دراسات علمیة - 7 : مجلة نصف سنوية تعنى بالأبحاث التخصصية في الحوزة العلمية

هویة الکتاب

دراسات علمیة

مجلة نصف سنوية تعنى بالأبحاث التخصصية في الحوزة العلمية

تصدر عن المدرسة العلمية (الآخوند الصغرى) في النجف الأشرف

العدد السابع

رجب الأصب 1436 ﻫ

ص: 1

اشارة

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1614 لسنة 2011

ص: 2

بسم الله الرحمن الرحیم

﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾

التوبة 122

ص: 3

ص: 4

الأسس المعتمدة للنشر

1. ترحب المجلة بإسهامات الباحثين الأفاضل في مختلف المجالات التي تهم طالب الأبحاث العليا في الحوزة العلمية, من الفقه والأُصول والرجال والحديث ونحوها.

2. يُشترط في المادة المُراد نشرها أُمور:

أ . أنْ تكون مستوفية لأُصول البحث العلمي على مختلف المستويات (الفنية والعلمية), من المنهجية والتوثيق ونحوهما.

ب . أن تكون الأبحاث مكتوبة بخط واضح أو (منضَّدة).

ت . أنْ توضع الهوامش في أسفل الصفحة.

ث . أنْ يتراوح حجم البحث بين (12) الى (60) صفحة من القطع الوزيري بخطٍ متوسط الحجم, وما يزيد على ذلك يمكن جعله في حلقتين أو أكثر حسب نظر المجلة, شريطة استلام البحث كاملاً.

ج . أنْ لا يكون البحث قد نُشر أو أُرسل للنشر في مكان آخر.

ح . أنْ يُذيَّلَ البحث بذكر المصادر التي اعتمدها الباحث.

3. يخضع البحث لمراجعة هيئة استشارية (علمية), ولا يُعاد إلى صاحبه سواء أنُشر أم لم يُنشر.

4. للمجلة حق إعادة نشر البحوث التي نشرتها.

5. يخضع ترتيب البحوث المنشورة في المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بمكانة الكاتب أو أهمية الموضوع.

6. ما يُنشر في المجلة لا يعدو كونه مطارحات علمية صرفة, ولا يُعبر بالضرورة عن رأي المجلة.

ص: 5

ص: 6

محتويات العدد

كلمة العدد

إدارة المجلة .............................................................................................. 9

حرمة قطع صلاة الفريضة

الشيخ علي أيوب ...................................................................................... 13

نجاسة الخمر

الشيخ علي العقيلي ................................................................................. 31

حجية الاطمئنان

الشيخ أمجد رياض ................................................................................... 85

الحسين بن علوان

الشيخ اسكندر الجعفري ......................................................................... 151

تحقيق حال جابر الجعفي

الشيخ محمد الجعفري .............................................................................. 189

إنارة العقول

في انتصاف المهر بموت أحد الزوجين قبل

الدخول للسيد الخوئي (قدس سره)

تحقيق: السيد جواد الغريفي .................................................................... 263

ص: 7

ص: 8

كلمة العدد

بسم الله الرحمن الرحیم

الإسلام نعمة معنوية، ولا يخلو النظرُ في معارفه من لذة عقلية. ومَنْ يُقدَّر له الاهتداء إليه وصرف نظر اهتمامه إلى تربية نفسه وقواه عليه، يجد مغانمَ كثيرة، هذا والمرء لم يكد يتجاوز في معارفه إلاّ ظواهر معروفه زيادة على كليات أركانه، فكيف إذا ضربت قدمُهُ في بستان أحكامه! يشاهدُ جمال العدل مبثوثاً في جزئيات تشريعاته، ونسق الاعتدال يتدلّى من أغصان تفريعاته، وأصول الحكمة تجمعُ وتُوائِمُ بين غرائب ومختلِفات تطبيقاته، ولمّا كان المؤسس له الباري والخالق - عزّ شأنه - للكون الواسع الرحيب فمن الطبيعي أنْ نحتاج لكي نقع على أسرار تشريعاته وحكمة مباديه وطرق إثباتاته إلى مجموعة ضخمة من البحوث والدراسات في كل جهة كان للدين فيها كلمة، تمكّن العقول والأفهام من استيعاب مواقفه وتحديداته، وتربط بثقة نتائج اجتهاد المجتهدين في علومه بأوائل وكليات وحيّ كتابه المقدَّس، وتبنيها بإتقان على نحو السُنة المطهَّرة الواصلة من الموحى إليه في الأُمة الهادي الأمين (صلی الله علیه و آله و سلم) والمتلقاة بفهم وتبيين المعصومين من أئمة البيت النبوي عليهم أتم الصلاة والتسليم، خصوصاً وأنَّ الزمان كلّما طال وبعُد عهدهم (علیهم السلام)، واختلطت الثقافات، وتبلبلت الأفكار واستعجمت الألسن وطاشت الأسهم، كلّما مست الحاجة إلى هدي العلماء وثاقب رأي الفقهاء لأنهم المعينون بنسيج خيوط متفرقات الشّريعة بعناية وصبر واتقان على المنوال الأول الذي جاء به الاسلام وبلّغ به نبي الأنام.

وربما احتاج العمل الدقيق لعلم الفقه ومقدماته وأدواته إلى زمن ليستخرج المكنون من مقاصد التشريع والحكمة مما لم تصل إليه أفهام من كان أقرب لمصدر التشريع زمناً وأشبههم به بيئةً وعصراً، ولا غرو في إصابة اللاحق لبعض ما خفي على

ص: 9

السابق الأقرب لعصر النصوص، لِما اشتهر عنه (صلی الله علیه و آله و سلم) من قوله: (ربّ ناقل فقهٍ الى من هو أفقه منه)، ولِما أُدمج من أسرار التشريع في قالب اللفظ الذي تقطّعت وحدته السياقية والزمانية، وخفيت مناسباته وانفصلت عنه قرائنه، ساهم كلُّ ذلك في فهم مرحلي لبعض الأحكام، ناهيك عن اضطرار الملقي والمبلّغ للتشريعات من بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للمخالفة بين كلماته وإيقاع التنافي بين مدلولاتها اقتضاءً لحكمة التقية من أعداء المنهج الصحيح فيختفي الموقف الصريح بين الروايات والمنقولات، وتبرز الحاجة أكثر فأكثر إلى الدراسات الشّاملة والبحوث الموسّعة والدّقة في المنهج الاستنباطي وأدواته.

وفي غَمرة هذا التراث المتراكم من العلوم الشّرعيّة، وزحف الحضارات والثقافات العام نحو بعضها، وتجدد موضوعات المسائل الشّرعيّة، وتنامي ظهور شرائح مجتمعية تهتم ببناء أفعالها أو ثقافاتها على أُسس شرعيَّة وقوانين سماويّة تثق بدقة وصحة مآخذها من الأصول الشرعية، تنشأُ الحاجة في كلّ عصر إلى تدوينٍ للقواعد والمسائل بروح ذلك العصر وبأدوات خطابه وعلى محور تحدياته واهتماماته، وهذه مهمة يمكن للدوريّات والمجلات العلمية الاضطلاع بجانبٍ منها إضافة إلى البحوث التقليديّة الدائرة التي تتبع التراث العلمي الفقهي ومسائله وتعيد صياغتها على وفق ما يصل إليه التحقيق في الفقه والأصول وما يرتبط بهما من علوم شرعية أُخرى.

ومن أجل ذلك تحرص إدارة مجلة دراسات علمية على الاستمرار في متابعة الباحثين الذين يخدمون هذا السياق ويَجرُون في هذا المضمار لترفد أذهان النفوس التّواقة إلى التعرف على قوانين الإسلام وطرقه؛ لتنظيم الحياة، ونظرته لعلاج المشكلات واستيعابه للتطور العام في الحياة.

إنَّ مجلتنا هذه، وإنْ كانت علميَّة تخصصيّة إلّا أنَّها تستثمر جهود طلبة العلم وما تجود به أقلامهم وقرائحهم وفق معيار يصلح أنْ يكون المنشور انموذجاً يُحتذى به

ص: 10

ويُشار إليه ويُرغب في قراءته، لأجل ما فيه من نفس طالب العلم في التتبع أحياناً والتحقيق أخرى، وإبرازٌ لأثرٍ يستحق الظهور بحُلّته الجديدة ليكون ماثلاً للعيان بعد أنْ كاد يذوي في زاوية النسيان.

وبذلك نجد أنفسنا معنيين بالتذكير في كل عدد بأهمية جانب الكتابة لطلبة العلم وكونها طوراً من أطوار نُضج الذهنيَّة وتكامل الشَّخصيَّة العلميَّة، ووجهاً تُستقبل به الحواضر العلميَّة للمجتمع العام والخاص.

ولا نغالي إذا قلنا إنَّ الحاضرة العلميَّة أو المؤسسة البحثيَّة التي لا يكون لها إصدار علمي تُخرج به على الملأ العام والخاص تلخّص فيه جانباً من آثارها، وتعقد فيه جزءً من معاقد بحوثها، تظل غير خارجة عن دائرة التقصير وغائبة عن الحضور في وعي روادها وجمهورها الذي يؤمن بها ويتابع نشاطها.

ولا نريد أنْ تفوتنا الإشارة إلى الحاجة الظاهرة مما قدَّمناه من الكلام إلى اهتمام الباحثين بالموضوعات الحديثة في البحث الفقهي والتي يعتبر تأصيل النظرة الإسلامية لها في الحكم على ضوء رصانة الأدلة الشرعية وجهاً ناصعاً لواقعيَّة الأحكام الإسلامية وانسجامها مع الحاجات المتطورة بتطور الاجتماع المدني بنفس مستوى تلبيتها للحاجات الأولية الفطرية، وتنظيمها للعلاقات المعقَّدة بين الإنسان ومحيطه بشكل عام، كتنظيمها لعلاقته به في أوَّل ظهورها في حياة المجتمعات الاسلامية الأُولى.

كما أنَّ في تلك البحوث برهاناً على حيويَّة الحركة العلميَّة في الحوزات العلميَّة واتصالها بمشاكل وهموم ووظائف النشاط البشري للمسلم فرداً وجماعة من جهة توجيهها نحو الهدف الحكيم وربطها بمحرك الداعوية الإلهية.

ومن المفيد جداً والحيوي الحثُّ الذي نتوقعه من أصحاب السماحة القائمين على بحوث الخارج لطلبتهم المرتادين لمعاهد بحثهم نحو الاهتمام بهذا الجانب، ورفد مجلَّتنا وأمثالها بالبحوث المنقَّحة الهادفة في الفقه والأُصول والرجال وغيرها؛ لغرض نشرها

ص: 11

فيخدموا بذلك جانباً مهماً مما أَوقفوا أنفسهم العزيزة على السهر عليه، وشمَّروا سواعدهم للنهوض به في إعزاز حوزة هذا الدين القويم.

على أنَّ للمجلَّة هيئة علميَّة يوثق بها وفرصة للباحث في الاستفادة من خبرتها ودقة نظرتها ليضيف الباحث إلى رصيده تجربة تغنيه ويؤم مقصداً يعنيه.

وفي الختام نتقدَّم بشكرنا إلى الأَفاضل الأعزاء الذين قام بكتاباتهم وجهودهم هذا العدد السابع من المجلة، نظّر الله ثمارهم وزادها، لتكون حافزاً للآخرين وشاهداً على رواج سوق العلم. كما نشكر جميع المساهمين في ظهور هذا العدد بالضبط والتنسيق من كل الجوانب التي نأمل أنْ تسرَّ الناظرين، وإنْ شاء الله تكون الهَناتُ من القلّة ما لا تشغل المتتبع البصير عن النظر فيما يجد من الخير الكثير.

إدارة المجلة دراسات علمیة

25 جمادی الآخرة 1436 ﻫ.

ص: 12

حرمة قطع صلاة الفريضة اختياراً - الشيخ علي أيوب (دام عزه)

اشارة

ص: 13

ص: 14

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, محمَّد وعترته الطَّيبين الطَّاهرين, واللَّعنة الدَّائمة على أعدائهم أجمعين.

الكلام في هذه المسألة بخصوص صلاة الفريضة ولا يشمل النافلة.

والبحث يقع في مقامين:

المقام الأول: في ذكر الأقوال في المسألة.

المقام الثاني: في ذكر الوجوه التي استدل بها على حرمة قطع الصلاة.

المقام الأول: وفيه ثلاثة أقوال

القول الأول: التحريم

ذهب إلى التحريم كما عن مفتاح الكرامة جملة من الفقهاء كما في (الذكرى وجامع المقاصد والروض ومجمع البرهان والذخيرة والكفاية وغيرها. وفي الذخيرة ذكره المصنف والمتأخرون. وتحريم قطع الصلاة الواجبة اختياراً من بديهيات الدين كما في (شرح المفاتيح) ومحل وفاق كما في موضع من (الذخيرة وشرح نجيب الدين) ولا أعرف فيه خلافاً كما في (المدارك والمفاتيح والكفاية) وموضع من (الذخيرة) وفي (مجمع البرهان) كأنه إجماعي وفي (كشف اللثام) الظاهر الاتفاق عليه)(1).

وسوف نستعرض بعض الأقوال بشكل تفصيلي..

منها: ما ذكره الشيخ في النهاية ومثله في المبسوط: (وإذا عرض للمصلي شيء يخافه على نفسه من عقرب، أو حية، أو سبع، أو غير ذلك فليدفعه عن نفسه أو يقتله، ولا يقطع الصلاة. فإن لم يمكنه إلا بقطع الصلاة قطعها، ثم استأنف الصلاة بعد ذلك)(2).

ص: 15


1- مفتاح الكرامة: 8/152.
2- النهاية: 95، المبسوط: 119.

ومنها: ما ذكره ابن حمزة: (وأما ما يجوز له قطع الصلاة فثلاثة أشياء: دفع الضرر عن النفس، وعن الغير، وعن المال، إذا لم يكن إلا بقطع الصلاة)(1).

ومنها: ما ذكره المحقق: (يحرم قطع الصلاة إلا لخوف الضرر)(2).

ومنها: ما ذكره العلامة: (يحرم قطع الصلاة الواجبة اختياراً، ويجوز لحفظ المال والغريم والطفل وشبهه)(3).

ومنها: ما ذكره الشهيد الثاني: (يجوز للمصلي أن يقطع صلاته إذا خاف تلف المال أو فرار غريم أو تردي طفل وما شابه ذلك. ولا يجوز قطع الصلاة اختياراً)(4).

ومنها: ما ذكره المحدث البحراني: (المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف هو تحريم قطع الصلاة اختياراً، وقيّده جملة من الأصحاب منهم العلامة في بعض كتبه بالفريضة)(5).

هذه جملة من أقوال الفقهاء في حرمة قطع صلاة الفريضة اختياراً.

القول الثاني: جواز قطع صلاة الفريضة اختياراً

ذكر صاحب الحدائق عن بعض معاصريه، الفتوى بجواز قطع الصلاة اختياراً.

القول الثالث: التوقف

ذكر السيد الخوئي (قدس سره): أنه (لا يجوز قطع الفريضة اختياراً على الأحوط ويجوز لضرورة دينية أو دنيوية)(6).

و مثله ما ذكره السيد السيستاني (دام ظله) (7).

ص: 16


1- الوسيلة: 97.
2- المعتبر: 2/ 258.
3- القواعد: 1/ 281.
4- المسالك: 1/ 237.
5- الحدائق: 9/ 94.
6- منهاج الصالحين: 1/ 194.
7- منهاج الصالحين: 1/ 237.

وكيف كان: فقد ظهر من عرض الأقوال في المسألة أن المشهور ولاسيما المتأخرين، بل عن غير واحد دعوى الإجماع على حرمة قطع الصلاة اختياراً، بل عدّه في شرح المفاتيح من بديهيات الدين.

المقام الثاني: في ذكر الوجوه التي استدلّ بها على التحريم

الوجه الأول

إن الإتمام واجب وهو ينافي القطع فيحرم، بتقريب: أن المكلّف إذا شرع في الصلاة فيجب عليه إتمامها ويحرم عليه قطعها؛ لأن القطع ينافي الإتمام الواجب.

وفيه:

من أن الإتمام واجب وهو ينافي القطع فيحرم، فهذا أشبه بالمصادرة فإن وجوب إتمام الصلاة أول الكلام، فكيف يستدل به على حرمة قطع الصلاة.

الوجه الثاني

قوله تعالى [ولا تبطلوا أعمالكم](1)،

بتقريب: أن حبط العمل بمعنى بطلان العمل فإن قطع الصلاة يكون من إبطال العمل المنهي عنه. وقد ذُكِرَ في تفسير هذه الآية كما عن التبيان: ([ولا تبطلوا أعمالكم] بأن توقعوها على خلاف الوجه المأمور به فيبطل ثوابكم عليها وتستحقون العقاب)(2).

وفي مجمع البيان: ([ولا تبطلوا أعمالكم] بالشكّ والنفاق - عن عطاء - وقيل بالرياء والسمعة - عن الكلبي - وقيل بالمعاصي والكبائر - عن الحسن -)(3).

وفي الميزان: ([يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم]..الآية، وإن كانت في نفسها مستقلة في مدلولها مطلقة في معناها حتى استدل الفقهاء بقوله فيها

ص: 17


1- محمد: 33.
2- التبيان: 9/ 308.
3- مجمع البيان: 9/ 178.

[ولا تبطلوا أعمالكم] على حرمة إبطال الصلاة بعد الشروع فيها، لكنها من حيث وقوعها في سياق الآيات السابقة المتعرضة لأمر القتال وكذا الآيات اللاحقة الجارية على السياق وخاصة ما في ظاهر قوله: [إن الذين كفروا]..إلخ من التعليل، وما في قوله [فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم].. إلخ من التفريع.

وبالجملة: الآية بالنظر إلى سياقها تدل على إيجاب طاعة الله سبحانه فيما أنزل من الكتاب وشرّع من الحكم، وإيجاب طاعة الرسول فيما بلّغ عن الله سبحانه، وفيما يصدر من الأمر من حيث ولايته على المؤمنين في المجتمع الديني، وعلى تحذير المؤمنين من إبطال أعمالهم، بفعل ما يوجب حبط أعمالهم كما ابتلي به أولئك ضعفاء الإيمان المائلون إلى النفاق الذين انجر أمر بعضهم أن ارتدوا بعد ما تبيّن لهم الهدى. فالمراد بحسب المورد من طاعة الله طاعته فيما شرع وأنزل من حكم القتال، ومن طاعة الرسول طاعته فيما بلغ منه وفيما أمر به منه ومن مقدماته بما له من الولاية فيه، وبإبطال الأعمال التخلف عن حكم القتال كما تخلف المنافقون وأهل الردة.

وقيل: المراد بإبطال الأعمال إحباطها بمنّهم على الله ورسوله بإيمانهم كما في قوله تعالى: [يمنون عليك أن أسلموا]، وقيل: إبطالها بالرياء والسمعة، وقيل: بالعجب، وقيل: بالكفر والنفاق، وقيل: المراد إبطال الصدقات بالمنّ والأذى كما قال:[ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى] وقيل: إبطالها بالمعاصي، وقيل: بخصوص الكبائر.

ويرد على هذه الأقوال: أن كل واحد منها على تقدير صحته وتسليمه مصداق من مصاديق الآية، مع الغض عن وقوعها في السياق الذي تقدمت الإشارة إليه، وأما من حيث وقوعها في السياق فلا تشمل إلا القتال كما مر)(1).

ص: 18


1- الميزان: 18/ 247.

وقد ورد في تفاسير العامة كما عن الثعلبي: ([أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم] بمعصيتها. قال مقاتل والثمالي: لا تتمنوا على رسول الله فتبطلوا أعمالكم. وقيل بالعجب والرياء) (1).

وفي تفسير الرازي: (قوله: [ولا تبطلوا أعمالكم] يحتمل وجوهاً:

أحدها: دوموا على ما أنتم عليه ولا تشركوا فتبطل أعمالكم، قال تعالى: [لئن أشركت ليحبطن عملك].

الوجه الثاني: [لا تبطلوا أعمالكم] بترك طاعة الرسول، كما أبطل الكتاب أعمالكم بتكذيب الرسول وعصيانه، ويؤيده قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم] إلى أن قال: [أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون].

الوجه الثالث: [لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى] كما قال تعالى: [يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا عليّ إسلامكم]، وذلك أن من يمن بالطاعة على الرسول كأنه يقول هذا فعلته لأجل قلبك ولولا رضاك به لما فعلت. وهو مناف للإخلاص، والله لا يقبل إلا العمل الخالص) (2).

هذا ما ذكر في تفسير هذه الآية.

وقد استدل بعض فقهائنا بهذه الآية على عدم جواز قطع الصلاة، كما عن الجواهر حيث قال: (قد استدل غير واحد من الأصحاب بقوله تعالى: [ولا تبطلوا أعمالكم]).

وفيه:

كما عن الجواهر(3)

ومصباح الفقيه(4) وغيرهما أن المراد من الإبطال: إحداث

ص: 19


1- الكشف والبيان عن تفسير القرآن. (تفسير الثعلبي): 9/ 38.
2- التفسير الكبير: 28/ 72.
3- الجواهر: 11/ 208.
4- مصباح الفقيه: 2/ 428.

البطلان في العمل الصحيح وجعله لغواً لا يترتب عليه الأثر كالعدم، أو يكون المراد منه إيجاده باطلاً لاقترانه بما يمنع عن الصحة، أو لافتقاده ما يقتضيها نحو (ضيق فم الركية) والنهي على هذين الوجهين ظاهر في الإرشاد؛ إذ لا يترتب على إحداث البطلان في العمل المنعقد صحيحاً أو إيجاده باطلاً شيءٌ عدا فوات مصلحة العمل الصحيح فلا نهي مولوي، أو أن يكون المراد قطع العمل ورفع اليد عنه - كقطع الصلاة والصوم والحج - في الأثناء. ولازم هذا تخصيص الأكثر المستهجن لجواز ذلك في عامة الواجبات والمستحبات التعبديّة والتوصليّة.

والأقرب من هذه الوجوه هو الأول، لكونه هو المعنى الحقيقي، وعلى هذا لا يمكن الاستدلال بهذه الآية على عدم جواز قطع الصلاة.

الوجه الثالث

اشارة

الروايات التي استدل بها على التحريم، وهي على طوائف أربع:

الطائفة الأولى

النصوص التي دلت على أن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم:

منها: رواية القداح عن أبي عبد الله (علیه السلام): (افتتاح الصلاة: الوضوء، وتحريمها: التكبير، وتحليلها: التسليم)(1)، وهذه الرواية ضعيفة السند ب- (سهل بن زياد) وسوف يأتي الكلام في دلالتها.

ومنها: ما عن الصدوق (قدس سره), قال: وقال أمير المؤمنين (علیه السلام): (افتتاح الصلاة: الوضوء، وتحريمها: التكبير، وتحليلها: التسليم)(2).

ومنها: الحسن بن علي العسكري في (تفسيره) عن آبائه (علیهم السلام)، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: (مفتاح الصلاة: الطهور، وتحريمها: التكبير، وتحليلها: التسليم, ولا يقبل الله صلاة بغير طهور...) إلى آخر الرواية (3)، وهذه الرواية مرسلة لا اعتبار بها.

ص: 20


1- وسائل الشيعة: الباب1 من ابواب الوضوء/ ح 4.
2- المصدر السابق: الباب 1 من ابواب الوضوء/ ح 7.
3- المصدر السابق: الباب 15 من أبواب كيفية الوضوء/ ح20.

وأما من حيث الدلالة فيمكن أن يكون المراد من التحريم والتحليل هو الافتتاح والاختتام كما ورد في كثير من الروايات.

منها: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن الرجل ينسى تكبيرة الافتتاح. قال: (يعيد) (1).

ومنها: رواية محمد بن سهل عن الرضا (علیه السلام) قال: (الإمام يحمل أوهام من خلفه إلا تكبيرة الافتتاح)(2)، وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة السند ب- (محمد بن سهل) فإنه لم يرد فيه توثيق لكن تصلح للتأييد.

ومنها: رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (علیه السلام) قال: (إنما صارت التكبيرات في أول الصلاة سبعاً لأن أصل الصلاة ركعتان واستفتاحها بسبع تكبيرات، تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع...)(3)، إلى آخر الرواية وهذه الرواية كسابقتها فإنها ضعيفة ب- (علي بن محمد القتيبي) فإنه لم يرد فيه توثيق. ولكن يكفينا في المقام صحيحة زرارة المتقدّمة.

ولو غضضنا النظر عن هذا الاحتمال لقلنا: ليس المراد من تحريمها التكبير هو تحريم ما كان محللاً على المصلّي قبل التكبير وأنه بالدخول فيها بالتكبير تحرم عليه تلك الأمور من المنافيات، وأن هذه الأشياء إنما تحل عليه بالتسليم.

وبعبارة أخرى: إن مبنى الاستدلال هو التحريم والتحليل الوضعيين؛ لشمولها لما يجوز قطعه كالنافلة ولا حرمة فيها بالضرورة، وإن أبيت عن ذلك فلا أقل من الإجمال، فلا يمكن الاستدلال بها على المطلوب.

ص: 21


1- المصدر السابق: الباب 2 من أبواب بطلان الصلاة بترك تكبيرة الإحرام/ ح1.
2- المصدر السابق: الباب2 من أبواب بطلان الصلاة/ ح 6.
3- المصدر السابق: الباب 7 من أبواب استحباب افتتاح الصلاة/ ح6.
الطائفة الثانية

ما ورد في نصوص كثير الشك، كصحيحة زرارة وأبي بصير كلاهما (قالا: قلنا له: الرجل يشك كثيراً في صلاته حتى لا يدري كم صلى ولا ما بقي عليه؟

قال: يعيد.

قلنا له: فإنه يكثر عليه ذلك كلما عاد شك؟

قال: يمضي في شكه، ثم قال: لا تعودا الخبيث من أنفسكم بنقض الصلاة فتُطمعوه، فإن الشيطان خبيث يعتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم، ولا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك.

قال زرارة: ثم قال: إنما يريد الخبيث أن يطاع فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم)(1).

وجه الاستدلال:

إن النهي عن النقض ظاهر في الحرمة فتكون هذه الرواية دالة على حرمة قطع الصلاة.

وفيه:

إن المنهي عنه لم يكن مجرد النقض، بل تعويد الخبيث منه بإكثاره الكاشف عن إطاعته والركون إليه، ومن ثَمَّ يسري الحكم إلى النافلة والوضوء وغيرهما مما لا ريب في جواز قطعه، بل يمكن أن يقال: إنها على خلاف المطلوب أدلّ لكشفها عن جواز النقض في حدّ نفسه وإلا لكان النهي عنه أولى من النهي عن التعويد المزبور.

ص: 22


1- المصدر السابق: باب 16 من أبواب الخلل/ ح20.
الطائفة الثالثة

النصوص الآمرة بالمضي في الصلاة وعدم قطعها لدى عروض بعض الأمور من رعاف ونحوه:

منها: صحيحة معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرعاف أينقض الوضوء؟ قال (علیه السلام): ( لو أن رجلاً رعف في صلاته وكان عنده ماء أو من يشير إليه بماء فتناوله فقال (فمال) برأسه فغسله فليبنِ على صلاته ولا يقطع)(1).

وجه الاستدلال،هو أن هذه الصحيحة ظاهرة في عدم جواز قطع الصلاة في غير حال الضرورة، حيث إن الإمام (علیه السلام) قال: (فليبنِ على صلاته ولا يقطع).

وفيه:

إنها ظاهرة في الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي حيث إنها ناظرة إلى الإرشاد إلى صحة الصلاة وعدم لزوم إعادتها.

ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يصيبه الغمز في بطنه وهو يستطيع أن يصبر عليه، أيصلي على تلك الحال أو لا يصلي؟ فقال: (إن احتمل الصبر ولم يخف إعجالاً عن الصلاة فليصلِ وليصبر)(2).

وجه الاستدلال: هو عدم جواز قطع الصلاة في حال الاحتمال حيث قال: (علیه السلام) (فليصلِّ وليصبر)، وهذا يعني أن الأمر بالصلاة والصبر هو حقيقة في الوجوب، ولولا حرمة القطع لما وجب.

وفيه:

أولاً: إن ظاهر الأمر هو إرشاد إلى عدم المانعية، لما ذُكر من أن الأوامر والنواهي في المركبات هي إرشاد إلى الجزئية والشرطية والمانعية.

ثانياً: احتمال إرادة الرخصة في البقاء على الصلاة، حيث إن الأمر بالصبر في

ص: 23


1- المصدر السابق: الباب 2 من أبواب قطع الصلاة.
2- المصدر السابق: الباب 8 من أبواب قطع الصلاة.

مورد توهم انقطاعٍ بالمدافعة لا يفيد أكثر من الجواز.

الطائفة الرابعة

النصوص الناهية عن ارتكاب المنافيات أثناء الصلاة.

منها: صحيحة حريز عن أبي عبد الله (علیه السلام): (إذا كنت في صلاة فريضة فرأيت غلاماً لك قد أبق، أو غريماً لك عليه مال، أو حية تتخوفها على نفسك، فاقطع الصلاة فاتبع غلامك، أو غريمك، واقتل الحية)(1).

ووجه الاستدلال، هو عدم جواز قطع الصلاة وارتكاب المنافي إلا في حال الضرورة. والبحث في هذه الصحيحة يقع في جهتين:

الأولى: في سند هذه الرواية.

إذ وردت في الكافي(2)، وكذلك في التهذيب(3) حريز عمّن أخبره عن أبي عبد الله (علیه السلام)، ونقلها صاحب الوسائل عن الصدوق بإسناده إلى حريز هكذا (حريز عن أبي عبد الله (علیه السلام)) والصدوق له عدة طرق إلى حريز ذكرها في المشيخة الطريق الأول والثاني كلاهما معتبر، والطريق الثالث ضعيف ب- (إسماعيل بن سهل) فإنه لم يوثق.

والإشكال من جهة أن حريزاً تارةً يرويها مباشرة عن أبي عبد الله (علیه السلام) وأخرى يرويها بالواسطة.

وعلى هذا تكون الرواية ساقطة عن الاعتبار لاحتمال الإرسال هذا من جهة. ومن جهة أخرى يمكن أن يقال: إن جميع روايات حريز مراسيل لما ذكره يونس من أن حريزاً لم يروِ عن الإمام (علیه السلام) إلا حديثاً أو حديثين(4).

ص: 24


1- المصدر السابق: باب 21 من أبواب جواز قطع الصلاة/ ح 1.
2- الكافي: 3/ 367.
3- التهذيب: 2/ 330.
4- اختيار معرفة الرجال: 289 رقم 716.

ويمكن المناقشة من جهتين:

الجهة الأولى: إنّا لا نسلم بأن روايات حريز عن أبي عبد الله (علیه السلام) كلها مراسيل، فإن روايات حريز عن الإمام الصادق (علیه السلام) كثيرة في كتاب الحج وباقي الأبواب الفقهية، وهي واردة من طرق معتبرة وفي بعضها: سألت، وفي البعض الآخر: سمعت أو نحو ذلك، ولا نطيل في هذا المقام ما دام يوجد طريق آخر لاعتبار روايات حريز.

الجهة الثانية: مع التسليم بأن روايات حريز كلها مراسيل، لكن يمكن اعتبارها لما ذكره أستاذنا السيد محمد رضا السيستاني (دامت برکاته) من الاعتماد على نظرية حساب الاحتمال بلحاظ المروي لا بلحاظ الراوي. وعلى هذا فتكون الرواية معتبرة سنداً، بل جميع روايات حريز كذلك(1).

الثانية: في دلالة الرواية.

إذ تدل على عدم جواز قطع الصلاة إلا في حال الضرورة، ومع عدمها فلا يجوز القطع.

وقد يُتراءى: أن القضية مسوقة لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم لها - كما عن السيد الخوئي (قدس سره) - إذ الشرط هو الكون في الفريضة، وعدم القطع لدى انتفائه من باب السالبة بانتفاء الموضوع. كما أن الجزاء هو القطع لإتباع الغلام، أو الغريم، أو قتل الحية لا مطلق القطع، فإذا كان في الصلاة ولم يكن شيء من ذلك فانتفاء الجزاء حينئذٍ أيضاً كذلك أي من باب السالبة بانتفاء الموضوع. فلم يعد مفهوم لهذه القضية بوجه.

ومقتضى كلامه (قدس سره):

أن الشرط مركب من الكون في الصلاة والضرورة فحينئذٍ تكون القضية لا مفهوم لها.

والشاهد على ذلك: ما ذكره في جملة كلامه: من أنه لو صلى ولم تحصل الضرورة فلا يقطع من باب السالبة بانتفاء الموضوع. ولا معنى لهذا الكلام لو لم

ص: 25


1- قبسات من علم الرجال: 2/ 51.

نفرض شرطية الضرورة وأنها أيضاً أخذت موضوعاً للحكم باعتبار أن الجزاء ليس هو القطع فقط، بل القطع لأجل رفع الضرورة تماماً كما لو لم يصلِ فلا معنى للقطع.

وفيه:

أولاً: أخذ الضرورة داعياً للقطع لا يدل بوجه على أن تكون الضرورة موضوعاً للحكم بالقطع حتى تكون القضية مسوقة لبيان تحقق الموضوع.

ثانياً: كون الشرط مركباً من الكون في الصلاة والضرورة خلاف الظاهر، وإلا لعطف بالواو والحال أنه عطف بالفاء (فرأيت غلاماً...).

إن قلت: إن العطف بالفاء لا ينافي تركب الشرط منها ما دام يوجد ترتب زماني أو رتبي بين الكون في الصلاة ورؤية الغلام، فالعطف لأجل هذا الترتب.

قلت: إن الترتب إنما هو بلحاظ ذاتي الكون في الصلاة والضرورة وبما هما في نفسيهما فيصح العطف بالفاء، وأما بلحاظ كونها جزئي الشرط فلا طولية بينهما، بل عرضية فلا بد من العطف بالواو.

وعليه: فإن موضوع القضية هو الصلاة والضرورة شرطها، فمع عدم الضرورة لا موجب للقطع، فيكون المعنى هكذا (الصلاة التي كنت مشتغلاً فيها لا تقطعها ما لم يكن هنالك ضرورة)، وعليه فالقضية ليست مسوقة لبيان تحقق الموضوع فيثبت لها مفهوم وهو عدم جواز القطع إلا في حال الضرورة.

وعلى هذا فإن القضية الشرطية ليست مسوقة لبيان تحقق الموضوع فهي تدل على الانتفاء عند الانتفاء فيثبت لها المفهوم، ومع ثبوت المفهوم لها فهي لا تدل على حرمة القطع كما عن السيد الحكيم (قدس سره) حيث قال: (إن من الجائز أن يكون الترخيص في الموارد المذكورة في قبال الحزازة الحاصلة في رفع اليد عن الصلاة، التي هي معراج

ص: 26

المؤمن لأجل بعض المصالح، وليس الصحيح وارد لتشريع المنع؛ كي يستظهر من إطلاقه كون المنع إلزامياً لا كراهتياً)(1).

توضيحه: إن الأمر بالقطع واردٌ مورد توهم الحظر لما يتوهم من عدم جواز رفع اليد عن الصلاة، وعلى هذا فالالتزام بثبوت المفهوم لا يدل على حرمة القطع.

بل يمكن أن يقال: إن الأمر بوجوب القطع إرشادي، فيكون إرشاداً إلى ما استقل به العقل من الحفاظ على النفس أو المال، وعليه ينتفي وجوب القطع عند انتفاء الشرط دون جوازه، ومن ثَمَّ لا يمكن إثبات حرمة القطع من مفاد هذه الصحيحة.

ومنها: موثقة سماعة (قال: سألته عن الرجل يكون قائماً في الصلاة الفريضة فينسى كيسه، أو متاعاً يتخوف ضيعته، أو هلاكه؟ قال: يقطع صلاته ويحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة. قلت: فيكون في الفريضة فتغلب عليه دابته فيخاف أن تذهب أو يصيب بها عنت؟ فقال: لا بأس بأن يقطع صلاته ويتحرز ويعود إلى صلاته)(2).

والكلام فيها هو نفس الكلام المتقدم في صحيحة حريز.

الوجه الرابع: دعوى الإجماع التي ذكرها غير واحدٍ من الفقهاء كما تقدمت الإشارة إليه.

وفيها: أنه لا يمكن الإصغاء إليها في مثل هذه المسألة المعلوم مداركها ويُطمأن استناد المجمعين إليها ولا أقل من احتماله.

فالمتحصّل من جميع ما تقدم: عدم تمامية الوجوه التي ذُكرت للبناء على عدم جواز قطع الصلاة اختياراً.

نعم, يمكن أن يقال: إن المركوز في أذهان المتشرعة عدم جواز قطع الصلاة الواجبة اختياراً، فهذا الارتكاز يصلح أن يكون دليلاً على عدم جواز قطع الفريضة، ويمكن استفادة ذلك من بعض الروايات كما في موثقة سماعة المتقدمة التي يُسأل

ص: 27


1- مستمسك العروة الوثقى: 6/ 610.
2- وسائل الشيعة: 7/ 277 باب21 من أبواب قواطع الصلاة، ح2.

فيها الإمام (علیه السلام) عن الرجل يكون قائماً في الصلاة الفريضة فينسى كيسه... وهذا يدل على أن المركوزَ في ذهن السائل عدم جواز قطع الصلاة حتى في مثل هذه الموارد، فأراد أن يتبين من الإمام (علیه السلام) أن عدم الجواز حتى في حال الضرورة كما إذا نسي كيسه أو متاعاً يتخوف ضياعه أو هلاكه؟ قال (علیه السلام): (يقطع صلاته ويحرز متاعه ثم يستقبل الصلاة).

ويبقى للتأمل في المسألة مجال, فإنْ تمَّ ما ذكرناه فبها وإلاّ فلا يوجد دليل آخر ناهض يدل على حرمة قطع صلاة الفريضة اختياراً, والله العالم.

ص: 28

المصادر

1. التبيان، الشيخ الطوسي (قدس سره),دار إحياء التراث العربي.

2. التفسير الكبير (تفسير الفخر الرازي)، المجموعة: مصادر التفسير عند السنة.

3. الجواهر، الشيخ محمد حسن النجفي (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.

4. الحدائق، المحدث الشيخ يوسف البحراني (قدس سره), دار الأضواء. بيروت، لبنان.

5. قبسات من علم الرجال, أبحاث السيد محمد رضا السيستاني, جمعها ونظّمها السيد محمد البكاء.

6. القواعد، العلامة الحلي, تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي (جماعة المدرسين)، قم.

7. الكشف والبيان عن تفسير القرآن (تفسير الثعلبي)، المجموعة: مصادر التفسير عند السنة، تحقيق الإمام أحمد بن عاشور.

8. المبسوط، الشيخ الطوسي, عُنيت بنشره المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.

9. مجمع البيان، الشيخ الطبرسي, منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات- بيروت.

10. المسالك، الشهيد الثاني (قدس سره), تحقيق مؤسسة المعارف الإسلامية.

11. المعتبر، المحقق الحلي (قدس سره), منشورات مؤسسة سيد الشهداء (علیه السلام)، قم.

12. مفتاح الكرامة، السيد محمد جواد العاملي (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.

13. منهاج الصالحين، السيد الخوئي (قدس سره)، الطبعة السادسة والعشرون، بغداد.

14. منهاج الصالحين، السيد السيستاني (دام ظله)، دار المؤرخ العربي.

15. الميزان، السيد الطباطبائي, منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. بيروت، لبنان.

16. النهاية، الشيخ الطوسي, انتشارات قدس محمدي.

17. الوسيلة، ابن حمزة, مطبعة الخيام، قم. تحقيق الشيخ محمد الحسون.

ص: 29

ص: 30

نجاسة الخمر(القسم الأول) - الشيخ علي العقيلي (دام عزه)

اشارة

من الموارد التي وقعت محلّ خلاف بين الفقهاء مسألة (نجاسة الخمر).

وهذه دراسة مستوعبة للمسألة في قسمين. ويتضمَّن القسم الأَول منها ما يُمكن الاستدلال به للقول المشهور, وسيأتي - إنْ شاء الله تعالى- في القسم الثاني بيان ما يعارضه, وكيفيّة العلاج.

ص: 31

ص: 32

بسم الله الرحمن الرحیم

فتاوى الفقهاء

وقعت نجاسة الخمر محلاً للخلاف بين الفقهاء إذ اختلف في طهارته ونجاسته، والمشهور قديماً وحديثاً هو القول بالنجاسة فذهب الشيخ المفيد والطوسي والسيد المرتضى وأكثر الأصحاب المتقدمين والمتأخرين إلى أنه نجس العين، بل نُقل عليه الإجماع (1).

ويظهر الخلاف من الشيخ الصدوق ووالده في الرسالة والحسن بن أبي عقيل والجعفي من المتقدمين(2).

وأيضاً من جماعة من المتأخرين كالشيخ الأردبيلي وصاحب المدارك وصاحب الذخيرة والمحقق الخوانساري(3).

ويظهر من كلام المحقق الحلي (رحمة الله) التردد والتوقف في الحكم حيث قال: (الخمر نجسة العين... وقال محمد بن بابويه وابن أبي عقيل منا: ليست نجسة، وتصح الصلاة

ص: 33


1- لاحظ المدارك: 2/290، مستند الشيعة: 1/291.
2- الجعفي هو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليم المعروف ب-(أبي الفضل الصابوني) والمشهور بين الفقهاء ب-(صاحب الفاخر) و(الجعفي على الإطلاق)، وهو من قدماء أصحابنا وفقهائنا من أصحاب كتب الفتوى، وهو ممن أدرك الغيبتين، له كتب كثيرة منها كتاب(الفاخر)، وهو شيخ جعفر بن محمد بن قولويه المتوفى 369ﻫ، وعن الشيخ في رجاله عده من أصحاب الإمام الهادي (علیه السلام) . وأما الحسن بن أبي عقيل العماني فهو أيضاً من الفقهاء وتوفي حوالي 329ﻫ.
3- لاحظ كلام المقدس الأردبيلي في كتابيه مجمع الفائدة والبرهان: 1/312 وزبدة البيان: 42، والسيد العاملي في المدارك: 2/292، والمحقق السبزواري في كتابه ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد: ج1/ق1/ص154 ط.ق، والمحقق الخوانساري في مشارق الشموس في شرح الدروس: 1/333، وقال العلامة المجلسي (رحمة الله): 77/97-98:(... بل الأظهر حمل أخبار النجاسة على التقية أو على الاستحباب وبالجملة لولا الشهرة العظيمة والإجماع المنقول لكان القول بالجواز متجهاً ولاريب أن الأحوط العمل بالمشهور).

مع حصولها في الثوب وإن كانت محرمة... ثم إن الأخبار المشار إليها من الطرفين ضعيفة... والاستدلال بالآية عليه فيه إشكالات لكن مع اختلاف الأصحاب والأحاديث يؤخذ بالأحوط من الدين)(1).

وقال العلامة الحلي (رحمة الله): (وقال أبو علي بن أبي عقيل: من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما لأن الله تعالى إنما حرمهما تعبداً لا لأنهما نجسان... وقال أبو جعفر بن بابويه: لا بأس بالصلاة في ثوب أصابه خمر لأن الله تعالى حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب أصابته)(2).

وقال الشيخ الأنصاري (رحمة الله): (... إلا أن هاهنا أخباراً كثيرة... كلها مخالفة لما ذكر في طهارة الخمر وغيرها من المسكرات ولذا ذهب الصدوق ووالده في الرسالة... وهو ظاهر المقدس الأردبيلي أو صريحه وتبعه أصحاب المدارك والذخيرة والمشارق...)(3). وقال صاحب الحدائق (رحمة الله): (... جملة من أفاضل متأخري المتأخرين كالسيد السند في المدارك والفاضل الخراساني في الذخيرة والمحقق الخوانساري وغيرهم قد اختاروا القول بالطهارة)(4).

ص: 34


1- المعتبر: 1/422. وقال المحقق السبزواري في ذخيرة المعاد ج1/ق1/ص153: (ويظهر من المحقق في المعتبر نوع تردد فيه).
2- مختلف الشيعة: 1/469. ولاحظ ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة: 1/114، والدروس: 1/123.
3- كتاب الطهارة: 2/360 ط.ق، وفي جامع أحاديث الشيعة: 2/92 باب نجاسة الخمر والفقاع: 1399، فقه الرضا: 38 (لا بأس أن تصلي في ثوب أصابه خمر لأن الله حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب أصابته...) ولعل الأصل في نسبة القول بالطهارة للصدوق الأب ما ذكره ابن إدريس (رحمة الله) في السرائر: 1/179 (وقد ذهب بعض أصحابنا في كتاب له وهو ابن بابويه إلى أن الصلاة تجوز في ثوب أصابه الخمر، قال: لأن الله حرم شربها ولم يحرم الصلاة في ثوب اصابته...) ببيان حمل عنوان ابن بابويه على الأب باعتباره الأقرب إلى بابويه.
4- الحدائق الناضرة: 5/105، 5/98. وأيضاً لاحظ مستند الشيعة: 1/191، الجواهر: 6/3، والمدارك: 2/292.

وفي مفتاح الكرامة: (... وقد نقل في الدروس والذكرى وشرح الفاضل أن الصدوق والجعفي والحسن ذهبوا إلى طهارة الخمر... واقتصر في المعتبر والمختلف والتذكرة وكشف الالتباس والمدارك والدلائل على نسبة الخلاف إلى الصدوق والحسن. وفي المنتهى نسبة الخلاف إلى الصدوق. وظاهر المقدس الأردبيلي أو صريحه القول بالطهارة فيها وفي جميع المسكرات، واحتاط المحقق في الحكم واستحسنه في المدارك)(1).

وقال الشيخ الهمداني (رحمة الله): (... عن الصدوق في الفقيه ووالده في الرسالة والجعفي والعماني القول بطهارتها، ويظهر من بعض الأخبار الآتية وجود القول بها فيما بين قدماء أصحابنا المعاصرين للأئمة

(علیهم السلام)، وعن ظاهر المقدس الأردبيلي أو صريحه وبعض من تأخر عنه كصاحب المدارك والذخيرة والمشارق اختياره مع تردد من بعضهم، وعن المصنف في المعتبر التردد)(2).

هذا, وأن الصناعة قد توصل الفقيه إلى شيء ولكن لا يلزمه الإفتاء به.

ولا يخفى أنه توجد ثلاثة مدارك لقول الصدوق الابن بالطهارة هي: في المقنع(3) في باب شرب الخمر والغناء، والفقيه(4) وفي كلا الموضعين تجد ما نقله العلامة عنه في المختلف، والمورد الثالث في الفقيه أيضا(5)

قائلاً (وسئل أبو جعفر وأبو عبد الله (علیهما السلام) فقيل لهما: إنا نشتري ثياباً يصيبها الخمر وودك الخنزير...) فنقل (رحمة الله) هذه الرواية التي تدل على جواز الصلاة في الثوب تصيبه الخمر - وهي معتبرة بكير- ولم ينقل معارضاً لها،

ص: 35


1- مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة: 2/23.
2- مصباح الفقيه: ج1/ق2/ص545.
3- المقنع: 453.
4- من لا يحضره الفقيه: 1/ 74.
5- المصدر السابق: 1/ 248، ح751.

وبضميمة ما ذكره في المقدمة من أنه يذكر ما يفتي به ويتعبد به بينه وبين ربه فيكون حجة عليه، فهو (رحمة الله) نقل هذا النص الدال على طهارة الخمر، وكذلك نقل في موضع آخر من كتابه(1) رواية أبي جميلة التي تتحدث عن الثياب السابرية.

فإن قيل: إنّه (رحمة الله) ذكر في المقنع(2)

(وإياك أن تصلي في ثوب أصابه خمر).

قلت: أن شأن الصدوق في المقنع الإفتاء بمضامين الروايات وعلى أسلوبها، فلو ورد نهي عن شيء وترخيص فيه في روايتين أفتى بالنهي وأفتى بالترخيص معاً وينتزع من مجموع الفتويين الحكم بالكراهة كما هو الحال في الروايات، وهذا يظهر لمن يلاحظ كتاب المقنع(3).

وإن قيل: إنه (رحمة الله) ذكر في المقنع أيضاً(4) نزح ماء البئر عند وقوع الخمر.

قلت: لا يضر ذلك بعدما عرفنا أن الصدوق يفتي على طبق الروايات ولذا أفتى جماعة -كما عن العلامة في المنتهى وغيره- بأن النزح واجب تعبدي(5)، والمهم أن ذلك منه

(رحمة الله) لاحتمال التعبد أو لفتواه بمضمون الروايات.

وعلى أي حال ينبغي الالتفات إلى عدة أمور:

1. أن المسألة من ناحية الفتوى ليست متفقاً عليها ولا إجماع فيها، بل هي محل خلاف ونزاع بين الأصحاب عند المتقدمين وعند المتأخرين، بل بين القدماء من أصحاب الحديث كما سيتضح من الروايات إن شاء الله تعالى، فإذاً لا إجماع في موضع النزاع، علماً بأن الإجماع إن تم فلا قيمة استدلالية له يمكن التعويل عليها باعتبار

ص: 36


1- المصدر السابق: 1/ 259.
2- المقنع: 81.
3- لاحظ بحوث في شرح العروة الوثقى: 3/ 410.
4- المقنع: 29، 34.
5- لاحظ الجواهر: 1/ 243.

مدركيته جزماً أو احتمالاً، ومن هنا يمكن الخدش فيما استدل به من دعوى الإجماع على النجاسة كما سيأتي توضيحه وتفصيله إن شاء الله تعالى(1).

2. ينبغي أن يعلم أن المسألة فيها خلاف حتى عند فقهاء العامة وإن كان المشهور عندهم أيضاً الحكم بالنجاسة(2).

قال القرطبي: (السادسة: فهم الجمهور من تحريم الخمر واستخباث الشرع لها وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها الحكم بنجاستها وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة وأن المحرم إنما هو شربها)(3).

3. سيتضح لاحقاً- إن شاء الله تعالى- أن روايات المسألة كثيرة عدداً ومختلفة دلالة فمنها ما يدل على النجاسة ومنها ما يدل على الطهارة، وهذا هو أهم الأسباب في

ص: 37


1- ويبقى المجال مفتوحاً لاتخاذ رأي يخالف المشهور إن اقتضت الصناعة ذلك، وإن كان عملاً قد لا يفتى بذلك، ومن هنا قال المحقق في المعتبر: (... لكن مع اختلاف الأصحاب والأحاديث يؤخذ بالأحوط في الدين). وقال المحقق السبزواري في ذخيرة المعاد: ج1/ق1/154 ط.ق (... وبالجملة لولا الشهرة العظيمة والإجماع المنقول كان القول بالطهارة متجهاً لكن الشهرة والإجماع المذكور يمنعنا من الاجتراء عليه وإن كان له رجحان ما فإذن الاحتياط وترك الفتوى فيه متجه كما يميل إليه كلام المحقق في المعتبر...).
2- قال صاحب الجواهر (رحمة الله): 6/2 (والمشهور نقلاً وتحصيلاً قديماً وحديثاً بيننا وبين غيرنا شهرة بل كادت تكون إجماعاً بل هي كذلك النجاسة...).
3- الجامع لأحكام القرآن -تفسير القرطبي-: 6/288 عند تفسير الآية 90 من سورة المائدة، ولاحظ تذكرة العلماء للعلامة الحلي (رحمة الله): 1/64. وعن المحلى لابن حزم هامش ص199 يقول الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقة له على كتاب المحلى وهو بصدد الرد على ابن حزم (ومن هذا تعلم أن الآية لا تدل على نجاسة الخمر أيضاً وهو الصحيح) ثم يقول بعد أسطر (والحق أنه لا دليل في الشريعة صريحاً أصلاً يدل على نجاسة الخمر، والأصل الطهارة وحرمة شربها لا تدل على نجاستها فإن السم حرام ليس بنجس وكذلك المخدرات الصغرى، وإليه ذهب ربيعة وداود فيما حكاه النووي نقلاً عن القاضي الطيب...).

اختلاف الفتوى بين الفقهاء.

ما استدل به على القول المشهور

استدل على القول المشهور - وهو النجاسة- بأدلة ثلاثة:

الأول: قوله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون](1).

الثاني: الإجماع المنقول حيث نقله الشيخ والسيد المرتضى (رحمة الله) كما عن المبسوط(2)

والناصريات(3).

قال صاحب المدارك (رحمة الله): (الأول: الإجماع، نقله الشيخ والمرتضى (علیهم السلام), والإجماع المنقول بخبر الواحد حجة)(4).

وقال العلامة الحلي (رحمة الله) - بعد نقله قول الشيخ والمرتضى-: (وقول السيد المرتضى والشيخ حجة في ذلك فإنه إجماع منقول بقولهما وهما صادقان فيغلب على الظن ثبوته، والإجماع حجة إذا نقل متواترا فكذا إذا نقل آحاداً)(5).

ويظهر أن دعوى الإجماع عند المتأخرين ترجع إلى نقل الشيخ والسيد المرتضى (رضی الله عنها) .

الثالث: الأخبار الكثيرة، وقال الشيخ الأنصاري (رحمة الله) في كتاب الطهارة: (قيل إنها

ص: 38


1- المائدة: 90.
2- المبسوط في فقه الإمامية: 1/36 (والخمر نجسة بلا خلاف...).
3- الناصريات: 95 (ولا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم...)
4- المدارك: 2/290، ولاحظ الجواهر: 6/2 و9، ومستند الشيعة: 1/190 والإجماع إمّا محصل أو منقول: والأول إما مدركي أو تعبدي، و أما الثاني إما منقولٌ: آحاداً وإما متواتراً أو مستفيضاً.
5- مختلف الشيعة: 1/469-470. وفي هامشه: المسائل الناصريات في ضمن الجوامع الفقهية ص217 مسألة 16، والمبسوط: 1/36.

تبلغ عشرين)(1).

تقريب الاستدلال بالآية

الدليل الأول

اشارة

أما الدليل الأول الذي استدل به على النجاسة وهو الآية فقد قرب الاستدلال بها من وجهين:

الوجه الأول

أن الرجس في الآية بمعنى النجس فالشيء النجس يوصف بكونه رجساً والرجس مرادف للنجس.

قال الشيخ (رحمة الله): (وقوله رجس أي نجس... إنه وصفها بأنها رجس وهي النجس...)(2).

وقال (رحمة الله) في التهذيب -بعد ذكره للآية-: (فأطلق عليها اسم الرجاسة والرجس هو النجس بلا خلاف فإذا ثبت أنه نجس فيجب إزالته ثم قال [فاجتنبوه]...)(3).

قال الفاضل المقداد (رحمة الله) في كنز العرفان عند ذكره الآية: (استدل أصحابنا... إنه وصف بالرجس وهو وصف للنجاسة لترادفهما، ولذلك يؤكد الرجس بالنجس فيقال رجس نجس).

الوجه الثاني

التمسك بإطلاق الأمر بالاجتناب [فاجتنبوه] وهذا يستلزم المنع من ملاقاته وتطهير المحل بإزالته ولا معنى للنجس إلا ذلك.

قال الفاضل المقداد (رحمة الله) - عند ذكره للآية-: (استدل أصحابنا القائلون بنجاسة الخمر بهذه الآية... إنه أمر باجتنابه وهو موجب للتباعد المستلزم للمنع من الاقتراب بساير أنواعه، لأن معنى الاجتناب كون كل منهما في جانب وهو مستلزم للهجران، ويؤيد ذلك أيضاً روايات عن أهل البيت (علیهم السلام) في طرقها ضعف ينجبر بموافقة

ص: 39


1- كتاب الطهارة: 2/360.
2- التبيان: 4/16-17.
3- التهذيب: 1/278.

القرآن)(1).

وقال النراقي (رحمة الله): (مضافاً إلى قوله سبحانه [فاجتنبوه] فإن الاجتناب الامتناع عما يوجب القرب منه مطلقاً ولا معنى للنجس إلا ذلك، وحمل الاجتناب المطلق على بعض أفراده تحكم...)(2).

وبالجملة: الاستدلال بالآية من وجهين: الأول أن الرجس هو النجس، والثاني الأمر باجتنابه وعدم مباشرته على الإطلاق(3).

مناقشة الوجه الأول

يلاحظ على الوجه الأول:

أنه لم يثبت كون الرجس بمعنى النجس حتى تدل الآية على النجاسة ويتم الاستدلال، فإن هذا وإن ذكره الشيخ (رحمة الله) في التهذيب(4) وادعى عدم الخلاف فيه، ولكنه لم يثبت، وهو غير ظاهر.

بيان ذلك: أنّه إذا ورد لفظ في لسان الشارع من آية أو رواية فإن بين المراد منه ومعناه من قبل الشارع وأن له اصطلاحاً شرعياً خاصاً به ولو من خلال ملاحظة الآيات الأُخر أو من خلال الأحاديث الشريفة ففي مثل هذه الحالة يلزم الأخذ بذلك

ص: 40


1- كنز العرفان عند ذكره للآية. وهذا بناءً على جعل الضمير فيه للرجس أو للخمر، فلاحظ الجواهر: 6/5،4. وذكر المحقق الخوانساري في مشارق الشموس: 1/327 إن الاحتمالات في ضمير [فاجتنبوه]: أ- إنه يعود إلى المذكورات من الخمر وما عطف عليها. ب- يعود إلى الرجس، قال بعض، واحتمله الطبرسي. ج- على عمل الشيطان، ذكره العلامة الطبرسي (رحمة الله) واحتمل خلافه. د- يرجع إلى المضاف المحذوف في صدر الآية المقدر بالتعاطي وما أشبهه وهو خيرة الكشاف. وقال صاحب الجواهر: 6/5: (ويؤيده مضافاً إلى إطلاق الأمر بالاجتناب عنه في الآية بناءً على جعل الضمير فيه للرجس أو للخمر... خصوص خبر...).
2- مستند الشيعة: 1/190-191.
3- لاحظ الذكرى: 1/114 وكذلك لاحظ مختلف العلامة 1/470.
4- التهذيب: 2/278.

ويكون ذلك المعنى ثابتاً للفظ ومقدماً على الفهم العرفي والمعنى اللغوي, ولا معنى عندئذ للرجوع إلى اللغة والعرف بعد بيان الشارع لمراده، فإن ذلك اجتهاد في مقابل النص.

نعم، إذا دلت قرينة في مورد ما على الخلاف أخذ بها، كما لا يخفى أنه إذا ثبت أن مراد الشارع من لفظ معنى خاص فعندئذ كما لا يصح التمسك بالمعنى اللغوي كذلك لا يصح التمسك بوحدة السياق إذا كانت نتيجتها خلاف البيان والمراد الشرعي الخاص.

وأما إذا لم يبين الشارع مراده من اللفظ ففي مثل هذه الحالة يصح الرجوع إلى اللغة والعرف لمعرفة المراد، فإن سكوت الشارع عن بيان مرامه يدل على إيكال الأمر إلى ما يُفهم منه لغة أو عرفاً وليس له اصطلاح خاص وراء ذلك، وإلا لو كان مراده خلاف ذلك لبينه.

وفي المقام هل إن لفظ (الرجس) الوارد في الآية يراد به معنى شرعي خاص أم إن المراد به نفس المعنى اللغوي؟

وسنذكر المعنى اللغوي للفظ الرجس ثم بعد ذلك نلاحظ هل للشرع اصطلاح خاص أم لا؟ فإن ثبت أن للشرع اصطلاحاً خاصاً رفعنا اليد عن المعنى اللغوي، ولا يخفى أن الخصوصية هي للفهم العرفي فهو الذي يحقق صغرى الظهور ولكن المعنى اللغوي يمكن أن يساعد في تنقيح المعنى العرفي.

قال في الصحاح: (الرجس: القذر)(1).

وفي النهاية: (الرجس: القذر، وقد يعبر به عن الحرام والفعل القبيح، والعذاب،

واللعنة، والكفر)(2).

ص: 41


1- الصحاح للجوهري: 3/933.
2- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير: 2/200، وأيضاً لاحظ لسان العرب لابن منظور: 6/94 تجد ما تقدم عن النهاية.

وقال الزجاج: (الرجس في اللغة اسم لكل ما استقذر من عمل فبالغ الله تعالى في ذم الأشياء وسماها رجساً)(1).

وفي القاموس: (الرجس بالكسر: القذر، ويحرك وتفتح الراء وتكسر الجيم، والمأثم، وكل ما استقذر من العمل، والعمل المؤدي إلى العذاب، والشك، والعقاب، والغضب...)(2).

وأيضاً لاحظ المفردات وتاج العروس ومعجم مقاييس اللغة(3).

وبملاحظة كلمات اللغويين في الرجس نجد أنهم لم يذكروا أن الرجس بمعنى النجس بل ذكروا معاني له أخر، نعم ذكروا من معاني الرجس أنه القذر القبيح، ولكن المراد بالقذر ليس هو النجس المصطلح، بل هو ما يستقذره الطبع ويستكرهه أي مطلق القذر وإن كان معنوياً، ومن هنا نلاحظ أنه يوصف به العذاب، وكذا توصف به الصفات كالنفاق والكفر.

هذا وقد صرح في المدارك قائلاً: (إنّ المشهور بين أهل اللغة أن الرجس هو الإثم)(4). وإذا رجعنا إلى كلمات المفسرين نجدهم يذكرون أيضاً المعنى اللغوي المتقدم(5).

ص: 42


1- لسان العرب: 6/94.
2- القاموس المحيط للفيروز آبادي: 2/218.
3- المفردات للراغب، تاج العروس للزبيدي الحنفي: 8/303، معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 2/490.
4- المدارك: 2/291. وقال في ص295: (الرجس لغة يجيء لمعان منها القذر، والعمل المؤدي إلى العذاب، والشك، والعقاب، والغضب. والظاهر إطلاقه عليها على سبيل الاشتراك اللفظي فيكون مجملاً محتاجاً في تعيين المراد منه إلى القرينة، مع أن المتبادر من الآية - أي [كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون] - إرادة الغضب والعذاب كما ذكره أكثر المفسرين).
5- قال الفخر الرازي: (الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره) (17/169). وقال الآلوسي - عند تفسيره لآية التطهير -: (الرجس في الأصل الشيء القذر... وقيل: إن الرجس يقع على الإثم وعلى العذاب وعلى النجاسة وعلى النقائص...) (22/12). وقال السيد الطباطبائي (رحمة الله) - عند تفسيره لسورة الأحزاب-: (الرِجس بالكسر فالسكون: صفة من الرجاسة وهي القذارة، والقذارة هيئة في الشيء توجب التجنب والتنفر منها).

والآن لنعد ونقول: هل للشرع اصطلاح خاص للفظ الرجس؟

والجواب: أنّه لا مثبت أن للفظ الرجس في الآية اصطلاحاً شرعياً خاصاً وهو النجاسة الاعتبارية الشرعية، فلو رجعنا إلى استعمال لفظ الرجس في القرآن الكريم لوجدناه استعمله في المعنى اللغوي وهو الشيء القذر، أو المستقبح، أو المستكره، أو المأثم، فالرجس له معنى عام يشمل الأمور المادية الظاهرية وكذلك المعنوية الباطنية من الأخلاق والسلوك والملكات والعقائد الباطلة... والمهم أن لفظ الرجس لا يختص بالأمور المادية ومن هذه الاستعمالات.

1. قوله تعالى: [إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا] (1).

2. قوله تعالى: [إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس] (2).

3. قوله تعالى: [ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يَصَّعدُ في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون] (3).

4. قوله تعالى: [فاجتنبوا الرجس من الأوثان... ] (4).

5. قوله تعالى: [وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم] (5).

6. قوله تعالى: [فأعرضوا عنهم فإنهم رجس](6).

ص: 43


1- الأحزاب: 33.
2- الأنعام: 145.
3- الأنعام: 125.
4- الحج: 30.
5- التوبة: 125.
6- التوبة: 195.

ويلاحظ أن الآية الأولى جعلت الرجس في مقابل الطهارة حيث يوجد تضاد بينهما ولكل منهما مراتب متفاوتة مادية ظاهرية ومعنوية باطنية. وإذهاب الرجس وإثبات الطهارة هو تعبير آخر عن العصمة.

وأما الآية الثانية فيمكن أن يقال: إنه يراد من الرجس فيها: القذر، والخبيث، والمستقبح، لا النجاسة الاصطلاحية، وهذا لا يؤثر في الحكم بالنجاسة الخبثية بالنسبة للمذكورات لوجود الأدلة على ذلك، فالمراد من [فإنه رجس] أي خبيث وقذر وهو وصفٌ شامل لكل محرم، فإن المحرمات كلها رجسٌ وخبث.

ويمكن أن يكون معنى [فإنه رجس] أي حرام بقرينة صدر الآية [قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرماً على طاعم يطعمه...].

أما الآية الثالثة فإنها جعلت الضلال ونتائجه من ضيق الصدر رجساً يجعله الله على الذين لا يؤمنون.

وعن الكشاف: ([يجعل الله الرجس] يعني الخذلان ومنع التوفيق، وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب، أو أراد الفعل المؤدي إلى الرجس، وهو العذاب، من الارتجاس وهو الاضطراب)(1).

وأما الآية الرابعة فالمراد منها الرجس والقذارة في عبادتها دون الله تعالى، وهذا من الأمور الباطنية المعنوية، وإلا فإن الأوثان بنفسها لا رجس فيها.

وأما الآية الخامسة فقد أطلق فيها الرجس على الشك والنفاق.

وأما الآية السادسة فقد جعلت المنافق نفسه رجساً، وذلك لما تلبس به من صفة النفاق.

وإذا رجعنا إلى الروايات نجد أنها استعملت الرجس في المعنى اللغوي العام الواسع فهي تؤيد ما تقدم وإليك بعضها: عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام)

ص: 44


1- الكشاف للزمخشري: 2/64.

عن قول الله عز وجل: [فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور] قال: (الغناء)(1).

وعن زيد الشحام قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن قول الله عز وجل: [فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور] فقال: (الرجس من الأوثان الشطرنج, وقول الزور الغناء)(2).

وعن الإمام الباقر (علیه السلام): (... وكيف يوصف قوم رفع الله عنهم الرجس وهو الشك...)(3).

وعن الإمام الباقر (علیه السلام) أنه ذكر عنده الغضب فقال: (إنّ الرجل ليغضب حتى ما يرضى أبداً ويدخل بذلك النار، فأيّما رجل غضب وهو قائم فليجلس، فإنه سيذهب عنه رجس الشيطان، وإنّ كان جالساً فليقم، وأيّما رجل غضب على ذي رحم فليقم إليه وليدن منه وليمسه فإن الرحم إذا مسّت الرحم سكنت)(4).

وعن الفضل أبي العباس قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام): ... حتى انتهيت إلى الكلب فقال: (رجس نجس لا تتوضأ بفضله، واصبب الماء واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء)(5).

وعن معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: (إذا دخلت المخرج فقل: بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان

ص: 45


1- الكافي: 6/431.
2- الكافي: 6/435.
3- الكافي: 2/182.
4- وسائل الشيعة: 15/363.
5- الاستبصار: 1/19 باب حكم الماء إذا ولغ فيه الكلب.

الرجيم...)(1).

وعلى أي حال لم يثبت كون الرجس في الآية بمعنى النجس فإن استفادة ذلك إذا بقينا نحن والآية شيء مشكل، بل غير ظاهر منها ذلك الظهور الذي هو المدار في الأحكام، فإن احتمال إرادة القبيح والخبيث والمأثم من لفظ الرجس وجيه، ولو فُسر بالنجس فيوجد احتمال معتدٌ به ارادة القذارة المعنوية، ويؤيد ذلك حمل الرجس على الميسر والأزلام والانصاب، وهذه لا معنى أن تكون نجسة، وأيضاً قوله [من عمل الشيطان] فهو يتناسب مع القبيح دون النجاسة الخبثية الشرعية.

إن قيل: إن الرجس بمعنى النجس إما مطلقاً أو في المقام، فإن الله تعالى فرّع وجوب الاجتناب عن المذكورات على كونها رجساً من عمل الشيطان.

قلت: إن الأمر [فاجتنبوه] كما يتناسب مع القذارة المادية يتناسب مع القذارة المعنوية، فتفريع وجوب الاجتناب عن المذكورات على كونها رجساً من عمل الشيطان لا يثبت ولا يصلح قرينة على أن الرجس في الآية بمعنى النجس، وبالجملة إن الاجتناب أعم من النجاسة الاعتبارية الشرعية إن لم يكن ظاهراً في اجتناب الفعل والعمل، وأما إن كان المقصود هو التمسك بإطلاق [فاجتنبوه] فسيأتي الجواب عن ذلك عند بيان الوجه الثاني للاستدلال بالآية.

فإذاً ما يقال من أن كل خمر نجس للآية - حيث حمل فيها الرجس على الخمر والمراد من الرجس هو النجس لأنه معناه في العرف - غير واضح؛ فإن العرف يستعمل الرجس في كل قذر وإن لم يكن نجساً شرعاً.

ص: 46


1- الكافي: 3/16. وقد ذكر أن ضعف الرواية سنداً لا يضر بها في حال الاستدلال بها أو جعلها مؤيداً على صحة إطلاق لفظ على معنى واستعماله في معنى حتى وإن كان ذلك وارداً في لسان السائل، وذلك لأنّا لا نريد الاستدلال بها على حكم شرعي.

وعلى أي حال ما ادعي ليس واضحاً، ولو فرض عدم وجود معنى عرفي واضح فلا يرجع إلى العرف بل يرجع إلى أهل اللغة الذين لم يختلفوا في أن الرجس يراد به القذر والقبيح والإثم.

إن قيل: إن الرجس في الآية يحمل على النجس ولا ينافيه وقوعه مع ذلك خبراً عن الأنصاب والأزلام، لإمكان أن يراد به بالنسبة إليها المستقذر عقلاً من باب عموم المجاز على أنه يمكن، بل هو الظاهر كونه خبراً عن الخمر خاصة فيقدر حينئذ لهما خبراً ولا يجب مطابقة المحذوف والموجود وإن كان دالاً عليه كما في عطف المندوب على الواجب بصيغة واحدة، فيتعين حينئذ كون الرجس بمعنى النجس(1).

كان الجواب: أنّ هذا مخالف للظاهر ولا مثبت له، كما أن ظاهر الآية كون الرجس خبراً عن الجميع، وعلى أي حال لابد من حمل الرجس على معنى آخر مثل المأثم أو العمل المستقذر أو المستقبح، ودعوى كونه خبراً عن خصوص الخمر وكون المقدر لغيرها غيره، مجازفة لشهادة السياق باتحاد الجميع من حيث الحكم فالمراد بالاجتناب عن المذكورات ترك استعمالها بحسب ما هو المتعارف.

لا يقال: ليكن الرجس مستعملاً في بعض المذكورات فيما يتصف بالقذارة والنجاسة المادية وفي بعضها الآخر -كالميسر- في القذارة المعنوية والحرام.

فإنه يقال: إن هذا معناه استعمال لفظ الرجس في أكثر من معنى – بحسب

ص: 47


1- القائل هو صاحب الجواهر (رحمة الله): 6/4. وفي المقابل عن مجمع البيان:(لابد من أن يكون في الكلام حذف والمعنى شرب الخمر أو تناوله أو التصرف فيه وعبادة الأنصاب والاستقسام بالأزلام رجس أي خبيث من عمل الشيطان) فلو قيل:(العصير حرام) فإن الحرمة بعد احتياجها إلى فعل مقدر لعدم تعلقها بالعين ابتداءً على ما هو المعروف يتعين كون المتعلق أمراً محذوفاً يقدر حسب ما تقتضيه المناسبات العرفية. وهنا المناسب عرفاً لعنوان العصير هو الشرب فيكون هو المقدر، ولو سُلِم أن كلاً من الشرب والازدراد الشامل للأكل أيضاً مناسب فلا معين للمفهوم الأعم.

المذكورات في الآية- ومن الواضح أن استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى إن لم يكن ممتنعاً فهو على الأقل خلاف الظاهر، ولعل المراد من الرجس هو المأثم أو الفعل المؤدي إلى العقاب أو القبيح ليصح كونه خبراً عن الميسر وغيره أيضاً وإن سلم مجيئه بمعنى النجس.

مناقشة الوجه الثاني

ويلاحظ على الوجه الثاني: منع التمسك بإطلاق لفظ [فاجتنبوه] بعرضه الواسع حيث لا يحتمل أحد حرمة النظر إلى الخمر أو الاقتراب منه فيُقتصر على القدر المتيقن منه وهو اجتناب التناول والشرب فإنه الثابت بالضرورة من الدين.

وتوضيح ذلك: أنّ الإطلاق إذا كانت له مرتبة وسيعة لكن يتعذر الأخذ بها لسبب أو لآخر وفي نفس الوقت توجد مراتب أخرى أضيق، فما هو الموقف العملي؟ ويمكن أن نمثل لتوضيح الفكرة بالأمثلة التالية:

الأول: روي عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قوله: (لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيبة نفسه)(1).فإن مقتضى إطلاق هذا الكلام عدم جواز حتى النظر أو ما يقرب منه، ولكن هذا ليس مقصوداً جزماً فيتعذر الحمل عليه والشمول لهذه السعة، فيدور الأمر بين الحمل على القدر المتيقن وهو التصرف الخارجي بالأكل أو الشرب أو إتلاف أو نقل من مكان لآخر، وبين الحمل على ما هو أوسع, أي ما يشمل التصرف الاعتباري أيضاً كالبيع والإجارة ونحوهما ولم يحصل الإقباض بعدُ وإلا صار تصرفاً خارجياً تكوينياً.

الثاني: ورد في معتبرة عبد الله بن سنان سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول لأبي وشكا إليه حر الشمس وهو محرم، وهو يتأذى به فقال: ترى أن أستتر بطرف ثوبي؟

ص: 48


1- الكافي: 7/274، ولاحظ وسائل الشيعة: 5/120/ب3 من أبواب مكان المصلي ح1.

فقال: (لا بأس بذلك ما لم يصب رأسك)(1).

فإن مقتضى الإطلاق لهذا الكلام هو أن الإصابة متى ما صدقت ولو بجزء يسير - كأنملة الأصبع- فهذا لا يجوز، ولكن نعلم من الخارج أن الفقهاء لا يلتزمون بذلك في هذا المقدار اليسير، فالمدار عندهم على صدق عنوان التغطية والخمار وستر الرأس، والإصابة بهذا المقدار لا يصدق عليه أحد هذه الأمور، فيدور الأمر بين إرادة القدر المتيقن وهو ستر جميع الرأس وبين إرادة الستر بدرجتها الثانية الصادقة بستر نصف الرأس مثلاً.

الثالث: ورد في معتبرة عبد الله بن سنان: (كل شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه)(2).

فإن مقتضى إطلاق هذه الصحيحة الشمول لكل من:

أ. الشبهة المحصورة.

ب. الشبهة غير محصورة.

ج. الشبهة البدوية.

ولكن يتعذر الأخذ بهذا العرض الواسع لكل هذه الحالات الثلاثة؛ وذلك بسبب أن الشبهة المحصورة لا يمكن الحكم بإباحة كلا طرفيها فهذا يؤدي إلى المخالفة القطعية العملية، وهو لا يجوز.

ص: 49


1- وسائل الشيعة: 12/525 الباب 67 من أبواب تروك الإحرام ح4 عن الفقيه 2/227/1068 بإسناده عن عبد الله بن سنان. في هامش الوسائل:(في المصدر: يصب). وطريق الشيخ الصدوق إلى عبد الله بن سنان في المشيخة صحيح قال: (وما كان فيه عن عبد الله بن سنان فقد رويته عن أبي (رضی الله عنه)، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أيوب بن نوح، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان)(وسائل الشيعة: 30/68).
2- وسائل الشيعة: 17/87/ب4 من أبواب ما يُكتسب به ح1. ورواه المشايخ الثلاثة رحمهم الله.

فيدور الأمر والموقف العملي بين الشمول للشبهة البدوية والشبهة غير المحصورة وبين الاقتصار فقط على المرتبة الأضيق أي خصوص الشبهة البدوية.

وفي هذه الأمثلة الثلاثة يمكن القول: إن مدرك حجية الإطلاق هو السيرة العقلائية وهي منعقدة على الأخذ بالإطلاق عند إمكان ذلك، وأما عند تعذر الأخذ بالإطلاق بمساحته الواسعة -كما في الأمثلة المتقدمة- فهنا لا يجزم ولا يعلم بانعقاد السيرة على الأخذ بالإطلاق بمساحته ودائرته بالدرجة الثانية الأقل سعة، وبالتالي يصير الدليل مجملاً ومردداً، وتكون النتيجة هي لزوم الاقتصار على القدر المتيقن الأضيق وهو في المثال الأول التصرف الخارجي، وفي المثال الثاني ستر جميع الرأس، وفي المثال الثالث خصوص الشبهة البدوية.

وحمل الإطلاق بعد تعذر المرتبة الوسيعة على المرتبة الثانية يحتاج إلى دليل.

ونعود إلى مقامنا فيقال: إن التمسك بإطلاق [فاجتنبوه] بعرضه الواسع - الشامل للنظر والاقتراب- باطل جزماً حيث نعلم من الخارج أنه ليس المقصود جداً السعة بدرجتها الكبيرة فلا يحتمل أن النظر إلى الخمر أو ما شاكله محرم، وبعد تعذر الحمل على هذه السعة يدور الأمر بين الحمل على المرتبة الثانية الشاملة للتصرف الخارجي التكويني وللتصرف الاعتباري، وبين الحمل على القدر المتيقن وهو التصرف الخارجي فقط - أي حرمة الشرب الذي هو ثابت بالضرورة من الدين-، والمناسب هو الحمل على القدر المتيقن إلا أن تقوم قرينة من الخارج.

ويمكن أن يُناقَش الوجه الثاني بأنَّ التمسك بالإطلاق هنا لفهم شمول الاجتناب لكل الآثار لا يصح من الأساس؛ لأن الإطلاق مورده الموضوع ولا يجري في المحمول، بل دائماً يؤخذ في المحمول بالقدر المتيقن.

ص: 50

فإذا قيل (الدواء نافع) فالإطلاق يجري في الدواء أي أن أي فرد من الدواء كان فهو نافع - إن قلنا بتمامية مقدمات الحكمة وجريان الإطلاق - ولكن لا يجري الإطلاق في المحمول بمعنى أنه نافع لكل شيء.

وكذلك الحال في مثل (الفقيه عالم) فهنا يثبت بمقدمات الحكمة أن كل فقيه عالم لا أن الفقيه عالم بكل علم، بل يكفي أن يكون عالماً بعلم واحد؛ لأن المحمول يلحظ بنحو صرف الوجود.

وكذا في مثل (زيدٌ عالم) أو(الشيخ المفيد عالم) وشُكَّ أن المراد علم الفقه فقط، أو علم الحساب أيضاً فلا يتمسك بالإطلاق لإثبات أن زيداً عالم بكل شيء، بل يقتصر على القدر المتيقن حيث لا يجري الإطلاق في المحمول، وكذا لو قال المولى: (الصلاة باطلة) فلا يصح التمسك بإطلاق المحمول وأن كل موجبات البطلان موجودة في هذه الصلاة، بل يكفي وجود مبطل واحد يصدق معه أن الصلاة باطلة.

أمكن الجواب: أن مقدمات الحكمة إن تمت - أي بأن أحرزنا أن المولى في مقام البيان ولا قرينة على التقييد- أنتجت الإطلاق والشمول، بل فرق بين أن يكون ذلك في الموضوع أو المحمول فمثلاً لو قال المولى: (الماء مطهر) وكان في مقام البيان فلا ضير أن نقول إن مقدمات الحكمة تامة في المحمول كما أنها تامة في الموضوع، بمعنى أن كل ما صدق عليه ماء يثبت له هذا الحكم وهو التطهير، وكذلك الحكم بالمطهر فهو يشمل تطهير كل النجاسات ولا يختص تطهيره بنجاسة دون نجاسة، وهذا هو مقتضى إطلاق المحمول حيث لم يختص بالتطهير من نجاسة معينة كالدم.

ولعل الوجه في عدم إمكان التمسك بالإطلاق في المحمول فيما ذكر من الأمثلة هو من جهة عدم قبول المحمول للإطلاق، إذ إنّ الدواء عادة لا يمكن افتراض نفعه لكل مرض، وكذا الحال في (زيد عالم)، فإنه يصعب أن نفترض أن زيداً عالم بكل

ص: 51

معلوم، فهذه الصعوبة مانعةٌ من التمسك بالإطلاق في المحمول وإلا فعند إمكان التمسك بالإطلاق في المحمول، يجري ولا مانع منه.

إذاً منع جريان الإطلاق في المحمول بقول مطلق ليس بتام، وفي مقامنا لا مانع من الإطلاق, غايته يتعذر الأخذ به بعرضه الوسيع الأول.

قال في المدارك: (وبمنع كون الأمر بالاجتناب للنجاسة لجواز أن يكون إثماً ومعصية كما في الميسر وما بعده)(1).

وإن قيل: يمكن استفادة العموم الشامل للمس والوقوع على الجسم ونحوه المستلزم للقول بالنجاسة من خلال التمسك بقاعدة حذف المتعلق - متعلق الاجتناب- فإنها تدل على العموم إذ لم تُبَيِّن الآية ما يُراد اجتنابه.

كان الجواب: أنّ حذف المتعلق لا يدل على العموم وإنما يقدر الأثر المناسب نظير ما ذكره الفقهاء في[حرمت عليكم أمهاتكم] وفي المقام الأثر المناسب هو الشرب.

وبعبارة أخرى: إن المتبادر من الاجتناب من كل شيء الاجتناب عما يتعارف في الاقتراب منه, فالمتعارف من الاقتراب من الخمر الشرب منه, ومن الاقتراب من الميسر اللعب به، ومن الاقتراب من الأنصاب عبادتها، فعلى هذا يكون الأمر بالاجتناب عن الخمر المتبادر منه الاجتناب عن شربه لا الاجتناب عن جميع الوجوه كما يقولون إن [حرمت عليكم الميتة] لا إجمال فيه إذ المتبادر تحريم أكلها (2).

وعلى أي حال لا ملازمة بين الاجتناب وبين ثبوت النجاسة، فقد يكون الشيء طاهراً ولكن يحرم تناوله كالتراب والسم.

والخلاصة مما تقدَّم: أن المراد من الرجس في الآية المباركة هو النجاسة الخبثية

ص: 52


1- المدارك: 2/291.
2- لاحظ البحار: 77/95.

المصطلحة, أو أن المراد من الاجتناب ما يدل على النجاسة لم يثبت من الآية المباركة.

ومن هنا قال المحقق (رحمة الله) في المعتبر: (والاستدلال بالآية عليه فيه إشكالات)(1).

وقال المقدس الأردبيلي (رحمة الله): (وبالجملة لا دلالة فيها على نجاسة الخمر)(2).

وقال صاحب الذخيرة (رحمة الله): (التمسك بالآية ضعيف)(3).

وقال السيد الخميني (رحمة الله): (ولكن بعد اللتيا والتي إثبات نجاستها بالآية محل إشكال ومناقشة لا مجال للتفصيل حولها)(4).

وقال السيد الخوئي (رحمة الله): (إن الكتاب العزيز لا دلالة له على نجاستها حيث إنّ الرجس في قوله عز من قائل: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ ليس بمعنى النجس بوجه؛ لوضوح أنه لا معنى لنجاسة بقية الأمور المذكورة في الآية المباركة, فإن منها الميسر وهو من الأفعال ولا يتصف الفعل بالنجاسة أبداً, بل الرجس معناه القبيح...)(5).

الدليل الثاني: الاجماع

وقد استدل به على نجاسة الخمر كما عن غير واحدٍ من المتقدمين:

قال السيد المرتضى (رحمة الله) في الناصريات: (الخمر نجسة, وكذلك كل شراب يُسكر كثيره. لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر, إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم)(6).

وقال الشيخ الطوسي (رحمة الله): (والخمر نجسة بلا خلاف)(7).

ص: 53


1- المعتبر: 1/424.
2- زبدة البيان: 42.
3- ذخيرة المعاد(ط.ق): ج1/ق1/ص153.
4- كتاب الطهارة: 3/173.
5- التنقيح في شرح العروة الوثقى: 3/83 (ط. جديدة).
6- مسائل الناصريات: 95 للسيد الشريف المرتضى (355-436ﻫ ).
7- المبسوط: 1/36.

وقال السيد ابن زهرة (رحمة الله): (والخمر نجسة بلا خلاف ممن يعتد به)(1).

وقال صاحب الجواهر (رحمة الله): (المشهور نقلاً وتحصيلاً قديماً وحديثاً بيننا وبين غيرنا شهرة كادت تكون إجماعاً بل هي كذلك)(2).

ولا يخفى أن دعوى الإجماع عند المتأخرين ترجع إلى الشهادات من المتقدمين, والإجماع عندما يدعى إما أن يدعى ثبوته بالتحصيل الوجداني, أو عن طريق النقل، وكيفما كان يلاحظ على الاستدلال بالإجماع:

1. لا نسلم بوجود إجماع محصل مباشرة بالوجدان، وكيف يدعى تحصيل الإجماع الوجداني مع وجود معروفية مخالفة فقهاء من المتقدمين المقاربين لعصر الأئمة (علیهم السلام) مما يكون خلافهم مضراً في اكتشاف الإجماع كالصدوق وابن أبي عقيل وغيرهم ممن تقدم. ومن هنا استدل العلامة (رحمة الله) بالإجماع بعنوانه المنقول والمُحصَّل فلم يكن الإجماع ثابتاً عنده بالوجدان.

قال (رحمة الله): (الخمر وكل مسكر... نجس ذهب إليه أكثر علمائنا كالشيخ المفيد والشيخ أبي جعفر والسيد المرتضى و...، لنا وجوه: الأول: الإجماع على ذلك فإنه السيد المرتضى قال: (لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر...)، وقال الشيخ (رحمة الله) الخمر نجسة بلا خلاف... وقول السيد المرتضى والشيخ حجة في ذلك فإن الإجماع منقول بقولهما وهما صادقان فيغلب على الظن ثبوته)(3) فالعلامة (رحمة الله) لم يثبت أكثر من هذه المرتبة.

وكذلك المحقق (رحمة الله) فإنه لم يثبت عنه الإجماع وجداناً، قال (رحمة الله): (الخمر نجسة العين, وهو مذهب الثلاثة وأتباعهم والشافعي وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم. وقال

ص: 54


1- غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع: 41، للسيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (511-585ﻫ ).
2- الجواهر: 6/2.
3- مختلف الشيعة: 1/469-470 للعلامة الحلي (648-726ﻫ ).

محمد بن بابويه(1) وابن أبي عقيل(2) منا: ليست نجسة وتصح الصلاة مع حصولها في الثوب وإن كانت محرمة... ثم الوجه: أن الأخبار المشار إليها من الطرفين ضعيفة... والاستدلال بالآية عليه فيه إشكالات, لكن مع اختلاف الأصحاب والأحاديث يؤخذ بالأحوط في الدين)(3)، فإذاً على فرض كون الاستدلال بالإجماع المحصل فإنه لم يثبت.

ثم إنه لم يثبت لنا وجود إجماع من خلال النقل بحيث يصل إلى درجة الاستفاضة أو التواتر بنحو يوجب الوثوق والاطمئنان بالحكم الشرعي حتى يكون حجة, ولذا نجد العلامة (رحمة الله) اعتمد على نقل الإجماع بأخبار الآحاد الثقات وكذا المحقق (رحمة الله)، فهو نقل اختلاف الأصحاب والأحاديث, وبالتالي لم يثبت عنده وجود إجماع مفيد للاطمئنان حتى يحتج به.

فإذاً إلى هنا تبين أنه لا إجماع محصل ليكون كاشفاً لنا عن وجود دليل معتبر عند المجمعين فإنا عندما نستدل بالإجماع فإن ذلك باعتبار كشفه عن وضوح الحكم المجمع عليه.

وتبين أيضاً أن الموجود هو إجماع منقول بخبر الواحد ولم يصل إلى درجة الاستفاضة بنحو يوجب الوثوق,(4) وإلا فالإجماع المنقول بخبر الواحد ليس بحجة في حدّ نفسه، لاسيما من السيد والشيخ بعد ملاحظة ما ذكر من أن السيد مسلكه في دعوى الإجماع - الذي يؤدي به إلى دعواه على فتاوى يكاد أن يتفرد بها- يزيل الوثوق بظاهر كلامه عند ادعاء الإجماع، وأما الشيخ فقوله (بلا خلاف) مبني على

ص: 55


1- الصدوق ووالده هما من كبار الوسط الفقهي الإمامي في حوزة قم، توفي الأب سنة 329ﻫ، وأما الابن فقد توفي سنة 381ﻫ.
2- ابن أبي عقيل والجعفي هما من شيوخ أصحابنا في العراق، توفي الأول سنة 329ﻫ، وكلهم من المقاربين لعصر الأئمة (علیهم السلام) أو المعاصرين لمقدار منه فمخالفة قولهم تضر بالإجماع.
3- المعتبر: 1/422 للمحقق الحلي (رحمة الله) (ت: 676ﻫ ).
4- حيث لم يقم دليل على كفاية الاستفاضة بعنوانها.

ضرب من التسامح؛ إذ كيف يخفى عليه خلاف مثل الصدوق الذي هو على رأس مدرسة فقهية كبيرة(1).

وعن المحقق التستري عند حديثه عن ابن أبي عقيل العماني: وكان لا يعمل إلا بالأخبار المتواترة إلا أنه كالمفيد والمرتضى يدعي التواتر كثيراً فيما لا تواتر فيه كادعاء الإجماع فيما لا إجماع فيه(2).

2. أنّ المسألة خلافية حتى قبل عصر الفقه الإمامي - أي خلافية في عصر الرواة وأصحاب الأئمة (علیهم السلام) - فلاحظ رواية أو معتبرة خيران الخادم(3) ومعتبرة علي بن مهزيار(4)، ومعتبرة كليب بن معاوية(5) وهذا معناه أن نجاسة الخمر لم تكن من

ص: 56


1- بحوث في شرح العروة الوثقى: 3/408. نعم, من خالف في مسألة ما وكان بعيداً عن الحوزة وأجوائها فقد يخفى عليه أوضح الواضحات فلا تكون مخالفته حينئذ مخالفة معتداً بها.
2- عن قاموس الرجال: 3/198.
3- وسائل الشيعة: 3/468، وفي سندها سهل بن زياد وهو محل كلام, وقال السيد الشهيد (رحمة الله) في بحوث في شرح العروة الوثقى: 3/413: (والرواية وإن كانت غير صحيحة السند, لا أنه يحتمل صدورها وبقدر الاحتمال الوجداني لصدورها تكون عاملاً مضاداً للكاشفية التكوينية للإجماع, إلا أن مما يوهن أمر الرواية عطف لحم الخنزير على الخمر أيضاً) والمهم يمكن استفادة نفي ارتكاز النجاسة عن الأصحاب بمقدار إمأريتها الاحتمالية.
4- وسائل الشيعة: 3/468، وهي تامة سنداً بأحد طريقيها. وأما الطريق الآخر ففيه سهل بن زياد, وهو محل خلاف.
5- وسائل الشيعة: 25/341، وهي تكشف وتدل بوضوح على أن أبا بصير وأصحابه لم تكن النجاسة مركوزة في أذهانهم, وإلا لعرفوا أن إلقاء الماء في النجس لا يطهره حتى إذا فرض زوال صفة الإسكار، فشبهة جواز شرب النبيذ بعد كسره بالماء تكشف عن أن حرمة شربه لأجل علة الإسكار ومتى ما زال الإسكار عنه زالت الحرمة معه. نعم, هي واردة في النبيذ ولم يكن فيها ذكر الخمر ومن هنا يمكن أن يقال: إن دائرة الخمر تشمل ما أخذ من التمر أو العنب كما أن النبيذ يشمل التمر والعنب غايته بالنبيذ لا بالاعتصار، أو يقال: لا فرق بين النبيذ والخمر بحسب كلام المجمعين حيث أفتوا بالنجاسة فيها, فإذا ثبت انتفاء ارتكاز النجاسة عندهم في النبيذ ثبت ذلك في الخمر أيضاً. وفي بحوث في شرح العروة الوثقى: 3/413 عند ذكر رواية كليب بن معاوية قال: (ومن المعلوم أنه لو كان المرتكز في ذهنهم النجاسة لكان من البعيد أن يتوهموا كسر محذور النجاسة بالماء؛ لأن من الواضح أن النجس إذا زيد ماءً تنجس ما يلقى فيه ولا يطهر. وإنما ينشأ هذا التوهم عند قصر النظر على محذور الحرمة فيكشف عن عدم ارتكاز النجاسة في ذهن ثلة من فقهاء أصحاب الأئمة (علیهم السلام), والرواية وإن وردت في النبيذ المسكر إلا أنه تنفع للغرض المطلوب على كل حال).

الواضحات عن أصحاب الأئمة (علیهم السلام) فلا وجود لارتكاز متشرعي متلقى من الأئمة يداً بيد, وإنما حدث الارتكاز المتشرعي للنجاسة أخيراً نتيجة استدلال الفقهاء واستنباطهم. فإذاً اتضح أن الإجماع المدعى لا يكشف كشفاً واضحاً عن أن الحكم هو النجاسة في زمن الأئمة (علیهم السلام) . وأما اشتهار الحكم بالنجاسة وكونه واضحاً اليوم فهو قد تكوّن على أساس فتاوى الفقهاء.

3. لو سلم الإجماع من الفقهاء وأنه من تتبع فتاواهم في كتبهم فهو إجماع مدركي جزماً أو احتمالاً وأنه مستند إلى الوجوه الصناعية, بمعنى أنهم استندوا إلى مدرك ومستند, لا أن الحكم كان مركوزاً عندهم متسالماً عليه بينهم وأنهم تلقوه جيلاً بعد جيل عن الأئمة (علیهم السلام) .

فإذاً الإجماع لو كان متحققاً فهو محتمل المدرك ومثله لا يكون حجة, إذ حجية الإجماع ناشئة من كاشفيته يداً بيد عن رأي المعصوم (علیه السلام), ومع احتمال المدرك لا يمكن الجزم بكاشفيته, وعندئذ تعود القيمة للمدرك وتكون العبرة بما يستفاد من النصوص أو بصواب غيرها من المستندات.

والحاصل: أن دعوى الإجماع هنا هي كسائر الإجماعات فإنه إذا تحقق حقاً فكونه تعبدياً أول الكلام, حيث لا يخفى أن الإجماع النافع والمثمر والذي اعتمد عليه الفقهاء لاستكشاف الحكم الشرعي هو ما يعبر عنه اصطلاحاً بالإجماع التعبدي الواصل يداً بيد طبقة عن طبقة.

ص: 57

وبعبارة أخرى: إن الإجماع:

أ. غير متحقق بعد ذهاب جمع من الأساطين إلى القول بالطهارة.

ب. إنه لمعلومية مدرك المجمعين لا يعتمد عليه.

وأخيراً لا يخفى أن وجود الروايات على الطهارة يوهن الإجماع على النجاسة بعد ملاحظة أنها لا تحمل على التقية فالمشهور عندهم النجاسة، كما أنها ليست مخالفة للكتاب.

والخلاصة من كل ما تقدم أنه لا اطمئنان بوجود إجماع.

الدليل الثالث: الأخبار

وهي في المقام كثيرة في كلا الجانبين - طهارة الخمر ونجاسته- ويكفي للاستدلال على الحكم تمامية بعضها سنداً ودلالة, بل حتى لو فرض عدم تماميتها سنداً بأجمعها, لكن كثرتها تشكل عنوان الاستفاضة الموجبة للاطمئنان- أي يحصل الاطمئنان بصدور المضمون- ولنتعرض أولاً إلى ما استدل به على النجاسة.

والروايات المستدل بها على النجاسة -بحسب ما أمكنني الاطلاع عليه- هي على أصناف:

منها: ما استدل به على أنه كالصريح, أو قل له ظهور قوي في النجاسة كرواية أبي بصير في حديث النبيذ بعد عدم القول بالفصل, ورواية عمار بن موسى.

ومنها: - وهو الأكثر- ما دل على غسل الثوب أو البدن ونحوهما إذا أصابه خمر, وهو يقتضي النجاسة بتقريب: أن الأمر بالغسل ظاهر في الإرشاد إلى النجاسة.

ومنها: ما دل على لزوم إهراق المرق والماء ونحوهما إذا أصابه الخمر, فهذا يرشد إلى النجاسة كروايتي زكريا بن آدم وعمر بن حنظلة.

ومنها: ما دل على نزح ماء البئر إذا وقع فيها الخمر كرواية عبد الله بن سنان.

ص: 58

ومنها: ما دل على التوقي مما أصابه الخمر من الآنية والخوان, كرواية علي بن جعفر ورواية يونس ورواية محمد بن مسلم.

ومنها: ما دل على تنزيل الخمر منزلة لحم الخنزير والميتة, كرواية الحلبي ورواية هارون بن حمزة الغنوي, بتقريب: التمسك بإطلاق التنزيل ليشمل أثري الحرمة والنجاسة.

ومنها: ما استدل به على النجاسة من خلال الإمضاء السكوتي لما ارتكز في ذهن السائل من نجاسة الخمر كرواية عبد الله بن سنان.

فمما استدل به على الخمر مما دلَّ على غسل الثوب أو البدن ونحوهما:

معتبرة عبد الله بن سنان قال سأل أبي أبا عبد الله (علیه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري أو يشرب الخمر, فيرده, أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: (لا يصلي فيه حتى يغسله)(1).

وتقريب الاستدلال بها أن يقال: إنّها ظاهرة في الإرشاد إلى النجاسة, حيث ظاهر الأمر بغسل الثوب كونه أمراً إرشادياً إلى نجاسة الثوب - لا أنه حكم مولوي تكليفي تعبدي إذ من المعلوم إنّ الغسل لا يجب لنفسه وإنما هو لأجل العبادة- ولو لم يكن الثوب نجساً لم يكن هناك وجه وحاجة لأن يأمر الإمام (علیه السلام) بالغسل.

ولكن يلاحظ على هذا التقريب: أنه توجد رواية أخرى - ستأتي- لعبد الله بن سنان لم يرد فيها الأمر بالغسل, بل قال (علیه السلام) له: صلِّ فيه ولا تغسله - فلاحظ- وبالتالي يمكن حمل الأمر على الاستحباب أو على جهة الاستقذار العرفي والتنزّه

ص: 59


1- وسائل الشيعة: 3/521/ب74 -باب طهارة الثوب الذي يستعيره الذمّي إلى أن يعلم تنجيسه له واستحباب تطهيره قبل استعماله- ح2 عن التهذيب، وهي في التهذيب 2/361/ح1494: علي بن مهزيار عن فضالة عن عبدالله بن سنان.

ورفع الحزازة من النفس كما ذكر ذلك في بعض الروايات(1).

هذا إن قلنا هما روايتان وقبلنا هذا الجمع العرفي بينهما، وإلاّ فإن رفضناه وقلنا بينهما تدافع وتنافي ويتحير العرف بينهما, يكون التعارض مستقراً ثم التساقط.

كما أنه إن قلنا هما رواية واحدة(2)

فحينها لا نعرف ما هو الصادر منهما فلا يكون أيّاً منهما حجة.

ولا يخفى أنّ التقريب المتقدم للدلالة المتقدمة يذكر أيضاً في الروايات الآتية(3) الآمرة بغسل الثوب أو البدن أو غيرهما مما أصابه الخمر أي الروايات المشتملة على مجرد الأمر بالغسل، وكذلك يأتي في الروايات الآمرة بالإهراق(4).

وعلى أي حال بعد وجود روايات تدل على الطهارة يمكن توجيه هذه الروايات,

فهي ليست بصدد إثبات النجاسة, ولا أقل بقرينة تلك الروايات.

ص: 60


1- المستدل بها على الطهارة فلاحظ، ولا يخفى أن الأوامر التنزيهية التي ترد عن الأئمة (علیهم السلام) هي لإرشاد الناس إلى الكمال, منها مثلاً: ما ورد في معتبرة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (علیه السلام):... وسألته عن أبوال الدواب والبغال والحمير فقال: (اغسله, فإن لم تعلم مكانه فاغسل الثوب كله, وإن شككت فانضحه). (الكافي ج3 باب أبوال الدواب ح2)، وهو محمول على الاستحباب والتنزّه، قال صاحب الوسائل: 3/403: (أقول: هذا محمول على الاستحباب لعدم نجاسة الأبوال المذكورة).
2- إن احتمال الوحدة في روايات متعددة -بينهما بعض الاختلاف- إنما يكون مضراً فيما إذا فرض وجود سؤال من الراوي فنقول من البعيد سؤاله عن قضية واحدة أكثر من مرة، ولا جزم بانعقاد السيرة على الحكم بالتعدد، وأما إذا لم يوجد سؤال فلا يكون التعدد مضراً, وإنما يكون معناه أن الراوي سمع من الإمام (علیه السلام) يقول ذلك في أكثر من مجلس.
3- التي هي الأكثر فلاحظ.
4- ولا يخفى وجود احتمال آخر في روايات غسل الإناء أو إهراق ما فيه غير مسألة الحكم الإرشادي بالغسل إلى النجاسة, وهو أن الغسل ليس من جهة الارشاد الى النجاسة, ولذا ترى اختلاف الأمر بالغسل من حيث العدد بحسب الأواني وإنما الأمر بالغسل هو لأجل أن لا يحصل تناول للخمر, فالملاحَظ هو مسألة حرمة التناول لا مسألة النجاسة.

وقد تُقرَّب دلالة المعتبرة المتقدمة على النجاسة بتقريب آخر, وهو: إنّ كلام السائل يدل على ارتكاز نجاسة الخمر في ذهنه والمفروغية من ذلك, وأن الإمام (علیه السلام) سكت, وهذا يدل على الإمضاء والتقرير على ما ارتكز في ذهن السائل.

قال السيد الحكيم (رحمة الله): فإن الأمر فيه وإن كان محمولاً على الاستحباب لكنه يدل بالتقرير على نجاسة الخمر(1).

ولكن يمكن أن يلاحظ عليه:

أ. أنّ الرواية وإن كان ظاهرها تَركُّز شيء في ذهن السائل, ولكن مَن قال إنّ المركوز هو حيثية اللزوم؟ فلعل المركوز كان حيثية الرجحان بالمعنى الأعم أو خصوص الاستحباب.

ب. ولو سُلّم ارتكاز اللزوم فهو يحتاج إلى إمضاء، والإمضاء نستفيده من سكوت الإمام (علیه السلام)، ولكن يمكن أن يقال: إنّه ليس كل سكوت يستفاد منه الإمضاء, فإن بعض الأمور المركوزة قد لا تؤثر على الحكم الشرعي, بل العمل على وفقها يكون موافقاً للاحتياط، نعم الردع عن الارتكاز يكون واجباً إذا كان يوجب انحرافاً أو إغراءً في الموقف العملي.

ج. ولو سُلّم الإمضاء, ففي المقام يوجد ما يُضعف استفادة الإمضاء من سكوته (علیه السلام), وهو عطف الخمر على الجريّ مع عدم نجاسته.

وأما سنداً فالرواية معتبرة, فقد رواها الشيخ الطوسي في التهذيب بإسناده عن علي بن مهزيار عن فضالة عن عبد الله بن سنان، والكل ثقات كما يتضح بالمراجعة, وطريق الشيخ الطوسي في المشيخة إلى علي بن مهزيار تام، وأيضاً قد رواها الكليني في الكافي ونصّها الكامل في الكافي كالتالي: (5- علي بن محمد عن سهل بن زياد عن

ص: 61


1- المستمسك: 1/400.

خيران الخادم قال: كتبت إلى الرجل (صلوات الله عليه) أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير, أيصلى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: صلِّ فيه فإن الله إنّما حرّم شربها، وقال بعضهم: لا تصلِّ فيه، فكتب (علیه السلام): (لا تصلِّ, فيه فإنه رجس). قال: وسألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجريّ أو يشرب الخمر, فيرده, أيصلي فيه قبل أن يغسله؟ قال: (لا يصلي فيه حتى يغسله)(1).

وهنا إشكالان سنديان:

الأول: وجود سهل بن زياد, وهو محل كلام وخلاف.

الثاني: أنّ نقل خيران الخادم عن الإمام الصادق (علیه السلام) مباشرة لا يناسب طبقته, حيث إن خيران من أصحاب الإمام الجواد أبي جعفر الثاني (علیه السلام) والإمام الهادي أبي الحسن الثالث (علیه السلام)، وعن الشيخ الطوسي في رجاله عدّه في أصحاب الإمام الهادي (علیه السلام) وتوثيقه(2). وقال صاحب الوسائل: (خيران الخادم من أصحاب أبي الحسن الثالث (علیه السلام) ثقة، قال الشيخ والعلامة, وروى الكشي مدحه ووكالته)(3)(4).

ومن هنا قال السيد الخوئي (رحمة الله): (رواية خيران الخادم الذي هو من أصحاب الهادي (علیه السلام) عن الصادق جعفر بن محمد سلام الله عليهما غريب؛ لبعد الطبقة, ولا يبعد وقوع التحريف فيه من النُساخ, وأن قوله: (قال وسألت أبا عبد الله (علیه السلام))كان ذيل الحديث (2), وأن الراوي هو عبد الله بن سنان, وكتب ذيل الحديث الخامس

ص: 62


1- الكافي: 3/405 في ذيل ح5.
2- معجم رجال الحديث: 8/88، ولاحظ اختيار معرفة الرجال: 2/867.
3- وسائل الشيعة: 30/365.
4- اختيار معرفة الرجال: 2/868.

اشتباهاً)(1).

ومما يؤكد كلامه (رحمة الله) أن الشيخ الطوسي (رحمة الله) نقل رواية خيران مبتدئاً بسهل بن زياد وتنتهي الرواية بكلمة رجس(2).

وعلى أي حال, الطريق الأول المذكور في التهذيب تام, ويكفينا لاعتبار الرواية سنداً(3).

ومنها: معتبرة علي بن مهزيار قال قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (علیه السلام): (جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) وأبي عبد الله (علیه السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل إنما قال: لا بأس أن يصلي فيه إنما حرّم شربها.وروى غير زرارة عن أبي عبد الله (علیه السلام) أنه قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ - يعني المسكر- فاغسله إن عرفت موضعه, وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه، وإن صليت فيه فأعد صلاتك، فأعلمني ما آخذ به؟ فوقّع (علیه السلام) بخطه, وقرأته: خذ بقول أبي عبد الله (علیه السلام))(4).

ص: 63


1- المعجم: 8/90.
2- التهذيب: ج2/ح1485.
3- ولا يخفى أن صاحب الوسائل نقل الصحيحة ثانيةً في 3/468/ب38 من أبواب النجاسات ح1 عن الكافي، ونصّ الحديث في الوسائل: محمد بن يعقوب عن الحسين بن محمد عن عبد الله بن عامر عن علي بن مهزيار عن فضالة بن أيوب عن عبد الله بن سنان قال سأل أبي أبا عبد الله عن الذي يعير ثوبه لمن يعلم أنه يأكل الجري أو يشرب...، وذكر في هامش الوسائل: (الكافي: 3/405/5). ولكن بمراجعة الكافي لا نجد النص المتقدم في ح5- كما اتضح نقله مما تقدم- حيث ح5 منقول عن خيران الخادم, فلعلّ الوجه في ذكر الحديث بهذا السند هو ما ذكره السيد الخوئي (رحمة الله) .
4- وسائل الشيعة: 3/468/ح2 عن الكافي. وفي هامش الوسائل (في نسخة: غير -هامش المخطوط). أقول: الرواية هي في الكافي: 3/407 (... وروى غير زرارة...)، وذكرها الشيخ في التهذيب: ج1/ح826 (عن أبي القاسم جعفر بن محمد عن محمد بن يعقوب عن... -بنفس السند أي بالطريقين-:... وروى غير زرارة...), ولكن كلمة (وقرأته) موجودة في التهذيب دون الكافي، وفي هامش التهذيب أن عبد الله بن محمد مشترك بين الحُضيني الثقة والبلوي الضعيف، وقال الشيخ (رحمة الله) بعد إيراده للمعتبرة (وجه الاستدلال من الخبر أنه (علیه السلام) أمر بالأخذ بقول أبي عبد الله (علیه السلام) على الانفراد والعدول عن قوله مع قول أبي جعفر (علیه السلام), فلولا أن قوله (علیه السلام) مع قول أبي جعفر خرج مخرج التقية لكان الأخذ بقولهما معاً أحرى وأولى) فالشيخ إذن حمل قوله (علیه السلام) (لا بأس أن يصلي إنما حرم شربها) على أنه خرج مخرج التقية.

والرواية تامة سنداً في أحد طريقيها إذْ رويت في الكافي بطريقين وفي الطريق الثاني سهل بن زياد وهو محل كلام وخلاف، وعلي بن مهزيار هو من الطبقة السابعة ومن أصحاب الرضا و الجواد والهادي (علیهم السلام) .

وتقريب الدلالة أن يقال: إن المراد بقول أبي عبد الله (علیه السلام) هو قول الإمام الصادق (علیه السلام) منفرداً، فدل على أن الرواية عن أبي جعفر وأبي عبد الله (علیهما السلام) لم تصح عنده (علیه السلام),فما رواه غير زرارة هو ليس بصحيح ومنفي من أساسه ولم يصدر، فالرواية ناظرة إلى بيان الحكم الواقعي الأولي ابتداءً(1)، وهي من طائفة أخبار النجاسة وطرف معارضة لأخبار الطهارة في عرضها لا أنها حاكمة عليها أو بمنزلة الخبر العلاجي حتى تكون متعرضة لترجيح أحد الخبرين على الآخر، فالسائل سأل عن الحكم الواقعي المتعين وهو حكم الخمر من حيث النجاسة والطهارة دون الحكم الظاهري وحال الحجية، فإذاً الرواية ليست بصدد الحكومة - والنظر لأحدهما وأن الآخر لا يؤخذ به لأنه كان تقية أو لظروف غير طبيعية- ولا بصدد بيان الحكم الظاهري وعلاج حال الحجية للخبرين المتعارضين حتى يقال هي من الأخبار العلاجية بل هي بصدد بيان الحكم الواقعي.

وبناءً على هذا التقريب يستفاد من الرواية نجاسة الخمر وعدم جواز الصلاة فيما أصابه، والوارد فيها عنوان النبيذ المسكر وعنوان الخمر.

ولكن يمكن أنْ يُقال: إنه يحتمل أن يكون المقصود من قول أبي عبد الله (علیه السلام)

ص: 64


1- وكذا رواية خيران فقد قيل إنها أوضح في النظر إلى الحكم الواقعي, وفي أنها ليست من الأخبار العلاجية؛ لأن الإمام (علیه السلام) فيها كان يبين الحكم الواقعي معللاً ذلك بأنه رجس ومعه فعدم الحكومة يكون أوضح.

هو أرجحية التنزه عن الثوب الذي أصابه خمر وليس من باب تنجس الثوب, وهذا احتمال موجود وقائم لاسيما مع ملاحظة أخبار الطهارة, فلا مثبت لكون قول أبي عبد الله (علیه السلام) دالاً على النجاسة والإلزام بالغسل وإعادة الصلاة، فالكلام وإن فرض أنه ليس ناظراً إلى التعارض وتقديم إحدى الروايتين وإسقاط حجية الأخرى ولكنه مع ذلك يحتمل أن تقديم قول الإمام الصادق (علیه السلام) هو للتنزه وأرجحيته.

مضافاً إلى أنه يحتمل أن يكون المراد ب-(خذ بقول أبي عبد الله (علیه السلام)) هو قوله الذي مع الإمام الباقر (علیه السلام), ويكون تعبيره بذلك لمصلحة ولو للتنفير من الخمر فلا يتعين أن يكون المراد هو قول الإمام الصادق (علیه السلام) منفرداً(1).

وسيأتي الكلام مرة أخرى عن المعتبرة في الوجه الأول من وجوه الجمع بين أخبار النجاسة وأخبار الطهارة.

ومنها: معتبرة عمار الساباطي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: (لا تصلِّ في بيت فيه خمر ولا مسكر لأن الملائكة لا تدخله، ولا تصل في ثوب قد أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل)(2).

ص: 65


1- إن صيغة (خذ) لو جاءت وحدها فلها ظهور في الوجوب بغض النظر عن روايات الطهارة خلافاً للمحقق الخوانساري في مشارق الشموس: 1/331 ط.ق حيث قال: (وأما صحيحة علي بن مهزيار ففيه أن صيغة خذ لا ظهور لها في الوجوب في عرف ائمتنا (علیهم السلام) نعم إذا وردت في روايات متعددة صيغة الأمر ولم يوجد ما يدل على الاستحباب في روايات أخرى, بل ولم يظهر أيضاً قول من الأصحاب بالاستحباب فحينئذ لا يبعد أن يقال بظهورها في الوجوب كما ذكرنا سابقاً, وفيما نحن فيه ليس كذلك إذ يوجد الروايات الدالة على الاستحباب وكذا القول بخلاف الوجوب من الأصحاب...).
2- ن. م ح7 عن التهذيب وطريق الشيخ إلى محمد بن أحمد بن يحيى تام في المشيخة. وذكر أن هذه الرواية تدل على أن النجاسة ليست مختصة بالخمر على فرض أن يكون الخمر اسماً لمسكر خاص ولا يشمل سائر المسكرات، وذلك لعطفه (علیه السلام) كلمة المسكر في الخمر ب- أو.

وتقريب الاستدلال بها:

أولاً: بلحاظ النهي عن الصلاة في ثوب أصابه خمر فإن إطلاقه لفرض عدم بقاء عين الخمر يدل عرفاً على كون المانعية بسبب النجاسة لا بسبب عين الخمر بعنوانه.

ثانياً: بلحاظ جعل الغاية للنهي هو الغسل، فإن ذلك يؤكد كون أساس المانعية هو النجاسة لظهور مادة الغسل في كونها تنظيفاً وإزالة للقذر.

ولكن الاستدلال المتقدم يواجه إشكالاً وهو: أن الاستدلال المتقدم إنما يتم بناءً على مسلك حكم العقل - وهو مسلك الشيخ النائيني والسيد الخوئي (رضی الله عنها) - في استفادة الوجوب والتحريم من الأمر والنهي، فإنه على هذا المسلك تكون فقرتا الرواية مستخدمتين في أصل النهي الكلي فقط دون التنزيه والتحريم -الإلزام-, وإنما هما يستفادان من حكم العقل، أي أن الصيغة موضوعة لأصل النهي فقط، أما استفادة التنزيه أو التحريم من صيغة النهي فإنما هي من حكم العقل وليسا مدلولين لفظيين، فالعقل مثلاً يقول إنّ صدور النهي من المولى مع عدم وجود قرينة على جواز الفعل يلزم الترك وأما إذا وجدت قرينة سواء متصلة أو منفصلة - وسواء لبيَّة من إجماع أو تسالم مثلاً أو لفظية- فالعقل يرفع يده، وبناءً على المسلك المذكور أن الجملة الأولى وإن كانت محمولة على التنزيه لاقترانها بما يدل على التنزيه, ولكن هذا لا يقتضي أن تكون الجملة الثانية كذلك, فهي لم تقترن بما يدل على أن النهي فيها تنزيهيٌّ.

فحينئذٍ التفكيك بين الفقرات لا مشكلة فيه والسياق لا يلزم اختلاله، فإن السياق واحد وهو الاستعمال في أصل النهي, إذْ إن القائلين بمسلك حكم العقل يقولون الأمر موضوع لمطلق الطلب من دون قيد الوجوب أو الاستحباب، والنهي موضوع لمطلق الترك من دون قيد الحرمة أو الكراهة.

وأما بناءً على مسلك صاحب الكفاية الذي يرى أن الوجوب والتحريم هما مدلولان وضعيان للأمر والنهي, لا أنهما حكمان عقليان, فإن ذكر التنزيه يكون

ص: 66

موجباً لاختلال السياق وبالتالي يتزلزل ويتصدع الظهور في التحريم فتكون الرواية مجملة.

ودعوى التفكيك بأن يقال إنّ الجملة الأولى مستعملة مجازاً في التنزيه والاستحباب, وأما الجملة الثانية فإنها تبقى ظاهرة في النجاسة فيتم التقريب المتقدم ولا محذور في التفكيك، لا تتم حيث يجاب: أنّ اقتران جملة بأخرى يراد منها التنزيه والأدب الشرعي يسلب ظهور الجملة الاولى, إذ قد اتصلت واقترنت بما يصلح للقرينية - أي بما يصلح لإرادة التنزيه-, وفي مقامنا يُراد من الجملة الأولى التنزيه - ولا نقول تصير ظاهرة في التنزيه-.

فإذاً يقتضي السياق ثلم ظهور النهي في الإلزام بعدما كان النهي الأول في الرواية تنزيهياً (1).

ثم إنه لو قطعنا النظر عن السياق - وقلنا بعدم اقتضائه للحمل على الاستحباب كما هو الحال بناءً على مسلك حكم العقل في استفادة الوجوب والتحريم من صيغة الأمر والنهي- فيمكن أن يقال بلزوم الحمل على التنزيه عرفاً في مقام الجمع كما سيأتي(2).

ص: 67


1- قال الآخوند الخراساني (في اللمعات النيرة: 220) بعد ذكره لفكرة حمل أخبار الطهارة على التقية (إلا أنه لا مجال له بعد إمكان التوفيق عرفاً لحمل الأمر بالغسل فيها على الاستحباب لمرتبة من قذارته كما يشهد به خبر علي بن رئاب... أو لأجل خبثه وأنه لا يليق أن يصلي معه بل لا يليق أن يصلي في بيت كان فيه, كما يشهد به موثق عمار... وذلك لوضوح أن حمل الظاهر على النص لا محيص عنه عرفاً وقد عرفت أن الرجوع إلى الترجيح بحسب الصدور أو جهته إنما يكون في ما لا يمكن الجمع عرفاً لاسيما إذا كان هناك شاهد اللهم إلا...).
2- قد يشكل على الجمع العرفي بالتنزه أنه إنما يتم في الأحكام التكليفية كما لو قيل (اغتسل للجمعة) و(لا بأس بترك غسل الجمعة) فإن حمل الأول على الاستحباب وجيه وأما الأحكام الإرشادية كما في المقام فلا يتم, فإن أخبار النجاسة ترشد إلى نجاسة الخمر ولا يمكن حملها على التنزه إذ لا معنى لاستحباب النجاسة. وأجيب أن عدم قبول الأحكام الإرشادية لذلك وإن كان يبني عليه بعض الفقهاء لكنه قابل للمناقشة فإن من الوجيه أن تكون النجاسة -التي هي مجرد اعتبار شرعي- ذات مراتب مشككة يقتضي بعضها لزوم الاجتناب بخلاف بعضها الآخر. والعرف يفهم ذلك عندما يقال مثلاً البول يحتاج إلى غسل كذا مرة وأما إذا كانت النجاسة دماً فتحتاج إلى غسل كذا (لاحظ التفصيل في الإشكال الثالث على الوجه الثاني من وجوه الجمع بين الطائفتين).

ومنها: معتبرة عبد الله بن سنان قال: (سأل أبي أبا عبد الله (علیه السلام) وأنا حاضر إني أعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير فيرده علي فأغسله قبل أن أصلي فيه؟ فقال أبو عبد الله (علیه السلام): صل فيه ولا تغسله من أجل ذلك فإنك أعرته إياه وهو طاهر ولم تستيقن أنه نجسه، فلا بأس أن تصلي فيه حتى تستيقن أنه نجّسه)(1).

بتقريب: أن قول السائل واضح في ارتكاز نجاسة الخمر ولحم الخنزير في ذهنه, والإمام (علیه السلام) وإن لم يكن في مقام البيان من هذه الناحية وكان في مقام البيان من جهة جريان الاستصحاب غير أن سكوته إمضاء عرفاً لما ظهر من كلام السائل من ارتكاز النجاسة.

ص: 68


1- وسائل الشيعة: 3/521/ب74 من أبواب النجاسات ح1 عن التهذيب. وهي في التهذيب: 2/361/ح1495: سعد عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محبوب عن عبدالله بن سنان، ولا يخفى أن هذه الرواية يستشهد بها في مجالات عديدة منها: باب الاستصحاب فإنه (علیه السلام) علل بالاستصحاب حيث أخذ الحالة السابقة بنظر الاعتبار (فإنك أعرته إياه وهو طاهر) فهو (علیه السلام) غير ناظر لأصل الطهارة الذي يُحتاج فيه إلى النظر إلى الحالة السابقة بل يكفي النظر إلى الحالة الفعلية. ومنها: طهارة الكتابي إما لإمضائه (علیه السلام) ما ارتكز في ذهن السائل من انحصار المحذور بمساورته للنجاسات أو بلحاظ تعرقه فيه غالباً. ومنها: ذكرها في مقام الرد على حجية الظن في إثبات النجاسة - بعد ان استدل بالرواية الأولى على ثبوت النجاسة بالظن بتقريب أن النهي عن الصلاة قبل غسل الثوب ليس إلا للظن بتنجسه لكونه في معرض ملاقاة النجاسة- بالقول: ويردها صحيحته الأخرى... فإن كانت هذه الصحيحة غير الأولى لتعدد الواقعة تساقطتا بالمعارضة وكذا لو كانت عينها لعدم تعين ما هو الصادر واقعاً.

وبعبارة أخرى: وجه الدلالة هو أن كلام السائل يعطي نجاسة الخمر فتقرير الإمام (علیه السلام) على هذا الاعتقاد كما يظهر من تعليله يؤذن بصحته.

ويلاحظ عليه: ما تقدم في الرواية الأولى - التي هي معتبرة أيضاً لعبد الله بن سنان-, مضافاً إلى أنه لو سلم الارتكاز فربما منشؤه لحم الخنزير الذي هو أحد فردي السؤال، مضافاً إلى أنه إن كانت هذه المعتبرة غير الأولى -الدالة على الغسل- لتعدد الواقعة(1)

تساقطتا بالمعارضة -إن لم نقبل الجمع العرفي بينهما بحمل الغسل على الاستحباب- وكذا لو كانت عينها لعدم تعين ما هو الصادر واقعاً.

وتطبيق عدم الزيادة عند الدوران بين الزيادة والنقيصة لا مجال له هنا لأن مشكلتنا ليست في الزيادة والنقيصة بل في (يغسله) و (لا تغسله)(2).

هذا كله بلحاظ الدلالة، وأما بلحاظ السند فالرواية تامة.

إن قيل: إن والد عبد الله بن سنان لم يعرف حاله وبالتالي قد يتوقف من هذه

الناحية باعتبار أنّ السؤال صدر منه.

قلت: أنّ عبد الله بما أنه قال (وأنا حاضر) فلا إشكال.

ومنها: رواية أو معتبرة خيران الخادم قال: (كتبت إلى الرجل (علیه السلام) أسأله عن الثوب يصيب الخمر ولحم الخنزير أيصلى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه فقال بعضهم: صلِّ فيه فإن الله إنما حرم شربها وقال بعضهم: لا تصلَّ فيه، فكتب (علیه السلام): لا تصلَّ فيه فإنه رجس)(3).

ص: 69


1- والسند يختلف.
2- ولو سلم أن المقام من الزيادة والنقيصة فإنه يقال إن جريان أصالة عدم الزيادة لو سلم بها فالقدر المتيقن منها ما لو كانت هناك مؤشرات مساعدة على عدم الزيادة كما إذا كانت الفقرة كبيرة.
3- ن.م ح4.

بتقريب: أن المراد من (رجس) النجاسة، ولكن تقدم الكلام عن دلالة كلمة (رجس) عند البحث حول الآية ولم يثبت وضعها لخصوص النجس الاعتباري, أو انصرافها إلى ذلك في عصر نزول الآية وإنما هي بمعنى الحزازة والاستخباث(1).

وأما سنداً ففيها سهل بن زياد وهو محل كلام وخلاف، قال صاحب الجواهر (رحمة الله): (... خبر خيران الخادم المروي في الكافي والتهذيب والاستبصار بطرق ليس فيها من يتوقف في شأنه إلا سهل بن زياد)(2).

فإذاً بناءً على أن الأمر في سهل سهلٌ -كما عن كثير منهم المحقق البهبهاني وصاحب الرياض وصاحب مفتاح الكرامة وصاحب الجواهر والشيخ الأعظم في المكاسب والسيد الحكيم Š- فالرواية معتبرة، وأما بناءً على أن الأمر في سهل ليس بسهل - كما هو رأي السيد الشهيد والسيد الخوئي (رضی الله عنها) - فالرواية تكون ضعيفة السند(3).

ص: 70


1- في بحوث في شرح العروة الوثقى: 3/287 علق عليها عند البحث عن نجاسة لحم الخنزير (والمتبادر من الرجس هنا النجاسة لأن السؤال ينصرف إلى السؤال عن النجاسة لارتكاز مانعية ملاقاة النجاسة عن الصلاة وعدم ارتكاز مانعية ملاقاة شيء آخر عنها فإن عملنا بهذا الظهور في الخمر - كما هو الصحيح- فنعمل به هنا وإن لم نعمل به في الخمر جمعاً بينه وبين روايات طهارة الخمر أشكل التمسك به هنا لأن الرجس مفهوم واحد وإذا حمل على الجامع بين النجاسة اللزومية وغيرها لم تبق دلالة على المقصود)، وفي ج4 عند الكلام عن أصل اشتراط طهارة اللباس والبدن في الصلاة علق عليها (والاستدلال بالفقرة الأخيرة منها حيث إنه علل الحكم بالمنع بأنه رجس ومقتضى قانون التعليل استفادة كبرى مانعية كل نجس في الصلاة ولكن يشكل مضافاً إلى ضعف السند بسهل أن الرجس مرتبة شديدة من الخباثة لا تطلق على كل متنجس).
2- الجواهر: 6/5.
3- عبر عنها السيد الشهيد (رحمة الله) بأنها غير صحيحة السند، والسيد الخوئي (رحمة الله) قال بأنها ضعيفة السند وذلك لوجود سهل بن زياد والأمر في سهل ليس بسهل لعدم ثبوت وثاقته في الرجال. وأما السيد الخميني (رحمة الله) في كتاب الطهارة: 3/171 وما بعدها فقال: وحسنة خيران الخادم أو صحيحته...، وفي مصباح المنهاج: 8/396: معتبر.

والتعبير بالرجل في الرواية كناية عن أبي جعفر الثاني أو أبي الحسن الثالث (علیهما السلام) (1).

ونحو ذلك مما ورد فيه الأمر بالغسل معتبرة عمار بن موسى(2)، ومعتبرته الأخرى(3)، ومرسلة يونس(4)، ورواية أبي جميل البصري(5)، ورواية أو معتبرة علي ابن جعفر المروية في قرب الإسناد ومسائل علي بن جعفر(6)،

وكذا روايته الأخرى الواردة في غسل الآنية(7).

ومنها: ما استدل على أن له ظهوراً قوياً في النجاسة المصطلحة, حيث ورد فيه لفظ (النجس),. وهو رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) في النبيذ قال: ما يبلّ الميل ينجس حُباً من ماء، يقولها ثلاثاً(8).

والرواية بتمامها في الكافي عن أبي بصير قال دخلت أم خالد العبدية على أبي

عبد الله (علیه السلام) - وأنا عنده- فقالت: (جعلت فداك إنه يعتريني قراقر في بطني (فسألته عن إعلال النساء وقالت) وقد وصف لي أطباء العراق النبيذ بالسويق. فقال: ما يمنعك

ص: 71


1- لاحظ: رجال الطوسي أصحاب الإمام الهادي (علیه السلام) واختيار معرفة الرجال: 2/867-868، قال صاحب الجواهر: 6/8 (... سيما بعد أمر الرجل في خبر خيران الخادم الذي هو كناية على ما قيل عن أبي جعفر الثاني أو أبي الحسن الثالث).
2- وسائل الشيعة: 3/494/ب51/ح1.
3- وسائل الشيعة: 25/368/ب30/ح2.
4- وسائل الشيعة: 3/468/ح3.
5- ن.م ح5 وهي ضعيفة سنداً بالإرسال وجهالة أبي جميل البصري.
6- وسائل الشيعة: 25/380/ب37/ح3. وهي معتبرة بناءً على تمامية طرق صاحب الوسائل من كونها على نسخة معينة، أو بناءً على الوثوق من تعدد النقل.
7- مسائل علي بن جعفر: 154 عند الرقم 212 وسألته عن الشرب...، وفي قرب الإسناد عند الرقم 1082: وسألته عن الشراب...
8- وسائل الشيعة: 3/468/ح6، وذكرها (رحمة الله) باختصار في ج3/ب74/ح2، وذكرها (رحمة الله) مفصلة في: 25/344/ب20 من أبواب الأشربة المحرمة ح2 معلقاً عليها: صدر الحديث محمول على التقية أو الإنكار للشرب، لا للترك، أو الاستفهام الحقيقي.

من شربه؟ قالت: قد قلدتك ديني فألقى الله عز وجل حين ألقاه فأخبره أن جعفر بن محمد (علیهما السلام) أمرني ونهاني. فقال: يا أبا محمد ألا تسمع إلى هذه المرأة وهذه المسائل لا والله لا آذن لك في قطرة منه ولا تذوقي منه قطرة فإنما تندمين إذا بلغت نفسك ههنا وأومأ بيده إلى حنجرته يقولها ثلاثاً: أفهمت؟ قالت: نعم. ثم قال أبو عبد الله (علیه السلام): ما يبل الميل ينجس حباً من ماء يقولها ثلاثاً)(1).

وتقريب الدلالة يتضح بضميمة عدم القول بالفصل(2) وأنه لا فرق بين النبيذ والخمر بالاتفاق، وأنّ المراد من النجس هو النجاسة المصطلحة، قال المحقق الهمداني (رحمة الله) - بعد ذكر ما استدل به على النجاسة-: (... وهذه الأخبار وإن كان جملة منها مخصوصة بالخمر أو واردة فيها وفي النبيذ أو في خصوص النبيذ لكن يمكن الاستشهاد لعموم المدعى بالجميع؛ لعدم القول بالفصل, كما ادعاه بعض, بل يمكن الاستدلال له بجميع الأخبار الدالة على نجاسة الخمر بدعوى كونها اسماً للأعم, كما استظهره صاحب الحدائق عن جملة من اللغويين, ويشهد له جملة من

ص: 72


1- الكافي: 6/413 باب من اضطر إلى الخمر للدواء أو للعطش أو للتقية ح1. وذكر أن ذكر (الحب) وارد من باب المثال للقطع بعدم مدخلية الخصوصية في الحكم فهو في الحقيقة كناية عن الكثير الذي يباشره النبيذ كائناً ما كان، وتحديده بما يبل منه الميل مبالغة في قوة ما فيه من التأثير حتى أن أقل القليل منه ينجس من الماء ما كان أكثر منه بمراتب. وأم خالد العبدية نقل الكشي أنها امرأة صالحة على التشيع وأن يوسف بن عمر الذي قتل زيد بن علي هو الذي قطع يدها. وقال السيد الخوئي (رحمة الله): وتقدم ما يدل على حسن حالها في ترجمة كثير النوا (المعجم: 23/201). وفي المعجم (15/112) رواية عن الكشي أنها دخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) وسألته وأنها كانت امرأة بليغة وعندما أجابها الإمام (علیه السلام) قالت له: فأقول لربي إذا لقيته إنك أمرتني ب...
2- قال الميرزا القمي في غنائم الأيام بعد ذكره للرواية: يعني من النبيذ فإنه لم يفرق الأصحاب بينه وبين الخمر.

الأخبار...)(1).

ويمكن أن يلاحظ عليه: أنه لا مثبت لكون المراد هو النجس الاصطلاحي, فإن لفظ (النجس) يطلق لغة على مطلق القذر, أي كل مستقذر وإن كان معنوياً ولم يكن نجساً بالمعنى الشرعي، ولعل صدرها يساعد على حملها على التقذير والتنفير لأجل حرمتها,(2) مضافاً إلى أن النجس يأتي بمعنى التنزه, كما في رواية إسماعيل بن جابر: (لا تدعه تحريماً له ولكن دعه تنزهاً له وتنجساً له, إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير).

وعلى أي حال فإن الرواية ضعيفة سنداً بالإرسال وغيره, حيث إن سندها هكذا: محمد بن الحسن عن بعض أصحابنا عن إبراهيم بن خالد بن عبد الله ابن وضاح عن أبي بصير.

أما محمد بن الحسن فهو من مشايخ الكليني (3),

وقد اختلف فيه وأنه الصفار أو البرناني أو غيرهما, ومع عدم ثبوت كونه الصفار يحكم بجهالته.

ص: 73


1- مصباح الفقيه: ج1/ق2/ص547 وما بعدها، وقال صاحب البحار: 59/88 (بيان: كأن أول الحديث محمول على التقية أو على امتحان السائل. والمراد بالنجاسة إما المصطلحة أو كناية عن الحرمة، فيدل على أن الاستهلاك لا ينفع في رفع الحظر).
2- قال الخليل: النجس الشيء القذر حتى من الناس وكل شيء قذرته فهو نجس (العين)، وقال ابن منظور: نجس: النجس والنجس، والنجس: القذر من الناس ومن كل شيء قذرته (لسان العرب: 6/226), وقال الراغب: نجس: النجاسة: القذارة وذلك ضربان: ضرب يدرك بالحاسة وضرب يدرك بالبصيرة, والثاني وصف الله تعالى به المشركين فقال:(إنما المشركون نجس...), وقال صاحب المدارك: (النجس لغة المستقذر...، ثم إن العرف يستعمل كلمة نجس بمعنى السيء وأن الأنجس بمعنى الأسوأ, ويحمل النجاسة على الرجس المعنوي).
3- ذكر أن مشايخ الكليني الذي روى عنهم في الكافي هم سبعة وثلاثون شيخاً, فمنهم المكثرون كعلي بن إبراهيم, ومنهم المتوسطون كمحمد بن الحسن, ومنهم المُقلِّون كوالد الصدوق. نعم سعد ابن عبد الله القمي لم يذكره السيد الخوئي فيمن روى الكليني عنه، ولم يطمئن السيد البروجردي (رحمة الله) بكونه شيخاً للكليني, كما عن الموسوعة الرجالية: 1/183.

وأما إبراهيم بن خالد فهو لم يوثق، وأما عبد الله بن وضاح فهو من أصحاب الكاظم (علیه السلام) وقد وثقه النجاشي، وأما أبو بصير فهو كنية لعدّة رواة, منهم: عبد الله ابن محمد الأسدي ويوسف بن الحارث وحماد بن عبيد الله، وهؤلاء الثلاثة لم يوثقوا، ومنهم ليث بن البختري المرادي ويحيى بن (أبي) القاسم الأسدي المكفوف، وكلاهما ثقة، وقد ذكر السيد الخوئي (رحمة الله) أن المعروف بأبي بصير هو الأسدي يحيى بن القاسم. وعلى أي حال لا أقل من كونه مشتركاً بين ليث ويحيى وكلاهما ثقة, والأول من أصحاب الباقر والصادق (علیهما السلام), والثاني من أصحاب الباقر والصادق والكاظم (علیهم السلام) .

ومنها: ما دل على لزوم إهراق المرق والماء ونحوهما, كمعتبرة عمر بن حنظلة, قال: (قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى تذهب عاديته ويذهب سكره. فقال: لا والله, ولا قطرة قطرت في حب إلا أهريق ذلك الحب)(1).

وتقريب الاستدلال بها من وجهين:

الأول: من ناحية الأمر بالإراقة فهي ظاهرة في الإرشاد إلى النجاسة، ولكن يمكن أن يلاحظ عليه:

أ. إنما يدل على النجاسة في غير ما ينحصر عرفاً للانتفاع الملحوظ فيه بالأكل والشرب كما في المقام.

ب. أن وجوب الإهراق لا يلازم النجاسة, فلعله للتشديد في حرمة المسكر في مقابل ما كان يفعل من إراقة ماء عليه وشربه, ويؤيد هذا في مقابل احتمال النجاسة قسم الإمام (علیه السلام), فإنه لا حاجة إليه لو أراد النجاسة.

ص: 74


1- وسائل الشيعة: 25/341/ب18 من أبواب الأشربة المحرمة ح1. وفي الهامش: في المصدر: تقطر منه.

الثاني: بلحاظ أن المحذور لو كان منحصراً في الحرمة لما وجد في مفروض الرواية لأجل الاستهلاك.

ولكن يمكن أن يلاحظ عليه بأن هذا موقوف على فرض ارتكازية زوال حرمة الخمر بالاستهلاك مع أن ارتكازية ذلك في أذهان المتشرعة غير معلومة مع ما يلاحظ من شدّة اهتمام الشارع بلزوم التجنب عن المسكر.

والرواية تامة, سنداً فإن عمر بن حنظلة وإن كان محل خلاف ولم يذكر بتوثيق صريحاً, ولكن لا يبعد البناء على وثاقته بما صح من رواية ابن أبي عمير عنه أو بشهادة الإمام (علیه السلام) له بأنه لا يكذب -في رواية يزيد بن خليفة في مواقيت الصلاة بعد ضم توثيق يزيد بما صحّ من رواية صفوان عنه إلى ذلك-.

وعلى أي حال فإن دلالة الرواية على النجاسة غير واضحة.

ونحوها رواية زكريا بن آدم(1).

ومنها: ما دل على نزح ماء البئر إذا وقع فيها الخمر:

كمعتبرة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: (إن سقط في البئر... أو صبّ فيها خمر نزح الماء كله)(2).

ونحو ذلك من الأخبار التي ورد فيها نزح البئر عند سقوط الخمر، نعم في بعضها ينزح منه ثلاثون دلواً, وفي بعضها ينزح منه عشرون دلواً فإن غلبت الريح نزحت حتى تطيب.

ويلاحظ عليه: أن الاستدلال مبني على تنجس البئر، وأمّا بعد البناء على عدم تنجس البئر فلا يمكن الاستدلال بنصوص النزح على نجاسة ما تنزح له, إذ كما يمكن

ص: 75


1- وسائل الشيعة: 3/468/ح8. وهي ضعيفة سنداً بكلا طريقيها بابن المبارك.
2- وسائل الشيعة: 1/179/ب15 من أبواب الماء المطلق ح1.

أن يكون استحباب النزح للتنزه عن أثر النجاسة يمكن أن يكون للتنزه عن أثر غيرها كما ورد النزح لبعض الأمور التي ثبت عدم نجاستها.

وقد ذكر المحقق الخوانساري: (إن روايات النزح معارضة بما يدل على خلافها, ولا يبعد حملها على الاستحباب, بل هو ظاهر, وعلى تقدير حملها على الاستحباب لا تبقى دلالتها على نجاسة الخمر, إذ استحباب النزح لعله لأجل الاستقذار الذي فيه لكن لا بحيث يكون واصلاً إلى حد النجاسة التي بالمعنى المراد هاهنا أو لأجل امتزاج ماء البئر بالأجزاء الخمرية, التي لا يكاد يسلم شارب ماء البئر من شربها...)(1).

وعن صاحب الحدائق (رحمة الله) أنه أشكل على الشيخ الصدوق بأنه حكم بنزح ماء البئر أجمع بانصباب الخمر فيه، وأجيب بأن هذا لا ينافي جواز الصلاة بثوب أصابه خمر فإن نزح البئر ليس للتطهير؛ فإنه ذو مادة معتصم وإنما لدفع حرمة شرب الخمر الذي اختلط بالماء.

وكيفما كان فإن روايات نزح ماء البئر محمولة على التنزيه ورفع الحزازة من النفس؛ لأن ماء البئر معتصم لاتصالها بالمادة.

ومنها ما دل على التوقي مما أصابه الخمر من الآنية والخوان:

كمعتبرة يونس عنهم (علیهم السلام) قال: (خمسة أشياء ذكية مما فيه منافع الخلق: الأنفحة و... وإنما كره(2)

أن يؤكل سوى الأنفحة مما فيه آنية المجوس وأهل الكتاب؛ لأنهم لا يتوقون الميتة والخمر).

ص: 76


1- مشارق الشموس للمحقق الخوانساري: ج1/ص331 ط. ق.
2- وسائل الشيعة: 24/179/ب33 أبواب الأطعمة المحرمة ح2 (الهامش: في المصدر: يكره) عن الكافي. وعبر عنها في مصباح المنهاج: 8/391 معتبرة يونس.

وجه الدلالة: التمسك بإطلاق النهي عن الاستعمال الشامل حتى لحالة عدم وجود الخمر فيها الموجب لاحتمال الحرمة. وبعبارة أخرى: إنه لولا نجاسة الخمر لم يكن وجه للاجتناب عن الأواني التي يشرب بها.

ويلاحظ عليها: أنّ الكراهة في الرواية ليس لها ظهور في حكم إلزامي, ولا يثبت بها أكثر من جامع الكراهة, والذي يتلاءم مع الحكم التنزيهي أيضاً, فلا مثبت لإرادة النجاسة اللزومية أكثر، فالدلالة غير تامة.

وأما سنداً, ففي سندها إسماعيل بن مرار(1)

وهو لم يوثق في كتب الرجال. نعم, هو من رجال تفسير القمي، ولكن يمكن أن يقال: إن رواياته تبلغ أكثر من مائتي رواية، وقد روى عنه في جميع ذلك إبراهيم بن هاشم(2)

ومن هنا يمكن الالتزام بوثاقته من باب أن إكثار أحد الأجلاء عن شخص يوجب الاطمئنان بالوثاقة(3)، وصغرى الإكثار متحققة في المقام.

ص: 77


1- لاحظ معجم رجال الحديث: 4/96 عند الرقم 1439 إسماعيل بن مرار, وذكر w في المعجم: 1/292 أن إبراهيم بن هاشم روى في 250 مورداً عن إسماعيل بن مرار: (وإسماعيل بن مرار تبلغ رواياته عن يونس أو يونس بن عبد الرحمن مائتين وزيادة. ولا يخفى أن الأعداد في المعجم هي بلحاظ الكتب الأربعة فقط فلعله بملاحظة غيرها يزداد العدد كثيراً.
2- لا يوجد في الرواة مثل ابراهيم بن هاشم في كثرة الرواية فقد بلغ عدد رواياته(6414) رواية منها(2921) عن ابن أبي عمير و(750) عن النوفلي و(700) عن حماد بن عيسى و(600) عن ابن محبوب و(270) عن حماد و(250) عن إسماعيل بن مرار و(150) عن ابن أبي نجران و(150) عن عبد الله بن المغيرة و(120) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر و(60) عن عمرو بن عثمان و(50) عن صفوان و(50) عن القاسم بن محمد و(45) عن عثمان بن عيسى و(9) عن عمرو بن عثمان الخزاز (لاحظ المعجم: 1/294, وروى عنه ابنه علي بن إبراهيم 6214 مورداً).
3- إذا أكثر أحد الأجلاء -كأحمد بن محمد بن عيسى- ممن لم يُقل في حقه أنه كان يروي عن الضعفاء الرواية عن شخص فيمكن أن يقال بحصول الاطمئنان بوثاقة المروي عنه، وهذا أمرٌ يختلف عن قضية أن رواية الثقة عن شخص تدل على الوثاقة فهذا لم يثبت.

إن قيل: إنّ نفس إبراهيم بن هاشم فيه كلام, إذ لم يصرّح أحد من قدماء الرجاليين بوثاقته مع أنهم ترجموه جميعاً.

قلت: إنّ إبراهيم بن هاشم وإنْ لم ينصّوا على وثاقته ولكن ذلك لا يوجب التوقف فيما إذا قامت القرائن على الوثاقة، وقد ذكرت قرائن عديدة:

منها: أنه أول من نشر حديث الكوفيين في قم, كما ذكره النجاشي والشيخ, ونسبه الأول إلى الأصحاب، ومن الواضح أن القبول وعدم الرد من قبل القميين الذي يفهم من النشر - مع ما هو معلوم من تشدد القميين في الرواية- قرينة واضحة على وثاقة إبراهيم بن هاشم.

ومنها: أنّ السيد ابن طاووس w ادعى الاتفاق على وثاقته, وهو يكشف -على الأقل- عن توثيق بعض الرجاليين القدماء له(1).

ومنها: إكثار الأجلاء الرواية عنه واعتمادهم عليه مثل ولده علي، وسعد بن عبد الله الأشعري، وعبد الله بن جعفر الحميري، ومحمد بن يحيى العطار، والصفار، ومحمد بن علي بن محبوب(2)، وغيرهم(3).

ص: 78


1- ذكرت عدة أمور يثبت بها الوثاقة, أو الحسن, (منها) نص أحد المعصومين (علیهم السلام)، (ومنها) نص أحد الأعلام المتقدمين، (ومنها) دعوى الإجماع من قبل المتقدمين, فهذا وإن كان إجماعاً منقولاً إلا أنه لا يقصر من توثيق مدعي الإجماع نفسه منضماً إلى دعوى توثيقات أشخاص آخرين، وفي المعجم: 1/45: (بل إنّ دعوى الإجماع على الوثاقة يعتمد عليها, حتى إذا كانت الدعوى من المتأخرين كما اتفق ذلك في إبراهيم بن هاشم, فقد ادعى ابن طاووس الاتفاق على وثاقته, فإنّ هذه الدعوى تكشف عن توثيق بعض العلماء لا محالة, وهو يكفي في إثبات الوثاقة).
2- هؤلاء المتقدمون هم من الطبقة الثامنة - كمشايخ الكليني وإن كان في رواية الكليني عن بعضهم كلام كسعد بن عبد الله القمي-.
3- ممن هم من الطبقة التاسعة, كمحمد بن الحسين بن الوليد وعلي بن بابويه والد الصدوق.

وغير ذلك من القرائن(1)

مما يدل على وثاقته وجلالته, بل قيل الظاهر أن وثاقة وجلالة إبراهيم بن هاشم أوضح من أن تحتاج إلى الاستدلال عليها، فإن تم ذلك فبناءً على ما هو المشهور- من أن كثرة رواية الثقات الأجلاء عن شخص(2)

تدل على وثاقته- يمكن توثيق إسماعيل بن مرار.

ومما استدل به على قاعدة أن الإكثار يدل على الوثاقة والاعتماد هو أن الأصحاب ديدنهم الاجتناب عن إكثار الرواية عمن لا يوثقونه ولا يعتمدونه، وكذلك ما تسالم عليه علماء الدراية وعلماء الرجال من أنّ الرواية عن الضعفاء أحد أسباب ذم الراوي(3).

نعم لو كانت من الراوي الجليل الثقة رواية قليلة عمن هو مجهول بالنسبة إلينا أو كانت الرواية في الآداب أو السنن المندوبة غير ذات الخطب الكبير أو كان مضمونها له شاهدٌ يدل على صدق المفاد، لما كان في مثل هذه الصور من رواية الجليل الثقة شهادة على اعتماده وتوثيقه لذلك الراوي(4).

ص: 79


1- وهو وارد في تفسير القمي وكامل الزيارات والأمر فيهما يتبع المبنى.
2- وممن وجدته سلك هذا الطريق صاحب الحدائق: 26/204 عند ذكره لرواية فيها اسم اسماعيل بن مرار حيث تمسك للاعتماد عليه بذلك قائلاً: (... إلا أن إكثار إبراهيم بن هاشم الجليل القدر الرواية عنه ...) وهذا الطريق ينفع في توثيق رواة آخرين هم محل كلام كالنوفلي, حيث أكثر عنه إبراهيم بن هاشم. ولا يخفى أن السيد الخوئيwاستخدم أيضاً كبرى إكثار الرواية- في بحثه الفقهي- في توثيق محمد بن إسماعيل, حيث يروي عنه الكليني كثيراً فلاحظ كتاب الحج: 5/22 طبعة النجف في مسألة حكم الناسي للطواف، وكتاب الصلاة: 5/ق1/210طبعة النجف، ولكن ذكر السيد w في المعجم 16/98 عند الرقم 10264, أنه يكنى أبا الحسن, ثم ذكر أنه استدل على وثاقته بإكثار الكليني ثم ناقش w ذلك وقال إنّ إكثار الرواية عن شخص لا يدل على توثيقه فلاحظ.
3- لاحظ للتفصيل: بحوث في مباني علم الرجال: 2/133- 169.
4- ن.م: 135.

ومعتبرة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (علیه السلام) عن آنية أهل الذمة والمجوس؟ فقال: (لا تأكلوا في آنيتهم, ولا من طعامهم الذي يطبخون, ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر)(1).

بتقريب: أن النهي مطلق فيشمل حتى حالة عدم وجود شيء من عين الخمر فيها الموجب لاحتمال الحرمة، فإذاً يفهم عرفاً من إطلاق النهي شموله حتى لحالة عدم وجود شيء من العين النجسة.

ولكن يمكن أن يلاحظ عليه بأنّ الإطلاق غير واضح؛ لعدم وضوح أن نهي المولى في مقام البيان من جميع الجهات الشاملة حتى لحالة النجاسة, لاسيما وأن الأواني آنذاك من الخزف ونحوه مما تبقى وتعلق فيها أجزاء من الخمر, فيكون الأمر بالاجتناب من أجل الحرمة, باعتبار أنه قلماّ ينفك من أجزاء الخمر التي ربما لا يسلم الطعام من مخالطتها، وقد يؤيد هذا المعنى ما ورد في رواية حفص الأعور قال: (قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): الدن يكون فيه الخمر ثم يجفف يجعل فيه الخل؟ قال: نعم)(2).

حيث رخص (علیه السلام) له استعمال الدن إذا جف من الخمر. نعم الشيخ الطوسي (رحمة الله) حمله على التجفيف بعد الغسل وهو خلاف الظاهر.

ومهما يكن يمكن حمل المعتبرة على التنزه بصراحة ما يأتي من الأخبار الدالة على الطهارة والقاعدة العرفية تقتضي تقدم الصريح أو الأظهر على الظاهر.

ص: 80


1- وسائل الشيعة: 3/419/ب14 من أبواب النجاسات ح1، وأيضاً: 24/210/ب54 من أبواب الأطعمة المحرمة ح3، ويمكن الاستدلال بها على طهارة الكتابي, وإلا لم يكن وجه لتقييد الآنية بما يشربون فيها الخمر, ولا الطعام بما يطبخونه. ولا يخفى أن المحقق الخوانساري في مشارق الشموس: 1/331 ط.ق قال:(وأما صحيحة محمد بن مسلم ففيها أن النهي لا يدل على الحرمة كما ذكرنا في الأمر وأيضاً يجوز...). أقول: ذكر (رحمة الله) ذلك في الأمر عند معتبرة علي بن مهزيار.
2- لاحظ وسائل الشيعة: 3/495/ب51 من أبواب النجاسات ح2.

ونحو معتبرة يونس ومعتبرة محمد بن مسلم خبر علي بن جعفر(1).

ومنها: ما دل على تنزيل الخمر منزلة لحم الخنزير والميتة:

كمعتبرة الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن دواءٍ عُجن بالخمر؟ فقال: (لا والله ما أحب أن أنظر إليه, فكيف أتداوى به, إنه بمنزلة شحم الخنزير، أو لحم الخنزير, (ترون أناساً يتداوون به))(2).

بتقريب: تنزيل الخمر فيها منزلة لحم الخنزير فيتمسك بعموم التنزيل ليشمل كل الآثار من الحرمة والنجاسة, فإذاً إطلاق ما في الحديث من التنزيل يقتضي ظاهره ترتب أحكام الخنزير على الخمر ومنها نجاسته.

ولكن يمكن أن يقال: إن كون الخمر بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير لا يدل على نجاستها؛ إذ يجوز أن يكون بمنزلتها في حرمة الاستعمال والتناول بعد كون الكلام عن استعماله كدواء، فتكون المنزلة لا عموم لها في المقام في الحرمة والنجاسة.

إن قيل: في باب التنزيل يكون النظر منصباً ابتداءً على الآثار فالمناسب التمسك بالإطلاق لجميع الآثار.

قلت: صحيح أنه في باب التنزيل تلاحظ الآثار ابتداءً ويمكن التمسك بالإطلاق بخلاف باب الاعتبار(3),

ولكنه ليس كل تنزيل يستلزم صحة جريان الإطلاق بلحاظ

ص: 81


1- وسائل الشيعة: 24/233/ ب62/ح4 عن مسائل علي بن جعفر وقرب الأسناد.
2- وسائل الشيعة: 25/345/ ب20 باب عدم جواز التداوي بشيء من الخمر والنبيذ والمسكر وغيرها من المحرمات أكلاً وشرباً ح4 عن الكافي والتهذيب.
3- في باب التنزيل يكون النظر منصباً على الآثار, فالآثار ملحوظة ابتداءً كركن ركين لمن يقوم بعملية التنزيل, وبالتالي يمكن التمسك بإطلاق التنزيل عملياً، وهذا بخلاف باب الاعتبار, فإنه عبارة عن جعل هذا فرداً من ذاك من باب التوسعة السكاكية, فالمعتبر ليس نظره منصباً على الآثار ابتداءً, وإنما يلحظ ويعتبر جهة كاعتبار الرجل الشجاع أسداً أي فرداً من أفراد المعنى الحقيقي للأسد، فإذاً لا يمكن عملياً التمسك بالإطلاق في الاعتبار، نعم دفعاً لمحذور اللغوية نلاحظ الأثر المباشري الذي هو القدر المتيقن. ولا يخفى أيضاً أنّ التنزيل قد لا يكون مطلقاً, بل يكون حيثياً, فمثلاً عندما تقول الرواية علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل, فهي تريد بيان تنزيل حيثي, أي من جهة أن قولهم حجة ويكون معذراً للمكلف أمام الله تعالى, لا أن المراد التنزيل المطلق بحيث حتى مع العصمة والولاية التكوينية، وكذا في رواية من رآني فقد رآني, ليس المراد تنزيل مطلق وحيثية مطلقة, بل لعل المراد من حيثية أنه من رآني في المنام كمن رآني حياً, ولاشك أن رؤياه شرف وتشرف للمؤمن.

جميع الآثار بل ينبغي ملاحظة الموارد والقرائن والسؤال، ولمّا لم تكن النجاسة من الآثار الظاهرة خصوصاً في تلك الأعصار, فيكون التنزيل بلحاظ كل أثر حتى النجاسة مشكل بل المتيقن خصوصاً الحرمة.

ولاحظ أيضاً رواية هارون بن حمزة الغنوي(1).

ومن الروايات الأخرى التي استدل بها على النجاسة معتبرة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام): ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: (لا تأكله، ثم سكت هنيئة، ثم قال: لا تأكله، ثم سكت هنيئة، ثم قال: لا تأكله ولا تتركه تقول: إنّه حرام ولكن تتركه تتنزه عنه إن في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير)(2).

وقد تُقرّب دلالتها من خلال قوله (علیه السلام): (ولكن تتركه تتنزه عنه إنّ في آنيتهم الخمر ولحم الخنزير).

ولكن يلاحظ على ذلك: أنّ التنزه أعم من النجاسة, فقد يكون لحرمة الخمر، ولو سلم أنه للتنجس فلعله بالنسبة إلى لحم الخنزير, اللهم إلا أن يقال إنّ هذا تفكيكٌ في الفقرة الواحدة وهو مرفوض عرفاً.

ص: 82


1- وسائل الشيعة: 25/350/ ب21 من أبواب الأشربة المحرمة ح5، وهي ضعيفة سنداً من جهة يزيد ابن إسحاق.
2- وسائل الشيعة: 24/211/ ب54 من أبواب الأطعمة المحرمة ح4.

وأما سنداً فهي معتبرة, لرواية صفوان عنه كما في مقامنا, وكذلك روى عنه ابن أبي عمير، وكذلك قد وثقه الشيخ(1).

ومنها: رواية عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الأسناد عن علي بن جعفر(2).

ومنها: رواية حفص الأعور(3).

وهذه الروايات المتقدمة - وفيها ما هو تام سنداً ودلالة- لو لم يكن ما يعارضها لكفت في الحكم بالنجاسة، ولكن يوجد ما يعارضها ويدل على الطهارة, وهي نصوص كثيرة أيضاً, ودلالة كثير منها واضحة مع تضمنها تفصيلاً أو تعليلاً أو حصراً، وهذا مما يقف عائقاً عن الإفتاء بنجاسة الخمر.

هذا تمام الكلام في القسم الأول من البحث، وسيأتي - إن شاء الله تعالى- في القسم الآخر منه بيان ما دلَّ على الطهارة، وكيفية علاج التعارض.

ص: 83


1- وما روي في ذمه ضعيف فلاحظ المعجم.
2- وسائل الشيعة: 3/455/ ب30 من أبواب النجاسات ح7 عن قرب الأسناد -فقط- 91.
3- وسائل الشيعة: 25/368/ ب30 أبواب الأشربة المحرمة ح3.

ص: 84

ص: 85

حجية الاطمئنان (القسم الأول) - الشيخ أمجد رياض (دام عزه)

اشارة

الاطمئنان لغةً واصطلاحاً، وعلاقته مع الوثوق والعلم العادي، والكلام في حجيَّته، وأقسامه، وأنواع متعلّقه، ومستوياته، وعلاقته مع بقيَّة الحجج والأمارات والأصول، وغير ذلك من المباحث هي المواضيع التي تناولها هذا البحث. مضافاً إلى بحوث أخرى كان لا بد من التطرق لها مما لم يستوعبها بحث آخر. وكانت الخطة التي سلكها الباحث هي استيفاء جميع الوجوه والكلمات التي تتناول الموضوع من أجل أن يسهل على الباحثين الوصول إلى النتيجة، فهو مصدر غني بجميع الأدوات المساعدة على الاختيار الصحيح في حجية الاطمئنان وآثاره.

ص: 86

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين خير الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد, فهذه رسالة في حجية الاطمئنان تحتوي على مقدمة في ذكر معنى الاطمئنان والوثوق والعلم العادي وفي تحرير محل النزاع وذكر الأقوال، ومقصد في ذكر ما يستدل به على الحجية، وتنبيهات حول حدود حجية الاطمئنان..

وقبل ذكر ذلك أود التنبيه على أن موضوع هذا البحث وهو حجية الاطمئنان من الأمور المهمة جداً - كما سيتضح ذلك - ولكن عند استقراء ما كتبه الأعلام السابقون لم أجد من فصّل البحث عنه، وإنما تجد بعض الإشارات والأبحاث المختصرة هنا وهناك، في حين أن جملة من أساتذتنا فصّل الحديث عنه، ولذا كان من المهم تتبع كلمات الأعلام في شأن الاطمئنان المتناثرة في أبحاثهم وتصنيفها من أجل استيضاح مواقفهم وكذلك إثراءً للبحث، وكان لا بد أيضاً من عرض ما ذكره بعض أساتذتنا تفصيلاً - على الرغم مما فيه من التوسع - إتماماً للفائدة وإغناءً للبحث.

وكذلك اعتمدت النقل باللفظ وابتعدت عن النقل بالمعنى تجنباً للاختلاف في فهم عبارات الأعلام، وكذلك توثيقاً لما ذكره بعض أساتذتنا (دامت برکاته) وتثمنياً للجهود التي بذلها في هذا المبحث، إذ تقريراته في هذه المطالب لم تطبع بعد، وهي قد تضمنت مباحث مفيدة جداً تنفع الباحث في مجالات عدة كما سيتبين إن شاء الله.

وقد تضمن هذا البحث مواضيع مفصلة لها منافع متعددة وسيالة كالبحث عن المراد من العلم العادي في كلماتهم، وكذا المراد من اليقين الوارد في الآيات والروايات وغير ذلك مما سيأتي في مطاوي البحث، والغاية من تفصيل هذه المباحث أن تكون مرجعاً للباحث والمؤلف يغنيه عن مراجعة مصادر أخرى.

ص: 87

المقدمة

اشارة

تحتوي على أمور..

الأمر الأول: في تحديد المعنى اللغوي للاطمئنان

ذكر أرباب اللغة أن المراد بالاطمئنان هو سكون النفس، قال الخليل (رحمة الله): (طمن اطمأن الرجل واطمأن قلبه واطمأنت نفسه إذا سكن واستأنس)(1). وقال ابن دريد: (وقد اطمأن الرجل اطمئناناً إذا سكن)(2).

ولا يبعد أن لفظ الاطمئنان ومشتقاته كانت تطلق على الاستقرار الحسي في مقابل الاضطراب، الملحوظ في مثل إطلاقهم(3) المطمئنة على السفينة المستقرة وكذلك الأرض المنخفضة، إلا أن الظاهر أن توصيفها بالمطمئنة توسع بالنظر إلى اطمئنان السائر عليها وعدم اضطرابه، قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولاً﴾ (4). ثم تطور إلى المعنى النفسي في مقابل الخوف والقلق من قبيل قوله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾(5)، وقوله تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾(6) وغير ذلك من الآيات.

ص: 88


1- كتاب العين: 7/442.
2- جمهرة اللغة: 2/1089.
3- لاحظ كتاب العين: 7/442، ومعجم مقاييس اللغة: 3/422، وأساس البلاغة: 595، وتاج العروس: 18/359.
4- الإسراء: 95.
5- الرعد: 28.
6- يونس: 7.

وربما يدعى أنه تطور منه إلى المعنى الإدراكي بمعنى الإدراك الذي يركن إليه ويعتمد عليه الإنسان في مقام تنفيذ مقاصده، وذلك لنوع من العلاقة بين الخوف والقلق والاعتماد وبين الحالة الإدراكية.

هذا, وقد قيل: إن (الاطمئنان هو الاستقرار والسكون بعد الانزعاج)(1).

ولكن لم يثبت دخالة كونه بعد الانزعاج في أصل المعنى، بل لا يبعد أن يكون من خصوصيات بعض موارد الاستعمال، كما يشهد استعماله خالياً من ذلك في مثل إطلاقه على السفينة المطمئنة والأرض المطمئنة، وكذا إطلاقه في شأن الملائكة والناس في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾(2)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾(3), وغيرها من موارد الاستعمالات(4).

وعليه فالظاهر أن استفادة سبق عدم الاستقرار منه ليس من جهة أصل المادة، بل هو - على فرضه - مما يتضمنه الفعل أو خصوص الماضي، حيث لوحظ استفادة الحدوث كثيراً كما هو الحال في مادة (علم) من قبيل ما لو قيل: (علم فلان بكذا).

بل قد يقال: إن دلالته عليه أيضاً إنما هي بتعدد الدال والمدلول بقرينة تجرده عنه في مثل: (علم الله تعالى بذلك) كما ورد مثله في الآيات الشريفة.

وكيف كان, فقد عرّف الأصوليون الاطمئنان بأنه درجة عالية من الظن تقارب اليقين والعلم على نحو يكون احتمال الخلاف احتمالاً وهمياً لا يعتنى به عند العقلاء

ص: 89


1- موسوعة الفقه الإسلامي: 14/221.
2- الإسراء: 95.
3- الحج: 11.
4- لاحظ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: 7/191، 21/352، وغيرها.

كواحد في المائة، أو أنه (قيمة احتمالية كبيرة تقابلها في الطرف المقابل قيمة احتمالية ضئيلة جداً)(1).

وربما يقال: إنه لا يعدو هذا كونه تحديداً للاطمئنان الإدراكي وليس هو معنى اصطلاحياً له، حيث إن ما ذكروه إنما هو تحديد للقيمة الاحتمالية المستلزمة لسكون النفس واستقرارها. وهو محل نظر، بل الظاهر أن هناك معنى اصطلاحياً للأصوليين في هذا اللفظ، وذلك..

أولاً: لاختصاص اصطلاحهم بالاستقرار الإدراكي دون النفسي في مقابل الخوف والقلق.

وثانياً: أنه يطلق في اصطلاح الأصوليين في خصوص مورد الإدراك غير الجازم، مع أن صفة الاطمئنان تحصل في مورد العلم أيضاً.

وثالثاً: أن الاطمئنان عندهم يفسر - بالظن العالي - كما تقدم في حين أن المعنى اللغوي ينطبق على الاستقرار والسكون الذي هو لازم الظن وليس نفسه.

وقد يعبر عن الاطمئنان في كلماتهم بالعلم العادي(2)- كما سيأتي - أو العلم العرفي(3)، أو الظن المتاخم للعلم(4)، أو اليقين العقلائي(5).

ص: 90


1- دروس في علم الأصول: 1/251.
2- لاحظ العناوين: 1/531، 2/202، وكتاب الصلاة (الحائري): 23، وأجود التقريرات: 2/21، ومصباح الأصول: 2/201، ومنتقى الأصول: 6/432، ومصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: 1/180، 2/422، 5/384، وغيرهم.
3- لاحظ الفصول الغروية في الأصول الفقهية: 393، وأوثق الوسائل في شرح الرسائل: 169.
4- لاحظ مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: 7/533، وكتاب القضاء (الرشتي): 1/95، وتفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة (الخمس والأنفال): 150، (كتاب الحج): 194، وفقه الصادق (علیه السلام): 25/334.
5- لاحظ التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة): 5/503.

الأمر الثاني: في بيان معنى الوثوق

وذلك للعلاقة بينه وبين الاطمئنان حتى قيل بوحدة معناهما..

ذكر الخليل (رحمة الله) أن الوثيق هو المحكم ومنه الوثاق بمعنى الحبل، (والوثيقة في الأمر إحكامه والأخذ بالثقة، والجمع وثائق. والميثاق من المواثقة والمعاهدة، ومنه الموثق، تقول: واثقته بالله لأفعلن كذا)(1).

وقال ابن فارس: (وثق الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام، ووثقت الشيء أحكمته.. والميثاق العهد المحكم)(2).

وقال الراغب: (وثق وثقت به أثق ثقة سكنت إليه واعتمدت عليه)(3).

ومن المعلوم أن أصل مادة (وثق) كانت حسية من الإحكام، ومنه قول الشاعر:

أو قارِبٌ بالعَرا هاجَتْ مراتِعُه *** وخانه مُوثِقُ الغُدْرانِ والثَّمَرُ

قال بعض أساتيذنا (دامت برکاته): (إن الوثوق في الأصل من الاستيثاق المادي حيث يربط الشيء بالحبل ربطاً يمنع معه أن ينفلت، والإيحاء في الصوت الصادر عند شدّ الحبل يساعد على هذا المعنى. ومنه الوثاق بمعنى ما يشدّ به من قيد وحبل ونحوهما، وأوثق الأمر إذا أحكمه. وبهذا الاعتبار يطلق الميثاق على العهد)(4).

ومن ثم تطور استعماله شيئاً فشيئاً ليعبر عن المعنى الإدراكي وهو الظن القوي، ولكن اختلف في أنه هل هو عين الاطمئنان أو أنه مختلف عنه؟

ص: 91


1- كتاب العين: 5/202، ونحوه ما في الصحاح: 4/1563.
2- معجم مقاييس اللغة: 6/85.
3- المفردات في غريب القرآن: 511-512.
4- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

ظاهر كلمات جمع(1) اتفاقهما، في حين أن ظاهر كلمات آخرين(2)- منهم أستاذنا السيد الحكيم (دام ظله) (3)- اختلافهما في درجة الإدراك، فالوثوق أدنى من الاطمئنان.

والاختلاف بين الوثوق والاطمئنان مفهوماً واضح بمراجعة ما ذكره أرباب اللغة، فإن الاطمئنان هو السكون والاستئناس في حين أن الوثوق هو الإحكام والاعتماد.

وربما يقال: إن (الوثوق والاطمئنان يشتركان في سكون النفس وركونها للشيء، ولذا قال الزمخشري: (اطمأن إليه سكن إليه ووثق به)، وقال صاحب أقرب الموارد في وثق: (رأيته متعدياً ب-(إلى) في عبارة واردة في التاج هذا نصها: من العلماء الموثوق إليهم، كأنه على معنى اطمأن إليهم). فوثق يتعدى بالباء فيقال: وثق به، واطمأن

ص: 92


1- قال المحقق النائيني (قدس سره): (الوثوق المأخوذ موضوعاً لجواز الائتمام إنما هو الاطمئنان المعبر عنه بالعلم العادي) (أجود التقريرات: 2/21)، كما أنه (قدس سره) عطف أحدهما على الآخر في بعض كلماته (لاحظ: 2/96). وقال المحقق الأصفهاني (قدس سره): (ويمكن الاستدلال له عموماً بأن الوثوق والاطمئنان علم عادي في نظر العرف والعقلاء.. وبناء العقلاء على المعاملة مع الوثوق والاطمئنان معاملة العلم الحقيقي) (الاجتهاد والتقليد: 145). ولاحظ أيضاً مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى: 11/398، وكتاب الحج (تقريرات السيد الشاهرودي): 2/21.
2- قال المحقق الداماد (طاب ثراه): (إن هذه الأدلة لو سُلِّمت دلالتها كما ترى كالصريح في عدم اعتبار العدالة، إذ موردها العامة الذين ليسوا عدولاً بكونهم عامة. نعم يعتبر فيه الوثوق بحدٍّ يوجب الاطمئنان) (كتاب الصلاة (تقريرات المحقق الداماد): 1/208). وقال صاحب الكفاية (قدس سره): (أما آية النبأ فالظاهر منها عدم كفاية مطلق الظن بالصدق ما لم يصل مرتبة الاطمئنان، وذلك لعدم صدق التبيّن بدونه، حيث إنه من (بان) بمعنى ظهر مع صدق الإصابة بالجهالة عليه وإن كان الوثوق الحاصل منه بمقدار ما يحصل من خبر الثقة، إذ الظاهر أنهم يعتنون بالوثوق الحاصل منه وإن لم يصل حدّ الاطمئنان، ولا يعتنون بالوثوق من الخارج ما لم يصل هذا الحد) (درر الفوائد في الحاشية على الفرائد: 2/566-567).
3- الكافي في أصول الفقه: 2/64، المحكم في أصول الفقه: 3/356 (النسخة الثانية)، مصباح المنهاج (كتاب التقليد): 243.

يتعدى ب- (إلى) فيقال: اطمأن إليه، وتعديته بالباء في الألسن لتضمنه معنى وثق المتعدي بها، كما في تعدية وثق ب-(إلى) لتضمنه معنى اطمأن المتعدي بها.. فبناءً على أن الوثوق هو الاطمئنان وأنه حجة مطلقاً أو في محل البحث خاصة يثبت حجية الخبر الذي حصل الوثوق بصدوره عن المعصوم (علیه السلام) من تلك الشهرة أو غيرها.. وأما لو نوقش في اتحاد المعنى بين الاطمئنان والوثوق فقيل بأن الثاني أضعف من الأول..)(1).

وما ذكر وإن كان يتراءى منه اتحاد الوثوق والاطمئنان مفهوماً ولكن من البعيد أن يكون هذا مراده، فإن التباين بينهما مفهوماً واضح بمراجعة ما ذكره أرباب اللغة، وإنما المراد هو التقارب في المعنى ولو على أن يكونا من قبيل اللازم والملزوم، بمعنى أن الاستقرار النفسي إنما يحصل بما تعتمد عليه النفس بطبيعتها، كما أن ما تعتمد عليه النفس من الإدراك إنما يكون من حيث إنه يوجب السكون النفسي.

ولكن يستبعد ذلك أيضاً، فإن لكل من المفردتين خصوصية قد تجتمع مع الآخر وقد لا تجتمع، فالملحوظ في الوثوق هو الاعتماد والإحكام سواء أوجب استقراراً نفسياً أو لا، والمنظور في الاطمئنان هو هذا السكون والاستقرار النفسي سواء كان قد حصل مما ينبغي الاعتماد عليه أو لا، وقد تقدم عن الخليل (رحمة الله) قوله: (استحكم الأمر وثق)(2)، و (الوثيق المحكم)(3). وعن ابن فارس أن مادة وثق تدل على عقد وإحكام. كما يشهد له ما تقدم عن الراغب من أنه الاعتماد على الشيء. وقال الأزهري: (الوثاقة مصدر الشيء الوثيق المحكم)(4). وقال الصاحب بن عباد: (استحكم الأمر

ص: 93


1- قواعد الحديث: 118-119.
2- العين: 3/67.
3- العين: 5/202.
4- تهذيب اللغة: 9/206.

وثق)(1).

فإن من الواضح أن مادة (وثق) تختلف عن مادة (طمن)، فالإحكام المأخوذ في الأول غير موجود في الثاني، كما أن الجانب النفسي المنظور في الثاني لم يكن هو المراد في الأول. ويتأكد ذلك في تضاعيف مادة (وثق) كالوثيق والموثق والوثيقة وغير ذلك.

ويشهد لذلك تتبع موارد استعمال هذه المادة حيث يدل على وجود أمر محكم يستند إليه بغض النظر عن سكون النفس.

قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾(2).

وقد جاء عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: ((أيها الناس من عرف من أخيه وثيقة في دين وسداد طريق فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال. أما إنه قد يرمي الرامي وتخطئ السهام، ويحيل [يحيك.خ] الكلام وباطل ذلك يبور، والله سميع وشهيد))(3).

وعنه (صلوات الله وسلامه علیه) أنه قال: ((وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم، وأدبتكم بسوطي فلم تستقيموا. وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا))(4).

وفي رواية عبد الله بن مسكان عن رجل قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): ((عليك بالتلاد، وإياك وكل محدث لا عهد له ولا أمان ولا ذمة ولا ميثاق، وكن على حذر من أوثق الناس عندك))(5).

ص: 94


1- المحيط في اللغة: 2/387.
2- النساء: 21.
3- نهج البلاغة: 2/24، ونقله عنه في وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: 16/379.
4- نهج البلاغة: 2/108.
5- الكافي: 2/638-639.

وفي معتبرة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام): عن المرأة الحرة تحج إلى مكة بغير ولي. فقال: ((لا بأس تخرج مع قوم ثقات))(1).

وفي مرسلة الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن رجل تكارى دابة إلى مكان معلوم فنفقت الدابة. قال: ((إن كان جاز الشرط فهو ضامن وإن دخل وادياً لم يوثقها فهو ضامن، وإن سقطت في بئر فهو ضامن، لأنه لم يستوثق منها))(2).

وأما تبادل التعدي في الاطمئنان والوثوق الكاشف عن اشتراكهما معنى فلا يكفي ذلك في حدِّ ذاته شاهداً، إذ اختلاف نحو التعدي باب واسع في اللغة، وهو يقع على وجوه ثلاثة..

الأول: أن يقع من باب تبادل حروف الجر في مواضعها، وقد ذكر لذلك شواهد..

منها: قوله تعالى: ﴿لأُصَلِّبَنَّكُم في جُذوعِ النَّخْل﴾ قال ابن سيده: (أي على جذوع النخل) وذكر شاهداً على ذلك قول الشاعر:

هُمُ صَلَبوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ *** فلا عَطَسَتْ شَيْبانُ إلاّ بأَجْدَعا

ومنها: قولهم: (رَضيت عليكَ) بمعنى (عَنْكَ)، قال الشاعر:

إذا رضِيَتْ عليَّ بَنو قُشَيْرٍ *** لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبني رِضاها

ومنها: قولهم: (رميت على القوس) بمعنى (عن القوس). قال الراجز:

أَرْمي عَلَيْها وهْيَ فَرْعٌ أَجْمَعُ

وقد ذكر ابن سيده باباً كاملاً في ذلك، فليراجع(3).

ص: 95


1- الكافي: 4/282.
2- الكافي: 5/289-290.
3- المخصص: 4 ق:2 (السفر الرابع عشر)/64 وما بعدها.

ولو فرض أن تبادل الاطمئنان والوثوق في التعدي من هذا الباب لم يكن فيه حجة طبعاً.

الثاني: أن يقع على سبيل التضمين وهو إشراب الفعل معنى فعل آخر مما يقتضي أن يتعدى بالحرف المناسب للفعل المضمن.

ولو كان تبادل الاطمئنان والوثوق في التعدي من هذا الباب كان ذلك أدل على اختلافهما مفهوماً - على عكس ما هو المدعى -:

قال ابن هشام: (قد يشربون لفظاً معنى لفظ فيعطونه حكمه ويسمى ذلك تضميناً.. ومن مثل ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ضمّن الرفث معنى الإفضاء، فعدى ب- (إلى) مثل: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾وإنما أصل الرفث أن يتعدى بالباء، يقال: أرفث فلان بامرأته)(1).

الثالث: أن يقع من جهة تعدد وجوه استعمال الفعل في نفسه حيث إن الفعل الواحد قد يرد في اللغة على وجهين: متعدٍّ ولازم، والمتعدي قد يتعدى بأكثر من حرف من حروف الجر وذلك معروف في اللغة.

ولم يثبت تماثل التعدي بين الاطمئنان والوثوق على هذا الوجه، ولو ثبت لم يكفِ دليلاً على وحدة معناهما مفهوماً.

هذا عن اتحاد الاطمئنان والوثوق أو تقاربهما كما هو المدعى.

وأما دعوى الملازمة بينهما فقد قربها بعض أساتيذنا (دامت برکاته) ب- (أن الاطمئنان بالشيء لا ينفك عن وثوق النفس بحصوله كما أن وثوق النفس بشيء لا ينفك عن السكون إليه والاطمئنان به.

ص: 96


1- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: 2/685.

ويشهد لذلك إجمالاً المنافاة بين إثبات أحدهما ونفي الآخر، فلو قيل: (إني أطمئن بأن زيداً جاء ولكن لا أثق بذلك)، أو قيل: (إني أثق بأن زيداً جاء ولكني لا أطمئن بذلك) لكان تهافتاً ظاهراً.

كما أنك لا تجد صحة إطلاق أحدهما في مورد انتفاء الآخر، فلا تقول: (إني أثق بمجيء زيد) إذا كنت غير مطمئن بذلك، كما لا تقول: (إني أطمئن بمجيء زيد) إذا كنت غير واثق بذلك.

ويؤيد ذلك ذكر أحدهما أو ما يقاربه في تفسير الآخر في كلمات اللغويين كالراغب، فإنه بعد وضوح تفاوتهما مفهوماً يفيد صحة تبادلهما في مواضعهما.

كما يساعد على ذلك أيضاً استعمال الوثوق كثيراً في كلمات المتأخرين(1) ويراد منه الاطمئنان.

وأما تفصيل ذلك فبيانه أن منشأ دعوى افتراق الوثوق والاطمئنان بحسب مواردهما هو أن مادة الوثوق لا تعبر عن جانب نفسي بحت كما في الاطمئنان الذي يعني الاستقرار النفسي، بل هي تعبر عن وجود مدرك محكم له يشدّ المرء به، ومن ثم فسّر الوثوق في كلمات اللغويين بالإحكام، ومنه التعبير ب-(الوثيقة) عن المستند المحكم و(خبر الثقة) في من عرف منه سداد نقل ودقة حكاية، فلا يصدق الوثوق فيما إذا لم يتم الاستيثاق من الشيء من خلال مدرك محكم.

وبهذا الاعتبار يقال تارة بأن الوثوق أدنى من الاطمئنان لأنه يكفي فيه الاستناد إلى مدرك محكم، وأخرى بأن الوثوق أخص من الاطمئنان من جهة أنه يقتضي وجود مدرك محكم، وأما الاطمئنان فهو الاستقرار النفسي من أي جهة حصل.

ص: 97


1- لاحظ مصباح الفقيه: 2 ق:2/667، وكتاب الحج (تقريرات السيد الشاهرودي): 2/21، 4/101، ومنتهى الأصول: 1/459، ومحاضرات في أصول الفقه: 3/229، وبحوث في شرح العروة الوثقى: 2/92، وتفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الديات): 227، وغيرها من المصادر.

والجواب عن ذلك بالنقض على ما ذكر بأن القائل قد يقول في مقام الاعتذار: (إني وثقت بقول زيد) فيرد عليه (بأن زيداً لا يوثق بمثله)، فإن هذا الرد ليس من باب التخطئة اللغوية لمكان استعمال كلمة الوثوق، بل هو تخطئة في حصول الوثوق لعدم كون مدركه محكماً.

وبالحل بأن مادة الوثوق تارة تطلق بالنظر إلى الاستيثاق الخارجي مثل شدّ الدابة بالحبل القوي، أو وجود دليل خارجي محكم يسمى بالوثيقة. وأخرى تطلق بالنظر إلى الاستيثاق النفسي بمعنى أن النفس أحكمت الاعتقاد بالشيء، كما تطلق العقيدة بهذا الاعتبار، فإذا قال القائل: (إن هناك دليلاً موثوقاً أو وثيقةً على الدين) فهو بالنظر إلى المدرك الخارجي، ومنه ما لو قيل: (توثقت من تسديده للمبلغ). وأما إذا قال: (وثقت بأن زيداً مديون) فليس فيه ما يدل على وجود وثيقة خارجية قوية بل هو تعبير عن استحكام الاعتقاد بهذا المعنى في النفس, واستحكام الاعتقاد بالشيء لا يستلزم خارجاً وجود وثيقة خارجية عليه.

هذا, ولو فرض أنه يعتبر في الوثوق وجود منشأ محكم له خارجاً فهو يساوق الاطمئنان الناشئ من المبادئ العقلائية ولا يكون أعم منه.

وأما مجرد وجود شيء محكم لدى العقلاء فلا يصحح إطلاق حصول الوثوق به، فإذا أخبر الثقة بشيء مريب بحيث لا يحصل الاطمئنان به بل يشك فيه أو يظن بخلافه لا يقال: (إني أثق بكذا)، نعم يوصف المخبر بأنه ثقة من باب شأنية الوثوق به بلحاظ ما علم من حاله لا لحصول الوثوق به فعلاً، فهذا أشبه بأسماء الآلة حيث يقال: (مكنسة) ما يكنس به، و(المصباح) ما يستضاء به.. وهكذا، فلا ينافي تخلف الصفة أحياناً، فلاحظ)(1).

ص: 98


1- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

وقد يستشهد لما ذكره (دامت برکاته) بما ورد في خطبة أمير المؤمنين (علیه السلام) في وصف الدنيا: ((كم من واثق بها فجعته، وذي طمأنينة إليها قد صرعته))(1).

ولكن قد يقال: إن ما ذكره (دامت برکاته) لا يرفع الاختلاف بين الكلمتين لغة، فإننا لا نمنع من أن يراد منهما معنى واحد في بعض الاستعمالات مع القرينة الدالة على ذلك أو تسامحاً فيه كما هو الحاصل في كلمات الأصوليين المتأخرين. ولكن بمراجعة كلمات اللغويين من جانب ومراجعة موارد استعمال تضاعيف مادة (وثق) من جانب آخر يصعب البناء على اتحادهما أو الملازمة بينهما أو المقاربة المقتضية لحمل أحدهما على معنى الآخر.

وكما أن هناك موارد تشهد بالتلازم بينهما فهناك موارد عديدة يمكن الاستشهاد بها على الافتراق وعدم التلازم بينهما، من قبيل قول أمير المؤمنين (علیه السلام) في خطبته: ((فيا عجباً وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها.. المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا، وكل امرئ منهم إمام نفسه، آخذ منها في ما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات فلا يزالون بجور ولن يزدادوا إلا خطأ..))(2).

فلذا لا يمكن الجزم بأن المراد من الوثوق في النصوص ما يفيد الاطمئنان إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على ذلك.

الأمر الثالث: في تحديد المراد بالعلم العادي وهل هو الاطمئنان أو لا؟

يستعمل العلم العادي - كما ذكر بعض أساتيذنا (دامت برکاته) (3)- في كلمات المتقدمين في معنيين..

ص: 99


1- نهج البلاغة: 1/218.
2- الكافي: 8/64.
3- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

الأول: العلم اليقيني الحاصل مع تجويز العقل للخلاف، كما لو كان عدم وقوع الشرك من باب الامتناع الوقوعي لعدم وجود علته.

الثاني: الظن الغالب المتاخم للعلم الذي لا يمنع من احتمال الخلاف.

وقد وقع الخلط بينهما في كلماتهم، ويحتمل أن يكون منشؤه الخلط بين اصطلاح المتكلمين حيث كانوا يطلقونه على ما يشمل الاطمئنان واصطلاح المناطقة حيث كانوا يطلقونه على ما يقترن بتجويز الخلاف عقلاً وإن لم يكن هناك احتمال للخلاف أصلاً.

ويشهد لذلك ما وقع في كلمات التفتازاني حيث أجاب عن الاعتراض على تعريف العلم الذي هو الاعتقاد الذي لا يحتمل النقيض بالعلوم العادية، مثل العلم بكون الجبل حجراً فإنه يحتمل النقيض بأن لا يكون حجراً بل قد انقلب ذهباً بأن يخلق الله تعالى مكان الحجر الذهب بقوله: (إن المراد بعدم احتمال النقيض في العلم هو عدم تجويز العالم إياه لا حقيقة ولا حكماً..

أما في التصور فلعدم النقيض، أو لأنه لا معنى لاحتمال النقيض بدون شائبة الحكم.

وأما في التصديق فلاستناد جزمه بالحكم إلى موجب بحيث لا يحتمل الزوال أصلاً. والعاديات كذلك لأن الجزم بها مستند إلى موجب هو العادة، وإنما يحتمل النقيض بمعنى أنه لو فرض وقوعه لم يلزمه منه محال لذاته لكونه في نفسه من الممكنات التي يجوز وقوعها أو لا وقوعها، وذلك كما يحكم ببياض الجسم المشاهد قطعاً مع أنه في نفسه ممكن أن يكون وأن لا يكون.

والحاصل: أن معنى احتمال النقيض تجويز الحاكم إياه حقيقة وحالاً كما في الظن لعدم الجزم بمتعلقه)(1)، ونحوه كلام الأيجي(2).

ص: 100


1- شرح المقاصد: 1/18، ولاحظ: 2/55، 178.
2- لاحظ شرح المقاصد: 1/18، ومثله في: 2/55، 178، شرح المواقف: 1/57، 3/82، 352، 356، 362، 371.

وقد أرجع المحقق الأردبيلي (قدس سره) أحدهما إلى الآخر قائلاً: (لأن العلم متبع بالعقل والنقل.. وإن فسرت بما أفاد الظن الغالب المتاخم للعلم، بل هو العلم العادي العرفي الذي لا يضره الاحتمال البعيد الذي هو مجرد التجويز العقلي فالظاهر أنه كذلك)(1).

وقد أورد عليه الشيخ الأعظم (قدس سره) (2)

بأن في ظاهره تدافعاً، حيث جمع بين جعل الظن المتاخم للعلم مقابلاً للاستفاضة العلمية وبين كونه علماً عادياً لكون احتمال الخلاف بمجرد تجويز العقل.

وقد نسب صاحب الفصول (قدس سره) ذلك إلى الأخباريين قائلاً: (ومن الأخبارية من وجّه مقالة أصحابه فحمل العلم في كلامهم على العلم العادي وفسره بما يطمئن به النفس، قال: وهو يحصل بإخبار الضابط المتحرز عن الكذب وإن كان فاسقاً، وزعم أن الأصولية لا ينكرون هذا المعنى لكنهم يسمونه ظناً فجعل النزاع بينهم لفظياً. وفيه ما فيه..)(3).

وقد استعرض بعض أساتيذنا (دامت برکاته) (4) مواقف فقهائنا تجاه العلم العادي في عدة مراحل بدءاً بما قبل الحركة الأخبارية وانتهاءً إلى ما بعد الشيخ الأنصاري (قدس سره)، ولا بأس بذكر بعضها..

قال الشهيد الثاني (قدس سره): (وبقيد (العادة) يندفع تخيل كون ما هو معدوم الآن مستصحب العدم فلا يحصل بوجوده في ثاني الحال إلا الظن، فإن هذا الظن الغالب المستند إلى قرائن الأحوال المستمرة يفيد العلم العادي وإن لم يفد العلم الحقيقي)(5).

ص: 101


1- مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: 12/32.
2- كتاب القضاء والشهادات: 73.
3- الفصول الغروية في الأصول الفقهية: 403.
4- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).
5- مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام: 3/416.

وقال المحقق الأردبيلي (قدس سره): (نعم يمكن ذلك في مثل الوكالة بقرائن بحيث يعلم أو يقرب من العلم بحيث ما يبقى إلا الاحتمال الذي باقٍ في العلوم العادية)(1).

وقد حكى السيد علي خان المدني (رحمة الله) كلاماً طويلاً عمن عبر عنه ببعض المحققين نذكر منه ما ينفع في المقام، قال: (قال بعض المحققين من أصحابنا المتأخرين: اعلم أن لفظ العلم يطلق في اللغة على الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، وهذا يسمى اليقين، وعلوم الأنبياء والأئمة (علیهم السلام) من هذا القبيل. ويطلق أيضاً على ما تسكن إليه النفس وتقضي العادة بصدقه، وهذا يسمى العلم العادي. ويحصل بخبر الثقة الضابط المتحرز عن الكذب بل وغير الثقة إذا علم من حاله أنه لا يكذب أو دلت القرائن على صدقه، كما إذا أخبر الإنسان خادماً له عرفه بالصدق عن شيء من أحوال منزله فإنه يحصل عنده من خبره حالة توجب الجزم بما أخبره به بحيث لا يشك في ذلك)(2).

وقال المحقق النراقي (قدس سره) في بيان العلم الذي هو حجة في الشرعيات: (اعلم أن العلم الذي هو الحجة في الشرعيات من غير احتياج إلى دليل وبرهان هو العلم العادي، وهو الذي لا يلتفت أهل العرف ومعظم الناس إلى احتمال خلافه ولا يعتبرونه في مطالبهم ولا يعتنون به في مقاصدهم)(3).

وقال المحقق الحائري (قدس سره) في الكلام عن حجية الاطمئنان: (الاطمئنان الذي يسمى بالعلم العادي من أي سبب حصل، والذي يدل على اعتبار ذلك معاملة العقلاء مع هذا معاملة العلم الحقيقي من دون ردع من ناحية الشارع..)(4).

ص: 102


1- مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: 9/592.
2- رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين: 2/372.
3- عوائد الأيام: 435.
4- كتاب الصلاة: 23.

وقال المحقق النائيني (قدس سره) في الكلام عن وسائل تحديد القبلة: (ومنها العلائم المنصوبة لذلك من مهرة أهل الفن.. فهي إن لم تكن مفيدة للعلم فلا أقل من إفادتها الاطمئنان الملحق بالعلم المعبر عنه بالعلم العادي في بعض الكلمات)(1).

وعليه فالعلم العادي الوارد في كلمات الأعلام يمكن أن يراد به الاطمئنان الذي هو موضوع البحث أو العلم القطعي اليقيني الذي لا يمتنع نقيضه أو بما يكون شاملاً لكلا المعنيين، ولا بد من أجل تحديد المقصود منه من وجود قرينة على المعنى المطلوب(2).

الأمر الرابع

قد يقال: إن الاطمئنان وإن كان له وجود في أول الأمر إلا أنه نتيجة لطبيعة العقل البشري الذي يلغي الاحتمال الضعيف يتحول الاطمئنان إلى علم فيكون من أفراده ومصاديقه. ومن ثم لا يبقى محل لهذا البحث، إذ الاطمئنان علم حقيقة ولكن بإعمال عقلي تلقائي لا يلتفت إليه.

قال السيد الصدر (قدس سره): (إن تراكم القيم الاحتمالية في محور واحد يؤدي إلى تحول القيمة الاحتمالية الكبيرة الناتجة عن ذلك التراكم إلى يقين، وفناء القيمة الاحتمالية الصغيرة المضادة.. وهكذا نعرف أن محوراً معيناً قد يمتص الجزء الأكبر من قيمة علم عن طريق تجمع القيم الاحتمالية التي تمثّل ذلك الجزء فيه، وهذا يعني حصوله على

ص: 103


1- كتاب الصلاة: 152.
2- هذا وقد فرّق بعضهم بين الظن القوي المتاخم للعلم وبين الاطمئنان حيث جعل الأول أخص، قال السيد القزويني (رحمة الله): (وهل المعتبر من الظن المطلق مطلقه ولو في أول درجات الرجحان، أو الظن القوي البالغ حدّ الوثوق والاطمئنان، أو الظن القوي المتاخم للعلم؟ وجوه أوسطها أقواها) (رسالة في العدالة: 115)، ونظير ذلك ما في (118- 119)، وقد فسر ذلك في عبارة أخرى له قائلاً: (.. مرتبة الوثوق والاطمئنان وهو سكون النفس على وجه لا يبقى لها تزلزل واضطراب) (117). ولكن ما ذكره خلاف المتعارف في كلماتهم من أن الاطمئنان هو الظن القوي المتاخم للعلم.

قيمة احتمالية كبيرة وتتحول هذه القيمة إلى يقين. وأما القيمة الاحتمالية الصغيرة المضادة التي لم يمتصها فتفنى لضآلتها أمام تلك القيمة الاحتمالية الكبيرة)(1).

وقد أورد بعض أساتيذنا (دامت برکاته) عليه بعدة أمور..

(الأول: أنه لو سُلِّم حصول العلم على أساس التوالد الذاتي فهو دون المقدار الذي يجري عليه العمل من الأخبار المتواترة وأخواتها، فإن الجاري من العمل بها والإذعان بحجيتها فوق المقدار الذي يمكن أن يقال فيه بأن الذهن يلغي فيه احتمال الخلاف إذا كان بدرجة ضئيلة. نعم, الذهن العرفي قد لا يلتفت إلى احتمال الخلاف في مطلق هذه الموارد التي يأخذ فيها بالاعتقاد الحاصل، لعدم تأثيره في مقام العمل. واعتياد العرف على أن الاحتمال متى كان ضعيفاً لا يلتفت إليه في مقام العمل إنما هو لغض النظر عنه, ولكن لا يعني ذلك أنه لا يرى وجوده لو نُبِّه عليه إن لم يكن متسرعاً.

الثاني: إن إلغاء الذهن البشري للاحتمالات الضئيلة قهراً أمر غير ظاهر في مطلق الحالات المدعى ذلك فيها، فإنه مع التركيز في ذلك نجد أن الحالة في جملة من الموارد أشبه بإهمال الاحتمال وعدم الاعتناء به وتهميشه النفسي منه بإلغائه أصلاً. ومن ثم يشعر علماء حساب الاحتمالات بوجود مثل هذا الاحتمال.

الثالث: أنه لا تبدو نكتةٌ لتكوين النفس البشري على أساس إلغاء الاحتمال الضئيل، فإنه لو كان القانون الفطري يقتضي عدم حجية ما سوى العلم لكان في تكوين النفس على إلغاء الاحتمال حكمة ظاهرة، لأجل حصوله على ما هو الحجة

ص: 104


1- الأسس المنطقية للاستقراء: 424 (الطبعة الثانية).

لديه. أما والقانون الفطري يقتضي حجية الاطمئنان - على ما يقرّ به هذا القائل - فلا أثر لإلغاء احتمال الخلاف فعلاً وعدمه)(1).

على أن ما ذكره السيد الصدر (قدس سره) لو تم لم ينفِ حصول الاطمئنان مطلقاً، لأن ما ذكره من إلغاء الذهن البشري للاحتمال الضعيف إنما يناسب درجة عالية من الاطمئنان من قبيل (99999 من 100000) وليس الدرجات الدنيا منه ك- (97%) فإنه من البعيد القول بأن العقل يلغي الاحتمال في مثل ذلك.

الأمر الخامس: في تحرير محل النزاع

ويقع الكلام فيه من عدّة جوانب..

1. في أن البحث في حجية مطلق الاطمئنان أو في بعض مراتبه الدنيا فقط.

قال بعض أساتيذنا (دامت برکاته): (إن للاطمئنان عرضاً عريضاً، فإنه يتحقق إذا كان الاحتمال ضعيفاً بنسبة (1\100) أو (1\1000) أو (1\10000) أو (1\100000) أو واحد في المليون أو المليار أو التريليون أو ما دون ذلك، فما يقابل الاحتمال في جميع ذلك يكون من درجات الاطمئنان.

ومن البعيد للغاية أن يبني أحد على أن أي احتمال مهما كان ضئيلاً لا يكاد يكون الظن معه حجة، فإنه يقتضي أن جميع علومنا قطعية لا تحتمل الخلاف بأي درجة من الدرجات المذكورة، وهذا بعيد جداً، بل أكثر علومنا اطمئنانية بدرجة أو أخرى.

ومن ثم قد تحمل كلمات من أنكر حجية الاطمئنان على أن نظره الحقيقي إلى درجات دنيا من الاطمئنان وليس في أصل حجيته في الجملة.

وإن فرض أن أحداً ينكر حجية الاطمئنان بمعناه الواسع الذي يشمل مورد كون

ص: 105


1- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

احتمال الخلاف واحداً في تريليون - مثلاً - فمن المحتمل جداً أنه ينفي وجود مثل هذا الاحتمال أصلاً ويجعله أمراً غير عقلائي.

وهذا أمر غير صحيح، لأن للاحتمال مناشئه والمفروض وجود ما يكون منشأً لهذا الاحتمال، كما لو لوحظ طرو حالة نادرة في بعض النمل بمثل تلك النسبة فيكون احتمال طروه على كل نملة كذلك لا محالة.

وربما يقع الخلط في مثل هذه الاحتمالات الضعيفة بين وجود الاحتمال بلغة الرياضيات وبين الاعتناء به، فيظن أن عدم الاعتناء به من جهة نفي وجوده فعلاً)(1).

وما ذكره (دامت برکاته) أضفى توضيحاً يصعب معه البناء على عدم حجية الاطمئنان، إذ مع فرض وجود دجاجة واحدة غير مذكاة - مثلاً - من مليون دجاجة فهل من المقبول أن يعتنى بمثل هذا الاحتمال؟! وهكذا لو فرض مزيد انخفاض في درجة الاحتمال.

ولكن صرح أستاذنا السيد الحكيم (مدظله) بأن المنظور في إنكار حجيته هو جميع مستوياته، حيث قال: (إن ما هو الحجة الذاتية خصوص اليقين الاصطلاحي المساوق للعلم والقطع ونحوهما والذي هو عبارة عن الوصول للواقع بنحو لا يجتمع مع احتمال الخلاف، وحجية غيره تحتاج إلى الدليل وإن تم صدق اليقين عليه)(2).

نعم ذكر (مدظله) أن الفروض الممكنة عقلاً لا توجب تدني العلم وعدم الركون النفسي فيه كي تندرج في الاطمئنان، قال: (كما لا إشكال في حجية القطع وعدم التوقف عن العمل عليه من أجل الفروض الممكنة عقلاً إذا لم تكن مورداً للاحتمال, أو كان عدم الركون للقطع بسبب الوساوس التي هي نحو من المرض النفسي المستلزم لسلب ثقة الإنسان بنفسه وبحساباته اليقينية أو بسبب التراكمات أو التعصب أو نحو ذلك مما يمنع النفس من الركون للعلم والإذعان للدليل، نظير قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا

ص: 106


1- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).
2- المحكم في أصول الفقه: 3/354.

وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾.

لكن ذلك لا يخرج العلم عن حقيقته التي هي وصول الواقع وانكشافه ولا يرجع إلى الاطمئنان الذي لا ينفك عن احتمال الخلاف وجداناً وإن ضعف، فلاحظ)(1).

ومن ذيل عبارته يعلم أن مراده جميع مستويات الاطمئنان وما يقابله من الاحتمال، فكل ما دون العلم يكون محلاً للبحث ولا بد من مثبت لحجيته.

2. في أن البحث في حجية الاطمئنان وعدمها في حدّ ذاته، لا في الاطمئنان الذي يكون بسبب ما كالخبر وحسن الظاهر، أو في خصوص مورد معين لقيام الدليل عليه. ومن ثم لا يجدي بناء الفقيه على حجية الاطمئنان وعدمها في مسألة معينة شاهداً على القول بحجيته أو بعدمها مطلقاً، إلا أن يكون ما استدل به يعم مورد المسألة وغيره.

وقد حكي عن المحقق الداماد (قدس سره) - وكذا بعض أعلام تلامذته (دام ظله) (2)- البناء على عدم حجية الاطمئنان في شأن النجاسات، وكذلك مال إلى ذلك بعض أساتيذنا (دامت برکاته) . ولكن لا يعني ذلك التشكيك في حجيته في بقية الأبواب.

3. في أن البحث في المقام إنما هو في حجيته في نفسه بخصوصه لا من باب انسداد باب العلم والعلمي، فإنه مع فرض الانسداد يكون داخلاً في بحث حجية الظن بشكل مطلق ويجري فيه ما ذكر في مبحث حجية الظن، وقد صرحوا بذلك بل فصلوا الحديث فيه، فليراجع.

4. في أن البحث هنا يعم الاطمئنان في الأحكام والموضوعات والامتثال، أي أن النزاع في حجية الاطمئنان القائم على الحكم أو موضوع الحكم ومتعلقه أو امتثاله، فهل

ص: 107


1- المحكم في أصول الفقه: 3/360.
2- وهو السيد موسى الشبيري الزنجاني (دام ظله).

هو حجة فيها أو لا أو هناك تفصيل في المقام.

الأقوال في المسألة

اشارة

اختلف الأصوليون في حجية الاطمئنان على أقوال..

القول الأول

حجيته مطلقاً، كما هو صريح المحقق النراقي (قدس سره) (1)، ونسب(2) إلى صاحب الجواهر والشيخ الأنصاري (قدس سرهما)، بل هو ظاهرهما(3)، وهو ظاهر السيد اليزدي(4) والميرزا النائيني(5) والسيد الحكيم(6) والسيد الشاهرودي(7) والسيد الخوئي(8) والسيد الصدر(9) (قدّس الله أسرارهم) بل جمهور المتأخرين(10).

ص: 108


1- عوائد الأيام: 435، العائدة: 44.
2- لاحظ بحر الفوائد في شرح الفرائد: 1/274، وحقائق الأصول: 2/209.
3- لاحظ جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام: 14/204، 22/154، 32/177، 35/395، 40/55، 43/223، وكتاب الصلاة (الشيخ الأنصاري): 1/584، 2/334، 431، وكتاب الخمس: 281.
4- فقد استدل بالاطمئنان في مواضع من العروة، لاحظ العروة الوثقى: 1/37، 375، 529، 3/424، وغيرها.
5- أجود التقريرات: 2/340، كتاب الصلاة: 1/152، فوائد الأصول: 1/207.
6- لاحظ مستمسك العروة الوثقى: 2/426، 7/206، 244، وغيرها.
7- كتاب الحج: 1/313.
8- مصباح الأصول: 2/240، 495.
9- قال (قدس سره) في الفتاوى الواضحة: 45 (كلمة اليقين والعلم تعني الجزم الذي لا يبقى معه مجال لأي تردد واحتمال للعكس. والظن يعني أن احتمال هذا الشيء أكبر من احتمال العكس، فحينما نقول: (نظن أن المطر سينزل) نعني أن احتمال المطر أكبر من خمسين في المائة. والاطمئنان يعني درجة عالية من الظن يقارب العلم واليقين على نحو يبدو احتمال العكس ضئيلاً جداً إلى درجة يلغى عملياً عند العقلاء، كما إذا كان احتمال العكس واحداً في المائة مثلاً. وكلما جاءت كلمة اليقين والعلم بصدد حكم شرعي في الأحكام الشرعية الآتية فنريد بها الجزم والاطمئنان معاً، فما يثبت للجزم والعلم من آثار شرعاً يثبت للاطمئنان أيضاً).
10- لاحظ: مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

القول الثاني

عدم حجيته مطلقاً، كما هو صريح جمع منهم صاحب المفاتيح والمحقق الأصفهاني (قدس سرهما) (1) وأستاذنا السيد الحكيم (دام ظله) (2) وغيرهم، كما أنه يناسب كلام المحقق العراقي (قدس سره) (3).

القول الثالث

التفصيل في حجيته بين كون مناشئه عقلائية فيكون حجة وعدم كون مناشئه كذلك, بل هي من قبيل الميول والأهواء النفسية فلا يكون حجة، وهو ما ذهب إليه بعض أعلام محققي العصر (دام ظله الوارف) (4).

القول الرابع

التفصيل بين الاطمئنان في الأحكام فيقال بحجيته وبينه في موضوعاتها فيتوقف في حجيته، وهو ما قد يوهمه كلام المحقق العراقي (قدس سره) في موضع(5).

القول الخامس

التفصيل فيه بوجه ثالث وهو بملاحظة مدى أهمية المحتمل ومؤونة العمل، فهذه العناصر الثلاثة: (درجة الإدراك، أهمية المدرَك، مؤونة تحصيل المدرك) تلاحظ جميعاً، فيعتمد عليها في حال بلوغها مجموعاً درجة مناسبة، وليس

ص: 109


1- مفاتيح الأصول: 334، الاجتهاد والتقليد: 145، ولكن قد يتراءى من بعض كلمات المحقق الأصفهاني (قدس سره) حجية الاطمئنان، لاحظ بحوث في الفقه (صلاة الجماعة): 43- 44، 92، 173، ونهاية الدراية في شرح الكفاية: 2/493.
2- المحكم في أصول الفقه: 3/359.
3- راجع العروة الوثقى: 3/482-483 التعليقة: 3، قال (قدس سره): (لا بأس به ما دام يحتمل بقاءه ولو ضعيفاً لمجال جريان الاستصحاب المزبور بعد عدم الدليل على حجية مطلق الاطمئنان خصوصاً في الموضوعات. وبناء العقلاء على العمل على فرض تماميته مردوعة بعموم اعتبار البينة في الموضوعات وظهور دليلها في حصرها إلا ما خرج بالدليل من سيرة أو غيرها كما لا يخفى على من لاحظ ذيل رواية مسعدة بن صدقة).
4- لاحظ التعليقة على العروة الوثقى: 1/23، 2/218، 457، 487، وغيرها.
5- لاحظ العروة الوثقى: 3/424 التعليقة: 2، قال (قدس سره): (ومن المعلوم أن قيام شيء آخر مقام هذا اليقين فرع حجيته، وفي حجية الاطمئنان في الموضوعات نظر).

هناك إدراك يعتدّ به في جميع الموارد بغض النظر عن أهمية المدرَك ومؤونة تحصيله ولو كان قريباً من العلم جداً. وهذا هو الذي اختاره بعض أساتيذنا (دامت برکاته) كما سيأتي(1).

الأدلة على حجية الاطمئنان

اشارة

ويمكن الاستدلال على حجيته في الجملة بوجوه..

الوجه الأول: حكم العقل بحجيته الذاتية

وقد أشار السيد الصدر (قدس سره) إلى ذلك قائلاً: (وأما الاطمئنان فقد يقال بحجيته الذاتية عقلاً تنجيزاً وتعذيراً كالقطع، بمعنى أن حق الطاعة الثابت عقلاً كما يشمل حالة القطع بالتكليف كذلك يشمل حالة الاطمئنان به، وكما لا يشمل حالة القطع بعدم التكليف كذلك لا يشمل حالة الاطمئنان بعدمه، فإن صحت هذه الدعوى لم نكن بحاجة إلى تعبد شرعي للعمل بالاطمئنان، مع فارق، وهو إمكان الردع عن العمل بالاطمئنان مع عدم إمكانه في القطع كما تقدم)(2).

ولعل هذا هو مراد المحقق الأردبيلي (قدس سره)، حيث ذكر في ضمن حديثه عن الاستفاضة: (إن فسرت بإخبار جماعة تفيد العلم اليقيني فلا نزاع فيه بل هو أقوى من الشاهدين، لأن العلم متبع بالعقل والنقل. وإن فسرت بما أفاد الظن الغالب المتاخم للعلم، بل هو العلم العادي العرفي الذي لا يضره الاحتمال البعيد الذي هو مجرد التجويز العقلي، فالظاهر أنه كذلك)(3).

ص: 110


1- لاحظ الوجه الثاني من وجوه حجية الاطمئنان.
2- دروس في علم الأصول: 1/251.
3- مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان: 12/32 (بتصرف يسير). هذا, وقد حكي عن السيد الأصفهاني (قدس سره): (أن الوثوق والاطمئنان الذي لا يعتني العقلاء باحتمال خلافه وينزلونه منزلة العدم حجة منجعلة بنفسه، بل وجه كون العلم حجة بنفسه إنما هو من جهة الوثوق والاطمئنان. ولو كان فرق بين العلم وبينه من جهة أن احتمال الخلاف منسدّ في العلم تكويناً ولكن فيه موجود، إلا أنه من جهة عدم الاعتناء بهذا الاحتمال صار كالعلم، لأن وجود الاحتمال الذي لا يعتنى به كالعدم، فلو كان على الوثوق والاطمئنان فهو لا يختص بباب دون باب بل يجري في تمام الأبواب). (وسيلة الوصول إلى حقائق الأصول: 810). وقال الشيخ الإيرواني (قدس سره): (كون بناء العقلاء دائراً مدار الاطمئنان وسكون النفس بلا دخل شي ء من الأسباب فيه من الواضحات التي لا تنكر، بل عملهم بالعلم أيضاً بهذا الملاك لا بما هو علم غير محتمل للخلاف). (نهاية النهاية في شرح الكفاية: 2/63).

وقد يقال: إن ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس سره) في آخر عبارته إنما أراد به أصل حجيته لا أنه متبع بالعقل والنقل.

والظاهر أن المراد بهذا الوجه ليس حجية الاطمئنان على حدّ حجية العلم بمعنى العلية التامة، لمنافاته مع ما ذكر في ذيل عبارته من الفارق بينهما بإمكان الردع عن العمل بالاطمئنان دون القطع.

بل المراد هو حجيته الاقتضائية، ومن ثم يلاحظ عليه بأنه لا يتوجه بناءً على أن سرّ حجية القطع هو أن عدم الالتزام بحجيته يوقع القاطع في تناقض في نظره وهو محال، فإن هذه النكتة تقتضي حجيته بنحو العلية التامة التي لا شك في عدم ثبوتها في الاطمئنان.

نعم لو قيل بأن مبنى حجية القطع هو بناء العقلاء - كما عليه المحقق الأصفهاني (قدس سره) - كان لهذا القول وجه، فيقال: إن حجية العلم والاطمئنان من باب واحد وهو بناء العقلاء. وكذا لو قيل بأن حجيته من جهة حق الطاعة الثابت للمولى فيقال: إن حق الطاعة الثابت عقلاً كما يشمل حالة القطع بالتكليف كذلك يشمل حالة الاطمئنان به.

إلا أنه لا بد من البناء على أن هذا الحق لا يختص بالشارع بل يجري في المولى العرفي أيضاً، وإلا لم تتم التسوية بينه وبين القطع أيضاً.

ص: 111

ويضاف إلى ذلك أن ما ذكر من إمكان الردع عن حجية الاطمئنان لا يناسب دعوى كون حجيته عقلية بل يناسب الاستدلال له بالسيرة العقلائية، وذلك أن العمل بالسيرة هو الذي يتوقف على عدم الردع من الشارع. ولو كان حكماً اقتضائياً عقلياً لم يمكن الردع عنه، بل يمكن إبداء المانع منه.

والفرق بين الرادع والمانع أن الرادع إلغاء لحكم باتّ والمانع التوصل إلى انتفاء حكم مشروط بالحيلولة دون تحقق شرطه. فالحكم العقلائي حيث إنه باتّ تكون مخالفة الشارع له ردعاً، وأما حكم العقل الاقتضائي فإن فعليته مشروطة بعدم مزاحم يفرضه الشارع أو ترخيص منه فإذا حصل هذا الترخيص أو كشف عن وجود مزاحم له لم يكن الحكم الاقتضائي فعلياً عقلاً.

الوجه الثاني

ما ذكره بعض أساتيذنا (دامت برکاته) من (أن حجية الحجج مطلقاً بما فيها العلم تابعة للوقع النفسي الحاصل من درجة الإدراك والمُدرَك والمؤونة، ولكن الإدراك في العلم تام فيكفي في مورده من حيث المدرَك أدنى النصاب بالقياس إلى سائر الحالات الإدراكية. وأما المؤونة كالضرر والحرج فهو رافع لحجية العلم ووقعه ولزوم التحرك على أساسه طبعاً، والمشهور على أن عدم الحرج والضرر في الأحكام الشرعية حدود للحكم فيكون من شؤون المدرَك في الحقيقة، ولا مشاحة في البين)(1).

وهذه القاعدة تجري في الاحتمال، فإن محركية الاحتمال تعتمد على ملاحظة قوة الاحتمال وأهمية المحتمل والمؤونة التي يحتاج إليها لتحصيله.

وقد ذكر (دامت برکاته) في المقام: (إن مثل هذا المعنى يجري في الاطمئنان، فإن للظن المتاخم للعلم وقعاً نفسياً معتداً به مع ملاحظة مدى أهمية ما يُطمأن به ومؤونة رعاية الاطمئنان ما يصلح أن يكون محركاً فطرياً، وبذلك يكون موضوعاً للتحسين والتقبيح

ص: 112


1- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

العقليين من حيث تمام الحجة على الإنسان بحسب سننه النفسية ولياقة المدرَك بالعناية به بحسبها، فلا معنى لإلغائها).

ثم ذكر ما يتفرع على هذا الوجه..

(أولاً: إن حجية الاطمئنان قد تتأثر بدرجة أهمية المحتمل، كما قد يكتفي بالاطمئنان في شيء له مستوى من الأهمية ولا يكتفى به في آخر له مستوى أعلى منها، فجانب الكشف وإن كان مهيمناً على اعتبار الاطمئنان في النظر البدوي إلا أنه بالتأمل والمقارنة تكون درجة المحتمل ملحوظة بنحو خفي، ومن ثم تُعد حالة إدراكية اطمئناناً في شأن شيء دون شيء آخر.

مثلاً: قد يكتفي الإنسان في مراعاة الجوانب الأمنية لنفسه بالاطمئنان ولا يعتني باحتمال الخلاف في حين أنه يعتني بهذا الاحتمال بالنسبة لشخص وافد عليه. وهكذا في تعقيم الماء فإنه قد لا يعتني الشخص باحتمال عدم التعقيم بالنسبة لشربه هو للماء في حين يهتم بهذا الاحتمال عند مراجعة المفتش العام مثلاً.

ومن هنا ينقدح ملحظ على القائلين بحجية الاطمئنان مطلقاً، لأنهم ركزوا على مستوى الكشف من دون عناية بالمكشوف، مع أن من الظاهر بالتأمل أن المحتمل كلما كان أهم كفى في تحريكه احتمال ضعيف، وعليه فإن الاحتمال الموهوم الذي لا يعتدّ به في الأمور الاعتيادية مما يعتدّ به في الأمور التي هي في غاية الأهمية, ولاسيما إذا كان في رعايتها مؤونة قليلة.

مثلاً: احتمال الواحد في الألف موهوم لا يعتدّ به ويُطمأن بخلافه، ولكن إذا احتمل تحقق انفجار نووي بهذه النسبة فإنه يعتدّ به، ولا سيما إذا كانت الحيلولة دونه مما يكفي فيها شيء بسيط كإطفاء المحطة مثلاً.

وثانياً: أن حجية الاطمئنان في مساحة أولية تكون عقلية لا سبيل إلى الردع عنها، فإنها من جملة دساتير الحياة ولولاها لاختلت أمور العباد والبلاد.

ص: 113

نعم في مساحة ثانوية يمكن الردع عنها، وهذا نظير ما ذكرناه في العلم الإجمالي والاحتمال عند أهمية المحتمل، فإن مساحة من التأثير تكون فيه عقلية وقد تكون مساحة أدنى منها عقلائية منوطة بتقدير قيمة المحتمل عند الشارع، فيمكن للشارع إلغاؤها بالنسبة إلى خصوصية المحتمل الشرعي في الجملة.

وعليه فلا يتم البناء على أن حجية الاطمئنان عقلائية بجميع مستويات الاطمئنان وفي جميع المحتملات، بل هو في الجملة عقلي وقد يكون عقلائي، وقد يفرض له مساحة قد لا يعتبرها العقلاء حجة، ولكن للشارع أن يكتفي بها في بعض الموارد).

وما ذكره (دامت برکاته) يستند في أصله إلى مبحث حجية القطع حيث بنى هو فيها على حجيته من باب الوقع النفسي إلحاقاً بالاحتمال، كما أنه أضاف عنصر المؤونة في الجميع، حيث كان المذكور في كلام من قبله كبعض أعلام محققي العصر (دام ظله الوارف) هو ملاحظة الاحتمال والمحتمل، فالمعادلة - على المعروف - كانت ثنائية فصارت ثلاثية بإضافة المؤونة، وتفصيل هذا البحث موكول إلى مقام آخر(1).

وقد يناسب ذلك ما نقله السيد الصدر (قدس سره) (2) عن المحقق النائيني والسيد الأستاذ - يعني السيد الخوئي - (قدس سرهما) من أنهما اعترضا على الشيخ الأعظم (قدس سره) في دعواه في بعض كلماته لحجية الاطمئنان على انتفاء الضرر الأخروي بأن الاطمئنان إنما يتبع في مثل الأغراض الدنيوية، وأما إذا كان المحتمل بدرجة من الأهمية كعقاب الآخرة فلا معنى لحجية الاطمئنان في قباله، بل لا بد من الاحتياط في قبال احتمال العقاب بالغاً ما بلغ من الضآلة، وضآلة الاحتمال هنا لا تبرر الاقتحام.

ص: 114


1- لاحظ ما كتبه (دامت برکاته) في مباحث الاشتغال مبحث العلم الإجمالي حقيقته ومنجزيته عقلاً (1/273) وما بعدها.
2- مباحث الأصول: 4/137.

الوجه الثالث

إطلاق أدلة حجية العلم من الآيات الكريمة والروايات الشريفة بضميمة أن الاطمئنان علم عرفاً.

قال المحقق الخوانساري (قدس سره) في حديثه عن الشياع في رؤية الهلال: (ولو اكتفى بحصول الظن فإن اعتبرت غلبته بحيث صار احتمال العدم بعيداً جداً ويحصل ما يقرب العلم العادي فلا يبعد ادعاء كونه في حكم العلم عرفاً وشرعاً)(1).

وقال المحقق النراقي (قدس سره): (إن العلم الذي هو الحجة في الشرعيات من غير احتياج إلى دليل و برهان هو العلم العادي، وهو الذي لا يلتفت أهل العرف ومعظم الناس إلى احتمال خلافه، ولا يعتبرونه في مطالبهم ولا يعتنون به في مقاصدهم)(2).

ومرادهم من ذلك أن الاطمئنان من أفراد العلم ومصاديقه العرفية فيكون حجة بحجية العلم.

وما ورد في كلماتهم لا يمكن المساعدة عليه..

أولاً: إنه إن ادعي أن العلم هو ما لا يحتمل الخلاف ومع ذلك يندرج فيه الاطمئنان، فيلاحظ عليه: أن نفي وجود الاحتمال الضعيف عرفاً إنّما هو على سبيل المسامحة لا الدقة فيكون الاطمئنان من أفراد العلم تسامحاً لا حقيقة، ولا عبرة بالتسامح العرفي في تطبيق المفاهيم وإنما يكون للعرف مدخلية في تحديد نفس المفاهيم.

وإن أريد أنّ مفهوم العلم لغة أعم من وجود الاحتمال المخالف إذا كان ضعيفاً جداً كما يناسب بعض كلماتهم(3)التي تدل على أن الاطمئنان من أفراد العلم ومصاديقه حقيقة، فهو داخل فيه موضوعاً، فما يدل على حجية القطع يكون دليلاً عليه.

ص: 115


1- مشارق الشموس في شرح الدروس: 2/463.
2- عوائد الأيام: 435.
3- لاحظ فرائد الأصول: 1/475، وبحر الفوائد في شرح الفرائد: 1/207.

فيتوجه عليه أن مفهوم العلم لغة وعرفاً هو اليقين والقطع الذي لا يحتمل خلافه.

ولا بأس بنقل ما ذكره صاحب المفاتيح (قدس سره) في هذا الشأن، حيث قال: (إنا نمنع من إطلاق لفظ العلم على مطلق ما يطمئن النفس إليه أو الاعتقاد الراجح الشامل للظن حقيقة، بل هو حقيقة في الاعتقاد الجازم الذي لا يشوبه شك ولا يعتريه ريب مطلقاً ولو بحسب العادة. وذلك لتبادره عند الإطلاق وصحة سلب لفظ العلم عن الظن، وجعله مقابلاً للعلم في العرف والعادة، وعدم صحة امتثال الأمر المعلق على العلم بتحصيل الظن، ولغير ذلك.

وبالجملة: لا شبهة في أن لفظ العلم موضوع لمعنى غير ما وضع له لفظ الظن، وذلك المعنى هو الذي ذكره الأصوليون والمتكلمون.

واحتمال أن ذلك من مصطلحاتهم مما يُقطع بفساده، ولو كان كذلك لأشاروا إلى المعنى اللغوي وصرّحوا بمخالفته للمعنى المصطلح عليه بينهم، كما هو طريقتهم في سائر الألفاظ التي لهم فيها اصطلاح خاص..)(1).

وثانياً: لو سُلِّم أنّه حجة فهو مجدٍ فيما إذا أخذ العلم ونحوه في موضوع الحكم لا فيما إذا أخذ الواقع.

قال المحقق الأصفهاني (قدس سره): إنّ (الحكم إنْ كان مرتباً على الموضوع المعلوم صح أن يدعي أن المراد من العلم والمعرفة عرفاً ما يعم الوثوق والاطمئنان، وأما إذا كان الحكم مرتباً على الواقع فالتوسعة في مفهوم العلم غير مجدية في إحراز موضوع الحكم حقيقة، بل لا بد من دليل على تنزيل ما يوثق به منزلة الواقع)(2).

وقد يلاحظ عليه بما ذكره بعض أساتيذنا (دامت برکاته) من (أن الذين ذكروا الاطمئنان والوثوق من قبيل العلم العادي في الإطلاق العرفي لم يقصدوا بذلك إثبات حجية

ص: 116


1- مفاتيح الأصول: 334.
2- الاجتهاد والتقليد: 145.

الاطمئنان بهذا المقدار، وإنما كانوا ناظرين إلى شمول ما يدل على اعتبار العلم من الآيات الشريفة مثل قوله تعالى: ﴿أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أو إلى قيام سيرة العقلاء - ومنهم المتشرعة - على الاعتماد على الاطمئنان كاعتمادهم على العلم مقروناً بعدم الردع من الشارع. واندراجه تحت مفهوم العلم يخرجه عن الأدلة الناهية عن العمل بالظن وبذلك لا يثبت الرادع عنه، ويخرج عن حالات الشك التي هي موضوع الأصول العملية.

وينبغي الالتفات إلى أن (العرف) في كلمات فقهاء الفريقين من قبل لم يكن يطلق على خصوص المجال اللغوي كما هو الجاري عند المتأخرين، بل بما يشمل العقلاء - كما يظهر بتتبع كلماتهم - ومن ثم ما يظهر من تلقي غير واحد كلمة العرف في هذا المورد بما يعني العرف اللغوي ليس تلقياً دقيقاً، فإن الشواهد تشير إلى أن المنظور هو العرف العقلائي. فيكون مرادهم هو التقنين العقلائي للاطمئنان على أنه بحدّ العلم وليس مجرد إطلاق عرفي، فيرجع في الحقيقة إلى الاستدلال بسيرة العقلاء)(1).

ولكن ما ذكره أخيراً من إطلاق العرف على بناء العقلاء وإن كان يناسب بعض ما تقدم من كلماتهم - ككلام المحقق النراقي (قدس سره) - إلا أنه لا يجري في بعض آخر من كلماتهم عن العلم العادي، حيث يتضح بمراجعتها أن مرادهم من ذلك هو العرف بالمعنى المستعمل عند المتأخرين.

فقد حكى صاحب المفاتيح (قدس سره) عن الشيخ شهاب الدين أنه قال: (اعلم أن لفظ العلم يطلق في اللغة على الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، وهذا يسمى اليقين، وعلوم الأنبياء والأئمة من هذا، ويطلق أيضاً على ما يسكن إليه النفس وتقضي العادة بصدقه، وهذا يسمى العلم العادي.. ومن تتبع كلام العرب ومواقع لفظ العلم في

ص: 117


1- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

المحاورات جزم بأن إطلاق لفظه على ما يحصل به الجزم عندهم حقيقة، وأنه كلي يقال على أفراده بالتشكيك، وأن تخصيصه باليقين فقط اصطلاح حادث لأهل المنطق دون أهل اللغة.. يدلّك على ذلك تعريف السيد المرتضى في الذريعة للعلم بأنه ما اقتضى سكون النفس، وهذا التعريف يشمل نوعي العلم أعني اليقيني والعادي، فهذا هو العلم الشرعي، فإن شئت سمّه علماً وإن شئت سمّه ظناً فلا مشاحة في الاصطلاح بعد أن تعلم أنه كافٍ في ثبوت الأحكام الشرعية..)(1).

ومنه يظهر أن مراد جملة من المتقدمين من العرف هو ما يستعمل عند المتأخرين.

الوجه الرابع

بناء العقلاء وسيرتهم على العمل بالاطمئنان بضميمة عدم الردع عن تلك السيرة.

قال الميرزا النائيني (قدس سره): (وأما بالنسبة إلى كفاية الاطمئنان فلما تقرّر في محله من استقرار طريقة العقلاء على الاكتفاء به في إحراز مقاصدهم، وإلغائهم بفطرتهم لاحتمال خلافه بالكلية، وجريهم عليه من حيث إحرازهم الواقع، وسقوطه عن الوسطية عندهم... وبضميمة عدم الردع عنه في إحراز الأغراض الشرعية في غير ما اعتبر فيه خصوص البينة يتم المطلوب.

ولا يعتبر فيه الحصول عن سبب خاص كالعلم، بل الظاهر دوران طريقية أغلب الأسباب المعوّل عليها عندهم مدار حصوله. نعم يعتبر فيه عدم الاستناد إلى ما يُعدّ الركون عندهم من السفه كالنوم ونحوه)(2).

وقال السيد الروحاني (قدس سره): (أمّا أصل حجية الاطمئنان فهو ليس محل تشكيك وبحث، وذلك لأن السيرة من البشر جميعاً في أعمالهم، سواء ما يرتبط بتشخيص الأحكام أو الموضوعات جارية على الأخذ بالاطمئنان، إذ قل وندر مورد يحصل لهم

ص: 118


1- مفاتيح الأصول: 328.
2- رسالة الصلاة في المشكوك: 493-494.

العلم الجزمي الذي لا يقبل التشكيك، بل كل مورد يرتبون آثار الواقع فيه عملاً ناشئ عن حصول الاطمئنان دون القطع، لإمكان إثارة التشكيك فيه، فلولا الاطمئنان لتوقف العقلاء - بل غيرهم - في أغلب أمورهم العملية، إذ لا طريق لديهم إلى حصول القطع.

وإذا ثبت هذا المعنى لدى أهل السيرة ثبتت حجيته بنظر الشارع أيضاً، إذ لو كان له طريق آخر غير الاطمئنان جعله لتشخيص أحكامه التكليفية والوضعية وموضوعات أحكامه في جميع موارد العمل والحكم والقضاء وغير ذلك لكان عليه نصبه وبيانه، وهو أمر مقطوع العدم، وبدونه يختل نظام الشرع الشريف ويقف العمل)(1).

وقد أوردوا على هذا الوجه بإيرادين رئيسين: التشكيك في قيام السيرة، ودعوى الردع عنها..

الإيراد الأول: التشكيك في قيام سيرة العقلاء على العمل بالاطمئنان والاكتفاء به..

قال المحقق الأصفهاني (قدس سره): (والالتزام بالثاني - أي سيرة العقلاء وبناؤهم - لا يخلو من تأمل، وإلا لزم القول به في جميع الموارد، فيكتفى به في تنجز كل حكم لم تقم عليه حجة شرعية أو عقلية بل كان مما يوثق به، ويكتفى به في الخروج عن عهدة ما تنجز ولو مع التمكن من العلم الحقيقي في كلا المقامين)(2).

وقال أستاذنا السيد الحكيم (مدظله) في التعليق على هذا الوجه: (لكنه لا يخلو من خفاء، إذ لم يتضح من العقلاء حجية الاطمئنان بنفسه مطلقاً بما هو وإن كان ابتدائياً أو مستتبعاً إلى ما ليس حجة بنفسه كالرؤيا والفأل ونحوهما. غاية الأمر أنه كثيراً ما يكتفى به - بل بما دونه من مراتب الاحتمال - في الاحتياط للواقع. وهو أمر آخر غير

ص: 119


1- منتقى الأصول: 4/32-33.
2- الاجتهاد والتقليد: 145.

حجيته المستلزمة لجواز متابعته حتى في ما لا يحسن الاحتياط فيه، كاستيفاء الحقوق ممن يُطمأن بثبوتها عليه بالقصاص في النفس والطرف والمقاصة في المال وغير ذلك)(1).

وما ذكراه من مبعّد يرجع في أساسه إلى عدم وضوح قيام السيرة على حجية الاطمئنان مطلقاً، بل استبعاد ثبوت ذلك على إطلاقه بالنظر إلى أن الاطمئنان على أقسام ثلاثة..

الأول: ما نشأ عن منشأ معتبر.

الثاني: ما نشأ عن منشأ غير معتبر بعنوانه كالفأل والمنام. ودعوى بناء العقلاء على حجية الاطمئنان الناشئ عن مثله بعيد.

الثالث: ما حصل ابتداءً من غير منشأ له. ودعوى بناء العقلاء فيه أيضاً بعيد.

وإنما المقدار الثابت في شأن الاطمئنان أحد أمرين..

أحدهما: حجيته في بعض الموارد من قبيل الخبر الذي يوثق بصدوره.

والآخر: عملهم وفق الاطمئنان أحياناً من جهة موافقته للاحتياط، أو من جهة وجود منشأ معتبر له في نفسه سواء حصل الاطمئنان به أو لا.

وقد أجاب بعض أساتيذنا (دامت برکاته) عن مثله بأن بعض ما ذكر إنما يتوجه لو قيل بحجية الاطمئنان مطلقاً لا في خصوص ما لو نشأ عن منشأ عقلائي.

على أنه قد يقال: إن القائل بحجية العلم الحاصل من تلك المناشئ لا ينبغي أن يستوحش من البناء على حجية الاطمئنان الحاصل منها لو تحقق فعلاً.

وما يذكر من نشوء الاطمئنان بلا منشأ إدراكي معتبر أو غير معتبر مما لم يظهر مورده، ولعل المراد به ما يحصل في بعض الحالات النفسية المرضية وشبهها، وإلا فإن الاطمئنان لا ينفك عن منشأ له وإن صعب استخراجه أحياناً لثبوته في مرحلة من

ص: 120


1- المحكم في أصول الفقه: 3/355- 356.

الارتكاز النفسي العميق.

هذا وأمّا في ما لو نشأ الاطمئنان عن منشأ عقلائي فلا يبعد البناء على حجيته مطلقاً(1).

كما وجه (دامت برکاته) قيام السيرة العقلائية بقوله: (إن بناء العقلاء أمر حسي استقرائي يمكن متابعته، والذي نراه بالتأمل الاستقرائي ثبوت هذا البناء، بل من ينكر البناء عليه فإنه يعتمد عليه في أمور حياته واستنباطه بنفسه ولكنه يقول عن الاحتمال الضعيف أنه احتمال غير عقلائي، ولكن الذي يظهر بالدقة أن الاحتمال غير العقلائي ما كان الاعتناء به غير عقلائي لا البناء على وجوده، فلاحظ.

ومن المؤشرات عليه أن عامة المتأخرين مالوا إلى حجية الاطمئنان، فالشيخ الأنصاري والمجدد الشيرازي والسيد اليزدي (قدس سرهم) وغيرهم بنوا على حجيته - حسب ما يظهر من ذكرهم إياه في ثنايا المباحث الفقهية - والذين توقفوا في مورد معين بنوا عليه في غيره، فالسيد الحكيم (قدس سره) في بعض كلماته في أوائل المستمسك يشكك في حجية الاطمئنان ولكنه يقول بحجيته في جملة من الموارد. وكذلك يلاحظ في بعض كلمات المحقق الأصفهاني (قدس سره) فإنه في معرض ذكره للاطمئنان يظهر منه عطفه على العلم من غير إنكار فيه. ومن ثَمَّ الذي نعتقده أن الممارسة الفقهية والتأمل في مطلق الموارد يفضي إلى أن بناء الفقهاء على العمل على أساس الاطمئنان).

وقال بعض آخر من أساتيذنا (دامت برکاته): (أما التشكيك في قيام السيرة العقلائية على العمل بالاطمئنان والاعتماد عليه في مختلف المجالات فهو في غير محله جداً، فإن من تتبع الطريقة التي يجري عليها العقلاء في أمور دينهم ودنياهم لا يكاد يشك في أن معظم اعتمادهم فيها على الاطمئنان الناشئ من المبادئ الصالحة لذلك. وأما القطع

ص: 121


1- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

- الذي ينافيه احتمال الخلاف مهما كان ضئيلاً ولو كان بنسبة واحد من ألف - فهو قَلّ ما يحصل في غير المتواترات وأمثالها إلا للمتسرعين)(1).

هذا، ودعوى السيرة العقلائية في المقام ونفيها أو عدم عمومها لجميع الموارد والأسباب تبقى محلاً للجدل إن لم نستعن باستبيان لشرائح مختلفة من المجتمع ويكون مستوعباً لموقفهم من الاطمئنان بالحكم وموضوعه وفي موارد مختلفة ولأسباب مختلفة(2).

نعم، لعله لا يمكن إنكار قيام سيرة العقلاء في بعض درجات الاطمئنان العالية كما لو كانت نسبة الاحتمال واحد من عشرة آلاف أو واحد من مائة ألف أو أدنى من ذلك.

هذا، ويمكن أن يقال: إن البناء على حجية الاطمئنان عند القائلين به إنما نشأ من تصورهم عدم تحصيل العلم وصعوبة ذلك بل تعذره في أغلب الحالات، ولعل هذا هو الوجه في السيرة العقلائية، فلذا من لا يقول بحجية الاطمئنان واهم، إذ لا يحصل لديه العلم إلا بتكلف مجانب للواقع.

وهنا يَشْكُل الفريق النافي لحجيته على المثبتين بأن كلامكم إنما يتناسب مع فرض الانسداد فيكون هذا خروجاً عن المقام، إذ البحث في حجية الاطمئنان في حدّ نفسه

ص: 122


1- بحوث في شرح مناسك الحج: 1/335.
2- وقد سعينا في ذلك ولكن واجهنا عدة عقبات.. منها: صعوبة تكييف مواد الاستبيان لتناسب الشريحة التي يراد استقراء آرائها، وذلك لاختلاف الصياغات العلمية المستخدمة في الحوزة عما يستخدم في الدراسات الأكاديمية، مما يتطلب ذلك توضيح هذه المفردات لهم في جلسات متعددة، وهو أمر يحتاج إلى استقطاع وقت منهم ليس بقليل. ومنها: صعوبة تحليل البيانات الناتجة من الاستبيان، إذ لا يكفي مجرد تصويت البعض على اعتماده على نسبة محددة من الاحتمال للبناء على أنه بنى عليها لأنه يرى حجيته في حدّ ذاته، وإنما لعل ذلك ناشئ من باب انسداد باب العلم، أو للاحتياط، أو غير ذلك.

لا في فرض الانسداد كما هو معلوم.

وكيف كان، فإنه من البعيد إنكار أن طريقة العقلاء هي الاكتفاء به في إحراز مقاصدهم كما هو مشهود في جملة من الموارد، ولعله لذلك تجد أن الأغلب قد بنوا على حجيته.

وبالجملة: إن قيام سيرة العقلاء على العمل بالاطمئنان مما يصعب إنكاره جداً، وما ذكر في الكلمات المتقدمة كافٍ في الجواب عما أثير من التشكيك في ذلك.

الإيراد الثاني: أنه لو سُلِّم قيام السيرة العقلائية، إلا أنه يقع الكلام في إمضائها ودعوى الردع عنها، حيث بنى جمع - منهم المحقق العراقي (قدس سره) كما سيأتي - على وجود الرادع، ولكنهم اختلفوا في أن الرادع عن هذه السيرة في جميع مواردها وعن جميع أسباب الاطمئنان أو بعضها.

والرادع المتصور في المقام على نحوين: ما ورد بنحو العموم، وما ورد في بعض الموارد الخاصة..

1. أما ما ورد بنحو العموم فهو عدة أمور..

الرادع الأول: عموم الأدلة الناهية عن العمل بغير العلم واليقين، أو الظن من جهة اندراج الاطمئنان فيه، فالاطمئنان ضرب من الظن اللغوي لعدم توفر عنصر الجزم واليقين فيه، ومن ثَمَّ يكون مشمولاً لتلك الأدلة الرادعة عن العمل بالظن.

وهذه الأدلة على أصناف ثلاثة..

1. النهي عن العمل بالظن كما في الآيات المتقدمة وغيرها.

قال تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾(1).

ص: 123


1- النساء: 157.

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾(1), ومثلها آيات أُخر(2).

وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾(3), ومثلها آيات أُخر(4).

2. النهي عن العمل بغير العلم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ﴾(5)، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾(6).

قال علي بن إبراهيم عند ذكر هذه الآية: (قال: لا ترمِ أحداً بما ليس لك به علم، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من بهت مؤمناً أو مؤمنة أقيم في طينة خبال أو يخرج مما قال)(7).

3. النهي عن العمل بغير اليقين، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾(8).

قال الشيخ المفيد (قدس سره): (قد نهى الله تعالى عن العمل على الظن في الدين وحذر من القول فيه بغير علم ويقين، فقال: ﴿وأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه ما لا تَعْلَمُونَ﴾, وقال:﴿إِلا مَنْ

ص: 124


1- الأنعام: 116.
2- لاحظ الأنعام: 148، و يونس: 66.
3- يونس: 36.
4- النجم: 28.
5- الجاثية: 24.
6- الإسراء: 36.
7- تفسير القمي: 2/19.
8- الجاثية: 32.

شَهِدَ بِالْحَقِّ وهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ - وذكر جملة من الآيات المتقدمة والآتية - ومن أمثال ذلك في القرآن مما يتضمن الوعيد على القول في دين الله بغير علم والذم والتهديد لمن عمل فيه بالظن واللوم له على ذلك)(1).

وقد يقال: إن مفاد هذه الآيات يتجاوز الردع عن اتباع غير العلم؛ لأنها تدل بلحنها على عدم حجية غير العلم لدى العقلاء بحسب مرتكزاتهم حيث شُنّع على فريق الناس باتباع الظن والتخرص.

قال أستاذنا السيد الحكيم (مدظله): (إن ورود كثير من النصوص الناهية عن العمل بغير العلم في مقام الاحتجاج والتشنيع على الآخرين يوجب ظهورها في كون ذلك من المستنكرات العقلائية الارتكازية. وقد يكون شاهداً على عدم بناء العقلاء على حجية ما دون العلم من مراتب الانكشاف للنفس، ومنه الاطمئنان، فلاحظ)(2).

وقد أجيب عن هذا الرادع..

أولاً: بأن الظن الوارد في الآيات المتقدمة غير شامل للاطمئنان، فإن العرف لا يطلق الظن على الاطمئنان بل يطلق عليه العلم.

قال السيد الخوئي (قدس سره): (ولا يحتمل أن تكون الأدلة الناهية عن العمل بالظن رادعة عنه، لأنه لا يطلق الظن على الاطمئنان لدى العرف قطعاً. نعم، الظن لا يعتمد عليه لأنه ليس له أثر يترتب عليه مثل الشك، كما أنه بمعنى الشك لغة)(3).

وقال بعض أساتيذنا (دامت برکاته): (الأدلة الناهية عن العمل بالظن لا تشمل الاطمئنان، لأنه يُعدّ علماً عند العرف، فإن العلم في المفهوم اللغوي والعرفي لا يختص بالحالة الجازمة التي تكون (100%)، وإنما هي الدرجة الراقية من الإثبات التي تستوجب

ص: 125


1- عدم سهو النبي (صلی الله علیه و آله و سلم): 21-22.
2- المحكم في أصول الفقه: 3/357.
3- التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الطهارة): 10/89.

الوثوق بالمورد. وقد فسر العلم بهذا المعنى غير واحد، ومن ثَمَّ عبروا عنه بالعلم العادي، وقد جرى على ذلك كثير من المتكلمين والأصوليين من قبل وتبعهم في ذلك متأخرو المتأخرين كالمحقق النائيني والسيد الخوئي (قدس سرهما) .

ويؤيد ذلك ما لاحظناه في بعض الموارد في مقام السؤال من الأئمة (علیهم السلام)، حيث إن السائل في بعضها يسأل عن مورد عدم العلم، وفي بعضها الآخر يسأل عن مورد عدم وجود خبر ثقة في البين. فتارة يرد في الحديث هل يصلي خلف من لا يعرف، وأخرى يرد هل يصلي خلف من لا يثق به)(1).

ويلاحظ على هذا الجواب بأن الآيات المتقدمة وغيرها تضمنت المقابلة بين الظن وبين العلم واليقين، كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾(2)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾(3)، فلا يصح القول بأن الاطمئنان أحد أفراد العلم واليقين، إذ لو سلّم ذلك في العلم فلا ينبغي الشك في عدم عموم اليقين له، فإذا قوبل الظن باليقين كان الظن شاملاً للاطمئنان.

قال الطبرسي (رحمة الله) في تعليقه على بعض الآيات المتقدمة: (إن الحق إنما ينتفع به مَن عَلِمه حقاً وعَرَفه معرفة صحيحة، والظن يكون فيه تجويز أن يكون المظنون على خلاف ما ظن، فلا يكون مثل العلم)(4).

وقد يدعى(5)أن المراد هو المقابلة بين الظن الضعيف واليقين كمثله قولهم: (أظن

ص: 126


1- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).
2- النساء: 157.
3- الجاثية: 32.
4- مجمع البيان في تفسير القرآن: 5/188.
5- وهو المحكي عن صاحب التقريب، لاحظ تفسير الآلوسي: 25/158.

بذلك ظناً ضعيفاً ولست بمستيقن به).

ولكن هذا التوجيه غير صحيح، فإنه خلاف الظاهر، ومن ثَمَّ ذكر غير واحد(1): أن المقصود بالآية هو المقابلة بين القطع والجزم وبين مطلق الظن، قال أبو السعود: (وقيل: ما نظن إلا ظناً ضعيفاً. ويرده قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أي لإمكانه، فإن مقابل الاستيقان مطلق الظن لا الضعيف منه)(2).

قال الراغب: (يقال استيقن وأيقن، قال تعالى: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾.. وقوله عز وجل: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾أي ما قتلوه قتلاً تيقنوه بل إنما حكموا تخميناً ووهماً)(3).

وثانياً: ما ذكره بعض أساتيذنا (دامت برکاته) من (أن الأدلة الناهية عن العمل بالظن ليست أدلة في مقام الردع عن شيء مما جرى عليه العقلاء، فمن تأمل الآيات والروايات الناهية عن العمل بالظن وجد أنها تحاكم المعتمدين عليه بنفس اعتمادهم على أساس غير عقلائي لا ينبغي التعويل عليه. فسياق الآيات الناهية عن العمل بالظن - وأغلبها متعلقة بأصول الدين - كلها سياق نوع من المحاكمة على الأساس العقلائي وعلى الأساس الفطري لمناط الإثبات والنفي وأنهم كانوا يعتمدون في ما يتلقونه من العقائد على أن آباءهم قالوا هكذا، أو على أن الله سبحانه لو شاء لأرسل ملائكة، أو أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لو كان صادقاً لأجرى من تحتهم عيوناً، وما إلى ذلك من الاقتراحات التي كانوا يذكرونها ويبنون على موجبها.

ص: 127


1- قال الشيخ الطوسي (قدس سره): (ما ندري ما الساعة أي لا نعرفها، إن نظن إلا ظناً ليس نعلم ذلك، وما نحن بمستيقنين أي لسنا بمستيقنين ذلك). (التبيان في تفسير القرآن: 9/264). ولاحظ فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: 5/11، وتفسير الآلوسي: 25/158.
2- إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم (المعروف بتفسير أبي السعود): 8/75.
3- المفردات في غريب القرآن: 552.

فطريقة المحاكمة القرآنية للكفار في ما يتعلق باعتمادهم على الظن محاكمة عقلائية بحتة منبهة وموقظة لهم على أنه لا ينبغي الاعتماد على مثل هذا الشيء عقلاءً، وهذا بحث مفصل منوط بالكلام في أول حجية الظن، ومن ثَمَّ لا رادعية لمثل هذه الأدلة بالنسبة إلى شيء من الحجج العقلائية المبنية على أسس متينة)(1).

وقد اقتصر كلامه (دامت برکاته) في دفع رادعية الآيات المتقدمة عن خصوص ما دلّ على حجية الاطمئنان الناشئ من المبادئ العقلائية، ومن ثَمَّ فمآل ما ذكره إلى أن هذه الأدلة تنفي دعوى حجية الاطمئنان الناشئ من المبادئ غير العقلائية دون ما كان ناشئاً من مبادئ عقلائية - الذي ذهب إليه بعض أعلام محققي العصر (دام ظله الوارف) كما تقدَّم - فيكون الاستدلال بها على عدم حجية الاطمئنان مطلقاً أخص من المدعى.

وما ذكره - لو تمّ - إنما يتم في بعض الآيات المتقدمة دون جميعها لاسيما قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ حيث يلاحظ أنها تنظر إلى اليقين والظن في حدّ ذاتهما دون ما يستندان إليه.

قال الشريف الرضي (رحمة الله): (وفى هذه الآية استعارتان..

إحداهما: قوله سبحانه: ﴿إِلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ لأن الظن جعل هاهنا بمنزلة الداعي الذي يطاع أمره والقائد الذي يتبع أثره، مبالغة في صفة الظن بشدة الاستيلاء عليهم وقوة الغلبة على قلوبهم.

والاستعارة الأخرى: أن يكون قوله تعالى: ﴿وما قَتَلُوه يَقِيناً﴾راجعاً إلى الظن لا إلى المسيح (علیه السلام) (2)، فكأنه سبحانه قال: (وما قتلوا الظن يقيناً) كما يقول القائل:

ص: 128


1- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).
2- فلو كان مرجع الضمير إلى المسيح (علیه السلام) لكان مجرد تأكيد للخبر بأنه لم يقتل لا غير.

(قتلتُ الخبرَ علماً). ومن أمثالهم: (قَتَل أرضاً عالمُها) و(قتلتْ أرضٌ أهلَها).

والمراد بقولهم: (قتلتُ الخبرَ علماً) أي استقصيت معرفته واستخرجت دخيلته فلم يفتني شيء من علمه فكنت بذلك كأني قاتل له، أي لم أبقِ شيئاً يعلم من كنهه كما لم يبق القاتل من المقتول شيئاً من نفسه)(1).

وقال الشيخ الطوسي (قدس سره): (وقوله: ﴿إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ استثناء منقطع، وتقديره: لم يكن لهم بمن قتلوه علم لكنهم اتبعوه ظناً منهم أنه عيسى، ولم يكن به. وقوله: ﴿وما قَتَلُوه يَقِيناً ﴾معناه: وما قتلوا ظنهم الذي اتبعوا المقتول الذي قتلوه وهم يحسبونه عيسى يقيناً أنه عيسى ولا أنه غيره، لكنهم كانوا منه على ظن وشبهة، كما يقول القائل: (ما قتلتُ هذا الأمر علماً)، و(ما قتلته يقيناً) إذا تكلم فيه بالظن على غير يقين)(2).

ثم حكى عن الزجاج القول بأن (الهاء) راجعة إلى عيسى (علیه السلام) دون الظن ليكون المعنى نفي الباري عز وجل القتل عنه على وجه التحقيق واليقين.

هذا، وقد فصّل بعض أساتيذنا (دامت برکاته) (3) في الجواب عن المراد بالعلم واليقين قائلاً: (إن الأدلة التي تضمنت لفظ العلم والتي استفيد منها اعتباره بالخصوص دون الظن يمكن الجواب عنها بأن العلم يصدق على الاطمئنان عرفاً، مضافاً إلى أن مساق أدلة اعتبار العلم إنما هو اعتباره بما أنه يمثل الهدى والبصيرة، فإنه يقال: (فلان يمشي بغير علم) أي من دون هدى وبصيرة.

وعليه فلا يكتفى بمثله في الردع عن سائر ما يعتبر العمل به هدى وبصيرة لدى العقلاء بمثل ما تقدم في الظن، نظير اعتماد أهل الرجل إذا رجع إليهم بعد النفر للتفقه

ص: 129


1- تلخيص البيان في مجازات القرآن: 129.
2- التبيان في تفسير القرآن: 3/384-385، ونحوه ما ورد في مجمع البيان في تفسير القرآن: 3/230.
3- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط). وقد نقلت كلامه (دامت برکاته) هنا بطوله لما فيه من فوائد.

لأجل إنذارهم ووعظهم حيث كان موجباً للوثوق عندهم، لأن الرائد لا يكذب أهله.

وأما الأدلة التي تتضمن ذكر اليقين والتي استفيد منها اعتباره على وجه الخصوص دون ما سواه كدليل الاستصحاب فقد يجاب عنه بما في بعض كلمات السيد الخوئي (قدس سره) (1) من أن الاطمئنان يقين عقلائي ويطلق عليه اليقين في لسان أهل المحاورة والعامة، كما أنه يقين بحسب اللغة، لأن اليقين من يقن بمعنى سكن وثبت كما أن الاطمئنان بمعنى سكن واستقر فهو يقين لغة وعرفاً، وإن كان بحسب الاصطلاح لا يطلق عليه اليقين، فمع حصوله يرفع اليد عن اليقين السابق لا محالة.

وقد يشكل على ما ذكره (قدس سره) ابتداءً بالنظر إلى ما في كتب اللغة مما يدل على أن اليقين لا يجامع الاحتمال المخالف، قال الخليل (رحمة الله): اليقين هو (إزاحة الشك وتحقيق الأمر)(2)، وقال الجوهري: (اليقين العلم وزوال الشك.. وربما عبروا عن الظن باليقين وباليقين عن الظن، قال الشاعر:

تَحسَّبَ هَوَّاسٌ وأَيْقَنَ أَنّني *** بها مُفْتَدٍ من واحدٍ لا أُغامِرُهْ

يقول: تشمم الأسد ناقتي يظن أني أفتدي بها منه وأستحمي نفسي فأتركها له ولا أقتحم المهالك بمقاتلته)(3). وقال ابن فارس: اليقين (زوال الشك)(4).

ولكن يمكن توجيه ما أفاده بأن اليقين في اللغة لا يعبر عن الجزم الإدراكي في

ص: 130


1- التنقيح في شرح العروة (كتاب الطهارة): 6/403 (موسوعة السيد الخوئي). ويناسبه ما في كلام الوحيد البهبهاني (قدس سره) عند تعرضه لأدلة الاستصحاب في الشك في الركعات حيث قال: (لأن الشك لا يعرض عادة إلا بعد اطمئنان نفس وبناء على أنه كذلك، ثم يعرض الشك بعد اليقين الذي هو في مقابل الشك والتزلزل، والمراد من اليقين الاطمئنان وعدم التزلزل). (مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع: 9/231).
2- العين: 5/220.
3- الصحاح: 6/2219.
4- معجم مقاييس اللغة: 6/157.

مقابل الاحتمال الإدراكي، بل هو نفوذ الاعتقاد في النفس حتى يملك قلب الإنسان وتترتب عليه آثاره، وهو مما يمكن أن يتصف به الاعتقاد الحاصل في مورد الاطمئنان. وعدم نفوذ الاعتقاد في النفس قد يكون لموانع لائقة من قبيل عدم تمامية الحجة عليه، وقد يكون لموانع نفسية مذمومة مثل التعلقات النفسية المضادة لروح الحكمة والتعقل.

وهذا الإطلاق وارد في النصوص، ومنه ما ورد في حديث الإمام الصادق (علیه السلام): ((إن الإيمان أفضل من الإسلام، وإن اليقين أفضل من الإيمان، وما من شيء أعز من اليقين))(1). وفي حديث آخر عن الرضا (علیه السلام): ((الإيمان فوق الإسلام بدرجة، والتقوى فوق الإيمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، وما قُسِّم في الناس شيء أقل من اليقين))(2).

وهذا الإطلاق ورد مكرراً في نهج البلاغة كقوله (علیه السلام) في من شبه الله سبحانه وتعالى بخلقه: ((ولم يباشر قلبه اليقين بأنه لا ندّ لك))(3)،

وقوله (علیه السلام) في معاتبة الناس: ((قد تكفل لكم بالرزق وأمرتم بالعمل، فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله، مع أنه والله لقد اعترض الشك ودخل اليقين حتى كأن الذي ضمن لكم قد فرض عليكم، وكأن الذي قد فرض عليكم قد وضع عنكم. فبادروا العمل وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق))(4).

وإلى ذلك يرجع ما وصف به اليقين في بعض الكلمات من قبيل الثبات والوضوح

ص: 131


1- الكافي: 2/51.
2- الكافي: 2/51، لاحظ أيضاً سائر أحاديث باب فضل اليقين على الإيمان وباب حقيقة الإيمان واليقين وباب فضل اليقين.
3- نهج البلاغة: 1/164.
4- نهج البلاغة: 1/225-226.

وبرودة الصدر به والاستقرار والسكون والاستحكام والإبرام، قال الفيومي: (يقن الأمر.. إذا ثبت ووضح)(1).

وقال أبو هلال العسكري: (الفرق بين العلم واليقين أن العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به على سبيل الثقة، واليقين هو سكون النفس وثلج الصدر بما علم. ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى باليقين. ويقال: ثلج اليقين وبرد اليقين ولا يقال: ثلج العلم وبرد العلم)(2).

وقال أبو البقاء: (اليقين الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، وقيل: عبارة عن العلم المستقر في القلب لثبوته من سبب متعين له بحيث لا يقبل الانهدام، من (يقن الماء في الحوض) إذا استقر ودام)(3).

وقال أبو حيان الأندلسي: (الإيقان التحقق للشيء لسكونه ووضوحه، يقال: يقن الماء سكن وظهر ما تحته)(4).

وذكر الآلوسي: (وفي الإحياء(5)- والقلب إليه يميل - أن اليقين مشترك بين معنيين..

الأول: عدم الشك، فيطلق على كل ما لا شك فيه سواء حصل بنظر، أو حس، أو غريزة عقل، أو بتواتر، أو دليل، هذا لا يتفاوت.

الثاني: وهو ما صرح به الفقهاء والصوفية وكثير من العلماء، وهو ما لا ينظر فيه إلى التجويز والشك بل إلى غلبته على القلب حتى يقال: (فلان ضعيف اليقين بالموت

ص: 132


1- المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: 2/681.
2- الفروق اللغوية: 374.
3- الكليات: 979-980.
4- تفسير البحر المحيط: 1/166.
5- إحياء علوم الدين للغزالي.

وقوي اليقين بإثبات الرزق)، فكل ما غلب على القلب واستولى عليه فهو يقين، وتفاوت هذا ظاهر)(1).

وذكر جمع من الأصوليين في بحث الاستصحاب أن إسناد النقض إلى اليقين في قوله (علیه السلام): ((لا تنقض اليقين بالشك ولكن انقضه بيقين آخر)) إنما هو بلحاظ إبرامه واستحكامه، لأنه إنما يسند النقض إلى الشيء المحكم كالحبل. ولعل في مادة (يقن) كأختها (تقن) ما يوحي صوتياً بالاستحكام.

وقد يؤيد ما ذكرنا أن علماء اللغة صرحوا بأن اليقين يقابل الشك، كما أن العلم يقابل الجهل - لاحظ كلام ابن منظور(2)- والشك في الشيء إنما يطلق على التردد في الشيء أو الوهن فيه، ولا يخلو شموله لحالة الاطمئنان والوثوق النفسي عن بعد.

كما يؤيده أن اليقين لا ينسب إلى الباري سبحانه وتعالى كما هو واضح رغم أن العلم والمعرفة ينسبان له سبحانه، فإن الأشبه في وجهه عند التأمل أن اليقين تعبير عن نفوذ الاعتقاد في النفس، وهذا المعنى لا محل له عنده سبحانه وتعالى.

وربما قيل في تعليل ذلك وجوه أخرى ضعيفة..

منها: أن إطلاق الأسماء عليه سبحانه وتعالى توقيفية ولم يرد النقل بذلك.

وهذا خطأ، لأن الاستدلال إنما هو بما نجده من عدم صدق اليقين في حقه سبحانه لا بلزوم تركه احتياطاً لعدم ورود النقل به، وعامة ما نجد عدم صدقه في حقه سبحانه يكون من هذا القبيل عند التأمل، وهذا منبه على خصوصية إنسانية لا تصح في حقه تعالى.

ومنها: أن اليقين يتقوّم بالنظر والاستدلال وهو متعذر في حقه تعالى.

وهذا خطأ واضح، لصدق اليقين في الأمور البديهية ولا دلالة له على حصول الاعتقاد بالنظر والاستدلال.

ص: 133


1- روح المعاني (تفسير الآلوسي): 1/122.
2- لسان العرب: 13/457.

ومما يؤيد ما ذكرنا أنه ينحل به الاضطراب الذي يتراءى في بادي النظر في استعمالات اليقين، حيث إن الظاهر من قوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾(1) - مثلاً - نفي حصول اليقين حتى الموت، بينما ورد في آية أخرى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾(2)، وعامة الآيات تصف المؤمنين دون غيرهم باليقين، وهكذا نجد الروايات تجعل اليقين قليلاً في الناس على تفاوت، فبعضها يجعل اليقين بعد الإيمان مما يقتضي انطباقه على التقوى، وبعضها يجعل اليقين بعد التقوى التي هي بعد الإيمان، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف.

ووجه الانحلال أن النفوذ في القلب المأخوذ في اليقين ذو عرض عريض، وأول مراحله أن يتضح الحق للإنسان وإن جحده كما في الآية، وأعلى مراتبه أن يكون نفوذه فيه حتى كأنه يعايشه كما قال تعالى: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ 5 لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ6﴾(3)، وعليه فربما ينفى بلحاظ انتفاء مرتبة من النفوذ كان ينبغي الاتصاف بها، أو يثبت بلحاظ وجود مرتبة منه في مقابل الفاقد لتلك المرتبة، فلاحظ.

وينبه على ذلك أيضاً أن فحوى الأدلة التي تركز على اليقين أن إناطة الحجة به أمر لا يقبل التخصيص، إذ ليس وراء اليقين إلا الشك، كما أنه ليس وراء الحق إلا الباطل، وليس وراء الهدى إلا الضلال، نظير ما لو قيل: (فلان يمشي على غير علم ويقين)، و(فلان يعوّل على ما لا يقين له به)، وهو طعن يتكرر تصريحاً وتلويحاً في الآيات الشريفة(4)، وإليه أشير في قوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾، فالمراد

ص: 134


1- الجاثية: 32.
2- النمل: 14.
3- التكاثر: 5- 6.
4- كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾(الأنعام: 100)، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 108)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(الأنعام: 119)، وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾(الأنعام: 140)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(الأنعام: 144)، وقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(النحل: 25)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الحج: 3- 8، لقمان: 20)، وقوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الروم: 29)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (لقمان: 6)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (الفتح: 25). وفي الحديث: ((من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرحمة..)) (الكافي: 1/42، 7/409)، وفي حديث آخر: ((من دخل في هذا الأمر بغير يقين ولا بصيرة خرج منه كما دخل فيه)) (بصائر الدرجات الكبرى: 550). وقال الزبيدي: (قال شيخُنا: هذا الكلامُ مَبْنَاه على الحَدْسِ والتَّخْمِينِ والحُكْمِ بغير يَقِينٍ) (تاج العروس: 6/207).

دفع الإيراد عن أنفسهم بأن الأمر ليس يقينياً عندنا وإنما هو مجرد ظن فلا يعاب علينا بأننا تركنا اليقين بل تركنا أمراً مظنوناً.

وهذا لا يناسب جُلَّ موارد التركيز على اليقين، لأنه يرد في موارد ثلاثة..

الأول: الأمور المهمة التي لا يعذر المرء فيها إذا أخطأ ما لم يكن قد أخذ بالجزم، كما في أصول العقيدة.

الثاني: الأمور المتوسطة التي يتعارف عقلاءً الاعتماد فيها على أمارات أخرى كالخبر الموثوق به والبينة، كما هو الحال في ما يرد في باب التحريم والتحليل في الأطعمة والأشربة واللحوم ونحوها.

الثالث: ما يرد في عامة الأمور معبرة عن البُنية المعرفية الحكيمة للإنسان، ومن هذا القبيل بعض الآيات الشريفة.

ومن المعلوم أن التركيز على اليقين على نحو حصر الحجة به إنما يصح في المورد

ص: 135

الأول دون الثاني والثالث، من جهة جواز التعويل على حجج غير يقينية فيها وتعارفه عقلاءً وشرعاً.

مثلاً: في مورد دليل الاستصحاب لا يصح التركيز على اليقين على وجه حاصر، لوضوح جواز الاعتماد في الطهارة على البينة والخبر الموثوق به، بل يكفي ثبوت الطهارة باستصحاب الطهارة كما لو توضأ أو غسل الشيء بماء مستصحب الطهارة، بل يجوز التعويل على أصالة الطهارة.

ومنه يعلم أن قوله (علیه السلام): ((لا تنقض اليقين بالشك)) تعبير عن أنه لا يجوز رفع اليد عن الحجة المتقنة بالشكوك والاحتمالات المحضة التي لا ترقى إلى درجة الحجية.

بل ذكرنا في بحث الاستصحاب أنه استعير في أدلة الاستصحاب جملة (لا تنقض اليقين بالشك) من إطلاقها في المجال التربوي والأخلاقي حيث لا ينبغي للإنسان أن تثبطه عما يتيقن به تعلقات ذميمة على ما تكرر في كلمات أمير المؤمنين (علیه السلام)، فاستعيرت هذه الجملة على سبيل تشبيه التمثيل لمورد رفع اليد عمّا قامت عليه الحجة بقاءً من جهة الشك الطارئ مبالغة في إقناع المخاطب، ومن ثَمَّ فالمراد الجدي هنا رفع اليد عن الحجة بغير الحجة.

ومنه يعلم أن قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ يشير إلى انتفاء اليقين في المورد من جهة العوز في الحجة، وهذا أيضاً هو المراد في ما حكي عن الكفار من قولهم عن الساعة: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾، فالمراد أن هناك عوز إدراكي يمنع من حصول اليقين.

ولكن نفي اليقين المفهوم من آيات أخرى مثل: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ 46 حَتَّى

ص: 136

أَتَانَا الْيَقِينُ﴾(1)، و: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ 5 لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ6﴾(2)، و: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾(3)، إنما يراد به اليقين الذي لم يتحقق لا من جهة عوز في الحجة بل من جهة حيلولة التعلقات والحواجب، كما أن المراد بمثل قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾(4)، أو قوله: ﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾(5) من قامت لديه الحجة ومن ثم منعت تعلقات هذه الحياة والتشبث بها عن نفوذ الاعتقاد في قلبه). انتهى كلامه (دامت برکاته) .

وما ذكره (دامت برکاته) يفي بحسم هذه النقطة.

وثالثاً: إنه لا يتحقق الردع عن ظاهرة واسعة الانتشار في المجتمع ومعتمدة لدى أبنائه يعملون عليها في أمور حياتهم عامة إلا بأن يكون ذلك الردع عن الظاهرة بنفسها لا عن عموم يشملها أو نحو ذلك.

قال بعض أساتيذنا (دامت برکاته): (إن الردع عن ظاهرة بهذه الدرجة من السعة لا يكاد يحصل إلا بالتركيز عليه، نظراً إلى أن هناك تناسباً وموازنة عقلائية بين أداء المتكلم البليغ والرسالة التي يهدف إلى إيصالها للمخاطب، فكلما كان المعنى الذي يريد إبطاله ومحوه من ذهن المخاطب أكثر استقراراً وثبوتاً فيه احتيج في مقام الأداء إلى تركيز أكثر ولسان أقوى. ومن ثَمَّ قالوا: إن أدلة رادعية العمل بالظن لا تنفي حجية الحجج العقلائية من قبيل الظهور، بل ومن قبيل خبر الواحد، لأنه لو أريد الردع بها لركّز عليها ولا يكاد يفهم العقلاء من النهي عن الظن النهي عن مثل هذه الحجج. ومثل هذا المعنى يجري بالنسبة إلى الوثوق والاطمئنان أيضاً فإذا بني على أن العقلاء

ص: 137


1- الكوثر: 46-47.
2- التكاثر: 5- 6.
3- الحجر: 99.
4- البقرة: 118، المائدة: 50، الجاثية: 4، 20.
5- الذاريات: 20.

يعتمدون على الوثوق والاطمئنان بدرجة واسعة في حياتهم فلا تكون الأدلة الناهية عن العمل بالظن بمجردها رادعاً واضحاً. مع عدم التركيز في شيء منها على الظن الاطمئناني بخصوصه، فليتأمل)(1).

والمحصل من ذلك أنه لا ينفع في الردع عن السيرة العامة والواسعة للعقلاء على العمل بالاطمئنان أن ينهى الشارع عن العمل بالظن عموماً الشامل للاطمئنان في عرفهم، فإن الردع عن ظاهرة بمثل هذه السعة يحتاج إلى تركيز عالٍّ ونهي مباشر وواضح عن نفس الظاهرة لا ما يعمها، وإلا فإنه لا ينفع ذلك في تحقق الفائدة المرجوة من هذا الردع وهو إيقاف مثل هذه الظاهرة.

نعم، قد يقال: إن دلالة غير واحد من هذه الآيات - وكذا بعض الأحاديث الآتية - على أنه لا ينبغي العمل إلا بالعلم واليقين ولا يكفي غيره في الاعتبار قد يكون كافياً في إلفات نظر المجتمع إلى عدم حجية غيره.

ولكن الإنصاف أن ما ذكر من شواهد على الردع لا يناسب السعة والشمول في سيرة العقلاء للعمل بالاطمئنان في أمورهم.

الرادع الثاني: أدلة الأصول العملية التي أخذ في موضوعها الشك وجعل غايتها العلم من قبيل ((رفع عن أمتي ما لا يعلمون))، أو اليقين من قبيل ((لا تنقض اليقين بالشك)) وغير ذلك.

فيقال: إن هذه الأدلة أيضاً تكون رادعة عن العمل بالاطمئنان، فإنه يظهر من عموم هذه الأدلة المتضمن لعدم رفع اليد عن مقتضى الأصل إلا بالعلم أو اليقين أو الاستبانة أو نحو ذلك عدم كفاية الاطمئنان المقارن لاحتمال الخلاف في رفع اليد عن مقتضى الأصل.

ص: 138


1- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).

وقد أجيب عنه بوجوه عدَّة..

الجواب الأول: ما تقدم من أن الاطمئنان من أفراد العلم.

وقد تقدم الإيراد عليه بأنه ليس كذلك إلا تسامحاً، ولو فرض ذلك فهو ليس من اليقين المأخوذ في مثل دليل الاستصحاب قطعاً.

الجواب الثاني: ما ذكره أستاذنا السيد الحكيم (مدظله)(1)من أن العلم في أدلة الأصول ليس مأخوذاً بما هو صفة خاصة، بل بما هو طريق فتقوم مقامه سائر الطرق؛ لأن الموضوع في الحقيقة هو مطلق الطريق، ولا تنهض حينئذٍ تلك الأدلة ببيان عدم طريقية غير العلم لتصلح للردع في المقام.

ففي دليل الاستصحاب - مثلاً - وإن أُخذ فيه اليقين وقيل: ((لا تنقض اليقين بالشك))، إلا أن اليقين لوحظ فيه كحجة مثبتة للواقع، ومن ثَمَّ فأي أمارة أخرى ثبت اعتبارها تكون موسعاً لموضوع دليل الاستصحاب ورافعاً لغايته وهي حصول اليقين بالانتقاض.

وقد أجاب هو (مدظله) عن ذلك قائلاً: (إن هذا إنما يتم بالطرق الخارجية غير القائمة بالنفس - كخبر الثقة واليد - دون الطرق القائمة بالنفس، فإن الاقتصار في بيان ما هو الطريق فيها على العلم الذي هو أتم مراتب الانكشاف ظاهر جداً في عدم حجية ما دونه من المراتب ومنها الاطمئنان.

نظير عطف البينة على العلم في حديث مسعدة بن صدقة ونحوه، فإنه ظاهر في عدم حجية خبر الثقة الواحد، لأن الاقتصار في بيان ما هو الحجة من الخبر الحسي بما هو خبر على خبر العدلين ظاهر في عدم حجية ما دونه، كخبر العدل الواحد، فضلاً عن خبر الثقة غير العدل.

ص: 139


1- المحكم في أصول الفقه: 3/356-357.

نعم، لا تنهض بالردع عن حجية مثل خبر صاحب اليد مطلقاً، أو الخبر الحدسي من أهل الخبرة في حق الجاهل، أو غيرهما مما كانت حجيته لخصوصية زائدة على كونه خبراً؛ لعدم أخذ العلم والبينة فيهما بخصوصيتهما بل بما هما طريق نظير ما سبق).

وحاصله: أن اعتبار شيء ما حجة يقتضي عدم حجية ما هو من سنخه مما يكون دونه، ولا يقتضي عدم حجية شيء آخر لا يكون من سنخه، فدليل حجية البينة ينفي حجية ما هو دونه من سنخه كخبر العدل أو الثقة الواحد؛ لأن البينة هو إخبار عدلين معاً. ولكنه لا ينفي حجية اليد أو سائر الأمارات التي ليست من سنخه.

وعليه فما يستفاد من أدلة الأصول العملية من حجية العلم ينفي حجية الاطمئنان الذي هو من سنخ العلم ولا ينفي حجية سائر الأمارات التي ليست من سنخه.

وقد لاحظ على مثل ذلك بعض أساتيذنا (دامت برکاته) ..

(أولاً: بأن لازمه عدم حجية الاطمئنان ولو كان الاحتمال بنسبة واحد في التريليون، ولا سبيل للالتزام به. ونفي وجود مثل هذا الاحتمال مما يندفع بالتأمل.

وثانياً: أنّ المدعى إن كان دلالة هذه الأدلة بالإطلاق على حدّ دلالة الآيات الناهية عن اتباع الظن فقد مرّ عدم كفاية الإطلاق في الردع عن مثل ذلك. وإن أريد به انعقاد دلالة خاصة على عدم حجية الاطمئنان في هذه الأدلة من جهة الاقتصار على إخراج العلم من مورد الأصل فيمكن أن يجاب عنه: بأن العلم حيث كان أمُّ الحجج والذي تكون حجية كل أمارة بتنزيلها منزلة العلم واعتبارها طريقاً تاماً على حده لا يكون الاقتصار على ذكره تعريضاً بما دونه من الحجج حتى لو كانت هذه الحجج من سنخ العلم؛ لأن اعتبار تلك الحجج يكون بتنزيلها منزلة العلم بحسب ما دل على ذلك.

ص: 140

وبذلك يظهر الفرق بين هذه الأدلة وبين دليل حجية البينة، لأن البينة ليست أمّ الحجج حتى يكون ذكرها بهذا الاعتبار.

ويضاف إلى ذلك: أن لذكر البينة دلالة خاصة على عدم حجية خبر العدل الواحد بنكتة أخرى لا تجري في العلم، وهو أن خبر العدل الواحد هو جزء البينة فلو كان حجة لم يكن معنى لجعل البينة حجة، لسقوطها عن الموضوعية تماماً، لاسيما أنه كلما وجدت البينة وجد خبر العدل الواحد بطبيعة الحال، فيكون ذكر البينة في قوة تقييد خبر العدل بانضمام خبر آخر إليه.

وهذا المعنى لا يجري في العلم، بالنظر إلى أن حجية الاطمئنان لا تلغي دخالة العلم في الحجية بعنوانه عرفاً، لأن العلم يبقى سيد الحجج العقلائية التي تكون حجيتها ارتكازاً بنحو من تنزيله منزلته بالإغماض عن وجود الاحتمال المخالف.

كما أن وجود العلم في المورد لا يقتضي وجود الاطمئنان فيه فإن الاطمئنان ليس جزءاً حقيقياً من العلم كما هو ظاهر).

ولكن يمكن أن يقال: إنه لا يكفي ما ذكر فارقاً ما بين البينة والعلم، إذ تبقى السنخية محفوظة ما بين البينة وخبر الواحد، فليس المراد من السنخية المعنى المعقولي لها لكي يرد عليه بأنه ليس كذلك، بل مراده أن حجيتهما واعتمادهما إنما هو بلحاظ الإخبار كما أن حجية العلم والاطمئنان - لو قيل به - إنما هو من ناحية الإدراك.

وقد أراد أستاذنا السيد الحكيم (مدظله) بهذا التنظير أن يشير إلى لحاظ خصوصية العنوان المأخوذ في الدليل وأنه حتى لو كان العنوان لم يؤخذ بما هو هو، ولكن لا يعني ذلك إلغاء خصوصيته بالمرة.

فلو قال الطبيب إرشاداً لمن يعاني من علة ما: (إنه ما ينفعك شيء مثل الجَرْي) فهو نفي لوجود المنفعة في غير الجَرْي، ولو كان لهذا الطبيب كلام آخر يفيد أن رفع

ص: 141

الأثقال أيضاً ينفع في هذه الحالة، فالمستفاد هو أن الجَرْي وما يقوم مقامه من الرياضات الأخرى كالتنفس الصحي أو اليوغا ينفع في ذلك، ولكن هذه التوسعة لا تعني التنزل من الجَرْي إلى المشي، وإلا فلا معنى للخصوصية المأخوذة في العنوان.

وكون العلم أمّ الحجج واعتبار كل الحجج بتنزيلها منزلته لا ينفع في ردّ ما تقدم، فإن الكلام بعد ملاحظة دليل تنزيل غير العلم منزلته في أن النفي الوارد في الروايات المتقدمة هل يشمل كل ما دون العلم من مستويات الإدراك، أو خصوص ما لا يكون منزّلاً منزلة العلم؟ ولا علاقة لكون العلم أمّ الحجج.. إلخ في حل النزاع في ذلك.

نعم، ينفع في الجواب عن هذا الرادع ما تقدم من بيان معنى اليقين الوارد في هذه الأحاديث، فراجع.

الرادع الثالث: دليل حجية البينة.

فقد روى الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سمعته يقول: ((كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قِبَلِ نفسك. وذلك مثل الثوب يكون [عليك . تهذيب] قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعله حُرّ قد باع نفسه، أو خَدِعَ فبيع، أو قُهِرَ، أو امرأة تحتك وهي أختك، أو رضيعتك. والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة))(1).

وقد نقلها الحر العاملي(2)عن علي بن إبراهيم عن هارون مباشرة، ورواها الشيخ (قدس سره) (3) بسنده عن علي بن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة.

ص: 142


1- الكافي: 5/313-314.
2- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: 12/60، وكذا فعل في الفصول المهمة: 1/633.
3- تهذيب الأحكام: 7/226.

وهناك عدد كبير من الروايات الدالة على حجية البينة في باب القضاء، ولكنها تختص بهذا الباب ولا يستفاد منها حجيتها في الموضوعات.

فيمكن أن يقال: إنه قد ثبت الردع عن السيرة القائمة على العمل بالاطمئنان في خصوص الموضوعات، وهذا الردع من خلال رواية مسعدة المتقدمة حيث دلت على حصر الحجة بها دون غيرها، فخرج مثل الاطمئنان عن الحجية.

قال المحقق العراقي (قدس سره): إنه لا دليل على حجية مطلق الاطمئنان خصوصاً في الموضوعات، وبناء العقلاء على العمل به - على فرض تماميته - مردوع بعموم اعتبار البينة في الموضوعات وظهور دليلها في حصرها إلا ما خرج بالدليل من سيرة أو غيرها، كما لا يخفى على من لاحظ ذيل رواية مسعدة بن صدقة(1).

وقد يقرب مزيد تقريب: ب-(أن هذه الروايات الحاصرة للحجية في البينة والتي لم تذكر الوثوق رغم أن البينة تتكون من خبري ثقة وخبر الواحد الثقة ربما يستوجب الوثوق، ولكن مع ذلك لم ينبه في هذه الروايات على حجية الاطمئنان والوثوق الحاصل من خبر الثقة أو من غيره)(2).

وقد أُورد عليه..

أولاً: ما ذكره بعض أساتيذنا (دامت برکاته) من أنه لا دلالة في شيء من أدلة البينة على الحصر المدعى في مقابل الاطمئنان. بل حتى رواية مسعدة بن صدقة - التي هي غير تامة السند لعدم ثبوت وثاقة مسعدة بن صدقة(3)- لا تفيد ذلك، فإن (المذكور فيها هكذا: ((كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعله قد باع نفسه

ص: 143


1- تعليقة استدلالية على العروة الوثقى: 155 (بتصرف), 219.
2- مباحث الأصول العملية: بحث الشبهة غير المحصورة (مخطوط).
3- لاحظ وسائل الإنجاب الصناعية: 647.

أو خدع فبيع أو قهر، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى تستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة)).

ومن الواضح أن الاستبانة المذكورة في ذيل الرواية لا تختص عرفاً بمورد حصول القطع والجزم بل تصدق حتى في مورد الاطمئنان، فكيف يستفاد من هذه الرواية الردع عن حجيته في الموضوعات؟!)(1).

ويقع الكلام في الإشكال السندي والدلالي..

أما من ناحية السند فقد اختلف الأعلام في وثاقة مسعدة بن صدقة، فبنى الأكثر على وثاقته - حتى عبّر عن روايته هذه في كلماتهم بالموثقة - ومنهم المجلسي الأول والسيد البروجردي (قدس سرهما) (2) وأستاذنا السيد الحكيم(مدظله)(3).

قال المجلسي الأول (رحمة الله): (الذي يظهر لي من أخباره التي في الكتب أنه ثقة، لأن جميع ما يرويه في غاية المتانة، موافقة لما يرويه الثقات من الأصحاب، ولذا عملت الطائفة بما رواه وأمثاله من العامة. بل لو تتبعت وجدت أخباره أسند وأمتن من أخبار مثل جميل بن دراج، وحريز بن عبد الله).

وقال أستاذنا السيد الحكيم (دام ظله) في التعليق على هذه الرواية: (لا يبعد الاعتماد عليها - رغم عدم التصريح بوثاقة مسعدة بن صدقة - مع علو متنها، ورواية الكليني والشيخ لها، وظهور قبولها بين الأصحاب، بل قبول روايات مسعدة).

والرجل لم يرد فيه توثيق، ولكن ذكرت عدة طرق لتوثيقه..

ص: 144


1- بحوث في شرح مناسك الحج: 1/335.
2- لاحظ خاتمة مستدرك الوسائل: 5/252، الموسوعة الرجالية: 1/217، 4/357، وتنقيح العروة الوثقى (كتاب الطهارة): 6/405.
3- مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد): 139.

الطريق الأول: وروده في كامل الزيارات(1)، وهذا على مبنى من يرى وثاقة كل من جاء في أسانيد روايات كامل الزيارات كأستاذنا السيد الحكيم (مدظله) (2).

الطريق الثاني: ما سلكه السيد البروجردي (رضوان الله علیه)(3) من البناء على اتحاده مع مسعدة بن زياد الموثق في كتب الرجال.

ويمكن الجواب عنه بما أجاب به السيد الخوئي(4)

وصاحب القاموس(5) على اتحاد مسعدة بن صدقة مع مسعدة بن اليسع من أن النجاشي والشيخ ذكراهما مستقلاً وهذا آية التعدد. وقد فصّل الكلام في ذلك بعض أساتيذنا (دامت برکاته) في بعض بحوثه(6).

الطريق الثالث: وقوعه في أسانيد تفسير القمي، وذلك على مبنى من يرى وثاقة من يقع في أسانيده، كما هو مسلك السيد الخوئي (قدس سره) (7) اعتماداً على عبارة وردت في مقدمة التفسير.

وقد ناقش بعض أساتيذنا (دامت برکاته) - تبعاً لبعض أعلام محققي العصر (دام ظله الوارف)

- في الموضع المتقدم هذا الطريق صغرى وكبرى، فهو يشكك في صحة نسبة هذه العبارة إلى علي بن إبراهيم القمي، مضافاً إلى عدم استفادة التوثيق منها. وأما الصغرى فقد اشترط السيد الخوئي (قدس سره) في التوثيق أن يكون الراوي شيعياً، ومسعدة بن صدقة عامي أو بتري(8). وقد ذكر محاولتين لدفع هذا الإيراد وردّهما.

ص: 145


1- كامل الزيارات: 306.
2- مصباح المنهاج (الاجتهاد والتقليد): 139.
3- كما عن الموسوعة الرجالية: 1/217، 4/357، (لاحظ وسائل الإنجاب الصناعية: 654).
4- معجم رجال الحديث: 19/155.
5- قاموس الرجال: 10/56.
6- وسائل الإنجاب الصناعية (الملحق الحادي عشر): 654-656.
7- معجم رجال الحديث: 1/49.
8- معجم رجال الحديث: 19/151، قال الكشي (اختيار معرفة الرجال: 307-311 ح: 422، 429): (والبترية هم أصحاب كثير النوا، والحسن بن صالح بن حي، وسالم بن أبي حفصة، والحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وأبي المقدام ثابت الحداد. وهم الذين دعوا إلى ولاية علي (علیه السلام) ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر، ويثبتون لهما إمامتهما وينتقصون عثمان وطلحة والزبير [وعائشة.خ]، ويرون الخروج مع بطون ولد علي بن أبي طالب (علیه السلام) . يذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويثبتون لكل من خرج من ولد علي (علیه السلام) عند خروجه الإمامة.. عن سدير قال: دخلت على أبي جعفر (علیه السلام) ومعي سلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد، وسالم بن أبي حفصة، وكثير النوا، وجماعة معهم، وعند أبي جعفر (علیه السلام) أخوه زيد بن علي، فقالوا لأبي جعفر (علیه السلام): نتولى علياً وحسناً وحسيناً ونتبرأ من أعدائهم؟ قال: نعم، قالوا: نتولى أبا بكر وعمر ونتبرأ من أعدائهم؟ قال: فالتفت إليهم زيد بن علي، قال لهم: أتبرءون من فاطمة؟! بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذٍ سموا البترية).

الطريق الرابع: ما تقدم عن المجلسي الأول (قدس سره) وأستاذنا السيد الحكيم (مدظله) من أن جميع ما يرويه في غاية المتانة، موافقة لما يرويه الثقات من الأصحاب، ولذا عملت الطائفة بما رواه وأمثاله من العامة. بل لو تتبعت وجدت أخباره أسند وأمتن من أخبار مثل جميل بن دراج، وحريز بن عبد الله.

ولعله من خلال هذه الطرق يمكن القول بوثاقته وفق المنهج المتساهل في علم الرجال، وليس الأمر كذلك وفق غيره من المناهج لاسيما المنهج المتشدد.

وأما الإشكال في الدلالة فيمكن أن يقال في جوابه: إن المراد من الاستبانة في المقام ما يرادف اليقين والعلم، والقرينة على ذلك ما ورد في صدر الرواية حيث قال (علیه السلام): ((حتى تعلم أنه حرام بعينه))، فإنه الأنسب لمطابقة المثال للكبرى المذكورة.

وثانياً: ما ذكره بعض أساتيذنا (دامت برکاته) أيضاً، وهو أنه (لو سلّم ظهور هذه الرواية في انحصار الحجة في باب الموضوعات بالبينة، إلا أنها لا تصلح أن تكون رادعة عن السيرة العقلائية القائمة على حجية الاطمئنان فيها، فإن السيرة إذا كانت متسعة جداً يجب أن يكون الردع متسعاً أيضاً وبصورة واضحة ليقع مؤثراً، ولا يمكن الردع عن

ص: 146

البناء العقلائي على العمل بالاطمئنان في جميع أمورهم حتى ما يتعلق منها بالجوانب الدينية إلا مع تكرار المنع على لسان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والأئمة (عليهم الصلاة والسلام) عن الاعتماد عليه في الأمور الشرعية. ولو كان كذلك لتمثل لا محالة في عدد غير قليل من النصوص والروايات، كما هو الحال في كل أمر تكرر الحديث بشأنه وتم التأكيد عليه بصورة موسعة على ألسنة المعصومين (علیهم السلام) ولا ينحصر الأمر في رواية واحدة)(1).

وما ذكره (دامت برکاته) تام فيما لو كان المنظور هو رواية مسعدة بالخصوص - كما هو محل نظر المحقق العراقي (قدس سره) - ولكن لو ضم إلى ذلك جميع ما يستفاد منه الردع من قبيل النهي عن اتباع الظن الذي كان في دستور الإسلام وهو القرآن العظيم والذي له الحاكمية على كل التشريعات الواردة في الدين الحنيف، كما أن مستوى التبليغ الوارد فيه لا يوازي أي مستوى آخر، ربما يقال بأنه يصلح ذلك بنفسه رادعاً رغم سعة السيرة وانتشارها.

ولكن تقدم أن الإنصاف أن ما ذكر من شواهد على الردع لا يناسب السعة والشمول في سيرة العقلاء للعمل بالاطمئنان في أمورهم، فيكون ما ذكره (دامت برکاته) تاماً.

وثالثاً: بما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) (2) من أن المراد بالبينة هو المعنى اللغوي أي ما يتبين به الشيء، فيكون المراد منها مطلق الدليل، وهذا هو المراد من البينة على إطلاقها في الآيات والروايات كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾. ويتضح ذلك من مراجعة استعمال الكلمة في جملة من الروايات(3).

ص: 147


1- بحوث في شرح مناسك الحج: 1/335.
2- مصباح الأصول: 2/274.
3- لاحظ قرب الإسناد: 252، والكافي: 3/503، 6/80،7/131، 355، 426، ومن لا يحضره الفقيه: 3/21، وغيرها من الموارد.

وقد قيل(1): إن دعوى دلالة خبر مسعدة بن صدقة على حصر ثبوت الموضوعات بالعلم أو بالبينة موقوف على أمرين: أحدهما: ثبوت الحقيقة الشرعية للبينة في شهادة العدلين في زمان صدور هذا النص، وذلك غير معلوم. ثانيهما: صيرورة معناها اللغوي العرفي وهو الحجة مهجوراً في ذلك الزمان، وهو ممنوع؛ لأن لازم مهجورية هذا المعنى إقامة القرينة عليه عند إرادته في الاستعمال ولم نشاهدها.

ولكن يمكن أن يقال: إن التعبير ب-(تقوم) قرينة على إرادة البينة بمعناها الاصطلاحي، هذا إذا لم يقل بأنه قد ثبتت الحقيقة الشرعية لها في ذلك، وإليك جملة من استعمالاتها في ذلك العصر بهذا المعنى..

ففي رواية الحسن بن زياد عن أبي عبد الله

(علیه السلام) قال: ((إذا دخل الرجل بامرأة ثم ادعت المهر وقال: قد أعطيتك. فعليها البينة وعليه اليمين))(2).

وفي رواية الجعفريات: سألته عن رجل طلق قبل أن يدخل بامرأته فادعت أنها حامل منه ما حالها؟ قال: ((إن قامت البينة أنه أرخى ستراً ثم أنكر الولد لاعنها وبانت منه، وعليه المهر كاملاً))(3).

وفي رواية الجعفريات الأخرى: وسألته عن رجل استأجر دابة فوقعت في

بئر فانكسرت ما عليه؟ قال: ((هو ضامن، كان عليه أن يستوثق منها، فإن أقام البينة أنه ربطها واستوثق منها فليس عليه شيء))(4).

ص: 148


1- الاجتهاد والتقليد (رضا الصدر): 264.
2- تهذيب الأحكام: 7/360.
3- الجعفريات: 134.
4- الجعفريات: 196.

ورواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: ((الغائب يقضى عنه إذا قامت البينة عليه، ويباع ماله ويقضى عنه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته إذا قدم. ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء إذا لم يكن ملياً))(1).

ورواية زرارة قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام): الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها ثم يجيء رجل فيقيم البينة على أنها جاريته لم تُبَعْ ولم تُوهبْ. قال: فقال لي: ((يرد إليه جاريته ويعوضه مما انتفع))(2).

وغيرها من الروايات الكثيرة(3).

هذا كله في ما ذكر من الروادع الواردة على نحو العموم.

* * *

وبهذا ينتهي القسم الأول من البحث، ونبتدأ في القسم الثاني إن شاء الله بما ورد من الروايات مما يستفاد منه الردع عن العمل بالاطمئنان في بعض الموارد الخاصة، ومن ثم يتم الكلام في بقية الأدلة التي سيقت على حجية الاطمئنان مذيلاً بخاتمة تشتمل على عدة تنبيهات نذكر فيها أقسام الاطمئنان ومستوياته والموارد التي استثناها الأعلام من حجيته.

ص: 149


1- الكافي: 5/102.
2- الكافي: 5/216.
3- لاحظ المحاسن: 1/112، 303، 307، والنوادر: 153، والكافي: 5/217، 237، 239، 242، 405، 558، 563، 6/111، 112، 7/57، 58، 83، 185، وغيرها.

ص: 150

الحسين بن علوان (دراسة رجالية) - الشيخ إسكندر الجعفري (دام عزه)

اشارة

إنَّ الحسين بن علوان – موضوع هذه الدراسة – له روايات كثيرة في مصادرنا، بل في مصادر العامَّة أيضاً، وهي ذات قيمة فقهيَّة وعقائديَّة كبيرة، فتحقيق حاله يؤثر على جملة من المسائل, ولذا كان لهذه الدراسة أَهميَّتها وقيمتها.

ص: 151

ص: 152

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

المقدمة

إن البحث عن الراوي يكتسب أهميته من قيمة مروياته، ولاسيما في ما يرتبط منها بالبحث الفقهي الاستدلالي، ومن الواضح أنّ الراوي إذا لم تكن لرواياته قيمة استدلالية في الفقه والعقيدة أو نحو ذلك، فإنه لا توجد حينئذ فائدة مهمة في البحث عن وثاقته وعدمها.

وحيث إن الراوي (الحسين بن علوان) - موضوع هذه الدراسة- له روايات كثيرة في مصادرنا، بل في مصادر العامة أيضاً, وهي ذات قيمة فقهية وعقائدية كبيرة، كان لهذه الدراسة أهميتها وقيمتها، ولعل بعض النتائج الفقهية ستتأثر سلباً أو إيجاباً في ضوء النتيجة التي نتوصل إليها من خلالها.

وقد أعددت هذه الدراسة ضمن مبحثين:

المبحث الأول: فيه مطلبان.

المطلب الأول: نبذة عن حياة الحسين بن علوان.

المطلب الثاني: أقوال الرجاليين في حقه.

المبحث الثاني: البحث في وثاقته، وفيه مطلبان أيضاً.

المطلب الأول: فيما يُستفاد من عبائر الرجاليين من حيث الوثاقة وعدمها، مع مناقشتها.

المطلب الثاني: فيما يُستفاد من التوثيقات العامة، مع مناقشتها.

ص: 153

المبحث الأول: وفيه مطلبان

المطلب الأول: نبذة من حياة الحسين بن علوان

اشارة

هو الحسين بن علوان بن قدامة الكلبي، كوفي الأصل، سكن بغداد، وحدّث بها، روى عن جماعة، منهم الإمام الصادق (علیه السلام)، وهشام بن عروة بن الزبير، ومحمد بن عجلان، وسليمان بن الأعمش، وسعد بن طريف، وعمرو بن خالد، وعمرو بن ثابت، وغيرهم، وروى عنه جماعة منهم، المنبه بن عبد الله، والحسين بن سعيد، والحسن بن فضّال، وأحمد بن صبيح، وأبان بن عثمان، وغيرهم، وسنأتي على ذكرهم في نهاية البحث إن شاء الله تعالى.

والاحتمالات في عقيدته ثلاثة:

الاحتمال الأول
اشارة

أنه إمامي، ويشهد لذلك أمران:

1. ما ذكره الكشي - في عبارته الآتية - من أنه قد قيل (إن الكلبي كان مستوراً ولم يكن مخالفاً).

2. رواياته، فإنه قد روى روايات تؤكّد صحة مذهب الإمامية، ولنذكر – على سبيل المثال – اثنين منها.

الرواية الأولى

ما رواه الشيخ الصدوق بسند متصل عن الحسين بن علوان، عن عمرو بن خالد، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول: (أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون)(1).

الرواية الثانية

ما رواه علي بن بابويه بسند متصل عن حسين بن علوان، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: (إنّ الله فضّل أُولي العزم من الرسل بالعلم على الأنبياء, وورثنا

ص: 154


1- كمال الدين وتمام النعمة: 280، ب24 ح28.

علمهم، وفضّلنا عليهم في فضلهم، وعلم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ما لا يعلمون، وعلمنا علم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فروينا لشيعتنا، فمن قبل منهم فهو أفضلهم، وأينما نكون فشيعتنا معنا)(1).

فمثل هذه الروايات لا يرويها - عادة - المخالف.

الاحتمال الثاني

أنه عامي، والشاهد له ما وصفه به الرجاليون، كالكشي، والطوسي، والنجاشي، والعلامة، كما سيتضح عند نقل عبائرهم.

الاحتمال الثالث

أنه زيدي، كما هو ليس ببعيد، لأمرين:

الأول: روايته كثيراً عن الزيدية، ورواية الزيدية عنه كثيراً، فقد أكثر هو الرواية عن عمرو بن خالد, وهو منهم كما هو معلوم، وروى عن غيره من الزيدية أيضاً، وروى عنه كثيراً أبو الجوزاء المنبه بن عبد الله، وهو زيدي أيضاً.

الثاني: وصفه الشيخ في الاستبصار بالزيدي(2).

إن قلت: إن الشيخ في الاستبصار قد وصفه بالزيدي العامي، فكيف يمكن الجمع بين الوصفين؟

قلت: يمكن أن يُجاب بما يأتي:

إن قسماً من الزيدية – وهم البترية- هم من العامة، فيحتمل كون الحسين منهم.

إن الأصحاب يطلقون العامي أحياناً على غير الاثني عشري.

لعل سبب وصف الزيدية بالعامة هو موافقتهم لهم في معظم الفقه.

وبهذا الجواب يمكن التوفيق بين الاحتمالين الأخيرين، فيُقال: هو زيدي وعامي، حيث يكون مقصود الأعلام من كونه عامياً أنه لم يكن اثني عشرياً، وهذا المعنى لا يتنافى مع الاحتمال الثالث.

ص: 155


1- الإمامة والتبصرة: 139.
2- الاستبصار: 1/ 65 ح196.

ولم يُشر الرجاليون إلى سنة ولادته ولا إلى سنة وفاته، ولكن يمكن أن يستفاد من بعض الروايات أنه كان حياً إلى سنة 200 ﻫ، فقد روى الخطيب البغدادي في تاريخه ما نصه: (أخبرنا أبو طاهر إبراهيم بن محمد بن عمر العلوي، أخبرنا أبو المفضل محمد بن عبد الله الشيباني، حدثنا إبراهيم بن حفص بن عمر العسكري - بالمصيصة من أصل كتابه - حدثنا عبيد بن الهيثم بن عبيد الله الأنماطي البغدادي من ساكني حلب سنة ست وخمسين ومائتين، حدثنا الحسين بن علوان الكلبي - ببغداد في سنة مائتين- حدثني عمرو بن خالد الواسطي عن محمد وزيد ابني علي عن أبيهما عن أبيه الحسين, قال: كان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم يرفع يديه إذا ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين)(1).

وأما سنة الولادة فقد تكون سنة 130 ﻫ أو ما قبل ذلك، لأنه قد روى عن الإمام الصادق (علیه السلام)، ومن المعلوم أن سنة استشهاده (علیه السلام) 148 ﻫ، فيمكن أن يكون الحسين قد لقي الإمام أواخر عمره الشريف، وهو له من العمر 16 أو 17 أو 18 سنة ويستبعد أقل من ذلك لعدم تأهّل الراوي- عادة- لتحمّل الحديث في أقل من هذا العمر على أقل تقدير، وإذا لاحظنا بقية الرواة الذين قد روى عنهم الحسين فإنا نجد أنه روى عن هشام بن عروة، الذي توفي سنة 145 ﻫ، وقيل 146 ﻫ، وقيل 147 ﻫ، وعلى كل التقادير مات هشام قبل الإمام الصادق (علیه السلام) بسنة، وهذا مما يقوّي احتمال كون ولادة الحسين قبل سنة 130 ﻫ .

ومن هنا يتضح أنه من الطبقة الخامسة من رواة الحديث, بقرينة روايته مباشرة عن الإمام الصادق (علیه السلام)، وهكذا روايته عن أبي حمزة الثمالي الذي هو من الرابعة جزماً حيث توفي سنة 150 ﻫ، كما أن الطبقة السادسة قد روت عنه من أمثال الحسن

ص: 156


1- تاريخ بغداد: 8/ 62.

ابن فضال والمنبه بن عبدالله.

وللحسين بن علوان روايات كثيرة في مصادرنا تزيد على التسعين.

المطلب الثاني: أقوال علماء الرجال في حقه

اشارة

ونستعرض في هذا المطلب أقوال علماء الرجال التي تدور عليهما رحى الوثاقة وعدمها.

الكشي (رحمة الله)

قال: (محمد بن إسحاق, ومحمد بن المكندر، وعمرو بن خالد الواسطي، وعبد الملك بن جريح، والحسين بن علوان، والكلبي، هؤلاء من رجال العامّة إلا أنّ لهم ميلاً ومحبةً شديدة.

وقد قيل: إن الكلبي كان مستوراً ولم يكن مخالفاً، وقيس بن الربيع بتري كانت له محبة.

فأمّا مسعدة بن صدقة بتري، وعباد بن صهيب عامي، وثابت أبو المقدام بتري، وكثير النواء بتري، وعمرو بن جميع بتري، وحفص بن غياث عامي، وعمرو بن قيس الماصر بتري، ومقاتل بن سليمان البجلي, وقيل: البلخي بتري، وأبو نصر بن يوسف ابن الحارث بتري)(1).

والظاهر زيادة (الواو) قبل (الكلبي)، لأنه لقب الحسين بن علوان، وقوله: (إن الكلبي كان مستوراً) يعني أمره ومذهبه كان مستوراً لا شخصه، بقرينة قوله بعد ذلك (ولم يكن مخالفاً).

ص: 157


1- رجال الكشي: 2/ 687.
الطوسي (رحمة الله)

ذكره في رجاله قائلاً: (الحسين بن علوان الكلبي، مولاهم كوفي)(1).

وعدَّه (رحمة الله) في الفهرست من أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) حيث قال: (الحسين ابن علوان, له كتاب، أخبرنا به ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن، عن سعد بن عبد الله ومحمد بن الحسن الصفار، عن أبي الجوزاء المنبه بن عبد الله، عن الحسين بن علوان)(2).

النجاشي (رحمة الله)

(الحسين بن علوان الكلبي، مولاهم، كوفي، عامي، وأخوه الحسن يكنى أبا محمد ثقة، رويا عن أبي عبد الله (علیه السلام)، وليس للحسن كتاب، والحسن أخص بنا وأولى، روى الحسين عن الأعمش وهشام بن عروة. وللحسين كتاب تختلف [يختلف] رواياته أخبرنا إجازة محمد بن علي القزويني، قدم علينا سنة أربعمائة، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري عن هارون بن مسلم عنه به)(3).

العلامة (رحمة الله)

(الحسين بن علوان الكلبي، مولاهم كوفي، عامي، وأخوه الحسن، يكنى أبا محمد، رويا عن الصادق (علیه السلام)، والحسن أخص بنا وأولى. قال ابن عقدة: إن الحسن كان أوثق من أخيه وأحمد عند أصحابنا)(4).

ص: 158


1- رجال الطوسي: 184.
2- الفهرست: 108
3- رجال النجاشي: 52.
4- خلاصة الأقوال: 338.
ابن داود الحلي (رحمة الله)

(الحسين بن علوان الكلبي، مولاهم ق (جش) كوفي عامي)(1).

هذا كل ما جاء في ترجمته في كتبنا الرجالية.

وقد ترجم له علماء العامة أيضاً، ولا يهمنا من ذلك إلا ما يرتبط بنسبه وكنيته، ولهذا سننقل ما ذكروه في هذا الصدد فقط.

فقد ترجمه عبد الله بن عدي الجرجاني قائلاً: (الحسين بن علوان أبو علي الكوفي الكلبي...)(2).

وجاء في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ما نصه: (الحسين بن علوان بن قدامة، أبو علي الكوفي الأصل، سكن بغداد وحدّث بها عن هشام بن عروة، ومحمد بن عجلان، وسليمان الأعمش...)(3).

وكيف كان، فهذا مجمل الأقوال في حقه، وقد تلخّص منها ما يأتي:

1. اسمه: الحسين بن علوان بن قدامة.

2. لقبه: الكلبي الكوفي.

3. كنيته: أبو علي.

4. تتفق كلمات علمائنا الرجاليين على عدم تضعيفه، ولكنها مختلفة في توثيقه.

ص: 159


1- رجال ابن داود: 240.
2- الكامل: 2/ 359.
3- تاريخ بغداد: 8/ 61.

المبحث الثاني: البحث في وثاقته

المطلب الأول: فيما يُستفاد من عبائر الرجاليين

اشارة

اختلف علماؤنا في وثاقة (الحسين بن علوان) وعدمها على قولين:

1. الوثاقة.

2. عدم ثبوتها.

والذي يهمنا هو التعرض إلى أدلة الوثاقة أو ما يصلح لإثباتها، مع المناقشة والتحقيق.

فالكلام إذاً يقع الآن في أدلة الوثاقة المستفادة من عبائر الرجاليين المتقدمة.

أدلة الوثاقة
اشارة

ذهب جماعة من علمائنا الأعلام إلى وثاقته، منهم السيد الخوئي (قدس سره)، وتبعه بعض تلامذته كشيخنا الأستاذ الإيرواني (دامت برکاته) (1).

وقد استندا في ذلك إلى عبارة النجاشي المتقدمة، وسنذكرها فيما يلي ضمن أدلة الوثاقة مع المناقشات.

الدليل الأول

استظهر السيد الخوئي (قدس سره) من قول النجاشي (ثقة) رجوعه إلى الحسين لا إلى الحسن، خلافاً للبعض حيث استظهر رجوعه إلى الحسن، واعتمد في هذا الاستظهار على قرينتين مهمتين، وقبل بيانهما لابد من نقل عبارته بالكامل ليتسنى لنا استيضاح القرينتين، فقد قال (قدس سره) في ترجمة (الحسن بن علوان) ما نصه: (2929- الحسن بن علوان: قال النجاشي: "الحسين بن علوان الكلبي، مولاهم، كوفي، عامي، وأخوه

ص: 160


1- ذكر ذلك في مجلس الدرس عند البحث في المسألة 407 من مناسك الحج للسيد الخوئي (قدس سره) بتاريخ 11 ربيع الاول 1435 هجري.

الحسن يكنى أبا محمد ثقة رويا عن أبي عبد الله (علیه السلام)، وليس للحسن كتاب والحسن أخص بنا وأولى روى الحسين عن الأعمش، وهشام بن عروة، وللحسين كتاب تختلف رواياته. أخبرنا إجازة محمد بن علي القزويني قدم علينا سنة أربعمائة، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري عن هارون بن مسلم، عنه به" (انتهى).

وما ذكره ظاهر في أن الحسن كان أيضاً عامياً، واستفاد بعضهم: أن التوثيق في كلامه راجع إلى الحسن، ولكنه فاسد، بل التوثيق راجع إلى الحسين، فإنّه المترجّم وجملة (وأخوه الحسن يكنى أبا محمد) جملة معترضة، وقد تكرر ذلك في كلام النجاشي في عدة موارد، منها ما في ترجمة محمد بن أحمد بن عبد الله أبي الثلج.

نعم يستفاد توثيق الحسن من قوله: (والحسن أخص بنا وأولى)، ووثقه ابن عقدة أيضاً، ذكره العلامة في ترجمة الحسين بن علوان في القسم الثاني، ولكن طريقه إلى ابن عقدة مجهول، فلا يمكن الاعتماد عليه. ويأتي عن الشيخ بعنوان الحسن بن علي الكلبي)(1).

والقرينتان هما:

الأولى: إن المناسب هو رجوع التوثيق إلى الحسين، لأنه المُترجَم له، فالنجاشي بصدد الحديث عنه وعن خصوصياته، وليس من المناسب إرجاع التوثيق إلى الحسن، لأنه إنما ذكر الحسن استطراداً.

هذا أقصى ما يمكن أن يقال في توضيح هذه القرينة.

ص: 161


1- معجم رجال الحديث: 5/ 376.

وفيه:

أولاً: لو سلّمنا استظهار السيد الخوئي (قدس سره) لكان من المناسب جداً أن يكون قوله: (يكنى أبا محمد) راجعاً إلى الحسين أيضاً، لنفس النكتة، فيقال: حيث إن الحسين هو المُترجَم له فينبغي إرجاع كل ما يذكر من خصوصيات إليه، ومنها الكنية المذكورة، ولم يوضح (قدس سره) الفرق بين الأمرين.

ثانياً: لو كان التوثيق راجعاً إلى الحسين لكان المناسب له أيضاً أن يذكره قبل ذكر الجملة المعترضة، أو بعدها مع تكرار اسم المُترجَم له، كما صنع ذلك كثيراً في كتابه، وإليك بعض الشواهد:

منها: ما ذكره في ترجمة يحيى بن الحجاج الكرخي:

(1204 - يحيى بن الحجاج الكرخي، بغدادي، ثقة، وأخوه خالد. روى عن أبي عبد الله (علیه السلام))(1).

ومنها: ما ذكره في ترجمة هارون بن خارجة: (1176 - هارون بن خارجة، كوفي، ثقة، وأخوه مراد. روى عن أبي عبد الله (علیه السلام))(2).

ومنها: ما ذكره في ترجمة مرازم بن حكيم: (1138 - مرازم بن حكيم الأزدي المدائني، مولى، ثقة، وأخواه محمد بن حكيم، وحديد بن حكيم)(3).

ومنها: ما ذكره في ترجمة علي بن النعمان: (719 - علي بن النعمان الأعلم النخعي، أبو الحسن، مولاهم، كوفي، روى عن الرضا (علیه السلام)، وأخوه داود أعلا منه،

ص: 162


1- رجال النجاشي: 445.
2- المصدر السابق: 437.
3- المصدر السابق: 424.

وابنه الحسن بن علي وابنه أحمد رويا الحديث وكان علي ثقةً، وجهاً، ثبتاً، صحيحاً، واضح الطريقة)(1).

ومنها: ما ذكره في ترجمة محمد بن جعفر: (318 - جعفر بن محمد بن جعفر بن موسى بن قولويه أبو القاسم، وكان أبوه يلقب مسلمة من خيار أصحاب سعد، وكان أبو القاسم من ثقات أصحابنا وأجلائهم في الحديث والفقه)(2).

إلى غيرها من الشواهد الكثيرة.

وعلى هذا الأساس يكون التوثيق المذكور في ترجمة الحسين بن علوان محتملاً للأمرين، ورجوعه إلى الحسين لكونه المُترجَم له ليس بأولى من رجوعه إلى الحسن لكونه الأقرب إليه بحسب مقتضيات اللغة، كما لا يخفى.

ثالثاً: هناك قرائن تقوِّي احتمال رجوع التوثيق إلى الحسن، منها:

أ. ذكر النجاشي في عبارته (والحسن أخص بنا وأولى) وهو يشير بذلك إلى أقربية الحسن إلى مذهبنا من أخيه الحسين، فهذا يعني أن في كلام النجاشي عناية زائدة في ذكر الحسن ولم يذكره كجملة عابرة، بل يريد إعطاءه مقداراً من الترجمة، وهذا مما يقوِّي احتمال رجوع التوثيق إلى الحسن، ولا أقل من إجماله.

ب. إنّ الحسن ليس له كتاب كما صرّح بذلك النجاشي، وهذا يعني أن النجاشي لا يترجم له في كتابه، فناسب ذلك أن يذكره – استطراداً - في هذا الموضع، حتى لا يغمطه حقه، فيذكر ما قيل فيه من توثيق أو تضعيف أو نحو ذلك.

ج. إنّ قوله (يكنى أبا محمد) راجع إلى الحسن، لأن كنية الحسين أبو علي كما تقدّم في ترجمته، ومعه يمكن إرجاع التوثيق أيضاً إلى الحسن، لأنه الأقرب، ولأنّ القرينة التي اعتمدها السيد الخوئي (قدس سره) ستضعف بإرجاع الكنية إلى الحسن.

ص: 163


1- المصدر السابق: 274.
2- المصدر السابق: 123.

هذه القرائن إن صلحت لاستظهار رجوع التوثيق إلى الحسن فهو، وإلاّ فهي توجب إجماله وتردده.

الثانية: ذكر السيد الخوئي (قدس سره) أن النجاشي قد تكرّر منه أن يذكر أثناء الترجمة جملاً اعتراضية ثم يذكر بعدها توثيقاً أو وصفاً أو نحو ذلك يرجع إلى المُترجَم له، وقد استشهد لذلك بما ورد في ترجمة محمد بن أحمد بن عبد الله بن أبي الثلج. ولا بدّ أولاً من ملاحظة ما ذكره النجاشي في ترجمة الراوي المذكور، ثم نلاحظ مدى تمامية الاستظهار الذي ذكره (قدس سره) .

قال النجاشي في ترجمة محمد بن أحمد ما نصه: (1037- محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل الكاتب أبو بكر، يعرف بابن أبي الثلج، وأبو الثلج هو عبد الله بن إسماعيل، ثقة، عين، كثير الحديث)(1).

وقد استظهر السيد الخوئي (قدس سره) رجوع التوثيق إلى المُترجَم له، لا إلى أبي الثلج، ولكي تتم القرينة المذكورة كما استظهرها السيد الخوئي (قدس سره) ينبغي أن نقول: إن رجوع التوثيق في هذه العبارة إلى المُترجَم له شيء واضح لا خلاف فيه.

وفيه:

أولاً: إننا لا نسلّم هذا الظهور، وننقل الكلام السابق في ترجمة الحسين بن علوان إلى هنا، ونقول: إن رجوع قوله: (ثقة، عين، كثير الحديث) إلى المُترجَم له أول الكلام، إذ لعلّه راجع إلى أبي الثلج (عبد الله بن إسماعيل)، فرجوعه إلى المُترجَم له يحتاج إلى قرينة، ومع عدمها يبقى الأمر مجملاً.

ثانياً: يمكن أن ندّعي وجود فارق بين الموردين، إذ في المقيس عليه (الشاهد) لم يكن قوله: (وأبو الثلج هو عبد الله بن إسماعيل) جملة اعتراضية مستقلة تمام

ص: 164


1- المصدر السابق: 381.

الاستقلال عن الكلام السابق عليها، إذ قال بعد ذكر محمد بن أحمد: (يعرف بابن أبي الثلج)، فناسب أن يذكر اسم أبي الثلج، لأنه يشكل جزءاً من التعريف بشخصية المُترجَم له، فكأن الكلام واحد لم تتخلّله جملة اعتراضية، فناسب رجوع التوثيق إلى المُترجَم له، بخلافه في المقيس (مورد البحث)، فإنَّ الجملة المعترضة كانت مستقلة، والحديث فيها عن الحسن وأنّه يكنى أبا محمد، ولم تكن جزءاً من ترجمة الحسين.

ثالثاً: إنْ قال السيد الخوئي: (قدس سره) إنّ رجوع التوثيق في هذا الشاهد إلى المُترجَم له شيء واضح لقرينة خارجية، وهي وضوح أمر المُترجَم له ووضوح وثاقته بما لا يقبل الشك، فيمتنع – معه – رجوع التوثيق إلى أبي الثلج.

قلنا: إذا تم هذا فليتم في مقامنا، حيث يمكن القول إنّ التوثيق يرجع إلى الحسن لقرينة خارجية أيضاً، وهي معروفيّة الحسن عند أصحابنا وأقربيته إلينا من أخيه كما ذكر ذلك النجاشي - في عبارته المتقدّمة- والعلاّمة نقلاً عن ابن عقدة.

وبعد هذا نقول: إن تمت هذه المناقشات في تضعيف استظهار السيد الخوئي (قدس سره) فبها، وإلاّ فإننا سنذكر شاهدين اثنين معاكسين للشاهد الذي ذكره (قدس سره)، نحاول من خلالهما إثبات أن النجاشي أحياناً يذكر جملاً اعتراضية، ويذكر بعدها كلاماً يعود إلى نفس الجملة الاعتراضية، ومعه تصبح تعابيره من هذا القبيل مجملة مرددة لا يستظهر منها رجوع الكلام إلى المُترجَم له، كما استظهر ذلك السيد الخوئي (قدس سره) .

والشاهدان هما:

الشاهد الأول: ما جاء في ترجمة الحسن بن علي بن النعمان، حيث قال ما نصّه: (81 - الحسن بن علي بن النعمان، مولى بني هاشم، أبوه علي بن النعمان الأعلم ثقة ثبت، له كتاب نوادر صحيح الحديث كثير الفوائد أخبرني ابن نوح عن البزوفري،

ص: 165

قال: حدثنا أحمد بن إدريس عن الصفار عنه بكتابه)(1).

فإنَّ قوله: (ثقة ثبت) كما يحتمل رجوعه إلى الحسن بن علي المُترجَم له يحتمل أيضاً رجوعه إلى الأب علي بن النعمان، ولكن يمكن أن نستظهر رجوعه إلى الأب علي بن النعمان من خلال قرينتين:

الأولى: إنّ قوله: (الحسن بن علي بن النعمان، مولى بني هاشم، أبوه علي بن النعمان الأعلم، ثقة ثبت) يمكن أن يستظهر منه رجوع التوثيق إلى الأب، لأنّ قوله: (أبوه علي بن النعمان) شروع في وصفه وتوثيقه، لا مجرد ذكر اسمه، لأنه قد ذكر الاسم في أول العبارة عند قوله: (الحسن بن علي بن النعمان)، فلا معنى لتكراره، إلا أن يكون التكرار لغرض الوصف والتوثيق، كما هو كذلك.

الثانية: إن النجاشي قال في ترجمة علي بن النعمان ما نصّه:

(719 - علي بن النعمان الأعلم النخعي، أبو الحسن، مولاهم، كوفي، روى عن الرضا (علیه السلام)، وأخوه داود أعلا منه، وابنه الحسن بن علي وابنه أحمد رويا الحديث، وكان علي ثقةً، وجهاً، ثبتاً، صحيحاً، واضح الطريقة، له كتاب يرويه جماعة، أخبرنا علي بن أحمد بن محمد، قال: حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار وعبد الله بن جعفر وسعد، قالوا: حدثنا ابن أبي الخطاب، عن علي بن النعمان بكتابه)(2).

فإنّ قوله: (ثقةً وجهاً ثبتاً) يمكن أن يستظهر منه كون التعبير السابق في ترجمة الابن راجعاً إلى الأب، لأنه نفس التعبير والوصف.

الشاهد الثاني: ما جاء في ترجمة محمد بن جعفر بن محمد، حيث قال ما نصّه:

ص: 166


1- المصدر السابق: 40.
2- المصدر السابق: 274.

(1020- محمد بن جعفر بن محمد بن عون الأسدي، أبو الحسين الكوفي، ساكن الري. يقال له محمد بن أبي عبد الله، كان ثقة، صحيح الحديث، إلا أنه روى عن الضعفاء، وكان يقول بالجبر والتشبيه – وكان أبوه وجهاً، روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى - له كتاب الجبر والاستطاعة. أخبرنا أبو العباس بن نوح، قال: حدثنا الحسن ابن حمزة، قال: حدثنا محمد بن جعفر الأسدي بجميع كتبه، قال: ومات أبو الحسين محمد بن جعفر ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة. وقال ابن نوح: حدثنا أبو الحسن بن داود، قال: حدثنا أحمد بن حمدان القزويني عنه بجميع كتبه)(1).

وموضع الشاهد قوله: (وكان يقول بالجبر والتشبيه وكان أبوه وجهاً روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى له كتاب الجبر والاستطاعة...).

فإنّ قوله: (وكان أبوه وجهاً روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى) جملة معترضة، وبحسب استظهار السيد الخوئي (قدس سره) ينبغي إرجاع قوله: (روى عنه أحمد...) إلى محمد بن جعفر، لأنه المُترجَم له، إلاّ أنّه من البعيد أن يروي أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن جعفر، لكونه أعلى منه وأسبق، كما يظهر ذلك جلياً للمتتبع، فإنّ أحمد ابن محمد قد لقي الإمام الرضا (علیه السلام)، ومن المعلوم أن الإمام قد استشهد عام203 هجرية، بينما محمد بن جعفر مات عام 312 هجرية، ولم يُذكر أنه كان معمّراً، وبهذا يتضح الفارق الطبقي بين الشخصيتين، ومعه يُستبعد أن يروي ابن عيسى عن محمد بن جعفر، فيتعيّن رجوع قوله: (روى عنه) إلى الأب جعفر بن محمد، وليس إلى الابن.

وبناءً على ما تقدّم تكون عبارة النجاشي مع إبراز مرجع الضمائر هكذا: (وكان – محمد بن جعفر- يقول بالجبر والتشبيه، وكان أبوه – جعفر بن محمد – وجهاً روى

ص: 167


1- المصدر السابق: 373.

عنه – أي عن جعفر بن محمد – أحمد بن محمد بن عيسى، له – أي محمد بن جعفر – كتاب الجبر والاستطاعة).

والضمير في قوله (له كتاب الجبر والاستطاعة) يرجع إلى الابن (محمد بن جعفر)، لأنه هو من يعتقد بالجبر والتشبيه، كما في العبارة المتقدمة.

وأنت تلاحظ كيف يداخل النجاشي بين الكلام الواحد، ويُرجع الضمائر في السياق الواحد إلى مراجع متعددة، ومعه كيف يتم الاستظهار الذي تبناه السيد الخوئي (قدس سره) من أن الظاهر رجوع كل ما يُذكر من خصوصيات إلى المُترجَم له؟

والحاصل: إن لم يحصل الاطمئنان برجوع التوثيق إلى الحسن، فلا أقل من إجماله وتردده بين الأمرين.

الدليل الثاني

ما يستفاد من كلام الكشي (رحمة الله):

قد يقال: يمكن الاستدلال على وثاقته من خلال جملتين وردتا في عبارة الكشي المتقدّمة، هما:

1. قوله بعد ذكر أسمائهم – ومنهم الحسين–: (إلاّ أن لهم ميلاً ومحبةً شديدة).

2. قوله: (وقد قيل: إن الكلبي كان مستوراً ولم يكن مخالفاً).

ولكنه يقال: أما العبارة الأولى فهي وإن أفادت المدح، ولكنها لا تدل على الوثاقة في نقل الرواية، وأما الثانية فكونه من الخاصة لا يصيّره ثقةً.

نعم، هاتان العبارتان تسلّطان الأضواء على عبارة النجاشي المتقدّمة، حيث قال: (والحسن أخصّ بنا وأولى)، فإنه مع ضمّها إلى كلام الكشي (رحمة الله) يتضح أن الحسين بن علوان كانت له خصوصية بنا وميل نحونا، إلاّ أن أخاه الحسن كانت له خصوصية أكثر.

الدليل الثالث

ما نقله العلاّمة عن ابن عقدة: (قال ابن عقدة: إن الحسن كان أوثق من أخيه وأحمد عند أصحابنا).

ص: 168

وابن عقدة هو أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن زياد بن عبد الله بن زياد بن عجلان، مولى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس السبيعي الهمداني، رجل جليل من أصحاب الحديث، مشهور بالحفظ، والحكايات تختلف عنه في الحفظ وعظمه، وكان كوفياً زيدياً جارودياً على ذلك حتى مات، وذكره أصحابنا لاختلاطه بهم ومداخلته إيّاهم، وعظم محلّه، وثقته، وأمانته. له كتب، منها:... كتاب الرجال، وهو كتاب مَن روى عن جعفر بن محمد (علیه السلام) ...)(1).

وعبارته: (والحسن أوثق من أخيه) تدل على وثاقة الحسين أيضاً، ولكن الحسن أوثق منه، ومعه يتم المطلوب.

قد يقال: إن (أوثق) لا تدل على وثاقة الحسين، لأنه لا يراد به التفضيل، لأن الصيغة المذكورة قد تستعمل في غير التفضيل.

ولكن يقال: الظاهر إرادة التفضيل، واستعمال الصيغة في غير ذلك يحتاج إلى قرينة، وهي مفقودة، بل القرينة على إرادة التفضيل موجودة، وهي عبارة النجاشي المتقدمة.

هذا، ولكن الإشكال يبقى في صحة العبارة المنقولة عنه، إذ العلاّمة لم يذكر طريقه إلى كتاب ابن عقدة، فلا يُعلم كيف وصلت العبارة المذكورة إلى العلاّمة، هل وصل إليه كتاب ابن عقدة ؟ أو وصلت إليه عن طريق أساتذته؟ أو غير ذلك.

قد يقال: إن المتتبع يجد أن العلاّمة عندما ينقل عن ابن عقدة ينقل بصيغة: (قال ابن عقدة)، مما يوحي بوصول كتابه إليه.

ولكن نقول: إنه مجرد ظن، ومعه لا نطمئن بالتوثيق.

ص: 169


1- المصدر السابق: 94، بتصرُّف.

المطلب الثاني: فيما يُستفاد من التوثيقات العامة، مع مناقشتها

الأول: وقوعه في أسناد تفسير القمّي
اشارة

وقع الحسين بن علوان في أسناد التفسير المذكور في أكثر من موضع، نذكر فيما يلي موضعين:

الموضع الأول

قال القمي (رحمة الله): (أخبرنا الحسن بن علي عن أبيه عن الحسن بن سعيد عن الحسين بن علوان الكلبي عن علي بن الحسين العبدي عن أبي هارون العبدي عن ربيعة السعدي عن حذيفة بن اليمان: أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أرسل إلى بلال فأمره فنادى بالصلاة قبل وقت كل يوم في رجب لثلاث عشر خلت منه...)(1).

الموضع الثاني

وقال في موضع آخر: (وعنه – محمد بن همام – عن جعفر، قال: حدثني أحمد بن محمد بن أحمد المدائني، قال: حدثني هارون بن مسلم عن الحسين ابن علوان عن علي بن عزاب عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ومن ﴿يعرض عن ذكر ربه﴾ قال: ذكرُ ربه ولاية علي بن أبي طالب...) (2).

ومع وقوع الحسين في أسناد التفسير تثبت وثاقته، بناءً على تمامية كبرى وثاقة كل من وقع في أسناد التفسير المذكور، كما هو مبنى السيد الخوئي (قدس سره) .

الثاني: إكثار الأجلاء الرواية عنه
اشارة

وتقريب هذا الدليل على الوثاقة يتوقف على تمامية مقدمتين: إحداهما كبرى والأخرى صغرى:

أما الكبرى: وهي إثبات أصل الكبرى، وهل رواية الأجلاء عن شخص كثيراً تدل على الوثاقة؟

ص: 170


1- تفسير القمي: 2/ 346.
2- المصدر السابق: 390.

وأما الصغرى: وهي إثبات رواية الأجلاء عنه كثيراً.

إذاً يقع الكلام في تحقيق هاتين المقدمتين:

تحقيق الكبرى

في البدء لابد من الالتفات إلى قضيتين مهمتين:

القضية الأولى: إنّ المراد من الكبرى المذكورة: هو أن يكثر الإجلاء الرواية عن الشخص، وليس المراد مجرد روايتهم عنه، فإننا لا نمنع أن يروي الثقة الجليل عن الضعيف قليلاً، ومعه فالمدعى أن الأجلاء لا يكثرون الرواية إلا عن ثقة.

القضية الثانية: إنّ إكثار الأجلاء الرواية عن شخص له صورتان، الأولى: أن يروي عدد كبير من الأجلاء عن شخص ولو نادراً، فالمهم أن يكثر عدد الرواة عنه، لا أن تكثر روايتهم عنه، فالكثرة – بناءً على هذا الأساس – وصف لهم لا للرواية، والثانية: أن يكثر عدد من الأجلاء – ولو كانوا قليلين - الرواية عنه، فالكثرة وصف للرواية لا للأجلاء، وهذا هو محل الكلام.

وقد اختلف الأعلام في ثبوت هذه الكبرى وعدمها على قولين هما:

1. عدم ثبوتها, فذهب جمع من الأعلام إلى عدم تمامية هذه الكبرى، وأنها لا تدل على الوثاقة، منهم السيد الخوئي (قدس سره) كما صرّح بذلك في مواضع من المعجم(1).

2. ثبوتها, وقد ذهب إلى هذا القول جماعة منهم المحدِّث النوري

(قدس سره) في خاتمة المستدرك(2)،

والميرزا جواد التبريزي (قدس سره) (3)، وغيرهما.

وما يمكن أن يستدل به على تمامية هذه الكبرى ثلاثة أمور:

ص: 171


1- راجع المعجم: 8/ 289، و 9/213، و 10/ 59، وغيرها.
2- راجع خاتمة المستدرك: 7/ 98.
3- راجع تنقيح مباني العروة(كتاب الطهارة): 3/ 51.

الأمر الأول: ما استدل به الميرزا التبريزي (قدس سره) حيث قال ما نصّه: (إن مع رواية الأجلاء عن شخص كثيراً، وكثرة روايته عن الرجال يوجب كون الشخص من المعاريف، وبما أنه لم ينقل في حقه ضعف يكون ذلك كاشفاً عن حسن ظاهره المحكوم معه بالعدالة والثقة، لجريان العادة أنه لو كان في المعروف عيب يذكر في لسان البعض، وعدم ذكر التوثيق الخاص في كلمات مثل النجاشي فلأنهم تعرضوا لذكر التوثيق فيمن وصل فيه التوثيق الخاص من سلفهم)(1).

ودليله مركب من مقدمتين وتعليل.

المقدمة الأولى: كثرة رواية الأجلاء عن شخص، وكثرة روايته عن الرجال، توجب معروفيته.

المقدمة الثانية: بما أنه لم يضعف فذلك يكشف عن وثاقته.

وعلَّل ذلك بأنَّ العادة قد جرت على أن المعروف لو كان فيه عيب لذكر ذلك في لسان الرجاليين.

هذا حاصل كلامه (قدس سره) .

والتعليل الذي ذكره يمكننا أن نزيده توضيحاً وبياناً فنقول: إن هناك ارتكازات اجتماعية عرفية عقلائية حاصلها: أن الأشخاص المعروفين تتوجه إليهم الأنظار، ويُتتبعون من قبل النقّاد ومَن يهمهم الأمر، فيفتشون عن عيوبهم وعثراتهم وزلاتهم، فإن وجدوا شيئاً من ذلك سارعوا إلى نشره، وبادروا لإظهاره، وعليه فإذا كان الشخص معروفاً ولم ينقل عن أحدٍ القدح فيه كشف ذلك عن عدم عثورهم عمّا يوجب القدح، لاسيّما إذا كان ذلك الشخص راوياً للحديث، فإن الدواعي الموجبة لإظهار ذمِّه وقدحه كثيرة، منها: منع الرواة من الأخذ عنه، ومنها: منع الفقهاء من

ص: 172


1- المصدر السابق: 3/ 51.

العمل برواياته، إلى غيرها من الدواعي التي توجب على النقّاد والمتتبّعين نشر مثل هذا القدح الذي تترتب عليه جملة من الآثار المهمة.

وهذه الارتكازات الاجتماعية العرفية لا تحتاج إلى دليل، لوضوحها وبداهتها.

إن قلت: إذا كان الشخص معروفاً فكما أن الدواعي تتوفر على تتبع زلاّته وعيوبه ونقلها كذلك الدواعي متوفرة على نقل مدحه ووثاقته، لما يترتب على ذلك من الآثار المهمة، فلِمَ لم يصّرح النجاشي وأمثاله بوثاقته ومدحه مع معروفيته حسب الفرض، ألا يدل ذلك على عدم وضوح وثاقته؟

قلت: يمكن أن نجيب بجوابين:

الجواب الأول: إنّ الملازمة التي ندّعيها بين معروفية الشخص غير المقدوح فيه ووثاقته ليست ثابتة في حالة معروفية الشخص ولزوم التصريح بالوثاقة، أي أنه إذا كان الشخص معروفاً بأنّه لم يُذم فلا يلزم التصريح بوثاقته، إنّ مثل هكذا ملازمة ليست واضحة، لأنّ المعروفية ووضوح الوثاقة – أحياناً- يجعلان النقّاد يعرضون عن التصريح بالوثاقة، لأنّه من تحصيل الحاصل مثلاً، ومعه فلا يكون عدم تصريح الطوسي والنجاشي وأمثالهما بالوثاقة كاشفاً عن عدمها، لاحتمال التعويل في ذلك على الوضوح والمعروفية.

الجواب الثاني: ما ذكره الميرزا (قدس سره) من أنّ النجاشي وأمثاله يلتزم بذكر ونقل ما وصل إليه من طريق أساتذته من التوثيق والتضعيف ونحو ذلك، ويمكن أن نذكر لما ذكره الميرزا شاهداً من كلام النجاشي، حيث ذكر في بداية الجزء الثاني ما نصه: (الجزء الثاني من كتاب فهرست أسماء مصنفي الشيعة وما أدركنا من مصنفاتهم وذكر طرف من كناهم وألقابهم ومنازلهم وأنسابهم وما قيل في كل رجل منهم من مدح

ص: 173

أو ذم)(1).

ومحلُّ الشاهد قوله: (وما قيل في كلٍّ رجل منهم...) فإنّه ظاهر في التزامه بذكر ما ينقله إليه أساتذته أو أصحاب الرجال، فما لم ينقلوا شيئاً لا ينقله.

وينبغي لفت النظر إلى قضية مهمة، وهي: أنه بناءً على هذا الدليل في تقريب تمامية الكبرى المذكورة يلزم أن نقتصر – في تماميتها - على أن إكثار الأجلاء الرواية عن شخص يكشف عن وثاقته ولكن شريطة أن لا يكون قد ضُعّف، ومعه لا يمكن التمسك بهذه الكبرى لإثبات وثاقة أمثال محمد بن سنان، وعلي بن أبي حمزة البطائني، وأمثالهما.

هذا كله بلحاظ الأمر الأول لإثبات هذه الكبرى.

الأمر الثاني: قيام السيرة بين الرواة على أن الأجلاء لا يكثرون من الرواية إلاّ عن ثقة، ولا يكثرون عن ضعيف، ولهذه السيرة منبّهات عدّة، نذكر بعضاً منها:

المنبّه الأول: أنّ الرواية عن ضعيف تشكل جهة قدح في الراوي، ولا سيما مع الإكثار من ذلك، واليك بعض الشواهد:

الشاهد الأول: ما ذكره النجاشي في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى:

(... كان ثقة في الحديث، إلاّ أنّ أصحابنا قالوا: كان يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل...)(2).

الشاهد الثاني: ما ذكره في ترجمة محمد بن حسّان الرازي:

(محمد بن حسّان الرازي أبو عبد الله الزينبي، يعرف وينكر بين بين، يروي عن الضعفاء كثيراً)(3).

ص: 174


1- رجال النجاشي: 211.
2- المصدر السابق: 348.
3- المصدر السابق: 338.

الشاهد الثالث: ما ذكره في ترجمة محمد بن جعفر بن محمد:

(... كان ثقة، صحيح الحديث، إلاّ أنه روى عن الضعفاء)(1).

الشاهد الرابع: قال في ترجمة نصر بن مزاحم:

(... مستقيم الطريقة صالح الأمر غير أنه يروي عن الضعفاء)(2).

فهذه الشواهد تفيد أن الرواية عن الضعفاء كانت على خلاف الطريقة المعروفة والسائدة بين الرواة الأجلاء، إذ المعروف عندهم هو الرواية عن الثقة والإكثار عنه، ولو كانت الرواية عن الضعيف كثيراً أمراً سائغاً معروفاً بينهم وعلى وفق الطريقة السائدة، لما نبّه النجاشي على ذلك، ولما تعجب من رواية أستاذيه أبي علي بن همام وأبي غالب الزراري عن جعفر بن محمد بن مالك، حيث قال: (313 - جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور، مولى أسماء ابن خارجة بن حصن الفزاري، كوفي، أبو عبد الله، كان ضعيفاً في الحديث، قال أحمد بن الحسين: كان يضع الحديث وضعاً ويروي عن المجاهيل، وسمعت من قال: كان أيضاً فاسد المذهب والرواية، ولا أدري كيف روى عنه شيخنا النبيل الثقة أبوعلي بن همام، وشيخنا الجليل الثقة أبو غالب الزُّراري رحمهما الله)(3).

المنبّه الثاني: سيرة القميِّين في التعامل مع الرواة الثقات الذين يروون عن الضعاف، فقد ورد أن أحمد بن محمد بن عيسى أبعد أحمد بن محمد بن خالد البرقي عن قم، لروايته عن الضعاف(4).

ونقل النجاشي عن الكشِّي قوله روايةً عن نصر بن الصباح: (ما كان أحمد بن

ص: 175


1- رجال النجاشي: 373.
2- المصدر السابق: 427.
3- المصدر السابق: 122.
4- رجال ابن الغضائري: 39.

محمد بن عيسى يروي عن ابن محبوب، من أجل أن أصحابنا يتَّهمون ابن محبوب في أبي حمزة الثمالي)(1).

والظاهر أنه ابن أبي حمزة البطائني، وقد وقع سهو من الناسخ.

إلى غيرها من الشواهد والمنبّهات التي يلحظها المتتبّع في كتب الرجال، فإنّه يجد أن سيرتهم قائمة على أن الإكثار لا يكون إلاّ عن ثقة.

إن قلت: لقد ثبتت رواية الأجلاء كثيراً عمّن ضعّف، كإكثارهم للرواية عن سهل ابن زياد، ومحمد بن سنان، وعلي بن أبي حمزة البطائني، وغيرهم، فكيف يكون الإكثار المذكور كاشفاً عن الوثاقة؟!.

قلت: إن روايتهم عنه تكشف عن وثاقته، ولعل جهة التضعيف لا ترجع إلى وثاقته في الرواية، إذ لعلها ترجع إلى جهات أخرى، كالعقيدة مثلاً، بحيث لا تصطدم مع وثاقته في نقل الرواية، أو لعل الرواة المذكورين كانوا في نظر الأجلة ثقات، ولهذا أكثروا عنهم الرواية، ومعه يكون الإكثار المذكور كاشفاً عن وجود خللٍ في التضعيف.

إن قلت: هذه السيرة تحتاج إلى إمضاء لتثبت حجيتها.

قلت: ليس الأمر كذلك، فإن الإجماع والسيرة في باب الرجال والتوثيقات تدخل في قسم الشهادات، وأنها شهادة بالوثاقة، فلا تحتاج إلى إمضاء.

هذا، ولكن أشكل بعض الأعلام المعاصرين(2)

على تمامية هذه السيرة بثلاثة إشكالات، نذكرها فيما يلي مع المناقشة:

الإشكال الأول: إذا كنّا نعلم أن هؤلاء الأجلاء لا يروون إلا عن ثقة فرواية واحد منهم كافية في التوثيق بلا حاجة إلى الإكثار والتعدّد، ويكون الحال فيهم كالحال

ص: 176


1- رجال النجاشي: 82.
2- أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 2/ 310.

في المشايخ الثلاثة الذين عُرفوا أنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة(1).

وفيه: أننا لا ندعي أن الثقة الجليل لا يروي عن الضعيف أصلاً، ولو لمرّةٍ أو مرتين مثلاً، وإنما ندعي أن الإكثار عنه خلاف السيرة المتعارفة بينهم، فالمدار على الكثرة وعدمها، لا مطلق الرواية عنه.

وبهذا يتضح الفرق بين إكثار الأجلاء الرواية عن شخص، ورواية المشايخ الثلاثة عنه، فإن الثلاثة قد عُرفوا أنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة، ومقتضى إطلاق التعبير المذكور: أنهم لا يروون عن الضعيف مطلقاً حتى لمرة واحدة، بينما في رواية الأجلاء لا ندّعي أنهم لا يروون إلا عن ثقة، وإنما ندّعي أنهم لا يكثرون إلا عن ثقة.

الإشكال الثاني: أنّ رواية الأجلاء عن شخص وإن أشعرت بالمدح إلا أنّه لا يكفي للحكم بالوثاقة، وذلك لأن رواية الأجلاء عن شخص قد تكون من جهات متعددة، كأن يكون له أصل مشهور، فهم يروون عن أصله أو أنَّ لهم طرقاً أخرى وهم يروون عنها، أو أن روايتهم عنه ليست للعمل بل لمجرد الرواية، وبناءً على ذلك فلا دليل على أن رواية الأجلاء عن شخص تقتضي توثيقه(2).

وبعبارة مختصرة: إن روايتهم عنه لا تكشف عن ثبوت وثاقته لديهم، إذ لعلهم قد حصل لديهم وثوق برواياته لقرائن لا ترتبط بوثاقته.

وفيه: أنه قد اتضح من خلال الشواهد المتقدمة أنه كان يُعاب على الثقة الجليل روايته عن الضعيف، على الأقل في صورة الكثرة، بل أحياناً يتركون الرواية عن الثقة غير المتحرِّز عن الضعفاء، كما حدث مع أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمّي، عندما أخرج من قم أحمد بن محمد بن خالد البرقي، لروايته عن الضعفاء، وهكذا يتعجب ويستغرب النجاشي من رواية اثنين من مشايخه الأجلاء عن بعض الضعاف،

ص: 177


1- المصدر السابق: 2/ 310.
2- المصدر السابق.

إلى غيرها من الشواهد التي تكشف عن هذه القضية وهي: أنّه كان يُعاب على الثقة الجليل الرواية عن الضعيف.

الإشكال الثالث: أنّه قد ثبتت رواية الأجلاء عن الضعيف، فقد روى جمع من الأجلاء كعبد الله بن بكير، وجميل بن دُرّاج، وحمّاد، وابن سنان، وصفوان، وجعفر بن بشير، عن صالح بن الحكم النيلي الذي ضعّفه النجاشي، فقد قال في حقه: (533 - صالح بن الحكم النيلي الأحول، ضعيف، روى عن أبي عبد الله (علیه السلام)، روى عنه ابن بكير، وجميل بن درَّاج، له كتاب، يرويه عنه جماعة، منهم بشر بن سلام. أخبرنا أحمد بن علي بن نوح، قال: حدثنا محمد بن علي بن تمام، قال: حدثنا علي بن محمد الجرجاني، قال: حدثنا أبي ويحيى بن زكريا اللؤلؤي عن بشر بن سلام، عن صالح النيلي)(1).

وفيه:

أولاً: - مناقشة صغروية - نقول: إن النجاشي ذكر أن هؤلاء قد رووا عنه، ولكنه لم يذكر أنهم قد أكثروا الرواية عنه، نعم من خلال التتبع يتضح أن الأجلاء قد رووا عنه، ولكن لم يتضح أنهم قد رووا عنه كثيراً، وهو شيء لا مانع منه، وإنما المدعى عدم إكثار الأجلاء عن الضعيف.

ثانياً: - مناقشة كبروية - نقول: لا يصلح هذا الشاهد للنقض على أصل الدعوى، إذ المناسب في النقض أن يكون الراوي الذي أكثر عنه الأجلاء الرواية معلوم الضعف عندهم، فهم يتفقون على ضعفه ومع ذلك أكثروا عنه الرواية، نعم هكذا يصح النقض، ولا يصح النقض بما ذُكر، لعدم وضوح ضعف الراوي المذكور عند هؤلاء الأجلاء، إذ لعلهم كانوا يرون وثاقته، ولأجل ذلك أكثروا عنه الرواية - لو سلمنا

ص: 178


1- رجال النجاشي: 200.

تحقق الإكثار - ومما يساعد على هذا الاحتمال أن من الأجلاء المذكورين صفوان، وهو ممن عرف بعدم روايته إلا عن ثقة، ومما يؤيده أيضاً وقوع الراوي المذكور في أسناد كامل الزيارات، ولعل هناك غيرها من المؤيدات التي تقوّي احتمال وثاقته عند هؤلاء الأجلاء.

إن قلت: يمكن تتميم الإشكال المذكور بما يلي: أنَّ هذه الكبرى (إكثار الأجلاء الرواية عن شخص يفيد التوثيق) لو كانت تامة لاعتمدها النجاشي نفسه ووثّق من خلالها صالح النيلي، ولكنه عمد إلى تضعيفه مع علمه برواية الأجلاء عنه كثيراً - حسب الفرض-، فتضعيفه إذاً يكشف عن عدم تماميتها عنده.

قلت: تقدم سابقاً أن النجاشي يلتزم بعدم التبرع في التضعيف والتوثيق، وإنما يعتمد في ذلك على نقل كلام أساتذته، فهو ينقل ما يذكرونه له، فنقله للتضعيف لا يكشف عن عدم إيمانه بهذه الكبرى.

الأمر الثالث: هناك عبارة للكشِّي ذكرها في كتابه يمكن أن يُستظهر منها تمامية هذه الكبرى، فقد ذكر في ترجمة محمد بن سنان ما نصه: (979 – أبو الحسن علي بن محمد ابن قتيبة النيسابوري، قال: قال أبو محمد الفضل بن شاذان: ردوا أحاديث محمد بن سنان، وقال: لا أحل لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان عني ما دمت حياً، وأذن في الرواية بعد موته. قال أبو عمرو: قد روى عنه الفضل، وأبوه، ويونس، ومحمد بن عيسى العبيدي، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والحسن والحسين ابنا سعيد الأهوازيان، وابنا دندان، وأيوب بن نوح، وغيرهم من العدول والثقات من أهل العلم، وكان محمد بن سنان مكفوف البصر أعمى فيما بلغني)(1).

بتقريب: أن الكشي بعد أن ذكر الروايات الذامّة لمحمد بن سنان - ومنها قول

ص: 179


1- المصدر السابق: 2/ 796.

الفضل بن شاذان: (لا أستحل أن أروي أحاديث محمد بن سنان) و(لا أُحل لكم أن ترووا....) - عطف على ذلك ذكر من روى عن ابن سنان من الثقات الأجلاء، حيث قال بعد ذكر عدد منهم: (وغيرهم من العدول والثقات من أهل العلم)، وظاهره إثبات وثاقته من خلال رواية هؤلاء الأجلاء عنه، بل يستفاد منها أن إكثار الأجلاء الرواية عنه يدفع روايات وأقوال التضعيف الواردة في حقه، والمستند في هذا الاستظهار هو قوله: (من العدول والثقات من أهل العلم) فلو كان غرضه مجرد بيان من روى عنه، لما احتاج إلى ذكر هذا الوصف.

هذا، وقد أشكل بعض الأعلام المعاصرين بما حاصله: يحتمل أن ما ذكره الكشي من رواية الأجلاء عنه كان الغرض منه دفع ما نسب إلى الفضل بن شاذان من أنه لا يستحل روايته، ولم يكن غرضه التمسك لوثاقته برواية هؤلاء الأجلاء عنه، لأنه بعد أن ذكر الروايات المادحة لمحمد بن سنان عقّبها بذكر الروايات الذامّة له، فنقل كلام الفضل: (لا أستحل...) ثم ذكر أن الفضل وأباه، و، و، و، قد رووا عنه، فهو يريد أن ينقض ما نسب إلى الفضل من القول، ومع هذا الاحتمال لا يتم الاستظهار المذكور(1).

وفيه:

أولاً: إن هذا الكلام ذكره الكشي (رحمة الله)

بعد أن نقل الروايات الذامّة له فقط، وإنما ذكر الروايات المادحة له بعد هذا الكلام، ونتمكن أن نقول: إن ما ذكره من المدح والتوثيق له يبدأ من نقل هذا الكلام، فهو شروع في التوثيق.

ثانياً: لو كان غرضه نقض ما نسب إلى الفضل من كلام وأنه لا يستحلّ أن يروي أحاديث ابن سنان لاقتصر على قوله: (روى عنه الفضل بن شاذان)، لأنه برواية

ص: 180


1- أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق: 2/ 311.

الفضل نفسه ينتقض ما نسب إليه، فلا حاجة لذكر هذا العدد من الرواة الأجلاء، كما لا معنى لقوله بعد ذلك: (وغيرهم من العدول والثقات)، فإنه لا علاقة له بنقض ما نسب إلى الفضل حينئذِ.

ثالثاً: إن ما ذكره الكشي بقوله: (روى عنه الفضل...) لا يصلح لنقض ما نسب إلى الفضل، لأن قوله: (ردّوا أحاديث محمد بن سنان) وقوله: (لا أحلّ لكم أن ترووا أحاديث محمد بن سنان عني ما دمت حيّاً، وأذن في الرواية بعد موته) لازمه أنهم قد سمعوا من الفضل روايات محمد بن سنان، وأنه قد رواها لهم ردحاً من الزمن، ثم بعد ذلك نهاهم عن روايتها عنه ونسبتها إليه، إذ إنّ الفضل إذا لم يكن قد روى أحاديث ابن سنان فلماذا ينهاهم عن روايتها عنه ؟!.

وعلى هذا الأساس يكون الفضل قد روى روايات ابن سنان فترة من الزمن ثم امتنع من الرواية عنه، ونهى الناس عن روايتهم لما سمعوه منه سابقاً من روايات ابن سنان، ومعه تكون عبارة الكشي اللاحقة: (روى عنه الفضل...) ليست نقضاً لما نُسب إليه، فإنّ الفضل قد روى عنه فعلاً فترةً من الزمن.

هكذا ينبغي أن يفهم كلام الكشي.

وكيف كان، سواء تمَّ الاستظهار المذكور أو لا، تصلح هذه العبارة لتأييد السيرة المتقدمة.

ويمكن القول بأن هذه العبارة يستفاد منها أمران:

الأول: تأييد السيرة.

الثاني: تفيد أن رواية الأجلاء تكشف عن الوثاقة حتى في صورة ورود التضعيف، كما في محمد بن سنان.

والحاصل: أنّه اتضح من مجموع ما تقدم تمامية هذه الكبرى.

ص: 181

تحقيق الصغرى

أنّ للحسين بن علوان روايات كثيرة تبلغ نيّفاً وتسعين رواية تقريباً، رواها عنه الكثير من الرواة، وقد أكثر عنه بعضهم، وأقلّ آخرون.

وإليك قائمة بأسماء الرواة الذين رووا عنه، ثم نذكر بعد ذلك أسماء مَن أكثر منهم الرواية عنه:

1. أحمد بن عبيد(1).

2. أحمد بن صبيح(2).

3. أبان بن عثمان(3).

4. الحسن بن فضال(4).

5. الحسن بن راشد(5).

6. الحسن بن ظريف(6).

7. الحسين بن سعيد(7).

8. أبو الجوزاء المنبه بن عبد الله(8).

9. الهيثم بن أبي مسروق(9).

ص: 182


1- الكافي: 2 / 253.
2- أمالي الصدوق: 416.
3- الخصال للصدوق: 522.
4- مختصر بصائر الدرجات: 22، الكافي: 1/ 450.
5- المحاسن: 1/ 141.
6- الكافي: 5/ 338.
7- المصدر السابق: 3/ 173.
8- الاستبصار: 1/ 215.
9- أمالي الصدوق: 77.

10. عبد الرحمن بن حماد(1).

11. عبد الصمد بن بندار(2).

12. هارون بن مسلم(3).

13. جعفر بن محمد التميمي(4).

14. محمد بن عيسى الأرمني(5).

15. محمد بن الحسين بن زيد(6).

16. محمد بن الحسين بن أبي الخطاب(7).

17. يونس(8).

18. محمد بن خالد البرقي(9).

19. علي بن عتبة(10).

20. علي بن محمد السدوسي(11).

هذا مجمل ما عثرت عليه من الرُّواة الذين رووا عنه، ومنهم من أكثر عنه الرواية، ومنهم من أقلّ منها.

ص: 183


1- مختصر بصائر الدرجات: 100.
2- الكافي: 6/ 381.
3- التهذيب: 1/ 228.
4- الكافي: 2/ 507.
5- المصدر السابق: 3/ 222.
6- كمال الدين: 86.
7- أمالي الصدوق: 409.
8- بصائر الدرجات: 248.
9- أمالي الصدوق: 366.
10- كفاية الأثر: 151.
11- الخصال: 504.

أما الذين قد أكثروا عنه الرواية فهم:

1. أحمد بن صبيح.

2. أبو الجوزاء المنبه بن عبد الله.

3. الحسن بن ظريف.

4. الحسين بن سعيد.

5. الهيثم بن أبي مسروق.

وأكثرهم أبو الجوزاء، ثم الحسين بن سعيد، ثم الحسن بن ظريف، فقد روى كلّ واحد من هؤلاء الثلاثة عشرات الروايات عنه.

أما رواية أبي الجوزاء عنه ففي: التهذيب(1)، والكافي(2)، والخصال(3)، وغيرها من الموارد.

وأما رواية الحسين بن سعيد عنه فهي في: الكافي(4)، وبصائر الدرجات(5)، وأمالي الصدوق(6)، وغيرها من الموارد.

وأما رواية الحسن بن ظريف عنه ففي: الوسائل(7)،

وغيرها من الموارد.

ولا إشكال ولا ريب في أن الحسن بن ظريف والحسين بن سعيد وأحمد بن صبيح من الرواة الثقات المعروفين، ولكن الكلام في الهيثم وأبي الجوزاء، فهل هما

ص: 184


1- 1/ 464 – 2/ 148 – 6/ 121 – 8/ 236 – 10/ 147.
2- 3/ 211، و213 – 5/ 9.
3- 37/ 137، و 333.
4- 3/ 173، و 259 – 4/ 67، و 92 – 5/ 338.
5- 334، و 411.
6- 102، و 278، و 598.
7- 2/ 425 – 7/ 270 – 9/ 15 – 11/ 360 – 18/ 322 – 19/ 255 – 29/ 28.

من الثقات المعروفين ؟ ولا يهمنا إثبات ذلك بعد أن ثبت إكثار الحسين بن سعيد، والحسن بن ظريف، وأحمد بن صبيح عنه، فإن الصغرى تتحقّق بهم.

إلى هنا انتهينا من البحث حول وثاقة الحسين بن علوان، وقد اتضح لنا وثاقة الرجل وقبول رواياته بعد أن تمَّت لدينا كبرى أن رواية الأجلاء كثيراً تكشف عن الوثاقة، واتضح أيضاً أن الأجلاء قد أكثروا عنه الرواية، فالدليل المذكور تام من حيث الكبرى، ومن حيث الصغرى.

والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

ص: 185

المصادر

1. اختيار معرفة الرجال المعروف ب- (رجال الكشي), لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي، تصحيح وتعليق المعلم الثالث ميرداماد الاسترابادي، تحقيق السيد مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت (علیهم السلام)، مطبعة بعثت - قم 1404ﻫ.

2. الإمامة والتبصرة, للفقيه المحدّث علي بن الحسين بن بابويه القمي والد الصدوق، تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي (علیه السلام)، قم، ط1: 1404ﻫ.

3. الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، حققه وعلق عليه السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الاسلامية – طهران 1363ﻫ .

4. أصول علم الرجال بين النظرية والتطبيق، الشيخ محمد علي صالح المعلم، تقرير أبحاث سماحة الشيخ مسلم الداوري، ط2: 1426ﻫ، 2005م، نشر مؤسسة المحبين.

5. تاريخ بغداد، للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1: 1417ﻫ - 1997م.

6. تفسير القمي للشيخ علي بن إبراهيم القمي، صححه وعلق عليه وقدم له العلامة السيد الموسوي الجزائري، مؤسسة دار الكتب للطباعة والنشر، ط3: 1404ﻫ.

7. تنقيح مباني العروة، لآية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي (قدس سره) ط2: 1429ﻫ، دار الصديقة الشهيدة

(صلی الله علیه و آله و سلم)، مطبعة نكين.

8. خاتمة المستدرك، للمحدث النوري، تحقيق مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) ط1: 1408ﻫ - 1987م.

9. خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، للعلامة الحلي، تحقيق الشيخ جواد القيومي - مؤسسة النشر الاسلامي (نشر الفقاهة) 1417ﻫ.

ص: 186

10. رجال ابن الغضائري، لأحمد بن الحسين بن عبيدالله بن إبراهيم أبي الحسين الواسطي البغدادي، تحقيق: السيد محمد رضا الحسيني الجلالي، قم، دار الحديث، 1422ﻫ.

11. رجال ابن داود، لتقي الدين الحسن بن علي بن داود الحلي، تحقيق: السيد محمد صادق آل بحر العلوم، المطبعة الحيدرية، النجف 1392ﻫ - 1972م.

12. رجال الطوسي لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق الشيخ جواد القيومي، مؤسسة النشر الاسلامي، قم، 1415ﻫ.

13. رجال النجاشي، للشيخ الجليل أبي العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي الأسدي الكوفي، تحقيق السيد موسى الشبيري الزنجاني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم ط9: 1429ﻫ.

14. الفهرست، لشيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق الشيخ جواد القيومي، مؤسسة النشر الاسلامي،ط1: 1417ﻫ.

15. الكامل في ضعفاء الرجال، للحافظ أبي أحمد عبدالله بن عدي الجرجاني، تحقيق الدكتور سهيل زكار، دار الفكر،بيروت،ط3: 1409ﻫ -1998م.

16. كمال الدين وتمام النعمة، للشيخ الصدوق، تعليق علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الاسلامي، قم.

17. معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، للإمام الأكبر السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، ط5: 1413ﻫ، 1992م.

ص: 187

ص: 188

تحقيق حال جابر بن يزيد الجعفي - الشيخ محمد الجعفري (دام عزه)

اشارة

الحديث في هذه المقالة مسوق بالأصالة لتحقيق وثاقة جابر من عدمها، إلاّ أنَّ طبيعة شخصيَّة جابر اقتضت الحديث تمهيداً عن جملة من أبعاد شخصيَّته، حيث إنَّ الرواة على قسمين:

(منهم) من لا معلومات عنه إلاّ ما ورد من رواياته، أو توصيفه بالثقة وعدمها.

(ومنهم) مَن تتوافر معلومات كثيرة حوله, بأنْ يكون ذا أدوار تاريخيَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة, وتتنازعه المذاهب المختلفة، وتوجد حوله نقاط غامضة، وجابر بن يزيد من هذا القسم الذي لا بدَّ فيه من مزيد تدقيق في كثير من حيثيات حياته لرفع جهات الإبهام في شخصيته.

ص: 189

ص: 190

بسم الله الرحمن الرحیم

وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبه نستعين.

إن لعلم الرجال أهمية عظمى في جميع علوم التاريخ والشريعة، خاصة الفقه، وذلك بالنظر إلى أن كثيراً من الروايات الواردة فيها هي أخبار آحاد لا تبلغ درجة التواتر فتعتمد حجيتها على وثاقة رواتها، أو الوثوق بأخبارهم، وذلك مما يتفرّع على معرفة أحوال هؤلاء الرواة.

ومن هذا المنطلق فلا غنى لمن يتصدّى لتحقيق علوم الشريعة عن الوقوف على أحوال الرواة، وذلك بالاطلاع على ما ذكره عنهم علماء الجرح والتعديل، مع تمحيص شهاداتهم بالالتفات إلى ما ذكروه في مقام تعليلها من خلال سبر آثار الرواة وعرضها على المقاييس العامة الثابتة وملاحظة مدى غرابتها واضطرابها أو استقامتها.

وممن وقع مورداً للخلاف بين علماء الرجال من الفريقين التابعي الكوفي المشهور عند الفريقين (جابر بن يزيد الجعفي ت128ﻫ - على المشهور -)، المعدود من جملة أصحاب الإمامين الباقر والصادق (علیهما السلام) .

والمقصود بهذا البحث أصالة التحقق من وثاقة جابر، كما هو محط النظر في علم الرجال، ولكن ذكرنا نكات حول سائر جوانب حياته تمهيداً أو لدخالة لها في استيضاح حال الرجل.

هذا، وقد روى الرجل في كتب الجمهور عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتوسّط بعض الصحابة، وكثير من التابعين، منهم الإمام الباقر (صلوات الله وسلامه علیه)، كما روى كثيراً من فتاوى الصحابة

ص: 191

والتابعين وتفاسيرهم للقرآن الكريم، كما روى في كتب الإمامية آثاراً كثيرة عن الإمامين الباقر والصادق (علیهما السلام) وآثاراً عن بعض الصحابة والتابعين.

ومن ثَمَّ اشتملت كتب الحديث والتفسير لدى الفريقين على روايات كثيرة عنه.

أما المصادر التي روت عنه عند الجمهور فقد خلت عن رواياته ثلاثة من الكتب المعتبرة، وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن النسائي، ويلحق بها المستدرك على الصحيحين؛ لأنه تابع لشروط الصحيحين فيما يستدركه من الأخبار.

وروت عنه سائر الكتب من المسانيد والسنن والمصنفات وكتب التفسير بما فيها الثلاثة الأخرى من الكتب الستة، وهي: سنن ابن ماجة والترمذي وأبو داود، غير أن الأخير لم يروِ حديثه قوياً واقتصر على الرواية عنه في مورد واحد.

وفيما يلي ذِكْر المصادر التي تضمّنت الرواية عنه بالتسلسل الزمني ابتداءً بتلاميذ جابر كالثوري ومروراً بالآخرين(1):

1. تفسير سفيان بن سعيد الثوري (ت 161 ﻫ )(2).

2. مسند أبي داود الطيالسي(3)

(ت 207ﻫ )(4).

3. المصنف لعبد الرزاق الصنعاني(5)

(ت 211 ﻫ )(6).

ص: 192


1- علماً أنّنا اقتصرنا مما ورد في كتب الحديث على الموارد التي وقعت بعنوان جابر الجعفي مع حذف المكرر. وأما في التفاسير فذكرنا بعض الموارد التي وقعت بعنوان جابر، لكن بملاحظة الراوي والمروي عنه يكون المقصود به جابر بن يزيد الجعفي.
2- تسعة عشر مورداً: 52, 80, 95, 102, 127, 133, 134, 141, 162, 173, 174, 183, 186 روايتان, 192, 197, 224, 228, 246.
3- هو (سليمان بن داود بن الجارود، الحافظ الكبير). سير أعلام النبلاء ج:9 ص:378.
4- موردان في ص: 108.
5- هو عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني ولد سنة 126ﻫ وتوفي 211ﻫ.
6- عشرون مورداً: 1/289, 312, 480، 2/553، 3/176, 202, 406, 452, 456، 4/95, 137, 270, 346، 6/77, 238, 465، 7/179, 215، 8/401، 10/220.

4. تفسير القرآن. لعبد الرزاق الصنعاني (ت 211 ﻫ )(1).

5. مسند علي بن الجعد(2) (ت 230 ﻫ )(3).

6. المصنَّف لابن أبي شيبة الكوفي(4) (ت 235 ﻫ )(5).

7. مسند إسحاق بن راهويه(6) (ت 238 ﻫ )(7).

8. مسند أحمد بن حنبل(8) (ت 241ﻫ )(9).

9. سنن محمد بن ماجة(10) (ت 275 ﻫ )(11).

10. سنن أبي داود(12) (ت 275 ﻫ ). مورد واحد(13). وعقبه بقوله: (وليس في كتابي

ص: 193


1- ستة موارد: روى عن مجاهد في 1/ 110، 3/ 34، 135، 291. وأرسل عن أبي بكر 1/ 174، وعن مجاهد عن ابن عباس 2/ 313.
2- هو علي بن الجعد بن عبيد أبو الحسن البغدادي الجوهري مولى بني هاشم. ولد 134ﻫ ت230ﻫ. سير أعلام النبلاء: 10/ 459.
3- ستة موارد في ص: 327.
4- هو (عبد الله بن محمد ابن القاضي أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستي ت 235ﻫ ). سير أعلام النبلاء: 11/ 122 - 127.
5- موردان: 1/ 65 و368.
6- وهو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي.
7- مورد واحد: 4/ 250.
8- مسند أحمد: 1/ 109 و241، 4/ 254، 6/ 119.
9- موردان: 1/ 241، 4/ 254.
10- هو (محمد بن يزيد الربعي، مولاهم، أبو عبد الله بن ماجة القزويني الحافظ، ولد 209 ﻫ، وتوفي 273 ﻫ ). تهذيب الكمال: 27/ 40.
11- مورد واحد: 2/ 784، وأخرج له بعنوان جابر بن يزيد مورداً آخر: 2/ 1051، ومما أخرجه عن جابر والمراد به الجعفي: 1/ 277 و377 و387، 2/ 753 و755 و889 و1285.
12- هو (سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر. ولد سنة 202 ﻫ، وتوفي 275 ﻫ ). سير أعلام النبلاء: 12/ 203 - 221.
13- سنن أبي داود: 1/ 233.

عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث).

11. سنن الترمذي(1) (ت 279 ﻫ )(2).

12. مسند أبي يعلى الموصلي(3) (ت 307 ﻫ ) (4).

13. جامع البيان عن تأويل آي القرآن. لمحمد بن جرير الطبري (ت 310 ﻫ ). فيما يزيد عن مائتي مورد(5).

14. شرح معاني الآثار لأحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري الطحاوي (ت 321 ﻫ )(6).

15. صحيح محمد بن حبّان(7) (ت 354 ﻫ )(8).

16. المعجم الكبير للطبراني(9) (ت 360 ﻫ )(10).

17. المعجم الأوسط له كذلك(11).

ص: 194


1- هو (محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك، ولد في حدود 210ﻫ، ت 279ﻫ ). سير أعلام النبلاء: 13/ 270 - 277.
2- موردان، أورده في السند بعنوان جابر لكن في تعليقه على الرواية ذكر أنه جابر الجعفي: 1/ 133، 5/ 346.
3- وهو أحمد بن علي بن المثنى التميمي 210 -307 ﻫ.
4- مورد واحد: 7/ 277.
5- وسوف نذكر مواردها ومَن تنتهي الرواية إليه في كتبه إن شاء الله تعالى.
6- ستة موارد: 1/ 412، 3/ 150، 4/ 20 و82 و119 و130.
7- هو محمد بن حبّان بن أحمد بن حبّان بن معاذ. ولد سنة بضع وسبعين ومائتين، وتوفي 354ﻫ.
8- مورد واحد: 5/ 473.
9- هو الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الطبراني. ولد في شهر صفر من سنة 260 ﻫ، بمدينة طبرية، وقيل بعكا.
10- موردان: 10/ 306، 22/ 30.
11- أربعة عشر مورداً: 2/ 300، 3/ 101 و348، 4/ 47، 5/ 108 و256، 6/ 18 و42 و92 و268 و281 و297، 7/ 297، 9/ 124.

18. الدعاء له أيضاً(1).

19. شعار أصحاب الحديث لابن إسحاق الحاكم(2) (ت378ﻫ )(3).

20. سنن الدارقطني(4) (ت 380 ﻫ )(5).

21. السنن الكبرى للبيهقي(6) (ت 458 ﻫ )(7).

وأما في مصادرنا المحفوظة فقد أخرج له:

1. أصل زيد الزرّاد - بالنسخة الواردة في الأصول الستة عشر - قال: (حدّثنا جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت أبا جعفر (علیه السلام) يقول: ((إنّ لنا أوعيةً نملؤها علماً وحكماً..))(8).

2. نوادر علي بن أسباط - بالنسخة الواردة في الأصول الستة عشر - ورد في موضع منه (عمرو بن ساير عن جابر عن أبي جعفر (علیه السلام))، والصواب: (عمرو بن شمر)، كما ورد في ثواب الأعمال(9).

3. كتاب جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي - بالنسخة الواردة في الأصول الستة عشر -، ويلاحظ أنّ كتابه احتوى على مجموعة أحاديث عن عدد من الرواة،

ص: 195


1- مورد واحد: 64.
2- محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق النيسابوري الكرابيسي الحاكم الكبير. ولد حدود سنة 290ﻫ.
3- مورد واحد: 108.
4- هو الحافظ أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان البغدادي، من أهل محلة دار القطن ببغداد، وإليها ينسب، ولد في سنة 306ﻫ.
5- مورد واحد: 1/ 105.
6- هو الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي.
7- تسعة عشر مورداً: 1/ 266 و402، 2/ 371 و379، 3/ 80، 5/ 304، 6/ 27 و98 و122 و309، 7/ 169 و176، 8/ 42 و84 و90، 9/ 283، 10/ 151 و307 و312.
8- لاحظ الأصول الستة عشر: 124 حديث: 10.
9- لاحظ الأصول الستة عشر: 348 حديث: 585. وثواب الأعمال ص:139 باب ثواب الصدقة.

فروى حميد بن شعيب عن جابر الجعفي سبعة وثمانين حديثاً متتالياً - عدا الحديث 40, 41 - مما قد يظن أنه قطعة من كتب جابر(1). وروى في مجموعة أخرى ثلاثة أحاديث عن إبراهيم بن جبير عن جابر(2)، وأخرج أيضاً عن جابر حديثاً آخر(3).

4. كتاب المشيخة للحسن بن محبوب السرّاد أو الزرّاد، فقد روى ابن إدريس في مستطرفاته عن جابر الجعفي من كتاب المشيخة حديثين(4).

5. كتابا المؤمن(5) والزهد(6)

للحسين بن سعيد الأهوازي من أصحاب الأئمة الرضا والجواد والهادي (علیهم السلام) المتوفى في القرن الثالث الهجري.

6. كتاب المحاسن(7) لأحمد بن محمد بن خالد البرقي (ت 274ﻫ ).

7. كتاب بصائر الدرجات(8) لمحمد بن الحسن الصفار (ت 290ﻫ ).

ص: 196


1- لاحظ الأصول الستة عشر: 213 حديث: 205-291.
2- لاحظ الأصول الستة عشر: 248 حديث: 316-318.
3- لاحظ الأصول الستة عشر: 250 حديث: 322.
4- مستطرفات السرائر: 150حديث: 14و15. تحقيق السيد محمد مهدي الخرسان.
5- أخرج له ستة أحاديث في ص: 38 هي: 87, 88, 89, 90, 91, 92.
6- أخرج له ثمانية أحاديث: 10, 26, 28, 35, 50, 53, 55, 71.
7- أخرج عن جابر أربعة وأربعين حديثاً: 1 / 33 و34 و41 حديثين و48 و50 و58 و106 و108و133 و134 و151 حديثين و152 و155 و168 و171 و185 و186 و224 و227 ثلاثة أحاديث و241 حديثين و249 و252 و253 و260 و263، و2/ 299 و300 و387 و410 و411 و435 و457 و507 و517 و522 و600 و615 و641 حديثين.
8- بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد (علیهم السلام) وهي موزعة على أجزاء الكتاب العشرة, وكالآتي: ج:1 باب:2 ص:23 ح1، و24/ ح5 و8، و25/ ح14، باب:5 ص:28 ح2، ونادر من الباب 34/ ح1، وباب9/ 35/ ح6، وباب11/ 40/ ح1، و42/ ح9، وباب: إن علم آل محمد (علیهم السلام) سرّ مستور: 48/ ح1، باب13/ 50/ ح4، وباب16/ 53/ ح1، وباب20/ 64/ ح3، وباب22/ 69/ ح6، وباب24/ 74/ ح1، و75/ ح9، وج:2 باب7/ 90/ ح1، وباب10/ 95/ ح6، و96/ ح3، وباب16/ 110/ ح3، ونادر من الباب 115/ ح1، وباب18/ 117/ ح7، وباب19/ 124/ ح5، وباب21/ 130/ ح6، وج:3 باب 2/ 137/ ح13، وباب12/ 164/ ح12، وج:4 باب4/ 202/ ح30 و208/ ح51، وباب6/ 213/ ح1 و2، وج:5 باب1/ 233/ ح4 و235/ ح14، وج:6 باب2/ 288/ ح15، وباب9/ 309/ ح2، وباب11/ 314/ ح8، وباب13/ 317/ ح3 و7، وباب14/ 319/ ح1، و320/ ح4 و6، باب18/ 329/ ح5، وج:7 باب11/ 355/ ح8، وباب17/ 374/ ح2، و377/ ح9 و10، وج:8 باب2/ 396/ ح5، وباب12/ 417/ ح2 و419/ ح8، وباب13/ 424/ ح4، باب17/ 433/ ح3، وباب18/ 435/ ح2، وج:9 باب14/ 466/ ح1 و467/ ح4 و5، وباب15/ 473/ ح12، وج:10 باب16/ 520/ ح16، وباب18/ 534/ ح34.

8. كتاب بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله الأشعري القمي (ت 299 أو 301ﻫ ) الذي اختصره الحسن بن سليمان الحلي المتوفى بداية القرن التاسع فقد أخرج له أربعة عشر حديثاً(1)، وقد انتزع الحلي هذه الأحاديث من البصائر الأصل.

9. تفسير العياشي لمحمد بن مسعود العياشي (ت 320ﻫ ) ستة وتسعين حديثاً(2).

10. تفسير القمي المنسوب لعلي بن إبراهيم بن هاشم القمي (ت حدود 329ﻫ ) سبع عشرة رواية عن جابر بن يزيد الجعفي(3).

ص: 197


1- ص:2 و9 و12 و17 و25 و26 حديثين و29 و54 و63 و90 و91 و126 و174.
2- في الجزء الأول ستة وخمسون حديثاً وردت في الصفحات: 11 و12 و39 و40 و41 و42 و48 و49 و51 حديثان، و59 و61 و64 و67 و72 و86 حديثان و98 و101 و102 حديثان و103 و141 و151 و165 و171 و187 حديثان و194 و196 و197 حديثان و198 و202 حديثان و206 حديثان و209 و227 و244 و245 حديثان و249 و254 و255 و256 و276 و279 و284 و292 و297 و311 و330 و351 و366 و388. وأخرج في الجزء الثاني أربعين حديثاً وردت في الصفحات: 41 حديثان و50 حديثان و52 و65 و76 و84 و86 و95 حديثان و103 و107 و120 و123 و139 حديثان و184 و188 و204 و208 و211 و288 و235 و240 حديثان و242 و248 و256 و257 و280 و285 و290 و302 و304 و317 و319 و326 و350 و351. ويظهر من هذا العدد الكبير أن من المحتمل جداً أنه أخذ روايات جابر من كتابه في التفسير.
3- فقد أخرج له في الجزء الأول خمسة أحاديث في الصفحات: 27 و36 و339 و361 و369، وفي الجزء الثاني اثني عشر حديثاً في الصفحات: 14 و27 و65 و104 و111 حديثان و165 و255 و297 و391 و407 و421. ومن المحتمل أيضاً أنه نقلها من تفسير جابر.

11. كتاب القراءات(1)

لأبي عبد الله أحمد بن محمد السيّاري(2) (ت ق3) فقد نقل عن جابر في خمسة وعشرين موضعاً من كتابه، ويحتمل أنه أخذها من تفسير جابر وهي في خصوص قراءة الآيات(3).

12. الكافي بأقسامه الثلاثة - من الأصول والفروع والروضة - لثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني (ت 329ﻫ ) مائة وسبعين رواية(4).

13. الإمامة والتبصرة لعلي بن الحسين بن بابويه القمي (ت 329ﻫ ) خمسة أحاديث(5).

ص: 198


1- الناشر دار بريل للنشر في ليدن وبوسطن 2009.
2- قال عنه النجاشي: (أحمد بن محمد بن سيّار أبو عبد الله الكاتب، بصري، كان من كتاب آل طاهر في زمن أبي محمد (علیه السلام) . ويعرف بالسيّاري، ضعيف الحديث، فاسد المذهب، ذكر ذلك لنا الحسين ابن عبيد الله. مجفو الرواية، كثير المراسيل). فهرست أسماء مصنفي الشيعة ص: 80. ونفس الكلام ذكره الشيخ في الفهرست ص: 66.
3- وهذه المواضع هي في الصفحات: 6 في حديث أن القرآن نزل على سبعة أحرف، و18, في قراءة الآية: 87, من سورة البقرة، و20, في قراءة الآية: 90,و23, في قراءة الآية: 189 و25, في قراءة الآية: 23 و27, في قراءة الآية: 234, منها و31, في قراءة الآية: 185, من آل عمران و38, في قراءة الآية: 47, من النساء و41, في قراءة الآية: 59, وقراءة الآية: 24 و43, في قراءة الآية: 15, منها و52 في قراءة الآية: 172, من الأعراف و62, في قراءة الآية: 15, من يونس و64, في قراءة الآية: 42, من هود و71, في قراءة الآية: 41, من إبراهيم و80, في قراءة الآية: 73, من الإسراء و89, في قراءة الآية: 3, من الأنبياء و103, في قراءة الآية: 15, من النمل و115, في قراءة الآية: 38, من يس وأيضاً في نفس الصفحة لِمَ سمي أمير المؤمنين (علیه السلام) كذلك و132, في قراءة الآية: 45, من الشورى نقل قراءتين و133 في قراءة الآية: 39, من الزخرف و147, في قراءة الآية: 1 -3, من النجم و174 في قراءة الآية: 19.
4- لم نذكر مواضعها اختصاراً.
5- ص: 43 و111 و117 و131 و133.

14. كامل الزيارات لجعفر بن محمد بن قولويه (ت 368ﻫ ) أربعة عشر حديثاً(1).

15. من لا يحضره الفقيه للصدوق (ت 381ﻫ ) خمسة وثلاثين حديثاً(2).

16. تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي (ت 460ﻫ ) ستة وأربعين حديثاً(3).

17. الاستبصار له أيضاً خمسة عشر حديثاً(4).

ولم نذكر سائر كتب الصدوق والشيخ، وكتب الحديث بعد الشيخ الطوسي من جهة عدم الحاجة، ويستنبط من أسانيد كتب الحديث - وما يحدس به من مصادرها - احتواء كتب الحديث في طبقة تلاميذ تلاميذه من أصحاب الإجماع وغيرهم - كالطبقة السادسة - عموماً على بعض روايات جابر بن يزيد الجعفي، بل يمكن إثبات ذلك بالنظر إلى تصريح من نقل عنه في المصادر كالشيخ في التهذيبين.

كما أنه روي عن جابر كثير في من كتب التاريخ والسيرة، منها:

1. مقتل الحسين لأبي مخنف(5) (ت 175ﻫ ).

2. وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري (ت 212ﻫ ).

3. مقتل أمير المؤمنين لابن أبي الدنيا(6) (ت 281ﻫ ).

ص: 199


1- ص: 114 و125 و148 و149 و162 و164 و183 و194 و282 و288 و323 و374/5 و433.
2- فقد أخرج له في الجزء الأول: خمس روايات، وفي الثاني: ثمان روايات، وفي الثالث: أربع عشرة رواية، وفي الرابع: ثمان روايات.
3- فقد أخرج له في الجزء الأول: 11 رواية، وفي الثاني: 3 روايات، وفي الثالث: 9 روايات، وفي الرابع: 4 روايات، وفي السادس: 6 روايات، وفي السابع: 3 روايات، وفي الثامن: 3 روايات، وفي التاسع: 3 روايات، وفي العاشر: 4 روايات.
4- فقد أخرج له في الجزء الأول تسع روايات في: 24و41 و84 و202 و203 و216 و469 و471 و474، وفي الثالث أربع روايات في: 55 و59 و176 و209، وفي الرابع روايتين: 34 و174.
5- هو لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي الغامدي.
6- هو عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس، أبو بكر القرشي، الأموي، مولاهم، البغدادي الحنبلي، ولد ببغداد (سنة 208 ﻫ ).

4. تاريخ الأمم والملوك لمحمد بن جرير الطبري (ت 310ﻫ ).

5. مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني(1) (ت 356ﻫ ).

كما تعتمد كتب الغلاة أيضاً بشكل أساسي على روايات تنقلها عن جابر بن يزيد الجعفي.

موقف علماء الفريقين من جابر الجعفي

اختلف حول الرجل كل من علماء الفريقين اختلافاً كبيراً..

أما علماء الإمامية فقد وثقه ابن الغضائري والمفيد في بعض كلماته وساعد عليه بعض ما روي في حقه من طريق أئمة أهل البيت (علیهم السلام)، وذهب جماعة إلى أنه من خاصة أصحاب الأئمة (علیهم السلام) وأوليائهم في مجموع مميزاته العلمية والمعنوية، وجرحه المفيد في بعض آخر من كلماته وتبعه النجاشي، والراجح أن الضعف إنما كان في بعض الرواة عنه وليس فيه.

وأما الجمهور فهم أيضاً بين موثق له ومبالغ في ورعه وصدقه، وبين قادح فيه لكونه كذاباً بما يبدو بالنظر إلى مجموعه أن أساس القدح فيه حسب ما أفصح عنه بعضهم(2): إنما كان رأيه وليس حديثه.

وينبغي الالتفات إلى أن الذي يظهر بالنظر إلى كلمات علماء الرجال والتاريخ في شأن جابر أن كثيراً من الأخبار المتعلقة بجابر قد ضاعت ولم تدوّن، فقد كان جابر رجلاً مشهوراً صاحب حكايات وأخبار، وقد ذكر الصفار في بصائر الدرجات أنه حدثنا أحمد بن محمد [بن عيسى]، عن علي بن الحكم قال: حدثني زياد بن أبي

ص: 200


1- هو علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان المعروف بالحمار آخر خلفاء الدولة الأموية في الشام.
2- عن أحمد بن حنبل قال: (لم يتكلم في جابر في حديثه إنما تكلم فيه لرأيه). الضعفاء والمتروكين: 1/ 164.

الحلال قال: اختلف الناس في جابر بن يزيد وأحاديثه وأعاجيبه، قال: فدخلت على أبي عبد الله (علیه السلام) وأنا أريد أن أسأله عنه فابتدأني من غير أن أسأله: ((رحم الله جابر ابن يزيد الجعفي كان يصدق علينا، ولعن الله المغيرة بن سعيد(1)، كان يكذب علينا))(2).

وقد وصل إلينا جملة من الحكايات عن جابر أغلبها بإسناد ضعيف، إلا أن الظاهر ضياع جملة منها.

ومما ينبه على ذلك ما ذكره النجاشي من أن أحمد بن محمد بن عبيد الله الجوهري (ت 401ﻫ ) ألّف كتاباً في أخبار جابر الجعفي(3).

وقد ذكر النجاشي أن الشيخ المفيد كان ينشد أشعاراً عن جابر، قال: (كان شيخنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (رحمة الله) ينشدنا أشعاراً كثيرة في معناه تدل على الاختلاط، ليس هذا موضعاً لذكرها)(4).

ص: 201


1- وما أثبتناه هو الصواب، كما في الطبعة المحققة بتحقيق السيد محمد السيد حسين المعلم: 1/ 464، بشهادة ما ورد في رجال الكشي: 2/ 436 ح336. مع حواشي الداماد، تحقيق السيد مهدي الرجائي، (ط. مؤسسة آل البيت). وص: 191-192 تحقيق حسن المصطفوي، (ط. دانشكاه مشهد)، وما ورد في كتب التاريخ والفِرَق. ولكن الموجود في طبعة القرص الفقهي مكتبة أهل البيت (علیهم السلام) ص: 258 تصحيح وتعليق وتقديم الحاج ميرزا حسن كوجة باغي، وكذلك قرص الأنوار الرضوية ص: 238 نشر مكتبة آية الله المرعشي: (المغيرة بن شعبة). والظاهر تصحيف (سعيد) إلى (شعبة) في النسخة التي اعتمدت عليها الطبعتان لقرب رسم الكلمة جداً، ويحتمل انسباق ذهن الناسخ لتلك النسخة إلى (المغيرة بن شعبة) المعروف.
2- بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد (علیهم السلام): 5/ 258 ح12.
3- لاحظ رجال النجاشي: 85 رقم: 207 ترجمة: أحمد بن محمد بن عبيد الله الجوهري.
4- لاحظ المصدر السابق: 128.

ولم يصل إلينا شيء من أشعار جابر من طرق الفريقين، كما أنه لم يصل إلينا كتاب الجوهري في أخبار جابر الجعفي.

ولعل من أسباب ذلك إعراض الجمهور عن أخبار جابر بعد دخوله في مذهب الإمامية في أثر تتلمذه على الباقر والصادق (علیهما السلام)، وضياع كثير من تراث الإمامية - لاسيما ما كان يُتلقى ضرباً من الترف - لاسيما في ظل المصاعب التي كانوا يعانونها في حفظ كتبهم والتي ضاع في أثرها كثير من مصنفاتهم وتاريخهم.

والحديث في هذه المقالة - كما قلنا - مسوق بالأصالة لتحقيق وثاقة جابر أو عدمها، إلا أن طبيعة شخصية جابر اقتضت الحديث تمهيداً عن جملة من أبعاد شخصيته، لأن الرواة على قسمين:

قسم لا معلومات عنه إلا ما ورد من رواياته، أو توصيفه بالثقة وعدمها بالنظر إليها.

وقسم يكون ذا أدوار تاريخية واجتماعية وسياسية، وتكون هناك أخبار كثيرة حول دوره وتتنازعه المذاهب المختلفة، وتوجد حوله نقاط غامضة مثل المفضل بن عمر الجعفي ومحمد بن سنان الزاهري وغيرهما، وجابر بن يزيد من هذا القسم، وهذا القسم لابدَّ من مزيد تدقيق في كثير من حيثيات حياته لرفع جهات الإبهام في شخصيته.

وقد اعتمدت في هذا البحث على مختلف كتب الرجال والحديث والتاريخ والفِرَق مما تطرق فيه لذكر جابر الجعفي، يضاف إلى ذلك جملة تأملات لبعض أساتيذنا(1) (دامت برکاته) تضمنت عدّة نكات حول الرجل وحياته، والله ولي التوفيق.

ونعقد الكلام حول الرجل في مقامات أربعة:

ص: 202


1- هو السيد محمد باقر السيستاني (دامت برکاته) أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد في عمره الشريف ويجعله مناراً للمؤمنين إنه سميع الدعاء.

الأول - تمهيدي -: في التعريف بجابر: نسبه، علمه، مذهبه، وخصوصيات أخرى.

الثاني: في كتب جابر.

الثالث: في وثاقته وعدمها عند الفريقين.

الرابع: في معجم بأسماء الذين روى جابر عنهم ورووا عنه.

أما المقام الأول فالكلام فيه في جهات

الجهة الأولى: نسبه وكنيته

المشهور بين علماء الرجال من الفريقين أن جابر من قبيلة جعفي، كما وصفه كل من ذكره: فمن الإمامية البرقي والكشي وابن الغضائري والنجاشي والطوسي. ومن الجمهور ابن سعد والبخاري وابن أبي حاتم وابن حبان وغيرهم، وقد وصف به كثيراً عند ذكره في أسانيد الروايات حتى أصبح هذا اللقب مميزاً له عمن يشاركه في هذا العنوان فيقال له: (جابر بن يزيد الجعفي)، وقد يستغنى عن ذكر أبيه فيقال: (جابر الجعفي).

وقد ورد في الكافي بإسناده عن عمرو بن شمر عن جابر قال: قال لي أبو عبد الله (علیه السلام): ((يا أخا جعف إن الإيمان أفضل من الإسلام، وإن اليقين أفضل من الإيمان، وما من شيء أعز من اليقين))(1).

وهذا المقدار قد يحتمل الانتساب إلى قبيلة جعفي بالولاء أو الزواج منهم لما وقع في جمع آخر.

إلا أن بعض علماء الرجال والأنساب صرحوا بأن الرجل عربي قديم.

قال النجاشي (ت 450ﻫ ): (جابر بن يزيد، أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد الجعفي، عربي، قديم(2)، نسبه: ابن الحارث بن عبد يغوث بن كعب بن الحارث بن

ص: 203


1- الكافي: 2/ 51 باب فضل الإيمان على الإسلام واليقين على الإيمان.
2- الظاهر أن قول النجاشي هذا إشارة إلى أن جابراً لا يرتبط بآل الجعفي عن طريق الولاء أو الزواج، كما عقّب ذلك مباشرة بذكر نسبه، فهو في قوة كلمة (أصيل). وقد ذكر في كتب الأنساب بعض من يرتبط بهذه القبيلة بالزواج فنسب إليهم. لاحظ الأنساب: 2/ 68.

معاوية بن وائل بن مرار [ظ. ابن مران(1)] بن جعفي. لقي أبا جعفر وأبا عبد الله (علیهما السلام) ومات في أيامه سنة ثمان وعشرين ومائة)(2).

وقد انفرد المزي(3)(ت 742ﻫ ) بين علماء الرجال بذكر نسبه الكامل وكأنه اقتبسه من فهرست النجاشي، حيث قال: (جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث بن كعب ابن الحارث بن معاوية بن وائل بن مرئي [ظ. ابن مران] بن جعفي الجعفي، أبو عبد الله، ويقال: أبو يزيد، ويقال: أبو محمد الكوفي)(4).

وحيث إنّ جابراً كان من المشاهير فإنّ أغلب كتب الأنساب تعرّضت لذكره في ضمن ذكر قبيلته جعفي، أو بعض فروعها، قال ابن حزم (ت456ﻫ ): (وجابر بن يزيد بن الحارث بن زيد بن عبد يغوث بن كعب بن الحارث بن معاوية بن وائل بن

ص: 204


1- وهو الصواب، وقد اتفق عليه علماء الرجال والأنساب، فمن الأول: ابن سعد (ت230ﻫ ) في طبقاته: 1/ 324، 6/ 49 و286، وتاريخ ابن خليفة (ت240ﻫ ): 226 و265 و276، وابن عبد البر (ت463ﻫ ) في الاستيعاب: 4/ 1667، وابن مأكولا (ت475ﻫ ) في إكمال الكمال: 2/ 407 و427، 7/ 6، والمزي في تهذيب الكمال: 8/ 370، والذهبي (ت748ﻫ ) في سير أعلام النبلاء: 4/ 320، وابن حجر (ت852ﻫ ) في الإصابة في تمييز الصحابة: 2/ 155. ومن الثاني السمعاني (ت562ﻫ ) في الأنساب: 2/ 181، 3/ 280، 5/ 249، وابن الأثير (ت630ﻫ ) في اللباب في تهذيب الأنساب: 1/ 71 و129، 2/ 129.
2- فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): 128 - 129 رقم: 332.
3- هو الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمان بن يوسف بن علي بن عبد الملك بن علي بن أبي الزهر الكلبي القضاعي المزي المولود في (ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة 654) بظاهر حلب والمتوفى في (12 صفر 742 ﻫ ).
4- تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 4/ 465.

مران بن جعفي، المحدّث المتّهم بالكذب)(1).

وقال السمعاني (ت562ﻫ ): (ومن القدماء أبو يزيد جابر بن يزيد الجعفي من أهل الكوفة وقيل كنيته أبو محمد)(2).

وذكر ابن الأثير (ت 630ﻫ ) نسبه، فقال: (الوائلي نسبة إلى وائل بن مروان [ظ. مران] بن جعفي، بطن من جعفي، منهم جابر بن يزيد بن الحارث بن زيد بن عبد يغوث بن كعب بن الحارث بن معاوية بن وائل. الفقيه الوائلي كان من غلاة الشيعة)(3).

وحكى الشيخ في رجاله في ذكره في أصحاب الباقر (علیه السلام) عن القتيبي(4) أنه قال: إنّه من الأزد(5).

وهذا خطأ بيِّن، وإنْ لم يعترض على الشيخ، بل حكاه عامّة مَن بعده من غير اعتراض عليه. فإنّ كون جابر جعفياً في غاية الوضوح والاشتهار.

والظاهر وقوع الخطأ في حكاية الشيخ عن القتيبي، لا من جهة القتيبي، كما تنبّه له صاحب القاموس (قدس سره)، فقال: (إنّ قول الشيخ هذا خلط منه بين هذا وبين جابر بن زيد، إذ عنون القتيبي "وهو ابن قتيبة" في معارفه كليهما في التابعين، وقال في هذا: "جابر الجعفي، وكان ضعيفاً في حديثه، ومن الرافضة الغالية الذين يؤمنون بالرجعة، وكان صاحب شعبذة ونيرنجات، وقد روى عنه الثوري وشعبة".

ص: 205


1- جمهرة أنساب العرب: 410.
2- الأنساب: 2/ 68.
3- اللباب في تهذيب الأنساب: 3/ 352.
4- هو ابن قتيبة الدينوري (ت 276ﻫ ).
5- رجال الطوسي: 129.

وقال في جابر بن زيد: "قال الواقدي: هو من الأزد، وقال الأصمعي: جوفي من اليمن". فتوهّم الشيخ أنّه عنونه مرتين، ولا بدَّ أنَّه قرأ قوله: "جوفي" جعفي)(1).

والأقرب أنَّ منشأ الخطأ هو وقوع خطأ في نسخة الشيخ من كتاب ابن قتيبة (المعارف) من تصحيف (زيد) إلى (يزيد)، ولفظ ابن قتيبة في (جابر بن زيد) ما يلي: (جابر بن زيد. قال الواقدي: هو من الأزد، ويكنى: أبا الشّعثاء. وحدّثني سهل بن محمد، عن الأصمعي، قال: أبو الشعثاء جوفي [جوفي: نسبة إلى درب الجوف، بالبصرة] من اليمن، وكان أعور. ومات سنة ثلاث ومائة)(2).

وأيّاً كان، فإن سائر ما ذكر في المعارف عن الرجل مثل: (كنيته، وعوره، وسنة وفاته) مما كان ينبغي أن يكون منّبهاً على خطأ الكتابة، مضافاً إلى ذكره جابر الجعفي في موضع آخر(3).

وقد عُلِمَ مما ذكرنا اعتماد الشيخ في رجاله على كتاب ابن قتيبة ولو بالواسطة.

والمتحصّل: أنّه لا خلاف في اسمه ونسبه وبلده، ولكن وقع الخلاف في كنيته، فرجّح النجاشي بأن كنيته (أبو عبد الله)، ونسب إلى القيل بأنها (أبو محمد)، وهي المذكورة في حديثين:

أحدهما: ما ورد في أصل جعفر بن محمد بن شريح الحضرمي، من أن جابراً قال ذات مرة: (مات والله الذي لا إله إلا هو، قال: قلنا مَن يا أبا محمد؟ قال: مات والله الذي لا إله إلا هو، الوليد)(4).

ص: 206


1- قاموس الرجال: 2/ 543.
2- المعارف: 453.
3- المعارف: 480.
4- الأصول الستة عشر: 249 حديث: 320.

والآخر: ما ورد في رجال الكشي: (جاء العلاء بن يزيد رجل من جعفي، قال: خرجت مع جابر لما طلبه هشام حتى انتهى إلى السواد، قال: فبينا نحن قعود وراعٍ قريب منا: إذ لفتت نعجة من شائه إلى حمل، فضحك جابر، فقلت له: ما يضحكك أبا محمد؟...)(1).

وأما عند العامة فكنيته مرددة بين (أبي محمد، وأبي يزيد، وأبي عبد الله(2)).

وأمَّا الأوّلان فذكر البخاري (ت 256ﻫ ): (قال علي(3): أراه أبا يزيد... عن شعبة: عن جابر بن يزيد أبي محمد)(4).

وقال ابن أبي حاتم الرازي (ت 327ﻫ ): (جابر بن يزيد الجعفي الكوفي أبو محمد)(5).

وقال ابن حبان (ت 354ﻫ ): (جابر بن يزيد الجعفي من أهل الكوفة كنيته أبو يزيد وقد قيل أبو محمد...)(6).

وكأنّ الوجه في الاختلاف فيه: عدم اشتهار جابر بكنيته، بل باسمه وقبيلته، فكان كل واحد يكنيه بمن يعلم من أولاده، ولا أهمية لهذا الخلاف، إذ لم تقع كنيته في مورد يحتمل أن يكون قد أريد بها.

الجهة الثانية: قبيلته

جعفي قبيلة قحطانية يمنية تنتسب إلى (جعف بن سعد العشيرة من مذحج)، وقد قدم وفد منهم على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في عام الوفود وأسلموا وشاركوا في حرب القادسية وبقوا بعد الفتوحات في الكوفة، فكانوا حيّاً من أحيائها - على عادة القبائل في السكن

ص: 207


1- اختيار معرفة الرجال: 2/ 444/ 346.
2- ذكرها عبد الله بن عدي الجرجاني (ت 365ﻫ ) في الكامل في ضعفاء الرجال: 2/ 113.
3- يريد علي بن المديني (ت 234ﻫ ).
4- التاريخ الكبير: 2/ 210.
5- الجرح والتعديل: 2/ 497.
6- كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين: 1/ 208.

الجماعي - كما كان لسائر القبائل أحياء فيها مثل حي كندة. ولهذه القبيلة في حيّها بالكوفة مسجد يعرف بمسجد جعفي صلى فيه أمير المؤمنين (علیه السلام) ودعا فيه(1)، وذكر ابن سعد(2): أن عمرو بن شمر الجعفي - تلميذ جابر - كان إمام مسجد جعفي ستين سنة وكان قاصاً، ولعل عمرو بن شمر قام مقام جابر بعد وفاته (128 - 171ﻫ )، ولعله كان يؤم الناس في حياته أيضاً لترك جابر الجماعة احتياطاً.

ولا يبعد أن جابراً كان يؤم الناس في هذا المسجد.

وقد ورد في التاريخ عن عمران بن مسلم قال: (مرّ رجل من صحابة الحجاج على مؤذن جعفي وهو يؤذن، فأتى الحجاج فقال: ألا تعجب من أني سمعت مؤذناً يؤذن بالهجير قال: فأرسل فجاء به، فقال: ما هذا؟ قال: ليس لي أمرٌ، إنما سويد(3) الذي يأمرني بهذا، فأرسل إلى سويد، فجيء به، فقال: ما هذه الصلاة؟ قال: صليتها مع أبي بكر، وعمر، وعثمان...) الحديث(4).

وقد راج التشيع في الكوفة بعد وفود أمير المؤمنين (علیه السلام) واتخاذها عاصمة له، وتبليغه لحق أهل البيت (علیهم السلام) من على منبره في خطبه البليغة التي اعتنى الكوفيون بحفظها حتى جمع جملة منها الرضي في نهج البلاغة، وإليهم ينتمي جملة من أصحاب أمير المؤمنين والحسن وعلي بن الحسين والباقر والصادق ومن بعدهم _

ص: 208


1- لاحظ مزار بن المشهدي (ت ق6ﻫ ): 149، وفضل الكوفة ومساجدها له: 61، ومزار الشهيد: 270. ولاحظ ما في البحار: 80/ 360 عن كتاب الغارات في حديث عن علي (علیه السلام)، وعن التهذيب عن أبي جعفر (علیه السلام) أيضاً في ذكر المساجد المباركة بالكوفة حيث عدّ منها مسجد جعفي.
2- الطبقات الكبرى: 6/ 345.
3- هو سويد بن غفلة الجعفي (ت80ﻫ ) أبرز شخصية في قبيلة جعفي في عصره، وهو من أجلة أصحاب عبد الله بن مسعود ثم أمير المؤمنين (علیه السلام)، وقد حضر معه صفين، وقد عمّر أكثر من (120) عاماً.
4- تاريخ الإسلام: 6/ 77.

كما يظهر من ملاحظة رجال الشيخ وفهرسته، وفهرست النجاشي، كما كان في مواليهم أيضاً جماعة من الرواة والمحدثين، وقد استشهد بعض الباحثين على تشيع المتنبي بأنه من قبيلة جعفي(1).

وقد كان منهم وفي مواليهم قوم من الجمهور ذكرهم الجمهور في كتبهم، ومن أبرز مواليهم من علماء الجمهور (محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبه البخاري الجعفي)، صاحب الصحيح، فإنه جعفي بالولاء على ما صرحوا به.

الجهة الثالثة: عقب جابر الجعفي وقرابته

تشير كنى جابر إلى وجود أولاد له بعنوان (يزيد وعبد الله ومحمد) إلا أنه لم يذكر أيّاً منهم في الرواة والعلماء(2).

نعم، ظن بعض علماء الرجال أن (إسماعيل بن جابر) - أحد الرواة عن الإمامين الباقر والصادق (علیهما السلام) - هو ابن جابر الجعفي، كما عنّونه في رجال الكشي والبرقي والنجاشي والشيخ ومصادر أخرى(3)، وعليه جرى بعض

ص: 209


1- لاحظ أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين (ت 1371ﻫ ): 2/ 515.
2- نعم، ذكر بعض الأعلام - تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: 5/ 42 - (محمد بن جابر الجعفي) في ضمن الرواة. ولم يظهر له وجه بالتتبع، فإن عنوان (محمد بن جابر) وإن كان قد وقع في بعض أسانيد الخاصة والعامة، إلا أنه لم يظهر كونه الجعفي. وقد ذكر الشيخ في الرجال - في أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام): 279 -: (محمد بن جابر اليماني). وذكر الجمهور في رجالهم هذا الرجل مع آخرين ك-(محمد بن جابر بن عبد الله الأنصاري)، ووقع في بعض الأسانيد (محمد الجعفي عن أبيه) - كما في الكافي: 2/ 549 - وفسّر في بعض آخر ب-(محمد بن إبراهيم الجعفي) - كما في المحاسن: 2/ 493 ح584 -.
3- اختيار معرفة الرجال: 2/ 450. وأيضاً ذكره البرقي: ص: 12 في أصحاب أبي جعفر (علیه السلام) بعنوان (إسماعيل بن جابر الجعفي)، ولكنه ذكره في أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام): ص: 28 من دون نسبة، وأيضاً عنونه النجاشي في فهرسته: ص: 32 بعنوان (إسماعيل بن جابر الجعفي)، ولكن ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب أبي جعفر (علیه السلام) بعنوان (إسماعيل بن جابر الخثعمي)، وذكر أن له أصولاً رواها عنه - كما ذكر النجاشي - صفوان بن يحيى، وعاد وذكره مرة أخرى: ص: 160 في أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) بعنوان إسماعيل بن جابر الجعفي الكوفي. وذكره مرة ثالثة في أصحاب الكاظم (علیه السلام): ص: 331 بعنوان (إسماعيل بن جابر، روى عنهما (علیهما السلام) أيضاً). وذكره بنفس هذا العنوان في الفهرست: ص: 53 وقال: إن له كتاباً رواه عنه صفوان، فيظهر من ذلك أنه نفس الذي عنونه في أصحاب أبي جعفر (علیه السلام) بعنوان الخثعمي. وقد بنى السيد الخوئي (قدس سره) في معجمه: 4/ 34 على أن الرجل واحد، و (الخثعمي) تصحيف (الجعفي). هذا، وقد جرى العلامة في الخلاصة: ص: 54 والعلامة التفريشي في نقد الرجال: 1/ 212 على أنه الجعفي، ولكن جرى ابن داود في رجاله: ص: 50 على أنه الخثعمي. وبنى صاحب قاموس الرجال: (2/ 33) على أن إسماعيل بن جابر خثعمي من أصحاب الإمامين الباقر والصادق (علیهما السلام)، وأيضاً بنى على أن إسماعيل الجعفي هو ابن عبد الرحمن، وهذا قد ذكره الصدوق في المشيخة والشيخ والبرقي والنجاشي في عنوان ابن أخيه بسطام بن الحصين بن عبد الرحمن الجعفي. وقال (ص: 33 - 34): (ووصف الكشي والنجاشي والبرقي (إسماعيل بن جابر) ب- (الجعفي) وَهْمٌ. ونقلُ الكشي الخبر الأول من خبريه الذي بلفظ عن (إسماعيل بن جابر) في عنوانه (إسماعيل ابن جابر الجعفي) غلطٌ، كنقله خبره الثاني بلفظ (إسماعيل الجعفي) فالأول في (إسماعيل بن جابر الخثعمي)، لأن (إسماعيل بن جابر) ليس غيره، والثاني في (إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي) فلا ينطبق أحدهما على عنوانه، وكيف؟ ولا وجود له! وقال أيضاً (2/ 37): (والظاهر أن منشأ وَهْم الكشي والنجاشي: أنهما رأيا إسماعيل الجعفي ورأيا إسماعيل بن جابر ومعلوم أن جابر الجعفي معروف، فظنا أن الجعفي ابنه. والموضع مما استدللنا به على سقوط قولهم بترجيح قول النجاشي على قول الشيخ مطلقاً عند التعارض..).

الباحثين(1).

ولكن الظاهر أنه خطأ نشأ عن انسباق عنوان (جابر) إلى (الجعفي) في ذهن الكشي وسائر من أشير إليه، أو عن تحريف (الخثعمي) إلى (الجعفي)، فإنه ليس هناك أي شاهد على كون (إسماعيل) ابناً لجابر ولا من قبيلة جعفي، فلم ترد له أية رواية

ص: 210


1- لاحظ كتاب جابر بن يزيد جعفي ص:49 لسعيد طاووسي مسرور، باللغة الفارسية.

عن جابر، ولا وصف بالجعفي في أي موضع عدا موردين يتوقع وقوع الخطأ فيهما(1)، ولا ذكر اسمه ثلاثياً بأن يقال: (إسماعيل بن جابر بن يزيد)، كما هو المتعارف في سائر أولاد الأعلام من وقوع ذلك في بعض موارد ذكرهم مثل (عبيد بن زرارة) فيقال: (عبيد بن زرارة بن أعين)، أو (عبد الله بن بكير بن أعين).

هذا, وقد يدعى أن (ابن مسكان) ابن أخي جابر، فقد ذكر ابن إدريس في موضعٍ من مستطرفات السرائر - فيما استطرفه من كتاب نوادر المصنَّف لمحمد بن علي ابن محبوب - عند ذكر ابن مسكان ما لفظه: (قال محمد بن إدريس: واسم ابن مسكان: الحسن، وهو ابن أخي جابر الجعفي، غريق في الولاء لأهل البيت (علیهم السلام))(2).

وهذا خطأ منه، فإن (ابن مسكان) هو (عبد الله) وهو من الموالي، فهو مولى عنزة كما ذكر البرقي والشيخ في رجاله، والنجاشي(3).

ص: 211


1- أحدهما: في الفقيه: 3/ 341 حديث: 4808 ط. منشورات مؤسسة الأعلمي، بيروت- لبنان، رواها الصدوق بإسناده عن جميل بن دراج، عن إسماعيل بن جابر الجعفي عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: ((خمس يطلقن على كل حال، الحامل المتبين حملها..)). ولكن وردت الرواية في الكافي: 6/ 79 باب طلاق الغائب عن (إسماعيل الجعفي) وقد رواها عنه جميل بن دراج، ورواها عنه كل من: أحمد بن محمد بن أبي نصر، وجعفر بن سماعة، ومحمد بن أبي عمير، وكذلك في الاستبصار: 3/ 294، والتهذيب: 8/ 61. فكأنّ كلمة (ابن جابر) إضافة من الصدوق أو بعض نساخ الفقيه. والآخر في تفسير العياشي: (عن إسماعيل بن جابر الجعفي عن أبي عبد الله (علیه السلام) ..). 2/ 147 ح26. وقد وردت في روضة الكافي: 8/ 283 حديث: 427 عن إسماعيل الجعفي، باختلاف يسير. وقد رواها معه: (عبد الكريم بن عمرو، وعبد الحميد بن أبي الديلم). والظاهر أن ما في تفسير العياشي أيضاً من انسباق لفظ جابر إلى الجعفي.
2- مستطرفات السرائر: 189. تحقيق السيد محمد مهدي الخرسان.
3- لاحظ رجال النجاشي: 214 رقم: 559.

وقال إسحاق ابن راهويه في مسنده (ت 238ﻫ ): (ذكر لنا عن شريك، عن جابر الجعفي، عن خالته أم عثمان، عن الطفيل بن أخي جويرية، عن جويرية، عن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال: من لبس الحرير في الدنيا ألبسه الله [ثوباً] من النار)(1).

وذُكر لجابر في بعض أسانيد العامة خالة يروي عنها كما روى ابن عساكر (ت571ﻫ ) بإسناده عن (أبي القاسم إسماعيل بن أحمد، أنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن النقور، أنا أبو طاهر المخلص، أنا أبو بكر أحمد بن عبد الله بن سيف، نا أبو عبيدة التميمي، نا شعيب بن إبراهيم التيمي، نا سيف التميمي، نا جابر بن يزيد الجعفي، عن أم جهيش خالته إحدى بني جذيمة، قالت: بينا نحن بدثينة بين الجند وعدن، إذ قيل هذا رسول رسول الله - صلى الله عليه ]وآله[ وسلم -...)(2).

الجهة الرابعة: مشايخه في العلم

تتلمذ جابر عند أغلب الوجوه البارزة من التابعين من الطبقة السابقة عليه وأخذ منهم الحديث، وقد جاء في تراثه عند الجمهور روايته عن الإمام محمد بن علي الباقر (صلوات الله وسلامه علیه). ومن الصحابة: أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، وجابر بن عبد الله

- على احتمال غير راجح، كما سيأتي - ومن التابعين: تميم بن حذيم، وثابت بن أبي صفية (أبو حمزة الثمالي)، وسويد بن غفلة، وعبد الله بن يحيى الحضرمي، وأبو حريز عبد الله بن الحسين قاضي سجستان، والحارث بن مسلم، وخيثمة بن أبي خيثمة البصري، وزيد العمي، وسالم بن عبد الله بن عمر، وطاووس بن كيسان، وعامر بن شراحيل الشعبي، وعبد الله بن نجي، وعبد الله بن عبد الرحمان بن الأسود بن يزيد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وعمار الدهني،

ص: 212


1- مسند إسحاق بن راهويه: 4/ 250 ح2073.
2- تاريخ مدينة دمشق: 58/ 414.

والقاسم بن عبد الرحمان بن عبد الله بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ومجاهد بن جبر، ومحمد بن قرظة الأنصاري، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي، وأبو الضحى مسلم بن صبيح، وأبو عازب مسلم بن عمرو، والمغيرة بن شبيل.

وأما تراثه عند الإمامية فإن جلّه عن الإمامين الباقر والصادق (علیهما السلام)، ولكن وردت له روايات مرسلة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، أو عن طريق آخرين من الصحابة والتابعين، وإن كانت غالب أسانيد هذا القسم من رواياته ينتهي إلى طرق الجمهور.

فقد روى مرسلاً عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) روايتين، وواحدة عن أمير المؤمنين (علیه السلام)، وروى روايتين عن الإمام علي بن الحسين (علیهما السلام)، وعن الإمام الباقر (علیه السلام) ما يزيد على أربعمائة وخمسين رواية، وعن الإمام الصادق (علیه السلام) ما يزيد على ثمانين رواية.

وروى عن جماعة من الصحابة والتابعين، روايات أسانيد كثير منها عامية، فروى عن جابر بن عبد الله الأنصاري مباشرة اثنتي عشرة رواية، وروايتين بتوسط أبي الزبير المكي، ورواية واحدة بتوسط أبي نصرة [أبي حمزة]، ورجل، وروى أربع روايات عن عبد الله بن نجي الحضرمي [الكندي]، وروى ثلاث روايات عن الشعبي، وسعيد بن المسيب، ورواية واحدة عن كل من: أبي حمزة الثمالي، وأبي الطفيل، وشرحبيل بن سعد الأنباري، ومسافر، وعبد الأعلى، ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن سابط، وإبراهيم القرشي، وتميم بن جذيم، وعكرمة، وسويد بن غفلة، ومجاهد، والهيثم بن عبد العزيز، وأرسل عن المسيب بن نجية رواية واحدة، ورفع رواية عن أبي مريم.

وسيأتي تفصيل الكلام في ذلك في المقام الرابع إن شاء الله تعالى.

الجهة الخامسة: في ولادة جابر ووفاته وعمره

ولنقدم الكلام في وفاته لتعرض مترجميه لها، فنقول: في تاريخ وفاته (رحمة الله) أقوال:

الأول: ما هو المشهور بين رجاليي الخاصة والعامة من أن تاريخ وفاته سنة

ص: 213

128ﻫ، وعليه النجاشي(1) والشيخ ناسباً ذلك إلى ابن حنبل (ت 241ﻫ )(2)، وذكره أيضاً محمد بن سعد (ت 230ﻫ )(3)،

والبخاري (ت 256ﻫ )(4)، وابن حبّان (ت 354ﻫ )(5)، والفضل بن دكين أبو نعيم (ت 218 أو 219ﻫ ) - كما في الكامل(6) -، وأبو موسى محمد بن المثنى (ت 252 ﻫ )(7)، وآخرون.

الثاني: ما عن مطين(8) عن المفضل بن صالح من أنه توفي (سنة 127 ﻫ )(9).

الثالث: ما عن ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين من أنه توفي (سنة 132ﻫ )(10).

الرابع: ما ذكره الدميري (ت808ﻫ ) من أنه توفي سنة ست وستين ومائة(11)، وكأنّ كلمة (ستين) غلطٌ، والصواب (سنة ست وعشرين).

وقد رجّح القول الثالث بعض الباحثين(12) استناداً إلى رواية رواها الكشي، وهو محل نظر.

وتفصيل ذلك: إن ما يمكن أن يؤيد به هذا القول أمور:

ص: 214


1- رجال النجاشي: 128 رقم: 332.
2- رجال الطوسي: 129.
3- الطبقات الكبرى: 6/ 345.
4- التاريخ الكبير: 2/ 210.
5- كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين: 1/ 208.
6- الكامل في ضعفاء الرجال لعبد الله بن عدي الجرجاني (ت 365ﻫ ): 2/ 114. تلميذ سفيان الثوري، كما في تهذيب التهذيب: 8/ 243.
7- الكامل في ضعفاء الرجال: 2/ 117. سمع سفيان بن عيينة كما في تاريخ بغداد: 4/ 51.
8- هو أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الكوفي (ت 297ﻫ ). سير أعلام النبلاء: 14/42.
9- تهذيب التهذيب: 2/ 42.
10- المصدر السابق: 2/ 42.
11- حياة الحيوان الكبرى: 1/ 451.
12- لاحظ جواهر التاريخ: 5/ 159.

الأول: ما رواه الكشي عن (جبريل بن أحمد(1)،

حدثني الشجاعي(2)، عن محمد ابن الحسين(3)، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، قال: دخلت على أبي جعفر (علیه السلام) وأنا شاب، فقال: ((من أنت؟)). قلت: من أهل الكوفة، قال: ((ممن؟)). قلت: من جعفي، قال: ((ما أقدمك إلى هاهنا؟)). قلت: طلب العلم، قال: ((ممن؟)). قلت: منك، قال: ((فإذا سألك أحد من أين أنت؟ فقل من أهل المدينة)). قال، قلت: أسألك قبل كل شيء عن هذا، أيحل لي أن أكذب؟ قال: ((ليس هذا بكذب من كان في مدينة فهو من أهلها حتى يخرج)). قال: ودفع إليّ كتاباً وقال لي: ((إن أنت حدثت به حتى تهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي، وإذا أنت كتمت منه شيئاً بعد هلاك بني أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي، ثم دفع إليّ كتاباً آخر، ثم قال: وهاكَ هذا فإن حدثت بشيء منه أبداً فعليك لعنتي ولعنة آبائي))(4).

وهذه الرواية رواها ابن شهرآشوب عن أبي كهمس وليس فيها هذه التتمة: (قال

ص: 215


1- قال الشيخ في رجاله في باب من لم يروِ عنهم (علیهم السلام) ص: 418 (جبريل بن أحمد الفاريابي، يكنى أبا محمد، وكان مقيماً بكش، كثير الرواية عن العلماء بالعراق وقم وخراسان). وقد روى عنه الكشي كثيراً من دون واسطة.
2- كأنه (علي بن محمد بن الشجاع) الذي ذُكر في بعض أسانيد الكشي بهذا العنوان كما في ترجمة سلمان، وفي بعضها بعنوان (علي بن شجاع) كما في ترجمة ريان بن الصلت، وذكره الشيخ في رجاله [ص: 400] في أصحاب أبي محمد الحسن العسكري (علیه السلام) . وعلى أي حال فالرجل مهمل.
3- قال النجاشي: (محمد بن الحسين بن أبي الخطاب أبو جعفر الزيات الهمداني - واسم أبي الخطاب زيد - جليل من أصحابنا، عظيم القدر، كثير الرواية، ثقة، عين، حسن التصانيف، مسكون إلى روايته). فهرست أسماء مصنفي الشيعة ص: 334. وقال الشيخ في الفهرست ص: 215 (محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، كوفي، ثقة).
4- اختيار معرفة الرجال: 2/ 438 ح339.

كهمس [هكذا في المصدر، والصواب أبو كهمس(1) بشهادة ما ورد في الأسانيد(2)]: (قال لي جابر الجعفي: دخلت على أبي جعفر (علیه السلام) فقال لي: ((من أين أنت؟)) فقلت: من أهل الكوفة، قال: ((ممن؟)). قلت: من جعف، قال: ((ما أقدمك إلى هاهنا؟)) قلت: طلب العلم، قال: ((ممن؟)). قلت: منك، قال: ((إذا سألك أحد من أين أنت؟ فقل: من أهل المدينة))، قلت: أيحل لي أن أكذب؟ قال: ((ليس هذا كذباً من كان في مدينة فهو من أهلها حتى يخرج))(3).

وهذه الرواية..

أولاً: ضعيفة سنداً ولا أقل بعمرو بن شمر والشجاعي.

وثانياً: إن في الذيل المذكور غرابة من جهات:

منها: أنه لم يعهد في الآثار الصحيحة أن الأئمة (علیهم السلام) دفعوا لأحد من أصحابهم كتاباً، بل كان أصحابهم أحياناً يكتبون ما يذكرونه.

ومنها: أن مقتضى مساق الرواية أن ذلك كان في أول لقاء للإمام (علیه السلام) بجابر، ومن ثَمَّ سأله عن اسمه وموطنه وقبيلته، فكيف يثق به حتى يعطيه كتاباً ويجعله من أصحاب سره!!

ومنها: أن ما ذكره عنه (علیه السلام): ((إن أنت حدّثت به حتى تهلك بنو أمية فعليك لعنتي ولعنة آبائي...))، بعيد عن أسلوب الإمام (علیه السلام) وأدبه، بل كانوا يقولون تعريضاً لمن يترك التقية وبثّ أسرارهم: ((إن التقية ديني ودين آبائي))، وأنه ((لا دين لمن لا تقية له))، وإنما هذه التعابير من أساليب الغلاة في كيفية سترهم لأسرارهم.

وعليه فلا يبعد كون الزيادة في الحديث من جهة (عمرو بن شمر) الذي اتهم بالزيادة في كتب جابر وأحاديثه أو بعض من بعده، ومن عادة الضعفاء الإضافة على

ص: 216


1- هو هيثم (الهيثم) بن عبد الله أبو كهمس، كوفي، عربي. رجال النجاشي: 436.
2- يلاحظ على سبيل المثال الكافي: 2/ 78، 104، 235، 485، 608.
3- مناقب آل أبي طالب: 3/ 331.

الروايات المعهودة حتى تنال التصديق تبعاً.

وعليه فلا اطمئنان بذيل الرواية الذي انفرد به عمرو بن شمر.

الثاني: إن اليعقوبي المؤرخ (ت284ﻫ ) عَدّ جابر الجعفي من الفقهاء في عهد أبي العباس السفاح الذي تولى الخلافة سنة (132ﻫ )(1)، كما عدّه من الفقهاء في أيام مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية(2).

ولكن في الاعتماد على قول اليعقوبي هذا في مقابل قول غيره من المؤرخين وعلماء الرجال، نظر، لاسيما أنّ عَدَّ جابر من الفقهاء في أيام السفاح غير وجيه حتى لو كان قد توفى في نفس سنة خلافته.

الثالث: ما ورد من رواية أحداث أصحاب الصادق (علیه السلام) عنه مثل:

1. عبد الله بن سنان.

2. هارون بن خارجة.

3. حميد بن المثنى أبو المغرا العجلي.

4. مرازم بن حكيم الأزدي المدائني.

5. مثنى بن الوليد الحناط.

6. سيف بن عميرة النخعي.

7. محمد بن الفضيل بن كثير الصيرفي.

8. نصر بن قابوس اللخمي القابوسي، إلى غير هؤلاء من الرجال.

هذا، ولكن الظاهر عدم إدراك جمع من هؤلاء لجابر ولو كانت وفاته (132ﻫ )، ولا يبعد وقوع سقط في أسانيد هذه الروايات، فإن أسانيد الروايات عن جابر يكثر الخلل فيها. وسيأتي تحقيق ذلك في المقام الرابع إن شاء الله تعالى.

ص: 217


1- تاريخ اليعقوبي: 2/ 363.
2- المصدر نفسه: 2/ 348.

فالأرجح ما عليه قول المشهور.

وأما الكلام على ولادته فالواقع أنه لم يتعرض أحد لذكرها شأن ولادة أغلب الرواة، كما لم يحدد له عمر يستنبط منه سنة ولادته - كما يذكر في بعض الرواة -، ولا شك أن جابراً لم يخترم مبكراً كأن يكون قد توفي عن أربعين سنة أو دونها مثلاً، وإلا لذكر ذلك في شأنه لاسيما مع شهرته، بل الظاهر أنه عاش عمراً طبيعياً على الأقل بحدود (60 سنة)، فإنه كان من مشايخ أهل الحديث في طبقته، وعليه فلا بدَّ أن يكون مولوداً سنة (70ﻫ )على أقل تقدير، ولا يبعد أن تكون ولادته حدود (60 - 65ﻫ ).

وربما قيل: (إنّه يمكن تعرف عصر مولده مما اتفق عليه الأكثرون، من أنه مات سنة ثمان وعشرين ومائة، وأيضاً من كونه شيخاً كبير السن حين مات، وهو في العادة ابن ثمانين أو قبله أو بعده بقليل. ومن أنه روى عن غير واحد من الصحابة وأكابر التابعين، كما سيأتي ذكرهم. ومن كونه تابعياً، كما صرح به الشيخ في أصحاب الصادق (علیه السلام) بقوله: (تابعي أسند عنه)، وقد عدّ جماعة من نظرائه من أصحاب الصادق (علیه السلام) من التابعين مثل أبي حمزة الثمالي، وإسماعيل بن عبد الرحمان الكوفي، وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي (علیهما السلام)، وغيرهم كما في مناقب ابن شهرآشوب في أصحابه (علیه السلام) من التابعين. وغير ذلك من الشواهد التي ستعرفها إن شاء الله. وعلى هذا فهو على الظاهر من مواليد سنة خمسين أو قبيل ذلك أو بعيدها)(1).

أقول: لم يثبت بلوغ جابر حدود الثمانين حتى تكون ولادته سنة (50ﻫ ) تقريباً، فإنه لو بلغها لنبهوا عليه عادة - لاسيما في مثله من المشاهير -. ولم أقف على ذكر كونه

(شيخاً كبير السن حين مات) في كلمات الفريقين.

ص: 218


1- تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: 5/ 45.

وأما عدّه من التابعين فلا يدل عليه، فإن التابعي عندهم من أدرك الصحابة وقد عدّهم ابن حجر طبقات أربع(1):

الأولى: طبقة كبار التابعين كسعيد بن المسيب (ت 93ﻫ ).

الثانية: الطبقة الوسطى من التابعين، كالحسن بن أبي الحسن البصري واسم أبيه يسار الأنصاري (ت 110ﻫ )، ومحمد بن سيرين الأنصاري (ت 110ﻫ ).

الثالثة: الطبقة الصغرى منهم، الذين رأوا الواحد والاثنين، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة كالأعمش (61 - 148ﻫ ).

الرابعة: عاصروا الطبقة الثالثة ولكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة كابن جريج(2) (ت150ﻫ )، وعدّ بعدهم طبقة تابعي التابعين كالإمام الصادق (علیه السلام) (83 - 148ﻫ )، ومالك (94-179ﻫ ) والثوري (ت161ﻫ )، وأيوب السختياني (68 - 131ﻫ )(3)،

وعبد الله بن عون بن أرطبان (66 - 151ﻫ )(4)، وغيرهم.

وقد علم أن من الصحابة من بقي حتى بعد المائة كأبي الطفيل عامر بن واثلة، وقد عدّ من التابعين مثل هشام بن عروة بن الزبير (60 - 145ﻫ )(5)، وحميد بن أبي حميد الطويل (68 - 143ﻫ )(6)، وقتادة بن دعامة البصري (61 - 117ﻫ )(7)،

ص: 219


1- لاحظ تقريب التهذيب: 1/ 25-26.
2- هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج, ويكنى أبا الوليد أو أبا خالد, مولى أمية ابن خالد ابن اسيد القرشي. لاحظ مشاهير علماء الأمصار: 230.
3- المصدر السابق: 237.
4- المصدر السابق: 238.
5- المصدر السابق: 130.
6- المصدر السابق: 150.
7- المصدر السابق: 153.

وسليمان بن مهران الأعمش (61 - 148ﻫ )(1)، ويزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني الأشعري (60 - 130ﻫ )(2).

فعدّه من التابعين لا يدل على تولده في حدود (سنة 50ﻫ )، فهذا أبو حمزة الثمالي (ت150ﻫ ) وأدرك علي بن الحسين (علیهما السلام) إدراكاً بيّناً، وروى عنه روايات مشهورة، كما أدرك بعضاً آخر من الصحابة مثل أنس بن مالك (ت91ﻫ )(3) وغيره، مع ذلك فالظاهر أنه ليس مولوداً سنة (50ﻫ )، وإلا لكان قد عاش مائة سنة وهو ما لم يُذكر رغم شهرته وذكره في رجال العامة.

وأما جابر فلم يثبت في شأنه مثل ذلك، بل أغلب من روى عنهم ممن توفي حوالي المائة كالقاسم بن محمد بن أبي بكر (ت 102ﻫ )(4)، وعامر الشعبي (ت103ﻫ )، ومنهم من توفي بعدها كأبي الطفيل (ت 110ﻫ )،

هذا، وقد ينقض على ما ذكرناه بورود روايته عن بعضٍ مما يقتضي تقديم سنة ولادته، وذلك عن ثلاثة:

1. ما ذكره بعض الأعلام(5) من روايته عن زينب العقيلة كما في الفقيه حيث ذكر الصدوق: (وروي عن إسماعيل بن مهران، عن أحمد بن محمد، عن جابر، عن زينب بنت علي (علیهما السلام) قالت...)(6).

وهذه الرواية - إن سلمنا بهذا الإسناد - مرسلة جزماً فإن العقيلة (صلی الله علیه و آله و سلم) كانت وفاتها - على المشهور - سنة (62ﻫ )، فلا يمكن أن يروي جابر عنها حتى لو كانت ولادته بحدود ال-(50ﻫ ).

ص: 220


1- المصدر السابق: 179.
2- المصدر السابق: 191.
3- المصدر السابق: 65.
4- المصدر السابق: 105.
5- لاحظ تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: 5/ 56.
6- من لا يحضره الفقيه: 3/ 567 ح4940.

على أن الظاهر وقوع تحريف وسقط في هذا الإسناد، كما تنبّه له العلامة المجلسي الأول (رضوان الله علیه)، حيث قال: (والظاهر عن أحمد بن محمد الخزاعي، عن محمد بن جابر، عن زينب، كما هو في العلل(1).

وسيجيء في الفهرست(2):

عن محمد بن جابر، عن عبّاد العامري، عن زينب بنت علي (علیه السلام))(3).

هذا، وقد وردت رواية جابر الجعفي لهذه الخطبة في دلائل الإمامة عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (علیه السلام) (4).

2. روايته عن جابر بن عبد الله الأنصاري (ت 78ﻫ ).

فقد وردت رواية جابر بن يزيد الجعفي مباشرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري في جملة من أسانيده العامية في كتب الإمامية في عدة مواضع في أمالي الصدوق(5)، وفي كمال الدين وتمام النعمة(6)، وفي معاني الأخبار(7)، وفي الفقيه(8)، وذكر الصدوق طريقه في المشيخة إلى جابر بن عبد الله الأنصاري عن طريقه(9)، وفي نوادر

ص: 221


1- والملاحظ أنه في الأقراص الليزرية - مكتبة أهل البيت الإصدار الثاني، ونور2، والأنوار الرضوية، والجامع الفقهي - عن أحمد بن محمد بن جابر. علل الشرائع: 1/ 248 ح2. والصحيح ما في نسخة العلامة المجلسي الأول (رضوان الله علیه) بشهادة ما في مشيخة الفقيه.
2- قال الصدوق: (وما كان فيه عن إسماعيل بن مهران من كلام فاطمة (صلی الله علیه و آله و سلم) فقد رويته عن محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه، عن علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران، عن أحمد بن محمد الخزاعي، عن محمد بن جابر، عن عبّاد العامري، عن زينب بنت أمير المؤمنين (علیهما السلام)). من لا يحضره الفقيه: 4/ 531.
3- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: 9/ 276.
4- دلائل الإمامة: 110.
5- ص: 184 و187.
6- ص: 253 و286 و394.
7- ص: 55.
8- من لا يحضره الفقيه: 4/ 413 ح5901.
9- المصدر السابق: 4/ 445.

المعجزات(1)، وفي مستدرك الوسائل(2) نقلاً عن كتاب عمل شهر رمضان للسيد ابن طاووس.

ولو ثبتت هذه الرواية اقتضى تقديم ولادة جابر عمّا قدرناه من سنة (60ﻫ ) تقريباً، لأن عمره يكون حين وفاة جابر بن عبد الله الأنصاري ثماني عشرة سنة، وهذا العمر من غير المتعارف فيه تحمل الرواية، ولو حصل هكذا شيء لنبه عليه الرجاليون لأنه نادر الوقوع. وعليه فالمناسب أن تكون ولادته حدود نيّف وخمسين.

وهناك مورد آخر: وهو ما رواه قطب الدين الراوندي عن (دعبل الخزاعي قال: حدثني الرضا، عن أبيه، عن جده (علیهم السلام) قال: كنت عند أبي الباقر (علیه السلام) إذ دخل عليه جماعة من الشيعة وفيهم جابر بن يزيد، فقالوا: هل رضي أبوك علي (بن أبي طالب) (علیه السلام) بإمامة الأول والثاني؟ فقال: اللهم لا. قالوا: فَلِمَ نكح من سبيهم خولة الحنفية إذا لم يرضَ بإمامتهم؟ فقال الباقر (علیه السلام): امضِ يا جابر بن يزيد إلى (منزل) جابر بن عبد الله الأنصاري فقل له: إن محمد بن علي يدعوك...)(3) إلى آخر الرواية وهي طويلة وفيها كرامة لجابر بن عبد الله الأنصاري.

وهذه الرواية الأخيرة:

أولاً: ضعيفة بالإرسال.

وثانياً: إنها مخالفة للواقع التاريخي، لأن مقتضاها أن الإمام الصادق كان عند أبيه (علیهما السلام) عند دخول وفد الشيعة عليه، مع أن ولادته (علیه السلام) كانت بعد وفاة جابر بن عبد الله الأنصاري بخمس سنوات، إذ إنّ ولادته المباركة كانت (عام 83ﻫ ).

والجواب عن الموارد الأُوَل: أن الوثوق بهذه الموارد بعيد، بالنظر إلى مجموع أمور:

ص: 222


1- ص: 30.
2- مستدرك الوسائل: 6/ 455.
3- الخرائج والجرائح: 2 / 589 -593 فصل في أعلام الإمام محمد بن علي بن الحسين الباقر (علیهم السلام) ح1.

أ. عدم وجود شواهد أخرى على حكاية جابر الجعفي عن آخرين من طبقة جابر الأنصاري، فهذه الحالة مفردة.

ب. إنّ لجابر بن عبد الله الأنصاري روايات كثيرة في كتب الجمهور، ولم ترد رواية جابر الجعفي عنه إلا بالواسطة.

كما روى عنه بالواسطة في جملة من روايات الخاصة، فقد وردت روايته عن جابر بن عبد الله الأنصاري بتوسط الإمام الباقر (علیه السلام) في الكافي(1)

وفي علل الشرائع(2)، وأبي الزبير المكي في أمالي الصدوق(3) وفضائل الأشهر الثلاثة(4)، وعن رجل في مستدرك الوسائل نقلاً عن آخر كتاب أبي جعفر محمد بن المثنى ابن القاسم الحضرمي(5).

ج. ضعف الإسناد في الموارد المذكورة إلى جابر الجعفي بمثل عمرو بن شمر، والمفضل بن عمر، وأبي جميلة المفضل بن صالح، وغيرهم، ومثل هؤلاء الضعفاء ممن لا وثوق بما تنفرد به أسانيدهم، إذ لا أقل من احتمال التدليس فيها.

د. إنّ جابر الأنصاري كان في المدينة وجابر الجعفي كان في الكوفة، ولم يذكر سفر جابر إلى المدينة في هذا التاريخ وإنما ورد في بعض رواياته سفره في زمان إمامة الإمام الباقر (علیه السلام)، وكأنه كان بعد شهادة أبيه السجاد (علیه السلام) عام (95ﻫ ).

ص: 223


1- 3/ 233 و5/ 528.
2- 1/ 183.
3- ص: 73.
4- ص: 139.
5- 2/ 470.

3. روايته عن محمد بن الحنفية المتوفى على الأرجح سنة (81 ﻫ )(1)،

كما وقع في عدّة موارد:

الأول: ما في مصنف عبد الرزاق الصنعاني في أن (المؤذن المحتسب كالشاهر سيفه في سبيل الله)(2).

ولو تمت هذه الرواية لكان ذلك مقرباً لولادة جابر قبل سنة (60) ك- (55) مثلاً حتى يكون عمره (26 سنة) مثلاً.

ولكن الوثوق بهذا الإسناد مشكل، ولاسيما أن جابراً كان بالكوفة وكان ابن الحنفية بالمدينة ثم برضوى وتوفي بها.

ومن المحتمل أن تكون الرواية في الأصل عن (محمد بن علي) من غير تقييد، وقد أريد به الباقر (علیه السلام) - كما يتكرر في أسانيد جابر -، إلا أن عبد الرزاق لما وجد رواية (جابر عن محمد بن علي) ظن أن المراد به (ابن الحنفية) لشهرته.

وقد وردت في المحاسن رواية هذا الحديث عن جابر عن محمد بن علي من غير تقييد ب- (ابن الحنفية)، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث روى البرقي عن عبيد بن يحيى بن المغيرة، عن سهل بن سنان، عن سلام المدايني، عن جابر الجعفي، عن محمد بن علي، قال: ((رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): المؤذن المحتسب كالشاهر بسيفه في سبيل الله، القاتل بين صفين))(3).

ص: 224


1- الطبقات الكبرى لابن سعد (ت 230 ﻫ ): 5/ 116. قال ابن سعد: (أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا زيد بن السائب قال سألت أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية أين دفن أبوك؟ فقال: بالبقيع. قلت: أي سنة؟ قال: سنة إحدى وثمانين في أولها وهو يومئذ ابن خمس وستين لا يستكملها). وقال المزي في تهذيب الكمال: 26/ 152 (ومات برضوى سنة ثلاث وسبعين، ودفن بالبقيع، وقيل: مات سنة ثمانين، وقيل: سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، وهو ابن خمس وستين).
2- المصنف: 1/ 485.
3- المحاسن: 1/ 48 باب: 51 (ثواب الأذان) ح68.

ويحتمل إرسال جابر الرواية عن ابن الحنفية، وكان ذلك أمراً متعارفاً، أو يكون قد سقط الواسطة فيكون الأصل مثلاً: (جابر عن محمد بن علي عن ابن الحنفية) - كما روى عن ابن الحنفية في مورد بتوسط الإمام الباقر (علیه السلام) (1)

- فدمج بعضهم الاسمين الأخيرين بتصور أن (عن) بينهما خطأ لوحدة العنوانين، والله العالم.

الثاني: ما ذكره المقريزي (ت845ﻫ ) بقوله: (وقال سيف(2): عن جابر بن يزيد عن محمد بن علي ابن الحنيفة قال: دخل القبر العباس وعلي والفضل وعبد الرحمن ابن عوف - رضي الله تبارك وتعالى عنهم - وكان بعض الأخوال يدخل مع العمومة القبر)(3).

وهذا الحديث ضعيف من أكثر من جهة:

الأولى: الإرسال بين المقريزي وبين سيف بن عمر.

الثانية: إن (سيف) قد ضعّفه عامة رجالي العامة، وذكروا في ترجمته أنه يروي الموضوعات، وقد اتهم بالزندقة(4).

والحاصل: إن هذا الحديث لا يثبت.

الثالث: ما ورد من حكاية منازعة الإمام زين العابدين مع محمد بن الحنفية(5) وسوف نتعرض له في الحديث عن إمكان روايته عن الإمام السجاد (علیه السلام) ونذكر النظر فيه هناك.

ص: 225


1- يلاحظ إقبال الأعمال: 2/ 37.
2- هو سيف بن عمر التميمي البرجمي، ويقال: السعدي، ويقال: الضبي، ويقال: الأسدي، الكوفي صاحب كتاب (الردة والفتوح). بقرينة بقية الأسانيد كما في تاريخ مدينة دمشق: 58/ 414.
3- إمتاع الأسماع: 14/ 587.
4- لاحظ كتاب المجروحين: 1/ 345، والكامل في ضعفاء الرجال: 3/ 435، وتهذيب الكمال: 12/ 324، وتهذيب التهذيب: 4/ 259.
5- مناقب آل أبي طالب: 3/ 288.

3. روايته عن سعيد بن المسيب (ت93ﻫ )، وقد وقعت روايته عنه في بعض أسانيده العامية في كتب الإمامية(1)

مما في طريقه مثل محمد بن سنان، والمفضل بن عمر، ممن لا وثوق به.

الجهة السادسة: من روى عنه من أئمة أهل البيت (علیهم السلام)

قد عدّ أصحابنا جابر في أصحاب الباقر والصادق (علیهما السلام) فقد عدّه البرقي (ت274ﻫ ) في رجاله من أصحابهما(2)، وقال النجاشي: (لقي أبا جعفر وأبا عبد الله (علیهما السلام) (3)، وذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله (علیهما السلام)، وقال في الموضع الثاني: (جابر بن يزيد، أبو عبد الله الجعفي، تابعي، أسند عنه، روى عنهما (علیهما السلام))(4).

وقد يتراءى من عبارة النجاشي في ذكره لقاء جابر مع الإمامين الباقر والصادق (علیهما السلام) أنه يشك في روايته عنهما، لذا قد يقال: (ولعله نشأ مما رواه الكشي [ص 191 / ر 335] عن حمدويه وإبراهيم ابني نصير، عن محمد بن عيسى، عن علي ابن الحكم، عن ابن بكير، عن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن أحاديث جابر، فقال: ((ما رأيته عند أبي (علیه السلام) قط إلا مرة واحدة، وما دخل عليّ قط))(5).

وقد أورد عليه: (بمخالفته لضرورة كونه من أصحابهما (علیهما السلام)، وروايته عنهما مؤوّل، أو أنه من الأغلاط التي أشار إليها النجاشي في ترجمة الكشي عند ذكر كتابه بقوله: (وفيه أغلاط كثيرة) ولو صدر عنه (علیه السلام) مثله لشنّع به الأعداء).

ص: 226


1- لاحظ أمالي الصدوق: 78، وكمال الدين وتمام النعمة: 256، ودلائل الإمامة: 62.
2- لاحظ رجال البرقي: 9 و16.
3- لاحظ رجال النجاشي: 128.
4- رجال الطوسي: 129 و176.
5- تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: 5/ 59.

وأقول: إن هذه الرواية لا تنفي روايته عن الباقر والصادق (علیهما السلام)، إذ المفروض فيها إثبات لقائه للباقر (علیه السلام) ولو لمرة واحدة، ولا ينفي وقوع اللقاء معه في تلك المرة، ولا وقوع لقائه معهما وروايته عنهما من غير الدخول على أحدهما كما لو لقيهما في المسجد النبوي أو المسجد الحرام مثلاً.

نعم، هذه الرواية تقتضي نفي علاقته بالإمامين (علیهما السلام) وروايته عنهما بما لا يزيد على مقتضى الجلسة الواحدة، إلا أن يكون عرضياً خارج الدار.

والأقرب أن مبنى كلام النجاشي هو تضعيفه لجابر، فلا يحصل الوثوق بما زعمه من روايته عن الإمامين (علیهما السلام)، وحينئذ فيكون الاستناد إلى هذه الرواية في إثبات لقائه لا نفي روايته. نعم، يمكن أن تكون هذه الرواية من جملة مبادئ هذا التضعيف، لما ثبت عن جابر من روايات تقتضي أزيد مما جاء في هذه الرواية، وهي تنفي ذلك.

وعليه لا يصح مصادمته بروايته عن الإمامين (علیهما السلام) بالضرورة، فإنه لا ضرورة في البين عدا حكاية جابر وتلامذته الضعفاء، ولا باتفاق العلماء، فإن المقدار المحرز اتفاق من يوثقه ويصدقه فيما ينقله من روايته لا من يضعفه، فإن من يضعف الراوي لو ذكر روايته عن الإمام (علیه السلام) فهو ناظر إلى ما يرد به الإسناد، كما هو المنظور العام في ذكر أصحاب الأئمة (علیهم السلام)، وإلا فلا سبيل إلى إثبات رواية كل من روى عن الإمام شيئاً فعلاً.

وأما حديث احتمال الخطأ في نسخة الكشي في هذه الرواية فلا يغفل عنه النجاشي المنبه على أصل ظاهرة الأخطاء فيه، ولكنه قد يكون مرهوناً بوجود كيفية مناسبة لوقوع الخطأ مثل تحريف لفظة بأخرى، أو زيادة كلمة ونحو ذلك، وليس هناك كيفية مناسبة تفرض للخطأ في هذه الرواية.

هذا، ولكن الإنصاف أنه لا يبعد الوثوق برواية جابر عن الإمامين (علیهما السلام) على كل حال - حتى لو قيل بضعفه -، لأن جملة من روايات جابر عن الإمام الباقر (علیه السلام) لدى

ص: 227

الفريقين(1)، وعنهما (علیهما السلام) عندنا من طريق الثقات، وتلفيقه لتلك الروايات - من غير أن يكون أي لقاء بالإمامين (علیهما السلام) عدا مرة واحدة - بعيد، بل ربما لم يكن يتأتى له أن يزعم الرواية عنهما فيما لم يروه إذا لم يكن يدخل عليهما ويسألهما وكان ذلك مما يوجب الريبة فيه، فتأمل.

وأما رواية الكشي فلا يبعد صدورها على وجه من التقية من السلطة، أو دفعاً لتصديق من روى عنه من الضعفاء، والأول أقرب لما سيأتي إن شاء الله تعالى من حراجة موقف (جابر) لدى السلطة.

وهل روى عن علي بن الحسين (علیهما السلام)

(ت 94ﻫ ) أو لا؟

الظاهر أن طبقة جابر تسمح بالرواية عنه، لما مرّ من أنه توفي - على الأرجح - سنة (128ﻫ )، أي بعد وفاته (علیه السلام) بثلاث وثلاثين سنة، ولم يخترم، فلو عمّر سبعين سنة كان عمره سبعة وثلاثين عاماً حين وفاة الإمام (علیه السلام) فتصح روايته عنه، إلا أن الكلام في ثبوتها فقد نفاها السيد الخوئي (قدس سره) في المعجم حيث قال في ذيل الروايات الواردة بعنوان جابر في تمييزه: (أقول: إن جابراً الذي يروي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وعن علي وعلي بن الحسين (علیهما السلام)، هو جابر بن عبد الله الأنصاري...)(2).

وأثبته بعض الأعلام(3)

استناداً إلى بعض الأسانيد، والأقوى عدم ثبوت روايته عنه.

ص: 228


1- ومن أمثلة ما رواه جابر في كتب الجمهور عن أبي جعفر (علیه السلام) يلاحظ على سبيل المثال: مسند أحمد: 1/ 234، والسقيفة وفدك للجوهري: 100، والسنن الكبرى للبيهقي: 2/ 379، 5/ 168، 10/ 312. وروى عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتوسط الباقر (علیه السلام)، يلاحظ على سبيل المثال: المصنف لابن أبي شيبة الكوفي (ت 235ﻫ ): 1 / 474، 2/ 366 و367، 4/ 361 و514، 5/ 38 و337، 7/ 20 و514 حديثان. ولم أعثر على رواية أخرجها العامة في كتبهم عن جابر عن أبي عبد الله (علیه السلام)، أو عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بتوسطه.
2- معجم رجال الحديث: 4/ 8 من الطبعة النجفية.
3- لاحظ تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: 5/ 58.

بيان ذلك: أن روايته عنه (علیه السلام) وقعت في عدة موارد لا يثبت شيء منها:

المورد الأول: ما جاء في الكافي عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عمرو بن شمر، عن جابر: قال علي بن الحسين (علیهما السلام): ((ما ندري كيف نصنع بالناس إن حدثناهم بما سمعنا من رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ضحكوا وإن سكتنا لم يسعنا)).

قال: فقال ضمرة بن معبد: حدثنا.

فقال: ((هل تدرون ما يقول عدو الله إذا حمل على سريره؟)).

قال: فقلنا: لا.

قال: ((فإنه يقول لحملته: ألا تسمعون أني أشكو إليكم عدو الله خدعني وأوردني ثم لم يصدرني، وأشكو إليكم إخواناً واخيتهم فخذلوني، وأشكو إليكم أولاداً حاميت عنهم فخذلوني، وأشكو إليكم داراً أنفقت فيها حريبتي فصار سكانها غيري، فارفقوا بي ولا تستعجلوا))(1).

قال: فقال ضمرة: يا أبا الحسن إن كان هذا يتكلم بهذا الكلام يوشك أن يثب على أعناق الذين يحملونه؟

ص: 229


1- إلى هنا نفس الحديث الثاني مختصراً.

قال: فقال علي بن الحسين (علیهما السلام): ((اللهم إن كان ضمرة هزأ من حديث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فخذه أخذة أسف)).

قال: فمكث أربعين يوماً ثم مات فحضره مولى له قال: فلما دفن أتى علي بن الحسين (علیهما السلام) فجلس إليه فقال له: ((من أين جئت يا فلان؟)).

قال: من جنازة ضمرة، فوضعت وجهي عليه حين سوي عليه، فسمعت صوته والله أعرفه كما كنت أعرفه وهو حي يقول: ويلك يا ضمرة بن معبد اليوم خذلك كل خليل وصار مصيرك إلى الجحيم فيها مسكنك ومبيتك والمقيل.

قال: فقال علي بن الحسين (علیهما السلام): ((أسأل الله العافية هذا جزاء من يهزأ من حديث رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)))(1).

أقول: هذا الحديث ورد من طريق عمرو بن شمر، وهو ليس بثقة، وقد اتهم بالزيادة في روايات جابر كما ذكر النجاشي، وقد ورد من طريق غيره عن جابر الجعفي عن الباقر (علیه السلام) عن جابر الأنصاري(2)

وليس فيه ذكر لضمرة، ولا حديث استهزائه وعاقبته. وهي زيادة غريبة ومريبة.

ص: 230


1- الكافي: 3/ 234-235 ح4.
2- فقد ورد في الحديث الثاني في الباب عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي [بن فضال]، عن بشير الدهان [هكذا، وكأن الصواب عن غالب بن عثمان عن بشير، فإن ابن فضال يروي عن بشير بواسطته كما نبّه عليه في هامش الكافي طبعة دار الحديث: 5/ 577 هامش:2] عن أبي عبد الله (علیه السلام) . وعن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى [بن عبيد]، عن يونس [بن عبد الرحمن]، عن أبي جميلة، عن جابر، عن الباقر (علیه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ((إذا حمل عدو الله إلى قبره نادى حملته: ألا تسمعون يا إخوتاه إني أشكو إليكم ما وقع فيه أخوكم الشقي إن عدو الله خدعني فأوردني ثم لم يصدرني، وأقسم لي أنه ناصح لي فغشني، وأشكو إليكم دنيا غرتني حتى إذا اطمأننت إليها صرعتني، وأشكو إليكم أخلاء الهوى منّوني ثم تبرؤوا مني وخذلوني، وأشكو إليكم أولاداً حميت عنهم وآثرتهم على نفسي فأكلوا مالي وأسلموني، وأشكو إليكم مالاً منعت منه حق الله فكان وباله عليّ وكان نفعه لغيري، وأشكو إليكم داراً أنفقت عليها حريبتي وصار ساكنها غيري، وأشكو إليكم طول الثواء في قبر [ي] ينادي أنا بيت الدود أنا بيت الظلمة والوحشة والضيق، يا إخوتاه فاحبسوني ما استطعتم واحذروا مثل ما لقيت فإني قد بشرت بالنار وبالذل والصغار وغضب العزيز الجبار، وا حسرتاه على ما فرطت في جنب الله ويا طول عولتاه فما لي من شفيع يطاع ولا صديق يرحمني فلو أن لي كرة فأكون من المؤمنين)): 3/ 234 ح2. وذكر الكليني في الحديث الثالث من الباب: (محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين [بن أبي الخطاب]، عن عمرو بن عثمان، عن جابر [هكذا، وكأن في هذا السند سقطاً بين عمرو وجابر فقد روى عمرو بن عثمان عن جابر بواسطة المفضل بن صالح في موارد أخرى منها: ما في بصائر الدرجات: 377، والكافي: 3/ 133 و148 و169 و223] عن أبي جعفر (علیه السلام) مثله - وزاد فيه - ((فما يفتر ينادي حتى يدخل قبره، فإذا دخل حفرته ردت الروح في جسده وجاءه ملكا القبر فامتحناه)). قال - أي جابر -: وكان أبو جعفر (علیه السلام) يبكي إذا ذكر هذا الحديث): 3/ 234 ح3.

ثم إن (ضمرة بن معبد)(1)

لم أعثر عليه في كتب التراجم والتاريخ عند العامة والخاصة، فلعله عنوان مختلق اختلقه عمرو بن شمر، كما أضاف هذه الزيادة وأسندها إلى علي بن الحسين (علیه السلام) .

وقد يحتمل أن الأصل في إسناد الرواية (عن جابر عن الإمام الباقر (علیه السلام) عن جابر ابن عبد الله الأنصاري عن علي بن الحسين (علیهما السلام))، ولكن تجاوز نظر الناسخ اسم (جابر الجعفي والإمام الباقر (علیه السلام)) ووقع بصره على (جابر) الأخير الناقل عن الإمام علي بن الحسين (علیه السلام)، وهو بعيد.

وقد يتراءى من الكلام المتقدم عن السيد الخوئي (قدس سره) أنه حمل جابراً في هذا الطريق على جابر بن عبد الله الأنصاري، وهو غير وارد، بالنظر إلى رواية (عمرو بن شمر) عنه، وهو راوية جابر الجعفي ولم تعهد روايته عن الأنصاري، بل لا يناسب ذلك طبقته، فلاحظ.

والحاصل: أنه لا وثوق بهذا الإسناد حتى يثبت به رواية جابر عن علي بن الحسين (علیهما السلام) .

ص: 231


1- في الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي (ت 573ﻫ ): 2/ 586 (ضمرة بن سمرة)، هذا أيضاً لا ذكر له في الأسانيد وكتب الرجال. نعم، في بعض نسخ الكافي - كما في هامش الكافي طبعة دار الحديث - (ضمرة بن سعيد). وهو المازني الأنصاري روى عنه مالك المولود (سنة 94 أو 89 والمتوفى 179ﻫ ) كما في الموطأ: 1/ 26 و111 و180، وصحيح مسلم: 3/ 21. ولكنه خطأ جزماً - كما تنبه له في هامش طبعة دار الحديث: 5/ 579 هامش:10 - لأن (ضمرة) في الحديث توفي في حياة علي بن الحسين (علیهما السلام) (ت 94ﻫ )، و(ضمرة بن سعيد) توفي بعد (سنة 120 ﻫ ) كما ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام: 8/ 135، وعده ابن حجر في تقريب التهذيب: 1/ 445 من الطبقة الرابعة، كما روى عنه.

المورد الثاني: ما رواه محمد بن جرير الطبري المتوفى في القرن الرابع، بقوله: (روى الشيخ أبو محمد الحسن بن محمد بن نصر يرفع الحديث برجاله إلى محمد بن جعفر البرسي(1)، عن إبراهيم بن محمد الموصلي، عن جابر الجعفي. قال جابر: لما أفضت الخلافة إلى بني أمية سفكوا في أيامهم الدم الحرام ولعنوا أمير المؤمنين (علیه السلام) على منابرهم [ألف شهر، واغتالوا شيعته في البلدان وقتلوهم واستأصلوا شأفتهم، ومالاهم على ذلك علماء السوء رغبة في حطام الدنيا، وصارت محنتهم على الشيعة لعن أمير المؤمنين (علیه السلام) ] ومن لم يلعنه قتلوه. فلما فشا ذلك في الشيعة وكثر وطال اشتكت الشيعة إلى زين العابدين

(علیه السلام)، وقالوا: يا بن رسول الله أجلونا عن البلدان، وأفتونا بالقتل الذريع، وقد أعلنوا لعن أمير المؤمنين (علیه السلام) في البلدان وفي مسجد الرسول على منبره، ولا ينكر عليهم منكر، ولا يغيّر عليهم مغيّر، فإن أنكر واحد منّا على لاعنه، قالوا: هذا ترابي ورفع ذلك إلى سلطانهم وكتب إليه أن هذا ذكر أبا تراب بخير، فيحبسونه ويضربونه ويقتلونه. فلما سمع (علیه السلام) ذلك نظر إلى السماء، فقال: سبحانك ما أحلمك وأعظم شأنك! إنك أمهلت عبادك حتى ظنوا أنك أهملتهم [وهذا كله بعينك، إذ لا يغلب قضاؤك، ولا يرد تدبير محتوم أمرك، فهو كيف شئت، وأنّى شئت لما أنت أعلم به منّا] ثم دعا ابنه أبا جعفر محمد (علیه السلام) فقال: يا محمد، إذا كان غداً فاغدِ إلى المسجد [وخذ الخيط الذي نزل به جبرئيل على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ] فحرّكه تحريكاً ليناً، ولا تحركه شديداً فيهلك الناس جميعاً... إلى آخر الرواية(2).

ص: 232


1- هذا الرجل لم يذكر في كتب الرجال، فهو مهمل.
2- نوادر المعجزات في مناقب الأئمة الهداة (علیهم السلام) . الباب الخامس في معجزات وأعلام الإمام علي بن الحسين (علیه السلام): 120 - 125 ح12. ومدينة المعاجز: 4/ 424، 5/ 115.

وقد تضمنت الرواية أن جابراً حضر عند الإمام الباقر (علیه السلام) في اليوم التالي، وذهب مع الإمام إلى مسجد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وصلى هناك الإمام ودعا، ثم أخرج الخيط وأخذ جابر بطرف منه والطرف الآخر عند الإمام فحرّكه الإمام تحريكاً خفيفاً، فإذا مدينة النبي زلزلت زلزالاً شديداً وهلك عشرات الآلاف من الرجال والنساء والولدان، ففزع الناس إلى الإمام الباقر (علیه السلام) فأمرهم بالصلاة والدعاء والصدقة، ثم إن الإمام صعد المنارة وجابر يراه والناس لا تراه وأدار يده الكريمة حول المنارة فحدثت الزلزلة الثانية، فخرجت النساء باكيات كاشفات فَرَقّ لهن الإمام ووضع الخيط في كمّه، ثم نزل الإمام من المنارة وخرجا من المسجد، وسأله جابر عن هذا الخيط، فقال له الإمام إنه بقية مما ترك آل موسى وهارون، ثم حدّثه (علیه السلام) بامتياز أهل البيت (علیهم السلام)، وحمد جابر الله تعالى على نعمة الهداية والولاية، ثم استقبال أمير المدينة للإمام علي ابن الحسين (علیهما السلام) والاستغاثة به. وهنا تهافت بين صدر الرواية وذيلها، إذ كان المحرِّك للخيط بحسب الرواية هو الإمام الباقر (علیه السلام) وأيضاً الذي اقبل مع جابر هو الباقر (علیه السلام) !!! فلاحظ.

وهذه الرواية أيضاً موهونة سنداً ومتناً..

أما سنداً فلوجود ثلاثة رجال مهملِين في إسنادها هم: الشيخ أبو محمد الحسن بن محمد بن نصر، ومحمد بن جعفر البرسي، وإبراهيم بن محمد الموصلي.

مضافاً إلى الإرسال الحاصل بين الشيخ أبو محمد الحسن بن محمد بن نصر وبين محمد بن جعفر البرسي، ثم الإرسال بين إبراهيم بن محمد الموصلي وجابر بن يزيد الجعفي.

وروى الحديث الخصيبي عن (إبراهيم بن محمد الموصلي عن أبيه عن حنان بن

ص: 233

سدير الصيرفي عن جابر بن يزيد الجعفي)(1)، وذكر في البحار فيما حكاه عن والده مما ذكر أنه رآه في كتاب عتيق جمعه بعض محدثي أصحابنا في فضائل أمير المؤمنين (علیه السلام)، قال: (وحدثني والدي من الكتاب المذكور قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن محمد الموصلي قال: أخبرني أبي، عن خالد [لعله: حنان، بقرينة ما في الهداية]، عن جابر بن يزيد الجعفي. وقال: حدثنا أبو سليمان أحمد قال: حدثنا محمد بن سعيد، عن أبي سعيد، عن سهل بن زياد قال: حدثنا محمد بن سنان، عن جابر بن يزيد الجعفي قال...)(2).

وهذان الطريقان في كل منهما أكثر من ضعيف ومجهول، وفي الطريق الثاني بالإضافة إلى ذلك الإرسال بين محمد بن سنان وجابر الجعفي.

وأما متناً فما أشرنا إليه من التهافت فيه، مع عدم حكاية وقوع ما ذكر في التاريخ، وإنما هو من وضع الغلاة.

المورد الثالث: ما ورد في ذيل رواية محكية عن جابر بن يزيد الجعفي: (قال سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول...) في حديث رواه عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تعيين الأئمة الاثني عشر حيث ورد في ذيله، (قال جابر بن يزيد: فدخل جابر بن عبد الله على علي بن الحسين (علیهما السلام)، فبينا يحدثه إذ خرج محمد بن علي الباقر (علیهما السلام) من عند نسائه وعلى رأسه ذؤابة وهو غلام..)(3).

ولكن يلاحظ عليه ب: أولاً: ضعف سند الحديث فإن أغلب رجال سنده مجاهيل وضعفاء ومتهمون بالوضع، حيث رواه عن أحمد بن إسماعيل السلماني ومحمد بن عبد الله الشيباني، عن محمد بن همام، عن جعفر بن محمد بن مالك الفراري

ص: 234


1- الهداية الكبرى: 226.
2- بحار الأنوار: 26/ 8 ح2.
3- كفاية الأثر: 53 - 56.

[ظ. الفزاري]، عن حسين بن محمد بن سماعة، عن أحمد بن الحارث، عن المفضل ابن عمر، عن يونس بن ظبيان، عن جابر بن يزيد الجعفي.

وثانياً: أنه مخالف للواقع التاريخي لأنه يقتضي أن يكون جابر رجلاً في زمان كان الإمام الباقر (علیه السلام) صبياً.

وقد روى الحديث الصدوق في الأمالي بإسناد صحيح عن أبان بن عثمان عن جعفر بن محمد (علیهما السلام) وفيه ذيل الحديث، قال: ((إن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال ذات يوم لجابر ابن عبد الله الأنصاري: يا جابر، إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف في التوراة بالباقر فإذا لقيته فأقرئه مني السلام. فدخل جابر إلى علي بن الحسين..))(1).

وكأن هذا المعنى أُخذ من هذا الحديث فنسبوه إلى رواية جابر بن يزيد الجعفي على عادة الضعفاء في تكثير الأسانيد حسبما يرغبون.

المورد الرابع: ما عن مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب، والموجود فيه: (نوادر الحكمة، عن محمد بن أحمد بن يحيى بالإسناد عن جابر، وعن الباقر (علیه السلام) أنه جرى بينه وبين محمد بن الحنفية منازعة..)(2).

أقول: حديث ابن الحنفية مع علي بن الحسين (علیهما السلام) مروي من عدة طرق في كتب الأصحاب غير جابر - كأبي خالد الكابلي وزرارة وأبان وأبي عبيدة الحذاء - وهذا النقل المرسل انفرد به من طريقه، ومع ذلك فقوله: (عن جابر وعن الباقر) قد تكون الواو زائدة والمراد أنه رواه جابر عن الباقر (علیه السلام) .

ص: 235


1- الأمالي: 434 ح9، وورد في الاختصاص المنسوب إلى المفيد: 62 بإسناد آخر، وفي أمالي الطوسي: 636 ح15 أيضاً كذلك.
2- مناقب آل أبي طالب: 3/ 288. وذكره في تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: 5/ 58.

ويشهد لهذا ما أورده السيد هاشم البحراني (ت 1107ﻫ ) في مدينة المعاجز من نقله هذه الرواية عن جابر عن الباقر (علیه السلام) (1).

المورد الخامس: ما في الفضائل لشاذان بن جبرئيل القمي (ت660ﻫ ) حيث قال: (خبر آخر: عن جابر بن يزيد الجعفي قال خدمت سيدنا الإمام علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (علیهم السلام) وودعته وقلت أفدني فقال: ((يا جابر بلغ شيعتي مني السلام وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله,...))(2).

قلت: هذا الخبر روي عن جابر عن الإمام الباقر (علیه السلام)، فكان الأصل فيه: (محمد ابن علي بن الحسين...) فسقط ذكر (محمد بن).

الجهة السابعة: طبقته

قد عرفت أن جابراً توفي - على الأرجح - سنة 128ﻫ - وعلى رواية أخرى سنة 132ﻫ -، كما عرفت أنه يرجح أن تكون ولادته حدود (سنة 60ﻫ )، وبناءً عليه فيكون من كبار الطبقة الرابعة من نظام الطبقات المعروف عند متأخري الإمامية المبني على احتساب كل جيل حدود (35 - 40سنة) فيكون الجيل الأول بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أحداث الصحابة الذين معدل وفياتهم حدود (35ﻫ ) كالإمام علي (علیه السلام) المستشهد (سنة 40ﻫ )، والجيل الثاني يكون معدل وفياتهم حدود (75ﻫ )، ومن كبار هذا الجيل الإمام الحسن (علیه السلام) المستشهد (سنة 50ﻫ )، والإمام الحسين (علیه السلام) المستشهد (سنة 61ﻫ )، والجيل الثالث ممن عاش إلى حوالي (105 - 110ﻫ )، ومن هذا الجيل الإمام السجاد (علیه السلام) (ت94ﻫ )، والإمام الباقر (علیه السلام) (ت114ﻫ )، والجيل الرابع من توفي حدود (145 - 150ﻫ )، ومن هذا الجيل الإمام الصادق (علیه السلام) (ت148ﻫ )، فيكون جابر الجعفي من كبار هذا الجيل كما تقدم آنفاً.

ص: 236


1- مدينة المعاجز: 4/ 282 ح1313.
2- الفضائل: 8.

وأما عند العامة فقد ذكر غير واحد كابن تغري وابن حجر(1) أنه يندرج في الطبقة الرابعة من الطبقات الخمسة للتابعين، فيكون على حدّ سليمان بن مهران الأعمش (61 - 148ﻫ ).

ولا يخفى أن الملحوظ عند أهل السنة في نظام طبقات التابعين مقدار من أدركه التابعي من الصحابة، فالطبقة الصغرى من التابعين من لم يدرك إلا الواحد والاثنين من الصحابة، والطبقة السابقة عليها من أدرك عدداً معتداً به من الصحابة.

وهذا المعيار يشير إلى زمان تحمل الراوي للعلم، فإن من تأخر أساتيذه فإن ذلك علامة على تأخره في تلقي العلم وإن سبقت ولادته، ولذا ترى في الطبقة الواحدة أجيالاً متعددة مختلفين في سني الولادة والوفاة، بينما قد يتشابه بعضهم مع الطبقة السابقة أو اللاحقة.

ومنه يظهر وجه عدّ جابر من الطبقة الرابعة من التابعين، فإنه لم يثبت عن جابر ملاقاة عدد معتد به من الصحابة.

والمعيار عند العامة - كما ذكرنا - هو بلقاء الصحابة.

هذا، ومحل (جابر) في عامة أسانيده عند الإمامية يساعد على كونه من الطبقة التي وصفناها، سواء من حيث الراوي أو المروي عنه، كما يتضح مما ذكرناه من ذكر مشايخه والرواة عنه.

الجهة الثامنة: مذهبه

وفيه أقوال عديدة أهمها اثنان:

الأول: كونه إمامياً، وهو الظاهر من كلمات الإمامية ومقتضى مضامين الروايات التي رووها عنه. وقد ذكره بعض الجمهور في الرافضة وذكر عنه أنه كان يرى وصاية

ص: 237


1- لاحظ تقريب التهذيب: 1/ 154. والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: 1/ 308. ليوسف بن تغري بردي الأتابكي (ت 874ﻫ ).

أمير المؤمنين (علیه السلام) ثم الحسن ثم الحسين إلى أن يبلغ جعفر بن محمد _، وأنه كان ينتقد أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ويؤمن بالرجعة، كما سيأتي نقل ذلك.

الثاني: إنه كان عامياً متشيعاً كعامة أهل الكوفة، والمراد بالتشيع: إما التشيع الأصغر، وهو تفضيل علي (علیه السلام) على عثمان، أو التشيع الأكبر، وهو تفضيل علي (علیه السلام) حتى على الشيخين، والظاهر أن هذا التشيع كان هو التشيع العام في أهل الكوفة.

وهذا القول يتراءى من كلمات علماء الجمهور ممن ذكر الرجل ولم ينبه له على مذهب آخر.

والصحيح أن كلا القولين صائب على الإجمال، بالنظر إلى إحدى مرحلتي حياة جابر.

بيان ذلك: أن الظاهر أن جابراً - ككثير من أهل الكوفة - كان في المرحلة الأولى عامياً متشيعاً، ثم التقى بالإمام الباقر (علیه السلام) وتتلمذ عليه وقال بوصاية أهل البيت (علیهم السلام) فصار إمامياً، وهذا مما أدى إلى التشكيك في وثاقته عند بعض علماء الجمهور واتهامه بالكذب.

ويشهد لذلك ما نقله الحميدي قال: (سمعت ابن أكثم الخراساني قال لسفيان: أرأيت يا أبا محمد الذين عابوا على جابر الجعفي قوله حدثني وصي الأوصياء! فقال سفيان: هذا أهونه)(1).

وكان هذا حال كثير من علماء الكوفة ومحدثيها، فإنهم كانوا في الأول من العامة المتشيعين المفضلين لأمير المؤمنين (علیه السلام) والمحتجين بقوله، ثم لما وقفوا على علم الباقر بأقواله (علیهما السلام) دخلوا في مذهب الإمامية، ويشير إلى هذا ما ذكره مسعر وسفيان، فقد قال مسعر: (حدثنا جابر بن يزيد قبل أن يحدث ما حدث)(2). وقال سفيان: (كان

ص: 238


1- الضعفاء الكبير: 1/ 194 رقم: 24.
2- الجامع الصحيح (صحيح مسلم): 1/ 15.

الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر فلما أظهر ما أظهر اتهمه الناس في حديثه وتركه بعض الناس. فقيل له: وما أظهر؟ قال: الإيمان بالرجعة)(1).

وليس هناك ما يمكن به توقيت زمان حدوث هذا التغيير بالدقة، لكن الظاهر أن جابراً كان ممن يشهد لديه إرهاصات للتحول الفكري قبل تحقق هذا التحول من جهة ميله للتشيع مما كان يمكن التنبؤ بأنه يتحرك إلى جهة تعتبر وفق الاتجاه العام غلواً في التشيع.

وإذا صدق ما روي عن سعيد بن جبير (ت95ﻫ ) من أنه لما حكي له قول جابر، قال: (كذب جابر)(2)، فهو يدل على أن جابراً في هذا التاريخ كان يصدّق من الأخبار الموثوقة عنده ما لم يكن يتحمله مثل سعيد.

ومن المتوقع أن يرتبط ذلك بالتشيع لأمير المؤمنين (علیه السلام)، فإن سعيداً وإن كان شيعياً بمعنى عام، ولكن كان للتشيع درجات لا يتحمل من يعتقد ببعضها المعتقد بما يزيد عليه.

وكذا ما روي عن أستاذه الشعبي (ت 103ﻫ ) من أنه تنبأ بأنه سوف يكذب على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقد حكي عنه تكذيب جابر، حيث قال: (يا جابر! لا تموت حتى تكذب على رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قال إسماعيل: ما مضى الأيام والليالي حتى اتهم بالكذب)(3).

ص: 239


1- المصدر السابق: 1/ 15.
2- لاحظ ضعفاء العقيلي: 1/ 191. حيث روى العقيلي (ت 322ﻫ ) بإسناده عن ابن علية، (قال: حدثنا أيوب [وهو أيوب بن أبي تميمة جَلْس السختياني]، قال: قلت لسعيد بن جبير: إن جابر بن يزيد يقول كذا وكذا. فقال: كذب جابر).
3- التاريخ الكبير: 2/ 210 رقم: 2223. وكتاب الضعفاء الصغير: 29 رقم: 49.

وقد ورد في بعض الروايات أنه حضر عند الإمام الباقر (علیه السلام) ثمانية عشر عاماً، وذلك فيما رواه الشيخ في الأمالي بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي قال: (خدمت سيدنا الإمام [في البحار: سيد الأنام](1) أبا جعفر محمد بن علي (علیهما السلام) ثماني عشرة سنة، فلما أردت الخروج ودعته، وقلت: أفدني. فقال: ((بعد ثماني عشرة سنة، يا جابر!)). قلت: نعم إنكم بحر لا ينزف ولا يبلغ قعره. فقال: ((يا جابر، بلّغ شيعتي عني السلام، وأعلمهم أنه لا قرابة بيننا وبين الله,، ولا يتقرب إليه إلا بالطاعة له. يا جابر، من أطاع الله وأحبنا فهو ولينا، ومن عصى الله لم ينفعه حبنا. يا جابر، من هذا الذي يسأل الله فلم يعطه، أو توكل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم ينجه! يا جابر، أنزل الدنيا منك كمنزل نزلته تريد التحويل عنه، وهل الدنيا إلا دابة ركبتها في منامك فاستيقظت وأنت على فراشك غير راكب ولا آخذ بعنانها، أو كثوب لبسته أو كجارية وطئتها. يا جابر، الدنيا عند ذوي الألباب كفيء الظلال، لا إله إلا الله إعزاز لأهل دعوته، الصلاة تثبيت للإخلاص وتنزيه عن الكبر، والزكاة تزيد في الرزق، والصيام والحج تسكين القلوب، القصاص والحدود حقن الدماء، وحبنا أهل البيت نظام الدين، وجعلنا الله وإياكم من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون))(2).

ص: 240


1- بحار الأنوار: 75/ 182.
2- أمالي الطوسي: 296 ح582. وسند الحديث: (أبو محمد الفحام [وهو الحسن بن محمد بن يحيى بن داود الفحام المعروف بابن الفحام، من أهل سر من رأى (ت 408ﻫ ). شيخ النجاشي والشيخ، وثقه صريحاً الخطيب البغدادي في تاريخه: 7/ 436]، قال: حدثني عمي [وهو عمر بن يحيى بن داود، أبو القاسم البزاز السامري، يعرف بابن الفحام، وثقه الخطيب في تاريخه: 11/ 239] قال: حدثني محمد بن جعفر [مشترك ومبهم] قال: حدثنا محمد بن المثنى [وهو الحضرمي الكوفي، وثقه النجاشي صريحاً في رجاله: 371] عن أبيه [المثنى بن القاسم، لم يوثق في كتب الرجال]، عن عثمان بن زيد [الجهني، لم يوثق في كتب الرجال. مضافاً إلى أنه روى في أمالي الطوسي: 413، عن المفضل بن عمر عن الإمام الصادق (علیه السلام) . وعليه فيحتمل وجود إرسال في البين، وإن كان غالب روايات الرجل عن جابر مباشرة]، عن جابر بن يزيد الجعفي). والحاصل: أن الرواية ضعيفة بعدة رجال، واحتمال الإرسال.

وإذا لاحظنا أن شهادة الإمام الباقر (علیه السلام) كانت (سنة 114ﻫ )، وفرضنا أنه كان قد فارق الإمام (علیه السلام) قبل شهادته بسنتين فمعناه أنه منذ (سنة 94ﻫ ) كان بخدمته.

لكن قد يستبعد استمراره بالمكوث عند الإمام ثماني عشرة سنة بالمدينة كما هو ظاهر الرواية.

وقد يحتمل: أنّه كان في أغلب هذه المدة بخدمة الإمام (علیه السلام) وقد كان يرجع إلى الكوفة بين فترة وأخرى ويحدِّث بها، فتأمل.

ومنه يظهر أنه لا يصح ما يظهر من كلمات بعض علماء الجمهور من كونه عامياً، فإن تعميم ذلك على المرحلة الثانية من حياة جابر كان من جهة أن جابراً لم يزل بعد عدوله إلى القول بالإمامة يواظب على مداراة أكثر الناس واتقاء السلطة خشية المحاذير المترتبة على إبداء مذهبه.

وهناك أقوال ثلاثة أخرى في شأن جابر في انتسابه إلى بعض الفرق الشاذة المعدودة من الشيعة:

القول الأول: كونه سبئياً، اتهمه به بعض العامة، ويظهر أنه مبني على قوله بالرجعة، فقد ذكر ابن حبان: أنه (كان سبئياً من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول، إن علياً (علیه السلام) يرجع إلى الدنيا)(1). ومثله كلام جمع آخر.

وهذا ليس صحيحاً، بل الضابط في كون الرجل سبئياً القول بأن الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) غاب ولم يمت وسوف يرجع، ولم يثبت ذلك عن جابر لا من طريق الجمهور، ولا من طريق الإمامية.

ص: 241


1- كتاب المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين: 1/ 208.

نعم، ذكر العقيلي (ت 322ﻫ )(1):

أنه (حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت رجلاً سأل جابر عن قوله: ]فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ[ قال جابر: لم يأتِ تأويل هذه الآية بعدُ. قال سفيان: وكذب. قال الحميدي: فقلنا لسفيان: وما أراد بهذا؟ فقال: إن الرافضة تقول إن علياً في السحاب فلا يخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي منادٍ من السماء. يريد أن علياً ينادي من السحاب اخرجوا مع فلان. يقول فهذا تأويل هذه الآية. وكذب، هذه كانت في إخوة يوسف)(2).

ولكن هذا حدس من سفيان، فإن قول جابر: (لم يأتِ تأويل هذه الآية بعدُ)، ليس ظاهراً في نفي ممات أمير المؤمنين (علیه السلام)

وغيبته ليظهر لاحقاً.

ومما يدل على ذلك: أن لجابر كتاباً في (مقتل أمير المؤمنين) كما ذكره أصحاب الفهارس من الإمامية، وقد ذكر ابن أبي الدنيا روايات عن جابر تتعلق بمقتله.

على أن هناك روايات أخرى عن جابر حول مقتل أمير المؤمنين (علیه السلام) ودفنه(3).

على أن إنكار مقتل أمير المؤمنين (علیه السلام) - التي كانت حادثة مشهودة في الكوفة - أمر بعيد عن شخصية جابر التي عرفت بالعلم والفقه والورع والاستقامة ورواية الحديث.

نعم، لا شك أن جابراً كان يقول بالرجعة كما نقله عنه غير واحد من تلاميذه من علماء الجمهور، ولكن ذلك بأحد معنيين - كما يتراءى بمراجعة النصوص - ربما يقع

ص: 242


1- هو (الحافظ الإمام أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي، المتوفى سنة 322 ﻫ ). [تذكرة الحفاظ: 3/ 833 - 834].
2- الضعفاء الكبير: 1/ 193. رقم: 24. وأيضاً نقلها مسلم في صحيحه [ 1/ 16] بقوله: (وحدثني سلمة ابن شبيب، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان...).
3- لاحظ المستجاد من الإرشاد للعلامة الحلي: 28.

الخلط بينهما:

الأول: رجوع المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) من أهل البيت بعد غيبة له عن الناس.

وهذا المعنى مما كان معروفاً لدى الشيعة في بعض ما تلقوه من التنبؤات بشأن دولة أهل البيت (علیهم السلام)، لما علم من أن الله سبحانه بهم بدأ هذه الأمة وبهم يختم.

الثاني: رجوع بعض الأولياء والناس إلى الحياة بعد الموت في دولة أهل البيت (علیهم السلام) . وهو من جملة العقائد التي كان يقول بها كثير من الشيعة.

القول الثاني: ما ذكر في بعض كتب الفِرَق من أنه كان من أتباع المغيرة بن سعيد القائل بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن ومهدويته ورجوعه إلى الحكم، قال البغدادي: (وكان جابر بن يزيد الجعفي على هذا المذهب - أي من المحمدية التابعين للمغيرة بن سعيد العجلي(1) المنتظرين لمحمد بن عبد الله بن الحسن(2) - وكان يقول برجعة الأموات إلى الدنيا قبل القيامة)(3).

وفي الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم (ت456ﻫ ): (وقد قيل: إن جابر ابن يزيد الجعفي الذي يروي عن الشعبي كان خليفة المغيرة بن سعيد، إذ حرقه خالد ابن عبد الله القسري(4) فلما مات جابر، خلفه بكر الأعور الهجري، فلما مات فوضوا

ص: 243


1- قال فيه الإمام الصادق (علیه السلام): ((لعن الله المغيرة بن سعيد كان يكذب علينا)). رجال الكشي: 2/ 436 ح336. خرج في الكوفة (سنة 119ﻫ ) هو وبيان [أو بنان] في ستة رهط أو سبعة فأخذه خالد القسري فقتله وصلبه، وفي رواية أخرى أحرقهم بالنار. لاحظ تاريخ الطبري: 5/ 457.
2- هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (علیه السلام)، الملقب بالنفس الزكية، خرج بالمدينة سنة 144ﻫ. وجّه المنصور إليه الجيوش مع عيسى بن موسى، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة، فقتل محمد بن عبد الله في شهر رمضان سنة 145ﻫ. لاحظ المعارف لابن قتيبة الدينوري (ت 276ﻫ ): 378. والأخبار الطوال له: 385.
3- الرفق بين الفرق لعبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي (ت 429ﻫ ): 64-65.
4- والي العراق زمن هشام بن عبد الملك استعمله من سنة 106 - 120 ﻫ. وولي قبل ذلك مكة للوليد ابن عبد الملك، ثم لسليمان. قتل سنة 126ﻫ. لاحظ المعارف: 365، وسير أعلام النبلاء: 5/425 -432.

أمرهم إلى عبد الله بن المغيرة رئيسهم المذكور وكان لهم عدد ضخم بالكوفة..)(1)، وعليه جرى الصفدي (ت764ﻫ )(2).

وهذا القول خطأ أيضاً لا شاهد عليه وتنفيه الآثار الثابتة عن جابر في تراث المسلمين سنّة وشيعة، على أن جابراً كان من أهل الفقه والعلم والحديث متلمذاً عند مشايخ الحديث، والذين كانوا ينتمون إلى هذه الفرق كانوا إما من رؤوس الضلالة الذين اختاروها لمآرب سياسية واجتماعية على علم، أو من الهمج الرعاع ولم يكونوا من أصحاب فقه وحديث وعلم.

القول الثالث: إن هذا الرجل من الغلاة القائلين بإلوهية كل الأئمة من آل البيت (علیهم السلام)، كما كان في زمان أغلب الأئمة من أهل البيت (علیهم السلام) من يقول بذلك حتى بعد زمان الغيبة، ومن هؤلاء أتباع محمد بن نصير النميري، ويحتوي تراث الغلاة والنصيرية خاصة على أخبار وأقاويل وآثار كثيرة عن جابر الجعفي حيث يعدونه من جملة أركان هذا المذهب - كما سيأتي توصيفه -، وربما نسب إلى هذا المذهب بعض تلاميذ جابر، وربما كان ذلك من أسباب تضعيف الرجل عند بعض علماء الرجال من الإمامية.

ومما نسب إلى جابر ما وقع من فرقة الغلاة من فروع القائلين بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الذي خرج بالكوفة سنة (127ﻫ ) وقاتله عبد الله بن عمرو والي الكوفة فخرج إلى المدائن، ثم إلى بلاد فارس حتى قتل بأمر أبي مسلم الخراساني سنة (129ﻫ ).

وذكر النوبختي أنه (لما قتل كان في أصحابه رجل يقال له عبد الله بن الحارث(3)

ص: 244


1- 4/ 184.
2- الوافي بالوفيات: 3/ 244.
3- روى في الخصال في باب السبعة (ص: 402) عن الصادق (علیه السلام) إن الشياطين تتنزل على سبعة هو أحدهم، واختيار معرفة الرجال: 2/ 577 ح511.

وكان أبوه زنديقاً من أهل المدائن فأخرج من أصحاب عبد الله جمعاً في الغلو والقول بالتناسخ والأظِلة والأدوار وأسند ذلك إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، ثم إلى جابر ابن يزيد الجعفي، فخدعهم بذلك حتى ردهم عن جميع الفرائض والشرائع والسنن، وادعى أن هذا مذهب جابر بن عبد الله وجابر بن يزيد رحمهما الله، فإنهما كانا من ذلك بريئين)(1).

ويظهر من ذلك أن جابر بن يزيد كان له نفوذ وسمعة في أوساط الشيعة، فكان الغلاة الثائرون يتشبثون به لتصديق عقائدهم بسمعته ومقبوليته واشتهاره بالأمور المعنوية.

وكانت آفة هؤلاء الغلاة على الإمامية كبيرة، لأنهم كانوا يتخفون في الغالب ويروون الحديث والفقه، حتى إذا صارت الغيبة انفصلوا عن الإمامية، ولكن بقيت آثارهم في تراث الإمامية.

ومن ثَمَّ انبرى علماء الرجال إلى تمحيص هذا التراث من خلال ذكر هؤلاء والإشارة إلى كتبهم.

ولكن الواقع لم يثبت (الغلو) عن جابر، ولكن من عادة الغلاة أن ينتحلوا الشخصيات التي يجدون فيها رائحة من المعنوية والعلوم الغريبة لاسيما في مقام إعادة قراءتهم للتاريخ الأول المتعلق بعصر الأئمة وذلك لتأسيس مشروعية تاريخية لعقيدتهم وإسنادها إلى الأئمة (علیهم السلام)، وتزداد حاجتهم إلى ذلك كلما تقدم بهم العصر؛ لأنهم يجدون منذ عصر الصادق شخصيات روائية يعوّلون عليها كالمفضل بن صالح، وداود الرقي، ومحمد بن سنان وآخرين، ولكن كان من المهم عندهم وجود أشخاص على

مثال هؤلاء بالنسبة إلى الأئمة الأولين. وسيأتي تفصيل ذلك.

ص: 245


1- لاحظ فرق الشيعة للنوبختي والقمي: 47. (ط. دار الرشاد. الطبعة الأولى 1421ﻫ - 1992م تحقيق د. عبد المنعم الحنفي).

الجهة التاسعة: إسناد جابر الحديث عن أهل البيت (علیهم السلام)

ويظهر أن جابراً كان معنياً بالإسناد عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) .

فقد روى أحاديث عن أبي جعفر (علیه السلام) عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تراث الفريقين:

1. روى البرقي بإسناده عن جابر الجعفي، عن محمد بن علي، قال: ((قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): المؤذن المحتسب كالشاهر بسيفه في سبيل الله، القاتل بين صفين. وقال: من أذّن احتساباً سبع سنين جاء يوم القيامة ولا ذنب له. وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): إذا تغولت لكم الغيلان فأذنوا بأذان الصلاة))(1).

2. وروى ابن قولويه بإسناده عن جابر، عن محمد بن علي (علیهما السلام)، قال: ((قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): من سرّه أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويدخل جنتي، جنة عدن غرسها ربي بيده، فليتولَ علياً ويعرف فضله والأوصياء من بعده، ويتبرأ من عدوي...))(2).

3. وروى الصدوق بإسناده عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (علیهما السلام) قال: ((قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما يمنع المؤمن أن يتخذ أهلاً لعلّ الله أن يرزقه نسمة، تثقل الأرض بلا إله إلا الله))(3).

4. وروى عبد الرزاق الصنعاني (ت211ﻫ ) بإسناده عن جابر عن محمد بن علي قال: ((مرّ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم برجل نغاش، يقال له زنيم، فخر ساجداً ثم رفع فقال: أسأل الله العافية))(4).

ص: 246


1- المحاسن: 1/ 48 ح68.
2- كامل الزيارات: 148 ح175 باب: 22.
3- من لا يحضره الفقيه: 3/ 382 ح4340.
4- المصنف: 3/ 357 ح5960.

ومن ثَمَّ قال الشيخ: (أسند عنه)، وفي الحديث عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر (علیهما السلام): إذا حدثتني بحديث فأسنده لي، فقال: ((حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، عن جبرئيل (علیه السلام)، عن الله,، وكل ما أحدثك بهذا الإسناد. وقال: يا جابر لحديث واحد تأخذه عن صادق خير لك من الدنيا وما فيها))(1).

ولا يبعد أن من قصد جابر في طلب الإسناد أن يتمكن من أن يروي ذلك للجمهور.

وقد حكى الجمهور عنه - عن أبي حنيفة وغيره(2) - أنه كان يدعي أن له أحاديث كثيرة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يحدِّث بكثير منها، وكان يأتي في كل شيء بحديث، وجعلوا ذلك دليلاً على كذبه.

الجهة العاشرة: نشاطات جابر

اشارة

كان لجابر عدّة نشاطات..

1. النشاط العلمي في التلمّذ ومشايخه

ونحن نذكر بعض مشايخ جابر المشهورين:

أ. الحكم بن عتيبة أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة، ثبت، فقيه، من الخامسة (ت 113ﻫ ) أو بعدها وله نيف وستون(3).

ب. سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي, أبو عمر أو أبو عبد الله المدني, أحد الفقهاء السبعة, من كبار الثالثة, توفي في آخر سنة (106ﻫ ) على

ص: 247


1- أمالي المفيد: 42 ح10.
2- عن أبي يحيى الحماني قال: (سمعت أبا حنيفة يقول... ما أتيته - أي جابر الجعفي - قط بشيء من رأي إلا جاءني فيه بأثر وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث لم يظهرها). تاريخ الإسلام للذهبي: 8/60.
3- لاحظ تقريب التهذيب: 1/ 232.

الصحيح(1).

ج. طاووس بن كيسان اليماني أبو عبد الرحمن الحميري الجندي المتوفى بحدود المائة(2).

د. عامر الشعبي: هو عامر بن شراحيل الشعبي - بفتح المعجمة - أبو عمرو، ثقة، مشهور، فقيه، فاضل، من الثالثة، المولود لست سنين خلت من خلافة عمر بن الخطاب، على المشهور، (ت 103ﻫ )(3).

ﻫ. أبو الطفيل عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي المولود عام أُحد والمتوفى سنة (110 ﻫ ) وهو آخر من مات من الصحابة(4).

و. عطاء بن أبي رباح - بفتح الراء والموحدة - واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة، فقيه، فاضل، من الثالثة (ت 114ﻫ )(5).

2. التدريس

تتلمذ على جابر الجعفي فقهاء كبار من العامة وبعضهم أصبح صاحب مذهب، ومن أبرزهم:

أ. إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبو يوسف الكوفي من السابعة (ت بحدود 160ﻫ )(6).

ب. سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي من رؤوس الطبقة

ص: 248


1- لاحظ المصدر السابق: 1/ 335.
2- لاحظ المصدر السابق: 5/ 8.
3- لاحظ المصدر السابق: 1/ 461، وتهذيب الكمال: 14/ 28 - 40.
4- لاحظ تقريب التهذيب: 1/ 464 رقم: 3122.
5- لاحظ المصدر السابق: 1/ 675.
6- لاحظ المصدر السابق: 1: 88.

السابعة (ت 161ﻫ )(1).

ج. سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، من رؤوس الطبقة الثامنة، توفي في رجب (198ﻫ ) وله إحدى وتسعون سنة(2).

د. شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله من الثامنة توفي بحدود (177ﻫ )(3).

ﻫ. شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام الواسطي، ثم البصري من السابعة (ت 160ﻫ )(4).

و. عيسى بن المسيب البجلي الكوفي قاضي الكوفة، توفي في خلافة المنصور، وثقّه أكثر علماء العامة(5).

ز. النعمان بن ثابت أبو حنيفة، فقد ذكر ابن حبان في صحيحه وابن حجر في فتحه والعيني في عمدته وغيرهم أنه عمل بحديث جابر الجعفي(6).

3. إقامة الجماعة

وهذا يُستفاد ممّا رواه الشيخ في التهذيب بإسناده عن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال: قلت لأبي جعفر (علیه السلام) إني أؤم قوماً فأركع فيدخل الناس وأنا راكع فكم انتظر؟ قال: ((ما أعجب ما تسأل عنه يا جابر!!! انتظر مِثْلَي ركوعك فإن انقطعوا،

ص: 249


1- لاحظ المصدر السابق: 1/ 371.
2- لاحظ المصدر السابق: 1/ 371.
3- لاحظ المصدر السابق:1/ 417.
4- لاحظ المصدر السابق: 1/ 418.
5- لاحظ لسان الميزان: 4/ 405.
6- لاحظ صحيح ابن حبان: 5/ 413، وفتح الباري: 9/ 98، وعمدة القاري: 5/ 219.

وإلا فارفع رأسك))(1).

وروى ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلاً عن كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن ابن سنان عن جابر الجعفي، قال: سألته (علیه السلام): إن لي جيراناً بعضهم يعرف هذا الأمر وبعضهم لا يعرف، وقد سألوني أن أؤذّن لهم وأصلّي بهم، فخفت أن لا يكون ذلك موسّعاً، فقال: ((أذّن لهم وصلِّ بهم وتحرَّ الأوقات))(2).

4. مساعدة القضاة

حكت مصادر الجمهور أكثر من دور لجابر الجعفي في مساعدة القضاة، فتارةً: يكون معيناً لبعضهم أثناء قضائه، وأخرى: يكون ناصحاً لبعض آخر من الذين اشتهروا بالتعسف والتسرع.

فمن الأول ما ذكره محمد بن سعد (ت230ﻫ ) في ترجمة عيسى بن المسيب البجلي بقوله: (كان قاضياً لخالد بن عبد الله القسري على الكوفة، ولكنه عمّر، وكان جابر بن يزيد الجعفي يجلس معه إذا جلس للقضاء..)(3).

ومن الثاني ما جاء في أخبار القضاة بإسناده عن سفيان قال: (لقي ابن شبرمة(4) جابر الجعفي، فقال: ما يمنعك أن تستشير؟ قال: أستشير فيما أعلم أو فيما لا أعلم! فلو قال: فيما تعلم، فقلت: فلِمَ أستشير فيما أعلم، ولو قال: فيما لا تعلم، لقلت: لِمَ أقضِ بما لا أعلم)(5).

قلت: يبدو أن جابراً أراد أن يذّكره تذكيراً بحاجته إلى المشورة، فلما رأى مجادلته تركه.

ص: 250


1- تهذيب الأحكام: 3/ 48.
2- مستطرفات السرائر: 150 ح15. تحقيق السيد محمد مهدي الخرسان.
3- الطبقات الكبرى: 6/ 346.
4- هو عبد الله بن شبرمة بن الطفيل بن حسان الضبي، أبو شبرمة الكوفي القاضي، من الخامسة (ت144ﻫ ). لاحظ تقريب التهذيب: 1/500.
5- أخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان (ت306ﻫ ): 3/ 122.

وقد روي عن سفيان قال: (قالوا لابن شبرمة: نراك معجباً برأيك. قال: لو لم أعجب به لم أقضِ به)(1).

الجهة الحادية عشر: تعلّم جابر بمكة المكرمة والمدينة المنورة

لقد كان جابر كوفياً فهو ولد ونشأ فيها، وكان القسط الأكبر من تعلّمه في الكوفة بطبيعة الحال، وقد كانت الكوفة مركزاً رئيسياً للتعلّم والتعليم بعد المدينة وينتهي علم مدرسة الكوفة الفقهية إلى ابن مسعود وأمير المؤمنين (علیه السلام)، وكان الكوفيون يفضلون فقههم على فقه أهل المدينة، ويعتبرون هذين العَلَمين أعلم ممن كان تتبعهم مدرسة المدينة مثل عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وقد روى جابر عن جملة من مشاهير التابعين بها, منهم:

1. إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي (50 - 95ﻫ ).

2. الحكم بن عتيبة أبو محمد الكندي، الكوفي (50 - 115ﻫ ).

3. سالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي، الكوفي (ت 97ﻫ ).

4. سلمة بن كهيل الحضرمي (ت 121ﻫ ).

5. عامر بن شراحيل الشعبي (21 - 105 ﻫ )، وقد أدرك خمسين ومائة من الصحابة.

6. عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي، الكوفي (ت 112ﻫ )، وعدّ من أتباع التابعين(2).

7. عدي بن ثابت الأنصاري، الكوفي مات في ولاية خالد بن عبد الله القسري (سنة106ﻫ ).

8. القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، أبو عبد الرحمن، الكوفي (ت 120ﻫ ).

ص: 251


1- المصدر السابق: 3/ 121.
2- لاحظ مشاهير علماء الأمصار لابن حبان (ت 354ﻫ ): 258. لكن عدّه ابن حجر في تقريب التهذيب: 1/ 552 من الطبقة الوسطى من التابعين.

9. مسلم بن صبيح - بالتصغير - الهمداني أبو الضحى، الكوفي، العطار، مولى لآل سعيد بن العاص القرشي (ت 100ﻫ ).

ولكن الغالب على الكوفيين الرواية عن عدد من مشاهير العلماء في المدينة ومكة، منهم من كان ينتفع بزمان الحج، وقلة منهم كان يهاجر إلى المدينة لأجل تحصيل العلم، وكان الاهتمام بالمدينة كبيراً في أوساط الشيعة في الكوفة لعلاقتهم بالأئمة من آل البيت (علیهم السلام) من ذرية أمير المؤمنين مثل الباقر والصادق (علیهم السلام)، وقد تتلمذ جابر فعلاً على كل من الإمامين الباقر والصادق (علیهما السلام) في المدينة.

كما روى عن جماعة من مشاهير التابعين بها، منهم:

1. سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أحد الفقهاء السبعة (ت 106ﻫ ).

2. القاسم بن محمد بن أبي بكر التيمي من الفقهاء السبعة أيضاً بالمدينة، (30-106 ﻫ ).

3. محمد بن مسلم بن تدرس، أبو الزبير المكي، سكن المدينة مدة ومكة زماناً (ت 126ﻫ )(1).

4. نافع أبو عبد الله المدني مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب (ت129ﻫ ).

ومن مشاهير علماء مكة روى عن جماعة، منهم:

1. عطاء بن أبي رباح (27 - 114ﻫ ).

2. مجاهد بن جبر أبو الحجاج المخزومي، مولاهم المكي (21 - 103ﻫ ).

3. عكرمة مولى ابن عباس (ت107ﻫ ).

4. عبد الله بن كيسان التيمي أبو عمر المدني مولى أسماء بنت أبي بكر، وكان ختن عطاء بن أبي رباح.

ص: 252


1- لاحظ مشاهير علماء الأمصار لابن حبان (ت 354ﻫ ): 111.

ومن علماء البصرة روى عن أبي حريز عبد الله بن الحسين الأزدي البصري، وَلِيَ القضاء بسجستان وبها مات، كتب عنه البصريون.

ومن علماء اليمن روى عن طاووس بن كيسان الهمداني (ت101ﻫ ).

ولكن يتوقع كون لقائه بهما اتفاقياً وليس هجرة إلى البصرة أو اليمن، فإنه لا أثر في سيرة جابر من السفر إليهما. نعم، ذكر النجاشي أنه فيما يضاف إلى كتبه رسالة من أبي جعفر (علیه السلام) إلى أهل البصرة، ولم تثبت.

وقد يتراءى من بعض الروايات أن أخذ جابر العلم في المدينة لم يقتصر على أوان الذهاب إليها بعد الحج كما كان الغالب لدى الرواة، بل إنّه هاجر إليها خصيصاً.

منها: رواية تقدم ذكرها وتضمنت أنه تعلم عند الباقر (علیه السلام) ثماني عشرة سنة، ولكنها مريبة، ويتوقع أن ذلك مما لفّقه الضعفاء والغلاة حول جابر مبالغة في شأنه ومكانته.

ومنها: رواية أخرى تقدم ذكرها أيضاً تضمنت أنه عندما دخل على أبي جعفر (علیه السلام) قال له: ((من أين أنت؟)). فقلت: من أهل الكوفة، قال: ((ممن؟)). قلت: من جعف، قال: ((ما أقدمك إلى هاهنا؟)). قلت: طلب العلم، قال: ((ممن؟)). قلت: منك، قال: ((إذا سألك أحد من أين أنت؟ فقل: من أهل المدينة))، قلت: أيحل لي أن أكذب؟ قال: ((ليس هذا كذباً من كان في مدينة فهو من أهلها حتى يخرج))(1).

فهذه الرواية ربما تشعر بأنه كان ناوياً للبقاء في المدينة، فأراد الإمام (علیه السلام) منه أن يتكتم على كونه كوفياً كي لا يتحسس منه أهل المدينة.

وكأنه كانت هناك حساسية - على العموم - بين أهل المدينتين، فكان هوى المدينة مع تقديم الخلفاء، وهوى الكوفة مع تقديم علي (علیه السلام) وتفضيله وانتقاد عثمان.

ص: 253


1- مناقب آل أبي طالب: 3/ 331.

وربما حدّث عن سيرة الباقر (علیه السلام) بما يدل على أنه كان في شهر رمضان في المدينة، فقد روى الكليني عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن سالم، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر، عن جابر، قال: كان أبو جعفر (علیه السلام) يبكّر إلى المسجد يوم الجمعة حين تكون الشمس قدر رمح، فإذا كان شهر رمضان يكون قبل ذلك، وكان يقول: ((إن لجُمَعِ شهر رمضان على جُمَعِ سائر الشهور فضلاً كفضل شهر رمضان على سائر الشهور))(1).

ولكن مع ذلك فإنه ليس هناك من دليل على هجرة جابر إلى المدينة.

الجهة الثانية عشرة: عصر جابر

عاش جابر تمام حياته في العصر الأموي، فقد أدرك جميع خلفاء بني أمية - بعد معاوية(2) - صبياً وشاباً وشيخاً.

وأما عن موطنه الكوفة فإنها في جلّ هذه الفترة كانت تحت حكم بني أمية من خلال ولاتهم عليها، وربما قامت حركات ثورية ضدهم سيطرت على الكوفة لفترة قصيرة.

وأما من حيث بيئة الكوفة العلمية والفكرية فقد مصّرت الكوفة في عهد عمر بن الخطاب بعد فتح العراق، ثم كان للكوفة دور مهم في الثورة على عثمان التي أدت إلى مقتله ومبايعة أمير المؤمنين (علیه السلام) فاتخذها الإمام عاصمة له بعد رجوعه من حرب الجمل واستقر فيها، وخطب بين ظهراني أهلها باصطفاء أهل البيت (علیهم السلام) ولزوم اتباعِهم وعرّض بانتهاك حقهم واستبعادهم عن مكانتهم بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فتأثر أكثر أهل الكوفة به حتى غلب عليهم التشيع بالمعنى العام، وهو تفضيل أمير المؤمنين، وآمن جماعة منهم بالتشيع الخاص وهو تعيّن أمير المؤمنين وأهل البيت (علیهم السلام) لخلافة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، على خلافٍ في أن هذه الأولوية سياسية محضة، أم مقرونة بما آتاهم الله من العلم.

ومن ثَمَّ كان لأهل الكوفة:

ص: 254


1- الكافي: 3/ 429/ ح8 باب نوادر الجمعة. وتهذيب الأحكام: 3/ 244 ح42 عن الكافي.
2- وأما إدراكه لمعاوية فهو منوط بأن يكون قد ولد قبل (سنة60ﻫ ) التي هي سنة وفاة معاوية.

أولاً: انتقاد لعثمان ولعشيرته بني أمية التي زعمت الانتصار له ووراثته.

وثانياً: محبة أمير المؤمنين (علیه السلام) .

وتُحَدِّث كتب الفِرَق عن فِرَق الشيعة التي نشأت في الكوفة عقيب أمير المؤمنين (علیه السلام)، وهي في الغالب فِرَق ثورية وعَقَدية في آن واحد فاتبعت ذلك عدة ثورات كانت تزيد على العموم في زخم التشيع فيها لما يلقاه الثوار من قمع واضطهاد من قبل الدولة الأموية، فبعد ثورة الإمام الحسين (علیه السلام):

1. خرج المختار عام 66ﻫ(1).

2. ثم آل الزبير من سنة 67ﻫ(2) إلى أن استعادها عبد الملك بن مروان من مصعب بن الزبير سنة 72ﻫ(3).

3. ثم خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس (سنة 83ﻫ ) عامل الحجاج على سجستان على الحجاج، وامتد القتال بينهما إلى البصرة والكوفة، وكان مع عبد الرحمن جماعة من قرّاء العراق منهم الحسن البصري، وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وهزمهم الحجاج في نفس السنة(4).

4. ثم زيد بن علي بن الحسين (علیهم السلام) سنة 122ﻫ(5).

5. ثم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار سنة 127ﻫ(6).

والثورات كانت إما بعنوان حق أهل البيت (علیهم السلام)، كما في الأولى والأخيرتين، أو تتغذى من مشاعر الأولى والأخيرتين من المحبة لهم والمعاداة لبني أمية وولاتهم كما في

ص: 255


1- لاحظ تاريخ الطبري: 4/ 513.
2- لاحظ المصدر السابق: 4/ 577.
3- لاحظ المصدر السابق: 5/ 11.
4- لاحظ تاريخ اليعقوبي: 2/ 277-279.
5- لاحظ تاريخ الطبري: 5/ 481.
6- لاحظ المصدر السابق: 5/ 595.

الباقي.

ومحصل ما ذكر في كتب الفِرَق: أن الناس اختلفوا في حياة أمير المؤمنين وبعده في شأن خلافته إلى:

1. قوم رأوا أنه لا مشروعية لخلافته، لأنه حمى قتلة عثمان، وعلى أساسه حصلت حرب الجمل وصفين، وهو الاعتقاد الأموي الذي كانت تفرضه الخلافة الأموية.

2. قوم رأوا أنه لا مشروعية لخلافته لخروجه عن الجادة المستقيمة بقبوله بالحكمين، وهم الخوارج.

3. قوم رأوا أن خلافته مشروعة كمشروعية خلافة من قبله، من غير امتياز له (علیه السلام)، وفي هؤلاء من رأى عدم مشروعية خلافة عثمان في الفترة الأخيرة من حكمه، ومن هؤلاء عامة أهل السنة اليوم.

4. قوم رأوا أن لعلي (علیه السلام) ميزة على من سبقه من الخلفاء، وهؤلاء هم الشيعة بالمعنى العام وهم أكثر أهل الكوفة، وأما الأقوام الأولون فكانوا قلة في الكوفة لتأثر عامتهم بشخصية أمير المؤمنين (علیه السلام) وأقواله، وهذا هو التشيع بالمعنى الأعم الأوسع.

والواقع أن أقوال أمير المؤمنين (علیه السلام) التي تؤكد على امتياز أهل البيت (علیهم السلام) - والذي جاء كثير منها في نهج البلاغة - هي الباعث الأساس في نشأة التشيع في الكوفة وصيرورة الكوفة علوية الهوى.

ثم انقسم الشيعة بهذا المعنى العام - بحسب ما كانوا قد استفادوه من أقوال أمير المؤمنين (علیه السلام) واعتقدوه فيما يجوز أو لا يجوز القول به في شأن من سبقه - إلى طوائف هي:

1. طائفة رأت أن خلافة أبي بكر وعمر شرعية وإن كان علي (علیه السلام) هو الأفضل والأمة مخطئة في عدم توليته الأمر، وعليه ابن التمار.

وبعض هؤلاء قالوا إنه كان للأمة تولية من شاءت وإن لم يكن الأفضل.

2. طائفة رأت أنها كانت شرعية وإن كان علي (علیه السلام) هو الأفضل، لأن علياً لم

ص: 256

يعارضهما فهو بمثابة حق كان لأحد فتركه، وهم المعروفون بالبترية أصحاب الحسن بن صالح بن حيّ، وكثير النّوا، وسالم بن أبي حفصة، والحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد.

3. طائفة رأت أنها لم تكن شرعية، إلا أن أبا بكر وعمر لا يستحقان اسم الفسق لأنهما تأولا فأخطآ.

4. طائفة رأت أنه (علیه السلام) معيّن بالنصّ فلا شرعية لخلافة غيره ولو بالتأويل، وهؤلاء الروافض بتعبير أهل السنة، وهم قوم ثبت عندهم أن أمير المؤمنين (علیه السلام) كان يرى النصّ عليه وتعيينه.

وهذه الطائفة كانت في ازدياد في الكوفة بمرور الزمن، وهي كانت مقسمة إلى أقسام:

1. قسم قال بأن أمير المؤمنين لم يقتل ولم يمت وسوف يرجع ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ولا إمام على الخلق حتى يرجع، وتسمى بالسبئية نسبة إلى عبد الله بن سبأ.

والظاهر سرعة انقراض هذه الطائفة بعد أمير المؤمنين، وأغلب من عدّ من السبئية من الرجال كجابر كان على وجه الغلط، فإنهم كانوا يرون إمامة بعض الأحياء، وعامة الشيعة بعد أمير المؤمنين قالوا بإمامة الحسن

(علیه السلام)، وقد بويع بعد أبيه من قبل عامة أهل الكوفة، ولعل بعضهم ارتد لاحقاً بعد صلحه (علیه السلام) مع معاوية.

2. قسم قال بأن الإمامة في الحسن ثم الحسين ولم يرَ نصب إمام بعدهما.

والظاهر انقراض هؤلاء أيضاً سريعاً، فإن معظم الشيعة كانوا يبحثون عن إمام حيّ فعلي، كما يدل عليه تأمل التراث التاريخي والروائي.

3. قسم قال إن الإمامة في أهل البيت مستمرة، وهم عامة الشيعة في الكوفة حيث كانوا يبحثون عن إمام حيّ.

وافترق هؤلاء إلى أربع فِرَق: يمكن أن يعبر عنهم بالهاشمية والعلوية والفاطمية والحسينية.

ص: 257

أما الهاشمية فهم من يرى الإمامة في عامة بني هاشم سواء من ذرية علي (علیه السلام)، أو أخيه جعفر، أو عمه العباس، أو غيرهم، كما أن العلوية هم من يرى الإمامة في نسل علي (علیه السلام) خاصة.

ويندرج في هذه الفِرقة من قال بإمامة محمد ابن الحنفية وينبغي أن يسموا بالحنفية، واشتهروا بالكيسانية، وهو ما نسب إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان منهم السيد إسماعيل الحميري الشاعر، ثم فرقة منهم قالت بموت محمد ابن الحنفية وانتقلت الإمامة بعده إلى ابنه عبد الله، وسميت هذه الفرقة بالهاشمية، وهم الهاشمية الخلص(1).

ومنهم من التزم بعدم وفاته وأنه بقي حياً ولا بدَّ من رجوعه، وهؤلاء سموا بالكربية، وخرج من هؤلاء حمزة بن عمارة البربري الذي ادعى لاحقاً الإمامة لنفسه والإلوهية لابن الحنفية، وتبعه رجلان هما صائد النهدي وبيان بن سمعان، وكذا من أجرى الإمامة في ابنه عبد الله المكنى بأبي هاشم من بعده.

ثم إنه بعده منهم من زعم مهدويته وغلوا فيه وهؤلاء عرفوا بالبيانية نسبة إلى بيان ابن سمعان. وقد أحرقه خالد بن عبد الله القسري هو وأصحابه في مسجد الكوفة(2).

ومنهم من زعم أنه أوصى إلى أخيه علي بن محمد ابن الحنفية، ثم أوصى علي إلى ابنه الحسن، ثم أوصى الحسن إلى ابنه علي، والوصية عندهم في أولاد ابن الحنفية، وهذه الفرقة تسمى الكيسانية الخلص(3).

ومنهم من ينبغي أن يسموا بالجعفرية وهم من أجرى الإمامة بعد أبي هاشم بوصية منه في عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الذي ثار بالكوفة

ص: 258


1- لاحظ فرق الشيعة للنوبختي والقمي: 43.
2- لاحظ المصدر السابق: 39. وقيل إنه قتل وصلب.
3- لاحظ المصدر السابق: 46.

(سنة 127ﻫ ) وهرب إلى خراسان فقتله أبو مسلم الخراساني (سنة 129ﻫ ).

وبعده اختلف أصحابه بين قائل بمهدويته، وقائل إنه حي لا يموت حتى يقود نواصي الخيل إلى رجل من ولد علي وفاطمة (علیهما السلام) ثم يموت، وقائل إنه مات ولم يوصِ وليس بعده إمام.

ومن أتباعه رجل غلا يعرف ب- (عبد الله بن الحارث)، أدخل أتباعه في الغلو والتناسخ والأظِلة والأدوار ونسبه إلى جابر بن عبد الله الأنصاري وجابر بن يزيد الجعفي(1).

ومنهم من ينبغي أن يسموا بالعباسية وهم من أجرى الإمامة بالوصية بعد أبي هاشم في محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وذريته إبراهيم الإمام والسفاح والمنصور.

وقد انقرض الحنفية بمختلف أقسامهم سريعاً لاسيما بعد ظهور العباسيين وعدل أصحابها إلى المذاهب الأخرى.

وأما الفاطمية فالمراد بهم من يرون الإمامة محصورة في البطنين الحسن والحسين الذَين هما ذرية رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وقد اشتهروا بالزيدية فقالوا إن الإمامة شرع سواء في أولاد الحسن والحسين والمناط فيها الثورة، فمن خرج ودعا إلى نفسه كان إماماً، وهؤلاء هم الجارودية، ومن أعلامهم (زياد بن المنذر المكنى بأبي الجارود)، وباسمه سميت الفرقة، ومنهم أبو خالد الواسطي الراوي المشهور عن زيد، ومنهم فضيل بن الزبير الرسان، وقد قالوا بإمامة زيد، ثم محمد بن عبد الله بن الحسن المثنى، ثم سائر الخارجين من أهل البيت، ومن هؤلاء المغيرية أصحاب المغيرة بن سعيد، ومنهم من زعم مهدوية ذي النفس الزكية.

وأما الحسينية فهم الذين قالوا إن الإمامة بعد الحسين في نسله وهم: علي بن

ص: 259


1- لاحظ المصدر السابق: 43-45.

الحسين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق (علیهم السلام) وهكذا.

وعلى هذا المذهب كان جابر.

والحاصل من ذلك: أن الصراع في الكوفة بين اتجاهات التشيع كان من جهات متعددة:

فمن جهة كان هناك صراع بمستويات متعددة ابتداءً من مجرد تفضيل الإمام علي (علیه السلام)، ومروراً بإناطة شرعية غيره بعدم اعتراضه، وانتهاءً بالاعتقاد باصطفائه وأهل بيته والنصّ عليه، وتجاوزاً إلى الحركات الغالية التي ادعت الإلوهية والنبوة له، وكانت هذه الطبقة من غير أهل العلم.

ومن جهة أخرى: كان هناك صراع بين التوجه الثوري في التشيع الذي يرى الأولوية للخروج، ويرى إناطة الإمامة به وعليه الحنفية والعباسية والزيدية وقد انقرضت الفرقتان الأوليان، وبين التوجه العلمي الذي يرى أن أعلم أهل البيت (علیهم السلام) أولاهم بالخلافة، وهو الاتجاه الإمامي.

وقد كان الاتجاه الثوري هو الغالب في الكوفة - بعد شهادة الحسين (علیه السلام) وما استوجبته من التضييق على أهل البيت (علیهم السلام) - كردّ فعل على الاتجاه الأموي للدولة ولولاتها على الكوفة، إلى أن توفي الإمام علي بن الحسين (علیهما السلام) سنة (94ﻫ )، وبعده تصدى الإمام الباقر (علیه السلام) بقوة لجذب أهل الكوفة إلى التوجه العلمي على أساس أنهم يحملون ميراث أمير المؤمنين (علیه السلام) الذي كان هو السبيل الأوثق عند عامة شيعة الكوفة إلى أحاديث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، فانجذب إليه كثير من أهل الفقه والعلم أو من المهتمين بالبحث والتفقه فيما يعملون به من الفتاوى من الجيل الذي عاش بين (60 - 94ﻫ ) أي بين شهادة الحسين وشهادة ابنه علي بن الحسين (علیهما السلام) مثل زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم الطائفي وغيرهم.

وكان جابر من القسم المتعلم من هذا الجيل المُتلمذ عند عدد من التابعين، فانجذب إلى الإمام الباقر ثم إلى ابنه الصادق (علیهما السلام) وأخذ عنهما.

ص: 260

لقد صار هذا الجيل الذي تلمذ على الإمام الباقر (علیه السلام) من جملة أعوان الإمام الباقر (علیه السلام) على أمرين كان يهدف إليهما:

أحدهما: إيصال أمر اصطفاء أهل البيت (علیهم السلام) إلى المجتمع الكوفي العام بين الاتجاهات الفكرية المختلفة.

والآخر: إرساء أسس علمية متينة للمذهب الإمامي من خلال آثار مسندة إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأمير المؤمنين (علیه السلام) في العقائد والفقه والتفسير.

ومن أبرز هؤلاء الفضلاء الستة: زرارة وأقرانه، كما ورد وصفهم في عدّة روايات عن الإمام الصادق (علیه السلام) .

ولكن كان جابر مؤثراً في ثقله المعنوي أكثر من الدور العلمي حيث لم يتأت له تربية تلاميذ مثل تربية زرارة وأقرانه لحريز وابن بكير وغيرهما، بل استغل جماعة من الغلاة والضعفاء الانتماء إليه.

هذا توضيح موجز لعصر جابر والخيارات المتعددة فيه لأهل الكوفة وشيعتها واختيار جابر بينها، وهذا ينفع في شأن معرفة سرّ اختيار سائر الرواة مثل زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم مذهب أهل البيت (علیهم السلام) .

* * *

هذا تمام الكلام في الحلقة الأولى، وسيأتي الكلام في الحلقة الثانية - إن شاء الله تعالى - عن بقيّة الجهات المتعلقة بشخصية جابر وهي: شهرة جابر في الوسط الاجتماعي. جابر والسلطة الحاكمة. جنون جابر أو تظاهره بالجنون. طبيعة تعامل جابر مع الوسط السنّي العام بعد تحوله الفكري إلى المذهب الإمامي. جابر والحركات الثورية. عناية الإمام الباقر (علیه السلام) بجابر. خوارق جابر أو كراماته. جابر والأنباء الغيبية.

ص: 261

ص: 262

إنارة العقول في انتصاف المهر بموت أحد الزوجين قبل الدخول للسيد الخوئي (قدس سره) - السيد جواد الغريفي

اشارة

إنارة العقول

في انتصاف المهر بموت أحد الزوجين قبل الدخول

تألیف

الاستاذ الاکبر سماحة آیة الله العظمی

السید ابوالقاسم الوسوی الخوئي (قدس سره)

تحقیق

السيد جواد الموسوی الغريفي

ص: 263

ص: 264

مقدّمة التحقيق

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد للّه ربِّ العالمين، وأفضل الصَّلاة والسَّلام على خاتم رسله محمَّد وآله الطَّيبين الطَّاهرين.

ها نحن نقتطف ثمرة جديدة من الشَّجرة المباركة العريقة، الحوزة العلميَّة الشَّريفة في النَّجف الأشرف لنقدِّمها إلى ذوي الفضل والعلم.

وإنَّ نظرةً خاطفةً إلى سير الدِّراسات العلميَّة ولا سيَّما الفقهيَّة والأصوليَّة الصَّادرة عن هذه المدرسة المباركة خلال تأريخها الوضّاء تكشف عن عدم فتور أو توقّف دورها الفاعل وبحوثها العلميَّة، بل تُعرب عن تَطوُّرها وتكاملها رغم الظروف الصَّعبة والأحداث المريرة التي مرَّت عليها، فكان لها الحظُّ الأوفرُ في إكمال مسيرة الفقه الإمامي, وإنجاب رجالٍ أفذاذ على مرِّ السِّنين والأَيام، ومن بين أولئك الّذين كان لهم بالغُ الأَثرِ في استمرار ذلك الدَّور وتَحمُّل مهام الحفاظ على الحوزة العلميَّة في أحلك الظُّروف التي مرَّت عليها, وكان حلقة الوصل مع العصر الذهبي للحوزة العلميَّة في النجف الأشرف إبَّان أوج حراكها العلمي هو مؤلّف الرسالة الشَّريفة التي بين أيدينا أُستاذ الفقهاء والمجتهدين وقبلة المشتغلين سماحة آية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي - أعلى الله مقامه الشَّريف -.

ص: 265

المؤلف (قدس سره) في سطور

المؤلف (قدس سره) في سطور(1):

إنَّ سماحة السيد الخوئي (قدس سره) غني عن التعريف, وقد أثنى عليه وأشاد بمكانته العليا في العلم والدين كبار المراجع والعلماء, فقد وصفه أحد المراجع بأنَّه (كان مناراً للعلم والتقى، وسلطان الفقاهة والإفتاء، زعيم الحوزات العلميَّة)(2), ووصفه مرجع آخر بأنَّه كان (أُنموذج السَّلف الصالح، بعبقريته الفذَّة، ومواهبه الكثيرة، وملكاته الشَّريفة، التي أهّلته لأَن يُعدّ في الطليعة من علماء الإمامية، الذين كرَّسوا حياتهم لنصرة الدِّين والمذهب)(3). وقال ثالث: (لا مثيل للإمام الخوئي في مجال العلم والتفقه، ويصدق حديث بعض العلماء حوله إذ يقول: هو أستاذي وأستاذ كل من يحفظ عنه العلم في القرن الأخير. وبوجيز العبارة لابدَّ من القول إن العلامة الخوئي أعلم الفقهاء منذ عصر الغيبة حتى يومنا هذا ولا أعرف أحدا يفوقه علماً)(4).

وقد أُلّف في ترجمته وانجازاته في مختلف الميادين العديد من الكتب والرسائل الجامعيَّة وغيرها.

بالإضافة إلى ما ذكره (قدس سره) بنفسه في ترجمته في كتابه الخالد (معجم رجال الحديث), ولذلك سنكتفي بذكر سطور عن حياته الشَّريفة:

• ولد (قدس سره) في 15 رجب 1317ﻫ الموافق 19/11/1899م في مدينة خوي من إقليم آذربيجان. ويتصل نسبه الشريف بالإمام موسى بن جعفر (علیه السلام) .

ص: 266


1- استفدناها ممّا كتبه (قدّس سره) بنفسه, ومما كُتب عنه, يلاحظ: معجم رجال الحديث الجزء (23), الإمام أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة العلمية, موسوعة الإمام الخوئي (المقدمة), نبذة مختصرة من حياة السيد الخوئي, مجلة الموسم العدد (17) الخاص عن الإمام الخوئي, وغيرها.
2- المرحوم السيِّد محمَّد رضا الكلبايكاني (قدس سره) .
3- سماحة السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله العالی).
4- سماحة السيد صادق الحسيني الروحاني (دام ظله) .

• دخل مدرسة نمازى في خوي في حدود عام (1324 ﻫ ) الموافق (1906م).

• سافر والده إلى النجف الأشرف عام (1328 ﻫ ) الموافق (1910 م) لأجل حادثة المشروطة.

• التحق برفقة أخيه الأكبر – غير الشقيق- وبقية أفراد عائلته بوالده في النجف الأشرف عام (1330 ﻫ ) الموافق (1912 م), وسكنوا محلّة العمارة.

• شرع بالدروس الحوزوية فور وصوله إلى النجف الأشرف, أي: عام (1330 ﻫ ) الموافق (1912 م).

• تتلمذ في مرحلة السطح العالي عند الأساتذة المعروفين:

1. آية الله السيد علي الكازروني, الجزء الأول لكتاب كفاية الأصول.

2. آية الله الشيخ ميرزا محمود الشيرازي, الجزء الثاني لكتاب كفاية الأصول.

3. آية الله الشيخ ميرزا فرج الله التبريزي, كتاب المكاسب المحرمة.

• أكمل المقدمات والسطح العالي, وشرع بالحضور في البحث الخارج عام (1338 ﻫ ) الموافق (1919 م).

• عدَّ (قدس سره) في معجمه من أساتذته في الدروس العليا (البحث الخارج):

1. آية الله الشيخ فتح الله المعروف بشيخ الشريعة الأصفهاني (ت 1339 ﻫ ).

2. آية الله الشيخ مهدي المازندراني (ت 1342 ﻫ ).

3. آية الله الشيخ ضياء الدين العراقي (ت 1361 ﻫ ).

4. آية الله الشيخ محمد حسين الأصفهاني (ت 1361 ﻫ ).

5. آية الله الشيخ محمد حسين النائيني (ت 1355 ﻫ ).

ص: 267

ولعلّ الترتيب الذي أورده (قدس سره) في ذكر أسماء مشايخه يعود إلى الأسبقية في زمن الحضور في مجالس بحوثهم وليس في الأهمية أو المرتبة العلمية لأساتذته.

وقد أفاد (قدس سره) أن أستاذيه النائيني والأصفهاني أكثر من تتلمذ عليهما فقهاً وأصولاً. وأنَّه كان يقرر أبحاثهما على جمع من الحاضرين في البحث وفيهم غير واحد من الأفاضل, وهذا يدل على قابلية خاصة لا تتوفر إلا لمن تمكّن من دراسته وتميَّز عن أقرانه.

• وقد درس (قدس سره) عند أساتذة آخرين, منهم:

1. آية الله الشيخ محمد جواد البلاغي (ت 1352 ﻫ ), ويعدّ السيد (قدس سره) من الطلاب البارزين لهذا الأستاذ العظيم في علم الكلام والعقائد والتفسير. وقد مدحه في مقابلة له مع مجلة الغري النجفية(1) بما هو أهله, قائلاً: (إنَّه كان من أبرز العلماء المحققين والجهابذة المدققين ومن الطراز الأول من الفقهاء والأصوليين). وأشار إلى مزيد اختصاصه به حين قال: (إنَّه كان يطلعني على كتابه (الرحلة المدرسيَّة) كراسة كراسة ثمَّ يبعثها إلى المطبعة على شكلها الأخير). وقال أيضاً: (كنت أنا وحدي الذي منحه إجازة الاجتهاد حيث كان يمتنع عن اعطائها أشد الامتناع).

2. آية الله الميرزا علي القاضي (ت 1380 ﻫ ), (في مرحلة زمنية من عمره الشريف) وكان له الدور الفعّال والأساس في مراحل سير وسلوك السيد الخوئي (قدس سره) .

3. آية الله السيد حسين البادكوبه اي (ت 1358 ﻫ ) حضر عنده الفلسفة والعرفان.

4. آية الله السيد أبو القاسم الخوانساري (ت1358 ﻫ ) وكان أستاذه في الرياضيات العالية.

5. آية الله السيد عبد الغفار المازندراني (ت 1365 ﻫ ) وقد حضر عنده درس الأخلاق.

ص: 268


1- مجلة الغري, السنة السابعة عشر, العدد (5) 1/ 8/ 1956م.

• أجازه بالاجتهاد أعلام عصره وأساطين أساتذته, وهم: الشيخ محمد حسين الأصفهاني بتأريخ (22 محرم الحرام 1350 ﻫ), والشيخ محمد حسين النائيني بتأريخ (19 شوال 1353 ﻫ ), وآغا ضياء الدين العراقي, والميرزا علي آقا الشيرازي, والشيخ جواد البلاغي, والسيد أبو الحسن الاصفهاني بتأريخ (20 شوال 1353 ﻫ ).

• طبع تقريرات بحث الميرزا النائيني المسماة ب- (أجود التقريرات) في سنة (1348 ﻫ ), أي: قبل وفاة الميرزا بسبع سنين.

• بدأ (قدس سره) بتدريس البحث الخارج (الدورة الأولى) سنة (1355 ﻫ )(1) الموافق (1936 م), وحكي أنَّه بدأ بالبحث الخارج سنة (1352 ﻫ ) الموافق (1933 م) أو قبل ذلك(2).

• اشتهر درسه ودرس تلميذ آخر للميرزا النائيني - وهو المرحوم الشيخ محمد علي الكاظمي الخراساني صاحب فوائد الأصول- بعد وفاة الميرزا النائيني (1355 ﻫ ), وبعد رحيل المرحوم الكاظمي عام (1365 ﻫ ) تصدَّر درس السيد (قدس سره) الدروس الأخرى من حيث الكيفية والكمية.

• شرع في 27 ربيع الأول سنة (1377 ﻫ ) في تدريس فروع (العروة الوثقى) لفقيه الطائفة السيد اليزدي (قدس سره) .

• تسنَّم المرجعية العليا والزعامة الكبرى للشيعة الإماميَّة بعد وفاة السيد الحكيم (قدس سره) عام 1390 ﻫ.

• حظيت برعايته الحوزات العلميَّة, وأَسس المراكز الإسلاميَّة والثقافيَّة والمؤسسات الخيريَّة في العراق وإيران والهند وباكستان ولبنان وبريطانيا وأمريكا ومناطق أخرى.

ص: 269


1- لاحظ: أساطين المرجعية العليا: 274, 299.
2- حكي ذلك عن السيد محمد حسين الهمداني والسيد جعفر شهيدي وآخرين. لاحظ: الإمام أبو القاسم الخوئي زعيم الحوزة العلمية: 158, 169. أساطين المرجعية العليا: 299.

• دُوِّنت نظرياته الجديدة وآراؤه العلميَّة القيّمة من خلال مؤلفاته وتقريرات كثير من تلامذته الأفاضل في شتى الحقول العلميَّة المختلفة من الفقه والأصول وعلوم القرآن والتفسير والعقائد، والتي تعتبر اليوم من أمهات المصادر الحديثة للباحثين والعلماء، مما لا يستغني عنه الأساتذة والطلاب معاً، وعليها تدور رحى البحوث والدروس في هذين الحقلين في جميع الحوزات الدينية المعروفة, وقد طُبع أكثرها في حياته الشريفة وقد ذكرها في معجمه, وبعضها بعد وفاته.

• تخرَّج من مجلس درسه على يديه الكريمتين طوال تأريخ زعامته للحوزة المباركة مئات الأساتذة والمدرسين في الحوزات العلمية المنتشرة في أقطار العالم الإسلامي وعشرات المجتهدين الكبار, وقد تسنَّم نخبة منهم في العصر الحاضر سدَّة المرجعية في الحوزات العلمية الشهيرة في النجف الأشرف وقم المقدَّسة ومشهد الرضا المقدَّس.

• توقّف (قدس سره) عن إلقاء بحوثه العالية في ذي الحجة من عام (1409 ﻫ ) الموافق تموز (1989 م), بعد أكثر من نصف قرن من العطاء المتواصل.

• فاضت روحه الطاهرة بعد آذان الظهر في 8 صفر 1413 ﻫ الموافق 8/ 8/ 1992م وهو قائم يصلي, فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يُبعث حياً.

علاقة السيد الخوئي بالسيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سرهما)

لابدَّ لنا من وقفة مع هذه الرسالة وما جاء في مطلعها, فقد أهداها السيد الخوئي إلى مقام السيد أبو الحسن (قدس سرهما), بقوله:

(وأهديتها إلى زعيم الشّيعة, ومرجع الشَّريعة, حامل لواء الدِّين, ومبيِّن أحكام سيِّد المرسلين, حجَّة الإسلام, وآية الله على الأنام, العلَّامة الأوحد, والمحقِّق الفرد, السَّيد أبو الحسن الموسويّ الأصبهاني (أدام الله عزَّ المسلمين ببقائه), وأرجو أنْ تكون مقبولةً في حَضْرَتِهِ, كما هو المأمول من فضله السَّامي).

ص: 270

هذا على الرغم من أن السيد الخوئي لا ينتمي إلى مدرسة السيد أبو الحسن الأصفهاني (قدس سرهما), بل هو من أعيان خريجي مدرسة الميرزا النائيني (قدس سره), التي هي في عرضها, ولكنه لمَّا انثنت وسادة المرجعية العليا للطائفة للسيد أبو الحسن وحطَّت برحالها عنده, نرى منه هذا الموقف السامي الدال على مدى ضرورة تعظيم مقام المرجعية والانضواء تحت لوائها؛ لما في توحيد الكلمة من عظيم أثر وجليل نفع, وبذلك يضرب لنا (قدس سره) أروع الدروس والعبر التطبيقية, علّنا نسير بخطاهم ونهتدي بنور هديهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.

وبهذه المناسبة نترجم – بشكل موجز- المهداة له الرسالة:

هو السيد أبو الحسن بن محمد بن عبد الحميد بن محمد الموسوي الأصفهاني النجفي(1). كان من أعلام فقهاء الإمامية، ومن أشهر مراجع التقليد. ولد سنة (1284 ﻫ ) في إحدى قرى أصفهان، وتعلّم بها. وانتقل في شبابه الباكر إلى أصفهان، فدرس بها, وارتحل إلى الحوزة العلميَّة في النجف الأشرف سنة (1308ه)، فحضر على الميرزا حبيب اللّه الرشتي (ت 1312ه). ثم حضر بحث الشيخ محمد كاظم الخراساني النجفي في الفقه والأصول، واختصّ به، ولازمه إلى أن توفّي الخراساني سنة (1329ه). واستقل بالبحث والتدريس، فحضر عليه كثيرون. ونال حظاً من الرئاسة الدينية بعد وفاة الشيخ أحمد كاشف الغطاء، وأخذ يشتهر في الأوساط شيئاً فشيئاً حتى انحصرت به المرجعية بعد وفاة الميرزا محمد حسين النائيني سنة (1355ه)، وطبقت شهرته الآفاق، وأصبح مفتي الشيعة في سائر الأقطار الإسلامية.

وكان- كما يقول السيد محسن العاملي-: واسع العلم والفقه، عميق الفكر،

ص: 271


1- موسوعة طبقات الفقهاء؛ ج14 ق1 ص31 برقم 4420, بتصرف.

حسن التدبير، عارفاً بمواقع الأمور، جاهداً في إصلاح المجتمع، شفيقاً على عموم الناس، جليل المقدرة، عظيم السياسة.

وترك من المؤلفات: رسالة فتوائية سمّاها وسيلة النجاة (مطبوعة)، وحاشية على (العروة الوثقى) في الفقه للسيد اليزدي (مطبوعة)، وشرح على (الكفاية) في أصول الفقه لأستاذه الخراساني.

تأريخ المسألة المبحوث عنها ومن صنَّف فيها

تأريخ المسألة المبحوث عنها ومن صنَّف فيها(1):

من تتبع حكم المسألة المبحوث عنها (حكم المهر فيما إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول) وجد أنها لم تُشبع بحثاً وتفصيلاً في كلمات الفقهاء المتقدّمين وآثارهم (رضوان الله عليهم) على الرغم من ورود روايات كثيرة فيها عن أهل البيت (علیهم السلام)، وقد حَسُن حظُّها أخيراً فأقبل عدَّة من الأعلام عليها من جديد لمّا رأوها قد تحرَّفت فيما اشتهر من حكمها عن الحق والصواب, فألَّفوا فيها رسائل مستقلة تشتمل على روايات المسألة وتقرير حلِّها حسب ما وصلت إليه آراؤهم، والرسائل التي استقلَّت فيها بالتأليف - فيما وقفنا عليه- لم تتجاوز ثمانية، وهي:

• رسالة في موت الزوج أوالزوجة قبل الدخول, هل يوجب المهر كاملاً أم لا؟ للشيخ أحمد الدرازي البحراني (ت 1131 ﻫ ) والد صاحب الحدائق(2).

• رسالة في موت أحد الزوجين قبل الدخول للشيخ محمد بن أحمد الدرازي البحراني, أخ الشيخ يوسف البحراني (ت 1182 ﻫ )(3).

ص: 272


1- لاحظ: (رسالتان في انتصاف المهر بالموت قبل الدخول), الرسالة الثانية: 26 وما بعدها.
2- الذريعة: 23/ 244 برقم 8824.
3- الذريعة: 23/ 245 برقم 8827. وقال: النسخة ضمن مجموعة من رسائله بخط السيد خليفة الإحسائي تأريخها 1221 ﻫ.

• بغية الفحول في حكم المهر إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول للسيد أبو تراب الخوانساري (ت 1346 ﻫ )(1).

• غاية المسؤول في انتصاف المهر بموت أحد الزوجين قبل الدخول للشيخ عبد الله المامقاني (ت 1351ﻫ )(2). قال في أولها: (سألني جمع من الإخوان أن أحرر رسالة في ... وحيث إن المسألة كانت معروفةً بخلاف ما تقتضيه قواعد الفقاهة وكنت قد حرَّرتها في فصل المهور من كتاب النكاح أجبتهم إلى ذلك واستخرجتها من كتابنا الكبير حتى يشيع الحق ويبين(3)).

• رسالة في انتصاف المهر بالموت قبل الدخول للميرزا صادق آقا التبريزي (ت 1351 ﻫ ). قال: (قد اختلفت كلمات الأصحاب في انتصاف المهر بالموت قبل الدخول بعد الاتفاق منهم على الانتصاف بالطلاق, فمنهم من نصَّفه ومنهم من لم يُنصِّف ومنهم من فصَّل بين موت الزوجة والزوج فنصَّف في الأول دون الثاني, ومنشأ هذا الاختلاف اختلاف الأخبار المرويَّة عنهم (علیهم السلام) وغموض المناط في لزوم تمام

ص: 273


1- أحسن الوديعة: 2/ 14. ومرآة الشرق: 1/ 174. وريحانة الأدب: 2/ 188. وذكرها في الذريعة: 23/ 295 برقم 9041 تحت عنوان (رسالة في المهر للمتوفى عنها زوجها قبل الدخول).
2- الذريعة: 1/ 120 برقم 579 تحت عنوان (إجابة السؤال..) و16/ 22 برقم 77 عنه في فهرس تصانيفه تحت عنوان (غاية السَّؤول..). وقد طبعت بهذا العنوان الأخير مع تحفة الصفوة في تبريز سنة (1320 ﻫ ) وقد سمّاها في المقدمة (إجابة السؤول في انتصاف المهر بموت أحد الزوجين قبل الدخول). وثانيةً في المطبعة المرتضوية بالنجف الأشرف سنة (1344 ﻫ ) بالعنوان المذكور أعلاه وسمّاها أيضا في مقدمتها به وذلك في مجموعة من رسائله تسمّى بالاثني عشرية, والرسالة هي الحادية عشرة منها. وثالثةً في العدد (39) من مجلة فقه أهل البيت (علیهم السلام) تحت عنوان (رسالة إجابة السؤول) بتحقيق الشيخ خالد الغفوري.
3- المراد بكتابه الكبير منتهى مقاصد الأنام في نكت شرائع الإسلام الذي استخرج منه أيضاً بعض آثاره الأخرى كما في الذريعة: 23/ 13.

المهر أو نصفه)(1).

• ضياء العقول في حكم المهر إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول للسيد محسن الأمين العاملي (ت 1371 ﻫ ). قال: (حداني عليها ما رأيته من إشكال هذه المسألة مع كثرة الابتلاء بها وذهاب كثير من الأساطين فيها إلى خلاف ما تقتضيه الأدلة لشبهة دخلت عليهم)(2).

• رسالة في انتصاف المهر بالموت قبل الدخول للفيض السمناني (ت 1380 ﻫ ). قال: قد وقع الخلاف فيما يجب من الصداق إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول(3).

• إنارة العقول في انتصاف المهر بموت أحد الزوجين قبل الدخول للسيد أبو القاسم الموسوی الخوئي (ت 1413 ﻫ ), وهي هذه الرسالة التي بين أيدينا.

وهناك أيضاً رسائل في أصل الصداق والمهر وبعض مسائله الأُخر, أُلفت منذ القدم، وأقربها إلى موضوعنا رسالة في موت الزوج قبل الدخول بالمنقطعة للمولى محمد حسن الحائري من تلاميذ صاحب الرياض(4).

وصف النسخة المعتمدة في التحقيق

اعتمدنا في تحقيق هذه الرسالة القيّمة على نسختها الفريدة, التي كتبها المؤلف نفسه بخط النسخ الجلي الجميل، والمحفوظة في (مكتبة الإمام الخوئي العامة)(5)

في

ص: 274


1- وقد طبعت مؤخراً منضمَّة إلى رسالة الفيض السمناني – الآتية الذكر- تحت عنوان (رسالتان في انتصاف المهر ..) ضمن منشورات مؤسسة الأعلمي – بيروت, سنة 1434 ﻫ.
2- الذريعة: 15/ 125 الرقم 842. فرغ منه 1329 ﻫ بدمشق وطبع فيها بالمطبعة الوطنية سنة 1332ﻫ.
3- وقد طبعت مؤخراً – كما ذكرنا آنفاً- منضمَّة إلى رسالة الميرزا صادق آقا التبريزي تحت عنوان (رسالتان في انتصاف المهر ..).
4- الذريعة: 23/ 244 برقم 8825. وهي بخطه منضمة إلى رسالة أخرى له أيضاً.
5- التي أسسها الإمام الخوئي سنة (1391 ﻫ ) الموافق (1971 م).

النجف الأشرف برقم (314), وتقع هذه النسخة في 16 ورقة, تحوي كل صفحة مكتوبة منها ثلاثة عشر سطراً, وطول الورقة 13 سم، وعرضها 5,10 سم, والغلاف الخارجي ورقي, لونه أحمر.

أوّلها بعد البسملة: (الحمد لله رب العالمين.. إنَّه قد ورد عليَّ أوان تشرفي بالبلدة المقدَّسة الكاظميَّة على مشرّفها آلاف الثناء والتحية مكتوب من بعض أصدقائي المحترمين..).

وآخرها: (هذا غاية ما وسعني من التكلم في حكم المسألة عجالة, والحمد لله أولاً وآخراً, وقد شرعت فيها غرَّة جمادى الثانية سنة 1355 من الهجرة النبويّة, وقد فرغت منها عصراً).

وقد ذكرها الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة: 2/ 354 الرقم 1423.

عملنا في التحقيق

1. تقطيع النصّ وتقويمه الذي اشتمل على ضبط النصّ وتصحيح الأخطاء ووضع علائم الترقيم ونحوها ورعاية قواعد الإملاء.

2. تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.

3. تخريج الأقوال الفقهية والأصولية وغيرهما وإرجاعها إلى مصادرها الرئيسية.

4. حرصنا على عدم تجاوز المقدار الضروري من الإضافة على المتن, ووضعنا ما أضفناه بين معقوفين.

5. إعداد فهرس لمصادر التحقيق.

ص: 275

كلمة شكر وتقدير

وفي نهاية المطاف نتقدّم بخالص شكرنا وعظيم امتناننا إلى القائمين على مكتبة الامام الخوئي العامة في النجف الأشرف حيث أتاحوا لنا هذه النسخة الوحيدة للمخطوطة, سائلين المولى عزَّ وجل أن يديم توفيقاتهم إنَّه ولي التوفيق.

ونأمل منه تعالى أن يتقبّل بلطفه وكرمه هذا العمل القليل، وله الحمد أوّلاً وآخراً.

جواد الموسوی الغريفي

النجف الأشرف

20 جمادی الآخرة 1436ﻫ.

ص: 276

صورة

الصفحة الأولى من المخطوطة

ص: 277

صورة

الصفحة الأخيرة من المخطوطة

ص: 278

متن الرسالة

ص: 279

ص: 280

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, محمَّد وعترته الطَّيبين الطَّاهرين, واللَّعنة الدَّائمة على أعدائهم أجمعين.

أمَّا بعد, فيقول أفقر عباد الله إلى ربِّه الغني, أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي: إنَّه قد ورد عليَّ أوان تشرُّفي بالبلدة المقدِّسة الكاظميَّة - على مشرِّفها آلاف الثَّناء والتَّحيَّة - مكتوب من بعض أصدقائي المحترمين (دام عزُّه وبقاؤه) يسألني فيه عن حكم المهر فيما إذا مات أحد الزوجين قبل الدُّخول, مع بيان المدرك وإيضاح المسلك, وبما أنّي لم أكن في سعة من مخالفته, امتثلت أمره, وأفردت له رسالة مختصرة, واجتنبت فيها نقل الأقوال, والتَّطويل في القيل والقال, واقتصرت من الرِّوايات على مقدار الضرورة, مع الإشارة إلى الباقي للاختصار؛ وذلك لما أنا فيه من تشويش الخاطر, وضيق الحاضر, وأهديتها إلى زعيم الشيعة, ومرجع الشَّريعة, حامل لواء الدِّين, ومبيِّن أحكام سيِّد المرسلين, حجَّة الإسلام, وآية الله على الأنام, العلَّامة الأوحد, والمحقِّق الفرد, السَّيد أبو الحسن الموسويّ الأصبهاني (أدام الله عزَّ المسلمين ببقائه), وأرجو أنْ تكون مقبولةً في حَضْرَتِهِ, كما هو المأمول من فضله السَّامي, فأقول وبالله أستعين:

الأقوال في المسألة ثلاثة, ثالثها التَّفصيل بين موت الزَّوجة وموت الزَّوج, فقيل بالتَّنصيف في الأوَّل دون الثَّاني, والأقوى منها هو القول بالتَّنصيف مطلقاً.

ولتوضيح الحال نقدِّم ما يمكن أنْ يكون مدركاً للقول بالتَّمام على الإطلاق, وفي ضمنه يظهر مدرك القول بالتَّفصيل, وصحَّة القول المختار.

ص: 281

استدلَّ للقول بالتَّمام بوجوه:

[الوجه] الأوَّل: إنَّ العقد موجب لملكيَّة تمام المهر, كما هو مقتضى قوله تعالى عزّ من قائل: (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)(1), وجملة من الأخبار المستفيضة - على ما ستأتي الإشارة إليها(2)-.

وقد دلَّ الدَّليل على التَّنصيف بالطَّلاق قبل الدُّخول, ولم يثبت في غيره, فيتمسَّك بالاستصحاب, ويحكم باستحقاق الزَّوجة لتمام المهر.

وما قيل: من أنَّ المملوك إنَّما هو نصف المهر, والنِّصف الآخر يملك بالدُّخول - كما ذهب إليه الإسكافي(3)-,

ولا أقل من الشَّكّ, فلا يقين سابق حتَّى يتمسَّك بالاستصحاب, بل الأصل يقتضي عدم ملكيَّة الأزيد من النِّصف بالعقد, مضافاً إلى أنَّه مقتضى قوله عليه السَّلام في جملة من الرِّوايات:

منها رواية محمد بن مسلم, حيث قال للباقر عليه السَّلام(4) متى يجب المهر؟ قال(5)

عليه السَّلام (6):

(إذا دخل بها)(7).

ص: 282


1- النساء: 4. وتقريب دلالته - كما جاء في الخلاف (4/ 369)- من وجهين: أحدهما: أنَّه أضاف الصدقات إليهنّ, والظاهر أنَّه لهنّ, ولم يفرّق بين قبل الدخول وبعده. والثاني: أنَّه أمر بإيتائهن ذلك كله, فثبت أنَّ الكلَّ لهنّ.
2- ستأتي في صفحة 289 وما بعدها.
3- حكاه عنه العلَّامة في مختلف الشيعة: (7/ 172).
4- في المصدر: (قال: سألتُ أبا جعفر عليه السَّلام) بدل (حيث قال للباقر عليه السَّلام).
5- في المصدر: (فقال).
6- لم يرد في المصدر (عليه السَّلام).
7- تهذيب الأحكام: 7/ 464 ح1860, الاستبصار: 3/ 226 ح818.

وفي معناها غيرها(1) أيضاً.

مدفوع: بدلالة النُّصوص الكثيرة على ملكيَّة تمام المهر بالعقد, وتسالم الأصحاب عليها:

منها ما دلّ على ملكيَّة الزَّوجة للنماء المتخلّل بين الطَّلاق والعقد, كموثَّق عبيد ابن زرارة, قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السَّلام: رجل تزوَّج امرأة على مائة شاة, ثمَّ ساق إليها الغنم, ثمَّ طلَّقها قبل أن يدخل بها, وقد ولدت الغنم, قال: (إنْ كانت الغنم حملت عنده رجع بنصفها ونصف أولادها, وإن لم يكن الحمل عنده رجع بنصفها ولم يرجع من الأولاد بشيء)(2).

وقريب منه موثَّقه الآخر(3).

ومن المعلوم أنَّ عدم الرُّجوع بنصف الأولاد فيما إذا لم تكن الولادة عنده من جهة كونها نماء ملك الزَّوجة, والدَّليل إنَّما دلَّ على الرُّجوع بنصف المهر لا بنصف نمائه أيضاً, وأما الرُّجوع فيما إذا كان الحمل عنده فلدخول الأولاد في المهر كما هو

ص: 283


1- لاحظ: تهذيب الأحكام (7/ 464) الأحاديث (1859, 1861, 1862), الاستبصار (3/ 226) الأحاديث (817, 819, 820), ولمزيدٍ من الفائدة نذكر نصوصها بالتسلسل: أ: علي بن الحسن [في الاستبصار زيادة: بن فضال] عن محمَّد بن الوليد عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله عليه السَّلام قال سمعته يقول: (لا يوجب المهر إلَّا الوقاع في الفرج). ب: عنه عن الزَّيَّات [في الاستبصار: عن الرَّيان] عن ابن أبي عمير وأحمد بن الحسن عن هارون بن مسلم عن ابن أبي عمير عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله في رجل دخل بامرأة قال: (إذا التقى الختانان وجب المهر والعدَّة). ج: عنه عن علي بن أسباط عن علاء بن رزين عن محمَّد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السَّلام قال: سألته عن الرَّجل والمرأة متى يجب عليهما الغُسل. قال: (إذا أدخله وجب الغُسل والمهر والرَّجم).
2- الكافي: 11/ 594 ح10835.
3- ورد في ذيل الحديث السابق, وهو مثله إلَّا أنَّه قال: ساق إليها غنماً ورقيقاً, فولدت الغنم والرقيق.

ظاهر, وإلاّ فيرجع بالجميع قبل الطَّلاق وبعده.

ومنها ما دلَّ على رجوع الزَّوج بنصف المهر على الزَّوجة فيما لو أبرأته الصَّداق ثمَّ طلَّقها, كمضمرة سماعة, قال: سألته عن رجلٍ تزوَّج جارية أو تمتَّع بها, ثمَّ جعلته في حلٍّ [من صداقها, يجوز أنْ يدخل بها قبل أنْ يعطيها شيئاً](1), قال: ([نعم](2), إذا جعلته في حلٍّ فقد قبضته [منه](3), فإن خلّاها قبل أنْ يدخل بها ردَّت المرأة على الزَّوج نصف الصَّداق)(4).

فلو كان المملوك للمرأة بالعقد هو النصف وقد أبرأته فلا موجب لرجوع الزَّوج به عليها, وهذا بخلاف ما إذا كان المملوك هو التَّمام, فإنَّها بالإبراء كأنَّها قبضته, فكما أنَّ في فرض القبض يرجع الزَّوج عليها بالنِّصف فكذلك في الإبراء.

وهذه الأخبار موافقة لظاهر الكتاب كما عرفت.

وقول الإسكافي باستحقاق النصف بالعقد لعلَّه مسبوق وملحوق بالإجماع على خلافه.

والأخبار المزبورة(5) - مع أنَّها لا دلالة فيها على ما ذكر؛ لقوَّة احتمال أنْ يكون المراد من الوجوب فيها اللُّزوم والاستقرار, دون الحدوث و[أصل] الثُّبوت, ولذا نسب إلى تمام المهر دون نصفه, إذ لو كان المراد منه أصل الحدوث لكان مدلولها مخالفاً للإجماع القطعي؛ ضرورة أنَّه لا قائل بعدم ملكيَّة الزَّوجة لشيءٍ حال العقد, فيكون

ص: 284


1- ما بين المعقوفين من المصدر.
2- ما بين المعقوفين من المصدر.
3- ما بين المعقوفين من المصدر.
4- تهذيب الأحكام: 7/ 261 ح1130, وأورد مثله بسند آخر: 7/ 374 ح1513.
5- أي: رواية محمد بن مسلم وما بمعناها مما مرَّ في صفحة 282 و283 متناً وهامشاً.

المتحصل منها: أن الموجب للاستقرار هو الوقاع, دون الخلوة ونحوها- غير صالحة للمعارضة مع أخبار الثُّبوت بأصل العقد(1) من وجوه لا تخفى.

لا يقال: ملكيَّة تمام المهر بالعقد وإن كانت مسلَّمة إلَّا أنَّها مردَّدة بين المستقرَّة من غير جهة الطَّلاق, والمتزلزلة بالموت, أمَّا الأولى فغير محرزة الحدوث، وأمَّا الثَّانية فغير محتملة البقاء, فكيف يمكن التَّمسُّك بالاستصحاب!

فإنَّه يقال: إنَّ ما ذكر على تقدير تسليمه فإنَّما يمنع عن جريان الاستصحاب الشَّخصي, حيث إنَّ أحد الشَّخصين لم يحرز حدوثه, والآخر لا يحتمل بقاؤه, وأمَّا استصحاب كلِّي الملكيَّة الجامعة بين الشَّخصين بلا ملاحظة الخصوصيَّة, فلا مانع منه بعد كونه متيقَّناً سابقاً ومشكوكاً لاحقاً, كما بيّن ذلك في بيان جريان الاستصحاب في القسم الثَّاني من أقسام استصحاب الكلِّي, وقد بيَّنا في محلِّه(2)

ما حاصله: إنَّ الميزان في الجريان وحدة متعلَّق اليقين والشَّك من حيث الوجود, من دون فرق بين تعلّقه بالكلِّي أو الفرد, وبهذا يمتاز القسم الثَّاني عن الثَّالث, فإنَّ الوجود المشكوك في القسم الثَّالث مغاير مع المتيقّن قطعاً وإنْ احتمل مقارنته معه أو مع ارتفاعه.

على أنَّه غير مسلَّم؛ ضرورة أن زوال الملكيَّة بشيءٍ وعدمه لا يوجب كون الملكيَّة ذات فردين, بل هي فرد واحد حدث بالعقد, سواء كان حكمه الشَّرعي بقاءه على ما كان بعد الموت أو سقوط نصفه به.

فلا يقاس ذلك بالملكيَّة الجائزة واللَّازمة, الَّتي توهم أنَّهما نوعان, ولكلٍّ منهما سبب مستقل معلوم, فإذا شكّ في فرد أنَّه من أيِّ النوعين فلا يمكن التَّمسُّك

ص: 285


1- أي: موثق عبيد بن زرارة ومضمرة سماعة ونحوهما مما مرَّ في صفحة 283 و 284.
2- لاحظ: مصباح الأصول: 3/ 103 وما بعدها.

بالاستصحاب الشَّخصي؛ ضرورة أن الملكيَّة في المقام ليس لها نوعان, بل هي نوع واحد شكَّ في بقائه وزواله بالموت, فلا مانع من الاستصحاب الشَّخصي.

بل قد تحقق في محلِّه أنَّ الملكيَّة من حيث الجواز واللُّزوم أيضاً كذلك, حيث إنَّهما حكمان شرعيّان يختلفان باختلاف الأسباب, كما أوضحه بما لا مزيد عليه شيخنا العلّامة الأنصاري قدِّس سرُّه في مبحث المعاطاة من متاجره(1).

إن قلت: هَبْ أنَّ الاستصحاب شخصي إلَّا أنَّ الشَّكّ في المقام من قبيل الشَّكّ في المقتضي, حيث لم يحرز اقتضاء العقد لملكيَّة تمام المهر حتَّى بعد الموت, وقد بُيّن في محلِّه عدم جريان الاستصحاب فيما إذا كان الشَّكّ في البقاء من جهة الشَّكّ في المقتضي.

قلت:

أوَّلاً: إنَّ عدم جريان الاستصحاب مع كون الشَّكّ في المقتضي وإنْ كان مختار جملة من المحقّقين منهم شيخنا العلّامة الأنصاري(2),

وتبعه شيخنا الأستاذ المحقق النائيني(3) قدِّس سرُّه, وأوضحه بما لا مزيد عليه, إلَّا أنَّ التحقيق عندنا هو عدم الفرق في الجريان بين موارد الشَّكّ من جهة الرافع وموارد الشَّكّ في المقتضي, والتفصيل موكول إلى محلِّه(4).

وثانياً: إنَّ الشَّكَّ في المقام من قبيل الشَّكّ [في] الرافع, لا من جهة الشَّكِّ في المقتضي, حيث إنَّ الملكيَّة في نفسها مما يقبل البقاء إلى الأبد لولا حدوث رافع زماني,

ص: 286


1- لاحظ: كتاب المكاسب: 3/ 51 وما بعدها.
2- فرائد الأصول: 2/ 574 - 575.
3- أجود التقريرات: 2/ 353 - 357. وفوائد الأصول: 4/ 324 - 331.
4- لاحظ: مصباح الأصول: 3/ 26 وما بعدها.

وهو الموت في المقام, وليست هي ممّا يرتفع بنفسه في عمود الزمان ولو مع قطع النَّظر عن حدوث أي حادث زماني, كالزَّوجيَّة في العقد المنقطع, حيث إنَّها ترتفع بانتهاء نفس الزَّمان بلا توقّف على حادث آخر, وهذا هو الضابط في إحراز كون الشَّكّ من قبيل الشَّكّ في المقتضي أو من قبيل الشَّكّ في الرافع, كما أوضحناه في تقريراتنا(1)

لبحث شيخنا الأستاذ المحقق المزبور قدَّس الله نفسه الزَّكيَّة, وبذلك دفعنا جملة من الإشكالات الَّتي أوردها العلّامة الطباطبائي اليزدي قدِّس سرُّه في حاشيته(2)

على العلّامة الأنصاري قدِّس سرُّه في موارد تمسُّكه بالاستصحاب, بأنَّ الشَّكَّ من باب الشَّكِّ في المقتضي, ولا مجرى للاستصحاب معه عنده, فراجع التقرير وتدبر.

هذا غاية ما يمكن أنْ يقرَّب في إثبات جريان الاستصحاب لإثبات عدم التَّنصيف بالموت.

والجواب عنه: إنَّ الاستصحاب في المقام في حدِّ نفسه وإنْ كان لا مانع عنه كما ذكر, إلَّا أنَّه إنَّما يجري مع عدم الدَّليل, والنصوص في المقام كثيرة من الطرفين, فالقول بالتَّمام أو التَّنصيف إنما هو من جهة الدليل, وقد ثبت في محلِّه(3) أنَّه لا تصل النَّوبة إلى الأصل العملي, سواء كان موافقاً مع الدَّليل أو مخالفاً له.

نعم, لو بنينا على عدم حجيَّة أخبار التَّنصيف في حدِّ ذاتها مع قطع النَّظر عن معارضتها بأخبار التَّمام؛ لإعراض المشهور عنها كما توهّم, ولم نستفد حكم صورة موت الزَّوجة من أخبار التَّمام؛ لاختصاصها بصورة موت الزَّوج, فلا محالة تبقى

ص: 287


1- أجود التقريرات: 2/ 353 - 357.
2- لاحظ: حاشية المكاسب للسيد اليزدي طاب ثراه: 1/ 73.
3- لاحظ: مصباح الأصول: 2/ 206 وما بعدها.

صورة موت الزَّوجة بلا دليل, فلا مناص عن الرُّجوع فيها إلى الأصل العملي, وستظهر لك حقيقة الحال إن شاء الله تعالى.

الوجه الثَّاني: الإجماع المدَّعى في كلام المرتضى(1),

وتبعه ابن إدريس(2)

قدِّس سرُّهما, حيث نسب القول بالتَّمام إلى المحصِّلين, الظَّاهر في دعواه الاتّفاق.

والجواب:

أوَّلاً: إنَّ حجِّيَّة الإجماع عندنا(3)

إنَّما هو كشفه عن رأي المعصوم عليه السَّلام بأحد وجوه الكشف, وإلّا فالاتفاق بنفسه لا يكون مدركاً للحكم الشَّرعي, ومن المعلوم في المقام استناد القائلين بالتَّمام بأجمعهم إلى دليلٍ في المسألة, من أصل أو أمارة, فكيف يمكن أن يكون الاتّفاق في المسألة كاشفاً قطعيَّاً عن رأيه صلوات الله وسلامه عليه! وعليه فلابدّ من النَّظر إلى مدرك الاتفاق, فإنْ علم خطؤه فلا مانع من مخالفة الجميع, كما اتَّفق ذلك في غير مورد من المسائل كنجاسة البئر ونحوها, حيث ترى عدم الخلاف فيها بين المتقدِّمين, ومع ذلك فقد خالفهم المتأخّرون أجمع من غير نكير؛ لعدم تماميَّة أدلَّة القدماء في نظرهم, وكم لها من نظير, كما يظهر لمن راجع الفقه نظر تدبّر واجتهاد.

وثانياً: إنَّ دعوى الإجماع في المقام مع مخالفة جملة من أكابر الفقه كما سيظهر لك - حتَّى نسب صاحب الرياض(4)

قدِّس سرُّه القول بالتَّنصيف إلى المشهور بين القدماء - لا يخلو من الجزاف, وكيف يمكن دعوى الإجماع ! مع مصير مثل الكليني

ص: 288


1- المسائل الناصريات: 334.
2- السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي: 2/ 585.
3- لاحظ: مصباح الأصول: 2/ 140.
4- رياض المسائل: 12/ 40.

والصدوق قدِّس سرُّهما - حيث اقتصرا(1)

بذكر أخبار التَّنصيف, ولم يذكرا أخبار التَّمام- والشَّيخ وأضرابه(2)

قدَّس الله تعالى أسرارهم إلى التَّنصيف, إمَّا مطلقاً أو في خصوص صورة موت الزَّوجة.

وثالثاً: إنَّ الإجماع المحصَّل غير حاصل, والمنقول منه بلا طائل, خصوصاً ممَّن علم من حاله دعواه بمجرَّد الإجماع على قاعدة أو أصل, كالسَّيِّد وأمثاله من القدماء قدَّس الله تعالى أسرارهم, كما هو ظاهر لمن تتبَّع موارد دعواهم الإجماع في الفقه, فترى أنَّ السَّيد يدَّعي الإجماع على جواز الوضوء بماء الورد؛ لعدم ورود النَّهي عنه, فيجعل الإجماع على الأصل إجماعاً على الفرع باعتقاده تفرّعه عليه.

الوجه الثَّالث - وهو العمدة-: الرِّوايات الدَّالَّة على ذلك:

منها رواية الشَّيخ في التَّهذيب عن سليمان بن خالد, قال: سألته عن المتوفَّى عنها زوجها ولم يدخل بها, فقال: (إنْ كان فرض لها مهراً, فلها مهرها, وعليها العدَّة, ولها الميراث, [وعدَّتها أربعة أشهر وعشراً](3), وإنْ لم يكن [قد](4) فرض لها مهراً, فليس لها مهر, ولها الميراث, وعليها العدَّة)(5).

ص: 289


1- لاحظ: الكافي (11/ 625) باب المتوفى عنها زوجها ولم يدخل بها وما لها من الصداق والعدَّة. ومن لا يحضره الفقيه (4/ 312) باب ميراث المتوفى عنها زوجها.
2- كابن البرَّاج (المهذَّب: 2/ 204), والكيدري (إصباح الشيعة بمصباح الشريعة: 425).
3- من المصدر.
4- من تهذيب الأحكام. و لم ترد في الاستبصار.
5- تهذيب الأحكام: 8/ 145 ح502, الاستبصار (3/ 340 ح1212), وقد ورد مثله بسند آخر: (3/ 340 ح1214).

ومنها روايته عن الكناني(1) عن أبي عبد الله عليه السَّلام. وروايته عن الحلبي(2) عنه عليه السَّلام. وروايته عن زرارة(3).

وروايته عن منصور بن حازم(4)

نحو ما ذكر بأدنى تفاوت.

ومنها روايته عن منصور بن حازم أيضاً, قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السَّلام: رجل تزوَّج امرأة, وسمَّى لها صداقاً, ثمَّ مات عنها, ولم يدخل بها, قال: (لها المهر كاملاً, ولها الميراث). قلت: فإنَّهم رووا عنك أنَّ لها نصف المهر, قال: (لا يحفظون عنِّي, إنَّما ذلك في المطلَّقة(5))(6).

ص: 290


1- تهذيب الأحكام: 8/ 145 ح503. ونصّها: عن أبي الصَّباح الكناني عن أبي عبد الله عليه السَّلام, قال: (إذا تُوفِّي الرَّجل عن امرأته ولم يدخل بها فلها المهر كُلُّه إنْ كان سمَّى لها مهراً وسهمها من الميراث, وإنْ لم يكن سَمَّى لها مهراً لم يكن لها مهرٌ وكان لها الميراث).
2- تهذيب الأحكام: 8/ 146 ح505. ونصّها: عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السَّلام أنَّه قال: (في المتوَّفى عنها زوجها إذا لم يدخل بها إن كان فَرض لها مهرها الَّذي فرض لها ولها الميراث وعدَّتها أربعة أشهر وعشراً كعدَّة الَّتي دُخل بها, وإنْ لم يكن فَرض لها مهراً فلا مهر لها وعليها العدَّة ولها الميراث).
3- تهذيب الأحكام: 8/ 146 ح506. وهي مثل سابقتها.
4- تهذيب الأحكام: 8/ 146 ح508. ونصّها: عن منصور بن حازم, قال: سألتُ أبا عبد الله عليه السَّلام عن الرَّجل يتزوَّج المرأة فيموت عنها قبل أن يدخل بها. قال: (لها صداقها كاملاً وترثه وتعتد أربعة أشهر وعشراً كعدَّة المتوفَّى عنها زوجها).
5- في المصدر: للمطلَّقة. نعم, ورد في الاستبصار (3/ 342 ح1223) كما في الأصل: (في المطلقة).
6- تهذيب الأحكام: 8/ 147 ح513.

وتقريب الاستدلال: إنَّ هذه الرِّوايات صريحة في عدم التَّنصيف, وفيها الصَّحيح والموثَّق, وقد عمل بها المشهور, فلابدَّ من العمل بها, غاية الأمر أنَّها كما ترى مختصَّة بصورة موت الزَّوج, إلَّا أنَّه لا مناص عن التَّعدِّي إلى صورة موت الزَّوجة أيضاً لوجوه:

الأوَّل: ما أفاده صاحب الجواهر(1)

قدِّس سرُّه, ما حاصله:

إنَّ الأخبار كلَّها في المقام تفرغ عن لسان واحد, نفياً وإثباتاً, ولا ينبغي الشَّكّ في أنَّ الحكم في المسألتين واحد, فتخصيص مورد السُّؤال في الرِّوايات بصورة موت الزَّوج لا يوجب اختصاص الحكم به.

الثَّاني: ما أفاده بعض المعاصرين(2),

من احتمال استفادة ذلك من ذيل رواية الكليني بإسناده إلى الحذَّاء -الَّتي هي من الأخبار المعارضة- قال: سألت أبا جعفر عليه السَّلام عن غلام وجارية, زوَّجهما وليَّان لهما, وهما غير مدركَين؟ فقال(3):

(النكاح جائز, وأيُّهما أدرك كان على(4) الخيار, وإنْ(5)

ماتا قبل أنْ يدركا, فلا ميراث بينهما, ولا مهر). إلى أن قال: فإنْ كان الرَّجل [الذي](6) أدرك قبل الجارية,

ص: 291


1- لاحظ: جواهر الكلام: 39/ 332.
2- لعلّ المقصود هو السيد محسن العاملي (طاب ثراه) فإنَّه وإن لم يذكر هذا الاحتمال صريحاً إلاّ أنَّه يظهر من خلال دفعه له, حيث قال في مقام الاستدلال للقول بالتنصيف: وأمَّا قوله عليه السَّلام في آخر صحيحة الحذاء (والمهر على الأب للجارية) فلا دلالة فيه على خلاف ذلك, لقوّة احتمال أن يكون السؤال فيه عن غير صورة موت الجارية). يلاحظ: ضياء العقول: 46.
3- في المصدر (13/ 655 ح13484) هكذا: (قال: فقال).
4- كذا في الأصل, وفي أحد موردي وسائل الشيعة (21/ 326 ح27203), وبعض نسخ المصدر - كما أشير في هامشه -. وفي المصدر (10/ 772 ح9727, 13/ 655 ح13484): له.
5- في المصدر (13/ 655 ح13484): فإنْ.
6- من المصدر (10/ 772 ح9727, 13/ 655 ح13484), ولم ترد في الأصل.

ورضي بالنِّكاح, ثمَّ مات قبل أن تدرك الجارية, أترثه؟ قال عليه السَّلام(1):

(نعم, يُعزل ميراثها منه حتَّى تُدرك, فتحلف(2) بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلَّا رضاها بالتَّزويج, ثمَّ يُدفع إليها الميراث ونصف المهر). قلت: فإنْ ماتت الجارية, ولم تكن أدركت, أيرثها الزَّوج المدرك؟ قال: (لا, لأنَّ لها الخيار إذا أدركت). قلتُ: فإن كان أبوها هو الذي زوَّجها قبل أنْ تُدرك؟ قال: (يجوز عليها تزويج الأب, ويجوز على الغلام, والمهر على الأب للجارية) (3).

ولعلَّ تقريب الاستفادة هو أن الإمام عليه السَّلام حكم بكون تمام المهر على الأب للجارية - كما هو ظاهر الإطلاق- وحيث إنَّ المفروض في السُّؤال هو صورة موت الجارية فتدلّ الرِّواية الشَّريفة على عدم التَّنصيف فيها واشتراك الحكم في الصُّورتين.

الثَّالث: استفادة ذلك من رواية منصور بن حازم المتقدِّمة(4),

حيث أنكر الإمام عليه السَّلام حكمه بالتَّنصيف في مفروض السُّؤال, ونسب الرُّواة إلى الاشتباه في النقل, وأنَّه عليه السَّلام قال (ذلك في المطلَّقة)(5),

فلو كان الحكم بالتَّنصيف ثابتاً في

ص: 292


1- (عليه السَّلام) لم يرد في المصدر.
2- في المصدر (13/ 655 ح13484): وتحلف.
3- الكافي: 10/ 772 ح9727, 13/ 655 ح13484. وورد هذا الخبر في تهذيب الأحكام (9/382 ح1366) بسند آخر عن الحسن بن محبوب, عن علي بن رئاب, قال: سألتُ أبا جعفر عليه السَّلام, ولم يتوسَّط الحذّاء بين ابن رئاب وبين أبي جعفر عليه السَّلام. والظاهر وقوع خلل في هذا السند؛ لعدم كون ابن رئاب من أصحاب أبي جعفر عليه السَّلام, ولم تثبت روايته عنه عليه السَّلام بلا واسطة, وقد ورد الخبر في عدَّة مواضع رواه ابن رئاب, عن أبي عبيدة [الحذّاء] عن أبي جعفر عليه السَّلام. (ظ: معجم رجال الحديث: 13/ 22).
4- تقدَّمت في صفحة 290.
5- لاحظ: الهامش (5) في الصفحة 293.

صورة موت الزَّوجة, لكان الأولى أنْ يقول عليه السَّلام:(لا يحفظون عنِّي إنَّما ذلك في موت الزَّوجة)؛ ضرورة أنَّ اشتباه إحدى الصُّورتين بالأخرى أمر ممكن قريب, فكيف يترك ذلك وينسب الاشتباه إلى أمر أجنبي! على أنَّ لفظة (إنَّما) من أدوات الحصر, فكما يستفاد منه عدم ثبوت التَّنصيف في صورة موت الزَّوج بالمنطوق كذلك يستفاد منه ذلك في صورة موت الزَّوجة بالمفهوم.

والجواب:

أوَّلاً: إنَّ الرِّوايات -مع قطع النَّظر عن معارضتها بأخبار التَّنصيف- غير وافية الدَّلالة على عدم التَّنصيف مطلقاً, غايته القول بعدم التَّنصيف في صورة موت الزَّوج, وبالتَّنصيف في صورة موت الزَّوجة, عملاً بأخبار المقام في الصُّورة الأولى, وبأخبار التَّنصيف في الثَّانية غير المعارضة بشيء, فيكون المتحصَّل: هو القول بالتَّفصيل, كما اختاره الشَّيخ(1)

والفاضل الهندي(2)

قدِّس سرُّهما, بل لعلَّه خيرة ابن البرّاج(3) وقطب الدِّين الكيدري(4),

حيث نسب إليهما العلّامة في المختلف(5) القول بعدم التَّنصيف فيما إذا مات الزَّوج قبل الدُّخول, وقد نسب إليهما(6)

القول بالتَّنصيف فيما

ص: 293


1- النهاية في مجرد الفقه والفتوى: 471.
2- كشف اللثام: 7/ 415. ومن الجدير بالذّكر أنَّ عبارة الفاضل الهندي قدِّس سرُّه أقرب إلى القول بالتمام مطلقاً منها إلى القول بالتفصيل؛ فإنَّه قدِّس سرُّه وإنْ اعترض على حمل أخبار التنصيف في صورة موت الزوجة على الاستحباب, بعد أنْ حملها في صورة موت الزوج عليه, وظاهر ذلك التفصيل, إلا أنَّه احتمل في ذيل كلامه أنْ يكون المراد منها - في صورة موت الزوجة - التَّنصيف من جهة الإرث, وبذلك تخرج عن المقام أصلاً.
3- المهذَّب: 2/ 204.
4- إصباح الشيعة بمصباح الشريعة: 425.
5- مختلف الشيعة: 7/ 159.
6- زاد في هذا الموضع من الأصل لفظ (الشيخ), والظاهر أنَّه من سبق القلم.

إذا ماتت الزَّوجة قبله, بل لعلَّه مختار جماعة من القائلين بالتَّمام فيما إذا مات الزَّوج قبل الدُّخول أيضاً, وما ذكر وجهاً للتعميم خالٍ من الوجه.

أمَّا ما أفاده صاحب الجواهر قدِّس سرُّه؛ فلأنَّ شهرة الخلاف بين العلماء وإنْ كانت في قولين, التَّنصيف مطلقاً أو العدم كذلك, وهو ممّا يؤيِّد ما ذكره إلَّا أنَّها لا تصلح حجَّة قاطعة لصرف ظواهر الأخبار إلى غيرها, ورفع اليد عن أخبار التَّنصيف فيما إذا ماتت الزَّوجة بلا معارض.

وأَمَّا ما أفاده من أنَّ التَّخصيص في السُّؤال لا يوجب الاختصاص, فإنَّما يصحّ فيما إذا كان هناك موجب للتعميم من عموم الجواب أو غيره, لا في مثل المقام ممّا كان دلالة الجواب بمقدار سعة السُّؤال وكون الأصل مقتضياً في غيره لعدم التَّنصيف كما عرفت.

وأَمَّا ما أفاده الفاضل المعاصر؛ فلأنَّ ذيل الرِّواية الشَّريفة أجنبي عن فرض الموت أصلاً, بل هو ناظر إلى الفرق بين الوليّ الشَّرعي وغيره, في أنَّ عقد الأوَّل على الجارية والغلام نافذ ماضٍ دون عقد غيره, إذ هو موقوف على الإجازة, كما هو صريح صدرها.

وقوله عليه السَّلام (والمهر على الأب للجارية) من تتمَّة قوله عليه السَّلام (ويجوز على الغلام), ومعناه: أنَّ المهر يكون للجارية على الأب - يعني أبا الغلام- فيما إذا كان هو المزوِّج, وإلّا فلا معنى لكون المهر على الأب للجارية, إذ لو كان هناك فرض موت للزوجة لكان المهر لأبي الجارية بما أنَّه أحد الورّاث, لا عليه, كما هو واضح.

على أنه يمكن أنْ يقال: إنَّ المراد من المهر فيه هو مطلق ما تستحقه الزَّوجة على الزَّوج من النِّصف أو التَّمام, لا خصوص التَّمام, بقرينة حكمه عليه السَّلام بالتَّنصيف فيما إذا مات الزَّوج قبل الإدراك, ومن الضروري أنَّه لا يحتمل أنْ يكون الحكم فيه التَّنصيف وفيما إذا ماتت الزَّوجة عدمه, فتدبَّر تعرف.

ص: 294

وأَمَّا الوجه الثَّالث الذي ذكرناه فلأنَّه وإنْ كان أوجه الوجوه كما عرفت, إلَّا أنَّه يتعيَّن حمل هذه الرِّواية على التَّقيَّة كما نبيِّنه في مقام معارضة أخبار التَّنصيف مع أخبار التَّمام, فلا تبقى في البين إلَّا الأخبار المختصَّة بما إذا مات الزَّوج قبل الدُّخول, ومقتضى تقديمها على أخبار التَّنصيف ليس إلاّ رفع اليد عن تلك الأخبار في خصوص هذه الصُّورة, فتبقى أخبار التَّنصيف فيما إذا ماتت الزَّوجة قبله بلا معارض, فلا مناص عن القول بالتَّفصيل.

وثانياً سلَّمنا أنَّ أخبار عدم التَّنصيف مقتضية له مطلقاً حتَّى فيما إذا ماتت الزَّوجة قبل الدُّخول, إلاّ أنَّها معارضة بأخبار كثيرة, ربَّما تبلغ حدَّ التواتر أو قريب منه, كيف لا وهي تقرب من ثلاثين رواية, فيها الصِّحاح والموثَّقات, وقد ذكرها المحمَّدون الثَّلاثة قدَّس الله تعالى أسرارهم في كتبهم الأربعة(1), وهذا بخلاف أخبار العدم, فإنَّها كما عرفت قليلة, ولم ينقلها غير الشَّيخ(2)

في كتابيه(3),

فلا مناص عن حملها على التَّقيَّة,

ص: 295


1- لاحظ: الكافي (11/ 625) باب 47: المتوفى عنها زوجها ولم يدخل بها وما لها من الصداق والعدة, وفيه 11 حديثاً. من لا يحضره الفقيه (4/ 312) باب ميراث المتوفّى عنها زوجها, وفيه 3 أحاديث. تهذيب الأحكام (8/ 144 وما بعدها) باب عدد النساء, لاحظ: الأحاديث: 499, 500, 501, 509, 510, 511, 512. الاستبصار فيما اختلف من الأخبار (3/ 339 وما بعدها) باب 197: أن الَّتي يتوفى عنها زوجها قبل الدخول بها كان عليها عدَّة, لاحظ: الأحاديث: 1207, 1208, 1209, وباب 198: إذا سمَّى المهر ثمَّ مات قبل أنْ يدخل بها كان عليه المهر كاملاً, لاحظ: الأحاديث: 1219, 1220, 1221, 1222).
2- لاحظ: تهذيب الأحكام: (