كمال الدين و تمام النعمة

هویة الکتاب

كَمالُ الدِّين وَ تَمَامُ النِّعمَة

تأليف: الشيخ الجليل الأقدم أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي الصدوق (رحمة الله)

المتوفى سنة (381ه)

الجزء الأوَّل , الجزء الثاني

تقديم وتحقيق: مَرکَز الدَّراسَاتِ التَّخَصُّصِّیَّة فِي الإِمَامِ المَهدِيّ عَجَّلَ الله تعالَی فَرَجَهُ الشَّریف

ص: 1

المجلد 1

اشارة

مَرکَز الدَّراسَاتِ التَّخَصُّصِّیَّة فِي الإِمَامِ المَهدِيّ عَجَّلَ الله تعالَی فَرَجَهُ الشَّریف

اسم الکتاب: ......... كَمالُ الدِّين وَ تَمَامُ النِّعمَة / الجزء الأول

تأليف: .......... الشيخ الصدوق (رحمة الله)

تقديم وتحقيق: ........... مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

رقم الإصدار: 257

الطبعة: الأولى 1442ه

عدد النسخ: ........... 1000

--------------------

جمیع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمرکز

العراق - النجف الأشرف

هاتف: 07809744474 - 07816787226

www.m-mahdi.com

info@m-mahdi.com

ص: 2

بسم الله الرحمن الرحیم

مقدّمة المركز:

لا يختلف اثنان في أنَّ الأُمَم إنَّما تخلد بتراثها الذي يحفظ كيانها، وأُصولها، ويُثبِّت ارتباطها بجذور عميقة بمبادئها، الأمر الذي يحكي عن قوَّة في الحضارة، ورسوخ في المعتقد.

ولذا اهتمَّت جميع الأطياف البشريَّة بتدوين حضارتها، ومنجزاتها، وما يحفظ كيانها، عبر مختلف وسائل التدوين، بدءاً بالعصور الأُولىٰ للتدوين، وانتهاءً بما وصلت إليه أدوات التدوين اليوم من تطوُّر لم يسبق له نظير.

إلَّا أنَّ المفارقة نجدها واضحة في صدر الإسلام، حيث سعىٰ من تسنُّم دفَّة الحكم، إلىٰ منع تدوين تراث الإسلام (من حديث النبيِّ (صلی الله علیه و آله) وأهل بيته (علیهم السلام)، وعبر مراحل متعدِّدة، كان أوَّلها العمل علىٰ جمع حديث النبيِّ (صلی الله علیه و آله)، ثمّ إحراق الصُّحُف التي حوته، مروراً بمنع رواية أيِّ حديث ما لم يطَّلع عليه الحاكم ويُمضيه، وانتهاءً بإنزال أشدّ أنواع العقوبات علىٰ من يخالف الجهاز الحاكم ويروي من دون إذنهم، أو يروي ما لا يستسيغه الحاكم(1).

إلَّا أنَّ ذلك لم يمنع أهل البيت (علیهم السلام) عن القيام بمهمَّتهم، في الحفاظ علىٰ الدِّين الإسلامي بالنسخة الأصليَّة التي أرادها الله تبارك وتعالىٰ، ولأجل ذلك عملوا علىٰ تأسيس مدرسة علميَّة محكمة، وربّواالكثير من التلاميذ الذين أخذوا علىٰ عاتقهم حفظ التراث الدِّيني، وبذلوا في سبيل ذلك الغالي والنفيس من أموالهم، وجهودهم، وحتَّىٰ أرواحهم.

ص: 3


1- انظر للتفاصيل: منع تدوين الحديث/ تأليف: السيِّد عليٍّ الشهرستاني.

يشهد علىٰ هذه الحقيقة، وفرة الروايات التي وصلت إلينا عنهم (علیهم السلام)، عبر الأُصول الأربعمائة التي استندت إليه المدوَّنات الحديثيَّة الضخمة، ومنها الكُتُب الأربعة للمحمّدين الثلاثة، والتي استفاد منها الفقهاء والعلماء والمتخصِّصون في مختلف المجالات المرتبطة بالدِّين، ومنها ما يرتبط بالقضيَّة المهدويَّة.

لقد كتب الكثير من العلماء في القضيَّة المهدويَّة، وعملوا علىٰ إشباع جميع جوانبها، وملئ جميع الفراغات فيها، والبحث عن النتوءات الحرجة فيها ومعالجتها، فكانت المكتبة المهدويَّة عامرةً بالكثير من الإصدارات.

هذا، ونجد الكثير من العلماء قد كتبوا في هذه القضيَّة قبل الشيخ الصدوق، ومنهم:

1 - أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الأحمري النهاوندي، سمع منه أبو أحمد القاسم بن محمّد الهمداني في تسع وستِّين ومائتين، له كتاب الغيبة(1).

2 - أبو إسحاق إبراهيم بن صالح الأنماطي الكوفي الأسدي، من أصحاب الإمام الكاظم (علیه السلام)، ثقة، له كتاب الغيبة، يرويه عنه جعفر بن قولويه بواسطة واحدة(2).3 - أبو محمّد الفضل شاذان بن جبرئيل (الخليل) الأزدي النيسابوري، المتوفَّىٰ سنة (260ه)، لقي عليَّ بن محمّد التقي (علیه السلام)، له كتاب إثبات الرجعة...(3).

ص: 4


1- رجال النجاشي (ص 19/ الرقم 21)، الفهرست (ص 10 و11/ الرقم 11)، الذريعة (ج 16/ ص 74/ الرقم 371).
2- رجال النجاشي (ص 15/ الرقم 13)، الفهرست (ص 14/ الرقم 19)، معالم العلماء (ص 5/ الرقم 5)، الذريعة (ج 16/ ص 75/ الرقم 373).
3- رجال النجاشي (ص 306 و307/ الرقم 840)، الفهرست (ص 254 و255/ الرقم 559)، معالم العلماء (ص 90 و91/ الرقم 627)، الذريعة (ج 16/ ص 78/ الرقم 395).

4 - أبو بكر خيثمة أحمد بن زهير النسائي، المتوفَّىٰ سنة (279ه)، له جمع الأحاديث الواردة في المهدي(1).

5 - أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عبد الله بن قضاعة بن صفوان بن مهران الجمَّال، المعروف بالصفواني، الشريك مع النعماني في القراءة علىٰ ثقة الإسلام الكليني، له كتاب الغيبة وكشف الحيرة(2).

6 - أبو جعفر محمّد بن عليِّ بن أبي العزاقر الشلمغاني، المتوفَّىٰ سنة (323ه)، كان متقدِّماً في أصحابنا ومستقيم الطريقة، فحمله الحسد لأبي القاسم الحسين بن روح علىٰ ترك المذهب والدخول في المذاهب الرديَّة، فظهرت منه مقالات منكرة، وخرج في لعنه التوقيع من الناحية، له كتاب الغيبة(3).

7 - أبو بكر محمّد بن القاسم البغدادي، معاصر ابن همَّام الذي تُوفِّي سنة (332ه)، له كتاب الغيبة(4).8 - أبو النضر محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيَّاش السلمي السمرقندي، المعروف بالعيَّاشي، كان في أوَّل عمره عامّي المذهب وسمع حديث العامَّة فأكثر منه، ثمّ تبصَّر وعاد إلينا، له كتاب الغيبة(5).

9 - أبو الحسن عليُّ بن مهزيار الدورقي الأهوازي، كان أبوه نصرانيًّا، وقيل: إنَّ عليًّا أيضاً أسلم وهو صغير، ومنَّ الله عليه بمعرفة هذا الأمر، وتفقَّه

ص: 5


1- مجلَّة تراثنا/ العدد الأوَّل.
2- الذريعة (ج 16/ ص 37 و84/ الرقم 157 و420).
3- كتابه الغيبة كتبه قبل ضلاله. راجع: رجال النجاشي (ص 378/ الرقم 1029)، الذريعة (ج 16/ ص 80/ الرقم 401).
4- الذريعة (ج 16/ ص 80/ الرقم 403).
5- رجال النجاشي (ص 350 - 353/ الرقم 944)، الفهرست (ص 317 - 320/ الرقم 690)، معالم العلماء (ص 99 و100/ الرقم 668).

وروىٰ عن الرضا وأبي جعفر (علیهما السلام)، واختصَّ بأبي جعفر الثاني، له كتاب القائم(1).

10 - أبو الحسن عليُّ بن محمّد بن إبراهيم بن أبان المعروف بعلَّان الرازي الكليني، خال ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني، وأحد العدَّة الذين يروي عنهم عن سهل بن زياد في كتابه الكافي، له كتاب أخبار القائم (علیه السلام)(2).

11 - أبو الفضل عبَّاس بن هشام الناشري الأسدي، من أصحاب الرضا (علیه السلام)، متوفَّىٰ سنة (220ه)، له كتاب الغيبة(3).

12 - أبو سعيد عبَّاد بن يعقوب الرواجني الأسدي الكوفي، المتوفَّىٰ سنة (250ه) أو (271ه)، له كتاب أخبار المهدي ويُسمِّيه المسند(4).

13 - أبو الحسن سلامة بن محمّد بن إسماعيل (أسماء) بن عبد اللهبن موسىٰ بن أبي الأكرم الأرذني (الأزوني)، المتوفَّىٰ سنة (339ه)، له كتاب الغيبة وكشف الحيرة(5).

14 - أبو محمّد الحسن بن محمّد بن يحيىٰ بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله ابن الحسين بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (علیهم السلام)، المعروف بابن أخي طاهر، المتوفَّىٰ في ربيع الأوَّل سنة (358ه)، له كتاب الغيبة وذكر القائم (علیه السلام)(6).

15 - أبو محمّد الحسن بن حمزة بن عليِّ بن عبد الله بن محمّد بن الحسن بن

ص: 6


1- رجال النجاشي (ص 253 و254/ الرقم 664).
2- الذريعة (ج 1/ ص 345/ الرقم 1803).
3- رجال النجاشي (ص 380/ الرقم 741)، الذريعة (ج 16/ ص 76/ الرقم 386).
4- الفهرست (ص 176/ الرقم 374)، معالم (ص 88/ الرقم 612)، الذريعة (ج 1/ ص 352/ الرقم 1852).
5- رجال النجاشي (ص 192/ الرقم 514)، الذريعة (ج 16/ ص 83/ الرقم 419).
6- رجال النجاشي (ص 64/ الرقم 149)، الذريعة (ج 16/ ص 83/ الرقم 416).

الحسين بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (علیهم السلام)، المعروف بالطبري والمرعش، كان من أجلَّاء هذه الطائفة وفقهائها، تُوفِّي سنة (358ه)، له كتاب الغيبة(1).

وهكذا استمرَّ البحث والتأليف عن هذه القضيَّة، لأهمّيَّتها، وقد نقل (عبد الجبَّار الرفاعي) في كتابه (معجم ما كُتِبَ عن الرسول وأهل البيت (علیهم السلام)/ القسم الرابع عشر: الإمام محمّد بن الحسن المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) ما يقرب من (1145) عنوان كتاب عن الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف).

وهذا لا يعني أنَّه تمَّ إغلاق ملف هذه القضيَّة، كلَّا، بل إنَّها ما زالت كما بدأت، غضَّة، طريَّة، غير آبية عن الكتابة، والتطوير، والبحث والتنقيب، يشهد علىٰ ذلك أنَّه صدر في العصر الحديث عن مركزنا فقط مايقرب من (86) إصداراً متعلِّقاً بهذه القضيَّة العظيمة.

* * *

ثمّ إنَّه لا شكَّ في أنَّ هناك مصادر أساسيَّة يُعتَمد عليها في أيِّ علم من العلوم، تكون هي العين النابعة بالمعرفة لمن يريد الكتابة في تخصُّص ما، وللقضيَّة المهدويَّة مصادرها الأساسيَّة في ذلك، والتي كانت ولا زالت محطّ نظر الباحثين عنها، حيث يجدون فيها ما يروي ظمأهم المعرفي من المعلومات المهدويَّة الرصينة.

ويتصدَّر قائمة المصادر المهدويَّة كتاب (كمال الدِّين وتمام النعمة) للشيخ الصدوق (قدس سره)، حيث إنَّه يُمثِّل أقدم مصدر حديثي في هذه القضيَّة، بعد كتاب الغيبة للشيخ النعماني.

ص: 7


1- رجال النجاشي (ص 64/ الرقم 150)، معالم العلماء (ص 36/ الرقم 215)، الذريعة (ج 16/ ص 76/ الرقم 380).

أهمّيَّة هذا المُصنَّف:

اشارة

إنَّ لكتاب (كمال الدِّين وتمام النعمة) خصائص عديدة، جعلته من أهمّ المصادر المعتمدة في القضيَّة المهدويَّة، وحتَّىٰ تتبيَّن هذه الحقيقة نذكر الأُمور التالية:

الأمر الأوَّل:

إنَّ مؤلِّفه هو الشيخ الجليل الأقدم الصدوق أبو جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين بن بابويه القمِّي المتوفَّىٰ سنه (381ه)، وهو من الجلالة والوثاقة والعلم ما عرفه القاصي والداني، وإنَّه لأشهر من نار علىٰ علم.

وُلِدَ بدعاء صاحب الأمر (عجل الله تعالی فرجه الشریف)، حيث نقل الشيخ الطوسي ݥ في غيبته قال: قال ابن نوح: وحدَّثني أبو عبد الله الحسين محمّد بن سورة القمِّي (رحمة الله) حين قَدِمَ علينا حاجًّا، قال: حدَّثني عليُّ بن الحسن بن يوسف الصائغ القمِّي ومحمّد ابن أحمد بن محمّد الصيرفيالمعروف بابن الدلَّال وغيرهما من مشايخ أهل قم أنَّ عليَّ بن الحسين بن موسىٰ بن بابويه كانت تحته بنت عمِّه محمّد بن موسىٰ بن بابويه فلم يُرزَق منها ولداً، فكتب إلىٰ الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رضی الله عنه) أنْ يسأل الحضرة أنْ يدعو الله أنْ يرزقه أولاداً فقهاء، فجاء الجواب: «إنَّك لا تُرزَق من هذه، وستملك جارية ديلميَّة وتُرزَق منها ولدين فقيهين»(1).

بل إنَّ الشيخ الصدوق (رحمة الله) نفسه في كتابه كمال الدِّين قال ما نصه:

وَحَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَسْوَدُ ݥ ، قَالَ: سَأَلَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ابْنِ مُوسَىٰ بْنِ بَابَوَيْهِ ݥ بَعْدَ مَوْتِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَمْرِيِّ ݥ أَنْ أَسْأَلَ أَبَا الْقَاسِمِ الرَّوْحِيَّ أَنْ يَسْأَلَ مَوْلَانَا صَاحِبَ الزَّمَانِ (علیه السلام) أَنْ يَدْعُوَ اللهَ (عزوجل)أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَداً ذَكَراً، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ، فَأَنْهَىٰ ذَلِكَ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَنَّهُ قَدْ دَعَا لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَأَنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ مُبَارَكٌ يَنْفَعُ [اللهُ] بِهِ وَبَعْدَهُ أَوْلَادٌ.

ص: 8


1- الغيبة للطوسي (ص 309 و310/ ح 261).

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَسْوَدُ ݥ: وَسَأَلْتُهُ فِي أَمْرِ نَفْسِي أَنْ يَدْعُوَ اللهَ لِي أَنْ يَرْزُقَنِي وَلَداً ذَكَراً، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَيْسَ إِلَىٰ هَذَا سَبِيلٌ، قَالَ: فَوُلِدَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ݥ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَبَعْدَهُ أَوْلَادٌ، وَلَمْ يُولَدْ لِي شَيْءٌ.

الأمر الثاني:

إنَّ الشيخ الصدوق ݥ كان قد ألَّف هذا الكتاب سنة (354 ه/ 965م)، أي بعد انتهاء الغيبة الصغرىٰ وبدء الكبرىٰ بخمسة وعشرين عاماً تقريباً، ومن هنا، فهو من أقدم المصادر الروائية المستقلَّة في مجال القضيَّة المهدويَّة، ولم يسبقه في ذلك سوىٰ النعماني في كتابه: الغيبة،والذي ألَّفه عام (342 ه/953م).

وبذلك يكون هذا الكتاب مرجعاً للبحث في هذه القضيَّة، ولا يستغني عنه أحد في هذا المجال.

الأمر الثالث:

جاء في سبب تأليف الشيخ الصدوق لهذا الكتاب أنَّ الشيخ كان يُقلقه حيرة المؤمنين بالغيبة، وأنَّه كان يبذل قصارىٰ جهده في إرشادهم إلىٰ الحقِّ وردِّهم إلىٰ الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبيِّ والأئمَّة (صلوات الله عليهم)، ثمّ إنَّه رأىٰ الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف) في الرؤيا... يقول الشيخ في مقدّمة كتابه كمال الدِّين: ... فأرىٰ مولانا القائم صاحب الزمان (صلوات الله عليه) واقفاً بباب الكعبة، فأدنو منه علىٰ شغل قلب وتقسُّم فكر، فعلم (علیه السلام) ما في نفسي بتفرُّسه في وجهي، فسلَّمت عليه، فردَّ عليَّ السلام، ثمّ قال لي: «لِمَ لَا تُصَنِّفُ كِتَاباً فِي الْغَيْبَةِ حَتَّىٰ تُكْفَىٰ مَا قَدْ هَمَّكَ؟»، فقلت له: يا ابن رسول الله، قد صنَّفت في الغيبة أشياء، فقال (علیه السلام): «لَيْسَ عَلَىٰ ذَلِكَ السَّبِيلِ، آمُرُكَ أَنْ تُصَنِّفَ الْآنَ كِتَاباً فِي الْغَيْبَةِ واذْكُرْ فِيهِ غَيْبَاتِ الْأَنْبِيَاءِ (علیهم السلام)»، ثمّ مضىٰ (صلوات الله عليه)، فانتبهت

ص: 9

فزعاً إلىٰ الدعاء والبكاء والبثِّ والشكوىٰ إلىٰ وقت طلوع الفجر، فلمَّا أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلاً لأمر وليِّ الله وحجَّته، مستعيناً بالله ومتوكِّلاً عليه ومستغفراً من التقصير، «وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ 88» [هود: 88].

الأمر الرابع:

ابتدأ المصنِّف كتابه بمقدّمة طويلة، ذكر فيها الكثير من الاستدلالاتالتي ردَّ بها مزاعم المدَّعين من الكيسانيَّة والناووسيَّة والواقفة والزيديَّة وغيرهم، بالإضافة إلىٰ أنَّه أجاب عن الشُّبُهات المطروحة حول الغيبة، فضلاً عن مناظراته مع بعض الملحدين، وهي مقدّمة غنيَّة بالمعلومات ثريَّة بالاستدلالات العلميَّة والمنطقيَّة الرصينة، حريٌّ بها أنْ تكون كتاباً مستقلّاً، وحريٌّ بالباحثين أنْ يولوها جُلَّ اهتمامهم بالتحقيق والتعليق والشرح.

ثمّ بدأ بفصول كتابه وسرد الروايات المهدوية، والتي بلغ عددها الكلِّي (572) رواية، توزَّعت علىٰ (58) باباً، تجدها بالتفصيل في فهرست الكتاب.

من كلِّ ما تقدَّم، تتبيَّن أهمّيَّة هذا الكتاب، من جهة جلالة مؤلِّفه، وقِدَم كتابته، وبركة تأليفه، وشموليَّة عناوينه ومضامينه.

من هنا، ارتأىٰ مركزنا أنْ يقوم بإعادة طباعة هذا الكتاب، بحُلَّة جديدة.

عملنا في الكتاب:

1 - اعتمادنا علىٰ نسخة الكتاب الموجودة في مكتبة أهل البيت (علیهم السلام)/ تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري/ طبع ونشر مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المقدَّسة/ محرَّم الحرام 1405ه.

2 - أتينا بالأحاديث محرَّكة لتسهيل القراءة علىٰ القارئ الكريم.

ص: 10

3 - أضفنا إلىٰ الكتاب بعض الشروحات من الكُتُب التالية:

أ) شرح أُصول الكافي لمولىٰ محمّد صالح المازندراني/ ضبط وتصحيح: السيِّد عليّ عاشور/ طبع ونشر دار إحياء التراث العربي/ ط 1/ 1421ه.

ب) روضة المتَّقين في شرح من لا يحضره الفقيه لمحمّد تقي المجلسي (الأوَّل)/ تصحيح وتحقيق: السيِّد حسين الموسوي الكرماني والشيخ علي بناه الاشتهاردي/ طبع ونشر مؤسَّسة فرهنگي إسلامي كوشانبور/ قم/ ط 2/ 1406ه.

ج) مرآة العقول في شرح أخبار الرسول للعلَّامة المجلسي/ نشر دار الكُتُب الإسلاميَّة/ ط 2/ 1404ه.

د) بحار الأنوار الجامعة لدُرَر أخبار الأئمَّة الأطهار للعلَّامة المجلسي/ نشر مؤسَّسة الوفاء/ ط 2/ 1403ه/ بيروت.

4 - قمنا بتغيير أرقام صفحات جميع مصادر التحقيق وأتينا بها من مكتبة أهل البيت (علیهم السلام).

نسأل الله تعالىٰ أنْ يُوفِّق جميع المؤمنين لخدمة مذهب أهل البيت (علیهم السلام) والقضيَّة المهدويَّة، وأنْ يجعل عملنا هذا في عينه، وأنْ يبارك فيه ليكون ومضة نور في طريق التمهيد لظهور الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف).

مركز الدراسات التخصَّصيَّة

في الإمام المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف)

ص: 11

ص: 12

مقدّمة المؤلِّف

اشارة

ص: 13

ص: 14

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّىٰ الله علىٰ محمّد وآله الطاهرين.

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الحيِّ القادر العليم الحكيم، تقدَّس وتعالىٰ عن صفة المخلوقين، ذي الجلال والإكرام، والإفضال والإنعام، والمشيئة النافذة والإرادة الكاملة، «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 11» [الشورىٰ: 11]، «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ 103» [الأنعام: 103].

وأشهد أنْ لا إِله إِلَّا الله وحده لا شريك له، خالق كلِّ شيء، ومالك كلِّ شيء، وجاعل كلِّ شيء، ومحدِث كلِّ شيء، وربُّ كلِّ شيء، وأنَّه يقضي بالحقِّ، ويعدل في الحكم، ويحكم بالقسط، ويأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربىٰ، وينهىٰ عن الفحشاء والمنكر والبغي، ولا يُكلِّف نفساً إلَّا وسعها، ولا يُحمِّلها فوق طاقتها، وله الحجَّة البالغة، ولو شاء لهدىٰ الناس أجمعين، يدعو إِلىٰ دارِ السلامِ ويهدي من يشاء إلىٰ صراط مستقيم. لا يعجل بالعقوبة، ولا يُعذِّب إلَّا بعد إيضاح الحجَّة وتقديم الآيات والنذارة، لم يستعبد عباده بما لم يُبيِّنه لهم، ولم يأمرهم إطاعة من لم ينصبه لهم، ولم يكلهم إلىٰ أنفسهم واختيارهم وآرائهم بطاعته واختراعهم في خلافته(1)، تعالىٰ الله عن ذلك علوًّا كبيراً.

وأشهد أنَّ محمّداً (صلی الله علیه و آله) عبده ورسوله وأمينه، وأنَّه بلَّغ عن ربِّه، ودعا إلىٰ

ص: 15


1- في بعض النُّسَخ: (في دينه).

سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعمل بالكتاب وأمر باتِّباعه، وأوصىٰ بالتمسُّك به وبعترته الأئمَّة بعده(1) (صلوات الله عليهم)، وأنَّهما لن يفترقا حتَّىٰ يردا عليه حوضه، وأنَّ اعتصام المسلمين بهما علىٰ المحجَّة الواضحة(2)، والطريقة المستقيمة، والحنيفيَّة البيضاء التي ليلها كنهارها وباطنها كظاهرها، ولم يدع أُمَّته في شبهة ولا عمىٰ من أمره، ولم يدَّخر عنهم دلالة ولا نصيحة ولا هداية، ولم يدع برهاناً ولا حجَّةً إلَّا أوضح سبيلها وأقام لهم دليلها، «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَىٰ اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» [النساء: 165]، و«لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» [الأنفال: 42].

وأشهد أنَّه ليس ب «مُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَىٰ اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ» [الأحزاب: 36]، وأنَّ الله يخلق من «يَشَاءُ وَيَخْتَارُ» [القَصص: 68]، وأنَّهم لا يؤمنون حتَّىٰ يُحكِّموه «فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا» قضاه «وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً 65» [النساء: 65].

وأنَّ من حرَّم حلالاً ومن حلَّل حراماً، أو غيَّر سُنَّةً، أو نقَّص فريضةً، أو بدَّل شريعةً، أو أحدث بدعةً، يريد أنْ يُتَّبع عليها ويصرف وجوه الناس إليها، فقد أقام نفسه لله شريكاً، ومن أطاعه فقد ادَّعىٰ مع الله ربًّا، و«بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ» [الأنفال: 16]، و«مَأْوَاهُ النَّارُ» [المائدة: 72]،و«بِئْسَ مَثْوَىٰ الظَّالِمِينَ 151» [آل عمران: 151]، و«حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ 5» [المائدة: 5]، وصلَّىٰ الله علىٰ محمّد وآله الطاهرين.

ص: 16


1- في نسخة: (بعد وفاته).
2- في بعض النُّسَخ: (وأنَّه يدلُّ المسلمين بهما علىٰ المحجَّة الواضحة).

[سبب تأليف الكتاب]:

قال الشيخ الفقيه أبو جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين بن موسىٰ بن بابويه القمِّي مصنِّف هذا الكتاب (أعانه الله علىٰ طاعته):

إنَّ الذي دعاني إلىٰ تأليف كتابي هذا، أنِّي لمَّا قضيت وطري من زيارة عليِّ ابن موسىٰ الرضا (صلوات الله عليه) رجعت إلىٰ نيسابور وأقمت بها، فوجدت أكثر المختلفين إليَّ(1) من الشيعة قد حيَّرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم (علیه السلام) الشبهة، وعدلوا عن طريق التسليم إلىٰ الآراء والمقائيس، فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلىٰ الحقِّ وردِّهم إلىٰ الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبيِّ والأئمَّة (صلوات الله عليهم)، حتَّىٰ ورد إلينا من بخارا شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة ببلد قم، طالما تمنَّيت لقاءه واشتقت إلىٰ مشاهدته لدينه وسديد رأيه واستقامة طريقته، وهو الشيخ نجم الدِّين أبو سعيد محمّد بن الحسن بن محمّد بن أحمد بن عليِّ بن الصلت القمِّي (أدام الله توفيقه)، وكان أبي يروي عن جدِّه محمّد بن أحمد بن عليِّ بن الصلت (قدَّس الله روحه)، ويصف علمه وعمله وزهده وفضله وعبادته، وكان أحمد بن محمّد بن عيسىٰ في فضله وجلالته يروي عن أبي طالب عبد الله بن الصلت القمِّي (رضی الله عنه)، وبقي(2) حتَّىٰ لقيه محمّد بن الحسن الصفَّار وروىٰ عنه، فلمَّاأظفرني الله (تعالىٰ ذكره) بهذا الشيخ الذي هو من أهل هذا البيت الرفيع شكرت الله (تعالىٰ ذكره) علىٰ ما يسَّر لي من لقائه وأكرمني به من إخائه وحباني به من ودِّه وصفائه، فبينا هو يُحدِّثني ذات يوم إذ ذكر لي عن رجل قد لقيه ببخارا من كبار الفلاسفة والمنطقيِّين كلاماً في القائم (علیه السلام) قد حيَّره وشكَّكه في أمره لطول غيبته وانقطاع أخباره، فذكرت له

ص: 17


1- الاختلاف بمعنىٰ التردُّد، أي الذهاب والمجيء.
2- يعني عبد الله بن الصلت.

فصولاً في إثبات كونه (علیه السلام)، ورويت له أخباراً في غيبته عن النبيِّ والأئمَّة (علیهم السلام) سكنت إليها نفسه، وزال بها عن قلبه ما كان دخل عليه من الشكِّ والارتياب والشبهة، وتلقَّىٰ ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع والطاعة والقبول والتسليم، وسألني أنْ أُصنِّف [له] في هذا المعنىٰ كتاباً، فأجبته إلىٰ ملتمسه ووعدته جمع ما ابتغىٰ إذا سهَّل الله لي العود إلىٰ مستقرِّي ووطني بالريِّ.

فبينا أنا ذات ليلة أُفكِّر فيما خلَّفت ورائي من أهل وولد وإخوان ونعمة إذ غلبني النوم، فرأيت كأنِّي بمكَّة أطوف حول بيت الله الحرام وأنا في الشوط السابع عند الحجر الأسود أستلمه وأُقبِّله، وأقول: أمانتي أدَّيتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، فأرىٰ مولانا القائم صاحب الزمان (صلوات الله عليه) واقفاً بباب الكعبة، فأدنو منه علىٰ شغل قلب وتقسُّم فكر، فعلم (علیه السلام) ما في نفسي بتفرُّسه في وجهي، فسلَّمت عليه، فردَّ عليَّ السلام، ثمّ قال لي: «لِمَ لَا تُصَنِّفُ كِتَاباً فِي الْغَيْبَةِ حَتَّىٰ تُكْفَىٰ مَا قَدْ هَمَّكَ؟»، فقلت له: يا ابن رسول الله، قد صنَّفت في الغيبة أشياء، فقال (علیه السلام): «لَيْسَ عَلَىٰ ذَلِكَ السَّبِيلِ، آمُرُكَ أَنْ تُصَنِّفَ [وَلَكِنْ صَنِّفِ](1) الْآنَ كِتَاباً فِي الْغَيْبَةِ واذْكُرْ فِيهِ غَيْبَاتِ الْأَنْبِيَاءِ (علیهمالسلام)»، ثمّ مضىٰ (صلوات الله عليه)، فانتبهت فزعاً إلىٰ الدعاء والبكاء والبثِّ والشكوىٰ إلىٰ وقت طلوع الفجر، فلمَّا أصبحت ابتدأت في تأليف هذا الكتاب ممتثلاً لأمر وليِّ الله وحجَّته، مستعيناً بالله ومتوكِّلاً عليه ومستغفراً من التقصير، «وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ 88» [هود: 88].

[الخليفة قبل الخليقة]:

أمَّا بعد، فإنَّ الله تبارك وتعالىٰ يقول في محكم كتابه: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً ...» الآية [البقرة: 30]، فبدأ (عزوجل)

ص: 18


1- كذا في النُّسَخ.

بالخليفة قبل الخليقة، فدلَّ ذلك علىٰ أنَّ الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليقة، فلذلك ابتدأ به، لأنَّه سبحانه حكيم، والحكيم من يبدأ بالأهمّ دون الأعمّ، وذلك تصديق قول الصادق جعفر بن محمّد (علیهما السلام) حيث يقول: «الْحُجَّةُ قَبْلَ الْخَلْقِ، وَمَعَ الْخَلْقِ، وَبَعْدَ الْخَلْقِ »(1)، ولو خلق الله (عزوجل)الخليقة خلوا من الخليفة لكان قد عرَّضهم للتلف، ولم يردع السفيه عن سفهه بالنوع الذي توجب حكمته من إقامة الحدود وتقويم المفسد. واللحظة الواحدة لا تُسوِّغ الحكمة ضرب صفح عنها(2)، إنَّ الحكمة تعمُّ كما أنَّ الطاعة تعمُّ، ومن زعم أنَّ الدنيا تخلو ساعة من إمام لزمه أنْ يُصحِّح مذهب البراهمة في إبطالهم الرسالة، ولولا أنَّ القرآن نزل بأنَّ محمّداً (صلی الله علیه و آله) خاتم الأنبياء لوجب كون رسول في كلِّ وقت، فلمَّا صحَّ ذلك لارتفع معنىٰ كون الرسول بعدهوبقيت الصورة المستدعية للخليفة في العقل، وذلك أنَّ الله (تقدَّس ذكره) لا يدعو إلىٰ سبب إلَّا بعد أنْ يُصوِّر في العقول حقائقه، وإذا لم يُصوِّر ذلك لم تتَّسق الدعوة ولم تثبت الحجَّة، وذلك أنَّ الأشياء تألف أشكالها، وتنبو عن أضدادها، فلو كان في العقل إنكار الرُّسُل لما بعث الله (عزوجل)نبيًّا قطُّ.

مثال ذلك: الطبيب يعالج المريض بما يوافق طباعه، ولو عالجه بدواء يخالف طباعه أدَّىٰ ذلك إلىٰ تلفه، فثبت أنَّ الله أحكم الحاكمين لا يدعو إلىٰ سبب إلَّا وله في العقول صورة ثابتة، وبالخليفة يُستَدلُّ علىٰ المستخلِف كما جرت به العادة في العامَّة والخاصَّة، وفي المتعارف متىٰ استخلف مَلِك ظالماً استُدِلَّ بظلم خليفته علىٰ ظلم مستخلِفه، وإذا كان عادلاً استُدِلَّ بعدله علىٰ عدل مستخلِفه، فثبت أنَّ خلافة الله توجب العصمة، ولا يكون الخليفة إلَّا معصوماً.

ص: 19


1- سيأتي مسنداً تحت الرقم (75/5)، فانتظر.
2- يعني عن إقامة الحدود.

[وجوب طاعة الخليفة]:

ولمَّا استخلف الله (عزوجل)آدم في الأرض أوجب علىٰ أهل السماوات الطاعة له، فكيف الظنُّ بأهل الأرض؟ ولمَّا أوجب الله (عزوجل)علىٰ الخلق الإيمان بملائكة الله، وأوجب علىٰ الملائكة السجود لخليفة الله، ثمّ لمَّا امتنع ممتنع من الجنِّ عن السجود له أحلَّ الله به الذلُّ والصغار والدمار، وأخزاه ولعنه إلىٰ يوم القيامة، علمنا بذلك رتبة الإمام وفضله، وأنَّ الله تبارك وتعالىٰ لمَّا أعلم الملائكة أنَّه جاعل في الأرض خليفة أشهدهم علىٰ ذلك، لأنَّ العلم شهادة، فلزم من ادَّعىٰ أنَّ الخلق يختار الخليفة أنْ تشهد ملائكة الله كلُّهم عن آخرهم عليه، والشهادة العظيمة تدلُّ علىٰ الخطب العظيم كما جرت به العادة في الشاهد، فكيف وأنَّىٰ ينجوصاحب الاختيار من عذاب الله وقد شهدت عليه ملائكة الله أوَّلهم وآخرهم؟ وكيف وأنَّىٰ يُعذَّب صاحب النصِّ وقد شهدت له ملائكة الله كلُّهم؟

وله وجه آخر، وهو: أنَّ القضيَّة في الخليفة باقية إلىٰ يوم القيامة، ومن زعم أنَّ الخليفة أراد به النبوَّة فقد أخطأ من وجه، وذلك أنَّ الله (عزوجل)وعد أنْ يستخلف من هذه الأُمَّة (الفاضلة) خلفاء راشدين كما قال (جلَّ وتقدَّس): «وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً» [النور: 55]، ولو كانت قضيَّة الخلافة قضيَّة النبوَّة أوجب حكم الآية أنْ يبعث الله (عزوجل)نبيًّا بعد محمّد (صلی الله علیه و آله)، وما صحَّ قوله: «وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ» [الأحزاب: 40]، فثبت أنَّ الوعد من الله (عزوجل)ثابت من غير النبوَّة، وثبت أنَّ الخلافة تخالف النبوَّة بوجه، وقد يكون الخليفة غير نبيٍّ، ولا يكون النبيُّ إلَّا خليفة.

وآخر، هو: أنَّه (عزوجل)أراد أنْ يُظهِر باستعباده الخلق بالسجود لآدم (علیه السلام)

ص: 20

نفاق المنافق وإخلاص المخلص، كما كشفت الأيَّام والخبر عن قناعيهما أعني ملائكة الله والشيطان، ولو وكَّل ذلك المعنىٰ - من اختيار الإمام - إلىٰ من أضمر سوءاً لما كشفت الأيَّام عنه بالتعرُّض، وذلك أنَّه يختار المنافق من سمحت نفسه بطاعته والسجود له، فكيف وأنَّىٰ يُوصَل إلىٰ ما في الضمائر من النفاق والإخلاص والحسد والداء الدفين؟

ووجه آخر، وهو: أنَّ الكلمة تتفاضل علىٰ أقدار المخاطِب والمخاطَب، فخطاب الرجل عبده يخالف خطاب سيِّده، والمخاطِب كان الله(تبارک و تعالی)، والمخاطَبون ملائكة الله أوَّلهم وآخرهم، والكلمة العموم لها مصلحة عموم كما أنَّ الكلمة الخصوص لها مصلحة خصوص، والمثوبة في العموم أجلُّ من المثوبة في الخصوص، كالتوحيد الذي هو عموم علىٰ عامَّة خلق الله يخالف الحجَّ والزكاة وسائر أبواب الشرع الذي هو خصوص، فقوله (تبارک و تعالی): «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً» دلَّ علىٰ أنَّ فيه معنىٰ من معاني التوحيد لما أخرجه مخرج العموم، والكلمة إذا جاورت الكلمة في معنىٰ لزمها ما لزم أُختها إذا جمعهما معنىٰ واحد، ووجه ذلك أنَّ الله سبحانه علم أنَّ من خلقه من يُوحِّده ويأتمر لأمره، وأنَّ لهم أعداء يعيبونهم ويستبيحوا حريمهم، ولو أنَّه (عزوجل)قصَّر الأيدي عنهم جبراً وقهراً لبطلت الحكمة وثبت الإجبار رأساً(1)، وبطل الثواب والعقاب والعبادات، ولمَّا استحال ذلك وجب أنْ يدفع عن أوليائه بضرب من الضروب لا تبطل به ومعه العبادات والمثوبات، فكان الوجه في ذلك إقامة الحدود كالقطع والصلب والقتل والحبس وتحصيل الحقوق، كما قيل: (ما يزع السلطان أكثر ممَّا يزع القرآن)(2)، وقد نطق بمثله قوله (تبارک و تعالی): «لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي

ص: 21


1- في بعض النُّسَخ: (لبطلت الحكمة وتنيه الاختيار)، وفى بعضها: (وفائدة الاختيار)، وفى بعضها: (وتب الاختيار).
2- أي ما يمنع الحاكم أكثر ممَّا يمنع القرآن.

صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ» [الحشر: 13]، فوجب أنْ ينصب (عزوجل)خليفة يقصر من أيدي أعدائه عن أوليائه ما تصحُّ به ومعه الولاية، لأنَّه لا ولاية مع من أغفل الحقوق وضيَّع الواجبات ووجب خلعه في العقول، جلَّ الله تعالىٰ عن ذلك.

و(الخليفة) اسم مشترك لأنَّه لو أنَّ رجلاً بنىٰ مسجداً ولم يُؤذِّن فيهونصب فيه مؤذِّناً كان مؤذِّنه، فأمَّا إذا أذَّن فيه أيَّاماً ثمّ نصب فيه مؤذِّناً كان خليفته، وكذلك الصورة في العقول والمعارف متىٰ قال البندار(1): (هذا خليفتي)، كان خليفته علىٰ البندرة لا علىٰ البريد والمظالم، فكذلك القول في صاحبي البريد والمظالم، فثبت أنَّ الخليفة من الأسماء المشتركة، فكان من صفة الله (تعالىٰ ذكره) الانتصاف لأوليائه من أعدائه، فوكَّل من ذلك معنىٰ إلىٰ خليفته، فلهذا الشأن استحقَّ معنىٰ الخليفة دون معنىٰ أنْ يتَّخذ شريكاً معبوداً مع الله سبحانه، ولهذا من الشأن قال الله تبارك وتعالىٰ لإبليس: «قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ»، ثمّ قال (تبارک و تعالی): «بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ» [ص: 75]، وذلك أنَّه يقطع العذر ولا يُوهِم أنَّه خليفة شارك الله في وحدته، فقال - بعد ما عرفت أنَّه خلق الله -: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ»، ثمّ قال: «بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ»(2)، واليد في اللغة قد تكون بمعنىٰ النعمة، وقد كان لله (عزوجل)عليه نعمتان حوتا نِعَماً(3)، كقوله (تبارک و تعالی): «

ص: 22


1- البندار - بضمِّ الميم -: من بيده ديوان الخراج، ويقال لمحمّد بن بشَّار البصري: (بندار) لأنَّه جمع حديث أهل بلده.
2- يعنى الباء في قوله: «بِيَدَيَّ» ليست متعلِّقة ب «خَلَقْتُ» حتَّىٰ تكون اليد بمعنىٰ القدرة، بل متعلِّقة بفعل متأخِّر هو قوله: «أَسْتَكْبَرْتَ». أقول: وفيه ما لا يخفى، لأنَّ الهمزة للاستفهام بقرينة «أَمْ»، وشأنها الصدر، وعليه فلا يصحُّ أنْ يكون ما قبلها معمولاً لما بعدها كما حُقِّق في محلِّه، وفى حديث عن الرضا (علیه السلام)، قال: «يعنى بقدرتي وقوَّتي» (عيون أخبار الرضا (علیه السلام): ج 1/ ص 110/ ح 13).
3- في بعض النُّسَخ: (جرَّتا نِعَماً)، وكذا ما يأتي.

وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً» [لقمان: 20]، وهما نعمتان حوتا نِعَماً لا تُحصىٰ، ثمّ غلَّظ عليه القول بقوله (تبارک و تعالی): «بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ»، كقول القائل: (بسيفيتقاتلني؟ وبرمحي تطاعنني؟)، وهذا أبلغ في القبح وأشنع، فقوله (تبارک و تعالی): «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً» كانت كلمة متشابهة أحد وجوهها أنَّه يُتصوَّر عند الجاهل أنَّ الله (عزوجل)يستشير خلقه في معنىٰ التبس عليه، ويُتصوَّر عند المستدلِّ إذا استدلَّ علىٰ الله (عزوجل)بأفعاله المحكمة وجلالته الجليلة أنَّه جلَّ عن أنْ يلتبس عليه معنىٰ أو يستعجم عليه حال فإنَّه لا يعجزه شيء في السماوات والأرض، والسبيل في هذه الآية المتشابهة كالسبيل في أخواتها من الآيات المتشابهات أنَّها تُرَدُّ إلىٰ المحكمات ممَّا يُقطَع به ومعه العذر للمتطرِّق إلىٰ السفه والإلحاد.

فقوله: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً» يدلُّ علىٰ معنىٰ هدايتهم لطاعة جليلة مقترنة بالتوحيد، نافية عن الله (عزوجل)الخلع والظلم وتضييع الحقوق وما تصحُّ به ومعه الولاية، فتكمل معه الحجَّة، ولا يبقىٰ لأحد عذر في إغفال حقٍّ.

وأُخرىٰ، أنَّه (عزوجل)إذا علم استقلال أحد من عباده لمعنىٰ من معاني الطاعات ندبه له حتَّىٰ تحصل له به عبادة ويستحقُّ معها مثوبة علىٰ قدرها ما لو أغفل ذلك جاز أنْ يغفل جميع معاني حقوق خلقه أوَّلهم وآخرهم، جلَّ الله عن ذلك. فللقوام بحقوق الله وحقوق خلقه مثوبة جليلة متىٰ فكَّر فيها مفكِّر عرف أجزاءها، إذ لا وصول إلىٰ كلِّها لجلالتها وعظم قدرها، وأحد معانيها وهو جزء من أجزائها أنَّه يسعد بالإمام العادل النملة والبعوضة والحيوان أوَّلهم وآخرهم، بدلالة قوله تعالىٰ : «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ 107» [الأنبياء: 107]، ويدلُّ علىٰ صحَّة ذلك قوله (عزوجل)في قصَّة نوح (علیه السلام): «فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوارَبَّكُمْ

ص: 23

إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً 10 يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً 11 ...» الآية [نوح: 10 و11]. ثمّ من المدرار ما ينتفع به الإنسان وسائر الحيوان، وسبب ذلك الدعاة إلىٰ دين الله والهداة إلىٰ حقِّ الله، فمثوبته علىٰ أقداره، وعقوبته علىٰ من عانده بحسابه. ولهذا نقول: إنَّ الإمام يُحتاج إليه لبقاء العالم علىٰ صلاحه.

وقد أخرجت الأخبار التي رويتها في هذا المعنىٰ في هذا الكتاب في باب العلَّة التي يُحتاج من أجلها إلىٰ الإمام .

[ليس لأحد أنْ يختار الخليفة إلا الله (تبارک و تعالی)]:

وقول الله (تبارک و تعالی): «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً»، «جَاعِلٌ» منوَّن(1) صفة الله التي وصف بها نفسه، وميزانه قوله: «إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ 71» [ص: 71]، فنوَّنه ووصف به نفسه، فمن ادَّعىٰ أنَّه يختار الإمام وجب أنْ يخلق بشراً من طين، فلمَّا بطل هذا المعنىٰ بطل الآخر، إذ هما في حيِّز واحد.

ووجه آخر، وهو: أنَّ الملائكة في فضلهم وعصمتهم لم يصلحوا لاختيار الإمام حتَّىٰ تولَّىٰ الله ذلك بنفسه دونهم، واحتجَّ به علىٰ عامَّة خلقه أنَّه لا سبيل لهم إلىٰ اختياره لمَّا لم يكن للملائكة سبيل إليه مع صفائهم ووفائهم وعصمتهم، ومدح الله إيَّاهم في آيات كثيرة، مثل قوله سبحانه: «بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ 26 لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ 27» [الأنبياء: 26 و27]، وكقوله (تبارک و تعالی): «لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ 6» [التحريم: 6].ثمّ إنَّ الإنسان بما فيه من السفه والجهل كيف وأنَّىٰ يستتبُّ له(2) ذلك؟ فهذا والأحكام دون الإمامة مثل الصلاة والزكاة والحجِّ وغير ذلك لم يكل

ص: 24


1- يعني قوله تعالىٰ: «جَاعِلٌ» بالتنوين يفيد الحصر.
2- أي يُهيِّؤ ويستقيم له. وفى بعض النُّسَخ: (يستثبت له).

الله (عزوجل)شيئاً من ذلك إلىٰ خلقه، فكيف وكَّل إليهم الأهمَّ الجامع للأحكام كلِّها والحقائق بأسرها؟

[وجوب وحدة الخليفة في كلِّ عصر]:

وفي قوله (تبارک و تعالی): «خَلِيفَةً» إشارة إلىٰ خليفة واحدة ثبت به ومعه إبطال قول من زعم أنَّه يجوز أنْ تكون في وقت واحد أئمَّة كثيرة، وقد اقتصر الله (عزوجل)علىٰ الواحد، ولو كانت الحكمة ما قالوه وعبَّروا عنه لم يقتصر الله (عزوجل)علىٰ الواحد، ودعوانا مُحاذٍ لدعواهم. ثمّ إنَّ القرآن يُرجِّح قولنا دون قولهم، والكلمتان إذا تقابلتا ثمّ رُجِّح إحداهما علىٰ الأُخرىٰ بالقرآن، كان الرجحان أولىٰ.

[لزوم وجود الخليفة]:

ولقوله (تبارک و تعالی): «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ ...» الآية في الخطاب الذي خاطب الله (عزوجل)به نبيَّه (صلی الله علیه و آله) لمَّا قال: «رَبُّكَ» من أصحّ الدليل علىٰ أنَّه سبحانه يستعمل هذا المعنىٰ في أُمَّته إلىٰ يوم القيامة، فإنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة له عليهم، ولولا ذلك لما كان لقوله: «رَبُّكَ» حكمة، وكان يجب أنْ يقول: (ربُّهم)، وحكمة الله في السلف كحكمته في الخلف لا يختلف في مرِّ الأيَّام وكرِّ الأعوام، وذلك أنَّه (عزوجل)عدل حكيم لا يجمعه وأحد من خلقه نسب، جلَّ الله عن ذلك.

[وجوب عصمة الإمام]:

ولقوله (تبارک و تعالی): «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً ...» الآية [البقرة: 30] معنىٰ، وهو أنَّه (عزوجل)لا يستخلف إلَّا من له نقاء السريرة ليبعد عن الخيانة، لأنَّه لو اختار من لا نقاء له في السريرة كان قد خان خلقه، لأنَّه لو أنَّ دلَّالاً قدَّم حمَّالاً خائناً إلىٰ تاجر فحمل له حملاً فخان فيه كان

ص: 25

الدلَّال خائناً، فكيف تجوز الخيانة علىٰ الله (عزوجل)وهو يقول - وقوله الحقُّ -: «أَنَّ اللهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ 52» [يوسف: 52]، وأدَّب محمّداً (صلی الله علیه و آله) بقوله (تبارک و تعالی): «وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً 105» [النساء: 105]؟ فكيف وأنَّىٰ يجوز أنْ يأتي ما ينهىٰ عنه، وقد عيَّر اليهود بسمة النفاق وقال: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ 44» [البقرة: 44]؟

وفي قول الله (تبارک و تعالی): «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً»، حجَّة قويَّة في غيبة الإمام (علیه السلام)، وذلك أنَّه (عزوجل)لمَّا قال: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً» أوجب بهذا اللفظ معنىٰ وهو أنْ يعتقدوا طاعته، فاعتقد عدوُّ الله إبليس بهذه الكلمة نفاقاً وأضمره حتَّىٰ صار به منافقاً، وذلك أنَّه أضمر أنَّه يخالفه متىٰ استُعبِدَ بالطاعة له، فكان نفاقه أنكر النفاق لأنَّه نفاق بظهر الغيب، ولهذا من الشأن صار أخزىٰ المنافقين كلِّهم. ولمَّا عرَّف الله (عزوجل)ملائكته ذلك أضمروا الطاعة له واشتاقوا إليه، فأضمروا نقيض ما أضمره الشيطان فصار لهم من الرتبة عشرة أضعاف ما استحقَّ عدوُّ الله من الخزي والخسار. فالطاعة والموالاة بظهر الغيب أبلغ في الثواب والمدح، لأنَّهأبعد من الشبهة والمغالطة، ولهذا روي عن النبيِّ (صلی الله علیه و آله) أنَّه قال: «مَنْ دَعَا لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ نَادَاهُ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ: ولَكَ مِثْلَاهُ »(1).

وإنَّ الله تبارك وتعالىٰ أكَّد دينه بالإيمان بالغيب، فقال: «هُدًى لِلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ...» الآية [البقرة: 2 و3]، فالإيمان بالغيب أعظم مثوبةً لصاحبه، لأنَّه خلوٌ من كلِّ عيب وريب، لأنَّ بيعة الخليفة وقت المشاهدة قد

ص: 26


1- روىٰ قريباً منه الكليني (رحمة الله) في الكافي (ج 2/ ص 507/ باب الدعاء للإخوان بظهر الغيب/ ح 4، وج 4/ ص 465 و466/ باب الوقوف بعرفة وحدِّ الموقف/ ح 9)، والمفيد (رحمة الله) في الاختصاص (ص 84)، والطوسي (رحمة الله) في تهذيب الأحكام (ج 5/ ص 185/ ح 617/21).

يُتوهَّم علىٰ المبايَع أنَّه إنَّما يطيع رغبةً في خير أو مال، أو رهبةً من قتل، أو غير ذلك ممَّا هو عادات أبناء الدنيا في طاعة ملوكهم، وإيمان الغيب مأمون من ذلك كلِّه، ومحروس من معايبه بأصله، يدلُّ علىٰ ذلك قول الله (تبارک و تعالی): «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكينَ 84 فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا» [غافر: 84 و85].

ولمَّا حصل للمتعبِّد ما حصل من الإيمان بالغيب لم يحرم الله (عزوجل)ذلك ملائكته، فقد جاء في الخبر أنَّ الله سبحانه قال هذه المقالة للملائكة قبل خلق آدم بسبعمائة عام، وكان يحصل في هذه المدَّة الطاعة لملائكة الله علىٰ قدرها. ولو أنكر منكر هذا الخبر والوقت والأعوام لم يجد بُدًّا من القول بالغيبة ولو ساعة واحدة، والساعة الواحدة لا تتعرَّىٰ من حكمة ما، وما حصل من الحكمة في الساعة حصل فيالساعتين حكمتان، وفي الساعات حِكَم، وما زاد في الوقت إلَّا زاد في المثوبة، وما زاد في المثوبة إلَّا كشف عن الرحمة، ودلَّ علىٰ الجلالة، فصحَّ الخبر أنَّ فيه تأييد الحكمة وتبليغ الحجَّة.

وفي قول الله (تبارک و تعالی): «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً» حجَّة في غيبة الإمام (علیه السلام) من أوجه كثيرة:

أحدها: أنَّ الغيبة قبل الوجود أبلغ الغيبات كلِّها، وذلك أنَّ الملائكة ما شهدوا(1) قبل ذلك خليفة قطُّ، وأمَّا نحن فقد شاهدنا خلفاء كثيرين غير واحد قد نطق به القرآن وتواترت به الأخبار حتَّىٰ صارت كالمشاهدة، والملائكة لم يشهدوا(2) واحداً منهم، فكانت تلك الغيبة أبلغ.

وآخر: أنَّها كانت غيبة من الله (تبارک و تعالی)، وهذه الغيبة التي للإمام (علیه السلام) هي من

ص: 27


1- في بعض النُّسَخ: (ما شاهدوا).
2- في بعض النُّسَخ: (لم يعهدوا).

قِبَل أعداء الله تعالىٰ، فإذا كان في الغيبة التي هي من الله (عزوجل)عبادة لملائكته فما الظنُّ بالغيبة التي هي من أعداء الله؟ وفي غيبة الإمام (علیه السلام) عبادة مخلصة(1) لم تكن في تلك الغيبة، وذلك أنَّ الإمام الغائب (علیه السلام) مقموع مقهور مزاحَم في حقِّه، قد غُلِبَ قهراً، و[جرىٰ] علىٰ شيعته [قسراً] من أعداء الله ما جرىٰ من سفك الدماء ونهب الأموال وإبطال الأحكام والجور علىٰ الأيتام وتبديل الصدقات وغير ذلك ممَّا لا خفاء به، ومن اعتقد موالاته شاركه في أجره وجهاده وتبرَّأ من أعدائه، وكان له في براءة مواليه من أعدائه أجر، وفي ولاية أوليائه أجر يربو علىٰ أجر ملائكة الله (تبارک وتعالی) علىٰ الإيمان بالإمام المغيَّب في العدم، وإنَّما قصَّ الله (عزوجل)نبأه قبل وجوده توقيراً وتعظيماً له ليستعبد له الملائكة ويتشمَّروا لطاعته.

وإنَّما مثال ذلك تقديم المَلِك فيما بيننا بكتاب أو رسول إلىٰ أوليائه أنَّه قادم عليهم حتَّىٰ يتهيَّئوا لاستقباله وارتياد الهدايا له ما يقطع به ومعه عذرهم في تقصير إنْ قصَّروا في خدمته، كذلك بدأ الله (عزوجل)بذكر نبئه إبانةً عن جلالته ورتبته، وكذلك قضيَّته في السلف والخلف، فما قبض خليفة إلَّا عرَّف خلقه الخليفة الذي يتلوه، وتصديق ذلك قوله (تبارک و تعالی): «أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ...» الآية [هود: 17]، والذي علىٰ بيِّنة من ربِّه محمّد (صلی الله علیه و آله)، والشاهد الذي يتلوه عليُّ بن أبي طالب أمير المؤمنين (علیه السلام)، دلالته قوله (تبارک و تعالی): «وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً»، والكلمة من كتاب موسىٰ المحاذية لهذا المعنىٰ حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة، قوله: «وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ 142» [الأعراف: 142].

ص: 28


1- في بعض النُّسَخ: (عبادة محصَّلة).

[السرُّ في أمره تعالى الملائكة بالسجود لآدم (علیه السلام)]:

واستعبد الله (عزوجل)الملائكة بالسجود لآدم تعظيماً له لما غيَّبه عن أبصارهم، وذلك أنَّه (عزوجل)إنَّما أمرهم بالسجود لآدم لما أودع صلبه من أرواح حُجَج الله (تعالىٰ ذكره)، فكان ذلك السجود لله (عزوجل)عبوديَّة، ولآدم طاعة، ولما في صلبه تعظيماً، فأبىٰ إبليس أنْ يسجد لآدم حسداً له، إذ جُعِلَ صلبه مستودع أرواح حُجَج اللهدون صلبه، فكفر بحسده وتأبِّيه، وفسق عن أمر ربِّه، وطُرِدَ عن جواره، ولُعِنَ وسُمّي رجيماً لأجل إنكاره للغيبة، لأنَّه احتجَّ في امتناعه من السجود لآدم بأنْ قال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ 12» [الأعراف: 12]، فجحد ما غُيِّب عن بصره ولم يُوقِع التصديق به، واحتجَّ بالظاهر الذي شاهده وهو جسد آدم (علیه السلام)، وأنكر أنْ يكون يعلم لما في صلبه وجوداً، ولم يؤمن بأنَّ آدم إنَّما جُعِلَ قبلةً للملائكة وأُمروا بالسجود له لتعظيم ما في صلبه. فمَثَل من آمن بالقائم (علیه السلام) في غيبته مَثَل الملائكة الذين أطاعوا الله (عزوجل)في السجود لآدم، ومَثَل من أنكر القائم (علیه السلام) في غيبته مَثَل إبليس في امتناعه من السجود لآدم، كذلك روي عن الصادق جعفر بن محمّد (علیهما السلام).

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَىٰ بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الله الْكُوفِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيِّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الله الْكُوفِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَيْمَنَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) «أَنَّ الله تَبَارَكَ وتَعَالَىٰ عَلَّمَ آدَمَ (علیه السلام) أَسْمَاءَ حُجَجِ الله كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ - وهُمْ أَرْوَاحٌ - عَلَىٰ المَلَائِكَةِ، فَقالَ: «أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 31» بِأَنَّكُمْ أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ فِي الْأَرْضِ لِتَسْبِيحِكُمْ وتَقْدِيسِكُمْ مِنْ آدَمَ (علیه السلام)، «قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 32»، قَالَ الله تَبَارَكَ وتَعَالَىٰ : «يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ

ص: 29

فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ» وَقَفُوا عَلَىٰ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونُوا خُلَفَاءَ اللهِ فِي أَرْضِهِ وحُجَجَهُ عَلَىٰ بَرِيَّتِهِ، ثُمَّ غَيَّبَهُمْ عَنْ أَبْصَارِهِمْ واسْتَعْبَدَهُمْ بِوَلَايَتِهِمْ ومَحَبَّتِهِمْ، وقَالَ لَهُمْ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّيأَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ 33» [البقرة: 31 - 33]».

حدَّثنا بذلك أحمد بن الحسن القطَّان، قال: حدَّثنا الحسين بن عليٍّ السكّري، قال: حدَّثنا محمّد بن زكريَّا الجوهري، قال: حدَّثنا جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمّد (علیهما السلام) .

وهذا استعباد الله (عزوجل)للملائكة بالغيبة والآية أوَّلها في قصَّة الخليفة، وإذا كان آخرها مثلها كان للكلام نظم، وفي النظم حجَّة، ومنه يُؤخَذ وجه الإجماع لأُمَّة محمّد (صلی الله علیه و آله) أوَّلهم وآخرهم، وذلك أنَّه سبحانه وتعالىٰ إذا علَّم آدم الأسماء كلَّها علىٰ ما قاله المخالفون، فلا محالة أنَّ أسماء الأئمَّة (علیهم السلام) داخلة في تلك الجملة، فصار ما قلناه في ذلك بإجماع الأُمَّة. ومن أصحّ الدليل عليه أنَّه لا محالة لمَّا دلَّ الملائكة علىٰ السجود لآدم فإنَّه حصل لهم عبادة، فلمَّا حصل لهم عبادة أوجب باب الحكمة أنْ يحصل لهم ما هو في حيِّزه، سواء كان في وقت أو في غير وقت فإنَّ الأوقات ما تُغيِّر الحكمة ولا تُبدِّل الحجَّة، أوَّلها كآخرها وآخرها كأوَّلها، لا يجوز في حكمة الله أنْ يحرمهم معنًى من معاني المثوبة، ولا أنْ يبخل بفضل من فضائل الأئمَّة، لأنَّهم كلُّهم شرع واحد.

دليل ذلك أنَّ الرُّسُل متىٰ آمن مؤمن بواحد منهم أو بجماعة وأنكر واحداً منهم، لم يقبل منه إيمانه، كذلك القضيَّة في الأئمَّة (علیهم السلام) أوَّلهم وآخرهم واحد، وقد قال الصادق (علیه السلام): «المُنْكِرُ لِآخِرِنَا كَالمُنْكِرِ لِأَوَّلِنَا»(1)، وَقَالَ (علیه السلام): «مَنْ أَنْكَرَ

ص: 30


1- رواه المصنِّف (رحمة الله) في الاعتقادات (ص 104).

وَاحِداً مِنَ الْأَحْيَاءِ فَقَدْ أَنْكَرَ الْأَمْوَاتَ »(1)، وسأُخرِّج ذلك في هذا الكتاب مسنداً في موضعه إنْ شاء الله.

فصحَّ أنَّ قوله (تبارک و تعالی): «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّها» [البقرة: 31]، أراد به أسماء الأئمَّة (علیهم السلام)، وللأسماء معانٍ كثيرة وليس أحد معانيها بأولىٰ من الآخر، وللأسماء أوصاف وليس أحد الأوصاف بأولىٰ من الآخر.

فمعنىٰ الأسماء أنَّه سبحانه علَّم آدم (علیه السلام) أوصاف الأئمَّة كلَّها أوَّلها وآخرها، ومن أوصافهم العلم والحلم والتقوىٰ والشجاعة والعصمة والسخاء والوفاء، وقد نطق بمثله كتاب الله (عزوجل)في أسماء الأنبياء (علیهم السلام)، كقوله (تبارک و تعالی): «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا 41» [مريم: 41]، «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا 54 وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا 55 وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا 56 وَرَفَعْنَاهُ مَكاناً عَلِيًّا 57» [مريم: 54 - 57]، وكقوله (تبارک و تعالی): «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا 51 وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا 52 وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا 53» [مريم: 51 - 53]، فوصف الرُّسُل (علیهم السلام) وحمدهم بما كان فيهم من الشِّيَم المرضيَّة والأخلاق الزكيَّة، وكان ذلك أوصافهم وأسماءهم كذلك علَّم الله (عزوجل)آدم الأسماء كلَّها.

والحكمة في ذلك أيضاً أنَّه لا وصول إلىٰ الأسماء ووجوه الاستعبادات إلَّا من طريق السماع، والعقل غير متوجِّه إلىٰ ذلك، لأنَّه لوأبصر عاقلٌ شخصاً من بعيد أو قريب لما توصَّل إلىٰ استخراج اسمه، ولا سبيل إليه إلَّا من طريق السماع، فجعل الله (عزوجل)العمدة في باب الخليفة السماع، ولمَّا كان كذلك أبطل به باب

ص: 31


1- سيأتي مسنداً تحت الرقم (344/1)، فانتظر.

الاختيار، إذ الاختيار من طريق الآراء، وقضيَّة الخليفة موضوعة علىٰ الأسماء، والأسماء موضوعة علىٰ السماع، فصحَّ به ومعه مذهبنا في الإمام أنَّه يصحُّ بالنصِّ والإشارة، فأمَّا باب الإشارة فمضمر في قوله (تبارک و تعالی): «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَىٰ الْمَلَائِكَةِ» [البقرة: 31]، فباب العرض مبنيٌّ علىٰ الشخص والإشارة، وباب الاسم مبنيٌّ علىٰ السمع، فصحَّ معنىٰ الإشارة والنصِّ جميعاً.

وللعرض الذي قال الله (تبارک و تعالی): «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَىٰ الْمَلَائِكَةِ» معنيان:

أحدهما: عرض أشخاصهم وهيئاتهم كما رويناه في باب أخبار أخذ الميثاق والذرِّ.

والوجه الآخر: أنْ يكون (عزوجل)عرضهم علىٰ الملائكة من طريق الصفة والنسبة كما يقوله قوم من مخالفينا.

فمن كلا المعنيين يحصل استعباد الله (عزوجل)الملائكة بالإيمان بالغيبة.

وفي قوله (تبارک و تعالی): «أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 31» حِكَم كثيرة:

أحدها: أنَّ الله (عزوجل)أهَّل آدم (علیه السلام) لتعليم الملائكة أسماء الأئمَّة عن الله (تعالىٰ ذكره)، وأهَّل الملائكة لتعلُّم أسمائهم عن آدم (علیه السلام)، فالله (عزوجل)علَّم آدم وآدم علَّم الملائكة،فكان آدم في حيِّز المعلِّم وكانوا في حيِّز المتعلِّمين، هذا ما نصَّ عليه القرآن.

وقول الملائكة: «سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ 32» فيه أصحُّ دليل وأبين حجَّة لنا أنَّه لا يجوز لأحد أنْ يقول في أسماء الأئمَّة وأوصافهم (علیهم السلام) إلَّا عن تعليم الله (جل جلاله)، ولو جاز لأحد ذلك كان للملائكة أجوز، ولمَّا سبَّحوا الله دلَّ تسبيحهم علىٰ أنَّ الشرع فيه ممَّا ينافي التوحيد، وذلك أنَّ التسبيح تنزيه الله (تبارک و تعالی)، وباب التنزيه لا يوجد في القرآن إلَّا

ص: 32

عند قول جاحد أو ملحد أو متعرِّض لإبطال التوحيد والقدح فيه، فلم يستنكفوا إذ لم يعلموا أنْ يقولوا: «لَا عِلْمَ لَنَا»، فمن تكلَّف علم ما لا يعلم احتجَّ الله عليه بملائكته، وكانوا شهداء الله عليه في الدنيا والآخرة، وإنَّما أهَّل اللهُ الملائكةَ لإعلامهم علىٰ لسان آدم عند اعترافهم بالعجز وأنَّهم لا يعلمون، فقال (تبارک و تعالی): «يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ».

ولقد كلَّمني رجل بمدينة السلام(1)، فقال لي: إنَّ الغيبة قد طالت، والحيرة قد اشتدَّت، وقد رجع كثير عن القول بالإمامة لطول الأمد، فكيف هذا؟

فقلت له: إنَّ سُنَّة الأوَّلين في هذه الأُمَّة جارية حذو النعل بالنعل كما روي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) في غير خبر، وإنَّ موسىٰ (علیه السلام) ذهب إلىٰ ميقات ربِّه علىٰ أنْ يرجع إلىٰ قومه بعد ثلاثين ليلة فأتمَّها الله (عزوجل)بعشرة، «فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» [الأعراف: 142]، ولتأخُّره عنهم فضل عشرة أيَّام علىٰ ما واعدهماستطالوا المدَّة القصيرة وقست قلوبهم وفسقوا عن أمر ربِّهم (عزوجل)وعن أمر موسىٰ (علیه السلام) وعصوا خليفته هارون واستضعفوه وكادوا يقتلونه، وعبدوا عجلاً جسداً له خوار من دون الله (تبارک و تعالی)، وقال السامري لهم: «هَذَا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَىٰ» [طه: 88]، وهارون يعظهم وينهاهم عن عبادة العجل، ويقول: «يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي 90 قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ 91» [طه: 90 و 91]، «وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَىٰ الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ» [الأعراف: 150]، والقصَّة في ذلك مشهورة، فليس بعجيب أنْ يستطيل الجُهَّال من هذه الأُمَّة مدَّة غيبة صاحب زماننا (علیه السلام)، ويرجع كثير منهم عمَّا كانوا دخلوا فيه بغير أصل وبصيرة،

ص: 33


1- يعني بغداد.

ثمّ لا يعتبرون بقول الله (تعالىٰ ذكره) حيث يقول: «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ 16» [الحديد: 16].

فقال(1): وما أنزل الله (عزوجل)في كتابه في هذا المعنىٰ؟

قلت: قوله (تبارک و تعالی): «الم 1 ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» [البقرة: 1 - 3]، يعني بالقائم (علیه السلام) وغيبته.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَىٰ بْنِ المُتَوَكِّلِ (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ،عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ الرَّقِّيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام) فِي قَوْلِ اللهِ (تبارک و تعالی): «هُدًى لِلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»، قَالَ: «مَنْ أَقَرَّ بِقِيَامِ الْقَائِمِ (علیه السلام) أَنَّهُ حَقٌّ»(2).

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَىٰ (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَىٰ بْنُ عِمْرَانَ النَّخَعِيُّ، عَنْ عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ يَحْيَىٰ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ، قَالَ: سَأَلْتُ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) عَنْ قَوْلِ اللهِ (تبارک و تعالی): «الم 1 ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»، فَقَالَ: «المُتَّقُونَ شِيعَةُ عَلِيٍّ (علیه السلام)، وَالْغَيْبُ فَهُوَ الْحُجَّةُ الْغَائِبُ»(3)، وشاهد ذلك قول الله (تبارک و تعالی): «وَيَقُولُونَ لَوْ لَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ 20» [يونس: 20] ، فأخبر (عزوجل)أنَّ الآية هي الغيب، والغيب هو الحجَّة، وتصديق

ص: 34


1- يعني الرجل الذي كلَّمه بمدينة السلام.
2- سيأتي تحت الرقم (260/19)، فانتظر.
3- سيأتي تحت الرقم (261/20)، فانتظر.

ذلك قول الله (تبارک و تعالی): «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً» [المؤمنون: 50]، يعني حجَّة.

حَدَّثَنَا أَبِي (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام) أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللهِ (تبارک و تعالی): «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ» [الأنعام: 158]، فَقَالَ: «الْآيَاتُ هُمُ الْأَئِمَّةُ، وَالْآيَةُ المُنْتَظَرَةُ هُوَ الْقَائِمُ (علیه السلام)، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ قِيَامِهِ بِالسَّيْفِ وَإِنْ آمَنَتْبِمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ آبَائِهِ (علیهم السلام)»(1).

وقد سمَّىٰ اللهُ (عزوجل)يوسفَ (علیه السلام) غيباً حين قصَّ قصَّته علىٰ نبيِّه محمّد (صلی الله علیه و آله)، فقال (تبارک و تعالی): «ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ 102» [يوسف: 102]، فسمَّىٰ يوسف (علیه السلام) غيباً لأنَّ الأنباء التي قصَّها كانت أنباء يوسف فيما أخبر به من قصَّته وحاله وما آلت إليه أُموره.

ولقد كلَّمني بعض المخالفين في هذه الآية، فقال: معنىٰ قوله (تبارک و تعالی): «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ» أي بالبعث والنشور وأحوال القيامة، فقلت له: لقد جهلت في تأويلك وضللت في قولك، فإنَّ اليهود والنصارىٰ وكثيراً من فِرَق المشركين والمخالفين لدين الإسلام يؤمنون بالبعث والنشور والحساب والثواب والعقاب، فلم يكن الله تبارك وتعالىٰ ليمدح المؤمنين بمدحة قد شركهم فيها فِرَق الكفر والجحود، بل وصفهم الله (عزوجل)ومدحهم بما هو لهم خاصَّةً، لم يشركهم فيه أحد غيرهم(2).

ص: 35


1- سيأتي ذكر مصادره تحت الرقم (249/8)، فانتظر.
2- هذا النكير من المصنِّف (رحمة الله) في غير مورده، ومخالف لما روي من طريق جابر عن الباقر (علیه السلام) في معنىٰ الغيب في الآية «أنَّه البعث والنشور وقيام القائم والرجعة» (تأويل الآيات الظاهرة: ج 1/ ص 31 و32/ ح 1)، وما روي عن الصادق (علیه السلام) أنَّ المراد بالغيب هنا ثلاثة أشياء: «قيام القائم، والكرَّة، ويوم القيامة».

[وجوب معرفة المهدي (عجل الله تعالی فرجه الشریف)]:

ولا يكون الإيمان صحيحاً من مؤمن إلَّا من بعد علمه بحال من يؤمن به، كما قال الله تبارك وتعالىٰ: «إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 86» [الزخرف: 86]، فلم يوجب لهم صحَّة ما يشهدون به إلَّا من بعد علمهم،ثمّ كذلك لن ينفع إيمان من آمن بالمهدي القائم (علیه السلام) حتَّىٰ يكون عارفاً بشأنه في حال غيبته، وذلك أنَّ الأئمَّة (علیهم السلام) قد أخبروا بغيبته (علیه السلام)، ووصفوا كونها لشيعتهم فيما نُقِلَ عنهم واستُحفِظَ في الصُّحُف ودُوِّن في الكُتُب المؤلَّفة من قبل أنْ تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقلّ أو أكثر، فليس أحد من أتباع الأئمَّة (علیهم السلام) إلَّا وقد ذكر ذلك في كثير من كُتُبه ورواياته ودوَّنه في مصنَّفاته، وهي الكُتُب التي تُعرَف بالأُصول مدوَّنة مستحفَظة عند شيعة آل محمّد (علیهم السلام) من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين، وقد أخرجت ما حضرني من الأخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب في مواضعها، فلا يخلو حال هؤلاء الأتباع المؤلِّفين للكُتُب أنْ يكونوا علموا الغيب بما وقع الآن من الغيبة، فألَّفوا ذلك في كُتُبهم ودوَّنوه في مصنَّفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند أهل اللُّبِّ والتحصيل، أو أنْ يكونوا [قد] أسَّسوا في كُتُبهم الكذب فاتَّفق الأمر لهم كما ذكروا وتحقَّق كما وضعوا من كذبهم علىٰ بُعد ديارهم واختلاف آرائهم وتباين أقطارهم ومحالِّهم، وهذا أيضاً محال كسبيل الوجه الأوَّل، فلم يبقَ في ذلك إلَّا أنَّهم حفظوا عن أئمَّتهم المستحفظين للوصيَّة (علیهم السلام) عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) من ذكر الغيبة وصفة كونها في مقام بعد مقام إلىٰ آخر المقامات ما دوَّنوه في كُتُبهم وألَّفوه في أُصولهم، وبذلك وشبهه فلج الحقُّ «وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً 81» [الإسراء: 81].

وإنَّ خصومنا ومخالفينا من أهل الأهواء المضلَّة قصدوا(1) لدفع الحقِّ

ص: 36


1- في بعض النُّسَخ: (تصدَّوا).

وعناده بما وقع من غيبة صاحب زماننا القائم (علیه السلام)واحتجابه عن أبصار المشاهدين ليُلبِّسوا بذلك علىٰ من لم تكن معرفته متقنة(1) ولا بصيرته مستحكمة.

[إثبات الغيبة والحكمة فيها]:

فأقول - وبالله التوفيق -: إنَّ الغيبة التي وقعت لصاحب زماننا (علیه السلام) قد لزمت حكمتها وبان حقُّها وفلجت حجَّتها للذي شاهدناه وعرفناه من آثار حكمة الله (عزوجل)واستقامة تدبيره في حُجَجه المتقدِّمة في الأعصار السالفة مع أئمَّة الضلال وتظاهر الطواغيت واستعلاء الفراعنة في الحُقَب الخالية وما نحن بسبيله في زماننا هذا من تظاهر أئمَّة الكفر بمعونة أهل الإفك والعدوان والبهتان.

وذلك أنَّ خصومنا طالبونا بوجود صاحب زماننا (علیه السلام) كوجود من تقدَّمه من الأئمَّة (علیهم السلام)، فقالوا: إنَّه قد مضىٰ علىٰ قولكم من عصر وفاة نبيِّنا (علیه السلام) أحد عشر إماماً كلٌّ منهم كان موجوداً معروفاً باسمه وشخصه بين الخاصِّ والعامِّ، فإنْ لم يوجد كذلك فقد فسد عليكم أمر من تقدَّم من أئمَّتكم كفساد أمر صاحب زمانكم هذا في عدمه وتعذُّر وجوده.

فأقول - وبالله التوفيق -: إنَّ خصومنا قد جهلوا آثار حكمة الله تعالىٰ وأغفلوا مواقع الحقِّ ومناهج السبيل في مقامات حُجَج الله تعالىٰ مع أئمَّة الضلال في دُوَل الباطل في كلِّ عصر وزمان، إذ قد ثبت أنَّ ظهور حُجَج الله تعالىٰ في مقاماتهم في دُوَل الباطل علىٰ سبيل الإمكان والتدبير لأهل الزمان، فإنْ كانت الحال ممكنة في استقامة تدبير الأولياء

ص: 37


1- في بعض النُّسَخ: (مستقيمة).

لوجودالحجَّة بين الخاصِّ والعامِّ كان ظهور الحجَّة كذلك، وإنْ كانت الحال غير ممكنة من استقامة تدبير الأولياء لوجود الحجَّة بين الخاصِّ والعامِّ وكان استتاره ممَّا توجبه الحكمة ويقتضيه التدبير حَجَبَه اللهُ وستره إلىٰ وقت بلوغ الكتاب أجله، كما قد وجدنا من ذلك في حُجَج الله المتقدِّمة من عصر وفاة آدم (علیه السلام) إلىٰ حين زماننا هذا، منهم المستخفون ومنهم المستعلنون، بذلك جاءت الآثار ونطق الكتاب .

فمن ذلك ما:

حَدَّثَنَا بِهِ أَبِي (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ خَالِدٍ الْبَرْقِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ، قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام): «يَا عَبْدَ الْحَمِيدِ، إِنَّ لِلهِ رُسُلاً مُسْتَعْلِنِينَ وَرُسُلاً مُسْتَخْفِينَ، فَإِذَا سَأَلْتَهُ بِحَقِّ المُسْتَعْلِنِينَ فَسَلْهُ بِحَقِّ المُسْتَخْفِينَ »(1).

وتصديق ذلك من الكتاب قوله تعالىٰ: «وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً 164» [النساء: 164]، فكانت حُجَج الله تعالىٰ كذلك من وقت وفاة آدم (علیه السلام) إلىٰ وقت ظهور إبراهيم (علیه السلام) أوصياء مستعلنين ومستخفين، فلمَّا كان وقت كون إبراهيم (علیه السلام) ستر الله شخصه وأخفىٰ ولادته، لأنَّ الإمكان في ظهور الحجَّة كان متعذِّراً في زمانه، وكان إبراهيم (علیه السلام) في سلطان نمرود مستتراً لأمره وكان غير مظهر نفسه، ونمرود يقتل أولاد رعيَّته وأهل مملكته في طلبه إلىٰ أنْ دلَّهم إبراهيم (علیه السلام) علىٰ نفسه، وأظهر لهم أمره بعد أنْ بلغت الغيبةأمدها ووجب إظهار ما أظهره للذي أراده الله في إثبات حجَّته وإكمال دينه، فلمَّا كان وقت وفاة إبراهيم (علیه السلام) كان له أوصياء حُجَجاً لله (عزوجل)في أرضه يتوارثون الوصيَّة كذلك مستعلنين ومستخفين إلىٰ وقت كون موسىٰ (علیه السلام)، فكان فرعون يقتل أولاد بني

ص: 38


1- سيأتي بسند آخر تحت الرقم (268/27)، فانتظر.

إسرائيل في طلب موسىٰ (علیه السلام) الذي قد شاع من ذكره وخبر كونه، فستر الله ولادته، ثمّ قذفت به أُمُّه في اليمِّ كما أخبر الله (عزوجل)في كتابه ، «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ» [القَصص: 8]، وكان موسىٰ (علیه السلام) في حجر فرعون يُربِّيه وهو لا يعرفه، وفرعون يقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه، ثمّ كان من أمره بعد أنْ أظهر دعوته ودلَّهم علىٰ نفسه ما قد قصَّه الله (عزوجل)في كتابه، فلمَّا كان وقت وفاة موسىٰ (علیه السلام) كان له أوصياء حُجَجاً لله كذلك مستعلنين ومستخفين إلىٰ وقت ظهور عيسىٰ (علیه السلام).

فظهر عيسىٰ (علیه السلام) في ولادته، معلناً لدلائله، مظهراً لشخصه، شاهراً لبراهينه، غير مخفٍ لنفسه، لأنَّ زمانه كان زمان إمكان ظهور الحجَّة كذلك.

ثمّ كان له من بعده أوصياء حُجَجاً لله (عزوجل)كذلك مستعلنين ومستخفين إلىٰ وقت ظهور نبيِّنا (صلی الله علیه و آله)، فقال الله (عزوجل)له في الكتاب: «مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ» [فُصِّلت: 43]، ثمّ قال (تبارک و تعالی): «سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا» [الإسراء: 77]، فكان ممَّا قيل له ولزم من سُنَّته علىٰ إيجاب سُنَن من تقدَّمه من الرُّسُل إقامة الأوصياء له كإقامة من تقدَّمه لأوصيائهم، فأقام رسول الله (صلی الله علیه و آله) أوصياء كذلك، وأخبر بكون المهديخاتم الأئمَّة (علیهم السلام)، وأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، نقلت الأُمَّة ذلك بأجمعها عنه، وأنَّ عيسىٰ (علیه السلام) ينزل في وقت ظهوره فيُصلِّي خلفه، فحُفِظَت ولادات الأوصياء ومقاماتهم في مقام بعد مقام إلىٰ وقت ولادة صاحب زماننا (علیه السلام) المنتظر للقسط والعدل، كما أوجبت الحكمة باستقامة التدبير غيبة من ذكرنا من الحُجَج المتقدِّمة بالوجود.

وذلك أنَّ المعروف المتسالم بين الخاصِّ والعامِّ من أهل هذه الملَّة أنَّ الحسن ابن عليٍّ والد صاحب زماننا (علیهما السلام) قد كان وكَّل به طاغية زمانه إلىٰ وقت وفاته، فلمَّا تُوفّي (علیه السلام) وكَّل بحاشيته وأهله، وحُبِسَت جواريه وطُلِبَ مولوده هذا أشدَّ

ص: 39

الطلب، وكان أحد المتولِّيين عليه عمُّه جعفر أخو(1) الحسن بن عليٍّ بما ادِّعاده لنفسه من الإمامة ورجا أنْ يتمَّ له ذلك بوجود ابن أخيه صاحب الزمان (علیه السلام)، فجرت السُّنَّة في غيبته بما جرىٰ من سُنَن غيبة من ذكرنا من الحُجَج المتقدِّمة، ولزم من حكمة غيبته (علیه السلام) ما لزم من حكمة غيبتهم.

[ردُّ إشكال]:

وكان من معارضة خصومنا أنْ قالوا: ولِمَ أوجبتم في الأئمَّة ما كان واجباً في الأنبياء؟ فما أنكرتم أنَّ ذلك كان جائزاً في الأنبياء وغير جائز في الأئمَّة؟ فإنَّ الأئمَّة ليسوا كالأنبياء، فغير جائز أنْ يشبه حال الأئمَّة بحال الأنبياء، فأوجدونا دليلاً مقنعاً علىٰ أنَّه جائز في الأئمَّة ما كان جائزاًفي الأنبياء والرُّسُل فيما شبَّهتم من حال الأئمَّة الذين ليسوا بأشباه الأنبياء والرُّسُل، وإنَّما يقاس الشكل بالشكل والمثل بالمثل، فلن تثبت دعواكم في ذلك، ولن يستقيم لكم قياسكم في تشبيهكم حال الأئمَّة بحال الأنبياء (علیهم السلام) إلَّا بدليل مقنع.

فأقول - وبالله أهتدي -: إنَّ خصومنا قد جهلوا فيما عارضونا به من ذلك، ولو أنَّهم كانوا من أهل التمييز والنظر والتفكُّر والتدبُّر بإطراح العناد وإزالة العصبيَّة لرؤسائهم ومن تقدَّم من أسلافهم، لعلموا أنَّ كلَّ ما كان جائزاً في الأنبياء فهو واجب لازم في الأئمَّة حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة، وذلك أنَّ الأنبياء هم أُصول الأئمَّة ومغيضهم(2)، والأئمَّة هم خلفاء الأنبياء وأوصياؤهم والقائمون بحجَّة الله تعالىٰ علىٰ من يكون بعدهم كيلا تبطل حُجَج الله وحدود[ه و]شرائعه ما دام التكليف علىٰ العباد قائماً والأمر لهم لازماً.

ص: 40


1- كذا.
2- المغيض: مجتمع الماء ومدخله في الأرض، والمراد بالفارسيَّة: (أنبياء نسخهى أصل وسرچشمهى امامانند). وفى بعض النُّسَخ: (ومفيضهم) من الإفاضة.

ولو وجبت المعارضة لجاز لقائل أنْ يقول: إنَّ الأنبياء هم حُجَج الله، فغير جائز أنْ يكون الأئمَّة حُجَج الله، إذ ليسوا بالأنبياء ولا كالأنبياء.

وله أنْ يقول أيضاً: فغير جائز أنْ يُسَمُّوا أئمَّة، لأنَّ الأنبياء كانوا أئمَّة وهؤلاء ليسوا بأنبياء فيكونوا أئمَّة كالأنبياء. وغير جائز أيضاً أنْ يقوموا بما كان يقوم به الرسول من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلىٰ غير ذلك من أبواب الشريعة، إذ ليسوا كالرسول ولا هم برُسُل.

ثمّ يأتي بمثل هذا من المحال ممَّا يكثر تعداده ويطول الكتاب بذكره،فلمَّا فسد هذا كلُّه كانت هذه المعارضة من خصومنا فاسدة كفساده.

ثمّ نحن نُبيِّن الآن ونُوضِّح بعد هذا كلِّه أنَّ التشاكل بين الأنبياء والأئمَّة بيِّن واضح، فيلزمهم أنَّهم حُجَج الله علىٰ الخلق كما كانت الأنبياء حُجَجه علىٰ العباد، وفرض طاعتهم لازم كلزوم فرض طاعة الأنبياء، وذلك قول الله (تبارک و تعالی): «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» [النساء: 59]، وقوله تعالىٰ: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَىٰ الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» [النساء: 83]، فولاة الأمر هم الأوصياء والأئمَّة بعد الرسول (صلی الله علیه و آله)، وقد قرن الله طاعتهم بطاعة الرسول، وأوجب علىٰ العباد من فرضهم ما أوجبه من فرض الرسول، كما أوجب علىٰ العباد من طاعة الرسول ما أوجبه عليهم من طاعته (عزوجل)في قوله: «أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ»، ثمّ قال: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ» [النساء: 80]، وإذا كانت الأئمَّة (علیهم السلام) حُجَج الله علىٰ من لم يلحق بالرسول ولم يشاهده وعلىٰ من خلفه من بعده، كما كان الرسول حجَّة علىٰ من لم يشاهده في عصره، لزم من طاعة الأئمَّة ما لزم من طاعة الرسول محمّد (صلی الله علیه و آله)، فقد تشاكلوا واستقام القياس فيهم، وإنْ كان الرسول أفضل من

ص: 41

الأئمَّة، فقد تشاكلوا في الحجَّة والاسم والفعل(1) والفرض، إذ كان الله (جلَّ ثناؤه) قد سمَّىٰ الرُّسُل أئمَّة بقوله لإبراهيم: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً» [البقرة: 124]، وقد أخبرنا الله تبارك وتعالىٰ أنَّه قد فضَّل الأنبياء والرُّسُل بعضهم علىٰ بعض، فقال تبارك وتعالىٰ: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ ...» الآية [البقرة: 253]، وقال: «وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ...» الآية [الإسراء: 55]، فتشاكل الأنبياء في النبوَّة وإنْ كان بعضهم أفضل من بعض، وكذلك تشاكل الأنبياء والأوصياء، فمن قاس حال الأئمَّة بحال الأنبياء واستشهد بفعل الأنبياء علىٰ فعل الأئمَّة فقد أصاب في قياسه واستقام له استشهاده بالذي وصفناه من تشاكل الأنبياء والأوصياء (علیهم السلام).

[وجه آخر لإثبات المشاكلة]:

ووجه آخر من الدليل علىٰ حقيقة ما شرحنا من تشاكل الأئمَّة والأنبياء (علیهم السلام) أنَّ الله تبارك وتعالىٰ يقول في كتابه: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» [الأحزاب: 21]، وقال تعالىٰ : «مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» [الحشر: 7]، فأمرنا الله (عزوجل)أنْ نهتدي بهدىٰ رسول الله (صلی الله علیه و آله) ونُجري الأُمور [الجارية] علىٰ حدِّ ما أجراها رسول الله (صلی الله علیه و آله) من قول أو فعل، فكان من قول رسول الله (صلی الله علیه و آله) المحقِّق لما ذكرنا من تشاكل الأنبياء والأئمَّة أنْ قال: «مَنْزِلَةُ عَلِيٍّ (علیه السلام) مِنِّي كَمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَىٰ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي »(2)

ص: 42


1- في بعض النُّسَخ: (والعقل).
2- حديث متواتر رواه الخاصَّة والعامَّة بألفاظ مختلفة، راجع علىٰ سبيل المثال: الكافي (ج 8/ ص 106 و107/ ح 80)، وصحيح مسلم (ج 7/ ص 120).

)، فأعلمنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنَّ عليًّا ليس بنبيٍّ وقد شبَّهه بهارون، وكان هارون نبيًّا ورسولاً، [و]كذلك شبَّهه بجماعة من الأنبياء (علیهم السلام).

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَىٰ بْنِ المُتَوَكِّلِ (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِالسَّعْدَآبَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْبَرْقِيُّ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ(1)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله)، فَقَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَىٰ آدَمَ فِي عِلْمِهِ، وَإِلَىٰ نُوحٍ فِي سِلْمِهِ، وَإِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ فِي حِلْمِهِ، وَإِلَىٰ مُوسَىٰ فِي فِطَانَتِهِ، وَإِلَىٰ دَاوُدَ فِي زُهْدِهِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَىٰ هَذَا»، قَالَ: فَنَظَرْنَا فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ أَقْبَلَ كَأَنَّمَا يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ(2) (3).

فإذا استقام أنْ يُشبِّه رسول الله (صلی الله علیه و آله) أحداً من الأئمَّة (علیهم السلام) بالأنبياء والرُّسُل استقام لنا أنْ نُشبِّه جميع الأئمَّة بجميع الأنبياء والرُّسُل. وهذا دليل مقنع، وقد ثبت شكل صاحب زماننا (علیه السلام) في غيبته بغيبة موسىٰ (علیه السلام) وغيره

ص: 43


1- هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني عامّي ذكره ابن حبَّان في الثقات، وقال ابن سعد: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، مستقيم الحديث. وابنه عبد المَلِك عنونه النجاشي وقال: كوفي ثقة، عين، روىٰ عن أصحابنا ورووا عنه، ولم يكن متحقِّقاً بأمرنا، له كتاب يرويه محمّد بن خالد. وأمَّا أبوه عنترة بن عبد الرحمن فعنونه العسقلاني في التقريب والتهذيب وقال: ذكره ابن حبَّان في الثقات، وذكر ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: أنَّه كوفي ثقة.
2- أي يرفع رجله رفعاً بيِّناً بقوَّة دون احتشام وتبختر. والصبب: ما انحدر من الأرض أو الطريق.
3- رواه محمّد بن أبي القاسم الطبري (رحمة الله) في بشارة المصطفىٰ (ص 428/ ح 8)، وروىٰ قريباً منه محمّد بن جرير الطبري الشيعي (رحمة الله) بسند آخر في المسترشد (ص 287/ ح 101)؛ وراجع ما رواه الطوسي (رحمة الله) في أماليه (ص 416 و417/ ح 938/86)، والعاصمي في العسل المصفَّىٰ (ج 1/ ص 124 - 126/ ح 30 - 32، وج 2/ ص 362 و363/ ح 498)، والخركوشي في مناحل الشفاء (ج 5/ ص 517/ ح 2499)، وابن مردويه في مناقب عليِّ بن أبي طالب (علیه السلام) (ص 147/ ح 179)، والحسكاني في شواهد التنزيل (ج 1/ ص 100 و103/ ح 116 و117).

ممَّن وقعت بهم الغيبة، وذلك أنَّ غيبة صاحب زماننا وقعت من جهة الطواغيت لعلَّة التدبير من الذي قدَّمنا ذكره في الفصل الأوَّل.

وممَّا يُفسِد معارضة خصومنا في نفي تشاكل الأئمَّة والأنبياء، أنَّ الرُّسُل الذين تقدَّموا قبل عصر نبيِّنا (صلی الله علیه و آله) كان أوصياؤهم أنبياء، فكلُّ وصيٍّ قام بوصيَّة حجَّة تقدَّمه من وقت وفاة آدم (علیه السلام) إلىٰ عصر نبيِّنا (صلی الله علیه و آله) كان نبيًّا، وذلك مثل وصيِّ آدم كان شيث ابنه، وهو هبة الله في علم آل محمّد (صلی الله علیه و آله) وكان نبيًّا، ومثل وصيِّ نوح (علیه السلام) كان سام ابنه وكان نبيًّا، ومثل إبراهيم (علیه السلام) كان وصيُّه إسماعيل(1) ابنه وكان نبيًّا، ومثل موسىٰ (علیه السلام) كان وصيُّه يوشع بن نون وكان نبيًّا، ومثل عيسىٰ (علیه السلام) كان وصيُّه شمعون الصفا وكان نبيًّا، ومثل داود (علیه السلام) كان وصيُّه سليمان (علیه السلام) ابنه وكان نبيًّا. وأوصياء نبيِّنا (علیهم السلام) لم يكونوا أنبياء، لأنَّ الله (عزوجل)جعل محمّداً خاتماً لهذه الأُمَم(2)، كرامةً له وتفضيلاً، فقد تشاكلت الأئمَّة والأنبياء بالوصيَّة كما تشاكلوا فيما قدَّمنا ذكره من تشاكلهم، فالنبيُّ وصيٌّ والإمام وصيٌّ، والوصيُّ إمام والنبيُّ إمام، والنبيُّ حجَّة والإمام حجَّة(3)، فليس في الأشكال أشبه من تشاكل الأئمَّة والأنبياء.

وكذلك أخبرنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) بتشاكل أفعالالأوصياء فيمن تقدَّم وتأخَّر من قصَّة يوشع بن نون وصيِّ موسىٰ (علیه السلام) مع صفراء بنت شعيب زوجة موسىٰ، وقصَّة أمير المؤمنين (علیه السلام) وصيِّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) مع عائشة بنت أبي بكر. وإيجاب غسل الأنبياء أوصياءهم بعد وفاتهم.

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا

ص: 44


1- في بعض النُّسَخ: (إسحاق).
2- في بعض النُّسَخ: (لهذا الاسم)، أي النبوَّة.
3- في بعض النُّسَخ: (والوصيُّ حجَّة).

أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْجُنَيْدِ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ(1)، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِينَا مَوْلَىٰ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ (علیه السلام): يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ يُغَسِّلُكَ إِذَا مِتَّ؟ قَالَ: «يُغْسِّلُ كُلَّ نَبِيٍّ وَصِيُّهُ»، قُلْتُ: فَمَنْ وَصِيُّكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»، قُلْتُ: كَمْ يَعِيشُ بَعْدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَإِنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ وَصِيَّ مُوسَىٰ عَاشَ بَعْدَ مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وخَرَجَتْ عَلَيْهِ صَفْرَاءُ بِنْتُ شُعَيْبٍ زَوْجَةُ مُوسَىٰ (علیه السلام)، فَقَالَتْ: أَنَا أَحَقُّ مِنْكَ بِالْأَمْرِ، فَقَاتَلَهَا، فَقَتَلَ مُقَاتِلِيهَا وَأَسَرَهَا فَأَحْسَنَ أَسْرَهَا، وَإِنَّ ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ سَتَخْرُجُ عَلَىٰ عَلِيٍّ فِي كَذَا وَكَذَا أَلْفاً مِنْ أُمَّتِي، فَتُقَاتِلُهُ، فَيَقْتُلُ مُقَاتِلِيهَا وَيَأْسِرُهَا فَيُحْسِنُ أَسْرَهَا، وَفِيهَا أَنْزَلَ اللهُ (تبارک و تعالی): «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِالْأُولَىٰ» [الأحزاب: 33]، يَعْنِي صَفْرَاءَ بِنْتَ شُعَيْبٍ»(2).

فهذا الشكل قد ثبت بين الأئمَّة والأنبياء بالاسم والصفة والنعت والفعل، وكلُّ ما كان جائزاً في الأنبياء فهو جائز يجري في الأئمَّة حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة، ولو جاز أنْ تُجحَد إمامة صاحب زماننا هذا لغيبته بعد وجود من تقدَّمه من الأئمَّة (علیهم السلام) لوجب أنْ تُدفَع نبوَّة موسىٰ بن عمران (علیه السلام) لغيبته، إذ لم يكن كلُّ الأنبياء كذلك، فلمَّا لم تسقط نبوَّة موسىٰ لغيبته وصحَّت

ص: 45


1- هو الحسن بن عليٍّ الخلال أبو عليٍّ - وقيل: أبو محمّد - الحلواني، نزيل مكَّة، ثقة ثبت، يروي عن عبد الرزَّاق بن همَّام بن نافع الحميري، مولاهم أبى بكر الصنعاني، قال أحمد بن صالح المصري: قلت لأحمد بن حنبل: رأيت أحداً أحسن حديثاً من عبد الرزَّاق؟ قال: لا. ويرموه القوم بالتشيُّع. يروي عن أبيه همَّام، وهو ثقة يروي عن مينا بن أبي مينا الزهري الخزَّاز مولىٰ عبد الرحمن بن عوف، وهو شيعي، جرحه العامَّة لتشيُّعه. وما في النُّسَخ من (الحسين بن عليِّ بن عبد الرزَّاق)، فهو تصحيف.
2- رواه محمّد بن أبي القاسم الطبري (رحمة الله) في بشارة المصطفىٰ (ص 428 و429/ ح 9).

نبوَّته مع الغيبة كما صحَّت نبوَّة الأنبياء الذين لم تقع بهم الغيبة، فكذلك صحَّت إمامة صاحب زماننا هذا مع غيبته كما صحَّت إمامة من تقدَّمه من الأئمَّة الذين لم تقع بهم الغيبة.

وكما جاز أنْ يكون موسىٰ (علیه السلام) في حجر فرعون يُربِّيه وهو لا يعرفه ويقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه، فكذلك جائز أنْ يكون صاحب زماننا موجوداً بشخصه بين الناس، يدخل مجالسهم، ويطأ بُسُطهم، ويمشي في أسواقهم، وهم لا يعرفونه إلىٰ أنْ يبلغ الكتاب أجله.

فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) أَنَّهُ قَالَ: «فِي الْقَائِمِ سُنَّةٌ مِنْ مُوسَىٰ، وَسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَىٰ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله)، فَأَمَّا سُنَّةُ مُوسَىٰ فَخَائِفٌ يَتَرَقَّبُ، وَأَمَّا سُنَّةُ يُوسُفَ فَإِنَّ إِخْوَتَهُ كَانُوا يُبَايِعُونَهُ وَيُخَاطِبُونَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ، وَأَمَّا سُنَّةُ عِيسَىٰ فَالسِّيَاحَةُ، وَأَمَّا سُنَّةُ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله) فَالسَّيْفُ »(1).

[ردُّ إشكال]:

فكان من الزيادة لخصومنا أنْ قالوا: ما أنكرتم إذ قد ثبت لكم ما ادَّعيتم من الغيبة كغيبة موسىٰ (علیه السلام) ومن حلَّ محلَّه من الأئمَّة(2) الذين وقعت بهم الغيبة أنْ تكون حجَّة موسىٰ لم تلزم أحداً إلَّا من بعد أنْ أظهر دعوته ودلَّ علىٰ نفسه، وكذلك لا تلزم حجَّة إمامكم هذا لخفاء مكانه وشخصه حتَّىٰ يُظهر دعوته ويدلَّ علىٰ نفسه [كذلك]، فحينئذٍ تلزم حجَّته وتجب طاعته، وما بقي في الغيبة فلا تلزم حجَّته، ولا تجب طاعته.

فأقول - وبالله أستعين -: إنَّ خصومنا غفلوا عمَّا يلزم من حجَّة حُجَج الله في ظهورهم واستتارهم، وقد ألزمهم الله تعالىٰ الحجَّة البالغة في كتابه، ولم

ص: 46


1- روىٰ قريباً منه الطبري (رحمة الله) في دلائل الإمامة (ص 532/ ح 511/115).
2- في بعض النُّسَخ: (من الأنبياء).

يتركهم سدًى في جهلهم وتخبُّطهم، ولكنَّهم كما قال الله (تبارک و تعالی): «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا 24» [محمّد: 24]. إنَّ الله (عزوجل)قد أخبرنا في قصَّة موسىٰ (علیه السلام) أنَّه كان له شيعة، وهم بأمره عارفون، وبولايته متمسِّكون، ولدعوته منتظرون قبل إظهار دعوته، ومن قبل دلالته علىٰ نفسه، حيث يقول : «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَىٰ الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ» [القَصص: 15]، وقال (عزوجل)حكايةً عن شيعته: «قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ...» الآية [الأعراف: 129]، فأعلمنا الله (عزوجل)في كتابه أنَّه قد كان لموسىٰ (علیه السلام) شيعة من قبل أنْ يُظهر من نفسه نبوَّة، وقبل أنْ يُظهر له دعوة، يعرفونه ويعرفهم بموالاة موسىٰ صاحب الدعوة، ولم يكونوا يعرفون أنَّ ذلك الشخص هو موسىٰ بعينه، وذلك أنَّ نبوَّة موسىٰ إنَّما ظهرت من بعد رجوعه من عند شعيب حين ساربأهله من بعد السنين التي رعىٰ فيها لشعيب حتَّىٰ استوجب بها أهله، فكان دخوله المدينة حين وجد فيها الرجلين قبل مسيره إلىٰ شعيب.

وكذلك وجدنا مثل نبيِّنا محمّد (صلی الله علیه و آله) قد عرف أقوام أمره قبل ولادته وبعد ولادته، وعرفوا مكان خروجه ودار هجرته من قبل أنْ يُظهر من نفسه نبوَّة ومن قبل ظهور دعوته، وذلك مثل سلمان الفارسي (رحمة الله)، ومثل قُسِّ بن ساعدة الأيادي، ومثل تُبَّع المَلِك، ومثل عبد المطَّلب، وأبي طالب، ومثل سيف بن ذي يزن، ومثل بحيرىٰ الراهب، ومثل كبير الرهبان في طريق الشام، ومثل أبي مويهب الراهب، ومثل سطيح الكاهن، ومثل يوسف اليهودي، ومثل ابن حوَّاش الحبر المقبل من الشام، ومثل زيد بن عمرو بن نفيل، ومثل هؤلاء كثير ممَّن قد عرف النبيَّ (صلی الله علیه و آله) بصفته ونعته واسمه ونسبه قبل مولده وبعد مولده،

ص: 47

والأخبار في ذلك موجودة عند الخاصِّ والعامِّ، وقد أخرجتها مسندة في هذا الكتاب في مواضعها، فليس من حجَّة الله (عزوجل)نبيٌّ ولا وصيٌّ إلَّا وقد حفظ المؤمنون وقت كونه وولادته وعرفوا أبويه ونسبه في كلِّ عصر وزمان حتَّىٰ لم يشتبه عليهم شي ء من أمر حُجَج الله (عزوجل)في ظهورهم وحين استتارهم، وأغفل ذلك أهل الجحود والضلال والكنود، فلم يكن عندهم [علم] شي ء من أمرهم.

وكذلك سبيل صاحب زماننا (علیه السلام) حفظ أولياؤه المؤمنون من أهل المعرفة والعلم وقته وزمانه وعرفوا علاماته وشواهد أيَّامه(1) وكونه ووقت ولادته ونسبه، فهم علىٰ يقين من أمره في حين غيبته ومشهده، وأغفل ذلك أهل الجحود والإنكار والعنود، وفي صاحب زماننا(علیه السلام) قال الله (تبارک و تعالی): «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ» [الأنعام: 158].

وَسُئِلَ الصَّادِقُ (علیه السلام) عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: «الْآيَاتُ هُمُ الْأَئِمَّةُ، والْآيَةُ المُنْتَظَرَةُ هُوَ الْقَائِمُ المَهْدِيُّ (علیه السلام)، فَإِذَا قَامَ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ قِيَامِهِ بِالسَّيْفِ، وإِنْ آمَنَتْ بِمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ آبَائِهِ (علیهم السلام)»(2).

حدَّثنا بذلك أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (رضی الله عنه)، قال: حدَّثنا عليُّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير. والحسن بن محبوب، عن عليِّ بن رئاب وغيره، عن الصادق جعفر بن محمّد (علیهما السلام).

وتصديق ذلك (أنَّ الآيات هم الحُجَج) من كتاب الله (عزوجل)قول الله تعالىٰ : «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً» [المؤمنون: 50]، يعني حجَّة. وقوله (عزوجل)لعُزَير(3) حين أحياه الله من بعد أنْ أماته مائة سنة: «وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً

ص: 48


1- في بعض النُّسَخ: (وشواهد آياته).
2- سيأتي ذكر مصادره تحت الرقم (249/8)، فانتظر.
3- في بعض النُّسَخ: (لارميا).

لِلنَّاسِ» [البقرة: 259]، يعني حجَّة، فجعله (عزوجل)حجَّة علىٰ الخلق وسمَّاه آية. وإنَّ الناس لمَّا صحَّ لهم عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أمر الغيبة الواقعة بحجَّة الله (تعالىٰ ذكره) علىٰ خلقه وضع كثير منهم الغيبة غير موضعها أوَّلهم عمر بن الخطَّاب، فإنَّه قال لمَّا قُبِضَ النبيُّ (صلی الله علیه و آله): (والله ما مات محمّد وإنَّما غاب كغيبة موسىٰ (علیه السلام) عن قومه، وإنَّه سيظهر لكم بعد غيبته).حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّقْرِ الصَّائِغُ الْعَدْلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ بَسَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَزْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ سَيَّارِ بْنِ دَاوُدَ الْأَشْعَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ(1) وَعَبْدُ اللهِ بْنُ خَالِدٍ السَّلُولِيُّ أَنَّهُمَا قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ نَجِيحٌ المَدَنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ(2) وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مَلِيكَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ مَشِيخَةِ أَهْلِ المَدِينَةِ، قَالُوا:

لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: وَاللهِ مَا مَاتَ مُحَمَّدٌ وَإِنَّمَا غَابَ كَغَيْبَةِ مُوسَىٰ عَنْ قَوْمِهِ، وَإِنَّهُ سَيَظْهَرُ بَعْدَ غَيْبَتِهِ، فَمَا زَالَ يُرَدِّدُ هَذَا

ص: 49


1- محمّد بن يزداد الرازي، قال أبو النضر العيَّاشي: لا بأس به. ونصر بن سيَّار لم أجد من ذكره، وليس هو بنصر بن سيَّار والي خراسان من قِبَل هشام بن عبد المَلِك، ومحمّد بن عبد ربِّه الأنصاري أجاز التلعكبري جميع حديثه، وكان يروي عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري ونظرائهما كما في منهج المقال. وأمَّا عبد الله بن خالد فلم أعرفه.
2- أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي - بكسر المهملة وسكون النون - المدني مولىٰ بني هاشم مشهور بكنيته، وليس بقويٍّ في الحديث، ومحمّد بن قيس شيخه ضعيف كما في التقريب. وأمَّا محمّد بن كعب القرظي فثقة عالم وُلِدَ سنة أربعين على الصحيح ومات سنة (120ه)، وقيل: قبل ذلك. وأمَّا عمارة بن غزية المدني فوثَّقه أحمد وأبو زرعة، وقال يحيىٰ بن معين: صالح، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وكان صدوقاً. وأمَّا سعيد بن أبي سعيد فاسمه كيسان المقبري أبو سعد المدني، والمقبري نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاوراً لها، فهو ثقة صدوق كما في التهذيب. وأمَّا عبد الله بن أبي مليكة فهو عبد الله بن عبيد الله، وأبو مليكة بالتصغير ثقة فقيه.

الْقَوْلَ وَيُكَرِّرُهُ حَتَّىٰ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّ عَقْلَهُ قَدْ ذَهَبَ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ قَوْلِهِ،فَقَالَ: ارْبَعْ عَلَىٰ نَفْسِكَ يَا عُمَرُ(1) مِنْ يَمِينِكَ الَّتِي تَحْلِفُ بِهَا، فَقَدْ أَخْبَرَنَا اللهُ (عزوجل)فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ 30» [الزمر: 30]، فَقَالَ عُمَرُ: وإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَفِي كِتَابِ اللهِ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ ذَاقَ مُحَمَّدٌ المَوْتَ. ولم يكن عمر جمع القرآن(2).

[الكيسانيَّة]:

ثمّ غلطت الكيسانيَّة بعد ذلك حتَّىٰ ادَّعت هذه الغيبة لمحمّد بن الحنفيَّة (قدَّس الله روحه)، حتَّىٰ إنَّ السيِّد بن محمّد الحميري (رضی الله عنه)(3) اعتقد ذلك وقال فيه:

ألَا إنَّ الأئمَّة من قريش *** ولاة الأمر أربعة سواءُ

عليٌّ والثلاثة من بنيه *** هم أسباطنا والأوصياءُ(4)

فسبط سبط إيمان وبرٍّ *** وسبط قد حوته كربلاءُ(5)

وسبط لا يذوق الموت حتَّىٰ *** يقود الجيش يقدمه اللواءُ(6)

ص: 50


1- أي ارفق بنفسك وكفَّ عن هذا القول واليمين.
2- أي لم يقرأ أو يحفظ جميع القرآن.
3- هو إسماعيل بن محمّد الحميري، سيِّد الشعراء، كان يقول أوَّلاً بإمامة محمّد بن الحنفيَّة، ثمّ رجع إلىٰ الحقِّ، وأمره في الجلالة والمجد ظاهر لمن تتبَّع كُتُب التراجم. قيل: تُوفّي ببغداد سنة (179ه) فبعثت الأكابر والشرفاء من الشيعة سبعين كفناً له، فكفَّنه الرشيد من ماله وردَّ الأكفان إلىٰ أهلها.
4- في الفَرْق بين الفِرَق: (هم الأسباط ليس بهم خفاء)، وكذا في المِلَل والنِّحَل.
5- في الفَرْق بين الفِرَق: (وسبط غيَّبته كربلاء)، وكذا في إعلام الورىٰ المنقول من كمال الدِّين.
6- في الفَرْق بين الفِرَق والمِلَل والنحل: (يقود الخيل يقدمها اللواء).

يغيب فلا يُرىٰ عنَّا زماناً(1) *** برضوىٰ عنده عسل وماءُ(2)

وقال فيه السيِّد (رحمة الله عليه) أيضاً:

أيا شعب رضوىٰ ما لمن بك لا يُرىٰ *** فحتَّىٰ متىٰ يخفىٰ وأنت قريبُ

فلو غاب عنَّا عمر نوح لأيقنت *** منَّا النفوس بأنَّه سيؤوبُ(3)(4)

وقال فيه السيِّد أيضاً:

ألَا حيِّ المقيم بشعب رضوىٰ *** واهد له بمنزله السلاما

وقل يا ابن الوصيِّ فدتك نفسي *** أطلت بذلك الجبل المقاما

فمرَّ بمعشر والوك منَّا *** وسمُّوك الخليفة والإماما

فما ذاق ابن خولة طعم موتٍ *** ولا وارت له أرض عظاما(5)

فلم يزل السيِّد ضالًّا في أمر الغيبة يعتقدها في محمّد بن الحنفيَّة حتَّىٰ لقي الصادق جعفر بن محمّد (علیهما السلام) ورأىٰ منه علامات الإمامة وشاهد فيه دلالات الوصيَّة، فسأله عن الغيبة، فذكر له أنَّها حقٌّ ولكنَّها تقع في الثاني عشر من الأئمَّة (علیهم السلام)، وأخبره بموت محمّد بن الحنفيَّة، وأنَّ أباه شاهد دفنه، فرجع السيِّد عن مقالته واستغفر من اعتقاده ورجع إلىٰ الحقِّ عند اتِّضاحه له، ودان بالإمامة.حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ النَّيْسَابُورِيُّ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ

ص: 51


1- في الفَرْق بين الفِرَق: (تغيب لا يُرىٰ فيهم زماناً).
2- راجع: ديوان السيِّد الحميري (ص 20 و21)، والفَرْق بين الفِرَق لعبد القاهر بن طاهر البغدادي الأسفراييني (ص 49)، والمِلَل والنِّحَل للشهرستاني (ج 1/ ص 150)، وإعلام الورىٰ (ج 1/ ص 541).
3- هذا المصراع في بعض النُّسَخ هكذا: (نفوس البرايا أنَّه سيؤوب).
4- ديوان السيِّد الحميري (ص 31)، وقبل هذا البيت قوله: يا ابن الوصيِّ ويا سميَّ محمّد *** وكنيِّه نفسي عليك تذوبُ
5- راجع: ديوان السيِّد الحميري (ص 177 و178).

مُحَمَّدِ [بْنِ ] قُتَيْبَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ حَيَّانَ السَّرَّاجِ، قَالَ: سَمِعْتُ السَّيِّدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيَّ يَقُولُ: كُنْتُ أَقُولُ بِالْغُلُوِّ وأَعْتَقِدُ غَيْبَةَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ - ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ -، قَدْ ضَلَلْتُ فِي ذَلِكَ زَمَاناً، فَمَنَّ اللهُ عَلَيَّ بِالصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) وَأَنْقَذَنِي بِهِ مِنَ النَّارِ، وَهَدَانِي إِلىٰ سَوَاءِ الصِّراطِ، فَسَأَلْتُهُ بَعْدَ مَا صَحَّ عِنْدِي بِالدَّلَائِلِ الَّتِي شَاهَدْتُهَا مِنْهُ أَنَّهُ حُجَّةُ اللهِ عَلَيَّ وَعَلَىٰ جَمِيعِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَأَنَّهُ الْإِمَامُ الَّذِي فَرَضَ اللهُ طَاعَتَهُ وَأَوْجَبَ الْاِقْتِدَاءَ بِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، قَدْ رُوِيَ لَنَا أَخْبَارٌ عَنْ آبَائِكَ (علیهم السلام) فِي الْغَيْبَةِ وَصِحَّةِ كَوْنِهَا، فَأَخْبِرْنِي بِمَنْ تَقَعُ؟ فَقَالَ (علیه السلام): «إِنَّ الْغَيْبَةَ سَتَقَعُ بِالسَّادِسِ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْهُدَاةِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله)، أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ الْقَائِمُ بِالْحَقِّ بَقِيَّةُ اللهِ فِي الْأَرْضِ وَصَاحِبُ الزَّمَانِ، وَاللهِ لَوْ بَقِيَ فِي غَيْبَتِهِ مَا بَقِيَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ(1) لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّىٰ يَظْهَرَ فَيَمْلَأَ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً»، قَالَ السَّيِّدُ: فَلَمَّا سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ مَوْلَايَ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) تُبْتُ إِلَىٰ اللهِ (تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ) عَلَىٰ يَدَيْهِ، وَقُلْتُ قَصِيدَتِيَ الَّتِي أَوَّلُهَا:

فَلَمَّا رَأَيْتُ النَّاسَ فِي الدِّينِ قَدْ غَوُوا *** تَجَعْفَرْتُ بِاسْمِ اللهِ فِيمَنْ تَجَعْفَرُوا(2)

وَنَادَيْتُ بِاسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ *** وَأَيْقَنْتُ أَنَّ اللهَ يَعْفُو وَيَغْفِرُ

وَدِنْتُ بِدِينِ اللهِ مَا كُنْتُ دَيِّناً(3) *** بِهِ وَنَهَانِي سَيِّدُ النَّاسِ جَعْفَرُ

فَقُلْتُ فَهَبْنِي قَدْ تَهَوَّدْتُ بُرْهَةً *** وَإِلَّا فَدِينِي دِيْنُ مَنْ يَتَنَصَّرُ

ص: 52


1- في بعض النُّسَخ: (في الأرض).
2- في بعض النُّسَخ: (باسم الله والله أكبر).
3- في بعض النُّسَخ: (ودنت بدين غير ما كنت ديِّناً).

وَإِنِّي إِلَىٰ الرَّحْمَنِ مِنْ ذَاكَ تَائِبٌ *** وَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَاللهُ أَكْبَرُ

فَلَسْتُ بِغَالٍ مَا حَيِيتُ وَرَاجِعٍ *** إِلَىٰ مَا عَلَيْهِ كُنْتُ أُخْفِي وَأُظْهِرُ

وَلَا قَائِلٍ حَيٌّ بِرَضْوَىٰ مُحَمَّدٌ *** وَإِنْ عَابَ جُهَّالٌ مَقَالِي وَأَكْثَرُوا

وَلَكِنَّهُ مِمَّنْ مَضَىٰ لِسَبِيلِهِ *** عَلَىٰ أَفْضَلِ الْحَالَاتِ يُقْفَىٰ وَيُخْبَرُ

مَعَ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الْأُولَىٰ لَهُمْ *** مِنَ المُصْطَفَىٰ فَرْعٌ زَكِيٌّ وَعُنْصُرٌ (1)

إِلَىٰ آخِرِ الْقَصِيدَةِ، [وهِيَ طَوِيلَةٌ]، وقُلْتُ بَعْدَ ذَلِكَ قَصِيدَةً أُخْرَىٰ:

أَيَا رَاكِباً نَحْوَ المَدِينَةِ جَسْرَةً *** عُذَافِرَةً يَطْوِي بِهَا كُلَّ سَبْسَبِ (2)

إِذَا مَا هَدَاكَ اللهُ عَايَنْتَ جَعْفَراً *** فَقُلْ لِوَلِيِّ اللهِ وَابْنِ المُهَذَّبِ

أَلَا يَا أَمِينَ اللهِ وَابْنَ أَمِينِهِ *** أَتُوبُ إِلَىٰ الرَّحْمَنِ ثُمَّ تَأَوُّبِي

إِلَيْكَ مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي كُنْتُ مُطْنِباً(3) *** أُحَارِبُ فِيهِ جَاهِداً كُلَّ مُعْرِبٍ

وَمَا كَانَ قَوْلِي فِي ابْنِ خَوْلَةَ مُطْنَباً *** مُعَانَدَةً مِنِّي لِنَسْلِ المُطَيَّبِ

وَلَكِنْ رُوِينَا عَنْ وَصِيِّ مُحَمَّدٍ *** وَمَا كَانَ فِيمَا قَالَ بِالمُتَكَذِّبِ

بِأَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ يُفْقَدُ لَا يُرَىٰ *** سَتِيراً(4) كَفِعْلِ

الْخَائِفِ(5) المُتَرَقِّبِ

فَتُقْسَمُ أَمْوَالُ الْفَقِيدِ كَأَنَّمَا *** تَغَيَّبَهُ بَيْنَ الصَّفِيحِ المُنَصَّبِ(6)

ص: 53


1- الجسرة: البعير الذي أعيا وغلظ من السير. والعذافرة: العظمة الشديدة من الإبل، والناقة الصلبة القويَّة. والسبسب: المفازة، أو الأرض المستوية البعيدة.
2- راجع: ديوان السيِّد الحميري (ص 95 و96).
3- في بعض النُّسَخ: (كنت مبطناً).
4- في بعض النُّسَخ: (سنين).
5- في بعض النُّسَخ: (كمثل الخائف).
6- الصفيح: من أسماء السماء، ووجه كلِّ شيء عريض. والمنصَّب المرتفع. ولعلَّ المراد بالصفيح هنا موضع بين حنين وأنصاب الحرم، كما يظهر من بعض اللغات.

فَيَمْكُثُ حِيناً ثُمَّ يَنْبَعُ نَبْعَةً *** كَنَبْعَةِ جَدْيٍ مِنَ الْأُفُقِ كَوْكَبٍ(1)

يَسِيرُ بِنَصْرِ اللهِ مِنْ بَيْتِ رَبِّهِ *** عَلَىٰ سُؤْدَدٍ مِنْهُ وَأَمْرٍ مُسَبَّبٍ(2)

يَسِيرُ إِلَىٰ أَعْدَائِهِ بِلِوَائِهِ *** فَيَقْتُلُهُمْ قَتْلاً كَحَرَّانَ مُغْضَبٍ(3)

فَلَمَّا رَوَىٰ أَنَّ ابْنَ خَوْلَةَ غَائِبٌ *** صَرَفْنَا إِلَيْهِ قَوْلَنَا لَمْ نُكَذَّبِ

وَقُلْنَا هُوَ المَهْدِيُّ وَالْقَائِمُ الَّذِي *** يَعِيشُ بِهِ مِنْ عَدْلِهِ كُلُّ مُجْدِبٍ

فَإِنْ قُلْتَ لَا فَالْحَقُّ قَوْلُكَ وَالَّذِي *** أُمِرْتَ(4) فَحَتْمٌ غَيْرَ مَا مُتَعَصِّبٍ

وَأُشْهِدُ رَبِّي أَنَّ قَوْلَكَ حُجَّةٌ *** عَلَىٰ النَّاسِ طُرًّا مِنْ مُطِيعٍ وَمُذْنِبٍ

بِأَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ وَالْقَائِمَ الَّذِي *** تَطَلَّعُ نَفْسِي نَحْوَهُ بِتَطَرُّبٍ

لَهُ غَيْبَةٌ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَغِيبَهَا *** فَصَلَّىٰ عَلَيْهِ اللهُ مِنْ مُتَغَيَّبٍ

فَيَمْكُثُ حِيناً ثُمَّ يَظْهَرُ حِينَهُ(5) *** فَيَمْلِكُ مَنْ فِي شَرْقِهَا وَالمُغَرَّب(6)

بِذَاكَ أَدِينُ اللهَ سِرًّا وَجَهْرَةً *** وَلَسْتُ وَإِنْ عُوتِبْتُ فِيهِ بِمُعْتِبٍ(7)(8)

ص: 54


1- كذا، وفى بعض نُسَخ الحديث: فيمكث حيناً ثمّ يشرق شخصه *** مضيئاً بنور العدل إشراق كوكب وهكذا في إعلام الورىٰ (ج 1/ ص 540) المنقول من (كمال الدِّين). وليس هذا البيت في إرشاد المفيد ولا كشف الغمَّة للإربلي.
2- في بعض النُّسَخ: (وأمر مسيب).
3- فرس حرون: الذي لا ينقاد، والاسم الحرَّان.
4- في الإرشاد وكشف الغمَّة: (تقول فحتم).
5- في الإرشاد: (يظهر أمره)، ولعلَّه هو الصواب.
6- في إعلام الورىٰ: (فيملأ عدلاَّ كلَّ شرق ومغرب).
7- (بمعتب) خبر (لست)، يعنى عتابهم إيَّاي ليس بموقع.
8- راجع: ديوان السيِّد الحميري (ص 48 و49)، والإرشاد (ج 2/ ص 207)، وكشف الغمَّة (ج 2/ ص 394)، وإعلام الورىٰ (ج 1/ ص 540).

وكان حيَّان السرَّاج الراوي لهذا الحديث من الكيسانيَّة، ومتىٰ صحَّ موت محمّد بن عليٍّ ابن الحنفيَّة بطل أنْ تكون الغيبة التي رُويت في الأخبار واقعة به.

فممَّا روي في وفاة محمّد بن الحنفيَّة (رضی الله عنه)(1):

مَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِصَامٍ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَزْوِينِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ المُخْتَارِ(2)، قَالَ : دَخَلَ حَيَّانُ السَّرَّاجُ عَلَىٰ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام)، فَقَالَ لَهُ: «يَا حَيَّانُ، مَا يَقُولُ أَصْحَابُكَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّهُ حَيٌّ يُرْزَقُ، فَقَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام): «حَدَّثَنِي أَبِي (علیه السلام) أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ عَادَهُ فِي مَرَضِهِ وَفِيمَنْ غَمَّضَهُ وَأَدْخَلَهُ حُفْرَتَهُ وَزَوَّجَ نِسَاءَهُ وَقَسَّمَ مِيرَاثَهُ»، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، إِنَّمَا مَثَلُمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَثَلِ عِيسَىٰ ابْنِ مَرْيَمَ شُبِّهَ أَمْرُهُ لِلنَّاسِ، فَقَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام): «شُبِّهَ أَمْرُهُ عَلَىٰ أَوْلِيَائِهِ أَوْ عَلَىٰ أَعْدَائِهِ؟»، قَالَ: بَلْ عَلَىٰ أَعْدَائِهِ، فَقَالَ: «أَتَزْعُمُ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْبَاقِرَ (علیه السلام) عَدُوُّ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ؟»، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام): «يَا حَيَّانُ، إِنَّكُمْ صَدَفْتُمْ عَنْ آيَاتِ اللهِ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ : «سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ(3) 157» [الأنعام: 157]».

وقَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام): «مَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ حَتَّىٰ أَقَرَّ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (علیه السلام)».

ص: 55


1- هذا العنوان للمصنِّف (رحمة الله)، وموجود في جميع النُّسَخ.
2- هو الحسين بن المختار القلانسي الكوفي، ثقة، واقفي، من أصحاب الكاظم (علیه السلام). وما في بعض النُّسَخ من (جعفر بن مختار) فهو تصحيف. وعليُّ بن إسماعيل الظاهر هو عليُّ بن السندي الثقة. وأمَّا حيَّان السرَّاج فهو كيساني متعصِّب.
3- الصدف: الرجوع عن الشيء.

وكانت وفاة محمّد بن الحنفيَّة سنة أربع وثمانين من الهجرة.

حَدَّثَنَا أَبِي (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَىٰ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام)، قَالَ: «دَخَلْتُ عَلَىٰ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَدِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ، فَأَمَرْتُهُ بِالْوَصِيَّةِ، فَلَمْ يُجِبْ»، قَالَ: «فَأَمَرْتُ بِطَسْتٍ فَجُعِلَ فِيهِ الرَّمْلُ، فَوُضِعَ، فَقُلْتُ لَهُ: خُطَّ بِيَدِكَ، قَالَ: فَخَطَّ وَصِيَّتَهُ بِيَدِهِ فِي الرَّمْلِ، وَنَسَخْتُ أَنَا فِي صَحِيفَةٍ»(1)(2).

[إبطال قول الناووسيَّة والواقفة في الغيبة]:

ثمّ غلطت الناووسيَّة بعد ذلك في أمر الغيبة بعد ما صحَّ وقوعها عندهم بحجَّة الله علىٰ عباده، فاعتقدوها جهلاً منهم بموضعها في الصادق جعفر بن محمّد (علیهما السلام) حتَّىٰ أبطل الله قولهم بوفاته (علیه السلام) وبقيام كاظم الغيظ الأوَّاه الحليم الإمام أبي إبراهيم موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) بالأمر مقام الصادق (علیه السلام).

ص: 56


1- رواه المصنِّف (رحمة الله) في من لا يحضره الفقيه (ج 4/ ص 197/ ح 5454)، والطوسي (رحمة الله) في تهذيب الأحكام (ج 9/ ص 241/ ح 934/27).
2- قال المجلسي الأوَّل (رحمة الله) في روضة المتَّقين (ج 11/ ص 67): (يدلُّ الخبر علىٰ أنَّ ما افتراه الكيسانيَّة من أنَّ محمّد بن الحنفيَّة ذهب من خوف ابن الزبير إلىٰ اليمن وغاب في جبل رضوىٰ وهو حيٌّ يخرج في آخر الزمان باطل، وكان أنشد السيِّد الحميري في ذلك أبياتاً، ولمَّا رأىٰ المعجزات من الصادق (علیه السلام) تاب ورجع إلىٰ الحقِّ وأنشد أبياتاً في بطلان ما اعتقده أوَّلاً...، وأمثال هذه ليس ببعيد كما ذهب جماعة كثيرة إلىٰ أنَّ أبا الحسن موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) لم يمت مع أنَّه (علیه السلام) استُشهِدَ في حبس السندي بن شاهك علىٰ يده (لعنة الله عليه)، وكان في جنازته (علیه السلام) جميع أهل بغداد، ومع هذا قالوا ما قالوا. ورأيت أنا في الكوفة مزاراً عتيقاً وكان عليه لوحاً مكتوباً عليه اسم محمّد بن الحنفيَّة، فيمكن أنْ يكون أبو جعفر (علیه السلام) حال فوته هناك أو يكون جاء إليه بطيِّ الأرض كما روي متواتراً أنَّهم (علیهم السلام) كان لهم طيُّ الأرض وكانوا يذهبون إلىٰ ما أرادوه به).

وكذلك ادَّعت الواقفيَّة ذلك في موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام)، فأبطل الله قولهم بإظهار موته وموضع قبره، ثمّ بقيام الرضا عليِّ بن موسىٰ (علیهما السلام) بالأمر بعده، وظهور علامات الإمامة فيه مع ورود النصوص عليه من آبائه (علیهم السلام).

فممَّا روي في وفاة موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام)(1):

مَا حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقِطَعِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ النَّخَّاسِ الْعَدْلِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْخَزَّازِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ السِّنْدِيُّ بْنُ شَاهَكَ فِيبَعْضِ اللَّيْلِ وَأَنَا بِبَغْدَادَ، فَاسْتَحْضَرَنِي، فَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِسُوءٍ يُرِيدُهُ بِي، فَأَوْصَيْتُ عِيَالِي بِمَا احْتَجْتُ إِلَيْهِ، وَقُلْتُ: إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ثُمَّ رَكِبْتُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي مُقْبِلاً قَالَ: يَا أَبَا حَفْصٍ، لَعَلَّنَا أَرْعَبْنَاكَ وَأَفْزَعْنَاكَ، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ فَلَيْسَ هَاهُنَا إِلَّا خَيْرٌ، قُلْتُ: فَرَسُولٌ تَبْعَثُهُ إِلَىٰ مَنْزِلِي يُخْبِرُهُمْ خَبَرِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا حَفْصٍ، أَتَدْرِي لِمَ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ؟ فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ مُوسَىٰ بْنَ جَعْفَرٍ؟ فَقُلْتُ: إِي وَاللهِ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ صَدَاقَةٌ مُنْذُ دَهْرٍ، فَقَالَ: مَنْ هَاهُنَا بِبَغْدَادَ يَعْرِفُهُ مِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ فَسَمَّيْتُ لَهُ أَقْوَاماً، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهُ (علیه السلام) قَدْ مَاتَ، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ، وَجَاءَ بِهِمْ كَمَا جَاءَ بِي، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ قَوْماً يَعْرِفُونَ مُوسَىٰ بْنَ جَعْفَرٍ فَسَمَّوْا لَهُ قَوْماً، فَجَاءَ بِهِمْ، فَأَصْبَحْنَا وَنَحْنُ فِي الدَّارِ نَيِّفٌ وَخَمْسُونَ رَجُلاً مِمَّنْ يَعْرِفُ مُوسَىٰ وَقَدْ صَحِبَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ وَدَخَلَ وَصَلَّيْنَا، فَخَرَجَ كَاتِبُهُ وَمَعَهُ طُومَارٌ، فَكَتَبَ أَسْمَاءَنَا وَمَنَازِلَنَا وَأَعْمَالَنَا وَخَلَّانَا، ثُمَّ دَخَلَ إِلَىٰ السِّنْدِيِّ، قَالَ: فَخَرَجَ السِّنْدِيُّ، فَضَرَبَ يَدَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: قُمْ يَا أَبَا حَفْصٍ، فَنَهَضْتُ وَنَهَضَ أَصْحَابُنَا وَدَخَلْنَا، وَقَالَ لِي: يَا أَبَا حَفْصٍ، اكْشِفِ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِ مُوسَىٰ بْنِ

ص: 57


1- العنوان من المصنِّف (رحمة الله).

جَعْفَرٍ، فَكَشَفْتُهُ، فَرَأَيْتُهُ مَيِّتاً، فَبَكَيْتُ وَاسْتَرْجَعْتُ، ثُمَّ قَالَ لِلْقَوْمِ: انْظُرُوا إِلَيْهِ، فَدَنَا وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: تَشْهَدُونَ كُلُّكُمْ أَنَّ هَذَا مُوسَىٰ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ نَشْهَدُ أَنَّهُ مُوسَىٰ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، اطْرَحْ عَلَىٰ عَوْرَتِهِ مِنْدِيلاً وَاكْشِفْهُ، قَالَ: فَفَعَلَ، فَقَالَ: أَتَرَوْنَ بِهِ أَثَراً تُنْكِرُونَهُ؟ فَقُلْنَا: لَا مَا نَرَىٰ بِهِ شَيْئاً، وَلَا نَرَاهُ إِلَّا مَيِّتاً، قَالَ: لَا تَبْرَحُوا حَتَّىٰ تُغَسِّلُوهُ وَأُكَفِّنَهُ وَأَدْفِنَهُ، قَالَ: فَلَمْ نَبْرَحْ حَتَّىٰ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَحُمِلَ، فَصَلَّىٰ عَلَيْهِ السِّنْدِيُّ بْنُ شَاهَكَ، وَدَفَنَّاهُ وَرَجَعْنَا، فَكَانَ عُمَرُ بْنُ وَاقِدٍ يَقُولُ: مَا أَحَدٌ هُوَ أَعْلَمُبِمُوسَىٰ بْنِ جَعْفَرٍ (علیهما السلام) مِنِّي، كَيْفَ تَقُولُونَ: إِنَّهُ حَيٌّ وَأَنَا دَفَنْتُهُ (1)؟

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ، عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّيْسَابُورِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الصَّيْرَفِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: تُوُفِّيَ مُوسَىٰ بْنُ جَعْفَرٍ (علیهما السلام) فِي يَدِ السِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ، فَحُمِلَ عَلَىٰ نَعْشٍ، وَنُودِيَ عَلَيْهِ: هَذَا إِمَامُ الرَّافِضَةِ فَاعْرِفُوهُ، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ مَجْلِسَ الشُّرْطَةِ أَقَامَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، فَنَادَوْا: أَلَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَىٰ الْخَبِيثِ بْنِ الْخَبِيثِ مُوسَىٰ بْنِ جَعْفَرٍ فَلْيَخْرُجْ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ(2) مِنْ قَصْرِهِ إِلَىٰ الشَّطِّ، فَسَمِعَ الصِّيَاحَ وَالضَّوْضَاءَ(3)، فَقَالَ لِوُلْدِهِ وَغِلْمَانِهِ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: السِّنْدِيُّ بْنُ شَاهَكَ يُنَادِي عَلَىٰ مُوسَىٰ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَىٰ نَعْشٍ، فَقَالَ لِوُلْدِهِ وَغِلْمَانِهِ: يُوشِكُ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ هَذَا فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَإِذَا عُبِرَ بِهِ فَانْزِلُوا مَعَ غِلْمَانِكُمْ ، فَخُذُوهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ مَانَعُوكُمْ فَاضْرِبُوهُمْ وَاخْرِقُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّوَادِ، قَالَ: فَلَمَّا عَبَرُوا بِهِ نَزَلُوا إِلَيْهِمْ

ص: 58


1- رواه المصنِّف (رحمة الله) في عيون أخبار الرضا (علیه السلام) (ج 1/ ص 91 و92 / ح 3).
2- هم عمُّ الرشيد أحد أركان الدولة العبَّاسيَّة.
3- الضوضاء: الغوغاء - وزناً ومعنًى -، وأصوات الناس في الحرب.

فَأَخَذُوهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَضَرَبُوهُمْ وَخَرَقُوا عَلَيْهِمْ سَوَادَهُمْ وَوَضَعُوهُ فِي مَفْرَقِ أَرْبَعِ طُرُقٍ(1) وَأَقَامَ المُنَادِينَ يُنَادُونَ: أَلَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَىٰ الطَّيِّبِ بْنِ الطَّيِّبِ مُوسَىٰ بْنِ جَعْفَرٍ فَلْيَخْرُجْ، وَحَضَرَ الْخَلْقُ وَغَسَّلَهُ وَحَنَّطَهُ بِحَنُوطٍ وَكَفَّنَهُ بِكَفَنٍ فِيهِ حِبَرَةٌ اسْتُعْمِلَتْ لَهُ بِأَلْفَيْ وَخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍمَكْتُوباً عَلَيْهَا الْقُرْآنُ كُلُّهُ، وَاحْتَفَىٰ(2) وَمَشَىٰ فِي جَنَازَتِهِ، مُتَسَلِّباً مَشْقُوقَ الْجَيْبِ إِلَىٰ مَقَابِرِ قُرَيْشٍ، فَدَفَنَهُ (علیه السلام) هُنَاكَ، وَكَتَبَ بِخَبَرِهِ إِلَىٰ الرَّشِيدِ، فَكَتَبَ إِلَىٰ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: وَصَلْتَ رَحِمَكَ يَا عَمِّ وَأَحْسَنَ اللهُ جَزَاكَ، وَاللهِ مَا فَعَلَ السِّنْدِيُّ بْنُ شَاهَكَ (لَعَنَهُ اللهُ) مَا فَعَلَهُ عَنْ أَمْرِنَا(3)(4).

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ الْهَمَدَانِيُّ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ الْعَنْبَرِيِّ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ مُوسَىٰ بْنُ جَعْفَرٍ (علیهما السلام) جَمَعَ هَارُونُ الرَّشِيدُ شُيُوخَ الطَّالِبِيَّةِ وَبَنِي الْعَبَّاسِ وَسَائِرَ أَهْلِ المَمْلَكَةِ وَالْحُكَّامَ، وَأَحْضَرَ أَبَا إِبْرَاهِيمَ مُوسَىٰ بْنَ جَعْفَرٍ (علیهما السلام)، فَقَالَ: هَذَا مُوسَىٰ بْنُ جَعْفَرٍ قَدْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ(5) وَمَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا أَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْهُ فِي أَمْرِهِ - يَعْنِي فِي قَتْلِهِ -، فَانْظُرُوا إِلَيْهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَبْعُونَ رَجُلاً مِنْ شِيعَتِهِ، فَنَظَرُوا إِلَىٰ مُوسَىٰ بْنِ جَعْفَرٍ (علیهما السلام) وَلَيْسَ بِهِ أَثَرُ جِرَاحَةٍ وَلَا سَمٍّ وَلَا خَنْقٍ، وَكَانَ

ص: 59


1- يعني الموضع الذي يتشعَّب منه الطُّرُق، ويقال له بالفارسيَّة: (چهار راه).
2- أي مشىٰ حافياً بلا نعل. وقوله: (متسلِّباً) أي بلا رداء ولا زينة.
3- رواه المصنِّف (رحمة الله) في عيون أخبار الرضا (علیه السلام) (ج 1/ ص 93/ ح 5).
4- قال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 48/ ص 228): (بيان: شُرَط السلطان نخبة أصحابه الذين يُقدِّمهم علىٰ غيرهم من جنده. والضوضاء أصوات الناس وغلبتهم. والسلب خلع لباس الزينة ولبس أثواب المصيبة).
5- أي مات من غير قتل ولا ضرب، بل مات بأجله.

فِي رِجْلِهِ أَثَرُ الْحِنَّاءِ، فَأَخَذَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ وَتَوَلَّىٰ غُسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ وَاحْتَفَىٰ وَتَحَسَّرَ فِي جَنَازَتِهِ (1)(2)(3).حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْرُورٍ (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ المُعَلَّىٰ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ رِبَاطٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ ابْنِ مُوسَىٰ الرِّضَا (علیهما السلام): إِنَّ عِنْدَنَا رَجُلاً يَذْكُرُ أَنَّ أَبَاكَ (علیه السلام) حَيٌّ، وَأَنَّكَ تَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَعْلَمُ، فَقَالَ (علیه السلام): «سُبْحَانَ اللهِ مَاتَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) وَلَمْ يَمُتْ مُوسَىٰ ابْنُ جَعْفَرٍ؟! بَلَىٰ وَاللهِ لَقَدْ مَاتَ وَقُسِمَتْ أَمْوَالُهُ وَنُكِحَتْ جَوَارِيهِ »(4).

[ادِّعاء الواقفة الغيبة على العسكري (علیه السلام)]:

ثمّ ادَّعت الواقفة علىٰ الحسن بن عليِّ بن محمّد (علیهم السلام) أنَّ الغيبة وقعت به، لصحَّة أمر الغيبة عندهم وجهلهم بموضعها وأنَّه القائم المهديُّ، فلمَّا صحَّت

ص: 60


1- تحسَّر، أي تلهَّف أو مشىٰ بلا رداء وعمامة.
2- رواه المصنِّف (رحمة الله) في عيون أخبار الرضا (علیه السلام) (ج 1/ ص 97/ ح 8).
3- قال المصنِّف (رحمة الله) في عيون أخبار الرضا (علیه السلام) (ج 1/ ص 97 و98): (إنَّما أوردت هذه الأخبار في هذا الكتاب ردًّا علىٰ الواقفيَّة علىٰ موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) فإنَّهم يزعمون أنَّه حيٌّ ويُنكِرون إمامة الرضا (علیه السلام) وإمامة من بعده من الأئمَّة (علیهم السلام)، وفي صحَّة وفاة موسىٰ بن جعفر إبطال مذهبهم. ولهم [في] هذه الأخبار كلام يقولون: إنَّ الصادق (علیه السلام) قال: الإمام لا يُغسِّله إلَّا الإمام، ولو كان الرضا (علیه السلام) إماماً كما ذكرتم لغسَّله، وفي هذه الأخبار أنَّ موسىٰ (علیه السلام) غسَّله غيره. ولا حجَّة لهم علينا في ذلك، لأنَّ الصادق (علیه السلام) إنَّما نهىٰ أنْ يُغسِّل الإمام إلَّا من يكون إماماً، فإنْ دخل من يُغسِّل الإمام في نهيه فغسَّله لم يبطل بذلك إمامة الإمام بعده، ولم يقل (علیه السلام): إنَّ الإمام لا يكون إلَّا الذي يُغسِّل من قبله من الأئمَّة (علیهم السلام)، فبطل تعلُّقهم علينا بذلك. علىٰ أنَّا قد روينا في بعض هذه الأخبار أنَّ الرضا (علیه السلام) قد غسَّل أباه موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) من حيث خفى علىٰ الحاضرين لغسله غير من اطَّلع عليه، ولا تُنكِر الواقفيَّة أنَّ الإمام يجوز أنْ يطوي الله تعالىٰ له البعد حتَّىٰ يقطع المسافة البعيدة في المدَّة اليسيرة).
4- رواه المصنِّف (رحمة الله) في عيون أخبار الرضا (علیه السلام) (ج 1/ ص 98/ ح 9).

وفاته (علیه السلام) بطل قولهم فيه، وثبت بالأخبار الصحيحة التي قد ذكرناها في هذا الكتاب أنَّ الغيبة واقعة بابنه (علیه السلام) دونه.

فممَّا روي في صحَّة وفاة الحسن بن عليِّ بن محمّد العسكري (علیه السلام)(1):

مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ (علیهما السلام)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ حَضَرَ مَوْتَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ (علیهم السلام) وَدَفْنَهُ مِمَّنْ لَا يُوقَفُ عَلَىٰ إِحْصَاءِ عَدَدِهِمْ وَلَا يَجُوزُ عَلَىٰ مِثْلِهِمُ التَّوَاطُؤُ بِالْكَذِبِ. وَبَعْدُ فَقَدْ حَضَرْنَا فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِّ (علیهما السلام) بِثَمَانَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ مَجْلِسَ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ يَحْيَىٰ بْنِ خَاقَانَ(2) وَهُوَ عَامِلُ السُّلْطَانِ يَوْمَئِذٍ عَلَىٰ الْخَرَاجِ وَالضِّيَاعِ بِكُورَةِ قُمَّ، وَكَانَ مِنْ أَنْصَبِ خَلْقِ اللهِ وَأَشَدِّهِمْ عَدَاوَةً لَهُمْ، فَجَرَىٰ ذِكْرُ المُقِيمِينَ مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ بِسُرَّ مَنْ رَأَىٰ وَمَذَاهِبِهِمْ وَصَلَاحِهِمْ وَأَقْدَارِهِمْ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: مَا رَأَيْتُ وَلَا عَرَفْتُ بِسُرَّ مَنْ رَأَىٰ رَجُلاً مِنَ الْعَلَوِيَّةِ مِثْلَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَا (علیهم السلام)، وَلَا سَمِعْتُ بِهِ فِي هَدْيِهِ وَسُكُونِهِ وَعَفَافِهِ وَنُبْلِهِ وَكَرَمِهِ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَالسُّلْطَانِ وَجَمِيعِ بَنِي هَاشِمٍ، وَتَقْدِيمِهِمْ إِيَّاهُ عَلَىٰ ذَوِي السِّنِّ مِنْهُمْ وَالْخَطَرِ، وَكَذَلِكَ الْقُوَّادُ وَالْوُزَرَاءُ وَالْكُتَّابُ وَعَوَامُّ النَّاسِ، فَإِنِّي كُنْتُ قَائِماً ذَاتَ يَوْمٍ عَلَىٰ رَأْسِ أَبِي وَهُوَ يَوْمُ مَجْلِسِهِ لِلنَّاسِ، إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ حُجَّابُهُ،فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ ابْنَ الرِّضَا عَلَىٰ الْبَابِ، فَقَالَ بِصَوْتٍ عَالٍ: ائْذَنُوا لَهُ(3)، فَدَخَلَ رَجُلٌ أَسْمَرُ أَعْيَنُ حَسَنُ الْقَامَةِ، جَمِيلُ الْوَجْهِ، جَيِّدُ الْبَدَنِ ، حَدَثُ السِّنِّ، لَهُ جَلَالَةٌ وَهَيْبَةٌ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ أَبِي قَامَ، فَمَشَىٰ

ص: 61


1- العنوان من المصنِّف (رحمة الله).
2- في إعلام الورىٰ: (أحمد بن عبد الله بن يحيىٰ بن خاقان).
3- زاد في الكافي (ج 1/ ص 503): (فتعجَّبت ممَّا سمعت منهم أنَّهم جسروا يُكَنُّون رجلاً علىٰ أبي بحضرته، ولم يُكَنَّ عنده إلَّا خليفة أو وليَّ عهد أو من أمر السلطان أنْ يُكَنَّىٰ).

إِلَيْهِ خُطًى، وَلَا أَعْلَمُهُ فَعَلَ هَذَا بِأَحَدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَلَا بِالْقُوَّادِ وَلَا بِأَوْلِيَاءِ الْعَهْدِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ عَانَقَهُ وَقَبَّلَ وَجْهَهُ وَمَنْكِبَيْهِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ عَلَىٰ مُصَلَّاهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَجَلَسَ إِلَىٰ جَنْبِهِ مُقْبِلاً عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ وَيُكَنِّيهِ، وَيَفْدِيهِ بِنَفْسِهِ وَبِأَبَوَيْهِ، وَأَنَا مُتَعَجِّبٌ مِمَّا أَرَىٰ مِنْهُ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحُجَّابُ، فَقَالُوا: المُوَفَّقُ قَدْ جَاءَ(1)، وَكَانَ المُوَفَّقُ إِذَا جَاءَ وَدَخَلَ عَلَىٰ أَبِي تَقَدَّمَ حُجَّابُهُ وَخَاصَّةُ قُوَّادِهِ، فَقَامُوا بَيْنَ مَجْلِسِ أَبِي وَبَيْنَ بَابِ الدَّارِ سِمَاطَيْنِ(2) إِلَىٰ أَنْ يَدْخُلَ وَيَخْرُجَ، فَلَمْ يَزَلْ أَبِي مُقْبِلاً عَلَيْهِ(3) يُحَدِّثُهُ حَتَّىٰ نَظَرَ إِلَىٰ غِلْمَانِ الْخَاصَّةِ، فَقَالَ حِينَئِذٍ: إِذَا شِئْتَ فَقُمْ جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَالَ لِغِلْمَانِهِ: خُذُوا بِهِ خَلْفَ السِّمَاطَيْنِ كَيْلَا يَرَاهُ الْأَمِيرُ - يَعْنِي المُوَفَّقَ -، فَقَامَ وَقَامَ أَبِي فَعَانَقَهُ وَقَبَّلَ وَجْهَهُ وَمَضَىٰ، فَقُلْتُ لِحُجَّابِ أَبِي وَغِلْمَانِهِ: وَيْلَكُمْ مَنْ هَذَا الَّذِي فَعَلَ بِهِ أَبِي هَذَا الَّذِي فَعَلَ؟ فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْعَلَوِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُعْرَفُ بِابْنِ الرِّضَا، فَازْدَدْتُ تَعَجُّباً، فَلَمْ أَزَلْ يَوْمِي ذَلِكَ قَلِقاً مُتَفَكِّراً فِي أَمْرِهِ وَأَمْرِ أَبِي وَمَا رَأَيْتُ مِنْهُ حَتَّىٰ كَانَ اللَّيْلُ، وَكَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَتَمَةَ، ثُمَّ يَجْلِسَ فَيَنْظُرَ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ المُؤَامَرَاتِ وَمَا يَرْفَعُهُإِلَىٰ السُّلْطَانِ، فَلَمَّا صَلَّىٰ وَجَلَسَ(4) جِئْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ، أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا أَبَةِ إِنْ أَذِنْتَ سَأَلْتُكَ عَنْهَا، فَقَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ يَا بُنَيَّ فَقُلْ مَا أَحْبَبْتَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَةِ، مَنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي أَتَاكَ بِالْغَدَاةِ وَفَعَلْتَ بِهِ مَا فَعَلْتَ مِنَ الْإِجْلَالِ وَالْإِكْرَامِ وَالتَّبْجِيلِ وَفَدَيْتَهُ بِنَفْسِكَ وَبَأَبَوَيْكَ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، ذَاكَ إِمَامُ الرَّافِضَةِ، ذَاكَ ابْنُ الرِّضَا، فَسَكَتَ سَاعَةً

ص: 62


1- الموفَّق هو أخو الخليفة المعتمد علىٰ الله أحمد بن المتوكِّل، وكان صاحب جيشه.
2- السماط: الصفُّ من الناس، يعني رديفين منظَّمين. وفي الكافي: (فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلىٰ أنْ).
3- أي مقبلاً علىٰ أبي محمّد (علیه السلام).
4- في بعض النُّسَخ: (فلمَّا نظر وجلس).

، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، لَوْ زَالَتِ الْخِلَافَةُ عَنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ مَا اسْتَحَقَّهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ غَيْرُ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا يَسْتَحِقُّهَا فِي فَضْلِهِ وَعَفَافِهِ وَهَدْيِهِ وَصِيَانَةِ نَفْسِهِ وَزُهْدِهِ وَعِبَادَتِهِ وَجَمِيلِ أَخْلَاقِهِ وَصَلَاحِهِ، وَلَوْ رَأَيْتَ أَبَاهُ لَرَأَيْتَ رَجُلاً جَلِيلاً نَبِيلاً خَيِّراً فَاضِلاً، فَازْدَدْتُ قَلَقاً وَتَفَكُّراً وَغَيْظاً عَلَىٰ أَبِي مِمَّا سَمِعْتُ مِنْهُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي هِمَّةٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا السُّؤَالَ عَنْ خَبَرِهِ، وَالْبَحْثَ عَنْ أَمْرِهِ، فَمَا سَأَلْتُ عَنْهُ أَحَداً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَمِنَ الْقُوَّادِ وَالْكُتَّابِ وَالْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ وَسَائِرِ النَّاسِ إِلَّا وَجَدْتُهُ عِنْدَهُمْ فِي غَايَةِ الْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ وَالمَحَلِّ الرَّفِيعِ وَالْقَوْلِ الْجَمِيلِ وَالتَّقْدِيمِ لَهُ عَلَىٰ جَمِيعِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَشَايِخِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَكُلٌّ يَقُولُ: هُوَ إِمَامُ الرَّافِضَةِ، فَعَظُمَ قَدْرُهُ عِنْدِي، إِذْ لَمْ أَرَ لَهُ وَلِيًّا وَلَا عَدُوّاً إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الْقَوْلَ فِيهِ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ.

فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ المَجْلِسِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، فَمَا خَبَرُ أَخِيهِ جَعْفَرٍ؟ فَقَالَ: وَمَنْ جَعْفَرٌ فَيُسْئَلَ عَنْ خَبَرِهِ(1) أَوْ يُقْرَنَ بِهِ؟ إِنَّ جَعْفَراً مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ، مَاجِنٌ(2)، شِرِّيبٌ لِلْخُمُورِ، وَأَقَلُّ مَنْ رَأَيْتُهُ مِنَ الرِّجَالِ، وَأَهْتَكُهُمْ لِسَتْرِهِ، فَدْمٌ خَمَّارٌ(3)، قَلِيلٌ فِي نَفْسِهِ، خَفِيفٌ، وَاللهِ لَقَدْ وَرَدَ عَلَىٰ السُّلْطَانِوَأَصْحَابِهِ فِي وَقْتِ وَفَاةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (علیهما السلام) مَا تَعَجَّبْتُ مِنْهُ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكُونُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اعْتَلَّ بَعَثَ إِلَىٰ أَبِي أَنَّ ابْنَ الرِّضَا قَدِ اعْتَلَّ، فَرَكِبَ مِنْ سَاعَتِهِ مُبَادِراً إِلَىٰ دَارِ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ رَجَعَ مُسْتَعْجِلاً وَمَعَهُ خَمْسَةُ نَفَرٍ مِنْ خُدَّامِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، كُلُّهُمْ مِنْ ثِقَاتِهِ وَخَاصَّتِهِ، فَمِنْهُمْ نِحْرِيرٌ(4)، وَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِ دَارِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (علیهما السلام) وَتَعَرُّفِ خَبَرِهِ وَحَالِهِ، وَبَعَثَ إِلَىٰ نَفَرٍ مِنَ المُتَطَبِّبِينَ، فَأَمَرَهُمْ بِالاخْتِلَافِ إِلَيْهِ(5)، وَتَعَاهُدِهِ صَبَاحاً

ص: 63


1- المراد به جعفر الكذَّاب.
2- الماجن: من لم يبالِ بما قال وما صنع. والشرِّيب - كسكِّين -: المولع بالشراب.
3- الفدم: العيى عن الكلام في رخاوة وقلَّة فهم، والأحمق، والمراد الثاني.
4- كان من خواصِّ خدم الخليفة، وكان شقيًّا من الأشقياء. والنحرير: الحاذق الفطن.
5- يعنى بالاختلاف: التردُّد للاطِّلاع علىٰ أحواله (علیه السلام).

وَمَسَاءً، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمَيْنِ جَاءَهُ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ، فَرَكِبَ حَتَّىٰ بَكَّرَ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ المُتَطَبِّبِينَ بِلُزُومِهِ، وَبَعَثَ إِلَىٰ قَاضِي الْقُضَاةِ فَأَحْضَرَهُ مَجْلِسَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَشَرَةً مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ وَوَرَعِهِ، فَأَحْضَرَهُمْ، فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَىٰ دَارِ الْحَسَنِ (علیه السلام)، وَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِ دَارِهِ لَيْلاً وَنَهَاراً، فَلَمْ يَزَالُوا هُنَاكَ حَتَّىٰ تُوُفِّيَ (علیه السلام) لِأَيَّامٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، فَصَارَتْ سُرَّ مَنْ رَأَىٰ ضَجَّةً وَاحِدَةً: مَاتَ ابْنُ الرِّضَا.

وَبَعَثَ السُّلْطَانُ إِلَىٰ دَارِهِ مَنْ يُفَتِّشُهَا وَيُفَتِّشُ حُجَرَهَا، وَخَتَمَ عَلَىٰ جَمِيعِ مَا فِيهَا، وَطَلَبُوا أَثَرَ وَلَدِهِ، وَجَاءُوا بِنِسَاءٍ يَعْرِفْنَ بِالْحَبْلِ، فَدَخَلْنَ عَلَىٰ جَوَارِيهِ، فَنَظَرْنَ إِلَيْهِنَّ، فَذَكَرَ بَعْضُهُنَّ أَنَّ هُنَاكَ جَارِيَةً بِهَا حَمْلٌ(1)، فَأَمَرَ بِهَا، فَجُعِلَتْ فِي حُجْرَةٍ، وَوُكِّلَ بِهَا نِحْرِيرٌ الْخَادِمُ وَأَصْحَابُهُ وَنِسْوَةٌ مَعَهُمْ، ثُمَّ أَخَذُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَهْيِئَتِهِ، وَعُطِّلَتِ الْأَسْوَاقُ، وَرَكِبَ أَبِي وَبَنُو هَاشِمٍ وَالْقُوَّادُ وَالْكُتَّابُ وَسَائِرُ النَّاسِ إِلَىٰ جَنَازَتِهِ (علیه السلام)، فَكَانَتْ سُرَّ مَنْرَأَىٰ يَوْمَئِذٍ شَبِيهاً بِالْقِيَامَةِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ تَهْيِئَتِهِ بَعَثَ السُّلْطَانُ إِلَىٰ أَبِي عِيسَىٰ بْنِ المُتَوَكِّلِ، فَأَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ لِلصَّلَاةِ دَنَا أَبُو عِيسَىٰ مِنْهَا، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، فَعَرَضَهُ عَلَىٰ بَنِي هَاشِمٍ مِنَ الْعَلَوِيَّةِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ وَالْقُوَّادِ وَالْكُتَّابِ وَالْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ وَالمُعَدَّلِينَ، وَقَالَ: هَذَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، ابْنُ الرِّضَا، مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ(2) عَلَىٰ فِرَاشِهِ، حَضَرَهُ مِنْ خَدَمِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَثِقَاتِهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَمِنَ المُتَطَبِّبِينَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَمِنَ الْقُضَاةِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، ثُمَّ غَطَّىٰ وَجْهَهُ وَقَامَ فَصَلَّىٰ عَلَيْهِ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْساً وَأَمَرَ بِحَمْلِهِ، فَحُمِلَ مِنْ وَسَطِ دَارِهِ، وَدُفِنَ فِي الْبَيْتِ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ أَبُوهُ (علیه السلام).

فَلَمَّا دُفِنَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ اضْطَرَبَ السُّلْطَانُ وَأَصْحَابُهُ فِي طَلَبِ وَلَدِهِ، وَكَثُرَ

ص: 64


1- في بعض النُّسَخ: (لها حبل)، وفي بعضها: (بها حبل).
2- يعني مات من غير قتل ولا ضرب ولا خنق.

التَّفْتِيشُ فِي المَنَازِلِ وَالدُّورِ، وَتَوَقَّفُوا عَلَىٰ قِسْمَةِ مِيرَاثِهِ، وَلَمْ يَزَلِ الَّذِينَ وُكِّلُوا بِحِفْظِ الْجَارِيَةِ الَّتِي تَوَهَّمُوا عَلَيْهَا الْحَبَلَ مُلَازِمِينَ لَهَا سَنَتَيْنِ وَأَكْثَرَ حَتَّىٰ تَبَيَّنَ لَهُمْ بُطْلَانُ الْحَبَلِ، فَقَسَّمَ مِيرَاثَهُ بَيْنَ أُمِّهِ وأَخِيهِ جَعْفَرٍ، وَادَّعَتْ أُمُّهُ وَصِيَّتَهُ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي. وَالسُّلْطَانُ عَلَىٰ ذَلِكَ يَطْلُبُ أَثَرَ وَلَدِهِ، فَجَاءَ جَعْفَرٌ بَعْدَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ إِلَىٰ أَبِي، وَقَالَ لَهُ: اجْعَلْ لِي مَرْتَبَةَ أَبِي وَأَخِي وَأُوصِلَ إِلَيْكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مُسَلَّمَةً، فَزَبَرَهُ(1) أَبِي وَأَسْمَعَهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا أَحْمَقُ، إِنَّ السُّلْطَانَ (أَعَزَّهُ اللهُ) جَرَّدَ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ فِي الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ أَبَاكَ وَأَخَاكَ أَئِمَّةٌ لِيَرُدَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ صَرْفُهُمْ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ فِيهِمَا، وَجَهَدَ أَنْ يُزِيلَ أَبَاكَ وَأَخَاكَ عَنْ تِلْكَ المَرْتَبَةِ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كُنْتَ عِنْدَشِيعَةِ أَبِيكَ وَأَخِيكَ إِمَاماً فَلَا حَاجَةَ بِكَ إِلَىٰ السُّلْطَانِ يُرَتِّبُكَ مَرَاتِبَهُمْ وَلَا غَيْرِ السُّلْطَانِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ لَمْ تَنَلْهَا بِنَا، وَاسْتَقَلَّهُ [أَبِي] عِنْدَ ذَلِكَ وَاسْتَضْعَفَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُحْجَبَ عَنْهُ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ حَتَّىٰ مَاتَ أَبِي، وَخَرَجْنَا وَالْأَمْرُ عَلَىٰ تِلْكَ الْحَالِ، وَالسُّلْطَانُ يَطْلُبُ أَثَرَ وَلَدِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (علیهما السلام) حَتَّىٰ الْيَوْمَ (2).

وكيف يصحُّ الموت إلَّا هكذا؟ وكيف يجوز ردُّ العيان وتكذيبه؟ وإنَّما كان السلطان لا يفتر عن طلب الولد لأنَّه قد كان وقع في مسامعه خبره، وَقَدْ كَانَ وُلِدَ (علیه السلام) قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ بِسِنِينَ، وَعَرَضَهُ عَلَىٰ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: «هَذَا إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي، وَخَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ، أَطِيعُوهُ فَلَا تَتَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِي فَتَهْلِكُوا فِي أَدْيَانِكُمْ،

ص: 65


1- أي زجره.
2- راجع: الكافي (ج 1/ ص 503 - 506/ باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام)/ ح 1)، والإرشاد (ج 2/ ص 321 - 325)، وروضة الواعظين (ص 249 - 251)، وإعلام الورىٰ (ج 2/ ص 147 - 150).

أَمَا إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْهُ بَعْدَ يَوْمِكُمْ هَذَا»(1)(2)، فغيَّبه ولم يُظهِره، فلذلك لم يفتر السلطان عن طلبه.

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ هُوَ الَّذِي تُخْفَىٰ وِلَادَتُهُ عَلَىٰ النَّاسِ،وَيَغِيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ، لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا خَرَجَ(3)، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُقْسَمُ مِيرَاثُهُ وَهُوَ حَيٌّ(4)، وقد أخرجت ذلك مسنداً في هذا الكتاب في موضعه.

وقد كان مرادنا بإيراد هذا الخبر تصحيحاً لموت الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام)، فلمَّا بطل وقوع الغيبة لمن ادُّعيت له من محمّد بن عليٍّ [ابن] الحنفيَّة، والصادق جعفر ابن محمّد، وموسىٰ بن جعفر، والحسن بن عليٍّ العسكري (علیهم السلام)، بما صحَّ من وفاتهم، فصحَّ وقوعها بمن نصَّ عليه النبيُّ والأئمَّة الأحد عشر (صلوات الله عليهم)، وهو الحجَّة بن الحسن بن عليِّ بن محمّد العسكري (علیهم السلام)، وقد أخرجت الأخبار المسندة في ذلك الكتاب في أبواب النصوص عليه (صلوات الله عليه).

وكلُّ من سألنا من المخالفين عن القائم (علیه السلام) لم يخل من أنْ يكون قائلاً بإمامة الأئمَّة الأحد عشر من آبائه (علیهم السلام) أو غير قائل بإمامتهم، فإنْ كان قائلاً بإمامتهم لزمه القول بإمامة الإمام الثاني عشر، لنصوص آبائه الأئمَّة (علیهم السلام) عليه باسمه ونسبه، وإجماع شيعتهم علىٰ القول بإمامته، وأنَّه القائم الذي يظهر بعد

ص: 66


1- رواه الطوسي (رحمة الله) في الغيبة (ص 357/ ح 319).
2- قال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 52/ ص 26): (بيان: قوله (علیه السلام): «أمَا إنَّكم لا ترونه» أي أكثركم أو عن قريب، فإنَّ الظاهر أنَّ محمّد بن عثمان كان يراه في أيَّام سفارته، وهو الظاهر من الخبر الآتي. مع أنَّه يحتمل أنْ يكون في أيَّام سفارته تصل إليه الكُتُب من وراء حجاب أو بوسائط، وما أخبر به في الخبر الآتي يكون إخباراً عن هذه المرَّة لكنَّهما بعيدان). ومراده (رحمة الله) من الخبر الآتي ما سيأتي تحت الرقم (389/3).
3- سيأتي مسنداً تحت الرقم (210/2)، فانتظر.
4- سيأتي مسنداً تحت الرقم (212/2)، فانتظر.

غيبة طويلة فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً. وإنْ لم يكن السائل من القائلين بالأئمَّة الأحد عشر (علیهم السلام) لم يكن له علينا جواب في القائم الثاني عشر من الأئمَّة (علیهم السلام)، وكان الكلام بيننا وبينه في إثبات إمامة آبائه الأئمَّة الأحد عشر (علیهم السلام).

وهكذا لو سألنا يهودي فقال لنا: لِمَ صارت الظهر أربعاً والعصرأربعاً والعتمة أربعاً والغداة ركعتين والمغرب ثلاثاً؟ لم يكن له علينا في ذلك جواب، بل لنا أنْ نقول له: إنَّك منكر لنبوَّة النبيِّ الذي أتىٰ بهذه الصلوات وعدد ركعاتها، فكلِّمنا في نبوَّته وإثباتها، فإنْ بطلت بطلت هذه الصلوات وسقط السؤال عنها، وإنْ ثبتت نبوَّته (صلی الله علیه و آله) لزمك الإقرار بفرض هذه الصلوات علىٰ عدد ركعاتها، لصحَّة مجيئها عنه، واجتماع أُمَّته عليها، عرفت علَّتها أم لم تعرفها، وهكذا الجواب لمن سأل عن القائم (علیه السلام) حذو النعل بالنعل.

[جواب عن اعتراض]:

وقد يعترض معترض جاهل بآثار الحكمة، غافل عن مستقيم التدبير لأهل الملَّة، بأنْ يقول: ما بال الغيبة وقعت بصاحب زمانكم هذا دون من تقدَّم من آبائه الأئمَّة بزعمكم، وقد نجد شيعة آل محمّد (علیهم السلام) في زماننا هذا أحسن حالاً وأرغد عيشاً منهم في زمن بني أُميَّة، إذ كانوا في ذلك الزمان مطالبين بالبراءة من أمير المؤمنين (علیه السلام)، إلىٰ غير ذلك من أحوال القتل والتشريد. وهم في هذا الحال وادعون سالمون، قد كثرت شيعتهم وتوافرت أنصارهم وظهرت كلمتهم بموالاة كبراء أهل الدولة لهم وذوي السلطان والنجدة منهم.

فأقول - وبالله التوفيق -: إنَّ الجهل غير معدوم من ذوي الغفلة وأهل التكذيب والحيرة، وقد تقدَّم من قولنا: إنَّ ظهور حُجَج الله (علیهم السلام) واستتارهم

ص: 67

جرىٰ في وزن الحكمة(1) حسب الإمكان والتدبير لأهلالإيمان، وإذا كان ذلك كذلك فليقل ذوو النظر والتمييز: إنَّ الأمر الآن - وإنْ كان الحال كما وصفت - أصعب والمحنة أشدُّ ممَّا تقدَّم من أزمنة الأئمَّة السالفة (علیهم السلام)، وذلك أنَّ الأئمَّة الماضية أسرُّوا في جميع مقاماتهم إلىٰ شيعتهم والقائلين بولايتهم والمائلين من الناس إليهم حتَّىٰ تظاهر ذلك بين أعدائهم أنَّ صاحب السيف هو الثاني عشر من الأئمَّة (علیهم السلام)، وأنَّه (علیه السلام) لا يقوم حتَّىٰ تجي ء صيحة من السماء باسمه واسم أبيه، والأنفس منيتة(2) علىٰ نشر ما سمعت وإذاعة ما أحسَّت، فكان ذلك منتشراً بين شيعة آل محمّد (صلی الله علیه و آله) وعند مخالفيهم من الطواغيت وغيرهم، وعرفوا منزلة أئمَّتهم من الصدق ومحلَّهم من العلم والفضل، وكانوا يتوقَّفون عن التسرُّع إلىٰ إتلافهم، ويتحامون القصد لإنزال المكروه بهم مع ما يلزم من حال التدبير في إيجاب ظهورهم كذلك، ليصل كلُّ امرئ منهم إلىٰ ما يستحقُّه من هداية أو ضلالة، كما قال الله تعالىٰ: «مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً 17» [الكهف: 17]، وقال الله (تبارک و تعالی): «وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلَا تَأْسَ عَلَىٰ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ 68» [المائدة: 68]، وهذا الزمان قد استوفىٰ أهله كلَّ إشارة من نصٍّ وآثار، فتناهت بهم الأخبار واتَّصلت بهم الآثار إلىٰ أنَّ صاحب هذا الزمان (علیه السلام) هو صاحب السيف والأنفس منيتة علىٰ [ما وصفنا من] نشر ما سمعت وذكر ما رأت وشاهدت، فلو كان صاحب هذا الزمان (علیه السلام) ظاهراً موجوداً لنشر شيعته ذلك، ولتعدَّاهم إلىٰ مخالفيهمبحسن ظنِّ بعضهم بمن يدخل فيهم ويُظهِر الميل إليهم، وفي أوقات

ص: 68


1- كذا، يعني في ميزان الحكمة.
2- في بعض النُّسَخ: (مبنيَّة). والمنيتة أي المائلة كما في بعض اللغات. وفي بعض النُّسَخ: (منبعثة). وكذا ما يأتي.

الجدال بالدلالة علىٰ شخصه والإشارة إلىٰ مكانه، كفعل هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ مَعَ الشَّامِيِّ وَقَدْ نَاظَرَهُ بِحَضْرَةِ الصَّادِقِ (علیه السلام) فَقَالَ الشَّامِيُّ لِهِشَامٍ: مَنْ هَذَا الَّذِي تُشِيرُ إِلَيْهِ وتَصِفُهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ؟ قَالَ هِشَامٌ: هُوَ هَذَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَىٰ الصَّادِقِ (علیه السلام).

فكان يكون ذلك منتشراً في مجالسهم كانتشاره بينهم مع إشارتهم إليه بوجود شخصه ونسبه ومكانه، ثمّ لم يكونوا حينئذٍ يُمهَلون ولا يُنظَرون كفعل فرعون في قتل أولاد بني إسرائيل للذي قد كان ذاع منهم وانتشر بينهم من كون موسىٰ (علیه السلام) بينهم وهلاك فرعون ومملكته علىٰ يديه، وكذلك كان فعل نمرود قبله في قتل أولاد رعيَّته وأهل مملكته في طلب إبراهيم (علیه السلام) زمان انتشار الخبر بوقت ولادته وكون هلاك نمرود وأهل مملكته ودينه علىٰ يديه، كذلك طاغية زمان وفاة الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) والد صاحب الزمان (علیه السلام) وطلب ولده والتوكيل بداره وحبس جواريه وانتظاره بهنَّ وضع الحمل الذي كان بهنَّ(1)، فلولا أنَّ إرادتهم كانت ما ذكرنا من حال إبراهيم وموسىٰ (علیهما السلام) لما كان ذلك منهم، وقد خلَّف (علیه السلام) أهله وولده وقد علموا من مذهبه ودينه أنْ لا يرث مع الولد والأبوين أحد إلَّا زوج أو زوجة، كلَّا ما يُتوهَّم غير هذا عاقل، ولا فهم غير هذا مع ما وجب من التدبير والحكمة المستقيمة ببلوغ غاية المدَّة في الظهور والاستتار، فإذا كان ذلك كذلك وقعت الغيبة فاستتر عنهم شخصه وضلُّوا عن معرفة مكانه، ثمّ نشرناشر من شيعته شيئاً من أمره بما وصفناه وصاحبكم في حال الاستتار فوردت عادية من طاغوت الزمان أو صاحب فتنة من العوامِّ تفحَّص عمَّا ورد من الاستتار وذُكِرَ من الأخبار، فلم يجد حقيقة يُشار إليها، ولا

ص: 69


1- في بعض النُّسَخ: (وضع حمل إنْ كان بهنَّ).

شبهة يتعلَّق بها، انكسرت العادية وسكنت الفتنة وتراجعت الحميَّة، فلا يكون حينئذٍ علىٰ شيعته ولا علىٰ شي ء من أشيائهم(1) لمخالفيهم متسلِّق ولا إلىٰ اصطلامهم سبيل متعلِّق(2)، وعند ذلك تخمد النائرة وترتدع العادية، فتظاهر أحوالهم عند الناظر في شأنهم، ويتَّضح للمتأمِّل أمرهم، ويتحقَّق المؤمن المفكِّر في مذهبهم، فيلحق بأولياء الحجَّة من كان في حيرة الجهل وينكشف عنهم ران الظلمة(3) عند مهلة التأمُّل للحقِّ(4) بيِّناته وشواهد علاماته كحال اتِّضاحه وانكشافه عند من يتأمَّل كتابنا هذا مريدا للنجاة، هارباً من سُبُل الضلالة، ملتحقاً بمن سبقت لهم من الله الحسنىٰ، فآثر علىٰ الضلالة الهدىٰ.

[جواب عن اعتراض آخر]:

وممَّا سأل عنه جُهَّال المعاندين للحقِّ أنْ قالوا: أخبرونا عن الإمام في هذا الوقت يدَّعي الإمامة أم لا يدَّعيها، ونحن نصير إليه فنسأله عن معالم الدِّين، فإنْ كان يجيبنا ويدَّعي الإمامة علمنا أنَّه الإمام، وإنْ كان لا يدَّعي الإمامة ولا يجيبنا إذا صرنا إليه، فهو ومن ليس بإمام سواء.فقيل لهم: قد دلَّ علىٰ إمام زماننا الصادق الذي قبله، وليست به حاجة إلىٰ أنْ يدَّعي هو أنَّه إمام إلَّا أنْ يقول ذلك علىٰ سبيل الاذِّكار والتأكيد، فأمَّا علىٰ سبيل الدعوىٰ التي تحتاج إلىٰ برهان فلا، لأنَّ الصادق الذي قبله قد نصَّ عليه وبيَّن أمره وكفاه مؤونة الادِّعاء، والقول في ذلك نظير قولنا في عليِّ بن أبي

ص: 70


1- في بعض النُّسَخ: (من أسبابهم).
2- تسلَّق الجدار: تسوَّره وصعد عليه، والمتسلِّق: آلة التسلُّق. والاصطلام: الاستيصال.
3- أي تغطية الظلمة. وفي بعض النُّسَخ: (درن الظلمة)، والدرن: الوسخ.
4- في بعض النُّسَخ: (المتأمِّل للحقِّ).

طالب (علیه السلام) في نصِّ النبيِّ (صلی الله علیه و آله) واستغنائه عن أنْ يدَّعي هو لنفسه أنَّه إمام. فأمَّا إجابته إيَّاكم عن معالم الدِّين، فإنْ جئتموه مسترشدين متعلِّمين، عارفين بموضعه، مقرِّين بإمامته عرَّفكم وعلَّمكم. وإنْ جئتموه أعداءً له، مرصدين بالسعاية إلىٰ أعدائه، منطوين علىٰ مكروهة عند أعداء الحقِّ، متعرِّفين مستور أُمور الدِّين لتذيعوه لم يجبكم، لأنَّه يخاف علىٰ نفسه منكم.

فمن لم يقنعه هذا الجواب قلبنا عليه السؤال في النبيِّ (صلی الله علیه و آله) وهو في الغار، أنْ لو أراد الناس أنْ يسألوه عن معالم الدِّين هل كانوا يلقونه ويصلون إليه أم لا؟ فإنْ كانوا يصلون إليه فقد بطل أنْ يكون استتاره في الغار، وإنْ كانوا لا يصلون إليه فسواء وجوده في العالم وعدمه علىٰ علَّتكم.

فإنْ قلتم: إنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) كان متوقّياً.

قيل: وكذلك الإمام (علیه السلام) في هذا الوقت متوقٍّ.

فإنْ قلتم: إنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) بعد ذلك قد ظهر ودعا إلىٰ نفسه.

قلنا: وما في ذلك من الفرق، أليس قد كان نبيًّا قبل أنْ يخرج من الغار ويظهر وهو في الغار مستتر ولم ينقض ذلك نبوَّته؟ وكذلك الإماميكون إماماً وإنْ كان يستتر بإمامته ممَّن يخافه علىٰ نفسه.

ويقال لهم: ما تقولون في أفاضل أصحاب محمّد (صلی الله علیه و آله) والمتقدِّم في الصدق منهم، لو لقيتهم كتيبة المشركين يطلبون نفس النبيِّ (صلی الله علیه و آله) فلم يعرفوه فسألوهم عنه: هل هو هذا؟ وهو بين أيديهم أو كيف أخفىٰ(1)؟ وأين هو؟ فقالوا: ليس نعرف موضعه، أو ليس هو هذا، هل كانوا في ذلك كاذبين مذمومين غير صادقين ولا محمودين أم لا؟ فإنْ قلتم: كاذبين، خرجتم من دين الإسلام

ص: 71


1- أي كيف أخفىٰ نفسه. وفي بعض النُّسَخ: (كيف أخذ).

بتكذيبكم أصحاب النبيِّ (صلی الله علیه و آله)، وإنْ قلتم: لا يكون ذلك كذلك، لأنَّهم يكونون قد حرَّفوا كلامهم وأضمروا معنىٰ أخرجهم من الكذب وإنْ كان ظاهره ظاهر كذب، فلا يكونون مذمومين بل محمودين، لأنَّهم دفعوا عن نفس النبيِّ (صلی الله علیه و آله) القتل.

قيل لهم: وكذلك الإمام، إذا قال: لست بإمام، ولم يُجب أعداءه عمَّا يسألونه عنه، لا يزيل ذلك إمامته، لأنَّه خائف علىٰ نفسه، وإنْ أبطل جحده لأعدائه أنَّه إمام في حال الخوف إمامته أبطل علىٰ أصحاب النبيِّ (صلی الله علیه و آله) أنْ يكونوا صادقين في إجابتهم المشركين بخلاف ما علموه عند الخوف، وإنْ لم يزل ذلك صدق الصحابة لم يزل أيضاً ستر الإمام نفسه إمامته، ولا فرق في ذلك، ولو أنَّ رجلاً مسلماً وقع في أيدي الكُفَّار وكانوا يقتلون المسلمين إذا ظفروا بهم فسألوه: هل أنت مسلم؟ فقال: لا، لم يكن ذلك بمخرج له من الإسلام، فكذلك الإمام إذا جحد عند أعدائه ومن يخافه علىٰ نفسه أنَّه إمام لم يُخرجه ذلك من الإمامة.فإنْ قالوا: إنَّ المسلم لم يُجعَل في العالم ليُعلِّم الناس ويقيم الحدود، فلذلك افترق حكماهما ووجب أنْ لا يستر الإمام نفسه.

قيل لهم: لم نقل: إنَّ الإمام يستر نفسه [عن جميع الناس](1)، لأنَّ الله (عزوجل)قد نصبه وعرَّف الخلق مكانه بقول الصادق الذي قبله فيه ونصبه له، وإنَّما قلنا: إنَّ الإمام لا يقرُّ عند أعدائه بذلك خوفاً منهم أنْ يقتلوه، فأمَّا أنْ يكون مستوراً عن جميع الخلق فلا، لأنَّ الناس جميعاً لو سألوا عن إمام الإماميَّة من هو؟ لقالوا: فلان بن فلان مشهور عند جميع الأُمَّة، وإنَّما تكلَّمنا في أنَّه هل يقرُّ عند أعدائه أم لا يقرُّ، وعارضناكم باستتار النبيِّ (صلی الله علیه و آله) في الغار وهو مبعوث معه المعجزات وقد أتىٰ بشرع مبتدع ونسخ كلِّ شرع قبله، وأريناكم أنَّه إذا خاف كان له أنْ

ص: 72


1- هذه الزيادة بين المعقوفتين كانت في بعض النُّسَخ دون بعض.

يجحد عند أعدائه أنَّه إمام ولا يجيبهم إذا سألوه، ولا يُخرجه ذلك من أنْ يكون إماماً، ولا فرق في ذلك.

فإنْ قالوا: فإذا جوَّزتم للإمام أنْ يجحد إمامته أعداءه عند الخوف، فهل يجوز للنبيِّ (صلی الله علیه و آله) أنْ يجحد نبوَّته عند الخوف من أعدائه؟

قيل لهم: قد فرَّق قوم من أهل الحقِّ بين النبيِّ (صلی الله علیه و آله) وبين الإمام، بأنْ قالوا: إنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) هو الداعي إلىٰ رسالته والمبيِّن للناس ذلك بنفسه، فإذا جحد ذلك وأنكره للتقيَّة بطلت الحجَّة، ولم يكن أحد يُبيِّن عنه، والإمام قد قام له النبيُّ (صلی الله علیه و آله) بحجَّته وأبان أمره، فإذا سكت أو جحد كان النبيُّ (صلی الله علیه وآله) قد كفاه ذلك.

وليس هذا جوابنا، ولكنَّا نقول: إنَّ حكم النبيِّ (صلی الله علیه و آله) وحكم الإمام سيَّان في التقيَّة إذا كان قد صدع بأمر الله (عزوجل)وبلَّغ رسالته وأقام المعجزات، فأمَّا قبل ذلك فلا، وَقَدْ مَحَا النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله) اسْمَهُ مِنَ الصَّحِيفَةِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أَنْكَرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وحَفْصُ بْنُ الْأَحْنَفِ نُبُوَّتَهُ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ (علیه السلام): «امْحُهُ، وَاكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ»(1)، فَلَمْ يُضِرَّ ذَلِكَ نُبُوَّتَهُ إِذَا كَانَتِ الْأَعْلَامُ فِي الْبَرَاهِينِ قَدْ قَامَتْ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، وَقَدْ قَبِلَ اللهُ (عزوجل)عُذْرَ عَمَّارٍ حِينَ حَمَلَهُ المُشْرِكُونَ عَلَىٰ سَبِّ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله) وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَسَبَّهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَىٰ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله)، قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ الْوَجْهُ يَا عَمَّارُ»، قَالَ: مَا أَفْلَحَ وقَدْ سَبَبْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ (علیه السلام): «أَلَيْسَ قَلْبُكَ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ؟»، قَالَ: بَلَىٰ يَا رَسُولَ

ص: 73


1- راجع ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (ص 97)، والمنقري في وقعة صفِّين (ص 509)، وابن هشام في سيرته (ج 3/ ص 782)، وأحمد بن حنبل في مسنده (ج 27/ ص 354/ ح 16800)، والنسائي في سُنَنه (ج 5/ ص 167/ ح 8575)، وأبو يعلىٰ في مسنده (ج 6/ ص 69 و70/ ح 3323).

اللهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ: «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» [النحل: 106](1).

والقول في ذلك ينافي الشريعة من إجازة ذلك في وقت وحظره في وقت آخر، وإذا جاز للإمام أنْ يجحد إمامته ويستر أمره جاز أنْ يسترشخصه متىٰ أوجبت الحكمة غيبته، وإذا جاز أنْ يغيب يوماً لعلَّة موجبة جاز سنة، وإذا جاز سنة جاز مائة سنة، وإذا جاز مائة سنة جاز أكثر من ذلك إلىٰ الوقت الذي توجب الحكمة ظهوره كما أوجبت غيبته، ولا قوَّة إلَّا بالله.

ونحن نقول مع ذلك(2): إنَّ الإمام لا يأتي جميع ما يأتيه من اختفاء وظهور وغيرهما إلَّا بعهد معهود إليه من رسول الله (صلی الله علیه و آله)، كما قد وردت به الأخبار عن أئمَّتنا (علیهم السلام).

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَىٰ بْنِ المُتَوَكِّلِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ الْهَرَوِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَىٰ الرِّضَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ (علیه السلام)، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله): «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ بَشِيراً، لَيَغِيبَنَّ الْقَائِمُ مِنْ وُلْدِي بِعَهْدٍ مَعْهُودٍ إِلَيْهِ مِنِّي حَتَّىٰ يَقُولَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَا لِلهِ فِي آلِ مُحَمَّدٍ حَاجَةٌ، وَيَشُكُّ آخَرُونَ فِي وِلَادَتِهِ، فَمَنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ فَلْيَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ، وَلَا يَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ إِلَيْهِ سَبِيلاً بِشَكِّهِ(3) فَيُزِيلَهُ عَنْ مِلَّتِي وَيُخْرِجَهُ مِنْ دِينِي، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّ اللهَ (عزوجل)جَعَلَ الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ».

ص: 74


1- راجع ما رواه الحميري (رحمة الله) في قرب الإسناد (ص 12 و13/ ح 38)، والكليني (علیه السلام) في الكافي (ج 2/ ص 219/ باب التقيَّة/ ح 10)، والطبراني في تفسيره (ج 4/ ص 84 و85)، والحاكم في مستدركه (ج 2/ ص 357).
2- في بعض النُّسَخ: (في ذلك).
3- في بعض النُّسَخ: (يُشكِّكه).

[اعتراضات لابن بشَّار]:

وقد تكلَّم علينا أبو الحسن عليُّ بن أحمد بن بشَّار في الغيبة، وأجابه أبو جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي(1)، وكان من كلام عليِّبن أحمد بن بشَّار علينا في ذلك أنْ قال في كتابه:

أقول: إنَّ كلَّ المبطلين أغنياء عن تثبيت إنّيَّة من يدَّعون له، وبه يتمسَّكون، وعليه يعكفون ويعطفون، لوجود أعيانهم وثبات إنّيَّاتهم، وهؤلاء - يعني أصحابنا - فقراء إلىٰ ما قد غني عنه كلُّ مبطل سلف من تثبيت إنّيَّة من يدَّعون له وجوب الطاعة، فقد افتقروا إلىٰ ما قد غني عنه سائر المبطلين، واختلفوا بخاصَّة ازدادوا بها بطلاناً، وانحطُّوا بها عن سائر المبطلين، لأنَّ الزيادة من الباطل تحطُّ والزيادة من الخير تعلو، والحمد لله ربِّ العالمين.

ثمّ قال: وأقول قولاً تعلم فيه الزيادة علىٰ الإنصاف منَّا وإنْ كان ذلك غير واجب علينا، أقول: إنَّه معلوم أنَّه ليس كلُّ مدَّعٍ ومدَّعىٰ له بمحقٍّ، وإنَّ كلَّ سائل لمدَّعٍ تصحيح دعواه بمنصف(2)، وهؤلاء القوم ادَّعوا أنَّ لهم من قد صحَّ عندهم أمره ووجب له علىٰ الناس الانقياد والتسليم، وقد قدَّمنا أنَّه ليس كلُّ مدَّعٍ ومدَّعىٰ له بواجب له التسليم، ونحن نُسلِّم لهؤلاء القوم الدعوىٰ، ونقرُّ علىٰ أنفسنا بالإبطال - وإنْ كان ذلك في غاية المحال - بعد أنْ يوجدونا إنّيَّة المدَّعىٰ له، ولا نسألهم تثبيت الدعوىٰ، فإنْ كان معلوماً أنَّ في هذا أكثر من

ص: 75


1- محمّد بن عبد الرحمن بن قبة - بالقاف المكسورة وفتح الباء الموحَّدة - الرازي، أبو جعفر، متكلِّم، عظيم القدر، حسن العقيدة، كان قديماً من المعتزلة وتبصَّر وانتقل، وكان شيخ الإماميَّة في زمانه، كما في رجال النجاشي (ص 375/ الرقم 1023)، وخلاصة الأقوال (ص 243/ الرقم 32).
2- في بعض النُّسخ: (ليس كلُّ مدَّعٍ ومدَّعىٰ له فمحقٌّ، وإنْ كان [كلُّ - خ ل] سائل للمدَّعىٰ تصحيح دعواه فمنصف).

الإنصاف فقد وفينا بما قلنا، فإنْ قدروا عليه فقد أبطلوا، وإنْ عجزوا عنه فقد وضح ما قلناه من زيادة عجزهم عنتثبيت ما يدَّعون علىٰ عجز كلِّ مبطل عن تثبيت دعواه. وأنَّهم مختصُّون من كلِّ نوع من الباطل بخاصَّة يزدادون بها انحطاطاً عن المبطلين أجمعين، لقدرة كلِّ مبطل سلف علىٰ تثبيت دعواه إنّيَّة من يدَّعون له وعجز هؤلاء عمَّا قدر عليه كلُّ مبطل إلَّا ما يرجعون إليه من قولهم: (إنَّه لا بدَّ ممَّن تجب به حجَّة الله (تبارک و تعالی)، وأجل لا بدَّ من وجوده فضلاً عن كونه، فأوجدونا الإنّيَّة من دون إيجاد الدعوىٰ.

وَلَقَدْ خُبِّرْتُ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي غَانِمٍ(1) أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ مَنْ سَأَلَهُ، فَقَالَ: بِمَ تُحَاجُّ الَّذِينَ(2) كُنْتَ تَقُولُ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَخْصٍ قَائِمٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ؟ قَالَ لَهُ(3): أَقُولُ لَهُمْ: هَذَا جَعْفَرٌ.

فيا عجباً أيخصم الناس بمن ليس هو بمخصوم(4) وقد كان شيخ في هذه الناحية (رحمة الله) يقول: قد وسمت هؤلاء باللَّابدّيَّة، أي إنَّه لا مرجع لهم ولا معتمد إلَّا إلىٰ أنَّه لا بدَّ من أنْ يكون هذا الذي [ليس] في الكائنات، فوسمهم من أجل ذلك، ونحن نُسمِّيهم بها، أي إنَّهم دون كلِّ من له بُدٌّ يعكف عليه، إذ كان أهل الأصنام التي أحدها البدُّ قد عكفوا علىٰ موجود وإنْ كان باطلاً، وهم قد تعلَّقوا بعدم ليس وباطل محض، وهم اللَّابدّيَّة حقًّا، أي لا بدَّ لهم يعكفون عليه(5)، إذ

ص: 76


1- هو غير عليِّ بن أبي غانم الذي عنونه منتجب الدِّين في فهرسته (ص 95/ الرقم 330)، بل هو رجل آخر لم أعثر علىٰ عنوانه في كُتُب الرجال.
2- في بعض النُّسَخ: (الذي).
3- يعنى أبو جعفر قال للمعترض.
4- لمَّا كان جواب أبي جعفر ابن أبي غانم للمعترض: (أقول: إنَّه جعفر)، تعجَّب منه ابن بشَّار، لأنَّ جعفر ليس بقابل أنْ يُخاصَم فيه، أولم يكن مورداً لها.
5- كذا.

كان كلُّ مطاعٍ معبود، وقد وضح ما قلنا مناختصاصهم من كلِّ نوع الباطل بخاصَّة يزدادون بها انحطاطاً، والحمد لله.

ثمّ قال: نختم الآن هذا الكتاب بأنْ نقول: إنَّما نناظر ونخاطب من قد سبق منه الإجماع علىٰ أنَّه لا بدَّ من إمام قائم من أهل هذا البيت تجب به حجَّة الله ويسدُّ به فقر الخلق وفاقتهم، ومن لم يجتمع معنا علىٰ ذلك فقد خرج من النظر في كتابنا فضلاً عن مطالبتنا به، ونقول لكلِّ من اجتمع معنا علىٰ هذا الأصل من الذي قدَّمنا في هذا الموضع: كنَّا وإيَّاكم قد أجمعنا علىٰ أنَّه لا يخلو أحد من بيوت هذه الدار من سراج زاهر، فدخلنا الدار فلم نجد فيها إلَّا بيتاً واحداً، فقد وجب وصحَّ أنَّ في ذلك البيت سراجاً، والحمد لله ربِّ العالمين.

فأجابه أبو جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي بأنْ قال: إنَّا نقول - وبالله التوفيق -: ليس الإسراف في الادِّعاء والتقوُّل علىٰ الخصوم ممَّا يثبت بهما حجَّة، ولو كان ذلك كذلك لارتفع الحجاج بين المختلفين واعتمد كلُّ واحد علىٰ إضافة ما يخطر بباله من سوء القول إلىٰ مخالفه، وعلىٰ ضدِّ هذا بُنِيَ الحجاج ووضع النظر والإنصاف أولىٰ ما يعامل به أهل الدِّين، وليس قول أبي الحسن: ليس لنا ملجأ نرجع إليه، ولا قيِّماً نعطف عليه، ولا سنداً نتمسَّك بقوله حجَّة، لأنَّ دعواه هذا مجرَّد من البرهان، والدعوىٰ إذا انفردت عن البرهان كانت غير مقبول عند ذوي العقول والألباب، ولسنا نعجز عن أنْ نقول: بلىٰ لنا والحمد لله من نرجع إليه ونقف عند أمره ومن كان ثبتت حجَّته وظهرت أدلَّته.

فإنْ قلت: فأين ذلك؟ دلُّونا عليه.

قلنا: كيف تُحِبُّون أنْ ندلَّكم عليه؟ أتسألوننا أنْ نأمره أنْ يركب ويصيرإليكم ويعرض نفسه عليكم، أو تسألونا أنْ نبني له داراً ونُحوِّله إليها ونُعلِم بذلك أهل الشرق والغرب؟ فإنْ رمتم ذلك فلسنا نقدر عليه، ولا ذلك بواجب عليه.

ص: 77

فإنْ قلتم: من أيِّ وجه تلزمنا حجَّته وتجب علينا طاعته؟

قلنا: إنَّا نقرُّ أنَّه لا بدَّ من رجل من ولد أبي الحسن عليِّ بن محمّد العسكري (علیهما السلام) تجب به حجَّة الله دلَّلناكم علىٰ ذلك حتَّىٰ نضطرُّكم إليه إنْ أنصفتم من أنفسكم، وأوَّل ما يجب علينا وعليكم أنْ لا نتجاوز ما قد رضي به أهل النظر واستعملوه، ورأوا أنَّ من حادَّ عن ذلك فقد ترك سبيل العلماء، وهو أنَّا لا نتكلَّم في فرع لم يثبت أصله، وهذا الرجل الذي تجحدون وجوده فإنَّما يثبت له الحقُّ بعد أبيه، وأنتم قوم لا تخالفونا في وجود أبيه، فلا معنىٰ لترك النظر في حقِّ أبيه والاشتغال(1) بالنظر معكم في وجوده، فإنَّه إذا ثبت الحقُّ لأبيه، فهذا ثابت ضرورةً عند ذلك بإقراركم، وإنْ بطل أنْ يكون الحقُّ لأبيه فقد آل الأمر إلىٰ ما تقولون وقد أبطلنا، وهيهاتَ لن يزداد الحقُّ إلَّا قوَّة ولا الباطل إلَّا وهناً، وإنْ زخرفه المبطلون، والدليل علىٰ صحَّة أمر أبيه أنَّا وإيَّاكم مجمعون علىٰ أنَّه لا بدَّ من رجل من ولد أبي الحسن تثبت به حجَّة الله وينقطع به عذر الخلق، وأنَّ ذلك الرجل تلزم حجَّته من نأىٰ عنه من أهل الإسلام كما تلزم من شاهده وعاينه، ونحن وأكثر الخلق ممَّن قد لزمتنا الحجَّة من غير مشاهدة، فننظر في الوجه الذي لزمتنا منه الحجَّة ما هي، ثمّ ننظر من أولىٰ من الرجلين اللذين لا عقب لأبي الحسن غيرهما، فأيُّهما كان أولىٰ فهو الحجَّة والإمام، ولا حاجة بنا إلىٰ التطويل، ثمّ نظرنا من أيِّ وجه تلزمالحجَّة من نأىٰ عن الرُّسُل والأئمَّة (علیهم السلام)، فإذا ذلك بالأخبار التي توجب الحجَّة وتزول عن ناقليها تهمة التواطؤ عليها والإجماع علىٰ تخرُّصها ووضعها. ثمّ فحصنا عن الحال فوجدنا فريقين ناقلين يزعم أحدهما أنَّ الماضي نصَّ علىٰ الحسن (علیه السلام) وأشار إليه، ويروون مع الوصيَّة وما له من خاصَّة الكبر أدلَّة يذكرونها وعلماً يُثبتونه، ووجدنا الفريق الآخر

ص: 78


1- في بعض النُّسَخ: (والانتقال).

يروون مثل ذلك لجعفر لا يقول غير هذا، فإنَّه أولىٰ بنا، نظرنا فإذا الناقل لأخبار جعفر جماعة يسيرة، والجماعة اليسيرة يجوز عليها التواطؤ والتلاقي والتراسل، فوقع نقلهم موقع شبهة لا موقع حجَّة، وحُجَج الله لا تثبت بالشُّبُهات، ونظرنا في نقل الفريق الآخر فوجدناهم جماعات متباعدي الديار والأقطار، مختلفي الهمم والآراء، متغايرين، فالكذب لا يجوز عليهم لنأي بعضهم عن بعض ولا التواطؤ ولا التراسل والاجتماع علىٰ تخرُّص خبر ووضعه، فعلمنا أنَّ النقل الصحيح هو نقلهم، وأنَّ المحقَّ هؤلاء، ولأنَّه إنْ بطل ما قد نقله هؤلاء علىٰ ما وصفنا من شأنهم لم يصحّ خبر في الأرض وبطلت الأخبار كلُّها، فتأمَّل - وفَّقك الله - في الفريقين فإنَّك تجدهم كما وصفت، وفي بطلان الأخبار هدم الإسلام، وفي تصحيحها تصحيح خبرنا، وفي ذلك دليل علىٰ صحَّة أمرنا، والحمد لله ربِّ العالمين.

ثمّ رأيت الجعفريَّة(1) تختلف في إمامة جعفر من أيِّ وجهٍ تجب؟ فقال قوم: بعد أخيه محمّد، وقال قوم: بعد أخيه الحسن، وقال قوم: بعد أبيه. ورأيناهم لا يتجاوزون ذلك، ورأينا أسلافهم وأسلافنا قد رووا قبل الحادث ما يدلُّ علىٰ إمامة الحسن، وهو ما رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)،قَالَ : «إِذَا تَوَالَتْ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ: مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ وَالْحَسَنُ فَالرَّابِعُ الْقَائِمُ »(2).

وغير ذلك من الروايات، وهذه وحدها توجب الإمامة للحسن، وليس إلَّا الحسن وجعفر. فإذا لم تثبت لجعفر حجَّة علىٰ من شاهده في أيَّام الحسن والإمام ثابت الحجَّة علىٰ من رآه ومن لم يرَه فهو الحسن اضطراراً، وإذا ثبت الحسن (علیه السلام) وجعفر عندكم مبرَّأ تبرَّأ منه والإمام لا يتبرَّأ من الإمام، والحسن قد

ص: 79


1- يعني القائلين بإمامة جعفر الكذَّاب.
2- سيأتي مسنداً تحت الرقم (244/3)، فانتظر.

مضىٰ، ولا بدَّ عندنا وعندكم من رجل من ولد الحسن (علیه السلام) تثبت به حجَّة الله، فقد وجب بالاضطرار للحسن ولد قائم (علیه السلام).

وقل يا أبا جعفر - أسعدك الله - لأبي الحسن (أعزَّه الله)(1): يقول محمّد ابن عبد الرحمن: قد أوجدناك إنّيَّة المدَّعىٰ له، فأين المهرب؟ هل تقرُّ علىٰ نفسك بالإبطال كما ضمنت أو يمنعك الهوىٰ من ذلك، فتكون كما قال الله تعالىٰ: «وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ» [الأنعام: 119]؟

فأمَّا ما وسم به أهل الحقِّ من اللَّابدّيَّة لقولهم: (لا بدَّ ممن تجب به حجَّة الله)، فيا عجباً فلا يقول أبو الحسن: لا بدَّ ممَّن تجب به حجَّة الله؟ وكيف لا يقول وقد قال عند حكايته عنَّا وتعييره إيَّانا: (أجل لا بدَّ من وجوده فضلاً عن كونه)، فإنْ كان يقول ذلك فهو وأصحابه من اللَّابدّيَّة، وإنَّما وسم نفسه وعاب إخوانه، وإنْ كان لا يقول ذلك فقد كفينا مؤونة تنظيره ومثله بالبيت والسراج، وكذا يكون حال من عاند أولياء الله يعيب نفسه من حيث يرىٰ أنَّه يعيب خصمه، والحمد لله المؤيِّد للحقِّ بأدلَّته. ونحن نُسمِّي هؤلاء بالبدّيَّة، إذ كانوا عبدة البدِّ، قد عكفوا علىٰ ما لا يسمعولا يبصر ولا يغني عنهم شيئاً. وهكذا هؤلاء، ونقول: يا أبا الحسن - هداك الله -، هذا حجَّة الله علىٰ الجنِّ والإنس ومن لا تثبت حجَّته علىٰ الخلق إلَّا بعد الدعاء والبيان محمّد (صلی الله علیه و آله) قد أخفىٰ شخصه في الغار حتَّىٰ لم يعلم بمكانه ممَّن احتجَّ الله عليهم به إلَّا خمسة نفر(2).

ص: 80


1- يعنى بأبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قبة، وبأبي الحسن عليِّ بن أحمد بن بشَّار.
2- المراد بالخمسة: عليُّ بن أبي طالب، وأبو بكر، وعبد الله بن أريقط الليثي، وأسماء بنت أبي بكر، وعامر بن فهيرة. والقصَّة كما في إعلام الورىٰ (ج 1/ ص 148 و149) هكذا: (بقي رسول(صلی الله علیه و آله) في الغار ثلاثة أيَّام، ثمّ أذن الله له في الهجرة، وقال: «اخرج عن مكَّة يا محمّد، فليس لك بها ناصر بعد أبي طالب»، فخرج رسول الله (صلی الله علیه و آله) من الغار، وأقبل راعٍ لبعض قريش يقال [ له: ابن أريقط، فدعاه رسول الله (صلی الله علیه و آله) وقال له: «يا ابن أريقط، أئتمنك علىٰ دمي؟»، قال: إذاً والله أحرسك وأحفظك ولا أدلُّ عليك، فأين تريد يا محمّد؟ قال: «يثرب»، قال: والله لأسلكنَّ بك مسلكاً لا يهتدي إليه أحد، قال له رسول الله (صلی الله علیه و آله): «ائت عليًّا وبشِّره بأنَّ الله قد أذن لي في الهجرة، فيُهيِّئ لي زاداً وراحلةً»، وقال أبو بكر: ائت أسماء بنتي وقل لها: تُهيِّئ لي زاداً وراحلتين، وأعلم عامر بن فهيرة أمرنا - وكان من موالي أبى بكر، وقد كان أسلم -، قل له: ائتنا بالزاد والراحلتين، فجاء ابن أريقط إلىٰ عليٍّ (علیه السلام) فأخبره بذلك فبعث عليُّ بن أبي طالب إلىٰ رسول الله (صلی الله علیه و آله) بزاد وراحلة، وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين. وخرج رسول الله (صلی الله علیه و آله) من الغار، وأخذ به ابن أريقط علىٰ طريق نخلة بين الجبال، فلم يرجعوا إلىٰ الطريق إلَّا بقديد).

فإنْ قلت: إنَّ تلك غيبة بعد ظهوره وبعد أنْ قام علىٰ فراشه من يقوم مقامه.

قلت لك: لسنا نحتجُّ عليك في حال ظهوره ولا استخلافه لمن يقوم مقامه من هذا في قبيل ولا دبير(1)، وإنَّما نقول لك: أليس تثبت حجَّته فينفسه في حال غيبته علىٰ من لم يعلم بمكانه لعلَّة من العلل؟ فلا بدَّ من أنْ تقول: نعم، قلنا: ونُثبِت حجَّة الإمام وإنْ كان غائباً لعلَّة أُخرىٰ، وإلَّا فما الفرق؟ ثمّ نقول: وهذا أيضاً لم يغب حتَّىٰ ملأ آباؤه (علیهم السلام) آذان شيعتهم بأنَّ غيبته تكون، وعرَّفوهم كيف يعملون عند غيبته.

فإنْ قلت: في ولادته، فهذا موسىٰ (علیه السلام) مع شدَّة طلب فرعون إيَّاه وما فعل بالنساء والأولاد لمكانه حتَّىٰ أذن الله في ظهوره، وَقَدْ قَالَ الرِّضَا (علیه السلام) فِي وَصْفِهِ : «بِأَبِي وَأُمِّي شَبِيهِي، وَسَمِيُّ جَدِّي، وَشَبِيهُ مُوسَىٰ بْنِ عِمْرَانَ »(2).

ص: 81


1- القبيل: ما أقبلت به إلىٰ صدرك. والدبير: ما أدبرت به عن صدرك. ويقال: فلان ما يعرف قبيلاً ولا دبيراً. والمراد ما أقبلت به المرأة من غزلها وما أدبرت. وهذا الكلام تعريض لابن بشَّار، يعنى أنَّه لا يدري ما يقول، ولسنا نحتج عليه في هذا الأمر.
2- رواه المصنِّف (رحمة الله) في عيون أخبار الرضا (علیه السلام) (ج 2/ ص 9 و10/ ح 14)، والطبري (رحمة الله) في دلائل الإمامة (ص 460/ ح 441/45)، والخزَّاز في كفاية الأثر (ص 158 و159).

وحجَّة أُخرىٰ، نقول لك: يا أبا الحسن، أتقرُّ أنَّ الشيعة قد روت في الغيبة أخباراً؟ فإنْ قال: لا، أوجدناه الأخبار، وإنْ قال: نعم، قلنا له: فكيف تكون حالة الناس إذا غاب إمامهم؟ فكيف تلزمهم الحجَّة في وقت غيبته؟ فإنْ قال: يقيم من يقوم مقامه، فليس يقوم عندنا وعندكم مقام الإمام إلَّا الإمام، وإذا كان إماماً قائماً(1) فلا غيبة، وإنْ احتجَّ بشي ء آخر في تلك الغيبة فهو بعينه حجَّتنا في وقتنا لا فرق فيه ولا فصل.

ومن الدليل علىٰ فساد أمر جعفر موالاته وتزكيته فارس بن حاتم (لعنه الله)(2) وقد برئ منه أبوه، وشاع ذلك في الأمصار حتَّىٰ وقف عليهالأعداء فضلاً عن الأولياء.

ومن الدليل علىٰ فساد أمره استعانته بمن استعان في طلب الميراث من أُمِّ الحسن (علیه السلام)، وقد أجمعت الشيعة أنَّ آباءه (علیه السلام) أجمعوا أنَّ الأخ لا يرث مع الأُمِّ.

ومن الدليل علىٰ فساد أمره قوله: إنِّي إمام بعد أخي محمّد، فليت شعري متىٰ تثبت إمامة أخيه وقد مات قبل أبيه حتَّىٰ تثبت إمامة خليفته؟ ويا عجباً إذا كان محمّد يستخلف ويقيم إماماً بعده وأبوه حيٌّ قائم وهو الحجَّة والإمام، فما يصنع أبوه؟ ومتىٰ جرت هذه السُّنَّة في الأئمَّة وأولادهم حتَّىٰ نقبلها منكم؟ فدلُّونا علىٰ ما يوجب إمامة محمّد حتَّىٰ إذا ثبتت قبلنا إمامة خليفته؟

والحمد لله الذي جعل الحقَّ مؤيَّداً، والباطل مهتوكاً ضعيفاً زاهقاً.

فأمَّا ما حكىٰ عن ابن أبي غانم (رحمة الله) فلم يرد الرجل بقوله عندنا يثبت إمامة

ص: 82


1- يعني إذا كان من يقوم إماماً قائماً.
2- هو فارس بن حاتم بن ماهويه القزويني، نزيل العسكر، من أصحاب الرضا (علیه السلام)، غالٍ ملعون، أهدر أبو الحسن العسكري (علیه السلام) دمه، وضمن لمن يقتله الجنَّة، فقتله جنيد. راجع: اختيار معرفة الرجال (ج 2/ ص 807 و808/ ح 1006).

جعفر، وإنَّما أراد أنْ يعلم السائل أنَّ أهل هذه البيت لم يفنوا حتَّىٰ لا يوجد منهم أحداً.

وأمَّا قوله: (وكلُّ مطاعٍ معبود) فهو خطأ عظيم، لأنَّا لا نعرف معبوداً إلَّا الله، ونحن نطيع رسول الله (صلی الله علیه و آله) ولا نعبده.

وأمَّا قوله: (نختم الآن هذا الكتاب بأنْ نقول: إنَّما نناظر ونخاطب من قد سبق منه الإجماع بأنَّه لا بدَّ من إمام قائم من أهل هذه البيت تجب به حجَّة الله...)، إلىٰ قوله: (وصحَّ أنَّ في ذلك البيت سراجاً، ولا حاجة بنا إلىٰ دخوله)، فنحن - وفَّقك الله - لا نخالفه، وأنَّه لا بدَّ من إمام قائم من أهل هذاالبيت تجب به حجَّة الله، وإنَّما نخالفه في كيفيَّة قيامه وظهوره وغيبته.

وأمَّا ما مثَّل به من البيت والسراج فهو مُنًى، وقد قيل: إنَّ المنىٰ رأس أموال المفاليس، ولكنَّا نضرب مثلاً علىٰ الحقيقة لا نميل فيه علىٰ خصم ولا نحيف فيه علىٰ ضدٍّ، بل نقصد فيه الصواب، فنقول: كنَّا ومن خالفنا قد أجمعنا علىٰ أنَّ فلاناً مضىٰ وله ولدان وله دار، وأنَّ الدار يستحقُّها منهما من قدر علىٰ أنْ يحمل بإحدىٰ يديه ألف رطل، وأنَّ الدار لا تزال في يدي عقب الحامل(1) إلىٰ يوم القيامة، ونعلم أنَّ أحدهما يحمل والآخر يعجز، ثمّ احتجنا أنْ نعلم مَن الحامل منهما؟ فقصدنا مكانهما لمعرفة ذلك، فعاق عنهما عائق منع عن مشاهدتهما، غير أنَّا رأينا جماعات كثيرة في بلدان نائية متباعدة بعضها عن بعض يشهدون أنَّهم رأوا أنَّ الأكبر منهما قد حمل ذلك، ووجدنا جماعة يسيرة في موضع واحد يشهدون أنَّ الأصغر منهما فعل ذلك، ولم نجد لهذه الجماعة خاصَّة يأتوا بها، فلم يجز في حكم النظر وحفيظة الإنصاف وما جرت به العادة وصحَّت به التجربة ردُّ شهادة تلك الجماعات وقبول شهادة هذه الجماعة، والتهمة تلحق هؤلاء وتبعد عن أُولئك.

ص: 83


1- يعني أولاده وأحفاده.

فإنْ قال خصومنا: فما تقولون في شهادة سلمان وأبي ذرٍّ وعمَّار والمقداد لأمير المؤمنين (علیه السلام)، وشهادة تلك الجماعات وأُولئك الخلق لغيره، أيُّهما كان أصوب؟

قلنا لهم: لأمير المؤمنين (علیه السلام) وأصحابه أُمور خُصَّ بها وخُصُّوا بها دون من بإزائهم، فإنْ أوجدتمونا مثل ذلك أو ما يقاربه لكم فأنتم المحقُّون:أوَّلها أنَّ أعداءه كانوا يقرُّون بفضله وطهارته وعلمه، وَقَدْ رُوِّينَا وَرَوَوْا لَهُ مَعَنَا أَنَّهُ (صلی الله علیه و آله) خَبَّرَ أَنَّ اللهَ يُوَالِي مَنْ يُوَالِيهِ وَيُعَادِي مَنْ يُعَادِيهِ (1)، فوجب لهذا أنْ يُتَّبع دون غيره.

والثاني أنَّ أعداءه لم يقولوا له: نحن نشهد أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) أشار إلىٰ فلان بالإمامة ونصبه حجَّة للخلق، وإنَّما نصبوه لهم علىٰ جهة الاختيار كما قد بلغك.

والثالث أنَّ أعداءه كانوا يشهدون علىٰ أحد أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) أنَّه لا يكذب ، لِقَوْلِهِ (صلی الله علیه و آله): «مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ عَلَىٰ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ»(2)، فكانت شهادته وحده أفضل من شهادتهم.

والرابع أنَّ أعداءه قد نقلوا ما نقله أولياؤه ممَّا تجب به الحجَّة، وذهبوا عنه بفساد التأويل.

والخامس أنَّ أعداءه رَوَوْا فِي الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ أَنَّهُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ(3)، وَرَوَوْا أَيْضاً أَنَّهُ (صلی الله علیه و آله) قَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»(4)، فلمَّا شهدا لأبيهما بذلك وصحَّ أنَّهما من أهل الجنَّة بشهادة الرسول،

ص: 84


1- حديث متواتر رواه الخاصَّة والعامَّة بألفاظ مختلفة، راجع علىٰ سبيل المثال: سُنَن ابن ماجة (ج 1/ ص 43/ ح 116)، وكتاب سُلَيم بن قيس (ص 198).
2- مسند أحمد (ج 11/ ص 70/ ح 6519).
3- سُنَن ابن ماجة (ج 1/ ص 44/ ح 118)، سُنَن الترمذي (ج 5/ ص 321/ ح 3856).
4- صحيح البخاري (ج 10/ ص 36/ ح 5495)، صحيح مسلم (ج 1/ ص 8).

وجب تصديقهما، لأنَّهما لو كذبا في هذا لم يكونا من أهل الجنَّة، وكانا من أهل النار، وحاشا لهما الزكيَّين الطيِّبين الصادقين.فليوجدنا أصحاب جعفر خاصَّة هي لهم دون خصومهم حتَّىٰ يُقبَل ذلك، وإلَّا فلا معنىٰ لترك خبر متواتر لا تهمة في نقله ولا علىٰ ناقليه وقبول خبر لا يؤمن علىٰ ناقليه تهمة التواطؤ عليه ولا خاصَّة معهم يُثبِتون بها، ولن يفعل ذلك إلَّا تائه حيران.

فتأمَّل - أسعدك الله - في النظر فيما كتبت به إليك ممَّا ينظر به الناظر لدينه، المفكِّر في معاده، المتأمِّل بعين الخيفة والحذار إلىٰ عواقب الكفر والجحود، موفَّقاً إنْ شاء الله تعالىٰ، أطال الله بقاءك وأعزَّك وأيَّدك وثبَّتك وجعلك من أهل الحقِّ وهداك له وأعاذك من أنْ تكون من «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً 104» [الكهف: 104]، ومن الذين يستزلُّهم الشيطان بخُدَعه وغروره وإملائه وتسويله، وأجرىٰ لك أجمل ما عوَّدك.

وكتب بعض الإماميَّة إلىٰ أبي جعفر بن قبة كتاباً يسأله فيه عن مسائل، فورد في جوابها:

أمَّا قولك - أيَّدك الله - حاكياً عن المعتزلة أنَّها زعمت أنَّ الإماميَّة تزعم أنَّ النصَّ علىٰ الإمام واجب في العقل، فهذا يحتمل أمرين، إنْ كانوا يريدون أنَّه واجب في العقل قبل مجي ء الرُّسُل (علیهم السلام) وشرع الشرائع فهذا خطأ، وإنْ أرادوا أنَّ العقول دلَّت علىٰ أنَّه لا بدَّ من إمام بعد الأنبياء (علیهم السلام) فقد علموا ذلك بالأدلَّة القطعيَّة وعلموه أيضاً بالخبر الذي ينقلونه عمَّن يقولون بإمامته.

وأمَّا قول المعتزلة: إنَّا قد علمنا يقيناً أنَّ الحسن بن عليٍّ (علیه السلام) مضىٰ ولم ينصَّ، فقد ادَّعوا دعوىٰ يخالفون فيها، وهم محتاجون إلىٰ أنْ يدلُّوا علىٰ صحَّتها،

ص: 85

وبأيِّ شي ء ينفصلون ممَّن زعم منمخالفيهم أنَّهم قد علموا من ذلك ضدَّ ما ادَّعوا أنَّهم علموه؟

ومن الدليل علىٰ أنَّ الحسن بن عليٍّ (علیه السلام) قد نصَّ علىٰ ثبات إمامته، وصحَّة النصِّ من النبيِّ (صلی الله علیه و آله)، وفساد الاختيار، ونقل الشيع عمَّن قد أوجبوا بالأدلَّة تصديقه أنَّ الإمام لا يمضي أو ينصَّ علىٰ إمام كما فعل رسول الله (صلی الله علیه و آله)، إذ كان الناس محتاجين في كلِّ عصر إلىٰ من يكون خبره لا يختلف ولا يتكاذب كما اختلفت أخبار الأُمَّة عند مخالفينا هؤلاء وتكاذبت، وأنْ يكون إذا أمر ائتمر بطاعته، ولا يد فوق يده، ولا يسهو ولا يغلط، وأنْ يكون عالماً ليُعلِّم الناس ما جهلوا، وعادلاً ليحكم بالحقِّ، ومن هذا حكمه فلا بدَّ من أنْ ينصَّ عليه علَّام الغيوب علىٰ لسان من يُؤدِّي ذلك عنه، إذ كان ليس في ظاهر خلقته ما يدلُّ علىٰ عصمته.

فإنْ قالت المعتزلة: هذه دعاوي تحتاجون إلىٰ أنْ تدلُّوا علىٰ صحَّتها.

قلنا: أجل لا بدَّ من الدلائل علىٰ صحَّة ما ادَّعيناه من ذلك، وأنتم فإنَّما سألتم عن فرع، والفرع لا يُدَلُّ عليه دون أنْ يُدَلَّ علىٰ صحَّة أصله، ودلائلنا في كُتُبنا موجودة علىٰ صحَّة هذه الأُصول، ونظير ذلك أنَّ سائلاً لو سألنا الدليل علىٰ صحَّة الشرائع لاحتجنا أنْ ندلَّ علىٰ صحَّة الخبر وعلىٰ صحَّة نبوَّة النبيِّ (صلی الله علیه و آله) وعلىٰ أنَّه أمر بها، وقبل ذلك أنَّ الله (عزوجل)واحد حكيم، وذلك بعد فراغنا من الدليل علىٰ أنَّ العالم محدَث، وهذا نظير ما سألونا عنه، وقد تأمَّلت في هذه المسألة فوجدت غرضها ركيكاً، وهو أنَّهم قالوا: لو كان الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) قد نصَّ علىٰ من تدَّعون إمامته لسقطت الغيبة.

والجواب في ذلك: أنَّ الغيبة ليست هي العدم، فقد يغيب الإنسان إلىٰبلد يكون معروفاً فيه ومشاهداً لأهله، ويكون غائباً عن بلد آخر، وكذلك قد يكون

ص: 86

الإنسان غائباً عن قوم دون قوم، وعن أعدائه لا عن أوليائه، فيقال: إنَّه غائب، وإنَّه مستتر، وإنَّما قيل: غائب، لغيبته عن أعدائه وعمَّن لا يُوثَق بكتمانه من أوليائه، وأنَّه ليس مثل آبائه (علیهم السلام) ظاهراً للخاصَّة والعامَّة، وأولياؤه مع هذا ينقلون وجوده وأمره ونهيه، وهم عندنا ممَّن تجب بنقلهم الحجَّة إذا كانوا يقطعون العذر لكثرتهم واختلافهم في هممهم ووقوع الاضطرار مع خبرهم، ونقلوا ذلك كما نقلوا إمامة آبائه (علیهم السلام) وإنْ خالفهم مخالفوهم فيها، وكما تجب بنقل المسلمين صحَّة آيات النبيِّ (صلی الله علیه و آله) سوىٰ القرآن وإنْ خالفهم أعداؤهم من أهل الكتاب والمجوس والزنادقة والدهريَّة في كونها. وليست هذه مسألة تشتبه علىٰ مثلك مع ما أعرفه من حسن تأمُّلك.

وأمَّا قولهم(1): إذا ظهر فكيف يُعلَم أنَّه محمّد بن الحسن بن عليٍّ (علیهم السلام)؟

فالجواب في ذلك: أنَّه قد يجوز بنقل من تجب بنقله الحجَّة من أوليائه كما صحَّت إمامته عندنا بنقلهم.

وجواب آخر، وهو: أنَّه قد يجوز أنْ يُظهِر معجزاً يدلُّ علىٰ ذلك.

وهذا الجواب الثاني هو الذي نعتمد عليه ونجيب الخصوم به، وإنْ كان الأوَّل صحيحاً.

وأمَّا قول المعتزلة: فكيف لم يحتجّ عليهم عليُّ بن أبي طالب بإقامة المعجز يوم الشورىٰ؟

فإنَّا نقول: إنَّ الأنبياء والحُجَج (علیهم السلام) إنَّما يُظهِرون منالدلالات والبراهين حسب ما يأمرهم الله (عزوجل)به ممَّا يعلم الله أنَّه صالح للخلق، فإذا ثبتت الحجَّة عليهم بقول النبيِّ (صلی الله علیه و آله) فيه ونصِّه عليه، فقد استغنىٰ بذلك عن إقامة المعجزات، اللَّهُمَّ إلَّا أن يقول قائل: إنَّ إقامة المعجزات كانت أصلح في ذلك الوقت، فنقول

ص: 87


1- أي قول المعتزلة.

له: وما الدليل علىٰ صحَّة ذلك؟ وما يُنكِر الخصم من أنْ تكون إقامته لها ليس بأصلح، وأنْ يكون الله (عزوجل)لو أظهر معجزاً علىٰ يديه في ذلك الوقت لكفروا أكثر من كفرهم ذلك الوقت، ولادَّعوا عليه السحر والمخرقة، وإذا كان هذا جائزاً لم يُعلَم أنَّ إقامة المعجز كانت أصلح.

فإنْ قالت المعتزلة: فبأيِّ شي ء تعلمون أنَّ إقامة(1) من تدَّعون إمامته المعجز علىٰ أنَّه ابن الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) أصلح؟

قلنا لهم: لسنا نعلم أنَّه لا بدَّ من إقامة المعجز في تلك الحال، وإنَّما نُجوِّز ذلك، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يكون لا دلالة غير المعجز، فيكون لا بدَّ منه لإثبات الحجَّة، وإذا كان لا بدَّ منه كان واجباً، وما كان واجباً كان صلاحاً لا فساداً، وقد علمنا أنَّ الأنبياء (علیهم السلام) قد أقاموا المعجزات في وقت دون وقت ولم يقيموها في كلِّ يوم ووقت ولحظة وطرفة وعند كلِّ محتجٍّ عليهم ممَّن أراد الإسلام، بل في وقت دون وقت علىٰ حسب ما يعلم الله (عزوجل)من الصلاح، وقد حكىٰ الله (عزوجل)عن المشركين أنَّهم سألوا نبيَّه (صلی الله علیه و آله) أنْ يرقىٰ في السماء، وأنْ يُسقِط السماء عليهم كسفاً، أو يُنزِّل عليهم كتابا يقرؤونه، وغير ذلك ممَّا في الآية(2)، فما فعل ذلك بهم، وسألوه أنْ يُحيي لهم قصيَّ بن كلاب، وأنْينقل عنهم جبال تهامة، فما أجابهم إليه، وإنْ كان (علیه السلام) قد أقام لهم غير ذلك من المعجزات، وكذا حكم ما سألت المعتزلة عنه، ويقال لهم كما قالوا لنا لم نترك أوضح الحُجَج وأبين الأدلَّة من تكرُّر المعجزات والاستظهار بكثرة الدلالات.

ص: 88


1- في بعض النُّسَخ: (أنْ أقام).
2- وهي قوله تعالىٰ: «وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرضِ يَنْبُوعاً 90 أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيراً 91 أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً 92 أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً 93» (الإسراء: 90 - 93).

وأمَّا قول المعتزلة: إنَّه احتجَّ بما يحتمل التأويل.

فيقال: فما احتجَّ عندنا علىٰ أهل الشورىٰ إلَّا بما عرفوا من نصِّ النبيِّ (صلی الله علیه و آله)، لأنَّ أُولئك الرؤساء لم يكونوا جُهَّالاً بالأمر، وليس حكمهم حكم غيرهم من الأتباع. ونقلب هذا الكلام علىٰ المعتزلة، فيقال لهم: لِمَ لم يبعث الله (عزوجل)بأضعاف من بعث من الأنبياء؟ ولِمَ لم يبعث في كلِّ قرية نبيًّا وفي كلِّ عصر ودهر نبيًّا أو أنبياء إلىٰ أنْ تقوم الساعة؟ ولِمَ لم يُبيِّن معاني القرآن حتَّىٰ لا يشكَّ فيه شاكٌّ؟ ولِمَ تركه محتملاً للتأويل؟ وهذه المسائل تضطرُّهم إلىٰ جوابنا.

إلىٰ هاهنا كلام أبي جعفر بن قبة (رحمة الله).

[كلام لأحد المشايخ في الردِّ على الزيديَّة]:

وقال غيره من متكلِّمي مشايخ الإماميَّة: إنَّ عامَّة مخالفينا قد سألونا في هذا الباب عن مسائل، ويجب عليهم أنْ يعلموا أنَّ القول بغيبة صاحب الزمان (علیه السلام) مبنيٌّ علىٰ القول بإمامة آبائه (علیهم السلام)، والقول بإمامة آبائه (علیهم السلام) مبنيٌّ علىٰ القول بتصديق محمّد (صلی اللهعلیه و آله) وإمامته، وذلك أنَّ هذا باب شرعيٌّ وليس بعقليٍّ محض، والكلام في الشرعيَّات مبنيٌّ علىٰ الكتاب والسُّنَّة كما قال الله (تبارک و تعالی): «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ» يعني في الشرعيَّات «فَرُدُّوهُ إِلَىٰ اللهِ وَالرَّسُولِ» [النساء: 59]، فمتىٰ شهد لنا الكتاب والسُّنَّة وحجَّة العقل فقولنا هو المجتبىٰ، ونقول:

إنَّ جميع طبقات الزيديَّة والْإِمَامِيَّةُ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَىٰ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله) قَالَ : «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، وَهُمَا الْخَلِيفَتَانِ مِنْ بَعْدِي، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّىٰ يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ»، وتلقَّوا هذا الحديث بالقبول، فوجب أنَّ الكتاب لا يزال معه من العترة من يعرف التنزيل والتأويل علماً يقيناً يُخبر عن مراد الله (تبارک و تعالی)، كما كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) يُخبر عن المراد، ولا يكون معرفته بتأويل الكتاب استنباطاً ولا استخراجاً، كما لم تكن معرفة الرسول (صلی الله علیه و آله) بذلك استخراجاً ولا

ص: 89

استنباطاً ولا استدلالاً، ولا علىٰ ما تجوز عليه اللغة وتجري عليه المخاطبة، بل يُخبر عن مراد الله ويُبيِّن عن الله بياناً تقوم بقوله الحجَّة علىٰ الناس، كذلك يجب أنْ يكون معرفة عترة الرسول (صلی الله علیه و آله) بالكتاب علىٰ يقين ومعرفة وبصيرة، قال الله (عزوجل)في صفة رسول الله (صلی الله علیه و آله): «قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَىٰ اللهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي» [يوسف: 108]، فأتباعه من أهله وذرّيَّته وعترته هم الذين يُخبرون عن الله (عزوجل)مراده من كتابه علىٰ يقين ومعرفة وبصيرة، ومتىٰ لم يكن المخبر عن الله (عزوجل)مراده ظاهراً مكشوفاً فإنَّه يجب علينا أنْ نعتقد أنَّ الكتاب لا يخلو من مقرون به من عترة الرسول (صلی الله علیه و آله) يعرف التأويل والتنزيل، إذ الحديثيوجب ذلك.

وقال علماء الإماميَّة: قال الله (تبارک و تعالی): «إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَىٰ الْعَالَمِينَ 33 ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» [آل عمران: 33 و34]، فوجب بعموم هذه الآية أنْ لا يزال في آل إبراهيم مصطفىٰ، وذلك أنَّ الله (عزوجل)جنَّس الناس في هذا الكتاب جنسين، فاصطفىٰ جنساً منهم وهم الأنبياء والرُّسُل والخلفاء (علیهم السلام)، وجنساً أُمروا باتِّباعهم، فما دام في الأرض من به حاجة إلىٰ مدبِّر وسائس ومعلِّم ومقوِّم يجب أنْ يكون بإزائهم مصطفىٰ من آل إبراهيم، ويجب أنْ يكون المصطفىٰ من آل إبراهيم ذرّيَّة بعضها من بعض، لقوله (تبارک و تعالی): «ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» ، وقد صحَّ أنَّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) المصطفون من آل إبراهيم، فوجب أنْ يكون المصطفىٰ بعد الحسين (علیه السلام) منه لقوله (تبارک و تعالی): «ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ»، ومتىٰ لم تكن الذرّيَّة منه لا تكون الذرّيَّة بعضها من بعض إلَّا أنْ تكون في بطن دون جميعهم، وكانت الإمامة قد انتقلت عن الحسن إلىٰ أخيه الحسين (علیه السلام) وجب أنْ يكون منه ومن صلبه من يقوم مقامه، وذلك معنىٰ قوله تعالىٰ: «ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 34»، فدلَّت الآية علىٰ ما دلَّت السُّنَّة عليه

ص: 90

[استدلال على وجود إمام غائب من العترة يظهر ويملأ الأرض عدلاً]:

وقال بعض علماء الإماميَّة: كان الواجب علينا وعلىٰ كلِّ عاقل يؤمن بالله وبرسوله وبالقرآن وبجميع الأنبياء الذين تقدَّم كونهم كون نبيِّنا محمّد (صلی الله علیه و آله)، أنْ يتأمَّل حال الأُمَم الماضية والقرون الخالية، فإذاتأمَّلنا وجدنا حال الرُّسُل والأُمَم المتقدِّمة شبيهة بحال أُمَّتنا، وذلك أنَّ قوَّة كلِّ دين كانت في زمن أنبيائهم (علیهم السلام) إنَّما كانت متىٰ قبلت الأُمَم الرُّسُل، فكثر أتباع الرسول في عصره ودهره، فلم تكن أُمَّة كانت أطوع لرسولها بعد أنْ قوي أمر الرسول من هذه الأُمَّة، لأنَّ الرُّسُل الذين عليهم دارت الرحىٰ قبل نبيِّنا محمّد (صلی الله علیه و آله) نوح وإبراهيم وموسىٰ وعيسىٰ (علیهم السلام)، هم الرُّسُل الذين في يد الأُمَم آثارهم وأخبارهم، ووجدنا حال تلك الأُمَم اعترض في دينهم الوهن في المتمسِّكين به، لتركهم كثيراً ممَّا كان يجب عليهم محافظته في أيَّام رُسُلهم وبعد مضيِّ رُسُلهم، وكذلك ما قال الله (تبارک و تعالی): «قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» [المائدة: 15].

وبذلك وصف الله (عزوجل)أمر تلك القرون، فقال (تبارک و تعالی): «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا 59» [مريم: 59]، وقال الله (عزوجل)لهذه الأُمَّة: «وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ» [الحديد: 16].

وَفِي الْأَثَرِ: «أَنَّهُ يَأْتِي عَلَىٰ النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَىٰ فِيهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، وَمِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ »(1)، وَقَالَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله): «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً، فَطُوبَىٰ لِلْغُرَبَاءِ»(2).

ص: 91


1- نهج البلاغة (ص 540/ ح 369).
2- سُنَن ابن ماجة (ج 2/ ص 1320/ ح 3987 و3988)، سُنَن الترمذي (ج 4/ ص 129/ ح 2764).

فكان الله (عزوجل)يبعث في كلِّ وقت رسولاً يُجدِّدلتلك الأُمَم ما انمحىٰ من رسوم الدِّين، واجتمعت الأُمَّة إلَّا من لا يُلتَفت إلىٰ اختلافه، ودلَّت الدلائل العقليَّة أنَّ الله (عزوجل)قد ختم الأنبياء بمحمّد (صلی الله علیه و آله)، فلا نبيَّ بعده، ووجدنا أمر هذه الأُمَّة في استعلاء الباطل علىٰ الحقِّ، والضلال علىٰ الهدىٰ، بحالٍ زعم كثير منهم أنَّ الدار اليوم دار كفر وليست بدار الإسلام، ثمّ لم يجرِ علىٰ شي ء من أُصول شرائع الإسلام ما جرىٰ في باب الإمامة، لأنَّ هذه الأُمَّة يقولون: لم يقم [لهم] بالإمامة منذ قتل الحسين (علیه السلام) إمام عادل لا من بني أُميَّة ولا من ولد عبَّاس الذين جارت أحكامهم علىٰ أكثر الخلق، ونحن والزيديَّة وعامَّة المعتزلة وكثير من المسلمين يقولون: إنَّ الإمام لا يكون إلَّا من ظاهره ظاهر العدالة، فالأُمَّة في يد الجائرين يلعبون بهم ويحكمون في أموالهم وأبدانهم بغير حكم الله، وظهر أهل الفساد علىٰ أهل الحقِّ وعدم اجتماع الكلمة، ثمّ وجدنا طبقات الأُمَّة كلَّهم يُكفِّر بعضهم بعضاً، ويبرأ بعضهم من بعض.

ثمّ تأمَّلنا أخبار الرسول (صلی الله علیه و آله)، فوجدناها قد وردت بأنَّ الأرض تُملَأ قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً برجل من عترته، فدلَّنا هذا الحديث علىٰ أنَّ القيامة لا تقوم علىٰ هذه الأُمَّة إلَّا بعد ما مُلِئَت الأرض عدلاً، فإنَّ هذا الدِّين الذي لا يجوز عليه النسخ ولا التبديل سيكون له ناصر يُؤيِّده الله (عزوجل)كما أيَّد الأنبياء والرُّسُل لمَّا بعثهم لتجديد الشرائع وإزالة ما فعله الظالمون، فوجب لذلك أنْ تكون الدلائل علىٰ من يقوم بما وصفناه موجودة غير معدومة، وقد علمنا عامَّة اختلاف الأُمَّة وسبرنا أحوال الفِرَق، فدلَّنا أنَّ الحقَّ مع القائلين بالأئمَّة الاثني عشر (علیهم السلام) دون من سواهم من فِرَق الأُمَّة، ودلَّنا ذلك علىٰ أنَّ الإماماليوم هو الثاني عشر منهم، وأنَّه الذي أخبر رسول الله (صلی الله علیه و آله) به ونصَّ عليه، وسنورد في هذا الكتاب ما روي عن النبيِّ (صلی الله علیه و آله) في عدد الأئمَّة (علیهم السلام) وأنَّهم

ص: 92

اثنا عشر والنصَّ علىٰ القائم الثاني عشر والإخبار بغيبته قبل ظهوره وقيامه بالسيف إنْ شاء الله تعالىٰ.

[اعتراضات للزيديَّة]:

قال بعض الزيديَّة: إنَّ الرواية التي دلَّت علىٰ أنَّ الأئمَّة اثنا عشر قول أحدثه الإماميَّة قريباً، وولَّدوا فيه أحاديث كاذبة.

فنقول - وبالله التوفيق -: إنَّ الأخبار في هذا الباب كثيرة، والمفزع والملجأ إلىٰ نقلة الحديث، وقد نقل مخالفونا من أصحاب الحديث نقلاً مستفيضاً من حديث عبد الله بن مسعود، مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ المعْرُوفُ بِأَبِي عَلِيِّ ابْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الرَّازِيِّ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ بْنِ خَلَفِ بْنِ يَزِيدَ المرْوَزِيُّ بِالرَّيِّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِمِائَةٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ المعْرُوفِ بِإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، عَنْ يَحْيَىٰ بْنِ يَحْيَىٰ(1)، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُجَالِدٍ(2)، عَنِ الشَّعْبِيِّ،

ص: 93


1- هو يحيىٰ بن يحيىٰ بن بكر بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي، أبو زكريَّا النيسابوري، ثقة. وأمَّا إسحاق بن راهويه فهو أبو يعقوب الحنظلي المروزي المحدِّث الفقيه، قال ابن حنبل: إسحاق عندنا إمام من أئمَّة المسلمين، وما عبر جسر أفضل منه. (راجع: تهذيب التهذيب: ج 1/ ص 190 - 192/ الرقم 408، وج 2/ ص 318/ الرقم 7696).
2- في بعض النُّسَخ: (هشام بن خالد)، وفي أكثرها: (هشام بن مجالد)، وفي مسند أحمد (ج 6/ ص 321/ ح 3781) هذا الحديث بعينه (عن حمَّاد بن زيد، عن المجالد، عن الشعبي)، وعليه فالمراد هشام بن سنبر الدستوائي الذي يأتي، يروي عن مجالد بن سعيد بن عمير أبى عمر، وهو كما قال ابن حجر ليس بالقوي. وفي كفاية الأثر (ص 24 و25) أيضاً (عن هشام الدستوائي، عن مجالد بن سعيد)، وهذا هو الصواب لما في طريق الشيخ في كتاب الغيبة (ص 133/ ح 97): (عن عيسىٰ بن يونس، عن مجالد بن سعيد). وقلنا: المراد بهشام أبو بكر البصري، واسم أبيه (سنبر)، وهو ثقة ثبت. وفى الخصال (ص 466 و467/ ح 6): (هيثم بن خالد)، وهو تصحيف. وأمَّا الشعبي فهو عامر بن شراحيل أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل كما في تقريب التهذيب (ج 1/ ص 461/ الرقم 3103). وأمَّا مسروق فهو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، ثقة فقيه عابد.

عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ نَعْرِضُ مَصَاحِفَنَا عَلَيْهِ إِذْ قَالَ لَهُ فَتَىٰ شَابٌّ: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ (صلی الله علیه و آله) كَمْ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ خَلِيفَةٌ؟ قَالَ: إِنَّكَ لَحَدَثُ السِّنِّ، وَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ [مِنْ] قَبْلِكَ، نَعَمْ عَهِدَ إِلَيْنَا نَبِيُّنَا (صلی الله علیه و آله) أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً بِعَدَدِ نُقْبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ».

وقد أخرجت بعض طُرُق هذا الحديث في هذا الكتاب، وبعضها في كتاب النصِّ علىٰ الأئمَّة الاثني عشر (علیهم السلام) بالإمامة.

ونقل مخالفونا من أصحاب الحديث نقلاً ظاهراً مستفيضاً من حديث جابر بن سمرة، مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الدِّينَوَرِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ(1)، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ شَاذَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ذَكْوَانَ(2)، قَالَ:حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ السُّوَائِيِّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله) فَقَالَ: «يَلِي هَذِهِ الْأُمَّةَ اثْنَا عَشَرَ»، قَالَ: فَصَرَخَ النَّاسُ، فَلَمْ أَسْمَعْ مَا قَالَ، فَقُلْتُ لِأَبِي - وَكَانَ أَقْرَبَ إِلَىٰ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله) مِنِّي -: مَا قَالَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله)؟ فَقَالَ: قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكُلُّهُمْ لَا يُرَىٰ مِثْلُهُ ».

وقد أخرجت طُرُق هذا الحديث أيضاً، وبعضهم روىٰ: «اثنا عشر أميراً»، وبعضهم روىٰ: «اثنا عشر خليفة»، فدلَّ ذلك علىٰ أنَّ الأخبار التي في

ص: 94


1- في الخصال (ص 473/ ح 29): (أبو بكر بن أبي زواد)، ولم أظفر به.
2- في بعض النُّسَخ من الخصال: (مخول بن ذكوان)، ولم أجده.

يد الإماميَّة عن النبيِّ (صلی الله علیه و آله) والأئمَّة (علیهم السلام) بذكر الأئمَّة الاثني عشر أخبار صحيحة(1).

قالت الزيديَّة: فإنْ كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) قد عرَّف أُمَّته أسماء الأئمَّة الاثني عشر، فلِمَ ذهبوا عنه يميناً وشمالاً وخبطوا هذا الخبط العظيم؟

فقلنا لهم: إنَّكم تقولون: إنَّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) استخلف عليًّا (علیه السلام) وجعله الإمام بعده ونصَّ عليه وأشار إليه وبيَّن أمره وشهَّره، فما بال أكثر الأُمَّة ذهبت عنه وتباعدت منه حتَّىٰ خرج من المدينة إلىٰ ينبع(2) وجرىٰ عليه ما جرىٰ، فإنْ قلتم: إنَّ عليًّا (علیه السلام) لم يستخلفه رسول الله (صلی الله علیه و آله)، فلِمَ أودعتم كُتُبكم ذلك وتكلَّمتم عليه؟ فإنَّ الناس قد يذهبون عن الحقِّ وإنْ كان واضحاً، وعن البيان وإنْ كان مشروحاً كما ذهبوا عن التوحيد إلىٰ التلحيد، ومن قوله (تبارک و تعالی): ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ [الشورىٰ: 11]، إلىٰ التشبيه.

[اعتراض آخر للزيديَّة]:

قالت الزيديَّة: وممَّا تكذب به دعوىٰ الإماميَّة أنَّهم زعموا أنَّ جعفر بن محمّد (علیهما السلام) نصَّ لهم علىٰ إسماعيل وأشار إليه في حياته، ثمّ إنَّ إسماعيل مات في حياته فَقَالَ: «مَا بَدَا لله فِي شَيْءٍ كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ ابْنِي »(3)، فإنْ كان الخبر

ص: 95


1- روىٰ أحمد في مسنده هذا الحديث ونحوه من أربع وثلاثين طريقاً عن جابر بن سمرة، راجع: المسند (ج 34/ ص 409 - 529). ورواه الخطيب البغدادي أيضاً في التاريخ (ج 14/ ص 354) من حديث جابر بن سمرة، ونحوه في (ج 6/ ص 261) من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة بطُرُق عديدة من حديث جابر.
2- في بعض النُّسَخ: (البقيع).
3- رواه المصنِّف (رحمة الله) في التوحيد (ص 336/ ح 10 و11)، المفيد (رحمة الله) في الفصول المختارة (ص 309)، وتصحيح اعتقادات الإماميَّة (ص 66)، والمسائل العكبريَّة (ص 99 و100).

الاثنا عشر صحيحاً فكان لا أقلَّ من أنْ يعرفه جعفر بن محمّد (علیهما السلام) ويُعرِّف خواصَّ شيعته لئلَّا يغلط هو وهم هذا الغلط العظيم.

فقلنا لهم: بِمَ قلتم: إنَّ جعفر بن محمّد (علیهما السلام) نصَّ علىٰ إسماعيل بالإمامة؟ وما ذلك الخبر؟ ومن رواه؟ ومن تلقَّاه بالقبول؟ فلم يجدوا إلىٰ ذلك سبيلاً، وإنَّما هذه حكاية ولَّدها قوم قالوا بإمامة إسماعيل، ليس لها أصل، لأنَّ الخبر بذكر الأئمَّة الاثني عشر (علیهم السلام) قد رواه الخاصُّ والعامُّ عن النبيِّ (صلی الله علیه و آله) والأئمَّة (علیهم السلام)، وقد أخرجت ما روي عنهم في ذلك في هذا الكتاب. فأمَّا قَوْلُهُ: «مَا بَدَا لله فِي شَيْءٍ كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ ابْنِي »، فإنَّه يقول: ما ظهر لله أمر كماظهر له في إسماعيل ابني إذ اخترمه في حياتي(1) ليعلم بذلك أنَّه ليس بإمام بعدي(2). وعندنا من زعم أنَّ الله (عزوجل)يبدو له اليوم في شيء لم يعلمه أمس فهو كافر والبراءة منه واجبة، كما روي عن الصادق (علیه السلام).

ص: 96


1- اخترمه: أهلكه واستأصله.
2- قال الطوسي (رحمة الله) في الغيبة (ص 429 و430) بعد إيراد الأخبار المشتملة علىٰ البداء في قيام القائم (علیه السلام): (فالوجه في هذه الأخبار أنْ نقول - إنْ صحَّت -: إنَّه لا يمتنع أنْ يكون الله تعالىٰ قد وقَّت هذا الأمر في الأوقات التي ذُكِرَت، فلمَّا تجدَّد ما تجدَّد تغيَّرت المصلحة واقتضت تأخيره إلىٰ وقت آخر، وكذلك فيما بعد، ويكون الوقت الأوَّل وكلُّ وقت يجوز أنْ يُؤخَّر مشروطاً بأنْ لا يتجدَّد ما يقتضي المصلحة تأخيره إلىٰ أنْ يجيء الوقت الذي لا يُغيِّره شيء فيكون محتوماً. وعلىٰ هذا يتأوَّل ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها والزيادة فيها عند الدعاء والصدقات وصلة الأرحام، وما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلىٰ ما قبله عند فعل الظلم وقطع الرحم وغير ذلك، وهو تعالىٰ وإنْ كان عالماً بالأمرين، فلا يمتنع أنْ يكون أحدهما معلوماً بشرط والآخر بلا شرط، وهذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل. وعلىٰ هذا يتأوَّل أيضاً ما روي من أخبارنا المتضمِّنة للفظ البداء ويُبيَّن أنَّ معناها النسخ علىٰ ما يريده جميع أهل العدل فيما يجوز فيه النسخ، أو تغيُّر شروطها إنْ كان طريقها الخبر عن الكائنات، لأنَّ البداء في اللغة هو الظهور، فلا يمتنع أنْ يظهر لنا من أفعال الله تعالىٰ ما كنَّا نظنُّ خلافه، أو نعلم ولا نعلم شرطه).

حَدَّثَنَا أَبِي (رضی الله عنه)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَىٰ الْعَطَّارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَىٰ بْنِ عِمْرَانَ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الله الرَّازِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ اللُّؤْلُؤِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ وسَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله الصَّادِقِ (علیه السلام)، قَالَ: «مَنْ زَعَمَأَنَّ اللهَ يَبْدُو لَهُ فِي شَيْءٍ الْيَوْمَ لَمْ يَعْلَمْهُ أَمْسِ فَابْرَؤُوا مِنْهُ »(1).

وإنَّما البداء الذي يُنسَب إلىٰ الإماميَّة القول به هو ظهور أمره، يقول العرب: (بدا لي شخص)، أي ظهر لي، لا بداء ندامة، تعالىٰ الله عن ذلك علوًّا كبيراً.

وكيف ينصُّ الصادق (علیه السلام) علىٰ إسماعيل بالإمامة مع قَوْلِهِ فِيهِ: «إِنَّهُ عَاصٍ لَا يُشْبِهُنِي ولَا يُشْبِهُ أَحَداً مِنْ آبَائِي »؟

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَىٰ بْنِ المتَوَكِّلِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَىٰ بْنِ عِمْرَانَ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ، قَالَ : سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله (علیه السلام) عَنْ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ: «عَاصٍ، لَا يُشْبِهُنِي وَلَا يُشْبِهُ أَحَداً مِنْ آبَائِي ».

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ وَالْبَرْقِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: ذَكَرْتُ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام)، فَقَالَ: «وَاللهِ لَا يُشْبِهُنِي وَلَا يُشْبِهُ أَحَداً مِنْ آبَائِي ».

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ المخْتَارِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ، قَالَ: جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي: تَعَالَ حَتَّىٰ أُرِيَكَ ابْنَ الرَّجُلِ، قَالَ

ص: 97


1- رواه المصنِّف (رحمة الله) في الاعتقادات (ص 41).

: فَذَهَبْتُ مَعَهُ، قَالَ: فَجَاءَ بِي إِلَىٰ قَوْمٍ يَشْرَبُونَ فِيهِمْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَغْمُوماً، فَجِئْتُ إِلَىٰ الْحَجَرِ فَإِذَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَيْتِ يَبْكِي قَدْ بَلَّ أَسْتَارَ الْكَعْبَةِبِدُمُوعِهِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ فَإِذَا إِسْمَاعِيلُ جَالِسٌ مَعَ الْقَوْمِ، فَرَجَعْتُ فَإِذَا هُوَ آخِذٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ قَدْ بَلَّهَا بِدُمُوعِهِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام) فَقَالَ: «لَقَدِ ابْتُلِيَ ابْنِي بِشَيْطَانٍ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِهِ»(1).

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ نَبِيٍّ وَلَا فِي صُورَةِ وَصِيِّ نَبِيٍ(2) ّ، فكيف يجوز أنْ ينصَّ عليه بالإمامة مع صحَّة هذا القول منه فيه.

[اعتراض آخر]:

قالت الزيديَّة: بأيِّ شيء تدفعون إمامة إسماعيل؟ وما حجَّتكم علىٰ الإسماعيليَّة القائلين بإمامته؟

قلنا لهم: ندفع إمامته بما ذكرنا من الأخبار، وبالأخبار الواردة بالنصِّ علىٰ الأئمَّة الاثني عشر (علیهم السلام)، وبموته في حياة أبيه.

فأمَّا الأخبار الواردة بالنصِّ علىٰ الأئمَّة الاثني عشر فقد ذكرناها في هذا الكتاب.

وأمَّا الأخبار الواردة بموته في حياة الصادق (علیه السلام) مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبِي (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الله الْأَعْرَجِ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام): «لَمَّا مَاتَ إِسْمَاعِيلُ أَمَرْتُ بِهِ وَهُوَ مُسَجَّىٰ أَنْ يُكْشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، فَقَبَّلْتُ جَبْهَتَهُ وَذَقَنَهُ وَنَحْرَهُ، ثُمَّ

ص: 98


1- رواه ابن بابويه (رحمة الله) في الإمامة والتبصرة (ص 71/ ح 59)، وابن شهرآشوب (رحمة الله) في مناقب آل أبي طالب (ج 1/ ص 229).
2- راجع: اختيار معرفة الرجال (ج 2/ ص 581 و582 و593/ ح 516 و548).

أَمَرْتُ بِهِ فَغُطِّيَ،ثُمَّ قُلْتُ: اكْشِفُوا عَنْهُ، فَقَبَّلْتُ أَيْضاً جَبْهَتَهُ وَذَقَنَهُ وَنَحْرَهُ، ثُمَّ أَمَرْتُهُمْ فَغَطَّوْهُ، ثُمَّ أَمَرْتُ بِهِ فَغُسِّلَ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَقَدْ كُفِّنَ، فَقُلْتُ: اكْشِفُوا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَبَّلْتُ جَبْهَتَهُ وَذَقَنَهُ وَنَحْرَهُ وَعَوَّذْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: دَرِّجُوهُ»، فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ عَوَّذْتَهُ؟ قَالَ: «بِالْقُرْآنِ »(1).

قال مصنِّف هذا الكتاب: في هذا الحديث فوائد:

أحدها الرخصة بتقبيل جبهة الميِّت وذقنه ونحره قبل الغسل وبعده إلَّا أنَّه من مسَّ ميِّتاً قبل الغسل بحرارته فلا غسل عليه، فإنَّ مسَّه بعد ما يبرد فعليه الغسل، وإنْ مسَّه بعد الغسل فلا غسل عليه، فلو ورد في الخبر أنَّ الصادق (علیه السلام) اغتسل بعد ذلك أو لم يغتسل لعلمنا بذلك أنَّه مسَّه قبل الغسل بحرارته أو بعد ما برد.

وللخبر فائدة أُخرىٰ، وهي: أنَّه قال: «أَمَرْتُ بِهِ فَغُسِّلَ»، ولم يقل: غسَّلته، وفي هذا الحديث أيضاً ما يُبطِل إمامة إسماعيل، لأنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام إذا حضره(2).

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُالْحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ ويَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي كَهْمَسٍ، قَالَ: حَضَرْتُ مَوْتَ إِسْمَاعِيلَ وَأَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام)

ص: 99


1- رواه المصنِّف (رحمة الله) في من لا يحضره الفقيه (ج 1/ ص 161/ ح 449).
2- فيه نظر، لأنَّه يمكن أنْ يقال: الأخبار التي وردت بأنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا الإمام مع ضعف سندها لا تدلُّ علىٰ وجوب المباشرة، إنَّما دلالته علىٰ أنَّ وليَّ الإمام في التجهيز هو الإمام الذي بعده، سواء باشر ذلك بنفسه أو أمر من يفعل بإذنه أو برضاه إنْ غاب، وفى التهذيب (ج 1/ ص 303/ ح 885/50)، والاستبصار (ج 1/ ص 207/ باب كيفيَّة غسل الميِّت/ ح 729/4) بطريق صحيح أعلائي عن معاوية بن عمَّار، قال: «أمرني أبو عبد الله (علیه السلام) أنْ أغمز بطنه، ثمّ أُوضِّيه بالأشنان، ثمّ أغسل رأسه بالسدر ولحييه، ثمّ أفيض علىٰ جسده منه، ثمّ أدلك به جسده، ثمّ أفيض عليه ثلاثاً، ثمّ أغسله بالماء القراح، ثمّ أفيض عليه الماء بالكافور، وبالماء القراح، وأطرح فيه سبع ورقات سدر».

جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَلَمَّا حَضَرَهُ المَوْتُ شَدَّ لَحْيَيْهِ وَغَطَّاهُ بِالْمِلْحَفَةِ ثُمَّ أَمَرَ بِتَهْيِئَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِهِ دَعَا بِكَفَنِهِ وَكَتَبَ فِي حَاشِيَةِ الْكَفَنِ: «إِسْمَاعِيلُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»(1).

حَدَّثَنَا أَبِي (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ، عَنْ أَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُرَّةَ مَوْلَىٰ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِسْمَاعِيلُ فَانْتَهَىٰ أَبُو عَبْدِ اللهِ (علیه السلام) إِلَىٰ الْقَبْرِ أَرْسَلَ نَفْسَهُ فَقَعَدَ عَلَىٰ جَانِبِ الْقَبْرِ لَمْ يَنْزِلْ فِي الْقَبْرِ، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) بِإِبْرَاهِيمَ وَلَدِهِ»(2).

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِسْمَاعِيلُ خَرَجَ إِلَيْنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ (علیه السلام) فَتَقَدَّمَ السَّرِيرَ بِلَا حِذَاءٍ وَلَا رِدَاءٍ.

حَدَّثَنَا أَبِي (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ، عَنْ أَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ والْأَرْقَطِ ابْنِ عَمِّ أَبِي عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ الله (علیه السلام) عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ حِينَ قُبِضَ، فَلَمَّا رَأَىٰ الْأَرْقَطُ جَزَعَهُ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الله قَدْمَاتَ رَسُولُ الله (صلی الله علیه و آله)، قَالَ: فَارْتَدَعَ، ثُمَّ قَالَ: «صَدَقْتَ أَنَا لَكَ الْيَوْمَ أَشْكُرُ».

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الثَّقَفِيِ ، عَنْ أَبِي كَهْمَسٍ، قَالَ: حَضَرْتُ مَوْتَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)، فَرَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (علیه السلام) وَقَدْ سَجَدَ سَجْدَةً فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ

ص: 100


1- رواه الطوسي (رحمة الله) في تهذيب الأحكام (ج 1/ ص 289 و309/ ح 842/10 و898/66).
2- روىٰ قريباً منه الكليني (رحمة الله) في الكافي (ج 3/ ص 193/ باب من يدخل القبر ومن لا يدخل/ ح 3).

فَنَظَرَ إِلَيْهِ قَلِيلاً ونَظَرَ إِلَىٰ وَجْهِهِ، [قَالَ]: ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَةً أُخْرَىٰ أَطْوَلَ مِنَ الْأُولَىٰ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وقَدْ حَضَرَهُ الموْتُ فَغَمَّضَهُ وَرَبَطَ لَحْيَيْهِ وَغَطَّىٰ عَلَيْهِ مِلْحَفَةً، ثُمَّ قَامَ وَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَهُ وَقَدْ دَخَلَهُ مِنْهُ شَيْءٌ اللهُ أَعْلَمُ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَمَكَثَ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا مُدَّهِناً مُكْتَحِلاً عَلَيْهِ ثِيَابٌ غَيْرُ الثِّيَابِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَوَجْهُهُ غَيْرُ الَّذِي دَخَلَ بِهِ، فَأَمَرَ وَنَهَىٰ فِي أَمْرِهِ(1) حَتَّىٰ إِذَا فَرَغَ مِنْهُ دَعَا بِكَفَنِهِ فَكَتَبَ فِي حَاشِيَةِ الْكَفَنِ: «إِسْمَاعِيلُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».

حَدَّثَنَا أَبِي (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ ظَرِيفِ بْنِ نَاصِحٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: مَاتَتِ ابْنَةٌ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام) فَنَاحَ عَلَيْهَا سَنَةً، ثُمَّ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ آخَرُ فَنَاحَ عَلَيْهِ سَنَةً، ثُمَّ مَاتَ إِسْمَاعِيلُ فَجَزِعَ عَلَيْهِ جَزَعاً شَدِيداً فَقَطَعَ النَّوْحَ، قَالَ: فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام): أَصْلَحَكَ اللهُ أَيُنَاحُ فِي دَارِكَ؟ فَقَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیهو آله) قَالَ لَمَّا مَاتَ حَمْزَةُ: ليبكينَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ (2)».

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَتِّيلٍ الدَّقَّاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْكُوفِيِّ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْوَفَاةُ جَزِعَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (علیه السلام) جَزَعاً شَدِيداً، قَالَ: فَلَمَّا غَمَّضَهُ دَعَا بِقَمِيصٍ غَسِيلٍ أَوْ جَدِيدٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ تَسَرَّحَ وَخَرَجَ يَأْمُرُ وَيَنْهَىٰ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، لَقَدْ ظَنَنَّا أَنْ لَا يُنْتَفَعَ بِكَ زَمَاناً لِمَا رَأَيْنَا مِنْ جَزَعِكَ، قَالَ: «إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نَجْزَعُ مَا لَمْ تَنْزِلِ المصِيبَةُ، فَإِذَا نَزَلَتْ صَبَرْنَا»(3).

ص: 101


1- يعني في تجهيز إسماعيل.
2- في بعض النُّسَخ: (لكنَّ حمزة لا بواكي له).
3- روىٰ قريباً منه المصنِّف (رحمة الله) في من لا يحضره الفقيه (ج 1/ ص 187/ ح 567).

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّقَّاقُ (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْكُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَرْمَكِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ بِجَّادٍ الْعَابِدُ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَفَرَغْنَا مِنْ جَنَازَتِهِ جَلَسَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ ابْنُ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ وَهُوَ مُطْرِقٌ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا دَارُ فِرَاقٍ ودَارُ الْتِوَاءٍ(1) لَا دَارُ اسْتِوَاءٍ عَلَىٰ أَنَّ فِرَاقَ المأْلُوفِ حُرْقَةٌ لَا تُدْفَعُ وَلَوْعَةٌ لَا تُرَدُّ(2) وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ بِحُسْنِ الْعَزَاءِ وَصِحَّةِ الْفِكْرِ، فَمَنْ لَمْ يَثْكَلْ أَخَاهُ ثَكِلَهُ أَخُوهُ، وَمَنْ لَمْ يُقَدِّمْ وَلَداً كَانَ هُوَ المقَدَّمَ دُونَ الْوَلَدِ»، ثُمَّ تَمَثَّلَ (علیه السلام) بِقَوْلِ أَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ يَرْثِي أَخَاهُ:وَلَا

تَحْسَبِي أَنِّي تَنَاسَيْتُ عَهْدَهُ *** وَلَكِنَّ صَبْرِي يَا أُمَامُ جَمِيلٌ(3)(4)

ص: 102


1- التواء: الاعوجاج.
2- اللوعة: حرقة الحزن.
3- في بعض النُّسَخ: (يا أميم جميل)، والأميم هو المضروب علىٰ أُمِّ رأسه.
4- رواه المصنِّف (رحمة الله) في أماليه (ص 309/ ح 356/4)، والفتَّال (رحمة الله) في روضة الواعظين (ص 444)، والراوندي (رحمة الله) في مكارم أخلاق النبيِّ والأئمَّة (علیهم السلام) (ص 317)، وورَّام في تنبيه الخواطر (ج 2/ ص 484). قال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 79/ ص 74): (بيان: قال الفيروزآبادي: لواه فتله وثنَّاه فالتوىٰ وتلوَّىٰ، وعن الأمر تثاقل كالتوىٰ، وفلاناً علىٰ فلان آثره، وتلوَّىٰ انعطف كالتوىٰ، والبقل ذوي، وبه ذهب وبما في الإناء استأثر به وغلب علىٰ غيره، وبه العقاب طارت به، وبهم الدهر أهلكهم، وبكلامه خالف به عن جهته. انتهىٰ. والأكثر مناسب كما لا يخفىٰ أي دار ذهاب وانعطاف إلىٰ دار أُخرىٰ، ودار استيثار واستبداد وبوار وهلاك ويتلوَّىٰ فيها للمصائب، لأدار استواء أي اعتدال واستقامة، أو استيلاء علىٰ المطلوب. واللوعة حرقة في القلب، والثكل - بالضمِّ - الموت والهلاك، وفقدان الجيب أو الولد، وقد ثكله كفرح، وأُمام - بالضمِّ - مرخَّم أُمامة اسم امرأة).

اعتراض آخر:

قالت الزيديَّة: لو كان خبر الأئمَّة الاثني عشر صحيحاً لما كان الناس يشكُّون بعد الصادق جعفر بن محمّد (علیهما السلام) في الإمامة حتَّىٰ يقول طائفة من الشيعة بعبد الله وطائفة بإسماعيل وطائفة تتحيَّر حتَّىٰ إِنَّ الشِّيعَةَ مِنْهُمْ مَنِ امْتَحَنَ عَبْدَ الله بْنَ الصَّادِقِ (علیه السلام) فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ مَا أَرَادَ خَرَجَ وهُوَ يَقُولُ: إِلَىٰ أَيْنَ؟ إِلَىٰ المرْجِئَةِ أَمْ إِلَىٰ الْقَدَرِيَّةِ أَمْ إِلَىٰ الْحَرُورِيَّةِ؟ وَإِنَّ مُوسَىٰ بْنَ جَعْفَرٍ سَمِعَهُ يَقُولُ هَذَا، فَقَالَ لَهُ: «لَا إِلَىٰ المرْجِئَةِ، وَلَا إِلَىٰ الْقَدَرِيَّةِ، وَلَا إِلَىٰ الْحَرُورِيَّةِ، وَلَكِنْ إِلَيَّ»(1)، فانظروامن كم وجه يبطل خبر الاثني عشر: أحدها جلوس عبد الله للإمامة، والثاني إقبال الشيعة إليه، والثالث حيرتهم عند امتحانه، والرابع أنَّهم لم يعرفوا أنَّ إمامهم موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) حتَّىٰ دعاهم موسىٰ إلىٰ نفسه وفي هذه المدَّة مات فقيههم زُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ وَهُوَ يَقُولُ وَالمُصْحَفُ عَلَىٰ صَدْرِهِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَئْتَمُّ بِمَنْ أَثْبَتَ إِمَامَتَهُ هَذَا المصْحَفُ )(2).

فقلنا لهم: إنَّ هذا كلَّه غرور من القول وزخرف، وذلك أنَّا لم ندَّعِ أنَّ َّ جميع الشيعة عرف في ذلك العصر الأئمَّة الاثني عشر (علیهم السلام) بأسمائهم، وإنَّما قلنا: إنَّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) أخبر أنَّ الأئمَّة بعده الاثنا عشر، الذين هم خلفاؤه وأنَّ علماء الشيعة قد رووا هذا الحديث بأسمائهم، ولا يُنكَر أنْ يكون فيهم واحد أو اثنان أو أكثر لم يسمعوا بالحديث، فأمَّا زرارة بن أعين فإنَّه مات قبل انصراف من كان

ص: 103


1- راجع ما رواه الصفَّار (رحمة الله) في بصائر الدرجات (ص 270 و271/ ج 5/ باب 12/ ح 1)، والكليني (رحمة الله) في الكافي (ج 1/ ص 351 و352/ باب ما يُفصَل به بين دعوىٰ المحق والمبطل في أمر الإمامة/ ح 7)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص 197 و198)، وأبو غالب الزراري في تاريخ آل زرارة (ص 75 و76)، والمفيد (رحمة الله) في الإرشاد (ج 2/ ص 221 و222)، والطوسي (رحمة الله) في اختيار معرفة الرجال (ج 2/ ص 565 و566/ ح 502).
2- روىٰ قريباً منه أبو غالب الزراري في تاريخ آل زرارة (ص 79).

وفده ليعرف الخبر ولم يكن سمع بالنصِّ علىٰ موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) من حيث قطع الخبر عذره، فَوَضَعَ المُصْحَفَ الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ عَلَىٰ صَدْرِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَئْتَمُّ بِمَنْ يُثْبِتُ هَذَا المصْحَفُ إِمَامَتَهُ . وهل يفعل الفقيه المتديِّن عند اختلاف الأمر عليه إلَّا ما فعله زرارة؟ علىٰ أنَّه قد قيل: إنَّ زرارة قد كان علم بأمر موسىٰ ابن جعفر (علیهما السلام) وبإمامته، وإنَّما بعث ابنه عبيداً ليتعرَّف من موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) هل يجوز له إظهار ما يعلم من إمامته أو يستعمل التقيَّة في كتمانه؟ وهذا أشبهبفضل زرارة بن أعين وأليق بمعرفته.

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْهَمَدَانِيُّ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَىٰ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيِّ (رضی الله عنه)، قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا (علیه السلام): يَا ابْنَ رَسُولِ الله، أَخْبِرْنِي عَنْ زُرَارَةَ هَلْ كَانَ يَعْرِفُ حَقَّ أَبِيكَ (علیه السلام)؟ فَقَالَ: «نَعَمْ»، فَقُلْتُ لَهُ: فَلِمَ بَعَثَ ابْنَهُ عُبَيْداً لِيَتَعَرَّفَ الْخَبَرَ إِلَىٰ مَنْ أَوْصَىٰ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام)؟ فَقَالَ: «إِنَّ زُرَارَةَ كَانَ يَعْرِفُ أَمْرَ أَبِي (علیه السلام) وَنَصَّ أَبِيهِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا بَعَثَ ابْنَهُ لِيَتَعَرَّفَ مِنْ أَبِي (علیه السلام) هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ التَّقِيَّةَ فِي إِظْهَارِ أَمْرِهِ وَنَصِّ أَبِيهِ عَلَيْهِ؟ وَأَنَّهُ لَمَّا أَبْطَأَ عَنْهُ ابْنُهُ طُولِبَ بِإِظْهَارِ قَوْلِهِ فِي أَبِي (علیه السلام)، فَلَمْ يُحِبَّ أَنْ يُقْدِمَ عَلَىٰ ذَلِكَ دُونَ أَمْرِهِ، فَرَفَعَ المصْحَفَ وقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ إِمَامِي مَنْ أَثْبَتَ هَذَا المصْحَفُ إِمَامَتَهُ مِنْ وُلْدِ جَعْفَرِ ابْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام)»(1).

والخبر الذي احتجَّت به الزيديَّة ليس فيه أنَّ زرارة لم يعرف إمامة موسىٰ ابن جعفر (علیهما السلام)، وإنَّما فيه أنَّه بعث ابنه عبيداً ليسأل عن الخبر.

حَدَّثَنَا أَبِي (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَىٰ بْنِ عِمْرَانَ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ زُرَارَةَ،

ص: 104


1- رواه أبو غالب الزراري (رحمة الله) في تاريخ آل زرارة (ص 82 و83).

عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَ زُرَارَةُ عُبَيْداً ابْنَهُ إِلَىٰ المَدِينَةِ لِيَسْأَلَ عَنِ الْخَبَرِ بَعْدَ مُضِيِّ أَبِي عَبْدِ الله (علیه السلام)، فَلَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الْأَمْرُأَخَذَ المصْحَفَ وَقَالَ: مَنْ أَثْبَتَ إِمَامَتَهُ هَذَا المُصْحَفُ فَهُوَ إِمَامِي(1) . وهذا الخبر لا يوجب أنَّه لم يعرف. علىٰ أنَّ راوي هذا الخبر أحمد بن هلال(2) وهو مجروح عند مشايخنا (رضی الله عنهم).

حَدَّثَنَا شَيْخُنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ (رضی الله عنه)، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عَبْدِ الله يَقُولُ: مَا رَأَيْنَا وَلَا سَمِعْنَا بِمُتَشَيِّعٍ رَجَعَ عَنِ التَّشَيُّعِ إِلَىٰ النَّصْبِ إِلَّا أَحْمَدَ بْنَ هِلَالٍ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مَا تَفَرَّدَ بِرِوَايَتِهِ أَحْمَدُ بْنُ هِلَالٍ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ وَالْأَئِمَّةَ (صلوات الله عليهم) لَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضىٰ اللهُ دِينَهُ، وَالشَّاكُّ فِي الْإِمَامِ عَلَىٰ غَيْرِ دِينِ اللهِ.

وَقَدْ ذَكَرَ مُوسَىٰ بْنُ جَعْفَرٍ (علیهما السلام) أَنَّهُ سَيَسْتَوْهِبُهُ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الصُّهْبَانِ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ مَرْوَكِ ابْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَىٰ بْنِ جَعْفَرٍ (علیهما السلام)، قَالَ: ذُكِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ زُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ، فَقَالَ: «وَاللهِ إِنِّي سَأَسْتَوْهِبُهُ مِنْ رَبِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَهَبُهُ لِي، وَيْحَكَ إِنَّ زُرَارَةَ بْنَ أَعْيَنَ أَبْغَضَ عَدُوَّنَا فِي اللهِ وَأَحَبَّ وَلِيَّنَا فِي اللهِ».

حَدَّثَنَا أَبِي ومُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (رضی الله عنهما)، قَالا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ جَمِيعاً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِأَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ

ص: 105


1- رواه أبو غالب الزراري (رحمة الله) في تاريخ آل زرارة (ص 79).
2- هو أحمد بن هلال العبرتائي، روىت فيه ذموم عن الإمام العسكري (علیه السلام)، كما في اختيار معرفة الرجال (ج 2/ ص 816).

أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً: بُرَيْدٌ الْعِجْلِيُّ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَالْأَحْوَلُ(1)، أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً»(2).

فالصادق (علیه السلام) لا يجوز أنْ يقول لزرارة: إنَّه من أحبّ الناس إليه وهو لا يعرف إمامه موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام).

[اعتراض آخر]:

قالت الزيديَّة: لا يجوز أنْ يكون من قول الأنبياء: إنَّ الأئمَّة اثنا عشر، لأنَّ الحجَّة باقية علىٰ هذه الأُمَّة إلىٰ يوم القيامة، والاثنا عشر بعد محمّد (صلی الله علیه و آله) قد مضىٰ منهم أحد عشر، وقد زعمت الإماميَّة أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة.

فيقال لهم: إنَّ عدد الأئمَّة (علیهم السلام) اثنا عشر، والثاني عشر هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ثمّ يكون بعده ما يذكره من كون إمام بعده أو قيام القيامة ولسنا مستعبدين في ذلك إلَّا بالإقرار باثني عشر إماماً واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر (علیه السلام) بعده.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَىٰ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ فَهْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَىٰالْوَجِيهِيِّ(3)، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ (علیه السلام): يَا أَمِيرَ المؤْمِنِينَ، أَخْبِرْنِي بِمَا يَكُونُ مِنَ الْأَحْدَاثِ بَعْدَ قَائِمِكُمْ، قَالَ: «يَا ابْنَ الْحَارِثِ، ذَلِكَ شَيْءٌ ذِكْرُهُ مَوْكُولٌ إِلَيْهِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله) عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ لَا أُخْبِرَ بِهِ إِلَّا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ (علیهما السلام)».

ص: 106


1- يعني محمّد بن النعمان البجلي مؤمن الطاق.
2- رواه الطوسي (رحمة الله) في اختيار معرفة الرجال (ج 1/ ص 347/ ح 215).
3- عمر بن موسىٰ الوجيهي، زيدي، له كتاب قراءة زيد بن عليٍّ (علیه السلام)، وقال: سمعت زيد بن عليٍّ يقول: هذا قراءة أمير المؤمنين (علیه السلام).

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَىٰ الْجَلُودِيُّ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ يُونُسَ ابْنِ أَرْقَمَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الشَّيْبَانِيِّ(1)، عَنِ الضَّحَاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ (علیه السلام) فِي حَدِيثٍ يَذْكُرُ فِيهِ أَمْرَ الدَّجَّالِ وَيَقُولُ فِي آخِرِهِ: «لَا تَسْأَلُونِّي عَمَّا يَكُونُ بَعْدَ هَذَا فَإِنَّهُ عَهِدَ إِلَيَّ حَبِيبِي (علیه السلام) أَنْ لَا أُخْبِرَ بِهِ غَيْرَ عِتْرَتِي»، قَالَ النَّزَّالُ بْنُ سَبْرَةَ، فَقُلْتُ لِصَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ: مَا عَنَىٰ أَمِيرُ المؤْمِنِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ فَقَالَصَعْصَعَةُ: يَا ابْنَ سَبْرَةَ، إِنَّ الَّذِي يُصَلِّي عِيسَىٰ بْنُ مَرْيَمَ خَلْفَهُ هُوَ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الْعِتْرَةِ، التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (علیهما السلام)، وهُوَ الشَّمْسُ الطَّالِعَةُ مِنْ مَغْرِبِهَا، يَظْهَرُ عِنْدَ الرُّكْنِ وَالمقَامِ، فَيُطَهِّرُ الْأَرْضَ وَيَضَعُ الْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ فَلَا يَظْلِمُ أَحَدٌ أَحَداً، فَأَخْبَرَ أَمِيرُ المؤْمِنِينَ (علیه السلام) أَنَّ حَبِيبَهُ رَسُولَ الله (صلی الله علیه و آله) عَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يُخْبِرَ بِمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ عِتْرَتِهِ الْأَئِمَّةِ.

ويقال للزيديَّة: أفيكذب رسول الله (صلی الله علیه و آله) في قوله: «إنَّ الأئمَّة اثنا عشر»؟ فإنْ قالوا: إنَّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) لم يقل هذا القول، قيل لهم: إنْ جاز لكم دفع هذا الخبر مع شهرته واستفاضته وتلقِّي طبقات الإماميَّة إيَّاه بالقبول، فما أنكرتم ممَّن يقول: إنَّ قَوْلَ رَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله): «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ » ليس من قول الرسول (علیه السلام)؟

ص: 107


1- أمَّا الحسين بن معاذ فالظاهر هو الحسين بن معاذ بن خليف البصري الذي ذكره ابن حبَّان في الثقات (ج 8/ ص 187). وأمَّا قيس بن حفص فالظاهر هو قيس بن حفص بن القعقاع التميمي الدارمي مولاهم أبو محمّد البصري المتوفَّىٰ (227ه) الذي ذكره العجلي في معرفة الثقات (ج 1/ ص 45/ الرقم 48). وأمَّا يونس بن أرقم فلم أجد من ذكره. وأمَّا أبو سنان الشيباني المصحَّف في نُسَخ الكتاب بأبي سيَّار فهو سعيد بن سنان البرجمي الشيباني الكوفي الذي ذكره ابن حبَّان في الثقات (ج 6/ ص 356)، وقال: (كان عابداً فاضلاً) انتهىٰ، يروي عن ضحَّاك بن مزاحم الهلالي أبي القاسم، ويقال: أبو محمّد، قال عبد الله بن أحمد: ثقة مأمون، وقال ابن معين وكذا أبو زرعة: ثقة. وهو يروي عن النزَّال بن سبرة - بفتح المهملة وسكون الموحَّدة - الهلالي، وهو كوفي تابعي من كبار التابعين ذكره ابن حبَّان في الثقات كما في التهذيب.

[اعتراض آخر]:

قالت الزيديَّة: اختلفت الإماميَّة في الوقت الذي مضىٰ فيه الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام)، فمنهم من زعم أنَّ ابنه كان ابن سبع سنين، ومنهم من قال: إنَّه كان صبيًّا(1) أو رضيعاً، وكيف كان فإنَّه في هذه الحال لا يصلح للإمامة ورئاسة الأُمَّة، وأنْ يكون خليفة الله في بلاده وقيِّمه في عباده وفئة المسلمين إذا عضَّتهم الحروب، ومدبِّر جيوشهم، والمقاتل عنهم، والذابُّ عن حوزتهم، والدافع عن حريمهم، لأنَّ الصبيَّ الرضيع والطفل لا يصلحان لمثل هذه الأُمور، ولم تجرِ العادة فيما سلف قديماً وحديثاً أنْ تلقىٰ الأعداء بالصبيان، ومن لا يحسن الركوب، ولا يثبت علىٰالسرج، ولا يعرف كيف يصرف العنان، ولا ينهض بحمل الحمائل، ولا بتصريف القناة، ولا يمكنه الحمل علىٰ الأعداء في حومة الوغا، فإنَّ أحد أوصاف الإمام أنْ يكون أشجع الناس.

[الجواب]:

يقال لمن خطب بهذه الخطبة: إنَّكم نسيتم كتاب الله (تبارک و تعالی)، ولولا ذلك لم ترموا الإماميَّة بأنَّهم لا يحفظون كتاب الله، وقد نسيتم قصَّة عيسىٰ (علیه السلام) وهو في المهد حين يقول: «إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا 30 وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ...» الآية [مريم: 30 و31]، أخبرونا لو آمن به بنو إسرائيل ثمّ حزبهم أمر من العدوِّ(2) كيف كان يفعل المسيح (علیه السلام)؟ وكذلك القول في يحيىٰ (علیه السلام)، وقد أعطاه الله الحكم صبيًّا، فإنْ جحدوا ذلك فقد جحدوا كتاب الله، ومن لم يقدر علىٰ دفع خصمه إلَّا بعد أنْ يجحد كتاب الله فقد وضح بطلان قوله.

ص: 108


1- في بعض النُّسَخ: (جنيناً).
2- حزبه أمر، أي أصابه.

ونقول في جواب هذا الفصل: إنَّ الأمر لو أفضىٰ بأهل هذا العصر إلىٰ ما وصفوا لنقض الله العادة فيه، وجعله رجلاً بالغاً كاملاً فارساً شجاعاً بطلاً قادراً علىٰ مبارزة الأعداء والحفظ لبيضة الإسلام والدفع عن حوزتهم. وهذا جواب لبعض الإماميَّة علىٰ أبي القاسم البلخي.

[اعتراض آخر]:

قالت الزيديَّة: قد شكَّ الناس في صحَّة نسب هذا المولود، إذ أكثر الناس يدفعون أنْ يكون للحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) ولد.

فيقال لهم: قد شكَّ بنو إسرائيل في المسيح ورموا مريم بما قالوا:«لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا 27» [مريم: 27](1)، فتكلَّم المسيح ببراءة أُمِّه (علیها السلام) فقال: «إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا 30» [مريم: 30]، فعلم أهل العقول أنَّ الله (عزوجل)لا يختار لأداء الرسالة مغمور النَّسَب ولا غير كريم المنصب، كذلك الإمام (علیه السلام) إذا ظهر كان معه من الآيات الباهرات والدلائل الظاهرات ما يُعلَم به أنَّه بعينه دون الناس هو خلف الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام).

قال بعضهم: ما الدليل علىٰ أنَّ الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) تُوفِّي؟

قيل له: الأخبار التي وردت في موته هي أوضح وأشهر وأكثر من الأخبار التي وردت في موت أبي الحسن موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام)، لأنَّ أبا الحسن (علیه السلام) مات في يد الأعداء ومات أبو محمّد الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) في داره علىٰ فراشه، وجرىٰ في أمره ما قد أوردت الخبر به مسنداً في هذا الكتاب.

فقال قائل منهم: فهلَّا دلَّكم تنازع أُمِّ الحسن وجعفر في ميراثه أنَّه لم يكن له ولد؟ لأنَّا بمثل هذا نعرف من يموت ولا عقب له أنْ لا يظهر ولده ويُقسَّم ميراثه بين ورثته؟

ص: 109


1- وقوله: «فَرِيًّا» أي عظيماً بديعاً أو قبيحاً منكراً، من الافتراء وهو الكذب.

فقيل له: هذه العادة مستفيضة، وذلك أنَّ تدبير الله في أنبيائه ورُسُله وخلفائه ربَّما جرىٰ علىٰ المعهود المعتاد وربَّما جرىٰ بخلاف ذلك، فلا يُحمَل أمرهم في كلِّ الأحوال علىٰ العادات كما لا يُحمَل أمر المسيح (علیه السلام) علىٰ العادات.قال: فإنْ جاز له أنْ يُشَكَّ(1) في هذا لِمَ لا يجوز أنْ نشكَّ في كلِّ من يموت ولا عقب له ظاهر؟

قيل له: لا نشكُّ في أنَّ الحسن (علیه السلام) كان له خلف من عقبه بشهادة من أثبت له ولداً من فضلاء ولد الحسن والحسين (علیهما السلام) والشيعة الأخيار، لأنَّ الشهادة التي يجب قبولها هي شهادة المثبت لا شهادة النافي، وإنْ كان عدد النافين أكثر من عدد المثبتين، ووجدنا لهذا الباب فيما مضىٰ مثالاً وهو قصَّة موسىٰ (علیه السلام)، لأنَّ الله سبحانه لمَّا أراد أنْ يُنجِّي بني إسرائيل من العبوديَّة ويُصيِّر دينه علىٰ يديه غضًّا طريًّا أوحىٰ إلىٰ أُمِّه: «فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ 7» [القَصص: 7]، فلو أنَّ أباه عمران مات في ذلك الوقت لما كان الحكم في ميراثه إلَّا كالحكم في ميراث الحسن (علیه السلام)، ولم يكن في ذلك دلالة علىٰ نفي الولد.

وخفي علىٰ مخالفينا فقالوا: إنَّ موسىٰ في ذلك الوقت لم يكن بحجَّة والإمام عندكم حجَّة، ونحن إنَّما شبَّهنا الولادة والغيبة بالولادة والغيبة، وغيبة يوسف (علیه السلام) أعجب من كلِّ عجب لم يقف علىٰ خبره أبوه وكان بينهما من المسافة ما يجب أنْ لا ينقطع لولا تدبير الله (عزوجل)في خلقه أنْ ينقطع خبره عن أبيه وهؤلاء إخوته دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون.

وشبَّهنا أمر حياته بقصَّة أصحاب الكهف، فإنَّهم لَبِثُوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، وهم أحياء.

ص: 110


1- في بعض النُّسَخ: (فإنْ جاز لنا أنْ نشكَّ).

فإنْ قال قائل: إنَّ هذه أُمور قد كانت، ولا دليل معنا علىٰصحَّة ما تقولون.

قيل له: أخرجنا بهذه الأمثلة أقوالنا من حدِّ الإحالة إلىٰ حدِّ الجواز، وأقمنا الأدلَّة علىٰ صحَّة قولنا بأنَّ الكتاب لا يزال معه من عترة الرسول (صلی الله علیه و آله) من يعرف حلاله وحرامه ومحكمه ومتشابهه، وبما أسندناه في هذا الكتاب من الأخبار عن النبيِّ والأئمَّة (صلوات الله عليهم).

فإنْ قال: فكيف التمسُّك به ولا نهتدي إلىٰ مكانه ولا يقدر أحد علىٰ إتيانه؟

قيل له: نتمسَّك بالإقرار بكونه وبإمامته وبالنجباء الأخيار والفضلاء الأبرار القائلين بإمامته، المثبتين لولادته وولايته، المصدِّقين للنبيِّ والأئمَّة (علیهم السلام) في النصِّ عليه باسمه ونَسَبه من أبرار شيعته، العالمين بالكتاب والسُّنَّة، العارفين بوحدانيَّة الله (تعالىٰ ذكره)، النافين عنه شُبَه المحدِّثين المحرِّمين للقياس، المسلِّمين لما يصحُّ وروده عن النبيِّ والأئمَّة (علیهم السلام).

فإنْ قال قائل: فإنْ جاز أنْ يكون نتمسَّك بهؤلاء الذين وصفتهم ويكون تمسُّكنا بهم تمسُّكاً بالإمام الغائب، فلِمَ لا يجوز أنْ يموت رسول الله (صلی الله علیه و آله) ولا يُخلِّف أحداً فيقتصر أُمَّته علىٰ حُجَج العقول والكتاب والسُّنَّة؟

قيل له: ليس الاقتراح علىٰ الله (عزوجل)علينا، وإنَّما علينا فعل ما نُؤمَر به، وقد دلَّت الدلائل علىٰ فرض طاعة هؤلاء الأئمَّة الأحد عشر (علیهم السلام) الذين مضوا ووجب القعود معهم إذا قعدوا والنهوض معهم إذا نهضوا، والإسماع منهم إذا نطقوا، فعلينا أنْ نفعل في كلِّ وقت ما دلَّت الدلائل علىٰ أنَّ علينا أنْ نفعله.

[اعتراض آخر لبعضهم]:

قال بعض الزيديَّة: فإنَّ للواقفة ولغيرهم أنْ يعارضوكم في ادِّعائكم أنَّ

ص: 111

موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) مات، وأنَّكم وقفتم علىٰ ذلك بالعرف والعادة والمشاهدة، وذلك أنَّ الله (عزوجل)قد أخبر في شأن المسيح (علیه السلام) فقال: «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» [النساء: 157]، وكان عند القوم في حكم المشاهدة والعادة الجارية أنَّهم قد رأوه مصلوباً مقتولاً، فليس بمنكر مثل ذلك في سائر الأئمَّة الذين قال بغيبتهم طائفة من الناس.

الجواب: يقال لهم: ليس سبيل الأئمَّة (علیهم السلام) في ذلك سبيل عيسىٰ بن مريم (علیهما السلام)، وذلك أنَّ عيسىٰ بن مريم ادَّعت اليهود قتله، فكذَّبهم الله (تعالىٰ ذكره) بقوله: «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ»، وأئمَّتنا (علیهم السلام) لم يرد في شأنهم الخبر عن الله أنَّهم شُبِّهوا وإنَّما قال ذلك قوم من طوائف الغلاة، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله) بِقَتْلِ أَمِيرِ المؤْمِنِينَ (علیه السلام) بِقَوْلِهِ: «إِنَّهُ سَتُخْضَبُ هَذِهِ مِنْ هَذَا» يعني لحيته من دم رأسه، وأخبر من بعده من الأئمَّة (علیهم السلام) بقتله، وكذلك الحسن والحسين (علیهما السلام) قد أخبر النبيُّ (صلی الله علیه و آله) عن جبرئيل بأنَّهما سيقتلان، وأخبرا عن أنفسهما بأنَّ ذلك سيجري عليهما، وأخبر من بعدهما من الأئمَّة (علیهم السلام) بقتلهما، وكذلك سبيل كلِّ إمام بعدهما من عليِّ بن الحسين إلىٰ الحسن بن عليٍّ العسكري (علیهم السلام) قد أخبر الأوَّل بما يجري علىٰ من بعده وأخبر من بعده بما جرىٰ علىٰ من قبله، فالمخبرون بموت الأئمَّة (علیهم السلام) هم النبيُّ والأئمَّة(علیهم السلام) واحد بعد واحد، والمخبرون بقتل عيسىٰ (علیه السلام) كانت اليهود، فلذلك قلنا: إنَّ ذلك جرىٰ عليهم علىٰ الحقيقة والصحَّة لا علىٰ الحسبان والحيلولة ولا علىٰ الشكِّ والشبهة، لأنَّ الكذب علىٰ المخبرين بموتهم غير جائز، لأنَّهم معصومون وهو علىٰ اليهود جائز.

[شُبُهات من المخالفين ودفعها]:

قال مخالفونا: إنَّ العادات والمشاهدات تدفع قولكم بالغيبة.

ص: 112

فقلنا: إنَّ البراهمة(1) تقدر أنْ تقول مثل ذلك في آيات النبيِّ (صلی الله علیه و آله)، وتقول للمسلمين: إنَّكم بأجمعكم لم تشاهدوها، فلعلَّكم قلَّدتم من لم يجب تقليده أو قبلتم خبراً لم يقطع العذر، ومن أجل هذه المعارضة قالت عامَّة المعتزلة - علىٰ ما يُحكىٰ عنهم -: إنَّه لم تكن للرسول (صلی الله علیه و آله) معجزة غير القرآن، فأمَّا من اعترف بصحَّة الآيات التي هي غير القرآن احتاج إلىٰ أنْ يُطلِق الكلام في جواز كونها بوصف الله (تعالىٰ ذكره) بالقدرة عليها، ثمّ في صحَّة وجود كونها علىٰ أُمور قد وقفنا عليها وهي غير كثيرة الرواة.

فقالت الإماميَّة: فارضوا منَّا بمثل ذلك، وهو أنْ نُصحِّح هذه الأخبار التي تفرَّدنا بنقلها عن أئمَّتنا (علیهم السلام) بأنْ تدلَّ علىٰ جواز كونها بوصف الله (تعالىٰ ذكره) بالقدرة عليها وصحَّة كونها بالأدلَّة العقليَّة والكتابيَّة والأخبار المرويَّة المقبولة عند نقلة العامَّة.

قال الجدليُّ: فنقول: إنَّه ليس بإزائنا جماعة تروي عن نبيِّنا (صلی الله علیه و آله) ضدَّ ما نروي ممَّا يُبطِله ويناقضه، أو يدَّعون أنَّ أوَّلنا ليسكآخرنا؟

فيقال له: ما أنكرت من برهمي قال لك: إنَّ العادات والمشاهدات والطبيعيَّات تمنع أنْ يتكلَّم ذراع مسموم مشوي، وتمنع من انشقاق القمر، وأنَّه لو انشقَّ القمر وانفلق لبطل نظام العالم؟

وأمَّا قوله: (ليس بإزائهم من يدفع أنَّ أوَّلنا ليس كآخرنا)، فإنَّه يقال له: إنَّكم تدفعون عن ذلك أشدّ الدفع، ولو شهد هذه الآيات الخلق الكثير لكان حكمه حكم القرآن، فقد بان أنَّ الجدليَّ مستعمل للمغالطة، مستفرق فيما لم يستفرق.

قال الجدليُّ: أوَتدفعونا عن قولنا: إنَّه كان لنبيِّنا (صلی الله علیه و آله) من الأتباع في حياته وبعد وفاته جماعة لا يحصرهم العدد يروون آياته ويُصحِّحونها؟

ص: 113


1- البراهمة: قوم لا يُجوِّزون علىٰ الله تعالىٰ بعثة الرُّسُل.

فيقال له: إنَّ جماعة لم يحصرهم العدد قد عاينوا آيات رسول الله (صلی الله علیه و آله) التي هي تظليل الغمامة وكلام الذراع المسمومة وحنين الجذع وما في بابه، ولكن هذه عامَّة الأُمَّة تقول: إنَّ هذه آيات رواها نفر يسير في الأصل، فلِمَ ادَّعيت أنَّ أحداً لا يدفعك عن هذه الدعوىٰ؟

قال الجدليُّ: ولمَّا كان هذا هكذا كانت أخبارنا عن آيات نبيِّنا (صلی الله علیه و آله) كالأخبار عن آيات موسىٰ والأخبار عن آيات المسيح التي ادَّعتها النصارىٰ لها ومن أجلها ما ادَّعوا، وكأخبار المجوس والبراهمة عن أيَّام آبائهم وأسلافهم.

قلنا: قد عرفنا أنَّ البراهمة تزعم أنَّ لآبائهم وأسلافهم أمثالاً موجودة ونظائر مشاهدة، فلذلك قبلوه علىٰ طريق الإقناع، وليس هذا ممَّا تُنكِره، وإنَّما عرفناه للوجه الذي من أجله عورض بما عورض به، فليكن منوراء الفصل من حيث طولب(1).

قال الجدليُّ: وبإزاء هذه الفرقة من القطعيَّة جماعات تفضلها وجماعات في مثل حالها تروي عمَّن يسندون إليه الخبر خبرهم في النصِّ ضدَّ ما يروون.

فيقال له: ومن هذه الجماعات التي تفضلها؟ وأين هم في ديار الله؟ وأين يسكنون من بلاد الله؟ أوَما وجب عليك أنْ تعلم أنَّ كتابك يُقرَأ؟ ومن ليس من أهل الصناعة يعلم استعمالك للمغالطة.

قال الجدليُّ: وما كنت أحسب أنَّ امرءاً مسلماً تسمح نفسه بأنْ يجعل الأخبار عن آيات رسول الله (صلی الله علیه و آله) عَروضاً(2) للأخبار في غيبة ابن الحسن بن عليِّ ابن محمّد بن عليِّ بن موسىٰ بن جعفر (علیهم السلام) ويدَّعي تكافؤ التواتر فيهما، والله المستعان.

ص: 114


1- في بعض النُّسَخ: (فليكن من ذكر الفضل...) إلخ.
2- العروض من الكلام، فحواه، يقال: (هذه مسألة عروض هذه)، أي نظيره.

فيقال له: إنَّا قد بيَّنَّا الوجه الذي من أجله ادَّعينا التساوي في هذا الباب وعرَّفناك أنَّ الذي نُسمِّيه الخبر المتواتر هو الذي يرويه ثلاثة أنفس فما فوقهم، وأنَّ الأخبار عن آيات رسول الله (صلی الله علیه و آله) في الأصل إنَّما يرويها العدد القليل، والمحنة(1) بيننا وبينك أنْ نرجع إلىٰ أصحاب الحديث فنطلب منهم من روىٰ انشقاق القمر وكلام الذراع المسمومة وما يجانس ذلك من آياته، فإنْ أمكنه أنْ يروي كلَّ آية من هذه الآيات عن عشرة أنفس من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله) عاينوا أو شاهدوا فالقول قوله، وإلَّا فإنَّ الموافق ادَّعىٰ التكافؤ فيما همامثلان ونظيران ومشبهان، والحمد لله.

وأقول - وبالله التوفيق -: إنَّا قد استُعبدنا بالإقرار بعصمة الإمام كما استُعبدنا بالقول به، والعصمة ليست في ظاهر الخليقة فتُرىٰ وتُشاهَد، ولو أقررنا بإمامة إمام وأنكرنا أنْ يكون معصوماً لم نكن أقررنا به، فإذا جاز أنْ نكون مستعبدين من كلِّ إمام بالإقرار بشيء غائب عن أبصارنا فيه جاز أنْ نُستَعبد بالإقرار بإمامة إمام غائب عن أبصارنا لضرب من ضروب الحكمة يعلمه الله تبارك وتعالىٰ اهتدينا إلىٰ وجهه أو لم نهتدِ ولا فرق.

وأقول أيضاً: إنَّ حال إمامنا (علیه السلام) اليوم في غيبته حال النبيِّ (صلی الله علیه و آله) في ظهوره، وذلك أنَّه (علیه السلام) لمَّا كان بمكَّة لم يكن بالمدينة، ولمَّا كان بالمدينة لم يكن بمكَّة، ولمَّا سافر لم يكن بالحضر، ولمَّا حضر لم يكن في السفر، وكان (علیه السلام) في جميع أحواله حاضراً بمكان غائباً عن غيره من الأماكن، ولم تسقط حجَّته (صلی الله علیه و آله) عن أهل الأماكن التي غاب عنها، فهكذا الإمام (علیه السلام) لا تسقط حجَّته وإنْ كان غائباً عنَّا كما لم تسقط حجَّة النبيِّ (صلی الله علیه و آله) عمَّن غاب عنه، وأكثر ما استُعبد به الناس من شرائط الإسلام وشرائعه فهو مثل ما استُعبدوا به من الإقرار بغيبة

ص: 115


1- في بعض النُّسَخ: (والمجنَّة)، وهي الترس.

الإمام، وذلك أنَّ الله تبارك وتعالىٰ مدح المؤمنين علىٰ إيمانهم بالغيب قبل مدحه لهم علىٰ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بسائر ما أنزل الله (عزوجل)علىٰ نبيِّه وعلىٰ من قبله من الأنبياء (صلوات الله عليهم أجمعين) وبالآخرة، فقال: «هُدًى لِلْمُتَّقِينَ 2 الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ 3 وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَوَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ 4 أُولَئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 5» [البقرة: 2 - 5]، وإنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) كان يكون بين أصحابه فيُغمىٰ عليه وهو يتصابُّ عرقاً، فإذا أفاق قال: قال الله (عزوجل)كذا وكذا، أمركم بكذا، ونهاكم عن كذا. وأكثر مخالفينا يقولون: إنَّ ذلك كان يكون عند نزول جبرئيل (علیه السلام) عليه، فَسُئِلَ الصَّادِقُ (علیه السلام) عَنِ الْغَشْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَأْخُذُ النَّبِيَّ (صلی الله علیه و آله) أَكَانَتْ تَكُونُ عِنْدَ هُبُوطِ جَبْرَئِيلَ (علیه السلام) فَقَالَ: «لَا، إِنَّ جَبْرَئِيلَ كَانَ إِذَا أَتَىٰ النَّبِيَّ (صلی الله علیه و آله) لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنَهُ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ قَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ قِعْدَةَ الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدَ مُخَاطَبَةِ الله (عزوجل)إِيَّاهُ بِغَيْرِ تَرْجُمَانٍ وَوَاسِطَةٍ».

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ (رضی الله عنه)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ(1)، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام).

فالناس لم يشاهدوا الله تبارك وتعالىٰ يناجي رسول الله (صلی الله علیه و آله) ويخاطبه، ولا شاهدوا الوحي، ووجب عليهم الإقرار بالغيب الذي لم يشاهدوه وتصديق رسول الله (صلی الله علیه و آله) في ذلك، وقد أخبرنا الله (عزوجل)في محكم كتابه أنَّه ليس منَّا أحد «يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ 18» [ق: 18]، وقال (تبارک و تعالی): «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ 10 كِرَاماً كاتِبِينَ 11 يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ 12» [الانفطار: 10 - 12]،

ص: 116


1- هو أبو جعفر الزيَّات. وفي بعض النُّسَخ: (محمّد بن الحسين بن يزيد)، ولم أجده.

ونحن لم نرَهم ولم نشاهدهم، ولو لم نوقع التصديق بذلك لكنَّا خارجينمن الإسلام، رادِّين علىٰ الله (تعالىٰ ذكره) قوله، وقد حذَّرنا الله تبارك وتعالىٰ من فتنة الشيطان، فقال: «يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ» [الأعراف: 27]، ونحن لا نراه، ويجب علينا الإيمان بكونه والحذر منه، وقال النبيُّ (صلی الله علیه و آله) في ذكر المسألة في القبر: «إِنَّهُ إِذَا سُئِلَ المَيِّتُ فَلَمْ يَجِبْ بِالصَّوَابِ ضَرَبَهُ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ ضَرْبَةً مِنْ عَذَابِ اللهِ، مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا تَذْعَرُ لَهَا(1) مَا خَلَا الثَّقَلَيْنِ»(2)، ونحن لا نرىٰ شيئاً من ذلك، ولا نشاهده ولا نسمعه، وأخبرنا عنه (علیه السلام) أنَّه عُرِجَ به إلىٰ السماء. ونحن لم نرَ [شيئاً من] ذلك [ولا نشاهده ولا نسمعه].

وأخبرنا (علیه السلام): «مَنْ زَارَ أَخَاهُ فِي اللهِ (عزوجل)شَيَّعَهُ سَبْعُونَ أَلْف مَلَكٍ يَقُولُونَ: أَلَا طِبْتَ وَطَابَتْ لَكَ الْجَنَّةُ»(3)(4)، ونحنلا نراهم ولا نسمع كلامهم ولو لم

ص: 117


1- أي تفزع. وذعرته ذعراً: أفزعته، وقد ذعر فهو مذعور.
2- راجع ما رواه العيَّاشي (رحمة الله) في تفسيره (ج 2/ ص 227 و228/ ح 20)، والطوسي (رحمة الله) في أماليه (ص 347 - 349/ ح 719/59).
3- راجع ما رواه المصنِّف (رحمة الله) في ثواب الأعمال (ص 186)، ومصادقة الإخوان (ص 56/ باب زيارة الإخوان)، والمقنع (ص 229)، وحسين بن سعيد الكوفي (رحمة الله) في كتاب المؤمن (ص 58 و60/ ح 148 و152 - 154)، والحميري (رحمة الله) في قرب الإسناد (ص 36/ ح 116)، والكليني (رحمة الله) في الكافي (ج 2/ ص 175/ باب زيارة الإخوان)، والمفيد (رحمة الله) في الاختصاص (ص 188).
4- قال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 71/ ص 342): (قوله: «طبت وطابت لك الجنَّة» أي طهرت من الذنوب والأدناس الروحانيَّة وحلَّت لك الجنَّة ونعيمها، أو دعاء له بالطهارة من الذنوب وتيسُّر الجنَّة له سالماً من الآفات والعقوبات المتقدِّمة عليها، قال في النهاية: قد يرد الطيِّب بمعنىٰ الطاهر، ومنه حديث عليٍّ (علیه السلام) لمَّا مات رسول الله (صلی الله علیه و آله): «بأبي أنت وأُمِّي طبت حيًّا وميِّتاً» أي طهرت، انتهىٰ. وقال الطيِّبي في (شرح المشكاة) في قوله(صلی الله علیه و آله): «طبت وطاب ممشاك»: أصل الطيِّب ما تستلذُّه الحواسُّ والنفس، والطيِّب من الإنسان من تزكَّىٰ عن نجاسة الجهل والفسق، وتحلَّىٰ بالعلم ومحاسن الأفعال. وطبت إمَّا دعاء له بأنْ يطيب عيشه في الدنيا. وطاب ممشاك كناية عن سلوك طريق الآخرة بالتعرِّي عن الرذائل أو خبره بذلك).

نُسلِّم الأخبار الواردة في مثل ذلك وفيما يشبهه من أُمور الإسلام لكنَّا كافرين بها، خارجين من الإسلام.

[مناظرة المؤلِّف مع ملحد عند ركن الدولة]:

ولقد كلَّمني بعض الملحدين في مجلس الأمير السعيد ركن الدولة (رضی الله عنه)، فقال لي: وجب علىٰ إمامكم أنْ يخرج فقد كاد أهل الروم يغلبون علىٰ المسلمين.

فقلت له: إنَّ أهل الكفر كانوا في أيَّام نبيِّنا (صلی الله علیه و آله) أكثر عدداً منهم اليوم، وقد أسرَّ (علیه السلام) أمره وكتمه أربعين سنة بأمر الله (جلَّ ذكره)، وبعد ذلك أظهره لمن وثق به وكتمه ثلاث سنين عمَّن لم يثق به، ثمّ آل الأمر إلىٰ أنْ تعاقدوا علىٰ هجرانه وهجران جميع بني هاشم والمحامين عليه لأجله، فخرجوا إلىٰ الشعب وبقوا فيه ثلاث سنين، فلو أنَّ قائلاً قال في تلك السنين: لِمَ لا يخرج محمّد (صلی الله علیه و آله)، فإنَّه واجب عليه الخروج لغلبة المشركين علىٰ المسلمين، ما كان يكون جوابنا له إِلَّا أَنَّهُ (علیه السلام) بِأَمْرِ الله (تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ) خَرَجَ إِلَىٰ الشِّعْبِ حِينَ خَرَجَ، وَبِإِذْنِهِ غَابَ(1)، وَمَتَىٰ أَمَرَهُ بِالظُّهُورِ وَالْخُرُوجِ خَرَجَ وَظَهَرَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ (صلی الله علیه و آله) بَقِيَ فِي الشِّعْبِ هَذِهِ المدَّةَ حَتَّىٰ أَوْحَىٰ الله (عزوجل)إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ بَعَثَ أَرَضَةً عَلَىٰ الصَّحِيفَةِ المكْتُوبَةِ بَيْنَ قُرَيْشٍ فِي هِجْرَانِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله) وَجَمِيعِ بَنِي هَاشِمٍالمَخْتُومَةِ بِأَرْبَعِينَ خَاتَماً، المعَدَّلَةِ(2) عِنْدَ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، فَأَكَلَتْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ وَتَرَكَتْ مَا كَانَ فِيهَا مِنِ اسْمِ الله (تبارک و تعالی)، فَقَامَ أَبُو طَالِبٍ فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَدَّرُوا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِمُ النَّبِيَّ (صلی الله علیه و آله) حَتَّىٰ يَقْتُلُوهُ أَوْ يُرْجِعُوهُ عَنْ نُبُوَّتِهِ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَعَظَّمُوهُ فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ ابْنَ أَخِي محمّد لَمْ أُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِباً قَطُّ،

ص: 118


1- مثل قوله تعالىٰ: «وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً 10» [المزَّمِّل: 10].
2- كذا، ولعلَّ الصواب: (المحفوظة) أو (المودعة).

وَإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّ رَبَّهُ أَوْحَىٰ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ بَعَثَ عَلَىٰ الصَّحِيفَةِ المكْتُوبَةِ بَيْنَكُمْ الْأَرَضَةَ، فَأَكَلَتْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ وَتَرَكَتْ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ (تبارک و تعالی). فَأَخْرَجُوا الصَّحِيفَةَ وَفَكُّوهَا فَوَجَدُوهَا كَمَا قَالَ، فَآمَنَ بَعْضٌ وَبَقِيَ بَعْضٌ عَلَىٰ كُفْرِهِ، وَرَجَعَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله) وَبَنُو هَاشِمٍ إِلَىٰ مَكَّةَ. هكذا الإمام (علیه السلام) إذا أذن الله له في الخروج خرج.

وشيء آخر، وهو: أنَّ الله (تعالىٰ ذكره) أقدر علىٰ أعدائه الكُفَّار من الإمام، فلو أنَّ قائلاً قال: لِمَ يمهل اللهُ أعداءَه ولا يبيدهم وهم يكفرون به ويشركون؟ لكان جوابنا له: أنَّ الله (تعالىٰ ذكره) لا يخاف الفوت فيعاجلهم بالعقوبة، و«لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ 23» [الأنبياء: 23]، ولا يقال له: لِمَ ولا كيف، وهكذا إظهار الإمام إلىٰ الله الذي غيَّبه فمتىٰ أراده أذن فيه فظهر.

فقال الملحد: لست أُومن بإمام لا أراه ولا تلزمني حجَّته ما لم أرَه.

فقلت له: يجب أنْ تقول: إنَّه لا تلزمك حجَّة الله (تعالىٰ ذكره) لأنَّك لا تراه، ولا تلزمك حجَّة الرسول (صلی الله علیه و آله) لأنَّك لم ترَه.فقال للأمير السعيد ركن الدولة (رضی الله عنه): أيُّها الأمير راع ما يقول هذا الشيخ فإنَّه يقول: إنَّ الإمام إنَّما غاب ولا يُرىٰ لأنَّ الله (عزوجل)لا يُرىٰ.

فقال له الأمير (رحمة الله): لقد وضعت كلامه غير موضعه وتقوَّلت عليه، وهذا انقطاع منك وإقرار بالعجز.

وهذا سبيل جميع المجادلين لنا في أمر صاحب زماننا (علیه السلام) ما يلفظون في دفع ذلك وجحوده إلَّا بالهذيان والوساوس والخرافات المموَّهة.

وذكر أبو سهل إسماعيل بن عليٍّ النوبختي(1) في آخر كتاب (التنبيه):

ص: 119


1- هو إسماعيل بن عليِّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، كان شيخ المتكلِّمين من أصحابنا الإماميَّة ببغداد ووجههم، متقدِّم النوبختيِّين في زمانه، له جلالة في الدِّين والدنيا، يجري مجرىٰ الوزراء، صنَّف كُتُباً كثيرة جملة منها في الردِّ علىٰ أرباب المقالات الفاسدة، وله كتاب (الأنوار في تواريخ الأئمَّة الأطهار (علیهم السلام)، رأىٰ مولانا الحجَّة (علیه السلام) عند وفاة أبيه الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام)، وله احتجاج علىٰ الحلَّاج صار ذلك سبباً لفضيحة الحلَّاج وخذلانه. (الكنىٰ والألقاب للمحدَّث القمِّي (رحمة الله): ج 1/ ص 93 و94).

وكثيراً ما يقول خصومنا: لو كان ما تدَّعون من النصِّ حقًّا لادَّعاه عليٌّ (علیه السلام) بعد مضيِّ النبيِّ (صلی الله علیه و آله).

فيقال لهم: كيف يدَّعيه فيقيم نفسه مقام مدَّعٍ يحتاج إلىٰ شهود علىٰ صحَّة دعواه وهم لم يقبلوا قول النبيِّ (صلی الله علیه و آله)، فكيف يقبلون دعواه لنفسه؟ وتخلُّفه عن بيعة أبي بكر ودفنه فاطمة (علیها السلام) من غير أنْيُعرِّفهم جميعاً خبرها حتَّىٰ دفنها سرًّا أدلّ دليل علىٰ أنَّه لم يرضَ بما فعلوه.

فإنْ قالوا: فلِمَ قبلها بعد عثمان؟

قيل لهم: أعطوه بعض ما وجب له فقبله، وكان في ذلك مثل النبيِّ (صلی الله علیه و آله) حين قبل المنافقين والمؤلِّفة قلوبهم.

وربَّما قال خصومنا - إذا عضَّهم الحجاج(1) ولزمتهم الحجَّة في أنَّه لا بدَّ من إمام منصوص عليه، عالم بالكتاب والسُّنَّة، مأمون عليهما، لا ينساهما ولا يغلط فيهما، ولا تجوز مخالفته، واجب الطاعة بنصِّ الأوَّل عليه -: فمن هو هذا الإمام سمُّوه لنا ودلُّونا عليه؟

فيقال لهم: هذا كلام في الأخبار وهو انتقال من الموضع الذي تكلَّمنا فيه، لأنَّا إنَّما تكلَّمنا فيما توجبه العقول إذا مضىٰ النبيُّ (علیه السلام)، وهل يجوز أنْ لا يستخلف وينصَّ علىٰ إمام بالصفة التي ذكرناها؟ فإذا ثبت ذلك بالأدلَّة فعلينا وعليهم التفتيش عن عين الإمام في كلِّ عصر من قِبَل الأخبار ونقل الشيع النصَّ

ص: 120


1- عضَّ الرجل بصاحبه يعضُّ عضيضاً، أي لزمه. (الصحاح: ج 3/ ص 1092/ مادَّة عضض).

علىٰ عليٍّ (علیه السلام) وهم الآن من الكثرة واختلاف الأوطان والهمم علىٰ ما هم عليه يوجب العلم والعمل لاسيّما وليس بإزائهم فرقة تدَّعي النصَّ لرجل بعد النبيِّ (صلی الله علیه و آله) غير عليٍّ (علیه السلام)، فإنْ عارضونا بما يدَّعيه أصحاب زرادشت(1) وغيرهم من المبطلين.

قيل لهم: هذه المعارضة تلزمكم في آيات النبيِّ (صلی الله علیه و آله)،فإذا انفصلتم بشيء فهو فصلنا، لأنَّ صورة الشيع في هذا الوقت كصورة المسلمين في الكثرة، فإنَّهم لا يتعارفون وأنَّ أسلافهم يجب أنْ يكونوا كذلك(2)، بل أخبار الشيع أوكد لأنَّه ليس معهم دولة ولا سيف ولا رهبة ولا رغبة وإنَّما تُنقَل الأخبار الكاذبة لرغبة أو رهبة أو حمل عليها بالدُّوَل، وليس في أخبار الشيعة شيء من ذلك، وإذا صحَّ بنقل الشيعة النصَّ من النبيِّ (صلی الله علیه و آله) علىٰ عليٍّ (علیه السلام) صحَّ بمثل ذلك نقلها النصَّ من عليٍّ علىٰ الحسن، ومن الحسن علىٰ الحسين، ثمّ علىٰ إمام إمام إلىٰ الحسن بن عليٍّ، ثمّ علىٰ الغائب الإمام بعده (علیهم السلام)، لأنَّ رجال أبيه الحسن (علیه السلام) الثقات كلُّهم قد شهدوا له بالإمامة، وغاب (علیه السلام) لأنَّ السلطان طلبه طلباً ظاهراً، ووكَّل بمنازله وحرمه سنتين.

فلو قلت: إنَّ غيبة الإمام (علیه السلام) في هذا العصر من أدلّ الأدلَّة علىٰ صحَّة الإمامة.

قلت: صدقاً لصدق الأخبار المتقدِّمة في ذلك وشهرتها.

وقد ذكر بعض الشيعة ممَّن كان في خدمة الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) وأحد ثقاته أنَّ السبب بينه وبين ابن الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) متَّصل، وكان يخرج من كُتُبه وأمره ونهيه علىٰ يده إلىٰ شيعته إلىٰ أنْ تُوفِّي وأوصىٰ إلىٰ رجل من الشيعة مستور، فقام مقامه في هذا الأمر.

ص: 121


1- كناية عن المخالفين للحقِّ. وزرادشت رئيس مذهب المجوس.
2- في بعض النُّسَخ: (وإنَّ إسلامهم يجب أنْ يكون كذلك).

وقد سألونا في هذه الغيبة(1) وقالوا: إذا جاز أنْ يغيب الإمام ثلاثين سنة وما أشبهها فما تُنكِرون من رفع عينه عن العالم؟

فيقال لهم: في ارتفاع عينه ارتفاع الحجَّة من الأرض وسقوطالشرائع إذا لم يكن لها من يحفظها، وأمَّا إذا استتر الإمام للخوف علىٰ نفسه بأمر الله (عزوجل)وكان له سبب معروف متَّصل به وكانت الحجَّة قائمة إذ كانت عينه موجودة في العالم وبابه وسببه معروفان وإنَّما عُدِمَ إفتائه وأمره ونهيه ظاهراً وليس في ذلك بطلان للحجَّة، ولذلك نظائر قد أقام النبيُّ (صلی الله علیه و آله) في الشعب مدَّة طويلة وكان يدعو الناس في أوَّل أمره سرًّا إلىٰ أنْ أمن وصارت له فئة، وهو في كلِّ ذلك نبيٌّ مبعوث مرسَل فلم يُبطِل توقِّيه وتستُّره من بعض الناس بدعوته نبوَّته ولا أدحض ذلك حجَّته، ثمّ دخل (علیه السلام) الغار فأقام فيه فلا يعرف أحد موضعه ولم يُبطِل ذلك نبوَّته، ولو ارتفعت عينه لبطلت نبوَّته، وكذلك الإمام يجوز أنْ يحبسه السلطان المدَّة الطويلة ويمنع من لقائه حتَّىٰ لا يفتي ولا يُعلِّم ولا يُبيِّن، والحجَّة قائمة ثابتة واجبة وإنْ لم يفتِ ولم يُبيِّن، لأنَّه موجود العين في العالم، ثابت الذات، ولو أنَّ نبيًّا أو إماماً لم يُبيِّن ويُعلِّم ويفتِ(2) لم تبطل نبوَّته ولا إمامته ولا حجَّته، ولو ارتفعت ذاته لبطلت الحجَّة، وكذلك يجوز أنْ يستتر الإمام المدَّة الطويلة إذا خاف ولا تبطل حجَّة الله (تبارک و تعالی).

فإنْ قالوا: فكيف يصنع من احتاج إلىٰ أنْ يسأل عن مسألة؟

قيل له: كما كان يصنع والنبيُّ (صلی الله علیه و آله) في الغار من جاء إليه ليسلم وليتعلَّم منه، فإنْ كان ذلك سائغاً في الحكمة كان هذا مثله سائغاً.

ومن أوضح الأدلَّة علىٰ الإمامة أنَّ الله (عزوجل)جعل آية النبيِّ (صلی الله علیه و آله) أنَّه أتىٰ

ص: 122


1- في بعض النُّسَخ: (وقد سألونا في ذلك).
2- في بعض النُّسَخ: (ويقل).

بقَصص الأنبياء الماضين(علیهم السلام) وبكلِّ علم [من] توراة وإنجيل وزبور من غير أنْ يكون يعلم الكتابة ظاهراً، أو لقي نصرانيًّا أو يهوديًّا، فكان ذلك أعظم آياته، وقُتِلَ الحسين بن عليٍّ (علیهما السلام) وخلَّف عليَّ بن الحسين (علیهما السلام) متقارب السنِّ كانت سنُّه أقلّ من عشرين سنة، ثمّ انقبض عن الناس فلم يلقَ أحداً ولا كان يلقاه إلَّا خواصّ أصحابه وكان في نهاية العبادة ولم يخرج عنه من العلم إلَّا يسيراً لصعوبة الزمان وجور بني أُميَّة، ثمّ ظهر ابنه محمّد بن عليٍّ المسمَّىٰ بالباقر (علیه السلام) لفتقه العلم(1) فأتىٰ من علوم الدِّين والكتاب والسُّنَّة والسِّيَر والمغازي بأمر عظيم، وأتىٰ جعفر بن محمّد (علیهما السلام) من بعده من ذلك بما كثر وظهر وانتشر، فلم يبقَ فنٌّ في فنون العلم إلَّا أتىٰ فيه بأشياء كثيرة، وفسَّر القرآن والسُّنَن، ورُويت عنه المغازي وأخبار الأنبياء من غير أنْ يرىٰ هو وأبوه محمّد بن عليٍّ أو عليُّ بن الحسين (علیهم السلام) عند أحد من رواة العامَّة أو فقهائهم يتعلَّمون منهم شيئاً، وفي ذلك أدلّ دليل علىٰ أنَّهم إنَّما أخذوا ذلك العلم عن النبيِّ (صلی الله علیه و آله)، ثمّ عن عليٍّ (علیه السلام)، ثمّ عن واحد واحد من الأئمَّة، وكذلك جماعة الأئمَّة (علیهم السلام) هذه سنَّتهم في العلم(2) يُسئَلون عن الحلال والحرام فيجيبون جوابات متَّفقة من غير أنْ يتعلَّموا ذلك من أحد من الناس، فأيُّ دليل أدلّ من هذا علىٰ إمامتهم وأنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) نصبهم وعلَّمهم وأودعهم علمه وعلوم الأنبياء (علیهم السلام) قبله؟ وهل رأينا في العادات من ظهر عنه مثل ما ظهر عن محمّد بن عليٍّ وجعفر بن محمّد (علیهم السلام) من غير أنْ يتعلَّمواذلك من أحد من الناس؟

فإنْ قال قائل: لعلَّهم كانوا يتعلَّمون ذلك سرًّا.

قيل لهم: قد قال مثل ذلك الدهريَّة في النبيِّ (صلی الله علیه و آله) أنَّه كان يتعلَّم الكتابة

ص: 123


1- في بعض النُّسَخ: (لبقره العلم).
2- في بعض النُّسَخ: (سبيلهم في العلم).

ويقرأ الكتاب سرًّا. وكيف يجوز أنْ يُظَنَّ ذلك بمحمّد بن عليٍّ وجعفر بن محمّد ابن عليٍّ (علیهم السلام) وأكثر ما أتوا به لا يُعرَف إلَّا منهم، ولا سُمِعَ من غيرهم؟

وقد سألونا فقالوا: ابن الحسن لم يظهر ظهوراً تامًّا للخاصَّة والعامَّة، فمن أين علمتم وجوده في العالم؟ وهل رأيتموه أو أخبرتكم جماعة [قد] تواترت أخبارها أنَّها شاهدته وعاينته؟

فيقال لهم: إنَّ أمر الدِّين كلَّه بالاستدلال يُعلَم، فنحن عرفنا الله (عزوجل)بالأدلَّة ولم نشاهده، ولا أخبرنا عنه من شاهده، وعرفنا النبيَّ (صلی الله علیه و آله) وكونه في العالم بالأخبار، وعرفنا نبوَّته وصدقه بالاستدلال، وعرفنا أنَّه استخلف عليَّ بن أبي طالب (علیه السلام) بالاستدلال، وعرفنا أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) وسائر الأئمَّة (علیهم السلام) بعده عالمون بالكتاب والسُّنَّة ولا يجوز عليهم في شيء من ذلك الغلط ولا النسيان ولا تعمُّد الكذب بالاستدلال، وكذلك عرفنا أنَّ الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) إمام مفترض الطاعة، وعلمنا بالأخبار المتواترة عن الأئمَّة الصادقين (علیهم السلام) أنَّ الإمامة لا تكون بعد كونها في الحسن والحسين (علیهما السلام) إلَّا في ولد الإمام ولا يكون في أخ ولا قرابة، فوجب من ذلك أنَّ الإمام لا يمضي إلَّا أنْ يُخلِّف من ولده إماماً(1)، فلمَّاصحَّت إمامة الحسن (علیه السلام) وصحَّت وفاته ثبت أنَّه قد خلَّف من ولده إماماً، هذا وجه من الدلالة عليه.

ووجه آخر: وهو أنَّ الحسن (علیه السلام) خلَّف جماعة من ثقاته ممَّن يروي(2) عنه الحلال والحرام ويُؤدِّي كُتُب شيعته وأموالهم ويُخرجون الجوابات، وكانوا بموضع من الستر(3) والعدالة بتعديله إيَّاهم في حياته، فلمَّا مضىٰ أجمعوا جميعاً علىٰ

ص: 124


1- في بعض النُّسَخ: (من بعده إماماً).
2- في بعض النُّسَخ: (يُؤدِّي عنه الحلال).
3- في بعض النُّسَخ: (في الستر).

أنَّه قد خلَّف ولداً هو الإمام وأمروا الناس أنْ لا يسألوا عن اسمه وأنْ يستروا ذلك من أعدائه، وطلبه السلطان أشدّ طلب ووكَّل بالدور والحبالىٰ من جواري الحسن (علیه السلام)، ثمّ كانت كُتُب ابنه الخلف بعده تخرج إلىٰ الشيعة بالأمر والنهي علىٰ أيدي رجال أبيه الثقات أكثر من عشرين سنة، ثمّ انقطعت المكاتبة ومضىٰ أكثر رجال الحسن (علیه السلام) الذين كانوا شهدوا بأمر الإمام بعده وبقي منهم رجل واحد قد أجمعوا علىٰ عدالته وثقته، فأمر الناس بالكتمان وأنْ لا يذيعوا شيئاً من أمر الإمام، وانقطعت المكاتبة، فصحَّ لنا ثبات عين الإمام بما ذكرت من الدليل، وبما وصفت عن أصحاب الحسن (علیه السلام) ورجاله ونقلهم خبره، وصحَّة غيبته بالأخبار المشهورة في غيبة الإمام (علیه السلام) وأنَّ له غيبتين إحداهما أشدّ من الأُخرىٰ.

ومذهبنا في غيبة الإمام في هذا الوقت لا يشبه مذهب الممطورة(1)في موسىٰ بن جعفر، لأنَّ موسىٰ مات ظاهراً ورآه الناس ميِّتاً ودُفِنَ دفناً مكشوفاً ومضىٰ لموته أكثر من مائة سنة وخمسين سنة لا يدَّعي أحد أنَّه يراه ولا يكاتبه ولا يراسله، ودعواهم أنَّه حيٌّ فيه إكذاب الحواسِّ التي شاهدته ميِّتاً، وقد قام بعده عدَّة أئمَّة، فأتوا من العلوم بمثل ما أتىٰ به موسىٰ (علیه السلام).

ص: 125


1- المراد بالممطورة: الواقفيَّة. كما في مجمع البحرين (ج 3/ ص 483)، قال فيه: والممطر - كمنبر - ما يُلبَس في المطر يُتوقَّىٰ به. والممطورة: الكلاب المبتلَّة بالمطر. وقال أبو محمّد الحسن بن موسىٰ النوبختي في كتابه فِرَق الشيعة (ص 81 و82): (وقد لقَّب الواقفة بعض مخالفيها ممَّن قال بإمامة عليِّ بن موسىٰ (الممطورة)، وغلب عليها هذا الاسم وشاع لها. وكان سبب ذلك أنَّ عليَّ بن إسماعيل الميثمي ويونس بن عبد الرحمن ناظرا بعضهم، فقال له عليُّ بن إسماعيل - وقد اشتدَّ الكلام بينهم -: ما أنتم إلَّا كلاب ممطورة. أراد أنَّكم أنتن من جيف، لأنَّ الكلاب إذا أصابها المطر فهي أنتن من الجيف. فلزمهم هذا اللقب، فهم يُعرَفون به اليوم، لأنَّه إذا قيل للرجل: إنَّه ممطور فقد عُرِفَ أنَّه من الواقفة علىٰ موسىٰ بن جعفر (علیهما السلام) خاصَّة، لأنَّ كلَّ من مضىٰ منهم فله واقفة قد وقفت عليه، وهذا اللقب لأصحاب موسىٰ خاصَّة) انتهىٰ.

وليس في دعوانا هذه - غيبة الإمام - إكذاب للحسِّ، ولا محال، ولا دعوىٰ تُنكِرها العقول، ولا تخرج من العادات، وله إلىٰ هذا الوقت من يدَّعي من شيعته الثقات المستورين أنَّه باب إليه وسبب يُؤدِّي عنه إلىٰ شيعته أمره ونهيه، ولم تطل المدَّة في الغيبة طولاً يخرج من عادات من غاب، فالتصديق بالأخبار يوجب اعتقاد إمامة ابن الحسن (علیه السلام) علىٰ ما شرحت، وأنَّه قد غاب كما جاءت الأخبار في الغيبة، فإنَّها جاءت مشهورة متواترة، وكانت الشيعة تتوقَّعها وتترجَّاها(1) كما ترجون بعد هذا من قيام القائم (علیه السلام) بالحقِّ وإظهار العدل. ونسأل الله (عزوجل)توفيقاً وصبراً جميلاً برحمته.

وقال أبو جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي في نقضكتاب (الإشهاد) لأبي زيد العلوي: قال صاحب الكتاب بعد أشياء كثيرة ذكرها لا منازعة فيها: وقالت الزيديَّة والمؤتمَّة(2): الحجَّة من ولد فاطمة بِقَوْلِ الرَّسُولِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَيَوْمَ خَرَجَ إِلَىٰ الصَّلَاةِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ : «أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ كِتَابَ الله وعِتْرَتِي، أَلَا إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّىٰ يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، أَلَا وَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا مَا اسْتَمْسَكْتُمْ بِهِمَا». ثمّ أكَّد صاحب الكتاب هذا الخبر وقال فيه قولاً لا مخالفة فيه، ثمّ قال بعد ذلك: إنَّ المؤتمَّة خالفت الإجماع وادَّعت الإمامة في بطن من العترة ولم توجبها لسائر العترة(3)، ثمّ لرجل من ذلك البطن في كلِّ عصر.

فأقول - وبالله الثقة -: إنَّ في قول النبيِّ (صلی الله علیه و آله) علىٰ ما يقول الإماميَّة دلالة واضحة، وذلك أَنَّ النَّبِيَّ (صلی الله علیه و آله) قَالَ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا،

ص: 126


1- في بعض النُّسَخ: (تتوخَّاها).
2- يعني الإماميَّة - الاثني عشريَّة -.
3- يريد أنَّ لفظ (العترة) عامٌّ يشملهم جميعاً، فجميع العترة داخل.

كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي »، دلَّ علىٰ أنَّ الحجَّة من بعده ليس من العجم ولا من سائر قبائل العرب، بل من عترته أهل بيته، ثمّ قرن قوله بما دلَّ [به] علىٰ مراده فقال: «ألَا وإنَّهما لن يفترقا حتَّىٰ يردا عليَّ الحوض»، فأعلمنا أنَّ الحجَّة من عترته لا تفارق الكتاب، وإنَّا متىٰ تمسَّكنا بمن لا يفارق الكتاب لن نضلَّ، ومن لا يفارق الكتاب ممَّن فرض علىٰ الأُمَّة أنْ يتمسَّكوا به، ويجب في العقول أنْ يكون عالماً بالكتاب، مأموناً عليه، يعلم ناسخه من منسوخه، وخاصَّه من عامِّه، وحتمه من ندبه، ومحكمه من متشابهه، ليضع كلَّشيء من ذلك موضعه الذي وضعه الله (تبارک و تعالی)، لا يُقدِّم مؤخَّراً ولا يُؤخِّر مقدَّماً. ويجب أنْ يكون جامعاً لعلم الدِّين كلِّه ليمكن التمسُّك به والأخذ بقوله فيما اختلفت فيه الأُمَّة وتنازعته من تأويل الكتاب والسُّنَّة، ولأنَّه إنْ بقي منه شيء لا يعلمه لم يمكن التمسُّك به، ثمّ متىٰ كان بهذا المحلِّ أيضاً لم يكن مأموناً علىٰ الكتاب، ولم يؤمن أنْ يغلط فيضع الناسخ منه مكان المنسوخ، والمحكم مكان المتشابه، والندب مكان الحتم، إلىٰ غير ذلك ممَّا يكثر تعداده، وإذا كان [هذا] هكذا صار الحجَّة والمحجوج سواء، وإذا فسد هذا القول صحَّ ما قالت الإماميَّة من أنَّ الحجَّة من العترة لا يكون إلَّا جامعاً لعلم الدِّين معصوماً مؤتمنا علىٰ الكتاب، فإنْ وجدت الزيديَّة في أئمَّتها من هذه صفته فنحن أوَّل من ينقاد له، وإنْ تكن الأُخرىٰ فالحقُّ أولىٰ ما اتُّبع.

وقال شيخ من الإماميَّة: إنَّا لم نقل: إنَّ الحجَّة من ولد فاطمة (علیها السلام) قولاً مطلقاً، وقلناه بتقييد وشرائط، ولم نحتجّ لذلك بهذا الخبر فقط، بل احتججنا به وبغيره، فأوَّل ذلك أنَّا وجدنا النبيَّ (صلی الله علیه و آله) قد خصَّ من عترته أهل بيته أمير المؤمنين والحسن والحسين (علیهم السلام) بما خصَّ به ودلَّ علىٰ جلالة خطرهم وعظم شأنهم وعلوِّ حالهم عند الله (عزوجل)بما فعله بهم في الموطن بعد الموطن والموقف بعد الموقف ممَّا شهرته تُغني عن ذكره بيننا وبين الزيديَّة، ودلَّ الله تبارك وتعالىٰ علىٰ ما

ص: 127

وصفناه من علوِّ شأنهم بقوله: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً 33» [الأحزاب: 33]، وبسورة هل أتىٰ وما يشاكل ذلك، فلمَّا قدَّم (علیه السلام) هذه الأُمور وقرَّر عند أُمَّته أنَّه ليس في عترته من يتقدَّمهم في المنزلة والرفعة ولم يكن (علیه السلام) ممَّن يُنسَبإلىٰ المحاباة ولا ممَّن يُولِّي ويُقدِّم إلَّا علىٰ الدِّين علمنا أنَّهم (علیهم السلام) نالوا ذلك منه استحقاقاً بما خصَّهم به، فلمَّا قال بعد ذلك كلّه: «قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ كِتَابَ الله وَعِتْرَتِي » علمنا أنَّه عنىٰ هؤلاء دون غيرهم، لأنَّه لو كان هناك من عترته من له هذه المنزلة لخصَّه (علیه السلام) ونبَّه علىٰ مكانه، ودلَّ علىٰ موضعه لئلَّا يكون فعله بأمير المؤمنين والحسن والحسين (علیهم السلام) محاباةً، وهذا واضح، والحمد لله، ثمّ دلَّنا علىٰ أنَّ الإمام بعد أمير المؤمنين الحسن باستخلاف أمير المؤمنين (علیه السلام) إيَّاه واتِّباع أخيه له طوعاً.

وأمَّا قوله: (إنَّ المؤتمَّة خالفت الإجماع وادَّعت الإمامة في بطن من العترة)، فيقال له: ما هذا الإجماع السابق الذي خالفناه فإنَّا لا نعرفه، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ تُجعَل مخالفة الإماميَّة للزيديَّة خروجاً من الإجماع، فإنْ كنت إلىٰ هذا تومئ فليس يتعذَّر علىٰ الإماميَّة أنْ تنسبك إلىٰ مثل ما نسبتها إليه وتدَّعي عليك من الإجماع مثل الذي ادَّعيته عليها. وبعد فأنت تقول: إنَّ الإمامة لا تجوز(1) إلَّا لولد الحسن والحسين (علیهما السلام)، فبيِّن لنا لِمَ خصَّصت ولدهما دون سائر العترة لنُبيِّن لك بأحسن من حجَّتك ما قلناه، وسيأتي البرهان في موضعه إنْ شاء الله.

ثمّ قال صاحب الكتاب: وقالت الزيديَّة: الإمامة جائزة للعترة وفيهم لدلالة رسول الله (صلی الله علیه و آله) عليهم عامًّا لم يُخصِّص بها بعضاً دون بعض، ولقول الله (عزوجل)لهم دون غيرهم بإجماعهم: «أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ...» الآية [فاطر: 32].

ص: 128


1- في بعض النُّسَخ: (لا تكون).

فأقول - وبالله التوفيق -: قد غلط صاحب الكتاب فيما حكىٰ،لأنَّ الزيديَّة إنَّما تُجيز الإمامة لولد الحسن والحسين (علیهما السلام)(1) خاصَّة، والعترة في اللغة العمُّ وبنو العمِّ، الأقرب فالأقرب، وما عرف أهل اللغة قطُّ ولا حكىٰ عنهم أحد أنَّهم قالوا: العترة لا تكون إلَّا ولد الابنة من ابن العمِّ، هذا شيء تمنَّته الزيديَّة وخدعت به أنفسها وتفرَّدت بادِّعائه بلا بيان ولا برهان، لأنَّ الذي تدَّعيه ليس في العقل ولا في الكتاب ولا في الخبر ولا في شيء من اللغات، وهذه اللغة وهؤلاء أهلها فاسألوهم يُبيَّن لكم أنَّ العترة في اللغة الأقرب فالأقرب من العمِّ وبني العمِّ.

فإنْ قال صاحب الكتاب: فلِمَ زعمت أنَّ الإمامة لا تكون(2) لفلان وولده، وهم من العترة عندك؟

قلنا له: نحن لم نقل هذا قياساً وإنَّما قلناه اتِّباعاً لما فعله (صلی الله علیه و آله) بهؤلاء الثلاثة(3) دون غيرهم من العترة، ولو فعل بفلان(4) ما فعله بهم لم يكن عندنا إلَّا السمع والطاعة.

وأمَّا قوله: إنَّ الله تبارك وتعالىٰ قال: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ...» الآية.

فيقال له: قد خالفك خصومك من المعتزلة وغيرهم في تأويل هذه الآية، وخالفتك الإماميَّة وأنت تعلم من السابق بالخيرات عند الإماميَّة، وأقلّ ما كان

ص: 129


1- في مقولة المترجم في الكتاب المسمَّىٰ بنامهى دانشوران (ج 4/ ص 278): (الزيديَّة إنَّما تُجيز الإمامة لولد الحسين (علیه السلام).
2- في بعض النُّسَخ: (لا تجوز).
3- يعني أمير المؤمنين والسبطين (علیهم السلام).
4- أي لو فعل رسول الله (صلی الله علیه و آله) مثلاً بعبَّاس وولديه عبد الله والفضل ما فعل بهؤلاء الثلاثة لم يكن... إلخ.

يجب عليك - وقد ألَّفت كتابك هذا لتُبيِّن الحقَّ وتدعوإليه - أنْ تُؤيِّد الدعوىٰ بحجَّة، فإنْ لم تكن فإقناع، فإنْ لم يكن فترك الاحتجاج(1) بما لم يمكنك أنْ تُبيِّن أنَّه حجَّة لك دون خصومك، فإنَّ تلاوة القرآن وادِّعاء تأويله بلا برهان أمر لا يعجز عنه أحد، وقد ادَّعىٰ خصومنا وخصومك أنَّ قول الله (تبارک و تعالی): «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ...» الآية [آل عمران: 110]، هم جميع علماء الأُمَّة، وأنَّ سبيل علماء العترة وسبيل علماء المرجئة سبيل واحد، وأنَّ الإجماع لا يتمُّ والحجَّة لا تثبت بعلم العترة، فهل بينك وبينها فصل؟ وهل تقنع منها بما ادَّعت أو تسألها البرهان؟ فإنْ قال: بل أسألها البرهان، قيل له: فهاتِ برهانك أوَّلاً علىٰ أنَّ المعنيَّ بهذه الآية التي تلوتها هم العترة، وأنَّ العترة هم الذرّيَّة، وأنَّ الذرّيَّة هم ولد الحسن والحسين (علیهما السلام) دون غيرهم من ولد جعفر وغيره ممَّن أُمَّهاتهم فاطميَّات.

ثمّ قال: ويقال للمؤتمَّة: ما دليلكم علىٰ إيجاب الإمامة لواحد دون الجميع وحظرها علىٰ الجميع، فإنْ اعتلُّوا بالوارثة والوصيَّة، قيل لهم: هذه المغيريَّة(2)

ص: 130


1- يعني إنْ لم تكن حجَّة فبدليل إقناعي، وإنْ لم يكن دليل إقناعي فترك الاحتجاج بما ليس لك حجَّة، بل يمكن أنْ يكون حجَّة لخصومك.
2- المغيريَّة هم أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي مولىٰ بجيلة الذي خرج بظاهر الكوفة في إمارة خالد بن عبد الله القسري، فظفر به وأحرقه وأحرق أصحابه سنة (119ه) كما في تاريخ الطبري (ج 5/ ص 456)، وقد تظافرت الروايات بكونه كذَّاباً، وروىٰ الكشِّي (رحمة الله) روايات كثيرة في ذمِّه. (راجع: اختيار معرفة الرجال: ج 2/ ص 489 - 494). وهو وأصحابه أنكروا إمامة أبي عبد الله جعفر بن محمّد (علیهما السلام)، وقالوا بإمامة محمّد بن عبد الله بن الحسن، فلمَّا قُتِلَ صاروا لا إمام لهم ولا وصيَّ ولا يُثبِتون لأحد إمامة بعد. وفي بعض النُّسَخ المصحَّحة (المفترية)، وفى هامشه: (اعلم أنَّ الفرق بين المفترية والزيديَّة أنَّ المفترية لا يقولون بإمامة الحسين بعد أخيه الحسن (علیهما السلام)، بل يقولون: إنَّ الإمام بعد الحسن (علیه السلام) ابنه الحسن المثنَّىٰ، والزيديَّة قائلون بإمامة عليِّ بن الحسين من بعد أبيه، لكن لم يقولوا بإمامة محمّد بن عليِّ بن الحسين (علیهم السلام)، بل قائلون بإمامة زيد بن عليِّ بن الحسين (علیهما السلام) بعد أبيه، وأيضاً قائلون بإمامة ولد الحسن من كان منهم ادَّعىٰ الإمامة. انتهىٰ. وفى بعض النُّسَخ: (المعترية).

تدَّعي الإمامة لولد الحسن ثمّ في بطن من ولد الحسن بنالحسن في كلِّ عصر وزمان بالوارثة والوصيَّة من أبيه وخالفوكم بعد فيما تدَّعون كما خالفتم غيركم فيما يدَّعي.

فأقول - وبالله الثقة -: الدليل علىٰ أنَّ الإمامة لا تكون إلَّا لواحد أنَّ الإمام لا يكون إلَّا الأفضل، والأفضل يكون علىٰ وجهين: إمَّا أنْ يكون أفضل من الجميع أو أفضل من كلِّ واحد من الجميع، فكيف كانت القصَّة فليس يكون الأفضل إلَّا واحداً لأنَّه من المحال أنْ يكون أفضل من جميع الأُمَّة أو من كلِّ واحد من الأُمَّة وفي الأُمَّة من هو أفضل منه، فلمَّا لم يجز هذا وصحَّ بدليل تعترف الزيديَّة بصحَّته أنَّ الإمام لا يكون إلَّا الأفضل صحَّ أنَّها لا تكون إلَّا لواحد في كلِّ عصر، والفصل فيما بيننا وبين المغيريَّة سهل واضح قريب والمنَّة لله، وهو أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) دلَّ علىٰ الحسن والحسين (علیهما السلام) دلالة بيِّنة وبان بهما من سائر العترة بما خصَّهما به ممَّا ذكرناه ووصفناه، فلمَّا مضىٰ الحسن كان الحسين أحقّ وأولىٰ بدلالة الحسن لدلالة الرسول (صلی الله علیه و آله) عليه واختصاصه إيَّاه وإشارته إليه، فلو كان الحسن أوصىٰ بالإمامة إلىٰ ابنه لكان مخالفاً للرسول (صلی الله علیه و آله) وحاشا له من ذلك. وبعد فلسنا نشكُّ ولا نرتاب في أنَّ الحسين (علیه السلام) أفضل من الحسن بن الحسن بن عليٍّ، والأفضل هو الإمام علىٰ الحقيقة عندنا وعند الزيديَّة، فقدتبيَّن لنا بما وصفنا كذب المغيريَّة وانتقض الأصل الذي بنوا عليه مقالتهم، ونحن لم نخصّ عليَّ بن الحسين بن عليٍّ (علیهم السلام) بما خصَّصناه به محاباةً، ولا قلَّدنا في ذلك أحداً، ولكنَّ الأخبار قرعت سمعنا فيه بما لم تقرع في الحسن بن الحسن.

ودلَّنا علىٰ أنَّه أعلم منه ما نُقِلَ(1) من علم الحلال والحرام عنه، وعن

ص: 131


1- في بعض النُّسَخ: (ما فضل).

الخلف من بعده، وعن أبي عبد الله (علیه السلام)، ولم نسمع للحسن بن الحسن بشيء يمكننا أنْ نقابل بينه وبين من سمعناه من علم عليِّ بن الحسين (علیهما السلام)، والعالم بالدِّين أحقّ بالإمامة ممَّن لا علم له، فإنْ كنتم يا معشر الزيديَّة عرفتم للحسن بن الحسن علماً بالحلال والحرام فأظهروه، وإنْ لم تعرفوا له ذلك فتفكَّروا في قول الله (تبارک و تعالی): «أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَىٰ الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ 35» [يونس: 35]، فلسنا ندفع الحسن بن الحسن عن فضل وتقدُّم وطهارة وزكاة وعدالة، والإمامة لا يتمُّ أمرها إلَّا بالعلم بالدِّين والمعرفة بأحكام ربِّ العالمين وبتأويل كتابه، وما رأينا إلىٰ يومنا هذا ولا سمعنا بأحد قالت الزيديَّة بإمامته إلَّا وهو يقول في التأويل - أعني تأويل القرآن - علىٰ الاستخراج وفي الأحكام علىٰ الاجتهاد والقياس، وليس يمكن معرفة تأويل القرآن بالاستنباط(1) لأنَّ ذلك كان ممكناً لو كان القرآن إنَّما أُنزل بلغة واحدة، وكان علماء أهل تلك اللغة يعرفون المراد، فأمَّا القرآن قد نزل بلغات كثيرة، وفيه أشياء لا يُعرَف المراد منها إلَّا بتوقيف مثل الصلاةوالزكاة والحجِّ(2) وما في هذا الباب منه، وفيه أشياء لا يُعرَف المراد منها إلَّا بتوقيف ممَّا نعلم وتعلمون أنَّ المراد منه إنَّما عُرِفَ بالتوقيف دون غيره، فليس يجوز حمله علىٰ اللغة لأنَّك تحتاج أوَّلاً أنْ تعلم أنَّ الكلام الذي تريد أنْ تتأوَّله ليس فيه توقيف أصلاً، لا في جمله ولا في تفصيله.

فإنْ قال منهم قائل: لم يُنكَر أنْ يكون ما كان سبيله أنْ يُعرَف بالتوقيف فقد وقَّف اللهُ رسولَه (صلی الله علیه و آله) عليه، وما كان سبيله أنْ يُستَخرج فقد وكل إلىٰ العلماء وجعل بعض القرآن دليلاً علىٰ بعض فاستغنينا بذلك عمَّا تدَّعون من التوقيف والموقّف.

ص: 132


1- في بعض النُّسَخ: (بالاستخراج).
2- يعني لفظ (الصلاة) و(الزكاة) و(الحجّ).

قيل له: لا يجوز أنْ يكون ذلك علىٰ ما وصفتم لأنَّا نجد للآية الواحدة تأويلين متضادَّين كلُّ واحد منهما يجوز في اللغة ويحسن أنْ يتعبَّد الله به، وليس يجوز أنْ يكون للمتكلِّم الحكيم كلام يحتمل مرادين متضادَّين.

فإنْ قال: ما يُنكَر أنْ يكون في القرآن دلالة علىٰ أحد المرادين وأنْ يكون العلماء بالقرآن متىٰ تدبَّروه علموا المراد بعينه دون غيره؟

فيقال للمعترض بذلك: أنكرنا هذا الذي وصفته لأمر نُخبِرك به: ليس تخلو تلك الدلالة التي في القرآن علىٰ أحد المرادين من أنْ تكون محتملة للتأويل أو غير محتملة، فإنْ كانت محتملة للتأويل فالقول فيها كالقول في هذه الآية، وإنْ كانت لا تحتمل التأويل فهي إذاً توقيف ونصٌّ علىٰ المراد بعينه ويجب أنْ لا يشكل علىٰ أحد علم اللغة معرفة المراد، وهذا ما لا تُنكِره العقول، وهو من فعل الحكيم جائز حسن، ولكنَّا إذا تدبَّرنا آي القرآن لم نجد هكذا ووجدنا الاختلاف في تأويلها قائماً بين أهل العلم بالدِّينواللغة، ولو كان هناك آيات تُفسِّر آيات تفسيراً لا يحتمل التأويل لكان فريق من المختلفين في تأويله من العلماء باللغة معاندين، ولأمكن كشف أمرهم بأهون السعي، ولكان من تأوَّل الآية خارجاً من اللغة ومن لسان أهلها، لأنَّ الكلام إذا لم يحتمل التأويل فحملته علىٰ ما لا يحتمله خرجت عن اللغة التي وقع الخطاب بها، فدلُّونا يا معشر الزيديَّة علىٰ آية واحدة اختلف أهل العلم في تأويلها في القرآن ما يدلُّ نصًّا وتوقيفاً علىٰ تأويلها، وهذا أمر متعذِّر وفي تعذُّره دليل علىٰ أنَّه لا بدَّ للقرآن من مترجم يعلم مراد الله تعالىٰ فيُخبِر به، وهذا عندي واضح.

ثمّ قال صاحب الكتاب: وهذه الخطَّابيَّة تدَّعي الإمامة لجعفر بن محمّد من أبيه (علیهما السلام) بالوراثة والوصيَّة، ويقفون علىٰ رجعته، ويخالفون كلَّ من قال بالإمامة، ويزعمون أنَّكم وافقتموهم في إمامة جعفر (علیه السلام) وخالفوكم فيمن سواه.

ص: 133

فأقول - وبالله الثقة -: ليس تصحُّ الإمامة بموافقة موافق ولا مخالفة مخالف، وإنَّما تصحُّ بأدلَّة الحقِّ وبراهينه، وأحسب أنَّ صاحب الكتاب غلط والخطَّابيَّة قوم غلاة، وليس بين الغلوِّ والإمامة(1) نسبة، فإنْ قال: فإنِّي أردت الفرقة التي وقفت(2) عليه، قيل له: فيقال لتلك الفرقة: نعلم أنَّ الإمام بعد جعفر موسىٰ بمثل ما علمتم أنتم به أنَّ الإمام بعد محمّد بن عليٍّ جعفر، ونعلم أنَّ جعفراً مات كما نعلم أنَّ أباه مات، والفصل بيننا وبينكم هو الفصل بينكم وبين السبائيَّة والواقفة علىٰ أمير المؤمنين(صلوات الله عليه)، فقولوا كيف شئتم(3).

ويقال لصاحب الكتاب: وأنت فما الفصل بينك وبين من اختار الإمامة لولد العبَّاس وجعفر وعقيل - أعني لأهل العلم والفضل منهم -، واحتجَّ باللغة في أنَّهم من عترة الرسول، وقال: إنَّ الرسول (صلی الله علیه و آله) عمَّ جميع العترة ولم يخصّ إلَّا ثلاثة(4) هم أمير المؤمنين والحسن والحسين (صلوات الله عليهم)، عرِّفناه وبيِّن لنا.

ثمّ قال صاحب الكتاب: وهذه الشمطيَّة تدَّعي إمامة عبد الله بن جعفر ابن محمّد من أبيه(5) بالوراثة والوصيَّة، وهذه الفطحيَّة تدَّعي إمامة إسماعيل بن

ص: 134


1- في بعض النُّسَخ: (والإماميَّة).
2- يعني علىٰ جعفر بن محمّد (علیهما السلام).
3- يعني كلَّ ما قلتم في ردِّ السبائيَّة، فنحن عارضناكم بمثله.
4- كذا، وفي هامش بعض النُّسَخ: الظاهر (ولم يخصّ بالثلاثة). أقول: ويمكن أنْ يكون (إلَّا) في قوله: (إلَّا ثلاثة) زائداً من النُّسَّاخ.
5- كذا، وفى فِرَق الشيعة للنوبختي (ص 77 و78): السمطيَّة هم الذين جعلوا الإمامة في محمّد بن جعفر وولده من بعده، وهذه الفرقة تُسمَّىٰ (السمطيَّة) نسبةً إلىٰ رئيس لهم يقال له: يحيىٰ بن أبي السميط، انتهىٰ. وفى المحكي عن المقريزي: يحيىٰ بن شميط الأحمسي، ويُذكَر أنَّه كان قائداً من قوَّاد مختار بن أبي عبيدة الثقفي. (المواعظ والاعتبار: ج 4/ ص 180). والظاهر التعدُّد، لتقدُّم المختار عن محمّد بتسعين سنة.

جعفر(1) عن أبيه بالوراثة والوصيَّة، وقبل ذلك [إنَّ]ما قالوا بإمامة عبد الله بن جعفر ويُسمَّون اليوم إسماعيليَّة لأنَّه لم يبقَ للقائلين بإمامة عبد الله بن جعفر خلف ولا بقيَّة، وفرقة من الفطحيَّة يقال لهم: القرامطة(2) قالوا بإمامة محمّد بن إسماعيل بن جعفر بالوراثة والوصيَّة.وهذه الواقفة علىٰ موسىٰ بن جعفر تدَّعي الإمامة لموسىٰ وترتقب لرجعته.

وأقول: الفرق بيننا وبين هؤلاء سهل واضح قريب:

أمَّا الفطحيَّة فالحجَّة عليها أوضح من أنْ تخفىٰ، لأنَّ إسماعيل مات قبل أبي عبد الله (علیه السلام)، والميِّت لا يكون خليفة الحيِّ، وإنَّما يكون الحيُّ خليفة الميِّت، ولكنَّ القوم عملوا علىٰ تقليد الرؤساء وأعرضوا عن الحجَّة وما في بابها. وهذا أمر لا يحتاج فيه علىٰ إكثار لأنَّه ظاهر الفساد، بيِّن الانتقاد.

وأمَّا القرامطة فقد نقضت الإسلام حرفاً حرفاً، لأنَّها أبطلت أعمال الشريعة وجاءت بكلِّ سوفسطائيَّة، وإنَّ الإمام إنَّما يُحتاج إليه للدِّين وإقامة حكم

ص: 135


1- كذا، وفي كتاب النوبختي: الفطحيَّة فرقة يقولون بإمامة عبد الله بن جعفر، وسمُّوا بذلك لأنَّ عبد الله كان أفطح الرأس، وقال بعضهم: كان أفطح الرجلين، وقال بعض الرواة: نُسبوا إلىٰ رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له: عبد الله بن فطيح. (فِرَق الشيعة: ص 78).
2- هم فرقة من المباركيَّة، وإنَّما سمُّوا بهذا برئيس لهم من أهل السواد من الأنباط كان يُلقَّب (قرمطويه)، كانوا في الأصل علىٰ مقالة المباركيَّة، ثمّ خالفوهم فقالوا: لا يكون بعد محمّد(صلی الله علیه و آله) إلَّا سبعة أئمَّة: عليُّ بن أبي طالب إلىٰ جعفر بن محمّد ثمّ محمّد بن إسماعيل، وهو الإمام القائم المهدى، وهو رسول. وزعموا أنَّ النبيَّ(صلی الله علیه و آله) انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذي أُمِرَ فيه بنصب عليِّ بن أبي طالب (علیه السلام) للناس في غدير خُمٍّ، فصارت الرسالة في ذلك اليوم في عليِّ ابن أبي طالب، واعتلُّوا في ذلك بقول رسول الله (صلی الله علیه و آله): «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه»، وأنَّ هذا القول منه خروج من الرسالة والنبوَّة والتسليم منه في ذلك لعليٍّ (علیه السلام) بأمر الله (تبارک و تعالی)، وأنَّ النبيَّ(صلی الله علیه و آله) بعد ذلك كان مأموماً لعليٍّ محجوجاً به. (قاله النوبختي في فِرَق الشيعة: ص 72 و73). وفى تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص 633) تحقيق لسبب تسمية القرامطة بهذا الاسم.

الشريعة، فإذا جاءت القرامطة تدَّعي أنَّ جعفر بن محمّد أو وصيَّه استخلف رجلاً دعا إلىٰ نقض الإسلام والشريعة والخروج عمَّا عليه طبائع الأُمَّة لم نحتج في معرفة كذبهم إلىٰ أكثر من دعواهم المتناقض الفاسد الركيك.

وأمَّا الفصل بيننا وبين سائر الفِرَق، فهو أنَّ لنا نقلة أخبار وحملةآثار قد طبَّقوا البلدان كثرةً، ونقلوا عن جعفر بن محمّد (علیهما السلام) من علم الحلال والحرام ما يُعلَم بالعادة الجارية والتجربة الصحيحة أنَّ ذلك كلَّه لا يجوز أنْ يكون كذباً مولَّداً، وحكوا مع نقل ذلك عن أسلافهم أنَّ أبا عبد الله (علیه السلام) أوصىٰ بالإمامة إلىٰ موسىٰ (علیه السلام)، ثمّ نُقِلَ إلينا من فضل موسىٰ (علیه السلام) وعلمه ما هو معروف عند نقلة الأخبار، ولم نسمع لهؤلاء بأكثر من الدعوىٰ، وليس سبيل التواتر وأهله سبيل الشذوذ وأهله، فتأمَّلوا الأخبار الصادقة تعرفوا بها فصل ما بين موسىٰ (علیه السلام) ومحمّد وعبد الله بني جعفر، وتعالَوا نمتحن هذا الأمر بخمس مسائل من الحلال والحرام ممَّا قد أجاب فيه موسىٰ (علیه السلام) فإنْ وجدنا لهذين فيه جواباً عند أحد من القائلين بإمامتهما فالقول كما يقولون، وقد روت الإماميَّة أنَّ عبد الله بن جعفر سُئِلَ: كم في مائتي درهم؟ قال: خمسة دراهم، قيل له: وكم في مائة درهم؟ فقال: درهمان ونصف(1)(2).

ولو أنَّ معترضاً اعترض علىٰ الإسلام وأهله فادَّعىٰ أنَّ هاهنا من قد عارض القرآن(3) وسألنا أنْ نفصل بين تلك المعارضة والقرآن، لقلنا له: أمَّا القرآن فظاهر، فأظهر تلك المعارضة حتَّىٰ نفصل بينها وبين القرآن. وهكذا

ص: 136


1- يعني لم يعلم عبد الله أنَّ نصاب الدرهم في الزكاة مائتان، ولا زكاة فيما دون ذلك، فأجاب في المسألة بالقياس، وأخطأ.
2- راجع: الكافي (ج 1/ ص 351 و352/ باب ما يفصل به بين دعوىٰ المحقِّ والمبطل في أمر الإمامة/ ح 7).
3- يعني ادَّعىٰ أنَّه جاء رجل وأتىٰ بمثل هذا القرآن.

نقول لهذه الفِرَق، أمَّا أخبارنا فهي مرويَّة محفوظة عند أهل الأمصار من علماء الإماميَّة، فأظهروا تلك الأخبار التي تدَّعونها حتَّىٰنفصل بينها وبين أخبارنا، فأمَّا أنْ تدَّعوا خبراً لم يسمعه سامع ولا عرفه أحد ثمّ تسألونا الفصل بين [هذا] الخبر، فهذا ما لا يعجز عن دعوىٰ مثله أحد، ولو أبطل مثل هذه الدعوىٰ أخبار أهل الحقِّ من الإماميَّة لأبطل مثل هذه الدعوىٰ من البراهمة أخبار المسلمين، وهذا واضح، ولله المنَّة.

وقد ادَّعت الثنويَّة أنَّ ماني أقام المعجزات، وأنَّ لهم خبراً يدلُّ علىٰ صدقهم، فقال لهم الموحِّدون: هذه دعوىٰ لا يعجز عنها أحد، فأظهروا الخبر لندلَّكم علىٰ أنَّه لا يقطع عذراً ولا يوجب حجَّةً، وهذا شبيه بجوابنا لصاحب الكتاب.

ويقال لصاحب الكتاب: قد ادَّعت البكريَّة والأباضيَّة(1) أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) نصَّ علىٰ أبي بكر، وأنكرت أنت ذلك كما أنكرنا نحن أنَّ أبا عبد الله (علیه السلام) أوصىٰ إلىٰ هذين، فبيِّن لنا حجَّتك ودلَّنا علىٰ الفصل بينك وبين البكريَّة والأباضيَّة لندلَّك بمثله علىٰ الفصل بيننا وبين من سمَّيت.

ويقال لصاحب الكتاب: أنت رجل تدَّعي أنَّ جعفر بن محمّد كان علىٰ مذهب الزيديَّة، وأنَّه لم يدَّعِ الإمامة من الجهة التي تذكرها الإماميَّة، وقد ادَّعىٰ القائلون بإمامة محمّد بن إسماعيل بن جعفر بن محمّد خلاف ما تدَّعيه أنت وأصحابك، ويذكرون أنَّ أسلافهم رووا ذلك عنه، فعرِّفنا الفصل بينكم وبينهم لنأتيك بأحسن منه، وأنصف من نفسك فإنَّه أولىٰ بك.

وفرق آخر: وهو أنَّ أصحاب محمّد بن جعفر وعبد الله بن جعفر معترفون بأنَّ الحسين نصَّ علىٰ عليٍّ، وأنَّ عليًّا نصَّ علىٰ محمّد، وأنَّ محمّداً نصَّ علىٰ جعفر،

ص: 137


1- الأباضيَّة: فرقة من الخوارج أصحاب عبد الله بن أباض التميمي.

ودليلنا أنَّ جعفراً نصَّ علىٰ موسىٰ (علیهمالسلام) هو بعينه دون غيره دليل هؤلاء علىٰ أنَّ الحسين نصَّ علىٰ عليٍّ. وبعد فإنَّ الإمام إذا كان ظاهراً واختلفت إليه(1) شيعته ظهر علمه وتبيَّن معرفته بالدِّين، ووجدنا رواة الأخبار وحملة الآثار قد نقلوا عن موسىٰ من علم الحلال والحرام ما هو مدوَّن مشهور، وظهر من فضله في نفسه ما هو بيِّن عند الخاصَّة والعامَّة، وهذه هي أمارات الإمامة، فلمَّا وجدناها لموسىٰ دون غيره علمنا أنَّه الإمام بعد أبيه دون أخيه.

وشي ء آخر، وهو: أنَّ عبد الله بن جعفر مات ولم يُعقِّب ذَكَراً، ولا نصَّ علىٰ أحد، فرجع القائلون بإمامته عنها إلىٰ القول بإمامة موسىٰ (علیه السلام)، والفصل بعد ذلك بين أخبارنا وأخبارهم هو أنَّ الأخبار لا توجب العلم حتَّىٰ يكون في طُرُقه وواسطته قوم يقطعون العذر إذا أخبروا، ولسنا نشاحُّ(2) هؤلاء في أسلافهم بل نقتصر علىٰ أنْ يوجدونا في دهرنا من حملة الأخبار ورواة الآثار ممَّن يذهب مذهبهم عدداً يتواتر بهم الخبر كما نوجدهم نحن ذلك، فإنْ قدروا علىٰ هذا فليُظهِروه، وإنْ عجزوا فقد وضح الفرق بيننا وبينهم في الطرف الذي يلينا ويليهم(3)، وما بعد ذلك موهوب لهم، وهذا واضح، والحمد لله.

وأمَّا الواقفة علىٰ موسىٰ (علیه السلام) فسبيلهم سبيل الواقفة علىٰ أبي عبد الله (علیه السلام)، ونحن فلم نشاهد موت أحد من السلف وإنَّما صحَّ موتهم عندنا بالخبر، فإنْ وقف واقف علىٰ بعضهم سألناه الفصل بينه وبين من وقف علىٰ سائرهم، وهذا ما لا حيلة لهم فيه.ثمّ قال صاحب الكتاب: ومنهم فرقة قطعت علىٰ موسىٰ وائتمُّوا بعده

ص: 138


1- يعني بالاختلاف الإياب والذهاب.
2- أي لا ننازع.
3- في بعض النُّسَخ: (بيننا وبينهم).

بابنه عليِّ بن موسىٰ (علیهما السلام) دون سائر ولد موسىٰ (علیه السلام)، وزعموا أنَّه استحقَّها بالوراثة والوصيَّة، ثمّ في ولده حتَّىٰ انتهوا إلىٰ الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام)، فادَّعوا له ولداً وسمُّوه الخلف الصالح، فمات قبل أبيه(1)، ثمّ إنَّهم رجعوا إلىٰ أخيه الحسن وبطل في محمّد ما كانوا توهَّموا - وقالوا: بدا لله من محمّد إلىٰ الحسن كما بدا له من إسماعيل بن جعفر إلىٰ موسىٰ وقد مات إسماعيل في حياة جعفر - إلىٰ أنْ مات الحسن بن عليٍّ في سنة ثلاث وستِّين ومائتين، فرجع بعض أصحابه إلىٰ إمامة جعفر بن عليٍّ، كما رجع أصحاب محمّد بن عليٍّ بعد وفاة محمّد إلىٰ الحسن، وزعم بعضهم أنَّ جعفر بن عليٍّ استحقَّ الإمامة من أبيه عليِّ بن محمّد بالوراثة والوصيَّة دون أخيه الحسن، ثمّ نقلوها في ولد جعفر بالوراثة والوصيَّة، وكلُّ هذه الفِرَق يتشاحُّون علىٰ الإمامة ويُكفِّر بعضهم بعضاً، ويُكذِّب بعضهم بعضاً، ويبرأ بعضهم من إمامة بعض، وتدَّعي كلُّ فرقة الإمامة لصاحبها بالوراثة والوصيَّة وأشياء من علوم الغيب، الخرافات أحسن منها، ولا دليل لكلِّ فرقة فيما تدَّعي وتخالف الباقين غير الوراثة والوصيَّة، دليلهم شهادتهم لأنفسهم دون غيرهم قولاً بلا حقيقة ودعوىٰ بلا دليل، فإنْ كان هاهنا دليل فيما يدَّعي كلُّ طائفة غير الوراثة والوصيَّة وجب إقامته، وإنْ لم يكن غير الدعوىٰ للإمامة بالوراثة والوصيَّة فقد بطلت الإمامة لكثرة من يدَّعيها بالوراثة والوصيَّة، ولا سبيل إلىٰ قبول دعوىٰ طائفة دون الأُخرىٰ إنْ كانت الدعوىٰ واحدة، ولاسيّماوهم في إكذاب بعضهم بعضاً مجتمعون، وفيما يدَّعي كلُّ فرقة منهم منفردون.

فأقول - والله الموفِّق للصواب -: لو كانت الإمامة تبطل لكثرة من يدَّعيها لكان سبيل النبوَّة سبيلها، لأنَّا نعلم أنَّ خلقاً قد ادَّعاها وقد حكىٰ

ص: 139


1- في بعض النُّسَخ بعد قوله: (وسمُّوه الخلف الصالح) هكذا: (ومنهم فرقة قالت بإمامة محمّد بن عليٍّ، فمات قبل أبيه، ثمّ إنَّهم رجعوا إلىٰ أخيه الحسن...) إلخ.

صاحب الكتاب عن الإماميَّة حكايات مضطربة وأوهم أنَّ تلك مقالة الكلِّ وأنَّه ليس فيهم إلَّا من يقول بالبداء.

ومن قال: إنَّ الله يبدو له من إحداث رأي وعلم مستفاد فهو كافر بالله. وما كان غير هذا فهو قول المغيريَّة، ومن ينحل للأئمَّة علم الغيب، فهذا كفر بالله وخروج عن الإسلام عندنا.

وأقلُّ ما كان يجب عليه أنْ يذكر مقالة أهل الحقِّ، وأنْ لا يقتصر علىٰ أنَّ القوم اختلفوا حتَّىٰ يدلَّ علىٰ أنَّ القول بالإمامة فاسد.

وبعد فإنَّ الإمام عندنا يُعرَف من وجوه سنذكرها ثمّ نعتبر ما يقول هؤلاء، فإنْ لم نجد بيننا وبينهم فصلاً حكمنا بفساد المذهب، ثمّ عدنا نسأل صاحب الكتاب عن أنَّ أيَّ قول هو الحقُّ من بين الأقاويل.

أمَّا قوله: (إنَّ منهم فرقة قطعت علىٰ موسىٰ وائتمُّوا بعده بابنه عليِّ بن موسىٰ)، فهو قول رجل لا يعرف أخبار الإماميَّة(1)، لأنَّ كلَّ الإماميَّة - إلَّا شرذمة وقفت وشذوذ قالوا بإمامة إسماعيل وعبد الله بن جعفر - قالوا بإمامة عليِّ بن موسىٰ ورووا فيه ما هو مدوَّن في الكُتُب، وما يذكر من حملة الأخبار ونقلة الآثار خمسة مالوا إلىٰ هذه المذاهب في أوَّل حدوث الحادث، وإنَّما كثر من كثر منهم بعد، فكيف استحسن صاحب الكتاب أنْيقول: (ومنهم فرقة قطعت علىٰ موسىٰ)؟ وأعجب من هذا قوله: (حتَّىٰ انتهوا إلىٰ الحسن فادَّعوا له ابناً)، وقد كانوا في حياة عليِّ بن محمّد وسمُّوا للإمامة ابنه محمّداً إلَّا طائفة من أصحاب فارس بن حاتم، وليس يحسن بالعاقل أنْ يشنع علىٰ خصمه بالباطل الذي لا أصل له.

ص: 140


1- في بعض النُّسَخ: (أخبار الناس).

والذي يدلُّ علىٰ فساد قول القائلين بإمامة محمّد هو بعينه ما وصفناه في باب إسماعيل بن جعفر، لأنَّ القصَّة واحدة وكلُّ واحد منهما مات قبل أبيه، ومن المحال أنْ يستخلف الحيُّ الميِّتَ ويوصي إليه بالإمامة، وهذا أبين فساداً من أنْ يحتاج في كسره إلىٰ كثرة القول.

والفصل بيننا وبين القائلين بإمامة جعفر أنَّ حكاية القائلين بإمامته عنه اختلفت وتضادَّت، لأنَّ منهم ومنَّا من حكىٰ عنه أنَّه قال: (إنِّي إمام بعد أخي محمّد)، ومنهم من حكىٰ عنه أنَّه قال: (إنِّي إمام بعد أخي الحسن)، ومنهم من قال: إنَّه قال: (إنِّي إمام بعد أبي عليِّ بن محمّد).

وهذه أخبار كما ترىٰ يُكذِّب بعضها بعضاً، وخبرنا في أبي محمّد الحسن بن عليٍّ خبر متواتر لا يتناقض، وهذا فصل بيِّن، ثمّ ظهر لنا من جعفر ما دلَّنا علىٰ أنَّه جاهل بأحكام الله (تبارک و تعالی)، وهو أنَّه جاء يطالب أُمَّ أبي محمّد بالميراث، وفي حكم آبائه (أنَّ الأخ لا يرث مع الأُمِّ)، فإذا كان جعفر لا يحسن هذا المقدار من الفقه حتَّىٰ تبيَّن فيه نقصه وجهله، كيف يكون إماماً؟ وإنَّما تعبَّدنا الله بالظاهر من هذه الأُمور، ولو شئنا أنْ نقول لقلنا، وفيما ذكرناه كفاية ودلالة علىٰ أنَّ جعفراً ليس بإمام.

وأمَّا قوله: (إنَّهم ادَّعوا للحسن ولداً)، فالقوم لم يدَّعوا ذلك إلَّا بعد أنْ نقل إليهم أسلافهم حاله وغيبته وصورة أمره واختلاف الناس فيه عند حدوث ما يحدث، وهذه كُتُبهم فمن شاء أنْ ينظر فيها فلينظر.وأمَّا قوله: (إنَّ كلَّ هذه الفِرَق يتشاحُّون(1) ويُكفِّر بعضهم بعضاً)، فقد صدق في حكايته، وحال المسلمين في تكفير بعضهم بعضاً هذه الحال فليقل كيف أحبّ، وليطعن كيف شاء، فإنَّ البراهمة تتعلَّق به فتطعن بمثله في الإسلام،

ص: 141


1- أي يتنازعون. وتشاحَّ القوم أو الخصمان في الجدل: أراد كلٌّ أنْ يكون هو الغالب.

من سأل خصمه عن مسألة يريد بها نقض مذهبه إذا رُدَّت عليه كان فيها من نقض مذهبه مثل الذي قدر أنْ يلزمه خصمه، فإنَّما هو رجل يسأل نفسه وينقض قوله، وهذه قصَّة صاحب الكتاب، والنبوَّة أصل والإمامة فرع، فإذا أقرَّ صاحب الكتاب بالأصل لم يحسن به أنْ يطعن في الفرع بما رجع علىٰ الأصل، والله المستعان.

ثمّ قال: ولو جازت الإمامة بالوراثة والوصيَّة لمن يُدَّعىٰ له بلا دليل متَّفق عليه لكانت المغيريَّة أحقّ بها، لإجماع الكلِّ معها علىٰ إمامة الحسن بن عليٍّ الذي هو أصلها المستحقُّ للإمامة من أبيه بالوراثة والوصيَّة وامتناعها بعد إجماع الكلِّ معها علىٰ إمامة الحسن من إجازتها لغيره.

هذا مع اختلاف المؤتمَّة في دينهم، منهم من يقول بالجسم، ومنهم من يقول بالتناسخ، ومنهم من تجرَّد التوحيد، ومنهم من يقول بالعدل ويُثبِت الوعيد، ومنهم من يقول بالقدر ويُبطِل الوعيد، ومنهم من يقول بالرؤية، ومنهم من ينفيها مع القول بالبداء، وأشياء يطول الكتاب بشرحها، يُكفِّر بها بعضهم بعضاً، ويتبرَّأ بعضهم من دين بعض، ولكلِّ فرقة من هذه الفِرَق بزعمها رجال ثقات عند أنفسهم، أدُّوا إليهم عن أئمَّتهم ما هم متمسِّكون به.

ثمّ قال صاحب الكتاب: وإذا جاز كذا جاز كذا، شيء لا يجوز عندنا ولم نأتِ بأكثر من الحكاية، فلا معنىٰ لتطويل الكتاب بذكر ما ليس فيهحجَّة ولا فائدة.

فأقول - وبالله الثقة -: لو كان الحقُّ لا يثبت إلَّا بدليل متَّفق عليه ما صحَّ حقٌّ أبداً، ولكان أوَّل مذهب يبطل مذهب الزيديَّة، لأنَّ دليلها ليس بمتَّفق عليه، وأمَّا ما حكاه عن المغيريَّة فهو شيء أخذته عن اليهود، لأنَّها تحتجُّ أبداً بإجماعنا وإيَّاهم علىٰ نبوَّة موسىٰ (علیه السلام) ومخالفتهم إيَّانا في نبوَّة محمّد (صلی الله علیه و آله).

ص: 142

وأمَّا تعييره إيَّانا بالاختلاف في المذاهب، وبأنَّه كلُّ فرقة منَّا تروي ما تدين به عن إمامها، فهو مأخوذ من البراهمة، لأنَّها تطعن به - بعينه دون غيره - علىٰ الإسلام، ولولا الإشفاق من أنْ يتعلَّق بعض هؤلاء المجان(1) بما أحكيه عنهم لقلت كما يقولون.

والإمامة - أسعدكم الله - إنَّما تصحُّ عندنا بالنصِّ وظهور الفضل والعلم بالدِّين مع الإعراض عن القياس والاجتهاد في الفرائض السمعيَّة وفي فروعها، ومن هذا الوجه عرفنا إمامة الإمام، وسنقول في اختلاف الشيعة قولاً مقنعاً.

قال صاحب الكتاب: ثمّ لم يخل اختلافهم من أنْ يكون مولَّداً من أنفسهم أو من عند الناقلين إليهم أو من عند أئمَّتهم، فإنْ كان اختلافهم من قِبَل أئمَّتهم فالإمام من جمع الكلمة، لا من كان سبباً للاختلاف بين الأُمَّة لاسيّما وهم أولياؤه دون أعدائه، ومن لا تقيَّة بينهم وبينه، وما الفرق بينالمؤتمَّة والأُمَّة إذ كانوا(2) مع أئمَّتهم وحُجَج الله عليهم في أكثر ما عابوا علىٰ الأُمَّة التي لا إمام لها من المخالفة في الدِّين وإكفار بعضهم بعضاً، وإنْ يكن اختلافهم من قِبَل الناقلين إليهم دينهم فما يؤمنهم من أنْ يكون هذا سبيلهم معهم فيما ألقوا إليه من الإمامة، لاسيّما إذا كان المدَّعىٰ له الإمامة معدوم العين غير مرئيِّ الشخص، وهو حجَّة عليهم فيما يدَّعون لإمامهم من علم الغيب إذا كان خيرته والتراجمة بينه وبين شيعته كذَّابين يكذبون عليه، ولا علم له بهم، وإنْ يكن اختلاف المؤتمَّة في دينها من قِبَل أنفسها دون أئمَّتها فما حاجة المؤتمَّة إلىٰ الأئمَّة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين وهو بين أظهرهم ولا ينهاهم وهو الترجمان لهم من الله والحجَّة عليهم؟

ص: 143


1- مجن الشيء غلظ وصلب. مزح وقلَّ حياء، كأنَّه صلب وجهه فهو ما جن والجمع مجان. وفي بعض النُّسَخ: (الفُجَّار)، وفى بعضها: (المخالفين). والإشفاق: الخوف.
2- في بعض النُّسَخ: (بين المؤتمَّة والأئمَّة إذا كانوا).

هذا أيضاً من أدلّ الدليل علىٰ عدمه وما يُدَّعىٰ من علم الغيب له، لأنَّه لو كان موجودا لم يسعه ترك البيان لشيعته كما قال الله (تبارک و تعالی): «وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ...» الآية [النحل: 64]، فكما بيَّن الرسول (صلی الله علیه و آله) لأُمَّته وجب علىٰ الإمام مثله لشيعته.

فأقول - وبالله الثقة -: إنَّ اختلاف الإماميَّة إنَّما هو من قِبَل كذَّابين دلَّسوا أنفسهم فيهم في الوقت بعد الوقت، والزمان بعد الزمان، حتَّىٰ عظم البلاء، وكان أسلافهم قوم يرجعون إلىٰ ورع واجتهاد وسلامة ناحية، ولم يكونوا أصحاب نظر وتميُّز، فكانوا إذا رأوا رجلاً مستوراً يروي خبراً أحسنوا به الظنَّ وقبلوه، فلمَّا كثر هذا وظهر شكوا إلىٰ أئمَّتهم فأمرهم الأئمَّة (علیهم السلام) بأنْ يأخذوا بما يُجمَع عليه، فلم يفعلوا وجروا علىٰ عادتهم، فكانت الخيانة من قِبَلهم لا من قِبَل أئمَّتهم، والإمام أيضاً لم يقفعلىٰ كلِّ هذه التخاليط التي رُويت، لأنَّه لا يعلم الغيب(1) وإنَّما هو عبد صالح يعلم الكتاب والسُّنَّة، ويعلم من أخبار شيعته ما ينهىٰ إليه.

وأمَّا قوله: (فما يؤمنهم أنْ يكون هذا سبيلهم فيما ألقوا إليهم من أمر الإمامة)، فإنَّ الفصل بين ذلك أنَّ الإمامة تُنقَل إليهم بالتواتر، والتواتر لا ينكشف عن كذب، وهذه الأخبار فكلُّ واحد منها إنَّما خبر واحد لا يوجب خبره العلم، وخبر الواحد قد يصدق ويكذب، وليس هذا سبيل التواتر، هذا جوابنا، وكلُّ ما أتىٰ به سوىٰ هذا فهو ساقط.

ثمّ يقال له: أخبرنا عن اختلاف الأُمَّة هل تخلو من الأقسام التي قسمتها؟ فإذا قال: لا، قيل له: أفليس الرسول إنَّما بُعِثَ لجمع الكلمة؟ فلا بدَّ من نعم، فيقال له: أوَليس قد قال الله (تبارک و تعالی): «وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ» [النحل: 64]؟ فلا بدَّ من نعم،

ص: 144


1- أي لا يعلمه بذاته ومن عند نفسه، بل يعلم الغيب من جانب الله تعالىٰ متىٰ أراد إذا أراد الله أنْ يُعلِمه.

فيقال له: فهل بيَّن؟ فلا بدَّ من نعم، فيقال له: فما سبب الاختلاف؟ عرِّفناه واقنع منَّا بمثله.

وأمَّا قوله: (فما حاجة المؤتمَّة إلىٰ الأئمَّة إذ كانوا بأنفسهم مستغنين وهو بين أظهرهم لا ينهاهم...) إلىٰ آخر الفصل. فيقال له: أولىٰ الأشياء بأهل الدِّين الإنصاف، أيُّ قول قلناه وأومأنا به إلىٰ أنَّا بأنفسنا مستغنين حتَّىٰ يقرعنا به صاحب الكتاب ويحتجَّ علينا؟ أو أيُّ حجَّة توجَّهت له علينا توجب ما أوجبه؟ ومن لم يبالِ بأيِّ شيء قابل خصومه كثرت مسائله وجواباته.وأمَّا قوله: (وهذا من أدلّ دليل علىٰ عدمه، لأنَّه لو كان موجوداً لم يسعه ترك البيان لشيعته كما قال الله (تبارک و تعالی): «وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ»)، فيقال لصاحب الكتاب: أخبرنا عن العترة الهادية يسعهم أنْ لا يُبيِّنوا للأُمَّة الحقَّ كلَّه؟ فإنْ قال: نعم، حجَّ نفسه وعاد كلامه وبالاً عليه، لأنَّ الأُمَّة قد اختلفت وتباينت وكفَّر بعضها بعضاً، فإنْ قال: لا، قيل: هذا من أدلّ دليل علىٰ عدم العترة وفساد ما تدَّعيه الزيديَّة، لأنَّ العترة لو كانوا كما تصف الزيديَّة لبيَّنوا للأُمَّة ولم يسعهم السكوت والإمساك، كما قال الله (تبارک و تعالی): «وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ»، فإنْ ادَّعىٰ أنَّ العترة قد بيَّنوا الحقَّ للأُمَّة غير أنَّ الأُمَّة لم تقبل ومالت إلىٰ الهوىٰ، قيل له: هذا بعينه قول الإماميَّة في الإمام وشيعته، ونسأل الله التوفيق.

ثمّ قال صاحب الكتاب: ويقال لهم: [لِمَ] استتر إمامكم عن مسترشده؟ فإنْ قالوا: تقيَّةً علىٰ نفسه، قيل لهم: فالمسترشد أيضاً يجوز له أنْ يكون في تقيَّة من طلبه لاسيّما إذا كان المسترشد يخاف ويرجو ولا يعلم ما يكون قبل كونه فهو في تقيَّة، وإذا جازت التقيَّة للإمام فهي للمأموم أجوز، وما بال الإمام في تقيَّة من

ص: 145

إرشادهم وليس هو في تقيَّة من تناول أموالهم، والله يقول: «اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً ...» الآية [يس: 21]، وقال: «إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ» [التوبة: 34]، فهذا ممَّا يدلُّ علىٰ أنَّ أهل الباطل عرض الدنيا يطلبون، والذين يتمسَّكون بالكتاب لا يسألون الناس أجراً وهم مهتدون. ثمّ قال: وإنْ قالوا كذا قيل كذا، فشيء لا يقوله إلَّا جاهل منقوص.والجواب عمَّا سأل: أنَّ الإمام لم يستتر عن مسترشده إنَّما استتر خوفاً علىٰ نفسه من الظالمين. فأمَّا قوله: (فإذا جازت التقيَّة للإمام فهي للمأموم أجوز)، فيقال له: إنْ كنت تريد أنَّ المأموم يجوز له أنْ يتَّقي من الظالم ويهرب عنه متىٰ خاف علىٰ نفسه كما جاز للإمام، فهذا لعمري جائز، وإنْ كنت تريد أنَّ المأموم يجوز له أنْ لا يعتقد إمامة الإمام للتقيَّة، فذلك لا يجوز إذا قرعت الأخبار سمعه وقطعت عذره، لأنَّ الخبر الصحيح يقوم مقام العيان وليس علىٰ القلوب تقيَّة، ولا يعلم ما فيها إلَّا الله.

وأمَّا قوله: (وما بال الإمام في تقيَّة من إرشادهم وليس في تقيَّة من تناول أموالهم والله يقول: «اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً»)، فالجواب عن ذلك إلىٰ آخر الفصل يقال له: إنَّ الإمام ليس في تقيَّة من إرشاد من يريد الإرشاد، وكيف يكون في تقيَّة وقد بيَّن لهم الحقَّ وحثَّهم عليه ودعاهم إليه، وعلَّمهم الحلال والحرام حتَّىٰ شهروا بذلك وعرفوا به؟ وليس يتناول أموالهم وإنَّما يسألهم الخُمُس الذي فرضه الله (عزوجل)ليضعه حيث أُمِرَ أنْ يضعه، والذي جاء بالخُمُس هو الرسول وقد نطق القرآن بذلك، قال الله (تبارک و تعالی): «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ ...» الآية [الأنفال: 41]، وقال: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ...» الآية [التوبة: 103]، فإنْ كان في أخذ المال عيب أو طعن فهو علىٰ من ابتدأ به، والله المستعان.

ص: 146

ويقال لصاحب الكتاب: أخبرنا عن الإمام منكم إذا خرج وغلب هل يأخذ الخُمُس؟ وهل يُجبي(1) الخراج؟ وهل يأخذ الحقَّ من الفيء والمغنم والمعادن وما أشبه ذلك؟ فإنْ قال: لا، فقد خالف حكم الإسلام، وإنْ قال: نعم، قيل له: فإنْ احتجَّ عليه رجل مثلك بقول الله(تبارک و تعالی): «اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً»، وبقوله: «إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ...» الآية، بأيِّ شيء تجيبه حتَّىٰ تجيبك الإماميَّة بمثله، وهذا وفَّقكم الله شيء كان الملحدون يطعنون به علىٰ المسلمين، وما أدري من دلَّسه لهؤلاء. واعلم - علَّمك الله الخير وجعلك من أهله - إنَّما يعمل بالكتاب والسُّنَّة ولا يخالفهما، فإنْ أمكن خصومنا أنْ يدلُّونا علىٰ أنَّه خالف في أخذ ما أخذ الكتاب والسُّنَّة، فلعمري أنَّ الحجَّة واضحة لهم، وإنْ لم يمكنهم ذلك فليعلموا أنَّه ليس في العمل بما يوافق الكتاب والسُّنَّة عيب، وهذا بيِّن.

ثمّ قال صاحب الكتاب: ويقال لهم: نحن لا نجيز الإمامة لمن لا يعرف، فهل توجدونا سبيلاً إلىٰ معرفة صاحبكم الذي تدَّعون حتَّىٰ نُجيز له الإمامة كما نُجوِّز للموجودين من سائر العترة؟ وإلَّا فلا سبيل إلىٰ تجويز الإمامة للمعدومين، وكلُّ من لم يكن موجوداً فهو معدوم، وقد بطل تجويز الإمامة لمن تدَّعون.

فأقول - وبالله أستعين -: يقال لصاحب الكتاب: هل تشكُّ في وجود عليِّ بن الحسين وولده (علیهم السلام) الذين نأتمُّ بهم؟ فإذا قال: لا، قيل له: فهل يجوز أنْ يكونوا أئمَّة؟ فإنْ قال: نعم، قيل له: فأنت لا تدري لعلَّنا علىٰ صواب في اعتقاد إمامتهم وأنت علىٰ خطأ، وكفىٰ بهذا حجَّة عليك. وإنْ قال: لا، قيل له: فما ينفع من إقامة الدليل علىٰ وجود إمامنا وأنت لا تعترف بإمامة مثل عليِّ بن الحسين (علیهما السلام) مع محلِّه من العلم والفضل عند المخالف والموافق؟ ثمّ يقال له: إنَّا

ص: 147


1- من الجباية، وهي أخذ الخراج أو الزكاة وجمعها.

إنَّما علمنا أنَّ في العترة من يعلم التأويل ويعرف الأحكام بخبر النبيِّ (صلی الله علیه و آله) الذي قدَّمناه، وبحاجتنا إلىٰ من يُعرِّفنا المراد من القرآن ومن يفصل بينأحكام الله وأحكام الشيطان، ثمّ علمنا أنَّ الحقَّ في هذه الطائفة من ولد الحسين (علیهم السلام) لما رأينا كلَّ من خالفهم من العترة يعتمد في الحكم والتأويل علىٰ ما يعتمد عليه علماء العامَّة من الرأي والاجتهاد والقياس في الفرائض السمعيَّة التي لا علَّة في التعبُّد بها إلَّا المصلحة، فعلمنا بذلك أنَّ المخالفين لهم مبطلون. ثمّ ظهر لنا من علم هذه الطائفة بالحلال والحرام والأحكام ما لم يظهر من غيرهم، ثمّ ما زالت الأخبار ترد بنصِّ واحد علىٰ آخر حتَّىٰ بلغ الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام)، فلمَّا مات ولم يظهر النصُّ والخلف بعده رجعنا إلىٰ الكُتُب التي كان أسلافنا رووها قبل الغيبة، فوجدنا فيها ما يدلُّ علىٰ أمر الخلف من بعد الحسن (علیه السلام)، وأنَّه يغيب عن الناس ويخفىٰ شخصه، وأنَّ الشيعة تختلف، وأنَّ الناس يقعون في حيرة من أمره، فعلمنا أنَّ أسلافنا لم يعلموا الغيب، وأنَّ الأئمَّة أعلموهم ذلك بخبر الرسول، فصحَّ عندنا من هذا الوجه بهذه الدلالة كونه ووجوده وغيبته، فإنْ كان هاهنا حجَّة تدفع ما قلناه فلتظهرها الزيديَّة، فما بيننا وبين الحقِّ معاندة، والشكر لله.

ثمّ رجع صاحب الكتاب إلىٰ أنْ يعارضنا بما تدَّعيه الواقفة علىٰ موسىٰ بن جعفر، ونحن(1) فلم نقف علىٰ أحد ونسأل الفصل بين الواقفين، وقد بيَّنَّا أنَّا علمنا أنَّ موسىٰ (علیه السلام) قد مات بمثل ما علمنا أنَّ جعفراً مات، وأنَّ الشكَّ في موت أحدهما يدعو إلىٰ الشكِّ في موت الآخر، وأنَّه قد وقف علىٰ جعفر (علیه السلام) قوم أنكرت الواقفة علىٰ موسىٰ عليهم، وكذلك أنكرت قول الواقفة علىٰ(2) أمير المؤمنين (علیه السلام).

ص: 148


1- من كلام أبي جعفر ابن قبة في دفع المعارضة.
2- في هامش بعض النُّسَخ: (الظاهر أنَّ الصواب: الواقفة علىٰ محمّد بن أمير المؤمنين).

فقلنا لهم: يا هؤلاء حجَّتكم علىٰ أُولئك هي حجَّتنا عليكم، فقولوا كيف شئتم تحجُّوا أنفسكم.

ثمّ حكىٰ(1) عنَّا أنَّا كنَّا نقول للواقفة: إنَّ الإمام لا يكون إلَّا ظاهراً موجوداً. وهذه حكاية من لا يعرف أقاويل خصمه، وما زالت الإماميَّة تعتقد أنَّ الإمام لا يكون إلَّا ظاهراً مكشوفاً أو باطناً مغموراً، وأخبارهم في ذلك أشهر وأظهر من أنْ تخفىٰ، ووضع الأُصول الفاسدة للخصوم أمر لا يعجز عنه أحد، ولكنَّه قبيح بذي الدِّين والفضل والعلم، ولو لم يكن في هذا المعنىٰ إلَّا خبر كميل بن زياد(2) لكفىٰ.

ثمّ قال: فإنْ قالوا كذا قيل لهم كذا - لشي ء لا نقوله -، وحجَّتنا ما سمعتم، وفيها كفاية، والحمد لله.

ثمّ قال: ليس الأمر كما تتوهَّمون في بني هاشم، لأنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) دلَّ أُمَّته علىٰ عترته بإجماعنا وإجماعكم التي هي خاصَّته التي لا يقرب أحد منه (علیه السلام) كقربهم، فهي لهم دون الطلقاء وأبناء الطلقاء، ويستحقُّها واحد منهم في كلِّ زمان، إذ كان الإمام لا يكون إلَّا واحداً بلزوم الكتاب والدعاء إلىٰ إقامته بدلالة الرسول (صلی الله علیه و آله) عليهم «أَنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْكِتَابَ حَتَّىٰ يَرِدُوا عَلَيَّ الْحَوْضَ »، وهذا إجماع، والذي اعتللتم به من بني هاشم ليس هم من ذرّيَّة الرسول (صلی الله علیه و آله) وإنْ كانت لهم ولادة، لأنَّ كلَّ بني ابنة ينتمون إلىٰ عصبتهم(3) ما خلا ولد فاطمة، فإنَّ

ص: 149


1- يعني أبا زيد العلوي.
2- سيجيء الخبر في باب ما أخبر به أمير المؤمنين (علیه السلام) من وقوع الغيبة.
3- أي ينتسبون. وعصبة الرجل - محرَّكة -: بنوه وقرابته لأبيه، وإنَّما سمُّوا عصبة لأنَّهم عصبوا به أي أحاطوا به، فالأب طرف والابن طرف، والعمُّ جانب والأخ جانب. (الصحاح للجوهري: ج 1/ ص 182/ مادَّة عصب). والعصبة اسم جنس يُطلَق علىٰ الواحد والكثير. وقال الفيروزآبادي: (العصبة: الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد ولا ولد، فأمَّا في الفرائض فكلُّ من لم يكن له فريضة مسمَّاة فهو عصبة) (القاموس المحيط: ج 1/ ص 105).

رسول الله (صلی الله علیه وآله) عصبتهم وأبوهم، والذرّيَّة هم الولد لقول الله (تبارک و تعالی): «إِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ 36» [آل عمران: 36].

فأقول - وبالله أعتصم -: إنَّ هذا الأمر لا يصحُّ بإجماعنا وإيَّاكم عليه، وإنَّما يصحُّ بالدليل والبرهان، فما دليلك علىٰ ما ادَّعيت، وعلىٰ أنَّ الإجماع بيننا إنَّما هو في ثلاثة: أمير المؤمنين والحسن والحسين (علیهم السلام)، ولم يذكر الرسول (صلی الله علیه و آله) ذرّيَّته وإنَّما ذكر عترته، فملتم أنتم إلىٰ بعض العترة دون بعض بلا حجَّة وبيان أكثر من الدعوىٰ، واحتججنا نحن بما رواه أسلافنا عن جماعة حتَّىٰ انتهىٰ خبرهم إلىٰ نصِّ الحسين بن عليٍّ (علیهما السلام) علىٰ عليٍّ ابنه، ونصَّ عليٌّ علىٰ محمّد، ونصَّ محمّد علىٰ جعفر، ثمّ استدللنا علىٰ صحَّة إمامة هؤلاء دون غيرهم ممَّن كان في عصرهم من العترة بما ظهر من علمهم بالدِّين وفضلهم في أنفسهم، وقد حمل العلم عنهم الأولياء والأعداء، وذلك مبثوث في الأمصار، معروف عند نقلة الأخبار، وبالعلم تتبيَّن الحجَّة من المحجوج، والإمام من المأموم، والتابع من المتبوع، وأين دليلكم يا معشر الزيديَّة علىٰ ما تدَّعون؟

ثمّ قال صاحب الكتاب: ولو جازت الإمامة لسائر بني هاشم مع الحسن والحسين (علیهما السلام) لجازت لبني عبد مناف مع بني هاشم، ولو جازت لبني عبد مناف مع بني هاشم لجازت لسائر ولد قصيّ، ثمّ مدَّفي هذا القول.

فيقال له: أيُّها المحتجُّ عن الزيديَّة إنَّ هذا لشي ء لا يُستَحقُّ بالقرابة وإنَّما يُستَحقُّ بالفضل والعلم، ويصحُّ بالنصِّ والتوقيف، فلو جازت الإمامة لأقرب رجل من العترة لقرابته لجازت لأبعدهم فافصل بينك وبين من ادَّعىٰ ذلك وأظهر حجَّتك وافصل الآن بينك وبين من قال: ولو جازت لولد الحسن لجازت لولد جعفر، ولو جازت لهم لجازت لولد العبَّاس، وهذا فصل لا تأتي به الزيديَّة أبداً إلَّا أنْ تفزع إلىٰ فصلنا وحجَّتنا وهو النصُّ من واحد علىٰ واحد وظهور العلم بالحلال والحرام.

ص: 150

ثمّ قال صاحب الكتاب: وإنْ اعتلُّوا بعليٍّ (علیه السلام) فقالوا: ما تقولون فيه أهو من العترة أم لا؟ قيل لهم: ليس هو من العترة، ولكنَّه بان من العترة ومن سائر القرابة بالنصوص عليه يوم الغدير بإجماع.

فأقول - وبالله أستعين -: يقال لصاحب الكتاب: أمَّا النصوص يوم الغدير فصحيح، وأمَّا إنكارك أنْ يكون أمير المؤمنين من العترة فعظيم، فدلَّنا علىٰ أيِّ شيء تُعوِّل فيما تدَّعي؟ فإنَّ أهل اللغة يشهدون أنَّ العمَّ وابن العمِّ من العترة. ثمّ أقول: إنَّ صاحب الكتاب نقض بكلامه هذا مذهبه، لأنَّه معتقد أنَّ أمير المؤمنين ممَّن خلَّفه الرسول في أُمَّته، ويقول في ذلك: إنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) خلَّف في أُمَّته الكتاب والعترة، وإنَّ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ليس من العترة، وإذا لم يكن من العترة فليس ممَّن خلَّفه الرسول (صلی الله علیه و آله)، وهذا متناقض كما ترىٰ. اللَّهُمَّ إلَّا أنْ يقول: إنَّه (صلی الله علیه و آله) خلَّف العترة فينا بعد أنْ قُتِلَ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، فنسأله أنْ يفصل بينه وبين من قال: وخلَّف الكتاب فينا منذ ذلك الوقت، لأنَّ الكتاب والعترة خُلِّفا معاً، والخبر ناطقبذلك شاهد به، ولله المنَّة.

ثمّ أقبل صاحب الكتاب بما هو حجَّة عليه، فقال: ونسأل من ادَّعىٰ الإمامة لبعض دون بعض إقامة الحجَّة، ونسي نفسه وتفرُّده بادِّعائها لولد الحسن والحسين (علیهما السلام) دون غيرهم، ثمّ قال: فإنْ أحالوا علىٰ الأباطيل من علم الغيب وأشباه ذلك من الخرافات وما لا دليل لهم عليه دون الدعوىٰ عورضوا بمثل ذلك لبعض، فجاز أنَّ العترة من الظالمين لأنفسهم إنْ كان الدعوىٰ هو الدليل.

فيقال لصاحب الكتاب: قد أكثرت في ذكر علم الغيب، والغيب لا يعلمه إلَّا الله، وما ادَّعاه لبشر إلَّا مشرك كافر، وقد قلنا لك ولأصحابك: دليلنا علىٰ ما ندَّعي الفهم والعلم، فإنْ كان لكم مثله فأظهروه، وإنْ لم يكن إلَّا التشنيع والتقوُّل وتقريع الجميع بقول قوم غلاة فالأمر سهل، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ص: 151

ثمّ قال صاحب الكتاب: ثمّ رجعنا إلىٰ إيضاح حجَّة الزيديَّة بقول الله تبارك وتعالىٰ: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ...» الآية [فاطر: 32].

فيقال له: نحن نُسلِّم لك أنَّ هذه الآية نزلت في العترة، فما برهانك علىٰ أنَّ السابق بالخيرات هم ولد الحسن والحسين دون غيرهم من سائر العترة؟ فإنَّك لست تريد إلَّا التشنيع علىٰ خصومك وتدَّعي لنفسك.

ثمّ قال: قال الله (عزوجل)وذكر الخاصَّة والعامَّة من أُمَّة نبيِّه: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً ...» الآية [آل عمران: 103]، ثمّ قال: انقضت مخاطبة العامَّة، ثمّ استأنف مخاطبة الخاصَّة فقال: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَىٰ الْخَيْرِ ...» إلىٰ قوله للخاصَّة: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْلِلنَّاسِ» [آل عمران: 104 - 110]، فقال: هم ذرّيَّة إبراهيم (علیه السلام) دون سائر الناس، ثمّ المسلمون دون من أشرك من ذرّيَّة إبراهيم (علیه السلام) قبل إسلامه وجعلهم شهداء علىٰ الناس فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا ...» إلىٰ قوله: «وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَىٰ النَّاسِ» [الحجّ: 77 و78]، وهذا سبيل الخاصَّة من ذرّيَّة إبراهيم (علیه السلام)، ثمّ اعتلَّ بآيات كثيرة تشبه هذه الآيات من القرآن.

فيقال له: أيُّها المحتجُّ أنت تعلم أنَّ المعتزلة وسائر فِرَق الأُمَّة تنازعك في تأويل هذه الآيات أشدّ منازعة، وأنت فليس تأتي بأكثر من الدعوىٰ، ونحن نُسلِّم لك ما ادَّعيت ونسألك الحجَّة فيما تفرَّدت به من أنَّ هؤلاء هم ولد الحسن والحسين (علیهما السلام) دون غيرهم، فإلىٰ متىٰ تأتي بالدعوىٰ وتعرض عن الحجَّة؟ وتُهوِّل علينا بقراءة القرآن وتوهم أنَّ لك في قراءته حجَّة ليست لخصومك؟ والله المستعان.

ثمّ قال صاحب الكتاب: فليس من دعا إلىٰ الخير من العترة - كمن

ص: 152

أمر بالمعروف ونهىٰ عن المنكر وجاهد فِي الله حقَّ جهاده - سواء وسائر العترة ممَّن لم يدع إلىٰ الخير ولم يجاهد فِي الله حقَّ جهاده ، كما لم يجعل الله من هذا سبيله من أهل الكتاب سواء وسائر أهل الكتاب، وإنْ كان تارك ذلك فاضلاً عابداً، لأنَّ العبادة نافلة والجهاد فريضة لازمة كسائر الفرائض صاحبها يمشي بالسيف إلىٰ السيف، ويُؤثِر علىٰ الدعة الخوف، ثمّ قرأ سورة الواقعة وذكر الآيات التي ذكر الله (عزوجل)فيها الجهاد، وأتبع الآيات بالدعاوي، ولم يحتجّ لشي ء من ذلك بحجَّة فنطالبه بصحَّتها [أ]و نقابله بما نسأله فيه الفصل.

فأقول - وبالله أستعين -: إنْ كان كثرة الجهاد هو الدليل علىٰ الفضلوالعلم والإمامة فالحسين (علیه السلام) أحقُّ بالإمامة من الحسن (علیه السلام)، لأنَّ الحسن وادع معاوية والحسين (علیه السلام) جاهد حتَّىٰ قُتِلَ، وكيف يقول صاحب الكتاب؟ وبأيِّ شيء يدفع هذا؟ وبعد فلسنا نُنكِر فرض الجهاد ولا فضله ولكنَّا رأينا الرسول (صلی الله علیه و آله) لم يحارب أحداً حتَّىٰ وجد أعواناً وأنصاراً وإخواناً فحينئذٍ حارب، ورأينا أمير المؤمنين (علیه السلام) فعل مثل ذلك بعينه، ورأينا الحسن (علیه السلام) قد همَّ بالجهاد فلمَّا خذله أصحابه وادع ولزم منزله، فعلمنا أنَّ الجهاد فرض في حال وجود الأعوان والأنصار، والعالم - بإجماع العقول - أفضل من المجاهد الذي ليس بعالم، وليس كلُّ من دعا إلىٰ الجهاد يعلم كيف حكم الجهاد، ومتىٰ يجب القتال، ومتىٰ تحسن الموادعة، وبما ذا يستقبل أمر هذه الرعيَّة، وكيف يصنع في الدماء والأموال والفروج. وبعد فإنَّا نرضىٰ من إخواننا بشيء واحد، وهو أنْ يدلُّونا علىٰ رجل من العترة ينفي التشبيه والجبر عن الله ولا يستعمل الاجتهاد والقياس في الأحكام السمعيَّة ويكون مستقلًّا كافياً حتَّىٰ نخرج معه فإنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة علىٰ قدر الطاقة وحسب الإمكان، والعقول تشهد أنَّ تكليف ما لا يُطاق فاسد والتغرير بالنفس قبيح، ومن التغرير أنْ تخرج

ص: 153

جماعة قليلة لم تشاهد حرباً ولا تدرَّبت بدربة أهله(1) إلىٰ قوم متدرِّبين بالحروب تمكَّنوا في البلاد وقتلوا العباد وتدرَّبوا بالحروب، ولهم العُدَد والسلاح والكُراع(2) ومن نصرهم من العامَّة - ويعتقدوا أنَّ الخارجعليهم مباح الدم - مثل جيشهم أضعافاً مضاعفة، فكيف يسومنا(3) صاحب الكتاب أنْ نلقىٰ بالأغمار(4) المتدرِّبين بالحروب؟ وكم عسىٰ أنْ يحصل في يد داعٍ إنْ دعا من هذا العدد(5)؟ هيهاتَ هيهاتَ، هذا أمر لا يزيله إلَّا نصر الله العزيز العليم الحكيم.

قال صاحب الكتاب بعد آيات من القرآن تلاها يُنازَع في تأويلها أشدّ منازعة، ولم يُؤيِّد تأويله بحجَّة عقل ولا سمع: فافهم - رحمك الله - مَنْ أحقّ أنْ يكون لله شهيداً؟ مَنْ دعا إلىٰ الخير كما أُمِرَ، ونهىٰ عن المنكر وأمر بالمعروف وجاهد فِي الله حقَّ جهاده حتَّىٰ استُشهِدَ، أم مَنْ لم يُرَ وجهه ولا عُرِفَ شخصه؟! أم كيف يتَّخذه الله شهيداً علىٰ من لم يرَهم ولا نهاهم ولا أمرهم فإنْ أطاعوه أدُّوا ما عليهم وإنْ قتلوه مضىٰ إلىٰ الله (عزوجل)شهيداً؟! ولو أنَّ رجلاً استشهد قوماً علىٰ حقٍّ يطالب به لم يروه ولا شهدوه هل كان شهيداً؟ وهل يستحقُّ بهم حقًّا إلَّا أنْ يشهدوا علىٰ ما لم يروه فيكونوا كذَّابين وعند الله مبطلين؟! وإذا لم يجز ذلك من العباد فهو غير جائز عند الحَكَم العدل الذي لا يجور، ولو أنَّه استشهد قوماً قد عاينوا وسمعوا فشهدوا له والمسألة علىٰ حالها، أليس كان يكون محقًّا وهم صادقون وخصمه مبطل وتمضي الشهادة ويقع الحكم، وكذلك قال الله تعالىٰ :

ص: 154


1- دَرَبَ به - كفَرَحَ - درباً ودُربةً - بالضمِّ -: ضرىٰ، كتدرَّب. والدُّربة - بالضمِّ -: عادة وجرأة علىٰ الأمر والحرب.
2- الكُراع - بالضمِّ -: اسم لجمع الخيل.
3- سامه الأمر: كلَّفه إيَّاه.
4- الغمر - مثلَّثة الغين -: من لم يُجرِّب الأُمور والجاهل، جمعه أغمار.
5- يعني إنْ دعا الإمام أو غيره مثلاً المتدرِّبين بالحروب كم يجتمع له منهم.

«إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» [الزخرف: 86]، أوَلا ترىٰ أنَّ الشهادة لا تقع بالغيب دون العيان؟ وكذلك قول عيسىٰ : «وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ ...» الآية [المائدة: 117].فأقول - وبالله أعتصم -: يقال لصاحب الكتاب: ليس هذا الكلام لك بل هو للمعتزلة وغيرهم علينا وعليك، لأنَّا نقول: إنَّ العترة غير ظاهرة، وإنَّ من شاهدنا منها لا يصلح أنْ يكون إماماً، وليس يجوز أنْ يأمرنا الله (عزوجل)بالتمسُّك بمن لا نعرف منهم ولا نشاهده ولا شاهده أسلافنا، وليس في عصرنا ممَّن شاهدناه منهم ممَّن يصلح أنْ يكون إماماً للمسلمين، والذين غابوا لا حجَّة لهم علينا، وفي هذا أدلّ دليل علىٰ أنَّ معنىٰ قَوْلِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي » ليس ما يسبق إلىٰ قلوب الإماميَّة والزيديَّة، وللنظَّام(1) وأصحابه أنْ يقولوا: وجدنا الذي لا يفارق الكتاب هو الخبر القاطع للعذر، فإنَّه ظاهر كظهور الكتاب يُنتَفع به، ويمكن اتِّباعه والتمسُّك به.

فأمَّا العترة فلسنا نشاهد منهم عالماً يمكن أنْ نقتدي به، وإنْ بلغنا عن واحد منهم مذهب بلغنا عن آخر أنَّه يخالفه، والاقتداء بالمختلفين فاسد، فكيف يقول صاحب الكتاب؟

ثمّ اعلم أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) لمَّا أمرنا بالتمسُّك بالعترة كان بالعقل والتعارف والسيرة ما يدلُّ علىٰ أنَّه أراد علماءهم دون جُهَّالهم، والبررة الأتقياء دون غيرهم، فالذي يجب علينا ويلزمنا أنْ ننظر إلىٰ من يجتمع له العلم بالدِّين مع العقل

ص: 155


1- هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيَّار بن هانئ البصري ابن أُخت أبي هذيل العلَّاف شيخ المعتزلة. وكان النظَّام صاحب المعرفة بالكلام أحد رؤساء المعتزلة، أُستاذ الجاحظ. ولُقِّب بالنظَّام - كشدَّاد - لأنَّه كان يُنظِّم الخرز في سوق البصرة ويبيعها. وقالت المعتزلة: إنَّما سُمِّي ذلك لحسن كلامه نثراً ونظماً. (راجع: الكنىٰ والألقاب للمحدِّث القمِّي: ج 3/ ص 253 و254).

والفضل والحلم والزهد في الدنياوالاستقلال بالأمر فنقتدي به ونتمسَّك بالكتاب وبه.

وإنْ قال: فإنْ اجتمع ذلك في رجلين وكان أحدهما ممَّن يذهب إلىٰ مذهب الزيديَّة والآخر إلىٰ مذهب الإماميَّة بمن يُقتدىٰ منهما ولمن يُتَّبع؟ قلنا له: هذا لا يتَّفق، فإنْ اتَّفق فرق بينهما دلالة واضحة إمَّا نصٌّ من إمام تقدَّمه وإمَّا شيء يظهر في علمه كما ظهر في أَمِيرِ المؤْمِنِينَ يَوْمَ النَّهَرِ حِينَ قَالَ: «وَاللهِ مَا عَبَرُوا النَّهَرَ وَلَا يَعْبُرُوا، وَاللهِ مَا يُقْتَلُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ وَلَا يَنْجُوا مِنْهُمْ عَشَرَةٌ»(1)، وإمَّا أنْ يظهر من أحدهما مذهب يدلُّ علىٰ أنَّ الاقتداء به لا يجوز كما ظهر من علم الزيديَّة القول بالاجتهاد والقياس في الفرائض السمعيَّة والأحكام، فيُعلَم بهذا أنَّهم غير أئمَّة. ولست أُريد بهذا القول زيد بن عليٍّ وأشباهه، لأنَّ أُولئك لم يُظهِروا ما يُنكَر ولا ادَّعوا أنَّهم أئمَّة وإنَّما دعوا إلىٰ الكتاب والرضا من آل محمّد، وهذه دعوة حقٍّ.

وأمَّا قوله: (كيف يتَّخذه الله شهيداً علىٰ من لم يرَهم ولا أمرهم ولا نهاهم؟)، فيقال له: ليس معنىٰ الشهيد عند خصومك ما تذهب إليه، ولكن إنْ عبت الإماميَّة بأنَّ من لم يُرَ وجهه ولا عُرِفَ شخصه لا يكون بالمحلِّ الذي يدَّعونه له، فأخبرنا عنك مَن الإمام الشهيد من العترة في هذا الوقت، فإنْ ذكر أنَّه لا يعرفه دخل فيما عاب ولزمه ما قدَّر أنَّه يلزم خصومه، فإنْ قال: هو فلان، قلنا له: فنحن لم نرَ وجهه ولا عرفنا شخصه، فكيف يكون إماماً لنا وشهيداً علينا؟! فإنْ قال: إنَّكم وإنْ لم تعرفوه فهو موجود الشخصمعروف علمه من

ص: 156


1- راجع ما رواه ابن أبي شيبة في المصنَّف (ج 8/ ص 732/ ح 13)، والمسعودي في مروج الذهب (ج 2/ ص 405)، والدارقطني في سُنَنه (ج 3/ ص 99/ ح 3223)، والبيهقي في سُنَنه (ج 8/ ص 185)، وابن المغازلي في مناقب عليِّ بن أبي طالب (ص 69 و70 و79/ ح 83 و87)، والخوارزمي في المناقب (ص 262 و263/ ح 245).

علمه وجهله من جهله، قلنا: سألناك بالله هل تظنُّ أنَّ المعتزلة والخوارج والمرجئة والإماميَّة تعرف هذا الرجل أو سمعت به أو خطر ذكره ببالها؟ فإنْ قال: هذا ما لا يضرُّه ولا يضرُّنا، لأنَّ السبب في ذلك إنَّما هو غلبة الظالمين علىٰ الدار وقلَّة الأعوان والأنصار، قلت له: لقد دخلت فيما عبت وحججت نفسك من حيث قدَّرت أنَّك تحاجُّ خصومك، وما أقرب هذه الغيبة من غيبة الإماميَّة غير أنَّكم لا تنصفون.

ثمّ يقال: قد أكثرت في ذكر الجهاد ووصف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتَّىٰ أوهمت أنَّ من لم يخرج فليس بمحقٍّ، فما بال أئمَّتك والعلماء من أهل مذهبك لا يخرجون؟ وما لهم قد لزموا منازلهم واقتصروا علىٰ اعتقاد المذهب فقط؟ فإنْ نطق بحرف فتقابله الإماميَّة بمثله. ثمّ قيل له برفق ولين: هذا الذي عبته علىٰ الإماميَّة وهتفت بهم من أجله وشنَّعت به علىٰ أئمَّتهم بسببه وتوصَّلت بذكره إلىٰ ما ضمَّنته كتابك، قد دخلت فيه وملت إلىٰ صحَّته، وعوَّلت عند الاحتجاج عليه، والحمد لله الذي هدانا لدينه.

ثمّ يقال له: أخبرنا هل في العترة اليوم من يصلح للإمامة؟ فلا بدَّ من أنْ يقول: نعم، فيقال له: أفليس إمامته لا تصحُّ إلَّا بالنصِّ علىٰ ما تقوله الإماميَّة ولا معه دليل معجز يُعلَم به أنَّه إمام وليس سبيله عندكم سبيل من يجتمع أهل الحلِّ والعقد من الأُمَّة فيتشاورون في أمره ثمّ يختارونه ويبايعونه؟ فإذا قال: نعم، قيل له: فكيف السبيل إلىٰ معرفته؟ فإنْ قالوا: يُعرَف بإجماع العترة عليه، قلنا لهم: كيف تجتمع عليه؟ فإنْ كان إماميًّا لم ترضَ به الزيديَّة، وإنْ كان زيديًّا لم ترضَ به الإماميَّة، فإنْ قال: لا يُعتَبر بالإماميَّة في مثل هذا، قيل له: فالزيديَّة علىٰ قسمين: قسم معتزلة وقسممثبِّتة، فإنْ قال: لا يُعتَبر بالمثبِّتة في مثل هذا، قيل له: فالمعتزلة قسمان: قسم يجتهد في الأحكام بآرائها، وقسم يعتقد أنَّ الاجتهاد ضلال، فإنْ

ص: 157

قال: لا يُعتَبر بمن نفىٰ الاجتهاد، قيل له: فإنْ بقي - ممَّن يرىٰ الاجتهاد - منهم أفضلهم وبقي - ممَّن يُبطِل الاجتهاد - منهم أفضلهم، ويبرأ بعضهم من بعض بمن نتمسَّك؟ وكيف نعلم المحقَّ منهما هو من تومئ أنت وأصحابك إليه دون غيره؟ فإنْ قال: بالنظر في الأُصول، قلنا: فإنْ طال الاختلاف واشتبه الأمر كيف نصنع وبما نتفصَّىٰ من قَوْلِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا، كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي »؟ والحجَّة من عترته لا يمكن أحداً(1) أنْ يعرفه إلَّا بعد النظر في الأُصول والوقوف علىٰ أنَّ مذاهبه كلَّها صواب، وعلىٰ أنَّ من خالفه فقد أخطأ، وإذا كان هكذا فسبيله وسبيل كلِّ قائل من أهل العلم سبيل واحد، فما تلك الخاصَّة التي هي للعترة دلَّنا عليها وبيِّن لنا جميعها لنعلم أنَّ بين العالم من العترة وبين العالم من غير العترة فرقاً وفصلاً.

وأُخرىٰ يقال لهم: أخبرونا عن إمامكم اليوم أعنده الحلال والحرام؟ فإذا قالوا: نعم، قلنا لهم: وأخبرونا عمَّا عنده ممَّا ليس في الخبر المتواتر هل هو مثل ما عند الشافعي وأبي حنيفة ومن جنسه أو هو خلاف ذلك؟ فإنْ قال: بل عنده الذي عندهما ومن جنسه، قيل لهم: وما حاجة الناس إلىٰ علم إمامكم الذي لم يُسمَع به، وكُتُب الشافعي وأبي حنيفة ظاهرة مبثوثة موجودة؟ وإنْ قال: بل عنده خلاف ما عندهما، قلنا: فخلاف ما عندهما هو النصُّ المستخرَج الذي تدَّعيه جماعة من مشايخ المعتزلة وإنَّ الأشياء كلَّها علىٰ إطلاق العقول إلَّا ما كان في الخبر القاطع للعذر علىٰ مذهب النظَّاموأتباعه، أو مذهب الإماميَّة أنَّ الأحكام منصوصة، واعلموا أنَّا لا نقول منصوصة علىٰ الوجه الذي يسبق إلىٰ القلوب، ولكنَّ المنصوص عليه بالجمل التي من فهمها فهم الأحكام من غير قياس ولا اجتهاد، فإنْ قالوا: عنده ما يخالف هذا كلّه، خرجوا من التعارف،

ص: 158


1- أي لأحد.

وإنْ تعلَّقوا بمذهب من المذاهب، قيل لهم: فأين ذلك العلم؟ هل نقله عن إمامكم أحد يُوثَق بدينه وأمانته؟ فإنْ قالوا: نعم، قيل لهم: قد عاشرناكم الدهر الأطول فما سمعنا بحرف واحد من هذا العلم، وأنتم قوم لا ترون التقيَّة ولا يراها إمامكم، فأين علمه؟ وكيف لم يظهر ولم ينتشر؟ ولكن أخبرونا ما يؤمنَّا أنْ تكذبوا فقد كذبتم علىٰ إمامكم كما تدَّعون أنَّ الإماميَّة كذبت علىٰ جعفر بن محمّد (علیهما السلام)، وهذا ما لا فصل فيه.

مسألة أُخرىٰ: ويقال لهم: أليس جعفر بن محمّد عندكم كان لا يذهب إلىٰ ما تدَّعيه الإماميَّة، وكان علىٰ مذهبكم ودينكم؟ فلا بدَّ من [أنْ يقولوا]: نعم، اللَّهُمَّ إلَّا أنْ تبرؤوا منه، فيقال لهم: وقد كذبت الإماميَّة فيما نقلته عنه، وهذه الكُتُب المؤلَّفة التي في أيديهم إنَّما هي من تأليف الكذَّابين؟ فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فإذا جاز ذلك فلِمَ لا يجوز أنْ يكون إمامكم يذهب مذهب الإماميَّة ويدين بدينها وأنْ يكون ما يحكي سلفكم ومشايخكم عنه مولّداً موضوعاً لا أصل له؟ فإنْ قالوا: ليس لنا في هذا الوقت إمام نعرفه بعينه نروي عنه علم الحلال والحرام، ولكنَّا نعلم أنَّ في العترة من هو موضع هذا الأمر وأهله، قلنا لهم: دخلتم فيما عبتموه علىٰ الإماميَّة بما معها من الأخبار من أئمَّتها بالنصِّ علىٰ صاحبهم والإشارة إليه والبشارة به، وبطل جميع ما قصصتم به من ذكر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار إمامكم بحيث لا يُرىٰ ولا يُعرَف، فقولوا كيف شئتم، ونعوذبالله من الخذلان.

ثمّ قال صاحب الكتاب: وكما أمر الله العترة بالدعاء إلىٰ الخير(1) وصف سبق السابقين منهم وجعلهم شهداء وأمرهم بالقسط، فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ» [المائدة: 8]، ثمّ أتبع ذلك بضرب من

ص: 159


1- في قوله (تبارک و تعالی): «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَىٰ الْخَيْرِ» [آل عمران: 104].

التأويل وقراءة آيات من القرآن ادَّعىٰ أنَّها في العترة، ولم يحتجّ لشي ء منها بحجَّة أكثر من أنْ يكون الدعوىٰ، ثمّ قال: وقد أوجب الله تعالىٰ علىٰ نبيِّه (صلی الله علیه و آله) ترك الأمر والنهي إلىٰ أنْ هيَّأ له أنصاراً فقال: «وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا ...» إلىٰ قوله: «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» [الأنعام: 68 و69]، فمن لم يكن من السابقين بالخيرات، المجاهدين في الله ولا من المقتصدين الواعظين بالأمر والنهي عند إعواز الأعوان(1) فهو من الظالمين لأنفسهم، وهذا سبيل من كان قبلنا من ذراري الأنبياء (علیهم السلام)، ثمّ تلا آيات من القرآن.

فيقال له: ليس علينا، لمن(2) أراد بهذا الكلام؟ ولكن أخبرنا عن الإمام من العترة عندك من أيِّ قسم هو؟ فإنْ قال: من المجاهدين، قيل له: فمن هو؟ ومن جاهد ويعلم من خرج؟ وأين خيله ورجله؟ فإنْ قال: هو ممَّن يعظ بالأمر والنهي عند إعواز الأعوان، قيل له: فمن سمع أمره ونهيه؟ فإنْ قال: أولياؤه وخاصَّته، قلنا: فإنْ اتُّبِعَ هذا وسقط فرض ما سوىٰذلك عنه لإعواز الأعوان وجاز أنْ لا يسمع أمره ونهيه إلَّا أولياؤه، فأيُّ شيء عبته علىٰ الإماميَّة؟ ولِمَ ألَّفت كتابك هذا؟ وبمن عرَّضت؟ وليت شعري وبمن قرَّعت بآي القرآن وألزمته فرض الجهاد؟

ثمّ يقال له وللزيديَّة جميعاً: أخبرونا لو خرج رسول الله (صلی الله علیه و آله) من الدنيا ولم ينصّ علىٰ أمير المؤمنين (علیه السلام) ولا دلَّ عليه ولا أشار إليه أكان يكون ذلك من فعله صواباً وتدبيراً حسناً جائزاً؟ فإنْ قالوا: نعم، فقلنا لهم: ولو لم يدلّ علىٰ

ص: 160


1- اعوزَّ اعوزازاً الرجل: افتقر وساءت حاله فهو معوزٌّ، وأعوزه المطلوب: أعجزه وصعب عليه نيله. أعوز في الشيء: احتجت إليه، لم أقدر عليه. وفى بعض النُّسَخ: (اعوزاز الأعوان)، وأعوز اعوزازاً احتال، اختلَّت حاله.
2- لعلَّ اللَّام في قوله: (لمن) مفتوحة، والجملة تتضمَّن معنىٰ الاستفهام، وقوله: (ليس علينا) جملة مستقلَّة، أي ليس ما قلت علينا. وفى بعض النُّسَخ: (لمن المراد).

العترة أكان يكون ذلك جائزاً؟ فإنْ قالوا: نعم، قلنا: ولو لم يدلّ فأيُّ شيء أنكرتم علىٰ المعتزلة والمرجئة والخوارج وقد كان يجوز أنْ لا يقع النصُّ فيكون الأمر شورىٰ بين أهل الحلِّ والعقد؟ وهذا ما لا حيلة فيه، فإنْ قالوا: لا ولا بدَّ من النصِّ علىٰ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ومن الأدلَّة علىٰ العترة، قيل لهم: لِمَ؟ حتَّىٰ إذا ذكروا الحجَّة الصحيحة فننقلها إلىٰ الإمام في كلِّ زمان، لأنَّ النصَّ إنْ وجب في زمن وجب في كلِّ زمان، لأنَّ العلل الموجبة له موجودة أبداً، ونعوذ بالله من الخذلان.

مسألة أُخرىٰ: يقال لهم: إذا كان الخبر المتواتر حجَّة رواه العترة والأُمَّة، وكان الخبر الواحد من العترة كخبر الواحد من الأُمَّة يجوز علىٰ الواحد منهم من تعمُّد الباطل ومن السهو والزلل ما يجوز علىٰ الواحد من الأُمَّة وما ليس في الخبر المتواتر ولا خبر الواحد فسبيله عندكم الاستخراج، وكان يجوز علىٰ المتأوِّل منكم ما يجوز علىٰ المتأوِّل من الأُمَّة، فمن أيِّ وجه صارت العترة حجَّة؟ فإنْ قال صاحب الكتاب: إذا أجمعوا فإجماعهم حجَّة، قيل له: فإذا أجمعت الأُمَّة فإجماعها حجّة، وهذا يوجب أنَّه لا فرق بين العترة والأُمَّة، وإنْ كان هكذا فليس في قَوْلِهِ:«خَلَّفْتُ فِيكُمْ كِتَابَ الله وعِتْرَتِي » فائدة إلَّا أنْ يكون فيها من هو حجَّة في الدِّين، وهذا قول الإماميَّة.

واعلموا - أسعدكم الله - أنَّ صاحب الكتاب أشغل نفسه بعد ذلك بقراءة القرآن وتأويله علىٰ من أحبّ ولم يقل في شيء من ذلك: (الدليل علىٰ صحَّة تأويلي كيت كيت)، وهذا شي ء لا يعجز عنه الصبيان، وإنَّما أراد أنْ يعيب الإماميَّة بأنَّها لا ترىٰ الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد غلط فإنَّها ترىٰ ذلك علىٰ قدر الطاقة، ولا ترىٰ أنْ تُلقي بأيديها إلىٰ التهلكة، ولا أنْ تخرج مع من لا يعرف الكتاب والسُّنَّة ولا يحسن أنْ يسير في الرعيَّة بسيرة العدل والحقِّ.

ص: 161

وأعجب من هذا أنَّ أصحابنا من الزيديَّة في منازلهم لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ولا يجاهدون، وهم يعيبوننا بذلك، وهذا نهاية من نهايات التحامل ودليل من أدلَّة العصبيَّة، نعوذ بالله من اتِّباع الهوىٰ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

مسألة أُخرىٰ: ويقال لصاحب الكتاب: هل تعرف في أئمَّة الحقِّ أفضل من أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)؟ فمن قوله: لا، فيقال له: فهل تعرف من المنكر بعد الشرك والكفر شيئاً أقبح وأعظم ممَّا كان من أصحاب السقيفة؟ فمن قوله: لا، فيقال له: فأنت أعلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد أو أمير المؤمنين (علیه السلام)؟ فلا بدَّ من أنْ يقول: أمير المؤمنين، فيقال له: فما باله لم يجاهد القوم؟ فإنْ اعتذر بشيء، قيل له: فاقبل مثل هذا العذر من الإماميَّة، فإنَّ الناس جميعاً يعلمون أنَّ الباطل اليوم أقوىٰ منه يومئذٍ وأعوان الشيطان أكثر ولا تُهوِّل علينا بالجهاد وذكره، فإنَّ الله تعالىٰ إنَّما فرضه لشرائط لو عرفتها لقلَّ كلامكوقصر كتابك، ونسأل الله التوفيق.

مسألة أُخرىٰ: يقال لصاحب الكتاب: أتُصوِّبون الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) في موادعته معاوية أم تُخطِّئونه؟ فإذا قالوا: نُصوِّبه، قيل لهم: أتُصوِّبونه وقد ترك الجهاد وأعرض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علىٰ الوجه الذي تؤمُّون إليه؟ فإنْ قالوا: نُصوِّبه لأنَّ الناس خذلوه، ولم يأمنهم علىٰ نفسه، ولم يكن معه من أهل البصائر من يمكنه أنْ يقاوم بهم معاوية وأصحابه، فإذا عرفوا صحَّة ذلك قيل لهم: فإذا كان الحسن (علیه السلام) مبسوط العذر ومعه جيش أبيه وقد خطب له الناس علىٰ المنابر وسلَّ سيفه وسار إلىٰ عدوِّ الله وعدوِّه للجهاد لما وصفتم وذكرتم، فلِمَ لا تعذرون جعفر بن محمّد (علیهما السلام) في تركه الجهاد وقد كان أعداؤه في عصره أضعاف من كان مع معاوية، ولم يكن معه من شيعته [مائة نفر] قد تدرَّبوا

ص: 162

بالحروب، وإنَّما كان قوم من أهل السرِّ لم يشاهدوا حرباً ولا عاينوا وقعةً، فإنْ بسطوا عذره فقد أنصفوا، وإنْ امتنع منهم ممتنع فسُئِلَ الفصل، ولا فصل.

وبعد فإنْ كان قياس الزيديَّة صحيحاً فزيد بن عليٍّ أفضل من الحسن بن عليٍّ، لأنَّ الحسن وادع وزيد حارب حتَّىٰ قُتِلَ، وكفىٰ بمذهب يُؤدِّي إلىٰ تفضيل زيد بن عليٍّ علىٰ الحسن بن عليٍّ (علیهما السلام) قبحاً، والله المستعان، وحسبنا الله ونعم الوكيل(1).

وإنَّما ذكرنا هذه الفصول في أوَّل كتابنا هذا لأنَّها غاية ما يتعلَّق بها الزيديَّة وما ردَّ عليهم وهي أشدّ الفِرَق علينا. وقد ذكرنا الأنبياء والحُجَج الذين وقعت بهم الغيبة (صلوات الله عليهم)، وذكرنا في آخر الكتابالمعمَّرين، ليخرج بذلك ما نقوله في الغيبة وطول العمر من حدِّ الإحالة إلىٰ حدِّ الجواز، ثمّ صحَّحنا النصوص علىٰ القائم الثاني عشر من الأئمَّة (عليه وعليهم السلام) من الله (تعالىٰ ذكره) ومن رسوله والأئمَّة الأحد عشر (صلوات الله عليهم) مع إخبارهم بوقوع الغيبة، ثمّ ذكرنا مولده (علیه السلام)، ومن شاهده، وما صحَّ من دلالاته وأعلامه، وما ورد من توقيعاته لتأكيد الحجَّة علىٰ المنكرين لوليِّ الله والمغيَّب في ستر الله، والله الموفِّق للصواب، وهو خير مستعان .

* * *

ص: 163


1- هذا آخر ما نقله عن كتاب ابن قبة.

ص: 164

الباب الأوّل

الباب الأوّل(1): في غيبة إدريس النبيِّ (علیه السلام)

ص: 165


1- النُّسَخ مختلفة في عنوان الأبواب، وهنا في بعضها: (الباب الأوَّل)، وفى بعضها: (الباب الثاني)، وفى بعضها: (باب) فقط، وفى بعضها: (باب) مع الرقم الهندسي.

ص: 166

فأوَّل الغيبات غيبة إدريس النبيِّ (علیه السلام) المشهورة حتَّىٰ آل الأمر بشيعته إلىٰ أنْ تعذَّر عليهم القوت، وقتل الجبَّار من قتل منهم وأفقر وأخاف باقيتهم، ثمّ ظهر (علیه السلام) فوعد شيعته بالفرج وبقيام القائم من ولده، وهو نوح (علیه السلام)، ثمّ رفع الله (عزوجل)إدريس (علیه السلام) إليه، فلم تزل الشيعة يتوقَّعون قيام نوح (علیه السلام) قرناً بعد قرن، وخلفاً عن سلف، صابرين من الطواغيت علىٰ العذاب المهين حتَّىٰ ظهرت نبوَّة نوح (علیه السلام).

[1/1] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَىٰ ابْنِ المُتَوَكِّلِ (رضی الله عنهما)، قَالُوا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَاشِمٍ جَمِيعاً، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْبِلَادِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (علیهما السلام)، قَالَ : «كَانَ بَدْءُ نُبُوَّةِ إِدْرِيسَ (علیه السلام) أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَانِهِ مَلِكٌ جَبَّارٌ، وَأَنَّهُ رَكِبَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي بَعْضِ نُزَهِهِ، فَمَرَّ بِأَرْضٍ خَضِرَةٍ نَضِرَةٍ لِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ مِنَ الرَّافِضَةِ(1)، فَأَعْجَبَتْهُ، فَسَأَلَ وُزَرَاءَهُ: لِمَنْ هَذِهِ الْأَرْضُ؟ قَالُوا: لِعَبْدٍ مُؤْمِنٍمِنْ عَبِيدِ المَلِكِ فُلَانٍ الرَّافِضِيِّ، فَدَعَا بِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَمْتِعْنِي بِأَرْضِكَ هَذِهِ(2)، فَقَالَ: عِيَالِي أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنْكَ، قَالَ: فَسُمْنِي بِهَا(3) أُثْمِنْ لَكَ، قَالَ: لَا أُمْتِعُكَ بِهَا

ص: 167


1- الرافضة هم الدين تركوا مذهب سلطانهم. والرفض في اللغة: الترك، والروافض جنود تركوا قائدهم وانصرفوا وذهبوا عنه. أو المراد الذين رفضوا الشرك والمعاصي أو مذهب المَلِك أو الدنيا ونعيمها. وفي إثبات الوصيَّة (ص 26): (فقيل: إنَّها لرجل من الرافضة كان لا يتبعه علىٰ كفره ويرفضه يُسمَّىٰ رافضيًّا فدُعِيَ به...) إلخ.
2- أي اجعلها لي أنتفع بها وألتذّ بها.
3- السوم طلب الشراء، أي بعني. و(أثمن لك)، أي أُعطيك الثمن.

وَلَا أَسُومُكَ، دَعْ عَنْكَ ذِكْرَهَا، فَغَضِبَ المَلِكُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَسِفَ وَانْصَرَفَ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَهُوَ مَغْمُومٌ مُتَفَكِّرٌ فِي أَمْرِهِ، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَزَارِقَةِ(1) وَكَانَ بِهَا مُعْجَباً يُشَاوِرُهَا فِي الْأَمْرِ إِذَا نَزَلَ بِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي مَجْلِسِهِ بَعَثَ إِلَيْهَا لِيُشَاوِرَهَا فِي أَمْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ، فَرَأَتْ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَقَالَتْ: أَيُّهَا المَلِكُ مَا الَّذِي دَهَاكَ(2) حَتَّىٰ بَدَا الْغَضَبُ فِي وَجْهِكَ قَبْلَ فِعْلِكَ(3)؟ فَأَخْبَرَهَا بِخَبَرِ الْأَرْضِ وَمَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِ لِصَاحِبِهَا وَمِنْ قَوْلِ صَاحِبِهَا لَهُ، فَقَالَتْ: أَيُّهَا المَلِكُ إِنَّمَا يَهْتَمُّ بِهِ(4) مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ التَّغْيِيرِ وَالْاِنْتِقَامِ، فَإِنْ كُنْتَ تَكْرَهُ أَنْ تَقْتُلَهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ فَأَنَا أَكْفِيكَ أَمْرَهُ وَأُصَيِّرُ أَرْضَهُ بِيَدَيْكَ بِحُجَّةٍ لَكَ فِيهَا الْعُذْرُ عِنْدَ أَهْلِ مَمْلَكَتِكَ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَتْ: أَبْعَثُ إِلَيْهِ أَقْوَاماً مِنْ أَصْحَابِيَ الْأَزَارِقَةِ حَتَّىٰ يَأْتُوكَ بِهِ فَيَشْهَدُوا عَلَيْهِ عِنْدَكَ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ دِينِكَ، فَيَجُوزَ لَكَ قَتْلُهُ وَأَخْذُ أَرْضِهِ، قَالَ: فَافْعَلِي ذَلِكِ».

قَالَ: «وَكَانَ لَهَا أَصْحَابٌ مِنَ الْأَزَارِقَةِ عَلَىٰ دِينِهَا يَرَوْنَ قَتَلَالرَّوَافِضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَبَعَثَتْ إِلَىٰ قَوْمٍ مِنَ الْأَزَارِقَةِ(5)، فَأَتَوْهَا، فَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَىٰ فُلَانٍ الرَّافِضِيِّ عِنْدَ المَلِكِ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ دِينِ المَلِكِ، فَشَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ بَرِئَ مِنْ دِينِ المَلِكِ، فَقَتَلَهُ وَاسْتَخْلَصَ أَرْضَهُ، فَغَضِبَ اللهُ تَعَالَىٰ لِلْمُؤْمِنِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَوْحَىٰ اللهُ إِلَىٰ إِدْرِيسَ أَنِ ائْتِ عَبْدِي هَذَا الْجَبَّارَ، فَقُلْ لَهُ: أَمَا رَضِيتَ أَنْ قَتَلْتَ عَبْدِيَ المُؤْمِنَ ظُلْماً حَتَّىٰ اسْتَخْلَصْتَ أَرْضَهُ خَالِصَةً لَكَ؟ فَأَحْوَجْتَ عِيَالَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَأَجَعْتَهُمْ، أَمَا وَعِزَّتِي لَأَنْتَقِمَنَّ لَهُ مِنْكَ فِي الْآجِلِ، وَلَأَسْلُبَنَّكَ مُلْكَكَ فِي الْعَاجِلِ، وَلَأُخَرِّبَنَّ

ص: 168


1- المراد بهم أهل الروم أو الديلم، لأنَّ زرقة العيون غالبة فيهم. والأزارقة أيضاً هم الذين يبيحون مال من علىٰ غير عقيدتهم ويستحلُّون دمه، نظير عقيدة الخوارج في الإسلام، والمراد هنا المعنىٰ الثاني.
2- دهىٰ فلاناً، أي أصابه بداهية.
3- أي قبل إتيانك بما غضبت له.
4- في بعض النُّسَخ: (يغتمُّ ويأسف).
5- في بعض النُّسَخ: (إلىٰ قوم منهم).

مَدِينَتَكَ، وَلَأُذِلَّنَّ عِزَّكَ، وَلَأُطْعِمَنَّ الْكِلَابَ لَحْمَ امْرَأَتِكَ، فَقَدْ غَرَّكَ يَا مُبْتَلَىٰ حِلْمِي عَنْكَ.

فَأَتَاهُ إِدْرِيسُ (علیه السلام) بِرِسَالَةِ رَبِّهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْجَبَّارُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ، وَهُوَ يَقُولُ لَكَ: أَمَا رَضِيتَ أَنْ قَتَلْتَ عَبْدِيَ المُؤْمِنَ ظُلْماً حَتَّىٰ اسْتَخْلَصْتَ أَرْضَهُ خَالِصَةً لَكَ وَأَحْوَجْتَ عِيَالَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَأَجَعْتَهُمْ، أَمَا وَعِزَّتِي لَأَنْتَقِمَنَّ لَهُ مِنْكَ فِي الْآجِلِ، وَلَأَسْلُبَنَّكَ مُلْكَكَ فِي الْعَاجِلِ، وَلَأُخَرِّبَنَّ مَدِينَتَكَ، وَلَأُذِلَّنَّ عِزَّكَ، وَلَأُطْعِمَنَّ الْكِلَابَ لَحْمَ امْرَأَتِكَ.

فَقَالَ الْجَبَّارُ: اخْرُجْ عَنِّي يَا إِدْرِيسُ، فَلَنْ تَسْبِقَنِي بِنَفْسِكَ(1). ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَىٰ امْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهَا بِمَا جَاءَ بِهِ إِدْرِيسُ، فَقَالَتْ: لَا تَهُولَنَّكَ رِسَالَةُ إِلَهِ إِدْرِيسَ، أَنَا أَكْفِيكَ أَمْرَ إِدْرِيسَ، أُرْسِلُ إِلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ فَتَبْطُلُ رِسَالَةُ إِلَهِهِ وَكُلُّ مَا جَاءَكَ بِهِ، قَالَ: فَافْعَلِي، وَكَانَ لِإِدْرِيسَ أَصْحَابٌ مِنَ الرَّافِضَةِ مُؤْمِنُونَيَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ لَهُ فَيَأْنَسُونَ بِهِ وَيَأْنَسُ بِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ إِدْرِيسُ بِمَا كَانَ مِنْ وَحْيِ اللهِ (عزوجل)إِلَيْهِ وَرِسَالَتِهِ إِلَىٰ الْجَبَّارِ، وَمَا كَانَ مِنْ تَبْلِيغِهِ رِسَالَةَ اللهِ (عزوجل)إِلَىٰ الْجَبَّارِ، فَأَشْفَقُوا عَلَىٰ إِدْرِيسَ وَأَصْحَابِهِ، وَخَافُوا عَلَيْهِ الْقَتْلَ.

وَبَعَثَتِ امْرَأَةُ الْجَبَّارِ إِلَىٰ إِدْرِيسَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً مِنَ الْأَزَارِقَةِ لِيَقْتُلُوهُ، فَأَتَوْهُ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي كَانَ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ فِيهِ أَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَانْصَرَفُوا وَقَدْ رَآهُمْ أَصْحَابُ إِدْرِيسَ، فَحَسِبُوا أَنَّهُمْ أَتَوْا إِدْرِيسَ لِيَقْتُلُوهُ، فَتَفَرَّقُوا فِي طَلَبِهِ، فَلَقُوهُ، فَقَالُوا لَهُ: خُذْ حِذْرَكَ يَا إِدْرِيسُ فَإِنَّ الْجَبَّارَ قَاتِلُكَ قَدْ بَعَثَ الْيَوْمَ أَرْبَعِينَ رَجُلاً مِنَ الْأَزَارِقَةِ لِيَقْتُلُوكَ، فَاخْرُجْ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فَتَنَحَّىٰ إِدْرِيسُ عَنِ الْقَرْيَةِ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّحَرِ نَاجَىٰ إِدْرِيسُ رَبَّهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ،

ص: 169


1- أي لا يمكنك الفرار بنفسك والتقدُّم بحيث لا يمكنني اللحوق بك لإهلاكها، أو لا تغلبني في أمر نفسك بأنْ تتخلَّصها منِّي.

بَعَثْتَنِي إِلَىٰ جَبَّارٍ فَبَلَّغْتُ رِسَالَتَكَ، وَقَدْ تَوَعَّدَنِي هَذَا الْجَبَّارُ بِالْقَتْلِ، بَلْ هُوَ قَاتِلي إِنْ ظَفِرَ بِي، فَأَوْحَىٰ اللهُ (عزوجل)أَنْ تَنَحَّ عَنْهُ، وَاخْرُجْ مِنْ قَرْيَتِهِ، وَخَلِّنِي وَإِيَّاهُ، فَوَعِزَّتِي لَأُنْفِذَنَّ فِيهِ أَمْرِي، وَلَأُصَدِّقَنَّ قَوْلَكَ فِيهِ، وَمَا أَرْسَلْتُكَ بِهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ إِدْرِيسُ: يَا رَبِّ، إِنَّ لِي حَاجَةً، قَالَ اللهُ (تبارک و تعالی): سَلْ تُعْطَهَا، قَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَىٰ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَمَا حَوْلَهَا وَمَا حَوَتْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ أَسْأَلَكَ ذَلِكَ، قَالَ اللهُ (تبارک و تعالی): يَا إِدْرِيسُ، إِذاً تَخْرُبُ الْقَرْيَةُ وَيَشْتَدُّ جَهْدُ أَهْلِهَا وَيَجُوعُونَ، قَالَ إِدْرِيسُ: وَإِنْ خَرِبَتْ وَجَهَدُوا وَجَاعُوا، قَالَ اللهُ (تبارک و تعالی): فَإِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكَ مَا سَأَلْتَ، وَلَنْ أُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ حَتَّىٰ تَسْأَلَنِي ذَلِكَ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَىٰ بِوَعْدِهِ.

فَأَخْبَرَ إِدْرِيسُ أَصْحَابَهُ بِمَا سَأَلَ اللهُ مِنْ حَبْسِ المَطَرِ عَنْهُمْ، وَبِمَا أَوْحَىٰ اللهُ إِلَيْهِ وَوَعَدَهُ أَنْ لَا يُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ حَتَّىٰ يَسْأَلَهُ ذَلِكَ. فَاخْرُجُواأَيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِلَىٰ غَيْرِهَا مِنَ الْقُرَىٰ، فَخَرَجُوا مِنْهَا، وَعِدَّتُهُمْ يَوْمَئِذٍ عِشْرُونَ رَجُلاً، فَتَفَرَّقُوا فِي الْقُرَىٰ، وَشَاعَ خَبَرُ إِدْرِيسَ فِي الْقُرَىٰ بِمَا سَأَلَ رَبَّهُ تَعَالَىٰ، وَتَنَحَّىٰ إِدْرِيسُ إِلَىٰ كَهْفٍ فِي جَبَلٍ شَاهِقٍ، فَلَجَأَ إِلَيْهِ، وَوَكَّلَ اللهُ (عزوجل)بِهِ مَلَكاً يَأْتِيهِ بِطَعَامِهِ عِنْدَ كُلِّ مَسَاءٍ، وَكَانَ يَصُومُ النَّهَارَ، فَيَأْتِيهِ المَلَكُ بِطَعَامِهِ عِنْدَ كُلِّ مَسَاءٍ، وَسَلَبَ اللهُ (عزوجل)عِنْدَ ذَلِكَ مُلْكَ الْجَبَّارِ وَقَتَلَهُ وَأَخْرَبَ مَدِينَتَهُ وَأَطْعَمَ الْكِلَابَ لَحْمَ امْرَأَتِهِ غَضَباً لِلْمُؤْمِنِ، فَظَهَرَ فِي المَدِينَةِ جَبَّارٌ آخَرُ عَاصٍ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ إِدْرِيسَ مِنَ الْقَرْيَةِ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ قَطْرَةً مِنْ مَائِهَا عَلَيْهِمْ، فَجَهَدَ الْقَوْمُ وَاشْتَدَّتْ حَالُهُمْ وَصَارُوا يَمْتَارُونَ الْأَطْعِمَةَ(1) مِنَ الْقُرَىٰ مِنْ بُعْدٍ، فَلَمَّا جَهَدُوا مَشَىٰ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي نَزَلَ بِنَا مِمَّا تَرَوْنَ بِسُؤَالِ إِدْرِيسَ رَبَّهُ أَنْ لَا يُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْنَا حَتَّىٰ يَسْأَلَهُ هُوَ، وَقَدْ خَفِيَ إِدْرِيسُ عَنَّا وَلَا عِلْمَ لَنَا بِمَوْضِعِهِ، وَاللهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْهُ، فَأَجْمَعَ أَمْرُهُمْ عَلَىٰ أَنْ يَتُوبُوا إِلَىٰ اللهِ وَيَدْعُوهُ

ص: 170


1- أي يجمعون الأطعمة من أطراف القرىٰ.

وَيَفْزَعُوا إِلَيْهِ وَيَسْأَلُوهُ أَنْ يُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ وَعَلَىٰ مَا حَوَتْ قَرْيَتُهُمْ، فَقَامُوا عَلَىٰ الرَّمَادِ، وَلَبِسُوا المُسُوحَ، وَحَثَوْا عَلَىٰ رُؤُوسِهِمُ التُّرَابَ، وَعَجُّوا(1) إِلَىٰ اللهِ تَعَالَىٰ بِالتَّوْبَةِ وَالْاِسْتِغْفَارِ وَالْبُكَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ، فَأَوْحَىٰ اللهُ (عزوجل)إِلَىٰ إِدْرِيسَ: يَا إِدْرِيسُ، إِنَّ أَهْلَ قَرْيَتِكَ قَدْ عَجُّوا إِلَيَّ بِالتَّوْبَةِ وَالْاِسْتِغْفَارِ وَالْبُكَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَأَنَا اللهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ أَقْبَلُ التَّوْبَةَ وأَعْفُو عَنِ السَّيِّئَةِ، وَقَدْ رَحِمْتُهُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي إِجَابَتَهُمْ إِلَىٰ مَا سَأَلُونِي مِنَ المَطَرِ إِلَّا مُنَاظَرَتُكَ فِيمَا سَأَلْتَنِي أَنْ لَا أُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ حَتَّىٰ تَسْأَلَنِي، فَسَلْنِي يَا إِدْرِيسُ حَتَّىٰأُغِيثَهُمْ وَأُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ، قَالَ إِدْرِيسُ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَسْأَلُكَ ذَلِكَ(2)، قَالَ اللهُ (تبارک و تعالی): أَلَمْ تَسْأَلْنِي يَا إِدْرِيسُ فَأَجَبْتُكَ إِلَىٰ مَا سَأَلْتَ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ أَنْ تَسْأَلَنِي فَلِمَ لَا تَجِبُ مَسْأَلَتِي؟ قَالَ إِدْرِيسُ: اللَّهُمَّ لَا أَسْأَلُكَ، فَأَوْحَىٰ اللهُ (عزوجل)إِلَىٰ المَلَكِ الَّذِي أَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ إِدْرِيسَ بِطَعَامِهِ كُلَّ مَسَاءٍ أَنِ احْبِسْ عَنْ إِدْرِيسَ طَعَامَهُ وَلَا تَأْتِهِ بِهِ، فَلَمَّا أَمْسَىٰ إِدْرِيسُ فِي لَيْلَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَمْ يُؤْتَ بِطَعَامِهِ حَزِنَ وَجَاعَ فَصَبَرَ، فَلَمَّا كَانَ فِي [لَيْلَةِ] الْيَوْمِ الثَّانِي فَلَمْ يُؤْتَ بِطَعَامِهِ اشْتَدَّ حُزْنُهُ وَجُوعُهُ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلَمْ يُؤْتَ بِطَعَامِهِ اشْتَدَّ جُهْدُهُ وَجُوعُهُ وَحُزْنُهُ وَقَلَّ صَبْرُهُ، فَنَادَىٰ رَبَّهُ: يَا رَبِّ، حَبَسْتَ عَنِّي رِزْقِي مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْبِضَ رُوحِي، فَأَوْحَىٰ اللهُ (عزوجل)إِلَيْهِ: يَا إِدْرِيسُ، جَزِعْتَ أَنْ حَبَسْتُ عَنْكَ طَعَامَكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا وَلَمْ تَجْزَعْ وَلَمْ تَذْكُرْ(3) جُوعَ أَهْلِ قَرْيَتِكَ وَجُهْدَهُمْ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ سَأَلْتُكَ عَنْ جُهْدِهِمْ وَرَحْمَتِي إِيَّاهُمْ أَنْ تَسْأَلَنِي أَنْ أُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ تَسْأَلْنِي وَبَخِلْتَ عَلَيْهِمْ بِمَسْأَلَتِكَ إِيَّايَ، فَأَدَّبْتُكَ بِالْجُوعِ(4)، فَقَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ

ص: 171


1- المسح - بالكسر -: البلاس معرَّب پلاس. والحثُّ: الصبُّ. والعجُّ: رفع الصوت. وفى نسخة: (ورجعوا).
2- أمره تعالىٰ إيَّاه بالدعاء علىٰ سبيل الندب أو التخيير، وعرض إدريس (علیه السلام) عن التأخير زجرهم عن الفساد وتنبيههم لئلَّا يخالفوا ربَّهم بعد دخوله فيهم.
3- في بعض النُّسَخ: (ولم تُنكِر).
4- في البحار: (فأذقتك الجوع).

صَبْرُكَ وَظَهَرَ جَزَعُكَ، فَاهْبِطْ مِنْ مَوْضِعِكَ فَاطْلُبِ المَعَاشَ لِنَفْسِكَ فَقَدْ وَكَلْتُكَ فِي طَلَبِهِ إِلَىٰ حِيلَتِكَ.

فَهَبَطَ إِدْرِيسُ (علیه السلام) مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَىٰ قَرْيَةٍ يَطْلُبُ أُكْلَةً مِنْ جُوعٍ، فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ نَظَرَ إِلَىٰ دُخَانٍ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهَا، فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، فَهَجَمَ عَلَىٰ عَجُوزٍ كَبِيرَةٍ وَهِيَ تُرَقِّقُ قُرْصَتَيْنِ لَهَا عَلَىٰ مِقْلَاةٍ، فَقَالَ لَهَا: أَيَّتُهَا المَرْأَةُ أَطْعِمِينِي فَإِنِّي مَجْهُودٌ مِنَ الْجُوعِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا تَرَكَتْ لَنَا دَعْوَةُإِدْرِيسَ فَضْلاً نُطْعِمُهُ أَحَداً، وَحَلَفَتْ أَنَّهَا مَا تَمْلِكُ غَيْرَهُ شَيْئاً، فَاطْلُبِ المَعَاشَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فَقَالَ لَهَا: أَطْعِمِينِي مَا أُمْسِكُ بِهِ رُوحِي وَتَحْمِلُنِي بِهِ رِجْلِي إِلَىٰ أَنْ أَطْلُبَ، قَالَتْ: إِنَّمَا هُمَا قُرْصَتَانِ وَاحِدَةٌ لِي وَالْأُخْرَىٰ لِابْنِي، فَإِنْ أَطْعَمْتُكَ قُوتِي مِتُّ، وَإِنْ أَطْعَمْتُكَ قُوتَ ابْنِي مَاتَ، وَمَا هَاهُنَا فَضْلٌ أُطْعِمُكَهُ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ ابْنَكَ صَغِيرٌ يُجْزِيهِ نِصْفُ قُرْصَةٍ فَيَحْيَا بِهِ وَيُجْزِينِي النِّصْفُ الْآخَرُ فَأَحْيَا بِهِ وَفِي ذَلِكِ بُلْغَةٌ لِي وَلَهُ، فَأَكَلَتِ المَرْأَةُ قُرْصَتَهَا وَكَسَرَتِ الْأُخْرَىٰ بَيْنَ إِدْرِيسَ وَبَيْنَ ابْنِهَا، فَلَمَّا رَأَىٰ ابْنُهَا إِدْرِيسَ يَأْكُلُ مِنْ قُرْصَتِهِ اضْطَرَبَ حَتَّىٰ مَاتَ، قَالَتْ أُمُّهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، قَتَلْتَ عَلَيَّ ابْنِي جَزَعاً عَلَىٰ قُوتِهِ، قَالَ [لَهَا] إِدْرِيسُ: فَأَنَا أُحْيِيهِ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَىٰ فَلَا تَجْزَعِي، ثُمَّ أَخَذَ إِدْرِيسُ بِعَضُدَيِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ قَالَ: أَيَّتُهَا الرُّوحُ الْخَارِجَةُ عَنْ بَدَنِ هَذَا الْغُلَامِ بِأَمْرِ اللهِ ارْجِعِي إِلَىٰ بَدَنِهِ بِإِذْنِ اللهِ، وَأَنَا إِدْرِيسُ النَّبِيُّ. فَرَجَعَتْ رُوحُ الْغُلَامِ إِلَيْهِ بِإِذْنِ اللهِ، فَلَمَّا سَمِعَتِ المَرْأَةُ كَلَامَ إِدْرِيسَ وَقَوْلَهُ: أَنَا إِدْرِيسُ، وَنَظَرَتْ عَلَىٰ ابْنِهَا قَدْ عَاشَ بَعْدَ المَوْتِ، قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ إِدْرِيسُ النَّبِيُّ، وَخَرَجَتْ تُنَادِي بِأَعْلَىٰ صَوْتِهَا فِي الْقَرْيَةِ: أَبْشِرُوا بِالْفَرَجِ فَقَدْ دَخَلَ إِدْرِيسُ قَرْيَتَكُمْ.

وَمَضَىٰ إِدْرِيسُ حَتَّىٰ جَلَسَ عَلَىٰ مَوْضِعِ مَدِينَةِ الْجَبَّارِ الْأَوَّلِ، فَوَجَدَهَا وَهِيَ تَلٌّ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا إِدْرِيسُ، أَمَا رَحِمْتَنَا فِي هَذِهِ الْعِشْرِينَ سَنَةً الَّتِي جُهِدْنَا فِيهَا وَمَسَّنَا الْجُوعُ وَالْجُهْدُ فِيهَا؟ فَادْعُ اللهَ لَنَا أَنْ يُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْنَا، قَالَ: لَا حَتَّىٰ يَأْتِيَنِي جَبَّارُكُمْ هَذَا وَجَمِيعُ أَهْلِ قَرْيَتِكُمْ مُشَاةً حُفَاةً فَيَسْأَلُونِي ذَلِكَ، فَبَلَغَ الْجَبَّارَ قَوْلُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَرْبَعِينَ رَجُلاً يَأْتُوهُ بِإِدْرِيسَ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْجَبَّارَ بَعَثَنَا إِلَيْكَ لِنَذْهَبَ بِكَ إِلَيْهِ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَمَاتُوا، فَبَلَغَ الْجَبَّارَ ذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ لِيَأْتُوهُ بِهِ، فَأَتَوْهُ

ص: 172

فَقَالُوا لَهُ: يَا إِدْرِيسُ، إِنَّ الْجَبَّارَ بَعَثَنَا إِلَيْكَ لِنَذْهَبَ بِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ إِدْرِيسُ: انْظُرُوا إِلَىٰ مَصَارِعِ أَصْحَابِكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: يَا إِدْرِيسُ قَتَلْتَنَابِالْجُوعِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْنَا بِالمَوْتِ، أَمَا لَكَ رَحْمَةٌ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا بِذَاهِبٍ إِلَيْهِ، وَمَا أَنَا بِسَائِلِ اللهَ أَنْ يُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَنِي جَبَّارُكُمْ مَاشِياً حَافِياً وَأَهْلُ قَرْيَتِكُمْ.

فَانْطَلَقُوا إِلَىٰ الْجَبَّارِ فَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ إِدْرِيسَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَمْضِيَ مَعَهُمْ وَجَمِيعُ أَهْلِ قَرْيَتِهِمْ إِلَىٰ إِدْرِيسَ مُشَاةً حُفَاةً، فَأَتَوْهُ حَتَّىٰ وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ خَاضِعِينَ لَهُ طَالِبِينَ إِلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ اللهَ (عزوجل)لَهُمْ أَنْ يُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ إِدْرِيسُ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، فَسَأَلَ اللهَ (عزوجل)إِدْرِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يُمْطِرَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ وَعَلَىٰ قَرْيَتِهِمْ وَنَوَاحِيهَا، فَأَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنَ السَّمَاءِ وَأَرْعَدَتْ وَأَبْرَقَتْ وَهَطَلَتْ عَلَيْهِمْ(1) مِنْ سَاعَتِهِمْ حَتَّىٰ ظَنُّوا أَنَّهُ الْغَرَقُ، فَمَا رَجَعُوا إِلَىٰ مَنَازِلِهِمْ حَتَّىٰ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ مِنَ المَاءِ»(2)(3).

* * *

ص: 173


1- هطلت السماء: نزلت عليهم متتابعاً، وهطل المطر إذا تتابع.
2- رواه الراوندي (رحمة الله) في قَصص الأنبياء (ص 77 - 80/ ح 58).
3- قال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 11/ ص 276): (بيان: فسمني أي بعني. أثمن لك: أُعطيك الثمن. قبل فعلك أي إتيانك بما غضبت له. فلن تسبقني بنفسك هو تهديد بالقتل، أي لا يمكنك الفرار بنفسك والتقدُّم بحيث لا يمكنني اللحوق بك لإهلاكها، أو لا تغلبني في أمر نفسك بأنْ تتخلَّصها منِّي، ويحتمل أنْ يكون المراد: لا تغلبني متفرِّداً بنفسك من غير معاون فلم تتعرَّض لي. حتَّىٰ أهمَّتهم أنفسهم أي خوف أنفسهم أوقعهم في الهموم، أو لم يهتمّهم إلَّا هم أنفسهم وطلب خلاصها. ثمّ اعلم أنَّ الظاهر أنَّ أمره تعالىٰ إدريس (علیه السلام) بالدعاء لهم لم يكن علىٰ سبيل الحتم والوجوب، بل علىٰ الندب والاستحباب، وكان غرضه (علیه السلام) في التأخير وفي طلب القوم أنْ يأتوه متذلِّلين تنبيههم وزجرهم عن الطغيان والفساد، ولئلَّا يخالفوا ربَّهم بعد دخوله بينهم، وأنَّ أولياء الله يغضبون لربِّهم أكثر من سخطه تعالىٰ لنفسه، لسعة رحمته وعظم حلمه تعالىٰ شأنه).

ص: 174

الباب الثاني

في ذكر ظهور نوح (علیه السلام) بالنبوَّة بعد ذلك

ص: 175

ص: 176

[1/2] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ الْكُوفِيُّ(1)، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ، قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام): «لَمَّا أَظْهَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ نُبُوَّةَ نُوحٍ (علیه السلام) وَأَيْقَنَ الشِّيعَةُ بِالْفَرَجِ اشْتَدَّتِ الْبَلْوَىٰ وَعَظُمَتِ الْفِرْيَةُ إِلَىٰ أَنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَىٰ شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ نَالَتِ الشِّيعَةَ وَالْوُثُوبِ عَلَىٰ نُوحٍ بِالضَّرْبِ المُبَرِّحِ(2) حَتَّىٰ مَكَثَ (علیه السلام) فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يَجْرِي الدَّمُ مِنْ أُذُنِهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، وَذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَبْعَثِهِ، وَهُوَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ يَدْعُوهُمْ لَيْلاً وَنَهَاراً فَيَهْرَبُونَ، وَيَدْعُوهُمْ سِرًّا فَلَا يُجِيبُونَ، وَيَدْعُوهُمْ عَلَانِيَةً فَيُوَلُّونَ، فَهَمَّ بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، وَجَلَسَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِلدُّعَاءِ، فَهَبَطَ إِلَيْهِ وَفْدٌ مِنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَمْلَاكٍ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَنَا حَاجَةٌ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالُوا: تُؤَخِّرُ الدُّعَاءَ عَلَىٰ قَوْمِكَ فَإِنَّهَا أَوَّلُ سَطْوَةٍ لِلهِ (عزوجل)فِي الْأَرْضِ، قَالَ: قَدْ أَخَّرْتُ الدُّعَاءَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ أُخْرَىٰ، وَعَادَ إِلَيْهِمْ فَصَنَعَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، ويَفْعَلُونَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ حَتَّىٰ إِذَا انْقَضَتْ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ أُخْرَىٰ وَيَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ جَلَسَ فِي وَقْتِ ضُحَىٰ النَّهَارِ لِلدُّعَاءِ، فَهَبَطَ عَلَيْهِ وَفْدٌ مِنَ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ [وَهُمْ ثَلَاثَةُأَمْلَاكٍ] فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: نَحْنُ وَفْدٌ مِنَ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ خَرَجْنَا بُكْرَةً وَجِئْنَاكَ ضَحْوَةً، ثُمَّ سَأَلُوهُ مِثْلَ مَا سَأَلَهُ وَفْدُ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَىٰ مِثْلِ مَا

ص: 177


1- في بعض النُّسَخ: (محمّد بن هشام، قال: حدَّثنا أحمد بن زياد الكوفي).
2- في النهاية (ج 1/ ص 113): (برح به: إذا شقَّ عليه، ومنه الحديث: «ضرباً غير مبرِّح» أي غير شاقٍّ).

أَجَابَ أُولَئِكَ إِلَيْهِ، وَعَادَ (علیه السلام) إِلَىٰ قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ فَلَا يَزِيدُهُمْ دُعَاؤُهُ إِلَّا فِرَاراً، حَتَّىٰ انْقَضَتْ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ تَتِمَّةُ تِسْعِمِائَةِ سَنَةٍ، فَصَارَتْ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ وَشَكَوْا مَا يَنَالُهُمْ مِنَ الْعَامَّةِ وَالطَّوَاغِيتِ، وَسَأَلُوهُ الدُّعَاءَ بِالْفَرَجِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَىٰ ذَلِكَ، وَصَلَّىٰ وَدَعَا، فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ (علیه السلام)، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ أَجَابَ دَعْوَتَكَ، فَقُلْ لِلشِّيعَةِ: يَأْكُلُوا التَّمْرَ وَيَغْرِسُوا النَّوَىٰ وَيُرَاعُوهُ حَتَّىٰ يُثْمِرَ، فَإِذَا أَثْمَرَ فَرَّجْتُ عَنْهُمْ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ وَعَرَّفَهُمْ ذَلِكَ فَاسْتَبْشَرُوا بِهِ، فَأَكَلُوا التَّمْرَ وَغَرَسُوا النَّوَىٰ وَرَاعُوهُ حَتَّىٰ أَثْمَرَ(1)، ثُمَّ صَارُوا إِلَىٰ نُوحٍ (علیه السلام) بِالتَّمْرِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُنْجِزَ لَهُمُ الْوَعْدَ، فَسَأَلَ اللهَ (عزوجل)فِي ذَلِكَ، فَأَوْحَىٰ اللهُ إِلَيْهِ: قُلْ لَهُمْ: كُلُوا هَذَا التَّمْرَ وَاغْرِسُوا النَّوَىٰ فَإِذَا أَثْمَرَ فَرَّجْتُ عَنْكُمْ، فَلَمَّا ظَنُّوا أَنَّ الْخُلْفَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِمْ ارْتَدَّ مِنْهُمُ الثُّلُثُ وَثَبَتَ الثُّلُثَانِ، فَأَكَلُوا التَّمْرَ وَغَرَسُوا النَّوَىٰ حَتَّىٰ إِذَا أَثْمَرَ أَتَوْا بِهِ نُوحاً (علیه السلام) فَأَخْبَرُوهُ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُنْجِزَ لَهُمُ الْوَعْدَ، فَسَأَلَ اللهَ (عزوجل)فِي ذَلِكَ، فَأَوْحَىٰ اللهُ إِلَيْهِ: قُلْ لَهُمْ: كُلُوا هَذَا التَّمْرَ واغْرِسُوا النَّوَىٰ، فَارْتَدَّ الثُّلُثُ الْآخَرُ وَبَقِيَ الثُّلُثُ، فَأَكَلُوا التَّمْرَ وَغَرَسُوا النَّوَىٰ، فَلَمَّا أَثْمَرَ أَتَوْا بِهِ نُوحاً (علیه السلام)، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: لَمْ يَبْقَ مِنَّا إِلَّا الْقَلِيلُ، وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ عَلَىٰ أَنْفُسِنَا بِتَأَخُّرِ الْفَرَجِ أَنْ نَهْلِكَ، فَصَلَّىٰ نُوحٌ (علیه السلام)، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، لَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِي إِلَّا هَذِهِ الْعِصَابَةُ، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِمُ الْهَلَاكَ إِنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمُ الْفَرَجُ، فَأَوْحَىٰ اللهُ(عزوجل)إِلَيْهِ: قَدْ أَجَبْتُ دُعَاءَكَ، فَاصْنَعِ الْفُلْكَ، وَكَانَ بَيْنَ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ وَبَيْنَ الطُّوفَانِ خَمْسُونَ سَنَةً».

[2/3] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُوسَىٰ بْنِ المُتَوَكِّلِ وَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ (رضی الله عنهما)، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ ابْنِ أَبَانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ

ص: 178


1- في بعض النُّسَخ: (فرَّجت عنهم، فأخبرهم نوح بما أوحىٰ الله إليه، ففعلوا ذلك وراعوه حتَّىٰ أثمر).

ابْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الصَّادِقِ (علیه السلام)، قَالَ: «عَاشَ نُوحٌ بَعْدَ النُّزُولِ مِنَ السَّفِينَةِ خَمْسِينَ سَنَةً(1)، ثُمَّ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ (علیه السلام)، فَقَالَ لَهُ: يَا نُوحُ، قَدِ انْقَضَتْ نُبُوَّتُكَ وَاسْتَكْمَلْتَ أَيَّامَكَ، فَانْظُرِ الْاِسْمَ الْأَكْبَرَ وَمِيرَاثَ الْعِلْمِ وَآثَارَ عِلْمِ النُّبُوَّةِ الَّتِي مَعَكَ، فَادْفَعْهَا إِلَىٰ ابْنِكَ سَامٍ، فَإِنِّي لَا أَتْرُكُ الْأَرْضَ إِلَّا وَفِيهَا عَالِمٌ تُعْرَفُ بِهِ طَاعَتِي وَيَكُونُ نَجَاةً فِيمَا بَيْنَ قَبْضِ النَّبِيِّ وَمَبْعَثِ النَّبِيِّ الْآخَرِ، وَلَمْ أَكُنْ أَتْرُكُ النَّاسَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَدَاعٍ إِلَيَّ وَهَادٍ إِلَىٰ سَبِيلي وَعَارِفٍ بِأَمْرِي، فَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ أَنْ أَجْعَلَ لِكُلِّ قَوْمٍ هَادِياً أَهْدِي بِهِ السُّعَدَاءَ، وَيَكُونُ حُجَّةً عَلَىٰ الْأَشْقِيَاءِ».

قَالَ: «فَدَفَعَ نُوحٌ (علیه السلام) الْاِسْمَ الْأَكْبَرَ وَمِيرَاثَ الْعِلْمِ وَآثَارَ عِلْمِ النُّبُوَّةِ إِلَىٰ ابْنِهِ سَامٍ، فَأَمَّا حَامٌ وَيَافِثُ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا عِلْمٌ يَنْتَفِعَانِ بِهِ».

قَالَ: «وَبَشَّرَهُمْ نُوحٌ بِهُودٍ، وَأَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ، وَأَنْ يَفْتَحُوا الْوَصِيَّةَ كُلَّ عَامٍ فَيَنْظُرُوا فِيهَا، وَيَكُونَ عِيداً لَهُمْ كَمَا أَمَرَهُمْ آدَمُ (علیه السلام)».

قَالَ: «فَظَهَرَتِ الْجَبَرِيَّةُ فِي وُلْدِ حَامٍ وَيَافِثَ، فَاسْتَخْفَىٰ وُلْدُ سَامٍ بِمَاعِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، وجَرَتْ عَلَىٰ سَامٍ بَعْدَ نُوحٍ الدَّوْلَةُ لِحَامٍ وَيَافِثَ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ (تبارک و تعالی): [/وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ 78] [الصافَّات: 78]، يَقُولُ: تَرَكْتُ عَلَىٰ نُوحٍ دَوْلَةَ الْجَبَّارِينَ، وَيُعِزُّ اللهُ مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله) بِذَلِكَ».

قَالَ: «وَوُلِدَ لِحَامٍ السِّنْدُ وَالْهِنْدُ وَالْحَبَشُ، وَوُلِدَ لِسَامٍ الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ، وَجَرَتْ عَلَيْهِمُ الدَّوْلَةُ، وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَ الْوَصِيَّةَ عَالِمٌ بَعْدَ عَالِمٍ حَتَّىٰ بَعَثَ اللهُ (عزوجل)هُوداً (علیه السلام)»(2).

ص: 179


1- أورده العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 11/ ص 288 و289/ باب جُمَل أحوال نوح (علیه السلام)/ ح 11)، وقال: (ذُكِرَ في (ص) - يعنى قَصص الأنبياء - بهذا الإسناد إلىٰ قوله: «كما أمرهم آدم (علیه السلام)»، إلَّا أنَّ فيه: (خمسمائة سنة) بدل (خمسين سنة)، وهو الصواب كما يدلُّ عليه ما مرَّ من الأخبار. ورواه في الكافي أيضاً... وفيه: خمسمائة سنة).
2- رواه بتفاوت الكليني (رحمة الله) في الكافي (ج 8/ 285/ ح 430)، والراوندي (رحمة الله) في قَصص الأنبياء (ص 90 و91/ ح 79).

[3/4] وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الدَّقَّاقُ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْكُوفِيُّ، عَنْ مُوسَىٰ بْنِ عِمْرَانَ النَّخَعِيِّ، عَنْ عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ النَّوْفَلِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام): «لَمَّا حَضَرَتْ نُوحاً (علیه السلام) الْوَفَاةُ دَعَا الشِّيعَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: اعْلَمُوا أَنَّهُ سَتَكُونُ مِنْ بَعْدِي غَيْبَةٌ تَظْهَرُ فِيهَا الطَّوَاغِيتُ، وَأَنَّ اللهَ (عزوجل)يُفَرِّجُ عَنْكُمْ بِالْقَائِمِ مِنْ وُلْدِي، اسْمُهُ هُودٌ، لَهُ سَمْتٌ وَسَكِينَةٌ وَوَقَارٌ، يُشْبِهُنِي فِي خَلْقِي وَخُلُقِي، وَسَيُهْلِكُ اللهُ أَعْدَاءَكُمْ عِنْدَ ظُهُورِهِ بِالرِّيحِ، فَلَمْ يَزَالُوا يَتَرَقَّبُونَ هُوداً (علیه السلام) وَيَنْتَظِرُونَ ظُهُورَهُ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ وَقَسَتْ قُلُوبُ أَكْثَرِهِمْ، فَأَظْهَرَ اللهُ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ هُوداً (علیه السلام) عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْهُمْ وَتَنَاهِي الْبَلَاءِ بِهِمْ، وَأَهْلَكَ الْأَعْدَاءَ بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ الَّتِي وَصَفَهَا اللهُ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ فَقَالَ: [/مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ 42] [الذاريات: 42]، ثُمَّ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ [بِهِ] بَعْدَ ذَلِكَ إِلَىٰ أَنْ ظَهَرَ صَالِحٌ (علیه السلام)»(1).

ص: 180


1- قال الطبرسي (رحمة الله) في مجمع البيان (ج 4/ ص 287): (جملة ما ذكره السُّدِّي ومحمّد بن إسحاق وغيرهما من المفسِّرين في قصَّة هود أنَّ عاداً كانوا ينزلون اليمن، وكانت مساكنهم منها بالشحر والأحقاف، وهي رمال يقال لها: رمل عالج والدهناء ويبرين ما بين عمان إلىٰ حضرموت. وكان لهم زرع ونخل، ولهم أعمار طويلة، وأجساد عظيمة، وكانوا أصحاب أصنام يعبدونها، فبعث الله تعالىٰ إليهم هوداً نبيًّا، وكان من أوسطهم نسباً، وأفضلهم حسباً، فدعاهم إلىٰ التوحيد وخلع الأنداد، فأبوا عليه وكذَّبوه وآذوه، فأمسك الله عنهم المطر سبع سنين، وقيل: ثلاث سنين، حتَّىٰ قحطوا. وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو جهد التجأوا إلىٰ بيت الله الحرام بمكَّة، مسلمهم وكافرهم، وأهل مكَّة يومئذٍ العماليق من ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، وكان سيِّد العماليق إذ ذاك بمكَّة رجلاً يقال له: معاوية بن بكر، وكانت أُمُّه من عاد، فبعث عاد وفداً إلىٰ مكَّة ليستسقوا لهم، فنزلوا علىٰ معاوية بن بكر وهو بظاهر مكَّة خارجاً من الحرم، فأكرمهم وأنزلهم، وأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر. فلمَّا رأىٰ معاوية طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوَّثون من البلاء الذي نزل بهم شقَّ ذلك عليه، وقال: هلك أخوالي، وهؤلاء مقيمون عندي، وهم ضيفي، أستحي أنْ آمرهم بالخروج إلىٰ ما بُعِثُوا إليه. وشكا ذلك إلىٰ قينتيه اللتين كانتا تُغنّيانهم، وهما الجرادتان، فقالتا: قل شعرا نُغنِّيهم به لا يدرون من قاله، فقال معاوية بن بكر: ألَا يا قيل ويحك قم فهينم *** لعلَّ الله يصبحنا غماما فيسقي أرض عاد إنَّ عاداً *** قد أمسوا ما يبينون الكلاما وإنَّ الوحش تأتيهم جهاراً *** ولا تخشىٰ لعادي سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم *** نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم *** ولا لقوا التحيَّة والسلاما فلمَّا غنَّتهم الجرادتان بهذا، قال بعضهم لبعض: إنَّما بعثكم قومكم يتغوَّثون بكم من هذا البلاء، فادخلوا هذا الحرم، واستسقوا لهم. فقال رجل منهم قد آمن هود سرًّا: والله لا تُسْقَون بدعائكم، ولكن إنْ أطعتم نبيَّكم سُقيتم، فزجروه، وخرجوا إلىٰ مكَّة يستسقون بها لعاد، وكان قيل بن عنزر رأس وفد عاد، فقال: يا إلهنا، إنْ كان هود صادقاً فاسقنا، فإنَّا قد هلكنا. فأنشأ الله سبحانه سحاباً ثلاثاً: بيضاء، وحمراء، وسوداء. ثمّ ناداه منادٍ من السماء: يا قيل، اختر لنفسك ولقومك. فاختار السحابة السوداء التي فيها العذاب، فساق الله سبحانه تلك السحابة بما فيها من النقمة إلىٰ عاد. فلمَّا رأوها استبشروا بها وقالوا: [/هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا]، يقول الله (تبارک و تعالی): [/بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ 24] [الأحقاف: 24]، فسخَّرها الله تعالىٰ عليهم [/سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً] [الحاقَّة: 7]، أي: دائمة، فلم تدع من عاد أحداً إلَّا هلك. واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة، وما يصيبه ومن معه إلَّا ما تلين عليه الجلود، وتلتذُّ النفوس).

[4/5] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (علیهما السلام)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ وَكَرَّامِ بْنِ عَمْرٍو(1)، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ، عَنِ الصَّادِقِ أَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام)، قَالَ: «لَمَّا بَعَثَ اللهُ (عزوجل)هُوداً (علیه السلام) أَسْلَمَ لَهُ الْعَقِبُ مِنْ وُلْدِ سَامٍ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَقَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، فَأُهْلِكُوا بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ، وَأَوْصَاهُمْ هُودٌ وَبَشَّرَهُمْ بِصَالِحٍ (علیه السلام)»(2) .

* * *[4/5] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (علیهما السلام)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ وَكَرَّامِ بْنِ عَمْرٍو(3)، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ، عَنِ الصَّادِقِ أَبِي عَبْدِ اللهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام)، قَالَ: «لَمَّا بَعَثَ اللهُ (عزوجل)هُوداً (علیه السلام) أَسْلَمَ لَهُ الْعَقِبُ مِنْ وُلْدِ سَامٍ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَقَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، فَأُهْلِكُوا بِالرِّيحِ الْعَقِيمِ، وَأَوْصَاهُمْ هُودٌ وَبَشَّرَهُمْ بِصَالِحٍ (علیه السلام)»(4) .

* * *

ص: 181


1- كذا، وهو لقب عبد الكريم بن عمرو.
2- رواه الراوندي (رحمة الله) في قَصص الأنبياء (ص 94/ ح 83).
3- كذا، وهو لقب عبد الكريم بن عمرو.
4- رواه الراوندي (رحمة الله) في قَصص الأنبياء (ص 94/ ح 83).

ص: 182

الباب الثالث

ذكر غيبة صالح النبيِّ (علیه السلام)

ص: 183

ص: 184

[1/6] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)، قَالَ: «إِنَّ صَالِحاً (علیه السلام) غَابَ عَنْ قَوْمِهِ زَمَاناً(1)، وكَانَ يَوْمَ غَابَ عَنْهُمْ كَهْلاً، مُبْدَحَ الْبَطْنِ، حَسَنَ الْجِسْمِ، وَافِرَ اللِّحْيَةِ، خَمِيصَ الْبَطْنِ(2)، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ مُجْتَمِعاً، رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ(3)، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَىٰ قَوْمِهِ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِصُورَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَىٰ ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ: طَبَقَةٌ جَاحِدَةٌ لَا تَرْجِعُ أَبَداً، وَأُخْرَىٰ شَاكَّةٌ فِيهِ، وَأُخْرَىٰ عَلَىٰ يَقِينٍ، فَبَدَأَ (علیه السلام) حَيْثُ رَجَعَ بِالطَّبَقَةِ الشَّاكَّةِ(4)، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا صَالِحٌ، فَكَذَّبُوهُ وَشَتَمُوهُ وَزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: بَرِئَ اللهُ مِنْكَ، إِنَّ صَالِحاً كَانَ فِي غَيْرِ صَورَتِكَ».

قَالَ: «فَأَتَىٰ الْجُحَّادَ، فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ الْقَوْلَ وَنَفَرُوا مِنْهُ أَشَدَّ النُّفُورِ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَىٰ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ، وَهُمْ أَهْلُ الْيَقِينِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا صَالِحٌ، فَقَالُوا أَخْبِرْنَا خَبَراً لَا نَشُكُّ فِيكَ مَعَهُ أَنَّكَ صَالِحٌ، فَإِنَّا لَا نَمْتَرِي أَنَّ اللهَ تَبَارَكَوَتَعَالَىٰ الْخَالِقُ يَنْقُلُ وَيُحَوِّلُ فِي أَيِّ صُورَةٍ شَاءَ، وَقَدْ أُخْبِرْنَا وَتَدَارَسْنَا فِيمَا بَيْنَنَا بِعَلَامَاتِ الْقَائِمِ إِذَا جَاءَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَنَا إِذَا أَتَىٰ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، فَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: أَنَا صَالِحٌ

ص: 185


1- غيبته (علیه السلام) كانت بعد هلاك قومه، ورجوعه كان إلىٰ من آمن به ونجا من العذاب.
2- مبدح البطن: لعلَّ المراد به واسع البطن عظيمه، وأمَّا خميص البطن أي ضامره، والمراد به ما تحت البطن حيث يشدُّ المنطقة، فلا منافاة.
3- الربعة: المتوسِّط بين الطول والقصر.
4- في بعض النُّسَخ: (بطبقة الشاكَّة).

الَّذِي أَتَيْتُكُمْ بِالنَّاقَةِ، فَقَالُوا: صَدَقْتَ، وَهِيَ الَّتِي نَتَدَارَسُ، فَمَا عَلَامَتُهَا؟ فَقَالَ: «لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ 155» [الشعراء: 155]، قَالُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَبِمَا جِئْتَنَا بِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ : «أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ»، فَقَالَ أَهْلُ الْيَقِينِ: «إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ 75 قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا» وَهُمُ الشُّكَّاكُ وَالْجُحَّادُ: «إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ 76» [الأعراف: 75 و76]»، قُلْتُ: هَلْ كَانَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَالِمٌ بِهِ؟ قَالَ: «اللهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ الْأَرْضَ بِلَا عَالِمٍ(1) يَدُلُّ عَلَىٰ اللهِ (تبارک و تعالی)، وَلَقَدْ مَكَثَ الْقَوْمُ بَعْدَ خُرُوجِ صَالِحٍ سَبْعَةَ أَيَّامٍ عَلَىٰ فَتْرَةٍ لَا يَعْرِفُونَ إِمَاماً، غَيْرَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ دِينِ اللهِ (تبارک و تعالی)، كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، فَلَمَّا ظَهَرَ صَالِحٌ (علیه السلام) اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْقَائِمِ (علیه السلام) مَثَلُ صَالِحٍ ».

* * *

ص: 186


1- في بعض النُّسَخ: (بغير عالم).

الباب الرابع

في غيبة إبراهيم (علیه السلام)

ص: 187

ص: 188

وأمَّا غيبة إبراهيم خليل الرحمن (صلوات الله عليه) فإنَّها تشبه غيبة قائمنا (صلوات الله عليه)، بل هي أعجب منها، لأنَّ الله (عزوجل)غيَّب أثر إبراهيم (علیه السلام) وهو في بطن أُمِّه حتَّىٰ حوَّله (عزوجل)بقدرته من بطنها إلىٰ ظهرها، ثمّ أخفىٰ أمر ولادته إلىٰ وقت بلوغ الكتاب أجله .

[1/7] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (علیهما السلام)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ(1)، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)، قَالَ: «كَانَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ (علیه السلام) مُنَجِّماً لِنُمْرُودَ بْنِ كَنْعَانَ(2)، وَكَانَ نُمْرُودُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ، فَنَظَرَ فِي النُّجُومِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَأَصْبَحَ، فَقَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ عَجَباً(3)، فَقَالَ لَهُ نُمْرُودُ: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ مَوْلُوداً يُولَدُ فِي أَرْضِنَاهَذِهِ، فَيَكُونُ هَلَاكُنَا عَلَىٰ يَدَيْهِ، وَلَا يَلْبَثُ إِلَّا قَلِيلاً حَتَّىٰ يُحْمَلَ بِهِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ نُمْرُودُ، وَقَالَ لَهُ: هَلْ حَمَلَتْ بِهِ النِّسَاءُ؟ فَقَالَ:

ص: 189


1- كأنَّ فيه سقطاً لما رواه الكليني في الكافي بإسناده عن ابن أبي عمير، عن هشام، عن أبي أيُّوب الخزَّاز، عن أبي بصير.
2- قال المازندراني (رحمة الله) في شرح أُصول الكافي: (هو نمرود بن كنعان من أحفاد سام بن نوح، وكان بينه وبين نوح سبعة آباء، وكان مَلِك الشرق والغرب، وادَّعىٰ الأُلوهيَّة، وأمر بعمل الأصنام علىٰ صورته ونشرها علىٰ بلاده وأمرهم بعبادتها والسجود لها، ولم يكن في عهده مؤمن ظاهراً حتَّىٰ بعث الله تعالىٰ خليل الرحمن).
3- قال المازندراني (رحمة الله) في شرح أُصول الكافي: (العجب إنكار ما يرد عليك، وقد يتعجَّب الإنسان من الشيء لعظم موقعه عنده لحسنه أو لقبحه مع خفاء سببه). وقال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في مرآة العقول: (لا يدلُّ علىٰ جواز النظر فيها والحكم بها لغير من أحاط بها علماً).

لَا، وَكَانَ فِيمَا أُوتِيَ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّهُ سَيُحْرَقُ بِالنَّارِ، وَلَمْ يَكُنْ أُوتِيَ أَنَّ اللهَ تَعَالَىٰ سَيُنْجِيهِ».

قَالَ: «فَحَجَبَ النِّسَاءَ عَنِ الرِّجَالِ، فَلَمْ يَتْرُكْ امْرَأَةً إِلَّا جُعِلَتْ بِالمَدِينَةِ حَتَّىٰ لَا يَخْلُصَ إِلَيْهِنَّ الرِّجَالُ(1)».

قَالَ: «وَوَقَعَ(2) أَبُو إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ امْرَأَتِهِ، فَحَمَلَتْ بِهِ(3)، وَظَنَّ أَنَّهُصَاحِبُهُ،

ص: 190


1- أي لا يصل إليهنَّ، وفي الصحاح (ج 3/ ص 1037/ مادَّة خلص): (خلص إليه الشيء: وصل). وقال المازندراني (رحمة الله) في شرح أُصول الكافي: (خلص فلان إلىٰ فلان وصل إليه. وفي معراج النبوَّة جعلهنَّ في المدينة ومنع الرجال من الدخول فيها ووكل علىٰ أبواب المدينة أُمناء منهم آزر، فحضرت زوجته عنده، فواقعها، فحملت بإبراهيم (علیه السلام). وقال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في مرآة العقول: (علىٰ بناء المجهول، يقال: خلص إليه، أي وصل).
2- في بعض النُّسَخ: (وباشر بدون علىٰ).
3- قال المازندراني (رحمة الله) في شرح أُصول الكافي: (قال الفاضل الأمين الأسترآبادي: هذا الحديث صريح في أنَّ آزر كان أبا إبراهيم (علیه السلام)، وقد انعقد إجماع الفرقة المحقَّة علىٰ أنَّ أجداد نبيِّنا(صلی الله علیه و آله) كانوا مسلمين إلىٰ آدم (علیه السلام)، وقد تواترت عنهم (علیهم السلام): نحن من الأصلاب الطاهرات والأرحام المطهَّرات لم تُدنِّسهم الجاهليَّة بأدناسها. وفي كُتُب الشافعيَّة كالقاموس وكشرح الهمزيَّة لابن حجر المكّي تصريح بأنَّ آزر كان عمُّ إبراهيم (علیه السلام)، وكان أبوه تارخ. ويمكن حمل هذا الحديث علىٰ التقيَّة بأنْ يكون هذا مذهب أبي حنيفة. انتهىٰ. أقول: تارخ غير آزر كما صرَّح به بعض العامَّة، وعلىٰ هذا لا يرد أنَّ تارخ هو آزر، وأكثرهم علىٰ الاتِّحاد). وقال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في مرآة العقول: (اعلم أنَّ العامَّة اختلفوا في أبي إبراهيم، قال الرازي في تفسير قوله تعالىٰ: «وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ» [الأنعام: 74]: ظاهر هذه الآية تدلُّ علىٰ أنَّ اسم والد إبراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارخ، قال الزجَّاج: لا خلاف بين النسَّابين أنَّ اسمه تارخ، ومن الملحدة من جعل هذا طعناً في القرآن. أقول: ثمّ ذكر لتوجيه ذلك وجوها...، إلىٰ أنْ قال: والوجه الرابع: أنَّ والد إبراهيم (علیه السلام) كان تارخ، وآزر كان عمًّا له، والعمُّ قد يُطلَق عليه لفظ الأب كما حكىٰ الله عن أولاد يعقوب أنَّهم قالوا: «نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ» [البقرة: 133]، ومعلوم أنَّ إسماعيل كان عمًّا ليعقوب، وقد أطلقوا عليه لفظ الأب فكذا هاهنا. أقول: ثمّ قال بعد كلام: قالت الشيعة: إنَّ أحداً من آباء الرسول وأجداده ما كان كافراً، وأنكروا أنَّ والد إبراهيم كان كافراً، وذكروا أنَّ آزر كان عمُّ إبراهيم وما كان والداً له، واحتجُّوا علىٰ قولهم بوجوه: الحجَّة الأُولىٰ: أنَّ آباء نبيِّنا ما كانوا كُفَّاراً، ويدلُّ عليه وجوه منها قوله تعالىٰ: «الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ 218 وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ 219» [الشعراء: 218 و219]، قيل : معناه أنَّه كان ينقل روحه عن ساجد إلىٰ ساجد، وبهذا التقدير فالآية دالَّة علىٰ أنَّ جميع آباء محمّد(صلی الله علیه و آله) كانوا مسلمين، وحينئذٍ يجب القطع بأنَّ والد إبراهيم كان مسلماً. ثمّ قال: وممَّا يدلُّ أيضاً علىٰ أنَّ أحداً من آباء محمّد(صلی الله علیه و آله) ما كانوا مشركين قوله(صلی الله علیه و آله): «لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلىٰ أرحام الطاهرات»، وقال تعالىٰ: «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» [التوبة: 28]، وذلك يوجب أنْ يقال: إنَّ أحداً من أجداده ما كان من المشركين. انتهىٰ. وقال الشيخ الطبرسي (رحمة الله) بعد نقل ما مرَّ من كلام الزجَّاج: وهذا الذي قاله الزجاج يقوِّي ما قاله أصحابنا أنَّ آزر كان جدُّ إبراهيم لأُمِّه، أو كان عمُّه من حيث صحَّ عندهم أنَّ آباء النبيِّ(صلی الله علیه و آله) إلىٰ آدم كلُّهم كانوا موحِّدين، وأجمعت الطائفة علىٰ ذلك. انتهىٰ. أقول: الأخبار الدالَّة على إسلام آباء النبيِّ(صلی الله علیه و آله) من طُرُق الشيعة مستفيضة بل متواترة، وكذا في خصوص والد إبراهيم قد وردت بعض الأخبار، وقد عرفت إجماع الفرقة المحقَّة علىٰ ذلك بنقل المخالف والمؤالف، وهذا الخبر صريح في كون والده (علیه السلام) آزر، فلعلَّه ورد تقيَّةً).

فَأَرْسَلَ إِلَىٰ نِسَاءٍ مِنَ الْقَوَابِلِ لَا يَكُونُ فِي الْبَطْنِ شَيْ ءٌ إِلَّا عَلِمْنَ بِهِ، فَنَظَرْنَ إِلَىٰ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ، فَأَلْزَمَ اللهُ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ مَا فِي الرَّحِمِ الظَّهْرَ، فَقُلْنَ: مَا نَرَىٰ شَيْئاً فِي بَطْنِهَا، فَلَمَّا وَضَعَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ [بِهِ] أَرَادَأَبُوهُ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَىٰ نُمْرُودَ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: لَا تَذْهَبْ بِابْنِكَ إِلَىٰ نُمْرُودَ فَيَقْتُلَهُ، دَعْنِي أَذْهَبْ بِهِ إِلَىٰ بَعْضِ الْغِيرَانِ(1) أَجْعَلْهُ فِيهِ حَتَّىٰ يَأْتِيَ عَلَيْهِ أَجَلُهُ وَلَا تَكُونَ أَنْتَ تَقْتُلُ ابْنَكَ، فَقَالَ لَهَا: فَاذْهَبِي بِهِ، فَذَهَبَتْ بِهِ إِلَىٰ غَارٍ، ثُمَّ أَرْضَعَتْهُ، ثُمَّ جَعَلَتْ عَلَىٰ بَابِ الْغَارِ صَخْرَةً، ثُمَّ انْصَرَفَتْ عَنْهُ، فَجَعَلَ اللهُ (عزوجل)رِزْقَهُ فِي إِبْهَامِهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا فَيَشْرَبُ لَبَناً(2)،

ص: 191


1- جمع الغار، وهو الكهف في الجبل.
2- في الكافي: (فيشخب لبنها).

وَجَعَلَ يَشِبُّ(1) فِي الْيَوْمِ كَمَا يَشِبُّ غَيْرُهُ فِي الْجُمْعَةِ، وَيَشِبُّ فِي الْجُمْعَةِ كَمَا يَشِبُّ غَيْرُهُ فِي الشَّهْرِ، وَيَشِبُّ فِي الشَّهْرِ كَمَا يَشِبُّ غَيْرُهُ فِي السَّنَةِ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ إِنَّ أُمَّهُ قَالَتْ لِأَبِيهِ: لَوْ أَذِنْتَ لِي حَتَّىٰ أَذْهَبَ إِلَىٰ ذَلِكَ الصَّبِيِّ فَأَرَاهُ فَعَلْتُ، قَالَ: فَافْعَلِي، فَأَتَتِ الْغَارَ، فَإِذَا هِيَ بِإِبْرَاهِيمَ (علیه السلام)، وَإِذَا عَيْنَاهُ تَزْهَرَانِ كَأَنَّهُمَا سِرَاجَانِ، فَأَخَذَتْهُ وَضَمَّتْهُ إِلَىٰ صَدْرِهَا وَأَرْضَعَتْهُ ثُمَّ انْصَرَفَتْ عَنْهُ، فَسَأَلَهَا أَبُوهُ عَنِ الصَّبِيِّ، فَقَالَتْ لَهُ: قَدْ وَارَيْتُهُ فِي التُّرَابِ، فَمَكَثَتْ تَعْتَلُّ وَتَخْرُجُ فِي الْحَاجَةِ وَتَذْهَبُ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (علیه السلام) فَتَضُمُّهُ إِلَيْهَا وَتُرْضِعُهُ ثُمَّ تَنْصَرِفُ، فَلَمَّا تَحَرَّكَأَتَتْهُ أُمُّهُ كَمَا كَانَتْ تَأْتِيهِ وصَنَعَتْ كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ، فَلَمَّا أَرَادَتِ الْاِنْصِرَافَ أَخَذَ بِثَوْبِهَا(2)،

ص: 192


1- قال المازندراني (رحمة الله) في شرح أُصول الكافي: (يشبُّ فلان بالكسر ويُضَمُّ: يرتفع ويكبر). وقال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في مرآة العقول: (قوله (علیه السلام): «يشبُّ في اليوم» بكسر الشين: أي ينمو، لعلَّ المراد أنَّ في الأُسبوع الأوَّل يشبُّ كلَّ يوم كما يشبُّ غيره في الجمعة، أي الأُسبوع تسمية للكلِّ باسم الجزء، ثمّ في بقيَّة الشهر يشبُّ في كلِّ أُسبوع كما يشبُّ غيره في شهر، ثمّ في بقية السنة يشبُّ في كلِّ شهر كما يشبُّ غيره في السنة. ويحتمل أنْ لا تكون هذه التشبيهات مبنيَّة علىٰ المساواة الحقيقيَّة، بل علىٰ محض الإسراع في النموِّ، وهذا شائع في المحاورات).
2- قال المازندراني (رحمة الله) في شرح أُصول الكافي: (في معارج النبوَّة: قال لأُمِّه: هل غير هذه البقعة منزل آخر؟ قالت: نعم أوسع وأحسن وأزين، وهذه البقعة ضيِّقة، وانَّما أسكنتك فيها خوفاً من العدوِّ وتحُّرزاً من قتلك، فالتمسها أنْ تُخرجه معها، فلمَّا أخرجته ليلاً رأىٰ (علیه السلام) أرضاً موضوعة مبسوطة وسماء مرفوعة مزيَّنة بزينة الكواكب، فقال ما حكاه عنه (جلَّ شأنه) بقوله: «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي ...» الآية [الأنعام: 76]، والمراد بالكوكب الجنس أو الزهرة كما قيل: «هَذَا رَبِّي» أي علىٰ زعمكم، وقيل: تقديره: أهذا ربِّي بحذف حرف الاستفهام، قاله علىٰ سبيل الإنكار. وقيل: إنَّه (علیه السلام) كان في مقام الاستدلال علىٰ وجود الصانع والمستدلّ، قيل: إتمام الاستدلال لا يحصل له العلم بالمطلوب، فلمَّا تمَّ استدلاله حصل له اليقين بالربِّ الحقيقي فقال: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ» [الأنعام: 79]. وهذا ليس بشيء، لأنَّه كان له علم بالربِّ بحسب الفطرة، وقيل غير ذلك).

فَقَالَتْ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ لَهَا: اذْهَبِي بِي مَعَكِ، فَقَالَتْ لَهُ: حَتَّىٰ أَسْتَأْمِرَ أَبَاكَ»(1).

فَلَمْ(2) يَزَلْ إِبْرَاهِيمُ (علیه السلام) فِي الْغَيْبَةِ مَخْفِيًّا لِشَخْصِهِ، كَاتِماً لِأَمْرِهِ، حَتَّىٰ ظَهَرَ فَصَدَعَ بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ، وَأَظْهَرَ اللهُ قُدْرَتَهُ فِيهِ. ثُمَّ غَابَ (علیه السلام) الْغَيْبَةَ الثَّانِيَةَ، وَذَلِكَ حِينَ نَفَاهُ الطَّاغُوتُ عَنْ مِصْرَ، فَقَالَ: «وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَىٰ أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا 48»، قَالَ اللهُ (تبارک و تعالی): «فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا 49 وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْرَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا 50» [مريم: 48 - 50]، يَعْنِي بِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام)، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ كَانَ دَعَا اللهَ (عزوجل)أَنْ يَجْعَلَ لَهُ لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، فَجَعَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ لَهُ وَلِإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا، فَأَخْبَرَ عَلِيٌّ (علیه السلام) بِأَنَّ الْقَائِمَ هُوَ الْحَادِي عَشَرَ(3) مِنْ وُلْدِهِ، وَأَنَّهُ المَهْدِيُّ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً، وَأَنَّهُ تَكُونُ لَهُ غَيْبَةٌ وَحَيْرَةٌ يَضِلُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَيَهْتَدِي فِيهَا آخَرُونَ، وَأَنَّ هَذَا كَائِنٌ كَمَا أَنَّهُ مَخْلُوقٌ .

وَأَخْبَرَ (علیه السلام) فِي حَدِيثِ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِ «أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ قَائِمٍ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِرٍ مَشْهُورٍ أَوْ خَافٍ مَغْمُورٍ، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ »(4).

وقد أخرجت هذين الخبرين في هذا الكتاب بإسنادهما في باب ما أخبر به

ص: 193


1- تتمَّة الحديث في الكافي (ج 8/ ص 366 - 368/ ح 558)، فليُراجَع. وراجع: شرح أُصول الكافي للمازندراني (ج 12/ ص 529 و530)، ومرآة العقول (ج 26/ ص 548 - 551).
2- من هنا كلام المصنِّف (رحمة الله) لا بقيَّة الحديث.
3- كذا، ولعلَّه وهم من الراوي، والصواب العاشر.
4- سيأتي مسنداً تحت الرقم (186/2)، فانتظر.

أمير المؤمنين (علیه السلام) من وقوع الغيبة، وكرَّرت ذكرهما للاحتياج إليه علىٰ أثر ما ذكرت من قصَّة إبراهيم (علیه السلام).

ولإبراهيم (علیه السلام) غيبة أُخرىٰ سار فيها في البلاد وحده للاعتبار.

[2/8] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (علیهما السلام)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ جَمِيعاً، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام)، قَالَ: خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ (علیه السلام) ذَاتَ يَوْمٍ يَسِيرُ فِي الْبِلَادِ لِيَعْتَبِرَ، فَمَرَّ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ يُصَلِّي قَدْ قَطَعَ إِلَىٰالسَّمَاءِ صَوْتَهُ(1)، وَلِبَاسُهُ شَعَرٌ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ (علیه السلام)، فَعَجِبَ مِنْهُ، وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَرَّكَهُ بِيَدِهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي حَاجَةً، فَخَفِّفْ».

قَالَ: «فَخَفَّفَ الرَّجُلُ، وَجَلَسَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (علیه السلام): لِمَنْ تُصَلِّي؟ فَقَالَ: لِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: وَمَنْ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: الَّذِي خَلَقَكَ وَخَلَقَنِي، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: لَقَدْ أَعْجَبَنِي نَحْوُكَ(2)، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُوَاخِيَكَ فِي اللهِ (تبارک و تعالی)، فَأَيْنَ مَنْزِلُكَ إِذَا أَرَدْتُ زِيَارَتَكَ وَلِقَاءَكَ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مَنْزِلِي خَلْفَ هَذِهِ النُّطْفَةِ(3) - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَىٰ الْبَحْرِ -، وَأَمَّا مُصَلَّايَ فَهَذَا المَوْضِعُ تُصِيبُنِي فِيهِ إِذَا أَرَدْتَنِي إِنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ لِإِبْرَاهِيمَ: لَكَ حَاجَةٌ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: نَعَمْ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ لَهُ: تَدْعُو اللهَ وَأُؤَمِّنُ أَنَا عَلَىٰ دُعَائِكَ، أَوْ أَدْعُو أَنَا وَتُؤَمِّنُ أَنْتَ عَلَىٰ دُعَائِي، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَفِيمَ نَدْعُو اللهَ؟ فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: لِلْمُذْنِبِينَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَلِمَ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي دَعَوْتُ اللهَ مُنْذُ ثَلَاثِ سِنِينَ

ص: 194


1- كذا، وفي الكافي: (طوله). والقطع كما في الوافي: العمود. ولعلَّه تصحيف: (رفع).
2- أي طريقتك في العبادة، والنحو: الطريق.
3- النطفة: الماء الصافي، قلَّ أو كثر.

بِدَعْوَةٍ لَمْ أَرَ إِجَابَتَهَا إِلَىٰ السَّاعَةِ، وَأَنَا أَسْتَحْيِي مِنَ اللهِ (عزوجل)أَنْ أَدْعُوَهُ بِدَعْوَةٍ حَتَّىٰ أَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَجَابَنِي، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَفِيمَا دَعَوْتَهُ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنِّي لَفِي مُصَلَّايَ هَذَا ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ مَرَّ بِي غُلَامٌ أَرْوَعُ(1) النُّورُ يَطْلُعُ مِنْ جَبْهَتِهِ، لَهُ ذُؤَابَةٌ مِنْ خَلْفِهِ، وَمَعَهُ بَقَرٌ يَسُوقُهَاكَأَنَّمَا دُهِنَتْ دَهْناً، وَغَنَمٌ يَسُوقُهَا كَأَنَّمَا دُخِسَتْ دَخْساً(2)، قَالَ: فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا غُلَامُ، لِمَنْ هَذِهِ الْبَقَرُ والْغَنَمُ؟ فَقَالَ: لِي(3)، فَقُلْتُ : وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ (تبارک و تعالی)، فَدَعَوْتُ اللهَ (عزوجل)عِنْدَ ذَلِكَ وَسَأَلْتُهُ أَنْ يُرِيَنِي خَلِيلَهُ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (علیه السلام): فَأَنَا إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَذَلِكَ الْغُلَامُ ابْنِي، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ عِنْدَ ذَلِكَ: الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي أَجَابَ دَعْوَتِي».

قَالَ: «ثُمَّ قَبَّلَ الرَّجُلُ صَفْحَتَيْ وَجْهِ إِبْرَاهِيمَ وَعَانَقَهُ، ثُمَّ قَالَ: الْآنَ فَنَعَمْ، وَادْعُ(4) حَتَّىٰ أُؤَمِّنَ عَلَىٰ دُعَائِكَ، فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ (علیه السلام) لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ المُذْنِبِينَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِالمَغْفِرَةِ وَالرِّضَا عَنْهُمْ».

قَالَ: «وَأَمَّنَ الرَّجُلُ عَلَىٰ دُعَائِهِ».

[قَالَ]: فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (علیه السلام): «فَدَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ بَالِغَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المُذْنِبِينَ مِنْ شِيعَتِنَا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»(5)(6).

ص: 195


1- الأروع - كجعفر - من الرجال: الذي يُعجبك حسنه.
2- الدخس - بالمعجمة بين المهملتين -: الورم والسمن.
3- في الكافي: (فقال: لإبراهيم).
4- في الكافي: (فقم وادعُ).
5- رواه الكليني (رحمة الله) في الكافي (ج 8/ ص 392 - 394/ ح 591).
6- قال المازندراني (رحمة الله) في شرح أُصول الكافي (ج 12/ ص 573): (قوله: «منزلي خلف هذه النطفة» النطفة البحر، ويقال للماء القليل والكثير نطفة، وهي بالقليل أخصّ. «إذ مرَّ بي غلام أروع» الأروع من يعجبك بحسنه ونضرة منظرة أو بشجاعته. «ومعه بقر يسوقها كأنَّما دُهِنَت دهناً» دهنه دهناً ودهنة بلَّه، والاسم الدُّهن بالضمِّ، وهو كناية عن سمنها وطراوة جسدها، ولفظة (ما) كافَّة. «وغنم يسوقها كأنَّما دُخِسَت دخساً» أي مُلِئَت جلدها باللحم والشحم، وكلُّ شيء ملأته فقد خسته، وكلُّ ذي سمن دخيس). وقال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في مرآة العقول (ج 26/ ص 603): (قوله (علیه السلام): «نحوك» أي طريقتك في العبادة أو مثلك. قوله: «خلف هذه النطفة»، قال الفيروزآبادي: النطفة - بالضمِّ - الماء الصافي قلَّ أو كثر. وقال المطرزي: النطفة البحر. قوله: «أروع»، قال الجوهري: الأروع من الرجال الذي يُعجبك حسنه. قوله (علیه السلام): «كأنَّما دُهِنَت دهناً»، يقال: دهنه أي طلاه بالدُّهن، وهو كناية عن سمنها، أي مُلِئَت دهناً، أو صفائها، أي طُلِيَت به. قوله (علیه السلام): «كأنَّما دُخِسَت دخساناً» في أكثر النُّسَخ بالخاء المعجمة، وفي بعضها بالمهملة. قال الجوهري: الدخيس اللحم المكتنز، وكلُّ ذي سمن دخيس. وقال الجزري: كلُّ شيء ملأته فقد دخسته، والدخاس الامتلاء والزحام. قوله (علیه السلام): «من يومه ذلك» أي إلىٰ القيامة).

ص: 196

الباب الخامس

في غيبة يوسف (علیه السلام)

ص: 197

ص: 198

وأمَّا غيبة يوسف (علیه السلام) فإنَّها كانت عشرين سنة لم يُدهِّن فيها ولم يكتحل ولم يتطيَّب ولم يمسّ النساء حتَّىٰ جمع الله ليعقوب شمله وجمع بين يوسف وإخوته وأبيه وخالته، كان منها ثلاثة أيَّام في الجُبِّ، وفي السجن بضع سنين، وفي الملك باقي سنيه. وكان هو بمصر ويعقوب بفلسطين، وكان بينهما مسيرة تسعة أيَّام، فاختلفت عليه الأحوال في غيبته من إجماع إخوته علىٰ قتله، ثمّ إلقائهم إيَّاه في غيابت الجُبِّ، ثمّ بيعهم إيَّاه بثمن بخس دراهم معدودة، ثمّ بلواه بفتنة امرأة العزيز، ثمّ بالسجن بضع سنين، ثمّ صار إليه بعد ذلك ملك مصر(1) وجمع الله (تعالىٰ ذكره) شمله وأراه تأويل رؤياه .

[1/9] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيِّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)، قَالَ: «قَدِمَ أَعْرَابِيٌّ عَلَىٰ يُوسُفَ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ طَعَاماً فَبَاعَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُ يُوسُفُ: أَيْنَ مَنْزِلُكَ؟ قَالَ لَهُ: بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا».

قَالَ: «فَقَالَ لَهُ: فَإِذَا مَرَرْتَ بِوَادِي كَذَا وَكَذَا فَقِفْ فَنَادِ: يَا يَعْقُوبُ، يَا يَعْقُوبُ، فَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ إِلَيْكَ رَجُلٌ عَظِيمٌ جَمِيلٌ جَسِيمٌ وَسِيمٌ، فَقُلْ لَهُ: لَقِيتُرَجُلاً بِمِصْرَ وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنَّ وَدِيعَتَكَ عِنْدَ اللهِ (عزوجل)لَنْ تَضِيعَ».

ص: 199


1- الذي يظهر من القرآن وبعض الأخبار أنَّه صار عزيز مصر لا مَلِكه، والعزيز رئيس الدولة، والمَلِك هو فرعون مصر.

قَالَ: «فَمَضَىٰ الْأَعْرَابِيُّ حَتَّىٰ انْتَهَىٰ إِلَىٰ المَوْضِعِ، فَقَالَ لِغِلْمَانِهِ: احْفَظُوا عَلَيَّ الْإِبِلَ، ثُمَّ نَادَىٰ: يَا يَعْقُوبُ، يَا يَعْقُوبُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَعْمَىٰ طَوِيلٌ جَسِيمٌ جَمِيلٌ يَتَّقِي الْحَائِطَ بِيَدِهِ حَتَّىٰ أَقْبَلَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَنْتَ يَعْقُوبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَبْلَغَهُ مَا قَالَ لَهُ يُوسُفُ».

قَالَ: «فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ، أَلَكَ حَاجَةٌ إِلَىٰ اللهِ (تبارک و تعالی)؟ فَقَالَ لَهُ: نَعَمْ، إِنِّي رَجُلٌ كَثِيرُ المَالِ وَلِي ابْنَةُ عَمٍّ لَيْسَ يُولَدُ لِي مِنْهَا، وَأُحِبُّ أَنْ تَدْعُوَ اللهَ أَنْ يَرْزُقَنِي وَلَداً».

قَالَ: «فَتَوَضَّأَ يَعْقُوبُ وَصَلَّىٰ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا اللهَ (تبارک و تعالی)، فَرُزِقَ أَرْبَعَةَ أَبْطُنٍ - أَوْ قَالَ سِتَّةَ أَبْطُنٍ - فِي كُلِّ بَطْنٍ اثْنَانِ. فَكَانَ يَعْقُوبُ (علیه السلام) يَعْلَمُ أَنَّ يُوسُفَ (علیه السلام) حَيٌّ لَمْ يَمُتْ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ سَيُظْهِرُهُ لَهُ بَعْدَ غَيْبَتِهِ، وَكَانَ يَقُولُ لِبَنِيهِ: «إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 96» [يوسف: 96]، وَكَانَ أَهْلُهُ وَأَقْرِبَاؤُهُ يُفَنِّدُونَهُ عَلَىٰ ذِكْرِهِ لِيُوسُفَ حَتَّىٰ إِنَّهُ لَمَّا وَجَدَ رِيحَ يُوسُفَ قَالَ : «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لَا أَنْ تُفَنِّدُونِ 94 قَالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ 95 فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ» وهُوَ يَهُودَا ابْنُهُ وَأَلْقَىٰ قَمِيصَ يُوسُفَ «عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 96» [يوسف: 94 - 96]»(1).

[2/10] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُورَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ، عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ السَّرَّاجِ، عَنْ بِشْرِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ المُفَضَّلِ

ص: 200


1- قال العلَّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج 12/ ص 286): (بيان: الوسامة: أثر الحسن. ويظهر من هذا الخبر أنَّ يهودا لم يذهب مع إخوته في المرَّة الأخيرة، وهو خلاف المشهور كما عرفت، وذكر المفسِّرون أنَّ قائل هذا القول كان أولاد أولاده).

- الْجُعْفِيِّ أَظُنُّهُ(1) - عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «أَتَدْرِي مَا كَانَ قَمِيصُ يُوسُفَ (علیه السلام)؟»، قُلْتُ: لَا، قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ (علیه السلام) لَمَّا أُوقِدَتْ لَهُ النَّارُ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ (علیه السلام) بِثَوْبٍ مِنْ ثِيَابِ الْجَنَّةِ وَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ مَعَهُ حَرٌّ وَلَا بَرْدٌ، فَلَمَّا حَضَرَ إِبْرَاهِيمَ المَوْتُ جَعَلَهُ فِي تَمِيمَةٍ(2) وَعَلَّقَهُ عَلَىٰ إِسْحَاقَ، وَعَلَّقَهُ إِسْحَاقُ عَلَىٰ يَعْقُوبَ، فَلَمَّا وُلِدَ لِيَعْقُوبَ يُوسُفُ عَلَّقَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي عَضُدِهِ حَتَّىٰ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، فَلَمَّا أَخْرَجَ يُوسُفُ الْقَمِيصَ مِنَ التَّمِيمَةِ وَجَدَ يَعْقُوبُ رِيحَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ : «إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (3) 94» [يوسف: 94]، فَهُوَ ذَلِكَ الْقَمِيصُ الَّذِي أُنْزِلَ مِنَ الْجَنَّةِ»، قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَإِلَىٰ مَنْ صَارَ ذَلِكَ الْقَمِيصُ؟ قَالَ: «إِلَىٰ أَهْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: كُلُّ نَبِيٍّ وَرَّثَ عِلْماً أَوْ غَيْرَهُ فَقَدِ انْتَهَىٰ إِلَىٰ [آلِ] مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله)» (4)(5).

ص: 201


1- في الكافي: (عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (علیه السلام).
2- التميمة: الخرزة التي تُعلَّق علىٰ الإنسان وغيره من الحيوانات، ويقال لكلِّ عوذة تُعلَّق عليه.
3- التفنيد: النسبة إلىٰ الفند، وهو نقصان عقل يحدث من الهرم.
4- رواه المصنِّف (رحمة الله) في علل الشرائع (ج 1/ ص 53/ باب 45/ ح 2)، الصفَّار (رحمة الله) في بصائر الدرجات (ص 209 و210/ ج 4/ باب 5/ ح 58)، والعيَّاشي (رحمة الله) في تفسيره (ج 2/ ص 193 و194/ ح 71)، والقمِّي (رحمة الله) في تفسيره (ج 1/ ص 354 و355)، والكليني (رحمة الله) في الكافي (ج 1/ ص 232/ باب ما عند الأئمَّة من آيات الأنبياء (علیهم السلام)/ ح 5)، والراوندي (رحمة الله) في الخرائج والجرائح (ج 2/ ص 693/ ح 6).
5- قال المازندراني (رحمة الله) في شرح أُصول الكافي (ج 5/ ص 322): (قوله: «جعله في تميمة»: التميمة عوذة تُعلَّق علىٰ الإنسان. قوله: «لولا أنْ تُفنِّدون»: أي تنبسوني إلىٰ الفند، وهو نقصان يحدث من هرم، وفي القاموس: فنَّده تفنيداً كذَّبه وعجَّزه وخطَّأ رأيه كأفنده). وقال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في مرآة العقول (ج 3/ ص 40): (التميمة: عوذة تُعلَّق علىٰ الإنسان، من باب التفعيل أي عقده. «وجد يعقوب ريحه»: أي في كنعان وبينهما مسيرة تسعة أيَّام من البدو حين أقبل به إليه يهود، أو قيل: كان بينهما ثمانون فرسخاً. «لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ» بكسر النون وحذف الياء: أي تنسبوني إلىٰ الفند، وهو بالتحريك: نقصان عقل يحدث من هرم، قيل: وجواب (لو) محذوف تقديره لصدَّقتموني، أو لقلت إنَّه قريب). وقال (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 12/ ص 249): (بيان: قصَّة القميص علىٰ ما ورد في الخبر ذكرها العامَّة والخاصَّة بطُرُق كثيرة، وقال الطبرسي (رحمة الله): قوله: «لولا أنْ تُفنِّدون» معناه: لولا أنْ تُسِّفهوني، عن ابن عبَّاس ومجاهد. وقيل: لولا أنْ تُضعِّفوني في الرأي، عن ابن إسحاق. وقيل: لولا أنْ تُكذِّبوني. والفند: الكذب، عن سعيد بن جبير والسُّدِّي والضحَّاك، وروي ذلك أيضاً عن ابن عبَّاس. وقيل: لولا أنْ تُهرِّموني ، عن الحسن وقتادة).

فَرُوِيَ «أَنَّ الْقَائِمَ (علیه السلام) إِذَا خَرَجَ يَكُونُ عَلَيْهِ قَمِيصُ يُوسُفَ، وَمَعَهُ عَصَا مُوسَىٰ، وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ (علیهم السلام)» .

والدليل علىٰ أنَّ يعقوب (علیه السلام) علم بحياة يوسف (علیه السلام) وأنَّه إنَّما غُيِّب عنه لبلوىٰ واختبار: أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ بَنُوهُ يَبْكُونَ، قَالَ لَهُمْ: يَا بَنِيَّ، لِمَ تَبْكُونَ وَتَدْعُونَ بِالْوَيْلِ؟ وَمَا لِي مَا أَرَىٰ فِيكُمْ حَبِيبِي يُوسُفَ؟ قالُوا: «يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ 17» [يوسف: 17]، وهَذَا قَمِيصُهُ قَدْ أَتَيْنَاكَ بِهِ، قَالَ: أَلْقُوهُ إِلَيَّ، فَأَلْقَوْهُ إِلَيْهِ وَأَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَخَرَّمَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهُمْ: يَا بَنِيَّ، أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ الذِّئْبَ قَدْ أَكْلَ حَبِيبِي يُوسُفَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: مَا لِي لَا أَشَمُّ رِيحَ لَحْمِهِ؟! وَمَا لِي أَرَىٰ قَمِيصَهُ صَحِيحاً؟ هَبُوا أَنَّ الْقَمِيصَ(1) انْكَشَفَ مِنْ أَسْفَلِهِ، أَرَأَيْتُمْ مَا كَانَ فِي مَنْكِبَيْهِ وعُنُقِهِ كَيْفَ خَلَصَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْرِقَهُ؟ إِنَّ هَذَا الذِّئْبَ لَمَكْذُوبٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّ ابْنِي لَمَظْلُومٌ، «بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ 18» [يوسف: 18]، وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ لَيْلَتَهُمْ تِلْكَ لَا يُكَلِّمُهُمْ، وَأَقْبَلَ يَرْثِي يُوسُفَ وَيَقُولُ: حَبِيبِي يُوسُفُ الَّذِي كُنْتُ أُوثِرُهُ عَلَىٰ جَمِيعِ أَوْلَادِي فَاخْتُلِسَ مِنِّي، حَبِيبِي يُوسُفُ الَّذِي كُنْتُ أَرْجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَوْلَادِي فَاخْتُلِسَ مِنِّي، حَبِيبِي يُوسُفُ الَّذِي أُوَسِّدُهُ يَمِينِي وَأُدَثِّرُهُ بِشِمَالِي

ص: 202


1- أي احسبوا. تقول: هب زيداً منطلقاً، بمعنىٰ أحسب، يتعدَّىٰ إلىٰ مفعولين، ولا يُستَعمل منه ماضٍ ولا مستقبل في هذا المعنىٰ. (الصحاح للجوهري: ج 1/ ص 235/ مادَّة وهب).

فَاخْتُلِسَ مِنِّي، حَبِيبِي يُوسُفُ الَّذِي كُنْتُ أُونِسُ بِهِ وَحْدَتِي فَاخْتُلِسَ مِنِّي، حَبِيبِي يُوسُفُ لَيْتَ شِعْرِي فِي أَيِّ الْجِبَالِ طَرَحُوكَ، أَمْ فِي أَيِّ الْبِحَارِ غَرَّقُوكَ، حَبِيبِي يُوسُفُ لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَكَ فَيُصِيبُنِي الَّذِي أَصَابَكَ .

ومن الدليل علىٰ أنَّ يعقوب (علیه السلام) علم بحياة يوسف (علیه السلام) وأنَّه في الغيبة قوله: «عَسَىٰ اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً» [يوسف: 83]، وقوله لبنيه: «يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ 87» [يوسف: 87].

وَقَالَ الصَّادِقُ (علیه السلام): «إِنَّ يَعْقُوبَ (علیه السلام) قَالَ لِمَلَكِ المَوْتِ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْأَرْوَاحِ تَقْبِضُهَا مُجْتَمِعَةً أَوْ مُتَفَرِّقَةً؟ قَالَ: بَلْ مُتَفَرِّقَةً،قَالَ فَهَلْ قَبَضْتَ رُوحَ يُوسُفَ فِي جُمْلَةِ مَا قَبَضْتَ مِنَ الْأَرْوَاحِ؟ قَالَ: لَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لِبَنِيهِ: «يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ» »(1)(2).

فحال العارفين في وقتنا هذا بصاحب زماننا الغائب (علیه السلام) حال يعقوب (علیه السلام) في معرفته بيوسف وغيبته، وحال الجاهلين به وبغيبته والمعاندين

ص: 203


1- راجع ما رواه المصنِّف (رحمة الله) في علل الشرائع (ج 1/ ص 52/ باب 44/ ح 1)، والعيَّاشي (رحمة الله) في تفسيره (ج 2/ ص 189 و190/ ح 64)، والكليني (رحمة الله) في الكافي (ج 8/ ص 199/ ح 238).
2- قال المازندراني (رحمة الله) في شرح أُصول الكافي (ج 12/ ص 263): (قوله: « فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ» أي استمعوا لحديث القوم منهما واطلبوا خبرهما، تقول: تحسَّست من الشيء إذا تخبَّرت خبره). وقال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في مرآة العقول (ج 26/ ص 103 و104): (قوله تعالىٰ: «فَتَحَسَّسُوا»، التحسُّس: طلب الإحساس، أي تعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما. قوله (علیه السلام): «تقبضها مجتمعة»، لعلَّ السؤال عن الاجتماع والتفرُّق في الأخذ لأنَّه إذا قبضها مجتمعة يمكن أنْ يغفل عن خصوص كلِّ واحد بخلاف ما إذا أخذ روحاً روحاً، أو لأنَّه إذا قبضها مجتمعة يمكن أنْ تسلم إليه بعد مرور الأيَّام ليجتمع عدد كثير منها، ولما يصل روح يوسف (علیه السلام) إليه بعد لذلك، وهذا المَلَك إمَّا عزرائيل ويقبض الأرواح من أعوانه وإمَّا غيره ويقبض منه، والأخير أظهر).

في أمره حال أهله وأقربائه(1) الذين بلغ من جهلهم بأمر يوسف وغيبته حتَّىٰ قالوا لأبيهم يعقوب: «تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ 95» [يوسف: 95]. وقول يعقوب لمَّا ألقىٰ البشير قميص يوسف علىٰ وجهه فارتدَّ بصيراً: «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ 96» [يوسف: 96]، دليل علىٰ أنَّه قد كان علم أنَّ يوسف حيٌّ، وأنَّه إنَّما غُيِّب عنه للبلوىٰ والامتحان .[3/11] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (علیهما السلام)، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ سَدِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (علیه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ فِي الْقَائِمِ سُنَّةً مِنْ يُوسُفَ»، قُلْتُ: كَأَنَّكَ تَذْكُرُ خَبَرَهُ أَوْ غَيْبَتَهُ، فَقَالَ لِي: «وَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْبَاهُ الْخَنَازِيرِ، إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا أَسْبَاطاً أَوْلَادَ أَنْبِيَاءَ تَاجَرُوا يُوسُفَ وَبَايَعُوهُ وَهُمْ إِخْوَتُهُ وَهُوَ أَخُوهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّىٰ قَالَ لَهُمْ: «أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي» [يوسف: 90]؟ فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ يَكُونَ اللهُ (عزوجل)فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ يُرِيدُ أَنْ يَسْتُرَ حُجَّتَهُ عَنْهُمْ؟ لَقَدْ كَانَ يُوسُفُ يَوْماً مَلِكَ مِصْرَ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِهِ مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً(2)، فَلَوْ أَرَادَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ أَنْ يُعَرِّفَهُ مَكَانَهُ لَقَدَرَ عَلَىٰ ذَلِكَ، وَاللهِ لَقَدْ سَارَ يَعْقُوبُ وَوُلْدُهُ عِنْدَ الْبِشَارَةِ فِي تِسْعَةِ أَيَّامٍ إِلَىٰ مِصْرَ، فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ يَكُونَ اللهُ (عزوجل)يَفْعَلُ بِحُجَّتِهِ مَا فَعَلَ بِيُوسُفَ أَنْ يَكُونَ يَسِيرُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَيَمْشِي فِي أَسْوَاقِهِمْ وَيَطَأُ بُسُطَهُمْ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ حَتَّىٰ يَأْذَنَ اللهُ (عزوجل)لَهُ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ نَفْسَهُ كَمَا أَذِنَ لِيُوسُفَ (علیه السلام) حِينَ قَالَ لَهُمْ: «هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ 89 قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي» [يوسف: 89 و90]؟»(3).

ص: 204


1- في بعض النُّسَخ: (حال إخوة يوسف).
2- قد مرَّ ويأتي أنَّه مسيرة تسعة أيَّام، ولعلَّه مبنيٌّ علىٰ سرعة السير عند البشارة.
3- رواه المصنِّف (رحمة الله) في علل الشرائع (ج 1/ ص 244/ باب 179/ ح 3)، وابن بابويه (رحمة الله) في الإمامة والتبصرة (ص 121 و122/ ح 117).

الباب السادس

في غيبة موسى (علیه السلام)

ص: 205

ص: 206

وأمَّا غيبة موسىٰ النبيِّ (علیه السلام) فإنَّه:

[1/12] حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ الْآدَمِيُّ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ النَّسَائِيُّ(1)، عَنْ أَبِيهِ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا المُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَيِّدِ الْعَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ سَيِّدِ الْوَصِيِّينَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صلوات الله عليهم)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله): «لَمَّا حَضَرَتْ يُوسُفَ (علیه السلام) الْوَفَاةُ جَمَعَ شِيعَتَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَدَّثَهُمْ بِشِدَّةٍ تَنَالُهُمْ، يُقْتَلُ فِيهَا الرِّجَالُ، وَتُشَقُّ بُطُونُ الْحَبَالَىٰ، وَتُذْبَحُ الْأَطْفَالُ، حَتَّىٰ يُظْهِرَ اللهُ الْحَقَّ فِي الْقَائِمِ مِنْ وُلْدِ لَاوَىٰ بْنِ يَعْقُوبَ، وَهُوَ رَجُلٌ أَسْمَرُ طُوَالُ، وَنَعَتَهُ لَهُمْ بِنَعْتِهِ، فَتَمَسَّكُوا بِذَلِكَ، وَوَقَعَتِ الْغَيْبَةُ وَالشِّدَّةُ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ قِيَامَ الْقَائِمِ أَرْبَعَ مِائَةِ سَنَةٍ، حَتَّىٰ إِذَا بُشِّرُوا بِوِلَادَتِهِ، وَرَأَوْا عَلَامَاتِ ظُهُورِهِ، وَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْبَلْوَىٰ، وَحُمِلَ عَلَيْهِمْ بِالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ، وَطُلِبَ الْفَقِيهُ الَّذِي كَانُوا يَسْتَرِيحُونَ إِلَىٰ أَحَادِيثِهِ فَاسْتَتَرَ، وَرَاسَلُوهُ فَقَالُوا: كُنَّا مَعَ الشِّدَّةِ نَسْتَرِيحُ إِلَىٰ حَدِيثِكَ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَىٰ بَعْضِ الصَّحَارِي، وَجَلَسَ يُحَدِّثُهُمْ حَدِيثَ الْقَائِمِ وَنَعْتَهُ وَقُرْبَ الْأَمْرِ، وَكَانَتْ لَيْلَةً قَمْرَاءَ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ مُوسَىٰ(علیه السلام)، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حَدِيثَ السِّنِّ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ دَارِ فِرْعَوْنَ يُظْهِرُ النُّزْهَةَ، فَعَدَلَ عَنْ مَوْكِبِهِ ،

ص: 207


1- كذا، والظاهر أنَّه عبيد بن آدم بن إياس العسقلاني، فصُحِّف، وليس هو محمّد بن آدم بن سليمان الجهني المصيِّصي الذي روىٰ عن سعيد بن جبير.

وَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ وَتَحْتَهُ بَغْلَةٌ وَعَلَيْهِ طَيْلَسَانُ خَزٍّ، فَلَمَّا رَآهُ الْفَقِيهُ عَرَفَهُ بِالنَّعْتِ، فَقَامَ إِلَيْهِ وَانْكَبَّ عَلَىٰ قَدَمَيْهِ فَقَبَّلَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّىٰ أَرَانِيَكَ.

فَلَمَّا رَأَىٰ الشِّيعَةُ ذَلِكَ عَلِمُوا أَنَّهُ صَاحِبُهُمْ، فَأَكَبُّوا عَلَىٰ الْأَرْضِ شُكْراً لِلهِ (تبارک و تعالی)، فَلَمْ يَزِدْهُمْ عَلَىٰ أَنْ قَالَ: أَرْجُو أَنْ يُعَجِّلَ اللهُ فَرَجَكُمْ(1)، ثُمَّ غَابَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَخَرَجَ إِلَىٰ مَدِينَةِ مَدْيَنَ، فَأَقَامَ عِنْدَ شُعَيْبٍ مَا أَقَامَ، فَكَانَتِ الْغَيْبَةُ الثَّانِيَةُ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأُولَىٰ، وَكَانَتْ نَيِّفاً وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَاشْتَدَّتِ الْبَلْوَىٰ عَلَيْهِمْ، وَاسْتَتَرَ الْفَقِيهُ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا صَبْرَ لَنَا عَلَىٰ اسْتِتَارِكَ عَنَّا، فَخَرَجَ إِلَىٰ بَعْضِ الصَّحَارِي وَاسْتَدْعَاهُمْ، وَطَيَّبَ نُفُوسَهُمْ(2)، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ اللهَ (عزوجل)أَوْحَىٰ إِلَيْهِ أَنَّهُ مُفَرِّجٌ عَنْهُمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَالُوا بِأَجْمَعِهِمْ: الْحَمْدُ لِلهِ، فَأَوْحَىٰ اللهُ (عزوجل)إِلَيْهِ(3): قُلْ لَهُمْ: قَدْ جَعَلْتُهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً لِقَوْلِهِمْ: الْحَمْدُ لِلهِ، فَقَالُوا: كُلُّ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ، فَأَوْحَىٰ اللهُ إِلَيْهِ: قُلْ لَهُمْ: قَدْ جَعَلْتُهَا عِشْرِينَ سَنَةً، فَقَالُوا: لَا يَأْتِي بِالْخَيْرِ إِلَّا اللهُ، فَأَوْحَىٰ اللهُ إِلَيْهِ: قُلْ لَهُمْ: قَدْ جَعَلْتُهَا عَشْراً، فَقَالُوا لَا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلَّا اللهُ، فَأَوْحَىٰ اللهُ إِلَيْهِ: قُلْ لَهُمْ: لَا تَبْرَحُوا، فَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي فَرَجِكُمْ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ مُوسَىٰ (علیه السلام) رَاكِباً حِمَاراً.

فَأَرَادَ الْفَقِيهُ أَنْ يُعَرِّفَ الشِّيعَةَ مَا يَسْتَبْصِرُونَ بِهِ فِيهِ، وَجَاءَ مُوسَىٰحَتَّىٰ وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ الْفَقِيهُ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: مُوسَىٰ، قَالَ: ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ عِمْرَانَ، قَالَ: ابْنُ مَنْ ؟ قَالَ: ابْنُ قَاهِثِ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: بِمَا ذَا جِئْتَ؟ قَالَ: جِئْتُ بِالرِّسَالَةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ (تبارک و تعالی)، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَ يَدَهُ، ثُمَّ

ص: 208


1- أي قال موسىٰ (علیه السلام): أرجو أنْ يُعجِّل الله تعالىٰ فرجكم، ولم يزد علىٰ هذا الدعاء، ولم يتكلَّم بشيء آخر سوىٰ ذلك، ثمّ غاب عنهم.
2- في بعض النُّسَخ: (وطيَّب قلوبهم).
3- أي إلىٰ الفقيه، ولعلَّه كان نبيًّا، أو المراد الإلهام كما كان لأُمِّ موسىٰ (علیه السلام).

جَلَسَ بَيْنَهُمْ، فَطَيَّبَ نُفُوسَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ أَمْرَهُ، ثُمَّ فَرَّقَهُمْ، فَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَبَيْنَ فَرَجِهِمْ بِغَرْقِ فِرْعَوْنَ أَرْبَعُونَ سَنَةً»(1).

[2/13] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ (علیهما السلام)، قَالَا: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ وَأَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ جَمِيعاً، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ الْبَزَنْطِيِّ، عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)، قَالَ: «إِنَّ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ (صلوات الله عليهما) حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَمَعَ آلَ يَعْقُوبَ وَهُمْ ثَمَانُونَ رَجُلاً، فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقِبْطَ سَيَظْهَرُونَ عَلَيْكُمْ وَيَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، وَإِنَّمَا يُنْجِيكُمُ اللهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ بِرَجُلٍ مِنْ وُلْدِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ اسْمُهُ مُوسَىٰ بْنُ عِمْرَانَ (علیه السلام)، غُلَامٌ طُوَالٌ جَعْدٌ آدَمُ. فَجَعَلَ الرَّجُلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُسَمِّي ابْنَهُ عِمْرَانَ وَيُسَمِّي عِمْرَانُ ابْنَهُ مُوسَىٰ ».فَذَكَرَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ(2)، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام) أَنَّهُ قَالَ: «مَا خَرَجَ مُوسَىٰ حَتَّىٰ خَرَجَ قَبْلَهُ خَمْسُونَ كَذَّاباً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ مُوسَىٰ بْنُ عِمْرَانَ.

فَبَلَغَ فِرْعَوْنَ أَنَّهُمْ يُرْجِفُونَ بِهِ وَيَطْلُبُونَ هَذَا الْغُلَامَ(3)، وقَالَ لَهُ كَهَنَتُهُ وَسَحَرَتُهُ: إِنَّ هَلَاكَ دِينِكَ وَقَوْمِكَ عَلَىٰ يَدَيْ هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي يُولَدُ الْعَامَ مِنْ بَنِي

ص: 209


1- قال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 13/ ص 37): (بيان: قوله (علیه السلام): «وكانت نيِّفاً وخمسين سنة» أي كان المقدَّر أوَّلاً هكذا، ولذا أخبرهم بعد مضيِّ نيِّف وعشر سنين ببقاء أربعين سنة، ثمّ خفَّف الله عنهم مرَّات حتَّىٰ أظهر لهم موسىٰ (علیه السلام) في الساعة بعد رجوعه عن مدين، وكان بقاؤه فيها عشر سنين ومدَّة ذهابه وإيابه نيِّفاً).
2- في بعض النُّسَخ: (أبي الحصين).
3- في بعض النُّسَخ: (يرجعون به ويظنُّون هذا الغلام). وأرجف القوم بالأخبار: أي خاضوا فيها وافتتنوا.

إِسْرَائِيلَ. فَوَضَعَ الْقَوَابِلَ عَلَىٰ النِّسَاءِ، وَقَالَ: لَا يُولَدُ الْعَامَ وَلَدٌ إِلَّا ذُبِحَ، وَوَضَعَ عَلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ قَابِلَةً، فَلَمَّا رَأَىٰ ذَلِكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَالُوا: إِذَا ذُبِحَ الْغِلْمَانُ وَاسْتُحْيِيَ النِّسَاءُ هَلَكْنَا، فَلَمْ نَبْقَ، فَتَعَالَوْا: لَا نَقْرَبِ النِّسَاءَ، فَقَالَ عِمْرَانُ أَبُو مُوسَىٰ (علیه السلام): بَلْ بَاشِرُوهُنَّ فَإِنَّ أَمْرَ اللهِ وَاقِعٌ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، اللَّهُمَّ مَنْ حَرَّمَهُ فَإِنِّي لَا أُحَرِّمُهُ، وَمَنْ تَرَكَهُ فَإِنِّي لَا أَتْرُكُهُ، وَوَقَعَ عَلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ(1)، فَحَمَلَتْ، فَوَضَعَ عَلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ قَابِلَةً تَحْرُسُهَا، فَإِذَا قَامَتْ قَامَتْ وَإِذَا قَعَدَتْ قَعَدَتْ، فَلَمَّا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَقَعَتْ عَلَيْهَا المَحَبَّةُ، وَكَذَلِكَ حُجَجُ اللهِ عَلَىٰ خَلْقِهِ، فَقَالَتْ لَهَا الْقَابِلَةُ: مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ تَصْفَرِّينَ وَتَذُوبِينَ؟ قَالَتْ: لَا تَلُومِينِي فَإِنِّي إِذَا وَلَدْتُ أُخِذَ وَلَدِي فَذُبِحَ، قَالَتْ: لَا تَحْزَنِي فَإِنِّي سَوْفَ أَكْتُمُ عَلَيْكِ، فَلَمْ تُصَدِّقْهَا، فَلَمَّا أَنْ وَلَدَتْ الْتَفَتَتْ إِلَيْهَا وَهِيَ مُقْبِلَةٌ، فَقَالَتْ: مَا شَاءَ اللهُ، فَقَالَتْ لَهَا: أَلَمْ أَقُلْ إِنِّي سَوْفَ أَكْتُمُ عَلَيْكِ؟ ثُمَّ حَمَلَتْهُ فَأَدْخَلَتْهُ الْمِخْدَعَ(2) وَأَصْلَحَتْ أَمْرَهُ، ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَىٰ الْحَرَسِ، فَقَالَتِ: انْصَرِفُوا - وَكَانُوا عَلَىٰ الْبَابِ -، فَإِنَّمَا خَرَجَ دَمٌ مُنْقَطِعٌ، فَانْصَرَفُوا،فَأَرْضَعَتْهُ، فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ الصَّوْتَ أَوْحَىٰ اللهُ إِلَيْهَا أَنِ اعْمَلِي التَّابُوتَ، ثُمَّ اجْعَلِيهِ فِيهِ، ثُمَّ أَخْرِجِيهِ لَيْلاً فَاطْرَحِيهِ فِي نِيلِ مِصْرَ، فَوَضَعَتْهُ فِي التَّابُوتِ، ثُمَّ دَفَعَتْهُ فِي الْيَمِّ، فَجَعَلَ يَرْجِعُ إِلَيْهَا وَجَعَلَتْ تَدْفَعُهُ فِي الْغَمْرِ، وَإِنَّ الرِّيحَ ضَرَبَتْهُ فَانْطَلَقَتْ بِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَدْ ذَهَبَ بِهِ المَاءُ هَمَّتْ أَنْ تَصِيحَ، فَرَبَطَ اللهُ عَلَىٰ قَلْبِهَا».

قَالَ: «وَكَانَتِ المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَهِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَتْ لِفِرْعَوْنَ: إِنَّهَا أَيَّامُ الرَّبِيعِ، فَأَخْرِجْنِي وَاضْرِبْ لِي قُبَّةً عَلَىٰ شَطِّ النِّيلِ حَتَّىٰ أَتَنَزَّهَ هَذِهِ الْأَيَّامَ، فَضُرِبَتْ لَهَا قُبَّةٌ عَلَىٰ شَطِّ النِّيلِ إِذْ أَقْبَلَ التَّابُوتُ يُرِيدُهَا، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَىٰ عَلَىٰ المَاءِ؟ قَالُوا: إِي وَاللهِ يَا سَيِّدَتَنَا إِنَّا لَنَرَىٰ شَيْئاً، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا

ص: 210


1- في بعض النُّسَخ: (وباشر أُمَّ موسىٰ).
2- المِخدع والمُخدع - بالكسر والضمِّ -: الخزانة والبيت الداخل.

ثَارَتْ إِلَىٰ المَاءِ، فَتَنَاوَلَتْهُ بِيَدِهَا، وَكَادَ المَاءُ يَغْمُرُهَا حَتَّىٰ تَصَايَحُوا عَلَيْهَا، فَجَذَبَتْهُ وَأَخْرَجَتْهُ مِنَ المَاءِ، فَأَخَذَتْهُ، فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهَا، فَإِذَا هُوَ غُلَامٌ أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَسْتَرُهُمْ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ مِنْهَا مَحَبَّةٌ، فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهَا، وَقَالَتْ: هَذَا ابْنِي، فَقَالُوا: إِي وَاللهِ يَا سَيِّدَتَنَا، وَاللهِ مَا لَكِ وَلَدٌ وَلَا لِلْمَلِكِ، فَاتَّخِذِي هَذَا وَلَداً، فَقَامَتْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ، وَقَالَتْ: إِنِّي أَصَبْتُ غُلَاماً طَيِّباً حُلْواً نَتَّخِذُهُ وَلَداً، فَيَكُونُ قُرَّةَ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، فَلَا تَقْتُلْهُ، قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ هَذَا الْغُلَامُ؟ قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَدْرِي إِلَّا أَنَّ المَاءَ جَاءَ بِهِ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّىٰ رَضِيَ، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ أَنَّ المَلِكَ قَدْ تَبَنَّىٰ ابْناً لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ رُؤُوسِ مَنْ كَانَ مَعَ فِرْعَوْنَ إِلَّا بَعَثَ إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ لِتَكُونَ لَهُ ظِئْراً أَوْ تَحْضُنَهُ، فَأَبَىٰ أَنْ يَأْخُذَ مِنِ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ ثَدْياً، قَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ: اطْلُبُوا لِابْنِي ظِئْراً وَلَا تُحَقِّرُوا أَحَداً، فَجَعَلَ لَا يَقْبَلُ مِنِ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ، فَقَالَتْ أُمُّمُوسَىٰ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ(1) انْظُرِي أَتَرَيْنَ لَهُ أَثَراً؟ فَانْطَلَقَتْ حَتَّىٰ أَتَتْ بَابَ المَلِكِ، فَقَالَتْ: قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ ظِئْراً، وَهَاهُنَا امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ تَأْخُذُ وَلَدَكُمْ وَتَكْفُلُهُ لَكُمْ، فَقَالَتْ: أَدْخِلُوهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ قَالَتْ لَهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ: مِمَّنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَتِ: اذْهَبِي يَا بُنَيَّةِ فَلَيْسَ لَنَا فِيكِ حَاجَةٌ، فَقُلْنَ لَهَا النِّسَاءُ: انْظُرِي عَافَاكِ اللهُ يَقْبَلُ أَوْ لَا يَقْبَلُ، فَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ قَبِلَ هَلْ يَرْضَىٰ فِرْعَوْنُ أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالمَرْأَةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - يَعْنِي الظِّئْرَ -؟ فَلَا يَرْضَىٰ، قُلْنَ: فَانْظُرِي يَقْبَلُ أَوْ لَا يَقْبَلُ، قَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ: فَاذْهَبِي فَادْعِيهَا، فَجَاءَتْ إِلَىٰ أُمِّهَا وَقَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةَ المَلِكِ تَدْعُوكِ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَدُفِعَ إِلَيْهَا مُوسَىٰ، فَوَضَعَتْهُ فِي حَجْرِهَا، ثُمَّ أَلْقَمَتْهُ ثَدْيَهَا، فَازْدَحَمَ اللَّبَنُ فِي حَلْقِهِ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ أَنَّ ابْنَهَا قَدْ قَبِلَ قَامَتْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَصَبْتُ لِابْنِي ظِئْراً،

ص: 211


1- يعنى اتبعيه، يقال: قصَّ الأثر واقتصَّه إذا تبعه.

وَقَدْ قَبِلَ مِنْهَا، فَقَالَ: مِمَّنْ هِيَ؟ قَالَتْ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَالَ فِرْعَوْنُ: هَذَا مِمَّا لَا يَكُونُ أَبَداً، الْغُلَامُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالظِّئْرُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ تَزَلْ تُكَلِّمُهُ فِيهِ وَتَقُولُ: مَا تَخَافُ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ؟ إِنَّمَا هُوَ ابْنُكَ يَنْشَؤُ فِي حَجْرِكَ، حَتَّىٰ قَلَبَتْهُ عَنْ رَأْيِهِ وَرَضِيَ. فَنَشَأَ مُوسَىٰ (علیه السلام) فِي آلِ فِرْعَوْنَ، وَكَتَمَتْ أُمُّهُ خَبَرَهُ وَأُخْتُهُ وَالْقَابِلَةُ، حَتَّىٰ هَلَكَتْ أُمُّهُ وَالْقَابِلَةُ الَّتِي قَبِلَتْهُ، فَنَشَأَ (علیه السلام) لَا يَعْلَمُ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ».

قَالَ: «وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَطْلُبُهُ وَتَسْأَلُ عَنْهُ فَيَعْمَىٰ عَلَيْهِمْ خَبَرُهُ».

قَالَ: «فَبَلَغَ فِرْعَوْنَ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَهُ وَيَسْأَلُونَ عَنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَزَادَ فِي الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْإِخْبَارِ بِهِ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ».قَالَ: «فَخَرَجَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ إِلَىٰ شَيْخٍ لَهُمْ عِنْدَهُ عِلْمٌ، فَقَالُوا: قَدْ كُنَّا نَسْتَرِيحُ إِلَىٰ الْأَحَادِيثِ، فَحَتَّىٰ مَتَىٰ وَإِلَىٰ مَتَىٰ نَحْنُ فِي هَذَا الْبَلَاءِ؟ قَالَ: وَاللهِ إِنَّكُمْ لَا تَزَالُونَ فِيهِ حَتَّىٰ يَجِي ءَ اللهُ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ بِغُلَامٍ مِنْ وُلْدِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ اسْمُهُ مُوسَىٰ بْنُ عِمْرَانَ غُلَامٌ طُوَالٌ جَعْدٌ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ مُوسَىٰ يَسِيرُ عَلَىٰ بَغْلَةٍ حَتَّىٰ وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَرَفَعَ الشَّيْخُ رَأْسَهُ فَعَرَفَهُ بِالصِّفَةِ، فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُكَ يَرْحَمُكَ اللهُ؟ قَالَ: مُوسَىٰ، قَالَ: ابْنُ مَنْ؟ قَالَ: ابْنُ عِمْرَانَ.

قَالَ: «فَوَثَبَ إِلَيْهِ الشَّيْخُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَبَّلَهَا، وَثَارُوا إِلَىٰ رِجْلِهِ فَقَبَّلُوهَا، فَعَرَفَهُمْ وَعَرَفُوهُ وَاتَّخَذَ شِيعَةً. فَمَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ خَرَجَ فَدَخَلَ مَدِينَةً لِفِرْعَوْنَ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِهِ يُقَاتِلُ رَجُلاً مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الْقِبْطِ، فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَىٰ الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ الْقِبْطِيِّ، فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ، وَكَانَ مُوسَىٰ (علیه السلام) قَدْ أُعْطِيَ بَسْطَةً فِي الْجِسْمِ وَشِدَّةً فِي الْبَطْشِ، فَذَكَرَهُ النَّاسُ وَشَاعَ أَمْرُهُ، وَقَالُوا: إِنَّ مُوسَىٰ قَتَلَ رَجُلاً مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، فَأَصْبَحَ فِي المَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ إِذَا الرَّجُلُ الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ

ص: 212

يَسْتَصْرِخُهُ عَلَىٰ آخَرَ، فَقَالَ لَهُ مُوسىٰ: «إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ 18» [القَصص: 18]، بِالْأَمْسِ رَجُلٌ وَالْيَوْمَ رَجُلٌ، «فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسىٰ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ 19 وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَىٰ الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ 20 فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاًيَتَرَقَّبُ» [القَصص: 19 - 21]، فَخَرَجَ مِنْ مِصْرَ بِغَيْرِ ظَهْرٍ(1) وَلَا دَابَّةٍ وَلَا خَادِمٍ، تَخْفِضُهُ أَرْضٌ وَتَرْفَعُهُ أُخْرَىٰ حَتَّىٰ انْتَهَىٰ إِلَىٰ أَرْضِ مَدْيَنَ، فَانْتَهَىٰ إِلَىٰ أَصْلِ شَجَرَةٍ، فَنَزَلَ فَإِذَا تَحْتَهَا بِئْرٌ وَإِذَا عِنْدَهَا «أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ»، وَإِذَا جَارِيَتَانِ ضَعِيفَتَانِ، وَإِذَا مَعَهُمَا غُنَيْمَةٌ لَهُمَا، قَالَ: «مَا خَطْبُكُمَا»؟ قَالَتَا: «أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ 23» [القَصص: 23]، وَنَحْنُ جَارِيَتَانِ ضَعِيفَتَانِ لَا نَقْدِرُ أَنْ نُزَاحِمَ الرِّجَالَ، فَإِذَا سَقَىٰ النَّاسُ سَقَيْنَا، فَرَحِمَهُمَا مُوسَىٰ (علیه السلام)، فَأَخَذَ دَلْوَهُمَا وَقَالَ لَهُمَا: قَدِّمَا غَنَمَكُمَا، فَسَقَىٰ لَهُمَا، ثُمَّ رَجَعَتَا بُكْرَةً قَبْلَ النَّاسِ، ثُمَّ تَوَلَّىٰ مُوسَىٰ إِلَىٰ الشَّجَرَةِ فَجَلَسَ تَحْتَهَا، فَقالَ: «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ 24» [القَصص: 24]، - فَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَىٰ شِقِّ تَمْرَةٍ -، فَلَمَّا رَجَعَتَا إِلَىٰ أَبِيهِمَا قَالَ: مَا أَعْجَلَكُمَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟ قَالَتَا: وَجَدْنَا رَجُلاً صَالِحاً رَحِمَنَا فَسَقَىٰ لَنَا، فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: اذْهَبِي فَادْعِيهِ لِي، فَجَاءَتْهُ «تَمْشِي عَلَىٰ اسْتِحْيَاءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا» [القَصص: 25]»، - فَرُوِيَ أَنَّ مُوسَىٰ (علیه السلام) قَالَ لَهَا: وَجِّهِينِي إِلَىٰ الطَّرِيقِ وَامْشِي خَلْفِي فَإِنَّا بَنُو يَعْقُوبَ لَا نَنْظُرُ فِي أَعْجَازِ النِّسَاءِ -، «فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 25 قَالَتْ إِحْدَاهُما يَا أَبَتِ

ص: 213


1- أي بلا رفيق ومعين، أو بغير زاد وراحلة.

اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ 26 قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَىٰ ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ» [القَصص: 25 - 27]، - فَرُوِيَ أَنَّهُ قَضَىٰ أَتَمَّهُمَا، لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ (علیهم السلام) لَا يَأْخُذُونَ إِلَّا بِالْفَضْلِ وَالتَّمَامِ -، فَلَمَّا قَضىٰ مُوسَىٰ الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ نَحْوَ بَيْتِالمَقْدِسِ أَخْطَأَ عَنِ الطَّرِيقِ لَيْلاً، فَرَأَىٰ نَاراً، فَقالَ لِأَهْلِهِ: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ بِخَبَرٍ مِنَ الطَّرِيقِ، فَلَمَّا انْتَهَىٰ إِلَىٰ النَّارِ إِذَا شَجَرَةٌ تَضْطَرِمُ(1) مِنْ أَسْفَلِهَا إِلَىٰ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا تَأَخَّرَتْ عَنْهُ، فَرَجَعَ وَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً، ثُمَّ دَنَتْ مِنْهُ الشَّجَرَةُ، فَ «نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ 30 وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ» [القَصص: 30 و31]، فَإِذَا حَيَّةٌ مِثْلُ الْجِذْعِ، لِأَسْنَانِهَا(2) صَرِيرٌ، يَخْرُجُ مِنْهَا مِثْلُ لَهَبِ النَّارِ، فَوَلَّىٰ مُوسَىٰ مُدْبِراً، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ (تبارک و تعالی): ارْجِعْ، فَرَجَعَ وَهُوَ يَرْتَعِدُ وَرُكْبَتَاهُ تَصْطَكَّانِ، فَقَالَ: يَا إِلَهِي هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي أَسْمَعُ كَلَامُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَلَا تَخَفْ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ الْأَمَانُ، فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَىٰ ذَنَبِهَا، ثُمَّ تَنَاوَلَ لَحْيَيْهَا، فَإِذَا يَدُهُ فِي شُعْبَةِ الْعَصَا قَدْ عَادَتْ عَصاً، وَقِيلَ لَهُ: «اخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَىٰ 12» [طه: 12]، - فَرُوِيَ أَنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِمَا لِأَنَّهُمَا كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ -.

[وَرُوِيَ فِي قَوْلِهِ (تبارک و تعالی): «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ» أَيْ خَوْفَيْكَ: خَوْفَكَ مِنْ ضِيَاعِ أَهْلِكَ، وَخَوْفَكَ مِنْ فِرْعَوْنَ].

ص: 214


1- الضرام: اشتعال النار، واضطرمت النار إذا التهبت. (الصحاح).
2- في بعض النُّسَخ: (لأنيابها). والجذع من الدوابِّ الشابُّ الفتىٰ، فمن الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما في الثانية، ومن الضأن ما تمَّت له سنة.

ثُمَّ أَرْسَلَهُ اللهُ (عزوجل)إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَتَيْنِ بِيَدِهِ وَالْعَصَا»(1)(2).

ص: 215


1- رواه الراوندي (رحمة الله) في قَصص الأنبياء (ص 151 - 155/ ح 160).
2- قال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 13/ ص 42 - 44): (بيان: الغمر: الماء الكثير ومعظم البحر. والتبنِّي: اتِّخاذ ولد الغير ابناً. «فإذا قحم اللبن» لعلَّه كناية عن كثرة سيلان اللبن من قولهم: قحم في الأمر: رمىٰ بنفسه فيه فجاءةً من غير رويَّة. وفي بعض النُّسَخ: (يجمُّ) أي يكثر، وفي بعضها: (فازدحم). قوله تعالىٰ: «وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَىٰ الْمَدِينَةِ» أي آخرها، واختصر طريقاً قريباً حتَّىٰ سبقهم إلىٰ موسىٰ. «يَسْعَىٰ» أي يُسرع في المشي، فأخبره بذلك وأنذره، وكان الرجل خربيل مؤمن آل فرعون، وقيل: رجل اسمه شمعون، وقيل: شمعان. «قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ» أي الأشراف من آل فرعون، «يَأْتَمِرُونَ بِكَ» أي يتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضاً. قوله تعالىٰ: «تَهْتَزُّ» أي تتحرَّك. قوله تعالىٰ: «كَأَنَّها جَانٌّ» قال السيِّد المرتضىٰ (رحمة الله) في كتاب (الغُرَر والدُّرَر): فإنْ سأل سائل فقال: ما تقولون في قوله تعالىٰ: «فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ 107» [الأعراف: 107]، وقوله: «كَأَنَّها جَانٌّ»، والثعبان هي الحيَّة العظيمة الخلقة، والجانُّ الصغير من الحيَّات، وبأيِّ شيء تزبلون التناقض عن هذا الكلام؟ والجواب: أوَّل ما نقوله: إنَّ الحالتين مختلفتان، فحالة كونها كالجانِّ كانت في ابتداء النبوَّة وقبل مسير موسىٰ (علیه السلام) إلىٰ فرعون، وحالة كونها ثعباناً كانت عند لقائه فرعون وإبلاغه الرسالة، والتلاوة تدلُّ علىٰ ذلك، وقد ذكر المفسِّرون وجهين: أحدهما أنَّه تعالىٰ إنَّما شبَّهها بالثعبان في إحدى الآيتين لعظم خلقها وكبر جسمها وهول منظرها، وشبَّهها في الآية الأُخرىٰ بالجانِّ لسرعة حركتها ونشاطها وخفَّتها، فاجتمع لها مع أنَّها في جسم الثعبان وكبر خلقه نشاط الجانِّ وسرعة حركته، وهذا أبهر في باب الإعجاز وأبلغ في خرق العادة. والثاني أنَّه تعالىٰ لم يرد بذكر الجانِّ في الآية الأُخرىٰ الحيَّة، وإنَّما أراد أحد الجنِّ، فكأنَّه تعالىٰ أخبر بأنَّ العصا صارت ثعباناً في الخلقة وعظم الجسم، وكانت مع ذلك كأحد الجنِّ في هول المنظر وإفزاعها لمن شاهدها. ويمكن أنْ يكون للآية تأويل آخر وهو أنَّ العصا لمَّا انقلبت حيَّة صارت أوَّلاً بصفة الجانِّ وعلىٰ صورته، ثمّ صارت بصفة الثعبان علىٰ تدريج، ولم تصر كذلك ضربة واحدة. وقال (رحمة الله) في كتاب تنزيه الأنبياء: فإنْ قيل: ما معنىٰ قول شعيب (علیه السلام): «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَىٰ ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ...» الآية؟ وكيف يجوز في الصداق هذا التخيير والتفويض؟ وأيُّ فائدة للبنت فيما شرطه هو لنفسه وليس يعود عليها من ذلك نفع؟ قلنا: يجوز أنْ تكون الغنم كانت لشعيب (علیه السلام) Z [ وكانت الفائدة باستيجار من يرعيها عائدة عليه إلَّا أنَّه أراد أنْ يُعوِّض بنته عن قيمة رعيها فيكون ذلك مهراً لها. فأمَّا التخيير فلم يكن إلَّا فيما زاد علىٰ الثماني حجج ولم يكن فيما شرطه مقترحاً تخيير وإنَّما كان فيما تجاوزه وتعدَّاه. ووجه آخر: وهو أنَّه يجوز أنْ تكون الغنم كانت للبنت وكان الأب المتولِّي لأمرها والقابض لصداقها، لأنَّه لا خلاف أنَّ قبض الأب مهر بنته البكر البالغ جائز، وليس لأحد من الأولياء ذلك غيره، وأجمعوا علىٰ أنَّ بنت شعيب (علیه السلام) كانت بكراً. ووجه آخر: وهو أنَّه حذف ذكر الصداق وذكر ما شرطه لنفسه مضافاً إلىٰ الصداق، لأنَّه جائز أنْ يشرط الوليُّ لنفسه ما يخرج عن الصداق، وهذا يخالف الظاهر. ووجه آخر: وهو أنَّه يجوز أنْ يكون من شريعته (علیه السلام) العقد بالتراضي من غير صداق معيَّن، ويكون قوله: «عَلَىٰ أَنْ تَأْجُرَنِي» علىٰ غير وجه الصداق، وما تقدَّم من الوجوه أقوىٰ).

فَرُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (علیه السلام) أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: «كُنْ لِمَا لَا تَرْجُو أَرْجَىٰ مِنْكَ لِمَا تَرْجُو، فَإِنَّ مُوسَىٰ بْنَ عِمْرَانَ (علیه السلام) خَرَجَ لِيَقْتَبِسَ لِأَهْلِهِ نَاراً، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ رَسُولٌ نَبِيٌّ»(1)(2)، فَأَصْلَحَ اللهُ تَبَارَكَفَرُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (علیه السلام) أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: «كُنْ لِمَا لَا تَرْجُو أَرْجَىٰ مِنْكَ لِمَا تَرْجُو، فَإِنَّ مُوسَىٰ بْنَ عِمْرَانَ (علیه السلام) خَرَجَ لِيَقْتَبِسَ لِأَهْلِهِ نَاراً، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ رَسُولٌ نَبِيٌّ»(3)(4)، فَأَصْلَحَ اللهُ تَبَارَكَوَتَعَالَىٰ أَمْرَ عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ

ص: 216


1- رواه المصنِّف (رحمة الله) في أماليه (ص 243 و244/ ح 261/9)، وفي من لا يحضره الفقيه (ج 3/ ص 165/ ح 3609، وج 4/ ص 399/ ح 5854)، وابن بابويه (رحمة الله) في فقه الرضا (ص 359)، والكليني (رحمة الله) في الكافي (ج 5/ ص 83/ باب الرزق من حيث لا يُحتسَب/ ح 2)، وابن شعبة (رحمة الله) في تُحَف العقول (ص 208).
2- قال المجلسي الأوَّل (رحمة الله) في روضة المتَّقين (ج 6/ ص 444): (« كن لما لا ترجو أرجىٰ منك ممَّا ترجو» أي ينبغي أنْ يكون رجاؤك ممَّا لا ترجو منه أكثر ممَّا ترجو فإنَّ كثيراً ما يُشاهَد أنْ لا يحصل من المرجوِّ ويحصل من جانب لا يرجوه، بل لم يكن يحتمل أنْ يكون يحصل من ذاك شيء. «فإنَّ موسى (علیه السلام)» ذهب ليلتمس ناراً لأهله عند الولادة في الصحراء عندما شاهد ناراً فلمَّا قرب عنده خاطبه الله تعالىٰ وجعله نبيًّا، ومتىٰ كان يخطر بباله ذلك؟). وقال (رحمة الله) في (ج 13/ ص 108 و109): («كن لما لا ترجو أرجىٰ منك لما ترجو» أي إذا نظرت إلىٰ نفسك تجدها أنَّ رجاءها من مواضع اعتادت النفع منها، فينبغي أنْ تعارضها بأنْ تقول: إنَّه كثيراً ما كان رجاء من موضع ولم يحصل منه ووقع من موضع لم تكن ترجوها، فيجب عليك أنْ يكون رجاؤك من فضل الله تعالىٰ ولا يكون إلىٰ موضع أكثر من غيره، بل إذا كنت ترجو لله فهو تعالىٰ يحصل مطلوبك في أيِّ موضع يريد، والغالب أنَّه لا يحصل من موضع ترجوه لئلَّا تتوجَّه إلىٰ الأسباب، بل لتتوجَّه إلىٰ مسبِّب الأسباب، بل إذا كان الرجاء من غيره فحاصله الخيبة والحرمان كما تقدَّم في خبر الحسين بن علوان وغيره من الأخبار).
3- رواه المصنِّف (رحمة الله) في أماليه (ص 243 و244/ ح 261/9)، وفي من لا يحضره الفقيه (ج 3/ ص 165/ ح 3609، وج 4/ ص 399/ ح 5854)، وابن بابويه (رحمة الله) في فقه الرضا (ص 359)، والكليني (رحمة الله) في الكافي (ج 5/ ص 83/ باب الرزق من حيث لا يُحتسَب/ ح 2)، وابن شعبة (رحمة الله) في تُحَف العقول (ص 208).
4- قال المجلسي الأوَّل (رحمة الله) في روضة المتَّقين (ج 6/ ص 444): (« كن لما لا ترجو أرجىٰ منك ممَّا ترجو» أي ينبغي أنْ يكون رجاؤك ممَّا لا ترجو منه أكثر ممَّا ترجو فإنَّ كثيراً ما يُشاهَد أنْ لا يحصل من المرجوِّ ويحصل من جانب لا يرجوه، بل لم يكن يحتمل أنْ يكون يحصل من ذاك شيء. «فإنَّ موسى (علیه السلام)» ذهب ليلتمس ناراً لأهله عند الولادة في الصحراء عندما شاهد ناراً فلمَّا قرب عنده خاطبه الله تعالىٰ وجعله نبيًّا، ومتىٰ كان يخطر بباله ذلك؟). وقال (رحمة الله) في (ج 13/ ص 108 و109): («كن لما لا ترجو أرجىٰ منك لما ترجو» أي إذا نظرت إلىٰ نفسك تجدها أنَّ رجاءها من مواضع اعتادت النفع منها، فينبغي أنْ تعارضها بأنْ تقول: إنَّه كثيراً ما كان رجاء من موضع ولم يحصل منه ووقع من موضع لم تكن ترجوها، فيجب عليك أنْ يكون رجاؤك من فضل الله تعالىٰ ولا يكون إلىٰ موضع أكثر من غيره، بل إذا كنت ترجو لله فهو تعالىٰ يحصل مطلوبك في أيِّ موضع يريد، والغالب أنَّه لا يحصل من موضع ترجوه لئلَّا تتوجَّه إلىٰ الأسباب، بل لتتوجَّه إلىٰ مسبِّب الأسباب، بل إذا كان الرجاء من غيره فحاصله الخيبة والحرمان كما تقدَّم في خبر الحسين بن علوان وغيره من الأخبار).

مُوسَىٰ (علیه السلام) فِي لَيْلَةٍ، وَهَكَذَا يَفْعَلُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ بِالْقَائِمِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنَ الْأَئِمَّةِ (علیهم السلام)، يَصْلُحُ لَهُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ كَمَا أَصْلَحَ أَمْرَ نَبِيِّهِ مُوسَىٰ (علیه السلام)، وَيُخْرِجُهُ مِنَ الْحَيْرَةِ وَالْغَيْبَةِ إِلَىٰ نُورِ الْفَرَجِ وَالظُّهُورِ.

[3/14] حَدَّثَنَا أَبِي (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا المُعَلَّىٰ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ : «فِي الْقَائِمِ (علیه السلام) سُنَّةٌ مِنْ مُوسَىٰ بْنِ عِمْرَانَ (علیه السلام)»، فَقُلْتُ: وَمَا سُنَّتُهُ مِنْ مُوسَىٰ بْنِ عِمْرَانَ؟ قَالَ: «خَفَاءُ مَوْلِدِهِ، وَغَيْبَتُهُ عَنْ قَوْمِهِ»، فَقُلْتُ: وَكَمْ غَابَ مُوسَىٰ عَنْ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ؟ فَقَالَ: «ثَمَانِي وَعِشْرِينَ سَنَةً»(1).

[4/15] وَحَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ المُكَتِّبُ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَىٰ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرُّهَاوِيُّ(2)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ،عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (علیه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله): «المَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، يُصْلِحُ اللهُ لَهُ أَمْرَهُ فِي لَيْلَةٍ».

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَىٰ: «يُصْلِحُهُ اللهُ فِي لَيْلَةٍ».

[5/16] حَدَّثَنَا أَبِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (علیهما السلام)، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ(3)، عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ:

ص: 217


1- رواه ابن بابويه (رحمة الله) في الإمامة والتبصرة (ص 109/ ح 95).
2- الظاهر هو أحمد بن سليمان بن عبد المَلِك بن أبي شيبة الجزري أبو الحسين الرُّهاوي الحافظ المعنون في تهذيب التهذيب (ج 1/ ص 29/ الرقم 60)، فقيه صدوق. والرُّهاوي - بضمِّ الراء المهملة - كما في خلاصة تهذيب تهذيب الكمال (ص 6).
3- يعني المنقري.

سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (علیه السلام) يَقُولُ : «فِي صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ أَرْبَعُ سُنَنٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْبِيَاءَ: سُنَّةٌ مِنْ مُوسَىٰ، وَسُنَّةٌ مِنْ عِيسَىٰ، وَسُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ، وَسُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ)، فَأَمَّا مِنْ مُوسَىٰ فَخَائِفٌ يَتَرَقَّبُ، وَأَمَّا مِنْ يُوسُفَ فَالسِّجْنُ، وَأَمَّا مِنْ عِيسَىٰ فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّهُ مَاتَ، وَلَمْ يَمُتْ، وَأَمَّا مِنْ مُحَمَّدٍ (صلی الله علیه و آله) فَالسَّيْفُ »(1)(2).

* * *

ص: 218


1- رواه ابن بابويه (رحمة الله) في الإمامة والتبصرة (ص 93 و94/ ح 84)، والطوسي (رحمة الله) في الغيبة (ص 60/ ح 57).
2- قال الطوسي (رحمة الله) في الغيبة (ص 60): (فما تضمَّن هذا الخبر من الخصال كلُّها حاصلة في صاحبنا. فإنْ قيل: صاحبكم لم يُسجَن في الحبس. قلنا: لم يُسجَن في الحبس وهو في معنىٰ المسجون، لأنَّه بحيث لا يُوصَل إليه ولا يُعرَف شخصه علىٰ التعيين، فكأنَّه مسجون).

الباب السابع

ذكر مضيِّ موسى (علیه السلام) و وقوع الغيبة بالأوصياء والحُجَج من بعده إلى أيَّام المسيح (علیه السلام)

ص: 219

ص: 220

[1/17] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ السُّكَّرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام): أَخْبِرْنِي بِوَفَاةِ مُوسَىٰ ابْنِ عِمْرَانَ (علیه السلام)، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ أَجَلُهُ وَاسْتَوْفَىٰ مُدَّتَهُ وَانْقَطَعَ أُكُلُهُ أَتَاهُ مَلَكُ المَوْتِ (علیه السلام)، فَقَالَ لَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا كَلِيمَ اللهِ، فَقَالَ مُوسَىٰ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا مَلَكُ المَوْتِ، قَالَ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِأَقْبِضَ رُوحَكَ، فَقَالَ لَهُ مُوسَىٰ (علیه السلام): مِنْ أَيْنَ تَقْبِضُ رُوحِي؟ قَالَ: مِنْ فَمِكَ؟ قَالَ مُوسَىٰ (علیه السلام): كَيْفَ وَقَدْ كَلَّمْتُ بِهِ رَبِّي (جل جلاله)؟ قَالَ: فَمِنْ يَدَيْكَ، قَالَ: كَيْفَ وَقَدْ حَمَلْتُ بِهِمَا التَّوْرَاةَ؟ قَالَ: فَمِنْ رِجْلَيْكَ، قَالَ: كَيْفَ وَقَدْ وَطِئْتُ بِهِمَا طُورَ سَيْنَاءَ؟ قَالَ: فَمِنْ عَيْنِكَ، قَالَ: كَيْفَ وَلَمْ تَزَلْ إِلَىٰ رَبِّي بِالرَّجَاءِ مَمْدُودَةً؟ قَالَ: فَمِنْ أُذُنَيْكَ، قَالَ: كَيْفَ وَقَدْ سَمِعْتُ بِهِمَا كَلَامَ رَبِّي (تبارک و تعالی)؟ قَالَ: فَأَوْحَىٰ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ إِلَىٰ مَلَكِ المَوْتِ: لَا تَقْبِضْ رُوحَهُ حَتَّىٰ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يُرِيدُ ذَلِكَ، وَخَرَجَ مَلَكُ المَوْتِ، فَمَكَثَ مُوسَىٰ (علیه السلام) مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَدَعَا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ فَأَوْصَىٰ إِلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِكِتْمَانِ أَمْرِهِ وَبِأَنْ يُوصِيَ بَعْدَهُ إِلَىٰ مَنْ يَقُومُ بِالْأَمْرِ، وَغَابَ مُوسَىٰ (علیه السلام) عَنْ قَوْمِهِ، فَمَرَّ فِي غَيْبَتِهِ بِرَجُلٍ وَهُوَ يَحْفِرُ قَبْراً، فَقَالَ لَهُ: أَلَا أُعِينُكَ عَلَىٰ حَفْرِ هَذَا الْقَبْرِ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: بَلَىٰ، فَأَعَانَهُ حَتَّىٰ حَفَرَ الْقَبْرَ وَسَوَّىٰ اللَّحْدَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ فِيهِ مُوسَىٰ (علیه السلام) لِيَنْظُرَ كَيْفَ هُوَ، فَكَشَفَ اللهُ لَهُ الْغِطَاءَ، فَرَأَىٰ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ، فَقَبَضَ مَلَكُالمَوْتِ رُوحَهُ مَكَانَهُ وَدَفَنَهُ فِي الْقَبْرِ وَسَوَّىٰ عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَكَانَ الَّذِي يَحْفِرُ الْقَبْرَ مَلَكُ المَوْتِ(1) فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ

ص: 221


1- لفظة (الموت) ليست في الأمالي، ولا في بعض نُسَخ الكتاب.

، وَكَانَ ذَلِكَ فِي التِّيهِ، فَصَاحَ صَائِحٌ مِنَ السَّمَاءِ: مَاتَ مُوسَىٰ كَلِيمُ اللهِ، وَأَيُّ نَفْسٍ لَا تَمُوتُ؟

فَحَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَبِيهِ (علیهم السلام) أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله) سُئِلَ عَنْ قَبْرِ مُوسَىٰ أَيْنَ هُوَ؟ فَقَالَ: «هُوَ عِنْدَ الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ»(1).

ثُمَّ إِنَّ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ (علیه السلام) قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَ مُوسَىٰ (علیه السلام) صَابِراً مِنَ الطَّوَاغِيتِ عَلَىٰ اللَّأْوَاءِ(2) وَالضَّرَّاءِ وَالْجَهْدِ وَالْبَلَاءِ حَتَّىٰ مَضَىٰ مِنْهُمْ ثَلَاثُ طَوَاغِيتَ، فَقَوِيَ بَعْدَهُمْ أَمْرُهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ مُنَافِقِي قَوْمِ مُوسَىٰ (علیه السلام) بِصَفْرَاءَ بِنْتِ شُعَيْبٍ امْرَأَةِ مُوسَىٰ (علیه السلام) فِي مِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، فَقَاتَلُوا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ (علیه السلام)، فَقَتَلَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَهَزَمَ الْبَاقِينَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ، وَأَسَرَ صَفْرَاءَ بِنْتَ شُعَيْبٍ، وَقَالَ لَهَا: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكِ فِي الدُّنْيَا إِلَىٰ أَنْ أَلْقَىٰ نَبِيَّ اللهِ مُوسَىٰ (علیه السلام) فَأَشْكُوَ إِلَيْهِ مَا لَقِيتُ مِنْكِ وَمِنْ قَوْمِكِ.

فَقَالَتْ صَفْرَاءُ: وَا وَيْلَاهْ، وَاللهِ لَوْ أُبِيحَتْ لِيَ الْجَنَّةُ لَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَرَىٰ فِيهَا رَسُولَ اللهِ وَقَدْ هَتَكْتُ حِجَابَهُ، وَخَرَجْتُ عَلَىٰ وَصِيِّهِ بَعْدَهُ، فَاسْتَتَرَ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ إِلَىٰ زَمَانِ دَاوُدَ (علیه السلام) أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانُوا أَحَدَ عَشَرَ، وَكَانَ قَوْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ فِي وَقْتِهِ وَيَأْخُذُونَعَنْهُ مَعَالِمَ دِينِهِمْ، حَتَّىٰ انْتَهَىٰ الْأَمْرُ إِلَىٰ آخِرِهِمْ، فَغَابَ عَنْهُمْ، ثُمَّ ظَهَرَ [لَهُمْ] فَبَشَّرَهُمْ بِدَاوُدَ (علیه السلام)، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ دَاوُدَ (علیه السلام) هُوَ الَّذِي يُطَهِّرُ الْأَرْضَ مِنْ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ، وَيَكُونُ فَرَجُهُمْ فِي ظُهُورِهِ، فَكَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ، فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ دَاوُدَ (علیه السلام) كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ وَلَهُمْ أَبٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَكَانَ دَاوُدُ (علیه السلام) مِنْ بَيْنِهِمْ حَامِلَ الذِّكْرِ، وَكَانَ أَصْغَرَ إِخْوَتِهِ لَا يَعْلَمُونَ

ص: 222


1- راجع ما رواه المصنِّف (رحمة الله) في أماليه (ص 304/ ح 343/2)، وفي علل الشرائع (ج 1/ ص 70/ باب 61/ ح 1)، والقمِّي (رحمة الله) في تفسيره (ج 1/ ص 165).
2- اللَّأواء: الشدَّة.

أَنَّهُ دَاوُدُ النَّبِيُّ المُنْتَظَرُ الَّذِي يُطَهِّرُ الْأَرْضَ مِنْ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ، وَكَانَتِ الشِّيعَةُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَكَانُوا يَرَوْنَهُ وَيُشَاهِدُونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ هُوَ.

فَخَرَجَ دَاوُدُ (علیه السلام) وَإِخْوَتُهُ وَأَبُوهُمْ لَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ، وَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ دَاوُدُ، وَقَالَ: مَا يُصْنَعُ بِي فِي هَذَا الْوَجْهِ؟ فَاسْتَهَانَ بِهِ إِخْوَتُهُ وَأَبُوهُ، وَأَقَامَ فِي غَنَمِ أَبِيهِ يَرْعَاهَا، فَاشْتَدَّ الْحَرْبُ وَأَصَابَ النَّاسَ جَهْدٌ، فَرَجَعَ أَبُوهُ وَقَالَ لِدَاوُدَ: احْمِلْ إِلَىٰ إِخْوَتِكَ طَعَاماً يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَىٰ الْعَدُوِّ، وكَانَ (علیه السلام) رَجُلاً قَصِيراً قَلِيلَ الشَّعْرِ طَاهِرَ الْقَلْبِ، أَخْلَاقُهُ نَقِيَّةٌ، فَخَرَجَ وَالْقَوْمُ مُتَقَارِبُونَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ قَدْ رَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَىٰ مَرْكَزِهِ، فَمَرَّ دَاوُدُ (علیه السلام) عَلَىٰ حَجَرٍ، فَقَالَ الْحَجَرُ لَهُ بِنِدَاءٍ رَفِيعٍ: يَا دَاوُدُ، خُذْنِي فَاقْتُلْ بِي جَالُوتَ فَإِنِّي إِنَّمَا خُلِقْتُ لِقَتْلِهِ، فَأَخَذَهُ وَوَضَعَهُ فِي مِخْلَاتِهِ الَّتِي كَانَتْ تَكُونُ فِيهَا حِجَارَتُهُ الَّتِي كَانَ يَرْمِي بِهَا غَنَمَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ الْعَسْكَرَ سَمِعَهُمْ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ جَالُوتَ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا تُعَظِّمُونَ مِنْ أَمْرِهِ فَوَاللهِ لَئِنْ عَايَنْتُهُ لَأَقْتُلَنَّهُ، فَتَحَدَّثُوا بِخَبَرِهِ حَتَّىٰ أُدْخِلَ عَلَىٰ طَالُوتَ، فَقَالَ لَهُ: يَا فَتَىٰ، مَا عِنْدَكَ مِنَ الْقُوَّةِ؟ وَمَا جَرَّبْتَ مِنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ الْأَسَدُ يَعْدُو عَلَىٰ الشَّاةِ مِنْ غَنَمِي فَأُدْرِكُهُ فَآخُذُ بِرَأْسِهِ وَأَفُكُّ لَحْيَيْهِ عَنْهَا فَآخُذُهَا مِنْ فِيهِ، وَكَانَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ أَوْحَىٰ إِلَىٰ طَالُوتَ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُجَالُوتَ إِلَّا مَنْ لَبِسَ دِرْعَكَ فَمَلَأَهَا، فَدَعَا بِدِرْعِهِ، فَلَبِسَهَا دَاوُدُ (علیه السلام) فَاسْتَوَتْ عَلَيْهِ، فَرَاعَ(1) ذَلِكَ طَالُوتَ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ: عَسَىٰ اللهُ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ جَالُوتَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَالْتَقَىٰ النَّاسُ قَالَ دَاوُدُ (علیه السلام): أَرُونِي جَالُوتَ، فَلَمَّا رَآهُ أَخَذَ الْحَجَرَ فَرَمَاهُ بِهِ فَصَكَّ بِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَدَمَغَهُ(2) وَتَنَكَّسَ عَنْ دَابَّتِهِ، فَقَالَ النَّاسُ: قَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ، وَمَلَّكَهُ النَّاسُ(3)

ص: 223


1- أي أعجب، من راعه يروعه، أي أفزعه وأعجبه.
2- دمغه، أي شجَّه حتَّىٰ بلغت الشجَّة الدماغ.
3- أي عدُّوه مَلِكاً لهم. وفي بعض النُّسَخ: (وملَّكه اللهُ (عزوجل)الناسَ).

حَتَّىٰ لَمْ يَكُنْ يُسْمَعُ لِطَالُوتَ ذِكْرٌ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ عَلَيْهِ الزَّبُورَ، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ فَلَيَّنَهُ لَهُ(1)، وأَمَرَ الْجِبَالَ وَالطَّيْرَ أَنْ تُسَبِّحَ مَعَهُ، وَأَعْطَاهُ صَوْتاً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ حُسْناً، وَأَعْطَاهُ قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ، وَأَقَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيًّا».

وَهَكَذَا(2) يَكُونُ سَبِيلُ الْقَائِمِ (علیه السلام) لَهُ عَلَمٌ إِذَا حَانَ وَقْتُ خُرُوجِهِ انْتَشَرَ ذَلِكَ الْعَلَمُ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنْطَقَهُ اللهُ (عزوجل)فَنَادَاهُ: اخْرُجْ يَا وَلِيَّ اللهِ فَاقْتُلْ أَعْدَاءَ اللهِ، وَلَهُ سَيْفٌ مُغْمَدٌ إِذَا حَانَ وَقْتُ خُرُوجِهِ اقْتَلَعَ ذَلِكَ السَّيْفُ مِنْ غِمْدِهِ(3)، وَأَنْطَقَهُ اللهُ (تبارک و تعالی)، فَنَادَاهُ السَّيْفُ: اخْرُجْ يَا وَلِيَّ اللهِ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَقْعُدَ عَنْ أَعْدَاءِ اللهِ، فَيَخْرُجُ (علیه السلام) ويَقْتُلُ أَعْدَاءَ اللَّهِ حَيْثُ ثَقِفَهُمْ(4)، وَيُقِيمُ حُدُودَ اللهِ، وَيَحْكُمُ بِحُكْمِ اللهِ(تبارک و تعالی).

حدَّثني بذلك أبو الحسن أحمد بن ثابت الدواليني بمدينة السلام، عن محمّد بن الفضل النحوي، عن محمّد بن عليِّ بن عبد الصمد الكوفي، عن عليِّ بن عاصم، عن محمّد بن عليِّ بن موسىٰ، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليٍّ (علیهم السلام)، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) في آخر حديث طويل - قد أخرجته في هذا الكتاب في باب ما روي عن النبيِّ (صلی الله علیه و آله) من النصِّ علىٰ القائم (علیه السلام) وأنَّه الثاني عشر من الأئمَّة (علیهم السلام) -.

«ثُمَّ(5) إِنَّ دَاوُدَ (علیه السلام) أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ سُلَيْمَانَ (علیه السلام)، لِأَنَّ اللهَ (عزوجل)أَوْحَىٰ

ص: 224


1- قالوا: إنَّما كُشِفَ ذوب الحديد قبل ميلاد المسيح بألف سنة، وهو زمان داود (علیه السلام)، ويُسَمُّونه عصر الحديد، وفي التنزيل: «وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ 10» [سبأ: 10].
2- كلام المصنِّف (رحمة الله).
3- الغِمد - بكسر المعجمة -: غلاف السيف.
4- أي حيث وجدهم وصادفهم.
5- تتمَّة الخبر.

إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَخْبَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ضَجُّوا مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: يَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا حَدَثاً وَفِينَا مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، فَدَعَا أَسْبَاطَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ بَلَغَنِي مَقَالَتُكُمْ فَأَرُونِي عِصِيَّكُمْ، فَأَيُّ عَصاً أَثْمَرَتْ فَصَاحِبُهَا وَلِيُّ الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِي، فَقَالُوا: رَضِينَا، فَقَالَ: لِيَكْتُبْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمُ اسْمَهُ عَلَىٰ عَصَاهُ، فَكَتَبُوهُ، ثُمَّ جَاءَ سُلَيْمَانُ (علیه السلام) بِعَصَاهُ فَكَتَبَ عَلَيْهَا اسْمَهُ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ بَيْتاً وَأُغْلِقَ الْبَابُ وَحَرَسَتْهُ رُؤُوسُ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ صَلَّىٰ بِهِمُ الْغَدَاةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَفَتَحَ الْبَابَ فَأَخْرَجَ عِصِيَّهُمْ وَقَدْ أَوْرَقَتْ وَعَصَا سُلَيْمَانَ قَدْ أَثْمَرَتْ، فَسَلَّمُوا ذَلِكَ لِدَاوُدَ (علیه السلام)، فَاخْتَبَرَهُ بِحَضْرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، أَيُّ شَيْ ءٍ أَبْرَدُ؟ قَالَ: عَفْوُ اللهِ عَنِ النَّاسِ وَعَفْوُ النَّاسِ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، قَالَ: يَا بُنَيَّ، فَأَيُّ شَيْ ءٍ أَحْلَىٰ؟ قَالَ: المَحَبَّةُ، وَهُوَ رَوْحُ اللهِ فِي عِبَادِهِ، فَافْتَرَّدَاوُدُ ضَاحِكاً(1)، فَسَارَ بِهِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ: هَذَا خَلِيفَتِي فِيكُمْ مِنْ بَعْدِي، ثُمَّ أَخْفَىٰ سُلَيْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرَهُ، وَتَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَاسْتَتَرَ مِنْ شِيعَتِهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْتَتِرَ، ثُمَّ إِنَ امْرَأَتَهُ قَالَتْ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَكْمَلَ خِصَالَكَ وَأَطْيَبَ رِيحَكَ، وَلَا أَعْلَمُ لَكَ خَصْلَةً أَكْرَهُهَا، إِلَّا أَنَّكَ فِي مَؤُونَةِ أَبِي، فَلَوْ دَخَلْتَ السُّوقَ فَتَعَرَّضْتَ لِرِزْقِ اللهِ رَجَوْتُ أَنْ لَا يُخَيِّبَكَ، فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَانُ (علیه السلام): إِنِّي وَاللهِ مَا عَمِلْتُ عَمَلاً قَطُّ وَلَا أُحْسِنُهُ، فَدَخَلَ السُّوقَ، فَجَالَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يُصِبْ شَيْئاً، فَقَالَ لَهَا: مَا أَصَبْتُ شَيْئاً، قَالَتْ: لَا عَلَيْكَ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الْيَوْمَ كَانَ غَداً، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ خَرَجَ إِلَىٰ السُّوقِ فَجَالَ يَوْمَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَىٰ شَيْءٍ، وَرَجَعَ فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَكُونُ غَداً إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَضَىٰ حَتَّىٰ انْتَهَىٰ إِلَىٰ سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَإِذَا هُوَ بِصَيَّادٍ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ أُعِينَكَ وَتُعْطِيَنَا شَيْئاً؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَعَانَهُ، فَلَمَّا

ص: 225


1- افترَّ، أي ضحك ضحكاً حسناً.

فَرَغَ أَعْطَاهُ الصَّيَّادُ سَمَكَتَيْنِ، فَأَخَذَهُمَا وَحَمِدَ اللهَ (تبارک و تعالی)، ثُمَّ إِنَّهُ شَقَّ بَطْنَ إِحْدَاهُمَا فَإِذَا هُوَ بِخَاتَمٍ فِي بَطْنِهَا، فَأَخَذَهُ فَصَرَّهُ فِي ثَوْبِهِ(1)، فَحَمِدَ اللهَ وَأَصْلَحَ السَّمَكَتَيْنِ وَجَاءَ بِهِمَا إِلَىٰ مَنْزِلِهِ، فَفَرِحَتِ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ، وَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَدْعُوَ أَبَوَيَّ حَتَّىٰ يَعْلَمَا أَنَّكَ قَدْ كَسَبْتَ، فَدَعَاهُمَا، فَأَكَلَا مَعَهُ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونِّي؟ قَالُوا: لَا وَاللهِ إِلَّا أَنَّا لَمْ نَرَ إِلَّا خَيْراً مِنْكَ، قَالَ: فَأَخْرَجَ خَاتَمَهُ فَلَبِسَهُ فَحَنَّ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَالرِّيحُ وَغَشِيَهُ المُلْكُ، وَحَمَلَ الْجَارِيَةَ وَأَبَوَيْهَا إِلَىٰ بِلَادِ إِصْطَخْرَ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ وَاسْتَبْشَرُوا بِهِ، فَفَرَّجَ اللهُ عَنْهُمْمِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ حَيْرَةِ غَيْبَتِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَىٰ إِلَىٰ آصَفَ بْنِ بَرْخِيَا بِأَمْرِ اللهِ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ، فَلَمْ يَزَلْ بَيْنَهُمْ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ الشِّيعَةُ وَيَأْخُذُونَ عَنْهُ مَعَالِمَ دِينِهِمْ، ثُمَّ غَيَّبَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ آصَفَ غَيْبَةً طَالَ أَمَدُهَا، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمْ فَبَقِيَ بَيْنَ قَوْمِهِ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ إِنَّهُ وَدَّعَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: أَيْنَ المُلْتَقَىٰ؟ قَالَ: عَلَىٰ الصِّرَاطِ، وَغَابَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهُ، فَاشْتَدَّتِ الْبَلْوَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِغَيْبَتِهِ، وَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرُ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ مَنْ يَظْفَرُ بِهِ مِنْهُمْ وَيَطْلُبُ مَنْ يَهْرُبُ وَيَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ، فَاصْطَفَىٰ مِنَ السَّبْيِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ يَهُودَا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ فِيهِمْ دَانِيَالُ، وَاصْطَفَىٰ مِنْ وُلْدِ هَارُونَ عُزَيْراً، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ صِبْيَةٌ صِغَارٌ، فَمَكَثُوا فِي يَدِهِ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْعَذَابِ المُهِينِ، وَالْحُجَّةُ دَانِيَالُ (علیه السلام) أَسِيرٌ فِي يَدِ بُخْتَنَصَّرَ تِسْعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا عَرَفَ فَضْلَهُ وَسَمِعَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ وَيَرْجُونَ الْفَرَجَ فِي ظُهُورِهِ وَعَلَىٰ يَدِهِ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ فِي جُبٍّ عَظِيمٍ وَاسِعٍ وَيُجْعَلَ مَعَهُ الْأَسَدُ لِيَأْكُلَهُ، فَلَمْ يَقْرَبْهُ، وَأَمَرَ أَنْ لَا يُطْعَمَ، فَكَانَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ يَأْتِيهِ بِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ عَلَىٰ يَدِ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ، فَكَانَ دَانِيَالُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيُفْطِرُ بِاللَّيْلِ عَلَىٰ مَا يُدْلَىٰ إِلَيْهِ مِنَ

ص: 226


1- أي ربطه في ثوبه.

الطَّعَامِ، فَاشْتَدَّتِ الْبَلْوَىٰ عَلَىٰ شِيعَتِهِ وَقَوْمِهِ وَالمُنْتَظِرِينَ لَهُ وَلِظُهُورِهِ وَشَكَّ أَكْثَرُهُمْ فِي الدِّينِ لِطُولِ الْأَمَدِ.

فَلَمَّا تَنَاهَىٰ الْبَلَاءُ بِدَانِيَالَ (علیه السلام) وَبِقَوْمِهِ رَأَىٰ بُخْتَنَصَّرُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ مَلَائِكَةً مِنَ السَّمَاءِ قَدْ هَبَطَتْ إِلَىٰ الْأَرْضِ أَفْوَاجاً إِلَىٰ الْجُبِّ الَّذِي فِيهِ دَانِيَالُ مُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ يُبَشِّرُونَهُ بِالْفَرَجِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ نَدِمَ عَلَىٰ مَا أَتَىٰ إِلَىٰ دَانِيَالَ، فَأَمَرَ بِأَنْ يُخْرَجَ مِنَ الْجُبِّ، فَلَمَّا أُخْرِجَ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِمَّا ارْتَكَبَ مِنْهُمِنَ التَّعْذِيبِ، ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْهِ النَّظَرَ فِي أُمُورِ مَمَالِكِهِ وَالْقَضَاءَ بَيْنَ النَّاسِ، فَظَهَرَ مَنْ كَانَ مُسْتَتِراً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ واجْتَمَعُوا إِلَىٰ دَانِيَالَ (علیه السلام) مُوقِنِينَ بِالْفَرَجِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا الْقَلِيلَ عَلَىٰ تِلْكَ الْحَالِ حَتَّىٰ مَاتَ وَأَفْضَىٰ الْأَمْرُ بَعْدَهُ إِلَىٰ عُزَيْرٍ (علیه السلام)، فَكَانُوا يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ وَيَأْنَسُونَ بِهِ وَيَأْخُذُونَ عَنْهُ مَعَالِمَ دِينِهِمْ، فَغَيَّبَ اللهُ عَنْهُمْ شَخْصَهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ، وَغَابَتِ الْحُجَجُ بَعْدَهُ، وَاشْتَدَّتِ الْبَلْوَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّىٰ وُلِدَ يَحْيَىٰ بْنُ زَكَرِيَّا (علیه السلام) وَتَرَعْرَعَ، فَظَهَرَ ولَهُ سَبْعُ سِنِينَ، فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيباً، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَىٰ عَلَيْهِ، وَذَكَّرَهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مِحَنَ الصَّالِحِينَ إِنَّمَا كَانَتْ لِذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَوَعَدَهُمُ الْفَرْجَ بِقِيَامِ المَسِيحِ (علیه السلام) بَعْدَ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَلَمَّا وُلِدَ المَسِيحُ (علیه السلام) أَخْفَىٰ اللهُ (عزوجل)وِلَادَتَهُ وَغَيَّبَ شَخْصَهُ، لِأَنَّ مَرْيَمَ (علیها السلام) لَمَّا حَمَلَتْهُ انْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيًّا، ثُمَّ إِنَّ زَكَرِيَّا وَخَالَتَهَا أَقْبَلَا يَقُصَّانِ أَثَرَهَا حَتَّىٰ هَجَمَا عَلَيْهَا وَقَدْ وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَهِيَ تَقُولُ: «يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا 23» [مريم: 23]، فَأَطْلَقَ اللهُ تَعَالَىٰ ذِكْرُهُ لِسَانَهُ بِعُذْرِهَا وَإِظْهَارِ حُجَّتِهَا، فَلَمَّا ظَهَرَتْ اشْتَدَّتِ الْبَلْوَىٰ وَالطَّلَبُ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَكَبَّ الْجَبَابِرَةُ وَالطَّوَاغِيتُ عَلَيْهِمْ حَتَّىٰ كَانَ مِنْ أَمْرِ المَسِيحِ مَا قَدْ أَخْبَرَ اللهُ (عزوجل)بِهِ، وَاسْتَتَرَ شَمْعُونُ بْنُ حَمُّونَ وَالشِّيعَةُ حَتَّىٰ أَفْضَىٰ بِهِمُ الْاِسْتِتَارُ إِلَىٰ جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ، فَأَقَامُوا بِهَا، فَفَجَّرَ اللهُ لَهُمُ الْعُيُونَ الْعَذْبَةَ، وَأَخْرَجَ لَهُمْ مِنْ كُلِّ

ص: 227

الثَّمَرَاتِ، وَجَعَلَ لَهُمْ فِيهَا المَاشِيَةَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَمَكَةً تُدْعَىٰ الْقُمُدَّ لَا لَحْمٌ لَهَا وَلَا عَظْمٌ، وَإِنَّمَا هِيَ جِلْدٌ وَدَمٌ، فَخَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَأَوْحَىٰ اللهُ (عزوجل)إِلَىٰ النَّحْلِ أَنْ تَرْكَبَهَا، فَرَكِبَتْهَا، فَأَتَتِ النَّحْلُ إِلَىٰ تِلْكَالْجَزِيرَةِ، وَنَهَضَ النَّحْلُ وَتَعَلَّقَ بِالشَّجَرِ فَعَرَشَ وَبَنَىٰ وَكَثُرَ الْعَسَلُ، وَلَمْ يَكُونُوا يَفْقِدُونَ شَيْئاً مِنْ أَخْبَارِ المَسِيحِ (علیه السلام)»(1).

* * *

ص: 228


1- راجع ما رواه العيَّاشي (رحمة الله) في تفسيره (ج 1/ ص 134 و135/ ح 445)، والراوندي (رحمة الله) في الخرائج والجرائح (ج 2/ ص 955).

الباب الثامن

بشارة عيسى بن مريم (علیه السلام)بالنبيِّ محمّد المصطفى (صلی الله علیه و آله)

ص: 229

ص: 230

[1/18] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَىٰ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَىٰ الْجَلُودِيِّ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَطِيَّةَ الشَّامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ(1)، وَكَانَ قَارِئاً لِلْكُتُبِ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي الْإِنْجِيلِ: «يَا عِيسَىٰ جِدَّ فِي أَمْرِي وَلَا تَهْزَلْ، وَاسْمَعْ وَأَطِعْ، يَا ابْنَ الطَّاهِرَةِ الطُّهْرِ الْبِكْرِ الْبَتُولِ، أَنْتَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، أَنَا خَلَقْتُكَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ، فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ، وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ، خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ، فَسِّرْ لِأَهْلِ سُورِيَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ، بَلِّغْ مَنْ بَيْنَ يَدَيْكَ، أَنِّي أَنَا اللهُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا أَزُولُ، صَدِّقُوا النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ صَاحِبَ الْجَمَلِ وَالْمِدْرَعَةِ وَالتَّاجِ - وَهِيَ الْعِمَامَةُ - وَالنَّعْلَيْنِ وَالْهِرَاوَةِ - وَهِيَ الْقَضِيبُ - الْأَنْجَلَ الْعَيْنَيْنِ، الصَّلْتَ الْجَبِينِ، الْوَاضِحَ الْخَدَّيْنِ، الْأَقْنَىٰ الْأَنْفِ(2)، مُفَلَّجَ الثَّنَايَا، كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، كَأَنَّ الذَّهَبَ يَجْرِي فِي تَرَاقِيهِ، لَهُ شَعَرَاتٌ مِنْ صَدْرِهِ إِلَىٰ سُرَّتِهِ، لَيْسَ عَلَىٰ بَطْنِهِ وَلَا عَلَىٰ صَدْرِهِ شَعْرٌ، أَسْمَرَ اللَّوْنِ، دَقِيقَ المَسْرُبَةِ(3)، شَثْنَ الْكَفِّ[1/18] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ الطَّالَقَانِيُّ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَىٰ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَىٰ الْجَلُودِيِّ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَطِيَّةَ الشَّامِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُلَيْمَانَ(4)، وَكَانَ قَارِئاً لِلْكُتُبِ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي الْإِنْجِيلِ: «يَا عِيسَىٰ جِدَّ فِي أَمْرِي وَلَا تَهْزَلْ، وَاسْمَعْ وَأَطِعْ، يَا ابْنَ الطَّاهِرَةِ الطُّهْرِ الْبِكْرِ الْبَتُولِ، أَنْتَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ، أَنَا خَلَقْتُكَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ، فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ، وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ، خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ، فَسِّرْ لِأَهْلِ سُورِيَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ، بَلِّغْ مَنْ بَيْنَ يَدَيْكَ، أَنِّي أَنَا اللهُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا أَزُولُ، صَدِّقُوا النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ صَاحِبَ الْجَمَلِ وَالْمِدْرَعَةِ وَالتَّاجِ - وَهِيَ الْعِمَامَةُ - وَالنَّعْلَيْنِ وَالْهِرَاوَةِ - وَهِيَ الْقَضِيبُ - الْأَنْجَلَ الْعَيْنَيْنِ، الصَّلْتَ الْجَبِينِ، الْوَاضِحَ الْخَدَّيْنِ، الْأَقْنَىٰ الْأَنْفِ(5)، مُفَلَّجَ الثَّنَايَا، كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، كَأَنَّ الذَّهَبَ يَجْرِي فِي تَرَاقِيهِ، لَهُ شَعَرَاتٌ مِنْ صَدْرِهِ إِلَىٰ سُرَّتِهِ، لَيْسَ عَلَىٰ بَطْنِهِ وَلَا عَلَىٰ صَدْرِهِ شَعْرٌ، أَسْمَرَ اللَّوْنِ، دَقِيقَ المَسْرُبَةِ(6)، شَثْنَ الْكَفِّوَالْقَدَمِ(7)، إِذَا

ص: 231


1- كذا، والصواب: حدَّثنا هشام بن سنبر أبو عبد الله، عن حمَّاد بن أبي سليمان.
2- المدرعة - كمكنسة -: ثوب كالدراعة، ولا تكون إلَّا من صوف. والهراوة: العصا. وفي القاموس (ج 4/ ص 55): النَّجَل - بالتحريك -: سعة العين، فهو أنجل. والصلت الجبين: أي واسعة. وأقنىٰ الأنف: محدبه، أي ارتفع وسط قصبة أنفه وضاق منخراه.
3- مفلج الثنايا: أي منفرجها. وقوله: (كأنَّ الذهب يجري في تراقيه): التراقي جمع الترقوة، وهو العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، ولعلَّه كناية عن حمرة ترقوته. والمسرُبة - بضمِّ الراء -: ما دُقَّ من شعر الصدر سائلاً إلىٰ الجوف.
4- كذا، والصواب: حدَّثنا هشام بن سنبر أبو عبد الله، عن حمَّاد بن أبي سليمان.
5- المدرعة - كمكنسة -: ثوب كالدراعة، ولا تكون إلَّا من صوف. والهراوة: العصا. وفي القاموس (ج 4/ ص 55): النَّجَل - بالتحريك -: سعة العين، فهو أنجل. والصلت الجبين: أي واسعة. وأقنىٰ الأنف: محدبه، أي ارتفع وسط قصبة أنفه وضاق منخراه.
6- مفلج الثنايا: أي منفرجها. وقوله: (كأنَّ الذهب يجري في تراقيه): التراقي جمع الترقوة، وهو العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، ولعلَّه كناية عن حمرة ترقوته. والمسرُبة - بضمِّ الراء -: ما دُقَّ من شعر الصدر سائلاً إلىٰ الجوف.
7- شثن الكفَّين والقدمين: أي إنَّهما يميلان إلى الغلظ والقصر. وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر، ويُحمَد ذلك في الرجال لأنَّه أشدّ لقبضهم، ويُذَمُّ في النساء. (النهاية: ج 2/ ص 444).

الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعاً، وَإِذَا مَشَىٰ فَكَأَنَّمَا يَتَقَلَّعُ مِنَ الصَّخْرِ، وَيَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ(1)، وَإِذَا جَاءَ مَعَ الْقَوْمِ بَذَّهُمْ(2)، عَرَقُهُ فِي وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُؤِ، وَرِيحُ الْمِسْكِ تَنْفَحُ مِنْهُ، لَمْ يُرَ قَبْلَهُ مِثْلُهُ وَلَا بَعْدَهُ، طَيِّبُ الرِّيحِ، نَكَّاحٌ لِلنِّسَاءِ، ذُو النَّسْلِ الْقَلِيلِ، إِنَّمَا نَسْلُهُ مِنْ مُبَارَكَةٍ(3) لَهَا بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ لَا صَخَبٌ فِيهِ وَلَا نَصَبٌ(4)، يُكَفِّلُهَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَمَا كَفَّلَ زَكَرِيَّا أُمَّكَ، لَهَا فَرْخَانِ مُسْتَشْهَدَانِ، كَلَامُهُ الْقُرْآنُ، وَدِينُهُ الْإِسْلَامُ، وَأَنَا السَّلَامُ، فَطُوبَىٰ لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ، وَشَهِدَ أَيَّامَهُ، وَسَمِعَ كَلَامَهُ.

قَالَ عِيسَىٰ: «يَا رَبِّ، وَمَا طُوبَىٰ؟ قَالَ: شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ أَنَا غَرَسْتُهَا بِيَدِي تُظِلُّ الْجِنَانَ، أَصْلُهَا مِنْ رِضْوَانٍ، مَاؤُهَا مِنْ تَسْنِيمٍ(5)، بَرْدُهُ بَرْدُ الْكَافُورِ، وَطَعْمُهُ طَعْمُ الزَّنْجَبِيلِ، مَنْ شَرِبَ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَداً.

فَقَالَ عِيسَىٰ (علیه السلام): اللَّهُمَّ اسْقِنِي مِنْهَا، قَالَ: حَرَامٌ يَا عِيسَىٰ عَلَىٰ الْبَشَرِ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهَا حَتَّىٰ يَشْرَبَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، وَحَرَامٌ عَلَىٰ الْأُمَمِ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهَا حَتَّىٰ تَشْرَبَ مِنْهَا أُمَّةُ ذَلِكَ النَّبِيِّ. يَا عِيسَىٰ، أَرْفَعُكَ إِلَيَّ ثُمَّأُهْبِطُكَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لِتَرَىٰ مِنْ أُمَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ الْعَجَائِبَ، وَلِتُعِينَهُمْ عَلَىٰ اللَّعِينِ الدَّجَّالِ، أُهْبِطُكَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ لِتُصَلِّيَ مَعَهُمْ، إِنَّهُمْ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ»(6).

ص: 232


1- أي يرفع رجليه من الأرض رفعاً بيِّناً بقوَّة دون احتشام، لا كمن يمشى اختيالاً ويقارب خطاه لأنَّ ذلك من مشي النساء. والصبب ما انحدر من الأرض أو الطريق.
2- في النهاية (ج 1/ ص 110): (في الحديث: «بذَّ القائلين»، أي سبقهم وغلبهم).
3- يعني الزهراء (سلام الله عليها).
4- الصخب - بالتحريك -: الضجَّة والصياح والجبلة. والنصب: التعب والداء.
5- اسم عين في الجنَّة، ويقال: هو أرفع شراب أهلها، تسنمهم من فوقهم.
6- قال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 16/ ص 145 و146): (بيان: لا يبعد أنْ يكون سوريا في تلك اللغة اسم سورىٰ، قال في القاموس: السورىٰ كطوبىٰ موضع بالعراق، وهو من بلد السريانيِّين. وقال: المدرعة كمكنسة: ثوب كالدرَّاعة، ولا تكون إلَّا من صوف. وقال: [ النجل - بالتحريك -: سعة العين فهو أنجل. قوله: «صلت الجبين»، قال الجزري: أي واسعة. وقال الفيروزآبادي: رجل مفجل الثنايا: منفرجها. قوله: «كأنَّ الذهب يجري في تراقيه»، لعلَّه كناية عن حمرة ترقوته (صلی الله علیه و آله)، أو سطوع النور منها. قوله: «بذَّهم»، قال الجزري: فيه بذَّ العالمين، أي سبقهم وغلبهم. أقول: فالمعنىٰ أنَّه كان يغلبهم في الحسن والبهاء، ويمتاز بينهم، أو يسبقهم في المشي، والأوَّل أظهر، إذ سيأتي ما يخالف الثاني. والصخب - بالتحريك -: الصياح والجلبة).

وَكَانَتْ(1) لِلْمَسِيحِ (علیه السلام) غَيْبَاتٌ يَسِيحُ فِيهَا فِي الْأَرْضِ، فَلَا يَعْرِفُ قَوْمُهُ وَشِيعَتُهُ خَبَرَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ فَأَوْصَىٰ إِلَىٰ شَمْعُونَ بْنِ حَمُّونَ (علیه السلام)، فَلَمَّا مَضَىٰ شَمْعُونُ غَابَتِ الْحُجَجُ بَعْدَهُ، وَاشْتَدَّتِ الطَّلَبُ، وَعَظُمَتِ الْبَلْوَىٰ، وَدَرَسَ الدِّينُ، وَضُيِّعَتِ الْحُقُوقُ، وَأُمِيتَتِ الْفُرُوضُ وَالسُّنَنُ، وَذَهَبَ النَّاسُ يَمِيناً وَشِمَالاً لَا يَعْرِفُونَ أَيًّا مِنْ أَيٍّ، فَكَانَتِ الْغَيْبَةُ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً.

[2/19] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ جَمِيعاً، عَنِ أَيُّوبَ بْنِنُوحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (علیه السلام): «بَقِيَ النَّاسُ بَعْدَ عِيسَىٰ بْنِ مَرْيَمَ (علیه السلام) خَمْسِينَ وَمِائَتَيْ سَنَةٍ بِلَا حُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ».

[3/20] حَدَّثَنَا أَبِي (رحمة الله)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ، عَنْ يَعْقُوبَ ابْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)، قَالَ: «كَانَ بَيْنَ عِيسَىٰ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ (علیهما السلام) خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، مِنْهَا مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ عَاماً لَيْسَ فِيهَا نَبِيٌّ وَلَا عَالِمٌ ظَاهِرٌ»، قُلْتُ: فَمَا كَانُوا؟ قَالَ: «كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ عِيسَىٰ (علیه السلام)»، قُلْتُ: فَمَا كَانُوا؟ قَالَ: «كَانُوا مُؤْمِنِينَ»، ثُمَّ قَالَ (علیه السلام): «وَلَا يَكُونُ الْأَرْضُ إِلَّا وَفِيهَا عَالِمٌ».

وكان ممَّن ضرب في الأرض لطلب الحجَّة سلمان الفارسي (رضی الله عنه)، فلم يزل

ص: 233


1- من كلام المصنِّف (رحمة الله).

ينتقل من عالم إلىٰ عالم ومن فقيه إلىٰ فقيه، ويبحث عن الأسرار ويستدلُّ بالأخبار منتظراً لقيام القائم سيِّد الأوَّلين والآخرين محمّد (صلی الله علیه و آله) أربعمائة سنة حتَّىٰ بُشِّر بولادته، فلمَّا أيقن بالفرج خرج يريد تهامة فسُبِيَ.

* * *

ص: 234

الباب التاسع

خبر سلمان الفارسي (رحمة الله عليه) في ذلك

ص: 235

ص: 236

[1/21] حَدَّثَنَا أَبِي (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَىٰ الْعَطَّارُ وَأَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ جَمِيعاً، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ، عَنْ أَبِيهِ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، عَنْ مُوسَىٰ بْنِ جَعْفَرٍ (علیهما السلام)، قَالَ: قُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، أَلَا تُخْبِرُنَا كَيْفَ كَانَ سَبَبُ إِسْلَامِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ؟ قَالَ: «حَدَّثَنِي أَبِي (صلوات الله عليه) أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (صلوات الله عليه) وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ وَأَبَا ذَرٍّ وَجَمَاعَةً مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله)، فَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (علیه السلام) لِسَلْمَانَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَلَا تُخْبِرُنَا بِمَبْدَإِ أَمْرِكَ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ: وَاللهِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ لَوْ أَنَّ غَيْرَكَ سَأَلَنِي مَا أَخْبَرْتُهُ.

أَنَا كُنْتُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ شِيرَازَ مِنْ أَبْنَاءِ الدَّهَاقِينِ، وَكُنْتُ عَزِيزاً عَلَىٰ وَالِدَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا سَائِرٌ مَعَ أَبِي فِي عِيدٍ لَهُمْ إِذَا أَنَا بِصَوْمَعَةٍ، وَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ يُنَادِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ عِيسَىٰ رُوحُ اللهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً حَبِيبُ اللهِ، فَرَسَخَ وَصْفُ مُحَمَّدٍ(1) فِي لَحْمِي وَدَمِي، فَلَمْ يَهْنِئْنِي طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، فَقَالَتْ لِي أُمِّي: يَا بُنَيَّ، مَا لَكَ الْيَوْمَ لَمْ تَسْجُدْ لِمَطْلَعِ الشَّمْسِ؟

قَالَ: فَكَابَرْتُهَا حَتَّىٰ سَكَتَتْ، فَلَمَّا انْصَرَفْتُ إِلَىٰ مَنْزِلِي إِذَا أَنَا بِكِتَابٍ مُعَلَّقٍ فِي السَّقْفِ، فَقُلْتُ لِأُمِّي: مَا هَذَا الْكِتَابُ؟ فَقَالَتْ: يَا رُوزْبِهُ، إِنَّ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِيدِنَا رَأَيْنَاهُ مُعَلَّقاً، فَلَا تَقْرَبْ ذَلِكَ المَكَانَ فَإِنَّكَ إِنْ قَرِبْتَهُ قَتَلَكَ أَبُوكَ.قَالَ: فَجَاهَدْتُهَا حَتَّىٰ جُنَّ اللَّيْلُ فَنَامَ أَبِي وَأُمِّي، فَقُمْتُ وَأَخَذْتُ الْكِتَابَ، وَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا عَهْدٌ مِنَ اللَّهِ إِلَىٰ آدَمَ أَنَّهُ خَالِقٌ مِنْ صُلْبِهِ

ص: 237


1- في بعض النُّسَخ: (فرصف حُبُّ محمّد).

نَبِيًّا يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ، يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَيَنْهَىٰ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. يَا رُوزْبِهُ، ائْتِ وَصِيَّ عِيسَىٰ وَآمِنْ وَاتْرُكِ المَجُوسِيَّةَ.

قَالَ: فَصَعِقْتُ صَعْقَةً وَزَادَنِي شِدَّةً.

قَالَ: فَعَلِمَ بِذَلِكَ أَبِي وَأُمِّي، فَأَخَذُونِي وَجَعَلُونِي فِي بِئْرٍ عَمِيقَةٍ، وَقَالُوا لِي: إِنْ رَجَعْتَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: افْعَلُوا بِي مَا شِئْتُمْ، حُبُّ مُحَمَّدٍ لَا يَذْهَبُ مِنْ صَدْرِي.

قَالَ سَلْمَانُ: مَا كُنْتُ أَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ قَبْلَ قِرَاءَتِيَ الْكِتَابَ، وَلَقَدْ فَهَّمَنِي اللهُ (عزوجل)الْعَرَبِيَّةَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.

قَالَ: فَبَقِيتُ فِي الْبِئْرِ، فَجَعَلُوا يُنْزِلُونَ فِي الْبِئْرِ إِلَيَّ أَقْرَاصاً صِغَاراً.

قَالَ: فَلَمَّا طَالَ أَمْرِي رَفَعْتُ يَدِي إِلَىٰ السَّمَاءِ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ حَبَّبْتَ مُحَمَّداً وَوَصِيَّهُ إِلَيَّ، فَبِحَقِّ وَسِيلَتِهِ عَجِّلْ فَرَجِي وَأَرِحْنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، فَأَتَانِي آتٍ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، فَقَالَ: قُمْ يَا رُوزْبِهُ، فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَتَىٰ بِي إِلَىٰ الصَّوْمَعَةِ، فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ عِيسَىٰ رُوحُ اللهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً حَبِيبُ اللهِ، فَأَشْرَفَ عَلَيَّ الدَّيْرَانِيُّ، فَقَالَ: أَنْتَ رُوزْبِهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: اصْعَدْ، فَأَصْعَدَنِي إِلَيْهِ، وَخَدَمْتُهُ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: إِنِّي مَيِّتٌ، فَقُلْتُ لَهُ: فَعَلَىٰ مَنْ تُخْلِفُنِي؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ أَحَداً يَقُولُ بِمَقَالَتِي هَذِهِ إِلَّا رَاهِباً بِأَنْطَاكِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَادْفَعْ إِلَيْهِ هَذَا اللَّوْحَ، وَنَاوَلَنِي لَوْحاً، فَلَمَّا مَاتَ غَسَّلْتُهُ وَكَفَّنْتُهُ وَدَفَنْتُهُ وَأَخَذْتُ اللَّوْحَ وَسِرْتُ بِهِ إِلَىٰ أَنْطَاكِيَةَ وَأَتَيْتُ الصَّوْمَعَةَ وَأَنْشَأَتُ أَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ عِيسَىٰ رُوحُ اللهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً حَبِيبُ اللهِ، فَأَشْرَفَ عَلَيَّ الدَّيْرَانِيُّ،فَقَالَ: أَنْتَ رُوزْبِهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: اصْعَدْ، فَصَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَخَدَمْتُهُ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِي: إِنِّي مَيِّتٌ، فَقُلْتُ: عَلَىٰ مَنْ تُخْلِفُنِي؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ أَحَداً يَقُولُ بِمَقَالَتِي هَذِهِ إِلَّا رَاهِباً بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ،

ص: 238

فَإِذَا أَتَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ وَادْفَعْ إِلَيْهِ هَذَا اللَّوْحَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ غَسَّلْتُهُ وَكَفَّنْتُهُ وَدَفَنْتُهُ وَأَخَذْتُ اللَّوْحَ وَأَتَيْتُ الصَّوْمَعَةَ وَأَنْشَأْتُ أَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ عِيسَىٰ رُوحُ اللهِ، وَأَنَّ مُحَمَّداً حَبِيبُ اللهِ، فَأَشْرَفَ عَلَيَّ الدَّيْرَانِيُّ، فَقَالَ: أَنْتَ رُوزْبِهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: اصْعَدْ، فَصَعِدْتُ إِلَيْهِ، وَخَدَمْتُهُ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِي: إِنِّي مَيِّتٌ، فَقُلْتُ: عَلَىٰ مَنْ تُخْلِفُنِي؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ أَحَداً يَقُولُ بِمَقَالَتِي هَذِهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قَدْ حَانَتْ وِلَادَتُهُ، فَإِذَا أَتَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَادْفَعْ إِلَيْهِ هَذَا اللَّوْحَ.

قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ غَسَّلْتُهُ وَكَفَّنْتُهُ وَدَفَنْتُهُ وَأَخَذْتُ اللَّوْحَ وَخَرَجْتُ، فَصَحِبْتُ قَوْماً، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا قَوْمُ، اكْفُونِيَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ أَكْفِكُمُ الْخِدْمَةَ؟ قَالُوا: نَعَمْ.

قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَأْكُلُوا شَدُّوا عَلَىٰ شَاةٍ فَقَتَلُوهَا بِالضَّرْبِ، ثُمَّ جَعَلُوا بَعْضَهَا كَبَاباً وَبَعْضَهَا شِوَاءً، فَامْتَنَعْتُ مِنَ الْأَكْلِ، فَقَالُوا: كُلْ، فَقُلْتُ: إِنِّي غُلَامٌ دَيْرَانِيٌّ، وَإِنَّ الدَّيْرَانِيِّينَ لَا يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ، فَضَرَبُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمْسِكُوا عَنْهُ حَتَّىٰ يَأْتِيَكُمْ شَرَابُكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَشْرَبُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِالشَّرَابِ قَالُوا: اشْرَبْ، فَقُلْتُ: إِنِّي غُلَامٌ دَيْرَانِيٌّ، وَإِنَّ الدَّيْرَانِيِّينَ لَا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، فَشَدُّوا عَلَيَّ وَأَرَادُوا قَتْلِي، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا قَوْمِ، لَا تَضْرِبُونِي وَلَا تَقْتُلُونِي فَإِنِّي أُقِرُّ لَكُمْ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَأَقْرَرْتُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَأَخْرَجَنِي وَبَاعَنِي بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ.قَالَ: فَسَأَلَنِي عَنْ قِصَّتِي، فَأَخْبَرْتُهُ، وَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ لِي ذَنْبٌ إِلَّا أَنِّي أَحْبَبْتُ مُحَمَّداً وَوَصِيَّهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَإِنِّي لَأُبْغِضُكَ وَأُبْغِضُ مُحَمَّداً، ثُمَّ أَخْرَجَنِي إِلَىٰ خَارِجِ دَارِهِ، وَإِذَا رَمْلٌ كَثِيرٌ عَلَىٰ بَابِهِ، فَقَالَ: وَاللهِ يَا رُوزْبِهُ لَئِنْ أَصْبَحْتُ وَلَمْ تَنْقُلْ هَذَا الرَّمْلَ كُلَّهُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ لَأَقْتُلَنَّكَ.

قَالَ: فَجَعَلْتُ أَحْمِلُ طُولَ لَيْلَتِي، فَلَمَّا أَجْهَدَنِي التَّعَبُ رَفَعْتُ يَدِي إِلَىٰ

ص: 239

السَّمَاءِ، وَقُلْتُ: يَا رَبِّ، إِنَّكَ حَبَّبْتَ مُحَمَّداً وَوَصِيَّهُ إِلَيَّ، فَبِحَقِّ وَسِيلَتِهِ عَجِّلْ فَرَجِي وَأَرِحْنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، فَبَعَثَ اللهُ (عزوجل)رِيحاً فَقَلَعَتْ ذَلِكَ الرَّمْلَ مِنْ مَكَانِهِ إِلَىٰ المَكَانِ الَّذِي قَالَ الْيَهُودِيُّ، فَلَمَّا أَصْبَحَ نَظَرَ إِلَىٰ الرَّمْلِ قَدْ نُقِلَ كُلُّهُ، فَقَالَ: يَا رُوزْبِهُ، أَنْتَ سَاحِرٌ وَأَنَا لَا أَعْلَمُ، فَلَأُخْرِجَنَّكَ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ لِئَلَّا تُهْلِكَهَا.

قَالَ: فَأَخْرَجَنِي وَبَاعَنِي مِنِ امْرَأَةٍ سُلَمِيَّةٍ، فَأَحَبَّتْنِي حُبًّا شَدِيداً، وَكَانَ لَهَا حَائِطٌ، فَقَالَتْ: هَذَا الْحَائِطُ لَكَ كُلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ وَهَبْ وَتَصَدَّقْ.

قَالَ: فَبَقِيتُ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ مَا شَاءَ اللهُ، فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ فِي الْحَائِطِ إِذَا أَنَا بِسَبْعَةِ رَهْطٍ قَدْ أَقْبَلُوا تُظِلُّهُمْ غَمَامَةٌ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللهِ مَا هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَنْبِيَاءَ، وَلَكِنَّ فِيهِمْ نَبِيًّا.

قَالَ: فَأَقْبَلُوا حَتَّىٰ دَخَلُوا الْحَائِطَ وَالْغَمَامَةُ تَسِيرُ مَعَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا إِذَا فِيهِمْ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (علیه السلام) وَأَبُو ذَرٍّ وَالْمِقْدَادُ وعَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ(1) وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَزَيْدُ بْنُحَارِثَةَ، فَدَخَلُوا الْحَائِطَ، فَجَعَلُوا يَتَنَاوَلُونَ مِنْ حَشَفِ النَّخْلِ وَرَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) يَقُولُ لَهُمْ: كُلُوا الْحَشَفَ وَلَا تُفْسِدُوا عَلَىٰ الْقَوْمِ شَيْئاً، فَدَخَلْتُ عَلَىٰ مَوْلَاتِي، فَقُلْتُ لَهَا: يَا مَوْلَاتِي، هَبِي لِي طَبَقاً مِنْ رُطَبٍ، فَقَالَتْ: لَكَ سِتَّةُ أَطْبَاقٍ.

ص: 240


1- فيه وهم كما لا يخفىٰ، لأنَّ إسلام عقيل علىٰ ما ذكروه قبل الحديبيَّة، وهو لم يشهد المواقف التي قبلها، وقد أُخرج مع المشركين كرهاً إلىٰ بدر، وأُسِرَ وفداه عمُّه العبَّاس بن عبد المطَّلب، وكان حمزة 2 استُشهِدَ يوم أُحُد، وإسلام سلمان كان بقباء حين قدوم النبيِّ(صلی الله علیه و آله) المدينة مهاجراً، وعدُّه ابن عبد البرِّ فيمن شهد بدراً، فإنْ لم نقبل ذلك فلا أقلَّ من حضوره في غزوة الأحزاب، فإنَّ المسلمين حفروا الخندق بمشورته، فكيف يُجمَع بين حمزة وعقيل مع النبيِّ(صلی الله علیه و آله) في حائط من حيطان المدينة قبل إسلام سلمان 2؟ ولا يقال: لعلَّ عقيل تصحيف جعفر، لأنَّ جعفر حينذاك في الحبشة، وقَدِمَ المدينة بعد فتح خيبر. ثمّ اعلم أنَّ الأمر في الخبر سهل، لأنَّه مرسَل، وهو كما ترىٰ يشبه القَصص والأساطير، والله العالم.

قَالَ: فَجِئْتُ، فَحَمَلْتُ طَبَقاً مِنْ رُطَبٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنْ كَانَ فِيهِمْ نَبِيٌّ فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله): كُلُوا، وَأَمْسَكَ رَسُولُ اللهِ وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَعَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَقَالَ لِزَيْدٍ: مُدَّ يَدَكَ وَكُلْ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ عَلَامَةٌ، فَدَخَلْتُ إِلَىٰ مَوْلَاتِي، فَقُلْتُ لَهَا: هَبِي لِي طَبَقاً آخَرَ، فَقَالَتْ: لَكَ سِتَّةُ أَطْبَاقٍ.

قَالَ: فَجِئْتُ، فَحَمَلْتُ طَبَقاً مِنْ رُطَبٍ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: هَذِهِ هَدِيَّةٌ، فَمَدَّ يَدَهُ، وَقَالَ: بِسْمِ اللهِ كُلُوا، وَمَدَّ الْقَوْمُ جَمِيعاً أَيْدِيَهُمْ فَأَكَلُوا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ أَيْضاً عَلَامَةٌ.

قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَدُورُ خَلْفَهُ إِذْ حَانَتْ مِنَ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله) الْتِفَاتَةٌ، فَقَالَ: يَا رُوزْبِهُ تَطْلُبُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَكَشَفَ عَنْ كَتِفَيْهِ، فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ مَعْجُومٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ.

قَالَ: فَسَقَطْتُ عَلَىٰ قَدَمِ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله) أُقَبِّلُهَا، فَقَالَ لِي: يَا رُوزْبِهُ، ادْخُلْ إِلَىٰ هَذِهِ المَرْأَةِ وَقُلْ لَهَا: يَقُولُ لَكِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ:تَبِيعِينَا هَذَا الْغُلَامَ؟ فَدَخَلْتُ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا مَوْلَاتِي، إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ لَكِ: تَبِيعِينَا هَذَا الْغُلَامَ؟ فَقَالَتْ: قُلْ لَهُ: لَا أَبِيعُكَ إِلَّا بِأَرْبَعِمِائَةِ نَخْلَةٍ، مِائَتَيْ نَخْلَةٍ مِنْهَا صَفْرَاءَ، وَمِائَتَيْ نَخْلَةٍ مِنْهَا حَمْرَاءَ.

قَالَ: فَجِئْتُ إِلَىٰ النَّبِيِّ (صلی الله علیه و آله) فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: وَمَا أَهْوَنَ مَا سَأَلَتْ، ثُمَّ قَالَ: قُمْ يَا عَلِيُّ فَاجْمَعْ هَذَا النَّوَىٰ كُلَّهُ، فَجَمَعَهُ وَأَخَذَهُ فَغَرَسَهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْقِهِ، فَسَقَاهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، فَمَا بَلَغَ آخِرَهُ حَتَّىٰ خَرَجَ النَّخْلُ وَلَحِقَ بَعْضُهُ بَعْضاً، فَقَالَ لِي: ادْخُلْ إِلَيْهَا وَقُلْ لَهَا: يَقُولُ لَكِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: خُذِي شَيْئَكِ وَادْفَعِي إِلَيْنَا شَيْئَنَا.

قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا، وَقُلْتُ ذَلِكَ لَهَا، فَخَرَجَتْ وَنَظَرَتْ إِلَىٰ النَّخْلِ، فَقَالَتْ: وَاللهِ لَا أَبِيعُكَهُ إِلَّا بِأَرْبَعِمِائَةِ نَخْلَةٍ كُلُّهَا صَفْرَاءُ.

ص: 241

قَالَ: فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ (علیه السلام)، فَمَسَحَ جَنَاحَيْهِ عَلَىٰ النَّخْلِ، فَصَارَ كُلُّهُ أَصْفَرَ.

قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي: قُلْ لَهَا: إِنَّ مُحَمَّداً يَقُولُ لَكِ: خُذِي شَيْئَكِ وَادْفَعِي إِلَيْنَا شَيْئَنَا.

قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: وَاللهِ لَنَخْلَةٌ مِنْ هَذِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مُحَمَّدٍ وَمِنْكَ، فَقُلْتُ لَهَا: وَاللهِ لَيَوْمٌ وَاحِدٌ مَعَ مُحَمَّدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ وَمِنْ كُلِّ شَيْ ءٍ أَنْتِ فِيهِ، فَأَعْتَقَنِي رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) وَسَمَّانِي سَلْمَانَ »(1).

قال مصنِّف هذا الكتاب (رضی الله عنه): كان اسم سلمان روزبه بن خشبوذان، وما سجد قطُّ لمطلع الشمس، وإنَّما كان يسجد لله (تبارک و تعالی)، وكانت القبلة التي أُمِرَ بالصلاة إليها شرقيَّة، وكان أبواه يظنَّان أنَّهإنَّما يسجد لمطلع الشمس كهيأتهم، وكان سلمان وصيُّ وصيِّ عيسىٰ (علیه السلام) في أداء ما حُمِّل إلىٰ من انتهت إليه الوصيَّة من المعصومين، وهو آبي (علیه السلام)، وقد ذكر قوم أنَّ (آبي)(2) هو أبو طالب، وإنَّما اشتبه الأمر به لأنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (علیه السلام) سُئِلَ عَنْ آخِرِ أَوْصِيَاءِ عِيسَىٰ (علیه السلام) فَقَالَ: «آبِي»(3)، فَصَحَّفَهُ النَّاسُ وَقَالُوا: أَبِي ، ويقال له: بردة، أيضاً.

* * *

ص: 242


1- رواه الفتَّال (رحمة الله) في روضة الواعظين (ص 275 - 278).
2- آبي - بمدِّ الهمزة وإمالة الياء - من ألقاب علماء النصارىٰ. وسيأتي في باب نوادر الكتاب أواخر الجزء الثاني أنَّ آخر أوصياء عيسىٰ (علیه السلام) رجل يقال له: بالط. وكأنَّ اسم ذلك الرجل (آبي بالط).
3- كذا، ولعلَّ النكتة في عدم النصب حفظ صورة الكلمة لئلَّا يشتبه ب (أبي).

الباب العاشر

في خبر قُسِّ بن ساعدة الأيادي

ص: 243

ص: 244

ومثل قُسِّ بن ساعدة الأياديِّ في علمه وحكمته، كان يعرف النبيَّ (صلی الله علیه و آله) وينتظر ظهوره، ويقول: إنَّ لله ديناً خير من الدِّين الذي أنتم عليه، وَكَانَ النَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله) يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: «يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ (1)».

[1/22] حَدَّثَنَا أَبِي (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (علیه السلام)، قَالَ: «بَيْنَا رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) ذَاتَ يَوْمٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ، إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَفْدٌ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله): مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: وَفْدُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، قَالَ: فَهَلْ عِنْدَكُمْ عِلْمٌ مِنْ خَبَرِ قُسِّ بْنِ سَاعِدِةَ الْأَيَادِيِّ؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ؟ قَالُوا: مَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله): الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ المَوْتِ وَرَبِّ الْحَيَاةِ، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَىٰ قُسِّ بْنِ سَاعِدِةَ الْأَيَادِيِّ وَهُوَ بِسُوقِ عُكَاظٍ عَلَىٰ جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَيَقُولُ: اجْتَمِعُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِذَا اجْتَمَعْتُمْ فَأَنْصِتُوا، فَإِذَا أَنْصَتُّمْ فَاسْمَعُوا، فَإِذَا سَمِعْتُمْ فَعُوا، فَإِذَا وَعَيْتُمْ فَاحْفَظُوا، فَإِذَا حَفِظْتُمْ فَاصْدُقُوا، أَلَا إِنَّهُ مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَنْ مَاتَ فَاتَ، وَمَنْ فَاتَ فَلَيْسَ بِآتٍ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ خَبَراً، وَفِي الْأَرْضِ عِبَراً، سَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَمِهَادٌ مَوْضُوعٌ، وَنُجُومٌ تَمُورُ(2)، وَلَيْلٌ يَدُورُ، وَبِحَارُ مَاءٍ [لَا] تَغُورُ، يَحْلِفُ قُسٌّمَا هَذَا بِلَعِبٍ، وَإِنَّ مِنْ وَرَاءِ هَذَا لَعَجَباً، مَا لِي أَرَىٰ النَّاسَ يَذْهَبُونَ فَلَا يَرْجِعُونَ، أَرَضُوا بِالمُقَامِ فَأَقَامُوا، أَمْ تَرَكُوا فَنَامُوا؟ يَحْلِفُ قُسٌّ يَمِيناً غَيْرَ كَاذِبَةٍ أَنَّ لِلهِ دِيناً هُوَ خَيْرٌ مِنَ الدِّينِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ

ص: 245


1- المراد أنَّه علىٰ دين الحقِّ والتوحيد، وليس في زمانه من يدين بدين الحقِّ غيره.
2- مار الشيء يمور موراً، أي تحرَّك وجاء وذهب.

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله): رَحِمَ اللهُ قُسًّا يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ، قَالَ: هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يُحْسِنُ مِنْ شِعْرِهِ شَيْئاً؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:

فِي الْأَوَّلِينَ الذَّاهِبِينَ *** مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرُ

لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِداً *** لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرُ

وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا *** تَمْضِي الْأَكَابِرُ وَالْأَصَاغِرُ

لَا يَرْجِعُ المَاضِي إِلَيَ *** وَلَا مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرٌ(1)

أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ *** حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرٌ

وبلغ من حكمة قُسِّ بن ساعدة ومعرفته أنَّ النبيَّ (صلی الله علیه و آله) كان يسأل من يقدم عليه من أياد من حِكَمه ويصغي إليه سمعه .

[2/23] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ ابْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ(2)، أَنَّ وَفْداً مِنْ أَيَادٍ قَدِمُوا عَلَىٰ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله)، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حِكَمِ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ، فَقَالُوا: قَالَ قُسٌّ:

يَا نَاعِيَ المَوْتِ وَالْأَمْوَاتِ فِي جَدَثٍ *** عَلَيْهِمُ مِنْ بَقَايَا بَزِّهِمْ خِرَقٌ

دَعْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ يَوْماً يُصَاحُ بِهِمْ *** كَمَا يُنَبَّهُ مِنْ نَوْمَاتِهِ(3) الصَّعِقُ

مِنْهُمْ عُرَاةٌ وَمِنْهُمْ فِي ثِيَابِهِمُ *** مِنْهَا الْجَدِيدُ وَمِنْهَا الْأَوْرَقُ الْخَلَقُ(4)

حَتَّىٰ يَعُودُوا بِحَالٍ غَيْرِ حَالَتِهِمْ *** خَلْقٌ جَدِيدٌ وَخَلْقٌ بَعْدَهُمْ خُلِقُوا

ص: 246


1- كذا، وفي بعض نُسَخ الحديث هكذا: لا يرجع الماضي ولا ***يبقىٰ من الباقين غابر
2- المراد بهشام هشام بن محمّد بن السائب الكلبي، كما يظهر من كتاب مقتضب الأثر (ص 37).
3- في بعض نُسَخ الحديث: (من رقداته).
4- في بعض النُّسَخ: (ومنها الرثُّ والخلق). والرثُّ: البالي كالخلق.

مَطَرٌ وَنَبَاتٌ، وَآبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ، وَذَاهِبٌ وَآتٍ، وَآيَاتٌ فِي أَثَرِ آيَاتٍ، وَأَمْوَاتٌ بَعْدَ أَمْوَاتٍ، ضَوْءٌ وَظَلَامٌ، وَلَيَالٍ وَأَيَّامٌ، وَفَقِيرٌ وَغَنِيٌّ، وَسَعِيدٌ وَشَقِيٌّ، وَمُحْسِنٌ وَمُسِيءٌ، نَبَأٌ لِأَرْبَابِ الْغَفْلَةِ(1) لِيُصْلِحَنَّ كُلُّ عَامِلٍ عَمَلَهُ، كَلَّا بَلْ هُوَ اللهُ وَاحِدٌ، لَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَا وَالِدٍ، أَعَادَ وَأَبْدَا، وَإِلَيْهِ المَآبُ غَداً.

وَأَمَّا بَعْدُ، يَا مَعْشَرَ أَيَادٍ أَيْنَ ثَمُودُ وَعَادٌ؟ وَأَيْنَ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ؟ أَيْنَ الْحَسَنُ الَّذِي لَمْ يُشْكَرْ، وَالْقَبِيحُ الَّذِي لَمْ يُنْقَمْ، كَلَّا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَيَعُودَنَّ مَا بَدَا، وَلَئِنْ ذَهَبَ يَوْمٌ لَيَعُودَنَّ يَوْمٌ .

وهو قُسُّ بن ساعدة بن حذاقة بن زهر بن أياد بن نزار، أوَّل من آمن بالبعث من أهل الجاهليَّة، وأوَّل من توكَّأ علىٰ عصا(2)، ويقال: إنَّه عاش ستّمائة سنة، وكان يعرف النبيَّ (صلی الله علیه و آله) باسمه ونسبه ويُبشِّر الناس بخروجه، وكان يستعمل التقيَّة، ويأمر بها في خلال ما يعظبه الناس .

[3/24] حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ ابْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَهْدِيُّ بْنُ سَابِقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَمَعَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ وُلْدَهُ فَقَالَ: إِنَّ الْمِعَا تَكْفِيهِ الْبَقْلَةُ وَتَرْوِيهِ المَذْقَةُ(3)، وَمَنْ عَيَّرَكَ شَيْئاً فَفِيهِ مِثْلُهُ، وَمَنْ ظَلَمَكَ وُجِدَ مَنْ يَظْلِمُهُ، مَتَىٰ عَدَلْتَ عَلَىٰ نَفْسِكَ عُدِلَ عَلَيْكَ مِنْ فَوْقِكَ، فَإِذَا نَهَيْتَ عَنْ شَيْءٍ فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ، وَلَا تَجْمَعْ مَا لَا تَأْكُلُ، وَلَا تَأْكُلْ مَا لَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَإِذَا ادَّخَرْتَ فَلَا يَكُونَنَّ كَنْزُكَ إِلَّا فِعْلَكَ، وَكُنْ عَفَّ الْعَيْلَةِ مُشْتَرَكَ الْغِنَىٰ تَسُدُّ

ص: 247


1- في بعض النُّسَخ: (أين الأرباب الغفلة)، وفي بعضها: (الفعلة).
2- أي أوَّل من توكَّأ علىٰ عصا من أهل الجاهليَّة، أو لضعف كثرة السنِّ أو نحوها، ذلك لئلَّا يُنتَقض بما حكاه الله سبحانه عن موسىٰ (علیه السلام): «قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا ...» الآية [طه: 18].
3- المَذقة - بفتح الميم والقاف وسكون الدال -: الشربة من اللبن الممذوق. والمذق: المزج والخلط، يقال: مذقت اللبن فهو مذيق إذا خلطته بالماء.

قَوْمَكَ، وَلَا تُشَاوِرَنَّ مَشْغُولاً وَإِنْ كَانَ حَازِماً، وَلَا جَائِعاً وَإِنْ كَانَ فَهِماً، وَلَا مَذْعُوراً وَإِنْ كَانَ نَاصِحاً، وَلَا تَضَعَنَّ فِي عُنُقِكَ طَوْقاً لَا يُمْكِنُكَ نَزْعُهُ إِلَّا بِشِقِّ نَفْسِكَ، وَإِذَا خَاصَمْتَ فَاعْدِلْ، وَإِذَا قُلْتَ فَاقْتَصِدْ، وَلَا تَسْتَوْدِعَنَّ أَحَداً دِينَكَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ تَزَلْ وَجِلاً وَكَانَ المُسْتَوْدَعُ بِالْخِيَارِ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَكُنْتَ لَهُ عَبْداً مَا بَقِيتَ، فَإِنْ جَنَىٰ عَلَيْكَ كُنْتَ أَوْلَىٰ بِذَلِكَ، وَإِنْ وَفَىٰ كَانَ المَمْدُوحُ دُونَكَ، عَلَيْكَ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ(1).

فَكَانَ قُسٌّ لَا يَسْتَوْدِعُ دِينَهُ أَحَداً، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَخْفَىٰ مَعْنَاهُ عَلَىٰ الْعَوَامِّ، وَلَا يَسْتَدْرِكُهُ إِلَّا الْخَوَاصُّ.

* * *

ص: 248


1- راجع: المصون في الأدب لأبي أحمد العسكري (ص 179 و180)، والأوائل لأبي هلال العسكري (ص 68)، وجمهرة الأمثال له (ج 1/ ص 249)، والحكمة الخالدة لابن مسكويه (ص 155 و156).

الباب الحادي عشر

في خبر تُبَّع

ص: 249

ص: 250

وكان تُبَّع المَلِك أيضاً ممَّن عرف النبيَّ (صلی الله علیه و آله) وانتظر خروجه، لأنَّه قد وقع إليه خبره، فعرفه أنَّه سيخرج من مكَّة نبيٌّ يكون مهاجرته إلىٰ يثرب .

[1/25] مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَىٰ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ أَبَانٍ رَفَعَهُ أَنَّ تُبَّعَ قَالَ فِي مَسِيرِهِ:

حَتَّىٰ أَتَانِي مِنْ قُرَيْظَةَ عَالِمٌ *** حِبْرٌ لَعَمْرُكَ فِي الْيَهُودِ مُسَوَّد

قَالَ ازْدَجِرْ عَنْ قَرْيَةٍ مَحْجُوبَةٍ *** لِنَبِيِّ مَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَد

فَعَفَوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غَيْرِ مُثَرَّبٍ (1) *** وَتَرَكْتُهُمْ لِعِقَابِ(2) يَوْمٍ سَرْمَد

وَتَرَكْتُهَا لِلهِ أَرْجُو عَفْوَهُ *** يَوْمَ الْحِسَابِ مِنَ الْجَحِيمِ المُوقَد

وَلَقَدْ تَرَكْتُ لَهُ بِهَا مِنْ قَوْمِنَا *** نَفَراً أُولِي حَسَبٍ وَمِمَّنْ يُحْمَد

نَفَراً يَكُونُ النَّصْرُ فِي أَعْقَابِهِمْ *** أَرْجُو بِذَاكَ ثَوَابَ رَبِّ مُحَمَّد

مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ بَيْتاً ظَاهِراً *** لِلهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ يُعْبَد

قَالُوا بِمَكَّةَ بَيْتُ مَالٍ دَاثِرٍ(3) *** وَكُنُوزُهُ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَد

فَأَرَدْتُ أَمْراً حَالَ رَبِّي دُونَهُ *** وَاللهُ يَدْفَعُ عَنْ خَرَابِ المَسْجِد

فَتَرَكْتُ مَا أَمَّلْتُهُ فِيهِ لَهُمْ *** وَتَرَكْتُهُمْ مَثَلًا لِأَهْلِ المَشْهَد(4)(5)

ص: 251


1- ثربه وثرب عليه: لامه، قبَّح عليه فعله، وعيَّره بذنبه.
2- أي لخوف العقاب.
3- الدَّثر - بالفتح -: المال الكثير.
4- أي من كان ذا قلب حاضر.
5- راجع: سيرة ابن إسحاق (ج 1/ ص 29 و30/ ح 35)، وتاريخ الطبري (ج 1/ ص 531 - 534)، وتفسير الثعلبي (ج 9/ ص 96 و97).

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (علیه السلام): «قَدْ أُخْبِرَ أَنَّهُ(1) سَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ - يَعْنِي مَكَّةَ - نَبِيٌّ يَكُونُ مُهَاجَرَتُهُ إِلَىٰ يَثْرِبَ، فَأَخَذَ قَوْماً مِنَ الْيَمَنِ فَأَنْزَلَهُمْ مَعَ الْيَهُودِ لِيَنْصُرُوهُ إِذَا خَرَجَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ:

شَهِدْتُ عَلَىٰ أَحْمَدَ أَنَّهُ *** رَسُولٌ مِنَ اللهِ بَارِئِ النَّسَم

فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إِلَىٰ عُمْرِهِ *** لَكُنْتُ وَزِيراً لَهُ وَابْنَ عَمّ

وَكُنْتُ عَذَاباً عَلَىٰ المُشْرِكِينَ *** أَسْقِيهِمْ كَأْسَ حَتْفٍ(2) وَغَم»(3)

[2/26] حَدَّثَنَا أَبِي (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)، قَالَ: «إِنَّ تُبَّعاً قَالَ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ: كُونُوا هَاهُنَا حَتَّىٰ يَخْرُجَ هَذَا النَّبِيُّ، أَمَّا أَنَا فَلَوْ أَدْرَكْتُهُ لَخَدَمْتُهُ وَلَخَرَجْتُ مَعَهُ »(4).

[3/27] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَايُونُسُ ابْنُ بُكَيْرٍ الشَّيْبَانِيُّ(5)، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَىٰ المَدَنِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: (لَا يَشْتَبِهَنَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُ تُبَّعٍ فَإِنَّهُ كَانَ مُسْلِماً)(6).

* * *

ص: 252


1- في بعض النُّسَخ: (كان الخبر أنَّه).
2- الحتف: الموت.
3- راجع: مناقب آل أبي طالب (ج 2/ ص 93).
4- رواه الطبرسي (رحمة الله) في مجمع البيان (ج 9/ ص 111)، والراوندي (رحمة الله) في الخرائج والجرائح (ج 3/ ص 1074/ ح 9)، وابن شهرآشوب (رحمة الله) في مناقب آل أبي طالب (ج 1/ ص 17).
5- هو يونس بن بكير الشيباني المعنون في تهذيب التهذيب (ج 11/ ص 382/ الرقم 745)، قال ابن معين: صدوق.
6- تاريخ مدينة دمشق (ج 11/ ص 6)، الدُّرُّ المنثور (ج 6/ ص 31).

الباب الثاني عشر

في خبر عبد المطَّلب وأبي طالب

ص: 253

ص: 254

وكان عبد المطَّلب وأبو طالب من أعرف العلماء وأعلمهم بشأن النبيِّ (صلی الله علیه و آله)، وكانا يكتمان ذلك عن الجُهَّال وأهل الكفر والضلال .

[1/28] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَىٰ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَىٰ ابْنِ زَكَرِيَّا الْقَطَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي الْهَيْثَمُ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَقِيلٍ الْهُذَلِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا هُوَ إِجْلَالاً لَهُ، وَكَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَهُ حَتَّىٰ يَخْرُجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) يَخْرُجُ وَهُوَ غُلَامٌ، فَيَمْشِي حَتَّىٰ يَجْلِسَ عَلَىٰ الْفِرَاشِ، فَيَعْظُمُ ذَلِكَ عَلَىٰ أَعْمَامِهِ(1)، وَيَأْخُذُونَهُ لِيُؤَخِّرُوهُ، فَيَقُولُ لَهُمْ عَبْدُ المُطَّلِبِ إِذَا رَأَىٰ ذَلِكَ مِنْهُمْ: دَعُوا ابْنِي، فَوَاللهِ إِنَّ لَهُ لَشَأْناً عَظِيماً، إِنِّي أَرَىٰ أَنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٌ وَهُوَ سَيِّدُكُمْ، إِنِّي أَرَىٰ غُرَّتَهُ غُرَّةً تَسُودُ النَّاسَ، ثُمَّ يَحْمِلُهُ فَيُجْلِسُهُ مَعَهُ وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ وَيُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ قُبْلَةً أَطْيَبَ مِنْهُ وَلَا أَطْهَرَ قَطُّ، وَلَا جَسَداً أَلْيَنَ مِنْهُ وَلَا أَطْيَبَ مِنْهُ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَىٰ أَبِي طَالِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ وَأَبَا طَالِبٍ لِأُمٍّ وَاحِدَةٍ، فَيَقُولُ: يَا أَبَا طَالِبٍ، إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ لَشَأْناً عَظِيماً، فَاحْفَظْهُ وَاسْتَمْسِكْ بِهِ، فَإِنَّهُ فَرْدٌ وَحِيدٌ، وَكُنْ لَهُ كَالْأُمِّ، لَا يَصِلُ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ، ثُمَّ يَحْمِلُهُ عَلَىٰ عُنُقِهِ فَيَطُوفُ بِهِ أُسْبُوعاً، فَكَانَعَبْدُ المُطَّلِبِ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَكْرَهُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ، فَلَا يُدْخِلُهُ عَلَيْهِمَا.

فَلَمَّا تَمَّتْ لَهُ سِتُّ سِنِينَ مَاتَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، وَكَانَتْ

ص: 255


1- في بعض النُّسَخ: (فيُعظِّمان ذلك أعمامه).

قَدِمَتْ بِهِ عَلَىٰ أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ، فَبَقِيَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) يَتِيماً لَا أَبَ لَهُ وَلَا أُمَّ، فَازْدَادَ عَبْدُ المُطَّلِبِ لَهُ رِقَّةً وَحِفْظاً، وَكَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ حَتَّىٰ أَدْرَكَتْ عَبْدَ المُطَّلِبِ الْوَفَاةُ، فَبَعَثَ إِلَىٰ أَبِي طَالِبٍ وَمُحَمَّدٌ عَلَىٰ صَدْرِهِ وَهُوَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَهُوَ يَبْكِي وَيَلْتَفِتُ إِلَىٰ أَبِي طَالِبٍ وَيَقُولُ: يَا أَبَا طَالِبٍ، انْظُرْ أَنْ تَكُونَ حَافِظاً لِهَذَا الْوَحِيدِ الَّذِي لَمْ يَشَمَّ رَائِحَةَ أَبِيهِ وَلَا ذَاقَ شَفَقَةَ أُمِّهِ، انْظُرْ يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ جَسَدِكَ بِمَنْزِلَةِ كَبِدِكَ فَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ بَنِيَّ كُلَّهُمْ وَأَوْصَيْتُكَ بِهِ لِأَنَّكَ مِنْ أُمِّ أَبِيهِ. يَا أَبَا طَالِبٍ، إِنْ أَدْرَكْتَ أَيَّامَهُ فَاعْلَمْ أَنِّي كُنْتُ مِنْ أَبْصَرِ النَّاسِ وَأَعْلَمِ النَّاسِ بِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَتَّبِعَهُ فَافْعَلْ، وَانْصُرْهُ بِلِسَانِكَ وَيَدِكَ وَمَالِكَ، فَإِنَّهُ وَاللهِ سَيَسُودُكُمْ وَيَمْلِكُ مَا لَمْ يَمْلِكْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آبَائِي. يَا أَبَا طَالِبٍ، مَا أَعْلَمُ أَحَداً مِنْ آبَائِكَ مَاتَ عَنْهُ أَبُوهُ عَلَىٰ حَالِ أَبِيهِ وَلَا أُمُّهُ عَلَىٰ حَالِ أُمِّهِ، فَاحْفَظْهُ لِوَحْدَتِهِ، هَلْ قَبِلْتَ وَصِيَّتِي فِيهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَدْ قَبِلْتُ، وَاللهُ عَلَيَّ بِذَلِكَ شَهِيدٌ، فَقَالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: فَمُدَّ يَدَكَ إِلَيَّ، فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ، فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَىٰ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: الْآنَ خُفِّفَ عَلَيَّ المَوْتُ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنِّي لَمْ أُقَبِّلْ أَحَداً مِنْ وُلْدِي أَطْيَبَ رِيحاً مِنْكَ، وَلَا أَحْسَنَ وَجْهاً مِنْكَ، وَيَتَمَنَّىٰ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَقِيَ حَتَّىٰ يُدْرِكَ زَمَانَهُ، فَمَاتَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، فَضَمَّهُ أَبُو طَالِبٍ إِلَىٰ نَفْسِهِ لَا يُفَارِقُهُ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، وكَانَ يَنَامُ مَعَهُ حَتَّىٰ لَا يَأْتَمِنُ عَلَيْهِ أَحَداً(1).

[2/29] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُبْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ ابْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ المَدَنِيِّ(2)، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ

ص: 256


1- رواه الطبرسي (رحمة الله) في إعلام الورىٰ (ج 1/ ص 61 و62)، والراوندي (رحمة الله) في الخرائج والجرائح (ج 3/ ص 1069 - 1071/ ح 5).
2- هو محمّد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطَّلبي، مولاهم المدني، نزيل العراق، إمام المغازي. (تقريب التهذيب: ج 2/ ص 54/ الرقم 5743).

ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ: كَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ المُطَّلِبِ جَدِّ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله) فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إِجْلَالاً لَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) يَأْتِي حَتَّىٰ يَجْلِسَ عَلَيْهِ، فَيَذْهَبُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ، فَيَقُولُ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ: دَعُوا ابْنِي، فَيَمْسَحُ عَلَىٰ ظَهْرِهِ وَيَقُولُ: إِنَّ لِابْنِي هَذَا لَشَأْناً(1).

فتُوفِّي عبد المطَّلب والنبيُّ (صلی الله علیه و آله) ابن ثمان سنين بعد عام الفيل بثمان سنين .

[3/30] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَىٰ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ خَالِدِ بْنِ إِلْيَاسَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَهْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا طَالِبٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ(2) إِذْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي، فَأَتَيْتُ كَاهِنَةَ قُرَيْشٍ وَعَلَيَّ مِطْرَفُ خَزٍّ، وَجُمَّتِي(3) تَضْرِبُ مَنْكِبِي، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْ فِيوَجْهِيَ التَّغَيُّرَ فَاسْتَوَتْ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ قَوْمِي، فَقَالَتْ: مَا شَأْنُ سَيِّدِ الْعَرَبِ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ؟ هَلْ رَابَهُ مِنْ حَدَثَانِ الدَّهْرِ رَيْبٌ(4)؟ فَقُلْتُ لَهَا: بَلَىٰ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ وَأَنَا قَائِمٌ فِي الْحِجْرِ كَأَنَّ شَجَرَةً قَدْ نَبَتَتْ عَلَىٰ ظَهْرِي قَدْ نَالَ رَأْسُهَا السَّمَاءَ وَضَرَبَتْ أَغْصَانُهَا الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ، وَرَأَيْتُ نُوراً يَظْهَرُ مِنْهَا أَعْظَمَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ سَبْعِينَ ضِعْفاً، وَرَأَيْتُ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ سَاجِدَةً لَهَا، وَهِيَ كُلَّ يَوْمٍ تَزْدَادُ عِظَماً وَنُوراً، وَرَأَيْتُ رَهْطاً مِنْ قُرَيْشٍ يُرِيدُونَ قَطْعَهَا، فَإِذَا دَنَوْا مِنْهَا أَخَذَهُمْ شَابٌّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهاً وَأَنْظَفِهِمْ ثِيَاباً فَيَأْخُذُهُمْ و

ص: 257


1- سيرة ابن إسحاق (ج 1/ ص 42 و43/ ح 47).
2- يعنى حجر إسماعيل (علیه السلام).
3- المطرف - بضمِّ الميم وكسرها وفتحها -: الثوب الذي في طرفيه علمان. والجُمَّة - بالضمِّ والشدِّ - : مجتمع شعر الرأس وما سقط علىٰ المنكبين منها، وهي أكثر من الوفرة، ويقال للرجل الطويل الجُمَّة: الجماني بالنون علىٰ غير قياس. (راجع: الصحاح للجوهري: ج 5/ ص 1890/ مادَّة جمم).
4- رابه أمر يريبه: رأىٰ منه ما يكرهه ويزعجه. والريب: نازلة الدهر.

َيَكْسِرُ

ظُهُورَهُمْ وَيَقْلَعُ أَعْيُنَهُمْ، فَرَفَعْتُ يَدِي لِأَتَنَاوَلَ غُصْناً مِنْ أَغْصَانِهَا، فَصَاحَ بِيَ الشَّابُّ وَقَالَ: مَهْلاً لَيْسَ لَكَ مِنْهَا نَصِيبٌ، فَقُلْتُ: لِمَنِ النَّصِيبُ وَالشَّجَرَةُ مِنِّي؟ فَقَالَ: النَّصِيبُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ تَعَلَّقُوا بِهَا، وَسَتَعُودُ(1) إِلَيْهَا، فَانْتَبَهْتُ مَذْعُوراً فَزِعاً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ، فَرَأَيْتُ لَوْنَ الْكَاهِنَةِ قَدْ تَغَيَّرَ، ثُمَّ قَالَتْ: لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ صُلْبِكَ وَلَدٌ يَمْلِكُ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ، يَنْبَأُ فِي النَّاسِ، فَسَرَىٰ عَنِّي غَمِّي(2)، فَانْظُرْ يَا أَبَا طَالِبٍ لَعَلَّكَ تَكُونُ أَنْتَ، فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالنَّبِيُّ (صلی الله علیه و آله) قَدْ خَرَجَ وَيَقُولُ: كَانَتِ الشَّجَرَةُ وَاللهِ أَبَا الْقَاسِمِ الْأَمِينَ، فَقِيلَ لَهُ: فَلِمَ لَمْ تُؤْمِنْ بِهِ؟ فَقَالَ: لِلسُّبَّةِ وَالْعَارِ(3)(4).

ص: 258


1- في بعض النُّسَخ: (سيعود).
2- سرىٰ الغمُّ: ذهب وزال.
3- السبَّة: العار، وقال العلَّامة المجلسي (رحمة الله) في بحار الأنوار (ج 15/ ص 255): (توضيح: قال الجزري: المطرف بكسر الميم وفتحها وضمِّها: الثوب الذي في طرفيه علمان، وقال: الجُمَّة من شعر الرأس: ما سقط علىٰ المنكبين، وقال الجوهري: هي بالضمِّ مجتمع شعر الرأس. أقول: لعلَّ ذكر هذا إمَّا لبيان شرافته بأنْ يكون إرسال الجمَّة من خواصِّ الشرفاء، أو اضطرابه وارتعاده، والريب: نازلة الدهر. ورابه أمر: رأىٰ منه ما يُكرَه، قوله: (وسيعود إليها)، يحتمل أنْ يكون المراد بالذين تعلَّقوا بها الذين يريدون قلعها، ويكون قوله: وستعود بالتاء، أي ستعود تلك الجماعة بعد منازعتهم ومحاربتهم إلىٰ هذه الشجرة، ويؤمنون بها، فيكون لهم النصيب منها، أو بالياء فيكون المستتر راجعاً إلىٰ الرسول(صلی الله علیه و آله)، والبارز في (منها) إلىٰ الجماعة، أي سيعود النبيُّصلی الله علیه و آله إليهم بعد إخراجهم له فيؤمنون به، فيكون إشارة إلىٰ فتح مكَّة، أو يكون المستتر راجعاً إلىٰ الشابِّ، والبارز إلىٰ الشجرة، أي سيرجع هذا الشاب إلىٰ الشجرة في اليقظة، كما تعلَّق بها في النوم، وعلىٰ هذا يحتمل أنْ يكون المراد بالذين تعلَّقوا بها أبا طالب وأضرابه ممَّن لم يُذكروا قبل، ويحتمل أنْ يكون المستتر راجعاً إلىٰ النصيب، والبارز إلىٰ الشجرة، أي يكون لهصلی الله علیه و آله ثواب إسلامهم، ويحتمل أنْ يكون (ستعود) بصيغة الخطاب، أي ستعود يا عبد المطَّلب إليهصلی الله علیه و آله عند ولادته، لكن لا تبلغ ولا تُدرك وقت نبوَّته. قوله: (لعلك تكون أنت)، أي ذلك الشابُّ، ويحتمل أنْ يكون الشابُّ أمير المؤمنين (علیه السلام).
4- رواه المصنِّف (رحمة الله) في أماليه (ص 334 و335/ ح 391/1)، والفتَّال في روضة الواعظين (ص 64)، والراوندي (رحمة الله) في الخرائج والجرائح (ج 3/ ص 1064 - 1066/ ح 2)، وابن كثير في السيرة النبويَّة (ج 1/ ص 309 و310)، وفي البداية والنهاية (ج 2/ ص 387 و388)، والمقريزي في إمتاع الأسماع (ج 3/ ص 368)، والسيوطي في كفاية الطالب (ج 1/ ص 39 و40).

قال أبو جعفر محمّد بن عليٍّ مصنِّف هذا الكتاب (رضی الله عنه): إنَّ أبا طالب كان مؤمناً، ولكنَّه يُظهِر الشرك، ويستتر الإيمان، ليكون أشدّ تمكُّناً من نصرة رسول الله (صلی الله علیه و آله).

[4/31] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي سَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (علیه السلام)، قَالَ: «إِنَّ أَبَا طَالِبٍ أَظْهَرَ الْكُفْرَ وَأَسَرَّ الْإِيمَانَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْحَىٰ اللهُ (عزوجل)إِلَىٰ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله): اخْرُجْ مِنْهَا فَلَيْسَلَكَ بِهَا نَاصِرٌ، فَهَاجَرَ إِلَىٰ المَدِينَةِ»(1).

[5/32] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَسْبَاطٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ المُسْلِيِّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) يَقُولُ: «وَاللهِ مَا عَبَدَ أَبِي وَلَا جَدِّي عَبْدُ المُطَّلِبِ وَلَا هَاشِمٌ وَلَا عَبْدُ مَنَافٍ صَنَماً قَطُّ»، قِيلَ لَهُ: فَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؟ قَالَ: «كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَىٰ الْبَيْتِ عَلَىٰ دِينِ إِبْرَاهِيمَ (علیه السلام) مُتَمَسِّكِينَ بِهِ »(2).

[6/33] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ (رضی الله عنه)، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَىٰ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ

ص: 259


1- رواه الراوندي (رحمة الله) في الخرائج والجرائح (ج 3/ ص 1078/ ح 12).
2- رواه أبو العبَّاس الحسني في المصابيح (ص 170/ ح 54).

سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ قَمَّارٍ مَوْلًى لِبَنِي مَخْزُومٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ(1)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي الْعَبَّاسَ يُحَدِّثُ، قَالَ: وُلِدَ لِأَبِي عَبْدِ المُطَّلِبِ عَبْدُ اللهِ، فَرَأَيْنَا فِي وَجْهِهِ نُوراً يَزْهَرُ كَنُورِ الشَّمْسِ، فَقَالَ أَبِي: إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ شَأْناً عَظِيماً، قَالَ: فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْخِرِهِ طَائِرٌ أَبْيَضُ فَطَارَ فَبَلَغَ المَشْرِقَ وَالمَغْرِبَ ثُمَّ رَجَعَ رَاجِعاً حَتَّىٰ سَقَطَ عَلَىٰ بَيْتِ الْكَعْبَةِ، فَسَجَدَتْ لَهُ قُرَيْشٌ كُلُّهَا، فَبَيْنَمَا النَّاسُ يَتَأَمَّلُونَهُ إِذَا صَارَ نُوراً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَامْتَدَّ حَتَّىٰ بَلَغَ المَشْرِقَوَالمَغْرِبَ، فَلَمَّا انْتَبَهْتُ سَأَلْتُ كَاهِنَةَ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَتْ لِي: يَا عَبَّاسُ، لَئِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ صُلْبِهِ وَلَدٌ يَصِيرُ أَهْلُ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ تَبَعاً لَهُ، قَالَ أَبِي: فَهَمَّنِي أَمْرُ عَبْدِ اللهِ إِلَىٰ أَنْ تَزَوَّجَ بِآمِنَةَ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ وَأَتَمِّهَا خَلْقاً، فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ وَوَلَدَتْ آمِنَةُ رَسُولَ اللهِ (صلی الله علیه و آله) أَتَيْتُ فَرَأَيْتُ النُّورَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَزْهَرُ، فَحَمَلْتُهُ وَتَفَرَّسْتُ فِي وَجْهِهِ، فَوَجَدْتُ مِنْهُ رِيحَ الْمِسْكِ، وَصِرْتُ كَأَنِّي قِطْعَةُ مِسْكٍ مِنْ شِدَّةِ رِيحِي، فَحَدَّثَتْنِي آمِنَةُ وَقَالَتْ لِي: إِنَّهُ لَمَّا أَخَذَنِي الطَّلْقُ وَاشْتَدَّ بِيَ الْأَمْرُ سَمِعْتُ جَلَبَةً(2) وَكَلَاماً لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ، فَرَأَيْتُ عَلَماً مِنْ سُنْدُسٍ عَلَىٰ قَضِيبٍ مِنْ يَاقُوتٍ قَدْ ضُرِبَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَرَأَيْتُ نُوراً يَسْطَعُ مِنْ رَأْسِهِ حَتَّىٰ بَلَغَ السَّمَاءَ، وَرَأَيْتُ قُصُورَ الشَّامَاتِ كُلَّهَا شُعْلَةَ نُورٍ(3)، وَرَأَيْتُ حَوْلِي مِنَ الْقَطَاةِ أَمْراً عَظِيماً قَدْ نَشَرَتْ مِنْ أَجْنِحَتِهَا حَوْلِي، وَرَأَيْتُ تَابِعَ شَعِيرَةَ الْأَسَدِيَّةَ قَدْ مَرَّتْ وَهِيَ تَقُولُ: آمِنَةُ مَا لَقِيَتِ الْكُهَّانُ وَالْأَصْنَامُ مِنْ وَلَدِكِ، وَرَأَيْتُ رَجُلاً شَابًّا مِنْ أَتَمِّ النَّاسِ طُولاً وَأَشَدِّهِمْ بَيَاضاً وَأَحْسَنِهِمْ ثِيَاباً مَا ظَنَنْتُهُ

ص: 260


1- أبو صالح الذي يروي عن ابن عبَّاس اسمه ميزان، بصري، وثَّقه ابن معين، لكن لم أظفر علىٰ سعيد في كُتُب الرجال، وكذا راويه قمَّار أو قصَّار، والسند كما ترىٰ عامّي مجهول مقطوع.
2- الجلبة: اختلاط الأصوات.
3- في بعض النُّسَخ: (شعلة نار).

إِلَّا عَبْدَ المُطَّلِبِ قَدْ دَنَا مِنِّي، فَأَخَذَ المَوْلُودَ، فَتَفَلَ فِي فِيهِ، وَمَعَهُ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَضْرُوبٍ بِالزُّمُرُّدِ، وَمُشْطٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَشَقَّ بَطْنَهُ شَقًّا، ثُمَّ أَخْرَجَ قَلْبَهُ فَشَقَّهُ فَأَخْرَجَ مِنْهُ نُكْتَةً سَوْدَاءَ فَرَمَىٰ بِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ صُرَّةً مِنْ حَرِيرَةٍ خَضْرَاءَ فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا كَالذَّرِيرَةِ الْبَيْضَاءِ فَحَشَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَىٰ مَا كَانَ، وَمَسَحَ عَلَىٰ بَطْنِهِ وَاسْتَنْطَقَهُ فَنَطَقَ، فَلَمْ أَفْهَمْ مَا قَالَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فِي أَمَانِ اللهِ وَحِفْظِهِ وَكِلَاءَتِهِ، وَقَدْ حَشَوْتُ قَلْبَكَ إِيمَاناً وَعِلْماً وَحِلْماً وَيَقِيناً وَعَقْلاً وَحُكْماً، فَأَنْتَ خَيْرُ الْبَشَرِ، طُوبَىٰ لِمَنِاتَّ