ضياء الشهاب

هويّة الكتاب

مركز بحوث دار الحديث: 211

قطب راوندى، سعيد بن هبة اللّٰه، - 573 ق.

ضياء الشهاب / قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة اللّٰه الراوندي؛ تحقيق: مهدى سليمانى آشتيانى. - قم: دار الحديث، 1431 ق = 1388 ش.

664 ص. - (مركز بحوث دار الحديث؛ 211).

8 - 498-493-964-978: ISBN

فهرست نويسى پيش از انتشار بر اساس اطلاعات فيپا.

كتاب نامه: ص 627-664؛ همچنين به صورت زير نويس.

1. قضاعى، محمّد بن سلامه، - 454 ق. - شهاب الأخبار - نقد و تفسير. 2. محمّد صلى الله عليه و آله، پيامبر اسلام، 53 قبل از هجرت - ق 11. - كلمات قصار. 3. احاديث اخلاقى. الف. عنوان. ب. شهاب الأخبار. شرح.

1389 902 ش 6 ق / 5/142 BP

فهرست نويسى پيش از انتشار، توسّط كتاب خانۀ تخصّصى حديث / قم.

ص: 1

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم

ص: 2

ضِياءُ الشِّهاب

في شرح شِهاب الأخبار

لقطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة اللّٰه الراوندي

(م 573 ق)

تحقيق

مهدي سليماني الآشتياني

ص: 3

ضياء الشهاب في شرح شهاب الأخبار

قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة اللّٰه الراوندي

تحقيق: مهدي سليماني الآشتياني

الفهارس الفنيّة: محمّد ضياء سلطانى

نضد الحروف: محمّد كطران كشمر (أبو نور)، حسين أفخميان

الإخراج الفني: مهدي خوش رفتار

الناشر: دار الحديث للطباعة والنشر

الطبعة: الاُولىٰ ، 1431 ق / 1389 ش

المطبعة: دار الحديث

الكمية: 1000

الثمن: 8000 تومان

ايران: قم المقدسة، شارع معلّم، الرقم 125 هاتف: 7740545-77405230251

E-mail:hadith@hadith.net

Internet:http://www.hadith.net

ص: 4

فهرس المطالب

تصدير... 7

مقدّمة التحقيق... 9

مؤلِّف الشِّهاب في سطورٍ... 11

أمّا مؤلّفاته فهي... 12

منزلة الشهاب عند الخاصّة... 13

مؤلّف الشرح... 16

منشؤه و مسكنه... 17

شيوخه... 18

تلامذته والراوون عنه... 22

مؤلّفاته... 24

شعره... 41

أعلام اُسرته... 43

أولاده الفضلاء الثلاثة... 43

1. عماد الدين عليّ ... 43

من أولاد عماد الدين علي... 44

2. نصير الدين الحسين... 44

3. ظهير الدين محمّد... 45

مولده... 47

وفاته... 47

مزاره... 47

نكات... 48

أ - أوّل من ألّف في آيات الأحكام... 48

ب - أوّل من ألّف منا في تهافت الفلاسفة... 48

ج - أوّل من كتب في الدراية... 49

ص: 5

د - أوّل من شرح نهج البلاغة... 50

الكتاب الذي بين يديك... 50

منهج العمل في الكتاب... 51

شكر و تقدير... 52

الباب الأوّل... 63

الباب الثاني... 221

الباب الثالث... 273

الباب الرابع... 297

الباب الخامس... 353

الباب السادس... 369

الباب السابع... 407

الباب الثامن... 449

الباب التاسع... 457

الباب العاشر... 475

الباب الحادي عشر... 481

الباب الثاني عشر... 485

الباب الثالث عشر... 491

الباب الرابع عشر... 497

الباب الخامس عشر... 503

الباب السادس عشر... 507

الباب السابع عشر... 511

الباب الثامن عشر... 517

الباب التاسع عشر... 523

الفهارس العامّة... 533

1. فهرس الآيات القرآنيّة... 535

2. فهرس أحاديث المتن... 549

3. فهرس أحاديث الشرح... 587

4. فهرس الأعلام... 607

5. فهرس الفرق والمذاهب والجماعات والقبائل... 615

6. فهرس الأماكن والبلدان... 618

7. فهرس الكتب الواردة في مقدمّة التحقيق... 621

8. فهرس الكتب الواردة في المتن... 625

9. فهرس الأشعار... 626

10. فهرس مصادر التحقيق... 627

ص: 6

تصدير

إنّ القرآن العظيم هو المصدر الأوّل الأعظم للهداية والسعادة، والحديث الشريف هو المصدر الثانى والعدل الواضح له. ولا ريب أنّ علم الحديث من أهمّ العلوم الشرعية التي تبتنى عليها سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

ومن المعلوم أنّ أفضل الحديث حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وخير الهدى هداه؛ فإنّه قال صلى الله عليه و آله «اُوتيت القرآن ومثله معه»، وحكم حديثه حكم القرآن من جهة المصدر؛ (وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ * إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ ) وهو بيان له.

فمن تأمّل حديثه وسيره وجوامع كلمه وأدعيته وبديهات خطبه ومخاطبته مع وفود العرب، لا يشكّ ولا يرتاب في أنّ فصاحة النبي لا تقابلها فصاحةٌ ، ولا يقارب اسلوبه في الحديث والبلاغة اُسلوبٌ إلّااُسلوب أئمّة الهدى؛ فإنّهم نور واحد وحديثهم حديث جدّهم صلوات اللّٰه عليهم أجمعين.

قد قيّضَ اللّٰه سبحانه اُمّة من أعلام الدين والعلماء الربّانيين وأئمّة الحديث لخدمة حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فحفظوا حديثه ودوّنوه وحرّروه وبيَّنوا صحيحه من سقيمه وأثبتوا كل حرفٍ صدرَ منه بإسناده.

ومن اُولئك الأفذاذ السيد الشريف الرضي؛ فإنّه قد جمع نماذج من بليغ كلامه صلى الله عليه و آله في المجازات النبوية، ومنهم أيضاً القاضي سلامة بن جعفر القضاعي الشافعي المتوفى سنه 454 ه، قد ألّف شهاب الاخبار في الحكم والأمثال، وجمع فيه جملة وافرةً من احاديثه صلى الله عليه و آله تزيد على ألف كلمة من الحكم في الوصايا والآداب والمواعظ والأمثال.

ص: 7

وقد ألّفَ كتابه هذا أوّلاً بالأسانيدِ منهُ إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ونَوَّعَ فيها وتفنَّنَ وذكر الطرق المتنوعة لكلّ واحد من الأحاديث، لكن لمّا رأى أنّ ذلك يطول ويثقل على العموم قام بتجريده من الأسانيد وسرد أحاديثه.

قد حظي كتاب الشهاب بمكانة عالية لدى أهل العلم عامّة وأهل الحديث خاصّة فتصدّى لشرحه كثير من علماء العامّة والخاصّة منذ اشتهاره بين الناس.

ومن أبرز تلك الشروح «ضياء الشهاب» للشيخ الإمام العلّامة الفقيه المتقن، قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة اللّٰه الراوندي المتوفى 573 ه.

كان رحمه الله من أصحابنا الإماميّة ومن أجلّة فقهاء الاُمّة وكان محدّثاً، مفسّراً، متكلّماً ومشاركاً في فنون اخرى من العلم، وهو عمد الى شرحه شرحاً متوسطاً يكفُّ عبارات الأحاديث النبوية الشريفة ومفرداته، فجاء كتابه هذا حافلاً بالدُرر ومشحوناً بالأخبار والأثر.

ونعرب في ختام المطاف عن جزيل الشكر والتقدير للمحقّق الفاضل مهدي سليماني الآشتياني لتصحيحه هذا الأثر القيّم، وكذا حجج الاسلام قاسم شير جعفري وعلي الحميداوي «الأنصاري» لمساهمتهم في التحقيق، ونسأل اللّٰه لهم مزيد التوفيق.

قسم إحياء التراث

مركز بحوث دارالحديث

محمد حسين الدرايتي

ص: 8

مقدّمة التحقيق

اشارة

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمدللّٰه الذي علا في توحّده، ودنا في تفرّده، وجلّ في سلطانه، وعظم في أركانه، وأحاط بكلّ شيءٍ علماً وهو في مكانه، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه، مجيداً لم يزل، ومحموداً لا يزال، وصلّى اللّٰه على الدليل إليه في الليل الأليل، والهادي إلى خير السبيل، وعلى آله الأولياء وأصحابه الأصفياء، عرفان الجميل، وتذكار الدليل.

كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله يخاطب الناس على اختلاف شعوبهم وقبائلهم وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم، يخاطب كلاًّ منهم بما يفهمون، وهو طبيب دوارٌ بطبّه، قد أحكم مَراهِمة وأحمىٰ مَواسِمَه، يَضَعُ ذلك حيث الحاجةُ إليه، من قلوبٍ عُمْيٍ ، وآذانٍ صُمٍّ ، وألسنةٍ بُكم، مُتَتَبِّعٌ بِدَوائِه مواضِعَ الغفلَةِ ومواطِنَ الحيرة، لم يستضيئوا بأضواء الحكمة، ولم يَقدَحوا بزنادِ العُلومِ الثَّاقِبَة، فَهُم في ذلك كالأنعام السَّائمةِ ، والصُّخور القاسية.(1)

وهو أفصح الناس لساناً، وأوجزهم كلاماً، و أجزلهم ألفاظاً، وفصاحته صلى الله عليه و آله لا تحتاج إلى بيان، وما نقل عنه من الخطب وجوامع الكلم لا يقدر على إتيان واحدة

ص: 9


1- . نهج البلاغة، الخطبة 108.

منها إنس ولا جان، وهي فوق طاعة الإنسان ودون كلام الرحمن، وكان صلى الله عليه و آله أفصح العرب، وكان يقول: «وإنّ اللّٰه عزوجل أدّبني فأحسن أدبي، وأنا من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر».

وقال صلى الله عليه و آله «اُعطيتُ جوامع الكلم، واختُصر لي الحديث اختصاراً».

ولما كان كلام رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله مشتملاً على أنواع المعارف والعلوم، جامعاً من الأحكام ما دقّ منها وجلّ ، كان لأهل الحديث مشارب شتّى في مصنّفاتهم الحديثيّة؛ فمنهم من أفرد حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله مقتصراً على الأحكام الفقهيّة، ومنهم من قصرها على سيرته، ومنهم من خصّ الرقائق والمواعظ بالتأليف والجمع، وغير ذلك.

فقد ألّف الناس من كلامه صلى الله عليه و آله الدواوين، وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب، ومنها ما لا يوازي فصاحته ولا يباري بلاغته.

وكان من أبرز تلك الكتب التي عنيت عنايةً خاصةً بجمع جوامع الكلم من حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله كتابُ الشهاب للحافظ أبي عبداللّٰه محمّد بن سلامة القضاعيّ ، فقد انتخب جملة وافرةً من أحاديثه صلى الله عليه و آله ذات الكلمات القليلة والمعاني الكثيرة، حتّى جاء كتاباً جامعاً لأصناف من العلوم والمعارف والآداب.

وهو كتاب لطيف، جامع لأحاديث قصيرة، حاوية لجوامع الكلم، وجرّد كتابه هذا من الأسانيد، فسرد أحاديثه، مُبوَّبةً على الأبواب، مرتّبةً على الكلمات، من غير تقييد بحرف؛ تسهيلاً لحفظها وتناولها.

فقد قام القضاعيُّ بإفراد حديثِ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بالجمع، مقتصراً على الحكم والوصايا والآداب والمواعظ والأمثال، وذكر في مقدّمته كلمات يستظهر منها الغاية من تأليفه، فقد قال:

وقد جمعت في كتابي هذا ممّا سمعته من حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ألف كلمةٍ من الحكمة في الوصايا والآداب والمواعظ والأمثال، قد سلمت من التكلّف مبانيها، وبَعُدَت عن التعسّف معانيها، وبانت بالتأييد عن فصاحة الفصحاء، وتميّزت بهدي النبوّة عن بلاغة البلغاء، وجعلتُها مسرودة يتلو بعضها بعضاً،

ص: 10

محذوفة الأسانيد، مبوّبة أبواباً علىٰ حسب تقارب الألفاظ ليقرب تناولها، ويسهل حفظها. ثمّ زدتُ مئتي كلمة فصارت ألف كلمةٍ ومئتي كلمة، وختمتُ بأدعية مرويّةٍ عنه عليه السلام، وأفردت الأسانيد جميعها كتاباً يرجع في معرفتها إليه، وأنا أسأل اللّٰه تعالى أن يجعل ما اعتمدته من ذلك خالصاً لوجهه ومقرِّباً من رحمته بحوله وقدرته.

ثمّ إن بعضهم لخّص الكتاب، كما وشرحه الكثيرون، وذيّل عليه آخرون، فقد استوفى ذلك صاحب كشف الظنون(1) و غيره،(2) و طبع كتاب الشهاب مرّات عديدة، بعضها لوحده، وبعضها مع شروحه.

مؤلِّف الشِّهاب في سطورٍ

أبو عبد اللّٰه محمّد بن سلامة بن جعفر بن عليّ بن حكمون بن إبراهيم بن محمّد بن مسلم القضاعي، عالم مصري، وفقيه شافعي، نشأ في بيئة علميّة، فأحبّ العلم وكلف به، فوالده سلامة بن جعفر كان عالماً مشغوفاً بالعلم، تتلمذ للمزني، وكان يحفظ ما يأخذ عنه، وكان مقرّباً إلى ابن طولون، ورحل إلى البلاد في طلب العلم، ووصل إلى الحجاز والشام والقسطنطينيّة، وسمع الحديث بمكّة، وتفنّن في علوم كثيرة.

قال التاج السبكي في الطبقات الكبرى:

محمّد بن سلامة بن جعفر بن عليّ القاضي، أبو عبداللّٰه القضاعي(3) الفقيه، قاضي مصر، مصنّف كتاب الشهاب، سمع أبا مسلم محمّد بن أحمد الكاتب، و أحمد بن بربال، وأبا الحسن بن جهضم، وأبا محمّد بن النحّاس، وآخرين.

روى عنه الحميديّ ، وأبو سعد عبد الجليل الساوي، ومحمّد بن محمّد بن بركات

ص: 11


1- . كشف الظنون، ج 2، ص 1067.
2- . جامع الشروح والحواشي، لعبداللّٰه محمّد الحبشي، ج 2، ص 1127-1131.
3- . والقُضاعي - بضم القاف وفتح الضاد المعجمة -: نسبة إلى قضاعة: قبيلة معروفة، ويقال: هو مِن حِمْيَرَ، وهوالأكثرُ والأصحُّ . راجع: الأنساب للسمعاني، ج 4، ص 516.

السعيدي، وسهل بن بشر الأسفراييني، وأبو عبداللّٰه الرازي في مشيخته، والخطيب، وابن ماكولا، وآخرون.(1)

وقال الأمير ابن ماكولا: «كان متفنّناً في علوم، ولم أر في مصر من يجري مجراه».(2)

وآثاره العلميّة تشير إلى أنّه تضلّع في علوم التفسير والحديث والتاريخ، وقد رشّحه علمه لوظيفة القضاء، فولي قضاء مصر، ورشّحه أدبُه للكتابة، فكتب للوزير عليّ بن أحمد الجرجرائي، ورشّحته سياسته وكياسته لوظيفة السفارة، فسفر لمصر إلى الروم وأقام مدة بالقسطنطينيّة، ولم تشغله السّفارة بها عن العلم، فأخذ بها عن بعض علمائها، كما أخذ بعضهم عنه.

وكان الفاطميّون يعظّمونه؛ لعلمه ومواهبه، والظاهر أنّ زهده حمله على أن يولي الوعظ والإرشاد عنايته، فألّف في ذلك عدّة كتب كما يتبيّن من ثبت كتبه.

قال الحبال: «مات بمصر في ذي الحجّة سنة أربع وخمسين وأربعمائة».(3)

وفي وفيات الأعيان أنّه توفّي بمصر ليلة الخميس السادس عشر من ذي القعدة سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وصلّي عليه يوم الجمعة بعد العصر في مصلّى النجار.(4)

أمّا مؤلّفاته فهي:

1. الإنباء عن الأنبياء.(5)

2. الإنباء في الحديث.(6)

3. المختار في ذكر الخِطط والآثار في مصر.(7)

ص: 12


1- . الطبقات الكبرى، ج 4، ص 150-151.
2- . إكمال الكمال، ج 7، ص 147.
3- . سير أعلام النبلاء، ج 18، ص 92.
4- . وفيات الأعيان، ج 4، ص 212.
5- . هدية العارفين، ج 2 ص 71.
6- . كشف الظنون، ج 1، ص 172؛ هدية العارفين، ج 2، ص 71.
7- . كشف الظنون، ج 2، ص 1622، هدية العارفين، ج 2، ص 71.

4. أمالي في الحديث.(1)

5. تفسير القرآن في عشرين مجلداً.(2)

6. درّة الواعظين وذخر العابدين مجلد على عشرين مجلساً.(3)

7. دُستور معالم الحِكَم من كلام الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام.(4)

8. دقائق الأخبار وحدائق الاعتبار في الحكم.(5)

9. شهاب الأخبار الكتاب الذي يتناوله الشرح الذي بين يديك.

10. عيون المعارف وفنون الخلائف في التاريخ.(6)

11. مُسند الشِّهاب.(7)

12. مناقب الشافعي.(8)

13. نزهة الألباب في التاريخ.(9)

منزلة الشهاب عند الخاصّة

عني المحدّثون من الإماميّة بشهاب الأخبار عناية بليغة وخصّوه بالإجازة والنقل والشرح.

قال العلّامة في الإجازة الكبيرة لبني زهرة:

ومن ذلك [أي ممّا أجاز العلّامة روايته لبني زهرة] جميع كتاب الشهاب للقاضي أبي عبد اللّٰه محمّد بن سلامة القضاعي المغربي، وباقي مصنّفاته ورواياته عنّي،

ص: 13


1- . المستخرج على المستدرك، ص 38؛ كشف الظنون، ج 1، ص 165؛ هدية العارفين، ج 2، ص 71.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 9؛ الأعلام للزركلي، ج 6، ص 146.
3- . كشف الظنون، ج 1، ص 745، هدية العارفين، ج 2، ص 71، ذيل كشف الظنون، ج 1، ص 462.
4- . المصباح للكفعمي، ص 307؛ الأعلام للزركلي، ج 6، ص 146؛ أعيان الشيعة، ج 1، ص 212.
5- . هدية العارفين، ج 2، ص 71.
6- . كشف الظنون، ج 2، ص 1188؛ هدية العارفين، ج 2، ص 71. الأعلام للزركلي، ج 6، ص 146.
7- . كشف الظنون، ج 2، ص 1683.
8- . كشف الظنون، ج 2، ص 1839، هدية العارفين، ج 2، ص 71؛ الأعلام للزركلي، ج 6، ص 146.
9- . مسند الشهاب، ج 1، ص 10؛ الأعلام للزركلي، ج 6، ص 146.

عن والدي رحمه الله عن السيّد فخار بن معد الموسوي، عن القاضي ابن الميداني، عن القاسم بن الحسين، عن القاضي أبي عبداللّٰه المصنّف.(1)

قال الشيخ منتجب الدين:

السيّد فخر الدين شميلة بن محمّد بن هاشم الحسيني، عالم صالح، روى لنا كتاب الشهاب للقاضي أبي عبداللّٰه محمّد بن سلامة بن جعفر القضاعي عنه.(2)

و ذكره في البحار بقوله:

كتاب الشهاب و إن كان من مؤلّفات المخالفين، لكنّ أكثر فقراته مذكورة في الخطب والأخبار المرويّة من طرقنا، ولذا اعتمد عليه علمائنا وتصدّوا لشرحه.(3)

قال المحدّث النوري:

وربّما يستأنس لتشيّعه باُمور:

منها: توغّل الأصحاب على كتابه، والاعتناء به، والاعتماد عليه، وهذا غير معهود منهم بالنسبة إلى كتبهم الدينيّة، كما لا يخفى على المطّلع بسيرتهم.

ومنها: أنّه قال في خطبة الكتاب بعد ذكر النبيّ صلى الله عليه و آله:

أذهب اللّٰه عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيراً، ولم يعطف عليهم الأزواج والصحابة، وهذا بعيد عن طريقة مؤلّفي العامّة غايته.

ومنها: أنّه ليس في تمام هذا الكتاب من الأخبار الموضوعة في مدح الخلفاء - سيّما الشيخين، والصحابة - خبر واحد مع كثرتها، وحرصهم في نشرها ودرجها في كتبهم بأدنى مناسبة، مع أنّه روى فيه قوله صلى الله عليه و آله: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلّف عنها غرق».

ومنها: إنّ جلّ ما فيه من الأخبار موجود في اُصول الأصحاب ومجاميعهم، كما أشار إليه المجلسي أيضاً، وليس في باقيه ما ينكر ويستغرب، وما وجدنا في كتب العامّة له نظيراً ومشابهاً.

ص: 14


1- . بحار الأنوار، ج 104، ص 78.
2- . فهرست منتجب الدين، ص 71، الرقم 192.
3- . بحار الأنوار، ج 1، ص 42.

وبالجملة، فهذا الكتاب في نظري القاصر في غاية الاعتبار، وإن كان مؤلّفه في الظاهر - أو واقعاً - غير معدود من الأخيار.(1)

وقد ذكر القضاعي في مسند الشهاب 45 رواية عن طرق أهل البيت عليهم السلام عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله.(2)

وأيضاً روى في الشهاب حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله بقوله:

«مَنْ كذَّب بالشِّفاعة لَمْ يَنَلْها يومَ القيامة»، و روى عنه صلى الله عليه و آله: «إنَّ لكلِّ نبيٍّ دعوةً دعاها لاُمَّته، وإِنِّي اخْتبأتُ دعوتي شِفاعةً لاُمَّتي يَومَ القيامة» وهذان الحديثان يدلّان على الشِّفاعة.

وتصدّى لشرح الشهاب بعض المحدّثين الإماميّة، منهم:

السيّد ضياء الدين فضل اللّٰه بن عليّ بن عبيد اللّٰه الحسني الراوندي في شرحه المعروف ب: «ضوء الشهاب»(3)، و فضل الدين شيخ حسن بن عليّ بن أحمد المهابادي،(4) و برهان الدين أبو الحارث محمّد بن أبي الخير عليّ بن أبي سليمان ظفر الحمداني.(5)

و الشيخ أبو الفتوح الحسين بن عليّ بن محمّد الخزاعي الرازي في شرحه المعروف ب: «روح الأحباب و روح الألباب في شرح الشهاب»(6)، و أبو الحسن عليّ بن زيد البيهقي.(7)

ص: 15


1- . خاتمة المستدرك، ج 1، ص 355-356.
2- . راجع: «أحاديث أهل البيت عليهم السلام في مسند الشهاب»، السيّد عبداللّٰه السامرائي، علوم الحديث، العدد، ج 16، ص 276-295.
3- . فهرست منتجب الدين، ص 96، الرقم 334؛ معالم العلماء، ص 21، الرقم 27؛ بحار الأنوار، ج 1، ص 12؛ خاتمة المستدرك، ج 1، ص 354؛ إيضاح المكنون، ج 2، ص 74.
4- . فهرست منتجب الدين، ص 50، الرقم 93. خاتمة المستدرك، ج 1، ص 354؛ الذريعة، ج 13، ص 343.
5- . فهرست منتجب الدين، ص 105، الرقم 378؛ خاتمة المستدرك، ج 1، ص 354.
6- . فهرست منتجب الدين، ص 48، الرقم 78؛ الذريعة، ج 13، ص 343.
7- . الذريعة، ج 13، ص 344.

و استخرج السيّد هاشم البحراني (1107 ه) الأخبار المرويّة في شأن أمير المؤمنين والأئمّة الطاهرين عليهم السلام من كتاب شهاب الأخبار، وهو مختصر مطبوع.(1)

وبالجملة، إنّ الكتاب مشهور ومعروف، مضافاً إلى كثرة الطرق إليه في الإجازات، ففي إجازة ابن الشهيد طرق متعدّدة.(2)

مؤلّف الشرح

قطب الدين أبو الحسين(3) سعيد(4) بن عبد اللّٰه بن الحسين بن هبة اللّٰه بن الحسن بن عيسى الراوندي، المشتهر بالقطب الراوندي(5).(6)

كان العلّامة الراوندي عالماً، فقيهاً محدّثاً قد اشترك في جملة من العلوم، وتضلّع فيها، وتمكّن منها، كالتفسير والكلام والحديث والفقه والاُصول والأدب، له في كلّ منها عدّة مصنّفات رائعة وكتب ممتعة وآثار خالدة.

ذكره تلميذه رشيد الدين ابن شهرآشوب في معالم العلماء(7)، ومنتجب الدين في الفهرست قائلاً: «الشيخ الإمام قطب الدين... فقيه، صالح، ثقة، له تصانيف، منها...».(8)

ص: 16


1- . رياض العلماء، ج 5، ص 303؛ الذريعة، ج 14، ص 247 و ج 18، ص 281.
2- . بحار الأنوار، ج 106، ص 53-55.
3- . اختلف المترجمون له في كنيته، والمعروف منها أبو الحسين، وذكروه «أبوالحسن» صاحب الوسائل وغيره. راجع: أمل الآمل، ج 2، ص 125؛ أعيان الشيعة، ج 2، ص 326 و ج 7، ص 239. وذكر بعضهم أنّ كنيته «أبو سعيد» أيضاً. وقد نسب هذا مصحّحُ كتاب فقه القرآن إلى رياض العلماء المخطوط، ولم يوجد في الرياض المطبوع بتصحيحه نفسه. راجع: فقه القرآن، ج 1، ص 14.
4- . جاء في بعض التراجم ومصادر الحديث باسم «سعد» بدون الياء. راجع: فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ معالم العلماء، ص 55، الرقم 368؛ مختصر بصائر الدرجات للحلّي، ص 36؛ وسائل الشيعة، ج 3، ص 84، ح 3086 و ج 22، ص 71، ح 28050 و....
5- . الثقات العيون في سادس القرون، ص 124.
6- . جلّ مطالب هذا القسم من مقالة الاُستاذ العلّامة المغفور له السيّد عبد العزيز الطباطبائي رحمه الله في تراثنا، العدد 38-39، مع تصحيحات و إضافات، والفضل لمن سبق.
7- . معالم العلماء، ص 55، الرقم 368.
8- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186.

وأطراه صاحب الوسائل بقوله: «فقيه ثقة عين صالح...»(1).

وأثنىٰ عليه صاحب رياض العلماء بقوله: «فاضل، عالم، متبحّر، فقيه، محدّث، متكلّم، بصير بالأخبار، شاعر...».

وأثنى عليه المحدّث النوري بقوله:

العالم المتبحّر، النّقاد، المفسّر، الفقيه، المحدّث، المحقّق، صاحب المؤلّفات الرائقة النافعة الشائعة... وبالجملة، ففضائل القطب ومناقبه وترويجه للمذهب بأنواع المؤلّفات المتعلّقة به أظهر وأشهر من أن يذكر....(2)

وترجم له ابن الفُوَطي في تلخيص مجمع الآداب وقال:

قطب الدين... فقيه الشيعة، كان من أفاضل علماء الشيعة يروي عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن المحسن الحلبي، عن أبي الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان الكراجكي، عن أبي الحسن بن شاذان القمّي، عن محمّد بن أحمد بن عيسى، عن سعيد بن عبد اللّٰه القمّي، عن أيّوب بن نوح، قال: قال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: «اكتبوا الحديث واحتفظوا بالكتب، فستحتاجون إليها يوماً، وإذا كتبتم العلم فاكتبوه بأسانيده، واكتبوا معه الصلاة على محمّد وآل محمّد، فإن الملائكة يستغفرون لكم ما دام ذلك الكتاب».(3)

منشؤه و مسكنه

لقّب ب «الراوندي» نسبة إلى راوند، وهو اسم اُطلق على ثلاثة مواضع: الأوّل: بليدة بقرب كاشان وما زالت تعرف إلى الآن بهذا الاسم(4)، والثاني: ناحية بظاهر نيشابور يقال لها: راونج وريونج(5)، والثالث: مدينة قديمة بالموصل التي بناها راوند الأكبر

ص: 17


1- . أمل الآمل، ج 2، ص 125، الرقم 356.
2- . خاتمة المستدرك، ج 3، ص 80.
3- . تلخيص مجمع الآداب، ج 4، ص 4، الرقم 2799.
4- . معجم البلدان، ج 3، ص 20؛ مراصد الاطّلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، ج 2، ص 599.
5- . معجم البلدان، ج 3، ص 116؛ مراصد الاطّلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، ج 2، ص 598.

ابن بيوراسف الضحّاك.(1)

وقيل: إنّ أصل راوند: راهاوند، ومعناه: الخير المضاعف.(2)

والظاهر أنّ المترجم له من كاشان كما احتمله الشيخ بهاء الدين العاملي، ويمكن أن يكون من نيشابور كما احتمله الميرزا الأفندي.(3)

وهناك شواهد على أن القطب الراوندي كان يسكن الريّ ولذلك ترجم له تلميذه في الري، الشيخ منتجب الدين الرازي في تاريخ الري، ولكن هذا الكتاب مفقود، وهو من مصادر ابن حجر في لسان الميزان، وممّا اختزل منه موجز من ترجمة القطب الراوندي، فقال في ترجمة القطب:

ذكره ابن بابويه في تاريخ الري، وقال: كان فاضلاً في جميع العلوم، له مصنّفات كثيرة في كلّ نوع، وكان على مذهب الشيعة....(4)

وترجم ابن أبي طي الحلبي للخليل بن خمرتكين الحلبي وقال:

هو فقيه من فقهاء الإماميّة، وصل إلى خراسان ودخل إلى الري، وتفقّه وأجاد في علم الاُصول... ولقي القطب الراوندي وروى عنه جميع مؤلّفاته ورواياته....(5)

شيوخه

يروي عن جماعة من أصحاب الحديث بأصبهان، وجماعة منهم من همدان وخراسان(6)، سماعاً وإجازة، عن مشايخهم الثقات بأسانيد مختلفة، وهم كالتالي:

1. أبو البركات السيّد ناصح الدين محمّد بن إسماعيل بن الفضل الحسيني المشهدي

ص: 18


1- . البلدان لإبن الفقيه، ص 176؛ معجم البلدان، ج 3، ص 19؛ تاريخ قم، ص 78؛ جغرافياى حافظ ابرو، ج 2، ص 26؛ وفيات الأعيان، ج 1، ص 94.
2- . معجم البلدان، ج 3، ص 19.
3- . رياض العلماء، ج 2، ص 420.
4- . لسان الميزان، ج 3، ص 48، الرقم 180.
5- . بغية الطلب في تاريخ حلب، ج 7، ص 3377.
6- . رياض العلماء، ج 2، ص 435.

(457-541 ه).(1)

2. أبو الحارث المجتبى بن الداعي بن القاسم الحسني الرازي.(2)

3. أبو الحسن ركن الدين عليّ بن عليّ بن عبد الصمد بن محمّد التميمي النيسابوري السبزواري.(3)

4. أبو الحسين أحمد بن محمّد بن عليّ بن محمّد الرشكي.(4)

5. أبو السعادات ابن الشجري هبة اللّٰه بن عليّ بن محمّد بن عبد اللّٰه بن حمزة الحسني البغدادي (450-542 ه).(5)

6. أبو القاسم الحسن بن محمّد الحديقي.(6)

7. أبو المحاسن مسعود بن عليّ بن محمّد الصوابي البيهقي.(7)

ص: 19


1- . الخرائج والجرائح، ج 2، ص 797، وقصص الأنبياء، ص 107، رقم 95. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 427؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 83، وفي الرياض: أنّ الحقّ أنّه هو بعينه السيّد ناصح الدين أبو البركات المشهدي. راجع: رياض العلماء، ج 5، ص 423.
2- . الخرائج والجرائح، ص 796. راجع: قصص الأنبياء، ص 68، رقم 44؛ رياض العلماء، ج 2، ص 426؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 83.
3- . الخرائج والجرائح، ج 3، ص 1062؛ قصص الأنبياء، ص 45. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 426؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 83.
4- . روى عنه في قصص الأنبياء، ص 136، في الرقم 136، الرشكي، بالراء المهملة، وهو الموافق لما في الرياض وثلاث مخطوطات من قصص الأنبياء في مكتبة مدرسة سبه سالار والجامعة الكبيرة بطهران والمرعشيّة بقم. ويحتمل اليشكري كما في مخطوطة من مخطوطات من المكتبة المرعشيّة. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 427؛ قصص الأنبياء، هامش ص 18؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 86 و 394. ويحتمل أن تكون المرشكي كما هو في خاتمة المستدرك، ج 3، ص 86 وفي بعض المواضع: (المرشكي).
5- . روى عنه في قصص الأنبياء، ص 159، رقم 169. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 428؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 86.
6- . روى عنه في قصص الأنبياء، ص 129، رقم 127؛ رياض العلماء، ج 2، ص 427؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 86.
7- . روى عنه في قصص الأنبياء، ص 162، رقم 174. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 428؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 118.

8. أبو تراب السيّد صفي الدين مقدم السادة المرتضى بن الداعي بن القاسم الحسني الرازي، مؤلف تبصرة العوام وغيره.(1)

9. أبو جعفر قطب الدين محمّد بن عليّ بن الحسن المقرئ النيسابوري.(2)

10. أبو جعفر محمّد بن عليّ بن المحسن الحلبي.(3)

11. أبو سعد الحسن بن عليّ الأرابادي.(4)

12. أبو عبد اللّٰه الحسين المؤدّب القمّي الأديب.(5)

13. أبو عليّ الحدّاد، الحسن بن أحمد بن الحسن الأصفهاني (422-515 ه).(6)

14. أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي، المفسّر، المولود حدود سنة 480 ه، والمتوفّى سنة 548 ه، مؤلّف مجمع البيان.(7)

15. أبو محمّد شميلة بن محمّد بن أبي هاشم جعفر الحسني، أمير مكّة المعظّمة، الرحّال المعمّر، المولود سنة 436 ه، وكان حيّاً سنة 545 ه.(8)

16. أبو نصر الحسن بن محمّد بن إبراهيم بن أحمد بن عليّ اليونارتي الإصبهاني

ص: 20


1- . روى عنه في الخرائج والجرائح، ص 796، وقصص الأنبياء، ص 55، رقم 27 و ص 142، رقم 147. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 428؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 83.
2- . الخرائج والجرائح، ص 795، وقصص الأنبياء، ص 104، رقم 92. راجع: خاتمة المستدرك، ج 3، ص 89.
3- . روى القطب في أول منهاج البراعة كتاب نهج البلاغة عنه عن الشيخ الطوسي عن الرضي، وروى الخطبة الاُولى أيضاً عنه بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام، وروى عنه أيضاً في الخرائج، في مقدّمته وفي 793؛ بغية الطلب في تاريخ حلب، ج 10، ص 4376؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 84؛ الثقات العيون في سادس القرون، ص 276.
4- . روى عنه في قصص الأنبياء، ص 129، رقم 127؛ رياض العلماء، ج 2، ص 427؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 86.
5- . روى عنه في قصص الأنبياء، ص 123، رقم 121؛ رياض العلماء، ج 2، ص 427؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 86.
6- . روى عنه في (منهاج البراعة) الخطبة الثانية من نهج البلاغة بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام وفي ضياء الشهاب.
7- . قصص الأنبياء، ص 132، رقم 134. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 426؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 83.
8- . ذكره في أول كتابه (ضياء الشهاب) في شرح شهاب الأخبار، ورواه عنه عن مؤلّفه القاضي القضاعي.

(466-527 ه)، و (يونارت) قرية كانت على باب أصفهان.(1)

17. أبو نصر الغازي، أحمد بن عمر بن محمّد بن عبد اللّٰه الإصبهاني (448-532 ه)(2).

18. السيّد عليّ بن أبي طالب الحسني السيلقي.(3)

19. السيّد عماد الدين أبو الصمصام ذو الفقار بن محمّد بن معبد الحسني المروزي، المعمّر، نزيل بغداد (405-536 ه).(4)

20. أمين الدين مرزبان بن الحسين بن محمّد أبو القاسم بن كميح.(5)

21. أبو القاسم بن كميح(6).

22. أبو جعفر بن كميح.(7)

23. أبوجعفر محمّد بن المرزبان.(8)

24. جمال الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن أحمد بن محمّد، ابن الإخوة الشيباني

ص: 21


1- . روى عنه في منهاج البراعة، ج 1، ص 131 في نهاية شرح الخطبة الشقشقية، وروى الخطبة عنه عن اثنين من مشايخه عن ابن مردويه عن الحافظ الطبراني بإسناده عن ابن عبّاس، والإسناد مذكور بكامله.
2- . روى عنه في آخر منهاج البراعة، روى كتاب نهج البلاغة عنه عن أبي منصور العكبري عن الشريف الرضي؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 85؛ الثقات العيون في سادس القرون، ص 8.
3- . روى عنه في قصص الأنبياء، ص 148، رقم 156. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 426؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 86؛
4- . روى عنه في أوّل منهاج البراعة في شرح كتاب نهج البلاغة عنه عن محمّد بن عليّ الحلواني عن الرضي، وروى عنه في قصص الأنبياء، ص 77، رقم 58 و ص 145، رقم 153، وروى عنه في الخرائج والجرائح، ج 1، ص 872؛ رياض العلماء، ج 2، ص 427؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 88.
5- . روى عنه في قصص الأنبياء، ص 109، رقم 99. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 427.
6- . روى عنه في الخرائج والجرائح، ج 2، ص 796 (كميح). راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 428؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 85.
7- . قال القطب في الخرائج والجرائح، ج 2، ص 796: أخبرنا جماعة منهم: السيّدان المرتضى والمجتبى ابنا الداعي الحسني، والاُستاذان أبو جعفر وأبو القاسم ابنا كميح. راجع: خاتمة المستدرك، ج 3، ص 88.
8- . روى عنه في قصص الأنبياء، ص 120، رقم 117؛ روى عنه عن الشيخ أبي عبداللّٰه جعفر بن محمد الدوريستي من تلامذة المفيد. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 427؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 86.

البغدادي، نزل أصفهان (483-548 ه).(1)

25. شهردار بن الحافظ شيروية بن شهردار الديلمي صاحب مسند الفردوس.(2)

26. عماد الدين الطبري محمّد بن أبي القاسم عليّ بن محمّد بن عليّ ، مؤلّف كتاب بشارة المصطفى لشيعة المرتضى.(3)

27. محمّد بن عليّ بن عبد الصمد التميمي النيسابوري.(4)

28. هبة اللّٰه بن دعويدار القمّي.(5)

تلامذته والراوون عنه

1 و 2 و 3. أبناؤه الثلاثة: نصير الدين الحسين، وظهير الدين محمد، وعماد الدين عليّ .

4. الحافظ رشيد الدين أبو جعفر محمّد بن عليّ بن شهرآشوب المازندراني السروي (488-588 ه)، ترجم في كتابه معالم العلماء للقطب الراوندي، وقال:

شيخي أبو الحسين.(6)

5. الحاكم الإمام عليّ بن أحمد بن عليّ الزيادي.(7)

ص: 22


1- . روى عنه في آخر منهاج البراعة، روى كتاب نهج البلاغة عنه عن السيّدة النقيّة بنت الشريف المرتضى عن عمّها الرضي. ورواه عنه، عن الشيخ أبي الفضل محمّد بن يحيى الناتلي، عن أبي نصر عبد الكريم بن محمّد الديباجي - المعروف بسبط بشر الحافي - قال: قرئ على الشريف الرضي قدس سره كتاب نهج البلاغة وأنا أسمع. راجع: خاتمة المستدرك، ج 3، ص 88.
2- . روى عنه في الخرائج والجرائح، ج 1، ص 216. راجع: الثقات العيون في السادس القرون، ص 276.
3- . قال منتجب الدين في (الفهرست) في ترجمة العماد الطبري هذا، رقم 388: قرأ عليه الشيخ الإمام قطب الدين أبو الحسين الراوندي وروى لنا عنه؛ مستدرك الوسائل، ج 3، ص 83؛ رياض العلماء، ج 5، ص 17.
4- . الخرائج والجرائح، ج 2، ص 795، و ج 3، ص 1062 وقصص الأنبياء، ص 16 و 236. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 427؛ الثقات العيون في سادس القرون، ص 276.
5- . روى عنه في قصص الأنبياء، ص 162، رقم 143. راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 427؛ خاتمة المستدرك، ج 3، ص 86.
6- . معالم العلماء، ص 55، الرقم 368.
7- . تراثنا، العدد: 38-39، ص 260. ولم نجده في المصادر المتقدّمة.

6. الخليل بن خمرتكين الحلبي، المتوفى بعد سنة 590 ه.(1)

7. الشريف عزّ الدين أبو الحارث محمّد بن الحسن بن عليّ بن الحسين العلوي الحسيني البغدادي.(2)

8. الشيخ زين الدين عليّ بن حسّان الرهمي (الرهيمي). له منه إجازة.(3)

9. الشيخ منتجب الدين بن بابويه عليّ بن عبيد اللّٰه الرازي، صاحب الفهرست، وكان حيّاً سنة 600 ه، روى عنه في الفهرست في ترجمة العماد الطبري.(4)

10. الشيخ نصير الدين أبو إبراهيم راشد بن إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن محمّد البحراني، المتوفّى سنة 605 ه.(5)

11. القاضي أحمد بن عليّ بن عبد الجبّار الطوسي.(6)

12. بابويه بن سعد بن محمّد بن الحسن بن الحسين بن بابويه القمّي.(7)

13. زين الدين أبو جعفر محمّد بن عبد الحميد بن محمّد، قرأ عليه كتاب نهج البلاغة فكتب له الإنهاء: قرأ عليّ كتاب نهج البلاغة من أوّله إلى آخره الشيخ الإمام العالم زين الدين أبو جعفر محمّد بن عبد الحميد...(8).

14. كمال الدين عليّ بن محمّد المدائني.(9)

ص: 23


1- . بغية الطلب في تاريخ حلب، ج 7، ص 3377.
2- . الأربعون حديثاً للشهيد الأوّل، ص 80؛ بحار الأنوار، ج 104، ص 154؛ أعيان الشيعة، ج 1، ص 536 و ج 5، ص 451؛ رياض العلماء، ج 2، ص 432.
3- . بحار الأنوار، ج 104، ص 47 و 49؛ أعيان الشيعة، ج 6، ص 9، الذريعة، ج 1، ص 211.
4- . فهرست منتجب الدين، ص 107، الرقم 388.
5- . الغدير، ج 5، ص 381، تراثنا، العدد 38-39، ص 260. ولم نجده في المصادر المتقدّمة.
6- . بحار الأنوار، ج 106، ص 27.
7- . الغدير، ج 5، ص 381؛ تراثنا، العدد: 38-39، ص 260. ولم نجده في المصادر المتقدّمة.
8- . فهرست مرعشى، ج 15، ص 87، الرقم 5690؛ التراث العربي في مكتبة المرعشي، ج 5، ص 421؛ تراثنا، العدد 29، ص 9.
9- . بحار الأنوار، ج 94، ص 354؛ طبقات أعلام الشيعة، (القرن السادس)، ص 206.

15. وجدت أخيراً مخطوطة نفيسة ثمينة من الاستبصار شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن حسن الطوسي، وهى من نسخ محمّد بن حسن بن محمّد بن عبّاس في سنة 569 ه، وهي مقرؤءة على قطب الدين الراوندي بقرينة خطّه حيث جاء فيها:

بلغت القراءة وللّٰه الحمد، ووقع الفراغ منه في الخامس... من ذي الحجّة سنة سبعين وخمس... قرأه على الإمام قطب الدين شيخ الإسلام أبوالحسين الراوندي دام على.(1)

ويحتمل قويّاً أن كاتبه ومقرئه من تلامذة الراوندي.

مؤلّفاته

1. إحكام الأحكام.(2)

2. أسباب النزول:

ذكره في البحار في عداد مصادره.(3)

3. الإغراب في الإعراب.(4)

4. ألقاب الرسول وفاطمة والأئمة عليهم السلام:

ذكره صاحب رياض العلماء و قال: «كتاب لطيف، مفيد جدّاً مع صغر حجمه، وعندنا منه نسخة»(5).

توجد نسخة منه في المكتبة المرعشيّة، وطبعت على أساسها.(6)

ص: 24


1- . فهرست مرعشى، ج 34، ص 583-586، الرقم 13679.
2- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 236؛ جامع الرواة، ج 1، ص 364.
3- . بحار الأنوار، ج 1، ص 12 و 31؛ الذريعة، ج 2، ص 12؛ ريحانة الأدب، ج 3، ص 305.
4- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356.
5- . رياض العلماء، ج 2، ص 425؛ الغدير، ج 5، ص 461.
6- . فهرست مرعشى، ج 6، ص 258، الرقم 2272؛ مجموعة نفيسة، جمعها السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي؛ ميراث حديث شيعه، ج 1، ص 17، حقّقها السيّد عليرضا السيّد كباري.

5. اُمّ القرآن:

نسبه إليه صاحب الروضات وقال: «ويحتمل اتّحاده مع بعض ما سبق من كتب تفاسيره».(1)

6. البحر:

أوّل من ذكره الشيخ يحيى البحراني في تراجم مشايخ الشيعة في ترجمة القطب بقوله: وقيل وجد كتاب يسمّى: البحر، وهو ينسب إليه.(2)

وذكروه في أمل الآمل و رياض العلماء و الذريعة.(3)

7. بيان الانفرادات:(4)

يبدو أنّه كتاب فقهي في بيان ما انفردت به الإماميّة من المسائل الفقهيّة ككتاب الانتصار في انفرادات الإماميّة للشريف المرتضى.

8. تحفة العليل:

في الأدعية والآداب وأحاديث البلاء، وأوصاف جملة من المطعومات.(5)

منه مخطوطة ناقصة في مكتبة البرلمان الإيراني، كتبت سنة 732 ه.(6)

9. التغريب في التعريب.(7)

10. تفسير القرآن:

ذكره منتجب الدين وقال: «مجلّدان».(8)

ص: 25


1- . روضات الجنّات، ج 4، ص 8؛ الذريعة، ج 2، ص 303 و ج 4، ص 262 (تفسير اُم القرآن).
2- . تذكرة المجتهدين في تراجم مشايخ الشيعة المطبوع مع شهاب الحكمة للبحراني، ص 425، الرقم 30.
3- . أمل الآمل، ج 2، ص 127؛ رياض العلماء، ج 2، ص 423 و 432؛ الذريعة، ج 3، ص 29.
4- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ الذريعة، ج 3، ص 176.
5- . روضات الجنّات، ج 4، ص 8؛ الذريعة، ج 3، ص 456.
6- . فهرست مجلس، ج 35، ص 323، الرقم 12362؛ فهرست مخوطات إصفهان، ص 104، الرقم 30.
7- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356.
8- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ رياض العلماء، ج 4، ص 367؛ جامع الرواة، ج 1، ص 364؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 226؛ الذريعة، ج 4، ص 276 و 301.

11. تهافت الفلاسفة:

ذكره له تلميذه الشيخ منتجب الدين في الفهرست(1)، وذكره في الذريعة وقال: «يوجد في الخزانة الرضويّة كما في فهرسها».(2)

12. جنى الجنتين في ذكر ولد العسكريين عليهما السلام.(3)

13. جواهر الكلام في شرح مقدمة الكلام:

«مقدمة الكلام» للشيخ الطوسي، مطبوع، وشرحه الراوندي، ذكره منتجب الدين في الفهرست.(4)

14. حلّ المعقود من الجمل والعقود:

ذكره منتجب الدين في الفهرست، وفي بعض نسخة: حلّ العقود، وفي بعضها الآخر: في الجمل والعقود، وأكثر نسخة: حلّ المعقود من الجمل والعقود، ويبدو أنه شرح على الجمل والعقود للشيخ الطوسي.(5)

15. الخرائج والجرائح:

في معجزات النبيّ وأعلام نبوته صلى الله عليه و آله، ومعجزات الأئمة الاثني عشر من عترته الطاهرة، ودلائل إمامتهم عليهم السلام، رتّبه على عشرين باباً، في كلّ منها عدّة فصول.

قال المؤلّف في آخر الباب الخامس عشر من كتاب الخرائج والجرائح:

فصل، واعلم أنّ معجزاتهم - معجزات النبيّ والأوصياء من عترته صلى الله عليه و آله - أكثر من

ص: 26


1- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186.
2- . الذريعة، ج 4، ص 502. وقال المحقّق الطباطبائى: «وكتاب الراوندي مفقود، والموجود في الخزانة الرضويّة إنّما هو تهافت الغزالي، رقم 7530، وذخيرة علاء الدين الطوسي، رقم 400، وتهافت خواجة زاده، رقم 63 و 64 و 401. راجع: تراثنا، العدد 28-29، ص 279».
3- . رياض العلماء، ج 2، ص 325؛ معالم العلماء، ص 90، الرقم 368؛ أمل الآمل، ج 2، ص 127، الرقم 356؛ الذريعة، ج 5، ص 148.
4- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356، بحار الأنوار، ج 102، ص 237، الذريعة، ج 5 ص 277 و ج 14 ص 85.
5- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356.

أن تحصى... وقد كنت جمعت خمس مختصرات تتعلّق بهذا الفن من العلوم، فأضفتها إلى هذا الكتاب أيضاً بالخطبة التي في أوّل كلّ واحد منها، وهي: كتاب نوادر المعجزات....(1)

وسماها واحدة واحدة.

وقد أضافها إلى الخرائج وجعلها في خمسة أبواب، كلّ واحد منها في باب، من الباب السادس عشر إلى الباب العشرين، وهي:

نوادر المعجزات.

موازاة معجزات نبيّنا صلى الله عليه و آله وأوصيائه عليهم السلام معجزات الأنبياء المتقدّمين عليهم السلام.

اُمّ المعجزات (القرآن الكريم).

الفرق بين الحيل وبين المعجزات.(2)

العلامات والمراتب الخارقة للعادات لهم:

مخطوطاته كثيرة، أقدمها في مكتبة السيّد المرعشي، رقم 6512، كتبت سنة 895 ه.(3)

وترجمه محمّد شريف الخادم إلى اللغة الفارسيّة، ورتّبه على 14 باباً، وسمّاه:

كفاية المؤمنين في معجزات الأئمّة المعصومين عليهم السلام، وصدّره باسم السلطان إبراهيم قطب شاه، الذي ملك الهند من سنة 955-988 ه.(4) وتوجد نسخة منه في مكتبة سيّد أحمد الروضاتي في أصفهان.(5)

طبع سنة 1301 ه في بومبي طبعة حجريّة في 200 صفحة، وطبع سنة 1305

ص: 27


1- . الخرائج والجرائح، ج 2، ص 791.
2- . الذريعة، ج 16، ص 176.
3- . فهرست مرعشى، ج 17، ص 96، الرقم 6512.
4- . طبقات أعلام الشيعة (القرن العاشر)، ص 103؛ الذريعة، ج 18، ص 100 و ج 7، ص 145 و ج 4، ص 145؛ رياض العلماء، ج 2، ص 431.
5- . فهرست نسخه هاى خطى كتابخانه سيد احمد روضاتى اصفهان، ص 34، الرقم 33.

ه في طهران طبعة حجريّة مع كفاية الأثر و شرح الأربعين حديثاً للعلّامة المجلسي، وحقّقته مؤسّسة الإمام المهدي عليه السلام في قم، وطبعته سنة 1409 ه طبعة كاملة في ثلاثة أجزاء، وهي أحسن طبعاته. وطبعة مؤسّسة الأعلمي في بيروت سنة 1411 ه مصوّرة على طبعة مؤسّسة الإمام المهدي عليه السلام في قم.

16. خلاصة التفاسير:

ذكره منتجب الدين في الفهرست وقال: عشر مجلدات(1) و ذكره غيره أيضاً، ولكن في تأسيس الشيعة قال: «عشرين مجلّداً»، ولعلّه من غلط النسّاخ. وتوجد نسخة من مجلّده الثاني في مكتبة المرعشيّة، وعليها خطّ ميرحسينا القزويني.(2)

17. الخلاف بين الشيخ المفيد والشريف المرتضى:

قال السيّد ابن طاوس في كشف المحجة، في كلام له:

إنّني وجدت الشيخ العالم في علوم كثيرة قطب الدين الراوندي - واسمه سعيد بن هبة اللّٰه - قد صنّف كرّاساً - وهي عندي الآن - في الخلاف الذي تجدّد بين الشيخ المفيد والمرتضى رحمهما اللّٰه، وكانا من أعظم أهل زمانهما، وخاصّة شيخنا المفيد، فذكر في الكرّاس نحو خمس وتسعين مسألة قد وقع الاختلاف بينهما فيها من علم الاُصول...(3).

وذكره أيضاً في فرج المهموم، وذكره غيره في غيرها.(4)

18. الدلائل والفضائل:

ذكره في رياض العلماء(5) حاكياً عن كتاب دفع المناواة للسيّد حسين المجتهد

ص: 28


1- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 236؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356؛ الذريعة، ج 7، ص 220؛ كشف الحجب والأستار، ص 207.
2- . فهرست مرعشى، ج 30، ص 201، الرقم 11917.
3- . كشف المحجّة، ص 20.
4- . فرج المهموم، ص 41-42؛ بحار الأنوار، ج 2، ص 138؛ كتابخانۀ ابن طاوس، ص 347؛ الذريعة، ج 1، ص 361.
5- . رياض العلماء، ج 2، ص 422.

الكركي (1001 ه) وقال في ذخيرة الدارين فيما يتعلّق بمصائب سيّدنا الحسين عليه السلام:

انتساب كتاب الروضة في الفضائل إلى الراوندي، وهو قريب.(1)

19. الرائع في الشرائع:

ذكره منتخب الدين وقال: مجلدان. وفي بعض نسخ أمل الآمل: «الرائع في الشرايع المعجزات»، وفي هامش بعض النسخ اسمها «ثاقب المناقب».(2) ولكن نقل العلّامة في المختلف والشهيد في الذكرى وغيرهما الآراء والأقوال الفقهيّة من الرائع.(3)

20. رسالة في أحوال أحاديث أصحابنا:

عرفت هذه الرسالة بأسماء متعدّدة، وقد سمّاها جمع باسم «رسالة في بيان أحوال أحاديث أصحابنا»(4) وأضاف الاسترآبادي وصاحب الوسائل على ذلك: «...

وإثبات صحّتها»(5).

وقد يعبّر عنها ب «رسالة في صحّة أحاديث أصحابنا».(6) وتحوّر العنوان إلى «رسالة الفقهاء» عند العلّامة المجلسي.(7)

وذكرها صاحب الذريعة في مواضع شتّى ب «رسالة الفقهاء» و «كتاب الفقهاء» و «رجال الراوندي» و «رجال قطب الدين»(8). وكلّ هذه الأسماء هي لمسمّىً واحدٍ.

أصل الرسالة التي ألّفها القطب الراوندي مفقود، والموجود والمطبوع منها

ص: 29


1- . راجع: فهرست آستان قدس، ج 5، ص 164.
2- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، هامش ص 285.
3- . مختلف الشيعة، ج 2، ص 219؛ ج 3، ص 81؛ ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ج 2، ص 235.
4- . الوافية في اُصول الفقه، ص 325؛ هداية الأبرار، ص 90.
5- . الفوائد المدنيّة، ص 186؛ وسائل الشيعة، ج 27، ص 118، ح 33362.
6- . روضات الجنّات، ج 4، ص 5؛ الذريعة، ج 15، ص 12.
7- . بحار الأنوار، ج 2، ص 235.
8- . الذريعة، ج 16، ص 81 و 279 و ج 10، ص 116 و 118.

المختصر الذي اختصره بعض العلماء.(1)

21. رسالة في الطب. نسبت إليه في فهرس مكتبة الملك بطهران في النسخة الموجودة بتاريخ 854 ه.(2)

22. زهر (زهرة) المباحثة وثمر (ثمرة) المناقشة:

ذكره الشيخ منتجب الدين في الفهرست(3).

23. سلوة الحزين:

وهو المشتهر ب «الدعوات» كما نقل المجلسي بهذا العنوان، وفيه دعوات موجزة شريفة، محذوفة، الإسناد.(4)

مخطوطة منه في مكتبة جامعة طهران، وأيضاً في مكتبة البرلمان الإيراني.(5)

طبع في قم سنة 1409 ه باسم دعوات الراوندي، بتحقيق مؤسّسة الإمام المهدي عليه السلام.

وأيضاً بتحقيق عبد الحليم عوض الحلّي، طبع مطبعة «دليل ما» في 2006 م.

24. شجار العصابة في غسل الجنابة:

ذكره هو في فقه القرآن عند قوله بوجوب غسل الجنابة رأساً، وقال:

فغسل الجنابة واجب على كلّ حال، وقد ذكرنا في كتاب الشجار في وجوب غسل الجنابة بيان ذلك على الاستقصاء.(6)

ص: 30


1- . راجع لتفصيل البحث: مختصر رسالة في أحوال الأخبار، تحقيق: السيد محمّدرضا الحسيني الجلالي، ميراث حديث شيعة، ج 5، ص 249.
2- . فهرست ملك، ج 5، ص 312، الرقم 1626.
3- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 368؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 237؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356.
4- . بحار الأنوار، ج 89، ص 204، ح 31؛ مستدرك الوسائل، ج 1، ص 182؛ الذريعة، ج 12، ص 223؛ هدية العارفين، ج 1، ص 392.
5- . فهرست دانشگاه، ج 5، ص 1355، الرقم 502؛ فهرست مجلس، ج 4، ص 24، الرقم 1240.
6- . فقه القرآن، ج 1، ص 31. راجع أيضاً: فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ جامع الرواة، ج 1،

25. شرح الآيات المشكلة في التنزيه:

ذكره الشيخ منتجب الدين، وفي بعض النسخ (الأبيات) بدل (الآيات)... وفي بعضها (التربة) بدل (التنزيه).(1)

26. شرح الخطبة الاُولى من نهج البلاغة:

قال الراوندي في مقدّمة منهاج البراعة:

قد كنت قديماً شرحت الخطبة الاُولى من نهج البلاغة بالإطناب... وهو كلام - عند أهل الفطنة والنظر - دون كلام اللّٰه ورسوله، وفوق كلام البشر، واضحة مناره، مشرقة آثاره....(2)

27. شرح العوامل المائة:(3)

و العوامل المائة لعبد القاهر الجرجاني، المتوفّى سنة 471 ه، وعليه شروح كثيرة.

28. شرح الكلمات المائة:(4)

هي مائة كلمة من حكم أمير المؤمنين عليه السلام وقصار كلمه، من جمع الجاحظ، شرحها عدّة، وترجمها آخرون إلى شتّى اللغات، ونظمها مترجمة إلى الفارسيّة عدّة من الشعراء، كالرشيد الوطواط ومن بعده.

29. شرح ما يجوز وما لا يجوز (من النهاية):

ذكره منتجب الدين في الفهرست.(5)

ص: 31


1- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ الذريعة، ج 13، ص 56؛ جامع الرواة، ج 1، ص 364؛ امل الآمل، ج 2، هامش ص 126.
2- . منهاج البراعة، ج 1، ص 4.
3- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356.
4- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356.
5- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356.

30. ضياء الشهاب:

في شرح شهاب الأخبار للقاضي القضاعي، شرحه سنة 553 ه سيأتي ذكره.

31. غريب النهاية.(1)

32. فقه القرآن المنتزع من كلام الملك الديّان:

وهو في تفسير آيات الأحكام والاستدلال بها على المسائل الفقهيّة واستنباط الأحكام الشرعيّة، فرغ منه في محرّم سنة 562 ه، وهو من خيرة ما اُلّف في موضوعه، وهو من أقدم ما كتبه الأصحاب في هذا الباب بعد كتابي الكلبي ووالد الصاحب بن عبّاد، وهما مفقودان. رتّبه على أبواب الفقه من الطهارة والصلاة والصوم والزكاة إلى كتاب الديات، وأصبح هذا المنهج هو المتّبع عند الطائفة، فكلّ ما ألّفته في تفسير آيات الأحكام هو حسب الترتيب الفقهي، وما ألّفه غيرنا في هذا الباب كلّه على ترتيب الآيات والسور.

ويحتمل أن يكون هو غير شرح آيات الأحكام كما قال به في أمل الآمل(2)؛ ولكن صرّح صاحب الرياض بأن شرح آيات الاحكام له هو المعروف بفقه القرآن بعينه كما يظهر من الديباجة.(3)

وذكره المحدّث النوري فقال:

كتاب فقه القرآن، وهو بعينه كتاب آيات الأحكام له أيضاً، وهو من نفائس الكتب النافعة الجامعة الكاشفة عن جلالة قدر مؤلّفه وعلو مقامه في العلوم الدينيّة....

ثمّ ذكر أنّه ظفر بنسخة منه مكتوبة في كاشان على نسخة خطّ المؤلّف في سنة 740 ه.(4)

ص: 32


1- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 226؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356؛ الذريعة، ج 16، ص 50؛ رياض العلماء، ج 2، ص 424.
2- . أمل الآمل، ج 2، ص 127، الرقم 356.
3- . رياض العلماء، ج 2، ص 424.
4- . خاتمة المستدرك، ج 1، ص 184.

بعض مخطوطاته من القرن السابع أو الثامن الهجري موجودة في مكتبة جامعة طهران(1).

طبعه الشيخ جواد المحتصر في النجف الأشرف، و طبعته أيضاً مكتبة السيّد المرعشي في قم سنة 1397 ه، بتحقيق الاُستاذ السيّد أحمد الحسيني الإشكوري، في مجلّدين.

33. قصص الأنبياء:

رتّبه على عشرين باباً، في كلّ باب منها فصول، واعتمد فيه أحاديث أهل البيت عليهم السلام في ذلك، راوياً أكثرها - وربما كلّها - من طريق الشيخ الصدوق رحمه الله. قال المجلسي بعد الإذعان بأنّ قصص الأنبياء للقطب:

ولا يبعد أن يكون تأليف فضل اللّٰه بن عليّ بن عبيداللّٰه الحسني الراوندي كما يظهر من بعض أسانيد السيّد ابن طاووس وقد صرح بكونه منه في رسالة النجوم وكتاب فلاح السائل.(2)

ولكنّ فلاح السائل الموجود بأيدينا اليوم خال عن ذكر قصص الأنبياء ومؤلّفها، وقد صرّح ابن طاوس نفسه في سعد السعود و فرج المهموم ومهج الدعوات بأنّ قصص الأنبياء للقطب الراوندي، ويمكن أنّ في رسالة النجوم سهو وتصحيف.(3)

مخطوطاته كثيرة، نسخة منها في مكتبة مدرسة سبهسالار في طهران، كتبت سنة 1089 ه.(4)

طبعه مجمع البحوث الإسلاميّة في مشهد سنة 1409 ه، بتحقيق الشيخ غلام رضا عرفانيان الخراساني، وأيضاً طبع في بيروت مصوّراً على الطبعة السابقة.

34. كتاب الإنجاز في شرح الإيجاز في الفرائض للشيخ الطوسي.

ص: 33


1- . فهرست دانشگاه، ج 16، ص 17، الرقم 5471.
2- . بحار الأنوار، ج 1، ص 12.
3- . راجع: سعد السعود، ص 12 و 123؛ فرج المهموم، ص 27؛ رياض العلماء، ج 2، ص 428 و 429.
4- . فهرست سپه سالار، ج 5، ص 404، الرقم 7302.

مخطوطة منه ضمن مجموعة من القرن العاشر الهجري، في مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام العامّة في النجف الأشرف.

35. كتاب المزار:

قال صاحب الروضات في ترجمة القطب الراوندي: «ثمّ إنّ له من المصنّفات - غير ما فصّلنا لك - كتاب (كذا) كبير في المزار على ما عزي إليه في المقابس...».

ومثله في أعيان الشيعة والذريعة(1).

ذكره المحقّق الطباطبائي رحمه الله واعتبره من الكتب المنحولة التي من خلط صاحب المقابس، أبا البركات المشهدي الذي يعدّ من مشايخ الراوندي، مع ابن المشهدي الذي يعدّ من طبقة تلامذته، وسهو صاحب الروضات في إرجاع ضمير في «وهو صاحب المزار الكبير» من كلام صاحب المقابس إلى القطب.(2)

36. كتاب النيّات في جميع العبادات:

قال في فقه القرآن في بحث نيّة الصوم: وقد ذكرنا ذلك مستوفى في كتاب النيّات في جميع العبادات.(3)

37. كتاب في إعجاز القرآن وتفسير سورة الكوثر:

قال في مقدمة كتابه اُمّ المعجزات في كلامه على إعجاز القرآن وسورة الكوثر:

وقد نبّهنا على ذلك في كتاب مفرد.(4)

38. لباب الأخبار:

قال في الرياض: «قد رأيته في استر آباد. وهو كتاب مختصر في الأخبار».(5)

ص: 34


1- . مقابس الأنوار ونفائس الأسرار، ص 11؛ روضات الجنّات، ج 4، ص 7؛ أعيان الشيعة، ج 7، ص 241؛ الذريعة، ج 20، ص 323.
2- . راجع: تراثنا، العدد 38-39، ص 285-286.
3- . فقه القرآن، ج 1، ص 186. راجع أيضاً: فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 237.
4- . الخرائج والجرائح، ج 3، ص 972.
5- . الذريعة: ج 18 ص 275، رياض العلماء، ج 2 ص 242.

وقال المحقّق الطباطبائي رأيت نسخة منه في النجف في مكتبة العلّامة الشيخ محمدرضا فرج اللّٰه.(1)

39. اللباب المستخرج من (في تلخيص) فصول عبد الوهّاب:

ذكره ميرزا عبد اللّٰه الأفندي في رياض العلماء وغيره في غيرها.(2)

وأما فصول عبد الوهّاب فهو لعبد الوهاب بن محمّد بن أيّوب أبي زرعة الأردبيلي الحنفي الصوفي، نزيل شيراز، المتوفّى بها 5 رجب سنة 415 ه، من أصحاب أبي عبد اللّٰه الخفيف الشيرازي.(3)

ويبدو أن كتابه الفصول هو مجموعة مجالسه التي كان يلقيها في جامع شيراز، يحتوي على 155 مجلساً، في كلّ منها سبعة فصول، يبدأ في كلّ مجلس بآية وتفسيرها، ثمّ الأخبار والحكايات، ثمّ الوجوه والنظائر، ثمّ النكت والإشارات، وهو التفسير الصوفي لتلك الآية.(4)

وعمد القطب الراوندي إلى هذا الكتاب وهذّبه ممّا كان فيه من تصوّف وأباطيل وأحاديث واهية، واستخلص منه اللباب من تفسير، وأدب، وفوائد، وحكم، وطعّمه بفوائد من حديث العترة الطاهرة وحكمهم وآدابهم عليهم السلام.(5)

وهذا الكتاب (اللباب) كان موجوداً إلى قبل مائة سنة، فقد عثر عليه المحدّث النوري ونقل عنه في كتابه دار السلام وعدّه من مصادر كتابه مستدرك الوسائل باسم:

ص: 35


1- . تراثنا، العدد 28-29، ص 279.
2- . رياض العلماء، ج 2، ص 122 و ج 4، ص 366 و ج 5، ص 488؛ الذريعة، ج 4، ص 25 و ج 18، ص 280 و 281 و 289 و 292 و ج 24، ص 305.
3- . الأنساب للسمعاني، ج 1، ص 107؛ شدّ الإزار، ص 223، الرقم 159؛ تاريخ الإسلام، ج 28، ص 379.
4- . راجع: «چهرۀ ديگر محمد بن كرام سجستانى در پرتو سخنان نو يافته از او»، شفيعى كدكنى، ارج نامه ايرج؛ فهرست مجلس، ج 2، ص 31؛ فهرست دانشگاه، ج 8، ص 491.
5- . راجع لتفصيل البحث: «قطب راوندى وتلخيص تفسيرى كرامى» حسن الأنصاري، نشر دانش، الرقم 3، 1378 ش، ص 80-81.

اللبّ واللباب.(1) توجد نسخة منه في مكتبة آية اللّٰه البروجردي الخاصّة بقم.(2)

ويجوز أن يكون الراوندي لخّص اللباب وسمّاه لبّ اللباب أو اللبّ واللباب، وأنّ الذي حصل عليه المحدّث النوري إنّما كان هذا المختصر، وأمّا اللباب فهو ممّا فقد قديماً.(3)

ويجوز أن يكون اللباب في فضل آية الكرسي كتاباً آخر له، فقد عدّه البغدادي في هديّة العارفين من كتب الراوندي.(4)

40. المجالس في الحديث:

ذكره الذريعة وقال:

ينقل عنه في فضائل السادات الذي فرغ منه مؤلفه سنة 1103.(5)

41. مسألة أخرى في الخمس.(6)

42. المسألة (الرسالة) الكافية (الشافية) في الغسلة الثانية.(7)

ص: 36


1- . خاتمة المستدرك، ج 1، ص 181، نسب المحدّث النوري كتاب الفصول الذي اختصره الراوندي، إلى عبدالوهّاب الشعراني، وهو سهو؛ لأنّ الشعراني توفّي سنة 973 ه. راجع: الأعلام للزركلي، ج 4، ص 180؛ معجم المؤلّفين، ج 6، ص 218.
2- . فهرست بروجردى، ج 2، ص 258، الرقم 409.
3- . قال الأفندي: «لكن الاُستاد الاستناد مدّ ظلّه نسب في البحار كتاب اللباب إلى السيّد فضل اللّٰه الراوندي، فلاحظ». راجع: رياض العلماء، ج 2، ص 422. ولكن في البحار المطبوع نسب كتاب اللباب و كتاب لبّ اللباب إلى قطب الدين الراوندي. راجع: بحار الأنوار، ج 107، ص 166 و ج 53، ص 326 و ج 102، ص 62.
4- . هدية العارفين، ج 1، ص 392.
5- . الذريعة، ج 19، ص 354.
6- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 237؛ أعيان الشيعة، ج 7، ص 241؛ الذريعة، ج 20، ص 386.
7- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ جامع الرواة، ج 1، ص 364؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356؛ الذريعة، ج 13، ص 12 و ج 17 ص 248 و ج 20 ص 388 و 391.

43. مسألة في الخمس.(1)

44. مسألة في العقيقة.(2)

45. مسألة في صلاة الآيات.(3)

46. مسألة في فرض من حضر الأداء وعليه القضاء.(4)

47. المستقصى في شرح الذريعة:

ذكره منتجب الدين في الفهرست، وقال: (ثلاث مجلّدات).(5) و الذريعة في اُصول الفقه للشريف المرتضى. وقدترجم المستقى بعض العلماء.(6)

48. مشكل النهاية (مشكلات النهاية أو شرح مشكلات النهاية):

ذكره في رياض العلماء بصور ثلاثة، وينقل عنه العلّامة في المختلف(7) وابن فهد في المهذّب(8) وغيرهما في غيرهما.

49. المعارج في شرح نهج البلاغة:

ذكره المحقّق الطباطبائي رحمه الله ويرى أنّه من الكتب المنحولة، وقال: «فهمها صاحب الروضات من كلام قطب الدين الكيدري في الحدائق، وتسرّب هذا الوهم

ص: 37


1- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 127، الرقم 356؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 237؛ أعيان الشيعة، ج 7، ص 241؛ الذريعة، ج 20، ص 386.
2- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 237؛ أعيان الشيعة، ج 7، ص 241؛ الذريعة، ج 20، ص 390.
3- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 237؛ أعيان الشيعة، ج 7، ص 241؛ الذريعة، ج 20، ص 288.
4- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 127، الرقم 356؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 237؛ أعيان الشيعة، ج 7، ص 241؛ الذريعة، ج 15، ص 82 و ج 20، ص 288.
5- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356؛ يُعد في إيضاح المكنون من فقه الشيعة! راجع: إيضاح المكنون، ج 2، ص 478.
6- . الذريعة، ج 4، ص 134.
7- . رياض العلماء، ج 2، ص 423-424؛ الذريعة، ج 2، ص 66 و ج 14، ص 66.
8- . مهذب البارع، ج 3، ص 380.

من الروضات إلى الذريعة».(1)

50. معرفة مقاطع القرآن من مباديه:

توجد نسخة منه ضمن مجموعة كتبت في القرن العاشر، في مكتبة الوزيري العامّة في مدينة يزد.(2)

51. المغني في شرح النهاية:

ذكره منتجب الدين في الفهرست وقال: (عشر مجلدات)(3).

و النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى للشيخ الطوسي، ويبدو أنّ المغني كان موجوداً إلى القرن الثامن حيث ينقل عنه الشهيد الأوّل في كتاب البيان في بحث السجود.(4)

52. مفتاح المتعبّد:

توجد في المكتبة المركزيّة بجامعة طهران مخطوطة صدرها هكذا:

مفتاح المتعبّد، عن الشيخ... قطب الدين(5)... أبي الحسن بن أبي الفضل الراوندي قدّس اللّٰه سره بسم اللّٰه... الحمد للّٰه الذي جعل الدعاء أفضل العبادة....(6)

53. مكارم أخلاق النبيّ والأئمّة عليهم السلام:

ذكره صاحب الرياض بقوله:

وله أيضاً كتاب مكارم الأخلاق، كذا نسبه إليه بعضهم، لكنّه عندي خطأ؛ إذ هو لولد الشيخ الطبرسي، واحتمال التعدّد بعيد، فلاحفظ.(7)

ص: 38


1- . تراثنا، الرقم، 38-39، ص 288؛ حدائق الحقائق، ج 1، ص 69؛ روضات الجنّات، ج 6، ص 295؛ الذريعة، ج 21، ص 178.
2- . تراثنا، العدد 28-29، ص 275.
3- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم، 186؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 236؛ أمل الآمل، ج 2، ص 125، الرقم 356؛ الذريعة، ج 21، ص 296.
4- . البيان (ط. ق)، ص 91.
5- . كلمتان ممسوحتان لعلّهما [سعيد بن هبة اللّٰه] ويحتمل ان الكتاب لبعض أحفاده.
6- . فهرست دانشگاه، ج 13، ص 3128، الرقم 4157.
7- . رياض العلماء، ج 2، ص 421.

ومخطوطته في مكتبة البرلمان الإيراني، كُتبت سنة 985 ه، وكتب عليها أنّه تأليف قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة اللّٰه الراوندي، بخط قديم، وعليها تملّك الشيخ لطف اللّٰه العاملي الميسي، وملّكه بعده ابنه الشيخ عبد العالي في سنة 1035 ه، وبعده في مجموعة كتاب الفرقة الناجية للشيخ إبراهيم القطيفي.

رتّبت هذه المخطوطة على عدّة أبواب: الأوّل في مكارم أخلاق الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، والثاني في مكارم أخلاق فاطمة عليها السلام، والثالث في مكارم أخلاق أمير المؤمنين عليه السلام، وبقية الأبواب لسائر الأئمة الاثني عشر - صلوات اللّٰه عليهم -، لكلّ واحد منهم باب فيه فصول.

أوّله:

أما بعد حمداً للّٰه الذي جعل محمّداً وآله رحمة لجميع بريّته... فإنّي جمعت مختصراً في أخلاقهم الرضيّة وشيمهم المرضيّة....

و هذه المخطوطة غير كتاب مكارم الأخلاق للطبرسي، ولكنّ إثبات، أنّها للراوندي بعيد، بل يقطع بعدمه.

ولم نعثر في هذه المخطوطة على اسم كتاب معيّن ولا اسم شيخ من شيوخ القطب الراوندي ولا غيره، ولم يذكر فيه اسم المؤلّف وعليه فلا يمكن نسبتها إلى كاتب أو مؤلّف خاصّ . ولكن المحقّق الطباطبائي رحمه الله نسب هذه المخطوطة إلى القطب الراوندي من دون تردد ولا إشكال.(1)

54. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة:

هو شرح علمي أدبي جيّد، ويعتبر من أقدم شروح نهج البلاغة، بل هو أقدمها عند بعضهم،(2) فرغ منه في أواخر شعبان سنة 556 ه.

ولم يرد اسم الكتاب فيه، ولكن ذكره تلميذ المؤلّف، وهو الشيخ منتجب الدين في الفهرست بهذا الاسم، فقال في ترجمة الراوندي عند عدّ مؤلّفاته: ومنهاج البراعة

ص: 39


1- . تراثنا، العدد 38-39، ص 274.
2- . قال ابن أبي الحديد: ولم يشرح هذا الكتاب قبلي - فيما أعلمه - إلا واحد، وهو سعيد ابن هبة اللّٰه بن الحسن، الفقيه المعروف بالقطب الراوندي، وكان من فقهاء الإمامية.... شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 5.

في شرح نهج البلاغة، مجلّدان(1).

قد استفاد ابن أبي الحديد من منهاج البراعة في شرحه كثيراً، وتكلّف أن يوجّه إليه نقداً بحقّ أو بباطل!

مخطوطاته عزيزة الوجود، منها في مكتبة جستر بيتي، كتبت في سنة 603 ه، ومخطوطة في مكتبة البرلمان الإيراني، كتبت في 652 ه.(2)

طبعه الشيخ عزيز اللّٰه العطاردي في حيدر آباد بالهند سنة 1403 ه، في ثلاثة أجزاء.

وطَبَعَتْهُ مكتبة السيّد المرعشي في قم سنة 1406 ه، في ثلاثة أجزاء بتحقيق السيّد عبد اللطيف القرشي.

55. الناسخ والمنسوخ:

ذكره في الذريعة، وتوجد منه نسخة ضمن مجموعة كتبت سنة 1254 ه في مكتبة المسجد الأعظم في قم.(3)

ونسخة اُخرى في مكتبة مدرسة مروي في طهران، كتبت سنة 1290 ه.(4)

واحتمل السيّد الطباطبائي أنّه لابن المتوّج البحراني، ونسب في بعض مخطوطاته إلى القطب الراوندي، وكتاب ابن المتوّج هو الذي نشره السيّد محمّد المشكاة، من مطبوعات جامعة طهران، بشرح السيّد عبد الجليل.(5)

56. نفثة المصدور:

ذكره منتجب الدين و وصفه بقوله: «وهي منظومة»،(6) وهذا يفيد أنّ هذا الكتاب

ص: 40


1- . فهرست منتجب الدين، ص 107، الرقم 388؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 236؛ الذريعة، ج 23، ص 157؛ رياض العلماء، ج 2، ص 424.
2- . فهرست مرعشى، ج 1، ص 263-265، الرقم 291 و 292 و 293 و 296.
3- . الذريعة، ج 24، ص 14؛ فهرست مسجد أعظم، ص 448، الرقم 480.
4- . فهرست مدرسۀ مروى، ص 326، الرقم 918.
5- . تراثنا، العدد 38-39، ص 272.
6- . فهرست منتجب الدين، ص 69، الرقم 186.

منظومة. وقد يكون موضوعه فقهيّاً أو أدبيّاً ونحوهما. واستفادة المترجمين له من عبارة منتجب الدين من أنّ نفة المصدور اسم ديوان شعره أو منظومته لايخلو من إشكال.(1)

57. نهية النهاية.(2)

شعره

وكان رحمه الله شاعراً، ولكن لم يصلنا من شعره إلا عدّة مقطوعات أوردها المحدّث النوري في خاتمة المستدرك والعلّامة الأميني في الغدير والسيّد الأمين في أعيان الشيعة(3)، فمنها:

بنو الزهراء آباء اليتامى *** إذا ما خوطبوا قالوا: سلاما

هم حجج الإله على البرايا *** فمن ناواهم يلق الأثاما

يكون نهارهم أبدا صياما *** وليلهم كما تدري قياما

ألم يجعل رسول اللّٰه يوم *** الغدير عليا الأعلى إماما؟!

ألم يك حيدر قرماً(4) هماما *** ألم يك حيدر خيراً مقاما

بنوه العروة الوثقى تولّى *** عطاؤهم اليتامى والأيامى

وله في الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام:

قسيم النار ذو خبر وخبر *** يخلّصني الغداة من السعير

فكان محمّد في الناس شمساً *** وحيدر كان كالبدر المنير

ص: 41


1- . رياض العلماء، ج 2، ص 424؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 237؛ جامع الرواة، ج 1، ص 364؛ الذريعة، ج 24، ص 244؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356.
2- . بحار الأنوار، ج 102، ص 236؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356؛ رياض العلماء، ج 2، ص 424؛ الذريعة، ج 24، ص 431؛ أعيان الشيعة، ج 7، ص 240: نهية النهاية في غريب النهاية.
3- . خاتمة المستدرك، ج 3، ص 80-82؛ الغدير، ج 5، ص 379؛ أعيان الشيعة، ج 7، ص 360؛ جنگ مهدوى المطبوع، ص 137؛ جنگ مهدوى المطبوع، ص 137.
4- . القوم من الرجال: السيّد المعظّم. لسان العرب، ج 12، ص 473 (قرم).

هما فرعان من عليا قريش *** مصاص الخلق بالنصّ الشهير

وقال له النبيّ لأنت منّي *** كهارون وأنت معي وزيري

ومن بعدي الخليفة في البرايا *** وفي دار السرور على سريري

وأنت غياثهم والغوث فيهم *** لدى الظلماء والصبح السفور

مصيري آل أحمد يوم حشر *** ويوم النصر قائمهم نصيري

وله فيه عليه السلام أيضاً:

إمامي عليّ كالهزبر لدى العشا *** وكالبدر وهّاجا إذا الليل أغطشا

إمامي عليّ خيرة اللّٰه لا الذي *** تخيّرتم واللّٰه يختار من يشا

أخو المصطفى زوج البتول هو الذي *** إلى كلّ حسن في البريّة قد عشا

بمولده البيت العتيق كما روى *** رواة وفي حجر النبوّة قد نشا

موالوه قوّامون بالقسط في الورى *** معادوه أكّالون للسحت والرشا

له أوصياء قائمون مقامه *** أرى حبّهم في حبّة القلب والحشا

هم حجج الرحمن عترة أحمد *** أئمّة حقّ لا كمن جار وارتشى

وله رحمه الله في المعصومين عليهم الصلاة والسلام:

محمّد وعليّ ثمّ فاطمة *** مع الشهيدين زين العابدين عليّ

والصادقان وقد سارت علومهما *** والكاظم الغيظ والراضي الرضاء عليّ

ثمّ التقيّ النقيّ الأصل طاهره *** محمّد ثمّ مولانا النقيّ عليّ

ثمّ الزكي ومن يرضى بنهضته *** أن يظهر العدل بين السهل والجبل

إنّي بحبّهم يا ربّ معتصم *** فاغفر بحرمتهم يوم القيامة لي

وأجلسني وكلّمني بلطف *** وأنطقني وأطلق لي لساني

تجلّى الربّ للجبل المعلّى *** فدك وقد أراني ما أراني

وذلك بعد ما قد قال موسى *** له: أرني، فنادى: لن تراني

وأحرق نوره ظلمات قلبي *** وأشرق منه عيني بالعيان

ص: 42

وواعدني الصديق جنان عدن *** فقلت: هواه لي أعلى الجنان

أعلام اُسرته

الراونديّون من العلماء كثيرون جدّاً وأكثرهم ينتسبون إلى عائتلين: إحداهما: علويّة النسب وجدّهم أبوالرضا فضل اللّٰه بن عليّ الراوندي الحسيني (571 ه)، والاُخرى: عائلة القطب الراوندي.

اُسرته أسرة علميّة أنجبت علماء أدباء محدّثين، عبر قرون أربعة، الرابع والخامس والسادس والسابع.

فجدّه الأعلى قطب الدين أبو الفضل هبة اللّٰه بن سعيد الراوندي كان من أعلام القرن الرابع، فقيهاً، متكلّماً، محدّثاً، من تلامذة ابن قولويه، المتوفّى سنة 368 ه.

ترجم له ابن الفوطي، فقال:

قطب الدين أبو الفضل هبة اللّٰه بن سعيد الراوندي، الفقيه المتكلّم، كان من العلماء الأفاضل، له تصانيف حسنة، روى عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه(1).

لا نعرف شيئاً كثيراً من تاريخ أسلاف القطب و صرّح الأفندي في الرياض مجملاً بأنَّ والده وجدّه كانا من العلماء.(2)

أولاده الفضلاء الثلاثة

1. عماد الدين عليّ

اشارة

ترجم له منتجب الدين وقال:

«الشيخ الإمام عماد الدين أبو الفرج عليّ بن الشيخ الإمام قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة اللّٰه الراوندي، فقيه، ثقة».(3)

ص: 43


1- . تلخيص مجمع الآداب، ج 4، قسم 4 ص 282 رقم 2948؛ أعيان الشيعة، ج 10، ص 262.
2- . رياض العلماء، ج 2، ص 430.
3- . فهرست منتجب الدين، ص 54، الرقم 275. وله ترجمة في أمل الآمل، ج 2، ص 171؛ تعليقة أمل الآمل: ص 185 و 191؛ الثقات العيون، ص 190، معجم رجال الحديث، ج 12، ص 39، روضات الجنّات، ج 4، ص 7.

هو يروي عن أبيه وعن السيّد فضل اللّٰه الراوندي وأبي الفتوح الخزاعي المفسّر وأبي عليّ الطبرسي صاحب مجمع البيان، وعن الشيخ المتكلّم سديد الدين محمود الحمصي الرازي، وعن الشيخ عبد الرحيم بن أحمد المعروف بإبن الأخوة البغدادي - نزيل أصفهان، المتوفّى سنة 548 ه - وعن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن المحسن الحلبي.

وفي أمل الآمل أنّه روى عن أبي عليّ الطوسي. ولكنّ الشيخ أبا عليّ بن الشيخ الطوسي كان حيّاً سنة 515 ه، ويستبعد إدراك عماد الدين له. ويمكن أنّ الطبرسي صُحّف إلى الطوسي.

ومن تلمذته علىٰ هؤلاء يبدو أنّ ولادته كانت في أوائل القرن السادس، وكان حيّاً سنة 600 ه.

روى عنه وقرأ عليه نصير الدين عبد اللّٰه بن حمزة الطوسي صاحب الوسيلة، والشيخ جعفر بن نما الحلّي والسيّد حيدر بن محمّد الحسيني صاحب غرر الدرر، وأسعد بن عبد القاهر الأصفهاني مؤلّف كتاب رشح الولاء.

كنّاه السيّد ابن طاوس في فتح الأبواب: «أبا الفرج» وروى عن محمّد بن نما، وأسعد بن عبد القاهر عنه.(1)

من أولاد عماد الدين علي:

الشيخ برهان الدين أبو الفضائل محمد بن عماد الدين عليّ بن القطب الراوندي.

ترجم له الشيخ منتجب الدين ووصفه بالعلم والفضل.(2)

2. نصير الدين الحسين

ترجم له منتجب الدين وقال:

الشيخ نصير الدين أبو عبد اللّٰه الحسين بن الشيخ الإمام قطب الدين أبي الحسين

ص: 44


1- . فتح الأبواب، ص 238.
2- . فهرست منتجب الدين، ص 112، الرقم 419.

الراوندي، عالم، صالح، شهيد(1).

قرأ على أبيه، وكتب له أبوه إجازة على كتاب الجواهر لابن البرّاج بقوله:

قرأه عليّ ولدي نصير الدين أبو عبد اللّٰه الحسين - أبقاه اللّٰه ومتّعني به - قراءة إتقان، وأجزت له أن يرويه عني عن الشيخ أبي جعفر محمّد بن عليّ بن المحسن الحلبي عن المصنّف(2).

3. ظهير الدين محمّد

قال منتجب الدين:

الشيخ الإمام ظهير الدين أبو الفضل محمّد بن الشيخ الإمام قطب الدين أبي الحسين سعيد بن هبة اللّٰه الراوندي، فقيه، ثقة، عدل، عين.(3)

يروي عن أبيه(4)، ويروي عنه ابنه محمّد وقطب الدين البيهقي الكيدري(5)، والسيّد أبو طالب بن الحسين الحسيني(6)، ووحيد الدين جمال الإسلام أبو القاسم عليّ بن محمّد بن عليّ الجاسبي الذي، قرأ عليه كتاب النهاية في الفقه للشيخ الطوسي، فكتب له عليه إجازة تاريخها سنة 580 ه(7)، ويروي عنه أيضا علاء الدين عليّ بن

ص: 45


1- . فهرست منتجب الدين، ص 54، الرقم 111. وله ترجمة في: الثقات العيون، ص 72 و 75، شهداء الفضيلة، ص 40، روضات الجنّات، ج 4، ص 7، معجم رجال الحديث، ج 5، ص 176، أمل الآمل، ج 2، ص 87، رياض العلماء، ج 2، ص 7؛ تنقيح المقال، ج 1، ص 293؛ جامع الرواة، ج 1، ص 209.
2- . الذريعة، ج 5 ص 257 و ج 20 ص 298، الثقات العيون، ص 87.
3- . فهرست منتجب الدين، ص 112، الرقم 418. لابدّ أن يميّزه عن «محمّد بن سعيد بن هبة اللّٰه بن دعويدار القمّي القاضي». راجع: عجالة المعرفة في اُصول الدين، مقدمة التحقيق، ص 11.
4- . قد وقع في سند رواية أوردها ابن العديم في ترجمة أبي جعفر الحلبي. راجع: بغية الطلب، ج 10، ص 4375.
5- . أمل الآمل، ج 2، ص 274؛ الثقات العيون، ص 265.
6- . الذريعة، ج 24 ص 404.
7- . الذريعة، ج 24، ص 404؛ تراجم الرجال للإشكوري، ج 1، ص 381، الرقم 700؛ الثقات العيون، ص 201. جاء نصّ هذه الإجازة في مجلّة معهد المخطوطات العربيّة في المجلّد الثالث، سنه 1376 عن نسخة من النهاية كانت فى خزانة محمّد أمين النحونجي في طهران.

يوسف بن الحسن، قرأ عليه كتاب نهج البلاغة(1).

وممّا ألّفه ظهير الدين هذا مختصر في علم الكلام سماه عُجالة المعرفة.(2)

وله كتاب الأربعون حديثا(3).(4)

من أولاده الأفاضل محمّد بن ظهير الدين محمّد بن القطب الراوندي، روى عن أبيه، وروى عنه أبو المؤيّد محمّد بن محمود بن محمّد الخوارزمي، قاضي خوارزم وخطيبها، المتوفّى سنة 655 ه، من مشايخ ابن العديم، روى عنه عن المترجم في كتابه بغية الطلب.(5)

و يحتمل أن يكون من أولاده رشيد الدين الحسين بن أبي الفضل بن محمّد الراوندي. ترجم له منتجب الدين في الفهرست وقال: «المقيم بقوهده رأس الوادي، من أعمال الري، صالح، مقرئ، معاصر».(6)

ويحتمل أن يكون من أحفاد هذه العائلة قطب الدين محمّد بن محمّد الراوندي الذي كتب نسخة من إحكام الأحكام في اُصول الأحكام للآمدي الشافعي في 704 ه.(7)

ص: 46


1- . تراثنا العدد 29، ص 10.
2- . فهرست دانشگاه، ج 9، ص 804، الرقم 2144، حقّقه العلّامة الباحث السيّد محمّدرضا الحسيني الجلالي حفظه اللّٰه، ونشره في سلسلة (من ذخائر التراث) في العدد 29 من مجلّة (تراثنا) وأيضاً بصورة مستقلّة في سنة 1417 ه. وقدّم له مقدّمة ضافية.
3- . يوجد في المكتبة المركزّية بجامعة طهران، ضمن المجموعة رقم 3/2130، من 21-32، كتبها العلّامة الجليل سردار كابلي رحمه الله سنة 1345 ه، وقبله في المجموعة: الأربعون حديثا لأسعد بن إبراهيم الإربلي، و الأربعون حديثا ليوسف بن حاتم الشامي. فهرست دانشگاه، ج 9، ص 773.
4- . ومن مصادر ترجمته: أمل الآمل، ج 2، ص 274، رياض العلماء، ج 5، ص 107، الثقات العيون، ص 265، معجم رجال الحديث، ج 17، ص 115، روضات الجنّات، ج 4، ص 57؛ جامع المقال، ج 2، ص 118؛ تنقيح المقال، ج 3، ص 121.
5- . بغية الطلب، ج 10، ص 4375.
6- . فهرست منتجب الدين، ص 53، الرقم 107؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 225؛ جامع الرواة، ج 1، ص 232؛ أمل الآمل، ج 2، ص 87، الرقم 233؛ الثقات العيون، ص 72.
7- . فهرست مرعشى، ج 31، ص 568، الرقم 12521 و ج 33، ص 69، الرقم 13030.

مولده

لم يحدّد مترجموه تاريخ ولادته، إلا أنّه حيث روى عن أبي عليّ الحدّاد الأصفهاني - المتوفّى سنة 515 ه - فنقدر ولادته قبل الخمسمائة ببضع سنين، فربما كان - عندما رحل إلى أصفهان وسمع منه - ابن عشرين سنة أو أكثر.

وفاته

أمّا تاريخ وفاته فمضبوط محدّد في ضحوة يوم الأربعاء 14 شوّال سنة 573 ه، نقله الجبعي في مجموعته عن خطّ الشهيد الأوّل رحمه الله.(1)

وحكاه ابن حجر في لسان الميزان(2) عن تاريخ الريّ للشيخ منتجب الدين ابن بابويه أنّه توفّي في 13 شوّال، فيحمل على الخلاف في أوّل الشهر وباختلاف الأفق... ففي الشام كان عيد الفطر من تلك السنة يوم الخميس، وفي الري كان العيد يوم الجمعة، فيكون يوم الأربعاء عندهم 13 شوال.(3)

عاش سعيداً ومات سعيداً.

مزاره

قبره رحمه الله مشهور يزار، يقع في الصحن الكبير من الروضة الفاطميّة عليها السلام في قم المقدّسة، وعليه صخرة كبيرة بعناية بعض أهل الخير المعروف ب: جواديان، ومنحوت عليها اسمه أسب الفقيد آية اللّٰه المرعشي النجفي، وأمّا القبر المنسوب إليه في خسرو شاه بنواحي تبريز فلعلّه قبر جدّه هبة اللّٰه الراوندي، أو أحد أولاده أو غيرهما كما احتمل ذلك صاحب رياض العلماء.(4)

ص: 47


1- . بحار الأنوار، ج 105، ص 235.
2- . لسان الميزان، ج 3، ص 48.
3- . «نهج البلاغة عبر القرون» السيّد عبدالعزيز الطباطبائي، تراثنا، ش 38-39، ص 293.
4- . رياض العلماء، ج 2، ص 42.

نكات

أ - أوّل من ألّف في آيات الأحكام

الآيات القرآنيّة التي تقع ذريعة لاستنباط الأحكام الشرعيّة المتعلّقة بعمل المكلّف في حياته الفرديّة والاجتماعيّة هي الآيات المعروفة بآيات الأحكام، وهي على المشهور ثلاثمائة آية تقريباً، وقد أفردها لفيف من العلماء بالتأليف.

حكى المحدّث النوري عن صاحب الرياض قوله: أنّ القطب الراوندي أوّل من ألّف منّا في آيات الأحكام ووافقه أيضاً.(1)

ثمّ إنّ أبا نصر محمّد بن السائب الكلبي (م 146 ه) من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام له تفسير كبير معروف ب «أحكام القرآن» وهو أوّل، من دوّن فى آيات الأحكام كتاباً وكان قدوة لغيره في هذا الفن. وهو والد هشام الكلبي النسّابة الشهير وصاحب التفسير الكبير.

والظاهر أنّه أوّل من صنّف في هذا الفن كما يظهر من تاريخه، لا الإمام الشافعي محمّد بن إدريس (م 204 ه) كما زعم السيوطي.(2)

أمّا بعد عصر المتقدّمين والرواة فلا نعرف من المؤلّفين الإماميّة مقدّم على الراوندي قدس سره وبعده منهاج الهداية للشيخ جمال الدين أحمد بن عبداللّٰه بن محمّد بن المتوّج البحراني و النهاية للشيخ فخر الدين أحمد بن عبداللّٰه بن سعيد بن المتوّج البحراني، وكلاهما من تلامذة فخر المحقّقين (م 771 ه).(3)

ب. أوّل من ألّف منا في تهافت الفلاسفة

تصدّى جماعة من أعلامنا للردّ على الفلسفة البشريّة سوى ما أدرجوه في كتبهم الكلاميّة، منهم هشام بن الحكم في الردّ على أرسطاطاليس كما ذكرها النجاشي

ص: 48


1- . خاتمة المستدرك، ج 1، ص 184 وحكى هذا القول صاحب الحدائق عن صاحب الرياض في لؤلؤة البحرين، ص 304. ولم نجد هذا القول في رياض العلماء المطبوع.
2- . الذريعة، ج 1، ص 40؛ الشيعة وفنون الإسلام، ص 53؛ الفهرست لإبن نديم، ص 57.
3- . الذريعة، ج 1، ص 42.

والشيخ(1) وفضل بن شاذان النيسابوري في كتاب الردّ على الفلاسفة كما نقله النجاشي أيضاً(2) وعليّ بن أحمد الكوفي في كتاب الردّ على أرسطاطاليس كما نقله النجاشي(3)وعليّ بن محمّد بن العبّاس في كتاب الردّ على الفلاسفة(4) والشيخ المفيد في كتاب جوابات الفيلسوف في الاتّحاد(5) وغيرهم من الكتب والمقالات.

ولكن بعنوان تهافت الفلاسفة، أوّل من ألّف في هذا المجال أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي الطوسي (م 505 ه) وردّ عليه محمّد بن أحمد بن رشد (م 595 ه) في «تهافت التهافت» وغيره في غيرها.

والظاهر أنّ اوّل من ألّف تهافت الفلاسفة من الإماميّة قطب الدين الراوندي رحمه الله، واللّٰه العالم.

ج - أوّل من كتب في الدراية

هناك اختلاف في وجهات النظر حول أوّل من كتب في الدراية من الشيعة، فقد ذهب السيّد حسن الصدر إلىٰ أنّه هو الحاكم النيشابوري (405 ه)،(6) ولكن مسألة انتماء الحاكم إلىٰ المذهب الإمامي غير متّفق عليها.

واعتبر السيّد المحقّق الطباطبائي أنّ أوّلّ مؤلّف شيعي في الدراية هو القطب الراوندي (573 ه) بسبب تأليفه رسالة في صحّة أحاديث اصحابنا.(7)

وقد ذهب جماعة إلى أنّ أوّل مؤلّف شيعي في هذا العلم هو جمال الدين أحمد بن موسى بن طاوس الحلّي (673 ه) الذي ألّف في هذا المجال كتاب حلّ

ص: 49


1- . رجال النجاشي، ص 434، الرقم 1164؛ فهرست الطوسي، ص 495، الرقم 783.
2- . رجال النجاشي، ص 307، الرقم 840.
3- . رجال النجاشي، ص 366، الرقم 691.
4- . رجال النجاشي، ص 269، الرقم 704.
5- . رجال النجاشي، ص 400، الرقم 1067.
6- . تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، ص 294.
7- . تراثنا، العدد، 38 و 39، ص 273.

الإشكال في معرفة الرجال.(1)

د - أوّل من شرح نهج البلاغة

قال في الرياض: «ثمّ إنّ القطب الراوندي قدس سره أوّل من شرح نهج البلاغة».(2)

وللمحدّث النوري قول آخر، حيث قال:

وأمّا النهج فأوّل من شرحه أبوالحسن البيهقي، وهو حجّة الدين فريد خراسان، أبوالحسن بن أبي القاسم زيد - صاحب لباب الأخبار وحدائق الحدائق وغيرها - ابن محمّد بن عليّ البيهقي، من أولاد خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين.(3)

ويعتقد بعض بأنّ أوّل من شرح نهج البلاغة هو عليّ بن الناصر - المعاصر للسيّد الرضي - وهو من أخصر وأتقن الشروح سمّاه أعلام نهج البلاغة.(4)

وهناك آراء في أوّل مَن شرح نهج البلاغة وقال بعض بأنَّ أوّل من شرحه أحمد بن محمّد الوبري، وقال بعض بأنّه السيّد فضل اللّٰه الراوندي وغيرهما.(5)

الكتاب الذي بين يديك

لم يصرّح الراوندي رحمه الله باسم الكتاب ولكن ذكره منتجب الدين وابن شهر آشوب وغيرهما بعنوان «ضياء الشهاب في شرح الشهاب».(6)

ذكره في الرياض بقوله:

ص: 50


1- . الدرّ المنثور، ج 2، ص 188؛ رياض العلماء، ج 2، ص 368؛ أمل الآمل، ج 1، ص 85؛ معجم رجال الحديث، ج 7، ص 372. راجع لتفصيل البحث: رسائل في دراية الحديث، ج 1، ص 14-19.
2- . رياض العلماء، ج 2، ص 421.
3- . خاتمة المستدرك، ج 1، ص 186.
4- . الذريعة، ج 2، ص 240.
5- . «في رحاب نهج البلاغة» السيّد عبدالعزيز الطباطبائي، تراثنا، العدد 35-36، ص 160.
6- . فهرست منتجب الدين، ص 68، الرقم 186؛ معالم العلماء، ص 55، الرقم 368؛ جامع الرواة، ج 1، ص 364؛ أمل الآمل، ج 2، ص 126، الرقم 356؛ بحار الأنوار، ج 102، ص 236؛ خاتمة المستدرك، ج 1، ص 354؛ أعيان الشيعة، ج 7، ص 240، كشف الحجب والأستار، ص 341؛ الذريعة، ج 13، ص 344 و ج 15، ص 124؛ الغدير، ج 5، ص 382؛ هدية العارفين، ج 1، ص 392.

وله كتاب ضياء الشهاب في شرح كتاب الشهاب في وجيز الألفاظ النبويّة للقاضي القضاعي، وقد رأيته في طهران وتاريخ تأليفه سنة ثلاث وخمسين وخمسمائه. ويظهر من هذا الشرح ميله إلى التصوّف ونقل كلام الصوفيّة شاهداً، فلعلّه لغير القطب الراوندي، فلاحظ.(1)

إذا كانت النسخة التي رآها صاحب الرياض مقطوعة الأنساب يمكن استفادة تاريخ تأليف ضياء الشهاب من كلامه، وأمّا قوله في ميل الراوندي إلى التصوّف ونقل كلام الصوفيّة فيمكن أن يكون نظره إلى بعض كلماته، مثل: قوله: «قال بعض أهل الإشاره» أو «قال بعض أهل التأويل».

ونسخته منحصرة في ما استكتبها العلّامة محمّد بن محمّد محسن الفيض الكاشاني المدعوب «علم الهدى» (1115 ه) و عليها تملّكه وسجعه وتملك محمّد جعفر بن سلطان العلماء ومحمّد هادي الفيضي في 1183 ه.

كتبت هذه المخطوطة سنة (1096 ه) على نسخة مكتوبة سنه (682 ه) وهي محفوظة في مكتبة مجلس سنا على رقم 217 ذكرت في فهرسها وعنها مصوّرة في المكتبة المركزيّة لجامعة طهران، على رقم الفيلم 1985.(2)

ذكره في الذريعة وقال: «يوجد في فهرس كتب المولى علي الخياباني».(3)

منهج العمل في الكتاب

اعتمدنا في تحقيق الكتاب على نسخة منحصرة موجودة في مكتبة البرلمان الإيراني، وفيها كثير من الألفاظ المطموسة، اعتمدنا تثبيت ما هو أصل له، وفي حالة عدم العثور على المصدر صحّحناه وأشرنا إلى ذلك، في الهامش.

كما وخرّجنا الأحاديث التي أوردها المصنّف قدس سره عن طريق الخاصّة والعامّة من

ص: 51


1- . رياض العلماء، ج 2، ص 421.
2- . فهرست مجلس سنا، ج 1، ص 101؛ فهرست ميكرو فيلم هاى دانشگاه تهران، ج 1، ص 351.
3- . أسامي الكتب الخطّية للخياباني المطبوع مع وقايع الأيام في أحوال شهر الصيام؛ «فهرست نسخه هاى خطى ملا على خيابانى تبريزى» محمّد الوانساز الخويى، نسخه پژوهى، ج 3، ص 51؛ الذريعة، ج 13، ص 343.

المصادر، وأرجعنا إليها، وقد بذلنا ما بوسعنا في تخريج الأقوال والآراء من مصادرها والإرجاع إليها، وفي مورد اليأس عن ألفاظ الروايات بعينها حاولنا جهد إمكاننا تثبيت الأحاديث الاُخرى الواردة بهذا المعنى؛ لكي يتعرّف القارئ الكريم على مضمون الرواية الواردة.

شكر و تقدير

وأخيراً من اللازم أن اُقدّم شكري المتواصل إلى كلِّ من آزرني في إنتاج هذ العمل القليل وإخراج هذا السفر الجليل إلى عالم النور، لا سيما الأخ الفاضل الشيخ قاسم شير جعفري حيث قام بتقويم النصّ ، والشيخ على الحميداوي «الأنصاري» حيث تولّى مراجعة الكتاب النهائيّة، كما وأتوجّه ببالغ الامتنان للأخوة الأعزاء: الشيخ حميد الأحمدي الجلفايي والسيّد محمّد حسين الحكيم والشيخ محمّد حسين الدرايتي المشرف على قسم إحياء التراث في مؤسّسة دارالحديث، وأيضاً الأخوة محمّد كطران كشمر (أبو نور) وحسين أفخميان اللذين قامان بنضد الحروف.

وأرجو من اللّٰه سبحانه وتعالى لهم الصحّة، وأن يزيد في تأييدهم وتوفيقهم، ونسأله أن يتقبّل منّا ويغفر لنا ولوالدينا ولمن وجب حقّه علينا، إنّه بالإنعام والتفضّل حقيق.

مهدي سليماني الآشتياني

ص: 52

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

ربّ سهِّل ولا تعسِّر.

قال الشيخ الإمام قطب الدين كافي الإسلام جمال العلماء أبو الحسين سعيد بن هبةُ اللّٰه بن الحسن الراوندي (أدام اللّٰه ظلّه علىٰ كافّة المسلمين):

أمّا بعد: حمداً للّٰه الذي جعلَنا من أهل البَراعة، وخَصَّنا من عموم فضله بأنواع ثمرات البلاغة، حتّى تنشّبت فينا عروقها وأفناؤها(1)، وتهدّلت علينا أوراقها وأغصانها. والصلاة على نبيّه محمّدٍ قطب الشرع وعماد اليقين، وعلى آله كهوف العلم وأساس الدين.

فإنّي لمّا وجدت شروحاً كثيرة حرّرها العلماء لكتاب الشهاب، مشحونة بالفوائد والعوائد على السداد والصواب - ولم يمكني أن اُحصّلها في وسعي مهيَّأةً ، ولم اُطِق أن اُحيط بأقطار جميعها مهنّأةً - جمعتُ بعون اللّٰه زلالها وسَلِسَها بيد الاختيار جرياً لها، وشذّبتُ (2) الألفاظ وهذّبتُ المعاني في ذلك كما ترى، و أنّ كلّ الصيد - كما قيل - في جوف الغراء، ومِن اللّٰه العصمة والتوفيق.

وأقول بعد ذلك وهو التحقيق: حدّثنا السيّد الإمام أبو محمّد شميلةُ بن محمّد

ص: 53


1- . هكذا قرأناه، والأفناء: جمع الفِنْو وهو السَّعَة. يقال: شجرةٌ فَنواء، إذا اتّسعت وانتشرت أغصانها. اُنظر: العين، ج 8، ص 376؛ لسان العرب، ج 15، ص 165 (فني).
2- . التشذيب هنا: تقشير الشيء، المُشَذَّب: المُقَشَّر. عن أبي حنيفة: «التشذيب في القِدْح: العَمَل الأوّل، والتهذيبُ : العملُ الثاني». راجع: العين، ج 6، ص 249؛ لسان العرب، ج 1، ص 486 (شذب).

أبي هاشم الحسيني، أمير مكّة(1)، قال: قال القاضي أبو عبد اللّٰه محمّد بن سلامة بن جعفر القضاعي الفقيه الشافعي المدقّق في عصره:

الحمد للّٰه القادر الفرد الحكيم، الفاطر الصمد الكريم، باعث نبيّه محمّد بجوامع الكلم وبدائع الحكم، وجاعله للناس بشيراً ونذيراً وداعياً إلى اللّٰه(2) بإذنه وسراجاً منيراً، صلّى اللّٰه عليه وعلى آله(3) الذين أذهب اللّٰه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً(4).

أمّا معناه: فأنّه جميع المحامد وكلّ ما هو من جنسها كائنٌ ثابت للّٰه الذي كان تحقّ له العبادة في الأزل، وهو تعالى الآن يستحقّها إلى ما لا يزال، قد صحّ منها كلّ فعلٍ لا يستحيل، هو المتوحّد بصفةٍ لا يشاركه فيها غيره، العالم بدقائق الاُمور، المُحكِم لأفعاله، الخالق المُهدي، فطر العدم فأخرج منه الموجودات، السيّد المحمود الذي يُقصد إليه بالحوائج، يكرم من عباده من يستحقّ الإكرام، الذي أرسل محمّداً رفيع منزلته، ومعه القرآن الذي يجمع جميع ما كان في الكتب المنزلة من الكلمات التي تمنع عن كثير من القبائح صاحبها، وجعله مبشّراً للمؤمنين بالثواب، ومعلّماً بالتخويف جميع الكافرين من العقاب، فاعلَ الدعوة إلى طاعة اللّٰه، سراجاً ذا نورٍ يهتدي الناس به في ظلمة الكفر، فأدام اللّٰه وصول الصلاة والرحمة إليه، وإلى أرفع أهله وأخصّ أهل بيته المعصومين، الذين باعدوا من أرجاس الذنوب بعصمة اللّٰه، وقربوا من طيّب الطاعات وطاهرها من الشوائب بتوفيق اللّٰه.

وأمّا مشكلاته: فالحمد: عامّ في الفضائل والفواضل، والشكر أخصّ منه؛ لأنّه الاعتراف بنعمة المنعم مع ضربٍ من التعظيم، والحمد: رضا فعل الفاعل، يُقال:

حمدته على شجاعته وسخاوته، ويستعمل في مواضع الشكر، فيُقال: حمدتُه على

ص: 54


1- . السيّد فخر الدين شميلي بن محمد بن أبي هاشم الحسيني، أمير مكّي، عالم، صالح، روى لنا كتاب الشهاب للقاضي أبي عبد اللّٰه محمّد بن سلامة بن جعفر القضاعي عنه. فهرست منتجب الدين، ص 29، الرقم، 192.
2- . في مسند الشهاب: «إليه» بدل «إلى اللّٰه».
3- . في مسند الشهاب: - «آله».
4- . راجع: مسند الشهاب، ج 1، ص 12. والفقرة الأخيرة إشارة إلى الآية 33 من سورة الأحزاب (33): (إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).

نعمته، واللام في الحمد لاستغراق الجنس.

و «اللّٰه» أصله «إلٰه» مصدر بمعنى المفعول، كالكتاب والحساب بمعنى المكتوب والمحسوب، فحذف فاءُ الفعل واُدخل عليه لامُ التخصيص الَّتي يسمّى في غيره لام التعريف، والفرد والفريد والمنفرد والمتفرّد بالإلهيّة والقدم.

والحكيم: فعيل بمعنى مُفعِل.

وفاطر السماوات: الذي شقّها من العدم وأخرجها منه، وهذا مجاز حسنٌ .

والصمد: فعيل بمعنى مفعول، يقال: صمده، أي قصده، ويكون المصمَّد غير المجوَّف.

والكريم: فعيل بمعنى مفعَّل، وقيل: هو اسمٌ جامع لجميع الفضائل، ويكون الكريم فعيلاً بمعنى فاعل كالظريف والعظيم.

والبعث: الإرسال والإحياء والإيقاظ.

ومحمّد: اسم عَلم لرسول اللّٰه، ومعناه: البليغ في كونه محموداً.

والجوامع فواعل، والبدائع فعائل، واحدتها جامعة وبديعة، مثل: كافرة وكوافر، وفضيلة وفضائل.

والابتداع: الابتداء وهو من الأبدال.

والكلم: عند سيبويه اسم واحد وضع للجمع كالنَّفر والرهط، وعند الخليل جمع كلمةٍ (1).

والبشارة: كلّ خبر يظهر أثر مسرّته على بَشَرة الوجه(2)، والبَشيرُ: فعيل بمعنى مُفَعِّل، والنذير: فعيل بمعنى مُفعِل.

وإذهاب الرجس: عبارة عن ألطاف فَعلَها اللّٰه لهم، فامتنعوا عندها عن سائر المعاصي اختياراً لا إجباراً، وإنّما حظّ اللطف التقريب دون الإلجاء، لا أنّ هناك رجساً فأذهبه اللّٰه عنهم، وهذا كما يُقال: للقيامة معاد ومرجع.

ص: 55


1- . راجع: العين، ج 5، ص 378 (كلم).
2- . راجع: لسان العرب، ج 4، ص 62؛ مجمع البحرين، ج 3، ص 221 (بشر).

وكذلك معنى التطهير.

والصلاة من اللّٰه بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الاستغفار، ومنّا بمعنى الدعاء(1).

وإذا قيل: «صلّى اللّٰه عليه» فالأولى أن يُقال: «وعلى آله»؛ لأنّ الضمير المجرور مع الجارّ بمنزلة شيء واحد، فلو لم يعد الجارّ لكان بمنزلة العطف على بعض الكلمة.

وإذا قيل: «صلّى اللّٰه على محمّدٍ» فالأولى أن يُقال: «وآل محمّد» ولا يعاد الجارّ؛ ليكون الكلام جملة واحدة. وإذا قلت: «صلّى اللّٰه على محمّد وعلى آل محمّد» صار الكلام جملتين وتقدّر محذوفاً، أي «وصلّى اللّٰه على آل محمّد»، وعند بعضهم هذا أبلغ في علم البيان.(2)

والآل أجلّ من الأهل في العرف، والهمزة بدل من الهاء؛ لكونهما من الحلق.

أمّا بعد، فإنّ في الألفاظ النبوية والآداب الشرعية جلاءً لقلوب العارفين، وشفاءً لأدواء الخائفين؛ لصدورها عن المؤيَّد بالعصمة، والمخصوص بالبيان والحكمة، الذي يدعو إلى الهدى، ويبصّر من العمى، ولا ينطق عن الهوى، صلّى اللّٰه عليه وعلى آله(3) أفضل ما صلّى على أحدٍ من عباده الذين اصطفى.

أمّا معناه: فإنّه ذكر تشبيباً(4) قبل شروعه في المقصود، وقال: اُخبر - بعد ما تقدّم من التسمية والتحميد والصلاة على محمّد وآله - أنّ في كلّ لفظة لفَظَها الذي [لفظها] من فمه ورماها من لسانه، وفي كلّ خَصلةٍ حَسَنَةٍ من الشرع دعا اللّٰه إليها تنقية

ص: 56


1- . راجع: العين، ج 7، ص 153؛ لسان العرب، ج 14، ص 465 (صلو).
2- . سبق إلى هذا القول الامام ضياء الدين الراوندي في ضوء الشهاب و تعقباه المؤلف هنا و الشيخ تقي الدين الكفعمي في حاشية المصباح. راجع: «اقناع الرافض لجواز عطف الظاهر على المحفوض من دون اعادة الخافض» السيد حسن الحسيني آل المجدد الشيرازي، تراثنا، العدد 48، ص 268.
3- . في مسند الشهاب: «وسلّم» بدل «وعلى آله».
4- . تشبيبُ الكتب: الابتداء بها والأخذ فيها، وتشبيب النار: إيقادها. اُنظر: لسان العرب، ج 1، ص 481؛ مجمع البحرين، ج 2، ص 85 (شبب).

لصدئ الذنب والشكّ عن فؤاد كلِّ محصِّل معرفة اللّٰه ورسوله وحججه، وشفاءٌ لكلّ داءٍ يكون بالذين يخافون عقاب اللّٰه؛ لأنّ تلك اللفظة صدرت عن صدرِ موفَّقٍ مقوًّى بالعصمة قد خصّ بالفرق بين الحلال والحرام، فلا وجه لردّها، وكيف أنّها جاءت من جهة النبيّ الموصوف بهذه الصفات، وهي أنّه عليه السلام يدعو الناس إلى الإسلام، ويرشد عن الجهل والغفلة، ولا يجوز على من ائتمنه اللّٰه من وحيه - عليه أفضل صلاةٍ صُلّيت على أحد من الأنبياء -؟

وأمّا مشكلاته: فإنّ «أمّا» للتخيير كما أنّ «إمّا» للتخيير، و «أمّا» كلمة يُقال بعد تقدّم كلام وهو متضمّن معنى الشرط، ولذلك يجابُ بالفاء.

و «بعد» مبنيّ على الضمّ ، بني لما حُذِف منه المضاف إليه.

و «اللفظ»: الرمي إلّاأنّه اختصّ بالعرف بما يلفظ من الفم.

و «النبويّة»، منسوبة إلى النبيّ ، وأصله من النباوة، وهي الرفعة(1)، ولا يُهمز؛ لقوله عليه السلام: ولا تَنبِروا(2) باسمي(3) ليكون اسم مدح، ولا يكون من النبأ وهو الخبر.

و «الأدب»: ما يُدعا إليه، فعل بمعنى مفعول كالنفض والقبض، ومنه المأدبة، فالأدب كلّ خَصلةٍ من خِصال الخير جديرة بأن يدعا إليها.

والشرع: طريقة الإسلام، ومنه شريعة الماء: الطريق الذي يشرع إليه، فعيلة بمعنى مفعولةٍ ، يقال: شرعت في الأمر شرعاً، إذا خضت فيه(4).

والجلاء: مصدر جلوت السيف، إذا نقّيته من الصداء، وأصله الكشف والإظهار.

وقيل: ما سمّي القلب إلّامن تقلّبه(5).

والمراد بالعارف: هو المحصّل معرفة اللّٰه وجميع ما يجب عليه تحصيله من

ص: 57


1- . راجع: لسان العرب، ج 15، ص 302 (نبو).
2- . النَّبْرُ في الكلام: الهَمْزُ، وكلّ شيء رفع شيئاً فقد نبره. العين، ج 8، ص 269؛ لسان العرب، ج 5، ص 189 (نبر).
3- . المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطيّة الأندلسي، ص 462، نقله عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله مرفوعاً.
4- . اُنظر: العين، ج 1، ص 252؛ لسان العرب، ج 8، ص 175 (شرع).
5- . اُنظر: العين، ج 6، ص 180؛ لسان العرب، ج 14، ص 149 (جلو).

المعارف، والمعرفة: علم يحصل بعد أن لم يكن؛ ولذلك يوصف القديم بأنّه عالم، ولا يُقال له «عارف»، فالمعرفة أخصّ من العلم، وهو ما اقتضى سكون النفس.

وشفاه اللّٰه من مرضه، أي خلّصه من جانبه، وشفاء البئر: حرفه(1).

والأدواء: جمع داء.

وروي: لصدرها، والصدور: الرجوع عن الماء، والورود ضدّه، والورود:

الدخول، والصدر: الخروج.

والبيان: مصدر «بان الشيء»، أي ظهر بمعنى التبيين، ويكون مصدر بان زيدٌ الشيءَ بمعنى التبيين، ويكون البيان التمييز والفرقان.

و «الهدى» هنا الدين، وقوله: «يبصّر من العَمى» استعارة عن الهداية بالتبصير عن الغفلة والجهل، و «أفضل»: أفعل للتفضيل، و «ما صلّى» ما: مصدرية، أي أفضل صلاةٍ على رسولٍ ، ولو أتى بالشرح لقال: لاصطفاهم، فحذف ضمير المفعول تفخيماً.

وقد جمعت في كتابي هذا ممّا سمعته من حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ألف كلمةٍ من الحكمة في الوصايا والآداب والمواعظ والأمثال، قد سلمت من التكلف مبانيها، وبَعُدَت عن التعسّف معانيها، وبانت بالتأييد عن فصاحة الفصحاء، وتميّزت بهدى النبوّة عن بلاغة البلغاء، وجعلتُها مسرودة يتلو بعضها بعضاً، محذوفة الأسانيد، مبوّبة أبواباً علىٰ حسب تقارب الألفاظ؛ ليقرب تناولها، ويسهل حفظها.(2)

أمّا معناه: فواضح؛ لأنّه حكى أنّه جمع في هذا الكتاب من أخبار النبيّ عليه السلام ألفاً، منها: ما يوعظ به الإنسان، ومنها: ما يشبَّه به حال بحالٍ ؛ لرغبة أو رهبة، لا شدّة في معرفة لفظها، ولا مشقّة في الاطّلاع على معناها، ثمّ وصفها بالفصاحة؛ لأنّ منبعها من قليب(3) النبوّة، يعجز كلّ بليغ عن إيراد مثلها، ثمّ ذكر أنّه جعل نظمها متناً،

ص: 58


1- . الشفاء: حرف كلّ شيء وحدّه. والحرف: هو طرف كلّ شيء وشفيره وحدّه وجانبه.
2- . راجع: مسند الشهاب، ج 1، ص 13.
3- . القَليبُ : البِئرُ ما كانت، وقيل: البِئرُ ما لم تُطْوَ، وجمعه: قُلُب. اُنظر: لسان العرب، ج 1، ص 689؛ مجمع البحرين، ج 2، ص 149 (قلب).

وضمّ كلّ كلمة إلى اُختها؛ إرادة التيسير والتسهيل على الناظر في ذلك.

وأمّا مشكلاته: فإنّ الحديث صار بالعرف مختصّاً بأحاديث النبيّ عليه السلام؛ ولذلك سمّي حملة الأخبار أصحاب الحديث، فالحديث بمنزلة اسم العلم لأخبار رسول اللّٰه.

وحدّ الكلمة: كلّ لفظةٍ دلّت على معنى بالوضع.

و «الوصايا»: جمع وصيّة كمنيّة ومنايا، والوصيّة: الأمر بما يعمل به الغير مقترناً بوعظٍ.

و «المواعظ»: جمع موعظة وهي مصدر، وإنّما جمع لاختلاف أنواعه.

وقيل: إنّما جعل(1) اسماً صريحاً ثمّ جمع؛ لأنّ المصادر لا يثنّى ولا تجمع.

والمَثَل والمِثل، كالشَّبَه والشِّبه لفظاً ومعنى: وهو كلّ ما يمثّل به الحال.

وقوله: «سلمت من التكلّف» كناية عن كونها مطبوعة لا كلفة له في بنائها.

والمباني: جمع مبناةٍ ومبنىً . والتعسّف: الأخذ على عسفٍ ، والعَسوف: الظلوم(2).

والمعنى: ما يقصد بالكلام. وبان: ظهر وبَعُدَ. والتأييد: تفعيل من الأيد وهو القوّة.

والفصاحة: الظهور والبيان. والبلاغة: إيصال المعنى إلى القلب في جنس صورة من اللفظ. والسرد: النظم، ومسرودة، أي منظومة مؤلّفة(3). ومحذوفة الأسانيد، أي متروكة.

والإسناد مصدرٌ جَعَلَه اسماً صريحاً ثمّ جَمَعَه، وأسناد الأخبار: طرقه التي توصِل الحديث إلى النبيّ عليه السلام من أسماء الرواة، وقال: إنّه فصّلها باباً باباً على مقتضى مقاربة الألفاظ كما تراه في الكتاب من باب الأمر والنهي، وباب رُبَّ ، وباب نِعمَ وبئس؛ ليسهل على من أراد حفظها ولا يختلط عليه. والتناول: الأخذ والإدراك.

ص: 59


1- . في المخطوطة: «جمع»، والظاهر أنّه تصحيف.
2- . راجع: العين، ج 1، ص 339؛ لسان العرب، ج 9، ص 245 (عسف).
3- . راجع: العين، ج 7، ص 226؛ لسان العرب، ج 3، ص 211 (سرد).

ثمّ زدتُ مئتي كلمة فصارت(1) ألف كلمةٍ ومئتي كلمة، وختمتُ الكتاب بأدعية مرويّةٍ عنه عليه السلام، وأفردت الأسانيد جميعها كتاباً يرجع في معرفتها إليه، وأنا أسأل اللّٰه تعالى أن يجعل ما اعتمدته من ذلك خالصاً لوجهه ومقرِّباً من رحمته بحوله وقدرته(2).

كان أوّل مرّةٍ وضع الكتاب على ألف حديث، ثمّ ظهر له أخبار، و لاح له أحاديث تليق بكلّ باب، فزاد على الألف مئتي حديث فجعلها على هذا العدد، وختم الكتاب بالدعاء كما افتتح بالحمد والثناء، تبرُّكاً بذلك وتيمّناً.

ثمّ ذكر أنّه صنّف كتاباً آخر لأسانيد هذه الأخبار على ما سمعته من طرقه؛ فإنّ الإسناد حجّة على صحّة الأخبار، وعِلمُ الأخبار عِلم جليل، خاصّةً معرفة الرجال وطبقاتهم والعلم بجرحهم وتعديلهم؛ فإنّ الشريعة تُعرف بها بعد كتاب اللّٰه والإجماع؛ إذ لا طريق للعقل إلى معرفتها، وما جاء من ذلك في كتاب اللّٰه مجمل وبيانه يؤخذ من الأخبار، وخبر الواحد وإن لم يوجب العلم فهو موجب للعمل على الظنّ عند أكثر العلماء.

فصل

اعلم أنّ كلّ خبر وحديث كان له سبب خاصّ ، كما أنّ لكلّ آيةٍ من كتاب اللّٰه كان له سبب نزول مفردٍ، إلّاأنّ الرواة لم ينقلوا على الأكثر إلّاما لا يُعلم إلّابذكر سببه وإن كان وَرد كلّ خبر في أمرٍ خاصّ ، ولا يجب قصره عليه؛ لأنّ لكلِّ كلام حكم نفسه، فإذا اُطلق الكلام إطلاقاً فهو على العموم تناول كلّ ما يصحّ دخوله تحته، والأصل في الكلام الإطلاق، وإنّما يكون التقييد فرعاً، والتخصيص شرعاً يُعلم بقرينة ودلالة منفصلةٍ .

ص: 60


1- . في مسند الشهاب: «فصار».
2- . في حاشية المخطوطة: «وقوّته».

والمراد بقولنا: «سبب في الكلام»: الداعي إلى الخطاب به والباعث عليه، وليس المراد به الأسباب المولّدة للأفعال، وقد اتّفقنا على أنّ الحكيم لا يجوز أن يريد بخطابه إلّاما له داعٍ إليه، فلا بدّ من خطابه من أن يكون مقصوراً على أسبابه، غير أنّه لا يجيء منها أنّه إذا سأله عليه السلام سائل عن مسألة حادثة فأجابه بقولٍ عامٍّ أن(1)يقصُره على ذلك السؤال؛ لأنّه إذن عمّ بخطابه سؤال(2) السائل وغيره، فلم يضف إلى بيان ما يُسأل عنه بيان حكم غيره إلّالسبب آخر و داعٍ هو غير سؤال؛ لأنّه لو لم يكن كذلك لأجاب بما يكون وقفاً للسؤال من غير أن يكون فاضلاً عليه.

وكلامه عليه السلام ينقسم إلى مطابق السبب غير فاضلٍ عنه، وإلى ما يكون أعمّ منه، والأوّل لا خلاف فيه، والثاني على ضربين:

إمّا أن يكون أعمّ منه(3) في الحكم المسؤول، نحو قوله [صلّى اللّٰه عليه وآله] - وقد سُئل عمّن ابتاع عبداً واستغلّه، ثمّ وجد به عيباً -: الخراج بالضمان(4).

وإمّا أن يكون أعمّ منه في غير ذلك الحكم المسؤول، نحو قوله عليه السلام - وقد سئل عن الوضوء بماء البحر -: هو الطهور ماؤه، الحِلّ ميتته، فأجاب بما يقتضي شربه وإزالة النجاسة به وغير ذلك.

وأكثر أحاديثه عليه السلام متضمّنة للأوامر والنواهي، وإنّما لم يذكرها على لفظ: «افعل» و «لا تفعل» لفوائد جمّة؛ أ لا ترى أنّه عليه السلام لو قال: «الزموا جماعة الحقّ تُرحموا» بدل قوله: الجماعة رحمة(5)، لظنّ المخاطبون أنّهم مخصوصون بذلك ؟

ص: 61


1- . في المخطوطة: «أنا»، والظاهر أنّه تصحيف.
2- . في المخطوطة: «السؤال»، والصحيح ما اُثبت.
3- . في المخطوطة: + «والأوّل لاخلاف فيه، والثاني على ضربين: إمّا يكون أعمّ منه».
4- . عوالي اللئالي، ج 1، ص 57، ح 83؛ مستدرك الوسائل، ج 13، ص 302، ح 3.
5- . مسند الشهاب لابن سلامة، ج 1، ص 43، ح 15؛ الإستذكار لابن عبدالبرّ، ج 8، ص 578؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 561، ح 3624؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 266، ح 6480.

على أنّ لفظ الإخبار أسهل على السامع، ويكون المخاطب به أقرب إلى تدبّره.

ثمّ تقليل الكلام من غير إخلال محمود وذلك للإيجاز الذي هو من أشرف مراتب البلاغة، وهو: إظهار المعنى الكثير باللفظ اليسير، وإذا أمكن المخاطب أن يستغني بالقليل كان الإطناب هذراً، وحسن البيان البلاغي أخفّ مؤونةً على القائل والسامع.

فهذا ديباجة الكتاب وعنوان اُنموذج الخطاب، ولا يوحشنّك إطناب الكلام هاهنا في صدر الكتاب؛ فأنا اُوجز شرح الأحاديث من بعد ذلك إن شاء اللّٰه، و [من] اللّٰه سبحانه أستمدّ المعونة فيما تحرّيتُ ، وأنتجزُ(1) التسديد والتثبيت على الطريقة التي فيها جريت، وهو حسبي ونعم الوكيل.

ص: 62


1- . أنتجز: أطلب. انظر: القاموس المحيط، ج 1، ص 724 (نجز).

الباب الأوّل

الباب الأوّل(1)

1. الأَعمْالُ بِالنِّيَّاتِ .(2)

معنى الخبر: أنّ الأعمال لا تُقبل إلّابالنيّة، فأخلِصوا الطاعات للّٰه، ولا تشوبوها بغرض غير القربة إليه تعالى؛ وسبب ذلك لأنّ الفعل يكون ذا وجوه يصحّ أن يوقع على كلّ وجهٍ من وجوهه، ولا يختصّ بالوجه المقصود إلّابقصد وإرادة، وهو اقتران النيّة به؛ أ لا ترى أنّ من أراد أن يؤدّي صلاةً لابدّ أن ينوي القربة والعبادة؛ ليتميّز من الرياء والعادة، وينوي الفرض ليتميّز به من النفل، وينوي الظهر ليتميّز من غيرها، وينوي الأداء ليتميّز بها من القضاء؟

ولهذا نقول: وقوع الفعل على وجه دون وجه يدلّ على كون فاعله مُريداً، والنيّة من باب الإرادة، فهي كلّ إرادة في القلب مفعولة به متعلّقة بفعل فاعلها، فكأنّه عليه السلام أراد أنّ الأحكام الشرعيّة إنّما تُثبت الأعمال بالنيّات، ونفيَ تلك الأحكام عمّا لم يصاحبه النيّة من الأعمال، فلا ثواب ولا عقاب على أفعال الساهي والنائم وإن كانت من قبيل الحَسَن والقبيح.

وظاهر الخبر يفيد أمرين: إمّا أنّ الأعمال تصير أعمالاً بالنيّة، وهذا لا يصحّ ؛ لأنّ النائم يقع منه أعمال ولا يكون له نيّة فيها، فلم يبقَ إلّاالوجه الآخر وهو أنّه عليه السلام

ص: 63


1- . في المخطوطة: «باب».
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 35، ح 1 و ح 2؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 2؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1413، ح 4227؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 490، ح 2201؛ التهذيب، ج 1، ص 83، ح 218؛ و ج 4، ص 186، ح 518؛ مسائل عليّ بن جعفر، ص 346، ح 852؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 4.

أخبر أنّ الأحكام تُثبت الأعمال في الشريعة بالنيّات.

وأمّا مشكلاته: فالعمل: كلّ فعل فيه بعض الأحكام، وتلحق فاعله المشقّة في فعله، ولا يجري على اللّٰه لهذا.

وللفعل أحوال يختلف عليه الأسماء لاختلافها، أعمّها «الفعل» وهو ما وجد بعد أن كان مقدوراً. ثمّ «الصُّنع» وهو الفعل المحكم، ويجري على اللّٰه كلاهما وعلينا.

ثمّ «الخلق» وهو إخراج المقدور من العدم إلى الوجود على ضربٍ من التقدير، ولا يطلق إلّاعلى اللّٰه؛ لمنع سمعي، ويستعمل فينا مقيّداً، يُقال: خلقتُ الأديم، أي قدّرته، وكذلك يسمّى الإرادة عزماً وتوطيناً للنفس إذا كانت متقدّمة على الفعل، ويسمّى قصداً وإيثاراً واختياراً إذا كانت مقارنةً للفعل بشرط أن يكون من فعل المريد.

فإنْ قيل: لِمَ لم يقل: الأفعال بالنيّات ؟

قلنا: الأعمال يختصّ بالمعالجات بالجوارح، والأفعال يُنسب إلى القلوب وإلى الجوارح وإلى اللّٰه تعالى، فلو كان الخبر على الصيغة التي سُئل عنها لكان فيه إثبات النيّة للّٰه، وهي مُستحيلة عليه تعالى في جميع أفعاله. ويلزم أنْ يكون لكلِّ فعلٍ من أفعال القلوب نيّة حتّى يجب لكلّ إرادة إرادةٌ ، فتؤدّي إلى ما لا نهاية.

على أنّ الحثّ منه عليه السلام لاُمّته على أن يكون أعمالهم الظاهرة التي يدخل فيها الرياء والسمعة خالصة للّٰه، طالبين بها رضاه ورحمته، ولا يكون كذلك إلّا من نيّة صحيحة.

و «الأعمال» رُفع بالابتداء، وخبره على التحقيق هو الذي تعلّق حرف الجرّ به، وتقديره: الأعمال واقعة أو صحيحة بالنيّات، والجارّ والمجرور في موضع الرفع؛ لوقوعه موقع خبر المبتدأ، ويجوز أن يكون التقدير: وقوع الأعمال موقع الصحّة والقبول بالنيّات، و: الأعمال واقعة موقع الصحّة بالنيّات.

وسبب الخبر: أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله لمّا هاجر إلى المدينة، فهاجر بعضهم لرضا اللّٰه، وبعضهم لغرض دنيوي من تجارة ونكاح ومال، فأطلعه اللّٰه عليه، فقال: «الأعمال

ص: 64

بالنيّات، وإنّما كان لكلّ امرىٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّٰه ورسوله فهجرته إلى اللّٰه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يتزوّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» .

والأولى حمله على العموم. على أنّ العموم إذا خرج على سبب خاصٍّ لا يجب قصره عليه.

2. المَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ .(1)

معنى الخبر: النهي عن النميمة، والأمر بأداء الأمانة في المجالِس بحفظ ما يُسمع فيها وصيانته عن الإذاعة والإفشاء؛ لأنّ من أفشى ونقل ما جرى هنالِك ربما أدّى إلى إهلاكه في الدنيا، وربما كان يجري في مجلسٍ أسرارٌ يجب حفظها، فإن اُفشيت أدّى إلى تلف أموال وهلاك نفوس.

وقيل: «حفظ السرّ من أعظم البرّ»، و «إفشاء السرّ من أقبح الشرّ»، و «صدور الأحرار قبور الأسرار»(2).

والمجلس: موضع الجلوس ويكون مصدراً، والأمان والأمانة: واحد، والأمانة يستعمل في الشيء المودع عند أمينٍ . والباء يتعلّق بمحذوفٍ ، يعني: قوام المجالس وصلاح المجالس يكون بالأمانة، ثمّ حذف المضاف واُقيم المضاف إليه مقامه، وهذا كثير حيث لا يلتبس المعنى.

وروي في الخبر زيادة، وهي: «المجالس بالأمانة إلّاثلاثة: مجلس سُفِكَ فيه دم حرام، أو استحلّ [فيه] فرج حرام، أو اقتُطع [فيه] مال [حرام](3)» .

ص: 65


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 37، ح 3؛ مسند أحمد، ج 3، ص 342؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 449، ح 4869؛ الكافي، ج 2، ص 660، ح 1 و 3؛ الفقيه، ج 4، ص 378، ح 5790 (وفي الأخيرين عن أبي عبداللّٰه الصادق عليه السلام)؛ الأمالي للطوسي، ص 53، ح 71.
2- . قيل هذا من كلام ذي النون المصري، راجع: كشف الخفاء للعجلوني، ج 2، ص 23.
3- . معدن الجواهر للكراجكي، ص 33؛ الأمالي للطوسي، ص 52، ح 71؛ مسند أحمد، ج 3، ص 342؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 449. مع اختلاف يسير في الجميع، والإضافات من أمالي الطوسي.

وقال عليه السلام: «المجالسُ ثلاثة: غانمٌ ، وسالمٌ ، وشاجب»(1)، يعني أهل المجالس. والغانم:

الذاكر، والسالم: الساكت، والشاجبُ : المُفشي من الشجب وهو الهلاك(2).

3. المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ .(3)

يعني: إذا طلبت المشورة من أحد ينبغي أن يؤتمن فيما يشير إليه، فاعتمد عليه ولا تُسئ ظنّك به.

وقيل: معناه لا تطلب المشورة ولا تستشر إلّامن كان أميناً عندك ويكون غالب ظنّك أنّه أمين، فإن ظننته خائناً فلا تستشرهُ .

ورُوي بعده: والمستشير مُعان(4).

والمعنى: أنّ الذي يطلب منك المشورة يجب عليك أن تعينه [با] لرأي والإشارة إلى الصواب.

وفي خبر آخر: المستشار بالخيار، إن شاء قال، فإن قال فلينصح .

وقد أمر اللّٰه نبيّه بالمشورة، فقال: (وَ شٰاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ) (5)، فاستشار عليه السلام أصحابه في باب الاُسارى، فأشار أبو بكر بالاستبقاء، وعمر بالاستيصال، فصار عليه السلام إلى رأي أبي بكر بعد ما نزل عليه الوحي بالاستبقاء(6)، وإنّما فعل ذلك لإدخال السرور

ص: 66


1- . المجازات النبوية، ص 383، ح 298؛ مسند أحمد، ج 3، ص 75؛ مسند أبي يعلى، ج 2، ص 325؛ صحيح إبن حبّان، ج 2، ص 346.
2- . اُنظر: العين، ج 6، ص 39؛ لسان العرب، ج 1، ص 483 (شجب).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 38 و 39، ح 4 و 5؛ مسند أحمد، ج 5، ص 274؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 219؛ المحاسن، ج 2، ص 601، ح 20 (عن الإمام عليّ عليه السلام)؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 104، ح 39 و ص 439، ح 156؛ وسائل الشيعة، ج 12، ص 43، ح 15598.
4- . التمهيد لابن عبد البرّ، ج 8، ص 370؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 410، ح 7187، و ج 10، ص 595، ح 30292؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 58، ص 410؛ وروي في نهج السعادة، ج 7، ص 274 عن تفسير أبي الفتوح الرازي.
5- . آل عمران (3):159.
6- . راجع: تحفة الأحوذي، ج 5، ص 306؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 411، ح 7190؛ أحكام القرآن للجصّاص، ج 3، ص 93.

عليهم، وليعلموا أنّهم في العداد، وإلّا فما حاجته إلى استشارة أحدٍ مع نزول الوحي عليه. ويقال: استشرتُ فلاناً وشاوَرتُه، فأشار عليّ بما كان عنده من الرأي.

وأصل الكلمة: الاستخراج لشيء حَسَنٍ ، من قولهم شُرتُ العَسَل، أي تناولتُه من موضعه. والسين في الاستشار للطلب. وائتمنته، أي وجدتُه أميناً واتّخذته أميناً.

4. العِدَةُ عَطِيَّةٌ .(1)

معنى الخبر: أنّ مَن وعد أحداً شيئاً أدخل عليه سروراً، فإذا كان في عزمه الوفاء استحقّ عليه الثواب والمدح، كما أنّه إذا أعطاه سرّ به واستحقّ الثواب عليه.

ويجوز أن يكون المعنى أنّ الوعد من الرجل الصادق اللهجة بمنزلة العطاء؛ من حيث إنّه عَلِمَ أنّ خُلف الوعد(2) يوجبُ على نفسه الوفاء به، فإذا وعده على هذا الوجه فكأنّما أعطاه؛ لأنّ العرب تسمّي الآخذ في الشيء والمبتدئ به فاعلاً لذلك الفعل، ومثله قوله تعالى: (إِنِّي أَرىٰ فِي اَلْمَنٰامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) (3) أي أشتغل بذبحك، وآخذ في مقدّماته وإعداد أسبابه.

وقيل: إنّ الخبر ورد على سبب، وهو أنّ سائلاً سأل رسول اللّٰه شيئاً، فقال: ما عندنا شيء. قال: عِدني، فقال: إنّ العدة عطيّة.

ويُروى: «الوأي(4) مثل الدَّين أو هو أفضل»(5).

ص: 67


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 39، ح 6؛ المعجم الأوسط، ج 2، ص 209؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 188؛ ح 5684؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 347، ح 6867؛ ورواه المجلسي رحمه الله في بحارالأنوار، ج 93، ص 137، ذيل ح 71 عن كتاب الإمامة والتبصرة.
2- . في المخطوطة: + «من خلق الوعد». و في العبارة مع حذفه أيضاً تشويش، والمعنى واضح.
3- . الصافات (37):102.
4- . «الوَأيُ »: الوعدُ. والوَأيُ : ضمان العدة. اُنظر: العين، ج 8، ص 442؛ لسان العرب، ج 15، ص 376 (وأي).
5- . كتاب الصمت وآداب اللسان لابن أبي الدنيا، ص 235، ح 454 (رواه بسنده عن ابن لهيعة عن الرسول صلى الله عليه و آله). وراجع أيضاً: جامع السعادات للنراقي، ج 2، ص 258.

وقال عليه السلام: إذا وعد أخاه شيئاً فلم يفِ له به وفي نيّته الوفاء، فلا إثم عليه(1).

و «العِدة»: الوعد كالزِّنة والوزن، والصِّفة والوصف، وأصلها: وَعدة ووزنة ووصفة. و: «وعدت فلاناً» إذا كان هكذا مطلقاً كان الموعود به خيراً، وإذا كان مقيّداً فهو صالح للخير والشرّ، تقول: وعدتُه خيراً ووعدته شرّاً، فأمّا أوعد فهو من الوعيد، لا تستعمل إلّافي الشرّ. و «العطية»: اسم للإعطاء؛ لأنّ الفعل منه أعطى يُعطي.

فإن قيل: كيف يصحّ روايتكم: «الكريم إذا وعد وفى، وإذا أوعد عفا»(2)، فإذا كان اللّٰه لا يخلف الميعاد، فهل يجوز أن يخلف الإيعاد ليكون في غاية الكرم كما قلتم ؟

قلنا: لا يجوز ذلك؛ لأنّ الخلف كذب، سواء كان للميعاد أو للإيعاد، إلّاأنّا نقول: من عفا اللّٰه وغفر له فالوعيد لم يتناوله في سابق علم اللّٰه، ولم يدخل في عموم قوله: (وَ مَنْ يَعْصِ اَللّٰهَ ) (3). مسند الشهاب، ج 1، ص 40، ح 7؛ المعجم الأوسط، ج 4، ص 23؛ المعجم الصغير، ج 1، ص 150؛ المغني لابن قدامة، ج 12، ص 92. و لم نعثر عليه و ولا على مضمونه في مصادر الشيعة.(4).

5. العِدَةُ دَينٌ .(4)

معناه: إذا وعدت أخاك شيئاً فأوفِ له بذلك؛ فإنّ الوفاء بالوعد يجب كوجوب قضاء الدين في قضيّة العقل. والأظهر أنّ هذا الخبر حثّ لِلمواعِدِ على الإنجاز والوفاء فقط، والخبر الأوّل له معنيان كما ذكرنا:

أحدهما: الحثّ على الوفاء بالمواعيد، وأنّه يكره الخُلف فيها كما يكره الرجوع في العطاء.

والثاني: أنّه بشارةٌ للموعود إذا كان من كريم، وقد ذكرنا سببه المؤكِّد لهذا الوجه.

ص: 68


1- . راجع: ميزان الاعتدال للذهبي، ج 4، ص 585، ذيل ح 10722.
2- . عيون الحكم، ص 27؛ غرر الحكم، ص 1528؛ الفتوحات المكّيّة، ج 2، ص 534 (مع اختلاف يسير في الجميع).
3- . النساء
4- :14.

والصيغة التي ذكرها في الخبرين بمنزلة قولهم: «أبو يوسف أبو حنيفة» أي يتنزّل منزلته ويقوم مقامه، فالعدة كالدَّين لكانت دونهما بدرجات.

وقيل: ورد هذا الخبر في حقّ الواعد، والأوّل في حقّ الموعود فحسب.

6. الحَرْبُ خُدْعَةٌ .(1)

معناه: أنّ المماكرة في الحرب أبلغ وأنفع من المكابرة والإقدام عن غير علمٍ .

وقيل: معناه إذا خُدِع المقاتل مرّةً واحدة لم يكن لها إقالة. وفَتْحُ الخاء أفصح، وروي بضمّها، والمعنى: أنّ بعض الحرب حيلة ليس كلّها بالقوّة، أو أصل الحرب مكر، وبضمّ الخاء ونصب الدال بمعنى: أنّها تخدع الرجال وتمنّيهم، ثمّ لا تفي لهم، ونحو قوله عليه السلام: الحرب سِجالٌ (2)، مرّةً لنا ومرّةً علينا(3).

وفائدة الخبر: أنّ المحارب إذا خَدع من يحاربه مرّة وانخدع له ظفر به وهزمه، ومعناه على(4) الخدعة، أي يخدع فيها القِرن، والخدعة نعت الحرب أي إنّها تخدع الرجال.

وفيه دليل على جواز المماكرة في الحرب، وإنّما تؤنّث الحرب لأنّها اسم للمحاربة، وفي الأصل مصدر حَرَبَه، إذا سَلَبَه حرباً.

والخَدْعَةُ : المرّة من الخداع، والخُدعة: ما يُخدَع به الصبيُّ وغيره، كأنّها مخدوع

ص: 69


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 40، ح 8-12؛ مسند أحمد، ج 1، ص 90 و 126؛ و ج 3، ص 224 و 308؛ صحيح البخاري، ج 4، ص 24 و 179؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 114. وفي الكافي، ج 7، ص 460، ح 1؛ والفقيه، ج 4، ص 378، ح 5794، والتهذيب، ج 6، ص 162، ح 298 عن أمير المؤمنين عليه السلام.
2- . قال الخليل في العين (ج 6، ص 53 سجل): «السَّجل: ملاك [مِلء - ظ] الدلو، وأعطيته سِجلاً وسجلين، وأسجلته. والحرب سِجالٌ : أي مرّة سجل على هؤلاء ومرّة على هؤلاء، والمساجلة: المغالبة، أيّهما يغلب صاحبه». و راجع أيضاً: لسان العرب، ج 11، ص 325 (سجل).
3- . راجع: الكافى، ج 5، ص 41، ح 4؛ وسائل الشيعة، ج 15، ص 96، ح 20058؛ نهج السعادة، ج 8، ص 344، ح 47؛ السنن الكبرى، ج 5، ص 190؛ المعجم الكبير، ج 10، ص 302، ح 10731.
4- . كذا في المخطوطة.

بها، والخُدَعَة الفاعل كالضُّحكة للذي يضحك من الناس.

وتحقيق الحديث: أنّ الحرب لا يكون بالشدّة والجلادة والقهر والشجاعة، وإنّما هو بالحزم والرأي والعلم.

وقيل: إنّه عليه السلام قاله في قتل عمرو بن عبد ود.

وروي أنّه قاله يوم الأحزاب لمّا بعث نعيم بن مسعود ليُخذّل بين قريش و غطفان و اليهود.

7. النَّدَمُ تَوْبَةُ .(1)

أي: معظم أركانها الندم، كما قال: الحجّ عرفة(2). واقتصر في التوبة على الندم دون العزم على أن لا يعود إلى مثل الذنب الذي فعله؛ لأنّه إذا كان مصرّاً غير مقلع فإنّه لا يكون نادماً على الحقيقة.

وقال أبو جعفر الطوسي: إذا تاب الرجل من بعض الكبائر مُصرّاً على بعضها يصحّ توبته(3).

والصحيح أنّها لا تصحّ . قال المرتضى: و حدّ التوبة أنّه ندمٌ على ما مضى وعزمٌ على أن لا يعود إلى مثله؛ لقبحه أو لوجه قبحه(4).

و «الندم» من باب الاعتقاد. وقيل: هو من باب العلم؛ لأنّه إذا فعل فعلاً ثمّ بدا له بعد ذلك أنّ له فيه ضرراً أو فوتَ منفعة ندم على ما فعله. وقيل: هو معنى برأسه، وقيل: هو التحسّر فقط.

ص: 70


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 42 و 43، ح 13 و 14؛ مسند أحمد، ج 1، ص 376 و 423؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1420، ح 4252؛ الفقيه، ج 4، ص 380، ح 5811؛ تحف العقول، ص 55؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 292، ح 168.
2- . عوالي اللئالي، ج 2، ص 93، ح 247 و ص 97، ح 265 و ص 236، ح 5 و ج 3، ص 162، ح 47؛ مسكّن الفؤاد، ص 47؛ مستدرك الوسائل، ج 10، ص 34، ح 11388.
3- . راجع: المبسوط، ج 7، ص 19.
4- . راجع: مختلف الشيعة، ج 9، ص 288؛ المواقف، ج 3، ص 512.

وعن النبيّ عليه السلام: «مَن أخطأ خطيئة أو أذنب ذنباً ثمّ ندم، فهو كفّارة له»(1)، رواه ابن مسعود.

وقال له رجل: يا رسول اللّٰه، إنّي رجل مِقراف للذُّنوب، فقال: تُب إلى اللّٰه، فقال:

يا رسول اللّٰه، إنّي أتوب، ثمّ أعود؟! قال: كلّما أذنبت فتُب. قال: إذاً تكثر ذنوبي ؟ قال: عفو اللّٰه أكثر من ذنوبك. وقال: المؤمن واهٍ راقعٌ ، فالسعيد من هلك على رقعه(2).

و «التوبة»: الرجوع عن المعصية إلى الطاعة سرعاً.

8. الجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالفُرْقَةُ عَذَابٌ .(3)

يعني: كونوا مع جماعة الحقّ تُرحموا، ولا تفارقوهم؛ فإنّ مفارقتهم عذاب.

وقيل: أراد بالجماعة اجتماع المسلمين على شيء، وبالفرقة اختلافهم فيه، و «الجماعة» بمعنى الاجتماع، و «الفرقة» بمعنى الافتراق.

والمعنى على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، يعني: الجماعة علامة الرحمة وسببها، والفرقة علامة العذاب أو سببه.

وقيل: المراد [أنّ ] اجتماع المسلمين على كلمة واحدة وعلى رأي واحد سبب الرحمة، وافتراقهم واختلاف كلمتهم سبب العذاب وعلامته؛ لأنّ ذلك إنّما يكون بتوفيق من اللّٰه ولطفه، وإذا تفرَّقتْ جماعتهم واختلفت كلمتهم وآراؤهم، تنازعوا وتخالفوا ولم يستقم لهم أمرٌ. وهذا إنّما يكون بمعنى اتّفاق الآراء في الحروب والخروج إلى العدوّ، فسبب الرحمة الموافقة والمطابقة، وسبب العذاب المفارقة.

ص: 71


1- . المعجم الكبير، ج 10، ص 222، ح 10537؛ الكامل لابن عديّ ، ج 4، ص 14؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 559، ح 8360؛ كنزالعمّال، ج 4، ص 219، ح 10242. وفي كلّ المصادر: «كفّارته» بدل «كفّارة له».
2- . المعجم الأوسط، ج 2، ص 243؛ المعجم الصغير، ج 1، ص 66؛ كتاب المجروحين، ج 1، ص 324؛ تاريخ بغداد، ج 4، ص 336 (وليس في الجميع صدر الخبر إلى قوله: «من ذنوبك»).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 43، ح 15؛ مسند أحمد، ج 4، ص 278؛ ضعفاء العقيلي، ج 4، ص 2058؛ الإستذكار لابن عبدالبرّ، ج 8، ص 578. وراجع: إرشاد القلوب، ج 2، ص 334؛ الصواعق المحرقة، ص 77؛ المعتبر للحلّي، ج 2، ص 363.

9. الأَمَانَةُ غِنىً .(1)

معناه: كونوا أهل الأمانة لا الخيانة؛ فإنّ الأمانة ذريعة للغنى ومظنّة لكثرة البيع والشرى [و] لأنّ الأمانة بعينها غنىً .

وتحقيقها: «الأمانة سببُ الغنى» على حذف المضاف؛ فإنّ من عُرف بالأمانة يُرغب في معاملته، فقال: «الأمانة هي عين الغنى» على سبيل المبالغة.

10. الدِّينُ النَّصِيحَةُ .(2)

أي: انصحوا للخلق؛ فإنّ قوّة الدين نصيحتهم.

والأصل في «النصيحة» التلفيق بين الناس من النَّصح، وهو الخياطة.

وروي: لمّا قال عليه السلام: الدِّين النصيحة، قيل: لمن ؟ قال: للّٰه ولرسوله وللأئمّة وعامّة المسلمين(3).

فأمّا النصيحة للّٰه: فأداء طاعته واجتناب معاصيه وإخلاص العمل.

ونصيحة الرسول: الاقتداء بأفعاله وأقواله والاستنان بسننه؛ قال اللّٰه تعالى:

(وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) (4) .

وأمّا نصيحة الأئمّة: فهي أن تطيعوهم في كلّ طاعة وصلاح.

وأمّا نصيحة العامّة: فالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والشفقة عليهم، والدعاء لهم، وكفُّ الأذى، وأن تحبَّ لهم ما تحبُّ لنفسك.

ص: 72


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 44، ح 16؛ مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا، ص 92، ح 280؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 476، ح 3080؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 60، ح 5492؛ ثواب الأعمال، ص 102؛ مجموعة ورّام، ج 1، ص 12؛ شرح الكافي للمازندراني، ص 237.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 44 و 45، ح 17-19؛ كتاب المسند للشافعي، ص 233؛ مسند أحمد، ج 1، ص 351؛ و ج 4، ص 102؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 311؛ دعائم الإسلام، ج 2، ص 47، ح 115؛ روضة الواعظين، ص 424؛ مستدرك الوسائل، ج 13، ص 327، ح 15494.
3- . روضة الواعظين، ج 2، ص 424؛ كتاب المسند للشافعي، ص 233؛ مسند أحمد، ج 1، ص 351؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 311 (مع اختلاف يسير فيها).
4- . النور (24):54.

وقال جرير بن عبد اللّٰه: بايعنا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله على السمع والطاعة والنصيحة لكلّ مسلم.(1)

والمراد «بالدين» هنا ملّة الإسلام. و «النصيحة»: إخلاص القول والنيّة للخير، وهو الإصلاح أيضاً، ومنه الناصح للخياط.

11. الحَسَبُ المَالُ ، وَالكَرَمُ التَّقْوىٰ .(2)

تقول: لا تفاخروا بالمال والنسب الشريف؛ ف (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ ) (3)، وإنّ الرجل إذا كان ذا مالٍ في الدنيا يضاف إليه الكِبْر والعظمة وإن لم يكن كبراً في نفسه وأصله، والكرم لا يحصل في المرء إلّاإذا كان حذِراً عن الشبهات مجانباً عن المحظورات.

و «الحسب»: ما يحسبه الرجل من مَفاخره، ويُستعمل في النسب لهذا المعنى.

ولمّا غزا عليه السلام بني هوازن، وغنم أموالهم وأولادهم ونساءهم، وفدوا عليه صلى الله عليه و آله، وكلّموا في السبي، فخيّرهم بين المال والسبي، فقالوا: «أمّا إذا خيّرتنا، فإنّا لا نختار على الحسب شيئاً»، فردّ عليهم النساء والصبيان، فكأنّهم قالوا: لا نؤثر المال عليهم، وإنّا لو اخترنا المال لبطل حسبنا.(4)

و «الكرم»: مجمع المفاخر. و «التقوى»: اتّقاء معاصي اللّٰه واتّقاء عقابه، والتاء فيه بدل من الواو.

ص: 73


1- . راجع: الأمالى للطوسي، ص 155، ح 257؛ مسند زيد بن علي، ص 402؛ كتاب الموطّأ لابن مالك، ج 2، ص 445 و 982؛ مسند أحمد، ج 2، ص 81؛ المجموع للنووي، ج 19، ص 194 (و في الجميع: عن غير جرير).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 46، ح 20 و 21؛ مسند أحمد، ج 5، ص 10؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1410، ح 4219؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 65، ح 3325؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم النيشابوري، ج 2، ص 163. معاني الأخبار، ص 405، ح 76 (وفيه بدل «الحسب»: «الشرف»)؛ مجموعة ورّام، ج 2، ص 32 (وفي الأخيرين عن الإمام الصادق عليه السلام).
3- . الحجرات (49):13
4- . المصنّف للصنعاني، ج 5، ص 381؛ الفائق في غريب الحديث، ص 246.

وسُئل عليٌّ عليه السلام عن التقوى، فقال: «هو أن لو وضع عملك على طَبَقٍ ، ولم يُجعل عليه غطاء، وطيف به على أهل الدنيا، لما كان فيه شيء تُستحيي منه».(1)

وجَعلُ المبتدأ والخبر معرفتين في الخبرين فيه سرٌّ، وهو: أنّه يُستفاد من موضوع هذا النظم الإثبات والنفي، فكأنّه قصد إلى أن يجعل الدين النصيحة والحسب المال لا غير على طريق المبالغة، فكأن قد جعل الدين بأسره النصيحة، كما تقول: «زيد الرجل» يعني هو عين الرجل وكلّ الرجل حتّى كأنّه لا رجل غيره، وكذا الخبران، يعني: لا حسب إلّاالمال. ولو اُدخل «هو» الذي يسمّى الفصل لكان أوضح؛ تقول: زيد هو الرجل.

12. الخَيْرُ عَادَةٌ وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ .(2)

يريد: عَوِّدْ نفسك فعل الخير؛ فإنّ الإنسان إذا اعتاد فعل الخير وواظب عليه وفّقه اللّٰه وزاد في ألطافه حتّى استمرّ على الخير، فيصير عادةً له وسجيّةً ، وليس الشرّ كذلك؛ فإنّه إذا كان شريراً فذلك من سوء اختياره ولجاج طبعه وغرور الشيطان؛ فجعل الخير عادة لعود الناس إليه وحرصها عليه إذا أَلِفَته لطيب ثمره وحسن أثره، وجعل الشرّ لجاجةً لما فيه من الاعوجاج و لاحتواء العقل إيّاه.

واشتقاق العادة من العود، واللجاج من لجّة البحر؛ لأنّ من وقع فيه تَحيّر.

13. السَّمَاحُ رَبَاحٌ ، وَالعُسْرُ شُؤْمٌ .(3)

أي: سامِحوا وتَسَهَّلوا في كلّ أمرٍ تربحوا، ولا تُضيّقوا في حالٍ فهو شؤمٌ يرجع إلى صاحبه، والسماح: سهولة الخُلق.(4)

ص: 74


1- . لم نعثر عليه في المجامع الروائيّة، ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط) لأبي الرضا الراوندي.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 47، ح 22؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 80، ح 221؛ صحيح إبن حبّان، ج 2، ص 8، ح 309. وفي تحف العقول، ص 86؛ عيون الحكم، ص 202؛ عدّة الداعي، ص 193: «الخير عادة» بدون الفقرة الثانية. وفي عيون الحكم، ص 202 في موضع آخر الفقرة الثانية.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 48، ح 23؛ ميزان الاعتدال، ج 2، ص 388؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 70، ح 4824؛ كنزالعمّال، ج 6، ص 361، ح 16060 وراجع: مستدرك سفينة البحار، ص 143.
4- . راجع: لسان العرب، ج 2، ص 489؛ مجمع البحرين، ج 2، ص 374 (سمح).

فمعناه: إذا كان الرجل سهل الجانب يسامحُ الناس ويقاربهم كثر معاملوه، فيكثر ربحه، وإذا كان عَسِر الخلق نفروا عنه.

ودخل أبو العيناء السوق فقال بعض أهلها: «تعالِ اُقارِبك» فقال: «إن لم تقاربني باعدتك». والرَّباح - بفتح الراء -: الرِّبح، وبكسرها: مصدر رابَحَ مرابحةً ورباحاً.(1)

14. الحَزْمُ سُوءُ الظَّنِّ .(2)

يقول: لا تثقوا بكلّ أحدٍ، واحتاطوا بالحذر من الناس؛ فإنّه أسلم لكم. وكذلك يجب على العاقل أن يسيء الظنّ بجميع أحوال نفسه، فإن عزم على ارتكاب فاحشةٍ وأحسنَ ظنّه بأنّ عمره طويلاً وهو يتوب بعد ذلك فليس هذا بحزمٍ وكياسة، وربما يخترم(3) دون ذلك، وإنّما الحزامة والاحتياط إساءة الظنون بعُمره، ويقول:

أموت فيما بين الأمر ولا أعيش إلى أن أتوب. والسارق لو أساء ظنّه لم يُقطع يمينه.

ولا شكّ أنّ الإنسان إذا كان سيّئ الظنّ يحتاط في الاُمور ولا يتّكل إلى أحدٍ لا يثق به، بل يستوثق ويعمل الاحتياط من الشدّ والإغلاق والختم والتيقّظ، وإذا كان حَسَن الظنّ يعتمد على كلّ أحد، فربّما يكون على خلافه، ومن اتّهم نفسه يتدبّر في الاُمور ويتأنّى.

وقيل: «علامات الحمق ثلاثة: سرعة الجواب، وكثرة الالتفات، والثقة بكلّ أحدٍ». وكان فيما مضى من الزمان حُسن الظنّ من حُسن العبادة، فأمّا في زماننا هذا فإنّ كلَّ مَن أحسن الظنّ بأبناء الزمان أوقع نفسه في التلف والخسران.

ص: 75


1- . راجع: العين، ج 3، ص 217؛ لسان العرب، ج 2، ص 442 (ربح).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 48، ح 24؛ نزهة الناظر للحلواني، ص 111، ح 37؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 589، ح 3815؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 403، ح 7154. تحف العقول، ص 79 (مع اختلاف يسير)؛ المناقب للخوارزمي، ص 255؛ بحارالأنوار، ج 74، ص 227.
3- . الخرم بمعنى القطع، ومنه قيل: اخترمهم الدهر، إذا أهلكهم بجوائحه. المصباح المنير، ص 167 (خرم).

و «الحزم»: الاحتياط والحذر، أصله الجمع والشدّ، ومنه: الحُزْمَة من الحطب، وحِزام الدابّة، والحازم: الجامع للرأي السديد(1).

وروي: «الحزم سوء الظنّ بالناس»(2)، وحُسن الظنّ ورطة.

15. الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ .(3)

يعني: احتط لنفسك واستيقظ إذا كان لك أولاد؛ فإنّهم يحملون الآباء على البخل بالمال، والفرار من القتال، والتأخُّر عن الحجِّ ، ويدعون إلى الحزن لفوح قلوبهم بجمع حطام الدُّنيا، فهم مواضع البخل والجُبن والحزن؛ فإنّ أبَ الأولاد يبخل فلا يعطي شيئاً من الزكاة؛ خوفاً عليهم من الفقر، ولا يرغب في الحجّ والجهاد؛ خوفاً من ضياعهم، ويحزن طول الأيّام إن جاعوا وإن عطشوا وإن عروا ومرضوا.

وروت خولة بنت حكيم: أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله خرج، وهو محتضن حسناً وحسيناً، وهو يقول: «أنتم تجبّنون وتجهّلون وتبخّلون، وإنّكم لمن ريحان اللّٰه»(4)، يعني تدعون آباءكم على الجُبن والبُخل.

وقيل: المَفعَلَة: مدعاة إلى فعله، ويجوز أن يكون مصدراً - كالمَعْدَلَة - على تقدير حذف المضاف، أي هم سبب البخل والجبن، ويجوز أن يكون بمعنى الموضع، أي هم موضع البخل والجبن.

ص: 76


1- . في المخطوطة: «السديدة» والظاهر أنّه تصحيف.
2- . المناقب للخوارزمي، ص 255 بيت شعر ولم يقرأه الإمام.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 49 و 50، ح 25 و 26؛ مسند أحمد، ج 4، ص 172 (وفيهما: - «محزنة»)؛ المستدرك للحاكم، ج 3، ص 164 و 296؛ السنن الكبرى، ج 10، ص 202؛ المجازات النبويّة، ص 157، ح 118 (وفيه: «مجهلة» بدل «محزنة»)؛ التحفة السنيّة للسيّد الجزائري، ص 64.
4- . المجازات النبويّة، ص 61، ح 37؛ المناقب، ج 3، ص 154؛ بحارالأنوار، ج 43، ص 280 (عن فضائل أحمد وتاريخ بغداد).

و «الولد»: لفظ يصلح للواحد والجمع والمذكّر والمؤنّث، وهو فعل بمعنى المفعول، ويجمع أيضاً أولاداً وولداناً.

16. البَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ .(1)

ينهى عن قول الفحش وأن يكون الإنسان شتّاماً لعّاناً؛ فإنّ تكلّم الفُحش في اللسان نوعٌ من الجفاء. و «الجفاء»: خلاف البرّ، وقبيح القول مع الناس يكون جفاءً وإن كان محسناً إليهم.

وقيل: معناه: لا تعمل سيّئاً ولا تتكلّم بقبيح؛ فإنّ ذلك من الجفاء الذي يُبعدُ العبد من اللّٰه تعالى، وتمام الخبر: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة؛ والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار» .

وقال عليه السلام: «إنّ اللّٰه يبغض الفاجر(2) البذيّ (3)؛ لو كان الفحش رجلاً لكان رجل سوء» .(4)

و «البذاء»: خبث اللسان، وفلان بذيُّ اللسان، إذا كان مؤذياً سبّاباً(5). و «الجفاء»:

النبو والارتفاع.

وقال النبيّ صلى الله عليه و آله لعليّ والحسن والحسين عليهم السلام: «كيف بكم إن كنتم صرعى وقبوركم

ص: 77


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 50، ح 27؛ صحيح إبن حبّان، ج 13، ص 10؛ موارد الظمآن، ج 1، ص 126. وفي الكافي، ج 2، ص 325، ح 9؛ والغارات، ج 2، ص 689 عن أبي عبداللّٰه الصادق عليه السلام؛ وفي وسائل الشيعة، ج 16، ص 35، ح 20905 عن كتاب الكافي.
2- . في المصادر: «الفاحش» و في ضوء الشهاب (المخطوط): الفاجر.
3- . راجع: السنن الكبرى، ج 10، ص 193؛ مسند الحميدي، ج 1، ص 194، ح 394؛ الخصال، ص 266، ح 147.
4- . كتاب الصمت وآداب اللسان لابن أبي الدنيا، ص 181، ح 328؛ مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا، ص 39، ح 89؛ المعجم الأوسط، ج 1، ص 107 (وفي كلّها: - «إنّ اللّٰه يبغض الفاجر البذي»). ورواه المحقّق الأميني رحمه الله في الغدير، ج 9، ص 276 عن الطبراني وأبي الشيخ كما في المصادر الثلاثة المذكورة.
5- . اُنظر: العين، ج 8، ص 202 (بذي)؛ لسان العرب، ج 1، ص 30 (بذأ).

شتّى؟! ثمّ قال للناس: فإذا كان ذلك فلا تجفونا، فقد جُفينا أحياء، ولا تجفونا أمواتاً».(1)

17. القُرْآنُ هُوَ الدَّوَاءُ .(2)

يقول: إذا كنتم مذنبين أو جاهلين فارجعوا إلى علوم القرآن وأوامره وتدبّروها؛ فإنّه دواءُ أعظم الأدواء الذي هو الكفر وما دونه.

وقيل: معناه: إذا كان بأحدكم داء لا دواء [له] فعليكم بكتاب اللّٰه؛ فإنّه شفاء، قال اللّٰه تعالى: (وَ نُنَزِّلُ مِنَ اَلْقُرْآنِ مٰا هُوَ شِفٰاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (3)، وقال: (يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ قَدْ جٰاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفٰاءٌ لِمٰا فِي اَلصُّدُورِ) (4)، والقرآن دواء للعامّ شفاء للخاصّ . إشارة إلى العينين.

وقال صلى الله عليه و آله: «فاتحة الكتاب الشافية الكافية»(5)، «فاتحة الكتاب شفاء من كلّ سقم»(6)، «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاهُ اللّٰه»(7)، «من لم يشفه الحمد فلا شفاه اللّٰه»(8).

وعن أبي سعيد الخدري: كنّا في رُفقة [فمررنا](9) بحيٍّ ، فقالوا لنا: إنّ فتىً منّا قد صُرع وجنّ ، فهل فيكم من دواء له ؟ قلنا: نعم، فأتيناه فإذا هو مصروع، فجعل أحدنا يقرأ عليه فاتحة الكتاب، فقام بإذن اللّٰه كما اُنشط من عقالٍ ، فأعطونا طعاماً،

ص: 78


1- . الإرشاد، ج 2، ص 131؛ الجمل، ص 10؛ الخرائج والجرائح، ج 2، ص 491 (مع اختلاف يسير في الجميع).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 51، ح 28؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 264، ح 6187؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 517، ح 2310؛ الدعوات، ص 188، ح 521؛ وعنه في بحارالأنوار، ج 89، ص 176، ح 4.
3- . الإسراء (17):82.
4- . يونس (10):57.
5- . راجع: صحيح البخاري، ج 4، ص 1623؛ مسند أحمد، ج 6، ص 257؛ مسند أبي داود، ج 2، ص 149.
6- . إمتاع الأسماع، ج 2، ص 263، عمدة القاري، ج 12، ص 101؛ فتح القدير، ج 1، ص 16.
7- . مكارم الأخلاق للطبرسي، ص 363 (وعنه في بحارالأنوار، ج 89، ص 176، ح 1)؛ تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي، ج 2، ص 288؛ كنزالعمّال، ج 10، ص 9، ح 28106.
8- . بحارالأنوار، ج 59، ص 75، ذيل ح 35.
9- . في المخطوطة: «عور ما»، وما اُثبت من بعض المصادر القريبة عليها. في ضوء الشهاب (المخطوط): كنا في رفقة من أصحاب رسول اللّٰه فمررنا بحيٍّ من أحياء العرب. وفي أحكام القرآن للجصّاص: «كنا في سريّة». أحكام القرآن، ج 1، ص 26.

فقلنا: لا نأكل طعاماً حتّى نسأل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله هل يحلّ لنا؟ فسأله أحدنا، فقال:

«نعم، مَن أكل بُرقْيَة باطلٍ فقد أكلت برقية حقٍّ »(1).

وشكا رجل إلى الصادق عليه السلام الحُمّى، فقال: «اقرأ إذا أصبحت قبل أن تكلّم أحداً فاتحة الكتاب سبع مرّاتٍ ، فإن لم تشف فاجعلها سبعين مرّة، وأنا ضامن بالشفاء، إلّاأن يكون حمّى الموت».(2)

18. الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ .(3)

معناه: ادعوا اللّٰه في الشدَّة والرخاء واستغيثوا به، واستغيثوا بإظهار التذلّل له، فهو رأس العبودية، وقال تعالى: (اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (4).

ومورده مورد الخبر الذي قبله، كأنّه عليه السلام جعل الدعاء أصل العبادة، أو العبادة نفسها، قال اللّٰه تعالى: (فَادْعُوا اَللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ اَلدِّينَ ) ،(5) أي «اعبدوا اللّٰه»، وما من عبادة بعد الفرائض وقراءة القرآن أفضل من الدعاء.

وروي: «أنّ الرجل إذا صلّى ركعتين ولم يسأل اللّٰه قال اللّٰه تعالى للملائكة: كأنّ عبدي استغنى عنّي!، وإذا دعا لنفسه خاصّة يقول اللّٰه: يا ملائكتي، يظنّ عبدي أنّه يسأل بخيلاً!، وإذا دعا لنفسه وللمؤمنين قالت الملائكة: بدأ اللّٰه بك، فمِن حقِّك إن تدع(6) للمؤمنين أ [ن] تدعو لك الملائكة؛ فإنّ دعاءهم أقرب إلى الإجابة من دعائك».(7)

ص: 79


1- . سنن أبي داود، ج 2، ص 129، ح 3420؛ السنن الكبرى، ج 4، ص 365؛ المحلي لابن حزم، ج 9، ص 499؛ الشرح الكبير لابن قدامة، ج 6، ص 64.
2- . لم نعثر عليه في المجامع الروائية، ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 51-53، ح 29 و 30؛ مسند أحمد، ج 4، ص 267 و ص 271 و ص 276؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 332، ح 1479؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 52، ح 3299. الكافي، ج 2، ص 467، ح 5 و 7؛ و ج 3، ص 341، ح 4 (عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ الدعوات، ص 19، ح 11؛ الخرائج والجرائح، ج 3، ص 1045.
4- . غافر (40):60.
5- . غافر (40):14.
6- . في المخطوطة: «تدعوا» والظاهر أنّه تصحيف أو في العبارة سقط.
7- . لم نعثر عليه في المجامع الروائيّة، ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط) مع اختلاف.

و «الدعاء»: أصله النداء أو الصياح، يقال: دعوته ودعوت به، إذا ناديته وصِحْت به، ودعوت له بالخير وعليه بالشرّ(1)، و «العبادة» والتعبّد: التذلّل، من قولهم: طريقٌ معبَّدٌ: موطوءٌ بالأقدام(2). و «هو» هذه يسمّى فصلاً بين الصفة والخبر؛ فإنّك إذا سمعت من يقول: «زيدٌ المنطلق» تُجَوِّز أن يكون المنطلق صفة لزيدٍ، وينتظر الخبر، فإذا قال: «زيدٌ هو المنطلق» علمت أنّه خبر؛ لدخول الفاصلة.

19. الدَّيْنُ شَيْنُ الدِّينِ .(3)

ينهى عليه السلام عن أخذ الدَّين؛ فإنّه عيب الإسلام، وعيبه؛ لأنّ لصاحب الدين أن يَحبِسه ويمنعه من القيام بالخيرات، وربما يكذب خوفاً من الغريم، وفيه تحذير عن المظالم، وقال عليه السلام: «ما من خطيئة أعظم عند اللّٰه بعد الكبائر من أن يموت الرجل وعليه دين لا يوجد له قضاء» .(4)

ومات صحابي وعليه دين ثلاثة دراهم أو خمسة فلم يُصلّ عليه النبيّ صلى الله عليه و آله حتّى ضمن ذلك بعض الصحابة(5)، وقال: «الدَّين راية اللّٰه في الأرض، فإذا أراد أن يذلّ عبده ابتلاه بالدَّين [وجعله في عنقه](6)» ، و «الدين»: ما للرجل على غيره، و «الشَّين»: العار، واُنشد:

أكثر من الدرهم والعين *** كمّاً تعش حرّاً من الدَّين

فقوّة العين بإنسانها *** وقوّة الإنسان بالعين

ص: 80


1- . راجع: العين، ج 2، ص 221؛ لسان العرب، ج 14، ص 258 (دعو).
2- . راجع: العين، ج 2، ص 48؛ لسان العرب، ج 3، ص 273 (عبد).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 53، ح 31؛ ميزان الاعتدال، ج 2، ص 439، ح 4376؛ الإصابة لابن حجر، ج 5، ص 563، ح 7717؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 661، ح 4303؛ كنزالعمّال، ج 6، ص 231، ح 15476 وفي وسائل الشيعة، ج 18، ص 315، ح 23749: «إيّاكم والدَّين؛ فإنّه شين الدّين».
4- . راجع: تفسير الثعلبي، ج 2، ص 289.
5- . راجع: الكافي، ج 5، ص 93، ح 2؛ الفقيه، ج 3، ص 182، ح 3683؛ التهذيب، ج 6، ص 183، ح 378؛ علل الشرائع، ج 2، ص 590، ح 37 (مع اختلاف يسير في كلّها).
6- . تفسير الثعلبي، ج 2، ص 289؛ علل الشرائع، ج 2، ص 529، ح 10؛ بحارالأنوار، ج 100، ص 142، ح 7؛ عمدة القاري، ج 6، ص 118؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 661، ح 4304 (مع اختلاف يسير في الجميع).

20. التَّدْبِيرُ نِصْفُ العَيْشِ .(1)

يقول: أحسِن التدبير في عواقب الأمر، ولا تُسرِف النفقة، وراع القصد؛ فإنّ مَن دبّر فيما يكتسبه وينفقه، وجانَبَ الإسراف والتقصير، فهو يحتاج إلى نصف ما ينفق مَن لم يفعل ذلك، والإفراط والتفريط مذمومان في جميع الأشياء، وخير الاُمور أوساطها، وليس المراد بالنصف هاهنا التحديد والتقدير وإنّما معناه؛ فإنّ التدبير حظٌّ وافرٌ في معيشته، وأراد بالعيش: المعيشة.

21. التَّوَدُّدُ نِصْفُ العَقْلِ .(2)

يقول: تودّدوا وتحبّبوا إلى الناس، وتكلَّموا معهم بطلاقة الوجه؛ فإنّه علامةٌ لكمال العقل، ومَن تحبّب إلى الناس فيما يعاشرهم ويعامِلُهم بما يؤدّونه [خيراً وإحساناً] كان كمن استعمل أوفر علوم عقله، ومِن قضيّة العقل أن يكتسب المرء الأصدقاء والإخوان ما استطاع؛ ليكونوا عوناً على نوائب الدهر. و «التودّد»: تَفَعُّلٌ مِن الوُدّ، وفي هذا البناء نوعٌ من التكلّف كالتصنّع والتخلّق، وأدنى ما يورثه التودّد الثناء الحسن.

22. قِلَّةُ العِيَالِ أَحَدُ اليَسَارَيْنِ .(3)

هذا إشارة إلى قوله تعالى: (وَ لْيَسْتَعْفِفِ اَلَّذِينَ لاٰ يَجِدُونَ نِكٰاحاً حَتّٰى يُغْنِيَهُمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (4)، وذلك أنّ مَن قلّ عيالُه وأهلُه قلّ إنفاقه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه

ص: 81


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 54، ح 32؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 521، ح 3399؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 49، ح 5435. تحف العقول، ص 403؛ وعنه في بحارالأنوار، ج 75، ص 326، ح 4.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 54، ح 32؛ ميزان الاعتدال، ج 1، ص 626، ح 2398؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 18، ص 340، الفقيه، ج 4، ص 416، ح 5904 (عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ خصائص الأئمّة، ص 104 (عن الإمام عليّ عليه السلام)؛ وعنه في بحارالأنوار، ج 71، ص 167، ح 45.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 54، ح 32؛ الطبقات الكبرى، ج 5، ص 136؛ سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 242؛ كنزالعمّال، ج 16، ص 287، ح 44506. الفقيه، ج 4، ص 416، ح 5904 (عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ قرب الإسناد، ص 116، ح 406؛ الأمالي للصدوق، ص 532، ح 9؛ الخصال، ص 620، ح 10 (كلاهما عن أمير المؤمنين عليه السلام).
4- . النور (24):33.

مَن يكثر عياله في النفقة، فيبقى ذات يده في يده، وذلك أحد يساريه، وهما: كثرة المال، وقلّة الخرج لقلّة العيال.

بيانه: أنّ كثرة العيال أحدُ الفقرين، وفيه حثّ على العزلة والعزوبة في آخر الزمان، واليسار: اليُسر، وهو عبارة عن كثرة المال وحسن الحال.

23. الهَمُّ نِصْفُ الهَرَمِ .(1)

تقول: لا تهتمَّ في اُمور الدنيا؛ فإنّ مَن كثر غمّه يُسرع الشيب إليه قبل أن يشيب أقرانه بنصف تلك المدّة، ومنه قوله عليه السلام: «شيّبتني سورة هود وأخواتها!» قيل وما شيّبك منها؟ قال: قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمٰا أُمِرْتَ ) (2)،(3) فإنّه كان يهتمّ هل تستقيم اُمّته كما اُمروا؟

وقيل: معناه: لا يغلبنّكم الهموم فتضعف علومكم وأبدانكم كضعفهما فيمن يصير هَرِماً، و «الهمّ » والغمّ واحد معنىً وبناء، وكانّ [الهاء] بدل من الغين؛ فإنّهما من الحلق كالمدح والمده.

24. حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ العِلْمِ .(4)

يريد: اُطلبوا الحقّ ، والتمسوا بيان الشرع، واسألوا عن الحلال والحرام؛ فإنّ إبانتها تتحصّل لكم من طريق السؤال، ومن يعرفه يصير عارفاً بجوابه، وذلك أنّ مَن

ص: 82


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 54، ح 32؛ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر للحلواني، ص 49، ح 17؛ ميزان الاعتدال، ج 2، ص 481؛ كنزالعمّال، ج 16، ص 120، ح 44134، الفقيه، ج 4، ص 416، ح 5904 (عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ الخصال، ص 620، ح 10؛ تحف العقول، ص 111 (كلاهما عن أمير المؤمنين عليه السلام).
2- . هود (11):112.
3- . راجع: الأمالي للصدوق، ص 233، ح 4؛ الخصال، ج 1، ص 199، ح 10؛ روضة الواعظين، ج 2، ص 475.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 55، ح 33؛ المعجم الأوسط، ج 7، ص 25؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 57، ص 179؛ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص 32، ح 99؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 475، ح 3071. كنزالفوائد، ص 287؛ منية المريد، ص 258؛ بحارالأنوار، ج 1، ص 224، ح 14.

پأحسَنَ السؤالَ وأتقنه كان ذلك دليلاً على أنّه غير أجنبيّ من تلك المسألة، فإذا اُجيب عنها أسرع ذلك إلى فهمه، فكأنّه عَلِمَ نصف الجواب. وأراد بالسؤال: مسألة الرجل للاستفادة لا للتعنّت، وأراد بالعلم هنا: العلم بجواب السؤال.

وقال عليه السلام: «العلم مخزون، ومفتاحه السؤال، فاسألوا - رحمكم اللّٰه - فإنّه يؤجر فيه أربعة:

السائل والمسؤول والمتكلّم والمستمع».(1)

25. السَّلامُ قَبلَ الكلامِ .(2)

يقول إذا أردتم مكالمة إنسان، فسلّموا عليه أوَّلاً؛ فإنّ الكلام بعد التحيّة من آداب الشرع. ومَن فعل ذلك فإن كان له عند المخاطب حاجة، كان أقرب إلى إنجاحها؛ قال اللّٰه تعالى: (فَإِذٰا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ ) (3)، وقال: (لاٰ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّٰى تَسْتَأْنِسُوا وَ تُسَلِّمُوا عَلىٰ أَهْلِهٰا) (4).

وبيانه في الخبر الآخر،(5) قال عليه السلام: «من بدأ بالكلام قبل السلام(6) فلا تجيبوه»(7)، ومن حسن الأدب أنَّك إذا دخلت منزلاً وفيه جماعة فيهم عالم أن تعمَّهم بالسلام وتخصَّه بالتحيَّة.

ص: 83


1- . مسند الرضا عليه السلام، ص 61 و ص 165 (مع اختلاف يسير). وراجع: ميزان الاعتدال، ج 2، ص 8، ح 2608.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 56، ح 34؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 161، ح 2842؛ تحفة الأحوذي، ج 7، ص 397؛ مسند أبي يعلى، ج 4، ص 48، ح 2058. تحف العقول، ص 246؛ الدعوات، ص 23، ح 29؛ وعنه في بحارالأنوار، ج 93، ص 313، ضمن الحديث 17.
3- . النور (24):61.
4- . النور (24):27.
5- . في المخطوطة: + «و».
6- . هكذا في كلّ المصادر المذكورة. وفي المخطوطة: «السؤال» وهو سهو.
7- . الكافي، ج 2، ص 644، ح 2؛ الخصال، ص 19، ح 67؛ روضة الواعظين، ص 458؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 585، ح 8556؛ كنزالعمّال، ج 9، ص 126، ح 25320.

26. الرَّضاعُ يُغَيِّرُ الطِّباعَ .(1)

وتأويله في الحديث الآخر وهو قوله عليه السلام: «لا تسترضعوا الحَمقاء ولا العَمشاء؛ فإنّ اللَّبن يُعدي»(2). وقيل: معناه: إذا كانت المرضعة تقرب من الفساد وتبعد من السداد فلا تتّخذوها ظِئراً لأولادكم؛ فإنّ رضاعها ولبنها يغيِّران أخلاقهم. والولد وإن كان أبواه على الاستقامة، فإن أرضعه مَن لها عادة قبيحة، يتخلَّق بأخلاقها دون خُلق الأبوين. هذا حكم الرضاع من جهة العرف، والطبع يكون كذلك على الأغلب، وله حكم آخر من الشرع وهو انتشار الحرمة بين الصبيِّ والرضيع وبين من يتقرَّب إليه من جهة النسب عندنا حتّى تصير المرضعة اُمّ الصبي الرضيع ويصير الفحل الذي هو صاحب اللَّبن أباه، وأقرباؤهما أقرباءه.

يدلّ عليه ما روي من أنّ عليّاً [عليه السلام] قال: «يا رسول اللّٰه، هل لك في ابنة عمّك حمزة؛ فإنّها أجمَلُ فتاةِ قريش ؟ فقال صلى الله عليه و آله: أما علمت أنّ حمزة أخي من الرضاعة، وأنّ اللّٰه حرّم من الرضاعة ما حرّم من النسب ؟»(3).

وصفة «الرضاع» المحرِّم خمسَ عشرةَ رضعةً متواليةً لا يُفصَل بينها برضاع امرأةٍ اُخرى، أو يكون بحدّ أنبت اللحم وسدّ العظم على الولاء أيضاً أو رضاع يوم [و] ليلة لا يتخلّلها رضاع امرأة اُخرى، فإذا ارتضع عشر رضعاتٍ يكره التناكح بينهما.

ص: 84


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 56، ح 35؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 24، ح 4525؛ كنزالعمّال، ج 6، ص 270، ح 15653. قرب الإسناد، ص 93، ح 312 (عن الإمام عليّ عليه السلام)؛ وعنه في وسائل الشيعة، ج 21، ص 468، ح 27605 وبحارالأنوار، ج 100، ص 323، ح 10.
2- . الكافي، ج 6، ص 43، ح 8؛ الفقيه، ج 3، ص 478، ح 4679؛ التهذيب، ج 8، ص 110، ح 375؛ عيون الأخبار، ج 1، ص 37، ح 67 (وفي الثلاثة الاُولى: - «ولا العمشاء»).
3- . الكافي، ج 5، ص 445، ح 11؛ الفقيه، ج 3، ص 411، ح 4436؛ التهذيب، ج 7، ص 292، ح 1229؛ دعائم الإسلام، ج 2، ص 240، ح 900؛ مسند زيد بن علي، ص 316؛ كتاب الاُمّ للشافعي، ج 5، ص 26 (مع اختلاف يسير في الجميع).

وحدّ الرضعة ما يُرويه دون المصّة؛ يدلّ عليه قوله عليه السلام: «الرضاع من المجاعة»(1) أي ما سدّ الجوع، والمعنى أنّ الرضاع إنّما يعتبر إذا لم يُشبِع الرضيع(2) إلّااللبن وذلك في الحولين، فأمّا رضاع مَن يشبعه الطعام فلا.

وقوله: «لا تحرِّم المصّة ولا المصّتان ولا الرضعة ولا الرضعتان».(3)

27. البَرَكَةُ مَعَ أَكَابِرِكُمْ .(4)

أي عظّموا أكابر السنّ من المؤمنين لا أكابر الحال؛ فإنّ مع مشايخهم النَّماء والزيادة في الخيرات، وبانقراضهم ذهاب البركة، وفي الحديث: «وقّروا شيوخكم؛ فإنّ البركة معهم».(5) و «البركة» الثبات والبقاء، واشتقاقها من بُروك البعير، و «الأكابر» جمع أكبر أفعل للتفضيل، ولو كان جمع كبير القدر كثير المال لكان «مع كبرائكم» أراد مع شيوخكم، والكاف خطاب للمؤمنين، وروى النصحي: أنّ المراد به: البركة مع علمائكم.

28. مِلَاكُ العَمَلِ خَوَاتِمُهُ .(6)

معناه: إذا ابتدأتَ بعملٍ صالح وفعل خير فاجتهد أن تتمّه؛ فلم أَرَ في عيوب الناس شيئاً كنقص القادرين على التمام، و «ملاك» الأمر قوامه، وما يتملّك به أي

ص: 85


1- . عوالي اللئالي، ج 1، ص 73، ح 137؛ مسند أحمد، ج 6، ص 94 و 214؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 158؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 150 (مع اختلاف يسير في الجميع).
2- . في المخطوطة: «الرضع»، والمناسب ما اُثبت.
3- . كتاب المسند للشافعي، ص 307؛ مسند أحمد، ج 6، ص 31؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 624، ح 1940؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 458، ح 2063 (في الثلاثة الأخيرة إلى قوله: «المصّتان»).
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 57، ح 36 و 37؛ الكامل لابن عدي، ج 2، ص 77؛ و ج 5، ص 259؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 62؛ تاريخ بغداد، ج 11، ص 165. جامع الأخبار، ص 92؛ بحارالأنوار، ج 72، ص 137، ح 4؛ مستدرك الوسائل، ج 8، ص 394، ذيل ح 9775.
5- . راجع: الأمالي للصدوق، ص 93، ح 4؛ غرر الحكم، ص 482؛ روضة الواعظين، ج 2، ص 345.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 58، ح 38؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 51، ص 241؛ البداية والنهاية، ج 5، ص 18؛ إمتاع الأسماع، ج 2، ص 59. تفسير القمّي، ج 1، ص 291؛ الاختصاص، ص 343؛ وفي بحارالأنوار، ج 21، ص 212، ح 2 عن تفسير القمّي (وفي الثلاثة الأخيرة: «خواتيمه» بدل «خواتمه»).

يشتدّ، من «ملَّكت العجين» إذا شددته، و «الخواتم» جمع خاتم وهو ما يختم به الشيء، أراد عواقبه وأواخره؛ لأنّ الشيء إنّما يُختم في آخره عند الفراغ منه بتمامه، ومنه: الاُمور بخواتيمها.

29. كَرَمُ الكِتَابِ خَتْمُهُ .(1)

فشرِّفْ كتابك إليه بوضع الختم عليه؛ لئلّا يطَّلع فيه أحدٌ ولا يفسد الحال المودعة فيه، وإنّ الكتاب إذا خُتم دلّ على أنّ فيه شيئاً من المهمّاتِ العظام والاُمورِ الكبار، وإذا لم يُختم يُرى أنّه لا شيء فيه ممّا يُعتنى به، وإذا كان فيه سرٌّ فلا ينكتم عليه، [و] فسِّر قوله: (أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتٰابٌ كَرِيمٌ ) (2) أي مختوم. وكان فيما مضى يختم الكتاب بالطين أو يشدّ عليه سِحاء وهو خيط، ثم ترك ذلك إلى الإلصاق.

وقيل: معناه: إذا قرأت القرآن فإنّ إكرامه أن تَختمه وتقرأه إلى آخره، والعموم يتناولهما، وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون المراد بالكتاب الجنس أعني كلّ كتاب علم.

30. مِلاكُ الدِّينِ الوَرَعُ .(3)

يقول: إذا كنت متديِّناً فزيِّنْ نفسك بالورع؛ فالإنسان إذا اتَّقى محارم الشرع والعقل وترْك الواجبات فقد أتى بكلِّ ما يجب عليه في الدين، والمرجع بهذه اللفظة

ص: 86


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 58، ح 39؛ المعجم الأوسط، ج 4، ص 162 (وفيه: «كرامة» بدل «كرم)؛ تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي، ج 3، ص 16؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 270، ح 6228؛ كنزالعمّال، ج 10، ص 243، ح 29295 (وفي الأخيرين أيضاً: «كرامة» بدل «كرم»). ورواه العلّامة المجلسي رحمه الله في بحارالأنوار، ج 14، ص 118، ح 14 مجهولاً، وفيه: «إكرام» بدل «كرم».
2- . النمل (27):29.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 59، ح 40؛ المعجم الكبير، ج 11، ص 32؛ الكامل لابن عدي، ج 3، ص 455؛ تاريخ بغداد، ج 5، ص 203، ح 2653. ثواب الأعمال، ص 293؛ تحف العقول، ص 513؛ مكارم الأخلاق، ص 468؛ غرر الحكم، ص 271، ح 5918.

إلى الترك والتقى. على أنّ الترك - فعل الورع - الكفُّ عن المعاصي، و «الملاك» القوام [و] ما يستمسك به الشيء؛ لأنّ الملك في اللغة الشدّة.

31. خَشْيَةُ اللّٰهِ رَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ .(1)

أي خَفْ عقاب اللّٰه بترك معاصيه؛ فإنّ الخوف من عقوبة اللّٰه أصل العلوم، والحكيم إذا رأى مضرّةً صغيرةً دَفعَها عن نفسه بمقتضى حكمته، و «الحكمة» مصدرُ حَكُمَ فهو حكيم، والحكيم: المُحكِم لأفعاله كالأليم بمعنى المؤلم.

وقيل: الحكيم: العالم بدقائق الاُمور، وأصله من حَكَمَةِ اللِّجام؛ لأنّ خوف عقابه تعالى يمنع من ارتكاب المعاصي وترك الواجبات. وقيل: المراد «بالخشية» هاهنا العلم بثواب اللّٰه وعقابه [المودّي] إلى كلّ علم. وقيل: العلم باللّٰه ابتداءُ كلِّ علم، فلو لم يوجب علينا علوماً شرعية لكان الواجب علينا أن نعرفه، والخشية بمعنى العلم معروفة؛ قال اللّٰه تعالى: (فَخَشِينٰا أَنْ يُرْهِقَهُمٰا طُغْيٰاناً وَ كُفْراً) (2) أي: علمنا أنّه يؤذيهما أذىً عظيماً؛ لطغيانه وكفره.

32. الوَرَعُ سَيِّدُ العَمَلِ .(3)

يقول: أمسكوا عن المحرّمات والمحظورات، وكُفُّوا عن الشبهات والشهوات؛ فإنّ الثواب على ترك المناهي أعظم من الثواب على الأوامر، فكان «الورع» الذي هو الكف عن السيئات سيدّ الأعمال، واللام في «العمل» تعريف الجنس، وإذا رَضِيَ السيّد فالرعيَّة تابعة له.

ص: 87


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 59، ح 41؛ الورع لابن أبي الدنيا، ص 43؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 603، ح 3909؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 141، ح 5872.
2- . الكهف (18):80.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 59، ح 41؛ الورع لابن أبي الدّنيا، ص 43؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 5، ص 395؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 603، ح 3909؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 141، ح 5872؛ و ص 430، ح 7299.

33. مَطَلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ (1)، وَمَسْأَلَةُ الغَنِيِّ نَارٌ.(2)

يعني: إذا كان لأحد عليكَ دينٌ حالٌّ أو مؤجَّل وقد حَضَرَ وقتُه وكنتَ قادراً على قضائه وهو يطالبك به، فإن دافعتَه من اليوم إلى غدٍ كنت ظالماً، وإذا كنت غنيّاً غير محتاج وتطلبُ من الناس شيئاً وتسألهم مالاً لِتكثر أموالك فكلّ ما تجتمع عندك بالسؤال فهو نار جهنّم، وذلك السؤال سبب النار.

وقيل: في الخبر دلالة [على] أنّ من ليس بواجدٍ(3) للوفاء بقضاء الدين لم يكن ظالماً وإن كان مَطَلُ الغنيِّ عدولاً عن الحقّ ، وأنّ المسألة وإن حرُمت من جانب الغنيِّ فغير حرام من جانب الفقير في أمرٍ لابدّ منه. و «المَطَل»: مدافعة الرجل غَريمَه من يوم إلى يوم ومن شهر إلى شهر.(4) و «الظلم» في اللغة: النقصان، من قوله: (آتَتْ أُكُلَهٰا وَ لَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) (5) وقولهم: «الظلم(6) منع الشيء في غير موضعه» فهو استعارة، وفي اصطلاح المتكلِّمين هو «كلُّ ضرر يوصل إلى أحد عارٍ من كلّ منفعة أو دفع مضرّةٍ معلومةٍ أو مظنونةٍ عاجلٍ أو آجلٍ ، ولا يكون مستحقّاً، ولا على سبيل المدافعة، ولا يكون في الحكم كافَّة من فعل المضرور أو من جهة غير فاعل الضرر»، واحترز بكلِّ واحدٍ من هذه الشروط من نقضٍ على الحدّ، فقوله ظلم يطَّرد في الطرفين أعني طرفي الغريم وصاحب المال؛ لأنّ المماطل الغنيّ يظلم صاحب

ص: 88


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 60، ح 42 و 43؛ كتاب الاُمّ للشافعي، ج 3، ص 206؛ مسند أحمد، ج 2، ص 71 و 260 ومواضع اُخرى؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 261؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 55. الفقيه، ج 4، ص 380، ح 5819؛ تحف العقول، ص 267، ح 35؛ عوالي اللئالي، ج 4، ص 72، ح 45.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 60، ح 43؛ المعجم الكبير، ج 18، ص 175؛ الكامل لابن عدي، ج 5، ص 109؛ تاريخ الإسلام للذهبي، ج 30، ص 370؛ كنزالعمّال، ج 6، ص 504، ح 16732.
3- . في المخطوطة: «واحد» وهو تصحيف.
4- . اُنظر: العين، ج 7، ص 434؛ لسان العرب، ج 11، ص 624 (مطل).
5- . الكهف (18):33.
6- . في المخطوطة: + «و».

المال بإصراره من احتباس حقّه، ويظلم نفسه من حيث إنّه ارتكب معصيةً بمدافعة الغريم مع تمكنّه من أداء حقّه فهو مستحقّ الذمّ والعقاب، والسؤال محرَّم إلّاعند الضرورة إليه، ومَن سأل مستغنياً(1) فهو مستحقّ للذمّ والعقاب، والسؤال والمسألة كلاهما مصدر سأل، ويُستعملان في الاستعطاء والاستعلام حقيقةً لا مجازاً.

34. التَّحَدُّثُ بِالنِّعَمِ شُكْرٌ.(2)

يقول: حدِّثْ بفضل اللّٰه عليك نفسَك، وأثن عليه، ولا تستر نعم اللّٰه عليك بالكفر والكفران عند أحدٍ، فإذا كنت ذاكراً لنعمائه على كلّ حالٍ فقد أدّيت شكرَه، وقال تعالى: (وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) (3)، ولذلك إذا أنعَمَ عليك مخلوق فاقرأ الثناء عليه عند الناس؛ ليكون ذكر إحسانه أداءً لشكره. وسأل ابن الكوّاء عليّاً عليه السلام عن أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، قال: عن أيّ الأصحاب تسألني ؟ قال: أخبرني عن عبد اللّٰه بن مسعود؟ قال: قرأ القرآن ثمّ وقف عنده، فقال: أخبرني عن أبي ذرٍّ؟

قال: عالمٌ شحيح على علمه، لا يعلِّمه إلّامَن كان أهله. ولو أراد أنّه كان بخيلاً بعلمه لكان ذمّاً فقال: أخبرني عن سلمان ؟ قال: «أدرك علم الأوّلين والآخرين، وهو بحرٌ لا يُنزَح، وهو منّا أهل البيت». فقال: أخبرني عن حذيفة بن اليمان ؟ قال: كان عرّافاً بالمنافقين، وسأل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله عن المعضلات، وإن سألتموه وجدتموه بها خبيراً. فقال:

أخبرني عن عمّار بن ياسر؟ قال: خالط الإيمانُ لحمه ودمه، وهو محرَّم على النار، كيف ما زال زال الحقُّ معه. [قال:] أخبرني عن نفسك ؟ قال: قال اللّٰه تعالى: (فَلاٰ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ) (4)إلّا أنّه تعالى [قال](5):(أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) ، كنتُ أوّل داخلٍ وآخر خارج، وكنت إذا سألت اُعطيت، وإذا سكتُّ ابتديت، وبين جوانحي علم جمّ ، فقال: ما ترك فيك ؟

ص: 89


1- . في المخطوطة: «مستغنٍ ».
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 61، ح 44 و 45؛ الشكر للّٰه لابن أبي الدنيا، ص 95، ح 63 (وفيه: «شكرها» بدل «شكر»)؛ تفسير مجمع البيان، ج 1، ص 184؛ تفسير القرطبي، ج 20، ص 102؛ تفسير الثعالبي، ج 2، ص 16.
3- . الضحى (93):11.
4- . النجم (53):32.
5- . اُضيفت لاقتضاء الضرورة.

قال: ألم تقرأ في سورة هود: (أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شٰاهِدٌ مِنْهُ ) ،(1)فرسول اللّٰه على بيّنةٍ من ربّه، وأنا أتلوه شاهداً له، وأنا منه.(2)

35. اِنتِظَارُ الفَرَجِ بِالصَّبْرِ عِبَادَةٌ .(3)

يقول: إذا كنتَ في مكروه فراقِبِ اللّٰه في كشفه؛ فإنَّ ترقُّب الانكشاف وحبس النفس على احتمال البلاء عبادة وانقياد وخضوع للّٰه، وإنّما الصبر(4) عبادة بكونك منتظراً له، والصبر بانتظار الفرج على مكاره التكليف نوع من العبادة، و «الفرج» ذهاب الغمّ ، و «الصبر» حبس النفس على ما تكره، و «العبادة» من العبوديّة.

36. الصَّوْمُ جُنَّةٌ .(5)

يقول: صُومُوا كثيراً؛ فإنّ الصوم وقاية من النار، يقول: «الصوم لي، وأنا أجزي به».(6)

ومن صام كثيراً حافظاً بشرائطه انكسرت شهواته، فكأنّه وقاية للصائم دون المعاصي؛ لأنّه كسر شهوته عنها، وقال عليه السلام: الصوم وِجاء(7)، أي خصاء(8)، والصَّوم

ص: 90


1- . هود (11):17.
2- . راجع: المعيار والموازنة للإسكافي، ص 300؛ حلية الأولياء لأبي نعيم، ص 127؛ سير أعلام النبلاء للذهبي، ج 1، ص 490؛ البداية والنهاية، ج 9، ص 151.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 62 و 63، ح 46 و 47؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 256، ح 6356؛ جامع الصغير، ج 1، ص 417، ح 2718؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 272، ح 6507. الأمالي للطوسي، ص 405، ح 55 (وفيه: - «بالصبر»)؛ الدعوات، ص 41، ح 101؛ نهج السعادة، ج 7، ص 285، ح 152.
4- . في المخطوطة: «يصبر» بدل «الصبر» فغيّرناه.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 63، ح 48 و 49؛ مسند أحمد، ج 2، ص 306 و 443؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 15 و 25؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 124. الكافي، ج 2، ص 18، ح 5 و ص 23، ح 15؛ و ج 4، ص 62، ح 1؛ الفقيه، ج 2، ص 74، ح 1871؛ المحاسن، ج 1، ص 287؛ فقه الرضا عليه السلام، ص 204.
6- . الكافي، ج 4، ص 63، ح 6؛ الفقيه، ج 2، ص 75، ح 1773؛ التهذيب، ج 4، ص 152، ح 420؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 270؛ الخصال، ص 45، ح 42.
7- . المجازات النبويّة، ص 85، ح 53؛ تفسير مجمع البيان، ج 1، ص 194؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 19، ص 186.
8- . اُنظر: لسان العرب، ج 1، ص 191 (وجأ).

يَكسر الباه، والصوم: إمساك لغة، وهو في الشرع من الأسماء المخصوصة، و «الجُنَّة»: الواسع، وأصل الكلمة الستر، وإنّما شبّه الصوم بالجُنَّة لأنّه يَجنّ صاحبه من العقاب كما أنّها تقي من الطِّعان والضِّراب، وللصوم(1) مزيَّة على سائر العبادات؛ لأنّ أثره لا يظهر بقول ولا فعل، وإنّما هو نيّة في الجنان مع إمساك، فهو يقع بين الإنسان وبين اللّٰه خالصاً.

37. الزَّعِيمُ غارِمٌ .(2)

يقول: إنّ الضامن والضمين يَغرم إذا ضَمِنَ مِن غير إذن المضمون عنه، فأمّا إذا ضمن بأمره لا يغرم، وإن غرم يرجع عنه، و «الزعامة»: الكفالة، و «الغرم»: ما يلزم أداؤه. وقيل: معناه أنّ الإنسان إذا تكفَّل الدَّين عن المديون للدائن فلم يفِ المديون أو هرب أو مات كان غارماً لما صحّ له عليه وثبت، وهو غارمٌ لأنّ ذلك غرامة عليه، فكأنَّه نَهىٰ عن أن يَتَعرَّض أحد لكفالة غيره إلّامَن أيقن أنّه يغرم ذلك ويحتمل تلك المشقَّة عنه، فإن ضمن كذلك وهو يَرىٰ أنّ المديون لا يوقعه ورطته ثمّ يتوارى أو يهرب فيبتلي الضامن.

38. الرِّفْقُ رَأسُ الحِكْمَةِ .(3)

أي ارفَقوا في الاُمور كلّها، واتركوا العجلة؛ فإنّ من عاشر الناس بالأناة والسكون وعايشهم بخُلق حسن ورافقهم بتلَطُّفٍ (4) وسهولة جانب، كان عين

ص: 91


1- . في المخطوطة: «الصوم»، والمناسب ما اُثبت.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 64، ح 50؛ مسند أحمد، ج 5، ص 267؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 804، ح 2405؛ السنن الكبرى، ج 6، ص 72. الأمالي للسيّد المرتضى، ج 1، ص 73؛ المبسوط، ج 2، ص 322؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 223، ح 102.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 64، ح 51؛ المصنَّف، ج 6، ص 86، ح 6؛ البداية والنهاية، ج 2، ص 152؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 25، ح 4529. عوالي اللئالي، ج 1، ص 371، ح 79؛ وعنه في بحارالأنوار، ج 72، ص 352، ح 62؛ مستدرك الوسائل، ج 11، ص 295، ح 13074.
4- . في المخطوطة: «بتطلُّف».

الحكيم، وفيه كلّ الحكمة. و «الرِّفق»: المداراة والملاينة وحسن المعاشرة مع الناس، يقال: رفق، فهو رفيق، أي لطيف، فعيل بمعنى فاعل، ورافقه مرافقة فهو رفيقه، فَعيل بمعنى مُفاعلٍ ، كالأكيل والجليس، والرِّفق أيضاً مصدر رَفَقَ ، وهو ضدّ العُنف.(1)

39. كَلِمَةُ الحِكمَةِ ضالَّةُ كُلِّ حَكِيمٍ .(2)

يقول: إذا سمعتَ بكلمة الحكمة من غير حكيم فلا تظنَّها من عنده، وإنّما كانت عند حكيم فضلَّت عنه فوجدها(3) الجاهل وأخذها كمن وجد ضالَّةً .

وقيل: إنّ معناه أنّ كلمة الحكمة إذا سمعها الحكيم تعلَّق بها وكتبها وحفظها واحتفظ بها [وكأنّها] كانت ضالّته؛ لأنّه كان طالباً له كطالب الضالَّة، يعني أنّ المؤمن يحرص على جمع الحِكَمِ مِن أين يجدها.

وقال سيبويه: الكَلِمُ اسمٌ صيغَ للجمع وليس بجمع الكلمة، وإنّما جمعُها الكلمات(4).

ولو قلنا: إنّه من باب تَمرَة و تَمْر لم يبعد. و «الضالَّة» ما ضلَّ الناسُ ، والهاء للمبالغة، ويجوز أن يكون صفة موصوف مؤنَّث كالنفيسة. قال ابن دريد: «الحكمة كلمة وَعَظَتْك أو زجرتْك أو دَعَتك إلى مكرمة أو نَهَتْك عن قبيح».

ص: 92


1- . اُنظر: العين، ج 5، ص 179؛ لسان العرب، ج 10، ص 118 (رفق).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 65، ح 52؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1395، ح 4169؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 155، ح 2828؛ المصنّف، ج 8، ص 317، ح 160 (وفي الثلاثة الأخيرة: «المؤمن» بدل «حكيم»). وفي الكافي، ج 8، ص 167، ح 186 عن الإمام الصادق عليه السلام وعوالي اللئالي، ج 4، ص 81، ح 82 مرسلاً عن الرَّسول صلى الله عليه و آله: «الحكمة ضالّة المؤمن»؛ وفي تحف العقول، ص 502 عن الإمام عليّ عليه السلام (وفيه أيضاً: «المؤمن» بدل «حكيم»).
3- . في المخطوطة: «فضلّت عند يوجدها»، والمناسب ما اُثبت.
4- . راجع: شرح الرضيّ على الكافية، ص 24.

وعن مكحول: سمع ابنُ جَريحٍ كلمةَ حكمةٍ ، فقال: «ضالّتي وربّ الكعبة»(1).

وفي رواية: «الحكمة ضالَّة المؤمن؛ حيث وجدها قيّدها،(2) ثمّ ابتغى(3) إليها ضالّة اُخرى» .

40. البِرُّ حُسْنُ الخُلقِ .(4)

يقول: إن شئت أن تكون بارّاً جامعاً للخير كلِّه فكن(5) حَسَن الخُلق؛ فإنّ البارَّ هو الذي حَسُن خلقه مع الخلق وسِرُّه مع الحقِّ . وقيل: معناه: إذا لم تصلْ يدُك إلى الإحسان والمبرَّة بالغير فخالِقْه بخُلق حسن، وإذا كانت شيمتك مع الناس حسنة فكأنَّما بررتَهم ووصلتهم. و «البِرّ» والمبرَّة: الصِّلة والإحسان، ورجلٌ بارٌّ وبَرٌّ بوالديه، إذا كان حَسَن الخدمة لهما، وحجّ مبرور، أي مقبول، وبَرَّ في يمينه صَدَقَ فيها ولم يحنث، والخُلق: الطبيعة.

41. الشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الجُنُونِ .(6)

معناه: إذا كنت شابّاً فإيّاك أن تكون طليق العنان؛ فإنّ الشباب طائفة من الجنون، والمجنون ينبغي أن يكون مقيَّداً حتّى لا يعبث، وإنّما قال ذلك [ل] أنّ الأغلب في حال الشباب أنّه لا يركب أمراً يُستحسن في المقال والفعال، بل ينسب ذلك إلى الجنون والمُجُون.

وقيل: معناه: إذا كان لك ولد شابٌّ فاحفظه وكن قائداً بلجام القهر له إلى الطاعة،

ص: 93


1- . لم نعثر عليه في مظانّه.
2- . الكافي، ج 8، ص 167، ح 186؛ عوالي اللئالي، ج 4، ص 81، ح 82؛ غرر الحكم، ص 58، ح 613 (وفي كلّها إلى قوله: «قيّدها» و مع اختلاف يسير).
3- . في المخطوطة: «انبقى»، والمناسب ما اُثبت.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 66، ح 53 و 54؛ مسند أحمد، ج 4، ص 182؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 322؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 7.
5- . في المخطوطة: «وكن» وهو تصحيف.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 66، ح 55؛ المصنّف، ج 8، ص 163؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 33، ص 180؛ نصب الراية للزيلعي، ج 2، ص 45؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 245، ح 1609. الفقيه، ج 4، ص 377، ح 5774؛ تفسير القمّي، ج 1، ص 290؛ المجازات النبويّة، ص 203، ح 159؛ الاختصاص، ص 343.

ودافعاً إيَّاه بزمام التسخير عن المعصية؛ فإنّ الشابَّ الغِرَّ الذي لم يجرِّبِ الاُمور ولم يُحْنِكه التجارب يكون في الأغلب سادراً(1) في جماعة، متسكِّعاً في علوائه، لا يتّعظ بمواعظ العقل، ولا يتأدَّب بآداب الشرع طوعاً ورغبةً إلّامَن عَصَمَه اللّٰه، فهو كالمجنون وإن كان عاقلاً؛ إذ لا يَعمل عقله ولا يَعمل به فكأنَّه ليس له عقل. يقال:

شبَّ الصبيُّ شباباً، إذا ترعرع، فهو شابّ (2). و «الجنون» مصدر جُنَّ الرَّجل فهو مجنون، إذا كان مغلوباً على عقله. كأنّه قال: الشباب جزءٌ من الجنون وطرفٌ منه. و «مِن» للتبيين، و «الشعبة» غُصنٌ من أغصان الشجر ثم استُعمل في كلِّ جزء من غيرها.

42. النِّساءُ حَبائِلُ الشَّيطَانِ .(3)

يقول : إيَّاك والنساء الصالحات ،(4) وكن على حذر من الصالحات ؛ فإنّ الشيطان إذا أراد أن يَصيد رجلاً من الصلحاء جعل واحدةً منهنَّ شبكةً واُحبولةً فينصبها ويصطاده بها . وقال عليه السلام : «النساء شرٌّ كلّهنّ ، وشرُّ ما فيهنّ قلّة الاستغناء عنهنّ» (5) . وقال أمير المؤمنين : «لا تطيعوا النساء على حالٍ ، ولا تأمنوهنّ على مالٍ ، إن تُركن وما يردن أوردن المهالك ، و أذللن (6) الممالك ، لا دين لهنّ عند لذّتهنّ ، ولا وَرَعَ لهنّ عند شهوتهنّ ، يَنسين الخير ،

ص: 94


1- . قال ابن الأثير: وفي حديث عليّ عليه السلام: «نفر مستكبراً وضبط سادراً» أي لاهياً. النهاية، ج 2، ص 354 (سدر).
2- . اُنظر: لسان العرب، ج 1، ص 483؛ مجمع البحرين، ج 2، ص 85 (شبب).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 66، ح 55؛ المصنّف، ج 8، ص 162؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 33، ص 181؛ نصب الراية، ج 2، ص 45. المجازات النبويّة، ص 202، ح 158؛ وص 373، ح 288؛ كنزالفوائد، ص 97؛ بحارالأنوار، ج 100، ص 249، ح 38 (وفي الكلّ : - واُمُّ الخبائث).
4- . كذا في المخطوطة، ولعلّ مراده: «الطالحات».
5- . الكامل لابن عدي، ج 3، ص 394؛ الجمل، ص 159؛ الطبقات لابن سعد، ج 3، ص 40؛ فتح الباري، ج 9، ص 118.
6- . في المخطوطة: «أذلن». وليس هذه الفقرة في المصادر.

ويحفظن الشرّ، يتهافتن بالبهتان، ويتمادين للطغيان، ويتصدّين للشيطان».(1)

و «الحبائل»: جمع حبالة، وهي شبكة الظِّباء والنِّعاج عند العرب، يعني أنّهن آلة من آلات الشيطان وشبكة من شبكاته، وإنّما ذُكر بلفظ الحبائل إشارةً إلى أنّ الخبيثات من النساء يُشبّهن بالظباء.

قال أبو عبيد: جعل الحبالة [الّتي] تنصب للصيد مثلاً للنساء مع الشيطان، وأراد أنّه يَلعب بهنّ كيف يشاء ويجعلهنّ سبباً لكلّ فسادٍ، جَعَلهنّ من أقوى ما يصيد به الشيطان الرجال، فهنّ له كالحبائل المبثوثة، ولأنّهنّ مظانّ الشهوات.

43. الخَمْرُ جِماعُ الإِثْمِ وَاُمُّ الخَبائِثِ .(2)

يقول: لا تشربوا الخمر؛ فإنّها تستر العقل، و «جماع الإثم» حيث لا عقل يردع، وهي مرجع كلّ خصلةٍ قبيحة وخُطَّةٍ خبيثة واُمّها؛ لأنّها سبب لتوالد المعاصي وركوب الفواحش؛ [أ] لا ترى أنّ المرء إذا ارتكب معصيةً فربّما اقتصر عليها ولم يتجاوز إلى غيرها سوى شرب الخمر؛ فإنّه إذا شربها سكر وزال عقله، وارتكب كلّ عظيمة، وأتى بكلِّ كبيرة ولا يستحيي ؟!

وقال عليه السلام: «جُعل الشرُّ كلُّه في بيت، وجعل مفتاحه [شرب] الخمر»(3).

وسمِّي «الخمر» خمراً لمخامرتها العقول، أي مخالطتها وسترها عليها، والخُمار:

ما يأخذ الشارب من أذى الخمر من الصُّداع والدُّوار(4)، و «الجماع» هاهنا: الجمع، وفي غير هذا الموضع بمعنى المفاعلة. و «الاُمّ »: الوالدة؛ لأنّ مرجع الولد إليها

ص: 95


1- . الفقيه، ج 3، ص 554، ح 4900؛ علل الشرائع، ج 2، ص 512، ح 1؛ روضة الواعظين، ج 2، ص 380 (مع اختلاف يسير في كلّها).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 68، ح 56 و 57؛ المصنّف، ج 8، ص 162؛ سنن الدارقطني، ج 4، ص 161، ح 4565؛ نصب الراية، ج 2، ص 45. تفسير القمّي، ج 1، ص 290؛ جامع الأخبار، ص 151؛ بحارالأنوار، ج 32، ص 40؛ و ج 33، ص 621 (وفي كلّ المصادر إلّامسند الشهاب: - «واُمّ الخبائث»).
3- . جامع الأخبار، ص 149؛ بحارالأنوار، ج 80، ص 148؛ مستدرك الوسائل، ج 17، ص 54، ح 20724.
4- . اُنظر: العين، ج 4، ص 263؛ لسان العرب، ج 4، ص 257 (خمر).

ومفزعه نحوها.

واُمّ القرى: مكّة؛ لأنّها أصل الأرض، وأصل الكلمة من الاُمّ وهو القصد، و «الخبائث» جمع خبيثة، وإنّما سمّاها اُمّ الخبائث استعارةً على تغليظ النَّهي عن شربها؛ فالاُمّ جامعة لأولادها. والفائدة في تقديمها على جميع المعاصي أنّ الأغلب في شربها أن يكون طريقاً إلى ارتكاب الكبائر، فالسُّكر يَحمل صاحبه على القذف والافتراء وإراقة الدماء واستحلال الأموال.

وروي أنّ ملكاً دعا زاهداً إلى وطئ امرأةٍ حسناء وغلام وقتل طفل، أو إلى شرب الخمر، وقال: إن لم تفعل واحداً قتلتك! فاستهان أمر الخمر، وقال: «أشرب الخمر» فسَقَوهُ ، فلمّا سكر قَتَلَ الصبيّ ، وأتى الغلام، ووقع عليها، فجَمَعَ بين الكبائر كلّها لفساد العقل، ولو اختار غير الخمر لما فعل إلّاواحدة.

و «الإثم»: الذنب العظيم، ويسمّى الخمر إثماً.

44. الغُلُولُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ .(1)

يقول: لا تخونوا المسلمين في شيء من الأشياء؛ فإنّ من خان أحداً باقتطاع مالٍ له فكأنّما يجرّ [إلى] نفسه جمرة من جمرات نار اللّٰه، وقال: الخبر مخصوص بمن خان في الغنيمة وأخفاها ولا يرُدّها إلى القِسم، معناه: مَن خان في مال الغنيمة استحقَّ نار جهنّم، وإنّما سمّيت غلولاً لأنّ الأيدي مغلولة منها، أي ممنوعة، و «الغلول»: الخيانة، يقال: غلّ الرَّجل، إذا خان، ومنه قوله: (وَ مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ) (2) وقرئ يُغلّ ، أي يخان. و «الجمر»: القطعة من النار غير الملتهبة، و «جهنّم» اسم للنار عَلَمٌ أعني النار المعدّة للكفَّار، وقيل: هو اسم دركة من دركاته.

ص: 96


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 66، ح 55؛ المصنّف، ج 8، ص 162؛ شرح السير الكبير للسرخسي، ج 1، ص 44، ح 35؛ إمتاع الأسماع، ج 2، ص 59. تفسير القمّي، ج 1، ص 291؛ الاختصاص، ص 343؛ كنزالفوائد، ص 97.
2- . آل عمران (3):161.

وروي: أنّ صحابيّاً(1) مات في غزوة خيبر فقال صلى الله عليه و آله: صلّوا على صاحبكم. فقال [رجلٌ ](2): يا رسول اللّٰه، لا تصلّي عليه ؟! قال: لا، لأنّه غلّ من الغنيمة، ففتشوا رحله فوجدوا فيه حرزاً ليهودي ما كان يساوي درهمين وأصاب سهمٌ رجلاً فمات، فقال رسول اللّٰه: هو في النار، فنظروا فإذا عليه كساء قد غَلَّه.(3) وقال صلى الله عليه و آله: «إيّاكم والغُلول، فإنّ الغُلول خِزيٌ على صاحبه [يوم القيامة]، فأدّوا الخيط والمخيط».(4)

45. النِّيَاحَةُ مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ (5)

يقول: لا تَتركوا نساءكم يتناوحن عند وفاة أحدٍ ويرجِّعن الكلمات المنظومة تشبه الشعر؛ فإنّ ذلك من أعمال الجاهلية، وليس من سيرة المسلمين، وكان أهل زمان الجهل يَنوحون على موتاهم وقتلاهم لا يَرَون بعثاً ولا نشوراً، والمسلمون إذا كانوا آمنوا بالقيامة مِن حقّهم أن يصطبروا.

وقال عليه السلام: «يُحشر النوائح يوم القيامة يَنْبحن كما تنبح الكلاب،(6) وتَخرج النائحة من قبرها شَعثاء غبراء واضعةً يدها على رأسها تقول: واويلاه! وملكٌ يقول: آمين. ولعن رسول اللّٰه النائحة والمستمعة».(7) والفِعالة من أبنية الصِّناعة كالنِّساجة والخِياطة، والفَعالة - بالفتح - المصدر كالسَّماحة والظَّرافة، كأنّه قال: من يَصنع بهذه الصنعة التي هي النياحة لم يكن على سنّتي.

ص: 97


1- . في المخطوطة: «أصحابنا»، والمناسب ما اُثبت.
2- . اُضيفت لاقتضاء الضرورة.
3- . راجع: كشّاف القناع، ج 2، ص 145؛ دلائل النبوّة، ج 4، ص 255؛ نيل الأوطار، ج 4، ص 84.
4- . مسند أحمد، ج 5، ص 330؛ تهذيب الكمال، ج 9، ص 147؛ فتح الباري، ج 6، ص 15 (مع اختلاف).
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 66، ح 55؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 504، ح 1581؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 51، ص 240، ح 6058؛ البداية والنهاية، ج 5، ص 18؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 245، ح 1609. الفقيه، ج 4، ص 376، ح 5769؛ تفسير القمّي، ج 1، ص 290؛ الاختصاص، ص 343؛ كنزالفوائد، ص 97.
6- . الجامع الصغير، ج 1، ص 499، ح 3243؛ كنزالعمّال، ج 15، ص 608، ح 42416؛ فيض القدير، ج 3، ص 302 (مع اختلاف يسير في الجميع).
7- . راجع: الفقيه، ج 4، ص 3، ح 4968؛ الأمالي للصدوق، ص 422، ح 1؛ مجموعة ورّام، ج 2، ص 256.

و «الجاهلية»: زمان الفترة قبل الإسلام، أي الأيَّام الجاهلية والسِّنون والأزمنة المنسوبة إلى الجهل، وهي في العرف عبارة عمّا كان قبل مبعث النبيّ صلى الله عليه و آله، و النَّوح:

اجتماع النساء [للحزن] وأصله من التقابل،(1) وإنّما حُرِّم ذلك لِما فيه من منع الصبر وعِظَم الإثم.

46. الحُمّىٰ رَائِدُ المَوْتِ .(2)

يقول: الحُمّىٰ مقدّمة الموت وطليعته - لشدّة أمرها - ورسوله الذي يَرتاد له، فإذا حُمَّ أحدُكم فليوصِّ ، فالحمّى رسول الموت، ونموذج من شدائده، وإنّها تُنذِر وتؤذِن بالموت، فمن أتته الحُمّى ينبغي أن يتوب وينظر في اُمور نفسه فيما بينه وبين اللّٰه وما بينه وبين الناس؛ فإنّه لا يأمن أن لا يُمهَل، فهو من باب الوعظ والوصيَّة بإعداد الأهِبَّة لسفر القيامة؛ فإنّ من مات فقد قامت قيامتُه. و «الرائد»:

مقدِّم القوم إلى الماء والكلاء، من: راد يرود، إذا جاء وذهب.

47. الحُمّىٰ مِنْ فَيحِ جَهَنَّمَ .(3)

يقول: الحمّى من روائح جهنّم، وله معنيان: أحدهما: الإخبار عن شدّة حرارتها وإنذارها صاحبها من حرارة جهنم، والثاني: مَن أخذته فكأنَّما أصابه بعض عذاب النار؛ فإنّ الحمّى نارٌ تجيء من القلب وتُحرق البدن، قال اللّٰه تعالى في صفة جهنّم:

(نٰارُ اَللّٰهِ اَلْمُوقَدَةُ * اَلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى اَلْأَفْئِدَةِ ) (4) .

و «الحُمّى»: فُعلى، مِن حُمَّ الشيءُ ، إذا قُدِّر، أو مِن حَمِيَ الشيء، إذا حَمِيَ

ص: 98


1- . اُنظر: العين، ج 3، ص 305؛ لسان العرب، ج 2، ص 627 (نوح).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 69، ح 58 و 59؛ فتح الباري، ج 10، ص 149؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 593، ح 3844 و 3845؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 319، ح 6743 و 6744. الكافي، ج 3، ص 111، ح 3، و ص 112، ح 7؛ التمحيص، ص 43، ح 49؛ الخصال، ص 620؛ ثواب الأعمال، ص 192.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 70، ح 60 و 61؛ مسند أحمد، ج 1، ص 91. تفسير مجمع البيان، ج 6، ص 443؛ تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 354، ح 136؛ الاُصول الستّة عشر، ص 150؛ بحارالأنوار، ج 8، ص 250.
4- . الهمزة (104):6-7.

واحترق،(1) وفُعلىٰ تأنيث أفعل التفضيل كالأحسن والحُسنى والأعلى والعليا، وهو في العرف لما يَنتَاب من العلّة في كلّ يوم أو يومين.

و «الفَيح»: من قولهم: فاحت الرائحة تفوح، إذا علت وظهرت، خرج هذا الكلام مخرج التقريب، أي كأنّه نار جهنم في الحرّ، والفيح: انتشار الحَرِّ وسُطُوعه.(2)

48. الحُمّىٰ حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ.(3)

يُشير بهذا إلى أنّ ألم الحمّى وشدائدها وحرارتها تصير كفّارةً لصاحبها المؤمن، فكأنّ اللّٰه يكفِّر بها من خطاياه، يعني أنّ المؤمن إذا حُمَّ وكان مستحقّاً للعقاب جَعَلَ اللّٰه ذلك نصيبه من النار.

وعن مجاهد في قوله: (وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا) (4) قال: «من حُمَّ من المسلمين فقد وردها، وهو حَظُّ المؤمن من النار»(5)، والحمّى في الدُّنيا هي الورود في الآخرة، وهذا محمول على تخفيف الشدَّة لصاحبها في المآب وزيادة الفضل عليه بسببها والثواب.

والخبر الأوَّل قريب من هذا في أحد المعنيين، ولما فُتح خيبر أقبل الناس على الفواكه فأخذهم الحمّى فشكوا ذلك إلى النبيِّ صلى الله عليه و آله فقال: «يا أيَّها الناس، إنّ الحمّى رائد الموت، وسِجن اللّٰه في أرضه، وقطعة من النار»(6).

ص: 99


1- . اُنظر: العين، ج 3، ص 312؛ لسان العرب، ج 14، ص 198 (حمو).
2- . اُنظر: العين، ج 3، ص 256 (قوح)؛ لسان العرب، ج 2، ص 568 (قيح).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 71، ح 62؛ تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي، ج 2، ص 334 و ص 335؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 593، ح 3846 و 3848؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 319، ح 6745. الكافي، ج 3، ص 112، ح 7؛ ثواب الأعمال، ص 192؛ مكارم الأخلاق، ص 357؛ الدعوات، ص 171، ح 477 (مع اختلاف يسير في الأربعة الأخيرة).
4- . مريم (19):71.
5- . راجع: تفسير مجاهد، ج 1، ص 389؛ تفسير الثعلبي، ج 6، ص 228؛ تفسير البغوي، ج 3، ص 205؛ بحارالأنوار، ج 8، ص 250؛ و ج 63، ص 106.
6- . الكافي، ج 3، ص 112، ح 7؛ ثواب الأعمال، ص 192؛ عدّة الداعي، ص 126 (مع اختلاف يسير في كلّها).

ولمّا بُعث رسول اللّٰه قالوا لبعض المتطببّين: إنّ رجلاً في الحجاز يَدّعي النبوّة.

فقال: وهل يحفظون(1) شيئاً من كلامه ؟ قالوا: نعم، سمعناه يقول: «حُمّى ليلةٍ كفّارة سنة»(2). قال: أشهد أنّه نبيّ ؛ فإنّا نقرأ في كتبنا أنّ حمّى يومٍ تذهب بقوّة سنةٍ ، فليس هذا باتّفاق إنّما هو بوحي من اللّٰه. وصار هذا سبباً لإسلامه.

وشكا رجل إلى النبيِّ عليه السلام الحمّى فقال: «اغتسلْ ثلاثة أيّام قبل طلوع الشمس، وقل:

اذهبي يا اُمّ مِلدَم، فإن لم تذهب فاغتسل سبعاً».(3)

وقال عليه السلام: «من حُمَّ ثلاث ساعات فصبر فيها شاكراً للّٰه حامداً له، باهى اللّٰه به ملائكته، وقال: يا ملائكتي، اُنظروا إلى عبدي صبر على بلاي! اكتبوا له براءة من النار. وكتب(4) له:

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من اللّٰه العزيز الحكيم لفلان بن فلان، أدخلوه جَنَّةً عاليةً قُطوفها دانية(5)».

49. القَنَاعَةُ مَالٌ لَايَنْفَدُ.(6)

يقول: من أراد أن يعيش غنيّاً طول عمره، فليجعل القناعة في معيشة دَأبه وعلاته(7)؛ فإنّه إذا فعل ذلك لم يباشر الفقر والقلّة، و «القناعة»: الرّضا - ما تيسّر له - من الرزق والحظّ. وإنّما قيل: «هي مال لا ينفد» لأنّ مرجعها إلى النفي وهو ترك

ص: 100


1- . كذا في المخطوطة، والأنسب: «تحفظون».
2- . التمحيص، ص 42، ح 45؛ علل الشرائع، ج 1، ص 297، ح 1؛ ثواب الأعمال، ص 192.
3- . رواه ابن عبد البرّ في: الإستذكار، ج 8، ص 419؛ والتمهيد، ج 22، ص 228 مع تلخيص.
4- . كذا في المخطوطة وفي المصادر «فيكتب».
5- . رواه العلّامة المجلسى رحمه الله في بحارالأنوار، ج 59، ص 105 مرسلاً عن الرسول صلى الله عليه و آله مع اختلاف في الألفاظ. وراجع أيضاً: المعجم الأوسط، ج 3، ص 224؛ المعجم الكبير، ج 6، ص 272؛ كنزالعمّال، ج 14، ص 482، ح 39353.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 72، ح 63؛ الكامل لابن عدى، ج 4، ص 191؛ مجمع الزوائد، ج 10، ص 256؛ المعجم الأوسط، ج 7، ص 84؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 389، ح 7080. نهج البلاغة، ج 4، ص 14، الحكمة 57، و ص 109، الحكمة 475؛ تحف العقول، ص 100؛ خصائص الأئمّة، ص 125؛ روضة الواعظين، ص 454.
7- . كذا في المخطوطة.

الحرص والطَّلَب، وما يَرجع إلى النفي لا نهاية له، ومن استغنى باللّٰه لم يحتج إلى خلقه ويحتاج إليه الناس. وقيل: القناعة: المَعْرفة بالقسمة والرضا بها.

50. الأمَانَةُ تَجُرُّ الرِّزْقَ ، وَالخِيانَةُ تَجُرُّ الفَقْرَ.(1)

وقد ذكرنا بعد الخطبة أنّ هذه الكلمات النبوية أكثرها متضمّنة للأوامر والنواهي، يقول: لا تَخونوا المسلمين، واستعملوا الأمانة معهم؛ فإنّها أصل البركة، والبركة يستجلب الرزق، و [يدفع] شؤم الفقر في الدُّنيا والخزي في العقبى، والثبات على الأمانة يَفتح أبواب الرزق، وهذا أمرٌ من جهة الطبيعة والتجربة ظاهر؛ وهو أنّ الرجل إذا كان أميناً مأمون الجانب من الخيانة، ازدحم الناس عليه، وفشا ذكره بين الناس بالأمانة، وكثر معاملوه، فكان أمانته سبباً لرزقه؛ وإذا كان خائناً وعُرِف بالخيانة، نَفَرَ الناس عنه واجتنبوا(2) معاملته، [ف] كان ذلك سبباً لحرمانه وقَتْره، والمعنيان يحتملهما عموم اللفظ وظاهره.

51. الصُّبْحَةُ تَمْنَعُ الرِّزْقَ .(3)

يقول: لا تناموا بعد صلاة الصبح؛ فإنّ النوم في هذا الوقت يَمنع الرزق، ويوجب حرمان البركة فيه. وروي في الأخبار كراهة النوم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس(4)؛ فإنّه وقتُ قسمة الأرزاق، فمن كان مشتغلاً في ذلك الوقت بالصلاة وذكر اللّٰه وقراءة القرآن وَسَعَ اللّٰه عليه رزقه، ومن نام في ذلك الوقت فإنّما كان ذلك سبباً لحرمانه وكأنّه مانع للرزق.

وعن ابن عبّاس أنّه رأى بعضَ أولاده نائماً نَومة الغداة، فقال: «قم، لا أنام اللّٰه

ص: 101


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 72، ح 64؛ كنز العمّال، ج 3، ص 61، ح 5499، تحف العقول، ص 221؛ بحارالأنوار، ج 75، ص 114، ح 6؛ و ج 78، ص 60، ح 138.
2- . في المخطوطة: «اجتنبوه» والمناسب ما اُثبت.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 73، ح 65؛ مسند أحمد، ج 1، ص 73؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 312، ح 2040، و ج 2، ص 113، ح 5129، الرواشح السماوية، ص 285.
4- . راجع: وسائل الشيعة، ج 6، ص 496.

عينك! أما علمت أنّ نوم النهار ثلاثة: خُلق وخُرق وحُمق ؟! فالخُلق: نوم الهاجِرة،(1)وهو نوم رسول اللّٰه، وهو عادته وخُلقه، والخُرق: نومة الضحى، والحمق: نومة العصر تورث الحبل(2)» و «الصّبحة» بالضم: الاسم وهو نوم الغداة، وبالفتح: الفعلة الواحدة، وقيل: نومة الغداة مَنخَرَة مَجفَرَة مَجعَرَة؛ يُنتن الفم، ويَقطع الباه، ويَكبِس الطبيعة.

وقيل: المراد بالصُّبحة النوم بعد ارتفاع النهار؛ لأنّه وقت المعاملة وطلب الرزق بالكسب، فمن نام بالضحى حُرم الرزق.

52. الزِّنَا يُورِثُ الفَقْرِ.(3)

يُحدّ عن هذا الفعل القبيح بعقوبة عاجلة في الدُّنيا، بَلْهَ (4) ما أوعد اللّٰه عليه من العقاب يقول: لا تزنوا تفتقروا. وقال النبيُّ صلى الله عليه و آله: «للزاني ستُّ خصالٍ ؛ ثلاث في الدُّنيا وثلاث في الآخرة؛ فأمّا الَّتي في الدُّنيا: فالفقر، وذهاب ماء الوجه في الناس، وقصر العمر؛ فأمّا الَّتي في الآخرة: فسخط الربِّ ، وسوء الحساب، والدخول في النار».(5)

و «الزنا» مقصوراً مصدر زني، وبالمدّ مصدر زاني. والزنا في اللغة الارتفاع، لأنّ الزاني يعلو من يفعل به.(6) وفي الشرع عبارة عن مواقعة الرجل مَن لا يحلّ [له] من النساء و «أورثه كذا» إذا خلَّفه ميراثاً له، ووَرِثَه إذا أخذ ميراثه، ثمّ يستعمل في كلّ

ص: 102


1- . الهاجِرة - جمعه هاجِرات وهواجِر -: مؤنّث هاجِر: نصف النهار في القيظ أو من عند زوال الشمس إلى العصر؛ لأنّ الناس يستكنُّون في بيوتهم كأنّهم قد تهاجروا، وشدّة الحرّ. القاموس المحيط، ج 1، ص 686 (هجر).
2- . راجع: الطبّ النبوي لابن الجوزي، ص 188؛ كشف الخفاء للعجلواني، ج 2، ص 20.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 73، ح 66؛ الكامل لابن عدي، ج 6، ص 432؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 34، ح 4591؛ العهود المحمّدية، ص 80؛ كنزالعمّال، ج 5، ص 313، ح 12989. الكافي، ج 5، ص 541، ح 3؛ الفقيه، ج 4، ص 20، ح 4978؛ روضة الواعظين، ص 455؛ مشكاة الأنوار، ص 229.
4- . بَلْهَ : من أسماء الأفعال بمعنى دَع واترك، تقول: بَلْهَ زيداً. النهاية، ج 1، ص 155 (بله).
5- . الكافي، ج 5، ص 541، ح 3؛ الفقيه، ج 3، ص 573، ح 4960؛ الخصال، ج 1، ص 321، ح 4 (مع اختلاف يسير).
6- . اُنظر: لسان العرب، ج 14، ص 359 و 360 (زنو)؛ مجمع البحرين، ج 1، ص 207 و 208 (زني).

شيء يُعقِب شيئاً خيراً أو شرّاً. يقال: أورثه أكلُ الطين صفرة اللَّون، وأورثه صلاةُ الليل حُسن الوجه. و «الفقر»: الحاجة، وهو فَعل بمعنى مفعول كأنّه مكسور، فَقار الظَّهر، يقال: فَقَرَه، إذا ضرب فَقاره وأصابه.

53. زِنَا العُيونِ النَّظَرُ.(1)

معنى الخبر: الوعظ والتحذير عن النظر إلى ما ليس للإنسان النظر إليه من النساء يقول: لا تنظروا إلى المحرَّمات من النساء؛ فإنّ العيون إذا نظرت إليهنَّ يعاقِب صاحبها عقوبة الزُّناة، وصار ذلك النظر منزلة الزنا؛ لأنّه يكون في الأكثر سبب الزنا، وإذا عوقب كان استحقاقاً لا إيجاباً وحكماً، فزنا العين مَجاز في الكلام؛ لأنّه لفظ مستعمل في غير ما وضع له من لغة وعرف وشرع، إلّاأنّه عليه السلام جعلها زانيةً إلى ما لا يَحلُّ لها النظر إليه. وقال عليه السلام: «إيّاكم والنظرة؛ فإنّها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بصاحبها فتنة(2)» .

54. العَمَائِمُ تِيجَانُ العَرَبِ .(3)

له معنيان:

أحدهما: أنّ العمائم تيجان مَن أسلم مِن العرب ومِن سائر الناس، ولم يُرد به العرب خاصَّة؛ لأنّ تيجان الملائكة هي العمائم، ومن عمّم في الدُّنيا من المسلمين فهو شبيه بالملائكة.

ويروى خبرٌ في سبب هذا الحديث، وأصله لا يحتاج إلى البيان والتأويل مع

ص: 103


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 74، ح 67؛ الآحاد والمثاني، ج 2، ص 270، ح 1025؛ الاستيعاب لابن عبدالبرّ، ج 3، ص 1087، ح 1845؛ كنزالعمّال، ج 5، ص 326، ح 13055 (وفي الثلاثة الأخيرة: «العين» بدل «العيون»)؛ الفتوحات المكّيّة، ج 4، ص 474.
2- . المحاسن، ج 1، ص 109؛ تحف العقول، ص 305 و ص 502؛ الأمالي للمفيد، ص 208، ح 43.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 75، ح 68؛ فتح الباري، ج 9، ص 62؛ عمدة القاري، ج 2، ص 221؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 193، ح 5723؛ كنزالعمّال، ج 15، ص 305، ح 41132 و 41133. الكافي، ج 6، ص 461، ح 5؛ الأمالي للسيّد المرتضى، ج 1، ص 26؛ مكارم الأخلاق، ص 119.

ذلك وهو: «العمائم تيجان العرب، فإذا وضعوها وضع اللّٰه عزّهم»(1)، وقال صلى الله عليه و آله: «ما بيننا وبين المشركين العمائم على القَلانِس»(2).

وعن جابر أنّ النبيَّ صلى الله عليه و آله دخل مكّة يوم الفتح، وعليه عِمامة سوداء تسمّى السحاب، فأهداها عليّاً عليه السلام، فقال: الناس: «ما أحسن عليّاً في السحاب»! وعمّم عليّاً رسول اللّٰه بيده، وأرخى طرفيها من ورائه وخلفه، ثمّ قال له: «أدبرْ» ، فأدبر، ثمّ قال له: «أقبلْ » ، فأقبل، ثمّ قال: «هكذا يكون تيجان الملائكة»(3).

والمعنى الثاني أنّ النبيّ عليه السلام يأمرهم أن لا يغيِّروا زيَّهم وطريقتهم وأن يعمموا ولا يضعوا من استأهل الملِك من العرب التاج على رأسه كما يفعل العجم؛ فإنّ مَلِكهم كان إذا قعد(4) على السَّرير يَتَتَوَّج، والعمامة عند العرب بمنزلة التاج للملك، وإنّما دعاهم عليه السلام إلى ذلك لئلّا يَجمعوا إلى خُنْزُوانيّهم(5) خيلاء العجم أيضاً.

وقال الخليل بن أحمد: عُمِّمَ الرَّجُلُ إذا سُوِّد؛ لأنّ عِمامتهم التاج، والعِمامة سمّيت بها لأنّها تَعُمُّ جميع الناس، ويسمّى طويلة أيضاً.(6)

55. الحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ .(7)

أي تَحَلُّوا بهذه الخصلة الحميدة؛ فإنّها من علامة الخير وأماراته، وهي أشرف خلائق الإنسان؛ لأنّها سبب لامتناع صاحبه من كبير من المقبَّحات، و «الحياء»

ص: 104


1- . مكارم الأخلاق، ص 119؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 194، ح 5724؛ كنزالعمّال، ج 15، ص 305، ح 41133.
2- . سنن أبي داود، ج 2، ص 264، ح 4078؛ المستدرك للحاكم، ج 3، ص 452؛ المعجم الكبير للطبراني، ج 5، ص 71، ح 4614؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 212، ح 5849؛ كنزالعمّال، ج 15، ص 306، ح 41142.
3- . مكارم الأخلاق، ص 120 (مع اختلاف يسير).
4- . في المخطوطة: «قعدوا»، والصواب ما اُثبت.
5- . كذا قرأناه، والخنزوانيّة: الكبر. لسان العرب، ج 5، ص 347 (خنز).
6- . اُنظر: العين، ج 1، ص 94؛ لسان العرب، ج 12، ص 425 (عمم).
7- . مسند الشهاب، ج 1، ص 75 و 76، ح 69 و 70؛ مسند أحمد، ج 4، ص 426 و 436 و مواضع اُخرى؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 47؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 436، ح 4796. الفقيه، ج 4، ص 379، ح 5800؛ معاني الأخبار، ص 409، ح 92؛ وسائل الشيعة، ج 12، ص 168، ح 15976.

أجلّ خصال الخير، وهو من الخصال العزيزة التي لا يَحصُل بالاكتساب، وضدّه الوقاحة. وهو في الأصل مصدر حَيِيَ يَحيٰى حياءً فهو حَيِيٌّ ، وحَيِيَ حَياةً فهو حيٌّ .

والخير والشرّ يُستعملان على معنيين:

أحدهما: إثبات النفع والضَرّ من غير زيادة ولا تفضيل لشيء على شيء، كقولك: «هذا خيرٌ مِن الخيرات» أي نفع من جملة المنافع.

والثاني: أن يجيء بمعنى التفضيل والزيادة تقول: «هذا خيرٌ من ذلك» أي أجود منه، و «زيدٌ خير من عمرٍو» أي أفضل منه. والخير في هذا الحديث بمعنى القِسم الأوّل أي: الحياءُ كلُّه خيرٌ ونفع.

56. المَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ .(1)

يقول: إذا كنت تقيّاً فأكثِرِ الجلوس في المسجد؛ لأنّ بيت اللّٰه لا يصلح أن يكون مجلساً للماجِن(2)، ولا يجوز أن يَجري فيه اللغو والأباطيل، فالخبر تسليةٌ للمؤمن الذي لا بيت له، فهو يأوي إلى المساجد، أو كان له دارٌ فيكون حثّاً له على كثرة الاختلاف إليها والقعود فيها، وإمّا أن يكون إشارة إلى تعظيم المسجد؛ فإذا لم يكن المرء تقيّاً لا يمكَّن من جلوسه، فهو على الدَّوام وإن قعد فليكن على سيرة المتّقين، وقال النبيُّ صلى الله عليه و آله: «من خرج من بيته إلى المسجد كتب اللّٰه له بكلّ خطوة يَخطوها عشر حسنات، والقاعد في المسجد ينتظر الصلاة كالقانت، ويُكتب من المصلّين حتّى يرجع إلى بيته»(3).

والمَفعِل للموضع قياس مطّرد كالمجلس، واللام في «المسجد» لتعريف العهد الذي يقع عليه هذا الاسم عرفاً وشرعاً دون الوضع والاشتقاق الذي هو موضع السجود، فالمسجد من الأسماء العالية، و «البيت»: موضع البيات، والتّقيّ فعيل وهو

ص: 105


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 77 و 78، ح 72 و 73؛ المصنّف، ج 11، ص 97؛ المعجم الكبير، ج 6، ص 255؛ كنزالعمّال، ج 7، ص 58، ح 20349.
2- . الماجِن: الذي لايبالي قولاً ولا فعلاً. العين، ج 6، ص 155 (مجن).
3- . مسند أحمد، ج 4، ص 159؛ مسند أبي يعلى، ج 3، ص 286، ح 1747؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 215، ح 583؛ تاريخ بغداد، ج 2، ص 226.

بناء مبالغةٍ في الفاعل، ولا يجوز أن يُتَّخذ مَبيتاً أو مَقيلاً، ولا بأس بالاستراحة فيه.

57. آفَةُ الحَدِيثِ الكَذِبُ ، وَآفَةُ العِلْمِ النِّسْيَانُ ، وَآفَةُ الحِلْمِ السَّفَهُ ، وَآفَةُ العِبادَةِ الفَتْرَةُ ، وَآفَةُ الشَّجَاعَةِ البَغْيُ ، وَآفَةُ السَّمَاحَةِ المَنُّ ، وآفَةُ الجَمَالِ الخُيَلَاءُ ، وَآفَةُ الحَسَبِ الفَخْرُ، وَآفَةُ الظَّرْفِ الصَّلَفُ (1)، وَآفَةُ الجُودِ السَّرْفُ ، وَآفَةُ الدِّينِ الهَوىٰ .(2)

يقول: نِعمَ الشيء الحديث الذي يُتحدّث به الناس؛ لأنّه فائدة مستطرَفة إلّاإذا دخل الكذبُ فيه، ولا يؤمَن أن يكون المخبَر بخلاف ما يذكره المخبِر فيذهبُ بهاؤه ورونقه، والسامع لا يطمئنُّ إليه ولا يسكن نفسه إلى قبوله، وهذا نهي عن الكذب؛ فإنّه آفة وفسادٌ في الحديث الذي هو زينة للقائل، وعيب في كلامه الذي يتميّز به من الحيوانات.

و «الآفة»: الفساد، من قولهم «فلانٌ مَؤُوفٌ » إذا كان فاسد الرأي والعقل.

و «الحديث» هنا فَعيل بمعنى المفعول، أي المحدَّث به، و «الكذب» خبر يكون مُخبَره بخلاف الخبر، وكذلك النسيان والسفه والهوى عُثورٌ(3) للعلم والحلم والدين وفسادٌ لها، وكذا كلُّ ما اتَّصل بأخواتها آفة تفسدها، وهذه أحد عشر حديثاً لعلّه قالها في مجلس واحدٍ.

ومعنى الخبر الثاني أنّه أراد: إذا علمتم مسائل شرعيّة في العبادات ونحوه فاعملوا عليها وداوموا على العمل بها والمواظبة على قراءتها وتدرُّسها؛ فإنَّ ترك الشيء منها والإعراض عن تحفُّظها عيب للعلم ومفسدة له، و «العلم»: ما اقتضى

ص: 106


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 78 و 79، ح 74 و 75؛ المعجم الكبير، ج 3، ص 69، ح 2688؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 13، ص 257؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 6، ح 10؛ كنز العمّال، ج 16، ص 113، ح 44091 و ص 216، ح 44237؛ الفقيه، ج 4، ص 371، ح 5762؛ المحاسن، ج 1، ص 16؛ التوحيد، ص 375، ح 20؛ الخصال، ج 2، ص 416، ح 7؛ أعلام الدين، ص 169؛ تحف العقول، ص 6 (وفي كلّ المصادر إلّاالأوّل منها ليس بعض الفقرات و فيها مع تقديم وتأخير بين الفقرات).
2- . راجع المصادر الخمسة الاُولى السالفة.
3- . عُثور: جمع عَثْر، وهو الزلّة والكبوة. راجع لسان العرب (عثر).

سكون النفس وهو معنى، و «النسيان»: انتفاء العلم وليس بمعنى، ولو كان معنى لكان ضدّاً للعلم كالجهل وكذا السهو، ولا يجوز البقاء على العِلم، فما كان من فعلنا نفعله حالاً بعد حالٍ ، فإذا لم يُفعل كان نسياناً وسهواً، وما كان من فعل اللّٰه فينا فهو بفعله حالاً بعد حالٍ ، و «النسيان»: الترك أيضاً، وأمّا «الحلم» فهو وقار الرجل وهُداه وسكونه وكظمه الغيظ، وأمّا «السفه» فهو الخفّة وقلّة العقل؛ قال اللّٰه تعالى:

(وَ لاٰ تُؤْتُوا اَلسُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ ) (1). اُنظر: العين، ج 3، ص 155؛ لسان العرب، ج 2، ص 489 (سمح).(2) يعني النساء والصبيان، وإنّما جعل السَّفَه آفةً للحلم من حيث إنّه ضدّه؛ لأنّه لا يجتمع الخفَّة والوقار، وعيب الحلم السفه وهو عرفاً الجهل، والتكلُّم به ضعف الرأي.

وأمّا «العبادة» فهي التعبُّد، و «الفَترة»: الضَّعف، وربّما كان من التواني والتقصير، فإذا ضَعفُ المتعبِّد أو توانى وتكاسل في العبادة فهو كالآفة لها، والفِعالة من أبنية الصناعة كأنّه قال: «مَن جعلها عادةً له وكالصناعة التي تشتغل بها في أغلب الأحوال». و «الشَّجاعة» مصدر، و «البغي» في اللغة: الطلب، وصار بالعرف مخصوصاً بطلب ما ليس له أن يطلبه، والبغي في الشرع: هو الخروج على الإمام العادل؛ قال اللّٰه تعالى: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا [عَلَى] اَلْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا اَلَّتِي تَبْغِي) (3).

والمراد بالبغي في الخبر ما ذكرناه، ويدخل فيه طلب ما ليس له من قطع الطريق، والشجاع إذا تطاول من دونه تجبّراً واستكباراً قولاً وفعلاً ظاهراً وباطناً على مذهب الكبر دون التحدّث بالشكر فذلك العمل فيه آفة لشجاعته، وأمّا الخبر الآخر فمعناه: آفة الجود أن يجود الرجل بماله ثم يمنّ على الآخذ فيكون كما قال:

(لاٰ تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ اَلْأَذىٰ ) .(4)

و «السَّماحة» في غير هذا الموضع: سهولة الجانب، والمراد بالسماحة هنا السخاوة والعطيّة،(4) يقول: إنّ من يمنّ بصنيعته على الغير ومعروفه ويخبر الناس عن

ص: 107


1- . النساء
2- :5.
3- . الحجرات (49):9.
4- . البقرة (2):264.

فعله طالباً للثناء فذلك عيبٌ وفساد لفعله.

وأمّا «الجمال» فحُسن الصورة واستواء الخلقة، و «الخُيَلاء»: الكِبْر، أي: إذا كان لك زينة وحُسْن هيئة باللباس فلا تفسدها بزهو وتكبّر، واختال أبو دجانة في الحرب وافتخر، فقاتل بين يدي رسول اللّٰه، فقال صلى الله عليه و آله: «إنّها الخصلة يُبغضهااللّٰه إلّافي هذا الموضع».(1)

وأمّا «الحسبُ » فهو الَّذي يَعدّه المرء من مفاخر آبائه ومآثر نفسه، وآفته أن يفتخر به، نهى أن يُفخَر بحسن الفعال المحمود من الخصال. و «الظرف» عند العرب:

الكياسة والعقل وفصاحة اللسان، و «الصَّلَف»: قلّة الخير، ومعنى الخبر أنّ العقل والحظّ لا يجتمعان، فالأكثر في أحوال المرء أن لا يجتمع له العلم والمال فإنّه الكمال. وقيل: معناه أنّه فصاحة اللسان أن [لا] يتكلّم بما لا خير فيه ولا فائدة في الدِّين والجود والسخاء. و «السَّرَف»: الإخطاء، قال: ما في عطائهم مَنّ ولا سَرَف أي إخطاء ووضعٌ في غير موضعه، وهذا دليل على أنّ السَّرَف ليس من الإسراف.

ومعنى الخبر أنّ آفة الجود أن يَضَعَ العطيّة في غير موضعها، ويصنعها مع غير أهلها. و «الدِّين»: الإسلام، أي: آفته اتّباع الهوى، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، و «الهوى»: المراد به الشهوة، وهي من اُصول النعم فلا يكون آفة للدين، ولابدّ من تقدير الحذف؛ قال اللّٰه تعالى: (وَ نَهَى اَلنَّفْسَ عَنِ اَلْهَوىٰ ) (2).

58. السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ ، وَالشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ اُمِّه.(3)

يقول: اتّعظْ بغيرك ممّن كان قبلك أو معك؛ فإنّ السعيد مَن نظر إلى أحوال غيره واعتبر به؛ لأنّه إن اتّعظ بغيره انتفع باتّعاظه، ولا يمكنه أن يتّعظ بنفسه. مثاله: إذا رأيت إنساناً قتل نفساً ظلماً فاقتُصَّ منه وقُتل بالمقتول قِوَداً، صار ذلك لطفاً لك

ص: 108


1- . اُنظر: الكافي، ج 5، ص 8، ح 13؛ الاختصاص، ص 149؛ الجعفريات، ص 77.
2- . النازعات (79):40.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 79، ح 76؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 45؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 18، ح 46؛ السنن الكبرى، ج 7، ص 422. الكافي، ج 8، ص 72، ح 29؛ و ج 8، ص 81، ح 39؛ الفقيه، ج 4، ص 377، ح 5777 و 5778؛ تفسير القمّي، ج 1، ص 290؛ الأمالي للصدوق، ص 576، ح 1؛ الاختصاص، ص 342.

تتَّعظ به وتزدجر عن مثل ذلك؛ لئلّا يُفعل بك ما فُعل به بعد القتل. والسعادة يستعمل عرفاً في الحظّ والبخت، يقال: سَعَد جِدّه.

وروي: «لسَّعيدُ مَن اتَّعظ بغيره»(1) أي من يعتبر بفعل الأغيار بما يجري عليهم من الحدود والأحكام عند اكتساب الآثام فيُمسك عن مثل ذلك سرّاً وعلانية فلا يوقع نفسه في الهوان فهو السعيد حقّاً.

والقرينة الاُخرى له معنيان: أحدهما أنّ الشقيَّ حقّ الشقيِّ مَن علم اللّٰه أنّه سيشقى بفعله من اختيار الكفر والمعصية وهو في بطن اُمّه، لا مَن يكون فقيراً مسكيناً يشقى لاحتياجه في الدنيا، والوجه الآخر أنّه عليه السلام أراد بالاُمّ جهنّم من قوله:

(فَأُمُّهُ هٰاوِيَةٌ ) (2) أي: الشقيُّ كلّ الشقيِّ مَن شقي في نار جهنّم، وهي شقاوة لا شقاوة مثلها، ومن كان في الدنيا في شدّة وشقاوة إنّما يكون ذلك سبب السعادة.

وقيل: المراد ببطن الاُمّ القبر الذي مرجعنا إليه، وتسميته «في بطن اُمّه شقياً» على الوجه الأوّل نوع من المبالغة، أي سيصير كذلك لا محالة كقولك: «إنّك ميّتٌ » أي ستموت. وإنّ اللّٰه تعالى إذا كان عبد في بطن اُمّه يَكتبُ على اللوح المحفوظ أنّه يصير شقيّاً؛ لاختياره الكفر لطفاً للملائكة.

59. كَفَّارَةُ الذَّنْبِ النَّدَامَةُ .(3)

يقول: إذا ذنبتَ ذنباً، ثمّ ندمت عليه وتُبت منه، وقبل اللّٰه توبتك، فإن كان فيه كفّارة ولا تقدر عليها لفقرٍ بك، فإنّ ندامتك كافية ومجزية عن الكفّارة ويقوم مقامها، وذلك فضل اللّٰه تعالى. و «الكفّارة»: ما يُستَر به الذَّنْب.

ص: 109


1- . الأخبار الطوال، ص 163؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 68، ص 36، ح 8942؛ عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء، ص 101؛ شرح الكافي للمازندراني، ج 1، ص 161.
2- . القارعة (101):9.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 80، ح 77؛ مسند أحمد، ج 1، ص 289؛ المعجم الكبير، ج 12، ص 134؛ الكامل لابن عدي، ج 6، ص 382، ح 246؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 273، ح 6256؛ كنزالعمّال، ج 4، ص 215، ح 10218. جامع السعادات للنراقى، ج 3، ص 52.

60. الجُمُعَةُ حَجُّ المَساكينِ .(1)

أراد به تطبيب(2) قلوب الفقراء وتسلّيهم. يقول: إن لم يمكنهم الحجّ ويريدون أن يكون لهم مثل ثواب الحجّ ، فعليهم أن يحضروا الجامع لأداء صلاة الجمعة مع الإمام، وهذا على حذف المضاف يعني: ثواب صلاة الجمعة للمساكين الذين لا استطاعة لهم بالحجّ كثواب الحجّ .

وقال عليه السلام: «من اغتسل يوم الجمعة، ولبس أطهر ثيابه، وتطيّب بطيب كان عنده، وحضر الجامع، واستمع إلى خطبة الإمام، وصلّى صلاة الجمعة، غَفَرَ اللّٰه له ما بين الجُمُعَتَين»(3).

وقال صلى الله عليه و آله: «هممتُ أن اُحرق على قوم منازلَهم؛ تركوا الجُمُعةَ بِغَيرِ عُذر».(4)

وسُمِّيَ هذا اليوم الجُمُعة لاجتماع الناس لصلاة الجماعة. وقيل: إنّ اللّٰه نسب الحجّ إلى الأغنياء في الأصل فيدخل فيه الفقير(5)، ونَسَبَ رسولُ اللّٰه صلى الله عليه و آله الجمعة إلى المساكين ليدخل الأغنياء فيها تبعاً.

61. الحَجُّ جِهادُ كُلِّ ضَعيفٍ ، وَجِهادُ المَرْأَةِ حُسْنُ التَّبَعُّلِ .(6)

أظهر عليه السلام هاهنا وفي الخبر الأوّل عذر من كان ضعيفاً عن بعض العبادة الشاقّة بما هو أسهل منها فقال أوّلاً: إنّ المسكين لما لم يمكنه الحجُّ فإذا تمنّى ثواب الحاجِّ جُعل له عبادة يقوم مقام الحجِّ في حصول الثواب لا في سقوطه عنه إذا

ص: 110


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 81، ح 78 و 79؛ ذكر أخبار أصبهان، ج 2، ص 190؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 309؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 562، ح 3635؛ كنزالعمّال، ج 7، ص 707، ح 21031، التهذيب، ج 3، ص 237، ح 625؛ الدعوات، ص 37، ح 91.
2- . كذا في المخطوطة وله وجه، ولعلّ الأوجه والأنسب: «تطييب»، وتطييب الخاطر أي تسكينه وتأمينه.
3- . راجع: المصنّف، ج 3، ص 267، ح 5590؛ مسند الحميدي، ص 76؛ المعجم الأوسط، ج 7، ص 245.
4- . راجع: فقه القرآن للراوندي، ج 1، ص 116؛ تفسير مجمع البيان، ج 2، ص 126؛ جامع البيان، ج 2، ص 762؛ تفسير الثعلبي، ج 2، ص 196.
5- . في المخطوطة: «الفقر»، وما اُثبت يقتضيه السياق.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 82، ح 80 و 81؛ التمهيد لابن عبد البرّ، ج 21، ص 20؛ لسان الميزان، ج 1، ص 168؛ كنز العمّال، ج 15، ص 907، ح 43566 (مع اختلاف يسير في الأخير). الفقيه، ج 4، ص 416، ح 5904؛ الخصال، ص 620؛ تحف العقول، ص 110؛ خصائص الأئمّة، ص 103.

وجد الاستطاعة، وهو صلاة الجمعة مع الإمام العدل ومن يقوم مقامه في الجامع. وكذلك من كان عاجزاً عن الجهاد لضعفه وأراد أن يُدرك ثواب المجاهدين، فأمره بالحجّ ، وبيّن أنّ له في حجّه ثواب من جاهد في سبيل اللّٰه إذا كان معذوراً في قعوده عن الجهاد؛ وكذلك المرأة إذا سمعتْ ثواب المجاهدين فكأنّها تمنّت ذلك، فقيل لها: جِهادك حسن خدمتك لبعلك، وحُسن معاشرته، وترك الغيرة على ضرائرك(1).

وروي أنّ امرأة أتت النبيَّ صلى الله عليه و آله فقالت: أنت رسول اللّٰه إلى الرجال والنساء، كتب اللّٰه الجهاد على الرجال، فإن استُشهِدوا كانوا أحياء مرزوقين، ونحن نساء نقوم على المرضى ونُداوي الجَرحى، فما لنا من الآخرة ؟ فقال: «يا وافدة النساء، إنّ طاعة الزوج والاعتراف بحقّه يَعدل ذلك كلّه».(2)

وقال صلى الله عليه و آله: «المرأة إذا صلّت خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت بعلها، فلتَدخل من أيّ أبواب الجنّة شاءت»(3).

وعن الصادق عليه السلام: «الضعفاء شيعتنا، والحجّ جهادهم»(4). وهذا إشارة إلى أنّ الجهاد من شرطه حضور الإمام، فإذا لم يمكنهم مجاهدة العدوّ في حال الغيبة فالحجّ هو الجهاد. و «الحجّ »: القصد إلى بيت اللّٰه شرعاً، و «الجهاد»: قتال مَن يجب قتاله، وهما من الأسماء المخصوصة.

و «الضعيف» في اللغة: ضدّ القويّ ، ومرجعه إلى انتفاء القدر [ة] أو نقصانها، أي:

من لم يقو(5) على جهاد الكفّار مستطيعاً للحجّ فإنّه منه كالجهاد، وفسّر «التبعُّل»

ص: 111


1- . الضرائر: جمع ضرّة، هن زوجات الرجُل؛ لأنّ كلَّ واحدة تضرّ بالاُخرى بالغيرة والقسم. مجمع البحرين، ج 3، ص 16.
2- . كنزالعمّال، ج 16، ص 610، ح 46042 (مع اختلاف يسير).
3- . الفقيه، ج 3، ص 441، ح 4531؛ الخصال، ص 223، ح 54؛ دعائم الإسلام، ج 2، ص 216، ح 799؛ مكارم الأخلاق، ص 201 (مع اختلاف يسير في الجميع وعن الإمام الصادق عليه السلام).
4- . لم نعثر على الحديث في موضع.
5- . في المخطوطة: «تقو».

القاضي بملاعبة(1) المرأة بعلها زوجها وحسن عشرتها معه، والمرأة إذا جاهدتْ نفسها في خدمة الزوج فهو الجهاد الأكبر.

62. طَلَبُ الحَلالِ جِهادٌ.(2)

يقول: اطلُبِ الحلال، وجاهد نفسك والشيطان في طلبه واجتنابِ الحرام؛ وإنّما قال ذلك لأنّ نفس بني آدم تميل إلى الحرام، فإذا خالفها لرضا اللّٰه يكون ذلك من أكبر الجهاد، ولذلك سمّاه رسول اللّٰه «الجهاد الأكبر» حين رجع عن بعض الغزوات فقال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» ، قيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال: «طلب الحلال»(3).

وروي: طلبُ كسبِ الحلال(4)، والكسب: «فعل يُجَرُّ به المنفعة».(5)

63. العِلْمُ لَايَحِلُّ مَنْعُهُ .(6)

معناه: إذا أتاك المتعلِّم - وأنت عالم - مقتبساً علم الدين مستفيداً فلا تبخل عليه؛ لأنّ من لم يُعلّمه فقد ارتكب محظوراً بمنعه العلم عن طالبه، إلّاإذا كان الطالب غير أهلٍ لذلك؛ وقد روي عن الصادق عليه السلام: «مَن منع العلمَ أهلهَ فقد ظلمه - يعني الطالب - ومن بذله لغير أهله فقد ظلمه، يعني العلم».(7)

ص: 112


1- . في المخطوطة: «بملاعنه»، والمناسب ما اُثبت.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 83، ح 82؛ الكامل لابن عدي، ج 6، ص 263؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 133، ح 5273؛ كنز العمّال، ج 4، ص 6، ح 9205. وراجع: روضة الواعظين، ص 457.
3- . راجع: الكافي، ج 5، ص 12، ح 3؛ الأمالي للصدوق، ص 553، ح 9؛ معاني الأخبار، ص 160، ح 1؛ الفتح السماوي، ج 2، ص 851؛ فيض القدير، ج 4، ص 669؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 424.
4- . راجع: روضة الواعظين، ص 457؛ السنن الكبرى، ج 6، ص 128؛ تفسير النسفي، ج 4، ص 293.
5- . راجع: تفسير مجمع البيان، ج 3، ص 185.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 84، ح 84؛ فردوس الأخبار، ج 3، ص 96، ح 4015؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 193، ح 5721؛ كنز العمّال، ج 10، ص 134، ح 28670؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 67، ح 1758.
7- . لم نعثر عليه في المجاميع الروائية ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط) عن بعض الأئمّة عليهم السلام.

64. مَوتُ الغَريبِ شَهٰادَةٌ .(1)

يقول: إذا فارق مؤمنُ بلده ومسقط رأسه في طاعةٍ أو مباحٍ أو ضرورة، ومات في غربته بعيداً عن الأموال والولد والأحبّاء والأقرباء، مشتاقاً إلى لقائهم(2) غير عالم بأحوالهم، يَحصل له من الغمّ والحسرة ما لا يعلم كنهه إلّااللّٰه، فهو مستحقٌّ من الأجر بالصبر على ذلك ومن الأعواض(3) ما يقابل أو يقارب أجر شهيد.

وقيل له معنى آخر وهو أنّه عليه السلام أراد: مَن مات في غربة الإسلام مات شهيداً، يعني: من مات في آخر الزمان مؤمناً - لأنّه أوان(4) غربة الإسلام - يحوز(5) ثواب شهادة القتيل في سبيل اللّٰه.

وقيل: المراد بالغربة التي في الخبر في زمان النبيِّ عليه السلام؛ لأنّ أكثرها في الهجرة والغزو ونحوهما، والعموم متناول جميع ذلك.

65. الشَّاهِدُ يَرىٰ مَا لَايَرَى الغائِبُ .(6)

معنى الخبر مثلٌ يُضرب في موضع يريد الرَّجل أن يَعمل على ظنّه فيقال: فَتِّشْ عن هذا الأمر وتبيَّنْ واشهده بنفسك أو برأيك؛ فإنّ الحاضر يرى ما لا يراه الغائب عنه؛ والسبب في ذلك ما روي: أنّ مارية القبطية كان لها ابن عمٍّ يُكثِر الدخول

ص: 113


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 83، ح 83؛ مسند أبي يعلى، ج 4، ص 269، ح 2381؛ المعجم الكبير، ج 11، ص 48 و 196؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 657، ح 9118؛ كنز العمّال، ج 4، ص 420، ح 11206. الفقيه، ج 1، ص 139، ح 379؛ الدعوات للراوندي، ص 242، ح 679؛ منتهى المطلب، ج 1، ص 469؛ وسائل الشيعة، ج 8، ص 251، ح 14981 (عن الفقيه).
2- . كذا قرأناه.
3- . يُقرأ في المخطوطة أيضاً: «الإعراض».
4- . في المخطوطة: «وان»، والصواب ما اُثبت.
5- . في المخطوطة: «يجور».
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 85، ح 85؛ مسند أحمد، ج 1، ص 83؛ الاستيعاب، ج 4، ص 1912؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 308، ح 2014، الكافي، ج 1، ص 349، ح 547؛ الفقيه، ج 2، ص 297، ح 2505؛ دلائل الإمامة، ص 387.

عليها، فطَعَنَ بعض المنافقين في ذلك! فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله لعليّ عليه السلام: «اذهب، فإن وجدته عندها فاقتله». فقال عليٌّ : «يا رسول اللّٰه، أكون [في] أمرك كالسِّكَّة المُحْماة؛ أقتله أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟» فقال: «لا، بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» .

فخرج ودخل عليها، فوجد [ه] عندها، فاخترط السيف وقصده، فهرب الغلام ورَقى نخلةً كانت هناك، وألقى نفسه، وكشف عن عورته فإذا هو أمسحُ أجبّ ، فَرَجَعَ عليٌّ إلى رسول اللّٰه وأخبره بالحال، فقال: «الحمد للّٰه الذي يذبّ عنّا أهل البيت»(1).

وقيل: معناه: الشاهد في حضرة اللّٰه التي هي السماوات وما فوقها يرى من فرط لفظه(2) تعالى ما لا يرى الغائب عنها.

66. الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ .(3)

يقول: إن لم تقدر على فعل الإحسان إلى غيرك وهو محتاج، فدُلَّه على من يصطنع إليه معروفاً؛ فإنّ الدالَّ على الخير شريك له في الأجر وإن لم يكن له شريكاً في الفعل، وإنّ مَن دلّ إنساناً على خير فكأنّما فعل ذلك الخير بنفسه؛ لأنّه ربّما لم يوصَل إلى ذلك الخير إلّابدلالته، فكما أنّ فاعل الخير يَستحقَّ المدح والذمّ وكذلك الدالُّ عليه، فهذا حثٌّ لمن(4) يقدر إن يَدُلّ إنساناً إلى الخير على الدلالة، وحثّ للمدلول على شكر الدالِّ كما يشكر فاعل الخير.

وقيل: الخبر ورد على سبب، وهو أنّ رجلاً جاء إلى رسول اللّٰه فاستحمله، فقال له: «لا أجد ما أحملك عليه، ولكن ائت فلاناً فلعلّه يحملك»، فأتاه فحمله،

ص: 114


1- . الأمالي للسيّد المرتضى، ج 1، ص 54؛ الأمالي للطوسي، ص 338، ح 27؛ دلائل الإمامة، ص 387؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 2، ص 65 (مع اختلاف في الألفاظ في الجميع).
2- . كذا في المخطوطة.
3- . مسند الشهاب، ج 5، ص 274 و 357؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 147، ح 2809؛ مسند أبي يعلى، ج 7، ص 275، ح 4296. الكافي، ج 4، ص 27، ح 4؛ الفقيه، ج 2، ص 55، ح 168؛ و ج 4، ص 380، ح 5813؛ المحاسن، ج 1، المقدّمة؛ الخصال، ص 134، ح 145؛ الاختصاص، ص 240.
4- . في المخطوطة: «لم»، والمناسب ما اُثبت.

فقال صلى الله عليه و آله: «مَن دَلَّ على خيرٍ، فله مثل أجر فاعله»(1).

67. ساقِي القَوْمِ آخِرُهُم شُرْباً.(2)

هذا الخبر من باب الأدب؛ واللفظ خبر، ومعناه أمرٌ، يقول: إذا كان جماعة في سفر وقلّة ماء، وكان الماء في يدِ واحدٍ يَسقيهم جميعاً، فينبغي أن يكون شفقتُه عليهم كشفقته على نفسه، بل أعظم بأن يكون آخرهم شرباً؛ فلو لم يكن لأحدٍ منهم شُربٌ ونصيب، لكان ذلك الساقي.

وقيل: لأنّه إذا نَصَبَ نفْسَه للسَّقي كان كخادم القوم، فيجب أن يكون آخرهم شرباً. ثم إنّه إن سقاهُم من إناءٍ واحد ربما يَتغثّىٰ (3) طَبْعُ مَن يَسقيه بعد شربه.

وروي أنّه عليه السلام قاله لمّا نزل باُمّ مَعبَد(4) واستأذنها في حَلْب شاةٍ عَجفاء لها، فحلب لبناً كثيراً، وجعل يَسقيهم واحداً واحداً، فقيل: يا رسول اللّٰه، ألا تشربه ؟ فقال هذه الكلمة، وهي حثّ على حسن الآداب في المشرب كما في المطعم.(5)

68. كُلُّ مَعرُوفٍ صَدَقَةٌ .(6)

معناه: إنّ كلّ من أعطى إنساناً شيئاً وقصد به وجه اللّٰه فهو صدقة يؤجر عليها، وما أعطاه وأخرجه في معصيةٍ لا يَدخل في هذا الباب؛ لأنّه منكَر، والمنكَر ضدّ المعروف. بَيَّنَ بهذا الحديث أنّ المعروف ليس هو الإعطاء فحسب، وإنّما هو على

ص: 115


1- . راجع: مسند أحمد، ج 4، ص 120؛ صحيح مسلم، ج 6، ص 41؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 504.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 86، ح 87؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 122؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 140؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1135، ح 3434؛ المحاسن، ج 2، ص 452؛ كنزالفوائد، ص 74؛ المناقب لابن شهر آشوب، ج 1، ص 105؛ الثاقب في المناقب، ص 86، ح 68.
3- . تَغَثَّتِ النَّفْسُ : اضطربتْ حتّى تكاد تتقيّأ. انظر: القاموس المحيط، ج 2، ص 1726 (غثي).
4- . خيمة اُمّ معبد، ويقال: بئر اُمّ معبد: بين مكّة والمدينة، نزله رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله في هجرته، وقصّته مشهورة. معجم البلدان، ج 2، ص 414.
5- . راجع المصادر السالفة.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 87، ح 88-100؛ مسند أحمد، ج 3، ص 344 و 360؛ و ج 4، ص 307؛ صحيح البخاري، ج 7، ص 79؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 82؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 466، ح 4947. الكافي، ج 4، ص 26، ح 1 و 2؛ الفقيه، ج 2، ص 55، ح 1682 (عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ الخصال، ص 134، ح 145.

الأنواع، واللّٰه تعالى ليس بغافل عن صغيرة وكبيرة.

وتمام الخبر أن: «[و] من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طِلقٍ »(1). وقال عليه السلام: «وإنّ المعروف باب من أبواب الجنّة؛ فإنّه يَمنع من مصارع السُّوء»(2). و «المعروف»: كلُّ أمرٍ عُرِف في الشرع والعُرف جوازه أو وجوبه، ويُستعمل بمعنى العطيَّة، وكذلك العرف، و «الصدقة»: ما يُعطَى الفقير على وجه التطوُّع، والزكاة للواجب، ثم تتداخلان.

69. مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ .(3)

يقول: دارِ الناس و لاطِفْهم و لايِنْهم؛ فإنّ مَن يُدارِهم ويُساهلهم في معاملاتهم ومبايعتهم ومشاراتهم فهو كالمصَّدِّق، وثوابه ثواب المتصدِّقين.

و «المداراة»: المدافعة، من الدَّرء، وهو الدفع(4)، والمراد بها هاهنا الملاينة [من الدري]، وإذا سكت الإنسان عن طلب حقّه وسامح لسلامة دينه ودنياه فهو مداراة، يُكتب له بها ثواب الصدقة وأجرها.

70. الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ .(5)

يقول: أحسِنِ الكلامَ مع المؤمنين؛ فإنّه مِن أعظم الفضائل، وإنّه يقع موقع

ص: 116


1- . مستدرك الوسائل، ج 12، ص 344، ح 14244؛ مسند أحمد، ج 3، ص 344؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 37؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 234، ح 2037.
2- . الفردوس، ج 4، ص 214، ح 6646؛ الكامل لابن عدي، ج 5، ص 262؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 670، ح 9224؛ كنزالعمّال، ج 6، ص 344، ح 15971 (مع اختلاف يسير في الجميع).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 88 و 89، ح 91 و 92؛ صحيح إبن حبّان، ج 2، ص 216، ح 470؛ المعجم الأوسط، ج 1، ص 146؛ الكامل لابن عدي، ج 1، ص 406؛ و ج 2، ص 335. روضة الواعظين، ص 380؛ مشكاة الأنوار، ص 495.
4- . اُنظر: العين، ج 8، ص 60؛ لسان العرب، ج 1، ص 71 (درأ).
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 89، ح 93؛ مسند أحمد، ج 2، ص 316 و 350؛ صحيح البخاري، ج 4، ص 15؛ و ج 7، ص 79؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 83؛ السنن الكبرى، ج 3، ص 229. مكارم الأخلاق، ص 467؛ وسائل الشيعة، ج 5، ص 233، ح 6421 (عن كتاب المجالس والأخبار)؛ بحارالأنوار، ج 74، ص 85، ح 3 (عن مكارم الأخلاق).

الصدقة، ومعناه: أنّ من ليس له عنده شيء يُعطي الفقير، فينبغي أن يردّه ردّاً جميلاً، ويكلّمه بكلمةٍ يُطيب بها قلبه، مثل قوله: «وسّع اللّٰه عليك»، «وأعطاك اللّٰه»، و «أغناك عن مسألة الناس»؛ فإذا ردّه بمثل ذلك يُكتب له بكلِّ كلمة صدقة؛ قال تعالى: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهٰا أَذىً ) (1). الضحى (91):10.(2)، وقال: (وَ أَمَّا اَلسّٰائِلَ فَلاٰ تَنْهَرْ) (2).

71. مَا وَقىٰ بِهِ المَرْءُ عِرْضَهُ كُتِبَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ .(3)

يقول: إذا خِفتَ شَرَّ ظالمٍ وأذى حاسدٍ أو هجو شاعرٍ، فكلّ ما أعطيته على سبيل الرشوة يُكتب لك به صدقة. يريد: ما حَفِظَ المرءُ به نفسه من أصحاب السوء بإعطاء هبةٍ ، يكن بمنزلة الصدقة، وهذا على سبيل التسلية له؛ لئلّا يَظنّ أنّ ما أنفق من ماله في أمثال هذا ضائع، بل هو بمنزلة ما تَصَدَّقَ به. ووقاه اللّٰه الشرّ أي حفظه منه ودفعه عنه، و «العرض» هاهنا.(4)

72. الصَّدَقَةُ عَلَى القَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةُ .(5)

معناه: إذا كان لك فضلُ مالٍ تَهِبُه للمسلمين، فعليك أن تعطي قرابتك وتتصدّق به عليهم، فيُجمع له به أجران: حيازة فضيلة الصدقة، وحيازة فضيلة الصلة مع الرحِم،

ص: 117


1- . البقرة
2- :263.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 89 و ص 90، ح 94 و ح 95؛ المستدرك للحاكم، ج 2، ص 50؛ سنن الدارقطني، ج 3، ص 24، ح 2872؛ الكامل لابن عدي، ج 6، ص 431؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 286، ح 6353. مستدرك الوسائل، ج 7، ص 239، ح 8136 (عن كتاب درر اللئالي لابن أبي جمهور)؛ بحارالأنوار، ج 93، ص 182، ذيل ح 29.
4- . كذا في المخطوطة، ولم يرد فيها تعريف العِرض. في ضوء الشهاب (المخطوط): واختلف أهل اللغة في العرض فقال بعضهم: عرض الرجل نفسه، وقيل: العرض مغابن الناس....
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 90، ح 96؛ مسند أحمد، ج 4، ص 17 و 18 و ص 214؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 397؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 591، ح 1844؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 84، ح 653. المبسوط للطوسي، ج 3، ص 307؛ تذكرة الفقهاء للحلّي، ج 5، ص 266؛ مستدرك الوسائل، ج 7، ص 195، ح 8013؛ و ص 196، ح 8017؛ بحارالأنوار، ج 93، ص 137، ح 71 (في كلّها مع اختلاف يسير).

وأراد بالقرابة ذا القرابة على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي:

الصدقة على من كان بينك وبينه قرابة النسب لها وجهان وثوابان؛ فإنّها صدقة وصِلة رحم. الصدقة على ذوي القربى على ضعف ما يكون على الأجانب؛ قال تعالى: (وَ آتَى اَلْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ ذَوِي اَلْقُرْبىٰ ) (1). مسند الشهاب، ج 1، ص 91 و 92، ح 97 و ح 98؛ مسند أحمد، ج 3، ص 502؛ المصنّف، ج 11، ص 132، ح 20118؛ المعجم الكبير، ج 5، ص 17، ح 422؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 18، ص 20. ثواب الأعمال، ص 140؛ النوادر للراوندي، ص 85؛ مكارم الأخلاق، ص 387.(2) فقدّمهم على من سواهم؛ للمعنى الذي أشار إليه عليه السلام.

73. الصَّدَقَةُ تَمْنَعُ مِيتَةَ السُّوءِ .(2)

يعني: تَصَدَّقْ في كلّ حالٍ بقليلٍ كان أو كثير؛ فإنّها تمنع موت الفجأة. سُمِّيَ «ميتة السوء» لأنّه أسوأ الموت من حيث إنّ صاحبه لا يصل إلى التوبة والوصية وإصلاح ما بينه وبين الناس. والفِعلة بالكسر الهيئة، وبالفتح المرّة الواحدة، و «السوء»: ضدّ الحَسَن، والإساءة: ضدّ الإحسان.

وروي أنّ : «عيسى عليه السلام كان جبرئيل عليه السلام عنده يوماً، فمرّ بهما رجل على ظهره حُزمَة(3)حَطَبٍ ، وبيده رغيف يأكله وهو يلعب ويضحك، فقال جبرئيل: عجباً لهذا الرجل يفعل وما بقي من عمره ساعة أو ساعتان! فلمّا كان في اليوم الآنف مَرَّ الرجُل وعلى عاتقه حبلٌ يخرجه(4)للاحتطاب، فسأل اللّٰهَ عيسى أن يبيّن تلك الحالة، فأتاه جبرئيل وقال: قل لهذا الرجل ليأتي بالحُزمة التي كانت معه أمس، فجاء بها، ففتحها عيسى، فإذا في وسطها أفعيٌّ ! فقال جبرئيل:

رأيتُ في اللَّوح أنّ هذا الرجل يقتله هذا الحيّة، ولكن سَله: هل فَعَلَ خيراً مذ فارقَنا؟ فسئل فقال: ما فعلتُ شيئاً، إلّاأنّي كنت آكُلُ رغيفاً وبقيتْ منه بقية، فسألني رجلٌ فأعطيته إيّاه، فقال

ص: 118


1- . البقرة
2- :177.
3- . الحُزمة - كغرفة - والحيزوم: ما استدار بالصدر والظهر والبطن. «مجمع البحرين، ج 6، ص 40». حُزمه: دسته، چون دسته اى از كاغذ يا خوشۀ گندم و غيره [و نيز] پشته و بند چنان كه بندى از هيزم، بندى از كاغذ و علف و جز آن. «لغت نامۀ دهخدا نقلاً عن منتهى الإرب».
4- . في المخطوطة: «... عاتق حبل يخرج» والمناسب ما اُثبت.

جبرئيل: إنّ اللّٰه قد دفع عنه ذلك البلاء بتلك الصدقة وزاد في عمره كذا سنة(1)، وذلك قوله:

(يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ ) »(2).

74. صَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ .

يقول: إذا تصدّقتَ بشيء على الفقراء، فليكن ذلك سرّاً خالصاً لوجه اللّٰه؛ فإنّ الصدقة في السرّ يَدفع عنك عقاب اللّٰه الذي يَستحقُّه، و «الغضب» من اللّٰه: عذابه، وفي الواحد منا: تَغَيُّرٌ يَقتضي تعذيباً للغير(3)، كما أنّ الرحمة فينا رقَّةٌ في القلب يقتضي الإحسان إلى الغير، والرحمة من اللّٰه تعالى هو الإحسان.

وقيل: الغضب: إرادة الشرّ والمضرّة بالغير، وغضَب اللّٰه: إرادتُه العقاب لمستحقِّه.

وروي: «أنّه تعالى لمّا خلق الجبال قالت الملائكة: إلٰهنا، هل خلقتَ أشدّ من الحَجَر؟ قال:

نعم، الحديد؛ فإنّه يَغلب الحجر. فسألوه عمّا هو أشدّ من الحديد؟ فقال: النار. فسألوه عمّا هو أشدّ من النار؟ قال: الماء. فسألوه عن أشدّ من الماء؟ قال: التُّراب؛ فإنّه يغلب الماء. فسألوه عن أشدّ منه ؟ فقال: الريح. فسألوه عن أشدّ منها؟ قال: عبد يَتَصَدَّق بيمينه صدقةً لا تشعر بها شماله، هو أشدّ عندي من هذه الأشياء».(4)

75. صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ.(5)

يقول: إنَّ اللّٰه يَزيد في عمر مَن يصل رحمه. و «صلة الرحم»: أن يَفعل بأقربائه وذوي أرحامه بما يقدر عليه من البِرِّ والمعروف والزيادة والقيام بأودهم(6) وإعانتهم على حوادث الدهر بما يمكنه، حتّى لو لم يقدر على شيء من ذلك لتعهّدهم

ص: 119


1- . لم نعثر على الخبر في المجاميع الروائية، ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).
2- . الرعد (13):39.
3- . في المخطوطة: «لغير».
4- . لم نعثر على الخبر في المجاميع الروائية ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 93، ح 100؛ الأدب المفرد للبخاري، ص 24، ح 55؛ المعجم الأوسط، ج 1، ص 289؛ المعجم الكبير، ج 8، ص 261. الفقيه، ج 4، ص 368، ح 5762؛ قرب الإسناد، ص 76، ح 244؛ معاني الأخبار، ص 264، ح 1؛ الدعوات، ص 125، ح 308.
6- . الأود: الكدّ والتعب، يقال: «قام بأود عائلته» يراد أنّه قام بإعالتها. انظر: لسان العرب، ج 3، ص 74 (أود).

بالسلام والإلمام.(1)

وعن عليّ عليه السلام: «وجدت في قائم سيف رسول اللّٰه رقعةً مكتوبٌ فيها: صِلْ مَن قطعك، وأحسِنْ إلى من أساء إليك، وقل الحقَّ وإن كان عليك».(2)

وقال النبيُّ صلى الله عليه و آله: «إنّ الرحم إذا قُطعتْ فوُصلتْ فقُطعتْ قطعها اللّٰه» .(3)

وقال: «مَن سَرَّه أن يَبسط اللّٰه في رزقه وينسأ في أثره - أي أجله - فلْيَصِلْ رَحِمَه».(4)

76. صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ .(5)

معناه: مَن اعتاد فعل الخير واصطناع المعروف لا يموت على حال سيّئةٍ ، و «الصنائع»: جمع صَنيعة - وهي النعمة المصنوعة المربوبة - فعيلة بمعنى مفعولةٍ ، والمراد «بالمعروف»: العطيَّة وما يُعرف في الشرع من الزكاة والصدقة، وإضافة الصنائع إلى المعروف كإضافة الحِندِس إلى الظُّلَم في قوله: «ولم اُقاسي الدُّجى في حِندس الظُّلَم»، وهما بمعنى، فأجازوا ذلك لاختلاف اللفظين، و «المَصرَع»:

موضع الصَّرْع.

يقول: إنّ اتخاذ المعروف صنعةً وبذلَ الأموال على مقتضى الشرع يحفظ صاحبها مِن أن يقع في مصرع. وروي: «اصطناع [المعروف] يقي...» و «فعل المعروف...» ، وكلاهما واحد؛ يقال: صَنَعَ معروفاً واصطنعه، والمعنى: إنّ فعل

ص: 120


1- . ألمّ بالقوم وعلى القوم: أتاهم فنزل بهم وزارهم زيارة غير طويلة. انظر: القاموس المحيط، ج 2، ص 1525 (لمم).
2- . راجع: الفقيه، ج 4، ص 179، ح 5403؛ الأمالي للصدوق، ص 130، ح 2؛ مشكاة الأنوار، ص 299.
3- . الغيبة للطوسي، ص 28؛ الإرشاد، ج 2، ص 238؛ الخرائج والجرائح، ج 2، ص 945.
4- . المعجم الأوسط، ج 5، ص 382؛ الفائق في غريب الحديث، ص 20. وراجع: الكافي، ج 2، ص 152، ح 16؛ و ج 2، ص 156، ح 29؛ الخصال، ص 32، ح 112؛ عيون أخبا ر الرضا عليه السلام، ج 1، ص 48، ح 157.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 93 و 94، ح 101 و 102؛ المعجم الأوسط، ج 1، ص 289؛ و ج 6، ص 163؛ المعجم الكبير، ج 8، ص 261؛ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص 13، ح 19. الكافي، ج 4، ص 29، ح 1؛ الفقيه، ج 2، ص 56، ح 1686؛ الأمالي للصدوق، ص 326، ح 6 (في الأخيرين عن الإمام الباقر عليه السلام)؛ تحف العقول، ص 56.

المعروف في أهله يقي فاعله الوقوع في الأسواء.

وروي: «أنّ الصدقة الواحدة تدفع سبعين باباً من البلاء،(1) وأنّها تفكّ لحيي(2) الشيطان».(3)

77. الرَّجُلُ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتّىٰ يُقْضىٰ (4) بَيْنَ النَّاسِ .(5)

المعنى: إنّ المؤمن إذا كان مؤدّياً للزكاة متبرِّعاً بالصدقات، جعل اللّٰه له يوم القيامة بجزاء ذلك ما يقيه من المكاره [و] حرّ ذلك اليوم، وجعل نفس الصدقة ظلاًّ، والمراد جزاؤها على طريق المبالغة من حيث إنّه كان بسببها، ولا يمتنع أن يُقال: إنّ اللّٰه جعل ما تَصَدَّقَ به المؤمن جسماً كثيفاً ساتراً مظلاًّ على صاحبه كما جاء في نفسه (يَمْحَقُ اَللّٰهُ اَلرِّبٰا وَ يُرْبِي اَلصَّدَقٰاتِ ) (6)[يعني:] إنّ اللّٰه يُربي الصدقة حتّى يجعلها كأعظم جبل في الأرض، فهو هاهنا يجعل الشيء المتصدَّق به ظلّاً على صاحبه حتّى يحكم اللّٰه بين الناس، يعني طول يوم القيامة، فيكون هو في راحةٍ حيث كان غيره في حَرِّ يوم القيامة. يقول: إنّ اللّٰه يجعل ثواب صدقته وقايةً عن حَرِّ يوم القيامة، وإنّما قال: «حتّى يقضى بين الناس» لأنّ الخوف في القيامة أكثره قبل الحُكم، فأمّا بعده فقد تبيّن الرشدُ من الغيِّ .

ص: 121


1- . راجع: الكافي، ج 4، ص 5، ح 2؛ الفقيه، ج 2، ص 67، ح 1734؛ التوحيد، ص 222، ح 14؛ ثواب الأعمال، ص 143؛ الدعوات، ص 107، ح 237؛ المصنّف، ج 3، ص 6، ح 16؛ الكامل لابن عدي، ج 2، ص 243؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 15، ص 163؛ و ج 65، ص 131.
2- . اللحْيُ : عظم الحنك، وهو الذي عليه الأسنان. المصباح المنير، ص 551 (لحي).
3- . مستدرك سفينة البحار، ص 248.
4- . في مسند أحمد والمستدرك للحاكم والسنن الكبرى: «يُفصل» بدل «يقضى».
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 94، ح 103؛ مسند أحمد، ج 4، ص 148؛ المستدرك للحاكم، ج 4، ص 177؛ مسند إبن المبارك، ص 195، ح 341؛ مسند أبي يعلى، ج 3، ص 301، ح 1766؛ السنن الكبرى، ج 4، ص 177. وراجع: عوالي اللئالي، ج 1، ص 354، ح 22؛ جامع السعادات، ج 2، ص 112؛ مستدرك الوسائل، ج 7، ص 160، ح 7913.
6- . البقرة (2):276.

78. الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ.(1)

مفهومه: كما لا بقاء للنار مع الماء فكذلك لا بقاء للخطيئة مع بذل الصدقة للمؤمن، يعني: أنّ اللّٰه بفضله يتجاوز عنها عند بذله لها لبركتها وإطفاء الصدقة الخطيئة تشبيه لها بالماء والنار، وإنّما جُعل الخطيئة بمنزلة النار من حيث إنّها تؤدّي إلى النار.

ومثله قوله: (إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ اَلْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً) (2)فجعل ما يأكلونه ناراً من حيث يؤدّي إلى النار، وجعل الصدقة التي تدفع حرّها بمنزلة الماء المطفئ للنار، والمُطفئ في الحقيقة هو اللّٰه تعالى، ولكنّه لمّا كان بسببها أضاف الفعل إلى مسبِّبه، ثمّ شبَّه ذلك تشبيهاً حقيقياً كما يُطفئ الماء النار؛ ليتحقَّق ما ذكره من إطفاء الصدقة الخطيئة، والكاف للتشبيه، ومحلّه النصب؛ لكونه صفة لمصدر منصوب، والتقدير: إطفاء مثل إطفاء الماء النار.

79. المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا.(3)

له ثلاثُ معانٍ :

أحدها: إنّ مَن أسرف في الصدقة حتّى جعل نفسه فقيراً وعيالَه محتاجاً فهو كمانع الصدقة، ووجه التشبيه أنّهما جميعاً - أعني الإسراف والتقصير - ممنوعان محرّمان عقلاً وشرعاً، والمحمود المرضيّ القصد الذي هو واسطة الاُمور.

والثاني: إنّ مَن تعدّى بهذه الصدقة إلى غير مستحقّها ووضَعَها في غير موضعها كالمانع.

ص: 122


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 95، ح 104 و 105؛ مسند أحمد، ج 5، ص 248 (مع اختلاف يسير)؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1408، ح 4210؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 62، ح 609. عوالي اللئالي، ج 1، ص 104، ح 36؛ دعائم الإسلام، ج 2، ص 331، ح 1249 (مع اختلاف يسير)؛ وسائل الشيعة، ج 9، ص 398 ح 12327 (عن مجمع البيان في تفسير القرآن).
2- . النساء (4):10.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 96، ح 106 و 107؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 578، ح 1808؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 357، ح 1585؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 79، ح 641؛ السنن الكبرى، ج 4، ص 97 و 157. فقه القرآن للراوندي، ج 1، ص 237؛ و ج 2، ص 233.

والثالث: معناه: مَن تعدّى في أخذ الصدقة بأن يأخذ خيارها المنهيّ عن أخذها، فإذا فعل ذلك أدّى إلى أن يمنع صاحبُ المال الصدقة في العام القابل فهو كالمانع؛ من حيث إنّه سبب المنع، وفي هذا تعسُّف.

80. التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَاذَنْبَ لَهُ .(1)

يقول: من قام بشرائط التوبة على الحقيقة فاللّٰه تعالى يقبل توبته، ويطهّره من الذنوب، فيصير كمن لم يذنب قطّ. و «التوبة» هي الندم على ما مضى والعزم على أن لا يعود إلى مثله في المستقبل لقبحه، وهذا توبة أجمعت الاُمّة(2) على إسقاط العقاب عندها؛ فالمعتزلة تقول: «التوبة يسقطها» ونحن نقول: إنّ اللّٰه متفضِّل بإسقاط العقاب عند التوبة، ولا يجب عليه تعالى ذلك إلّامن حيث وعد لقبول التوبة به في قوله: (وَ هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ ) (3)، وخُلف الوعد لا يجوز عليه تعالى.

81. الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ .(4)

معناه: أنّ الظالم يكون يوم القيامة في ظلمة تحيُّره، كما يقال للمتحيّر(5): هو في ظلمة من أمره. وبالظُّلْمة يعاقَب الظَّلَمة يوم القيامة، وهو قوله: (اِرْجِعُوا وَرٰاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً) (6).

ص: 123


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 97، ح 108؛ السنن الكبرى، ج 10، ص 154؛ مسند إبن الجعد، ص 266؛ المعجم الكبير، ج 10، ص 150، ح 10288. الكافي، ج 2، ص 435، ح 10 (عن الإمام الباقر عليه السلام)؛ عيون الأخبار، ج 2، ص 74، ح 347؛ مكارم الأخلاق، ص 313؛ مشكاة الأنوار، ص 201 (في الأخيرين عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ وسائل الشيعة، ج 16، ص 75، ح 21022.
2- . في المخطوطة: «الاُمّة»، والظاهر أنّه تصحيف.
3- . الشورى (42):25.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 97 و 98، ح 109 و 110؛ مسند أحمد، ج 2، ص 106 و 137 و 156 و مواضع اُخر؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 240؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 99؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 18. عوالي اللئالي، ج 1، ص 149، ح 99، و ص 364، ح 52؛ مجموعة ورّام، ج 1، ص 56؛ بحارالأنوار، ج 7، ص 229.
5- . في المخطوطة تقرأ: «للتحيّر».
6- . الحديد (57):13.

وتحقيقه: أنّ جزاء الظلم يكون ظلمات يوم القيامة، وإنّما جُمِع الظلمات لأنّ الظُّلمة يكون مشتملة عليه في الموقف وعلى الصراط [و] في دركات النار؛ فقد جاء في الأخبار: أنّ نار جهنّم أسود، وقد طابق في اللفظ بين الظلمة والظلم، وقيل:

أقلُّ الظُّلمة في اُمّة محمّد قول أحدُهْم الآخر: تَنَحَّ عن الطريق.

82. كَثْرَةُ الضِّحْكِ تُميتُ القَلْبَ .(1)

معناه: لا تفعلوا الأفعال المُضحكة، ولا تَضحكوا في غير اُعجوبة ساهين لاهين فتكونوا كأن لا قلوب لكم، ومن كان ضحكه كثيراً يغفل عن الحقّ ، وعلامة موت القلب غفلته، وعلامة حياته شهوده، و «الضحك»: تَفَتُّحٌ يظهر في الوجه لمَسَرَّةٍ في القلب ولحدوث عَجَبٍ ، وهو في الحقيقة لا يكون من فعلنا، وكذلك البكاء، وكذلك من فعل اللّٰه فينا على سبيل العادة عند أسباب يفعلها وأحوال منّا يقتضيها في أكثر الأحوال، وربما يحصلان من غير دواعينا. وموت القلب إنّه يَحصل غافلاً ساهياً عمّا يجب عليه التفكُّر فيه، فإذا صار القلب بحيث لا ينتفع به فهو كالميّت، ومثله قوله: (إِنَّكَ لاٰ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىٰ ) (2).

83. فِي كُلِّ كَبِدٍ حَرَّىٰ أَجْرٌ.(3)

للخبر معنيان:

أحدهما: أنّ في كلّ قلب حزين بالمصيبة والمَساءة أجراً وعوضاً مستحَقّاً على الآلام التي أصابته والمصيبات، وسُمّي العوض أجراً علىٰ سبيل التوسّع.

ص: 124


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 98، ح 111؛ تهذيب الكمال، ج 27، ص 279، ح 5803 (مع اختلاف يسير)؛ تفسير الثعالبي، ج 5، ص 335. الكافي، ج 2، ص 664، ح 6؛ عدّة الداعي، ص 155؛ أعلام الدين، ص 276 (مع اختلاف يسير في الأخيرين)؛ مجموعة ورّام، ج 1، ص 5.
2- . نمل (27):80.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 98 و 99، ح 112-114؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1215، ح 3686؛ مسند أبي يعلى، ج 3، ص 137، ح 1568؛ صحيح إبن حبّان، ج 2، ص 30، ح 541. عوالي اللئالي، ج 1، ص 95، ح 3؛ وفيه، ج 2، ص 260، ح 15؛ و ج 3، ص 71، ح 32 (مع اختلاف يسير)؛ بحارالأنوار، ج 71، ص 370.

والثاني: أنّه أراد: في إشباع كلِّ كبدٍ جائعة وإرواء كلّ كبدٍ عطشى أجرٌ علىٰ حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.

والمراد بالأجر في هذا الوجه: الثواب، وهو حقيقة في الثواب، وإنّما قال حَرَّى على فَعلى التي هي للمؤنّث؛ لأنّ الكبد مؤنّث، يقال: رجل غرثان وعطشان، وامرأة غرثى وعطشى. والعرب تعبّر بالكبد عن القلب، ومفهوم الخبر: من أتى معروفاً مع كلّ مَن كان، ينال أجراً جزيلاً من اللّٰه.

وكان في بني إسرائيل رجلٌ عاصٍ ، فمرّ على بئر، وإذا كلبٌ قد لهث من العطش، فأخذ عمامته وشدّ على خفّه، وأسقى به الماء وأرواه، فأوحى اللّٰه إلى نبيّ ذلك الزمان: «إنّي شكرت سعي فلان؛ لشفقته على خلق من خلقي، فسمع الرجلُ ذلك وتاب من المعاصي، وصار ذلك سبباً لتوبته».(1) ومن أبين علامات الإيمان الشفقة على خلق اللّٰه.

84. العُلَمَاءُ اُمَنَاءُ اللّٰهِ عَلىٰ خَلْقِهِ .(2)

يقول: إنّ اللّٰه ائتمن العالمين على أمانته التي هي الحلال والحرام والفرائض والأحكام ليُفْتوا للخلق بالأمانة والحقِّ فيما بينهم وبين اللّٰه بما عَلِموه وتحقَّقوه بآيةٍ محكمة أو سنّةٍ مقطوع بها.

ومعنى الخبر في تمامه وهو «[العلماء اُمناء الرسل] ما لم يخالطوا السلطان»(3)،(4)يعني:

إذا خالطوا السلطان فقد خرجوا من الأمانة إلى الخيانة.

وقيل: هذه الأمانة عبارة عن الشرائع والأحكام دون المعقولات والعلوم العقلية.

ص: 125


1- . لم نعثر على الخبر في المجامع الروائية، ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 100، ح 115؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 14، ص 267، ح 1573؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 190، ح 5700؛ كنزالعمّال، ج 10، ص 134، ح 28675. وراجع: الكافي، ج 1، ص 33، ح 5؛ مشكاة الأنوار، ص 60؛ بحارالأنوار، ج 67، ص 287، ح 11.
3- . في المخطوطة: «الشيطان»، وكذا المورد الآتي.
4- . الجامع الصغير، ج 2، ص 190، ح 5701؛ كنزالعمّال، ج 10، ص 183، ح 28952.

وأمانة العالم في شيئين:

أحدهما: أن لا يُفتي بما لا يعلم.

والثاني: أن لا يكتم الحقَّ فيما يعلم، فإذا كان كذلك كان أميناً عند اللّٰه، وأعظم الخيانات الخيانة في الدِّين.

85. رَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ اللّٰهِ .(1)

أي: أصل كلّ عِلم معرفة اللّٰه، والخشيةُ والحكمة نوعان من العلم، والظاهر في معناه أنّ الرجُل إنّما يكون حكيماً كلَّ الحكيم إذا خاف اللّٰه بأن لم يخف عقاب اللّٰه وتسمّى بالحكمة [وإلّا] كان ذلك الاسم زوراً عليه؛ فإنّ الحكيم من في فيه حَكَمَة كحَكَمَة اللجام تمنعه من المقبَّحات، ومثله: التقيُّ مُلْجَم(2) كالمُحْرِم في الحرم،(3) وقال تعالى: (إِنَّمٰا يَخْشَى اَللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ اَلْعُلَمٰاءُ ) (4).

86. الجَنَّةُ دَارُ الأسخِيَاءِ .(5)

جَعَلَ الجَنَّة بأجمعها دارَ مَن يجود بماله ولا يبخل ما يجب عليه من الحقوق على سبيل المبالغة، وتمام الخبر: «فعلى هذا ينبغي للعبد أن لا يخلو عن السخاء في حالتي الشدّة والرَّخاء مع الأعداء وذوي الإخاء». و «السخيُّ »: الذي يَبذل ماله في الواجبات والمندوبات، والمدح يُستحقّ بفعلها، ونقيضه البخيل وحقيقته [من] يمنع الواجبات؛ لأنّ الذمَّ يُستحقُّ بتركها، وفي الشرع هو مَن يَمنع الزكاة.

ص: 126


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 100، ح 116 و 117؛ المصنّف، ج 8، ص 162؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 33، ص 179 و 181؛ و ج 51، ص 240؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 245، ح 1609؛ و ص 670، ح 4361. الفقيه، ج 4، ص 376، ح 5766؛ تفسير القمّي، ج 1، ص 290؛ الخصال، ص 111، ح 83؛ الاختصاص، ص 342؛ كنزالفؤاد، ص 97.
2- . في المخطوطة: «لجم»، وما اُثبت من المصدر.
3- . تفسير مجمع البيان، ج 1، ص 83 ونسبه إلى عمر بن عبدالعزيز، وفيه: «كالمُجرم» بدل «كالمُحرم».
4- . فاطر (35):28.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 100، ح 116 و 117؛ الكامل لابن عدي، ج 1، ص 187؛ و ج 4، ص 321؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 563، ح 3644؛ كنزالعمّال، ج 6، ص 346، ح 15985. الجعفريات، ص 251 (مع اختلاف يسير)؛ مشكاة الأنوار، ص 405؛ مستدرك الوسائل، ج 7، ص 14، ح 7512؛ و ص 233، ح 8118.

87. الجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ .(1)

هذا حثٌّ على الجهاد، فكأنَّه قال: جاهِدوا في سبيل اللّٰه؛ فمن طلب الجنّة فإنّها توجَد تحت ظلال السيوف. والمعنى: أنّ مَن صبر وثبت ولم يفرّ حيث تُعلى بالسيوف على رأسه وتظلّ على شخصه وتيقَّن بالقتل والشهادة، فهو ممّن ظفر بمطلوبه، وأدرك طلبته، وفاز بمراده.

وقال الصادق عليه السلام: «السيف مفتاح الجنّة والنار» .(2)ومفهوم الخبر أنّ الجنّة تُنال بالدِّين، ودرجات الجَنّة تدرك بالطاعات، ومِن أعظمها الجهاد؛ فإنّه يؤدّي إلى الدرجة العظيمة في الجنّة، فكأنّ الجَنَّة تحته وتحت آلائه التي منها السيوف. ومعنى «الظلال»: الدنوُّ من القرن حتّى يعلوه ظلّ سيفه لا يفرّ منه، وكلّ شيء دنا منك يقال: إنّه أظلّك.(3)

88. الجَنَّةُ تَحْتَ أَقْدَامِ الاُمَّهَاتِ .(4)

معناه: إنّ البِرَّ مع الاُمّهات ثوابه الجَنّة، فمَن اشتاق إلى الجَنّة وطلبها فإنّها توجد تحت أقدام الاُمّهات؛ وهذا عبارة عن التواضع والخشوع لهنّ ، والانقياد لأوامرهنّ على جميع الأحوال، وتقبيل أرجلهنّ . وروي أنّ النبيّ عليه السلام أتته خالة له من الرضاع، فبسط رداءه لها، وقال: «مرحباً باُمّي» .(5)

ص: 127


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 102، ح 118؛ مسند زيد بن علي، ص 492؛ مسند أحمد، ج 4، ص 396؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 208؛ و ج 4، ص 9 و 24؛ صحيح مسلم، ج 5، ص 143؛ و ج 6، ص 45. صحيفة الرضا عليه السلام، ص 91؛ كشف الغمّة، ج 1، ص 259 (مع اختلاف يسير)؛ بحارالأنوار، ج 33، ص 457.
2- . لم نعثر عليه في المجاميع الروائية ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).
3- . اُنظر: العين، ج 8، ص 149؛ لسان العرب، ج 11، ص 415 (ظلل).
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 102، ح 119؛ الكامل لابن عدي، ج 6، ص 348؛ ميزان الاعتدال، ج 4، ص 220؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 563، ح 3642؛ كنزالعمّال، ج 16، ص 461، ح 45439. مجمع البيان في تفسير القرآن، ج 8، ص 11؛ مستدرك الوسائل، ج 15، ص 180، ح 4؛ جامع أحاديث الشيعة، ج 21، ص 428.
5- . مسند إبن المبارك، ص 136؛ الإصابة، ج 8، ص 184، ح 11318.

89. الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإقَامَةِ لَايُرَدُّ.(1)

يعني: أنّ الدُّعاء في هذه الساعة يقرُن بالإجابة؛ فادعُوا فيها؛ فإنّها مظنّة لاستجابة الدعوات من المؤمنين لأنفسهم ولإخوانهم على مَن يظلمهم ويؤذيهم.

وشرف هذا الوقت لأنّه بين فصول من التكبيرات والتهليلات ونحوها.

و «الأذان»: التأذين بالصلاة مختصّ بها شرعاً، والإيذان: الإعلام بإيقاع في اُذن المخاطب، و «الإقامة»: نصبُ الشيء قائماً، ويكون بمعنى الإظهار، ومنه قوله:

«قامت الحرب على ساقٍ » و «يقوم القيامة» و «أقمت الحجّة»؛ فكأنّه إقامة المأمومين للصلاة؛ لأنّ عند قول الإمام «قد قامت الصلاة» يجب القيام للصلاة على المأمومين، وهو من باب «ليله قائم ونهاره صائم» على الإسناد المجازي، و «الردّ»:

ضدّ القبول، وهاهنا ضدّ الإجابة.

90. طَلَبُ الحَلاَلِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ .(2)

أي: اطلُبوا الرزق من الوجه المأذون في طلبه شرعاً فريضةً بعد فرائض اللّٰه تعالى أدّاها نحو الصلاة بالغداة والظهيرة؛ فإنّه يجب عليه طلب الرزق الحلال لقُوت نفسه ومصلحة العيال، وهذا أولى من أداء التطوّع؛ لأنّ العقل والشرع يوجبان عليه ذلك كأنّه يقول: «إذا فرغتَ من الصلاة المفروضة فليس شيء آكد عليك فرضاً ووجوباً من طلب الأرزاق لخاصّك ولعيالك»، وجَعَلَه في الخبر المتقدِّم بمنزلة الجهاد.

ص: 128


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 103، ح 120؛ المصنّف، ج 2، ص 372، ح 1؛ و ج 7، ص 35، ح 3، السنن الكبرى، ج 6، ص 22، ح 9897، و ص 23، ح 9899؛ صحيح إبن خزيمة، ج 1، ص 222؛ الكامل لابن عدي، ج 1، ص 400؛ و ج 2، ص 298. الدعوات، ص 36، ح 87؛ ذكرى الشيعة، ص 213؛ مفتاح الفلاح، ص 46؛ بحارالأنوار، ج 90، ص 348.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 104، ح 121 و 122؛ السنن الكبرى، ج 1، ص 128 (وفيه: طلب كسب الحلال)؛ المعجم الكبير، ج 10، ص 74، ح 9993؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 132، ح 5271. روضة الواعظين، ص 457 (وفيه أيضاً: طلب كسب الحلال)؛ فقه القرآن للراوندي، ج 2، ص 30؛ بحارالأنوار، ج 100، ص 17، ح 79 (وفيه: «طلب الكسب» بدل «طلب الحلال»).

وسأل سَديرٌ الصَّيْرَفيُّ الصادق عليه السلام: ما حدّ طلب الرزق ؟

قال: «عليك أن تفتح باب حانوتك، وتفرش بساطك، وتجلس هناك، والباقي على اللّٰه» .(1)

وقال عليه السلام: «الرزق رزقان: طالب ومطلوب؛ فالذي يطلبك يصل إليك وإن لم تطلبه، والذي تطلبه ربما تصل إليه وربما لا تصل إليه بحسب المصلحة».(2)

يقول: طلب كسب الحلال فريضة بعد كلّ فريضة وبعد أدائها.

91. أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَقَلُّهُنَّ مَؤُونَةً .(3)

هذا أمرٌ للناس أن يَرضَوا من الأزواج باللّاتي(4) لا يطلبن المهور الغالية والنفقات الكثيرة الغالية، وليتزوّج كلّ مؤمن من امرأة خفيفة المهر والنفقة والكسوة؛ فإنّها هي المباركة الميمونة تُحسِن معاشرة زوجها في الشدَّة والرخاء، وإلّا فظاهر الخبر يعلم ضرورة؛ فإنّ المرأة إذا كانت قليلة المؤونة كانت عظيمة البركة، وكلّما كانت أقلَّ مؤونةً كانت أعظم بركةً . و «البركة»: ثبات الشيء، و «المؤونة»: ما يلزم الرجل من القيام بحمله.(5)

حَثَّ عليه السلام اُمَّته على طلب امرأةٍ قانعةٍ بما يكون لزوجها، غير متحكِّمة عليه بما يثقله.

وروي: «أعظم النساء بركةً أصبحهنّ وجهاً، وأقلّهنَّ مهراً».(6)

«تزوّجوا الزُّرْق؛ فإنّ في أعينهنّ يُمناً، ولا تزوّجوا عجوزاً ولا عاقراً؛ فإنّي مكاثر بكم حتّى

ص: 129


1- . راجع: التهذيب، ج 7، ص 4، ح 13؛ وسائل الشيعة، ج 17، ص 55، ح 13؛ بحارالأنوار، ج 47، ص 376، ح 99.
2- . راجع: نهج البلاغة، ص 100، الحكمة 431؛ بحارالأنوار، ج 100، ص 38، ح 86.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 105، ح 123؛ مسند أحمد، ج 6، ص 145؛ المستدرك للحاكم، ج 2، ص 178؛ المصنّف، ج 3، ص 319؛ السنن الكبرى، ج 5، ص 402. روضة الواعظين، ج 2، ص 375؛ مستدرك الوسائل، ج 14، ص 162، ذيل ح 1638 (في كلّ المصادر: «أيسرهنّ » بدل «أقلّهنّ »).
4- . في المخطوطة: «بالأوتي»، والمناسب ما اُثبت.
5- . اُنظر: العين، ج 5، ص 367؛ لسان العرب، ج 10، ص 395 (برك).
6- . الكافي، ج 5، ص 32، ح 4؛ الفقيه، ج 3، ص 386، ح 4357؛ التهذيب، ج 7، ص 404، ح 24.

بالسقط».(1)

وقال: «إنّ مِن يُمن المرأة تبكيرها بالاُنثىٰ قَبل الذَّكَر؛(2) قال اللّٰه تعالى: (يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ اَلذُّكُورَ) »(3).

وقال: «التمسوا الرزق بالنكاح؛(4) قال تعالى: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرٰاءَ يُغْنِهِمُ اَللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ ) »(5).

وجاءت امرأة إلى النبيِّ عليه السلام فشكت الإعسار، فقال لمن بحضرته: «تزوّج بهذه» .

فقال: يا رسول اللّٰه، ليس معي صداقها - وكان في يده خاتم من حديد - قال:

«فتزوّجْها على هذا الخاتم» ، فتزوَّجَها(6).

ودخلت امرأة اُخرى ليزوّجها، فقال لرجلٍ من أصحابه: «ألَكَ زوجة ؟» قال: لا، فقال: «تَزَوَّجْها» ، فقال: ليس معي صداقها. قال: «هل معك شيء من القرآن ؟» قال نعم.

قال: «زوّجتكها على ما معك من القرآن» ، فعلّمها فتزوّجها على ذلك.(7)

وهذا يدلّ على أنّ المهر ما تَراضى به الزوجان ممّا يحلّ في الشرع.

92. المُؤمِنُ مِرآةُ المُؤْمِنِ .(8)

له معنيان:

ص: 130


1- . لم نعثر عليه في المجاميع الروائية ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).
2- . تفسير الثعلبي، ج 8، ص 324؛ تفسير البغوي، ج 4، ص 131؛ تفسير القرطبي، ج 16، ص 48. تفسيرالثعالبي، ج 5، ص 168.
3- . الشورى (42):49.
4- . مكارم الأخلاق، ص 196؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 237، ح 1567؛ كنزالعمّال، ج 16، ص 276، ح 44436.
5- . النور (24):32.
6- . لم نعثر عليه في المجاميع الروائية ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).
7- . راجع: التفسير الكبير للرازي، ج 10، ص 47.
8- . مسند الشهاب، ج 1، ص 105، ح 124؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 460، ح 4918؛ السنن الكبرى، ج 8، ص 167؛ المعجم الأوسط، ج 2، ص 325. تحف العقول، ص 173 (عن الإمام عليّ عليه السلام)؛ مجموعة ورّام، ج 1، ص 94؛ بحارالأنوار، ج 71، ص 268 و 270؛ مستدرك الوسائل، ج 9، ص 49، ح 10165 (عن تحف العقول).

أحدهما: أنّه إذا نظر إلى أخيه المؤمن يرى منه نفسه؛ يفرح بفرحه، ويحزن بحزنه؛ كمن ينظر في المرآة يرى نفسه فيظنّ به من الخير ما يظنّ بنفسه، ويريد به الخير والنفع ما يريد بنفسه، ويكون مشفقاً عليه يكفُّه أن تقع في هلكةٍ ، وهذا معنىً لطيف.

والوجه الآخر: أنّ الرجُل إذا نظر إلى أخيه المؤمن فرأى عليه شيئاً يعاب به يُعْلِمه ذلك ليغيّره ويزيله - كما أنّه إذا رأى نقطةَ سوادٍ وتشويشَ عمامةٍ في المرآة أصلحه - ويعينه على ما فيه حظُّه من أمر آخرته ودنياه.

93. المُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ .(1)

يريد: من حقّ المؤمن أن يرضى لأخيه المؤمن ما يرضى لنفسه، ويَكره [له ما يَكره] لنفسه، [و] يعينه على ما فيه حظُّ آخرته ودنياه.

وفي خبر آخر: «المؤمن أخ المؤمن من أبيه واُمّه، إن جاع أطعمه، وإن عرى كساه، وإن خاف آمنه، وإن مرض عاده، وإن مات شيّع جنازته، واُخوّته في الدِّين آكد من اُخوّة النسب».(2)

وكان عليّ عليه السلام يحبّ عقيلاً في حال صغره أشدَّ حبٍّ ، فلمّا عَرَضَ عليه الإسلام وأبى جَرَّدَ عليٌّ سيفه، فقال عقيل: إنّك لقاتلي ؟ قال: «نعم، إن(3) لم تؤمن» ، فأسلم عقيل وقال: تأمَّلت في جِدّك في قتلي لامتناعي من الإسلام مع فرط محبّتك لي، فعلمت أنّه لو لم يكن هذا الدِّين حقّاً لما قَتَلَ مثلُك أخاً مثلي. فصار هذا سبب إسلامي، فاعتنقه عليٌّ وقال: «أنت الآن أخي؛ لأنّ الاُخوّة اُخوّة الدِّين، لا اُخوّة النسب» .(4)

ص: 131


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 106، ح 126؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 139؛ السنن الكبرى، ج 5، ص 346؛ و ج 7، ص 180؛ المعجم الكبير، ج 17، ص 316. الكافي، ج 2، ص 166، ح 3 و 7 (عن الإمام الباقر عليه السلام)؛ و ج 4 و 8 (عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ المحاسن، ج 1، ص 134، ح 11 و 12 (عن الإمام الباقر عليه السلام)؛ الاختصاص، ص 27 (عن الإمام الصادق عليه السلام).
2- . راجع: تحف العقول، ص 296؛ عدّة الداعي، ص 187؛ بحارالأنوار، ج 64، ص 75، ح 11.
3- . في المخطوطة: «وإن».
4- . لم نعثر عليه في المجاميع الروائية ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط) مع اختلاف.

94. المُؤْمِنُ يَسِيرُ المَؤُونَةِ .(1)

هذا أمر بأنّ يُزجي كلُّ مؤمنٍ أيّامه بالقناعة؛ فإنّما يكفيه بُلغةٌ من العيش، وإنّ المؤمن الحقيقي إذا علم أنّ ما آتاه اللّٰه من الرزق هو أصلح له في الدِّين قنع بذلك ورضي به، ولا يتكلّف طلب ما يكون وبالاً عليه في الآخرة ومشقّة في الدُّنيا؛ ألا ترى إلى أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «وإنّ إمامكم قد اكتفى من الدُّنيا بطِمرَيه، ومن طعمه بقُرصيه، ولو شئتُ للبستُ العبقريَّ من ديباجكم، ولأكلتُ لباب البُرِّ بصدور دجاجكم، وما لعليٍّ وللدنيا وقد سمع اللّٰه يقول: (تِلْكَ اَلدّٰارُ اَلْآخِرَةُ نَجْعَلُهٰا لِلَّذِينَ لاٰ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فَسٰاداً وَ اَلْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (2)».(3)

وكان يصوم مُعظَمَ نهاره، ويُفطر على قدرٍ من سَويق ويقول: «حسبي من الطعام ما يقيم ظهري، ولا يمنعني من عبادة ربّي».(4)

95. المُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ.(5)

يأمر بهذه الخصال الثلاث؛ فإنّ حِلية المؤمن أن يكون حاذقاً في اُمور الدُّنيا، عالماً بموجبات الفرائض، حذِراً عن آفات الدُّنيا والآخرة. و «الكياسة»: عِلمٌ مستخرج بالفكر، ويستعمل أيضاً في علومٍ يَخلقها اللّٰه عند الممارسة والمدارسة، كالعلم بالصنائع والحفظ. وأمّا «الفطنة»: فهي أيضاً علم واقع على وجه، يُقال:

ص: 132


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 107، ح 127؛ تاريخ بغداد، ج 2، ص 411، ح 927؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 661، ح 9153؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 142، ح 685؛ الرواشح السماوية، ص 285؛ بحارالأنوار، ج 64، ص 307، ح 39 (عن الشهاب)؛ معارج اليقين في اُصول الدين للشيخ محمّد السبزواري، ص 216، ح 537.
2- . القصص (28):83.
3- . نهج البلاغة، ج 3، ص 70، الكتابة 45؛ الخرائج والجرائح، ج 2، ص 542، ح 2؛ المناقب، ج 1، ص 369؛ مختصر بصائر الدرجات، ص 154 (مع اختلاف في كلّها).
4- . لم نعثر عليه في المجاميع الروائية ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 107، ح 128؛ ميزان الاعتدال، ج 2، ص 217؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 622، ح 9158؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 143، ح 689؛ و ص 162، ح 812. الدعوات، ص 39، ح 94؛ عيون الحكم والمواعظ، ص 30 (وفيه: «عاقل» بدل «فطن حذر»)؛ بحارالأنوار، ج 64، ص 307، ح 40 (عن الشهاب).

«فطن لكذا» إذا أدركه وعلمه، فهما علمان مستطرفان، ولذلك لا تجريان على اللّٰه.

و «الحذِر»: من كان الحَذَر عادته وخُلقه، والحاذر: من أحدث حذراً(1) وإن لم يكن من أخلاقه، ومثله فاكِهٌ وفَكِهُ ، وجازعٌ وجزِعٌ ، وقانعٌ وقنِعٌ .

أي: المؤمن يتفكّر ويعلم ما يحتاج إليه في دينه ودنياه، ويَحذر ممّا يوبقه.

وسُئل عن معنى الكيِّس الفطن الحذر؟ يقال(2): مَن يَهدم دنياه فيبني بها آخرته، ولا يهدم آخرته فيبني بها دُنياه.

96. المُؤْمِنُ إِلْفٌ مَألُوفٌ .(3)

هذا حثٌّ على حُسن الخلق؛ فإنّ المؤمن يحبّ الناس في اللّٰه ويحبّونه، يعني: إنّ المؤمن مِن أخلاقه الكريمة أن يَألف كلَّ أحدٍ ويُستأنس به، ويؤلّف الناس ولا ينفّرهم بغلظة طبعه وفظاظة خُلقه كما كان عليه السلام، وهذه من نعم اللّٰه على عبد يكون بهذه الصفة، ومن كان كذلك كان محبوباً إلى الناس.

97. المُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ .(4)

يعني: إنّ المؤمن مؤتمَنٌ يأمنه الناس، [و هم] يعلمون أنّه لا يقصدهم بسوء ولا غائلة في أنفسهم، فلا يَستحلّ أموالهم ولا يأخذها إلّابحقّها، فهو مأمون الجانب.

ودعا عليٌّ عليه السلام غلامه فأبطأ عليه، فقام إليه وقال: «أما سمعت ندائي ؟!» قال: نعم إلّا أنِّي

ص: 133


1- . اُنظر: العين، ج 3، ص 199؛ لسان العرب، ج 4، ص 176 (حذر).
2- . كذا في المخطوطة.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 108، ح 129؛ تاريخ مدينه دمشق، ج 8، ص 404؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 248؛ فيض القدير، ج 6، ص 329، ح 9146. بحارالأنوار، ج 64، ص 309، ح 41؛ مستدرك الوسائل، ج 8، ص 450، ح 2؛ معارج اليقين في اُصول الدين للسبزواري، ص 217، ح 539 (في الثلاثة الأخيرة عن مسند الشهاب).
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 109، ح 130-132؛ مسند أحمد، ج 6، ص 21؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1298، ح 3934 (في الجميع: «على أموالهم وأنفسهم»). بحارالأنوار، ج 64، ص 309، ح 42 (عن مسند الشهاب)؛ الغدير، ج 10، ص 355، ح 1 (وفيه: «دمائهم» بدل «أنفسهم»).

أمِنتُك في الكِسالة عن إجابتك. فقال: «اعتقتُكَ شكراً للّٰه؛ لأمان عباده منّي(1)» ؛ وهذه الخصلة من كمال زينة الإيمان.

98. المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ ، وَالفَاجِرُ خَبٌّ (2) لَئِيمٌ .(3)

هذا الخبر أمر بخصلتين ونهى عن خصلتين، أي: كن كريماً جامعاً لمحامد الأخلاق، قليل المعرفة بالشرّ، غافلاً عن الفَعال القبيح؛ فإنّ الكافر يكون عادته الوُغول في الشرّ والاحتيال.

بَيَّنَ عليه السلام أنّ المؤمن كما كان مخالفاً مضادّاً للكافر، فكذلك أخلاقُهما وصفاتهما متناقضة، و «الغِرّ» في اللُّغة: الذي لم يجرّب الاُمور. والمراد «بالفاجر»: الكافر؛ لوقوعه في مقابلة المؤمن، و «الخَبُّ »: الجُربُز المَكّار، وهو نقيض الغِرِّ، و «اللئيم»:

خلاف الكريم، و «اللُّؤم»: اسمٌ جامع لمساوئ الأخلاق.

99. المُؤْمِنونَ (4) كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً.(5)

ظاهر الخبر ومعناه الأمر، أي: ليكن المؤمنون كذلك. تشبيه(6) المؤمنين في

ص: 134


1- . لم نعثر على الخبر في المجاميع الروائية ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).
2- . الخَبُّ بالفتح: الخدّاع، وهو الجُرْبُز الذي يسعى بين الناس بالفساد. النهاية، ج 2، ص 4 (خيب).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 111، ح 133؛ مسند أحمد، ج 2، ص 394؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 435، ح 4790؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 232، ح 2030؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 43. عيون الحكم والمواعظ، ص 57 (فيه إلى قوله: «كريم»)؛ بحارالأنوار، ج 64، ص 283، ح 6 (عن مسند الشهاب)، و ص 298، ح 23؛ و ج 71، ص 393، ح 13 (وفي الموردين الأخيرين عن الأمالي للطوسي).
4- . في مسند الشهاب و مسند أحمد و صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن الترمذي: «المؤمن للمؤمن» بدل «المؤمنون».
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 112، ح 134 و 135؛ مسند أحمد، ج 4، ص 404 و 405 و 409؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 123؛ و ج 3، ص 18؛ و ج 7، ص 80؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 20؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 218، ح 1993. المجازات النبويّة، ص 282.
6- . في المخطوطة يقرأ: «تنبيه».

تناصرهم وتوازرهم بالبناء المبنيِّ بالجصّ والآجر والحجر في استحكام بعضه بالبعض والتأليف الذي فيه.

وقيل: معناه: ينبغي أن يَعتمد بعضُهم على بعض؛ فإنّ أحوال المؤمن لا ينتظم إلّا بعناية بعضهم لبعض ظاهراً أو باطناً، كما أنّ بالبُنيان لا يقوم بعضها إلّاببعض، و «البنيان»: البناء، و «الشدّ»: العقد والإحكام، وفي الخبر دلالة [على] أنّ مِن شِعار المؤمن: أن يسرّ أخاه، ويعينه على النوائب، ويَقضي حوائجه.

100. المُؤْمِنُ مِن أَهْلِ الإِيمانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ.(1)

له ثلاثة معان:

أحدها: أنّ المؤمن الذي يُعلم كونه مؤمناً وهو المعصوم أهلُ الإيمان، هو لهم كالرأس للجسد، وله فضل عليهم، وتَدافُعهم به، وتَصالُحهم من جهته، واللام على هذا التعريف للعهد، وعلى الوجهين الآخرين للجنس كما في سائر هذه الأحاديث المتّصلة به.

والثاني: أنّ كلَّ مؤمن لا يكون غريباً ولا أجنبيّاً من مثله فهو من أهل ملَّته من المؤمنين بمنزلة الرأس من الجسد؛ فكما أنّ أحدهما لا يقوم إلّابالآخر، فكذلك المؤمنون لا يَستغني بعضهم عن بعض.

والثالث: أنّ كلّ مؤمن ينبغي أن لا يتكلَّم في أهل(2) الإيمان إلّابالخير، ولا ينظر إلى مصالحهم، ولا يسمع غيبتهم، ويجعل نفسه لهم زينةً في الأحوال، يتقدَّمهم في حوائجهم والدفع لهم.

ص: 135


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 113، ح 136؛ مسند أحمد، ج 5، 340؛ المصنّف، ج 8، ص 141، ح 115؛ المعجم الكبير، ج 6، ص 131؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 661، ح 9151. جامع الأخبار، ص 85.
2- . في المخطوطة: «هذا»، والمناسب ما اُثبت.

101. المُؤْمِنَ يَومَ القِيامَةِ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ .(1)

أي: كونوا مشفقين بإعطاء الصدقة للفقراء والمساكين؛ لتكونوا(2) في ظلّها يوم القيامة؛ فإنّ الصدقة راحة لمن دفعها يوم القيامة يَستظلّ بها.

102. المُؤْمِنُ يَأكُلُ فِي مِعاءٍ واحد، وَالكَافِرُ [يَأكُلُ ] فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ .(3)

والمراد: أنّ المؤمن يقنع مِن مَطعمه بالبُلَعِ التي تُمسك الرمق، ويُقيم الأوَد، دون المأكل التي يقصدها وجه اللذَّة، فكأنّه يأكل في معاءٍ واحد. وأمّا الكافر فهو يَطلب عاجل الدُّنيا؛ عبدٌ فيها للذَّته، وكادح فيها لطاعة شهوته، فكأنّه يأكل في سبعة أمعاء.

ولهذا الخبر ثلاثة معان اُخر:

أحدها: أن يكون مخصوصاً بعمرو بن معديكرب؛ فإنّه كان أكولاً في حال كفره، يأكل حُواراً(4) مَشويّاً مع كثير وزقّ (5) من اللبن، فلمّا سرّه(6) عليّ عليه السلام وجاء به إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قَدَّم إليه قليلاً من الطعام، فلمّا أكل بعضه شبع، وصار [هذا] سبب

ص: 136


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 113، ح 137؛ مسند أحمد، ج 4، ص 147؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 416؛ مسند إبن المبارك، ص 195، ح 342؛ مسند أبي يعلى، ج 3، ص 301، ح 1766؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 354، ح 22 (وفيه عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ مستدرك الوسائل، ج 7، ص 160، ح 7913؛ جامع أحاديث الشيعة، ج 8، ص 338، ح 972 (وفيه عن لبّ اللباب للراوندي). مع اختلاف يسير في الألفاظ في كلّ المصادر غير الأوّل.
2- . في المخطوطة: «ليكونوا»، فصحّحناه.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 114، ح 138؛ مسند أحمد، ج 2، ص 21 و 257 و 415 ومواضع اُخرىٰ ؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 99؛ صحيح البخاري، ج 6، ص 200؛ صحيح مسلم، ج 6، ص 133. الكافي، ج 6، ص 268، ح 1؛ الخصال، ج 2، ص 351، ح 29؛ المجازات النبوية، ص 376، ح 291؛ الطرائف، ص 505.
4- . الحُوار بالضمّ وقد يكسر: ولد الناقة ساعة تضعه، أو إلى أن يُفصل عن اُمّه، جمعه: أحورة وحيران وحُوران. القاموس المحيط، ج 1، ص 540 (حور).
5- . في المخطوطة: «ورزق»، والمناسب ما اُثبت. والزقّ : وعاء للشراب، وهو الجلد يجزّ شعره ولا ينتف نتف الأديم. العين، ج 5، ص 13 (زقّ ).
6- . سرَّه: طعنه في سُرّته. ولكن الظاهر أنّه تصحيف، والصحيح: «أَسَرَه».

إسلامه، فكان بعد ذلك يَقلّ أكله.(1)

والثاني: أنّه حَثٌّ إلى قلّة الأكل؛ لأنّ الخبر واردٌ مورد الذمِّ لمُكثر الأكل؛ فإنّ كثرة الأكل تُولّد كثيراً من الأسقام والآلام؛ قال: (وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لاٰ تُسْرِفُوا) (2). الفتح (48):29.(3).

والثالث: أن يكون حقيقةً ومجازاً معاً، والمعنى: أنّ المؤمن لا يتناول إلّادون سبعة لنفَسه، ويترك أكثر زاده لغيره إبقاءً عليه وشفقةً ، وأنّه يرضى من الدنيا بالقليل من اللباس والمعاش والطَّرح والفرش ألاّ يبالغ في زينة الدنيا كأنّه يأكل في معىً واحدٍ، وفي طعام المؤمن بركة، وفي الكافر على خلافه ولا يُشبعه إلّاالكثير؛ فإنّه يكون طويل(4) الأمل؛ لا يشبع من الدُّنيا، ولا يكفيه ما يسدّ به بطنه ويستر به عورته، ولا يتنزّه(5) عمّا ليس له، فهو أبداً في همّة الأكل واللّذة كالذي يأكل في سبعة أمعاء، والوجهان الأخيران على العموم.

103. المُؤمِنونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ .(6)

المعنى أنَّهم يكونون كذلك مع إخوانهم المؤمنين، فأمّا مع الكفّار فيكونون أشدّ من الحديد والحجر؛ قال تعالى: (أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ ) (7)(أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ ) (7)، والتخفيف والتثقيل في الهيِّن والليِّن لغتان كالمَيْت والميّت. وقال ابن الأعرابي: «التخفيف في المدح، والتثقيل في الذمّ »،

ص: 137


1- . لم نعثر على الخبر إلّافي ضوء الشهاب (المخطوط) مع اختلاف فيه.
2- . الأعراف
3- :31.
4- . في المخطوطة: «طول»، وهو تصحيف ظاهراً.
5- . في المخطوطة: «ينتره»، والصحيح ما اُثبت.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 114 و 115، ح 139 و 140؛ الفائق في غريب الحديث، ص 56؛ تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي، ج 2، ص 467؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 663، ح 9163؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 143، ح 693. الكافي، ج 2، ص 234، ح 14 (عن الإمام الباقر عليه السلام)؛ أعلام الدين، ص 110؛ عيون الحكم والمواعظ، ص 143 (مع اختلاف يسير)؛ بحارالأنوار، ج 64، ص 356، ح 59 (عن شهاب الأخبار).
7- . المائدة (5):54.

يعني: إنّ المؤمن ليِّن المطلب غير شديد فيه، هيّن الأمر، لا يَستصعب بصفح عن الزَّلل، ويَقبل العذر، فقوله ليّن، وفِعله هيّنٌ والمحذوف من ياءي هيّن وليّن الاُولى، وقيل الثانية.

وتمام الخبر: «كالجَمَل الأَنفَ »(1) أي المذلول؛ إنّ قُيِّد انقاد وإن اُنيخ على صخرة استناخ.

والكاف محلّه رفع أو نصب؛ فالرفع على أنّه خبر ثالث، والمعنى: إنّ كلّ واحد منهم مثل الجمل. والنصب على أنّها صفة مصدرٍ محذوفٍ : «ليِّنون لِيناً مثلَ لِين الأنف».

104. الشِّتَاءُ رَبِيعُ المُؤْمِنِ .(2)

بيان الخبر في تمامه وهو: «طال ليله وقصر نهاره فصام» ، وإنّما خُصّ الربيع أحد الفصول عند العرب، والربيع وقت الخِصب والخير والسعة والدعة، وبخلافه الشتاء فهو وقت الجَدب والقَحط وقلَّة الخير خصوصاً للعرب في بواديهم.

وللخبر معنيان:

أحدهما: أنّ المؤمن يقوم بالليل ويصوم بالنهار، فإذا كان الشتاء طال الليل وقصر النهار فيَحصل مقصوده من الصيام والقيام على رفاهيّة؛ ينام بعض الليل ويقوم بعضه، فلا يشقُّ عليه لغلبة النوم. وكذلك يصوم في اليوم القصير، فيسهل عليه الصوم.

والمعنى الآخر: أنّ البرد مانع من القيام بالليل فيشقُّ على المصلّي مجانبة

ص: 138


1- . الفائق في غريب الحديث، ص 56؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 663، ح 9163؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 143، ح 693.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 115 و 116، ح 141 و 142؛ مسند أحمد، ج 3، ص 75؛ السنن الكبرى، ج 4، ص 297؛ مسند أبي يعلى، ج 2، ص 324، ح 1061. الأمالي للصدوق، ص 237، ح 354؛ صفات الشيعة، ص 33، ح 49؛ فضائل الأشهر الثلاثة، ص 111، ح 105؛ معاني الأخبار، ص 228، ح 1 (وفي الأربعة الأخيرة عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 100، ح 18.

الفراش والوضوء بالماء البارد، فيكون أعظم لثوابه وأكثر، كالربيع له؛ فإنّه أيّام الخِصب والسعة، وعلى هذا قوله: (إِنَّ نٰاشِئَةَ اَللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلاً) (1).

105. الدُّعَاءُ سِلَاحُ المُؤْمِنِ .(2)

يقول: إذا لم يمكنكم(3) مقاومة عدوٍّ فعليكم أن تَرموه في الليلة الظَّلماء بسهام الدعاء عن قول الإخلاص بلا رياء؛ فإنّ المؤمن إذا عجز من العدوّ دعا عليه وحاربه بالدعاء؛ فإنّه سلاحٌ عند الحوادث والنوازل وعلى الشيطان وجميع أهل العدوان. وكان الناس ليلة البدر قد ناموا كلّهم، ورسول اللّٰه قائم في أصل شجرة يصلّي ويدعو إلى الصباح، فأمدّه اللّٰه بخمسة آلاف من الملائكة مسوِّمين لمّا عيتِ (4)الصفوف. وكتب عليٌّ عليه السلام إلى معاوية:

«أتلعب بالدعاء وتَزدريه *** وما يدريك ما فعل الدعاء

سهام الليل لا تخطي ولكن *** لها أجلٌ والأجل القضاء»(5)

106. الصَّلَاةُ نُورُ المُؤْمِنِ .(6)

معناهُ : إنّ الصلاة تنوّر المؤمن ظاهره وباطنه [وَ] تنوّر قلبه، ويكون نوراً على جبينه يُعرف به، وكذا يكون نوراً له يوم القيامة، فهذا على العموم. وقيل: إنّ اللام

ص: 139


1- . المزمل (73):6.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 116، ح 143؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 492؛ مسند أبي يعلى، ج 1، ص 344، ح 439؛ و ج 3، ص 346، ح 1812؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 655، ح 4258. الكافي، ج 2، ص 468، ح 2 (وفيه عن الإمام عليّ عليه السلام) و ح 3؛ ثواب الأعمال، ص 26؛ الدعوات، ص 18، ح 4 (وفيه مع اختلاف يسير)؛ المجازات النبوية، ص 210، ح 171؛ مكارم الأخلاق، ص 268.
3- . في المخطوطة: «يمكنهم»، والظاهر أنّه تصحيف.
4- . أي تعبت، و عجزت «مجمع البحرين، ج 3، ص 289 (عيي)».
5- . راجع: المجتنى من دعاء المجتبى، ص 77؛ فيض القدير، ج 3، ص 703.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 117، ح 144؛ مسند أبي يعلى، ج 6، ص 330، ح 3655؛ الكامل لابن عدي، ج 5، ص 217 و 247؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 36، ص 198؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 120، ح 5180؛ كنزالعمّال، ج 7، ص 288، ح 18915. جامع الأخبار، ص 85؛ مستدرك الوسائل، ج 3، ص 92، ح 3098؛ معارج اليقين في اُصول الدين للسبزواري، ص 218، ح 549.

لتعريف العهد على ما روي أنّ المصلّي صلاة الليل يجيء يوم القيامة ونوره يمشي بين يديه مسيرة غَلوة؛ قال تعالى: (يَوْمَ تَرَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمٰانِهِمْ ) (1)، «ومَن سبّح تسبيح الزهراء عليها السلام وعدّها بأصابعه جاء يوم القيامة ويُضيء من كلّ إصبع [من] أصابعه نور مثل مشعلة» .(2)

107. الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤمِنِ وَجَنَّةُ الكَافِرِ.(3)

معناه: إنّ المؤمن في الدنيا بمنزلة المَسجون في السجن، كلَّ ساعة يرجو وينتظر خلاصه منها وخروجه إلى رحمة اللّٰه، فهو مستعجل لفراق الدنيا. والكافر بالعكس من ذلك يثقل عليه ذكر الموت، فإذا دنا أجله كان كمن ينقل من بستانٍ إلى أوحش مكانٍ .

وقيل: معناه الأمر والنهي وإن كان بصورة الخبر؛ يعني: كونوا في الدنيا كالمسجونين في السجن المقيَّدين بقيد التكليف، ولا تكونوا كمن هو في الجنّة متنعّمين مرفّهين بَطِرين. ورأى يهوديٌّ الحسن بن عليّ عليهما السلام في أبهى زيّ فقال(4): أ ليس قال رسولكم: «الدنيا سجن المؤمن ؟!» فقال: «نعم» . قال: هذا حالي - وكان في أسوء حال - وهذا حالك!

فقال عليه السلام: «غلِطتَ يا أخا اليهود! لو رأيت ما وعدني اللّٰه من الثواب، وما وعدك من العقاب، لعلمت أنّك في الجنّة وأنّي في السجن» .(5)

ص: 140


1- . الحديد (57):12.
2- . لم نعثر عليه في المجاميع الروائية ولكن ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 118، ح 145؛ مسند أحمد، ج 2، ص 323 و ص 389 و 485؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 210؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1378، ح 4113. الفقيه، ج 4، ص 363، ح 5762؛ معاني الأخبار، ص 288، ح 3؛ كتاب التمحيص، ص 48، ح 76؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 47.
4- . في المخطوطة: «يقال»، وما اُثبت من المصدر.
5- . راجع: الكشكول للشيخ البهائي، ص 295، و ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).

108. الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ .(1)

وتمام الخبر بيانه وهو: «حيثُ وجدها قيّدها» ، أي كتبها؛ فالمؤمن يطلب الحكمة أبداً، فهو بمنزلة المضلّ ناقتَه يطلبها.

وفي رواية اُخرى: «الكلمة الحكمة ضالَّة الحكيم؛ حيثما وجدها فهو أحقّ بها»(2)، جعل الحكمة للحكيم بمنزلة الضالَّة التي ناشدها وساعٍ في طلبها، لأنّه أشبه بحكمته، فحيث سمعها من غير حكيم فهو أحقّ بالحيازة لها، ونحوه الخبر الآخر: «إنّ الكلمة الحكمة تكون في قلب المنافق، فلا تزال تنزع حتّى تلحق بصواحباتها في قلب المؤمن»(3).

109. نِيَّةُ المُؤْمِنِ أَبْلَغُ مِنْ عَمَلِهِ .(4)

معناه: نيَّة المؤمن منفردةً عن العمل خيرٌ له من عملٍ خالٍ عن النيّة.

بيَّنَ عليه السلام عظم شأن النيَّة وأنّها أبلغ من الأعمال؛ من حيث إنّ الأعمال لا تُقبل بدونها ولا تقع موقع القبول إلّابها، والنيّة عبادة مستقلّة بنفسها وإن لم تكن معها عمل، فالعمل يحتاج إلى النيّة، ولا يحتاج النيّة إلى العمل.

وروى النواس بن سمعان الكلابي: «نيّة المؤمن خير من عمله» ،(5)وقد فسّر الخير فعله(6) على أنّه ليس التفضيل، والمراد: نيّة المؤمن خير من خيرات عمله أي من

ص: 141


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 118، ح 146؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1395، ح 4169؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 155، ح 2828؛ السنن الكبرى، ج 6، ص 19. الكافي، ج 8، ص 167، ح 186 (فيه عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ عيون الأخبار، ج 1، ص 71، ح 295 (وفيه عن الإمام عليّ عليه السلام)؛ المجازات النبوية، ص 295، ح 204؛ معدن الجواهر، ص 9.
2- . المجازات النبوية، ص 198، ح 154؛ كنزالفوائد، ص 265 (وفيه مع اختلاف يسير)؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 155، ح 2828؛ الكامل لابن عدي، ج 1، ص 231.
3- . الاُصول الستّة عشر، ص 68 (وفيه مع اختلاف)؛ المجازات النبويّة، ص 198، ح 154.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 119، ح 147 و 148؛ الفائق في غريب الحديث، ص 377؛ فتح الباري، ج 11، ص 177؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 424، ح 7269؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 324، ح 2836. الأمالي للطوسي، ص 454، ح 19؛ جامع الأخبار، ص 85؛ وسائل الشيعة، ج 1، ص 56، ح 114 (عن الأمالي للطوسي).
5- . الكافي، ج 2، ص 84، ح 2؛ الهداية للصدوق، ص 62؛ الانتصار للشريف، ص 52، ح 54.
6- . كذا في المخطوطة.

جملة عمله، و «من» للتبعيض، وإذا حُمل «خير» على التفضيل كان المعنى على ما ذكرناه في الرواية الاُخرىٰ ، ولا يلزم أن يكون نيّة الصلاة خيراً من الصلاة، ولا نيّة الحجّ خيراً من الحجّ ، وكذا في سائر العبادات؛ لأنّ نيّة الصلاة والحجِّ وكلّ عبادة إنّما تكون خيراً من عملها إذا كان العمل خالياً عن النيّة؛ لأنّ صورة الصلاة ونحوها لا يكون شيئاً بدون النيّة.(1)

وروي سبب في هذا الخبر؛ وهو أنّ النبيَّ عليه السلام مرّ بماء وعليه جسر قد خرِب، فقال: «من عمَره فله من الأجر كذا» ، فقال صحابيٌّ : أنا أعمُره. فتبادر إليه يهوديٌ فعمره، فقيل ذلك للنبيّ ، فقال: «نيّة المؤمن - أي هذا المؤمن - خيرٌ من عمل ذلك اليهودي» .(2)

110. هَدِيَّةُ اللّٰهِ إلَى المُؤْمِنِ السَّائِلُ عَلىٰ بَابِهِ .(3)

يقول: اغتنموا سائلاً يقوم على باب داركم؛ فإنّه هديَّة من اللّٰه، فاقبلوها ولا تردُّوها؛ فإنّ ردّ هدية الكرام لؤمٌ .

ورأى عليٌّ عليه السلام سائلاً يسأل، فقال لأصحابه: «هل تدرون ما يقول»؟ قالوا: لا، قال:

«يقول: هل من أحدٍ يحمّلني شيئاً أحمله إلى القيامة، وأردُّه إليه في موقف الحساب، وأكفيه مؤونة حمله ؟ وإنّ اللّٰه يقول: يا ابن آدم أنت عبدي، والمال مالي، وقد أعطيتك جملةً منه، فاشْرِ نفسك منّي ببعضها».(4)

وقال رجل للنبيّ صلى الله عليه و آله: ما لنا نكره الموت ؟!

قال له: «قَدِّمْ مالك؛ فإنّ قلب كلّ امرئ عند ماله» .(5)

ص: 142


1- . نقل أبو الرضا الراوندي في ضوء الشهاب هذا الحمل والرأي عن بعض العلماء في مذاكرته معه.
2- . ضوء الشهاب (المخطوط)؛ الدر المنثور من المأثور و غير المأثور، ج 1، ص 357.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 120، ح 149؛ التمهيد لابن عبد البرّ، ج 5، ص 298؛ ذكر أخبار أصبهان، ج 2، ص 135؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 712، ح 9588؛ كنزالعمّال، ج 6، ص 363، ح 16078. جامع الأخبار، ص 85؛ معارج اليقين في اُصول الدين للسبزواري، ص 218، ح 553.
4- . راجع: إرشاد القلوب، ج 1، ص 50.
5- . الأمالي للسيّد المرتضى، ج 1، ص 198؛ مشكاة الأنوار، ص 524؛ التحفة السنيّة للسيّد الجزائري، ص 58. وراجع أيضاً: الكافي، ج 2، ص 458، ح 20؛ الاعتقادات للصدوق، ص 57.

و «الهديّة»: فعيلة بمعنى مفعولةٍ أي مُهداة، و «السائل» هنا: المستطعم، وإنّما كان السائل هديّة لأنّه إذا أخذ الصدقة يستحقُّ معطيها الثواب فكان هو سبباً لثوابه، فنعمت الهديّة(1) ما يجلب الثواب والأجر العظيم.

111. تُحْفَةُ المُؤْمِنِ المَوتُ .(2)

إنّما يكون الموت تحفةً للمؤمن لأنّه يصير كفّارة لذنوبه، وينجو من الشدائد والتكليفات ووساوس الشيطان وصحبة الأشرار والبليّات، ويصلُ إلى الرضوان والغفران؛ كما قال عليٌّ عليه السلام عند الوفاة: «فزتُ وربّ الكعبة» .(3)وكان يقول: «لا اُبالي أ وَقَعَ الموتُ عليّ ، أم وقعتُ على الموت» .(4)

وكيف لا يكون الموت تحفةً للمؤمن(5) وهو الذي يوصله إلى جوار اللّٰه ودار ثوابه ؟ والحكمةُ اقتضت أن يكون بين زمان التكليف وزمان الجزاء مدَّة متراخية؛ لئلاّ يؤدّي إلى الإلجاء؛ لأنّ النفع العظيم إذا كان مقارناً للفعل ألجأ الفاعل إلى ما اُمر به، وكذلك المضرّة العظيمة، والمكلّف يجب أن يكون مخيّراً متردّد الدواعي؛ ليفعل ما يفعله باختياره، فإخراج مَن في المشقّة إلى الراحة من أعظم التحف وأنفعها، وأصل التحف طُرَفُ الفواكه التي يتهاداها الناس بينهم، فجعل الموت الوارد على المؤمن كالتحفة المُهداة إليه؛ لأنّه يُسَرُّ بتعجيل مماته.

ص: 143


1- . في المخطوطة: «الهداية»، وهو تصحيف واضح.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 120، ح 150؛ المستدرك للحاكم، ج 4، ص 319؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 501، ح 3257؛ كنزالعمّال، ج 15، ص 546، ح 42110. الدعوات، ص 235، ح 648؛ المجازات النبوية، ص 327، ح 252؛ بحارالأنوار، ج 58، ص 90؛ معارج اليقين، ص 218، ح 554.
3- . خصائص الأئمّة، ص 63، المناقب لإبن شهر آشوب، ج 1، ص 385 و ج 3، ص 95؛ الطرائف، ج 2، ص 519.
4- . راجع: مقاتل الطالبيّين، ص 21؛ بحارالأنوار، ج 42، ص 233؛ نهج السعادة، ج 2، ص 659.
5- . في المخطوطة: «للموت»، وهو من سهو القلم.

112. شَرَفُ المُؤمِنِ قِيامُهُ بِاللَّيلِ ، وَعِزُّهُ استِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ .(1)

يقول: إذا أردت أن تكون شريفاً عزيزاً فاستغن عن الناس وصلّ بالليل؛ فإنّ من اعتاد صلاة الليل يحبُّه اللّٰه ويشرِّفه على سائر خلقه الذين لا يقومون لصلاة الليل؛ فكأنَّه عليه السلام قال: ليس الشَّرَف ما تظنّونه من شرف الحسب وكرم النَّسَب وعزّ الجمال، بل شرف كلّ مؤمنٍ يقوم بالليل صلاةُ الليل.

وفي الخبر: «أنّ الرَّجل إذا قام لصلاة الليل باهى اللّٰه به ملائكته» .(2)

وقال الصادق عليه السلام: «من عمّر أوّل الليل خرّب آخره»(3)، يعني: مَن عمّره بالسَّهَر للسَّمَر خرَّب آخره بالنَّوم.

وأمّا عزّ [ه] ففي القناعة وأن يغني نفسه عن الناس ويتنزّه عن السؤال؛ فإنّه مذلّة.

وقال علي عليه السلام: «من استغنيت عنه فأنت شريكه، ومن طمعت فيه فأنت أسيره» .(4)

113. العِلْمُ خَلِيلُ المُؤْمِنُ ، والحِلْمُ وَزِيرُهُ ، وَالعَقْلُ دَلِيلُهُ ، وَالعَمَلُ قَائِدُهُ ، وَالرِّفْقُ وَالِدُهُ ، وَالبِرُّ أَخُوهُ ، وَالصَّبْرُ أَمِيرُ جُنُودِهِ .(5)

أي: إنّه يأنس بالعلم من الوحشة كالخليل بالخليل، ويقوى بالحلم على الاُمور، وبالعقل يهتدي في ظُلَم المشكلات فهو كالدَّليل، والعمل تقوّم زلله كالقائد والقيّم،

ص: 144


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 121، ح 151؛ تاريخ بغداد، ج 4، ص 229؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 12، ص 92؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 19، ح 89. الأمالي للصدوق، ص 304، ح 5؛ الخصال، ص 7، ح 20 (مع اختلاف يسير فيهما)؛ روضة الواعظين، ص 488؛ جامع الأخبار، ص 178، ح 2.
2- . راجع: الأمالي للصدوق، ص 589، ح 14؛ أعلام الدين، ص 262؛ روضة الواعظين، ج 1، ص 128.
3- . راجع: السرائر لابن إدريس، ج 1، ص 307؛ الينابيع الفقهية، ج 4، ص 728.
4- . راجع: مصباح الشريعة، ص 106؛ بحارالأنوار، ج 70، ص 169، ح 6؛ مستدرك الوسائل، ج 12، ص 70، ح 13537؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 67، ص 184.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 122، ح 152 و 153؛ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص 64، ح 50؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 63، ص 388؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 443، ح 2881؛ كنزالعمّال، ج 10، ص 133، ح 28663 (مع الاختلاف في الأربعة الأخيرة). الكافي، ج 2، ص 47، ح 1؛ الأمالي للصدوق، ص 592، ح 17؛ الخصال، ص 406، ح 1؛ كتاب التمحيص، ص 66، ح 154 (وفي الأربعة الأخيرة عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ المجازات النبويّة، ص 195، ح 152 (وفي الخمسة الأخيرة ليس بعض الفقرات).

والرفق يُقْبل إليه بالقلوب فهو كالوالد الرؤوف، و «البرّ» سبب اجتلاب الإخوان إليه، وروي: «وَاللِّين أخوه» ، وإنّما جعله أخاه لأنّه يفيده مؤاخاة الأخوان. والصبر ملاك أمره، به يبلغ الآداب وهو متقدّم عليها.

فهذا الخبر حثّ على سبع خصال؛ وهو أن يتّخذ المؤمن العلم حبيباً وصاحباً فإنّه لا يخون بل يصون، والحلم وزيراً فإنّه نِعمَ المعاون والمؤازر، والعقل دليلاً فإنّه يدلّه على مَصالحه ومفاسده ومنافعه ومضارّه، والعملَ قائداً يقوده إلى الجنّة، والرفقَ والداً فإنّه يأمرك بصلاحِ دينك ودُنياك، والبرَّ - وهو الإحسان والمعروف - أخاً لأنّه كالأخ الشقيق والمحبّ الشفيق، يُزيّنه ويحبّبه(1) إلى العدوِّ والصديق، والصبرَ أميراً على الكلّ ، جعله أميراً على جنوده لأنّه بمنزلة الأمير على الجند؛ لصعوبته ومشقّته على الصابر، فإذا كان صابراً على الطاعة وعن المعصية كان صبره أميراً على أعضائه وجوارحه، تطيعه على مصالحه ولا تَعصيه في اجتناب مفاسده، فالمؤمن موفَّق بقوَّة الصبر، والبرُّ يعاونه؛ وكما أنّ الولد يعيش برفق والده، وأنّ (2) المؤمن يعيش برفق نفسه.

و «القائد»: الذي يهيئ اُمور الجيش، فعمل المؤمن يهيئ اُموره في القيامة، وإذا دلَّه العقل على أمر يأتي به ولا يستنكف عنه. والوقار والرزانة ملجأه الذي يعود إليه في اُموره، والوزير الذي يتحمّل إليه أثقال الملك؛ وما في الدنيا خصلة من خصال الخير توازي العلم، ففيه شرف الدنيا والآخرة، وبه الخلاص من النار والوصول إلى دار القرار، وهو عزيز الخُلَّة لا يخالُّ كلّ أحدٍ، بل يطلب قلباً تقيّاً وبدناً نقيّاً وصاحباً رضيّاً مرضيّاً.

وإنّما جعل الحلم وزيراً له لأنّه إذا كان حليماً لم يكن طائشاً طيّاراً، يتأمَّل في العواقب، ويرتدع عن كثير من المفاسد ممّا يوقعه في آفات الدنيا وعذاب الآخرة، و «الوزير» فعيل بمعنى مفاعل، و «العقل» عبارة عن مجموع علوم إذا اجتمعت

ص: 145


1- . في المخطوطة: «يحبّه»، وهو تصحيف ظاهراً.
2- . يقرأ في المخطوطة: «عزّ» ويقرأ أيضاً: «وعن» وليس لهما معنى محصّل.

لإنسان كان عاقلاً مكلَّفاً، وسمّي به لأنّه يمنع صاحبه إذا استعمله عن كثير من المفاسد، كما أنّ العِقال يمنع الناقة عن السير، ويُعتقل به العلوم المكتسبة، والدليل ما يدلّك على مدلولٍ . وجعل العقل دليله لأنّه دالٌّ على ما يجب عليه وعلى صلاحه وفساده، والعمل عمل المؤمن ووقوعُه بقصده واختياره، وهو قائد؛ إن كان خيراً يقوده إلى الجنّة، وإن كان شرّاً يقوده إلى النار. و «الصبر»(1) هو حبس النفس على ما تكرهه.

114. الغِيرَةُ مِنَ الإِيمَانِ .(2)

115. البَذَاذَةُ مِنَ الإِيمَانِ .(3)

جعَلَ الغيرة وهي الحميّة من الإيمان إيذاناً بأنّ مَن لا غيرة له كان إيمانه ناقصاً؛ مبالغةً في وصف الغيرة بأنّها بعض الإيمان. وجَعَلَ الحياء أيضاً بعض الإيمان؛ لمناسبته له في أنّه يمنع مِن المعاصي كما يمنع منها الإيمان، ولأنّ حظّ الحياء من الإيمان حظّ جليل، ومنزلته منزلة جليلة؛ فإنّ المرء إذا كان حييّاً امتنع من المنكرات والفواحش حياءً من الناس إن لم يتركها خوفاً من اللّٰه، فهو معينٌ للمؤمن على إيمانه.

و «البذاذة» أيضاً بعض الإيمان، وهي رثاثة الحال، ورجلٌ بذّ الهيئة إذا كان خَلقَ الثيابِ ، وبَثَّه وبَذَّه إذا فرّقه، والبذاذة مصدر(4)، فالفقير متفرّق الأحوال غير ملتئم

ص: 146


1- . في المخطوطة: + «و»، والظاهر أنّه زائد.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 123، ح 154؛ السنن الكبرى، ج 10، ص 226؛ المصنّف، ج 10، ص 409، ح 19521؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 207، ح 5824. الفقيه، ج 3، ص 444، ح 4541؛ الجعفريّات، ص 95؛ دعائم الإسلام، ج 2، ص 217، ح 804؛ النوادر للراوندي، ص 179.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 125، ح 157؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1379، ح 4118؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 281، ح 4161؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 9؛ مسند الحميدي، ص 173، ح 357. بحارالأنوار، ج 70، ص 207؛ مجمع البحرين، ج 1، ص 170.
4- . اُنظر: العين، ج 8، ص 178؛ لسان العرب، ج 3، ص 477؛ مجمع البحرين، ج 3، ص 177 (بذذ). وجاء في لسان العرب (مذى): «والمِذاء: أن تَجمع بين رجال ونساء وتَتركهم يلاعب بعضهم بعضاً».

الاُمور، والمراد: الترثّي بذلك الزيّ والتقنُّع به والتصبُّر عليه وأن لا يبالي باختلال حاله - استحقاراً للدنيا وإقبالاً على الآخرة - بعضُ الإيمان. و «مِن» في الأخبار الثلاثة للتبعيض، وقيل: «الغيرة»: أن لا يأتي المؤمن ما حرّم اللّٰه عليه.

و «الحياء»: غريزة وطبع، والمستحيي ينقطع عن المعاصي، وخَلقُ الثياب ملابس أهل الزهد فيها استكانة. وتمام الخبر: «والمِذاء من النفاق» ، و «المِذاء»: أن يجمع بين الرَّجُل والمرأة ليتماذى كلّ واحدٍ منهما، والمماذي: الذي يقود على أهله.(1)

116. الصَّبْرُ نِصْفُ الإِيمَانِ ، وَاليَقِينُ الإِيمانُ كُلُّهُ .(2)

كأنّه عليه السلام جعل الإيمان شُعَباً من الخصال الحميدة عقلاً وشرعاً كما قال: «إنّ الإسلام نيّف وسبعين شعبةً ؛ أعلاها شهادة أن لا إله إلّااللّٰه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»(3)، فجعل الصبر نصفه واليقين الإيمان كلّه؛ لأنّ اليقين علمٌ يحصل بعد الشكّ ، ولهذا لا يجري على اللّٰه تعالى، وهذا الحديث موافق للاُصول؛ لأنّ الإيمان هو المعارف والعلوم، ومرجعه إلى اعتقاداتٍ علمية، والرجُل إذا حصّل علوم الدين العقلية والشرعية فقد استكمل هو الإيمان، وإنّما تُسمّىٰ هذه العلوم يقيناً لأنّه علم يحصل بعد الشكّ ؛ لأنّ هذه العلوم لا تحصل إلّابالنظر، وحالة الناظر حالة الشاكّ المجوِّز المتردّد بين إثبات الشيء ونفيه؛ أ لا ترى أنّ الناظر في حدوث الأجسام يجوّز في حال النظر حدوثها وقدمها، فإذا نظر وعلم ما يؤدّي إليه قدمها من البطلان والإحالة علم أنّها محدَثة؛ لعدم الواسطة بين الحدوث والقدم. وأقلُّ اليقين إذا وصل إلى القلب ملأه نوراً، وينفي عنه كلّ ريبٍ ، ويمتلئ به شكراً ومن اللّٰه خوفاً.

ص: 147


1- . اُنظر: العين، ج 8، ص 204؛ لسان العرب، ج 15، ص 275 (مذي).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 126، ح 158؛ المعجم الكبير، ج 9، ص 104؛ تاريخ بغداد، ج 13، ص 227، ح 7197؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 113، ح 5130. مجموعة ورّام، ج 1، ص 40؛ إرشاد القلوب، ج 1، ص 127؛ تفسير مجمع البيان، ج 8، ص 94.
3- . عوالي اللئالي، ج 1، ص 431، ح 130؛ جامع الأخبار، ص 36؛ مشكاة الأنوار، ص 40 (مع اختلاف يسيرفي كلّها).

و «اليقين» هو رفع الشكّ عن الخاطر، وما يزيل الشكَّ يكون كلّه إيماناً وتصديقاً.

وقيل: «الصبر» هو الثبات على الكتاب والسنّة، وهذا إشارة إلى العلوم الشرعية، وهي والعلوم العقلية توأمتان.

117. الإِيمَانُ نِصْفَانِ : نِصْفٌ شُكْرٌ، وَنِصْفٌ صَبْرٌ.(1)

أي خصال الإيمان شكرٌ أو صبرٌ، أو حلية الإيمان وزينته ولباسُه هذا. قَسَمَ عليه عليه السلام خصال الإيمان من وجهٍ آخر وما يكون الإنسان به مستكمل الإيمان فقال:

الإيمان نصفان وهما الشكر والصبر؛ لأنّ حال المكلَّف لا يخلو من أمرين: إمّا أن يكون في النعمة استعمل الشكر، وإمّا أن يكون في الشدّة استعمل الصبر، فإذا أخذ بطرفَي الخصلتين فقد استكمل الإيمان وخصاله الحميدة، وقد بيّنّا أنّ «الشكر» اعترافٌ بالنعم مع ضربٍ من التعظيم، و «الصبر»: حبس النفس [على] ما تكرهه.

118. الإِيمَانُ يَمانٍ ، وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ .(2)

يريد بذلك الثناء على أهل اليَمَن؛ لمبادرتهم إلى الدعوة عند أن وجدوا المعجز، وإسراعِهم إلى الإيمان عند التنبيه.

وقيل: في معنى الخبر وجوه:

أحدها: أنّ المراد بنسبة الإيمان والحكمة إلى اليَمَن مدحُ أهلها، والمعنى أنّ كلّ يمنيٍّ مؤمن حكيم على طريق المبالغة حتّى كأنّ الإيمان والحكمة خرجا من اليمن.

والثاني: أنَّه أراد باليمن الحجاز؛ لأنّ الحجاز من جملة اليمن، والمراد: الإيمان

ص: 148


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 127، ح 159؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 479، ح 3106؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 39، ح 61 (مع اختلاف يسير فيهما)؛ الفتح السماوي، ج 3، ص 982، ح 871. تحف العقول، ص 48 (مع اختلاف يسير فيه)؛ جامع الأخبار، ص 35؛ بحارالأنوار، ج 57، ص 26.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 128 و 129، ح 160-163؛ كتاب الاُمّ للشافعي، ج 1، ص 189؛ مسند أحمد، ج 2، ص 235 و 252 و 258 ومواضع اُخرى؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 37؛ صحيح البخاري، ج 4، ص 154. الكافي، ج 8، ص 70، ح 27 (وفيه مع اختلاف يسير)؛ المجازات النبويّة، ص 338، ح 263؛ بحارالأنوار، ج 22، ص 136، ح 220 (عن الكافي).

حجازيٌّ ، والحكمة حجازية؛ لأنّ النبيَّ صلى الله عليه و آله ظهر بالحجاز، وأظهر الإسلام والحكمة بها، ونبّه الناس على الإيمان فيها أوّلاً.

وقيل: قال النبيُّ عليه السلام هذا الحديثَ وهو بتبوك - وهو بين مكّة والمدينة - فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكّة والمدينة.(1)

وقيل: لَمَّا كتب رسول اللّٰه إلى كسرى:

«من محمّد رسول اللّٰه إلى كسرى: أمّا بعد: فأسلِمْ تَسلم» ، مَزَّقَ كتاب رسول اللّٰه، وبعث مَن يستنهض محمّداً إليه، فإن لم يجئ يَخرج رسول كسرى إلى ملك غسّان في ناحية اليمن ليجيء بعسكره إلى المدينة ويُزعج(2) محمّداً، فلمّا دخل رسول كسرى على رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله قال عليه السلام: «قُتل كسرى البارحة؛ قتله ابنه، وكان من قصَّته كيت وكيت» ، فكتب رسوله ذلك، وخرج إلى ملك كسرى غسّان، وحكى عنده ما ذكره رسول اللّٰه من حال كسرى، فقال ملك غسّان: أصطبر مقدار ما يصل خبر كسرى إلينا، فإن لم يكن على ما قال محمّد بَعثتُ من يُزعجه، وإن كان على ما ذُكر فلا يكون إلّابوحي من اللّٰه، وليس بيننا وبين الحقّ خصومة؛ نؤمن به. فلمّا وصل الخبر بهلاك كسرى في الليلة التي قال رسول اللّٰه على الهيئة التي ذكرها، أسلم ملك غسّان ثمّ أهل اليمن كلّهم، فسمع بذلك رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فقال: «الإيمان يمانٍ ، والحكمة يمانية» ،(3)ولا يُستبعد أن يكون هذا أصحّ .

وروي أنّه لمّا نزلت: (إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اَللّٰهِ ) (4) قال النبيُّ صلى الله عليه و آله: «اللّٰه أكبر! جاء نصر اللّٰه والفتح، وجاء أهل اليمن رقيقةً قلوبهم ليِّنةً طاعتهم؛ الإيمان يمان، والحكمة يمانيَّة»(5)،

ص: 149


1- . راجع: شرح مسلم، ج 2، ص 32؛ تحفة الأحوذي، ج 6، ص 423؛ عمدة القاري، ج 15، ص 192.
2- . الإزعاج: نقيض الإقرار، تقول: أزعجتُه من بلاده فشَخَصَ . «لسان العرب، ج 1، ص 217».
3- . راجع: المناقب، ج 1، ص 70؛ مسند أحمد، ج 6، ص 389؛ الطبقات الكبرى، ج 1، ص 265؛ تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 67.
4- . النصر (110):1.
5- . صحيح إبن حبّان، ج 16، ص 287؛ تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي، ج 4، ص 315؛ تفسير نور الثقلين، ج 5، ص 691.

وتغييرات النسب كثيرة؛ منها أن يقال: الحكمة يمانيَة - بتخفيف ياء النسب - ورجلٌ يمان، والجمع يمانون.

119. الإيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ .(1)

120. عَلَمُ الإيمانِ الصَّلَاةُ .(2)

كانوا في الجاهلية يَفتِك بعضهم ببعض، فلمّا جاء الإسلام حرّم اللّٰه الفتك، وأمر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أن يدعوا الكفار أوّلاً إلى الإسلام، فإذا لم يجيبوا بعد إقامة الحجة وإظهار المعجز جاهدهم. وقال عليه السلام: «لا فتك في الإسلام»(3). و «الفَتْك»: قتل الرجل غيره على غرّة وغفلةٍ منه، يقال: فَتَكَ به فتكاً، إذا قتله بغتةً .

وروي: «الإيمان قَيْد الفتك» ، وقيل: هو فجأةٌ قِبَل مَن له أمان، وقد حرّمه رسول اللّٰه على الحالات كلِّها. و «العَلَم»: العلامة؛ وذلك لأنّ الإيمان تصديق بالقلب، ولا يطّلع عليه أحدٌ إلّااللّٰه، فكلّ واحدٍ من المؤمنين يُعلمُ يقيناً أنّه مؤمنٌ ويُعلم أنّ من يَظهر على يده معجز من الأنبياء والأوصياء ومن يشير إلى كونه مؤمناً نبيّ أو وصيّ إنّه مؤمنٌ ، وكلُّ من سواهم فإنّما نحكم نحن بإيمانه إذا رأيناه يتعاطى معالم الإيمان من القيام بأداء الواجبات الشرعية من الصلاة والزكاة والصوم والحجّ ، ومِن أكبر علاماته وأظهرها الصلاة، فتستدلُّ بها على إيمان رجل حُكماً؛ فإنّا متعبِّدون بأن نحكم بإيمان كلّ من يُظهر التوحيد والعدل بحيث لا يَنقضهما جملةً ولا تفصيلاً، ولا

ص: 150


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 129، ح 164؛ مسند أحمد، ج 1، ص 166؛ وج 4، ص 92؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 631، ح 2769؛ المستدرك للحاكم، ج 4، ص 352؛ و ج 4، ص 353. الكافي، ج 7، ص 375، ح 16 (وفيه: «الإسلام» بدل «الإيمان»)؛ التهذيب، ج 10، ص 214، ح 845؛ المجازات النبويّة، ص 356، ح 275؛ عوالي اللئالي، ج 2، ص 241، ح 7؛ إعلام الورى، ص 225.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 131، 165؛ الفائق في غريب الحديث، ص 289؛ فيض القدير، ج 3، ص 112، ح 2818؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 31. جامع الأخبار، ص 73؛ معارج اليقين في اُصول الدين، ص 184، ح 448؛ أعيان الشيعة، ج 1، ص 304.
3- . تاريخ مدينة دمشق، ج 37، ص 478.

يُعلم ذلك منهم إلّاعلى الوجه الذي ذكرناه، وإنّما يغلب ذلك في ظنوننا.(1)

والخبر يدلّ على بطلان من يقول: الصلاة من جملة الإيمان وكذلك أعمال الجوارح؛ لأنّ علامة الشيء غير ذلك الشيء. وقال عليه السلام: «أفضلُ الفرائض الصلاة بعد المعرفة» .(2)

وروي: «عَلَمُ الإيمان الصلاة، فمن فرّغ لها قلبه وحاذ عليها(3) بحدودها فهو مؤمن».(4)

121. المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ .(5)

122. المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَايَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ .(6)

أراد بالخبر الأوَّل أنّ المسلم الممدوح من كان ذلك صفته، وليس معناه أنّ من لم يسلم الناس من لسانه ويده ممّن قد دخل في عقد الإسلام فليس بمسلم، ولكنّ معناه أنّ أفضل المسلمين مَن جَمَعَ إلى الإيمان إقامةَ الفرائض، وجَمَعَ إلى ذلك الكفّ عن أعراض الناس؛ لا يغتابهم، ولا يشتمهم، ولا يضربهم، ولا يقتلهم؛ فكأنّه قال: مَن سَلِم المسلمون من لسانه ويده فهو المسلم حقّاً. أخرج من الإسلام من لا يكون مأمون اليد واللسان على سبيل المبالغة دون الحقيقة، ولام التعريف يدلّ على

ص: 151


1- . في المخطوطة: «ظنونا».
2- . راجع: الأمالي للطوسي، ص 694، ح 21؛ إرشاد القلوب، ج 1، ص 145؛ تحف العقول، ص 390.
3- . حاذ عليها، أي حافظ عليها، من حاذ الإبل يحوذها حوذاً إذا حازها و جمها ليسوقها. النهاية (لابن الأثير)، ج 1، ص 457 (حوذ).
4- . راجع: تاريخ بغداد، ج 11، ص 109؛ تاريخ أصفهان، ج 2، ص 241، ح 1565؛ الفردوس، ج 3، ص 41، ح 412؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 160، ح 5472.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 132، ح 168 و 169؛ مسند أحمد، ج 2، ص 163 و 192 و 205؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 299؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 8؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 48. الكافي، ج 2، ص 235، ح 19؛ معاني الأخبار، ص 333، ح 1؛ المجازات النبويّة، ص 359، ح 277.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 132، ح 169؛ مسند أحمد، ج 2، ص 68 ص 91 و ص 311؛ و ج 5، ص 24؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 98؛ و ج 8، ص 59؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 18؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 440، ح 1451. الكافي، ج 4، ص 50، ح 16؛ مصادقة الإخوان، ص 48، ح 1 (وفيهما عن الإمام الصادق عليه السلام مع اختلاف يسير)؛ وسائل الشيعة، ج 12، ص 279، ح 16303 (وفيه عن الكافي).

هذا المعنى.

وقيل: معنى الخبر الثاني وإن كان خبراً الأمرُ - يعني يجب أن يكون كذلك - والنهيُ ، يعني لا يظلمْه ولا يُسلمْه. والأخ لا يظلم أخاه ولا يجيز ظلمه عقلاً وشرعاً وطبعاً، ولا يُسلمه ممّن يَظلمه، ولا يخلّي بينه وبين ظالمه، بل يَحميه ويَمنعه كما يَحمي ويمنع أخاه من النسب؛ يعني: لا يَسلمه إلى السلطان، ولا يَسعى بين الإخوان. والمسلم في اللغة: المستسلم المنقاد، وكذلك في الشرع، إلّاأنّه استسلام لاُمور شرعيّة، وهو من الأسماء المخصوصة؛ وذلك لأنّه يمنعه إسلامه من إيذاء المسلمين والسعيِ في إتلاف أنفسهم واستحلال أموالهم.

123. المُسْلِمُونَ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلىٰ مَنْ سِوَاهُمْ .(1)

124. المَوْتُ كَفَّارَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ .(2)

يريد أنّ المسلمين ينبغي أن يكونوا متعاونين متظاهرين على أعدائهم إذا استُنْفروا إلى مجاهدة العدوحِ وجب عليهم النفر جميعاً، وإذا استُنجدوا على دفع مضرَّتهم اتّحدوا كلُّهم ولم يتخاذلوا ولم يَخلب(3) أحدٌ منهم؛ لأنّ المسلمين في الملّة كالنفسْ الواحدة، والعقل يقتضي دفع المضرّة عن النفس، وأراد بقوله «يد واحدة» في التناصر والتعاون، فكون أيديهم وإن كانت كثيرة في الصورة تكون واحدةً في هذا المعنى، وأراد ب «من سواهم» من لم يكن على ملَّتهم وسائرَ أنواع الكفّار؛ لأنّ الكفر ملَّة واحدة كما أنّ الإسلام ملّة واحدة وإن اختلف المسلمون في الآراء

ص: 152


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 133، ح 170؛ كتاب الاُمّ للشافعي، ج 7، ص 370؛ إمتاع الأسماع، ج 1، ص 393. الغارات، ج 2، ص 828؛ إرشاد القلوب، ج 2، ص 334؛ الطرائف، ج 1، ص 278؛ الصوارم المهرقة، ص 77 (مع اختلاف يسير في الأربعة الأخيرة).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 133-135، ح 171-173؛ تاريخ بغداد، ج 1، ص 364؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 51، ص 120؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 672، ح 9246. الفقيه، ج 1، ص 134، ح 358 (وفيه عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ الأمالي للمفيد، ص 283، ح 8؛ الدعوات، ص 235، ح 649 (وفيه عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ مجموعة ورّام، ج 1، ص 268 (مع اختلاف يسير في الأربعة الأخيرة).
3- . يخلب: من الخلابة، وهي الخداع بالقول اللطيف. النهاية لابن الأثير، ج 1، ص 85 (ظب).

والديانات. واللفظ لفظ الخبر، ومعناه الأمر [أي]: ينبغي ويجب أن يكونوا كذلك.

ومعنى الخبر الثاني أنّ كلَّ ما يصيب المحتضر المسلم من الآلام والأسقام والتأسّف والحسرة يكون كفّارةً لذنوبه، وذلك من كرامة اللّٰه إيّاه، ولأنّ للموت شدائدَ وأهوالاً، والتقدير: الموتُ كفّارةٌ لذنوب كلّ مسلم، فحُذِفَ المضاف واُقيم المضاف إليه مقامه. و «الكفّارة» هي التكفير لمعاصي العباد والعفو عنهم بالرحمة والتفضيل. إلّاعلى طريقة الإحباط.

وسئل النبيُّ عليه السلام عن العبد إذا حصل في سكرة الموت تدور دمعه في عينه، أتلك الدَّمعة مِن فراق الدنيا أو من خوف الآخرة ؟

قال: «لا هذا ولا ذاك، وإنّما للحسرة والندامة؛ يَتحسَّرُ(1) على فوت عمره في غير طاعة اللّٰه، ويندم على تفريطٍ منه في طاعة اللّٰه» .(2)

125. طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلىٰ كُلِّ مُسْلِمٍ .(3)

126. كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وعِرْضُهُ وَمَالُهُ .(4)

معنى الخبرين: أنّ كلَّ عمل فُرِض عليك أداؤه تطلب علمه فرض عليك، فإن كان عملاً مندوباً فطلب علمه مندوب، وإن لم يكن مفروضاً ولا مندوباً فطلب علمه لا يكن مفروضاً ولا سنّةً ، كالعلم بالحِرَف. وإنّ حرمة الإسلام يقطع هتك هذه الأشياء الثلاثة إلّالأحد ثلاثة أشياء، وهي ما روي عنه عليه السلام: «كفر بعد إيمان، وزناً بعد

ص: 153


1- . في المخطوطة: «يتحسّره»، والظاهر أنّه تصحيف.
2- . لم نعثر على الخبر إلّافي ضوء الشهاب (المخطوط).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 135 و 136، ح 174 و 175؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 81، ح 224؛ مسند أبي يعلى، ج 5، ص 223، ح 2837، و ص 283، ح 2903؛ و ج 7، ص 96، ح 4035. الكافي، ج 1، ص 30، ح 1؛ المحاسن، ج 1، ص 225 (وفيه عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 83؛ بصائر الدرجات، ص 22، ح 1، و ص 23، ح 3.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 136، ح 176؛ مسند أحمد، ج 2، ص 277؛ و ج 3، ص 491؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 11؛ السنن الكبرى، ج 6، ص 92؛ و ج 8، ص 250. الأمالي للسيّد المرتضى، ج 3، ص 82؛ و ج 3، ص 84؛ مجموعة ورّام، ج 1، ص 115؛ كشف الريبة، ص 6 (مع اختلاف يسير في كلّ المصادر غير الشهاب).

إحصان، وقتل [نفس] بغير حقٍّ »(1).

وإنّما كان طلب المعارف الواجبة مفروضاً لأنّ التكليف مشتمل على العلم والعمل، والعلم مقدَّم على العمل؛ لأنّ العمل يحتاج إلى العلم بكيفيّته وشرائطه وما لا يصحّ إلّابه وما يبطله؛ ليأتي المكلِّف به على ما اُمر به ويَعلم أنّه لا يعمله على خلاف المأمور به، والعلم المكتسب لا يوجد إلّابالطَّلب، فطلبُه المؤدِّي إليه فريضة. وقال عليه السلام : «اطلبوا العلم ولو بالصِّين» (2). وهذا على سبيل التقدير بأن لا يُستبعد الطريق البعيد إلى العلم ، ولو كان العلم لا يوجد إلّابالصين لوجب الخروج إليه في طلبه ، وإلّا ليس بالصين علم يجب أن يُطلب . وقال : «مَن اغبرَّتْ قدماه في طلب العلم وجبتْ له الجنّة» (3) . وقال : «مَن طلب العلم للّه عز و جل لم يُصِب منه باباً إلّا ازداد به في نفسه ذُلّاً ، وللناس تواضعاً ، وللّه خوفاً ، وفي الدين اجتهاداً ، فذلك الذي ينتفع بالعلم ، فليتعلّمه ؛ ومَن طلب العلم للدنيا والمنزلة عند الناس والحظوة عند السلطان لم يُصِبْ منه باباً إلّا ازداد في نفسه عظمةً ، وعلى الناس استطالةً ، وباللّه اغتراراً ، وفي الدِّين جفاءً ، فذلك الذي لا ينتفع بالعلم فليكفّ ، وليُمسك عن الحجّة على نفسه ، وله الندامة والخزي يوم القيامة» . (4) وقوله : «وكلّ المسلم» وإن كان اللفظ واحداً ، فالمراد به الجمع للام الجنس . بيّن عليه السلام [أنَّ] دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم تحرم على كلّ أحد من المسلمين والكفّار ، غير أنّه خَصّ المسلمين بالذكر لأنّ الكفّار لا يَعرفون الحلال والحرام والشرعيّات ولا يؤمنون به، فيستحلّون جهلاً جميع ذلك من المسلمين ، ولأنّ الخبر

ص: 154


1- . كتاب الاُمّ ، ج 6، ص 168؛ المحلي، ج 11، ص 385؛ أحكام القرآن، ج 2، ص 135.
2- . روضة الواعظين، ص 11؛ مصباح الشريعة، ص 13؛ وسائل الشيعة، ج 27، ص 27، ح 20.
3- . راجع: تفسير الرازي، ج 2، ص 189.
4- . روضة الواعظين، ص 11؛ مشكاة الأنوار، ص 238؛ بحارالأنوار، ج 2، ص 34، ح 33 (مع الاختلاف في الجميع).

وعظٌ للمسلمين؛ فإنّ الكفّار لا يتّعظون بوعظ النبيِّ عليه السلام. ومثل قوله تعالى في حقّ القرآن: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) (1). النازعات (79):45.(2)، والقرآن هدىً لهم ولغيرهم، [غير] أنّ الكفّار لمّا لم ينتفعوا به ما اعتدّ بهم وخصّ المتّقين؛ لأنّهم هم المنتفعون به. ومثله (إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشٰاهٰا) (2).

ومعنى الخبر: أنّ اللّٰه تعالى حَرَّم دم المسلم عن الإراقة، ومالَه عن النَّهْب والاستباحة، وعِرضَه عن الفِرية والاغتياب. ومعنى «التحريم» المنعُ ، يُقال: حرّمه عطاءه، والحرمان: المنع، وعرض الرَّجُل: نفسه وسَلَفه من آبائه واُمّهاته، فإذا قيل:

ذكر عرض فلانٍ ، أي ذكر ما يمدح به أو يذمّ .

127. حُرْمَةُ مَالِ المُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ .(3)

يعني: إنّ مال المسلم في كونه حراماً يُنزّل منزلة دمه؛ فكما أنّ إراقة دمه حرامٌ ، كذلك أخذ ماله، حتّى مَن استحلّ مالَه كان كمن استحلّ دمه؛ لأنّ المال به قوام البدن من حيث يتغذّى ويمتنع به من الحرّ والبرد، فقد صار بمنزلة تخريب بنيته، والمستحلّ لهما ولأحدهما خارجٌ عن الملّة إلّابحقّ .

وقال عليه السلام: «اُمرت أن اُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إلٰه إلّااللّٰه، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّابحقِّ ، وحسابهم على اللّٰه».(4) و «الحُرمة»: مصدر حَرَمَ الشيءَ فهو حرام.

ص: 155


1- . البقرة
2- :2.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 137، ح 177 و 178؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 573، ح 3707؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 93، ح 404. المسبوط للطوسي، ج 3، ص 59؛ عوالي اللئالي، ج 3، ص 473، ح 4؛ الصوارم المهرقة، ص 31؛ بحارالأنوار، ج 29، ص 407.
4- . دعائم الإسلام، ج 2، ص 404؛ ثواب الأعمال، ص 294؛ عيون الأخبار، ج 1، ص 70، ح 280 (مع الاختلاف في الجميع).

128. المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَاهُ اللّٰهُ عَنْهُ .(1)

129. المُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللّٰهِ .(2)

يقول بالخبر الأوّل: إنّ الهاجر الممدوح هو الّذي جمع إلى هجران وطنه هجر ما حرَّم اللّٰه عليه؛ لأنّه إذا لم يكن كذلك يكون مهاجراً بالاسم غير مهاجر بالإيقان.

و «المهاجر»: مفاعل من الهجرة، والفِعلة: الحالة كما قدَّمنا، فالهجرة هيئة وكيفية للمفارقة، وفي عرف الشرع: الخروج من مكّة إلى المدينة موافقة النبيِّ عليه السلام، ولهذا قال صلى الله عليه و آله: «لا هجرةَ بعد الفتح» .(3)وقوله في فقه صلاة الجمعة: «إذا حضر قوم من المسلمين، ودخل وقت الصلاة، فالأولى بالتقدُّم للإمامة أقرأ القوم، ثمّ أفقههم، ثمّ أقدمهم هجرة، ثمّ أسنّهم، ثمّ أصبحهم وجهاً»(4)، فالمراد بقدم الهجرة في عهد رسول اللّٰه: أسبق إليها والتقدّم فيها، وفي عهدنا: كثرة أجداده في الإسلام.

ومعنى الخبر أنّ المهاجر الحقيقي هو من ترك المنهيّات، ومن ترك المحارم الآن كمن هاجر بيته يومئذٍ، وثوابه ثواب المهاجرين. وإنّما داعي [الخبر الأوّل] المطابقة بين الهجرتين في اللفظ، وحثّ به على هجر مناهي اللّٰه، فكذلك الخبر الثاني ترغيب في مجاهدة النفس؛ يقول: المجاهد كلّ المجاهد من جاهَدَ نفْسَه ونازعها

ص: 156


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 138، ح 180 (وفيه: «ما حرّم اللّٰه عليه» بدل «ما نهاه اللّٰه عنه»)؛ مسند أحمد، ج 2، ص 192 و 205؛ سنن النسائي، ج 8، ص 105؛ المعجم الكبير، ج 19، ص 176 (وفي الثلاثة الأخيرة: «نهى» بدل «نهاه»). وراجع: تفسير القمّي، ج 2، ص 149؛ مشكاة الأنوار، ص 85؛ بحارالأنوار، ج 12، ص 29؛ و ج 64، ص 358.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 139، ح 183 و 184؛ مسند أحمد، ج 6، ص 20 و ص 22 (مع اختلاف يسير فيه)؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 89، ح 1671 (وفيه: - «في طاعة اللّٰه»)؛ صحيح إبن حبّان، ج 10، ص 484 (وفيه مع اختلاف يسير)؛ المعجم الكبير، ج 18، ص 309 (وفيه: - «طاعة»). المجازات النبويّة، ص 201، ح 157 (وفيه: - «في طاعة اللّٰه»)؛ مجموعة ورّام، ج 1، ص 96؛ أعلام الدين، ص 265.
3- . الخصال، ص 193، ح 268؛ الخرائج، ج 2، ص 545؛ المحتضر للحلّي، ص 187، ح 227.
4- . راجع: التهذيب، ج 3، ص 31، ح 112؛ فقه الرضا عليه السلام، ص 124؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 152.

في مخالفة الهوى مِن اتّباع أوامر اللّٰه واجتناب مناهيه؛ فإنّ النفس الأمَّارة بالسُّوء تأمره بما فيه من هلاك نفسه ودينه، فالمرء المسلم يجاهد نفسه ويدافعها حتّى يَسلم دينُه ونفسه.

وقيل: معناه: مَن امتنع مِن مواقعة المعاصي فهو بمنزلة مَن بإزائه عدوٌّ يقابله لما يُعاني من المشقَّة في مغالبة قلبه والتحفّظ من هوى نفسه. و «المجاهد»: مفاعل من الجَهد وهو المشقّة، أو من الجُهد وهو الطاقة، والمجاهدة والجِهاد مصدران لما كان بين اثنين في الأغلب كالمقاتلة والقتال، وفي عرف الشرع: مقاتلةُ مَن يجب قتاله من الكُفّار من أهل الحرب، ومخالفة النفس في شهواتها كما أمر اللّٰه، ومجاهدتها الجهاد الأكبر.

130. الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللّٰهِ .(1)

يقول: حاسِبوا أنفسكم في الدنيا، وأذِلّوا في طاعة اللّٰه؛ فإنّ الكيّس من حاسب نفسه اليوم قبل أن يحاسَب في الآخرة، وأذلَّها بترك عزّ الدُّنيا، وساسها، وعمل ما ينفعه بعد الموت، و «العاجز»: الذي لا يهتدي إلى مصالح نفسه، [و هو] من أطاعها في متابعة الهوى وهو يقول: «ليت اللّٰه غفر لي وأدخلني الجنّة» أو «لعلّ اللّٰه يغفر لي.

و «الكيّس»: الفطن(2)، و «الدِّين»: الحساب، ومعنى «دان نفسه» حاسبها، وقيل:

ص: 157


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 140، ح 185؛ مسند أحمد، ج 4، ص 124؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 54، ح 2577؛ المستدرك للحاكم، ج 1. ص 57؛ و ج 4، ص 251؛ السنن الكبرى، ج 3، ص 369. الأمالي للطوسي، ص 529، ح 1؛ مكارم الأخلاق، ص 462؛ مجموعة ورّام، ج 1، ص 64.
2- . اُنظر: العين، ج 5، ص 393؛ لسان العرب، ج 6، ص 201 (كيس).

مَن ساسها، يقال: دان الملك الرعيَّة، إذا ساسهم.(1)

وقيل: معناه: مَن أذلّ نفسه في طاعة اللّٰه وأعطى نفسه ديناً. و «بعد» ظرف لمحذوف، أي: وعمل لما ينفعه بعد موته ويجازى يوم القيامة، و «الواو» للعطف، ويجوز أن يكون للحال. و «قد» مقدّرة، أي وقد عمل، و «العاجز»: ضدّ القادر حقيقةً ، إلّاأنّ العرب تستعمله في معنى فقد الهداية إلى طلب الرزق ومصالح النفس، ولذلك جعله عليه السلام في مقابلة الكياسة. وتبعتُ زيداً يتعدّى إلى مفعول، وأتبعتُ زيداً عمراً يتعدّى إلى مفعولين، وفي الخبر بهذا المعنى، أي:

جعل نفسه تابعة لهواها. و «التمنّي»: قول القائل لِما كان: ليته لم يكن! أو لِما لم يكن: ليته كان!

ومعنى الخبر: الكيِّسُ كلُّ الكيِّس من كان سائساً نفسه، حافظاً عن اتِّباع الهوى، عاملاً لمرجعه ومآبه؛ والعاجز كلُّ العاجز من مكّن نفسه اتِّباع الشهوات في غير رضا اللّٰه، وتمنّى على اللّٰه المغفرة والجنَّة. وأسيرُ الهوى أسير الهوان.

وقال عليّ عليه السلام: «لا تتّكل على المُنى؛ فإنّه بضائع النَّوْكى»(2).

ويجوز أن يكون ليت بمعنى لعلّ ، وقيل: التمنِّي معنى في القلب سوى الإرادة، وقيل: هو كلّ إرادة لم يوجد مرادها، والصحيح أنّ التمنّي من قبيل الكلام؛ يقال أقسام الكلام سبعة: الأمر والنهي والخبر والاستخبار والعرض والجحد والتمنّي.

ص: 158


1- . اُنظر: العين، ج 8، ص 73؛ لسان العرب، ج 13، ص 167 (دين).
2- . راجع: الفقيه، ج 4، ص 384، ح 5834؛ تحف العقول، ص 80؛ خصائص الأئمّة، ص 117. والنّوْكى - بالفتح، ككسرى - جمع أَنْوَك، أي الأحمق، والنُّوك: الحُمق، والنَّوكى: الحَمقى. العين، ج 5، ص 411؛ لسان العرب، ج 10، ص 501 (نوك).

131. المَرءُ كَثِيرٌ بِأَخِيهِ .(1)

132. المَرْءُ عَلىٰ دِينِ خَلِيلِهِ .(2)

133. المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ .(3)

134. كَرَمُ المَرْءِ دِينُهُ ، وَمُرُوَّتُهُ عَقْلُهُ ، وَحَسَبُهُ خُلْقُهُ .(4)

135. مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَايَعْنِيهِ .(5)

لفظ «المرء» في الأحاديث الخمسة وإن كان لفظةً واحدةً فالمراد به الجمع. إنّ هذا المعنى يُستفاد من لام الجنس يقول: إنّ كلّ امرئٍ يتكثّر بأخيه المؤمن ويتقوّى به ويكبر بمكانه. وروي «كثير» بالباء والثاء معاً.

ص: 159


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 141، ح 186؛ الإخوان لابن أبي الدنيا، ص 109، ح 24؛ نزهة الناظر وتنبيه الخواطر، ص 39، ح 120؛ الكامل لابن عدي، ج 3، ص 248. تحف العقول، ص 368؛ بحارالأنوار، ج 21، ص 57؛ و ج 75، ص 251، ح 99؛ مستدرك الوسائل، ج 9، ص 70، ح 115 (رواه فيه عن خطّ الشهيد رحمه الله)؛ الرواشح السماوية، ص 285.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 141 و 142، ح 187 و 188؛ مسند أحمد، ج 2، ص 303 و 334؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 442، ح 4833؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 17، ح 2484 (وفيهما: «الرجل» بدل «المرء»)، الكافي، ج 2، ص 375، ح 3؛ الأمالي للطوسي، ص 518، ح 42؛ وسائل الشيعة، ج 12، ص 48، ح 15610 (وفيه عن الكليني رحمه الله).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 142، ح 189؛ مسند أحمد، ج 1، ص 392؛ و ج 3، ص 104 و ص 159؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 321؛ صحيح البخاري، ج 7، ص 112. الكافي، ج 2، ص 126، ح 11؛ الجعفريّات، ص 248؛ الأمالي للصدوق، ص 252، ح 14؛ علل الشرائع، ج 1، ص 140، ح 2.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 143، ح 190؛ مسند أحمد، ج 2، ص 365؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 123؛ و ج 2، ص 163؛ السنن الكبرى، ج 7، ص 136؛ و ج 10، ص 195. مجموعة ورّام، ج 2، ص 228؛ كشف الغمّة، ج 2، ص 158 و 202 (مع اختلاف يسير في الثلاثة الأخيرة)؛ بحارالأنوار، ج 75، ص 202، ح 34.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 143-145، ح 191-194؛ مسند أحمد، ج 1، ص 201؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1316، ح 3977؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 382، ح 2420. الزهد، ص 10، ح 19؛ قرب الإسناد، ص 32؛ تحف العقول، ص 395؛ الأمالي للمفيد، ص 34، ح 9؛ أعلام الدين، ص 148.

والخبر حثٌّ على كثرة اتّخاذ(1) الإخوان في اللّٰه وإن كان المرء كيِّساً في شأنه، وكثرة الإخوان معونة على الزمان.

وقال صلى الله عليه و آله: «أكثِر من الإخوان؛ فإنّ ربّك حييٌّ كريم، يستحيي أن يعذّب عبده يوم القيامة بين إخوانه».(2)

والخبر الثاني حثّ على اختيار الخُلّان؛ فإنّ كلَّ رجل يجري على طريق خليله وعادته. وقيل: معناه: لا تخالّ إلّامن رضيت مذهبه وإن كنت على طريقةٍ حسنةٍ ، ولا تخاطر بنفسك؛ فإنّ خليلك يغرّك، ويغرُّك بطريقة السيِّئة ولا ينتفع بك.

وقال سفيان بن عيينة حين روى هذا الحديث: انظروا إلى فرعون معه هامان، انظروا إلى حجَّاج معه يزيد بن أبي مسلمة ينثر(3) منه، انظروا إلى سليمان بن عبد الملك صحبه رجاء بن حيوة فقوّمه وسدّده.

وقيل: إنّ الخُلّة مأخوذة من تَخَلَّلِ المودّةِ القلب ويمكنها أمنه، وهي أعلى دَرَج(4)الإخاء؛ فالناس في الأصل أجانب، فإذا تعارفوا وائتلفوا فهم أودّاء، فإذا تشاكلوا فهم أحبّاء، فإذا تأكَّدت المحبّة صارت خُلَّة.

وقوله: المرء مع من أحبّ ، [له] معنيان:

أحدهما: أنّ الرَّجل مصاحب مَن آخاه، لا يفارقه ما استطاع؛ لأنّ نفْسه لا تُساعده على مفارقته ومخالفته، [و تريد] مرافقته، ولو فارقه بشخصه لا يفارقه بقلبه.(5)

والمعنى الثاني: أنّه أراد أنّ كلَّ رجل يُحشر في الآخرة مع من يحبّه، ويُبعث في مصاحبة من شايعه في الدُّنيا؛ إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ، وهذا أولى؛ لما جاء في الخبر عن أنس: أنّ رجلاً أتى النبيَّ عليه السلام، فقال: يا رسول اللّٰه، متى الساعة ؟

ص: 160


1- . في المخطوطة: «الاتّخاذ»، والمناسب ما اُثبت.
2- . لم نعثر على الخبر إلّافي ضوء الشهاب (المخطوط).
3- . نَثَر الشيءَ : دماه متفرّقاً، ونَثَر الكلام والولد: أكثره. القاموس المحيط، ج 1، ص 665 (نثر).
4- . الدرج: جمع درجة، وهي الطبقات من المراتب. كتاب العين، ج 6، ص 77 (درج).
5- . ورد في ضوء الشهاب (المخطوط).

فقال: «ما أعددتَ لها؟» قال: ما أعددت لها كثير صلاة وصوم، إلّاأنّي اُحبّ اللّٰه ورسوله.

فقال عليه السلام: «المرء مع مَن أحبّ ».(1)

وسئل صلى الله عليه و آله عن الرجل يحبّ قوماً هل يلحق بهم ؟ فقال: «المرء مع من أحبَّ ».(2)

وقال الحارث الهمداني لعليّ عليه السلام: إنّي اُحبّكم، وأخافُ وقت النزع وحالة الممرّ على الصراط.

فقال: «يا حار، لا تخف؛ ما من أحدٍ من أوليائي وأعدائي إلّاوهو يراني في هاتين الحالتين»، ثمّ أنشأ:

أقول للنار حين توقف للعَرض *** ذَريه لا تَقربي الرَّجُلا

ذَريه لا تقربيه إنّ له *** حبلاً بحبل الوصيِّ متّصلاً(3)

ومورد الخبر الرابع ومعناه مبالغةٌ في جعل تلك الأشياء الثلاثة التي فيه أعنان ما بعدها، كأنّه قال: لا كرم إلّاالدِّين، ولا مروءة إلّاالعقل، ولا حسب إلّاالخُلق، والمرء إنّما يكون كريماً(4) إذا كان ديِّناً؛ فإنّ أصل الكرم هو الدِّين القويم، ويكون عاقلاً قد استعمل عقله إذا كان ذو مروّة؛ فإنّ المروّة - وهي الرجولية - يدعوه إلى أداء حقّ اللّٰه ومواساة الناس؛ فيكتسب ثواب اللّٰه للآخرة، ومودّةَ الخلق ومحمدتهم للدنيا، قد حاز خير الدارين باستعماله العقل.

وأمّا حَسَبُه - وهو ما يُحسب ويعدّ من مفاخره أو معايبه - فهو على حسب خُلقه؛ فإن(5) كان حَسَنَ الخلق يُثنى عليه، وإن كان سيّئ الخلق يُعاب به عليه.

ومعنى الخبر الأخير: أنّ مِن أشرف خصال المرء المسلم وأجلّها وأحسنها: أن

ص: 161


1- . علل الشرائع، ج 1، ص 139، ح 2؛ الأمالي للطوسي، ص 312، ح 82؛ المناقب، ج 2، ص 123؛ مسند أحمد، ج 1، ص 392؛ و ج 3، ص 104؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 321.
2- . راجع: تاريخ بغداد، ج 13، ص 86؛ تفسير البغوي، ج 1، ص 450؛ تفسير أبي السعود، ج 2، ص 199.
3- . راجع: الأمالي للطوسي، ص 627، ح 5؛ الأمالي للمفيد، ص 7، ح 3؛ المناقب، ج 3، ص 34، مسند أحمد، ج 3، ص 104؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 43.
4- . في المخطوطة: «كرما».
5- . في المخطوطة: «وإن»، والظاهر أنه تصحيف.

يَترك ما لا يعنيه، ولا يتعرَّض لما لا تعلّق له به من خير وشرٍّ، وتشتغل به بنفسه لا يتفرّغ من نفسه إلى غيره؛ فالعاقل لو أغرق جميع عمره فيما يعنيه لم يتفرَّغ لما لا يعنيه. وسُئل لقمان: أيُّ عملك أوثق في نفسك ؟ فقال: ترك ما لا يعنيني(1).

136. النَّاسُ كَأَسْنَانِ المشْطِ.(2)

137. النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .(3)

138. النَّاسُ كَإبِلٍ مَائَةٍ لَاتَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً وَاحِدَةَ .(4)

139. الغِنىٰ اليَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ .(5)

140. رَأْسُ العَقْلِ بَعْدَ الإِيمَانِ التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ .(6)

بيان الخبر الأوّل في تمامه وهو: «إنّما يتفاضلون بالعاقبة» ، أي: إنّهم متساوون في الأحكام لا يَفضل شريف على وضيع بالاُبوّة؛ كأسنان المشط لا فضل لسنٍّ منها

ص: 162


1- . راجع: التمهيد لإبن عبد البر، ج 9، ص 200 (مع اختلاف).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 145، ح 195؛ مسند أحمد، ج 2، ص 391؛ نزهة الناظر وتنبيه الخواطر، ص 39، ح 120؛ الكامل لابن عدي، ج 3، ص 248؛ تاريخ بغداد، ج 7، ص 62 (وفي الثلاثة الأخيرة مع الاختلاف). الفقيه، ج 4، ص 379، ح 5798؛ تحف العقول، ص 368 (وفيه عن الإمام عليّ عليه السلام)؛ دلائل الإمامة، ص 533 (مع اختلاف يسير في الأخيرين).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 145، ح 196؛ جامع بيان العلم وفضله لابن عبدالبرّ، ج 1، ص 19؛ كنزالعمّال، ج 10، ص 149، ح 28761؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 312، ح 2793. الكافي، ج 8، ص 177، ح 197؛ الفقيه، ج 4، ص 380، ح 5821؛ التحفة السنيّة، ص 42.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 146، ح 197 و 198؛ مسند أحمد، ج 2، ص 7 و 139؛ صحيح مسلم، ج 7، ص 192؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1321؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 229، ح 3032. عوالي اللئالي، ج 1، ص 149، ح 97؛ بحارالأنوار، ج 58، ص 66، ح 52 (عن الشهاب).
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 146، ح 199؛ المعجم الأوسط، ج 6، ص 55؛ المعجم الكبير، ج 10، ص 139، ح 10239؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 206، ح 5811؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 192، ح 6121. وراجع: الكافي، ج 2، ص 149، ح 6؛ فقه الرضا عليه السلام، ص 367؛ الأمالي للصدوق، ص 401، ح 12؛ مشكاة الأنوار، ص 324.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 147، ح 200؛ كنزالعمّال، ج 9، ص 5، ح 24653 (مع اختلاف يسير فيه)؛ تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 521، ح 224. عيون الأخبار، ج 2، ص 35، ح 77؛ صحيفة الرضا عليه السلام؛ ص 53؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 291، ح 156.

على اُخرى، [و] هذا من حيث الخلقة.

وتمام الخبر الثاني: «فخيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا»(1)، ومعناه:

قيمة كلّ امرئٍ ما يُحسنه. ومن جعل أخلاقه حسنة؛ فمنها كمعدن الذهب عزيزاً، ومنها دون ذلك كمعدن الفضّة، وإن كان كلّها في الحُسن سواء.

وأمّا الخبر الثالث فهو خاصّ في الذين يغلب عليهم النقص سواسيةً كأسنان(2)الحمار، يريد أنّ أكثر الناس أهل نقص وجهل، فلا تؤاخ منهم إلّاأهل(3) الفضل، وعددهم قليل بمنزلة «الراحلة» في الإبل وهي البعير الذلول الذي يحمل ويُركب، فاعلة بمعنى المفعولة؛ من حيث إنّها مصدر كالعاقبة والعافية والحافية.

وروي: «تجدون الناس كالإبل المائة ليست فيها راحلة».(4) وهذا يدلُّ على أنّ قوله كإبل مائة على الصفة أحسن من الإضافة.

والمعنى: أنّ المرضيَّ المنتجب في عزّة وجوده كالنَّجيبة التي لا توجد في كثير من الإبل، والتقدير: الناس مثل إبل مائة غير موجودة فيها راحلة.

وعن الأزهري: «الراحلة: البعير الذي يَرتحله الرجل جَمَلاً كان أو ناقة».(5)

فإن قيل: هذه الأحاديث الثلاثة مختلفة تُوهِم التناقض؛ لأنّ تشبيه الناس بأسنان المشط يفيد التماثل ونفي التفاوت وأنّهم متساوون في النسب أي: كلّهم بنو آدم، وتشبيههم بمعادن الذهب والفضَّة يفيد وصفها(6) بالنفاسة مع اختلافٍ ظاهر وتفاوتٍ بيِّنٍ ، وتشبيههم بقطيع من الإبل لا يكون فيهم واحدة حميدة يفيد وصفهم بغاية الرداءة.

قلنا: الجمع بينها من جهة المعنى واختلاف الأحوال؛ وذلك أنّ تشبيههم بأسنان

ص: 163


1- . تاريخ مدينة دمشق، ج 20، ص 258؛ إمتاع الأسماع، ج 1، ص 264؛ السيرة الحلبيّة، ج 2، ص 686.
2- . في المخطوطة يقرأ: «كأسناسن». ويقال للمتساويين في الرداءة: كأسنان الحمار.
3- . في المخطوطة: «أفعل»، فصحّحناه.
4- . مسند أبي يعلى، ج 9، ص 324، ح 5436؛ الفائق في غريب الحديث، ص 27؛ معجم مقاييس اللغة، ص 41.
5- . راجع: مختصر المعاني للتفتازاني، ص 253؛ لسان العرب، ج 3، ص 307.
6- . كذا في المخطوطة، والظاهر أنّ الصحيح: «وصفهم» كما يأتي في عِدله: «يفيد وصفهم بغاية الرداءة».

المشط إنّما هو من جهة الخلقة وأنّهم كلّهم مخلوقون من أصلٍ واحدٍ وهو التراب، ومن أبٍ واحد واُمٍّ واحدة وهما: آدم وحوّا عليهما السلام، ولا فخر لأحدٍ منهم على الآخر من جهة النَّسَب كما لا تفاوت في أسنان المشط بعضهاعلى بعض.

وأمّا تشبيههم بمعادن الذهب والفضّة فهو من جهة خِصالهم الحميدة وأوصافهم الجميلة؛ فالناس يختلفون غاية الاختلاف، فلو جرَّبتهم لوجدت بينهم من التفاوت ما تجده بين الذهب والفضَّة.

وقال عليه السلام ذلك؛ «إذ الناس ناس والزمان زمان»(1) وأشار إلى أهل زماننا بتشبيههم جميعاً بقطيع إبلٍ عددها مائة، ومع ذلك لا يكون فيها واحدة تصلح للركوب والسفر، ومثله ما روي: الناس أمثال وشتّى في الشيم.(2)

ومعنى الخبر الرابع: أنّ الغِنى كلَّ الغنى لكلّ أحدٍ رفع الطمع عمّا في أيدي الخلق والقناعة بما عنده، والطمع فقر حاضر وذُلٌّ صاغر.

وفي الخبر الأخير إبانة المنزلة العظيمة للإيمان، وحثٌّ على التحبّب إلى الخلق؛ فبالإيمان الخلاص من العقاب والوصول إلى الثواب والنجاة من أكثر بلاء الدُّنيا والفوز بمنافعها العاجلة، وبالتودّد هذه نجاة من الحقد والحسد والبغضاء والظلم [و] غير ذلك، فيجب الإيمان باللّٰه تعالى طلباً لنجاة الدارين، ويُستحبّ التودّد إلى الناس ترفيهاً للقلب والعين، وهذا من كمال العقل واستعماله.

وقال عليه السلام: «لكلِّ شيء دِعامة، ودعامة المؤمن العقل»(3)، واللامات في «الناس» للجنس بعضها أعمّ من بعض.

ص: 164


1- . العبارة قول شاعر ولم نعثر على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله أو للإمام قرأه أو استشهد به. راجع: تفسير البيضاوي، ج 1، ص 173.
2- . هذا قول شاعر؛ راجع: فيض القدير، ج 5، ص 463؛ تفسير القرطبي، ج 1، ص 281؛ معجم البلدان، ج 2، ص 412.
3- . ألف حديث لكاشف الغطاء، ج 1، ص 136؛ شرح الكافي للمازندراني، ص 282؛ عمدة القاري، ج 2. ص 41؛ تفسير السمعاني، ج 6، ص 10. وراجع أيضاً: كنزالفوائد، ص 194؛ بحارالأنوار، ج 1، ص 96، ح 42.

141. كُلُّ امْرِئٍ حَسِيبُ نَفْسِهِ .(1)

142. كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ .(2)

143. كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ .(3)

144. كُلُّ شَيْ ءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى العَجْزُ وَالكَيْس.(4)

145. كُلُّ صَاحِبِ عِلْمٍ غَرْثانٌ إِلىٰ عِلْمٍ آخَرَ.(5)

146. لِكُلِّ شَيْ ءٍ عِمَادٌ، وَعِمَادُ هٰذَا الدِّينِ الفِقْهُ .(6)

147. كُلُّ مُشْكِلٍ حَرَامٌ ، وَلَيْسَ فِي الدِّينِ إِشْكَالٌ .(7)

ص: 165


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 147، ح 201؛ مسند أحمد، ج 2، ص 305؛ مسند أبي يعلى، ج 1، ص 292، ح 6399؛ كنزالعمّال، ج 5، ص 374، ح 13300؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 119، ح 1965.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 148، ح 202؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 69؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 18؛ السنن الكبرى، ج 3، ص 215. الكافي، ج 8، ص 82، ح 39؛ الفقيه، ج 4، ص 402، ح 5868؛ كتاب الزهد، ص 14، ح 28؛ الأمالي للصدوق، ص 577، ح 788؛ مصباح المتهجّد، ص 384، ح 510.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 148، ح 203؛ مسند أحمد، ج 4، ص 394 و 407 و 418؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 194، ح 2937؛ السنن الكبرى، ج 3، ص 246؛ صحيح إبن خزيمة، ج 3، ص 91. المجازات النبويّة، ص 89، ح 56.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 149، ح 204؛ كتاب الموطّأ للمالك، ج 2، ص 899، ح 4؛ مسند أحمد، ج 2، ص 110؛ أفعال العباد للبخاري، ص 25؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 52؛ السنن الكبرى، ج 10، ص 205؛ صحيح إبن حبّان، ج 14، ص 17.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 150، ح 205؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 87؛ النهاية، ج 3، ص 353 (وفي كلّها: - «آخر»).
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 150، ح 206 و 207؛ المعجم الأوسط، ج 6، ص 194؛ تحفة الأحوذي، ج 7، ص 374؛ سنن الدارقطني، ج 3، ص 66، ح 3066؛ كنزالعمّال، ج 10، ص 148، ح 28752. عوالي اللئالي، ج 4، ص 59، ح 1؛ بحارالأنوار، ج 1، ص 216، ح 30 (وفيه عن عوالي اللئالي)؛ كشف الرموز للآبي، ج 1، ص 38.
7- . مسند الشهاب، ج 1، ص 151، ح 208؛ المعجم الكبير، ج 2، ص 52؛ الكامل لابن عدي، ج 2، ص 356؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 286، ح 6349؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 429، ح 7298. وراجع: دعائم الإسلام، ج 2، ص 534؛ مستدرك الوسائل، ج 17، ص 347، ح 21542؛ نهج السعادة، ج 5، ص 36.

148. كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ .(1)

149. كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ .(2)

150. لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ .(3)

أمّا الخبر الأوّل فله ثلاثة معانٍ :

أحدها: أنّ اللّٰه بعدله جَعَل حساب كلّ مكلّفٍ إلى نفسه، فلا يكون له محاسب في حقّه غير نفسه؛ قال اللّٰه تعالى: (كَفىٰ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (4).

والثاني: لفظةُ خبرٍ ومعناه أمر، وهو أنّه يجب على كلّ امرئٍ أن يحاسب نفسه؛ إن كانت أفعاله معصيةً تاب منها، وإن كانت طاعةً زادها وسأل اللّٰه التوفيق على ثباتها.

والثالث: أنّ معناه: لا يحاسَب معه حساب غيره، وإنّما يحاسب بما كسبت يداه؛ قال اللّٰه تعالى: (وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ ) (5)، و «الحسيب»: الذي يتولَّى

ص: 166


1- . لم نجده في مسند الشهاب و فتح الوهاب و شرح فارسى شهاب الأخبار (دانش پژوه) و ترك الإطناب في شرح الشهاب؛ لكن الخبر موجود في: ضوء الشهاب (المخطوط)؛ قبس الشهاب، ص 170، ح 588؛ مسند أحمد، ج 1، ص 289 و 350؛ و ج 2، ص 16 و 91؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 113؛ صحيح البخاري، ج 5، ص 108؛ صحيح مسلم، ج 6، ص 99. الكافي، ج 6، ص 407، ح 1؛ و ص 408، ح 3 و 4؛ الفقيه، ج 4، ص 352، ح 5762؛ التهذيب، ج 9، ص 111، ح 481 و 482 و 483؛ الاستبصار، ج 4، ص 95، ح 365.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 152، ح 209؛ مسند أحمد، ج 2، ص 5 و 54 و 111؛ صحيح البخاري، ج 1، ص 215؛ و ج 3، ص 88، و ج 6، ص 146؛ صحيح مسلم، ج 6، ص 8. إرشاد القلوب، ج 1، ص 184؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 129، ح 3، و ص 364، ح 51؛ كشف المحجّة، ص 39.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 152 و 153، ح 210 و 211؛ مسند أحمد، ج 2، ص 126؛ و ج 3، ص 19 و 61؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 327؛ المستدرك للحاكم، ج 4، ص 506؛ السنن الكبرى، ج 8، ص 160. الطرائف، ج 1، ص 207 (مع اختلاف يسير فيه)؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 134، ح 28؛ الصراط المستقيم، ص 241؛ الصوارم المهرقة، ص 96 (مع اختلاف يسير فيها أيضاً).
4- . الإسراء (17):14.
5- . الأنعام (6):164.

الحساب، فَعيل بمعنى مُفاعل، ويجوز أن يكون المراد: كلّ رجل حسيبُ ونسيب نفسه، ويكون بمنزلة قول عليٍّ عليه السلام: «النّاس أبناء ما يُحسنون».(1)

والخبر الثاني: بشارة للمؤمنين بقرب ثوابهم، وإنذارُ الكفّار بقرب عقابهم؛ وذلك لأنّ ما هو قوف(2) على الوعد أو على الوعيد من قبل اللّٰه فإتيانه قريب وإن استُبطئ؛ ألا ترى أنّ الساعة موعد ويَظنّ أكثر الناس أنّ إتيانها عن بُعد وقد قال تعالى: (وَ مٰا أَمْرُ اَلسّٰاعَةِ إِلاّٰ كَلَمْحِ اَلْبَصَرِ) (3) أراد بذلك علامة آخر الزمان.

والخبر الثالث: تحذير عن النظر إلى المحرَّمات وتغليظ في عقوبته، ولهذا أشبه بالزنا، يعني أنّها مقدَّمة للزنا؛ فإنّ البصر رائده، واللسان خاطب، والفرح مصدِّق للزنا ومحقّق له بالفعل، وإذا قال رجل لآخر: «زَنَتْ عينك» لا يكون قذفاً يوجب الحدّ، وإنّما فيه التعزير.

وللخبر الرابع معنيان:

أحدهما: أنّ لكلّ شيء مقدار يزيد وينقص حتّى يكون بعض الناس أعجز من بعض، وبعضهم أكيس من بعض، والرأي.(4)

قال أبو قاتلة(5) المروزي: العجز والكَيْس في الجماع المباح خاصَّة(6).

والقَدر فيه هو القضاء من اللّٰه بأنّ هذا الرجل يكون زوج تلك المرأة وإن لم يدبّرا

ص: 167


1- . الكافي، ج 1، ص 51، ح 14؛ تحف العقول، ص 208؛ الاختصاص، ص 2؛ الإرشاد، ج 1، ص 300؛ كنزالفوائد، ص 147.
2- . القوف بمعنى التبع. انظر: القاموس المحيط، ج 2، ص 1128 (قوف).
3- . النحل (16):77.
4- . كذا في المخطوطة. ويحتمل أنّ فيها سقطاً.
5- . كذا في المخطوطة، ولم نعثر عليه في مظانّه.
6- . راجع: أضواء البيان للشنقيطي، ج 2، ص 129.

و لم يجهدا؛ فإنّ اللّٰه يُهيِّئ الأسباب في ذلك، وقد يجتهد الإنسان أن يتزوّج امرأة ولا يتيسّر له وإن بالغ. والأحسن أن يقول: لكلّ هاهنا علم في أفعال اللّٰه تعالى ولا يدخل أفعال العبد تحته؛ لأنّه تعالى لو أوجب على عباده فعل القبائح لما عاقبهم بفعل نفسه وبما هو على الإلجاء والإكراه فيهم من قبله.

وقال بعض العلماء: القَدَر هاهنا بمعنى الحدّ، أي لكلّ شيء حدّ لا يجوز مجاوزته وإن كان في العجز والكيس، يعني: لا يبالغ أحد في طلب الكسب ولا يجاوز الحدّ فيه ولا يتأخَّر عن طلبه بمرَّة، بل يُحسن الطلب؛ فإنّ كلاًّ(1) ميسَّرٌ لما خُلق له.(2) وقد قدّمنا أنّ العجز عند العرب فقد الهداية إلى طلب الرزق ويكون ضدّ القدرة. والكيس: علمٌ كسبي.

ومعنى الخبر الخامس: أنّ حرص العالم على العلم لا ينقطع؛ فإنّه لا يزال حيّاً يشتغل بتحصيله وجمعه، ويعلم ما لم يعلم، والعلوم لا نهاية لها وكلّها حسن، وكلُّ مَن علم حُسن شيء وأنّ فيه منفعة عاجلة وآجلة سارع إليه ويكون في حكم الملجأ عليه. و «الغرثان»: الجائع(3)، وهاهنا استعارة.

و «العمادُ»(4): الخشبُ الذي يقوم به البيوت والخِيَم؛ يقول: كما أنّ المساكن لا

ص: 168


1- . في المخطوطة: «كان» بدل «كلاًّ» خلافاً لاقتضاء العبارة.
2- . اقتباس من قول رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: «كلٌّ ميسَّر لما خلق له». راجع: مسند أحمد، ج 1، ص 6 و 82 و ص 157؛ و ج 3، ص 304؛ و ج 4، ص 67 و 431؛ صحيح البخاري، ج 6، ص 86؛ و ج 8، ص 215؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 47 و 48؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 30، ح 78، و ص 35، ح 91؛ و ج 2، ص 725، ح 2142؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 181، ح 1202؛ و ج 2، ص 287، ح 6358؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 110، ح 513 و 516. التوحيد للصدوق، ص 356، ح 3؛ عوالي اللئالي، ج 4، ص 22، ح 67؛ بحارالأنوار، ج 4، ص 282؛ و ج 5، ص 157، ح 10.
3- . راجع: العين، ج 4، ص 400؛ لسان العرب، ج 2، ص 172 (غرث).
4- . هذا بداية في شرح الخبر السادس، وكان مقتضى السياق أن يبيّن ذلك كما صنعه في غيره.

تقوم ولا تستقيم إلّابالعماد(1)، كذلك أمرُ هذا الدِّين لا يستقيم إلّابالفقه، وهو معرفة الأحكام والفرق بين الحلال والحرام.

ومعنى الخبر السابع: أنّ الذي يحتاج المكلّفون إليه من أسباب التكليف كلّه سهل ميسَّر لهم، ليس فيه غموض يشكل عليهم معرفته أو يصعب عليهم فعله وإن كان فيه مشقّة.

قال ابن قتيبة: معناه أنّه إذا أشكل الحظر والإباحة فغلِّبوا الحظر عليها احتياطاً ولا إشكال؛ والحلال بيّن، والحرام بيّن، وبين ذلك اُمور مشتبهات، ومن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وليس في دين اللّٰه إشكال يشبِّه الحقَّ بالباطل والرشد بالغيِّ ، وإنَّ اللّٰه ما كلَّفهم المشكلات التي لا فائدة فيها؛ فإنّ طلب معرفتها حرام، نحو أن يشتغل أحدنا بأن يعلم كم مربَّع وكم مثلَّث ومخمّس وكم من مسبَّع ومسدَّس يجيء من مدوّر إلى مثل الهندسة ؟ وكم على دابةٍ شَعر؟ وكم بين السماء والأرض ؟

وقوله: «كلّ مسكر حرام» معناه: أنّ كلّ ما يُسكِر كثيره وقليله حرام يجب الحدّ على شاربه وإن لم يكن عين الخمر، ولا يجوز استعماله بالشرب ولا التداوي به ولا التصرّف فيه بالبيع والهبة، وينجس ما يحصل فيه المسكر، ويحرم جميع أجناس المسكرات مطبوخه ونيّه(2) على كلّ حال وإن اختلف عليه الأسماء؛ كالخمر لما يكون من العصير، والنبيذ من الزبيب، والنقيع من التمر، والبِتعْ من العسل، والمِزْر من الحنطة.

وعموم النصّ يتناول تحريم كلّها، وليس بعضها ملحقاً بالقياس بالخمر حكماً لما

ص: 169


1- . في المخطوطة: + «و»، فحذفناه لاقتضاء السياق.
2- . النيء: ما لم ينضج. العين، ج 8، ص 392 (نيأ).

كان في معناها هذا؛ كما أنّ اللّٰه جعل النبّاش في حكم السارق، والملوط في حكم الزاني، وإن كان كلّ واحدٍ منهما يختصّ في اللغة باسم غير الزنا وغير السرقة.

وقيل: إنّ الخمر اسمٌ لكلّ ما يوجد فيه السُّكر من الأشربة كلّها. ومَن ذهب إلى هذا قال: إنّ للشريعة أن يُحْدث الأسماء بعد أن لم يكن، كما أنّ لها أن تَصنع الأحكام بعد أن لم يكن، ووصف اللّٰه خمر الجنَّة بقوله: (لاٰ يُصَدَّعُونَ عَنْهٰا وَ لاٰ يُنْزِفُونَ ) (1) فهاتان الكلمتان قد جَمعتا جميع عيون خمر الدنيا.

ومعنى قوله: «كلّكم راعٍ » أنّ مَن لم يتعهّد رعيّته بواجبه فهو يوم القيامة مأخوذ بحقوقهم مسؤول عنها معاقب عنها، حتّى يقول اللّٰه بعيسى عليه السلام: (أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّٰاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ ) (2) فيجب على كلّ من كان له أهل وعيال أن يبالغ في حفظ حقوقهم وأن يحسن تأديبهم، ويقرِّبهم من الطاعات، ويبعِّدهم من المعاصي؛ وكذلك المَلِك لا يظلم الرعيّة، ولا يتغافل عن إصلاح أحوالهم وتقويمهم؛ فالزوج راعٍ وهو مسؤول عن زوجته، وهي راعية على بيته فهي مسؤولة عن ذلك.

ومعنى الخبر الأخير: لا تَغدِروا ولا تخونوا في القليل ولا في الكثير، ولا بالقول ولا بالعمل؛ فالغادر مُفتضَح يوم القيامة على رؤوس الخلائق على حدّ ما ركب في الدُّنيا على مطيّة الغَدْر والخيانة.

و «اللواء» استعارة هاهنا، أراد به تفضيحه غداً عند الأنبياء والأئمَّة والصالحين في العرصات(3)، و «الغدر»: ترك الوفاء.

ص: 170


1- . الواقعة (56):19.
2- . المائدة (5):116.
3- . في المخطوطة: «العرضات».

151. أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ الصَّلَاةُ .(1)

152. أَوَّلُ مَا يُقضىٰ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ .(2)

153. أَوَّلُ مَا يُوضَعُ فِي المِيزَانِ الخُلُقُ الحَسَنُ .(3)

154. أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنْ هٰذِهِ الاُمَّةِ الحَيَاءُ وَالأَمَانَةُ .(4)

155. أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمْ الأَمَانَةُ ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ (5) الصَّلَاةُ .(6)

حَثّ على محافظة أمر الصلاة وما يتعلّق بها من أركانها وفرائضها؛ فإنّها عماد الدين، ولا يُسأل أحد في خاصّة نفسه إلّاعن الصلاة، فإن كانت تامّةً لم يُسأل عن غيرها، وإن كانت غير صحيحة يُعاقَب عليها وعلى غيرها إلّامن شاء اللّٰه. وقد

ص: 171


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 154، ح 213 (- «العبدُ»)؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 313؛ سنن النسائي، ج 7، ص 83؛ المصنّف، ج 2، ص 295، ح 1 و 2؛ مسند أبي يعلى، ج 9، ص 285، ح 5414. الكافي، ج 3، ص 268، ح 4؛ التهذيب، ج 2، ص 239، ح 15 (وفيهما عن الإمام الباقر عليه السلام)؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 34، ح 4442 (وفيه عن الإمام الصادق عليه السلام).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 153، ح 212؛ مسند أحمد، ج 1، ص 388 و 442؛ صحيح البخاري، ج 7، ص 197؛ و ج 8، ص 35؛ صحيح مسلم، ج 5، ص 107؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 173، ح 2615. روضة الواعظين، ج 2، ص 461؛ بحارالأنوار، ج 101، ص 382، ح 71؛ مستدرك الوسائل، ج 18، ص 209، ح 22520.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 154، ح 214؛ المصنّف، ج 6، ص 90، ح 240؛ المعجم الكبير، ج 24، ص 254؛ و ج 25، ص 73؛ صحيح إبن حبّان، ج 2، ص 230؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 433، ح 2823؛ كنزالفوائد، ج 3، ص 7، ح 5160.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 155، ح 215؛ مسند أبي يعلى، ج 1، ص 511، ح 6635؛ مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا، ص 88، ح 265؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 121، ح 5771 و 5774.
5- . في مسند الشهاب: - «من دينكم».
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 155 و 156، ح 216 و 217؛ السنن الكبرى، ج 6، ص 289؛ المستدرك للحاكم، ج 4، ص 469 (وفيه مع اختلاف يسير)؛ المصنّف، ج 3، ص 363، ح 5981؛ و ج 8، ص 337، ح 102، و ص 341، ح 146، و ص 668، ح 131؛ مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا، ص 89، ح 267؛ المعجم الكبير، ج 7، ص 295؛ و ج 9، ص 312 و 353 و مواضع اُخرى.

سمّاها الإيمان؛ لأنّها عَلَمُ الإيمان؛ لقوله [تعالى]: (وَ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ ) (1). صحيح إبن حبّان، ج 2، ص 230، ح 480؛ العلل للدارقطني، ج 6، ص 221؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 9، ح 5175؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 199، ح 100.(2) أي صلاتكم إلى بيت المَقْدِس. ولا تناقُض بينه وبين الخبر الثاني من أنّ أوّل حكومة وقضيّة بين الخلائق يوم القيامة تكون في القتل وإراقة الدماء؛ فإنّ هذا بين العبد وبين غيره، وما تقدّم من خاصّة نفسه، والقتل من الكبائر العظام، والخبر زجر عنه.

ويروى: «أثقل ما يوضع في الميزان الخُلق الحسن» .(2)

نبّه بهذا على أنّ كلّ مؤمن حَسَنُ الخلق؛ فأوّل ما ينفعه يوم القيامة من جملة طاعاته خُلقه الحسن، وذلك أفضل الطاعات.

وقال عليه السلام: «من سعادة ابن آدم حُسن الخلق».(3)

والسعادة من أسباب النجاح عاجلاً وآجلاً، والميزان ووضع الطاعة فيه مجاز واستعارة.

وقيل: الميزان حقّ ، ويوزن به أعمال العباد مكتوبة في صحائف.

ومعنى الخبر الرابع: أنّ أوّل [ما] يظهر في آخر الزمان ذهاب الحياء من الخلق ظاهراً وباطناً، وذهاب الأمانة من أهاليها سرّاً وعلانية، ديناً أو دنيا.

وقيل: الأظهر أنّه عليه السلام يومئ به إلى ما كان بعده من الوقاحة وترك أداء الأمانة إلى أهلها ممّا وصّى به يوم الغدير، ولا يناقضه الخبر الأخير من أنّ أوّل ما يذهب من دين الإسلام الأمانة وحدها؛ لأنّ الواو لا يوجب الترتيب، ولا يُستبعد أن يكون الأمانة تقدم الحياء، ومن الفتن التي تظهر في آخر الزمان ترك الصلاة.

وروي: أوّل ما يُرفع الأمانة، وواسطه الأرحام، وآخره الصلاة.(4)

ص: 172


1- . البقرة
2- :143.
3- . كنزالعمّال، ج 3، ص 19، ح 5243؛ الدرّ المنثور، ج 2، ص 73.
4- . راجع: تفسير القمّي، ج 2، ص 413؛ بحارالأنوار، ج 9، ص 249، ذيل ح 154؛ و ج 24، ص 350؛ تفسير نور الثقلين، ج 5، ص 539، ح 19.

156. الحُبُّ (1) يُتَوَارَثُ ، وَالبُغْضُ يُتَوَارَثُ .(2)

157. حُبُّكَ الشَّيْ ءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ .(3)

158. الهَدِيَّةُ تَذْهَبُ بِالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ.(4)

159. الخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي(5) الْخَيْلِ .(6)

160. يُمْنُ الخَيْلِ فِي شُقْرِهَا.(7)

161. السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ .(8)

ص: 173


1- . في ترك الإطناب و شرح فارسى شهاب الأخبار (دانش پژوه) و شرح فارسى شهاب الاخبار (محدث ارموى)؛ مسند الشهاب والمستدرك للحاكم والمعجم الكبير والإصابة وفيض القدير: «الودّ».
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 156، ح 218؛ المستدرك للحاكم، ج 4، ص 176؛ المعجم الكبير، ج 17، ص 189؛ الإصابة، ج 4، ص 424، ح 5600؛ فيض القدير، ج 6، ص 484، ح 9668. الصراط المستقيم، ج 3، ص 118؛ العقد النضيد والدرّ الفريد لابن الحسن القمّي، ص 54.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 157. ح 219؛ مسند أحمد، ج 5، ص 194؛ سنن أبي داود؛ ج 2، ص 505، ح 5130؛ تاريخ بغداد، ج 3، ص 333. الفقيه، ج 4، ص 380، ح 5814 (وفيه: «للشيء» بدل «الشيء»)؛ المجازات النبويّة، ص 175، ح 136؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 290، ح 149 (وفيه: «حبّك للشيء» بدل «حبّك الشيء»).
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 157، ح 220؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 331، ح 1063؛ المجموع، ج 15، ص 368؛ نيل الأوطار، ج 6، ص 101. مكارم الأخلاق، ص 178.
5- . في مسند الشهاب والكافي وسنن الترمذي: «في نواصي».
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 158، ح 221-223؛ مسند أحمد، ج 6، ص 455؛ صحيح البخاري، ج 4، ص 187؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 932، ح 2786؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 119. الكافي، ج 5، ص 9، ح 15 (وفيه عن الإمام الباقر عليه السلام مع اختلاف يسير)؛ ثواب الأعمال، ص 190؛ وسائل الشيعة، ج 11، ص 467، ذيل 15274 (عن تحف العقول).
7- . مسند الشهاب، ج 1، ص 159، ح 224؛ مسند أحمد، ج 1، ص 272؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 573؛ السنن الكبرى، ج 6، ص 330. عوالي اللئالي، ج 1، ص 171، ح 199؛ بحارالأنوار، ج 61، ص 176، ح 37؛ مستدرك الوسائل، ج 8، ص 257، ح 9390 (وفيه عن مسند الشهاب).
8- . مسند الشهاب، ج 1، ص 159، ح 225؛ كتاب الموطّأ للمالك، ح 2، ص 980؛ مسند أحمد، ج 2، ص 236 و 445 و 496 و مواضع اُخرى؛ صحيح مسلم، ج 6، ص 55؛ الفقيه، ج 2، ص 300، ح 2515؛ الجعفريّات، ص 170؛ المحاسن، ج 2، ص 377، ح 147 (وفيه: «السير» بدل «السفر»)؛ الدعوات، ص 296، ح 59.

162. البَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ .(1)

يقول: أحِبّوا مَن يكون محبَّتُه طاعةً ، ولا تُبغضوا مَن بُغضه معصية؛ فإنّ أولادكم يتَّبعونكم في ذلك على الأغلب؛ فإن كان حبُّكم وبغضكم للّٰه، تستحقّون(2) الثواب بما يرثه الأولاد منكم أيضاً.

وعن عليّ عليه السلام: «الصديق ثلاثة: صديقك، وصديق صديقك، وعدوُّ عدوّك».(3)

وقيل: صداقة الآباء قرابة الأبناء، ومن علامة الإخاء أن يكون لصديق أخيه صديقاً ولعدوّه عدوّاً. وقيل: معناه حثّ على محبّة أصدقاء الآباء وبغض أعدائهم على مقتضى الشرع.

وفيه تنبيه [على](4) أنّ الصداقة غير واجبة على أحدٍ، ولكنّ القيام بأداء حُرمتها واجبة.

ومعنى الخبر الثاني: نهيٌ عن حبّ الدنيا وجميع ما يُشتغل [به] عن الدين؛ فإنّ حُبّها يُعمي عن معايبها، ولا يبصر من ينظر إليها، ويصمّ عن مساويها التي يذكرها الصالحون، أي يخفى عليك مساويه ويُصمّك عن سماع العَذْل(5) فيه.

وقيل: يريد: لا يحبّ شيئاً من الأشياء حتّى يعلمه أنّه حقّ وحسنٌ لا ذمّ في حبّه؛ فإنّك إن سارعتَ إلى محبّة شيء من غير اختيار فإنّه يُعمي عن الرُّشد ويصمّ عن الموعظة حتّى يرى قبيح صديقه حُسَناً، واُنشِد: «حَسَنٌ في كلّ عينٍ مَن تَوَدّ».(6)

ص: 174


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 161، ح 227؛ الإستذكار، ج 8، ص 515؛ تاريخ بغداد، ج 11، ص 406؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 17، ص 294؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 495، ح 3219؛ الفقيه، ج 4، ص 379، ح 5717؛ روضه الواعظين، ص 469؛ مشكاة الأنوار، ص 302.
2- . في المخطوطة: «يستحقّون».
3- . نهج البلاغة، ج 4، ص 72، الحكمة 295؛ ينابيع المودّة للقندوزي، ج 2، ص 247؛ النصائح الكافية، ص 115 (وفي كلّها مع اختلاف يسير)؛ بحارالأنوار: ج 64، ص 195؛ و ج 71، ص 164 (عن نهج البلاغة).
4- . كذا قرأناه.
5- . العَذْل: اللَّوم، والعَذُل مثله. عَذَلَه يَعْذِله عَذْلاً وعذَّله فاعتذل وتعذَّل: لامَهُ فقَبِلَ منه وأَعْتَبَ ، والاسم العَذَل. «لسان العرب، ج 2، ص 99 (عذل)».
6- . راجع: تاريخ مدينة دمشق، ج 45، ص 109؛ و ج 69، ص 59؛ الفتوحات المكّية، ج 2، ص 338 (وفي كلّها عن ابن أبي ربيعة).

وقيل: حبُّك الدنيا يُعمي ويُصمّ عن الآخرة، وهذا مجاز، وكذا إذهاب الهديَّة السمع والبصر عن أخذها استعارة في الخبر بعده، ومعنى أنّ الهديَّة يَحمل صاحبها على أن لا ينظر إلى معايب المُهدي وعداوته ومعاملته القبيحة ولا يُسمعها حتّى لا يرى الحقَّ . وفي الحديث: إذا دخلَتِ الهديّةُ من الباب، خرجت الأمانة من الكُوَّة(1)، فكأنّ الهديَّة هاهنا بمعنى الرشوة.

وأمّا الخبر الرابع: ففيه ترغيب في اتّخاذ الخيل للغَزو عليها في سبيل اللّٰه ولغير ذلك من المنافع؛ فإنّ كلّ الخير فيها إلى يوم القيامة، أي أنّ الأجر والمغنم يكونان عليها وفيها، وأهلها معانون، والمنفق عليها كباسط يديه في الصدقة، فالخيرات معقودة بنواصيها، وهذا استعارة. وتمامه: «إلى يوم القيامة».

وقيل: المراد بالخير هاهنا كقوله تعالى: (وَ إِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (2) و فِقه هذا الخبر ثلاثة أشياء: السَّهم للفرس يستحقُّه الفارس من أجله، وإعلام أنّ المال الذي يُكتسب بإيجاب الخيول من خير وجوه المال وأطيبها، وأنّ الجهاد إلى يوم القيامة لا ينقطع إذا حصلت شرائطه، وسمّيت الخيل خيلاً لاختيالها.

ثمّ قال: «بركة الفرس أن يكون أشقر» ، وكان عليه السلام يستحبّ الشُّقْر(3) من الدوابِّ .(4)

وقيل: إنّما فُضّل الأشقر لأنّ النبيَّ صلى الله عليه و آله بعث سريّةً في قتال، فكان أوّل من جاء بالفتح صاحب الأشقر [و] هو المُشرَب حُمرةً ، والفرق بينه وبين الكُمَيْتِ (5)

ص: 175


1- . تاريخ مدينة دمشق، ج 23، ص 37 (وفيه مع اختلاف عن شريح)؛ البداية و النهاية، ج 9، ص 326 (وفيه: «الحقّ » بدل «الأمانة»؛ المبسوط للسرخسي، ج 16، ص 82. والكَوُّ والكَوَّة: الخرق في الحائط والثقب في البيت ونحوه، وقيل: التذكير للكبير والتأنيث للصغير. قال ابن سيده: وليس هذا بشيء. «لسان العرب، ج 15، ص 236 (كوى)».
2- . العاديات (100):8.
3- . اُنظر: لسان العرب، ج 4، ص 421؛ القاموس المحيط، ج 2، ص 62 (شقر).
4- . راجع: شرح الكافي للمازندراني، ج 1، ص 450؛ بحارالأنوار، ج 29، ص 307؛ و ج 61، ص 178؛ سنن الترمذي، ج 3. ص 120، ح 1746؛ إمتاع الأسماع، ج 5، ص 107.
5- . الكُمَيت: لونٌ ليس بأشقر ولا أدهم، وكذا الكُمَيْتِ : من أسماء الخمر فيها حمرة وسواد، والمصدر الكُمْتَة. ابن

بالعُرف(1) والذَّنَب؛ إن كانا أحمرين فهو(2) أشقر، وإن كانا أسودين فهو كُمَيت.

ثم رغّب بقوله: «السفَر قطعة من العذاب» في الإقامة في الحضر وترك الإكثار من السفر؛ لئلّا يفوته ملازمة الجمعة والجماعات والحقوق الواجبة للأهل والقرابات.

وقال بعض العلماء: لو لم يقله رسول اللّٰه، لقلتُ : العذاب قطعة من السفر!

وتمام الخبر: «فإذا قضيتم حوائجكم فاسرعوا الرجوع» . ومعنى الخبر الأخير على الأغلب أي: لا تكثروا الكلام الذي لا فائدة فيه، وهو المنطق؛ فالبلاء مولَّد من المنطق، وعثراته أشدّ من عثرة القدم. ولهذا قال عليه السلام: «وهل يَكُبُّ الناسَ على مَناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم ؟».(3)

وروي أنّ سبب الخبر أنّ رسول اللّٰه لمّا عَرض نفسَه على القبائل كان جماعة معه، فقال أبو بكر: ممّن القوم ؟

قالوا: من ربيعة.

قال: من هامَّتها أم من لَهازمها؟

قالوا: من هامَّتها العظمى.

قال: من أنتم ؟

قالوا: ذهل الأكبر.

قال: أ منكم عوف ؟

قالوا: لا.

قال: أ منكم بسطام ؟

ص: 176


1- . عُرف الديك والفرس والدابّة وغيرها: مَنبت الشَّعر والريش من العنق، واستعمله الأصمعي في الإنسان فقال: جاء فلان مُبْرَئِلاً للشَّرِّ أي ناقشاً عُرفه، الجمع: أعراف وعُروف. «لسان العرب، ج 9، ص 241 (عرف)».
2- . في المخطوطة «و هو».
3- . الكافي، ج 2، ص 115، ح 14؛ تحف العقول، ص 56؛ المجازات النبويّة، ص 15.

قالوا: لا.

قال: أ فمنكم جسّاس ؟

قالوا: لا.

قال: أنتم ذهل الأصغر.

فقام(1) غلام وقال: ممّن الرجل ؟

فقال أبو بكر: من قريش.

قال: بَخ بَخ، أهل الشرف! فمِن أيِّهم(2) أنت ؟

قال: من تيم بن مرّة.

قال: أفكنت الرامي من الثَّغرة ؟ أفمنكم قصيٌّ؟

قال: لا.

أفمنكم هاشم ؟

قال: لا.

فقال: أمنكم شيبة الحمد؟

قال: لا.

قال: أفمنكم أهل الندوة والوفادة ؟

قال: لا.

قال: أ و أنتم من أهل السقاية والحجابة ؟

قال: لا.

قال: أنت من زَمَعات قريش!

فتبسّم رسول اللّٰه، فقال: «إنّ البلاء موكَّلٌ بالقول» .(3)

والزَّمْعَة: هَنَةٌ زائدة من وراء الظِّلف.

ص: 177


1- . في المخطوطة: «فقال».
2- . أي: من أيّ قريش.
3- . الأنساب للسمعاني، ج 1، ص 37؛ شرح الأخبار، ج 2. ص 382، ح 742 (مع تلخيص)؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 17، ص 293؛ البداية والنهاية، ج 3، ص 173.

163. الصِّيَامُ نِصْفُ الصَّبْرِ(1).

164. عَلىٰ كُلِّ شَيْ ءٍ زَكَاةٌ ، وَزَكَاةُ الجَسَدِ الصِّيَامُ .(2)

165. الصَّائِمُ لَاتُرَدُّ دَعْوَتُهُ .(3)

166. الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ .(4)

167. السِّوَاكُ يَزِيدُ الرَّجُلَ فَصَاحَةً .(5)

168. وَ(6) جَمَالُ الرَّجُلِ فَصَاحَةُ لِسَانِهِ .(7)

169. طَاعَةُ النِّسَاءِ نَدَامَةٌ .(8)

ص: 178


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 162، ح 229؛ مسند أحمد، ج 4، ص 260؛ و ج 5، ص 363؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 167. عوالي اللئالي، ج 1، ص 115، ح 32 (وفي الأربعة الأخيرة: «الصوم» بدل «الصيام»)، و ص 115، ح 33؛ مسكّن الفؤاد، ص 46 (مع اختلاف يسير فيه).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 162، ح 229؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 555؛ الكامل لابن عدي، ج 2، ص 240؛ تاريخ بغداد، ج 8، ص 148. الفقيه، ج 4، ص 416، ح 5904.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 163، ح 230؛ مسند أحمد، ج 2، ص 477؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 557؛ المصنّف، ج 2، ص 424، ح 12؛ مسند إبن راهويه، ج 1، ص 320، ح 303؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 20، ح 1586.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 163، ح 231؛ مسند أحمد، ج 4، ص 335؛ السنن الكبرى، ج 4، ص 297؛ المصنّف، ج 2، ص 511؛ المعجم الصغير، ج 1، ص 254. الفقيه، ج 4، ص 356، ح 5762؛ معاني الأخبار، ص 272؛ الخصال، ص 314، ح 92؛ المجازات النبويّة، ص 236، ص 191.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 164، ح 232؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 72، ح 4838؛ كنزالعمّال، ج 9، ص 311، ح 26162؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 457، ح 1494. مكارم الأخلاق، ص 48؛ بحارالأنوار، ج 73، ص 135، ذيل ح 48.
6- . في المصادر: - «و».
7- . مسند الشهاب، ج 1، ص 164، ح 233؛ المستدرك للحاكم، ج 3، ص 330؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 557، ح 3599؛ ميزان الاعتدال، ج 1، ص 116، ح 450؛ فيض القدير، ج 3، ص 460، ح 3599؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 333، ح 1075.
8- . مسند الشهاب، ج 1، ص 160، ح 226؛ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص 18، ح 40؛ الكامل لابن عدي، ج 3،

يريد أنّ الصوم أمران: إمساكٌ مخصوص على وجوه، والتقرّبُ إلى اللّٰه بذلك، نصف الصبر الذي هو حبس النفس عن شهواتها، وكما أنّ الصبر في المصائب والمِحن وفي جميع بلاء اللّٰه عبادة(1) كذلك الصبر على الإمساك عن الطعام والشراب ونحوهما مع النيّة عبادة.

ويسمّى شهر رمضان شهر الصبر؛ لأنّ فيه يمسك عن تناول الأغذية وغيرها ما بين طرفي النهار. والصوم مخصوص نصفه لا يوجد في غيرها من العبادات، وهو أن يكون خالصاً للّٰه تعالى لا يطّلع عليه غيره وإن كانت كلّها تقرّباً إليه، فلهذا صار الصوم أنفس حظّاً من سائرها، ولذلك صار زكاة الجسد؛ لبعده عن الريا؛ يقول اللّٰه تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به».(2)

ثمّ حثّ على هذه الطاعة في الخبر الآخر بأن قال: «دعاء الصائم مستجاب» .(3)

وحاجة من عاش لا ينقضي، فإذا علم أنّ الصوم سبب إجابة الدعاء يكون صائماً أبداً، وروي أنّ «أرجى وقتِ الصائم لإجابة دعوته وقت افطاره».(4)

ثمّ قال: الصوم وقت الشتاء لا يكون إلّاغنيمة لا قتال فيها ولا حرارة على الكبد منها، شبّهه بالغنيمة السهلة لبرد الجوف وسكونه من العطش على صاحبه؛ لأنّ في الصَّيف تتوقّد الجوف من الجوع والعطش. وتقدير الخبر الآخر: «استعمال السواك يزيد الرجل بياناً في منطقه وكشفاً في كلامه»، فحذَفَ المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، وثوابه في أوقات مأثورة أعظم.

وقال عليه السلام: «السواك مطهرةٌ للفم ومرضاة للربّ » .(5)

ص: 179


1- . في المخطوطة: + «و» والظاهر أنّه تصحيف.
2- . الكافي، ج 4، ص 63، ح 6؛ الفقيه، ج 2، ص 75، ح 1773؛ التهذيب، ج 4، ص 152، ح 420.
3- . راجع: الدروس للشهيد الأوّل، ج 1، ص 280، الدرس 73؛ بحارالأنوار، ج 90، ص 353.
4- . لم نعثر على الرواية في موضع.
5- . الكافي، ج 6، ص 495، ح 4؛ تحف العقول، ص 14؛ مستدرك الوسائل، ج 1، ص 359، ذيل ح 2.

وقال: «طهِّروا مجاري كلام اللّٰه بالسِّواك» .(1)

و «الفصاحة»: اقتضابُ (2) الكلام بأغرب اللفظ وأحسن المعنى وأوجز البيان، فينتظم في القليل علم الكثير ليسهل على السامع حفظه، كما ترى هذا الكلام القصير ذا المعنى الطويل، ولذلك حثّ عليه السلام على الفصاحة بأنّها جمالٌ للرجال.

و «الطاعة» معنى الإطاعة كالطاقة والإطاقة(3)، وقوله: «طاعة النساء» المصدر المضاف إلى المفعول، أي طاعتك النساء، والطاعة لا تكون نفس الندامة، ولكن تُثبتها كأنّه قال: طاعتك النساء مورثة للندامة، أي: لا تطعهنَّ .

170. الإِمَامُ ضَامِنٌ ، وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ .(4)

171. المُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقاً يَوْمَ القِيَامَةِ .(5)

172. شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ اُمَّتِي.(6)

173. الأنْصَارُ كَرِشِي وَعَيْبَتِي.(7)

ص: 180


1- . راجع: بحارالأنوار، ج 73، ص 128-130.
2- . اقتضاب الكلام: ارتجاله من غير تهيئة «الفائق في غريب الحديث للزمخشري، ج 3، ص 107».
3- . في المخطوطة: «الجانة» بدل «الإطلاقة»، فصحّحناه قياساً.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 165، ح 234؛ كتاب المسند للشافعي، ص 56؛ مسند أحمد، ج 2، ص 382 و 419 و 424؛ و ج 5، ص 260؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 127، ح 517؛ سنن الترمذي، ج 1، ص 133، ح 207. وراجع: الفقيه، ج 1، ص 378، ح 1103؛ التهذيب، ج 2، ص 382، ح 3؛ الاستبصار، ج 1، ص 440، ح 1693.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 166، ح 235؛ مسند أحمد، ج 3، ص 169 (مع اختلاف يسير فيه)؛ و ج 4، ص 95 و 98؛ صحيح مسلم، ج 2، ص 5؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 240، ح 725؛ السنن الكبرى، ج 1، ص 432. ثواب الأعمال، ص 31 (فيه مع اختلاف يسير عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ عيون الأخبار، ج 2، ص 61، ح 249؛ المجازات النبويّة، ص 84؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 328، ح 75.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 166 و 167، ح 236 و 237؛ مسند أحمد، ج 3، ص 213؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1441، ح 4310؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 421، ح 4739. الفقيه، ج 3، ص 574، ح 4963 و 4964؛ الأمالي للصدوق، ص 56، ح 11؛ التوحيد، ص 407، ح 6.
7- . مسند الشهاب، ج 1، ص 167، ح 238؛ مسند أحمد، ج 3، ص 89 و 156 و 176 ومواضع اُخرى؛ صحيح

174. يَدُ اللّٰهِ عَلَى الجَمَاعَةِ .(1)

175. الصَّمْتُ حُكْمٌ ، وَقلِيلٌ فاعِلُهُ .(2)

معنى الخبر الأوّل أمرٌ وإن كان على لفظ الخبر؛ يقول: ينبغي ويجب أن يكون إمام الصلاة(3) أقرأ الجماعة؛ فإنّه يضمن عنهم قراءَتهم، وكذلك يجب أن يكون المؤذِّن مؤتمَناً أميناً في مواقيت الصلاة لا يؤذِّن قبل دخولها، والمؤذِّنون أرفع الناس درجةً وأعلاهم شأناً، يَستشرفون أعناقهم لثواب اللّٰه ويطلعونها، فطول العُنق استعارةٌ ومَجازٌ، ويجوز أن يكون حقيقةً ، وروي «إعناقاً» بكسر الهمزة، وهو سرعة السير؛ لأنّهم أسرع إلى الجنّة.

وتقدير الخبر الثالث: شفاعتي مخصوصة ومدّخرةٌ لأهل الكبائر، أي الذين ارتكبوا الذُّنوب الكبار من اُمّتي وهم المؤمنون الذين أقرّوا على الحقيقة بتوحيد اللّٰه وعدله وصحّة ما جاء به رسول اللّٰه؛ أي: إنّهم يخرجون من النار بشفاعتي لهم إلى اللّٰه في حقّهم بعد ما دخلوها وصاروا حُمَماً، وهذا أمانٌ لقطع رجاء المذنبين من أهل الإيمان.

ثمّ شرَّف الأنصار وهم أهل المدينة الذين آووا رسول اللّٰه ونصروه فقال: إنّهم بطانتي وخاصّتي وجماعتي وموضع أسراري. والكَرْش: الجماعة من الناس، وقد يكون عيال الرجل وأهله(4). و «العيبة»: التي يخزن المرء فيها حُرَّ متاعه ومصون

ص: 181


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 167، ح 239؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 315، ح 2356؛ سنن النسائي، ج 7، ص 92؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 115. الأمالي للطوسي، ص 237، ح 5؛ الفصول المختارة، ص 237؛ نهج البلاغة، ج 2، ص 8، الخطبة 127.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 168، ح 240؛ أدب المجالسة لابن عبد البرّ، ص 76، ح 136؛ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص 20، ح 47؛ الكامل لابن عدي، ج 5، ص 169؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 350، ح 6880. مجموعة ورّام، ج 1، ص 104 و 108؛ شرح مئة كلمة لابن ميثم، ص 148.
3- . في المخطوطة: «إماماً لصلاة».
4- . راجع: لسان العرب، ج 6، ص 340؛ مجمع البحرين، ج 4، ص 152 (كرش).

ثيابه(1)، فضَرَبَ بها المثل إعلاماً بأنّهم موضع أمانته التي يأتمنه على أمره.

ومعنى «يد اللّٰه على الجماعة» حثّ أن تكون مع أهل الحقّ وجماعة [المؤمنين]؛ فإنّ رحمة اللّٰه على الجماعة الذين هم أئمّة المؤمنين؛ فقُربُهم رحمة، وبُعدهم عقوبة. و «اليد»: النِّعمة والقوّة والتفضّل والرحمة.

ومعنى الخبر الأخير: أنّ استعمال الصمت من الحكمة، وقلّما يستعملونه، و «الحُكم»: الحِكمة؛ قال اللّٰه تعالىٰ : (وَ آتَيْنٰاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا) (2).

وروي أنّ لقمان الحكيم رأى داود النبيَّ عليه السلام يَسرِدُ حِلَقَ الدِّرع بعضها في بعضٍ بيده؛ فإنّه تعالى ألانَ له الحديد ولم يسأله: ما هذا؟ ولم يكن قبل ذلك درع، وإنّما يتّخذون في الحرب شبه تَنُّور من الحديد، فلمّا أتمَّ سردها تلبّس وقال: «نِعمَ اللباس ليوم النِّزال»(3)، فتكلّم لقمان بقريبٍ من هذا الحديث.

176. الرِّزْقُ أَشَدُّ طَلَباً لِلْعَبْدِ مِنْ أَجَلِهِ .(4)

177. الرِّفْقُ فِي المَعِيشَةِ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِ التِّجَارَةِ .(5)

178. التَّاجِرُ الجَبَانُ مَحْرُومٌ ، وَالتَّاجِرُ الجَسُورُ مَرْزُوقٌ .(6)

179. حُسْنُ المَلَكَةِ نَمَاءٌ ، وَسُوءُ المَلَكَةِ شُؤْمٌ .(7)

ص: 182


1- . اُنظر: العين، ج 2، ص 263؛ لسان العرب، ج 1، ص 633 (عيب).
2- . مريم (19):12.
3- . لم نعثر على الخبر في موضع.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 168، 241؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 24، ح 4524؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 109؛ فيض القدير، ج 4، ص 71، ح 4524؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 229.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 169، ح 242؛ المعجم الأوسط، ج 8، ص 318؛ الكامل لابن عدي، ج 2، ص 234؛ و ج 4، ص 147؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 32، ص 185؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 25، ح 4530؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 51، ح 5445، و ص 54، ح 5453.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 169، ح 243؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 521، ح 3395؛ كنزالعمّال، ج 4، ص 20، ح 9293؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 294، ح 942. مستدرك الوسائل، ج 13، ص 294، ح 9 (وفيه عن الشهاب)؛ جامع أحاديث الشيعة، ج 17، ص 118 و 127.
7- . مسند الشهاب، ج 1، ص 170، ح 244 و 245؛ مسند أبي داود، ج 2، ص 511، ح 5163؛ مسند أبي يعلى،

180. فُضُوحُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ فُضُوحِ الآخِرَةِ .(1)

حثَّ عليه السلام بالخبر الأوّل على تجلية القلب من همّ الرزق؛ لئلّا يشتغل الخلق بالمقدور يقول: كلّ ما جعله اللّٰه رزقاً للعبد يصِلُ إليه قبل موتهِ ، ولا يأتيه أجله حتّى يأتيه جمع أرزاقه. ونَسَبُ الطلب إلى الرزق مجاز. ثمّ دعا إلى الاقتصاد والقناعة، يقول: الدوام على طريق الاقتصاد في المعيشة لا سرفاً ولا تقصيراً خيرٌ من بعض التصرّف في المال من بيع وشراء طلباً للربح.

وإنّما لم يقل: «خير من التجارة»؛ لما روي عنه عليه السلام: «أبوابُ الرزق عشرة:

تسعة منها في التجارة، وواحدٌ في سائر الحِرف».(2)

وفي هذا الحديث بيان أنّه عليه السلام كان أشفق على اُمّته من الوالد إلى الولد؛ لأنّ هذا تدبير الآباء للأبناء.

ومعنى الخبر الثالث على وجهين:

أحدهما: محمول على الآخرة إشارة إلى قوله تعالىٰ : (إِنَّ اَللّٰهَ اِشْتَرىٰ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ ) (3)؛ أي التاجر الجسور يختار ثواب الآخرة وإن كان نسيئةً ، ويبذلُ نقد أمواله في سبيل اللّٰه، وكذلك نفسَه من قوله تعالى:

(اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ) (4) الآية.

والوجه الثاني: أنّ التاجر الجبان الذي يحتكر ويظنّ الفضل والربح في إمساكه فهو محرومٌ من سعة الرزق والبركة، والتاجر الجسور الذي يبيع ويشتري

ص: 183


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 170، ح 246؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 48، ص 323؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 2118، ح 5890؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 194، ح 6125؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 52، ح 1696.
2- . عوالي اللئالي، ج 1، ص 267، ح 68؛ و ج 2، ص 242، ح 2؛ مستدرك الوسائل، ج 13، ص 10، ح 14 (وفي كلّها مع اختلاف يسير).
3- . التوبة (9):111.
4- . البقرة (2):261.

ويرى الفضل من اللّٰه في ذلك يصيرٌ بذلك مرزوقاً، فالوجدان والحرمان كلاهما من اللّٰه.

والمراد بالخبر الرابع: أنّ مَن كان له عبيد وإماء وخدم وحشم فيحسن الصنيع والسيرة والسياسة إليهم موسِّعاً في طعامهم وشرابهم، وإن كان له دوابٌّ وأنعامٌ يكون محسناً في سقيها وعلفها، يكون ذلك في أبدانهم وأبدانها كالسَّقي للزرع، فيزداد جميع ذلك في ماله وحاله. وإذا كان سيّئ السيرة فيهم يؤثّر ذلك أيضاً في أنفسهم، وينقص من ماله، ويقبح هذا الفعل أيضاً صورته عند اللّٰه وعند الناس.

وإنّ رجلاً قال للنبيِّ عليه السلام: عبدي يسوء فكم أعفو عنه ؟ فقال: «تعفو عنه كلّ يومٍ سبعين مرّة».(1)

وكان عامّة وصيّته عليه السلام عند الموت: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» .(2)وقال عليه السلام: «لا يدخل الجنّة سيّئ المَلَكة».(3)

وقال ابن الأعرابي: يُقال: «فلانٌ حسن الملكة» إذا(4) كان حسن الصنع إلى مماليكه، وسبب الخبر الأخير معروف وهو أنّه عليه السلام لمّا كان في المرض الذي توفّي فيه صعد المنبر وقال: «إن كان لأحدٍ قِبلي مظلمة فاطلبُوهُ منّي؛ فإنّ فضوح الدُّنيا أهون من فضوح الآخرة» ، فقام عُكَّاشَة بن مِحْصَنٍ فقال: يا رسول اللّٰه، ضربت بقَضيبك يوماً ما بين كَتِفَيَّ ، فكشف عليه السلام رداءه عن ذلك الموضع ليقتصّ عُكَّاشة، فانكبّ على خاتم النبوّة الذي كان بين كتفيه، وقبّله ومسح وجهه فيه، وقام آخر وقال: كذا وكذا يا رسول اللّٰه، وأراد أن يكون له أيضاً

ص: 184


1- . راجع: مسند أحمد، ج 2، ص 90؛ السنن الكبرى، ج 8، ص 10؛ مجمع الزوائد، ج 4، ص 238.
2- . راجع: عون المعبود، ج 8، ص 46؛ عيون الأثر، ج 2، ص 431.
3- . مسند أحمد، ج 1، ص 7؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1217؛ كنزالعمّال، ج 9، ص 81، ح 25066.
4- . في المخطوطة: «... يقال: ولان حسن الملكة وإذا».

مثل ذلك فقال عليه السلام: «سبقك بها عكَّاشة» .(1)

والمعنى: أنّ شدائدالدُّنيا أهون وأسهل من شدائدالآخرة؛ فإنّ هذه تَفنى وتلك تَبقى؛ وفضوح العاجلة مع الخَلق، وفضوح العاجلة مع الحقّ ، فشتّان بين الحالتين.

181. القَبْرُ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الآخِرَةِ .(2)

182. الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الاُولىٰ .(3)

183. دَفْنُ الْبَناتِ مِنَ المَكْرُمَاتِ .(4)

184. مُعْتَرَكُ المَنَايَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ .(5)

185. أَعْمَارُ اُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ .(6)

ص: 185


1- . راجع: سنن الترمذي، ج 4، ص 49؛ المستدرك للحاكم، ج 4، ص 415؛ مجمع الزوائد، ج 4، ص 13.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 171 و 172، ح 247 و 248؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 379، ح 2480؛ تحفة الأحوذي، ج 6، ص 490؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 90. الدعوات، ص 259، ح 737؛ مصباح الشريعة، ص 172؛ بحارالأنوار، ج 6، ص 133؛ و ج 79، ص 173؛ مستدرك الوسائل، ج 2، ص 105، ح 21 (وفيه عن مصباح الشريعة).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 172، ح 249؛ صحيح البخاري، ج 2، ص 84؛ صحيح مسلم، ج 3، ص 40؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 509، ح 1596. المجازات النبويّة، ص 358، ح 276؛ عيون الحكم، ص 337 (وفيه مع اختلاف)؛ مسكّن الفؤاد، ص 53 و 99؛ بحارالأنوار، ج 79، ص 903 و 103؛ مستدرك الوسائل، ج 2، ص 452، ح 2445.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 173، ح 250؛ المعجم الأوسط، ج 2، ص 372؛ المعجم الكبير، ج 11، ص 290؛ مسند الشاميّين، ج 3، ص 325؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 8، ص 3، ح 1. ذخائر العقبى، ص 163؛ الفوائد المنتخبة، ج 3، ص 26، ح 1؛ بحارالأنوار، ج 30، ص 415.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 174، ح 251؛ مسند أبي يعلى، ج 1، ص 300، ح 6543؛ تاريخ بغداد، ج 3، ص 96، ح 1101؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 536، ح 8187؛ كنزالعمّال، ج 15، ص 677، ح 42696. معاني الأخبار، ص 402، ح 66 (وفيه مع اختلاف يسير)؛ المجازات النبويّة، ص 336، ح 260؛ بحارالأنوار، ج 6، ص 119، ح 2 (مع اختلاف يسير فيه أيضاً).
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 174، ح 252؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1415، ح 4236؛ سنن الترمذي، ج 5، ص 213، ح 3620؛ المستدرك للحاكم، ج 2، ص 427. المجازات النبويّة، ص 336، ح 260؛ إرشاد القلوب، ج 1، ص 40 (وفيه مع اختلاف يسير).

186. المَكْرُ وَالخَدِيعَةُ فِي النَّارِ.(1)

بيان الخبر الأوّل في تمامه وهو: «فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجح منه فما بعده أشدّ منه» ، وفيه دليل على أنّ عذاب القبر حقّ .

وقال عليه السلام: «القبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حُفر النار»(2)، فأهل القبور بعضهم في غبطةٍ وبعضهم في شدّة.

فقال أبو عبيد في معنى الخبر الثاني: إنّ كلّ ذي مَرْزِئَةٍ (3) ومصيبة فإنّ قصاراه وعاقبته الصبر، ولكنّه إنّما يحمده على أن يكون عند حدّة المصيبة وحرارتها.

بيّنَ عليه السلام أنّ الصبر المحمود المأجور عليه صاحبه هو ما كان عند(4) مفاجأة المصيبة وهي عند الصدمة الاُولى دون ما بعدها؛ فإنّه إذا طالت الأيّام عليها يقع السَّلْو ويصير الصبر حينئذٍ طبعاً، فلم يكن للآخرة موضع.

وقيل في سببه أنّه عليه السلام مرَّ بقبر تبكي عليه امرأة بكاءً شديداً، فعزّاها عليه السلام فلم تلتفت إليه، فقيل لها: أوَ تدرينَ مَنْ هذا؟ فقالت: لا. فقيل: هو رسول اللّٰه. فجاءت خلفه، فقالت: كيف يكون أجري، وكيف يكون حالي ؟ فقال عليه السلام: «الصبر عند الصدمة الاُولى».(5)

وقيل: معناه أمر بالصبر في أوّل حملة العدوّ في الحرب؛ فإنّه هو النافع.

ووصّى بعض ملوك العرب قومه في محاربة العجم فقال: «احتمِلوا رِشْقاً واحداً(6) وخالِطوهم بالسيف».

ص: 186


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 175، ح 253 و 254؛ المصنّف، ج 9، ص 234، ح 17054؛ مسند إبن راهويه، ج 1، ص 370، ح 381؛ المعجم الصغير، ج 1، ص 261. الكافي، ج 2، ص 336، ح 1 (وفيه مع اختلاف يسير عن الإمام على عليه السلام)؛ الأمالي للصدوق، ص 344، ح 5؛ ثواب الأعمال، ص 270؛ عيون الأخبار، ج 1، ص 55، ح 194؛ تحف العقول، ص 154.
2- . الكافي، ج 3، ص 242، ح 2؛ الغارات، ج 1، ص 239؛ الأمالي للمفيد، ص 265.
3- . المَرْزِئَة والرزيّة: المصيبة، والجمع أرزاء ورزايا. «لسان العرب، ج 1، ص 86 (رزأ)».
4- . في المخطوطة: «عنده»، والظاهر أنّه تصحيف.
5- . راجع: المصنّف، ج 3، ص 551.
6- . [قال] أبو عبيد: الرِّشْق: الوجه من الرمي إذا رَمَوا بأجمعهم وجهاً بجميع سهامهم في جهة واحدة، قالوا: رَمَينا

والعموم يتناول الوجهين، والصَّدْم: ضرب الشيء [الصُّلب] بمثله، و «الصَّدْمة»:

الحملة، وصَدَمَه صَدْماً: ضربه بجسده.

وأمّا قوله: «دفن البنات من المكرمات» ، فإنّما قاله كذلك لأنّ النساء عوراتٌ ، وأمرُ العورة أشدّ، وحالها أخوف وأهول من الذُّكور، فلذلك جعل دفنهنّ مَكرُمةً لهنّ ؛ لما فيه من الفراغ المتعلّق بهنّ .

وروي أنّه خرج هذا الكلام عنه عليه السلام في ابنته رقية، وقد كان كفي أمرها وسترها وترويحها.

وقريب منه قوله عليه السلام: «نِعمَ خَتَنُ الرجل القبر» . وفي رواية: «نِعمَ الخَتَن القبر» .(1)

وكان ابن عبّاس في سفر فنُعِيَتْ إليه بنتٌ فاستَرجع، ثمّ قال: «عورة سُترت، ومؤونة كُفيت، وأجرٌ سبق إلينا»، ثمّ نزل فصلّى ركعتين وقال: فَعَلْنا أمر اللّٰه في قوله: (وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاٰةِ ) (2).(3)

وقال الحسن: «البنون نِعَم، والبنات حسنات، فالنِّعَم مسؤولٌ عنها، والحسنات مُثاب عليها»(4)؛ قال تعاليٰ : (اَلْمٰالُ وَ اَلْبَنُونَ زِينَةُ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ اَلْبٰاقِيٰاتُ اَلصّٰالِحٰاتُ ) (5)هنّ البنات»(6)، فعلى هذا معنى الخبر - أي دفن البنات زيادة في الحسنات والمكرمات - للمحتسبين بهنّ .

وقيل: أراد بذلك ما وعد اللّٰه أصحاب المصائب من الكرامة والرحمة.

والخبران بعده فإنّما ذكر فيهما مقدار الأعمار على الأغلب والعموم، وإلّا

ص: 187


1- . لم نعثر على الروايتين في موضع.
2- . البقرة (2):45.
3- . راجع: فيض القدير، ج 3، ص 712؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 74.
4- . ضوء الشهاب (المخطوط) (عن الحسن عليه السلام)؛ معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول، ص 135 (عن الصادق عليه السلام).
5- . الكهف (18):46.
6- . راجع: تفسير السلمي، ج 1، ص 410؛ زاد المسير، ج 5، ص 104؛ تفسير القرطبي، ج 10، ص 416.

فالإنسان يموت طفلاً صغيراً ويافعاً وكهلاً وشيخاً كبيراً، فأغلب حاله لا يجاوز هذه الغاية، ونبّه عليه السلام على ذلك لئلّا يَغفل المرء عن حاله إذا بلغ هذا القدر.

ومعنى الخبر الأخير أنّ المكّارَ الذي يحتال ليسلب من غيره المال والخُدَعَةَ الذي يَخْتُل الناس ويريد بهم المكروه من حيث لا يعلمون، كلاهما في النار؛ وإنّما قال إنّ عملهما في النار، تفخيماً لذلك.

وقيل: أراد بالمصدر من اسمي فاعليهما أو: ذو المكر وذو الخديعة في النار، فحُذف المضاف أي: مَن عَمِلَ مثل عملهما يستوجب دخولها إلّاأن يتوب.

و «المكر»: الاحتيال، و «الخديعة»: الخَتْل وإدخال المكروه على الغير.

وذكر عليه السلام هذه الكلمة تخويفاً وزجراً لمن فعل ذلك أن يتوب، ولمن همَّ به أن لا يشتغل بهذا الفعل السوء.

187. اليَمِينُ الفَاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ .(1)

188. اليَمِينُ الكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ .(2)

189. اليَمِينُ عَلىٰ نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ .(3)

190. الحَلْفُ حِنْثٌ أوْ نَدَمٌ .(4)

ص: 188


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 176، ح 255؛ السنن الكبرى، ج 10، ص 35؛ مسند الشاميّين، ج 3، ص 398، ح 2543 (وفيه مع اختلاف)؛ مسند أبي حنيفة، ص 243. الكافي، ج 2، ص 347، ح 4 (وفيه مع اختلاف عن الإمام عليّ عليه السلام)؛ و ج 7، ص 435، ح 2 (مع اختلاف فيه أيضاً)؛ ثواب الأعمال، ص 226؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 262، ح 48 (وفيه: «الكاذبة» بدل «الفاجرة»).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 177 و 178، ح 256-258؛ مسند أحمد، ج 2، ص 235 و 413؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 12؛ صحيح مسلم، ج 5، ص 56؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 110 (مع اختلاف يسير في الأربعة الأخيرة). وراجع: الكافي، ج 5، ص 162، ح 2؛ مستدرك الوسائل، ج 16، ص 39، ح 19056.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 178، ح 259؛ صحيح مسلم، ج 5، ص 87؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 685، ح 2120؛ السنن الكبرى، ج 10، ص 65. وراجع: الوسيلة لابن حمزة الطوسي، ص 227؛ كشف اللثام، ج 9، ص 28؛ مستند الشيعة، ج 17، ص 468.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 179، ح 260 و 261؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 680، ح 2103؛ المستدرك للحاكم،

يقول: لا تَلهَجوا(1) بالحلف باللّٰه تعالى كاذبين؛ فإنّها تُخرّب الدِّيار، و «اليمين الفاجرة» هي المائلة عن الحقّ ، الكاذبة. وفَجَرَ فجوراً أي فسق، وسمّت قريشٌ حرباً لهم في الأشهر الحرم «فِجاراً»؛ إيذاناً أنّهم فَسَقُوا بسببها، فكذا اليمين الغَمُوس يُفسق صاحبها، و «البَلْقَع»: الأرض القفر التي لا شيء بها، يُقال: «منزلٌ بَلَقْع ودار بلقع بغيرها» إذا كان نعتاً، فإذا كان اسماً قلتَ : انتهينا إلى بَلْقَعَة مَلْسَاء(2). يعني:

الحالف فُجوراً يَفتقر لا محالة ويذهب ما في بيته من المال.

وقيل: هو أن يفرّق(3) اللّٰه بسبب ذلك شَمْله، ويغيّر عليه ما أولاه من نعمة، و «البَلاقِع»: الخالية من كلّ شيء ومن كلِّ خيرٍ، وروي: «اليمين الغَموس تَدَعُ الدِّيار بَلاقِع»(4)، و «الغَمُوس»: يمين لا يُوصل بالاستثناء.

ونبّه عليه السلام بالخبر الآخر أنّ البائع إذا حلف كاذباً على قيمة متاعٍ أو على جُودَة سِلْعَةٍ (5) وكانت على خلاف ذلك، فإنّه وإن سُرَّ عاجلاً بسبب نفاق ماله وربحه في التجارة، فإنّه يندم على ذلك، وربّما يلحقُهُ الغُرم فيكون تمحيقاً للكسب. ووَصْفُ اليمين هنا بالكذب(6) وفي الخبر الأوّل بالفاجرة إعلامٌ بأنّ هذا دون ذاك، وإن كان بيمينه ظالماً لغيره يريد اقتطاع ماله أو منعه فاحتال عليه، وألغز(7) في يمينه، وحرّفها

ص: 189


1- . لَهِجَ بالأمر لَهَجاً، ولَهْوَجَ وألْهَجَ كلاهما: اُولع به واعتاده، وألهجته به... «لسان العرب، ج 2، ص 359 (لهج)».
2- . راجع: العين، ج 2، ص 301؛ ولسان العرب، ج 8، ص 21؛ ومجمع البحرين، ج 4، ص 302 (بلقع).
3- . في المخطوطة: «يفتقر»، والمناسب ما اُثبت.
4- . الكافي، ج 2، ص 347، ح 4 (وفيه عن الإمام عليّ عليه السلام)؛ وج 7، ص 435، ح 2 (عن الرسول صلى الله عليه و آله)؛ الخصال، ص 124، ح 119 (وفيه عن الإمام عليّ عليه السلام)؛ المبسوط للطوسي، ج 6، ص 116؛ كنزالعمّال، ج 16، ص 696، ح 46383.
5- . في المخطوطة: «سلفة»، والظاهر أنّه تصحيف.
6- . في المخطوطة: «بالكرب».
7- . ألغز كلاسه وفيه: عمّى مراده، واللّغز: ميلك بالشيء عن وجهه. القاموس المحيط، ج 1، ص 721 (لغز).

عند نفسه، وتأوّل، فإنّ ذلك غير نافع له ولا مُخرج له من الحِنث، واليمين على نيّة المستحلِف، ولا ينفعه الكفّارة حتّى يتوب إلى اللّٰه من جُرأته وإقدامه على الحلف كاذباً، و الخروج إلى ذي الحقّ من حقّه.

فأمّا إذا كان مظلوماً أو قصد الحالف بيمينه حقناً لدم مسلم ويورّي فلا(1) بأس، ومعنى الخبر الأخير نهيٌ أن يجعل الإنسان عادته أن يحلف في كلّ صغيرٍ وكبيرٍ ولا يُبالي بكونه صادقاً أو كاذباً؛ فإنّ الحالف كذباً على الماضي يتأثّم ويتحرّج ويَذلّ في أعين الناس، وآخر هذا: الندمُ ، وإن حلف على المستقبل بأن يفعل طاعةً أو مباحاً ثمّ لا يفعله اختياراً فيحنث ويلزمه الكفّارة فضلاً عن إثمه، ومَن حلف صادقاً فهو معظِّم للّٰه ولا شيء عليه.

على أنّ الأولى أن لا يحلف الإنسان وإن كان صادقاً بين الناس، فربّما اتُّهمَ بكونه كاذباً.

يعني: إن كانت صادقةً ندم، وإن كانت كاذبةً حنث؛ فهي من الوجهين مكروهة.

191. السَّلَامُ تَحِيَّةٌ لِمِلَّتِنا، وَأَمَانٌ لِذِمَّتِنَا.(2)

192. عِلْمٌ لَايَنْفَعُ كَكَنْزٍ لَايُنْفَقُ مِنْهُ .(3)

193. الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الصَّائِمِ الصَّابِرِ.(4)

ص: 190


1- . في المخطوطة: «ولا».
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 179، ح 262؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 73، ح 4845؛ كنزالعمّال، ج 9، ص 114، ح 25242. جامع الأخبار، ص 89؛ بحارالأنوار، ج 73، ص 12، ذيل ح 46؛ مستدرك الوسائل، ج 8، ص 360، ح 9670 (وفيه عن تفسير أبي الفتوح).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 180، ح 263؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 138؛ المصنّف، ج 8، ص 179، ح 11؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 27، ص 68؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 351، ح 2299؛ و ج 2، ص 160، ح 5471. إرشاد القلوب، ج 1، ص 15 (مع اختلاف فيه).
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 180، ح 264؛ مسند أحمد، ج 2، ص 283؛ و ج 4، ص 343؛ سنن الدارمي، ج 2،

194. الصَّلَاةُ قُربَانُ كُلِّ تَقِيٍّ .(1)

195. بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ .(2)

196. مَوْضِعُ الصَّلَاةِ مِنَ الدِّينِ كَمَوْضِعِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ.(3)

197. صَلَاةُ القَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ القَائِمِ .(4)

حثَّ أوّلاً بأن يُسلّم المؤمنون عند الملاقاة بعضهم على بعضٍ ؛ فإنّ السلام تحيّة الإسلام، وأمانٌ وعهدٌ لأهل الذِّمام. واسمُ «السلام» تحيّة، وهي كلمة مخصوصة يُحيّى بها، ومعنى «التحيّة»: البقاء والملك، والسلام: السلامة، و «الملّة»: أهل الدِّين، و «الأمان»: الأمانة من العذاب، و «الذمّة»: ما يُتذمّم به؛ أي لفظ «السلام عليكم» في هذه الاُمّة تحيّة لأهل شريعتنا وأمنٌ لمن كانت عليه حُرمة الإسلام.

ومعنى الخبر الثاني: أنّ العِلم الذي لا يُعمَل به ولا يُعلَّم الناس وبالٌ وحجّة على

ص: 191


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 181، ح 265؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 10، ح 5182؛ كنزالعمّال، ج 7، ص 288، ح 18917؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 29، ح 1612. الكافي، ج 3، ص 265، ح 6؛ الفقيه، ج 1، ص 210، ح 637 (وفيهما عن الإمام الرضا عليه السلام)؛ الخصال، ص 620؛ دعائم الإسلام، ج 1، ص 133.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 181 و 182، ح 266 و 267؛ مسند أحمد، ج 3، ص 389؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 342، ح 1078؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 408، ح 4678. جامع الأخبار، ص 73؛ بحارالأنوار، ج 79، ص 202؛ مستدرك الوسائل، ج 3، ص 45، ح 2979 (وفي الأخيرين عن جامع الأخبار).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 182، ح 268؛ المعجم الأوسط، ج 2، ص 383، ح 2292؛ المعجم الصغير، ج 1، ص 61؛ الفردوس، ج 4، ص 157، ح 6492؛ كنزالعمّال، ج 7، ص 301، ح 18972؛ تذكرة الحفّاظ، ج 3، ص 289.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 183، ح 269؛ كتاب الموطأ للمالك، ج 1، ص 136، ح 19؛ مسند أحمد، ج 2، ص 192 و 203؛ و ج 3، ص 214؛ و ج 6، ص 220؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 388، ح 1239؛ سنن النسائي، ج 3، ص 223. الاستبصار، ج 1، ص 294، ح 1084؛ عيون الأخبار، ج 1، ص 115 (وفيه مع اختلاف يسير)؛ وسائل الشيعة، ج 4، ص 949، ح 2 (وفيه عن علل الشرائع و عيون أخبار الرضا عليه السلام).

عالِمه، كالكنز الذي لا يؤدّى زكاته؛ فإنّ ذلك وبالٌ علىٰ صاحبه. يريد: إذا علمتم فاعملوا وعلِّموا الناس. ثمّ سلّى من لا يتيسّر له الصوم ويريد أن يكون [له] ثواب ذلك، فليتقرّبوا إلى اللّٰه بكثرة الصلاة؛ فإنّهم ينالون بالخشوع والخضوع بين يدي اللّٰه في صلواتهم مثل ما ينال الأغنياء من الثواب بقرباتهم، والمتّقون يتقرّبون إلى اللّٰه بالصلاة. ثمّ نهى عن ترك الصلاة؛ فإنّها عَلَم للإيمان، وتركُها علامة للكفر، وكما لا بقاء للجسد دون الرأس فكذلك لا ثبات للِباس الدِّين دون الصلاة.

وجاء الخبر الأخير في نوافل الصلاة دون الفرض؛ لأنّ الفرض منها لا يجوز ولا يجزئ بالقعود مع القدرة على القيام، ولو صلّى صلاة فريضةٍ هكذا لم يَحُز ثواباً، فأمّا التطوّع منها فإنّ الإنسان إذا صلّى قاعداً مع الاختيار، فيكون ثواب كلّ ركعتين ركعةً واحدةً ؛ أي ثواب صلاة القاعد.

198. الزَّكَاةُ قَنْطَرَةُ الإِسْلَامِ .(1)

199. طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ ، وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ .(2)

200. التُّرَابُ رَبِيعُ الصِّبْيَانِ .(3)

ص: 192


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 183، ح 270؛ المعجم الأوسط، ج 8، ص 380؛ تخريج الأحاديث والآثار، ج 1، ص 42؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 33، ح 4589؛ كنزالعمّال، ج 6، ص 293، ح 15758. الأمالي للطوسي، ص 522، ح 64؛ بحارالأنوار، ج 74، ص 405، ح 36؛ مستدرك الوسائل، ج 7، ص 25، ح 7546 (وفيه عن تفسير أبي الفتوح).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 184، ح 271 و 272؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 483؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 195، ح 2918؛ سنن النسائي، ج 8، ص 151. الكافي، ج 6، ص 512، ح 17؛ التحفة السنيّة، ص 316 (مع اختلاف يسير فيهما)؛ وسائل الشيعة، ج 2، ص 147، ح 1 (وفيه عن الكافي).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 185، ح 273؛ المعجم الكبير، ج 6، ص 140؛ التاريخ الكبير، ج 1، ص 111، ح 318؛ الكامل، ج 6، ص 256؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 522، ح 3401؛ كنزالعمّال، ج 16، ص 458، ح 45424؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 303، ح 965.

201. الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ؛ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ .(1)

202. الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ ، وَالْكَذِبُ رِيبَةٌ .(2)

إنّما جَعَلَ عليه السلام الزكاة قنطرة الإسلام لأمرين: أحدهما: أنّه أراد: كما لا يمكن عبور الأنهار إلّابالقنطرة، فكذلك لا يمكن العبد أن يجوز على الصراط إلّابأداء الزكاة إن كان واجباً عليه.

وقيل: إنّما سمّاها قنطرة لأنّه قال في حديثٍ آخر: «ضربَ اللّٰه مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتَي الصراط سورٌ فيه أبوابٌ مفتّحة، وعلى تلك الأبواب ستورٌ مرخاة، وعلى رأس الصراط داعٍ يقول: ادخلوا الصراط ولا تفرحوا»(3)؛ فالصراط الإسلام، والستور حدود اللّٰه، والأبواب المفتّحة محارم اللّٰه، [و] الداعي القرآن، فعلى هذا يكون الإسلام طريقاً، فيه ما يكون في سائر الطرق، فتكون الزكاة بعض أسباب الإسلام.

ثمّ ذكر بيان كيفيّة استعمال الطيب للرِّجال والنساء وإن كان الطيب مباحاً لجميعهم؛ لكنّ للرجال(4) ما ظهر ريحه كالمسك والغالية وماء الورد ونحوها، وللنساء ما بطن ريحه وظهر لونه كالحنّاء والخضاب؛ مخافَة الافتتان إذا خرجن، فأمّا إذا كنَّ داخلات في البيوت عند الأزواج فلا بأس لهنّ ؛ ظاهراً كان أو خفيّاً.

ص: 193


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 185، ح 274؛ مسند أحمد، ج 2، ص 295 و 527؛ و ج 4، ص 110؛ صحيح البخاري، ج 4، ص 104؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 41؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 567، ح 2525. الاُصول الستّة عشر، ص 68؛ كتاب المؤمن، ص 39، ح 89؛ علل الشرائع، ص 84، ح 2 (وفي الأخيرين عن الإمام الصادق عليه السلام)؛ الأمالي للصدوق، ص 209، ح 16 (وفيه عن الإمام الباقر عليه السلام)؛ المسائل السرويّة للشيخ المفيد رحمه الله، ص 37.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 186، ح 275؛ مسند أبي داود، ص 163؛ نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص 28، ح 83؛ نصب الراية، ج 3، ص 41؛ تحفة الأحوذي، ج 7، ص 187؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 406، ح 1307. كشف الغمّة، ج 2، ص 158.
3- . مسند أحمد، ج 4، ص 182 (وفيه: «لا تتفرّجوا» بدل «لا تفرحوا»)؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 73 (وفيه: «لا تعوّجوا» بدل «لا تفرحوا»)؛ كتاب السنّة لابن أبي عاصم، ص 14 (وفيه: «لا تتعوّجوا» بدل «لا تفرحوا»).
4- . في المخطوطة: «الرجال»، وهو تصحيف ظاهراً.

وأصل الخبر الثالث ما روي أنّ النبيّ عليه السلام مرَّ على جماعة من الصبيان يلعبون بالتراب فنهاهم واحدٌ من أصحابه، فقال عليه السلام: «أمسك؛ فإنّ التراب ربيع الصبيان» أي:

كما يفرح الرِّجال في الفصل الذي قد أدركت الثمار فيه وهو الربيع، و كذلك الصبيان إذا وجدوا التراب يفرحون للّعب(1) به.

فالربيع عند العرب اثنان: الأوّل: هو الفصل الذي يأتي فيه النور، والثاني: الذي تدرك فيه الثمرات. ولكليهما يُقال ربيع الأزمنة، والخبر إشارة إليه.

وقيل: شبّه التراب لهم بالربيع؛ لسلامتهم من الخطأ والعصيان.

وقد تُعُسِّف في تفسيره بأن قيل: هو إشارة إلى أنّ العاقل لا يغترّ بالدُّنيا ولا يفرح بالعقار، القصور والدِّيار؛ فإنّ الفرح بالتراب من شأن الصبيان.

وتقدير الخبرالرابع: «أصحاب الأرواح»، فحُذف المضاف، واُقيم المضاف إليه مقامه؛ وإنّما قلنا ذلك لأنّ التعارف والتناكر لا يصحّان على الأرواح؛ لأنّ الروح هو الريح.

وروي: «إنّ القلوب لأجناد مجنّدة»(2)، والعرب تُضيف الفعل إلى الجارحة فتقول:

قلبي يُحبّك، وعيني تُبصرك، ورجلي تمشي إليك، والمراد بجميع ذلك خلاف ظاهره؛ لأنّ المكلّف الفعّال هو هذه الجملة المشاهدة التي تتردّد في مجاريها الروح، وجَعَلَ أجزاءها الحياة في حكم الشيء الواحد. والمعنى أنّ الشكل الحقيقي طالب للاتّصال، فإذا وحَّده امتزج به كالمائين إذا اختلطا صارَ واحداً، والإنسان إذا عاين ما يشاكله اتّصل روحه بروحه، يتصادقان ويَسُرّ كلّ واحدٍ منهما بصاحبه، فيتّفقان على شهوة واحدة ومرادٍ واحد وحالٍ واحدة.

وقيل: هذا إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشرّ والصلاح والفساد؛ فإنّ الخيِّر من الناس يحنّ إلى شكله، والشرّير يميل إلى نظيره ومثله، فإذا تعارف الناس وكانت طباعهم متقاربة تألَّفوا، وإذا لم يتعارفوا أو تعارفوا واختلف أخلاقهم تنافروا وتناكروا، ولهذا صار الإنسان يُعرف بقرينه.

ص: 194


1- . في المخطوطة: «للعبا».
2- . البداية والنهاية، ج 10، ص 249؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 13، ص 434؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 112.

ومعنى الخبر الأخير: أنّ الصدق في الاُمور كلّها يورث الطمأنينة وهي سكون القلب وهدوء البدن، والكذب يُوقع في الريبة وهي التُّهمة؛ يعني: اصدقوا على كلّ حالٍ لتطمئنّ قلوبكم فلا تخافوا الفضيحة، ولا تكذبوا؛ فالكاذب يكون خائفاً من ظهور كذبه.

وقيل: معناه: أنّ القلب يطمئنّ بقول الصادق إذا عرف صدقه، ويرتابُ في الكاذب الذي عرف كذبه في عموم أحواله.

203. القُرْآنُ غِنىً لَافَقْرَ بَعْدَهُ ، وَلَا غِنىً دُونَهُ .(1)

204. الإيمَانُ بِالْقَدَرِ يُذْهِبُ الهَمَّ وَالحَزَنَ .(2)

205. والرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا تُكْثِرُ الهَمَّ وَالحَزَنَ .(3)

206. البِطَالَةُ تُقْسِي القَلْبَ .(4)

207. العَالِمُ وَالمُتَعَلِّمُ شَرِيكَانِ فِي الْخَيْرِ.(5)

208. عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتّىٰ تُؤَدِّيهِ .(6)

ص: 195


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 186، ح 276؛ مسند أبي يعلى، ج 5، ص 160، ح 2773؛ المعجم الكبير، ج 1، ص 255، ح 738؛ تاريخ بغداد، ج 13، ص 17، ح 6971؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 58، ص 74؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 264، ح 6183؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 516، ح 2307. نهج السعادة، ج 8، ص 405.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 187، ح 277؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 479، ح 3101؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 106، ح 481؛ ميزان الاعتدال، ج 2، ص 117، ح 3089؛ لسان الميزان، ج 3، ص 12.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 188، ح 278؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 182، ح 6062. الخصال، ص 73، ح 114؛ روضة الواعظين، ج 2، ص 441؛ مشكاة الأنوار، ص 468.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 188، ح 278؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 35، ح 4596؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 182، ح 6062؛ فيض القدير، ج 4، ص 97، ح 4596؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 441، ح 1425.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 188، ح 279؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 83، ح 228؛ المعجم الكبير، ج 8، ص 220؛ مسند الشاميّين، ج 3، ص 263، ح 2218؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 185، ح 5656. بصائر الدرجات، ص 24، ح 8؛ عيون الحكم، ص 21؛ مشكاة الأنوار، ص 242؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 81.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 189، ح 280 و 281؛ مسند أحمد، ج 5، ص 8 و 13؛ سنن الدارمي، ج 2،

209. الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ.(1)

210. الضِّيَافَةُ عَلىٰ أَهْلِ الوَبَرِ، وَلَيْسَتْ عَلىٰ أَهْلِ الْمَدَرِ.(2)

يقول: اكتفوا بالقرآن واستغنوا به؛ فإنّ القرآن كفاية لا حاجة بعده، ولا غنى دون القرآن. وقيل: من رأى فقره وغناه بالقرآن، فقد علم يقيناً أن لا فقر دون جهله، ولا غنى دون علمه.

وقيل: إنّ مَن عَلِمَ القرآن وأحكامه فهو غنيٌّ في الدِّين والشريعة(3)، وهذا الغنيُّ لا يفتقر قطّ، ولا غنى بغير القرآن.

وذكر الغنى ونسبته إلى القرآن؛ لأنّ غنى الإنسان إنّما يكون بما يملكه من شيء شريف، ولا شيء أشرف مرتبة من القرآن، ولا غنيَّ أفضل قدراً من حامله. ورُوي:

«أهل القرآن أهل اللّٰه وخاصّته» .(4)

ومعنى الخبر الثاني: أنّ مَن يَعلم أنّ المرض والصحّة والغنى والفقر وسعة الرزق وضيقه كلّها بقضاءٍ من اللّٰه وقدرٍ؛ لمصلحة يراها للخلق، اطمأنّ قلبه، وسكنت نفسهُ إلى أحكام الحقّ ، ويرضى في حالتي الشدّة والرخاء، وإن سأل اللّٰه العافية؛ فإنّ عند الدعاء يتغيّر المصلحة، ولا يهتمّ من أيقن بأنّ مثل ذلك قضاء اللّٰه. و «الإيمان» هاهنا

ص: 196


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 190، ح 282 و 283؛ مسند أحمد، ج 1، ص 59 و 65 و 104؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 152؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 5 و 39 و 187؛ و ج 5، ص 96؛ و ج 8، ص 9 و 116؛ صحيح مسلم، ج 4، ص 171. الكافي، ج 5، ص 491، ح 2؛ و ج 7، ص 163، ح 3؛ فقه الرضا عليه السلام، ص 262؛ المقنع للصدوق، ص 401؛ الخصال، ص 213، ح 35.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 190، ح 284؛ صحيح إبن حبّان، ج 13، ص 89؛ الكامل، ج 1، ص 273؛ تاريخ بغداد، ج 5، ص 177؛ الإستذكار، ج 8، ص 368؛ التمهيد، ص 21، ح 44؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 128، ح 5243؛ كنزالعمّال، ج 9، ص 247، ح 25867؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 36، ح 1645.
3- . في المخطوطة: «ولا شريعة» بدل «والشريعة»، والظاهر أنّه تصحيف.
4- . عيون الحكم، ص 71؛ مسند أحمد، ج 3، ص 242؛ كنز العمّال، ج 1، ص 512، ح 2278.

بمعنى الإيقان، وإن حمل على التصديق الذي هو أصله فهو أحسن.

والمراد بالقَدر قدر اللّٰه وقضاؤه، وهذا لا يكون على العموم في أفعال العباد أيضاً؛ إذ لو كان الكفر والإيمان والطاعة والمعصية بقضاء اللّٰه لبطل الثواب والعقاب.

يعني: التصديق بأنّ الموت مقضيّ علينا من جهة اللّٰه يقلّل الغموم.

ومن لم يرغب في زينة الدُّنيا أراح قلبه وبدنه، فلا يُتعِب نفسَه بكثرة السعي ولا قلبه؛ فإنّ قلّة الرغبة في الدُّنيا تورث الراحة في القلب والبدن عاجلاً وآجلاً، والرغبة فيها تُكثر الهموم والأحزان، ومهمومه أي ثمرة الرغبة فيها كثرة احتمال الهمّ والحزن.

وأمّا قوله: «البطالة تُقسي القلب» ، فمعناه: لا تَسنُدوا إلى التعطّل من إصلاح اُمور الدُّنيا والآخرة؛ فإنّه يورث القسوة، وهي ذهاب اللِّين والشفقة والخضوع والخشوع، واللّٰه يبغض القلب القاسي الذي فيه الشدّة والغلظة.

وقال عليه السلام: «إنّ اللّٰه يبغض الصحيح الفارغ، لا في شغل الدُّنيا ولا في شغل الآخرة» .(1)

والخبر الرابع: حثٌّ على طلب العلم قبل قبض أهله، وإعلام أنّ الخير إنّما هو في تعلّم العلم وتعليمه، ولا مَنَّ لأحدهما على الآخر؛ فإنّهما شريكان في الخير.

ورُوي في الآخر: «فمَن لم يكن عالماً ولا متعلِّماً فلا خير فيه»(2)؛ أي يجب على العالم أن يُعلِّم؛ فإنّه يسعى لخيره واحده(3)، ويجب على الجهّال أن يطلبوا العلم حتّى ينفى جهلهم ويعبدوا اللّٰه به.

وروي: «على اليد مَا أخذتْ حتّىٰ تؤدّي»(4)؛ أي ثابت على كلّ يدٍ ما أخذته حتّى

ص: 197


1- . رواه ابن أبي الحديد المعتزلي مرسلاً عن النبيّ صلى الله عليه و آله في شرح نهج البلاغة، ج 17، ص 146. وراجع: اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي، ص 103؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 59، ص 271.
2- . سنن الدارمي، ج 1، ص 97؛ كنزالعمّال، ج 10، ص 159، ح 28824؛ تذكرة الحفاظ للذهبي، ج 2، ص 463؛ الفردوس، ج 2، ص 437، ح 3908 (مع اختلاف في الجميع).
3- . كذا في المخطوطة.
4- . مسند أحمد، ج 5، ص 13؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 264؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 802، ح 2400؛ المستدرك للحاكم، ج 2، ص 47؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 155، ح 3561؛ سنن الترمذي، ج 2، ص 369،

تؤدّيه إلى ما يجب أداؤه إليه، فإن رجّع إنسان إليك شيئاً ليعطيه غيرك فما دام في يدك فهو عليك حتّى يوصله إليه، وإن استعرتَ شيئاً فعليك أن تردّه إلى المُعير، وهذا أعمّ من الرواية الاُخرى.

واستدلّ الشافعي وابن حنبل بهذا الخبر على أنّ العارية مضمونة على الإطلاق(1)، وعندنا كذلك على بعض الوجوه.

ومعنى قوله: «إنّ الولد للفراش» أنّ الولد لصاحب الفراش، وللزانية الرجم؛ وهذا إذا كان للرجُل زوجة يروح ويغدو إليها ويطؤها كلّ وقتٍ ، فوطأها غيره سفاحاً في خلال ذلك، فظاهر الشرع يأمر بأن يُنسب الولد إلى صاحب الفراش إلّاأن يكون هناك أمارة ظاهرة.

فأمّا من قال: «لو كان رجل بمصر وزوجته بالعراق منذ عشرين سنة، فإن زنى بها رجل وأتت بولدٍ فإنّ هذا الولد لصاحب الفراش» فلا يصحّ ؛ لأنّ الفراش هو العقد مع التمكّن من الوطئ ومع الوطئ، ولا يصحّ : يستحلّ كلّ زانٍ الرجم بلا خلاف، وإنّما ذلك حدّ المُحصن والمُحصنة إذا زنيا.

فالمراد بقوله: «وللعاهر الحجر» : المرأة المحصنة دون الرجل الذي زنا بها؛ لأنّه لايجوز أن يُقال: كان محصناً أو غير محصنٍ وقد أطلقه عليه السلام، فهي تستحقّ الرجم على ما هو ظاهر الخبر على الإطلاق؛ لأنّها بشرائط الإحصان فقد ثبت أنّ الفراش هو العقد مع التمكّن من الوطئ.

ومعنى أنّ لها الحجر: أن يُرجم بالحجارة، وهذا بلاغة يَعرفها الفصحاء، ولا يُطعَن على ذلك بأنّ لفظ العاهر للمذكّر؛ لأنّ الكناية عنها.

وقد تقدّم في الخبر بلفظ التذكير وهو الفراش، والازدواج في الكلام من أهمّ الاُمور، ومسألة اللِّعان تسجّل ما ذكرنا.

ص: 198


1- . راجع: الجوهر النقي للمارديني، ج 6، ص 90؛ المغني لابن قدامة، ج 5، ص 355-410؛ الشرح الكبير، ج 6، ص 123.

ويحثّ أصحابَ الأنعام على الضيافة، ويمهِّد العذر لصاحب الأرضين في الخبر الأخير، وأراد بالوبر بيوت العرب ومن يسكن البوادي؛ لأنّ الغالب أنّ بيوتهم من الصوف والشَّعر ونحوهما، وأراد بالمَدَر دُور العجم والحضريّين ومن يجانسهم؛ لأنّها من اللِّبِن والآجر والطين والحجر وغير ذلك. أي: الضيافة واجبة وثابتة على أهل الوبر؛ لأنّهم لا تخلو بيوتهم من لَبَن أو أَقِطٍ(1) أو سَمْن أو لحم، وأهل المدر وإن كانوا ذوي دارٍ وعقارٍ فربّما لا يحضرهم شيء يُطعم.

وقيل: معناه: أكثر الناس استبشاراً وأوفرهم اهتزازاً بوصول الأضياف ونزولهم والقيام بحقوقهم وحُرمتهم من سائر الناس: العرب. وقيل: السَّخاءُ في العرب.

211. لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلىٰ فَرَسٍ .(2)

212. أيُّ دَاءٍ أَدْوىٰ مِنَ البُخْلِ .(3)

213. العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ .(4)

214. النَّظَرُ فِي الخُضْرَةِ يَزِيدُ فِي الْبَصَرِ، وَالنَّظَرُ فِي المَرْأَةِ الحَسْنَاءِ يَزِيدُ

ص: 199


1- . الأَقِط والإِقْط والأَقْط والاُقْط: شيء يُتّخذ من اللبن المخيض يطبخ ثمّ يترك حتّى يَمصُل، والقطعة منه أَقِطةٌ (لسان العرب، ج 7، ص 257). اقط: كشك و پينو و قروت و دوغ منجمد از شير گوسپند و جز آن كه پس از رفع مائيت، خشك كرده باشند (لغت نامۀ دهخدا).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 191، ح 285؛ مسند أحمد، ج 1، ص 201؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 375؛ السنن الكبرى، ج 7، ص 23. جامع الأخبار، ص 162؛ بحارالأنوار، ج 93، ص 170، ح 2 (عن جامع الأخبار)؛ مستدرك الوسائل، ج 7، ص 203، ح 8034 (عن تفسير أبي الفتوح الرازي).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 192، ح 286 و 287؛ الأدب المفرد للبخاري، ص 71، ح 299؛ المستدرك للحاكم، ج 3، ص 219؛ و ج 4، ص 163؛ المعجم الأوسط، ج 8، ص 373؛ الاستيعاب، ج 3، ص 1171، ح 1903. الكافي، ج 4، ص 44، ح 3؛ الفقيه، ج 4، ص 379، ح 5799؛ فقه الرضا عليه السلام، ص 277.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 192، ح 288؛ مسند أحمد، ج 1، ص 217 و 291؛ و ج 2، ص 208؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 134؛ و ج 4، ص 18؛ صحيح مسلم، ج 5، ص 65؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 797، ح 2386. الانتصار للشريف المرتضى، ص 463؛ الناصريّات للشريف المرتضى، ص 358؛ غنية النزوع للحلبي، ص 301.

فِي الْبَصَرِ.(1)

215. اُمَّتي الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ .(2)

216. التَّصْفِيقُ (3) لِلنِّسَاءِ ، وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ .(4)

يقول أوّلاً: لا تُخَيِّب السائل إذا سألك؛ فإنّ له حقّاً واجباً، ولا تردَّه وإنْ جاء راكباً على فرسٍ ؛ فربما يكون وراء ذلك عَيلةٌ ودَينٌ يجوز له معها أخذ الصدقة، ولا تبخل، ولا داء أوجع من أن يَبخَل الإنسان بما يجب عليه، والبُخل عادة يعوّدها الرجل نفسه فيصير طبعاً أو خُلقاً، قال تعالى: (وَ أُحْضِرَتِ اَلْأَنْفُسُ اَلشُّحَّ ) (5).

وقد سمّاه عليه السلام داءً لأنّ العرب تستعمل لفظ الداء في الآفات والعيوب ومساوئ الأخلاق؛ فإذا تَبايَعوا قالوا: «برئت من كلّ داء» يريدون العيب.

قال أبو عبيد: ضرب المثل بما سمّى البخل داءً لِما يلحق صاحبَه من العار والإثم وإن لم يكن داءً في البدن.

ومعنى الخبر الثالث النهي عن استرداد الهبة واسترجاعه، يقول: إذا وهبت إنساناً هبةً فليس لك أن تَرجع في هِبتك؛ فإنّ مَن يَرجع في هبته كلبٌ يأكل ما قاءه.

ص: 200


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 193، ح 289؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 627، ح 7863؛ لسان الميزان، ج 5، ص 255، ح 878؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 324؛ و ج 2، ص 317 (مع اختلاف يسير في الأربعة الأخيرة). وراجع: المحاسن، ج 2، ص 622، ح 7؛ الخصال، ص 92، ح 35؛ تحف العقول، ص 409؛ روضة الواعظين، ص 308.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 194، ح 290؛ مسند زيد بن عليّ ، ص 75؛ مسند أحمد، ج 2، ص 362؛ صحيح مسلم، ج 1، ص 149؛ السنن الكبرى، ج 1، ص 77؛ مسند أبي يعلى، ج 11، ص 295، ح 6410؛ المعجم الأوسط، ج 2، ص 277 (مع اختلاف يسير في كلّ المصادر غير الأوّل). الانتصار للعاملي، ج 1، ص 439، ح 5.
3- . في مسند الشهاب ومسند أحمد، ج 5 ومسند الحميدي والمعجم الكبير: «التصفيح».
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 194، ح 291؛ مسند أحمد، ج 2، ص 479؛ و ج 3، ص 348؛ وج 5، ص 330؛ مسند الحميدي، ص 441؛ مسند أبي يعلى، ج 13، ص 503، ح 7513؛ المعجم الكبير، ج 6، ص 138 و 176 و 190 و 194 و 202؛ الكامل لابن عدي، ج 4، ص 304، ح 1128؛ كنزالعمّال، ج 7، ص 476، ح 19859.
5- . النساء (4):128.

والرجوع في الهبة ربما يكون محظوراً وربما يكون مكروهاً، وتفصيل ذلك يطول.

وروي: «مثل العائد في هبته» .(1)

وأمّا الخبران في النظر؛ فمعنى أوّلهما: انظروا - إذا أردتم ازدياد قوّة بصركم وبصيرتكم - في الخضرة؛ فإنّ الخضرة تزيد في شعاع العين، ويقول الأطبّاء: مَرهم الأرمد بالنظر إلى الخضرة.

وقيل: أراد نظر الاعتبار في قدرة الملوِّن(2)، فإذا ما نظر العاقل في الملوّن يزيد ذلك في بصر الحقيقة وهو البصيرة، وإنّما خصّ الخضرة لأنّ الناس ينظرون إليها أكثر مِن النظر إلى غيرها من الألوان تفكّراً وتدبّراً وتنزّهاً وتعجّباً على حسب درجاتهم. وإذا نظر الرجل إلى زوجته الحسناء وجاريته الجميلة بشهوة أو غير شهوة أو لعبرة، فإنّ نظره يزيد في بصره وبصيرته، ويُقال: نظر إليه بالجارحة، ونظر فيه بالتفكّر؛ هذا هو الأصل، ثمّ يتداخلان.

وفائدة الخبر السادس تفضيلٌ لاُمّته على سائر الاُمم.

«الأغرّ» من الخيل: الأبيض موضع، و «المحجّل»: الأبيض هو موضع الخلخال، والغرّة والتحجيل كلاهما استعارة ومجازٌ في الخبر؛ أراد أنّ النور يُضيء من أعضاء(3) وضوئهم، فيخرجون من بين الظلمات بسببه.

وبيّنَ عليه السلام في الخبر الأخير حكم من يكونُ في الصلاة ودعاه غيره، فإذا أراد تنبيهه على أنّه مُصلٍّ وبينهما حجاب، فإن كانت امرأةً فلتضرب كفّها اليُمنى على ظهر كفّها اليُسرى، وإن كان رجلاً فليقل «سبحان اللّٰه» بأعلى صوته إذا كانت الصلاة ممّا يخافت فيها، وإن كانت ممّا يجهر فيها فليجعل صوته أرفع ليسمعه، وهذان الإعلامان لا يُفسدان الصلاة؛ لهذا النصّ ، والتصفيق على ما ذكر، وإذا سها غير الإمام فكذلك.

ورُوي: «التصفيح للنساء»(4)، [و] هو التصفيق من صفحتي اليدين يعني في الصلاة،

ص: 201


1- . راجع: صحيح مسلم، ج 5، ص 63؛ المعجم الأوسط، ج 3، ص 159.
2- . أي «اللّٰه» جلّ جلاله.
3- . في المخطوطة: «اعطا»، والظاهر أنه تصحيف.
4- . كتاب المؤطّأ، ج 1، ص 164؛ مسند أحمد، ج 5، ص 330 و 336؛ صحيح البخاري، ج 2، ص 64؛ و ج 3،

ومثله قوله عليه السلام: «إذا فات المصلّي في صلاته شيء فأراد تنبيهه مَن بحذائه، فيسبّح الرجل، وتصفِّق المرأة بيديها»(1).

217. النَّظَرُ(2) سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ .(3)

218. الشُّؤْمُ فِي المَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ.(4)

219. نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ : الصِّحَّةُ وَالفَراغُ .(5)

220. وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ .(6)

221. الجُبنُ وَالْجُرْأَةُ غَرَائِزُ يَضَعُهُمَا اللّٰهُ حَيْثُ يَشَاءُ .(7)

ص: 202


1- . راجع: تذكرة الفقهاء للحلّي، ج 3، ص 281؛ فائق المقال في غريب الحديث، ص 251.
2- . في بعض المصادر: «النظرة».
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 195، ح 292 و 293؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 328، ح 2864؛ مجمع الزوائد، ج 8، ص 63. دعائم الإسلام، ج 2، ص 202، ح 739 (وفيه عن الإمام عليّ عليه السلام مع اختلاف يسير)؛ بحارالأنوار، ج 14، ص 268، ح 16680؛ و ج 101، ص 38، ح 34 (وفيهما مرسلاً عن النبيّ صلى الله عليه و آله)؛ مستدرك الوسائل، ج 14، ص 268، ح 16677 (وفيه عن دعائم الإسلام).
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 196، ح 294؛ مسند أحمد، ج 2، ص 85؛ صحيح مسلم، ج 7، ص 34؛ سنن إبن ماجة، ج 1، ص 642، ح 1993 (وفيه مع الاختلاف)؛ سنن النسائي، ج 6، ص 220؛ السنن الكبرى، ج 3، ص 38، ح 4409. الأمالي للسيّد المرتضى، ج 4، ص 111؛ مكارم الأخلاق، ص 198؛ بحارالأنوار، ج 61، ص 179، ح 38 (وفيه عن مسند الشهاب).
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 196، ح 295؛ صحيح البخاري، ج 7، ص 170؛ مسند أحمد، ج 1، ص 258 و 344؛ سنن الدارمي، ج 2، ص 297 (مع اختلاف يسير فيه). الأمالي للطوسي، ص 526، ح 1؛ الدعوات، ص 113، ح 254؛ مكارم الأخلاق، ص 459؛ معدن الجواهر، ص 26؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 167، ح 185.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 197، ح 296؛ صحيح البخاري، ج 4، ص 109؛ و ج 8، ص 88؛ صحيح مسلم، ج 8، ص 165؛ مسند أحمد، ج 2، ص 390 و 536 و 541 و مواضع اُخرى. الغيبة للنعماني، ص 271، ح 24 (وفيه عن الإمام الباقر عليه السلام)؛ بحارالأنوار، ج 52، ص 294، ح 42 (وفيه عن الغيبة للنعماني).
7- . مسند الشهاب، ج 1، ص 197، ح 297؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 331، ح 1065؛ النهاية في غريب الحديث، ج 3، ص 359.

أمر عليه السلام بالخبر الأوّل بغضّ البصر عن المحارم كلّها؛ يقول: لا تنظروا إلى امرأة يحرُمُ لكم النظر إليها؛ فإنّ نظركم(1) إلى وجهها وإلى محاسنها سهمٌ من جملة سهام إبليس اللَّعين، وقد جعله مسموماً يَقتل مَن يصيبه.

وبيان الخبر في تمامه وهو ما روى عليه السلام عن اللّٰه تعالى أنّه قال: «النظرة سهمٌ من سهام الشيطان، فمن تركها من مخافتي أثبتُّه بما يجد حلاوته في قلبه».(2)

وأمّا نظرة الفَجْأَة فغير مؤاخَذٍ بها ناظرها، وبالاُخرى مأخوذ.

وبيان الخبر الثاني فيما قال عليه السلام وهو: «إن كان في شيء - يعني الشؤم - ففي المرأة أن لا تلد، وشؤم الفرس أن لا يُحمل عليها في سبيل اللّٰه، وشؤم الدار سوء الجوار».

وروي أنّ أنساً روى هذا الحديث، فسمعتْ به عائشة وقالت: ليس الأمر علىٰ ما زعمت، وإنّما كان رسول اللّٰه يوماً يحدّث عن اعتقادات الجاهليّة، فدخلتُ في وسط الكلام، ولم تكن سمعت أوّله، فظننت أنّه يخبر به من قبل نفسه، وكنت أسمع جميع ذلك من وراء الحجاب.(3)

ثمّ حثَّ في الخبر الثالث مِن اغتنام الفرصة قبل مجيء فوتها، وبيّن عظم هاتين النِّعمتين وتغافل أكثر الناس عنهما وكُفرانهما وتضييعهما، فمِن حقّ الصحّة قبل السقم والفراغ قبل الشغل أن يُكثَر طاعة اللّٰه فيهما، فمن لم يغتنم الطاعة في تلك الحالة صار مغبوناً يوم القيامة. والصحّة والفراغ كلاهما مبتدأ، والخبر «نعمتان»، و «مغبون فيهما» صفة نعمتان، وارتفع «كثيرٌ» بمغبون، أي: سيُغبن فيهما كثير من الناس.

والخبر الرابع إلى ما كان بعد رسول اللّٰه من بلاء العرب خاصّةً والفتن الواقعة بينهم، نَعى نفسه إليهم، وبيّن كلمةُ «الويل» أنّ أكثرهم يُبتلى ببليّة ويُصاب بشرٍّ ومعصية بسبب ما تجني يداه، و «الويل»: شدّة عذابٍ يكون على سبيل الاستحقاق؛ قال تعالى: (فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ ) (4).

ص: 203


1- . في المخطوطة: «ينظركم»، وهو تصحيف ظاهراً.
2- . مجمع الزوائد، ج 8، ص 63؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 328.
3- . راجع: شرح معاني الآثار لأحمد بن محمّد بن سلمة، ص 265؛ التمهيد لابن عبد البرّ، ج 17، ص 227.
4- . البقرة (2):79.

وقيل: إنّما ذَكَرَ العربَ لفرط حبّه لهم ولشدّة شفقته عليهم، والمراد: ويلٌ لجميع الناس من فتن آخر الزمان ممّن باكٍ يبكي لاحققه(1)، و «من شرٍّ قد اقترب» أي قرب الساعة.

ومعنى الخبر الأخير: لا تعيبوا أحداً بسبب جبن فيه، ولا تمدحوا آخر بجرأةٍ تكون فيه؛ فإنّهما غريزتان وخُلقان يخلقهما اللّٰه في مَنْ يشاء من عباده. و «الجُبن»:

خوف التقدّم على المحاربة، و «الجرأة»: قلّة المبالاة بها. إنّ الشهوة في التأخّر من المحاربة والنفرة في الإقدام إليها من قِبل اللّٰه، فينبغي أن لا يَتّبع الرَّجُل شهوته ويَكسِر شهوته، والعيب عليه، والذمّ بسبب فعله لا من جهة اللّٰه.

222. مِنْ كُنُوزِ(2) البِرِّ كِتْمَانُ المَصَائِبِ وَالأَمْرَاضِ وَالصَّدَقَةِ .(3)

223. مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يُشْبِهَ أَبَاهُ .(4)

224. مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ حُسْنُ الخُلُقِ .(5)

225. أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ .(6)

ص: 204


1- . هذه العبارة كذا تقرأ في المخطوطه أو شبه ذلك.
2- . في مسند الشهاب وبعض المصادر: «كنز».
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 198، ح 298؛ الكامل لابن عدي، ج 3، ص 234؛ ذكر أخبار أصبهان، ج 2، ص 42؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 299، ح 6643. الأمالي للمفيد، ص 8، ح 4؛ و ص 79، ح 103 (وفيهما عن الإمام الصادق عليه السلام مع اختلاف يسير)؛ تحف العقول، ص 295 (وفيه عن الإمام الباقر عليه السلام مع اختلاف يسير)؛ الدعوات، ص 167، ح 462؛ بحارالأنوار، ج 78، ص 208 (وفيه مرسلاً عن الرسول صلى الله عليه و آله).
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 198، ح 299؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 545، ح 8250؛ كنزالعمّال، ج 11، ص 91، ح 30746؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 286، ح 2653. الفصول المختارة، ص 302؛ بحارالأنوار، ج 37، ص 7 (مع اختلاف يسير في الأخيرين).
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 199، ح 300؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 544، ح 8249؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 12، ح 5193؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 285، ح 2651. الدعوات، ج 3، ص 12، ح 5193 (مع اختلاف يسير فيه)؛ مستدرك الوسائل، ج 8، ص 447، ح 9959؛ جامع أحاديث الشيعة، ج 13، ص 521، ح 1490.
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 199، ح 301؛ الأدب المفرد للبخاري، ص 56، ح 211؛ مسند زيد بن علي،

226. الخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا اُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ أَحَدُ المُتَصَدِّقِينَ .(1)

يقول: لا تُظهروا الشكوى من بلاء اللّٰه؛ فإنّه مصلحة لكم، واكتموا ما تتصدّقون به؛ لئلّا يتأذّى به المُعطَى ولا يكون رياء؛ فإنّ كتمان هذه الاُمور من جملة الكنوز التي فيها البرّ والطاعة، والبرّ والمبرّة خلاف العقوق، و «هو يبرّ خالقه» أي يطيعه.

وقيل: من كنوز الجنّة: ترك إعلام الناس لمصائبه، والصبر عليها، وترك الشَّكِيَّة في أمراضه، وترك الجهر بالصدقة المتطوّع بها.

وللخبر الثاني معنييان:

أحدهما: أنّ الرجل إذا شبه أباه خلقاً وخُلقاً كان أحبّ إلى قلب أبيه، فيكون أشفق به، فيخصّه أبوه بكلّ خير في يده، وهذا من جملة سعادته.

والمعنى الآخر: أنّ السعادة في الإنسان علامتها أن يشبه أباه آدم عليه السلام ولا يتشبّه بالشيطان؛ يختارُ الطريقة المحمودة المرضيّة عقلاً وشرعاً، فاتّباع آثاره هذه حينئذٍ تعدّ من سعادة المرء وإقباله.

وقيل: هذا مخصوصٌ في رجلٍ كان أبوه على سيرة حَسَنة. ومن سعادة [المرء] حُسن خُلقه؛ لأنّه إذا كان حسن الخلق [الناس] إليه أميل في الصحبة والمحبّة والعشرة، ولا يكون ذلك في كثرة [ربطه معهم] قولاً وسعة إنفاقه عليهم.

أراد بالخبر الرابع الحثّ على الإحسان إلى الخَلق والإنعام عليهم قولاً وفعلاً؛ فإنّ الخير في الدُّنيا له في الآخرة أيضاً حسن الشفاعة في المذنبين وذوي الزلّات من المؤمنين؛ يقول: [مَن] يَشفع للناس في الدُّنيا شفّعه اللّٰه غداً أيضاً في حقّ المجرمين، فيكون وجيهاً عند اللّٰه يوم القيامة كما كان وجيهاً عند خلقه.

ص: 205


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 200، ح 302 و 303؛ صحيح البخاري، ج 3، ص 48؛ مسند أحمد، ج 4، ص 394؛ سنن النسائي، ج 5، ص 80؛ السنن الكبرى، ج 2، ص 41، ح 2341؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 372، ح 1191.

وقيل: معناه: مَن جعل نفسه من أهل الإحسان اليوم فاللّٰه يُحسن إليه غداً، ومعنى الخبر الأخير حثّ لوكيل الغير إذا اُمر بالخير أن يُسارع فيه طيّب النفس بذلك؛ ليكون له مثل ثواب الآمر، وهذا دليل على جواز التوكيل في إيتاء الزكوات والصدقات.

فنهى عليه السلام كلّ خادم إنسان وقهرمان يكون في يده حفظ الأموال والأطعمة وغيرها إذا أراد سيّده بإعطاء شيء فقيراً أن يباعد عنه وأن يدافعه من اليوم إلى الغد، وإذا أعطى أعطى شيئاً لا ينتفع به، بل يجب عليه [أن] يبالغ في المسارعة إلى جنازة، [و] الأجر والثواب لنفسه ولآمرهِ .

227. السُّلْطَانُ ظِلُّ اللّٰهِ فِي الأَرْضِ يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ .(1)

228. كَلاَمُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لَالَهُ إِلَّا أمْراً بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْياً عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرَ اللّٰهِ تَعَالىٰ (2)

229. التَّؤُدَةُ [وَالتَّثَبُّتُ ] وَالاِقْتِصَادُ وَالصَّمْتُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ .(3)

بيان الخبر الأوّل في تمامه وهو: «فإذا أحسن فله الأجر وعليكم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصر وعليكم الصبر» ، والسلطان هو المتسلّط على الناس، وظلّ السلطان

ص: 206


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 201، ح 304؛ الكامل لابن عدي، ج 3، ص 361؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 69، ح 4816؛ كنزالعمّال، ج 6، ص 4، ح 14581؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 456، ح 1487. الأمالي للطوسي، ص 634، ح 9؛ عوالي اللئالي، ج 1، ص 293، ح 176؛ مشكاة الأنوار، ص 546 (مع اختلاف يسير فيه).
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 202، ح 305؛ مسند أبي يعلى، ج 13، ص 56، ح 7132؛ المعجم الكبير، ج 23، ص 243؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 298، ح 6435؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 553، ح 7865. مشكاة الأنوار، ص 116؛ بحارالأنوار، ج 90، ص 165، ذيل ح 43؛ مستدرك الوسائل، ج 5، ص 292، ح 5893 (وفي الأخيرين مرسلاً عن النبيّ صلى الله عليه و آله).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 202، ح 306؛ الكامل لابن عدي، ج 2، ص 196 (وفيه مع اختلاف)؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 520، ح 3389؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 98، ح 5672 (وفي الأخيرين: «والسمت» بالسين المهملة). مكيال المكارم لميرزا محمّد تقيّ الإصفهاني، ص 370.

سريع الزوال.

وقيل: معناه: أنّ الإمام العدل من قبل اللّٰه المنصوب بين الخلائق لمصالحهم هو سلطان اللّٰه وظلّه على الضعفاء؛ ينزلون بفنائه، ويَلتجئ إلى قوّته كلُّ مظلوم، فهو ينصره ولا يخذله، فعليكم أن تعينُوه وتوازِروه وتَفرحوا بمكانه ولا تحاسدُوه.

وأراد بالظلّ ما يستريح به التعِب. وقيل: «ظلّ اللّٰه» أي خاصّة اللّٰه، ومن يكون عدله مثل عدل اللّٰه، [و] كأنّ فعله حكاية عَن فعله تعالى، كظلّ كلّ شيء؛ فإنّه يطول بطوله ويقصر بقصره.

وأوى إليه يأوي أي يرجع، والإيواء ترجيع فيه فائدة.

ثمّ أمرَ بقلّة الكلام إلّابذكر اللّٰه ونحو ذلك، والمعنى: مَن جاوز كلامُه هذه الأشياء الثلاثة المذكورة، لابدّ أن يُكتب عليه وزره، وأكثرُ بلاء الإنسان من مقالهِ .

ويُروى مرفوعاً إلى رسول اللّٰه أنّ معناه في قوله تعالى: (لاٰ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوٰاهُمْ إِلاّٰ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاٰحٍ بَيْنَ اَلنّٰاسِ ) (1) الآية.

وقيل: يعني: إنّ كلام ابن آدم كلّه يعود عليه إثمه ولا يكون له به فائدة يُصيبها.

ثمّ استثنى فقال: «إلّا أمراً بمعروف» وهو ما يعرفه الناس في النفوس من محاسن الشيم ويستحسنه العقول من مكارم الأخلاق، أو نهياً عن منكرٍ وهو إذا حضره فعل منكر أو قول قبيح يتقدّم ليمتنع، فإذا لم يقدر إنكاره فليُظهِر عجزه ويكون كارهاً لذلك بالقلب؛ ليسقط عنه الحقّ الواجب. أو ذِكرَ اللّٰه تعالى؛ فإنّه دواءٌ ، وذكر الناس داء.(2)

وحثّ أخيراً على تلك الخصال المحمودة التي هي: الرفق في الاُمور كلّها، والدوام على أمرٍ لا يكون فيه تقصير ولا سرف، والسكوت عن المنهيّات، وترك العجلة. يقول: مَن اجتمعت فيه هذه الخِلال الرضيّة لَقِيَه الناس بالتعظيم، وألبسه اللّٰه لباس أنبيائه؛ فإنّ مجموع هذه الاُمور الحسنة جزءٌ من النبوّة.

ص: 207


1- . سورة النساء (4):114.
2- . في المخطوطة: «دوا».

فإن قيل: لِمَ أجزاء النبوّة ستّة وعشرين جزءاً؟ قلنا: روى ابن بابويه في كتاب النبوّة(1) أنّ محمّداً لمّا أتاه جبرئيل عليهما السلام وأمره أن يقول للناس أنّه رسول اللّٰه إليهم ويعلّمهم معالِم الدِّين، كان له أربعون سنة، فعاش بعد ذلك ثلاثة وعشرين سنة بمكّة والمدينة، وكان عليه السلام يوحي إليه في خاصّة نفسه قبل ذلك بثلاث سنين، ومن قبل هذا منذ حال تكليفه كان محدَّثاً بأحكام شرعيّة يحتاج إليها بنَكْتٍ في القلب ونَقْرٍ في السمع وإلهام، فيكون جملة مدّة نبوّته ستّاً وعشرين سنة، فأشار بهذا الحديث إلى عظم شأن هذه الخصال الثلاث التي فاتحتها التُّؤَدَة، وخاتمتها الصمت، وواسطتها الاقتصاد.

وقيل: إنّ مجموع هذه الثلاثة أو الأربعة التي رويناها أوّلاً جزءٌ من ستّة وعشرين جزءاً من النبوّة، فمراده - واللّٰه أعلم -: أنّ اللّٰه سبحانه علّمني هذه الثلاثة الخصال في سنة تامّة، ولم يُنزِل عليَّ ولم يوحِ إليَّ في تلك السنة إلّاالوصيّة بهذه الأشياء، فكأنّها جزءٌ من أجزاء نبوّتي.

و «التَّؤُدَةُ »: الرفق؛ يُقال: اتَّئِدْ يا فلان، أي ارفق، والمقتصد(2) في القرآن هو من كان بين السابق والظالم.

230. الأَنْبِيَاءُ قَادَةٌ ، وَالفُقَهَاءُ سَادَةٌ ، وَمُجَالَسَتَهُمْ زِيَادَةٌ .(3)

231. المُتَشَبِّعُ بِمَا لَايَمْلِكُ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ.(4)

ص: 208


1- . كتاب النبوة لمحمّد بن علي بن بابويه الصدوق، ذكره النجاشي، ينقل عنه جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامى تلميذ المحقق الحلي، وينقل عنه ايضاً ابن طاووس في الدر النظيم و الإقبال. راجع: رجال النجاشي، ص 389، الرقم 1049؛ الذريعة، ج 24، ص 40، الرقم 200.
2- . في المخطوطة: «والمقصد».
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 203، ح 307؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 477، ح 3090؛ كنزالعمّال، ج 15، ص 934، ح 43603؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 205، ح 620. الأمالي للطوسي، ص 473، ح 1؛ عوالي اللئالي، ج 4، ص 73، ح 51؛ بحارالأنوار، ج 1، ص 201، ح 10 (وفيه عن الأمالي للطوسي).
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 204، 308 و 309؛ مسند أحمد، ج 6، ص 90 و 167 و 345؛ صحيح البخاري، ج 6، ص 156؛ صحيح مسلم، ج 6، ص 169؛ سنن أبي داود، ج 2، ص 476، ح 4997؛ السنن الكبرى، ج 6، ص 182، منية المريد، ص 179 و 217؛ بحارالأنوار، ج 2، ص 123، ح 46 (عن منية المريد).

232. الوُضُوءُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الفَقْرَ، وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ وَيُصِحُّ الْبَصَرَ.(1)

ومعنى الخبر الأوّل أمرٌ، أي: اقتدوا بالنبيّين؛ فإنّ اللّٰه قد جعلهم قادةً للخلائق، واهتدوا بهُداهم، وتخلّقوا بأخلاقهم، وجالِسوا الفقهاء؛ فإنّهم سادة الخلق يجب تعظيمهم والانتهاء إلى أقوالهم، فعليكم بمجالستهم لكي تزيدوا في الشريعة والحقيقة والعلم في الحلال والحرام والفرائض والسنن والإخلاص الذي يُبصِرُ من العمى ويدعو إلى الرُّشد والهدى.

ومعنى الخبر الثاني: أنّ المتزيّن بأكثر ما عنده يتكثّر بذلك ويتزيّن بالباطل كلابس ثوبي زورٍ؛ فإنّه يلبس ثياب أهل الزُّهد في الدُّنيا، ويُرائي بذلك للناس، ويُظهر لهم من التمشّع(2) والتقشّف(3) أكثر ممّا في قلبه، فهذا إثبات الزور والرياء.

و «الشِّبَع»: نقيض الجوع، يُقال: شَبِعْتُ من خبزٍ ولحم، و «التشبّع»: إظهار ذلك مع إرادته وإن لم يكن هذا حقيقته في وضع اللغة. ومَن جَعلَ نفسه شَبعى من خبز غيره بأن يَعتمد على ذلك ولا يُحصّلهُ لديه، فهو كمن استعار الرداء والإزار من الغير، فإذا احتاج إلى الطعام لا يكون له، كالمستعير إذا ما استُردّت العارية منه يبقى عرياناً.

وأدّب عليه السلام بالخبر الأخير الأعراب الذين لم يكونوا يغسلون أيديهم بعد الفراغ من الطعام ويقولون: «فقره أشدّ علينا من ريحه!»، وأمرهم بغسل اليدين والفم من الأكل من كلّ ما مسّته النار وغيره ممّا له زُهومة(4) ورائحة كريهة يضرّه ويتأذّىٰ به جليسه. وهذا وإن كان خاصّاً في حقّ هؤلاء، فعموم لفظه يتناول جميع المكلّفين، وسمّى غسل اليد وضوءاً وهو النظافة في موضوع العربيّة.

ص: 209


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 205، ح 310؛ ميزان الاعتدال، ج 4، ص 202، ح 371؛ غريب الحديث لابن قتيبة، ج 1، ص 9؛ فيض القدير، ج 6، ص 488، ح 9683؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 336، ح 2900. الأمالي للسيّد المرتضى، ج 2، ص 58؛ الدعوات، ص 142، ح 364؛ مكارم الأخلاق، ص 139.
2- . التمشُّع: الاستنجاء. وفي الحديث أنّه نهى أن يتمشّع بروث أو عظم. التمشُّع [أيضاً] المسح في الاستنجاء؛ قال الأزهري: وهو حرف صحيح. «لسان العرب، ج 8، ص 336 (مشع)».
3- . قشف الرجُل قشفاً - من باب تعب -: لم يتعاهد النظافة، وتَقَشَّفَ مثله. «مجمع البحرين، ج 5، ص 108 (قشف)».
4- . الزُّهومة: ريح لحم سمين منتن. «لسان العرب، ج 12، ص 277 (زهم)».

وقال عليّ عليه السلام: «الأكل على الجنابة يُورثُ الفقر، ومواساة الأخ في اللّٰه تزيد في الرزق، والاستغفار يزيد في الرزق، وإجابة المؤذِّن يزيد في الرزق، وترك الكلام في الخلاء يزيد في الرزق»(1).

ومراده عليه السلام: غَسلُ اليدين قبل تناول الطعام تعظيماً له يزيل الفقر المعروف. وقيل:

هو عدم القناعة وقلّة الرِّضا به. وغسلهما بعد الفراغ منه يزيل اللَّمم وهو ما يُلِمُّ بالإنسان من الجنون وغيره، ويورث صحّة البصر.

وكان ضيفٌ عند الصادق عليه السلام فأمره قبل الطعام بغسل اليدين فأبى، فقال عليه السلام: «هذا الغسل لابدّ منه؛ فإنّه بركة لبيتنا، وإذا أكلت ولم ترد غسلهما بعد ذلك فهو إليك، إن شئت مصلحة نفسك فافعل، وإلّا فلا».(2)

233. القَاصُّ يَنْتَظِرُ المَقْتَ ، وَالمُسْتَمِعُ إِلَيْهِ يَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ ، وَالتَّاجِرُ يَنْتَظِرُ الرِّزْقَ ، وَالْمُحْتَكِرُ يَنْتَظِرُ اللَّعْنَةَ .(3)

234. السَّعَادَةُ كُلُّ السَّعَادَةِ طُولُ العُمُرِ فِي طَاعَةِ اللّٰهِ تَعَالىٰ .(4)

235. وَالشَّقِيُّ كُلُّ الشَّقِيِّ مَنْ أَدْرَكَتْهُ السَّاعَةُ حَيّاً لَمْ يَمُتْ .(5)

ص: 210


1- . الفقيه، ج 4، ص 532؛ الأمالي للصدوق، ص 509، ح 1؛ مكارم الأخلاق، ص 424 (مع اختلاف يسير في الجميع).
2- . لم نعثر على الخبر في موضع.
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 205، ح 311؛ المعجم الكبير، ج 12، ص 326؛ الكامل لابن عدي، ج 2، ص 14؛ تاريخ بغداد، ج 9، ص 431؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 262، ح 6172؛ كنزالعمّال، ج 15، ص 609، ح 42418؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 96، ح 1874. الرواشح السماويّة، ص 285؛ جامع الأحاديث، ص 107 (مع اختلاف يسير في الأخيرين).
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 206، ح 312؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 35، ص 340؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 307، ح 2008؛ و ج 2، ص 68، ح 4808؛ كنزالعمّال، ج 15، ص 667، ح 42646؛ و ص 667، ح 42651؛ كشف الخفاء، ج 1، ص 452، ح 1473. كشف اللثام للهندي، ج 11، ص 525؛ مستدرك سفينة البحار، ص 41.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 207، ح 313؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 86، ح 4947؛ كنزالعمّال، ج 14، ص 256، ح 38635، و ج 15، ص 546، ح 4213؛ فيض القدير، ج 4، ص 234، ح 4947.

236. الوَيْلُ كُلُّ الوَيْلِ لِمَنْ تَرَكَ عِيَالَهُ بِخَيْرٍ، وَقَدِمَ عَلىٰ رَبِّهِ بِشَرٍّ.(1)

يقول: إنّ القاصَّ الذي يَقُصُّ أخبار الماضين، ويروي حكاياتهم، ويتّبع أبداً القصّ بغير علم وتحرّج، لا يأمن عليه الزيادة والنقصان وما لا أصل له، فإذا كان شاكّاً في ذلك وعلى وجلٍ من كلامه ومع ذلك فيحدّث به، فمِن شأنه انتظارُ «المقت»؛ وهو في اللغة أشدّ البغض، ويُحمل هنا على بغض اللّٰه.

وقيل: هو القاصّ الذي يقصُّ الناس على الطمع ينتظر المقت، وهو اليأس عن الذي طمع فيه، ويكون متردّداً بين أن يكون وبين أن لا يكون، والذي يستمع إلى كلامه يكون على رجاء من رحمة اللّٰه بإسماعه ذكر اللّٰه تعالى وحسن صنعه بخلقه من المؤمنين وشدّة عذابه واستيصاله للكافرين.

ثمّ قال: التاجر الذي يوجب في التجارة البيع والشرى لانتظار الرزق من سعة فضل اللّٰه إذا كانت التجارة خالية عن الشّبهة والتُّهمة التي تورثُ الفساد، وللذي(2)يقتضي - وهو المتمنّي غلاء السعر على اُمّة محمّد صلى الله عليه و آله - انتظار اللعنة بسوء نيّته وقبح معاملته مع المسلمين، و «اللعنة» هو الإبعاد، ولعنة اللّٰه على العبد إبعاده العبد من رحمته. يريد: التجارة سُنَّة، والاحتكار مكروه، وكلّ مَن تربّص الطعام لَعَنَه الخلق والخالِق(3) إذا لم يوجد إلّامن عنده.

ثمّ قال: إنّ السعيد مَن طال عمره، ولم يكن مشتغلاً إلّابطاعة اللّٰه.

وقيل: مفهوم هذا الخبر أنّ مِن أعظم الشقاء مَن كان طول عمره في معصية اللّٰه؛ لأنّ الموتى كلّهم في تمنّي إدراك ركعتين وحيازة أجر وعمل برّ، وليسوا بقادرين

ص: 211


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 207، ح 314؛ الجامع الصغير، ج 2، ص 724، ح 9693؛ ميزان الاعتدال، ج 3، ص 385، ح 6865؛ لسان الميزان، ج 4، ص 469، ح 1462؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 449، ح 7390؛ كشف الخفاء، ج 2، ص 346، ح 2977.
2- . في المخطوطة: «الذي»، وفي العبارة نقص.
3- . في المخطوطة: + «و»، فحذفناه لاقتضاء السياق ظاهراً.

عليها. وتحقيقه الحثّ على المواظبة على الطاعة طول العمر؛ فإنّه السعادة التي لا شقاء معها، والبشارة لمن هذه حاله.(1)

ومن علامات الشقاء إيثار الفناء على البقاء، وعلامة ذلك أن يبقى الإنسان فاجراً إلى وقتٍ لا تُقبَل التوبة فيه، ومن أدركه القيامة وهو حيٌّ أيضاً من الأشقياء؛ فإنّ ذلك أيضاً علامة الشقاء.

والمشاقاة في اللغة: المعاناة والمقاساة.

وأراد بالخبر الأخير أنّ شدّة العذاب لمن جمع مالاً من حِلٍّ وحرامٍ ولم ينتفع به لنفسه، [ف] يكون عليه خسرانه وأورثته رجحانه.(2)

و «الويل» في اللغة كلمة يَستعملها القائل(3) لكلّ واقع في هلكة، وقيل: الويل وادٍ في جهنّم(4).

237. دَعْوَةُ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ ، وَإنْ كَانَ فَاجِراً فَفُجُورُهُ عَلىٰ نَفْسِهِ .(5)

238. ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَاشَكَّ فِيهِنَّ : دَعْوَةُ المَظْلُومِ ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلىٰ وَلَدِهِ .(6)

ص: 212


1- . في المخطوطة: «حاللّٰه».
2- . كذا في المخطوطة.
3- . في المخطوطة: «القاتل» فصحّحناه قياساً.
4- . اُنظر: العين، ج 8، ص 366؛ لسان العرب، ج 11، ص 737 (ويل).
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 208، ح 315؛ صحيح البخاري، ج 4، ص 33 (وفيه إلى قوله: مستجابة)؛ مسند أحمد، ج 2، ص 367؛ مسند أبي داود، ص 306؛ المصنّف، ج 7، ص 59، ح 5. الكافي، ج 8، ص 9، ح 1؛ تحف العقول، ص 315 (وفيهما إلى قوله: مستجابة)؛ الأمالي للطوسي، ص 311، ح 628 (معه اختلاف يسير فيه).
6- . مسند الشهاب، ج 1، ص 208، ح 316؛ الأدب المفرد للبخاري، ص 106، ح 223؛ مسند أحمد، ج 2، ص 258 و 348 و 517 و 523؛ سنن أبي داود، ج 1، ص 343، ح 1536. فضائل الأشهر الثلاثة، ص 143، ح 157؛ الدعوات للراوندي، ص 30، ح 59؛ النوادر للراوندي، ص 93؛ مكارم الأخلاق، ص 275.

239. القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ : قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الجَنَّةِ .(1)

روي أنّ دعاء صنفين من الناس مُستجابٌ لا محالة مؤمناً كان أو كافراً؛ دعاء المظلوم، ودعاء المضطرّ؛ لأنّ اللّٰه قال: (أَمَّنْ يُجِيبُ اَلْمُضْطَرَّ إِذٰا دَعٰاهُ ...) (2)، وقال النبيّ صلى الله عليه و آله: «دعوة المظلوم مستجابة» .

و «الفاجر» في الخبر هو الكافر؛ كقوله: (أُولٰئِكَ هُمُ اَلْكَفَرَةُ اَلْفَجَرَةُ ) (3).

فإن قيل: أليس يقول اللّٰه: (وَ مٰا دُعٰاءُ اَلْكٰافِرِينَ إِلاّٰ فِي ضَلاٰلٍ ) (4) فكيف يُقال دعاء المظلوم مستجاب وإن كان كافراً؟

قلنا: الآية التي تلوتنا هي دعاء الكفّار في نار جهنّم في دار الجزاء، وهناك لا تقبل التوبة، ولا تُرحم العبرة، ولا تُجاب الدعوة؛ والخبر الذي نتكلّم عليه في دار الدُّنيا.

ثمّ قال: إنّ اللّٰه يستجيب ثلاثةَ أدعيةٍ البتّة لا مجال للشكّ (5) فيها: أحدها دعاء مَنْ ظُلِمَ ولا ناصر له إلّااللّٰه فهو الذي يُخاف على ندائه ويُرجى استجابة دعائه، والثاني دعاء الغريب الذي سافر من وطنه في طاعةٍ أو مباحٍ يُقاسي الأهوال والأقطار، فدعاؤه أيضاً مُستجاب في خاصّ نفسه ولإخوانه المؤمنين؛ لأنّ اللّٰه بالمسافر رحيم. وأمّا الوالد فهو أحقّ بالحُرمة من الوالدة، ومن كانت حرمته عليك أعظم كان دعاؤه لك أرجى إجابة.

وبيان الخبر الأخير في تمامه وهو: «الذي في الجنّة؛ فرجل عرف الحقّ وقضى به، وأمّا

ص: 213


1- . مسند الشهاب، ج 1، ص 209، ح 317؛ المستدرك للحاكم، ج 4، ص 90؛ السنن الكبرى، ج 10، ص 116 و ص 117؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 776، ح 2315 (مع اختلاف يسير فيه). الخلاف للطوسي، ج 6، ص 208؛ المبسوط للطوسي، ج 8، ص 83؛ عوالي اللئالي، ج 2، ص 342، ح 4؛ دعائم الإسلام، ج 2، ص 531، ح 1889 (مع اختلاف يسير في الأربعة الأخيرة، وفي الأخير عن الإمام علي عليه السلام).
2- . النمل (27):62.
3- . عبس (80):42.
4- . الرعد (13):14.
5- . في المخطوطة: «لا محال الشكّ ».

اللّذان في النار فرجلٌ عرف الحقّ فخان به في الحكم، ورجلٌ قضى للناس على جهلٍ ».

وقال العلماء: إنّ هذا الخبر يدلّ على أنّ كلّ مجتهدٍ ليس بمُصيب؛ إذ لو كان كلّ مجتهدٍ مصيباً لم يكن لهذا التفسير معنى.

وروي: «القضاة أربعة؛ ثلاثة في النار، وواحدٌ في الجنّة» .(1)

240. خَصْلَتَانِ لَاتَكُونَانِ فِي مُنَافِقٍ : حُسْنُ سَمْتٍ ، وَ فِقْهٌ فِي الدِّينِ .(2)

241. خَصْلَتَانِ لَاتَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ : البُخْلُ وَسُوءُ الخُلُقِ .(3)

242. عَينَانِ لَاتَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مِنْ خَشْيَةِ اللّٰهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ .(4)

243. مَنْهُومَانِ لَايَشْبَعَانِ : طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا.(5)

ص: 214


1- . الكافي، ج 7، ص 407، ح 1؛ الفقيه، ج 3، ص 4، ح 3221؛ تحف العقول، ص 365.
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 210، ح 318؛ سنن الترمذي، ج 4، ص 154؛ تاريخ الإسلام للذهبي، ج 14، ص 143؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 604، ح 3914؛ كنزالعمّال، ج 1، ص 156، ح 776. الأمالي للمفيد، ج 1، ص 274، ح 5؛ تذكرة الفقهاء للحلّي، ج 1، ص 9؛ بحارالأنوار، ج 33، ص 549 (وفي الأكثر «ولا فِقْه»).
3- . مسند الشهاب، ج 1، ص 211، ح 319؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 231، ح 2028؛ تحفة الأحوذي، ج 6، ص 83؛ مسند أبي داود الطيالسي، ص 293؛ مسند أبي يعلى، ج 2، ص 491، ح 1328. الخصال، ص 75، ح 117؛ عيون الحكم والمواعظ، ص 242؛ روضة الواعظين، ج 1، ص 383 (مع اختلاف يسير في الثلاثة الأخيرة).
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 211 و 212، ح 320 و 321؛ سنن الترمذي، ج 3، ص 96، ح 1690؛ المستدرك للحاكم، ج 2، ص 83 (وفيه مع اختلاف يسير)؛ مسند الشاميّين، ج 3، ص 337، ح 2427؛ الجامع الصغير، ج 1، ص 572، ح 3700. تذكرة الفقهاء للحلّي، ج 9، ص 452؛ منتهى المطلب، ج 2، ص 903؛ كشف الغطاء، ص 409.
5- . مسند الشهاب، ج 1، ص 212، ح 322؛ سنن الدارمي، ج 1، ص 96؛ المستدرك للحاكم، ج 1، ص 92؛ المعجم الأوسط، ج 6، ص 20؛ الكافي، ج 1، ص 46، ح 1؛ التهذيب، ج 6، ص 328، ح 906؛ كتاب سليم بن قيس، ص 261؛ معدن الجواهر، ص 25 (وفي كلّ المصادر غير الأوّل مع اختلاف يسير).

يعني: إنّ هاتين الخصلتين لا تكاد توجدان في المنافق؛ إحداهما: حُسن السمت وهو الطريق المرضيّ والمذهب المحمود والحالة الحسنة المقبولة عند اللّٰه وعند الناس، والثانية: الفقه في الدِّين؛ وهو حُسْنُ الفِطنة في أحكام الشريعة.

ثمّ قال: المؤمن لا يكون بخيلاً سيّئ الخُلق. ربما يكون فيه إحدى هاتين الخصلتين، فأمّا البُخل وسوء الخُلق فلا يجتمعان فيه، وفي الأغلب لا يكون إحداهما في المؤمن أيضاً.

قال النبيّ عليه السلام: «إنّ الخُلق السيِّئ ليُفسد الإيمان كما يفسد الخَلُّ العسل».(1)

وتقدير الخبر الثالث: صاحب العينين لا يمسُّ بشرتهما النار(2) إذا صدرت منهما هاتان الخصلتان المذكورتان، فحذف المضافات ولم يُرد عليه السلام العين نفسها؛ لأنّ النار لا تُصيب وجه المؤمن على ما روي في الأخبار وإنْ دخل جهنّمَ بشؤم معصيته، والعينان لا محالة في الوجه. على أنّ العرب تقول رأته عيني وسمعتْه اُذني، والمراد به صاحب العين والاُذن.

والمراد بالبكاء في جوف الليل وتخصيصه بوسط الليل إشارة إلى التضرّع والخشوع في صلاة الليل حيث لا رياء ولا سمعة، وهو سُنّة الأنبياء والأولياء؛ وذلك لشرف صلاة الليل على نوافل النهار. وقيل: أراد به بكاء السرّ سواء كان في الليل أو في النهار.

و «المنهوم»: الحريص، والنهمة: شدّة الحرص؛(3) وإنّما لا يشبعان لأنّ ابن آدم لايشبع عمّا يستلذّه، ولا يزال طالب الدُّنيا حريصاً عليها؛ لاستلذاذه إيّاها وحلاوتها في عينه(4). وطالب العلم إنّما يصعب عليه ذلك أوّل مرّة، لكن آخره أحلى من العسل.

ص: 215


1- . الكافي، ج 2، ص 321، ح 5؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 40، ح 96؛ كنزالفوائد، ص 56.
2- . في المخطوطة: «صاحب أعينيين لا يمس بشرتهما المر النار».
3- . اُنظر: العين، ج 4، ص 60؛ لسان العرب، ج 12، ص 593 (نهم).
4- . في المخطوطة: «عينها»، والظاهر أنّه تصحيف.

244. الشَّيْخُ شَابٌّ فِي حُبِّ اثْنَيْنِ (1): طُولِ الحَيَاةِ وَكَثْرَةِ المَالِ .(2)

245. أَرْبَعَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللّٰهُ تَعَالىٰ : البَيَّاعُ الحَلَّافُ ، وَالفَقِيرُ المُخْتَالُ (3)، وَالشَّيْخُ الزَّانِي، وَالإِمَامُ الجَائِرُ.(4)

246. ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ ، وَثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ ؛ فَالثَّلَاثُ المُهْلِكَاتُ : شُحٌّ مُطَاعٌ ، وَهَوىً مُتَّبَعٌ ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ . وَالثَّلَاثُ المُنْجِيَاتُ : خَشْيَةُ اللّٰهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ ، وَالقَصْدُ فِي الفَقْرِ وَالغِنىٰ ، وَالْعَدْلُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا.(5)

يقول: لا يشبع أحد من عيشه ولا من المال، فحبّهما للشيخ الكبير شابّ ، فالجديدان يُبليان كلّ شيء غيرهما، وهذا دليل على أنّ الشيخ والشابَّ متساويان في كراهة الموت وإرادة المال إلّامَنْ خصّه بفضله.

ثمّ قال: أربعة رجال وأربعة فِرَق يستوجبون الغَضَبَ من اللّٰه بسوء صنيعهم؛ منهم البيّاع الذي اعتاد الحلف عند بيعه وشرائه، والفقير المختال(6) الذي يعتاد التكبّر

ص: 216


1- . في مسند الشهاب ومسند أحمد وسنن إبن ماجة ومسند الحميدي وكنزالعمّال: «اثنتين».
2- . مسند الشهاب، ج 1، ص 213، ح 323؛ مسند أحمد، ج 2، ص 379 و 380؛ سنن إبن ماجة، ج 2، ص 1415، ح 4233؛ مسند الحميدي، ص 460؛ كنزالعمّال، ج 3، ص 493، ح 7570. روضة الواعظين، ص 429؛ بحارالأنوار، ج 74، ص 174، ذيل ح 9.
3- . في المخطوطة: «المحتال» والسياق يقتضي ما اُثبت.
4- . مسند الشهاب، ج 1، ص 213، ح 324؛ سن