دراسات علمیة - 5 : مجلة نصف سنوية تعنى بالأبحاث التخصصية في الحوزة العلمية

هوية الکتاب

دراسات علمیة

مجلة نصف سنوية تعنى بالأبحاث التخصصية في الحوزة العلمية

تصدر عن المدرسة العلمية (الآخوند الصغرى) في النجف الأشرف

العدد الخامس

ربيع الآخر 1435 ﻫ

ص: 1

اشارة

رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد 1614 لسنة 2011

ص: 2

بسم الله الرحمن الرحیم

﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾

التوبة: 122

ص: 3

الأسس المعتمدة للنشر

1- ترحب المجلة بإسهامات الباحثين الأفاضل في مختلف المجالات التي تهم طالب الأبحاث العليا في الحوزة العلمية, من الفقه والأُصول والرجال والحديث ونحوها.

2- يُشترط في المادة المُراد نشرها أُمور:

أ- أنْ تكون مستوفية لأُصول البحث العلمي على مختلف المستويات (الفنية والعلمية), من المنهجية والتوثيق ونحوهما.

ب- أن تكون الأبحاث مكتوبة بخط واضح أو (منضَّدة).

ت- أنْ توضع الهوامش في أسفل الصفحة.

ث- أنْ يتراوح حجم البحث بين (12) الى (60) صفحة من القطع الوزيري بخطٍ متوسط الحجم, وما زاد عن ذلك يمكن تقسيمه الى أكثر من حلقة شريطة أن تتسلَّمَ المجلةُ البحثَ كاملاً.

ج- أنْ لا يكون البحث قد نُشر أو أُرسل للنشر في مكان آخر.أ- أنْ يُذيَّلَ البحث بذكر المصادر التي اعتمدها الباحث.

1- يخضع البحث لمراجعة هيئة استشارية (علمية), ولا يُعاد إلى صاحبه سواء أنُشر أم لم يُنشر.

2- للمجلة حق إعادة نشر البحوث التي نشرتها.

3- يخضع ترتيب البحوث المنشورة في المجلة لاعتبارات فنية لا علاقة لها بمكانة الكاتب أو أهمية الموضوع.

4- ما يُنشر في المجلة لا يعدو كونه مطارحات علمية صرفة, ولا يُعبر بالضرورة عن رأي المجلة.

ص: 4

محتويات العدد

1 - كلمة العدد

إدارة المجلة ............................................................................................ 7

2 - نكاح الكتابية على المسلمة

الشيخ علي المحمداوي ............................................................................. 11

3 - قتل العمد بين الفقه الإسلامي وقانون العقوبات العراقي /3

الشيخ يحيى السعداوي ........................................................................... 51

4 - الدلالة الإطلاقية

الشيخ نجم الترابي ................................................................................. 113

5 - دراسة حول الواسطة المبهمة

بين الحسن بن محمد بن سماعة و أبان بن عثمان

الشيخ علي سالم الناصري ...................................................................... 173

6- رجال المستمسك /2

الشيخ علي الغزي ................................................................................ 255

5- التعبدي والتوصلي للميرزا النائيني (قدس سره)

السيد غسان الخرسان ........................................................................ 325

ص: 5

ص: 6

كلمة العدد

بسم الله الرحمن الرحیم

لا يَخفى الدور الذي تؤديه البحوث العلمية الدورية في المجلات المنشأة لهذا الغرض, ففيها يَتجلّى جانب من الحراك العلمي في الحواضر العلمية التي تصدر فيها تلك المجلات, كما أنَّها تُمثّل طوراً من أطوار نشاط أهل العلم, وتعكس صورة مركَّزة لفحوى النتاج العلمي القائم, وتفاعل عناصر تطويره, حيث تلتقي في تلك البحوث المادة الموروثة بإيجابياتها وقوتها مع أسباب تطويرها باتجاه الجوانب المُستجدِّة في النمو الفكري الذي تتهيأ بموجبه صياغةُ الأدوات العلمية والمبادئ الأحكامية بصورة أقوى, وأكثر شمولية, وأبلغ أثراً في بناء هيكل الفقه وأدواته.

كما أن ما يفرضه الواقع الخارجي من تحديات, وأسئلة مطروحة تحتاج إلى الأجوبة المناسبة عاملٌ إضافيٌ لدواعي الاستمرار في إصدار المجلات ومنها مجلتنا.

ولذا نأمل أن نرى مجهودات أهل العلم من العلماء الأفاضل, والباحثين, وآثار سعيهم المبارك مما استفادوه ويفيدون به حاضراً في ثنايا ما تنشره هذه المجلَّة, ومُبرِزاً للآثار المحمودة المشار إليها جميعاً.

وها نحن نكرر الدعوة للباحثين والأفاضل من أهل العلم للتشمير عن ساعد الجدّ في هذه الغاية, والمساهمة في هذه الإطلالة, والمبادرة إلى إظهار تفكراتهم, وجانبٍ من أشواط سعيهم العلمي قائماً في بحث من بحوثها, ورائداً من رواد غاياتها.

وقد كنّا أشرنا في افتتاحيات الأعداد السابقة إلى حاجة المهتم بالعلوم الدينية التخصّصية المرتبطة بالأحكام الشرعية ومنظومة الفقه إلى بحوث محددة

ص: 7

الجوانب, واضحة المعالم, تستوعب الموضوعات الداخلة في نظام الحياة اليومية, والتي فيها تظهر ركائز الفقه الجعفري وأصالته, ومرونة قواعده وغنى مادته ومسائله, إضافة إلى الحاجة لصنع قرّاء جدد لهذا العلم, وإخراج طرف منه من الاقتصار على المتخصصين والمتمرسين على فن أدواته وغاياته إلى المثقف العام الذي يتوق إلى تفهم صناعة الفقه, وفقه مبادئه وأحكامه, فإنَّ في تيسير هذه الغاية عن طريق كتابة البحوث التي تراعي - إلى جانب التخصص - اللغةَ المتقنة المعبرة بالبيان الرائق والأسلوب المقتصد توطئة لهذه الطريق, وباعثاً للارتقاء بفَهم المسلم لدينه وشؤون أحكامه, بالصورة العلمية والتدوين المناسب للسان العصر.

ولسنا نكرر بقدر ما نذكّر بقولنا إن صناعة الفقه بأدواته الخاصة من علم الأصول, والحديث, واللغة وما احتف به من بعض أطراف العلوم الأخرى التي يحتاج إليها في مقدمات بعض مسائله, كعلوم الاجتماع, والنفس, والقانون, وحتى التأريخ والطب, تتطلب مئات البحوث التخصصية الوافية باستيعاب أغراضها, وبيان مدخلية جهاتها في سعي الفقيه نحو هدفه في استخراج حكم الله تعالى في المسألة, سواء في جانبها التطبيقي أم النظري, وأهل البحث والنظر يدركون جيداً أهمية هذا الجانب وحيوية هذا المطلب لإحكام أصول المسألة الفقهية من جانب, ومتانة حبل الدين الحنيف وحقّانية مبادئ المذهب من جانب آخر, فمتى ما جرى الفقيه والباحث في مضمار العلوم لتحصيل الأدوات المناسبة لغرضه, واستوعب جهات موضوع مسألته, كادت تظهر له أسباب الحكم, وترتفع له القاعدة الأم التي ينطلق منها أو يفتق الحكم من خاصرتها, وهذا بدوره أيضاً يظهر علم الدين والشريعة بالصبغة والرداء المتطور المواكب لمسلمات العصر ومدركاته, طالما كانت الحجة والدليل حليف ذلك العلم ونداءه, بمقتضى كونه ديوان الدينونة لله سبحانه وكتابه التفصيلي, لاحتجاجه بالحجج والأحكام على الخلق أجمعين, عالمهم وجاهلهم, ملوكهم ورعيتهم.

ص: 8

وتجدر الإشارة إلى أننا نسعى في هذه المجلَّة إلى الوصول لكل مجهود يستحق النشر مما يُستطرف موضوعه, ويُتشوق إلى مكنونه, ويقترب مضمونه من أهداف المجلَّة وأولوياتها, فبقدر ما نعتذر عن التأخر في تلبية آمال بعض الباحثين فيما يعرضونه علينا, نأمل نحن أيضاً من جميع المشتغلين بالدراسة في الحوزة العلمية المباركة والتدريس فيها الالتفات إلى ضرورة منهج الكتابة والنشر, فلا يترددوا في إرفادنا بطرائف كتاباتهم وما تجود به قرائحهم, خدمة للدين والمذهب أولاً, ونشراً لفضيلة الكتابة والتأليف ثانياً.وسيجد القارئ في هذا العدد ما عودناه عليه من التنوع في الموضوعات من فقه وأصول ورجال, وتحقيق قام به بعض الفضلاء لذخيرة من ذخائر المحقق

النائيني (قدس سره) سيَطّلع عليها القارئ إن شاء الله تعالى.

هذا ونحب أن نتوجه بالشكر الوافر لجناب اللجنة العلمية لما تقدمه من دعم لجهود الباحثين, وتوجيه له دور في ظهور الأبحاث بالصورة الحسنة, كما ونشكر أيضاً المساهمين من الأفاضل في النشر والتحقيق, وكل من يساهم بمجهوده ووقته من أجل إنجاح هذا المشروع الغض, آملين التوفيق لجميع العاملين.

إدارة مجلة دراسات علمية

27 ربيع الآخر 1435 ﻫ

ص: 9

ص: 10

نكاح الكتابية على المسلمة - الشيخ علي المحمداوي دام عزه

اشارة

مسألةٌ لم تُعنون في كثير من كتب الأصحاب, ولم يُسلَّط عليها ولا على فروعها البحث الاستدلالي التفصيلي في الكتب الاستدلالية لعلمائنا الأبرار, مع أن حكمها قد يختلف عن حكم أصل نكاح الكتابية.

وهذا البحث دراسة للمسألة ولبعض ما يرتبط بها وفق الأدلة.

ص: 11

ص: 12

بسم الله الرحمن الرحیم

هذه المسألة من فروع مسألة نكاح الكتابية التي وقع الخلاف الكبير فيها, حتى وصلت الأقوال فيها إلى ستة أقوال, وإن كان المشهور منها قولين:

الأول: حرمة نكاح الكتابية مطلقاً(1).

الثاني: التفصيل بين الدائم والمنقطع بالمنع في الأول دون الثاني, وهو المشهور بين المتأخرين(2).

والبحث في مسألتنا إنما ينفتح له المجال إذا لم نقل في أصل المسألة بالمنع مطلقاً, إذ لو كان نكاح الكتابية غير جائز دواماً وانقطاعاً, فلا معنى للبحث عن جوازه على المسلمة؛ لأن هذه المسألة من صغريات نكاح الكتابية الذي منعناه مطلقاً.

والصحيح أن مقتضى الأدلة هو الجواز مطلقاً - دواماً وانقطاعاً - في أصل المسألة وفاقاً لابن أبي عقيل(3)

والصدوقين(4)

من المتقدمين, ولصاحب الجواهر(5)

وغيره من المتأخرين, ومنهم السيد الخوئي(6)

قدس سرهم.

ص: 13


1- ذهب إليه السيد المرتضى في الانتصار: 117، والشيخ في أحد قوليه: التهذيب: 7/296، والشيخ المفيد في المقنعة: 500، وابن إدريس في السرائر: 2/541، وذكر أنه مشهور السيد في الرياض: 11/264.
2- قال السيد في الرياض (11/264): وهو أشهرهما.
3- حكاه عنه العلامة في المختلف: 7/73.
4- المقنع: 308، وحكاه عن والد الصدوق العلامة في المختلف: 7/73، وهو الموجود في فقه الرضا: 235.
5- جواهر الكلام: 30/31.
6- منهاج الصالحين: 2/270، الرابع من أسباب التحريم: الكفر.

ولا نريد الدخول في ذلك البحث لأنه خارج عن محل كلامنا، ولنأخذ الجواز أصلاً موضوعياً مسلّماً في مسألتنا.

وقبل الدخول في الأدلة الخاصة نحاول تأسيس الأصل الذي يمكن أن يُرجع إليه في حالة الشك في تعيين حكم المسألة بالأدلة الخاصة، والظاهر أن الأصل هو الجواز لمن كانت عنده مسلمة, ويدل عليه بعض الأدلة التي أستدل بها على الجواز في أصل المسألة ومنها:

الدليل الأول: قوله تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ)(1).

والآية وإن وقع الكلام في كونها منسوخة بآية تحريم نكاح المشركات, وهي قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ)(2).

أو بآية تحريم الإمساك بعصم الكوافر وهي قوله تعالى: (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)(3).

إلا أن الصحيح أنها ليست منسوخة لعدة أدلة:

الأول: صحيحة زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سمعته يقول: جمع عمر ابن الخطاب أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله) وفيهم علي (علیه السلام) فقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟

فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يمسح على الخفين، فقال علي (علیه السلام): قبل المائدة أو بعدها؟ فقال: لا أدري، فقال علي (علیه السلام): سبق الكتاب

ص: 14


1- المائدة: 5/5.
2- البقرة: 2/221.
3- الممتحنة: 60/10.

الخفين إنما أُنزلتْ المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة(1).

والرواية ظاهرة في أن تمام سورة المائدة نزل قبل وفاة النبي (صلی الله علیه و آله) بشهرين أو ثلاثة, ومن المعروف أن سورة البقرة التي فيها آية حرمة المشركات هي أول سورة من المفصل أُنزلتْ في المدينة.

وكذلك سورة الممتحنة التي فيها آية تحريم الإمساك بعصم الكوافر, المعروف أنها أُنزلتْ قبل فتح مكة(2).

وحينئذ فلا مجال لكون الآيتين ناسختين لآية المائدة؛ لأن الناسخ ينبغي أن يتأخر عن المنسوخ.

ويؤيدها رواية العياشي, عن عيسى بن عبد الله, عن أبيه, عن جده, عن علي (علیه السلام) قال: كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً, وإنما كان يؤخذ من أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله) بآخره فكان آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء...(3).

الثاني: قصور الآيتين عن نسخ آية المائدة؛ لأن آية المائدة لسانها لسان الامتنان على المسلمين بتحليل نكاح المحصنات من أهل الكتاب، وكون المنَّة مؤقتة خلاف الظاهر, ومن البعيد أن يسلب المولى هذه المنّة من المسلمين مع عدم حصول ما يوجب سلبها بحسب الظاهر.

الثالث: قصور الدلالة في الآيتين:

أما آية الممتحنة (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) فإنها وإن كانت ظاهرة في حرمة البقاء على نكاح الكوافر والاستمرار عليه، إلا أنه لا يمكن الاستدلال بها؛ لأن الإجماع - على ما ادُعي(4)-

قائم على جواز البقاء على نكاح الكتابية إذا

ص: 15


1- الوسائل: ب38، أبواب الوضوء، ح6.
2- راجع تفسير الميزان: 5/209.
3- البرهان: 2/361/ح3 عن تفسير العياشي: 1/317/ح2.
4- الرياض: 11/274.

أسلم زوجها دونها. ودلّت عليه بعض النصوص كصحيحتي عبد الله بن سنان(1)

ومحمد بن مسلم(2)

وعليه فيختص النهي - في الآية- بالإمساك بعصمة الكافرة غير الكتابية, وحينئذ لا يبقى فيها دلالة على عدم جواز نكاح الكتابية ابتداءً.فالنتيجة: إنّ الآية لا تصلح لنسخ آية المائدة.

وأما قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ) فإن المشرك بحسب الاعتقاد وإن كان ينطبق على أهل الكتاب إلا أن المتبادر منه في كلام الشارع غير أهل الكتاب, ويؤيد هذا الكلام عطف المشركين على أهل الكتاب أو بالعكس في كثير من الآيات, ولا أقل من احتمال اختصاص الآية بغير أهل الكتاب احتمالاً معتداً به, وهو يمنع من الاستدلال بها.

الرابع: إن الروايات التي دلّت على أن الآية في سورة البقرة أو الآية في سورة الممتحنة هي الناسخة يقع التعارض بين المعتبر منها سنداً وهو روايتان: موثقة ابن الجهم(3)

التي دلّت على أن آية (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ) هي الناسخة, وصحيحة زرارة(4)

التي دلّت على أن آية (وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) هي الناسخة.

والسر في وقوع التعارض أن الناسخ لابد أن يكون أحدهما؛ لأنه مع تحقق النسخ بالأول لا يمكن أن يتحقق النسخ بالثاني.

واتفاقهما في حصول النسخ لا ينفي التعارض؛ لأن موثقة ابن الجهم تدل على أن النسخ إذا كان موجوداً فهو بآية (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ)

ص: 16


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب5 ح1.
2- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب5 ح2.
3- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب1 ح3.
4- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب1 ح1.

وكذلك صحيحة زرارة فهي تدل على أنه إن كان موجوداً فهو بآية (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) فيقع التعارض ويتساقطان.

هذا ما يرتبط بنسخ الآية في محل الكلام، وقد تبيَّن أنها ليست منسوخة, وإنما الكلام في دلالتها على الأصل في نكاح الكتابية على المسلمة, والظاهر أن الآية تدل على أمرين:

الأول: جواز نكاح الكتابية مطلقاً دواماً وانقطاعاً.

الثاني: إن الجواز ثابت حتى لمن كانت عنده زوجة مسلمة.

أما الأول فيدل عليه إطلاق حلية نكاح المحصنات من الذين أُوتوا الكتاب, حيث لم تُقيّد هذه الحلية بكون النكاح دائماً أو منقطعاً, ومقتضى الإطلاق شموله لهما فيثبت الجواز مطلقاً.

وقد يقال: إن الآية تدل على جواز النكاح المنقطع خاصة ولا دلالة فيها على جواز الدائم؛ وذلك لوجود قرينة متصلة تمنع من انعقاد الإطلاق في المقام وهي قوله تعالى: (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)(1) في نفس الآية، والأجر ظاهر في العوض في النكاح المنقطع فإن العوض في الدائم يسمى مهراً أو صداقاً أو نحلة أو فرضاً, وعليه فتكون الآية مختصة بتجويز النكاح المنقطع لا مطلق النكاح.

والجواب: أنه لا ظهور للفظ الأجر في العوض في النكاح المنقطع, فقد أُطلق الأجر على العوض في مطلق النكاح في أكثر من آية منها:

قوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)(2)

وهي تتحدث عن النساء المسلمات المهاجرات من بلد الكفر, وقد تركن أزواجهن الكافرين, ومن الواضح أن الآية لا تجوّز خصوص نكاحهن المنقطع, بل تجوّز نكاحهن مطلقاً, مع أنها ذكرت أنه لابد من إيتائهن الأجر.

ص: 17


1- المائدة: 5/5.
2- الممتحنة: 60/10.

وقوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)(1).

والآية واردة في سياق الآية التي تجوز نكاح الإماء في حالة عدم الطَوْل, وخوف العَنَت, وبعد أن جوزت نكاح الإماء ذكرت أنه لابد أن يكون بإذن أهلهن مع إيتاء الأجر، والظاهر بمقتضى الإطلاق أن الذي جوزته الآية هو مطلق النكاح لا المنقطع خاصة. وعليه فتبقى آية المائدة على إطلاقها في تجويز نكاح الكتابية دواماً وانقطاعاً.

وأما الأمر الثاني: فيدل عليه قوله تعالى في الآية: (أحلَّ لكم) فإنه ظاهر في أن الآية تتحدث مع المسلمين عموماً, وتحلل لهم ما ذكر فيها ومن جملته (الكتابيات المحصنات)، ومقتضى إطلاقها هو عدم الفرق بين من كانت عنده زوجة مسلمة أو من لم تكن عنده، ولو كان الذين يجوز لهم النكاح بعض المسلمين وهم من لم يتزوجوا بمسلمة لكان المناسب أن تقول الآية (وأحلَّ لبعضكم ...).

والحال أن الآية عطفت على نفس الجمل السابقة, وعليه فلابد من أن نقدر جملة (وأحل لكم) بعد الواو أو جملة (حلٌّ لكم) بعد المحصنات.

وعلى كلا التقديرين يكون المخاطب عموم المسلمين بما فيهم من كانت عنده زوجة مسلمة, وعليه فيكون الأصل الذي تدل عليه الآية في محل الكلام - وهو نكاح الكتابية على المسلمة- هو الجواز مطلقاً.

هذا هو الدليل الأول على الأصل في محل الكلام.

الدليل الثاني: صحيحة معاوية بن وهب وغيره من أصحابنا عن أبي عبد الله (علیه السلام): في الرجل المؤمن يتزوج اليهودية والنصرانية فقال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ فقلت له: يكون له فيها الهوى قال: إن فعل

ص: 18


1- النساء: 4/25.

فليمنعها من شرب الخمر, وأكل لحم الخنزير, واعلم أن عليه في دينه غضاضة(1).

وتقريب الاستدلال بها أن الرواية تدل بإطلاقها على جواز مطلق النكاح لليهودية والنصرانية دائماً كان أو منقطعاً.

وكذلك تدل على أن من يجوز له نكاح الكتابية هو مطلق الرجل المؤمن, سواء كان عنده مسلمة أم لا, باعتبار أن الرواية يفهم منها أن المانع الوحيد من نكاحهن هو عدم الاحتياج, وإمكان سد الحاجة بإصابة المسلمة, وأنّ هذا المانع يرتفع إذا كان لديه هوى فيهنّ, فيثبت الجواز في المقام بتنقيح المناط, فتأمل.

أو باعتبار أن السؤال ذكر فيه (الرجل) من دون قيد والسائل كما يمكن أن يسأل عن زواج الرجل الذي ليس عنده مسلمة, يمكن أن يسأل عن الرجل الذي عنده مسلمة، ولو كان الحكم لمن كانت عنده مسلمة يختلف عن حكم من لم تكن عنده مسلمة, لكان اللازم بيان الحكمين, وبما أن الإمام (علیه السلام) لم يذكر إلا حكماً واحداً وترك الاستفصال, إذاً فحكم من عنده مسلمة ومن ليس عنده مسلمة واحد.

فالرواية تدل بمقتضى ترك الاستفصال على جواز مطلق نكاح اليهودية والنصرانية حتى لمن كانت عنده مسلمة.

الدليل الثالث: صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري قال: سألته عن الرجل يتمتع من اليهودية والنصرانية قال: لا أرى بذلك بأساً, قال: قلت: فالمجوسية؟ قال: أما المجوسية فلا(2).

وهي تامة سنداً؛ لأن الشيخ يرويها عن أحمد بن محمد بن عيسى, وطريقه إليه صحيح, وإسماعيل ثقة. نعم الرواية مضمرة, ولكن مع ذلك يمكن الاعتماد عليها؛ لأن اهتمام الأصحاب بنقلها

ص: 19


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب2ح1.
2- الوسائل: أبواب المتعة ب13 ح1.

وتدوينهم لها في كتبهم شاهد واضح على أنها عن الإمام (علیه السلام) .

وأحمد بن محمد بن عيسى وإسماعيل بن سعد الأحوص كلاهما من أصحاب الرضا (علیه السلام) فيناسب أن يروي إسماعيل لأحمد بن محمد بقوله (سألته) ويعني الإمام الرضا (علیه السلام) إذاً فالرواية تامة من حيث السند.

وأما تقريب الاستدلال بها فهو أن السائل يسأل عن رجل يُحتمل فيه أن تكون عنده مسلمة كما يحتمل أن لا تكون عنده مسلمة, ولم يقيد السائل (الرجل) بقيد, وقد أجابه الإمام (علیه السلام) بنفي البأس, وتصحيح التمتع, ولم يفصل الإمام في جوابه بين من كانت عنده مسلمة, وبين من ليس كذلك، ولو كان الحكم فيه اختلاف لكان هذا نوعاً من التغرير بالسائل، وعليه فتكون الرواية دالة على جواز التمتع بالكتابية مطلقاً سواء أكانت عنده مسلمة أم لا.

وتجويزها للتمتع بالكتابية مطلقاً لا ينافي ما تقدَّم من شمول الحكم للدائم أيضاً؛ لأنهما من قبيل المثبتين.

هذا تمام الكلام في أصل المسألة بمقتضى الأدلة العامة بقطع النظر عن الأدلة الخاصة, وقد اتضح أن الأصل هو جواز نكاح الكتابية لمن كانت عنده مسلمة مطلقاً, دواماً وانقطاعاً.

وأما حكم المسألة بلحاظ الأدلة الخاصة فهي متمثلة بمجموعة من الروايات وهي على طوائف ثلاث:

الطائفة الأولى: - المانعة مطلقاً- وهي الروايات التي تدل على عدم جواز نكاح الكتابية على المسلمة دواماً وانقطاعاً, سواء أذنت المسلمة أم لا، وهي عدّة روايات:

منها: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: لا تُتزوج اليهودية(1)

ص: 20


1- في المصدر إضافة (لا) هنا.

ولا النصرانية على المسلمة(1).

والظاهر صحة سند الرواية؛ لأن الشيخ الكليني (رحمة الله) يرويها عن محمد بن يحيى العطار, عن أحمد بن محمد - وهو وإن تردد بين ابن عيسى أو ابن خالد إلا أن كلاً منهما ثقة- عن علي بن الحكم, عن العلاء بن زرين, عن محمد بن مسلم.

وأما الاستدلال بالرواية فإن قوله (علیه السلام) (لا تتزوج) إما أن يقرأ بالبناء للمجهول, ويكون المراد حينئذ هو الإرشاد إلى بطلان هذا الزواج بلا فرق بين إذن المسلمة وبين عدمه, أو أن يقرأ بالبناء للمعلوم ولا يختلف الحال؛ لأن الجملة عندئذ أيضاً الغرض منها الإشارة إلى عدم صحة نكاح اليهودية والنصرانية على المسلمة, والنتيجة أنه على كلا التقديرين الصحيحة بصدد الإرشاد إلى بطلان هذا النكاح, ولم تقيّد ذلك بعدم رضا المسلمة, فيمكن التمسك بإطلاقها لإثبات بطلان نكاح الكتابية دواماً وانقطاعاً - لأن قوله (لا تتزوج) لا يفرق فيه بينهما- أذنت المسلمة أم لم تأذن.

ومنها: موثقة سماعة بن مهران قال: سألته عن اليهودية والنصرانية أيتزوجها الرجل على المسلمة؟ قال: لا، ويتزوج المسلمة على اليهودية والنصرانية(2).

وسند الرواية تام إلا من جهة الوقف في عثمان بن عيسى وسماعة الواقعين في السند, لكنهما من الثقات فلا يقدح كونهما من الواقفة في الاعتماد على الرواية.

والاستدلال بها باعتبار أنها تمنع من الزواج باليهودية والنصرانية على المسلمة, وهذا المنع كما تقدم إرشاد إلى عدم صحة هذا النكاح بلا فرق بين إذن المسلمة وعدمه؛ لأن الرواية لم تقيد المنع بحالة عدم رضا المسلمة.

ص: 21


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب7 ح1.
2- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب7 ح3.

ومنها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا تتزوجوا اليهودية ولا النصرانية على حرّة متعة وغير متعة(1).

والرواية يرويها الشيخ الصدوق قدس سره عن سعدان - وهو عبد الرحمن بن مسلم- وطريقه إليه هو محمد بن الحسن, عن محمد بن الحسن الصفار, عن العباس بن معروف وأحمد بن إسحاق بن سعد جميعاً, عن سعدان. وهذا الطريق صحيح, لكن الكلام في نفس سعدان حيث لم ينص على وثاقته أو ضعفه فهو مجهول وإن وقع في إسناد كامل الزيارات(2),

أو روى عنه علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره في تفسير سورة الفاتحة في تفسير قوله تعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)(3).

ولكن الظاهر أنه يمكن إثبات وثاقته برواية ابن أبي عمير عنه بسند صحيح(4)

بناءً على كبرى أن المشايخ الثلاثة (صفوان, وابن أبي عمير, والبزنطي) لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة.

وعليه فيمكن الاعتماد على روايته, ولكن يبقى في الرواية أنها عن أبي بصير وهو مشترك بين جماعة فيهم الثقة وغيره إلا أن المعروف منهم اثنان هما: يحيى بن القاسم الأسدي, وليث بن البختري المرادي. وكلاهما ثقة, فتحمل على أحدهما ولا يقدح هذا الترديد في الرواية, فالرواية تامة سنداً ويمكن الاعتماد عليها.

وأما من حيث الدلالة فكيفية الاستدلال بها على الحكم هي نفس الكيفية السابقة في الروايات المتقدمة بأن يدعى إطلاق البطلان فيها لحالة إذن الحرّة

ص: 22


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب7 ح5.
2- كامل الزيارات: ب 41 دعاء الملائكة لزوار قبر الحسين (علیه السلام) ح5, ب 79 في زيارات الحسين بن علي (علیه السلام) ح18.
3- نقله عنه في رجال الحديث: 9/104.
4- الكافي: 1/178/ح1.

وعدم إذنها, والرواية وإن لم تذكر المسلمة إلا أنها هي المرادة من الحرة بحسب الظاهر, ولا أقل هي إحدى أفرادها فيكون الحكم شاملاً لها.

نعم, هذه الرواية صريحة في شمول بطلان النكاح للدائم والمنقطع ولا تدل على ذلك بالظهور الإطلاقي, حيث قالت (لا تتزوجوا... متعة ولا غير متعة).

ويؤيدها رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) هل للرجل أن يتزوج النصرانية على المسلمة والأمة على الحرّة؟

فقال: لا يتزوج واحدة منهما على المسلمة ...(1).

والرواية في سندها عبد الله بن محمد المعروف ببنان, ولم تثبت وثاقته, فلا يعتمد عليها, ولكنها تصلح للتأييد. ودلالتها كدلالة الرواية السابقة على المنع مطلقاً, سواء أذنت المسلمة أم لا.

ويؤيدها أيضا رواية الحسن بن زياد قال: قال أبو عبد الله (علیه السلام): تُزّوج الحرّة على الأمة, ولا تُزّوج الأمة على الحرّة، ولا النصرانية ولا اليهودية على المسلمة، فمن فعل ذلك فنكاحه باطل(2).

ولا يوجد في سندها من يتوقف فيه إلا الحسن بن زياد فهو مجهول؛ لأن الظاهر أنه الصيقل بقرينة رواية ابن مسكان عنه, فالرواية غير تامة من حيث السند.

وأما كيفية الاستدلال بها فإن الرواية يوجد فيها إطلاق من جانبين:

الأول: بطلان نكاح الكتابية على المسلمة دواماً وانقطاعاً, ويدل على ذلك قوله (علیه السلام) في الرواية (لا تزوج) - المقدر بعد الواو- النصرانية واليهودية على المسلمة, والتزوج أعم من الدائم, ويشمل حتى المنقطع, وقد حكمت الرواية ببطلانه بصراحة وقالت: (فنكاحه باطل).

ص: 23


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب7 ح3.
2- الوسائل: أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب46 ح5.

الثاني: إطلاق البطلان لحالتي إذن المسلمة وعدم إذنها في هذا النكاح؛ لأن الرواية حكمت بالبطلان من دون أن تقيده بعدم رضا المسلمة.

وعليه فيمكن التمسك بإطلاقها, لإثبات بطلان نكاح الكتابية على المسلمة أذنت أم لم تأذن, ولكنّها غير تامة سنداً, فغاية ما يمكن أن تكون مؤيدة لما دلّ على المنع مطلقاً.

الطائفة الثانية من الروايات الخاصة.

الروايات المجوزة مطلقاً في باب التمتع.

وهما روايتان:

الأولى: رواية الحسن بن علي بن فضال, عن بعض أصحابنا, عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية والنصرانية وعندهُ حرّة(1).

ودلالتها واضحة على جواز التمتع باليهودية والنصرانية لمن كانت عندهُ زوجة حرّة, ويراد بها المسلمة بحسب الظاهر, ولا أقل من كونها داخلة في إطلاق الحرّة, بل لعلها أوضح المصاديق, وهذا الجواز مطلق من ناحية إذن الحرّة وعدمه.

إلا أن سندها غير تام للإرسال, وإن كان المرسل من بني فضال الذين ورد عن العسكري (علیه السلام) في حقهم قوله (خذوا بما رووا وذروا ما رأوا)(2)

لأنه بعد الإغماض عمّا في سنده لا يدل على أكثر من توثيقهم, فمراسيلهم كمراسيل غيرهم. فلا يستدل بها.

الثانية: رواية زرارة قال: سمعته يقول: لا بأس أن يتزوج اليهودية والنصرانية متعة وعنده امرأة(3).

ص: 24


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب4 ح1.
2- الوسائل, أبواب صفات القاضي ب 8 ح79.
3- الوسائل, أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب4 ح2.

ودلالتها كدلالة الرواية السابقة, غايته إبدال عنوان الحرّة بعنوان المرأة, ومن الواضح دخول المسلمة في المرأة بلا إشكال, إلا أن في سندها محمد بن سنان ولم تثبت وثاقته, فلا تصلح للاستدلال بها في المقام.

الطائفة الثالثة: الروايات المفصلّة - في من كانت عنده مسلمة- بين إذنها أو رضاها, فيصح نكاح الكتابية, وبين عدمهما, فيبطل.

وهي عدّة روايات:

الرواية الأولى: صحيحة هشام بن سالم, عن أبي عبد الله (علیه السلام)، في رجل تزوج ذمية على مسلمة قال: يفرق بينهما, ويضرب ثمن حدّ الزاني اثني عشر سوطاً ونصفاً, فإن رضيت المسلمة ضرب ثمن الحد ولم يفرّق بينهما، قلت: كيف يضرب النصف؟ قال: يؤخذ السوط بالنّصف فيضرب به(1).

وطريق الشيخ الصدوق إلى الحسن بن محبوب الراوي عن هشام في هذه الرواية هو: محمد بن موسى بن المتوكل عن عبد الله بن جعفر الحميري وسعد ابن عبد الله, عن أحمد بن محمد بن عيسى, عن الحسن بن محبوب، وليس هناك من يتوقف فيه إلا محمد بن موسى بن المتوكل, إلا أن الظاهر أنه ثقة؛ لأن الشيخ الصدوق قد أكثر الرواية عنه, بل ذكره في طريقه إلى ثمانية وأربعين كتاباً في المشيخة, وهذا كافٍ في حصول الاطمئنان بوثاقته، ويؤيد ذلك أنه قد وثّقه العلامة, وابن داود, وادعى ابن طاووس الاتفاق على وثاقته(2),

وكلام ابن طاووس هذا كافٍ في إثبات وثاقته. فيكون الطريق صحيحاً, وتكون الرواية صحيحة سنداً لوثاقة جميع رواتها.

وأما كيفية الاستدلال بها فإن الرواية بظاهرها تفصل بين فرضين تحكم بالبطلان في أحدهما, وبالصحة في الثاني في موضوع مسألتنا وهو نكاح الكتابية

ص: 25


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب7 ح4.
2- معجم رجال الحديث: 17/319 في الرقم 11854.

على المسلمة.

الفرض الأول: تزوّج الذمية على المسلمة من دون رضاها مطلقاً - سابقاً أو لاحقاً- بقرينة التفريع الآتي فإن مقتضى قوله (علیه السلام) (فإن رضيت) أن يكون الفرض السابق للفاء هو الفاقد لما بعدها, وبما أن ما بعدها هو الرضا فما قبلها هو عدم الرضا.

وفي هذا الفرض حكم ببطلان النكاح لظاهر قوله (علیه السلام): (يفرّق بينهما) فإنه ظاهر في عدم صحة هكذا نكاح.

الفرض الثاني: نفس الفرض السابق, لكن مع وجود الرضا اللاحق, وسيأتي ذكر القرائن على كون الرضا لاحقاً للعقد في الصفحة (39) من هذا البحث.

وظاهر الرواية هو الحكم بصحة النكاح حينئذ؛ لقوله (علیه السلام) (ولم يفرّق بينهما) وهو ظاهر في إمضاء نفس النكاح السابق لا تجديد نكاح آخر.

وإذا كان الرضا اللاحق يؤثر في تصحيح النكاح الذي من شأنه أن يقع باطلاً لولا الرضا, فإن الرضا المقارن يصحح النكاح من باب أولى.

وعليه فتكون الرواية مفصلة بين ما إذا لم ترض المسلمة مطلقاً فيحكم ببطلان النكاح, وبين ما إذا رضيت المسلمة عند العقد أو بعده فيحكم بصحة النكاح.

الرواية الثانية: رواية منصور بن حازم, عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن رجل تزوج ذمية على مسلمة ولم يستأمرها؟ قال: يفرق بينهما. قال: قلت: فعليه أدب؟ قال: نعم اثنا عشر سوطاً ونصف ثمن حدّ الزاني وهو صاغر. قلت: فإن رضيت المرأة الحرّة المسلمة بفعله بعدما كان فعل؟ قال: لا يضرب ولا يفرّق بينهما يبقيان على النكاح الأول(1).

ص: 26


1- الوسائل: أبواب حدّ الزنا ب49 ح1.

وتقريب الاستدلال بها كما ذكر في صحيحة هشام السابقة, وإن كانت هذه الرواية أوضح في عدم إذنها له قبل التزويج لقوله (علیه السلام): (تزوّج... ولم يستأمرها) أي لم يأخذ رأياها ولم يأخذ إذنها. وقد حكمت الرواية ببطلان النكاح حينئذٍ.

وأما إذا رضيت - والرضا هنا هو المتأخر عن العقد بقرينة (رضيت بفعله بعدما كان فعل)- فيكون النكاح صحيحاً.

نعم تختلف هذه الرواية عن صحيحة هشام في أنها ترفع حتى التعزير (ثمن الحدّ) بخلاف الصحيحة فإنها مع حكمها بصحة النكاح إلا أنها لم ترفع التعزير بل قالت (ضرب ثمن الحدّ).

إلا أن هذه الرواية مرسلة؛ لأن الشيخ الكليني يرويها عن علي بن إبراهيم, عن أبيه, عن صالح بن سعيد, عن بعض أصحابه, عن منصور بن حازم، والارسال في قوله (عن بعض أصحابه) واضح. هذا بناءً على رواية الشيخ الكليني (رحمة الله)

في الكافي وأما على رواية الشيخ(1)

فإنه رواها بسنده عن علي ابن إبراهيم ولم يذكر عن أبيه, بل قال عن صالح بن سعيد, عن بعض أصحابه... الخ.

ويوجد اختلاف في متن الرواية فإن الشيخ رواها بهذا الشكل (رجل تزوّج أمة) بينما في رواية الشيخ الكليني (ذمية) فعلى رواية الشيخ الطوسي تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام مضافاً إلى الإرسال. بينما على رواية الشيخ الكليني تكون من الروايات الخاصة في محل الكلام, لكنّها مرسلة وعلى هذا فهي تصلح للتأييد.

الرواية الثالثة: ما دلّ على اشتراط إذن الحرّة في صحة زواج الأمة عليها, بضميمة ما دلّ على أن أهل الكتاب مماليك الإمام (علیه السلام) .

ص: 27


1- التهذيب: 10/144.

وقد استدل العلماء على عدم جواز نكاح الأمة على الحرّة إلا بإذنها بصحيحة محمد بن إسماعيل قال: سألت أبا الحسن (علیه السلام): هل للرجل أن يتمتع من المملوكة بإذن أهلها وله امرأة حرّة؟ قال: نعم، إذا رضيت الحرّة، قلتُ: فإن أذنت الحرّة يتمتع منها؟ قال: نعم(1).

والظاهر تمامية سند الرواية؛ لأن الشيخ الكليني (رحمة الله) يرويها عن محمد بن يحيى العطار وهو ثقة, عن أحمد بن محمد وهو وإن كان مردداً بين ابن عيسى, وبين ابن خالد, إلا أن هذا الترديد لا يضر لأن كلاّ منهما ثقة.

عن محمد بن إسماعيل وهذا الاسم وإن كان مشتركاً بين جماعة من رواة الحديث إلا أن الظاهر بحسب طبقته, وبقرينة رواية أحمد بن محمد عنه أنه من أصحاب الإمام الرضا (علیه السلام) أو الإمام الكاظم (علیه السلام) وأنه محمد بن إسماعيل بن بزيع الثقة المعروف, ولعل انصراف محمد بن إسماعيل إلى ابن بزيع إنما هو لكثرة الروايات عنه ومعروفيته, وحينئذ فالظاهر تمامية سند هذه الرواية.

وأما دلالتها:

فتقريب الاستدلال بها أن يقال: إن مورد السؤال في الرواية هو الرجل الذي تزوج من حرّة ويريد أن يتزوج عليها أمة متعة, وأن ذلك جائز أم لا.

وقد دلّت الرواية على جوازه, لكن بشرط أن ترضى الحرّة بأن يتمتع بالأمة. والسائل أكد من جديد وسأل أنه مع إذنها هل يجوز أن يتمتع بالأمة فأجاب الإمام (علیه السلام): نعم, وعليه فالرواية ظاهرة بشكل واضح في صحة التمتع بالأمة على الحرّة مع إذنها.

والرواية وإن كان موردها هو التمتع إلا أنه يمكن التعدي إلى الدائم بناءً على عدم القول بالفصل, وعليه فيجوز نكاح الأمة على الحرّة دواماً أيضاً, لكن مع إذنها، لأن هذا هو مقتضى تسرية الحكم بأن تسرى الخصوصيات التي

ص: 28


1- الوسائل: أبواب المتعة ب16 ح1.

يرتبط بتحققها تحقق الحكم المسرّى, وهو الجواز في محل الكلام, لكن مع الإذن، مضافاً إلى أن اشتراط الإذن في التمتع - مع أنه أهون على الحرّة من النكاح الدائم عليها- يدل على اشتراطه في الدائم من باب أولى.

وهذه هي الرواية الأهم والمعتمد عليها في الاستدلال على اشتراط إذن الحرّة, وقد ادعى صاحب الجواهر الإجماع على هذا الحكم(1).

وأما ما دلّ على أن أهل الكتاب مماليك للإمام (علیه السلام) فثلاث روايات:

الأولى: صحيحة أبي بصير المرادي, عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: سألته عن رجل له امرأة نصرانية، له أن يتزوج عليها يهودية؟ فقال: إن أهل الكتاب مماليك للإمام, وذلك موسع منّا عليكم خاصة, فلا بأس أن يتزوّج، قلت: فإنه تزوّج عليها أمة، قال: لا يصلح له أن يتزوج ثلاث إماء...(2).

وهي ظاهرة في أن أهل الكتاب مماليك للإمام (علیه السلام) إما حقيقة أو على أقل تقدير تعبداً, بمعنى تنزيلهم منزلة مماليك الإمام (علیه السلام) وبما أن السؤال عن الزواج باليهودية وهي كتابية فتكون من مماليك الإمام بحسب الفَرْض, لذلك إذن الإمام (علیه السلام) إذن المالك المشترط في جواز التزوج بأمته, لكنه خص شيعته بالإذن وقال: (وذلك موسع منا عليكم خاصة) فالإمام بعد أن أعطى القاعدة الكلية وهي أن أهل الكتاب مماليك الإمام, طبقها بإذنه في زواج الكتابية, وبهذا يحصل الترابط بين كونهم مماليك, وبين التوسيع على الشيعة بالزواج بنسائهم؛ لأنه إن لم يأذن لم يصح الزواج بهن, لعدم تحقق شرطه وهو إذن المالك.

ويؤكد هذا التنزيل منع الإمام (علیه السلام) من الزواج بالأمة على النصرانية واليهودية حيث قال (علیه السلام): (لا يصلح له أن يتزوج ثلاث إماء) وهذا في العقد الدائم كما هو واضح. وهذا ظاهر جداً في أن الإمام (علیه السلام) افترضهما أمتين ولهذا

ص: 29


1- الجواهر: 29/410.
2- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب8 ح1.

لم يسوغ الزواج بالأمة عليهما, وهي كالمسألة التطبيقية لتلك القاعدة.

الثانية: صحيحة زرارة, عن أبي جعفر (علیه السلام) قال: قال سألته عن نصرانية كانت تحت نصراني فطلقها هل عليها عدَّة منه مثل عدّة المسلمة؟ قال: لا، لأن أهل الكتاب مماليك للإمام (علیه السلام) ألا ترى أنهم يؤدون الجزية، كما يؤدي العبد الضريبة إلى مواليه؟ قال: ومن أسلم منهم فهو حرّ تطرح عنه الجزية, قلت: فما عدّتها إن أراد المسلم أن يتزوجها؟ قال: عدّتها عدّة الأمة حيضتان, أو خمسة وأربعون قبل أن تسلم...(1).

والظاهر تمامية سندها؛ لأن الشيخ الكليني يرويها عن علي بن ابراهيم عن أبيه, عن ابن محبوب, عن ابن رئاب وابن بكير جميعاً, عن زرارة - هكذا في الوسائل- وكل مَن في سندها ثقات, ووجود ابن بكير في سندها لا يجعلها موثقة؛ لأن ابن محبوب يرويها عن ابن رئاب وابن بكير جميعاً عن زرارة.

وأمَّا على الموجود في الكافي المطبوع وهو: (عن ابن رئاب عن ابن بكير) فالرواية تكون موثقة؛ لأن ابن بكير فطحي, ولكنه ثقة فيمكن الاعتماد على روايته.

وأما من ناحية دلالة الرواية فهي أيضاً تصرّح بأن أهل الكتاب مماليك للإمام (علیه السلام) وهذا إما إخبار عن كونهم كذلك حقيقة, أو تعبداً وتنزيلاً.

كما أن الرواية تذكر تطبيقاً يقرّب فيه مسألة كونهم مماليك للإمام بقوله (علیه السلام) (ألا ترى أنهم يؤدون الجزية, كما يؤدي العبد الضريبة إلى مواليه).

ومن سؤال السائل عن عدتها إذا أراد المسلم أن يتزوجها, وجواب الإمام (علیه السلام) يتضح أيضاً حكم آخر تشترك فيه الكتابية مع الأمة, وهو أن عدتها عدّة الأمة في الطلاق حيضتان أو خمسة وأربعون يوماً.

الثالثة: صحيحة أبي ولاد التي نقلها الشيخ الكليني عن محمد بن يحيى,

ص: 30


1- الوسائل: أبواب العدد ب45 ح1.

عن أحمد بن محمد, وعن علي بن إبراهيم, عن أبيه جميعاً عن ابن محبوب, عن أبي ولاد, عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: ليس فيما بين أهل الذمة معاقلة فيما يجنون من قتل, أو جراحة, إنما يؤخذ ذلك من أموالهم، فإن لم يكن لهم مال رجعت الجناية على إمام المسلمين؛ لأنهم يؤدون إليه الجزية كما يؤدي العبد الضريبة إلى سيده، قال: وهم مماليك للإمام فمن أسلم منهم فهو حر(1).

وهي أيضا تدل بوضوح على أن أهل الذمة - وهم أهل الكتاب بشرائط خاصة لا غيرهم - مماليك للإمام وهو إخبار بكونهم كذلك إما حقيقة, أو تعبداً, وأن هذا الرق يرتفع عنهم إذا أسلموا ويصبحون أحراراً.

وكشواهد لاتحاد الأمة والكتابية في الأحكام نذكر بعض التطبيقات ومنها:

أولاً: عدم جواز الزيادة على اثنين منهن في العقد الدائم, كما في الإماء. ودلّت على ذلك الصحيحة الأولى السابقة.

ثانياً: إن عدتهما في الطلاق واحدة وهي حيضتان وتدل عليه الصحيحة الثانية المتقدمة.

ثالثاً: في باب القسمة إن المسلمة لها ثلثان وللأمة والنصرانية الثلث, وتدل عليه رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) هل للرجل أن يتزوج النصرانية على المسلمة, والأمة على الحّرة؟ فقال: لا تزوّج واحدة منهما على المسلمة, وتزوج المسلمة على الأمة والنصرانية, وللمسلمة الثلثان وللأمة والنصرانية الثلث(2).

رابعاً: في عدم الإرث من الزوج

ويدل على عدم إرث الأمة - المتزوجة من حرّ- من زوجها صحيحة محمد

بن حكيم قال: سألت أبا الحسن موسى (علیه السلام) عن رجل زوّج أمته من رجل آخر,

ص: 31


1- الكافي: ج7 ص364, باب العاقلة ح1. الوسائل: كتاب الديات أبواب العاقلة ب1 ح1.
2- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب7 ح3.

ثم قال لها: إذا مات زوجك فأنت حرّة، فمات الزوج. قال: فقال: إذا مات الزوج فهي حرّة تعتد منه عدّة الحرّة المتوفى عنها زوجها, ولا ميراث لها منه؛ لأنها صارت حرّة بعد موت الزوج(1).

ويدل على عدم إرث الكتابية من زوجها صحيحة أبي ولاّد قال: سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: المسلم يرث امرأته الذمية وهي لا ترثه(2).

هذه موارد يظهر منها اتحاد الأمة مع الكتابية في الحكم في مسائل النكاح وتوابعه من القسمة والإرث والعدّة, وهي تؤيد التنزيل المذكور في الروايات, فإن تم هذا التنزيل تكون هذه الروايات - صحيحة أبي بصير, وصحيحة زرارة, وصحيحة أبي ولاّد- حاكمة على أدلة اشتراط إذن الحرة في صحة نكاح الأمة عليها, فتدخل في الأمة فرداً جديداً وهو الكتابية, وحينئذ لا يجوز نكاح الكتابية لمن كانت عنده زوجة حرّة مسلمة إلا بإذنها.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بهذا الدليل، إلا أن الظاهر عدم صحة التنزيل المذكور على نحو الموجبة الكلية, حيث قد ثبت بالأدلة أن الشارع تعامل في بعض الموارد مع أهل الكتاب تعاملاً يختلف عن تعامله مع المماليك ومن هذه الموارد:

أولاً: ما في باب الحدود: من أن العبد إذا زنى فإن عليه نصف حدّ الحرّ، بينما الذمي إذا فَجَر بمسلمة فحكمه القتل(3).

ثانياً: في باب القصاص: العبد المسلم إذا قتل عبداً مسلماً يقاد به, ولا يقاد إذا قتل ذمياً. وتدل على ذلك إطلاقات المنع من قتل المسلم بالذمي, أو الكافر الواردة في روايات متعددة(4).

ص: 32


1- الوسائل: أبواب نكاح العبيد والإماء ب65 ح1.
2- الوسائل أبواب موانع الإرث ب1 ح1.
3- الوسائل: أبواب حدّ الزنا ب36 ح1-2.
4- يدل على الأول آية القصاص في القتل، البقرة: 2/178 ويدل على الثاني الوسائل: أبواب القصاص في النفس ب47.

ثالثاً: إن العبد يجوز له أن يتزوج بالمسلمة, أما الذمي فلا يجوز له ذلك(1).

وعليه فلا يصح تنزيل أهل الكتاب منزلة المماليك بلحاظ جميع الآثار والأحكام.

قد يقال إن هذه الموارد لا تعد نقضاً على القاعدة الكلية المطروحة في الروايات, وذلك لأن أهل الكتاب نزّلوا منزلة المماليك الكفار لا المماليك المسلمين. وهذه الموارد كلها في المماليك المسلمين.

وجوابه: إن الأمر إذا كان كذلك فينبغي أن نسرّي إليهم أحكام المماليك الكفرة الواضحة والمسلّمة, وليس منها جواز نكاح الأمة الكافرة على الحرة؛ لأنها إن كانت غير كتابية فلا يجوز الزواج بها مطلقاً حتى لمن ليس عنده مسلمة.

وأما إن كانت كتابية فإن نكاحها وان كان جائزاً بحسب ما رجحناه في أصل المسألة, إلا أن جواز نكاحها على الحرّة ليس واضحاً, ويدخل في محل الكلام, ونحن بصدد إثبات كون الكفر مانعاً من صحة نكاحها على المسلمة أو عدم كونه كذلك.

والخلاصة: إن كان المقصود تنزيل أهل الكتاب منزلة مطلق المماليك فهذا غير تام للنقض الذي أوردناه. وإن كانوا نزلوا منزلة الكفار من المماليك فلا يمكن الاستدلال بهذه الرواية حينئذٍ, حتى لو تمت دلالتها على ذلك؛ لأن هذا الحكم في المنزل عليه غير واضح.

نعم إذا فهمنا من الروايات السابقة وما ذكر من موارد كمؤيدات: أنّهما بصدد تنزيل الكتابية منزلة الأمة في ما يرتبط بالنكاح وتوابعه من القسمة، والعدد، والإرث، والعدّة أمكن أيضاً الاستدلال بهذه الروايات بنفس البيان السابق وتثبت بذلك حكومتهما على دليل اشتراط إذن الحرة في صحة نكاح الأمة عليها.

ص: 33


1- قال في الرياض: 11/282: فلا يجوز للمسلمة التزويج بالكافر مطلقاً نصاً وإجماعاً.

ولكنّه أيضاً بعيد, لما ذكر في باب نكاح الأمة من أنه جائز مع شرطين, الأوّل: عدم الطول وعدم القدرة على نكاح الحرّة. والثاني: خوف العنت, وإن وقع الكلام في اشتراط ذلك, لكن الآية والروايات تدل عليه.

ولم يشترط هذان الشرطان في صحة نكاح الكتابية كما هو واضح، ولو كان التنزيل بخصوص ما يرتبط بالنكاح لكان اللازم اشتراطهما في جواز نكاح الكتابية, بل يظهر من بعض الروايات أنه يجوز نكاح الكتابية مع التمكن من نكاح المسلمة, كما في صحيحة معاوية بن وهب(1)

المتقدمة في الاستدلال على الأصل في المسألة.

هذا مضافاً إلى أن الروايات ألسنتها مختلفة, ولا يستفاد التنزيل من جميعها لأن صحيحة أبي ولاّد الواردة في نفس إرث الزوجة الذميّة ليس فيها أي نظر لأدلة عدم إرث الأمة, بل هي تبين حكماً مشابهاً فقط.

وأما رواية عبد الرحمن فهي تثبت أن حكمهما واحد في أن لهما الثلث من الليالي, وللمسلمة الثلثان. وحتى صحيحة زرارة بعد نفي التنزيل بنحو الموجبة الكلية لا يبقى فيها إلا أنها ذكرت أن عدتها عدة الأمة, ولا يدل هذا على تنزيلها منزلة الأمة في العدة, بل يدل على اتحادهما في هذا الحكم. نعم صحيحة أبي بصير المرادي ظاهرة في تنزيل الكتابية منزلة الأمة بقطع النظر عمّا ورد في صدرها من قوله (علیه السلام) (إن أهل الكتاب مماليك للإمام) فإن الإمام نزل الكتابية منزلة الأمة بقوله: (لا يصلح له أن يتزوج ثلاث إماء) إلا أن هذا التنزيل مردد بين أن يكون بلحاظ جميع الأحكام, وقد قلنا إنه لا يمكن الالتزام به, وبين أن يختص هذا التنزيل بمورده فقط في عدم جواز الزيادة على الاثنتين من الكتابيات في العقد الدائم. وحينئذٍ لا يصلح هذا التنزيل للاستدلال به كما هو واضح.

ص: 34


1- الوسائل: أبواب ما يحرم الكفر ونحوه ب2 ح1.

الجمع بين الأدلة

بعد أن استعرضنا طوائف الروايات اتضح أنها ثلاث:

الأولى: المانعة من نكاح الكتابية على المسلمة مطلقاً (دواماً وانقطاعاً مع الإذن وعدمه) وفيها ما هو تام سنداً ودلالة.

الثانية: المجوزة للتمتع بالكتابية مطلقاً, سواء أذنت المسلمة أم لم تأذن. وليس فيها ما هو تام سنداً وإن كان فيها ما هو تام دلالة.

الثالثة: المفصّلة بالمنع من نكاح الكتابية مطلقاً (دواماً وانقطاعاً) مع عدم إذن المسلمة, وجواز نكاحها مطلقاً (دواماً وانقطاعاً) مع إذن المسلمة, وفيها ما هو تام سنداً ودلالةً.

وحينئذ يقع الكلام في كيفية الجمع بين هذه الروايات:

أمَّا الطائفة الثانية فللضعف السندي في رواياتها لا تصلح لمعارضة روايات الطائفتين الأولى والثالثة, فلابد من ملاحظة النسبة بين الطائفة الأولى المانعة مطلقاً وبين الطائفة الثالثة المفصّلة, وحيث إن مفاد الطائفة الأولى هو المنع مع الرضا وعدمه مطلقاً, ومفاد الطائفة الثالثة الجواز مع الرضا مطلقاً تكون الثالثة أخص مطلقاً فتقدَّم عليها.

لأنه بحسب الفهم العرفي تكون الروايات المفصّلة - في الطائفة الثالثة- قرينة بنظر العرف على عدم إرادة الإطلاق في الطائفة الأولى, فيختص المنع فيها بحالة عدم رضا المسلمة, وأما مع رضاها فيجوز نكاح الكتابية دواماً وانقطاعاً. وهذه هي النتيجة النهائية في المسألة.

هذا ما يمكن أن يذكر في كيفية الجمع بين الروايات, إلا أن الظاهر من كلام لصاحب الجواهر (رحمة الله) أنه حمل الروايات الدالة على المنع من نكاح الكتابية على الكراهة, وأن هذه الكراهة تتفاوت شدة وضعفاً، ففي حال وجود الزوجة

ص: 35

المسلمة تكون الكراهة أشد، وفي حال عدم وجودها تكون الكراهة أضعف, وقد ذكر ذلك في ضمن كلامه عمّا يؤدي إليه التحقيق في مسألة نكاح الكتابية فقال: (إلا أن التحقيق الجواز مطلقاً, وفاقاً للحسن والصدوقين على كراهة متفاوتة في الشدّة والضعف بالنسبة إلى الدائم, والمنقطع, وملك اليمين، وبالنسبة إلى من يستطيع نكاح المسلمة وغيره، وبالنسبة لمن يكون عنده المسلمة وغيره وبالنسبة إلى البله منهن وغيرها, كما أومأت إلى ذلك كله النصوص...)(1).

وقال أيضاً: (كما أنه لا يبعد الكراهة في نكاحها على المسلمة احتراماً لها)(2).

ودليل صاحب الجواهر على هذا التحقيق الذي ذكره هو قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ...)(3)،

وقد أضاف إليها في طيات بحثه (النصوص المستفيضة أو المتواترة الدالة على جواز نكاح الكتابية منطوقاً ومفهوماً)(4).

وهذه الكلمات وإن كانت واردة في أصل جواز نكاح الكتابية, إلا أن الظاهر من بعضها أن صاحب الجواهر حمل أخبار المنع من نكاح الكتابية على المسلمة على الكراهة, وأن هذا النهي عن نكاحها على المسلمة إنما هو لأجل احترام المسلمة...، وعليه فيكون جمعاً بين الأدلة. ولعلّ وجهه هو أن الآية ظاهرة في تجويز نكاح الكتابية ومقتضى إطلاقها عدم الفرق في التجويز بين من كانت عنده مسلمة, أو من لم تكن عنده مسلمة. وعليه فتكون الآية ظاهرة في جواز نكاح الكتابية على المسلمة. وحينئذٍ يكون هذا شاهداً على حمل المنع ص: 36


1- الجواهر: 30/31.
2- الجواهر: 30/40.
3- المائدة: 5/5.
4- الجواهر: 30/36.

- في الأدلة المانعة من نكاح الكتابية على المسلمة- على الكراهة؛ لأن مقتضى القاعدة إذا كان أحد الدليلين يدل على جواز شيء, والآخر يدل على حرمته أن يحمل ما دلّ على الحرمة على خلاف ظاهره وهو الكراهة, إذا كان ظهور المجوّز في الجواز نصّاً, أو أقوى من ظهور المانع في الحرمة. والنتيجة حمل الروايات المانعة من أصل نكاح الكتابية على الكراهة, وكل ما دلّ على المنع من نكاح الكتابية على المسلمة على الكراهة بدرجة أشد من الكراهة في الفَرض السابق.

أقول: ولو كان هذا الوجه هو الذي استند عليه صاحب الجواهر (رحمة الله) ففيه:

ما اتضح مما سبق ظهور الروايات الخاصة في أنها تتحدث عن الحكم الوضعي. وهو البطلان مع عدم الإذن من قبل المسلمة, فكيف تحمل هذه الروايات على الحكم التكليفي وهو الكراهة ؟! وهذا واضح في ما دلّ على المنع مطلقاً, كرواية الحسن بن زياد وقوله (علیه السلام) فيها (فنكاحه باطل)(1).

وكذلك صحيحة هشام بن سالم المانعة من الزواج مع عدم رضا المسلمة وقوله (علیه السلام) فيها (فرّق بينهما وضرب ثمن الحد)(2).

وإذا كان المقصود بالمنع في هذه الروايات هو البطلان فلا يصار إلى الحمل على الكراهة الشديدة؛ لأن البطلان ليس له مراتب حتى نحمله على بعضها دون البعض الآخر.

وعليه فيبقى جمعنا الذي ذكرناه أولاً هو الأولى والأجدر بحسب الصناعة, فيكون مطلق نكاح الكتابية على المسلمة جائزاً مع رضا المسلمة, وغير جائز مع عدم رضاها.

ص: 37


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب46 ح5.
2- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب7 ح4.

تتمة نذكر فيها أُموراً ترتبط بأصل البحث

الأول: شمول الرضا للمقارن للعقد واللاحق له.

يقع الكلام أولاً في ما تقتضيه القاعدة عند الشك في الاختصاص بالرضا المقارن, وعدم الاعتناء بالرضا اللاحق للعقد, وثانياً في ما تدل عليه الأدلة من الاختصاص وعدمه.

أمَّا الأول فالظاهر أن الأدلة اشترطت الرضا من قبل المسلمة بنكاح الكتابية عليها. والقدر المتيقن منه هو الرضا المقارن للعقد, فإذا شككنا في أن الرضا هل يشمل المتأخر عن العقد أم لا فالأصل عدم الشمول.

وقد يقال: إن تصحيح العقد بالرضا المتأخر من المسلمة موافق لمقتضى القاعدة في العقد الفضولي؛ وذلك بأن يقال: إن الصحة هنا من باب صحة العقد الفضولي حيث إن نكاح الكتابية من دون إذن المسلمة كان فاقداً لشرطه, فإذا تحقق الرضا ولو متأخراً فإن العقد سيؤثر أثره ويكون نافذاً, كما كانت الإجازة المتأخرة عن العقد مصححة للعقد الفضولي السابق عليها.

وعليه فيكون الالتزام بصحة النكاح مع الرضا المتأخر موافقاً للقاعدة في العقد الفضولي.

وجوابه: إن محل الكلام يختلف عن موارد العقد الفضولي، حيث إن الإجازة - في جميع موارد العقد الفضولي- لو حصلت فإنها توجب استناد العقد إلى نفس المجيز, فيكون العقد قد صدر من أهله، وأمّا في محل الكلام فإن إجازة المسلمة لو تحققت فهي لا توجب استناد العقد إليها, بل تصحح عقداً صدر من غيرها فلا يكون التصحيح هنا على مقتضى القاعدة في الفضولي أيضاً، وعليه فلابد من وجود ما يدل على الاكتفاء بالرضا المتأخر, وإلاّ فلا يمكن الالتزام بكونه مصححاً للعقد السابق.

ص: 38

وأمَّا الثاني فالصحيح بلحاظ الأدلة أن رضا المسلمة مصحح للعقد, سواء أكان مقارناً له أم لاحقاً، وذلك لنفس أدلة اشتراط الرضا من قبل المسلمة في صحة نكاح الكتابية عليها، ويظهر ذلك من صحيحة هشام بن سالم(1)

المتقدمة حيث أن الظاهر من الرضا فيها - كما تقدم- هو المتأخر. وقد تُذكر على ذلك قرائن موجودة في نفس الرواية وهي:

1- قوله (علیه السلام): (فإن رضيت) فإن مقتضى التفريع ب-(الفاء) أن تكون الحالة السابقة عليها هي حالة عدم الرضا.

وفيه: أنه يُحتمل أن تكون حالة عدم الرضا سابقة للعقد, والرضا المذكور في الرواية هو المقارن, وعليه فلا تصلح هذه القرينة بمفردها لإثبات تأخر الرضا.

2- قوله (علیه السلام): (ضرب ثمن الحد) ولا يتصور أن تكون قد رضيت بالعقد, ومع ذلك يستحق الضرب، فيكون التعزير موجباً لظهور الرواية في أن الرضا الوارد فيها هو ما بعد العقد.

3- قوله (علیه السلام): (ولم يفرّق بينهما) وهو ظاهر في إمضاء نفس النكاح السابق لا تجديد نكاح آخر.

ويرد عليه عدم كونها قرينة مستقلة, إذ لا يفهم منه إلا الحكم بالصحة في حالة الرضا, فالعمدة القرينة الثانية.

ويؤيد هذه الصحيحة رواية منصور بن حازم(2)

وهي أصرح في تأخر الرضا عن العقد, حيث إن قول السائل فيها: (سألته عن رجل تزوّج ذميّة على مسلمة ولم يستأمرها) ظاهر في عدم تحقق الرضا المقارن للعقد.

وكذلك قوله: قلت: فإن رضيت المرأة الحرّة بفعله بعدما كان فعل. ظاهر في تحقق الرضا بعد العقد.

ص: 39


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب7 ح4.
2- الوسائل: أبواب حدّ الرضا ب49 ح1.

وعليه فتكون صحيحة هشام مع رواية منصور المؤيدة لها دالة على كفاية الرضا المتأخر في تصحيح العقد, وبها نخرج عن مقتضى القاعدة الذي ذكرناه أولاً.

الثاني: إنَّ اشتراط رضا المسلمة من قبيل الحكم لا الحق

ورد في كثير من الكلمات التعبير عن بعض التشريعات بالأحكام, وعن بعضها الآخر بالحقوق, ومقتضى ذلك أن هناك تقابلاً بين الحكم والحق, فمعنى أحدهما يباين معنى الآخر ولا ينطبقان على شيء واحد، إلا أن الصحيح أن الحق أيضاً حكم شرعي جعل من قبل الشارع كأي حكم آخر في الشريعة, وعليه فلا يكون الحق مقابلاً للحكم, بل هو أحد أفراده.

لكن باعتبار أن الحكم الشرعي على قسمين:

الأول: ما يكون أمره بيد الشارع المقدس مطلقاً, بحيث لا يكون لأحد رفعه ولا إسقاطه.

الثاني: ما يكون أمره بيد المكلف من حيث الإبقاء والإسقاط.

فمن أجل تعيين أحدهما وتمييزه عن الآخر عبّر في كلماتهم عن الأوّل بالحكم, وعن الثاني بالحق. فهل محل كلامنا من قبيل الأول أو الثاني، والثمرة واضحة:

لأنه بناءً على كونه من القسم الأول (الحكم) بحسب الاصطلاح فإنه لا يقبل الإسقاط, حتى لو اشترط على المسلمة في عقد لازم أن تسقط اعتبار رضاها في تصحيح العقد.

وأما بناءً على كونه من القسم الثاني (الحق) بحسب الاصطلاح فإنه سيقبل الإسقاط, فإذا أسقطت المسلمة اعتبار رضاها في تصحيح العقد, فإن العقد على الكتابية سيكون صحيحاً حتى مع عدم رضاها.

ص: 40

ولأجل معرفة أن اعتبار رضا المسلمة هل هو (حكم) أو (حق) لها لابد من مراجعة الأدلة التي دلّت على اعتبار رضاها, حتى نرى أنها تدل على أي منهما، وبعبارة أخرى هل يستفاد من الأدلة أن لها إسقاط اعتبار رضاها, أو ليس لها ذلك.

وقبل الدخول في ما تدل عليه الأدلة، ما هو مقتضى القاعدة في حالات الشك, وتعذّر تعيين ذلك من الأدلة؟

يبدو أن الأصل في الأحكام هو أن يكون رفعها وإسقاطها بيد الشارع, كما هو الحال في أغلب الأحكام الشرعية، وخروج بعض الأحكام عن هذا الأصل, وثبوت كون رفعها وإسقاطها بيد المكلف إنما هو لقرائن خاصة موجودة في أدلتها.

وبعبارة أخرى: عندما يأتي دليل يدل على حكم من الأحكام فإن الأصل فيه كونه من قبيل الحكم لا من قبيل الحق؛ لأن كونه حقاً يحتاج إلى مؤنة وقرينة ودليل، وحينئذٍ إذا لم نعثر في الأدلة على قرينة تدل على كونه من قبيل الحق فلا يكون الدليل مجملاً، بل يحمل على كونه حكماً. وإذا فرضنا في محل كلامنا عدم القرينة على كونه حقاً, فهذا يعني أن اعتبار رضا المسلمة يكون بحسب مقتضى القاعدة والأصل من قبيل الحكم.

ولكن قد يكون في الروايات قرينة على كونه حقاً, فنرفع اليد عن مقتضى القاعدة المذكور, فلابد أن نلاحظ الأدلة الخاصة فنقول:

الظاهر أن الروايات الخاصة في محل الكلام تدل على أمرين:

الأول: صحة العقد على الكتابية مع رضا المسلمة، وتدل على ذلك الروايات المفصلة في الطائفة الثالثة المتقدمة.

الثاني: بطلان العقد على الكتابية مع عدم رضا المسلمة ولو لاحقاً، وهذا ما تدل عليه الروايات المانعة من نكاح الكتابية على المسلمة التي خرج منها

ص: 41

حالات رضا المسلمة بالنكاح, وبقي الباقي على المنع والبطلان وهي روايات الطائفة الأولى المتقدمة.

وبما أن الحكم لا يقبل الإسقاط, والحق يقبل الإسقاط فلابد من تحقيق معنى الإسقاط. والظاهر أنه ليس بمعنى أن تشترط على نفسها أن ترضى بالعقد إذا أراد أن يوقعه, وأن لا تمانع من إنفاذه, فإن هذا ليس إسقاطاً لاعتبار رضاها في تصحيح العقد, بل إبقاءً له, غايته أن هذا الاشتراط –إذا كان في عقد لازم- يلزمها بالرضا في وقته, وتحقيق شرط صحة النكاح؛ لأن النكاح من دون رضاها يكون باطلاً، فإذا كان الإسقاط بهذا المعنى, فهذا خارج عن محل كلامنا كما هو واضح.

بل إن معنى الإسقاط أن تسقط اعتبار رضاها في صحة العقد, فلا يكون لرضاها أو عدمه أثر في تصحيح العقد أو إبطاله.

وحينئذٍ نقول: إنَّ اعتبار الرضا في المقام ليس من باب اعتبار رضا المالك لعين من الأعيان, أو لفعل من الأفعال في جواز التصرّف فيه, لأنه يتوقف على أن نفهم من الدليل ملكها لعين أو فعل, ولا دليل عليه, بل الظاهر أنه حكم بتوقف صحة العقد على رضا المسلمة بنكاح الكتابية, ومقتضى إطلاق الدليل هو ثبوت التوقف على الرضا حتى بعد الإسقاط, وهذا يعني أنه ليس حقاً بل حكم.

وقد يقال: إنَّ توقف صحة العقد على الرضا في المقام ونحوه هو اعتبار شرعي, تمام ملاكه الاحترام ورعاية جانب من اعتبر رضاه.

ولكونه كذلك كان من أهم خصوصياته المقوّمة له قبوله الإسقاط من قبله؛ لأن الشارع إنما اعتبره لأجله, فإذا تنازل عنه كان له ذلك, وحينئذ لا يحكم الشارع به, ولا يصر على إبقائه, فالتوقف يسقط شرعاً إذا أسقطه من اعتبر رضاه.

ص: 42

وعليه فالنكاح في المقام لا يعتبر فيه رضاها بعد الإسقاط له, ويصح حتى إذا لم ترضَ به.

وفيه: إن كون ملاك الحكم في المقام هو ما ذُكر غير واضح؛ لأن الخصوصية قد تكون للإسلام لا للمسلمة, وحينئذ ليس لها أن تُسقط اعتبار رضاها, وتظل صحة العقد متوقفةً على رضاها.

فيبقى إطلاق الدليل على حاله, وعليه فيكون اعتبار رضا المسلمة في صحة العقد على الكتابية من قبيل الحكم لا الحق.

ومن الواضح إن هذا الاستدلال يبتني على أن الإسقاط لا يلازم الرضا كما هو كذلك, فإن إسقاط اعتبار رضاها لا يعني تحقق الرضا الذي اعتبرته الروايات كمصحح للعقد وهو الرضا الفعلي بالعقد، لأنها قد تسقط اعتبار رضاها, لكنها لا ترضى بالعقد في وقته.

الثالث: للمسلمة أن تمضي عقد الكتابية وأن لا تمضيه, وليس لها فسخ عقد نفسها.

لو بادر إلى تزوج الكتابية بدون استئذان المسلمة كان للمسلمة أن تصحح هذا التزويج برضاها به, ولها أن لا تصححه فلا ترضى، وهذا التخيير قد دلّت عليه أدلة اعتبار رضا المسلمة في صحة نكاح الكتابية عليها ومنها صحيحة هشام ابن سالم المتقدمة(1):

(في رجل تزوّج ذمية على مسلمة قال: يفرق بينهما...) وهو ظاهر في عدم صحة النكاح بقرينة التفريق بينهما وحيث إن الرواية صححت النكاح الذي يلحقه الرضا بقوله (علیه السلام): (فإن رضيت المسلمة ضرب ثمن الحدّ ولم يفرق بينهما) فلابد أن يكون المراد بالنكاح الذي حكم فيه بالتفريق (الباطل) هو الفاقد للرضا سابقاً ولاحقاً.

إذاً فالرواية تدل على أن رضا المسلمة مطلقاً مصحح للعقد، وعدم الرضا

ص: 43


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالكفر ونحوه ب7 ح4.

مطلقاً يوجب بطلان ذلك العقد، وعليه فالصحة والبطلان تدور مدار الرضا وعدمه. وحيث إن الرضا هو فعل المسلمة وتابع لاختيارها, وليست ملزمة بأن ترضى ولها أن لا ترضى، كانت بالخيار في تصحيح عقد الكتابية برضاها, أو عدم تصحيحه بعدم رضاها به.

وبعبارة أخرى: إن مقتضى تعليق الحكم بالبطلان والصحة على رضاها وعدمه هو ثبوت الخيار لها بين إمضاء عقد الكتابية, وبين عدم إمضائه, فيقع باطلاً.

هذا هو ما يستفاد من هذه الصحيحة, وكذلك من رواية منصور بن حازم(1)

المؤيدة لها.

ولكن هل يمكن أن يقال: إن المسلمة لها بالإضافة إلى ذلك أن تفسخ عقد نفسها, بمعنى أنها بالخيار بين عدم إمضاء عقد الكتابية فيبطل, وبين فسخ عقد نفسها.

وهذا القول موجود في مسألة نكاح الأمة على الحرّة, ونكاح بنت الأخ على العمة أو الخالة. والقائل به هناك الشيخان وأتباعهما(2).

وقد نقل عن الشيخ المفيد أن المسلمة التي تتزوج عليها الكتابية حكمها حكم الحرّة التي تتزوج عليها الأَمة، وبما أنه يقول في الحرّة بأن لها أن تفسخ عقد نفسها أيضاً, فهذا يعني أن الشيخ المفيد (رحمة الله) يرى أن المسلمة بالخيار في أن تفسخ عقد نفسها, أو أن لا ترضى بعقد الكتابية فيبطل, وليس لها كلٌّ منهما. ولأجل أن نعرف أن المسلمة هل لها أن تفسخ عقد نفسها أو لا؟ لابد من مراجعة أدلة اعتبار إذنها في نكاح الكتابية عليها، وما ذكر من الأدلة هناك هو صحيحة هشام, ورواية منصور بن حازم وليس فيهما أن المسلمة لها أن تفسخ

ص: 44


1- الوسائل: أبواب حدّ الزنا ب49 ح1.
2- ذكر ذلك صاحب الجواهر، الجواهر 29/361 و411.

عقد نفسها, بل هي دالة على اعتبار رضاها في تصحيح العقد الذي وقع على الكتابية. فإن رضيت صح العقد وإلا فلا كما تقدم.

وعليه فلا يمكن أن تكون هذه الروايات هي مستند ما نسب إلى الشيخ المفيد (رحمة الله) .

نعم بناء على تمامية تنزيل الكتابية منزلة الأمة يمكن أن يستدل على أن للمسلمة فسخ عقد نفسها, بما دلّ على أن الحرّة لها ذلك إذا تزوج عليها أمة. وهي رواية واحدة رواها الشيخ بإسناده عن الحسن بن محبوب, عن يحيى اللحام, عن سماعة, عن أبي عبد الله (علیه السلام): عن رجل تزوّج أمة على حرّة فقال: إن شاءت الحرّة أن تقيم مع الأمة أقامت, وإن شاءت ذهبت إلى أهلها، قلت: فإن لم ترضَ بذلك وذهبت إلى أهلها, أَلَهُ عليها سبيل إذا لم ترض بالمقام؟ قال: لا سبيل له عليها إذا لم ترضَ حين تعلم. قلت: فذهابها إلى أهلها طلاقها؟ قال: نعم، إذا خرجت من منزله اعتدت ثلاثة أشهر و ثلاثة قروء ثم تتزوج إن شاءت(1).

والظاهر تمامية سند الرواية لأن الشيخ يرويها عن الحسن بن محبوب وأحد طرقه إليه في المشيخة هو: الشيخ المفيد, عن جعفر بن محمد بن قولويه, عن الشيخ الكليني, عن علي بن إبراهيم, عن أبيه, عن الحسن بن محبوب. ويحيى اللحام منصوص على وثاقته، فالرواية معتبرة سنداً فيمكن الاعتماد عليها.

ودلالتها واضحة في تخيير الحرَّة بين أن تبقى مع الأمة, أو أن تفسخ عقد نفسها. ولو بقينا نحن وهذه الرواية بهذا الشكل لأمكن الالتزام بأن للمسلمة الحرَّة أن تفسخ عقدها بعد تسليم تمامية التنزيل المذكور.

إلا أن هذه الرواية مروية في الكافي بنفس السند من الحسن بن محبوب إلى سماعة, وبنفس العبارات إلا في البعض. وهو في رجل تزوّج امرأة حرّة وله

ص: 45


1- الوسائل: أبواب ما يحرم بالمصاهرة ب47 ح3.

امرأة أمة ولم تعلم الحرّة أن له امرأة أمة قال: إن شاءت الحرّة... الحديث.

وتطابق الروايتين في الرواة من الحسن بن محبوب إلى سماعة, وكذلك تطابق الألفاظ بشكل كبير يجعلنا نستبعد كونهما روايتين, بل هما رواية واحدة خصوصاً وأن الشيخ يرويها بحسب الظاهر عن كتاب ابن محبوب؛ لأنه بدأ به سند الرواية. وقد ذكرنا أن طريقه إلى هذا الكتاب يمر بالشيخ الكليني, وإذا استبعدنا تعدد الرواية يقع الكلام في أن أي النسختين أصح إذ لا يمكن صحتهما معاً كما هو واضح، فإن قلنا بترجيح ما يرويه الشيخ الكليني (رحمة الله) على ما يرويه الشيخ (رحمة الله) لكون الأول أضبط تكون الرواية خارجة عن محل الكلام, وإلاّ فإن الرواية تكون مجملة لأننا لا ندري أن موضوع كلام الإمام (علیه السلام) هل هو عقد الحرّة المتأخر عن عقد الأمة, أو بالعكس. وحينئذٍ لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية, وعليه فلا يبقى ما يمكن أن يستدل به على أن للحرة أن تفسخ عقد نفسها, خصوصاً وأن عقدها محكوم باللزوم, وزوال هذا اللزوم يحتاج إلى دليل وهو مفقود.

والنتيجة أن المسلمة لها الخيار في إمضاء عقد الكتابية أو إبطاله فقط.

ص: 46

وهناك مسائل تلحق بهذه المسألة نذكرها بالعناوين فقط:

1- إذا أذنت المسلمة عند العقد ولم ترضَ بعد العقد, لم يؤثر عدم الرضا.

2- إذا كانت المسلمة صغيرة أو مجنونة بطل العقد على الكتابية.

3- إذا كانت المسلمة غائبة لم يسقط اعتبار رضاها.

4- إذا ماتت المسلمة قبل أن ترضى بالعقد حكم ببطلانه.

5- هل يتم ما نقل عن السيد الخوئي (قدس سره) من تجويز العقد على الكتابية تمتعاً لوقت قصير كساعة أو ساعتين من دون استئذان المسلمة, مع أنه يَشترط رضا المسلمة في صحة التمتع بالكتابية عليها؟

والحمد لله ربِّ العالمين, والصّلاة والسّلام على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

ص: 47

المصادر

1. الانتصار, السيد المرتضى (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم, 1415 ﻫ.

2. البرهان في تفسير القرآن, السيد هاشم البحراني (رحمهم الله), مؤسسة الأعلمي.

3. التهذيب, الشيخ الطوسي (قدس سره), دار الكتب الإسلامية, الطبعة الثالثة.

4. جواهر الكلام, الشيخ حسن النجفي (قدس سره), مؤسسة التأريخ العربي, الطبعة السادسة.

5. الحدائق الناضرة, المحدّث البحراني (رحمهم الله), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم, الطبعة الأُولى.

6. رجال الطوسي, الشيخ الطوسي (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم, الطبعة الأولى.

7. رجال النجاشي, الشيخ النجاشي (رحمهم الله), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم, الطبعة الخامسة.

8. رياض المسائل, السيد علي الطباطبائي (قدس سره), مؤسسة آل البيت لإحياء التراث, قم المشرَّفة, الطبعة الأُولى.

9. السرائر, ابن إدريس الحلي (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم, الطبعة الثانية.

10. فقه الرضا, مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث, قم المشرَّفة, الطبعة الأولى.

11. فقه الصادق, السيد محمد صادق الروحاني

(دام ظله العالی), الغدير للطباعة والتوزيع, الطبعة الرابعة.

12. القرآن الكريم

13. الكافي, الشيخ الكليني (رحمهم الله), دار الكتب الإسلامية, الطبعة الخامسة.

ص: 48

14. مختلف الشيعة, العلامة الحلي (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم, الطبعة الثانية.

15. مستمسك العروة الوثقى, السيد محسن الحكيم

(قدس سره), مؤسسة دار التفسير, الطبعة الأُولى.

16. معجم رجال الحديث, السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره), مطبعة الآداب – النجف الأشرف, الطبعة الأولى.

17. المقنع, الشيخ الصدوق (رحمهم الله), مؤسسة الإمام الهادي, 1415 ﻫ.

18. المقنعة, الشيخ المفيد (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم, الطبعة الثالثة.

19. منهاج الصالحين, السيد أبو القاسم الخوئي

(قدس سره), نشر مدينة العلم, الطبعة الثامنة والعشرون.

20. موسوعة الإمام الخوئي (المباني) السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره), مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدس سره), الطبعة الأولى.

21. الميزان في تفسير القرآن, السيد محمد حسين الطباطبائي (قدس سره), مؤسسة الأعلمي.

22. وسائل الشيعة, الحر العاملي (رحمهم الله), مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث, قم المشرَّفة, الطبعة الثالثة.

ص: 49

ص: 50

قتل العمد بين الفقه الإسلامي وقانون العقوبات العراقي(الحلقة الثالثة) - الشيخ يحيى السعداوي دام عزه

اشارة

دراسة مقارنة بين المذاهب الفقهية الإسلامية وقانون العقوبات العراقي الخاص.

يمكن أن تُعرّفنا بالتشريع الجنائي الإسلامي ومدى مواكبته المستحدثات ووقائع العصر, وتبيّن مدى ارتكاز قانون العقوبات العراقي عليه أو مفارقته بالكامل.

كما ويتضح من خلالها إنْ كان قانون العقوبات العراقي قد جعل التشريع الجنائي الإسلامي مصدراً أساسياً في تشريعاته, ليكون مطابقاً لما نص عليه الدستور العراقي الجديد في م/2 أم لا؟

ص: 51

ص: 52

المبحث الثالث

أولا ً: مصاديق القتل العمد وتطبيقاته في قانون العقوبات العراقي

بعد ذكر التعريف والأركان، وشرح النصوص نريد هنا تطبيقها على ما ذكر من وسائل للقتل العمد وعلى النحو الآتي:

1-القتل بالمحدد: تقدم أنه كل آلة محددة جارحة، أو طاعنة لها مؤر في البدن أي تفرق أجزاء الجسم, ولا يشترط أن يكون المحدد من مادة معينة؛ فيصح كونه من الحديد، أو النحاس، أو الرصاص، أو الذهب، أو الفضة، أو الزجاج، أو الخشب، أو القصب، أو العظم، أو غير ذلك.

وأمثلته: السكين والرمح والبندقية والسهم والقنبلة والسيف ونحوها.

وهذه الآلات بطبيعتها قاتلة غالباً بل بعضها معد للقتل. وعلمنا سابقاً أن القانون العراقي لم يبين نوع الفعل، ولم يحدد صفاته. فهو فعل غير محدد لا بطبيعته، ولا بوسيلته؛ ولذا ذهب الشرّاح إلى أن القتل - سواء أحصل بوسيلة قاتلة بطبيعتها- كالمحدد من السلاح الناري أم الآلة القاطعة, أم غير القاتلة بطبيعتها, بل يذكر بعض الشرّاح أن هذا الأمر لا تأثير له على قيام الجريمة.

ويقول: (إن الوسيلة القاتلة بطبيعتها تكون في الغالب الدليل الأول في إثبات قصد القتل)(1).

فالمحدد الذي هو قاتل بطبيعته دليل أول على قصد القتل؛ فالقصد الجنائي أمر داخلي, وهو من اختصاص وسلطة قاضي الموضوع يستنبطها من ظروف كل قضية. ومن ضمن استدلالاته الوسيلة المستعملة. فالمحدد الذي هو قاتل

ص: 53


1- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/19.

بطبيعته يمكن أن يستدل به على نية الجاني سواء أقصد القتل أم لم يقصد, فإذا توفرت الأركان الأخرى فهو قتل عمد.

فاستعمال المحدد يكون من القتل العمد.

2- القتل بالمثقل: وهو ما ليس له حد كالعصي والحجر، وهذه الوسائل غير قاتلة بطبيعتها، ولكن بظروف معينة وهي مثلاً: الاستمرار بالضرب وتكراره يمكن استظهار نية الجاني, ويمكن كون استعمال المثقل قتلاً عمداً, ولكن بتوفر أركانه وأهمها قصد القتل.

ويذكر بعض الشرّاح ذلك بقوله: (وقد يتخذ الجاني وسيلة غير قاتلة بطبيعتها, ولكنها تؤدي إلى الموت بحسب استعمالها كالضرب بعصا أو الضرب على الوجه وبالحصى الصغيرة)(1).

ويقول آخر: (في حين أن الوسيلة غير القاتلة بطبيعتها قد تكون الدليل الأول في نفي هذا القصد)(2).

وعليه فيكون القتل بالمثقل مع توفر الأركان قتلاً عمداً ولو كان حصاة صغيرة.

يقول بعض الشرّاح: (فإن الضرب في عصا أو غيرها في مكان قاتل وكان قاصداً للقتل فيتحقق العمد)(3).

3- الإلقاء في مهلكة: كأن يجمع بينه وبين أسد، أو ينهشه كلب، أو سبع، أو حية، أو يلسعه عقرب.

الإلقاء في المهلكة وسيلة من الوسائل القاتلة بطبيعتها في الغالب. فإذا تحقق قصد إزهاق الروح, وأمكن إثبات علاقة السببية بين هذا الفعل والوفاة, فنحن

ص: 54


1- قانون العقوبات القسم الخاص: 93.
2- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/19.
3- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/19.

أمام جريمة قتل عمد، حيث يقول بعض الشرّاح: (ووسائل القتل متعددة منها ما يكون قاتلاً بطبيعته.. أو الإلقاء من على شاهق أو الإلقاء في الماء..)(1).

وعليه يكفي لتحقق القتل العمد أن الوفاة حصلت بسبب هذا الفعل والقصد الجنائي، وكون هذا الفعل هو السبب المباشر للقتل، وهذه الأفعال وهي الإلقاء في مهلكة أو في مسبعة, فإذا قام الدليل المقنع على توافر قصد القتل لديه, فهو عمد، بل إذا مات المجني عليه نتيجة لخوفه من هذه الأمور فهو عمد فسببها أولى؛ ولذا يقول بعض الشرّاح: (بل قد تكون وسيلة القتل غير مادية بل معنوية صرفة.. وكلها أمور تكفي لقيام الجريمة على أرجح الآراء متى ثبت قصد القتل، ورابطة السببية بين الفعل والموت)(2).

4- الإحراق والإغراق: أي الإلقاء في الماء سواء أكان نهراً أم بحراً أم غيرهما، وسواء أكانت هذه النار كبيرة أم صغيرة.

وقانون العقوبات بحسب ما جاء في بعض الشروح يعتبر الإحراق والإغراق من الأمور القاتلة بطبيعتها ولذا يقول: (منها ما يكون قاتلاً بطبيعته.. أو الحرق.. أو الإلقاء في الماء..)(3).

ويقول آخر: (فقد يحصل بوسيلة قاتلة بطبيعتها.. أو الإلقاء في اليم..)(4).

فتعد الدليل الأول في إثبات قصد القتل, ولا فرق في جميع صوره ما دام قصد القتل متوفراً واستندت الوفاة إليه.

5- الخنق: المقصود به منع خروج النَفَس بأي وسيلة سواء أشنق الجاني المجني عليه بحبل، أو خنقه بيده، أو بحبل، أو غمَّه بوسادة، أو بأي شيء وضعه

ص: 55


1- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/18.
2- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/18.
3- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/18.
4- قانون العقوبات القسم الخاص: 93.

على فيه وأنفه.

فشراح القانون يعدون الخنق من الوسائل القاتلة بطبيعتها، فيعد الدليل الأول على القتل العمد ويتحقق به. فهو فعل مادي أدى إلى الوفاة وقصد القتل متوفر, فهو قتل عمد. نعم إذا لم يستند القتل إلى الخنق كما إذا تخلله زمن ومات بسبب آخر, فهو ليس بعمد. هذا ظاهر من اشتراط السببية بين الفعل والوفاة, حيث يقول بعض الشرّاح: (منها ما يكون قاتلاً بطبيعته.. أو الخنق)(1).

6- الحبس ومنع الطعام والشراب: م/ 34 تكون الجريمة عمدية إذا توافر القصد الجرمي لدى فاعلها.وتعد الجريمة عمدية كذلك:

أ- إذا فرض القانون أو الاتفاق واجباً على شخص، وامتنع عن أدائه قاصداً إحداث الجريمة التي نشأت مباشرة عن هذا الامتناع(2).

وبعض الشرّاح يقول (فالسجان الذي يمتنع عن تقديم الطعام إلى السجين بقصد قتله فيموت جوعاً يعتبر قاتلاً)(3), والسجان هو الشخص المشرف على السجن سواء أكان هذا السجن من قبل الحكومة أم من له سلطة شرعية أم غير شرعية, فيعد قتلاً عمداً باعتبار أن الذي يحبس شخصاً يكون مسؤولاً عن طعامه وشرابه. وهذه المسؤولية تجعله سبباً لحصول الوفاة، فإذا توفر القصد الجنائي وعلاقة السببية فنحن أمام جريمة قتل عمد.

ومن هذا القبيل الأم(4), التي تمتنع عن إطعام وليدها التي تقصد قتله.

ص: 56


1- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/18.
2- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 14.
3- قانون العقوبات القسم الخاص: 93.
4- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/19.

7- التسميم: خصص المشرع العراقي فقرة خاصة باستعمال المادة السامة حيث قال (م/406):

يعاقب بالإعدام من قتل نفساً عمداً في إحدى الحالات التالية:

.. إذا حصل القتل باستعمال مادة سامة..(1).

وقد تقدم شرح هذه الفقرة وقلنا إن المادة السامة هي التي تسبب الموت عاجلاً أو آجلاً.

وقد تكون هذه المادة سامة بطبيعتها. وعندئذ يستوي أن تكون من السموم الحيوانية، أو العضوية، أو المعدنية إذا كان من شأنها إحداث الموت.

وما لا يكون سماً بطبيعتها ولكنها بظروف معينة تسبب التسمم, وتعيين ما يعد سماً وما لا يعد سماً أمر علمي يحدده أهل الفن طبقاً لسلطة محكمة الموضوع(2),

في التقدير, فلا يشترط لتوافر الظرف المشدد أن تكون المادة المعطاة سماً بطبيعته، إذ العبرة فيما يترتب على إعطاء المادة في ظروف معينة لا بالطبيعة السامة(3),

وحينئذ يثبت بأن المادة غير السامة أدت إلى التسمم، ثم الوفاة. ولا يكفي لتوافر الطرق المشددة أن تكون المواد قاتلة بغير طريق التسمم؛ لأن المادة ذكرت مادة سامة.

ويميز القانون بين مباشرة دس السم وبين التسبيب؛ ولذا يعدُ قاتلاً بالسم إذا وضعه لشخص معين وقدمه إليه، أما إذا أعطى لثالث أي لشخص آخر فلا مسؤولية جنائية عليه. وإن كان هو المسبب، ولكن لو وضع الطعام أو الشراب المسموم تحت تصرف شخص معين فتناوله آخر ومات بسببه فيعد قاتلاً بالسم.

ولا يعد قاتلاً بالسم إلا بعد تحضيره وجعله تحت تصرف المجني عليه

ص: 57


1- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 14.
2- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/37.
3- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/37.

أو بتقديمه إليه.

ومن هنا نلاحظ أن اعتبار تقديم السم، أو خلطه بالطعام والشراب، وتقديمه يعدها القانون قتلاً عمداً بظرف مشدد يوجب الإعدام.

والنص القانوني لا يميز بين العالم به, والجاهل، ولا بين المميز وغير المميز، ولا الأعجمي وغيره, فيشمل الجميع بإطلاقه سواء أكرهه أم لا.

لأن القانون ينظر إليه كونه أقدم على جريمة خطرة حقق أركانها وبغض النظر عن وفاة المقصود أو غيره, وعلة تشديد العقوبة في حالة ارتكاب جريمة القتل باستعمال مادة سامة هي أن استخدام السم وسيلة غادرة لا يتاح للمجني عليه أن يفطن إليها، كما أنها لا تأتي عادة إلا لأشخاص يطمئن إليهم المجني عليه بحكم صلتهم به. وقد يقترن التسميم عادة بسبق الإصرار وقد يقع بدونه.

8- القتل بوسيلة معنوية: ظاهر النص القانوني الذي لم يبين نوع الفعل، ولم يحدد صفاته أنه فعل غير محدد لا بطبيعته ولا بوسيلته(1)؛

ولذا توسع الشرّاح في صدق الركن الأول من القتل العمد, فلا يشترطون أن تكون الوسيلة مادية، يقول أحدهم: (ولا يشترط أن يتم القتل بفعل مادي ووسيلة مادية، بل يمكن أن يتم بفعل معنوي إذ ليس في القانون ما يمنع اعتبار الأساليب النفسية من وسائل القتل، فمن يثابر على تنغيص زوجته وأثقالها بالهموم والأحزان لقتلها، يمكن تطبيق عقوبة القتل العمد عليه، ومن يلقي بنبإٍ مؤلم إلى شخص مريض بالقلب، أو ضعيف الأعصاب بقصد قتله فيموت يمكن تطبيق عقوبة القتل العمد عليه، وكذلك من يضع طفلاً صغيراً في حالة ذعر شديد قاصداً قتله بذلك، أو من يطلق عيارات نارية على عدوه بقصد قتله فلا يصيبه ومع ذلك يموت المجني عليه من شدة الفزع، أو يموت شخص ثالث تحت تأثير الفزع فالجناة في هذه الصور المتقدمة يمكن معاقبتهم على القتل العمد، إذا توافرت العلاقة

ص: 58


1- قانون العقوبات القسم الخاص: 92.

السببية بين الفعل والنتيجة (الوفاة) وكان القصد الجنائي ثابتاً)(1).

ويقول آخر: (قد تكون وسيلة القتل غير مادية، بل معنوية صرفة، كاختلاق نبإٍ مؤلم بغتة على شيخ مريض بقصد قتله، أو مثل وضع طفل صغير في حالة ذعر للقضاء عليه. وكلها أمور تكفي لقيام الجريمة على أرجح الآراء متى ثبت قصد القتل، ورابطة السببية بين الفعل والموت)(2).

9- القتل بسبب شرعي: أي عندما يشهد شخص أمام القاضي على أن فلاناً مرتد، أو زنا بالمحصنة فالشريعة توجب قتلهما، فيقتلان بسبب شرعي، أما في القانون فلا يحكم بقتلهما, ولكن لو شهد الشهود على جريمة عمد بسبق الإصرار وحكم على الجاني بالقتل، ثم بعد تنفيذ الحكم اتضح كذب الشهود فهل هؤلاء الشهود يعتبرون قاتلين عمداً أم لا؟

ج- في المادة 252:

من شهد زوراً في جريمة لمتهم أو عليه يعاقب بالحبس والغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين.

فإذا ترتب على الشهادة الحكم على المتهم عوقب الشاهد بالعقوبة المقررة للجريمة التي أدين المتهم بها(3) وظاهر النص أن شاهد الزور يعاقب بنفس العقوبة التي سببها فإذا كانت شهادته سببت الإعدام، فيحكم بالإعدام وإذا سببت السجن المؤبد فيحكم بالسجن المؤبد وهكذا.

ونحن هنا بصدد الشاهد الذي سبب الإعدام فهل يعد قتلاً عمداً أم لا؟ الجواب نعم يعد قتلاً عمداً، أو يحكم بالإعدام بحسب ظاهر النص.

ص: 59


1- قانون العقوبات القسم الخاص: 94.
2- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/18.
3- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 91.

وهنا سؤال آخر وهو أنه هل الحاكم الذي يحكم بالإعدام على متهم وهو يعلم براءته يعد قاتلاً عمداً أم لا؟

ج- نصت المادة 234:

(يعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل حاكم أو قاض أصدر حكماً ثبت أنه غير حق وكان ذلك نتيجة التوسط لديه)(1).

فالحاكم لا يحكم بنفس الحكم الذي أصدره. فلو حكم بالإعدام لا يحكم بالإعدام وإنما بالحبس الذي هو أقل من خمس سنوات أو الغرامة أو بهما.

أي لا يعد قتلاً عمداً، أو يعد قتلاً عمداً لكن لكونه قاضياً يعتبرونه ظرفاً مخففا والظاهر أن المشرّع لم يعتبرها قتلاً عمداً وإنما اعتبرها من الجرائم المخلة بسير العدالة، ولها مساس بسير القضاء فحدد لها عقوبة غير عقوبة القتل العمد.

10- رضا المجني عليه بالقتل: هل إن رضا المجني عليه بالقتل يجعل الجريمة مباحة أم لا؟

ج- يرتكز الجواب على أن الرضا ركن في إباحة تلك الجريمة أم لا؟

(تارة) يكون الرضا ركناً في إباحة الجريمة كالسرقة. فالرضا بالسرقة يجعل السرقة مباحة، فإذا رضي المجني عليه بأخذ أمواله. فحينئذ يكون أخذ أمواله مباحاً فلا تكون سرقة أصلاً ولا يعاقب عليها القانون.

(وتارة) لا يكون الرضا ركناً في إباحة الجريمة كالقتل وإنما يكون ركناً في العفو عن العقوبة.

فالقتل والضرب ليس الرضا ركناً فيهما. فلا يعتبر القتل برضا المجني عليه مباحاً، ولكن له حق العفو عن الجاني هو وولي الدم؛ لأنه يتوقف على رضاهما.

ص: 60


1- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 86.

قال بعض الشرّاح: (على انه يجب التفرقة بين حالة الإشراك في الانتحار، وحالة من يقتل آخر برضائه. فإنه في هذه الحالة الأخيرة وان كان القتل واقعاً برضا المجني عليه، إلا إن القتيل اتخذ موقفاً سلبياً ولم يقارف أي عمل من الأعمال المكونة للجريمة، فلا يعتبر فاعلاً لجناية القتل، وإنما الفاعل الأصلي هو الذي أحدث الموت وهذا هو مقتضى تطبيق قواعد الاشتراك العامة. فإذا تعاون عشيقان مثلاً على الانتحار ومفارقة الحياة معاً وأعدا لذلك سلاحين ناريين اتفقا على إطلاقهما في لحظة واحدة، وأطلق كل منهما النار على صاحبه فمن ينجو منهما جازت محاكمته عن جناية قتل عمد)(1).

11- الاشتراك في القتل:

م / 47(2)

نصت: يعد فاعلاً للجريمة:

1- من ارتكبها وحده أو مع غيره.

2- من ساهم في ارتكابها إذا كانت من جملة أفعال فقام عمداً أثناء ارتكابها بعمل من الأعمال المكونة لها.

3- من دفع بأية وسيلة شخصاً على تنفيذ الفعل المكون للجريمة، إذا كان هذا الشخص غير مسؤول جزائياً عنها لأي سبب.

م/ 48 (3)

يعد شريكاً في الجريمة:

1- من حرض على ارتكابها فوقعت بناء على هذا التحريض.

2- من اتفق مع غيره على ارتكابها فوقعت على هذا الاتفاق.

3- من أعطى الفاعل سلاحاً، أو آلات، أو أي شيء آخر مما استعمل في ارتكاب الجريمة مع علمه بها، أو ساعده عمداً بأي طريقة أخرى في الأعمال

ص: 61


1- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/54.
2- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 78.
3- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969: 18.

المجهزة، أو المسهلة، أو المتممة لارتكابها.

م/ 49 يعد فاعلاً للجريمة كل شريك بحكم المادة / 48 كان حاضراً أثناء ارتكابها، أو ارتكاب أي فعل من الأفعال المكونة لها.

م / 50:

1- كل من ساهم بوصفه فاعلاً أو شريكاً في ارتكاب جريمة يعاقب بالعقوبة المقررة لها، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

هذه المواد القانونية بينت القتل بالاشتراك واعتبرت الشريك: كل من أعان، أو حرض، أو أعطى سلاحاً، أو حضر أثناء ارتكابها، بل يسري ظرف التشديد والتخفيف على الفاعل والشريك كما نصت م / 51: (إذا توافرت في الجريمة ظروف مادية من شأنها تشديد العقوبة، أو تخفيفها سرت آثارها على كل من ساهم في ارتكابها فاعلاً كان، أو شريكاً علم بها أو لم يعلم)(1).

ثانياً: العقوبات المقررة قانوناً للقتل العمد

العقوبة الأصلية للقتل العمد هو السجن المؤبد أو المؤقت حيث نصت المادة 405 على أنه (من قتل عمداً يعاقب بالسجن المؤبد أو المؤقت).

فالعقوبة الأولى هي السجن المؤبد أو المؤقت.

والسجن كما بينته م/ 87: (السجن هو إيداع المحكوم عليه في إحدى المنشآت العقابية المخصصة قانوناً لهذا الغرض، لمدة عشرين سنة إن كان مؤبداً، والمدد المبينة في الحكم إن كان مؤقتاً, ومدة السجن المؤقت أكثر من خمس سنوات إلى خمس عشرة سنة ما لم ينص القانون على خلاف ذلك, ولا يزيد مجموع مدد العقوبات السالبة للحرية على خمس وعشرين سنة في جميع الأحوال، وإذا أطلق القانون لفظ السجن عد ذلك سجناً مؤقتاً، ويكلف

ص: 62


1- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 18.

المحكوم عليه بالسجن المؤبد، أو المؤقت بأداء الأعمال المقررة في قانون المنشآت العقابية)(1).

وعقوبة السجن المؤبد، أو المؤقت إذا لم تكن الجريمة في ظروف مشددة أو مخففة وإلا بحسبها.

العقوبة الثانية: الإعدام.

وهي عقوبة الجرائم في الظروف المشددة التي ذكرتها م/406 والإعدام كما نصت عليه م/86 عقوبة الإعدام هي شنق المحكوم عليه حتى الموت(2).

وقد بينت المادة 406 الظروف المشددة وتم شرحها فيما سبق.

العقوبة الثالثة: الإعدام أو السجن المؤبد.

في أحوال معينة وهي إذا أدى فعله إلى قتل شخصين فأكثر، وإذا مثل بجثة

المجني عليه، أو كان محكوماً بالسجن المؤبد وارتكب جريمة قتل عمدي خلال مدة تنفيذ العقوبة.

والإعدام تقدم توضيحه وكذا السجن المؤبد.

وقد تم شرح هذه الفقرة من م / 406 كما سبق، وأنها تدل على التعدد الصوري الحقيقي، وأما (ج) فان المقصود بها من كان محكوماً واكتسب الحكم الدرجة النهائية ودخل في التنفيذ، وإلا إذا لم يكتسب الحكم الدرجة النهائية فلا يطبق هذا الظرف المشدد عليه.

العقوبة الرابعة: من الظروف المخففة م / 407 (المدة لا تزيد عن عشر سنين أو الحبس مدة لا تقل عن سنة).

تعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنين، أو بالحبس مدة لا تقل عن سنة الأم التي تقتل طفلها حديث العهد بالولادة اتقاء للعار أو كانت قد حملت

ص: 63


1- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 31.
2- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 31.

به سفاحا ً.

وتم شرح هذه المادة، إلا العقوبة وسوف نشرحها الآن إن شاء الله.

أما السجن فقد تقدم، وأما الحبس فهو أما شديد، أو بسيط أما الشديد فهو بمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد عن خمس سنوات.

وأما البسيط لا تقل مدته عن أربع وعشرين ساعة ولا تزيد على سنة واحدة.

والمادة (88) (الحبس الشديد هو إيداع المحكوم عليه في إحدى المنشآت العقابية المخصصة قانوناً لهذا الغرض المدة المقررة في الحكم. وعلى المحكمة إن تحكم بالحبس الشديد كلما كانت مدة الحبس المحكوم بها أكثر من سنة).

ويكلف المحكوم عليه بالحبس الشديد بأداء الأعمال المقررة قانوناً في المنشآت العقابية.

وكذا الحبس البسيط.

العقوبة الخامسة: السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات. وهذه العقوبة يصدق عليها السجن المؤقت، وقد تم توضيحه.

العقوبة السادسة: الحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وقد تقدم توضيح الحبس وهذه العقوبة داخلة فيه.

هذه عقوبات القتل العمد في القانون العراقي رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته.

والعقوبات هي إما السجن المؤبد، أو المؤقت، أو الإعدام أو الحبس. وهي عقوبات أصلية كما نص عليها القانون في مادته 85 وهي عقوبات القوانين الوضعية.

ص: 64

الفصل الثالث: المقارنة بين القتل العمد في المذاهب الفقهية، وقانون العقوبات العراقي

اشارة

بعدما تقدَّم في الفصلين السابقين من بيان المقصود بالقتل العمد، وما يلحق به من مباحث نستطيع الآن أن نجري المقارنة بين المباحث المتقدمة على النحو التالي:

المبحث الأول: المقارنة بين التقسيمات والتعاريف.

المبحث الثاني: المقارنة بين الأركان والتطبيقات والمصاديق.

المبحث الثالث: المقارنة بين العقوبات.

ص: 65

المبحث الأول

أولا ً: المقارنة بين تقسيمات القتل في المذاهب الفقهية الإسلامية وقانون العقوبات العراقي.

المذاهب الفقهية عندها القتل على ثلاثة أقسام:

العمد، وشبهه، والخطأ, وهذا مشهور أهل العلم سواء عند الامامية أم المذاهب الأخرى.

أما الإمامية فاستدلوا بالكتاب وبروايات عن أئمتهم كما ذكرنا هناك، وأما المذاهب الأخرى: فذكر ابن قدامة أن (القتل على ثلاثة أوجه عمد وشبه العمد وخطأ)(1),

وأكثر أهل العلم يرون القتل منقسماً إلى هذه الأقسام الثلاثة واستدلوا بالكتاب وروايات عن الرسول:.

وأما القانون العراقي فقد قسم القتل إلى ثلاثة: العمد، والضرب المفضي إلى الموت، والخطأ.

فيكون القانون العراقي موافقاً للمذاهب في التقسيم الثلاثي، ولكن الاختلاف في المصطلح، فالمذاهب تطلق عليه شبه العمد، والقانون يطلق عليه الضرب المفضي للموت. فهل المقصود واحد أم مختلف؟ أما المذاهب فيقصدون من شبه العمد ما يلي:

الإمامية(2):

القتل شبه العمد هو أن يكون عامداً في فعله مخطئاً في قصده.

المذهب الحنفي(3): ما تعمدت ضربه بالعصا أو السوط أو الحجر أو اليد أو غير ذلك مما يفضي إلى الموت, فإن في هذا الفعل معنيين:

ص: 66


1- المغني لابن قدامة: 11/281.
2- شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام: 8/272.
3- التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: 2/93 – 94.

أولهما: معنى العمد باعتبار قصد الفاعل إلى الضرب.

وثانيهما: معنى الخطأ باعتبار انعدام قصد الفاعل إلى القتل.

المذهب الشافعي(1): ما كان عمداً في الفعل خطأ في القتل أي كل فعل لم يقصد به القتل تولد عنه القتل.

المذهب الحنبلي(2): قصد الجناية بما لا يقتل غالباً فيقتل.

أما مالك فلا يرى هذا القسم أصلاً كما ذكرنا سابقاً، بل أنكره(3)

مستدلاً بالكتاب.

ويظهر من تعاريف القوم انه ضرب، أو أي فعل مقصود أدى إلى الموت خطأ، لأن الفاعل لم يقصد الموت.

وهذا المعنى أشار إليه المشرع العراقي بقوله: (من اعتدى على آخر بالضرب، أو بالجرح، أو بالعنف، أو بإعطاء مادة ضارة، أو بارتكاب أي فعل آخر مخالفاً للقانون)(4),

فهذا المعنى الأول الذي ذكره القوم بأنه قاصد للفعل. والفعل غير محصور بالضرب كما هي التسمية فلماذا سمي الضرب المفضي إلى الموت؟

ومن هنا يتفق المشرع بكون الفعل مقصوداً، ويتفق أيضاً بأنه لم يقصد القتل حيث يقول (ولم يقصد من ذلك قتله ولكنه أفضى إلى موته)(5),

ومن هنا نعلم إن المقصود بشبه العمد، والضرب المفضي للموت واحد، وهو قصد الفعل وتعمده وخطأ في القتل.

وبهذا يتفق المشرع العراقي مع أغلب المذاهب الإسلامية في تقسيم القتل

ص: 67


1- التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: 2/93 – 94.
2- التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: 2/94.
3- المغني لابن قدامة: 11/282.
4- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 146.
5- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 146.

إلى ثلاثة أقسام, وهي: العمد, وشبهه المفضي إلى الموت, والى الخطأ.

ثانيا ً: المقارنة بين حدود القتل العمد بين المذاهب الفقهية الإسلامية، وقانون العقوبات العراقي.

ذكرنا سابقاً المناقشة بين تعريفي القتل العمد في نظر الامامية والمذاهب الأخرى وخلصنا إلى:

1- اتفقت المذاهب الإسلامية على أن إزهاق الروح وهو خروجها ركن في تعريف القتل العمد.

2- اتفقت المذاهب الإسلامية على أن النفس المزهقة لابد أن تتصف بصفات معينة وهي كونها (معصومة ومكافأة) والمعصومة من حيث اللفظ متفق عليه بين المذاهب إلا إن الخلاف في المقصود منها.

فالامامية عندهم ما لا يجوز إتلافها.

والشافعي وأحمد ومالك أيضاً: هي النفس التي لا يباح إتلافها. وأساسها عندهم الإسلام والأمان.

وأما أبو حنيفة فإن العصمة عنده عصمة الدار ومنعة الإسلام والأمان. والامامية تطلق العصمة لكل مالا يباح دمه، ولكنهم لا يوجبون القصاص على غير المكافئ.

فالمكافأة عندهم شرط ويقصدون به الإسلام والحرية وكذلك المذاهب الأخرى الشافعي ومالك وأحمد، وأما أبو حنيفة فيرى أن المكافأة بالإسلام فقط دون الحرية.

3- قيد الحي الآدمي: وهو متفق عليه وهو أن الحياة تبدأ من بعد تمام الولادة حتى الوفاة.

4- قيد العدوان عند الإمامية ومالك وربما يكون المقصود بغير حق أو الظلم الصراح. وذكرت هناك أن لا حاجة إلى هذا القيد كما بينت.

ص: 68

5- قلت هناك إن تعريف المذاهب الفقهية جميعها ناظر إلى تعريف القتل العمد الموجب للقصاص، وليس تعريفاً لحقيقة القتل العمد، فيكون تعريف المذاهب بقيوده للقصاص لا إلى القتل العمد كجريمة مستقلة يقطع النظر عن عقوبتها.

وان الإمامية عندهم قصد القتل كما عند الشافعي وأحمد، وأن الآلة ما تقتل غالباً، أما أبو حنيفة فعنده أن تكون معدة للقتل، ومالك عنده قصد العدوان سواء أكانت تقتل غالباً أم لا.

والإمامية عندهم استعمال الآلة التي تقتل عادة وان لم يقصد القتل.

وأما القانون فيعرف القتل العمد بأنه (كل إزهاق لروح إنسان تعمداً).

ويلاحَظ:

1- إن هذا التعريف يتفق مع تعريف المذاهب في إخراج النفس بأي فعل مادي، وان حياة الإنسان من بعد تمام الولادة حتى يموت، ويقصد القتل. كل هذا ظاهر من التعريف.

2- يخلو هذا التعريف من قيدي (المعصومة والمكافأة) وعلى هذا فيشمل التعريف قتل المرتد والحربي والذمي والمستأمن والرجل للمرأة والمرأة للرجل وهكذا.

ويمكن أن نقول إن هذا التعريف هو تعريف حقيقة القتل العمد، فيكون اشمل وأوسع مصاديقاً من تعريف المذاهب الفقهية. وهذا الرأي مقارب لرأي أبي حنيفة الذي لا يجعل الإسلام شرطاً في العصمة ولكنه يشترط المكافأة وعنده يقتل المسلم بالذمي وكذلك الذمي بالمسلم إلا المستأمن فلا يقتل به المسلم(1).

3- قيد الحي الآدمي يتوافق مع القانون بلفظ (الإنسان) في التعريف الذي يشمل الطفل بعد تمام الولادة إلى الموت وهذه الفوارق بين التعريفين تسبب

ص: 69


1- المغني لابن قدامة: 11/306.

الاختلاف في مصاديقه. فالمسلم لا يقتل بالذمي عند المذاهب، لكن القانون لا ينظر إلى هذا الأمر وإنما ينظر إلى كون الظروف المحيطة بالجريمة، هل كانت ظروفاً مشددة فيستحق الإعدام أم لا فتكون العقوبة أخف.

وعلى هذا فما ينظر إليه القانون غير ما تنظر إليه المذاهب.

فالمسلم إذا قتل الذمي بظروف غير مشددة لا يعدم.

والمسلم إذا قتل المرتد بظروف مشددة يعدم.

والمرتد إذا قتل المسلم بظروف غير مشددة لا يعدم.

وهكذا تترتب فوارق كثيرة بسبب الاختلاف في صدق التعريف الذي يعتبر الضابطة الكلية التي تدور عليها صدق العمد من عدمه.

والسبب في هذا الفرق الكبير هو أن المشرع العراقي لم يأخذ ولم يجعل الشريعة الإسلامية مصدراً لقانون العقوبات، ولذلك أصبح الفرق شاسعاً بينهما، وربما يكون المشرع العراقي أخذ من الدول المتقدمة كالمشرع الفرنسي، ليواكب التطور الحاصل في الدول المتقدمة، ولتكوين الدولة الحديثة التي تكون حاكمة على مواطنيها بقانون المفروض انه يساوي بينهم ويحكم بالعدل. فلا فرق بين مسلم وغيره ولا بين حر وعبد ما داموا يعيشون على أراضيها وتحت سلطتها وسيطرتها.

ولا يعني هذا أن أحكام الشريعة الإسلامية لا تتلائم مع تطور مفهوم الدولة الحديثة. فكيف والله اختارها كرسالة عالمية لتحكم العالم بما انزل الله إلى يوم القيامة.

إلا إن الذي جعلها بهذا الحال أنها لم تُصغ بصياغة علمية قانونية تتلائم وتطورات العصر. ومن هنا هجرت الشريعة من المسلمين فضلاً عن غيرهم بالإضافة إلى الاستعمار الذي سيطر على كل نواحي الحياة آنذاك، وحارب الشريعة الإسلامية ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

ص: 70

المبحث الثاني

اشارة

أولا ً: المقارنة بين الأركان للقتل العمد بين المذاهب الفقهية، وقانون العقوبات العراقي.

أركان القتل العمد عند المذاهب الفقهية الإسلامية.

ما عند الإمامية:

1- الفعل المادي وهو الركن المادي. وهو كل فعل يؤدي إلى إزهاق الروح ويشمل حتى الامتناع والترك والوسيلة المادية والمعنوية.

2- محل الجريمة أي وقوعه على نفس معصومة مكافئة.

3- الركن المعنوي وهو القصد الجنائي. وهو قصد القتل، أو ما يظهر من استعمال آلة قاتلة عادة أو غالبا ً.

وأما المذاهب الأخرى:

1- الفعل المادي المؤدي إلى إزهاق الروح. وهو الركن المادي ويشمل الوسائل المعنوية والترك والامتناع.

2- محل الجريمة إنسان حي ذو نفس معصومة مكافأة.

3- القصد الجنائي وهو الركن المعنوي للجريمة. وهو قصد القتل، وإحداث الوفاة.

وأما القانون العراقي:

1- الفعل المادي وهو الركن المادي ويشمل الوسيلة المادية، والمعنوية والترك والامتناع.

2- محل الجريمة (إنسان) حي.

3- الركن المعنوي وهو القصد الجرمي بقوله (تعمداً) وعناصر إرادة الفعل المادي إرادة النتيجة (الوفاة).

وهذا ما ذكرناه في الفصلين السابقين.

ص: 71

والذي نلاحظه أن لا فرق بين أركان القتل العمد، إلا أن محل الجريمة في القانون هو الإنسان سواء أكانت نفسه معصومة أم لا مكافأة أم لا.

وفي المذاهب محل الجريمة إنسان ذا نفس معصومة ومكافئة للجاني.

والركن الأول والثالث يتوافق عليه القانون مع المذاهب الفقهية.

فجريمة القتل العمد إذا وقعت على إنسان مرتد لا يصدق عليه قتل عمد عند المذاهب، ولكن يصدق عليه في القانون انه قتل عمد.

وكذلك إذا قتل المسلم ذمياً فانه وان صدق عليه انه ذا نفس معصومة إلا انه غير مكافئ للجاني، فالركن الثاني وهو محل الجريمة غير متوفر. وفي القانون يصدق عليه أنه قتل عمد.

فالنتيجة المترتبة نفس النتيجة المترتبة على التعريف، حيث إن القانون يصدق عنده القتل العمد سواء أكان القاتل مسلماً والمقتول ذمياً أم بالعكس، وسواء أكان مرتداً أم حربياً حراً أم عبداً وهكذا.

والذي يظهر لي من خلال ذكر العقوبات البدلية أن القتل العمد يصدق إلا انه لا يوجب القصاص؛ ولذا تراهم يأمرون بالتعزير تارة، وبالدية أخرى، ومنع الإرث والوصية وما شابه ذلك، فأقول: إن محل الجريمة لجريمة القتل العمد الموجب للقصاص تختلف لا مطلقاً. فان عدم إيجاب القصاص، وإيجاب عقوبة أخرى هذا يعني بنظر القانون ظرفاً مخففاً ليس إلا.

فالعقوبة البدلية هي ظرف مخفف. ومن هنا أستطيع القول:

إن أركان الجريمة للقتل العمد هي متساوية، ولكن القتل الموجب للقصاص مختلف.

ثانياً: مقارنة تطبيقات القتل العمد بين المذاهب الفقهية، وقانون العقوبات العراقي.

صدق القتل العمد.. سواء أكان عند المذاهب الفقهية أم في قانون العقوبات العراقي بتوافر أركانه. فإذا توفرت أركانه فيتحقق القتل العمد، وإذا

ص: 72

تخلف ركن أو ركنان لا يتحقق، وبما إن الفرق بين أركان القتل العمد عند المذاهب يختلف عن أركان القتل العمد في قانون العقوبات العراقي، وخاصة محل الجريمة، فيمكن اتفاقهما في الركن المادي والمعنوي، ولكن هذا لا يحقق القتل العمد من دون محل الجريمة، ولكن بينا في السابق أن المقصود من القتل العمد عند المذاهب أنه الموجب للقصاص لا مطلقاً، وأما القانون فهو القتل العمد مطلقاً. وعلى هذا سوف نتطرق إلى بعض الوسائل التي تحقق الركن المادي المتفق عليه بينهما، وبعض أنواع القتل الخاصة كالقتل برضا المجني عليه، والقتل بسبب شرعي، ونرى هل يتفقان أم لا؟

1- القتل بالمحدد

والمحدد هو كل آلة محددة جارحة أو طاعنة. لها مور في البدن أي: تفرق أجزاء الجسم. ولا يشترط أن يكون المحدد من مادة معينة فيصح أن تكون من الحديد، أو النحاس، أو الرصاص، أو الذهب، أو الفضة، أو الزجاج، أو الخشب، أو القصب، أو العظم، أو غير ذلك ومثله: السكين والرمح والبندقية والسهم والقنبلة والسيف.

وقد تقدم أن المذاهب لا خلاف بينهم في أن هذه الوسيلة تعتبر دليلاً أول على قصد القتل، باعتباره وسيلة قاتلة بطبيعتها. فهذا الركن الأول، فإذا توافر الركنان فهو قتل عمد. ويتفق الفقه والقانون في ذلك، إلا أن الفرق هو كون الفاعل إذا كان مسلماً واستعملها لقتل مرتد يصدق القتل العمد عند المذاهب ويصدق في القانون.

والفاعل إذا كان مسلحاً واستعملها لقتل حربي يصدق القتل العمد عند المذاهب، ويصدق في القانون، ولكن لا مسؤولية عليه في الفقه. وعليه المسؤولية في القانون.

وكذلك الحر إذا استعملها لقتل العبد يصدق في الفقه وكذلك في القانون.

إلا أن الملاحظ أن صدقه هذا ليس للقتل العمد الموجب للقصاص، وإنما لغيره وبعقوبة بدلية.

ص: 73

فنقول يتفق الفقه والقانون على صدق القتل العمد بالمحدد، إلا أن الفقه بعض مصاديقه توجب القصاص، كما إذا قتل مسلم مسلماً آخر بالمحدد، وبعضها الآخر لا يوجب القصاص، كما إذا قتل المسلم ذمياً فإنه قتل عمد، ولكنه لا يوجب القصاص, وهذا يشبه بعض مصاديق القانون في القتل الموصوف بالظرف المشدد فيوجب الإعدام والقتل غير الموصوف بالظرف المشدد فيوجب السجن المؤبد أو المؤقت.

2- القتل بالمثقل

وهو: ما ليس له حد كالعصا أو الحجر. وهذا ما اختلف فيه الفقهاء فضلاً عن القانون.

فمالك يعده قتلاً عمداً سواء أكان هذا المثقل يقتل غالباً أم لا، مادام الفعل متعمداً على وجه العدوان لا على وجه اللعب والتأديب.

ويرى الشافعي وأحمد أن الضرب بالمثقل إذا كان يقتل غالباً فهو قتل عمد إذا أدى إلى الموت كالعصا الغليظة، والحجر الكبير، وعمود الحديد ويلحق به ما يعمل عمله كإلقاء حائط، أو سقف، والإلقاء من شاهق, ويعتبر قتلاً عمداً. ولو كان بمثقل صغير كحصا خفيفة، أو حجر صغير، أو لكزة يد في مقتل، أو في حال ضعف المضروب لمرض، أو صغر، أو حر مفرط، أو برد شديد ولو ضربه ضربة واحدة.

وكذا يعد قاتلاً عمداً ولو لم يكن الضرب في مقتل. ولو لم يكن المضروب ضعيفاً، أو صغيراً في حالة تكرار الضرب؛ لأن تكرار الضرب وموالاته يقتل غالباً.

وهذا كله لما تقدم من أن القاعدة في الفعل المادي عندهما هو أنه يقتل غالباً.

أما أبو حنيفة فيرى القتل بالمثقل شبه عمد أياً كان المثقل ثقيلاً أو خفيفاً، لأنه يشترط أن تكون الآلة قاتلة غالباً، وان تكون معدة للقتل والمثقل وان كان يقتل غالباً إلا أنه غير معد للقتل, وعنده المثقل الحديد يعده قتلاً عمداً، لأنه

ص: 74

كالسلاح وكذلك يلحق ما في معناه كالنحاس وجعل حكمه حكم المحدد. وعنده في المثقل، إلا أن يكون قتله بالنار وعنه في مثقل الحديد روايتان(1).

وأما الإمامية فعندهم (إذا ضربه بآلة واستمر على ضربه بها حتى مات، أو شدد في الضرب بما لا يتحمله فمات، أو كان لا يتحمل أصل الضرب بعارض فيه فمات بأصل الضرب كل ذلك من العمد)(2),

لصدق تعمد القتل في ذلك عرفاً.

أي يشترط الامامية في المثقل التكرار والاستمرار، وأما إذا ضربه ضربة واحدة قبل أن يتكلم فهو شبيه العمد.

وأما إذا ضربه بعود خفيف، أو رماه بحصاة فاتفق موته لم يتحقق العمد؛ لأنه لا يقتل عادة، هذا إذا لم يكن قاصداً القتل, وإلا تحقق الركن الثالث عند الإمامية. وعليه فالإمامية عندهم المثقل مع قصد القتل يتحقق به العمد، ومع عدم قصد القتل فإن كرر واستمر به فهو عمد، وان كان لا يقتل عادة ولم يقصد القتل فلا يتحقق.

وأما قانون العقوبات العراقي:

فإن الضرب بعصاً أو غيرها في مكان قاتل، وكان قاصداً للقتل فيتحقق العمد(3).

والمثقل وان كان من الوسائل غير القاتلة بطبيعتها ولكن بظروف معينة كالتكرار والاستمرار بالضرب يمكن استظهار نية الجاني، ويمكن كون استعمال المثقل قتلاً عمداً، ولكن بتوفر أركانه وأهمها قصد القتل.

ص: 75


1- المغني لابن قدامة: 11/284.
2- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 28/212.
3- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/18.

ويقول بعض الشرّاح (وقد يتخذ الجاني وسيلة غير قاتلة بطبيعتها، ولكنها تؤدي إلى الموت بحسب استعمالها كالضرب بعصا، أو الضرب على الوجه أو بالحصى الصغيرة)(1).

فالمثقل يثبت القتل العمد، وهنا يتفق الفقه والقانون فيه بخلاف أبي حنيفة حيث إنه شبه عمد عنده إلا بعض موارده.

ولا اختلاف بين ما تذهب إليه المذاهب الفقهية وقانون العقوبات العراقي بحسب ما ذكره الشرّاح في ذلك، إلا أن الاختلاف بالتأكيد يكون من جهة العقوبة كما سيأتي.

3- الإلقاء في مهلكة

كأن يجمع بينه وبين أسد أو ينهشه كلب أو سبع أو حية أو يلسعه عقرب.

يذهب أحمد إلى أنه إذا فعل به السبع فعلاً يقتل مثله فهو عمد. وإذا كتفه وألقاه فهو عمد أيضاً، وكذا الحيّات أو العقارب فإذا كان الفعل يقتل غالباً فهو عمد.

والشافعي عنده إذا كان السبع ضارياً فهو عمد.

ومالك عنده أنه عمد على كل حال مادام بقصد العدوان.

وأبو حنيفة عنده شبه عمد على كل حال.

وأما الإمامية فيقول السيد السبزواري (قدس سره): (لو ألقاه في منجم فحم مهلك، أو في حقل كهربائي خطر، أو في محل فيه حية قتاله، أو سبع كذلك، أو نحوها من المهالك فان أمكنه الخلاص أو الفرار ولم يفر أو لم يتخلص تكاسلاً فلا عمد عليه، وإلا إذا لم يستطع التخلص ولم يمكنه الفرار فهو عمد)(2).

ص: 76


1- قانون العقوبات القسم الخاص: 93.
2- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 28/221.

وبهذا يكون أحمد والشافعي ومالك والامامية يقيدونه بعدم إمكان التخلص، فيعد قتلاً عمداً بخلاف أبي حنيفة، فما هو رأي القانون العراقي؟

لم أجد من يذكر الإلقاء في مهلكة ولكن يمكننا من خلال ما ذكره الفقهاء

أن نقول: إنه مما يقتل غالباً، خاصة إذا لم يستطع التخلص، فنقول إنه من الوسائل القاتلة بطبيعتها أو مما يقتل غالباً. فإذا تحقق كونه كذلك وحصلت الوفاة بسببه وأثبتنا علاقة السببية فهو عمد. يقول احد الشرّاح (بل قد تكون وسيلة القتل غير مادية، بل معنوية صرفة.. وكلها أمور تكفي لقيام الجريمة على أرجح الآراء متى ما ثبت قصد القتل ورابطة السببية بين الفعل والموت)(1),

فالقانون إذاً يجعله قتلاً عمداً كما عليه الفقه ما عدا أبا حنيفة حيث جعله شبه عمد فلا خلاف بين الفقه والقانون, ولا في قرار الحكم بالعقوبة.

بل إن القانون يعتبر الخوف من هذه الأمور قتلاً عمداً فسببه أولى.

4- الإغراق والإحراق

وهما الإلقاء في الماء سواء كان بحراً أم نهراً أم غيرهما, والإلقاء في النار سواء كانت صغيرة أم كبيرة.

في الفقه يرتكز صدق القتل العمد بهذه الأمور على كونه متمكناً من التخلص أم لا؟ فان كان متمكناً من التخلص فقد أعان على نفسه فلا مسؤولية على الجاني، وإلا فهو قتل عمد. وعدم تمكنه من التخلص إما لأنه كتّفه وألقاه، أو أعجزه عن الخروج منها، أو منعه الجاني من الخروج أو كونه في حفرة لا يمكنه الخروج منها أو بئر عميق فإن أدى هذا الفعل إلى الموت فهو عمد، لأنه يقتل غالباً وهذا ما عليه الشافعي وأحمد(2).

ص: 77


1- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/18.
2- التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: 2/70 – 71.

والإمامية كذلك، حيث يقول السيد السبزواري (قدس سره): (إذا طرحه في النار، أو ألقاه في البحر، فأعجزه عن الخروج حتى مات، أو منعه عن ذلك فمات، قتل به، لصدق التعمد إلى قتله بذلك فيشمله إطلاق أدلة القتل العمدي)(1).

وأما مالك فعنده الإغراق والإحراق قتل عمد دائماً سواء أكان الفعل مهلكاً غالباً أم لا، مادام الفعل قد أدى إلى الموت ولم يكن على وجه اللعب.

وأما أبو حنيفة (2) فانه يفرق بين الإغراق والإحراق وذلك لأنه يلحق الإحراق بالسلاح إذ يعمل فيفرق أجزاء الجسم. فالنار معدة للقتل فإن كانت تقتل غالباً فالفعل عمد, وإن كانت لا تهلك غالباً فالفعل شبه عمد, ويلحقه كذلك الماء المغلي والأشياء المصهورة والوضع في الفرن المحمي.

وأما الإغراق فلا يعده أبو حنيفة معداً للقتل فهو شبه عمد لا عمد دائماً.

وبهذا يكون الإغراق والإحراق قتل عمد عند الشافعي وأحمد والإمامية ومالك. والفرق بين الثلاثة ومالك هو أنهم يقيدونهما بعدم إمكان التخلص، وأما مالك فيجعل كل الصور قتل عمد، وأما أبو حنيفة فعنده الإحراق قتل عمد ويلحق به ما ذكر والإغراق شبه عمد.

وأما قانون العقوبات العراقي فيعد الإلقاء في الماء أو في النار من الوسائل القاتلة بطبيعتها يقول بعض الشرّاح: (منها ما يكون قاتلاً بطبيعته.. أو الحرق.. أو الإلقاء في الماء)(3).

ويقول آخر: (فقد يحصل بوسيلة قاتلة بطبيعتها.. أوالإلقاء في اليم..)(4).

ص: 78


1- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 28/214.
2- التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: 2/70 – 71.
3- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/18.
4- قانون العقوبات القسم الخاص: 93.

وبما أنهما كذلك فيعدان دليلاً أولاً على قصد القتل فهو قتل عمد. ولا فرق في جميع صوره ما دام قصد القتل متوفراً، واستناد الوفاة إليهما سواء كان المجني عليه يمكنه التخلص أم لا؟

وبهذا لا يختلف القانون العراقي من جهة صدق القتل العمد بهاتين الوسيلتين عن الفقه، إلا أن الفقه يقيدهما بعدم إمكان التخلص والقانون يطلق.

5- الخنق

ويقصد به منع خروج النفس بأي وسيلة سواء أشنق الجاني المجني عليه بحبل أم خنقه بيده، أو بحبل أو غمه بوسادة، أو بأي شيء وضعه على فيه وانفه.

الشافعي وأحمد يذهبان إلى إن هذا الفعل إذا كان في مدة يموت في مثلها فهو قتل عمد، أي: ما يقتل غالباً، وإذا كان في مدة لا يموت بمثلها فهو شبه عمد. وان خنقه وتركه متألماً حتى مات فهو عمد، أما إذا تنفس وصح بعد ذلك ثم مات فلا يسأل الجاني عن الموت لأنه لم يكن من الخنق.

أما مالك فعنده الخنق قتل عمد في كل الأحوال ما دام قد وقع بقصد العدوان، ولم يكن على وجه اللعب والمزاح.

أما أبو حنيفة فيعد الخنق في كل الأحوال قتلاً شبه عمد؛ لان هذه الوسيلة عنده غير معدة للقتل.

وأما الإمامية فقد قال السيد الخوئي (قدس سره): (ومن هذا القبيل ما إذا خنقه بحبل ولم يرخه عنه حتى مات.. فهذه الموارد وأشباهها داخلة في القتل العمدي)(1)

وملاك العمد في القتل هو إيجاد عمل يقصد به القتل، أو يترتب عليه الموت غالباً وهو متحقق في جميع هذه الموارد, فالخنق عندهم مما يقتل غالباً فهو قتل عمدي.

ص: 79


1- مباني تكملة المنهاج: 2/5.

ويقول السيد السبزواري (قدس سره): (فلو خنقه بحبل ولم يرفعه عنه حتى مات.. أو غير ذلك من الأسباب المتلفة كل ذلك من العمد يكون فيها القود، ولا فرق في ذلك كله بين إن مات بنفس هذا العمل بلا تخلل زمان، أو مات موتاً مستنداً إليه وذلك لأنه قصد فعلاً يقتل غالباً. وتقدم أنه من العمد ويصدق استناد الموت

إلى فعله عرفاً مع كون الفعل مما يقتل وان تخلل زمان به غالباً)(1).

وتفترق الإمامية عن الشافعي وأحمد بكون ما يتخلله الزمان قتلاً عمداً وكذا مالك, ويخالف الجميع أبو حنيفة حيث يعد الخنق قتلاً شبه عمد.

وأما قانون العقوبات العراقي:

فالخنق فيه من الوسائل القاتلة بطبيعتها كما يعده الشرّاح (منها ما يكون قاتلاً بطبيعته.. أو الخنق..)(2).

فإذا كان كذلك فهو دليل أول على قصد القتل في القانون، فيتحقق به القتل العمد، ولكن إذا لم يستند القتل إلى الخنق، كما إذا تخلله زمن ومات بسبب آخر فهو ليس بعمد.

هذا ظاهر من اشتراط السببية بين الفعل والوفاة.

هذا ما يتفق مع مالك والشافعي وأحمد والإمامية ولكنه يختلف في مسألة تخلل الزمان مع الامامية في صدق القتل العمد.

6- الحبس ومنع الطعام والشراب

الشافعي وأحمد يعدانهما قتلاً عمداً، ولكن إذا مات المحبوس في مدة يموت في مثلها غالباً وهذا يختلف باختلاف الناس والأزمنة والأحوال، فإذا منع عنه الماء في شدة الحر مات عطشاً في الزمن القليل وان كان الوقت بارداً أو معتدلاً

ص: 80


1- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 28/210.
2- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/18.

لم يمت إلا في الزمن الطويل. والكبير يتحمل أكثر من الصغير والمتقشف قد يصير اكد من المرفه فتراعى هذه الاعتبارات.

فان مات في مدة لا يموت في مثلها غالباً فهو شبه عمد. ومثله ما لو عزله أو منعه عن الاستظلال حتى قتله البرد أو الحر. وأن كان به جوع أو عطش سابق على حبسه وعلم السجان بذلك فالقتل عمد, إذ الغرض أن مجموع المدتين بلغ المدة القاتلة. وان لم يعلم السجان ففي المسألة رأيان أحدهما: أنه قتل عمد، لأن الحبس أهلك المحبوس فهو كما لو ضرب المريض ضرباً يهلكه دون الصحيح وهو جاهل بمرضه فانه يسأل عن قتله.

والرأي الثاني: يعده قتلاً شبه عمد لانتفاء قصد الإهلاك. إذ الفاعل لم يأتِ بفعل مهلك، أي إن المدة التي حبس فيها الجاني المجني عليه لا تهلك عادة.

وأما مالك فإنه يعد هذا الفعل قتلاً عمداً في كل حال ما دام قد صدر على وجه العدوان.

وأما أبو حنيفة فلا يرى أنه قتل عمد ولا غيره، لأن الموت حصل بالجوع والعطش لا بالحبس والجاني لم يفعل إلا الحبس.

وأما الإمامية:

فيقول السيد الخوئي (قدس سره): (أو حبسه في مكان ومنع عنه الطعام والشراب حتى مات... فهذه الموارد وأشباهها داخلة في القتل العمدي)(1)

وملاك العمد في القتل هو إيجاد عمل يقصد به القتل، أو يترتب عليه الموت غالباً. وهو متحقق في جميع هذه الموارد ويقول السيد السبزواري (قدس سره): (لو منعه عن الطعام والشراب مدة لا يتحمل مثله فيها عن ذلك عادة فمات فهو عمد..)(2).

ص: 81


1- مباني تكملة المنهاج: 2/5.
2- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 28/213.

وان كان يتحمل مثله عادة لذلك فمات، أو أعقبه مرض فمات به فإن قصد الجاني القتل به ولو رجاءً يكون عمداً، وإلا فهو شبه عمد، لصدق تعمد القتل عرفاً مضافاً لظهور الإجماع.

أما قانون العقوبات العراقي:

م /34 (تكون الجريمة عمدية إذا توافر القصد الجرمي لدى فاعلها، وتعد الجريمة عمدية كذلك أ- إذا فرض القانون أو الاتفاق واجباً على شخص وامتنع

عن أدائه قاصداً إحداث الجريمة التي نشأت مباشرة عن هذا الامتناع)(1).

وهذا النص يبيّن حكم القتل بالترك أو الامتناع عند المشرع العراقي. وبعض الشرّاح يقول: (فالسجّان الذي يمتنع عن تقديم الطعام إلى السجين بقصد قتله فيموت جوعاً يعتبر قاتلاً. ويظهر من النص أنه سواء أكان السجّان موظفاً بالدولة، وكون الإطعام واجباً عليه أو ليس كذلك، بل يفرض إطعامه الاتفاق كما يفرضه العرف إن من حبس شخصاً فعليه إطعامه واشرابه)(2).

وبهذا يتفق المشرع العراقي على كون هذا الأمر من القتل العمد, ولكنه يختلف عنهم في الشروط؛ فالقانون يشترط كون الطعام والشراب واجباً على الممتنع, سواء أكان هذا الواجب قد فرضه القانون كالموظفين, أم العرف حيث عبر عنهما بالاتفاق, وعلى هذا فإن كان ذلك ليس من واجبه لا قانوناً ولا شرعاً ولا عرفاً؛ فلا قتل عمد عليه في حين أن المذاهب لا تشترط ذلك بل تشترط كون المدة التي منعه فيها الطعام والشراب تقتل مثلها غالباً كما ذهب أحمد والشافعي والإمامية، وأما مالك فإنه يحكم بأنه قتل عمد على كل حال. في حين يذهب أبو حنيفة إلى عدم مسؤوليته عن ذلك أصلاً.

فالخلاف يكون في صدق القتل العمد من ناحية شرطه وتعليقه؛ وبهذا

ص: 82


1- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 14.
2- قانون العقوبات القسم الخاص: 97.

تكون المسؤولية على الجاني، ويكون سبباً للوفاة. فإذا توفر القصد الجنائي وعلاقة السببية فنحن أمام جريمة قتل عمد.

ومن هذا القبيل الأم(1) التي تمتنع عن إطعام وليدها التي تقصد قتله. فهو قتل بالامتناع.

7- التسميم

لا يخصص فقهاء الشريعة فصلاً خاصاً للتسميم مكتفين بتطبيق القواعد العامة على هذا النوع من وسائل القتل، بخلاف النصوص القانونية التي تخصص فصلاً خاصاً بالتسميم. والسبب في ذلك هو أن الفقهاء طبقاً لأحكام الشريعة يرون عقوبة التسميم ونحوه من الأمور القصاص, ولا اختلاف عندهم بين التسميم وغيره، ولذا لا يخصصون فصلاً خاصاً به بخلاف القانون، فيعده ظرفاً مشدداً وتختلف عقوبته عن غيره. وهذا الفرق الأول بين الفقه والقانون من ناحية التسميم.

وأما كونه يصدق عليه القتل العمد أم لا؟

فيرى مالك أن القتل بالسم قتل عمد في كل حال، سواء أكانت المادة سامة كثيراً أم قليلاً، وسواء أكانت تقتل غالباً أم كثيراً أم نادراً ما دام الجاني قد نوى قتل المجني عليه بهذه الوسيلة، وما دام المجني عليه قد مات فعلاً, ولا فرق عنده بين تقديم الطعام أو الشراب أو اللباس المسموم بنفسه للمجني عليه، أو بواسطة آخر، أو وضعه في طعامه أو شرابه أو لباسه دون أن يقدمه له. فهو قاتل عمداً في كل حال، إلا في صورة علم المجني عليه بأن الطعام أو الشراب مسموم ثم تناوله مع علمه فهو القاتل لنفسه.

ويرى أحمد أن الجاني إذا سقى المجني عليه السم كرهاً، أو خلطه بطعامه، أو شرابه فأكله دون أن يعلم بأنه سم فالجاني مسؤول عن القتل العمد إذا كان

ص: 83


1- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/19.

السم مما يقتل غالباً. فإن كان السم مما لا يقتل غالباً فهو شبه عمد.

وإن خلط الجاني السم بطعام نفسه، فدخل إنسان منزله دون أذنه واكله فلا مسؤولية على صاحب المنزل، وإذا دخل المنزل بأذنه وأكل الطعام المسموم دون إذنه فالحكم ما سبق. ويتفق الشافعي مع أحمد في حالة الإكراه. فإذا سقى الجاني المجني عليه السم كرهاً فهو قاتل عمداً إذا كان السم مما يقتل غالباً. فإن لم يكن يقتل غالباً فهو شبه عمد.

وكذا الحكم لو أكرهه إنسان على أن يشرب السم بشرط أن لا يعلم بأنه سم.

ويختلف الشافعي مع أحمد فيما عدا ذلك، أي في حالة تقديم الطعام المسموم للمجني عليه، أو وضع السم في شرابه، أو طعامه فيرى أن الطعام المسموم أو الشراب المسموم إذا قدم لضيف. فإن كان الضيف صبياً غير مميز أو مجنوناً أو أعجمياً يرى طاعة المضيف، وكان السم مما يقتل غالباً فهو قتل عمد.

وإن لم يكن مما يقتل غالباً فالقتل شبه عمد, أما إذا كان الضيف بالغاً عاقلاً فيرى البعض أن الجاني قاتل عمداً. فإن لم يقتل غالباً؛ فهو شبه عمد. والسبب اختلاف الروايات عندهم.

وأما أبو حنيفة فهو لا يعد تقديم الطعام والشراب المسموم للمجني عليه، أو دسه في طعامه وشرابه قتلاً عمداً، ولو أكله المجني عليه أو شربه جاهلاً بأنه مسموم وعندهم أن المجني عليه هو الذي قتل نفسه بتناول المادة المسممة، ولكن الجاني يعزر لأنه غرر به.

أما إذا أوجر الجاني المجني عليه السم إيجاراً، أو ناوله له وأكرهه على شربه حتى شرب، فالفعل قتل شبه عمد, فإن كان السم يقتل غالباً فالفعل قتل عمد؛ لأن السم إذا كان يقتل غالباً فهو باستعماله معد للقتل, وإن كان لا يقتل غالباً؛ فالفعل شبه عمد.

ص: 84

وأما الإمامية فيقول السيد الخوئي (قدس سره): (إذا قدم إلى أحد طعاماً مسموماً يقتل مثله غالباً، أو قصد به القتل وجهل الآكل به فأكل فمات فعليه القود), ولا أثر للمباشرة، أي: مباشرة المجني عليه بنفسه للأكل, ولكن هذه المباشرة لا أثر لها لسقوط أثرها بالغرر الذي غرر به الجاني، سواء خلطه بطعام نفسه وقدمه إليه، أو أهداه إليه، أو خلطه بطعام الآكل بلا فرق في ذلك بين كون الآكل مميزاً أو غير مميز لتحقق التسبيب إلى القتل العمد في كل منهما.

ولو قدم إليه طعاماً أو شراباً مسموماً، مع العلم بأنه قاتل فأكله متعمداً

واختياراً. فلا قود ولا دية، لأنه أقدم على قتل نفسه، ولو قال كذبا ً: إن فيه سماً غير قاتل، أو فيه علاج بكذا فأكله فمات يكون عليه القود؛ لتحقق التسبيب إلى القتل واقعاً وسقوط المباشرة بالغرر, ولو قال: فيه سم وأطلق، فأكله ومات؛ فلا قود ولا دية؛ لاستناد الموت إلى المباشر وهو المجني عليه, لو قدم إليه طعاماً فيه سم غير قاتل غالباً، ولكنه قصد القتل ولو احتمالاً فهو عمد وفيه قود, وإن جهل الآكل به ولو لم يقصد القتل فلا قود.

ولو سمه باعتقاد أنه مهدور الدم ومات، فبان الخلاف ليس فيه قود، بل فيه دية, إذا جعل السم في طعام صاحب المنزل بقصد أن يقتله بذلك، فأكله صاحب المنزل جاهلاً فمات يكون فيه القود, وكذا لو جعل السم في الطعام بقصد قتل الحيوانات المؤذية من كلب أو فارة أو غيرهما وكان صاحب المنزل يأكله عادة.

وأما لو لم يكن كذلك، أو لم يكن يقصد قتل صاحب المنزل ولو رجاءً فأكله فمات فلا قود ولا دية؛ لقوة المباشرة على السبب عرفاً ولو كان في بيته طعام مسموم فدخل عليه شخص عدواناً فأكل منه ومات فلا قود ولا دية.

وكذا لو كان مأذوناً في أصل دخول الدار ولم يكن مأذوناً في أكل الطعام, فالإمامية ميزت بين علم الآكل وجهله, ولم تميز بين المميز وغير المميز, وميزت بين قول الجاني إن فيه سماً غير قاتل، وبين قوله فيه سم أي بين علم المجني عليه

ص: 85

بأوصاف السم وإطلاقه وذلك لكون الجاني غرر بالمجني عليه بقوله غير قاتل, وكذا تعد الإمامية وضع السم غير القاتل مع قصد القتل ولو احتمالاً قتل عمد, بخلاف ما لو جهل الآكل به ولم يقصد الجاني القتل فلا قود لأنه ليس بعمد, وميز بين الإذن بالأكل وعدمه.

في حين نرى أن مالك يعده قتلاً عمداً، عدا صورة واحدة وهي: علم المجني عليه؛ فيكون قاتلاً نفسه.

ونرى أحمد يميز بين كون السم قاتلاً غالباً أم غير قاتل غالباً، ويميز بين العلم والجهل بالسم, وميز بين إن يكون الأكل بإذن الجاني وعدمه فيكون موافقاً للامامية.

والشافعي يتفق مع أحمد في الإكراه، وكذلك يميز بين كون السم يقتل غالباً أم لا, ويميز بين كون الآكل مميزاً وبالغاً أم غير مميز وبين المجنون وغيره والأعجمي وغيره.

وأما أبو حنيفة فلا يعده قتلاً عمداً، إلا إذا كان السم مما يقتل غالباً فيكون معداً للقتل.

وأما المشرع العراقي:

فيعد المادة السامة من الظروف المشددة في القتل العمد كما نص في

المادة / 406:

(يعاقب بالإعدام من قتل نفساً عمداً في إحدى الحالات التالية: .. إذا حصل القتل باستعمال مادة سامة..)(1) والمادة السامة هي التي تسبب الموت عاجلاً أو آجلاً. وقد تكون هذه المواد سامة بطبيعتها وعندئذ يستوي أن تكون من السموم الحيوانية أو العضوية أو المعدنية إذا كان من شأنها إحداث الموت،

وما لا يكون سماً بطبيعته ولكنه بظروف معينة يسبب التسمم.

ص: 86


1- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 144.

والبحث فيما يعد سماً وما لا يعد كذلك أمر علمي يحدده أهل الفن طبقاً لسلطة محكمة الموضوع في التقدير.

كما أنه لا يشترط لتوافر هذا الظرف المشدد أن تكون المادة المعطاة سماً بطبيعته، إذ العبرة فيما يترتب على إعطاء المادة في ظروف معينة لا بالطبيعة السامة(1),

وحينئذ يثبت في حالة كون المادة غير السامة أدت إلى التسميم ثم الوفاة، ولا يكفي لتوافر الظرف المشدد أن تكون المواد قاتلة بغير طريق التسميم.

وهذا كلام الشرّاح وإن كان النص يشير إلى استعمال المادة السامة, فيفسرونه: بأن المشرع أراد التسميم لا المواد التي بطبيعتها سامة.

ويميز القانون بين مباشرة دس السم، وبين التسبيب حيث يعد قاتلاً بالسم إذا وضعه لشخص معين وقدمه إليه, أما إذا أعطى لثالث فلا مسؤولية جنائية عليه وإن كان المسبب, ولكن لو وضع الطعام أو الشراب المسموم تحت تصرف شخص معين، فتناوله آخر ومات بسببه فيعتبر قاتلاً بالسم, ولا يعتبر قاتلاً بالسم إلا بعد تحضيره وجعله تحت تصرف المجني عليه أو بتقديمه إليه.

ومن هنا نلاحظ أن اعتبار تقديم السم أو خلطه بالطعام والشراب وتقديمه يعتبرها القانون قتلاً عمداً بظرف مشدد يوجب عليه الإعدام.

كما أن النص القانوني لا يميز بين العالم وغيره، ولا المميز وغيره فيشمل الجميع بإطلاقه سواء أكرهه أم لا, لأن القانون ينظر إليه كونه أقدم على جريمة خطرة حقق أركانها. وبغض النظر عن وفاة المقصود أو غيره, ومن هنا يتضح الفرق بين القانون والفقه وكما يأتي:

1- أحمد والشافعي والامامية يميزون بين كونه يقتل غالباً أو لا. والقانون لا يميز في ذلك.

ص: 87


1- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/37.

2- هم يميزون بين علم الآكل وجهله, والقانون لا يميز.

3- هم يميزون بين المميز وغيره, والقانون لا يميز.

4- هم يميزون بين قول الجاني فيه سم أو فيه سم قاتل وهكذا, والقانون لا يميز.

5- هم يميزون بين الإذن بالأكل وعدمه, والقانون لا يميز.

ويختلف معهم في مسألة السبب والمباشر، حيث يعدون السبب قتلاً عمداً ومسؤولية جنائية بخلاف القانون فإنه لا يعده كذلك، بل لا يرى مسؤولية على المسبب أصلا ً.

ويتفق معهم في أن وضع السم غير القاتل، مع قصد القتل ولو احتمالاً، وحصلت الوفاة بسببه يعدّ قتلاً عمداً؛ لأنه لا يشترط كون المادة السامة قاتلة بطبيعتها، وإنما يشترط حصول التسميم وتسبيبه الوفاة, ويكون ظرفاً مشدداً. ورغم الاختلاف في صدق القتل العمد إلا أن العقوبة واحدة في الفقه والقانون.

8- القتل بوسيلة معنوية

يرى مالك أن القتل بطريق معنوي يعاقب عليه باعتباره قتلاً عمداً. فمن ألقى على إنسان حية، ولو كانت ميتة فمات فزعاً ورعباً فهو قاتل عمداً.

إذا سل عليه سيفاً فمات فزعاً فهو قاتل عمد.

ويرى أحمد - ويتفق معه الشافعي - أن الجاني إذا شهر سيفاً على وجه إنسان، أو دلاه من شاهق فمات من روعته، أو صاح به صيحة شديدة فخر من سطح أو نحوه فمات، أو تغفل عاقلاً فصاح به فخر ميتاً فإنه إن تعمد ذلك كله فهو قاتل شبه عمد؛لأن هذه الوسيلة لا تقتل غالباً, وكذا أبو حنيفة فإنه يعد من صاح على إنسان فجأة فمات من صيحته فهو قاتل له قتلاً شبه عمد.

ص: 88

والإمامية: السيد الخوئي (قدس سره) قال: (كما لو سحره فتراءى له أن الأسد يحمل عليه، فمات خوفاً كان على الساحر القصاص)(1).

وأيضاً قال: (لو ألقاه من شاهق قاصداً به القتل، أو كان مما يترتب عليه القتل عادة فمات الملقى في الطريق خوفاً قبل سقوطه إلى الأرض كان عليه القود).

فالظاهر منه أن الوسيلة المعنوية تعد قتلاً عمداً من دون تقييد بكونها لمميز أم غيره، سواء أكانت تقتل غالباً أم لا.

وأما قانون العقوبات العراقي:

فظاهر النص القانوني(2)الذي

لم يحدد نوع الفعل ولا صفاته فيكون فعلاً غير محدد لا بطبيعته ولا بوسيلته(3),

ولذا توسع الشرّاح في صدق الركن الأول من القتل العمد فيقول أحدهم (ولا يشترط أن يتم القتل بفعل مادي، ووسيلة مادية، بل يمكن إن يتم بفعل معنوي. إذ ليس في القانون ما يمنع اعتبار الأساليب النفسية من وسائل القتل. فمن يثابر على تنغيص زوجته واشغالها بالهموم والأحزان؛ لقتلها يمكن تطبيق عقوبة القتل العمد عليه، ومن يلقي بنبأ مؤلم إلى شخص مريض بالقلب, وضعيف الأعصاب بقصد قتله فيموت، يمكن تطبيق عقوبة القتل العمد عليه.. ومع ذلك يموت المجني عليه من شدة الفزع، أو يموت شخص ثالث تحت تأثير الفزع, فالجناة في هذه الصور المتقدمة يمكن معاقبتهم على القتل العمد إذا توافرت العلاقة السببية بين الفعل والنتيجة (الوفاة) وكان القصد الجنائي ثابتاً)(4).

ص: 89


1- مباني تكملة المنهاج: 2/7.
2- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 144.
3- قانون العقوبات القسم الخاص: 92.
4- قانون العقوبات القسم الخاص: 94.

ويقول آخر: (قد تكون وسيلة القتل غير مادية، بل معنوية صرفه.. أو مثل وضع طفل صغير في حالة ذعر للقضاء عليه، وكلها أمور تكفي لقيام الجريمة على أرجح الآراء متى ثبت قصد القتل، ورابطة السببية بين الفعل والموت)(1).

ونلاحظ إن المذاهب مختلفة في الوسيلة المعنوية فأحمد والشافعي وأبو حنيفة يعدّونها شبه عمد.

ومالك والإمامية يعدّونها قتل عمد، فيكون القانون العراقي متفقاً مع مالك والإمامية في كون الوسيلة المعنوية تحقق القتل العمد وان اختلف معهم بالعقوبة المقررة لذلك.

9- القتل بسبب شرعي

وذلك عندما يشهد شخص أمام القاضي على إن فلاناً مرتد، أو زنا بمحصنة، أو قتل بريئاً، أو غير ذلك مما يسبب الحكم على الشخص المشهود عليه بالقتل فيقتل، وينفذ عليه الحكم، ثم يتضح كذب الشهود بعد تنفيذ الحكم فهل الشاهد يعد قاتلاً عمداً أم لا؟

المذاهب الثلاثة تعده قتلاً عمداً؛ لأنه قتل بالتسبيب وليس مباشراً، ولكن أبا حنيفة لا يرى فيه القصاص، لأن القاعدة عنده أن القتل بالتسبيب لا قصاص فيه، إلا إذا كان السبب ملجئاً(2).

وكذا القاضي إذا حكم بالإعدام على شخص ظلماً وهو عالم ببراءته، ومتعمد لذلك يُعد قاتلاً للمحكوم عليه عمداً.

وكذا ولي الدم إذا قتل المحكوم عليه قصاصاً، ولكنه يعلم ببراءته فيعد قاتلاً له عمداً.

أما الإمامية فيقول السيد السبزواري (قدس سره): (العمد أعم من المباشرة

ص: 90


1- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/18.
2- التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: 2/74.

والتسبيب)(1)؛

لتحقق موضوع العمد في كل منهما عرفاً؛ فيشمله أطلاق الأدلة قهرا ً, ثم يقول (لو تمت الشهادة عند الحاكم على ثبوت موجب القتل على شخص من ارتداد، أو زنا بمحصنة أو نحوهما, وبعد استيفاء الحد ظهر إن الشهود كانوا زوراً؛ فالضمان على الشهود دون الحاكم والمأمور) إجماعاً ونصوصاً. وفي معتبرة ابن محبوب عن الصادق (علیه السلام): (في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثم رجع احدهم بعدما قتل الرجل فقال: إن قال الرابع: وهمت ضرب الحد وغرم الدية، وان قال: تعمدت قتل)(2).

وكذا الولي والحاكم حيث يقول السيد السبزواري (قدس سره): (لو علم الولي بأن

الشهادة شهادة زور وباشر القصاص كان عليه القود)؛ لتحقق السبب بالقتل عدواناً من غير غرور في البين، ولا فرق في العالم بالتزوير، أو بفسق الشهود بين الولي الشرعي للقصاص، أو الحاكم، لجريان عموم دليل القصاص في كل منهما)(3).

وأما قانون العقوبات العراقي:

في المادة / 252

(من شهد زوراً في جريمة لمتهم أو عليه يعاقب بالحبس أو الغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين.

فإذا ترتب على الشهادة الحكم على المتهم عوقب الشاهد بالعقوبة المقررة للجريمة التي أدين المتهم بها)(4).

وظاهر النص أن شاهد الزور يعاقب بنفس العقوبة التي سببها للمتهم.

ص: 91


1- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 28/210.
2- وسائل الشيعة: ج19 ص 96 ب 63 من أبواب النفس ح1.
3- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 28/233 – 234.
4- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 91.

فإذا كانت شهادته سببت الإعدام فيحكم بالإعدام، وإذا كانت السجن المؤبد فيحكم بالسجن المؤبد وهكذا ونحن هنا بصدد الشاهد الذي سبب الإعدام للمتهم هل يعد قاتلاً عمداً أم لا؟

الجواب بحسب ما تقدم نعم يعد قاتلاً عمداً، ويحكم عليه بالإعدام، لكونه ظرفاً مشدداً.

وأما الحاكم الذي يحكم بالإعدام على متهم وهو يعلم بالتزوير، أو بفسق الشهود فهل يعد قاتلاً عمداً أم لا؟

الجواب: نصت م / 234: (يعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل حاكم أو قاضٍ أصدر حكماً ثبت أنه غير حق وكان ذلك نتيجة التوسط لديه)(1).

فالحاكم لا يحكم بنفس العقوبة التي قررها للمتهم البريء وإنما بالحبس، أو الغرامة والحبس لا يزيد على خمسة أعوام.

وهنا نسأل لماذا لم يحكم المشرع على القاضي بنفس العقوبة التي سببها للمجني عليه؟

فيه احتمالان: إما أنه عدها قتلاً عمداً. ولكونه قاضياً جعلها عذراً مخففاً، وإما أنه لم يعدها قتلاً عمداً بل جريمة أخرى.

والصحيح إن المشرع لم يعدها قتلاً عمداً، وإنما عدها من الجرائم المخلة بسير العدالة، ولها مساس بسير القضاء فحدد لها عقوبة غير عقوبة القتل العمد.

ومن هنا نقول إن القانون اتفق مع الفقه في مسألة الشاهد، واعتبره قتلاً عمداً، فوافق بذلك الشافعي وأحمد ومالك والإمامية خلا أبا حنيفة، حيث ذهب إلى أنه ليس بعمد، وأما في مسألة الحاكم فاختلف القانون مع الشافعي

ص: 92


1- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 86.

وأحمد ومالك والإمامية حيث إنهم اعتبروه قتلاً عمداً، والمشرع اعتبره جريمة مخلة بسير العدالة، ولم يعدها قتلاً عمداً فيكون اتفق مع أبي حنيفة حينئذ.

10- رضا المجني عليه بالقتل

لو رضي المجني عليه بالقتل. فهل يعتبر الجاني قاتلاً عمداً أم انه قتل مباح؟

الجواب: ترتكز إجابة هذا السؤال على إن رضا المجني عليه هل هو ركن في إباحة تلك الجريمة أم لا؟

تارة يكون رضا المجني عليه ركناً في إباحة الجريمة، كالسرقة. فإذا رضى المجني عليه بأخذ أمواله فحينئذٍ يكون أخذ أمواله مباحاً فلا تكون سرقة.وتارة لا يكون رضا المجني عليه ركناً في أباحتها، وإنما هو ركن في العفو عن حقوقها كالقتل.

ومسألتنا القتل فما هي آراء المذاهب الفقهية، ورأي القانون في ذلك؟

الإمامية: لا يكون الرضا ركناً في إباحة القتل، وكذا الضرب. فلا يعد القتل مباحاً حتى لو رضي المجني عليه, ولكن يملك حق العفو عنه هو ووليه؛ لأنه يتوقف على رضاهم ورضاه عند الإمامية.

ويرى أبو حنيفة أن الإذن بالقتل لا يبيح القتل؛ لأن عصمة النفس لا تباح إلا بما نص عليه الشرع. والإذن بالقتل ليس منها، فكان الإذن عدماً لا أثر له على الفعل، فيبقى الفعل محرماً معاقباً عليه باعتباره قتلاً عمداً، ولكنه درأ عنه عقوبة القصاص وجعلها دية, وذلك لقول الرسول: ادرؤوا الحدود بالشبهات والإذن سبب شبهة في قصاصه.

ومذهب مالك يرى أن الإذن بالقتل لا يبيح الفعل ولا يسقط العقوبة ولو أبرأ المجني عليه الجاني من دمه مقدماً؛ لأنه أبرأه من حق لا يستحقه بعد. وعلى هذا يعد الجاني قاتلاً عمداً، ولكن اختلفوا في العقوبة فمنهم من قال بالقصاص ومنهم من قال تدرأ بالشبهة وتثبت الدية.

ص: 93

ومذهب الشافعي: لا يبيح الإذن القتل، ولكنه يسقط العقوبة القصاص والدية، ويذهب بعضهم إلى أن الإذن لا يبيح ولا يسقط العقوبة، ولكن تدرأ الشبهة القصاص وتثبت الدية.

ومذهب أحمد يرى أن لا عقاب على الجاني، لأن من حق المجني عليه العفو عن العقوبة، والأذن بالقتل يساوي العفو عن العقوبة في القتل.

والإمامية: إن الإذن لا يبيح القتل وتبقى الحرمة, هكذا ذكر السيد الخوئي (قدس سره): (لو قال: اقتلني فقتله، فلا ريب في أنه قد ارتكب محرماً فإن حرمة القتل لا ترتفع بإذن المقتول)(1).

وكذا السيد السبزواري (قدس سره) قال: (فلو قال بالغ عاقل لشخص آخر اقتلني وإلا قتلتك) يحرم عليه قتله ولا يجوز له ذلك للإجماع، ولأن الإذن لا يرفع الحرمة الشرعية في الدماء، أما العقوبة فهل يثبت القصاص أو الدية أو التعزير الظاهر إن الامامية على قولين.

الأول: ما نسب إلى المحقق وهو الأشهر من عدم ثبوت القصاص، واستدلوا على ذلك بأن الآمر قد اسقط حقه بالأذن فلا يتسلط عليه الوارث. ومورد كلام المحقق وان كان هو الإكراه إلا إن تعليله يعم صورة الاختيار كما إن السيد السبزواري (قدس سره) يذكر مورد الاختيار(وأما لو قتله بمجرد الايعاد يكون آثماً. وفي ثبوت القصاص أو الدية إشكال، بل منع)(2),

أما الإثم فلأصالة بقاء الحرمة من غير دليل حاكم عليها، وأما عدم القصاص أو الدية فللشك في ثبوتهما في المقام الذي أذن فيه الشخص لقتل نفسه ولهتك حرمتها، فيرجع إلى أصالة البراءة عنهما ولا يجوز التمسك بإطلاق دليلهما، لأنه تمسك بالدليل في الموضوع المشكوك.

ص: 94


1- مباني تكملة المنهاج: 2/16.
2- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 28/229.

الثاني: ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره): (وهل يثبت القصاص عندئذ أم لا؟ الأظهر ثبوته. هذا إذا كان القاتل مختاراً أو متوعداً بما دون النفس)(1),

فإن الإنسان غير مسلّط على إتلاف نفسه ليكون إذنه بالإتلاف مسقطاً للضمان، كما هو الحال في الأموال فعمومات أدلة القصاص محكمة.

أما القانون العراقي:

فالظاهر من الشروحات ومن قواعد الاشتراك العامة أن الإذن لا يبيح القتل، ويعده قاتلاً عمداً، ويميز بينه وبين حالة المساعدة على الانتحار. ولذا يذكر بعض الشرّاح: (على انه يجب التفرقة بين حالة الاشتراك في الانتحار وحالة من يقتل آخر برضاه. فإنه في هذه الحالة الأخيرة وان كان القتل واقعاً برضا المجني عليه، إلا أن القتيل اتخذ موقفاً سلبياً، ولم يقارف أي عمل من الأعمال المكونة للجريمة فلا يعتبر فاعلاً لجناية القتل، وإنما الفاعل الأصلي هو الذي أحدث الموت. وهذا هو مقتضى تطبيق قواعد الاشتراك العامة. فإذا تعاون عشيقان مثلاً على الانتحار ومفارقة الحياة معاً وأعدّاً لذلك سلاحين ناريين اتفقا على أطلاقهما في لحظة واحدة، وأطلق كل منهما النار على صاحبه. فمن ينجو منهما جازت محاكمته عن جناية قتل عمد)(2).

وعلى هذا فيكون القانون متفقاً مع الإمامية والشافعي وأبي حنيفة ومالك على أنه قتل عمد، ولكن يبقى الخلاف في العقوبة، كما أن المذاهب مختلفة فيها.

11- الاشتراك في القتل

أي يشترك اثنان أو أكثر بقتل شخص أو أكثر.

الإمامية: ذكر السبزواري (قدس سره): (إذا اشترك اثنان أو أكثر في قتل واحد،

ص: 95


1- مباني تكملة المنهاج: 2/16.
2- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته: 3/54.

اقتص منهم الولي إن شاء مع رد ما فضل من دية المقتص منه)(1) للعموم والإطلاق والاتفاق وقاعدة نفي الضرر.

وصحيح الفضيل بن يسار قال: (قلت لأبي جعفر (علیه السلام): عشرة قتلوا رجلاً قال: إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً وغرموا تسع ديات، وان شاؤوا تخيروا رجلاً فقتلوا وأدى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير عشر الدية كل رجل منهم، ثم الوالي بعد يلي أدبهم وحسبهم)(2).

ويقول السيد السبزواري (قدس سره) الاشتراك في القتل على قسمين:

الأول: أن يفعل كل منهم ما يقتل لو انفرد، مثل: أن يجرحوه بجراحات كل واحدة منها تكفي في القتل، أو يلقوه في النار، أو من شاهق، أو في البحر، أو نحو ذلك من المهالك ؛ يصح إسناد القتل إلى كل واحد منهم عرفاً؛ لتحقق السببية بالنسبة إلى كل واحد منهم, فيجري حكم القصاص بالنسبة إلى الجميع فيخيّر ولي الدم بين قتلهم جميعاً، ودفع ديات تسع منهم بينهم بالسوية، أو يختار بعضهم فيدفع دية الزائد والباقون يدفعون إلى المقتص منهم بالنسبة(3).

والثاني: الشركة في السراية مع قصد الجناية. فلو اجتمع عليه جمع فجرحه كل واحد منهم بما لا يقتل منفرداً، ولكن سرت الجميع فمات بسبب السراية. فعليهم القود بالنحو المتقدم؛ لتحقق التسبيب إلى القتل بالسراية مع قصده الجناية. والسراية توجب الموت وإزهاق الروح.

وبهذا تكون الإمامية قد عدت المشترك بكلا نوعيه قاتلاً عمداً. وقد تقدم عندهم أن الممسك والحاضر لهما حكم آخر ولا يعدان قاتلين عمدا ً.

ص: 96


1- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 28/238, 240 – 241.
2- وسائل الشيعة ج19 ب 12 من أبواب القصاص في النفس ج6 ص30 ح 6.
3- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: 28/238, 240 – 241.

المذاهب الأربعة متفقة على أن تعدد الجناة لا يمنع من الحكم عليهم بالقصاص مادام كل منهم قد باشر الجناية(1). وقد اختلفوا في حالة الإعانة على القتل والتحريض عليه.

ولا خلاف في أن القاتل في الحالين: حالة التوافق، وحالة التوافق السابق يقتص منه. ولو تعدد المباشرون سواء أكان اجتماعهم يمكن القتل نتيجة اتفاق سابق أم توافق غير منتظر.

ولكن الخلاف في حكم من اتفق ولم يحضر القتل، إذ أعان عليه ولم يباشره. فأبو حنيفة والشافعي وأحمد يرون القصاص من المباشر فقط، وتعزير من لم يباشر. ومالك يرى قتل من حضر ولم يباشر، ومن أعان ولم يباشر، أما من اتفق ولم يحضر فعليه التعزير في الراجح.

وأما من أمسك رجلاً وقتله آخر فأن أمسكه بقصد القتل فعلى المباشر القصاص وأما الممسك فمالك يرى القصاص. وأبو حنيفة والشافعي يرون تعزير الممسك ولو أمسكه بقصد القتل، وأحمد يرى القصاص من الممسك في أحد آرائه.

وأما الإمامية فإنهم يحكمونه بالسجن المؤبد، حتى الموت والجلد على تفصيل مر.

ولأحمد رأي آخر بالحبس حتى الموت للممسك.

وأما من أمر آخر بالقتل.

فإن كان المأمور صبياً غير مميز، أو مجنوناً فيرى مالك والشافعي وأحمد القصاص من الآمر؛ لأنه المسبب.

ولا يرى أبو حنيفة القصاص من الآمر.

ص: 97


1- التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي: 2/ 126.

وأما إذا كان المأمور بالغاً عاقلاً ولا سلطان للآمر عليه, فيرى مالك والشافعي وأحمد القصاص من المأمور، وأما الآمر فعليه التعزير. ويرى مالك القصاص من الآمر أيضاً إذا حضر القتل.

وأما إذا كان المأمور بالغاً عاقلاً، وكان للآمر سلطان عليه بحيث يخشى أن يقتله لو لم يطع، فيقتص من الآمر والمأمور معاً عند مالك.

ويتفق أحمد مع مالك والشافعي في ذلك.

وعند أبي حنيفة يقتص من الآمر في حالة الإكراه فقط. والإمامية يرون أن الآمر يحكم بالسجن المؤبد حتى الموت، وكذا المكرِه على القتل إذا كان المكرَه بالغاً عاقلاً.

وأما قانون العقوبات العراقي:

فبحسب النصوص القانونية التالية من قانون العقوبات العراقي م/47 إلى م / 50(1)

حيث بينت هذه المواد القانونية القتل بالاشتراك والمساهمة، واعتبرت الشريك هو كل من حرض على ارتكابها، ومن اتفق مع غيره على ارتكابها، ومن أعطى سلاحاً أو آلات أو أي شيء آخر مما استعمل في ارتكاب الجريمة أو ساعده في الأعمال المجهزة أو المسهلة أو المتممة لارتكابها.

وكذا كل من حضر أثناء ارتكابها، أو ارتكاب أي فعل من الأفعال المكونة لها, ويعاقب بالعقوبة المقررة للجريمة.

فالممسك والآمر والمكرِه كلهم يعدون كذلك, ويحكمون بعقوبة الجريمة. فإن كانت في ظرف مشدد فالإعدام، وإلا فالسجن المؤبد أو المؤقت وهكذا.

ص: 98


1- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وتعديلاته: 18- 19.

المبحث الثالث

أولا ً: المقارنة بين العقوبات المقررة للقتل العمد بين المذاهب الفقهية، وقانون العقوبات العراقي.

العقوبة: شرعت لتحقيق العدالة في المجتمع، وزجر الأفراد عن ارتكاب الجرائم، وردعهم عن إظهار ما مكنون في أنفسهم من نزعات شيطانية لارتكاب الجرائم وتقويم وإصلاح للفرد الذي يرتكب الجريمة، بإصلاح الاعوجاج عن طريق إزالة الخلل. هذه الأهداف التي يسعى القانون لتحقيقها من خلال تشريع العقوبة والمشرع العراقي أقام العقوبة على أساس التوفيق بين فكرتي العدالة والمنفعة.

والشريعة المقدسة التي جاء بها الرسول الأعظم: تتكفل بيان حدود السلطة والحقوق المتقابلة بين الحكومة وأفراد المجتمع، وإقامة العدالة على أساس من الأحكام السماوية التي لا يتدخل في صياغتها الحكام, ولا تنظر إلى امتيازات خاصة لبعض الناس دون بعض، فالعدالة التي تجسدها الأحكام الشرعية أفضل بكثير من الأحكام التي يصدرها الملوك والأباطرة على الناس.

ولذا انتشر الإسلام لما فيه من العدالة والمساواة في دائرة العلاقة بين الحكام والمحكومين؛ فالعدالة هي المقصودة بالأصل، والأحكام آلية لإحقاق الحق والوصول بالإنسان إلى كماله؛ لينعم بالسعادتين الدنيوية والأخروية, ولكن الأحكام الخاصة بالحدود وبخاصة العقوبات المقررة للقتل العمد كما سنذكرها وإن كانت مشابهة للعقوبات القانونية من حيث النتيجة - كالقصاص والإعدام والسجن المؤبد والمؤقت- إلا أن الطريقة التي تذكر للتنفيذ والآلة المستعملة تختلف تماماً, ولكننا لا نقارن من أجل التطبيق، وإنما من أجل التشريع. وإن كنا نؤمن أن الجانب العملي لتطبيق الأحكام بشكل فعلي يصعب تطبيقه مع حداثة المجتمع، وتطوره وتطور الوسائل ورفاهية الحياة. ومن هنا نقول: إن المقارنة إنما

ص: 99

هي من حيث التشريع لا التطبيق فإذا وصلنا إلى هنا نقول: إن تشريع العقوبة في الشريعة الإسلامية يشابه تشريع العقوبة في القانون، إلا أن هناك فرقاً, وهو: إن القانون يهتم بظاهر الإنسان وسلوكه في المجتمع، بغض النظر عن الجرائم التي ترتكب بحق نفسه, والتي لا تؤثر على المجتمع. هذا من جهة, ومن جهة أخرى العقوبة في القانون على مخالفة ما شرَّعه المشرع في القوانين الوضعية, والشريعة لما شرعه الله تعالى هذا واضح, ولكن نحن نبحث عن العقوبة للقتل العمد ونريد المقارنة بينهما لا مطلق العقوبة, ولكن لا ننسى أن الشريعة الإسلامية كما تنظر إلى إقامة العدالة وإصلاح سلوك الفرد المسلم تسعى إلى تزكية نفسه، وتخليصه مما يشوب نفسه وما يمنعه من السعادة الأخروية، ولذلك سوف نقارن بين العقوبات المقررة للقتل العمد في التشريع الجنائي الوضعي، والعقوبات المقررة في التشريع الجنائي الإسلامي, وقد ارتكز في أذهاننا الفرق بين أهداف وغايات العقوبات المقررة.

وأستند في ذكر الفرو قات والاختلافات على ما ذكرته في الفصلين من دون أعادتهما هنا وعلى النحو التالي:

العقوبة المقررة في القانون على أساس أن القتل، أما يكون عادياً أو موصوفاً بظروف مشددة أو مخففة.

وأما في الشريعة فعندهم القتل العمد هو واحد. من دون ذكر ظروف مشددة أو مخففة، ولكن ورد في النصوص الإعفاء من العقوبة وهذا يسمى التخصيص.

أقول: إن العقوبة الأصلية للقتل العمد في قانون العقوبات هي السجن المؤبد أو المؤقت.

في حين أن الثابت في عقوبة القتل العمد في الفقه الإسلامي هو القصاص على نحو التعيين، أو القصاص والدية على نحو التخيير كما عن الشافعي وأحمد.

ص: 100

وأن القصاص من حق من يرث المال مطلقاً، ما عدا الزوج والزوجة. وكذا الشافعي وأحمد عندهما أنه حق لكل الورثة على سبيل الشركة لا على سبيل الكمال، كما ذهب لذلك مالك وأبو حنيفة.

وهذا مخالف لما عليه القانون، حيث إن القصاص من حق السلطة التنفيذية.

والطريقة التي ينفذ فيها القصاص هو السيف في الشريعة، كما عليه الإمامية، ولا يجوزون المثلة به, وجوز بعض فقهائهم بالأسهل - كالاتصال بالأسلاك الكهربائية، أو بعض الإشعاعات الخاصة - كما تقدم في كيفية الاستيفاء.

وكذا أبو حنيفة يرى أن القصاص بالسيف.

وأما مالك والشافعي وأحمد فعندهم أنه يقتص بالمثل، فالقاتل بالسيف يقتص منه بالسيف، والذي يقتل بالحرق يحرق وهكذا.

والقانون يحصر الإعدام بالشنق حتى الموت ولا مدرك له من الفقه الإسلامي, وإنما أخذه من الشريعة اللاتينية.

فالمخالفة ليست في نوع العقوبة فقط، بل حتى في استيفائها.

ولهذا نقول: إنه لا اشتراك بين الفقه الإسلامي والقانون في العقوبات إلا أن بعض الموارد يتفق الفقه الإسلامي والقانون على أن عقوبتها الإعدام، ولكن القانون غير مستند إلى الفقه، وإنما بحسب ما يراه مشرع القانون لا فقهاء الشريعة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى شروط القصاص غير مطبقة تماماً في الإعدام.

والقانون حكم بالإعدام؛ لأنه قتل عمد بظرف مشدد وليس كونه قتلاً عمداً عادياً. في حين الشريعة حكمت بالقصاص لكونه قتلاً عمداً. هذا بالنسبة إلى القصاص والإعدام.

ص: 101

وأما بقية العقوبات فالسجن المؤبد عقوبة من العقوبات الشرعية، ولكنها مخصوصة في الشريعة بما يأتي:

1- الممسك لشخص فيقتله آخر.

2- الآمر بالقتل.

3- المكرَه على القتل.

وهؤلاء وإن حكموا بالسجن المؤبد، ولكن حتى الموت. في حين السجن المؤبد في القانون لا يزيد عن خمس وعشرين سنة. حتى السجن المؤبد الذي يكون مصطلحاً مشتركاً بينهما إلا أنه في تعبيرات الفقهاء الحبس الذي يختلف معناه في القانون عن السجن كما نعلم فهم عبروا بالحبس المؤبد.

وأما الدية فلم تذكر أبداً كعقوبة للقتل العمد في القانون أبداً، ولكنها ذكرت بمعنى الغرامة في بعض الموارد.

وهناك أمور طورها القانون وزاد في بحثها، وجعل قسماً منها ظروفاً مشددة- كسبق الإصرار والترصد- فهذه المصطلحات غير موجودة في الفقه، ولم يشر إليها لا من قريب ولا من بعيد.

وقد بينا سابقاً أن الفقه الإسلامي والقانون غالباً ما يتفقون على صدق القتل العمد، إلا أن الفقه الإسلامي لا يميز بعد ذلك أي حالة، ولا يستثنيها بمجرد ثبوت القتل العمد، أما القانون فإنه وأن صدق القتل العمد على الموارد فلا يكتفي بهذا، بل يبحث ليميز بين الظرف المشدد وغيره لتكون العقوبة بحسب ذلك.

فالعقوبة الأصلية في القتل العمد متعددة في القانون، وواحدة في الفقه وبقية العقوبات بدلية.

الاختلاف في الاشتراك، حيث إن كثيراً من الحالات يعدها القانون فاعلاً أصلياً كما بينه م/47- 50

ص: 102

فالممسك الذي لم يعده الفقه الإسلامي قاتلاً عمداً اعتبره القانون فاعلاً أصليا ً.

وعقوبته في الفقه واحدة وثابتة وهي السجن المؤبد حتى الموت، أما في القانون فبحسب الجريمة المشترك بها. فإن كانت تحت ظرف مشدد فتكون الإعدام، وفي ظرف مخفف فالسجن المؤقت وربما المؤبد.

والحاضر أثناء ارتكاب الجريمة يعده القانون فاعلاً أصلياً، ويحكمه بحكم الجريمة.

في حين لا يعده الفقه الإسلامي كذلك، ويوجب عقوبة واحدة وهي فقئ عينيه.

فلا يمكن القول بأن الفقه الإسلامي وقانون العقوبات العراقي يصدقان على مورد واحد إلا بحسب الاتفاق الذي يسمى بالعرف الصدفة, هذا في التشريع ولم يقتصر الافتراق على التشريع فقط، بل حتى المصطلحات التي قسم منها يؤدي نفس المعنى - كالقصاص والإعدام- فإنهما يختلفان بكل شيء: باللفظ وطريقة التنفيذ والشرائط وهكذا.

وربما يتفق الفقه الإسلامي والقانون في المصطلح كالسجن المؤبد ولكن المقصود مختلف والتنفيذ مختلف.

فالأصح أن نقول: إن قانون العقوبات العراقي ينهل من شريعة غير شريعتنا الإسلامية. وعليه فلا يحكم بما أنزل الله.

ص: 103

الخاتمة

أنزل الله سبحانه وتعالى الشريعة الإسلامية السمحاء على رسوله العظيم:؛ لتكون رسالة عالمية تواكب جميع العصور والدهور، ويكون الدين الإسلامي هو دين الله في الأرض وشريعته الحاكمة.

ويأمر الله النبي الكريم أن يحكم بما انزل الله تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)}(1)

وغاية البحث أن نصل إلى أن قانون العقوبات العراقي هل يحكم بما انزل الله تعالى أو لا؟

وقد توصل البحث في بيان ذلك إلى النتائج التالية:

1- إن تعريف القتل العمد في الشريعة الإسلامية مقيَّد بقيود منها: العصمة والمكافأة؛ لتعطي للمسلم شرفيته على غيره.

والقانون العراقي يعرف القتل العمد خلواً من هذين القيدين؛ فلا شرفية لمسلم على يهودي، ولا على ملحد، ولا على نصراني, وليس الأمر متوقفاً على الشرفية، بل إن الشريعة تحكم بعدم قتل المسلم بالمسيحي أو اليهودي, والقانون يحكم بقتله بهما. وذكرت هناك أن القتل العمد في الشريعة هو تعريف لبعض

ص: 104


1- سورة المائدة آية 48 – 49.

أفراد القتل العمد، وهو الموجب للقصاص؛ فلا يصلح تعريفاً لحقيقة القتل العمد.

إن تعريف القتل العمد في القانون يعم جميع الأفراد، ويصلح أن يكون تعريفاً للحقيقة.

2- يتفق الفقه والقانون على تقسيم القتل ثلاثة أقسام: العمد وشبهه والخطأ. والقانون يطلق على شبه العمد الضرب المفضي إلى الموت وقد أثبتنا هناك أنه واحد.

فالمشرع العراقي يتفق مع أغلب المذاهب عدا مالك.

3- أركان القتل العمد يمكن القول باتفاقهما إلى حد ما في الركنين المادي والمعنوي، إلا أن محل الجريمة وهو الإنسان في القانون غير مقيد، أما في الفقه فهو مقيد، وهذا شيء أساسي يترتب عليه صدق القتل العمد؛ وعليه فالشريعة لا تحكم على المسلم الذي قتل مرتداً أو حربياً أو ذمياً بالقصاص، لعدم صدق القتل العمد عليه.

في حين يحكمه القانون لصدق القتل العمد عليه.

والركن المعنوي وهو العمد يقسم في القانون على نوعين: بسيط، والمقترن بسبق الإصرار.

4- يتفق القانون مع الفقه في صدق القتل العمد باستعمال المحدد أو المثقل أو الإحراق أو الإغراق.. الخ, ما قدمنا من مصاديق، إلا أنه لا يعني المطابقة، بل تبقى الملاحظات السابقة سارية. فمثلاً اتفق الفقه والقانون على أن القتل بالمحدد قتل عمد، ولكن إذا قتل المسلم الملحد أو الحربي أو المرتد بالمحدد لا يصدق القتل العمد عليه في الفقه، وان صدق في القانون. فهذا لا يعني الاتفاق بينهما فهو اتفاق ليس له أي تأثير على النتيجة.

5- تقدم أن القتل بسبب شرعي يصدق عليه القتل العمد عند الفقهاء بالنسبة للشاهد والحاكم والولي. وفي القانون يصدق على الشاهد ولا يصدق

ص: 105

على الحاكم، كما بينا في محله. ولا يعني صدق القتل العمد في الفقه والقانون على الشاهد اتفاقهما، بل يبقى كل منهما على رؤيته وأسسه التي أسسها.

6- اتفق الفقه والقانون على أن القتل بوسيلة معنوية يصدق عليه أنه قتلٌ عمداً، ولكن يبقى كل منهما على رؤيته وأسسه كما في المحدد.

7- الاشتراك في القتل: فالفقه له تفصيلاته وأحكامه: كحكمه بالقصاص عليهم مع رد فاضل دياتهم بالنسبة، كما عليه الإمامية والمذاهب الأخرى أيضاً حكموا بجواز القصاص من الجميع، واختلفوا فيمن اتفق ولم يحضر, وأمر ولم يحضر، أو نظر، أو ما شابه ذلك من الاشتراك وفصّلوا في العقوبات بينهم. في حين أن القانون فصل ذلك بتفصيلات أخرى، وجعل المساهمين لهم عقوبة واحدة وهي عقوبة الجريمة نفسها.

8- ليس في العقوبات اجتماع، ولا اتفاق بين الفقه والقانون، حتى في المصطلحات إذ يقول الفقه بالقصاص، والقانون بالإعدام. وكل منها يؤدي إلى الموت، ولكن لكل منهما طريقته في ذلك. فالفقه بالسيف، أو بالمثل على اختلاف بين الفقهاء، كما ذكرناه في محله، وأما الإعدام في القانون فهو الشنق حتى الموت.

والدية عقوبة في الفقه لم يذكرها القانون في القتل العمد وإن كانت تقابلها الغرامة، إلا أنها لم تذكر في القتل العمد. وإن ذكرت في موارد أخرى.

نعم ورد السجن أو الحبس المؤبد في الشريعة والقانون، ولكن المقصود منهما مختلف. فأهل الشريعة يذكرون الحبس ويريدون السجن. والظاهر عدم الفرق عندهم بين الحبس، والسجن، والحبس المؤبد عندهم حتى الموت. وفي القانون السجن المؤبد لا يزيد على خمس وعشرين سنة. وللسجن معناه وللحبس معناه. فالسجن خمس سنوات فما زاد. أما الحبس فأقله 24 ساعة ولا يزيد على سنة.

ص: 106

فضلاً عن بقية العقوبات كالسجن المؤقت في القانون، والكفارة في الفقه، ومنع الإرث والوصية وما إلى ذلك.

9- تنفيذ العقوبة في الفقه وهي القصاص تكون من وليّ الدم، أو من ينوب عنه، أما في القانون فالسلطة التنفيذية تتولى الإعدام والسجن وغيرهما. ويمكن التوافق حينئذ إذا أناب الولي السلطة التنفيذية.

العقوبة الأصلية للقتل العمد في الفقه هي القصاص وتكون إما على نحو الوجوب العيني، أو على نحو الوجوب التخييري عند بعض. فالتخيير يكون بينه وبين الدية، وبقية العقوبات بدلية كالتعزير والكفارة ومنع الإرث ومنع الوصية. ويستثني الفقه بعض الموارد التي صدق عليها القتل العمد من القصاص وهي:

1- الوالد إذا قتل ابنه فلا قصاص عليه، ولكن يعزر، ويكفّر، وتجب عليه الدية لباقي الورثة.

2- الحر يقتل العبد وخاصة قتل السيد عبده.

3- قتل المسلم لغيره لعدم التكافؤ.

4- المجنون إذا قتل عاقلاً أو مجنونا ً.

5- العاقل إذا قتل المجنون عليه الدية.

6- الصبي إذا قتل صبياً أو بالغاً.

7- قتل غير محقون الدم كالمرتد والحربي وغيره ممن سب النبي ; أو أحد الأئمة (علیهم السلام) عند الإمامية.

وهذه الاستثناءات ليست كذلك في القانون، حيث إن المسؤولية الجنائية لها موانع وهي:

1- فقد الإدراك والإرادة: كالمجنون، أو عاهة في العقل أو بسبب كونه في حالة سكر، أو تخدير أعطي له قسراً فتعد عذراً مخففاً.

2- الإكراه: فلا مسؤولية على من أكرهته على ارتكاب الجريمة قوة مادية أو معنوية لا يستطيع دفعها.

ص: 107

3- الضرورة وقاية لنفسه، أو غيره، أو ماله، أو مال الغير من خطر جسيم.

4- السن: فمن لم يتم السابعة من عمره لا تقام ضده الدعوى.

والحدث: من أتم السابعة من عمره ولم يتم الثامنة عشرة.

هذه النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث، ويترتب على ذلك:

1- إن قانون العقوبات العراقي يستمد تشريعه من شريعة أخرى غير الشريعة الإسلامية. وحسب ما قرأت من القانون الفرنسي الذي يرتكز على الشريعة اللاتينية.

2- لم تطبق المادة الدستورية التي تعد الشريعة الإسلامية المصدر الأساس للتشريع م/ 2.

3- يمكن الأخذ من الشريعة الإسلامية ما موجود ومثبت، ويتوافق مع مجريات العصر والتطور ومقتضيات الدولة المدنية. وإن كانت دائرة الحدود والأحكام الجنائية لا تتجاوز عدّة أحكام، ويصعب تطبيق شروطها في الوقت الحاضر، بل ربما يفلت المجرم بسهولة من القصاص. فلا بد في إثبات الجريمة والتحقيق مع المجرم وما إلى ذلك من الأمور الحديثة من الاعتماد على العلوم المتخصصة في هذا المجال.

إن هذه العلوم والتشريعات قد اتسعت بحسب اتساع العصر وتطور الحياة الاجتماعية، وازدياد مشكلاتها. مما حدا بالدول الإسلامية ومنهم العراق إلى الاعتماد على القوانين الوضعية المشرعة، وان كانت من أهل بلاد غير إسلامية الذين لا يحكمون بما أنزل الله في الشريعة الإسلامية، وإنما بشرائع أخرى أو حسب ما يرونه مناسباً لهم.

ولكي نجمع بين الحكم بحسب مقتضيات العصر، ومفهوم الدولة المدنية الحديثة، والحكم بما أنزل الله تعالى فعلينا دراسة وتطوير التشريعات القانونية

ص: 108

والاستعانة بالعلوم الحديثة لتطوير مصطلحاتنا القانونية، لما يتوافق مع تطورات العصر، وحل الأزمات والمشاكل والنزاعات بما يحصل لنا من نتائج البحوث وتطويرها. وفي حالة عجزنا عن الحصول على نص يواكب التطور فباب الاجتهاد مفتوح للتطوير، فمثلاً: القصاص بالسيف فهل يمكن أن توجد طريقة أسهل توافق عليها جمعيات حقوق الإنسان؛ لأن ذلك لا يتلائم مع طبيعة العصر، خصوصاً إذا قيس بما شرعته بعض الدول الغربية في تعاملها مع الحيوان، إذ اشترطت تخديره قبل ذبحه فكيف نقتص من الإنسان بالسيف في هذا الزمان, وخير شاهد على أن باب الاجتهاد مفتوح، ما ذكرته عن السيد السبزواري (قدس سره) حيث أجاز القصاص بالكهرباء. وربما إذا جعلنا هذه الأمور الحديثة تحت أنظار المجتهدين نحصل على أحكام تتفق وطبيعة العصر. ولهذا يمكن إن نقترح ما يأتي للاستفادة من ذلك.

اقترح إنشاء مركز البحوث الشرعية القانونية لتطوير ودراسة القوانين العراقية، وتغييرها بما يرضي الله تعالى، ويلائم روح العصر وتطوره، حتى نصل إلى الحكم بما أنزل الله تعالى.

4- إن القضاء وظيفة الأنبياء وأوصيائهم. وقد أعطى الله سبحانه وتعالى اهتماماً بذلك، وأكد كثيرا ًعلى أنبيائه أن يحكموا بما أنزل الله تعالى، لما له من مساس بحياة الناس في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

فيجب علينا الاهتمام بذلك، وتطبيق الشروط التي وردت في الشريعة المقدسة لنيل منصب القاضي، لأنه الشريان الأبهر لكل نظام يسعى لتحقيق العدالة والمساواة التي تحقق الازدهار والرفاهية للمجتمع.

وينبغي الاستعانة بالمرجعيات الدينية الرشيدة، وتحصيل المشورة والإرشاد والتوجيه في هذا المجال تيمناً بقول الرسول الأعظم:: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل).

ص: 109

هذا ما وصلت إليه وإن لم يكن البحث بمقدار ما طرحت، أو أن مقامي لا يسمح بهذه المقترحات إلا أنني أطرح ذلك من باب إيجاد الفكرة وتحريرها من القوة إلى الفعل ليتصدى لها من هو من أهلها، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح لهذا البلد الجريح والله ولي التوفيق.

ص: 110

المصادر والمراجع

1- القرآن الكريم.

2- الأنوار لأعمال الأبرار في فقه الإمام الشافعي, العلامة يوسف الأردبيلي.

3- التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي, عبد القادر عودة, ط أولى, مطبعة الكاتب العربي – بيروت.

4- تفسير شبر, السيد عبد الله شبر, دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان, ط ثالثة 1377ﻫ/ 1977م.

5- تنوير الحوالك على موطأ مالك, جلال الدين السيوطي.

6- الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة, ملا صدر الدين محمد الشيرازي, ط رابعة 1410ﻫ - 1990م, مط دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان.

7- الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية, زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني, ط أولى, مطبعة ثامن الحجج.

8- الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية, السيد محمد حسن ترحيني العاملي, ط 4 مط دار الهادي بيروت لبنان.

9- شرح شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام, السيد عبد الزهراء الحسيني, ط أولى.

10- شرح قانون العقوبات الجديد, حميد السعدي, مط المعارف 1976م – 1967م.

11- شرح قانون العقوبات العراقي وتعديلاته, د. عباس الحسني, مطبعة العاني, بغداد.

12- الصحاح, الجوهري, نديم مرعشلي وأسامة مرعشلي, ط أولى.

ص: 111

13- قانون العقوبات القسم الخاص, أ.د. واثبة داود السعدي, بغداد 1988م – 1989م.

14- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 م وتعديلاته, القاضي نبيل عبد الرحمن حياوي, ط ثانية 2006م مط المكتبة القانونية بغداد.

15- القسم الخاص في قانون العقوبات, د. رمسيس بهنام, ط أولى 1988م, مط دار المعارف في مصر.

16- الكتب الأربعة (الكافي - من لا يحضره الفقيه - التهذيب - الاستبصار) تنظيم برزكر بفروبي ط أولى 1424ﻫ 2003م مط تكي – قم.

17- المبادئ العامة في قانون العقوبات الجديد, أ.د. علي حسين خلف و أ.م.د. سلطان عبد القادر الشاوي, مط المكتبة القانونية بغداد.

18- مباني تكملة المنهاج, زعيم الحوزة العلمية السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي, مط الآداب, النجف الاشرف.

19- مسالك الأفهام في تنقيح شرائع الإسلام, زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني, ط أولى 1419ﻫ, مطبعة باسدار إسلام قم.

20- المعجم الموضوعي لنهج البلاغة, أويس كريم محمد, ط أولى.

21- المغني, ابن قدامة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد المقدسي, ط 1425ﻫ - 2004م, مطبعة دار الحديث القاهرة.

22- المنجد في اللغة, لويس اليسوعي, ط تاسعة 1937 مط الكاثوليكية بيروت.

23- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام, السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري, مط الآداب, النجف الاشرف سنة 1986م – 1406ﻫ.

24- وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة, الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي, الطبعة الخامسة (الاسلامية), دار إحياء التراث العربي.

ص: 112

الدلالة الإطلاقية - الشيخ نجم الترابي دام عزه

اشارة

إن للإطلاق أنحاءً ومناشئ .

أمَّا أنحاءه فمنه اللفظي اللحاظي, واللفظي الذاتي, واللحاظي المقامي, والمنتج للحصَّة, والمنتج للسعة, وغيرها.

وأمَّا مناشئه فمنه ما تقتضيه الضرورة العقلية كما إذا امتنع التقييد فإنه يجب الإطلاق ثبوتاً فيما لو كانا نقيضين أو ضدين لا ثالث لهما, ومنه ما يستدعيه مقام الإمتنان, ومنه ما تستدعيه مقدمات خاصة يُقال لها مقدمات الحكمة - وهي تسمية وفق أحد الإتجاهين في تخريج عمدة مقدّماتها كما سيأتي عليك خلال البحث - وغيرها.

ومحلُّ بحثنا هو آخر تلك الأنحاء - المنتج للسعة - ومقصودنا فيه تحقيق مقدمات آخر هذه المناشيء - مقدمات الحكمة - .

ص: 113

ص: 114

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد كل الحمد لولي النعم, والصلاة والسلام على المصطفى محمد وآله سادة الأمم.

الدلالة الإطلاقية

إن للدلالة الإطلاقية دوراً وسيعاً في الاستدلال الفقهي والبحث الأصولي. ولا خلاف من حيث ثبوت أصلها, فعند ذكر اسم الجنس مثلاً فإن الأصل إرادة المطلق منه، وإنما وقع الخلاف في تخريج ذلك، فنُسب إلى المشهور أنهم خرّجوها على أنها دلالة وضعية. ولعل ذلك من جهة عدم معروفية غيرها.

ولكن ذهب سلطان العلماء (قدس سره) (ت: 1064ﻫ) وعموم من تأخر عنه إلى أنها دلالة غير وضعية, فلا يلزم التجوز في لفظ اسم الجنس في حال تقييده أو إطلاقه على سبيل الإجمال. وهؤلاء اختلفوا فيما بينهم في سنخ هذه الدلالة على اتجاهين:

فالمشهور بينهم تخريجها على أساس وجود قرينة حالية عامة بها تثبت الدلالة الإطلاقية اصطُلح عليها بقرينة الحكمة.

وذهب جملة من الأعلام أخيراً إلى أن الدلالة الإطلاقية لا تتوقف على قرينة الحكمة, وإنما هي دلالة لفظية محضة. والبحث عن الخلاف بين مسلك الدلالة الوضعية, ومسلك الدلالة غير الوضعية أشبه بالبحوث التأريخية من جهة وضوح تعين الثاني حتى انقرض القول بالدلالة الوضعية تماماً.

وإنما المقصود في هذا البحث تنقيح مبنى الدلالة الإطلاقية وفق الاتجاهين المذكورين ضمن المسلك الثاني، وتحقيق الراجح بينهما.

ص: 115

وقد ذُكِرَ في كلمات المتأخرين القائلين بمسلك المشهور مقدمات يبلغ مجموعها أربع مقدمات لانعقاد الإطلاق:

الأولى: كون المتكلم في مقام البيان دون الإهمال والإجمال.

الثانية: أن لا يكون في الكلام قيد يمنع من انعقاد الإطلاق.

الثالثة: إمكان التقييد والإطلاق إثباتاً وثبوتاً.

الرابعة: تطابق المراد الجدي والمراد الاستعمالي.

والخلاف بين الاتجاهين المذكورين يتعلق بالمقدمة الأولى, حيث إن الاتجاه المشهور يرى الحاجة إليها, وتوقف الإطلاق على إحرازها، وأما الاتجاه الثاني فلا يجد حاجة إليها.

وأما المقدمات الثلاثة الأخرى فهي مشتركة بين الاتجاهين المذكورين. والمراد بهذا البحث تحقيق القول في شأن المقدمات الأربعة دون التعرض لسائر مباحث الإطلاق والتقييد, من قبيل الحديث عن حقيقة الإطلاق والتقييد ثبوتاً وسنخ التقابل بينهما، وتحليل الإطلاق اللفظي المنتج لإرادة الحصة كالوجوب النفسي عند دوران الأمر بين الوجوب النفسي والغيري، ومن قبيل حقيقة الإطلاق المقامي وغير ذلك من الأبحاث.

محل الدلالة الإطلاقية

اشارة

إذا بنينا على أن اسم الجنس مثلاً موضوع للطبيعة المهملة أو ما بحكمها فعند ذكره - أي اسم الجنس- في مقام الجعل تكون عندنا دائرتان في مدلوله:

الأولى: أصل المعنى وهو ما وضِعَ له اسم الجنس، ويتعين من خلال الأصول اللفظية التي تعتمد في الدلالة الوضعية.

الثانية: تمام ذاك المعنى وحدوده وسوره، وبعبارة أخرى القيود والشرائط والموانع التي لو كانت لصيّرت المعنى في دائرة أضيق مما لو لم تكن، وهذا هو المقصود من التعبير ب-(التمام) في المقام.

ص: 116

والدائرة الثانية هذه هي محل الدلالة الإطلاقية دون الأولى، ويتضح مما ذكرنا:

1- إن الإجمال في الدائرة الثانية يحصل بعدم تمامية الدلالة الإطلاقية، أما الإجمال في الدائرة الأولى فيحصل بعدم تمامية الدلالة الوضعية وما يلحق بها.

2- إن الدائرة الثانية مضافة إلى الدائرة الأولى أي أن السور والحدود إنما هي سور وحدود أصل المعنى، فإذا اختلف أصل المعنى اختلفت الحدود. وسيأتي التعرض لما يترتب عليها في المبحث الرابع.

3- يظهر النظر في بعض الكلمات التي تذكر بعض الأصول اللفظية المرتبطة بأصل الكلام, والدائرة الأولى. وقد يعم بعضها الدائرة الثانية ضمن مقدمات الدلالة الإطلاقية. فإن المقصود بمقدمات الدلالة الإطلاقية خصوص ما يحتاجه التمام والحدود.

ويقع الكلام في مباحث أربعة:

المبحث الأول

اشارة

في أولى مقدمات الدلالة الإطلاقية وعمدتها.

ويقع الكلام تارة في أصلها، وأخرى في سائر شؤونها. فهنا جهتان:

الجهة الأولى: في أصل هذه المقدمة:

وقد انقدح أن فيها اتجاهين. وينبغي الالتفات إلى أن هذين الاتجاهين إنما يتنازعان في مقام إيجاد حلٍّ لإشكالية مفادها:

أن المتكلم ثبوتاً مراده الجدي إما المطلق, أو المقيد, أو المهمل على فرض إمكانه، فإذا ألقى اسم الجنس مثلاً من دون أن يذكر قيداً معه، فإن الاحتمالات الثلاثة قائمة. وتعين الإطلاق ثبوتاً لا يكون إلا بدفع الاحتمالين الآخرين. والاتجاهان المذكوران إنما يحاولان دفع هذين الاحتمالين؛ لأنه ما دام أحدهما باقياً بلا دافع لا مجال للبناء على إرادة الإطلاق الثبوتي.

ص: 117

ويمكن تصوير الإشكالية المذكورة إثباتاً في مقام المراد التفهيمي

- الاستعمالي - من أن لاسم الجنس في حال عدم ذكر القيد معه حالات ثلاثة(1):

الإجمال - ولا يندرج تحته تعمد الإجمال - والإهمال والإطلاق، وجميعها تنسجم مع المدلول الوضعي لاسم الجسم، وتعين الإطلاق إثباتاً لا يحصل إلا بدفع احتمالي الإجمال والإهمال الإثباتيين.

الاتجاه الأول

وهو السائد عند المتأخرين من أن الإطلاق -سنخ ظهور تركيبي من حالٍ ولفظ أو حكم عقلي أو عقلائي- مبني على مقدمة مفادها:

أن غرض كل متكلم من خطابه بيان تمام مراده, لا أنه يبين بعض مراده، ونعني بالتمام ما ذكرناه في محل الدلالة الإطلاقية من أنه جميع القيود والشرائط والموانع المعتبرة في الحكم أو أحد ملابساته من موضوعه أو متعلقه.

وهذه المقدمة يُنتظر منها أن تحل الإشكالية المذكورة. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى أن يقام الدليل على وجودها. ومقدار هذا الوجود من أنها هي الأصل, فيكون الخروج عنها يحتاج إلى دليل أو أنها ثابتة في حالات خاصة.

أما حلها للإشكالية فتوضيحه:

إن نفي الإهمال والإجمال ثبوتاً وإثباتاً إنما يحصل بمجرد إحرازها, فإن منافاة كونه في مقام بيان جميع القيود والشرائط للإهمال والإجمال ثبوتاً وإثباتاً

أمر بديهي.

ص: 118


1- وهناك احتمالان آخران: تعمد الإجمال وإرادة تفهيم المقيد, مع أنه لم يذكر القيد. والأول مدفوع بأصالة البيان العامة، والثاني مدفوع بأصالة الحقيقة, إذ إرادة تفهيم المقيد من خلال اسم الجنس واستعماله فيه بما هو مقيد تجوز، والحال أن الدلالة الإطلاقية قائمة على تعدد الدال والمدلول.

ولا يتوهم أنه أحياناً قد يكون تمام المراد هو الإهمال. وهو منسجم مع المدلول الوضعي لاسم الجنس, ومن ثم لا يحتاج إلى إقامة قرينة عليه.

فإنه مبني على تفسير خاطئ للتمام, لعله هو المنسبق منه إلى الذهن, لا ما ذكرناه من أنه تمام القيود والشرائط. وأيضاً نفي إرادة المقيد ثبوتاً مع عدم ذكر القيد يستلزم نقض الغرض.

وكيف ما كان لا يُحتمل أن أصحاب الاتجاه الثاني ينكرون أن المقدمة محل البحث على فرض وجودها تحل الإشكالية المذكورة. وإنما هم ينكرون أصل وجود هذه المقدمة.

ويمكن أن يُستدل على وجود المقدمة محل البحث بوجهين:

الوجه الأول: ويذكر له في كلماتهم بيانان:

البيان الأول(1):

سيرة أهل المحاورة على التمسك بالإطلاق مع عدم إحراز - من خلال القطع والاطمئنان - كون المتكلم في مقام البيان. وهذا لا يصح إلا إذا كان الأصل عندهم فيما إذا شُك في كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده هو أنه في مقام البيان.

وهذا في حقيقته انتقال من اللازم - وهو التمسك بالإطلاق مع عدم إحراز أنه في مقام البيان - إلى الملزوم وهو تمامية مقدمات الحكمة، ولما كان المفروض أن المقدمة محل البحث مشكوكة, فلا مناص من وجود أصل عقلائي يثبتونها به.

وأُورد(2)

عليه:

أنَّه لو سلَّمنا توقف انعقاد الإطلاق على المقدمة محل البحث, فإنه إنما ينعقد في حال إحرازها، أما في حال الشك في تحققها فلعل تمسك العقلاء لإجل وجه آخر لا يتوقف على إحراز المقدمة المذكورة, ومن ثم السيرة المزبورة أعم

ص: 119


1- كفاية الأصول: 248، الهداية في الأصول: 2/ 403 وغيرها.
2- المحكم في أصول الفقه: 2/ 62، المحاضرات للسيد الداماد: 1/ 510.

من المدعى.

ويلاحظ عليه: أنه سيأتي عدم تمامية ما يذكر كدليل للاتجاه الثاني، فلا يبقى تخريج لا يواجه إشكالاً إلا المقدمة محل الكلام. وبعبارة أخرى إن هذا الإيراد يتم فيما لو احتملنا وجهاً صحيحاً آخر تُخرّج عليه الدلالة الإطلاقية, أما مجرد الاحتمال فلا قيمة له.

البيان الثاني(1): إن ظاهر حال كل متكلم هو كونه في مقام بيان تمام مراده, ومن ثم كونه في مقام الإهمال أو الإجمال يحتاج إلى الدليل.

ويفترق هذا الوجه عن سابقه:

1. في الوجه الأول انطلق من لازم ثبوت الأصل إلى الأصل والذي هو الملزوم، أما في هذا الوجه فمباشرة ذهب إلى الأصل من دون توسيط لازمه.

2. في الوجه الأول لم يوضح حقيقة هذا الأصل العقلائي، أما في الثاني فبين أن حقيقته هي ظهور حال.

نعم الوجه الأول يصلح أن يكون دليلاً على حجية الظهور الحالي. هذا بعد الفراغ من ثبوته صغروياً، حجة موضعية وإن لم تثبت حجية الظهور الحالي بصورة عامة أو في دائرة أوسع من الدلالة الإطلاقية.

ومن ثم الوجه الثاني هذا يحتاج إلى بحث صغروي من أن المقام فعلاً ظاهر حال كل متكلم ما ذُكر، وبحث كبروي في حجية الظهور الحالي، وقبلهما نذكر مقدمة في المقصود بظهور الحال وبعض خصوصياته.

أما المقدمة(2):

ظهور الحال هو الكشف المستند إلى حال المتكلم، فالكاشف في المقام هو الحال لا اللفظ ولا الفعل، وما يكشف عنه الحال تارة يكون مدلولاً عرفياً, أي ينسبق إليه ذهن الإنسان العرفي، وأخرى لا يكون كذلك بأن يكون

ص: 120


1- فوائد الأصول: 1-2/ 574، أجود التقريرات: 2/ 430.
2- الحلقة الثانية: 267، الحلقة الثالثة: 215، بحوث في علم الأصول: 4/ 254.

عقلياً أو علمياً، والمقصود هنا هو الأول كما هو الشأن في الظهورات اللفظية، فالنتيجة أن الحال هيئة يكون عليها المتكلم لها مدلول عرفي أو غير عرفي.

والظهور الحالي منه نوعي ومنه شخصي كالظهور اللفظي، وتارة يكون من القرائن المكتنفة بالكلام، وأخرى مكتنفة بالفعل, وثالثة ظهور حالي بحت. وهو المجرد عن كليهما كما في حال السكوت والتقرير.

والإحراز الحالي في نفسه دليل لبي يُقتصر فيه على القدر المتيقن إلا في حالات خاصة تُذكر في محلها، كما أن إحراز هذا الحال الدال على المدلول العرفي قد يبلغ مرتبة القطع, فيكون حجة لحجية القطع، وقد يبلغ الاطمئنان فيكون حجة أيضاً لحجية الاطمئنان العقلائي مطلقاً، وقد يكون ظهوراً فيحتاج إلى إثبات حجية. وهو البحث الكبروي الذي أشرنا إليه. انتهت المقدمة.

أما صغروياً: فإن مصحح الاتصاف بهذا الحال هو التكلم بلفظ يصلح أن يكون مطلقاً. وهو فيما لو كان مدلول اللفظ ماهية وسيعة, كما سيأتي في المبحث الثالث, لا كل لفظ. ولذا لو كان ساكتاً لم يتصف بالحال الخاص أو أن الكلام كان بلفظ لا يصلح أن يكون مطلقاً.

أما كبروياً: أي حجية الظهور الحالي: إن الظهور الحالي الإطلاقي عرفنا الدليل على حجيته بالخصوص, أما حجية الظهور الحالي بصورة عامة فتفصيله في محله إنما نذكر هنا إجماله:

وهو أن الظهور اللفظي المفروغ من حجيته بدؤه من الظهور الحالي وانتهاؤه إليه، فلا قيمة للظهور اللفظي بدون الظهور الحالي.

أما البدء: فالظهور الكاشف عن كون المتكلم عندما يُلقي كلامه أنه في مقام أصل البيان, لا الإجمال والإبهام هو ظهور حال، والظهور الكاشف عن كونه ليس غافلاً عندما صدر الكلام منه, بل ملتفت إليه أيضاً هو ظهور حال، ويعبر عنه بأصالة عدم الغفلة.

ص: 121

وأما الانتهاء: فإن الكاشف عن الإرادة والقصد مطلقاً - سواء أكانت إرادة استعمالية أم إرادة جدية، هذا في الألفاظ، أو إرادة في غير مقام الألفاظ - ليس إلا الحال بعد عدم أخذ الإرادة في معاني الألفاظ.

وكذلك الكاشف عن متابعة المتكلم لقوانين لغته وعرفه أيضاً ظهور حال.

فالحاصل أننا ما لم نسلم بهذه الحزمة من الظهورات الحالية في البدء والختم, لا مجال للظهور اللفظي إلا أن يدعى القطع من هذه الأحوال أو الاطمئنان بما لا يرجع إلى الاعتماد على ظهور الحال، وهو كما ترى. هذا مضافاً إلى ما ذكرناه من الحجية الموضعية للظهور الإطلاقي، ومن ثم لا يبعد التعميم لكل ظهور حالي.

قد يقال الظهورات الحالية المزبورة مكتنفة بالكلام. ولذا قد لا يستفاد من الوجه الإجمالي هذا في إثبات حجية الظهور الحالي المكتنف بالفعل أو الظهور الحالي البحت.

ولكن لا يخفى بناء العقلاء على أصالة عدم الغفلة في جميع التصرفات من الأفعال والأقوال, وحتى الأحوال. وعرفنا أنها ظهور حال – طبعاً بما لا يلزم معه محذور الدور- .

فتحصل أن حجية الظهور الحالي بصورة عامة أمر لا مفر منه.

الوجه الثاني: حُكي في المطارح: (وهل هناك أصل يُرجع إليه عند الشك في ورود المطلق في مقام البيان؟ قد يقال إن أغلب موارد استعمال المطلقات إنما هو ذلك، فعند الشك يجمل عليه، وليس بذلك البعيد فتأمل)(1).

وبعبارة أخرى: إذا ألقى المتكلم اسم الجنس مثلاً وشككنا أنه في مقام بيان تمام مراده أم لا؟ فإنه لما كان أغلب الموارد التي يستعمل المتكلم فيها المطلق يكون في مقام البيان لتمام مراده، فإن هذا يستدعي أن نحمل المورد المشكوك

ص: 122


1- مطارح الأنظار: 2/ 260-261.

على الغلبة المذكورة.

ولا يخفى أن هناك فرقاً بين غلبة استعمال الألفاظ المطلقة في الإطلاق, وبين غلبة كونه في مقام البيان عند استعمال الألفاظ المطلقة. إذ الأولى غلبة خارجية, والثانية غلبة استعمال. ومنه يتضح أن الغلبة المذكورة في هذا الوجه إنما هي غلبة خارجية لا في الاستعمال. والغلبة الخارجية في نفسها لا حجية لها إلا إذا كانت مرتكزة في أذهان أهل المحاورة بحيث يعدونها من القرائن المكتنفة بالكلام الموجبة للظهور على وفقها، ولا دليل على أن المقام كذلك.

وبهذا اتضح أن لدينا أصلاً عقلائياً نحرز به وجود المقدمة - محل البحث- عند الشك في وجودها، وهوية هذا الأصل أنه ظهور حالي.

هذا من جهة, ومن جهة أخرى: قد يقال ما هي النكتة الثبوتية التي دفعت المتكلم إلى أن يكون غرضه بيان تمام مراده بكلامه؟ فقد وقع الكلام في تحليل ذلك من جهة أنه لا مكان للتعبد عند العقلاء, سواء في ارتكازياتهم أم سلوكياتهم أم محاوراتهم، ويمكن أن يذكر لذلك وجهان:

الوجه الأول(1): إن طبع الكلام والمتكلم يقتضي أن يكون المتكلم في مقام البيان.

توضيحه: إن لكل شيء اقتضاءً يمثل طبعه. فطبع المتكلم مقتضٍ لبيان مقاصده والإفصاح عن مرامه من خلال الكلام وما يلحق به من قرائن حالية ومقامية وسياقية وغيرها، ومنه يظهر تقييد الطبع بالمتكلم من باب التغليب, بل لا يبعد أن المتكلم والكلام أخذا بما يشمل الأمور المذكورة، والكلام بطبعه كاشف عن تلك المقاصد، فالأول أشبه باللم والثاني أشبه بالإن، ولإجل الثاني هذا كان بناء العقلاء على كاشفية الكلام عن مقاصد المتكلم، فتحصل أن طبع المتكلم يقتضي الإفصاح عن تمام مرامه, وجميع ما هو دخيل في مراده,

ص: 123


1- فوائد الأصول: 1-2/ 574، نتائج الأفكار: 2/ 399، نهاية الدراية: 2/ 498 هامش3.

ولا يحيد عن ذلك إلا بمانع عن مقتضى طبعه هذا.

ويُستدرك على كلام المحقق النائيني (قدس سره) أن النافع في المقام هو طبع المتكلم, لا طبع الكلام. ولذا اقتصر عليه المحقق الأصفهاني, والسيد الشاهرودي (قدس سرهما) والوجه في كونه النافع في المقام هو أننا في مقام بيان السر الذي يدفع المتكلم لبيان تمام مراده لا بعضه، وفي الجملة لا في ما يكشف عن أن ما ذكره تمام مراده.

الوجه الثاني(1): إن للإنسان التزاماً وتعهداً بجعل الكواشف مطابقة لمراداته الواقعية سعة وضيقاً, وهذا هو معنى تبعية مقام الثبوت للإثبات. فعلى هذه ليس للمتكلم أن يأتي بلفظ مطلق مع أنه أراد في الواقع المقيد؛ لأنه خلاف مقتضى تعهده.

ولكن لا يخفى أن لهذا التعهد والالتزام منشأ وليس هو إلا طبع المتكلم الذي ذكر آنفاً.

الاتجاه الثاني

ما ذهب إليه أخيراً جملة من الأعلام(2) من أن الإطلاق سنخ ظهور لفظي محض به تُحلُّ الإشكالية المذكورة، أما مقدمة الاتجاه الأول فلا دليل على وجودها, ولا تجدي على فرض وجودها، فهنا أمران:

الأمر الأول: إقامة الدليل على عدم وجودها، وعلى عدم جدواها على فرض وجودها.

أما عدم وجودها(3):

ص: 124


1- الهداية في أصول الفقه: 2/ 403.
2- درر الفوائد: 1-2/ 334، الأصول في علم الأصول: 190، نهاية النهاية: 1/ 307، محاضرات السيد محمد الداماد: 1/ 509، منتقى الأصول: 3/ 433، المحكم في أصول الفقه: 2/ 62.
3- الأصول في علم الأصول: 191.

فإنه ليس في أذهان أهل المحاورات والعقلاء من المقدمة المذكورة عين ولا أثر، مما يكشف عن أن بناءهم على الإطلاق لا يدور مدار إحرازها.

ويلاحظ عليه:

إن فهم العرف وبناء العقلاء إنما يكونان وفق ارتكازات عقلائية ثابتة في أعماق أنفسهم، وهم غير ملتفتين لها تفصيلاً, ولا عارفين أنها الموجب لذاك الفهم والباعث لذلك البناء، ووظيفة الأصولي والمتابع للظواهر العقلائية تحليل تلك الارتكازات وإبرازها بصورة واضحة, وصياغتها صياغة علمية محددة كي يمكن الاستفادة منها بصورة أسهل وأكثر.

نعم دعوى الارتكاز العقلائي تحتاج إلى إثبات وجود هذا الارتكاز بالتحليل والاستقراء, ودعمه بالشواهد العقلائية.

ونحن في المقام إنما صنعنا ذلك. فقد أقمنا الدليل الإثباتي والأساس الثبوتي لهذه المقدمة, وستأتي مناقشة كل ما اعتُرض به عليها, ورد ما يطرح كبديل لها، فلا يبقى تخريج في المقام سالماً عن الإيراد إلا هي، وماذا نريد أكثر من ذلك؟

وأما عدم جدواها(1)

على فرض وجودها:

فيمكن أن يُطرح ببيانين:

البيان الأول: وهو يعتمد على الجانب الإثباتي, أعني الدلالة. وتوضيحه: أنه بعد البناء على أن خصوصية الإطلاق غير دخيلة في المعنى الوضعي لاسم الجنس مثلاً, فيكون حاله حال التقييد, كلاهما خارج عن المعنى الوضعي, ونسبة اللفظ إليهما على حد سواء. وحينئذٍ إرادة أي منهما تحتاج إلى بيان زائد على اللفظ، وعليه في حال ذكر اسم الجنس من دون ذكر القيد. فإنه كما لا بيان

ص: 125


1- درر الفوائد: 1-2/ 235، الأصول في علم الأصول: 191، منتقى الأصول: 3/ 432، بحوث في علم الأصول: 3/ 412 .

على القيد, كذلك لا بيان على الإطلاق, ومن ثم حمله على الثاني ليس بأولى من حمله على الأول. فكما لو كان القيد مراداً قبح ترك التعرض له, كذلك لو كان الإطلاق مراداً قبح ترك التنبيه عليه. وهذا يعني أن اسم الجنس لا زال مهملاً فيناقض ما ذكرتموه من كون المتكلم في مقام البيان.

ولا يقال: إن قرينة الحكمة هي الدال على الإطلاق.

فإنه يقال: إن قرينة الحكمة وظيفتها دفع المزاحم, لا إيجاد المقتضي في مدلول اللفظ.

البيان الثاني: إن الإطلاق اللحاظي ثبوتاً أو زائداً على الطبيعة ومن محمولاتها بالضميمة, واسم الجنس نسبة إلى الإطلاق والتقييد على حد سواء, فلا يحكي إلا ذات الطبيعة، وقرينة الحكمة لا تفيد دالاً آخر إثباتاً, وإنما تنفي باقي الاحتمالات كما مضى بيانه في حلّها للإشكالية المذكورة في أول هذا لمبحث، وعليه الكشف عن ذلك الأمر الزائد خارج عن مدلول اسم الجنس, حتى بعد قرينة الحكمة.

ومهم ما يمكن أن يجاب به:

الوجه الأول(1): قال المحقق الشيخ حسين الحلي ما لفظه أن (بيان التوسعة والإطلاق إما بما يدل عليه. وإما بالسكوت عن التقييد, مع كونه في مقام البيان وقدرته عليه, ليكون ذلك قرينة على كيفية إيراده الحكم من باب أن سكوته مع تمكنه من بيان القيد هو عبارة أخرى عن لحاظ عدم التقييد، أعني لحاظ الطبيعة مطلقة في مقام الحكم عليها).

فثبوتاً الإطلاق هو لحاظ عدم التقييد, فتكون الطبيعة الملحوظة كذلك في مقام الحكم عليها مطلقة. والدال على ذلك إثباتاً هو إما التصريح بذلك وإما السكوت عن التقييد مع كونه في مقام البيان. فإن هذا السكوت ما يكشف عنه

ص: 126


1- أصول الفقه: 5/ 424 .

بنحو المطابقة هو عدم إرادة المقيد, أي عدم لحاظ التقييد وما يكشف عنه بنحو الالتزام هو أنه لاحظ عدم التقييد عندما ألقى اسم الجنس, وعليه الدال على الإطلاق موجود أما الدال على التقييد فمنفي, فيكون الأول أولى من الثاني، وأيضاً ظهر أن قرينة الحكمة تمثل دالاً آخر ينضم إلى اسم الجنس. وهو الذي يحكي خصوصية الإطلاق دون اسم الجنس. ومن ثم فليس دورها دفع المزاحم فحسب, بل دخيلة في مقتضى الإطلاق.

فالحاصل: إن القرينة الحالية هي التي تدل على عدم لحاظ القيد والذي هو الإطلاق, ولكن بنحو الالتزام لا المطابقة.

الوجه الثاني: ما ذكره السيد الشهيد (قدس سره) (1)

وبيانه بمقدمتين بترتيب مني:

المقدمة الأولى: إن في مقام الثبوت عندنا لحاظ وملحوظ, وهو متعلق اللحاظ. وكل منهما له شؤونه الخاصة به, وإذا نُسبت إلى الآخر فبواسطة في العروض ومجاز في الإسناد، وهنا نسأل عن مقدار ما يعكسه مقام الإثبات عن مقام الثبوت؟ هل يعكس تمام ما موجود في ذهنه, حتى ما يرتبط بذات اللحاظ أم يعكس قسماً منه, ومع ذلك يكون وافياً بمراده؟

ما يُحدد ذلك المقدمة محل البحث, أي كونه في مقام بيان تمام مراده بخطابه، وهي تفيد أنه بصدد بيان كل ما يدخل تحت لحاظه, لا كل ما هو في ذهنه مما يرتبط بالقضية, حتى ما يرتبط بذات اللحاظ, بل ليس كل ما تحت لحاظه حتى في مرحلة المدلول التصوري والاستعمالي للفظ, بل خصوص ما يكون داخلاً تحت اللحاظ في مرحلة المدلول الجدي, أي مرحلة الإسناد والحكم.

والسر فيه: أنه على المبنى الذي يرى أن الإطلاق داخل تحت اللحاظ يستلزم أخذ الإطلاق في موضوع الحكم, ومن ثم يكون الموضوع بما هو مطلق

ص: 127


1- بحوث في علم الأصول: 3/ 412.

ومجرد عن القيد، وواضح أنه ليس من أفراد هذا الموضوع في الخارج ما يكون مطلقاً ومجرداً عن القيد.

فتحصل أن كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده المقصود منه في مقام بيان ما تحت لحاظه, وخصوص ما يكون مراداً جداً.

المقدمة الثانية: إن حقيقة الإطلاق ثبوتاً إما أنها عدم لحاظ القيد, كما اختاره هو (قدس سره)، أو لحاظ عدم القيد, كما عليه السيد الخوئي (قدس سره) .

أما على الأول فواضح أنه إذا كان مراده المطلق فما يدخل تحت لحاظه لا يزيد على ذات الماهية, فلا يحتاج إلى دال إثباتاً وراء ذات الماهية, ومن ثم هو قد بيِّن تمام مراده بخطابه فلا يلزم نقض الغرض. أما إذا كان مراده المقيد فما يدخل تحت لحاظه يزيد على ذات الماهية فيجب عليه إثباتاً أن يأتي بما يدل على القيد وإلا نقض غرضه.

أما على الثاني فهنا احتمالان:

أحدهما: أن الإطلاق الثبوتي يدخل تحت اللحاظ, ولكن في رتبة قبل المراد الجدي فإنه يأتي ما ذكرناه آنفاً.

والآخر: أن يدخل تحت اللحاظ في رتبة المراد الجدي, فلابد من وجود دالٍ عليه إثباتاً. والحال أنه لم يذكر إثباتاً إلا اسم الجنس من دون أي دالٍ عليه وبذلك يكون ناقضاً لغرضه.

ولكن يمكن تعيين المطلق في مقابل المقيد بأصالة عدم العناية الزائدة بناءً على دعوى أن خصوصية الإطلاق أقل مؤونة من خصوصية التقييد، فإن زيادة المطلق على ذات الماهية وإن لم تكن تقل بالنظر الدقيق عن زيادة المقيد؛ لأن الإطلاق يزيد على ذات الماهية بلحاظ عدم دخل القيد، والمقيد يزيد عليها بلحاظ دخل القيد، ولكن النظر العرفي المعتمد في مرحلة الدلالة والظهور يقضي بأقلية زيادة المطلق عن زيادة المقيد؛ لأن زيادة المطلق لحاظ العدم, وزيادة المقيد

ص: 128

لحاظ الوجود, ومن ثم إرادة المطلق تصبح أقل عناية وأقل مخالفة للظهور الحالي المذكور من إرادة المقيد بحسب هذا النظر. فيتعين المطلق بالأظهرية.

أقول:

1. يستدرك على السيد الشهيد (قدس سره) أنه لم يتعرض للمسلك الآخر في حقيقة الإطلاق ثبوتاً. وهو لحاظ السريان وله تصويرات ثلاثة:

أ. أن يرجع إلى البشرط شيء, أي الماهية مقيدةً بمفهوم السريان.

ب. لحاظ الماهية في حالة السريان أي بنحو القضية الحينية أي السريان يُلحظ للماهية حال كونها في الذهن لا أنها مقيدة به.

ج. لحاظ السريان مصحح لتسرية الحكم إلى تمام الأفراد. أما موضوع الحكم فهو الطبيعة فحسب. وعلى بيانه (قدس سره) الأول يجري فيه الاحتمال الثاني, أما الأخيران فالاحتمال الأول.

2. تحصل أنه ثبوتاً إذا كان في مرحلة صب الحكم ليس إلا ذات الطبيعة, بأن كان عدم لحاظ القيد أو لحاظ السريان مصححاً أو بنحو القضية الحينية, ومن ثم يكون قبل هذه المرحلة ومقدمة لها. والغرض منها أن تكون ذات الطبيعة تمام موضوع الحكم وليست جزءً من موضوع الحكم. وعندئذٍ تكفي أصالة التطابق بلا حاجة إلى دال آخر.

أما إذا كان في مرحلة صب الحكم شيء زائد على الطبيعة, سواء أكان لحاظ عدم القيد أم السريان, فإن هذا الزائد والذي يمثل الإطلاق لا يتمثل من خلال دالٍ في مقام الإثبات.

ومن هنا يظهر أن الاعتراض المذكور إن تم فإنما يتوجه على بعض المباني في حقيقة الإطلاق الثبوتي دون جميعها.

ومع ذلك يثبت الإطلاق لما ذكر في الاحتمال الثاني من التمسك بأظهرية المطلق من المقيد؛ لأنه أقل عناية وأقل مخالفة لكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده، ويمكن أن نذكر وجهين آخرين لإثبات الإطلاق:

ص: 129

الأول: ما ذكرناه في مقام توضيح مراد المحقق الشيخ حسين الحلي قدس سره حيث إن قرينة الحكمة تدل بالالتزام على اللحاظ الإطلاقي ولا يؤثر في ذلك اختلاف المبنى في حقيقة الإطلاق ثبوتاً, فإنه إنما يؤثر فيما لو قلنا إن الدال على خصوصية الإطلاق تمر عبر اسم الجنس, ولكن بتوسط قرينة الحكمة، دون ما إذا كان دال آخر يحكي مباشرة خصوصية الإطلاق فتدبر. وعلى هذا الوجه يكون الإطلاق ظهوراً لفظياً.

الثاني: ما يناسب ما حُكي عن بعض الأعاظم (دام ظله العالی) (1)

من أن الإطلاق يُستكشف بحكم العقل, من جهة أنه إذا تعلق الحكم في مقام الإثبات بماهية مهملة ولم يقيدها المولى مع تمكنه من التقييد وكان في مقام البيان, فإن العقل يحكم بثبوت الإطلاق في مقام الإثبات, فيكون الإطلاق حكماً عقلياً، لا ظهوراً لفظياً.

فتحصل أن أقصى ما يقتضيه البيانان المذكوران هو أن الإطلاق إن لم يكن ظهوراً لفظياً يكون حكماً عقلياً ودعوى عدم الجدوى لا جدوى فيها.

الأمر الثاني: إثبات الإطلاق وحل الإشكالية المذكورة استناداً إلى الظهور اللفظي المحض ومن دون الاستعانة بقرينة الحكمة.

ويُذكر لذلك تقريبان:

التقريب الأول: ما ذهب إليه المحقق الأيرواني (قدس سره) (2)

من أنه بعد البناء على أن اسم الجنس إنما وضع للماهية من دون أخذ الإطلاق كحدٍ زائدٍ عليها، فإن هذه الماهية في حد ذاتها مطلقة سيالة سارية في أفرادها، وليست خالية عن وصف الإطلاق كخلوها عن وصف التقييد، وسريانها هذا لكونه ذاتياً لا يتغير وإن لوحظت الماهية مع ألف قيد، ولا معنى لعدّه من اعتبارات الماهية, إذ أنها

ص: 130


1- تعارض الأدلة واختلاف الحديث: 2/ 342.
2- الأصول في علم الأصول: 190، نهاية النهاية: 1/ 307.

بلحاظ العوارض المفارقة للماهية.

إن قلت: لازم هذا أن تصدق الماهية المقيدة على فاقد القيد، ولا تتصف بالتقييد ولا بالإهمال إذ المقابل أعني الإطلاق لا يقبل مقابله من التقييد والإهمال. والحال أن الوجدان مخالف لذلك كله.

قلت: أما عدم صدق الماهية المقيدة على فاقد القيد فلأجل عدم صدق قيدها. فحكم الجزء يسري إلى الكل.

وأما توصيف الماهية بأنها مقيدة فهو في الحقيقة توصيف لها باعتبار القيد, ومن باب الوصف بحال المتعلق, ومن جهة قيدها مقيدة فصفة التقييد ذاتية للقيد

وعرض للمقيَّد.

وأما توصيفها بأنها مهملة فأيضاً توصيف لها باعتبار قيدها, فالماهية إذا قُيِّدت بقيد, ثم أُهمل ذكر القيد ولم يعيِّن قيل: إن الماهية مهملة يراد أنها مهملة القيد لا مهملة الذات، فالماهية المهملة من أقسام الماهية المقيدة, وامتازت بأنها لم يذكر قيدها.

هذا في تصوير السريان الذاتي للماهية وما استلزمه.

ومن ثم إذا توجه الحكم إلى نفس الطبيعة المجردة عن كل قيد, كان الحكم مطلقاً, وسرى بسراية موضوعه. فأينما وجد موضوعه أعني تلك الطبيعة توجه الحكم إليه وتعلق به بلا توقف على شيء -كقرينة الحكمة- وراء توجه الحكم في الخطاب إلى نفس الطبيعة. نعم عدم سراية الحكم حيث ما تسري الطبيعة يتوقف على إحراز أن المتكلم في مقام الإهمال, أعني أن الطبيعة مقيدة بقيد زائد أهمل ذكره المتكلم.

ومن أوضح الشواهد على ما ذكرناه أنه لا شبهة في أن وضع اللفظ بإزاء المعنى ضرب من الحكم عليه. فإذا كانت أسماء الأجناس موضوعة بإزاء الماهيات المهملة كان اللازم أن يتوقف عن استعمال اللفظ فيها, ولا يبادر إلى إطلاق ألفاظها عليها حيثما وجدت فإن ذلك شأن تعلق الوضع بالماهيات

ص: 131

المطلقة. والوضع بإزاء الماهيات المبهمة المهملة كالحكم عليها يكون في حكم الجزئية, لا يجوز أن يستعمل اللفظ فيها إلا بعد استعلام أنها هي ما وضع لها بعينها. انتهى.

لا يحتمل أن يكون مقصود المحقق المذكور (قدس سره) هو أن السريان الذاتي هذا ينبغي أن يكون مأخوذاً في المعنى الوضعي، وما ذُكر من إيرادات على مسلك الدلالة الوضعية إنما كانت لإجل أن السريان المأخوذ في المعنى الوضعي زائد على الطبيعة لا من صميم ذاتها.

وإنما المقصود هو أن صب الحكم على الطبيعة بمجردها يساوق صبه على سريانها، ومن ثم التفكيك بينها وبين سريانها في صب الحكم هو الذي يحتاج إلى قرينة، وبهذا تحل الإشكالية المذكورة في أول هذا المبحث, من جهة أنه عند ذكر اسم الجنس من دون ذكر قيد معه يكون الأصل هو السريان الذاتي المذكور, وأما باقي الاحتمالات من الإجمال والإهمال وإرادة المقيد فإنه لا يصار إليها إلا بقرينة.

ويلاحظ عليه:

أن السريان الذاتي ليس إلا اتحاد الماهية مع أفرادها وشيوعها فيها. وميدان الاتحاد هو الوجود الخارجي دون عالم الذهن واللحاظ, والذي هو عالم الإطلاق والتقييد، ومن ثم لا يكفي في استحضار السريان الذاتي هذا استحضار الطبيعة, بل لابد من استئناف لحاظ آخر وراء لحاظها وتصورها، فما وقع فيه المحقق المذكور

(قدس سره) هو إسراء أحكام الخارج إلى عالم الذهن في المورد الذي لا يشتركان فيه في الأحكام، فإن بعض الأحكام مختصة بالخارج, وأخرى مختصة بالذهن, وثالثة مشتركة بينهما، والسريان الذاتي من مختصات الخارج والإطلاق كما التقييد معنيان ذهنيان فهما من مختصات الذهن.

ص: 132

التقريب الثاني: إن إلقاء اسم الجنس مجرداً عن القيد في مقام جعل الحكم ظاهر في أنه تمام الموضوع فيكون هو الأصل، ولا يصار إلى التقييد الذي يكون فيه اسم الجنس جزء الموضوع, وكذا الإهمال إلا بقرينة.

وما يمكن أن يذكر شاهداً على الظهور المذكور أحد وجهين:

الوجه الأول: ما أفاده المحقق الحائري (قدس سره) (1):

من أن تمام المراد هو ما تتعلق به الإرادة بالأصالة لا بالتبع، فإذا كانت الطبيعة هي تمام المراد فهذا يعني أن الإرادة تعلقت بها أولاً وبالذات، بخلاف مالو كان تمام المراد هو المقيد, فإن الإرادة تتعلق أصالة بالمقيد وتتعلق بالطبيعة تبعاً، فتكون الطبيعة جزءً للمراد لا تمام المراد.

وظاهر الخطاب المشتمل على اسم الجنس من دون ذكر القيد أن الإرادة تعلقت أولاً وبالذات بالطبيعة, لا أنها تعلقت بها بتبع تعلقها بالمقيد.

ويقرب منه ما أفاده بعض الأعلام (قدس سره) (2) من أنه (لو كانت إرادة المتكلم على المقيد لقيام المصلحة به دون المطلق, لوجب أن يضع له علامة في اللفظ، وحيث لم يفعل ذلك يكشف عن تعليق إرادته واقعاً بالطبيعة أيضاً).

الوجه الثاني: ما أفاده بعض الأعلام (قدس سره) (3):

من أن اللفظ المأخوذ في موضوع الحكم موضوع لغة للطبيعة بما هي، وأخذها في موضوع الحكم ظاهر في أنها تمام الموضوع، وهذا الظهور نصطلح عليه بالظهور السياقي، وبهذا يرجع الظهور الإطلاقي إلى ظهور وضعي وظهور سياقي.

ومما يؤيد أن الإطلاق يستفاد مما ذكرناه هو الاصطلاح على ظهور المطلق

ص: 133


1- درر الفوائد: 1 - 2/ 234.
2- محاضرات السيد الداماد: 1/ 509.
3- منتقى الأصول: 3/ 433.

بالظهور الإطلاقي, فإنه ظاهر في وجود ظهور للمطلق، وهو إنما يتلاءم مع ما ذكرناه, إذ ليس مرجع مقدمات الحكمة إلى ظهور اللفظ في شيء.

وكلا هذين الوجهين لا يمكن المساعدة عليه:

أما الوجه الأول: فكأن المقصود منه أن خصوصية تعلق الحكم بالطبيعة على سبيل التبع تحتاج إلى بيان زائد, وعلامة في اللفظ بخلاف تعلق الحكم بالطبيعة بالذات, فإنه لا يحتاج إلى أكثر من ذكر الطبيعة مجردة عن القيد.

ولكن:

أولاً: إن ما ذُكر من أنه يجب على المتكلم أن يضع علامة في اللفظ فيما لو كان يريد المقيد, فأنه لم يتضح لنا منشأ هذا الوجوب!

فإنه على الاتجاه الحكمي مقتضى كونه في مقام البيان هو أن يذكر القيد فيما لو كان مراده المقيد, وإلا يلزم نقض الغرض وهو قبيح.

ومن ثم احتمال إرادة المقيد ومع ذلك لم يذكر في كلامه علامة عليه قائم بلا دافع، فيفضي إلى تزلزل الظهور المذكور على سبيل الصالح القرينة لو سلمنا أصل وجوده. وبهذا لا يكون ظهوراً فعلياً.

وثانياً: إن احتمال الإجمال بمعنى أن المتكلم أراد إظهار أصل تعلق الحكم بالطبيعة من غير بيان تعلقه بالمطلق, أو المقيد يطابق ما وضع له اسم الجنس لغةً حيث إن الموضوع له هو الماهية المبهمة المهملة, ومن ثم يكون منسجماً تمام الانسجام مع ذكر الطبيعة مجردة عن القيد، فلا يصار إلى الإطلاق أو التقييد إلا بدال.

وبهذا يظهر التأمل في الوجه الثاني, فإن السياق المذكور أقصى ما يدل عليه أن الطبيعة دخيلة في موضوع الحكم, أما أنها تمام الموضوع فلا يدل عليه.

أما ما ذكره من وجود ظهور إطلاقي فقد اتضح أن قرينة الحكمة تفيد أن الإطلاق ظهور لفظي تركيبي من ظهور حالي وظهور وضعي.

ص: 134

وبهذا انتهى الكلام في أصل المقدمة الأولى, وظهر أن الصحيح ما عليه المشهور من توقف انعقاد الإطلاق على كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده بخطابه.

الجهة الثانية: بعد أن ثبت أن الصحيح هو قرينة الحكمة, نتعرض في هذه الجهة لجملة من شؤونها في جوانب ثلاثة:

الجانب الأول: في صياغتها وتصور مفرداتها, ويعبر عن هذه المقدمة بهذه الصياغة: (كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده من الجهة التي يُراد التمسك بالإطلاق بلحاظها).

فهي مؤلفة من شقين: أصل كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده، وكون تمام المراد من هذه الجهة أو تلك، وثبوتاً لابد من الملازمة بين الشق الأول وإحدى الجهات على الأقل, وإلا يلزم التناقض. إذ لا معنى لكونه في مقام بيان تمام مراده ومع ذلك لا يكون في مقام بيان أي جهة أصلاً، نعم إثباتاً قد يُشك في أنه في مقام البيان من هذه الجهة أو تلك, وسيأتي التعرض لذلك في الجانب الثالث الآتي.

والمقصود ب-(الجهة) في الصياغة المذكورة:

هو الموضوع أو الحكم أو المتعلق, وتوضيحه:

أن في المادة القانونية عناصر ثلاثة: الحكم، متعلقه، وموضوعه، والأولان واضحان. أما الموضوع فالمراد به في قبال المتعلق ما اصطُلح عليه من قبل المتأخرين.

وهو: ما وضع مفروضاً وجوده, وأنيط به الحكم. فلا يكون الحكم فعلياً إلا بعد تحقق الموضوع في الخارج, ولأجل إناطة الحكم به يكون فوق دائرة الطلب, لا أن الحكم محرك إليه.

إذاً الموضوع تعبير عن القيود والشرائط والموانع المعتبرة في فعلية الحكم هذا ثبوتاً.

ص: 135

أما إثباتاً أي في مقام الخطاب, فالقيود المذكورة تارة تكون قيداً للتكليف في ظاهر اللفظ, وأخرى تكون بحسب ظاهر اللفظ متعلقاً للمتعلق, ولكن تكون ثبوتاً ولباً قيداً للحكم, ومن هنا تبرز العلاقة بين الموضوع ومتعلق المتعلق بحسب ظاهر اللفظ فإن منه ما يكون من شؤون المتعلق, ويكون تحت دائرة الطلب, ومنه ما يكون فوق دائرة الطلب, ومن ثم يكون مرجعه إلى أنه مما أُخذ في موضوع الحكم وإن كانت بعض العبائر قد يُستظهر منها المساواة بين متعلق المتعلق إثباتاً والموضوع ولكن بأدنى تأمل يتضح أنه غير مقصود.

وعليه يراد بالجهة عناصر المادة القانونية هذه، فيقال إنه في مقام بيان تمام القيود والشرائط والموانع المعتبرة في ثبوت الحكم أو المعتبرة في تحقق موضوع الحكم أو المعتبرة في متعلق الحكم، وعند الشك في اشتراط التكليف ننفيه بإطلاق الهيئة، وعند الشك في اشتراط الموضوع ننفيه بإطلاق الموضوع, وعند الشك في اشتراط المتعلق ننفيه بإطلاق المتعلق.

الجانب الثاني: إن بيان تمام المراد المذكور في المقدمة محل البحث هل هو المراد الاستعمالي - التفهيمي - أو المراد الجدي - الواقعي - ؟

إن طرفي النزاع في هذا الجانب هما خصوص القائلين بأن المأخوذ في مقدمات الحكمة خصوص عدم القرينة المتصلة، فإنه لو بنينا على أن الدخيل في مقدمات الحكمة عدم البيان - ولو منفصلاً- فإن الظفر بالمنفصل لا يُحتمل أن يكشف عن ارتفاع المقدمة محل البحث كما هو مبنى النزاع، وإنما يكشف عن ارتفاع المقدمة الثانية الآتية، ومن ثم أن الشيخ ومن وافقه ممن يبني على أن عدم البيان المنفصل دخيل في مقدمات الحكمة, لا معنى لمثل هذا النزاع على مبناهم، نعم سيأتي الكلام في المبنى وهذا أمر آخر، إلا أن يكون على تقدير التنزل أو على اتجاه آخر في مقدمات الحكمة من إرجاعها جميعاً إلى المقدمة محل البحث فتدبر.

ص: 136

وأولئك القائلون بأن الدخيل في مقدمات الحكمة خصوص عدم القرينة المتصلة اختلفوا في المقام على مسلكين: فذهب المحقق الخراساني وجملة من الأعلام (قدس سرهم) (1)

إلى أنه المراد الاستعمالي، ويظهر من بعض آخر كالسيد الحكيم والسيد الشهيد (قدس سرهما) (2)

أنه المراد الجدي.

ومحور الكلام في هذا الجانب هو أن هنا ظاهرة دلالية وفهماً عرفياً لم يختلف فيه اثنان. وهي: عند الظفر بالمقيد المنفصل لا ينثلم الظهور في الإطلاق بالنسبة لبقية الخصوصيات الوجودية أو العدمية التي يُشك في إرادتها من الكلام المطلق, ومن ثم يصح التمسك به لنفيها.

والمسلك القادر على تخريجها من دون لزوم محذور هو المسلك الصحيح، فالقدرة على التخريج هي دليل وبرهان تمامية المسلك.

احتج المحقق الخراساني (قدس سره) على المسلك الأول بقدرته على تخريج الظاهرة الدلالية دون المسلك الثاني, حيث أفاد: أنه لو كان بيان تمام المراد المذكور في المقدمة محل البحث هو المراد الجدي, فإن الظفر بالمنفصل يكشف عن عدم كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده أصلاً، ومن ثم ينثلم الإطلاق. فلا يصح التمسك به لنفي القيود المحتملة. والحال أنه لا خلاف في عدم الانثلام بذلك.

والسر في الملازمة(3) أنه إذا لم يُذكر القيد متصلاً وذُكِرَ منفصلاً فهنا احتمالان:

الأول: إنه لم يكن في مقام البيان أصلاً, ومع ذلك كان مراده المقيد, ومن ثم ذكر القيد متأخراً.

الثاني: إنه في مقام البيان وكان مراده المقيد ومع ذلك لم يذكر القيد

ص: 137


1- كفاية الأصول: 248، نهاية الأفكار: 1-2/ 573.
2- بحوث في علم الأصول: 3/ 413 – 414، حقائق الأصول: 1/ 559- 560.
3- منتقى الأصول: 3/ 435، حاول توجيه كلام الكفاية بما لا حاجة إليه, ولا يخلو من تكلف ونظر.

متصلاً, بل أخّر ذكره. ومن الواضح أن الاحتمال الثاني يستلزم نقض الغرض؛ لأنه كان يجب عليه أن يذكر القيد متصلاً، دون الاحتمال الأول.

وعليه ظهر أن الظفر بالمنفصل يكشف عن أنه في مقام الإهمال, وإلا كان ناقضاً لغرضه.

وهذا المحذور يلزم على المسلك الثاني، ولا يلزم مثله على المسلك الأول إذ الظهور إنما يكشف مباشرة عن المراد الاستعمالي, ثم بأصالة التطابق بينه وبين المراد الجدي يُحدد المراد الجدي، وما يؤثر في الظهور خصوص المقيد المتصل, وأما المنفصل فإنه يؤثر في رفع أصالة التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي, حيث يكشف عن أن المراد الجدي أضيق من المراد الاستعمالي مع بقاء المراد الاستعمالي على إطلاقه وسعته دون انثلام. وعليه فإنه ينكشف عدم الإطلاق على مستوى المراد الجدي من جهة القيد المنفصل المفروض, أما من غير جهة القيد المذكور فالأصل تطابق المراد الاستعمالي والجدي فيحرز إطلاق المراد الجدي من جهة القيود الأخرى, لمكان إطلاق المراد الاستعمالي.

وأما المسلك الثاني فقد أجاب(1)

عن المحذور المذكور بما توضيحه:أنه يجوز أن يكون المتكلم في مقام البيان من حيث قيد, ولا يكون في مقام البيان من حيث قيد آخر، فإذا ورد المقيد المنفصل كشف عن عدم كون المتكلم في مقام البيان من حيث القيد الوارد, ولكنه في مقام البيان من حيث غيره من القيود فيكون مطلقاً من هذا الحيث, ويجوز التمسك بهذا الإطلاق، كما لو قال (أكرم العالم) وتمت قرينة الحكمة فيكون المراد من العالم مَنْ يتصف بصفة العلم, سواء أكان عادلاً أم فاسقاً، وسواء أكان هاشمياً أم غير هاشمي، وسواء أكان عربياً أم غير عربي، وهكذا بالنسبة لبقية التسويات والانقسامات، فإذا ورد بعد ذلك على نحو المقيد المنفصل (لا تكرم الفاسق من العلماء) فإنه

ص: 138


1- حقائق الأصول: 1/ 560، نهاية الدراية: 2/ 498، حكاه عن المطارح في تعليقة القوجاني: 1/ 538، الهداية في الأصول: 2/ 402.

يستدعي رفع اليد عن ظهوره في التسوية بين الفاسق والعادل, من جهة أن المقيد المنفصل كشف عن أنه ليس في مقام البيان من جهة التسوية هذه، وأما بقية التسويات والانقسامات فهو في مقام البيان من جهتها فيكون مطلقاً بالنسبة إليها، ويجوز التمسك به لنفي احتمال إرادة أي من هذه القيود.

وفي المقصود بهذا الكلام احتمالان:

الاحتمال الأول: ما يوافق ظاهره من تعدد الأصل العقلائي. وهو كونه في مقام البيان بعدد التسويات والانقسامات, فيكون المقيد المنفصل كاشفاً عن أنه ليس في مقام البيان من جهة التسوية الخاصة به. وأما من حيث باقي التسويات فالأصول العقلائية لا رافع لها، ومن ثم لا ينثلم الإطلاق من جهتها.

ويلاحظ عليه: أنه لا يوافق تفسير التمام المذكور في المقدمة محل البحث من أنه جميع القيود والشرائط والموانع المأخوذة في موضوع الحكم، فإنه إذا كان لقيد عدم الفسق دخل في موضوع الحكم, كان من اللازم أن يذكره في الكلام, وأما كونه ليس في مقام البيان من جهته. فهذا يعني أنه في مقام الإهمال، وعليه هذا الاحتمال يستلزم أن لا يكون المتكلم في مقام البيان من جهة جميع القيود, بل في مقام الإهمال.

الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود هو انحلال الأصل العقلائي والمقدمة الأولى إلى أصول عقلائية بعدد التسويات. وما يمكن أن يكون تخريجاً لتعدد الأصول العقلائية - سواء بالإنحلال كما في هذا الاحتمال أم من الأول كما في الاحتمال الأول- هو على أساس أن المقنن عندما يريد أن يحكم حكماً مطلقاً يلحظ القيود المحتمل دخالتها في موضوع حكمه مقدمة لأخذها أو رفضها، وهذا يعني أنه يلحظها قيداً قيداً, وتسوية تسوية, ويرفضها قيداً قيداً إذا لم يكن القيد دخيلاً في موضوع حكمه، وكذلك يكون في مقام البيان.

ويرد على هذا الاحتمال ما ذكرناه على الاحتمال الأول، وأما كونه انحلالياً فلا يفيد في دفعه، مضافاً إلى أننا نمنع الانحلال في مثل ذلك.

ص: 139

بقي شيء: وهو أنه قد تذكر بعض الأبحاث في هذا الجانب كإنكار الإرادة الاستعمالية(1)،

أو كون حقيقة التكليف(2)

أنه إنشاء بداعي جعل الداعي في نفس المكلف على أساس أنه مراد جدي للمقنن, وأن المراد الجدي هو موضوع الآثار العقلائية، وغيرها من الأبحاث، وهي لما لم تكن مختصة بالدلالة الإطلاقية وإنما يعقد الكلام حولها في بحث العام والخاص وبحث التعارض, وليس للمقام خصوصية لم نتطرق لها في بحثنا هذا.

الجانب الثالث: في حدود الأصل العقلائي:

المقدمة محل البحث تارة تُحرز بالقطع أو الاطمئنان, وأخرى يُشك في تحققها - بمعنى عدم القطع أو الاطمئنان- وفي هذه الحالة أثبتنا في الجهة الأولى من هذه المقدمة وجود أصل عقلائي حقيقته أنه ظهور حالٍ يُرجع إليه عند الشك المزبور, فيثبت به تحقق المقدمة المنظورة، وهذا الأصل من الأهمية بمكان إذ عليه يبتني جواز التعويل على المطلقات من أول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات, فإنه لا طريق لنا إلى إحراز كون المتكلم في مقام البيان إلا بالأصل العقلائي هذا(3).

وقد مضى في الجهة الأولى من هذا المبحث إقامة الدليل على وجوده، وبيان الأساس الثبوتي الذي يدفع المتكلم كي يكون غرضه من الكلام إبراز تمام مراده بكلامه.

وفي هذا الجانب نريد التعرض لحدود الأصل العقلائي المذكور, فنقول:

تارة نحرز أن المتكلم في مقام بيان أصل الحكم, وأخرى نشك أنه في مقام بيان أصل الحكم أم في مقام بيان حدوده، وثالثة نحرز أنه في مقام بيان الحدود، وحينئذٍ تارة نحرز أنه في مقام بيان حدود الحكم فحسب، وأخرى مع هذا

ص: 140


1- فوائد الأصول: 1 - 2/ 517، أصول الفقه 5/ 430.
2- أصول الفقه: 5/ 430 في ما حرره عن المحقق النائيني (قدس سره)، نهاية الدراية: 2/ 498، منتقى الأصول: 3/ 437، حقائق الأصول: 1/ 558.
3- فوائد الأصول: 1/ 574، أجود التقريرات: 2/ 430.

الإحراز نشك أنه في مقام بيان حدود حكم آخر أو أحكام أخرى، وثالثة نشك أنه في مقام بيان حدود هذا الحكم, أو حدود حكم آخر, أو جميع الأحكام المتصور تعلقها بالطبيعي.

فهذه حالات خمسة لا يخرج عنها مورد:

1. إحراز أنه في مقام بيان أصل الحكم -أي أصل التشريع-.

2. الشك أنه في مقام بيان أصل الحكم, أم في مقام بيان حدوده.

3. إحراز أنه في مقام بيان حدود حكمٍ فحسب.

4. أن نحرز أنه في مقام بيان حدود حكم, ونشك أنه في مقام بيان حدود حكم آخر أو أحكام أخرى.

5. أن نشك في أنه في مقام بيان حدود هذا الحكم أو ذاك أو جميع الأحكام المتصور تعلقها بالطبيعي والمستفادة من الخطاب.

ولا يخفى أن تشخيص جريان الأصل العقلائي في أي من هذه الحالات منوط بالوجوه الإثباتية المذكورة في الجهةالأولى.

أما الحالة الأولى: فيما لو أحرزنا أنه في مقام بيان أصل الحكم, أعني أصل التشريع كقوله تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فإنه لا يجري الأصل العقلائي المذكور. والوجه فيه ما أفادهُ المحقق النائيني (قدس سره) في أجود التقريرات حيث قال: (بداهة أن كون المولى في مقام التشريع يكون قرينة على أنه ليس في مقام بيان تمام مراده)(1)

ومثله في فوائد الأصول(2)

وأما ما حرره عنه المحقق الشيخ حسين الحلي (قدس سره) (3) في مقام المقارنة بين الحالة الأولى هذه, والرابعة الآتية أنه قال: يكون بمنزلة القرينة المانعة من الأخذ بهذا الأصل, لا أنه موجب لعدم

ص: 141


1- أجود التقريرات: 2/ 430.
2- فوائد الأصول: 1-2/ 573.
3- أصول الفقه: 5/ 425.

تحقق موضوع الأصل والسر فيه:

إن موضوع الأصل العقلائي هو أن يكون الكلام صادراً لإفادة شيء, وبعد كونه صادراً لإفادته يكون الأصل أنه مسوق لمقام البيان بالنسبة إلى ذلك الشيء الذي كان الكلام صادراً لإفادته, ومن ثم إذا كان الكلام مسوقاً لإفادة أصل الحكم فإن موضوع الأصل العقلائي متحقق, ولكن منع من الأخذ بذلك الأصل كونه في مقام بيان مجرد المشروعية.

ويبدو أن ظاهر أجود التقريرات أخذ الشك في موضوع الأصل العقلائي حيث قال: (عند الشك فيه)، وقال أيضاً (إذا دار الأمر بين كون المولى في مقام البيان, أو كونه في مقام التشريع فقط)، والصحيح أنه ينبغي التفريق بين موضوع الأصل العقلائي وموضوع الدلالة الإطلاقية, فإن ما ذُكر آنفاً إنما هو موضوع الدلالة الإطلاقية، ومن ثم إحراز أنه في مقام مجرد المشروعية يكون رافعاً لموضوع الأصل العقلائي لأجل رفعه أحد أجزاء الموضوع.

وأما الحالة الثانية: فهي القدر المتيقن من مجرى الأصل العقلائي.

وأما الحالة الثالثة: فلا حاجة فيها للأصل العقلائي المذكور، نعم قد يكون الإحراز بنفس الأصل العقلائي.

أما الحالة الرابعة: أي إذا أحرزنا - سواء أكان بالأصل العقلائي أم بغيره - أنه في مقام بيان حدود حكمٍ ما، وشككنا أنه في مقام بيان حدود حكم آخر, أو أحكام أخرى كما في قوله تعالى: (فكلوا مما أمسكن)(1) إذ بعد أن أحرزنا أنه وارد في مقام بيان كون ما عقره الكلب المعلَّم مذكى، نشك في أنه في مقام بيان طهارة موضع الاصطياد أيضاً أم لا؟

وفي هذه الحالة لدينا نقاط ثلاثة:

1. بعد الاتفاق على أن لا أصل عقلائياً في الجهة المشكوكة, ومن ثم الحمل

ص: 142


1- المائدة: 4.

على الإهمال من جهتها. فإنه يظهر من المحقق النائيني (قدس سره) (1) في فوائد الأصول أن الجهة المحرزة قرينة على أنه ليس في مقام البيان, من الجهة المشكوكة، وقريب منه ما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) (2) من أن العقلاء يبنون على الإهمال من الجهة المشكوكة، أما في أجود التقريرات(3)

فأفاد المحقق النائيني (قدس سره) أنه لا دليل على كونه في مقام البيان أي لا يوجد بناء من العقلاء على أنه في مقام البيان من الجهة المشكوكة، وفرق بين وجود بناء من العقلاء على الإهمال، وبين عدم وجود بناء من العقلاء على أنه في مقام البيان.

2. ذكرنا أن المحقق النائيني (قدس سره) في فوائد الأصول(4)

اعتبر الجهة المحرزة قرينة على أنه ليس في مقام البيان من الجهة المشكوكة, وأوضح حقيقة الحال فيما حرره عنه المحقق الشيخ الحلي في أصول الفقه(5)

في مقام التمييز بين هذه الحالة والحالة الأولى, بأن هذه الحالة (توجب عدم تحقق موضوع الأصل العقلائي, حيث إن صدور الكلام لبيان الحكم الأول يكفي في الحكم بأنه صدر في مقام البيان, وفي خروج الكلام عن كونه صادراً لبيان الحكم الثاني. وبالجملة: إن الكلام لم يكن مسوقاً لإفادة الحكم الثاني كي يكون من هذه الجهة مورداً لأصالة كون الكلام مسوقاً في مقام البيان, وإنما كان الكلام المذكور مسوقاً لإفادة الحكم الأول، ولما لم يكن الكلام مسوقاً لإفادة الحكم الثاني لم يتحقق بالنسبة إليه موضوع أصالة كون الكلام مسوقاً في مقام البيان, فإن موضوع هذا الأصل هو أن يكون الكلام صادراً لإفادة شيء, وبعد كونه صادراً لإفادته يكون الأصل أنه مسوق لمقام البيان بالنسبة إلى ذلك الشيء الذي كان الكلام

ص: 143


1- فوائد الأصول: 1/ 573.
2- مطارح الأنظار: 2/ 267.
3- أجود التقريرات: 2/ 430، أصول الفقه: 5/ 425.
4- مصدر سابق.
5- مصدر سابق.

صادراً لإفادته، والمفروض أن الحكم الثاني لم يكن الكلام صادراً لإفادته, فلا يكون الأصل المذكور جارياً بالنسبة إليه لعدم تحقق موضوع الأصل المذكور بالنسبة إليه, لا أنه قد تحقق فيه موضوع الأصل المذكور, ولكن منع مانع من الأخذ به).

ويبدو أن الجهة المحرزة أوجبت عدم تحقق موضوع الدلالة الإطلاقية في الجهة المشكوكة, لا عدم تحقق موضوع الأصل العقلائي، إذ لما كان في مقام بيان حدود الجهة المحرزة, أي التذكية في المثال, أي الشروط والقيود التي أُنيطت بها التذكية في قوله تعالى (فكلوا مما أمسكن) فإنه يعني أنه ليس في مقام بيان طهارة موضع الاصطياد أو نجاسته. فكيف يكون في مقام بيان حدود الطهارة أو النجاسة. وعليه موضوع الدلالة الإطلاقية في الحالة هذه غير متحقق لأجل أنه ليس في مقام بيان الحكم ذي الحدود المشكوكة.

3. بعد الفراغ من عدم جريان الأصل العقلائي في الحالة الرابعة, إلا أنه أحياناً يلزم من التفكيك بين الجهتين في مقام البيان بأن يكون في مقام البيان من جهة, وفي مقام الإهمال أو الإجمال من الجهة الأخرى يلزم محذور. وعندئذ لابد من البناء على أنه في مقام البيان من الجهتين معاً والأخذ بإطلاقهما.

ونذكر لذلك مثالين:

الأول(1): فيما إذا كان بين الجهتين ملازمة عقلية أو عادية أو شرعية في مقام الصدق, بحيث يُفضي التفكيك بينهما في مقام البيان إلى أن تكون موارد الإطلاق في الجهة المحرزة موارد نادرة الوجود. ولا يرتفع هذا المحذور إلا بالبناء على أنه في مقام البيان من كلا الجهتين، ومن هذا الباب كان بناء الفقهاء على طهارة سؤر الهرة, سواء أكان موضع السؤر خالياً من النجاسة أم لا، إذ البناء على خصوص خلو موضع السؤر عن النجاسة أمر نادر. والغالب عدم خلوه

ص: 144


1- مطارح الأنظار: 2/ 269.

منها، ومن ثم اختصاص دليل طهارة سؤر الهرة بما إذا كان موضع السؤر خالياً من النجاسة يلزم حمله على الفرد النادر.

ولذا أفاد المحقق العراقي (قدس سره) في نهاية الأفكار(1)

أنه: (لابد أولاً من ملاحظة جهات القضية, وأن الكلام مسوق لبيان أي واحدة من الجهات، ثم بعد ذلك ملاحظة تلك الجهات المهملة التي لم يحرز كون المتكلم بالنسبة إليها في مقام البيان, بأنها من اللوازم غير المنفكة العقلية, أو الغالبية للجهات المطلقة أم لا).

الثاني(2): ما ذكره السيد الأستاذ (دامت افاضاته) من أن التفكيك في مقام البيان بين الجهتين قد يوجب محذور الإغراء بالجهل, ووقوع المكلف في خلاف ما هو وظيفته الشرعية. قال ما لفظه: (إن كون المكلف في مقام البيان من جهة دون جهة أخرى, وعدم انعقاد الإطلاق لكلامه عندئذٍ من الجهة الثانية، وإن كان أمراً صحيحاً في أصله، ولكنه لا يتم في جميع الموارد.

مثلاً: إذا سأل المقلد مرجعه في التقليد عن حكم الدجاج المذبوح بالماكنة الآلية الموجود في الأسواق, فالسؤال ظاهر في كونه من جهة الاجتزاء بالذبح الآلي في التذكية وعدم الاجتزاء به. فإذا كانت فتوى المرجع عدم الاشتراط في الذبح أن يكون يدوياً, بل يجوز أن يكون آلياً، ولكن كان الواقع الخارجي أن معظم الدجاج المذبوح آلياً فاقد لشرط آخر في التذكية، والسائل غافل عن ذلك، فليس للمرجع في مقام الجواب وبيان الوظيفة العملية للمستفتي في تلك الواقعة -التي هي موضع ابتلائه- أن يقتصر على قوله: (حلال) من دون التنبيه على فقدان ذلك الشرط الآخر في معظم الدجاج الموجود في السوق بذريعة أنه في مقام البيان من جهة واحدة. وهي عدم كون الذبح باليد شرطاً في التذكية, وليس في مقام البيان من جميع الجهات لينعقد لكلامه الإطلاق من جهة عدم

ص: 145


1- نهاية الأفكار: 1 - 2/ 578.
2- بحوث في شرح مناسك الحج: 6/ 522.

شرطية ذلك الأمر الآخر، فإن هذا غير مقبول في مثل المورد, ويعد إغراءً بالجهل.

وهذا بخلاف ما إذا لم تكن غلبة في فقدان الشرط الآخر في الدجاج المذبوح آلياً. حيث له الاقتصار عندئذ على بيان الحلية من حيث عدم اشتراط أن يكون الذبح باليد).

وأما الحالة الخامسة: فيما إذا لم تكن جهة يُحرز أنه في مقام بيانها, وإنما نشك أنه في مقام بيان هذه الجهة أو تلك أو جميع الجهات.

إذا قيل: بجريان الأصل العقلائي في هذه الحالة فإنه ثبوتاً لابد أن يكون في مقام البيان. ولو من جهة واحدة على الأقل, وإلا يلزم التناقض.

أما إثباتاً فيمكن أن يقال بلزوم البناء على أنه في مقام البيان من جميع الجهات لوجوه:

الأول: البناء على أنه ليس في مقام البيان من جميع الجهات - أي الإهمال أو الإجمال - يستلزم التناقض مع البناء على الأصل العقلائي، والبناء على أنه في مقام البيان من جهة معينة ترجيح بلا رجح، وعندئذ لا مناص من البناء على أنه في مقام البيان من جميع الجهات.

الثاني: الوجوه الإثباتية المذكورة في الجهة الأولى, أي مقام إثبات الأصل العقلائي قد تقتضي أنه في مقام البيان من جميع الجهات. ففي مطارح الأنظار(1)

إذا كان في أغلب موارد استعمال المطلقات كونه في مقام البيان من جميع الجهات فلا يبعد البناء عليه.

وحُكي(2)

عن السيد الخوئي (قدس سره) في بعض تقريراته الأصولية أن الأصل في كل كلام أن يكون في مقام البيان من جميع الجهات لاستقرار طريقة العقلاء

ص: 146


1- مصدر سابق.
2- مباني الاستنباط: 1/ 326، نقلاً عن بحوث في شرح مناسك الحج: 2/ 10.

على حمل الكلام على ذلك. ما لم تقم قرينة على عدم كونه في مقام البيان من جهة أو أكثر.

وهذا أيضاً يأتي في الحالة الرابعة؛ لأنه قامت قرينة على أنه في مقام البيان من جهة معينة, ولكن لم تقم قرينة على عدم كونه في مقام البيان من الجهة المشكوكة أو غيرها.

الثالث(1): الغرض النوعي من ضرب القوانين وتأسيسها هو الاهتداء بها, والعمل على وفقها حيث تُحل بها المشاكل الاجتماعية والفردية. وهذا يستدعي أن يكون في مقام البيان من جميع الجهات المتصورة, ومن ثم البناء على الإطلاق. ولا يلزم نقض الغرض المذكور, فليس الوجه في البناء على الإطلاق وإلا يلزم نقض الغرض المذكور, فليس الوجه في البناء على الإطلاق هو الفرار من اللغوية في ضرب القانون حتى يقال بكفاية الإطلاق من جهة واحدة مثلاً. نعم لابد من إحراز كون الكلام ملقى على نحو القانون. وهذا يعرف من الدأب والديدن.

أقول: أما الوجه الثالث فمن الواضح أن الغرض المذكور يكفي فيه أن يكون في مقام البيان من جهة واحدة, ولا ضرورة في أن يكون من جميع الجهات، ويجدر الالتفات إلى أنه في علم القانون يُبحث حول طرق تفسير القانون, ويذكر ضمنها فيما لو كان النص القانوني غامضاً أو مبهماً إذا كانت عبارته تحمل أكثر من مدلول, فهنا يرون أن للفقيه الدستوري أو القاضي اختيار مفهوم واحد يمثل الأقرب للصواب على أنه المراد من المادة القانونية، ومنه يتضح أن البناء على الإطلاق من جميع الجهات يرتبط أيضاً ببحث استظهار أكثر من معنى من اللفظ.

أما الوجه الثاني: فما حُكي عن السيد الخوئي (قدس سره) فكما نبه عليه السيد

ص: 147


1- تحريرات في الأصول: 5/ 437.

الأستاذ [ من أن الصحيح ما ذكره (قدس سره) في تقريراته الأصولية(1)

الأخرى من أنه ليس للعقلاء بناء. هذا بالنسبة للحالة الرابعة أما الحالة الخامسة هذه فقال السيد الخوئي (قدس سره) (لعله لم يتفق في شيء من الآيات والروايات, ولو اتفق في موردٍ فهو نادر جداً)(2).

ومنه يظهر ما في دعوى الغلبة. أما الوجه الأول فإنه على فرض جريان الأصل العقلائي في هذه الحالة، والصحيح كما ظهر أنه لا بناء من العقلاء في هذه الحالة.

المبحث الثاني

الثانية من مقدمات الدلالة الإطلاقية: أن لا يكون في الكلام قيد يمنع من انعقاد الإطلاق.

وهذه المقدمة ضرورية في انعقاد الإطلاق من جهة أن الإطلاق الثبوتي إنما يكتشف بأصالة التطابق بينه وبين الإطلاق الإثباتي، ولا إطلاق إثباتياً في المقام.

ومرادنا بالقيد ما يشمل القرائن الحالية والمقامية ونحوها.

وما يشمل الظاهر في الاحترازية والقرينية وما يصلح للقرينية، ويقع الكلام في جهات ثلاثة:

الجهة الأولى: في أخذ عدم القرينة المنفصلة في مقدمات الحكمة وعدمه. وفيه أقوال ثلاثة:

الأول: أخذها مطلقاً, وهو ظاهر إطلاق كلمات الشيخ الأعظم, والمحقق النائيني, والسيد الخوئي(قدس سرهم) (3).

ص: 148


1- محاضرات في أصول الفقه: 46/ 536 ط. الموسوعة، مصابيح الأصول: 2/ 170-171.
2- محاضرات في أصول الفقه: 46/ 534 ط. الموسوعة.
3- مطارح الأنظار: 2/ 259، أجود التقريرات: 2/ 431، محاضرات في أصول الفقه: 46/536.

الثاني: عدم أخذها مطلقاً, واختاره جملة من الأعلام كالمحققين الخراساني, والعراقي (قدس سرهما) (1).

الثالث: أخذها في من عادته بيان مراده بالتدريج معتمداً على القرائن المنفصلة فلا ينعقد الإطلاق إلا بعد مرور الزمان الذي يفرضه لبيان مراده دون مَنْ لا تكون عادته كذلك.

وإليه يرجع ما ذكره المحقق الأصفهاني, وصاحب المنتقى (قدس سرهما) (2)

قال الثاني (فإذا كان المتكلم في مقام بيان مرامه بالتدريج لم ينعقد الإطلاق قبل مرور الزمان الذي يفرضه لبيان مرامه).

أما القول الثالث فقد ذكروا في جوابه أن لا يمنع من انعقاد الإطلاق, وإنما يمنع من حجيته وتمامية أصالة التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي، ولذا قال المحقق النائيني (قدس سره) (3)

أنه لا يجوز الحكم بأن ظاهر الكلام هو المراد النفس أمري إذا كان المتكلم ممن عادته الاعتماد على المنفصلات.

أما القول الأول فيمكن أن يُستدل له بوجهين:

الوجه الأول: إن مجرى مقدمات الحكمة هو المراد الجدي, سواء أنكرنا الإرادة الاستعمالية أم أذعنا بها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن القرينة المنفصلة محل تأثيرها المراد الجدي, ومن ثم لا مناص من كون عدمها من جملة مقدمات الحكمة.

ويلاحظ عليه:

1. أنه لا يتم على المبنى الآخر في مجرى مقدمات الحكمة، وهو أن المقصود منها استكشاف المراد الاستعمالي.

ص: 149


1- كفاية الأصول: 450، نهاية الأفكار: 1 - 2/ 570.
2- نهاية الدراية: 2/ 500، 5 - 6/ 343، منتقى الأصول: 3/ 439- 440.
3- فوائد الأصول: 4/ 717.

2. التأثير في المراد الجدي تارة يكون من خلال الظهور مباشرة وقبل مرحلة الحجية بأن يؤخذ في الخطاب، وأخرى يكون بتوسط الحجية كما هو الحال في القرائن المنفصلة، ومقدمات الحكمة تفيد الظهور لا الحجية.

الوجه الثاني: دلالة مقدمات الحكمة على الإطلاق الثبوتي إنما يكون بحكم العقل, لا أنها ظهور لفظي، والحكم العقلي معلق على عدم بيان مخالف له، وهو ما يحصل بالقرائن المنفصلة.

ومن ثم عدم القرينة المنفصلة مأخوذ في مقدمات الحكمة. ويمكن أن يُذكر وجهان لكون دلالة مقدمات الحكمة على الإطلاق الثبوتي دلالة عقلية, لا أنها دلالة لفظية.

الوجه الأول: ما يظهر من السيد الخوئي وآخرين (قدس سرهم) (1)

من أن الإطلاق غير داخل في مدلول اللفظ, فإنه موضوع للماهية المهملة، وإنما يثبت بحكم العقل بعد تمامية مقدمات الحكمة.

وجوابه قد ظهر أن مقدمات الحكمة قرينة حالية توجب في اللفظ دلالة على وفقها, وإلا لزم أن أغلب الدلالات عقلية لا لفظية, كما اتضح أن قرينة الحال لابد منها في الدلالة التصديقية.

وبعبارة أوضح إن الظهور الإطلاقي ظهور لفظي تركيبي يستند إلى لفظٍ كاسم الجنس مثلاً, وحال وهي مقدمات الحكمة.

الوجه الثاني:

ما حُكي عن بعض أعاظم العصر (دام ظله العالی) (2) من (أن الإطلاق

الثبوتي إذا كان أمراً وجودياً -ومن ثم تقابله مع التقييد تقابل التضاد- فإن مقام الإثبات لا يصلح أن يكون كاشفاً له. وذلك لأن الإطلاق الإثباتي لا يوجد فيه

ص: 150


1- بالإضافة إلى المصدر السابق, انظر: مقالات الأصول: 1/ 504، الأصول في علم الأصول: 192، مصباح الأصول: 48/ 516-517.
2- حُكي عن بعض أعاظم العصر (دام ظله العالی) في تقرير بحثه (تعارض الأدلة واختلاف الحديث): 2/ 283 و 342-344.

إلا عدم التقييد - ولذا اتُفق على أن التقابل بين الإطلاق والتقييد في مقام الإثبات من قبيل الملكة وعدمها- وهو لا يكشف عن ذلك الأمر الوجودي إذ لا ظهور للفظ في مقام الإثبات بذلك، وإنما يستكشف بحكم العقل لأنه لو تعلق الحكم في مقام الإثبات بقضية وماهية مهملة ولم يقيدها المولى مع تمكنه من التقييد, وكان في مقام البيان فيحكم العقل بثبوت الإرسال والإطلاق في مقام الثبوت من خلال ذلك).

ولا يخفى أن هذا البيان يجري فيما لو قلنا إن الإطلاق الثبوتي يناقض التقييد.

ويلاحظ عليه أن لازم هذا البيان أن يكون الإطلاق المنتج للحصة حكماً عقلياً لا ظهوراً لفظياً.

أما القول الثاني فيمكن أن يُستدل له بوجوه:

الوجه الأول: إن مقدمات الحكمة تفيد الظهور الإطلاقي لا حجيته, ومن ثم فالذي يدخل في تكوينه خصوص القرائن المتصلة كبقية الظهورات, ولم يثبت أن للعقلاء بناءً خاصاً في المورد.

الوجه الثاني: الصحيح أن المراد الاستعمالي هو مجرى مقدمات الحكمة، والقرينة المنفصلة إنما تؤثر في خصوص المراد الجدي, ومن ثم تكون خارجة عن حدود مقدمات الحكمة.

الوجه الثالث: إن أخذ عدم البيان المنفصل في مقدمات الحكمة يستلزم تقدم المقيد المنفصل على المطلق مطلقاً, وإن كان أضعف ظهوراً. والتالي باطل

فكذلك المقدم.

أما الملازمة: فلأجل أن المقيد المنفصل سيكون وارداً على المطلق.

وأما بطلان التالي: فلإن الصحيح في مناط التقديم في القرينية النوعية هو الأظهرية, ومن ثم إذا كان المطلق أقوى ظهوراً من المقيد يقدم عليه.

ص: 151

الوجه الرابع(1): لو أُخذ عدم البيان المنفصل في مقدمات الحكمة لما أمكن إثبات الإطلاق في موردٍ. والتالي باطل فالمقدم مثله.

أما الملازمة: فلأجل عدم إمكان إحراز شرط مقدمات الحكمة, ومن ثم عدم انعقاد الإطلاق والشرط هو عدم التقييد بالمنفصل.

وأما بطلان التالي: فلوضوح انعقاد الإطلاق بمجرد انتهاء المتكلم من الكلام.

وقد يُشكل في الملازمة بأنه يمكن إحراز عدم التقييد بالمنفصل من خلال أصالة عدم القرينة.

والجواب: إن أصالة عدم القرينة إنما تجري فيما إذا كان هناك ظهور في مقام الإثبات يقتضي إفادة معنى, واحتمل ورود القرينة على خلافه، ففي مثل ذلك تجري أصالة عدم القرينة, وجعلها لباً إلى أصالة الظهور, وعدم جواز رفع اليد عن كشفه النوعي لمجرد الاحتمال, أما في المقام فلا يوجد - بقطع النظر عن مقدمات الحكمة- أي ظهور يقتضي إفادة الإطلاق.

ولا يخفى أن هذا أحد وجوه ثلاثة في حقيقة أصالة عدم القرينة. والوجه الثاني هو أن أصالة الظهور ترجع إلى أصالة عدم القرينة. والوجه الثالث هو أن كلاً منهما أصل برأسه.

ومحل بحثه حجية الظهور، ولكن يمكن أن يقال إجمالاً هنا: إن الظهور دائرته القرائن المتصلة, فلا اقتضاء له لنفي احتمال القرينة المنفصلة.

الجهة الثانية: إن للقرينة المتصلة أنحاءً من قبيل الوصف مثل (أكرم العالم العادل) والشرط مثل (أكرم العالم إن كان عادلاً) والغاية والجار والمجرور وغيرها، إلا أن بعض القرائن قد يُرتاب في أصل كونه من القرائن المتصلة. وعلى فرض كونها من المتصلة قد يُرتاب في عدم أخذ عدمها ضمن مقدمات

ص: 152


1- بحوث في علم الأصول: 3/ 422 و7/ 181.

الحكمة. فهنا أمران:

الأمر الأول: فيما لو كانت القرينة جملة مستقلة عن جملة ذي القرينة, لكنها متصلة بها في الكلام, سواء أكانت أخص مطلقاً من ذي القرينة أم كانت النسبة بينهما العموم من وجه، وسواء كانا -أي القرينة وذيها- عامين أم مطلقين, أم أحدهما عاماً والآخر مطلقاً.

فهنا وقع الخلاف في كون القرينة المذكورة منفصلة أو متصلة تبعاً للاختلاف في معيار الاتصال والانفصال.

والأول: هو الذي يظهر من جماعة كالمحقق التقي

(قدس سره) حيث قال(1)

(المراد بالمتصل مالا يستقل بنفسه، وبالمنفصل ما يكون مستقلاً في إفادة الحكم وإن اتصل بالعام لفظاً) وهو قريب مما ذكره من قبل صاحب القوانين (قدس سره) (2).

ومفاده: أن المتصل لا يفيد حكماً من دون العام أو المطلق, فلابد منهما حتى تحصل الإفادة, فكأنه جملة ناقصة بدونهما، أما المنفصل فهو يفيد حكماً بنفسه, أي لا يتوقف في إفادته للحكم على وجود المطلق أو العام. فكأنه جملة تامة.

فعلى هذا القول تكون الجملة المستقلة من القرينة المنفصلة.

والثاني: وهو السائد عند المتأخرين, حيث يظهر من كلماتهم أن المعيار(3)

فيهما هو الاتصال والانفصال في الكلام، فالقرينة المنفصلة ما كان الدال عليها

خطاباً منفصلاً عن الخطاب الدال على العام أو المطلق. وبعكسه القرينة المتصلة.

والفرق بين المعيارين ظاهر, فإن المعيار الأول معنوي والثاني لفظي, كما أن الثاني أعم مطلقاً من الأول, إذ التوقف في المعنى لا يُشبع إلا بالاتصال اللفظي دون العكس.

ص: 153


1- هداية المسترشدين: 3/ 256.
2- القوانين المحكمة في الأصول: 2/ 7.
3- بحوث في علم الأصول: 7/ 193.

والصحيح هو الثاني بملاحظة ما اتُفق عليه من أن القرينة المتصلة تمنع من انعقاد الظهور دون المنفصلة. ولذا يتوقف انعقاد الدلالة(1)

التصديقية الأولى وهي الكاشفة عن المراد الاستعمالي على فراغ المتكلم من كلامه. دون ما إذا كان بعدُ مشتغلاً بالكلام، مما يعني أن المعيار هو الاتصال والانفصال في الكلام، ومما ذكرنا يظهر الكلام في مورد آخر ربما وقع الترديد في كونه من قبيل القرينة المتصلة أو المنفصلة وهو الاستثناء. فالذي يظهر من كلام أكثر المتأخرين كصاحب الكفاية والمحقق العراقي (قدس سرهما) (2) أن الاستثناء من قبيل القرينة المتصلة بلا ترديد، ويظهر من كلمات الشيخ (قدس سره)

نحو ترديد فيه حيث قال (قدس سره): (المخصص أن يكون متصلاً كالشرط والغاية وبدل البعض والصفة والاستثناء -على تأمل فيه كما ستعرف الوجه-)(3),

ثم قال: (وأما الاستثناء ففيه إشكال من حيث أنه لم يظهر كونه من المخصصات المتصلة أو غيرها ولا يبعد دعوى الاتصال فيه فيلحقه حكمه)(4).

وقال أيضاً: (نعم قد يُشك في بعض المخصصات في أنه ملحق بأي الفرقتين فيشك في حكمه أيضاً كالاستثناء, إذ يحتمل أن يكون من قيود الموضوع كالصفة, ويحتمل أن يكون كالمخصص المنفصل كقولك (لا تكرم زيداً) بعد الأمر بإكرام العلماء. والظاهر إلحاق الاستثناء بالمخصصات المتصلة فإن قولك (ما جاءني القوم إلا زيد) يجري مجرى (ما جاءني غير زيد) ولا يعد عندهم من الكلامين المنفصل أحدهما عن الآخر)(5).

ص: 154


1- فوائد الأصول: 4/ 716.
2- كفاية الأصول: 2/ 157 ط. جماعة المدرسين، مقالات الأصول: 1/ 437.
3- مطارح الأنظار: 2/ 154.
4- المصدر السابق: 156.
5- مطارح الانظار: 4/ 570.

والصحيح أن الاستثناء من القرائن المتصلة بلا فرق بين المعيارين المتقدمين للاتصال؛ لأن الاستثناء لا يستقل بنفسه في إفادة الحكم وهو جزء من الكلام المشتمل على المستثنى منه.

الأمر الثاني: الجملة المستقلة المذكورة فيما إذا كانت مطلقاً نسبتها إلى المطلق الأول العموم من وجه مثل (أكرم العالم ولا تكرم الفاسق)، فإن الصحيح عدم أخذ عدمها في مقدمات الحكمة والسر فيه:

أما إجمالاً: فلأن التنافي البدوي الوجداني لا يكون مالم ينعقد كلا الإطلاقين بل أن التنافي المستقر لا معنى له في المقام لو كانت الجملة المستقلة مأخوذ عدمها في مقدمات الحكمة. ومن الواضح أنه إذا لم يتحقق مناط القرينية فإن التنافي المستقر حاصل لا محالة.

وأما تفصيلاً: فإنه لو كان المطلق الثاني (لا تكرم الفاسق) يصح أن يكون بياناً لتقييد المطلق الأول (أكرم العالم) فإنه إنما يصلح بإطلاق (الفاسق) وشموله للعالم، وإطلاقه متوقف على عدم إطلاق (أكرم العالم) وإلا لو كان مطلقاً لكان بياناً لتقييد (لا تكرم الفاسق) بغير العالم وعدم إطلاق (أكرم العالم) متوقف على إطلاق (لا تكرم الفاسق) فيلزم أن يكون اطلاق (لا تكرم الفاسق) متوقفاً على إطلاق نفسه وهو محال.

وعلى هذا تتم مقدمات الحكمة في كل من المطلقين, ولكن لا ينعقد الإطلاق فيهما معاً لمكان التنافي في مورد الاجتماع, وكون التقييد متصلاً ومؤثراً في الظهور, فيكون الحال فيه كالحال فيما لو كان التنافي بين جزئي كلام واحد.

ومن المحتمل أن البيان المذكور يجري فيما لو كانت الجملة المستقلة مطلقة نسبتها إلى المطلق الأول أخص مطلقاً، وينبغي الالتفات إلى أنه ليس كلامنا في التقديم إذ لا كلام في أن الغالب تقديم إطلاق الأخص مطلقاً، وإنما الكلام في أن عدم الأخص مطلقاً هذا مأخوذ في مقدمات الحكمة أم لا؟

أما إذا كانت الجملة المستقلة عاماً ونسبتها إلى المطلق العموم من وجوه:

ص: 155

فعلى القول بتوقف دلالة العام على مقدمات الحكمة يأتي فيه البيان السابق بعينه، أما على القول المشهور من عدم التوقف فقد(1)

يقال إن (ظاهر حال المتكلم بيان الحكم إثباتاً كما هو عليه ثبوتاً, فكما أن الحكم لباً مجعول على نحو التقييد لا على نحو قضيتين كليتين متعارضتين, فكذلك في مقام الإثبات لابد وان يكون بيان القيد بلسان التقييد).

ولا يخفى أن هذا البيان لو تم يأتي بعينه في المطلق الذي هو أعم من وجه أيضاً, بل حتى الأخص مطلقاً.

ويرد عليه: أنه بملاحظة النكتة الثبوتية كما مرَّ يتضح أنه ليس لظهور الحال هذه المساحة من التأثير، وإنما المهم هو أنه هل يوجد دليل على ضرورة التطابق بين مقام الثبوت والإثبات في الكيفية أم لا؟

ويبدو أنه لا دليل على ذلك, أي لا يوجد بناء من العقلاء على ذلك فتأمل.

وبهذا اتضح: أن القرائن المتصلة وإن كان جميعها يؤثر في الظهور الإطلاقي, إلا أن هذا التأثير على نحوين:

الأول: ما يختص به الظهور الإطلاقي عن بقية الظهورات، وهو أن تأثيره في الظهور من جهة أخذ عدمه في مقتضي الظهور أعني مقدمات الحكمة.

الثاني: ما يؤثر في الظهور الإطلاقي كما هو الحال في بقية الظهورات، وهو فيما لو كانت القرينة المتصلة جملة مستقلة بمختلف أنحائها السابقة بناءً على أن الصحيح حاجة العموم الوضعي إلى مقدمات الحكمة وفاقاً لجملة من الأعلام.

ومن ثمار هذا التفريق أن النحو الأول دائماً مقدم على المطلق, وأما النحو الثاني فيشترط في تقديمه أن يكون أظهر.

ص: 156


1- بحوث في علم الأصول: 3/ 420-421.

الجهة الثالثة: إن صاحب الكفاية(1)

عدَّ انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب في جملة مقدمات الحكمة, ووافقه جملة من أعلام تلامذته كالمحقق العراقي والأصفهاني والمشكيني والقوجاني(قدس سرهم)(2).

ونوقع الكلام في أمرين:

الأمر الأول: في المقصود من القدر المتيقن في مقام التخاطب, ووجه اشتراط عدمه في مقدمات الحكمة, وفرقه عن التقييد.

ومن المناسب نقل بعض العبائر الصريحة في تحديد المراد من القدر المتيقن في مقام التخاطب. مبتدئين بتلامذة صاحب الكفاية (قدس سره) .

قال المحقق القوجاني (قدس سره): (إن المتيقن لابد أن يكون في مقام التخاطب, بحيث يكون الانسباق إلى الذهن من اللفظ مع ما يحف به من القرائن، لا أن يكون بالمقدمات الخارجية العقلية, بحيث لا يستند إلى اللفظ، وإلا يحكم بالإطلاق للزوم نقض الغرض بدونه, حيث إن المراد من كون المتكلم في مقام البيان كونه بصدد بيان المقصود باللفظ, لا بأمرٍ خارج كما هو ظاهر)(3).

والمحقق المشكيني (قدس سره) في مقام توضيح عبارة الكفاية من أن القدر المتيقن إذا كان بملاحظة الخارج لا يؤثر في انعقاد الإطلاق قال: (لأن المفروض كون المولى في مقام البيان بحسب مقام التخاطب, فلا يؤثر في رفع الإخلال إلا التيقن بحسب هذا المقام, كما إذا كان الفرد مسؤولاً عنه, أو كان هناك حكم عقلي ارتكازي يحتمل أن يتكل عليه)(4).

والمحقق النائيني (قدس سره) قال: (والمراد من وجود القدر المتيقن في مقام

ص: 157


1- كفاية الأصول: 247.
2- نهاية الأفكار: 1-2/ 574، مقالات الأصول: 1/ 507، نهاية الدراية: 2/ 497، حاشية المشكيني على كفاية الأصول: 2/ 490، تعليقة القوجاني على كفاية الأصول: 1/ 537.
3- مصدر سابق.
4- مصدر سابق.

التخاطب هو ثبوت القدر المتيقن بحسب دلالة اللفظ وظهوره, لا بحسب الحكم وواقع الإرادة, فإن ثبوت المتيقن بحسب واقع الإرادة مما لا يتوهم دخله في صحة التعويل على المطلقات, وإنما الذي يمكن دخله في ذلك هو عدم وجود المتيقن في مقام التخاطب ومرحلة اللفظ وظهوره... إن من أوضح مصاديق القدر المتيقن في مقام التخاطب هو ورود العام والمطلق في موردٍ خاص كقوله (علیه السلام): "خلق الله الماء طهوراً" في مورد السؤال عن ماء بئر بضاعة فإن المورد هو المتيقن والمراد من اللفظ المطلق)(1).

والمستفاد من هذه العبائر بخصوص القدر المتيقن في مقام التخاطب:

1. إن المقدمات الخارجية العقلية بعضها يعد من القرائن المختصة بالكلام, وبعضها لا يُعَّد كذلك، وبتعبير المحقق المشكيني (قدس سره) منه ارتكازي ومنه غير ارتكازي، مع المحافظة على كونها قرائن متصلة، وإلا تكون خارجة عن حدود مقدمات الحكمة.

2. إن الفرد المسؤول عنه بتعبير المحقق النائيني (قدس سره)

من أوضح مصاديق القدر المتيقن في مقام التخاطب, ومن ثم يصح أن يكون هو محور الأخذ والرد كما هو المتعارف في مثل ذلك، كما أنه يعم بمقتضى الإطلاق ما إذا لم يتكرر في الجواب, وإذا أُعيد ذكره فيه.

3. في عبارة المحقق النائيني (قدس سره) مرحلة اللفظ وظهوره، فإن كان مقصوده منها خصوص الظاهر من اللفظ بحيث لا يشمل ما يصلح للقرينة, فإنه يناقض عبارة صاحب الكفاية (قدس سره) على فرض أنها مرتبطة بالمقام, إذ أنه قال (ولو لم يكن ظاهراً فيه بخصوصه)(2)

والنفي المتوجه إلى المركب من المقيد والقيد ظاهر في نفي القيد بخصوصه لا المقيد أيضاً.

ص: 158


1- فوائد الأصول: 1-2/ 574.
2- كفاية الأصول: 249.

ووجه اعتبار(1)

انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب من جملة مقدمات الحكمة:

أنه لو فرضنا أن القدر المتيقن في مقام التخاطب هو تمام مراد المتكلم واقعاً، فإنه لو اقتصر عليه في مقام البيان لا يكون ناقضاً لغرضه, ولا مخالفاً للأصل العقلائي والظهور الحالي، حيث إنه بيَّن تمام مراده بخطابه.

ثم إن الفارق(2)

بين التقييد والقدر المتيقن في مقام التخاطب هو أن الأول يوجب التقييد بالخصوص, ومن ثم يصح أن يكون معارضاً لمطلق آخر، ولكن الثاني مع أنه لا مجال للأخذ بالإطلاق مع وجوده, وإنما يقتصر عليه دون التعدي إلى غيره, إلا أنه لما لم يكن موجباً للتقييد بخصوص لا يكون معارضاً مع مطلق آخر, بل لعل المطلق الآخر يرفع ما فيه من الإجمال.

وأورد عليه بعض الأعلام بإيرادات نقتصر على ذكر أهمها:

الإيراد الأول: قال المحقق النائيني (قدس سره): (إن المراد من كون المتكلم في مقام البيان هو كونه في مقام بيان ما تعلقت به إرادته واقعاً... فإذا كانت إرادته مختصة بقسم خاص من المطلق المذكور في كلامه لزمه أن ينصب عليه قرينة متصلة أو منفصلة، ومجرد اليقين بدخول ذلك القسم في موضوع حكمه, أو في

متعلقه لا يصلح لأن يكون قرينة على اختصاص الحكم به)(3).

وكأن صاحب الكفاية (قدس سره) كان ملتفتاً إلى هذه الفكرة وأجاب عليها بما توضيحه:

إن الأصل العقلائي المذكور في بحث المقدمة الأولى في مفاده احتمالان:

ص: 159


1- كفاية الأصول: 247، نهاية الأفكار: 1-2/ 574، مقالات الأصول: 1/ 508، حاشية المشكيني على كفاية الأصول: 2/ 490.
2- نهاية الأفكار: 1-2/ 575، نهاية الدراية: 2/ 497، حاشية المشكيني على كفاية الأصول: 2/ 492.
3- أجود التقريرات: 2/ 433.

الاحتمال الأول: كون المتكلم في مقام بيان تمام مراده بخطابه من دون أن يكون للمتكلم نظر إلى إفهام المخاطب, وإقامة بيان آخر على أن ما بينه هو التمام أي بيان وصف التمامية.

الاحتمال الثاني: أن يكون النظر المذكور ملحوظاً للمتكلم كجزء من الأصل العقلائي, بحيث إذا لم يبين ذلك يكون مخلاً بغرضه, ومخالفاً للظهور الحالي.

فعلى الاحتمال الثاني يتم الإيراد المذكور, إذ كان على المتكلم أن يقيم قرينة على أن ما بينه هو تمام مراده، فإذا لم يقم القرينة فإن القدر المتيقن أقصى ما فيه أنه مراد للمتكلم, أما أنه التمام فمسكوت عنه. ومن ثم لا مانع من الأخذ بإطلاق اسم الجنس من دون أن يضر القدر المتيقن في مقام التخاطب في ذلك.

أما على الاحتمال الأول فلا يتم الإيراد كما عرفنا من أنه لا إخلال بالغرض, ومن ثم احتمال أن القدر المتيقن هو تمام المراد لازم ولا دافع له.

والصحيح هو الاحتمال الأول دون الثاني والوجه فيه:

إن المقدمة الأولى لا طريق لنا لإثباتها إلا الأصل العقلائي الذي سبق بحثه القائم على كون المتكلم في مقام البيان. وهذا الأصل العقلائي بملاحظة مبناه الثبوتي يفيد أن المتكلم بمقتضى طبعه يبين تمام ما تعلقت به إرادته مما هو دخيل في حكمه من الأجزاء والشرائط والموانع، وإفهام السامع أن ما بينه هو التمام ليس دخيلاً في المطلوب، إلا نادراً, ومن ثم يحتاج إلى قرينة خاصة ولا يكون جزءً من الأصل العقلائي المذكور.

ولكن حتى على الاحتمال الثاني هذا ذُكرت عدة بيانات على أنه يتعين القدر المتيقن أيضاً, دون تمام مدلول اسم الجنس مثلاً. وبهذا لا يكون وجهاً للإيراد المذكور أصلاً، وأهمها:

ص: 160

البيان الأول(1)

: إن العقل يقضي بأن القدر المتيقن في مقام التخاطب لا إشكال في إرادته من المطلق, أما غيره فمشكوك عنده, ومن ثم من الممكن أن المتكلم يتكل في بيان إرادة خصوص المتيقن على حكم العقل هذا من دون الحاجة إلى إقامة قرينة عليه, بل إن إرادة تمام المدلول هو الذي يحتاج إلى إقامة القرينة للخروج عن حكم العقل هذا.

وقد أجاب عنه المحقق العراقي (قدس سره) بأن الإطلاق والتقييد في الذهن أمران متباينان لرجوع الإطلاق إلى عدم دخل الخصوصية في الغرض, ورجوع التقييد إلى دخلها. وهما متباينان في عالم اللحاظ بلا وجود متيقن بين الاعتبارين.

ويلاحظ عليه: أنه بقطع النظر عن جواب المحقق العراقي أقصى ما يفيده حكم العقل أن هذا متيقن, وذاك مشكوك ولا يدفع الشك، مضافاً إلى أن ما يمنع من انعقاد الإطلاق لا يراد به مطلق ما يحتمل اتكال المتكلم عليه في عدم إرادة الإطلاق, بل خصوص ما يكون لو اتكل عليه المتكلم لكان مقبولاً لدى أبناء المحاورة، وسيرة العقلاء قائمة على ذلك, وإلا كان انعقاد الإطلاق نادراً كما هو واضح، ومن هنا نمنع أن يكون حكم العقل هذا مما يعتمد عليه العقلاء في بيان مقاصدهم.

البيان الثاني(2): إن السيد الشهيد (قدس سره) أفاد: إن إضافة النظر المذكور لا تجدي

نفعاً في إثبات الإطلاق؛ لأن ثبوت الحكم على القدر المتيقن معلوم, أما على جميع الأفراد فغير معلوم, فلا يكون مبنياً بتمامه لو كان هو -تمام الأفراد- المراد، وبمقتضى كونه في مقام بيان تمام المراد نستكشف أنه ليس مراداً, وأن تمام المراد هو المقيد المتيقن.

ص: 161


1- مقالات الأصول: 1/ 507.
2- بحوث في علم الأصول: 3/ 426.

ويلاحظ عليه: أن القدر المتيقن أقصى ما فيه أنه مراد للمتكلم, أما أنه التمام فمسكوت عنه, ومن ثم لا مانع من الأخذ بإطلاق اسم الجنس مثلاً, إذ مقتضي الإطلاق موجود, والمانع وهو إقامة القرينة على كون القدر المتيقن هو تمام المراد مفقود.

وبعبارة أخرى: عند ذكر اسم الجنس مثلاً وتردد تمام المراد منه بين مدلول اسم الجنس الشامل لجميع الأفراد, وبين القدر المتيقن, فإذا لم يذكر قرينة على أن المتيقن هو تمام المراد فإنه يكفي قرينة على أن اسم الجنس هو التمام.

إن قلت: لِمَ لا يقال إن عليه أن يضم قرينة على أن مدلول اسم الجنس هو التمام فإذا لم يقم قرينة يتعين القدر المتيقن؟

قلتُ: ما هو المشكوك أعني غير المتيقن من الأفراد هو المحتاج لدفعه من خلال القرينة إن لم يكن مراداً, فإذا لم تكن قرينة فلا دافع لإرادته من اسم الجنس.

الإيراد الثاني(1): قال المحقق النائيني (قدس سره): لو كان وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب مانعاً من جواز التمسك بالإطلاق, لكان وجود القدر المتيقن من الخارج أيضاً كذلك، ضرورة أن كون الشيء قدراً متيقناً في مقام التخاطب, لا خصوصية له توجب اختصاصه بالمنع من التمسك بالإطلاق، فلو كان ذلك مانعاً لكان منعه بملاك كونه قدراً متيقناً في ثبوت الحكم له، فيلزم القول بكون وجود القدر المتيقن -ولو كان من الخارج- مانعاً من الأخذ بالإطلاق. وعليه فلا

يبقى مورد للتمسك بالإطلاق إلا نادراً.

ويلاحظ عليه: إن الظهور الحالي والأصل العقلائي مفاده أن المتكلم في مقام بيان تمام مراده بخطابه, لا ما يعم ما يكون بأمرٍ خارج عن الخطاب, كما

ص: 162


1- أجود التقريرات: 2/ 433.

ذكره جملة من الأعلام(1).

الإيراد الثالث: ما نقض به المحقق النائيني (قدس سره) حيث قال: (لو كان وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب مضراً بالتمسك بالإطلاق لما جاز التمسك بالمطلقات في غير موارد ورودها، إذ المورد من أظهر موارد وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب)(2).أقول: إن مرجع هذا النقض إلى أن العرف وأهل المحاورة على الإجمال يبنون على الإطلاق مع وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب. مما يكشف عن أنه لا يضر عندهم, ومن ثم الخروج عما عليه العرف لا يكون إلا بدليل.

وبعبارة أوضح: إن ما ذُكر في تقريب شرطية انتفاء القدر المتيقن في انعقاد الإطلاق من جهة احتمال أن يكون المتكلم قد أتكل على كونه قدراً متيقناً في مقام بيان أنه تمام مراده، لا يمكن قبوله؛ لأنه وكما أشرنا سابقاً من أن ما يمنع من انعقاد الإطلاق لا يراد به مطلق ما يحتمل اتكال المتكلم عليه في عدم إرادة الإطلاق, بل خصوص ما يكون لو اتكل عليه المتكلم لكان مقبولاً لدى أبناء المحاورة، وسيرة العقلاء قائمة على ذلك، وإلا كان انعقاد الإطلاق نادراً.

وبناء أهل المحاورة على عدم الاعتناء بالقدر المتيقن في مقام التخاطب كما في النقض المذكور شاهد على أن العرف لا يقبله مانعاً عن انعقاد الإطلاق.

الأمر الثاني: إن في حقيقة أخذ انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب من جملة مقدمات الحكمة احتمالات أربعة:

1. أنه بعنوانه وبنحو الموضوعية فيكون مقدمة برأسه.

2. أنه يرجع إلى الصالح للقرينة.

3. أن يكون مختصاً بالقيد المذكور في كلام السائل دون أن يكرر في جواب

ص: 163


1- مصدر سابق.
2- فوائد الأصول: 1-2/ 575، أجود التقريرات: 2/ 434.

المجيب, وفرقه عن القيد المذكور في الجواب أنه ظاهر في الاحترازية ومفهوم القيد, أما المذكور في خصوص السؤال فليس له مثل هذا الظهور, بل هو ساكت عما عداه.

4. أن يرجع إلى القرينة.

والرابع واضح أنه ليس بمراد لصاحب الكفاية (قدس سره), إذ أنه يدخل في المقدمة الثانية بحسب تعداد الكفاية.

والثالث بخصوصه بعيد, فإن المحقق النائيني والمشكيني (قدس سرهما) ذكراه على أنه من مصاديق القدر المتيقن في مقام التخاطب, لا أنه هو بخصوصه.

ومن ثم الأمر يكون دائراً بين الاحتمالين الأولين، وما ذكرناه في الأمر الأول كان على أساس أخذه بعنوانه في ضمن مقدمات الحكمة.

ولعل الشواهد إنما هي لصالح الاحتمال الثاني وهي:

1. قال المحقق الخراساني (قدس سره) (1) في مراتب الانصراف (أنه لا إطلاق له - للمطلق - فيما كان له الانصراف إلى خصوص بعض الأفراد أو الأصناف لظهوره فيه، أو كونه - خصوص بعض الأفراد - متيقناً منه - أي من المطلق - ولو لم يكن - المطلق - ظاهراً فيه - أي خصوص بعض الأفراد - بخصوصه).

فقوله (أو كونه متيقناً منه، ولو لم يكن ظاهراً فيه بخصوصه) مفاده أن

بعض الأفراد أو الأصناف مع أنه متيقن إرادته من ظاهر المطلق إلا أنه ليس ظاهراً فيه بخصوصه. وبهذا يفترق عن التقييد, وليس هذا إلا الصالح للقرينة.

2. ما ذكره المحقق العراقي(2) في مراتب الانصراف أيضاً فقال (ومنها: ما يكون أنس الذهن بمرتبة يوجب الشك المستقر بنحو لا يزول بالتأمل والتدبر

ص: 164


1- مصدر سابق.
2- نهاية الأفكار: 1-2/ 576.

أيضاً كما في القدر المتيقن).

وقال أيضاً: (والثانية: هي المضرة الإجمالية فتمنع عن الأخذ بالإطلاق خاصة, كما في القدر المتيقن في مقام التخاطب).

3. ما حكيناه من الفارق بين التقييد والقدر المتيقن في مقام التخاطب سابقاً.

فاتضح أن حقيقة انتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب أنه يرجع إلى انتفاء ما يصلح للقرينة.

ولكن هنا سؤال: وهو لِمَ طرحه صاحب الكفاية (قدس سره) تحت هذا العنوان, دون عنوان انتفاء ما يصلح للقرينة, مع أن الثاني أعم من الأول؟

بدا لي من متابعة جملة من المباحث الفقهية(1)

لصاحب الكفاية (قدس سره)، وللمحقق العراقي (قدس سره) في شرحه على تبصرة المتعلمين(2)

كأنهم يرون أن القدر المتيقن في مقام التخاطب مانع عن انعقاد الإطلاق على كل حال, بخلاف(3)

الانصراف أو الأنحاء الأخرى من الصالح للقرينة, إذ أنها تختص بحال دون حال، ومن ثم فهو وإن كان من مصاديق ما يصلح للقرينة, إلا أن خصوصيته المذكورة دعت إلى ذكره بعنوانه.

ولكن هذا لا يغفر من أن المناسب أن يذكر عنوان انتفاء الصالح للقرينة, وينبه على أن ما كان من قبيل القدر المتيقن في مقام التخاطب له خصوصية يختلف بها عن بقية أنحاء ما يصلح للقرينة.

وقد ظهر أنه لا خصوصية له أصلاً.

ص: 165


1- اللعمات النيرة: 13، حاشية المكاسب: 151 و243.
2- شرح تبصرة المتعلمين: 1/ 139 و143 و331، 2/ 46 و106، 5/ 41 و287 و386.
3- مصدر سابق.

المبحث الثالث

الثالثة من مقدمات الحكمة هي: إمكان الإطلاق والتقييد ثبوتاً وإثباتاً.

إن امتناع الإطلاق والتقييد يكون على وجهين:

الوجه الأول: أن يكون على سبيل السالبة بانتفاء الموضوع. بمعنى عدم تحقق موضوع الإطلاق. وذلك أن موضوع الإطلاق هو الماهية الوسيعة. وعليه فلا موضوع للإطلاق فيما لو لم يكن لشيء من قبيل الماهية, بأن كان أمراً موجوداً في الخارج، إذ الإطلاق والتقييد لحاظان ذهنيان فلا يردان على أمرٍ خارجي مضافاً إلى أن الوجود يساوق التشخص, ومن ثم الماهية الخارجية لا تكون إلا على وجه واحد, فلا يكون لها سعة وشمول. كما أنه لا موضوع له فيما إذا كانت الماهية ضيقة في حد نفسها, فالإنسان مثلاً لا يقبل الإطلاق والتقييد بالنسبة للحيوان الناطق لضيق مفهومه في حد نفسه، واعتبار هذا الوجه من إمكان الإطلاق والتقييد في انعقادهما أمر بديهي لاشك فيه.

الوجه الثاني: أن يكون الامتناع على سبيل السالبة بانتفاء المحمول. بمعنى أن موضوع الإطلاق والتقييد - وهو الماهية الوسيعة - محفوظ إلا أنهما يمتنعان رغم ذلك.

وهنا لا إشكال في اعتبار إمكان الإطلاق ثبوتاً إذ لا يتعلق الجعل بأمرٍ غير ممكن، فإذا لم يكن إطلاق الجعل ممكناً لم يكن موجوداً طبعاً.

وإنما الكلام في اعتبار إمكان التقييد ثبوتاً وإثباتاً وكذلك اعتبار الإطلاق إثباتاً:

1. أما اعتبار إمكان التقييد ثبوتاً: فهو مبني على بعض المباني دون جميعها، ذلك أنا إذا قلنا إن التقابل بين الإطلاق والتقييد في عالم الثبوت من قبيل العدم والملكة, كما عليه المحقق النائيني (قدس سره) فإنه إذا امتنع التقييد من جهة ارتفاع الشأنية امتنع الإطلاق.

ص: 166

وكذلك الحال إذا قلنا إن التقابل بينهما من قبيل الضدين الذين لا ثالث لهما أو النقيضين؛ لأنه إذا امتنع التقييد ثبت الإطلاق بلا حاجة إلى مقدمات الحكمة. وفي هذه الحالات يكون إمكان التقييد ثبوتاً من مقدمات الحكمة؛ لأنه لو امتنع يثبت الإطلاق بلا حاجة إلى مقدمات الحكمة.

أما إذا قلنا إن التقابل بينهما من قبيل الضدين الذين لهما ثالث لإمكان الإهمال ثبوتاً, فلا يكون إمكان التقييد من مقدمات انعقاد الإطلاق؛ لأن امتناع التقييد ثبوتاً لا يوجب تعذر الإطلاق أو تحققه قهراً.

2. أما إمكان التقييد إثباتاً: فلأن ثبوت الإطلاق واقعاً إنما يحصل بانعقاد أصالة التطابق بين مقام الإثبات ومقام الثبوت. بمعنى كاشفية مقام الإثبات عن مقام الثبوت، فإذا امتنع ذكر القيد إثباتاً لم يكن لعدم ذكره كاشفية عن عدم اعتباره, لجواز أن يكون مراده واقعاً هو المقيد, ولكن لم يستطع كشفه إثباتاً للامتناع المذكور.

3. ومنه يظهر الوجه في اشتراط إمكان الإطلاق إثباتاً في مقدمات الحكمة, فإنه متى تعذر إمكان الإطلاق تعين على المتكلم إما سوق الكلام على سبيل الإجمال, أو ذكر القيد حتى وأن لم يكن مراداً له، وعلى كلا الحالين لا ينعقد الإطلاق الإثباتي.

بقي هنا أمر ينبغي الالتفات إليه وهو إن المقصود بالإمكان والامتناع هل خصوص العقلي, كما هو المتبادر منه, أو الأعم منه ومن العرفي الدقي؟

والصحيح فيه التفصيل بين اعتبار إمكان الإطلاق والتقييد ثبوتاً وإثباتاً:

فاعتبار إمكانهما ثبوتاً يراد بالإمكان فيه الإمكان العقلي, إذ لا دخل للعرف في مقام الثبوت بالمعنى المنظور ههنا.

وأما اعتبار إمكانهما إثباتاً فهو أعم من الإمكان العقلي والعرفي. نظراً إلى أن ملاك اعتبار ذلك عدم انعقاد الدلالة لعدم ذكر القيد كما تقدم، ويكفي في انتفاء الدلالة وجود عذر للمتكلم ولو كان الحذر والتقية.

ص: 167

والفارق بينهما أنه على الأخير يدخل الاضطرار والإكراه والتقية وما شاكلها, بخلافه على الأول.

المبحث الرابع

الرابعة من مقدمات الحكمة ما حُكيت اضافته عن بعض أعاظم العصر (دام ظله العالی) وهو ضرورة التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي في ذاتهما. ووافقه السيد الأستاذ [ حيث قال ما لفظه: (إن مرجع الأخذ بالإطلاق اللفظي في أصالة التطابق بين المراد الجدي والمراد الاستعمالي، أي التطابق بين القضية اللفظية والقضية اللبية. بمعنى أنه مالم يذكر في القضية اللفظية ليس له دخل في القضية اللبية، هذا فيما إذا كان التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي في الذات متحققاً ونشك في الحدود، فلو قال الآمر: أكرم عالماً. وشككنا في أن للعدالة دخلاً في ثبوت هذا الحكم أم لا. فنقول: إن مقتضى أصالة التطابق بين المراد الجدي والاستعمالي، هو أن لا يكون للعدالة أي دخل في ثبوت هذا الحكم.

أما لو افترضنا أن المراد الجدي مغاير في الذات للمراد الاستعمالي, بأن ذكر شيئاً وأراد شيئاً آخر لأي مبرر كان, كما هو الحال في باب الكنايات فيقول: (زيد كثير الرماد) يريد بذلك أنه جواد كريم. فليس هناك تطابق أصلاً بين المرادين حتى يكون مجرى لأصالة التطابق والأخذ بالإطلاق اللفظي.

ففي جميع الموارد من هذا القبيل - كناية كانت أو غيرها - لو شككنا في سعة المراد الجدي وضيقه, فلابد من اللجوء إلى القرائن والمناسبات. فلو قيل: (جئني برجل كريم) وشك في أن المراد الجدي هو مطلق من يعد كريماً في العرف أو خصوص من يتسم بكرم الضيافة مثلاً، يمكن الأخذ بالإطلاق، ومقتضاه كفاية الإتيان بأي رجل كريم, سواء أكان كرمه في الضيافة أم في غيرها من المجالات. وذلك لأن التطابق بين المرادين الجدي والاستعمالي في الذات معلوم. وحيث

ص: 168

لم يقيد بخصوصية معينة فمقتضى أصالة التطابق هو أن لا تكون أي خصوصية غير مذكورة معتبرة في المراد الجدي.

واما لو قال: (جئني برجل كثير الرماد) وشككنا في أن المراد خصوص الكريم في مجال الضيافة أو أعم من ذلك، فلا يؤخذ بالإطلاق؛ لأن المراد الجدي هو الرجل الكريم وليس كثير الرماد، فلا تطابق بين المرادين الاستعمالي والجدي في الذات ليبنى على تطابقهما في الحدود. فلا محيص من الرجوع في مثل ذلك إلى الشواهد والمناسبات. ولعل مقتضاها في المورد إرادة خصوص كرم الضيافة, فلابد من الاقتصار عليه ولا مجال للأخذ بالإطلاق على كل حال)(1).

وبعبارة أخرى: موضوع الدلالة الإطلاقية - كما ذكرنا - هو حدود المعنى وهي مضافة إلى معنى معين. وهو ما عبرنا عنه سابقاً بأصل المعنى المفاد من الحكم أو متعلقه أو موضوعه, ومن ثم فإن حدود المراد الاستعمالي يصح أن تمثل حدود المراد الجدي فيما لو كان المراد الاستعمالي هو هو المراد الجدي في أصل المعنى. فيقال كما أن الأصل أن يكون المراد الاستعمالي مطابقاً للمراد الجدي, فإن الأصل أن تكون حدوده مطابقة لحدود المراد الجدي، أما إذا اختلفا فلا دليل على أن حدود المراد الاستعمالي هي حدود للمراد الجدي أيضاً - إذ أنه معنى آخر- ومن ثم لا مكان لأصالة التطابق في حدود المعنيين بعد عدم التطابق بين أصلهما. ومن هنا يظهر التأمل في ما يعبر عنه في كلماتهم بإطلاق التنزيل إذ أنه لا إطلاق فيه أصلاً, ومن ثم حمله على أبرز الجهات دون جميعها لأجل عدم انعقاد الإطلاق من أصل, لا لأجل انعقاد الإطلاق, ولكن عدم إحراز أن يكون من جميع الجهات.

ص: 169


1- بحوث في شرح مناسك الحج: 1/ 108.

المصادر

1. أجود التقريرات, تقرير بحث المحقق النائيني (قدس سره) بقلم السيد الخوئي (قدس سره), مؤسسة صاحب الأمر قم المقدسة.

2. أصول الفقه, المحقق الشيخ حسين الحلي (قدس سره) .

3. الأصول في علم الأصول, المحقق الإيرواني (قدس سره), بوستان كتاب قم المقدسة.

4. بحوث في علم الأصول, تقرير بحث السيد الشهيد (قدس سره), بقلم السيد محمود الهاشمي, مركز الغدير للدراسات الإسلامية.

5. بحوث في شرح مناسك الحج, للسيد محمد رضا السيستاني دامت بركاته بقلم الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف.

6. تحريرات في الأصول, للسيد مصطفى الخميني (قدس سره), مؤسسة تنظيم ونشر آثار السيد مصطفى الخميني.

7. تعارض الأدلة واختلاف الحديث, تقرير بحث السيد السيستاني مد ظله بقلم هاشم الهاشمي.

8. تعليقة القوجاني, للشيخ علي القوجاني (قدس سره), مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث.

9. حقائق الأصول, للسيد محسن الحكيم (قدس سره), مكتبة بصيرتي.

10. الحلقة الثالثة, للسيد الشهيد الصدر (قدس سره) . المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر.

11. الحلقة الثانية, للسيد الشهيد الصدر (قدس سره), المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر.

12. درر الفوائد, المحقق عبد الكريم الحائري (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.

ص: 170

13. فوائد الأصول, تقرير بحث المحقق النائيني (قدس سره) بقلم الشيخ محمد علي الكاظمي (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي.

14. القوانين المحكمة في الأصول, للميرزا أبي القاسم القمي (قدس سره), دار المحجة البيضاء.

15. كفاية الأصول, المحقق الخراساني (قدس سره), مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث، ومؤسسة النشر الإسلامي.

16. محاضرات في أصول الفقه, تقرير بحث السيد الخوئي (قدس سره) بقلم الشيخ الفياض مد ظله, طبعة مؤسسة السيد الخوئي.

17. المحكم في أصول الفقه, السيد محمد سعيد الحكيم مد ظله, مؤسسة المنار.

18. المحاضرات, تقرير السيد محمد الداماد (قدس سره) بقلم السيد جلال الدين الطاهري, انتشارات مبارك.

19. مصابيح الأصول, تقرير بحث السيد الخوئي (قدس سره) بقلم السيد علاء الدين بحر العلوم (قدس سره), دار الزهراء.

20. مطارح الأنظار, تقرير بحث الشيخ الأنصاري (قدس سره) بقلم الكلانتري الطهراني, مجمع الفكر الإسلامي.

21. مقالات الأصول, المحقق العراقي (قدس سره), مجمع الفكر الإسلامي.

22. منتقى الأصول, تقرير بحث السيد محمد الروحاني (قدس سره) بقلم السيد عبد الصاحب الحكيم (قدس سره), مطبعة الهادي.

23. نهاية النهاية, المحقق الأيرواني (قدس سره), مكتب الأعلام الإسلامي قم المقدسة.

24. نهاية الأفكار, المحقق العراقي (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.

25. نهاية الدراية في شرح الكفاية, المحقق الأصفهاني (قدس سره), مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث.

ص: 171

26. نتائج الأفكار, تقرير بحث السيد محمود الشاهرودي (قدس سره) بقلم السيد محمد جعفر المروج (قدس سره), آل المرتضى للتحقيق والنشر.

27. الهداية في أصول الفقه, تقرير بحث السيد الخوئي (قدس سره) بقلم الشيخ حسن الصافي الاصفهاني (قدس سره), مؤسسة صاحب الأمر.

28. هداية المسترشدين, للشيخ محمد تقي الاصفهاني (قدس سره), مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.

29. حاشية المشكيني على كفاية الأصول, للميرزا أبي الحسن المشكيني (قدس سره), منشورات دار الحكمة بقم المقدسة.

30. شرح تبصرة المتعلمين, للمحقق العراقي (قدس سره) ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة.

31. اللمعات النيّرة, للشيخ الآخوند الخراساني (قدس سره), مدرسة ولي العصر (عجل الله تعالى فرجه) العلمية, قسم الدراسات والبحوث.

ص: 172

دراسة حول الواسطة المبهمة بين الحسن بن محمد بن سماعة و أبان بن عثمان(القسم الأول) - علي سالم الناصري دام عزه

اشارة

في الاستدلال بالسنة الشريفة صعوبات نشأت من مشاكل في مثبتاتها، كالإرسال في الأسانيد، وليس بالضرورة أن يكون لسبب قهر المرسل, فقسم منه ولَّده ضياع قرينة، أو تصريح اعتُمد عليه عند الإتيان بلفظ موجز, ونظرية الاحتمال من الأساليب العلمية المتَّبعة للتغلُّب على بعض عقبات صراط الاستدلال, والذي بين يديك محاولة لحلِّ مشكلة نجمت عن إبهام الواسطة بين راويين هما: ابن سماعة، وأبان بن عثمان اعتماداً على نظرية الاحتمال مع إيجاز لبعض أساسياتها وقوانينها.

ص: 173

ص: 174

بسم الله الرحمن الرحیم

والحمد لله رب العالمين والصلاة، والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

المدخل:

يوجد في كتب الحديث العديد من الروايات التي في سندها واسطة مبهمة بين الحسن بن محمد بن سماعة، وبين أبان بن عثمان, وهي على نحوين:

النحو الأول: ما كانت الواسطة فيه متعددة عرضاً مثل (عن غير واحد) أو (عن عدّة من أصحابنا) أو ما شابه ذلك, وهذا كثير- ففي الكافي وحده ما يقرب من مائة رواية -.

النحو الثاني: ما كانت الواسطة فيه واحدة مثل (عن بعض أصحابه) أو (عمّن ذكره), وهذا أقل - ففي الكافي ما يقرب من خمس عشرة رواية -.

والملاحَظ أنَّه يُتعامل مع الأول معاملة المُعتبر ومع الثاني معاملة المُرسل.

وعنايتنا موجَّهة إلى النحو الأول - أي: ما كانت الواسطة فيه متعددة عرضا ً- محاولين حلّ المشكلة بالاعتماد على حساب الاحتمال. وقبل ذلك علينا أن لا نغفل عن أمر مهم، أعني وجود ثمرة عملية للبحث، أو عدم وجودها من ناحية أنه هل توجد مشكلة عملية نحتاج إلى حلّها، أم أن البحث ضرب من الترف العلمي؟

أقول: مما لا شكَّ فيه أن هذا التعبير ب- (غير واحد) لا يدل على اجتماع جماعة يمتنع اجتماعهم على الكذب, إذاً: لأول وهلة الأمر يستحق المتابعة. نعم لا تصل النوبة إلى طريقة حساب الاحتمال، لما تتطلبه من وقت وجهد ليسا بالقليلين، إلا بعد العجز عن حلّ المشكلة بغيرها مما هو أيسر منها. وما يمكن

ص: 175

التشبث به لحل المشكلة بلا خوض في عملية حساب الاحتمال أمران قد يغنيان عن حساب الاحتمال وهما:

الأمر الأول: الاعتماد على تعبير (عن غير واحد)(1), وههنا وجوه:

الوجه الأول: دعوى الاطمئنان بعدم اجتماع ثلاثة على الكذب. قال المحسني: (فإذا قال الراوي: عن عدّة أو عن جماعة أو: عن غير واحد أو أمثال هذه العبارات نبني على اعتبار الرواية, وإن لم نعرف المحذوفين اسماً بالمدح والذم, للاطمئنان بعدم كذب جميع الجماعة المذكورة في أخبارهم)(2).

والفرق بين هذه الطريقة والطريقة التي نحن بصدد اعتمادها – وإن كان واقعها أيضا الاعتماد على حساب الاحتمال – هو أن هذه الطريقة تقرب الاعتماد على الرواية بنفي احتمال الكذب، حتى على تقدير كون الجماعة جميعاً غير موثقين. في حين ما نريد اعتماده هو إثبات أن أحد الرواة على الأقل ثقة بنفي احتمال أن الجميع من غير الموثقين. والفرق واضح.

وهل تتم هذه الدعوى أو لا تتم؟ يمكن القول: بأن حصول الاطمئنان على نحو كلي من هكذا تعبير فيه مجال للنقاش. فهو يتأثر بطبيعة القضية المنقولة، وبكون النقل مفصلاً أو مجملاً, وبكون الناقلين من مشارب متعددة أم من مشرب وطريقة واحدة, وبكونهم من أهل بلد واحد أو من بلاد متعددة, فليتدبر!

الوجه الثاني: ما ذكره المحقق السبزواري في الذخيرة عند الكلام فيما لو نسي تعيين الصلاة الفائتة قال: (وقوله: " عن غير واحد من أصحابنا " - يعني في رواية علي بن أسباط - يدل على تعدد الرواية، وظهور صحة الخبر عنده، ومثل

ص: 176


1- وهذه الطريقة لو تمت لكانت أعم نفعاً من الثانية؛ لأنها تجري في كل مورد عبّر فيه ب-(غير واحد) ونحوه لذلك قدّمناها.
2- بحوث في علم الرجال: 228.

هذا الكلام عند ضعف الرواة وعدم صحة التعويل على نقلهم لا يصدر عن الثقات الأجلاء؛ لما فيه من التلبيس)(1).

وعلَّق عليه أبو المعالي الكلباسي بقوله: (وأنت خبير بأن دعوى الظهور المذكور محل الإشكال، سواء كان الظهور مستنداً إلى نفس رواية العدل أم تعبيره بغير واحد، بل على الأول يلزم أن يكون رواية العدل تعديلاً للمروي عنه)(2).

أقول: ما ذكر من التعليق متين، أما الاول فواضح، و أما الثاني فدلالة (عن غير واحد) على الأكثر من الاثنين مسلمة، لكن أي تلبيس في قول الثقة عن غير واحد اذا كانوا في الواقع متعددين وإن كانوا جميعاً غير معلومي الوثاقة؟! وهل في قول أحدنا: سمعت من غير واحد أنه حدث كذا وكذا إذا سمعه ممن لا يعرفهم تلبيس، أو ظهور في صحة الخبر عنده؟!

الوجه الثالث: دلالة عن غير واحد على الاستفاضة, ذكر أبو المعالي الكلباسي(3) أن ذلك تام بناءً على اعتبار الخبر المستفيض، خصوصاً بناءً على كون المدار في الاستفاضة على ما فوق الواحد, و عقَّب صاحب المدارك على رواية في سندها (عن غير واحد), قائلا: (ولا يضر إرسالها، لأن في قوله عن غير واحد من أصحابه إشعاراً (باستفاضة ذلك)(4) عنده)(5).

ص: 177


1- ذخيرة المعاد: 384.
2- الرسائل الرجالية: 3/565.
3- الرسائل الرجالية: 2/147.
4- في هامش المدارك أن في بعض النسخ هكذا (بثبوت مدلولها), وهو موافق لما حكاه عنه الوحيد في الفوائد (243), وعلّق عليه بقوله: (وفى تعليله تأمل فتأمل). ولعلّه أراد أن الثبوت عند الراوي ليس حجة علينا, مضافاً إلى عقم الإشعار عن النفع.
5- مدارك الأحكام: 1/152.

أقول: في المبنى نظر, فأي دليل على كفاية الاستفاضة بعنوانها، لا بمعنى أكثر من واحد ولا غيره, ولم يثبت قيام سيرة عقلائية مستوفية لشروط الحجية، ولا شرعية كذلك على العمل بالخبر المستفيض وإن لم يوجب الاطمئنان.مع أن صاحب المدارك (قدس سره) قال فيه إشعار بالاستفاضة. والإشعار لا ينفعنا شيئاً.

الوجه الرابع: ما أشار اليه الوحيد البهبهاني، فإنه بعد أن اعتبر رواية الثقة الجليل عن غير واحد أقوى من كثير من الصحاح قال: (وربما يعد من الصحاح بناءً على أنه يبعد أن لا يكون فيهم ثقة وفيه تأمل!)(1).

أقول: الأقوائية التي التزم بها (قدس سره) غير بيّنة ولا مبيّنة, و تأمله في محلّه. فالأمر يحتاج إلى معرفة عدد مشايخ الراوي، وكم فيهم من الثقات، وكم فيهم من غير الثقات وإلا فهو ظن, و لم يثبت اعتبار مطلق الظنون الرجالية، لا مطلقا، ولا عند خصوص القائلين بالانسداد الصغير في باب الرجال. فإن تمامية مقدمات دليل الانسداد لا تلازم حجيّة كل ظن, فالظنون مراتب من حيث الشدّة والضعف، ولا يكفي دليل الانسداد للمصير الى أدناها, فليتأمل!.

وجه للمنع: هذا ومقابل ذلك يمكن أن يقرب وجه للمنع من القبول, وهو نفس عدول الثقة عن التصريح باسم الراوي إلى غير واحد، أو عدّة، أو غيرها يعني عدم وجود ثقة بينهم، وإلا فذكر الثقة أولى، فبه يتم السند ولا حاجة إلى الإيهام.

لكن الإنصاف أن هذا بعيد، ولا ينحصر السبب بما ذكر مع أنه كثيراً ما يذكر الثقة إلى جنب غير الثقة، بل وإلى جنب الثقة في الأسانيد.

ص: 178


1- الفوائد الرجالية: 53.

تفسير الواسطة المبهمة

الأمر الثاني: تفسير العدّة وبيان المقصودين بعبارة (غير واحد) الواقعة بين الحسن بن محمد بن سماعة وأبان بن عثمان.

إن حديث تفسير المراد من (العدّة) أو (غير واحد) يظهر من الحرّ

العاملي (رضوان الله تعالی علیه), حيث قال في الفائدة الثالثة: ((وقد ورد في أسانيد الكافي وغيره: (الحسن بن محمد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان). وقد ورد - في عدَّة أسانيد - التصريح بأسماء المقصودين، بقوله: (غير واحد) وهم: جعفر بن محمد بن سماعة، والميثمي، والحسن بن حماد. كما في التهذيب في باب الغرر والمجازفة وغيره))(1).

وأورد في الوسائل سند رواية هكذا: (محمد بن الحسن بإسناده عن الحسن ابن محمد بن سماعة، عن جعفر و الميثمي والحسن بن حماد كلهم، عن أبان عن أبي العباس البقباق، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: إذا تشاح قوم في طريق...)(2).

وعلّق عليه في الهامش قائلا: (في كثير من الأسانيد الحسن بن محمد بن سماعة، عن غير واحد، عن أبان. ومن هنا ومن مواضع أخر تعلم تلك الوسائط).

وهذا الحديث ورد في التهذيب(3) وليس في سنده أبان على ما في بعض الطبعات(4) لكنه موجود في طبعة أخرى(5), وما في الأخيرة أصح؛ لأنه لم ترد رواية لجعفر، ولا للميثمي، ولا للحسن بن حماد عن أبي العباس بالمباشرة فيما

ص: 179


1- وسائل الشيعة: 30/149.
2- وسائل الشيعة: 18/445.
3- تهذيب الأحكام: 7/130.
4- تحقيق السيد حسن الخرسان, طبعة دار الكتب الإسلامية.
5- تحقيق على أكبر الغفاري, طبعة مكتبة الصدوق.

بأيدينا من روايات ابن سماعة. ووردت رواية أحمد بن الحسن الميثمي عن أبان

عن أبي العباس(1).

ولم يرد - حسب تتبعي - في أي موضع آخر ذكر لثلاثة أو أكثر معينين بين الحسن بن محمد بن سماعة، وأبان بن عثمان.

نعم, وردت رواية ابن سماعة عن أكثر من واحد معينين، لكن عن غير أبان وهذه المجاميع هي:

1- ابن رباط، والحسين بن هاشم، وصفوان عن ابن مسكان(2).

2- محمد بن أبي حمزة، وحسين بن هاشم، وابن رباط، وصفوان عن يعقوب بن شعيب(3).

3- ابن رباط، وابن جبلة، وصفوان بن يحيى عن إسحاق بن عمار(4).

4- عبد الله، وجعفر ومحمد بن العباس عن العلا(5).

5- علي بن رباط، والحسين بن هاشم، وصفوان بن يحيى عن عيص بن القاسم(6).

6- حسين بن هاشم، وعلي بن رباط، وصفوان بن يحيى عن يعقوب بن شعيب(7).

هذه المجاميع هي التي أشار إليها الحر (رضوان الله تعالی علیه) .

ص: 180


1- الكافي: 5/104, 282.
2- الكافي: 6/191.
3- الاستبصار: 1/247.
4- التهذيب: 6/129.
5- التهذيب: 7/186.
6- الكافي: 7/68.
7- التهذيب: 7/157.

ولكن يبقى السؤال: هل مجرد وجود ثلاثة أو أكثر يروي عنهم ابن سماعة في طريق أو أكثر يكفي في تفسير العدّة المجهولة وبيان المراد من غير واحد أينما وردا؟

قد يقال: نعم, فإن سبب هذه الظاهرة هو وصول كتاب شخص بأكثر من طريق فيذكر الوسائط في موضع أو أكثر ثم يترك ذكرها اختصاراً, فالظاهر من الترك الإحالة على ما بيَّنه في بعض الموارد وهو متعارف.

وهذا - لو تم - إنما ينفع في المقام لو ثبت أن مجموعة معيّنة روت عن أبان

- كما قوّيناه -, على أنه ليس بذلك الوضوح، فإنه وإن كان ترك أول السند اعتماداً على سند سابق أمراً متعارفاً لكن ذكر واسطة مبهمة في وسط السند اعتماداً على سند آخر ليس كذلك.

ولو سلّم فإنه فيما لو كان السند ذوالواسطة المبهمة لاحقاً لسند قد بيّنت فيه الواسطة والحال هنا ليس كذلك.

اللّهم إلا أن يقال إن الأمر كان كذلك في المصادر، لكن أصحاب الجوامع الحديثية فرَّقوها بحسب الأبواب الفقهية فاختل الترتيب.

ولكن انَّى لنا الوثوق بهذا؟!

قد يقال: ليس ضرورياً أن تثبت رواية الجماعة عن أبان, المهم أن هذه الوسائط مما ثبت اعتماد ابن سماعة عليها في النقل، ولا ينظر إلى من رووا عنه, فتأمل!

وكيف كان إن حصل الاطمئنان بوجود ثقة في مَن توَّسطوا بين الحسن بن محمد بن سماعة وأبان بن عثمان اعتماداً على التعبير ب- (عن غير واحد) أو حصل الاطمئنان بعدم اجتماع ثلاثة على الكذب أو وثق بتفسير العدَّة بما ذكره الحر العاملي فبها ونعمت. وإلا فتصل النوبة إلى حساب الاحتمال.

ص: 181

حساب الاحتمال

اشارة

نتكلم في حساب الاحتمال عن قرينة موجبة للاطمئنان النوعي(1) وهي: أنه وفق حساب الاحتمال كم هي حظوظ وجود ثلاثة وسائط من غير الثقات –فإنه يكفي وجود واسطة واحدة معتمدة- بين الحسن بن محمد بن سماعة وأبان ؟ طبعاً كلما زادت امتنع الاعتماد على الروايات ذات الواسطة المجهولة، وإذا تضاءلت حتى تبلغ حداً لا يحتفظ به الذهن البشري، أو لا يعتني به العقلاء أمكن الاعتماد.

ومن الواضح أن هذا يتوقف على معرفة مشايخ ابن سماعة الذين ثبتت روايته عنهم، ومعرفة الثقات منهم من غير الثقات، بل ويتوقف على الأصح على معرفة عدد رواياتهم. فحساب الاحتمال يتأثر بعدد الروايات. ولهذا لابد من القيام بدراسة لجميع من وردت رواية الحسن بن محمد بن سماعة عنه في كتب الحديث الفقهية وغيرها، وفي كتب الفهارس، ومعرفة من ثبتت رواية ابن سماعة عنه من الذي ذكرت روايته عنه، لكنها غير صحيحة لمشكلة ما، وتمييز الثقة من غيره، وحساب روايات الفريقين وقبل الشروع بذلك لابد من الكلام في أمور:

الأمر الأول

اشارة

في التعريف بالحسن بن محمد بن سماعة، وبيان طبقته، وصحة روايته عن أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) بالمباشرة، وعناوينه في الأسانيد.

قال النجاشي: (الحسن بن محمد بن سماعة أبو محمد الكندي الصيرفي من شيوخ الواقفة. كثير الحديث فقيه ثقة. وكان يعاند في الوقف ويتعصب. أخبرنا محمد بن جعفر.. إلى آخر الخبر وفيه إنكار الحسن بن محمد بن سماعة لفضيلة من فضائل الإمام الهادي (علیه السلام) ثم قال النجاشي: وله كتب، منها: النكاح،

ص: 182


1- ليس المراد أنه حجّة وإن لم يوجب الاطمئنان الفعلي، حتى يقال لم يقم دليل على حجية القطع النوعي، فضلاً عن الاطمئنان النوعي.

الطلاق، الحدود، الديات، القبلة، السهو، الطهور، الوقت، الشرى، البيع، الغيبة، البشارات، الحيض، الفرائض، الحج، الزهد، الصلاة، الجنائز، اللباس. أخبرنا أبو عبد الله بن شاذان قال: حدثنا علي بن حاتم قال: حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت قال: رويت كتب الحسن بن محمد بن سماعة عنه. وقال لنا أحمد بن عبد الواحد: قال لنا علي بن حبشي: حدثنا حميد بن زياد قال: سمعت من الحسن بن محمد بن سماعة الصيرفي - وكان ينزل كندة - كتبه المصنفة، وهي على هذا الشرح وزيادة كتاب زيارة أبي عبد الله (علیه السلام) . وقال حميد توفى أبو علي ليلة الخميس لخمس خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث وستين ومائتين بالكوفة، وصلى عليه إبراهيم بن محمد العلوي، ودفن في جعفي)(1).

قال الشيخ الطوسي: الحسن بن محمد بن سماعة الكوفي، واقفي المذهب، إلا أنه جيد التصانيف، نقي الفقه، حسن الانتقاد. وله ثلاثون كتابا، منها: كتاب القبلة، كتاب الصلاة، كتاب الصيام، كتاب الشراء والبيع، كتاب الفرائض، كتاب النكاح، كتاب الطلاق، كتاب الحيض، كتاب وفاة أبي عبد الله (علیه السلام) ، كتاب الطهور، كتاب السهو، كتاب المواقيت، كتاب الزهد، كتاب البشارات، كتاب الدلائل، كتاب العبادات، كتاب الغيبة. ومات ابن سماعة سنة ثلاث وستين ومائتين في جمادي الأولى، وصلى عليه إبراهيم بن محمد العلوي، ودفن في جعفي. أخبرنا بجميع كتبه ورواياته أحمد بن عبدون، عن أبي طالب الأنباري، عن حميد بن زياد النينوائي، عنه. وأخبرنا أحمد بن عبدون، عن علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضال، عن الحسن بن محمد بن

سماعة)(2).

ص: 183


1- فهرست اسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): 40 – 42.
2- الفهرست: 103.

وذكره الشيخ الطوسي في الرجال في أصحاب الإمام الكاظم (علیه السلام) قائلا: (الحسن بن محمد بن سماعة، واقفي، مات سنة ثلاث وستين ومائتين، يكنى أبا علي، له كتب ذكرناها في الفهرست)(1).

أقول: لا إشكال في وثاقة الحسن بن محمد بن سماعة بعد تنصيص النجاشي وعدم المعارض, فالوقف لا يؤثر في الوثاقة, فهو ليس ممن ابتدع المذهب، حتى يقال لابد للمبتدع من وضع أحاديث يدعم بها مذهبه ويستميل الناس إليه, وإنكاره فضائل الأئمة المتأخرين (علیهم السلام) لا يستلزم الكذب, ففرق كبير بين من ينكر فضيلة لمبتنيات فكرية وبين من يتعمّد الكذب لدعم مذهب يعتنقه.

وهنا مطالب مهمة نتعرض لها:

المطلب الأول

في بيان طبقته.

تقدّم أن الشيخ ذكره في أصحاب الإمام الكاظم (علیه السلام), فإذا ضممنا إليه ما يساعد عليه الاعتبار مما حكي عن السيد البروجردي في موسوعته الرجالية: (والرواة عن أبي الحسن الأول (علیه السلام) جلهم من الخامسة. وربما شاركهم بعض معمّري الرابعة، و شاذ من كبار السادسة)(2) تكون النتيجة أنه من السادسة، فلا يحتمل أن يكون من الخامسة فضلاً عن الرابعة, وهذا واضح لمن له أدنى ممارسة في الأسانيد.

هكذا يمكن أن يقال لكنه ضعيف جداً, أولاً: من ملاحظة من روى عنهم، ومن رووا عنه يظهر أنه من السابعة, فإن أغلب رواياته عن مَن هم من السادسة، كمحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن جبلة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن الحسن الميثمي، وعلي بن الحسن بن رباط، وجعفر بن سماعة، وحسين بن هاشم، وصفوان بن يحيى، وعبيس بن هاشم، وعلي بن النعمان وغيرهم.

ص: 184


1- الأبواب (رجال الطوسي): 335.
2- حكاه في بحوث في علم الرجال: 5/144.

وبعض من ثبتت روايته عنهم من الخامسة هم ممن طال عمره بحيث يروي عنه من هو من السابعة، كوهيب بن حفص(1) هذا من جهة ومن جهة أخرى أغلب رواياته يرويها حميد بن زياد النينوائي(2) وهو من الثامنة(3).

وثانياً: وفاة الحسن بن محمد بن سماعة سنة 263 ﻫ كما ذكره النجاشي والشيخ. وفرض كونه من أصحاب الإمام الكاظم (علیه السلام) يستلزم كون عمره أكثر من مائة سنة، ولم يذكر في المعمرين.

ومما يؤيد ذلك عدم وجود أي رواية له عن الكاظم (علیه السلام) فتأمل!.

لا يقال: هذا لا ينفي كونه من السادسة وهم أصحاب الإمام الرضا (علیه السلام)

فلا يثبت كونه من السابعة, فإنه يقال إن وفيات من هم من الطبقة السادسة تتراوح بين 210 و230 ﻫ أما من تتراوح وفياتهم بين 260 و270 ﻫ فهم

ص: 185


1- الظاهر إدراك وهيب بن حفص للطبقة السادسة، وبقاؤه إلى زمن يمكن لمن كان من الطبقة السابعة الرواية عنه وذلك لأمرين: 1- إن الشيخ في الفهرست روى كتابه عن طريق محمد بن الحسين وهو محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب. وهو من السابعة. 2- روايات من هم من السابعة عنه كثيرة مبثوثة في الكتب، كمحمد بن الحسين ابن أبي الخطاب - رواياته في التهذيب وحده خمس عشرة رواية - والطاطري, محمد بن علي الكوفي (أبو سمينة), هذا ولم يوجد ولا في مورد واحد واسطة بينهم وبينه. ومن الواضح أن روايات مَن هم من الطبقة السادسة عنه لا تؤثر في ثبوت روايات الطبقة السابعة عنه. فمن كان من الخامسة وبقي إلى السادسة تروي عنه السادسة والسابعة وسيأتي المزيد في الملحق الثالث.
2- لا يؤثر وقوع علي بن الحسن بن فضال في ثاني طرق الشيخ في الفهرست إلى كتب الحسن بن محمد بن سماعة؛ لأن الظاهر أن علي بن الحسن بن فضال من أحداث السابعة، لما ذكر في ترجمته من أنه لم يروِ عن أبيه بالمباشرة، وإنما روى روايات أبيه عن أخويه. ومعلوم أن أباه من السادسة وأخواه من السابعة فتأمل!
3- من شيوخ الكليني, وهم في الثامنة.

من السابعة كما ذكره السيد البروجردي (قدس سره) (1).

المطلب الثاني

في صحة روايته عن أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) بالمباشرة.

من المطلب السابق يتضح عدم صحة روايته عن أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) بالمباشرة؛ لأنهم من الرابعة والخامسة وهو من السابعة.

هذا وقد يقال إن الممنوع من رواية طبقة عن أخرى إنما هو فيما إذا كان الفاصل طبقتين, مثل رواية السابعة عن الرابعة, أما إذا كان الفاصل طبقة واحدة كرواية السابعة عن الخامسة فليس ممنوعاً, فكبار السابعة يمكنهم الرواية عن أحداث الخامسة. وعليه يمكن رواية ابن سماعة عن أحداث أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) .

هكذا قد يقال, إلا أنه غفلة عن أن أحداث أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) من كبار الخامسة، وليس من أحداثها، وإنما أحداثها أصحاب أبي الحسن (علیه السلام) ممن لم يدرك أبا عبد الله (علیه السلام) .

و قد يقرب قبول الرواية بالاعتماد على أمرين:

1- إن بلوغ الشخص سن الثمانين أمرٌ طبيعي.

2- إن تحمل الرواية في سن العشرين أمرٌ طبيعي.

بناءً على هذين الأمرين حيث أن وفاة الإمام الصادق (علیه السلام) سنة 148 وموت ابن سماعة سنة 263 يمكن رواية ابن سماعة عن أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) بشكل طبيعي. فإنّه لو فرض أن شخصا ولد سنة 126 يكون عمره سنة 146 عشرين سنة، فيمكن أن يروي عن الإمام (علیه السلام) لأنه يدرك سنتين من عمره المبارك فيكون قادرا على تحمل الرواية. وإذا عمّر ثمانين سنة تكون وفاته 206 ولمّا كانت وفاة ابن سماعة سنة 263 يمكن أن تكون ولادته سنة 183 فيكون عمره سنة 203 عشرين سنة، فيدرك ثلاث سنوات من عمر ذاك الشخص فيكون قادرا

ص: 186


1- حكاه في بحوث في علم الرجال: 139.

على تحمل الرواية, هكذا يمكن أن يقرب كون رواية ابن سماعة عن أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) أمراً طبيعياً.

ولكن الإمكان شيء والوقوع الخارجي شيء آخر, فالمنهج الصحيح الذي ينبغي اتباعه في قبول رواية راوٍ عن آخر أو عدم قبولها هو الذي يستند إلى الطبقات التي اعتمد فيها المعطيات الطبيعية المتعارفة في تحمل ونقل الرواية كما لوحظ فيها المعدل الطبيعي للأعمار وقد وقع فيها الشيخ الطوسي (قدس سره) في الطبقة الثانية عشرة, بل قد لا يكفي مجرد عدم إباء الطبقة عن الرواية، وإنما نحتاج إلى متابعة رواياته الأخرى. فإذا كانت جل روايات راوٍ عن آخر بالواسطة لا يكفي ظهور السند في الاتصال لو وردت روايته بالمباشرة. وعلى هذا الأساس من كان من الطبقة السابعة كالحسن بن محمد بن سماعة لا يروي عن صغار أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) الذين هم من الطبقة الخامسة. فضلاً عن الكبار الذين هم من الطبقة الرابعة, إلا إذا قامت قرينة خاصة.

هذا و بتتبع روايات ابن سماعة في كتب الحديث وجدنا أنه في أكثر من النصف توجد ثلاث وسائط بينه وبين الإمام الصادق (علیه السلام) وفي الباقي واسطتين ولم يخرج عن ذلك إلا:

1- في عشرة مواضع وجدت روايته بأربع وسائط, منها:

(.. عن جعفر بن سماعة، عن علي عمران الشفا، عن ربعي بن عبد الله، عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله البصري، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ..)(1).

(..عن جعفر بن سماعة، عن الحسن بن حذيفة، عن جميل، عن الفضيل ابن يسار، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ..)(2).

(..عن جعفر بن سماعة، وعلي بن خالد العاقولي، عن كرام، عن ابن

ص: 187


1- الكافي: 6/82.
2- الكافي: 7 /150.

مسكان،عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (علیه السلام) ..)(1). وغيرها من المواضع.

2- في موارد أخرى نادرة وجدت بواسطة واحدة. وهي لا تشكل دليلاً على الرواية الطبيعية. فإنها إما عن شخص ثبت طول عمره كحنان، أو مطمأن بخطئها، كما عن أبي حمزة وهو الذي توفى سنة 150 هجرية، أو مطمأن بسقوط الواسطة بينه وبين الإمام (علیه السلام) بملاحظة باقي رواياته، كما عن جعفر بن سماعة.

والحاصل: من البعد بمكان رواية ابن سماعة عن أصحاب الصادق (علیه السلام) بالوضع الطبيعي.

إن قلت: سوف يأتي منك رد رواية ابن سماعة عن مجموعة من أصحاب الصادق (علیه السلام) فهلا يشكل هذا قرينة على صحة روايته عنهم.

بعبارة أخرى: جعلتَ الطبقة و ورود رواية ابن سماعة عن الإمام الصادق (علیه السلام) بالوسائط المتعددة دليلاً على وجود سقط في أسانيد الروايات التي ظاهرها رواية ابن سماعة عن أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) بالمباشرة, فلماذا لا نعكس الأمر, ونقول بأن هذه الروايات دليل رواية ابن سماعة عن أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) بالمباشرة. وهو منسجم مع ظاهر الأسانيد.

إن قلتَ هكذا قلتُ: الرد ليس لمجرد هذا الاستبعاد في الجميع، بل في الكثير منهم لأسباب خاصة به كورود الطريق بواسطة بنقل النجاشي، أو بمقارنتها ببقية روايته وغيرها.

المطلب الثالث

نحاول في هذا المطلب الإجابة عن سؤالين هما كوجهين لعملة واحدة:

1- الحسن بن محمد بن سماعة هل هو ابن سماعة بن مهران أو ابن محمد ابن سماعة بن موسى بن رويد بن نشيط الحضرمي؟

2- هل الحسن بن سماعة في الأسانيد مغاير للحسن بن محمد بن سماعة؟

ص: 188


1- الكافي: 7/161.

ومنشأ السؤالين هو ما ذكره الكشي في رجاله. فقد قال: (في الحسن بن محمد بن سماعة، والحسن بن سماعة بن مهران, حدثني حمدويه، ذكره عن الحسن بن موسى، قال: كان ابن سماعة واقفياً، وذكر: أن محمد بن سماعة ليس من ولد سماعة بن مهران، له ابن يقال له: الحسن بن سماعة واقفي)(1).

هذا ولكن السيد الخوئي (قدس سره) نقل عن بعض نسخ الكشي وقال إنه الموافق للنسخة المطبوعة(2): نفس ما ذكر أعلاه، مع زيادة (بن مهران) في آخر العبارة.

ونقل عن ترتيب الكشي للقهبائي: في الحسن بن محمد بن سماعة، من أصحاب أبي الحسن (علیه السلام)، ثم ذكر ما تقدّم بإسقاط ابن مهران من آخر العبارة.

والموجود في التحرير الطاووسي هكذا: (الحسن بن محمد بن سماعة(3). حدثني حمدويه، عن الحسن بن موسى قال: كان ابن سماعة واقفياً، وذكر: أن محمد بن سماعة ليس من ولد سماعة بن مهران، له: ابن يقال له الحسن بن سماعة، واقفي)(4).

أقول: إذا بنينا على وجود عبارة (بن مهران) في آخر العبارة أو على وجود عبارة (والحسن بن سماعة بن مهران) في العنوان يكون القول بمغايرة الحسن بن محمد بن سماعة للحسن بن سماعة بن مهران وجيهاً, ويترتّب عليه عدم وضوح كون المراد بالحسن بن سماعة في الأسانيد والذي يبدأ به الشيخ في تهذيبيه هو الحسن بن محمد بن سماعة الثقة، وصاحب الطرق. فتكون الروايات

المبدوءة به بلا طريق.

ص: 189


1- طبعة مؤسسة آل البيت (علیه السلام) لإحياء التراث.
2- المعجم: 5/343.
3- يُلاحظ أنه لم يذكر عبارة (من أصحاب أبي الحسن (علیه السلام) ) كما ورد في ماحكاه السيد الخوئي (قدس سره) عن ترتيب الكشي للقهبائي.
4- التحرير الطاووسي: 124.

وإذا بنينا على عدم وجودهما فالصحيح أن المراد بالحسن بن سماعة في آخر العبارة هو الحسن بن محمد بن سماعة صاحب الترجمة لوضوح كون الضمير في قوله (له ابن..) يعود على محمد بن سماعة. فهو المعني بالكلام بعد (وذكر).أما عوده على سماعة بن مهران ليكون المراد بالحسن بن سماعة الحسن ابن سماعة بن مهران(1) فبعيد غايته ولا يشفع له القرب اللفظي, مع أن لفظة (بن سماعة) تكون فضلة, لا داعي لها، بينما لا تكون كذلك لو كان المراد الحسن بن محمد بن سماعة؛ لأنها تكون للتنبيه على أنه قد يدعى لجده في الأسانيد, ولا شاهد في العبارة على كل حال على وجود ابن لسماعة بن مهران يدعى محمد. فأقصى ما فيها أن محمد بن سماعة ليس ابن سماعة بن مهران، وأن لسماعة بن مهران ابن يسمى الحسن بن سماعة، أما أن يكون المراد أن لسماعة بن مهران ابن ابن اسمه الحسن يُدعى لجده. واسم أبيه محمد فلا يخرج من العبارة بوجه, فلا يتم ما ذكره العلامة في الخلاصة، حيث جعل العنوان الحسن بن محمد بن سماعة, وقال في الترجمة: (وليس محمد بن سماعة أبوه، من ولد سماعة من مهران)(2).

ويؤيده ما ذكره الكلباسي, قال: (مع أنّه على الأخير يلزم ذكر شخص في ترجمة شخص آخر, أعني ذكر الحسن بن سماعة بن مهران في ترجمة الحسن ابن محمّد بن سماعة. وعلى الأوّل يلزم ذكر ما يتعلّق بالشخص في ترجمته؛ إذ المفاد أنّ الحسن بن محمّد بن سماعة المفقودَ (المعقود) له العنوان يقال له:

ص: 190


1- نقل السيد الخوئي عن الميرزا في رجاليه الكبير والوسيط أنه ذكر (الحسن بن سماعة: ابن مهران واقفي وليس بالحسن بن محمد بن سماعة).
2- خلاصة الأقوال (333), قال: الحسن بن محمد بن سماعة، أبو محمد الكندي .. يعاند في الوقف ويتعصب، وليس محمد بن سماعة أبوه، من ولد سماعة من مهران. مات الحسن ابن محمد بن سماعة ليلة الخميس..الخ.

الحسن بن سماعة، ولا ريب أنّه لو تردّد الأمر بين ذكر ما يتعلّق بالشخص في ترجمة شخص آخر، وذكرِ ما يتعلّق بالشخص في ترجمته، فالأخير أظهر)(1).

والأقرب عدم وجود العبارتين لعدم وجودهما في ترتيب الكشي للقهبائي، وفي التحرير الطاووسي. وهو الأنسب معنى.

هذا, وللسيد الخوئي (قدس سره) في المعجم كلام متين, قال: ((ولكن الظاهر أن الصحيح هو ما في ترتيب الكشي للقهبائي، قال: ( كش ) في الحسن بن محمد بن سماعة، من أصحاب أبي الحسن (علیه السلام)، ثم ذكر ما تقدّم بإسقاط ابن مهران من آخر العبارة. فيكون المتحصّل مما ذكره بعد ظهور أن الضمير المستتر في قوله، وذكر أن محمد بن سماعة.. إلخ، يرجع إلى حمدويه: أن حمدويه أخبر الكشي بأن الحسن بن موسى، قال له: إن الحسن بن سماعة كان واقفياً، ثمَّ ذكر حمدويه أن محمد بن سماعة، ليس من ولد سماعة بن مهران وكان له ( محمد ابن سماعة ) ولد يقال له: الحسن بن سماعة، واقفي، وعلى ذلك لا وجود للحسن بن سماعة بن مهران أصلاً.

والذي يدل على ذلك أن العلامة، وابن داود، والسيد التفريشي وغيرهم

ممن تقدَّم على الميرزا، لم يذكروا الحسن بن سماعة بن مهران أصلاً، ولم يقع (في) سند رواية. ولو كان في الكشي، لتعرضوا له لا محالة.

نعم, روى الشيخ بإسناده، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن محمد بن سماعة بن مهران. التهذيب: الجزء 5، باب نزول المزدلفة من كتاب الحج، الحديث 627، والاستبصار: الجزء 2، باب وقت الخروج إلى منى، الحديث 896. لو صحت الرواية لثبت لسماعة ابن مهران ابن يسمى محمداً، إلا أنه مع ذلك لم يثبت لمحمد بن سماعة بن مهران ابن يسمى الحسن. على أن الظاهر وقوع التحريف في سند الرواية، وإن

ص: 191


1- الرسائل الرجالية - محمد بن محمد إبراهيم الكلباسي - ج 4 - ص 325.

كان جميع النسخ كما ذكرنا، وذلك فإن أحمد بن محمد بن أبي نصر، روى عن محمد بن سماعة الصيرفي عن سماعة بن مهران. التهذيب: الجزء 5، باب الغدو إلى عرفات الحديث 604، وباب الكفارة عن خطأ المحرم، الحديث 1126. فالصحيح في الرواية السابقة أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن محمد بن سماعة، عن سماعة بن مهران. وعلى هذا لم يثبت لسماعة بن مهران ابن يسمى بمحمداً أيضا، فضلا عن ثبوت ابن لمحمد بن سماعة المسمى بالحسن. إذن ينحصر الحسن بن سماعة، بالحسن بن محمد بن سماعة بن موسى الكندي الصيرفي. وعلى ما ذكرناه يترتب أنه كلما كان الحسن بن سماعة في سند رواية. فهو الحسن بن محمد بن سماعة، الذي له كتب كثيرة، على ما يأتي في ترجمته، وأن محمد بن سماعة بن مهران غير والد الحسن بن محمد بن سماعة، ولم يعلم لمحمد بن سماعة بن مهران ولد يسمى بالحسن))(1).

ثم على القول بتعدد الحسن بن محمد بن سماعة، والحسن بن سماعة. فهل المراد بالحسن بن سماعة في بداية أسانيد التهذيبين الحسن بن سماعة بن مهران أو الحسن بن محمد بن سماعة؟

قال الكلباسي: (الظاهر أنّ الحسن بن سماعة لو اتّفق في صدر سند التهذيبين هو الحسن بن محمّد بن سماعة، لا الحسن بن سماعة؛ لتقدّم كثرة التقييد في المضاف أعني تقييد الحسن بابن محمّد على اشتهار المضاف إليه، لو لم نقل بتقدّم أصل التقييد على الاشتهار المشار إليه، قضيّةَ كثرة وقوع الحسن بن محمّد بن سماعة في صدر أسانيد الاستبصار. وكذا في أواسط بعض الأسانيد بملاحظة تطرّق الفتور إلى ظهور المضاف إليه؛ لفرض استعماله في موارد التقييد في غير المشهور، فظهور المضاف في المقيّد خال عن المعارض، وإن كان المضاف إليه ظاهراً في غير حال الإضافة في المشهور، فيحصل الظنّ بكون الأمر من باب

ص: 192


1- معجم رجال الحديث: 5/343 – 345.

النسبة إلى الجدّ. وإن قلت: إنّ استعمال المضاف إليه في غير المشهور إنّما هو في إضافة الحسن بن محمّد بن سماعة. وهذا لا يوجب تطرّق الفتور إلى ظهور المضاف إليه، أعني سماعة في ابن مهران ؛ لاختلاف المضاف. قلت: إنّ اختلاف المضاف لا يمانع عن تطرّق الفتور إلى الظهور، نظير عدم ممانعة الاختلاف في الصنف عن إلحاق المشكوك فيه بالغالب)(1) انتهى. تأمل!

ويمكن القول بأن المراد به الحسن بن محمد بن سماعة؛ لأنه ورد في صدر أسانيد التهذيبين الحسن بن سماعة، وكان المراد به الحسن بن محمد بن سماعة، كما في التهذيب(2) فقد أورد رواية هكذا: (ما رواه الحسن بن سماعة عن محمد ابن زياد ومحمد بن الحسن العطار عن هشام عن سليمان بن خالد علي عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: سألته عن مملوك أعتق سائبة..الخ) وقد أوردها في الاستبصار(3) هكذا: (الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن زياد، عن محمد ابن الحسن العطار، عن هشام، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال..).

الحاصل: إن الحسن بن محمد بن سماعة هو ابن موسى الكندي الصيرفي, ولا وجود للحسن بن سماعة غير الحسن بن محمد بن سماعة.

المطلب الرابع

في بيان عناوين الحسن بن محمد بن سماعة في الأسانيد ورد

الحسن بن محمد بن سماعة بعدَّة عناوين في الأسانيد هي: الحسن بن محمد ابن سماعة(4), والحسن بن سماعة(5), وابن سماعة(6), والحسن بن محمد(7),

ص: 193


1- الرسائل الرجالية: 4/327.
2- التهذيب: 9/395.
3- الاستبصار: 4/199.
4- لاحظ الكافي: 6/69, التهذيب: 7/140,الاستبصار: 3/98, وغيرها.
5- لاحظ الكافي: 5/366, البحار: 47/259, وغيرها, وتقدَّم أن المراد به الحسن بن محمد بن سماعة.
6- لاحظ الكافي: 6/27, الاستبصار: 3/160, رجال النجاشي: 290, وغيرها.
7- لاحظ الكافي: 2/503, 665, وغيرها, يحتاج إلى ملاحظة الراوي والمروي عنه والسند السابق لأنه مشترك.

والحسن بن محمد الكندي(1), والحسن بن محمد الأسدي(2), والحسن بن سماعة الكوفي(3), والحسن(4).

وهل ورد بعنوان الحسن بن محمد الحضرمي والحسن بن محمد الصيرفي, أم لم يرد؟

أمّا الحسن بن محمد الحضرمي فالظاهر أنه ليس عنوانا لابن سماعة في الأسانيد وإن ذكر النجاشي(5) في ترجمة أخيه جعفر بن محمد بن سماعة أنه حضرمي, فالموارد التي ورد فيها عنوان الحسن بن محمد الحضرمي لا يُراد بها ابن سماعة، بل ابن أخت أبي مالك الحضرمي بحسب الطبقة فإنها تناسب السادسة - فقد روى عن زرعة بن محمد الحضرمي(6) وعبد الله بن يحيى الكاهلي(7) وروى عنه يعقوب بن يزيد(8) وابن أورمة(9) - ولا تناسب السابعة وابن سماعة من السابعة.

نعم, وردت رواية روى فيها حميد بن زياد عن الحسن بن محمد الحضرمي

ص: 194


1- لاحظ الكافي: 2/664, 3/156, وغيرها.
2- لاحظ الكافي: 2/616.
3- لاحظ الهداية الكبرى: 164.
4- لاحظ الكافي: 6/144, 7/68, 291, يحتاج إلى ملاحظة الراوي والمروي عنه والسند السابق لأنه مشترك.
5- رجال النجاشي: 119.
6- الفهرست: 134.
7- البحار: 14/425.
8- الفهرست: 134.
9- البحار: 14/425.

بالمباشرة، فلعلّها تصلح شاهداً على كون الحسن بن محمد الحضرمي عنواناً لابن سماعة.

لكن هذا ليس بتام, فالرواية هي ما رواه النعماني في الغيبة(1) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال حدثنا حميد بن زياد, قراءة عليه من كتابه، قال حدثنا الحسن بن محمد الحضرمي، قال حدثنا جعفر بن محمد (علیهما السلام) .. إن الذي تطلبون وترجون.. الحديث, والملاحَظ أن حميد بن زياد في هذه الرواية يروي عن الإمام الصادق (علیه السلام) بواسطة واحدة وهذا فيه خطأ لا محالة, فلا بد من وجود سقط في السند. ولعله بين حميد والحضرمي. فلا يكون هذا المورد الواحد شاهداً على أن الحضرمي من عناوين ابن سماعة في الروايات، اعتماداً على كون الراوي هو حميد بن زياد. وهو لا يروي عن الحضرمي ابن أخت

أبي مالك الحضرمي.

أمّا عنوان الحسن بن محمد الصيرفي فالظاهر أنه عنوان لابن سماعة؛ لأن النجاشي ذكر أنه صيرفي، كما وإن الطبقة تساعد على ذلك, ولم يذكر في هذه الطبقة ممن يسمى بالحسن بن محمد صيرفياً غير ابن سماعة, أمّا ما ذكره السيد الخوئي (قدس سره) (2) من التعجب من الأردبيلي - حيث ذكره في ذيل ترجمة الحسن بن محمد بن سماعة اعتماداً على أنه روى عن إسماعيل بن عبد الخالق وهو من أصحاب السجاد (علیه السلام) فكيف يكون هو ابن سماعة المتوفى سنة 263 ﻫ - فهو في غير محلّه؛ لأنه:

1- هو (قدس سره) لم يستبعد التعدد بين إسماعيل بن عبد الخالق الذي هو من أصحاب السجاد (علیه السلام) ومن هو من أصحاب الصادق والكاظم (علیهما السلام) (3).

ص: 195


1- الغيبة, النعماني: 184.
2- المعجم: 6/146.
3- المعجم: 4/62.

2- بملاحظة طرق الشيخ والنجاشي إلى كتبه يتضح أن رواية الحسن بن محمد ابن سماعة عنه طبيعية، فلعل عمره طال بحيث يروي عنه من هم من الطبقة السابعة مع أنه من أصحاب الصادق والكاظم (علیهما السلام) -أي من الخامسة- فقد قال النجاشي:

(وإسماعيل نفسه، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (علیهما السلام)، له كتاب رواه عنه جماعة. أخبرنا محمد بن محمد، عن أبي غالب أحمد بن محمد، حدثنا عم أبي علي ابن سليمان، عن محمد بن خالد، عن إسماعيل، بكتابه). وقال الشيخ: (إسماعيل بن عبد الخالق، له كتاب، أخبرنا به ابن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد ابن الوليد، عن إسماعيل، وأخبرنا أحمد بن عبدون، عن أبي طالب الأنباري، عن حميد بن زياد، عن أبي محمد القاسم بن إسماعيل القرشي، عن إسماعيل ابن عبد الخالق).

3- روى الحسن بن محمد الصيرفي عمَّن ثبتت رواية ابن سماعة عنه، كصالح ابن خالد(1).

الأمر الثاني

اشارة

في التعريف ب-(أبان بن عثمان) وبيان طبقته وعناوينه في الأسانيد.

قال النجاشي: (أبان بن عثمان الأحمر البجلي مولاهم، أصله كوفي، كان يسكنها تارة، والبصرة تارة. وقد أخذ عنه أهلها: أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبد الله محمد بن سلام وأكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء والنسب والأيام، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى (علیهما السلام) . له كتاب حسن كبير يجمع المبتدأ والمغازي والوفاة والردة. أخبرنا بها أبو الحسن التميمي قال: حدثنا أحمد ابن

ص: 196


1- روى ابن سماعة عن صالح في موارد كثيرة, منها: التهذيب: 7/128, وروى الصيرفي عنه في الكافي: 1/335.

محمد بن سعيد قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن زرارة قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبان بها. وأخبرنا أحمد بن عبد الواحد قال: حدثنا علي بن محمد القرشي قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال. وأخبرنا أبو عبد الله بن شاذان قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبان بكتبه)(1).

قال الشيخ في الفهرست: (أبان بن عثمان الأحمر البجلي، أبو عبد الله مولاهم، أصله كوفي ( الكوفة ) وكان يسكنها تارة والبصرة أخرى، وقد أخذ عنه أهلها: أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبد الله محمد بن سلام، وأكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء، والنسب، والأيام.

وروى عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى (علیهما السلام) . وما عرف من مصنفاته إلا كتابه الذي يجمع المبدأ (المبتدأ)، والمبعث، والمغازي، والوفاة، والسقيفة، والردة.

أخبرنا بهذه الكتب - وهي كتاب واحد - الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد ابن النعمان، والحسين بن عبيد الله جميعاً، عن محمد بن عمر بن يحيى العلوي الحسيني، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قراءة عليه. وأخبرنا أحمد بن محمد بن موسى، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن زرارة، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبان، قال علي بن الحسن بن فضال: وحدثنا إسماعيل ابن مهران، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر، ومحمد بن سعيد ابن أبي نصر جميعاً، عن أبان الأحمر.

وأخبرنا أحمد بن عبدون، قال: حدثنا علي بن محمد بن الزبير، قال:

ص: 197


1- فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي): 13.

حدثنا الحسن بن علي بن فضال (علي بن حسن بن فضال). وأخبرنا الحسين بن عبيد الله، قال: قرأته على ابن أبي غالب أحمد بن محمد بن سليمان الزراري، قال: حدثنا جد أبي وعم أبي محمد وعلي ابنا سليمان، عن علي بن الحسن بن فضال.

وأخبرنا أبو الحسين بن أبي جيد القمي، والحسين بن عبيد الله جميعاً، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبان. هذه رواية الكوفيين. وهي رواية ابن فضال ومن شاركه فيها من القميين.

وهناك نسخة أخرى أنقص منها رواها القميون، أخبرنا بها الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن جعفر بن (عن) سفيان، قال: حدثنا أحمد بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن أبان.

وأخبرنا أبو الحسين بن أبي جيد، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن المعلى بن محمد البصري، عن محمد بن جمهور العمّي، عن جعفر بن بشير، عن أبان بن عثمان.

وله أصل أخبرنا به عدة من أصحابنا، عن أبي المفضل محمد بن عبيد الله الشيباني، عن أبي جعفر محمد بن جعفر بن بطة، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محسن بن أحمد، عن أبان. وبهذا الإسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي نصر، عن أبان، كتاب المغازي)(1).

عدَّه الشيخ في رجاله(2) في أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) وكذا صنع البرقي(3).

ذكره الكشي في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام), قال:

ص: 198


1- الفهرست: 59.
2- الابواب (رجال الطوسي): 164.
3- رجال البرقي: 39.

(أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء وتصديقهم لما يقولون وأقروا لهم بالفقه، من دون أولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم، ستة نفر: جميل بن دراج. وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عيسى، وحماد بن عثمان، وأبان بن عثمان.

قالوا: وزعم أبو إسحاق الفقيه يعنى ثعلبة بن ميمون: أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) )(1).

وذكر الكشي في حقه روايتين:

(الأولى: محمد بن مسعود، قال: حدثني محمد بن نصير وحمدويه، قالا: حدثنا محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن إبراهيم بن أبي البلاد قال: كنت أقود أبي وقد كان كف بصره، حتى صرنا إلى حلقة فيها أبان الأحمر، فقال لي: عمَّن تحدث؟ قلت: عن أبي عبد الله (علیه السلام)، فقال: ويحه سمعت أبا عبد الله (علیه السلام) يقول: أما إن منكم الكذابين ومن غيركم المكذبين.

الثانية: محمد بن مسعود، قال: حدثني علي بن الحسن، قال: كان أبان من

أهل البصرة، وكان مولى بجيلة، وكان يسكن الكوفة، وكان من الناووسية)(2).

أقول: هنا مطالب مهمَّة نتعرض لها:

المطلب الأول: في وثاقته

ويدل عليها مضافاً إلى كونه من الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما

يصح عنهم كما نقله الكشي - ثبوت رواية محمد بن أبي عمير(3) وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر(4) عنه.

ص: 199


1- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): 2/673.
2- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي): 2/640.
3- طريق الصدوق إلى أبان في المشيخة ينتهي إلى محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى.
4- طريقي النجاشي وبعض طرق الشيخ الطوسي إلى مصنفات أبان تنتهي إليه.

وفي قبال ذلك شيئان:

1. روايتا الكشي المتقدمتان.

لكن أبا إبراهيم بن أبي البلاد – يحيى بن سليم، أو يحيى بن أبي سليمان– لم يوثق مع أن الحديث ليس واضح الدلالة على الخدش بأبان هذا بالنسبة إلى الحديث الأول، أما الثاني فعلى تقدير ثبوت لفظة (وكان من الناووسية)(1) وعدم معارضتها بروايته عن الإمام الكاظم (علیه السلام) فلا دلالة فيه على التضعيف إذ مجرد انحراف العقيدة لا يمنع من قبول الرواية, وبه يظهر حال دعوى أنه من الفطحية(2) أو الواقفية(3) فإنها لو ثبتت(4) لا تؤثر.

2. تضعيف المحقق له في المعتبر(5) والعلامة في المنتهى(6) وفي ما نقله السيد التفريشي عن فخر المحققين(7).

لكن لو قبلت توثيقات المتأخرين و تضعيفاتهم لا تقبل هنا؛ لمخالفتها

ص: 200


1- لاحظ معجم رجال الحديث: 1/146.
2- الفائدة الثامنة من خاتمة الخلاصة: 438.
3- منتهى المطلب (ط ج): 5/201.
4- رمي أبان بأنه فطحي، أو واقفي, صدر من العلامة كما تقدّم, ولا يركن إليه لعدم وجوده عند من تقدَّم على العلامة, ولاختلاف كلام العلامة فيه (فتارة) يقول إنه فطحي (وأخرى) واقفي, كما تقدَّم عن موضعين من المنتهى, وحكي أنه نسبه في المختلف للناووسية, لاحظ المعجم: 1/146.
5- المعتبر (1/125), قال معقّبا على رواية: (وفي سند هذه الرواية أبان بن عثمان وهو ضعيف, وفي (2/346) قال لترجيح رواية على أخرى: والرواية الأولى أرجح لوجهين: أحدهما ضعف أبان..الخ).
6- منتهى المطلب (ط ج): 2/412.
7- نقد الرجال (1/45), قال: (ونقل عن فخر المحققين أنه قال: سألت والدي (رحمة الله) عنه فقال: الأقرب عدم قبول روايته؛ لقوله تعالى (إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبينوا) ولا فسق أعظم من عدم الإيمان).

للإجماع، ولقرب كونها مستندة الى انحراف العقيدة مع مخالفتها لما في الخلاصة(1) قال: والأقرب عندي قبول روايته، وإن كان فاسد المذهب للإجماع المذكور, بل ويظهر من المحقق أيضاً الاعتماد على رواية أبان في بعض المواضع(2) فليتأمل!

المطلب الثاني: في بيان طبقته

الظاهر أنه من الطبقة الخامسة لما ذكره الشيخ والنجاشي من أنه روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (علیهما السلام) ولما ذكره الكشي في آخر عبارته عند نقل الإجماع المتقدم. فقد قال: (وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) ), ولما هو المعهود من رواياته. فإن الكثير منها قد رواها عن من هم من الطبقة الرابعة كأبي بصير، ومحمد بن مسلم، وزرارة، وبريد العجلي، وبكير، وحمران ابني أعين، وضريس بن عبد الملك، ومحمد بن علي الحلبي، والطيار، وعبد الرحمن بن أبي عبد الله وغيرهم، بل وروى عن أبان بن تغلب المتوفي سنة 141ﻫ ورواها عنه من هم من السادسة كمحمد بن أبي عمير، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وجعفر بن بشير، والحسن بن علي بن فضال، والحسن بن محبوب، والحسين بن سعيد، وفضالة بن أيوب، ويونس بن عبد الرحمن، والميثمي، والوشاء، وعبيس بن هاشم، ومحمد بن سنان، وعلي بن الحكم وغيرهم.

وهل عاصر السادسة أي بقي إلى حد يمكن لمن هم من السابعة الرواية عنه؟

يمكن أن يقال: نعم, فقد روى عنه إبراهيم بن هاشم(3) ومحمد بن خالد البرقي(4).

ص: 201


1- خلاصة الأقوال: 74.
2- المعتبر: 1/286.
3- تفسير القمي: 1/28.
4- تفسير القمي: 2/101, كامل الزيارات: 273, المحاسن: 1/72, 2/339.

لكن رواية إبراهيم محل نظر، فلم أعثر عليها إلا في موضع واحد ووردت

في مواضع عديدة بالواسطة كابن أبي عمير(1)، وصفوان(2)، وفضالة(3)، والحسن بن علي بن فضال(4)، وإبراهيم بن محمد الثقفي(5).

أمّا رواية محمد بن خالد بالمباشرة عنه فهي وإن كانت ثابتة لكن يمكن أن يقال إنها مما لا يقاس عليها؛ لأن محمد بن خالد من كبار السابعة. وقد روت عنه السابعة كابنه أحمد(6) وأحمد بن محمد بن عيسى(7), وروى هو عن الخامسة

كأبي البختري(8).

بل قد يقال بعدم كون محمد بن خالد البرقي من السابعة، وإنما هو من السادسة؛ لأن الشيخ عدَّه في رجاله في أصحاب الكاظم (علیه السلام) (9)و في أصحاب الرضا (علیه السلام) (10)، قائلا: (محمد بن خالد البرقي، ثقة، هؤلاء – إشارة إلى مجموعة ذكرها قبله هم محمد بن علي بن موسى بن جعفر، ومحمد بن سليمان الديلمي، ومحمد بن الفضل الأزدي - ومحمد بن خالد البرقي من أصحاب أبي الحسن موسى (علیه السلام) ), وفي أصحاب الجواد (علیه السلام) قائلاً: (محمد بن خالد البرقي من أصحاب

ص: 202


1- تفسير القمي: 1/44, 55.
2- تفسير القمي: 1/170.
3- تفسير القمي: 1/230, 254, 282.
4- تفسير القمي: 2/118.
5- تفسير القمي: 2/335.
6- مواضع عديدة من المحاسن منها: 1/13, 25, 26, الخ.
7- الكافي: 1/32, 189, 288, وغيرها, وهو وأحمد بن أبي عبد الله رويا كتابه في طريق الشيخ في الفهرست.
8- الكافي: 1/32.
9- الأبواب (رجال الشيخ): 343.
10- الأبواب (رجال الشيخ): 363.

موسى بن جعفر والرضا (علیهما السلام) )(1) وعدَّه البرقي في أصحاب الكاظم(2)

وفي أصحاب الرضا(3) وفي أصحاب الجواد(4) عليهم السلام جميعاً, فليتأمل!

المطلب الثالث: في عناوينه التي وردت في الأسانيد

ورد أبان بن عثمان بعناوين عديدة هي:

أبان(5), أبان بن عثمان(6), أبان بن عثمان الأحمر(7), أبان الأحمر(8)

وأبان الأحمري(9), وأبان بن عثمان الأحمر التميمي(10).

الأمر الثالث

اشارة

في كيفية حساب الاحتمال.

التمهيد

التمهید(11):

معنى الاحتمال: يمكن تعريف الاحتمال بأنَّه (مقياس معين لإمكانية وقوع حدث).

ص: 203


1- الأبواب (رجال الشيخ): 377.
2- الرجال, البرقي: 50.
3- الرجال, البرقي: 54, ذكره مرتين: مرّة في من أدرك الرضا (علیه السلام) من أصحاب الكاظم (علیه السلام)، ومرَّة في أصحاب الرضا (علیه السلام) .
4- الرجال, البرقي: 55, ذكره مرتين: مرَّة في من أدرك الجواد (علیه السلام) من أصحاب الكاظم (علیه السلام)، ومرَّة في من أدركه (علیه السلام) من أصحاب الرضا (علیه السلام) .
5- الكافي: 1/43, هذا العنوان بحاجة إلى ملاحظة الراوي والمروي عنه.
6- الكافي: 1/51.
7- الفقيه: 4/393.
8- الكافي: 1/42.
9- الفقيه: 4/163.
10- المحاسن: 1/72.
11- هذا التمهيد مأخوذ بتصرف من كتاب أساسيات الاحتمالات إعداد الأستاذ الدكتور خالد زهدي خواجه مدير عام المعهد العربي للتدريب والبحوث الإحصائية.
تعاريف
اشارة

كي نتمكن من معرفة قانون الاحتمال الذي ينطبق على مقامنا نحتاج إلى

عرض بعض أُسس علم الاحتمال، ونقوم أولاً بتقديم بعض التعاريف التي تستخدم في هذا المجال:

1 - الحادث والتجربة والفراغ العيني

افترض أننا نقوم بإجراء تجربة ما, كرمي حجر النرد مثلاً, ونلاحظ كل النتائج الممكنة, وهي ظهور أحد الأوجه الستة 1 أو 2 أو 3 أو 4 أو 5 أو 6, ونفترض أننا مهتمون بظهور رقم فردي أي 1 أو 3 أو 5 من التجربة. إن عملية رمي الحجر تسمى تجربة, وظهور رقم فردي وهو محل اهتمامنا يسمى حادثاً, ومجموعة جميع الحالات الممكنة الظهور تسمى بالفراغ العيني أو فضاء العينة.

ويلاحظ أن الحادث قد يكون حالة أو أكثر من الفراغ العيني.

2 - الحالات الممكنة

هي الحالات أو النتائج المختلفة التي يمكن أن تظهر نتيجة لإجراء تجربة

معينة، فمثلا عند رمي قطعة عملة تكون نتيجتها صورة أو كتابة، وعند رمي حجر نرد تكون نتيجتها 1 أو 2 أو 3 أو 4 أو 5 أو 6, فيقال إن عدد الحالات الممكنة في حالة رمي قطعة العملة هي 2 وفي حالة رمي حجر النرد هي 6.

3 - الحالات المواتية

هي النتائج أو الحالات التي تؤدي إلى تحقيق الحادث الذي هو موضع اهتمامنا، فإذا كان الحادث هو الحصول على رقم فردي في حالة رمي حجر النرد، فإن الحالات التي تحقق هذا الحادث هي الحصول على 1 أو 3 أو 5، هذه الحالات الثلاثة تسمى الحالات المواتية.

4 - الحالات المتماثلة

إذا كان لدينا عدة كرات معدنية مصنوعة من مادة واحدة متجانسة

ص: 204

في الكثافة ولها نفس الوزن والحجم وضعناها في كيس وسحبنا كرة منها بعد خلطها جيداً، فإن هذه الكرات تكون حالات متماثلة، أي يكون لكل منها نفس النصيب في السحب.

5- الحوادث المتنافية

يقال عن الحادثين أ وب أنهما متنافيان إذا استحال حدوثهما معاً. فمثلاً عند رمي حجر النرد لا يمكن الحصول على وجهين في وقت واحد.

6- الحوادث المستقلة

يعتبر الحادثان حادثين مستقلين إذا كان وقوع أحدهما أو عدم وقوعه لا يؤثر في وقوع الآخر. فمثلا عند رمي قطعة عملة واحدة مرتين متتاليتين فإن نتيجة الرمية الثانية لا تتأثر بنتيجة الرمية الأولى.

7- الحوادث الشاملة

تسمى أ, ب, ج.. حوادث شاملة في تجربة ما إذا كان لابد من حدوث إحداها عند إجراء التجربة.

فمثلا عند اختيار شخص لمعرفة حالته من حيث كونه مدخناً، أو غير مدخن. تعتبر هذه الحالات حوادث شاملة؛ لأنه لابد للفرد أن يكون له صفة واحدة من هذه الصفات.

كذلك فإن الحصول على العدد 1 أو 2 أو 3 أو 4 أو 5 أو 6 عند رمي حجر النرد تعتبر حوادث شاملة لأنه لابد من حدوث إحداها.

ص: 205

حساب الاحتمال
اشارة

الاحتمال: (هو نسبة عددية غير سالبة محصورة بين الصفر والواحد).

حيث تدل القيمة صفر على حالة استحالة الحدوث, والقيمة واحد على الحادث الأكيد الوقوع. ويمكن حسابه أو تقديره بطريقتين: الاحتمال النظري, والاحتمال التجريبي.

الاحتمال النظري
اشارة

يعرف أيضاً بالاحتمال الكلاسيكي، والاحتمال النظري لحدوث حادثة ما هو نسبة عدد الحالات المواتية إلى عدد الحالات الممكنة الحدوث على فرض أن كل الحالات لها نصيب متكافئ في الحدوث.مثال: إذا كان لدينا كيس بداخله 7 كرات بيض، و3 كرات سُود فما هو احتمال أن نسحب كرة ما لا على التعيين فتكون كرة بيضاء؟

الحل: عدد الحالات الممكنة = 10, عدد الحالات المواتية = 7

∴ احتمال سحب كرة بيضاء = 7 \10

إذن من أجل حساب احتمال حدوث حادثة ما لابد من معرفة عدد الحالات الممكنة التي لها نصيب متكافئ في الحدوث.

عيوب الاحتمال النظري
اشارة

هناك بعض العيوب أو الصعوبات في تطبيق التعريف النظري للاحتمال منها:

1- صعوبة حصر عدد الحالات الممكنة

ضربوا لذلك مثالا, هو: لو كان لدينا المستقيم أ ب, وكان اسم قطعة منه ج د, فلو أخذت عليه نقطة ولتكن س, وطلب إلينا حساب احتمال وقوع النقطة س في القطعة ج د من المستقيم.لحساب احتمال وقوع النقطة س في القطعة ج د علينا أن نحسب مجموع نقاط القطعة ب ج, وهي التي تمثل عدد

ص: 206

الحالات المواتية, وأن نحسب مجموع نقاط المستقيم أ ب, والتي تمثل عدد الحالات الممكنة، ولكننا نرى أنه من الصعب جداً، بل المستحيل حساب عدد هذه النقاط - فالمستقيم بحسب الفرض الرياضي لا متناهي لأنه لا بداية له ولا نهاية - وبالتالي من الصعب تطبيق التعريف النظري للاحتمال.

2 - عدم تحقيق تماثل الحالات الممكنة

فالتعريف النظري يشترط لتطبيقه تماثل الحالات الممكنة، ولكن هذا

لا يتحقق دائماً, فمثلاً عند اختيار شخص ما لمعرفة حالته الاجتماعية (من حيث الزواج) وهي أعزب أو متزوج، أو مطلق، أو أرمل فلا يمكننا القول، بل ولا يمكن حساب أن احتمال كونه أرملاً مثلاً يساوي 1\4 أو تقدير هذا الاحتمال باستخدام التعريف النظري؛ لأنه من الواضح أن هذه الحالات الممكنة غير متماثلة.

من هنا نشأت الحاجة إلى تعريف آخر للاحتمال يتغلب على مثل هذه الصعوبات. هذا التعريف هو الاحتمال التجريبي.

الاحتمال التجريبي

إذا رمينا علبة كبريت - والتي هي على شكل متوازي مستطيلات - ن من المرات وكان عدد الرميات التي نتيجتها ظهور الوجه الكبير إلى أعلى هي ن1 وعدد الرميات التي نتيجتها ظهور الوجه المتوسط ن2 وعدد الرميات التي نتيجتها ظهور الوجه الصغير ن3 تكون النسب كالتالي:

نسبة عدد المرات للوجه الكبير = ن1 \ ن, نسبة عدد المرات للوجه المتوسط = ن2 \ ن, نسبة عدد المرات للوجه الصغير = ن3 \ ن, وهذه النسب لا تساوي 1\3 لعدم تماثل الحالات الممكنة.

وكلما كانت ن كبيرة اقتربت هذه النسب من الاستقرار عند قيمة ثابتة وقد تكون في المثال 70% و20% و10% على التوالي.

ص: 207

قوانين الاحتمالات
جمع الاحتمالات
أ- في حالة كون الحوادث متنافية

الحوادث المتنافية تعني أن حدوث أحدها يؤدي إلى استحالة حدوث أي من الحوادث الأخرى. وبالتالي فإن احتمال حدوث هذه الحوادث معًا يكون معدومًا.

مثال: في حالة رمي حجر نرد ما هو احتمال الحصول على عدد فردي؟

الحل: الحصول على عدد فردي معناه الحصول على 1 أو 3 أو 5 وحيث أن هذه الحوادث الثلاثة متنافية فإن قيمة الاحتمال تساوي مجموع احتمالات الوجوه منفردة = 1\6 +1\6 +1\6 = 1\2.

ب- في حالة كون الحوادث غير متنافية ( أ أو ب)

عند عدم اشتراط تنافي الحادثين أ و ب ويكون المقصود كفاية وقوع الحادث أ وحده، أو وقوع الحادث ب وحده، أو وقوعهما معاً. فقيمة الاحتمال تساوي مجموع احتمال أ مع احتمال ب مطروحاً منها مرة واحدة احتمال اجتماعهما, لأنها تعد مرتين مرة مع أ وأخرى مع ب، فلابد من طرحها مرة واحدة.

مثال: لو كان لدينا أربعة أشخاص (أحمد و علي و محمد ومحمود) وأردنا تشكيل لجنة متكونة من اثنين, كم هي فرص أن يكون في اللجنة من يبدأ اسمه بحرف الميم؟

الحل: الحالات الممكنة ستة (أحمد وعلي, أحمد ومحمد, أحمد ومحمود, علي ومحمد, علي ومحمود, محمد ومحمود), والحلات المواتية لكون محمد من اللجنة = 3, وكذا لمحمود ولاجتماعهما = 1.

ص: 208

قيمة الاحتمال = احتمال كون محمد من اللجنة + احتمال كون محمود من اللجنة – احتمال اجتماعهما في اللجنة.

= 3 \ 6 + 3 \6 - 1\ 6 = 5 \6

ضرب الاحتمالات

إذا كان لدينا الحادثان المستقلان أ و ب, فإن احتمال حدوث حادثين مستقلين أو أكثر معاً يساوي حاصل ضرب احتمال حدوث كل واحد من هذه الحوادث ببعضها بعضاً.

مثال: عند رمي زوج من أحجار، ما هو احتمال الحصول على الوجه (3) فيهما؟

الحل: إن احتمال الحصول على الوجه 3 لدى رمي الحجر الأول من النرد هو 1\6, وكذلك احتمال الحصول على الوجه 3 لدى رمي الحجر الثاني من النرد هو 1\6, فقيمة احتمال وقوعهما معاً يساوي حاصل ضرب قيمتي احتماليهما = 1\6 ×1\6 = 1\36

الاحتمال الشرطي

هو احتمال وقوع حادثة بعد فرض - أو بشرط - وقوع حادثة أخرى, لنوضح مفهوم الاحتمال الشرطي بمساعدة المثال التالي:

كيس يحتوي على 3 كرات سود و7 كرات بيض, ولنفرض أننا سحبنا منه كرتين كلاً على حده وبدون إعادة.

ستكون النتائج كالتالي:

احتمالات النتائج لسحب الكرة الأولى هي: 7\10 لكونها بيضاء و3 \10 لكونها سوداء.

أما احتمالات النتائج لسحب الكرة الثانية فلها صورتان بحسب نتائج سحب الأولى:

ص: 209

الأولى على فرض كون الأولى بيضاء وهي 6\9 لكونها بيضاء و3\9 لكونها سوداء, الثانية على فرض كون الأولى سوداء وهي 7\9 لكونها بيضاء و2\9 لكونها سوداء.

وعليه يمكن إعطاء الصيغة التالية:

قيمة حساب الاحتمال لاجتماع حادثتين شرطيتين = قيمة احتمال الحادثة الأولى × قيمة احتمال الحادثة الثانية بعد فرض وقوع الحادثة الأولى.

و قيمة حساب الاحتمال لاجتماع ثلاث حوادث شرطية = قيمة احتمال الحادثة الأولى × قيمة احتمال الحادثة الثانية بعد فرض وقوع الحادثة الأولى ×

قيمة احتمال الحادثة الثالثة بعد فرض وقوع الحادثتين الأولى والثانية, وهكذا.

هذا ما أردنا ذكره من تمهيد.

ولكي نأخذ نتائج من هذا التمهيد ونبيّن بعض الأمور المهمّة في كيفية حساب الاحتمال في المقام نتكلم بشكل نقاط:

نقاط لابد منها قبل حساب الاحتمال
النقطة الأولى

هل الصحيح أن يراعى في حساب الاحتمال عدد المشايخ، أو الصحيح مراعاة عدد الروايات؟

الظاهر أن الأدق مراعاة عدد الروايات؛ لوضوح عدم تساوي قيمة احتمال أن تكون الرواية عن زيد، مع قيمة احتمال أن تكون عن عمرو اذا كانت روايات الراوي عن زيد مائة مثلاً ورواياته عن عمرو عشرة فقط, والوجدان شاهد على كون قيمة الاحتمال الأول أكثر من قيمة الاحتمال الثاني.

بعبارة أخرى: التكافؤ مفقود فلا يصح اتباع طريقة الاحتمال النظري, والأقرب لطريقة الاحتمال التجريبي هو ملاحظة الروايات. فكأن عدد الروايات الكلي يمثل عدد مرات إجراء التجربة، وعدد روايات الراوي يمثل عدد مرات وقوع النتيجة لصالحه, وبالنتيجة يحصل كل راوٍ على قيمة احتمال

ص: 210

تتناسب مع عدد روايات ابن سماعة عنه.

النقطة الثانية

هل تعد رواية غير الثقة أو لا تعد؟ أي لو وقع غير الثقة قبل ابن سماعة هل تحسب هذه الرواية أو لا تحسب, فهي بمنزلة العدم؟

الظاهر أن لرواية غير الثقة قيمة احتمالية، خصوصاً إذا لم يكن كذّاباً و وضاعاً، وإنما لم تثبت وثاقته فحسب. والوجدان قاضٍ بذلك.

نعم, قد يقال هي أضعف من القيمة الاحتمالية لرواية الثقة, والذي يهوّن الخطب أن الغالبية العظمى من روايات ابن سماعة عن حميد بن زياد, وهو ثقة, والكليني يروي عن حميد بالمباشرة, وطريق الشيخ إلى حميد معتبر(1), كما أن طريقه إلى ابن سماعة معتبر(2).

ونحن سوف لا نلاحظ هذا في الحساب.

النقطة الثالثة

إذا روى شخص عن آخر كتابه الحاوي على روايات متعددة, هل تعدّ روايات ذلك الكتاب - في حساب الاحتمال - روايات متعددة أو تعد رواية واحدة؟

وهذا الأمر مهم من جانبين: الأول: في درجة تأثيره في الحساب. والثاني: من حيث العمل. فبناءً على معاملتها معاملة الرواية الواحدة نحتاج الى تحديد أصحاب الكتب, ومعرفة الروايات هل من الكتاب أم من خارجه, وعن كم كتاب روى عنه ونحو ذلك.

ص: 211


1- تهذيب الأحكام (10/384), قال: وما ذكرته عن حميد بن زياد فقد رويته بهذه الأسانيد عن محمد بن يعقوب عن حميد بن زياد, وأراد بهذه الأسانيد طرقه إلى محمد بن يعقوب ومنها المفيد عن ابن قولويه عنه.
2- تهذيب الأحكام (10/389), قال: وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسن بن محمد بن سماعة فقد أخبرني به.. وأخبرني أيضاً الشيخ أبو عبد الله والحسين بن عبيد الله وأحمد ابن عبدون كلّهم عن أبي عبد الله الحسين بن سفيان البزوفري عن حميد بن زياد عن الحسن بن محمد بن سماعة.

وفي مسألة إكثار الثقة الرواية عن شخص. هل تدل على الوثاقة أو لا؟ جزم السيد الأستاذ (دامت افاضاته) (1) بأن رواية الكتاب تعد رواية واحدة, ولكن قياس موردنا على ذلك المورد مع الفارق(2).

والذي يبدو لي أنه يؤثر في زيادة الاحتمال؛ لأننا هنا نتعامل مع احتمالية كون هذه الرواية عن هذا، أو عن هذا. فكلما كانت روايات أحدهما في الكتب أكثر ولو من كتاب واحد كانت احتمالية كون الرواية عنه أكبر. والوجدان يشهد بذلك, فلو روى شخص عن زيد كتابه الحاوي على مائة رواية، وروى عن عمرو كتابه الحاوي على عشر روايات واشتبه حال إحدى الروايات هل هي عن زيد أو عن عمرو؟ هل يقال بتساوي قيمتي الاحتمالين؟!

بعبارة أخرى: التكافؤ هنا أيضا مفقود. والأقرب للاحتمال التجريبي اعتبار روايات الكتاب روايات متعددة.

وعليه سوف لا نعتني بكون الروايات قد أخذت من كتاب واحد، أو من كتابين، أو ليس من كتاب أصلاً.

النقطة الرابعة

هل يمكن أن يعتمد على طرق الفهارس أو لا؟

في تصحيح الروايات لاستنباط الأحكام الشرعية فصَّل السيد الأستاذ (دامت افاضاته) (3) بين ما إذا قال (قراءة عليه) أو(إملاءً) ونحوها فيقبله؛ لأنه ظاهر بوصول نسخة الكتاب بهذا الطريق، وبين ما إذا قال حدثنا بكتابه أو أخبرنا بكتابه فهو طريق

ص: 212


1- سماحة السيد محمد رضا السيستاني (دامت افاضاته) .
2- قد يقال بعدم الفرق لو كان الأساس الذي اعتمده المستدل هو تحمل الثقة مسؤولية الرواية من حيث النسبة - ولو الاحتمالية - إلى أهل البيت (علیهم السلام) وتوليد جو روائي قد لا يطابق الواقع ونحو ذلك، فإن الكثرة كما تفيد في حساب الاحتمال تفيد في تقريب اعتماد الثقة على من يكثر الرواية عنه, نعم يتم القول بالفرق لو كان الأساس عدم عقلائية تضييع الوقت بالاختلاف إلى من لا يعتد برواياته فتأمل!
3- السيد محمد رضا السيستاني (دامت افاضاته) - هذا على ما ظهر لي من حديث بعد الدرس -.

لأصل الكتاب لا أكثر, والأساس في ذلك ما يطمئن به الممارس عند إمعان النظر في كتاب الفهرست للشيخ فإنه يعرف بذلك مصادر الشيخ عند تأليفه للفهرست وأنه اعتمد على فهارس الأصحاب ولم يعتمد على طرق النسخ الواصلة إليه من مؤلفات الأصحاب بشكل عام ويؤيده استبعاد وصول نسخ كل الكتب التي في الفهارس إلى أصحاب الفهارس وأي مكتبة تحوي ذلك, نعم قد لا يُستبعد ذلك بالنسبة للشيخ (قدس سره) على أن الفهارس إنما ألفت لإثبات أصل وجود الكتب.

ولعلَّ المشهور قبول الطرق بلا تفصيل اعتماداً على إحالة الشيخ في آخر المشيخة إلى الفهرست, ودعوى أن ظاهر (أخبرنا) أو(حدثنا فلان عن فلان بكتابه) أن الإخبار بروايات الكتاب لا بأصل وجوده.

وكيف كان الذي يهمنا هنا هل تؤثر طرق الفهارس في حساب الاحتمال

أم لا؟

لعل الأمر يختلف باختلاف القولين السابقين ونحن إن شاء الله تعالى سوف نراعي ذلك في دراسة مشايخ ابن سماعة ونشير إلى أن الروايات هل وردت في كتب الحديث أم في الفهارس، وكذلك سوف نحسب الاحتمال على الحالتين.

النقطة الخامسة

بأي دائرة نحسب الاحتمال؟

تقدَّم أن الأصح اعتماد عدد روايات المشايخ المعتمدين، وعدد روايات غيرهم في عملية حساب الاحتمال, لا أن يعتمد على عدد نفس المشايخ المعتمدين وعدد غيرهم. ولكن يبقى سؤال آخر مهم أيضاً: هل يعتمد في الحساب على خصوص مَن روى عن أبان من مشايخ ابن سماعة، أم يمكن الاعتماد على مطلق مشايخ ابن سماعة؟

وعلى القول بالاعتماد على خصوص من روى عن أبان من مشايخ ابن سماعة, هل نحسب الروايات في الدائرة الضيقة فقط -أي خصوص روايات

ص: 213

ابن سماعة بالواسطة عن أبان- أم نتعدى إلى روايات ابن سماعة عن المشايخ الذين توسطوا بينه وبين أبان، وإن كانت الرواية عن غير أبان؟

بعبارة أخرى: لدينا ثلاث دوائر متداخلة أوسعها دائرة جميع روايات ابن سماعة, وأضيق منها دائرة رواياته عن خصوص من روى عن أبان من مشايخه، وهي تشمل رواياته عن مشايخه الذين رووا عن أبان، وإن كانت عن غير أبان, وأضيق منهما دائرة خصوص روايات ابن سماعة عن أبان بالواسطة.

ولعل الأقوى ما ذهب إليه السيد الأستاذ (دامت افاضاته) (1) من أن المتعيّن الحساب في حدود الدائرة الأضيق .- ففي موردنا يكون بملاحظة حدود دائرة روايات ابن سماعة عن أبان بالواسطة, وإن كان القول بصحة الحساب بملاحظة روايات ابن سماعة عن خصوص مشايخه الذين رووا عن أبان، ولو لم تكن الرواية عن أبان - ليس مما يطمأن بكونه مجازفة.

لكن قد يقال انتصاراً للقول بإدخال كل المشايخ أنى لنا نفي احتمال أن يكون بعض من روى عنه ابن سماعة عن غير أبان قد وقع في بعض الطرق ذات الواسطة المبهمة بين ابن سماعة وأبان، والقول بأن احتماله كاحتمال أي شخص في طبقة مشايخ ابن سماعة وإن لم يرو عنه ابن سماعة أصلاً هذا القول لا أظن أن المنصف يرتضيه.

بعبارة أخرى: إذا اقتصرنا على دائرة من رووا عن أبان لا تكون الحوادث شاملة، فلا تكون قيمة الاحتمال دقيقة.

نعم لقائل أن يقول نسلّم الاحتمال، لكنه من الضعف بمكان لا يسمح بإدخاله في مقابل احتمال الرواة الذين وقعوا في الأسانيد بين ابن سماعة وأبان.

بعبارة أخرى: إن عدم وقوع مجموعة من مشايخ ابن سماعة في طريق

ص: 214


1- شرح مناسك الحج, السيد محمد رضا السيستاني: 7/168.

رواياته عن أبان يوجب إلغاء احتمال توسطهم بينهما على أساس الاحتمال التجريبي.

و كيف كان سنحسب الاحتمال بمشيئة الله تعالى على ثلاثة مستويات بحسب الدوائر الثلاث المتقدمة تعميماً للفائدة، ومراعاة لاختلاف الأنظار.

النقطة السادسة

الطريقة الصحيحة لحساب الاحتمال.

إن الطريقة الصحيحة لحساب الاحتمال في مورد بحثنا هي التي تعتمد على الاحتمال الشرطي, فالحوادث هنا غير مستقلة؛ لأن احتمال أن يكون الراوي الثاني من غير الثقات يتأثر بحالة الراوي الأول. فإذا فرضنا أن الأول من غير الثقات فاحتمال أن يكون الثاني منهم أيضاً أقل، واحتمال كون الثالث من غير الثقات يتأثر بحالة الأول وبحالة الثاني. فإذا فرضناهما من غير الثقات فاحتمال أن يكون الثالث منهم أيضاً يقل عن احتمال الثاني، كما يظهر مما تقدّم في التمهيد, ولمزيد من التوضيح نضرب مثلاً:

لو فرضنا أن لراوٍ معين عشرين شيخاً روى عن كل واحد منهم رواية واحدة، وكان خمسة منهم غير ثقات والباقي ثقات. فلو روى رواية عن ثلاثة غير معينين منهم يمكن حساب احتمال أن يكون الثلاثة من غير الثقات بالطريقة التالية:

احتمال أن يكون الأول من غير الثقات يساوي نسبة الحالات المواتية إلى الحالات الممكنة أي = 5\20.

احتمال أن يكون الثاني من غير الثقات أيضاً يساوي نسبة الحالات المواتية بعد فرض كون الأول من غير الثقات إلى الحالات الممكنة بعد ذلك الفرض ويساوي 4\19.

احتمال كون الثالث من غير الثقات أيضاً يساوي نسبة الحالات المواتية بعد الفرضين الى الحالات الممكنة بعدهما ويساوي 3\18.

ص: 215

فقيمة احتمال أن يكون الثلاثة من غير الثقات يساوي حاصل ضرب هذه الاحتمالات ويساوي 5\20× 4\19 ×3\18 = 1\ 114.

ويمكن حسابه بالطريقة التالية(1):

أولاً: حساب صور الثلاثة في الخمسة، وصور الثلاثة في العشرين بالاعتماد على القانون التالي:

قن ر = ن ! \ر! (ن- ر ) ! حيث ن > ر, علماً أن ن, ر أعداد صحيحة

غير سالبة, تمثل (ن) عدد العناصر الكلية وتمثل (ر) عدد العناصر المأخوذة.

قن ر تقرأ عدد توافيق ( ن) من العناصر مأخوذة ( ر) في كل مرة(2), وهو يمثل عدد طرق اختيار ( ر) من العناصر من مجموعة ن من العناصر دون الاهتمام لترتيب هذه العناصر.

حيث ن! = (ن) ×(ن-1) × (ن- 2) ×(ن - 3)...× 1 و يصطلح عليه مفكوك ن.

ثانيا: نقسم عدد توافيق الخمسة مأخوذة ثلاثة في كل مرة على عدد توافيق العشرين مأخوذة ثلاثة في كل مرة، لينتج احتمالية كون الثلاثة جميعاً من غير الثقات أي وفق القانون التالي:

ح = ق5 3 \ ق20 3 ={ 5! \ 3! (5-3)! } \ { 20 ! \ 3 ! (20 -3) !} = 1\ 114

إذا اتضحت الأمور الثلاثة بمطالبها, أقول:

مراعاة لما قدّمناه في النقطة الخامسة من الأمر الثالث سوف نحسب الاحتمال على ثلاثة مستويات:

ص: 216


1- كتاب الرياضيات للصف الخامس العلمي، وكتاب الرياضيات للصف السادس العلمي وفق منهج وزارة التربية في جمهورية العراق لسنة 2008 - 2009م.
2- كتاب الرياضيات للصف السادس الأدبي وفق منهج وزارة التربية في جمهورية العراق لسنة 2013 - 2014م.

الأول: يراعى فيه جميع روايات ابن سماعة.

الثاني: يقتصر فيه على خصوص روايات ابن سماعة عمّن روى عن أبان.

الثالث: يقتصر فيه على روايات ابن سماعة عن أبان بالواسطة.

المستوى الأول

حساب قيمة احتمال اجتماع ثلاثة من مشايخ ابن سماعة غير المعتمدين في سند فيه وسائط

مبهمة, وقبل الحساب نحتاج الى دراسة مفصلة لجميع مشايخ ابن سماعة وهي(1):

تفصيل المشايخ(2):

1- أبان

= أبان بن عثمان, لا تعد روايته ولا عنوانه(3), روى عنه في كتب الحديث رواية

ص: 217


1- ننبّه على أمور مهمة في فهم دراسة المشايخ: 1- إذا كان لراو أكثر من عنوان روى به نكرر ذكره بحسب عناوينه, ونذكر تحت كل عنوان عدد رواياته بذلك العنوان فقط, كما سنشير إلى عناوينه الأخرى في كل عنوان. 2- أصحاب العناوين المتكررة لا يدخلون عملية الحساب إلا بعنوان واحد، لو اعتمد على عدد المشايخ فقط, وتدخل رواياتهم بجميع العناوين، لو اعتمد عدد الروايات, لذلك سنشير إلى ذلك في غير العنوان الأول بقولنا (تعد رواياته دون عنوانه). 3- لما كانت الرواية في الفهارس مورد تردد هل تحسب أم لا, سنشير إلى ذلك بقولنا (تعد رواياته على وجه).
2- ننبه على أنه سوف نذكر ملحقاً فيه مواضع روايات ابن سماعة, ولم نذكرها في الهامش لكثرتها.
3- فلا معنى لعدّ رواياته في البحث عن الواسطة بينه وبين ابن سماعة, وقد وردت روايته عنه في كتب الحديث, لكن لا شبهة في سقوط الواسطة، فإنه في أكثر من مائة مورد وجدت الواسطة إلا في موردين أحدهما بهذا العنوان، والآخر بعنوان أبان بن عثمان.

واحدة {1}, ثقة.

2- أبان بن عثمان

= أبان, لا تعد روايته ولا عنوانه, تقدَّم الكلام فيه في أبان, وردت عنه رواية واحدة {1}, ثقة.

3- إبراهيم بن عبد الحميد

لا تعد روايته ولا عنوانه(1), روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

ص: 218


1- لأن رواية ابن سماعة عن أصحاب الصادق (علیه السلام) بنفسها بعيدة. ولكن يمكن أن يقال إن لإبراهيم بن عبد الحميد خصوصية, فهو ممن امتد عمره بحيث يروي عنه ابن سماعة, ويشهد لذلك عد الشيخ والبرقي إياه من أصحاب الرضا (علیه السلام) ولا يقال أن الشيخ قال: (إبراهيم بن عبد الحميد من أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام)، أدرك الرضا (علیه السلام)، ولم يسمع منه على قول سعد بن عبد الله), فكأنه لم يرتضِ إدراكه للرضا (علیه السلام) فإنه يقال: لو تمت الدلالة على التشكيك لعله يقبل أصل الإدراك ولا يشكك به، إلا أنه يشك في عدم سماعه منه (علیه السلام) فتأمل!, وقد وردت روايته عن الرضا (علیه السلام), كما في المحاسن (2/549), والكافي (4/143) و(6/253). هذا، ولكن الإشكال في رواية ابن سماعة عن إبراهيم لا يزال قائماً لأن ابن سماعة روى عن إبراهيم بواسطة جعفر بن سماعة في ثلاثة مواضع: التهذيب (2/258), (7/107), (6/381), وفيه جعفر فقط – هذا من جهة, ومن جهة أخرى هذا المورد الوحيد الذي تحوم حوله شبهة التصحيف، فإنها وإن وردت في تأويل الآيات (1/403) بلفظ: (الحسن بن محمد بن سماعة, عن إبراهيم) إلا أنها نقلت عنه في البحار (51/59) وفي تفسير كنز الدقائق (9/582) هكذا: (الحسن بن محمد, عن سماعة, عن إبراهيم) فلعل الأصل هكذا: (الحسن بن محمد عن جعفر بن سماعة عن إبراهيم). مضافاً إلى أن إدراك إبراهيم للإمام الرضا (علیه السلام) لا يعني أكثر من بقائه لمدة يسيرة لا تستوجب له خصوصية, خصوصاً مع ملاحظة أن الذين رووا عن إبراهيم عن الرضا (علیه السلام) ممن يمكنهم الرواية عن الكاظم (علیه السلام) كمحمد بن أبي عمير و درست. وإن لم يتحدد أبو يوسف الراوي عنه في المحاسن.

4- أحمد الميثمي

= أحمد بن الحسن= الميثمي= أحمد بن الحسن الميثمي= أحمد بن الحسن بن محمد

الميثمي, تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

5- أحمد بن أبي بشر

= أبو جعفر, تعد رواياته وعنوانه, روى في كتب الحديث أربع روايات {4}, ثقة.

6- أحمد بن الحارث الأنماطي

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

7- أحمد بن الحسن

= الميثمي = أحمد الميثمي = أحمد بن الحسن الميثمي = أحمد بن الحسن بن محمد الميثمي, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث ثلاث روايات {3}, ثقة.

8- أحمد بن الحسن الميثمي

= أحمد بن الحسن = الميثمي = أحمد الميثمي = أحمد بن الحسن بن محمد الميثمي, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث ستاً وأربعين رواية {46}, ثقة.

9- أحمد بن الحسن بن محمد الميثمي

= أحمد بن الحسن = الميثمي = أحمد الميثمي = أحمد بن الحسن الميثمي, تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

10- أحمد بن المفضل

تعد روايته على وجه وعنوانه, روى عنه في طريق النجاشي إلى كتب منصور ابن محمد بن عبد الله رواية واحدة {1}, لم يوثق.

11- أحمد بن عديستعد رواياته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث ثلاث روايات{3}, لم يوثق.

ص: 219

12- إسحاق

الظاهر أن المراد به إسحاق بن عمار(1), لا تعد روايته ولا عنوانه(2), ثقة.

13- إسماعيل بن أبي بكر الحضرمي

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

14- إسماعيل بن أبي سمال

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

15- إسماعيل بن عبد الخالق

تعد روايته(3) وعنوانه, روى عنه رواية واحدة في كتب الحديث {1}, ثقة.

16- أيوب بن نوح

لا تعد روايته ولا عنوانه(4), روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, ثقة.

ص: 220


1- لأن رواية ابن سماعة عن إسحاق (التهذيب: 7/144) هي عن أبي بصير, والمعهود روايات إسحاق بن عمار عن أبي بصير, فهي كثيرة كما في المحاسن: (2/319), والبصائر (191), والكافي (2/198, 388, 628, وغيرها.
2- فإنه لا وثوق برواية ابن سماعة عن إسحاق بن عمار بالمباشرة. فلم ترد إلا في مورد واحد مع أنه روى عنه بالواسطة الكثير من الروايات. وفي بعضها بواسطتين كما في الكافي (6/74): (ابن سماعة عن صفوان عن ابن مسكان عن إسحاق بن عمار) بل في أكثر من رواية كان أبان أحد واسطتين طوليتين بين ابن سماعة وإسحاق بن عمار كما في الكافي (4/461): (ابن سماعة عمّن ذكره عن أبان عن إسحاق بن عمار), الكافي (5/447): (ابن سماعة عن غير واحد عن أبان عن إسحاق بن عمار), فكيف تعد روايته!
3- تقدّم الحديث عنه في الكلام حول كون الحسن بن محمد الصيرفي عنواناً لابن سماعة - المطلب الرابع من الأمر الأول -.
4- روى عنه رواية في الاستبصار (4/143) لكن في التهذيب (9/286) رواها عنه علي ابن الحسن بن فضال وهو الموافق للوافي والوسائل (26/127).

17- برد الإسكاف

لا تعد روايته ولا عنوانه(1), روى في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة.

18- ثابت الصائغ(2)

لا تعد روايته ولا عنوانه(3), روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة, ثقة.

19- جابر المعبراني

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث بعنوان جعفر رواية واحدة {1},

لم يذكر.

20- جعفر

= جعفر بن سماعة(4), تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث ثمان عشرة رواية {18}, ثقة.

ص: 221


1- روى عنه في الفهرست (70) في طريقه إليه, لكن الظاهر سقوط الواسطة. فمن البعيد جداً رواية ابن سماعة (المتوفي 263) عمّن أدرك السجاد (علیه السلام) يشهد لذلك أن الشيخ ذكر الطريق هكذا (.. عن ابن نهيك والحسن بن سماعة جميعاً عن برد) لكن النجاشي (113) ذكر في طريقه ابن أبي عمير متوسطاً بين ابن نهيك وبين برد.
2- هكذا في كمال الدين (338) لكن وردت الرواية في عيون أخبار الرضا (علیه السلام) (2/69) وفيه ثابت الصباغ بدل ثابت الصائغ ونقلها في البحار (51/145) عن كمال الدين. وفيه ثابت بن الصباح, والصحيح ما في كمال الدين. والمراد به ثابت بن شريح الصائغ الأنباري.
3- في ثبوت روايته نظر, فقد وردت رواية بن سماعة عنه في موارد كثيرة بتوسط عبيس أو صالح بن خالد أو بتوسطهما, فالظاهر سقوط الواسطة في هذا المورد, ويؤيده أن عبيس وصالح رويا كتاب ثابت في طريقي الشيخ والنجاشي لكتابه في ترجمته.
4- لأنه هو الذي يروي عنه الحسن بن محمد بن سماعة كثيراً {43 رواية}.

21- جعفر بن سماعة(1)

تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث ثلاثاً وأربعين رواية {43}, ثقة(2).

22- جعفر بن مثنى العطار

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة{1}, ثقة.

23- جعفر بن محمد(3)

لا تعد روايته ولا عنوانه(4), روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يتعين.

24- جعفر بن محمد الصيقل

تعد روايته, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

25- جعفر بن محمد بن سماعة

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, ثقة.

26- جعفر بن محمد بن عباس(5)

تعد روايته دون عنوانه, روى عنه رواية واحدة {1}, ثقة(6).

ص: 222


1- وقع الكلام في اتحاده مع جعفر بن محمد بن سماعة وعدمه, ولم يتم دليل على الاتحاد وتفصيله في الملحق الثاني. والثمرة لا تظهر في الوثاقة لرواية صفوان عن جعفر بن سماعة فهو ثقة أيّاً كان, ولا تظهر في الصحيح من حساب الاحتمال لوثاقة العنوانين على تقدير التعدد, نعم على القول بكفاية الاعتماد على عدد المشايخ تظهر ثمرة. فعلى القول بالتعدد يزيد عدد المشايخ الثقات.
2- لرواية صفوان عنه في التهذيب (3/85).
3- يحتمل ابن سماعة ويحتمل الصيقل فهو مشترك.
4- لأنه مشترك بين الثقة وغيره.
5- الظاهر أن الصحيح جعفر عن محمد بن عباس بقرينة باقي الروايات.
6- لأنه جعفر بن سماعة المتقدم.

27- جميل

لا تعد روايته ولا عنوانه(1), روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

28- الحسن بن أيوب(2)

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

29- الحسن بن حذيفة

= الحسن بن حذيفة بن منصور, تعد روايته و عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ضعيف.

30- الحسن بن حذيفة بن منصور

= الحسن بن حذيفة, تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية

واحدة {1}, ضعيف.

31- الحسن بن حماد

= الحسن بن حماد بن عديس = الحسن بن عديس(3), تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

ص: 223


1- رواية ابن سماعة الذي هو من السابعة عن جميل الذي هو من الخامسة مستبعدة.
2- يحتمل أن يكون مصحف الحسين بن أيوب - الآتي - لأن ابن سماعة يروي كتاب الحسين بن أيوب - الفهرست (101) - ولا يروي كتاب الحسن بن أيوب، وإنما يرويه أحمد ابن ميثم - الفهرست (102) - وإذا قلنا إنه هو ابن أبي عقيلة فيرويه أيضا أحمد بن علي الحموي - الفهرست (101) - هذا من جهة, ومن جهة أخرى لم ترد في التهذيبين رواية للحسين بن أيوب، فإذا لم يكن ما هنا تصحيفاً يكون الحسين بن أيوب ممن ذكر في الفهرست ولم يذكر له رواية في التهذيبين, ثم إن الطبقة لا تأبى ذلك. ولكن لا يمكن الاعتماد على شيء مما ذكر.
3- احتمال اتحاده مع الحسن بن حماد بن عديس, والحسن بن عديس ليس بالبعيد, ويمكن تقريب ذلك بخطوتين: الخطوة الأولى: يحتمل اتحاد الحسن بن عديس مع الحسن بن حماد بن عديس لاتحادهما في الراوي عنهما وهو ابن سماعة - فقد روى عن الحسن بن عديس عن إسحاق بن عمار في الاستبصار (1/255), وعنه عن أبان في الاستبصار (3/291), وروى عن الحسن بن حماد ابن عديس عن إسحاق بن عمار في الكافي (6/27), وعنه عن عمران بن حران في رجال النجاشي (292) - هذا من جهة, ومن جهة ثانية لاشتراكهما في الرواية عن إسحاق ابن عمار كما تقدّم, ومن جهة ثالثة لغرابة اسم عديس، فربما نسب الشخص إلى جده إذا كان اسم الجد غريبا فنفس غرابة الاسم تبعد من التعدد. الخطوة الثانية: يحتمل اتحاد الحسن بن عديس - المفروض اتحاده مع الحسن بن حماد بن عديس - مع الحسن بن حماد لاشتراكهما في رواية ابن سماعة عنهما - فقد روى عن الحسن بن حماد عن أبان في التهذيب (7/130) على ما في طبعة تقدم في الكلام عن تفسير العدّة أن ما فيها هو الأقرب - واشتراكهما في روايتهما عن أبان كما ظهر مما تقدّم. هذا ولا تظهر ثمرة مهمة في الاتحاد وعدمه على الأصح، فإنه إذا بنينا على الاعتماد على عدد الروايات في حساب الاحتمال لا يؤثر اتحادهم أو عدمه شيئاً؛ لأنهم جميعاً غير موثقين. نعم يؤثر بناءً على اعتماد عدد المشايخ في حساب الاحتمال, كما ويؤثر أيضاً في عدد المتوسطين بين ابن سماعة وبين أبان من الضعاف في المستوى الثالث لو أردنا حل المشكلة بلا رجوع إلى حساب الاحتمال، وإنما بالاعتماد على مجرد كون المراد من غير واحد مالا يقل عن ثلاثة، ولا يوجد ثلاثة غير موثقين, لكن عملياً لا أثر لأن المتوسطين من الضعاف لا يقل عن ثلاثة حتى لو حكمنا بالاتحاد, كما وأن الصحيح اعتماد عدد الروايات وليس عدد المشايخ.

32- الحسن بن حماد بن عديس

= الحسن بن حماد = الحسن بن عديس, تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في

كتب الحديث رواية واحدة وأخرى في الفهارس {1+1}, لم يوثق.

33- الحسن بن عديس

تعد روايتاه دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, لم يوثق.

34- الحسن بن علي بن يوسف

هو الحسن بن علي بن بقاح, لا تعد روايتاه ولا عنوانه(1), روى عنه في كتب

ص: 224


1- روى عنه في الاستبصار (4/143) ح5, ح7 روايتين في واقعهما رواية واحدة بطريقين. الراوي المباشر في الأولى زرارة, وفي الثانية الحسن الصيقل, وإن سقط الأخير عن الاستبصار ولكن في التهذيب (9/286) ح7, ح9 رواهما عنه علي بن الحسن بن فضال وهو الموافق للوافي (25/761) ح7, ح9, والوسائل طبعة آل البيت (26/127) ح5, ح6.

الحديث روايتين, ثقة.

35- الحسن بن محبوب

= ابن محبوب, تعد رواياته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث ثماني عشرة رواية {18}, ثقة.

36- الحسن بن محمد التيملي

لا تعد روايته ولا عنوانه(1), روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة, لم يذكر.

37- الحسن بن معاوية بن وهب

تعد روايتاه وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, لم يوثق.

38- الحسن بن هاشم

لا تعد روايته(2)ولاعنوانه, فالظاهر أنه مصحف حسين بن هاشم الآتي(3).

39- الحسن بن هشام

تعد روايته دون عنوانه, فالظاهر أنه تصحيف الحسين بن هاشم الآتي(4), روى في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

ص: 225


1- ذكر في بحار الأنوار (48/23) عن الغيبة للنعماني رواية لابن سماعة عنه, ولكن في المصدر (الغيبة للنعماني: 346) أحمد بن الحسن بن محمد الميثمي فلم تثبت روايته.
2- لأنها عدت للحسين بن هاشم في الكافي (6/145).
3- روى عن أبي بصير وروى عنه ابن سماعة. التهذيب (8/103), ولكن في الكافي (6/145) الحسين بن هاشم، وهو الصحيح بقرينة سائر الروايات وهو الموافق للوسائل (21/350) - وذكر السيد الخوئي (قدس سره) في المعجم (6/167) أنه المناسب للطبعة القديمة من التهذيب -.
4- روى عن يعقوب بن شعيب، وروى عنه الحسن بن محمد بن سماعة. في التهذيب: (7/91)، والصحيح: الحسين بن هاشم، بقرينة سائر الروايات فلم يعهد في هذه الطبقة راوٍ باسم الحسن بن هشام مع قرب رسمي خطي هاشم وهشام خصوصاً في السابق.

40- حسين بن حماد بن عديس(1)

تعد روايته دون عنوانه, روى عنه رواية واحدة في كتب الحديث {1}, لم يوثق.

41- الحسين بن أيوب

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في طريق الشيخ في الفهرست إلى كتابه رواية واحدة {1}, لم يوثق.

42- الحسين بن مثنى الحناط (العطار على نسخة)

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يذكر.

43- حسين بن هاشم

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث ثماني عشرة رواية. وفي الفهارس واحدة {18+1}, ثقة.

44- الحكم بن حكيم

لا تعد روايته و لا عنوانه(2), روى عنه في الفهارس رواية واحدة {1}, ثقة.

45- حماد

لا تعد روايته ولاعنوانه(3), روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

ص: 226


1- الظاهر هو الحسن بن حماد بن عديس المتقدّم.
2- ذكر الشيخ في الفهرست (117) رواية ابن سماعة عنه بالمباشرة إلا أن النجاشي (153) ذكر واسطة وهو صفوان. وعليه لم تثبت رواية ابن سماعة عنه بالمباشرة.
3- في بحار الأنوار (24/134) عن تفسير القمي (.. محمد بن أحمد عن الحسن بن محمد ابن سماعة عن حماد عن أبان بن تغلب..) لكن في المصدر الحسن بن محمد فقط من غير ابن سماعة. ولعلّه ابن علان فقد روى محمد بن أحمد عن الحسن بن محمد بن علان في تهذيب الأحكام (6/42) وعن الحسن بن محمد بن سماعة في تهذيب الأحكام (3/85).

46- حمزة بن حمران

لا تعد روايته ولاعنوانه(1), روى عنه في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة(2).

47- حميد بن شعيب

لا تعد روايته ولا عنوانه(3), روى عنه في الفهرست رواية واحدة {1}, لم يوثق.

48- حنان

= حنان بن سدير = ابن سدير, تعد روايتاه و عنوانه, روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, ثقة.

49- حنان بن سدير

= حنان = ابن سدير, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث أربع

روايات {4}, ثقة.

50- خلاد بن خالد

تعد روايته وعنوانه, روى في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

51- راشد بن يزيد المدني

تعد روايته وعنوانه, روى في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يذكر.

52- زكريا بن عمرو

تعد روايته, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

53- زكريا بن محمد

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

ص: 227


1- الطبقة لا تساعد على رواية ابن سماعة عنه.
2- لرواية صفوان عنه كما في الكافي (3/266) وابن أبي عمير كما في أمالي الصدوق (183).
3- ذكر الشيخ في الفهرست (115) رواية ابن سماعة لكتاب حميد بالمباشرة إلا أنه بعيد, مع أن النجاشي في رجاله (133) ذكر نفس الطريق بتوسط عبد الله بن جبلة.

54- سليمان بن داود

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث أربع روايات {4}, في وثاقته نظر(1).

55- سيف التمار(2)

لا تعد روايته ولاعنوانه (3), روى عنه في الفهارس رواية واحدة {1},

ص: 228


1- وثقه النجاشي في رجاله (184) وضعفه ابن الغضاري في رجاله (65) وحكاه في الخلاصة (352), فهو متروك على مسلك من يقبل تضعيفات ابن الغضائري التي في كتابه، أو التي نقلها العلامة.
2- هناك كلام في تعيينه, فهل هو سيف بن سليمان التمار, أو سيف بن المغيرة التمار؟ وقد احتمل الوحيد (في تعليقته على منهج المقال: 200) اتحادهما، وحكم به المحدث النوري (خاتمة المستدرك: 8/63). فإن سيف بن سليمان نسبة إلى الجد, ولم يقم عليه شاهد. وذهب السيد الخوئي (قدس سره) إلى أنه سيف بن سليمان قال في المعجم (9/389): (الظاهر أنه سيف بن سليمان فإنه المعروف والمشهور الذي له كتاب، وأما سيف بن المغيرة التمار فهو غير معروف، ولا نعرف له ولا رواية واحدة، على أن اقتصار النجاشي على ترجمة سيف ابن سليمان التمار، واقتصار الشيخ على ترجمة سيف التمار، يشهد بالاتحاد). أقول: قوله بأن سيف بن المغيرة لا نعرف له ولا رواية ليس كما ينبغي، فإن ما بأيدينا من الروايات كلها بعنوان سيف التمار فليس هناك رواية واحدة وردت بعنوان سيف بن سليمان التمار، ولا بعنوان سيف بن المغيرة التمار فكيف نفى (قدس سره) أن تكون الروايات لابن المغيرة ! ومع ذلك يمكن الركون لما انتهى إليه. ثم إن الثمرة إنما تظهر لو لم نقبل بكفاية رواية ابن أبي عمير وأخويه في التوثيق، فإن ابن سليمان قد وثقه النجاشي ولم يوثق ابن المغيرة, أما على قبول دلالة رواية الثلاثة على الوثاقة فلا ثمرة لا من ناحية الوثاقة؛ لأن ابن أبي عمير وصفوان رويا عن سيف التمار كما سيأتي فهو ثقة أيّاً كان، ولا من ناحية حساب الاحتمال فالروايات بعنوان سيف التمار فقط ولا توجد رواية بأحد العنوانين المقيدين حتى يأتي احتمال تعدد العنوان.
3- الطبقة لا تساعد على رواية ابن سماعة عنه بالمباشرة مع ورود رواية ابن سماعة عنه بالواسطة كما في العلل (2/447) ويؤيده أنه لم نعثر على رواية مَن هم من السابعة عن سيف التمار إلا بالواسطة - توجد رواية لمحمد بن خالد ولعله البرقي، لكن تقدّم أن له سبقاً في الطبقة لو سلم أنه من السابعة - ويؤيده أيضاً أن راويي كتابه في طريقي النجاشي من السادسة.

ثقة(1).

56- شعيب بن أعين الحداد

لا تعد روايته و لا عنوانه(2), روى عنه في الفهرست في ترجمته رواية واحدة {1}, ثقة.

57- صالح

= صالح بن خالد = أبو شعيب, تعد روايته و عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

58- صالح بن خالد

= صالح = أبو شعيب, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث خمساً وعشرين رواية {25}, ثقة.

59- صفوان

= صفوان بن يحيى تعد رواياته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث أربعاً وأربعين رواية وفي الفهارس ثلاث روايات{44+3}, ثقة.

60- صفوان بن يحيى

= صفوان, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث سبعاً وعشرين رواية {27}, ثقة.

ص: 229


1- لثبوت رواية ابن أبي عمير عنه كما في التهذيب (2/142) وكذا صفوان كما في الكافي (4/405, 456, 6/157).
2- الطبقة لا تساعد على رواية ابن سماعة عنه ولم نعثر على رواية لمن هم من السابعة عنه.

61- عبد الله= عبد الله بن جبلة(1), تعد روايتاه وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, ثقة.

62- عبد الله القاسم(2)

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

63- عبد الله بن جبلة

= ابن جبلة, تعد رواياته دون عنوانه, روى في كتب الحديث ستين رواية وفي الفهارس روايتين {60 +2}, ثقة.

64- عبد الملك بن عتبة الهاشمي

لا تعد روايته ولا عنوانه(3), روى في الفهرست رواية واحدة {1}, لم يوثق.

65- عبيس

= عبيس بن هاشم, تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

ص: 230


1- لأنه هو الذي روى عنه في كل الموارد (أكثر من 60 مورداً) إلا في مورد واحد يأتي روى فيه عن عبد الله القاسم.
2- الظاهر بملاحظة الروايات أنه عبد الله بن القاسم وهو مشترك بين جماعة بعضهم ضعاف كذابين، وبعضهم غير موثقين، ولذا لا تنفع رواية ابن أبي عمير عنه لاحتمال كونه من المضعّفين فيتعارض التوثيق والتضعيف فلا تكفي رواية ابن أبي عمير للإطمئنان بأنه من غير الموثقين حتى يوثق بروايته عنه.
3- ذكر الشيخ في الفهرست (180) أن له كتاباً وذكر ابن سماعة في طريقه إليه، لكن النجاشي في رجاله (239) قال - ولعله تعريضاً بالشيخ-: والكتاب الذي ينسب إليه لعبد الملك بن عتبة النخعي, قد يقال إذن تثبت رواية ابن سماعة عن النخعي, فليتأمل! وكيف كان فالهاشمي روى عن الباقر (علیه السلام) فتبعد رواية ابن سماعة عنه وإن أدرك الكاظم (علیه السلام) والصيرفي (النخعي) من أصحاب الصادق (علیه السلام), فتبعد رواية ابن سماعة عنه أيضاً.

66- عبيس بن هاشم

= عبيس, تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث اثنتي عشرة رواية {12}, ثقة.

67- عقبة بن جعفر

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

68- عقبة بن محرز (محرث)

لا تعد روايته ولا عنوانه(1), روى عنه في الفهرست رواية واحدة{1}, للقول بوثاقته وجه(2).

69- علي(3)

ص: 231


1- روى عنه في الفهرست (190) لكنها بعيدة فهو من أصحاب الصادق (علیه السلام), مع أن الطاطري معلم بن سماعة مذهبه وشريكه في المشايخ, روى كتاب عقبة بن محرز بواسطة ابن أبي عمير في طريق النجاشي (299).
2- روى عنه ابن أبي عمير في طريق النجاشي لكتابه (299): (أخبرنا ابن نوح، قال: حدثنا الحسن (الحسين) بن علي بن سفيان، قال: حدثنا حميد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن غالب، قال: حدثنا علي بن الحسن الطاطري، عن محمد بن أبي عمير، عن عقبة ابن محرز، بكتابه) وليس في الطريق من يمكن أن يناقش به إلا محمد بن عبد الله بن غالب ولاتحاده مع محمد بن عبد الله بن غالب أبو عبد الله الذي وثقه النجاشي كما احتمله السيد الخوئي (قدس سره) وجه.
3- لم يتعين لأن المسمّين بعلي من مشايخ ابن سماعة كثيرون كما يظهر مما يأتي. وفيهم الثقات وغير الثقات. على سبيل المثال ما رواه ابن سماعة عن علي في الاستبصار (4/143) روى علي فيها عن محمد بن سكين وإذا رجعنا إلى مشايخ ابن سماعة وجدنا اثنين من المسمّين علياً منهما يروون عن محمد بن سكين. فعلي بن الحسن بن حماد يروي عن ابن مسكين- والظاهر أن المراد به محمد- كما في الكافي (7/91) وعلي بن الحسن بن رباط أيضا يروي عن محمد بن مسكين كما في الكافي (7/126).

لا تعد روايته ولا عنوانه(1), روى عنه في كتب الحديث ثلاث روايات {3}, لم يتعين.

70- علي بن أبي جهمة

تعد روايته وعنوانه على وجه, روى عنه في كتب الفهارس رواية واحدة {1}, ثقة.

71- علي بن الحسن(2)

لا تعد روايته ولا عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يتعين.

72- علي بن الحسن الطاطري

لا تعد روايته ولاعنوانه(3), نقل عنه في كتب الحديث {1}, ثقة.

73- علي بن الحسن بن حماد

= علي بن الحسن بن حماد بن ميمون, تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

ص: 232


1- لاشتراكه بين كثيرين منهم موثقون كعلي بن الحسن بن رباط, ومنهم غير موثقين كعلي ابن الحسن بن حماد.
2- يأتي فيه ما تقدَّم في عنوان علي فأمره دائر بين ابن حماد غير الموثق، وابن رباط الثقة, فلا تعد رواياته.
3- نقل الكليني في الكافي (6/70) عن حميد عن ابن سماعة عن الطاطري أنه قال: إن الذي أجمع عليه في الطلاق كذا وكذا، وذكر حديثه مع محمد بن أبي حمزة, لكن النجاشي قال- في ترجمة علي بن الحسن بن محمد الطائي (وهو الطاطري) - إن ابن سماعة لا يروي عن الطاطري وإن تعلّم منه المذهب, لذا لا تعد روايته, وليس ذلك إنكاراً لما ذكره الكليني من نقل للفتوى المجمع عليها، وإنما قول النجاشي يضعف احتمال أن تكون الرواية الواردة في الجوامع عن الطاطري.

74- علي بن الحسن بن حماد بن ميمون

= علي بن الحسن

بن حماد, تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

75- علي بن الحسن بن رباط

= علي بن رباط = ابن رباط, تعد روايته و عنوانه, روى عنه في كتب الحديث سبع روايات، وفي الفهارس رواية واحدة {7+1}, ثقة.

76- علي بن الحسن بن فضال

تعد روايته دون عنوانه(1), روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

77- علي بن النعمان

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

78- علي بن حديد

لا تعد روايته ولاعنوانه(2), روى رواية واحدة في كتب الحديث {1}, ضعيف.

ص: 233


1- روى عنه في الاستبصار (4/178) لكنها محل نظر, فالمناسب رواية علي بن الحسن بن فضال عن ابن سماعة لا العكس كما في طريق الشيخ الثاني في الفهرست (103) لكتب الحسن بن محمد بن سماعة, ولا أقول إنها بعيدة جداً لأنهما من طبقة واحدة وهي السابعة ورواية مَن في طبقة عن أقرانه شائعة ولو من جهة التقدم الرتبي. فالأحداث يروون عن الكبار، بل المتساويان قد يروي بعضهما عن بعض، ولكن هنا الأمر بالعكس لما أشرنا إليه سابقا من أن علي بن الحسن بن فضال يمكن أن يعدّ من أحداث السابعة فكيف يروي عنه ابن سماعة وهو من كبارها ظاهراً, وستأتي رواية ابن سماعة عن ابن فضال ورجّحنا هناك أنه الحسن بن علي بن فضال, فالأرجح أن ما ههنا تصحيف. والمراد الحسن بن علي ابن فضال أيضاً, فتعد هذه الرواية لابن فضال.
2- وردت رواية ابن سماعة عنه في الاستبصار (3/286), لكن أوردها في التهذيب (8/53) وفيه علي بن خالد وكذا في الكافي (6/7) وهو الموافق للوسائل (22/63).

79- علي بن خالد

= علي بن خالد العاقولي تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث ثلاث روايات {3}, لم يوثق.

80- علي بن خالد العاقولي

= علي بن خالد, تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, لم يوثق.

81- علي بن رباط

= ابن رباط = علي بن الحسن بن رباط(1), تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث ثماني روايات {8}, ثقة.

82- علي بن رئاب

= ابن رئاب, تعد روايته و عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

83- علي بن سكن(2)

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

84- علي بن شجرة

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

ص: 234


1- على الأظهر في هذه الموارد ولا نقول بإلغاء عنوان علي بن رباط من الرواة لكن لم يخرج لنا منه شيء أو لا أقل الراوي عن ابن سماعة هو علي بن الحسن بن رباط.
2- احتمل السيد الخوئي (قدس سره) اتحاده مع علي بن سكين (مسكين) الآتي, والملاحَظ أن علي ابن سكن روى عن عبد الله بن وضاح وعلي بن سكين (مسكين) روى عن مشعل بن سعد. فلا وثوق بالاتحاد وإن كان الاحتمال قائماً. وكلاهما لم يوثق فلا ثمرة على الصحيح من مراعاة عدد الروايات لا عدد المشايخ.

85- علي بن محمد(1)

لا تعد روايته ولا عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يتعين.

86- علي بن محمد بن مسكين(2)

لا تعد روايتاه ولا عنوانه(3), روى في كتب الحديث روايتين {2}, لا وجود له.

87- علي بن مسكين (سكين)

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

88- علي بن ميمون الصائغ (الصانع)

لا تعد روايته ولا عنوانه(4), روى في الفهرست رواية واحدة {1}, لم يوثق.

89- عمر بن أبان الكلبي

لا تعد روايته ولا عنوانه(5), روى عنه في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة.

ص: 235


1- مشترك بين جماعة, ولم أعثر على علي بن محمد مشخص قد روى عن ابن سماعة، أو روى عن محمد بن سكين - باعتبار هذه الرواية رواها علي بن محمد عن محمد بن مسكين-.
2- روى عنه في موضعين الأول في التهذيب (9/286) والثاني في الاستبصار (4/169), ولكن الأولى وردت في الاستبصار (4/143) هكذا علي عن محمد بن مسكين, والثانية وردت في التهذيب (9/323) هكذا علي بن محمد عن محمد بن مسكين, والأخيرين أقرب لأنه لا وجود لعلي بن محمد بن مسكين, ومحمد بن مسكين راوٍ معروف.
3- روايتاه لو كانتا تعدان لعدتا لعنوان علي بن محمد السابق.
4- ذكر الشيخ في الفهرست (158) رواية ابن سماعة لكتاب بن ميمون بالمباشرة ولكن هذا بعيد. فالشيخ والبرقي قد ذكراه في أصحاب الباقر (علیه السلام) وفي أصحاب الصادق (علیه السلام) بل له رواية عن السجاد (علیه السلام), وإن كانت روايته عن السجاد (علیه السلام) بعيدة ولم أعثر له على رواية عن الإمام الباقر (علیه السلام) بالمباشرة, وغالب رواياته عن الإمام الصادق (علیه السلام) بالمباشرة وبعضها عنه (علیه السلام) بواسطة ابن أبي يعفور. وكيف كان فرواية ابن سماعة عنه بالمباشرة بعيدة, ويؤيده أن النجاشي روى كتابه عن طريق عبيس بن هشام الذي هو من الطبقة السادسة.
5- ذكر الشيخ في الفهرست (185) رواية ابن سماعة لكتابه بالمباشرة, لكنه بعيد فهو روى عن الباقر (علیه السلام) بلا واسطة كما في بصائر الدرجات للصفار (136), ورواها في الكافي (1/222), ويؤيده أن المعهود رواية الطبقة السادسة كفضالة بن أيوب الكافي (6/418) والحسن بن محبوب الكافي (4/53) وجعفر بن بشير الكافي (5/461) عنه.

90- عمر بن أذينة

لا تعد روايته و لا عنوانه(1), روى عنه في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة.

91- عمران بن حمران

لا تعد روايته ولا عنوانه(2), روى في الفهرست رواية واحدة {1}, لم يوثق.

92- عمرو بن حريث(3)

لا تعد روايته ولاعنوانه(4), روى في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة.

93- عيسى بن أعين

تعد روايته وعنوانه على وجه, روى عنه كتابه في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة.

94- فضالة

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

95- فضيل بن عثمان الصيرفي

تعد روايته و عنوانه على وجه, روى عنه كتابه في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة.

ص: 236


1- لا تساعد على ذلك بقية الروايات والطبقة, فعمر من الخامسة على الأقل.
2- ذكر الشيخ في الفهرست ( 191) رواية ابن سماعة لكتابه بالمباشرة إلا أن النجاشي (292) ذكره بتوسط الحسن بن حماد بن عديس.
3- هو عمرو بن حريث أبو أحمد الصيرفي.
4- روى عنه في الفهرست (180), لكن الطبقة لا تساعد, ويؤيده أن النجاشي (289) روى كتابه عن طريق صفوان الذي هو من السادسة.

96- مثنى بن راشد

تعد روايته و عنوانه, روى كتابه في رجال النجاشي والفهرست, رواية واحدة {1}, ثقة(1).

97- محسن بن أحمد

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في الكافي رواية واحدة {1}, لم يوثق.

98- محمد ابن أبي عمير

= ابن أبي عمير = محمد بن زياد على الأقرب(2)= محمد بن زياد بن عيسى, تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة وثلاث روايات في الفهارس {1+3}, ثقة.

99- محمد ابن أبي يونس

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, ثقة.

100- محمد بن أحمد(3)

لا تعد روايته ولا عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يتعين.

101- محمد بن أبي حمزة

تعد رواياته و عنوانه, روى عنه في كتب الحديث خمس عشرة رواية {15}, ثقة.

102- محمد بن الحسن العطار

= محمد بن الحسن بن زياد العطار, تعد رواياته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, ثقة.

ص: 237


1- لروية ابن أبي عمير عنه في كتاب من لا يحضره الفقيه (4/220).
2- سيأتي الكلام في هذا في عنوان ابن أبي عمير.
3- لم يتعيّن.

103- محمد بن الحسن بن زياد العطار

= محمد بن الحسن العطار, تعد روايتاه دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث روايتين وفي الفهارس واحدة {2+1}, ثقة.

104- محمد بن العباس

لا تعد رواياته ولا عنوانه, روى عنه في كتب الحديث أربع روايات {4}, لم يتعين.

105- محمد بن أيوب

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

106- محمد بن بكر

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

107- محمد بن زياد

= محمد بن أبي عمير = ابن أبي عمير = محمد بن زياد بن عيسى, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث ثمان وستين رواية {68}, ثقة.

108- محمد بن زياد بن عيسى

= ابن أبي عمير = محمد بن أبي عمير= محمد بن زياد, تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

109- محمد بن سكين(1)

ص: 238


1- الظاهر أنه ابن عامر الجمال الثقة؛ لأن الذي ذكره النجاشي في ترجمته يشير إلى عدم روايته عن الإمام الصادق (علیه السلام) حيث قال (روى أبوه عن أبي عبد الله (علیه السلام) ), لكي تكون رواية ابن سماعة عنه طبيعية, أمّا الحناط فهو محمد بن مسكين وما ورد من رواية محمد بن سكين عن أبي عبد الله (علیه السلام) لا يشكّل دليلاً على رواية محمد بن سكين؛ لأنه ورد في مصادر أخرى عن محمد بن مسكين, ثم إنه ذهب الأردبيلي إلى اتحاد ابن عامر مع محمد بن مسكين الحناط ولم يقبله السيد الخوئي (قدس سره) لأن محمد بن مسكين حناط ومحمد بن سكين جمال!

تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

110- محمد بن شريح

لا تعد روايته ولا عنوانه(1), روى في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة.

111- محمد بن مروان الذهلي

لا تعد روايته ولا عنوانه(2), روى عنه في الفهارس رواية واحدة {1}, ثقة(3).

112- محمد بن يحيى الخثعمي

لا تعد روايته ولا عنوانه(4), روى في الفهارس رواية واحدة {1}, ثقة.

113- معن بن عبد السلام

تعد روايته وعنوانه على وجه, روى في الفهرست رواية واحدة {1}, لم يوثق.

ص: 239


1- ذكر الشيخ في الفهرست (217) رواية بن سماعة لكتابه بالمباشرة لكنها بعيدة لعد الشيخ والبرقي إياه من أصحاب الباقر (علیه السلام), وإذا لم يقبل هذا فلم أعثر على رواية له عن الإمام الكاظم (علیه السلام) بل كثير من رواياته عن أبي عبد الله (علیه السلام), ثم إنه قد روى ابن سماعة عنه بثلاث وسائط (التهذيب: 7/148), ومما يؤيد عدم رواية ابن سماعه عن ابن شريح بالمباشرة أن الشيخ (93) ذكر لكتاب جعفر بن محمد بن شريح طريقاً فيه واسطتان بين حميد وجعفر.
2- ذكر الشيخ في الفهرست (217) ابن سماعة كراوٍ مباشر لكتاب الذهلي, لكن وفاته سنة 161 ﻫ فتبعد رواية بن سماعة المتوفى سنة 263 عنه.
3- لرواية صفوان عنه في الكافي (1/167) وأوردها أيضاً في (2/213), المحاسن (1/202). والوارد فيها وإن كان محمد بن مروان بلا توصيف بالذهلي، لكنه المراد بقرينة روايته فيها عن الفضيل بن يسار. وقد وردت روايته عنه في موارد منها التوحيد (157) مع أنه ممن ترجم له عند الجمهور فهو المشهور كما أفاده السيد الأستاذ (دامت افاضاته) في شرح المناسك (6/587), (8/هامش: 383).
4- ذكر الشيخ في الفهرست (218) روايته لكتابه بالمباشرة, لكن النجاشي (359) ذكر روايته له بواسطة أبو إسماعيل السرّاج.

114- منصور بن محمدلا تعد روايته ولا عنوانه(1), روى في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة.

115- موسى ابن النميري(2)

لا تعد روايته ولا عنوانه(3), روى في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة.

116- هارون بن خارجة

لا تعد روايته ولاعنوانه(4), روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة وأخرى في الفهرست {1+1}, ثقة.

117- وهيب(5)

= وهيب بن حفص, تعد رواياته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث سبع

روايات {7}, ثقة.

118- وهيب بن حفص

= وهيب, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث أربعاً وعشرين رواية {24}, ثقة.

ص: 240


1- ذكر روايته لكتابه في الفهرست (245) لكن النجاشي (412) ذكر واسطة هو أحمد بن المفضل.
2- موسى بن أكيل النميري.
3- ذكر الشيخ في الفهرست (242) رواية ابن سماعة لكتابه بالمباشرة, لكن النجاشي (408) ذكر واسطة هو ابن رباط.
4- لكن بملاحظة الطبقة يبعد رواية ابن سماعة عنه.
5- قد يشكك بصحة رواية ابن سماعة عنه بالمباشرة بمقتضى الطبقة, لكن الظاهر بقاء وهيب إلى زمن بحيث يتمكن من كان من الطبقة السابعة من الرواية عنه بالمباشرة؛ لأن روايات الطبقة السابعة عن وهيب كثيرة, بل ورواة كتبه في الفهارس هم من السابعة, تقدَّم الكلام عنه في المطلب الأول من الأمر الأول - في الهامش - وتفصيله في الملحق الثالث.

119- يحيى بن عبد الرحمان الأزرق

تعد روايته وعنوانه على وجه, ذكر روايته لكتابه في الفهرست, رواية واحدة {1}, ثقة.

120- يحيى بن عمران الحلبي

تعد روايته وعنوانه على وجه, ذكر روايته لكتابه في الفهرست, رواية واحدة {1}, ثقة.

121- يحيى بن مثنى العطار

تعد روايته وعنوانه(1), روى في كتب الحديث رواية واحدة {1}, لم يوثق.

122- يعقوب بن شعيب

لا تعد روايته ولاعنوانه(2), روى في الفهرست رواية واحدة {1}, ثقة.

123- ابن أبي حمزة

= محمد بن أبي حمزة, تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

ص: 241


1- في الغيبة للنعماني (180) حدثنا محمد بن همام, قال حدثنا جعفر بن محمد بن مالك, قال حدثني الحسن بن محمد الصيرفي، قال حدثني يحيى بن المثنى العطار .. لكن في الإمامة والتبصرة (126): محمد بن يحيى العطارقال حدثنا جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي عن إسحاق بن محمد الصيرفي عن يحيى بن المثنى العطار (وذكر مثله), لكن هذا ليس شاهداً على وقوع خلل، فيحتمل أن ابن مالك حدّث ابن همام من كتاب الحسن بن محمد، وحدث العطار من كتاب إسحاق, على أنه لم يعثر في كتب الرجال على من يلقب بالصيرفي ممن سمي بإسحاق بن محمد. فلعل إسحاق في الإمامة والتبصرة مصحف الحسن, فتأمل!
2- ذكرالشيخ رواية ابن سماعة لكتابه في الفهرست (265) لكن عدّه إياه من أصحاب الباقر (علیه السلام) يبعد رواية ابن سماعة عنه ويؤيد ذلك ملاحظة الروايات والطبقة.

124- ابن أبي عمير

= محمد بن أبي عمير= محمد بن زياد بن عيسى = محمد بن زياد على الأقرب(1), تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

125- ابن جبلة

= عبد الله بن جبلة, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه

في كتب الحديث أربع روايات، وفي الفهارس روايتين {4+2}, ثقة.

126- ابن رباط

= علي بن الحسن بن رباط = علي بن رباط, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث سبعاً وعشرين رواية، وفي الفهارس رواية واحدة {27+1}, ثقة.

127- ابن رئاب

= علي بن رئاب, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

128- ابن سدير(2)

= حنان = حنان بن سدير, تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث

رواية واحدة {1}, ثقة.

129- ابن سنان

الظاهر أنه محمد بن سنان(3), تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث

ص: 242


1- هناك كلام في تعيين محمد بن زياد الذي يروي عنه الحسن بن محمد بن سماعة فهل هو محمد بن أبي عمير زياد بن عيسى الأزدي بياع السابري، أو محمد بن الحسن بن زياد العطار؟ والصحيح هو أن المراد به محمد بن أبي عمير وتفصيله في الملحق الأول.
2- ذكر النجاشي في ترجمته أنه عمّر عمراً طويلاً فلا تمنع روايته عن أبي عبد الله (علیه السلام) من رواية ابن سماعة عنه.
3- فهو من السادسة, وعبد الله من الخامسة.

رواية واحدة {1}, غير معتمد على الأصح(1).

130- ابن فضال

الظاهر أنه الحسن بن علي بن فضال(2), تعد روايته وعنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

131- ابن محبوب

= الحسن بن محبوب, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث سبع روايات {7}, ثقة.

132- ابن مسكان

هو عبد الله بن مسكان(3), لا تعد روايتاه ولا عنوانه(4), روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, ثقة.

133- أبو إسماعيل السراج

هو عبد الله بن عثمان, تعد روايته وعنوانه(5) على وجه, روى عنه في الفهارس رواية واحدة {1}, غير موثق.

ص: 243


1- فيه كلام طويل الذيل ذكره يخرج عن المقصود.
2- لأنه من السادسة وعلي بن الحسن وأخويه من السابعة، بل علي بن الحسن بن فضال هو أحد رواة كتب ابن سماعة في الفهرست.
3- فإن محمداً مغمور.
4- لأن رواية ابن سماعة عنه بعيدة بملاحظة سائر الروايات. فمع كثرتها بالواسطة لم ترد بالمباشرة إلا في موردين, مع أنه من أصحاب الصادق (علیه السلام) .
5- وهو وإن وردت روايته عن الصادق (علیه السلام) (الكافي: 3/218) لكن اتفاق الشيخ والنجاشي على أن ابن سماعة روى عنه بالمباشرة في طريقيهما إلى كتاب محمد بن يحيى بن سليمان يكفي للوثوق بها, على أن أصل روايته عن الصادق (علیه السلام) محل نظر. فإنها لم ترد إلا في مورد واحد وفي الباقي بواسطة أو بواسطتين أو بثلاث كما في الكافي (3/478).

134- أبو جعفر

= أحمد بن أبي بشر(1), تعد روايته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث رواية واحدة {1}, ثقة.

135- أبو حمزة

لا تعد روايتاه ولا عنوانه(2), روى عنه في كتب الحديث روايتين {2}, ثقة.

136- أبو خالد القماط

الظاهر هو يزيد أبو خالد القماط(3).

ص: 244


1- قال النجاشي: (أحمد بن أبي بشر السراج: كوفي، مولى، يكنى أبا جعفر، ثقة في الحديث..).
2- فإنه إن كان الثمالي- كما هو الظاهر- فحتماً يوجد سقط؛ فقد مات سنة مائة وخمسين فكيف يروى عنه من مات سنة مائتين وثلاث وستين, ولا يحرز أنه غيره حتى يعد عنواناً مستقلاً.
3- هناك مجموعة ممن يكنّون بأبي خالد ويلقبون بالقماط: 1- يزيد أبو خالد القماط, رجال البرقي (31) في أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) والفهرست (452). 2- كنكر أبو خالد القماط, رجال الشيخ (274) في أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) . 3- خالد بن يزيد, يكنى أبا خالد القماط رجال الشيخ (201) في أصحاب أبي عبد الله (علیه السلام) . 4- صالح بن خالد, فقد ورد في رواية معتبرة في رجال الكشي (أبي خالد صالح القماط) والمراد صالح بن خالد. هذا وقد ذكر الكشي (2/711) تحت عنوان أبو خالد القماط: (قال حمدويه: واسم أبي خالد القماط يزيد), وقال الشيخ في الفهرست (452): (أبو خالد القماط له كتاب وقال ابن عقدة اسمه كنكر). أقول: لا شاهد على إرادة خالد بن يزيد، وصالح بن خالد من عنوان أبي خالد القماط من غير تقييد, وقول حمدويه يترجح على ما نسب إلى ابن عقدة لخلل في طريق الشيخ إلى ابن عقدة من ناحية ابن الصلت - يلاحظ أن السيد الخوئي (قدس سره) ذكر في ترجمة أبي خالد القماط (22/153) أن طريق الشيخ لابن عقدة مجهول, وهو لا يتناسب مع مبناه في وثاقة مشايخ النجاشي وقد صرَّح باعتبار الطريق في موضع آخر - اللّهم إلا أن يقال بشهرة كتاب ابن عقدة في الرجال بما يغني عن السند, فتأمل!

لا تعد روايته ولا عنوانه(1), روى عنه في الفهرست في طريق الشيخ إليه رواية واحدة {1}, ثقة.

137- أبو شعيب

= صالح = صالح بن خالد(2), تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب

ص: 245


1- الظاهر وجود سقط. فمن البعيد رواية ابن سماعة عنه, فهو ممن رووا عن أبي جعفر (علیه السلام) ولا شاهد على طول بقائه، فلم ترو عنه السابعة, فتأمل!
2- صالح بن خالد الآتي الذي يروي عنه ابن سماعة يحتمل أنه المحاملي؛ لأن ابن سماعة روى عن أبي شعيب والمراد به أبو شعيب المحاملي وهو متحد مع صالح بن خالد المحاملي - فهو المكّنى بأبي شعيب فقد عنونه النجاشي هكذا (صالح بن خالد المحاملي، أبي شعيب الكناسي) ويؤكده أن الراوي لكتابيهما هو العباس بن معروف - ولعلّ ما صنعه النجاشي من ذكره مرتين: مرّة باسمه، وأخرى بكنيته، لما ورد في الروايات من ذكره باسمه تارة، وبكنيته تارة أخرى. وتنبيهاً على ما فات الشيخ من ذكره باسمه واقتصاره على ذكره بكنيته. ولكن إرادة التنبيه على المعنى المذكور لا تبرر ذكره مرّتين، فإنه أظهر بالتعدد منه بالتنبيه على الاتحاد وذكره في الروايات بعنوانين وإن كان يبرر تعدد العنوان، لكنه بحاجة إلى التنبيه على الاتحاد على أن النجاشي قال (صالح بن خالد المحاملي، أبي شعيب الكناسي) ولم يقل (أبي شعيب المحاملي). هذا ولكن الظاهر الاتحاد لقول النجاشي في العنوانين (مولى علي بن الحكم بن الزبير) ولقوله في طريقه إلى كتاب صالح بن خالد المحاملي (أخبرنا عدّة من أصحابنا.. قال: حدثنا عباس بن معروف، قال: حدثنا أبو شعيب بكتابه) فذكره في الأخير بكنيته وكذا صنع في طريقه إلى كتاب أبي شعيب المحاملي. ويحتمل أنه القماط لرواية ابن سماعة عن أبي خالد القماط، ويحتمل أنه صالح بن خالد القماط, لكن تقدَّم أنه لا يراد من أبي خالد القماط صالح بن خالد القماط، وإنما يراد منه يزيد أبو خالد القماط.

الحديث ثلاث روايات {3}, ثقة(1).

138- أبو يحيى الحناط

تعد روايته وعنوانه(2) على وجه, روى عنه في طريق النجاشي إلى كتابه رواية واحدة {1}, لم يوثق.

139- المثنى(3)

تعد روايته دون عنوانه, روى عنه رواية واحدة في كتب الحديث {1}, ثقة(4).

140- الميثمي

= أحمد بن الحسن = أحمد الميثمي = أحمد بن الحسن الميثمي = أحمد بن الحسن بن محمد الميثمي, تعد رواياته دون عنوانه, روى عنه في كتب الحديث

اثنتي عشرة رواية {12}, ثقة.

ص: 246


1- وثقه النجاشي فهو المحاملي.
2- ذهب السيد الخوئي (قدس سره) إلى أنه متحد مع زكريا أبو يحيى الدعاء، ولكنه من أصحاب الصادق (علیه السلام) حسب رجال الشيخ والبرقي فكيف يروي عنه ابن سماعة بالمباشرة, والدعاء أيضا لم يوثق. وكيف كان فيمكن الاعتماد على ما نقله النجاشي من رواية ابن سماعة عنه بالمباشرة وإن كان هو الدعاء.
3- قد يقال هو مثنى بن راشد الآتي؛ لأن ابن سماعة هو راوي كتاب مثنى بن راشد في الفهرست (249), ورجال النجاشي (414), ولم يروِ ابن سماعة عن مثنى غيره. ولكن سند الرواية التي ورد فيها المثنى هكذا (الحسن بن محمد عن المثنى عن أبان عن أبي مريم) فأبان فيها هو أبان بن عثمان وقد قال النجاشي (74): (حدثنا الحسن بن محمد بن سماعة، وقال حدثنا أحمد بن الحسن الميثمي بكتابه عن الرجال وعن أبان بن عثمان), والملاحَظ تعدد وقوع الميثمي بين ابن سماعة وأبان ولم يرد عنوان المثنى إلا في مورد واحد, فلعلّ الأرجح وقوع تصحيف والصحيح الميثمي, وعليه تعدّ هذه الرواية للميثمي.
4- فالمراد به الميثمي.

نتائج المستوى الأول: (بلحاظ جميع مشايخ ابن سماعة)

مما تقدَّم أعلاه تظهر النتائج التالية:

المشايخ الثقات: عدد مشايخ ابن سماعة الثقات في كتب الحديث بعد حذف العناوين المكررة هو ستة وعشرون {26} وعدد رواياتهم خمسمائة وثمان وثلاثون رواية {538}.

عدد مشايخ ابن سماعة الثقات في كتب الفهارس بعد حذف المكرر هو خمسة {5} وعدد رواياتهم تسع عشرة رواية {19}.

عدد مشايخ ابن سماعة الثقات في كل الكتب بعد حذف المكرر هو واحد وثلاثون {31} وعدد رواياتهم خمسمائة وسبع و خمسون {557}.

المشايخ غير الثقات: عدد مشايخ ابن سماعة غير الموثقين في كتب الحديث بعد حذف العناوين المكررة هو سبعة وعشرون {27} وعدد رواياتهم اثنتان وأربعون رواية {42}.

عدد مشايخ ابن سماعة غير الثقات في كتب الفهارس بعد حذف المكرر هو خمسة {5} وعدد رواياتهم ست روايات {6}.

عدد مشايخ ابن سماعة غير الثقات في كل الكتب بعد حذف المكرر هو اثنان وثلاثون {32} وعدد رواياتهم ثمان وأربعون {48}.

كل المشايخ: العدد الكلي للمشايخ في كتب الحديث هو ثلاث وخمسون {53}, عدد الروايات في كتب الحديث هو خمسمائة وثمانون {580}.

العدد الكلي للمشايخ في كتب الفهارس هو عشرة {10}, عدد الروايات في كتب الفهارس هو خمسة وعشرون {25}.

العدد الكلي للمشايخ في كل الكتب {63} عدد الروايات في كل الكتب {605}.

ص: 247

الحساب: إذا اتضح هذا فلنحسب احتمال أن يكون جميع الثلاثة المدلول عليهم بقوله عن غير واحد من غير الثقات، لكي نرى مدى تأثيره في الاعتماد على الرواية وههنا طريقتان:

الأولى: أن نلاحظ عدد المشايخ فقط بغض النظر عن عدد الروايات.

1- في كل الكتب:

العدد الكلي {63} وعدد غير الثقات {32} فيكون:

احتمال أن يكون أحد المشايخ غير ثقة = ق321 \ ق63 1 = 32\63= 1\2 تقريباً.

النسبة المئوية = 793,50%.

احتمال أن يكون الثلاثة غير ثقات = ق323 \ ق633 ={32! \(3!×(32-3)!)} \ {63! \(3!×(63-3)!)} = 1\8 تقريباً.

النسبة المئوية = 490,12 % وهذه نسبة كبيرة.

2- في كتب الحديث فقط:

العدد الكلي {53} عدد غير الثقات {27} فيكون:

احتمال أن يكون أحد المشايخ غير ثقة = ق271 \ ق53 1

= 27\53= 1\2 تقريباً.

النسبة المئوية = 943,50 %.

احتمال ان يكون الثلاثة غير ثقات = ق273 \ ق533 = {27!\(3!×(27-3)!)} \ {53!\(3!×(53-3)!)} = 1\8 تقريباً.

النسبة المئوية = 486,12 % وهذه النسبة أيضاً كبيرة.

الثانية: أن نلاحظ الروايات:

1- في كل الكتب:

عدد الروايات الكلي {605} وعدد روايات غير الثقات الكلي {48}.

احتمال أن يكون أحد المشايخ غير ثقة = 48 \605 = 1 \ 12 تقريباً.

النسبة المئوية = 933,7 % وهي نسبة كبيرة.

ص: 248

احتمال أن يكون الثلاثة غير ثقات = ق483 \ ق 6053 = 17296\ 36724710= 1\ 2123 تقريباً.

النسبة المئوية = 047,0 % وهذه نسبة ضعيفة لا يعتنى بها.

2- في كتب الحديث فقط:

عدد الروايات الكلي {580} عدد روايات غير الثقات {42}.

احتمال أن يكون أحد الرواة غير ثقة هو 42\580 = 1\ 13 تقريباً.

النسبة المئوية = 241,7%.

احتمال أن يكون الثلاثة من غير الثقات = ق423 \ ق5803 = 11480\32350660 = 1\ 2818 تقريباً.

النسبة المئوية = 0.0345 % وهي نسبة صغيرة جداً.

النتيجة: نتيجة البحث في المستوى الأول إذا لاحظنا المشايخ فقط، فلا يمكن الاعتماد على الروايات التي فيها (عن غير واحد) فضلا عن التي فيها (عمن ذكره) ولا يفرق أدخلنا روايات الفهارس في الحساب أم لا.

وإذا لاحظنا الروايات يمكن الاعتماد على ما ورد فيها عن غير واحد ونحوه، سواء أأدخلنا روايات الفهارس أم لا.

أما التي فيها (عمّن ذكره) فلا يمكن الاعتماد عليها مطلقا؛ لأن نسبة {7.933 % أو 7.241 % } لا يمكن تجاوزها(1).

ص: 249


1- ذكر السيد الأستاذ (دامت افاضاته) (بحوث فقهية: 291): أن نسبة 95% لا توجب الاطمئنان, ولم يقبل ذلك الشيخ المحسني (دامت افاضاته) (بحوث في علم الرجال: 242), وقال: إنها توجب الاطمئنان عند العقلاء. ثم إنه قد ذكر السيد الأستاذ (دامت افاضاته) بعد مجلس البحث أنه ما لم تبلغ النسبة 97% لا توجب الاطمئنان.

المصادر

1- الاختصاص, منسوب للشيخ المفيد, منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة.

2- اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي), الشيخ الطوسي, تصحيح وتعليق المعلم الثالث ميرداماد الاسترابادي, تحقيق السيد مهدي الرجائي, مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) .

3- الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد, المفيد, مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لتحقيق التراث.

4- الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار, الشيخ الطوسي, دار الكتب الإسلامية, تهران, تحقيق السيد حسن الخرسان.

5- أساسيات الاحتمالات, د. خالد زهدي خواجة مدير المعهد العربي للتدريب والبحوث الاحصائية.

6- إقبال الأعمال, السيد بن طاووس, مركز النشر مكتب الإعلام الإسلامي.

7- إكليل المنهج في تحقيق المطلب, محمد جعفر الكرباسي, مركز بحوث دار الحديث.

8- الأمالي, الشيخ الصدوق, مؤسسة البعثة.

9- الأمالي, الشيخ المفيد, منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة.

10- الأمالي, الشيخ الطوسي, مؤسسة البعثة .

11- الإمامة والتبصرة, علي بن بابويه القمي, مدرسة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) في قم المقدسة .

12- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار, العلامة المجلسي, مؤسسة الوفاء, بيروت.

ص: 250

13- بحوث فقهية, السيد محمد رضا السيستاني, دار المؤرخ العربي, بيروت, لبنان.

14- بحوث في علم الرجال, محمد آصف المحسني, الطبعة الخامسة, مركز المصطفى.

15- بصائر الدرجات الكبرى, الصفار, منشورات الأعلمي, طهران.

16- التحرير الطاووسي, حسن بن زين الدين العاملي, نشر: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي - قم المقدسة, طبع: مطبعة سيد الشهداء (علیه السلام) - قم.

17- تعليقة الوحيد البهبهاني على منهج المقال.

18- تفسير القمي, علي بن إبراهيم, منشورات مكتبة الهدى, مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر, قم المقدسة.

19- تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة, الحر العاملي, مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث.

20- تهذيب الأحكام, الشيخ الطوسي, حققه وعلق عليه السيد حسن الموسوي الخرسان, نشر دار الكتب الإسلامية, طهران.

21- تهذيب الأحكام, الشيخ الطوسي, صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري, مكتبة الصدوق, الطبعة الأولى.

22- تهذيب المقال في تنقيح كتاب الرجال للنجاشي, الأبطحي, الطبعة الثانية قم المقدسة.

23- جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والاسناد, الأردبيلي.

24- جمال الأسبوع, السيد علي بن طاووس, مؤسسة الآفاق, تحقيق جواد قيومي .

25- الجواهر السنية, الحر العاملي, منشورات مكتبة المفيد, قم – إيران.

26- الخصال, الشيخ الصدوق, جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة.

ص: 251

27- خلاصة الأقوال في معرفة الرجال, العلامة الحلي, مؤسسة النشر الإسلامي.

28- دلائل الإمامة, الطبري, مؤسسة البعثة .

29- ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد, محمد باقر السبزواري, مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التراث.

30- الرجال لابن الغضائري, أحمد بن الحسين الغضائري, مؤسسة دار الحديث الثقافيّة.

31- الرجال, البرقي, چاب دانشگاه - تهران.

32- الرسائل الرجالية, أبو المعالي الكلباسي, مؤسسة دار الحديث, تحقيق محمد الدرايتي.

33- شرح مناسك الحج, السيد محمد رضا السيستاني, نسخة أولية محدودة التداول.

34- شعب المقال في درجات الرجال, الميرزا أبو القاسم النراقي.

35- طرائف المقال في معرفة طبقات الرجال, السيد علي أصغر الجابلقي البروجردي.

36- الرياضيات للصف السادس العلمي وفق منهج وزارة التربية في جمهورية العراق لسنة 2008 م.

37- الرياضيات للصف السادس الأدبي وفق منهج وزارة التربية في جمهورية العراق لسنة 2013 م.

38- علل الشرائع, الصدوق, منشورات المطبعة الحيدرية ومطبعتها في النجف.

39- عيون أخبار الرضا (علیه السلام), الصدوق, مؤسسة الأعلمي.

40- الغيبة, الطوسي, مؤسسة المعارف الإسلامية.

41- الغيبة, النعماني, منشورات أنوار الهدى.

ص: 252

42-فتح الأبواب بين ذوي الألباب وبين رب الأرباب في الاستخارات, السيد علي بن طاووس, مؤسسة آل البيت (علیه السلام) لإحياء التراث.

43-فهرست أسماء مصنفي الشيعة (رجال النجاشي), النجاشي, مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

44-الفهرست, الشيخ الطوسي, مؤسسة نشر الفقاهة.

45-الفوائد الرجالية, البهبهاني.

46-الكافي, الكليني, نشر دار الكتب الإسلامية, طهران.

47-الكافي, الكليني, طبعة دار الحديث.

48-كامل الزيارات, ابن قولويه, مؤسسة النشر الإسلامي.

49-كمال الدين وتمام النعمة, الصدوق, مؤسسة النشر الإسلامي, تصحيح علي أكبر الغفاري.

50-كتاب من لا يحضره الفقيه, الصدوق, جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة, الطبعة الثانية.

51-المحاسن, البرقي, عنيَ بنشره وتصحيحه والتعليق عليه السيد جلال الدين الحسيني.

52-مختصر بصائر الدرجات, حسن بن سلمان الحلي, منشورات المطبعة الحيدرية في النجف.

53-مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام, السيد محمد العاملي, مؤسسة آل البيت (علیه السلام) لإحياء التراث.

54-مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل, المحدث النوري, مؤسسة آل البيت (علیه السلام) لاحياء التراث.

55-مستدركات علم الرجال, علي النمازي الشاهرودي, المطبعة: شفق – تهران.

ص: 253

56-مستطرفات السرائر, ابن ادريس الحلي, مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

57-مشايخ الثقات الحلقة الأولى والثانية, عرفانيان.

58-معاني الأخبار, الصدوق, انتشارات إسلامي .

59-المعتبر في شرح المختصر, المحقق الحلي, منشورات مؤسسة سيد الشهداء (علیه السلام) .

60-منتهى المطلب في تحقيق المذهب (ط ج) – العلامة, تحقيق قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية.

61-منتهى المقال في أحوال الرجال محمد بن إسماعيل المازندراني (أبو علي الحائري) تحقيق مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لإحياء التّراث.

62-نقد الرجال, التفرشي, مؤسسة آل البيت (علیهم السلام) لاحياء التراث.

63-الهداية الكبرى, الخصيبي, مؤسسة البلاغ.

64-الوافي, الفيض الكاشاني, منشورات مكتبة الإمام أميرالمؤمنين علي (علیه السلام) العامة أصفهان.

65-اليقين باختصاص مولانا علي (علیه السلام) بإمرة المؤمنين, السيد علي بن طاووس, مؤسسة الثقلين لإحياء التراث الإسلامي.

ص: 254

رجال المستمسك - الشيخ علي الغزي دام عزه

اشارة

من المعلوم توقف الاستنباط الفقهي على البحث الرجالي.

ومن طرق رصد البحث الرجالي ملاحظته في المجال التطبيقي الفقهي لعلمائنا.

وهذه الصفحات محاولة لرصد البحث الرجالي في (مستمسك العروة الوثقى) للسيد الحكيم (قدس سره) .

ص: 255

ص: 256

رجال المستمسك -القسم الثاني

اشارة

ص: 257

ص: 258

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

بعد أن صدر بفضل الله (قدس سره) القسم الأول من رجال المستمسك, جاءت الردود الطيبة والمشجعة من العلماء والأساتذة والأخوة الطلبة تطلب منا الاستمرار بإتمام المبحث في قسمه الثاني, وكان من المقرر بدءاً أن يُختم البحث في هذا القسم لكن بعد الأخذ بعين الاعتبار ما تفضلت به لجنة المجلة من التوجيهات والملاحظات على المادة، ولإدخال بعض المباحث التي لم تكن في المسودة. اتسعت صفحات البحث ثانية. ومن ثمَّ اقتضت الحال أن يقتصر هذا العدد على الباب الثاني الذي هو في فوائد رجالية ودرائية, على أن يأتي الباب الثالث (فيمن تعرض (قدس سره) لهم من الرجال) في عدد لاحق إن شاء الله تعالى.

وما تضمنه هذا القسم هو عرض مجموعة من النكات والآراء العلمية الرجالية والدرائية. تعرض لها السيد الحكيم (قدس سره) في أثناء كلماته, وهي لا تندرج تحت عنوان واحد جامع، ويمكن عرضها تحت المحاور التالية:

- حدود حجية الخبر من حيث السند والمتن.

- تعابير رجالية.

- اشتراك الرواة.

- حول الكتب الأربعة.

- مصادر حديثية أخرى.

وسنأتي عليها تبعاً إن شاء الله تعالى.

ص: 259

ولا ننسى عرفان الجميل للأساتذة والأخوة القائمين على المجلة إدارةً وإشرافاً. ونسأله تعالى أن يزيد في توفيقهم ويسدد خطاهم ويتقبل أعمالهم، لما يبذلونه من الجهد في سبيل إنجاح هذا المشروع. فإنه ولي التوفيق. وهو أرحم الراحمين.

ص: 260

المحور الأول: حدود حجية الخبر (من حيث السند)

قد اصطلح متأخرو علمائنا على تنويع الحديث من حيث السند إلى صحيح، وموثق، وحسن، وضعيف. مراعين بذلك أحوال الرواة الواقعين فيه.

فإن كان جميع سلسلة السند إماميين ممدوحين بالتوثيق، سمّوه صحيحاً، أو إماميين ممدوحين من دونه كلاً أو بعضاً مع توثيق البقية، سموه حسناً، أو كانوا كلاّ، أو بعضاً غير إماميين مع توثيق الكل سموه موثقاً. والفاقد لذلك كلاّ أو بعضاً، أو ضُعِّف كذلك، سموه ضعيفاً. وهي أصول الأقسام وإليها يرجع الفرعي منها.

وقد نسب الفيض هذا التقسيم إلى العلامة الحلّي(1)، وحكي عن بعض نسبته إلى ابن طاووس(2) - رحمهم الله جميعاً -.

وتعرض السيد الحكيم (قدس سره) في مطاوي كلامه لأقسام الخبر مُبيناً موقفه منها، وما يعرضها من الأحوال... وعليه سنتابعه (قدس سره) على وفق العناوين الأربعة:

الصحيح:

الظاهر أنه (قدس سره) يرى حجية الخبر الصحيح السند - كما يشهد له عمله - على طبق الأحاديث الصحيحة. واهتمامه بتصحيح بعض الأخبار(3).

ص: 261


1- الوافي: 1/المقدمة الثانية/ توقيف 2/ص22.
2- مقباس الهداية: 1/120 الفصل الرابع تنويع الخبر... انظر تفاصيل أكثر عن التقسيم: الرعاية في علم الدراية: 77 الباب الأول في أقسام الحديث، والرواشح السماوية: 40/ الراشحة الأولى، والموقظة في علم مصطلح الحديث: 24 وما بعدها (ط. دار السلام)، وتدريب الراوي: 52/ انقسام الحديث.
3- المستمسك: 11/304 و9/95 و13/394.

لكن لما كانت الحجية عنده (قدس سره) للخبر الموثوق به - وقد تقدمت الإشارة إليه في التمهيد - لم يعمل ببعض الأخبار الصحيحة فيما لو توفر ما يمنع من الوثوق بها.

ومن ذلك قوله (قدس سره): (يكفي في وهن الصحيح إعراض القدماء عن ظاهره. لأنه يوجب ارتفاع الوثوق المعتبر في الحجية)(1).

وقوله (قدس سره): (مثل صحيح أبان بن عثمان... ونحوها صحاح عمر بن يزيد، وعلي بن يقطين، وإسماعيل بن الفضل وغيرها... لكن مع ذلك كله فالنفس لا تطمئن بعدم الوجوب للشهرة العظيمة على الوجوب، بل الإجماع ممن يُعتد بفتواهم من القدماء عليه...)(2).

ومنه يتضح أن الصحيح حجة عنده (قدس سره) ما لم يتوفر ما يوجب سلب الوثوق به، كإعراض القدماء، أو الشهرة، أو اجماع من يُعتد بفتواهم.

وإذا كان هذا حال الصحيح الذي هو أعلى مراتب السند، يكون حال ما هو أدنى منه من الموثق والحَسن كذلك بالأولوية.

الموثق:

قد وقع الاختلاف في اعتبار الموثق على ثلاثة أقوال:

أولها: إنه حجة ما لم يكن معارضاً. وهو ما يظهر من كلمات جمع من القدماء منهم الشيخ في العُدة: (فأما إذا كان مخالفاً في الاعتقاد لأصل المذهب، وروي مع ذلك عن الأئمة نُظر فيما يرويه، فإن كان هناك من طرق الموثوق بهم ما يخالفه وجب اطراح خبره، وان لم يكن هناك ما يوجب اطراح خبره ويكون هناك ما يوافقه وجب العمل به. وان لم يكن من الفرقة المحقة خبر يوافق ذلك

ص: 262


1- المستمسك: 1/439.
2- المستمسك: 6/153-154 وأنظر ج10/59-60.

ولا يخالفه، ولا يُعرف لهم قول فيه وجب أيضاً العمل به، لما روي عن الصادق (علیه السلام) أنه قال:

"إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما رووا عنها، فانظروا إلى ما رووا عن علي (علیه السلام) فاعملوا به"، ولأجل ما قلنا عملت الطائفة بما رواه حفص ابن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن دراج، والسكوني وغيرهم من العامة عن أئمتنا (علیهم السلام) فيما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه...)(1).

ثانيها: إنه ليس بحجة مطلقاً. وممن اختاره صاحب المدارك لاعتباره إمامية الراوي في حجية الخبر معلّلاً ذلك ب-(أن العقل يُحيل التعبد بخبر الثقة غير المستقيم)(2).ثالثها: حجيته مطلقاً. ويعلل ذلك على مبنى حجية خبر الثقة بعموم أدلته للثقة فاسد العقيدة. كما يعلّل على مبنى حجية الخبر الموثوق به - كما عليه السيد الحكيم (قدس سره) - بأنه يتحقق به الوثوق المعتبر في الحجية، حتى لو كان المخبر فاسد العقيدة.

وهو ما اختاره السيد الحكيم (قدس سره) مصرّحاً في مواطن عدة من المستمسك بحجية الخبر الموثق منها: قوله: (ان المحقق في محله حجية الموثق)(3) و(اللهم إلا أن يبنى على عدم حجية الموثق، لكنه خلاف ظاهر أدلة الحجية)(4) و(فإن الموثق حجة)(5) و(إن التحقيق حجية خبر الثقة وإن كان فطحياً)(6) وقال في الحقائق

ص: 263


1- العُدة: 225/الباب الثاني: الكلام في الأخبار/فصل في ذكر القرائن التي تدل على صحة أخبار الآحاد. ولاحظ: 211-212.
2- مدارك الاحكام: 1/133.
3- المستمسك: 2/22.
4- المستمسك: 2/24.
5- المستمسك: 2/80.
6- المستمسك: 5/612.

(بل يمكن دعوى التواتر الإجمالي في غير ما دل على حجية خبر العادل، فيكون ما دل على حجية خبر الثقة أخص مضموناً من غيره، فتستفاد حجية خبر الثقة بلا واسطة)(1).

وكما بَيَّنَ (قدس سره) في جملة من تلك الموارد التي عرض فيها كلام صاحب المدارك أنْ لا دخل للعقيدة في الاعتبار الرجالي. ومنها: قوله (قدس سره): (وأشكل عليه في المدارك بأنها ضعيفة السند، لأن الراوي لها واقفي ناووسي. وظاهره اختصاص الطعن بذلك، ولكنه غير قادح على ما حُرر في محله)(2) و(طعن في المدارك في سنده بأن إبراهيم بن عبد الحميد واقفي، وأن في رجاله جعفر بن محمد بن حكيم. وهو مجهول. ولكن الأول غير قادح مع الوثاقة)(3).

وهكذا ما ذكره (قدس سره) بعد أن ذكر الطعن على أحمد بن هلال العبرتائي بالغلو والنصب من (أنه ثقة في نفسه ولا ينافيه الطعن فيه بما سبق. إذ يكون حاله حال جماعة من العامة والفطحية والواقفة وغيرهم من المخالفين للفرقة المحُقة، مع بناء الأصحاب على العمل برواياتهم)(4).

وقد تعرض (قدس سره) في الحقائق للاستدلال على عدم حجية خبر غير الإمامي ورده قائلاً (نعم فيما يدل على عدم حجية خبر غير الإمامي مثل مكاتبة علي بن سويد: (لا تأخذنَّ معالم دينك من غير شيعتنا، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك من الخائنين..) ولكنه مع معارضته بغيره مما دل على جواز العمل بكتب بني فضال والشلمغاني، وما ورد في تفسير قوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) فظاهر التعليل فيه أن المانع من العمل بأخبارهم عدم الإتقان! فتأمل)(5).

ص: 264


1- المستمسك: 2/24.
2- حقائق الأصول: 2/132 في الأخبار التي دلت على اعتبار أخبار الآحاد) .
3- المستمسك: 11/256.
4- المستمسك: 5/366.
5- حقائق الأصول: 2/133.

الحسن:

الظاهر اعتبار الخبر الحسن عند السيد الحكيم (قدس سره) كجمهور الفقهاء، كما هو واضح من اعتماده (قدس سره) في جملة من الموارد على الخبر الحسن في مقام الاستدلال(1). وقد صرح بكفاية الحسن في الاعتبار بقوله: (وأما الثانية. فطريقها ما بين موثق الحديث وحسنه، أو صحيحه. وهذا المقدار كافٍ في الاعتبار)(2).

والوجه في حجية الحسن عنده (قدس سره) - كما يدل عليه قوله المذكور- أنه يتحقق به ملاك الحجية. وهو الوثوق بصدور الخبر، كما صرح به غير مرة. وتقدمت الإشارة إليه.

هذا ويظهر من كلمات جملة من الأعلام كالشهيد في الرعاية(3) أن الحسن أعلى مرتبة من الموثق. ولذا عدّوه ثانياً بعد الصحيح ثم الموثق. إلا أن الذي يظهر منه (قدس سره) أن الحسن ليس إلا مرتبة من مراتب الوثاقة - وان كانت أدنى من الموثق - يتحقق معها الوثوق الكافي في الحجية.

الضعيف:

ضعف الخبر من حيث سنده يكون بضعف رواته، كلاً أو بعضاً إما بنص أو إهمال. وهو (قدس سره) رد بعض الاخبار لضعف رواتها كقوله: (والخبر ضعيف السند لإهمال الحسين)(4) و(لكن أحمد بن المثنى مهمل، ومحمد بن زيد الطبري مجهول. ولأجل ذلك يشكل الاعتماد على الخبر)(5) و(لكن فيه إرسال الأخير.

ص: 265


1- المستمسك: 1/277-197، 2/15-44-65-248، 3/72-75-319، 4/99-413، 5/56، 6/146، 7/66-170-329-373، 8/182، 9/256، 10/324 وغيرها.
2- المستمسك: 3/290.
3- الرعاية في علم الدراية: 81 الحقل الثاني في الحسن.
4- المستمسك: 3/477.
5- المستمسك: 1/245.

وضعف ما قبله جداً بأبي هريرة وغيره)(1).

لكن لما كان المعتبر عند السيد الحكيم (قدس سره) الوثوق بالصدور. اعتمد على بعض الأخبار الضعيفة. فيما لو انجبر ضعف سندها بما يوجب الوثوق بها. ومن ذلك قوله (قدس سره): (وضعفها بجهالة بكر منجبر بعمل المشهور)(2) و(كما لا يقدح فيه ضعف سنده لإهمال عثمان، وعدم التنصيص على أبي بكر. إذ في رواية الأساطين لها... نوع اعتماد عليها)(3) وقوله (وضعفه بأبي الورد - لو سلم - مجبور بالعمل)(4).

ومن صور ضعف الخبر سنداً عدم ذكر رواته كلاّ أو بعضاً، مع احتمال ضعفهم كذلك وهو المرسل. لذا رد (قدس سره) بعض الأخبار المرسلة كقوله: (إلا أن الذي يهون الخطب عدم حجية مرسل يونس لضعفه في نفسه وإعراض الأصحاب عن العمل به)(5) و (أما مرسل خلف بن حماد... ففيه مع أنه ضعيف)(6) وقوله (ولكنه اعتمد مرسل حسين العامري... لكن إرساله مانع عن

العمل به)(7).

لكنه (قدس سره) اعتمد على بعض المراسيل لنفس ما تقدم في اعتماده على بعض الأخبار الضعيفة. ومن ذلك قوله (قدس سره): (إن المراسيل حجة إذا كانت مجبورة بعمل المشهور)(8) (مرسل يونس... وإرساله لا يقدح بعد كون المرسل من

ص: 266


1- المستمسك: 2/383 ولاحظ: 1/360 و8/348 وغيرها.
2- المستمسك: 1/186.
3- المستمسك: 2/79.
4- المستمسك: 2/398 ولاحظ: 3/51، 5/156، 9/439 وغيرها.
5- المستمسك: 1/441.
6- المستمسك: 2/361.
7- المستمسك: 4/362 ولاحظ: 5/23-47-53- و6/107 وغيرها.
8- المستمسك: 5/398.

أصحاب الإجماع. ورواية المشايخ الثلاثة (رحمهم الله) له في كتبهم بأسانيد مختلفة. وفيهم جماعة من الأعاظم)(1) و(مرسلة أيوب بن نوح... وضعف السند منجبر بالعمل)(2).

هذا وقد بَيَّنَ السيد الحكيم (قدس سره) الوجه في الاعتماد على الخبر الضعيف من جهة الوثوق به في الحقائق قائلاً: (كما أن الظاهر مما دل على حجية خبر الثقة من تلك النصوص اعتبار كونه ثقة في خصوص ذلك الخبر، ولا يعتبر كونه ثقة في نفسه. وكأن الوجه في ذلك مناسبة الحكم لموضوعه. وإلا فإطلاق الثقة يقتضي كونه ثقة مطلقاً. فقرينة المناسبة المذكورة - ولا سيما بملاحظة الارتكاز العقلائي - أوجب كون الظاهر ما ذكرنا. ولأجل ذلك استقر بناء الأصحاب على العمل بأخبار الضعفة، مع اقترانها بما يوجب الوثوق بصدورها. ولو كان ذلك مثل عمل المشهور أو الأساطين بها)(3).

ومن الأخبار الضعيفة ما تكرر ذكره في كلمات السيد الحكيم (قدس سره) فكان من المناسب الوقوف عنده. وهو: النبوي والعلوي العاميان.

النبوي والعلوي العاميان:

إن جملة من الأحاديث النبوية - التي ينتهي سندها إلى النبي الأكرم: -

والعلوية - التي ينتهي سندها إلى أمير المؤمنين (علیه السلام) - وردت من غير طريقنا، ولكن اشتهر ذكرها في مقام الاستدلال في الكتب الفقهية لعلمائنا. فهل يُعمل على طبقها أم لا؟

يظهر من عبارة العدة العمل بالعلوي المروي عن العامة فيما لو لم يُعرف فيه قول أو رواية من طرقنا, قال (قدس سره): (وإن لم يكن من الفرقة المحقة خبر يوافق

ص: 267


1- المستمسك: 1/55.
2- المستمسك: 1/313.
3- حقائق الأصول: 2/133.

ذلك ولا يخالفه ولا يُعرف لهم قول فيه وجب أيضاً العمل به؛ لما روي عن الصادق (علیه السلام): "إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما رووا عنها، فانظروا إلى ما رووا عن علي (علیه السلام) فاعملوا به")(1).

وربما يظهر من آخرين عدم التعويل على الأخبار النبوية والعلوية التي يكون الأصل فيها العامة. لعدم ورودها من طرقنا فلا يعول عليها بحالٍ.

ولكن الذي يظهر من السيد الحكيم (قدس سره) التعامل معها معاملة الضعيف بالإرسال، أو بالراوي. فيمكن أن يعمل بها في حال حصول الوثوق. إما من شهرة أو من اتفاق. ومن ذلك قوله (قدس سره): (وفي النبوي المشهور: "إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به" ومنه ومن غيره يظهر: أن المراد من نية الائتمام...)(2).

وقوله

(قدس سره): (يُشير بذلك إلى قاعدة: "المغرور يرجع على من غرّه" التي هي مضمون النبوي المشهور، نقلاً وعملاً. فقد اشتهر نقله في كتب الفقهاء (رضوان الله عليهم) وعملوا به في باب رجوع المشتري من الفضولي فيما اغترمه للمالك إذا كان المشتري جاهلاً، وان ذكروا في وجه الحكم بالرجوع أموراً كثيرة كلها

لا تخلو من إشكال. والعمدة هو النبوي المذكور)(3).

كما ضم النبوي إلى جانب أدلة وقرائن أخرى كقوله (قدس سره): (هو مذهب علمائنا - كما في المعتبر - وذهب إليه علماؤنا أجمع - كما في المنتهى - وإجماعاً منا

ص: 268


1- العدة: 226.
2- المستمسك: 7/180 وقد وصفه الشيخ المفيد (رحمة الله) في الإفصاح ص205 ب-(الخبر الثابت عن النبي...) ولاحظ: كتاب الأم للشافعي: 1/198 والمؤطا لمالك: 1/93-135 وصحيح البخاري: كتاب الأذان/ باب5/ إنما جعل الإمام ليؤتم به/ ص113/ح688 وصحيح مسلم: كتاب الصلاة/باب 19 إئتمام المأموم بالإمام/ص174/ح77.
3- المستمسك: 2/441 ولاحظ: نهج الفقاهة: 269/حكم المشتري من الفضولي ولم أعثر على متن الحديث بصيغته المشهورة في كتب العامة الروائية، لكن قريب منه ما في كتاب الأم للشافعي: 6/272 والسنن الكبرى للبيهقي: 6/101 و7/219.

- كما في المقاصد - ونحوه ما عن غيرهم. وربما يشير إليه خبر أبي بصير... وما في

صحيح حماد... وما في النبوي: "ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائما")(1).

وقوله

(قدس سره): (أما عدم الوجوب فيدل عليه - مضافاً إلى الإجماع المتقدم، وإلى مفهوم الشرط في بعض النصوص المتقدمة وغيرها - ما في خبر أبي بصير... وخبر عبد الله بن سنان...، وأما المشروعية فيدل عليها - مضافاً إلى ذلك كله - النبوي الذي رواه جماعة من أصحابنا. منهم العلامة في التذكرة، والشهيد في الذكرى عن عبد الله بن عمرو بن العاص: "أقرأني رسول الله: خمس عشرة سجدة: منها ثلاثة في المفصل وسجدتان في الحج")(2).

وقوله

(قدس سره): (بلا خلاف ظاهر ولا إشكال. بل حَكى الإجماع عليه جماعة. ويكفي فيه الأصل. وقد يشهد به النبوي: "لا تؤم امرأة رجلاً")(3).

وفي قبال ذلك رد بعض الأخبار النبوية والعلوية بالضعف، أو الارسال، أو عدم الانجبار كقوله (قدس سره): (كما قد يعطيه النبوي: "إنما يجرجر في بطنه نار

جهنم" لكن لا يساعده ظاهر النصوص. والنبوي ضعيف وليس في رواياتنا)(4).

وقوله

(قدس سره): (ثم إن المنسوب إلى الأكثر، أو الأشهر، أو المشهور. وجوب الصلاة بالصيغة المذكورة في المتن. ويشهد به النبوي: "إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صلى على محمد وآل محمد" لكن انجباره بالعمل غير

ص: 269


1- المستمسك: 6/305 لاحظ: صحيح البخاري: كتاب الإيمان والنذور/باب 15 إذا حنث ناسياً في الأيمان ص1151/ح6667 والسنن الكبرى للبيهقي: 2/122.
2- المستمسك: 6/416 ولاحظ: سنن ابن ماجة: 1/335/ح1057 وسنن ابن داود: 1/316/ح1401.
3- المستمسك: 7/320 ولاحظ: سنن ابن ماجة: 1/342/ح1081 والسنن الكبرى للبيهقي: 3/90و171.
4- المستمسك: 2/178-179 لاحظ: كتاب الأم للشافعي: 1/23 ومسند أحمد: 6/301 وصحيح البخاري: كتاب الأشربة/باب 28 آنية الفضة ص998/ح5634.

ثابت)(1).

وقوله

(قدس سره): (بأنه خلاف قاعدة الميسور المعول عليها في كثير من الأبواب المستفادة من العلوي: (الميسور لا يسقط بالمعسور)... والقاعدة غير ثابتة... لإرسال العلوي وعدم ثبوت الجابر له)(2).

وقوله

(قدس سره) : (وفي النبوي العامي أنه: قال لمن قال له: عليك السلام يا رسول الله:: (لا تقل عليك السلام. تحية الموتى. إذا سلمت فقل: سلام عليك يقول الراد: عليك السلام) ... والنبوي ضعيف السند)(3).

تنبيهات

التنبيه الأول: مراسيل ابن أبي عمير وأخويه.

بعد وضوح عدم حجية المرسل في نفسه لجهالة وسائطه كلاً أو بعضاً. وقع الكلام في مراسيل ابن أبي عمير وأخويه. لما قاله الشيخ في العُدة: (وإذا كان أحد الراويين مسنداً والآخر مرسِلاً، نُظر في حال المرسل. فإن كان ممن يُعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقةٍ موثوق به. فلا ترجيح لخبر غيره على خبره. ولأجل ذلك سوت الطائفةُ بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وغيره من الثقات الذين عُرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عمّن يوثق به. وبين ما أسنده غيرهم. ولذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفردوا عن رواية غيرهم)(4).

ص: 270


1- المستمسك: 6/440 ولاحظ: المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري: 10/269 والسنن الكبرى للبيهقي: 2/379.
2- المستمسك: 2/543 ولم نعثر على رواية بهذه الصيغة في كتب الفريقين الروائية.
3- المستمسك: 6/558 ولاحظ: سنن أبي داود: 2/521 والسنن الكبرى للنسائي: 6/88/ح10151 والمصنف لعبد الرزاق الصنعاني: 10/384 وغيرها.
4- العُدة: 230-231.

على رأيين:

أحدهما: أن العبارة المذكورة تُفيد اعتبار مراسيلهم وأنها كالمسانيد. وهو رأي المشهور(1).

والآخر: أنه بعد ملاحظة رواية ابن أبي عمير وأخويه عن المُضعفين من الرجال. وأنه لم تكن الرواية عن الثقة شأنا خاصا بهم. بل هذا ديدن المحدثين. لاعتقادهم بحجية خبر الثقة. وليس نقلهم للروايات من قبيل نقل القضايا التأريخية، وإنما كان للعمل والفتوى. ولذا نجد الشيخ عطف غيرهم من الثقات عليهم. كانت العبارة ظاهرة في أن الوجه في تسوية الطائفة هو ما علم من حال هؤلاء من مزيد التثبت والإتقان والضبط. بنحو لا يروون أو يرسلون إلا ما يثقون به من الأخبار، ولو من جهة القرائن الاتفاقية الخارجية. وبما أن الوثوق الحاصل لهم من جهة القرائن الاتفاقية غير كافٍ في حصول الوثوق لنا، فلا يدخل الخبر في موضوع الحجية الكلية. لإناطتها بتحقق الوثوق بنظر العامل بالخبر نفسه(2). وبالتالي مراسيل ابن أبي عمير وأخويه في حد نفسها لا دليل على حجيتها.

وهذا هو مختار السيد الحكيم (قدس سره) (3), قال (قدس سره): (والعمدة: إن المرسل المذكور في نفسه لا دليل على حجيته وإن كان المرسل ابن أبي عمير. كما أشرنا إلى ذلك في مبحث النجاسات)(4). ما لم تنضم إليه قرائن توجب الوثوق به. كعمل الأصحاب أو الشهرة أو موافقة مضمونه لأخبار معتبرة، أو عمومات، أو أصل، أو إجماع.

ص: 271


1- المستمسك: 3/153.
2- مجلة دراسات علمية: 4/166 و181.
3- المستمسك: 1/424-426 (حكم العصير العنبي).
4- المستمسك: 14/164.

ومن ذلك قوله (قدس سره): (على المشهور لمرسلة ابن أبي عمير...)(1). و (كما لا يقدح إرسال الجميع للجبر بالعمل. بل مرسَل ابن أبي عمير حجة - على المشهور - كمسنده)(2).

التنبيه الثاني: المُضمر.

من أقسام الحديث الثانوية المضمر. وهو أن يكون التعبير في آخر سلسلة السند بالضمير الغائب كأن يقول: (سألته) أو (قال) أو (دخلت عليه). ومن هنا عُبِّرَ عنه ب-(المضمر) لإضمار التصريح بالمسؤول، أو المُتحدِّث مع الاكتفاء بالدلالة عليه بضمير الغائب.

وقد وقع هذا الحال في جملة من مروياتنا. وبالتالي ما هو الموقف منها؟

من الواضح أن الموقف الأولي هو عدم الاعتماد على الخبر مع جهالة المسؤول والمُتحدِث فيه. فان الحجية إنما هي لكلام المعصوم (علیه السلام) وما دام لم يُحرز أنه كلامه (علیه السلام) فلا حجية له. لأن الشك في الحجية يساوق عدمها.

لكن فيما لو توفرت قرائن تُعين أن المسؤول هو المعصوم (علیه السلام) حينئذ لا مانع من حجيته، وقد وقع الكلام في مدى قيام القرينة في عامة المضمرات الواقعة في كتب الأخبار. وما عليه مشهور المتأخرين هو البناء على ظهور الضمير في الرجوع إلى المعصوم (علیه السلام) لوجهين:

الأول: بالنظر إلى منشأ تحقق الإضمار في الحديث. فالظاهر أن منشأه أن الأحاديث كانت في الأصول والمصنفات تتضمن الأخبار التي يسأل السائل فيها الإمام (علیه السلام) عن أشياء عدَّة، وحينما يعود إلى تدوين الحديث لا يكرر اسم

ص: 272


1- المستمسك: 1/150.
2- المستمسك: 3/153 ولاحظ أيضاً: 2/93-262-320 و3/154-196-343 و4/52-142 و5/73-186-515 و6/273 و7/307-310-463-544 و8/56-400 و11/18 و14/163.

المعصوم (علیه السلام) مع كل سؤال على طريقة العرب في الاختصار، وإنما يقول: (وسألته) أو (وقال).

وبعد مجيء مرحلة المجاميع الروائية التي صُنِّفَت اعتماداً على الأصول والمصنفات. لم يُنقل الخبر فيها بتمامه في موضع واحد. بل قُطع باعتبار اشتماله على موضوعات عدة سأل عنها مُصنِّفُ الأصل. وبالتالي يُقطع فيؤخذ كل موضوع منه فيُجعل في بابه. ويُكتب كما هو وبلغته (سألته) أو (قال). وحينئذ نشأت ظاهرة المضمر من التقطيع لا من جهالة المسؤول في أصل الخبر.

الثاني: بالنظر إلى رواة الحديث والمدونين له في كتبهم. ذلك أن الاضمار كثيراً ما يقع في روايات

الأجلاّء كزرارة ومحمد بن مسلم، وليس من شأن هؤلاء أن يسألوا غير المعصوم. على أن المدونين لهذه الأخبار المضمرة في كُتبٍ موضوعةٍ لنقل روايات الأئمة (علیهم السلام) كالمشايخ الثلاثة يقتضي فهمهم رجوع الضمير إلى الإمام (علیه السلام) .

وهذان الوجهان يُعطيهما قول السيد الحكيم (قدس سره): (وأما الإضمار فغير قادح فإنه ناشئ من تقطيع الأخبار وتبويبها، وإلا فليس من شأن العيص أن يودع كتابه الموضوع للرواية عن المعصوم (علیه السلام) رواية غيره. ولا من شأن الشيخ ذلك أيضاً)(1).

وقوله

(قدس سره): (ولا يقدح فيها... الإضمار لإثباتها في الكتب المعتبرة التي ألفها أصحابها الأعاظم (رض) لجمع أحاديث المعصومين (علیهم السلام) )(2).

التنبيه الثالث: الاضطراب في السند.

الاضطراب لغة: هو الاختلاف(3) وفي اصطلاح علوم الحديث. هو أن يقع اختلاف في سند الحديث(4) كأن يأتي فيه رواية شخص عمن لا يروى عنه إلا

ص: 273


1- المستمسك: 1/231 و3/410.
2- المستمسك: 8/408 و11/59.
3- ترتيب العين: 3/12
4- لاحظ: الرعاية: 147 والرواشح السماوية: 190 والراشحة: 37 حجري ونهاية الدراية: 224 ومقياس الهداية: 1/388.

بواسطة أو أكثر. مما يوجب سلب الوثوق به. ومن ذلك قوله (قدس سره): (باعتبار وقوع نوع اضطراب فيه مع غرابته. فإن المعهود من رواية سعد عن محمد بن الحسين أن تكون بلا واسطة ورواية محمد بن الحسين عن ابن أبي نجران غير معروفة. وهذا المقدار مما يستوجب قلة الوثوق)(1).

نعم, في بعض صور تعدد شكل السند لا مانع منها كرواية الخبر، تارة بواسطة وأخرى من دونها، أو تارة مرسلاً عن الإمام مباشرة. نظراً لوقوع مثله. قال (قدس سره): (وعن الشيخ أنه أشكل على الصحيح المذكور: بأن الأصل فيه جميل وحماد وهما تارة يرويانه عن أبي عبد الله (علیه السلام) بلا واسطة. وأخرى يرويانه عن الحلبي عن أبي عبد الله (علیه السلام) ثم إن جميل تارة يرويه مرسلاً عن بعض أصحابه عن أحدهما (علیه السلام) . وهذا الاضطراب في الحديث مما يُضعف الاحتجاج به. وهذا

الإشكال غير ثابت. ومن الجائز وقوع ذلك كله ولا محذور فيه)(2).

ثم إنه لو كان هناك سند مضطرب إلا أن الأصحاب عملوا بمتنه، فحينئذ لا يكون الاضطراب في السند مضراً. للوثوق الحاصل من عمل الأصحاب. قال (قدس سره): (وحماد إن كان ابن عيسى فتبعد روايته عن عبيد الله بلا واسطة. وإن كان ابن عثمان فتبعد رواية الحسين بن سعيد عنه بلا واسطة... وفيه: أنه لا مجال للطعن في الروايات بالضعف بعد اعتماد من عرفت عليها)(3).

ص: 274


1- المستمسك: 10/59-60.
2- المستمسك: 14/186/187.
3- المستمسك: 11/297.

التنبيه الرابع: المصحح.

استعمل

(قدس سره) مفردة (المصحح) في موارد كثيرة. والذي يظهر منها أنه في قبال الصحيح لمكان عطفه في قوله: (رواه الصدوق (رحمة الله) بإسناده إلى سماعة وإسناده إليه صحيح أو مصحح)(1) وقوله: (والطريق الأول مُصحح والباقي صحاح)(2).

والظاهر أن المراد بالمصحح ما لو وقع في إسناد الحديث من لم يوثق في كتب الرجال ولا ذُكِرَ حسن حاله. أو تعارض فيه التوثيق والتضعيف، لكن يُصحح حديثه اعتماداً على قرائن تفضي إلى وثاقته أو حسن حاله، كما هو الحال في سهل بن زياد، ومحمد بن سنان، وإبراهيم بن هاشم. قال (قدس سره): (والسند مصحح لأجل إبراهيم بن هاشم)(3) وقوله: (علي بن إبراهيم من الأجلاء وأبوه مصحح الحديث)(4).

وهو إنما يُعبر بالمصحح فيما لو كان منشأ تصحيح غيره مقنعاً عنده. ولا يكتفي بهذا التعبير في تصحيح شخص للحديث من غير أن يقتنع بتماميته، ومن ثَمَّ جعل المصحح معتبر الإسناد في غير موضع كما قال: (يكفي في إثبات القول المذكور المصحح المعتبر السند)(5) وقوله: (لكن السند مصحح في رواية الكافي، وموثق في رواية التهذيب. وكلاهما حجة)(6).

وقد ذكر (قدس سره) في قطعة من مخطوطة له جواز الاعتماد على تصحيح غيره فيما لو أحرز أن تصحيحه كان معتمداً على تطبيق القواعد الرجالية قائلاً: (وأما

ص: 275


1- المستمسك: 11/192.
2- المستمسك: 12/335.
3- المستمسك: 13/156.
4- المستمسك: 14/579 ولاحظ: 2/522 و3/405 و4/33 و5/358 و12/132 وغيرها.
5- المستمسك: 10/248.
6- المستمسك: 14/212.

المجتهد الذي يستنبط فيمكن له أن يعتمد عل تصحيحهم لها بعد وثوقه بهم، إذا قطع أن منشأ الاعتبار عندهم إعمال القواعد الرجالية وتمييز الصحيح من السقيم، لا عن حدس واجتهاد مثل توهم كون مؤدى الخبر مجمعاً عليه، أو كان مطابقاً لأصل مسلم بحيث لو أطلعنا على مباني اعتباره لها كانت عندنا فاسدة. إذ احتمال ذلك مانع من الاعتماد عليها)(1).

ص: 276


1- قطعة من مخطوطة له (قدس سره) في علمي الرجال والدراية في مكتبة السيد الحكيم العامة برقم: 2269: ص2.

المحور الأول: حدود حجية الخبر (من حيث المتن)

قد تعرض (قدس سره) إلى أمور لها دور في تحديد حجية الخبر من حيث متنه. وهي:

- الاضطراب في المتن.

- إمكان التفكيك في الحجية بيَّن فقرات الحديث الواحد.

- إعراض القدماء عن الخبر.

- عمل المتقدمين بالخبر.

وسنأتي عليها تباعاً إن شاء الله تعالى.

الأمر الأول: الاضطراب في المتن:

الاضطراب لغةً: الاختلاف(1). وفي اصطلاح علوم الحديث هو اختلاف متن الحديث(2). وللاضطراب في متن الحديث صور:

منها: نقصان الجملة، كما لو لم يظهر خبر مبتدأ ورد في المتن. قال (قدس سره): (ولما في رواية الفتح بن يزيد الجرجاني: وكل ما كان من السخال الصوف إن جُزَّ، والشعر، والوبر، والأنِفحة، والقرن... وأما رواية الجرجاني فمع أنها ضعيفة السند. وأنها لا تخلو من اضطراب لعدم ظهور خبر قوله: "كل ما كان...)(3).

ص: 277


1- ترتيب العين: 3/12.
2- مقباس الهداية: 1/286.
3- المستمسك: 1/307 ولاحظ: 1/539.

ومنها: التنافي بين الصدر والذيل. والمراد به اختلافها على وجه لا يصلح أحدهما قرينة على المراد من الآخر عرفاً. قال (قدس سره): (صحيح زرارة عن أبي جعفر (علیه السلام): (سأله عن رجل يصلي، ثم يجلس، فيُحدث قبل أن يُسلم. قال: تمت صلاته. وإن كان مع الإمام فوجد في بطنه أذى، فسلم في نفسه وقام فقد تمّت صلاته)... مضافاً إلى الاضطراب في صحيح زرارة الأولى لظهور صدره في تمامية الصلاة بدون التسليم. وظهور ذيله في توقفها عليه)(1).

ومنها: أن يُترك أمر ضروري تعويلاً على ما حُكى في مرحلة سابقة. قال (قدس سره): (قول النبي: لحمنة بنت جحش. تحيض في كل شهر في علم الله ستة أيام، أو سبعة أيام، ثم اغتسلي غُسلاً، وصومي ثلاثة وعشرين يوماً، أو أربعة وعشرين)... وقوله - أي الصادق (علیه السلام) -: (فسنتها السبع والثلاث والعشرون. لأن قصتها كقصة حمنة...) وذلك مما يوجب اضطراب رواية الست جداً. إذ احتمال اعتماد الإمام (علیه السلام) في ترك ذكر الست على ما حكاه عن النبي: بعيد)(2).

ومنها: تشويش السؤال. قال (قدس سره): (لصحيح ابن جعفر (علیه السلام) عن أخيه

موسى (علیه السلام) قال: (سألته عن رجل يصلي من الفريضة ما يجهر فيه من القراءة. هل عليه أن لا يجهر؟ قال: إن شاء جهر وإن شاء لم يفعل)... إن السؤال فيه لا يخلو من تشويش. لأنه إذا فرض فيه أن الفريضة مما يجهر فيها بالقراءة كيف يصح السؤال عن أنه عليه أن لا يجهر...)(3).

والاضطراب في متن الحديث يوجب عدم حجيته. لأحد أمرين - كما يظهر من مجموع كلماته (قدس سره)

- أحدهما: أنه يوجب سلب الوثوق الذي هو مناط الحجية

ص: 278


1- المستمسك: 6/458-460.
2- المستمسك: 3/289.
3- المستمسك: 6/200.

عنده (قدس سره) قال (قدس سره): (ومع هذا الاضطراب لا يحصل الوثوق النوعي بعدم طروء الخلل من جهة الزيادة والنقيصة)(1).

والآخر: أنه يوجب الإجمال المسقط للحجية. قال (قدس سره): (مع أن السؤال لا يخلو من تشويش... وذلك مما يوجب الإجمال المسقط عن الحجية. نعم في كشف اللثام ومفتاح الكرامة، وعن قرب الإسناد رواية هكذا (هل عليه أن يجهر) لكنه لا يدفع الاضطراب)(2).

ثم ليعلم أن الاضطراب في المتن لا يقدح في الحجية في حالتين:

أ/ أن يكون الاضطراب بدوياً ترفعه القرائن. قال (قدس سره): (والاضطراب إنما يقدح لو كان مستقراً، أما إذا أرتفع بالقرائن أو القواعد فلا أثر له في سقوط الرواية عن الحجية)(3) والوجه فيه أن الاضطراب البدوي المرتفع بالتأمل لا يوجب سلب الوثوق بالرواية ولا يؤدي إلى إجمالها.

ب/ أن يكون الاضطراب في غير محل الاستدلال. قال (قدس سره): (وعن المدارك أن الرواية ضعيفة السند متهافتة المتن... وفيه... والتهافت ليس في محل الاستدلال الذي هو الصدر)(4). والوجه فيه أن انتفاء الوثوق ببعض الخبر لا يوجب انتفاء الوثوق بتمامه. وعلى ذلك يبتني التفكيك في حجية فقرات الخبر الآتي في المبحث اللاحق.

الأمر الثاني: إمكان التفكيك في الحجية بين فقرات الحديث الواحد:

لو اشتمل متن الخبر على معنى لا يمكن الالتزام به، إما لقيام الدليل القطعي على خلافه، أو لوجود المعارض له، أو لوهنه بمخالفة الأصحاب، فهل

ص: 279


1- المستمسك: 1/539.
2- المستمسك: 6/200.
3- المستمسك: 3/182.
4- المستمسك: 7/255

يؤدي ذلك لسلب الحجية عن الخبر بالجملة أم لا؟ قولان:

مبنى الأول منهما: أن الحجة هو الخبر الموثوق به. واضطراب بعض فقرات الخبر يوجب سلب الوثوق به بالجملة.

ومبنى الثاني: إما كون الخبر مطلق خبر الثقة وإن لم يوجب الوثوق بصدوره. وإما أن الحجة وإن كانت هي الخبر الموثوق به، إلا أنه لا موجب لرد الوثوق عما لا اضطراب فيه من فقرات الحديث، لوجود اضطراب في بعض آخر منها. وهذا هو الذي ذهب إليه السيد الحكيم

(قدس سره) . فرآى أن اضطراب بعض الخبر لا يوجب سلب الحجية عنه بالجملة. وإنما ترفع اليد عن المقدار الذي لا يمكن الالتزام به، وتبقى باقي الفقرات حجة لتماميتها في إفادة معانيها، مع عدم وجود ما يقتضي رفع اليد عنها. فإن كل مقطع تام المعنى هو بمثابة خبر برأسه.

قال (قدس سره): (لأن سقوط بعض فقرات الرواية عن الحجية للمعارض لا يوجب سقوط الجميع عنها)(1) و(لا يقدح فيه... اشتماله على مالا يقول به الأصحاب من عدم قضاء الصلاة، لإمكان التفكيك في الحجية بين فقرات الحديث الواحد)(2) و (لا مانع من التفكيك بين القيدين فيُعمل بظاهر أحدهما وترفع اليد عن الآخر بقرينة خارجية)(3).

الأمر الثالث: إعراض القدماء عن الخبر:

إنَّ من جملة الأمور التي لها دور في سلب الحجية عن الخبر إعراضَ القدماء عنه بأن لم يعملوا بمفاده، فيكون ذلك موهناً له. لأنه يوجب سلب الوثوق المعتبر في الحجية. قال (قدس سره): (يكفي في وهن الصحيح إعراض القدماء عن

ص: 280


1- المستمسك: 8/409.
2- المستمسك: 3/410.
3- المستمسك: 9/427 ولاحظ: 8/286 و348 و9/517.

ظاهره. لأنه يوجب ارتفاع الوثوق المعتبر في الحجية)(1) وقوله: (فالعمدة في وهن النصوص في المقامين إعراض المشهور عنها، وبناؤهم على طرحها، مع ما هي عليه من صحة السند وقوة الدلالة... فإن ذلك كله يوجب الوثوق بورودها لغير بيان الحكم الواقعي)(2).

والوجه في ارتفاع الوثوق بالخبر بعد إعراض القدماء عنه. هو ما يكشف عنه الإعراض من اطلاعهم على عدم الصدور، أو على وجهه، أو على قرينة تقتضي خلاف الظاهر. قال (قدس سره): (إن اعراض المشهور إنما يقدح في الحجية لو كان كاشفاً عن اطلاعهم على عدم الصدور، أو على وجه الصدور، أو على قرينة تقتضي خلاف ظاهره. بحيث لو اطلعنا عليها لكانت قرينةً عندنا)(3).

وقوله: (فإن إعراض الأصحاب عنها يكشف عن القرينة على خلافه الموجب لإجمالها)(4) وقوله: (أقول: كثرتها لا تصحح العمل بها بعد إعراض الأصحاب عنها، فإن الإعراض كاشف عن خلل في صدورها أو في ظهورها)(5).

بقيت نكات:

النكتة الأولى: في شروط وهن الخبر بإعراض الفقهاء.

يُعتبر في موهنية إعراض الفقهاء عن الخبر أمران:

1- أن لا يعلم أو يحتمل استنادهم إلى جهة معينة غير تامة. كما لو نشأ عن جمع غير مقبول بين الأخبار. فالإعراض الموهن ما يكشف عن خلل في الخبر

ص: 281


1- المستمسك: 1/439.
2- المستمسك: 6/530 و12/168.
3- المستمسك: 5/464.
4- المستمسك: 7/144 و6/200.
5- المستمسك: 11/19.

سنداً أو متناً. بحيث يوجب سلب الوثوق بكون الخبر على الوجه المنقول، ومن ثَمَّ لم يجعل

(قدس سره) الإعراض موهناً في موارد عديدة منها قوله: (نعم. قد تشكل نصوص الطهارة من جهة إعراض القدماء عنها، وعدم اعتمادهم عليها. لكنه يندفع: بأنه لم يثبت كونه إعراضاً موهناً لها، بل من الجائز أن يكون لبنائهم على عدم الجمع بينها... ومجرد احتمال كونه لأجل اطلاعهم على قرينة تنافي أصالة الظهور فيها أو أصالة الجهة لا يكفي في رفع اليد عنها - كما لا يخفى - فإنه خلاف الأصل العقلائي المقتضي لنفي ذلك الاحتمال)(1).

وقوله (قدس سره): (كما أن إعراض المشهور عنها لا يصلح موهناً لها، لاحتمال أن يكون لبعض الوجوه المرجحة لغيرها عليها في نظرهم)(2). وقوله: (كما أن إعراض المشهور عنه لا يوجب سقوطه عن الحجية، لإمكان كونه لبنائهم على تعارض النصوص في الباب. ووجوب ترجيح غيره عليه)(3). وقوله: (اللهم إلا أن يتأمل في قدح مثل هذا الإعراض، لاحتمال كون مستنده بناءهم على قرينة خلو جملة من النصوص منه، مع اشتماله على غيره من المكروهات إجماعاً)(4). وقوله (إلا أن يقال: لم يثبت الإعراض الموهن، لاحتمال كون منشئه دعوى مخالفة الإجماع وهي غير ثابتة الحجية)(5). وقوله: (وإعراض المشهور عنها لا يقدح بعد احتمال بنائهم على كون المقام من التعارض بين الرواية وغيرها، وأن الترجيح مع الثاني لصحة السند وكثرة العدد)(6).

ص: 282


1- المستمسك: 1/194.
2- المستمسك: 1/157.
3- المستمسك: 1/543.
4- المستمسك: 2/241.
5- المستمسك: 4/378.
6- المستمسك: 5/14-107-152-186 وغيرها.

والحاصل: أنه يشترط في تمامية الإعراض الموهن أن لا يكون محتمل الوجه، مع عدم تمامية الوجه المحتمل في حد نفسه.

2- أن يكون الإعراض من قِبَل المتقدمين دون المتأخرين، ممن يُحرز وصول الخبر إليهم على الوجه الذي وصل إلينا. ولا يحتمل توفرهم على أمر إضافي بشأنه غاب عنا. كالعلامة والفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني(1). وقد يشير إلى ذلك قوله (قدس سره): (وكيف كان فالروايات المذكورة - لو صح سندها وتمت دلالتها - لا مجال للعمل بها، لأن مضمونها من المستنكرات الواضحة عند المتشرعة. وهذا هو العمدة في سقوطها عن الحجية لا إعراض المتأخرين عنها، لأن عمل القدماء أولى بالعناية من إعراض المتأخرين)(2). وقوله: (وإعراض المتأخرين لا يجدي بعد عمل القدماء)(3).

النكتة الثانية: فيما يتحقق به الإعراض.

والكلام فيه من جهتين:

الجهة الأولى: أنه هل يتوقف تحقق الإعراض بعملهم على مخالفة مضمون الخبر بالفعل، أو يكفي في تحققه عدم افتائهم على طبقه ولو من جهة عدم تعرضهم للحكم في كلماتهم؟

وجهان: ذهب (قدس سره) إلى الثاني، قائلاً: (وكفى في تحقق الإعراض أنه لم يتعرض للحكم المذكور في كلمات المتقدمين والمتأخرين ومتأخريهم إلى زمان المحدث البحراني وما قارب عصره، ولم يتعرض له جماعة من الأخباريين ولم يتضح البناء على الحرمة إلا من نادر منهم. والباقون ما بين راد له ومتردد

ص: 283


1- المستمسك: 2/79 و520، 3/245، 5/283.
2- المستمسك: 1/362 و3/44.
3- المستمسك: 11/89.

فيه)(1).

لكن الظاهر أنه يُشترط في تحقق الإعراض بعدم تعرضهم للحكم، أن يكون على وجه يُعلم أن ترك التعرض له مبني على عدم الاعتماد على الخبر. أما لو احتمل أن يكون ذلك لوجه آخر كالاعتماد على قاعدة عامة، فلا يتحقق الإعراض بعدم التعرض للخبر. قال (قدس سره): (اللهم إلا أن يقال: إنه لم يثبت إعراضهم عنه. لعدم تصريحهم بخلافه. ومجرد عدم التعرض لمضمونه غير كافٍ في إثباته. ولا سيما إطلاق بعضهم معذورية الجاهل بالقصر والاتمام)(2).

الجهة الثانية: هل يضر بتحقق الإعراض مخالفة بعض المتقدمين وعملهم على طبق الخبر أو لا؟

وجهان: ذهب إلى الثاني (قدس سره) قائلاً: (فالعمدة في رفع اليد عن هذه النصوص إعراض المشهور عنها. إذ لا يعرف القول بمضمونها إلا من المرتضى (رحمة الله) في شرح المسائل الناصرية دون غيره من كتبه)(3). وقوله: (إنه ضعيف السند غير مجبور بالعمل، واعتماد الصدوق عليه لا يعارض إعراض الأصحاب عنه)(4).

هذا وربما يُعد قول الشيخ في التهذيبين مخالفاً ناقضاً للإعراض. لكن السيد الحكيم (قدس سره) تأمل في ذلك نظراً إلى عدم إعدادها للإفتاء. قال (قدس سره)

في موضع من كلامه: (مضافاً إلى إعراض الأصحاب عنه، بل كاد أن ينعقد الإجماع على خلافه. إذ لم يُعرف القول بالإعادة من أحد سواه في خصوص الاستبصار. وهو غير معد للفتوى)(5).

ص: 284


1- المستمسك: 14/265.
2- المستمسك: 8/167.
3- المستمسك: 8/467.
4- المستمسك: 9/406.
5- المستمسك: 8/41.

النكتة الثالثة: لو تحقق الإعراض عن بعض فقرات الخبر خاصة. فهل يؤدي ذلك إلى سلب الحجية عن الخبر بالجملة أو لا؟

وجهان: اختار (قدس سره) الثاني، وبنى على أنه يقتصر على سقوط المقدار الذي تحقق الإعراض عنه، لما مر من إمكان التفكيك عنده في الحجية بين فقرات الخبر الواحد، بأن نُبقي على المقدار غير المعرض عنه حجة. ونرفع اليد عن حجية ما تحقق الإعراض عنه. قال

(قدس سره): (وتوهم أن إعراض المشهور عن ذيله المتضمن لاعتبار خمسة عشر ذراعاً يقدح في حجيته مندفع بأن ذلك إنما يقتضي حمل ذيله على الاستحباب، أو على مالو توقف زوال العين على المشي بالمقدار المذكور. لا أنه يسقط إطلاق صدره عن الحجية. لإمكان التفكيك بينهما في الحجية)(1).

النكتة الرابعة: نتيجة الإعراض عن الخبر الموجب لسقوطه عن الحجية فيما يكون ظاهراً فيه. وفيها وجهان:

أحدهما: انه يؤدي إلى سقوط الخبر عن الحجية، لأنه يؤدي إلى سلب الوثوق بصدوره.

والآخر: أن الأمر يختلف بحسب الموارد، لأن الإعراض عن الخبر بمنزلة دليل إجمالي على خلافه. فإن كان هناك جمع دلالي عرفي يحمل الخبر على غير المعنى

المعرض عنه تعين. وإلا فإن أمكن حمله على التقية فيجوز ذلك. وإن تعذر ذلك سقط اعتبار صدوره. ولعل هذا هو الظاهر من مجموع كلماته (قدس سره) إذ ذكر خيارات عدّة في الخبر المُعرض عنه. وهي سقوطه عن الحجية، وردّ علمه إلى أهله، أو حمله على التقية، أو على بعض المحامل. قال (قدس سره): (إلا أنه لا مجال له بعد إعراض الأصحاب عنهما. فلابد من طرحهما، أو إيكال العلم بهما إلى

ص: 285


1- المستمسك: 2/64.

أهله، أو حملهما على بعض المحامل)(1). وقوله: (لكن لا مجال له بعد إعراض الأصحاب عنها. فيتعين حملها على التقية، أو الضرورة، أو النظر الاتفاقي...)(2). وقوله: (لكن العمدة في وهنه إعراض الأصحاب عنه مع صحة سنده وصراحة دلالته. فليُحمل على التقية أو يطرح)(3). وقوله: (إلا أن إعراض المشهور عنه يمنع من الاعتماد عليه. فليحمل على كونه أدبياً)(4).

الأمر الرابع: عمل المتقدمين بالخبر الضعيف:

إن عمل المتقدمين بالخبر هل يوجب انجباره أم لا؟

وجهان: اختار (قدس سره) الأول نظراً إلى حصول الوثوق به، لأن عملهم لا يكون إلا بالاطلاع على ما يوجب حجيته. كما أن إعراضهم لا يكون إلا بالاطلاع على ما يخل به. قال (قدس سره): (وبعد ذلك لا مجال للمناقشة في سنده كما عن المدارك، تبعاً لشيخه (قدس سره) ولاسيما بملاحظة اعتماد الأصحاب عليه، واستدلالهم به. وفيهم من لا يعمل الا بالقطعيات كالسيدين)(5). وقوله: (إذ لا قصور في سند بعضها. ولا سيما بعد انجباره بالعمل)(6) و(إن المراسيل حجة إذا كانت مجبورة بعمل المشهور)(7).

لكن يُشترط في تحقق العمل بالخبر من قبل مشهور المتقدمين أمران:

أحدهما: أن يتم التعرض له في كلماتهم، وافتاؤهم على طبقه. قال (قدس سره):

ص: 286


1- المستمسك: 9/117.
2- المستمسك: 14/44.
3- المستمسك: 14/45.
4- المستمسك: 3/66.
5- المستمسك: 6/453.
6- المستمسك: 9/132.
7- المستمسك: 5/398 و11/325.

(لكن ثبوت الشهرة الجابرة محل إشكال حيث لم يتعرض له الصدوق والشيخ وأضرابهما، بل ظاهر محكي المقنعة التوقف فيه)(1).

والآخر: أن يُحرز تحقق استنادهم في مقام العمل والفتوى إلى الخبر. ولا يكفي مجرد مطابقة كلماتهم لمضمونه، لاحتمال أن مستندهم حينئذ غيره. فلا يكون عملهم جابراً لضعفه، لعدم تعلقه به. قال (قدس سره): (ومجرد موافقته للشهرة - كما قيل - غير جابرة مالم يتحقق الاعتماد)(2). وقوله: (والرضوي لم تثبت حجيته، وشهرة القول بمضمونه من دون اعتماد عليه غير جابرة)(3). وقوله: (ولكن مجرد الموافقة لفتواهم غير كافية في جبره)(4).هذا عن كون عمل المشهور جابراً لضعف سند الرواية، لكن هل هو جابر للدلالة بحيث يُعين الظهور أو لا؟ قد يقال بالأول بتقريب: إن الشهرة توجب الوثوق بقيام قرينة مقتضية للظهور فيما فهمه المشهور. لكنه (قدس سره) اختار الثاني. قائلاً: (مع أن الشهرة لا تصلح لتعيين الظهور)(5) ولعل نظره (قدس سره) إلى ما لو لم يحصل الوثوق به، كما هو الغالب في جانب الدلالة.

ص: 287


1- المستمسك: 3/74.
2- المستمسك: 2/22.
3- المستمسك: 2/38.
4- المستمسك: 3/326 و4/430 و5/237-280-410-614 وغيرها.
5- المستمسك: 10/303.

المحور الثاني: تعابير رجالية

إن وصف حال الراوي من قبل الرجاليين يكون من خلال بيان حاله، من حيث عقيدته، أو أمانته في النقل، أو طبيعة رواياته أو من يروي عنهم بألفاظ تُعرف ب-(ألفاظ الجرح والتعديل). وقد عَقد لها بحثاً في تحديد المراد منها بعض علماء الرجال، كالوحيد البهبهاني في مقدمة تعليقته على منهج المقال، والشيخ أبي علي الحائري في مقدمة منتهى المقال، والشيخ عبد النبي الكاظمي في مقدمة تكملة الرجال, وغيرهم.

وقد تعرض السيد الحكيم (قدس سره) في أثناء كلامه إلى بعض تلك التعابير الرجالية التي احتاجت إلى تحديد الموقف منها، من أجل إيضاح حال الراوي الموصوف بها، كما استعمل هو نفسه بعضها في مقام وصف جملة من الرواة, وهي:

- صالح الرواية.

- كذاب (الشهادة بكذب الراوي).

- أوجه.

- مجهول ومهمل.

وسنأتي عليها تباعاً إن شاء الله تعالى.

* صالح الرواية:

من ألفاظ الجرح والتعديل نادرة الاستعمال في كلمات الرجاليين (صالح الرواية). إذ لم يستعملها إلا النجاشي، ومرّة واحدة في ترجمة أحمد بن هلال

ص: 288

العبرتائي(1).

وقد استظهر منها السيد الحكيم (قدس سره) إفادتها لجواز الاعتماد على رواية من قيلتْ في حقه, وأنه ثقة في نفسه, قائلاً: (فإن الظاهر من كونه صالح الرواية جواز الاعتماد على روايته, وأنه ثقة في نفسه)(2).

ويدعم ما استظهره (قدس سره) مقابلها - أعني (فاسد الرواية)(3)

و(فاسد الحديث)(4)

الظاهر في عدم وثاقة الراوي.

نعم, قد يكون فساد الحديث من جهة اعتماده على الضعفاء، والإكثار من المراسيل، لا من جهة عدم وثاقته في نفسه، كما لعله في مثل سهل بن زياد.

* الشهادة بكذب الراوي:

لو وصف أئمة الرجال راوياً ب-(الكذب) كأبي سمينة(5)

وأبي البختري(6).

فهل يوجب ذلك طرح خبره لعدم احتمال الصدق فيه أصلاً، وبالتالي لا يمكن العمل على طبقه ولو بمستوى رجاء المطلوبية أو لا؟

اختار السيد الحكيم (قدس سره) الثاني قائلاً: (مجرد الشهادة بكذب الراوي لا يمنع من احتمال الصدق الموجب لاحتمال المطلوبية)(7).

* أوجه:

مما استعمله الرجاليون في وصف الراوي مفردة (أوجه), وهي ظاهرة في التفاضل لمكان صيغتها. وتحديد ما به التفاضل إنما يكون بملاحظة المقيس عليه

ص: 289


1- رجال النجاشي: 83/199.
2- المستمسك: 5/366 ولاحظ. معجم رجال الحديث: 3/149 وكتاب الخمس للسيد الخوئي: 212. وكتاب الصوم: 2/311.
3- رجال النجاشي: 122/313 868/698 و421/1127.
4- رجال النجاشي: 350/942 و368/999 ورجال ابن الغضائري: 92/131.
5- رجال النجاشي: 332/894.
6- رجال النجاشي: 430/1155 ولاحظ 182/482 و185/490 و226/594 و350/492.
7- المستمسك: 5/245.

في الوجاهة, ومنه يُتوصل إلى ما تُعطيه المفردة من حال الراوي.

ومن أمثلة ذلك الحسين بن أبي العلاء فهو ممن لم يرد فيه توثيق صريح من النجاشي(1)

والشيخ(2)

لكن النجاشي ذكره في ترجمة إخوته. وقال في حقه إنه (أوجههم). وعليه يمكن تحديد حال الحسين بملاحظة ما قيل في حق إخوته. وبما أن النجاشي وثق أخاه عبد الحميد(3).

دلت مفردة (أوجه) في ترجمة الحسين على وثاقته لظهورها في ذلك. إذ لا معنى لكون الشخص أوجه من الثقة إلا وثاقته في نفسه. بل أوثق منه. قال (قدس سره): (وليس في الأولى من يتوقف في روايته إلا الحسين، لعدم توثيق الشيخ والنجاشي إياه صريحاً. ولكن... ظاهر عبارة النجاشي حيث قال في ترجمته: "وأخواه علي وعبد الحميد روى الجميع عن أبي عبد الله (علیه السلام) وكان الحسين أوجههم". وقد نصوا على توثيق عبد الحميد أخيه، فيدل الكلام المذكور على أنه أوثق منه. وحمل "الأوجه" على غير هذا المعنى خلاف الظاهر)(4).

* المجهول والمهمل:

من ألفاظ الجرح التي تُستعمل في وصف الرواة قولهم: (مجهول) و (مهمل) ومفردة (مجهول) وردت في استعمالات قدماء الرجاليين. فقد استعملها الكشي في موردين في وصفه ل-(ابن الهروي)(5)

و (عبد الله بن إبراهيم)(6)

وابن الغضائري في (الفتح بن يزيد، ويوسف بن محمد، وعلي بن محمد)(7).

ص: 290


1- رجال النجاشي: 52/117.
2- الفهرست: 107/204.
3- رجال النجاشي: 246/647.
4- المستمسك: 2/13.
5- رجال الكشي: 364/675.
6- رجال الكشي: 612/1140.
7- رجال ابن الغضائري: 84/110 و98/148 في ترجمة (محمد بن القاسم).

والنجاشي في حق (عوف بن عبد الله)(1).

وقد أكثر الشيخ من استعمالها في رجاله بما يزيد على أربعين مرة في أصحاب الإمام الحسين والباقر والصادق والكاظم والرضا (علیهم السلام) (2).

ومعنى (المجهول) بحسب الظاهر من لفظه من كان مغموراً لا يُعرف حاله.

ويؤكده قول الكشي (عبد الله بن إبراهيم مجهول لا يُعرف)(3).

وأما مفردة (مهمل) فلم يرد استعمالها في كلمات قدماء الرجاليين. وإنما وجدتْ في كلمات ابن داود في رجاله. والطابع العام بملاحظة موارد استعماله(4)

أنه يصف بها: (من ذُكِرَ في كلمات متقدمي الرجال من غير مدح أو ذم).

ومن الفرق بين هذين الاصطلاحين هو أن الحكم بالجهالة يكون معارضاً للتوثيق - إنْ كان - بينما ليس كذلك مع الاهمال لأنه عدم حكم وحسب.

وقد استعمل السيد الحكيم (قدس سره) كلتا المفردتين، ولكن بمعنى آخر، حيث يظهر من موارد تطبيقه أنه يُريد من (المهمل) المتروك رأساً بمعنى أنه لم يُذكر في كتب الرجال أصلاً، كما في أحمد بن المثنى(5)

والحسن بن المبارك(6)

والحسين

ص: 291


1- رجال النجاشي: 192/512 في ترجمة (سعيد بن جناح).
2- رجال الشيخ: 103/1012 و128/1641 و296/4326 و336/5001 و357/5284 وغيرها.
3- رجال الكشي: 612/1140.
4- رجال ابن داود: 21/49 و24/62 و33/97 و37/110 و38/114 و51/155 و55/172 وغيرها علماً أن ابن داود استعمل (مهمل) فيمن ورد فيه توثيق، كما في آدم بن المتوكل حيث نص النجاشي على توثيقه: (رجال النجاشي: 104/260 ورجال ابن داود: 9/3).
5- المستمسك: 1/245.
6- المستمسك: 1/360.

ابن عُبيد(1)

وعبد الله بن الحسن(2)

والحسين بن علي بن كيسان الصنعاني(3)

وأبي الحسن الأحمس(4).

بينما يُريد من (المجهول) مطلق من لم يُذكر بمدح أو ذم، سواء أذُكِر أصل عنوانه - وهو المهمل في كلام ابن داود - كما في إسماعيل بن رياح(5)

وإسماعيل ابن مرار(6)

ومحمد بن زيد الطبري(7).

أم لم يُذكر عنوانه أصلاً، فيكون مجهولاً. كما في العنزار(8)

وعلي بن السندي(9)

وعبد الله بن الحسن العلوي، حيث بيَّن جهالته بالإهمال قائلاً: (لأنه فيه عبد الله بن الحسن العلوي المجهول، لإهمال ذكره في كتب الرجال)(10).

هذا وإنما يصف السيد الحكيم (قدس سره) الراوي بأحد هذين الوصفين فيما لو لم تتوفر قرائن توجب الوثوق به، كما في محمد بن أحمد العلوي(11)

وسعدان بن مسلم(12).

ص: 292


1- المستمسك: 3/277.
2- المستمسك: 5/245.
3- المستمسك: 5/502.
4- المستمسك: 9/430.
5- المستمسك: 5/156 ولاحظ رجال الشيخ: 167/1940.
6- المستمسك: 3/196 ولاحظ رجال الشيخ: 412/5972.
7- المستمسك: 1/245 ولاحظ رجال الشيخ: 364/5403.
8- المستمسك: 1/226.
9- المستمسك: 14/252.
10- المستمسك: 7/279.
11- المستمسك: 5/224 ولاحظ مجلة دراسات علمية: 4/ رجال المستمسك/ القسم الأول: 164.
12- المستمسك: 14/447 ولاحظ مجلة دراسات علمية: 4/رجال المستمسك/ القسم الأول: 165.

المحور الثالث: اشتراك الرواة

إن الغالب في الأسانيد ذكر الرواة بألفاظ مشتركة بين أكثر من راوٍ مما يوجب ضرباً من الإبهام - ولو بدءاً - فيما هو المراد بعنوانه. وهناك حالتان حينئذٍ.

الحالة الأولى: أن لا تكون هناك فائدة في حل الإشتراك. كما إذا دار الأمر بين مهملين أو ثقتين. وفي هذه الحالة لا داعي للبحث عن التمييز بعد كون النتيجة واحدة على كلا التقديرين. ومنها قوله (قدس سره): (وضعف الطريقين كان بابن المبارك سواء أكان الحسن - كما في بعض نسخ التهذيب - أم الحسين - كما في بعضها الآخر. وفي الكافي - فإن الأول مهمل، والثاني لم يتعرّض له بمدح أو قدح)(1).

وقوله (قدس سره): (الاستشكال فيه لاشتراك راوي الأولى بين الثقة والضعيف.. في غير محله.. وأن المحقق أن أبا بصير ثقة سواء أكان ليثاً أم يحيى)(2).

وقوله (قدس سره): (لرواية الصدوق له في الفقيه بسنده إليه - أي: علي بن أبي حمزة - وسنده صحيح. وهو إن كان الثمالي فهو ثقة. وإن كان البطائني فالظاهر اعتبار حديثه)(3).

وقوله: (ومحمد بن عيسى مشترك بين الأشعري وبين اليقطيني. والظاهر صحة حديثهما)(4).

ص: 293


1- المستمسك: 1/360.
2- المستمسك: 5/566.
3- المستمسك: 11/146.
4- المستمسك: 11/231.

نعم, في هذه الحالة قد يُحتاج إلى إثبات حال المشتركين, وأنهما واحد.

الحالة الثانية: أن تكون هناك فائدة في حل الاشتراك. وفيها سعى السيد الحكيم (قدس سره) إلى رفع الاشتراك بالإمارات المعروفة لدى الرجاليين, مثل: الطبقة والامتياز في الراوي والمروي عنه. وفي حال تمّ التمييز يبني على اعتبار الخبر في حال كون الراوي ثقة. ومنه قوله (قدس سره): (بقرينة رواية محمد بن عيسى، وروايتها في الفقيه مرسلة عن أبي الحسن الثالث (علیه السلام) إن الحسن بن راشد هو مولى آل المهلب الثقة. الذي هو من أصحاب الجواد والهادي لا مولى المنصور الضعيف الذي هو من أصحاب الصادق والكاظم)(1).

وقوله: (الظاهر اعتباره سنداً. إذ ليس فيه من يتأمل فيه سوى محمد بن الوليد. والظاهر أنه البجلي الثقة بملاحظة طبقته ورواية يونس عنه)(2).

وقوله: (نعم أيوب مشترك بين الثقة والضعيف.. لكن بقرينة رواية الصدوق يظهر أنه ابن الحر الثقة)(3).

وقوله: (ومحمد بن قيس الذي يروي عن الباقر (علیه السلام) مشترك بين الثقة والضعيف... ولكن الذي حققه جماعة ممن تأخر أن محمد بن قيس الذي يروي عنه عاصم بن حميد هو البجلي الثقة كما عن الشيخ في الفهرست)(4).

أو أنه عند الإطلاق ينصرف إلى معين إما بالشهرة كقوله (قدس سره): (واشتراك محمد بن سماعة ومحمد بن حمران بين الثقة وغيره - كما في الجواهر - غير قادح في حجية السند. إذ لا يبعد انصراف الأول عند الإطلاق إلى الثقة الجليل ابن موسى بن نشيط والد الحسن وإبراهيم وجعفر. والثاني إلى النهدي الجليل لشهرتهما)(5).

ص: 294


1- المستمسك: 4/156.
2- المستمسك: 9/84.
3- المستمسك: 11/115.
4- المستمسك: 14/559 ولاحظ: 1/186.
5- المستمسك: 4/464.

أو بالغلبة كقوله (قدس سره): (ولكن استشكل فيه تارة، بأن في طريقه النهدي المشترك بين الثقة, ومن لم يثبت توثيقه.. ويمكن دفع الأول بأن الظاهر من إطلاق النهدي أنه الهيثم بن سروق لأنه الأغلب)(1).

وإذا تعذر رفع الإبهام كان الخبر محكوماً بالضعف. ومن ذلك قوله (قدس سره): (لكن سندها لا يخلو من إشكال، لاشتراك عيسى)(2).

وقوله: (هذا مع ضعف السند لتردد علي بن سالم بين المجهول وبين علي بن أبي حمزة البطائني)(3).

وقوله: (ولكنّ في صحة سنده إشكالاً. لاشتراك رجال السند بين الضعيف والثقة)(4).

ص: 295


1- المستمسك: 6/352.
2- المستمسك: 1/327.
3- المستمسك: 4/298.
4- المستمسك: 6/258 ولاحظ: 14/318.

المحور الرابع: حول الكتب الأربعة

مقدمة

إن نقل السيد الحكيم (قدس سره) للأخبار عن الكتب الأربعة, كان بطريقين:

أحدهما: أن ينقل عنها مباشرة، كما يشهد به تصريحه بملاحظة نسخها كقوله (قدس سره): (وكذا نسخة الكافي التي تحضرني)(1).

وقوله: (في نسخة الكافي، وفي الوسائل رواه عن الكافي "أغمي عليه حتى أتى الوقت" ورواه عن الشيخ: "أغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الوقت")(2)

و(نعم. سوق التعبير يناسب جداً سقوط لفظ (بيتيم) كما هو فيما يحضرني من نسخة من الفقيه معتبرة)(3)

و(في نسختي من الفقيه خالٍ عن الزيادة المذكورة)(4)

و(في نسخ كتب الحديث اختلاف في بعض الخصوصيات. وما ذكرنا هو المطابق لما في نسخة معتبرة من التهذيب)(5)

و(بل هو كذلك فيما يحضرني من نسخة معتبرة من التهذيب)(6)

و(على أنها مروية في النسخ الموجودة بين أيدينا من الكافي والتهذيب عن المعصوم (علیه السلام) )(7)

و(لاختلاف نسخ الكافي والفقيه والتهذيب فيه اختلافاً فاحشاً)(8).

ص: 296


1- المستمسك: 14/559.
2- المستمسك: 11/317.
3- المستمسك: 4/131.
4- المستمسك: 6/254 و6/506 و7/554.
5- المستمسك: 2/318.
6- المستمسك: 6/352 و369 و7/554.
7- المستمسك: 1/565.
8- المستمسك: 7/226.

والآخر: أن ينقل عنها بالواسطة. مستعيناً بصيغة (عن الكافي)(1)

أو (عن الفقيه)(2)

أو (عن التهذيب)(3)

أو (عن الاستبصار)(4).

والظاهر أن الغالب في نقله كذلك هو عن الوسائل بشهادة تصريحه في بعضها كقوله (قدس سره): (روى في الوسائل حديثاً في ذلك عن الكافي)(5) و (لموثق عمار المروي في أبواب النجاسات من الوسائل عن التهذيب)(6)

و (ربما في الوسائل عن الفقيه)(7)

وإحالته القاريء في مراجعة الأخبار إلى عناوين الوسائل كقوله: (وبمضمونها جملة من النصوص أشرنا إلى بعضها آنفاً. وهي مذكورة في بعض أبواب شهادات الوسائل، فراجعها)(8).

نعم, نقل في بعض الموارد عن الكتب الفقهية عن أحد الكتب الأربعة, كقوله: (كما في المرسل عن علي (علیه السلام) المروي في الحدائق عن الفقيه)(9).

والطريقة الثانية هي الغالبة في نقله (قدس سره) وبالأخص في اعتماده على الوسائل. والظاهر أن الوجه في ذلك هو وثوقه بالوسائل. خصوصاً في حال عدم التنبيه ممن سبقه من الأعلام على وجود اختلاف في النسخ. بل الظاهر من ملاحظة نقله عن نسخ الكتب الأربعة هو فيما إذا كان هناك اختلاف في متن الحديث، أو سنده دون غيره.

ص: 297


1- المستمسك: 1/202 و 3/212 و 4/104 و 5/222 وغيرها.
2- المستمسك: 1/440 و 2/23 و 3/166 و 4/127 و 5/383 و 6/116 وغيرها.
3- المستمسك: 1/177 و 2/259 و 3/76 و 4/30 وغيرها.
4- المستمسك: 1/148 و 2/318 و 3/119 و 4/84 و 5/400 و 6/423 وغيرها.
5- المستمسك: 1/354.
6- المستمسك: 1/442 و 4/341 وغيرها.
7- المستمسك: 6/436 و 8/250 و426 وغيرها.
8- المستمسك: 1/53-54 و 2/229 و 4/3 و 5/98 و 6/21 و 7/58 و 8/179 و 9/379 وغيرها.
9- المستمسك: 2/238.

كما أن تعامله مع الوسائل كان يلحظ فيه نسخها. وذكر في غير مرة أنه لاحظ نسخة مصححة منها. كقوله (قدس سره): (وما في الوسائل الرائجة من رواية المتن الأول عن حماد بن عيسى غلط، كما يظهر من ملاحظة النسخة المصححة)(1)

كما كان أيضاً يُلاحظ آراء صاحب الوسائل، وإن ناقش في بعضها(2).

هذا. وقد ذكر (قدس سره) بعض ما يُخدش به على الوسائل في قطعة من مخطوطة له حول علمي الرجال والدراية. قائلاً: (ومما يُخدش به على صاحب الوسائل. أنه مع اختلاف النسخ يُرجح نسخة، ثم يروي بلا إشارة منه إلى ذلك. مع أن الترجيح إنما هو باجتهاده وحدسه. فلابد من الملاحظة مع اختلاف النسخ. وأيضاً فهو قد يُفسر بعض المشتركات لبعض القرائن من دون تنبيه منه على ذلك، بحيث يُتراءى أن ذلك البيان من الراوي مع أنه منه. وكثير منه ما في باب استحباب الصلاة في أول الوقت... وقد يُسقط بعض المتون لاعتقاد اتحاد الرواية لاتحاد الراوي، كما فعل ذلك في باب وجوب الإعادة على من ترك الاستقبال عامداً...)(3).

وأمَّا نقله (قدس سره) للأخبار من غير الكتب الأربعة. فما كان منها متوفراً في الوسائل كالعلل والخصال، ومعاني الأخبار والعيون(4)

وغيرها. فالظاهر

ص: 298


1- المستمسك: 2/368 ولاحظ: 2/312 و 6/156 وغيرها. والظاهر أن النسخة المصححة التي كانت عند السيد الحكيم (قدس سره) هي بتصحيح صاحب الوسائل نفسه. وأنه أضاف إليها بعض الحواشي وهي غير موجودة فيما هو المطبوع آنذاك. كما أشار إلى ذلك في الهامش مُخرج أحاديث المستمسك: فلاحظ: 2/463 و 6/8 و 7/49.
2- المستمسك: 2/463 و 3/9-183 و 4/164 و 5/76 و 6/150-200 و 7/380-464 و 8/350 و 9/388 و 10/8-139 و 11/132 و 12/137 و 14/132-452 وغيرها.
3- قطعة من مخطوطة له (قدس سره) في مكتبة الإمام الحكيم العامة برقم (2269): 12.
4- لاحظ المستمسك: 1/401 و 2/250-299 و 3/74 و 4/19-30-33-376 و 5/7-14-21 و 6/301-409 وغيرها.

اعتماده عليها. بل لا يبعد اعتماده عليها حتى في نقله عنها بما ظاهره النقل المباشر كقوله: (رواية العلل عن يونس...)(1).

وأما غيره. كالرسالة الذهبية(2) والجعفريات(3)

وأصل زيد النرسي(4)

وكتاب محمد بن المثنى الحضرمي(5)

ودعائم الإسلام(6)

والهداية(7)

وجامع الأخبار(8)

ونوادر الراوندي(9)

وغيرها. فالظاهر أنه كان يعتمد في ذلك على بحار الأنوار ومستدرك الوسائل - بل ربما اعتمد عليهما في بعض ما هو متوفر في الوسائل - كما يشهد به تصريحه في بعضها. كقوله (وفي البحار حديثاً آخر عن الخرايج والجرايح)(10) و (ما في البحار عن كتاب يظنه مجمع الدعوات)(11) و (لما روي في البحار عن كتاب محمد بن المثنى الحضرمي)(12) و (قد جمع المجلسي في البحار شطراً منها يقرب إلى المائة من كتب متفرقة كالكافي، والتهذيب، والفقيه، وفقه الرضا، وقرب الإسناد، ودعائم الإسلام، والاحتجاج، والعلل، والخصال، وتفسير علي بن إبراهيم، والعياشي، ومعاني الأخبار، وتحف العقول، وارشاد القلوب، وثواب الأعمال، وعدة الداعي، مجالس الصدوق،

ص: 299


1- المستمسك: 1/255-310.
2- المستمسك: 2/249-250 و313.
3- المستمسك: 1/278 و 5/537.
4- المستمسك: 5/565 و 6/86-390.
5- المستمسك: 8/177.
6- المستمسك: 2/37-221-292 و 3/152-217-272 و 4/156-187 وغيرها.
7- المستمسك: 3/272 و 6/452.
8- المستمسك: 2/325.
9- المستمسك: 2/196-225 و 4/376 وغيرها.
10- المستمسك: 1/254.
11- المستمسك: 1/425.
12- المستمسك: 8/177.

والتوحيد، والعيون، والمصباح للشيخ، ومسار الشيعة للمفيد، والاقبال، والمقنعة، ومجالس الشيخ، والخلاف له، والمعتبر، والذكرى، وغياث سلطان الورى، ومصباح الكفعمي، ودعوات الراوندي، والسرائر... وإن كان في جملة مما تخيل دلالته على المطلوب مناقشة، لكن في الجملة الأخرى ووضوح الأمر مغناة...)(1),

وقوله (قدس سره): (وفي الوسائل عن أصل زيد النرسي)(2)

و(ففي المستدرك عن جامع الأخبار)(3).

ثم إنه (قدس سره) وصف الكتب الأربعة في موضعين ب-(الأربعة)(4)

لكن الأكثر في كلامه وصفها ب-(الثلاثة)(5) والوجه فيه هو كون الاستبصار قطعة من التهذيب قال في المخطوطة: (ثم إن الاستبصار كقطعة من التهذيب. إذ غرضه في التهذيب نقل الأخبار على نحو الاستقصاء موافقةً كانت أم مخالفةً. وفي الاستبصار اقتصر على خصوص الأخبار المخالفة ظاهراً، وجمع بينها في الدلالة أو السند)(6).

كما تعرض في المخطوطة المذكورة إلى دعوى قطعية الكتب الأربعة وردها. قائلاً: (نعم. اشتبه ذلك على جماعة من الأخباريين. فبعضهم كالأمين الأسترابادي ادعى قطعية الأخبار المدونة في الكتب الأربعة. ولا يخفى أنه بعد تسليم كونه قاطعاً لا طريق لإلزامنا ما دمنا غير قاطعين. وأنه لو كان المراد بقطعية الصدور قطع مصنفيها بالاعتبار، فهذا حق لشهادتهم في أول كتبهم باعتبار ما دونوه، وأنهم لم يدرجوا فيها إلا ما هو حق عندهم. ولكن لا ينفع

ص: 300


1- المستمسك: 5/83-84.
2- المستمسك: 5/592.
3- المستمسك: 2/244و323.
4- المستمسك: 1/198 و 11/390.
5- المستمسك: 2/148 و 5/156 و 9/159 و 11/313 و 12/111.
6- قطعة من مخطوطة له حول علمي الرجال والدراية في مكتبة الإمام الحكيم العامة برقم (2269): 9.

ذلك غيرهم مقلداً كان أم مجتهداً، إذ لا معنى لتقليدهم في حجية تلك الأخبار. لأنها من المسائل الأصولية التي لا تقليد فيها. نعم. لو آل الأمر إلى مسألة فرعية مع جواز تقليد الميت ابتداءاً - كما ذهب إليه جماعة - كان لتقليدهم مجال، وأما المجتهد الذي يستنبط فيمكن له أن يعتمد على تصحيحهم لها بعد وثوقه بهم. إذا قطع أن منشأ الاعتبار عندهم إعمال القواعد الرجالية، وتمييز الصحيح من السقيم، لا عن حدس واجتهاد. مثل توهم كون مؤدى الخبر مجمعاً عليه، أو كان مطابقاً لأصل مسلم بحيث لو أطلعنا على مباني اعتباره لها كانت عندنا فاسدة. إذ احتمال ذلك مانع من الاعتماد عليها. ونظير ذلك دعوى الاجماع في المسألة الفرعية... وبالجملة إذا علمنا أن الوجه في اعتمادهم القواعد الرجالية من الأصدقية والأعدلية والضبط ونحوها - كما هو ديدن بعضهم - جاز الاعتماد عليهم. وإذا احتملنا أن يكون لحدس فلابد لنا من الاجتهاد مثلهم)(1).

وقد جاءت في أثناء كلماته (قدس سره) نكات علمية وفوائد متعلقة بالكتب الثلاثة سنعرض لها بدءاً بالكافي ثم الفقيه ثم التهذيب.

الكافي

أولاً: موقفه من اعتبار روايات الكافي:

لم يتعرض (قدس سره) في المستمسك - على حد تتبعنا - لدعوى قطعية صدور جميع روايات الكافي، لكن عرض لها في رسالته المخطوطة. وقد أكد (قدس سره) فيها على قيمة الكافي وعلو شأنه من بين الكتب الأربعة قائلاً: (هو أوثق الكتب الأربعة وأكبرها وأمتنها. إذ كان عصره (رحمة الله) أوان الغيبة الصغرى، وكان له غاية التمكن من تحصيل العلم، حيث كان بعض شيوخه من الوكلاء. ولذا كلما استشكل في مسألة راجعها إلى الحجة (علیه السلام) مكاتبة بتوسط الوكلاء فيظهر جوابه على مكتوبه. فلذا نُقل عن بعض أن مراسيل الكليني كما إذا عبر بلفظ روى

ص: 301


1- نفس المصدر: 6.

من دون الاسناد نُقلت بدون واسطة مكاتبة من الحجة(1).

ولم يصرح باسمه (علیه السلام) للتقية. مع وجود الكتب الكثيرة من الأخبار عنده ليس منها في زماننا هذا إلا الواحد من ألف... فتلخص: ان للكافي علو شأن, وارتفاع درجة, وجلالة مرتبة, من حيث المتانة والقوة، ليست لغيره؛ لاجتماع كل ما يوجب الوثاقة فيه)(2).

لكنه (قدس سره) لم ينته إلى قطعية صدور أخباره. قائلاً: (ولا يتوهم قطعية صدور أخباره - كما قاله بعض الأخباريين - إذ كونه كذلك لا يوجب إلا قوة في اعتباره. إذ ليست كل أخباره مسؤولاً عنها من الإمام (علیه السلام) بنحو المكاتبة. ولم يثبت كونه معروضاً على الإمام (علیه السلام) كما هو المشهور: إن الحجة (علیه السلام) قال - بعد عرضه -: إن الكافي كافٍ لشيعتنا... ولا ملازمة بين اعتباره عنده وصدوره عن المعصوم (علیه السلام) لكن الأسباب المذكورة مع جلالة قدره وعلو شأنه وإحاطته بالأخبار يوجب زيادة وثاقته على ساير الكتب)(3).

ص: 302


1- وإن نقل السيد الحكيم (قدس سره) هذه المقولة عن غيره إلا أنه لم يلتزم بها ولذا نجده في البحث الثالث الآتي ذكره. يجعل من رواية الكليني بصيغة (في رواية أخرى) إرسالاً منه موهناً لها. فلاحظ المستمسك: 8/72. وقد تعرض السيد البروجردي (قدس سره) إلى نقد مثل هذه الدعوى في مقدمة كتابه (ترتيب أسانيد الكافي:345) قائلاً: (وهذه كلها دعاوى عارية عن الدليل، غير خارجة عن حدود الخرص والتخمين. فيالتها كانت مقرونة بشاهد ومثبتة بدليل. حتى نستريح إليها عن كثير من المشاق والمتاعب. ولم يتحقق بعدُ لنا أنه كان ببغداد أيام تصنيفه للكتاب، بل الظاهر من كلام النجاشي حيث قال: (شيخ أصحابنا في وقته بالري ووجههم) هو أنه كان بالري طوال حياته. وخصوصاً أيام تكامله في العلم. فإنها الزمان الذي يمكن دعوى كونه شيخ أصحابنا ووجههم. فلو كان في مدة تصنيفه التي زعم أنها عشرون سنة ببغداد، لم يبق من زمان تكامله شيء يصلح لئن يكون فيه شيخ أصحابنا بالري ووجههم. ولا ينافي ذلك موته ببغداد ودفنه بها. إذ يمكن أن يكون سافر إليها في أواخر عمره عابراً أو مقيماً، فأدركه أجله بها...).
2- قطعة مخطوطة له حول علمي الرجال والدراية: 2.
3- نفس المصدر: 6.

ثانياً: أضبطية الكافي:

من المشهورات أن الكليني في كتابه الكافي أضبط في النقل من بقية الكتب الثلاثة. مما ترتب عليه ترجيح نقله في حال اختلاف الكتب الأربعة في نقل الرواية.

والسيد الحكيم (قدس سره) التزم بهذه المقولة في غير موضع من كتابه. منها قوله (قدس سره): (نعم. عن التهذيب روايته بإسقاط كلمة (لا)... لكن مع أن الكليني أضبط. لا يناسب قيد المؤنة)(1)

و (أما مصححة معاوية فهي مروية في الكافي خالية من ذكر الخمر. وهو أضبط كما اشتهر)(2)

و (لكن عن الكافي رواية الأولى هكذا... وهو - مع أنه أضبط - يتعين الاعتماد عليه في المقام. لعدم مناسبته للذيل على رواية الشيخ)(3) و (ولا ينبغي التأمل في تقديم نقل الكليني مع معارضته لنقل الشيخ)(4).

وهو (قدس سره) كغيره(5)

التزم بذلك ما لم تقم قرينة على الخلاف، فحينئذ يُصار معها.

قال (قدس سره): (ورواية الكليني (قاعداً) لا يمنع من التمسك به. وإن كان الكافي أضبط. لما حُكي في نص الشيخ في الاستبصار على رواية الكافي لها (قاعداً) والتفاته إلى ذلك وروايته (قائماً). الظاهر في اطلاعه على ما يوجب خطأ الكافي فتأمل)(6).

ويظهر من النصّ المتقدّم عن المخطوطة الوجهُ في أضبطية الكافي من

ص: 303


1- المستمسك: 1/272-273.
2- المستمسك: 1/407.
3- المستمسك: 8/225 و 11/275.
4- المستمسك: 14/282و335.
5- جواهر الكلام: 3/145.
6- المستمسك: 5/400.

خصوصية زمان تأليفه ومؤلفه اساتذةً وتوفراً على المصادر, وإحاطة بالأخبار, مع جلالة قدره في نفسه.

كما بَيَّنَ (قدس سره) ملاك حجية تقديم الكافي بعد إحراز أضبطيته بقوله: (إن الظاهر كون المراد من الرواية عنهم (علیهم السلام) ما يعم الرواية بالواسطة. ولذا ترجح إحدى الروايتين على الأخرى بملاحظة الوسائط. ولا يختص الترجيح بملاحظة حال الراوي عن الإمام (علیه السلام) لا غير. وكأنه لأجل ذلك استقر بناء الأصحاب على ترجيح رواية الكليني على رواية الشيخ عند اختلافهما. لما اشتهر من أضبطية الكافي)(1)

أي أن الترجيح بالأضبطية لا يختص بملاحظة حال الراوي المباشر عن الإمام (علیه السلام) بل يشمل الراوي بالواسطة. ولذا قُدِم الكليني على الشيخ لأنه أضبط في حال اختلاف روايتهما.

ثالثاً: إرسال الكليني للرواية.

يذكر الكليني عادة الروايات مسندة عن الأئمة (علیهم السلام) ولكنه قد يذكر الرواية مرسلة. مصرحاً بالمرسل تارة كقوله: (قال ابن أبي عمير وفي حديث آخر)(2).

وبدونه أخرى كقوله: (وفي رواية أخرى)(3).

- وهي الأكثر - وفي هذه الحالة نقطتان.

الأولى: هل المرسل هو الكليني، أم يحتمل أن يكون المرسل بعض رجال سنده؟

الثانية: هل في حكاية الرواية مرسلةً ما يُشير إلى توهينها؟

والذي يظهر من السيد الحكيم (قدس سره) أنه تلقى الإرسال في مثل ذلك على أنه من الكليني، قاصداً الإشارة إلى وهن الرواية قال (قدس سره): (ولاسيما وأن ظاهر

ص: 304


1- المستمسك: 3/184-185.
2- الكافي: 6/171/ذيل ح4 و173/ذيل ح2.
3- الكافي: 1/30-33-36-40-65-66-67-87 وغيرها.

الكليني توهينها. إذ بعدما روى روايات التمام قال: (وفي رواية أخرى)... فإن إرساله لهذه الرواية لا يخلو من الدلالة على وهنها)(1).

لكن كون المرسل هو الكليني مما قد لا يتم في جميع الموارد. إذ قد نجد ما نقله الكليني بصيغة (في رواية أخرى) نفسه في مصدر آخر. كالذي رواه الكليني في الحديث التاسع من باب الحركة والانتقال من كتاب التوحيد(2).

وهي نفسها موجودة وبسند لا يمر بالكليني في توحيد الصدوق باب معنى (الرحمن على العرش استوى) الحديث الخامس والسادس(3).

وبالطريقة التي نقل بها الكليني الخبر بصيغة (وفي رواية أخرى). إلا انْ يحتمل أن الصدوق نقلها عن الكافي ولم يصرح بذلك لأنه لم يجد ثمرة فيه بعد إرسال الرواية. وقد يؤيد ذلك أن الكليني قد ينقل الرواية مسندة بعد أن يوردها مرسلة بصيغة (في رواية أخرى)(4).

من لا يحضره الفقيه

تعرَّض (قدس سره) في أثناء كلماته إلى كتاب (من لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق (رحمة الله) من الجهات الآتية:

- هل عدل (رحمة الله) عن منهجه في الفقيه؟

- حجية مراسيل الصدوق.

- من نقل عنهم الصدوق الخبر مشتركاً.

هل عدل الصدوق (رحمة الله) عن منهجه في الفقيه؟

ذكر الشيخ الصدوق (رحمة الله) في مقدمة الفقيه منهجه في نقل الأخبار. وأنه

ص: 305


1- المستمسك: 8/72.
2- الكافي: 1/128.
3- التوحيد: 309-310.
4- الكافي: 2/667/ح5 (في رواية أخرى) أعادها مسندة في: 6/288/ح1.

لا ينقل كل خبر على طريقة المؤلفين، وإنما يذكر ما يراه حجة بينه وبين ربه، ويحكم بصحته، ويُفتي على طبقه قال (رحمة الله): (ولم أقصد فيه قصد المصنفين في إيراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به وأحكم بصحته. وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي)(1).

لكن حُكي عن المجلسي (رحمة الله) القول بأن الصدوق عدل عن منهجه ولم يلتزم به في كتابه. والسيد الحكيم (قدس سره) . لم يرتضِ ذلك. قائلاً: (وإيراد الصدوق للمرسل في كتابه لا يدل على اعتقاده بمضمونه. لأنه عدل عما ذكره في صدر كتابه. كما عن المجلسي (رحمة الله) . وإن كان يشكل ذلك: بأن الواجب التنبيه منه على ذلك. لئلا يكون تدليساً. وهو بعيد عن مقامه الأقدس. مع أن حصول البداء له في مثل ذلك مستبعد جداً. ولاسيما بالنسبة إلى هذه الرواية المذكورة في أوائل الكتاب)(2)

و (بل ذكره - الصدوق - الرواية لا يدل على عمله بها، لما تقدم من شهادة غير واحد من الأساطين بعدوله عما ذكره في صدر كتابه. من أنه لا يذكر فيه إلا ما يعتمد عليه ويكون حجة بينه وبين ربه. وإن كان ذلك بعيداً)(3).

والذي يظهر من مخطوطة له في توجيه استبعاد مخالفة الصدوق (رحمة الله) لمنهجه المصرح به في مقدمة الفقيه مضافاً لما ذكره هنا من أن لازمه التدليس مع عدم التنبيه على العدول. هو أن تخلفه في بعض المواطن عن منهجه من قبيل العموم المخصص. قائلاً: (ولا ينافي رده لبعض الأخبار بتضعيف السند ما ذكره في أول كتابه من أن كل ما يرويه فيه يفتي على طبقه. إذ ذاك من قبيل العموم

ص: 306


1- الفقيه: 1/المقدمة/3.
2- المستمسك: 1/303.
3- المستمسك: 2/257-258 هذا ولم نعثر على عبارة صريحة للمجلسي في ذلك. نعم. يظهر من روضة المتقين: 1/17 كما نسبه للمجلسي حفيده الوحيد في مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرايع: 3/112 و 4/444 والجواهر: 5/300 والحدائق: 5/65 و 9/115 و 10/246 و 16/200 ولاحظ كتاب الطهارة للسيد الخوئي: 11/346.

المخصص)(1).

حجية مراسيل الصدوق (رحمة الله)

وقع الكلام في مراسيل الصدوق (رحمة الله) لخصوصية فيها يمكن إبرازها بأحد وجهين:

الأول: إن الشيخ الصدوق (رحمة الله) - كما عرفت - حكم في مقدمة الفقيه بصحة جميع مروياته، وبالتالي ستكون المراسيل الواردة فيه حجة لتصحيح الصدوق (رحمة الله) لها.

والسيد الحكيم (قدس سره) وإن دافع عن عمومية حكمه هذا - كما مر في المبحث السابق - إلا أننا لم نجده (قدس سره) جعله برأسه سبباً كافياً في الوثوق بالمرسل.

الثاني: إن مراسيل الصدوق (رحمة الله) على صنفين: فهو تارة يُرسل بصيغة (روى عن الصادق) مثلاً، وأخرى بصيغة (قال الصادق). والصنف الثاني حجة لما فيه من النسبة الجزمية للمعصوم. وهي لا تصح إلا مع توفر القطع بصدوره عنه (علیه السلام) .

والسيد الحكيم (قدس سره) وإن قَبِلَ انقسام مراسيل الصدوق

(رحمة الله) - باعتبار هذا الوجه - إلى قسمين: أحدهما أقوى من الآخر، وحكم بأن النسبية الجزمية في إرسال الصدوق (رحمة الله) تدل على أن الخبر في غاية الاعتبار عنده. وهو سبب كافٍ للوثوق بالخبر. قائلاً: (هذا. ولكن الإنصاف أن إرسال الفقيه بمثِل (قال رسول الله:) يدل على غاية الاعتبار عنده. وكفى به سبباً للوثوق)(2)

إلا أنه يظهر منه (قدس سره) في موضع متأخر عدم اعتبار مراسيل الصدوق حتى بالصيغة الجزمية، لاحتمال استناده إلى مقدمات حدسية. قائلاً: (وأما مرسل الصدوق فلم تقم حجة على حجيته. كي لأجله تُرفع اليد عن ظاهر النصوص المتقدمة المتأكدة

ص: 307


1- مخطوط له في علمي الرجال والدراية: 10.
2- المستمسك: 6/120.

الدلالة. وهذا النوع من مرسلات الصدوق وإن كان أقوى من النوع الآخر. المعبر فيه بمثل (عن الصادق) أو (عن الكاظم) لكنه ما دام الخبر مستنداً إلى مقدمات حدسية اجتهادية لا مجال للاعتماد عليه، لاسيما مع احتمال كونها نظرية خفية جداً. كما لا يخفى)(1).

ومن هنا نجده حكم بقصور سندٍ مرسلٍ للصدوق كان بالصيغة الجزمية. قائلاً (قدس سره): (ومرسل الصدوق في الفقيه: (قال رسول الله:)... فهو قاصر السند)(2).

إن قلت: إن مجرد احتمال الحدس في نسبة الصدوق الجزمية غير كافٍ بعد بناء العقلاء على أصالة الحس في الأخبار. وبالتالي يكون إخباره عن المعصوم بشكل جزمي داخلاً تحت حجية خبر الثقة في الأحكام الكلية، كما بينه (قدس سره) في موضع من المستمسك. وتقدم بيانه في التمهيد.

قلت: نعم. ولكن يشكل جريان أصالة الحس في أخبار الصدوق الجزمية لأن الظاهر من طريقته في نقل الأخبار - كغيره من القدماء - أنه كان يبني على حجية الخبر الموثوق به، ولو بحسب القرائن الحدسية التي يراها. وعليه بنى تصحيحه أو جزمه بالخبر. على أنه لو تم ذلك اقتضى الاعتماد على جميع مراسيل الصدوق، لا خصوص الجزمية. لأنه شهد في مقدمة كتابه بصحة جميع رواياته.

إذن. الظاهر أن موقف السيد الحكيم (قدس سره) ازاء مراسيل الصدوق (رحمة الله) بشكل عام هو أنها كباقي المراسيل. من حيث عدم اعتبارها بحد ذاتها ما لم تقم قرائن على الوثوق بها. قال (قدس سره) (وظاهر الصدوق في الفقيه للمرسل ونحوه خبر منصور الصقيل... مع ضعف الأولين وإعراض الأصحاب عن الجميع)(3)

و (بمرسل الفقيه عن الصادق (علیه السلام) ... إذ فيه مضافاً إلى ما في الخبر من الضعف بالإسناد

ص: 308


1- المستمسك: 11/211.
2- المستمسك: 14/63.
3- المستمسك: 1/532.

والإرسال)(1)

و (لمرسل الفقيه... لكنه مع ضعفه في نفسه. وإعراض المشهور)(2)

و (نحوه مرسل الفقيه... فلا بأس حينئذ بالاعتماد عليها مؤيدين أو معتضدين بما سبق)(3)

و (نحوه مرسل الفقيه... كما لا يقدح إرسال الجميع للجبر بالعمل)(4)

و (ومرسل الفقيه عن أمير المؤمنين (علیه السلام) وضعفها مجبور بالعمل)(5).

من نقل عنهم الصدوق (رحمة الله) الخبر مشتركاً:

قد بدأ الشيخ الصدوق (رحمة الله) بعض الأخبار عن راويين ك-(زيد الشحام والمفضل بن صالح)(6)

و(زرارة والفضيل بن يسار)(7)

و(زرارة وعبد الله بن علي الحلبي)(8)

و(الحلبي وعبد الله بن سنان)(9)

ولم يذكر في المشيخة الطريق لهما مشتركاً. وإنما ذكر الطريق لكل منهما منفرداً(10).

فهل يُحكم بجهالة طريقه إليهما لعدم ذكره, وإن كان له لكل واحدٍ منهما طريق منفرد. ويؤيده أن بعض من بدأ به مشتركاً ذكر له في المشيخة طريقاً مشتركاً ك-(محمد بن حمران النهدي وجميل بن دراج)(11)

و(أبو بكر الحضرمي

ص: 309


1- المستمسك: 4/19.
2- المستمسك: 7/215.
3- المستمسك: 2/361
4- المستمسك: 3/153.
5- المستمسك: 4/104 وغيرها.
6- الفقيه: 1/36/ح136.
7- الفقيه: 1/129/ح606.
8- الفقيه: 1/104/ح486.
9- الفقيه: 1/173/ح818.
10- مشيخة الفقيه: 9-11-16-17-32-43.
11- الفقيه: 1/60/ح223 ومشيخة الفقيه: 17.

وكليب الأسدي)(1).

أو أن الطريق لهما مشتركاً هو الطريق لكلٍ منهما منفرداً. لأن نفس اقتصاره على الطريق المنفرد يقتضي ذلك؟

وجهان: اختار السيد الحكيم (قدس سره) الثاني. قائلاً: (والمناقشة في الأول سنداً بجهالة طريق الصدوق إلى زرارة ومحمد مجتمعين .. مندفعة: بأن نص الصدوق على طريقه إلى زرارة وإلى محمد، مع عدم تعرضه لطريقه إليهما مجتمعين يقتضي أنَّ طريقه إليهما مجتمعين هو طريقه إلى كلٍ منهما منفرداً)(2).

هذا وقد تعرض السيد الحكيم (قدس سره) في أثناء كلماته إلى بعض طرق الصدوق (رحمة الله) في المشيخة، كطريقه إلى سماعة بن مهران(3)

وسويد القلا(4)

وعلي ابن أبي حمزة(5)

وعمر بن يزيد(6)

ومحمد بن علي بن محبوب(7)

ومحمد بن مسلم(8)

ويعقوب بن شعيب(9)

مبيناً صحة الجميع.

التهذيب

يمكن تحصيل نُكتتين متعلقتين بالتهذيب من مطاوي كلمات السيد الحكيم (قدس سره) وهما:

أولاً: (من ابتدأ الشيخ باسمه الإسناد ولم يذكر طريقه إليه في المشيخة).

ص: 310


1- الفقيه: 1/188/897 ومشيخة الفقيه: 52.
2- المستمسك: 5/185-186.
3- المستمسك: 11/192 ومشيخة الفقيه: 11.
4- المستمسك: 11/115 ومشيخة الفقيه: 120.
5- المستمسك: 11/146 ومشيخة الفقيه: 87.
6- المستمسك: 11/193 ومشيخة الفقيه: 8.
7- المستمسك: 11/91 ومشيخة الفقيه: 105.
8- المستمسك: 14/353 ومشيخة الفقيه: 6.
9- المستمسك: 13/156 ومشيخة الفقيه: 78.

صرَّح الشيخ في مقدمة مشيخة التهذيب بأنه يبدأ باسم من ينقل الخبر عن كتابه(1)،

وأنه يذكر في المشيخة طريقه إلى صاحب الكتاب، لكن هناك من بدأ به في نقل الخبر ولم يذكر طريقه إليه في المشيخة ك-(محمد بن أحمد بن داود)(2)

و (سلمة بن الخطاب)(3).فهل يحكم بأن الشيخ نقل عنه بطريقه إليه في الفهرست - إن كان مذكوراً فيه - بشهادة إحالة الشيخ (رحمة الله) على طرق الفهرست في ذيل مشيخة التهذيب قائلاً: (وقد أوردتُ جملاً من الطرق إلى هذه المصنفات والأصول. ولتفصيل ذلك شرح يطول. وهو مذكور في الفهارس المصنفة في هذا الباب للشيوخ (رحمهم الله) من أراد أخذه من هناك إن شاء الله. وقد ذكرنا نحن مستوفى في كتاب فهرست الشيعة)(4).

أو لا يحكم بذلك من جهة أن طرق الشيخ (رحمة الله) في الفهرست هي طرق لعناوين الكتب وأسمائها، لا للنُسخ المُعينة في الخارج، والمنقول عنها الحديث، إلا أن تقوم قرينة على أنه طريق للنسخة.

رأيان: ذهب السيد الحكيم (قدس سره) إلى الأول قائلاً: (وكأنه للخدش في الصحيحة من وجوه. الأول: أنها رواها الشيخ محمد بن أحمد بن داود. ولم يذكر طريقه إليه في المشيخة... وليكن دفع الأول: بأن الشيخ (رحمة الله) ذكر في محكي الفهرست في ترجمة محمد بن أحمد بن داود أنه أخبرنا بكتبه ورواياته جماعة منهم: محمد بن محمد بن النعمان، والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون كلهم. ولذا قال الأردبيلي في رسالة تصحيح الاسناد: "إن طريقه إليه صحيح في

ص: 311


1- مشيخة التهذيب: 10/382.
2- التهذيب: 4/62/ح28-31-32-33-37-44 وغيرها.
3- التهذيب: 1/469/ح184 و 5/493/ح417.
4- مشيخة التهذيب: 10/393.

الفهرست")(1).

بل يظهر منه (قدس سره) أنه يعتمد على طرق الفهرست في إحراز طرق الشيخ إلى الرواة ولو كانوا مذكورين في غير التهذيب، كالخلاف والمصباح. قال

(قدس سره): (ومما يدل على النجاسة رواية العيص بن القاسم المروية في الخلاف... بأن الظاهر من نسبة الرواية إلى العيص وجدانها في كتابه - كما ذكره شيخنا الأعظم

(قدس سره) وغيره - وطريق الشيخ إليه حسن. كما يظهر من الفهرست)(2)

وقوله: (تدل عليه رواية هشام بن سالم المروية في محكي مصباح الشيخ... فإن طريق الشيخ إلى هشام صحيح كما يظهر من ملاحظة الفهرست)(3).

هذا. وقد تعرض (قدس سره) إلى بعض طرق الشيخ في المشيخة كطريقه إلى الحسين ابن سعيد(4)

وإلى سعد بن عبدالله(5)

وإلى علي بن جعفر(6)

وإلى محمد بن علي ابن محبوب(7)

وموسى بن القاسم(8).

وأنها طرق صحيحة. وطريقه إلى الحسن ابن محمد بن سماعة(9)

وأنه موثق.

ثانياً: تعويض طرق الشيخ بطرق الصدوق (رحمة الله):

تعرض (قدس سره) في مخطوطة له إلى تعويض طرق الشيخ (رحمة الله) بطرق الصدوق (رحمة الله)

ص: 312


1- المستمسك: 5/463.
2- المستمسك: 1/230-231 علماً أن العيص بن القاسم ابتدأ بذكر اسمه في موضع من التهذيب: 5/490/ح400 ولم يذكر طريقه إليه في المشيخة.
3- المستمسك: 5/18-20.
4- المستمسك: 11/304 ومشيخة التهذيب: 10/386.
5- المستمسك: 10/59 ومشيخة التهذيب: 10/388.
6- المستمسك: 5/224 ومشيخة التهذيب: 10/392.
7- المستمسك: 11/91 و 12/335. ومشيخة التهذيب: 10/387.
8- المستمسك: 11/15 ومشيخة التهذيب: 10/390.
9- المستمسك: 12/358 ومشيخة التهذيب: 389.

قائلاً: (فائدة قد يكون في طرق الشيخ (رحمة الله) إلى الكتاب الذي ينقل عنه رجل ضعيف أو مجهول، فيتراءى منه قدح في الحديث. وليس كذلك لو كان في طريق الصدوق إليه سند معتبر. إذ الشيخ كلما ينقل يكون بإجازة المفيد المجاز من الصدوق. فكأنه ينقل عن الصدوق. والمفروض ثبوت صحة سند الصدوق إلى ذلك الكتاب. وبعبارة أخرى لو فرض خبر صحيح من صاحب الكتاب إلى الإمام. وكان في سند الشيخ إلى ذلك رجل غير معتبر فلا يقدح لو كان سند الصدوق إلى ذلك صحيحاً معتبراً، وإن لم يذكر خصوص هذا الخبر. لأن سند الشيخ وإن كان ضعيفاً، لكنه يروي كلما أجازه الصدوق بالواسطة فيتصل سلسلة سنده إلى هذا بسندٍ آخر صحيح. وهو نقله عن المفيد عن الصدوق. والمفروض صحة سند الصدوق. فلا يبقى مجال توهم ضعف الخبر)(1).

ص: 313


1- مخطوطة له في علمي الرجال والدراية: 10.