الإقتصاد الإسلامي

هوية الکتاب

الإقتصاد الإسلامي

تأليف: آية الله السيد علي الموسوي السبزواري.

الناشر: دار الولاء للطباعة والنشر والتوزيع.

الطبعة: الأولى (1000 نسخة).

التاريخ: 1440 ه-.ق / 2019 م

© جميع الحقوق محفوظة للناشر

ص: 1

اشارة

الإقتصاد الإسلامي

تأليف: آية الله السيد علي الموسوي السبزواري.

الناشر: دار الولاء للطباعة والنشر والتوزيع.

الطبعة: الأولى (1000 نسخة).

التاريخ: 1440 ه-.ق / 2019 م

© جميع الحقوق محفوظة للناشر

ص: 2

الإقتصاد الإسلامي

الكتاب الأول

آية الله السيد

علي الموسوي السبزواري

ص: 3

ص: 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ

اللهمَّ كُنْ لِولِّيكَ الحُجَّةِ ابنِ الحَسَن صَلواتُكَ عَليه وعَلى آبائِه فِي هذهِ الساعَةِ وَفِي كُلِّ ساعة ولياً وحافِظاً وقائِداً وناصِراً ودَليلاً وعَيناً حتّى تسكنه أرضَكَ طَوعاً وَتُمتعَه فِيها طَويلاً بِرَحمتِكَ يا أرحَمَ الراحمين

ص: 5

ص: 6

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

عندما جاءت الشريعة الإلهية من أول بعثة الأنبياء علیهم السلام إلى هذا الوقت في زمن غيبة خاتم الأوصياء صاحب الزمان علیه السلام ؛ كانت قد أرست تعاليم الدين وأبانت معالمه وأوضحت أهدافه؛ وكان من أهم أهداف الأنبياء علیهم السلام الإجتماعية والإنسانية وغايات بعثاتهم وشرائعهم هو قيام الناس بالقسط, (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(1).

وهذه الغاية العظيمة لا يمكن أنْ تتحقق إلا بدحض أمرين؛ يلازم الثاني الأول, وهما: الإستكبار والإستضعاف الإقتصاديين, وإيجاد نظام إقتصادي متوازن, وهذا يعني خلق وإيجاد حالة التوازن الإقتصادي في المجتمعات ليتحقق القسط, الذي هو قوام الكيان الديني, يقول أمير المؤمنين علیه السلام : (الْعَدْلُ حَيَاةُ الْأحكام)(2). والآية المزبورة تبين نظاماً واضحاً من معلولية القسط لعلَّة الميزان فلا قسط بدون الميزان والتوازن.

إذن لا بُدَّ من تحقيق حركة متوازنة للمال في المجتمع ووضعه موضعاً إلهياً بحيث يكون قواماً للحياة, ومن المعلوم أنَّ هذا لا يمكن تحققه إلا بتطبيق نظام إقتصادي متوازن.

ومن هنا يُعلم أنَّ الإقتصاد الإسلامي من أحد أهم مظاهر الأخلاق, وبما أنَّه لا يوجد نظام أخلاقي متكامل إلا بالإسلام صارت هناك ضرورة لكون الإقتصاد إسلامياً؛

ص: 7


1- سورة الحديد؛ الآية 25.
2- غرر الحكم والكلم؛ الفصل الأول؛ الحكمة 440.

وذلك لأنَّ للأموال كيفية لتوزيعها وتداولها بين المسلمين, ولا يقوم ذلك إلا طبق تربية إنسانية وبحضور الدين وتعاليمه في المجتمع؛ لأنَّ الدين يدعو إلى الإستثمار السالم للأموال, وتوزيعها بشكل عادل, ويتَّضح بذلك دخول الإقتصاد الإسلامي في الأخلاق؛ لأنَّ ما كان من أخلاق الإسلام سلم من طرفي الإفراط والتفريط كما هو واضح, والإقتصاد الإسلامي هو الحدّ الوسط والعدالة بين الإفراط الإقتصادي (وهو التكاثر), والتفريط الإقتصادي (وهو الفقر).

هذا وإنَّ الطرفين يعتبران من الأحوال السيئة وجنود الجهل؛ لأنَّهما يفرغان الحياة الإنسانية من محتواها الإلهي, ويسوقانها إلى التدني في المعيشة في هذه النشأة. ولا يتمّ التخلص من هذين الحالين (التكاثر والفقر) إلا بإقامة العدل والتوازن؛ وهو الإقتصاد الإسلامي.

وعلى هذا تتجلى الغاية من فهرسة المسائل الإقتصادية وتدوينها وجمعها كمؤلف طبق المنظار الإسلامي المبتني على الثقلين والأصلين الأساسيين وهما القرآن والعترة اللذين يمثلان الدين الحنيف, وبتأييد من العقل الشريف.

وهذا يعني: إحياء المجتمعات الإنسانية بدستور إقتصادي إسلامي فتتحقق السعادة في الدارين والقرب الإلهي في النشأتين.

وفيما يلي بعض الركائز المهمة التي يرتكز عليها الإقتصاد الإسلامي؛ إذ أنَّ المحتوى الديني والمذهبي للإقتصاد الإسلامي يمكن أنْ يرتكز عليها, وبها يتميَّز عن باقي الأنظمة الإقتصادية المُدَّعاة من الإشتراكية والرأسمالية, وهي تمثل الخطوط العريضة التي لا بُدَّ أنْ يسير عليها الإقتصاديون لكي يفهموا ما سَنَّه الإسلام في هذا المجال.

ص: 8

وهذه الركائز هي:

1- مبدأ الملكية

يؤمن الإشتراكيون بالملكية العامة المعبر عنها ب-(التأميم(1)), ويرفضون الملكية الفردية الخاصة, ولكنهم متذبذبون في حالات الضرورة, والرأسماليون على العكس من ذلك.

أمّا الإسلام فيعترف بالأشكال المتنوعة للملكية, فهو يقرُّ بالملكية العامة والملكية الخاصة وملكية الدولة, ولا يعتبر أيَّاً منها حالة خاصة, أو يقرُّ بأيٍّ منها في حالة الإضطرار, بل كلُّها ملكيات صحيحة.

ولكن هذا لا يعني الجمع بين المتنافيات, بل إنَّ له أصلاً أصيلاً يبتني على أسس فكرية إلهية تناقض كلا المبدأين؛ الإشتراكي الماركسي والرأسمالي, لذا اضطرتا إلى قبول النظرية المعاكسة لهما, مع أنَّ الإسلام لم يضطر لذلك؛ مِمّا يدلُّ على صحة موقفه الإقتصادي وحقّانيَّة موقفه.

2- مبدأ الحرية الإقتصادية ضمن التقنين الإسلامي

يتمتع الإسلام بقيامه واعتماده على قيم معنوية وخلقية, فهو لا يمنع الحرية الإقتصادية مطلقاً كالإشتراكية, ولا يطلق لها العنان كالرأسمالية, بل يسمح بممارسة الحرية الإقتصادية وفق قانون وتحديد يتلخص إلى نوعين:

الأول: التحديد الذاتي؛ بمعنى أنَّ الإنسان المسلم بذاته يحدد نفسه بما استمده من قوة لتنمية المستوى الروحي والفكري طبق معالم التربية الإسلامية الإلهية؛ والتي لا تشعر

ص: 9


1- يعني: تحويل مشروع خاص على قدر من الأهمية إلى مشروع عام يُدار بطريقة المؤسسة العامة, أو على شكل شركة تملك الدولة كل أسهمها. فهو يقوم بنزع ملكية المشروعات الخاصة ذات النفع الحيوي للأمة وتحويلها إلى ملكية الدولة. ولكن هذا المصطلح غير معروف عند الفقهاء؛ لأنَّه نظام إقتصادي يتَّخذ طابعاً سياسياً ويبتني على مصادرة الثروات الطبيعية.

الفرد بأنَّه مسلوب الحرية, بل إنَّه يتحدد بتحديدات الشرع والأخلاق؛ لما يعلم فيها من مصلحة وبناء للنفس والمجتمع.

الثاني: التحديد الموضوعي؛ بمعنى فرض حكومة الشرع على الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي, فلا حرية إلا ما نصَّت عليه الشريعة؛ فهناك حرام وواجب, ويظهر ذلك من خلال:

أ- نصّ الشريعة على منع بعض النشاطات الإقتصادية التي تعيق تحقق الأخلاق والتعاليم الإسلامية, مثل الربا والإحتكار وما شابههما.

ب- إشتراطه أنْ تكون جميع النشاطات الإقتصادية تحت نظر وإشراف ولي الأمر؛ ضماناً لتحقيق المصلحة العامة, لأنَّ ولي الأمر يتمتع بعلم خاص ومعرفة دقيقة بالمجتمعات وأحوالها وتقلباتها المالية والإقتصادية, وبسبب هذه التقلبات لا يمكن ضبط دستور معين يوضح التعاملات الإقتصادية على نحو القطع والتحديد؛ لأنَّ المصلحة العامة تختلف من وقت لآخر ومن مجتمع لآخر, وهذا لا يكون إلا بإشراف ولي الأمر؛ لأنَّ الشؤون الإقتصادية لو وُكِّلت لغيره من أفراد الدولة وهم لا يحملون تلك الروح العالية والمعنوية كتلك التي يمتلكها, لذا ترى البعض من أفراد الدولة المسلمة يُحلّ بعض المعاملات والبنوك الربوية, أمّا ولي الأمر فيعرف الأحكام ويدرك البعد الأخلاقي المترتب على تلك الأحكام؛ لذا يمنع من ارتكاب التجاوزات الشرعية والأخلاقية, فيمنع الدولة من تحليل الربا أو الغش, أو تعطيل قانون الإرث أو تغيير نِسَبِهِ وغير ذلك.

3- مبدأ العدالة الإجتماعية

ونعني بذلك نظام توزيع الثروة بالإعتماد على عناصر تتكفل تحقيق العدالة الإسلامية والقيام بالقسط.

ص: 10

ويكون توزيع الثروة حسب ما ذكرنا بحيث يخرج من النظرية إلى التطبيق عن طريق:

أ- إقرار مبدأ التكافل العام؛ من خلال فرض الوجوه الشرعية للواردات الإقتصادية من الخمس والزكاة والكفارات والديات والصدقات وغيرها؛ ليسدَّ الواجد نقص الفاقد, وهو من واجبات الشرع والأفراد وليس للدولة فيه شيء.

ب- إقرار مبدأ التوازن الإجتماعي؛ عن طريق بث روح التعاون والتآلف بين أفراد المجتمع؛ عن طريق التثقيف على التعايش السلمي في جميع المجالات, وهذا المبدأ من واجبات الدولة بالإضافة إلى كونه من وظائف الشرع الأقدس عن طريق تشريعه والتثقيف عليه بكلِّ وسائل التثقيف والإرشاد.

هذه المعارف وغيرها سنتناولها في هذا البحث الإقتصادي الإسلامي المتكامل, غايته من منظار فقهي إستدلالي, وهو نوع جديد في التناول على مستوى بحوث الخارج في الحوزات العلمية, خصوصاً حوزة النجف الأشرف العامرة إلى ظهور الحجة البالغة؛ ومن الله السداد والتوفيق.

وقد كان الشروع في هذا البحث في يوم الأحد الموافق 20/ جمادي الآخرة/ 1438؛ في يوم مولد السيدة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها.

4- ركن الإكتفاء الذاتي في الإقتصاد الإسلامي.

5- ركن التوازن من خلال إستقرار الأسعار والتشغيل الكامل ودوام النمو.

ص: 11

ص: 12

مقدمة البحث

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين, والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمد وآله الطاهرين, واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

جرت عادة الفقهاء قدَّس الله أسرارهم أجمعين عند البحث في باب المعاملات أنَّهم يذكرون أنواع المكاسب والمتاجر, فهم رحمهم الله تعالى مع إبداعهم في هذا القسم من أبواب الفقه وتبحرهم في هذا العلم وكثرة تحقيقاتهم وعمق ما ذكروه فيها, فقد تفرد بها علماء الإمامية ولم يُعهد له نظير في فقه أيِّ مذهب آخر.

ولكن مع كلِّ الحسنات التي اتَّصفت بها بحوثهم الفقهية إلا أنَّها لم تكن وافية لجميع متطلبات العصر الحاضر, فقد تقدَّم العلم تقدماً كبيراً وتطورت الصناعات, وتعددت الوسائل وكثرت المسائل وتعددت الحاجات, وأصبح العالم قرية واحدة؛ كلُّ ذلك مِمّا يوجب إعادة النظر في هذا القسم من علم الفقه وتجديد صياغته ليستوعب جميع ما يرتبط بهذا الموضوع المهم الذي صار يشغل حياة الإنسان المعاصر, فلا بُدَّ أنْ يكون للدين وقفة مع كلِّ مفردة من مفردات هذه المجموعة في علم الفقه ويستوعب جميع ما استحدث من المسائل, وبذلك يخرج بحثنا عن البحوث الضيقة والفردية.

وعادة الفقهاء وإنْ جرت على تسمية هذا القسم من علم الفقه بالمعاملات وذكر أقسامها في أبواب معروفة؛ إلا أننا رأينا أنْ نتوسع في ذلك ليشمل جميع المفردات, والبحث عن الإقتصاد الإسلامي؛ بذكر معالمه وأركانه ومفرداته وتطبيقاته وأحكامه, ليتَّضح لنا أنَّ للإسلام إقتصاداً خاصاً به يقابل اقتصاد الآخرين؛ الذين ملؤا الدنيا بالتعريف عنه,

ص: 13

وجنَّدوا كلَّ ما في أيديهم من الإعلام لتمجيده وبيان آثاره في مجتمعاتهم؛ غافلين أو متغافلين عمّا أوجده اقتصادهم من الآثار السيئة في نفوس الأفراد وفي المجتمعات, والأنكى من ذلك أنَّ المسلمين أعرضوا عن تعاليم دينهم وانبهروا باقتصاد هؤلاء, فتركوا ما أسَّسه دين الإسلام من القواعد والأركان في هذا الموضوع. ولو أطاعوا الله ورسوله في تعاليم دينهم لوصلوا إلى السعادة في الدارين, ولكنهم ركنوا إلى الدنيا واتَّبعوا الشيطان, فخسروا ما أعدَّه الله لهم من الخير والصلاح.

ومن أجل ذلك يكون محتوى بحوثنا الآتية هو الإقتصاد الإسلامي؛ معالمه وأركانه وأسسه ومفرداته ومعوقاته وآثاره, وفي ضمن هذه البحوث نذكر ما يتعلق بالإقتصاد المخالف وبيان صفاته وسيئاته وموارد توافق الإقتصادين, كما سيأتي بيانه من أنَّ بناء الإقتصاد مطلقاً إنَّما يكون قائماً على العرف والعقلاء, والجميع يعتمدون عليهما في بحوثهم الإقتصادية وتعاملهم مع مفرداته.

والكلام يقع في ضمن بحوث تحتويها كتب متعددة ...

ص: 14

الكتاب الأول في بيان المصطلحات

ص: 15

ص: 16

التعريف بالمصطلحات التي تدور في علم الإقتصاد؛ ولا سيما الإقتصاد الإسلامي

ص: 17

ص: 18

التعريف بالمصطلحات التي يحتاجها علم الإقتصاد, والتي لها التأثير المباشر في تحديد هويته.

المصطلح الأول: الدين

المفهوم اللغوي

المفهوم اللغوي: مادة (د ي ن) تدلُّ على الإنقياد والخضوع, فهو أمرٌ أو حكمٌ أو قانونٌ أو جزاء.

وقد ذكرت له في اللغة معانٍ عديدة:

1- الدين بمعنى الإنقياد والطاعة؛ يقال: دان له دِيناً إذا انقاد وأطاع له, وقومٌ دِين أي مطيعون منقادون, ومنه قولهم: العادة دِينٌ, لأنَّ النفس إذا اعتادت شيئاً مرّت معه وانقادت له, ومنه الحديث: (إِنَّ الْكَيِّسَ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ)(1) أي: ذَلَّ نفسه واستعبدها.

2- الدَّين بمعنى الحساب والجزاء؛ ومنه: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)(2), لتضمنه الحكم فينقاد لهُ.

3- الدَّين بمعنى القرض؛ لأنَّ فيه المذلة, ومنه قولهم: (الدَّين ذُلٌ بالنّهار، وغَمٌّ بالليل)(3).

4- الدَّين بمعنى الخضوع والإنقياد؛ ومنه: دان الرجل إذا عزَّ؛ ودان إذا ذلَّ, ودان إذا أطاع, ودان إذا عصى, ودان إذا اعتاد خيراً أو شراً, ودان إذا أصابه الدَّين.

فإنَّ الجميع تشترك في الخضوع والإنقياد.

ص: 19


1- مجموعة ورام؛ ج1 ص64.
2- سورة الفاتحة؛ الآية 4.
3- معجم مقاييس اللغة؛ ج2 ص320.

والمستفاد من جميع ذلك أنَّ المعنى الحقيقي هو الخضوع والإنقياد؛ بشرطين:

أولاً: الخضوع

ثانياً: أنْ يكون مقابل إرادة وبرنامج.

فلا يكون مطلق الإنقياد والخضوع أو الجزاء أو غيرها من هذا الأصل, وعلى ذلك تكون جميع إطلاقات الدين في اللغة من لوازم هذا الأصل وآثاره, مثل الذلّ أو العزة بعد الإنقياد, وهكذا التعبُّد والحكومة, والتسليم والجزاء خيراً أو شراً, والإعتياد ونحو ذلك. فليس لفظ الدين من المشترك, وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم كثيراً(1), وجميعها تدلُّ على أنَّ حقيقة الدين هي التسليم والخضوع والإنقياد الخالص لله وفي الله. وهذا هو معنى قوله تعالى: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(2) وهو الذي يقتضيه الإطلاق اللغوي.

المفهوم الإصطلاحي

وأمّا الدَين بالمعنى المصطلح عليه فقد ذكرت له معانٍ عديدة, ومنها:

1- (إنَّه قانون سماوي سائق لذوي العقول إلى الخيرات بالذات والأحكام الشرعية المنزلة على محمد صلی الله علیه و آله و سلم )(3).

ولا ريب أنَّ هذا التعريف قاصر عن إفادة الشمولية لهذه الكلمة كما سيتبين إنْ شاء الله تعالى.

2- إنَّه مجموعة قوانين وأحكام وسنن وآداب وأخلاقيات تنظِّم حياة الإنسان في الدارين, وتوصله إلى الجزاء الحسن, وتهديه إلى ما هو الأصلح له, وتجلب له السعادة.

ص: 20


1- يبلغ عدد الموارد التي وردت فيها كلمة (دين) في القرآن الكريم إلى 101 مورداً.
2- سورة غافر؛ الآية 14.
3- دستور العلماء؛ ج2 ص118.

لكن الدين ينظِّم العقيدة كما ينظِّم العمل, فلا يقتصر على أحدهما.

وبما أنَّ الدين له الشمولية والسعة فلا يقتصر على جانبٍ معين من جوانب حياة الإنسان, بل يشمل جميع ما يرتبط بالإنسان, بل الموجودات الشاعرة؛ فيكون مؤثراً فيها.

ولا يكون الدين كاملاً متكاملاً إلا أنْ يتَّصف بأمورٍ حقيقية هي مقومة لماهيته, وتتجسد بها هويته حتى تثبت له السلطة والقوامية على جميع قوى الإنسان, ويُحدِّد سيره وسلوكه ومصيره وجزاءه. وقد جمع الدين الإلهي جميع تلك العناصر والمقومات والأركان فكان جامعاً مانعاً.

العناصر والمقومات والأركان الدين الإلهي

اشارة

العنصر الأول: الإلزام.

العنصر الثاني: المسؤولية.

العنصر الثالث: الجزاء.

العنصر الرابع: النيَّة والدوافع.

العنصر الخامس: الجهد.

العنصر الأول: الإلزام.

أمّا العنصر الأول (الإلزام): فإنَّ الدين لا بُدَّ أنْ يستند على فكرة الإلزام التي تعتبر القاعدة الأساسية والمدار الذي يدور حوله كلُّ نظام الدين, وبفقده يفقد الدين ماهيته, فلن تكون هنالك مسؤولية إذا لم تكن فكرة الإلزام, وإذا عدمت المسؤولية تنعدم العدالة وتحلُّ الفوضى ويفسد النظام في جميع المجالات؛ مجال الواقع, ومجال القانون؛ كما هو واضح.

العنصر الثاني: المسؤولية.

وأمّا العنصر الثاني (المسؤولية): فهو يعني مقدرة المرء على أنْ يُلزم نفسه أولاً, والقدرة على أنْ يفي بالتزامه بواسطة جهوده الخاصة ثانياً.

ص: 21

والمسؤولية بهذا المعنى تكون سمة من السمات المميزة التي يأخذها الإنسان من جوهر ذاته, ولا ريب أنَّ فكرة المسؤولية وفكرة الجزاء(1) مترابطتان, وكلتاهما ترتبط بفكرة الإلزام ولا تقبل الإنفصال, فإذا وُجد الإلزام تتابعت الأخريان, وإذا اختفى ذهبتا في إثره؛ لأنَّ الإلزام بلا مسؤولية يعني القول بوجود إلزام بلا فرد مُلزَم وهو مستحيل, ولا يقلُّ استحالته على أنْ نفترض كائناً مُلزَماً ومسؤولاً بدون جزاء مناسب, فإنَّ معنى ذلك كلّه هو تفريغ الكلمات من معانيها, وبطلانه واضح.

العنصر الثالث: الجزاء.

وأمّا العنصر الثالث (الجزاء): فإنَّه يمثل العلاقة بين الإنسان والقانون, فإنَّ فكرة الإلزام تمثل نقطة البداية وفكرة الجزاء تمثل نقطة النهاية في العلاقة الجدلية بين الفكرتين.

فالجزاء هو ردَّة فعل القانون على موقف الأشخاص الخاضعين له.

العنصر الرابع: النيَّة

اشارة

وأمّا العنصر الرابع (النيَّة): فهو يعني حركة تَنزع من خلالها الإرادة نحو شيء معين؛ سواء لتحقيقه أم لإحرازه, ولكي تكون الإرادة فاعلة لا بُدَّ أنْ يكون لها سبب معين, وهو إمّا أنْ يكون سبباً مباشراً؛ وينحصر بالعمل الذي يشرُع المريد أداءه. وإما أنْ يكون سبباً غير مباشر وهو الهدف والغاية.

والسبب الأول وإنْ كان مباشراً للإرادة الفاعلة ولكنه لا يكون ممكناً كمشروع إرادي على وجه الكمال إلا أنْ يفكر الإنسان في صميم ذلك العمل وما وراءه من الهدف المطلوب أيَّاً كان؛ من خير وغيره, يزكِّيه في نظره لتكون الغاية الأخيرة التي يقصد إليها الجهد العاقل الواعي ويتطلع إلى بلوغها.

وهذا الموضوع البعيد من حيث هو حقيقة مُستقبلية يتعين السعي وراءها وبلوغها, ومن حيث هو مبدأٌ أو فكرٌ يُحفز النشاط الإرادي ويمهد له.

ص: 22


1- وهي العنصر الثالث الآتي ذكره.

ويطلق على الأوّل الغاية والهدف, وعلى الثاني الباعث والدافع.

والأخيرتان وإنْ كانتا كلمتين مترادفتين ولكنهما تشتملان على قدر من الألوان الدلالية, فإنَّ الباعث يدلُّ على تصور فكرة الخير مثلاً كحالة عقلية صرفة تستخدم في تجويز العمل المعتزم وتجعله معقولاً وتبين مطابقته للشرع أو القانون.

ويستتبع هذه المرحلة قوة محركة تدفع نشاطاً, ولها التأثير في الإرادة ويطلق عليها إسم (الدافع). وهذه التفرقة هي القريبة إلى الأذهان.

وهناك تفرقة أخرى؛ حيث ذهب بعض فلاسفة الغرب إلى أبعد من ذلك حينما أُطلق الدافع إطلاقاً نوعياً على الغايات الذاتية الصادقة بالنسبة إلى الشخص فقط, حيث أطلق البواعث على الغايات الموضوعية الصادقة بالنسبة إلى جميع الكائنات العاقلة.

وأيَّاً كان نوع الدلالة لهاتين الكلمتين -الباعث والدافع- فإنَّ الذي يهمنا في موضوع الإرادة هو نوعان من المطلب: الماهية, والسبب. والكلام ينصبّ حول هذين المطلبين.

وباعتبار أهمية النيَّة في حياة الإنسان وما يترتب عليها من الآثار سواءٌ الحسنة أم السيئة فلا بُدَّ أنْ يتبين الحال فيها بذكر أمور:

أولاً: إنَّه من المسلّمات أنَّ أيَّ قرار عادي إنَّما يُتَّخذ بعد التأمل الكافي بحيث تكون للإرادة فيه نظرتان: إحداهما تنصّب على العمل, والأخرى على الغاية.

والأُولى هي مَحطُّ النظر بوضوح, ولكن الثانيَّة قد يُغضُّ الطرف عنها, ولكنها لا تكون مُغفلة تماماً.

ومن هنا قد يبتعد الموضوع الذي نتأمله من مجال الشعور الواضح ولكنَّه حاضر فيما وراء الشعور أو بتعبير آخر في اللاشعور, وهذا الموضوع برُمَّته هو المبدأ الأول الذي يُلهم الإرادة ويحدِّد حركتها نحو العمل.

ص: 23

ثانياً: إنَّ تلك النظرتين للإرادة تعتبران موضوعين مختلفين من موضوعات الدراسة في العلوم؛ فإنَّ علماء الأخلاق يكثرون البحث عن النيَّة الغائية ويهتمون بها. وأمّا علماء النفس والقضاة يصبوّن اهتمامهم على النيَّة بمعناها العام؛ والموضوعي منها خاصة. فيحقُّ لنا أنْ نفرّق بين هذين النوعين من النيَّة, فنطلق على أحدهما النيَّة الأخلاقية, وعلى الأخرى النيَّة النفسية أو (السايكولوجية), ولكن ليس من جهة أنَّ الأخلاقية لا تهتم باختيار الموضوع المباشر, بل لأنَّ الفعل الذي تُفقد فيه النيَّة الأخلاقية فقداناً كاملاً لا يدخل في مجال الأخلاق فيكون محايداً, بعكس ما إذا كانت الإرادة التي تسعى وراء غايات غير مشروعة -التي هي إرادة ضد الأخلاق- فتكون النفس آثمة.

وأمّا النيَّة النفسية فإنَّها ليست أكثر من أنْ تمنح العمل حقّ الحياة فتجعله صحيحاً يعتمد عليه, والنيَّة الحسنة -أخلاقياً- تجلب إليه ما يناسبه من القيمة.

وكيف كان؛ فقد خلط اللغويون والفلاسفة بين هذين القسمين وجعلوهما تحت لفظ واحد وتركوا التمييز بينهما بحسب السياقات أو الظروف التي يستعمل فيها.

ثالثاً: الحقُّ أنَّه ينبغي على العلماء أنْ يذكروا لكلِّ واحد من تلك الأقسام صفات مميزة, فإنَّ الخلط بينها يستغلّه بعض من لا حريجة له فيجعل أحدهما مكان الآخر؛ لتبرير عمل له ليعتبره عملاً ذا قيمة.

ومع ذلك فإنَّ بعض العلماء يحتفظ باسم (النيَّة) للمعنى الذي يرتبط بالعمل, وباسم القصدية للمعنى الذي ينصرف إلى الغاية اختصاراً للكلام ورفعاً للغموض الذي يكتنف هذه الكلمة. والبعض الآخر يحتفظ بكلمتي (النيَّة والدافع) من أجل مزيد من الوضوح.

وحصر أغلبهم الإرادة في العمل -وهو الإتّجاه الذي يتبعه علماء الإقتصاد- فقد امتزجت عندهم مع العمل امتزاجاً كاملاً دون هدف آخر أو نيَّة مستترة, فهي قد قطعت كلَّ صلة لها بالأسباب العميقة التي تحفزها إلى ذلك العمل, ومن هنا نرى أنَّ هذا الإتّجاه قد ابتعد

ص: 24

كلَّ البعد عن النيَّة الأخلاقية, فيكون إتّجاه الإرادة على هذا النحو إلى العمل الذي تنتجه أو هي بصدد إنتاجه يطلق عليه (قصد أو نيَّة) مع الفرق بينهما في أنَّه إذا كان الفرد في أهبة القيام بالعمل يسمى قراراً يتفاوت في ثباته فهو القصد والعزم.

وأمّا حين يتزامن مع العمل تكون نيَّة؛ باعتبارها الشعور النفسي الذي يصحب العمل.

وعلى كلٍّ؛ فإنَّ فكرة القصد أو النيَّة في كلتا الحالتين لا بُدَّ أن تنطوي على ثلاثة عناصر تكوينيَّة.

1- تصور المرء لما يعمله.

2- إرادة إحداثه.

3- إرادته على أنَّه أمر مفروض أو مأمور به.

رابعاً: إذا تبين لنا معنى النيَّة ومقوماتها وعرفت مدى تأثيرها ينبغي التعرض في المقام -ولو على سبيل الإجمال- لثلاث مشكلات وحلِّها:

المشكلة الأولى: إذا غابت النيَّة كلاً أو جزءاً عن العمل.

المشكلة الثانيَّة: إلى أيِّ حدٍّ يمكن للنيَّة أنْ تغير طبيعة العمل؟.

المشكلة الثالثة: إلى أيِّ حدٍّ تستطيع النيَّة بمفردها أنْ تقوم بدور واجب كامل؟.

أما المشكلة الأولى؛ وهي التي تتَّصل بغياب النيَّة: فالذي لا بُدَّ من قوله فيها هو أنَّه من المعروف أنَّ النيَّة شرط للتصديق على العمل, وهو الذي اعتمدت عليه جميع الأديان الإلهية ولا سيما الشرع الإسلامي الذي يلغي أيَّ عملٍ تنقصه المعرفة والإرادة؛ واللذان هما عنصران نفسيان, فالعمل اللاشعوري أو الحدث المادي الصرف هو الذي يصدر عن شخص دون أنْ يشعر به, كأن يكون نائماً مثلاً لا يوصَف بحسن أو قبح ما دام لم يحاسب عليه.

ص: 25

كذلك العمل الشعوري إذا كان لا إرادياً, فإنَّه وإنْ كان حدثاً يتمُّ بعلمنا ولكنه مستقل عن إرادتنا في ظرف طارئ نتعرض له؛ كأن يكون صادراً عن قوة لا يمكن مقاومتها.

فإنَّه في هاتين الحالتين قد افتقدت النيَّة, لكن العمل الصادر لم يغب عنه الشرع من جانب أو القانون من جانب.

فمن الناحية المادية (أي نفس العمل) فإنَّ القانون هو الذي يحدّد اعتبارها؛ فإمّا أنْ يكون متَّفقاً معه أو مخالفاً له كما في موارد القتل الخطأ, أو في حدث يتم بنيَّة حسنة ولكنه يسبب أضراراً للآخرين. ولكنه من جانب القانون الأخلاقي, وقانون الجزاء والعقوبات تكون نسبة الأعمال إلى أصحابها بقدر النيَّة التي تؤدى بها.

ومن هنا يأتي الشرع أو القانون المدني ويثبت حلاً وسطاً نوعاً ما, فهو وإنْ كان يبرِّئ الشخص العامل لكنه بشرط ضمان الضرر الحاصل الذي تسبب فيه.

كلُّ ذلك حاصل من ناحية الترابط بين المسؤولية والجزاء, وحينئذٍ يظهر الشرع الإسلامي ويحدد الجزاء والمسؤولية ومقدار التطابق بينهما؛ حتى لو كانت النتيجة ضد نيَّتنا أو دون علمنا.

فقد جمع الدين الإلهي بين النيَّة الأخلاقية والنيَّة النفسية ومقدار ضياعهما فلم يحدث تحيّرٌ أخلاقي, ولم يحدث الإعفاء الكامل من واجباتنا إذا حدث ما يقع رغم إرادتنا أو وقع مستقلاً عنّا. وعلى هذا الأساس يظهر الارتباط العام بين العمل والنيَّة, فإنَّ النيَّة شرط صحةٍ في أخلاقية كل عمل, فيكون الحدث اللاشعوري والحدث اللاإرادي عاجزاً عن الوفاء بواجبنا عندما يجب.

وأما المشكلة الثانيَّة؛ وهي تأثير النيَّة في طبيعة العمل, بمعنى درجة فاعلية وجودها, فالبحث يدور حول ما إذا كانت النيَّة تُحدث تعديلاً في طبيعة العمل ذاته بحيث يمكن للعمل السيء الذي وقع بحسن النيَّة أنْ يكتسب قيمة أخلاقية فيصبح عملاً فاضلاً, أو في الحالة المضادة ينعكس الأمر فيكون العمل الحسن مع نيَّة سيئة عملاً سيئاً.

ص: 26

من المعروف أنَّ الإرادة حبيسة في أعمالنا وكيفياتنا بغضِّ النظر عن جميع الدوافع التي قد تُحمل عليها.

وعليه؛ فإنَّ حسن النيَّة لا يمكن أنْ يتمثل في شرف الغايات التي تتحرك بها الإرادة, فتكون قيمة النيَّة تابعة هنا فقط في الطريقة التي تحكم بها على مشروعاتنا من حيث اتّفاقها أو اختلافها مع القانون.

ومن هنا كانت أحكامنا الأخلاقية لا تتوافق بالضرورة مع واقع الأشياء فقد يكون بينها وبين الإرادة فاصل حين تسعى الإرادة إلى بعض الأمور على أنَّها مطابقة أو مناقضة للواجب, ولكنها في الواقع لا تكون كذلك. وحينئذٍ تكون المحاولة في الحقيقة في معرفة ما إذا كان يكفي في الحكم على عمل بأنَّه مباح أو ممنوع وإنْ لم يكن في ذاته كذلك.

وقد وقع كثيرٌ من العلماء وغير المتشرعين في حيرة من الجواب عن هذه المشكلة فلم يقدروا أنْ يجيبوا جواباً قاطعاً بالإيجاب أو النفي؛ وذلك لأنَّهم إنْ التزموا بالفكرة القائلة بأنَّ النيَّة الحسنة هي في ذاتها الخير الأخلاقي أو الخير المطلق بلا قيود, أو الخير الوحيد في العالم, بل فيما وراء هذا العالم على اختلاف عباراتهم؛ فإنَّه أولاً: يقودنا منطقياً إلى تسويغ جميع الأخطاء والضلالات. وثانياً: إتّخاذها قيماً مطلقة أو نماذج كاملة من الفضيلة, لأنَّها في نظر أصحابها -حسب الغرض- مطابقة للقاعدة.

فلو أراد الإنسان تحديدها خارج نطاق النيَّة فلا بُدَّ أنْ يكون تصحيحها بمطابقتها للقانون وهو يستلزم هدم ما بناه والخروج عن مبدأ القيمة المطلقة للإرادة الطيبة الذي اتَّخذه كأساس.

ومن ناحية أخرى فإنَّنا لو اعتبرنا توجيهات الضمير عاجزة عن تغيير أيّ شيء في طبيعة العمل, فإنَّه يستلزم أنْ تكون أكثر النوايا آثمة, فلا بُدَّ أنْ نقبلها في نطاق كونها أخلاقيةً كما نقبل أكثر النوايا إستناداً للمسوغات الطيبة.

ص: 27

ولأجل هاتين الناحيتين يبدو العجز عن الاجابة بالإثبات أو النفي اجابة قاطعة. فتكون المشكلة قد جعلتنا أمام مأزق يصعب الخروج منه.

ولكن الصحيح هو ما ورد في قول الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم : (إنَّما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)(1)؛ الدالُّ على أنَّ الأفكار الباطنة لها التأثير في أعمالنا الظاهرة لكن لا على نحو الإطلاق بحيث يوجب إلغاء قيمة الأعمال.

وعلى هذا الأساس أقامت الفلسفة الأخلاقية قاعدتها التي تكون قريبة من أحداث الضمير ورسمت لها الحدود, وإنْ كان ذلك لا يخلو من غموض في جواب الأخلاقيين. ولكن الشرع قد حددّ الجواب في مثل الحالات التي يتباين فيها الذاتي من الموضوعي, فإنَّه يتبع خطَّاً متوازياً, فتارةً يكون العامل الحاسم في الحكم باللَّوم هو النيَّة, وتارةً أخرى يكون النظر على العمل وجرمه.

وفي الحالة الأولى يكون العمل مطابقاً للشرع مع نيَّة مخالفة على عكس الحالة الثانيَّة؛ حيث يكون العمل مخالفاً للشرع مع نيَّة مطابقة.

وأمثلة كلّ واحد من الحالتين كثيرة في العبادات والمعاملات وغيرها, أمّا الحالة الأولى؛ وهي عندما يقوم شخص بعمل مطابق للشرع مع نيَّة مخالفة للواجب فإنَّ الحكم يكون للنيَّة فتكون النيَّة كلّ شيء ومادة العمل ليس بشيء. وأمثلتها كثيرة:

منها: ما إذا استولى رجل على مال يعتقد أنَّه لغيره ولكنه في الواقع ماله الخاص.

ومنها: ما إذا شرب مايعاً على أنَّه خمر وفي الواقع يكون عصير فاكهة.

ومنها: ما إذا أقدم على الزنا والعياذ بالله بامرأة على أنَّها أجنبية وفي الواقع هي زوجته. وغير ذلك من المصاديق.

ص: 28


1- تهذيب الأحكام؛ ج4 ص186, وقد ورد: (وإنَّما لامرئ ما نوى)؛ ج1 ص84.

ويجمعها: إنَّ كل من يشرع في عمل خاطئ في نظره, وكان مشروعاً في ذاته فإنَّه يرتكب إثماً في الشرع وإنْ لم يَنلْه جزاء شرعي من حدٍّ أو تعزير من أجل مطابقة عمله للواقع الشرعي. ولكنه في الشرع الأخلاقي فإنَّ عمله يُنبئ عن سوء السريرة وخبث الباطن, وإنْ كان ذلك على درجات وتفاوت بين الأفراد, كما هو مفصل في علم الأصول.

وأمّا الحالة الثانيَّة؛ التي تكون النيَّة حسنة, والعمل غير مطابق للشرع والقانون, فهل أنَّ النيَّة تجعله خيراً فتكون للنيَّة الحسنة قوة مغيِّرة؟.

والأمثلة أيضاً كثيرة, منها: نحن نعلم أنَّ كثيراً من الناس شديدو التأثير والحساسية تجاه مقدساتهم؛ لدرجة أنَّ أيَّ إساءة تُوجّه إليها تستدعي من جانبهم الإساءة في حقِّ الله المعبود الحقّ, وقد نهى القرآن الكريم عن هذه الإثارة فقال: «وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ »(1)؛ فلو أنَّ مؤمناً غيوراً دفعته حرارة إيمانه أنْ يعبّر -دون تعقل- عن احتقاره للأصنام دون أنْ يفكر في ردود الفعل المحتملة على هذا النحو من التصرف؛ فهل يكون معذوراً بنزاهة قصده؟!.

ومثال آخر: إنَّ القرآن الكريم ينهى عن الغيبة بقوله:« وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا »(2), وهو كما يذمُّ المغتابين بالقدر الذي يذمُّ الذين يسمعون الغيبة من غير اعتراض منهم؛ فيصيرون بذلك شركاءهم كما قال تعالى:«وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ»(3), ولكن إذا كان المستمع يريد أنْ يكون على علاقة طيبة مع كلِّ الناس؛ بأنْ لا يسيء إلى أحد؛ فيدع المغتاب وشأنه فتكون نيته حسنة وهي المحافظة على علاقته الحسنة لغرض حسن ويترك الرد على المغتاب.

ص: 29


1- سورة الأنعام؛ الآية 108.
2- سورة الحجرات؛ الآية 12.
3- سورة النساء؛ الآية 140.

إلى غير ذلك من الأمثلة والمصاديق الكثيرة.

فهل يمكن أنْ يكون الشرّ خيراً بفضل النيَّة الحسنة والإرادة الفاضلة؟.

ولا يقول أحدٌ بذلك إلا الماديين الذين يتوسلون بكلِّ شيء في سبيل تحقيق مقاصدهم, والمقولة المعروفة عنهم (الغاية تبرر الوسيلة), فيجعلون الشر خيراً إذا كانت مصالحهم تقتضي ذلك. ولكن الأديان الإلهية وأصحاب الضمائر الحية لا يقولون بأنَّ ارتكاب الجرائم والأخطاء تطهّر الدنس من أجل النيَّة الحسنة فإنَّه كما لا يمكن أنْ تترقى النيَّة الخاطئة إلى مرتبة المبادئ الأخلاقية كذلك لا تكون النيَّة الصالحة تصحح الأخطاء, وإلاّ لما كان من الضروريات أنْ يخرج المرء عن جهله وأنْ يرجع عن أخطائه.

والكلام في هذا الموضوع واسع ومتشعب, ولكن الذي ينبغي ذكره في المقام -ولو على سبيل الإيجاز, والتفصيل موكول إلى محلِّه المناسب- إنَّ ما يمكن تصوره في النيَّة والعمل حسب القواعد المعمولة في الأديان الإلهية هو:

ما یمکن تصورة في النية و العمل

1- أنْ يتطابقا في الحسن والصلاح, فالنيَّة حسنة وصالحة والعمل حسن وصالح.

2- أنْ يتطابقا في الشر والفساد فلا النيَّة حسنة, ولا العمل يكون صالحاً.

ولا ريب أنَّ الجانب الأخلاقي والجانب الجزائي يتطابقان في الصورتين, ففي الصورة الأولى فإنَّه من ناحية الجانب الأخلاقي ينال العامل المدح والثناء والأثر الخلقي الحسن في النفس؛ المترتب على النيَّة, كما ينال الثواب المترتب على العمل من ناحية القانون والشرع ويدرك المصلحة المتوخاة من ذلك العمل.

كما أنَّ الأمر على عكس ذلك في الصورة الثانيَّة؛ فإنَّ العامل ينال اللوم والتوبيخ والتأثير السيء في النفس, والعقاب وجميع الآثار التي حددها الدين بالنسبة إلى العمل.

ص: 30

3- أنْ يختلفا؛ فتكون النيَّة حسنة والعمل سيئاً.

4- أنْ يختلفا؛ فتكون النيَّة سيئة والعمل حسناً.

والعلماء والباحثون قد اختلفوا في هاتين الصورتين؛ إما تغليب النيَّة وتغيير طبيعة العمل وفقها, أو تغليب جانب العمل وجعل النيَّة حبيسة العمل, وفي كلِّ واحد من الرأيين مساوئ ذكرناها آنفاً.

ولكن الأديان الإلهية قد حلّت المعضلة ورفعت الإبهام فيهما, فقد عزلت النيَّة من الجانب الأخلاقي عن الجزاء من الجانب القانوني, فاعتبرت النيَّة الحسنة دالَّة على حسن السريرة وكاشفة عن خضوع النفس لبارئها, وربَّما ينال الثواب عليها. واعتبرت النيَّة السيئة كاشفة عن خبث السريرة وروح العدوان الكامن في النفس, وربَّما يؤثر على العمل فيبطله وتحبط الأجر المترتب عليه, وأمّا العمل فإنَّ الشرع يحدد طبيعته, فقد يحكم عليه بالصحة وقد يحكم عليه بالبطلان حسب القواعد المعمولة في علم الفقه, فأعطى الدين للأخلاق دورها في جانب النيَّة ولم يهملها, كما أعطى للشرع دوره في تحديد صحة العمل وبطلانه وترتيب الجزاء عليه, وبذلك جمع وظائف علوم الدين, والأصل الذي عقدنا عليه موضوع بحثنا قول نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم : (إنَّما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)(1), وغير ذلك من الأخبار؛ حيث يستفاد منه أنَّ لكلِّ واحد من النيَّة والعمل التأثير في الآخر؛ لشدة الإرتباط بينهما في الإنسان؛ هذا الكائن الأخلاقي المتميز عن سائر الكائنات, فإنَّه قد اجتمع فيه روح وبدن, وكلُّ واحد يمثل عالمه الخاص به, فإن النيَّة زينة الروح, والعمل زينة الجانب المادي فيه, فلا يمكن الفصل بينهما, فالنوايا الحسنة تجعل الروح متعلقة بعالمها العلوي, والأعمال الصالحة تنقذ البدن من الوقوع في المهالك, والدين الإلهي يحاول في تشريعاته ومعارفه أنْ يجعل بفضل هذه المعادلة الإنسان كائناً ربانياً, والخروج

ص: 31


1- تهذيب الأحكام؛ ج4 ص186.

عنها بتغليب أحدهما على الآخر يجعله إمّا من الروحانيات والقدسيين, أو يهوي به إلى أدنى درجات المادة ويحرم نفسه من اللذائذ المعنوية ويجعله في مصافّ أدنى المخلوقات.

والعلم الذي نحن بصدد البحث عنه -وهو علم الإقتصاد- سلاح ذو حدَّين, إمّا أنْ نصوغه ليوافق تعاليم الأديان الإلهية فيجلب للإنسان كلَّ الخير والصلاح في الدنيا والسعادة في العقبى.

وإمّا أنْ يحرم الإنسان من كلِّ مميزاته المعنوية التي يتميز بها عن سائر مخلوقات الله تعالى؛ حيث كرَّمه الله تعالى وفضَّله على كثير مِمَّن خلقه؛ فيجرده عن كلِّ مكارم الأخلاق ويحطّه إلى أدنى الدرجات ليقتصر على نيل الماديات فقط, فيفقد بذلك هويته, وهو الخسران المبين.

ومن ذلك يتَّضح فضل النيَّة على العمل ودورها الكبير في سموِّ الروح أو انحطاطها, وإنْ كان لا يوجب غضّ النظر عن العمل فإنَّ له التأثير الواضح في إبقاء الروح على سموِّها أو انحطاطها.

ومن هنا قرن القرآن الكريم دائماً الإعتقاد بالعمل الصالح, ولكنه يمدح العمل الذي يُستمَّد من أعماق النفس, كقوله تعالى: « أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى»(1).

وقوله تعالى:«إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»(2).

هذا كلُّ ما يتعلق بالمشكلتين الأولى والثانيَّة مِمّا تقدم ذكرها؛ فقد عالجنا هنا ثلاث حالات.

الأولى: العمل بلا نيَّة, وهي حالة البطلان الأخلاقي كما عبَّر عنها بعضهم.

الثانية: عندما يكون العمل والنيَّة حاضران, ولكن يعتورهما النقص, فإمّا أنْ تكون النيَّة سيئة وهي حالة اللاأخلاقية, وإمّا أنْ يكون العمل غير مطابق للنيَّة وهي حالة الإنحراف الذي يحمل الإدانة أو العفو.

ص: 32


1- سورة الحجرات؛ الآية 3.
2- سورة الشعراء؛ الآية 89.

الثالثة: أنْ يكون العمل والنيَّة حاضرين ومتطابقين, وهي الحالة الأخلاقية الكاملة مع أفضلية النيَّة ودورها في سموّ الروح. وأمّا العمل فهو مكمِّل لها وزينة الجانب المادي للإنسان.

بقيت حالة أخرى هي تكون مقابلة للحالة الأولى, وهي: وجود النيَّة وحدها غير مترجمة إلى عمل فهل يمكن أنْ نثبت لها دوراً أخلاقياً متكاملاً وهي المشكلة الثالثة من المشاكل الثلاث التي ذكرناها في بداية البحث.

ولا ريب في أنَّ مجرد النيَّة لا تثبت أيَّ نوع من الجزاء من الجانب التشريعي بناءً على ما عرفت من الترابط بين الإلزام والمسؤولية والجزاء, إلا أنَّه قد ورد في بعض النصوص الشرعية أنَّ الله تعالى ربَّما يمنح الثواب لمن ينوي الخير تفضلاً منه عَزَّ وَجَلَّ(1), بخلاف من ينوي الشر فإنَّه لا يعاقب على تلك النيَّة إذا لم تقترن بقولٍ أو فعل.

وأمَّا من الجانب الأخلاقي فإنَّ النيَّة لها التأثير في النفس والروح فإذا كانت النوايا حسنة فإنَّها توجب ترقي النفس وتطهيرها من الرذائل النفسية بخلاف ما إذا كانت النوايا سيئة فإنَّها تسلب سلامة النفس وتؤدي إلى مرض القلب وإثمه, وكلتا النيتين تؤثران على الأعمال والاقوال؛ لشدة الترابط بين العمل والنيَّة كما تقدم بيانه, وهذا المقدار موضع اتّفاق العلماء والباحثين المسلمين, إلا أنَّه يصادمنا ما ورد في بعض النصوص الإسلامية ما يدلُّ على محاسبةٍ للنوايا, مثل ما ورد في القرآن الكريم:«وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(2), وإذا أردنا التعمق في ذلك نقول: إنَّ النيَّة إمّا أنْ تكون بمعنى العزم الثابت الذي لا

ص: 33


1- الروايات في ذلك كثيرة؛ راجع الباب السادس من أبواب مقدمة العبادات؛ باب استحباب فعل الخير والعزم عليه من وسائل الشيعة (ط. مؤسسة آل البيت علیهم السلام )؛ ج1 ص49.
2- سورة البقرة؛ الآية 284.

يتوقف إلا أمام عقبة واقعية, وإمّا أنْ تكون بمعنى الرغبة والميل لمجرد مشروع في مرحلة التدبر والتردد.

وأمثلة القسمين معروفة لكلِّ فرد من أفراد الإنسان.

ومثال الأول: كما إذا نوى أحدٌ الاخلاص بالعمل بالشريعة فلا يريد شيئاً إلا وجه الله وحده, أو ينوي أنْ يقوم للصلاة أو أنْ يصبح صائماً, وأنْ لا يعصي الله عَزَّ وَجَلَّ, وإنْ عرضت له معصية تركها من خوف الله سبحانه, فهذه هي الإرادة -وهي نيَّة- ولكنها تكون لله تعالى.

ومثال الثاني: كما إذا أراد أحدٌ أنْ يكون مخلصاً, ولكنه مضيِّعٌ للإخلاص, أو كمن يحبُّ أنْ يكون صائماً وكانت نيته الإفطار, أو يكون مصلياً وهو كسلان عنها أو يؤثر الشغل الدنيوي عليها, ويحب أنْ يترك المعاصي من خوف الله تعالى ولكن النفس لا تستجيب لذلك. فكلُّ هذا مجرد إرادة ومحبة ورغبة وميل ليس إلا, وهي غالباً ما تحصل عن العادات اللينة التي ينشدُّ إليها الإنسان.

ومثل هذه النيَّة لا تحاول تحطيم العقبات التي تعترض كلَّ جهد جاد. كما أنَّ مثل هذا الإنسان الذي يجعل من كلِّ ما يُقلق الراحة عائقاً لا يحقُّ له أنْ يجعل من تعاطفه مع الأعمال الطيبة صفة أخلاقية حميدة, أو كاعتذار مقبول عن ضعفه؛ ويدلُّ على كِلا النوعين ما ذكره القرآن الكريم بما يرتبط بعض المتخلفين عن الهجرة من مكة بعدما دُعوا إلى أنْ يتركوا بلدهم الذي كان العدوُّ مسيطراً عليه ويلتحقوا بإخوانهم الذين هاجروا إلى المدينة, ولكنهم لم يستجيبوا لهذه الدعوة بحجة أنَّهم كانوا مستضعفين في الأرض, وردَّ عليهم القرآن بقوله:(أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)(1).

ص: 34


1- سورة النساء؛ الآية 97.

ثم يستثني منهم: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا«98» فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ)(1)؛ فإنَّ هذه الآية الكريمة ترشدنا إلى النوعين اللذين ذكرناهما في النيَّة, فإنَّ صدر الآية يشير إلى النوايا التي تكون من مجرد الرغبة والميل, والآية التي تعقبها اقترنت بأداء خارجي وهو ترك الهجرة وبذلك يمكن الجمع بين النصوص.

وعلى ما ذكرناه فليس لمجرد النيَّة قيمة شرعية, فإنَّ حديث النفس أو الميل الطبيعي الذي يشعر به المرء تجاه لذة معينة؛ حسية أو خيالية هي مثل النيَّة الحسنة البليدة فإنَّها لا تُنشئ عملاً يحاسب عليه ما دامت الإرادة لم تصل إلى حدِّ العزم كما يدلُّ عليه حديث الرفع الوارد عن الإمام الصادق علیه السلام : (رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعٌ ..... والْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ)(2).

وفي رواية: (ما لم تعمل به او تتكلم) (3)

أمّا المعنى الأول للنيَّة التي تصل إلى حدِّ العزم ولكن الأحداث تُعيقُه في أنْ تترجَم إلى عمل؛ فإنَّه لا ريب في أنَّ المسؤولية الأخلاقية تكون كاملة متى ما اتُّخذ القرار وذلك لقوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)(4).

فإنَّه حتى لو رجعنا في قرارنا وأخذنا بعكسه تماماً فإنَّ النيَّة الأولى قد أنتجت آثارها الأخلاقية؛ إلا إذا تبدلت بعزم مضاد, ولكن هذه المسؤولية الأخلاقية تستوجب المثوبة أو العقوبة على الوجه الذي فصلنا فيه بين القرار الذي لم يتحقق نتيجة العجز من جانبنا وضعف الجهد وقصور العزم أو يكون من ناحية قوة خارجية.

ص: 35


1- سورة النساء؛ الآيات 98 – 99.
2- التوحيد (للصدوق)؛ ص353.
3- هذه الرواية وردت هكذا في تفسير كنز الدقائق؛ ج7 ص468. وقد صحَّ عنه صلوات الله عليه أنَّه قال: (وضع عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل به أو تتكلم), وفي هامش عوالي اللآلي؛ ج1 ص408؛ كتتمة لرواية عن النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم أنَّه قال: (إنَّ الله تجاوز لأمتي عمّا حدَّثت به أنفسها).
4- سورة الإسراء؛ الآية 36.

فإنَّ الأول يوجب العقوبة إذا تعلق بترك واجب, وفي الثاني يثاب على نيته إذا كان متعلقها أمراً شرعياً, والعقاب موقوف على صدور مبرز خارجي.

وعلى كلِّ حالٍ؛ فإنَّ النيَّة لا تكون في الدرجة نفسها بالقياس إلى العمل, ولكن لا نستطيع أنْ ننكر ما قد تؤدي إليه ممارسة قدرتنا التنفيذية من قيم إيجابية أو سلبية في العالم من حولنا وفي أنفسنا, فإنَّ الواقع يؤكد لنا ذلك, فإنَّنا قد اكتسبنا من إرادتنا شيئاً كثيراً وكلُّها كانت بجهدنا, وجعلت النتائج من إبداعنا, فلا يمكن أنْ نتغاضى عن تأثير النوايا في مكتسباتنا ولو رجعنا إلى النصوص نجد ذلك بوضوح؛ منها ما روي عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم : (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ, فقلت يَا رَسُولَ الله: هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ صلی الله علیه و آله و سلم : إنَّهُ كانَ حريصاً على قَتْل صاحبهِ)(1).

وعلى هذا الأساس قالوا أنَّ الفقراء الذين يتمنون أنْ يكون لهم مثل ما لغيرهم من المال والجاه ليبذلوه على غيرهم ويتصدقوا عليهم فإنَّهم سوف ينالون الثواب نفسه عند الله تعالى. وفي المقابل أولئك الذين يمدُّوا أبصارهم إلى ما عليه شرار الأغنياء من ترف وسرف فيتمنون أنْ يحوزوا مال الدنيا حتى يتنعموا مثلهم فقد يكون عقابهم العقاب نفسه؛ إلا أنْ يرحمهم الله تعالى(2).

والحاصل من هذا البحث أنَّ النيَّة تكون على مجموعات ثلاث:

1- نيَّةٌ مع محاولة التنفيذ.

2- نيَّةٌ مَنَعَ من تنفيذها ظرفٌ طارئٌ عرضي.

3- نيَّةٌ فرضية.

ص: 36


1- صحيح البخاري؛ ج1 ص34؛ كتاب الإيمان؛ ح30؛ باب وإنْ طائفتان ... وجاء هذا الحديث في كتبنا؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه و آله و سلم : (إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا عَلَى غَيْرِ سُنَّةٍ الْقَاتِلُ والْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ لِأَنَّهُ أَرَادَ قَتْلًا) [تهذيب الأحكام؛ ج6 ص174].
2- ذكرنا أنَّ مثل هذه الروايات موجودة في وسائل الشيعة؛ ج1 ص13 وما بعدها؛ أبواب مقدمة العبادات.

فإنَّ الطائفة الأولى مثل ما ورد في قضية (الرجلين اللذين يقتتلان ...), فإنَّ هذه الطائفة لا تدخل في موضوع بحثنا لاقتران نيَّتهما بعمل. والمقتول قد انهزم ولكنه تحرك بروح الحقد والعدوان, فقد سخَّر كل قواه في خدمة نيته الشريرة, فلا فرق بين الطرفين إلا في نتيجة جهودهما.

ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الطائفتين الأخريين, فإنَّ النيَّة باقية في حيز من الأفكار, لكن مع التفاوت في بعض الموارد؛ قرباً وبعداً من العمل.

وهكذا توجد حالتان متطرفتان وحالة وسطية, فإنَّ بين النيَّة الفاعلة والنيَّة الفرضية العاجزة توجد النيَّة المعطلة الممنوعة منعاً عارضاً؛ فإنَّ العقل يحكم على الأوليين حكماً مختلفاً, وأمّا الثالثة فهي -في حكم العقل- تكون بمنزلة الحالة المتلبسة لأنَّها جمعت بين صفات الحالتين المتعارضتين.

وعلى ضوء ذلك يمكن تفسير النصوص المتقابلة. والبحث في هذا الموضوع نفيس ومتشعب وليس المقام موضع ذكره.

هذا ما أردنا ذكره في العنصر الرابع من مقومات الدين.

العنصر الخامس: الجهد و العمل

تمهيد

تقدم الكلام في العلاقة بين النيَّة والعمل وذكرنا أنَّ شدة العلاقة بينهما اقتضت تأثير أحدهما في الآخر بالرغم من كونهما من عالمين مختلفين؛ فإنَّ العمل من عالم المادة والنيَّة من عالم النفس ولكن حسن أحدهما يضفي آثاره على الآخر, وكلُّ واحد منهما يتأثر بالسيء من الآخر, ولكن ذلك كلّه يصرف النظر عن كلِّ ما يمكن أنْ يستثير هذا النشاط الإرادي وعمل الإرادة.

ص: 37

ولا ريب أنَّ هذا الادراك الشعوري لما يفعله الإنسان وبالوصف الذي يفعله به يعتبر عنصراً رئيساً في الجانب الأخلاقي, فهو وإنْ لم يكن كلّ شيء لكن غيبة هذا العنصر تفسد أكثر تصرفات الإنسان من حيث الدقَّة أو من حيث المطابقة للواجب من الناحية المادية.

وقلنا بأنَّ كلّ تحول في النيَّة, أي الخطأ في الوصف الصادق للعمل؛ إمّا أنْ يؤدي إلى الإدانة أو العفو. ومن هنا كانت الأولوية للنيَّة, وتقدمها على العمل في الجانب الأخلاقي, ومع ذلك فإنَّ النيَّة وحدها لا تتساوى فيها القيمة مع العمل الأخلاقي الكلي كما تقدم بيان ذلك في البحث السابق.

لكن الذي أهمله كثيرٌ من الباحثين هو الجانب الغائي للإرادة, فإنَّ كلّ عامل قبل أنْ يعمل وإن كان يعرف ما ينبغي أنْ يعمل, ومن أجله سوف يمضي إلى فعله. وكذلك يعرف أنَّه واجب فيفعله عن وعي وبقصد ونيَّة.

ولكن هناك سؤالان لا بُدَّ من التنبيه عليهما, وهما:

لماذا نعمل الواجب؟...وفي سبيل أيِّ هدف؟!

لماذا نعمل الواجب؟.

وفي سبيل أيِّ هدف؟.

وهذا السؤلان لا ينفكّان عن أيِّ عمل من أعمال الإرادة, حيث يدرك ذاته على سبيل الكمال.

والإجابة التي نعطيها للثاني هي التي تفرض الإجابة عن الأول؛ بمعنى أنَّ الغاية تفرض الوسائل, لكن لا أنْ تُسوِّغها حتى لو كانت ظالمة في ذاتها كما يرتئيه الظالمون.

فهل التشريع والأخلاق بمعزل عن الإجابة عنه, فلا يباليان بالغايات التي قد تُقصد إليها الإرادة حين تطيع الأوامر.

ص: 38

وفي حالة النفي؛ فما هي الغايات التي يعتبرها التشريع والأخلاق غير مسوغة مطلقاً؟ وما هي الغايات التي يرتضيانها؟ وما هو المبدأ المثالي الذي ينبغي أنْ يُلهم أعمالنا؛ كلَّها أو بعضها؟ أو يتفاوت ذلك كثرةً وقلَّةً حسب الموارد في بعض الظروف أو كلّها؟.

وإذا أردنا الجواب عن تلك الأسئلة بطريقة واضحة لا بُدَّ لنا إمّا الرجوع إلى العمومات أو الرجوع إلى النظريات التي وردت في القرآن والسنة الشريفة في هذا الصدد.أمّا الرجوع إلى العمومات فإمّا أنْ يكون بالرجوع إلى الإسلام؛ بمعنى الإنقياد والخضوع للإرادة الإلهية. وإمّا أنْ يكون بالرجوع إلى الإخلاص؛ باعتبار استبعاد أيّ سلطان آخر على الإرادة الإنسانية. وإمّا أنْ يكون بالرجوع إلى ما أكَّد عليه القرآن من النيَّة النقية والقلب السليم.

وهذه الأجوبة وإنْ كانت صحيحة لكن لا بُدَّ من بيان القيم التي تمثل هذه المفردات, عندما تمتزج الدواعي والبواعث التي قد تزيل بنيان النقاء والإخلاص. وقبل بيان ذلك لا بُدَّ من بيان المقياس في الإسلام الذي نعتمد عليه في معرفة قيمة العمل بأهدافه البعيدة.

وأجمعُ حكمةٍ في المقام الحديث المعروف عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم : (إنَّما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)(1), فإنَّها من جوامع الكلم التي اختصَّ بها الرسول صلی الله علیه و آله و سلم , فهي كما تبين اشتراط النيَّة المباشرة تبين أنَّ النيَّة شرطُ صحةٍ, وتبين أيضاً أنَّ النيَّة هي المعيار للقيمة, وأنَّ النيَّة شرطٌ في الثواب والعقاب.

كما أنَّ الحديث يدلُّ على أنَّ النيَّة باعتبارها الحركة الإرادية, وباعتبارها تستهدف الغاية البعيدة ويؤكد ذلك قوله صلی الله علیه و آله و سلم : (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى), ويوضح ذلك قوله صلی الله علیه و آله و سلم : (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِامْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا

ص: 39


1- تهذيب الأحكام؛ ج4 ص186.

أَوْ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)(1), وحينئذٍ لا بُدَّ من التسليم بأنَّ التقدير الأخلاقي لم يكن له الدور العظيم إلا أنْ يكون بنيَّة حقيقية منبثقة من المنابع العميقة في أنفسنا فلم تكن تتعيَّن بأفكار سطحية ناشئة عن لغة باطنيَّة أو زائلة كالأوهام والهواجس والرؤى, فإنَّ هذه النيَّة الزائفة قد تكون مستورة إلى حين الانطلاق لدوافعنا ولكنها لا تغير الواقع, وقد يصعب في بعض الأحيان تبيين الدوافع العميقة الخفية لإعمالنا, فهي تثير الصعوبات, وليست بسهلة المِراس بحيث يمكن استقصاؤها وإقصاؤها وشغل مكانها بمجرد صارف فكري كيفما أردناه, والإنسان وإنْ كان مِمَّن توجهه الميول الغريزية والفطرة الحسِّية في كثير من الأوقات بل لا بُدَّ أنْ يكون الإنسان كذلك لأنَّها فطرة الله تعالى, إلا أنَّ هذه الفطرة الحسية لم تبق كذلك, فإنَّ القدر الكبير من الأفكار والمطامح والعادات التي يكتسبها الفرد مِمّا يمكنه الحدّ من سلطان هذه الميول الغريزية أو يخففها, وإنْ كانت ماثلة ولا يمكن خنق صوتها خنقاً كاملاً, ولذا يصل الأمر أحياناً عندما يتزامن أمر العقل مع دوافع الأنانيَّة؛ يقع الفرد في حيرة من أمره لأيِّ واحد منهما يخضع.

ويجب أنْ يلاحظ أنَّ هذا الشك لم يتسلط على عامة الناس فقط الذين يطلقون العنان لأهوائهم, وكذا لم يتسلط على أقوام حديثي العهد بالدين لأنَّهم قلّما ينتبهونإليه, وإنَّما يقع في ذلك الصالحون من الناس؛ أولئك الذين يتحملون العناء في تمييز دوافعهم الحقيقية وفي تهدئة وساوسهم في هذا الموضوع؛ فإنَّه وإنْ كان يبدو التناقض في هذا, لكن يمكن القول بأنَّه على قدر ما يحققون من تقدم أخلاقي يجب أنْ تزداد مخاوفهم؛ إلا يغتروا بتلك الطبقة السميكة من مكتسباتهم الجديدة, فتدفعهم إلى الإعتقاد بأنَّهم إنَّما يعملون دائماً حبَّاً في الفضيلة, فلا بُدَّ أنْ يكونوا بين الخوف والرجاء في هذه المسيرة؛ حتى لا يتَّفق أنْ

ص: 40


1- مستدرك الوسائل؛ ج4 ص131.

يكتشفوا -بعد فوات الأوان- أنَّهم كانوا مخدوعين, وأنَّهم إنَّما كانوا يعملون لإرضاء النزعة الخفية من طبيعتهم. فإنَّ هذه الاسرار العميقة قد تخفي عن أكثر الاختبارات دقَّة, ولكنها لا تغيب عن رقابة الله عَزَّ وَجَلَّ فهو (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)(1), وأنَّه القائل: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(2).

ومن أجل ذلك كانت الأخلاق الدينيَّة أكثر دقَّة من أيَّة أخلاق أخرى حيث تفرض نفسها على كلِّ فرد بأنْ يستعمل الدقَّة وعمق النظر في اختبار الضمائر بقدر ما يمارس من جهد لتحرير النفس من كلِّ تأثير سوى ما يفرضه الشرع ويرضاه.

ولكنه لا بُدَّ أنْ يعلم بأنَّه لا يوجد شرع عادل يكلفنا بأنْ نحمل أكثر مِمّا تطيق فطرتنا أو أنْ ندرك ما لا نستطيع إدراكه أو أنْ نجاهد ما لا نطيق هزيمته, ولكن قوة الفطرة توقفنا قبل أنْ نصل إلى نهاية الطريق فعند نقطة الايقاف يختلف موقف الضمير الذي يخضع لقانون العقل عن موقف من يخضع لقانون الجلال والفضل الإلهي, كما إذا عجز الإنسان عن فعل الأحسن الذي نجد أنفسنا فيه فإنَّ الضمير يكون بين شعورين متناقضين ينتهي كل منهما إلى نتيجة لا ترضي النزعة الاخلاقية, فمن الناحية القانونيَّة نعتبر أنفسنا قد أدَّينا ما علينا ما دمنا غير ملزمين بفعل المستحيل.

ومن ملاحظة نقصنا الإضطراري الأساسي يثير فينا شعوراً باحتقار أنفسنا؛ فلسنا نملك شيئاً إلا أنْ ندين هذه الفطرة العميقة لأنَّها غير جديرة بمطامحنا الأخلاقية.

وهكذا نجد بالإعتبار الأول -وهو اعتبار منطقي- أنَّه يمنح نشاطنا حرارة وهمتنا إجازة ويدعونا إلى أنْ نستريح في هدوء على هذا الحدّ ولا نتجاوز عنه. فإذا ما ارتضينا هذه

ص: 41


1- سورة المائدة؛ الآية 7.
2- سورة الملك؛ الآية 14.

الحالة واستطالت قليلاً سرعان ما تتحول إلى تقهقر تدريجي ويتحقق البَون بين واقعنا وما ينتجه من اشتعال النار في قلوبنا وتجعلنا ثائرين ضد أنفسنا ولكنه ليس من أجل إصلاح فطرتنا؛ إذ قد نعتبره مستحيلاً بل هو من أجل الإنتقام من ظرفنا التعيس, وهذه الكراهية التي لا جدوى من ورائها والتي تسمى (اليأس) تقود الإنسان إلى نفس الوقفة أولاً ثم إلى التقهقر الذي أشرنا إليه.وهذا هو الإنسان الذي طالما اعتمد على قواه ومشاعره الخاصة مقابل النفس التي تتغذى بالإيمان ويملؤها الثقة بالحقيقة المطلقة التي لا حدَّ لخيرها ولا لقوتها, وهي التي نطلق عليها (الله تعالى).

فإنَّ هذه النفس قد اطمئنَّت بذكر الله تعالى, فلا يعتريها اليأس, ولا الغفلة عن ذاتها, ولا التساهل في قدرتها, فهي تعلم بأنَّ الشرع الذي لم يأمرها بالخروج عن الفطرة؛ لكن خالقها قد جعل في ضميرنا إدراكاً خاصاً بأنَّ العالِم الذي يطَّلع على أعماق القلوب ومخفيات الضمائر هو الذي يحكم بحق بأنَّنا لا نزال نطيق أنْ نبذل جهداً لكشف نقائصنا المستورة وتصحيحها؛ هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى: إنَّ فكرة وجود الله المتعالي في كلِّ مكان التي تملأ نفوس المؤمنين به تجعلنا ندرك بأنَّه يمنح الثقة في قلوبنا بأنْ نهتمَّ بأنفسنا ونعتني بشأنها, وتحوط هذه الفكرة فكرةُ الرحمة التي لا حدَّ لها, ولكن تحديدها دائماً يعود إلينا؛ من أجل مساعدة الإنسان أنْ ينهض من كبوته ويرجع عن غفلته, وتمدَّهم بقوة وهمية للترقي في سلم الكمال.

وعلى ضوء ذلك فقد وصف القرآن الكريم نفس المؤمن بصفات؛ ليست يائسة: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)(1) ولا هي آمنة من مكر الله سبحانه فَلَا يَأْمَنُ

ص: 42


1- سورة يوسف؛ الآية 87.

مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ(1), فهي بين الأمل والخوف, فتتغذى بكلا الشعورين في وقت واحد (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)(2)؛ فهو في حوارٍ حي بين لطفٍ وهمَّة, وشجاعة وأمل وهو حوار يربط قلوبنا ويتعهد تلك الحرارة الموجودة في نفوسنا حتى لا تحرقنا, فكلُّ شيء متوازن ومتناسب حتى صارت نفساً مطمئنة.

وهذه هي الشروط المطلوبة لبناء عالم مزدهر مليء بالمحبة والسعادة.

وإذا عرفت بأنَّه لا مناص من دوافع حقيقية تتعمق في أنفسنا, لا بُدَّ من العثور على جذورها العميقة وتطهيرها, فإنَّه يلزم دراسة المجموعات المختلفة لهذه الدوافع وتمحيصها ومعرفة الضار منها وتنظيمها في الأخلاق والعمل, وليس لنا سبيل لاستيعابها وتحديد النافع منها عن الضارّ إلا بالرجوع إلى ما ورد في القرآن والسنة واستخراج الطريقة التي يمكن الوصول بها إلى ما ذكرناه من التمحيص.

فإذا رجعنا إلى القرآن نجد أنَّ فيه تعبيرات ثلاثة؛ هي أكثر التعبيرات شيوعاً في الأحكام وهي:

كتب عليكم(3).

حُرّم عليكم(4).

وأُحلّ لكم(5).

ص: 43


1- سورة الاعراف؛ الآية 99.
2- سورة الزمر؛ الآية 9.
3- سورة البقرة؛ الآيات 178 و180 و183 و216 و246.
4- سورة البقرة؛ الآيات 85 و173, وسورة آل عمران؛ الآية 50, وسورة المائدة؛ الآية 96, وسورة الأنعام؛ الآية 119, وسورة النحل؛ الآية 115.
5- سورة البقرة؛ الآية 187, وسورة آل عمران؛ الآية 50, وسورة النساء؛ الآية 24, وسورة المائدة؛ الآيات 4 و5 و96.

وبهذه التعبيرات يعيّن القرآن الكريم المجموعات المختلفة في تشريعه, فإذا كان ذلك من حيث العمل فلماذا لا نطبق هذا التقسيم الثلاثي نفسه على الدوافع التي تحرك أنواع السلوك المختلفة؟ ونصنّفها بهذا التصنيف حتى يسهل استيعابها وتحديد النافع منها عن الضار, فنحكم على نيَّة بأنَّها طيبة أو خبيثة أو جائزة, لكي لا نقتصر على الحكم فقط أو نكتفي بالمفهوم المجرد, فإنَّه يجب أن نحسب حساب عاملين آخرين لهما الدخل الكبير في تعديل حكمنا:

الأول: نوع العمل الذي نقصد ممارسته لتحقيق غاية معينة, فإنَّه إذا كانت الأشياء ذات القيمة المادية يمكن أنْ تستعمل وسيلة للتوصل إلى غايات مادية في هذه الدنيا. وأمّا بالنسبة إلى واجبٍ مقدس فإنَّه ينبغي أنْ يتصور لذاته أو لغايات أسمى.

الثاني: الدور الذي يناط بباعث لأنْ يؤدي إلى بناء قوتنا المحركة وحده أو مع الإشتراك مع باعث آخر, وفي الحالة الأخيرة لا بُدَّ من ملاحظة العنصر الرئيس في هذه الشراكة والعنصر الثانوي, ويلزم النظر إلى الأهمية النسبية التي نعلقها على كلٍّ من هذه العناصر في المجموع, فإنَّه إذا كان الإنسان خليطاً يحب ذاته فلا بُدَّ أنْ يبالي بالعمل الذي يدلُّ على طبيعته بصورة أفضل, ويمكن جعل ذلك قاعدة يعتمد عليها كلُّ فرد للتمييز بين الدوافع وخفايا النفوس, مع أنَّنا لا ننكر أنَّ ذلك شديد التعقيد والتداخل, ولكن يمكن الوصول إلى نتيجة؛ وهي السيطرة على الضمير وخفاياه, ولا ننسى أنَّ النفس المؤمنة المطمئنة لا تغفل عن الإستمداد من خالقها المعونةَ والصبرَ والتوفيقَ, فقد ورد في الأدعية المعتبرة: (وَأَصْلِحْ لَنَا خَبِيئَةَ أَسْرَارِنَا)(1).

هذا ما أردنا ذكره في المقام والتفصيل موكول إلى محلِّه إنْ شاء الله تعالى.

ص: 44


1- إقبال الأعمال (ط. القديمة)؛ ج2 ص647.

والحاصل: إنَّه ليس للفرد المؤمن النسيان العميق أو حتى الغفلة الطويلة, فإنَّه مادامت دقات روح المؤمن ترنُّ في أذنيه وتعاوده بلا انقطاع فترده إلى المبدأ الأعلى القوي العزيز, ولا أظنُّ أنَّ هناك تدريباً أبلغ تأثيراً من الكتاب الكريم وسنة المصطفى وسيرة آله الطيبين علیهم السلام , فلا بُدَّ من الرجوع إلى القرآن وتدبُّر آياته ومعرفة مقاصده.

فإنَّ القرآن الكريم وإنْ وَصَمَ هذه الدنيا بالإنحطاط لكن لم يرد فيه أيّ توجيه أنْ يُتنازل عن هذه الحياة زهداً وتقشفاً, فإنَّه ذمّ التطرف في كلِّ شيء فلم يحرمالرفاهية الفردية, ولا الإزدهار الجماعي فقد ورد في الرفاهية الشخصية قوله تعالى:(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ «31» قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)(1).

وأمّا ما يتعلق بالازدهار الجماعي فإنَّه يدعو إلى الزراعة والصناعة والتجارة وتطور الحضارة والكشف عامة, ولا يمنع شيئاً منها, والقرآن وإنْ لم يكرر النصوص في هذا الموضوع إلا أنَّه يكفي أنَّه يعطي نصَّاً واحداً فيه أهمية لا حدَّ لها يدلُّ على أنَّ كلّ ما يوجد في الأرض وعليها وكلُّ ما يوجد في البحر وفي الهواء مسخر للناس بعناية إلهية فقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)(2), غاية الأمر أنَّ القرآن الكريم قد أخضع اكتساب هذه الموارد وتوزيعها واستعمالها لبعض القواعد العامة(3) التي تكفل الإنضباط والخير للجميع في عدالة.

وهو في هذه الحالة جعل هذا العالم منزلاً مؤقتاً ومَعْبَراً فقال سبحانه: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ

ص: 45


1- سورة الأعراف؛ الآيات 31- 32.
2- سورة الجاثية؛ الآية 13.
3- عودة إلى بيان معالم الإقتصاد الإسلامي.

وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)(1)؛ فلم تكن الدنيا في نظر الدين الإلهي غاية؛ بل وسيلة لبلوغ أشياء أخرى, قال تعالى: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ«12» لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ«13» وَإِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ)(2).

وسيأتي توضيح ذلك في مستقبل الكلام إنْ شاء الله تعالى.

هذا كلُّه بما يتعلق بالنيَّة ودوافع النيَّة, وقد عرفنا دورها المزدوج.

أقسام العمل (الجهد البدني)

وأمّا الكلام في نفس العنصر الخامس(3)؛ وهو الجهد والعمل فنقول:

إنَّه لا ريب أنَّ للعمل الأهمية الكبرى؛ فهو السلاح الوحيد المزدوج في التشريع والفضيلة, وأنَّه المدد الوحيد في يد الإنسان لكي يصل إلى غاياته. فلا بُدَّ أنْ يستعمل الإنسان قواه المعنوية والمادية القادرة على هدايته إلى تلك الغايات.

وللجهد اطلاقات عديدة في علم الأخلاق وعلم النفس وهو على أنواع متعددة ولكن الذي نريد البحث عنه هو الجهد البدني؛ أي العمل, وهو على أقسام أيضاً.

1- الجهد البدني؛ أي الألم الذي ننزله في أجسامنا, وموضع البحث عنه في علم الأخلاق.

2- الجهد من أجل المعيشة؛ كما قال تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ)(4).

وقال تعالى: (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)(5).

ص: 46


1- سورة آل عمران؛ الآية 14.
2- سورة الزخرف؛ الآيات 12- 14.
3- إلى هنا تمَّ الكلام عن التمهيد للعنصر الخامس.
4- سورة الملك؛ الآية 15.
5- سورة الجمعة؛ الآية 10.

3- الجهد من أجل اكتساب ما يكون صدقة.

4- الجهد لأداء العبادة.

5- الجهد في سبيل الدفاع عن الدين ومقدساته.

ولا ريب أنَّ قيمة الجهد البدني تتغير تبعاً لما قد يكون له من علاقة وثيقة أو غير وثيقة مع الخير الذي يستهدفه, فإنَّ هذه العلاقة تارةً تبلغ درجة التماثل مع الجانب الرئيسي للواجب, وأخرى تتوافق مع جانب ثانوي تتفاوت أهميته بين الكثرة والقلة, وثالثة مجرد مصاحبة.

ولتوضيح ذلك نذكر بعض الأمثلة:

أ- الصلاة التي هي معراج المؤمن ومناجاة خاصة, فإنَّه قد اجتمعت فيها عدة عناصر؛ ففيها خشوع البدن, وفيها توجه خالص إلى الله عَزَّ وَجَلَّ بنيَّة صادقة تجلب الراحة النفسية, وفيها اللغة التي تعبّر عن هذه الفكرة التي لها التأثير في النفس وتثبتها وتعززها وتنيرها, فقد اجتمعت عناصر مختلفة في هذه الصلاة, ولا تبلغ مرحلة المناجاة الخاصة إلا بعد استعدادات زمانيَّة ومكانيَّة وغيرها, والتركيب لهذه العناصر المختلفة هو نفس الصلاة التي أمر الإسلام بأدائها عدة مرات في اليوم.

ومع ذلك فإنَّ هذه الجوانب ليست كلّها متساوية في التكليف, ففي ظرف معين يجب اجتماعها وفي ظرف آخر يمكن الإغفال عن بعض الجوانب, وفي ثالث نغفل عن أكثرها ما خلا بعض الوجوه على وجه التحديد؛ الذي يعتبر هو الأساس والمحور كما هو مُفَصَّلٌ في علم الفقه؛ فالمحتضر الذي لا يستطيع أنْ يأتي بأدنى حركة ولا يقدر أنْ يتكلم ملزم أنْ يؤدي صلاته أداءً ذهنياً بشرط وجود وعيه وذاكرته. وهكذا نجد أنَّ العمل البدني يتغير بحسب الظروف.

ص: 47

ب- الصوم؛ فإنَّه تكليف يستتبع مشقة بدنيَّة تحدث خلال أداء الواجب, ولكن هذه المشقة البدنيَّة قد لا تكون جانباً من هذا التكليف, فإنَّه قد يقال بأنَّه إذا لم يكن موضوعاً مباشراً للتكليف إلا أنَّه قد يحدث بواسطة عمل معين يصلح لإثارته, إذاً فمن الصحيح أنْ يُعبر عن الأمر بالصوم كما ورد في الحديث: (اذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فیه جُوعَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَهُ)(1).

ولكن ذلك لا يوجب سقوط التكاليف فإنَّها لا تكون وسيلة للطاعة إلا أنْ تكون فيها نوع من الحرمان المحدد, وعليه قد لا يكون الألم البدني داخلاً في الحساب كجزء من الواجب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة, فقد يكون الواجب شيء آخر لكنه يقترن بنوع من الألم, فإنَّه ربما يكون الجهد تدريباًعلى الإرادة حتى نحصل منه(2) على الثبات والإنتظام في خضوعها(3) للإرادة الإلهية, حتى لا تتقهقر إلى الأسفل فتصبح أسيرة الشهوات.

ومن أجل ذلك كانت شعيرة الصوم من أسهل الطرق؛ فهي نظام غذائي يُتّبع شهراً واحداً من كلِّ عام في وقت معين من اليوم, ويمكن تطبيق هذا التنظيم على العلاقات الجنسية؛ فيكون في اليوم الواحد عمل واحد ذو وجهين متعارضين, أحدهما أنْ يكفّ, والآخر أنْ يعمل, فإذا أمكننا تقييد إرادتنا بتنفيذ هذين الأمرين في مجال خاص ونعيد هذا التدريب في شهر كامل فإنَّه من أجل ترويض هذه الإرادة؛ إذ من المعلوم أنَّه كلما كثرت طاعة المرء أصبح طائعاً. ومع ذلك لا يمكن

ص: 48


1- وسائل الشيعة؛ ج10 ص313.
2- أي: الجهد.
3- أي: إرادتنا.

الإقتصار على الجانب المادي على هذا التدريب بل لا بُدَّ أنْ يستهدف السلوك, فإنَّه من أقبل خلال صومه على كلِّ أثم من قول أو فعل فإنَّه لم يستفد من الدرس كما تدلُّ عليه جملة من النصوص(1).

وهناك امثلة أخرى تدل على ما ذكرناه من التقسيم المتقدم؛ فراجع.

ومن جميع ما ذكرناه في مقومات الدين وعناصره يمكن استخلاص وجهة نظر الدين في الإقتصاد العالمي المعاصر, وتحديد معالم الإقتصاد الإسلامي من هذه الجهة.

مفردات الدين

الدين كما تقدم تعريفه: هو مجموعة معارف وأحكام وأخلاق تحسّن حياة الإنسان -فرداً وجماعة- العقائدية والعملية ومن جميع جوانبه المادية والمعنوية؛ في الدنيا والآخرة, وتقوّمها على أتّم وجه لما يجلب له السعادة العظمى, وكلما كان الدين تاماً كلما كان أشمل وأدقّ وأحكم وأكمل.

وفي بعض الأخبار: (ومتى لم تكن الحكمة تامة في بطونها كاملة في ظهورها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم وإنْ كان قادراً)(2).

ومن هنا كانت الأديان الإلهية أتمّ الأديان ولا سيما دين الإسلام؛ الذي قال تعالى فيه (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)(3). فلا يمكن أنْ يهمل الدين الإلهي الجانب الإقتصادي للإنسان ولم يشرع فيه الأحكام والسنن والآداب كما تقدمت الإشارة إليه.

ص: 49


1- يراجع لذلك أحاديث باب أدب الصائم؛ الجزء الرابع من الكافي (ط. الإسلامية)؛ ص87.
2- راجع كتاب المفضل بن عمر؛ ج2 ص564.
3- سورة المائدة؛ الآية 3.

وعلى ضوء ما ذكرناه يتَّضح أنَّ الإسلام يهتم بالمسائل المالية والإقتصادية وتعديل حركة الأموال في يد الناس ليتوصل بذلك إلى تجسيد مبدأ القسط في المجتمع.

والإهتمام بالمسائل الإقتصادية وأمور المعاش الإنساني بهذا الشكل الجادّ الذي تبنّاه الإسلام إنَّما هو من خواصّ هذا الدين الإلهي, الذي يواكب الواقع والنواميس الطبيعية التي طبع الله عَزَّ وَجَلَّ الأشياء والأشخاص عليها.

وبالمقابل يحارب الدينُ الإسلامي الظلمَ الإقتصادي ويعتبره من أخطر أنواع الظلم, ولذلك كانت غاية الأنبياء من تعاليمهم وتربيتهم الناس وتشجيعهم الجماهير ومن مجابهتهم وحروبهم شجبَ هذا الظلم وسحقه.

ص: 50

المصطلح الثاني: الشريعة

اشارة

المصطلح الثاني: الشريعة(1)

مادة (ش ر ع) في اللغة تدلُّ على الوضوح والظهور, ومنه الشريعة: وهي مورد الناس للإستسقاء؛ لظهورها ووضوحها. والجمع (شرائع).

و(المَشرَعة) بفتح الميم والراء؛ شريعة الماء, ولا تسمى مشرعة حتى يكون الماء ظاهراً معيناً لا يستقى منه برشاء.

و(طريق شارع) يسلكه الناس عامة والجمع شوارع.

و(شرع الله تعالى لنا كذا يشرعه) أي أظهره وأوضحه. ومنه (الشِرعة) بالكسر.

المعنی اللغوي

والشرع والشريعة وهما بمعنى الدين, وغير ذلك من المعاني. وربما يكون بعضها من لوازم ذلك. فيكون أصل المادة دالاً على إنشاء طريق واضح؛ مادياً أو معنوياً.فكلُّ ما ذكر يكون من مصاديق هذا الأصل, فيقال: شريعة الماء, وشَرَعَ الطريق, أي: أنشأه واضحاً. وشرع في الأمر, أي: أحدث طريقاً فيه وابتدأ في السلوك فيه. وشرع من الدين, أي: أنشأ من الدين ما يكون طريقاً واضحاً بيناً في الحياة, قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)(2).

وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ)(3).

والمراد منه هو إنشاء طريق واضح من الدين في حدود مذكورة.

وعليه؛ فالشرع الذي هو إحداث طريق مُبيَّن إمّا أنْ يكون من الله تعالى فيكون شرع الله وهو الحقّ, وإمّا أنْ يكون من الشياطين والشركاء فيكون شرعاً باطلاً, لأنَّه لم يأذن به الله تعالى, فالشرع بين الحقِّ والباطل كما أنَّ الدين يكون كذلك.

ص: 51


1- وهو المصطلح الثاني من المصطلحات التي يحتاجها علم الإقتصاد.
2- سورة الشورى؛ الآية 13.
3- سورة الشورى؛ الآية 21.

قال تعالى في حقِّ رسوله العظيم صلی الله علیه و آله و سلم : (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)(1), أي جعلناك على المحجة الواضحة وطريق بيِّن وحق بيِّن فيجب اتباعه.

المعنی الإصلاحي

والشريعة في الإصطلاح؛ قيل في تعريفها(2): العلم المتعلق بالأحكام الفرعية يسمى علم الشرايع والأحكام, وبالأحكام الأصلية يسمى علم التوحيد والصفات.

وعلى هذا التعريف تشمل الشريعة الأحكام العملية والأحكام الإعتقادية.

وقال آخرون(3): الشرع والشريعة ما أظهره الله تعالى لعباده من الدين, وحاصله الطريقة المعهودة الثابتة من الشارع, وهو النبي صلی الله علیه و آله و سلم . وهو أيضاً يشمل كلا الحكمين.

وقال غيرهم: الشريعة والشرع ما شرع الله لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء, سواء كانت متعلقة بكيفية عمل وتسمى شريعة عملية, أم فرعية وموضعها علم الفقه. أم بكيفية الإعتقاد وتسمى إعتقادية, أم أصلية وموضعها علم الكلام.

وعلى الأخير يكون الشرع والدين والملّة بمعنى واحد, ولكن يختلف كلُّ واحد عن الآخر بالإعتبار؛ فمن حيث أنَّ تلك الأحكام تُطاع تكون ديناً, ومن حيث أنَّها تُملى وتكتب تعتبر ملةً, ومن حيث أنَّها مشروعة تعتبر شرعاً. فالتفاوت بينها بحسب الإعتبار لا بالذات.

وقيل(4): إنَّ الاختلاف بين الشريعة والملة والدين؛ بأنَّ الأوليين تضافان إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم وإلى الأمة من حيث الإستعمال فقط.

وأمّا الدين فإنَّه يضاف إلى الله تعالى أيضاً. لكن الموجود في الاستعمالات الفصيحة هو الأعمّ.

ص: 52


1- سورة الجاثية؛ الآية 18.
2- كشاف اصطلاحات الفنون؛ ج1 ص1019؛ نقلاً عن شرح العقائد النسفية.
3- في الصحاح؛ ج3 ص1236؛ مادة (ش ر ع), وشمس العلوم؛ ج6 ص3431, والنهاية في غريب الحديث والأثر؛ ج2 ص460 أنَّ الشريعة: هو ما شرَّع الله (تعالى) لعباده من الدين.
4- كشّاف اصطلاحات الفنون؛ ج1 ص1018.

والصحيح أنْ يقال: الشرع هو وضع إلهي يسوق الإنسان باختياره إلى الخير بالذات وهو ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم, وهذا الوضع الإلهي هو الأحكام التي جاء بها الأنبياء, فيكون الشرع أخصّ من الدين لاختصاصه بالأحكام العملية, ويستفاد ذلك من قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ)(1) أيضاً.

والحاصل: إنَّ الشريعة كل طريقة موضوعة بوضع إلهي ثابت من نبي من الأنبياء, ويطلق كثيراً على الأحكام العملية الجزئية التي يتهذب بها المكلف معاشاً ومعاداً, سواء كانت منصوصة من الشارع أم راجعة إليه بواسطة الإمضاء, فتشمل الأحكام العقلية والعرفية أيضاً, فيكون إطلاقها على الأفعال والتروك على حدٍّ سواء, كما أنَّها تطلق على الفروع والقواعد إذا كانت منسوبة إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم . وأمّا إطلاقها على العقائد والأصول العقدية فإنَّه يكون على نحو المجاز, كما أنَّ الملة إنَّما تطلق على الفروع مجازاً, وتطلق على الأصول الإعتقادية حقيقة؛ كالإيمان بالله تعالى وملائكته ورسله وكتبه والآخرة وغيرها.

والإقتصاد إذا أُريد منه أنْ يكون مؤثراً ويجلب السعادة للفرد والمجتمع والرفاهية المطلوبة لا بُدَّ أنْ يكون موافقاً للشريعة وما وضعه الله تعالى من الأحكام التي تسوق الإنسان إلى الخير وما يصلحهم في معاشهم ومعادهم.

وإذا لم يكن الإقتصاد كذلك فإنَّه ليس إلا زينة دنيوية مؤقته تكون آثارها سيئة على الإنسان كما سيأتي بيانه.

ثم إنَّه على ضوء ما ذكرناه في الدين والتشريع يتَّضح حقيقة الإسلام؛ فإنَّه دين طاعة وانقياد, وإنَّه دين عبادة وإصلاح وأخلاق, فقد اجتمع فيه(2) الدين بحقِّه وحقيقته, والتشريع بجميع خصوصياته.

ص: 53


1- سورة الشورى؛ الآية 13.
2- أي: الإسلام.

وقد جمع العقيدة والعمل, واشتمل على الأخلاق وجميع المعارف الربوبية, وقد جعله الله تعالى خاتمة الشرايع السماوية, ومن هنا اتَّصف الإسلام بالكمال والتمام, والدوام والحيوية وبها امتاز دين الإسلام عن سائر الأديان الإلهية. ويمكن تلخيص مميزاته بوجوه:

ممیزات الدین الإسلامي عن باقي الأدیان الإلهية

الوجه الأول: الإستيعاب والشمول

إنَّ دين الإسلام هو دين إلهي لجميع الناس, فقد قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ)(1), وإنَّ رسوله خاتم الأنبياء؛ ومن لوازم ذلك عدم اختصاص هذه الشريعة بعصرٍ خاص, ولا بقومٍ معينين.الوجه الثاني: إنَّه شريعة تتكفل جميع ما يرتبط بالإنسان, ولم تترك جانباً من جوانب الحياة المعنوية والمادية.

فعلى مستوى البعد الفكري جاء الإسلام بأعلى المعارف وأزكاها وأتمّها, واستوعبت جميع عناصر العقيدة من المبدأ حتى المعاد, وعرفنا سبل الهداية الإلهية ووسائطها من الأنبياء والكتب التي تبين جميع مفردات العقيدة الدينيَّة وتصحيحها مِمّا يطرأ عليها من الإنحراف.

وعلى مستوى الجانب العملي فقد ذُكرت أدّق التشريعات في الأحكام والآداب والتعاليم بحيث عجز العقلاء عن الإتيان بمثلها.

وأمّا على مستوى البعد الأخلاقي, فقد أنارت تعاليمه الأخلاقية القلوب, وأثارت النفوس إلى نيل الكمالات, وشرحت طرق السير والسلوك للوصول إلى أعلى المقامات وأسمى الغايات والفوز باللقاء.

فقد جمع الإسلام بين العقيدة والأخلاق والنظام العام, فلم ينفكّ حكم -سواء كان فردياً أم اجتماعياً أم اقتصادياً- من حكم أخلاقي يهذب النفس, فكلُّ حكم تشريعي وراءه مكرمة أخلاقية, ولم يوجد أيّ تشريع آخر يقوم بهذه المهمة.

ص: 54


1- سورة سبأ؛ الآية 28.

الوجه الثالث: موافقة شريعة الإسلام للفطرة الإنسانيَّة

فلم تسنّ حكماً إلا وله جذور في فطرة الإنسان, فهو يأمر بالعدل والإحسان والتقوى, ويحرّم الظلم والعدوان والطغيان والفحشاء, وهو يحترم الإنسان ويعترف بحقوقه, ويثبت له الحرية في الفكر والرأي والعمل لكن مع تشريع أخلاقي آخر يهذب تلك الحرية, فلا الحرية المطلقة غير المهذبة تنفع الإنسان ولا التقييد المميت يسعده.

إنَّ جميع ما ورد في الإسلام من مفردات الفطرة التي أودعها الله عَزَّ وَجَلَّ في الإنسان, ويدعو لها العقل البشري, كما أشارت إليه الآية الكريمة: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(1).

الوجه الرابع: إنَّ الثقافة الإسلامية لها من السموِّ والرفعة ما يجعلها من أرقى الثقافات الإنسانيَّة وأكملها, ويتَّضح ذلك عندما نقارنها مع غيرها من سائر الأديان والثقافات.

الوجه الخامس: الديمومة والبقاء

فإنَّ الإسلام شريعة بقاء ودوام تستمر مدى الدهر فإنَّ مبدأها من الله تعالى فلا بُدَّ أنْ ترجع إليه عَزَّ وَجَلَّ, والسّر في ذلك يرجع إلى أنَّها توافق الفطرة والعقل, وإنَّها مرنة ومتنوعة تجذب إليها سائر الحضارات بعد تهذيبها من منافياتها.

الوجه السادس: إنَّ اهداف الشريعة الإسلامية إصلاحية تهذيبية متكاملة تعتبر كلّ مفردة فيها أساساً لمفردة أخرى, فكأنَّها سلّم الكمالات, فهي:

1- تحرر العقل البشري من رقّ الخرافات والتقليد الأعمى الممقوت, وذلك عن طريق تصحيح الإعتقاد وجعله في المسار الصحيح الموجّه الفاعل, وتعتبر العقيدة الإسلامية عقيدة توحيدية صرفة لا يشوبها أيّ نوع من الشرك والضلال.

ص: 55


1- سورة الروم؛ الآية 30.

2- إنَّ الإسلام وجه العقل نحو الدليل والبرهان والتفكير العلمي الحرّ. ومن أجل تثبيت ذلك كافح الوثنيَّة في شتى صورها, والشرك في كلِّ مظاهره؛ لأنَّ فيهما إنحطاط العقل وعماوة البصيرة.

3- إصلاح الفرد نفسياً وخلقياً وإعداده إعداداً كاملاً ليتوجه إلى الخير والإحسان ويتحمل مسؤولياته فلا تطغى عليه الشهوات والنزوات والمطامع فتحجب عقله وتمنعه من واجباته وأداء مسؤولياته.

4- إصلاح المجتمع ليسوده العدل والأمن والإستقرار.

5- صيانة الحريات المعقولة والكرامة الإنسانيَّة والحقوق الخاصة والعامة.

6- تنظيم العلاقات الفردية والإجتماعية والعلاقة بالله تعالى, والعلاقة بالحاكم والدولة.

وعلى ضوء ذلك كلّه تتحدَّد مقومات الشريعة الإسلامية وتتَّضح دعائمها؛ التي هي العقيدة والعبادة والنظام, وهذا هو مغزى الحكمة المعروفة أنَّ الإسلام دينٌ ودولة.

والدليل على ذلك كلّه قوله تعالى: (قُلْ تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّکُمْ عَلَیْکُمْ أَلاّٰ تُشْرِکُوا بِهِ شَیْئاً وَ بِالْوٰالِدَیْنِ إِحْسٰاناً وَ لاٰ تَقْتُلُوا أَوْلاٰدَکُمْ مِنْ إِمْلاٰقٍ نَحْنُ نَرْزُقُکُمْ وَ إِیّٰاهُمْ وَ لاٰ تَقْرَبُوا اَلْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ لاٰ تَقْتُلُوا اَلنَّفْسَ اَلَّتِی حَرَّمَ اَللّٰهُ إِلاّٰ بِالْحَقِّ ذٰلِکُمْ وَصّٰاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَ لاٰ تَقْرَبُوا مٰالَ اَلْیَتِیمِ إِلاّٰ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ حَتّٰی یَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا اَلْکَیْلَ وَ اَلْمِیزٰانَ بِالْقِسْطِ لاٰ نُکَلِّفُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا وَ إِذٰا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ کٰانَ ذٰا قُرْبیٰ وَ بِعَهْدِ اَللّٰهِ أَوْفُوا ذٰلِکُمْ وَصّٰاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَذَکَّرُونَ (152) وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِی مُسْتَقِیماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لاٰ تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِکُمْ عَنْ سَبِیلِهِ ذٰلِکُمْ وَصّٰاکُمْ بِهِ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ (153))(1).

وهذه الآيات قد تضمنت وصايا تعتبر أمُّ الفضائل والحكم وأصول الأخلاق, وفيها

ص: 56


1- سورة الأنعام؛ الآيات 151- 153.

أرقى التكاليف الإلهية وأشرف التشريعات السماوية, وقد أوصى الله تعالى بها موسى بن عمران علیه السلام قبل نزول التوراة ثم وردت في التوراة وشُرِّعت في الأديان الإلهية ومنها دين الإسلام, وهي ترجع إلى صلاح الإنسان وتجلب له السعادة فهي تعيد نسيم الفطرة إلى النفوس, وتحيي روح الإيمان في القلوب بعد تأثرهما بدرن المعاصي والآثام وتزيل الستار عن العقول لتُخرج دفائنها, وتظهر الفطرة ودائعها وتهدي الإنسان إلى رشده بعدما تُنَبِّهه من غفلته ورقاده, وقد تضمنت تلك الآيات الأحكام العقائدية والعملية وجملة من الإرادات والإرشادات وأصول الأخلاق التي بالإلتزام, والعمل بها تتحقق جميع المقاصد والأهداف التي أرادت الأديان الإلهية تحقيقها.

أقسام النظام التشريعي في الإسلام

وإذا رجعنا إلى النظام التشريعي في الإسلام نرى أنَّه على أقسام:

· منها ما يرجع إلى تصحيح العقيدة.

· ومنها ما يرجع إلى العبادة والطاعة.

· ومنها ما يرجع إلى الأخلاق وتصحيحها.

· ومنها ما يرجع إلى تنظيم حياة الفرد والمجتمع.

· ومنها ما يرجع إلى تنظيم الأسرة.

· ومنها ما يرجع إلى الإقتصاد وتسهيل كلّ ما يتعلق به.

· ومنها ما يرجع إلى الأحكام العامة.

وقد ذكر سبحانه وتعالى في آخر تلك الآيات المتقدمة أنَّ ذلك هو الصراط المستقيم الذي أمرنا الله تعالى باتباعه, ومن المعلوم أنَّ الصراط المستقيم مبدؤه من الله العظيم وإليه سبحانه ينتهي, فمن اتبعه سعد ومن اعرض عنه ضلَّ وتاه في سبل متفرقة تودي به إلى الهلاك والخسران.

ص: 57

لكن لا بُدَّ من التنبيه على أمر يعتبر في غاية الأهمية وهو: إنَّ جميع ذلك لم يكن مجرد شعارات ورؤى, بل المطلوب من تلك التشريعات التطبيق والعمل بها, فإنَّه لا يمكن الوصول إلى تلك الأهداف المنشودة من تلك التشريعات إلا بالرجوع إليها بِجَدٍّ وإخلاص, ولا يمكن لأحد إنكار أنَّ ما وصلت إليه الأمة المسلمة من الضياع والضلال إنَّما هو نتيجة الإعراض عن تعاليم الإسلام؛ مِمّا سبّب الإساءة لهذا الدين والرجوع إلى القهقرى وظهور الإلحاد وإساءة فهم الحقيقة الناصعة لدين الإسلام.

الأسباب التي أدَّت إلى التقهقر والانقلاب على أعقابهم

وبالرجوع إلى تاريخ المسلمين والسير في أحوالهم من بعد ارتحال قائدهم صلی الله علیه و آله و سلم إلى الرفيق الأعلى يمكن معرفة الأسباب التي أدَّت إلى التقهقر والانقلاب على الأعقاب؛ كما عبّر عنه القرآن الكريم(1), وهذه الأسباب كثيرة أهمها:

1- إعراض الأمة عن الحاكم المعصوم الذي يمثل الشريعة قولاً وعملاً بحيث يكون امتداداً لشخصية الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم فيكون لهم قائداً واماماً يرشدهم إلى ما هو الصالح لهم ويبعدّهم عن ما يوجب الضلال ويدرأ عنهم الفتن ويصلح شؤونهم؛ فإنَّه ليس كلّ فرد له القابلية لهذا الأمر الخطير الذي فيه حياة الأمة بأكملها على مرِّ العصور كما هو المحسوس بالوجدان, وإنكاره مكابرة واضحة.

2- إنَّ الأمة هي التي اختارت هذا الواقع العملي المشوه الذي لا يمثل الواقع النظري الذي أنزله الله تعالى وأراد من الأمَّة تطبيقه.

ولا ريب أنَّ عنصر الإختيار من أهم أركان الدعوة الإيمانيَّة, ويكفي أنَّ قانون الجزاء الذي أثبته القرآن الكريم بأبلغ الأدلة والبراهين وبأساليب مختلفة؛ فيه

ص: 58


1- (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ). [سورة آل عمران؛ الآية 144].

الدلالةُ الواضحة على مبدأ الإختيار, فإنَّه لا معنى للجزاء إذا كانت الهداية على سبيل الإلجاء والإضطرار, فالدين والتشريع تامّ وكامل من جميع الجوانب وفيهما أبلغ الحجة ولكن الأمة أهملت التطبيق, فهم يتحملون التبعات والآثار الوخيمة لا الدين الكامل المتكامل.

3- إنَّ جميع الأديان الإلهية ولا سيما الدين الإسلامي يعتبر الحياة الحقيقية هي الحياةُ الآخرة, قال تعالى: (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ)(1).

وقال تعالى: (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ «17» إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ «18» صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ)(2), وقد اعتُبرت الدنيا بداية منازل الدار الآخرة, يتزود منها لسفر طويل, فالدنيا في نظر الدين الإلهي وسيلة لا غاية يركن إليها, ولكن الإنسان -ولا سيما المسلمون- قد جعلوا هذه الدنيا هي الغاية واشتدَّ اهتمامهم بها وآثروها على الآخرة, كما قال تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)(3).

وقد حذرهم الله تعالى في القرآن بأشد العبارات وبيّن لهم الآثار السيئة المترتبة على ذلك ولكنهم أعرضوا عن تعاليمه فوقعوا في أعظم المصائب والمحن؛ فلا الدنيا نالوها, ولا الآخرة التي ابتعدوا عنها.

4- إنَّ الله تعالى خلق الإنسان وزوده بالوسائل التي إذا استخدمها بإخلاص وصدق أوصلته إلى السعادة العظمى, فأودع فيه الفطرة والعقل والقلب؛ وهي مجموعة تهديه إلى الفوز بالفلاح, وكلُّ واحد منها يرشده إلى ما هو الصالح ويبعده عن ما يصرفه عن الصلاح, كما أنَّه عَزَّ وَجَلَّ خلق ما يصدّه عن ذلك, وهما الشيطان

ص: 59


1- سورة العنكبوت؛ الآية 64.
2- سورة الأعلى؛ الآية 17 تا 19.
3- سورة الأعلى؛ الآية 16.

والنفس الأمّارة, وقد أُبتليَ الإنسانُ بهما؛ مِمّا جعلاه في اختبار دائم لحكمة بليغة بيَّنهما القرآن الكريم وشرحته السنة الشريفة.

وفي كلِّ الأحوال لم يهمل الإسلامُ الإنسانَ ليتغلب عليه جانبُ الشر, فقال عَزَّ وَجَلَّ: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)(1).

وقال عزَّ من قائل: ( إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)(2), فلم يَبقَ للإنسان مجالٌ إلا أنْ يختار أحدَ السبيلين ويحكِّم جانب الخير فيه على جانب الشر.ولكن الإنسان -مع كلِّ الأسف- أهمل جانب الخير ولم يتعرض له إلا قليلاً, وغلَّب جانب الشرِّ في اعتقاداته وأعماله ونواياه؛ مِمّا أوصله إلى أدنى درجات الضعف في العقيدة والعمل.

5- إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ وعد عباده أنْ يحفظ دينه ويبقي الصالحين منهم لدعوة الناس إلى الصراط المستقيم فلم يترك دينه بيد الجاهلين المعاندين للحقِّ فلا بُدَّ أنْ يأتي يوم يظهر الدين غضَّاً طرياً يكون فيه التطبيق موافقاً للنظام الذي أراده الله تعالى. وعلى المسلم تمهيد الطريق لذلك اليوم الموعود ويهيئ نفسه لقبول هذه المهمة, قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)(3).

وهناك أسباب أخرى من اجتماعها وعدم علاجها على مرِّ العصور أدّى إلى هذا الإبتعاد عن دين الله القويم والوقوع في الإنحراف والفتنة العمياء التي لا علاج لها إلا بما ذكرناه آنفاً.

ص: 60


1- سورة البلد؛ الآية 10.
2- سورة الإنسان؛ الآية 3.
3- سورة المائدة؛ الآية 105.

وعلى ضوء ما ذكرناه يتَّضح أنَّ تعاليم الشريعة الإلهية على سعتها اهتمت بتحديد حاكميتها على الإقتصاد, ووازنت بين معيشة المُوسرين والمترفين التي ندَّدت نصوصُها بها, وبين مدحها للغنى وتنويهها بأمور تتعلق به, بحيث عدَّت سعة المال من النعم, وهذا يستلزم وجود موازنة بين هاتين الطائفتين من النصوص الواردة في الشريعة بحيث لا يكون ميل لا إلى طرف اليمين ولا إلى طرف الشمال, والحلُّ الوسط بينهما هو دعوة الإسلام إلى الغنى المقتصد الملتزم, لا المفرط اللّا ملتزم.

قال النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (طُوبَى لِمَنِ اكْتَسَبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَالًا مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ فَأَنْفَقَهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ)(1).

وعن أمير المؤمنين علیه السلام حين دخل على علاء ابن زياد الحارثي يعوده لما رأى سعة داره قال علیه السلام : (مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسَعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا وأَنْتَ إِلَيْهَا فِي الآخرةِ كُنْتَ أَحْوَجَ؟ وبَلَى؛ إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الآخرةَ تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ, وتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ, وتُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا؛ فَإِذاً أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الآخرةَ)(2).

إنَّ الغِنى المقتصِد يوافق الحدِّ القوامي للمعيشة في الشريعة لأجل دفع الفقر ورفع الكَلِّ عن الناس والإنفاق والبذل وصلة الرحم وبرِّ الإخوان وأداء سائر الحقوق الظاهرة والباطنة.

ص: 61


1- الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج8 ص169.
2- نهج البلاغة؛ الخطبة 209.

المصطلح الثالث: الفقه

اشارة

المصطلح الثالث: الفقه(1)

1- المعنى اللغوي

مادة (ف ق ه-) تدلُّ على الفهم الخاص, وهو كونه على دقَّة وتأمل, وبهذا يفترق الفقه عن العلم والمعرفة ومطلق الفهم. والتفقّه على وزن تفعّل يتضمن معنى الإختيار, فهو بمعنى الفهم والدقَّة, ومتعلقه عام لا يختَّص بأنْ يكون بالقول والكلام, بل كلُّ موضوع فيه اقتضاء التفهم والتأمل والتدقيق فيه.

فالتفقّه يكون في القول والكلام؛ كما في قوله تعالى: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي«27» يَفْقَهُوا قَوْلِي)(2).

وقوله تعالى: (يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ)(3).

وقوله تعالى: ( لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا)(4).

ويكون في المعاني والمعارف؛ كما في قوله تعالى: (وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)(5).

وقوله تعالى: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ)(6).

ويكون بالنسبة إلى الأمور الأخروية؛ كما في قوله تعالى: ( قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)(7).

ص: 62


1- وهو المصطلح الثالث من المصطلحات التي يحتاجها علم الإقتصاد.
2- سورة طه؛ الآيات 27- 28.
3- سورة هود؛ الآية 91.
4- سورة الكهف؛ الآية 93.
5- سورة الإسراء؛ الآية 44.
6- سورة المنافقون؛ الآية 3.
7- سورة التوبة؛ الآية 81.

وفي مطلق التفقه؛ كما في قوله تعالى: (ثُمَّ انْصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)(1).

والفقيه من يكون مُتَّصفاً بهذه الصفة, أي: على صفة الفهم على دقَّة وتأمُّل وفطنة, قال تعالى:(فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ)(2).

ومن هنا اختصَّ الفقيه في لسان المتدينين بمن يكون متفقهاً في الدين وأحكام الشريعة, وقد وردت هذه الكلمة في الكتاب الكريم والسنة الشريفة كثيراً, ويراد بها هذا النوع من الفهم الخاص, لا مطلق الفهم.

المعنى الإصطلاحي:

عرّف الفقه بتعاريف متعددة:

منها: التعريف المعروف من أنَّ الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية. وقد ذكره أغلب علماء الأصول وكأنَّه مِمّا قد تسالموا عليه.

وأُورد على هذا التعريف بعض النقود والإشكالات مِمّا استلزم أنْ يزاد عليه بعض القيود لدفعها. والمهم تبيين المقصود من هذا التعريف, فقالوا أنَّ المراد بالعلم مطلق التصديق الشامل للجزم والظن والجهل المركب والتقليد؛ دفعاً لماأُورد عليه من أنَّه إذا كان المراد به خصوص العلم فإنَّ المعلوم منه قليل وأنَّ أغلبه من الظنون.

وقالوا: إنَّ المراد بالأحكام مداليل الخطابات الشرعية بنحو الإقتضاء والتخيير أو الوضع ليشمل الأحكام التكليفية الخمسة المعروفة والأحكام الوضعية كذلك, فلا يرد حينئذٍ على التعريف بأنَّه مختَّص بالأحكام التكليفية فقط, أو أنَّ الإباحة ليست من الأحكام التكليفية.

ص: 63


1- سورة التوبة؛ الآية 127.
2- سورة التوبة؛ الآية 122.

ومع ذلك فهو لم يسلم من النقاش طرداً وعكساً كما هو مذكور في الكتب المفصلة, ولا فائدة في ذكرها هنا.

ومنها: إنَّ الفقه إسم يعمّ جميع الشريعة التي من جملتها ما يتوصل به إلى معرفة الله تعالى ووحدانيته وتقديسه وصفاته العليا, ومعرفة الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم.

وهذا التعريف اقرب إلى بيان عموم متعلقه, فلا يكون من التعريف المصطلح عليه في العلوم, كما لا يخفى.

ومنها: إنَّ الفقه هو علم الأحوال والأخلاق والآداب والقيام بحقِّ العبودية.

وهذا التعريف وإنْ كان يشمل جميع ما يرتبط بالإنسان. ولكن ينقصه ذكر عنصر الهدف والوسيلة والأسباب كسابقه.

ومنها: إنَّه العلم بالأحكام, وهو أقرب إلى التعريف اللغوي فلا يكون جامعاً مانعاً, كما أنَّ فيه إجمال وتضييق كما هو واضح.

ومنها: إنَّه قيام الحجة التفصيلية عند الشخص على الأحكام الفرعية الدينية وموضوعاتها المستنبطة.

وفيه: إنَّه إلى بيان وظيفة الأصول اقرب منه إلى تعريف الفقه, مضافاً إلى أنَّه يرد عليه ما أُورد على التعريف المشهور.

ومنها: إنَّه مجموعة الأحكام العملية المشروعة في الإسلام. وهو من إطلاق الفقه على الأحكام نفسها فليس هو تعريفاً للعلم نفسه.

وهناك تعاريف أخرى أعرضنا عن ذكرها خوفاً من الإطالة, وعدم سلامتها عن النقاش والردود.

والحقُّ أنْ يقال: إنَّ علم الفقه يستمد تعريفه من نواحٍ ثلاثة:

الأولى: نفس اللفظ.

ص: 64

الثانيَّة: الموضوع والمتعلق.

الثالثة: المقاصد والأهداف.

فإذا أردنا تعريفه كاملاً لا بُدَّ من البحث عن هذه النواحي ليتَّضح معناه ومعالمه وحدوده.أمّا الناحية الأولى(1)؛ فقد عرفت أنَّ الفقه ليس مطلق الفهم ومجرد العلم, بل هو فهم خاص يساوق الفطنة, وإدراك الأمور الدقيقة. فهو علم خاص, ولعلّه لذلك فُسِّر الفهم بأنَّه هيئة للإنسان بها يتحقق معاني ما يُحسن(2).

وهو المعبرّ عنه بجودة الفهم, والإستعداد لاكتساب المعارف والمطالب وإنْ كان المتَّصف بها جاهلاً, كالعامي الفطن؛ فلا يقال للبليد الذي إذا عرف أمراً أنَّه فقهه بل فهمه.

ويدلُّ على ما ذكرناه اختلاف مصاديق الفقه عمّا يرادفه من الكلمات من العلم والفهم ونحوها.

وقد وردت مادة (ف ق ه-) في القرآن الكريم فيما يقرب من عشرين موضعاً(3)؛ كلُّها تدلُّ على أنَّ الفقه فطنة خاصة؛ قال تعالى: (وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)(4), ولا ريب أنَّ كل المخلوقات تسبّح ربّها؛ لكن العلم بخصوصيات التسبيح مجهول, وهذا هو الفقه الذي نفاه عَزَّ وَجَلَّ عنّا.

ص: 65


1- وهي اللفظ نفسه.
2- مفردات ألفاظ القرآن؛ ص646؛ مادة (ف ه- م).
3- بل تحقيقاً أنَّها عشرون موضعاً.
4- سورة الإسراء؛ الآية 44.

وقال تعالى: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ)(1), ولا ريب أنَّهم كانوا يعرفون ما يقول شعيب علیه السلام ولكنهم نفوا عن أنفسهم الفهم الخاص, ولكن نبيهّم علیه السلام لم يأت بأمرٍ خلاف إدراكهم الخاص فلم يقبل اعتذارهم.

وقال تعالى: ( قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ)(2) ولا ريب أنَّ الآيات التدوينيَّة والتكوينيَّة على ما فيها من التفصيل الدقيق المتقن لا يستفيد منها إلا من كان له فهم خاص واستعداد معين.

وقد ذمَّ سبحانه وتعالى أقواماً لم يعرفوا منزلة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ولم يدركوا دقائق ما أنزل الله عَزَّ وَجَلَّ عليه ولا يفهمون كيفية المعاشرة معه بأنَّهم (قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)(3), كما نفى الفقه عن المنافقين الذين يتجاهلون حقيقة الدين فقال تعالى: (وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ)(4)؛ مع علمهم بالله ورسوله والدين.

وغير ذلك من النصوص التي تدلُّ على أنَّ الفقه أخصّ من الفهم والعلم.

ومِمّا ذكرناه يظهر أنَّ إطلاق الفقه على علم الشريعة إنَّما هو من أجل أنَّ العلم بالأحكام الإلهية يحتاج إلى فهم خاص وشعور معين فلم يبتعد العلماء عنالصواب في اختيارهم لهذه الكلمة وإطلاقها على هذا العلم الخاص باعتبار أنَّه من أعلى أنواع الفهم والأدراك, ويدلُّ على ذلك جملة من الأخبار التي وردت في فضل الفقه والفقهاء, فهو إدراك خاص؛ يثبت لحامله قيمة معنوية تجعله في عداد الملائكة وأفضل أفراد الإنسان.

ص: 66


1- سورة هود؛ الآية 91.
2- سورة الانعام؛ الآية 98.
3- سورة الحشر؛ الآية 13.
4- سورة المنافقون؛ الآية 7.

ومن جميع ذلك نستفيد أنَّ تعريف الفقه بالعلم وغيره لا يخلو من مسامحة.

وأما الناحية الثانيَّة(1)؛ فقد اختلف العلماء في موضوع علم الفقه؛

والمشهور بينهم: إنَّه أفعال المكلفين من حيث عروض الأحكام عليها محضاً.

وقد أُورد عليه عدة مناقشات أهمها:

1- خروج أفعال القاصرين كالأطفال والمجانين عن موضوع الفقه, فيكون البحث عن فساد معاملاتهم, وعدم اعتبار أقوالهم, واستحباب عبادة الصبي المميزّ وغير ذلك إستطرادياً.

2- إنَّ الفقه يبحث عن الأحكام الوضعية, كالسببية والمانعية, والضمان والملكية, والزوجية وغير ذلك, فلا بُدَّ أنْ يكون خارجاً عن الفقه, لأنَّه ليس بحثاً عن العوارض من حيث الإقتضاء والتخيير.

ومن أجل ذلك عدل بعضهم عنه فجعل موضوع علم الفقه متعلقات الأحكام الشرعية الفرعية من حيث أنَّها متعلقات الأحكام, قال العلامة الطباطبائي قدس سره في مصابيحه: (إنَّ تلك المتعلقات قد تكون أفعال المكلفين من حيث الإقتضاء والتخيير؛ وهما الأكثر, وقد تكون غيرها كالأحكام الوضعية).

وأُورد عليه بأنَّ الحيثية المذكورة إمّا أنْ تكون تعليلية مأخوذة من علّة وجود الموضوع؛ فهي لا تنفع؛ لأنَّها مشتركة في جميع العلوم. وإمّا أنْ تكون تقييدية؛ فإنَّه يلزم تكرر النسبة وانقلاب القضية إلى ضرورية لأنَّها تكون قضية بشرط المحمول.

ص: 67


1- وهي الموضوع والمتعلق.

وقيل: إنَّ موضوع علم الفقه طبايع الأفعال من حيث عروض الأحكام عليها, ومن حيث انطباقها على المصاديق الخارجية وعدمه. ولكنه لم يسلم من بعض الإشكالات التي أُوردت على التعريف السابق للموضوع.

والحقُّ أنْ يقال: إنَّ موضوع الفقه لا يختَّص بالإنسان فضلاً عن المكلفين, فإنَّ جميع الموجودات تقع تحت قانون إلهي, وحكم تشريعي سواء كان تكليفياً أم وضعياً, فهو إمّا أنْ يكون عاماً أو خاصاً, فلا ينفك شيءٌ عن حكمٍ ينطبق عليه. فإنَّ الإنسان -مثلاً- من حيث انعقاد نطفته يشمله حكم أو تشريع إلى حين وفاته ووضعه في القبر, بل حتى ما بعد الموت, فالإقتصار على المكلف وغيره تضييق لدائرة موضوع الفقه. نعم؛ الإنسان إنَّما هو محور التطبيق وعليه أعباء امتثالالتكليف التي يبحث علم الفقه عنها, فلا يوجد علم آخر مثل الفقه يكون موضوعه له مثل هذه السعة والشمول؛ فهو يشمل جميع أطوار حياة الإنسان من الحمل حتى الموت وبعده, كما أنَّه يشمل جميع حالاته الخاصة والعامة, وجميع مراحل حياته من الطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة.

كما يعمّ ما يرتبط بالحياة وموادها وكلّ مفرداتها, فإنَّ لكلِّ مادة ومفردة حكماً تشريعياً ربَّما يقع مورد ابتلاء الإنسان أو لا يقع ولكنه لا يضرُّ بعموم الموضوع, كما يشمل غير الإنسان من أصناف الموجودات؛ كالحيوان والملائكة والجن وغيرها مِمّا يرتبط نوعاً ما بالإنسان.

ومن ذلك يظهر عموم متعلق الفقه وشموله لجميع مفردات الحياة بلا إختصاص لها بنوع معين أو صنف خاص, فإنَّ الفقه نافذ في جميع الأشياء, ودائرة موضوعه تشمل الآفاق التي لها ارتباط بالإنسان, فلا يختص بالحكم بل يشمل القيم والأخلاق؛ لأنَّ الفقه نظام وتطبيق, وشريعة ومنهج فلا بُدَّ أنْ يكون متعلقه واسعاً؛ حتى يتم الوصول إلى الغرض المنشود منه.

ص: 68

والسرُّ في ذلك يرجع إلى أنَّ الشريعة الإسلامية هي مجموعة الأحكام الإعتقادية والعملية والأخلاقية, ومن مجموعها يتكون النظام الإلهي المتكامل الذي يرجع إلى إصلاح حال الإنسان ليفوز بالسعادة العظمى في الدارين.

والفقه الإسلامي يبحث عن الحقوق الخاصة بفرعيها المدني والجزائي, كما يبحث عن الحقوق العامة بجميع وجوهها؛ الدستوري والإداري والمالي والدولي. فهو أعظم فقه عرفه الإنسان في تاريخ الشرايع الإلهية.

ومن تلك يظهر أنَّ تعريف العلامة الطباطبائي رحمه الله لموضوع علم الفقه هو أقرب إلى الصواب؛ لأنَّ فيه من العموم الشمول والسعة ما لم يوجد في غيره من التعريفات؛ وإنْ لم يسلم عن بعض الإشكالات.

وبذلك يمكن الوصول إلى غايات الفقه ومقاصده, وإلا كان ناقصاً لا يؤدي إلى المطلوب.

وأمّا الناحية الثالثة(1)؛ فإنَّه من المعلوم أنَّ المقاصد والأهداف إذا تعددت بالنسبة إلى موضوع معين فإنَّه يدل على عظمته وسموه واستيعابه وشموله.

مقاصد و أهداف الفقه

والفقه هو من تلك الأمور التي تعددت المقاصد بالنسبة إليه, ومن أهم مقاصده تهذيب الإنسان وإعداده إعداداً متكاملاً, ويمكن ذكر المهم منها, وقد تتداخل مع بعض مقاصد الدين, وهي:

الأول: تثبيت المبادئ الأساسية في الشريعة وتطبيقها؛ ليتم النظام فإنَّه لا يمكن تحقيقه إلا بأمرين وهما الدستور والفكرة, والعمل والتطبيق. وهذه المبادئ هي:

1- الحرية: وقد هذَّبها الفقه لتكون حرية نزيهة توجب كمال النفس, لا الحرية المبتذلة التي يدعو إليها الفكر المادي.

ص: 69


1- وهي: المقاصد والأهداف.

2- المساواة أمام القانون: فلا امتياز لنَسَب أو مبدأ أو فكر, إلا أنْ يكون التمييز من جهة طاعة الله ورسوله, وامتثال دينه, كما قال تعالى: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(1), وفي الحديث المعروف عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم : (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍ عَلَى عَجَمِيٍّ إلا بِالتَّقْوَى)(2), وبذلك امتاز هذا الدين عن غيره من الأديان الوضعية, وعادات الأمم.

وعلى هذا الأساس عالج الإسلام موضوع الرقّ الذي قيَّد الإنسان زمناً طويلاً, وبحث الفقه عن مسائله, فقد جعل للرقيق حقوقاً, وشرَّع لهم أحكاماً, وغلّب جانب الحرية مهما أمكن إليها من سبيل, وألغى منابع الإسترقاق؛ سوى الحرب التي وضع لها شروطاً معينة, ولكن لم يلغ الرقّ رأساً؛ لأنَّه كان عادة مستحكمة في المجتمع, فقد اتَّخذ طريقاً وسطاً لإلغائه على سبيل التدريج, وسنّ أروع التشريعات في هذا المجال.

3- تحديد معالم الدولة الإسلامية وشروط الشخص الذي يحقُّ له التصدي لمنصب القيادة والإمارة؛ وهذا المبدأ يعتبر من أهم مقاصد الشريعة؛ لما له من التأثير المباشر على الفرد والمجتمع, فإنَّ فيه بقاء الدين والشريعة, والضمان لتطبيقها.

والفقه يبين جميع أحكام هذه الدولة, وشروط الشخصية التي يتصدى لها, فلم يهمل جانباً من جوانبها لما لها من الأهمية, كما عرفت.

إلاّ أنَّ اختلاف الأمة بعد ارتحال زعيمها الأكبر صلی الله علیه و آله و سلم إلى الرفيق الأعلى أوجب ضياع هذه الأمر الحيوي في حياة الأمة فصارت شِيَعاً وأحزاباً وتفرقت إلى

ص: 70


1- سورة الحجرات؛ الآية 13.
2- نهج الفصاحة؛ ص365.

مذاهب ومدارس, والوجدان يغني عن إقامة البرهان, وقد أخبر القرآن الكريم بذلك في عدة آيات, والتفصيل موكول إلى محله.

الثاني: تشريع الأحكام؛ التي ترجع إلى صالح الأمة وإصلاح أحوالها, وتعيين أحكام الرعية من وجوب إطاعة الإمام العادل, وبثّ روح المسؤولية في نفوسهم تجاه دينهم وشريعتهم وإمامهم, وحدّد شروط الطاعة التي منها أنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

الثالث: الجانب المالي؛ فقد شرَّع الإسلام الأحكام والتشريعات الخاصة لهذا الجانب واهتم به؛ لما له التأثير المباشر في صلاح الفرد والمجتمع, وقد جَعل بيت المال مكاناً تجتمع فيه الأموال والحقوق التي فرضها على الفرد المسلم؛ لتصرف في مصالح الأمة وإدارة شؤونها, ونَصَبَ الأمين عليها, واشترط فيه أنْ يكونالمثل الأعلى في الأمانة والصدق والوفاء؛ لأنَّه المسؤول عن جمع الأموال وصرفها, وجعل أحكاماً لملكية الأرض والمعادن والمياه والمراعي وغير ذلك مِمّا لها التأثير الكبير في إدارة البلاد وتنظيم شؤون العباد, فأثبت الملكية العامة والملكية الخاصة وحدّد لها شروطاً وأحكاماً, وإنَّ الفقه هو الذي يتصدى للبحث عنها.

الرابع: تنظيم العلاقات بين الأمة وغيرها من سائر الأمم, والعلاقات بين أفراد الأمة, وتنظيم علاقة الدولة مع غيرها في السلم والحرب, وتعيين أسس العدالة في كلتا الحالتين. ومن أهم التشريعات في هذا الموضوع ما يرجع إلى احترام الشعوب وتساوي الأفراد في الحقوق الإنسانية خلافاً لنظرية الشعب المختار, فإنَّ الإنسان محترم في الإسلام كما تدلُّ

ص: 71

عليه جملة من الآيات كقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)(1).

ومن التشريعات احترام المعاهدات الصادرة بين الدولة وغيرها وبين الأفراد؛ فإنَّه أوجب الإلتزام بها والوفاء بمضمونها.

ومن الأحكام التشريعية جعل إعلان الحرب والسلم تحت سلطة الإمام العادل؛ رئيس الدولة وقائد الأمة بالحقّ. وغير ذلك من الأحكام.

الخامس: حفظ المقاصد الخمسة المعروفة: الدين والنفس والمال والنسب والعقل. وعليها اعتمد الفقهاء في تبويب كتب الفقه, ومنها استمدَّت فروعه.

السادس: الفقه يبحث عن كيفية الطاعة, والعمل بالشريعة, ويوجّه الإنسان إلى التزام الطاعة مع مفردات الدين والأحكام الإلهية والإبتعاد عن مخالفتها.

السابع: إنَّ الهدف من الفقه هو تزويد النفس بالقيم النبيلة والأخلاق الكريمة, ويوجب تزويد العقل بنور المعرفة.

الثامن: إنَّ أهم غرض يبتغيه الفقه للإنسان هو تحصيل السعادة والخلاص من الشقاء, والفوز في الدارين.

التاسع: إنَّ الفقه يحفظ الشريعة والأحكام الشرعية من شُبَه الجاهلين وتشكيك المعاندين.

العاشر: إنَّ الفقه يرشد الإنسان إلى المصالح الدينية ويزيده من الإطّلاع على أسرار الشريعة, وبذلك يخرج الإنسان عن حضيض التقليد الأعمى إلى نور المعرفة لكي يقع العمل عن عقيدة لا عن تقليد صرف.

ص: 72


1- سورة الإسراء؛ الآية 70.

ومن جميع ما ذكرناه في الجوانب الثلاثة يمكن استخلاص تعريف الفقه بأنَّه: العلم عن إدراك خاص لمجموعة الأحكام والقوانين والقيم الدينية عن أدلتها الشاملة لجميع ما يرتبط بالإنسان مطلقاً؛ لغرض امتثالها وتطبيقها على أكملوجه, فيتم بسببه بسط العدل وبثّ روح الطاعة في النفوس وإصلاحها وإشاعة الخير في الناس وإسعادهم, وإيصال الإنسان إلى الكمال اللائق به.

ومنه يظهر أهمية علم الفقه في حياة الإنسان مطلقاً, وشمولية موضوعه, واتّساع متعلقه, وشدَّة احتياج سائر العلوم إليه؛ لتحديد موضوعاتها ومسائلها من حيث انتسابها إلى الشريعة وتقويمها بحسب قواعد الدين الإلهي. كما أنَّ هدف الفقه السامي هو تحصيل السعادة للإنسان, وإنَّه المفتاح لحلِّ المشاكل التي تحصل من تعارض العلوم, والتباعد بين أهدافها. والفقه هو الذي يهذّب الإنسان نيَّةً وعملاً, ويجعله في مسار الخير والصلاح.

وما ذكرناه في تعريف الفقه وموضوعه والهدف المرجوّ منه تبتني مسائله؛ فتعمّ جميع مفردات حياة الإنسان التكوينية والأخلاقية والإعتبارية, ويبين وظيفة الفرد بالنسبة إليها. فهو علم عظيم من ناحية الموضوع والمتعلق والهدف كما أنَّه يعمّ جميع حالات الإنسان ويشمل كلّ ما يرتبط بحياته.

ومن جميع ذلك يتبين وجه ارتباط الإقتصاد الذي نريد البحث عنه بعلم الفقه, فلا بُدَّ من معرفة جميع مفرداته على هذا الأساس.

تقسيم الفقه

اشارة

إختلف العلماء أيضاً في تقسيم الفقه وأبوابه كاختلافهم في تعريفه على ما تقدم بيانه.

التقسيم الأول: ما ذكره جمع كبير من الفقهاء

التقسيم الأول: ما ذكره جمع كبير من الفقهاء؛ وهو أنَّ الفقه ينقسم إلى أقسام أربعة:

1- العبادات.

ص: 73

2- العقود.

3- الإيقاعات.

4- الأحكام.

وهذا التقسيم هو المعروف بينهم ومنه نشأت أبواب الفقه المعروفة والتي تسمى عند القدماء بالكتب, ويبلغ مجموع تلك الأبواب والكتب إثنين وستين كتاباً, وعلى هذا المنهج ألَّف الفقهاء كتبهم الفقهية التي من أهمها عند الإمامية كتاب (شرائع الإسلام) للمحقق الحلي قدس سره المشهور بين المسلمين واعتبره الإمامية إمام كتب الفقه.

فإنَّه قدس سره ذكر في العبادات عشرة كتب, وهي: كتاب الطهارة والصلاة, والزكاة والخمس, والصوم والإعتكاف, والحج والعمرة, والجهاد, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولكن هذا التقسيم وقع مورد نقاش بين العلماء؛ فقالوا إنْ كان المراد من العبادات المعنى الأخصّ, وهي التي تتقوم بقصد القربة, فيكون ذكر الجهاد والأمربالمعروف والنهي عن المنكر إستطرادياً, وكذلك بالنسبة إلى البحوث السبعة التي ذكرها في الطهارة؛ فإنَّها ليست من العبادات بهذا المعنى.

كما أُورد عليه بأنَّه لم يذكر الكفارات مع أنَّها من العبادات لتقوّمها بقصد القربة.

وأمّا العقود فقد ذكر فيها تسعة عشر كتاباً, وهي: كتاب التجارة والرهن, والفلس والحجر, والضمان والصلح, والشركة والمضاربة, والمزارعة والمساقاة, والوديعة والعارية, والإجارة والوكالة والوقف, والسكنى وأختاها, والهبة, والسبق والرماية, والوصية والنكاح.

وغيرُ خفيٍّ أنَّ عدّ الفلس والحجر والسبق والرماية والوصية والسكنى وأختاها من العقود فيه من المسامحة ما لا يخفى.

ص: 74

وأمّا الإيقاعات فقد أورد فيها أحد عشر كتاباً, وهي: كتاب الطلاق والخلع والمباراة والظهار, والكفارات, والإيلاء واللعان, والعتق والمكاتبة والتدبير, والإستيلاد والإقرار, والجعالة, والأيمان والنذور.

ولكن تقدم أنَّ الكفارات إنَّما تُعدّ من العبادات, فجعلُها من الإيقاعات فيه مسامحة, وكذا الإقرار؛ فإنَّه إخبار, وكذا الجعالة.

وأمّا الأحكام فقد ذكر فيها إثني عشر كتاباً, وهي: كتاب الصيد والذباحة, والأطعمة والأشربة, والغصب وإحياء الموات واللقطة والفرائض, والقضاء والشهادات, والحدود والتعزيرات, والقصاص والديّات.

التقسيم الثاني: ما أورده السيد الصدر قدس سره

التقسيم الثاني: ما أورده السيد الصدر قدس سره؛ حيث قسمّ الفقه إلى أربعة أقسام أيضاً.

الأول: العبادات.

الثاني: الأموال؛ وتشمل الأموال العامة والأموال الخاصة.

الثالث: السلوك الخاص؛ والمراد به روابط الشخص مع عائلته ومجتمعه.

الرابع: السلوك العام؛ أي الولاية وشؤونها.

وهو قدس سره وإنْ رفع بعض الإشكالات الواردة على التقسيم المشهور, ولكنه غفل عن أخرى؛ كما يأتي التنبيه عليه إنْ شاء الله تعالى.

التقسيم الثالث: ما ذكره بعض الفقهاء

التقسيم الثالث: ما ذكره بعض الفقهاء؛ حيث جعلوا عناوين الفقه ستة, وفيها أدرجوا الكتب الفقهية.

الأول: العبادات.

وتندرج فيها عشرة كتب, وهي: الوضوء والغسل والتيمم, والصلاة والصوم والإعتكاف, والحج والعمرة, والكفارات البدنية, والكفارات المالية.

ص: 75

الثاني: الشؤون الفردية, أي الأعمال الشخصية غير العبادية التي لا ترتبط بالمال ولا بالعائلة والمجتمع.وتندرج فيها ثمانية كتب, وهي: المياه والتخلّي, والإستنجاء والنجاسات, والأواني والمطهرات, والدماء الثلاثة, والنذور والعهد واليمين, والأطعمة والأشربة.

الثالث: الشؤون العائلية, أي السلوك مع الأهل والأرحام.

ويندرج فيها ثمانية كتب, وهي: النكاح والطلاق والظهار والإيلاء واللعان, وتجهيز الأموات والإرث, والدفاع.

الرابع: الأموال الفردية تحصيلاً وحفظاً وتصرَّفاً.

ويندرج فيها إثنان وعشرون كتاباً, وهي: إحياء الموات, والصيد والذباحة, والتجارة والبيع والإجارة والجعالة والصلح والرهن, والمضاربة والشركة, والمزارعة والمساقاة, والضمان والحوالة, والكفالة والوكالة, والوديعة والعارية, والوقف والهبة, والسكنى والعمرى والرقبى, والوصية, والغصب, والحجر, والتفليس.

الخامس: الولايات, أي الشؤون والأعمال التي ترتبط بمجتمع الإنسان عدا أسرته, وكيفية سلوكه معهم.

ويندرج فيها تسعة كتب, وهي: الولاية والحكومة والجهاد, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والخمس والزكاة والأنفال والخراج, والسبق والرماية.

السادس: الأمور القضائية والجزائية, وهي التي ترتبط بالمنازعات وفصل الخصومات والتعدي على حدود الله الأولية.

وتندرج فيها سبعة كتب, وهي: القضاء والشهادات والإقرار, والحدود والتعزيرات, والقصاص والديّات والكفارات.

ص: 76

وهذا التقسيم وإنْ اشتملت عليه الكتب الفقهية المعروفة, ولكن تُفتقد فيه الصياغة الفنية, فإنَّ بعض الكتب لا يلائم العنوان الذي جُعل فيه. كما أنَّ فيه تبسيط العناوين مع إمكان التداخل بوجه.

التقسيم الرابع: وهو ينبع من موضوع الفقه

التقسيم الرابع: وهو ينبع من موضوع الفقه الذي تقدم أنَّه الشامل لجميع مفردات الحياة وكلّ القيم الأخلاقية التي تهذب سلوك الإنسان وتصلح حاله, كما أنَّه ينبع من الغرض الذي من أجله نزلت الشريعة الغرّاء؛ وهو بسط العدل وإشاعة الصلح والأمن والأمان وإسعاد الإنسان في الدنيا والفوز بالحسنى في الآخرة, فلا بُدَّ أنْ يكون تقسيم الفقه شاملاً لهذه الجوانب فنقول: إنَّ الإنسان لما كان محور الشرايع الإلهية والأخلاق والكمال فإنَّ له حالات يتحدد وفقها التشريع, فالإنسان:

1- إمّا أنْ يكون مع نفسه.

2- إمّا أنْ يكون مع خالقه.

3- إمّا أنْ يكون مع المختصين به من أفراد أسرته وأرحامه.

4- إمّا أنْ يكون مع سائر أفراد الناس المحيطين به.

5- إمّا أنْ يكون مع سائر مفردات التكوينية, كالماء, والتراب, والأرض ونحو ذلك.

وعلى كلِّ حالٍ؛ فالشرايع:

إمّا أنْ تكون من أجل تحصيل المعاش.

وإمّا أنْ تكون من أجل التولية والحكم.

وإمّا أنْ تكون من أجل بسط التوحيد ونبذ الشرك, ودفع ظلم الظالمين.

وإمّا أنْ تكون من أجل تنظيم شؤون الحياة.

وعلى ضوء تلك الحالات والنسب والإضافات يمكن تقسيم الفقه وتبويبه؛

ص: 77

ففي الأول؛ يدخل الجهاد الأكبر؛ وهو تهذيب النفس عن الرذائل وتزيينها بالفضائل, وأقسام الطهارات الحدثية والخبثية والكفارات, وجميع الحقوق التي تهدف إلى تطهير الجسد والروح, وتحديد سيرهما وسلوكهما.

وفي الثاني؛ تدخل جميع العبادات؛ فإنَّها نوع ارتباطٍ للمخلوق مع خالقه العظيم؛ كالصلاة والصوم والحج والإيمان والنذور, وغيرها من أنواع العبادات التي تُصلح حال الإنسان مع ربِّه سبحانه.

وفي الثالث؛ يدخل النكاح والطلاق والإرث وغيرها مِمّا يرتبط بعلاقة الفرد مع أسرته.

وفي الرابع؛ فإنَّ له أقساماً أربعة:

القسم الأول: ما يدخل فيه أنواع المعاملات من التجارات؛ كالبيع والإجارة, والهبة, والمضاربة, والشركة ونحوها.

القسم الثاني: ويدخل فيه أنواع الولايات؛ من القضاء والشهادات, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وتنظيم العلاقات بين الدول.

القسم الثالث: ويدخل فيه الجهاد والحدود والتعزيرات والقصاص والسبق والرماية.

القسم الرابع: ويدخل فيه الغصب وإحياء الموات والأطعمة والأشربة والصيد والذباحة.

وفي الخامس(1)؛ يدخل تنظيم العلاقات مع ما يكون حول الإنسان وتحديدها إمّا أنْ يكون بين أفراد الإنسان بعضهم مع بعض, أو مع الحيوان, أو مع الجماد, ويدخل فيه الجعالات, والرفق والعنف, واستغلال المعادن والأراضي والآثار, واستعمال المواد الحياتية والتعامل معها, وغيرها من الموضوعات المستحدثة؛ كالفضاء والبيئة والإقتصاد وغيرها مِمّا هو كثير.

ص: 78


1- أي الخامس من الأقسام الرئيسة.

وهذا التقسيم يسلم من الإشكالات التي أوردت على غيره, وفيه يتحقق جميع مقومات الفقه مِمّا تقدم البحث عنها من الغرض والموضوع والمتعلق. فإنَّ منمراعاة جميع ذلك يتحقق النظام العام ويستتبّ الأمن والأمان, وبها يحفظ الدين ومعالمه من كيد الأعداء ولا يؤول الأمر إلى الضياع والإهمال.

وهذه كلُّها هي من مهمات شريعة الإسلام وأحكامه المقدسة وفلسفة تشريعها, ومن جميع ذلك يظهر أنَّ علم الفقه هو الذي يحفظ هذه المجموعة المباركة ويبين أسرارها بالأدلة والبراهين عليها, فيعرف الإنسان أحكام دينه ويتَّضح له كيفية العمل بشرعه الحنيف, ويتبين له أبواب طاعة الله عَزَّ وَجَلَّ.

فلسفة الفقه

ذكر أحد المؤلفين المحدثين عنواناً أسماه (فلسفة الفقه), وألّف فيه كتباً متعددة يذكر فيها مجموعة من البحوث العقلية السابقة للفقه التي عبر عنها بالبحوث القبْلية, وهي تلك التي ينبغي التوصل بها إلى نتائج معينة بالبراهين العقلية, فقيل أنَّها وإنْ كانت ترتبط بعلم الكلام, ولكنها ليست من اصول الفقه وإنْ ذُكر بعضها فيه, ومن جملة ما ذكر تحت هذا العنوان: القواعد الفقهية, والمقاصد الفقهية, وضوابطها, فإنَّ هذه ليست من علم الفقه الذي موضوعه أفعال المكلفين, ولا من عوارضها. ثم أدرج فيه تعريف الفقه وموضوعه والغرض منه ومرتبته بين العلم ومبدعه ومدوّنه والقضايا المطروحة فيه ونواحيه التعليمية.

وبعبارة أخرى: إنَّ فلسفة الفقه هي مجموعة بحوث يكون موضوعها علم الفقه, نظير فلسفة الرياضيات وفلسفة الفيزياء وفلسفة الإقتصاد وفلسفة العلوم.

ومِمّا أُدرج تحت هذا العنوان مسألة وثاقة النص, وتحقيق مضمونه من حيث صحته وخطؤه, وكيفية ظهوره إلى عالم الوجود, وتحديد الصورة التي ترسمها تلك النصوص تحت تأثير

ص: 79

الدين بحيث يمكن تأسيس ركائز النظام الكوني الديني وكيفية الدفاع عنه ودفع الشبهات التي ترد على هذا النظام.

وبحثوا تحت هذا العنوان أيضاً عن النظم الأخلاقية والفقهية وتحديد معالمها في الإسلام, والدفاع عن النظام الفقهي.

والبحث عن مصادر الفقه من حيث الأسناد ومن حيث إمكان نسبة مضمون الروايات إلى المعصوم علیه السلام .

والبحث عن تحديد انتماء الأصول العملية إلى علم الفقه أو علم الأصول, والبحث عن القواعد الفقهية, وغير ذلك من البحوث التي تعتبر من العلوم القبلية لعلم الفقه.

والحقُّ أنْ يقال: إنْ كان المراد من العلوم القبْلية هي تلك الأمور التي اصطلح عليها العلماء بالمبادئ للعلوم ومنها علم الفقه, والتي قسموها إلى مبادئ تصورية, ومبادئ تصديقية, ومبادئ أحكامية والتي لها نحو ارتباط في معرفة خصوصيات ذلك العلم, والتي هي من المعارف المعروفة في كلِّ علم وإنْ كانت تختلف من حيث السعة والضيق, ولكن الجميع قد اتّفقوا على أنَّها من العلوم القبلية لعلم الفقه؛فإنْ أُريد من فلسفة الفقه هذا النوع من المعارف فهي موجودة قديماً ومورد بحث العلماء, ولكنها كانت مبعثرة في مواضع متعددة, فيكون جمعها تحت عنوان واحد أمراً حسناً في حدِّ نفسه. إلا أنَّ تسميته باسم فلسفة الفقه لم يكن مستحباً؛ لأنَّ هذه الكلمة إنَّما تطلق على معرفة معينة حاصلة عن فهم حقائق الأشياء, والمفروض أنَّ تلك المعارف مجرد مبادئ لها الدخل في معرفة العلم نفسه, فيكون في إطلاقها على تلك المبادئ من المسامحة الواضحة.

وإنْ كان المراد من الفلسفة معرفة أسرار الأحكام والتشريعات وغاياتها, كما هو ظاهر إطلاق هذه الكلمة؛ فإنَّه غير مقبول, وذلك:

ص: 80

أولاً: إنَّ الوصول إلى أسرار الأحكام وعللها ومقتضياتها أمر صعب المنال, بل قد ورد النهي عن التعمق فيها واستحصالها؛ إلا إذا ورد في الشرع ما يبين تلك فتصير من التعبديات الصرفة مثل الأحكام نفسها, نعم قد يدرك العقل بعض الحِكَم والمقتضيات ولكنَّها غير العلل, ومع ذلك يتحفظ الفقهاء في الاعتماد عليها في الأمور التعبدية حذراً من الوقوع في القياس أو الإستحسانات التي ورد النهي عنها في التراث الشيعي الإمامي.

ثانياً: إنَّ التماس علل الأحكام وأسرارها وإنْ كان مِمّا ترغب إليه النفوس ولكنه خلاف التسليم الذي هو أحد اركان الإيمان, فإنَّه قد وردت روايات متظافرة دلالتها أنَّ على العبد التسليم لربه وامتثال تشريعاته من دون السؤال والتماس العلة لها.

ثالثاً: إنَّ كل ما ذكروه في فلسفة الفقه من الأمور المتقدمة إنَّما جاءت من جهة تقييد موضوع الفقه ومتعلقه وأهدافه, وقد عرفت مفصلاً عدم صوابه؛ فإنَّ الفقه أوسع مِمّا ذكروه موضوعاً وغرضاً ومقاصدَ, فما ذكروه يندرج في علم الفقه نفسه بل يعتبر من صميم هذا العلم لا أنْ يكون من المبادئ والعلوم القبلية له, فكان الأجدر بهؤلاء تجديد النظر فيما ذكره العلماء في الفقه وموضوعه وأهدافه وتحديد موقعه من بين العلوم بدلاً من تأسيس علم جديد لكي يُلتمس له الأعذار في ارتباطه بعلم الفقه.

رابعاً: إنْ كان المراد من فلسفة الفقه التماس بعض الوجوه العقلية للأحكام والتشريعات فهو مردود بالنصوص المتواترة التي تدل على (إِنَّ دِينَ الله لَا يُصَابُ بِالْعُقُولِ النَّاقِصَةِ)(1), فما أورد تحت هذا العنوان إنَّما يكون من مجرد الإستحسان العقلي الذي دلَّت النصوص على النهي عنه.

ص: 81


1- بحار الأنوار (ط. بيروت)؛ ج2 ص303.

فالصحيح ما ذكرناه من الرجوع إلى علم الفقه نفسه وتجديد النظر فيما وصل إلينا من العلماء الماضين رحمهم الله تعالى أجمعين؛ في تعريفه وموضوعه ومتعلقه ومقاصده وأهدافه وتحديد موقعه, فإنَّه علم عظيم, وشأنه كبير, ومنزلته رفيعة.ويختلف العلم الحاصل منه عن سائر العلوم, وبه يتحدد النظر الديني إلى ما في الكون, وعن طريق علم الفقه يمكن الجواب عن كثير من الشبهات الحاصلة من ناحية الولاية التشريعية, وبه يتحدد موقع الإنسان في العالم الكياني.

كل ذلك إنَّما يحصل بالنظر الدقيق في الأدلة الشرعية الواصلة إلينا, والقراءة الصحيحة في مضامينها, والتفكر الصحيح البعيد عن النزعات الرديئة, والأهواء الباطلة, فإنَّ الإسلام دين عقيدة وعمل؛ قد لاحظ جميع الجوانب وعالج جميع المشاكل.

ومن جميع ذلك يظهر وجه الإشكال في تأسيس علم جديد أيضاً, وهو المسمّى ب-(علم مقاصد الشريعة), الذي دعا إليه بعض الكتّاب المحدثين, والذي هو موجود في الفقه السني, باعتبار أنَّ هذا العلم يحفظ للناس دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم؛ والتي تعتبر الأصول الخمسة المعروفة, فكلُّ ما يوجب حفظها يعتبر مصلحة, وكلُّ ما يوجب المضرَّة بهذه الأصول يعتبر مفسدة ويكون دفعها مصلحة.

وقال بعضهم إنَّ أهمية البحث عن مقاصد الشريعة تظهر في الأهداف التي تترتب عليه ثم ذكر أنَّها ستة اهداف. وقد عرفت أنَّ هذا البحث داخل في صميم علم الفقه, وإنَّ تلك الأهداف هي من أهداف علم الفقه, فراجع ما ذكرناه آنفاً.

وقد تعدّى بعض الكتاب عن ذلك, وراح يبحث عن أمور عقلية وأغراض شخصية ويجعلها من مقاصد الشريعة, فالتبس الأمر عليهم. وتقدم أنَّها باطلة؛ فهي ترجع إلى الإستحسانات التي ورد النهي عنها؛ فراجع.

ص: 82

مصادر التشريع ومدارك الأحكام

اشارة

لا ريب في أنَّ أهم مصدر لجميع الأحكام والتشريعات في هذا الدين هو الكتاب الكريم والسنة الشريفة, وقد اتفق عليهما جميع المسلمين ولكن الإمامية أضافوا إليهما الإجماع والعقل, وأما غير الإمامية فقد أضافوا إلى الثلاثة الأُوَل(1) القياس والإستحسان ومطلق الظن, إلا أنَّ روايات أهل البيت علیهم السلام منعت عنها منعاً باتاً.

ولا إشكال في أنَّ طريقة الإستنباط من الأدلة إنَّما يكون في استخراج القواعد والقوانين والأحكام منها ثم تطبيقها على مصاديقها, وقد اهتمَّ علماء الإمامية بتلك القواعد والقوانين إهتماماً بليغاً وأفردوها في كتب خاصة, ومن تلك التصنيفات كتاب (القواعد والفوائد) للشهيد الأول, وكتاب (تمهيد القواعد) للشهيد الثاني, وكتاب (عوائد الأيام) للمولى محمد مهدي النراقي, وقد توسّع المتأخرون في هذا الموضوع فألفوا كتباً نافعة فيه ككتاب (القواعد الفقهية) للسيد البجنوردي قدس الله أسرارهم, وغير ذلك من الكتب.وهم وإنْ اختلفوا في عددها بين مُقلٍّ ومُكثر لكنه غير ضائر, وقد جمع السيد الوالد قدس سره اكثر من مائة قاعدة في رسالة منفردة وتطرق في كتابه (مهذب الأحكام) إلى الكثير منها بالبحث والتحقيق.

وتمتاز هذه القواعد بأمور:

1- إنَّها تشتمل على عبارات وجيزة فصيحة بليغة أكثرها مأخوذة من كلمات المعصومين عليهم الصلاة والسلام؛ الذين هم أبناء من كان أفصح من نطق بالضاد.

2- إنَّها كليات تنطبق على مصاديق كثيرة ويدخل تحتها أفراد عديدة.

3- سهولة حفظها ودراستها.

ص: 83


1- القرآن والسنة والإجماع.

4- إنَّها تشتمل على معانٍ دقيقة.

5- إنَّ معرفتها تسهل الوصول إلى الحكم الشرعي بل إنَّ فقاهة المجتهد إنَّما تظهر في كيفية تطبيقها وسهولة إرجاع الفروع إلى الأصول والقواعد حتى قال الأصوليون: (إنَّ الأعلم من الفقهاء هو الذي يتمكن من ردِّ الفروع إلى الأصول وتطبيق القواعد عليها بدقَّة).

وغير ذلك من المميزات التي ذكروها في كتبهم.

والكلام في مصادر التشريع ومدارك الأحكام قد استوفاه الأصوليون في كتبهم الأصولية مفصلاً. إلا أنَّ الذي نريد البحث عنه في المقام هو ما يتعلق بالعرف والعادة الذي يعتبره جمع من العلماء من المصادر ويعتمدون عليهما في الفقه كثيراً؛ لا سيما في تشخيص الموضوعات التي لم يرد فيها نص شرعي معين.

العرف والعادة

إختلف العلماء في الاعتماد على العرف؛ ففي الفقه السنّي يكون مصدراً يعتمد عليه في تعيين الحكم واعتبروه من مصادره, وكذلك في القانون المدني فإنَّه يعتبر مصدراً من مصادر الأحكام.

بينما ذهبت الإمامية إلى أنَّ الإعتماد عليه ينحصر في تشخيص موضوعات الأحكام وتحديد مداليل الألفاظ. وأمّا في عصرنا فقد اعتبر علماء الإقتصاد العرف هو الأساس في قوانينهم.

ولتوضيح الأمر يستدعي البحث فيه عن جوانب عديدة:

الجانب الأول: تحديد معنى العرف

العرف بالمعنى اللغوي

ص: 84

العُرف (بضم العين)؛ ذكر له علماء اللغة له معنيين, ومصاديق كثيرة لهما؛ فقيل إنَّه تارةً يأتي بمعنى التتابع, ومنه عُرف الفرس, وسمي بذلك لتتابع الشَعر عليه, ويقال: جاء القطا عُرفاً عُرفاً, أي بعضها خلف بعض.وأخرى يأتي بمعنى المعرفة والعرفان؛ يقال: عَرَف فلان فلاناً عرفاناً ومعرفةً, وهذا أمر معروف. ومن هذا الباب العَرْف وهو الرائحة الطيبة, لأنَّ النفس تسكن إليها. والعَريف هو القيّم بأمر قوم قد عَرَف عليهم, لأنَّه عُرف بذلك.

والمعرفة والعرفان إدراكٌ للشيء بتفكر وتدبّر لأثره, وهو أخصّ من العلم, ويضاده الإنكار, فيقال: فلان يعرف الله ولا يقال يعلم الله, ويقال: الله يعلم, ولا يقال: يعرف.

والصحيح؛ إنَّ أصل المادة يأتي بمعنى الإطّلاع على الشيء والعلم بخصوصياته وآثاره, فتكون المعرفة تمييز الشيء عمّا سواه وعلماً بخصوصياته, فتكون أخصّ من العلم, فكلُّ معرفة علم ولا عكس. وجميع ما ذكر يرجع إلى هذا الأصل, فيكون من مصاديق هذه المادة الإعتراف: وهو إظهار المعرفة, وهو يقرب من الإقرار.

ومعارف الأرض والأعراف هي الأمكنة التي تميزت عمّا سواها.

والمعروف الذي يُعرف ويطلع عليه ويتميز عمّا سواه مقابل المنكر المجهول من جهة الآثار.

والعرف: هو ما يبدو ويعلو ويُعرف في قبال النُكر, فكِلا المعنيين يرجعان إلى أصل واحد, فلا يكون في البين اشتراك أو حقيقة ومجاز.

والحاصل؛ إنَّ العرف هو الظاهر البادي المعروف الذي تتلقاه العقول السليمة بالقبول, وإليه يشير قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)(1) أي: تقبّل من الناس ما يسهل التناول منهم, والميسور عليهم من خلائقهم دون تكلف ومشقة. نظير

ص: 85


1- سورة الأعراف؛ الآية 199.

قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)(1) أي ما يسهل عليهم إنفاقه, وأمرهم بما هو المعروف المألوف الذي تتلقاه العقول السليمة بالقبول.

العرف بالمعنى الإصطلاحي العلمي

وقد ذكروا له تعريفات عديدة لا يخلو أكثرها من نقاش:

1- ما ذكره مصطفى الزرقاء(2) من أنَّه: (عادة جمهور قوم في قولٍ أو عملٍ), والمستفاد من هذا التعريف أنَّ العرف لا يتحقق في أمر إلا إذا كان مطّرداً بين الناس في المكان الجاري فيه, وأنْ يكون معظم أهل هذا العرف يرعاه ويجري على وفقه.

وبعبارة؛ يشترط في تكوين العرف اعتبار مشترك بين الجمهور, وإلا خرج عن العرف وصار تصرفاً فردياً, ومن أجل هذا يسمى العرف عادة أو تعاملاً, وعلى هذا الأساس وضعوا القاعدة المعروفة وإنَّما تعتبر العادة إذا اطّردت أو غلبت.

2- تعريف الجرجاني: (العرف ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطبايع بالقبول)(3).

ويرد عليه بأنَّه قد أخذ شهادة العقول وتلقي الطبايع له بالقبول في مفهوم العرف, ومن المعلوم أنَّ الأعراف تتفاوت وتختلف باختلاف الأعصار والأمصار.

وعليه؛ يستلزم اختلاف العقول والطبايع السليمة باختلافها؛ إلا أنْ يراد من هذا القيد إخراج الأعراف الفاسدة, وهو بعيد؛ إذ التعريف يشملها.

ص: 86


1- سورة البقرة؛ الآية 219.
2- في كتابه المدخل الفقهي العام؛ ج1 ص131.
3- التعريفات؛ ص64.

3- قال الأستاذ علي حيدر: (العادة هي العرف, وهي الأمر يتقرر بالنفوس ويكون مقبولاً عند ذوي الطبايع السليمة بتكراره المرة بعد المرة)(1). وقريب منه تعريف ابن عابدين وغيره.

والإشكال عليه هو مثل الإشكال على سابقه.

4- تعريف الأستاذ عبد الوهاب خلّاف: (العرف ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك ويسمى العادة)(2).

وهو وإنْ سلم من الإشكال المزبور لكن لا بُدَّ من إخراج بعض الأعراف منه كما يأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.

5- وقال بعضهم: (العادة عبارة عمّا يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المقبولة عند الطبايع السليمة)(3).

6- وقال آخرون: (العادة الأمر المتكرر ولو من غير علاقة عقلية)(4).

وغير ذلك من التعاريف.

وأقرب التعاريف ما ورد في التعريف الأول من أنَّه تكرار العمل عند طائفة أو أمّة من العقلاء؛ هو والعادة على حدٍّ سواء.

هذا ولكن الصحيح أنْ يقال بأنَّ المقصود من العرف هو واقعه وليس مفهومه فقط, فلا بُدَّ من الرجوع إلى واقعه الذي يتحرك في معاملات الناس وتعاملاتهم بعضهم مع بعض؛

ص: 87


1- الإجتهاد؛ ص81.
2- علم أصول الفقه؛ ص95.
3- وهو عمر بن اسحاق بن احمد الهندي الغزنوي في شرح المغني في أصول الفقه للشيخ جلال الدين عمر ابن محمد الخبازي الخجندي؛ على ما نقله التهاوني في كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم؛ ج2 ص1156.
4- نقله جيرار جهامي في الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي؛ ج1 ص1684؛ عن اميرپاد شاه في كتاب أصول الفقه.

كي نستخلص تعريفه, وذلك لأنَّه ينشأ ويتكون من تواضع وتعارف الناس على عادة معينة ويتخذونها سُنَّة يسيرون عليها, وتنظيماً ينظّم علاقاتهم الإجتماعية والإقتصادية بحيث يعدّون هذه السُنَّة أمراً ملزماً لهم يُرتبون عليه جميع الآثار والنتائج ولا يجوز لهم مخالفته والخروج عنه.

ومن ذلك يظهر أنَّه لا بُدَّ في العرف من عنصرين يكون بهما قوامه وهما:

1- العادة.

2- الإلزام.

فلا تعتبر كلُّ عادة من العرف إلا إذا كان لها سلطان على الناس يمنعهم من الخروج عليها.

وعلى ضوء ذلك يتبين أنَّ العادة: هي السلوك فعلاً أو قولاً أو تركاً.

والإلزام: هو السلطان الذي يلزم الناس باتباعها والقيام بترتيب آثارها ونتائجها, فيتكون العرف من ركنين أساسيين:

أحدهما مادي: وهو إطّراد العمل بسُنَّة معينة والإعتياد عليها.

والآخر معنوي: وهو الإعتقاد في لزوم هذه السنة وعدم جواز الخروج عنها.

ومن باب التسامح كثيراً ما يطلق الفقهاء لفظ العرف ويريدون به الناس أو يفسرونه بالناس, وهم يعنون العادة المرعية المشار إليها.

وهذا التعريف العلمي للعرف المشتمل على عنصري العادة والإلزام عام يشمل الأعراف الصحيحة والأعراف الفاسدة.

ومن أجل إخراج القسم الثاني لا بُدَّ من إضافة عنصرين آخرين إليهما, وهما: عنصر الإمضاء, وعنصر عدم المخالفة على ما سيأتي بيانه في ذكر التقسيمات الفقهية للعرف وبيان الرأي

ص: 88

الفقهي فيه, وبهما تتمّ مقومات العرف فقهياً, وحينئذٍ يتم استخلاص التعريف الفقهي له واختصاصه بالصحيح فقط.

ثم إنَّ الكلام يقع في العرف في القانون, وفي الفقه السني, وفي الفقه الإمامي ثالثاً.

العرف في القانون

اشارة

أولاً: العرف في القانون.

ذكرنا أنَّ العرف في القانون المدني له أهمية كبيرة, لأنَّه المصدر الوحيد للتشريعات الوضعية ولذلك عدَّه علماء القانون من أقدم مصادره, فقالوا: إنَّه في الجماعات الأولى قبل نشوء الدولة ووجود هيئة تشريعية اضطرَّ الأفراد تحت ضغط الحاجات والظروف إلى إيجاد قواعد تسدّ مطالبهم الإقتصادية وحاجاتهم الإجتماعية ومشاربهم الخُلُقية.

وليست القوانين المكتوبة الصادرة من الحكام أي القواعد القانونية التشريعية التي يحدثنا التاريخ عنها كقانون حمورابي سنة (2000 قبل الميلاد) والألواح الإثنا عشر الرومانية المعروفة؛ إلا مجرد تدوين لتلك القواعد العرفية التي كان معمولاً بها.

وبعد تقدم الجماعة وتطورها ظهرت مصادر أخرى إلى جانب العرف, كالدين ثم التشريع الذي يحتل الصدارة بالنسبة إلى جميع المصادر, ويقصد به -قانونياً-: إجتهاد المشرعين القانونين في تأسيس القواعد القانونية.

العرف في أصول الفقه السنيّ

ثانياً: العرف في أصول الفقه السنيّ.

ذكرنا بعض تعريفات العرف في أصول الفقه السنيّ, وقلنا أنَّ الشيخ خلّاف قال في كتابه أصول الفقه: (العرف: هو ما تعارفه الناس وساروا عليه من قول أو فعل أو ترك), ولا بُدَّ من تطبيقه على ما ذكرناه وإنْ لم يسلم من الإشكال.

ص: 89

تقسيمات العرف عند أهل السنة.

الأول: قُسِّم العرف في أصول الفقه السُنِّي إلى صحيح وفاسد, والصحيح -كما يُعرِّفه الشيخ خلّاف- (وهو ما لا يعارض دليلاً شرعياً ولا يبطل واجباً ولا يحل محرماً كتعارف الناس تعجيل مقدار من المهر وتأجيل مقدار منه)(1).

ويعرّف الفاسد بأنَّه: (هو ما يعارض دليلاً شرعياً, ويبطل الواجب أو يحلّ المحرم كتعامل الناس بالربا أو المقامرة أو تبرج النساء أو غير ذلك من المنكرات التي اعتادها الناس)(2).

الثاني: تقسيم الصحيح إلى قسمين:

1- العرف العملي: مثل تعارف الناس البيع بالتعاطي.

2- العرف القولي: ويسمى اللفظي أيضاً, وهو مثل تعارف الناس إطلاق لفظ (الولد) على الذكر دون الأنثى.

الثالث: تقسيم العرف إلى قسمين آخرين هما:

1- العرف العام: ويعرّفه الشيخ الزرقاء بأنَّه: (الذي يكون فاشياً في جميع البلاد بين جميع الناس في أمر من الأمور.

ويمثّل له ب-(الإستصناع) في كثير من الحاجات واللوازم من أحذية وألبسة وأدوات وغيرها, فإنَّ الناس قد احتاجوا إليه ودرجوا عليه من قديم الزمان)(3).

2- العرف الخاص: ويعرفّه أيضاً بأنَّه: (الذي يكون مخصوصاً ببلد أو مكان دون آخر, أو بين فئة من الناس دون أخرى, ويمثّل له ب-(عرف التجار) فيما يعدُّ عيباً

ص: 90


1- علم أصول الفقه؛ ص95.
2- المصدر السابق.
3- المدخل الفقهي العام؛ ص848.

ينقص الثمن في البضاعة المبيعة, أو لا يعدُّ عيباً. أو كعرف في بعض البلاد أنْ يكون ثمن بعض البضائع المبيعة بالجملة مقسطاً إلى عدد معلوم من الأقساط).

حكم العرف عند أهل السنة

المعروف عندهم أنَّ العرف في الشرع له اعتبار, بل يعتبرون العرف الصحيح شريعة محكمة.وقد بنى (مالك) كثيراً من أحكامه على عمل أهل المدينة. وأمّا (أبو حنيفة) وأصحابه فقد اختلفوا في أحكامهم تبعاً لاختلاف أعرافهم.

و(الشافعي) لما سكن مصر غيَّر بعض الأحكام التي كان قد ذهب إليها وهو في بغداد, لتغير العرف هناك. ولهذا كان له مذهبان؛ قديم وجديد.

وقال الشيخ خلّاف: (أمّا العرف الصحيح فتجب شرعاً مراعاته في التشريع وفي القضاء, فعلى المجتهد أنْ يراعيه في استنباطه, وعلى القاضي أنْ يراعيه في قضائه ... لأنَّ المقصود من التشريع تدبير شؤون الناس بما يكفل مصلحتهم والعدل بينهم وما دام عرفهم جارياً على فعل أو ترك في تعاملهم ومتّفقاً ومصلحتهم, وليس فيه معارضة الشرع فتجب مراعاته)(1).

فالشارع راعى الصحيح من العرف في التشريع, ففرض الدية على العاقلة, وشرط الكفاءة في الزواج واعتبر العصبة في الولاية والارث.

وعلى ذلك ترى أنَّ في فقه الحنفية أحكاماً كثيرة مبنية على العرف, منها:

* إذا اختلف المتداعيان ولا بينة لأحدهما؛ فالقول لمن يشهد له العرف.

* إذا لم يتفق الزوجان على المقدم والمؤخر من المهر؛ فالحكم هو العرف.

* من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً؛ لا يحنث بناءً على العرف.

ص: 91


1- [1]علم أصول الفقه؛ ص95-96.

* المنقول يصحّ وقفه إذا جرى به العرف.

* الشرط في العقد يكون صحيحاً إذا ورد به الشرع, أو اقتضاه العقد, أو جرى به العرف.

وقد ألّف ابن عابدين رسالة في هذا الموضوع سماها (نشر العرف فيما يبنى من الأحكام على العُرف).

ومن العبارات المشهورة في هذا المعنى عندهم:

* المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.

* الثابت بالعرف كالثابت بالنص.

* العرف شريعة محكمة.

وسيأتي مناقشة ما ذكروه في البحث الآتي.

العرف عند الإمامية

اشارة

ثالثاً: العرف عند الإمامية.

ذكر علماء الإمامية العرف في كتبهم الفقهية كثيراً, واستعرض الشيخ محمد بن أبي جمهور الاحسائي رحمه الله موضوع العرف في كتابه (الأقطاب الفقهية), فقد تحدث في ضمن القطب الثامن عن العادة وموقف فقه الإمامية منها, ولكنه بعرض مختصر.وقد تناوله الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء قدس سره بالبحث في معرض نقده لبعض القواعد التي تضمنتها (مجلة الأحكام العدلية) وهي:

· العادة شريعة محكمة.

· إستعمال الناس حجة يجب العمل بها.

· المعروف عرفاً كالمشرط شرطاً.

· التعيين بالعرف كالتعيين بالنص.

· لا ينكر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان.

ص: 92

وقد أوضح الرأي الإمامي في هذه القواعد التي حررها بما يلتقي وقواعد الفقه عند الإمامية.

وقد استعرض السيد محمد تقي الحكيم قدس سره العرف في صدد بيان أدلة الأحكام وناقش الرأي السني في التأصيل والتفريع. وتعرض غيرهم من علماء الإمامية إلى العرف في الفكر الإمامي وفرَّقوا بين الرأي السني والرأي الإمامي في مجال الحجية والإعتبار.

وتحقيق الكلام في ذلك يقتضي البحث عن نقاط مهمة تمسّ الموضوع الذي نبحث فيه, وهي:

الموارد التي يرجع فيها إلى العرف

النقطة الأولى: الموارد التي يرجع فيها إلى العرف, وهي:

· المورد الأول: تعيين الأحكام

لا ريب أنَّ الرجوع إلى العرف باعتباره دليلاً يستفاد منه الحكم الشرعي على القول به لا بُدَّ أنْ يكون في الموارد التي لم يرد فيها نص شرعي يبين الحكم ويوضحه, وإلا فلا مجال للرجوع إلى العرف فيها, والظاهر أنَّ هذا مورد الإتّفاق بين الجميع.

وأمّا الموارد التي لم يرد فيها نصٌّ شرعي كذلك مثل عقد الإستصناع وعقد الفضولي فإنَّ العرف لا ينهض دليلاً في رأي الإمامية إلا في موردين:

أحدهما: إذا ارتفع العرف إلى بناء العقلاء الكاشف عن رأي المشرع الإسلامي الذي هو سيد العقلاء ورئيسهم.

والآخر: الإرتفاع إلى السيرة القطعية المتَّصلة بعصر التشريع الإسلامي الكاشفة عن إمضاء المُشرِّع الإسلامي.

وحينئذٍ يدخل العرف في هاتين الحالتين تحت عنوان السنّة؛ التي هي أحد مصدري التشريع كما تقدم بيانه.

وعليه؛ فليس العرف بنفسه عند الإمامية دليلاً شرعياً يستفاد منه الحكم.

ص: 93

· المورد الثاني: في تعيين مفاهيم الموضوعات الشرعية

لا ريب أنَّ المفاهيم التي ورد النص الشرعي في تعيينها وتحديدها لا مجال للرجوع إلى العرف فيها بعد التعبد الوارد من الشرع, وهو أيضاً متّفق عليه عند الجميع.

وأمّا إذا لم يرد في تشخيص المفاهيم نص شرعي يحددها مِمّا يدل على أنَّ المشرع الاسلامي أَوكَلَ أمر تحديدها إلى العرف باعتبار كونها مفاهيم عرفية, مثل: (الصعيد) و(القرء) وغيرهما مِمّا أخذ في لسان الأدلة موضوعاً لحكم شرعي.

ففي مثل هذه الموارد يقول ابن أبي جمهور الأحسائي قدس سره: (وحكم العادة عُمل به كثيراً, إذ عادة الشرع ردّ الناس فيما لم يرد فيه نص إلى عرفهم وعاداتهم, كالمكيال والميزان والعدد). وهو يعني أنَّ في الموضوعات التي لم يرد فيها نصّ من الشرع يحدد معناها ومفهومها فإنَّه يرجع فيها إلى العرف, كما في تشخيص مفهوم الغناء, وتعيين وحدات الوزن والكيل ونظائرهما, وقال السيد محمد تقي الحكيم: (والظاهر أنَّ بعض الأحكام إنَّما وردت على موضوعات عرفية, فتشخيص مثل هذه الموضوعات مِمّا يرجع به إلى العرف)(1).

والظاهر أنَّه لا اختلاف بين الرأي الإمامي والرأي السني في مثل هذا القسم, وكثيراً من الأمثلة التي ذكرت في الفقه السني ترجع إليه. وفي هذا القسم يتحقق تفاوت الأحكام بتفاوت موضوعاتها الناشئ من اختلاف الأعراف باختلاف الأعصار والأمصار والبيئات.

ومن هذا القسم مصاريف الزكاة التي ذكرتها الآية المباركة(2), فإنَّ أكثر موضوعاتها عرفية. فالفقير-مثلاً- هو الذي لا يملك قوت سنته قوة أو فعلاً, فإنَّه تتفاوت مصاديقه بتفاوت الأعراف في تحديد القوت.

ص: 94


1- الأصول العامة في الفقه المقارن؛ ص422.
2- قال تعالى:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [سورة التوبة؛ الآية 60].

كذلك الأمر في (سبيل الله) فإنَّه يتفاوت بتفاوت درجات ثقافة الأمة وحضارتها ومستواها, فإذا كانت الأمة تحتاج إلى قناة فضائية مثلاً أو مركبة فضائية لضرورتها الحضارية التي لا تتنافى مع الشريعة, أو التي تستخدم لخدمة الدين, أو تستخدم برامجه في خدمة الإنسان ورفع مستواه الخُلُقي والإجتماعي الذي تدعو إليه الشريعة في تعاليمها, فإنَّه لا ينبغي شك في أنَّ ذلك من مصاديق سبيل الله الذي هو أحد مصاديق الأموال الزكوية, الذي هو عنوان عام شامل يسدّ كلّ حاجة عامة مشروعة.

والظاهر أنَّ العرف الذي يكون مرجعاً في هذا المجال إنَّما يرجع إلى كشف السيرة القطعية عن وقوع هذا الإعتبار تحت إقرار المشرع الإسلامي.· المورد الثالث: العرف الذي يرجع إليه لاستكشاف مرادات المكلفين عند إطلاقهم الألفاظ؛ سواء كان المتكلم هو الشارع أم غيره

وتحت هذا القسم تنتظم مرادات الشارع بالنسبة إلى الدلالة المطابقية أو الإلزامية بالنسبة إلى كلامه إذا كان منشأ الدلالة الملازمات العرفية؛ كحكم الشارع بطهارة الخمر إذا انقلب إلى خلّ, الملازم عرفاً للحكم بطهارة أطراف إنائه.

كما أنَّه ينتظم في هذا المورد كلّما يصلح أنْ يكون قرينة على تحديد المراد من كلامه, وهكذا. وأمّا بالنسبة إلى استكشاف مرادات الناس فيدخل ضمن هذا القسم كلّ ما يرجع إلى أبواب الإقرار والوصايا والشروط والوقوف وغيرها إذا استعملت بألفاظ لها الدلالات العرفية, سواء كان العرف عاماً أم خاصاً.

يقول الشيخ كاشف الغطاء: (نعم يمكن أنْ تكون العادة قرينة ينصرف إليها الإطلاق في مقام المعاملات والاستعمالات فيحمل عليها كلام المتعاقدين لتعيين الموضوع لا الحكم, مثلاً لو كان من عادة بلد أنَّ الحمّال يحمل المتاع إلى باب الدار, فاستؤجر حمال فلا حقَّ

ص: 95

للمستأجر مطالبته بإدخال المتاع إلى داخل الدار. ولو انعكس الأمر كان له المطالبة وإنْ لم يشترط ذلك في العقد. فالعادة قرينة تقوم مقام اللفظ في تعيين المراد.

ولعل إلى هذا ترجع أيضاً قضية العرف العام والعرف الخاص, وإنَّ كلام المتكلمين يحمل على العرف العام أو العرف الخاص, وإنَّه لو تعارض العرف العام والخاص فإيّهما المقدم؟ إلى كثير من المباحث المحررة عند الأصوليين مِمّا لا طائل تحته؛ فإنَّ الإستعمالات الشخصية تختلف باختلاف الموارد, وليس هناك قاعدة كلية مطَّردة بتقديم أحدهما على الآخر, بل اللازم النظر في كل مورد وقع الشك فيه أنْ يرجع إلى الأصول اللفظية المقرّرة في تعيين المراد, فإنْ تعارضت فإلى الأصول الحكمية من البراءة والإستصحاب).

· المورد الرابع: العرف الذي يرجع إليه لاستكشاف ما يمكن الإحتجاج به

وهو بناء العرف العام كالظواهر والأخذ بقول الثقة أي ما يستكشف به الحجة الأصولية(1). وهذا القسم أيضاً لا يرقى العرف فيه إلا إذا ارتفع إلى مستوى بناء العقلاء.

ويمكن أنْ يكون الفرق بين هذا القسم والقسم الأول بأنَّ هذا القسم يشير إلى الأصول المستكشفة, بينما يركز الأول على الفروع الفقهية, ويمكن جمعهما تحت عنوان واحد.

ومن جميع ذلك يظهر أنَّ العرف الذي يعتمد عليه في بعض الموارد التي تقدم بيانها إنَّما يصح:

* إذا كان العرف يرجع إلى السيرة القطعية أو بناء العقلاء كما في المورد الأول والمورد الثاني والمورد الرابع.

* إمضاء الشارع المقدس له بإقراره وعدم الردع عنه ليدخل تحت السنة التقريرية.

* عدم مخالفته لما هو ثابت في الشرع الحنيف.

وقد بيَّنا ذلك فيما تقدم ذكره في التعريف؛ فراجع.

ص: 96


1- الأصول العامة في الفقه المقارن؛ ص423.
تحديد دلالة العرف

النقطة الثانية: في تحديد دلالة العرف.

إختلف علماء أهل السنة في أنَّ العرف أصل من أصول الفقه مستقل بذاته أو أنَّه مندرج ضمن أصول أخرى, على أقوال:

1- إنَّه دليل وأصل مستقل بذاته.

2- ردُّه إلى الإجماع.

3- ردُّه إلى الإستحسان.

4- ردُّه إلى المصلحة المرسلة؛ وهو الرأي المشهور بينهم.

ولمعرفة هذه الأقوال وما قيل فيها يرجع إلى الكتب المفصلة, لا سيما (البحث الفقهي) للدكتور محمد جبر الألفي عن العرف(1).

ونحن نذكر بعض الأدلة على القول الأول على نحو الإجمال, فقد استدلُّوا عليه بوجوه:

الوجه الأول: حديث عبد الله بن مسعود: (ما رآه المؤمنون حسناً فهو عند الله حسن)(2) وعقَّب السرخسي عليه بقوله: (وتعامل الناس من غير نكير أصل من الأصول).

ويرد عليه: أولاً: إنَّ الحديث مقطوع لا اعتبار به, لاحتمال كونه قولاً لابن مسعود لا أنْ يكون رواية عن الرسول صلی الله علیه و آله و سلم .

ثانياً: إنَّ العرف لا ربط له بعالم الحسن لعدم ابتنائه عليه غالباً, فإنَّه قد يكون عرفاً غير معلّل لدى الناس أي لم يدرك العقل وجه حسنه, فيكون الدليل أضيق من المدَّعى.

ثالثاً: إنَّه ليس كلّ حسن عند الناس هو حسن واقعاً أو شرعاً, وإنْ كان العمل به حسناً مداراة أو مجاملة مع أبناء الجنس الواحد أو أبناء قومه ووطنه.

ص: 97


1- المنشور في العدد الخامس من مجلة مجمع الفقه الإسلامي لسنة 1409ه- -1988م؛ ص3273- 3276.
2- مسند الدارمي (سنن الدارمي)؛ ج1 ص82.

الوجه الثاني: ما ذكره بعضهم من أنَّ ما يتعارفه الناس من قول أو فعل يصير من نظام حياتهم وحاجاتهم.

ويرد عليه بأنَّه لا يصلح دليلاً لاستكشاف الحكم الشرعي منه, فإنَّه ليس من الأدلة ما يسمى بنظام الحياة فإنَّه يحتاج إلى إمضاء شرعي, إذ كم من عادة قدحكم الإسلام ببطلانها واستأصلها من المجتمع وبقيت أخرى يعاني المجتمع الإسلامي منها.

الوجه الثالث: إنَّ المشرع الإسلامي في تشريعاته قد راعى العرف في بعض أحكامه, كوضع الدية على العاقلة, واشتراط الكفاءة في الزواج ونحو ذلك.

ويرد عليه ما ذكرناه آنفاً على الوجه السابق من أنَّه إذا رجع إلى السيرة القطعية فإنَّ الشارع قد أمضاها فتكون حجة من جهة السُنَّة التقريرية كما عرفت سابقاً؛ فراجع.

أمّا عند الإمامية, فقد عرفت أنَّ العرف ليس بأصل مستقل بذاته, إذ لم يرد ما يدلُّ على ذلك.

وحينئذ فإنَّه إمّا أنْ يُرَدُّ إلى بناء العقلاء, أو يُرَدُّ إلى السيرة القطعية. وحينئذٍ لا يكون دليلاً مستقلاً, فنكون نحن معاشر الإمامية في غنى عن إثارة البحث في أدلَّة حجيته.

ولا خلاف في ثبوت كشف بناء العقلاء والسيرة القطعية عن السُنَّة الشريفة, وقد بحث الأصوليون عن حُجّيَّتَيهما في أصول الفقه فراجع.

ومن جميع ذلك يظهر أنَّ ما ذكره علماء القانون, وفقهاء الجمهور في هذا الموضوع لم يستند إلى دليل يصح الإعتماد عليه وما ذكروه قابل للمناقشة.

بيان النتيجة التي يمكن تحصيلها من البحوث السابقة

النقطة الثالثة: في بيان النتيجة التي يمكن تحصيلها من البحوث السابقة.

أولاً: إنَّ الفكر الإمامي يقسم العرف إلى:

1- عام؛ وهو عرف أبناء المجتمع عامة على اختلاف طبقاتهم ومميزاتهم.

2- خاص؛ وهو عرف أهل الخبرة في كلِّ مجالٍ من مجالات الحياة.

ثانياً: العرف يعني العادة الإجتماعية الملزمة والمقررّة شرعاً.

ص: 98

ثالثاً: العرف عند الإمامية إنَّما يُرجع إليه في تشخيص الموضوعات التي لم يرد في الشرع ما يحدِّدها أو كلّ ما أَوكَلَ الشرع تحديدها إلى العرف؛ كما تقدم بيانه.

رابعاً: إنَّما يرجع العرف بصفته قرينة في تعيين مرادات المتكلمين.

خامساً: إنَّما مثل هذا العرف يعتمد عليه في مجال المعاملات المالية, والإقتصاد الإسلامي؛ كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى.

سادساً: إذا اختلفت الأعراف في الموارد التي يُرجع فيها إلى العرف كما بيَّناه فإنَّه يُرجع إلى العرف العام إنْ كان, وإلا يرجع إلى العرف الخاص في ذلك المجال. وإنْ لم يكن؛ فالمرجع الأصول الحكمية من البراءة أو الإستصحاب.

سابعاً: ذكرنا في أول بحث العادة والعرف أنَّهما أساس القانون الإقتصادي, وإنَّهما يختلفان عندهم زماناً ومكاناً وليس لهما إستقرار دائماً, بل ربَّما يختلف العرف حسب المصالح الإقتصادية والأغراض المالية عندهم.وعليه؛ لا بُدَّ من تحقيق الأمر في مثل هذه الأعراف الإقتصادية وتطبيقها على ضوابط الشرع الحنيف. ومن أمثلة ذلك: النقد الذي جرت العادة والعرف على ربطه بالذهب, ثم تبدلت هذه العادة في سياسات الدول.

هذا ما أردنا ذكره في بحث العرف, والتفصيل مذكور في أصول الفقه.

عمومية الأحكام الشرعية لجميع أفراد الإنسان, وشموليتها لجميع حالاتهم

من البحوث المهمة في الفقه الإسلامي إثبات تعميم الأحكام الشرعية لكلِّ أفراد الإنسان وشموليتها لجميع حالاتهم؛ فإنَّ عظمة التشريع الإلهي تظهر في مثل ذلك, وقد عبّر الفقهاء عن ذلك ب-(قاعدة الإشتراك).

وقبل الدخول في البحث عنها لا بُدَّ من بيان أمر يعتبر الأساس في التشريع الإلهي؛ وهو أنَّ الله تعالى لما خلق الإنسان وقد تعلقت إرادته الأزلية أنْ يكون خليفته في الأرض,

ص: 99

وتعتبر الخلافة من أهم المهام وأعظمها التي حملها الإنسان, وهي الأمانة الكبرى التي تميَّز بها عن سائر مخلوقات الله عَزَّ وَجَلَّ, وإنْ كان الإنسان قد جهل بأنَّها عظيمةٌ آثارها, وإنَّها من أعظم الكمالات التي ينبغي الإتّصاف بها؛ لما لها من الأثر الكبير في حياته المادية والمعنوية, وهذه المنزلة الرفيعة لا يمكن أنْ تحلّ في فرد إلا إذا كان فيه الإستعداد الخاص لتحملهّا والقابلية الكاملة لها.

فإنَّ في هذه الخلافة ظهرت عظمة الخالق في خلقه للإنسان , فقد خلقه مؤهلاً لنيل هذه الموهبة الإلهية, وهذه الأهلية لم تكن محددة بجانب معين, بل شملت جميع الجوانب التي لها الدخل لمثل هذه المنزلة العظيمة وهي الخلافة الإلهية. ومن تلك المؤهلات أنَّ الإنسان تشرف بأنْ وقع مورد عناية البارئ؛ فجعله محوراً لتكاليفه الشرعية, وخوطب بالتشريعات الإلهية التي لم يكن الغرض منها إلا جعله في سلم الكمال, والفوز بالسعادة العظمى, والإبتعاد عمّا يزاحمه في ذلك فيما إذا وقع الإنسان في صراع مع قوى الشر, وإبعاده عن الشقاء والخسران.

فالإنسان هو محور الكمالات التي منها التكاليف الشرعية, وقد تعلقت به من حيث هو إنسان؛ من دون النظر إلى الأفراد المتفاوتين في الخلقة والصفات والنفسيات والحالات, فهو موضوع تلك العناية الإلهية, وهو محور التشريعات؛ ومن أجله شرَّعها الله تعالى.

وعلى هذا الأساس اعتمد الفقهاء في تأسيس قاعدة الإشتراك المعروفة عندهم والتي لها تطبيقات متعددة:

1- إشتراك النساء مع الرجال في الأحكام الإلهية.

2- إشتراك الغائبين مع الحاضرين في مجلس الخطاب.

3- إشتراك الكفار مع المسلمين في الخطابات الشرعية.وقد بحث الفقهاء عن كلِّ واحد منها في مواضع متعددة في الفقه وأصوله, ونحن في المقام نبحث عن الأول والثاني, وأمّا الثالث فيأتي البحث فيه إنْ شاء الله تعالى.

ص: 100

قاعدة الإشتراك

اشارة

وهي من القواعد المعروفة عند العلماء ولا يسع لأحد إنكارها ولو لم يكن دليل خاص عليها, إلا أنَّ البحث يقع في أنَّه هل نحتاج إلى هذه القاعدة في تعميم الأحكام بعد ما ذكرناه آنفاً؛ إلا ما يقال من أنَّه لو لم نقل بالإشتراك لاستلزم فقدان الشريعة حيويتها وديمومتها وتأثيرها في المجتمع الإنساني.

وهو مِمّا لا يمكن إنكاره, لأنَّه من القضايا التي قياساتها معها.

أو نقول بأنَّ الخطابات الشرعية من قبيل القضايا الحقيقية التي يرد الحكم فيها على الطبيعة المرسلة الجارية على جميع وجوداتها, فيشمل الحكم فيها جميع من ينطبق عليه عنوان الموضوع في عرض واحد وبملاك واحد, وهذ هو المستفاد من ظواهر الأدلة.

وحينئذٍ لا مُلزم للرجوع إلى قاعدة الإشتراك في تعميم الأحكام إلا إذا قلنا بأنَّ الخطابات الشرعية من قبيل القضايا الشخصية التي تختص بمواردها فنحتاج للتعميم إلى قاعدة الإشتراك؛ ولعلّ ذكر الفقهاء لها لأجل كون نظرهم إلى ذلك كما احتمله بعضهم, ولكنه بعيد ثبوتاً وإثباتاً.

ثم إنَّ الكلام حول هذه القاعدة يقع ضمن أمور:

دلالة القاعدة

الأمر الأول: في دلالة هذه القاعدة.

الخطابات الشرعية تكون على نحوين:

1- أنْ تكون على نحو العموم؛ بحيث يشمل جميع الأفراد مِمَّن ينطبق عليهم عنوان الخطاب كقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ)(1).

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)(2).

ص: 101


1- سورة الحج؛ الآية 1.
2- سورة البقرة؛ الآية 183.

وقوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلً)(1).

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(2).

وكقول نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم : (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي)(3). ونحو ذلك.

ولا ريب أنَّ موضوع هذه الخطابات إما أنْ يكون الإنسان أو المؤمن من دون اختصاص بطائفة معينة, وإذا ذكرت فيها صفة فإنَّما تكون للتشريف؛ كخطاب أهل الأيمان. وفي مثل هذا النوع من الخطاب يكفيالرجوع إلى دليله لتعميم الحكم من دون حاجة إلى الرجوع إلى قاعدة الإشتراك.

2- أنْ يكون الخطاب موجهاً إلى شخص خاص أو طائفة معينة, أو متعلقاً بمورد ومعين. ومثل هذا النوع كثير في الأخبار؛ بل إنَّ أغلبها وردت في موارد أسئلة السائلين, مِمّا يستلزم إختصاص دليل ذلك الحكم بالمخاطبين, فإذا أردنا تعميمه ليشمل غير المخاطبين فلا بُدَّ من التمسك بقاعدة الإشتراك ليكون المراد أنَّ كلَّ فرد يكون مصداقاً لما أُخذ موضوعاً لذلك الحكم, فيكون المراد من ذلك الخطاب بعد الرجوع إلى قاعدة الإشتراك أنَّ الحكم الذي رُتِّب على مصداق معين أو موضوع خاص إنَّما يشمل جميع من ينطبق عليه ذلك العنوان أو الموضوع فلم يختص بمن توجه إليه الخطاب أو من يكون موجوداً في زمن الخطاب, بل كلُّ مكلف حسب حالاته وصفاته, فإنَّ الأحكام تختلف باختلافها كما هو معلوم.

ص: 102


1- سورة آل عمران؛ الآية 97.
2- سورة الحجرات؛ الآية 13.
3- بحار الأنوار (ط. بيروت)؛ ج79 ص335, وغيره من كتب الحديث.

وذلك لا ينافي إختصاص بعض الأحكام ببعض الأفراد إذا قام الدليل عليه فإنَّ المراد بالإشتراك هو أنَّ الخطاب توجه إلى طبيعة المكلفين والأفراد مصاديق لها, وهو لا ينافي أنْ يتقيد موضوع الحكم ومتعلقه ببعض القيود أو يكون متَّصفاً ببعض الصفات فإنَّ ذلك لا يضرّ بالمطلق لأنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد وهي تختلف باختلاف القيود والصفات والطبايع والحالات التي تعرض على المكلفين, ومع ذلك فإنَّها لا تضّر بتعميم الحكم ليشمل كلّ من يتصف بها.

الدليل على القاعدة

الأمر الثاني: الدليل على هذه القاعدة

قد استُدلَّ على قاعدة الإشتراك بوجوه:

1- الإجماع القطعي على إشتراك الجميع في الأحكام, ولو كان الحكم متوجهاً إلى بعض آحاد المكلفين, وعلى ذلك عمل الفقهاء بأجمعهم فإنَّهم يستدلون بالخطابات الشرعية لتثبيت الأحكام مطلقاً من دون نكير من أحد فإذا وردت رواية يخاطب الإمام علیه السلام فيها أحد السائلين بقوله: (إغتسل), أو (أعدَّ الصلاة), ونحو ذلك فإنَّهم يعممّون الحكم لغيره بلا توقف منهم.

فإنَّ هذا الإطباق منهم على العمل يكشف كشفاً قطعياً عن رأي المعصوم علیه السلام على اتّحاد جميع المكلفين في الأحكام الشرعية فيكون متعلق الحكم هو الإنسان المتَّصف بشروط معينة كالعقل والإختيار والبلوغ وغير ذلك؛ بلا إختصاص له بزمان معين أو مكان كذلك.

وهذا هو المراد من الإشتراك, ومن أجله تمسك الفقهاء بعموم الخطاب وإطلاقه في جميع الموارد إلا إذا دلَّ دليل خاص على خلاف ذلك.

ص: 103

2- إرتكاز عامة المسلمين بل العقلاء بأنَّ حكم الله في واقعة حكمٌ للجميع, وعلى هذا الإرتكاز جرى عمل العلماء على تعميم الخطابات الشرعية وإنْ كانت واردة في واقعة معينة أو متوجهة لشخص خاص, فلم يحتمل أحد منهم بأنَّ الخطاب يختص بالسائلين أو الحاضرين في مجلس الخطاب. وهذا الإرتكاز العقلائي يكشف كشفاً قطعياً عن إمضاء صاحب الشرع له, وإلى ذلك يشير قول بعض المحققين من أنَّ القول باختصاص الأحكام بالحاضرين في مجلس الخطاب أو الموجودين في عصر المعصوم علیه السلام هدم لأساس الدين, لأنَّ القول بالإختصاص يستلزم أنْ يكون الغائبون مطلقاً لا حكم لهم وهو باطل بالضرورة, ومن ذلك يظهر أنَّ ادّعاء الضرورة على التعميم أيضاً صحيحٌ لا إشكال فيه.

3- الأخبار؛ وهي متظافرة منقولة عند الفريقين -أهل السنة والشيعة الإمامية- تدلُّ على إشتراك جميع المسلمين بكلِّ أصنافهم بل جميع أفراد الإنسان في الأحكام الشرعية إلا ما خرج بالدليل الخاص؛ نذكر بعضاً منها:

أ- ما رواه الكليني قدس سره في الكافي بسنده إلى أبي عمرو الزهري عن أبي عبد الله علیه السلام في حديث طويل قال علیه السلام : (لِأَنَّ حُكْمَ الله عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَوَّلِينَ والآخرينَ وفَرَائِضَهُ عَلَيْهِمْ سَوَاءٌ إلا مِنْ عِلَّةٍ أَوْ حَادِثٍ يَكُونُ والْأَوَّلُونَ والآخرونَ أَيْضاً فِي مَنْعِ الْحَوَادِثِ شُرَكَاءُ والْفَرَائِضُ عَلَيْهِمْ وَاحِدَةٌ يُسْأَلُ الآخرونَ مِنْ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ عَمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ الْأَوَّلُونَ ويُحَاسَبُونَ عَمَّا بِهِ يُحَاسَبُونَ)(1), وهو يدلُّ على أنَّ جميع أفراد الأولين سواء في حكم الله عَزَّ وَجَلَّ مع كلّ واحد من الآخرين, وجميع الفرائض على الأولين والآخرين واحدة, فإنَّ جميع الأمة من الأولين والآخرين في حكم الله واحد.

ص: 104


1- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج11 ص23.

ب- ما رواه الكليني قدس سره أيضاً في الكافي عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنه قال: (حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وحَرَامُهُ حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)(1), ودلالته على إشتراك جميع الناس في أحكام شريعته صلی الله علیه و آله و سلم واضحة, فإنَّ بقاء حلاله وحرامه إلى يوم القيامة وفي جميع الأزمنة يلازم كون شريعته لم تُنسخ كما يلازم كون الناس سواء فيها, وإذا دلَّ الحديث على اتّحاد أهل الزمان المتأخر مع أهل الزمان السابق في الحكم فهو يدلُّ على إشتراك أهل زمان واحد في الحكم بطريق أولى, فإنَّ مرجع ذلك إلى إلغاء الخصوصيات الزمانية ومشخصات أفراد المكلفين فيكون كلّ مكلف هو الموضوع.ومن ذلك يظهر بطلان ما يمكن الإشكال عليه بأنَّ الحديث يدلُّ على عدم نسخ شريعة خاتم الأنبياء صلی الله علیه و آله و سلم لا على اشتراك الأمة في الأحكام.

أو ما يقال بأنَّه على اشتراكهم في الحلال والحرام دون سائر الأحكام.

وهذان القولان غريبان في حدِّ نفسيهما؛ فإنَّهما كناية عن مطلق الأحكام, مع أنَّ الحلال والحرام يستوعبان سائر الأحكام كما هو واضح.

ج- الحديث المشهور عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم : (حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ)(2), فإنَّه يدل على أنَّ حكمه صلی الله علیه و آله و سلم -الذي هو حكم الله تعالى- على أحد المسلمين حكمٌ على الجميع, فإنَّ الكلَّ في الحكم سواء.

د- قول رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم المعروف: (فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ)(3), ولا ريب في دلالته على إشتراك الغائبين مع الحاضرين في مجلس الخطاب, وإذا أردنا الشهود والغيب

ص: 105


1- الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج1 ص85. وفي وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج18 ص124.
2- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج18 ص124. وفي بحار الأنوار (ط. بيروت)؛ ج1 ص58.
3- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج5 ص235.

بالمعنى الأعم فإنَّه يشمل الحاضرين في عصره صلی الله علیه و آله و سلم والغائبين الذين سيوجدون بعد عصره. فالحديث عام يشمل الغائب عن مجلس الخطاب, والغائب عن عصر الحكم فيشمل المعدومين, فيعمّ جميع المسلمين, كما هو الظاهر.

ه- ما رواه الكليني قدس سره في الكافي عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم أنَّه قال: (أُوصِي الشَّاهِدَ مِنْ أُمَّتِي وَالْغَائِبَ مِنْهُمْ وَمَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنْ يَصِلَ الرَّحِمَ)(1), والحديث وإنْ كان وراداً في صلة الرحم -سواء على نحو الوجوب أم الإستحباب-, ولكنه يشمل جميع الأحكام الشرعية والفرائض الإلهية لعدم القول بالفصل, إمّا لوحدة الملاك وهو الإهتمام بصلة الرحم فإنَّه موجود في غيرها من الأحكام, وإمّا من أجل أنَّ سياق الحديث يدلُّ على إشتراك الأمة في الأحكام الشرعية, فيكون نظير قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)(2).

وغير ذلك من الأخبار المستفيضة إنْ لم نقل بتواترها, ويمكن دعوى القطع بصدورها, وهي تدلُّ على قاعدة الإشتراك؛ فلا وجه للمناقشة في سند بعضها.

تطبيق القاعدة

الأمر الثالث: في تطبيق هذه القاعدة

لا إشكال في أنَّ هذه القاعدة بعد تمامية دلالتها تشمل جميع الأحكام الشرعية, فتجري في كلِّ مسائل الفقه وفروعه؛ فإنَّه لو لاحظنا دليل كلّ فرع فقهي نرى أنَّه يختَّص بشخص معين أو قوم كذلك, فلا بُدَّ من تعميم الحكم إلى غيرهم من الرجوع إلى قاعدة الإشتراك, فتكون موارد تطبيقها كثيرة لا تعدُّ ولا تحصى,ولوضوح ذلك لم يستدلّ الفقهاء بهذه القاعدة في تعميمهم للأحكام في كلِّ تلك الفروع.

ص: 106


1- الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج2 ص151.
2- سورة النساء؛ الآية 11.
موارد انتقاض القاعدة تخصيصاً أو تخصصاً-

الأمر الرابع: ذكر الفقهاء أنَّ هذه القاعدة قد انتقضت -تخصيصاً أو تخصصاً- في موارد كثيرة نذكر بعضها:

منها: مسألة الجهر والإخفات في الصلوات الجهرية؛ فإنَّه يجب على الرجل الجهر فيها, وعلى المرأة الإخفات.

ومنها: مسألة الوضوء؛ فإنَّه يستحب على الرجل صبُّ الماء ابتداءً على ظهر اليد, والمرأة عكس ذلك, كما هو مقتضى حديث محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا علیه السلام قال: (فَرَضَ الله عَلَى النِّسَاءِ فِي الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ أَنْ يَبْتَدِئْنَ بِبَاطِنِ أَذْرُعِهِنَ، وَفِي الرِّجَالِ بِظَاهِرِ الذِّرَاع)(1).

ومنها: الستر في الصلاة؛ فإنَّه يجب على الرجل ستر العورتين فقط, وعلى المرأة ستر تمام البدن ما عدا الوجه والكفين وظاهر القدمين.

ومنها: جواز إمامة الرجل في الصلاة للمرأة, وعدم جواز إمامتها للرجل.

ومنها: جواز لبس المرأة الذهب والحرير في الصلاة وغيرها, ويحرم لبسهما على الرجل مطلقاً.

ومنها: إختلافهما في حال الإحرام؛ حيث يجوز للمرأة التظليل ولبس المخيط دون الرجل.

ومنها: إختلافهما في صلاة الجمعة والجهاد؛ فإنَّهما يجبان على الرجل بالشروط المقررة, ولا يجبان على المرأة.

ومنها: إختلافهما في قبول توبة المرتد إذا كان الإرتداد عن فطرة, فإنَّ توبة الرجل لا تقبل من حيث الأمور الثلاثة؛ القتل, وتقسيم تركته, وإبانة زوجته, بخلاف المرأة فإنَّ توبتها تقبل مطلقاً.

ص: 107


1- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج7 ص328.

ومنها: إختلافهما في بعض الحدود؛ فإنَّ على الرجل الجزّ والتغريب في الزنا دون المرأة.

ومنها: إختلافهما في تقدير الديَّة.

ومنها: إختلافهما في الإرث وتقسيم التركة.

إلى غير ذلك من الأحكام التي لم تكن المرأة مشاركة مع الرجل فيها, وهي كثيرة مذكورة في مواضع متعددة في الفقه. وإنْ كانت هذه الموارد التي خرجت عن تلك القاعدة تختلف من حيث أنَّ خروجها إمّا أنْ يكون على نحو التخصيص, وعليه؛ فإنَّ عموم القاعدة ينخرم لأنَّ الخروج حكمي. وإمّا أنْ يكون على نحوالتخصص فلا ينخرم عمومها للخروج الموضوعي, وهنا بحث طويل مذكور في محله؛ فراجع.

قاعدة تكليف الكفار بالفروع

المشهور المعروف(1) تكليفهم بالفروع؛ بمعنى إطلاق التكاليف بالنسبة إلى الكفار, فلم يكن تشريعها بالنسبة إليهم مشروطاً بالإيمان كاشتراط الحجّ بالإستطاعة.

نعم؛ صحة العبادات منهم مطلقاً مشروطة بالإيمان, وأمّا الأمور الأخرى كالتبرعات والصدقات المندوبة, والخيرات ونحوها فلم يشترط لا في صحتها ولا في قبولها الإيمان, فيترتب عليها الأجر كما يستفاد من بعض الروايات.

وعليه؛ فإنَّ الكافر يستحق العقاب على تركه الواجبات وارتكابه المحرمات زائداً على ما يستحقه من العقاب على تركه الإسلام.

واستدلُّوا على ذلك بأمور:

الأول: الإجماع على كونهم مكلفين بالفروع, وقد ادَّعى المحقق الهمداني قدس سره في مصباحه استفاضة نقله.

ص: 108


1- وهو القول الأول في المسألة.

الثاني: عموم أدلَّة التكاليف الشامل للكفار أيضاً, حيث لم يقيد الأوامر والنواهي الواردة فيها بالإسلام بحيث يكون قيداً في طلبها, كقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)(1). وغير ذلك من النصوص القرآنية والسنة الشريفة.

الثالث: خصوص قوله تعالى: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ«43» وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)(2).

وقوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ«6» الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)(3). وغيرهما.

فإنَّ تعليل عذاب المشركين بتركهم الصلاة, وعدم الإطعام المفسَّر بترك الزكاة, وكذا ثبوت الويل لهم مِمّا هو دليل على تكليفهم بالفروع.

وقوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ«92عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ»)(4), فإنَّه يدلُّ على سؤالهم عن أعمالهم التي لم توافق أحكام الشرع التي كلفوا بها.

الرابع: إنَّهم لو لم يكونوا مكلفين بالفروع, وكانوا مِمَّن رُفع قلم التكليف عنهم لكانوا كالبهائم والمجانين, وكانت المحرمات والواجبات مباحة في حقِّهم, ولما صحَّ مسائلتهم ومؤاخذتهم على أعمالهم؛ وهذا باطل.

وقد يستشكل عليه بأنَّ تكليفهم بالإيمان يكفي في إخراجهم من البهائم وكونهم مرفوعاً القلم عنهم.

الخامس: إنَّ كثيراً من الأحكام مِمّا يدركها العقل وهو يحكم بعمومها لكلِّ مكلف, وعدم اختصاصها بصنف معين.

ص: 109


1- سورة التوبة؛ الآية 103.
2- سورة المدثر؛ الآيات 43-44.
3- سورة فصلت؛ الآيات 6-7.
4- سورة الحجر؛ الآيات 92- 93.

السادس: الأخبار؛ لا سيما تلك التي وردت في الأحكام الضرورية, كالصلاة والصيام والحج والزكاة كونها مِمّا افترضها الله تعالى على العباد كافة. وهي روايات مستفيضة؛ منها: معتبرة أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام قال: جُعِلْتُ فِدَاكَ، أَخْبِرْنِي عَنِ الدِّينِ الَّذِي افْتَرَضَ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْعِبَادِ مَا لَا يَسَعُهُمْ جَهْلُهُ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرُهُ مَا هُوَ؟ فَقَالَ لَهُ: أَعِدْ عَلَيَّ فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله و سلم وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَحِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ: وَالْوَلَايَةُ، مَرَّتَيْنِ)(1), وغيرها من الأخبار التي يستفاد منها أنَّ مثل هذه الفرائض المهمة في الشريعة قد أوجبها الشارع على كلِّ من أمره بالإسلام, ولا ريب أنَّ وجوبها على عامّة المكلفين ومنهم الكفار يستدعي وجوب مقدماتها؛ كالوضوء والغسل في الصلاة وغيرها كما لا يخفى.

القول الثاني: عدم تكليف الكفار بالفروع

وقد اختاره جمعً من الفقهاء, وقالوا بعدم تكليف الكفار إلا بالأصول, ومنهم المحقق البحراني وفاقاً للمحدث الكاشاني وصاحب المدارك وبعض المعاصرين وغيرهم.

وقد استدلوا على ذلك بأمور ذكر معظمها في (الحدائق)(2).

الأول: عدم الدليل دليل العدم.

وفيه: ما عرفت من قيام الأدلَّة على ذلك.

الثاني: التمسك ببعض الأخبار التي تدلُّ على توقف التكليف على الإسلام, كصحيحة زرارة المروية في الكافي عن الإمام الباقر علیه السلام , فإنَّه بعد أنْ سُئل عن وجوب معرفة الإمام

ص: 110


1- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج1 ص688.
2- الحدائق؛ ج3 ص39- 43.

على من لم يؤمن بالله وبرسوله قال علیه السلام : (فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ الْإِمَامِ وَهُوَ لَا يُؤْمِنُ بِالله وَرَسُولِهِ)(1)؛ فإنَّها کالصريحة في عدم تكليف الكافر بمعرفة الإمام قبل الإيمان بالله ورسوله, فإذا كان الأمر في الولاية كذلك فإنَّه بطريق أولى أنْ يكون كذلك بالنسبة إلى سائر التكاليف الفرعية التي هي متلقاة من الإمام علیه السلام .

وفيه: إنَّها أجنبية عن موضوع البحث, فإنَّها تدل على أنَّ تحصيل معرفة الإمام إنَّما يكون بعد تحصيل معرفة الله تعالى ورسوله صلی الله علیه و آله و سلم , فمن لا يعرفهما يجهل الإمام ودوره, فكيف يعرف الإمام وهو لا يعرف الله ورسوله صلی الله علیه و آله و سلم ؟ وهذا ممتنع؛ويدلُّ عليه تعجب الإمام علیه السلام , ولا يدَّعيه أحد من العدلية وإنَّما المدّعى أنَّه يجب على من لا يعرف الله ورسوله أنْ يعرفهما, ويجب عليه إطاعتهما في جميع الأحكام والتشريعات الإلهية.

وهذا من البديهيات التي لا يمكن إنكارها, ومن المستقلات العقلية التي لا تقبل التخصيص, مع أنَّ الأخبار المتواترة تدلُّ على وجوب معرفة النبي والإمام علیهم السلام على نحو العموم الأفرادي من دون أنْ يؤخذ وصف الإسلام في شيء منها قيداً لوجوب معرفة الإمام علیه السلام كما لا يخفى على من راجعها.

ومن الأخبار التي تمسكوا بها ما ورد في بعض الروايات: (طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)(2), فإنَّ موردها المسلم دون الكافر ونحوه.

وفيه: إنَّها في مقام بيان أهمية العلم ولا نظر لها إلى المكلف, لأنَّها تدلُّ على وجوب معرفة الأحكام والعلم بتفاصيلها بعد الدخول في الإسلام.

الثالث: لزوم التكليف بما لا يطاق, فإنَّ تكليف الجاهل بما هو جاهل تصوراً وتصديقاً تكليفٌ بغير المقدور.

ص: 111


1- الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج1 ص181.
2- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج16 ص18.

وفيه:

1- إنَّه منقوض بالتكليف بالإسلام وهو جاهل به تصديقاً.

2- ما ذكرناه آنفاً من تحقيق التكليف به ويكفي التصور الإجمالي فيه.

الرابع: إستحالة تكليف الكافر بالعبادات لعدم صحتها منه حال كفره.

وفيه: إنَّ الممتنع أمره بإيجادها صحيحة حال كفره ولا يدَّعيه أحد, وإنَّما المدَّعى وجوب إيجادها صحيحة برفع المانع, نظير تكليف المُحدِث بعد دخول الوقت أنْ يصلي صلاة صحيحة برفع الموانع عنها, ولا إستحالة عليه كما هو ظاهر.

الخامس: إختصاص الخطاب القرآني بالذين آمنوا, وما ورد من الخطاب العام مثل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)في بعض الموارد إنَّما يحمل على المؤمنين حملاً للمطلق على المقيد والعام على الخاص.

وفيه: إنَّه لا عام ولا خاص في الخطابات القرآنية وإنَّما العكس هو الصحيح والتشريف هو الذي استدعى الخطاب بالخاص.

السادس: إنَّه لم يعهد أنَّ النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم أمر أحداً مِمَّن أسلم بالغسل عن الجنابة مع أنَّه لا ينفكّ أحد منهم عن الجنابة, ولو كان هناك أمر منه صلی الله علیه و آله و سلم لَنُقل وشاعَ بين الصحابة.

وفيه:

1- إنَّه صلی الله علیه و آله و سلم لم يأمره حتى بالوضوء وطهارة لباسه وبدنه وأوانيه التي لا تنفكّ عن النجاسة, وسائر الفروع كالصلاة ونحوها.

2- إنَّ كلَّ من يدخل في الإسلام يعلم ولو إجمالاً بأنَّ فيه أحكاماً يجب عليه معرفتها, فيرجع إلى من يرشده إلى شرايع الإسلام ولو على سبيل التدريج, ولا يجب إعلامه تفصيلاً حين إسلامه.

هذا وقد روي أنَّ النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم أمر بعض من أسلم بالغسل ولعله كان من الجنابة.

ص: 112

ولا ينافي ذلك ما ورد عن النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم من أنَّ (الْإِسْلَامُ يَجُبُ مَا قَبْلَهُ)(1)؛ لأنَّ وجوب الغسل والصلاة وسائر العبادات؛ التي هي من الأمور اللاحقة فلا يجبُّه الإسلام, وحدوث سببه قبله لا يرفعه الإسلام, وإنَّما الذي يرفعه هو آثار المعصية التي حصلت من تركه الإيمان والعمل بمقتضياته, وأما الآثار الوضعية خصوصاً إذا كانت صادرة على الوجه غير المشروع فلا يجبُّها الإسلام؛ فإنَّه لا يرفع نجاسة ثوبه وبدنه بسبب الإسلام, وكذلك لا يرفع الإسلام الحالة المانعة من الدخول في الصلاة؛ فلا يرفع الحدث, كما لا يتوهم ذلك بالنسبة إلى التوبة التي روي فيها أنَّها تجُبُّ ما قبلها(2).

السابع: الإشكال على الآيات التي استُدلَّ بها على تكليف الكفار بالفروع كقوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ«6»الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)(3) تارةً بأنَّه لم يتَّضح وجه لارتباط الآية اللاحقة بما سبقتها بحسب الظاهر.

وفيه: إنَّ الربط حاصل باعتبار أنَّ الآيات الأولى إنَّما تدل على إعراضهم عن الكتاب والرسول صلی الله علیه و آله و سلم وعدم استماعهم إلى ما جاء به وتكذيب ما أنزله الله تعالى, والآية التالية تدلُّ على أنَّ هؤلاء المعرِضين سوف يصيبهم العذاب الأليم لمخالفتهم أحكام الله تعالى وعدم إيمانهم بالآخرة.

وتارةً أخرى: إنَّه على فرض التنزل أنَّ المشركين لمّا أنكروا ما هو أهم من وجوب الزكاة فإنَّ الصحيح وعيدهم على ذلك لا على إنكارهم وجوب الزكاة؛ فضلاً عن وعيدهم على عدم إخراجها الذي هو دون ذلك بمراتب.

ص: 113


1- عوالي اللئالي؛ ج2 ص54.
2- ورد عن النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (التَّوْبَةُ تَجُبُ مَا قَبْلَهَا). [عوالي اللئالي؛ ج1 ص237].
3- سورة فصلت؛ الآيات 6-7.

وفيه: إنَّ الآية الشريفة إنَّما تدلُّ على كلا الأمرين, فهي صريحة في مؤاخذتهم وعقابهم على الشرك وعدم الإيمان بالله تعالى والآخرة وعلى تركهم الزكاة, ولا يصح الأخير إلا إذا كانت الزكاة واجبة عليهم, فما ذكره المستشكل إقرار منه بالوجوب بعد اعترافه بمؤاخذتهم.

وتارةً ثالثة: إحتمال أنْ يكون قوله تعالى: (الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)(1) بياناً للمشركين فتدلُّ على أنَّ المكلف بالزكاة يصير مشركاً بعدم إخراجها, فيكون بذلك كافراً بالآخرة, فلا تدلُّ الآية على أنَّ المكلف بها هو المسلم أو الاعمّ منه ومن الكافر.

وفيه: إنَّه خلاف ظاهر الآيات الشريفة التي وردت في بيان حال الكفار والمشركين الذين عاندوا الحقَّ واستكبروا عليه وأعرضوا عن الإيمان والطاعة وأنكروا الآخرة, فتركوا الزكاة الواجبة عليهم فاستحقُّوا بذلك العذاب الأليم. كما أنَّهم استشكلوا على التمسك بقوله تعالى: (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ«43» وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)(2) بأنَّ ذلك قول المجرمين فلا ربط له بالكافر أصلاً.

وفيه: إنَّ السورة مكية نزلت في مشركي قريش لبيان جرائم أعمالهم ورذائل صفاتهم, فصاروا مجرمين بتركهم الإيمان بالله ورسوله والإعراض عن طاعته فاستحقوا العقاب لذلك, فلا تختص بالمجرمين من غير الكافرين كما ادّعي.

ومن جميع ذلك يظهر أنَّ تكليف الكفار بالفروع مِمّا قام عليه الدليل الصحيح, وقد أرسل الفقهاء ذلك في الفقه إرسال المسلّمات, قال المحقق الهمداني في مصباح الفقيه: (إنَّ من تأمل في الأخبار والشواهد العقلية والنقلية لا يكاد يرتاب في أنَّ معظم الأحكام المقررة في شريعة خاتم النبيين صلی الله علیه و آله و سلم مِمّا أحبَّ الله تعالى أنْ يتأدَّب بها كافة عباده المكلفين, ولا يرضى لأحد أنْ يتعدّى عنها, فلو فُرض ظهور بعض الأخبار فيما ينافي ذلك يتعين تأويله)(3).

ص: 114


1- سورة فصلت؛ الآية 7.
2- سورة المدثر؛ الآيات 43-33.
3- المصباح؛ ج3 ص270.

قاعدة عدم معذورية الجاهل

بقي التنبيه على قاعدة إشتراك العالم والجاهل في الأحكام, فإنَّ المعروف المدعى عليه الإجماع, بل جعلوا ذلك من المسلَّمات؛ عدم معذورية الجاهل بالأحكام لأجل جهله. فالعالم والجاهل بالنسبة إلى التشريعات الإلهية على حدٍّ سواء, إلا ما خرج بدليل خاص.

وقد بحث الأصوليون عن هذه القاعدة في علم الأصول, واستدلُّوا عليه مضافاً إلى كونه من الأمور المسلَّمة -كما تقدم- بالحديث المعروف: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبْدِي أَ كُنْتَ عَالِماً؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ قَالَ لَهُ: أَ فَلَا عَمِلْتَ بِمَا عَلِمْتَ؟! وإِنْ قَالَ كُنْتُ جَاهِلًا قَالَ لَهُ: أَ فَلَا تَعَلَّمْتَ حَتَّى تَعْمَلَ؟!)(1).

وقد أُشكل عليه بأنَّه يستلزم منه تكليف ما لا يطاق, لأنَّ تكليف الجاهل بما هو جاهل تصوراً أو تصديقاً تكليف بغير المقدور.

ويرد عليه بأنَّه إنْ أُريد من قبح تكليف الجاهل قبح توجيه الخطاب إليه والطلب منه فإنَّه مردود بأنَّه لا مانع من توجيه الخطاب أولاً وبالذات إلى الجاهل, وحينئذ إنْ علم من هذا الخطاب الموجه إليه تكليفه تفصيلاً أو إجمالاً تنجز الطلب في حقِّه, فيجب عليه الإمتثال والخروج عن عهدته عقلاً, وإلّا فهو معذور؛ ما لم يكن مقصراً. وعلى كلِّ حالٍ؛ لا يعقل أنْ يكون توجيه الخطاب إليه مشروطاً بعلمه.وإنْ اريد قبح تنجيزه عليه بمعنى مؤاخذته على مخالفة ما أمره المشرع ولو لم يعلم حكمه من الخطاب أو لم يصله الخطاب الموجه إليه.

فيرد عليه: إنَّه إنَّما يقبح بالنسبة إلى القاصر دون المقصر الذي يجب عليه التفحص والسؤال, ومن أجل ذلك لم يقل أحد بمعذورية الجاهل بالأحكام الشرعية إذا عمل بالبراءة قبل الفحص عن الطرق الشرعية, فلا إشكال في عدم معذورية الجاهل بالأحكام.

ص: 115


1- الأمالي (للمفيد)؛ ص228.

نعم؛ هنا كلام في أنَّ الجاهل المقصّر إذا غفل ووقع في خلاف الواقع في زمان غفلته فهل يعاقب على مخالفته للأحكام الواقعية؛ كما عليه المشهور؟ أم يعاقب بسبب تركه للتعلم حين التفاته إلى الحكم وتردده فيه؛ كما عليه المحقق الأردبيلي وصاحب المدارك؟.

والأظهر هو الأول, وإنْ كان الثاني يوافق الحديث الذي تقدم نقله.

وعلى كلٍّ؛ فإنَّ ذلك لا يضرُّ بأصل الدعوى؛ وهي عدم معذورية الجاهل بالأحكام الشرعية الذي اتَّفق الجميع عليه. ثمَّ أنَّ الجاهل على صنفين:

الأول: الجاهل القاصر؛ وهو الذي لم يصل إليه الشرع ولم يعلم به من دون عذر منه, والمعروف بين العلماء أنَّه معذور بالنسبة إلى العقاب, وإنَّ أمره موكول إلى الله تعالى حيث يختبره يوم القيامة على ما دلَّت عليه بعض الأخبار, ولكن قصوره لم يمنع من تعلق التكاليف الإلهية به, فهو مكلف كسائر الناس العالِمين.

الثاني: الجاهل المقصر؛ وقد عرفت أنَّه مكلف في مرحلة توجيه الخطاب, كما أنَّه مكلف في مرحلة التنجيز أيضاً, فهو مكلف برفع جهله بالفحص والسؤال؛ هذا بالنسبة إلى الأحكام.

وأمّا بالنسبة إلى الكفارات فإنَّ الجميع مكلفون بها بفعل ما يوجبها مطلقاً؛ عالِماً كان أو جاهلاً, عن تقصير أو قصور؛ لعموم أدلَّة وجوبها وإطلاقاتها الشاملة للعالِم والجاهل مطلقاً, بل عن صاحب الجواهر قدس سره: (الأصل وجوب الكفارات في كل مفطر إلا ما خرج بالدليل)؛ فإنَّ المراد بالأصل هو الأصل اللفظي كما عرفت.

وذهب جمعٌ آخرون إلى عدم وجوب الكفارات على الجاهل, لبعض الأخبار, منها موثقة زرارة وأبي بصير عن ابي جعفر علیه السلام : عَنْ رَجُلٍ أَتَى أَهْلَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ, وَأَتَى أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ وَهُوَ لَا يَرَى إلا أَنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ لَهُ؛ قَالَ علیه السلام : (لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْ ءٌ)(1), وإطلاقه يشمل الجاهل مطلقاً.

ص: 116


1- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج10 ص54.

ومنها: صحيح عبد الصمد عن الإمام الصادق علیه السلام فيمن لبس قميصاً وهو محرم قال علیه السلام : (أَيُّ رَجُلٍ رَكِبَ أَمْراً بِجَهَالَةٍ فَلَا شَيْ ءَ عَلَيْهِ)(1).ومنها: صحيح ابن الحجاج الوارد في النكاح في العدّة جهلاً: (وقَدْ يُعْذَرُ النَّاسُ فِي الْجَهَالَةِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ)(2).

فإنَّ المستفاد من هذه الأخبار قاعدة كلية بالنسبة إلى موارد الجهل, وإطلاقها يشمل القاصر والمقصر, الملتفت وغير الملتفت, وظهور الموثق في المعتقد بالخلاف لا ينافي في ظهور الصحيحين, فيقع التعارض بين هذه الأخبار وبين القاعدة التي تسالموا عليها من عدم معذورية الجاهل مطلقاً.

وقد عالجه جمعٌ تارةً بإرجاع دليل المستثنى إلى الجاهل القاصر.

وتارة أخرى باختصاص دليل المستثنى منه بالجاهل المقصر الملتفت إلى السؤال, فإنَّه بمنزلة العامد, فإنَّ جعله معذوراً ينافي ذوق الأئمة المعصومين علیهم السلام والمتشرعة ومذاق الفقه إلا إذا ورد دليل خاص يدلُّ عليه كما في مورد الجهر في موضع الإخفات وبالعكس, فإنَّه لا إشكال في التعبد به.

وأمّا الجاهل المقصر غير الملتفت إلى السؤال فإنَّه يدخل تحت الموثق والصحيحين.

وعلى ضوء ما ذكرناه يظهر أنَّ الإقتصاد العالمي المعاصر خارج عن قوانين الشرع الحنيف, وإنَّ المشرعين وعلماء الإقتصاد ليسوا معذورين في سنِّ القوانين؛ إذ هم لم يدخلوا في دين الإسلام, فإنَّ مثل هذا العذر غير مقبول مطلقاً, فلا بُدَّ من تحديد سيرهم ومنهجهم وفق التشريعات الإلهية؛ كما سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.

ص: 117


1- المصدر السابق؛ ج12 ص489.
2- المصدر السابق؛ ج20 ص451

المصطلح الرابع: الملك

اشارة

المصطلح الرابع: الملك(1)

والكلام فيه يقع في عدَّة جهات:

أولاً: المفهوم اللغوي

مادة (م ل ك) تدلُّ على القوة والصحة والتسلّط, ومن ذلك: ملك الإنسان الشيء يملكه؛ لأنَّ يده قوية وصحيحة, والملك ما ملك من مال, وفلان حسن الملكة أي حسن الصنيع إلى مماليكه. ويقال: ملكته ملكاً.

والإسم المِلك (بالكسر), والفاعل مالك, والجمع مُلّاك؛ مثل كافر وكُفّار.

ومَلك على الناس أمرهم؛ إذا تولى السلطة, فهو مَلِك إذا حكم وساد, والجمع ملوك, والإسم مُلك.

وهو يملك نفسه عند شهوتها, أي يقدر على حبسها, وهو أملك لنفسه أي أقدر على منعها من السقوط في شهوتها.

والمَلَك أحد الملائكة.والإملاك التزويج, يقال: ملَكتَ امرأة إذا تزوجتها.

والملكوت من الملك كالرَّهبوت من الرهبة, أي العزة والقدرة.

فالمستفاد من جميع اشتقاقات هذه المادة أنَّ الأصل فيها هو التسلط على شيء بحيث يكون اختياره بيده.

وهذه الملكية والتسلّط تارةً تكون بالنسبة إلى ذات الشيء أصلاً وفرعاً, فتكون ملكيته حقة حقيقية, كما في مالكية الله لخلقه.

وأخرى تكون حقة اعتبارية بالنسبة إلى الذات وبجعل جاعل, كما في المملوك والمبيع.

ص: 118


1- وهو المصطلح الرابع من المصطلحات التي يحتاجها علم الإقتصاد.

وثالثة تكون بالنسبة إلى ما يستفاد منه أي المنفعة اعتباراً كما في الإجارة والنكاح.

ورابعة تكون بالنسبة إلى الأمور الإجتماعية ووظائفها, كما في تسلّط الحاكم والسلطان.

وخامسة تكون بالنسبة إلى النفس وهواها, كما في النفوس القدسية المهذبة.

وغيرها من أنحاء التسلط.

وأما المَلَك والملائكة والمَلَكوت فهي مأخوذة من العبرية والسريانية, وقد استُعملت هذه الكلمات في العربية أيضاً وكلها ترجع إلى أصل المادة أي التسلط, والملكوت زيادةٌ في المُلك (مصدراً) كالجبروت من الجبر, والرَّحموت من الرحمة وغيرها, حيث أنَّ الزيادة في اللفظ تدلُّ على الزيادة في المعنى وعظمته وسعته في المفهوم.

ومِمّا ذكرناه يظهر أنَّ من آثار هذا الأصل اللغوي: القوة والشدة والصحة ونحوها, وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم بجميع اشتقاقاتها.

وقد استفاد العلماء والمفسرون منها أنَّ المالكية والمملوكية على أقسام:

الأول: المالكية المطلقة لذوات الأشياء إيجاداً وإفناءً وإبقاءً, وهذا القسم يختص بالله سبحانه خالق الأشياء ومفنيها ولا ينازعه أحد غيره, وهي ملكية حقة حقيقية, قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ)(1).

وقال تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)(2).

وقال تعالى: ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)(3).

ص: 119


1- سورة آل عمران؛ الآية 26.
2- سورة آل عمران؛ الآية 189, وسورة المائدة؛ الآية 17 والآية 18, وسورة النور؛ الآية 42, وسورة الجاثية؛ الآية 27, وسورة الفتح ؛ الآية 14.
3- سورة الإسراء؛ الآية 111, وسورة الفرقان؛ الآية 2.

فالسلطنة الحقَّة الحقيقية ثابتة لله عَزَّ وَجَلَّ ولا مالك سواه, وكلُّ مالك لشيء إنَّما هو في مرتبة متأخرة وعلى نحو التجوز في الظاهر, قال تعالى: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ)(1).

الثاني: المالكية الظاهرية المبنية على التسلط الظاهري على الناس والبلاد إمّا قهراً أو بالعدل, وهو المعبر عنه بالملك والسلطان. وهو إذا كان باختيار من الله تعالى, المنصوب من أجل صلاح البلاد والعباد وفي إقامة العدل بينهم فهو ظلُّ الله في الأرض وخليفته فيها فيلزم إطاعة أوامره والرضا بحكمه؛ كما في حكومة أولياء الله من الأنبياء والأوصياء علیهم السلام , قال تعالى: (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا)(2).

وقال تعالى: (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ)(3).

وقال تعالى حكاية عن نبيه يوسف علیه السلام : ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)(4).

الثالث: التسلط الظاهري لطلب الرئاسة وحب الشهوات, من دون أنْ يكون لإقامة الحقِّ وبسط العدل, وهو المتداول في الرئاسات الدنيوية, قال تعالى في حقِّهم: ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ)(5).

وقال تعالى حكاية عن فرعون: ( قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ)(6).

ص: 120


1- سورة آل عمران؛ الآية 26.
2- سورة النساء؛ الآية 54.
3- سورة البقرة؛ الآية 251.
4- سورة يوسف؛ الآية 101.
5- سورة النمل؛ الآية 34.
6- سورة الزخرف؛ الآية 51.

الرابع: المالكية والتسلط الظاهري تحت جعلٍ تشريعيٍّ إلهي وقواعد ومقرَّرات صحيحة عادلة, كما في المعاملات والعقود التي يبحث عنها الفقهاء في الكتب الفقهية.

الخامس: التملك والتسلط بالعمل, كما في الزراعة والصناعة والمجاهدة, ومنها التملك على الأسرى في الجهاد الحقّ مع المشركين والكفار.

وفي هذه الموارد الأخيرة يكون المِلك إمّا بإذنٍ عام من الله تعالى؛ كما في خلفائه وأوليائه المعصومين المنصوبين من الله عَزَّ وَجَلَّ, قال تعالى في آدم وذريته: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)(1).

أو يكون المِلك بإذنٍ خاص.

أسباب التمليك المشروع

إنَّ التسلط والتملك بالقهر والجور والظلم والباطل الذي هو خلاف المقررات الشرعية لا يفيد مالكية ولا خلافة ولا طاعة واجبة, فإنَّ الحكم لله تعالى وأنبيائهوأوصيائه على ما هو الحقّ والحقيقة, قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ)(2).

هذا كلُّه في عالم الدنيا, وأمّا العوالم الأخرى فالمالكية والملكية فيها لله المتعال على الإطلاق, قال تعالى: ( ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ«18» يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ)(3).

ولعلَّ السر يرجع إلى أنَّه بعد انتفاء عالم المادة ولوازمه وأسبابه وظهور حقيقة الخضوع والإنقياد المطلق لله تعالى يكون الحكم والسلطان له عَزَّ وَجَلَّ وحده, فلا يبقى لأحدٍ سلطان ولا حكومة؛ لأنَّ الحكم إمّا بالجبر والقهر وهما لا يوجدان في عالم الآخرة, وإمّا بأسباب ظاهرية مقررة كما في عالم المادة وهي منتفية, فيكون الملك يومئذ لله وحده.

ص: 121


1- سورة البقرة؛ الآية 30.
2- سورة آل عمران؛ الآية 26.
3- سورة الإنفطار؛ الآيات 18-19.

ومن أسمائه الحسنى الملك والمليك والمالك, وهي تختلف من ناحية الحيثيات؛ فمن جهة الثبوت يكون ملِكاً, ومن جهة الثبوت والإستمرار يكون مليكاً, ومن جهة قيام الصفة به سبحانه يكون مالكاً؛ فهو المالك الحق المطلق لجميع ما سواه وليس له شريك في المُلك.

هذا كلُّه بحسب مادة (م ل ك) في اللغة والقرآن الكريم وكلمات العلماء, والحاصل من جميع ما تقدم أنَّ الملك (بتثليث الميم وسكون اللام) يكون بمعنى احتواء الشيء والتسلط عليه والإستبداد به. ويطلق على أمرين:

أ- إحتواء الشيء؛ ويعبر عنه في اللغة ب-(التملك).

ب- الشيء المحتوى؛ ويعبر عنه في اللغة ب-(المملوك).

وقد استخرجوا من المصدر (م ل ك) مصدراً صناعياً وهو (الملكية).

ثانياً: المعنى الفلسفي

المِلك (بالكسر) في الفلسفة أحد المقولات العشر المعروفة في المنطق الأرسطي والفلسفة, ويعبر عنها أيضاً بمقولة (الجِدة), وعرفوه بالهيئة الحاصلة من إحاطة شيء بشيء بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاط سواء كانت الإحاطة إحاطة تامة كالتجلبب, أم إحاطة ناقصة كالتعمم والتقمص.

والجدة في اللغة بمعنى الغنى واليسار.

وعلى كِلا اللفظين -المِلك والجِدة- هو العلاقة بين الحاوي والمحتوى أو بين المالك والمملوك.

ولكن المعنى الفلسفي في الفلسفة المعاصرة قد اختلف, فإنَّ الفلسفة الرأسمالية تباين الفلسفة الماركسية في إعطاء معنى للملكية, واختلافهما عن المعنى الإسلامي في تفسير هذه الظاهرة التاريخية والإجتماعية, وهي إرادة الطبيعةالإنسانية للملك وحبّ التملك في الحياة, فإنَّ هذا الإختلاف انعكس في تحديد المعنى القانوني أيضاً.

ص: 122

ثالثاً: المعنى الإقتصادي.

ذكر علماء الإقتصاد مفهومين للملكية:

1- حقُّ امتلاك الشيء.

2- الشيء المملوك.

قال نبيه غطاس: (الملكية حق الشخص في التصرف بالممتلكات التي تخصه دون غيره)(1).

وفي موضع آخر قال: (تعني الكلمة بمفهومها الضيق حق الفرد المطلق وغير المقيد في الأشياء الخاصة به, سواء كانت أرضاً أم أمتعة شخصية, وفي الوقت الحاضر أصبحت الكلمة تعني الأشياء المملوكة لا الحق في امتلاكها)(2).

وسيأتي أنَّ علماء الإقتصاد قد عرَّفوه بالتعريف الفقهي أيضاً.

رابعاً: المعنى في القانون المدني

قال السمهودي عن القانون المدني الفرنسي في المادة (544): (الملكية هي الحقُّ في الإنتفاع بالشيء وفي التصرف فيه على نحو أشدّ ما يكون إطلاقاً, بشرط أنْ لا يستعمل الشيء على وجه يحرمه القانون أو اللوائح)(3).

وقد أُخذ مضمون هذا التعريف في أغلب القوانين المدنية المعاصرة في البلاد العربية, ففي القانون المدني المصري: (الملكية هي الحق للمالك في الإنتفاع بما يملكه والتصرف فيه بطريقة مطلقة)(4).

ص: 123


1- معجم مصطلحات الإقتصاد والمال وإدارة الأعمال؛ ص398.
2- المصدر السابق؛ ص437.
3- الوسيط؛ ج8 ص483.
4- المصدر السابق؛ 493.

ويعلق أحد شرّاح القانون المدني وهو (بورتاليس) على الحرية المطلقة التي يعطيها القانون الفرنسي للمالك في التصرف بملكه فيقول: (لقد اعتبر -دائماً- مبدأٌ من المبادئ الحرة أنَّ الملكية الفردية في التقنين المدني تدخل في النظم الطبيعية بل النظم الإلهية, وأنَّ حقوق المُلّاك على أملاكهم هي حقوق مقدسة يجب أنْ تحترمها الدولة نفسها)(1).

ونقل السمهودي أنَّ القانون المدني المصري وضع في مشروعه التمهيدي المادة (802) بالصيغة المقترحة التالية: (لمالك الشيء ما دام ملتزماً حدود القانون أنْيستعمله وأنْ ينتفع به ويتصرف فيه دون أي تدخل من جانب الغير بشرط أنْ يكون ذلك متفقاً مع ما لحقِّ الملكية من وظيفة اجتماعية)(2).

وذكر الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في تحريره على المادة (125) من مجلة الأحكام العدلية: (المِلك إضافة بين الإنسان والأموال تقتضي سلطنته عليها).

خامساً: التعريف الفقهي

عرَّف الفقهاء الملك بأنَّه: (إتّصال بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقاً لتصرفه فيه وحاجزاً عن تصرف غيره فيه)(3).

وعند ابن عابدين هو: (ما من شأنه التصرف فيه بوصف الإختصاص)(4).

والمعنى المعروف على ألسنة فقهاء الإمامية هو ما نقلناه من تعريف الشيخ كاشف الغطاء قدس سره من أنَّ (المِلك إضافة بين الإنسان والأموال تقتضي سلطنته عليها).

ص: 124


1- المصدر السابق؛ 483.
2- المصدر السابق؛ ص493.
3- التعريفات للجرجاني؛ ص100-101.
4- نقله الدكتور محمد رواس قلعچي في معجم لغة الفقهاء؛ ص495.

والظاهر أنَّ المِلك في الواقع حكمٌ وضعيٌ يعني العلاقة بين الإنسان والمال, كالزوجية بين الرجل والمرأة فقد أتى تعريفه بأنَّه: إختصاصٌ موافقٌ لطبيعته, فيكون الإختصاص -هنا- بمعنى الإضافة أو العلاقة والإحتواء ونحو ذلك.

وعليه؛ يفسر تعريف ابن أبي جمهور الأحسائي بأنَّه حكم شرعي, فإنَّه أيضاً يلتقي وطبيعة المِلك الذي هو بمعنى الإضافة؛ بقرينة قوله (يؤثر تمكن المضاف اليه).

فالمِلك على ضوء ذلك هو العلاقة الشرعية بين الإنسان والمال, أو المالك والمملوك؛ التي تعطي الإنسان أو المالك حق السلطنة على المال أو المملوك في التصرف بجميع أنحاء التصرفات المشروعة.

والمستفاد من جميع ذلك أنَّ التعريفات في العلوم المتعددة متقاربة مع المعنى اللغوي إلا في بعض الأمور, حيث تتَّحد الملكية بشروط خاصة كما سيأتي بيانها.

ومن جميع ما تقدم نستفيد الأمور التالية:

1- إنَّ ما ذكر في مختلف العلوم في مفهوم المِلك يرجع إلى الأصل اللغوي؛ وهو الإستيلاء والإحتواء والسلطنة.

2- إنَّ الإستيلاء والسلطنة والإحتواء تتطلب الإثنينية وطرفين تتحقق الإضافة بينهما وهما الحاوي والمحتوى, ولا تتحقق حقيقة الإستيلاء والسلطة إلا بهما.

3- إنَّ الملكية حكم وضعي حاصل من احتواء شخص لشيء.

4- إنَّ لكلِّ فرد الحق في أنْ يتملك مالاً وله حرية التصرف فيما يملكه, وقد اختلفوا في الجهة المانحة لهذا الحقّ؛ فبعضهم يعتبرونه حقاً طبيعياً وهو الذي اختاره القانون المدني, وآخرون يعتبرونه حقاً مقدساً فيكون المانح هو الله تعالى, ولعله هو مراد من عبَّر عن المِلك بأنَّه حكم شرعي, ولكن اختلافهم لا يضرّ بالمقصود؛ وهو كون حكم الملكية وضعياً حاصلاً من الإضافة بين المالك والمملوك.

ص: 125

أسباب المِلك

أي أسباب التملك, وهي إمّا شرعية, أو تثبتها القوانين المدنية ومقتضيات الإقتصاد العالمي. أمّا الأسباب المذكورة في الشريعة الإسلامية فيمكن تقسيمها إلى أنواعٍ ثلاثة بحسب واقعها:

الأول: ما يكون سبباً للتملك إبتداءً, بمعنى أنَّ الشيء المملوك من هذا السبب لم يكن مملوكاً لأحد شرعاً قبله, وإنَّما تمَّ تملكه عن طريق هذا السبب فقط ولأول مرة.

الثاني: ما يكون سبباً لانتقال ملكية الشيء من مالك لآخر.

الثالث: ما يكون سبباً في التعويض عن ملك تالف, أو ضرر لحقٍّ بآخر.

ولكلَّ واحد من هذه الأنواع الثلاثة أفراد متعددة, وإذا أردنا حصرها تحت عناوين جامعة, فهي ثلاثة:

1- الإحتراز أو الإحراز.

2- الإنتقال أو التمليك.

3- التعويض أو التضمين.

والكلام فيها إنَّما يتمّ بعد ذكر كلمات علماء الشريعة في هذا المجال وما ورد في القانون المدني:

أولاً: قال الأستاذ مصطفى الزرقاء(1): (إنَّ أسباب التملك التي أقرَّها التشريع الإسلامي تنحصر في أربعة:

1- إحراز المباحات.

2- العقود.

3- الخَلَفية.

4- التولد من المملوك ).

ص: 126


1- المدخل الفقهي العام؛ ج1 ص242.

وقال في تعريف المباح بأنَّه: (المال الذي لم يدخل في ملك محترم ولا يوجد مانع شرعي من تملكه؛ كالماء في منابعه, والكلأ في منابته, والأشجار في البراري غير المملوكة, والصيد في البحر .....).كما أنَّه مثَّل للعقود بالبيع والإجارة والهبة والكفالة والإقالة, لتشمل جميع أنواع العقود المشروعة, وجميع أنواع الأموال من عينٍ أو نقدٍ ودَين, ومنفعة وحق.

كما عرَّف (الخَلَفية) –بفتحتين مع تشديد الياء- بأنَّها: (حلول شخص أو شيء جديد محلَّ قديمٍ زالَ في الحقوق).

وقال بأنَّها على نوعين:

أ- خَلَفية شخص عن شخص كالإرث.

ب- خَلَفية شيء عن شيء, وهي التضمين أو التعويض.

وفي الأول: يكون الإرث خلفية يحلُّ بها الوارث محل المتوفى في ملكية أمواله المخلفة, والتي تسمى ب-(التركة), وفي المسؤوليات المتعلقة بتلك التركة.

وفي الثاني: يكون التضمين أو التعويض مثل ما إذا أتلف شخصٌ لآخر شيئاً أو غصبه منه فهلك أو فُقد, وكذا إذا ألحق بغيره ضرراً بجناية أو تسبَّبه, ففي مثل ذلك يجب عليه ضمان ما أتلفه وتعويض الضرر الذي باشره أو تسبب به, وحينئذٍ يملك المعوَّض له ذلك العوض مستنداً إلى سبب الخَلَفية.

ويدخل في ذلك الديَّة وأرش الجنايات. فكلُّ ذلك يُملك بسبب الخَلَفية.

كما ذكر في التولد من المملوك الذي يراد به أنَّ نماء المملوك يتبع الأصل فيكون مِلكاً لمالك الأصل كثمار الأشجار وولد الحيوان وأصواف الغنم وألبان البقر وأمثالها.

ص: 127

ثانياً: ما ذكره الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(1) من أنَّ: (أسباب التملك ثلاثة:

1- الناقل للمِلك من مالك إلى مالك آخر, كالبيع والهبة.

2- أنْ يخلُفَ واحدٌ الآخر, كالإرث.

3- إحراز شيء مباح لا مالك له, وهو: إمّا حقيقيٌّ, وهو وضع اليد حقيقة على شيء. وإمّا حكمي, وذلك بتهيئة سببه, كوضع إناء لجمع ماء المطر أو نصب شبكة لأجل الصيد).

ومثَّل قدس سره للسبب الأول بالبيع والهبة؛ للإشارة إلى أنَّ العقود إمّا معاوضية كالبيع, وإمّا أنْ لا تكون معاوضة كالهبة التي هي من أسباب التملك.

والجميع يشترك في انفصال المال او المملوك بواسطة العقد من مالك لآخر.

ثالثاً: ما ذكره الشهيد الأول قدس سره(2) قال: ( الوسائل خمس:

أحدها: أسباب تفيد المِلك, وهي ستة:

الأول: ما يفيد المِلك لعينٍ بعقد معاوضة, كالبيع والصلح والمزارعة والمساقاة والمضاربة.

الثاني: ما يفيد مِلك العين بعقدٍ لا معاوضة فيه, كالهبة والصدقة والوقف والوصية بالعين وقبض الزكاة والخمس والنذر.

الثالث: ما يفيد ملك العين لا بعقد, كالحيازة والإرث وإحياء الموات والإغتنام والإلتقاط.

الرابع: ما يفيد مِلك المنفعة بعقد معاوضة, كالإجارة.

الخامس: ما يفيد مِلك المنفعة بعقد غير معاوضة, كالوصية بالمنفعة, والعمرى؛ عند الشيخ(3), وابن إدريس(4).

ص: 128


1- مجلة الأحكام العدلية؛ المادة (1248).
2- القواعد والفوائد؛ في القاعدة السابعة في بيان الوسائل والتي أحدها الأسباب التي تفيد المِلك.
3- أي الطوسي في المبسوط؛ ج3 ص316, والخلاف؛ ج2 ص6 مسألة 5.
4- السرائر؛ ص376.

السادس: ما يفيد مِلك المنفعة لا بعقد, كإرث المنافع).

رابعاً: ما ذكره المحقق الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء(1): (إنَّ اسباب الملك نوعان: قهرية واختيارية, وتحت كلِّ نوع من هذين أصناف:

وأظهر أسباب التملك القهري: الإرث والجنايات والأرش والنذور وما إلى غير ذلك.

وأظهر أسباب التملك الإختياري: الإكتساب والبيع والشراء والصيد والحيازة وإحياء الموات وما إلى ذلك).

قال قدس سره في مقام ردّه على ما ذكرته (المجلة) من تقسيم إحراز المباح إلى حقيقي وحكمي: (ولا حاجة في أمثال الصيد والحيازة إلى وضع اليد لا حقيقةً ولا حكماً, بل المدار على صدق الإستيلاء عرفاً, ومنه التحجير الذي يثبت به حق اختصاصٍ في المباح إلى أمدٍ معين.

أمّا لو نصب شبكة ووقع الصيد فيها فقد ملكه بالاستيلاء حقيقةً, ولا يجوز لغيره أنْ يتصرف فيه بدون إذن الحائز الأول, ولو أتلفه كان ضامناً).

هذه هي جملة من أقوال العلماء في أسباب التملك وهم وإنْ اتَّفقوا في أصولها ولكنهم اختلفوا في أنواعها وإدراج بعض الأفراد تحت واحد من تلك الأنواع, كما أنَّهم اختلفوا بالنسبة إلى الأعداد بين مقلٍّ ومكثر لها, ولكن يمكن لنا أنْ نجمع الأسباب في العناوين التالية:

1- الإحتياز.

2- الإنتقال.

3- التعويض.

ص: 129


1- تحرير المجلة؛ ج3 ص249.

والكلام فيها وإنْ كان يأتي في الأبواب التي عقد الفقهاء لكلِّ واحد منها باباً بالتفصيل, ولكن نذكر ما يقتضيه المقام فنقول:

1- الإحتياز؛ والمراد به: (الحيازة) المعروفة في الكتب الفقهية وعليها مصطلح الفقه الإمامي, أمّا في الفقه السني فقد اصطُلح عليه ب-(الإحراز). وهما مترادفان يدلان على معنىً واحد, يقال: أحرز الشيء إذا حازه, ويقال: حاز الشيء إذا أحرزه.

وحاز الإنسانُ الشيءَ أي جمعه وضمَّه إلى نفسه, وتقول: حاز الإنسان العقار حَوزاً وحيازةً إذا ملكه, ويقال: حازه في حوزه أو حوزته أي أخذه وأدخله في ملكه, واحتاز احتيازاً بمعنى حازه وأحرزه, والحوزة؛ الناحية والملك.

وعليه؛ تكون المباحات التي لا تكون مملوكة لأحد؛ يمكن أنْ تُحاز؛ كالمياه في الأنهار, والأراضي في الصحارى, والأعشاب في منابتها البرية غير المملوكة, والطيور في الأجواء, والإسماك في البحار, والأنهار غير المملوكة, والحيوانات في الغابات غير المملوكة.

فإنَّ جميع تلك وأمثالها إذا استولى إنسان على شيء منها وضمَّه إليه صار ملكه, لقوله صلوات الله عليه وعلى آله: (من حاز ملك), ويندرج تحت هذا العنوان إحياء الموات, ففي المروي عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم : (مَنْ أَحْيَا أَرْضاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ)(1).

والأرض الميتة؛ جمعها الأراضي الموات؛ وهي الأرض التي ليس لها مالك مخصوص أو معروف, فإذا أحيا إنسانٌ أرضاً ميتة دخلت في مِلكه للحديث المتقدم, وقد فصَّل الفقهاء أحكام هذا العنوان في كتاب خاص أسموه كتاب إحياء الموات.

ص: 130


1- المجازات النبوية؛ ص240.

2- الإنتقال؛ والمراد به: إنتقال الملك من شخص لآخر بأيِّ سبب من أسباب الإنتقال المشروعة.

وبعبارة أخرى: هو التمليك بسبب مشروع. فيشمل هذا العنوان الموارد التالية:

أ- التمليك بعقد معاوضة؛ كالبيع, فإنَّ بسببه ينتقل المبيع من ملك البائع إلى ملك المشتري, كما ينتقل ثمنه من ملك المشتري إلى ملك البائع فيكون الإنتقال متمثلاً في المعاوضة والمبادلة بين ملكين كالمبيع والثمن.

ب- التمليك بعقد غير معاوضي؛ كالهبة, حيث ينتقل فيها الموهوب من ملك الواهب إلى ملك الموهوب له.

ج- التمليك بغير عقد؛ كالإرث, حيث ينتقل فيه المال من المتوفى إلى وارثه بسبب مشروعية الإرث.1- التعويض:

والمراد به الضمانات الشرعية الحاصلة من تلف مال أو فقده, أو ما كان بسبب إضرار أوقعهُ شخص على غيره ونحو ذلك.

وهو التعويض المالي عن:

1- التالف.

2- المفقود.

3- الضرر.

ويدخل تحته الديات, وأروش الجنايات.

وقد فرّق الفقهاء بين الدية والأرش بأنَّ الدية: عوض مالي عن إزهاق نفس أو إتلاف عضو. وأمّا الأرش فهو عوض مالي عن حدوث إضرار بالغير لا يرقى إلى إزهاق النفس أو إتلاف عضو.

ص: 131

ولكلِّ واحد من هذه الأسباب المتقدمة مصاديق وأحكام كثيرة مذكورة في أبواب متفرقة في الفقه الاسلامي. وقد توسع علماء الإقتصاد في هذا القسم, وأدرجوا فيه جملة من الضرائب التي فرضوها على الشركات والبنوك والمصارف وعلى العمال, كما أنَّهم توسعوا في أفراد الموارد الثلاثة المتقدمة وجعلوا لكلِّ واحد منها مصاديق ليشمل الضمان بعضاً من الحقوق والأموال؛ كما سيأتي بيانه في نظرية الحق إنْ شاء الله تعالى.

ثم إنَّه لا بُدَّ من أنْ يعلم أنَّ الإقتصاد المعاصر أضاف إلى تلك المصادر المتقدمة للملك مصادر أخرى, وتوسع علماء الإقتصاد في البحث والتفسير لها؛

فإنْ أمكن ارجاعها إلى تلك الأصول المذكورة في الفقه الاسلامي فبِها, وإلاّ فلا غرابة في إضافة أصول أخرى إذا لم تتصادم مع الأدلة الشرعية والقواعد العامة, مع الأخذ بنظر الإعتبار أنَّ الإقتصاد الإسلامي إنَّما يلاحِظ في مصادر الملك والتملك العدالةَ في التملكِ والتوزيع, وعدم تمركز المال عند جهة معينة فرداً أو جماعة لئلا يكون ( دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ)(1)؛ كما سنبينه إنْ شاء الله تعالى.

فائدةُ المِلك

لا ريب أنَّ الفائدة التي تترتب على العلاقة القائمة بين المالك وبين الشيء المملوك التي يعبر عنها بالملك هي:

1- حقُّ التصرف في المملوك بمختلف أنواع التصرفات المشروعة في الدين أو القانون.

2- دفع المزاحم عن استعمال هذا الحقّ من المالك.

وقد قرّر الشرع ذلك بقاعدة السلطنة المستفادة من حديث النبي صلی الله علیه و آله و سلم المعروف بين الفريقين: (النَّاسُ مُسَلَّطُونَ عَلَى أموالهِمْ)(2).

ص: 132


1- سورة الحشر؛ الآية 7.
2- نهج الحق وكشف الصدق؛ ص572.

ولا بُدَّ من أنْ يعلم بأنَّ سلطنة الإنسان على ماله وحرية تصرفه في المال المملوك ليست مطلقة؛ فهي محدودة بشرطين:

الأول: أنْ تكون في حدود ما يقرّه الشرع الحنيف أو القانون المدني.

الثاني: أنْ تكون محققة لمصلحة الفرد من خلال المحافظة على مصلحة الجماعة.

فلا يقرّ الشرع تلك السلطنة التي توجب الإضرار بالآخرين لقاعدة نفي الضرر المستفادة من قول نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ )(1), أو يكون التصرف سفهياً لا مصلحة فيه أبداً, لأنَّه محجور عليه بأدلَّة حجر السفيه.

وعلى ضوء ذلك فقد ذكر الفقهاء قواعد تعتبر من آثار تلك الملكية المقررة شرعاً؛ أمثال:

· لا بيع إلا في ملك.

· لا وقف إلا في ملك.

· لا عتق إلا في ملك.

· لا رهن إلا في ملك.

وغير ذلك مِمّا سنذكره في محالّه إنْ شاء الله تعالى.

محلُّ الملك

اشارة

قد عرفت أنَّ الملكية تقوم بأمرين:

أحدهما: المال المملوك؛ الذي يُعبر عنه في الفقه بمتعلق الملك, وفي القانون بمحل الملك, وهو الذي يقع عليه الملك فيملك, وهو كل مال يجوز تملكه عقلاً وشرعاً, وعليه لا بُدَّ من بيان حقيقة المال التي فيها نظريات وآراء مختلفة سيأتي البحث فيها.

والآخر: المالك؛ وهو الذي له حق التصرف في ملكه ويكون حراً فيه, وذكرنا أنَّ هذه الحرية إنَّما تكون في حدود ما قرَّره الشرع أو القانون.

ص: 133


1- الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج5 ص294.

والمالك إمّا أنْ يكون شخصاً حقيقياً؛ وهو الإنسان القابل للتملك شرعاً أو قانوناً الذي ورد ذكره في نصوص الشرع والقانون والعلماء من كلا الفريقين, وقد ذكرنا بعضاً منها فيما تقدم.

وإمّا أنْ يكون شخصاً معنوياً؛ والذي يعبّر عنه بالشخصية القانونية أو الحقوقية, حيث أنَّ العرف يرى له اعتباراً خاصاً قابلاً للتملك, وقد قرَّره القانون في تشريعاته, ويستفاد ذلك من بعض نصوص الشرع أيضاً.

ولا إشكال في الأول؛ فإنَّه الإنسان الذي منحه الله تعالى قابلية التملك وحقُّ الملكية, وسنَّ الشرع والقانون فيه الشروط لتقويمها حتى لا يستلزم منه الفوضى, كما رُوعي فيه المصلحة العامة التي تحفظ المصلحة الخاصة فيها أيضاً. وقد تطابقت الآراء والتشريعات الإلهية والوضعية في ذلك إلا ما سنبينه من مواردالإختلاف بينها, وإنَّما الكلام في القسم الثاني, أي الشخصية المعنوية المعبَّر عنها بالشخصية الحقوقية التي لها اعتبار خاص في التملك وبعض التصرفات المتوقفة على ذلك, فقد اختلفوا في ثبوتها.

ولا ريب في أنَّ هذه الملكية الثابتة للشخصية المعنوية تختلف عن نظيرتها الثابتة للشخصية الحقيقية؛ في أنَّ هذه الملكية الثابتة للشخصية الحقوقية ليست بتلك السعة والشمول, فهي محدودة بخصوص ما يقرُّه العرف أو القانون أو الشرع.

والكلام في هذا القسم يقع في ضمن نقاط:

النقطة الأولى: في الدليل على ثبوت مثل هذه الشخصية المعنوية الحقوقية

ويمكن إقامة الدليل عليه من وجوه:

الوجه الأول: عدم وجود دليل خاص على نفيها, وعليه؛ فإنْ أثبت العرف مثل هذه الشخصية وتقبلها؛ يكون عدم الردع عنه في الشرع كافياً في اعتباره, كما هو الأمر كذلك في الأمور العرفية التي لم يرد دليل خاص في الشريعة على تقريرها.

ص: 134

الوجه الثاني: قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ)(1) وقد ورد في الحديث: (فَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ لِرَسُولِهِ وَمَا كَانَ لِرَسُولِ الله صلی الله علیه و آله و سلم فَهُوَ لِلْإِمَامِ علیه السلام )(2), واللام تفيد الملكية ما لم تكن في البين قرينة صارفة عن ظهورها, فيكون المفاد أنَّ الغنائم للرسول وللإمام علیهم السلام من بعده, ولا ريب أنَّ هذه الملكية للمنصب الذي تصدّى له الرسول والإمام علیهم السلام , فكأنَّ المنصب حيثية تقييدية لهذه الملكية, فقد ثبت لها شخصية معنوية في شخص الرسول والإمام علیهم السلام ؛ يتصرفان في ما يملكانه لصلاح الرعية والبلاد.

الوجه الثالث: ما رواه الصدوق قدس سره بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ علیه السلام إِنَّا نُؤْتَى بِالشَّيْ ءِ فَيُقَالُ هَذَا كَانَ لِأَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام عِنْدَنَا فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟. فَقَالَ علیه السلام : (مَا كَانَ لِأَبِي علیه السلام بِسَبَبِ الْإِمَامَةِ فَهُوَ لِي وَمَا كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ مِيرَاثٌ عَلَى كِتَابِ الله وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ)(3)؛ فإنَّه يدلُّ على أنَّ للإمامة -التي هي منصب إلهي وحكومة شرعية- اعتبار خاص وشخصية حقوقية تتقبل الملكية, فكلُّ من تصدى لهذا المنصب له أنْ يتملك الأموال ليصرفها في مصالح العباد والبلاد.

الوجه الرابع: ما ورد في تقبل جوائز السلطان والتصرف فيها بعوض من البيع ونحوه أو بغير عوض, ولا معنى لذلك إلا من أجل كونه من الشخصية الحقوقيةالمعنوية المتقومة بالسلطان كمثال للحكومات الظاهرية. والأموال التي تكون تحت تصرف السلطان أو رئيس الدولة أو الحكومة لم تكن ملكاً شخصياً له, بل من أجل المنصب الذي تصدى له باعتباره رئيسَ الدولة؛ لأنَّه الأمين عليها, إلا أنْ يُعلم كون المال من أملاكه الشخصية,

ص: 135


1- سورة الأنفال؛ الآية 41.
2- بحار الأنوار(ط. بيروت)؛ ج97 ص58.
3- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج9 ص537.

كما إذا انتقل إليه بالإرث أو التجارة أو الإستقراض على عهدته الشخصية أو حاز مباحاً, فإنَّه يكون ملكاً شخصياً له حقُّ التصرف به بما يشاء, وليس لأحدٍ من الرعية مزاحمته لقاعدة السلطنة.

وأمّا الأموال التي لا تكون ملكاً شخصياً له فإنَّ له حق التصرف من حيث كونه مديراً للعباد والبلاد, ويجلب لهم الخير والصلاح ويدفع عنهم الفساد, فهو يتصرف بها لكونه مسؤول الرعية عند العقلاء, بشرط أنْ يكون لأجل تنظيم مصالحهم الدنيوية على الوجه المطلوب عرفاً وعقلاً وقانوناً؛ فليست الملكية شخصية قطعاً, وهذا الأمر واضح في تلك الأموال التي تكون الملكية فيها نوعية, كملكية الفقراء للصدقات, والأرض المفتوحة عنوة للمسلمين؛ فهو نحو مال خاص أو ملكية خاصة, ولا شأن للشخصية المعنوية سوى حق التصرف كما بيّناه, وأمّا غيرها من الأموال التي تستحوذ عليها الدولة فهي تكون ملكاً لهذا المنصب الرئاسي؛ إمّا بجعل من الله تعالى له كمنصب الإمامة العظمى, أو باختيارٍ من الشعب ونحوه, أو بالوراثة؛ فإنَّ جميع ذلك منصب اعتباري خُصِّص له عناوين معينة منها الملكية؛ لأنْ يتصرف في الأموال بما يرجع إلى مصالح الرعية, كما أنَّه ليس لآحاد الرعية التصرف بها لنفسه.

فهذا النوع من الملكية؛ إمّا نوعية بالنسبة إلى من يتقلد هذا المنصب, أو شخصية يتصرف بها من أجل كونه متصدياً لمنصب قيادي يحتاج إلى المال, وإطلاق العنان له في التصرف في الأموال لمصالح العباد والبلاد.

ومن هذا القسم أموال الخراج أي الضرائب والمقاسمة, أي ما يقسّم مع الحكومة من حاصل الأرض, وحيازة الدولة للمباحات, واستخراجها للمعادن وغير ذلك.

ص: 136

فإنَّ الدولة إنَّما تملك تلك وتتصرف فيها من حيث كونها شخصية معنوية حصلت من توكيل الرعية لها, وتكون الهيئة التي تدير شؤون الأمة إنَّما هم وكلاء وأمناء في الصرف والمصرف, والأخبار الواردة في هذا الموضوع إرشادٌ إلى هذا الأمر الجعلي العرفي, وهي كثيرة؛

منها: صحيح أَبِي وَلَّادٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله علیه السلام : مَا تَرَى فِي رَجُلٍ يَلِي أَعْمَالَ السُّلْطَانِ لَيْسَ لَهُ مَكْسَبٌ إلا مِنْ أَعْمَالِهِمْ, وَأَنَا أَمُرُّ بِهِ فَأَنْزِلُ عَلَيْهِ فَيُضِيفُنِي وَيُحْسِنُ إِلَيَّ, وَرُبَّمَا أَمَرَ لِي بِالدِّرْهَمِ وَالْكِسْوَةِ؛ وَقَدْ ضَاقَ صَدْرِي مِنْ ذَلِكَ؟. فَقَالَ لِي: (كُلْ وَخُذْ مِنْهُ؛ فَلَكَ الْمَهْنَأُ وَعَلَيْهِ الْوِزْرُ)(1).ومنها: صحيح بْنِ مُسْلِمٍ وزُرَارَةَ؛ قَالا: سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: (جَوَائِزُ الْعُمَّالِ لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ )(2).

ومنها: معتبرة أَبِي الْمَغْرَاءِ؛ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ الله علیه السلام وَأَنَا عِنْدَهُ, فَقَالَ: أَصْلَحَكَ الله أَمُرُّ بِالْعَامِلِ فَيُجِيزُنِي بِالدراهم؛ آخُذُهَا؟ قَالَ علیه السلام : (نَعَمْ. قُلْتُ: وَأَحُجُّ بِهَا؟ قَالَ علیه السلام : نَعَمْ)(3).

ومنها: خبر أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله علیه السلام وَعِنْدَهُ إِسْمَاعِيلُ ابْنُهُ, فَقَالَ: (مَا يَمْنَعُ ابْنَ أَبِي السَّمَّالِ(4) أَنْ يُخْرِجَ شَبَابَ الشِّيعَةِ فَيَكْفُونَهُ مَا يَكْفِيهِ النَّاسُ وَيُعْطِيهُمْ مَا يُعْطِي النَّاسَ؟ ثُمَّ قَالَ لِي: لِمَ تَرَكْتَ عَطَاءَكَ؟ قَالَ: مَخَافَةً عَلَى دِينِي. قَالَ: مَا مَنَعَ ابْنَ أَبِي السَّمَّالِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكَ بِعَطَائِكَ؟! أَمَا عَلِمَ أَنَّ لَكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ نَصِيباً)(5).

ص: 137


1- المصدر السابق؛ ج17 ص213 .
2- المصدر السابق؛ ص214 .
3- المصدر السابق.
4- وفي التهذيب؛ ج6 ص336: (السماك).
5- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج17 ص214.

ومنها: موثق دَاوُدَ بْنِ رَزِينٍ؛ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى علیه السلام : إِنِّي أُخَالِطُ السُّلْطَانَ, فَتَكُونُ عِنْدِيَ الْجَارِيَةُ فَيَأْخُذُونَهَا, وَالدَّابَّةُ الْفَارِهَةُ فَيَبْعَثُونَ فَيَأْخُذُونَهَا, ثُمَّ يَقَعُ لَهُمْ عِنْدِيَ الْمَالُ؛ فَلِي أَنْ آخُذَهُ؟. قَالَ علیه السلام : (خُذْ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَا تَزِدْ عَلَيْهِ)(1)؛ وهو يدلُّ على احترام مالهم وعدم جواز أخذه إلا بمسوغ شرعي كالمقاصة كما هو ظاهر الرواية.

ومنها: خبر يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عُمَرَ أَخِي عُذَافِرٍ؛ قَالَ: دَفَعَ إِلَيَّ إِنْسَانٌ سِتَّمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ لِأَبِي عَبْدِ الله علیه السلام فَكَانَتْ فِي جُوَالِقِي, فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى الْحَفِيرَةِ شُقَّ جُوَالِقِي وَذُهِبَ بِجَمِيعِ مَا فِيهِ, ووَافَقْتُ عَامِلَ الْمَدِينَةِ بِهَا, فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي شُقَّ جُوَالِقُكَ فَذُهِبَ بِمَتَاعِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: إِذَا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَائْتِنَا حَتَّى نُعَوِّضَكَ. قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله علیه السلام فَقَالَ: (يَا عُمَرُ شُقَّتْ زَامِلَتُكَ وَذُهِبَ بِمَتَاعِكَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ, فَقَالَ: مَا أَعْطَاكَ الله خَيْرٌ مِمّا أُخِذَ مِنْكَ, إِلَى أَنْ قَالَ فَائْتِ عَامِلَ الْمَدِينَةِ فَتَنَجَّزْ مِنْهُ مَا وَعَدَكَ, فَإِنَّمَا هُوَ شَيْ ءٌ دَعَاكَ الله إِلَيْهِ لَمْ تَطْلُبْهُ مِنْهُ)(2).ومنها: ما رواه قَيْسِ بْنِ رُمَّانَةَ؛ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله علیه السلام فَذَكَرْتُ لَهُ بَعْضَ حَالِي, فَقَالَ: (يَاجَارِيَةُ هَاتِي ذَلِكَ الْكِيسَ؛ هَذِهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ وَصَلَنِي بِهَا أَبُو جَعْفَرٍ علیه السلام فَخُذْهَا وَتَفَرَّجْ بِهَا)(3), إلى غير ذلك من الروايات.

والمستفاد من مجموع هذه الأخبار:

أولاً: إثبات الشخصية القانونية للهيئة الحاكمة من السلطان والعمال والوزراء؛ المعبَّر عنه في الإصطلاح السياسي المعاصر بالدولة أو الحكومة.

ثانياً: إثبات الملكية لهذه الشخصية الحقوقية.

ص: 138


1- المصدر السابق؛ ص272.
2- المصدر السابق؛ ص215.
3- المصدر السابق.

ثالثاً: قبول الأئمة الهداة علیهم السلام جوائزهم وهداياهم وأمرهم شيعتهم بأخذها؛ فإنَّها من حقوقهم.

رابعاً: إحترام أموال هذه الشخصية القانونية وعدم جواز التصرف فيها إلا إذا كان مسوغٌ شرعيٌّ له.

خامساً: إنَّ إعراض الأئمة المعصومين علیهم السلام في بعض الموارد عن قبول هداياهم والاعتراض عليهم إنَّما هو لأغراضٍ خاصة؛ منها: إعلام الناس بأنَّ الإمارة لم تكن لهم وإنَّما أخذوها ظلماً وعدواناً, وتسلطهم على رقاب الناس إنَّما هو بالظلم والطغيان. وهذا لا ينافي ثبوت الشخصية المعنوية للهيئة الحاكمة من أجل التسهيل على الناس.

الوجه الخامس: الأخبار الواردة في الخراج والمقاسمة والزكاة وسائر الضرائب التي تفرضها الدولة على الأفراد والأملاك وغيرها من أجل إصلاح النظام العام, فإنَّه لا يمكن تصوير ذلك إلا بإثبات الشخصية المعنوية للدولة. ولا ريب إنَّ جعل الضرائب واستيفاءها لا بُدَّ أنْ يكون وفق القوانين المجعولة في هذا السبيل بما يرجع إلى الصالح العام, ولا يستلزم منها الضرر والإضرار بعامة الناس, ولا إشكال في أنَّه لو قلنا بأنَّها مفروضة من شخص معين كالسلطان وغيره لأجل أغراضه الخاصة كان من الظلم الصراح فيحرم جعلها وأخذها والتصرف فيها, والأخبار الوردة في ذلك مستفيضة؛ منها: صحيح ابْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى علیه السلام : (مَالَكَ لَا تَدْخُلُ مَعَ عَلِيٍ فِي شِرَاءِ الطَّعَامِ؛ إِنِّي أَظُنُّكَ ضَيِّقاً؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ؛ فَإِنْ شِئْتَ وَسَّعْتَ عَلَيَّ. قَالَ علیه السلام : اشْتَرِهِ)(1). والحديث وارد في الطعام مطلقاً سواء كان من الزكاة أم العشور والضرائب وغيرها.

ومنها: موثق أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ مِنَّا يَشْتَرِي مِنَ السُّلْطَانِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَغَنَمِ الصَّدَقَةِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ أَكْثَرَ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ

ص: 139


1- المصدر السابق؛ ص218.

عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: فَقَالَ علیه السلام : (مَا الْإِبِلُ إلا مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لَا بَأْسَ بِهِ حَتَّى تَعْرِفَ الْحَرَامَ بِعَيْنِهِ)(1).

ومنها: ما فِي نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ الله علیه السلام عَنْ شِرَاءِ الْخِيَانَةِ والسَّرِقَةِ, قَالَ علیه السلام : (إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَلَا َ تَشْتَرِه إلا مِنَ الْعُمَّالِ)(2), وهو يدلُّ على أنَّ ما يأخذه الناس بعضهم من بعض على نحو التعدي يكون من الخيانة والسرقة فلا يجوز أخذه والتصرف فيه.

وأمّا ما يأخذه السلطان وعماله وولاته فإنَّهم وإنْ كانوا من الخائنين الظالمين الذين تعدّوا على الحقِّ وأزاحوه عن أهله؛ لكن الشارع منحهم شخصية حقوقية تسهيلاً على المؤمنين ورعاية لمصالح العباد والبلاد, فيجوز الشراء منهم من أجل ذلك, قال السيد الوالد قدس سره: (فبعد علم الشارع الأقدس بهذه الحوادث وإخباره بها في جملة من الأخبار بغلبة الجور؛ فهل يبقى التكليف بالاجتناب منجزاً على كلِّ حال؟ أو يتغير حسب الظروف والأحوال؟ كما أنَّ تكليف الصلاة التي هي أهم أركان الدين يتغير بحسب حالات التقية ونحوها؟! مقتضى سهولة الشريعة المقدسة هو الثاني, وثبوت الوزر الواقعي بالنسبة إلى الغاصبين لا ينافي التسهيل الظاهري بالنسبة إلى الرعية حفظاً للنظام وتيسيراً على الأنام, ويشهد لما ذكرناه ذكر الزكاة أيضاً في بعض الأخبار)(3).

وعليه: فإنَّ إثبات الشخصية الحقوقية لحكومات الجور وإثبات الملكية الظاهرية لها مِمّا تقتضيه سهولة الشريعة المقدسة, وهو لا ينافي ثبوت الوزر الواقعي على المتصدين لأنَّهم تقمَّصوا ما ليس لهم.

ص: 140


1- المصدر السابق؛ ص219.
2- المصدر السابق؛ ص220.
3- مهذب الأحكام؛ ج16 ص192.

ثم إنَّه مقتضى إطلاق الطائفة الأولى في جوائز السلطان وهذه الطائفة عدم اعتبار الإستحقاق فيمن تصل إليه الجائزة أو الخراج والمقاسمة, كما أنَّ مقتضى الإطلاق أيضاً عدم كونه من مصارف الزكاة, ويقتضيه الأصل في الأمرين أيضاً, مع أنَّ الحكمة هي التسهيل ورفع العسر والحرج وهي تعمُّ الجميع.

الوجه السادس: جواز تقبُّل الأراضي الخراجية من الدولة وتضمينها بعوض لينتفع بها انتفاعاً محللاً أو يقبلها ويضمُّها لغيره ولو بالزيادة. وهو أيضاً مِمّا يدلُّ على ثبوت الشخصية المعنوية والملكية الظاهرية لها. ويدلُّ على ذلك جملة من الأخبار.واعلم أنَّ تقبل الأراضي وموارد الخراج والمقاسمة الشرعيين عند الفقهاء إنَّما هو في الأراضي المفتوحة عنوة أو صلحاً على أنْ تكون الأرض للمسلمين بالشروط المذكورة في كتاب الجهاد وكتاب إحياء الموات وهي:

1- أنْ يكون الفتح بإذن الإمام علیه السلام , وإلا كانت من الأنفال التي هي ملك للإمام علیه السلام .

2- أنْ تكون مُحياة حال الفتح.

3- أنْ تكون مفتوحة عنوة بإذنه علیه السلام .

فإذا تحققت تلك الشروط كانت الأراضي المفتوحة ملكاً لجميع المسلمين إلى يوم القيامة. وإذا لم نحرز توفرها كان المرجع قاعدة الإشتغال إعطاءً وأخذاً بعد سقوط الأصول الموضوعية من جهة التعارض وهي أصالة عدم الفتح عنوة وأصالة عدم كونها ملكاً لشخص خاص؛ إماماً كان أو غيره.

والصحيح؛ إنَّه إذا قلنا بأنَّ الأراضي كلّها للإمام علیه السلام -كما هو مقتضى إطلاقات وعمومات بعض الأخبار- فإنَّ ذلك يكون أصلاً معتبراً في الأراضي مطلقاً إلا ما خرج بالدليل, فيكون المشكوك من الأراضي ملكاً للإمام علیه السلام , وحينئذٍ لو قلنا بالملكية الحقيقية له علیه السلام فلا يجوز التصرف فيها إلا بإذنه علیه السلام لأنَّه المالك الحقيقي لها.

ص: 141

وأما إذا قلنا بأنَّ ملكية الإمام جهتية, أي من جهة الرياسة الدينية الثابتة له, كما في ملكية الإمام للخمس ونحوه؛ فتكون الرياسة الدينية كغيرها من المؤسسات لها شخصيةٌ حقوقية, كما أنَّ الأمر كذلك إذا قلنا بالشخصية الحقوقية للدولة وإثبات الملكية لها فتملك الأراضي كلها, فما تأخذه الدولة من الأنفال بحكم ما تأخذه من أرض الخراج؛ كما تقدم بيانه.

وكيف كان؛ فإنَّه يدلُّ على جواز تقبل الأراضي مطلقاً من الدولة أو تضمينها أو يضمّنها لغيره مطلقا ولو بالزيادة جملة من النصوص الشرعية؛ منها: صحيح الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: (لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَقَبَّلَ الرَّجُلُ الْأَرْضَ وَأَهْلَهَا مِنَ السُّلْطَانِ)(1), وهو يدلُّ على مطلق الأراضي سواء كانت من المفتوحة عنوة أم من أرض الصلح أو غيرها.

ومنها: ما رواه الْفَيْضِ بن الْمُخْتَارِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله علیه السلام : جُعِلْتُ فِدَاكَ؛ مَا تَقُولُ فِي الْأَرْضِ أَتَقَبَّلُهَا مِنَ السُّلْطَانِ ثُمَّ أُؤَاجِرُهَا مِنْ آخَرِينَ عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللهمِنْهَا مِنْ شَيْ ءٍ كَانَ لِي مِنْ ذَلِكَ النِّصْفُ وَالثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرُ؟ قَالَ علیه السلام : (لَا بَأْسَ)(2).

وغير ذلك من الأخبار.

وتقتضيه الإطلاقات والعمومات أيضاً التي تدلُّ على تقرير الشارع المقدس لمثل هذه الأعمال من السلطان والدولة, وترشد إلى ثبوت الشخصية الحقوقية لهما.

واحتمالُ أنْ يكون الحكمُ بالجواز مختصاً بخصوص الشيعة ولا يعمّ باقي الناس بعيدٌ, للإطلاقات والعمومات وقاعدة نفي العسر والحرج.

ص: 142


1- تهذيب الأحكام؛ ج7 ص202.
2- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج19 ص128.

وما رود في بعض الأخبار (لَيْسَ لِعَدُوِّنَا مِنْهُ شَيْ ءٌ)(1) لا بُدَّ من حمله إمّا على نفي الملكية الشخصية لهم, أو الإختصاص بمن حكم بكفره أو نصبه, أو أنَّه ليس لهم مستقلاً, بل الحكم يعمّهم وغيرَهم تسهيلاً على مواليهم وشيعتهم.

والحاصل من جميع ما تقدم: إنَّه يمكن إثبات الشخصية الحقوقية للدولة كإحدى المؤسسات التي تهتم بتنظيم أمور عامة الناس وإشاعة الأمن والأمان في البلاد وإصلاح شؤون العباد.

وقد عرفت أنَّه أمرٌ اعتبره العرف والعقلاء ولم يردع عنه الشارع وهو يكفي في الإمضاء, فضلاً عن ورود التقرير لهذه السيرة العقلائية بالنصوص الخاصة كما تقدم ذكرها.

ولا بُدَّ من التنبيه على أمر مهمّ -كما أشرنا إليه فيما تقدم- وهو أنَّه ليس الكلام في إضفاء الشرعية لحكم الظالمين الغاصبين وجعلهم ملوكاً وأمراء شرعيين؛ لأنَّ الغاصب لا يمكن وصفه بالشرعية إلا إذا أرجع الحقَّ إلى صاحبه المنصوب من الله تعالى, والخلافة الإلهية حقٌّ للرسول الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم وبجعلٍ إلهي للأوصياء الذين جعلهم صلی الله علیه و آله و سلم من بعده لتصدي الإمامة الكبرى والخلافة العظمى.

فليس البحث في تقويم الدعاوى السلطوية, وتصحيح أعمال المتصدّين للخلافة, وإنَّما الكلام في بيان الواقع العملي المتحقق بعد تسلّطهم على كرسي الرئاسة ودراسة واقع التعامل معهم, وعرضه على المَوازين الشرعية بعد ابتلاء المكلفين بهم.

ومن أجل ذلك لا يختص بحث ملكية الدولة وعدمها بنوع معين من الدول, بل هو عام يشمل جميع الدول بكافة اتجاهاتها؛ مسلمة كانت أو كافرة, بل كلُّ ما لهذا العنوان من أفراد ومصاديق.

ص: 143


1- المصدر السابق؛ ج9 ص551.

ومن المعلوم أنَّ الدول على مرِّ التاريخ على اتجاهين من حيث التسلط والملكية:

· الإتّجاه الأول:

النظم الدكتاتورية التي يرى الحاكم فيها نفسه هو المالك المطلق لما يتسلّط عليه من الأراضي والعقارات والمعادن والأموال وسائر الممتلكات, ولا بُدَّ للرعية أنْ تعترف له بذلك طوعاً أو كرهاً, وقد عبَّر الإمام أمير المؤمنين علیه السلام . عن مثل هؤلاء بقوله المعروف: (اتَّخَذُوا دِينَ الله دَخَلًا وَعِبَادَ الله خَوَلًا وَمَالَ الله دُوَلًا)(1).

ومثل هذا النحو من النظام كثير على مرّ التاريخ قبل الإسلام وبعده.

قد يقال: إنَّ إثبات الشخصية الحقوقية لمثل هذا النظام يكون من لزوم ما لا يلزم, لأنَّه بعد الإدّعاء من المتسلط والإقرار من الرعية لا يبقى مجال للشك في الملكية, إذ لا يُعلم أن يتحقق من الحاكم والسلطان تجاوزٌ على حقِّ الآخرين أو ظلمٌ لهم. وإنْ فُرض العلم بالتجاوز والظلم فلا بُدَّ من إرجاع كلّ حقٍّ لصاحبه إنْ كان معلوماً, وإلاّ كان من موارد مجهول المالك. وليس الكلام في هذا الأمر, وإنَّما البحث في إثبات أصل الملكية والمفروض ثبوتها إدّعاءً للحاكم المتسلط ما دام على قيد الحياة, وبعد موته ترجع الاملاك إلى ورثته الشرعيين أو من يملك المنصب من بعده.

ولكن الصحيح أنَّ الإدّعاء من الحاكم والإقرار من الرعية لا يغير من الواقع شيئاً, فإن الأخبار التي تقدم ذكرها وردت في عصر هؤلاء الحكام والسلاطين, فإن النظام برُمَّته لم يكن شرعياً ولم تعترف به جميع الأديان الإلهية, وقد ذكرنا بأنَّ الملكية المدعاة من قبل الحكاّم السلطويين لم تكن إلا إدّعائية, والمملوك بمنزلة المغصوب لا يجوز التصرف فيه لا من الحاكم ولا من المحكوم إلا أنْ يكون إذنٌ شرعيٌّ يسوّغ مثل ذلك, وحينئذٍ يعود

ص: 144


1- بحار الأنوار (ط. بيروت)؛ ج18 ج126.

الكلام بالنسبة إلى الرعية إذا لم يؤذن لهم بالتصرف في الأراضي والأملاك والعقارات, ولا يجوز لهم أخذ الجوائز من السلطان وتقبل الأراضي وغير ذلك من أنحاء التصرفات, فإنَّ التكليف يكون في حقهم منجَّزاً, فيقعوا في العسر والحرج وربما يستلزم اختلال النظام برُمَّته.

ولا إشكال في عدم كونه مطلوباً للشارع المقدس, حيث إن الأمن والأمان وتنظيم شؤون الرعية أهم مقاصد الشرع الحنيف. وحلّ هذه المعضلة لا يكون إلا بأحد الوجهين:

1- الرجوع إلى الحاكم الشرعي وأخذ الإذن منه في التصرف في أموال الحكومة. وهو إنْ كان صحيحاً ووجيهاً ويقول به جمعٌ كبير من الفقهاء؛ ولكنه حلٌّ جزئي لا يحلُّ المشكلة بأسرها, وربما يُستلزم فيه بعض المنافيات والمصادمات؛ كما يأتي بيانه.

2- إثبات الشخصية الحقوقية وترك الإدّعاء المزيّف من الحاكم, وإثبات الملكية لها ولتسهيل الأمر وتخفيف معاناة المؤمنين بل الناس جميعاً. وهو الذي أردنا إثباته فيما تقدم.

· الإتّجاه الثاني:

أنْ لا يكون نظر الحاكم كذلك, فلا يرى لنفسه الملكية الشخصية لما يكون تحت سلطته, وإنَّ أقصى ما يثبت لنفسه هو حقّ التصرف؛ إمّا على نحو الإستقلال أو ما يقرّه له القانون؛ كما هو الدائر في الأنظمة الحديثة.

وهذا هو الغالب في الحكومات المعاصرة. ولكن لا بُدَّ من تحديد مواقع الملكية فيها.

أركان الدولة الحديثة

ومن المعلوم أنَّ الدولة الحديثة تبتني على أركان خمسة:

الركن الأول: الشعب؛ وهو العنوان الكلي الذي ينطبق على كلِّ فرد تتوفر فيه شروط المواطنة حسب القوانين الموضوعة في هذا المجال من دون تحديد قومية أو دين أو مذهب وغير ذلك.

ص: 145

الركن الثاني: القانون؛ والمراد به الدستور الذي يُثبت النظام المُطَّرد في الدولة, والقائم على نظرية معينة في العلاقات الاجتماعية والإقتصادية والسياسية.

الركن الثالث: الحكومة؛ وهي المؤسسة التي تضمّ جماعة معينة من موظفي الدولة, الذين أُنيطت بهم مسؤولية القانون وتثبيت النظام الفعلي في الوطن.

الركن الرابع: الوطن؛ وهو الرقعة التي يعيش عليها الشعب, وتطبق الحكومة فيها القانون وتنفذ مسؤولياتها.

الركن الخامس: رأس النظام؛ وهو ذلك المنصب الذي يتسنم جهاز الحكومة, وإليه تنتهي كافة المسؤوليات القانونية الحاصلة من التطبيق.

ومن المعلوم أن المنصب الذي يترأسه الفرد لا بُدَّ أنْ يكون له أساس يُضفي له هذا الإعتبار الخاص, ككونه رئيساً للدولة أو الحكومة ونحو ذلك, وهذا الأساس يختلف حسب الإتّجاهات السياسية, وهي:

1- الولاية الإختيارية التي يعطيها أبناء الشعب باختيارهم لشخص معين أو فئة معينة.

2- القهر والغلبة من قبل المتسلط أو من قبل آخرين.

3- الجعل الإلهي لشخص معين؛ كما في ولاية الرسول الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم وأوصيائه المنتجبين علیهم السلام .

ولا ريب أنَّ محور الملكية الإعتبارية في الدولة لا بُدَّ أنْ يكون في مورد يمكن تصوير الشخصية الحقوقية لها, وهي الهيئة الحاكمة التي تتمثل بالحكومة ورئيسها وليس القانون ذاته, لأنَّه لا يعني أكثر من الطريقة التي تنتظم بها الشؤون, ولا تُتصور فيها الشخصية حتى تُفرض لها المالكية.

نعم؛ مالكية الشخصية الحقوقية ينظمها القانون لا أن يكون القانون نفسه كذلك.

ص: 146

وحينئذٍ يكون رأس النظام وعماله ووزراؤه الذين يُعبَّر عنهم في المصطلح الحديث بالهيئة الحاكمة, أو تلك المؤسسة التي تحملّت مسؤولية تطبيق القانون وتنظيم شؤون العباد والبلاد.

ومن ذلك يظهر فساد ما قيل من أنَّه لا معنى للقول بملكية الجهاز الحكومي بما هو فئة مسؤولة عن تنفيذ القانون وإجراء النظام إذ هذه الحيثية وظيفية صرفة؛ لأنَّ وظيفة الهيئة الحاكمة لتطبيق القانون وإجراء النظام هي التي تستدعي فرض الشخصية الحقوقية لها؛ حتى يتسنّى لها التصرف في الأموال والممتلكات وفرض الضرائب, ويصح للأفراد التصرف فيما تمنحه الحكومة لهم كما تقدم بيانه.

وحينئذٍ إن الذي نفرض له الشخصية الحقوقية كرئيس البلد أو الحكومة والمالكية لها إنَّما يملك بقيد المنصب, فيكون القيد داخلاً في مفهوم تلك الشخصية بنحو الحيثية التقييدية, فما دام كونه متقمصاً لهذا المنصب يحقّ له التملك والتصرف في ممتلكات الدولة, فإذا عُزل أو تنازل أو حصل أي عارض يوجب ابتعاده عن المنصب لا يحق له التصرف, كما لا تعود مملوكات الدولة إلى ورثته بعد موته حتى لو كان على رأس السلطة, بل يعود في الحالات المتقدمة إلى من يتسنم هذا المنصب من بعده.

وهذا الأمر لا يختص بالحكومات الظاهرية, بل يجري في ملكية الإمام علیه السلام لسهمه من الخمس والأنفال وغيرهما, فإنَّ المنصب هو المالك لهذا السهم وليس شخص الإمام, كما يدل عليه خبر ابن راشد المتقدم, ومن أجل ذلك لا يعود السهم إلى ورثته بل إلى الإمام الذي يليه, وقد عرفت أنَّ المنصب بما هو هو لا يمكن أنْ يُملك إلا أنْ يُفرض له الشخصية الحقوقية القانونية.

ص: 147

إذن يتعين أنْ تكون ملكية الدولة في الهيئة الحاكمة المؤلفة من رئيس الدولة والحكومة؛ التي هي مؤسسة خاصة يتصدى لها جملة من الأفراد, وهم الوزراء والمدراء العامّون وغيرهم.

النقطة الثانية: الإشكال على الشخصية الحقوقية

ثم إنَّهم قد أوردوا على إثبات ملكية الدولة والشخصية الحقوقية لها بإشكالات:

الإشكال الأول: إنَّ الملكية لا بُدَّ فيها من مالك, والنظام بما هو نظام لا يُعقل تملكه لأنَّه بمنزلة الجماد, ولا وجه لإثبات الشخصية الحقوقية له.

ويرد عليه: إنَّ المالك لا يشترط فيه العقل والقدرة على التصرف في نفسه والإنتفاع بالمال بشخصه, وإلا لزم إلغاء ملكية الصبيان والمجانين والحمل؛ كما عليه المشهور, كما يلزم عدم ملكية الموقوف عليه الخاص إذا كان عاجزاً عن الإستقلال بالتصرف؛ كالمشاهد المشرفة والحسينيات وبيت مال المسلمين ونحو ذلك, مع أنَّ المشهور هو ملكيتها.ولوا اشترطنا القدرة على التصرف لأشكل القول بملكية المسلمين لمثل الأراضي المفتوحة عنوة التي هي ملك لطبيعي المسلم, والكلي بما هو كلي لا تحقق له في الخارج.

فالذي يملك في جهاز الدولة الذي هو رأس السلطة والحكومة هو المنصب لا شخص الأفراد المتصدين بما له من شخصية حقوقية؛ فيملك حينئذٍ, ومن أجل ذلك لا يقدح دعواه بالملكية أو دعواه بعدم الملكية في أنَّه مالك, ولا تزول الشخصية الحقوقية ما دام متصدياً للمنصب.

الإشكال الثاني: إنَّ الملكية من الموجودات الاعتبارية التي لا تحقُّقَ لها وراء الاعتبار العقلائي. ومجرد التسلط الخارجي على شيء لا يقتضي الملكية ما لم يكن لهذا التسلط من سبب حقيقي أو اعتباري؛ كما هو معلوم. وسلطة الدولة في أي من مواقعها لا تحكي أكثر من التسلط دون تحقق الملكية أو مقتضيها.

ص: 148

ويرد عليه: إنَّ مفروض الكلام هو إثبات الشخصية الحقوقية للحكومة ثم إثبات مالكيتها بالسيرة العقلائية, وحينئذٍ تكون السيطرة الخارجية كاشفة عن ثبوت الملكية واقرار العقلاء يكفي في ذلك كله. نعم؛ إنَّ الأموال التي تسيطر عليها الدولة تختلف مناشئُها, ومن ثم يختلف نوع الملكية فيها, وهذا أمر آخر سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.

والمهم أنْ تكون السلطنة على الأموال بطريقة قانونية ما لم يكن ردع من الشرع الحنيف لها, ومن هنا تكون المباحات الأولية العامة وما يترتب عليها؛ لا يكفي في التملك بمجرد السيطرة عليها ما لم يكن مقتضٍ للتملك في البين؛ سواء كان من قبل الأفراد أم الدولة, وكذا لو كانت الأموال مملوكة لآخرين ممن يعترف لهم القانون بالملكية, فإنَّها لو وقعت تحت سلطة الآخرين لم تكن موجبة لانتقال الملكية عنهم للمتسلط ما لم يكن مبرر شرعي لهذا الإنتقال.

والحاصل: إنَّ إثبات الملكية للدولة أمر عرفي عقلائي إلا أنَّ ذلك إنَّما يصح بعد إثبات الشخصية الحقوقية لها, وأمّا الأموال التي تكون تحت سلطة الدولة فهي تختلف مناشئُها ومقتضياتها وتختلف باختلافها؛ كما سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.

الإشكال الثالث: إنَّ اعتبار العقلاء في إثبات ملكية الدولة لو فرض تحققه فإنَّه لا يكفي ما لم يكن امضاء من الشارع له ومع عدم احرازه يكفي في سقوط هذا الاعتبار العقلائي, وفي المقام الأمر يكون كذلك, فإنَّه لم يرد من الشارع ما يدلُّ على إمضائه, إنْ لم نقل بوجود أدلة تدل على الردع عنه, وهي الأخبار التي تنهى عن دفع الخراج والصدقات الواجبة بل مطلق الأموال إليهم مع عدم العدالة.

ويرد عليه: ذكرنا أنَّ السيرة العقلائية قامت على ملكية الدولة, وإنَّه يكفي في إمضائها عدم الردع عنها من الشرع الحنيف كما في سائر الأمور العرفية والعقلائية؛ فكيف إذا ورد الإمضاء في عدة روايات كما تقدم ذكرها؟.وأمّا الروايات التي تدلُّ على النهي عن دفع الخراج والصدقات الواجبة لا تكون معارضة لما تقدم من الأخبار كما سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.

ص: 149

الإشكال الرابع: جملة من الأخبار التي تدلُّ على النهي عن دفع الخراج والصدقات الواجبة, بل مطلق الأموال إلى المتسلطين والمتصدين للحكم, وهي:

1- معتبرة العِيصِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله علیه السلام : فِي الزَّكَاةِ قَالَ: (مَا أَخَذُوا مِنْكُمْ بَنُو أُمَيَّةَ فَاحْتَسِبُوا بِهِ وَلَا تُعْطُوهُمْ شَيْئاً مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّ الْمَالَ لَا يَبْقَى عَلَى هَذَا أَنْ تُزَكِّيَهُ مَرَّتَيْنِ)(1).

وفيه:

أ- إنَّها تدلُّ على وجوب إيصال الزكاة إلى مستحقيها, وإعطاؤها لغيرهم كالسلطان الجائر تضييعٌ لهذا الحق. وهذا أمر متَّفق عليه, وتدلُّ عليه جملة من الروايات.

ب- يضاف إلى ذلك أنَّ الكلام في المقام عن ملكية الدولة لما تحت سلطتها مع عدم العلم بوجود مالك معروف لها, ولا ريب أنَّ مستحقي الزكاة هم المالكون لهذا الحق الواجب؛ فالروايات أجنبية عن موضع البحث.

وحينئذٍ لا بُدَّ من تمكين المالك الشرعي لهذا الحق الواجب مع الإمكان, ومع عدمه فإن أخذه الظالم يسقط عن ذمة المالك لأنَّه لا تتعدد الزكاة عليه مرتين, كما هو نص الرواية المتقدمة.

ج- وعلى فرض التنزُّل فهي معارضة مع ما دلَّ على جواز تسليم الزكاة إلى عمال السلاطين مطلقاً سواء تمكن من الإمتناع أم لا, ومن دون التعويض بما يبرئ الذمة عن الحقِّ الواجب, كما يدلُّ عليه صحيحة يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ

ص: 150


1- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج9 ص252.

أَبَا عَبْدِ الله علیه السلام عَنِ الْعُشُورِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنَ الرَّجُلِ أَيَحْتَسِبُ بِهَا مِنْ زَكَاتِهِ؟ قَالَ علیه السلام : (نَعَمْ إِنْ شَاءَ)(1).

وبمضمونها أخبار أخرى, بل صدر رواية العيص يدلُّ على ذلك أيضاً, فهذه الرواية أجنبية عن موضع البحث ولا تعارض غيرها بما تدل على المطلوب.

2- ما رواه زُرَارَةُ قَالَ: اشْتَرَى ضُرَيْسُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَخُوهُ مِنْ هُبَيْرَةَ أَرُزّاً بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ, قَالَ, فَقُلْتُ لَهُ: وَيْلَكَ أَوْ -وَيْحَكَ- انْظُرْ إِلَى خُمُسِ هَذَا الْمَالِ فَابْعَثْ بِهِ إِلَيْهِ وَاحْتَبِسِ الْبَاقِيَ, فَأَبَى عَلَيَّ, قَالَ: فَأَدَّى الْمَالَ, وَقَدِمَ هَؤُلَاءِ1- فَذَهَبَ أَمْرُ بَنِي أُمَيَّةَ, قَالَ: فَقُلْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَبْدِ الله علیه السلام فَقَالَ مُبَادِراً لِلْجَوَابِ: (هُوَ لَهُ هُوَ لَهُ, فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ أَدَّاهَا فَعَضَّ عَلَى إِصْبَعِهِ)(2).

3- ما رواه إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ علیه السلام مَا تَقُولُ فِي أَعْمَالِ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ علیه السلام : (إِنْ كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلًا فَاتَّقِ أموال الشِّيعَةِ. قَالَ: فَأَخْبَرَنِي عَلِيٌّ أَنَّهُ كَانَ يَجْبِيهَا مِنَ الشِّيعَةِ عَلَانِيَةً ويَرُدُّهَا عَلَيْهِمْ فِي السِّرِّ)(3).

وبمضمونهما روايات أخرى تدلُّ على عدم جواز اعطاء الحقوق الشرعية لهم بل على جواز أخذ أموال السلطان الجائر.

وفيهما(4):

أولاً: ما عرفت من أنَّ عدم جواز دفع الحق الشرعي لهم من المسلّمات لمعلومية ملّاكها الشرعيين, إلا أنْ يكون دليلٌ شرعيٌ يدلُّ على إبراء ذمة الدافع لهم, وقد تقدم بيانه آنفاً.

ص: 151


1- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج9 ص252.
2- المصدر السابق؛ ج17 ص219.
3- المصدر السابق؛ ص139.
4- لروايتي زرارة وإبراهيم بن أبي محمود.

ثانياً: إنَّ جواز أخذ أموال السلطان الجائر إنَّما هو من جهة كونها من أموال الغاصب التي يجوز تملكّها بأيِّ وجه كان مع دفع الخمس إلى أهله, فيما إذا لم يستلزم الضرر عليه أو على أهل نِحلته؛ كما هو مذكور في الفقه, لأن هبيرة في الرواية المتقدمة من عمال بني أمية, وكان يبيع من أرزهم, وعداؤهم لأهل البيت علیهم السلام معروف.

ثالثاً: إنَّ الحكم من الإمام علیه السلام بجواز الأخذ منهم إنَّما كان بمقتضى ولايته الشرعية المطلقة لتضييع بعض ما يكون سبباً لإعانتهم على الظلم والطغيان.

رابعاً: إنَّ الأموال التي كانت عند ضريس من المحتمل قوياً أنَّها لم تكن لمالك معين, لأنَّ الفترة التي كان يعيش فيها كانت انتقالية من الحكم الأموي إلى الحكم العباسي, ويؤيد هذا الإحتمال روايات عديدة؛ منها تلك التي دلَّت على جواز قبول هدايا السلاطين وشراء ما عندهم وشراء غلات السلطان ما لم يعلم بأنَّها مغصوبة؛ كما تقدم ذكرها.

4- ما رواه مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفُضَيْلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْأَوَّلَ علیه السلام عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى مِنِ امْرَأَةٍ مِنْ آلِ فُلَانٍ بَعْضَ قَطَائِعِهِمْ, وَكَتَبَ عَلَيْهَا كِتَاباً بِأَنَّهَا قَدْ قَبَضَتِ الْمَالَ وَلَمْ تَقْبِضْهُ فَيُعْطِيهَا الْمَالَ أَمْ يَمْنَعُهَا؟ قَالَ علیه السلام : (قُلْ لَهُ لِيَمْنَعْهَا أَشَدَّ الْمَنْعِ فَإِنَّهَا بَاعَتْهُ مَا لَمْ تَمْلِكْهُ)(1).وفيه: إنَّها أجنبية عن الموضوع الذي نحن بصدد إثباته, لأنَّ المرأة لم تكن ذات منصب, وإنْ كانت من آل فلان, فما باعته كان من أموالها الشخصية ولكنها من العائلة التي أظهرت عداءها والنصب لأهل البيت علیهم السلام , وقد عرفت جواز أخذ مال الناصب لهم مع الشروط المقررة.

ص: 152


1- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج17 ص334.

والحاصل من جميع ذلك: إنَّه لم يتم دليل على نفي الملكية عن الدولة, فإن أقصى ما يستفاد من تلك الأخبار هو النهي عن اعطاء الأموال إلى الدولة, وهو على فرض قبوله شيء, ونفي الملكية عنها شيء آخر.

الإشكال الخامس: إنَّه قد ورد بعض الروايات التي تدل على تحفظ آل البيت علیهم السلام على أخذ الصلات من سلاطين عصرهم, وتحرجهم من قبض ما أَرسل إليهم السلطان من المال وهي روايات عديدة؛ منها: ما رواه الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ علیه السلام فِي حَدِيثٍ أَنَّ الرَّشِيدَ بَعَثَ إِلَيْهِ بِخِلَعٍ وَحُمْلَانٍ, وَمَالٍ, فَقَالَ علیه السلام : (لَا حَاجَةَ لِي بِالْخِلَعِ وَالْحُمْلَانِ وَالْمَالِ إِذَا كَانَ فِيهِ حُقُوقُ الْأُمَّةِ, فَقُلْتُ: نَاشَدْتُكَ بِالله أَنْ لَا تَرُدَّهُ فَيَغْتَاظَ قَالَ علیه السلام : اعْمَلْ بِهِ مَا أَحْبَبْتَ)(1).

ومنها: ما رواه عَبْدِ الله بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِيهِ -فِي حَدِيثٍ- أَنَّ الرَّشِيدَ أَمَرَ بِإِحْضَارِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ علیه السلام يَوْماً فَأَكْرَمَهُ وَأَتَى بِهَا بِحُقَّةِ الْغَالِيَةِ فَفَتَحَهَا بِيَدِهِ فَغَلَفَهُ بِيَدِهِ ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ خِلَعٌ وَبَدْرَتَانِ دَنَانِيرُ فَقَالَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ علیه السلام : (وَالله لَوْ لَا أَنِّي أَرَى مَنْ أُزَوِّجُهُ بِهَا مِنْ عُزَّابِ بَنِي أَبِي طَالِبٍ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ نَسْلُهُ مَا قَبِلْتُهَا أَبَداً)(2).

وغيرهما من الأخبار الدالة على إعراض الأئمة علیهم السلام عن صِلات السلاطين وامتناعهم عن أخذها, وهو يرشد إلى عدم ملكيتهم لما تحت أيديهم من الأموال.

ويرد عليه:

1- إنَّها معارضة بما دلَّ على أخذهم صلوات الله عليهم جوائزهم وصِلاتهم, فلا بُدَّ أنْ نحمل هذه الروايات على محامل, وقد تقدم أنَّها تُحمل إمَا على بيان اعتراضهم

ص: 153


1- المصدر السابق؛ ص334.
2- المصدر السابق؛ ص216.

علیهم السلام على تصديهم للسلطنة والإمارة, أو تُحمل على أنَّ الأموال التي دفعوها كانت من حقوق الأمة, وغير ذلك من العناوين الثانوية.

2- إنَّها لا تنفي أصل الملكية وجواز التعامل مع الدولة, كما تدلّ عليه الروايات المستفيضة التي تقدم ذكرها.الإشكال السادس: إنَّ الروايات التي دلت على الجواز مِمّا سبق ذكرها إنَّما وردت في نمط معين من الحكومات التي عاصرت صدور تلك الروايات وهي النظم التي ادعت الخلافة الإلهية وأن المتصدين لها لهم الولاية الشرعية, وحينئذٍ لا بُدَّ من الاقتصار على ذلك الصنف من الدول ولا يصح التعدي منه إلى غيره إلا أن يدل عليه دليل شرعي؛ لا سيما إذا قلنا بأنَّه هو المُنصرَف من تلك الأدلة, فيكون إثبات الحكم لما سواه من الدول مطلقاً كما هو مقتضى البحث مِمّا لا يمكن استفادته من هذه الأدلة.

ويرد عليه:

1- إنَّ دعوى الإنصراف مِمّا لا مقتضي لها, إذ وجود نمط معين من السلطة وقت صدور الأخبار لا يعني تقييد الإستعمال به.

2- إنَّ في تلك الروايات لفظ السلطان والعمال, وله من الإطلاق ما يشمل جميع أنواع الدول والحكومات من دون اختصاص بصنف معين أو فئة معينة.

3- إنَّ الأساس في اعتبار ملكية الدولة هو اعتبار العقلاء, والروايات إنَّما وردت لإمضاء هذا الإعتبار الذي لا اختصاص له بصنف معين.

إذن المتحصل من جميع ما تقدم ثبوت الملكية للدولة مطلقاً أياً كانت اتجاهاتها ونزعاتها سواء كانت من الدولة المسلمة أم غير المسلمة. لكن ذلك لا يتم إلا أنْ نثبت الشخصية الحقوقية لها, لأنَّ الملكية بأي معنى اعتبرناها لا يصح تصويرها إلا أنْ يثبت لها موضوع

ص: 154

وهو إمّا أنْ يكون شخصية حقيقية أو شخصية حقوقية. ويدلُّ عليه العرف وبناء العقلاء, وعليه بناء القانون المدني, ولم يردع عنه الشرع الحنيف كما تقدم بيانه مفصلاً.

النقطة الثالثة: مصاديق الشخصية الحقوقية

1- الدول والحكومات؛ وبعبارة أخرى: المؤسسة التي تحكم البلاد وتَسوس العباد التي تتألف من رئيس المنصب, والحكومة التي هي مجموعة من الوزراء والمدراء وغيرهم الذين يديرون اعمال الدولة.

2- البنوك والمصارف مطلقاً.

3- الشركات الصناعية الكبرى التي تُثبت لها الدولةُ شخصيةً حقوقيةً؛ بسببها تتعامل مع غيرها, وإنْ كان لها مالكون معروفون ولكن المعاملات تكون باسم الشركة لا بأسمائهم.

4- الشركات التجارية التي تدير شؤون التجارة مع الدول والأفراد.

وغير ذلك من المصاديق الأخرى التي يقرّ لها العرف والقانون بالشخصية.

النقطة الرابعة: شروط الشخصية الحقوقية

اشارة

لا إشكال في أنَّ هذه الشخصية تختلف عن الشخصية الحقيقية, فهي حقٌّ ذاتي لكلِّ فرد, وأمّا الحقوقية فهي أضيق دائرة من الشخصية الحقيقية لأنَّها جعلية, فلا بُدَّ من إقرار القانون لها, إذ ليس لكل أحد أنْ ينصب لنفسه شخصية حقوقية سواء كان فئة معينة أم غيرها ما لم يكن له غطاء شرعي من العرف والقانون يثبت له هذه الشخصية. ومع ثبوت هذه الشخصية لمورد معين لم تكن له السلطة التامة إلا ضمن القرار العرفي أو القانوني, ومن أجل ذلك كانت سلطتها أضيق من نظيرتها الحقيقية, وتختلف الشروط المقررة لها في موضع عن موضع آخر.

ص: 155

ومن أهم تلك الشروط:

1- أنْ لا تكون موجبة لزعزعة النظام الإقتصادي.

2- أنْ لا يستلزم منها الإضرار بالآخرين.

3- أنْ لا توجب سلب ملكية الأفراد, فليس لها حق مزاحمة الأشخاص الحقيقيين, فإنَّه عند المزاحمة تقدم الأخيرة عليها وسيأتي تفصيل ذلك في المواضع المناسبة إنْ شاء الله تعالى.

موارد ملكية الدولة

ذكرنا في بداية البحث أنَّ الأموال التي تكون تحت يد السلطان أو بالأحرى تحت إدارة الدول والحكومات على أنواع:

الأول: أنْ تكون ملكاً خاصاً للسلطان وتقترن دعواه بالبرهان ومنه اقرار الرعية له, وهكذا في أموال الدولة التي يقر القانون الوضعي بأنَّها من ممتلكاتها, كما إذا أنشأت الدولة معملاً أو مصنعاً من قرض اقترضته الدولة من دولة أخرى أو من بنك خاص, فإنَّها تمتلك منتوجاتها, وفي هذا النوع من الملك الخاص يحقُّ للسلطان أو الدولة أنواع التصرف في ما يملكانه بالشروط التالية:

1- أنْ لا تكون مزاحمة لأملاك الأفراد.

2- أنْ لا يستعملا السلطة الظاهرية في إيقاع الضرر بالرعية.

3- أنْ لا تكون الأموال التي تجتمع عندهما تضر بمصالح العباد والبلاد, فإنَّ دين الإسلام يهتم بهذا الجانب كثيراً, قال تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)(1).

ص: 156


1- سورة الحشر؛ الآية 7.

الثاني: الأموال التي ترجع ملكيتها إلى عموم المسلمين أو جميع أفراد الشعب بحكم القانون أو الشرع, وهي التي يعبّر عنها بالملكية النوعية, كالأراضي الخراجية التي هي ملك لجميع المسلمين, وأراضي الصلح التي يصالح ولّي أمر المسلمين على أنْ تكون الأرض ملكاً للمسلمين, والكفار عمّال فيها, والصدقات الواجبة كالزكاة والخمس والأوقاف العامة. فإنَّ وظيفة الدولة في مثل هذه الأملاك هو التنظيم في إيصال كلّ حقٍّ إلى صاحبه, فلا تملك هذه الأموال.الثالث: المعادن والأنهار والغابات والصحاري والبراري ونحو ذلك مِمّا لم يكن لها مالك معين, فإنَّ الدولة تمتلكها فيجوز لها تمليك أفراد الرعية بعوض أو بغير عوض أو تنظيم العلاقات عليها مع سائر الدول؛ بشرط أنْ لا يستلزم الإضرار بمصلحة الأمة.

الرابع: ما يرجع إلى التراث كالنفائس والمخطوطات والمقابر والتحفيات ونحو ذلك, ومثل هذه الأموال لا تملكها الدولة ولا الأفراد, بل وظيفة الدولة هي الحفاظ عليها من السرقة والاندثار.

وهناك موارد وقع الخلاف في أنَّها ملك للدولة أو للشعب أو الأفراد تأتي في المواضع المناسبة الإشارة إليها. ولا بُدَّ لمن يبحث في علم الإقتصاد ويؤسس دعائمه أنْ يلاحظ موارد الملكية وخصوصياتها.

تتمة؛ نتعرض فيها إلى أمرين:

الأمر الأول:

إنَّ ملكية الدولة إنَّما تعتبر من جهة المنصب من دون ملاحظة جهة ولايتها على الرعية والشعب وإلاّ فلو كان الأمر كذلك لما صحت تصرفات السلاطين والملوك والرؤساء إلا إذا كانت مستقيمة مع هذه الولاية أي تكون لمصلحة الشعب, أو على الأقل لا تكون

ص: 157

مغايرة لتلك المصلحة ومُفسِدة لها, مع إن المشاهد أنَّ كافة التصرفات نافذة لدى العقلاء وقد قررها الشرع الحنيف كما تقدم بيانه.

وحينئذٍ لا يُلتفت إلى دعوى من يتصدى للمنصب ويتسلط على الدولة؛ من أنَّ الشعب هو الذي يملك, وإنَّ تصرفاته إنَّما تكون في خدمة الدولة ورئيسها؛ فإنَّ هذه الدعوى شيءٌ, والإعتبار العقلائي شيء آخر.

والكلام في الأخير دون الأول الذي هو تابع لاتّجاهات معينة ونزعات سياسية معروفة.

الأمر الثاني:

قد عرفت أنواع الأموال التي تكون تحت سلطة الدولة وتصرفها؛ فإنَّ بعضها ملك شخصي, أو يكون ملكاً للدولة, أو ملكاً نوعياً, وليس للدولة حق التصرف فيها إلا الحفظ والتنظيم, فإنَّه إذا علم كلُّ واحد منها يترتب عليه حكمه الخاص به, وإلا فإنَّه يكون من صغريات مجهول المالك؛ يحتاج التصرف فيها إلى دليل شرعي.

وقد اختلف الفقهاء قدس الله أسرارهم فيه, فقد ذهب بعضهم إلى وجوب الإستئذان من الحاكم الشرعي باعتباره الولي الشرعي في مثل ذلك فيشترط أخذ إذنه, والبعض الآخر منهم لا يرى وجوب الإستئذان, والرجوعُ إلى عمومات الأخبار المتقدمة وإطلاقاتها؛ إلا أنْ يعلم في مورد معين أنَّه ليس من ممتلكات الدولة, وهوالمختار, وإنْ كان الإحتياط يقتضي الإستئذان من الحاكم الشرعي في مطلق التصرف في أموال الدولة.

ص: 158

أنواع الملكية

اشارة

بعد ما تبين الملك والمالك وأسباب الملك لا بُدَّ من بيان أنواع الملكية وأقسامها:

النوع الأول: الملكية الفردية

وتسمى بالملكية الخاصة أيضاً, وهذا النوع هو الشايع بين الناس, وتعتبر أحد المبادئ الرئيسة للنظام الرأسمالي الذي يعتبر حق الملكية صورة من صور الحرية الإقتصادية التي يقوم عليها أساس هذا النظام؛ فإنَّ حق الملكية في نظر النظام الرأسمالي هو سلطة الأفراد على الشيء المملوك, ويعتبر هذا النوع من الملكية الركن الأساس لهذا النظام إلا أنَّه لا ينفي الملكية العامة وسيطرة الدولة على بعض القطاعات والتي تمسّ مصالح المواطنين, ولكن هذه الملكية العامة إستثناء للقاعدة في النظام الرأسمالي, لأنَّ القاعدة عنده منع الدولة من التدخل في الشؤون الإقتصادية, وإنَّ الفرد هو الغاية من النظام الإقتصادي.

إنَّ هذا المذهب الفردي الحر يحدد وظيفة الدولة ضمن نطاق ضيق ويطلق عنان الفرد في تملك وسائل الإنتاج, وتكون وظيفة القانون عند هذا النظام هي حماية الحقوق الطبيعية العائدة للإنسان وتمكينه من التمتع بها.

وإذا رجعنا إلى الأسس التي تقوم عليها الرأسمالية يظهر بوضوح أنَّ الملكية الخاصة لرأس المال هي القاعدة الأساسية لنظام الإنتاج في النظام الإقتصادي الرأسمالي الذي عرفت أنَّه يبتني على مفهوم الحرية المطلقة ومن أجل ذلك تحكَّم المهيمنون على المشروعات الضخمة وأصبحوا يملكون امتيازات هائلة مِمّا أتاح لهم إمكانية عرقلة أعمال السلطة السياسية, والتحكم في السياسة الدولية, والتأثير عليهما لخدمة مصالحهم.

وسيأتي مناقشة هذه النظرية إنْ شاء الله تعالى.

ص: 159

النوع الثاني: الملكية الجماعية

وقد عرفها العلماء بتعريفين؛

أحدهما: التعريف القديم؛ وهو ما ينتفع به من قبل الجميع ولا يتعلق بالمالك مباشرة, مثل الإنتفاع بالأرض والماء. وهذا هو المتفاهم لدى الناس.والآخر: التعريف الحديث؛ وهو النظام الإقتصادي الذي يقوم على تملك الدول للأموال, وبالأخص الأموال الإنتاجية كالأراضي والمصانع, ويطلق على هذا المفهوم مصطلح الإشتراكية؛ التي هي نظام اجتماعي يختلف عن غيره من النظم الإجتماعية في طبيعة علاقات الملكية.

ومن الواضح أنَّ الإختلاف بين المفهومين القديم والحديث يرجع إلى أنَّ الأول يبتني على النزعة العاطفية التي لا نظر لها إلى الطابع الإقتصادي والنظريات المتكاملة, وذلك لبدائة الحياة الإقتصادية؛ بخلاف المفهوم الثاني.

وقد حدثت هذه النزعة الحديثة للملكية الصناعية نتيجة ظهور النهضة الصناعية التي قامت على طبقة اجتماعية جديدة, وهي طبقة العمال الذين كانوا في ازدياد مستمر وأصبح لهم كيان خاص بهم يدافع عن حقوقهم بوجه الرأسماليين الذين يستغلونهم, وكان ذلك بداية عصر جديد تحكَّم فيه الصراعُ المرير بين الرأسمالية والإشتراكية, وقد خرجتا عن طورهما الإقتصادي إلى الإتجاهات السياسية.

ومن أجل ذلك حدّد النظام الإشتراكي المبادئ الأساس لنظام الملكية التي تعتمد على مفهوم الإشتراكية وهي:

1- منع الأفراد تملك وسائل الإنتاج.

2- حصرها بمؤسسات الدولة.

ص: 160

3- إنَّ الناس جميعهم موظفون وعمال لقاء أجر على أعمالهم.

4- إنَّ المجتمع هو المالك لوسائل الإنتاج.

ولذلك يرى المذهب الإشتراكي أنَّ الجماعة هي الغاية من كلِّ تنظيم قانوني, ولا يحق للفرد أنْ يتمسك بأيَّة حقوق طبيعية في مواجهة الجماعة إلا تلك الحقوق التي تمنحه إيّاها الجماعة باسم القانون الذي يعتبر في نظر الإشتراكية هو أساس الحق.

ومن نتيجة ذلك كله ألغى النظام الإشتراكي مبدأ الملكية الفردية لوسائل الإنتاج واعتبر ذلك من ركائز هذا النظام واستبدلها بالملكية العامة, مع بقاء المشاريع الإستهلاكية الصغيرة ملكاً خاصاً. وذلك لأنَّ مصلحة الجماعة هي المنطلق والغاية للنظام الإقتصادي الإشتراكي.

واعتبر مؤيدو هذا النظام أنَّ الإشتراكية تعني إحلال نظام جديد في المجتمع؛ تنتقل فيه ملكية وسائل الإنتاج إلى الدولة, وهدفهم هو إحلال الجماعة محلّ الفرد, فتقوم الدولة بإلغاء الملكية الفردية حينئذٍ.

كما أنَّ الإشتراكية تعني إلغاء المشروعات الخاصة والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج, فخلق نظام الإقتصاد المخطط الذي تقوم فيه هيئة تخطيط مركزية من أجل الربح, ويعدّ هذا النظام المبتدع, أي الإقتصاد المخطط بمثابة أداة لتنفيذ سياسة الإشتراكية.وهذه السياسة في الملكية للجماعة قد اعتمدت على وسائل عديدة أهمها التأميم الذي يتم فيه تحويل الملكية الفردية إلى ملكية الدولة بناء على نظرية الملكية الجماعية ليصبح كلّ فرد في نطاق المجموع مالكاً لثروات البلاد كلّها.

ص: 161

ولكن الإشتراكية التي اتَّخذت شعار الملكية الجماعية مبدأً لها لم تبق على نظرة واحدة فقد اختلفت إلى فرق مختلفة حول موقفها من الملكية الخاصة, وهي:

1- ذهب فريق إلى ألغاء الملكية الخاصة على الإطلاق لكي تتحقق المساواة؛ وهو (الفكر الشيوعي).

2- ذهب آخرون إلى إلغاء الملكية الخاصة بالنسبة لثروات الإنتاج التي ينطلق منها رأس المال؛ كالثروات الطبيعية والمصانع والأراضي, وإنَّ الفرد له حق الإحتفاظ بملكية الإستهلاك فقط فيمتلك بيتاً ليسكنه لا ليؤجره, وهذه تسمى (إشتراكية رأس مال).

3- ذهب طائفة ثالثة إلى إلغاء الملكية الخاصة في الأرض الزراعية فقط, وهذه تسمى (الإشتراكية الزراعية).

وتأتي مناقشة هذه النظريات بكلِّ أبعادها الإجتماعية والإقتصادية.

النوع الثالث الملكية المطلقة التي يتبناها الإسلام

اشارة

النوع الثالث(1): الملكية المطلقة التي يتبناها الإسلام

فقد أعطى الفرد حق الملكية كما أعطاه للدولة على حدٍّ سواء, ولكن جعل لكلِّ واحد منها حدوداً وقيوداً خاصة. فإنَّ الملكية في الإسلام تختلف عن أنواع الملكية في سائر الإتجاهات والنزعات الإقتصادية, فهي نظام تشريعي يقوم على التكامل والشمول لما فيه خير الإنسانية جمعاء؛ فهي علاقة شرعية بين الإنسان وبين ما يملكه بحيث يمكنه التصرف فيه مطلقاً عند تحقق أهلية التصرف بكلِّ الطرق المشروعة ضمن الحدود التي بينتها الشريعة, فلم تكن الملكية في الإسلام شيئاً مادياً صرفاً, بل هي حقٌّ وحكم, بل هي أوسع الحقوق.

ص: 162


1- من أنواع الملكية.

وقد أودع الله تعالى في الإنسان حب المال والبنين, وقرر الإسلام هذا الأمر الفطري باعتبار أنَّ المال من العناصر الأساس في نظر الفرد والمجتمع, قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(1), وإنْ كان الإسلام يرى أنَّ المال وغيره ملك لله تعالى, قال سبحانه: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ)(2), وإنَّ الإنسان مستخلف فيه, قال سبحانه وتعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)(3), فيكون الإنسان في نظر الإسلام بمنزلة الوكيل,فيجب عليه الإنفاق؛ لا سيما حقوق الله تعالى. وعلى نظرية الإستخلاف في الأرض يقوم المنهج الإقتصادي الإسلامي وفي خصوص ملكية وسائل الإنتاج.

معالم الملكية في الإسلام

وعلى ضوء ما ذكرناه يمكن تحديد معالم الملكية في الإسلام:

1- لقد أتاحت الشريعة السمحاء الحرية في التملك للأفراد في إطار قواعد رصينة منها قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وغيرها, فإنَّ الإنسان مالك بتكليف من المالك المطلق وهو الله عَزَّ وَجَلَّ, ولكن الفرد مسؤول عن طرق الكسب والإنفاق.

2- لقد نظم الإسلام بشكل عادل جميع طرق التملك وقيوده وغاياته وأهدافه تنظيماً متجانساً متكاملاً يجمع فيه مصلحة الفرد والمجتمع بميزان ينسجم مع أهداف الإنسانية السامية رافضاً جميع أنواع الظلم والتعسف والطغيان.

3- إنَّ الإسلام أوجد ضوابطَ الملكية, وأوضح الطرق المشروعة لكسبها.

4- إنَّه إذا تعارضت المصلحة العامة مع المصلحة الشخصية تقدم الأولى على الثانية, مع بقاء حق التعويض لأصحاب الحقوق الشخصية.

ص: 163


1- سورة الكهف؛ الآية 46.
2- سورة المائدة؛ الآية 120.
3- سورة الحديد؛ الآية 7.

5- إنَّ الإسلام يقرّ جميع أنواع الملكية المعروفة؛ الملكية الفردية والملكية الجماعية, مع تهذيب كلّ واحدة منها من المساوئ والسلبيات ليتحقق مبدأ الملكية المزدوجة التي ترعى وتحفظ مصلحة الملكية الفردية من دون المساس بالمصلحة العامة.

وتعتبر الملكية المزدوجة إحدى ركائز الإقتصاد الإسلامي الذي يوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع.

ومن هنا يكون من الموهون أنْ نقول بأنَّ النظام الإقتصادي في الإسلام قد أخذ من الرأسمالية والإشتراكية, لأنَّ القاعدة التي استند عليها هذا النظام تختلف جذرياً عن القاعدة لكلٍّ من النظامين, مع أنَّ النظام الإسلامي له الأسبقية في الزمان والتطبيق في تحقيق العدالة, وإنْ كان المسلمون قد تحملّوا تَبِعَة التقصير في التطبيق.

6- إنَّ الإسلام قد حرص على حماية حق الملكية وبالأخص القاصرين والضعفاء, كما أنَّه فرض على الإنسان أنْ يحمي ملكه ويدفع عنه كلّ مزاحم ولا يقر فيه لغاصبٍ ومعتدٍ.

7- إنَّ الإسلام ينفرد بمذهب إقتصادي يتميزّ في الجمع بين المصلحتين الخاصة والعامة ويوفق بينهما ويجعلهما متساندتين تحمي كلّ منهما الأخرى, وهذه النظرة الواقعية التي تبنّاها الإسلام تؤمن الناسَ من عدم الوقوع في المساوئ التي تهدر مصالحها, وهذه هي الوسطية التي ينادي بها الإسلام في جميع مبادئه.

ومِمّا ذكرناه يظهر حقيقة الملكية في الإسلام؛ فإنَّ المالك الحقيقي المطلق هو الله تعالى الذي هو مالك السماوات والأرض, وهو سبحانه وتعالى مكّن للناس الإنتفاع بهما على قاعدة الإستخلاف في الأرض. وقد أثبت للفرد حق الملكية الذي يمكن له الإنتفاع من خلاله

ص: 164

بمجهوده الخاص مشروطاً بأهليَّته للتصرف وحفظ واجباته اتجاه الآخرين. وفي نظر الإسلام تكون عناصر الملكية هي: حقُّ الله, وحقُّ الفرد, وحقُّ الجماعة.

ومن ذلك يظهر أنَّ مفهوم الملكية في الإسلام مفهوم متماسك من حيث المنشأ والوظيفة والغاية, فالملكية ذات ارتباط ديني ودنيوي؛ فمن ناحية المبدأ؛ فإنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ مالك كلِّ شيء وبيده مقاليد السماوات والأرض.

ومن ناحية أخرى؛ فإنَّ الإنسان مستخلف في إصلاح الأرض وإحيائها وعمارتها, قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ)(1).

والإنسان مهيمن على ما في يده وملكه وما يحصل عليه بجهده وعمله وهذا هو المسمى بالملكية الفردية في نظر الإسلام, وهي التي تدفع الإنسان للعمل المتواصل والنشاط الدؤوب.

والملكية الفردية وإنْ كان لها الأهمية الكبرى في حياة الإنسان في دار الدنيا وقد احترمها النظام الإقتصادي الإسلامي؛ ولكن هذه الملكية يجب أنْ تُستخدم في خدمة صاحبها وفي خدمة المجتمع أيضاً من دون الإضرار بمصلحة الآخرين, فهي ليست ملكية مطلقة. وبذلك احترم الإسلام هذه الملكية وحرَّم العدوان على الملكية الفردية, قال نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم في دستوره الأبدي: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأموالكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ )(2).

شروط الملكية الفردية في الإسلام

وقد نظَّمت الشريعة الغراء هذه الملكية الفردية بأحسن وجه واعتبرت فيها شروطاً معينة:

1- تنظيم مصادر الملكية وطريقة استعمالها, قال تبارك وتعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)(3).

2- أنْ تكون الملكية الفردية في سبيل الصالح العام.

ص: 165


1- سورة الأنعام؛ الآية 165.
2- الكافي (ط. الإسلامية)؛ ج14 ص284.
3- سورة البقرة؛ الآية 188.

3- ضمان استخدامها في سبيل المصلحة الفردية والإجتماعية وحرَّم استخدامها كوسيلةٍ للإستغلال وأداةً للظلم, وحرَّم الغش والخداع والإبتزاز.

4- إعتبر الإسلام الملكية أمانة ومسؤولية, فإنَّ المالك إذا تقيّد في تصرفه ضمن ما خطط له الشرع الحنيف, فإنَّه يعدّ شخصاً صالحاً ملتزماً بأحكام الدين فيكون من صور ملكية الله تعالى القائمة على العدل.

5- إنَّ الملكية الفردية في الشريعة الإسلامية هي حقٌّ فردي مقيد ليقوم صاحبها بأداء وظائفه الشخصية والإجتماعية بشرط موافقته لأحكام الشريعة الغرّاء.

ثم إنَّ الإسلام كما قرر الملكية الفردية فقد قرر الملكية الجماعية في جملة من الموارد:

منها: تلك الأشياء الضرورية التي يحتاج عموم الناس إليها.

ومنها: الأموال التي ليس للمجهود الخاص أثر في وجودها أو الإنتفاع بها, ويدخل تحت هذا النوع جميع المباحات الأولية التي تخص عموم الناس, وقد ورد في الحديث بعضٌ منها, كقول النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلاء والماء والنار)(1).

وقد ذكرنا بعضها الآخر فيما تقدم من البحث.

والمتحصل من جميع ذلك إن الملكية في الإسلام قد اجتمع فيها الحق والوظيفة والتشريع, وقد منحها الله تعالى للفرد, وليس للمجتمع أنْ يتعرض لحقوق الفرد طالما يلتزم بالضوابط الشرعية وهي تحقق مصالح الفرد والمجتمع بشكل متوازن من خلال وضع الأحكام والقواعد الشرعية التي تحفظ تلك الحقوق دون غلوٍّ أو تطرف, وسيأتي تفصيل الكلام في كلِّ ذلك إنْ شاء الله تعالى.

ص: 166


1- هداية الأمة إلى أحكام الأئمة علیهم السلام ؛ ج8 ص260.

النوع الرابع: الملكية التجارية

النوع الرابع: الملكية التجارية(1)

وقد عرَّفوها بأنَّها مجموعة حقوق عينية تنصبّ على أشياء مادية ومعنوية تجتمع في إطار واحد يسمى (المؤسسة التجارية)(2), وقالوا في بيان المؤسسة التجارية بأنَّ من كانت في حيازته عناصر مادية كالبضائع والمعدات لكنها غير مجموعة في محلٍّ تجاري فهي لا تكتسب بذاتها صفة عناصر المؤسسة التجارية, بينما إذا أوجدت في محل تجاري بعناصره المعنوية من أسم تجاري وزبائن وغير ذلك؛ فإنَّ ذلك يجعلها من العناصر المادية تكتسب تبعاً للمحل عناصرَ المؤسسة التجارية.

ومن ذلك يظهر الفرق بين المشروع التجاري وبين أدائه, وهو أنَّ المشروع يتكون من نشاط تجاري يتولى القيام به شخص أو مجموعة أشخاص أوجدوا المؤسسة التجارية لتحقيق غايتهم, وأما المؤسسة التجارية فهي الأداة التي من خلالها يتحقق الغاية من المشروع.والملكيةُ التجاريةُ -أو بالأحرى ما يسمى بالمؤسسة التجارية- قد قررها أولاً القانون الفرنسي عام (1909), وتبعته القوانين المدنية الأخرى كالقانون اللبناني, وبذلك فهي حديثة العهد.

وتتكون المؤسسة التجارية من عناصر مادية وهي البضائع والمعدات, وعناصر معنوية وهي الإسم التجاري, والسمعة التجارية, والزبائن والشعار, وحقّ الإيجار وحقوق الملكية الصناعية وحقوق الملكية الأدبية والفنية والرُّخَص والإجازات.

ويخضع كلّ عنصر من عناصرها للقوانين المختصة به؛ فحقُّ الإيجار يخضع في تنظيمه إلى قانون الإيجارات, ومع تميز كلّ عنصر عن غيره فإنَّ الجمع بين هذه العناصر وتخصيصها

ص: 167


1- وقد ورد هذا القسم في تقسيمات القانون المدني للملكية.
2- القانون التجاري (د.مصطفى طه)؛ ص595.

لهدف مشترك هو الذي يؤلف المؤسسة التجارية التي تخضع لقانون يختلف عن قوانين عناصرها. وقد ذكر لها القانون أحكاماً وتشريعات خاصة ليس المقام محلّ ذكرها إنَّما الكلام في صحة هذه التسمية, فهل هناك ملكية تجارية أم أنَّها مجرد حق من الحقوق التي سيأتي البحث عنها في نظرية الحقّ؟!.

ولم يكن في الفقه الإسلامي إلا أحكام تخص المعاملات التجارية التي تقام في هذه المؤسسة, فإنْ انطبق عليها أحد العناوين المعروفة من البيع والإجارة والرهن وغير ذلك فإنَّه يتبع تلك الأحكام الخاصة به, وإلا فليس لنا تشريع في الملكية التجارية.

نعم؛ يمكن أنْ يكون للمؤسسة التجارية حقٌّ خاص بها ولم تكن من الملكية, إذ لم يكن من المال الذي هو شرط في تحقيق الملكية, وربما تجتمع بعض الحقوق التي يختص بها التاجر ضمن الضوابط الشرعية في اطار خاص, وقد يعبر عن المؤسسة التجارية بالمتجر وغيره مِمّا يكون وسيلة لممارسة الاعمال التجارية لتحقيق الغاية منها وهي الربح. وسيأتي بيان أقسام الحق بالنسبة إلى المعاوضة عليها وعدمها.

ثم إنَّ بعض الباحثين قد أطال الكلام في بيان مفهوم المتجر في الفقه الإسلامي ومقارنته بالمؤسسة التجارية مع أنَّه اعترف بأنَّ مفهوم المتجر بالمعنى السائد في الفقه الإسلامي الذي هو محل ممارسة الأعمال التجارية طلباً للربح حديث النشأة, ولم يكن سائداً لدى الفقهاء إلا منذ مطلع القرن العشرين, وقد كان الفقهاء ينظرون إلى المتجر على أنَّه محل ممارسة التجارة, التي هي عبارة عن العقود المعاوضية من البيع والإجارة ونحوهما.

والصحيح؛ إنَّ لفظ المتجر قد استعمل في الفقه بالمعنى اللغوي, وهو محل إقامة التجارة, فإنْ ثبت له إسم خاص اشتهر به مِمّا وجب رغبة الناس إليه والتهافت عليه؛ يثبت حقاً خاصاً لصاحب المتجر لا يجوز لأحد مزاحمته في هذا العنوان الذي اشتهر به, ويصح له نقل هذا الحق لغيره بعوض أو بغير عوض.

ص: 168

ولم يكن ذلك من الملكية أبداً, لأنَّ محل الملكية وما تقوم به الملكية إنَّما هو المال والأشياء المادية كالأعيان ونحوها التي تكون قابلةً للتملك, والعنوان بما هو عنوان لم يكن كذلك وإنْ كانت النظرة المادية في الإقتصاد المعاصر جعلت الحقوق مِمّا يملك, وأسموها بتسميات مختلفة, كالملكية التجارية أو الملكية الصناعية, وإذا كان الأمر كذلك فإنَّه يمكن تعدد الملكيات إلى ما لانهاية فنجعل الملكية الزراعية, والملكية الأدبية, والملكية الفنية, والقائمة تطول إلى ما نهاية.

وهو مضافاً إلى كونه غير صحيح؛ فإنَّه مستهجن كما هو معلوم. وسيأتي المزيد من البيان إنْ شاء الله عند البحث في نظرية الحق.

النوع الخامس: الملكية الصناعية

اشارة

قد ورد في القانون مصطلح الملكية الصناعية أيضاً, وقالوا أنَّها تتناول الحقوق التي ترد على بعض المنقولات المعنوية, وهي براءات الإختراع, والرسوم, والنماذج الصناعية, والعلامات التجارية, والأسماء التجارية.

واختلفوا في تحديد طبيعة حقوق الملكية الصناعية, فقيل لأنَّها تشبه الحقوق الشخصية بسبب طابعها غير المادي, ولكن بما أنَّها قابلة للاحتجاج بها على الناس, فإنَّ ذلك يجعلها قريبة من الحقوق العينية, ولكن الإتّجاه الغالب يرى أنَّها ملكية معنوية تَرِد على أشياء غير مادية, وهذا التكييف القانوني قد انتقده العلماء على أساس أنَّ الأشياء المادية هي التي وحدها تكون محلاً للملكية -كما عرفت سابقاً-. والحقوق الصناعية ليست كذلك.

وأمّا ما قيل في ردِّه بأنَّها حقوق مؤقتة تنقضي بعد مرور مدة زمنية محددة, أو بعدم الإستعمال, بينما حق الملكية مؤبدة؛ فهو مردود بأنَّ الملكية إذا أريد بها المعنى الإصطلاحي في الفقه والقانون فهي أيضاً ليست مؤبدة؛ تزول بزوال صاحبها أو محلها أو انتقاله, ولا

ص: 169

شيء يكون مؤبداً, وإنْ كان المراد بها هو الحقّ الذي منحه الله تعالى لكلِّ فرد من أنْ يتملك فهو غير المراد في المقام إذ أنَّه حق عام.

ولعله من أجل ذلك وغيره ذهب بعضٌ إلى أنَّ الملكية الصناعية (إحتكارٌ للإستغلالِ) يعطي لصاحبها امتيازاً مقصوراً عليه في استغلالها. وعليه فليست هي ملكية أو حقاً, بل هي مجرد حكم.

ولكن الذي يمكن الإيراد عليه بأنَّ الملكية والحق يتضمنان الاحتكار واستئثار صاحبهما بالمتعلق أيضاً, فلا يخلو الجميع عن ذلك.

كما أنَّه ذهب آخرون إلى أنَّ حقوق الملكية الصناعية تندرج في إطار الحقوق المعنوية أو الذهنية التي تعدُّ نوعاً ثالثاً من الحقوق المالية تكون إلى جانب الحقوق العينية والحقوق الشخصية.ويناقش هذا الرأي بأنَّها إذا كانت من الحقوق فلا وجه لتسميتها بالملكية إلا أنْ يكون اصطلاحاً خاصاً بها؛ وسيأتي بيان ذلك.

ولعله لذلك يرى فريق من العلماء أنَّه ليس ثمة ما يمنع من اعتبار حقوق الملكية الصناعية من قبيل حقوق الملكية, لأنَّ الأشياء المادية والمعنوية تصلح محلاً لحق الملكية, وأمّا التأبيد فليس من جوهر الملكية ولكنه ليس بسديد, فإنَّ متعلق الملكية إنَّما يكون مالاً أو شيئاً عينياً قابلاً للتمليك أو التملُّك, والحقوق المعنوية ليست كذلك.

والحاصل؛ إنَّ الثابت تحت هذا العنوان وسابقه إنَّما هي حقوق صناعية وتجارية تخول صاحبها حق استئثار صناعي أو تجاري. ومن أجل هذا قد يتداخل بعضها مع الآخر؛ كحق المتجر والمؤسسة التجارية في المؤسسات الصناعية والزراعية ونحوها.

ص: 170

الغاية من الحقوق التجارية والصناعية

إنَّ الغاية التي تترتب على هذه الحقوق الصناعية والتجارية متعددة, أهمها:

1- الإتصال بالزبائن واجتذابهم إلى منتجاته عن طريق استئثار المنتج؛ إمّا باستغلال إبتكار جديد أو تمييز منتجاته أو متجره بعلامة مميزة.

2- تمتع المنتجات بمميزات تتفوق على غيرها من منتجات سائر المنتجين المماثلة في مجال المنافسة المشروعة.

3- إنَّ حقوق الملكية الصناعية تهدف إلى تنظيم المنافسة(1).

4- جني الأرباح الطائلة منها.

أقسام الحقوق الصناعية
اشارة

وهي على قسمين رئيسين:

1- الحقوق التي ترد على إبتكارات جديدة؛ وهي براءة الإختراع, والرسوم, والنماذج الصناعية.

2- الحقوق التي ترد على علامات مميزة؛ وهي العلامات التجارية والصناعية والإسم التجاري.

ولكثرة الإبتلاء بهذه الحقوق بقسميها, والإهتمام الكبير بها في الإقتصاد العالمي ينبغي تفصيل الكلام فيها ضمن مباحث على ضوء الإقتصاد المعاصر, ورأي الشرع فيها؛

المبحث الأول: الإبتكارات الجديدة

عرفت أنَّ الحقوق التجارية والصناعية تثبت لأصحابها حق الاستئثار واستغلال إبتكار جديد في الصناعة, ومنه يثبت حقّ براءة الإختراع, وحقّ الرسوم والنماذج الصناعية,

ص: 171


1- يراجع في ذلك كتاب الملكية الصناعية والمحل التجاري ل-(محمد حسني عباس).

بحيث يتمتع صاحب الحق دون الغير باستغلال الإنتاج. وقد قررّت قوانين الإقتصاد المعاصر الحقَّ لصاحب براءة الإختراع أو الرسم أو النموذج الصناعي لهُ بأنْ يستأثر السوق فيما يتعلق بإنتاج وبيع المنتجات المعلَّمة بعلاماتها.

وقد ذكر في توجيه ذلك بأنَّ براءة الإختراع والرسوم والنماذج الصناعية إنَّما تنشأ في إطار البحث العلمي, ثم يمتد استغلالهما لتشمل البيئة الصناعية والتجارية.

ويشمل الإبتكار الجديد كلاً من براءة الإختراع؛ التي هي عبارة عن إبتكار يتعلق بمنتجات جديدة, أو طريقة صناعية مستحدثة من حيث موضوعها, كما يشمل الإبتكار الجديد من حيث شكل المنتجات؛ وهي الحقوق الخاصة بالرسوم والنماذج الصناعية. وكِلا النوعين يدخلان تحت الإبتكار, إلا أنَّ الأول يرِد على الموضوع, والثاني على الشكل.

وفي النوع الأول يحق لمالك براءة الإختراع أنْ يستأثر برخصة صناعة منتجات جديدة, واستعمال طريقة صناعية جديدة.

وفي النوع الثاني لما لم يكن عنصر الإبتكار وارداً على موضوع المنتجات أو طريقة إنتاجها صناعياً, بل يرد الإبتكار الجديد على الشكل الخارجي للمنتجات؛ فيكون مقتصراً على الأشكال مثل إبتكار رسوم جديدة للأقمشة, والثياب, والنماذج الحديثة للسيارات ونحو ذلك؛ فإنَّ ذلك يثبت الحقّ لصاحب الإبتكار.

إلا أنَّه يمكن التعليق على ما ذكروه بأنَّ ثبوت حقّ الإبتكار شرعاً يبتني على أحد أمرين:

الأول: بناء العقلاء على قبول مثل هذا الحق وترتيب الآثار العرفية والشرعية عليه.

الثاني: إمضاء الشرع الحنيف له, ولو بعدم ورود الردع عنه.

أمّا الأمر الأول فأن بناء العقلاء إنَّما يكون دليلاً شرعياً فيما إذا كان إطباق العقلاء على أمر يكون كاشفاً عن رأي سيد العقلاء ورئيسهم, وهو صاحب الشرع الحنيف صلی الله علیه و آله و سلم , ومثل

ص: 172

هذا الكشف غير متحقق في مثل هذه الحقوق المادية الصرفة التي يكون لهم فيها نظرة مادية صرفة كما هو الدائر في العقل المادي المعاصر لكثير من علماء الإقتصاد والقانون. ونعلم أنَّ ذلك لم يكن من مقاصد الشرع الحنيف ولا هو من ذوق صاحبه, ومع الشك في ذلك لا يمكن إثبات الحق ببنائهم.وعلى فرض الثبوت فإنَّ تعميم هذا الحق ليكون لصاحبه الحرية الكاملة في السيطرة على الأسواق والمصانع والمنتوجات فيفرض عليهم ما يريده من جهة أنَّ له حق الاستئثار والاستغلال, فإنَّ هذا التعميم يحتاج إلى دليل شرعي, وهو مفقود؛ إنْ لم نقل بأنَّ الأدلة الثانوية كقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) تنفي هذا التعميم لصاحب الحق وتقيّد سلطنته في حدود ما تقتضيه الأدلة الشرعية الأولية.

فلا بُدَّ أنْ نأخذ بالقدر المتيقن الذي يدلُّ عليه الدليل الشرعي مثل قاعدة السلطنة فنقول بثبوت الحق لمالك الإبتكار بالسيرة العقلائية وقاعدة السلطنة, لكن في حدودِ ما إذا لم يستلزم الإضرار بالآخرين, ولا يكون موجباً للاحتكار والاستغلال كما نشاهده في شركات الأدوية وغيرها مِمّا يكون إنتاجها من ضروريات المجتمع, فإنَّها تستأثر بهذه الأدوية ولا تمنح الإذن في صنعها لغيرها؛ مِمّا يستلزم الإضرار بأفراد الناس. فإنَّه في هذه الموارد تقوم الدولة بوظيفتها (التي منها تنظيم أمور الناس وإصلاح شؤونهم)؛ فتتدخل وتضع شروطاً ترجع إلى المصلحتين؛ الخاصة بتلك الشركات والمصلحة العامة. كما سيأتي بيان ذلك في مستقبل الكلام إنْ شاء الله تعالى.

المبحث الثاني: العلامات المميزة

قالوا: إنَّ من الحقوق الصناعية والتجارية حق المنتج بالاستئثار باستعمال علامة تميزّ منتوجاته عن مثيلاتها في الأسواق, وكذا إستعمال علامة تميّز متجره أو مصنعه, أو تميّز

ص: 173

بلد الإنتاج. إلا أن ما ذكروه في هذا القسم قد يتداخل مع حقِّ الإبتكار, فلا حاجة إلى جعل حقّ آخر يسمى حق العلامات المميزة, ولكنهم استدركوا ذلك فاثبتوا الفرق بينهما من جهات؛

الجهة الأولى: إنَّ الحكمة من إقرار حقوق الملكية الصناعية بوجه عام تكمن في تنظيم المنافسة المشروعة, سواء كان موضوع تلك الحقوق إبتكارات جديدة أم علامات مميزة, وهذه هي الغاية النهائية لتقرير حقوق الملكية الصناعية. ومن أجل ذلك يتمكن مالك براءة الإختراع أو الرسم أو النموذج الصناعي, ومالك العلامة التجارية أو الإسم التجاري من أنْ يستأثر بالزبائن؛ بسبب اكتساب ثقة الزبائن في منتوجاته أو منشئاته. وحاول بعض علماء الإقتصاد إثبات الفرق بين الحقين فقال: إنَّ من أسباب إثبات حق الإبتكار هو أنَّ الإنسان لّما كان في أعلى مراتب الذكاء والجهد الإبداعي, فإنَّ حماية المبتكر إنَّما تكون من خلال تقرير حقه في الاستئثار باستغلال ابتكاره, فيكون ذلك تعويضاً عادلاً له مقابل ما قدمه للمجتمع, وهو الحافز إلى الإختراع وتقدّم البشرية.

أمّا بالنسبة إلى إقرار القانون للمنتج بحقوقه التي ترد على علامات مميزة؛ فإنَّ الحكمة فيها تتعلق مباشرة بتنظيم المنافسة الحرة بين المنتجين؛ عن طريق استئثار المنتج في استعمال العلامة المميزة, فيمتنع على غيره من المنتجينإستعمال تلك العلامة أو ما يشابهها لتمييز منتجاتهم المماثلة أو المشابهة. وبذلك يتحدد مجال المنافسة المشروعة التي يهدف القانون حمايتها عن طريق تقرير حقوق العلامات المميزة.

وبناءً على ذلك يمكن القول بأنَّ الأساس القانوني للحقوق الصناعية بشكل عام لأجل تنظيم المنافسة المشروعة.

ص: 174

ويمكن التعليق على ذلك؛

أولاً: إنَّ النظرة المادية للأشياء وجعل الغاية من العمل الإنساني وفكره هو اكتساب المال فقط يقتضي إثبات المنافسة بين الأفراد وجعلها مادية صِرفة عن طريق الإستغلال والاستئثار وكسب الربح فقط. مع أنَّ المنافسة الحرة بين أفراد الإنسان أمر فطري في كلِّ إنسان, وبسببها يكدّ الإنسان في سبيل الوصول إلى أرقى الكمالات, فهي منافسة نزيهة خالية عن شحن البغضاء بين النفوس وإثبات الروح السلطوية في الأفراد, وهذا هو الفرق بين المنافسة التي تدعو إليها القوانين الوضعية والإقتصاد العالمي المعاصر والمنافسة التي تدعو إليها الفطرة ويدعمها الدين الإلهي, قال تعالى: (وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)(1).

ثانياً: إنَّه لا حاجة إلى جعل قوانين تحرك الإستغلال والاستئثار وإثارة الجانب السلطوي الكامن في النفوس, مِمّا يترتب على جميع ذلك الآثار السيئة, وكان الأجدر هو جعل القانون في كبح جماح الروح العدوانية عند الإنسان, وإذكاء روح الإيثار والتعاون في النفوس؛ فإنَّ الآثار الطيبة التي تترتب عليها أكثرُ وأهم بالنسبة إلى الفرد والمجتمع, وبها تنتظم أمورهم بالوجه الأحسن.

ثالثاً: إنَّنا إذا أردنا جعل القوانين لتنظيم المنافسة المشروعة, فإنَّه لا بُدَّ أنْ تكون من جانب المنتجين وتثبيت الحقوق الخاصة بهم في سبيل الصالح العام, لا من أجل مصالحهم الشخصية واستحواذهم على الأموال والثروات وصرفها في سبيل إذلال الآخرين واستعبادهم ونشر الفقر بينهم؛ وبهذا افترقت القوانين الوضعية في هذا المجال والقوانين التي وضعتها الأديان الإلهية التي هي على نقيض منها؛ فإنَّ روح تلك القوانين الوضعية وأساسها المادة والإبتعاد عن الأخلاق الفاضلة التي تنظم حياة الإنسان المادية والروحية معاً وتصلح

ص: 175


1- سورة المطففين الآية 26.

شأنه من جميع المجالات. وقد تقدم بعض الكلام عند البحث عن مفردة الدين, وسيأتي المزيد من البيان إنْ شاء الله تعالى.

الجهة الثانية: إنَّ البعض فرَّقَ بين حقِّ الإبتكار وحقّ العلامة المميزة من حيث نطاق الحقّ؛ فإنَّ الحقَّ الذي يرد على إبتكار جديد يختلف عن الحقِّ الذي يردعلى علامة مميزة, فإنَّ براءة الإختراع -مثلاً- تخوّل مالكها حقاً مطلقاً في استغلال الإختراع, بحيث يمتنع على الجميع بصفة مطلقة استغلال الإبتكار الجديد.

أمّا الحقّ الذي يرد على العلامة المميزة فإنَّه حقٌّ نسبي, فإنَّه مثلاً لمالك العلامة التجارية أنْ يستأثر استعمالها لتمييز منتجاته عن مثيلاتها في الأسواق, وهذا الحق نسبي؛ بمعنى أنَّه يجوز لأيِّ منتج لسلع أخرى غير مثيلة أو متشابهة لتلك المنتجات أنْ يستعمل العلامة الصناعية نفسها. لأنَّه لن يترتب على استعمال العلامة نفسها بواسطة معملين غير متشابهين أي ضرر لأحدهما, فضلاً عن أنَّه لن يترتب على هذا الإستعمال المزدوج أي تضليل للجمهور, فاختلف الحقان من حيث نطاقه.

ويمكن التعليق على ذلك بأنَّ إثبات الحقّ المطلق لكلِّ واحد من تلك الحقوق الصناعية والتجارية مرفوض بما تقدم بيانه, فلا يختلف الحقان -الإبتكار والعلامة المميزة- من هذه الناحية, يضاف إلى ذلك أنَّه على فرض إثبات الاطلاق لأحدهما أو لكليهما فإنَّه لا بُدَّ أنْ لا يستلزم منه الإضرار بمصالح الآخرين.

ومن أجل الجمع بين مصلحة المبتكر ومصلحة الآخرين لئلا يتضرر أحدهما ولا يستلزم من تقديم أحدهما على الآخر الضرر لهما؛ فإنَّه يمكن حلّ هذه المشكلة بأحد وجوه:

الوجه الأول: إنشاء جمعية أو منظمة من ذوي الإختصاص لتقييم إحدى المصلحتين على الأخرى؛ فتُقدَّم, مع التعويض للآخر.

ص: 176

الوجه الثاني: إنشاء جمعية أو منظمة أو مؤسسة لشراء الإبتكارات ودفع ثمنها إلى أصحابها, ومن ثم هي التي تشرف على بيعها للشركات وإنتاج المنتوجات التي تلبِّي حاجات الناس, بشرط أن لا تكون المعاملة على الإبتكارات شراءً وبيعاً مضرّة بالمصلحة العامة, فتكون وسيلة لابتزاز الآخرين وجني الأرباح الطائلة منها كما هو المشاهد في الإقتصاد المعاصر, فلا بُدَّ حينئذٍ من الرجوع إلى المنظمة التقويمية في التسعير والقيم المالية.

الوجه الثالث: تصدي الدولة والحكومات التي وضعت بسبب العقد الإجتماعي لتنظيم البلاد وإصلاح شؤون العباد وحفظ مصالحهم, ومن مهماتها إنشاء المؤسسات العلمية والشركات والمعامل لجميع الإبتكارات والعلامات المميزة وتعويض أصحابها بوجه مقبول.

الجهة الثالثة: قالوا: إنَّ الفرق بين الحقين يكون من حيث مدة الحق باعتبار أنَّ الحق الذي يتعلق بالابتكار الجديد هو حق مؤقت, أمّا الحق في العلامة المميزة فإنَّه مستمر زماناً؛ لعدم تنافيه مع طبيعة هذا الحق, لأنَّه في استغلال الإبتكار الجديد يتطلب منح مالك البراءة حقاً محدوداً بمدة من الزمن يستطيع خلالها استغلالبراءة الإختراع تشجيعاً للإختراع(1), وإنَّ المبدأ العام فيه هو أنْ ينقضي الحق في البراءة بعد مدة أقصاها عشرين سنة إبتداءً من تاريخ إيداع الطلب عند مصلحة حماية الملكية الفكرية مستوفياً الرسم المالي, والعلة في ذلك هي: إستطاعة المنشآت الصناعية بعد سقوط البراءة من أنْ تستفيد من هذا الإختراع وتستغله صناعياً بدون مقابل, من دون حاجة إلى الترخيص من مالك البراءة التي سقطت بتقادم المدة المضروبة, وبذلك تزداد الصناعة تطوراً وتقدماً مع التوفيق مع المصلحة العامة.

وأمّا الحق في العلامات المميزة فلا تُنافي طبيعته ولا يتعارض مع المصلحة العامة جواز امتداده في الزمان فيصبح حقاً دائماً, فإذا كان -مثلاً- مدة الحماية المترتبة على تسجيل

ص: 177


1- ذُكر ذلك في كتاب الملكية الصناعية والمحل التجاري (د. محمد حسني عباس)؛ ص20 - 23.

العلامات التجارية والصناعية هي خمسة عشر سنة من تاريخ تسجيل الإيداع عند مكتب الحماية, إلا أنَّ لمالك العلامة أنْ يحتفظ بحقه ما دام يجري تجديد التسجيل عند كلّ خمسة عشر سنة بشرط دفع الرسوم المقررة.

والعلة في ذلك هو مصلحة المالك في استمرار اتّصاله بالعملاء عن طريق العلامة الصناعية, ومن مصلحة الزبائن استمرار العلامة لتكون وسيلة لتعرفهم على مصدر المنتجات.

ويمكن التعليق على ذلك:

1- إنَّه إذا كان الملاك في الحق هو حماية أصحاب الحق في كلٍّ من الموردين وزيادة الصناعة تطوراً وتقدماً وغير ذلك مِمّا ذكر, فإنَّ المصلحة العامة تقتضي في أحدهما أنْ يكون الحقّ مؤقتاً وفي الآخر مستمراً. ولكن التطور حاصل لا محالة.

وعلى كلِّ حالٍ؛ سواء كان الحق مؤقتاً أم مستمراً, والمصلحة العامة لا تقتضي أنْ تكون سبباً لدوام أحدهما دون الآخر, فإنَّ المصلحة إنَّما تكون في إخراج المنتوجات ذات الكفاءة العالية, ولا يمكن أنْ تحصل هذه الكفاءة إلا بالتطور في الإختراع والإنتاج. فالمصلحة العامة تقتضي أنْ تكون في تطوير البراءات والعلامات التي تكشف عن جودة إنتاجها ومتانتها.

2- إنَّ الحق إذا ثبت شرعاً في مورد فإنما يحدد زمانه ونطاقه طبيعة الحق وموضوعه والآثار والامتيازات التي تترتب عليه. فلا بُدَّ من الرجوع إلى الادلة التي تعين ذلك, فليس الحق بنفسه يقتضي الدوام لأنَّه مرتبة ضعيفة من الملك الذي له الدوام والتأبيد ما دام المملوك موجوداً في ملك مالكه, والحق لا يكون كذلك.

الأهمية الإقتصادية للحقوق الصناعية والتجارية

إعتبر الإقتصاد المعاصر أنَّ جميع تلك الحقوق من الأموال التي تقوَّم بالأثمان, لأنَّ المال عندهم كل ما ينتفع به على وجه من وجوه النفع, كما يعدّ كلّ ما يقوّم بثمن مالاً أيّاً كان

ص: 178

نوعه أو قيمته, فمن ملك أرضاً فهي مال له, ومن ملك بيتاً فهو مال, ومن ملك سيارة فهي مال له, والقائمة تطول, فكل شيء يمكن أنْ يعرض في السوق وتقدر له قيمة فهو مال, كما وأنَّ كلَّ شيء ينتفع به على أي وجه من الوجوه فهو مال(1).

وبناءً على هذا التعريف؛ فإنَّ الحقوق بجميع أقسامها وأنواعها (ولا سيما الحقوق الصناعية) من براءة الإختراع إلى الرسوم والنماذج الصناعية إلى العلامات التجارية والإسم التجاري من الأموال؛ لأنَّها ينتفع بها بوجه من الوجوه.

وقد أصبحت لتلك الحقوق الأهمية الإقتصادية العظمى مِمّا جعلت الدول تتسابق لاقتنائها وتسنّ القوانين من أجلها.

ولا ريب أنَّ هذه الحقوق تعتبر من الحقوق المستحدثة في العرف القانوني, وقد ظهرت أهميتها نتيجة تطور العلوم ووسائل نقلها للجمهور.

أسباب حقوق الملكية الصناعية

وقد قالوا أنَّ حقوق الملكية الصناعية تستند إلى أسباب يتَّصل بعضها بمصلحة المبتكر والبعض الآخر بمصلحة المجتمع. وهذه الأسباب هي:

1- إنَّ الحقوق الصناعية ضمان للمنافسة المشروعة؛ وذلك لأنَّ النظام الإجتماعي يقتضي أنْ لا تكون المنافسة بين المنتجين من أجل الوصول إلى الزبائن حقاً مطلقاً لكلِّ منتج, ولذلك كان طبيعياً وجود نظام قانوني يضع قيوداً على حرية المنافسة لتنظيمها على الوجه المشروع وهذه القيود ترجع إلى عوامل إقتصادية واجتماعية متعددة.

2- إنَّ الحقوق الصناعية تستند إلى فكرة العدالة؛ فإنَّ فكرة العدالة تقتضي بأنْ ينال المخترع -مثلاً- ثمرة إنتاجه الفكري, فلا ينافسه غيره بإنتاج ما وصل إليه المبتكر من ابتكاره, بحيث يمتنع على أيّ شخص آخر تقليد الإختراع جزاء ما

ص: 179


1- المال وطرق استثماره في الإسلام (د. شوق الساهي)؛ ص23.

قدمه للمجتمع ومقابل الكشف عن سرِّ الإختراع عند تقديم طلب البراءة, كما أنَّ العدالة تقتضي أيضاً بأنْ يحمي القانون مالك السلع أو المؤسسة التجارية الذي يعمل على تحسين منتجاته بحيث تنال ثقة الزبائن.

3- الحقوق الصناعية تكون دافعاً نحو التقدم؛ وقد اعتبر علماء الإقتصاد والقانون أنَّ النظام القانوني لحقوق الملكية الصناعية من أهم أسباب التقدم والتطور الصناعي والإقتصادي والإجتماعي, فإنَّ إجراءات منح براءة الإختراع تستلزم تقديم المبتكر طلباً لحماية الملكية الفكرية فيه تفاصيل1- اختراعه ليسهل الإطّلاع عليه, بحيث يستطيع العلماء والباحثون متابعة أسرار أحدث الإختراعات نتيجة للنظام القانوني الخاص ببراءات الإختراع الذي يفرض على المبتكر الكشف عن اختراعه قبل منحه براءة اختراعه.

وقالوا: إنَّ مثل هذا النظام والإجراءات يجعل البحث العلمي في متابعة معرفة أحدث الإختراعات أمراً ممكناً وحافزاً لمواصلة الكشف عن كلِّ جديد في مجال الإختراع, فتكون براءة الإختراع بمثابة الضوء الذي ينير الطريق أمام حركة البحث العلمي مِمّا يساعد على سرعة تقدم البحث العلمي وتقدم الإختراعات وتقدم الفن الصناعي.

وغير ذلك مِمّا قيل في بيان الأهمية الإقتصادية لهذه الحقوق الصناعية والتجارية وغيرها مِمّا يرتبط بالتقدم التقني والتكنولوجي نتيجة ما تُقدم تلك القوانين من حماية المخترع والمنتج والتاجر.

ولكن قد عرفت وجه الإشكال في كثير مِمّا ذكروه, كما إنَّها ترجع إلى مصلحة الدولة الصناعية المتقدمة على حساب الدول الناهضة مِمّا يؤدي إلى استئثار تلك الدول المتقدمة بالأسواق العالمية لتصريف منتجاتها من خلال توجيه التقنين الصناعي في الدول الضعيفة

ص: 180

بما يحقق مصالح الدول الصناعية القوية(1). وهي من أهم وسائل التسلط وظهور أبشع أنواع الإستعمار التي تعاني منها الدول والشعوب لحد الآن.

مصادر قانون الملكية الصناعية والتجارية

بعد معرفة أهمية الملكية الصناعية في النظام الإقتصادي المعاصر, فقد أصبحت قوانين الملكية الصناعية لها الأهمية الخاصة في مجال التطور الصناعي للدول, والغاية من هذه القوانين حماية هذا التطور وبالتالي حماية التطور الإقتصادي العام.

ومن أجل ذلك أصبح الغرض من وضع تلك القوانين مراعاة الوضع الإقتصادي العام وحمايته من الأخطار. وقد تسارعت الحكومات والمنظمات في وضع القوانين التي تكفل حماية الملكية الصناعية والتجارية, كما وضعت إتّفاقيات دولية في هذا السبيل, وعليه؛ إنقسمت مصادر تلك القوانين إلى القوانين الداخلية أي (الوطنية) والإقليمية والدولية.

أمّا القوانين الداخلية؛ فلا بُدَّ من الرجوع إلى ما وضعته الحكومات في كلّ دولة من القوانين في هذا المجال, وليس المقام ذكرها.وأمّا القوانين الإقليمية؛ فهي التي وضعتها مجموعة من الدول الإقليمية الصناعية وهي تستند على مبدأين.

الأول: القوانين التي تمهد الطريق إلى ولوج أحكام الملكية الصناعية إلى الدول الأعضاء؛ كما هو الحال في دول الإتّحاد الأوروبي.

الثاني: إتّحاد التشابه بين القوانين النافذة في تلك الدول لرفع التعارض والتناقض بينها بإيجاد الحلّ لها.

ص: 181


1- الملكية الصناعية والمحل التجاري؛ ص31.

وأمّا القوانين الدولية؛ فهي اتفاقيات تحصل بين الدول ترجع إلى الحماية الدولية لحقوق الملكية الصناعية والتجارية وهي تعتمد على مبادئ:

الأول: مبدأ الدولية؛ وهو بمعنى الرجوع إلى الحماية الدولية لهذه الحقوق, فأجازت للدول التي لم تشارك في هذه الإتفاقية أنْ تنضمَّ إليها, وهذه الإتفاقية تشتمل حماية الأشخاص التابعين للدول التي اشتركت في إبرام الإتفاقية, وأقاليم تلك الدول, والتي ستنضمّ إليها.

الثاني: مبدأ المساواة؛ وهو الذي يرجع إلى تمتع رعايا كلّ دولة تنتمي إليه في حماية الملكية الصناعية في جميع دول الإتّحاد بالحقوق الممنوحة, أو التي تمنحها قوانين تلك الدول لمواطنيها بلا فرق بين كونهم أصليين أو مقيمين, فإنَّهم يُعاملون المعاملة نفسها التي يُعامل فيها المواطنون.

الثالث: مبدأ الأسبقية؛ وهو الذي ورد في إتفاقية باريس من حقِّ الأسبقية لمن أودع طلبه أولاً لدى إحدى الدول الاعضاء للحصول على براءة إختراع أو حماية نماذج أو رسوم صناعية أو تسجيل علامة تجارية, فإنَّه يعتدّ بتاريخ إيداع أول طلب لدى إحدى الدول في كافة دول الإتّحاد خلال مدة معينة. وذلك لتيسير التعاون الدولي في هذا المجال.

الرابع: مبدأ عدم التعارض؛ ويعني أنَّ دول الإتّحاد تحتفظ لنفسها بالحق في أنْ تعتمد فيما بينها على عدَّة معاهدات خاصة لحماية الملكية الصناعية, بشرط أنْ لا تخالف هذه المعاهدات أحكام الإتفاقيات الدولية؛ ومن أهم تلك الإتفاقيات:

1- إتفاقية باريس

حيث اجتمعت الدول واتَّحدت على وضع قوانين حماية الملكية الصناعية بالمواصفات التي ذكرناها آنفاً, ويعتبر هذا الإتّحاد أول مؤسسة عالمية, ولقد شكل مكتباً عالمياً كلف بتأمين الخدمات الإدارية, ويهدف هذا الإتفاق إلى حماية مجمل الملكية الصناعية على المبادئ التي ذكرناها.

ص: 182

2- إتفاق المنظمة العالمية للتجارة

فقد جرى الإتّفاق على تأسيس المنظمة العالمية التجارية في مراكش بتاريخ (15/ نيسان/1994), وقد ضُمَّ إليه ملحق يتعلق بالملكية الصناعية. وقد تبنت هذه المنظمة أيضاً جميع مقررات دورات هذه المنظمة حول التعرفات الجمركية والتجارية.والهدف من هذه المنظمة هو التشديد والتنسيق على الصعيد الدولي لحماية الملكية الصناعية على ضوء تلك المبادئ التي تأسست عليها هذه الإتّفاقيات.

وهناك بحوث وقوانين حول هذه الملكية ليس المقام ذكرها, فإنَّه يحتاج إلى دراسة خاصة بها. ولكن الذي استفدناه من مجموع ما ذكرناه في هذا الموضوع أنَّ لها الأهمية الكبرى في النظام الإقتصادي المعاصر, بل من أهم روافده. وقد وضعت تلك القوانين من قبل المؤسسات الدولية والمعاهدات العالمية لحماية النظام الرأسمالي الحرّ, وليس للدول الفقيرة منها نصيب سوى الإنضمام القهري والتسليم لما عليه الدول الكبرى الصناعية وتشجيعها على قبول استثمار الدول الكبرى لمنافع ومعادن الدول الأخرى.

وإنمَّا المهم من البحث حول هذا الموضوع هو موقف الفقه الإسلامي من حقوق الملكية الصناعية, ولا بُدَّ من ذكر كلّ واحد من تلك الحقوق وبيان موقف الشرع الحنيف منه.

ولا إشكال في عدم وجود هذا الموضوع في العصور الماضية, لأنَّ الإختراعات الحديثة ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر, نتيجة التطور الصناعي والإقتصادي الكبير وتسارع عجلة الإبتكارات العلمية في العصر الحاضر؛ كلُّ ذلك أدّى إلى ضرورة وضع قوانين لتنظيم هذه الحقوق وحمايتها.

ونظراً لحداثة هذا الموضوع لم يكن له ذكر عند الفقهاء المتقدمين, فلا بُدَّ من استنتاج أحكامها من القواعد المرعية في أبواب المعاملات

ص: 183

وعليه؛ لا بُدَّ من دراسة كلّ واحد من هذه الحقوق على ضوء اللغة والإصطلاح, ثم بيان الحكم الفقهي بالنسبة إليه.

دراسة الحقوق الحقوق الصناعية
الأول: حق الإبتكار (براءة الإختراع)

قيل في تعريف الإبتكار أنَّه: نتاج الذهن, ويقصد به الصور الفكرية التي يكون الحاصل منها إظهار الملكة الراسخة في نفس العالم مِمّا يكون قد أبدعه هو ولم يسبقه إليه أحد.

فيكون حقُّ الإبتكار حقَّاً مالياً مبتكراً يحصل بحكم العرف والقانون لمن ابتكر مخترَعاً جديداً يرد على شيء غير مادي يتميز بالسبق والتفوق والأصالة.

وعلى ضوء ما ذكروه في تعريف الإبتكار نقول:

أولاً: إنَّ الإبتكار هو الصورة الذهنية وليس من الأعيان الخارجية بل هي مظهرٌ لتلك الصورة الذهنية والأفكار. نعم؛ تكون العين وسيلة لاستيفاء منفعة هذا الإنتاج الفكري, وإثبات الملكية المبحوث عنها في علم الإقتصاد أو الحق لهذه الصورة المعنوية التي لا يدركها إلا العقل؛ غير مقبول, كما يأتي بيان ذلك في بحث نظرية الحق.ثانياً: إنَّهم اشترطوا في الإبتكار عنصر الإبداع؛ بأنْ لا يكون تكراراً أو انتحالاً لصور أخرى سابقة.

ولكن إنْ أريد منه الإبداع المطلق؛ بأنْ يكون متَّصفاً به كلياً؛ فهو غير متحقق في الخارج, إذ ما من صورة يتخيلها الإنسان لتكون منتجاً إلا أنْ يؤخذ جزء منها من صور أخرى.

والمبدع المطلق هو الله تعالى الذي خلق السموات والأرض من غير مثال سابق.

وإنْ أريد منه الإبداع النسبي؛ والذي قد اتُخذِت فيه مبتكرات سابقة التي بمجموعها ساهمت في تكوين الإبتكار الجديد؛ وهو الشايع في الإبتكارات الحديثة.

وعليه؛ فإنَّ الإبتكار يختلف من حيث النوعية والأثر بمقدار الجهد الجديد المبذول فيه, فلا يثبت له الحق المطلق على القول به.

ص: 184

ثالثاً: إنَّ الحق الذي أثبتوه في الإبتكار إنَّما متعلقه منجزات الذهن, بمعنى؛ إنَّ الإبتكار هو الشهادة بأنَّ الشيء المخترَع هو وليد إختراع العالِم المبتكر باعتبار كونه منجزاً جديداً لم يسبق إليه أحد قبله, فالحقّ الثابت فيه حق ذهني لا أنْ يكون من الحقوق العينية.

وعليه؛ فلا بُدَّ من التخريج الفقهي لمثل هذا الحقّ حتى يصير حقاً مالياً يُبذل بإزائه المال ويقع مورد المعاوضة.

والمحتملات التي يمكن تصويرها في مثل هذا الحقّ هي:

1- إنَّ الإبتكار يشبه الثمرة المنفصلة؛ فإنَّ الإنتاج المبتكر ينفصل عن مالكه ليستقر في عين, فيصبح له بذلك كيان مستقل وأثر ظاهر.

ويمكن مناقشة هذا الرأي بأنَّ إثبات الصورة الذهنية وأنَّها كالثمرات المنفصلة في غاية البعد؛ لأنَّ الصور الذهنية موطنها الذهن, فلو تعدتها إلى الخارج انقلبت؛ إمّا إلى أعيان أو منافع, والمعاوضة إنَّما تقع عليها لا على مجرد الصورة الذهنية؛ لأنَّها لا تكون من الأموال, وسيأتي مزيد بيان في البحث عن المال إنْ شاء الله تعالى.

والحاصل: إنَّ الإبتكار بما هو صورة في الذهن ليس له وجود إلا في عالم الفكر والتصّور, وإذا تحقق في شيء سمي ذلك بالمبتكَر, فلا يبقى موضوع حينئذٍ للابتكار إلا على نحو المجاز, فليس الإبتكار من قبيل الثمرة المنفصلة.

2- إنَّ الإبتكار من قبيل المنافع من حيث أنَّه يُستوفى مع بقاء الأصل.

ويرد عليه: إنَّ الإبتكار إذا بقي في موطنه؛ وهو الذهن والعقل, فلا يكون من الأموال, وإنْ تحققت تلك الصورة الذهنية في ضمن شيء خارجي كان المبتكَر من الأموال. وعلى أيَّة حال؛ لا تكون الإبتكارات من المنافع, إذ لا يبقى أصل في الخارج إلا عيناً مبتكرة.

ص: 185

3- إنَّ الإبتكار وبراءات الإختراع ليست من الأموال, فإنَّها -كما سيأتي بيانه- تتَّصف بالعينية والتقويم, فتشمل الأعيان والمنافع التي ترد عليها العقود التي تلبي حاجة الناس في حياتهم العملية وتحقق مصالحهم, والقول بأنَّها من قبيل المنافع لأنَّ المبتكرين وأرباب العلم يتنافسون في اقتناء المصادر العلمية ويبذلون في سبيل ذلك الأموال, مِمّا يؤكد عنصر المالية للإنتاج الفكري المبتكَر.

ويرده: إنَّ المناط في مالية الشيء الذي يقع مورد رغبة الناس ويعتبره العرف مالاً هو ذلك الشيء الذي تتوفر فيه عناصرهُ, وهو الشيء نفسه لا مقدماته, وإلاّ فلو كان كما ذكره القائل فلا يبقى مورد لا يعدّ مالاً إذا كان بعض مقدماته مِمّا يبذل بإزائها بعض الأموال. ولا يقول به أحد من الفقهاء.

4- إنَّ الإبتكار مثل الصوت والهواء الذي ينفخه الفرد لم يكن من الأعيان والمنافع, فلا يصح أنْ يبذل بإزائه المال, وهو ليس من الحقوق التي تقبل المعاوضة, لكن لما كان منتسباً إلى الشخص المبتكر باعتبار كونه قد ابتدعه فإنَّه يثبت له حق الإختصاص. فإنْ قلنا بأنَّ مثل هذا الحق يقع مورد المعاوضة المالية فيصحُّ بذل المال بإزائه, وإلا فلا. وهذا ما سيأتي بيانه في نظرية الحق إنْ شاء الله تعالى.

والحاصل: إنَّه لا يمكن إثبات حق من الحقوق العينية في الإبتكار, ولا يقع مورد المعاوضة, ولا يصح بذل المال بإزائها إلا مقابل رفع يده عن حقِّ الإختصاص.

وعليه؛ فلا يقبل مثل هذا الحقّ الإعتياض والتوارث؛ كما سيأتي بيانه مفصلاً.

وقد عرفت وجوه الإستدلال على إثبات كونه مالاً أو حقّاً عينياً, وإنَّها باطلة لا تنهض أنْ تكون حجة مقابل قوله تعالى: ( لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)(1), وكذا مقابل أصالة عدم النقل والإنتقال.

ص: 186


1- سورة النساء؛ الآية 29.

وأمّا الإستدلال بالعرف لإثبات كونه حقاً مالياً يقبل التعاوض وغيره من الأحكام المترتبة على الحقوق من التوارث والضمان وغير ذلك؛ فهو باطل أيضاً, لأنَّ العرف الذي يمكن الإعتماد عليه؛ إذا لم يعرف مستنده كما في المقام فإنَّ منشأه هو النظرة المادية وكسب المال بأيِّ وجه كان, وقد تقدم في أحد بحوثنا السابقة الكلام في حجية العرف وقلنا بأنَّه لم

يكن من مصادر التشريع, ولا يمكن إثبات كون هذا العرف مِمّا أقرهّ الشرع المبين(1).

ومِمّا ذكرنا يظهر فساد ما ذكره بعض الكتّاب المحدثين في إثبات كون حق الإبتكار من الحقوق المالية؛ فراجع(2).هذا ما أردنا إثباته في حقِّ الإبتكار.

الثاني: حقُّ براءات الإختراع

قالوا بأنَّ براءة الإختراع مصطلح مركب إضافي مؤلف من كلمتين؛ (براءة) و(إختراع).

1- البراءة (لغةً): من برأ, أي: التباعد من الشيء ومزايلته.

وفي الإصطلاح: هي سند يمنح للمخترع ليذيع اختراعه ويعلنه ويطرحه في مجال الثروة العامة(3).

2- الإختراع: وهو في اللغة بمعنى الشقّ والإبداع والإنشاء(4). فيكون الإختراع هو إبداع شيء لم يكن له وجود, وهو يتضمن عنصرين؛ العمل الذهني الذي يتعلق بالصناعة, ووجود شيء جديد(5).

ص: 187


1- تقدم في ص96.
2- كتاب الملكية التجارية والصناعية (الدكتور علي نديم الحمصي), وغيره.
3- الوجيز في الملكية الصناعية (د. صلاح الدين الناهي).
4- معجم مقاييس اللغة (إبن فارس)؛ ج2 ص171. قال: إخترع الرجل كذبا, أي: إشتقه.
5- المصدر السابق؛ ص67 – 81.

فيكون تعريف براءة الإختراع إصطلاحاً: إنَّها الوثيقة التي تمنحها سلطة خاصة إدراية في الدولة بناء على الطلب ووفقاً لشروط معينة تتضمن وصفاً لاختراع معين يترتب عليها منح المخترع حَّقاً مكتسباً في استثمار اختراعه لمدة معينة قابلة للتجديد وحمايته من التعدي والتقليد.

والكلام في إثبات حق براءة الإختراع كالكلام في حق الإبتكار؛ فقالوا إنَّه يمكن إثباته من ناحيتين:

الأولى: كونه ملكاً منصباً على مال, أي كونه حقاً عينياً مالياً. والمصلحة فيه خاصة تعود إلى المخترع, وقد عُبر عنه بأنَّه حقٌّ خاص مالي.

الثانية: إنَّ فيه مصلحة عامة مؤكدة راجعة إلى المجتمع الإنساني كله. وهو بهذا العنوان يكون حقاً من حقوق الله تعالى لشمول نفعه.

وحينئذٍ تكون المصلحة في حماية هذا الحقّ هي تشجيع الإختراع والإبداع؛ كي يعلم من يبذل جهده في الإختراع أنَّه سيختص باستثماره ويكون محمياً من مزاحمته في استغلال ثمرة ابتكاره؛ فهو أحقّ باستثماره مزايا اختراعه الصناعية. كما أنَّهم استدلوا على كونه مالاً بقول النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (من سبق إلى ماءٍ لم يسبقه إليه مسلم فهو له)(1)؛ باعتبار أنَّه يشمل كلّ شيء مكتشف, كما استدل على ملكية هذا الحق وأنَّ منفعة الحقوق المعنوية تعد مالاً كالأعيان.

وعلى ذلك يتمتع مالك براءة الإختراع بعدة حقوق, أهمها:

1- نسبة الإختراع إليه دون غيره, وحمايته من تقليده أو غشه وانتحال الآخرين له.

2- حق استثمار المخترع لاختراعه ثم توريثه بعد وفاته مدة معينة, فتكون حماية هذا الحقّ مطلوبة شرعاً اعتماداً على المصلحة كما تقدم بيانه.

ص: 188


1- سنن أبي داود ج3 ص1341؛ ط. دار الحديث.

والصحيح؛ إنَّ شيئاً مِمّا ذكر لا يصلح أنْ يكون دليلاً لإثبات ملكية براءة الإختراع أو إثبات الحق العيني المالي له, فإنَّه قد عرفت عدم صدق الملكية لمثل هذا السند المسمى ببراءة الإختراع, لأنَّ مجرد صدور سند من دائرة معينة تثبت كون الإختراع لمخترع معين لا تثبت كونه مالاً؛ لفقد عناصر المالية التي تعتبر في مالية الأموال إلا إذا أصبح هذا السند ذا اعتبار خاص يبذل بإزائه الأموال كالكمبيالات وأوراق اليانصيب بالشروط المعينة, وسند براءة الإختراع لم يصل إلى هذه الدرجة عند الجميع.

وأمّا إثبات الحقّ العيني لهذا السند فهو يبتني على كونه مالاً عند الناس, وقد عرفت عدم تحقق عناصره فيه.

وأمّا إثبات ماليته باعتبار المصلحة الخاصة والعامة, فلم يكن ذلك قاعدة عامة في ملكية الأشياء ولا في ماليتها, فإنَّه ليس كل شيء يلبي المصلحتين يكون سبباً في ماليته وملكيته إلا بناءً على قانون المصالح المرسلة؛ وهو باطل في الفقه الإمامي, إذ الأحكام الشرعية سواء كانت من التكليفات أم الوضعيات تتبع الأدلة الشرعية المعروفة وليست المصالح المرسلة منها.

يضاف إلى ذلك أنَّ إثبات المصلحة في شيء لإثبات ماليته من الدور الباطل, فإنَّ المصلحة إنَّما تثبت إذا كان الشيء مالاً مسبقاً, وإذا أردنا إثبات ماليته بالمصلحة يكون من توقف الشيء على نفسه.

وقد عرفت أنَّ العرف لم يكن دليلاً شرعياً لإثبات الأحكام, وإنَّما مهمته تشخيص الموضوعات فيما إذا لم يكن مستند العرف معلوماً كما في المقام.

وأمّا الحديث الشريف فهو بمعزل عن المقام بالكلية؛ فهو يختص بما إذا كانت الأشياء على إباحتها الأصلية ولم يسبق إليها يد مسلم, وأمّا إثبات المالية به يكون من التمسك بالعام في الموضوع المشكوك بل المعلوم عدم ماليته.

ص: 189

فليس في براءة الإختراع سوى حقّ الإختصاص, وليس كلّ حقّ قابل للتعاوض والإنتقال والتوارث كما سيأتي بيانه, ولكن يمكن بذل المال لصاحبه مقابل رفع يده عن هذا الحقّ والتنازل عنه؛ وهو مقبول وله نظائر في الفقه.

الثالث: الرسوم والنماذج الصناعية

ذكروا أنَّ مالك الرسم والنموذج له الحقّ الكامل في استيفاء ثمن خاص بالرسم الذي ابتكره للسيارة -مثلاً- وبالنموذج الذي صممه لها, لأنَّ لهذا الرسم والنموذج قيمة معتبرة بين الجمهور, ولا يمكن أنْ يتم بيع سيارة بدون شكل خارجي لها يتمثل برسم خاص ونموذج متميز عن غيره, ومن ذلك يستطيع مالك الرسم أو النموذج أنْ يبيع ابتكاره لمن يشاء ويتمتع بالحماية الكاملة بذلك.والظاهر أنَّ هذا الحق يختلف عن سابقَيه؛ فإنَّ له مظهراً خارجياً من رسم أو إنموذج عيني بخلاف ما تقدم, فإنَّه مجرد تصور وفكر, أو سند براءة.

ومن أجل ذلك لم يثبت له حق في ذلك سوى حق الإختصاص كما تقدم بيانه.

وأمّا في هذا الحقّ فإنَّ له صورة عينية خارجية يمكن للمالك التحكم فيها وله السلطنة عليها؛ فيصحُّ التعاوض عليها, وتختلف قيمتها حسب الجودة والرغبات التي تتبع الأغراض والمنافع المترتبة عليها, وتقبل الشراكة بين مالك تلك الرسوم والنماذج الصناعية والشركات العاملة التي تستخدمها في منتوجاتها حسب الضوابط الشرعية والقواعد المرعية, ويقبل هذا الحقّ الإسقاط والتوارث والتعاوض.

والأصل في جميع ذلك بعد ثبوت المالية لها قاعدة السلطنة؛ كما تقدم بيان ذلك مفصلاً.

ص: 190

الرابع: العلامات التجارية

وهي تلك العلامات التي تضاف على البضائع والسلع التجارية لغرض جلب ثقة الزبائن, ومن أجل أنَّ تلك العلامة التجارية الخاصة إنَّما تدل على جودة السلعة فإنَّه يُجعل لها قيمة معنوية مضافة إلى القيمة المادية لها.

ولا اشكال أيضاً في أنَّ تلك العلامة الخاصة أوجبت نيل ثقة الناس بتلك البضائع فازدادت رغباتهم لنيلها.

ويصدق على هذا الحق ما ذكرناه في الرسوم والنماذج الصناعية, ويكون لأصحاب هذه العلامة الحق ويكون من الحقوق التي تقبل المعاوضة وبذل المال بإزائه وإنْ كان عن طريق السلعة التي عليها تلك العلامة.

والدليل الذي ذكرناه آنفاً يجري في هذا الحقّ أيضاً.

الخامس: الإسم التجاري

والمراد به ذلك الإسم الذي غدا عنواناً على محلٍّ تجاري اكتسب شهرة مع الزمن بحيث أصبحت هذه الشهرة متجسدة في الإسم المعلن عليه.

وقد يكون هذا الإسم إسماً شخصياً للتاجر أو لقبه, وقد يكون إسماً أو وصفاً لطبيعة النشاط التجاري يلقب به المحل, أو رسماً من الرسوم.

والإسم التجاري يرتبط ارتباطا وثيقاً بسمعة المحل, وهي الشهرة الطيبة التي اكتسبها المحل من خلال حسن التعامل مع الزبائن واجتذابهم. وقد ذكروا في وجه شرعية هذا الحق هو تخريجه على قاعدة المصالح المرسلة كما تقدم بيانه في براءة الإختراع, فيكون الإسم التجاري حقاً مالياً ذا قيمة مالية ودلالة تجارية, لأنَّ المصلحة منه رواج الشيء الذي يحمل ذلك الإسم فيكون؛ مملوكاً لصاحبه,والملك يفيد الإختصاص والتملك من الإنتفاع والتصرف بأنواع المعاوضات, ومنع الغير من الإعتداء عليه.

ص: 191

وقالوا: إنَّ العرف الذي يستند إليه هذا الحق عام ولا يتصادم مع نص شرعي خاص أو قاعدة كلية عامة في الشريعة الإسلامية(1).

ويمكن مناقشة ما تقدم بمثل ما ذكرناه في حقَّي الإبتكار وبراءات الإختراع؛ فإنَّ الإسم التجاري بمجرده لا يستوجب ملكاً ولا حقاً عينياً وإنَّما يقتضي حقّ الإختصاص, وقد تقدم أنَّه لا يقبل النقل والإنتقال, وإنَّما يبذل بإزائه المال مقابل رفع اليد.

وأمّا البضائع التي تحمل تلك الأسماء التجارية فهي التي يبذل بإزائها الأموال, والإسم التجاري وإنْ أوجب زيادة الرغبات, لكن ليس كلّ ما يكون كذلك ينطبق عليه الملك وعنوان المال كما هو معلوم. وأمّا العرف فقد عرفت الكلام فيه؛ فراجع.

السادس: الشعار, (كأحد صور الإسم التجاري)

والمراد به العنوان التجاري؛ كصورة خاصة من الإسم التجاري.

وقالوا: إنَّما هو بمثابة رمز مبتكر يستخدمه التاجر ليميز متجره عن غيره من المتاجر. وقد وقع هذا مورد السؤال؛ فهل يكون ذلك مناط حقّ لمالك المتجر, وهل يجوز شراؤه؟.

والصحيح؛ إنَّه لم يكن في هذا القسم إلا حقّ الإختصاص بين الشعار أو العنوان التجاري للمحل وبين مالكه. وسيأتي التفصيل في حكم حقّ الإختصاص إنْ شاء الله تعالى.

ومن جميع ذلك يظهر أنَّه لا أساس للملكية الصناعية والملكية التجارية, وإنَّما الثابت فيها إمّا حقٌّ عيني مالي, أو حقُّ الإختصاص, وما ذكر في إثبات الملكية وغيرها في بعض الموارد لا أساس له من الصحة.

وقد وقع الخلط بين الحكم والحقّ في كثير من تلك الموارد -وسيأتي تفصيل ذلك-, وبين العرف والقانون, ونحن وإنْ اثبتنا الملكية في تلك الموارد وعليها بني الإقتصاد المعاصر إلا أنَّ الكلام في مشروعيتها في الإقتصاد الإسلامي والتخريج الفقهي لها كما عرفت.

ص: 192


1- بيع الإسم التجاري والترخيص (د. حسن الأمين) -مجلة مجمع الفقه الإسلامي-؛ العدد 5 ج3 ص2505.

المصطلح الخامس: الحق

اشارة

المصطلح الخامس: الحق(1)

والكلام في نظرية الحقّ يقع في عدة مباحث:

المبحث الأول: في معنى الحقّ

اشارة

وقد استعمل في عدة مجالات؛ اللغة والقانون والفقه وغيرها.

المجال الأول: الحقُّ في اللغة

اشارة

ذكر أرباب معاجم اللغة معانيَ متعددة لكلمة الحقّ؛ نذكر منها ما يرتبط بموضوع بحثنا -وهو الملكية والمعاملات المالية- وهي:

1- الثابت بلا شكّ؛ كما في قوله تعالى: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)(2).

2- النصيب أو السهم الواجب للفرد أو الجماعة(3).

3- الحقّ بمعنى الواجب؛ يقال حقَّ الشيءُ يحقُّ, أي وجب الشيء يجب(4).

4- ما كان خلاف الباطل.

5- العدل والإنصاف؛ ذكره (الكرمي) في (الهادي).

6- قال الفيومي(5): (وقولهم: هو أحقّ بكذا) يستعمل بمعنيين؛ الأول: الإختصاص؛ أي: إختصاص المالك بماله من غير مشاركة, نحو: (زيد أحقّ بماله) أي لا حقَّ لغيره فيه.

ص: 193


1- وهو المصطلح الخامس من المصطلحات التي يحتاجها علم الإقتصاد.
2- سورة الذاريات؛ الآية 23.
3- الإفصاح؛ ج1 ص248.
4- الصحاح؛ ج4 ص1461.
5- المصباح المنير؛ ص144.

والثاني: أنْ يكون بمعنى أفعل التفضيل, فيقتضي اشتراكه مع غيره وترجيحه على غيره, كقولهم: (زيد أحسن وجهاً من فلان) ومعناه ثبوت الحسن لهما وترجيحه للأول, وقاله الأزهري وغيره.

7- قال في القاموس الفقهي(1): (حقّ الأمر حقاً, وحقَّه, وحقوقاً: صحَّ وثبت وصدق, ويقال: يحقُّ عليك أنْ تفعل كذا؛ يجب ويحقّ لك أنْ تفعل كذا؛ يسوغ).

8- الإمتياز؛ كما قال في الصحاح: (أنْ تمنح الدولة فرداً أو شركة حقُ القيام ببعض الأعمال العامة, وتفرض عليه إلتزامات وشروطاً يتعهد بالوفاء بها).

9- الميزة؛ ذكره في معجم لاروس, قال: (في القانون ميزة يملكها المرء في أنْ يعمل أو لا يعمل, أو في أنْ يتصرف بشيء أو أنْ يلزم غيره على العمل أو عدم العمل).

والصحيح أنْ يقال: إنَّ الأصل في هذه المادة هو الثبوت مع المطابقة للواقع, فإنَّ هذا القيد قد أخذ في مفهومها في جميع المصاديق, قال تعالى: (فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ)(2).

وقال تعالى: (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ)(3), وغير ذلك من الآيات التي استعملت الحقّ في مقابل الباطل والضلال. والباطل ما ليس له ثبوت, والضلال ما خرج وانحرف عمّا هو عليه.

الحقُّ في الفلسفة

الحقُّ في الفلسفة(4)

يعتبر الحقّ في الفلسفة إحدى القيم الثلاث؛ الحقّ والخير والجمال.

وقيل في تعريفه: ما طابق الذهن أو الواقع, ويقابل الباطل.

ص: 194


1- القاموس الفقهي لغةً واصطلاحاً؛ ص93.
2- سورة الأعراف؛ الآية 30.
3- سورة البقرة؛ الآية 42.
4- هذا المعنى من لواحق الحقّ في اللغة.

وذكر القدماء في الحقِّ أنَّه الحكم المطابق للواقع, ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها على ذلك الحكم, ويقابله الباطل.

وأمّا الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة, ويقابله الكذب.

وحقُّ اليقين عند العرفاء؛ فناء العبد في الحقِّ والبقاء به علماً وشهوداً وحالاً. فالعلم بالنار بأنَّها جسم يحرق علمُ اليقين, ومعاينتها عين اليقين, والحرق بها حقُّ اليقين. كما أنَّ علم كل أحد بالموت علم اليقين, فإذا عاين الملائكة فهو عين اليقين, فإذا ذاق الموت فهو حقُّ اليقين. وقال بعضهم أنَّ علم اليقين ظاهر الشريعة, وعين اليقين الإخلاص فيها, وحقُّ اليقين المشاهدة فيها.

الحقُّ في الأخلاق

الحقُّ في الأخلاق(1)

هو ما طابق القواعد والمبادئ الأخلاقية, ويقابل الواجب.

هذه هي أهم المعاني التي ذكرها علماء اللغة, والذي يرتبط منها بموضوع بحثنا هو الإمتياز والميزة والإختصاص؛ لأنَّ الفقهاء المعاصرين يعتبرون الحقَّ إمّا نحوٌ من الإمتياز تمنحه الدولة الإسلامية ليصحّ تصرفه في الشيء الذي مُيِّز به وفق تعليمات وشروط الدولة.

أو أنَّه ميزة يملكها الإنسان وفق تعليمات الشريعة الإسلامية, وتتمثل في منحه التصرف في الشيء الذي مُيِّز به وفق الشروط الشرعية.

أو هو نحو من الإختصاص دون مستوى الملكية.

وسيأتي توضيح ذلك إنْ شاء الله تعالى.

ص: 195


1- هذا المعنى من لواحق الحقّ في اللغة.

المجال الثاني: الحقُّ في القانون

تمهيد:

لا بُدَّ أنْ يعلم بأنَّ الحقَّ في الفقه والقانون ربما يطلق في موردين:

أحدهما: الأحكام الفقهية أو القانونية التي هي مجموعة النصوص والفتاوى.

والثاني: السلطة أو المُكنَة التي يمنحها الشرع أو القانون للإنسان ليسوغ له التصرف بالشيء.

وإذا أردنا توضيح ذلك نقول:إنَّ القانون يجوّز للإنسان أنْ يتملك, فيكون هذا الجواز حكماً من أحكام القانون, فإذا تملك شيئاً في حدود ما سوغ له القانون فإن هذه الملكية التي هي علاقة بينه وبين الشيء المملوك تمنحه السلطة على مملوكه ليتصرف فيه في نطاق الحدود المشروعة فيكون الحُكم بالتملك حقاً, والسلطة الممنوحة بعد التملك يطلق عليها كلمة الحق وربّما يختلط الأمر بينهما ولكن تمييزهما إنَّما يكون في ترتب الآثار.

والصحيح -كما سيأتي بيانه-؛ إنَّه خلط بين الحكم والحقّ؛ فإنَّ الأول حكم, والثاني ملكية. والتصرف فيما يملكه حكم شرعي أو قانوني, ومثل هذا الخلط كثير, وسيأتي بيان ذلك إنْ شاء الله تعالى.

ويعرَّف الحقّ قانوناً كما ذكره الدكتور السنهوري بأنَّه: (مصلحة مالية يقرّها القانون للفرد). وهذا التعريف في الأصل هو للفقيه القانوني الالماني أهرنج, ويستعمل في مجالات المعاملات المالية خاصة.

وقال الدكتور سلطان في كتابه المبادئ القانونية العامة: (الحقُّ مصلحة مادية أو معنوية مقررة لشخص قِبَل آخر يحميها القانون, كحق الملكية على عقار أو منقول وحق الدائن قِبَل مدينه )(1).

ص: 196


1- المبادئ القانونية العامة.

والصحيح أنَّ المستفاد من تعريفهما وأمثالهما إنَّما هم الحكم, وهو جواز التملك الذي من لوازمه التمكن من التصرف المعبّر عنه بالسلطنة والسلطان أو المُكنة.

أركان الحقّ

قال الدكتور سلطان معلقاً على التعريف المزبور: رأينا أنَّ الحقَّ مصلحة مادية أو معنوية مقررة لشخص يحميها القانون, وإذا حلّلنا هذا التعريف يتبين لنا أنَّ الحق ينطوي على ركنين أساسيين هما:

1- صاحب الحقّ.

2- محلُّ الحقّ.

ويراد ب-(صاحب الحق)؛ الشخصية القانونية, وهي تشمل الشخص الطبيعي وهو الإنسان, والشخص المعنوي أو الإعتباري كالشركة, والدولة, والمؤسسات الثقافية كالجامعات, والإجتماعية كالجمعيات ... إلى آخرها.

كما أنَّ المراد ب-(محل الحقِّ)؛ متعلّقُه, أو ما يقال: ما يرد عليه الحقّ من أشياء وأعمال؛ ويتكون من العلاقة بين صاحب الحقّ ومحل الحقّ (مضمون الحقّ) وهو السلطة التي يخولها الحقّ لصاحبه.

أقسام الحقّ

قسَّم القانون الحقوقَ إلى سياسية ومدنية؛

والحقُّ السياسي: هو الحقُّ الذي يخول المواطن المساهمة في إدارة شؤون الحكم في وطنه.والحقُّ المدني: هو الحقُّ الذي يعطى للإنسان بصفته عضواً في المجتمع الإنساني؛ كحق الحياة, وحق الرأي. وتقسمّ الحقوق المدنية إلى: عامة وخاصة؛

والحقُّ العام: هو الحقُّ المستمد من طبيعة الإنسان كإنسان. ومن أجل ذلك سميت هذه الحقوق: ب-(الحقوق الطبيعية) و(حقوق الإنسان).

ص: 197

والحقُّ الخاص: هو الحقُّ الذي يكفل للإنسان مزاولة نشاطه, سواء في نطاق الأسرة أم في نطاق المعاملات المالية. ومن هنا قسَّموا الحقوق الخاصة إلى حقوق الأسرة, والحقوق المالية؛

أمّا حقوق الأسرة: هي تلك الحقوق التي تثبت للإنسان بصفته عضواً في أسرة معينة.

وأمّا الحقوق المالية: هي تلك الحقوق التي تقوم محلها النقود التي هي قوام المعاملات المالية. وتقسم الحقوق المالية إلى شخصية وعينية؛

أمّا الحقّ الشخصي: هو الذي يقوم بين شخصين, كالدَّين الذي يكون بين الدائن والمَدين, والرهن بين الراهن والمرتهن.

وأمّا الحقّ العيني: هو ما يقوم بين الشخص والشيء. ويقسم هذا الحقّ إلى حقٍّ مادي ومعنوي؛

أمّا المادي: هو ما يكون الشيء فيه -الذي هو طرف المعاملة الآخر- مادياً, كحق الملكية.

وأمّا المعنوي: هو ما يكون الشيء فيه -الذي هو طرف المعاملة الآخر- معنوياً, كالإنتاج الفكري, مثل حق المؤلّف. ويسمى هذا الحقّ بالحقِّ الذهني أيضاً.

وحصيلة ما ذكرناه:

عکس

ص: 198

مصادر الحقّ

ويراد بمصدر الحقّ -هنا- ما يُستمدُّ منه الحقّ؛ وهو في عرف المشرعين القانونين: القانون الذي أمسى أخيراً يستمدُّ أحكامه -ولا سيما في المعاملات المالية- من اجتهاد المشرعين القانونيين في نطاق القواعد والمبادئ القانونية, المسمى في عرفهم بالتشريع.

هذا ما أردنا إثباته بما يرتبط بالحق في مصطلح القانون, وسيأتي عند توضيح الحقّ في الفقه ما يتعلق بذلك إنْ شاء الله تعالى.

المجال الثالث: الحقُّ في الفقه

اشارة

عُرِّف الحق في الفقه بتعاريف:

1- تعريف السيد بحر العلوم, قال: (سلطنة مجعولة للإنسان من حيث هو على غيره -ولو بالإعتبار- من مال أو شخص أو هما معاً, كالعين المستأجرة, فإنَّ للمستأجر سلطنة على المؤجر في ماله الخاص, وهو أضعف من مرتبة الملك أو أول مرتبة من مراتبه المختلفة في الشدَّة والضعف)(1).

2- تعريف صاحب التعليق على البلغة قال: (الحقُّ سلطنة مجعولة زمامها بيد ذي الحقّ, فله القدرة على الإعمال والإسقاط)(2).

والمستفاد من هذين التعريفين أنَّ الحقَّ علاقة بين الإنسان والإنسان, أو بين الإنسان والشيء؛ تعطيه سلطنة التصرف فيه في حدود معينة, ويتحقق أثر هذه السلطنة في تمكن صاحب الحقّ من الإعمال والإسقاط, أو أنَّه نحو اختصاص أيضاً.

ص: 199


1- بلغة الفقيه؛ ج1 ص13-14.
2- المصدر السابق؛ ص36.

وقال السيد الوالد قدس سره: (مِمّا تعارف بين الناس؛ الملك والحقّ والحكم, فيرون لأنفسهم ملكاً, وفيما بينهم حقوقاً, وفي شريعتهم حكماً, ولا إختصاص لذلك بملَّة الإسلام, بل يعمّ جميع الأنام.

والملك من البديهيات في وجدانهم؛ فيرونه أنَّه الإستيلاء والسلطة المطلقة على المملوك.

وفي مورد الحقّ يرون نحواً من الإستيلاء والسلطة أيضاً, فيكون الفرق بينه وبين الملك بالشدة والضعف.

وأمّا الحكم؛ فلا يرون فيه الإستيلاء والسلطة أبداً ولو بأضعف أنحائه, وإنَّما هو ترخيص محض من الحاكم بالنسبة إليه. فيقولون: هذه أرضي لا أبيعها إلا بثمن كذا -مثلاً- لأنَّها ملكي, وهذا المكان حقّي لأنَّ فيه رحلي, ولي أنْ أصلي في هذا المكان-مثلاً- لأنَّ الله تعالى أباح لي ذلك. والأول: مثال الملك, والثاني مثال الحقّ, والأخير مثال الحكم )(1).

تحقيق الكلام
اشارة

إنَّ المستفاد من كلمات الفقهاء وعلماء القانون أنَّ الحقَّ من مراتب الملك, والفرق بينهما بالشدة والضعف, ولتوضيح ذلك لا بُدَّ من بيان حال كلّ واحد منهما عرفاً وشرعاً.

حقيقة الملك

والملك -كما تقدم الكلام فيه- قد اختلفوا في حقيقته من أنَّه:

1- من المقولات العرضية؛ وهي على أنحاء:

أ- إنَّه بمعنى الجدة؛ المعبر عنها بالملك, و(له) في فنّ المعقول.

ب- إنَّه بمعنى الإضافة؛ نظراً إلى تضايف المالكية والمملوكية.

ج- إنَّه بمعنى السلطة المساوقة للقدرة على التصرف في العين؛ فيكون من مقولة الكيف.

ص: 200


1- مهذب الأحكام؛ ج16 ص205.

وجميع هذه المعاني بعيدة عن الملكية العرفية والمنساق إلى الاذهان, بل كون الملك من المقولات العرضية باطل من أساسه, لأنَّ المقولة في اصطلاح المعقول ما يقال على شيء يصدق عليه في الخارج, فلا بُدَّ من أنْ يكون لها مطابق وصورة في الأعيان كالسواد والبياض وما شابههما من الأعراض, أو يكون من حيثيات ما له مطابق ومن شؤونه الوجودية فيكون وجودها بوجوده, كمقولة الإضافة, حيث أنَّها لمكان كون فعليتها بإضافتها ولحاظها بالقياس إلى الغير لا يعقل أنْ يكون لها وجود استقلالي.

ومن الواضح أنَّه بعد وجود عقد البيع -مثلاً- لم يوجد ما له مطابق في الخارج, فلم يتحيّث ذات المالك والمملوك بحيثية وجودية, بل هما على حالهما قبل العقد, ولا يعقل صدق المقولة بلا وجود مطابق في الخارج أو تحيثه بحيثية واقعية.

ثمَّ إنَّ الملك إذا كان من الأعراض؛ فإنَّه يحتاج إلى موضوع محقق في الواقع, لأنَّ العَرَض -كما هو معروف في تعريفه- كونه في نفسه كونه لموضوعه. وعليه؛ لا يكون الملك كذلك, لأنَّ الإجماع قائم على صحة تمليك الكلي في الذمة في بيع السلف ونحوه, والمشهور على مالكية طبيعي الفقير للزكاة؛ والحال أنّه لم يعتبر في موضوعه الوجود الخارجي أو أنَّه لا وجود له أصلاً. فليس الملك من المقولات العَرَضية.

2- أنْ يكون الملك العرفي والشرعي من الأمور الإنتزاعية الموجودة بوجود منشأ انتزاعها.

ومنشأ الإنتزاع أحد وجوه:

الأول: ما هو المعروف من أنَّه العقد أو المعاطاة -مثلاً-, فإنَّ وجوده خارجي يصحّ منه انتزاع الملك.

وفيه: إنَّه لو كان العقد أو المعاطاة منشأ الإنتزاع له واقعاً لم تختلف الأنظار, مع أنَّه ليس كذلك؛ كما هو معلوم.

ص: 201

الثاني: كون الملك من الأحكام الوضعية, وقد ذهب جمع إلى أنَّ الأحكام الوضعية منتزعة من الأحكام التكليفية, فإنَّ الملكية بمعنى السلطنة التي تجوز التقلّب في المملوك بأيِّ وجه, هو منتزع من جواز التصرف مطلقاً في المملوك.

ويرد عليه:

أ- إنَّ الملكية ربما تكون ولا يكون جواز التصرف ثابتاً بوجه, كما في المحجور لصغر أو جنون أو سفه أو فَلَس. والقول بأنَّه ثابت في حدِّ ذاته وإنْ منع عنه مانع؛ مردودٌ بأنَّه يقتضي الملكية بالاقتضاء لا بالفعل؛ مع أنَّ الملكية فعلية, وثبوت الأمر الإنتزاعي بلا منشأ الإنتزاع محال.

ب- إنَّ قيام المبدأ بشيء بقيامٍ إنتزاعي يصحح صدق العنوان الوضعي على منشأه, فلو كان الحكم التكليفي منشأَ الإنتزاع حقيقة, فالحيثية قائمة به, فيصحُّ حمل عنوان المالك والمملوك عليه.

ويمكن الردّ عليه بأنَّ العقد -مثلاً- يُحدث مصلحة تقتضي ترخيص إنشاء التصرف في مورد العقد فينتزع الملكية منه, فيكون العقد سبباً للملكية, وهذا يكفي في دفع الإشكال المزبور.

الثالث: أنْ يكون منشأ الإنتزاع هو تمكن الشخص من بيع العين ونقلها بأنواع النقل, والتقلَّب فيها شرعاً بشتى ضروبه, فإنَّ قدرته خارجاً على العين بأنواع التصرفات شرعاً يكون منشأً لانتزاع الملكية لا بمجرد جواز التصرف شرعاً.

ويمكن مناقشته بأنَّ القدرة لا تتعلق إلا بالفعل, ومن المعلوم أنَّ قدرة الإنسان على نوعين:

أ- القدرة النفسانية: وهي التي يكون متعلقها الأعمال الجنانيّة.

ب- القدرة الجسدية -أي تلك التي تحصل من القوة المنبعثة من العضلات-: وهي التي يكون متعلقها الحركات الأينية والوضعية وأشباههما من الأفعال الجسدية.

ص: 202

والملكية لها مساس بالعين ابتداءً, وهي قدرة الإنسان على أفعاله التسبيبية من البيع والصلح والهبة, فضلاً عن تقلبه في العين خارجاً.

ولا يعقل أنْ تكون القدرة على أفعاله منشأً لانتزاع ملك رقبة العين, فلا بُدَّ من حيثية قائمة بالعين حتى يصح انتزاع ملك العين منها.

والحاصل من جميع ذلك: إنَّه لا يمكن أنْ يكون الملك الشرعي والعرفي من المقولات واقعاً, ولا من المقولات الثلاث بالخصوص وهي مقولة الجدة, ومقولة الإضافة, ومقولة الكيف. فهو ليس من المقولات العرضية عموماً ولا خصوصاً.كما إنَّه ليس من الإعتباريات الذهنية كالجنس والفصل والنوع, لأنَّ معروضاتها أمور ذهنية لا خارجية, ومن الواضح أنَّ المالك والمملوك شرعاً وعرفاً هما من الأعيان الخارجية.

كما إنَّه ليس من الأمور الإنتزاعية لما عرفت من أنَّ الأمر الإنتزاعي يفتقر إلى منشأ الإنتزاع, وشيئاً مِمّا ذكر فيه لا يصلح أنْ يكون منشأً لانتزاع الملكي, كما تقدم بيانه.

3- أنْ يكون الملك شرعاً أو عرفاً له وجود اعتباريٌ لا حقيقي.

كما هو الشأن في جميع الوضعيات الشرعية أو العرفية, فإنَّها موجودة بوجودها الإعتباري لا بوجودها الحقيقي, أي أنَّ المعنى فيها سنخ معنىً, بحيث لو وجد خارجاً لكان إمّا جوهراً بالحمل الشايع, أو كيفاً, أو إضافة, أو جدة كذلك؛ لكنها لم توجد بهذا النحو من الوجود, فإنَّ الأمر الإعتباري إنَّما أوجده من له الإعتبار بوجوده الإعتباري.

وإذا أردنا تطبيق ذلك على مثال يوضح ما ذكرناه نقول: إنَّ الأسد -مثلاً- هو الحيوان المفترس معنىً, لو وجد بوجوده الحقيقي لكان فرداً من نوع الجوهر, لكن لو قلنا (زيدٌ أسدٌ) فيكون زيدٌ أسداً بالإعتبار, حيث اعتبره المعتبِر كذلك, وكذلك الفوقية هي معنى لو وجد في الخارج حقيقة لكان من مقولة الإضافة؛ إلا أنَّه لو قلنا بأنَّ (علم زيد فوق علم

ص: 203

عمرو), كما قال تعالى: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)(1) فالأمر يختلف, كما أنَّ البياض والسواد لو وجدا في الخارج لكانا فردين من مقولة الكيف المبصرة؛ لكنهما ربّما يوجدان بوجودهما الإعتباري, فيقال: (قلب زيد أبيض, وقلب عمرو أسود). هذا ما يتعلق بالجوهر والأعراض.

وكذلك الملك؛ فإنَّه معنى لو وجد في الخارج لكان جدة أو إضافة مثلاً, لكنه لم يوجد بذلك النحو من الوجود بل وجد بنحو آخر عند اعتبار المتعاملَين مالكَينِ شرعاً أو عرفاً, والعين مملوكة شرعاً أو عرفاً. وهذا نحو آخر من الوجود يتبع اعتبار المعتبر يكون موضوعاً للأحكام والآثار شرعاً وعرفاً.

وربما تجتمع الجدة الخارجية مع الجدة الإعتبارية, وربما تختلفان؛ فتكون جدته الخارجية لشخص وجدته الإعتبارية لشخص آخر مثلاً.

ولا ريب أنَّ الموجودات الإعتبارية تختلف عن غيرها من الموجودات الحقيقية والإنتزاعية في أنَّها سهلة المؤونة تابعة لاعتبار المعتبر فتتحمل ما لا يتحمله غيرها؛ كما فصَّلناه في علم الأصول, وسيأتي مزيد من البيان .

مفهوم الملك

ثم إنَّه بعد معرفة حقيقة الملك؛ وقع الكلام في مفهوم الملك؛ من أنَّه هل هو بمعنى الإحتواء؟ أو الإحاطة؟ أو السلطنة؟ أو الوجدان؟.قد يقال إنَّه ليس بمعنى السلطنة؛ لأنَّها مفهوماً تتعدى إلى متعلقها بحرف الإستعلاء, والملك يتعدى بنفسه, كما إنَّ الاحاطة تتعدى تارةً بالباء, وأخرى بحرف الإستعلاء, والملك ليس كذلك؛ فيكون الملك بمعنى الإحتواء والوجدان.

ص: 204


1- سورة يوسف؛ الآية 76.

والظاهر أنَّ الملك عند العرف يتضمن المعاني المذكورة, والتضمين في اللغة من أهم روافد البلاغة والفصاحة, مع أنَّ تلك المعاني وإنْ اختلفت بحسب المفاهيم ولكنها متلازمة بحسب الفهم العرفي والإنسياق الذهني, ومن هنا ترى العلماء في الشريعة والقانون يعبرون عن الملك بتلك المعاني من دون أنْ يكون هناك محذور في البين.

متعلق الملك

ذكرنا عند البحث عن الملك وأقسامه, والمالك والمملوك, وهنا نذكر مراتب الملك من حيث المتعلق وهي:

1- ملك العين.

2- ملك المنفعة.

3- ملك الإنتفاع.

أمّا الأول فلا إشكال في ثبوته, وهو الشايع في الخارج. وإنَّما الإشكال في الثاني والثالث؛

أمّا ملك المنفعة فقد ذكر العلماء في الإشكال عليه وجهين:

أحدهما -وهو المعروف-: من تعلّق الملك بالمنفعة المستقبلية, فيكون من التعلق بالمعدوم, فإذا كان الملك من العرض فإنَّه يحتاج إلى موضوع محقَّق.

وثانيهما: إنَّ سكنى الدار -مثلاً- وركوب الدابة وأشباهمها, والتي تُعدُّ من منافعها لم تكن من حيثيات ملك الأعيان لتكون مملوكة لمالك تلك الأعيان حتّى يملِّكها المستأجر, بل هي من أعراض العين المستأجرة, وهي غير مملوكة للمؤجر قطعاً؛ فكيف يملِّكها المستأجر؟ مضافاً إلى أنَّ المنفعة إذا كانت من أعراض العين المستأجرة, فلا فرق بين ملك المنفعة وملك الإنتفاع.

ص: 205

والحقُّ أنَّ شيئاً مِمّا ذكر لا يصلح للمنع؛ أمّا الأول؛ فلما عرفت من أنَّ الملك ليس من الأعراض الخارجية حتى يحتاج إلى موضوع محقق في الخارج بل هو اعتبار, ويكفيه الموضوع الإعتباري أيضاً, وذلك بتقدير كون المنافع موجودةً بوجود ما تقوم به ولو في أفق الإعتبار. ومن هنا صحَّ ملك الكلي في الذمة, وذلك بتقدير وجوده فيها, أو فرض وجوده في الإعتبار, فيتقوم الإعتبار به لئلا يكون اعتبار الملك بلا طرف من اللغو المحض, وأيضاً قالوا بملكية طبيعي الهاشمي والفقير للخمس والزكاة, أو القول بحصة الوصية للمعدوم وبالمعدوم.

وأمّا الثاني؛ فلما تقدم أيضاً من أنَّ الملكية من الإعتباريات, ويكفي في متعلقها الوجود الإعتباري أيضاً, فإنَّ سكنى الدار وإنْ عُدَّت من أعراض الساكن لكن منحيث مساسها ونسبتها إلى الدار تكون مملوكة لمالك الدار, فهو ليس إلا عرض واحد قائم بالساكن فقط مع النسبة إلى الدار, فإذا كان الأمر كذلك يظهر أنَّ منفعة الدار وسكناها هو العرض الذي له نسبه إليها, وبسكناها ينتفع بها, فلا محالة يكون زمام أمر هذه النسبة بيد مالك الدار, فيعتبر وجدانها لواجد الدار شرعاً وعرفاً, فإذا ملَّكها المؤجر للمستأجر فقد ملَّك طبيعي السكن, وهي قابلة للتمليك لآخر, لأنَّها تتحقق في مقام الإستيفاء من كلِّ أحد. بخلاف العارية؛ التي توجب ملك الإنتفاع, فإنَّها تمليك سكنى زيد لزيد, ولا يعقل استيفاؤها إلا من زيد, ولذا لا يصحُّ نقلها من المستعير.

وبذلك يحصل الفرق بين ملك المنفعة وملك الإنتفاع, ففي الحقيقة تكون حيثية الإنتساب إلى الدار في الأولى ملحوظة بالإستقلال؛ من دون خصوصية لمن يقوم بالسكنى, بخلاف الثانية؛ فإنَّ حيثية القيام وإنْ كانت ملحوظة بالإستقلال, لكن في ضمن حصة من الطبيعي بحيث لا تتعدى عن مورد العقد.

ص: 206

ولكن قد يقال بأنَّ هذه النتيجة قد تحصل في عقد الإجارة مع شرط الإستيفاء بنفسه, فلا فرق بين الإجارة والعارية حينئذٍ من هذه الجهة.

وهو مردودٌ بأنَّ اختلاف الحقيقة بالنظر إلى نفس الذات ومقتضياتها, وهي محفوظة كما لا يخفى. فلا إشكال في ملك المنفعة.

وأمّا ملك الإنتفاع فقد ذكر العلماء في وجه الإشكال عليه مثلما ذكرناه في ملك المنفعة من أنَّ الإنتفاع من أعراض الساكن, وهو غير مملوك للمعير حتى يملّكه المستعير بعقد العارية.

ويمكن الجواب عنه وتصحيح ملك الإنتفاع بأحد وجوه ثلاثة:

الأول: الإلتزام بأنَّ مفاد عقد العارية إباحة الإنتفاع إباحةً مالكيةً يتبعها إباحة شرعية.

ونوقش هذا الوجه بأنَّ صيرورة الإنتفاع مباحة بالإباحة المالكية لا تتوقف على قبول المباح له؛ لا قولاً ولا فعلاً, فالإنتفاع بمجرد الإذن مباح, سواء انتفع به أم لا.

ويمكن رده بأنَّ العرف يرى بأنَّ انتساب إباحة الإنتفاع إلى المالك يكفي في صدق عنوان الملك حقيقة, سواء انتفع المباح له أم لا؛ كما يأتي بيانه في الوجه الثاني.

الثاني: إنَّ المعقود عليه في العارية يتضمن معنىً تسبيبياً يتسبب إليه بالعقد, وهذا المعنى هو إباحة الإنتفاع؛ مالكيةً أو شرعية, فمن شؤون مالك العين أنْ يسلّط غيره على عينه للإنتفاع بها, وهذه السلطة والإباحة والوجدان هي معنى الملك, ولا حاجة إلى القول بأنَّ التعبير بالملك مجاز, فإنَّ المعير قد سلط المستعير علىعين ماله, ويكفي ذلك عند العرف في ملكية الإنتفاع وإنْ لم يكن ذلك نقل ملك العين.

الثالث: إنَّ الإنتفاع عندما ينتسب إلى العين يلغي طرفه القائم به, فكأنه يتمحض في النسبة إلى العين, ويعد منفعة العين حينئذٍ, فإذا ملكها أحد كان له نقله إلى غيره, فلا إشكال في ملك الإنتفاع, كما لا إشكال في ملك المنفعة كما عرفت.

ص: 207

الفرق بين المراتب الثلاث المتقدمة

ذكر العلماء الفرق بين ملك العين وملك المنفعة وملك الإنتفاع بعد اشتراكها في كون العين مملوكة في الجميع؛ غاية الأمر أنَّ السلطنة على العين إنْ أحاطت بجميع جهاتها عُبّر عنها بملك العين وملك الرقبة, وهو المعبّر عنه بالملك التام.

وإنْ اختصت بجهة من جهاتها مع الإستقلال من تلك الجهة عُبّر عنها بملك المنفعة, فإنَّ العين المستأجرة مملوكة للمستأجر من تلك الجهة, وإنْ كانت مملوكة للمؤجر بالملك التام.

وأمّا إذا اختصت السلطنة بجهة من جهاتها لا مع الإستقلال عُبّر عنها بملك الإنتفاع, فإنَّ الإنتفاع غير مملوك بالحقيقة.

ومن جهة الإستقلال وعدمه افترق ملك المنفعة عن ملك الإنتفاع في جواز النقل في الأول دون الثاني, فإنَّ العين المعارة مملوكة للمستعير من حيث الإنتفاع بجهة خاصة, لكن عدم الإستقلال مانع عن النقل.

ومن أجل ذلك كلّه يندفع إشكال معدومية المنفعة وعدم تعلق الملك بالمعدوم, وإشكال كون المنفعة عرضاً من أعراض المستأجر ولا يملكه المؤجر, بل العين مملوكة في مدة خاصة لجهة مخصوصة. وهذا المعنى هو الذي ينسبق من عقد الإجارة وعقد العارية, أو بالأحرى ملك المنفعة وملك الإنتفاع, وإنْ أمكن الإيراد عليه بنحو آخر ولكنه غير تام.

هذا ما أردنا ذكره في حقيقة الملك من حيث المفهوم والمتعلق, وقد تقدم في مبحث الملك ما يتعلق به؛ فراجع. وإنَّما كان لزاماً أنْ نذكر في المقام أيضاً بعض ما يتعلق بحقيقة الملك لإيضاح حقيقة الحقّ.

ص: 208

المبحث الثاني: حقيقة الحقّ

اشارة

عرفت أنَّ الحقَّ في اللغة يأتي بمعنى الثبوت, فيكون الحقّ بمعنى المبدأ هو الثبوت, والحقّ بالمعنى الوصفي يكون هو الثابت, وما ذكره اللغويون وغيرهم من المعاني لهذه الكلمة إنَّما هو من باب اشتباه المفهوم بالمصداق.

وبهذا الإعتبار يطلق الحقُّ عليه تعالى؛ لثبوته بأفضل وأكمل أنحاء الثبوت الذي لا يخالطه عدم أو عدمي.والكلام الصادق حقٌّ لثبوت مضمونه في الواقع. وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في عدة مواضع بهذا المعنى, قال تعالى: (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ)(1)؛ أي يثبته.

وقال تعالى: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)(2)؛ أي ثابتاً.

وقال تعالى: (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ)(3)؛ أي ثبت.

وقال تعالى: (كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ)(4)؛ أي ثبتت.

وقال تعالى: (الْحَاقَّةُ«1»مَا الْحَاقَّةُ)(5)؛ أي النازلة الثابتة,

وقال تعالى: (حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)(6)؛ أي ثابت عليَّ.

وغير ذلك من الآيات الشريفة.

وبهذا الإعتبار يقال: (فلان أحقُّ بكذا)؛ فإنَّه أولى من حيث كونه ذا ثبوت من غيره.

وبالجملة؛ إنَّه لم توجد في الإستعمالات القرآنية وغيرها مِمّا يأبى بمفهومه عن الثبوت.

ص: 209


1- سورة يونس؛ الآية 82.
2- سورة الروم؛ الآية 47.
3- سورة يس؛ الآية 7.
4- سورة يونس؛ الآية 33.
5- سورة الحاقة؛ الآية 1.
6- سورة الأعراف؛ الآية 105.

متعلق الحقّ

لا ريب أنَّ نفس الثبوت من دون إضافته إلى شيء غير قابل لاعتبار صحيح؛ حيث لا أثر للثبوت المطلق, فلا بُدَّ من اضافته إلى شيء ليكون اعتبار ثبوت شيء لشيء.

ومن الواضح أنَّ مورد الحقّ ومتعلقاته لا تكون قابلة لاعتبار ثبوتها للشخص بنفسها, إذ لا معنى لاعتبار ثبوت الأرض للشخص, بل الصحيح اعتبار ثبوت ملكه لها أو سلطنته عليها.

وحينئذٍ لا بُدَّ أنْ يكون الثابت أمراً اعتبارياً متعلقاً بمورد الحقّ, وهو: إمّا الحكم, وإمّا الملك, كما في صدق الحقّ على الملك في باب القضاء باعتبار ثبوته على المدعى عليه, وإمّا السلطنة وأشباهها من الإعتباريات الثابتة للشخص.

ثم إنَّ الحقَّ الذي يقابل الحكم؛ هل هو السلطنة؟ أو الملك واعتبار آخر؟ أو إعتبارات مختلفة في الموارد المتشتتة؟.

المعروف أنَّه السلطنة, لكن بالمعنى الإعتباري لا السلطنة التكليفية الراجعة إلى مجرد جواز الفسخ والإمضاء, أو جواز الملك من المشتري في الشفعة وأشباه ذلك.فلا يورد -كما عن المحقق الخراساني قدس سره- بأنَّ السلطنة من أحكام الحقّ لا نفسه, أو لا سلطنة للقاصر على التصرفات مع كونه ذا حقٍّ شرعاً.

والمراد بالسلطنة الإعتبارية اعتبارها كاعتبار الملك في مورده, لا السلطنة الإنتزاعية؛ كما تقدم بيانه في حقيقة الأمر الإنتزاعي من الإشكال.

الأقوال في حقيقة الحقّ

إختلفوا فيها على أقوال:

القول الأول: إنَّ الحقَّ مرتبة ضعيفة من الملك وأول مراتبه, وهذا هو المعروف كما تقدم ذكره في أول البحث.

ص: 210

وأورد عليه بأنَّ حقيقة الملك سواء كانت من مقولة الإضافة أم مقولة الجدة ليس لها مراتب مختلفة بالشدة والضعف حتى يكون اعتبارها في مواردها مختلفاً, فتكون في مورد قوية وفي مورد آخر ضعيفة, لأنَّ مقولة الإضافة -كما حُقِّق في محله- ليس لها وجود إستقلالي, بل تابعة للمقولة التي تعرضها الإضافة, فإنْ كانت من مقولة تختلف بالشدة والضعف -كالكيف مثلاً- فلا محالة تتَّصف مقولة الإضافة بهما تبعاً كالحرارة, وإنْ كانت من مقولةٍ لا تجري فيها الشدة والضعف فلا تتَّصف مقولة الإضافة بهما مثل مقولة الجواهر, كالإحاطة إذا عرضت على زيد المحيط بعين في الخارج, فإنَّه ليس له ولا لتلك العين شدة وضعف حتى تتَّصف الإحاطة بهما بالعرض.

وكذا مقولة الجدة؛ فإنَّها لا تتَّصف بنفسها بالشدة والضعف بل تتَّصف بالزيادة والنقص, فإنَّ الهيئة الحاصلة للرأس من العمامة أنقص من الهيئة الحاصلة للبدن من القميص, فإنَّ الثاني أزيد إحاطةً من الأول؛ لسعة المحيط والمحاط في الثاني دون الأول.

وعليه؛ لا وجه لدعوى تفاوت مراتب الملك شدة وضعفاً, وأمّا زيادة ونقصاً فهو أجنبي عمّا نحن فيه ضرورة أنَّ المالك للعين والمنفعة أزيد ملكاً مِمَّن يملك إحداهما.

فتبين أنَّ جعل الحقّ بمعنى الملك لا وجه له, ودعوى اختلافه بالمراتب فاسدة.

ولكن نقول بأنَّ ذلك إنَّما يتم بناءً على كون الملك من الأعراض ومن مقولة الجدة أو مقولة الإضافة, وقد عرفت بطلانه. وأمّا بناءً على كون الملك اعتبار السلطنة والوجدان ونحوهما, فإنَّه لا مانع من كونها قابلة للشدة والضعف إعتباراً أيضاً.

القول الثاني: إنَّ الحقَّ هو الملك, ولذا عُبّر عن حقِّ الخيار بملك الفسخ والإزالة. وقد اختار هذا القول أغلب من ذهب إلى التقسيم الثنائي في المقام لا الثلاثي؛ من الملك والحقّ والحكم.

وأورد عليه بأنَّ الملك ملزوم للسلطنة المطلقة, مع أنَّ الحقَّ سلطنة خاصة على تصرف خاص.

ص: 211

وناقشه بعضهم بأنَّ سعة المملوك وضيقه لا يوجب قوة وضعفاً في الملكية, فالملك في حدِّ ذاته وجدان خاص, وسعة متعلقه وضيقِهِ سعةٌ وضيقٌ في الموجود له, لا في وجدانه له؛ حقيقةً واعتباراً.

ولكن يرد عليه بأنَّ سعة الوجدان وضيقه تابعان لمتعلقه والعرف يرى سريانهما من المتعلق إلى نفس العنوان الطارئ عليه, هذا مع أننا قلنا بأن ذلك تابع لاعتبار العقلاء فلا اشكال حينئذٍ كما هو واضح.

فالحقُّ غير الملك, ويرشد إلى ذلك بأنَّ الحقَّ ربما يضاف إلى شيء لم يكن له اعتبار الملك شرعاً, كحقِّ الإختصاص بالخمر التي كانت خلاً سابقاً, أو كحقِّ الأولوية في الأرض المحجرة التي لا تُملك إلا بالإحياء -كما هو المشهور-, فيعلم من ذلك أنَّ الحقَّ ليس بمعنى الملك؛ إمّا عموماً أو في خصوص بعض الموارد, نعم؛ قد يتصادقان في بعض الموارد فيحصل الإشتباه.

القول الثالث: الحقُّ هو اعتبار آخر غير الملك, يختلف بحسب المتعلق وموارده المشتتة. وقد تقدم أنَّ السلطنة الإعتبارية لها موضوعات اعتبارية, فليست هي مجرد سلطنة تكليفية كالراجعة إلى جواز الفسخ والإمضاء أو جواز الملك من المشتري في الشفعة وأشباه ذلك. وبهذا الإعتبار ذهب المشهور إلى أنَّه مرتبة ضعيفة من الملك؛ فإنَّ إثبات الحقوق في كثير من الموارد لا يصحُّ إلا باعتبار وجود ملك شرعاً ليتمكن الإنسان من إيجاد تلك الحقوق, فاعتبار المشهور الملك في مورد الحق لم يكن من اللغو, نظير ما ذكرنا في ملك المنفعة؛ فإنَّ له مساساً بملك الغير, لأنَّه من حيث انتسابها بملك الغير تعدُّ من منافع ملك الغير, فتكون مملوكة له تبعاً, فيصحّ اعتبار الملك في موارد الحقوق إمّا بجعل الشارع إبتداءً, كحقِّ المارة, أو أشباه ذلك, أو تمليك الغير لها.

ص: 212

فالصحيح في المقام القول بأنَّ الحقَّ هو: إعتبارٌ مخصوصٌ له آثارٌ خاصة, وهو يناسب الخيار بمعنى التفويض, فإنَّ اعتبار كون ذي الخيار مفوضاً يترتب عليه جواز الفسخ والامضاء تكليفاً ووضعاً دون أن يلزم اعتباراً آخراً.

كما أنَّ بهذا القول تنحلّ بعض المناقشات التي أُوردت على القول بأنَّ الخيار ملك, أو أنَّه مرتبة ضعيفة من الملك, لأنَّ القول بأنَّ الحقَّ هو الإعتبار المعقول لا ينافيهما. فيكون الحقّ نحو اختصاص أو علاقة بين الإنسان والإنسان, أو بينه وشيءٍ تعطيه سلطة التصرف فيه في حدود معينة ومحدودة.

ويتحقق أثر هذا السلطة في تمكّن صاحب الحقّ من الإعمال والإسقاط.

ومن جميع ذلك يظهر صحة التقسيم الثلاثي من الحكم والملك والحقّ. ولا وجه للتقسيم الثنائي.

الفرق بين الحقّ والحكم

ذكرنا أنَّ متعلق الحقّ تارةً يكون الحكم, وأخرى يكون الملك بمعنى السلطة والسلطان؛ وقد اعتبر بعضهم أنَّهما من معاني الحقّ, ولكن تقدم أنَّه من اشتباه المفهوم مع التطبيق, وإنَّه ليس للحقِّ إلا معنىً واحداً وهو الثبوت, وهو بالمعنى المبدئي لا أثر منه في الخارج, وإنَّ الذي يترتب عليه الأثر هو الحقّ بالمعنى الوصفي, أي: الثابت, وهو يتضمن النسبة, فلا بُدَّ فيها من منتسبَين.

وكيف كان؛ فإنَّ الذي يهم دراستنا في الإقتصاد والمعاملات المالية بالخصوص هو الحقّ بالمعنى الإعتباري الملازم للسلطة أو السلطنة.

ومن هنا لا بُدَّ من بيان الفرق بين الحكم والحقّ, لأنَّ هناك قضايا يشتبه في أنَّها من الحكم أو من الحقّ وبالعكس, وقد استعرض جملة منها صاحب (البلغة) وابن أخته في التعليق, والتمييز بينهما إمّا أنْ يكون من ناحية تعريف كلّ واحد منهما, وإمّا أنْ يكون من ناحية الأثر.

ص: 213

والأول: ما ذكره قدس سره في تعريف الحكم بأنَّه: (جعلٌ بالتكليف أو بالوضع, متعلق بفعل الإنسان من حيث المنع عنه والرخصة فيه, أو ترتّب الأثر عليه. وأمّا الحقّ فهو سلطنة مجعولة للإنسان من حيث هو على غيره من مال أو شخص أو هما معاً)(1).

والثاني: ذكره إبن أخته في التعليق على (البلغة) من الفرق بينهما بالأثر المترتب على كلِّ واحدٍ منهما, فقال: (إنَّ المائز بين الحكم والحق هو: إنَّ الحكم لا يسقط بالإسقاط, إذ هو مجعول من الشارع المقدس على موضوعه, فزمامه بيده, وأمر وضعه ورفعه إليه بخلاف الحقّ؛ فإنَّ قوامه قابليته للإسقاط والعفو ممن جعل له)(2).

وعليه؛ يكون في كِليهما جهة مشتركة وهي: الجعل إلا أنَّ نحو الجعل مختلف؛ فإنَّ الحقَّ جعل لصاحبه بنحوٍ يكون زمامه بيده, فله الأخذ به وله العفو والإسقاط بخلاف الحكم؛ فإنَّه مجعول من الشارع المقدس على موضوعه بنحو يكون رفعه ووضعه بيد جاعله, كما أنَّه يمكن أنْ نجعل الفرق بينهما بأنَّ الجاعل في الحكم هو الشارع المقدس, بينما يكون الجاعل في الحقِّ اعتبار المعتبرِين سواء كان الشارع أم العقلاء أم غيرهما.

وكيف كان؛ فإنَّ الحكم لم يؤخذ فيه الإستيلاء والسلطة أبداً ولو بأضعف أنحائه, وإنَّما هو ترخيص محض من الحاكم بالنسبة إليه, بخلاف الحقّ؛ فإنَّ العرف إنَّما يراه نحواً من الإستيلاء والسلطة.

الفرق بين الحق والملك

تقدم أنَّ الحقَّ إعتبار خاص, إلا أنَّه يختلف عن الملك في مقدار أو مستوى التصرف؛ حيث أنَّ لصاحب الملك مطلق التصرف في ملكه, بخلاف الحقّ؛ فإنَّ تصرف صاحبه مقيد في حدود ما تسمح به العلاقة بينه وبين الآخر.

ص: 214


1- بلغة الفقيه؛ ج1 ص13.
2- المصدر السابق؛ ص35.

قال صاحب التعليق على (البلغة) مفرقاً بينهما: (إنَّ العلقة (العلاقة) والإضافة الحاصلة بين المضاف والمضاف إليه إذا كانت تامة صالحة لأنحاء التقلبات تسمى ملكاً, وإنْ كانت ناقصة لا تصلح إلا لنحو من التقلّب؛ لقصور في نفسهما أو متعلقهما تسمّى حقاً, كالإضافة الحاصلة للمرتهن بالنسبة إلى العين المرهونة, و(الإضافة) الحاصلة للشفيع بالنسبة إلى حصة شريكه المبيعة في شركته, فإنَّ المرتهن ليس له سوى استيفاء دَينه من الرهن إذا لم يفه المديون, والشفيع ليس له من السلطة إلا تملك ما اشتراه المشتري من الحصة بالثمن الذي اشتراه به).

وعليه؛ تكون سلطة المالك مطلقة وتامة, وسلطة ذي الحقّ مقيدة أو محدودة.

ومن أجل ذلك قلنا بأنَّ من عرّف الحقّ بأنَّه مرتبة ضعيفة من الملك إنَّما ينظر إلى هذا دون أنْ يكون الملك قابلاً للشدَّة والضعف.

وكان الأجدر بالجميع أنْ يُعرِّفوا الحقَّ بأنَّه اعتبار خاص في مورد مخصوص.

أركان الحق

من جميع ما ذكرناه في هذا الموضوع المهم في القانون والفقه يظهر أنَّ للحق ركنين أساسيين بهما يكون قوامه, وهما:

1- صاحب الحق (صاحب السلطة).

2- محل الحق أو متعلقه (المسلط عليه).

قال صاحب البلغة: (وله طرفان: أحدهما: طرف النسبة والإضافة, ويعبّر عن المنسوب إليه بصاحب السلطنة وذي السلطان. والآخر: طرف التعلق, ويعبّر عن متعلقه بالمسلّط عليه)(1).

ص: 215


1- المصدر السابق؛ ص14.

المبحث الثالث: أقسام الحقّ

اشارة

قسَّم الفقهاء الحقّ إلى أقسام عديدة حسب العناوين المختلفة, وهي:

التقسيم الأول: ما يرجع إلى استقلاله وعدمه, وهو على قسمين:

1- حقٌّ مستقلّ بنفسه. ومثاله حقُّ التحجير.

2- حق متقوم بغيره. ومثاله حقُّ المجني عليه على الجاني, وحقّ القصاص, فلا يكون في أمثال ذلك مستقلاً بنفسه بل متقوماً بغيره.

والحقُّ في مثل هذا التقسيم نظير الملك؛ الذي قد يكون متعلقه مستقلاً, وقد لا يكون كذلك, كالكلي في الذمة, وقد يتَّحدان في المورد وإنَّما يختلفان بالإعتبار, كسلطنة الإنسان على نفسه, ومنه القول المعروف: (إنَّ الإنسان أَملَكُ بنفسه من غيره). ولعله مأخوذ من قوله تعالى: (إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي)(1), فإنَّ ما به التعلقعين ما إليه الإضافة وإنَّما يختلف بالإعتبار. وإنَّما نَسبَ الملك إلى أخيه من حيث كون زمام أمره خارجاً بيده لانقياد هارون لموسى علیهما السلام .

ولكن لا بُدَّ أنْ يعلم أنَّ هذه الملكية بالحقيقة لا بالإعتبار حتى يترتب عليها آثار الملك الشرعي والعرفي؛ نظير استحقاقه تبارك وتعالى للعبادة الذاتية التكوينية؛ فإنَّ معنى العبادة التكوينية خضوع الممكنات تكويناً للواجب وانقيادها له, فإنَّ الأشياء مؤتمرة بأمره التكويني قهراً, فيكون هذا الإستحقاق أيضاً واقعياً حقيقياً لا أنْ يكون اعتبارياً جعلياً؛ اللّهم إلا أنَّ استحقاق العبادة المجعولة كالصلاة, والصيام, والزكاة وغيرها إنَّما يكون بنفس إيجابها على العباد, فيكون الإعتبار الثابت من عنده عَزَّ وَجَلَّ ليس إلا الإيجاب, لا اعتبار السلطنة أو الملكية حتى يتوهم أنَّ من أجله منع من أخذ الأجرة على الواجبات لأنَّها مملوكة له تعالى, فيكون أكل المال بإزاء ملك الغير من الأكل بالباطل.

ص: 216


1- سورة المائدة؛ الآية 25.

وسيأتي أنَّ إطلاق الحقّ على العبادة نفسها وحملها عليه كما في قول النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (إِنَّ حَقَ الله عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)(1) إنَّما هو باعتبار معناه المفعولي, كالملك بمعنى المملوك على الأعيان المملوكة.

وأمّا الحقّ بالمعنى الفاعلي القائم بذي الحقّ فهو نفس الإيجاب الذي باعتبار تعلّقه بالعبادة تصير حقاً بالمعنى المفعولي.

التقسيم الثاني: تقسيمه من حيث ثبوته بمعنى قابليته للسقوط والإنتقال وعدمها؛ إلى قسمين:

1- الحقّ الثابت المستقر؛ وهو الذي لا يسقط بالإسقاط, ولا يقبل النقل والإنتقال بالنواقل القهرية أو الإختيارية. وقد مثل له بحق الأبوّة, وولاية الحاكم, وحقّ استمتاع الزوج بالزوجة.

2- الحق غير الثابت؛ وهو الذي يقبل الإسقاط والنقل والإنتقال. وهذا أيضاً إمّا أنْ يقبلها جميعاً, وإمّا أنْ يقبل إثنين منها, وإمّا أنْ يقبل واحداً منها فقط.

ومن أجل اختلاف أسباب عدم الثبوت والإستقرار قُسِّم هذا النوع من الحقّ إلى الأقسام التالية:

أ- ما يصحُّ فيه الإسقاط والنقل والإنتقال. مثل حقّ الخيار, وحقّ الرهانة وغيرهما.

ب- ما يصحُّ فيه الإسقاط والإنتقال فيه. كحقّ الشفعة.

ج- ما يسقط بالإسقاط فقط. كحقّ الغيبة.

د- ما ينتقل بالنواقل فقط. كحقّ القسم بين الزوجات.

ولا بُدَّ أنْ يعلم أنَّه ليس المراد من الإسقاط هو العفو كما قد يتوهم, فإنَّه وإنْ كان يناسب السلطنة على الغير لكنه لا يلائم جميع موارد الحقوق, فإنَّ منها التحجيرالذي لا شبهة في إسقاطه, مع أنَّ السلطة فيه ليست على الغير, بل المراد من الإسقاط رفع الإضافة الخاصة أو إخراج المورد عن كونه طرفاً للإضافة كما يتَّضح ذلك إنْ شاء الله تعالى.

ص: 217


1- عوالي اللئالي؛ ج1 ص445.

قال السيد بحر العلوم في (البلغة): (ثم إنَّ الحقَّ -بما هو حقٌّ- يختلف بحسب اختلافه في سقوطه بالإسقاط وعدمه, ونقله إلى غيره مجاناً أو بعوض وعدمه, وانتقاله قهراً بالإرث وعدمه إلى أنحاء شتى؛ منها: ما لا يجوز عليه شيء من ذلك فلا يسقط بالإسقاط, ولا يُنقل بالنواقل ولا ينتقل بالإرث ونحوه؛ كحقّ الأبوة, وولاية الحاكم, وحقّ استمتاع الزوج بالزوجة, وحقّ الجار على جاره والمؤمن على أخيه؛ فإنَّها حقوق لأربابها لا تسقط ولا تنتقل إلى غيرهم بوجه من الوجوه.

ومنها: ما يجوز فيه كلُّ ذلك؛ كحقّ الخيار, وحقّ القصاص, وحقّ الرهانة, وحقّ التحجير, وحقّ الشرط المطلق.

ومنها: ما يسقط بالإسقاط ولا ينقل ولا ينتقل؛ كحقّ الغيبة والإيذاء بضرب أو شتم أو إهانة أو نحو ذلك -بناء على كونه حقَّاً لا أنْ يكون مجرد حكم تكليفي- ولذا يجب الإستحلال منه ولا يُكتفى بالتوبة في التخلص عنه.

ومنها: ما يسقط بالإسقاط وينتقل بالإرث -على قول- ولا ينقل بالنواقل؛ كحقّ الشفعة للشريك المسبب عن بيع شريكه.

ومنها: ما يُنقل مجاناً لا بعوض؛ كحقّ القسم بين الزوجات؛ بناءً على عدم مقابلته بالأعواض)(1).

إذا عرفت ذلك ينبغي التنبيه على أمور:

الأول: إنَّ كلَّ فرد من تلك الحقوق التي تقدم ذكرها إنَّما ثبت بالدليل, وقد ذكر الفقهاء كلّ واحد منها في الباب المختص به, فقد ورد حقّ القسم في كتاب النكاح, وحقّ التحجير في كتاب إحياء الموات, وحقّ الغيبة في المكاسب المحرمة وكتب الأخلاق, وحقّ

ص: 218


1- بلغة الفقيه؛ ج1 ص16-17.

الرضاع في كتاب النكاح -باب الرضاع-, وحقّ الشفعة في كتاب الشفعة, وحقّ الرهن في كتابه؛ فمن أراد الإطّلاع عليها لا بُدَّ من الرجوع إلى الكتب والأبواب المختصة بكلِّ واحدٍ من تلك الحقوق وليس المقام محلُّ ذكرها, ويأتي ما ذكروه في المقام الموجب لهذا التقسيم.

الثاني: ذكرنا أنَّ الإسقاط في عبارة الفقهاء ليس بمعنى العفو, فإنَّه وإنْ كان يناسب السلطنة على الغير لكنه لا يلائم جميع موارد الحقوق, بل المراد منه إمّا رفع الإضافة أو إخراج الشخص أو الطرف عن الطرفية للإضافة, وربما قيل بترجيح الثاني نظراً إلى أنَّ الحقَّ في بعض الموارد لا يعقل رفعه؛ لقيامه مع وحدته بمتعدد, كما في إرث حقّ الشفعة؛ فإنَّ إسقاط بعض الورثة حقّه جائز مع بقاء الحقّ بالإضافة إلى الباقي, والحقّ الواحد لا يقبل التعدد, إذ هو خلف, كما أنَّه لايتجزأ ولا يتبعض فإنَّه بسيط, فلا معنى لإسقاط الحقّ إلا إخراج أحد الورثة نفسه عن الطرفية للإضافة الشخصية, فيستقل باقي الورثة بالطرفية للإضافة.

لكن الصحيح أنَّ الإسقاط رفع الإضافة, ويلزمه خروج الطرف عن الطرفية لا أنْ يكون عينه, وذلك لأنَّه إذا كان إسقاط الحقّ من أصله كان سقوطه منافياً لثبوته, وأمّا إذا كان إسقاطه عن نفسه فهو لا ينافي ثبوته لغيره؛ فإنَّ الإسقاط كالنقل؛ يضاف إلى نفس الحقّ, وهو نفس الإضافة لا متعلقه الذي لا يخرج عن كونه أحد الأشياء, مثل الملك والمنفعة وعمل الحر عن جمعٍ. ومن هنا أشكل بعض الفقهاء على جعل الحقّ عوضاً بأنَّه ليس بمال.

ولكن يرده بأنَّه وإنْ لم يكن الحقّ مالاً لأنَّه نفس الإعتبار كما عرفت, إلا أنَّ متعلقه مالٌ قطعاً, ومن هنا صحَّ نقل حقّ التحجير باعتبار الأرض المحجرة التي لا شبهة في ماليتها.

وكيف كان؛ فإنَّ النقاش في حقيقته الإسقاط لفظي, فإنَّ إسقاط الإضافة يلازم خروج الأطراف أو أحدهم عن الطرفية.

ص: 219

الثالث: إختلفوا في حقيقة النقل أيضاً؛ فالظاهر أنَّه ليس المراد بالنقل في كلمات الفقهاء هو النقل الحقيقي؛ لأنَّه لا يمكن تصوره في نقل الحقّ بما هو حقّ, وإنْ أمكن تصويره في متعلقه, مع أنَّ النقل منسوب إلى الحقِّ نفسه لا متعلقه كما عرفت أنَّه كذلك في الإسقاط.

فلا بُدَّ أنْ يكون المراد من نقل الحقّ هو النقل الإعتباري؛ بمعنى إخراج الشيء عن طرف إضافة ملكية نفسه إلى طرفية غيره في إضافة الملكية, فقد نقل من طرف هذه الإضافة إلى طرف إضافة أخرى. ومن أجل هذا قالوا بأنَّ البيع لا يستلزم النقل دائماً؛ فإنَّ بيع الكلي صحيح, مع أنَّه لا نقل فيه من طرف إضافة إلى أخرى بل هو تمليك ابتدائي.

وعلى ما ذكرناه فقد يناقش في نقل إضافة الحقّ, لأنَّ النقل إنْ كان متعلقاً بطرف الحقّ كان النقل صحيحاً, فإنَّ ذا الحق يُخرج الأرض المحجَّرة من طرف إضافته الحقّيّة إلى طرف إضافة أخرى. وأمّا نقل نفس الإضافة بذاتها فهو غير معقول؛ لأنَّ الإضافات تتشخص بأطرافها, فإنَّ شخص العين قابل للنقل دون شخص الإضافة, فلا بُدَّ من أنْ يكون النقل فيها بالعناية بأنْ تكون الإضافة المنقولة من طرف نفسه إلى طرف غيره؛ وهو شخص الإضافة بنظرة الوحدة.

ولكن ذلك من التطويل الذي لا حاجة إليه, فإنَّ النقل الإعتباري كالملك الإعتباري والحقّ الإعتباري؛ إنَّما يتبع اعتبار المعتبر, وقد ذكرنا أنَّ الأمور الإعتبارية تقبل من الأحكام مالا يقبله غيرها, فيفرض موضوعاً اعتبارياً, والخارج إنَّما يكون من تطبيق ذلك الإعتبار الصحيح؛ فلا حاجة إلى تلك التخريجات.

الرابع: الميزان في قبول الحق للنقل والإسقاط؛ فقد ذكروا له وجوهاً:

1- إنَّ الموجب للحقّ إمّا أنْ يكون علّة تامة له أو يكون مقتضياً, فإنْ كان علة تامة له فيستحيل نقله وانتقاله وإسقاطه؛ لاستحالة تخلّف المعلول عن علته التامة.

ص: 220

وإنْ كان مقتضياً؛ فإنْ كان هناك مانع منه كتقوُّم الموضوع بعنوان خاص أو تقيّد مورد الحقّّ ومتعلقه بقيد يوجب تضييق دائرته فلا يقبل النقل والإنتقال, وإنْ لم يكن هناك مانع كان قابلاً للإسقاط والنقل والإنتقال. وقد ذكر هذا الوجه بعض أكابر الفقهاء على نحو الكبرى الكلية, وما ذكره صحيح في مقام الثبوت والواقع, ولكن لا دليل عليه في مقام الإثبات, إذ لا دليل يعين كون الموجب في ولاية الحاكم وولاية الأب والجد علَّةً, وفي حقّ الخيار والشفعة مقتضياً.

2- إنَّ قبول الحقّ للسقوط والنقل والإنتقال وعدمه يرجع إلى مناسبات الحكم وموضوعه, والحِكَم والمصالح المقتضية لذلك الحكم؛ فإنَّ مثل حقّ الولاية للحاكم والوصاية للوصي إنَّما هو لخصوصية كونه حاكماً شرعياً وله هذا المنصب, وأن الوصي لوحظ فيه خصوصية في نظر الموصي؛ فلذا عيَّنه وصياً دون غيره, فلو نقله الوصي إلى غيره لا يصحّ لفقد تلك الخصوصية, أو لأنَّ هذا الإعتبار إنَّما كان للشخص بنفسه من دون حاجة إلى النقل بلا نظر إلى الغير؛ فلا يناسبه السقوط بالإسقاط, أو ما يقال بأنَّ ولاية الحاكم من شؤون ولاية الإمام, وهي من شؤون ولاية النبي, وهي من شؤون ولاية الله تعالى على عباده, فكما أنَّ الأصل محال فكذا فرعه.

إلا أنَّ هذا القول بعيد؛ لأن سلطنته سبحانه على خلقه حقيقية لا اعتبارية, وهي الإحاطة الفعلية الوجودية التي لا زوال ولا تغيير ولا تبديل فيها؛ لاستحالة استقلال الممكن بالوجود, وكذا ولاية النبي والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم التكوينية؛ بمعنى وساطتهم في الفيض وكونهم مجاري فيض الوجود؛ فإنَّها لا تقبل الزوال أيضاً, لأنَّ زوالها يستلزم أصالة الوجود بالتبع, وكون الممكن الأخسّ في عرض الممكن الأشرف؛ وهو محال.

ص: 221

أمّا ولاية الحاكم فإنَّها جعلية اعتبارية لا أنْ تكون حقيقية لتكون من شؤون الولايتين المتقدمتين, بل هي من شؤون الولاية التشريعية المجعولة للنبي والأئمة علیهم السلام , وهذا المنصب مجعولٌ من الله تعالى لأنَّهم منصوبون لتبليغ الأحكام عن الله عَزَّ وَجَلَّ بلا واسطة في النبي صلی الله علیه و آله و سلم ومع وساطته صلی الله علیه و آله و سلم في الأئمة علیهم السلام , وكذا العلماء, فهم خلفاء للإمام علیه السلام ونواب له في هذا المقام, فما داموا موصوفين بهذا العنوان وواجدين لهذا المنصب فلهم حقّ الولاية على القاصرين مثلاً.

هذا ما ذكر في حقّ الولاية للحاكم من الحكمة والمصلحة.وأمّا سائر الحقوق كحقّ الخيار وحقّ الشفعة؛ فإنَّ الحكمة في جعلهما هي مصلحة الإرفاق بالبايع أو بالمشتري أو بهما معاً, مِمّا اقتضى جعل السلطنة لهما على فسخ البيع أو إمضائه؛ رعايةً لذي الحقّ لا لمن عليه الحقّ؛ فله إسقاطه.

وكذا الشفعة؛ فإنَّ تضرّر الشريك ببيع حصة شريكه مِمَّن لا يلائمه أحياناً أوجب جعل حقّ الملك من المشتري بالعوض كما ورد في بعض الروايات.

هذا كلُّه وجه الحكمة في إسقاط الحقّ.

وأمّا النقل؛ فإنَّ الحقَّ وإنْ أُخذ في موضوعه عنوان من العناوين؛ فإنْ استفيد من القرائن أنَّه من العنوان المقوِّم -كما في حقّ الشفعة- فإنَّ من يتضرر أحياناً هو الشريك دون غيره, فلا معنى لنقله إلى غيره.

وكذلك في حقِّ الرهانة؛ فإنَّ كون العين وثيقة لغير الدائن غيرُ معقولٍ, فنقله غيرُ معقول إلا بتبع نقل دَينه إلى غيره فينقل حقّ الرهانة تبعاً, وهذا بخلاف حقّ التحجير فإنَّه ليس فيه شيء من هذه الموانع.

ص: 222

وأمّا الإنتقال بالإرث؛ فإنَّ قيام الوارث مقام مُوَرثه في أخذه بالشفعة أو أخذه بالخيار أو أولويته بالأرض؛ فإنَّ ذلك أمر معقول بحدِّ نفسه, بخلاف حقّ القسم في الزوجات؛ فإنَّ نقله من زوجة إلى زوجة صحيح؛ لاتّصاف الزوج بذلك العنوان وصحة استفادته من الحقّ دون انتقاله بالإرث, فإنَّ حقّها أنْ يكون لها قسمة ما دامت حية, والوارث لا يمكن أنْ يقوم مقام الزوجة من هذا الحقّ, ولا يعقل إستفادته منه.

إلى غير ذلك من الوجوه والمناسبات والمصالح المتصورة في باب الحقّ, ومن أجلها لا يعقل شيء من الإسقاط والنقل والإنتقال في بعضها, ويعقل السقوط دون غيره في بعضها الآخر, ويعقل النقل دون الإنتقال في ثالث, ويعقل النقل والإنتقال معاً في رابع, ويعقل الإنتقال دون النقل في خامس, فلا بُدَّ من ملاحظة الوجوه والمصالح والمناسبات.

3- الرجوع إلى دليل كلّ حقّ وما يحتفّ به من القرائن والملابسات, وإذا اعتبرنا أنَّ الحقَّ من الأمور الإعتبارية؛ فإنَّ اعتبار المعتبر الذي يعدّ من العقلاء الحكماء لا بُدَّ له أنْ يلاحظ الخصوصيات والمصالح في تأسيسِ الحقّ, وألا يكون ناقصاً في اعتباره, ولا عبرة به حينئذٍ.

والصحيح من هذه الوجوه هو الوجه الأخير؛ فنرجع إلى الدليل إنْ كان للحقِّ دليلاً شرعياً, وإلى وجه الإعتبار إنْ قلنا بأنَّ الحقَّ من الأمور الإعتبارية, وأمّا إلتماس الحِكَم والمصالح وغير ذلك فإنَّه أشبه بالأخذ بالرأي والمصالح المرسلة التي ورد النهي عنها في الفقه الإمامي.

ص: 223

القاعدة في قابلية الحقّ للنقل والإنتقال والإسقاط

لا ريب في أنَّه إذا علمنا من الدليل والقرائن المحتفّة به خصوصية الحقّ من حيث النقل والإنتقال والإسقاط, فلا إشكال حينئذٍ من ناحية الحكم المترتب عليه, وأمّا إذا لم يمكن لنا إستفادة شيء من ذلك من دليل الحقّ فهل يمكن لنا تأسيس قاعدة نعتمد عليها في نفي تلك أو إثباتها؟.

تارةً يكون منشأ الشكّ إحتمال كونه حكماً, فلا مناص من الرجوع إلى الأصول دون العموم, لأنَّ موضوعه الحقّ, وهو مورد الشكّ, فلا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

وأخرى يكون منشأ الشكّ احتمال كونه غير قابل للإسقاط والنقل والإنتقال مع القطع بكونه حقَّاً -كحقِّ الولاية-, ففي هذه الحالة ذهب الفقهاء إلى أنَّ كلَّ حقٍّ قابل للإسقاط والنقل إلا ما خرج بالدليل, بخلاف الحكم؛ حيث قالوا بأنَّه لا يقبل الإسقاط والنقل مطلقاً؛ لعدم كونه تحت اختيار المكلف إجماعاً, واستدلوا عليه بما يلي:

1- السيرة العقلائية القائمة على ذلك.

2- إرسال الفقهاء له إرسال المسلّمات.

3- إنَّ من مقومات الحقّ النقل والإنتقال والإسقاط إلا ما خرج بالدليل.

4- الرجوع إلى إطلاق الدليل الذي نثبت به الحقّ, وليس ذلك من التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية؛ لأنَّه مع إحراز كونه حقَّاً والقابلية عرفاً يصحّ التمسك بإطلاق الدليل.

5- الرجوع إلى إطلاق دليل الصلح لنفوذ الصلح على سقوط الحقّ ونقله, وعموم أدلة الإرث لانتقاله, ولذا قال المحقق الإصفهاني قدس سره: (والإنصاف أنَّه لم يظهر لنا موردٌ يُقطع بكونه حقَّاً, ويشكّ في قبوله للإسقاط)(1).

ص: 224


1- رسالة في تحقيق الحق والحكم؛ ص51.

هذا كلُّه بناءً على الحقّ بالمعنى المعروف فقهياً.

وأمّا بناءً على ما قوَّيناه من أنَّ الحقوق إعتبارات خاصة في موارد مخصوصة, كاعتبار الولاية في مورد حقّ الولاية, واعتبار الرهانة والوثيقة في حقّ الرهانة, فإنَّ الأمر فيه سهلٌ كما تقدم بيانه.

قال السيد الوالد قدس سره: (ويمكن أنْ يكون نفس الحقّ غير قابل للنقل والإنتقال والإسقاط, ولكن باعتبار متعلقه يقبل ذلك كله ..... وأمّا لو شكّ في شيء أنَّه حكمٌ أو حقٌّ أو كان شيئاً ذا جهتين؛ فمقتضى الأصل عدم سقوطه بعد ثبوته وعدم تحقق النقل والإنتقال بالنسبة إليه, ولا يصحّ التمسك بالعمومات والإطلاقات لكونهمن التمسك بالدليل في الموضوع المشتبه. نعم؛ لو علم قابليته للنقل والإنتقال والإسقاط عرفاً وشكّ في ذلك شرعا, فتشمله العمومات والاطلاقات لتنزلها على العرفيات, والموضوع محرز حينئذٍ)(1).

المبحث الرابع: أنواع الحقّ

الحقّ بمعناه الأعم له نوعان في الشريعة الإسلامية:

1- حقّ الله: وهو يتمثل في طاعة الإنسان لله تعالى ويتحقق بامتثال أوامره ونواهيه عَزَّ وَجَلَّ, وهو الذي يعرف بالعبادة بالمعنى العام. كما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(2), وفي الحديث عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنه قال: (إنَّ حَقَّ الله عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) (3).

ص: 225


1- مهذب الأحكام؛ ج16 ص206.
2- سورة الذاريات؛ الآية 56.
3- عوالي اللئالي؛ ج1 ص445.

2- حقّ العباد: ويتمثل فيما أعدَّه الله تعالى لعباده في دار الدنيا من إنزال الدين الذي به تنظيم حياتهم بما يحقق لهم المصلحة ويدرأ عنهم المفسدة, وفي الآخرة فيما أعدَّه تعالى من الجزاء لمن أطاعه بالجنة ونعيمها الدائم.

قال السيد في (البلغة): (ثم الحقّ قد يضاف إليه تعالى فيكون متعلقه ما سواه من الممكن وسلطنته عليه من أتم مراتب السلطنة واكملها, لأنَّه سلطنة عليه بالإيجاد, والربوبية ضرورة افتقار الممكن في تحققه إلى الواجب لعدم الاستقلالية له في الوجود.

ومن فروع هذه السلطنة وحقّه على الممكن أنْ يُعبَد ويُوحَّد.

ومن رشحاتها: ولاية النبي صلی الله علیه و آله و سلم على المؤمنين, وهي وإنْ لم تكن من سنخ سلطنة الله تعالى إلا أنَّها سلطنة عنه تعالى بالإستخلاف.

وولاية خلفائه الطاهرين, ونوابهم المجتهدين؛ فهي في طول سلطنة الله على خلقه. ولذا كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم خليفته في أرضه, والأئمة خلفاءه في أمته, والعلماء نوابهم في شيعتهم, وهي أقوى وأشدّ وأولى وأكمل من سلطنة الإنسان على نفسه مع كونها في غاية الشدة والكمال, لأنَّ منشأ انتزاعها كون الشيء نفسه.

وإلى السلطنتين وأكملية الأولى من الثانية أشار النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم في قوله المعروف: (أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟!)(1), ثم جعلها بعد الإعتراف منهم توطئة لبيان ولاية الإمام علي علیه السلام فقال: (مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ), فولايته على الأمة التي هي بمعنى الأمر بالتصرف مشتقة من أولوية النبي صلی الله علیه و آله و سلم المشتقة من سلطنته تعالى على خلقه)(2).

ص: 226


1- بحار الأنوار (ط. بيروت)؛ ج97 ص363.
2- بلغة الفقيه؛ ج1 ص15-16.

والحاصل؛ إنَّ حقَّ الله تعالى على العباد طاعته وامتثال أحكامه المقدسة, ولذا قيل: (حقّ الله؛ جميع أوامره الدالَّة على طاعته), بل قيل: (هو نفس طاعته).

والفرق بين حقّ الله وحقّ العبد؛ إنَّ كلَّ ما للعبد إسقاطه فحقّه, وما ليس له فحقّ الله.

ويظهر منه أنَّ ما لا يسقط ليس من حقوق العبد, وإنَّه من حقوق الله التي هي عبارة عن الحكم؛ كتحريم الربا أو تحريم الغرر.

ومن الفروق أنَّه إذا اجتمع حقّ الله وحقّ العبد؛ فإنَّ الأول يسقط بالتوبة والثاني لا يسقط إلا برضا ذي الحقّ.

وكما أنَّ مصدر حقّ الله تعالى هو الدين, قال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)(1), وهو مِمّا ثبت بالضرورة الدينية, وعليه أجمعت كلمة الأمة الإسلامية, وتقتضيه البديهة العقلية.

هذا ما يتعلق بنظرية الحقّ في الفقه الإسلامي -لا سيما الفقه الإمامي-, وعليه ينتظم أحد عناصر الإقتصاد الإسلامي.

المبحث الخامس: الحقّ في الإقتصاد العالمي المعاصر

ذكرنا ما يتعلق بنظرية الحقّ في الفكر الإسلامي -ولا سيما الفقه الإمامي- وتبين أنَّ الحقَّ عندهم له وظيفة مزدوجة:

إحداهما: الدور المادي الذي يتعلق بالمعاملات المالية وتنظيمها, ورفع ما يحصل منها من المصادمات.

ثانيهما: الوظيفة الأخلاقية التي تنمي روح التعاون بين الأفراد, والإيثار والتضحية والتحلي بالأخلاق في اكتساب المال وإجراء المعاملات وتنظيم العقود.

ص: 227


1- سورة الأنعام؛ الآية 57.

ومن أجل ذلك أصبح للحق في الإقتصاد الإسلامي أهمية قصوى من الجانبين؛ المادي والمعنوي.

وأمّا الحقّ في الإقتصاد العالمي المعاصر فقد اقتُصر فيه على الجانب المادي الصرف, فصار الحقّ من أهم مصادر اكتساب المال وتثبيت دعائم الإقتصاد الحرّ والإقتصاد الإشتراكي, فلم يدعا مجالاً للجانب المعنوي في الحقوق مطلقاً.

وقد تقدم أنَّهم أدرجوا جملة من الحقوق في عنوان الملكية وجعلوها من مصادر الملك, ومن هنا تميَّز الحقّ في الإقتصاد العالمي المعاصر عن الحقّ في الإقتصاد الإسلامي؛ حيث اقتصر دوره في الأول على كسب المال فقط, بينما كان دوره في الأخير في الأخلاق والمال والتنظيم والتنسيق واضحاً. وسيأتي توضيح ذلك في البحوث الآتية إنْ شاء الله تعالى.

ص: 228

المصطلح السادس

اشارة

المال

والبحث يقع في تعريفه اللغوي, والتعريف العلمي في الفقه والقانون والإقتصاد, ودوره في الإقتصاد, وتحقيق الكلام فيه من جهات:

الجهة الأولى: التعريف اللغوي

عرَّف علماء اللغة المالَ بعدة تعريفات؛ يرجع أغلبها إلى سعة دائرة متعلقه وضيقها, وإلا فإنَّ معناه معروف, وهو يُذكَّر ويُؤنَّث, قال ابن منظور في لسان العرب: (المال معروفٌ: ما ملكته من جميع الأشياء ..... والجمع أموال)(1).

وقال ابن الأثير: (المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة, ثم أطلق على ما يُقتنى ويُملك من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل لأنَّها كانت أكثر أموالهم)(2).

وقريب منهما أغلب تعاريف اللغويين. قالوا: (المال: ما يُملك من الأعيان, كالذهب والفضة والحيوان والدار والشجر).

وأكثر ما كان يراد بالمال عند أهل البادية الإبل, يقول القائل منهم: خرجت إلى مالي, يريد إبله.

وكان الحضري يقول : (خرجت إلى مالٍ لي بالطائف, يريد ضيعته. وجمع المال أموال ).

وفي المغرّب: (المال: كلّ ما يمتلك الناس من دراهم أو دنانير أو ذهب أو فضة أو حنطة أو شعير أو خبز, أو حيوان أو ثياب أو سلاح أو غير ذلك )(3).

وغير ذلك من أقوال أهل اللغة وإنْ اختلفت بين سعة دائرة متعلق المال وضيقها؛ كما عرفت.

ص: 229


1- لسان العرب؛ ج11 ص635.
2- النهاية في غريب الحديث والأثر؛ ج4 ص373.
3- المغرّب؛ ج2 ص228.

فيكون الأصل في هذه المادة: هو مطلق ما يملكه الإنسان.

والفرق بين المال والملك: إنَّ الملك يلاحظ فيه عنوان التسلط واستقرار شيء تحت يده, بخلاف المال فهو ما يكون له في نفسه قيمة تتعلق بشخص.

وعلى هذا يتعلق البيع والشراء والهبة والإنفاق والتصرف والتزين ورفع الحوائج والفقر والإبتلاء والكسب والشركة وغيرها بالمال. وقد ورد لفظ المال في القرآن الكريم في عدة موارد, قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(1).

وقال تعالى: (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(2).

والذي نستفيده من تلك التعريفات اللغوية:

أ- إنَّ كلمة المال -في البدء- إنَّما كانت للنقدين؛ الذهب والفضة, ثم صارت تطلق على النقد والعين.

ب- غالب استعمال كلمة المال في الأعيان التي تعدّ ثروة ومورداً لتنمية المال, كالإبل عند أهل البوادي, والضِياع عند أهل الحواضر.

ج- إعتبار التملك أو قابلية أنْ يملك عنصراً مقوماً لحقيقة المال.

وحينئذٍ يمكن استنتاج أنَّ المال لغةً: هو ما يملك من النقد والأعيان.

بل يمكن أنْ نقول بأنَّ المال هو ما يملك من الأعيان مطلقاً, لأنَّ مفهوم العين يشمل النقود باعتبار أنَّ من معاني كلمة العين النقد كما قال الطريحي في مجمع البحرين: (العين ما ضرب من الدنانير, ويجمع على أعيان)(3).

ص: 230


1- سورة الكهف؛ الآية 46.
2- سورة التوبة؛ الآية 55.
3- مجمع البحرين؛ ج6 ص287.

الجهة الثانية: تعريف المال في الفقه الإسلامي

اشارة

ورد في مجلة الأحكام العدلية: ( المال ما يميل إليه طبع الإنسان, ويمكن ادخاره إلى وقت الحاجة )(1).

وفي كتاب القاموس الفقهي: ( المال ما يميل إليه الطبع, ويجري فيه البذل والمنع)(2).

وفي كتاب المال المثلي والمال القيمي في الفقه الإسلامي قال: (المال في نظر فقهاء المذهب الحنفي: كل عين ذات قيمة مادية بين الناس)(3).

وقال الشيخ كاشف الغطاء في تحرير المجلة: (إنَّ مدار العقود والمعاملات على الأموال, وليس للمال حقيقة عينية خارجية كسائر الأعيان تتمحض في المالية تمحض سائر الأنواع في حقائقها النوعية, وإنَّما هو حقيقة اعتبارية ينتزعهاالعقلاء من الموجودات الخارجية التي تتقوم بها معايشهم وتسدّ بها حاجاتهم الضرورية والكمالية, فمثلاً الحبوب والأطعمة مال؛ لأنَّ البشر محتاج إليها في أقواته وحياته, وهكذا؛ كلُّ ما كان مثل ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها قد انتزع العقلاء منها معنىً وصفياً عرضياً يعبر عنه بالمال)(4).

وقال في معجم لغة الفقهاء: (المال: إسم لجميع ما يملكه الإنسان, وأصله ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره, كالنقد وما يمكن أنْ يقوم مقامه).

وغير ذلك من الأقوال التي تتشابه في تعريف المال وبيان مقوماته.

ص: 231


1- تحرير المجلة؛ ج1؛ القسم الأول؛ ص128
2- القاموس الفقهي لغةً واصطلاحاً؛ ص344.
3- المال المثلي والمال القيمي في الفقه الإسلامي؛ ص25.
4- تحرير المجلة؛ ج1 ؛ القسم الأول؛ ص8.

مقومات المال

وقد وردت في مجموع تعريفات العلماء, وهي:

الأول: ميل الطبع إلى الشيء.

الثاني: إمكانية ادّخاره.

الثالث: جريان البذل والمنع فيه.

الرابع: أنْ يكون المال شيئاً مادياً وله وجود خارجي.

الخامس: أنْ يعتاد الناس كلّهم أو بعضهم تموّله وصيانته, بحيث يجري فيه بذل ومنع, فما لا يجري فيه ذلك بين الناس لا يعتبر مالاً ولو كان عيناً مادية, كالإنسان الحرّ وحبة القمح وكسرة الخبز وحفنة التراب والجيفة.

السادس: أنْ يكون للشيء منفعة متوفرة موصوفة بوصفين:

1- أنْ تكون مقصودة عند العرف, أي معتبرة عندهم ومطلوبة من قبلهم.

2- أنْ تكون محلّلة شرعاً, أي غير ملغىً اعتبارُ ماليتِها من قبل المشرع الإسلامي.

السابع: أنْ تتوفر في الشيء جهة توجب تنافس العقلاء فيه.

وإذا أردنا تلخيص تلك المقومات بحيث ندرج بعضها تحت عنوان البعض الآخر وتحت إطار مبدأ الحلال والحرام الشرعيين نقول: إنَّ من اعتبر في المالية الميل إلى الشيء بحسب طبع الإنسان, فإنَّه يريد بالطبع الجبلّة التي فطر الإنسان عليها.

والميل إلى الشيء يعني حبّ ذلك الشيء والإنحياز إليه.

ولا أشكال في أن ميل الطبع -إرادياً كان أو غير إرادي- لا يصدر من الإنسان شعوراً أو سلوكاً إلا إذا واجه سبباً مثيراً أو عاملاً حافزاً, وهو في المقام ليس إلا وجود ما يشبع حاجة الإنسان أو يلبّي رغبته في ذلك الشيء.

ص: 232

وعلى ذلك يصحُّ تفسير ما ورد في كلماتهم من العرف أو تقدير وجود المنفعة في الشيء في نظر العرف, أو وجود جهة في الشيء توجب تنافس العقلاء, فإنَّهاترجع إلى صلاحية الشيء لقضاء الحاجة وإجابة الرغبة, فتكون جميع تلك المذكورات ترجع إلى صلاحية الشيء لتلبية الرغبة أو إشباع الحاجة, فيكون هو العنصر الأول.

وأمّا ما ورد في عباراتهم من إمكانية الإدّخار وجريان البذل والمنع فإنَّه يمكن إرجاعهما إلى ما يتوفر عليه الشيء المتمول من قيمةٍ ماليةٍ, لأنَّ الإدّخار إنَّما هو للإحتفاظ بسبب وجدان هذه القيمة المالية في الشيء, وكذلك البذل فيه لصيانته والمنع له, أي حمايته؛ إنَّما هو بسبب تلك القيمة المالية.

ويُحمل على هذا أيضاً اشتراط كون الشيء نادراً, فإنَّما هو من أجل الإحتفاظ بقيمته المالية, وعلى ضوء ذلك يصحّ لنا التعبير عن جميع ذلك بالاحتفاظ بالقيمة المالية للشيء.

وأمّا ما ذكره بعضهم من اعتبار عنصر العينية فإنَّه يرجع إلى اشتراط كون الشيء المتمول لا بُدَّ أنْ يكون من الأعيان -نقوداً أو غيرها- وهو الرأي المشهور, وهي مسألة خلافية سيأتي التعرض لها عند ذكر مفردات المال.

وبعد هذه المقارنة يتَّضح أنَّ مقومات المالية هي عنصران:

1- صلاحية الشيء لتلبية رغبات الإنسان أو إشباع حاجاته.

2- قابلية الشيء للاحتفاظ بقيمته المالية.

وحينئذٍ نقول في تعريف المال: إنَّه كلَّ شيء فيه الصلاحية لتلبية رغبة الإنسان أو إشباع حاجته وقابليته للاحتفاظ بقيمته المالية.

ولكن الذي يحدّد هذين العنصرين ويحكم بتوفّرهما في الشيء ليكون مالاً إنَّما هو العرف, ومن المعلوم أنَّ العرف يختلف باختلاف الأمصار والأعصار, وعليه؛ قالوا بأنَّ ما يعدّه

ص: 233

العرف مالاً فهو المال كما أشار إليه الفيومي: (فقول الفقهاء: ما يتمول, أي ما يعدّ مالاً في العرف)(1).

لكن ذلك إنَّما يتمّ على ضوء حكم الشرع المبين, لأنَّنا نعلم بالضرورة أنَّ المشرع الإسلامي أهدر وألغى مالية بعض الأشياء؛ كالخمر وأمثالها, فلا بُدَّ من إضافة عبارة (تحليل الشرع) إلى ما ذكرناه.

فيكون حاصل ما ذكرناه أنَّ مقومات المالية هي:

1- إعتبار العرف بكون الشيء المتمول مِمّا يصلح لتلبية الرغبات والاحتفاظ بالقيمة المالية.

2- تحليل الشرع؛ بأنْ يصحّ تملّكه شرعاً؛ بلا فرق بين أنْ يكون الشيء يصلح تملكّه عيناً أو نقداً أو انتفاعاً أو ارتفاقاً أو ديَناً أو حقاً, والتي اصطلح عليها بمفردات المال كما سيأتي بيانها إنْ شاء الله تعالى.وعلى ضوء ما تقدم يمكن تفسير ما ورد في عبارة بعض علماء الإقتصاد؛ يقول الدكتور عزمي رجب: (وهم(2) لا يعتبرون المال إقتصادياً إلا إذا اقترن بميزتين اثنتين:

الأولى: أنْ يكون نادراً. أي أنْ تكون كميته محدودة بالنسبة إلى طلب الناس له, ومن هنا كان لزاماً على طالبه أنْ يقدم ثمناً للحصول عليه.

الثانية: أنْ يكون صالحاً ولو في نظر راغبه لقضاء حاجة ما أو تلبية رغبة لديه.

فالأموال الإقتصادية تكون أموالاً نادرةً نسبياً وهي تشمل الأشياء المادية من منتجات وأدوات وبضائع مختلفة -وهي المعبر عنها في لغة الإقتصاد بكلمة (السلع)-, والأشياء

ص: 234


1- المصباح المنير؛ ج2 ص586.
2- أي: الإقتصاديون.

غير المادية أو المعنوية المعروفة باصطلاح (الخدمات), وهي(1) تلك الأعمال التي يقدمها الأشخاص مباشرة كأصحاب المهن الحرة أو المؤسسات الخاصة والعامة كالمصارف وشركات السفر والإدارات الحكومية.

أمّا الأشياء والأموال المتوفرة بغزارة في الطبيعة والتي لا يوجب الحصول عليها بذل أي ثمن كالهواء ونور الشمس والماء في منابعه أو في الأنهار وما شابه ذلك, فهي ليست من الأموال الإقتصادية بناءً على المفهوم المتقدم.

ويمكن تلخيص عبارة المال الإقتصادي -إذن- بأنَّه: المال الذي يحقق رغبة أو يقضي حاجة, والذي يكون نادراً, بمعنى: لا يكون الحصول عليه إلا مقابل عمل أو ثمن معين.

والحاجة: هي شعور شخصي بالرغبة في الحصول على شيء معين.

والحاجة الإقتصادية أوسع نطاقاً منها في اللغة الجارية, فهي لا تقتصر على الأشياء الضرورية أو الملحَّة كالمأكل والمشرب والملبس أو ما شابه ذلك, ولكنها تتعداها إلى كل ما يطيب للإنسان أن يتمنى أو يطلب, سواء كان الشيء المطلوب مادياً أم معنوياً, نافعاً أم ضاراً.

والرغبة: هي شعور شخصي بالميل للحصول على شيء من الأشياء, وتختلف حدَّةً باختلاف مدى أهمية هذا الشيء في نظر صاحب الرغبة)(2).

ص: 235


1- الخدمات.
2- الإقتصاد السياسي؛ ص28 وما بعدها (ط.8).

الجهة الثالثة: المال في القانون

يختلف تعريف القانون للمال عن التعريف الفقهي له.

فقد ورد أنَّ المال هو الحق ذو القيمة المالية(1).ويقول الدكتور السنهوري: (المال في نظر القانون يتكون من حقوق, والحقّ في المعاملات (المالية) مصلحة ذات قيمة مالية يقرها القانون للفرد, وهو إمّا حقٌّ عيني أو حقٌّ شخصي؛ والحقّ الشخصي: هو رابطة بين شخصين؛ دائن ومدين؛ يخوّل الدائن بمقتضاها مطالبة المدين بإعطاء شيء أو بالقيام بعمل أو بالامتناع عن عمل.

والحق العيني: هو سلطة معينة يعطيها القانون لشخص معين على شيء معين )(2).

وعلى ما ذكره يكون الشيء الذي يعتبر مالاً في نظر الفقه هو محلّ ذلك الحقّ, أي: هو ما يتعلق به ذلك الحقّ الذي هو المال.

فيكون الفرق بين الرأي الفقهي والرأي القانوني هو: إنَّ المالية في الرأي الفقهي صفة للشيء, أي أنَّها قيمة اعتبارية للشيء, سواء تعلق به حقّ الإنسان أم لم يتعلق به, أي: الوصف بحال الذات.

بينما تكون المالية في القانون تعني نفس الحقّ الذي يتعلّق بذلك الشيء ذي القيمة المالية, أي: الوصف بحال المتعلق.

فيكون الفرق بين الرأيين: إنَّ المالية فقهياً هي الشيء الذي يتعلق به الحقّ, وقانونياً هي الحقّ المتعلق بالشيء.

وقد ذكر بعض المؤلفين المحدثين أنَّه يمكن أنْ يكون أساس الفرق يرجع إلى أصل كلمة (مال)؛ فهل هي من الميل, أي ميل الطبع إلى الشيء المرغوب فيه؟.

ص: 236


1- المبادئ القانونية؛ ص254.
2- الوسيط؛ ج1 ص103.

أم هي من (ما لي) و(ما لك) و(ما له) المؤلفة من (ما) الموصولة واللام الجارة والضمير المجرور الذي حذف بسبب كثرة الإستعمال للتخفيف, وأصبحت الجملة أو شبه الجملة بعد الحذف إسماً, أي: مفرداً:

فعلى الأول؛ هو الشيء الذي يصلح لتعلق الحقّ به.

وعلى الثاني؛ هو الحقّ الذي يتعلق بالشيء.

والصحيح أنْ يقال: إنَّ المعنيين متلازمان, فإنَّه إذا ثبت كون الشيء له مالية عرفاً ثبت بالملازمة الحقّ لصاحبه, وبما أنَّ القانون يلاحظ الحقوق كثيراً عبَّروا عن المالية بأنَّها الحقّ, بخلاف الفقه؛ فإنَّ نظره إلى الأشياء.

والتعبير الثاني أوجه؛ فإنَّه ليس في كلِّ مورد تثبت فيه المالية حقاً, فإنَّه ربَّما لا يكون الحقّ مالاً بنظر العرف. ولا وجه لإثبات حقّ المالية وغير ذلك من المناقشات التي سيأتي بيانها إنْ شاء الله تعالى.

الجهة الرابعة: دور المال في الإقتصاد

اشارة

سيكون البحث هنا بالأمور التالية:

1- مفردات المال أو الثروات.

2- مؤسسات المال.

3- تشريعات المال.

4- النظريات العلمية في دراسة المال؛ إستقرار الأسعار, التشغيل الكامل والنمو.

وسيأتي البحث في كل واحد منها إنْ شاء الله تعالى.

ص: 237

تقسيم المال

على ضوء ما ذكرناه في تعريف المال فقهياً وعناصره فقد قسّم بعض فقهائنا المال إبتداءً إلى نحوين:

* النحو الأول: ما كانت ماليته ذاتية؛ وهو كل ما يحتاجه الإنسان بحسب فطرته الأولية من المأكول والمشروب والملبوس وما شاكل ذلك.

وهذا النوع من المال لا تتوقف ماليته على جعل جاعل يتنافس العقلاء عليه, وإنْ لم يكن في البين جعل (أي: إعتبارٌ) من أحدٍ أو جهة.

ويلحق بما ذكر من المأكول والمشروب والملبوس ما كان كالحديد والخشب وما شابه.

* النحو الثاني: ما كانت ماليته بالجعل (أي بالإعتبار)؛ وهو على قسمين:

القسم الأول: ما كان فيه الجعل (الإعتبار).

يشترك فيه جميع البشر باختلاف عصورهم وبيئاتهم بدافع من الشعور بالحاجة الجماعية لمثله. وهذا يتصور في الأحجار الكريمة كالماس, والمعادن غالية الثمن كالذهب والفضة, وغيرها.

القسم الثاني: ما كان اعتباره خاصاً.

وهذا تارةً يكون اعتباره من قبل دولة أو بنك ليقوم مقام القسم الأول, كالأوراق النقدية -مثلاً-, وكثيراً ما حصلت لها تغطية مِمّا له قيمة ذاتية أو مجعولة بالجعل العام ليعمّ اعتبارها, كما هو الشأن في الدينار العراقي مثلاً.

وأخرى: ما يكون اعتباره بالنظر لما يترتب عليه من الآثار الخاصة, كطوابع البريد وتذاكر القطارات, وبطاقات اليانصيب وتذاكر مصلحة نقل الركاب (النقل الجماعي) وغيرها مِمّا كانت الورقة فيه فاقدة للاعتبار المالي لو تجردت عن الآثار الخاصة المترتبة عليها من قبل الدولة أو البنك.

ص: 238

فإنَّ ورقة الطابع -مثلاً- لا قيمة لها لو لم تتعهد الحكومة في قبالها بأنْ توصل الرسالة أو الرزمة إلى أيِّ محلٍّ شاء المرسِل مقابل هذا الطابع.

وكذا الطوابع المالية؛ فإنَّ السند الذي يحمل هذه الورقة يعتبر ذا أهمية في نظر الدولة والعرف, وهكذا الحال في بقية ما كان من هذا القبيل.

وهذه الآثار معتبرة توجب أنْ يتنافس عليها العقلاء فيبذلون بإزائها الأموال.ومن الطبيعي أنَّ قوام مالية الشيء -كما ذكرناه- أنْ يكون موضوعاً لغرض يبعث على تنافس العقلاء فيه.

وقد عرفت أنَّ هذا التنافس منوط بهذا الأمر الذي رُتّب عليها, وإلا فلا قيمة لتلك الأوراق لو خُليت ونفسها مجردة عن تلك الآثار.

والفرق بين هذين النحوين من القسم الثاني هو: إنَّ مالية ما كان على شاكلة طوابع البريد -مثلاً- إنَّما كانت بالإعتبار للأثر المترتب عليها, وهي في الوقت نفسه غير معتبرة من جانب العقلاء مالاً, بل هي ورقة يترتب عليها أثر خاص في نطاق اعتبار جعلها.

وأمّا مالية النحو الأول -كالدينار مثلاً-؛ فإنَّ هذه الورقة قد أصبحت بالفعل بواسطة الجعل والإعتبار لا فرق بينها وبين المعادن والأحجار الكريمة, بل قد يرجح العقلاء في كثير من الموارد الأوراق على النقدين ويفضلونها على المعادن وما شاكلها, لأنَّ الأوراق أخفّ للنقل والتعامل به من الذهب والفضة وغيرها.

والصحيح أنْ نقول بأنَّ المالية من العناوين الإعتبارية التي يعتبرها العقلاء عند توفر أسبابها ومقتضياتها, ولا شكَّ أنَّ المعتبِر يلاحظ تلك العناصر التي تقدم ذكرها فيكون المال كل شيء يمكن استخدامه وله قيمة قانونية ومادية لدى الناس سواء كانوا عامتهم أم طائفة معينة أم جهة خاصة.

ص: 239

وبعبارة أخرى: إنَّ أيَّ شيء يمكن اعتباره مالاً من النظرة الفقهية أو القانونية يعدّ ذا قيمة وقابلاً للامتلاك؛ بشرط أنْ يكون ذا استخدام مشروع, فيشمل السلع جميعها حتى النقود غير المغطاة بشرط عدم إلغائها, لأنَّها تفيد كوسيط صرف أو كمعيار تقاس به قيمة السلع الأخرى. فهل يشمل تلك الحقوق غير الملموسة مثل العلامات التجارية, والملكية الفكرية؟. وهذا ما سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى.

مفردات المال

اشارة

والمراد بها الأشياء القابلة للتمول على ضوء ما تقدم بيانه في تعريف المال ومقوماته في الفقه الإسلامي. وبعض الفقهاء يعبرون عنها ب-(تقسيمات المال وأنواعه), فكان لهم تقسيم قديم ثم أضيف إليه تقسيمٌ جديد تبعاً لتطور الإقتصاد وتقدم الحياة.

ولكننا اتَّخذنا جانب التعداد باعتبار قابلية المتعلق للتمول, ولا مشاحة في الإصطلاح. فنقول: إنَّ الأشياء القابلة للتمول بحسب طبيعتها هي المفردات التالية:

1- الأعيان.

2- النقود.

3- المنافع.

4- القروض.

5- الحقوق.

وهناك أنواع أخرى وقع الخلاف فيها سيأتي التعرض لها إنْ شاء الله تعالى.

وتفصيل الكلام يستدعي ذكر كلّ واحد منها بحدِّ ذاته.

ص: 240

المصداق الأول: الأعيان

ولها إطلاقات ثلاثة:

1- المراد بالأعيان تلك الأشياء المادية ذات الوجود الخارجي في مقابل النقود التي هي أيضاً أشياء مادية لها وجود خارجي, إلا أنَّها اتَّصفت بصفة النقدية, ومن أجلها تميزت عن الأشياء المادية الأخرى التي هي الأعيان.

2- قد تطلق كلمة العين في اللغة العلمية؛ كلغة الفقه والقانون والإقتصاد على ما يعمّ الأشياء المادية مطلقاً؛ نقدية وغير نقدية, فيكون هذا الإطلاق شاملاً لجميع الماديات المنقولة وغير المنقولة.

وعليه؛ فيعم هذا الإطلاق الأرض والمواد الخام والمواد المصنعة والحيوان والنبات وما شابهها مِمّا يقبل التمول.

3- ما يختَّص بما ضرب من الدنانير والورق؛ ويسمى بالمال الصامت مقابل الحيوان الذي تسميه العرب بالمال الناطق.

وهذا الإطلاق كما ذكرنا سابقاً كان باعتبار طائفة معينة وفي عصر خاص.

ولكن الذي يعتمد عليه علمياً هو الإطلاق الثاني, والأول هو اصطلاح خاص في الفقه.

المصداق الثاني: النقود
اشارة

النقد معروفٌ عند الجميع, وفي جميع الأمم التي جعلت معياراً في تعيين الأعيان.

وقد ورد في المعجم اللغوي العربي بأنَّه: (العملة من الذهب أو الفضة أو غيرهما مِمّا يتعامل به)(1), والنقود كما هي المتداولة في عصرنا الحاضر قد مرَّت بمراحل متعددة وتطورت تطوراً هائلاً في الشكل والمضمون والقيمة.

ص: 241


1- القاموس الفقهي لغةً واصطلاحاً؛ ص385.

وليعلم إبتداءً أنَّ النقد هو مصطلح جديد, فلم تكن الوحدات النقدية القديمة معروفة باسم (النقد), أو إسم (العملة), وإنَّما كانت تعرف باسم (المال), فقد ورد في معجم مصطلحات الإقتصاد والمال وإدارة الأعمال: (عملة -مال-: تعني الكلمة في أصلها اللاتيني النقود المسكوكة في معبد (جوتومونيتا) الذي كان داراً لضرب النقود في الإمبراطورية الرومانية. ثم تطورت في استعمالها في غير اللغة العربية حتى أصبحت تعني -الآن- أي وسيلة أو واسطة متداولة للتبادل مقبولةعلى نطاق واسع كمعيار أو مقياس لقيمة الأشياء). والكلمة تشمل -بمعناها الضيق- النقود المعدنية أو الورقة التي تصدرها الحكومة. وهي تشمل -بمعناها الواسع- الأشياء التي يمكن قبولها لتسديد أثمان البضائع والخدمات والديون, كالشيكات والحوالات والكمبيالات.

وأمّا في اللغة العربية فقد ذكر جمعٌ من المؤرخين: (إنَّ النقود كانت جارية في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام, وهي التي كانت مسكوكة بسكّة ملوك الروم والفرُس, وكان أكثر ما ترد إليهم من الروم دنانير قيصرية, وأكثر ما ترد إليهم من الفرُس دراهم كسروية, وكانوا يطلقون على النقود الذهبية (العين) وعلى النقود الفضية (الورق))(1).

ثم تطور استعماها حتى أطلقت كلمة (النقد) إسماً للعملة؛ أخذاً من مهنة الصيرفة التي تقوم بنقد الدنانير والدراهم لتبيان خلوصها من شائبة الغش؛ وذلك باعتبار أنَّ عملية النقد تعني النقر, حيث ينقر الصيرفي العملة الذهبية أو الفضية لمعرفة سلامتها من الزيف, قال ابن منظور في لسان العرب: (التنقد والتنقاد؛ تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها)(2). ثم استعملت الكلمة إسماً للذهب والفضة المسكوكين, وبعد ذلك توسعوا في استعمالها فشملت جميع الوحدات النقدية؛ ذهباً كانت أو فضة أو غيرها.

ص: 242


1- تاريخ النقود الإسلامية (للسيد المازندراني)؛ ص33 (ط. 3).
2- لسان العرب؛ ج3 ص425.

وإذا راجعنا علم الإقتصاد في تعريف النقود نرى أنَّه يذكر وظائفها, ويجعلها من مبادئ التعريف, وذلك من أجل معروفيتها واستقرارها على الصيغة التي ذكرناها.

وظائف النقود

لا ريب في الدور المهم الذي يلعبه النقد في الإقتصاد العالمي المعاصر؛ مِمّا يجعل معرفة خصائصه ووظائفه ونتائجه من الأبحاث الأساسية للإقتصاد الحديث, بل يمكن القول بأنَّ اختراع النقد ووضع القوانين الخاصة به وما اتَّسم به من قبول عام كان من أهم العوامل التي أدَّت إلى ظهور الإقتصاد النقدي, فكانت الخدمات التي يقوم بها النقد منذ ظهوره من المميزات التي رجحته على غيره من اقتصاد المقايضة, وقد حافظ دائماً على هذه الخصوصية التي تعدّ نفعاً عاماً له.

ولعله من أجل عمومية نفعه ودوامه وانتشاره بين الأمم والمجتمعات ووضوح دوره في الإقتصاد لم يقدّم الإقتصاديون للنقد تعريفاً واضحاً ومقبولاً يعتمد على الأسس العلمية حتى الآن. إلا أنَّهم يذكرون وظائفه في تعريفه؛ ويمكن تقسيم وظائفه إلى نوعين:

الأول: الوظائف المالية.الثاني: الوظائف الإقتصادية.

أمّا الوظائف المالية؛ فهي عديدة كما ذكرها علماء الإقتصاد, وهي:

1- إنَّه وسيلة مبادلة.

2- إنَّه مقياس للقيمة.

3- إنَّه معيار لتحديد القيم.

4- إنَّه وسيلة لمستودع القيمة.

5- إنَّه وسيلة مبادلة تقبله العامة.

ص: 243

ولا يمكن لنا إنكار أَّن بعض الأموال يمكنها أنْ تؤدي جميع أو بعض وظائف النقد, ولكنها لم تصل إلى تلك الدرجة التي وصل إليها النقد, فإنَّ له من العظمة والأهمية في الإقتصاد بحيث يكون استعماله الصحيح يؤدي إلى انتعاش الإقتصاد العالمي, كما أنَّ النتائج السيئة التي تحصل لنظام نقد بلد معين إنَّما تكون بسبب عدم تطبيق النظام الدقيق؛ كالتضخم والبطالة والتوزيع غير العادل للدخل والثروة التي تظهر نتيجة الإغراق أو الندرة في عرض النقد.

وبعبارة أخرى: يكون ازدهار أو كساد النشاطات الإقتصادية في المجتمع تعبيراً عن نجاح أو فشل النظام النقدي, فيكون من أهم أهداف النظام النقدي تسهيل تبادل البضائع أو الخدمات وتفعيل هذه المعاملات؛ بحيث يتم اختصار الزمن والنفقات وسائر المشاكل المتعلقة بالتبادل.

النظرية النقدية

من أجل ما تقدم ذكره وغيره فقد ظهرت مفاهيم مهمة مثل: النظرية النقدية, والسياسة النقدية في عالم الإقتصاد. والتي يمكنها أنْ تحدد العلاقة بين المتغيرات الحادثة في طلب النقد والدخل النقدي من جهة, وتحليل كيفية الرقابة في عرض النقد في ظل الأهداف الإقتصادية العامة من جهة أخرى.

وهذه المفاهيم تتأثر في حدّ ذاتها بالنظام النقدي وفاعليته. وبما أنَّ النقد بمعناه العام إنَّما يقوم بتصديره البنك المركزي والمصارف التجارية والمؤسسات المالية, فمن أجل ذلك ينبغي التعرف على ماهية وكيفية عمل هذه المؤسسات في عرض ورقابة النقد.

وعلى أساس هذه التصورات الإقتصادية يسعى مسؤولو النقد في كلِّ بلد لتقديم تعريف عملي له, وبذلك اختلفت تعريفاتهم طبقاً لخصوصيات ذلك البلد, بل اختلاف هذه

ص: 244

التعريفات للنقد يعود إلى مستوى السيولة ودرجتها؛ ففي بلد مثل أمريكا التي تتمتع بسوق نقدية ومالية عالمية فإنَّ ذلك يرتبط مباشرة بماهية الأموال والممتلكات وسيولة متفاوتة, وإذا أردنا تحليل ما ذكروه في وظائف النقود ليتَّضح لنا الدور الكبير للنقود فنقول:

الأول: إعتبار النقود مقياساً لتقدير قيمة السلعة مقارنة بالسلع الأخرى.

فإذا أردنا -مثلاً- أنْ نعرف قيمة السكر بالنسبة إلى قيمة الرز, فإنَّنا نتوصل إلى ذلك عن طريق الوحدة النقدية, فإذا كان كيلو من السكر بعشرين ديناراً وكيلو من الرز بعشرة دنانير يكون الفرق بينهما الضعف, وهذا يعني أنَّ قيمة السكر ضعف قيمة الرز.

الثاني: إعتبار النقود وسيلة لتبادل السلع.

فإنَّ التبادل قبل اختراع النقود إنَّما كان عن طريق المقايضة التي تعنى مبادلة السلع بسلع أخرى مباشرة, أو مبادلة سلع بخدمات. ولكن المقايضة لا تخلو من صعوبات ذكرها علماء الإقتصاد منها: صعوبة توافر الرغبات المشتركة أو المتوافقة بين الأطراف المتبادِلة للسلع؛ لذا اختُرعت النقود وسيطاً لتبادل السلع.

الثالث: إعتبار النقود مستودعاً للقيمة.

وذلك بادّخارها لوقت الحاجة إليها, لأنَّ في النقود قابلية اختزان القيمة والمحافظة عليها. ومن المعلوم أنَّه منذ أنْ اهتدى الإنسان إلى استعمال النقد كان عليه أنْ يحتفظ برصيد من النقد لأغراض الإحتياط أو المدفوعات الآجلة, وإنْ كانت السلع الأخرى تقوم بهذه المهمة إلا أنَّها لا تخلو من عوائق؛ فإنَّ من السلع ما لا تحتمل التخزين لفترة طويلة, ومنها ما يتطلب إمكانات خاصة بسبب الحجم أو بسبب بنيتها الفيزيائية.

ص: 245

ومن أجل ذلك كان من أهم المعايير المعتمدة في اختيار السلعة لتكون نقداً مدى قابليتها لحفظ القيمة لأطول فترة ممكنة, ولهذا السبب حافظ الذهب والفضة على نقديتهما خلال أطول فترة في تاريخ النقد.

ولكن بعد انتشار العملات النقدية أصبحت هي المعول في الإحتفاظ بالثروة, ومع ذلك فقد كانت تتعرض للكساد والانقطاع ونقص القيمة الفظيع, فظلَّ الذهب والفضة النقدين اللذين يفيان هذا الغرض.

وبعد زوال قاعدة الذهب أصبحت وظيفة النقد كمخزن للقيمة محلّ شكّ وريبة, بل مورد تحفّظ كثير من الأفراد, وعلى العموم؛ فلم يكن أمامهم إلا أحد خيارين لحفظ ثروتهم؛

إمّا استعمال هذا النقد أو تحويله إلى أصول ذات سيولة منخفضة؛ مالية أو حقيقية.

وتقديم أحدهما على الآخر هو من أهم المشاكل الإقتصادية التي اختلفت آراء الإقتصاديين حولها, وتولدت عنها نظريات نقدية.

ومن الناحية العملية ومع تطور النشاط المالي والمصرفي فقد تم ابتكار عدة أدوات ادّخارية ذات عوائد ومزايا بقصد تشجيع الإدّخار النقدي, ومن أهمها وأكبرها فائدة إمكانية التسييل السريع, أي تستعمل كوسيط لتسوية المدفوعات, وأطلق عليها شبه النقد.وكيف كان؛ فإنَّه من أجل صيانة قيمة النقد, أو بالأحرى صيانة وظيفة النقد كمخزن للقيمة؛ تعتمد السلطات النقدية مجموعة من الأساليب والوسائل تسمى بالسياسة النقدية, كما أنَّ تحقيق الإئتمان يعني الثقة, فإنَّه يقع على عاتق الحكومات توفير كلّ الظروف النفسية والإجتماعية, فضلاً عن الظروف الإقتصادية؛ لدعم الثقة في هذا النقد الإئتماني, لأنَّ درجة الثقة هي أساس بناء التوقعات الإقتصادية, فخاصية النقدية في اقتصاد ما هي قضية تنظيم وقضية نظامية.

هذا ما يتعلق بالوظائف المالية للنقد.

ص: 246

وأمّا الوظائف الإقتصادية فهي تشمل:

1- النقد كأداة من أدوات السياسة النقدية.

2- النقد كعامل من عوامل الإنتاج.

وهما يرجعان إلى توظيف النقد للوظائف الأساس في الإقتصاد.

وعل ضوء ما ذكرناه يمكن الإستنتاج بأنَّ النقود لا تطلب لذاتها كسلعة يمكنها إشباع الحاجات الإنسانية والإستهلاكية والإنتاجية بصورة مباشرة, بل إنَّها تطلب لغرض استعمالها لتحقيق منفعة استهلاكية معينة, وتطلب أيضاً لتسهيل تبادل السلع والخدمات المختلفة في أثناء عمليات الإنتاج, أي أنَّ النقود يمكنها أنْ تلبي الحاجة الإنسانية الإستهلاكية والإنتاجية بصورة غير مباشرة؛ عن طريق استعمالها كوسيلة للحصول على السلع والخدمات الإستهلاكية الإنتاجية.

ومن جميع ذلك يمكن تعريف النقود بأنَّها: {كلُّ شيء يقبله الجميع قبولاً عاماً بحكم العرف أو القانون أو قيمة الشيء نفسه, ويكون قادراً على تأدية الوظائف المالية والإقتصادية المقررة}. لأنَّ الأهمية الحقيقية للنقود لا تقتصر على تأديتها لوظيفتها الأساس وسيطاً للتبادل فحسب, وإنَّما تظهر أهميتها أيضاً من خلال الوظائف الأساس والثانوية التي يمكن أنْ تقوم بها النقود في الحياة الإقتصادية. وغير خفي أنَّه يمكن إرجاع سبب قبول الأفراد للنقود قبولاً عاماً إلى أمرين أساسيين ينبعان من قيمتها السلعية, وقيمتها الإسمية؛ فإنَّ أصحاب المدرسة السلعية يرجعون سبب القبول إلى قبول النقد سلعة اقتصادية, وهذا هو الموافق مع الواقع التاريخي لتطور النقود من شكلها السلعي إلى شكلها الورقي.

وأمّا أصحاب المدرسة الإسمية أو الرمزية فيرجعون السبب في القبول العام للنقود إلى قوة القانون والأعراف, وهذا يمكن أنْ ينطبق على الصورة والحالة المعاصرة للنقود(1).

ص: 247


1- أنظر؛ إقتصادات النقود والمصارف (د. عبد المنعم السيد علي).
عدم كون النقد سلعة

ذكرنا أنَّ النقود عند الإقتصاديين لا تعتبر سلعة, بحيث تكون لذاتها بضاعة يمكنها إشباع الحاجات الإنسانية والإستهلاكية والإنتاجية بصورة مباشرة بل أنها تُطلبلغرض استعمالها لتحقيق منفعة استهلاكية معينة, أو تطلب لتسهيل تبادل السلع والخدمات المختلفة.

وإذا أردنا تحليل هذا الموضوع فقهياً نقول:

إنَّ كلَّ ما يصلح أنْ يكون سبباً في رفع حاجات الإنسان الإستهلاكية سواء كان بصورة مباشرة أم غيرها, ويتمتع بالندرة النسبية يكون بضاعة, وهذان الأمران يعتبران من عناصر ومقومات كون الشيء بضاعة, وهما ينشآن من الحقيقة الخارجية والتكوينية للبضائع, فالهواء -مثلاً- لا يدخل في هذا التعريف لوفرته في الطبيعة.

نعم؛ يطلق على البضاعة الحقيقية إقتصادياً (البضاعة الإقتصادية), وهي المال الحقيقي في مقابل المال الإسمي؛ فكلما تحقق للعنصرين المتقدمين مصداقٌ في ظلِّ اعتبار المعتبر, وأوجب رفع هذا النوع من الإحتياجات ولو على المال الإعتباري بأنْ يعتبر بضاعة؛ فقد تقوم الدولة باعتبارها المرجع الأساس, ويحظى بالقبول العام بإصدار النقود لتلبية الحاجات الإجتماعية؛ فإنها تعتبر مالاً.

ومن هذا المنطلق تضطر الدولة لتسهيل وتسريع وتوسعة رقعة المبادلات لتحقيق النمو الإقتصادي والرخاء الإجتماعي إلى اعتبار المال نقداً فيما إذا كانت قيمته الإستعمالية نفس قيمته التبادلية, وحينئذٍ يصدق عنوان المال على البضائع الحقيقية والنقود الإسمية كِليهما.

وعلى هذا الأساس يعتبر الفقهاء النقود الإسمية مالاً يحمل القيمة وإنْ لم يكن بضاعة, لأنَّ البضاعة مال حقيقةً, والنقد مالٌ اعتباريٌ, وبين البضاعة والمال عموم مطلق في الإصطلاح المنطقي.

ص: 248

وعليه؛ فإنَّ النقد ليس بضاعة على صعيد الإقتصاد الوطني ولكنه بضاعة على صعيد الإقتصاد العالمي, فإنَّ نقد كلّ بلد يعدّ بضاعة في البلد آخر وتتم مبادلته؛ هذا من جهة.

وإنْ كان النقد من جهة أخرى مقياساً ومستودعاً للقيمة ووسيلة متبادلة ووساطة لتبادل البضائع؛ إلا أنَّه ليس بضاعة على نحو الواسطة, لأنَّ البضاعة الوسطية إنَّما تكون في الحقيقة واسطة بين البضاعة التي تعبّر عن رأس المال والبضاعة الإستهلاكية, بينما النقد إنَّما يكون وسيلة يتَّصف بالوظائف الثلاث المتقدمة. وهذا مِمّا يمكنه أنْ يلعب دوراً في تحديد قيمة البضاعتين على أساس وحدته القياسية وتسهيل عملية المبادلات.

ومن جميع ذلك يظهر أنَّه يمكن أنْ يقوم النقد بدوره الإقتصادي ويعمل بالوظائف التي تقدم ذكرها, وهو في الوقت نفسه يكون مالاً يقع مورد المعاملات عليه. ولكن ذلك إنَّما يتم وفق شروط وأحكام معينة وسياسة نقدية معينة؛ لئلا يضرّ بالإقتصاد الوطني.

أنواع النقود

تقسم النقود -إقتصادياً- إلى تقسيمات متعددة ومختلفة تبعاً لتعدد واختلاف الاعتبارات التي اتخذت أساساً للقسمة, فهناك معايير عديدة لتقسيم النقود.

معايير تقسيم النقود
المعيار الأول

المعيار الأول؛ على أساس مقام ومنزلة المعتبِر الذي اعتبر النقود.

وبذلك تنقسم النقود الإلزامية إلى قسمين:

القسم الأول: النقود الإسمية التي تتعاطاها الدولة؛ وهي التي تعرف بالنقد الشايع, وتنقسم إلى أربعة أقسام وهي:

1- النقود الرمزية المعدنية: وهي نوع من النقود الإلزامية, والتي تكون قيمتها النقدية اكثر مِمّا لها من قيمة سلعية, فإذا تساوت القيمتان كما إذا كانت القطعة من خمسين فلساً تعادل خمسين فلساً من الفضة فإنَّ مثل هذا النقد قد يخرج من المعاملة, وذلك

ص: 249

بإذابته واستخراج ما فيه من المعدن؛ فإنَّ الدولة تقوم بعرض مقادير مختلفة من حيث القيمة من هذه القطع النقدية بمقدار الحاجة, ومن المفروض أنَّ مقادير المعادن الموجودة فيها قليلة للغاية, بحيث إذا أذيبت وبيعت فإنَّها لا تؤثر في القيمة السوقية لهذه المعادن تأثيراً ملحوظاً.

2- الأوراق النقدية: وهي التي تصدرها البنوك المركزية؛ وهي نوع من النقود الإلزامية.

3- النقود الورقية الوثيقة: وهي أوراق تقوم الدولة بإصدارها في الظروف الحساسة والأوضاع التي تتطلب الدعم العام, وتتضمن مبلغاً محدداً ويشارك الجميع من خلال شرائها بتقديم المساعدة المالية للحرب أو إعانة الدولة للخروج من الأزمة التي تواجهها, ولكن يمتنع الناس من تبديلها إلى النقود الشايعة عادةً؛ فهذه الأوراق يمكن اعتبارها نقوداً إلزامية من نوع الديون, وهي تختلف عن مستندات القرض؛ فلا تترتب عليها فائدة سوى ما قرر من أجلها وهو دعم الحكومة في الظروف الصعبة.

4- النقد العسكري: وهو من ضمن الإجراءات التي يتَّخذها المحتلون فترة الحرب في الدول التي يسيطرون عليها؛ فيطبعون نقوداً عسكرية.

والغرض من طبع النقد العسكري من قبل المحتل هو إيجاد وسيلة مبادلة في البلد الذي يحتله لإمكان السيطرة عليه من قبل سلطات الإحتلال.

وبعبارة أخرى: تحقيق قدرة إجراء قانونية سهلة لدى القوات العسكرية المحتلة مقابل رفع حاجاتها الجديدة وشرائها السلع والخدمات الضرورية لأنَّها تواجه إبادة الأوراق المالية عند دحرها القوى الوطنية, وخلو المصارف من النقود لفقدان الثقة؛ فإنَّ عليها أن تصدر هذه النقود الجديدة لتفعيل النشاطات الإقتصادية في

ص: 250

المناطق التي تحتلّها, كما أنَّ هناك وسيلةأخرى للمحتل وهي طبع وتزوير نقود البلد الذي احتلته وهو أمر متعارف في الكثير من الحروب.

نعم؛ السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لا يستفيد المحتل من نقد بلده كنقد عسكري في البلد الآخر؟.

والجواب عنه هو: إحتمال قيام القوى المناوئة بأعمال تلحق الضرر بنقود المحتل, إذ من الممكن أنْ تَدَّخر هذه القوى مقادير كبيرة من هذه النقود لتستفيد منها في الأوقات المناسبة لتوجه ضربة للمحتل, وافتعال حاجة مصطنعة أو شراء أسلحة ومعدات وغير ذلك من الأغراض التي تضرّ بنقد المحتل.

القسم الثاني: النقود الإسمية التي تقوم المصارف والمؤسسات المالية بتداولها, وهي على نوعين:

1- الأوراق المصرفية.

وهي الحوالات التي تصدر على شكل شيك مصرفي أو شيك ضمان أو حوالة مصرفية من مصرف في عهدته أو في عهدة مصرف آخر.

وهذه الأوراق تعتبر نوع نقد إسمي من قبل الخصم تدلّ على خصم لمصرف آخر.

2- الودائع تحت الطلب.

وهي عبارة عن النقود التي يدفعها أصحابها للمصرف على أنْ يردّها لهم أو لشخص آخر إذا ما أصدر أصحابها حوالة لغيرهم بمجرد الطلب.

وهي نوع نقدٍ إسمي من قبيل الخصم, وذلك لأنَّ المصارف تلتزم بردِّ مبلغ مساوٍ لها من النقد الإلزامي نقداً مقابل استلامها حوالة أو شيكاً يصدر عن صاحب الودائع. ومن الواضح أنَّ الحوالة والشيك ليسا مالاً وإنَّما وسيلة ووثيقة لانتقال هذا النوع من المال.

ص: 251

المعيار الثاني

المعيار الثاني؛ ويقوم على أساس المواصفات الطبيعية للمادة الخام.

المعيار الثالث

المعيار الثالث؛ ويقوم على أساس النقد والنسيئة.

ويتصور على حالتين:

1- النقد نقداً.

وهو النقد الذي تبلورت وتجلّت قيمته الإسمية في عين خارجية والتي تحمل القيمة التبادلية. وفي هذا النوع من النقود تنقطع العلاقة بين قيمتها التبادلية وبين قيمتها التي يعتبرها المعتبر من ناحية قانونية.

فإذا تلف النقد فإنَّه لا يتحمل المعتبِر المسؤولية في رفع ما بإزائها كما هو الحال في الذهب والفضة, فإنَّه إذا تلف فإنَّ من قام بضرب السكة لا يتعهد عادة بالتعويض.أو مثل النقود الإلزامية المتعارفة في عصرنا الحاضر؛ فإنَّ من نشرها لا يتحمل تعويضها لصاحبها إلا إذا لم تنقطع هذه العلاقة من الناحية القانونية, بحيث إذا لم يتلف ذلك الشيء فإنَّ المعتبِر ملزَم بدفع العوض لصاحب النقد.

ومثاله النقود الورقية المضمونة التسديد على أساس الذهب والفضة والتي كانت متعارفة من قبل الدول, وإنْ كان أصحاب الأوراق النقدية والنقود المتداولة يغفلون عن قابلية التبديل.

وكيف كان؛ فإنَّ الناس إنَّما ينظرون إلى مثل هذه النقود مستقلة, ومن هنا تسمية نقود نقد لا نسيئة؛ فإنَّ في هذا النوع من النقد يتصور كلّ واحد من الطرفين القيمة التبادلية مستقلة عند المعاملة.

2- النقد نسيئة.

وهو النقد الذي لا تتجسد قيمته الإسمية في شيء خارجي.

ص: 252

وبعبارة أخرى: إنَّ هذا النقد تكون عهدة التسديد فيه على عاتق القائم بعملية إصدار الوصلات, فهو قد تعهد في الذمة, فإذا تلفت تلك الوصلات الصادرة فالمحرر أو الناشر مسؤول عن التسديد لأصحاب الإيصالات؛ فلا تسقط عن العهدة.

كما أنَّ الأفراد في هذا النوع من النقود لا يغفلون عن قابلية تبدليها عند التعامل.

المعيار الرابع

المعيار الرابع؛ تقسيم النقود إلى نقود سلعية, ونقود إئتمانية.

وتقسّم النقود الإئتمانية إلى قسمين:

1- نقود ورقية.

2- نقود مصرفية (نقود ودائع).

النقود السلعية

والتسمية إنَّما جاءت من ناحية النسبة إلى السلعة, والسلعة كما عرفوها: (كل ما يُتَّجر به من البضاعة)(1).

وتعتبر هذه النقود تاريخياً المرحلة الثانية للنقود التي استعملها الإنسان بعد انتقاله من مرحلة المقايضة إلى مرحلة النقود؛ وذلك أنَّه كان يستعمل في المرحلة الأولى (مرحلة إختراع النقد) الحجارة أو الخرز وأمثالهما مِمّا تعطيه الدولة أو العرف الإجتماعي الإعتبار والقيمة المالية. ثم في المرحلة الثانية استعمل الإنسان السلع مقام الحجر وأمثاله نقوداً تعامل بها وتداولها, مثل القمح والشاي والقماش والتبغ وغيرها.

وقد اعتمد الإنسان في استعماله لهذه السلع نقوداً على قبول العرف لها واعتباره إيّاها, ويرجع هذا إلى أنَّها أيسر في تسهيل المبادلات وأسهل في تيسير القدرة على الوفاء بالإلتزامات.وإلى جانب استعمال الإنسان لأمثال السلع المذكورة استعمل سلعاً أخرى معدنية كالذهب والفضة والحديد والنحاس والزنك والقصدير وغيرها.

ص: 253


1- القاموس الفقهي لغةً واصطلاحاً؛ ص180.

ومن أجل ذلك لا تختلف النقود المعدنية عن سابقتها من بقية أنواع النقود السلعية في تأدية نفس الوظائف الأساسية للنقود في كونها قادرة على أنْ تكون وسيطاً للتبادل ومعياراً للقيمة ومخزناً لها وأداة للدفع المؤجل والإدّخار.

وعند استعمال الإنسان للنقود المعدنية انحسر استعماله للنقود السلعية غير المعدنية إلا قليلاً؛ لما تقدم من أنَّ في النقود المعدنية من يسر التعامل بها وسهولة تقدير قيم السلع بواسطتها وإمكانية ادّخارها مع المحافظة على قيمتها المالية.

النقود الإئتمانية

ويقال لها أيضاً (النقود الإعتمادية) و(النقود المعتمدة)؛ نسبة إلى اعتمادها من قبل الحكومات التي تصدرها, وائتمان الناس للحكومة التي أصدرتها وثقتهم بها.

والسبب في نشوء هذه النقود الإئتمانية هو تراجح أهمية النقود المعدنية وانحسار دورها في الحياة الإقتصادية أثناء الحرب العالمية الأولى.

إنَّ النقود الإئتمانية إنَّما تكتسب أهميتها الفعلية من خلال قبولها العام المبني على أساس قدرتها في توفير عنصر الثقة في تحويلها إلى السلعة المرتبطة بها, وعادة كانت هذه السلعة هي الذهب؛ مثل تحويل الجنيه الأسترليني أو الدولار الأمريكي إلى ما يساويه أو ما يعادل قيمته من الذهب من حينه.

كما أنَّ النقود الإئتمانية تعد دَيناً لحاملها على ذمة الجهة التي أصدرتها وحقَّاً لصاحبها في الحصول على ما يساويها من السلع والخدمات.

النقود الورقية

وهي المعروفة ب-(العملة الورقية) التي تصدرها السلطة النقدية في الدولة المتمثلة بالبنوك المركزية أو مؤسسات النقد وأمثالهما.

ص: 254

وقالوا: إنَّها عبارة عن وثائق متداولة تمثل دَيناً معيناً في ذمَّة السلطة النقدية التي أصدرتها لحاملها بالتفصيل الذي تقدم بيانه.

ويرجع تاريخ التعامل بالنقود الورقية إلى الفترة التي انتشرت فيها إعادة الإحتفاظ بالنقود المعدنية لدى التجار والصيارفة الذين كانوا يقبلون إيداع الأفراد لنقودهم والاحتفاظ بها مقابل منح المودّعين إيصالات أو سندات تتضمن كمية الأموال المودعة مع تعهد بإعادتها ودفعها لحامل السند أو الإيصال عند الطلب وبدون تأخير.

وبعد فترة زمنية أصبح الأفراد المودِعون والصيارفة أيضاً راغبين في استخدام هذه الإيصالات أو السندات أداةً لتسوية المدفوعات وإبراء الديون فيما بين الأطراف الدائنة والمَدينة مقابل الحصول على فوائد نقدية محددة؛ فالمودع قادر على استخدام السند أو الوصل في تسوية مدفوعاته, والصيرفي أو التاجر (ثمالمصرف فيما بعد) يحصل على مكافأة نقدية تتمثل في دفع المودِع لمبلغ الرسم المحدد والمتَّفق عليه مقابل الخدمة التي حصل عليها في إنجاز تسوية ديونه والمحافظة على أمواله من السرقة والضياع.

وقد لاحظ الصيارفة أنَّ الأموال المودَعة لديهم لا يتم سحبها كاملة في وقت واحد؛ مِمّا دفعهم إلى إصدار إيصالات جديدة, إلا أنَّها لا تستند إلى ودائع حقيقية مودعة لديهم, وأصبحت هذه الإيصالات كسابقتها مقبولة لدى الآخرين, إذ أنَّها يمكن أنْ تؤدي وظيفة النقود الأساسية وسيطاً للتبادل.

وبعبارة أخرى: أصبحت نقوداً ورقية مقبولة قبولاً عاماً وإنْ كانت لا تساوي حجم الودائع المعدنية, بل كانت عادة تزيد عنها وتفوقها حجماً.

وهذه الحال دفعت بالدولة إلى أنْ تضطلع بدروها في التدخل في تنظيم عملية الإصدار للنقود الورقية, ونشأت بموجب ذلك البنوك المركزية التي أخذت على عاتقها مهمة

ص: 255

الإصدار النقدي كجهة وحيدة ومحتكرة لعملية الإصدار النقدي الورقي الإلزامي الذي نتعامل به حالياً, وصفة الإلزام في النقود الورقية على مستوى التعامل بها نابع من قوة القانون, إذ لا يحقُّ للأفراد أو الهيئات التي بحوزتهم هذه النقود المطالبة بتحويلها إلى ما يعادلها أو ما يساوي قيمتها من المعدن المغطاة به (كالذهب في حينه)(1).

النقود المصرفية

والإسم المشتهر لها هو (نقود ودائع), ويعود تسمية هذا النوع من النقود ب-(النقود المصرفية) كنوع من مكونات وأنواع النقود الإئتمانية إلى كونها نقود ودائع.

والمقصود بالودائع -هنا- الودائع الجارية (أو الودائع تحت الطلب)؛ وهي عبارة عن الأموال التي يودعها طرف معين لدى المصرف التجاري, وتكون هذه الأموال المودعة قابلة للسحب من قبل المودِع في أيِّ وقت يشاء فيه سحبها بواسطة توجيه أمر من المودِع (الدائن) إلى المصرف التجاري (المَدين) عن طريق (الشيكات) التي تلزم الطرف المَدين بدفع المبلغ المذكور في الشيك لمصلحة حامله أو لأمره أو لأيِّ طرف آخر (المستفيد).

وهذه الأوامر بالدفع(2) تعتبر أداة أو وسيلة لتسوية المبادلات والمدفوعات وإبراء الذمة, لذلك فهي تقوم مقام النقود الإعتيادية, لأنَّها تؤدي وظائف الأخيرة, ولأنَّها ديون في ذمَّة المصارف لصالح المودعين, ولهذا سُمِّيت بالنقود المصرفية أو نقود الودائع.

وتشترك نقود الودائع مع النقود الورقية في كونها ديوناً لصالح مالكها أو حاملها في ذمَّة الجهة التي تلتزم بها؛ وهي البنوك التجارية في حالة نقود الودائع, أوالبنك المركزي في حالة النقد الورقي, أو من قبل الدولة عموماً بعد تأميم البنك المركزي والبنوك التجارية, كما هي الحال في كثير من الدول.

ص: 256


1- راجع النقود والمصارف (للشمري)؛ ص43- 44.
2- الشيكات المصرفية.

وتختلف الودائع أو النقود المصرفية عن النقود الورقية والسلعية من حيث أنَّ ليس لها كيان مادي ملموس, كما أنَّ الشيك الذي تُتداول هذه النقود بواسطته لا يتمتع بالقبول العام في التداول, حيث لا يلزم القانون الدائنين على قبوله, بمعنى أنَّ المَدينين لا يستطيعون إلزام الدائنين والبائعين على قبول الشيك في إبراء الديون وتسديد أثمان المشتريات.

ولكن بالرغم من هذا القصور نجد هذا النوع من النقود يمثل الجانب الغالب من العرض الكلي للنقود في البلاد المتقدمة اقتصادياً؛ ففي الولايات المتحدة مثلاً يبلغ حجم النقد المصرفي أو نقد الودائع حوالي 90% من العرض الكلِّي للنقود.

ويجب أنْ نتذكر أنَّ الوديعة -ليس الشيك- هي التي تعتبر نقوداً, فالشيك لا يعدُّ نقداً مثل ورقة النقد (البنكنوت(1)) فهو مجرد وسيلة لنقل مديونية البنك من شخص إلى آخر. ولا تتوافر فيه شروط القبول العام, لأنَّه يصدر من شخص غير معروف من الجميع, كما أنَّه متقيد بتاريخ معين, وينصُّ على كمية محددة من النقود وينتهي عمله بعملية واحدة(2).

القاعدة النقدية

قيل في تعريفها بأنَّها معيار أو مقياس خاص للقيام يقرره القانون كأساس لعملة البلاد.

وفي الوقت المعاصر إتَّخذت معظم البلدان الذهب أو الفضة أو عملات البلدان الأخرى المبنية على أساس الذهب أو الفضة مقياساً لنقدها(3).

ص: 257


1- هي أوراق مالية يصدرها المصرف وتكون لها صفة رسمية بحيث يتعامل الناس بها بدلاً من النقد؛ كسندات الخزينة وسندات السحب والشيكات والحوالات. والمنقول أنَّ أول من استخدم هذه الأوراق هم الصينيون.
2- النقود والبنوك ؛ ص28- 29.
3- المصدر السابق.
الوحدة النقدية

ويقصد بها الوحدة الأساسية لقياس نقد البلد, حيث تحدّد بالنسبة إليها قيمة جميع القطع النقدية والورقية أمثال الدولار في العملة الأمريكية, والجنيه في العملة البريطانية, والدينار في العملة العراقية والكويتية, والريال في العملة القطرية والسعودية والإيرانية, والدرهم في العملة الإماراتية, إلى غير ذلك.

السياسة النقدية في الفكر الإسلامي
اشارة

لقد ألَّف علماء الإسلام في هذا الموضوع كتباً قيّمة وإنْ كانت لا تخلو من تشويش واضطراب, بل فيها بعد عن التعليمات الإسلامية وقواعد الفقه, والفكر السائد عند أكثر المؤلفين في هذا المجال هو تطبيق ما في الإقتصاد العالمي على الفكر الإسلامي لتصحيحه وتقييمه.

وكيف كان؛ فإنَّ الذي نريد أنْ نثبته في المقام هو سياسة الإقتصاد الإسلامي بالنسبة إلى النقود على سبيل الإجمال, والتفصيل يأتي في محله إنْ شاء الله تعالى.

لا ريب أنَّ الإسلام أمضى كثيراً من الأمور الإقتصادية والإجتماعية التي كانت دائرة في المجتمعات المعاصرة لعصر التشريع, وكانت مهمة الإسلام الأولى هي:

أولاً: تصحيح العقيدة وإخراج الناس من الشرك والضلال إلى التوحيد والهداية, وقد إعتبر الشرك أساس كلّ تخلّف وانحطاط, واعتبره الظلم العظيم بحقِّ الإنسانية والأفراد.

ثانياً: تصحيح الطاعة والعبادة, وذلك عن طريقين:

الطريق الأول: إبطال البدع المستحدثة في الشرايع الإلهية السابقة وبيان زيفها.

الطريق الثاني: تهذيب العبادات الدائرة بين أتباع الأديان الإلهية, إمّا برفع بعض الشروط والقيود المفروضة أو بتشريع أمور جديدة, ولكنه لم ينسخ تلك العبادات من أساسها.

ص: 258

ثالثاً: تهذيب أخلاق الناس, لأنَّ الإسلام يرى أنَّ أساس كلّ كمال دنيوي وأخروي إنَّما يكون في الأخلاق الفاضلة, واعتبر أنَّ وراء كلِّ تشريع إلهي مكرمة أخلاقية؛ بدونها لا تؤثر الشريعة أثرها المطلوب.

رابعاً: تصحيح العادات الإجتماعية؛ إمّا بإلغاء الفاسد منها, أو تصحيح بعضها ليتطابق مع التعاليم الدينية.

خامساً: إصلاح النظام الإقتصادي المتداول ليتطابق مع روح الإسلام وتشريعه الأبدي.

وكان من جملة النظام الإقتصادي قبل الإسلام النقود التي كانت متداولة بين الأمم, ومنها الدنانير القيصرية, والدراهم الكسروية, ومنها النقود السلعية التي كانت دائرة في الجزيرة العربية, وقد ورد في القرآن الكريم لفظ الدراهم في قصة يوسف علیه السلام , والورق في قصة أصحاب الكهف.

وقد شرَّع الإسلام أروع التشريعات في الإقتصاد عموماً, وفي النقود بالخصوص يعتبر الإسلام أساس كلّ تشريع يلبي الجانب المادي والمعنوي في الإنسان ويتحقق بامتثالها السعادة الأبدية.

أهم ما شرَّعه الإسلام في سياسته النقدية

ونحن نذكر أهم ما شرَّعه الإسلام في سياسته النقدية:

1- إمضاء ما كان دائراً عند الناس من النقود بجميع أنواعها.

2- الإهتمام باستعمال النقد في المعاملات؛ وإنْ لم يبلغ المقايضة.

3- إعتبار أنَّ النقد واسطة للمبادلة, فإنَّ به يمكن تحقيق القيمة العادلة ورفع الغبن أو تخفيفه إلى أدنى مستواه, لأنَّه من اللوازم العامة في التجارة.

4- لم يهتم الإسلام بالجانب الخزني للنقود؛ الذي يعتبره الإقتصاد العالمي بأنَّه من الوظائف الأساسية للنقد وهي تخزين القيمة, فصار همّ الناس تخزين النقود والاحتفاظ بها.

ص: 259

إنَّ الفكر الحديث في البداية لم يعترف بهذه الوظيفة مع أنَّ الإسلام ذكرها قبل ذلك بقرون. نعم؛ إعتبر الإسلام الإدّخار فضيلة إسلامية, وقد ورد في النص القرآني الحثّ عليها, قال تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)(1). وفي الحديث أنَّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم إدَّخر لأهله قوت سنته.

5- إنَّ روح الشرع لا يوافق على الإحتفاظ بالنقود وسيلة لازدياد الثروة, قال تعالى: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)(2). ليتحكموا في البلاد وعلى العباد بما يشاؤوا وأرادوا.

6- جعل الغطاء للنقد الإسلامي هي الثروة للدولة, أو قطع الصلة مع نقود الكفر.

7- إعتبر الإسلام كلّ نقد متداول بين الناس يكون مقبولاً عندهم, وجعله الثمن للأشياء, سواء كان من الذهب أم الفضة أم من معادن أخرى أم ورقاً؛ إلا ما إذا دلَّ الدليل على الإختصاص بنوع معين, كما في الزكاة؛ حيث أنَّ المستفاد من الأدلة إختصاصها بالنقد المسكوك من الذهب والفضة, فلا زكاة في غيرها, وفي غير ذلك يجري كلّ حكم معلق على النقد المسكوكة بالنسبة إلى غيره من النقود الورقية.

8- علاج الطوارئ التي يتعرض النقد لها مِمّا يضرُّ بالإقتصاد, كالتضخم وما يفعله قيمتها حسب القواعد الثانوية والقرارات الطارئة, من دون اللجوء إلى سياسة النقد الأخرى ليكون للنقد الإسلامي إستقلالية. وسيأتي بيانها في محالها إنْ شاء الله تعالى.

وبذلك ننهي الكلام في المقام عن النقد الذي يعدُّ مصداقاً من مصاديق المال.

ص: 260


1- سورة النساء؛ الآية 9.
2- سورة الحشر؛ الآية 7.
المصداق الثالث: المنافع
اشارة

المصداق الثالث(1): المنافع

وهي جمعُ منفعة؛ وهي مصطلح فقهي واقتصادي, ويعبَّر عنها في القانون ب-(إنتفاع) و(حقُّ الإنتفاع).المنفعة (لغةً)؛ فسَّر علماء اللغة المنفعة بأنَّها ضدّ الضرّ, أو أنَّها الخير؛ سواء وافق هوى النفس أم لم يوافق, ومن هنا يكون بتر الذراع المصابة بآفة متعدية منفعة مع كراهة الإنسان لهذا البتر.

وقيل أنَّ المنفعة لغوياً هي كلُّ ما يُنتفع به.

المنفعة (فقهياً)؛ قال الفقهاء بأنَّ المنفعة ما يحصل عليه المنتفع من الشيء الذي ينتفع به, مثل سكنى الدار الذي يعدُّ ممارسة فعل السكن بالدار, والثمرة التي هي منفعة الأشجار, والفائدة.

وعليه؛ تكون المنفعة في الفقه مطلقه وعامة تشمل ما إذا كان من المعاني كالسكنى أو الأعيان كالثمرة والفائدة محللة أو محرمة, ويأتي بيان ذلك أيضاً إنْ شاء الله تعالى.

المنفعة (إقتصادياً)؛ عرفت المنفعة -إقتصادياً- بأنَّها مُا يلبِّي حاجة أو رغبة عند المرء, ويؤدي في النتيجة إلى إشباعها.

يقول الدكتور عزمي رجب: (لهذا التعبير (يعني المنفعة) مفهوم في اللغة الإقتصادية يختلف عن المعنى المعروف في اللغة الجارية؛ فإنَّ الشيء النافع أو المال النافع في الإصطلاح الإقتصادي هو كلُّ ما يلبِّي حاجة أو رغبة عند المرء, ويؤدي في النتيجة إلى إشباعها؛ بغضِّ النظر عمَّا إذا كان هذا الشيء نافعاً أو ضاراً في حدِّ ذاته, فقد يكون المال المطلوب ضاراً من الوجهة الصحية كالتبغ مثلاً, ولكنه يعتبر نافعاً من الناحية الإقتصادية عندما

ص: 261


1- من مصاديق مفردات المال.

يقوم بقضاء حاجة لدى راغبه. ومن هنا كان تقدير منفعة الأشياء ومدى هذه المنفعة أمراً شخصياً يختلف باختلاف الأشخاص وميولهم وحاجاتهم)(1).

وعليه؛ تكون المنفعة أمراً نسبياً يختلف باختلاف الميول والرغبات.

المنفعة (قانونياً)؛ لا تختلف المنفعة في القانون عمَّا ذكرناه في الفقه كثيراً. وهي فيهما أخصُّ منها في الإقتصاد؛ فإنَّها تشمل حتى ما لا يعدُّ منفعة عرفاً, مثل ما لو تملك شخص حشرة لا يعدُّ العرف الإستيلاء عليه تملكاً من أجل أنْ يشبع رغبته في التملك ويلبِّي حاجة التملك الموجودة في نفسه.

والحاصل من جميع ذلك:

أولاً: إنَّ مفهوم المنفعة تارةً يطلق على خصوص المعاني التي لا عين لها في الخارج كسكنى الدار, ولبس الثوب وعمل الخياطة. وأخرى يطلق على معنى عام فيشمل المعاني التي لا عين لها في الخارج, كما يشمل ما كان لها أعيان خارجية كنماءات الحيوانات من أصواف وألبان وأسمان وأولاد إلى غير ذلك, وثمار النباتات كالتمر في النخلة والعنب ونحو ذلك, والنبت بذاته كالعشب في المرعى,قال الشيخ كاشف الغطاء: (ولا تزال السيرة جارية على إجارة الأرض لرعي الأغنام في نباتها وعشبها)(2).

ثانياً: إنَّ منفعة كلِّ شيء بحسبه.

ثالثاً: إنَّ المنفعة أمر نسبي يختلف باختلاف الميول والرغبات.

رابعاً: إنَّ المنفعة في الفقه والقانون أخصُّ مِمّا عليه في الإقتصاد.

وأمّا الإنتفاع؛ فقد عرّف بأنَّه الإستفادة باستغلال المنفعة.

ص: 262


1- الإقتصاد السياسي؛ ص 23.
2- تحرير المجلة؛ ج1 قسم 2 ص130.

أو بعبارة أخرى: الحصول على المنفعة من الشيء ذي الفائدة, فيكون الفرق بين المنفعة والإنتفاع كالفرق بين الثمرة والإستثمار, أي: الإستفادة من تلك الثمرة.

أو قُل: بأنَّ المنفعة هي الفائدة. والإنتفاع هو الإستفادة.

أو قُل: بأنَّ المنفعة سكنى الدار. والإنتفاع بها هو ممارسة فعل السكنى بالدار. وقد تقدم بيان الفرق أيضاً في بحث الحقّ.

الإنتفاع في القانون, أو بالتعبير القانوني (حقّ الإنتفاع)

وهو الحقُّ الذي يخوّل الشخص إستعمال واستغلال ملك غيره, أمّا التصرف في الملك في غير مجال الإنتفاع فهو للمالك.

قال السنهوري: (الإنتفاع حقٌّ عيني يخوّل صاحبه إستعمال شيء مملوك للغير واستغلاله)(1).

وعليه؛ يكون الإنتفاع هو التصرف بالشيء على وجه يريد به تحقيق فائدة.

وقد أثبت القانون ذلك على نحو الحقيَّة بحيث يشمل المنفعة نفسها, بخلاف الفقه الذي خصَّه بالإستفادة مطلقاً.

وعلى كلِّ حالٍ؛ فإنَّ المنفعة تعدُّ مالاً عرفاً يترتب عليها الأحكام المتعلقة بالمال كالأعيان وغيرها.

المصداق الرابع: القروض

جمعٌ مفرده قرض, وتستعمل هذه الكلمة تارةً مصدراً, وأخرى إسماً للمصدر, ويراد به المال المقترض فيكون القرض -على المعنى الأول- هو دفع المال لمن ينتفع به على أنْ يردَّ بدله حين حلول الأجل المضروب أو عند الطلب إذا لم يكن مؤجلاً.

ويكون القرض -على المعنى الثاني- هو المال المدفوع نفسه.

ص: 263


1- الوسيط؛ ج 6 ص 46.

أمّا مشتقات مادة (ق ر ض) هي:

* الإقتراض: وهو أخذ المال من الطرف الذي ينتفع به مع إلتزامه بردِّ بدله.

* المقترِض: وهو الآخذ للمال, ويقال له المستقرض أيضاً.

* المقرِض: وهو الدافع للمال.

* بدل القرض: وهو المال الذي يرده المقترِض إلى المقرِض عوضاً عن القرض.

والدَيْن (بفتح أوله وسكون ثانيه)؛ الجمع: ديون وأدْيُن, وهو مصدر دان يدين, والمراد به ما كان في الذمة. وقد يلتقي القرض والدَين في بعض الموارد كما سيأتي بيانه, وبسببه إمّا عقد أو (إستهلاك) أو (إستعراض).

وذكر بعض فقهاء العامة أنَّ الدَين ينقسم إلى:

الدَين القوي: وهو بدل المال الذي قام الدليل على ثبوته في الذمة, كبدل القرض, ومال التجارة.

الدَين الضعيف: وهو بدل ما ليس بمال, كالمهر والوصية وبدل الخلع.

ولكنه ليس بشيء؛ لأنَّ المعروف بين الفقهاء أنَّ الدَين هو مال واجب في الذمّة؛ إمّا بالعقد كالتجارة أو عقد النكاح, أو بالإستهلاك كالإتلاف ونحوه, أو بالإستقراض؛ فيشمل الجميع, فيكون الدَين أعمّ من القرض, ويكون الأخير من أحد أسباب الدَين, يقال: (دنتُ الرجل؛ بمعنى أقرضته), وقد فرّق في القاموس المحيط بين القرض والدين؛ بأنَّ الدَين هو الذي له أجل, والقرض هو الذي لا أجل له. وفي العرف العام والخاص العلمي يستعملان مترادفين, وغرضين عن الفرق المذكور في القاموس المحيط.

ومشتقاته هي:

* الدائن: ويطلق للدافع.

* المدين والمستدين: ويطلق على الآخذ.

ص: 264

والصحيح؛ إنَّ الدَين هو أعمُّ من القرض؛ لما عرفت من أنَّ الأخير عقد خاص بين المقرِض والمقترض.

والمال المقترض في الذمة يسمى دَيناً. ومن هنا تلاقيا فصار كِلاهما ديناً.

قال الفقهاء: (الدَين هو مال تشتغل به ذمة إنسانٍ لإنسان آخر لأحد الأسباب التي توجب ذلك؛ كاقتراض مال يبقى عوضه في ذمة المقترِض, وابتياع شيء يكون ثمنه في ذمة المشتري, وبيع شيء موصوف مؤجل إلى أجل في ذمة البايع كما في بيع السلف, وكالتزويج بامرأة يؤجل صداقها في ذمة الزوج, واستئجار عين أو أجير يبقى بدل إجارته في ذمة المستأجر, وفدية خلع, أو مباراة تبقى في ذمة المرأة المختلعة, وضمان مال بسبب إتلاف أو عيب أو غير ذلك من موجبات الضمان, ونحو ذلك من أسباب اشتغال ذمة الإنسان بالمال, وهذا هو الدَين الذي يبحث عنه وعن أحكامه في كتاب الدين, ويطلق الدين أيضاً على ما تشتغل بهذمة الإنسان من الأموال والحقوق لجهة عامة أو جهة خاصة كالزكاة والخمس والكفارات والنذور وأشباهها)(1).

وقد عَرَّف القانونُ القرضَ بأنَّه: (عقد يلزم به المقرض أنْ ينتقل إلى المقترض ملكية مبلغ من النقود أو أيِّ شيء آخر على أنْ يردَّ إليه المقترض عند نهاية القرض شيئاً مثله في مقداره ونوعه وصفته)(2).

وفي كون القرض مالاً قال الشيخ كاشف الغطاء: (إنَّ مدار العقود والمعاملات على الأموال وليس للمال حقيقة عينية خارجية كسائر الأعيان تتمحض في المالية تمحض سائر الأنواع في حقائقها النوعية, وإنَّما هو حقيقة اعتبارية ينتزعها العقلاء من الموجودات

ص: 265


1- راجع كتاب الدَّين في رسائل الفقهاء.
2- القانون المدني المصري؛ المادة (538).

الخارجية التي تتقوم بها معايشهم وتسدّ بها حاجاتهم الضرورية والكمالية, فمثلاً: الحبوب والأطعمة مالٌ, لأنَّ البشر يحتاج إليها في أقواته وحياته. وهكذا كلُّ ما كان مثل ذا من حاجات الملابس والمساكن ونحوها قد انتزع العقلاء منها معنىً وصفياً عرضياً يعبّر عنه بالمال, وهو من المعقولات الثانوية باصطلاح الحكيم.

ولما كان مدنيّة الإنسان لا تتمّ إلا بالحياة المشتركة وهي تحتاج إلى المقابضة والتبادل في الأعيان والمنافع, وكان التقابض بتلك الأعيان -وهي العروض- مِمّا لا ينضبط أرادوا جعل معيار يُرجع إليه في المعاملات ويكون هو المرجع الأعلى والوحدة المقياسية, فاختاروا الذهب والفضة وضربت سكة السلطان عليهما لمزيد الإعتبار في أنْ يكون عليهما المدار, فماليتهما أمر اعتباري محض, لا فرق بينهما وبين سائر المعادن وغيرهما من حيث الذات والحقيقة. ولذا في هذه العصور حاول بعض الدول قلب الإعتبار إلى الورق ولكن مع الإعتماد عليهما.

ومهما يكن الأمر؛ فإنَّ المال لما كانت حقيقته تقوم على الإعتبار؛ فكما اعتبروا الأجناس الخارجية مالاً, فكذلك اعتبروا ذمة الرجل العاقل الرشيد مالاً ولكن مع الإلتزام والتعهد, فإذا التزم لك الثقة الأمين بمال في ذمته ووثقت به وجعلته كمالٍ وفي يدك أو صندوقك, وكذا العقلاء يعتبرون أنَّ لك مالاً عنده, أمّا من لا عهدة له ولا ذمة كالسفيه والمجنون والصغير, بل والسفلة من الناس الذين لا قيمة لأنفسهم عندهم الذي يعدك ويخلف ويحدثك فيكذب ويلتزم لك ولا يفي بالتزامه؛ فهؤلاء لا ذمة لهم ولا شرف, والتزامهم عند العقلاء هباء, ولا يتكون من التزامهم عند العرف مال.

فالمال إذاً نوعان؛ خارجي عيني, وهو النقود والعروض. واعتباري فرضي, وهو ما في الذمم؛ أعني الإلتزام والعهدة)(1).

ص: 266


1- تحرير المجلة؛ ج1 قسم 1 ص8-9.

وقال الأستاذ مصطفى الزرقاء في كتابه المدخل الفقهي العام: (فالديون في الذمم هي حقوق شخصية مملوكة لأصحابها, والتزامات على من هي في ذممهم).

ولكن قال فقهاء الحنفية: (إنَّ الدَين: هو وصف في الذمة)(1).

ومن أجل ذلك اختلفوا؛ هل يعتبرون ملكاً لصاحبه وهو في الذمة, أو لا يعتبرون لأنَّه مجرد وصف شرعي؟.

وقد رجَّح العلماء منهم النظر الأول, فقالوا: الحقُّ أنَّه يُملك, واستدلوا عليه بالتالي:

أولاً: جواز هبة الدين للمدين؛ وهي تمليك.

ثانياً: إعتبار الدَين المشترك من قبيل شركة الملك, حتى لو أخذ أحد الشريكين فيه من المدين شيئاً عن حصته يشاركه فيه الآخر.

ثالثاً: إنَّ الفقهاء قد يصفون الدَين بأنَّه مال حكمي, أي شيء اعتباري يملكه الدائن وهو موجود في ثروة المدين, فيصحُّ أنْ يُقال أنَّ الدَين عند الفقهاء مالٌ من حيث المال.

وقال أيضاً الأستاذ مصطفى الزرقاء: (والدَين في الفقه الإسلامي يعبر به في الأصل عن الناحية السالبة في الإلتزام النقدي أو ما في حكمه, أي عن الإلتزام الملتزم بدفع نقود وما في حكمها من الأموال المثلية التي تثبت في الذمة, كمن اقترض مثلياً أو أتلفه؛ فإنَّه يكون ملتزماً بمثله دَيناً في ذمته, وعليه وفاؤه من الأموال العينية المماثلة للثابت في الذمة)(2).

والمتحصل من جميع ذلك:

1- إنَّ القرض؛ بل مطلق الدَين في الإصطلاح الفقهي يطلق على المال الذي اشتغلت به ذمة المدين؛ وهو المتعارف عليه في عبارة الفقهاء.

ص: 267


1- كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم؛ ج1 ص814.
2- المدخل الفقهي العام؛ ج 3 ص 168.

2- إنَّ القرض يطلق على ذمة المدين ولكن بمعنى ما تتعهد به وتلتزم من ردّ البديل للدائن, ويعبّر عن هذا بالوصف كما في التعريف الحنفي, أو بالحقِّ كما في تعريف القانون المدني المصري, أو بالمال الحكمي, أي الإعتباري على رأي فقهي آخر.

3- إنَّ المال له نوعان؛ عيني خارجي, واعتباري فرضي وهو ما في الذمم, أي العهدة أو الإلتزام.

4- بيع ما في الذمم من المال له أحكام خاصة بعض أقسامه يكون باطلاً, وسيأتي بيانها في كتاب البيع إنْ شاء الله تعالى.

5- الإقتصاد العالمي -ومنه الإقتصاد الإسلامي- يقوم أغلب معاملاته المالية على بيع الدَين والقرض, ولا بُدَّ من تطبيقها على مقررات الشريعة الإسلامية لئلا تستغل المعاملات المالية في الإقتصاد الإسلامي من قبل الإقتصاد العالمي ويوجب ضعفه.

المصداق الخامس: الحقوق
اشارة

جمعٌ مفرده الحقُّ, وقد عُرّف في اللغة ب-(النصيب الواجب للفرد والجماعة)(1). وفي الفقه له معاني. وأمّا ما يرتبط بموضوع بحثنا فقد ذكروا له تعاريف:

1- إنَّه نحو من السلطنة في مقابلة الملك؛ كما يظهر من الشيخ الأنصاري قدس سره.

2- إنَّه مرتبة ضعيفة من الملك أو أول مراتب الملك؛ كما عليه معظم الفقهاء.

3- إنَّه سلطنة وملك, فيكون الحقُّ والملك والسلطنة معنىً واحداً وإنْ كان الحقُّ أخصّ منهما.

4- إنَّه الملكية غير الناضجة.

ص: 268


1- الإفصاح؛ ج1 ص248.

والصحيح أنْ يُقال: إنَّ جميعها يرجع إلى ملاك واحد وهو: إنَّ العلقة والإضافة الحاصلة بين المضاف والمضاف إليه إنْ كانت تامة صالحة لأنحاء التقلبات تسمى ملكاً, وإنْ كانت ناقصة لا تصلح إلا لنحو من التغلب لقصور في نفسها أو متعلقها تسمى حقَّاً. وقد تقدم الكلام فيه مفصلاً؛ فراجع.

ومتعلقه قد يكون مالاً, أو شخصاً, أو هما معاً كالعين المستأجرة, فإنَّ للمستأجر سلطنة على المؤجر في حاله الخاص. وقد يكون من عليه الحق موجوداً وقد يكون معدوماً.

وكيف كان؛ فالحقُّ يقع أيضاً مورداً للمعاملات المالية, ويكون إمّا عوضاً أو معوضاً, ولكن عرفت مِمّا ذكرناه في بحث الحقّ أنَّ الحقوق ليست كلها قابلة لأنْ تقع مورد المعاملة؛ فراجع.

وبذلك نُنهي الكلام في مفردات المال ومصاديقه في الفقه والقانون.

والذي ينبغي أنْ يُقال: إنَّ الفقهاء يتَّفقون على أنَّ الأعيان والنقود مال, ويختلفون في ما سواهما؛ فقد ذهب بعضهم إلى إضافة المنافع إليها فتصير المفردات ثلاثة: الأعيان والنقود والمنافع.

وذهب آخر إلى إضافة القروض فتصير المفردات أربعة.

وذهب ثالث إلى جعلها خمسة؛ بإضافة الحقوق.

ولمّا قلنا بأنَّ مالية الشيء تتقوم باعتبار العرف وتحليل الشرع؛ فالعرف يختلف في مثل تلك الأمور من مجتمع لآخر ومن عصر إلى سواه, فيكون المرجع هوالعرف؛ فما يعدّه مالاً يعتدُّ به مالاً, إلا إذا ألغى الشارع المقدس ماليته؛ وسيأتي تفصيل ذلك.

ولا ريب أنَّ الإقتصاد العالمي المعاصر قد أعطى أهمية كبيرة للمال واعتبره الأصل والقاعدة في اقتصاده, بخلاف الإسلام؛ فإنَّه وإنْ جعل للمال أهمية خاصة إلا أنَّه حدَّده بحدود الدين والأخلاق.

ص: 269

المعاملة المالية

لمّا وقع البحث عن المال ومفرداته ينبغي البحث عن وقوعه طرفاً للمعاملة, ويسمى المعاملة المالية. وقد تقدم تعريف المال بأنَّه كلُّ شيء يعدُّه العرف مالاً, ويحلّ التعامل به شرعاً.

وأمّا المعاملة فهي عقد يتمُّ باتفاق طرفين والتزامهما بمضمونه وتعهدهما بالوفاء به.

وفي الفقه؛ هي عقد شرعي قوامه المال.

تصنيف المعاملة المالية

لا ريب أنَّ العقود على أنواع, وهي تختلف من حيث الأحكام والآثار المترتبة عليها, والذي يميز العقود بعضها عن بعض إنَّما هو محلُّ العقد, أي المعقود عليه.

وسوف يأتي في مبحث نظرية العقد مقومات العقد في الفقه الإسلامي, وهي:

* طرفا العقد (الموجب والقابل).

* محلُّ العقد (المعقود عليه).

* موضوع العقد (أثر العقد).

* ركنا العقد (الإيجاب والقبول).

والذي يكون سبباً في تمايز العقود إنَّما هو محلُّ العقد؛ فإنَّه إمّا أنْ يكون المالَ أو غيره, ففي عقد البيع هو المبيع, وهو الموهوب في عقد الهبة, والمرهون في عقد الرهن, والمتعة الجنسية المشتركة في عقد النكاح, إلى غير ذلك.

وعليه؛ تكون المعاملة المالية هي كلُّ معاملة يكون محلُّ العقد فيها هو المال, كما هو مقتضى تقييدها بالمالية؛ فإنَّ المعاملة التي لا يكون المعقود عليه هو المال لا تدخل تحت هذا العنوان. كعقد النكاح وإنْ اشتمل على عنصر المال الذي هو المهر, لأنَّه ليس هو المعقود عليه, وإنَّما

ص: 270

المعقود عليه في هذا العقد هو المتعة الجنسية المشتركة, فتكون المعاملة المالية صنف من أصناف المعاملات, وإنَّما تتميز بأنَّ المعقود عليه فيها هو المال.

أقسام المعاملة المالية

لا ريب أنَّ المعاملات المالية الدائرة في حياتنا الراهنة لها جهات كثيرة تنقسم بحسبها, فتكون أقسامها راجعة إلى تلك الحيثيات. والذي يرتبط بموضوع البحث -وهو الإقتصاد- هو التقسيم من ناحية قِدم بعضها وحداثة بعضها الآخر.

القسم الأول: هي تلك المعاملات الموروثة من عصور سابقة تضرب جذورها إلى عصر التشريع. ويطلق عليها عنوان المعاملات القديمة.

القسم الثاني: هي المعاملات الجديدة التي أفرزها التطور الإقتصادي في كلِّ المجالات كالتجارة والزراعة والصناعة, وأمثال عقود التأمين والنقل, وأمثال المؤسسات المالية الكبيرة كالبنوك والشركات المساهمة.

ولا ريب أنَّ موقف التشريع الإسلامي من المعاملات القديمة واضح؛ فإنَّه عندما جاء كانت في المجتمعات المعاصرة لعصر التشريع معاملات قائمة ذات أنظمة معينة مستفادة إمّا من الشرائع الإلهية السابقة على الإسلام, أو حاصلة من التجارب والعادات والعرف القائم حينئذ, ووظيفة التشريع هي تنظيم العلاقات الإجتماعية على اختلاف أنماطها واتّجاهاتها الإقتصادية وغيرها بما يرجع إلى تحقيق المصلحة أو درء المفسدة, أو بما يجلب النفع ويدفع الضرر, فاتَّبع التشريع الإسلامي في توفير هذا الغرض الخطوات التالية:

أولاً: إعطاء المشروعية لبعض هذه المعاملات وإمضائها, وذلك إمّا بتحليلها وتجويز التعامل بها, وإمّا بعدم الردع عنها.

ثانياً: سلب المشروعية عن بعضها الآخر, وذلك بتحريمها والردع عن التعامل بها.

ص: 271

ثالثاً: تهذيب بعض المعاملات القديمة, وذلك إمّا بإضافة عنصر إليها -جزءً أو شرطاً-, أو بحذف شيء منها, أو غيرهما, ثم الإعلان عن مشروعيتها وتجويز التعامل بها بالصورة المهذبة, وتحريم التعامل بها بصورتها القديمة غير المهذبة؛ كما بالنسبة إلى البيع والتجارات الدائرة بينهم؛ ففي البيع قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)(1), فأعطى المشروعية لمعاملة البيع وسلبها من معاملة الربا.

التشريعات التي ترتبط بالدَين في آية الدَين

وبالنسبة إلى معاملة الدَين والقرض فقد ورد في أطول آية في القرآن الكريم من سورة البقرة أروع التشريعات التي ترتبط بتهذيب هذه المعاملة, قال المقداد السيوري: (ففي الآية أحد وعشرون حكماً, بل ربَّما يذكر فيها فوائد تزيد على ذلك)(2), ونحن نذكرها مع شيء من التصرف:

1- إباحة الإستدانة؛ لأنَّها مِمّا قد يضطَّر الإنسان إليه في حياته, فتكون سائغة, ولأنَّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم استدان, وكذا أمير المؤمنين علي علیه السلام وسائر الأئمة علیهم السلام .

2- إباحة التأجيل؛ لقوله تعالى: (إِلَىٰ أَجَلٍ)؛ لأنَّ الدَين حقٌّ يثبت في الذمة, فهو أعم من المؤجل وغيره.

3- وجوب كون الأجل مضبوطاً؛ لقوله تعالى: (مُسَمًّى)؛ كاليوم والشهر والسنة لا ما يحتمل الزيادة والنقيصة كقدوم الحاج, وإدراك الثمرة.

4- الأمر بكتابة الدَين؛ لئلا يذهب مال المسلم بعوارض كالنسيان والموت والحجور.

5- وجوب كون الكاتب أميناً؛ لقوله تعالى: (بِالْعَدْلِ)؛ وهي صفة, أي كونه موصوفاً بالعدل كي لا يزيد ولا ينقص أو يفعل خلاف ما تراضى به المتعاملان.

ومنه يعلم اشتراط كونه ذا علم ودراية بدقائق المعاملات ليكمل المقصود منها.

ص: 272


1- سورة البقرة؛ الآية 275.
2- كنز العرفان؛ ج2 ص46-56.

6- وجوب كتابة الدَين وجوباً كفائياً؛ لقوله تعالى: (وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ)؛ فإنَّ النهي للتحريم كما قيل.

بل قيل بأنَّه فرض عين مع عدم غيره مِمَّن له علم بها أو مع ضرر صاحب الدَين بترك الكتابة.

وقيل: كانت واجبة عيناً فنسخت بقوله تعالى: ( وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ).

ولكن المعروف عند فقهائنا أنَّها مستحبة لأنَّها من مصاديق التعاون على البرّ؛ فيشمله قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ)(1), وواجبه على الكفاية ليتمّ نظام النوع.

7- إنَّ قوله تعالى: (كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ) هو متعلق ب- (يَأْبَ)كما قيل, أي: لا يأبَ كاتبٌ أنْ يكتب كما علّمه الله تعالى, فيكون (فَلْيَكْتُبْ) أمراً بعد النهي تأكيداً.

ويحتمل أنْ يكون متعلقاً بالأمر, أي (أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ), فيحتمل حينئذٍ معنيين:

أحدهما؛ كما علمه الله تفضلاً منه, فليتشبّه بأخلاق الله تعالى, وليتفضل بكتابة الدَين, كما تفضّل الله عليه, من قبيل قوله تعالى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)(2).

والمعنى الآخر: أمره بأنْ يكتب كما علّمه الله تعالى من الفقه في تلك المعاملة, بحيث لا يكتب شيئاً يخالف مقتضاها مِمّا فيه ضرر أو بخس على المتعاملين.

فعلى الإحتمال الأول يكون الأمر للندب, وعلى الثاني يكون للوجوب.

كما إنَّه على الأول يكون النهي السابق مقيداً, وعلى الثاني يكون مطلقاً.

ص: 273


1- سورة المائدة؛ الآية 2.
2- سورة القصص؛ الآية 77.

8- قوله تعالى: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ)؛ الإملال والإملاء بمعنى واحد وقد ورد كِلاهما في القرآن الكريم, وإنَّما وجب كون المملي هو الذي عليه الحقّ, لأنَّه المشهود عليه. ويجب عليه تقوى الله فيما يملله, ولا يبخس من الحقِّ الذي عليه شيئاً, والبخس هو النقص.

9- قوله تعالى: (فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَيَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)؛ ففيه: إنَّ السفيه: هو المبذر الذي يصرف أمواله في غير الأغراض الصحيحة أو ينخدع في المعاملة, والضعيف: أي في العقل؛ بأنْ كان صبياً أو كبيراً لا عقل له. والذي لا يستطيع الإملاء: فهو إمّا الأبكم أو الأخرس؛ فليملل أولياء هؤلاء.

10- (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ)؛ وفيها دلالة على اشتراط الإثنينية في الشهادة بالدَين, فيدلُّ على عدم قبول الواحد, أمّا مع انظمام اليمين من المدَّعي فيقبل في فقهنا.

11- (من رِّجَالِكُمْ)؛ أي من المؤمنين, ويفهم منه أمران؛ أحدهما: إشتراط البلوغ في الشاهد لمكان ذكر الرجال, فلا تقبل شهادة الصبي, ويدخل المجنون بطريق أولى لعدم تعقله.

والآخر: إشتراط الإيمان؛ فلا تقبل شهادة الكافر إلا على تفصيل في الوصية.

12- (فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)؛ وفيها الدلالة على جواز شهادة النساء منضمّات إلى الرجال, لكن في الديون والمعاملات وكلُّ ما يقصد فيه المال.

13- (مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء)؛ أي من الرجال والنساء المرضيين في الدِّين, وهم العدول, فإنَّ الفاسق غير مرضي.

ص: 274

14- ( وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ)؛ قيل: إذا ما دعوا في التحمل والأداء معاً. وقيل في التحمل فقط. وقيل في الأداء فقط.

والأنسب لسياق الآية هو القول الثاني لأنَّ الكلام في التحمل لا في الأداء -الإقامة- وإنْ كان القول الأول له وجه وجيه؛ للإطلاق.

والنهي عن الإباء يستلزم الأمر بالتحمل لكنه على فرض الكفاية, وقد يكون فرض عين إذا لم يوجد غير الشاهدين.

15- (وَلاَ تَسْأَمُوْاْ)؛ أي لا تملّوا. (أَن تَكْتُبُوْهُ)؛ أي تكتبوا الدَين. (صَغِيرًا)؛ أي سواء كان الدَين قليلاً أم كثيراً.

وفيه الدلالة على استحباب كتابة الدين والإشهاد به, وذلك لأسباب ثلاثة:

الأول: إنَّه ( أَقْسَطُ عِندَاللّهِ)؛ أي أعدَل.

الثاني: إنَّه (وَ أَقْومُ لِلشَّهَادَةِ)؛ أي أعون لها, لأنَّ المكتوب أبعد من الزوال والنسيان.

الثالث: إنَّه (وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ)؛ أي أقرب في انتفاء الريب والشكّ, لأنَّ عدم الكتابة سبب لريب أحد الغريمين في أنَّه صادق أو كاذب.

16- (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً)؛ إستثناء من الأمر بالكتابة إذا كانت المعاملة بينكم تجارة حاضرة يداً بيد من غير غَيبة لأحد العوضين فليس عليكم جناح إنْ لم تكتبوا تلك المعاملة, فإنَّه لا يحتمل فيها شكٌّ استقبالي.

17- (وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ)؛ فيما إذا لم تكن المبايعة بالدَين حتى لا يلزم التكرار.

وإنَّما أمر بالإشهاد عند المبايعة إرشاداً إلى رعاية مصلحتها وإذ لولاه كان مظنة التحريف والنزاع في كمية أحد العوضين أو شرط أو خيار أو بندم أحد المتابعين على البيع.

ص: 275

18- (وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ)؛ وفيه قراءتان يختلف المعنى من أجلهما:

إحداهما: ( وَلاَ يُضَآرَّ) بالإظهار والكسر, والبناء للفاعل, وهي قراءة أبي عمرو.

وعليها يكون المعنى: لا يجوز وقوع المضار من الكاتب بأنْ يمتنع من الإجابة, أو يحرّف بالزيادة والنقصان وكذا الشهيد لا يمتنع إذا دعي للتحمل أو الإقامة ولا يكتم شيئاً مِمّا شهد به أو يزيد أو ينقص بما فيه ضرر على المشهود به.

وثانيهما: ( وَلاَ يُضَآرَّ) بالإدغام والفتح والبناء للمفعول, وهي قراءة الباقين.

وعليها يكون المعنى: لا يفعل بالكاتب والشهيد ضرر بأنْ يكلفهما قطع مسافة فيها مشقة من غير تكلّف مؤونتها, أو لا يعطي الكاتب أجرته وافية أو غير ذلك من أسباب المضارة.

19- ( وَ إِن تَفْعَلُواْ )؛ تلك المضار على أحد التقديرين (فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)؛ أي خروج عن أوامر الله سبحانه.

20- (وَاتَّقُواْ اللّهَ)؛ أي: إعتمدوا التقوى في كلِّ ما أمركم الله تعالى به في أمور دينكم ودنياكم.

21- (وَ يُعَلِّمُكُمُ اللّهُ)؛ أي: هذه الأحكام المذكورة كلُّها من تعليم الله تعالى لكم ترجع إلى مصالحكم وسعادتكم, فلا ترتابوا في شيء من ذلك لأنَّه بكل شيء عليم. وفي ذلك دلالة على أنَّ الأحكام كلُّها بتعليم الله سبحانه وتعالى.

ومن هذه الآية وأمثالها التي وردت في كيفية اكتساب المال واستخدامه والإنتفاع به نستفيد موقف الإقتصاد الإسلامي من المال والمعاملات المالية؛ فإنَّهما إنَّما جعلهما الله تعالى وشرَّع لهما الأحكام من أجل إسعاد الإنسان في عيشه وحياته الدنيوية ورعاية مصالح الناس, ومن أجل تقوية الجانب الأخلاقي في الإنسان, والإهتمام بالجانب العقائدي لئلا

ص: 276

يشتغل الإنسان بكسب المال فقط ويهتم بالجانبالمادي فقط ويتغافل عن الجانب المعنوي فيكون من مصاديق قوله تعالى: (أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ)(1)؛ همُّها الأكل والفساد.

وقد استفاد الفقهاء من المفردات الواردة في تلك الآيات الشريفة النظام الخاص بالإقتصاد الإسلامي وقاموا باستخراج القوانين والقواعد المتعلقة بالمعاملات وشرحوا مصطلحاتها وعناصرها ومقوماتها وأجزائها وشروطها ودرسوا باهتمام الآثار والنتائج المترتبة عليها, ثم إنَّه تقدم أنَّ المعاملات تتميز من حيث محلّ المعقود, ولها أقسام عديدة في الفقه؛ كالبيع والقرض والربا والإجارة والمضاربة والشركة والهبة والرهن ونحو ذلك.

هذا كلُّه موقف الإسلام من المعاملات القديمة.

أمّا موقفه من المعاملات الجديدة فقد تصدَّى بعض الفقهاء لبيان بعض أحكامها, لكن لا تصل إلى مستوى ما تطورت اليه تلك المعاملات في الإقتصاد العالمي.

وسوف يأتي البحث عنها مفصلاً بما يوافق متطلبات التطور, كما سيأتي بيان الفارق بين ما يقتضيه البحث في المعاملات القديمة, وينطلق البحث في المعاملات الجديدة. وهما من الفوائد التي نستفيدها من هذا التقسيم.

موقع المعاملة المالية في حركة المال

من المعلوم أنَّ المال لا يتحرك بين الناس أفراداً ومؤسسات إلا في ضمن عملياته المعروفة التي تتمثل فيها حركة تنقله, وهذه العمليات هي:

أولاً: الإنتاج

ويراد به: إستثمار ما في الطبيعة من ثروة؛ إمّا عن طريق الزراعة أو الصناعة أو الإستخراج, ونحو ذلك.

ص: 277


1- سورة الأعراف؛ الآية 179.

عناصر الإنتاج

وهي إقتصادياً: الأرض ورأس المال والعمل والتنظيم.

ويقصد بالأرض: الطبيعة ذات الريع بكل أبعادها وأجوائها.

ويقصد برأس المال: النفقة التي تبذل في عملية الإنتاج.

ويقصد بالعمل: الأيدي العاملة.

ويقصد بالتنظيم: خلق قيمة معينة, وذلك بإضافة عنصر المنفعة أو الفائدة.

وقد ينظم تلك العناصر عنصر المنفعة أو الفائدة إلى الشيء المنتوج بغية إعداده للإنتفاع به في عملية التبادل, وذلك بإيصاله إلى المستهلك أو بتنمية رأس المال لزيادة الثروة.

ثانياً: التداولويراد به: إنتقال المنتوج من مالكه إلى آخر عن طريق التبادل بنقود أو بأعيان أو منافع أو حقوق. والتبادل أو المبادلة هو المعاملة, وعن طريق التبادل يأخذ المنتوج أحد الطرق المذكورة في الكتب الفقهية في قسم المعاملات.

ثالثاً: التوزيع

ويراد به: إيصال المنتوج إلى المستهلك.

رابعاً: الإستهلاك

ويراد به: إنتفاع المستهلك بالمنتوج في تلبية احتياجاته الخاصة.

وهذا هو الطريق المتَّبع في الإقتصاد العالمي؛ حيث يعتمد على تحريك المال بالكيفية المذكورة, وقد حدد الشرع لكلِّ واحدٍ منها أحكاماً وآداباً تنصبّ في تخليص تلك عن السلبيات وتحديد أهدافها والغاية من ممارساتها التي ترجع إلى صلاح الإنسان وإسعاده وتنظيم شؤونه من حيث الجانب المادي والمعنوي.

ص: 278

والأجدر بالفقهاء تقسيم الفقه المعاملي على ضوء هذه العمليات ليواكب التطور الحاصل في هذه المجالات. وهناك طريقان آخران في هذا المجال -وهو تحريك المال- هما:

1- تنمية المال.

وذلك باستمرار تحركه داخل دائرة الإنتاج والتداول.

2- تخزين المال.

فإنَّ المشروعات تلجأ أحياناً إلى الإحتفاظ بمخزون من الكمية المنتجة لأسباب عديدة؛ منها: الرغبة في تأجيل بيع جزء من الإنتاج لفترة زمنية آجلة بأمل انتعاش الأثمان.

ومنها: الوفاء ببعض الطلبات غير المتوقعة دون الحاجة إلى زيادة الإنتاج.

ومنها: الرغبة في المحافظة على ثمن السلعة والهبوط(1).

ومن جميع تلك الطرق تحدث ظاهرة التبادل في حركة المال.

مجال البحث في المعاملات المالية

يقع البحث في المعاملات المالية في المجالين التاليين:

المجال الأول: الفقه؛ إنَّ الفقهاء يتناولونها من منطلقين:

1- دراسة النصوص الشرعية للمعاملات القديمة بدقَّة وإتقان, واستنتاج القواعد العامة والأحكام الشرعية منها؛ مضافاً إلى دراسة الإعتبارات العرفية للمعاملات العرفية, وتطبيق مؤديات النصوص على الواقع كما تقدم بيانه في ضمن بحوثنا المتقدمة.

2-دراسة واقع المعاملات الجديدة من خلال اعتباراتها العرفية, ومعرفة ما يوافق الشريعة منها وما يخالفها في تشريعاتها المعاملاتية من خلال المبادئ الإسلامية العامة والقواعد التي يمكن تطبيقها على مثل هذه المعاملات.

ص: 279


1- أسس علم الإقتصاد (إسماعيل محمد هاشم وعبد الرحمن يسر)؛ ص 200.

المجال الثاني: القانون

من المعلوم أنَّ المشرعين إنَّما يتناولون تلك المعاملات من منطلقين وهما: العرف والتشريع؛ لما تقدم في بحوثنا السابقة من أنَّ العرف من أهم مصادر القانون المدني, واعتبار ما درج الناس على اتّباعه, لأنَّ القانون هو ثمرة ظروف البيئة التي ينشأ فيها, فمن الطبيعي أنْ يكون للعرف الصدارة على باقي مصادر القانون(1).

ثم التشريع؛ وهو إجتهاد المشرع القانوني في إطار أصول القانون ومبادئه.

ولكن ذكرنا أنَّ القانون يعتبر من العناصر المهمة في الإقتصاد العالمي المعاصر, إلا أنَّ التشريع الإسلامي له الحكومة على تهذيب تلك القوانين الوضعية بما يوافق أحكام الشريعة الإسلامية.

ومن أجل ذلك لا بُدَّ من الرجوع إلى المنهج التشريعي الإسلامي الذي يتَّبع في الفقه الإسلامي دراسته بدقَّة وإتقان.

والمعروف عند العلماء أنَّ المنهج الفقهي يتبع خطوات معينة في سبيل تقنين تلك المعاملات المالية وتشخيص وتحديد موضوعها ومعرفة حكمها وآثارها؛ فيقع الكلام في هذا المنهج.

المنهج الفقهي

ويتمثل في المقام بالخطوات التالية:

أولاً: إعتبار العرف

والمراد به: أنْ ينظر الفقيه إبتداءً إلى ما درج عليه الناس على المعاملة, وكيفية التعامل معها حتى أصبح عرفاً بينهم, بمعنى ما تعارفوا عليه والتزموا به؛ وذلك ليتسنّى للفقيه تشخيص الموضوع ومعرفة شؤونه وملابساته.

ص: 280


1- المبادئ القانونية العامة (ط.4) (أنور سلطان)؛ ص 86.

ثانياً: النصوص الشرعية

وهو مِمّا يتحقق في ضمن أمور:

الأمر الأول: جمع الروايات الواردة في المعاملة ودراستها بدقَّة وإتقان والبحث فيها بشكل خاص, فإنَّ الفقيه بذلك يفهم معطياتها وحدود انطباقها على مفردة بحثه.

الأمر الثاني: مقارنة النتائج التي توصل إليها من ملاحظة الأمر السابق وكيفية تعامله مع النصوص بواقع الإعتبارات العرفية؛ فما وافق الروايات مع الإعتبارات يؤخذ به, وما خالفها يطرح.

الأمر الثالث: تطبيق القواعد العامة المسلمة في الفقه على تلك الإعتبارات.والمراد بالقواعد العامة:

1- العمومات والإطلاقات؛ التي بالرجوع إليها يستظهر الفقيه حكم المعاملة عند الشكِّ أو الجهل به, أمثال قاعدة الحلّ.

2- القواعد الفقهية؛ التي استنبطها الفقهاء من النصوص والأعراف العامة, أمثال قاعدة الوفاء بالعقود وقاعدة اللزوم وقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ونحو ذلك.

ولا ريب أنَّ الرجوع إلى هذه القواعد العامة إنَّما يصحّ فيما إذا لم يوجد نص شرعي خاص يخصُّ المعاملة المبحوث عن حكمها, كما هو الشأن في بعض المعاملات المالية المستحدثة التي لا تلتقي مع شيء من معاملاتنا القديمة.

قال الشيخ كاشف الغطاء: (ونحن حيث نتكلم في أحكام العقود والمعاملات ننظرها من جهتين؛ وجهتها العرفية, ووجهتها الشرعية؛ فنأخذ بالإعتبارات العرفية بوجه عام, ثم نعقبه بالنظر في الأدلة الشرعية وما لها من التصرف الخاص من منع باتّ, أو اعتبار بعض

ص: 281

القيود والخصوصيات فنتبعه إنْ كان, وإلا فالعمومات تلزمنا بما عليه العرف العام في معاملاتهم)(1).

وقد تقدم في المباحث السابقة ما يرتبط بكيفية التعامل مع العرف, وذكرنا أنَّه إنَّما نتعامل مع العرف بشرط أنْ لا يكون مخالفاً لحكم شرعي ثابت, ولا يكون تابعاً لعادات تخالف النواميس الإلهية وروح الشريعة الدينية؛ كما هو الأمر كذلك في كثير من الأعراف والعادات في عصر النهضة.

تقسيم فقه المعاملات

ذكرنا أنَّه إذا أردنا أنْ نواكب التطور الحاصل في تحريك المال في ضمن عملياته المعروفة فلا بُدَّ أنْ نطرح تقسيماً جديداً لفقه المعاملات لنواكب هذا التطور الهائل لئلا تتَّسع الفجوة بين الفقه الإسلامي وحركة الإقتصاد بالنسبة للمال وحركته, ونحن نطرح تقسيماً جديداً يمكن أنْ نستوعب ذلك على الإجمال ويرجع التفاصيل إلى آراء الفقهاء فنقول أنَّ تقسيم المعاملات على ما يلي:

الأول: العقود التي ترتبط بالإنتاج هي:

1- عقد المزارعة.

2- عقد المساقاة.

3- إحياء الموات والشركات.

4- عقد الإجارة بالنسبة إلى الأعمال.

5- المضاربة.

6- عقد الإستصناع.

ص: 282


1- تحرير المجلة؛ ج1 قسم 1ص11.

الثاني: العقود التي ترتبط بالتداول هي:1- عقد البيع.

2- عقد الإجارة بالنسبة إلى الأعيان.

3- عقد الشفعة.

4- عقد الجعالة.

5- عقد الشركة.

الثالث: العقود التي ترتبط بالتوزيع هي:

1- عقد الحوالة.

2- عقد الهبة.

3- عقد الدين والقرض.

4- عقد الجعالة.

5- عقد الضمان.

الرابع: العقود التي ترتبط بالإستهلاك هي:

1- عقد التأمين.

2- عقد المضاربة.

الخامس: العقود التي ترتبط بتخزين بالمال هي:

1- عقد الوديعة.

2- عقد الرهن.

3- عقد الضمان.

ص: 283

السادس: العقود التي ترتبط بتنمية المال هي:

1- عقد المضاربة.

2- عقد الشركة.

3- عقد البيع.

4- ما يرتبط بالمؤسسات المالية والبنوك.

5- ما يرتبط بالنقل والمواصلات.

6- ما يرتبط بالنقود والسياسة النقدية.

7- ما يرتبط بالملكية التجارية والصناعية والتجارية.

8- ما يرتبط بالوقف والوصية ونحوهما.

وهناك بعض العقود تتعدد الجهات فيها فيمكن إدراجها في أيِّ واحد من تلك العناوين كما لا يخفى.

ثم إنَّه بعدما ظهر تعريف المال وتحريكه في عملياته المعروفة والتي منها المعاملة المالية وتبين تعريفها وكيفية إستفادة أحكامها وشروطها وآدابها وآثارها وموقعها بالنسبة إلى مطلق المعاملات, وذكرنا أنَّها على الإجمال عقد شرعيقوامه المال, وتبين لنا الأمور التي ترتبط بهذا الموضوع وهو المعاملات المالية التي هي متعددة, وذكرنا بعضها في مباحثنا السابقة, وأهمها هي العناوين التالية:

1- نظرية العرف.

2- نظرية الملك.

3- نظرية الحقّ.

4- نظرية الذمة.

5- نظرية العقد.

ص: 284

وقد تقدم البحث بما يتعلق بالعناوين الثلاثة الأولى مفصلاً(1).

أمّا البحث في العنوانين الأخيرين(2) إنَّما يكون في حدود ما يرتبط بمطلق المعاملة؛ مِمّا يساعد على معالجة أبعادها وشؤونها وملابساتها, والتفصيل يأتي في مواقعها.

نظرية الذمة
اشارة

لا بُدَّ من تعريف الذمة لغوياً وفقهياً وقانونياً:

الذمة (لغةً)

ذكر أرباب المعاجم اللغوية لكلمة (الذمة) أكثر من معنى؛

فمنها: العهد. وعُلِّل ذلك بأنَّ كلَّ حركة يلزمك من تضييعها الذمّ, فإنَّ نقض العهد يوجب الذمّ(3).

ومنها: الأمان.

ومنها: الكفالة. عن النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (المسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهم)(4).

ومنها: الحقّ.

ومنها: الحرمة. ففي الحديث عن النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله)(5).

ص: 285


1- نظرية العرف ونظرية الملك ونظرية الحقّ.
2- نظرية الذمة ونظرية العقد.
3- كتاب الكليات؛ فصل الذال, الذمة, ج2 ص346.
4- وسائل الشيعة؛ ج 15 ص 69.
5- لم ترد هذه الرواية من طرقنا, وإنَّما وردت في مسند إبن حنبل؛ ج36 ص392.

ومنها: الأمانة.

ومنها: الإعتقاد. قال أبو الفتح البستي:

ولا تقتلوه إنَّني أنا عبده *** وفي ذمتي لا يقتل الحرُّ بالعبدِ

في ذمتي بمعنى: في اعتقادي.ومنها: الضمان. يقال أنت في ذمة الله. أي في عهدته بمعنى مسؤوليته في حفظك ورحمتك.

ولكن المستفاد من مجموعها أنَّ تلك المعاني ترجع إلى معنى واحد وهو الإلتزام. وتلك تكون من لوازمه, فإنَّه من الواضح أنَّ مخالفة الإلتزام تستوجب الذَّم, وباعتبار ذلك سميت ذمة.

والذمة مفردٌ جمعها (أذمة) و(ذمام) و(ذمم).

الذمة في القانون

ذكرت الدارسات القانونية الذمة ولكنها انصبَّت على الذمة المالية؛ فقد عرفها علماء القانون بأنَّها: مجموعة الحقوق والإلتزامات لشخص ما(1).

ولكن هذا من تعريف المحلِّ بالحالّ.

وقيل بأنَّها: ما للشخص وما عليه من أموال وديون منظوراً إليها كلّها كمجموع.

ولكن هذا التعريف يرجع إلى النظرة التقليدية التي وضعها فقيهان من فقهاء القانون هما: (أوبري) و(رِوُ) وتختص بالذمة المالية.

وكيف كان؛ فإنَّ المراد بالأموال جميع الحقوق المالية؛ عينية وشخصية, بنوعيها المادي والمعنوي, فلا تشمل الذمة المالية الحقوق غير المالية.

وعليه؛ يشترط في الديون أنْ تكون ذات قيمة مالية ولا تتعدى إلى غير المالية.

ص: 286


1- معجم المصطلحات الفقهية والقانونية؛ ص171.

كما أنَّ المقصود بقولهم (كمجموع) أنَّ الذمة المالية تقوم على فكرتين رئيسيتين هما:

1- إندماج عناصر الذمة المالية في مجموع من المال.

2- إندماج الذمة المالية في شخصية صاحبها.

وفي الوسيط شارحاً عناصر الذمة المالية من حقوق وديون: (لا يُنظر إليها عند تصور الذمة المالية على أنَّها عناصر منفصلة بعضها عن بعض لكلِّ عنصر منها ذاتيته وكيانه الخاص به, بل ينظر إليها على أنَّها جميعاً مندمجة في كلٍّ لا يتجزأ, فتفنى ذاتية هذه العناصر في المجموع الذي تكوّنه, وتصبح كلها مجموعاً من المال .....

إنَّ هذا المجموع من الحقوق والديون الذي هو الذمة المالية لم يقم كوحدة فنيت فيها عناصرها فاستغرقتها جميعاً, لأنَّ الذمة المالية قد اندمجت في شخصية صاحبها وأصبحت امتداداً لهذه الشخصية وصورة منطبعة منها, فكما أنَّ الشخصية واحدة لا تتعدد؛ كذلك الذمة المالية وحدة لا تتجزأ)(1).ولعل الوجه في اعتبار الوحدة في عناصر الذمة المالية والذمة الشخصية لنفي تعدد الذمم حسب تعدد الديون والحقوق التي في الذمة ومع أنَّ الشخصية واحدة فلا تعدُدَ في وقتها.

ولكن سيأتي أنَّ التعريف الفقهي يستدرك ذلك, فلا حاجة إلى ما يرشد إليه.

وكيف كان؛ فإنَّ ما ذكره فقهاء القانون هو السبب في تعدد التعريف للذمة, وتردده بين المفهومين التاليين:

المفهوم الأول: صلاحية الشخص لأنْ تكون له حقوق وعليه واجبات.

المفهوم الثاني: مجموعة الحقوق والديون التي للشخص وعليه.

حيث كانت عملية الدمج بين الشخص والمال هي منشأ التردد المزبور.

ص: 287


1- الوسيط؛ ج 8 ص 227- 232.

والمراد بالشخص -هنا- الشخص الطبيعي والشخص المعنوي, قال السنهوري: (فالحقوق والدين يجب أنْ تسند إلى شخص طبيعي أو معنوي يكون مالكاً لها وملتزماً بها)(1).

وكيف كان؛ فإنَّه إذا أخذنا الذمة بمعنى الصلاحية أو الصلوح لتحمل العهدة -كما سيأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى- فإنَّ مجال تملك الشخص والتزاماته عن طريق ذمته المالية تكون متعددة, ويترتب عليه:

1- الضمان العام للدائنين.

2- إنتقال تركة المورث إلى الوارث بما عليها من ديون.

3- ما يعرف بالحلول العيني, وهو: خروج مال من ذمة شخص ودخول مال آخر في نفس الذمة بدلاً من المال الذي خرج, فيحل المال الجديد محل المال القديم ويسري عليه نفس النظام القانوني الذي كان سارياً على المال القديم(2).

والحاصل: إنَّ الذمة المالية القانونية تتمثل في صلاحية وقدرة الشخص على تحمل المسؤولية القانونية بشأن العلاقة القائمة بينه وبين المال حقاً أو ديناً.

الذمة في الفقه

عُرّفت الذمة في علمي الفقه والأصول بعدة تعاريف, مِمّا أدى إلى الإختلاف في مدلولها, ولا بُدَّ من تقديم أمور:

الأمر الأول: الكلام في الذمة في الفقه وأصوله على نحو الإطلاق؛ مالية وغير مالية.

الأمر الثاني: إنَّ الذمة التي وقع البحث فيها عند الفقهاء هي المحل؛ إمّا على نحو الوصفية أو القابلية أو غيرهما, وليس الغرض عندهم بالمال فيه من الديون والحقوق وأمثال ذلك.

ص: 288


1- المصدر السابق؛ ص 232.
2- المصدر السابق؛ ص 252.

الأمر الثالث: إقترنت الذمة عندهم بالأهلية, فينبغي ذكر معنى الأهلية وأقسامها لنعرف موقع الذمة منها؛ فقالوا: إنَّ المقصود بالأهلية -هنا- أهلية التكليف؛ التي تعني صلاحية الإنسان لتحمل مسؤولية التكليف الشرعي وما يوصل إليه من نتائج وما يترتب عليه من آثار دنيوية وأخروية, وهذه الأهلية إنَّما تتوفر للإنسان عند توافر شروطها لديه وهي:

1- البلوغ.

2- العقل.

3- القدرة.

وتقسم هذه الأهلية إلى قسمين: أهلية الوجوب وأهلية الأداء؛ والفرق بينهما هو: إنَّ أهلية الوجوب تعني صلاحية الإنسان لإيجاب الحقوق له وعليه. وأمّا أهلية الأداء فإنَّها تعني صلاحيته لضرورة الفعل منه على الوجه المطلوب شرعاً.

ولم تتحقق أهلية الوجوب في الإنسان إلا بعد توفر العنصرين المقومين لها:

الأول: قابلية الإنسان لثبوت الحقوق له. وبعبارة أخرى: صلاحية الإنسان للإلزام.

والآخر: قابليته لثبوت الحقوق عليه. أو قل: صلاحيته للإلتزام.

أمّا العنصر الأول -وهو الإلزام- فهو يثبت للإنسان وهو جنين في بطن أمه, وفي هذه الحالة لا يتطلب الأمر وجود ذمة مقدرة في شخصه, لأنَّ الحقَّ له لا أنْ يكون عليه.

وأمّا العنصر الثاني -وهو الإلتزام- الذي يعني ثبوت حقٍّ عليه فإنَّه يتوقف على أمرين:

الأول: قابلية الإنسان للتحمل بأنْ يكون صالحاً لإيجاب الحقوق عليه, وهذا لا يتحقق إلا بعد الولادة.

الثاني: وجود الذمة؛ بمعنى: أنْ يكون في الإنسان المؤهل للوجوب محلٌّ مقدر لاستقرار تلك الحقوق فيه؛ بحيث تُشغله تلك الحقوق حال ثبوتها, ويفرغ منها حال سقوطها.

ص: 289

وهذان الأمران اللذان يتوقف عليهما تصور الإلتزام متلازمان في الوجود متغايران في المفهوم, فإنَّه يلزم من كون الشخص أهلاً لتحمل الحقوق أنْ يكون في شخصه مستقراً ومستودعاً لها وبالعكس.

وعندئذ يمكن لنا القول بأنَّه مهما اعتبرت للشخص أهليه التحمل شرعاً اعتبرت له ذمة. مع العلم بأنَّه ليست تلك الأهلية هي الذمة بنفسها, بل بينهما فرق كالفرق بين معنى القابلية ومعنى المحلّ(1).والخلاصة:

عکس

ص: 290


1- الموسوعة الفقهية الكويتية؛ ج21 ص274.

وعلى ضوء جميع ما تقدم ذكره يتبين موقع الذمة وأنَّها محل الإلتزام خاصة, وبعد ذلك نذكر أهم التعريفات التي ذكرت للذمة:

التعريف الأول: تعريف إبن أبي جمهور الأحسائي في الأقطاب الفقهية؛ قطب 35؛ قال: الذمة: (معنى قائم بالمكلف مقدور له قابل للإلزام والإلتزام).

والمراد بالمعنى القائم بالمكلف هو محل التحمل.

التعريف الثاني: تعريف مجلة الأحكام العدلية؛ المادة (612): (الذمة لغةً: العهد. وشرعاً: محل عهد جرى بينه (أي الإنسان) وبين الله يوم الميثاق, أو وصف صار به الإنسان مكلفاً).

والظاهر أنَّ مراد المجلة من الذمة أهلية التكلف.

وفي (كليات أبي البقاء) في شرح ذلك قال: (الذمة الصالحة للوجوب له وعليه إنَّما تثبت له بناءً على العهد السابق الذي جرى بين العبد وبين ربه جلّ وعلا يوم الميثاق, كما أخبر الله تعالى بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ)(1) حتى التزم بهذا العهد جميع ما يمكن أنْ يجب عليه من الحقوق عند تحقق أسبابها, فإذا وجد سبب حقٌّ ولزم ذلك عليه قيل: (وجبت في ذمته), أي هذا الواجب مِمّا دخل في عهده الماضي ولزم عليه بحكم ذلك العهد).ثم إنَّ التردد في تعريف المجلة المزبور بين (محل أو وصف) فيه الإشارة إلى الخلاف بين الأصوليين في الذمة؛ هل هي ذاتٌ أو وصف كما سيظهر من التعاريف التالية.

التعريف الثالث: تعريف آخر في مجلة الأحكام العدلية؛ المادة (190): (الذمة: وصف يصير به المكلف أهلاً للإلزام والإلتزام).

وفي هذا التعريف تُرادف المجلة بين الذمة وأهلية الوجوب.

ص: 291


1- سورة الأعراف؛ الآية 172.

التعريف الرابع: ما ورد في (كليات أبي البقاء) عن فخر الإسلام أنَّه عرّف الذمة بأنَّها: (نفس لها عهد؛ فإنَّ الإنسان يولد وله ذمة صالحة للوجوب له وعليه).

وهو أيضاً يرادف بين الذمة وأهلية الوجوب, ولكن يذهب إلى أنَّها ذاتٌ لا وصفٌ.

ويعرف أبو البقاء في (الكليات) بقوله: (الذمة وصفٌ يصير الشخص به أهلاً للإيجاب له وعليه). فإنَّه يراها وصفاً مرادفاً لأهلية الوجوب.

التعريف الخامس: ما ورد في (المدخل) عن حاشية الحموي على الأشباه والنظائر أنَّ الذمة هي: (أمر شرعي مقدر وجوده في الإنسان يقبل الإلزام والإلتزام). ومراده بالأمر الشرعي المقدر وجوده -على الظاهر- محل التحمل, فيقترب من تعريف إبن أبي جمهور الأحسائي.

التعريف السادس: ما ورد في درر الأحكام في شرح مجلة الأحكام عن صدر الشريعة في (تنقيح الأصول) أنَّ الذمة هي: (وصف شرعي يصير به الإنسان أصلاً لما له وعليه).

فيكون مراده من الذمة أهلية الوجوب, لأنَّ من شروطها العقل -كما تقدم بيانها-.

التعريف السابع: تعريف الأستاذ الزرقاء في (المدخل الفقهي العام؛ ج3 ص181): (إنَّ لفظ الذمة في الفقه الإسلامي يفيد معنى الوعاء الإعتباري الذي يعي الديون الثابتة على الإنسان).

وظاهر هذا التعريف إنَّه يختص بالذمة المالية, إلا أنْ يعمَّ الديون ليشمل الديون المالية والأخلاقية وغيرها. كما أنَّه يعني بالذمة محل التحمل, فيلتقي مع تعريفي إبن أبي جمهور والحموي من هذه الناحية.

وحينئذٍ نقول: إنَّ الذمة ذلك المحل والوعاء الإعتباري في الإنسان الذي تحّل فيه الديون الثابتة عليه التي يلتزم صاحبها بالوفاء بها.

ويلخص الدكتور نزيه حماد آراء الفقهاء في معنى الذمة فيقول: (الذمة في اللغة بمعنى العهد والأمان والضمان).

ص: 292

أمّا في الإصطلاح الشرعي؛ فيرى الحنفية أنَّ الذمة عبارة عن وصف شرعي قدَّر الشارع وافترض وجوده في الشخص إيذاناً بصلاحيته لأنْ يكون له حقوق ولأنْ تجب عليه واجبات بحيث يكون بمنزلة السبب لكون الإنسان أهلاً للوجوب له وعليه. وعلى ذلك فهي ظرف ووعاء اعتباري يقدّر قيامه في الشخص بحيثيستقر فيه الوجوب ويثبت فيه الديون وسائر الإلتزامات التي تترتب عليه, كما تثبت فيه الحقوق التي تجب عليه.

وخالفهم في ذلك بعض الفقهاء؛ فنصوا على أنَّ الذمة ليست صفة مقدرة مفترضة, وإنَّما هي النفس والذات, فإذا قيل: ثبت المال في ذمة فلان, وتعلق بذمته, وبرئت ذمته, واشتغلت ذمته؛ فالمراد بذمته ذاته ونفسه, لأنَّ الذمة في اللغة العهد والأمانة ومحلها النفس والذات فسمي محلها باسمها(1).

نتائج البحث

أولاً: إنَّ الذمة أقرب إلى المحل منه إلى الحال, ولكن لشدة الإرتباط بينهما وعدم إمكان التفكيك بينهما قد يطلق الحال على المحل؛ كما في تعاريف فقهاء القانون.

ثانياً: الذمة إذا كانت محلاً للديون والحقوق والتكاليف فهم قد اختلفوا في حقيقتها بين كونها النفس أو الذات أو العقل, لعله من أجل عدم الوصول إلى حقيقتها اعتبر بعض الفقهاء بأنَّ الذمة وصف شرعي قدَّره الشارع وافترض وجوده في الشخص.

وإذا أردنا أنْ نفهم كون الذمة وصفاً على نحو المحل لا بُدَّ أنْ نعترف بأنَّه أقرب ما يمكن تصويره بالنسبة إلى شيء لم يعرف حقيقة ذاته.

ولكن الأصحّ من جميع ذلك أنْ نقول بأنَّ الذمة وعاء اعتباري قرره العقلاء والشارع قد رتّب عليه أحكاماً وآثاراً.

وهذا يوافق جميع تلك الأقوال.

ص: 293


1- معجم المصطلحات المالية والإقتصادية في لغة الفقهاء؛ ص 173.

ثالثاً: إنَّ الذمة هي الوعاء والظرف, والمظروف هو التكاليف الشرعية من الواجبات والمحرمات وغيرها والديون وسائر الإلتزامات التي تترتب عليها والحقوق مطلقاً, فلا يختَّص هذا الوعاء بخصوص المال والديون.

وهذه الجهة من أهم موارد الإفتراق بين الإقتصاد العالمي والإقتصاد الإسلامي؛ فإنَّ الذمة في الفقه الإسلامي واقتصاده يعمُّ المال والحقوق وسائر الواجبات والتكاليف, ومن هذه الناحية كانت الذمة محترمة عقلاً وشرعاً ولها مكانتها في الشرع الإسلامي ويجب على كلِّ فرد الخروج عن جميع عهوده والتزاماته.

رابعاً: الذمة هي السبب في جعل الإنسان ذا أهلية للوجوب له وعليه, وبها تميز الإنسان عن غيره من سائر الحيوانات؛ فإنَّها لا ذمة لها.

ومن هنا فمن أهمل ذمته ولم يعمل بما تملي عليه ذمته من الأحكام والأخلاق أصبح كالحيوان لا يعدّه العقلاء أهلاً للأمانة والوثاقة.

هذا ما يتعلق بالذمة بالمقدار الذي يتعلق بموضوع مباحثنا الإقتصادية, وهناك جوانب أخرى من البحث بالنسبة إلى هذا الذي تميّز الإنسان به.

نظرية العقد
اشارة

لا إشكال في أهمية العقد في الفقه والقانون, لأنَّه ينظم معظم العلاقات الإجتماعية والإقتصادية, وقد جعله الفقهاء عند تقسيمهم الأحكام الشرعية قسماً مستقلاً بذاته, حيث قسموا الفقه إلى أربعة أقسام وهي: العبادات والعقود والإيقاعات والأحكام.

وإنَّما أقاموا هذا التقسيم على أساس مصلحة الحكم, فإنْ كانت المصلحة أخروية فهي العبادات, وإنْ كانت دنيوية فهي الأقسام الثلاثة الأخرى.

ثم قسموا هذه الثلاثة على أساس اعتمادها على الصيغة القولية وعدمها؛ فكان نصيب العقد من هذه القسمة أنَّه الحكم الذي يعتمد على الصيغة القولية من قبل طرفي العلاقة.

ص: 294

قال الشهيد -الذي يعتبر الرائد لهذا التقسيم-(1): (الحكم الشرعي ينقسم إلى الخمسة المشهورة: الوجوب, والحرمة, والإستحباب, والكراهة, والإباحة, وربما جعل السبب والمانع والشرط مغايراً لها, كالدلوك الموجب للصلاة, والنجاسة المانعة منها, والطهارة المصححة لها.

وكل ذلك ينحصر في أربعة أقسام: العبادات والعقود والإيقاعات والأحكام. ووجه الحصر أنَّ الحكم الشرعي إمّا أنْ تكون غايته الآخرة, أو الغرض الأهم منه الدنيا؛ والأول: العبادات. والثاني: إمّا أنْ يحتاج إلى عبارة أو لا. والثاني: الأحكام. والأول: إمّا أنْ تكون العبارة من إثنين تحقيقياً أو تقديراً أو لا. والأول: العقود. والثاني: الإيقاعات).

ولكن السيد الوالد قدس سره في كتابه (تهذيب الأصول) وإنْ تابع الشهيد الأول في تقسيمه الرباعي مع فارق جعله المقسم وظيفة الإنسان شرعاً, وأقام قسمته على أساس قصد القربة, فقال: (إن وظائف العباد إمّا أنْ تكون متقومة بقصد القربة أو لا. والثانية -أي غير المتقومة بقصد القربة- إمّا أنْ تكون بين اثنين أو لا. والثالثة -أي التي لم تكن بين أثنين- إمّا أنْ تتوقف على الإنشاء أو لا. فالأول: العبادات. والثانية: العقود. والثالثة: الإيقاعات. والرابعة: الأحكام)(2).

وبعد التقسيم الرباعي للشهيد الأول نَظِّم تقسيمه بإدراج الأقسام الثلاثة عدا العبادات تحت عنوان المعاملات, ثم قسم المعاملات إلى الأقسام الثلاثة على نفس الأساس الذي اعتمده الشهيد قدس سره, فقال: (التشريع ينقسم إلى العبادات والمعاملات, والأخيرة تنقسم إلى العقود والإيقاعات والأحكام).

ص: 295


1- في كتاب القواعد والفوائد؛ ج1 ص 30- 31.
2- تهذيب الأصول؛ ج1 ص7.

وأخيراً ذُكر تقسيمٌ آخر وهو: إنَّ الأحكام تنقسم إلى العبادات والمعاملات (العقود) والإيقاعات والمرافعات.وقد تقدم في أحد مباحثنا السابقة الكلام حول تقسيم الفقه والإشكالات عليه؛ فراجع.

وفي المقام أردنا إظهار موقع العقود في الفقه وأهميتها في الشريعة.

موقع العقد في تصرفات الإنسان

تظهر أهمية العقود في حياة الإنسان أنَّها الجزء الأهم والأكثر شيوعاً في حياته الإجتماعية, وعليه يدور نظام الإجتماع والإقتصاد. وقد قسم الأستاذ الزرقاء المعاملات مِمّا يبين هذه الأهمية فقال: (العقد ضرب عن تصرفات الإنسان, والتصرف -بالمعنى الفقهي- هو: كلُّ ما يصدر عن شخص بإرادته ويرتب الشرع عليه نتائج حقوقية. وهو نوعان: فعلي وقولي؛

فالتصرف الفعلي: هو ما كان قوامه عملاً غير لساني, كإحراز المباحات, والغصب, والإتلاف, واستلام المبيع, وقبض الدين, وما أشبه ذلك.

والتصرف القولي نوعان: عقدي وغير عقدي؛

فالتصرف القولي العقدي هو الذي يتكون من قولين من جانبين يرتبطان, أي ما يكون فيه إتفاق إرادتين -كما سيأتي بيانه-, وذلك كالبيع والشراء, والإجارة والشركة وما أشبهها.

وأمّا التصرف القولي غير العقدي: فتحته نوعان؛ نوعٌ يتضمن إرادة إنشائية وعزيمة مبرمة من صاحبه على إنشاء حقٍّ أو إنهائه أو إسقاطه, كالوقف والطلاق والإعتاق والإبراء والتنازل عن حقِّ الشفعة, وهذا النوع قد يسمى (عقداً) أيضاً في اصطلاح فريق من فقهاء المذاهب؛ لما فيه من العزيمة المنشئة أو المسقطة للحقوق, فهي في نظرهم عقود وحيدة الطرف كالعقود ذات الطرفين من حيث وجود الإرادة المنشئة.

ص: 296

ونوعٌ لا يتضمن إرادة منصبّة على إنشاء الحقوق, لكنه أقوال من أصناف أخرى تترتب عليها نتائج حقوقية, وذلك كالدعوى؛ فإنَّها طلب حق أمام القضاء, وكالإقرار والإنكار والحلف على نفي دعوى الخصم؛ فإنَّها أخبار تترتب عليه مؤاخذات وأحكام قضائية مدنية )(1).

وهذا التقسيم وإنْ كان يبين كثيراً من مصاديق الأحكام لكنه لم يسلم من المؤاخذة عليه؛ منها الإغماض عن العقود المعاطاتية, فإنَّها كالعقود القولية في الأحكام والنتائج والآثار.

وبقية التقسيمات ترجع إلى ما ذكرناه وإنْ اختلفت التعبيرات, لكن المضمون والمحتوى واحد.

تعريف العقد

(لغةً): هو مصدر الفعل عقد يعقد, إذا باشر ربط شيء بآخر بعقدة تشدهما, كما إذا شدَّ الحبل بعضه مع بعض بحيث جعل فيه عقدة, ومنه أصل استعماله؛ حيث أنَّ ربط حبل بآخر عن طريق عقدة به, فيصير الحبلان حبلاً واحداً, والعقدة هي الرابط بينهما.

ذكروا: (عقد الحبل ونحوه: جعل فيه عقدة, وعقد طرفي الحبل ونحوه: وصل أحدهما بالآخر بعقدة تمسكهما فأحكم وصلهما). وقد تعدَّت دلالة العقد الحسية إلى دلالة أخرى معنوية بقرينة الوثاقة؛ فتشابهتا من هذه الناحية.

كما أشار إليه الراغب الإصفهاني بقوله: (العقد: الجمع بين أطراف الشيء, ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل وعقد البناء ثم يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع والعهد وغيرهما)(2).

ص: 297


1- المدخل الفقهي العام؛ ج 1 ص 288 – 290.
2- المفردات؛ ص576.

وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم؛ قال تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1). فالعقد مصدر عَقَدَ, وقد استُعمل إسماً فيما يرتبط به الناس على تصرفٍ ما, ولذلك جمع على عقود.

وفي كتاب (نظرية العقد) للنقيب: (العقد: الربط والشد, فربط الحبل يعني الجمع بين طرفيه, ومن هذا المعنى الحسّي للربط كان استخلاص الربط المعنوي بين كلام طرفين أو بين كلامين).

وفي القانون ورد تعريفه كالتالي: (العقد: توافق إرادتين على إنشاء التزام أو أكثر)(2).

كما عرّفه الدكتور أنور سلطان(3) بأنَّه: (إتّفاق إرادتين على ترتيب أثر قانوني بإنشاء والتزام أو نقله أو تعديله أو زواله).

والفرق بين التعريفين المزبورَين؛ إنَّ الأول خاص بإنشاء الإلتزام فقط, بينما أضاف الثاني إليه نقله وتعديله وزواله؛ فيكون عاماً.

إلا أنَّ ما ورد في التعريف الثاني مورد الإختلاف عند العلماء وأنْ كانوا يفتون على أنَّ إنشاء الإلتزام هو العنصر المقوم لحقيقة العقد.

ومن أجل هذا الإختلاف بين القانونيين حدثت مسألة التمييز والتفريق بين العقد والإتفاق؛ فلا بُدَّ من بيانه:

تعريف الإتّفاق

عرّفه السنهوري بأنَّه: (توافق إرادتين أو اكثر على إنشاء التزام أو نقله أو تعديله أو إنهائه).

ص: 298


1- سورة المائدة؛ الآية 1.
2- الوسيط؛ ج1 ص137.
3- المبادئ القانونية العامة؛ ص 79.

كما يعرّف العقد بأنَّه: (توافق إرادتين على إنشاء التزام أو نقله)(1).

وجوه الفرق بين العقد والإتّفا

وحينئذٍ ذكروا في الفرق بين العقد والإتّفاق وجوهاً:

الوجه الأول: ما ورد في تعريفي السنهوري للإتّفاق والعقد في تخصيص العقد بإنشاء الإلتزام أو نقله, وتعميم الإتّفاق بالإضافة إلى إنشاء الإلتزام أو نقله يشمل التعديل أو إنهائه؛ فتكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلقي -كما هو المصطلح في علم المنطق- حيث يصدق على كلِّ عقد أنَّه إتفاق, ولا يصدق على كلِّ إتفاق أنَّه عقد؛ لانفراد الإتفاق عن العقد في تعديل الإلتزام أو إلغائه.

وكيف كان؛ فإنَّ تعريف السنهوري للإتفاق يلتقي مع تعريف الدكتور سلطان للعقد المتقدم ذكره, ويفترق عن تعريف الأخوين الجمال بشموله لنقل الإلتزام وتعديله وزواله.

الوجه الثاني: ما يظهر من تعريف فقهاء القانون لهما من أنَّ الفرق يرجع إلى أنَّ العقد إنشاء التزام فعلي, بينما الإتّفاق يرجع إلى إنشاء الإلتزام اقتضاءً وشأناً, أي ما تثبت فيه قابلية الإنشاء بعد الإتّفاق, فالفرق بين الإتّفاق والعقد يكون من هذه الناحية لا ما ذكروه من حيث العموم والخصوص, إذ قد في العقد بعض الشروط التي ترجع إلى بعض ما ورد في الإتفاق من التعديل والنقل والإنهاء وغير ذلك.

الوجه الثالث: ما ذكره بعض فقهاء القانون من أنَّ مثار التفرقة بين الإتفاق والعقد كان سببه إختلافهما في الأهلية, ولكن أورد عليه بأنَّ الأهلية تختلف في العقود أيضاً بين نوع وآخر؛ فإنَّ ذلك لا يصلح لإثارة وجوب التفريق بينهما.

وعلى أيِّ حالٍ؛ فإنَّ السنهوري بعد التفريق بينهما بتعريفيه المذكورين قال: (ولا نرى أهمية للتمييز بين الإتفاق والعقد ونتفق في هذا مع أكثر الفقهاء القائلين بعدم أهمية التمييز

ص: 299


1- الوسيط؛ ج 1 ص 137.

بينهما ..... وإذا كان الفقهاء الذين يقولون بالتمييز يرون أهمية له من حيث الأهلية فهي تختلف في العقد عنها في الإتفاق, فإنَّه يلاحظ على هذا الرأي أنَّ الأهلية تختلّ (أيضاً) باختلاف العقود ذاتها, فهي في عقود التبرع -مثلاً- غيرها في عقود المعارضة, ومع ذلك لم يقل أحد أنَّ هناك فرقاً بين الهبة والبيع من حيث أنَّ كلاً منهما عقد لمجرد أنَّ الأهلية تختلف في أحدهما عنها الآخر)(1).

الوجه الرابع: ما ورد في عبارة السنهوري من أنَّ وجه الفرق بين العقد والإتفاق (إنَّه لا بُدَّ في العقد من إحداث أثر قانوني, فليس كل إتفاق يراد به إحداث أثر قانوني يكون عقداً, بل يجب أنْ يكون هذا الإتفاق واقعاً في نطاق القانون الخاص في دائرة المعاملات المالية, فالمعاهدة إتفاق بين دولة ودولة, والنيابة إتفاق بين النائب وناخبيه, وتولية الوظيفة العامة إتفاق بين الحكومة والموظف.ولكن هذه الإتفاقات ليست عقوداً, إذ هي تقع ضمن نطاق القانون العام الدولي والدستوري والإداري.

والزواج إتفاق بين الزوجين, والتبنّي -في الشرائع التي تجيزه- إتفاق بين الوالد المتبنّي والوالد المتبنّى, ولكن يجدر أنْ لا تدعى هذه الإتّفاقات عقوداً -وإنْ وقعت في نطاق القانون الخاص- لأنَّها تخرج عن دائرة العاملات المالية)(2).

وقال الدكتور سلطان بعد قصره العقد على المعاملات المالية -لأنَّه رأي القانون- (ويتحدد مجال العقد بالإتّفاقات المنشئة للإلتزام بين أشخاص القانون الخاص, فتخرج من مجاله الإتّفاقات المتعلقة بفروع القانون العام كالمعاهدة؛ وهي إتفاق بين دولة وأخرى

ص: 300


1- المصدر السابق.
2- المصدر السابق.

وتحكمها قواعد القانون الدولي العام, والنيابة وهي إتفاق بين النائب وناخبيه وتحكمها قواعد القانون الدستوري, والوظيفة هي إتفاق بين الحكومة والموظف وتحكمها قواعد القانون الاداري ..... غير أنَّه حتى في مجال القانون الخاص تقتصر منطقة العقد على الإتفاقات المتعلقة بالذمة المالية, فنستبعد الإتفاق المتعلق بروابط الأحوال الشخصية كالزواج لأنَّ الزواج ولو أنَّه إتفاق بين الزوجين إلا أنَّ القانون وحده هو الذي يحدّد آثاره, ولذا لا يعتبر عقداً بالمعنى الصحيح).

ومن جميع ذلك نستنتج ما يلي:

1- العقد في نظر القانون هو توافق الإرادتين لطرفي العقد. ولكن لا بُدَّ من أنْ يكون للعقد أثراً قانونياً وهو الإلتزام.

ويقتصر العقد على المعاملات المالية؛ فالعقد -إذن-: هو المعاملة المالية. فليس كل إتفاق هو عقد بالمعنى الخاص.

2- إنَّه يمكن إرجاع الفرق بين العقد والإتّفاق وإدخال كثير من العقود التي أخرجها القانون من التعريف للعقد بأنَّه إنشاء والتزام فعلي يترتب عليه الآثار الخاصة به بلا فرق بين أنْ يكون متعلق العقد مالاً وغيره, بينما الإتفاق لا يكون كذلك؛ إلا أنْ يكون التقييد المزبور في عباراتهم من المعاملات الماليتين هو اصطلاح خاص بالقانون فقط. وهذا يحتاج إلى دراسة وافية.

3- إنَّ الإقتصار في القانون على المعاملات المالية يكشف سرّ الإقتصاد العالمي المعاصر الذي ينبذ كل القيم والأخلاقيات فيقتصر على المال فقط, بينما الإقتصاد الإسلامي يعمّم العقود ليشمل المال وغيره, ويعتبر الوفاء بها من شروط الإيمان ويعتبره واجباً دينياً وأخلاقياً.

ص: 301

العقد في الفقه

ذكر فقهاء أهل السنة تعاريف متعددة للعقد نذكر بضعاً منها:

1- ما رود في شرح (مرشد الحيران): (إنَّه عبارة عن ارتباط الإيجاب الصادر عن أحد العاقدين بقبول الآخر على وجه يثبت أثره في المعقود عليه)(1).

2- ما ورد في شرح (مرشد الحيران) للأبياني والسنجقلي: (العقد ارتباط القبول بالإيجاب بحيث يكون بحالة موجبة لترتب حكمه عليه)(2).

3- تعريف البايرتي في شرح (العناية على الهداية): إنه (تعلّق كلام أحد العاقدين بالآخر شرعاً على وجه يظهر أثره في المحل)(3).

4- ما ورد في مجلة الأحكام العدلية؛ المادة (103): (العقد: إلتزام المتعاقدين أمراً وتعهدهما به, وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول).

5- ثم عقبت المجلة تلك المادة بمادة أخرى وهي المادة (104) في تعريف الإنعقاد بأنَّه (تعلق كلٌّ من الإيجاب والقبول بالآخر على وجه مشروع يظهر أثره في متعلقهما).

6- ما ورد في معجم مصطلحات أصول الفقه: (العقد: إتّفاق بين طرفين يلتزم به كلٌّ منهما تنفيذ ما تم الإتفاق عليه, ولا بُدَّ فيه من إيجاب وقبول)(4).

وغير ذلك مِمّا ذكروه في تعريف العقد؛ ولكنها لا تخلو من المناقشة.

والصحيح منها ما ذكره علماء الإمامية في تعريف العقد وهو الذي ورد في كلام الشيخ كاشف الغطاء في تحرير المجلة في تعريف العقد بأنَّه: (الإيجاب المقترن بالقبول) وفي

ص: 302


1- عقد القرض؛ خروفة 20.
2- المصدر السابق.
3- نظرية العقد للنقيب؛ ص 39.
4- معجم مصطلحات أصول الفقه؛ ص287.

تعريف الإنعقاد بأنَّه: (وقوع الإيجاب والقبول بنحو يترتب عليه الأثر المقصود من العقد).

ثم قال معلقاً على المادتين المذكورتين ومعقباً على جميع ما ذكره في تعريف العقد: (العقود ألفاظ وأقوال, وهي من مقولة الفعل, والإلتزام صفة نفسانية من مقولة الكيف).

والإرتباط وصف قائم بالإيجاب والقبول, وهو من مقولة النسب والإضافات.

فلا ربط لكلِّ واحد من هذه المفاهيم المتغايرة بالآخر, ولا وجه لتفسير بعضها ببعض, فالعقد ليس التزاماً ولا ربطاً ولا ارتباطاً, وإنَّما هو الإيجاب المرتبط بالقبول, أي الإيجاب المقترن بقبوله. وليس المنشأ بالإيجاب الإلتزام, بل الذي ينشأ به هو التمليك أو المبادلة, ولازمه عقلاً وشرعاً هو التعهد والالتزام, ولا شيء منهما بمدلول للإيجاب لا بالتضمن ولا بالإلتزام؛ فضلاً عن المطابقة.وليس الإيجاب -كما عرفت- إلا جعل ملكية زيد لدارك أمراً واقعاً, وحيث أنَّك أنشأت هذه الملكية وأوقعتها وجعلتها أمراً واقعاً فيلزمك عقلاً وشرعاً أنْ تلزم بها ولا تنقضها.

فالإلتزام حكم من أحكام العقد لا نفس العقد ولا جزء منه, بل ولا لازم له بل عرضٌ من عوارضه المفارقة.

وكذا الكلام في الإرتباط؛ فإنَّه وصف اعتباري لركنَي العقد -الإيجاب والقبول- لا جزء منه ولا مدلول له, وإنَّما هو معنى حرفي غير مستقل باللحاظ حتى يفسّر به العقد, على أنَّ الوصف المعتبر في الإيجاب والقبول هو الربط لا الإرتباط, فإنَّ المتعاقدين يرتبطان كلٌّ منهما بالآخر ولكنه قد يرتبط وقد لا يرتبط, وحال الربط والارتباط حال العقد والانعقاد ونظير الكسر والانكسار؛ فإذا كان العقد صحيحاً جامعاً للشرائط شرعاً وعرفاً, تقول: عقدته فانعقد. وإنْ لم يكن كذلك تقول: عقدته فلم ينعقد؛ كما تقول كسرته فانكسر تارة وكسرته ولم ينكسر أخرى, وهكذا الربط والارتباط.

ص: 303

وبهذا البيان يتَّضح المراد بالمادة (104) -في تعريف الإنعقاد- وهو: (تعلق كلٌّ من الإيجاب والقبول بالآخر على وجه مشروع يظهر أثره في متعلقهما).

وكان حقُّ التعبير أنْ يُقال: الإنعقاد وقوع الإيجاب والقبول بنحو يترتب عليه المقصود من العقد. فانعقاد والبيع أنْ يقع الإيجاب والقبول بنحو مؤثر للملكية وانتقال المبيع إلى المشتري, والثمن إلى البايع.

وانعقاد النكاح أنْ يكون الإيجاب والقبول مؤثراً زوجية كلٌّ من الرجل والمرأة للآخر الذي هو الأثر المطلوب من العقد.

فيكون العقد مؤثراً والانعقاد أثراً, أو الأول هو المسبِّب والثاني المسبَّب, أو قل أنَّ الأول موضوع والثاني حكم. وغير ذلك من التعبيرات الدالة على هذا المعنى.

ومن جميع ذلك يظهر أنَّ الإنعقاد ليس هو التعلق, بل هو الإيجاب المعلق مع بقية الشرائط؛ فتدبره جيداً.

وكلام الشيخ قدس سره متين جداً في تعريف العقد والانعقاد, ويظهر منه وجه المناقشة في كثير من التعاريف المذكورة لهما مِمّا تقدم نقل بعضها.

وفي (المدخل الفقهي العام) ينقل الأستاذ الزرقاء تعريف (مجلة الأحكام) تعريفاً فقهياً, وتعريف الدكتور السنهوري تعريفاً قانونياً ومعلقاً عليهما ثم يحلّل التعريف الفقهي فقال:

(العقد في اصطلاح الفقهاء الشرعيين كما عرفته المجلة (م/ 103- 104) هو: إرتباط إيجاب بقبول على وجه مشروع يثبت أمره في محله.

وفي عرف الحقوقيين بالإصطلاح القانوني هو: إتّفاق إرادتين على إنشاء حقٍّ أو على نقله أو على إنهائه.

والمقصود بالتعريفين الفقهي والقانوني متقارب, غير أنَّ التعريف الأول الفقهي أحكم منطقاً وأدقّ تصوراً, والثاني أوضح تصويراً وتعبيراً).

ص: 304

ثم حلّل التعريف الفقهي وقال: (إنَّ العقد هو من قبيل الإرتباط الإعتباري في نظر الشرع بين شخصين نتيجة إتفاق إراديتهما, وهاتان الإرادتان خفيتان, فطريق إظهارهما التعبير عنهما, وهو في العادة بيان يدلُّ عليهما بصورة متقابلة من الطرفين المتعاقدين, ويسمى هذا التعبير المتقابل إيجاباً وقبولاً).

والذي نستنتجه من التعاريف المتقدمة أنَّ أقربها إلى المعنى الحقيقي ما ذكره علماء الإمامية, وهو الذي ورد في عبارة الشيخ كاشف الغطاء؛ أي (الإيجاب المرتبط أو المقترن بالقبول) فهو الربط المعنوي كما ذكره بعضهم, فيكون الأقرب إلى المعنى الحقيقي للعقد الذي ذكره علماء اللغة والذي عدُّوه المعنى الحقّ للعقد, والتعريف الفقهي المعنى الإستعاري له.

تقسيم العقد

إنَّ الإيجاب والقبول من خلال واقعهما الإجتماعي قد يكونان قولين وقد يكونان فعلين, فينقسم العقد إلى:

1- العقد القولي: وهو الذي تستعمل فيه الصيغة اللفظية.

2- العقد الفعلي: وهو الذي لا تستعمل فيه الصيغة اللفظية, وإنَّما يعتمد على الأمارات الدالة على توافق الإرادتين -كما ورد في القانون- أو التراضي كما يستعملونه في الفقه, فمن منع من الفقهاء المعاطاة في العقود قسم المعاملة إلى عقدية وغير عقدية وهي المعاملة المعاطاتية. ومن جوَّز المعاطاة في العقود مطلقاً أو على تفصيل مذكور في الفقه قسم العقد إلى قولي وفعلي. فلا نزاع في البين إلا في المصطلح.

وعند تعريفهم للعقد بأنَّه الإيجاب والقبول فإنَّهم يريدون إمّا خصوص العقد القولي أو ما يشمله الفعلي, أو يخصّ المعاملة العقدية أو ما يشملها المعاطاتية على الخلاف بينهم في تحديد مفهوم العقد. وسيتَّضح ذلك فيما بعد إنْ شاء الله تعالى.

ص: 305

ولكن بالرجوع إلى واقع تعامل الشرع الحنيف مع المعاملات التي كانت قائمة في عصر التشريع وإلى الروايات الواردة في الموضوع لا يشكّ في أنَّ العقد يشمل الإيجاب والقبول القوليين والفعليين.

كما إنَّه لا يشك في أنَّ المعاطاة عقد إلا أنَّها عقد فعلي لا قولي, وهذا واضح الجريان في المعاملات المالية وغيرها, إلا إذا ورد من الشرع المنع منها. ففي عصر التشريع -كما هو واضح- إنَّ المعاملات المالية كانت تجري قولياً وفعلياً, والواقع الذي يعيشه الناس الآن هو امتداد لذلك الواقع.

هذا ما يتعلق بالواقع التاريخي للمعاطاة.

وقد استدلَّ فقهاؤنا على مشروعية المعاطاة بأمور:منها: سيرة المتشرعة من خلال تعاملهم بعضهم مع البعض, ولو كانت المعاملات مقصورة شرعاً على العقود اللفظية لرأيناه في سيرتهم, بل المشاهد هو التعامل باللفظ وبالفعل على حدٍّ سواء.

ومنها: الأخبار التي استعرض جملة منها المحقق البحراني في الحدائق الناضرة, وهي تفيد بظاهرها صحة المعاملة المعاطاتية التي تخلو من الصيغة, ويستفاد منها لزومها أيضاً, وسيأتي مزيد بيان لهذا في مواضعه إنْ شاء الله تعالى.

نتائج البحث في التعريفات المتقدمة وتحليلاتها

1- إنَّ العقد ليس هو الإرتباط, لأنَّه من أفعال المطاوعة. يقال: ربطته فارتبط, وهو بهذا يفيد معنى الإنعقاد, ويقال: عقدته فانعقد. فيكون الانعقاد نتيجة العقد إذا وقع صحيحاً, فالإرتباط هو الإنعقاد, وهذا هو الذي أفاده الشيخ كاشف الغطاء قدس سره.

ص: 306

2- العقد -في الحقيقة- إمّا هو الربط بين الإيجاب والقبول, لأنَّ بالربط بينهما يتحقق عقد أحدهما بالآخر. وإمّا أنْ يكون العقد هو مجموع الإيجاب والقبول والعلاقة بينهما التي هي ربط أحدهما بالآخر, فإنَّنا لو حللنا العقد نقول إنَّه يتكون من الإيجاب والقبول وربط أحدهما بالآخر.

والصحيح؛ إنَّ أحدهما يرجع إلى الآخر وإنْ ذكرنا أنَّ الأول أقرب المجازات إلى الحقيقة.

3- العقد؛ إمّا أنْ ينظر إليه مركباً؛ فهو الإيجاب والقبول والعلاقة بينهما.

وإمّا أنْ ينظر إليه بسيطاً؛ فهو ربط الإيجاب والقبول.

4- من المقارنة بين العقد في الفقه الإمامي وبين العقد في الفقه السني والقانون المدني يظهر أنَّ العقد في الفقه الإمامي أقرب إلى المعنى اللغوي والعرفي والمتعارف في التعريفات العالمية. وقد ذكرنا ما يثبت ذلك فيما سبق.

يضاف إلى ذلك أنَّ من يذهب إلى شمول العقد للإيجاب والقبول القوليين والفعليين يلتقي تعريفه والتعريف القانوني, لأنَّ الإيجاب والقبول الفعليين يعنيان التراضي, والتراضي هو ما يعبر عنه القانون بتوفيق الإرادتين.

أمّا على رأي من يقصر العقد على الإيجاب والقبول القوليين فلا يلتقي والرأي القانوني في العقد, لأنَّ توافق الإرادتين أو التراضي وحده على هذا المذهب لا يصلح عليه عقداً.

أمّا بالنسبة إلى تعريف الفقه السني الذي يرى أنَّ العقد هو: إرتباط الإيجاب والقبول فلا يلتقي معه تعريف الفقه الإمامي؛ للفرق بين الإيجاب والقبول, والارتباط الذي هو نتيجة الربط بينهما؛ كما تقدم بيانه.

ص: 307

عناصر العقد
اشارة

بعد معرفة مفهوم العقد لغةً وقانوناً وفقهاً لا بُدَّ من معرفة عناصر العقد التي هي أركانه التي يتقوم بها ولهذا سميت بالأركان وبالمقومات أيضاً, وهي:

1- المتعاقدان.

2- العوضان.

3- التعاقد.

ولا بأس في شرح ما يتعلق بكلِّ واحد من هذه العناصر في المقام ولو على سبيل الإجمال ويأتي التفصيل في مواضعه إنْ شاء الله تعالى.

العنصر الأول: المتعاقدان
اشارة

ويراد بهما طرفا العقد من الأشخاص -طبيعيين أو اعتباريين-, ويعبّر عنهما ب-(المتعاقدان) و(العاقدان) أيضاً, وهما اللذان يقومان بعملية التعاقد بإبرام المعاملة عن طريق ربط العقد بينهما, فيصبح كلٌّ منهما طرفاً في العقد وتنطبق عليه أحكام وآثار المعاملة.

وقد اشترط العلماء في كلٍّ من المتعاقدين توفر الصفات التالية:

شروط المتعاقدان
اشارة

1- البلوغ.

2- العقل.

3- الإختيار.

4- التملك.

أمّا البلوغ فلأنَّ شرطيته موضع الخلاف بين الفقهاء, وقبل سرد الأقوال وبيان أدلتهم عليها لا بُدَّ من التوطئة له؛ فنقول: إنَّ أحكام المعاملات تختلف باختلاف مراحل حياة الإنسان من حيث اكتمال الأهلية ونقصانها.

ص: 308

وهذه المراحل هي:

المرحلة الأولى: من الولادة إلى سنّ التمييز

وفي هذه المرحلة يكون الإنسان قاصراً غير مميز, ويصطلح الفقه على الإنسان في هذه المرحلة ب-(الصبي غير المميز) أو (الصغير غير المميز)و ولا خلاف بين الفقهاء في عدم صحة معاملات الإنسان في هذه المرحلة, لأنَّه فاقد الأهلية ولكنه يملك إذا وهب إليه أحد مالاً, كما يملك ما يرثه من وارثه, إلا أنَّه ممنوع من التصرف فيما يملكه.

المرحلة الثانية: من سنّ التمييز إلى سنّ الرشد

ويراد بها فترة ما بعد التمييز مروراً بسنَّ البلوغ إلى سنِّ الرشد. ويصطلح الفقه على الإنسان في هذه المرحلة -وبخاصة ما قبل البلوغ- (الصبي المميز) أو (المميز) فقط.

وقد عرفت المادة (913) من مجلة الأحكام العدلية, الصغير غير المميز بأنَّه: (الذي لا يفهم البيع والشراء, يعني من لا يعرف أنَّ البيع سالب للملكية, والشراءجالب لها, ولا يفرق بين الغبن الفاحش الظاهر كالتغرير في العشرة خمسة وبين الغبن اليسير).

فقد جعلت المناط في التمييز إذا عرف الصبي المميز أنَّ البيع سالب والشراء جالب ويميز بين الغبن الفاحش والغبن اليسير.

ولأنَّ الإنسان في هذه المرحلة يمتلك قدرة التمييز, ولكنه لم يصل إلى مستوى الرشد فيعدّ غير مكتمل الأهلية أي (ناقص الأهلية).

وفي هذه المرحلة إختلف الفقهاء في حكم تصرفات الصغير فيها بين المنع والجواز, حيث ذهب المشهور إلى المنع وغيرهم إلى الجواز.

وعلى الخلاف بين المجوزين في صحة وبطلان إنشاءاته أي إجرائه لصيغة العقد ووكالته عن الغير واستقلاله في التصرف, أو لا بُدَّ من إذن وليه في تصرفه بماله وتصرفه بمال غيره؛ كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى.

ص: 309

المرحلة الثالثة: من سنِّ الرشد وما بعدها

وفي هذه المرحلة يكون الإنسان مكتمل الأهلية ويصطلح عليه فقهياً ب-(الرشيد) أو (الراشد) ولا خلاف بين الفقهاء في صحة تصرفاته.

وقد عبّر الفقهاء عن المرحلة الثانية -التي هي موضع الخلاف- (البلوغ), وعن المرحلة الثالثة التي هي موضع الوفاق ب-(الرشد) أو (العقل) مرادفاً به الرشد.

ولكن الفرق بين التمييز والرشد أنَّ الأول مستوى من الوعي دون مستوى الرشد, أو هو أول مستويات الرشد, ومن هنا لم يعد المميز مكتمل الأهلية لأنَّ الأهلية الكاملة لا تكون إلا للرشيد.

ووضع القانون الفرنسي (المميز) بين مرتبة الرشد ومرتبة انعدام الأهلية بمنحه قسطاً من الأهلية(1).

ثم إنَّ هنا اختلاف في تحديد بداية مرحلة التمييز ونهايتها, ولا يهمنا ما يرتبط ببدايتها في المقام وإنَّما الكلام في نهايتها؛ حيث افترق القانون عن الشريعة فيها, فقد إعتبر القانون السنّ الثامنة عشرة نهاية لسنِّ الرشد, وإنْ أعطى لما قبله قسطاً من الأهلية. وأمّا الشريعة فقد حددّت البلوغ الشرعي هو الحدّ الفاصل بين التمييز والرشد, ففي سنّ التمييز له قسط من الأهلية, وإذا بلغ الإنسان حدَّ التكليف -وهو حدّ البلوغ- بلغ الرشد وتمام الأهلية إلا إذا كان سفيهاً, واعتبر الفقهاء بلوغ الإنسان إلى سنّ التكليف الشرعي هو من أهم الدلائل على رشده وأهليته كما هو واضح, (وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)(2).

ص: 310


1- نظرية العقد للنقيب؛ ص 161.
2- سورة النساء؛ الآية 6.
الشرط الأول: البلوغ

لا خلاف في أنَّ سنّ البلوغ هو الحدّ الفاصل بين الصغر والكبر في الشرع, حيث أنَّ الإنسان في مرحلة الصغر لا يكون مورد التكليف الشرعي, وأمّا إذا وصل حدّ البلوغ فإنَّ التكاليف الشرعية تتنجز عليه بشروط مذكورة في علم أصول الفقه.

وإنَّما الكلام في شرطية البلوغ لصحة المعاملة, فإنَّ فيها خلاف بين الفقهاء؛ نذكر آراءهم على سبيل الإجمال.

الرأي الأول: وهو بطلان معاملة الصبي الذي لم يبلغ الحلم مطلقاً, وقد ذهب إليه المشهور, فذكروا: (ظاهر كلام جمهور الأصحاب أنَّه لا يصحُّ بيع الصبي ولا شراؤه ولو أذن له الولي)(1).

وقال النراقي: (لا يصحُّ بيع الصبي مطلقاً؛ مميزاً كان أو لا, بإذن الولي أو بدونه, في ماله أو مال غيره)(2).

بل عمموّا هذا المنع إلى جميع تصرفات الصبي إلا ما دلَّ الدليل على استثنائه؛ لكلِّ عباراته, ووصياته, وإيصال الهدايا, والإستئذان في دخول الدار؛ المدلول عليه بما ورد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ)(3).

قال العلامة قدس سره: (الصغير محجور عليه بالإجماع؛ سواء كان مميزاً أم لا, في جميع التصرفات إلا ما استثني, كعباداته وإسلامه وتدبيره ووصيته وإيصال الهدية وإذنه في دخول الدار )(4).

ص: 311


1- الحدائق الناظرة؛ ج18 ص367.
2- مستند الشيعة في أحكام الشريعة؛ ج14 ص263.
3- سورة النور؛ الآية 58.
4- تذكرة الفقهاء؛ ج2ص73.

وأهم ما استدلوا به لهذا الرأي:

1- قوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ)(1).

بتقريب: إنَّ منطوق الآية الكريمة يفيد عدم جواز دفع مال اليتيم إليه إلا أنْ يبلغ, ثم يختبر ويثبت رشده بالاختبار. وعلى هذا يكون مفهومها أنَّه إذا لم يبلغ اليتيم أو بلغ ولكن لم يكن رشيداً بالاختبار فلا يجوز دفع ماله إليه.

2- حديث رفع القلم المروي عن النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم : (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ)(2).

بناءً على أنَّ المراد بالقلم قلم الإلزام؛ بما يشمل الأحكام التكليفية والوضعية.وخبر حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام فِي حَدِيثٍ قَالَ: (إِنَّ الْجَارِيَةَ لَيْسَتْ مِثْلَ الْغُلَامِ, إِنَّ الْجَارِيَةَ إِذَا تَزَوَّجَتْ وَدُخِلَ بِهَا وَلَهَا تِسْعُ سِنِينَ ذَهَبَ عَنْهَا الْيُتْمُ وَدُفِعَ إِلَيْهَا مَالُهَا, وَجَازَ أَمْرُهَا فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ, وَأُقِيمَتْ عَلَيْهَا الْحُدُودُ التَّامَّةُ, وَأُخِذَتْ لَهَا وَبِهَا, قَالَ: وَالْغُلَامُ لَا يَجُوزُ أَمْرُهُ فِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ, وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْيُتْمِ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ يَحْتَلِمَ أَوْ يُشْعِرَ أَوْ يُنْبِتَ قَبْلَ ذَلِكَ)(3).

وخبر عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق علیه السلام قال: (سُئل أبي -وأنا حاضر- عن اليتيم متى يجوز أمره؟ فقال علیه السلام : حين يبلغ أشده. قلتُ: وما أشده؟ قال: الاحتلام)(4).

ودلالة الخبرين على المدَّعى واضحة.

ص: 312


1- سورة النساء؛ الآية 6.
2- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج 28 ص 23.
3- المصدر السابق؛ ج 18 ص 411.
4- البرهان في تفسير القرآن؛ ج 3 ص 530.

3- الإجماع؛ وقد ادّعاه غير واحد, منهم العلامة الحلّي في التذكرة كما تقدم, والسيد إبن زهرة في الغنية كما حكاه الشيخ الأنصاري في المكاسب حيث قال: (المشهور كما عن الدروس والكفاية بطلان عقد الصبي, بل عن الغنية الإجماع عليه وإنْ أجازه الولي)(1).

4- الشهرة؛ واستدلَّ بها الشيخ الأنصاري قدس سره في المكاسب, قال: (فالإنصاف أنَّ الحجة في المسألة هي الشهرة المحققة والإجماع المحكي عن التذكرة)(2).

الرأي الثاني: ما أشار إليه الشيخ الطوسي؛ حيث قال: (ولا يصحُّ بيع الصبي وشراؤه؛ أذِن له الولي أو لم يأذَن )(3). فيختص الحكم بالبيع فقط.

الرأي الثالث: إذا بلغ عشر سنين وكان رشيداً, قال النراقي: (ونقل جماعة من الأصحاب هنا قولاً بجواز بيع الصبي وشرائه إذا بلغ عشراً وكان عاقلاً)(4).

قال الشيخ الطوسي (وروي أنَّه: إذا بلغ عشر سنين وكان رشيداً كان جائزاً)(5).

ولكن ردُّوها بالضعف لأنَّه قياس على بعض تصرفاته المستثناة عن المنع, والقياس باطل.

الرأي الرابع: وهو جواز عقد الصبي حال الإبتلاء و(الإختيار) والذي أشارت إليه الآية الكريمة: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ)(6).

ص: 313


1- المكاسب (ط. الحديثة)؛ ج3 ص275.
2- المكاسب (المحشى)؛ ج7 ص341.
3- المبسوط؛ ج2 ص163.
4- الحدائق الناظرة؛ ج18 ص367.
5- المبسوط؛ ج2 ص163.
6- سورة النساء؛ الآية 6.

فإنَّ ظاهر الآية كون الإختبار قبل البلوغ؛ وهذا الرأي منسوب إلى إبن إدريس قال في: (ويظهر من (التذكرة) عدم ثبوت الإجماع عنده, حيث قال: وهل يصحُّ بيع المميز وشراؤه؟ الوجه عندي إنَّه لا يصح.

واختار في (التحرير) صحَّة بيع الصبي في مقام اختبار رشده)(1).

الرأي الخامس: ما اختاره فخر المحققين؛ وهو صحَّة بيع المميز بإذن الولي, قال الشيخ الأنصاري: (وقال في القواعد: وفي صحَّة بيع المميز بإذن الولي نظر, بل عن الفخر في شرحه: إنَّ الأقوى الصحة, مستدلاً بأنَّ العقد إذا وقع بإذن الولي كان كما لو صدر عنه. ولكن لم أجده فيه, وقوّاه المحقق الأردبيلي على ما حكي عنه)(2).

قال النراقي: (ويظهر من المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد المناقشة في هذا المقام؛ حيث قال بعدما نقل هذا الكلام: والإجماع مطلقاً غير ظاهر, والآية غير صريحة الدلالة, لأنَّ عدم دفع المال إليهم وعدم الإعتداد بإملائهم(3) لا يلزم عدم جواز إيقاع العقد وعدم الإعتبار بكلامهم؛ خصوصاً مع إذن الولي والتمييز.

ويؤيده اعتبار المستثنى فإنَّه لو كان مِمّن لا اعتداد بكلامه ما كان ينبغي الإستثناء, ولهذا قيل بجواز عقده إذا بلغ عشراً, أو عقده حال الإختبار, فإنَّ ظاهر الآية كون الإختبار قبل البلوغ, ولئلا يلزم التأخير في الدفع مع الإستحقاق.

إلى أنْ قال: وبالجملة؛ إذا جاز عتقه ووصيته وصدقته بالمعروف وغيرها من القربات كما هو ظاهر الروايات الكثيرة لا يبعد جواز بيعه وشرائه وسائر معاملاته إذا كان بصيراً مميزاً

ص: 314


1- المكاسب (ط. الحديثة)؛ ج3 ص279.
2- المصدر السابق.
3- وهو يشير إلى قوله تعالى: ( أَنْ يُمِلَّ هُوَ). [سورة البقرة؛ الآية 282]..

رشيداً يعرف نفعه وضره بالمال, كما نجده في كثير من الصبيان؛ فإنَّه قد يوجد منهم من هو أعظم في هذه الأمور من آبائهم فلا مانع له من إيقاع العقد خصوصاً مع إذن الولي أو حضوره بعد تعيينه الثمن )(1).

وقوّى هذا الرأي جمعٌ من الفقهاء وإنْ كان خلاف المشهور, فلا يعتبر البلوغ في صحة العقد مضافاً إلى العقل والقدرة على الإنشاء. واستدلَّ له بإطلاق أدلة العقود في أبواب المعاملات مع عدم صلاحية ما استند إليه في الحكم بالفساد بدونه.

الرأي السادس: ما ذهب إليه السيد الطباطبائي قدس سره: (الأظهر جوازه (يعني البيع) فيما كان (الصبي) فيه بمنزلة الآلة لمن له الأهلية لتداوله في الأعصار والأمصار السابقة واللاحقة من غير نكير, وحيث يعد مثله إجماعاً من المسلمينكافة, لكن ينبغي تخصيصه بما هو المعتاد في هذه الأزمنة؛ فإنَّه الذي يمكن فيه دعوى اتّفاق الأمة).

هذه هي الآراء في هذه المسألة مع أهم ما استدل به, ولكن عند الموازنة بينها لا بُدَّ من معرفة قوة الدلالة فيها على الرأي.

والصحيح من الآراء صحة العقد من قبل الصبي المميز وذلك:

1- لإطلاق أدلة الوفاء بالعقود في المعاملات.

2- والسيرة؛ أعني بها سيرة المتشرعة القائمة على صحة معاملات الصبي المميز, كما استدل بها المولى الأردبيلي قدس سره.

وأمّا الأدلة الأخرى فإنَّها قابلة للمناقشة يأتي ذكرها في الموضع المناسب إنْ شاء الله تعالى. ثم أنَّه حاول جمعٌ من الفقهاء الجمع بين تلك الآراء المختلفة. فقال السيد الوالد قدس سره: (النزاع في أنَّ عقد الصبي صحيح أو فاسد لا ثمرة له في هذه الأعصار وينحصر العقد

ص: 315


1- الحدائق الناظرة؛ ج18 ص368-369.

بالنكاح والإيقاع بالإطلاق -لأنَّ جميع المعاملات تقع بالمعاطاة-, وحينئذٍ فإنْ علم أنَّه آلة للولي فيصحُّ بلا إشكال, وإنْ شك فيه يحمل فعله على الصحة, لأنَّه مسلم. وإنْ علم العدم فتتوقف على إذن الولي)(1).

وقال بعضهم بأنَّ قصر السيرة المدَّعاة على تصرفات الصبي في الأمور الصغيرة لا الأمور الخطيرة. وبه يتم الجمع بين الشهرة الفتوائية المانعة من تصرفات الصبي في الأمور الخطيرة, والسيرة الدالة على جواز تصرفاته في الأمور الصغيرة.

هذا ما يتعلق بالبلوغ.

الشرط الثاني: العقل

عبّر بعضهم عن هذا الشرط ب-(العقل), وعبّر آخر عنه ب-(الرشد) والمقصود به -على كِلا التعبيرين- وصول الإنسان إلى مرتبة الرشد.

والرشيد كما عرفته المجلة العدلية؛ المادة (947): (هو الذي يتقيد بمحافظة ماله, ويتوقى السرف والتبذير).

واشتراط الرشد مِمّا تسالم عليه الفقهاء, ولا خلاف بينهم في صحة تصرفات الإنسان عند وصوله إلى هذه المرتبة, وهي مرتبة الرشد.

ومن المعلوم أنَّ مفهوم الرشد وغيره مِمّا يرتبط بالموضوع -وهي الجنون والعته والسفه والفضلة والإغماء والسكر والنوم- هي من المفاهيم العرفية التي يرجع في تحديدها وتعيين مصاديقها إلى العرف.

ويمكن إدخال هذين الشرطين (البلوغ والعقل) تحت عنوان واحد وهو (الأهلية) وتقدم تعريف (الأهلية) وقلنا: هي صلاحية الإنسان لأنْ يتصرف تصرفاً واعياًمدركاً لتحمل مسؤولية ما يترتب على تصرفه من أحكام وآثار شرعية وقانونية أو عرفية.

ص: 316


1- مهذب الأحكام؛ ج 16 ص 278.

وذكرنا أنَّها تنقسم إلى قسمين:

1- أهلية الوجوب؛ وهي: صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق الشرعية له وعليه, أي صلاحيته لتمتعه بحقوقه وتحمله لمسؤولياتها.

2- أهلية الأداء؛ وهي: صلاحية الإنسان لاستعمال حقوقه, أي صلاحيته للقيام بالأعمال المشروعة ومباشرتها, أمثال البيع والشراء.

والمقصود في المقام منهما أهلية الأداء كما هو واضح.

ولا ريب أنَّ أهلية الأداء تتدرج بتدرج التمييز لدى الشخص الطبيعي, فهي تدور معه وجوداً وعدماً, تماماً ونقصاناً, فإنْ انعدم التمييز انعدمت الأهلية, وإذا كان التمييز ناقصاً كانت الأهلية ناقصة, وإنْ كان تاماً كانت تامة(1).

وعلى ضوء ذلك نقول:

· إذا كان الشخص تامُّ الأهلية فإنَّه لا خلاف بين الفقهاء في صحة تصرفاته, ومنها المعاملات المالية.

· وإذا كان فاقد الأهلية, فإنَّهم متَّفقون على بطلان تصرفاته المعاملاتية.

عوارض الأهلية

يتفرع على ما تقدم أنَّ الإنسان عندما يبلغ سن الرشد وتكتمل فيه أهلية الأداء فإنَّه قد يعرض الأهلية ما يوجب اختلالها, فيفقد الشخص بسبب ذلك العارض القدرة على الأداء. ويُعرّف القانون تلك العوارض ب-(عوارض الأهلية).

وفي علم الفقه تتمثل بالأحوال التالية: (الجنون والعته والسفه والغفلة والنوم والإغماء والسُكر), وقد ذكرنا أنَّ هذه المفاهيم عرفية يرجع في أمر تحديدها وتعيين مصاديقها إلى العرف, ولكن لا بأس ببيان الفرق بين كلِّ واحد منها.

ص: 317


1- نظرية العقد؛ ص 157.

الجنون: هو اضطراب في العقل يفقد الإنسان تمييزه, فلا يدرك أعماله الشرعية ولا يفهم معناها, فتنعدم لذلك أهليته.

والجنون على نوعين:

أ- الجنون الإطباقي: وهو الذي يستمر تأثيره على الوعي ويطبق على جميع أوقاته فلا يفيق صاحبه في وقت من الأوقات.

ب- الجنون الأدواري: وهو الذي لا يستمر تأثيره على الوعي, وإنَّما يعرض للإنسان دورياً فيفيق صاحبه في وقت, ويجنّ في وقت آخر.

تقول المجلة العدلية(1): (الجنون على قسمين: أحدهما: المجنون المطبق: وهو الذي يستوعب جنونه جميع أوقاته. والثاني: المجنون غير المطبق: وهو الذي يكون فيبعض الأوقات مجنوناً ويفيق في بعضها. وفي حالة الجنون تنعدم الأهلية؛ فلا تصحُّ تصرفاته, وفي حالة الإفاقة تصحُّ؛ لوجدان الأهلية).

العته: هي حالة نفسية دون مرتبة الجنون, يفقد معها الشخص بعض تمييزه فيكون المعتوه ناقص الأهلية.

وتعرّفه المجلة العدلية: (إنَّه الذي اختلَّ شعوره؛ بأنْ كان فهمه قليلاً, وكلامه مختلطاً, وتدبيره فاسداً)(2).

السفَه؛ عرَّفت المجلة العدلية الإنسان السفيه بأنَّه: (الذي يصرف ماله في غير موضعه, ويبذر في مصروفاته, ويضيع أمواله ويتلفها بالإسراف)(3).

ص: 318


1- المجلة العدلية؛ المادة (944).
2- المصدر السابق؛ المادة (945).
3- المصدر السابق؛ المادة (946).

ذو الغفلة؛ عرفتهم المجلة بأنَّهم: (الذين لا يزالون يغفلون في أخذهم وإعطائهم, ولم يعرفوا طريق تجارتهم وتمتعهم؛ بسبب بلاهتهم وخلوّ قلوبهم).

وقال السيد الطباطبائي قدس سره: (لا يجوز بيع المجنون ولو أدوارياً إذا كان (بيعه) حال جنونه, ولا المغمي عليه, ولا السكران, ولا الصبي, ولا السفيه, ولا المكره بغير حقٍّ, ولا الغافل, ولا النائم, ولا الهازل؛ بلا خلاف أجده؛ إلا في الصبي خاصة).

الشرط الثالث: الإختيار

قال الشيخ الأنصاريقدس سره: (ومن شرائط المتعاقدين الإختيار, والمراد: القصد إلى وقوع مضمون العقد عن طيب نفس, في مقابل الكراهة وعدم طيب النفس. لا الإختيار في مقابل الجبر)(1).

واستدلَّ على هذا الشرط بوجوه كما ورد في كلام الشيخ قدس سره:

1- القرآن الكريم؛ مثل قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)(2).

2- السنَّة الشريفة؛ من خلال عدة روايات؛ منها: قول نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله و سلم : (لَا يَحِلُ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلا بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِنْهُ)(3). ومنها: قوله صلی الله علیه و آله و سلم في الحديث المعروف بحديث الرفع المتَّفق عليه بين المسلمين, عَنْ أَبِي عَبْدِ الله علیه السلام قَالَ: (قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله و سلم : رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاءَ؛ الْخَطَأُ, والنِّسْيَانُ, ومَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ, ومَا لَا يَعْلَمُونَ, ومَا لَا يُطِيقُونَ, ومَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ, والْحَسَدُ, والطِّيَرَةُ, والتَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْوَةِ؛ مَا لَمْ يَنْطِقُوا بِشَفَةٍ)(4).

ص: 319


1- المكاسب (ط. الحديثة)؛ ج3 ص307.
2- سورة النساء؛ الآية 29.
3- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج 14 ص 572.
4- المصدر السابق؛ ج 15 ص 369.

بالتقريب الذي ذكره قدس سره من أنَّ ظاهر الحديث وإنْ كان رفع المؤاخذة إلا أنَّ استشهاد الإمام علیه السلام به في رفع بعض الأحكام الوضعية يشهد لعموم المؤاخذة فيه لمطلق الإلزام عليه بشيء, ففي صحيحة الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ علیه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ؛ يُسْتَكْرَهُ عَلَى الْيَمِينِ فَيَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ, وَصَدَقَةِ مَا يَمْلِكُ؛ أَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ علیه السلام : (لَا؛ قَالَ رَسُولُ الله صلی الله علیه و آله و سلم وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي مَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ, وَلَمْ يُطِيقُوا وَمَا أَخْطَئُوا)(1). والحلف بالطلاق والعتاق وإنْ لم يكن صحيحاً عندنا من دون الإكراه أيضاً, إلا أنَّ مجرد استشهاد الإمام علیه السلام في عدم وقوع آثار ما حلف به بوضع ما أُكرهوا عليه يدلُّ على أنَّ المراد بالنبوي ليس خصوص المؤاخذة والعقاب الأخروي.

3- الإجماع؛ كما ادَّعاه جمعٌ من الفقهاء.

4- ضرورة المذهب؛ كما استدلَّ بها صاحب الجواهر قدس سره.

فلا إشكال في اعتبار هذا الشرط, والمراد به هو قصد إيقاع محتوى العقد, أي المعقود عليه, وهذا القصد هو الذي يعبّر عنه –علمياً- بالإرادة.

وقالوا بأنَّه لا بُدَّ أن تكون هذه الإرادة حرّة؛ بأنْ يكون لكلٍّ من المتعاقدين الخيار في ذلك؛ إنْ شاء فعل, وإنْ شاء لم يفعل, وهو معنى الإختيار.

كما أنَّه لا بُدَّ أنْ يصاحب هذا الإختيار الرضى بالفعل, أي الرغبة النفسية فيه.

وبناءً على ذلك تكون الإرادة هي: إنعقاد العزم على إجراء المعاملة التي هي محل التعاقد.

والإختيار هو: تمكن المتعاقد من ترجيح فعل المعاملة أو تركها.

والرضى هو: الرغبة في فعل المعاملة.

ص: 320


1- المصدر السابق؛ ج 23 ص 237.

وبناءً على جميع ذلك لا بُدَّ من أنْ يكون العقد وليد إرادة حرة.

ويمكن أنْ ندرج تلك العناوين تحت عنوان واحد وهو حرية الإرادة, وهذا هو معنى ما أسماه الفقهاء ب-(الإختيار), فإنَّ المقصود منهما واحد.

ومن عيوب الإرادة المؤثرة عليها في إفساد العقد؛ الإكراه.

والمراد بالإكراه -هنا- هو: أنْ يُرغَم المتعاقد على إجراء المعاملة عن طريق التهديد بإلحاق ضرر معين به, فيقوم بالإجراء خوفاً من وقوع الضرر المهدّد به.

قال النراقي: (لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط الإختيار, فلا يصحُّ عقد المكره؛ لفوات الشرط المذكور)(1).وقال صاحب الجواهر: (والمكره بغير حقٍّ الذي هو مِمّا رفع الشارع الحكم عمّا أكره عليه من قول أو فعل؛ بلا خلاف أجده فيه بيننا, بل الإجماع بقسميه عليه, بل الضرورة من المذهب) (2).

الشرط الرابع: التملك

والمقصود به أنْ يكون المتعاقد مالكاً لما يريد أنْ يجري المعاملة عليه وقادراً على التصرف فيه شرعاً؛ بأنْ يكون ممنوعاً شرعاً من التصرف فيه بنقل ملكيته إلى الغير أو تسليط الغير على التصرف فيه أو أنْ يكون المتعاقد مِمَّن له الحقُّ أنْ يحلّ محلّ المالك شرعاً أمثال: والد المالك وجده لأبيه, ووكيل المالك, ووصي المالك, أو وصي أبيه وجده, والحاكم الشرعي وأمينه, وعدول المؤمنين أو غيرهم عند عدمهم.

ص: 321


1- الحدائق الناضرة؛ ج18 ص373.
2- جواهر الكلام؛ ج22 ص265.

وقال صاحب الجواهر: (أنْ يكون البايع -مثلاً- مالكاً للمبيع أو مِمَّن له أنْ يبيع عن المالك, كالأب والجد للأب, والوكيل للمالك, والقائم مقامه, أو المأذون عنهم والوصي له, أو لأحد الأبوين المذكورين, والحاكم وأمينه, بلا خلاف أجده في شيء منها, بل الإجماع بقسميه على ذلك, بل غيره من الأدلة كتاب وسنة واضحة الدلالة عليه, بل تدلُّ على زيادة عدول المؤمنين من باب الحسبة المستفادة من آية المعاونة: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ)(1), وعدم السبيل على المحسن: ( مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ)(2), وإنَّ المؤمنين بعضهم أولياء بعض: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)(3), وخيرية الإصلاح لليتامى: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْ)(4).

وجملة من النصوص المعتبرة, كصحيح بْنِ بَزِيعٍ قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنْ أصحابنَا وَلَمْ يُوصِ, فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى قَاضِي الْكُوفَةِ فَصَيَّرَ عَبْدَ الْحَمِيدِ الْقَيِّمَ بِمَالِهِ, وَكَانَ الرَّجُلُ خَلَّفَ وَرَثَةً صِغَاراً وَمَتَاعاً وجَوَارِيَ, فَبَاعَ عَبْدُ الْحَمِيدِ الْمَتَاعَ, فَلَمَّا أَرَادَ بَيْعَ الْجَوَارِي ضَعُفَ قَلْبُهُ عَنْ بَيْعِهِنَّ إِذْ لَمْ يَكُنِ الْمَيِّتُ صَيَّرَ إِلَيْهِ وَصِيَّتَهُ, وَكَانَ قِيَامُهُ فِيهَا بِأَمْرِ الْقَاضِي, لِأَنَّهُنَّ فُرُوجٌ, قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام وَقُلْتُ لَهُ: يَمُوتُ الرَّجُلُ مِنْ أصحابنَا وَلَا يُوصِي إِلَى أَحَدٍ وَيُخَلِّفُ جَوَارِيَ, فَيُقِيمُ الْقَاضِي رَجُلًا مِنَّا فَيَبِيعُهُنَّ, أَوْ قَالَ: يَقُومُ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنَّا فَيَضْعُفُ قَلْبُهُ, لِأَنَّهُنَّ فُرُوجٌ, فَمَا تَرَى فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ: (إِذَا كَانَ الْقَيِّمُ بِهِ مِثْلَكَ وَمِثْلَ عَبْدِ الْحَمِيدِ فَلَا بَأْسَ)(5).

ص: 322


1- سورة المائدة؛ الآية 2.
2- سورة التوبة؛ الآية 91.
3- سورة التوبة؛ الآية 71.
4- سورة البقرة؛ الآية 220.
5- وسائل الشيعة (ط. آل البيت)؛ ج 17 ص363.

وغيره, بل مقتضى كثيرٌ مِمّا سمعت قيام الفساق مقامهم أيضاً مع عدمهم )(1).وإذا نظرنا إلى واقع هذا الشرط وهو كون المتعاقد حرّ التصرف في المعقود عليه, يمكن تسمية هذا الشرط ب-(حرية التصرف).

وحينئذٍ يحقُّ لنا اختصار شروط المتعاقدين -كما عليه القانون المدني- تحت العناوين التالية:

1- الأهلية.

2- حرية الإرادة.

3- حرية التصرف.

الخلاصة

هذا ما يتعلق بأحد عناصر العقد وأركانه (وهو المتعاقدان) في الفقه الإسلامي, ولا سيما الفقه الجعفري. أمّا ما يتعلق بها في القانون فقد ذكر السنهوري في ما يرتبط بها, قال: (العقد يقوم على الإرادة, أي تراضي المتعاقدين, والإرادة يجب أنْ تتجه إلى غاية مشروعة, وهذا هو السبب, فللعقد إذن ركنان؛ التراضي والسبب, وإذا كان التراضي في شكل مخصوص, كما في العقود الشكلية, ففي هذه الحالة يكون هذا الشكل المخصوص ركناً من أركان العقد)(2).

وأمّا المحل فهو ركن في الإلتزام لا في العقد, ولكن أهميته لا تظهر إلا في الإلتزام الذي ينشأ من العقد, فإنَّ محل الإلتزام غير التعاقدي يتولى القانون تعيينه, فليس ثمة احتمال أنْ يكون غير مستوفٍ للشرط. أمّا محل الإلتزام التعاقدي؛ فإنَّ المتعاقدين هما اللذان يقومان بتعيينه, فوجب أنْ يراعيا استيفاءه للشروط التي يتطلبها القانون, ومن ثم فالمحل يذكر عادة مقترناً بالعقد.

ص: 323


1- جواهر الكلام؛ ج22 ص272-273.
2- الوسيط؛ ج1 ص170.

ولما كان بحثنا في العقود فإنَّه يمكننا استنتاج أركانها مِمّا ذكره في كتابه الوسيط, وهي:

1- التراضي.

2- العقد, أي الشكل المخصوص, بمعنى الصيغة المعينة.

3- المحل.

4- السبب, أي الغاية المشروعة.

5- الجزاء المتمثل في البطلان.

ثم فسَّر التراضي بأنَّه تطابق إرادتين فقال: (يتم العقد بمجرد أنْ يتبادل طرفا التعبير عن إرادتين متطابقتين مع مراعاة ما يقرره القانون فوق ذلك من أوضاع معينة لانعقاد العقد)(1).

ثم فصَّل الكلام في أركان الإرادة (أو العمل القانوني) وهي نفس أركان العقد وقال: (أنْ تكون إرادة صحيحة أي إرادة صادرة من ذي أهلية وخالية من العيوب).والتعاقد يتم بتعبير كلٌّ من المتعاقدين عن إرادته على النحو الذي ذكرناه؛ وهو توافق الإرادتين, وقد يمر التعاقد بمرحلة تمهيدية لا يكون العقد فيها باتاً, ويتحقق ذلك في الإتّفاق الإبتدائي وفي العربون.

والتعبير عن الإرادة قد يصدر من الأصيل في التعاقد, وقد يصدر من نائب عنه, أمّا التعبير الصادر عنه من الأصيل إمّا أنْ يكون باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة المتداولة عرفاً كما يكون باتخاذ موقف لا تدع ظروف الحال في دلالته على حقيقة المقصود(2).

أمّا الإرادة الكامنة في النفس الذي يكون المظهر الخارجي تعبيراً عنها, فهي عمل نفسي ينعقد به العزم على شيء معين, وما دامت الإرادة عملاً نفسياً فإنَّه لا يعلم بها من الناس إلا صاحبها ولا يعلم بها غيره إلا عبّر عنها بأحد مظاهر التعبير.

ص: 324


1- الوسيط؛ ج 1 ص 177.
2- راجع الوسيط؛ ج 1 ص 175.

وقد ذكرنا ما يتعلق بالإرادة في أحد مباحثنا السابقة, ولما كانت الإرادة عنصراً مهماً في العقود بل مطلق المعاملات؛ لا بأس أنْ نذكر في المقام بعض ما قاله القانونيون بما يوضح

المقصود؛ يقرر علماء النفس أنَّ الإرادة يسبقها عملان تحضيريان ويليها عمل تنفيذي؛

1- المرحلة الأولى: هي إتّجاه الفكر إلى أمر معين, وهذا هو الإدراك.

2- المرحلة الثانية: هي التدبير؛ فيزن الشخص الأمر ويتدبره.

3- المرحلة الثالثة: هي إمضاء العزيمة في هذا الأمر والبتُّ فيه, وهذه هي الإرادة. فإذا انعقدت الإرادة لم يبق بعد ذلك إلا المرحلة الأخيرة.

4- المرحلة الرابعة: وهي التنفيذ, وهي مرحلة خارجية؛

أمّا المراحل الثلاث الأولى فهي مراحل داخلية نفسية؛ إثنتان منها ترجعان إلى التفكير, والثالثة هي الإرادة المقصودة, وقد ميّز علماء النفس هذه المراحل بعضها عن بعض حتى لا تختلط الإرادة بالرغبة؛ فإنَّه شيء سابق, ولا تلتبس بالتنفيذ؛ فهو شيء لاحق.

والذي ذكره علماء النفس قد لا يوافقه علماء الأخلاق في بعضها, بل النظريات الحديثة في علم النفس لا تسلّم بالتمييز فيما بين المراحل المختلفة بهذا التمييز الدقيق, وذهبت إلى أنَّه من الصعب الجزم بأنَّ الإنسان لا يدخل في مرحلة التدبير إلا بعد أنْ يتم مرحلة الإدراك, فإنَّ الإدراك والتدبير ينفعل أحدهما مع الآخر فيتفاعلان كقطرة تسقط في مجرى فتمتزج بالماء فتؤثر فيه ويتأثر منه.

ثم إنَّ مرحلة التدبير لا يزن فيها الإنسان الأمر على هذا النحو المادي فيستخلص أسباباً للإقدام على العمل وأخرى للإحجام عنه, فإنَّ العمل النفسي أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً, فإذا ما انتهينا إلى مرحلة الإرادة خيّل لمن يتبع التحليل المتقدم أنَّهناك قوة نفسية مستقلة غير قوة الإدراك وقوة التدبير, هي التي تتولى البتّ في الأمر وتكون حكماً لا تعقيب على

ص: 325

حكمه, مع أنَّ الإرادة ليست إلا ما ينتهي إليه الإدراك والتدبير, فهي ليست مستقلة عنها, وما هي إلا امتداد طبيعي لما أودع في الإنسان من تفكير وتمييز وتبصر.

وما ذكروه خلط بين الإرادة إذا لوحظت على نحو التفصيل وبين ما إذا لوحظت على نحو البساطة؛ فراجع ما تقدم بيانه في بحث الإرادة.

والذي نستفيده من مجموعة ما ذكره علماء النفس والأخلاق والقانون أنَّ الإرادة هي مرحلة من مراحل العمل النفساني الذي يتبعه التنفيذ, وهو المعبّر عنه في الفقه ب-(الرضا).

وسيأتي البحث في اللفظ المعبّر عن هذه الإرادة الذي يسمى بالعقد وأقسامه, فإنَّه قد يكون التعبير صريحاً وقد يكون ضمنياً, وهل يكتفي بالإرادة الباطنة إذا اختلفت مع المظهر الخارجي أو لا؟.

العنصر الثاني: العِوضان
اشارة

لما كان موضوع بحثنا المعاملات المالية بما فيها العقود, والمعاملة -كما تقدم- إنَّما تقع بين طرفين وهما المتعاقدان, وتقوم على أساس مبادلة مال بمال, أطلق على كلِّ واحدٍ من المالين المتبادلين في اللغة والإصطلاح عنوان (عِوَض) لأنَّه يُعوَّض به المال المبذول, فإنَّ كلَّ طرف من طرفي المعاملة عندما يسلّم ماله للآخر بحكم العقد الجاري بينهما يعوضه الطرف الآخر عن ماله المبذول بمالٍ آخر, فيكون كلُّ واحد من المالين هو عِوَض عن الآخر.

وقد عُرّف العوض في اللغة بالبدَل, ومن ذلك تسمى المعاملة بالمعاوضة, والمبادلة, أي معاوضة مالٍ بمال, ومبادلة مالٍ بمال.

وعرَّفه المحامي غطاس في كتابه: (عوض؛ في القانون التجاري تعني الكلمة شيئاً ذا قيمة يعطيه أحد طرفي العقد لحمل الطرف الآخر على إبرام العقد أو الدخول معه في إتفاق)(1).

ص: 326


1- معجم مصطلحات الإقتصاد والمال وإدارة الأعمال؛ ص 128.

وعرَّفه بعضهم بأنَّه: (الشيء الذي يدفع على جهة المثامنة بعقد, وهو عام في النقود وغيرها, أمّا الثمن خاص بالنقود).

وقد اختص عقد البيع من سائر معاملات البيع بكلمتي الثمن والمثمن, فيطلق على أحد العوضين ثمناً والآخر مثمناً, والفرق بينهما من حيث التسمية في معاملة البيع, فما يقدمه البائع من العوض -وهو المبيع- يسمى مثمناً, وما يقدمه المشتري هو الثمن.

ومن هنا انصبَّت تعاريف الفقهاء والقانونيون على الثمن بالخصوص دون المثمن, ويرجع الوجه في ذلك إلى أنَّ تعاريف المثمن من تعريف الثمن, لأنَّهالمقابل له, قال الراغب الإصفهاني: (الثمن: إسم لمِا يأخذه البائع في مقابلة البيع عيناً (أي نقداً) كان أو سلعة, وكلُّ ما يحصل عوضاً عن شيء فهو ثمنه)(1).

وعلى ضوء هذا التعريف عرّف بعض المعاجم العربية الثمن ب-: (العوض الذي يؤخذ على التراضي في مقابلة المبيع عيناً كان أو سلعة )(2).

وفي التعبير يفترق الثمن والمثمن بتعدية الفعل (فعل الشراء أو البيع) إلى المثمن بنفسه وإلى الثمن بالباء, قال تبارك وتعالى: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ )(3), ويقال: (بعتك الكتاب بدينارٍ واحد), وتقول: (إشتريت الكتاب منك بدينارٍ واحد), أو تقول: (إشتريت كتاب البلاغة بكتاب النحو).

وهناك اصطلاح آخر استعمله العلماء وهي كلمة (القيمة), والفرق بينهما وبين الثمن أنَّ القيمة هي تقدير مالية الشيء من خلال المقومين, والقيمة تأتي في التقدير مساوية للشيء عادة, بينما الثمن قد يساوي وقد يزيد وقد ينقص.

ص: 327


1- مفردات ألفاظ القرآن؛ ص177.
2- القاموس الفقهي لغةً واصطلاحاً؛ ص52.
3- سورة يوسف؛ الآية 20.

وذكروا في تعريف الثمن بأنَّه: (قيمة الشيء وسعره الذي تمّ التراضي عليه, فهو أعمّ من القيمة التي هي السعر الحقيقي الذي يقومه بها المقومون).

ويقول الدكتور عمارة في كتابه: (الثمن ..... ما يقدره العاقدان عوضاً للمبيع في عقد البيع... وما قدرّه أهل السوق فيما بينهم وروّجوه في معاملاتهم يسمى قيمة, لأنَّ قيمة الشيء هي عبارة عن قدر ماليته بالدرهم والدنانير بتقويم المقومين وهي مساوية له, بخلاف الثمن؛ فإنَّه يكون ناقصاً وزائداً)(1).

ويقول الدكتور نزيه حماد: (ويطلق الفقهاء كلمة (الثمن) في مقابلة (القيمة) ويريدون به العوض الذي تراضى عليه المتعاقدان, سواء كان مطابقاً للقيمة الحقيقية أم ناقصاً عنها أم زائداً عليها)(2).

والحاصل من جميع ذلك؛ إنَّ في المقام ثلاث مصطلحات:

1- العِوض: وهو البدل؛ أي شيء يدفع على جهة المعاوضة ويجري في كل المعاوضات.

2- الثمن: وهو العوض الذي يبذله المشتري مقابل المبيع الذي يقدمه البائع له, وهو يختص بالبيع, وغالباً يكون بالنقد, ولا بُدَّ أنْ يكون مورد التراضي بين المتبايعين.

3- القيمة: وهي السعر الحقيقي الذي يقومه بها المقومون, وتجري في المعاملات كلها ولا تختص بالبيع.

ص: 328


1- قاموس المصطلحات الإقتصادية في الحضارة الإسلامية؛ ص 136.
2- معجم المصطلحات المالية والإقتصادية في لغة الفقهاء؛ ص 131.
شروط العِوضين

إشترط الفقهاء في العوضين أنْ يتوفر في كلِّ واحد منهما أوصاف معينة وهي:

1- أنْ يكونا متمولين

قالوا: إنَّ اشتراط المالية في العوضين أمر أساسي تقتضيه طبيعة المعاملة المالية لتوقف اعتبارها مالية عليه. فتتقوم بالمال لكونها مالية.

وقد تقدم الكلام في المال وذكرنا أنَّ مالية الشيء تقوم على عنصرين أساسيين, وهما:

أ- إعتبار العرف؛ وبهذا العنصر يحترز عن الشيء الذي لا ينتفع به منفعة مقصودة للعقلاء, فإنَّه لا يعدُّ مالاً عرفاً, وقد ضربوا لذلك أمثلة كثيرة في الفقه, كحبة الأرز والخنافس والديدان, إلا إذا اتَّصفت بوصف يعطيها قيمة إجتماعية, وذلك كما إذا كتبت على الحبة آيات من الذكر الحكيم مِمّا تعدُّ بسببه مالاً عرفاً, أو كانت للديدان منفعة مادية معينة طبية ونحوها كدودة العلق. وغير ذلك.

ب- تحليل الشرع؛ ويحترز بهذا عن الأشياء التي أكد الشارع المقدس ماليتها, فإنَّها لا تعدّ مالاً كالخمر مثلاً.

وعليه؛ فمتى ما توافر هذان العنصران -إعتبار العرف وتحليل الشرع- في الشيء الذي يراد جعله عوضاً في المعاملة عُدَّت عوضاً.

وقد تسالم الفقهاء على هذا الشرط بلا خلاف بينهم.

2- أنْ يكونا مملوكين

وذلك لعدم صحة تصرف الإنسان تصرفاً تبادلياً, أي جعله عوضاً لينتقل إلى الطرف الآخر إلا في ملكه, ومنه كانت القاعدة الفقهية المعروفة: (لا بيع إلا في ملك).

وهذا الشرط أيضاً موضع وفاق الفقهاء.

ص: 329

3- أن يكونا طِلقين

والطِلْق -بكسر الطاء المهملة وسكون اللام- كما يعرّفه الشيخ الأنصاري بأنَّه: (تمام السلطنة على الملك, بحيث يكون للمالك أنْ يفعل بملكه ما شاء, ويكون مطلق العنان في ذلك)(1).

ولا يخفى أنَّ هذا التعريف يساوق حرية التصرف التي تقدم الكلام فيها عند اشتراط توافرها في المتعاقدين. ولكن الكلام هنا في العوض دون المتعاقدين.ومن أجل ذلك عرفت بعض المعاجم الطِلق ب-:(المطلق الذي يتمكن صاحبه فيه من جميع التصرفات). وبذلك يصلح أنْ يكون وصفاً للعوض, وذلك لأنَّ المراد بهذا الشرط أنْ يكون الشيء الذي يقصد استعماله عوضاً في المعاملة غير متَّصف بما يمنع المالك من التصرف به نقلاً وانتقالاً بغير إذن المرتهن أو إجازته. ولا يتَّضح ذلك إلا من خلال التعريف المعجمي المذكور.

ولا إشكال في اعتبار هذا الشرط, ولا خلاف فيه بين الفقهاء.

4- أنْ يكونا معلومين

والعلم بهما إنَّما يتحقق بالتالي:

أ- معرفة ماهية العوض من حيث النوعية.

ب- معرفة مقدار العوض من حيث الكمية إنْ كان مِمّا يقدر.

ج- معرفة أوصافهما المميزة.

فالمراد من كونهما معلومين أنْ يكونا معينين بتلك المقدرات التي تختلف بحسب الأجناس التي تقع مورد المعاملة.

ص: 330


1- المكاسب؛ ج4 ص29.

والدليل على هذا الشرط الحديث المروي عن النبي صلی الله علیه و آله و سلم الذي تلقّاه المسلمون بالقبول واشتهر بينهم, وهو: (نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ)(1), و(عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ)(2). وقد استدلَّ الفقهاء بهما في تفسير الغرر بالجهالة التي تعني عدم العلم.