعملة فيما بينهم مع عدم علمهم بالوضع ومعناه.

ويمكن الجواب عنه: بأنّ المراد بعدم علمهم بالوضع إمّا أن يكون عدمه بعنوان أنّه وضع لذلك المعنى، فهو مسلّم؛ لوضوح أنّ كثيرًا ما لم يقرع سمعه لفظ «الوضع» أصلًا، وإن أريد به عدم علمهم به مطلقًا، سواء كان بذلك العنوان، أو بما يؤدّي معناه، فهو ممنوع؛ لوضوح علم كلّ أحد من أهل أيّ اصطلاح كان أنّ اللفظ المعلوم يراد منه المعنى المعلوم في ذلك الاصطلاح، فهو عالم بالوضع، لكنّه ليس بعنوان أنّه وضع لذلك.

إن قيل: دعوى التوقّف المذكور ممنوعة؛ لوضوح حصول الفهم بالترديد بالقرائن مع عدم العلم بالوضع.

قلنا: هذا مسلّم، لكن ليس المراد أنّ فهم المعنى مطلقًا موقوفٌ على العلم بالوضع، ولا يمكن حصوله من غيره حتّى ينتقض بما ذكر، بل المراد أنّ استفادة المعاني من الألفاظ المجرّدة عن القرائن موقوفةٌ على ذلك، واستفادة المعاني من الألفاظ بمعونة القرائن خارجة عنه، وهو ظاهر.

الإيراد الثالث على التبادر مع الجواب عنه
اشارة

والإيراد الثالث: هو أنّ الحكم بكون التبادر من علامة الحقيقة غير صحيح؛ لتحقّقه في المجاز المشهور مع عدم كونه حقيقة، فالجاهل باصطلاح قوم إذا تتبّع محاوراتهم وظهر له استباق معنى معيّن من لفظ معيّن عندهم، لا يمكن له الحكم

ص: 246

بكونه حقيقة فيه؛ لجواز كون ذلك السبق من السبق الّذي في المجاز المشهور، فالتبادر كما يوجد في المعنى الحقيقيّ يوجد في المعنى المجازيّ، والعامّ لا دلالة له على الخاصّ المعيّن.

أجيب عن ذلك: بأنّ التبادر الّذي نقول أنّه من علامة الحقيقة، إنّما هو إذا كان من نفس اللفظ، لا بواسطة غيره، والّذي في المجاز المشهور ليس كذلك، بل التبادر فيه إنّما هو لأجل ملاحظة الشهرة(1).

توضيحه: هو أنّك قد عرفت أنّ التبادر هو فهم المعنى من اللفظ من غير قرينة، والأمر في المجاز المشهور لم يكن كذلك؛ لأنّه بواسطة القرينة، وهي الشهرة، فالمجاز المشهور مع غيره من المجازات مشترك في الافتقار إلى القرينة، إلّا أنّ القرينة فيه الشهرة وفي غيره غيرها.

إن قلت: ما الفرق بين المنقولات التعيّنيّة والمجاز المشهور، حيث يكون اللفظ في الأوّل حقيقة وفي الثاني مجازًا، مع اشتراكهما في الكثرة والاشتهار وتبادر المعنى؟

قلنا: الفرق بينهما هو(2) الافتقار في فهم المعنى إلى ملاحظة الشهرة وعدمه، فإن افتقر إلى اعتبارها والالتفات إليها يكون مجازًا مشهورًا، وإلّا فمنقول، فحاصل الفرق بينهما أنّ اللفظ في الكثرة والشهرة لو بلغ حدًّا لا يحتاج معه في فهم المعنى إلى الالتفات إلى الشهرة يكون حقيقة، وإن افتقر في الفهم إلى الالتفات إليها يكون مجازًا.

ص: 247


1- ينظر قوانين الأصول: 1/ 58- 59، ومفاتيح الأصول: 68.
2- «هو» لم ترد في «ق».

وفي هذا الجواب عن أصل الإيراد نظر؛ لأنّك قد عرفت أنّ الافتقار إلى العلامات المقرّرة لتشخيص المعاني الحقيقيّة والمجازيّة إنّما هو للجاهل بأوضاع الألفاظ، والجواب المذكور بظاهره جواب بالنسبة إلى العالم بها؛ لأنّ(1) العلم بكون التبادر من الشهرة إنّما يتصوّر إذا كان عالمًا بأنّ ذلك المعنى من المعاني المجازيّة، ثمّ اشتهر اللفظ فيه؛ وأمّا الجاهل بالاصطلاح فلا؛ لوضوح أنّه إذا تفحّص مخاطبات أربابه وظهر له استباق معنى معلوم من لفظ معلوم عندهم، لا يمكنه الحكم بكون اللفظ حقيقة فيه لما تقدّم، فالإشكال باقٍ على حاله.

الجواب عن الإيراد الثالث
اشارة

فإتمام الجواب مع تحقيق(2) المقام يقتضي البسط في الكلام، فأقول: إنّ الجاهل باصطلاح قوم إذا تتبّع محاوراتهم لتحصيل العلم بأوضاع ألفاظهم، وتصفّح مخاطباتهم لرفض الجهل عن حقائق كلماتهم، ظهر له أنّ معنًى معيّنًا يتبادر من لفظ معيّن عندهم، فحاله لا يخلو من وجوه:

المواضع الّتي يتمسّك فيها بالتبادر لإثبات الحقيقة وما لا يتمسّك به فيه
الوجه الأوّل

الأوّل: أن يكون عالمًا بأنّ ذلك التبادر من نفس اللفظ وحاقّ حقيقته، لا بواسطة أمر آخر من شهرة أو غيرها.

ص: 248


1- «لأنّ» لم ترد في «ق».
2- في «ج»: تحقّق.

وهو وإن كان ممكنًا، لكنّه نادر جدًّا، أمّا ندرته فظاهرة؛ لأنّ المفروض أنّه جاهل باصطلاحهم، فيحتمل غالبًا أن يكون التبادر لأجل الغلبة والشهرة، لا لأجل الوضع والحقيقة، ومع الاحتمال(1) دعوى العلم باستناده إلى نفس اللفظ سفسطة.

وأمّا إمكانه فلأنّه إذا تتبّع موارد استعمال ذلك اللفظ عند قاطبة أهل ذلك الاصطلاح حتّى بين المجانين والبلهاء والصبيان والسفهاء، وظهر له التبادر، يحصل له العلم بأنّه ليس من الأمور الخارجيّة؛ لبعد اشتهاره عند الكلّ في المعنى المجازيّ؛ والاستبعاد وإن كان موجبًا للظنّ غالبًا، لكنّ الأمور الحدسيّة باختلاف الأشخاص والمواضع مختلفة اللفظ، على أنّ اشتهار اللفظ في المعنى المجازيّ عند الكلّ يجعله حقيقة فيه قطعًا، فمثل هذا التبادر فيما ثبت لا شبهة في دلالته على الحقيقة.

والجواب المذكور على الإيراد يحمل على ذلك، فهو وإن كان صحيحًا في نفسه، لكنّه لا يشفي العليل ولا يطفى ظمأ الغليل، بل به يرتفع عن مثل هذه العلامة التعويل، إذ التبادر على هذا قلّما يصلح للتمسّك جدًّا، ولا ينفع في إثبات الحقيقة إلّا نذرًا، مع أنّا نرى العلماء أنّ اهتمامهم في إثبات هذه العلامة كثير، وتمسّكهم بها في إثبات الحقيقة أكثر من أن تحصى، ونقطع في كثير منها بعدم جريان الجواب المذكور فيه، فالحقّ أن ينضمّ إليه ما يظهر لك فيما سنذكره.

الوجه الثاني

الثاني: أن يكون ظانًّا بأنّ تبادر المعنى المفهوم من اللفظ المعلوم ناشٍ من حاقّ اللفظ، لا بواسطة أمر خارج.

ص: 249


1- في «ق»: احتمال.

وهذا الفرض وإن كان قليلًا أيضًا، لكنّه ليس في القلّة كالصورة المتقدّمة، بل هو بالنسبة إليها يمكن أن يندرج تحت الكثرة، فهو أكثر منها من حيث المنفعة وأعظم فائدة في إزالة الإشكال عن كلمات الأجلّة، ومثل هذا التبادر فيما ثبت فيه يدلّ على الحقيقة لما سيجيء إليه الإشارة.

الوجه الثالث

الثالث: عكس الأوّل، أي يكون عالمًا بأنّ التبادر إنّما هو لأجل الغلبة والشهرة، لا لأجل الوضع والأصالة، كما إذا اشتهر لفظ في معنى كان(1) فهمه منه قبل الاشتهار متوقّفًا على إقامة القرينة بحيث كان محمولًا على غيره عند تجرّده عنها.

والجملة: حصول العلم بكون التبادر للشهرة لا الوضع(2) ليس معدودًا في المحال، بل هو في حيّز الإمكان، كما إذا تتبّع الجاهل باصطلاح طائفة مخاطباتهم وظهر له أنّهم يفهمون من لفظ معهود معنًى معهودًا عند تجرّده عن القرينة ومعنًى معهودًا عند اقترانه بها، بحيث كان فهمه منه متوقّفًا عليها، ثمّ كثر استعماله في المعنى الثاني إلى أن يتبادر منه ذلك حال الاستعمال.

ولا شكّ في حصول العلم بكون هذا التبادر في الفرض المذكور لأجل الشهرة والغلبة، وهذا على قسمين: قسم هو أن يكون فهم المعنى من اللفظ متوقّفًا على ملاحظة الشهرة والالتفات إليها، والآخر أن لا يكون كذلك، بل اللفظ في الغلبة والكثرة بلغ حدًّا لا يفتقر في فهم المعنى منه إلى اعتبار الشهرة والالتفات إليها،

ص: 250


1- في «ق»: كما.
2- في «ق»: للوضع.

وهذا أمر وجدانيّ يجده العاقل بالرجوع إلى وجدانه.

والقسم الأوّل غير صالح للدلالة على الحقيقة؛ لكونه معلولًا للغلبة والشهرة، والتبادر الّذي يتمسّك به لإثبات الحقائق هو ما كان معلولًا للوضع، بخلاف القسم الثاني، فإنّه لا يمكن إلّا بتحقّق الوضع الثانويّ.

إن قلت: إنّ الامتياز بين القسمين لمّا كان متوقّفًا على أمر ذهنيّ، وهو الالتفات إلى الشهرة وعدمه، فلا يمكن حصوله للجاهل، فيحصل له الخبط بين القسمين، ومنه يظهر عدم جواز التمسّك بأصل التبادر لإثبات الحقيقة، إذ الامتياز بين ما هو من علامة الحقيقة وغيرها غير ممكن للجاهل.

قلت: الجاهل فيما نحن فيه حاله كحال واحد من أهل الاصطلاح وإن كان جاهلًا بالنسبة إلى غيره؛ وكما يميّزون بين القسمين بملاحظة الشهرة وعدمها، فكذا هو.

نعم، يتوجّه: إنّه بناءً على ما ذكر أنّ الجاهل إذا ظهر له تبادر المعنى في اصطلاح لا يمكنه الاستناد به إلى الحقيقة وإن كان في غير هذه الصورة، لاحتمال أن يكون التبادر من الّذي لا يكون دليلًا على الحقيقة، لكن هذا هو عين الإيراد الّذي كلامنا فيه، وقد عرفت بما ذكرناه في الأوّل والثاني جوابه، وستقف على زيادة إيضاح لذلك.

الوجه الرابع

الرابع: عكس الثاني، أي يكون ظانًّا بعدم كون التبادر لأجل الوضع، بل للشهرة والغلبة، كما إذا تتبّع محاورات أهل اصطلاح ظهر له أنّ أكثرهم حتّى الأطفال والبلهاء والمجانين والسفهاء يستبق إلى أذهانهم بمجرّد استماع لفظ

ص: 251

معلوم معنى معيّن، ولا شكّ أنّه يحصل له من ذلك الظنُّ الغالب بأنّ ذلك اللفظ موضوع عندهم لذلك المعنى.

ثمّ لمّا تتبّع محاورات جملة من خواصّ ذلك الاصطلاح، ظهر له أنّه عند استماع ذلك اللفظ يتبادر إلى أذهانهم غير ذلك المعنى؛ وحينئذٍ مع ملاحظة ما ظهر له أوّلًا، يحصل له الظنّ بأنّ سبق هذا المعنى من اللفظ ليس لأجل الوضع، إذ لو كان ذلك لأجل الوضع أيضًا لزم الاشتراك المرجوح واشتهار اللفظ المشترك عند الأطفال والسفهاء والمجانين والبلهاء في أحد معنييه، ولا شبهة في مرجوحيّته بالنسبة إلى اشتهار اللفظ في المعنى المجازيّ عند جملة من الخواصّ من أهل ذلك الاصطلاح.

وأيضًا لو كان مشتركًا، يلزم اشتهاره عند كلّ طائفة في معنى مغاير للمعنى المشتهر عند الأخرى، فيلزم مخالفة الأصل من وجهين، بخلاف اشتهار اللفظ في المعنى المجازيّ عند طائفة، فإنّه استلزم مخالفة الأصل من وجه واحد، ولا ريب أنّ ما استلزم مخالفة الأصل من وجه واحد أولى ممّا استلزمها من وجهين.

وكما علم أنّ لفظًا معلومًا عند أهل اصطلاح مخصوص حقيقة في معنى معيّن، ثمّ لمّا تتبّع محاورات جملة منهم، ظهر له أنّه يستبق إلى أذهانهم غير ذلك المعنى، والظاهر أنّه يحصل له الظنّ بأنّ هذا الاستباق والتبادر ليس منشؤه الوضع، بل الغلبة والكثرة، لعين ما ذكر.

والفرق بين الصورتين يظهر للمتأمّل ولا يحتاج إلى الذكر، والكلام في دلالة هذا التبادر على الحقيقة وعدمها كالكلام في القسم الثالث.

الوجه الخامس

والخامس: أن لا يكون عالمًا ولا ظانًّا بأنّ منشأ التبادر الوضع، أو الغلبة

ص: 252

والشهرة؛ وهذا هو الغالب الشايع؛ لوضوح أنّ كلًّا من الأقسام المذكورة يفتقر إلى تتبّع في المحاورات في مدّة طويلة، بخلاف هذا القسم، فإنّه يمكن أن يتحقّق في أوّل الأمر وبادي النظر.

ويمكن اندراج هذا القسم تحت القسم الثاني بأن يكون المظنون أنّ تبادره لأجل الوضع؛ لأنّه لو كان التبادر في المعنى المجازيّ يلزم استعماله في المعنى المجازيّ واشتهاره فيه، وهما حادثان مدفوعان بالأصل، بناءً على أنّ عدم كلّ حادث بالنسبة إلى وجوده متيقّن، فثبت أنّ المظنون أنّ التبادر فيه لأجل الوضع.

التبادر المظنونيّ هل يمكن الاستدلال به على الحقيقة أم لا؟

بقي الكلام في أنّ التبادر المظنونيّ هل يمكن الاستدلال به على الحقيقة، أم لا؟

تحقيقه موقوف على حجّيّة الظنّ في اللغات، والحقّ ذلك، وسيجيء تحقيقه إن شاء الله تعالى، فعلم ممّا ذكر المواضع الّتي يتمسّك فيها بالتبادر لإثبات الحقيقة وما لا يتمسّك به فيه، فتأمّل.

إن قلت: إنّ حجّيّة الظنّ سواء كانت في المسائل اللغويّة، أو الأصوليّة، أو الفرعيّة، موقوفةٌ على انسداد باب العلم، وهو فيما نحن فيه غير مسلّم؛ لأنّه كما أنّ الجاهل بالاصطلاح يمكن له التتبّع في محاورات أرباب الاصطلاح، يمكن له الاستفسار منهم في أوضاع ألفاظهم، ومع إخبارهم إيّاه يحصل له العلم بالمعاني الحقيقيّة، فالعمل بالظنّ مع التمكّن من العلم لا وجه له.

قلت: تتبّع مواقع استعمالات ألفاظ أهل اصطلاح(1) لا يستلزم تلاقيهم، وعلى

ص: 253


1- في «ق»: الاصطلاح.

فرض تسليمه نقول: لا شبهة في أنّ المعتبر في إثبات حقائق الألفاظ ومجازاتها إنّما هو فهم العوامّ، ومعلوم أنّهم لا يفهمون معنى الوضع والواضع، فضلًا عن الحقيقة والمجاز، فالاستعلام منهم لا ينفع.

وبالجملة: كون الشخص من أهل الاصطلاح لا يستلزم علمه بحقائق ألفاظهم ومجازاتههم(1)، وغاية ما يكون معلومًا له هو أنّ في اصطلاحهم ألفاظٌ يستعملونها في محاوراتهم ومخاطباتهم ويفهمون منها المعاني المعيّنة؛ وأمّا العلم باتّصافها بوصف الحقيقة أو المجاز فلا، فاستنباط(2) الحقيقة والمجاز لا يمكن للجاهل إلّا بالتتبّع في محاوراتهم بعد الاطّلاع بخواصّ كلّ منهما، ومتى ظهر له تحقّقُ شيء منها بعد التتبّع عَمِل بمقتضاه.

ومعلوم أنّه قد يحصل العلم بتحقّق الخواصّ وقد يحصل الظنّ؛ على أنّا لا ندّعي امتناع العلم بالاستعلام، بل نوجبه فيما ينفع، بل المراد جواز العمل بالظنّ فيما لم يمكن فيه تحصيل العلم مطلقًا، أو من غير عسر وحرج.

لا يقال: إنّ أرباب كلّ اصطلاح لا شبهة في أنّ بينهم علماء وفضلاء، وهم يميّزون بين الحقيقة والمجاز، فلا بدّ من الاستعلام منهم حتّى يحصل العلم، فالعمل بالظنّ غير جائز.

لأنّا نقول: إنّ علماء ذلك الاصطلاح مثلُ الجاهل في عدم إدراكهم الواضع، وإنّ تشخيصهم المعاني الحقيقيّة والمجازيّة إنّما هو بخواصّ كلّ منهما، ولذا قد يحصل بين علماء اصطلاح واحد اختلاف في التشخيص، فبعض يدّعي حقيقيّة

ص: 254


1- في «ق»: مجازاتهم.
2- في «ق»: واستنباط.

اللفظ في معنى والآخر مجازيّته فيه، كما هو الظاهر للمتتبّع الخبير بأحوال العلماء؛ والسرّ في ذلك الرجوع إلى الأمارات، فيظهر عند كلّ خلاف ما يظهر عند الآخر.

وعلى فرض تسليم أنّ علمهم بالحقائق والمجازات بالاستعلام من الواضع أو غيره، فلا شبهة في عدم استلزام قولهم القطع، فقد يحصل الظنّ أيضًا، بل الغالب ذلك، فآل الأمر إلى العمل بالمظنّة في أمثال المقام، وهو يكفينا لإثبات المرام، فاتّضح الأمر بمعونة الملك العلّام، وارتفع الإشكال عن مقالة الأعلام بالتمام.

الإيراد الرابع على التبادر مع الجواب عنه
اشارة

والإيراد الرابع: هو أنّ التبادر لو كان دليلًا على الحقيقة، لزم أن تكون الألفاظ الموضوعة للمعاني المركّبة والملزومة حقيقةً في الأجزاء واللوازم العقليّة والعرفيّة؛ لوضوح تبادر كلّ من الخلّ والأنكبين عند استماع لفظ «السكنجبين» مثلًا، والزوجيّة والفرديّة والجود عند استماع لفظ «الأربعة» و«الثلاثة» و«الحاتم»، وهكذا؛ وبطلان التالي ظاهر؛ لوضوح أنّها حقائق في المعاني المركّبة والملزومة(1).

الجواب عن الإيراد الرابع
اشارة

والجواب عنه من وجهين:

الجواب الأوّل

الأوّل: هو أنّك قد عرفت مرارًا أنّ الافتقار للرجوع إلى هذه العلامات إنّما هو للجاهل، والتبادر أمر ذهنيّ بالنسبة إلى العالمين بالوضع، ولا يمكن للجاهل

ص: 255


1- ينظر مفاتيح الأصول: 68.

الاطّلاع عليه إلّا بظهور أثر منه في الخارج، وهو حمل اللفظ على المعنى المتبادر، ولا شبهة في انحصاره عند التجرّد في الكلّ والملزوم، فيلزمه الحكم بكونه حقيقة فيهما، لا في الجزء واللازم؛ لعدم ظهور أثر في الخارج بالنسبة إليهما، ليطّلع الجاهل على التبادر.

والحاصل: إن أريد التبادر بالنسبة إلى العالمين بالوضع، فهو مسلّم، لكنّ العلامة ليست علامة بالنسبة إليهم، وإن أريد بالنسبة إلى الجاهل على المعنى الّذي عرفته، فهو ممنوع لما عرفت.

إن قيل: إنّ اطّلاع الجاهل على التبادر بالنسبة إلى الكلّ والملزوم كافٍ؛ لأنّ العلم بالكلّ والملزوم يستلزم العلم بالجزء واللازم، فيلزم تبادرهما بالنسبة إلى الجاهل أيضًا.

قلنا: الجاهل حينئذٍ يكون من العالمين بالوضع؛ لأنّ بتبادر(1) الكلّ بالنسبة إلى أهل الاصطلاح حصل له العلم بالوضع، وقد عرفت أنّ العلامة بالنسبة إلى الجاهل.

وأيضًا لا نسلّم استلزام العلم بالكلّ العلم بالجزء مطلقًا، بل القدر المسلّم أنّ العلم التفصيليّ بالكلّ على أنّه كلّ يستلزم العلم بالجزء، ويمكن أن يكون اطّلاع الجاهل على كون الكلّ متبادرًا بالترديد بالقرائن والإشارة، بل الغالب ذلك.

ولا يخفى أنّ هذا الجواب متين بالنسبة إلى الكلّ والجزء، وأمّا بالنسبة إلى اللازم والملزوم فلا؛ لأنّ تعقّل الملزوم يستلزم تعقّل اللازم، إلّا بالنسبة إلى اللازم العرفيّ فصحيح أيضًا.

ص: 256


1- في «ق»: تبادر.
الجواب الثاني

والثاني: هو أنّ التبادر الّذي نقول: إنّه من علامة الحقيقة، هو(1) فهم المعنى من اللفظ الموضوع من غير واسطة، وانحصاره فيما نحن فيه في الكلّ والملزوم ظاهر؛ لأنّ الجزء واللازم إنّما يفهمان في ضمن الكلّ والملزوم وبواسطتهما كما لا يخفى.

ص: 257


1- في «ق»: فهو.

ص: 258

في تحقيق الاطّراد وعدمه

الفصل الرابع: في الاطّراد وعدمه

اشارة

فإنّ الأوّل جعل علامة الحقيقة، والثاني علامة المجاز(1).

والمراد بالاطّراد(2) صحّة استعمال اللفظ في كلّ محلّ وجد فيه المعنى الّذي لأجله ثبت استعماله في بعض الموارد، كالعالم مثلًا، فإنّه استعمل في «زيد» مثلًا لتحقّق صفة العلم فيه، فلمّا صحّ استعماله في كلّ ما يشاركه في ذلك المعنى، علم أنّ استعماله في «زيد» على سبيل الحقيقة وأنّ الموضوع له للفظ «العالم» هو ما قام به العلم؛ وهكذا الكلام في العابد والزاهد والناصر والصادق وأمثالها(3).

والمراد بعدم الاطّراد هو أن لا يكون كذلك، بأن لا يصحّ استعمال اللفظ في كلّ ما تحقّق فيه المعنى الّذي لأجله صحّ استعماله في بعض الموارد، كلفظ «النخلة»

ص: 259


1- ينظر تهذيب الوصول: 70، ونهاية الوصول: 1/ 295، ومنية اللبيب: 1/ 222، وأنيس المجتهدين: 1/55، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 531، ومفاتيح الأصول: 75، وإشارات الأصول: 1/ 72، والإحكام: 1/ 31.
2- جاء في حاشية الأصل: قيل: الاطّراد هو أن يكون المعنى الّذي لأجله صحّ استعمال اللفظ في محلّ صحّ استعماله في كلّ ما تحقّق فيه ذلك المعنى [ينظر إشارات الأصول: 1/ 72، ومفاتيح الأصول: 75]. ولمّا لم يكن هذا مناسبًا للفظ «الاطّراد» بحسب المعنى المصدريّ، عدلنا إلى ما ذكر وإن لم تكن المناسبة لازمة. منه.
3- ينظر منية اللبيب: 1/ 222.

مثلًا، فإنّه استعمل في الإنسان لتحقّق الطول فيه؛ ولمّا لم يصحّ استعماله في المنارة والجدار(1) مثلًا مع تحقّقه فيهما، علم أنّه لم يوضع لما قام به الطول وأنّ استعماله في الإنسان مجاز، والطول مصحّح للمجازيّة.

في دلالة الاطّراد على الحقيقة

تحقيق المقام يقتضي البسط في الكلام، فنقول بعون الموفّق العلّام: أمّا دلالة الاطّراد على الحقيقة، فلعلّه لأجل أنّه كما أنّ العلم بالوضع يستلزم العلم بصحّة استعمال اللفظ في كلّ ما تحقّق فيه الموضوع له، -بناءً على أنّ العلم بوضع اللفظ لمعنى يستلزم العلم بإذن الواضع في استعماله فيه-، فينبغي العكس أيضًا، بأن يكون العلم بصحّة الاستعمال في كلّ ما تحقّق فيه المعنى الّذي لأجله ثبت الاستعمال في بعض الموارد مستلزمًا للعلم بوضعه له؛ لأنّ صحّة الاستعمال موقوفة على تحقّق الإذن من الواضع، والمفروض أنّ العلم بصحّة الاستعمال متحقّق، فيلزمه العلم بإذن الواضع.

وكما أنّ العلم بالعلّة يستلزم العلم بالمعلول، فكذلك العكس أيضًا، والعلم بالإذن إمّا في ضمن العلامة، أو في ضمن الوضع، والأوّل باطل؛ لأنّ العلاقة ليست من فعل الواضع حتّى يحصل من العلم بها العلم بالإذن في كلّ ما تحقّقت فيه؛ لما عرفت من أنّها المناسبة بين المعنيين، فربما تحقّقت(2) المناسبة ولم يصحّ الاستعمال؛ لعدم الإذن فيه، بخلاف الوضع، والمفروض أنّ صحّة الاستعمال

ص: 260


1- في «ق»: الجدران.
2- في «ق»: تحقّق.

ثابتة، فيكون منشؤها الوضع، فقد علم أنّ الاستدلال بالاطّراد على الموضوع له استدلال بالمعلول على العلّة.

جعل الاطّراد دليل للحقيقة فاسد
اشارة

جعل الاطّراد دليل للحقيقة(1) فاسد

وفيه نظر من وجوه:

الوجه الأوّل

أمّا أوّلًا: فلأنّا نقول: قد عرفت فيما سبق أنّ الخاصّة والعلامة وإن اعتبر فيها الانعكاس، لكنّ الاطّراد فيها لازم، وحينئذٍ نقول: إنّ الاطّراد بالمعنى المذكور لو كان دليلًا على الحقيقة، لزم أن لا يتحقّق في المجاز، والتالي باطل، فالمقدّم مثله(2).

والملازمة ظاهرة ممّا ذكرناه من لزوم الاطّراد في العلامة، وأمّا بطلان التالي، فلأنّ المجاز قد يطّرد كما في «الأسد»، فإنّه استعمل في بعض الشجعان للمشابهة، وقد صحّ استعماله في كلّ شجاع لذلك، مع أنّ اللفظ مجاز.

لا يقال: يمنع الاطّراد في المجازات، أمّا على القول باشتراط نقل الآحاد فيها فظاهر؛ لأنّ مقتضى ذلك لزوم الاقتصار على المجازات المنقولة وعدم جواز التعدّي إلى غيرها ولو مع تحقّق العلائق المتعدّدة، وأين ذلك من الاطّراد؟!

وأمّا على القول بعدم اشتراط ذلك - على ما هو التحقيق وقد سبق القول فيه مشروحًا - فلتسليم أرباب هذا القول تخلّف الاستعمال عن العلاقة المشابهة، حيث صرّحوا بامتناع استعمال «النخلة» لطويل غير الإنسان مع تحقّق المشابهة والاطّراد،

ص: 261


1- كذا في الأصل، والصواب: دليلًا للحقيقة، كما في «ق».
2- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 531، وقوانين الأصول: 1/ 77.

وإنّما يلزم إذا جاز التجوّز في كلّ ما تحقّق فيه المشابهة، وقد عرفت خلافه.

لأنّا نقول: هذا ممّا لا وجه له؛ لأنّك قد عرفت أنّ المراد بالاطّراد هو أن يكون اللفظ الّذي قد استعمل في محلّ لمعنى صحّ استعمال ذلك اللفظ في كلّ محلّ وجد فيه ذلك المعنى، ولاريب في تحقّقه بالنسبة إلى «أسد»، فإنّه قد استعمل في محلّ للشجاعة وصحّ استعماله في كلّ ما تحقّقت فيه الشجاعة.

وعدم الاطّراد في لفظ «النخلة»، لا يستلزم عدم الاطّراد فيما ندّعي اطّراده، والتشبّث بالنخلة إنّما يتوجّه إذا ادّعينا الاطّراد فيها، أو في كلّ المجازات، ونحن لم نقل بذلك، بل يكفينا لإثبات المرام تحقّق الاطّراد في فرد من أفراد المجازات؛ لما عرفت من لزوم الاطّراد في الخاصّة، وقد تحقّق بالنسبة إلى لفظ «الأسد» في المعنى المجازيّ، سواء قلنا باشتراط النقل في آحاد المجازات، أم لا.

أمّا على الثاني فظاهر، وأمّا على الأوّل فلأنّا نقول: الظاهر أن ليس المراد من هذا القول الاقتصار في خصوص ما صدر فيه الاستعمال في المعنى المجازيّ على خصوص ذلك المعنى المتشخّص المعيّن.

وكيف؟! مع أنّه استلزم انسداد باب المجاز بالمرّة، بل الظاهر أنّ المراد منه أنّه إذا تحقّق استعمال لفظ في معنى بعنوان المجاز، جاز التجوّز في أفراد ذلك اللفظ بالنسبة إلى أفراد ذلك المعنى، لا في غيره، كلفظ «الأسد» مثلًا(1)، فإنّه قد ثبت استعماله في الشجاع، فيجوز استعماله في كلّ ما تحقّقت فيه الشجاعة.

والقائل بعدم اشتراط النقل لا يقتصر على ذلك، بل يقول: قد ثبت استعمال

ص: 262


1- «مثلًا» لم ترد في «ق».

«الأسد» في معنى مشابه لما وضع له، فيظهر منه جواز استعمال أيّ لفظ كان على أيّ مشابه لما وضع له ذلك اللفظ ولو في غير «الأسد» و«الشجاع»، والقائل بالاشتراط ينكره، فقد تحقّق الاطّراد في لفظ «الأسد»، بناءً على المذهبين مع أنّه مجاز.

فعلى هذا نقول: إنّ الجاهل باصطلاح قوم إذا تفحّص مخاطباتهم لاستعلام المعاني الحقيقيّة والمجازيّة وظهر له اطّراد لفظ في معنى، لا يمكن له الحكم بمجرّده على الحقيقة؛ لعدم دلالة العامّ على الخاصّ المعيّن.

إن قلت: سلّمنا الاطّراد في المعنى المجازيّ أيضًا، لكنّه نادر، والأغلب تحقّقه في المعاني الحقيقيّة، والظنّ يلحق الشيء بالأعمّ الأغلب، فعلى هذا نقول: إذا ظهر الاطّراد على الجاهل يحكم على الحقيقة بناءً على الغلبة.

قلنا: بعد تسليم عدم منافاة ذلك في الخاصّة، -بناءً على اعتبار الاطّراد فيها وأنّ المقصود تشخيص المعاني الحقيقيّة والمجازيّة لقوم وهو ينافيه-، لا نسلّم ندرة الاطّراد في المعاني المجازيّة بحيث يحكم بأنّ النادر كالمعدوم.

الوجه الثاني

وأمّا ثانيًا: فلأنّا نقول بعد تسليم دلالة الاطّراد على الوضع والحقيقة: يكون العلم بالوضع متوقّفًا على العلم بالاطّراد، والعلم به محال، فالمتوقّف على المحال أيضًا محال، فلا فائدة لجعله علامة(1).

توضيح ذلك: هو أنّك قد عرفت مرارًا أنّ المفتقر إلى الرجوع في هذه العلامات إنّما هو الجاهل بالوضع، فنقول: إمّا أن يكتفي في الاطّراد بصحّة استعمال اللفظ

ص: 263


1- ينظر قوانين الأصول: 1/ 77، وزبدة الأصول: 78.

المستعمل في محلّ لمعنى في بعض ما عدا ذلك المحلّ الّذي وجد فيه ذلك المعنى، أو في جميعه، ولا سبيل إلى الأوّل كما لا يخفى، فتعيّن الثاني.

فحينئذٍ نقول: إنّ الجاهل بالاصطلاح بعد أن ظهر عليه استعمال لفظ معيّن في محلّ لمعنى، إنّما يمكنه العلم باطّراده إذا حصل له العلم بجميع ما عدا ذلك المحلّ الّذي(1) وجد فيه ذلك المعنى، وعدم إمكانه غير خفيّ، إذ كلّ ما ظهر عليه من ذلك يحتمل في نظره أن يوجد غير ذلك أيضًا، فلعلّه لم يصحّ الاستعمال في ذلك، فلا يحصل له العلم بالاطّراد، وهو شرط للعلم بالوضع، فينتفي بانتفائه.

ويمكن الجواب عنه -بعد تسليم أنّ المراد صحّة استعماله في جميع ما عدا ذلك المحلّ الّذي تحقّق فيه الاستعمال-: بأنّ الإيراد إنّما يتوجّه إذا أريد الاستعمال في الجميع بالفعل، وليس الأمر كذلك، بل المراد العلم بصحّة الاستعمال في الجميع بالقوّة، ولفظ «الصحّة» قرينة على ذلك، وهو غير متوقّف على استقصاء جميع ذلك؛ لوضوح إمكانه فيما إذا اطّلع على كثير من موارد استعماله.

ثمّ إنّ الظنّ بالاطّراد أيضًا كافٍ في المقام، على ما سبق إليه في التبادر الكلام.

الوجه الثالث

وأمّا ثالثًا: فلأنّ ما تقدّم في وجه دلالة الاطّراد على الحقيقة غير تامّ؛ لأنّ العلم بصحّة استعمال اللفظ في جميع الموارد إنّما يستلزم الوضع إذا انحصر الطريق في الوضع، وهو إنّما يكون إذا وجب تخلّف الاستعمال عن(2) العلاقة، وهو ممنوع.

ص: 264


1- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): صفة للجميع.
2- في «ق»: على.

والحاصل: أنّ تخلّف الاستعمال عن العلاقة لا يخلو من أقسام ثلاثة: إمّا واجب، أو ممتنع، أو جائز، وما تقدّم من استلزام العلم بصحّة الاستعمال في جميع الموارد العلمَ بالوضع إنّما يتمّ على الأوّل، وأمّا على الأخيرين فلا، كما لا يخفى.

فتحقيق الحقّ في المطلب موقوفٌ على نقل الكلام في ذلك، فنقول: لزوم تخلّف الاستعمال عن العلاقة إنّما يكون إذا منع الواضع من الاستعمال في بعض الموارد مع تحقّق العلاقة فيه، أو يكون إذنه في الاستعمال مع العلاقة مختصًّا ببعض ما وجدت فيه دون بعضٍ آخر.

وعلى التقديرين لم يصحّ الاستعمال في الجميع، أمّا على الأوّل فظاهر، وأمّا على الثاني فلأنّ صحّة الاستعمال مشروطة بإذن الواضع فيه، والمفروض انتفائه، فحينئذٍ يكون العلم بصحّة الاستعمال في الجميع مستلزمًا للعلم بالوضع.

لكنّ الأمر ليس كذلك؛ لأنّ القائلين بعدم اشتراط نقل الآحاد يدّعون ثبوت الإذن مع العلاقة مطلقًا، وذلك إمّا بالنسبة إلى جميع أنواع العلائق، أو بعضها، وعلى الأوّل يكون التخلّف ممتنعًا، وعلى الثاني جائزًا، وأيّ منهما كان لا وجه للاستدلال بصحّة الاستعمال في جميع الموارد على الوضع، فجعل الاطّراد دليلًا على الحقيقة فاسد، لكن دعوى الامتناع أيضًا فاسدة، وإلّا لما [كان] وجه لجعل عدم الاطّراد دليلًا على المجازيّة، إذ عدم الاطّراد بناءً عليه غير متصوّر، فتعيّن الثالث.

هذا بناءً على القول بعدم اشتراط النقل في الآحاد، وأمّا بناءً عليه فيمكن الجواب أيضًا بناءً على ما مرّ، فتأمّل.

إن قيل: سلّمنا ذلك، لكن محصّله: أنّ الاطّراد جائز في المجازات بناءً على ما مرّ من عدم جواز إرادة وجوب تخلّف الاستعمال عن العلاقة ولا امتناعه، وواجب

ص: 265

في الحقائق بناءً على أنّ الوضع يمتنع معه تخلّف صحّة الاستعمال، فالحكم بكون الاطّراد دليلًا على الحقيقة إنّما يكون فاسدًا إذا كان المراد به مطلق الاطّراد، وأمّا إذا كان المراد به الاطّراد الواجب فلا.

قلنا: هذا فاسد من وجهين:

الأوّل: أنّ الجاهل بالاصطلاح بعد التصفّح في محاورات أربابه، الّذي يظهر عليه مطلق الاطّراد، وأمّا أنّه من القسم الواجب فلا كما لا يخفى؛ لتجويزه ذلك أن يكون من القسم الآخر، فلا يمكنه الحكم به على الحقيقة.

والثاني: أنّ العلم بكون الاطّراد من الاطّراد الواجب يتوقّف على العلم بالوضع، والمفروض أنّ العلم بالوضع يتوقّف عليه، فيلزم الدور.

في دلالة عدم الاطّراد على المجاز
اشارة

هذا كلّه بالنسبة إلى الاطّراد وعدم دلالته على الحقيقة؛ وأمّا دلالة عدم الاطّراد على المجازيّة؛ فلأنّ ذلك المعنى الغير المطّرد(1) لو لم يكن مجازيًّا، لكان موضوعًا له؛ والتالي باطل، فالمقدّم مثله، والملازمة بيّنة(2).

ص: 266


1- جاء في حاشية الأصل: ليس المراد انّ المعنى غير مطّرد، بل المراد المعنى الّذي لم يطّرد اللفظ فيه. منه.
2- أثبتها كثير من الأصوليّين، منهم: الآمديّ والحاجبيّ والعضديّ وشيخنا البهائيّ، ينظر الإحكام: 1/ 28، وشرح مختصر المنتهى: 1/530 -531، وزبدة الأصول: 78، ونهاية الوصول: 1/ 296، وإشارات الأصول: 1/ 72، ومفاتيح الأصول: 75، والفوائد الحائريّة: 326، وقوانين الأصول: 1/ 71-72.

أمّا بطلان التالي فلما عرفت من استلزام الوضع إذنَ الواضع في الاستعمال، فيمتنع تخلّف صحّة الاستعمال عنه، فيلزمه صحّة الاستعمال في كلّ ما تحقّق فيه ذلك المعنى؛ ولمّا لم يصحّ ذلك علم أنّه لم يكن موضوعًا له، بل يكون علاقة مصحّحة للتجوّز في ذلك المورد، وقد عرفت جواز تخلّف الاستعمال عن العلاقة، بناءً على أنّها بنفسها غير كافية لصحّة الاستعمال، بل مع إذن الواضع فيه، فيجوز اقترانها بالإذن في مورد دون آخر.

الإيراد الأوّل
اشارة

وفيه نظر أيضًا، أمّا أوّلًا: فلأنّ المراد من المعنى الّذي يكون عدم الاطّراد دليلًا على كونه من المعاني المجازيّة، إمّا(1) أن يكون المعنى الّذي قد استعمل اللفظ فيه، أو المعنى القائم به.

والثاني فاسد قطعًا؛ لوضوح أنّ الكلام فيما استعمل فيه اللفظ، لا فيما قام بالمستعمل فيه، فحينئذٍ نقول: غاية ما يلزم من عدم الاطّراد بناءً على ما ذكر أنّ ذلك اللفظ لم يكن موضوعًا لكلّ ما قام به ذلك المعنى، وهو لا يلزم انتفاء مطلق الوضع حتّى يكون اللفظ في ذلك المورد مجازًا؛ لأنّ نفي الأخصّ غير مستلزم لنفي الأعمّ، فلِمَ لا يجوز أن يكون موضوعًا لبعض ما قام به ذلك المعنى؟! فعدم الاستعمال في غير ذلك البعض غير مضرّ.

والحاصل: نحن نقول: إنّ صحّة استعمال اللفظ المستعمل في محلّ لقيام معنى به في كلّما قام به ذلك المعنى، يكون دليلًا على كونه موضوعًا لمطلق ما قام به ذلك

ص: 267


1- جاء في حاشية الأصل: لا دخل لهذا الترديد فيما نحن بصدده، وإنّما الإتيان به لأجل التنبيه على بعض الفوائد يظهر بعد التأمّل فيما ذكر في وجه دلالة عدم الاطّراد على المجاز؛ منه.

المعنى على فرض تسليمه(1)؛ وعدم استعماله في كلّ ما قام به المعنى، يدلّ على عدم كونه موضوعًا لكلّ ما قام به وعلى عدم كونه موضوعًا لخصوص ما لم يصحّ فيه الاستعمال ممّا قام به ذلك المعنى، لكن لا يعلم منه عدم وضعه لخصوص ما استعمل فيه؛ لجواز أن يكون موضوعًا لخصوص ذلك المورد، فغاية ما يعلم من عدم جواز استعماله في غيره عدم وضعه له، لا عدم وضعه فيما صحّ استعماله فيه، فلا يكون عدم الاطّراد دليلًا على المجازيّة.

الجواب عن الإيراد الأوّل

ويمكن الجواب عنه بأنّ هذا إنّما يتوجّه فيما إذا جعل عدم الاطّراد دليلًا على انتفاء قسمي الوضع: الشخصيّ والنوعيّ، أو الشخصيّ فقط، وأمّا إذا لم يتمسّك به إلّا في الألفاظ الّتي يكون الوضع فيها نوعيًّا فلا، إذ لا يحتمل حينئذٍ أن يكون موضوعًا لخصوص ذلك المحلّ، بل الاحتمال حينئذٍ مردّد بين الوضع للجميع أو عدمه كذلك، فحينئذٍ ثبوت الوضع في البعض يستلزم ثبوته في الكلّ، فيلزمه صحّة الاستعمال في الجميع، وعدم ثبوته في البعض يستلزم عدم ثبوته في الكلّ، والمفروض أنّه لم يصحّ الاستعمال في البعض، فيعلم منه عدم الوضع له؛ لعدم جواز التخلّف عن الوضع، فيلزمه عدم الوضع في الكلّ، فثبت مجازيّته في ذلك المورد، وهو المطلوب.

لا يقال: لا طائل في هذا التطويل؛ لأنّ المقصود أنّ عدم الاطّراد دليل المجازيّة، ولا يلزم ممّا ذكر إلّا نفي الوضع النوعيّ، ولا يلزم منه انتفاء مطلق الوضع؛ لأنّ

ص: 268


1- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): أي كون الاطّراد دليلًا على الحقيقة.

نفي الأخصّ لا يستلزم نفي الأعمّ، فلا تثبت المجازيّة.

لأنّا نقول: قد عرفت ممّا ذكرنا آنفًا أنّ التمسّك بعدم الاطّراد في الألفاظ الّتي يكون الوضع فيها نوعيًّا، فلا يحتمل الوضع الشخصيّ فيها؛ وحيث قد انتفى احتمال الوضع النوعيّ، ثبت انتفاء مطلق الوضع، فيثبت المجازيّة.

إن قيل: الحكم بكون الوضع في اللفظ نوعيًّا لا يمكن إلّا مع العلم بوضعه، فحينئذٍ لا حاجة إلى التمسّك بالعلامة؛ لما تقدّم مرارًا من أنّ الافتقار إليها إنّما هو للجاهل.

قلنا: العلم بكون اللفظ موضوعًا بالوضع النوعيّ، لا يستلزم العلم بكون المستعمل فيه موضوعًا له، والتمسّك بالعلامة لاستعلام حاله.

توضيح المرام: أنّ العلم بالوضع غير العلم بالموضوع له، فحينئذٍ نقول: إنّ العلم بكون الوضع في الأفعال والصفات والمثنّى والمجموع والمصغّر والمنسوب ونحوها نوعيًّا متحقّقٌ مطلقًا وإن كان جاهلًا بالاصطلاح؛ وإنّما جهله بالموضوع له بالوضع النوعيّ لهذه الألفاظ بأنّه هل هو المعنى الّذي علم استعمال اللفظ فيه، أم غيره؟ فيكون المستعمل فيه من المعاني المجازيّة، فالتمسّك بعدم الاطّراد لتعيين ذلك بناءً على أنّ عدم الاطّراد ينافي ثبوت الوضع النوعيّ بالنسبة إلى ذلك المعنى على ما تقدّم، فتثبت المجازيّة لعدم احتمال الوضع الشخصيّ.

إن قيل: فعلى هذا لا وجه لاختصاص هذه العلامة بما يكون الوضع فيه نوعيًّا؛ لأنّ الوضع الشخصيّ قد يكون الوضع فيه عامًّا وكذلك الموضوع له، كالإنسان والفرس والبقر ونحوها، فعلى هذا كون خصوص المورد موضوعًا له غير محتمل، فعدم الاطّراد دليل على المجازيّة فيه أيضًا.

ص: 269

قلنا: إنّ الأمر وإن كان كذلك، لكن لمّا كان الوضع الشخصيّ غير مستلزم لأن يكون الوضع والموضوع له فيه عامًّا، إذ قد يكون كلاهما خاصًّا، فيحتمل في نظر الجاهل كون الوضع في اللفظ الموضوع بالشخصيّ من ذلك، فلا يدلّ عدم الاطّراد على المجازيّة، فتأمّل.

لا يقال: إنّ تخصيص ما يتمسّك فيه بعدم الاطّراد بما يكون الوضع فيه نوعيًّا، ينافي تمثيلهم لذلك بمثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾(1)، و«اسأل البساط»(2)؛ لكون(3) الوضع فيه شخصيًّا.

لأنّا نقول: الوضع إنّما يكون شخصيًّا بالنسبة إلى لفظ «القرية» و«البساط»، وقد عرفت الحال فيهما، وأنّه لا بدّ أن يكون المراد بالتمثيل فيهما إمّا لفظة «اسئل»، أو الهيئة التركيبيّة، وأيّ منهما كان فالوضع فيه نوعيّ، وعلى تسليم أن يكون التمثيل في المقام بما يكون الوضع فيه شخصيًّا، ينبغي أن يكون ذلك لمحض التمثيل، فلا يلزم التطبيق.

الإيراد الثاني
اشارة

وأمّا ثانيًا: فلأنّك قد عرفت مرارًا اعتبار الاطّراد في الخاصّة، فعلى هذا نقول: إنّ عدم الاطّراد لو كان دليلًا على المجاز، لزم أن يكون «السخيّ» في الجواد

ص: 270


1- سورة يوسف: 82.
2- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 531، وتهذيب الوصول: 70، ونهاية الوصول: 1/ 295، ومنية اللبيب: 1/ 220، والفوائد الحائريّة: 326.
3- «لكون» لم ترد في «ق».

و«الفاضل» في العالم و«القارورة» في الزجاج مجازًا، والتالي باطل، فالمقدّم مثله(1).

بيان الشرطيّة: أمّا بالنسبة إلى «السخيّ» و«الفاضل»؛ فلأنّهما قد استعملا في غير الله تعالى لتحقّق الجود والعلم فيه، والله سبحانه جواد وعالم في أعلى مراتب الجود والعلم مع عدم صحّة استعمالهما فيه سبحانه، وأمّا في «القارورة» فلأنّها إنّما تطلق على المقرّ المتّخذ من الزجاج، لتقرّر الشيء فيه، والدنّ والكوز ونحوهما ممّا يستقرّ فيه الشيء، مع عدم تسمية شيء منها قارورة، وأمّا بطلان التالي فظاهر.

الجواب عن الإيراد الثاني

والجواب عن ذلك: أمّا بالنسبة إلى «القارورة»، فهو أنّ الإيراد إمّا بالنظر إلى المعنى اللغويّ واستعمال أهل اللغة، أو بالنظر إلى المعنى العرفيّ واستعمالهم، وعلى التقديرين لا ورود له.

أمّا على الأوّل؛ فلأنّا لا نسلّم عدم إطلاق «القارورة» على الأشياء المذكورة في اللغة؛ وأمّا على الثاني فهو وإن كان مسلّمًا، لكن لا نسلّم أنّ إطلاق «القارورة» في العرف على المقرّ المتّخذ من الزجاج لاستقرار الشيء فيه بحيث يكون ذلك عند الإطلاق ملحوظًا، بل الظاهر أنّه من المنقولات التعيّنيّة الّتي قد صارت متعيّنة لبعض مدلولاته اللغويّة بسبب الغلبة والكثرة.

ص: 271


1- ينظر تهذيب الوصول: 70، ومنية اللبيب: 1/ 222، ونهاية الوصول: 1/ 295-296، والفوائد الحائريّة: 326، وقوانين الأصول: 1/ 77، والإحكام: 1/28 و31، وغاية الوصول: 1/ 161، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 531، وإشارات الأصول: 1/ 72، وأنيس المجتهدين: 1/ 55، ومفاتيح الأصول: 75، ومنتهى الوصول: 20، والبحر المحيط: 1/586، وشرح الوافية، للسيّد بحر العلوم: (مخطوط) الورقة 47.

والحاصل: أنّ الإطلاق لذلك المعنى وإن كان مسلّمًا في اللغة، لكن عدم الاطّراد ممنوع، وفي العرف وإن كان مسلّمًا، لكن كون الإطلاق لذلك ممنوع.

وأمّا بالنسبة إلى «السخيّ» و«الفاضل»، فمن وجهين:

الأوّل: هو ما قيل من أنّ «السخيّ» قد وضع في اللغة للجواد الّذي من شأنه البخل، و«الفاضل» للعالم الّذي من شأنه الجهل، ولذا لا يطلقان على الله تعالى، فهما مطّردان في معنييهما(1).

والثاني: هو أنّ عدم تسميته تعالى سخيًّا وفاضلًا للمنع الشرعيّ؛ لأنّ(2) أسماءه تعالى توقيفيّة(3).

توضيحه: أنّ الاطّراد من الأمور الممكنة، فعدمه إمّا لعدم وجود مقتضيه، بناءً على أنّ عدم العلّة علّة لعدم المعلول(4)، أو لمانع من ذلك مع وجود مقتضيه، والإيراد إنّما يتوجّه إذا قلنا بأنّ عدم الاطّراد مطلقًا دليل على المجاز، وليس الأمر كذلك، بل الّذي نقول: إنّ من علامة المجاز هو الّذي يكون لعدم وجود مقتضيه، وعدم الاطّراد في «السخيّ» و«الفاضل» ليس من هذا القبيل، بل للمانع عنه مع تحقّق المقتضي، فالّذي جعلناه دليلًا على المجاز لم يوجد فيهما، وما وجد فيهما لم نجعله(5)

ص: 272


1- ينظر الفوائد الحائريّة: 326، وأنيس المجتهدين: 1/ 55، وقوانين الأصول: 1/ 78، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 531.
2- في «ق»: فإنّ.
3- نفس المصدر السابق.
4- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): «عدم المقتضي علّة لعدم المقتضى». وعليه علامة: خ ل.
5- في «ق»: لم يجعله.

من ذلك، فاندفع الإيراد.

أُورد(1) على ذلك باستلزامه الدور، بيانه: هو أنّ المقتضي للاطّراد إمّا الوضع، أو العلاقة، والثاني فاسد؛ لما تقدّم من إمكان التخلّف عنها، بل وقوعه؛ ولأنّ جعل عدم الاطّراد دليلًا على المجاز مبنيّ على ذلك كما لا يخفى، فانحصر المقتضي في الأوّل(2)، فعدمه إمّا لعدم مقتضيه، أو لوجود المانع مع وجوده؛ ولمّا جعل الدليل على المجاز ما كان لعدم وجود المقتضي دون ما كان للمانع، يقال: إنّ التمسّك بعدم الاطّراد حينئذٍ لإثبات المجازيّة موقوفٌ على العلم بعدم الوضع، والمفروض أنّ العلم بعدم الوضع موقوف على العلم بعدم الاطّراد، فيلزم توقّف الشيء على نفسه(3).

ويمكن التخلّص عن ذلك بما تخلّصنا عن الدور في التبادر، حاصله: أنّ الدور إنّما يلزم إذا كان العالم في المقامين واحدًا، وليس الأمر كذلك؛ لأنّ علم الجاهل باصطلاح قوم بعدم الوضع متوقّفٌ على علمه بعدم اطّراد اللفظ فيما بينهم، وعدم اطّراده فيما بينهم ليس متوقّفًا على علم الجاهل بعدم الوضع حتّى يلزم الدور، بل على علمهم بذلك، فاللازم توقّف علم الجاهل بعدم الوضع على علم أرباب

ص: 273


1- في «ج»: ورد.
2- جاء في حاشية الأصل: إن قلت: قد تقدّم منك أنّ المجاز قد يطّرد، وكيف يجتمع هذا مع الحكم بسلب الاقتضائيّة عن العلاقة؟ قلت: ليس المقتضي في ذلك المجاز نفس العلاقة، بل هي مع إذن الواضع. إن قيل: على هذا يتوجّه المنع في حصر المقتضي في الوضع؛ قلت: ليس المراد حصر مطلق الاقتضائيّة، بلا الاقتضائيّة اللازمة، وذلك منحصر في الوضع. منه.
3- ينظر رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1/ 380، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 531- 535، ونهاية الوصول: 1/ 296، وإشارات الأصول: 1/ 72، ومفاتيح الأصول: 75.

الاصطلاح به، ولا استحالة في ذلك؛ لأنّه ليس بدور أصلًا؛ لاختلاف الجهة.

نعم، يمكن الإيراد من وجه آخر، وهو أنّ عدم الاطّراد على هذا كما يكون باعتبار عدم المقتضي الّذي هو الوضع، كذا يكون باعتبار تحقّق المانع مع وجوده، فالجاهل بالاصطلاح إذا تصفّح محاورات أربابه وظهر له عدم اطّراد لفظ بالنسبة إلى معنى معيّن لا يمكنه الاستدلال به على المجازيّة؛ لجواز أن يكون ذلك لأجل المانع مع تحقّق الوضع، إذ لا دلالة للعامّ على الخاصّ المعيّن.

ويمكن الجواب عنه: بأنّ الإيراد المذكور إنّما يكون منشأً لطرح هذه العلامة بالكلّيّة إذا أمكن منع الواضع عن استعمال اللفظ في المعنى الّذي وضعه له، وهو غير معقول، فانحصر المقتضي لعدم الاطّراد في اللغة والعرف في عدم الوضع بالنسبة إلى الواضع، فحينئذٍ نقول: يظهر من عدم الاطّراد عدم الوضع، وهو المطلوب.

تحقيق ذلك يقتضي أن يقال: إنّ وضع اللفظ لمعنى يستلزم الإذن في استعماله فيه، ومع ذلك جواز منعه عنه يستلزم التناقض؛ لأنّه في قوّة أن يقول: إنّي راضٍ بالاستعمال وغير راضٍ به، أو صحّ الاستعمال ولم يصحّ، فمنع الواضع عن صحّة استعمال اللفظ مع وضعه غير معقول، فالمقتضي لعدم الاطّراد بالنسبة إليه منحصرٌ في عدم الوضع، فتأمّل(1).

نعم، قد يتحقّق المنع من غير ذلك الواضع، وذلك يقتضي عدم صحّة الاستعمال بالنسبة إلى المانع، لا الواضع.

ص: 274


1- جاء في حاشية الأصل: وجهه: هو أنّ لزوم التناقض ممنوع؛ لعدم مناقضة الخاصّ للعامّ، فيكون المقام من باب التخصيص. منه.

إن قيل: سلّمنا ذلك، لكنّه لا يكفي لدفع الإيراد؛ إذ غاية ما يترتّب عليه فيما تحقّق فيه عدم الاطّراد علم الجاهل بعدم استناده إلى منع الواضع لو كان المعنى موضوعًا له عنده، لكنّه غير كافٍ عنده في الحكم بالمجازيّة؛ لاحتمال أن يكون المعنى موضوعًا له عنده وعدم الاطّراد لأجل منع الغير، كما في «الفاضل» و«السخيّ».

قلنا: هذا الاحتمال في كثير من المقام غير محتمل؛ لوضوح أنّ منع الغير لا يوجب طرح أهل الاصطلاح أوضاع ألفاظهم ومقتضاها، إلّا أن يكون المانع ممّن يجب متابعته كالشارع، واحتمال منعه في جميع المقام غير قائم أيضًا، إلّا فيما يكون منصب الشارع بيانه، كإطلاق الاسم عليه تعالى.

والمقصود أنّ هذا الإيراد الّذي لم يتطرّق إليه أقلام الأقوام، لا يوجب طرح هذه العلامة بالمرّة، إذ في ذلك المقام الّذي لم يتطرّق إليه هذا الاحتمال قد تحقّق فيه عدم الاطّراد؛ وذلك إمّا فيما وضع له مع منع الواضع، أو في غير الموضوع له، والأوّل فاسد كما عرفت، فتعيّن الثاني وهو المطلوب، فتأمّل؛ بل الاحتمال المذكور في الاصطلاحات الخاصّة غير متطرّق أصلًا، كما لا يخفى.

في بيان عدم الاطّراد في: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾

توضيح حال لكشف مقال

قد اشتهر التمثيل فيما لم يتحقّق فيه الاطّراد بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾(1)، حيث تحقّق فيه الاستعمال؛ لوجود معنى، ولم يتحقّق في مثل: «اسأل البساط»، مع وجود ذلك المعنى فيه، فيعلم منه أنّ استعمال اللفظ في

ص: 275


1- سورة يوسف: 82.

الأوّل على سبيل المجاز(1).

ولا يخفى عليك أنّ الكلام لا يخلو من إجمال؛ إذ فيه احتمالات ولم يعلم أيّها المراد، فينبغي التكلّم في كلّ منها لاستعلام الحال واستكشاف المقال، فأقول: قد اشتمل قولنا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾على لفظين: صيغة الأمر، ولفظة «القرية»؛ إمّا أن يكون المراد من اللفظ الغير المطّرد لفظة «قرية»، أو «اسأل»، أو المركّب منهما.

أمّا الأوّل فتقرير المراد فيه يقتضي أن يقال: إنّ لفظة «القرية» قد استعملت(2) في الأهل لوجود(3) معنى، وهو الحاليّة، وقد تحقّق في أهل(4) البساط أيضًا مع انتفاء استعمال البساط فيه.

وفيه ما لا يخفى؛ لأنّ المراد بعدم(5) الاطّراد - على ما عرفت - هو أن يستعمل لفظ لوجود معنى في محلّ، ولا يجوز استعمال ذلك اللفظ في محلّ آخر مع وجود ذلك المعنى فيه، فاتّحاد اللفظ والمعنى وتغاير المحلّ فيه معتبر، واللفظ في الاحتمال المذكور غير متّحد، إذ «القرية» و«البساط» متغايران.

وأمّا الثاني فيتوجّه عليه: أن لا يجوز في لفظ «اسأل» مطلقًا؛ لأنّه موضوع لطلب ايجاد المادّة المقترنة بهيئته من فاعل معيّن، وقد استعمل لفظة «اسأل» في المقامين في ذلك المعنى.

ص: 276


1- ينظر المستصفى: 2/ 24، ونهاية الوصول: 1/ 295، وتهذيب الوصول: 70؛ ومنية اللبيب: 1/ 220، والفوائد الحائريّة: 326، وقوانين الأصول: 1/ 72، والإحكام: 1/ 32.
2- في «ق»: اشتملت.
3- في «ق»: بوجود.
4- كذا في الأصل، والصواب: في اسأل.
5- في «ق»: لعدم.

فتعيّن أن يكون المراد هو الثالث، فالمقصود أنّ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ قد استعمل في محلّ، أعني إيقاع السؤال على القرية؛ لوجود معنى، وهو تعلّق السؤال بأهلها، ولم يستعمل في محلّ آخر، وهو إيقاع السؤال على البساط، وإن وجد فيه ذلك، أعني تعلّق السؤال بالأهل، فحينئذٍ يكون المجاز اللفظ المركّب باعتبار معروضيّته للهيئة.

وإلّا يرد عليه ما ورد في الأوّل من التغاير بين اللفظين، إذ لا شبهة في المغايرة بين مجموع المركّب من لفظة: «اسأل» و«القرية»، ومن لفظة: «اسأل» و«البساط»؛ وأمّا بعد ملاحظة الهيئة فلا، إذ الوضع في المركّبات باعتبار الهيئة، كما تقدّم تحقيقه في المقدّمة، والتغاير إنّما يكون بتغايرها، فتأمّل.

ص: 277

ص: 278

الفصل الخامس: في بيان الأمور الّتي زادها بعضهم في هذا المقام وجعلها علامة للمجاز

اشارة

وهي ثلاثة:

الأمر الأوّل: جمعُ اللفظ على صيغة مخالفة لجمع حقيقته دليلُ المجاز
اشارة

الأوّل: جمع اللفظ على صيغة مخالفة لصيغة جمع حقيقته(1).

توضيحه: هو أنّ اللفظ إذا علم له معنى حقيقيّ وجمعه بالنسبة إلى ذلك المعنى على صيغة، واستعمل في معنى آخر وجمع بالنسبة إلى ذلك المعنى على صيغة مخالفة لصيغة الجمع للمعنى الحقيقيّ، كلفظ «الأمر» مثلًا، فإنّه حقيقة في القول المخصوص اتّفاقًا وعلم جمعه بهذا المعنى على «الأوامر»، واستعمل بمعنى الفعل أيضًا وجمع بالنسبة إليه على «الأمور».

فالمقصود أنّ تلك المخالفة دليلٌ على المجازيّة؛ لأنّه لو لم يكن مجازًا فيه لا يخلو إمّا أن يكون متواطئًا فيهما، أو حقيقة في كلّ واحد منهما؛ والتالي بشقّيه فاسد(2)، فالمقدّم مثله.

ص: 279


1- ذهب إلى ذلك الغزاليّ في المستصفى: 2/ 25، والعضديّ في شرحه على مختصر المنتهى: 1/ 531، وينظر غاية الوصول: 1/ 162، ونهاية الوصول: 1/ 297، وإشارات الأصول: 1/ 74، ومفاتيح الأصول: 75، والبحر المحيط: 1/ 586، وإرشاد الفحول: 25، والإحكام: 1/ 31.
2- في «ق»: باطل.

أمّا بطلان الأوّل فيمكن أن يكون إمّا لانتفاء القدر المشترك بين المعنيين، أو للعلم بكون المعنى الأوّل بخصوصه موضوعًا له، أو لاستلزام التخالف بين صيغتي الجمع ذلك بناءً على أنّه لو كان متواطئًا فيهما لما تحقّقت المخالفة المذكورة، إذ حينئذٍ يكون المعنى في المفرد واحدًا، وهو القدر المشترك، ومدلول الجمع هو مدلول المفرد مع التعدّد، فينبغي أن يطلق «الأوامر» بالنسبة إلى الجميع(1).

وأمّا بطلان الثاني(2) فلمرجوحيّة الاشتراك بالنسبة إلى المجاز كما يأتي، فتعيّن(3) المجازيّة، وهو المطلوب؛ فالجاهل بالاصطلاح إذا تتبّع فيه وظهر له معنى حقيقيّ للفظ وجمعه على صيغة، ثمّ رأى ذلك اللفظ مستعملًا في غيره، لكن لم يعلم أنّه حقيقة فيه أو مجاز، يختبر ذلك بالرجوع إلى جمعه بالنسبة إلى المعنى الأخير، فإن كان مخالفًا لجمعه بالنسبة إلى المعنى الأوّل يحكم بالمجازيّة بناءً على ما ذكر.

وإنّما لم يجعل عكسه - أي كون جمعه على صيغة الجمع للمعنى الحقيقيّ - دليلًا على الحقيقة؛ لأنّ اللفظ بالنسبة إلى المعنى المجازيّ قد يجمع على جمع حقيقته، كالحُمر إذا أطلقت إلى ما فوق الاثنين من البَلدى من أفراد الإنسان، و«الأُسد» إذا أطلقت على الشجعان من أفراده(4).

وفيه نظر؛ لأنّ بطلان التواطؤ لو كان باعتبار انتفاء القدر المشترك، لا وجه

ص: 280


1- كذا في الأصل، والصواب: الجمع، كما في «ق».
2- في «ق»: التالي.
3- كذا في الأصل، والصواب: فتتعيّن.
4- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 531، ومفاتيح الأصول: 75، وشرح الوافية، للسيّد بحر العلوم: (مخطوط) الورقة 47.

لجعل المخالفة بين صيغتي الجمع علامة، بل العلامة حينئذٍ انتفاء القدر المشترك بين المعنيين الّذين ثبت الوضع بالنسبة إلى واحد منهما، سواء كانت الصيغة في الجمع متخالفة(1) أو لا، لجريان الدليل فيه، إذ احتمال التواطؤ حينئذٍ منتفي بانتفاء المشترك، والاشتراك كذلك بمرجوحيّته، فتعيّنت المجازيّة.

وكذلك لو كان بطلانه لثبوت الوضع بالنسبة إلى أحد المعنيين بخصوصه، إذ العلامة حينئذٍ العلم بكون أحد المعنيين بخصوصه موضوعًا له، بناءً على أنّه لو كان متواطئًا لما كان الوضع متعلّقًا بالخصوصيّة، ولو كان كلّ منهما موضوعًا له يلزم الاشتراك، فثبت المجاز، فلا وجه للتمسّك بالمخالفة بين صيغتي الجمع لتماميّة الكلام ولو عند عدم الاختلاف، بل لا مدخليّة لها في المقام على ما عرفت.

ولو كان بطلان التواطؤ باعتبار المخالفة بناءً على ما مرّ، نقول: لا وجه حينئذٍ لاختصاص العلامة بالمخالفة، لإجراء الدليل في كلّ ما دلّ على عدم التواطؤ، كانتفاء القدر المشترك مثلًا، فينبغي أن يجعل العلامة كلّ ما يعلم منه عدم كون اللفظ متواطئًا بين المعنيين الّذين ثبت الوضع بالنسبة إلى أحدهما.

وأيضًا(2) اختلاف الجمع كما جاز أن يكون لأجل المجازيّة، كذا جاز أن يكون لاختلاف المسمّى، مع كون المعنيين من المعاني الحقيقيّة، والعامّ لا دلالة له على الخاصّ المعيّن.

ص: 281


1- في «ق»: مخالفة.
2- جاء في حاشية الأصل: حاصل هذا الاعتراض: هو أنّا سلّمنا دلالة المخالفة على انتفاء المواطئة، لكن لا يلزم منه المجازيّة؛ لاحتمال أن يكون اللفظ مشتركًا لفظيًّا بين المعنيين، ولا يتمّ المدّعى إلّا بانتفائه. منه.

نعم، كان الكلام وجيهًا لو لم يتحقّق اختلاف الجمع إلّا في المجاز، إذ حينئذٍ تحقّقه يوجب العلم بالمجازيّة، لكنّ الأمر ليس كذلك، فإنّ لفظ «العود» مشترك بين الخشب واللهو، وجمع الأوّل: عيدان، والثاني: عواد.

وكيف؟! مع أنّ الأولى في الألفاظ المشتركة اختلاف صيغ الجموع حذرًا عن زيادة الاشتراك، بناءً على أنّ صيغة المفرد كانت مشتركة بين المعنيين أو المعاني، فلو اشتركت صيغ الجمع أيضًا، يلزم زيادة الاشتراك، وهو مرجوح، والمستلزم للمرجوح مرجوح بالنسبة إلى غيره.

لا يقال: الكلام فيما يكون الوضع فيه مشكوكًا، فما ثبت فيه الوضع خارج.

لأنّا نقول: هذا فاسد؛ لأنّ العلامة لمّا كانت بالنسبة إلى الجاهل، فإذا تصفّح محاورات قوم وظهر له المخالفة بين صيغتي الجمع في لفظ، لا يمكنه الحكم بالمجازيّة؛ لاحتمال أن تكون كالمخالفة الّتي في صيغ الجمع للمشترك.

ويمكن الجواب عن ذلك بما مرّ في تقرير المطلب، حاصله: أنّ تحقّق المخالفة وإن كانت مسلّمة في بعض الألفاظ المشتركة، لكن لمّا(1) يدفع احتمال الاشتراك فيما نحن فيه بالمرجوحيّة، تعيّن الأمر في المجازيّة، وهو المطلوب.

التمسّك بالتخالف بين صيغتي الجمع وجعله علامة للمجاز لا وجه له

لكن يرد عليه نظير ما تقدّم في صحّة السلب، تقريره هنا أنّ التمسّك بالتخالف بين صيغتي الجمع وجعله علامة للمجاز لا وجه له، أمّا أوّلًا: فلأنّ كلّ لفظ إذا علم وضعه لمعنى واستعمل في غيره ولم يثبت الوضع فيه، يحكم بالمجازيّة بناءً على

ص: 282


1- في «ق»: لا.

ما ذكر، سواء كان مفردًا، أو لا، مخالفًا صيغة جمعه على جمع الحقيقة، أم لا.

وأمّا ثانيًا: فلأنّه هو الّذي ذكروه عند معارضة المجاز والاشتراك، فلا وجه لذكره في هذا المقام.

وأمّا ثالثًا: فلأنّ خاصّة الشيء وصفُهُ القائم به، كالتبادر وعدم صحّة السلب والاطّراد؛ ومرجع ما ذكر في هذا المقام التمسّك بمرجوحيّة الاشتراك، ولا معنى لجعله من خواصّ المجاز، فتأمّل.

إن قلت: يمكن الجواب عن جميع ذلك بمثل ما أجبته هناك، وهو: أنّ الإيرادات المذكورة إنّما تتوجّه إذا كان الموضع الّذي يتمسّك فيه بالمخالفة هو الّذي يتمسّك فيه بالمرجوحيّة، وأنّ الفائدة المترتّبة على أحدهما هي المترتّبة على الآخر، وليس الأمر كذلك، بل التمسّك بالمخالفة بين صيغتي الجمعين لرفع احتمال التواطؤ، وبمرجوحيّة(1) الاشتراك لنفي وضع آخر.

توضيحه: أنّ صيغة الجمع لو كانت بحسب الصورة مشتركة بين المعنيين كالمفرد، يحتمل أن يكون المعنى الحقيقيّ المتيقّن مشتركًا بين الفردين، فيكون متواطئًا ويكون اللفظ في المعنيين حقيقة، فجعلت المخالفة علامة لعدم الوضع بالنسبة إلى ذلك المعنى، لكن لمّا لم يستلزم ذلك عدم الوضع مطلقًا؛ لجواز أن يكون ذلك اللفظ موضوعًا لذلك المعنى الآخر بوضع آخر، فلا يلزم(2) المجازيّة وكان ذلك محتملًا توصّل لدفعه بمرجوحيّة الاشتراك، فعلى هذا لا يلزم شيء من المحذورات، كما لا يخفى.

ص: 283


1- في «ق»: والمرجوحيّة.
2- كذا في الأصل، والصواب: فلا تلزم.

قلنا: لو كان الأمر كذلك، لكان(1) العلامة مخالفة الصيغة مع مرجوحيّة الاشتراك، فلا وجه لاختصاص ذلك بالمخالفة فقط، ولكان الحكم بكون المعنى الأوّل معنى حقيقيًّا فاسدًا؛ إذ المعنى الحقيقيّ حينئذٍ هو القدر المشترك، لا أحدهما بعينه.

وعلى تقدير الإغماض عن ذلك نقول: إنّ ذلك إنّما يتمّ لو لم يوجد(2) المخالفة بين صيغ الجمع في المعاني المتواطئة، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

بيان الملازمة: هو أنّه على تقدير تحقّق التخالف في المتواطئ أيضًا يكون(3) المخالفة مشتركة بين المعاني المتواطئة وغيرها، فكيف تجعل(4) دليلًا وعلامة لنفي أحدهما مع ما عرفت مرارًا من لزوم الاطّراد في العلامة؟!

وأمّا بطلان التالي، فلأنّ كثيرًا من المعاني المتواطئة قد تحقّق الاختلاف بين صيغتي جمعها كالكريم، فإنّه يجمع على: كُرماء وكرام؛ و«سنة» فإنّها تجمع على: سنين وسنوات، و«ثُبَة» بمعنى الجماعة من الناس، فإنّها تجمع على: ثبين وثبات(5)، و«فلس»، فإنّه يجمع على: أفلس وفلوس، وهكذا، فإنّه كثير جدًّا.

والجواب عنه: أنّه ليس المراد مطلق المخالفة بين صيغتي الجمع، بل بحيث يكون(6)

ص: 284


1- كذا في الأصل، والصواب: لكانت.
2- كذا في الأصل، والصواب: لم توجد.
3- في «ق»: بكون؛ والصواب: تكون.
4- في «ق»: يجعل.
5- كتاب العين: 8/ 248، وفيه: «الثبة: العصبة من الفرسان، ويجمع: ثبات وثبين».
6- كذا في الأصل، والصواب: تكون.

إحدى الصيغتين مختصّة ببعض مدلول اللفظ والأخرى بالبعض، وبالجملة: لم يمكن استعمال إحداهما مقام الأخرى؛ كالأوامر والأمور، فإنّ الأوّل يستعمل في أقوال مخصوصة، والثاني في الأفعال، ولا يستعمل شيء منهما(1) مقام صاحبه، بخلاف ما ذكر من صيغ الجمع، فإنّ المخالفة وإن تحقّقت فيها أيضًا، لكن يستعمل كلّ من الصيغتين مقام صاحبه، كما لا يخفى.

ووجه دلالة تلك المخالفة على انتفاء التواطؤ(2) قد مرّ، حاصله: أنّه لو كان متواطئًا، لَما [كان] وجه لاختصاص بعض صيغتي الجمع ببعض مدلوله والآخر بالبعض الآخر، إذ اللفظ موضوع للقدر المشترك بناءً على التواطؤ، فينبغي أن يصحّ الاستعمال في كلّ ما وجد فيه ذلك، وإذا لم يصحّ ذلك يعلم عدمه، وهو المطلوب، فعلم ممّا ذكر صحّة العلامة المذكورة، فتأمّل(3).

ص: 285


1- في «ق»: منها.
2- في «ق»: المتواطؤ.
3- جاء في حاشية الأصل: وجهه: هو أنّ التمّسك بالمخالفة لنفي المواطئة إنّما يكون حسنًا إذا كان بين المعنيين التباس على ما حقّقناه في صحّة السلب وعدمها، وحيث لم يكن ذلك فلا، وما نحن فيه من هذا القبيل؛ لوضوح انتفاء الاشتراك بين القول المخصوص والفعل، فيعلم عدم التواطؤ ولو مع قطع النظر عن التخالف بين صيغتي الجمع. ويمكن دفعه بأنّ الأمر ليس منحصرًا في لفظ «الأوامر»، وإلّا فلعلّ الالتباس يتحقّق في غيره، فلا يعلم انتفاء التواطؤ إلّا بظهور التخالف بين صيغتي الجمع، فتأمّل. منه.
الأمر الثاني: التزامُ تقييد اللفظ بالنسبة إلى المعنى دليلٌ على مجازيّته فيه
اشارة

الثاني: التزام تقييد اللفظ بالنسبة إلى معنى، بأن لا يستعمل فيه إلّا مقيّدًا(1)؛ وذلك دليل على مجازيّته فيه، إذ لو كان حقيقة فيه لكان الموضوع له إمّا المعنى المطلق أو المقيّد، وأيّ ما كان لما يلزم التقييد في اللفظ؛ أمّا الأوّل فظاهر، وأمّا الثاني فلأنّ المعنى المقيّد لمّا كان موضوعًا له، لكان اللفظ دالًّا عليه بنفسه، فكان إلزام التقييد لغوًا.

ألا ترى أنّ لفظ «المدينة» مثلًا قد عيّن بالوضع الثانويّ لمدينة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) فيدلّ عليها ولو من غير تقييد في اللفظ.

وإنّما لم يجعل عكسه -أي عدم التزام تقييد اللفظ بالنسبة إلى معنى- علامةً للحقيقة؛ لوضوح أنّ غالب المجازات كذلك، فلو كان عدم الالتزام علامة لها لزم أن لا يوجد في غيرها؛ لما عرفت من لزوم الاطّراد في العلامة.

تطويل قال لإفضاح مقال

تطويل قال لإفضاح(2) مقال

تحقيق المقام يقتضي التفصيل في الكلام وإن اندمج(3) أقلام الأقوام في كلّ المقام، لا سيّما فيما فيه الكلام في صقع الإبهام، فنقول بمعونة الموفّق العلّام: إنّ

ص: 286


1- ينظر نهاية الوصول: 1/ 298، وغاية الوصول: 1/ 163، ومفاتيح الأصول: 76، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 531، والبحر المحيط: 1/ 588، وإشارات الأصول: 1/ 73.
2- كذا في الأصل، وفي «ق»: لإيضاح. قال في «الصحاح 1/ 392»: فضّح الصبح وأفضح: إذا بدا.
3- كذا في الأصل، والصواب: اندمجت.

اللفظ الّذي قد وصف التقييد فيه بالالتزام لا يخلو إمّا أن يكون له معنى قد استعمل فيه من غير تقييد، أم لا، بل انحصر استعماله مع التقييد؛ والظاهر أنّ المراد في هذا المقام هو القسم الأوّل فقط، لا الثاني.

وكيف؟! مع أنّ إرادة الثاني مستلزمة للحكم بمجازيّة جميع الأسماء اللازمة الإضافة، كذو وفوق وتحت وقدّام وخلف وأمثالها، بل جميع الحروف أيضًا؛ لعدم انفكاكها عن المتعلّق أبدًا على ما سبق تحقيقه، وهو باطل، أمّا أوّلًا فلأنّه خلاف الوفاق، وأمّا ثانيًا فلأنّه لو كان الأمر كذلك، لكانت هذه الألفاظ مجازات، لا حقائق لها، ولو كان الأمر كذلك كان عدم استلزام المجاز للحقيقة ظاهرًا، ولما احتاج النافي(1) للاستلزام لإثبات ذلك إلى التمسّك بأمثلة نادرة على ما يجيء إليه الإشارة.

وبالجملة: الحكم بمجازيّة الألفاظ المذكورة ممّا يحكم بفسادها الضرورة، فلا حاجة إلى تجشّم إقامة البرهان والأدلّة، فتعيّن الأوّل؛ وعليه فالمناسب أن يقرّر(2) عنوان المسألة هكذا: إذا كان للّفظ معنى يستعمل فيه مطلقًا ومعنى آخر لا يستعمل فيه إلّا مقيّدًا، فالمطلوب أنّ التزام التقييد فيه دليل على مجازيّة اللفظ في المعنى المقيّد، وأمّا المعنى الأوّل فهو معنى حقيقيّ.

ص: 287


1- في «ق»: الثاني.
2- في «ق»: نقرّر.
الاحتمالات المتصوّرة في «نار الحرب»

وقد مثّل لذلك بقولك: «نار الحرب»(1)، أقول: هذا المثال يحتمل وجوهًا:

الأوّل: أن يكون المراد بالنار الحرب، وتكون الإضافة بيانيّة، أي النار الّتي هي الحرب، فعلى هذا يكون المشبّه الحرب، قد شبّهت بالنار تنبيهًا على شدّتها، بناءً على أنّ النار كما تكون مفنية لما استولت عليه، كذلك هذه(2) الحرب الشديدة؛ وقد استعملت لفظ المشبّه به في المشبّه، فالاستعارة مصرّحة.

والثاني: هو أن يكون ذلك على طريقة «لجين الماء»(3)، أي يكون من إضافة المشبّه به إلى المشبّه بعد حذف أداة التشبيه، فالتقدير: الحرب الّتي كالنار في سرعة الإفناء.

والثالث: أن يكون المراد بالنار الكيد الّذي للعدوّ في حال الحرب، فيكون المراد بنار الحرب: كيدها، كما في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾(4)، أي كلّما دبّروا كيدًا للحرب أبطله الله؛ وذكر الإيقاد والإطفاء ترشيح للمجاز، أو

ص: 288


1- ينظر نهاية الوصول: 1/ 298، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 531 -536، وإشارات الأصول: 1/ 73، ومفاتيح الأصول: 76.
2- في «ق»: هذه.
3- قال المولى صالح المازندرانيّ (قدس سره) في حاشيته على معالم الأصول: «في ظلم الجهالة» من قبيل «لجين الماء» يجلو من جلا الأمور إذا كشفها وأزالها (حاشية معالم الدين: 6)، وفي القاموس: والريح تعبث بالغصون وقد جرى ذهب الأصيل على لجين الماء أي: ماء كاللُجين (القاموس المحيط: 1/ 8). والبيت لابن خفاجة الأندلسيّ، ينظر ديوانه: 17، وتاج العروس: 1/ 74، والإيضاح: 267، ونهاية الإرب: 1/ 283.
4- سورة المائدة: 64.

للشدّة الّتي للحرب الشديد(1)، فيكون المشبّه حينئذٍ شدّة الحرب، لا نفسها، وقد أطلقتَ لفظ المشبّه به على المشبّه.

فإن كان المراد المعنى الأوّل أو الثاني، فجعل المثال المذكور ممّا نحن فيه لا يخفى ما فيه؛ أمّا على الثاني فظاهر؛ إذ اللفظ بناءً عليه محمول على المعنى الموضوع له، فليس فيه المجاز الّذي كلامنا فيه أصلًا.

نعم، فيه مجاز الحذف وليس الكلام فيه؛ وأمّا على الأوّل فلأنّ اللفظ فيه وإن كان مستعملًا في غير معناه الموضوع له، لكنّ التزام التقييد فيه ممنوع؛ لجواز أن يقال: «أقام العدوّ نارًا» وأقيمت القرينة كلفظ «الإقامة» في المثال المذكور مثلًا على إرادة الحرب من النار، إذ القدر اللازم في المجازات إقامة القرينة الكاشفة للمراد.

وإن كان المراد المعنى الثالث، نقول: إنّ التزام التقييد حينئذٍ وإن كان مسلّمًا؛ لأنّ المعنى إضافىّ، والإضافة غير منفكّة عن(2) المضاف إليه، لكن يرد الانتقاض بكلّ إضافة ومضاف؛ لأنّ كلّ مضاف من حيث الإضافة لا ينفك عن المضاف إليه، فيرد عليك النقض بما إذا صرّحت في المثال المذكور بلفظ «الكيد» مثلًا وقلت: «كيد الحرب».

والجواب: المراد هو المعنى الثالث، والنقض مدفوع؛ لأنّ المضاف إمّا أن يكون من الأسماء اللازمة للإضافة، فقد عرفت الجواب عنه؛ أو غيرها، أي من الأسماء الّتي تضاف تارة وتنفك أخرى، كالغلام مثلًا، فهو وإن كان من حيث الإضافة

ص: 289


1- كذا في الأصل، والصواب: الشديدة.
2- في «ق»: من.

غير منفك عن المضاف إليه، لكن لمّا لم يكن معنى المضاف في حال الإضافة مباينًا له في غيرها، بل فرد من أفراده، كان خارجًا عمّا نحن فيه؛ لما عرفت من اشتراط المغايرة فيما نحن فيه بين المعنى حال الإضافة وبينه في غيرها.

لكنّ الانصاف عدم تماميّة الكلام؛ لتطرّق منع التزام التقييد في اللفظ(1) بناءً على المعنى الثالث أيضًا؛ لجواز أن يقارنه المستعمل بالقرينة الدالّة على أنّ المراد ذلك المعنى المضاف من غير إضافة في اللفظ؛ وعلى فرض الإغماض(2) أو التسليم لا يتمّ المراد أيضًا؛ لجواز أن يكون وَضَعَهُ على أن يكون مضافًا، فالتزام التقييد بحكم الوضع.

فإن قيل: لو كان الأمر كذلك يلزم الاشتراك ولما كان ذلك المعنى متبادرًا، وهذا غير متبادر.

قلنا: هذا تمسّك بالتبادر وعدمه، وليس علامة مستأنفة، وبمرجوحيّة الاشتراك بالنسبة إلى المجاز وليست علامة، وعلى فرض التسليم لا اختصاص له بما يلتزم التقييد كما لا يخفى.

ص: 290


1- جاء في حاشية الأصل: إن قيل: يمكن أن يكون المراد بالتزام التقييد التزام القرينة، وهو مسلّم، فعلى هذا كيف يكون الاقتران بالقرينة منافيًا؟ قلنا: لا يمكن أن يكون مراد ذلك القائل ذلك، أمّا أوّلًا: فلأنّ القرينة لا تسمّى قيدًا، وأمّا ثانيًا: فلأنّه لو كان الأمر كذلك يكون عكسه -أي عدم التزام القرينة [في «ق»: الالتزام بالقرينة]- دليلًا على الحقيقة كما لا يخفى، وهو لا يقول: أنّ عدم التزام التقييد دليل عليها، فيعلم منه عدم إرادة القرينة من التقييد؛ لأنّ كون عدم التزام القرينة دليلًا على الحقيقة ممّا لا شبهة فيه. منه.
2- جاء في حاشية الأصل: بناءً على أنّ التزام التقييد في المعنى كافٍ؛ منه.
الأمر الثالث: توقّف إطلاق اللفظ على معنى على تعلّقه بالآخر دليل المجاز
اشارة

والثالث: توقّف إطلاق اللفظ على معنى على تعلّقه بالآخر(1)، فإنّ ذلك دليل على مجازيّته في المعنى الأوّل، إذ لو كان ذلك المعنى موضوعًا له، لما توقّف استعماله فيه على شيء؛ لما عرفت من أنّ وضع اللفظ لمعنى يستلزم صحّة استعماله فيه.

أمّا دلالته على المجازيّة؛ فلأنّ المفروض ثبوت الاستعمال على النهج المذكور، وحيث قد انتفت الحقيقة، تعيّنت المجازيّة؛ لانحصار اللفظ المستعمل بالاستعمال الصحيح فيهما.

وقد مثّل بقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله﴾(2).

قيل في هذا المقام: إنّ ذلك إشارة إلى أنّ المشاكلة من قبيل المجاز(3).

ولعلّ المشاكلة عبارة عن كون اللفظ مستعملًا في معنى مصاحبًا لاستعماله في المعنى الحقيقيّ(4).

ومن ذلك قول الشاعر(5):

ص: 291


1- ينظر نهاية الوصول: 1/ 298، وغاية الوصول: 1/ 163، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 530 و532، والبحر المحيط: 1/ 588، وإرشاد الفحول: 25، وإشارات الأصول: 1/73، ومفاتيح الأصول: 76، والإحكام: 1/ 33.
2- سورة آل عمران: 54.
3- قاله التفتازانيّ في حاشيته على شرح مختصر المنتهى: 1/ 536.
4- ينظر المطوّل: 422.
5- أي قول أبي حامد أحمد بن محمّد الأنطاكيّ، نزيل مصر، المعروف بأبي الرقعمق، وقد أرسل له أصحابه يدعونه إلى الصبوح في يوم بارد، وقالوا له: ماذا تريد أن نصنع لك طعامًا؟ وكان فقيرًا ليس له كسوة تقيه البرد، فكتب إليهم يقول: أصحابنا قصدوا الصبوح بسحرة *** وأتى رسولهم إليّ خصيصًا قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه *** قلت اطبخوا لي جبّة وقميصًا أي: خيطوا لي جبّة وقميصًا، فذكر الخياطة بلفظ الطبخ لوقوعه في صحبة طبخ الطعام. (ينظر معاهد التنصيص: 1/ 225، وشروح التلخيص: 4/ 311، وجامع الشواهد: باب القاف بعده الألف، والغدير: 4/ 113، والإيضاح: 360، ومختصر المعاني: 269، والمطوّل: 422).

قالوا اقترح شيئًا نجد لك طبخه *** قلت: اطبخوا لي جبّة وقميصًا(1)

واستشكل في تحقّق العلاقة في مجاز المشاكلة؛ لعدم ظهورها بين الطبخ والخياطة في الشعر المذكور، ولذا قيل:

كأنّهم جعلوا المصاحبة في الذكر علاقة(2).

وفيه ما لا يخفى؛ لأنّ المصاحبة في الذكر متوقّف(3) على الاستعمال، والاستعمال متوقّف على العلاقة، فلو جعلت المصاحبة في الذكر علاقة، يلزم توقّف الشيء على نفسه.

وقيل: إنّ العلاقة بين الطبخ والخياطة هي المجاورة في الخيال(4)، فإنّه إذا

ص: 292


1- ينظر شرح مختصر المنتهى: 1/ 518.
2- قاله التفتازانيّ في حاشيته على شرح مختصر المنتهى: 1/ 537، ونسبه إلى القيل الشيخ خليل القزوينيّ في حاشيته على العدّة للشيخ الطوسيّ: 1/ 169، وفيه: «كأنّهم جعلوا المصاحبة في الذكر علاقة في مجاز المشاكلة».
3- كذا في الأصل، والصواب: متوقّفة.
4- نسبه إلى القيل الجيزاويّ في حاشيته على حاشية التفتازانيّ على «شرح مختصر المنتهى: 1/ 548».

كان(1) خياطة الجبّة والقميص مطلوبة عند شخص، ارتسم(2) صورتها في خياله؛ لكثرة ما ناجى به نفسه، فإذا أورد(3) صورة الطبخ في خياله بأن قالوا: «اقترح شيئًا نجد لك طبخه»، يقارن صورة الطبخ والخياطة في خياله، فيجوز أن يعبّر عن الخياطة بالطبخ، فيقول: «قلت: اطبخوا لي جبّة وقميصًا».

وفيه نظر أيضًا؛ لأنّ المجاورة المصحّحة للتجوّز هي المجاورة المعهودة في الأنظار.

وبالجملة: المجاورة في ذهن المخاطب؛ إذ هو الّذي أُلقي إليه الكلام لينتقل إلى المرام، فبسبب مجاورة المعنيين في ذهنه وقيام القرينة على عدم إرادة أحدهما ينتقل إلى الآخر؛ والمجاورة في ذهن المتكلّم فقط غير كافية للاستعمال، وقد تقدّم الكلام في تحقيق المجاورة.

ويمكن أن يكون الشعر المذكور من باب الاستعارة المكنيّة التخييليّة بأن يشبّه الجبّة والقميص على الشيء المأكول، تنبيهًا على كمال رغبته فيهما وميله إليهما، وقارنهما بما يلائم المشبّه به، وهو الطبخ.

إعادة كلام لتحقيق مقام

اعلم: أنّ ما ذكر في دلالة هذه العلامة على المجازيّة غير تامّ؛ لأنّه كما أنّ اتّصاف اللفظ بكونه حقيقة في معنى متوقّفٌ على وضعه له، كذلك اتّصاف اللفظ بكونه مجازًا في معنى متوقّفٌ على تحقّق العلاقة وإذن الواضع في الاستعمال معها.

ص: 293


1- كذا في الأصل، والصواب: كانت.
2- كذا في الأصل، والصواب: ارتسمت.
3- كذا في الأصل، والصواب: أوردت.

وكما أنّه لا معنى لاشتراط استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له بتعلّقه على معنى آخر؛ لكون المصحّح للاستعمال هو الوضع، فأينما وجد صحّ الاستعمال؛ كذلك ينبغي أن لا معنى لاشتراط استعمال اللفظ في المعنى المجازيّ بتعلّقه على معنى آخر؛ لأنّ المصحّح للاستعمال هو العلاقة وإذن الواضع في الاستعمال، فإن وُجدا صحّ الاستعمال مطلقًا، وإلّا فلا.

كذلك وجعل المثال المذكور من ذلك اشتباه؛ لأنّ قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ الله﴾(1)، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ الله﴾(2) شاهدُ صدق على ذلك، وكذلك كثير من الأدعية كقوله (علیه السلام): «ولا تمكر بي في حيلتك»(3)، و«خفي مكرك»(4)، وأمثالهما، بل نقول: إنّه من باب التشبيه؛ لأنّ ما يفعل الله تعالى بهم كان في صورة المكر، فالمجاز استعارة.

إن قلت: لمّا كان المعتبر في المجاز العلاقة وإذن الواضع في الاستعمال، يمكن أن يكون إذن الواضع في استعمال اللفظ في المعنى المجازيّ في حالة استعماله في المعنى الآخر، فلذا لا يجوز الاستعمال في غير تلك الحالة.

قلت: لمّا كانت غاية الاستعمال الإفادة والاستفادة مثلًا، ينبغي أن يصحّ في كلّما تحقّقت تلك الغاية، فلا معنى للاشتراط على النهج المذكور.

وعلى فرض التسليم نقول: الكلام في تحقّق الاستعمال على النهج المذكور، فإن

ص: 294


1- سورة الأعراف: 99.
2- سورة الأعراف: 99.
3- مصباح المتهجّد: 2/ 582، دعاء أبي حمزة.
4- مصباح المتهجّد: 2/ 854، دعاء كميل بن زياد.

تحقّق سلّمنا دلالته على المجازيّة، لكن جعل المثال المذكور من ذلك فاسدٌ لما عرفت، فالكلام حينئذٍ ليس على العلامة، بل على المثال.

وإنّما لم يجعل عكسه دليلًا على الحقيقة؛ لوضوح أنّ غالب المجازات غير متوقّف استعماله في المعنى المجازيّ على تعلّقه بالمعنى الآخر.

تذنيب: عدم افتقار فهم المعنى من اللفظ علامةُ الحقيقة وعكسه المجاز

تذنيب: عدم افتقار فهم المعنى من اللفظ(1) علامةُ الحقيقة وعكسه المجاز.

اعلم: أنّه قد زاد بعضٌ آخر في المقام علامة أخرى، وهي: عدم افتقار فهم المعنى من اللفظ إلى القرينة وافتقاره إليها(2)، فإنّ الأوّل دليل على كون اللفظ حقيقة في ذلك المعنى، والثاني دليل على مجازيّته فيه؛ كلفظ «الأسد» مثلًا، فإنّ فهم الحيوان المفترس منه غير متوقّف على اقترانه بالقرينة، بخلاف الرجل الشجاع، فإنّه لا يفهم منه إلّا عند الاقتران بها، فالجاهل باصطلاح قوم إذا تتبّع محاورات أربابه وظهر له الأمر على النهج المذكور، يتوصّل به إلى الحقيقة والمجاز.

والوجه في ذلك ظاهر، أمّا بالنسبة إلى علامة الحقيقة فلأنّه إذا علم فهم المعنى من اللفظ من غير قرينة، علم أنّ دلالته بالنسبة إليه لذاته؛ ولمّا كانت الدلالة الذاتيّة للّفظ معلولة للوضع، كان العلم بها مستلزمًا للعلم به؛ لأنّ العلم بالمعلول يستلزم العلم بالعلّة.

وأمّا بالنسبة إلى علامة المجاز؛ فلأنّ العلم بتوقّف(3) فهم المعنى من اللفظ على

ص: 295


1- كذا في الأصل، والظاهر أنّه سقط هنا: «إلى القرينة».
2- ينظر نهاية الوصول: 1/ 294، وتهذيب الوصول: 70، ومنية اللبيب: 1/ 220.
3- في «ق وج»: يتوقّف.

القرينة، يستلزم العلم بانتفاء الدلالة الذاتيّة بالنسبة إليه، فيلزمه العلم بانتفاء الوضع بالنسبة إليه، وإلّا لزم تخلّف المعلول عن العلّة، وهو محال، فثبت العلم بالمجازيّة، وهو المطلوب.

الإيراد على هذه العلامة
اشارة

ويمكن الإيراد عليه من وجهين:

الإيراد الأوّل مع الجواب عنه
اشارة

الأوّل: أنّ اللازم من العلم بالمعلول العلم بعلّة ما، لا العلّة المعيّنة، إلّا إذا كانت العلّة منحصرة في الواحد.

فعلى هذا نقول: العلم بدلالة اللفظ على المعنى من غير افتقار إلى القرينة، إنّما يستلزم الوضع إذا انحصر المقتضي للدلالة من غير افتقار إلى القرينة في الوضع، وهو غير مسلّم؛ لأنّ فهم المعنى من اللفظ كما يحتمل أن يكون لأجل وضعه له، كذا يحتمل أن يكون لأجل اشتهاره فيه، مع كونه من المعنى المجازيّ، فاللازم من العلم بدلالة اللفظ على المعنى من غير قرينة، العلم باستنادها إلى واحد من الوضع والشهرة، وأمّا خصوص شيء منهما فلا كما لا يخفى، فجعل فهم المعنى من غير افتقار إلى قرينة علامة للحقيقة فاسد.

ومنه يعلم الحال بالنسبة إلى علامة المجاز، فإنّ فهم المعنى المجازيّ من المجاز المشهور من غير افتقار إلى قرينة، يستلزم افتقار فهم المعنى الحقيقيّ منه إليها(1)، فالعلم بافتقار فهم المعنى إلى القرينة إنّما استلزم العلم بواحد من عدم الوضع له،

ص: 296


1- في «ق»: إليهما.

أو اشتهاره في غير الموضوع له مع وضعه له، فالاستدلال به على عدم الوضع بخصوصه(1) حتّى يثبت(2) المجازيّة ممّا لا وجه له.

والجواب عنه: هو أنّ فهم المعنى المجازيّ من المجاز المشهور إنّما هو بواسطة اشتهاره فيه، فالشهرة فيه قرينة المجازيّة(3)، فلم يتحقّق(4) فيه فهم المعنى من غير افتقار إلى القرينة.

في الفرق بين القرينة الّتي في الحقيقة المرجوحة وبينها في المجازات

هذا بالنسبة إلى علامة الحقيقة، وأمّا بالنسبة إلى علامة المجاز فنقول: سلّمنا أنّ المعنى الحقيقيّ في المجاز المشهور متوقّف على القرينة، لكنّها فيه لأجل إزالة القرينة المجازيّة، لا لأجل فهم المعنى.

توضيحه يقتضي أن يقال: كما أنّ إرادة المعنى المجازيّ من اللفظ متوقّفة على وجود القرينة الصارفة، كذلك إرادة المعنى الحقيقيّ منه متوقّفة على انتفاء القرينة المجازيّة؛ ولمّا لم تكن القرينة في غير المجاز المشهور من المجازات لازمة، كان المراد منها عند التجرّد المعنى الحقيقيّ لانتفاء القرينة المجازيّة.

وأمّا المجاز المشهور، فلمّا كانت الشهرة(5) الّتي هي القرينة فيه لازمة وكانت إرادة المعنى الحقيقيّ متوقّفة على انتفاء القرينة المجازيّة كما عرفت، توقّفت إرادته

ص: 297


1- «بخصوصه» لم ترد في «ق».
2- كذا في الأصل، والصواب: تثبت.
3- كذا في الأصل، والصواب: المجاز، كما في باقي النسخ.
4- في «ق وج»: قد يتحقّق.
5- في «ق»: للشهرة.

على إقامة القرينة المزيلة لحكم الشهرة.

والاعتراض إنّما يرد إذا جعل مطلق الافتقار إلى القرينة علامة المجازيّة، وليس الأمر كذلك، بل علامته الافتقار إلى القرينة الّتي للدلالة، لا القرينة الّتي يزول بها المانع عنها، فما جعل علامة للمجاز غير موجود في الحقيقة، وما وجد فيها لم يجعل علامة، فلا انتقاض.

وفيه نظر، أمّا أوّلًا: فلأنّ القرينة في المجاز كما يجوز أن تكون(1) صارفة عن المعنى الحقيقيّ، أو معيّنة للمعنى المجازيّ، أو هما معًا بأن تكون قرينتان صارفة ومعيّنة، أو واحدة ذات جهتين، كذلك هنا، فإنّها إمّا أن تكون صارفة عن المعنى المشتهر، أو معيّنة للمعنى الحقيقيّ، أو هما معًا، فالفرق بينهما تحكّم.

وأمّا ثانيًا: فلأنّك قد عرفت مرارًا أنّ الافتقار إلى العلامات المقرّرة لتشخيص الحقائق والمجازات إنّما هو للجاهل، فعلى هذا نقول: إنّ الجاهل بالاصطلاح إذا تصفّح محاورات أربابه، وظهر له أنّهم متى يستعملون ذلك اللفظ يفهمون منه ذلك المعنى من غير اقترانه إلى قرينة لفظيّة، وكأن إرادة المعنى الآخر - وهو المعنى الحقيقيّ كما هو المفروض - متوقّفًا على اقترانه بها، من أين(2) يحكم أنّ فهم المعنى الأوّل متوقّف على القرينة الّتي هي الشهرة وأنّ القرينة في الثاني لدفع المانع عن الدلالة؟

فلم يكن الجواب دافعًا(3) عن الانتقاض، بل يؤكّده ويحقّقه؛ لتحقّق الاحتمال

ص: 298


1- في «ق»: يكون.
2- في «ق»: أن.
3- في «ق»: رافعًا.

المذكور في كلّما يفهم منه المعنى عند التجرّد عن القرينة الظاهرة والاقتران بها، فلا يمكن التوصّل إلى الحقيقة والمجاز بهاتين العلامتين أصلًا.

الحقيقة قد تصير مجازًا وبالعكس

فالحقّ في الجواب أن يقال بمنع بقاء المعنى المجازيّ والحقيقيّ في اللفظ البالغ إلى هذا الحدّ على كونه مجازيًّا وحقيقيًّا، بل نقول: إنّ اللفظ إذا بلغ في كثرة الاستعمال في المعنى المجازيّ بحيث ينصرف الذهن إليه عند عدم الاقتران بالقرينة الظاهرة وتتوقّف إرادة المعنى الحقيقيّ على الاقتران بها، ينقلب المجاز حقيقة والحقيقة مجازًا.

قال العلّامة في النهاية: الحقيقة قد تصير مجازًا وبالعكس، فإنّ الحقيقة إذا قلّ استعمالها صارت مجازًا عرفيًّا، والمجاز إذا كثر استعماله صار حقيقة عرفيّة(1).

الإيراد الثاني مع الجواب عنه
اشارة

والثاني: النقض بالمشترك، فإنّ فهم المعنى منه متوقّف على القرينة مع كونه حقيقة.

والجواب عنه قد سبق مفصّلًا مع سائر ما يتعلّق بالمقام، فلا وجه للإعادة، فعلى هذا قد سلمت العلامة من الانتقاض، لكن يرد أنّ العلامة بهذا العنوان لا نعرف فرقًا بينها وبين ما تقدّم من التبادر وشقيقه، بل في بادي النظر أنّها ذلك، وإنّما الاختلاف بينهما بالعبارة، فجمعهما في الذكر على ما وقع من بعض

ص: 299


1- نهاية الوصول: 1/ 292.

المحقّقين(1) غير جيّد؛ وإنّما جمعنا بينهما مع ذلك للتنبيه على ذلك مع بعض الفوائد.

في أنّ ما اشتهر من عدم ثبوت اللغات بالاستدلال لا ينافي إثباتها بالتبادر ونحوه

إرخاء عنان لتتميم مقام

إن قيل: قد اشتهر في الألسنة وأقيم عليه البرهان والدلالة أنّ اللغات لا تثبت بالدليل(2)، فكيف يجوز الاستدلال بالأمور المذكورة على إثبات المجاز والحقيقة؟! إذ قولك: «هذا اللفظ في هذا المعنى حقيقة لأنّه متبادر منه، أو لم يصحّ سلبه عنه، وفي ذلك المعنى مجاز؛ لأنّ غيره متبادر منه، أو يصحّ سلبه عنه»، وهكذا، إثباتٌ للّغة بالدليل.

قلنا: هذا الاستدلال ليس ممّا منع منه في المقام؛ لأنّ مرجعه إلى الوضع.

بيان ذلك: هو أنّ تبادر المعنى -على ما عرفت- معلول لوضعه له، وكذا الكلام في عدم صحّة السلب، فإذا ظهر شيء منهما بعد التصفّح في الاصطلاح، يعلم الوضع؛ لما تقدّم من أنّ العلم بالمعلول يستلزم العلم بالوضع.

وهذا الاستدلال مثل ما يقال: إنّ اللفظ في هذا المعنى حقيقة؛ لتصريح الواضع بأنّه وضعه له، وكذا الكلام في تبادر الغير وصحّة السلب، فإنّ منشأهما عدم الوضع، فيستدلّ بهما عليه، وهذا كما يقال: إنّ اللفظ في هذا المعنى مجاز؛ لتصريح الواضع بأنّه غير موضوع له.

ص: 300


1- ينظر منية اللبيب: 1/ 220.
2- ينظر الفوائد الحائريّة: 477، ومفاتيح الأصول: 85.

وبالجملة: لا شبهة في أنّ لكلّ اصطلاح معانٍ حقيقيّة ومجازيّة، وأنّ لكلّ منهما خاصّة يطّلع المتتبّع عليها، فيلزمه العلم بذي الخاصّة، وإلّا لم تكن الخاصّة خاصّة، [و] هذا خلف، ولعلّك تطّلع على زيادة تحقيق في ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.

ص: 301

ص: 302

الباب الثالث

ص: 303

ص: 304

الباب الثالث: في تحقّق الواسطة في الألفاظ

اشارة

بين المجاز والحقيقة وتعارض الأحوال وغيرهما

ففيه فصلان:

الفصل الأوّل: في تحقّق الواسطة بينهما وجواز انفكاك كلّ منهما عن الآخر

اشارة

وفيه مباحث:

المبحث الأوّل: في تحقّق الواسطة بين المجاز والحقيقة
اشارة

إنّ اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازًا، فيكون واسطة بينهما، وذلك في مواضع:

الموضع الأوّل

الأوّل: في اللفظ الموضوع قبل الاستعمال في الموضوع له وغيره، فإنّه لا يكون حقيقة ولا مجازًا، لما عرفت سابقًا من اعتبار الاستعمال في حدّيهما(1).

ص: 305


1- ينظر نهاية الوصول: 1/ 290، وغاية الوصول: 1/ 163، وتهذيب الوصول: 71، ومنية اللبيب: 1/ 231، وأنيس المجتهدين: 1/ 60، والمحصول، للفخر الرازيّ: 1/ 343، والمحصول، للمحقّق الأعرجيّ: 1/150، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 552.

وبالجملة: المأخوذ في حدّ كلّ منهما جنسان: بعيد وقريب(1)، أي: اللفظ المستعمل، والمتحقّق فيما نحن فيه إنّما هو البعيد فقط، وتحقّقه غير كافٍ لتحقّق جنسهما القريب؛ لعدم استلزام العامّ للخاصّ، فكيف بالنسبة إليهما وإن كان تحقّق القريب مستلزمًا لتحقّقه، كما أنّ انتفاء البعيد مستلزم لانتفائه؛ لوضوح استلزام تحقّق الأخصّ للأعمّ، ولذا كلّما كان الجنس أقرب كان اشتماله على الذاتيّات أكثر، واستلزام انتفاء الأعمّ للأخصّ.

الموضع الثاني

والثاني: الألفاظ المهملة، فإنّها أيضًا غير متّصفة بالمجاز والحقيقة؛ لابتناء الانقسام إليهما بالوضع المنتفي فيها(2).

الموضع الثالث

والثالث: الألفاظ الموضوعة المستعملة في غير معانيها غلطًا(3)، أمّا عدم اتّصافها بالحقيقة؛ فلأنّها بالنسبة إلى ذلك الاستعمال غير مستعملة فيما وضعت لها، وهو ظاهر، وأمّا عدم اتّصافها بالمجاز مع تحقّق الوضع والاستعمال في غير الموضوع له، فلما تقدّم من أنّ المجاز الّذي كلامنا فيه هو ما لوحظ فيه العلاقة والمناسبة، وهي هنا منتفية.

ص: 306


1- في «ق»: قريب وبعيد.
2- ينظر المحصول، للفخر الرازيّ: 1/343، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 660، والمحصول، للمحقّق الأعرجيّ: 1/ 152.
3- ينظر المحصول، للفخر الرازيّ: 1/ 343.

فهذه المواضع قد وُجد فيها اللفظ مع عدم الاتّصاف بالحقيقة والمجاز(1)، والسرّ في ذلك: هو أنّهما لمّا كانا وجوديّين غير مجتمعين في محلّ واحد من جهة واحدة ولم يكونا من المتضايفين، يكون التقابل بينهما تقابل الضدّين، ومقتضى الضدّين جواز خلوّ المحلّ عنهما، كما لا يخفى.

ص: 307


1- قال العلّامة في النهاية: وأيضًا الأعلام ليست حقيقة ولا مجازًا؛ لكونها من الألقاب، والحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له، والمجاز في غير ما وضع له، وهو يستدعي كونهما قد وضعا قبل الاستعمال لغة، وأسماء الأعلام كذلك، فإنّ مستعملها لم يستعملها فيما وضعه أهل اللغة ولا في غيره؛ لأنّها لم تكن من وضعهم، بل لفظ مستعمل من كلام العرب ما عدا الوضع الأوّل، فإنّه لا يخلو عن الحقيقة والمجاز (نهاية الوصول: 1/290، وينظر: غاية الوصول: 1/ 153، ومنية اللبيب: 1/ 232، والإحكام: 1/ 33، والمحصول، للفخر الرازيّ: 1/ 343، والمحصول، للمحقّق الأعرجيّ: 1/ 151).

في عدم استلزام الحقيقة للمجاز

المبحث الثاني: في جواز انفكاك الحقيقة من المجاز
اشارة

ويمكن التكلّم في ذلك من كلٍّ من جانب المجاز والحقيقة، أمّا الثاني فلأنّ الحقيقة على ما عرفت: اللفظ المستعمل في الموضوع له، ولا شبهة في عدم استلزام استعمال اللفظ في الموضوع له استعماله في غيره.

وأمّا الأوّل: فلأنّ المجاز على ما تقدّم أيضًا: اللفظ المستعمل في غير الموضوع له لإحدى العلائق بينه وبين الموضوع له، فيجوز أن يكون الموضوع له اللفظ معنًى لا يكون بينه وبين غيره من المعاني شيء من العلائق المعتبرة، سواء كان ذلك المعنى بسيطًا أو مركّبًا، لكن لم يتحقّق فيه الشرطان المتقدّمان المعتبران في إطلاق لفظ الكلّ على الجزء(1)، ولا شبهة في إمكان ذلك، فحينئذٍ لو استعمل ذلك اللفظ في ذلك المعنى يكون حقيقة ولا يمكن اتّصافه بالمجازيّة.

والسرّ في ذلك: هو أنّه كلّما كان الشيء في تحصّله مفتقرًا إلى أمور لم يكن وجوده لازمًا لَمَا توقّف تحصّله على بعضها؛ ولمّا كان المجاز تحصّله متوقّفًا على اللفظ والاستعمال والموضوع له وغيره وعلاقة بينهما، والحقيقة على الثلاثة الأُوّل، فلا يلزم من تحقّقها تحقّقه على سبيل العموم، ففي مقام الانفكاك الّذي

ص: 308


1- جاء في حاشية الأصل: هذا الاشتراط على المشهور بين العلماء إنّما هو في إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكلّ، وما ذكر في هذا المقام مبنيٌّ على ما ذكره بعض المحقّقين من عدم اختصاص الاشتراط المذكور بذلك واعتباره في عكسه أيضًا، كما احتملنا ذلك في مباحث العلاقة، فلا تغفل. منه.

كلامنا فيه وإن تحقّقت الأربعة(1)، لكن وجود الخامس غير معلوم، وهو كافٍ لإثبات المدّعى، فتأمّل(2).

لا يقال: إنّ هذا يقتضي أكثريّة الحقائق من المجازات، وهو ينافي ما اشتهر في الألسنة من الحكم على المجاز بالأكثريّة.

لأنّا نقول: إنّ ما ذكرناه دليلٌ عقليٌّ قطعيٌّ لا يكاد يشكّ فيه، فاللازم صرف الهمّة إلى دفع معارضه، فتحقيقه يقتضي إرخاء العنان في هذا المقام، فنقول: هذه المقالة تحتمل معان خمسة:

ص: 309


1- جاء في حاشية الأصل: لوضوح استلزام استعمال اللفظ في الموضوع له تحقّق اللفظ والاستعمال والموضوع له، وأمّا تحقّق الرابع: فلأنّ الموضوع له معنى معيّن مشخّص، فغير ذلك المعنى غير الموضوع له، وتحقّقه ظاهر. منه.
2- جاء في حاشية الأصل: وجه التأمّل: هو أنّ ما ذكر إنّما يتمّ إذا كانت الأمور الثلاثة الّتي تتوقّف عليها الحقيقة عينُ الّتي يتوقّف عليها المجاز، وليس كذلك، إذ الاستعمال الّذي في المجاز إنّما هو في غير الموضوع له، والّذي في الحقيقة إنّما هو في الموضوع له، وبالجملة إنّما يسلّم ذلك إذا كان الموقوف عليه للحقيقة جزء ما يتوقّف عليه المجاز، فتكون النسبة بينهما عمومًا مطلقًا بأن يكون المجاز أخصّ، فتحقّقه كان مستلزمًا لتحقّق الحقيقة من غير عكس، وظاهرٌ أنّ الأمر فيما نحن فيه لم يكن كذلك؛ لما عرفت من أنّ الاستعمال في أحدهما في الموضوع له وفي الآخر في غيره، وأيضًا أنّ الموضوع له في الحقيقة إنّما يفتقر إليه لاستعمال اللفظ فيه وفي المجاز لمناسبة المستعمل فيه إيّاه، والاعتباران متغايران. منه.
الاحتمالات في معنى أنّ المجاز أكثر من الحقيقة
المعنى الأوّل

الأوّل: أنّها ليست على سبيل الإطلاق بالنسبة إلى جميع الألفاظ، بل(1) فيما إذا كان المستعمل فيه اللفظ متعدّدًا، معنيين أو أكثر، ولم يثبت الوضع بالنسبة إلى الجميع، فمقتضى المقالة المذكورة على هذا أكثريّة المجاز من الاشتراك، بمعنى أنّ كون(2) اللفظ المستعمل في المعاني المتعدّدة حقيقة ومجازًا أكثر من كونه حقيقة في الجميع، فإذا ثبت استعمال اللفظ في المعاني المتعدّدة وتردّد بين كونه حقيقة في الجميع أو في البعض ومجازًا في الآخر، يحمل على الثاني؛ لأنّ الظنّ يلحق الشيء بالأغلب(3).

ويؤيّد هذا المعنى تمسّكهم بتلك المقالة عند معارضة الاشتراك والمجاز، والكثرة بهذا المعنى للمجاز مسلّمة وإن ذهب مرجّح الاشتراك إلى خلافه، وسيجيء الكلام فيه مع جوابه، لكن اللازم منه أكثريّة المجاز بالنسبة إلى الاشتراك، ولا يلزم منه أكثريّته بالنسبة إلى جميع الحقائق حتّى يتوهّم(4) التنافي كما لا يخفى.

المعنى الثاني

الثاني: أنّ استعمال اللفظ في المعنى المجازيّ أكثر من استعماله في معناه الحقيقيّ،

ص: 310


1- «بل» لم ترد في «ق».
2- في «ق»: يكون.
3- ينظر المحصول، للمحقّق الأعرجيّ: 1/ 204، وشرح الوافية، للسيّد بحر العلوم (مخطوط): الورقة 81.
4- في «ق»: توهّم.

ولعلّ هذا المعنى يظهر ممّن تمسّك بتلك المقالة عند معارضة التخصيص والمجاز معترضًا على من رجّح التخصيص، تمسّكًا بما اشتهر من قول: «ما من عامّ إلّا وقد خصّ»(1).

وهذا المعنى على قسمين:

أحدهما: استعمال كلّ لفظ له معنى مجازيّ في كلّ واحد من معانيه المجازيّة أكثر من استعماله في معناه الحقيقيّ.

وثانيهما: استعماله في معانيه المجازيّة أكثر من استعماله في المعنى الحقيقيّ وإن لم يكن استعماله في كلّ واحد من معانيه المجازيّة أكثر.

ولعلّ وجه أكثريّة استعماله في المعنى المجازيّ القصدُ إلى اتّصاف الكلام بالبلاغة، بناءً على أنّها لا تحصل إلّا باشتمال الكلام على اللطائف والنكات الزائدة الّتي لا تحصل(2) إلّا بوجوه الاستعارات والكنايات، إذ بدون ذلك يكون الكلام مفيدًا لأصل المقصود من دون اعتبار أمر زائد عليه، فلا يكون بليغًا، ومن ثمّ كان المجاز هو الغالب في كلام البلغاء والشعراء(3).

لكن دعوى الكثرة في المجاز بهذا المعنى بإطلاقها ممنوعة، إذ لا شبهة في أنّ استعمال الألفاظ بين عامّة الناس أكثر من استعمالها بين خاصّتهم، ولا ريب في أنّ أكثر(4)

ص: 311


1- ينظر إشارات الأصول: 1/ 45، وشرح الوافية، للسيّد بحر العلوم (مخطوط): الورقة 81- 82.
2- في «ق»: لا يحصل.
3- ينظر شرح الوافية، للسيّد بحر العلوم (مخطوط): الورقة 81.
4- في «ق»: أكثريّة.

الاستعمالات الدائرة بينهم ليست بمجازات(1).

نعم، أكثر الاستعمالات الدائرة بين الشعراء والخطباء وإن كانت مجازات، لكنّها غير كافية لإثبات الأكثريّة على الإطلاق، على أنّ ذلك غير مسلّم بإطلاقه، بل بالنسبة إلى الخطب والأشعار، فمن أين ثبتت أكثريّة المجاز بالمعنى المذكور؟!

ثمّ حصر البلاغة في المجازات والاستعارة يستدعي إمّا عدم اشتمال الكتاب المجيد على الحقائق، أو عدم كونه بتمامه بليغًا؛ والتالي بشقّيه فاسد، فالمقدّم مثله، والملازمة بيّنة.

أمّا بطلان الشقّ الثاني من التالي، فغير محتاج إلى البيان، ضرورة أنّ القرآن بتمامه في أعلى مراتب البلاغة التي في حدّ الإعجاز.

وأمّا بطلان الشقّ الأوّل منه، فكذلك أيضًا؛ لأنّ اشتماله على الحقيقة ممّا لا يحوله إنكار، وكيف؟! مع أنّ الغرض الأصلي منه البيان والإعلام، لا الإجمال والإبهام، ولا ريب أنّ المناسب لهذا الغرض استعمال الحقيقة دون المجاز.

ولهذا ادّعى سيّد الأواخر والأوائل، ومفخر الأماثل والأفاضل، الّذي قد انتهت إليه مراتب الفضيلة والسعادة(2)، وحاوت عليه السعادة الدنيويّة والأخرويّة، أستاذنا(3) بل أستاذ البريّة في عصره -أدام الله إفادته وإفاضته-:

إنّ الغالب في ألفاظ(4) القرآن والحديث هو الحقيقة، وإنّ المجاز فيها(5) قليل

ص: 312


1- في «ق»: مجازاة.
2- «والسعادة» لم ترد في «ق».
3- هو العلّامة المحقّق السيّد محمّد مهديّ الطباطبائيّ النجفيّ المعروف ببحر العلوم (قدس سره).
4- في «ق»: الألفاظ.
5- في المصدر: منها.

جدًّا بالقياس إليها، خصوصًا فيما يتعلّق فيها(1) بالأحكام(2).

وأيضًا البلاغة في الكلام على ما عرّفها أئمّة المعاني والبيان: مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته(3)، والمراد بالحال الأمر الداعي إلى التكلّم على وجه مخصوص من التأكيد والإطلاق والحذف وعدمه ونحوها، ولا شبهة في أنّه كما يحصل في المجازات، كذا يحصل في الحقائق.

ثمّ على تقدير تسليم الكثرة بهذا المعنى في المجازات، لا يلزم منه أكثريّة المجاز بحسب الوجود من الحقيقة؛ لجواز أن يكونا متساويين، بل يكون المجاز أقلّ وجودًا من الحقيقة، ومع ذلك يكون الاستعمال المجازيّ أكثر، بأن تكون بعض الألفاظ حقيقة لا مجازًا، ومع ذلك كان استعمال جنس المجاز في المحاورات أكثر كما لا يخفى، فعلى هذا يكون مرجع هذا المعنى أنّ استعمال اللفظ الّذي له معنى مجازيّ فيه أكثر من استعمال الحقائق.

المعنى الثالث

والثالث: أنّ الاستعمالات المجازيّة في المحاورات أكثر من الحقيقة.

والفرق بينه وبين المعنى الثاني هو أنّ كثرة الاستعمال في المعنى المجازيّ إنّما كانت مفروضة في المعنى الثاني بالنسبة إلى كلّ لفظ بخلافه هنا، فإنّ المعتبر فيه أكثريّة الاستعمالات المجازيّة، فيجوز أن يكون استعمال بعض الألفاظ في معناه

ص: 313


1- في المصدر: منها.
2- شرح الوافية، للسيّد بحر العلوم (مخطوط): الورقة 82، ونقله عنه في مفاتيح الأصول: 33.
3- ينظر الإيضاح، للخطيب القزوينيّ: 11.

المجازيّ أقلّ من استعماله في معناه الحقيقيّ وبعضها أكثر بحيث إذا لوحظ مطلق الاستعمال في المعنى المجازيّ كان أكثر.

ثمّ إنّ الكلام في تحقّق الكثرة هنا كالكلام في السابق، إلّا أنّ الأمر هنا أسهل منه كما لا يخفى على المتأمّل، وعلى فرض تسليمها غير منافية للمدّعى، لما تقدّم آنفًا، حاصله: أنّ هنا أربعة أشياء، قلّة الوجود وكثرته، وقلّة الاستعمال وكثرته، ولو كانت قلّة الوجود مستلزمة لقلّة الاستعمال، أو كثرته مستلزمة لكثرته، أو كانت قلّة الاستعمال مستلزمة لقلّة الوجود، أو كثرته لكثرته(1)، ثبتت المنافاة، لكن عدم الاستلزام في جميع ذلك ممّا لا يحوله ارتياب.

المعنى الرابع

والرابع: هو أنّ المجاز أكثر من الحقيقة في الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة والأئمّة-عليهم آلاف السلام والتحيّة- ولعلّ هذا المعنى يظهر من النظر إلى المقصود الأصليّ والغرض الكلّيّ في تدوين علم الأصول وتحقيق مسائله ومبانيه.

ولا شبهة في أنّه(2) البحثُ عن ألفاظ القرآن والحديث على نحو يبتني عليه استنباط الأحكام الشرعيّة، فينبغي حمل كلامهم على ما يتعلّق بهما، فعلى هذا يكون المراد من قولهم: «إنّ المجاز أكثر» المعنى المذكور، لكنّا نمنع تحقّق الكثرة بهذا المعنى أيضًا، وقد عرفت سنده(3).

ص: 314


1- «لكثرته» لم ترد في «ق».
2- يعني المقصود.
3- جاء في حاشية الأصل: ولا يخفى أنّ المعنى الرابع يحتمل أن يكون على نسق المعنى الثاني والثالث، والمنع متوجّه بالنسبة إليهما، لكن لا يتوهّم منه توجّه المنع بالنسبة إلى كلّ لفظ من الألفاظ المذكورة في الكتاب والسنّة؛ لوضوح تحقّق الأكثريّة بالنسبة إلى بعض الألفاظ، كصيغة الأمر مثلًا؛ ولهذا ترى جمعًا من الفحول تأمّلوا في حملها على الوجوب في أخبار الأئمّة  بل المنع بالنسبة إلى المجموع من حيث المجموع. منه.

ثمّ إنّ المقصود الأصليّ من علم الأصول وإن كان ما ذكر، لكنّا نقطع بعدم اختصاص القواعد المذكورة فيه بالكتاب والسنّة واشتراك كلّما ينخرط في سلك الألفاظ فيها، وأنّه ليس مقصودهم انحصارها فيهما(1) أيضًا، لا سيّما فيما نحن فيه، فإنّ جمعًا منهم نسبوا المقالة المذكورة إلى ابن جنّي(2)، وهو من أئمّة اللغة(3).

وعلى فرض التسليم نمنع كونه منافيًا للمدّعى؛ لوضوح أنّ أكثريّة المجاز من الحقيقة في خصوص الكتاب والسنّة غير مستلزمة لأكثريّة مطلق المجاز من الحقيقة، كما لا يخفى على ذي فطنة ودراية.

ص: 315


1- في «ق»: فيها.
2- نسبه إليه الرازيّ في المحصول: 1/ 377، وينظر نهاية الوصول: 1/ 281، ومنية اللبيب: 1/236، ومفاتيح الأصول: 31 و94، وقوانين الأصول: 1/80، وإشارات الأصول: 1/ 45.
3- هو عثمان بن جِنّي -معرّب كني- الموصليّ، أبو الفتح، من أئمّة الأدب والنحو، وله شعر، ولد بالموصل، وتوفّي ببغداد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وكان أبوه مملوكًا روميًّا لسليمان بن فهد الأزديّ الموصليّ. وكان من شيوخ الشريف الرضيّ، وكان المتنبيّ يقول فيه: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس، وهو أعرف بشعري. من تصانيفه: رسالة في من نُسب إلى أمه من الشعراء، وشرح ديوان المتنبي، والمبهج في اشتقاق أسماء رجال الحماسة، والمحتسب في شواذ القراءات، وسرّ الصناعة، والخصائص ثلاثة أجزاء في اللغة، وغير ذلك وهو كثير(ينظر ترجمته في الأعلام: 4/ 203، وريحانة الأدب: 7/ 450، وبغية الوعاة: 2/ 132، وتاريخ الإسلام: 27/ 270، والكنى والألقاب: 1/ 241، ومعجم الأدباء: 12/81 - 115).
المعنى الخامس

والخامس: أن يكون المراد أكثريّة المعاني المجازيّة من المعاني الحقيقيّة(1)، وهذا لا يخلو إمّا أن يكون المراد أكثريّة المعنى المجازيّ بالنسبة إلى كلّ معنى حقيقيّ بأن يكون لكلّ معنى حقيقيّ معنى مجازيّ متعدّد، أو لا، بل المجموع بالنسبة إلى المجموع بأن يكون مجموع المعاني المجازيّة أكثر من مجموع المعاني الحقيقيّة وإن لم يكن لبعضها معنى مجازيّ مطلقًا ولو كان واحدًا.

وعلى التقديرين إمّا أن يكون المراد ما يمكن استعمال اللفظ فيه مجازًا وإن لم يستعمل فيه بالفعل، أو لا، بل ما تحقّق فيه الاستعمال بالفعل؛ فهنا أربعة مقامات ينبغي التكلّم في الكلّ حتّى يتبيّن الحال ويظهر حقيقة المقال.

المقام الأوّل

الأوّل: أن يكون المراد أكثريّة المجاز بالنسبة إلى كلّ معنى حقيقيّ وإن لم يتحقّق الاستعمال الفعليّ؛ والكثرة بهذا المعنى متوقّفة على دعوى تحقّق العلاقة المصحّحة للتجوّز في جميع المعاني وامتناع تحقّق معنى لا يكون بينه وبين غيره من المعاني واحدة منها، وهي ممنوعة، وعلى من يدّعي ذلك الإثبات، وللمانع يكفي الاحتمال.

وعلى فرض التسليم لا يثبت منه أكثريّة المجاز من الحقيقة؛ لما عرفت من اعتبار تحقّق الاستعمال في صدق المجاز؛ وصحّة الاستعمال في المعاني الّتي هي أكثر من المعاني الحقيقيّة مع عدم ثبوت الوقوع غير(2) كافية لذلك، ومن هنا ظهر بُعد

ص: 316


1- ينظر شرح الوافية، للسيّد بحر العلوم (مخطوط): الورقة 82.
2- «غير» لم ترد في «ق».

حمل(1) أكثريّة المجاز من الحقيقة على هذا المعنى كما لا يخفى.

المقام الثاني

والثاني: كالأوّل مع دعوى الاستعمال الفعليّ، ولا ريب أنّ صحّة هذا المعنى متوقّفة على ثبوت المعنى الأوّل، وحيث قد عرفت عدمه يظهر لك حاله(2)، وعلى فرض تسليم ثبوته دعوى ثبوت الاستعمال في الجميع ممنوعة، وقد عرفت وجهه.

المقام الثالث

والثالث: أن يكون المراد أكثريّة مجموع المعاني المجازيّة من مجموع المعاني الحقيقيّة وإن لم يكن لبعضها معنىً مجازيٌّ أصلًا، ويكون المراد بالمعاني ما يمكن فيه الاستعمال وإن لم يتحقّق الاستعمال بالفعل.

والأكثريّة بهذا المعنى لا شبهة في صحّتها وتحقّقها؛ لأنّه وإن لم يمتنع أن لا يكون لبعض المعاني الحقيقيّة معنى مجازيّ أصلًا، لكنّ الغالب تعدّد المعنى المجازيّ للمعنى الحقيقيّ الواحد بأن يكون بينه وبين جملة من المعاني علاقة مصحّحة للتجوّز، بحيث إذا لوحظ مجموع المعاني المجازيّة يكون أكثر من المعاني الحقيقيّة، لكن حال حمل أكثريّة المجاز على هذا المعنى في البعد وعدم المنافاة للمدّعى على فرض التسليم كما تقدّم.

ص: 317


1- في «ق»: جعل.
2- أي حال المعنى الثاني.
المقام الرابع

والرابع: أن يكون المراد أكثريّة المجموع من المجموع مع الاستعمال الفعليّ.

والفرق بينه وبين القسم الثاني مثلًا هو أنّ المعتبر هناك أكثريّة استعمال اللفظ في المعنى المجازيّ من استعماله في المعنى الحقيقيّ(1)، وهنا(2) أكثريّة وجود المجاز من الحقيقة وإن كان الاستعمال في المعاني الحقيقيّة الّتي تكون أقلّ وجودًا أكثر وفي المعاني المجازيّة الّتي تكون أكثر وجودًا أقلّ.

وهل الأكثريّة بالمعنى المذكور مسلّمة أم لا؟ الظاهر نعم(3)؛ لأنّ الغالب في الألفاظ ثبوت الاستعمال بالنسبة إلى معان متعدّدة لم يتحقّق الوضع إلّا بالنسبة إلى واحد منها، فيلزم أن يكون اللفظ في غيره مجازًا.

إذا تحقّق ذلك نقول: إنّ اللازم من ذلك وإن كان أكثريّة المجاز بحسب الوجود من الحقيقة، إلّا انّا نمنع أنّ مقتضى ما تقدّم أكثريّة الحقائق من المجازات حتّى تكون أكثريّة المجازات وجودًا منافية لذلك، إلّا أنّ ذلك غير منافٍ لما تقدّم؛ لأنّ القدر اللازم من ذلك جواز انفكاك الأمر المتوقّف على عدّة أمور عمّا يتوقّف على بعضها، ولا يلزم منه الأقلّيّة؛ لجواز تحقّق الأمور الموقوف عليها في معانٍ متعدّدة بالنسبة إلى معنى حقيقيّ واحد، فحصل التعدّد في المجاز، والحقيقةُ واحدةٌ، فيمكن أن يكون ذلك بحيث تتحقّق الأكثريّة من الحقيقة مع افتقار المجاز إلى جملة من الأمور والحقيقة إلى بعضها كما لا يخفى.

ص: 318


1- جاء في حاشية الأصل: وبعبارة أخرى: الرابع كالثاني في الثاني وكالثالث في الأوّل. منه.
2- في «ق»: وهناك.
3- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): مع إمكان المناقشة فيه أيضًا.

وذلك أنّ مقتضى ما تقدّم إنّما كان أكثريّة الحقائق إذا كان الموقوف عليه للحقيقة جزء ما يتوقّف عليه المجاز، إذ حينئذٍ تكون النسبة بينهما عمومًا مطلقًا بأن يكون المجاز أخصّ مطلقًا، فتحقّقه كان مستلزمًا لتحقّق الحقيقة من غير عكس، وهو بيّن الفساد؛ لما عرفت من أنّ الاستعمال في الحقيقة في الموضوع له وفي المجاز في غيره.

وأيضًا أنّ الموضوع له في الحقيقة إنّما يفتقر إليه لاستعمال اللفظ فيه، وفي المجاز لمناسبة المستعمل فيه معه، والاعتباران متغايران، ولذا عدّا من المتضادّين كما قدّمنا.

إن قلت: إنّ المجاز لو كان أكثر ينبغي الحكم بالمجازيّة في مقام الشكّ؛ لأنّ الظنَّ يُلحق الشيءَ بالأعمّ الأغلب، وحينئذٍ يكون الأصل في الاستعمال المجاز؛ وهذا ينافي ما اشتهر بينهم من: «أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة»(1).

قلنا: هذه المقالة يُتمسّك بها فيما إذا علم المعنى الحقيقيّ والمجازيّ وكان الجهل بالنسبة إلى المراد والمستعمل فيه، فيقال: «الأصل في الاستعمال الحقيقة»، أي الظاهر أن يكون المراد المعنى الحقيقيّ.

على أنّه يمكن أن يقال: إنّ مرجع المعنى الرابع أكثريّة المجاز وجودًا وأقلّيّته استعمالًا، وبعكس ذلك في الحقيقة(2)، فحينئذٍ نقول: المعنى المذكور يحقّق المقالة المذكورة ويؤكّدها، بل دليل عليه ومنشأ له.

ولو قلنا معنى «الأصل في الاستعمال الحقيقة»: أنّ الاستعمال دليل على كون

ص: 319


1- ينظر مفاتيح الأصول: 81، والمحصول، للفخر الرازيّ: 1/ 341.
2- في «ق»: الحقيقيّ.

اللفظ حقيقة في المستعمل فيه، بناءً على أنّه إذا كان اللفظ أكثر استعمالًا في المعنى الحقيقيّ وأقلّ استعمالًا في المعنى المجازيّ، يحكم في مقام الشكّ على الحقيقة؛ لما اعترفت به من إلحاق الظنّ الشيء بما يتّصف بالأغلبيّة(1)، ويجيء للمقام زيادة تحقيق في محلّ أليق إن شاء الله تعالى.

ص: 320


1- ينظر قوانين الأصول: 1/ 80.

في عدم استلزام المجاز للحقيقة

المبحث الثالث: في عدم استلزام المجاز للحقيقة
اشارة

وهذه المسألة ممّا اختلف فيه(1)، والمختار وفاقًا لأكثر الأعلام العدم أيضًا(2).

دليل القائلين بالاستلزام

واسْتُدِلّ للقائلين(3) بالاستلزام - منهم السيّد المرتضى (رضی الله عنه)(4)- بأنّه لو لم يستلزم المجاز الحقيقة، لزم تحقّق الوضع من دون أن يستعمل اللفظ فيما وضع له، والتالي باطل، فالمقدّم مثله، أمّا الملازمة فظاهرة، وأمّا بطلان التالي فلأنّ وضع الألفاظ لأجل إفادة المعاني المركّبة، وحيث لم يستعمل اللفظ في الموضوع له أصلًا لا يفيد(5) المعاني المركّبة، فيلزم عراء الوضع عن الفائدة(6).

ص: 321


1- كذا في الأصل، والصواب: فيها.
2- ينظر تهذيب الوصول: 71، ونهاية الوصول: 1/ 288، وغاية الوصول: 1/ 164، ومنية اللبيب: 1/231، وأنيس المجتهدين: 1/ 60، وإشارات الأصول: 1/ 50، ومفاتيح الأصول: 57، والمحصول، للرازيّ: 1/ 148، وإرشاد الفحول: 1/ 74، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 552، وشرح الوافية، لبحر العلوم (مخطوط): الورقة 79.
3- في «ق»: القائلين.
4- الذريعة إلى أصول الشريعة: 1/ 10.
5- في «ق»: لما يفيد.
6- جاء في حاشية الأصل: واستدلّ الشارح العضديّ وفاقًا لابن الحاجب بأنّه لو لم يستلزم المجاز الحقيقة؛ لعرى الوضع عن الفائدة [شرح مختصر المنتهى: 1/ 552]. ولمّا لم يكن التالي في كلامهما مترتّبًا على المقدّم بلا واسطة، عدلنا عنه وغيّرنا بما ترى، ولعلّ وجه تعبيرهما بذلك للتنبيه في بادي الأمر على المفسدة وأنّه مع قطع النظر عنها لا فساد في تحقّق الوضع من غير استعمال؛ منه.
دليل القائلين على أنّ وضع الألفاظ المفردة ليس لإفادة المعاني المفردة مع الجواب عنه
اشارة

أمّا الأوّل: فلأنّه مبنيٌّ على ما ذكروا من أنّه لا يجوز أن يكون المقصود من(1) وضع الألفاظ المفردة إفادة معانيها المفردة؛ لاستلزامه الدور؛ لأنّ إفادة اللفظ المعنى للمخاطب متوقّفٌ على العلم بوضعه له، والعلم بوضعه له متوقّف على العلم بذلك المعنى(2).

ضرورة أنّ العلم بوضع لفظ لمعنى لا يمكن إلّا بعد العلم بذلك اللفظ والمعنى، فلو كان وضع اللفظ لإفادة معناه، يكون العلم بذلك المعنى متوقّفًا على إفادة اللفظ إيّاه، فيلزم توقّف الشيء على نفسه، وهو محال، وحيث قد كان وضع الألفاظ للإفادة وعلم عدم جواز كونه للمعاني المفردة، تعيّن أنّه لأجل إفادة المعاني المركّبة.

وأمّا الثاني: فلوضوح أنّ الاطّلاع على ما في ضمير المخاطب لا يمكن إلّا بإشارة منه إليه، والإشارة إمّا بالألفاظ أو بغيرها، وحيث قد كان الكلام في الإشارة اللفظيّة نقول: إنّها عبارة عن التعبير عن المعنى المقصود بلفظ يخصّه(3)،

ص: 322


1- في «ق»: في.
2- ينظر منية اللبيب: 1/ 120، ونهاية الوصول: 1/ 164، وقوانين الأصول: 2/ 18، والمحصول، للفخر الرازيّ: 1/ 66، والمطوّل: 351.
3- جاء في حاشية الأصل: لا يقال: هذا لا يصحّ بالنسبة إلى اللفظ المشترك؛ لأنّ الإشارة إلى المعنى بالمشترك ليست بلفظ يخصّه؛ لأنّا نقول: إن أريد بالإشارة التفصيليّة لا يمكن ذلك إلّا بنحو يتحقّق الاختصاص في ذلك الاستعمال، وإن أريد الإشارة الإجماليّة يكون المعتبر الاختصاص الإجمالي أيضًا، أي الإضافيّ، وعلى التقديرين الاختصاص متحقّق، على أنّه يمكن أن يقال: المراد بالاختصاص بحسب الوضع بالنسبة إلى ذلك المعنى، ولا يخفى تحقّقه في الألفاظ المشتركة أيضًا. منه.

وهو المراد بالاستعمال، فإذا لم يعبّر عنه باللفظ لم يقع في التركيب، فلا يمكن إفادة المعاني المركّبة، فيلزم عراء الوضع عن الفائدة، وهو غير جائز؛ لأنّ الفاعل المختار لا يكون فعله إلّا لأجل غرض(1) وفائدة.

الجواب عنه
اشارة

وفيه نظر من وجوه:

الوجه الأوّل
اشارة

أمّا أوّلًا: فلأنّ المراد من عدم جواز كون المقصود من وضع الألفاظ إفادة معانيها إمّا أن يكون الإفادة الابتدائيّة، أي معرفة المعاني، فالملازمة مسلّمة؛ لما ذكر من أنّ إفادة اللفظ المعنى للمخاطب مسبوقة على علمه بذلك المعنى إلى آخره، لكن لا يثبت منه المدّعى من أنّه لا يكون المقصود من وضع الألفاظ إفادة معانيها مطلقًا؛ لأنّ نفي الخاصّ لا يستلزم نفي العامّ، أو مطلق الإفادة وإن كانت ثانويّة بمعنى العلم بالمعنى على أنّه مراد للمتكلّم، فالملازمة ممنوعة؛ لوضوح أنّ مسبوقيّة الإفادة الابتدائيّة على العلم بالمعنى لا تستلزم مسبوقيّة الإفادة الثانويّة عليه.

والحاصل: نحن نقول: إنّ حصول المعنى في الذهن على أنّه مراد للمتكلّم موقوفٌ على إفادة اللفظ إيّاه، وإفادته إيّاه موقوفة على العلم بوضعه له، وهو

ص: 323


1- في «ق»: الغرض.

متوقّفٌ على حصوله في الذهن لا من هذه الحيثيّة، فينتج: أنّ حصول المعنى في الذهن على أنّه مراد للمتكلّم موقوف على حصول أصله في الذهن، وهو ليس بدور؛ لاختلاف الحيثيّتين.

ثمّ على تقدير التسليم نقول: إنّما يتمّ ذلك في الألفاظ الّتي يكون الوضع والموضوع له كلاهما فيها إمّا عامًّا أو خاصًّا، وأمّا إذا كان الوضع عامًّا والموضوع له خاصًّا فلا؛ إذ نقول: يجوز أن يكون وضع تلك الألفاظ لأجل إفادة المعاني المخصوصة، والعلم بالوضع غير متوقّف على فهمها بخصوصها كما لا يخفى.

وضع الألفاظ المفردة لأجل إفادة المعاني المركّبة يحتمل معنيين

ثمّ إنّ وضع الألفاظ المفردة لأجل إفادة المعاني المركّبة يحتمل معنيين، الأوّل: أن تكون الألفاظ المفردة مفيدة لها؛ والثاني: أن يكون وضع الألفاظ المفردة لأجل تحصيل(1) المركّب، وتحصيله(2) لأجل إفادة المعاني المركّبة، فينتج: أنّ وضع الألفاظ المفردة لأجل إفادة المعاني المركّبة.

والأوّل فاسد؛ لوضوح أنّ اللفظ إنّما يفيد بمعونة الوضع الموضوع له، وبسبب إفادته إيّاه قد يفيد غيره عند قيام القرينة المانعة عن إرادته، كما في المجازات على ما سبق تحقيقه بما لا مزيد عليه.

وحيث لم تكن المعاني المركّبة موضوعة لها للألفاظ المفردة، ولا هي(3) مفيدة

ص: 324


1- في «ق»: تحصيل.
2- في «ق»: تحصيله.
3- أي الألفاظ المفردة.

للمعاني الموضوعة لها، أي المعاني المفردة كما هو المفروض، حتّى يمكن باستمداد إفادتها إيّاها إفادتها غيرها على فرض التسليم(1)، فكيف يمكن إفادتها إيّاها؟!

وحيث قد ثبت عدم جواز إرادة هذا المعنى من الكلام، تعيّنت إرادة المعنى الثاني في المقام.

وعليه نقول: إنّ الدليل المذكور لو كان تامًّا؛ لدلّ على عدم كون الوضع في المركّبات لإفادة المعاني المركّبة أيضًا؛ لجريانه بعينه فيها؛ إذ نقول: إنّ إفادة المركّب المعنى للمخاطب موقوفةٌ على علمه بوضعه له، وعلمه بوضعه له متوقّف على علمه به لما تقدّم، فلو كان العلم به مستفادًا من اللفظ يلزم الدور، ولا مدفع له إلّا بما ذكرنا، وهو مشترك بينها وبين الألفاظ المفردة.

والحاصل: أنّ ما ذكروه منظورٌ فيه نقضًا وحلًّا، أمّا النقض فبالألفاظ المركّبة، وأمّا الحلّ فبما تقدّم.

إن قيل: نمنع المقدّمة الأولى ههنا، بأنّا لا نسلّم توقّف استفادة المعنى من المركّب على علم المخاطب بوضعه له؛ لأنّ العلم بأوضاع الألفاظ المفردة كافٍ لذلك، فعند اجتماع الألفاظ المفردة مع العلم بأوضاعها يحصل العلم بمعنى المركّب وإن لم يعلم وضعه بخصوصه.

قلنا: لو كانت استفادة المعنى من المركّب لأجل العلم بأوضاع المفردات مع عدم العلم بوضع المركّب، لزم أن يكون المفهوم من المركّبات المختلفة الهيئات عند عدم الاختلاف في المفردات واحدًا، فيلزم أن يكون المفهوم من: «زيدٌ غلامٌ»

ص: 325


1- جاء في حاشية الأصل: أي تسليم إفادة المعاني المركّبة بمعونة إفادة المعاني المفردة كانت ممكنة، إذ هي ممنوعة كما لا يخفى. منه.

بالتركيب الإسناديّ عين المفهوم من: «زيدٌ الغلام» بالتركيب التوصيفيّ، والمفهوم منهما عين المفهوم من: «غلامُ زيدٍ» بالإضافيّ، وكذا يلزم أن يكون المفهوم من المركّبات المتّفقة في الهيئة عند اختلاف المفردات مختلفًا، والتالي باطل، فالمقدّم مثله، والملازمة ظاهرة، وبطلان التالي أظهر.

لا يقال: إنّ هذا إنّما يلزم إذا كان العلم بوضع المفردات بمجرّدها كافيًا لذلك، ونحن لم نقل بذلك، بل نقول: إنّ العلم بأوضاع المفردات مع العلم بكون حركات تلك الألفاظ دالّة على النسب المخصوصة مفيد(1) لتلك المعاني، والمفردات وإن كانت غير مختلفة فيما ذكر، لكنّ الحركات والهيئات لمّا كانت مختلفة يجوز أن يكون اختلاف المعاني لذلك.

لأنّا نقول: ليس(2) المراد من العلم بأوضاع المركّبات إلّا العلم بكون هيئة خاصّة دالّة على معنى خاصّ ومعيّنة له وهيئة أخرى لآخر، وهكذا كما مرّ تحقيقه؛ وحيث قد اعترفت بتوقّف فهم المعنى على العلم بذلك، يلزمك الاعتراف بتوقّف فهم المعنى من المركّب على العلم بالوضع، وهو المطلوب.

وضع الألفاظ المفردة ليس لإفادة المعاني المفردة

نعم، يمكن أن يستدلّ على عدم كون المقصود من وضع الألفاظ المفردة إفادة معانيها؛ بأنّه لا شبهة في أنّ وضع الألفاظ لإبراز ما في الضمير وإعلام ما في البال بطلب شيء أو تركه أو نحوهما؛ ولا شبهة في أنّه لا ينفكّ عن التركيب، فيكون

ص: 326


1- جاء في حاشية الأصل: أي موجب لاستفادة تلك المعاني. منه.
2- في «ق»: إنّ.

وضع الألفاظ لأجل إفادة المعاني المركّبة، لا المفردة من هذه الجهة، والدلالة على مجرّد المعاني المفردة وإن كانت ممكنة، كزيد وعمرو وبكر ونحوها، إلّا أنّه ليس ممّا يترتّب عليه كثير فائدة حتّى يكون الوضع لذلك، والدليل بهذا المنوال لا يخفى اختصاصه بالمفردات وعدم جريانه في المركّبات.

الوجه الثاني

وأمّا ثانيًا: فلأنّ الدليل المذكور بعد تماميّته إنّما يدلّ على استلزام الوضع الحقيقة، بل هو في الحقيقة دليل عليه وبواسطته يدلّ على استلزام المجاز الحقيقة، ففي الحقيقة لا ارتباط بينهما بالدالّة والمدلوليّة، كما يظهر للمتأمّل، مع أنّك قد عرفت فساده ممّا تقدّم مِنْ أنّ مِنَ(1) الوسائط بين الحقيقة والمجاز اللفظَ الموضوع الغير المستعمل في الموضوع له وغيره، فتأمّل.

الوجه الثالث

وأمّا ثالثًا: فلأنّ حديث وضع المفردات لأجل إفادة المعاني المركّبة لا مدخليّة له في إثبات المرام أصلًا، إذ المفسدة على تقدير عدم استلزام المجاز الحقيقة تحقّقُ الوضع مع عدم استعمال اللفظ في الموضوع له، وهو متحقّق ولو كان وضع الألفاظ لإفادة المعاني المفردة كما لا يخفى، فتأمّل.

الوجه الرابع

وأمّا رابعًا: فلأنّا لا نسلّم عند عدم استعمال اللفظ في الموضوع له(2) يلزم خلوّ

ص: 327


1- «من» لم ترد في «ق».
2- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): استلزام المجاز الحقيقة، وعليه علامة: صحّ ل.

الوضع عن الفائدة؛ لوضوح أنّ تحقّق(1) المجاز فائدة عظيمة، بل من أهمّ الأمور المعتبرة في الفصاحة والبلاغة، فيمكن أن يكون وضع اللفظ مع عدم استعماله في الموضوع له لأجل ذلك؛ لوضوح عدم إمكان تحقّقه مع انتفاء الوضع، وأمّا مع تحقّقه وانتفاء الاستعمال فلا، كما لا يخفى(2).

ثمّ على تسليم انحصار فائدة الوضع في الاستعمال في الموضوع له نقول: اللازم عند عدم الاستعمال فيه عدم ترتّب الفائدة على الفعل الاختياريّ، ولا مفسدة فيه، إذ المحذور صدور الفعل الاختياريّ لا لفائدة، فيمكن عدم ترتّب الفائدة مع كون الفعل لها؛ والمحذور إنّما يلزم لو كان الفعل لفائدة مستلزمًا لترتّبها عليه، أو عدم ترتّبها مستلزمًا لعدم كونه لها، لكن فساده غنيّ عن البيان، مع أنّه قد مرّ الكلام عليه مشروحًا في النقض بالمشترك في حدّ الحقيقة.

والحاصل: أنّ المعتبر في صدور الفعل الاختياريّ اعتقاد الفائدة، لا مطابقته للواقع، واللازم على تقدير عدم الاستعمال عدم مطابقته له، لا عدم الاعتقاد، فاللازم غير محذور والمحذور غير لازم(3).

لكن لا يخفى عليك أنّ هذا أنّما يصحّ فيما إذا لم يكن الباري تعالى واضعًا، إذ صدور الفعل لاعتقاد الفائدة وإن لم ترتّب(4) عليه إنّما يصحّ إذا لم يكن الفاعل عند الفعل عالمًا بعدم ترتّبها عليه، فينحصر ذلك بالنسبة إلى غير الله تعالى، وأمّا إذا كان

ص: 328


1- كذا في الأصل، والصواب: لتحقّق.
2- ينظر مفاتيح الأصول: 57، وإرشاد الفحول: 1/ 74.
3- ينظر المصدر السابق.
4- في «ج»: يترتّب.

عالمًا بذلك -كما في حقّه تعالى، إذ لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السموات والأرض- فلا، إذ صدور الفعل لأجل فائدة مع العلم بعدم ترتّبها عليه في قوّة كونه لا لفائدة كما لا يخفى، فينحصر الجواب حينئذٍ بما ذكرنا قبل التسليم.

ذكر اختلاف القائلين بعدم الاستلزام ومستندهم

وحيث قد ظهر فساد القول المذكور، تعيّن القول الآخر، وهو عدم استلزام المجاز للحقيقة، لكن اختلف أصحابُ هذا القول على فرقتين، فبعضهم تعدّى عن الإمكان وادّعى الوقوع والثبوت، بمعنى أنّ المجاز من غير حقيقة كما أنّه ممكن عقلًا، واقعٌ(1) لغة، لكنّه نادر(2).

واستدلّ لذلك بأنّه لو كان المجاز مستلزمًا للحقيقة، لما تخلّف عنها(3)، والتالي باطل، فالمقدّم مثله، والملازمة بيّنة، وأمّا بطلان التالي ففي كلّ من الألفاظ المركّبة والمفردة، أمّا الأوّل فلأنّ قولهم: «قامت الحرب على ساق»(4) و«شابت لمة الليل» ونحوهما من المركّبات مجازات لا حقائق لها قطعًا(5).

ص: 329


1- في «ق»: وواقع.
2- ينظر زبدة الأصول: 79، ومفاتيح الأصول: 80 و82، وإشارات الأصول: 1/ 231.
3- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): لما تخلّفت عنه؛ وعليه علامة خ ل.
4- قال الفيّوميّ: يقال: قامت الحرب على ساق، إذا اشتدّ الأمر وصعب الخلاص (المصباح المنير: 1/ 127، وينظر الصحاح: 4/ 1499، ولسان العرب: 10/ 168، ومجمع البحرين: 2/ 38).
5- ينظر نهاية الوصول: 1/ 288، وغاية الوصول: 1/ 164، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 552، وإشارات الأصول: 1/ 15 و19 و50، والفصول الغرويّة: 30، ومفاتيح الأصول: 57 و82، والإحكام، للآمديّ: 1/45.

وقد أجيب عنه: بأنّه مشترك الإلزام، إذ الوضع لمعنى لازم للمجاز قطعًا، فيجب أن تكون هذه المركّبات موضوعة لمعنى متحقّق، وليس كذلك(1).

وفيه نظر، أمّا أوّلًا: فلأنّ المراد بالمعنى المتحقّق إن كان معنًى متحقّقًا في الخارج - كما هو الظاهر من الكلام - سلّمنا بطلان التالي، لكنّ الملازمة ممنوعة، ضرورة أنّ اللازم في المجاز وضعه لمعنى، وأمّا كون ذلك المعنى متحقّقًا في الخارج، فلم يشترطه أحدٌ، بل ولا وجه له.

إن قلت: إنّ المجاز لمّا كان متوقّفًا على العلاقة بين معناه وبين الموضوع له كما عرفت مفصّلًا، فلا بدّ أن يكون الموضوع له متحقّقًا في الخارج حتّى يمكن للمتجوّز استعمالها(2)، فيمكن له التجوّز، فلو لم يتحقّق المعنى لم يمكن التجوّز؛ لأنّ العلم بالعلاقة شرط فيه، وهو مع عدم تحقّق المعنى ممتنع، وامتناع الشرط يستلزم امتناع المشروط، لكنّ التجوّز واقع كما هو المفروض، فيلزمه(3) تحقّق المعنى(4).

قلنا: اشتراط التجوّز بالعلم بالعلاقة مسلّم، لكن توقّفه على تحقّق المعنى في الخارج ممنوع، بل الموقوف عليه هو تعقّل المعنى، لا تحقّقه في الخارج(5).

ص: 330


1- ينظر رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب: 1/ 382، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 552، ونهاية الوصول: 1/ 288، وغاية الوصول: 1/ 165 -166، وشرح الوافية، للسيّد بحر العلوم (مخطوط): الورقة79، ومفاتيح الأصول: 56، وإرشاد الفحول: 26.
2- في «ق»: استعمالها.
3- في «ق»: فيلزم.
4- جاء في حاشية الأصل: إذ رفع التالي منتج لرفع المقدّم. منه.
5- جاء في حاشية الأصل: ولا يخفى أنّ اللازم من هذا الاستدلال خلاف ما توهّمه المجيب من عدم تحقّق المعنى، إذ يلزمه تحقّقه كما لا يخفى، ثمّ يلزم منه فساد مذهبه من توهّم الاستلزام، إذ بعد تسليم عدم تحقّق المعنى الموضوع له، كيف يمكن استعماله فيه حتّى يكون حقيقة ؟! فهذا الاستدلال من عجيب ما وقع في هذا المقام، إلّا أنّه لمّا كان جدليًّا وإلزاميًّا لا يُبالى به، فتأمّل. منه.

إن قيل: سلّمنا أنّ الموقوف عليه تعقّل المعنى، لكنّه يحتاج إلى سبيل، فليكن التحقّق الخارجيّ.

قلنا: حصر الطريق في التحقّق الخارجيّ ممنوعٌ كما لا يخفى، فكما يمكن أن يكون طريق التعقّل ذلك، كذا يمكن أن يكون غيره، فليكن ما نحن فيه ذلك.

ثمّ نقول: إنّ اللازم اطّلاع المتجوّز على العلاقة، لا المستعمل، فحينئذٍ نقول: يمكن أن يكون المتجوّز في المقام هو الواضع، فإنّه لمّا وضع اللفظ للمعنى المتعقّل عنده ولاحظ العلاقة بينه وبين مناسبه استعمل اللفظ فيه، ثمّ تبعه المستعملون في ذلك، فاشتهر الاستعمال، أو يكون المتجوّز غيره، لكن ممّن اطّلع على الموضوع له منه، فاستعمله في المعنى المجازيّ بعد ملاحظة العلاقة، ثمّ اشتهر.

لا يقال: انحصار لزوم الاطّلاع على العلاقة في المتجوّز ممنوع، إذ الاستعمال لا بدّ أن يكون بحيث يظهر سرّه، وهو مع عدم تحقّق المعنى غير ممكن.

لأنّا نقول بعد تسليمه: القدر اللازم اطّلاع سِرّ الاستعمال على مخاطب المتجوّز، لا كلّ أحد، فيمكن تنبيه المتجوّز إيّاه على الموضوع له ليظهر عليه لِمُّ الاستعمال، ثمّ لمّا ظهر المستعمل فيه على غيره استعملوا اللفظ فيه.

وإن كان المراد من المعنى المتحقّق أعمّ من ذلك، فنقول: الملازمة وإن كانت مسلّمة، لكن بطلان التالي ممنوع، غاية ما هناك عدم ظهور المعنى الموضوع له لنا،

ص: 331

وهو غير مضرّ؛ لما عرفت من أنّ اللازم اطّلاع المتجوّز على المعنى، لا كلّ أحد.

والكلام إنّما يتمّ إذا كان عدم الظهور عندنا مستلزمًا لعدم الظهور عند الكلّ، أو الظهور عند البعض -كالمتجوّز- مثلًا مستلزمًا للظهور عند الجميع، لكنّ الضرورة قاضية بفسادهما كما لا يخفى.

وأمّا ثانيًا: فلأنّ الاستدلال مبنيٌّ على توهّم اعتبار الوضع الشخصيّ في المركّبات حيث رأى المفردات كالأسد مثلًا أنّه استعمل في المعنى المجازيّ، مع أنّ ذلك اللفظ بخصوصه موضوع للحيوان المفترس، فَتَوَهَّم أنّ ما نحن فيه لا بدّ أن يكون أيضًا مثل ذلك؛ والحال أنّ خصوص: «قام الحرب على ساق» لم يكن موضوعًا لمعنى.

وهو توهّم فاسد، إذ الوضع في المركّبات نوعيّ على ما تقدّم تحقيقه في المقدّمة، فيكفي في وضع المركّبات ثبوت الوضع في نوع الهيئة، وهو متحقّق فيما نحن فيه أيضًا، إذ لا شبهة أنّ التركيب في المقام إسناديّ، وثبوت الوضع في نوع الهيئة الإسناديّة ممّا لا ريب فيه(1)، وهو كافٍ لثبوت الوضع في المركّبات المذكورة.

ص: 332


1- جاء في حاشية الأصل: إن قيل: كما ثبت الوضع في نوع الهيئة الإسناديّة، كذا ثبت الاستعمال فيه، كما في: «قام زيد» مثلًا، فحينئذٍ بطل استدلال النافي أيضًا، حيث استدلّ بهذه المركّبات على أنّها مجازات لا حقائق لها. قلنا: استعمال نوع الهيئة في ضمن فرد في معناه لا يوجب استعماله في ضمن فرد آخر فيه كما لا يخفى، وصدق الحقيقة على كلّ فرد من أفراد النوع متوقّف على استعمال ذلك الفرد في معناه، فاستعمال الفرد المتحقّق في ضمن: «قام زيد» على معناه لا يكفي لصدق الحقيقة بالنسبة إلى فرد المتحقّق في: «قامت الحرب على ساق» ونحوه كما لا يخفى. منه.

فالحقّ في الجواب عن أصل الاستدلال أن يقال: إنّ الكلام في المجاز اللغويّ، والمجاز في هذه المركّبات على التقرير المذكور إنّما هو في الإسناد، وهو مجازٌ عقليٌّ كما سيجيء توضيحه، فلا وجه للتمسّك بها في المقام.

تحقيق المقام على وجه يزول معه الحجاب عن وجه المرام يقتضي أن يقال: إنّ الحقيقة كما تنقسم إلى لغويّة وعقليّة، كذلك المجاز منقسم إلى عقليّ ولغويّ، فالحقيقة العقليّة إسناد الفعل أو معناه - كالمصدر واسم الفاعل والمفعول والصفة المشبّهة واسم التفضيل والظرف - إلى ما هو له عند المتكلّم في الظاهر(1)، والمجاز العقليّ إسناده إلى غير ما هو له، إلى آخره.

فحينئذٍ نقول: إنّ مراد المستدلّ من دعوى التجوّز في: «قامت الحرب على ساق»، إمّا في الإسناد، أو في الموادّ والمفردات، أو فيهما(2)، وعلى الأوّل نقول: إنّه

ص: 333


1- جاء في حاشية الأصل بخطّه (قدس سره): لأنّ الحقيقة في الإسناد المسمّاة بالحقيقة العقليّة إسناد الشيء إلى من هو له عند المتكلّم في الظاهر، سواء كان بحسب الواقع، أم لا؛ ومعنى: «عند المتكلّم في الظاهر» أي: فيما يفهم من ظاهر كلامه ويدرك من ظاهر حاله، وذلك بأن لا ينصب قرينة على أنّه غير ما هو له في اعتقاده، فتكون أقسام الحقيقة العقليّة أربعة، الأوّل: ما يطابق الواقع والاعتقاد جميعًا، كقول المؤمن: «أنبتَ اللهُ البقلَ»؛ والثاني: ما يطابق الاعتقاد دون الواقع، كقول الكافر: «أنبتَ الربيعُ البقلَ»، والثالث: ما يطابق الواقع فقط، كقول المعتزليّ لمن لا يعرف حاله وهو يخفيها منه: «خلق الله الأفعال كلّها»... [هنا تمّ كلامه -رفع مقامه- وفيه سقط ظاهر كما لا يخفى، سقط من آخره: والرابع: ما لا يطابق الواقع والاعتقاد، كقولك: «جاء زيد» وأنت تعلم أنّه لم يجيء دون المخاطب، كما في الإيضاح: 27، ومختصر المعاني: 38].
2- جاء في حاشية الأصل: الترديد المذكور ليس بحاصر، إذ التجوّز في الهيئة التركيبيّة الّتي هي المعتبرة فيوضع المركّبات خارج عن الأقسام، إذ التجوّز في الإسناد ليس تجوّزًا فيها؛ لوضوح انّ الهيئة التركيبيّة من الأمور اللفظيّة والتجوّز في الإسناد من الأمور العقليّة، لكن لمّا يعلم الكلام فيها من الكلام فيما ذكر، فلا حاجة إلى الذكر. منه.

حينئذٍ يكون المجاز عقليًّا، إذ القيام على ساق حقيقةً صفةٌ لأهل الحرب وقد نسب إليها، فحينئذٍ نقول: على فرض التسليم وإن تحقّق التجوّز من غير حقيقة، لكنّه خارج عمّا نحن فيه، إذ الكلام في المجاز اللغويّ الّذي هو اللفظ المستعمل في غير الموضوع له.

وعلى الثاني: بأن يكون القيام مجازًا عن الاشتداد والساق عن آلات الحرب وتكون الحرب محمولًا على ظاهره، نقول: إنّ التجوّز حينئذٍ وإن كان لغويًّا، لكنّه غير مثبت للمدّعى؛ لوضوح تحقّق استعمال كلّ من لفظي «القيام» و«الساق» في معناه الحقيقيّ، فالمعنى: اشتدّ الحرب على آلته، فالإسناد حينئذٍ حقيقيّ.

وعلى الثالث نقول: لا حاجة لارتكابه هنا؛ لإمكان الاستغناء بأحد المجازين عنه، وعلى فرض التسليم غير مثبت للمدّعى لما مرّ.

وكذا الكلام في: «شابت لمة الليل»، فإنّ التجوّز فيه: إمّا في الإسناد بأن يقال: إنّ الشيبوبة وصف لذي الشعور حقيقة كالإنسان، وإسنادها إلى غيره إسناد للشيء إلى غير ما هي له، وحينئذٍ نقول: على تقدير تسليم تحقّق التجوّز من غير حقيقة، يكون ذلك مجازًا عقليًّا لا حقيقة عقليّة له، وقد عرفت أنّ الكلام في المجاز اللغويّ.

وإمّا في المفردات بأن يكون «شابت» مجازًا عن انقضت، و«لُمَة» بضمّ اللام وتخفيف المفتوحة(1) بمعنى الجماعة مجازًا عن المعظم، فيكون المعنى: انقضى معظم

ص: 334


1- كذا في الأصل، والصواب: وتخفيف الميم المفتوحة.

الليل، ويكون المقصود التنبيه على قرب الصبح، أو يكون «شابت» مجازًا عن: «ارتفعت»، و«لمة الليل» مجازًا عن سوادها وظلمتها، أي: ارتفعت وزالت ظلمة الليل، ويكون المقصود التنبيه على طلوع الفجر، فحينئذٍ إنّ التجوّز وإن كان لغويًّا، لكنّه غير مثبت للمدّعى لما عرفت.

وإمّا فيهما، فإنّه مع تسليم خروج الشقّ الأوّل منه على النحو الّذي مرّ، قد عرفت الجواب عنه.

واعلم: أنّ بعضًا منهم(1) حمل المثالين المذكورين على الاستعارة التمثيليّة بأن يجعل «قامت الحرب على ساق» تمثيلًا لحال الحرب بحال من يقوم على ساقه ولا يفتر عنه، و«شابت لمة الليل» تمثيلًا للهيئة المركّبة من الليل وظهور بياض الصبح في سواد آخره بحال ظهور الشيب في سواد الشعر(2).

وفيه تأمّل؛ لأنّ حاصل الاستعارة التمثيليّة على ما صرّح به في المطوّل:

أن يشبّه(3) إحدى الصورتين المنتزعتين من متعدّد بالأخرى، ثمّ يدّعى أنّ الصورة المشبّهة من جنس الصورة المشبّهة(4) بها، فتطلق(5) على الصورة المشبّهة(6)

ص: 335


1- كالتفتازانيّ في حاشيته على شرح مختصر المنتهى: 1/ 554.
2- هذا بناءً على قراءة «اللمة» بكسر اللام وتشديد الميم، بمعنى الشعر المتدلّى الّذي يجاوز شحم الأذنين (ينظر تعليقة على معالم الأصول: 1/ 312).
3- في المصدر: أن تشبّه.
4- في المصدر: المشبّه.
5- في «ق»: فيطلق، كما في المصدر.
6- في المصدر: المشبّه.

اللفظ الدالّ بالمطابقة على الصورة المشبّهة(1) بها(2).

وهنا ليس كذلك كما لا يخفى.

انفكاك الحقيقة عن المجاز في الألفاظ المفردة

وأمّا الثاني: أي انفكاك الحقيقة عن المجاز في الألفاظ المفردة، فذلك في «الرحمن» والأفعال المنسلخة(3) من الزمان(4).

أمّا الأوّل: فلأنّه استعمل في الله تعالى ولا يستعمل في غيره، واستعماله فيه استعمال للّفظ في غير ما وضع له؛ لأنّ الموضوع له إمّا رقيق القلب، أو ذو الرحمة مطلقًا، حقيرة كانت أو جسيمة، في الدنيا كانت أو في الآخرة، وأيّ منهما كان استعماله فيه تعالى فقط استعمال للفظ في المعنى المجازيّ، أمّا على الأوّل فظاهر، وأمّا على الثاني فلأنّه استعمال للّفظ الموضوع للمعنى المطلق في المقيّد؛ ولمّا كان المفروض انحصار استعماله في حقّ الله تعالى، ثبت أنّه مجاز لا حقيقة له(5).

ص: 336


1- في المصدر: المشتبه.
2- المطوّل: 379.
3- جاء في حاشية الأصل: ليس المراد جميع الأفعال المنسلخة من الزمان، إذ من جملتها: «بعت» و«اشتريت» ونحوهما، واستعمالها في المعاني الموضوعة لها ممّا لا شبهة فيها، بل مثل: «عسى» و«حبّذا» ونحوهما. منه.
4- ينظر إشارات الأصول: 1/ 15 و50، ونهاية الوصول: 1/ 287، وغاية الوصول: 1/ 167، ومفاتيح الأصول: 57، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 553، وشرح الوافية، للسيّد بحر العلوم (مخطوط): الورقة 47.
5- ينظر زبدة الأصول: 79.

وفيه نظر؛ لأنّ مجازيّة «الرحمن» في الذات الأقدس ممنوعة، بل الظاهر أنّه حقيقة لو جُوِّزَ خاصّة، فيكون من قبيل المنقولات، فلا يلزم المجازيّة؛ لجواز أن يكون النقل تعيّنيًّا، ولا يخفى عليك أنّه حينئذٍ لا يمكن أن يكون النقل عرفيًّا؛ لأنّ أسماءه تعالى توقيفيّة(1)، بل شرعيّة، وحينئذٍ يرجّح احتمال التعيينيّ على التعيّني(2).

ثمّ إنّ هذا كلّه على فرض تسليم عدم استعماله في المعنى اللغويّ مطلقًا، وهو ممنوع لجواز استعماله فيه قبل المنع الشرعيّ، وإثبات المرام موقوف على دفع هذا الاحتمال.

وأمّا الثاني: فك-«عسى» و«حبّذا» ونحوهما من الأفعال الّتي كانت هيئتها على هيئة الماضي الّذي وضع للدلالة على الزمان المعلوم ولم يستعمل فيه، بل استعمل في غيره، فحينئذٍ يحقّق المجاز من غير حقيقة، وفيه يأتي نظير ما سبق من النظر في «الرحمن»(3)، فلا يتمّ الاستدلال.

ثمّ إنّ إطلاق الفعل عليها منظورٌ فيه؛ لأنّ الدلالة على أحد الأزمنة الثلاثة مأخوذة في حدّه، فكيف يصدق عليه مع انتفائها فيه؟! وليس الأمر فيما نحن فيه

ص: 337


1- جاء في حاشية الأصل: لا يقال: كما جاز أن يكون النقل تعيينيًّا، جاز أن يكون تعيّنيًّا، فحينئذٍ تثبت المجازيّة؛ لأنّا نقول: إثبات المطلوب يتوقّف على كون النقل تعيّنيًّا، إذ مع احتمال التعييني للمستلزم أن يدّعي أنّه من هذا القبيل، وعلى فرض تسليم أن يكون من ذلك، دلالته على المطلوب ممنوعة، إذ بعد تحقّق النقل صار اللفظ حقيقة، فالمجاز لم ينفكّ عن الحقيقة، فتأمّل. منه.
2- في «ق»: التعيين على التعيّن.
3- جاء في حاشية الأصل: إلّا أنّ النقل هنا عرفيًّا. منه.

مثل صيغ العقود كالبيع والنكاح والصلح وأشباهها، فإنّ الوضع فيها للمعاني الفعليّة وكذا الاستعمال فيها ثابت، وإطلاق الفعل عليها حال استعمالها في المعاني الإنشائيّة لذلك مع إشكال فيه، وأمّا فيما نحن فيه، فالمفروض عدم ثبوت الاستعمال في المعاني الفعليّة مطلقًا.

لا يقال: إنّ الاستعمال فيها وإن لم يثبت، لكنّ الوضع ثابت، فليكن إطلاق الفعل لذلك.

لأنّا نقول: دعوى ثبوت الوضع ممنوعة؛ لاحتمال وضعه لما استعمل فيه، وعلى من ادّعى الإثباتُ، والمانعُ يكفيه الاحتمالُ، وعلى فرض التسليم نقول: المأخوذ في حدّ الفعل - بإطباق النحاة على ما علمنا منهم - الدلالةُ على أحد الأزمنة، لا الوضع لذلك.

ويمكن الجواب بأنّ مبنى الإيراد إنّما هو على تسليم كون إطلاق الفعل على «عسى» مثلًا وغيره من الأفعال بمعنى واحد، وهو غير لازم، إذ القدر المعلوم إطلاق الفعل عليهما(1)، فيمكن أن يكون مشتركًا لفظيًّا.

لا يقال: إنّ هذا الاحتمال ممّا يفسد المقام، إذ المفروض أنّ «عسى» مثلًا مجاز لا حقيقة، وهو إنّما يكون إذا كان مستعملًا في غير الموضوع له، وهو ينافي احتمال الاشتراك.

لأنّا نقول: احتمال الاشتراك بالنسبة إلى لفظ الفعل بين ما دلّ على الزمان المعيّن ك-«ضرب» مثلًا، وبين ما لم يدلّ ك-«عسى»، وأين ذلك من التنافي لكون

ص: 338


1- كذا في الأصل، والصواب ظاهرًا: عليها.

عسى مجازًا؟!

وحيث قد ظهرت المناقشة في مقالة الفرقة المذكورة، رجّحت مقالة الفرقة الأولى، وهي: منع الاستحالة مع دعوى الإمكان عارية عن الوقوع في الاستعمال، فهي بالاختيار حقيق وبالإعراض عن ما عداها يليق.

ص: 339

ص: 340

في بيان افتقار الأصوليّ إلى البحث عن تعارض الأحوال

الفصل الثاني: في تعارض الأحوال وغيره ممّا يتعلّق بذلك المقال

اشارة

اعلم: أنّ استفادة المعاني من الألفاظ قد تكون(1) ممتنعة، وذلك إمّا لعدم العلم بالمقتضي، أو لوجود المانع.

أمّا الأوّل: فكما إذا لم يعلم وضع اللفظ، واللازم حينئذٍ تتبّعُ اللغات وتصفّح موادّ الاستعمالات، أو ممّن زال عنه جلباب الجهل الاستعلامُ(2)، وبالجملة اللازم تحصيل العلم بالوضع بأيّ نحوٍ اتّفق.

وأمّا الثاني فنقول: إذا علم وضع اللفظ لمعنى وتعذّر إرادته في مقام، يبقى اللفظ معطّلًا ما لم يقترن بأحد الاحتمالات الخمسة المخالفة للأصل: الاشتراك والنقل والمجاز والإضمار والتخصيص، فهذه الاحتمالات مانعة عن حصول التفاهم، فلا بدّ للأصوليّ من البحث عنها ليظهر رجحان البعض عن الآخر، فيتعيّن بالاختيار، فيحمل اللفظ عليه، هذا حاصل ما قيل في هذا المقام(3).

أقول: اللفظ الّذي لم يرد منه المعنى الحقيقيّ المعلوم في الاستعمال المفروض لا

ص: 341


1- في «ق»: يكون.
2- أي الاستعلام ممّن زال عنه جلباب الجهل. حقّ العبارة هكذا: أو الاستعلام ممّن زال عنه جلباب الجهل.
3- ينظر نهاية الوصول: 1/ 299- 300، ومنية اللبيب: 1/ 247، وقوانين الأصول: 1/ 87.

يخلو إمّا أن يكون المستعمل فيه فيه معلومًا، أو لا.

وعلى الثاني: لا يجدي ترجيح واحد من تلك الاحتمالات، إذ غاية ما يترتّب(1) عليه على فرض التسليم كون اللفظ في المعنى الّذي أراده المستعمل على ذلك الوجه، ولا شبهة في أنّه بمجرّده لا يكفي لحصول التفاهم في التخاطب كما لا يخفى.

وعلى الأوّل نقول: إنّ المستعمل فيه بناءً عليه معلوم، سواء كان اللفظ فيه مجازًا، أو منقولًا، أو مشتركًا وهكذا، فالتفاهم حينئذٍ متحقّق، سواء كان الاستعمال على الراجح من تلك الاحتمالات، أم لا، فالبحث عن تعيّن الراجح والمرجوح منها لا مدخليّة له في التفاهم.

ويمكن أن يُختار الثاني ويُقال: إنّ عدم ترتّب الفائدة بناءً عليه إنّما هو إذا لم يعلم المعنى المشتركيّ والمجازيّ مثلًا للّفظ، وأمّا إذا كانا معلومين، لكن لم يعلم أيّهما هو مراد المستعمل، فحينئذٍ لو لم يكن لأحدهما رجحان على الآخر لم يحصل التفاهم، إذ اللفظ يبقى مردّدًا بينهما، بخلاف ما إذا كان أحدهما راجحًا على الآخر، إذ حينئذٍ يحمل اللفظ على الراجح، فيحصل التفاهم.

لكن هذا مع أنّه لا يستقيم بالنسبة إلى جميع الاحتمالات- إذ من جملتها النقل والإضمار والتخصيص، والتوجيه المذكور لا يتأتّى بالنسبة إليها كما يظهر بعد التأمّل، ولا في الاشتراك والمجاز أيضًا إلّا في بعض الصور- يتوجّه عليه ما ستقف عليه في معارضة المجاز والاشتراك.

ويمكن أن يُختار الأوّل أيضًا ويقال: إنّ البحث عن تعيّن الراجح والمرجوح

ص: 342


1- في «ق»: يترتّب.

ليس لتحصيل التفاهم في المستعمل فيه المعلوم، بل في غير ذلك الاستعمال.

توضيحه: أنّ اللفظ في المستعمل فيه المعلوم لو كان مجازًا متى استعمل مجرّدًا عن القرينة، يحمل على المعنى الحقيقيّ الّذي تعذّر إرادته في المقام، وحمله عليه يفتقر إلى قرينة، فما(1) لم يقترن بها لم يحمل عليه.

وأمّا إذا كان منقولًا إلى ذلك المعنى، فيكون الأمر بالعكس، فعند استعماله مجرّدًا عن القرينة وجب حمله على هذا المعنى، وحمله على المعنى(2) المنقول منه يفتقر إلى قرينة، فحينئذٍ نقول: لو لم يرجّح أحد هذين الاحتمالين على الآخر وكانا متساويين في نظر المجتهد، لم يمكن حصول التفاهم؛ لتردّده بين المعنيين الّلذين لم يترجّح أحدهما على الآخر.

وكذا الكلام بالنسبة إلى الاشتراك والمجاز، فإنّه على الأوّل لم يحمل على أحد المعنيين عند التجرّد عن القرينة وكان اللفظ حينئذٍ مجملًا، وعلى الثاني قد عرفت الأمر فيه، فلو لم يرجّح احتمال التجوّز على الاشتراك، لم يحصل التفاهم، وهكذا بالنسبة إلى النقل والاشتراك، فالأمر فيه بعد ما ذكر غنيّ عن البيان.

وهكذا الأمر بالنسبة إلى التخصيص وكلّ من النقل والاشتراك، فإنّ الأمر بين التخصيص والنقل كالأمر بين المجاز والنقل، وبينه وبين الاشتراك كالأمر بينه وبين المجاز.

بقي الكلام في مدخليّة البحث عن ترجيح كلّ من التخصيص والمجاز على الآخر في التفاهم، فإنّ اللفظ عند التجرّد عن القرينة يحمل على المعنى الحقيقيّ،

ص: 343


1- في «ق»: ممّا.
2- «المعنى» لم ترد في «ق».

والحمل على أيّ منهما كان يفتقر(1) إلى القرينة، فلا يتفاوت الحال بين التخصيص والمجاز، فنقول: مدخليّة البحث عن ترجيح كلّ منهما على الآخر إنّما هو عند قيام القرينة(2) على انتفاء غيرهما من الاحتمال وانحصار الأمر بينهما، أو ترجيحهما عليه مع عدم معلوميّة المستعمل فيه فيهما، إذ حينئذٍ لو لم يكن لأحدهما رجحان على الآخر يبقى اللفظ متردّدًا بينهما، فلا يمكن الحمل على أحدهما، فلا يحصل التفاهم، فلا بدّ من البحث حتّى يتعيّن الراجح، فيحمل اللفظ عليه عند التعارض.

لكن قد لا تظهر الثمرة المهمّة للبحث عن الراجح منهما، وذلك فيما إذا كان الكلام مثل: «أكرم الرجال»، فإنّه إذا انتفى احتمال غير المجاز والتخصيص ودار الأمر بينهما، يكون المراد من لفظ «الرجال» بعضهم، سواء كان اللفظ مجازًا والعلاقة المشابهة، أو مخصّصًا.

فالثمرة المهمّة الموجبة للبحث عن تعيين الراجح منهما إنّما هي في اللفظين، كما في قولك: «أكرم العلماء» وعلم في الخارج عدم وجوب إكرام الجميع، فحينئذٍ إمّا أن يحمل الأمر على الاستحباب ويبقى لفظ العامّ على ظاهره، أو يخصّص «العلماء» ويحمل صيغة الأمر على ظاهرها، فعند ثبوت رجحان التخصيص على المجاز يحمل العامّ على خلاف ظاهره ويبقى الأمر على ظاهره، وعند العكس يعكس الأمر، وعند التساوي يتوقّف، فلا يحصل التفاهم.

هذا تحقيق الحال في افتقار الأعلام إلى البحث عن تلك الأحوال، ولعلّك تطّلع على زيادة من ذلك عند التعرّض لكلّ منها على التفصيل بمعونة الموفّق المعين الجليل. 

ص: 344


1- في «ق»: مفتقرًا.
2- في «ق»: قرينة.

إعادة كلام لتفصيل مقام

اعلم: أنّ الصور المتصوّرة بين الاحتمالات الخمسة: عشر(1)، يحصل بملاحظة واحد منها مع الأربعة الباقية، ثمّ واحد منها مع الثلاثة الباقية، ثمّ واحد منها مع الاثنين، ثمّ بينهما(2).

في معارضة المجاز والاشتراك

فتحقيق المقام يستدعي التكلّم في مباحث:

المبحث الأوّل: في معارضة الاشتراك والمجاز
اشارة

وقد اختلفوا في ذلك، فالمشهور على ما هو المشهور أولويّة المجاز من الاشتراك(3)، والسيّد الأجلّ وبعض من وافقه ذهبوا إلى العكس(4).

ص: 345


1- ينظر تهذيب الوصول: 75، ومنية اللبيب: 1/ 247، وغاية الوصول: 1/ 167.
2- جاء في حاشية الأصل: كما إذا لوحظ المجاز مع الاشتراك والنقل والتخصيص والإضمار، والحاصل أربع، ثمّ الاشتراك مع النقل والتخصيص والإضمار، والحاصل ثلاث، ثمّ النقل مع التخصيص والإضمار، والحاصل اثنان، ثمّ التخصيص مع الإضمار، فالمجموع عشر، ولا يخفى أنّ انحصار الصور في العشر إنّما هو إذا لوحظ كلّ واحد من الاحتمالات الخمسة مع الآخر بانفراده، وأمّا إذا أضيف إلى ذلك ملاحظة الواحد مع مجموع الأربعة، ثمّ مع مجموع الثلاثة، ثمّ مع مجموع الاثنين، ثمّ واحد من الأربعة مع مجموع الثلاثة، ثمّ مع مجموع الاثنين، ثمّ واحد من الثلاثة مع مجموع الاثنين، فتبلغ الأقسام ستّة عشر، فتأمّل. منه.
3- ينظر تهذيب الوصول: 75، ومنية اللبيب: 1/ 248، ومبادئ الوصول: 75، ونهاية الوصول: 1/ 303، وغاية الوصول: 1/ 167- 168، ومفاتيح الأصول: 93، وقوانين الأصول: 1/ 89، والمحصول، للفخر الرازيّ: 1/ 154، وشرح مختصر المنتهى: 1/ 566.
4- قال في مفاتيح الأصول ص 93: «فالظاهر من السيّد المرتضى وابن زهرة ترجيح الاشتراك، ولذا حكما باشتراك كثير من الألفاظ، وحكاه الشهيد الثاني في ذلك عن جماعة، فإنّه قال في جملة كلام له: لا نسلّم أولويّة المجاز على الاشتراك، بل قال جمع من المحقّقين بأولويّة الاشتراك». ينظر مسالك الأفهام: 4/ 225، والذريعة: 1/ 13، وقوانين الأصول: 1/ 85.

ونحن نقول أوّلًا: إنّ هذا الكلام يحتمل وجهين:

[الوجه الأوّل]

الأوّل: أنّ اللفظ إذا علم له معنيان ومعنى مجازيّ واستعمل في مقام وعلم عدم إرادة أحد المعنيين الحقيقيّين ولم يعلم أنّ مراد المستعمل المعنى الآخر من المعنيين الحقيقيّين مثلًا أو المعنى المجازيّ، فيقال عند ترجيح المجاز: أنّ المجاز خير من الاشتراك، بمعنى أنّه إذا دار الأمر بين أن يكون مراد المستعمل من اللفظ المعنى الاشتراكيّ(1) أو المجازيّ، فالمعنى المجازيّ أولى بالإرادة من الآخر(2)، وعند ترجيح الاشتراك يعكس الأمر.

ويمكن التفصيل في ذلك بأنّه إن كان استعمال ذلك اللفظ في المعنى المجازيّ أكثر منه في المعنى المشتركيّ(3)، فالحمل على المجازيّ أولى، وعند العكس العكس، وعند التسوية التوقّف، فيدخل اللفظ في حيّز الإجمال ولا يجوز التمسّك به في مقام الاستدلال.

هذا عند تحقّق الكثرة وعدمها على التفصيل المذكور في خصوص ذلك اللفظ ظاهر، وأمّا بالنسبة إلى نوع المجاز والمشترك، لا بالنسبة إلى الخصوص، فيمكن أن

ص: 346


1- في «ق»: الاشتراك.
2- في «ق»: الأخرى.
3- في «ق»: المشترك.

يكون الأمر أيضًا كذلك، ويشكل الأمر عند المعارضة بين الخصوص والنوع، وإن كان ترجيح الخصوص على النوع أولى.

والتحقيق في جميع هذه الموادّ ترجيح المعنى الاشتراكيّ في الإرادة، بناءً على إطباقهم على أنّ إرادة المعنى المجازيّ متوقّفة على القرينة الصارفة، وكذا حمل اللفظ عليه، والمفروض أنّ القرينة المجازيّة منتفية، فلا تجوز إرادته منه، فتعيّن المعنى الاشتراكيّ للإرادة، فيحمل اللفظ عليه حينئذٍ.

لا يقال: إنّ ذلك مشترك الورود، إذ كما أنّ إرادة المعنى المجازيّ متوقّفةٌ على القرينة، كذلك إرادة أحد معاني المشترك؛ وكما أنّ اللفظ لا يحمل على المعنى المجازيّ حالة التجرّد عنها، كذا لا يحمل على أحد معاني المشترك حينئذٍ، فلا افتراق بينهما من هذه الجهة.

لأنّا نقول: إنّ الأمر وإن كان كذلك، لكنّ القرينة في المجاز لا بدّ أن تكون صارفة عن المعنى الحقيقيّ، سواء كان واحدًا أو متعدّدًا، والقرينة في المشترك لا بدّ أن تكون معيّنة، والتعيين قد يكون بدلالتها على إرادة أحد المعاني بخصوصه وقد يكون بدلالتها على عدم إرادة ما سوى المعنى الواحد، فعند ذلك يتعيّن ذلك المعنى بالإرادة، والمفروض فيما نحن فيه انتفاء القرينة الصارفة، إذ الفرض جواز إرادة أحد معاني اللفظ، فالقرينة الصارفة عن جميع المعاني الحقيقيّة منتفية، بخلاف القرينة المعيّنة من قبيل الثاني.

إن قيل: كما يكون أحد المعاني الحقيقيّة عند احتمال المجازيّة محتملًا، كذا يكون المعنى المجازيّ عند احتمال الحقيقة محتملًا، فلا توجد القرينة المعيّنة أيضًا.

ص: 347

قلنا: حمل اللفظ على المعنى الحقيقيّ لا يفتقر إلى قرينة مانعة عن المعنى(1) المجازيّ بالاتّفاق، بخلاف العكس كذلك، فيكفي في تحقّق القرينة المعيّنة في المشترك ما دلّ على عدم إرادة غير واحد من معانيه الحقيقيّة وإن كان(2) المعاني المجازيّة محتملة.

وأيضًا أنّ [قولهم:] «الأصل في الاستعمال الحقيقة» بمعنى أنّه إذا كان للّفظ معنى حقيقيّ ومجازيّ واستعمل في موضع ولم يعلم أيّهما المراد، أنّه يجب الحمل على المعنى الحقيقيّ، وهو اتّفاقيّ بينهم(3)، وهو أعمّ من أن يكون اللفظ مشتركًا أو لا، ومقتضى ذلك الحملُ على المعنى(4) المشترك فيما نحن فيه من غير تأمّل.

الصور المتصوّرة في كلّ لفظ إذا وقع في كلام

وتحقيق المقام يستدعي أن يقال: كلّ لفظ إذا وقع في كلام لا يخلو إمّا أن يكون الموضوع له معلومًا أو لا؛ وعلى التقديرين إمّا أن يكون المستعمل فيه معلومًا أم لا، فهنا صور:

الأولى: أن يكون الموضوع له والمستعمل فيه كلاهما معلومًا، فهذا لا يخلو إمّا أن يكون المستعمل فيه المعلوم هو الموضوع له فهو، وإلّا فسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى.

ص: 348


1- «المعنى» لم ترد في «ق».
2- كذا في الأصل، والصواب: كانت.
3- ممّن ادّعى اتّفاقهم على ذلك النراقيّ في أنيس المجتهدين: 1/ 68، والسيّد المجاهد في مفاتيح الأصول: 81، والرازيّ في المحصول: 1/ 339 و341.
4- «المعنى» لم ترد في «ق».

والثانية: أن يكون كلاهما مجهولين، واللازم فيها بذل الجهد في تحصيل العلم بالوضع، فإن حصل لا يخلو من سائر الأقسام، فحكمه يعلم من حكمها وإلّا يلحقه حكم المجمل.

والثالثة: أن يكون الموضوع له معلومًا والمستعمل فيه غير معلوم.

والرابعة: عكسه.