التفکر في القرآن

هوية الکتاب

بطاقة تعريف: الحسيني الشيرازي، جعفر، 1338-1387.

عنوان واسم المؤلف: التفکر في القرآن/ تأليف جعفر الحسيني الشيرازي.

تفاصيل المنشور: قم: دارالعلم، 1443ق = 1400ش.

مواصفات المظهر: 410ص.

فروست: التفكر في القرآن؛8.

شابك: 7-628-204-964-978

حالة الاستماع: فيپا

لسان: العربية

محتويات: ببليوغرافيا مع ترجمة.

موضوع: تفاسير (سوره اعراف)

موضوع: تفاسير شيعه -- قرن 14

موضوع: Qur'an -- Shiite hermeneutics -- 20th century

ترتيب الكونجرس: BP102/26

تصنيف ديوي: 297/ 18

رقم الببليوغرافيا الوطنية: 8441086

النجف الأشرف: مكتبة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) للطلب 07826265250

كربلاء المقدسة: شارع الإمام علي (عليه السلام) ، مكتبة الإمام الحسين (عليه السلام) التخصصية

مشهد المقدسة: مدرسة الإمام الرضا (عليه السلام) ، جهارراه شهدا، شارع بهجت، فرع 5

طهران: شارع انقلاب، شارع 12 فروردين، مجتمع ناشران، الطابق الأرضي، الرقم 16 و 18، دار العلم

قم المقدسة: شارع معلم، دوار روح اللّه، أوّل فرع 19، دار العلم

قم المقدسة: شارع معلم، مجتمع ناشران، الطابق الأرضي، الرقم 7، دار العلم

ص: 1

التفکر في القرآن (سورة الحمد،البقرة ) المجلد 1

اشارة

ص: 2

التفكر في القرآن

الجزء الأول

المؤلف السيد جعفر الحسيني الشيرازي

دار العلوم

ص: 3

ص: 4

«وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»

النحل: 44.

ص: 5

ص: 6

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، ولعنة اللّه على أعدائهم أجمعين، إلى يوم الدين.

وبعد فقد كنت بدأت في مطالعة كتب التفاسير والتدبر في القرآن الكريم منذ فترة ليست بالقريبة، ثم فكرت بأن أدون بعض النقاط تذكرة لي ولأستفيد منها حين إلقاء المحاضرات، ثم تطورت الفكرة بأن أفضل بعض الشيء ليكون كتاباً حول آيات القرآن الكريم، علّه يستفيد منه البعض فأشارك في الثواب، وأكون من خدمَةِ القرآن الكريم، ولا أُسمي هذه الصفحات تفسيراً فإني أقر بعجزي عن ذلك، ولكنها بعض التأملات والتفکرات في بعض الآيات القرآنية .

وكان الشروع في التدوين في العام 1425 ه، ثم انقطعت لمدة أربع سنوات، حتى مَنّ اللَّه عليَّ بمواصلة في الكتابة، ولذا اختلف

ص: 7

قليلا أسلوب أول الكتاب مع وسطه وآخره بالإيجاز أولاً ، وبالتفصيل بعض الشيء ثانياً .

أسأل اللَّه أن يوفقني للإكمال، كما وفقني في الشروع، إنه وليّ ذلك وهو المستعان.

4 / شهر رمضان المبارك/ 1430ه

جعفر بن محمد الحسيني الشيرازي

ص: 8

سورة الحمد

ص: 9

ص: 10

سورة الحمد

الایات من 1-7

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)»«الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)»«الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)»«مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)»«إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)»«اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)»«صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)»

1 - (بِسْمِ اللَّهِ) الابتداء في الكلام باللّه تعالى والاستعانة به، لأنه الخالق الرازق، وكل الأمور مرتبطة به.

(الرَّحْمَنِ) هو واسع الرحمة فتشمل رحمته الجميع في الدنيا.

(الرَّحِيمِ) هو كثير الرحمة لمن يستحقها فتختص هذه الرحمة بالمؤمنين.

فالابتداء والاستعانة به، توجب رحمته التي يتمكن بها الإنسان

من الانطلاق في الحياة والوصول إلى الهدف المنشود.

2 - (الْحَمْدُ لِلَّهِ) فهو المستحق لكل أنواع الحمد حقيقة،لأنه تعالى يرجع إليه كلُّ كمال.

ص: 11

(رَبِّ الْعَالَمِينَ)، فهو السيد والمربّي لجميع المخلوقات والعوالم كعالم الإنسان والحيوان والجن والملك وغيرهم، وبتربيته كملوا فاستحقوا الحمد.

3 - (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تأكيد لما سبق، وكذلك مقدمة للآية التالية، فإنه يرحم يوم الجزاء، أو تكملة للآية السابقة، فإنه يستحق الحمد لأنه يرحم.

4 - (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وحيث إنه منشأ الرحمة، فإنه يجازي الجميع في يوم الجزاء فلا يُعاقب إلّا الشقي الذي لم يستفد من النِّعم التي حباها إياه فيما يصلح شأنه، وحيث إنه منشأ الرحمة فقد يغفر الذنوب جميعاً إلّا الشرك.

5 - (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) حيث إنه رب العالمين وإليه الرجوع والجزاء فهو الذي له العبادة لا لغيره.

(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) لأن كل الأمور إليه، ففي الأعمال نستعين به لا بغيره.

6 - (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي أرشدنا ودُلنا على الطريق الواضحة، حيث إنه مالك كل شيء، وجزاء الأعمال بيده، وهو منشأ الرحمة، فإنا نطمع في أن يُعلّمنا الطريق الصحيحة التي توصلنا إلى السعادة الأبدية.

7 - (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فإنه من رحمته جعل لنا

ص: 12

الأسوة والقدوة إذ تفضل عليهم واصطفاهم وعصمهم، ثم أمرنا باتباعهم فأرشدونا إلى الحق والصواب.

(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) الذين خالفوا عمداً فغضب عليهم.

(وَلَا الضَّالِّينَ) الذين ضلوا عن الطريق، وقد تكون مخالفتهم عن جهل وقصور.

-----------------------

بحوث:

الأول: الفرق بين الرحمن والرحيم، هو أن الرحمن: واسع الرحمة فتشمل رحمته المؤمن والكافر، فلذا جعلوا هذه الصفة في الدنيا، وأما الرحيم فهو صيغة مبالغة بمعنى كثير الرحمة، فتكون لمن يستحقها، فهي خاصة بالمؤمنين، لذا تكون لهم في الدنيا والآخرة، والرحمن صفة خاصة بالله تعالى فلا تطلق على غيره، وأما الرحيم فتطلق على غيره كقوله تعالى في وصف الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(1)

الثاني: الفرق بين الحمد والشكر والمدح، هو أن الحمد ضد الذم وهو الثناء على الجميل الاختياري، ويكون بالكلام فقط، وحتى في غير النَّعمة، فلذا يحمد الله تعالى على المصيبة أيضاً.

وأما الشكر فهو ضد الكفران، ويكون في النّعمة خاصة، سواء كان

بالكلام أم بالقلب.

ص: 13


1- سورة التوبة، الآية: 128.

وأما المدح فهو ضد الهجاء، ويكون بذكر كمالات الممدوح ، ويشمل حتى ما لا يكون بالاختيار، كما نقول مدحت اللؤلؤ والفرس، بذكر كمالاتها، وإنما قلنا إن الحمد بالكلام ولم نقل باللسان حتى يكون حمد الله لنفسه، على نحو الحقيقة لا المجاز .

الثالث: أنه لا يوجد تكرار في القرآن، بل قد يكون تشابه ظاهري في بعض الكلمات والآيات، ولكن كلُّ في موقعه، بحيث لو زحزح عن موقعه لاختلَّ نظام الآيات، كأبواب غرف الدار فلكل غرفة باب تشابه سائر الأبواب وليس أحدها تكرار للآخر، فقوله الرحمن الرحيم في الآية الأولى وفي الآية الثالثة، لغرضين مختلفين، فلعلّ الأولى لبيان عِلّة الابتداء باسم الله، والثانية لبيان عِلّة حمده تعالى أو كمقدمة لذكر أنه مالك یوم الجزاء، وسيأتي تفصيل بحث عدم التكرار لاحقاً في سورة البقرة في الآية 92، إن شاء الله .

الرابع: العالم هو مجموعة من المخلوقات التي تشترك في صفة أو زمان أو مكان، فلذا يطلق على عالم الإنسان، وكذلك على ذوي العقول، والجمادات والنباتات والحيوانات وغيرها.

الخامس: ذكر ملكيته تعالى ليوم الجزاء، مع أنه مالك سائر الأيام أيضاً، لأن ظهور تلك الملكية هو في يوم الجزاء، وأما في الدنيا فتوجد هنالك ملكيات اعتبارية، وقد ينكر الكفار ملكيته تعالى.

السادس: تُسمى سورة الحمد بأُم الكتاب أي أصله، ولعله لأن هذه السورة تجمع بين توحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الأفعال وتوحيد العبادة، وبين النبوة والإمامة، وبين المعاد وبين الولاية والبراءة من أعداء الله، وبين أهم وظائف العباد.

ص: 14

فقوله تعالى: (رَبِّ الْعَلَمينَ) إشارة إلى توحيد الذات فلا رب غيره، و(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَلِکِ)إشارة إلى توحيد الصفات، و(إيَّاكَ نَعْبُدُ) إشارة إلى توحيد العبادة، وكذلك بيان وظيفة الإنسان في عبادته تعالى،(وَ إِیَّاکَ نَسْتَعِینُ) إشارة إلى توحيد الأفعال فنستعين به في كل أعمالنا ولا نستعين بغيره من الأصنام والأرباب المتفرقين، (اَلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) إشارة إلى القدوات من النبيين وأوصيائهم، كما قال تعالى: (فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (1) و(يَوْمِ أَلْدِّينِ) إشارة إلى المعاد، (غَيْرِ اَلْمَغْضُوبِ) ... إشارة إلى الطرق المنحرفة عن الجادة الصحيحة ولزوم التبري منهم - بالملازمة -.

السابع: الطريق إلى الله تعالى واحدة، قال تعالى: (اَلصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ)

وقال تعالى: (هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ)(2) ولذا قال سبحانه: («صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وبين الذين أنعم عليهم بقوله تعالی: ( أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ) ... الخ ، فالأنبياء عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ كلهم في طريق واحدة كما قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)(3) وإنما الشرائع متعددة، والاختلاف في بعض الأحكام الفرعية كما قال تعالى: (لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)(4)، فكما أن نسخ بعض أحكام الشريعة الإسلامية في زمن الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ لم يوجب تعدد الدين الإسلامي، كذلك نسخ بعض أحكام الشرائع السابقة لا يوجب تعدده ، تأمل.

ص: 15


1- (1) سورة النساء، الآية: 69.
2- (2) سورة الانعام الآية 153.
3- (3) سورة آل عمران، الآية: 19.
4- (4) سورة آل عمران، الآية: 50.

الثامن: دعاء الذين هم على الصراط المستقيم ب(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، لاستمرار الهداية، فإن الإنسان مُعرَّض للانحراف في كل لحظة، وكذلك لزيادة الهداية كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)(1) فإن بصيرة المؤمنين وعملهم يختلفان ولذا اختلفت درجاتهم .

التاسع: من أظهر مصاديق الصراط المستقيم أهل البيت عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ ولذا ورد في بعض الروايات تفسير الصراط المستقيم بأمير المؤمنين عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وبالإمام المفترض الطاعة (2)

ص: 16


1- (1) سورة محمد، الآية: 17.
2- (2) راجع تفسير البرهان، ج1، ص247 فما بعد.

سورة البقرة

ص: 17

ص: 18

سورة البقرة

الآیات من 1-5

(الم (1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ)

ا -(الم) تُقرأ: ألف لام ميم.

2 - و(ذَلِكَ الْكِتَابُ)، إشارة للبعيد للتعظيم، أو لأن الكتاب له سمّو لا تصل إليه العقول كثيراً، (لَا رَيْبَ فِيهِ) لا شك في أنه من الله تعالى، لعجز البشر عن الإتيان بمثله لفظاً ومعنىَّ.

ثم قسّم الله تعالى الناس في مقابل الدعوة إلى أقسام ثلاثة :مؤمن وكافر ومنافق .

القسم الأول من الناس

(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)لأنهم هم الذين ينتفعون به، أما غيرهم فلا

19

ص: 19

يزيدهم إلّا خساراً، وذلك لأن المتقين يحفظون أنفسهم من المغريات ويتحمّلون صعوبات الحق فينتفعون بهذا الكتاب ويهتدون به.

3 - 4 - ولهؤلاء المؤمنين صفات تميزهم عن غيرهم بعضها اعتقاد وبعضها عمل، وهي :

أ - (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) يصدقون بما غاب عن الحواس كاللّه تعالى، فهم لا يرون ظاهر الحياة الدنيا فقط، بل يعلمون بأن وراء الظاهر حقائق معقولة، فيؤمنون بها.

ب - (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) شكراً للمنعم الذي خلقهم.

ج - (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) فلم يكلفوا بما لا طاقة لهم به، بل

أمروا بالإنفاق من بعض ما رزقهم الله .

د - (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) فيؤمنون بأنك رسول من قبل

الله تعالى، وأن القرآن منزل إليك من الله .

ه - (وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) من الكتب السماوية، فلا يفرقون بين أحد من رسله.

و - (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)حيث جزاء الأعمال.

وجمعت في هاتين الآيتين أركان الإيمان، وهي الإيمان باللّه والنبوة والمعاد، وأهم الأعمال وهي الصلاة والإنفاق .

ه - (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ) هداية جاءت من ربهم، لأنهم كانوا محلاً قابلاً لتلك الهداية، بفكرهم وعملهم، (وَأُوْلَيِكَ هُمُ

ص: 20

اَلْمُفلِحون)لأن من يمشي في الطريق الصحيحة يفلح في الدنيا قبل الآخرة، والفلاح النجاح والفوز.

---------------------

بحوث:

الأول: الحروف المقطعة في القرآن، لعل المقصود بها التحدي، فالقرآن متشكّل من هذه الحروف التي ينطق بها الجميع ومع ذلك يعجزون عن الإتيان بمثله، ولذا حينما تذكر الحروف المقطعة يذكر بعدها القرآن مباشرة - غالباً ، ويؤيده ما روي عن الإمام الحسن العسكري عَلَيْهِ السَّلاَمُ «فقال الله تعالى (الم (1) ذَلِكَ اَلْكِتَبُ) أي يا محمد، هذا الكتاب الذي أنزلته إليك، هو الحروف المقطعة التي منها ألف ولام وميم وهو بلغتكم وحروف هجائكم(1)

وقيل إن الحروف المقطعة رمز بين اللّه ورسوله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وقيل غير ذلك .

الثاني: قوله تعالى: (لَا رَيْبَ فِيهِ) ليس إخباراً، لأن كثير من الناس ارتابوا فيه، كما قال تعالى: (وَإِن كُنْتُمْ فِي رَیبْ ِممَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدُنَا)(2)، بل المنفي كونه في مظنة الريب، لأنه من وضوح الدلالة بحيث لا ينبغي لمرتاب الوقوع فيه.

الثالث: كون القرآن هدى للمتقين، لأنهم هم الذين ينتفعون به، وكذلك لزيادة الهدى لهم، وإلا فإن القرآن أنزل للجميع، لكن غير المتقين بأعمالهم أصبحوا محلاً غير قابل للهداية، وبذلك تُفسَّر الآيات التي تدل بأن الهداية

ص: 21


1- (1) تفسير البرهان، ج1، ص209، عن التفسير المنسوب للإمام العسكري
2- (2) سورة البقرة، الآية: 23.

والإضلال من الله تعالى، كقوله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ)(1) وقوله: (مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ)(2) فإن الإنسان بعمله يجعل نفسه محلاً قابلاً للهداية أو للضلال كما قال تعالى:(إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(3) ففسقه سبب عدم نزول هداية الله عليه.

الرابع: الإيمان هو التصديق أي المعرفة مع بناء الإنسان على الإذعان والاعتراف عملاً، والإيمان له مراتب ولذا قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) فأول مراتبه التشهد بالشهادتين ويقابله الكافر، ومن مراتبه الاعتقاد ويقابله المنافق، ومنها ما اشتمل على العمل ويقابله الفاسق، قال الله تعالى:

(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)(4) وقال تعالى : (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) و قال تعالى: (أَفَمَن كَانَ مُؤمِنا کَمَن كَانَ فَاسِقَا)(5)فالإيمان الكامل اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان.

وسيأتي تفصيل هذا الأمر لاحقاً - إن شاء اللّه تعالی ..

الخامس: قوله تعالى: (بالْغَيْبِ) إما على أنه مفعول للإيمان أي يؤمنون بما غاب عن حواسهم، أو بمعنى إيمانهم في حال غيابهم أي أنهم ليسوا كالمنافقين، بل حتى في حال غيابهم الإيمان مستقراً فيهم كما في قوله تعالى:(لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ).(6)

ص: 22


1- سورة القصص، الآية: 56.
2- سورة الفرقان، الآية: 43.
3- سورة المنافقون، الآية: 6.
4- سورة النساء، الآية: 94.
5- سورة السجدة، الآية: 18.
6- سورة يوسف، الآية: 02.

السادس: أقام الصلاة، أي استمر في الصلاة وأدامها، فتفيد المواظبة على الصلاة بشكل مستمر، عكس المنافق الذي يصلي في الملا ويترك الصلاة في الخلاء، أو الإقامة في مقابل الاعوجاج كما في «أقام العود» أي أزال اعوجاجها وجعلها مستقيمة، فيكون المعنى حفظ الصلاة من وقوع الاعوجاج والزيغ فيها، بل أتي بها بشروطها وأجزائها وترك قواطعها وموانعها.

السابع: الرزق هو كل شيء يتمكن الإنسان من الاستفادة منه بلا منع، والمراد هنا هو كل ما أعطاهم الله تعالى سواء كان مادياً كالطعام والمال أم معنوياً كالعلم، كما أشير إليه في بعض الروايات، وفي قوله تعالى:(مِمَّا رَزَقْنَهُمْ) إشارة إلى أن الرزق كلّه من الله تعالى وليس من البشر - أولاً وبالذات - كما قال تعالى: («وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا )(1) فالله تعالی تفضل على العباد بأن رزقهم، ثم أمرهم بإنفاق بعضه - لا كله - امتحاناً لهم، وليعوضهم عنها برزق أكبر في الدنيا قبل الآخرة، ولذا سمي الإنفاق زكاة لأنها في الأصل النمو.

الثامن: اليقين هو العلم الذي تسكن إليه النفس، وكان مطابقاً للواقع، فالقطع الذي يخالف الواقع لا يسمى يقيناً بل هو جهل مرکب، والذي يشوبه الشك أو عدم الاطمئنان لا يكون يقيناً، وعن الإمام الرضا عَلَيْهِ السَّلاَمُ (الإيمان فوق الإسلام بدرجة، والتقوى فوق الإيمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة، وما قُسّم في الناس شيء أقل من اليقين).(2)

التاسع: ذكر الصلاة والزكاة بالخصوص مع كثرة العبادات العملية، لأنهما أساس العبادات البدنية والمالية، ولذا كانت الصلاة عمود الدين والناهية عن الفحشاء والمنكر، وكانت الزكاة تزكية للنفس ونماء في الرزق.

ص: 23


1- سورة هود، الآية: 6.
2- البحار، ج70، ص139.

القسم الثاني من الناس وإن الذين كفروا سواء عليهن ، أندرتهم أم كم ذرهم لا يؤيئون ) تم الله على قلوبهم وعلى اميه و أبصريم غ ه ولهم عذاب

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)

6-(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا)كفراً بعناد (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) أي لا ينتفعون بإنذارك، لأن المعاند لا علاج له فهو على باطله، سواء تمّ تحذيره أم لا.

7- (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) لأنه لا علاج له فيطبع اللّه على قلبه وسمعه بعلامة الانحراف، (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَوَةٌ) أي غطاء، فبعناده أغلق الباب على نفسه فلا يسمع ولا يبصر، وهذا الغطاء على السمع والبصر يمنعه من أن يعي الحق لأن القلب طريقه السمع والبصر عادة، (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) نتيجة لعنادهم وكفرهم.

---------------------

بحوث:

الأول: الكفر من الأمور التي يكون فيها الشدة والضعف، فللكفر مراتب، وأشد مراتبه إنكار الربوبية عن جحود قال تعالى: (وَجَحَدُواْ بِهَا

ص: 24

وَاسْتَیْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ)(1)، ويليه الإنكار عن جهل أو استحسان قال تعالى: (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ)(2)، ثم الكفر بالنِّعم قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(3)ثم ترك ما أمر الله تعالى ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).(4)

وهنالك قسم آخر يختلف عما مضى ويكون من الصفات الحسنة ، وهو البراءة من أعداء الله تعالى قال سبحانه: (فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّغُوتِ) ، وقد يطلق على تبري بعض الكفار عن بعض قال تعالى: (ثُمَّ يَوْمَ اْلقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضِ)، وقد أشير إلى ذلك في بعض الروايات.(5)

الثاني: فائدة إنذار المعاند أحد أمرين:

(1) اختلاط المعاند بغيره فالتبليغ يكون عاماً.

(2) لإتمام الحجة قال تعالى :(أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)(6)

وقيل في معنى الإنذار : إنه التحذير مما يخاف منه من اتساع الزمان

للاحتراز منه، فإن لم يتسع الزمان فهو إشعار.

الثالث: ختم الله على قلب المعاند، قد يكون بمعناه الحقيقي بطريقة غيبية، كما ورد في بعض الأخبار من جعل علامة على قلبه يعرفها الملائكة

ص: 25


1- سورة النمل، الآية: 14.
2- سورة الجاثية، الآية: 24.
3- سورة إبراهيم، الآية: 7.
4- سورة البقرة، الآية: 85.
5- البرهان، ج1، ص297 عن الكافي.
6- سورة الأعراف، الآية: 172.

.

والرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وأميرالمؤمنین عَلَيْهِ السَّلاَمُ (1) وقد يكون بمعناه الحقيقي بطريقة طبيعية، بمعنى أن الله جعل من طبيعة الأعمال التي يرتكبها المعاند أنها تؤدي إلى إغلاق قلبه على الهداية كما قال تعالى:( بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ )(2) و قال:(كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)(3) وقد يكون بمعناه المجازي تشبيهاً للمعاند بالكيس الذي ختم عليه فلا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء.

الرابع: تخصيص السمع والأبصار بالذكر، لأنهما عادة يكونان الطريق إلى الفهم، وإلا فإن سائر الحواس طريق إليه قليلا، وقوله تعالى: (وَعَلَى سَمْعِهِمْ) قد يكون عطفاً على (قُلُوبِهِم) أي ختم على سمعهم، كما في قوله تعالى:( وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً )(4) وقد تكون الواو للاستئناف أي على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، والغشاوة الغطاء قال تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ... )(5)

والختم على القلوب والسمع، والغشاوة على الأبصار، من فعل الله ، نتيجة لعناد الكافر - بالمعنى الذي مر - ولذا قال تعالى :(وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ) وليس كما قيل من أن الختم من الله والغشاوة من الكافر.

ثم إن الختم والغشاوة في الدنيا ، تمنعهم من السعادة الدنيوية كالصُّم العمي الذين لا يتمتعون بكثير من النِّعم الدنيوية، وتوجب الشقاء في الآخرة، ولذا أتم الله تعالى الآية بقوله : (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

ص: 26


1- البرهان ج 1، ص 272.
2- سورة النساء، الآية: 100.
3- سورة غافر، الآية: 30.
4- سورة الأنفال، الآية: 22.
5- سورة الأنفال، الآية: 22.

القسم الثالث من الناس

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

8-(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ)هم منافقون، ومعنى النفاق أن (يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) والإيمان باليوم الآخر من لوازم تصدیق الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، فالمنافق باللفظ يؤمن بأركان الإيمان الثلاثة،(وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) حقيقة.

9- وغرضهم من إظهار الإيمان (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) حتى يكسبوا المنافع الدنيوية للإيمان ويدفعوا مضار الكفر، (وَ) لكن

ص: 27

في الحقيقة (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) لأن عملهم هذا يوجب خسران الدنيا والآخرة (وَمَا يَشْعُرُونَ) إذ لو أحسوا بأنهم يخدعون أنفسهم لم يقدموا على النفاق. 10 - (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)لأن النفاق مرض نفسي، (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضَّا) لأن استمرار نزول الآيات يزيد عنادهم وجحودهم وإنكارهم لتلك الآيات،(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) لأن ظاهرهم خلاف باطنهم فهو نوع من الكذب.

11۔(وَ)من صفات المنافقين أنهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) بإثارة الفتن وإفشاء سر المؤمنين (قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) إذ يتوهمون أن الإسلام هو إفساد، فهم بعملهم ووقوفهم أمام انتشاره يريدون دفع الفساد.

12 - (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) لأن عملهم تخریب، وهو أكثر ضررة من عمل الكفار (وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ).

13 - (وَ)وه من صفاتهم أنه (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا) إيماناً حقيقياً (كَمَا آمَنَ النَّاسُ) والقائل من لا يخافونهم و(قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ) والسفه: قلة العقل، فإنهم يتخيلون أن المؤمنين قليلو العقل، (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) لأنهم على طريق الباطل وهو أشد أنواع قلة العقل (وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) .

14 - (وَ) من صفاتهم أنهم ذوو وجهين ولسانين فإنهم (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) أي أمثالهم من

ص: 28

المنافقين أو الكفار (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) أي موافقوكم على دينكم، (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) بالمؤمنين.

15 - ولكن نتيجة عملهم ستعود عليهم إذ (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) أي يعمل بهم عمل المستهزيء، فيجري عليهم أحكام المسلمين في الدنيا، ويعاقبهم أشد من عقاب الكفار (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ) أي يتركهم وشأنهم، فلا يشرق على قلوبهم نور الإيمان، حتى يبقوا على هذه الحال (يَعْمَهُونَ) أي يتحيرون، والعمه: عمى القلب والبصيرة.

16 - (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) فأخذوا الضلال وأعطوا الهدى، (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) فلم يستفيدوا شيئا (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) بل خسروا حتى رأس المال.

-------------------

بحوث:

الأول: إن الله تعالى في هذه الآيات المباركات:

أولاً: يبيّن معنى النفاق، وأنه مرض، وأنه يتجذّر كلما مضى عليه زمان.

وثانياً : بيَّن صفات المنافقين، وأنهم مصابون بازدواجية في الشخصية، وأنهم مفسدون، وأنهم مصابون بعقدة العظمة فيتوهمون أنهم مصلحون وغيرهم سفهاء، وأنهم متملقون، وأنهم متلوّنون، فمع المؤمنين بشكل ومع أمثالهم بشكل آخر.

ص: 29

وثالثاً : يبيّن نتيجة عملهم بأن لهم عذاب أليماً، وأن الله يستهزيء بهم، وأنه يزيدهم في تحيرهم، وأنهم يخسرون كل شيء.

الثاني: المنافق هو الذي لم يعقد قلبه على الإيمان، أي لم يذعن به، وبعبارة أخرى قلبه يرفض الإيمان، حتى وإن كان يعلم علم اليقين صحته، فالذي يعلم بصدق الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ويتلفظ الشهادتين ويأتي بالعبادات إذا لم يعقد قلبه على الإيمان فهو منافق، فإن كثيرا من المنافقين كانوا يعلمون صدق الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ)(1) لكنهم حسداً أو

المصلحة دنيوية أخرى لم يعقدوا قلبهم على لتصديق به.

والمنافق أسوأ من الكافر، لأنه خلط بالكفر تدلیساً وخداعاً واستهزاءً، ولذا قال تعالى: (هُمُ اَلْعَدُوُّ)(2) وقال سبحانه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)(3)

الثالث: (ُيَخدِعُونَ اللَّهَ) تعالى، أي يفعلون فعل المخادع، فيظهرون

ما لا يريدونه ويريدون ما لا يظهرونه.

ومحاولتهم لأن يخدعوا الله : إما لضعف عقيدتهم بالله وصفاته فيتوهمون أنه لا يعلم بما في النفوس، وإما لزعمهم أن الله لا يهمه ما في القلوب بل ينظر إلى ظاهر العمل، فيكون معنى يخادعون يريدون حصول النتيجة وهي الثواب وعدم العقاب كما يحصل المخادع على النتيجة، وإما المراد أنهم يريدون خداع الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والمؤمنين فقط، ولكن اللّه تعالی ذکر نفسه تعظيماً لرسوله وللمؤمنين وتقوية لجانبهم.

ص: 30


1- سورة النمل، الآية: 14.
2- سورة المنافقون، الآية: 4.
3- سورة النساء، الآية:: 145.

الرابع: عاقبة الخداع تعود عليهم فيلحقهم الضرر، فهم يجري عليهم أحكام المؤمنين ويتحملون صعوبات الإيمان، ولا يشتركون مع المؤمنين في ثوابه، وفي كثير من الأحيان ينكشفون فيبتعد عنهم المؤمنون ولا يشركونهم في أسرارهم ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ) .

الخامس عدم شعور المنافقين هو بسبب فقدانهم المقاييس الصحيحة، والشعور هو الإحساس بالشيء الدقيق واللطيف، وهو يحتاج إلى نظر واستدلال وتأمل، لكن من فقد المقياس لا يمكنه الإحساس فيتوهم أنه خادع في حين أنه منخدع فلذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).

السادس: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضُ) المرض هو الخروج عن حد الاعتدال،

وهؤلاء المنافقون قلوبهم فيها النفاق والشك، فهي خارجة عن فهي مريضة بمرض نفسي، كما أن الاعضاء قد تصاب بالمرض الجسمي . وهذا المرض النفسي - أي النفاق - قابل للعلاج، شأنه شأن أي مرض آخر، كما روي «ما خلق الله داءً إلا وجعل الله له دواءً»(1) ، ولكن ممارسته تؤصله وتجذره في النفس، كما أن المريض إذا لم يعالج مرضه وباشر ما يضّر الجسم، ازداد المرض وتجذر بحيث يصل إلى حدّ يمتنع

علاجه.

السابع: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) لعله بمعنى أنه كلّما نزل وحي جديد ازدادوا كفراً في قلوبهم بإنكار هذا الوحي، لأن قلوبهم ملتوية، فحتى لا يتسلط النور الرباني عليها زادوا في التواء قلوبهم، ولأن هذه الزيادة في

ص: 31


1- البحار: ج 59 ، ص 66 ، ج 10.

المرض لما كانت حين نزول الوحي نسبت إلى الله تعالى، أو كلما ازداد تقدم الإسلام ازدادوا حسداً وبغضاً .

الثامن: ﴿بِمَا كَانوا يَكْذِبُونَ) كذب المنافق بمعنى مخالفة ظاهره لباطنه، أما الكلام الذي ينطق به من الشهادتين ونحوهما فإنه صدق يطابق الواقع ولذا قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنٰفِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنٰفِقِينَ لَكَذِبُونَ)(1) فجاء بجملة معترضة وهي (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) ، حتى لا تنصرف شهادة الله بكذبهم إلى ما قالوه وهو (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) ، بل لبيان أن ما قالوه وإن كان حقاً لكنه

خلاف ما أضمروه في قلوبهم، فهم كاذبون في إخبارهم عما في قلوبهم.

التاسع: إن المنافق ينكشف كثيراً ، لأن ما في قلب الإنسان يظهر على جوارحه غالباً كما قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) (2) وروي أنه ما أضمر أحد شيئاً إلا وظهر في صفحات وجهه وفلتات لسانه» (3)، ولذا يضطر إلى تغطية نفاقه بأكاذيب أخرى، كما في قولهم ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) فإنهم أنكروا أنهم مفسدون وقالوا - مثلاً - إنا لا نعمل بالمعاصي ولا نمالئ الكفار، وهذا الكلام وأشباهه زيادة في نفاقهم، ويمكن أن يكون مرادهم أن ما يعملونه من إثارة الفتن إنما هو إصلاح، لزعمهم أن الإسلام فساد يجب القضاء عليه عبر الإثارة عليه لأن القضاء على الفساد إصلاح !!

العاشر: تعبير الله تعالى عنهم ب (إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ ) وهذه الجملة مما

ص: 32


1- سورة المنافقون، الآية: 1.
2- سورة محمد، الآية: 30.
3- نهج البلاغة : ص 603 ، رقم الحكمة 26.

تفيد الحصر، لأن فسادهم أكثر من فساد الكفار، ولذا قال تعالى (هُمُ الْعَدُو) (1) على الحصر أيضاً، لأن العدو الباطن المتستر بلباس الصديق يمكنه الإيقاع والضرر أكثر مما يمكن للعدو الظاهر، والفساد في الكون إنما يكون من طرف الإنسان ولذا قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ ) (2) وذلك لأن الكون مبني على الاستقامة، وكل شيء سائر على خط واحد نحو هدفه الواحد، فالفساد في الكون لا يحدث من أي عنصر من عناصره، لأن الكون معصوم بكل جزئياته قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَالْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَابِعِينَ) (3) فالفساد إنما يأتي من قبل الإنسان، وإذا حدث اصطدام فلا يمكن إزالته إلا عبر إنسان آخر منسجم مع الكون(4).

الحادي عشر: قولهم (كَمَا ءَامَنَ السُّفَهَاءُ) وتعبيرهم السفهاء عن المؤمنين، إما لأجل أن أكثر المؤمنين كانوا من الفقراء، والمنافقون كانوا عادة من الملأ من القوم، وإما لأجل أن يدفعوا عن أنفسهم الاعتراض بهذه ،الحجة، بأن المؤمنين هم سفهاء ونحن أصحاب عقول ولذا خالفناهم !!.

الثاني عشر: قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) أي قليلو العقل، وسبب ذلك أنهم يفعون فعلاً لا يشبه فعل المؤمنين ولا فعل الكفار،

فيضيعوا على أنفسهم الطريقتين، فيضيعوا من حيث ظنوا أنهم یحفظون.

الثالث عشر: قوله تعالى: (لَا يَشْعُرُونَ) ،تارة، وقوله: ﴿وَلَا يَعْلَمُونَ

ص: 33


1- سورة المنافقون، الآية: 4.
2- سورة الروم، الآية: 41 .
3- سورة فصلت الآية: 11
4- خواطري عن القرآن ج 1، ص 105.

تارة أخرى لفرق بين الموردين، ففي الأول حيث إن تشخيص أن المؤمنين على حق وأن المنافقين مفسدون يحتاج إلى اعمال نظر ودقة وهم لم يحسوا بذلك ولم يشعروا به، لذا قال تعالى: ﴿وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ)، وفي الثاني حيث إن السفه قلة العقل، وهو سبب لعدم العلم كثيراً فلذا قال :تعالى: ﴿وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ) لأن السفيه جاهل لا يعلم.

الرابع عشر: قولهم لسائر المنافقين أو للكفار (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ دليل آخر على نفاقهم، لأنه لو كان الأمر بالعكس، بأن أظهروا الكفر تقية لم يزيدوا على إظهاره لأن من يستعمل التقية يكتفي بها بمقدار اضطراره كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بِالْإِيمَنِ ﴾ (1)

والفرق بين التقية والنفاق، أن النفاق هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر والتقية هي إظهار الكفر وإبطان الإيمان كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنُ مِنْ عَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَنَهُ)(2) .

انتاج ال

الخامس عشر: (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم)، بمعنى أنه يفعل بهم فعل المستهزىء، فيجري عليهم في الدنيا احكام المسلمين، ويعاقبهم في الآخرة عقاب الكافرين بل أشد كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلِ مِن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) (3) وقال سبحانه: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ)(4) وبعبارة أخرى يجازيهم على استهزائهم.

السادس عشر: قوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ) امدادهم بمعنى منعه

ص: 34


1- سورة النحل، الآية: 106.
2- سورة غافر، الآية: 28
3- سورة الرعد، الآية: 23
4- سورة الجاثية، الآية: 33.

الطافه عنهم، تلك الألطاف التي توجب الهداية، فإنهم بسبب انحرافهم وتوغلهم في الكفر حرموا أنفسهم من رحمة الله تعالى - كما مرّ نظير ذلك في قوله تعالى: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)...

السابع عشر: قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى) الاشتراء هو الاستبدال، وإنما قال ذلك مع أنهم لم يكونوا مؤمنين أصلاً حتى يعطوا الإيمان ويأخذوا الضلال، لأن الإيمان من الفطرة، فهم أعطوا الإيمان الذي كان في فطرتهم وأخذوا بدله كفراً، أو لأنهم اختاروا الكفر فكان كالاستبدال، لأن الهدى كان في متناولهم فإذا تركوه كانوا كأنهم أبدلوه، أو لأن بعضهم كانوا قبل البعثة يؤمنون بالرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ويبشرون به وبعد البعثة كفروا كما قال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُوا بِهِ )(1)

الثامن عشر: قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تِجٰرَتُهُمْ) لأنهم أعطوا رأس مالهم وهو عمرهم وقدراتهم، فلم يجلبوا الربح وهو الثواب الدنيوي والأخروي فحسب، بل خسروا رأس المال أيضاً، ولذا أكمل سبحانه الآية بقوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) لأنه كثيراً من الأحيان التجارة لا تكون رابحة مع بقاء رأس المال بحيث يرجى ربحه في تجارة أخرى، لكن هؤلاء لم يربحوا وخسروا رأس المال وأصابهم عذاب الله تعالى.

ص: 35


1- سورة البقرة، الآية: 89

الآيات 17-20

(مَثَلُهُمْ كَمَن كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمٰتِ لَا يُبْصِرُونَ«17» صُمٌ بُكُمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ «18» أَوْ كَصَيْبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبْعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطُ بِالكَفِرِينَ«19» يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ).

17 - لتوضيح حال المنافقين ذكر الله تعالى مثلين :

المثل الأول: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ اَلَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) أي اشعل ناراً، وكان ذلك في وقت مظلم، ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ) النار (مَا حَوْلَهُ) أي أطراف هذا المستوقد (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ أي أطفأ تلك النار، بإرسال ريح أو مطر أو بانتهاء الوقود (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَتِ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ ، فهؤلاء المنافقون بإسلامهم أناروا الدرب لأنفسهم، ولكن حيث إنه إسلام ظاهري فاستفادتهم كانت لفترة قليلة، وبعدها كان حالهم حال سائر

الكفار.

18 - هؤلاء المنافقون لعدم انتفاعهم بوسائل الفهم يكونون كالأخرس الذي لا يسمع ولا يرى(صُمٌّ) جمع أصم وهو الأطرش

ص: 36

بالولادة (بُكْمٌ)جمع أبكم وهو الأخرس بالولادة (عُمْىٌ) جمع أعمى، فكما أن هؤلاء لا يتعرفون على كثير من الحقائق المادية لفقدهم وسائلها (فَهُمْ) أي المنافقون كذلك، لفقدهم وسائل الهداية، فإنهم لا ينتفعون بما يسمعون ويرون ولا ينطقون بالحق و(لَا يُرْجَعُونَ) عن غيّهم، لإغلاقهم أبواب المعرفة على أنفسهم بإغلاقهم السمع والبصر والنطق .

19 - المثل الثاني: (أَوْ كَصَيِّب) أي مطر (مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَتٌ) ظلمة السحاب وظلمة المطر وظلمة تراكم السحب، فإن كل

واحد منها يحول بين الأرض ونور القمر أو النجوم، ﴿وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) يخافون منهما، فهؤلاء الذين ابتلوا بهذا المطر (يَجْعَلُونَ أَصَبْعَهُمْ فِي

ءَاذَانِهِم) لخوفهم (مِنَ الصَّوَاعِقِ) التي تقرع الأسماع ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ) لأن الصوت الشديد يوجب انخلاع القلب، (وَ) لكن جعل الأصابع في الآذان لا يفيدهم لأن (وَاللهُ مُحِيطُ) بعلمه وقدرته (بِالْكَفِرِينَ) .

20 - (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ) أي يعميهم (كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم ﴾ الطريق بنوره (مَشَوْا فِيهِ) أي في البرق والمراد مشوا مستفيدين من نور البرق، (وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ) بأن توقف البرق (قَامُوا) أي وقفوا، (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ بصوت الرعد من الصاعقة (وَأَبْصَرَهُمْ) بالبرق، فإن الصوت القوي والنور القوي قد يذهبان بالسمع والبصر، (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلا يمنع قدرته الوسائل الظاهرية كوضع الأصبع في الأذن أو تغميض العين.

ص: 37

فالإسلام كالمطر الذي فيه النفع وفيه بعض الصعوبات، وهؤلاء لم يستفيدوا منه إلا قليلاً، وهم في خوف من الأخطار والأضرار .

بحوث

الأول: سبب ذكر المَثَل هو تسهيل الفهم، وذلك لأن الأمثال في القرآن لتشبيه المعقول بالمحسوس، وذلك مما يسهل الفهم، لشدة أنس الناس بالمحسوسات، قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ

يَتَذَكَّرُونَ )(1) وقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَرُونَ)(2) فيكون التمثيل زيادةً في الكشف، كما في بيان العلماء الأشباه والنظائر في الفقه تقريباً للمسألة.

الثاني: المثل الأول (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) لعله تكملة للآية السابقة، فإن المنافقين اشتروا الضلالة بالهدى فهم كالمستوقد ناراً الذي يبدل بالنور ظلمه.

وحاصل المثل أنه شبهت حيرة المنافقين بما يكابد من طفئت ناره في ليلة مظلمة، فإن النفاق لا يؤثر لمدة طويلة بل لمدة قليلة، وبعدها يفتضح المنافقون في الدنيا وينالهم العقاب في الآخرة، وبعبارة أخرى : إن المنافقين بإسلامهم ظاهراً يعاملون معاملة المؤمنين في الدنيا، فيصاهرون المسلمين، ويوارثوهم، ويأمنون على أولادهم وأموالهم، لكنهم مفضوحون عند الناس، وحينما يموتون يعاملونه معاملة الكفار، كما أن من يُضيء ناراً يستضيء بها ويرى حوله، فلما تطفأ يعود إلى الخوف.

ص: 38


1- سورة إبراهيم، الآية: 25
2- سورة الحشر، الآية: 21

﴿

الثالث: (اسْتَوْقَدَ نَارًا) أي طلب الضياء بإشعال النار، فللوصول إلى النور أشعلوا ناراً، ومثلهم عكس مَثَل المؤمنين الذين يحصلون على النور من دون نار ومضارها ، وهو تشبيه بليغ، ولعل المراد أنهم بإظهار الاسلام نفاقاً جلبوا لأنفسهم ناراً تحرقهم من دون نور، لأن الله تعالى أذهب النور وأبقى النار، ولذا قال تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ولم يقل بنارهم، وقيل: إن نار جهنم هي نار من دون نور في ظلمة، وهذا النور لعله حدث حينما نطقوا بالشهادتين لكن ذهب بنفاقهم ، وقيل هو نور الفطرة زال بالنفاق.

الرابع : فإنهم هُم لأنهم لم يحسنوا الإصغاء إلى أدلة الله تعالى قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُم مُعْرِضُونَ (1) ، وهم بكم لا يقولون الحق ولم يقروا بالله ورسوله، فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس)، وهم عُمى لا يُبصرون الحق فلا ينظرون إلى ملكوت السماوات والأرض.

الخامس: قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ ﴾ أي لم يُعِنْهم، ولم يلطف بهم، وخلّى بينهم وبين نفاقهم لأن الله تعالى لا يوصف بالترك، لأنها صفة مكانية والله تعالى منزه عن المكان بل هو خالقه.

قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾(2)فهؤلاء سواء مع الصم والبكم والعمي، في عدم انتفاعهم بجوارحهم، فالمراد إنه تعالى عَلم بأنهم لا يرجعون عن الكفر والضلالة، فمنعهم المعاونة واللطف وخلّى بينهم وبين اختيارهم.

السادس: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْجِعُونَ ﴾ أي عن ضلالتهم، وعدم الرجوع

ص: 39


1- سورة الأنفال، الآية: 23
2- سورة الحج، الآية: 46.

فرع أي حيث إنهم صموا وأبكموا وعموا لم يُرجَ فيهم الخير، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُسمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَوْا مُدْبِرِينَ)(1) وذلك تسجيلاً عليهم بطبع قلوبهم.

السابع: المثل الثاني (أَوْ كَصَيِّبٍ...) أي كما أن المطر الشديد فيه ظلمات، وفيه برق ينير الطريق، وفيه رعد يخوف السامعين، وفيه صواعق تحرق كذلك الإسلام فيه ظلمات للمنافقين، لأنه لو أمر بالجهاد فالمنافق في ظلمة حيرته فلا يمكنه قبول الجهاد لعدم اعتقاده ولا يمكنه التخلّف خوفاً من كشف أمره، وفيه رعد وهو تهديدات الإسلام لمن خالف والمنافق لا يريد سماع تلك التهديدات لئلا يظهر الخوف على وجهه فيتبيّن نفاقه، كما قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ ثنَيْتُهُم بِمَا فِي قُلُوبهمْ قُلِ اسْتَهْزِرُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ) (2)، وفيه - أي الاسلام - برق ينير الدرب بتقدم المسلمين واكتسابهم للمغانم، وفيه صواعق وهي العقوبات التي يخاف المنافقون منها ، قال تعالى: ﴿لَن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا «60»مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا تُقِفُوا أُخِذُواْ وَقُتِلُوا تَقْتِيلاً) (3).

وقيل هو تشبيه بالقرآن، أي شبه المطر المنزل من السماء بالقرآن، وما فيه من الظلمات بما في القرآن من الابتلاء، وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر وما في المطر من البرق بما فيه من البيان وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد آجلاً والدعوة إلى الجهاد عاجلاً .

ص: 40


1- سورة النمل، الآية: 80.
2- سورة التوبة، الآية: 64 .
3- سورة الأحزاب، الآيتان: 60 - 61 .

وقيل هو تشبيه بالدنيا تجمع نفعاً ،وضراً، وكذلك نفاقهم فيه النفع الدنيوي من المناكحة والموارثة حقن الدم والضر الدنيوي بالفضح والأخروي بالعذاب.

الثامن: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ) جملة مستأنفة لأن المثل انتهى بقوله

تعالى: ﴿قَامُوا)، والمعنى كما أن الله تعالى يتمكن من إذهاب بصره- وسمعهم بالبرق والرعد وهي أسباب ظاهرية، كذلك يمكنه ذلك من دون سبب ظاهري، لأن الأمور كلها بيد الله تعالى، فهو الذي جعل شيئاً علة لشيء آخر، ويمكنه سلخ هذه العلية أو تبديلها أو فعل الشيء مباشرة من

دون واسطة.

التاسع: قوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الشيء له معنى واسع يساوي الوجود، ويصح إطلاقه على المعدم لبعض الاعتبارات فيشمل الموجود والمعدوم، ويصح إطلاقه على الله تعالى فعن الإمام الجواد عَلَیهِ اَلسَلَام سئل : «يجوز أن يقال لله شيء؟ قال : نعم يخرجه عن الحدين حد التعطيل وحدّ التشبيه»(1).

ومعنى قوله على كل شيء قدير : إنه قادر على المعدومات بأن يوجدها، وعلى الموجودات بأن يفنيها أو يتصرف فيها، وعلى مقدور غيره بأن يمنعه عنه أو يتصرف فيه كما يشاء(2)

العاشر: الفرق بين المثلين أن المثل الأول: حال للمنافق أي المنافق كالمستوقد ناراً، والثاني: حال الهداية بالاسلام أو القرآن التي تصيب المنافق، فلا ينتفع بها، كالمطر الذي لا ينتفع به مع أنه خلق رحمةً.

ص: 41


1- الكافي ج 1، ص 82.
2- بل هو قادر على الممتنعات - بمعنى عدم قصور قدرته - وإن لم يكن لها قابلية، فالنقص منها.

ص: 42

(فصل) أركان الإيمان

ص: 43

ص: 44

الآیتان 21-22

(يأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ«21» الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ. مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) .

وبعد أن أنهى الله تعالى تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق وبيان أوصاف كل واحد منهم بدأ بدعوة الناس إلى اتباع الصنف الأول وهم المتقون وبيان أركان الإيمان الثلاثة :

1 - التوحيد .

2 - النبوة .

3 - المعاد .

21

الركن الأول: التوحيد

21 - (يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) لا الأرباب المتفرقين، وأنعم عليكم ربكم بنعم جمة أولها أنه (ألَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) بهذه العبادة.

ص: 45

22 - ومن نعمه أنه هو (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشَا) أي كالفراش لراحتكم ، (وَ) من نعمه أنه جعل (وَالسَّمَاءَ بِنَاءَ) كالسقف تحمي الأرض من قذائف الفضاء ومن إشعاعات الشمس وغيرها، (وَ) من نعمه أنه (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ) أي من جهة العلو(مَاءَ) (فَأَخْرَجَ بِهِ) أي بسبب الماء (مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ) فهذا الرب هو الذي يجب أن يُعْبَد ، لا الأرباب المتفرقون العاجزون عن كل ذلك، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا) أي شركاء (وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) أي تعقلون بأنها لا تتمكن من كل ذلك، أو أنتم تعلمون أنها باطلة وأنه ليس لله شريك.

------------------------

بحوث

الأول: قوله: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ) التفات، فكأنه حدَّث تعالى عن الغائبين وقسمهم إلى ثلاثة أقسام التفت إلى المستمعين وغيّر الكلام من الغيبة إلى الخطاب، والالتفات أبلغ وأوقع في النفوس، وهذا خطاب عام يشمل المؤمنين حتى يستمروا في العبادة ويزيدوها، والكافرين حتى يتركوا عبادة

غیره ويعبدوه سبحانه.

الثاني: وصف الرب بقوله : (الَّذِى خَلَقَكُم) لأجل إخراج الأرباب المتفرقين لأن المشركين كانوا يعتقدون بأرباب بشرية أو الأصنام أو غيرها.. ولكنهم كانوا يعلمون أنها لم تخلقهم ولا غيرهم، فالوصف لتخصيص العبادة اللَّه تعالى، ولأجل تحفيزهم لعبادته تعالى، بذكر نعمه سبحانه وتعالى، وأولى تلك النّعم هي خلقهم وسائر النعم متفرعة عليه.

ص: 46

الثالث: ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) لعله لأجل أن استدلالهم بعبادة الأصنام، أنهم وجدوا آباءهم يعبدونها وهم يقتدون بآثارهم، فأجابهم تعالى بأن آباءكم ومن كانوا قبلكم أيضاً مخلوقون لله تعالى، فكان عليهم أيضاً عبادته، ولا يصح اتباعكم لخطئهم وكذلك لأن النّعم لا تتم على الإنسان إلّا بالنّعم على الآباء.

الرابع: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الأظهر أن هذه العبارة علّة للأمر بالعبادة السياق الآية، ولأنه دعوة لهم ليكونوا من القسم الأول من الناس - وهم المتقون - الذين أشار إليهم بقوله في أول السورة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ، فعبادتهم الله تعالى يسوقهم إلى التقوى فيكونون من المتقين الذين يكون القرآن هدى لهم ، وقيل إنها علّة للخلق أي خلقكم لكي تتقوا كما في قوله :تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون)(1)

الخامس: (لَعَلَّكُمْ) لعلّ من الله تعالى واجب، إذ الترجي لا يعقل من الله تعالى، لأنه ناشيء عن الجهل، فإن من لا يعلم المستقبل يرجو الخير فيه، وأما من يعلم فلا معنى لرجائه، وعن الإمام العسكري علیه السلام لعل من الله واجب لأنه أكرم من أن يُعَنِّي عبده - أي يوقعه في المشقة - بلا منفعة، ويطمعه في فضله ثم يخيبه ألا تراه كيف قبح من عبد من عباد إذا قال لرجل «أخدمني لعلك تنتفع بي ولعلي أنفعك بها ثم يخيبه ولا ينفعه»(2).

وإنما جيء بلعلّ ترقيقاً للموعظة وتقريباً لها من قلب الموعوظ، أو لأجل أن لا يكون العبد آمناً بعمله بعد أن توهم ضمان الجنة بل ليبقى بين الخوف والرجاء ليزداد عملاً ،وتقوى وقيل إن لفظة «لعل» في كلام الله

ص: 47


1- سورة الذاريات الآية: 56 .
2- البرهان ج 1 ، ص 296 .

تعالى هي ترج للمخاطبين كما في قوله تعالى : (فَقُولَا لَهُ فَوْلًا لَّيْنَا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(1) فكأنه قال تعالى : اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في هدايته.

السادس: إن القرآن الكريم حيث أنزل لهداية الناس، فإنه يختار أفضل الطرق تأثيراً في الناس، ومنها بيان علل الأحكام، فإن الإنسان إذا عرف فائدة الشيء كان أكثر تخفراً من جاهلها، وكذلك من عرف مضار شيء كان أشدّ امتناعاً ممن لا يعلمها، وحينما نراجع آيات التشريع نجد ذكر العلل ولو بالإشارة إليها كما في قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) إلى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(2) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)(3) وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ )(4) وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ) إلى (لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ)(5) ، وهكذا في هذه الآيات.

السابع: كون الأرض فراشاً لأن جميع وسائل الراحة متوفرة فيها كالفراش الذي يستريح عليه الإنسان وكون السماء بناءً لأنها كالسقف الذي

الإنسان من الحرّ والبرد والمطر والشمس ونحوها، فإن السماء يحمي تمنع قذائف الفضاء فتحرقها، وكذلك من الأشعة المضرة للشمس الأرض من

وكذلك الإشعاعات الأخرى، وغيرها.

الثامن ومن نعمه تعالى أنه جعل بين الأرض والسماء ملاءمة تامة

ص: 48


1- سورة طه، الآية: 44 .
2- سورة البقرة، الآية: 183.
3- سورة العنكبوت الآية: 45 .
4- سورة المائدة، الآية: 91
5- سورة الحج، الآية: 28.

بحيث إنه أنزل المطر من السماء إلى الأرض، فالسماء تسمح بارتفاع البخار بنسبة معينة لا يضيع معها في الفضاء بل يرجع إلى الأرض بشكل ماء. التاسع: مِنَ الثَّمَرَاتِ هذه من نعم الله تعالى أن جعل المطر ينبت به بعض الثمرات كالفواكه وغيرها - والبعض الآخر ينبت بسائر المياه من غير المطر، ولكن لما كان أغلب مياه الزرع من المطر خصصه بالذكر، وكذلك المناسبته مع ذكر الأرض والسماء، وهذا من آيات الله تعالى حيث إن الأرض واحدة والسماء واحدة والمطر واحد، ولكن مع ذلك تختلف الثمرات في مذاقها وألوانها وفوائدها وغير ذلك.

العاشر: حيث إن الخلق من الله والرزق منه فيجب اخلاص العبادة له، لأنّ من يزعمهم الكفار أنداداً وشركاء الله ليس لهم من الأمر شيء، بل هم مخلوقون مثلهم، وهذه الحقيقة يعرفها حتى المشرك ولذا اكمل سبحانه وتعالى الآية بقوله: ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي تعلمون أن هؤلاء الأنداد لا يقدرون على شيء، أو أن تعلمون بمعنى تعقلون، أي أنكم أصحاب عقول

تعلمون أن الأصنام أو من تعبدونهم من الناس إنما هم عباد أمثالكم.

ص: 49

الآیة 23

الركن الثاني: النبوة

(وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَادْعُواْ

شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ الله إن كُنتُمْ صَدِقِينَ ) .

23 - الركن الثاني من أركان الإيمان الاعتقاد بنبوة محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وأنه رسول الله وأن القرآن منزل من قبل الله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ

أيها المشركون (في رَيْبِ) أي شك (مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ) واحدة ولو بمقدار أصغر سورة كالكوثر (مِّن مِثْلِهِ) أي مثل القرآن الكريم، (وَ) يمكنكم الاستعانة بمن شئتم ف(وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُمْ) الذين يشهدون معكم أن القرآن مفترى (مِن دُونِ اللَّهِ) أي الشهداء ممن شئتم من الجن والإنس (إن كُنتُمْ صَدِقِينَ) في شككم، بأن لم تكونوا معاندين، فلذا تنفعكم هذه الحجة وهي عجزكم عن الإثبات بمثله، أما إذا لم تكونوا صادقين في شككم بل كان التكذيب عن عناد - بعد علمكم بأنه منزل من الله - فلا تنفعكم هذه الحجة لأن المعاند لا علاج له.

---------------------

ص: 50

بحوث

الأول: قوله: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا) تأكيد بأن هذا القرآن من قبل الله تعالى ولذا لم يقل في ريب من القرآن ونزَّلنا من باب التفعيل وهو - على الأغلب - الإتيان به نجوماً، أي مفرقاً حسب الأزمان والمناسبات، وأما الإتيان به دفعة فهو الإنزال - عادة - من باب الإفعال قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(1) أي دفعة واحدة، ولعل من أسباب ريب بعض المشركين هو التنزيل التدريجي وأن القرآن لو كان من عند الله فلماذا لا ينزل دفعة واحدة قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةً )(2) فيأتي الجواب بأنكم إن كنتم في ريب فأتوا بسورة واحدة من مثله .

الثاني: سبب المعاجز هو التأكيد على صدق مدعي النبوة، وذلك لأن النبوة منصب عظيم له تأثير على الناس أكثر من تأثير الحكومات، فلذا كثر المتنبئون الذين يدعون النبوة زوراً وبهتاناً، فللتفريق بينهم وبين الأنبياء خصّ الله تعالى أنبياءه بالمعاجز التي تُظهر صدقهم ، وليست المعاجز لتغيير سنن الكون أو إلجاء الناس إلى اتباع الأنبياء، ولذا نرى الأنبياء ساروا في الأسباب الطبيعية التي أودعها الله تعالى في الكون، فأفضلهم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم اضطر للدفاع عن الإسلام بخوض أكثر من ثمانين غزوة وسرية، وقُتِل من أصحابه، وجرح هو في أحد، وتحمّل الأذى، وأرسل المبلغين وغير ذلك من الأسباب الطبيعية، نعم في موارد قليلة ولمصلحة إلهية كانت المعجزة لتغيير الأسباب الطبيعيّة، كفلق البحر لموسى علیه السلام وإرسال الملائكة في غزوة بدر ، وحتى في هذه الموارد هنالك احتمالات أخر.

ص: 51


1- سورة القدر، الآية: 1.
2- سورة الفرقان الآية: 32 .

الثالث : لماذا القرآن معجزة؟ وكيف؟ ولماذا يعجز البشر عن الإتيان بمثله ؟

الجواب إنَّ القرآن مزيج من عدة أمور، لا يمكن للإنسان أن يجمع

تلك العناصر، بل ولا واحدة منها فهو معجزة في مجالات متعددة وكلما مرّ على القرآن زمان اكتشف الناس نقاطاً جديدة من اعجازه فهو :

1 - إعجاز بلاغي، من حيث إنه أفضل الألفاظ لأحسن المعاني وما فيه من المحسنات البلاغية التي لا تجتمع في كتاب بدون أي نقص، مع أن أفصح الكتب والاشعار لا تخلو من نقص، وكذلك تناسب ألفاظه فهي متناسبة تماماً مع المعاني في جميعه، وكذلك كل القرآن له أوزان مناسبة - بدون أن يكون شعراً ..

2 - إعجاز تشريعي : فإن تشريعات القرآن فوق فإن تشريعات القرآن فوق جميع التشريعات ومهما شرّق الناس وغرّبوا وأتوا بتشريعات مختلفة، لم يتمكنوا من الإتيان بمثل تشريعات القرآن وكل فترة يتم تغيير كثير من التشريعات الوضعية، لتبين خطئها، وعدم انسجامها مع الطبيعة البشرية .

3 - إعجاز علمي، فعلى رغم تطور العلوم الطبيعية تطوراً مذهلاً، أن القرآن تناول كثيراً من مسائل الكون من السماء والأرض والجبال والأشجار والإنسان، لا نجد هنالك خطاً علمياً فيه، مع أن سائر الكتب تبيّن أن مؤلفيها تأثروا بالآراء العلمية في زمانهم فأودعوها في كتبهم، ثم بان خطؤهم، وكذلك بتطور العلم تمّ اكتشاف صحة ما في القرآن من

علوم طبيعية لم يكن يعرفها أفضل العلماء فكيف بالعرب الأميين.

4 - إعجاز تاريخي، فالقرآن أخبر عن أمور من التاريخ كانت مجهولة للجميع ، ثمَّ تبين صحتها كقوله تعالى عن فرعون : (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ

ص: 52

لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ وَايَةً )(1) ولم يكن يعلم أحد أن جسم فرعون محفوظ بالمومياء تحت أطنان من الأحجار في الأهرامات، إلى أن اكتشفت جثته بعد ثلاثة عشر قرناً من نزول هذه الآية.

وكذلك اعجاز بالإخبار عن المستقبل كقوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ«2» فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ«3» فِي بِضْعِ سِنِينَ)(2) وكان الأمر كما أخبر، وكما في الآية القادمة ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا) فأخبر بأنه لم يتمكن أحد من المعارضة رغم توفر الدواعي، وكان الأمر كما أخبر.

5 - الإعجاز بكونه غَضّاً جديداً، فلا يُخلقه الزمان، عكس سائر الكتب التي تفقد رونقها بمرور الزمن، وكلما تدبر فيه الإنسان اكتشف شيئاً جديداً .

6 - الإعجاز بعدم وجود التناقض فيه على رغم أنه نزل خلال ثلاثة وعشرين عاماً وفي ظروف مختلفة قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾(3)

وهنالك جهات أخرى مذكورة في مظانها، ومع تقدم البشرية في كل

حقبة وزمان يزاح الستار عن عناصر جديدة من عجائبه ومعجزاته.

الرابع: إن التحدي بإتيان مثل القرآن كان على مراحل:

1 - الإتيان بمثل القرآن أجمع قال تعالى : لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ

عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)(4)

ص: 53


1- سورة يونس الآية: 92
2- سورة الروم، الآيات: 2 - 4 .
3- سورة النساء، الآية: 82
4- سورة الإسراء، الآية: 88 53

2 - بعشر سور قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفتَرَیَتِ ﴾(1)

3 - سورة واحدة وقُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾(2)وهذه المراحل الثلاث كانت بمكة.

4 - المرحلة الأخيرة وكانت بالمدينة هو جعل التحدي إلى آخر حدّ بإخبارهم أنهم لن يتمكنوا من ذلك أبداً قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا)(3).

الخامس: إن التحدي لا يقتصر على مجال التشريع بإتيان مثل القرآن بل هنالك تحد آخر في مجال التكوين قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُو)(4) ، وحتى وحتى الصناعات البشرية والاختراعات لا تقاس بالمخلوقات الإلهية، فإن غاية ما تمكّن البشر من الوصول إليه هو اكتشاف قوانين الله الكونية ومحاولة تطبيق الحياة عليها.

السادس :قوله (مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أي استنصروا بمن شئتم من المخلوقات، فإنهم لو اجتمعوا جميعاً فلا يمكنهم الإتيان بمثله، أما الله تعالى فهو قادر على الإتيان بمثله، لأن الكلام كلامه وهو على كل شيء قدير، وقيل بأن (من) تتعلق بالشهداء أي أوتوا بشهداء غير الله، بمعنى: لا تقولوا شاهدنا الله لأن هذا الكلام لغة العاجز المنقطع عن إقامة البينة والمعنى الأول أظهر .

السابع: (شُهَدَاءَكُمْ) أي الذين يشهدون أن محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ليس بنبيِّ ،

ص: 54


1- سورة هود، الآية: 13.
2- سورة يونس الآية: 38
3- سورة البقرة الآية: 25.
4- سورة الحج، الآية: 73.

وأن القرآن ليس بمنزل، لأن المؤمن لا يتحدى لعلمه بأنه من الله تعالى أو المراد الذين يجالسونكم من نظرائكم، أو الذين يشهدون أن ما أتيتم به مثل القرآن والاحتمال الأول أحسن.

الثامن: قوله : (إن كُنتُمْ صَدِقِينَ) لزيادة التحدي لأن معناها إن لم تأتوا بمثله فأنتم كاذبون، و(إِن) لترتيب الجزاء فقط، للعلم بأنهم غير صادقين، والجزاء محذوف لكونه معلوماً مذكوراً مثله في الشرط السابق فالمعنى: إن كنتم صادقين فأتوا بسورة مثله .

ص: 55

الآیتان 24-25

الركن الثالث: المعاد

(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ «24» وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

24 - ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا) أي لم تتمكنوا من الإتيان بمثل القرآن (وَلَن تَفْعَلُوا) ذلك أبداً، وهذا زيادة في التحدي وإخبار ،مستقبلي (فَاتَّقُواْ النَّارَ) التي هي عاقبة تكذيبكم، أي فإن لم تفعلوا فقد قامت الحجة على صدق الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، فوجب عليكم اتباعه اتقاء للنار، فالعناء بتكذيبه سيُلقيكم في نار جهنم (الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) أي الأصنام التي كنتم تزعمون بأنها شفعاءكم إلى الله (أُعِدَّتْ) تلك النار (لِلْكَفِرِينَ).

25 - وفي مقابل الكفار المؤمنون (وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا) بقلوبهم وألسنتهم (وَعَمِلُوا الصَّلِحَاتِ) بجوارحهم (أَنَّ لَهُم) من النعيم ما لا يحصى ومنها

ص: 56

أ - (جَنَّتِ) أي بساتين كثيفة الشجر، (تَجْرِى مِن تَحْتِهَا) أي من

تحت أشجارها (الأَنْهَرُ) لأن البستان بلا نهر كتمثال بلا روح.

ب - (كُلَّمَا رُزِقُوا) أي المؤمنون (مِنْهَا) أي من الجنات (من ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) في دار الدنيا، فليسوا كأصحاب الجحيم الذين لا يألفون طعامهم الذي هو من ضريع ﴿وَأتُواْ بِهِ)أي جيء لهم بذلك الثمر (مُّتَشَابِهَا) أي يشبه بعضه بعضاً في الجودة، فكلها من نوعية راقية، عكس أثمار الدنيا التي بعضها جيد وبعضها رديء.

ج - ﴿وَلَهُمْ فِيهَا) أي في الجنات (أَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ) طهرها الله من

القذارات المادية كالدماء، والمعنوية كالحسد.

د (وَهُمْ فِيهَا) أي المؤمنون في تلك الجنات (خَلِدُونَ) لأن النعمة لا تتم إلا ببقائها.

-----------------------

بحوث

الأول: قوله: ﴿وَلَن تَفْعَلُوا) فيه وجهان من الإعجاز.

1 - عجزهم عن الإتيان بمثله .

2 - إخبار عن المستقبل، وقد كان كما أخبر الله تعالى .

وقد حاول الكثيرون من غير المسلمين ذلك، ففشلوا فشلاً ذريعاً، مع وجود الداعي القوي لمعارضة الإسلام، فإنهم لم يألوا جهداً في محاربته بمختلف الوسائل من إثارة الفتن والحروب والحصار

ص: 57

الاقتصادي والتشكيك وغير ذلك، لكنهم لم يتمكنوا من الإتيان بمثله مع أنه لو كان من عند غير الله تعالى لكان معارضة الإسلام بقبول هذا

التحدي والإتيان بمثل القرآن أسهل عليهم من سائر الأمور.

الثاني: قوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ( إشارة إلى شدة الحرارة، فإن كل جسم يكتنز من الطاقة ما لو ظهرت لتحولت إلى حريق عظيم، وليس الانفجار النووي إلّا إظهاراً لتلك الطاقة ويمكن أن يكون إشارة إلى أن نار الآخرة تختلف عن نار الدنيا بأنها تنبع من نفس الإنسان والحجارة، فتكون أشد إيلاماً، ولذا قيل : بأن عذاب الآخرة ليس إلا نفس الأعمال التي يرتكبها المخالفون لأوامره ونواهيه، قال تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ)(1)، والأظهر أن المراد بالحجارة هي الأصنام التي كانوا يعبدونها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)(2) وذلك لزيادة تعذيبهم، فإن إحراقهم بالنار تعذيب جسدي، وإحراق أصنامهم تعذيب نفسي لهم. الثالث: قوله :(أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ) إشارة إلى أن هذه النار مخلوقة من قبل، ويدل عليه مختلف الروايات في أحاديث المعراج حيث رأى رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ تلك النار وأهوالها، ولعل الفائدة في خلقها قبل يوم القيامة هو أن التهديد بالمتحقق أكثر تأثيراً مما سيتحقق، فلو لم تكن مخلوقة الآن كان يمكن لبعض العصاة الأمل بأن ذلك صرف تهديد قد لا ينفذ فيكون داعيهم على العصيان أقوى، ولكن حينما علموا بأنها موجودة كان الداعي إلى الإطاعة أقوى .

ص: 58


1- سورة النمل الآية: 90
2- سورة الأنبياء، الآية: 98

الرابع: قوله : (رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) أي في دار الدنيا، بمعنى أن ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا ظاهراً، وإن كانت تختلف عنها في المذاق، وذلك لأن المماثلة في الشكل والاختلاف في الطعم تبيّن للإنسان مزية الجنة على الدنيا، لأنه يتمكن من القياس، كما لو أكل الإنسان الفاكهة الرديئة ثم أعطي فاكهة جيدة فإنه يحس بالفرق وبأفضلية الثانية، فكذلك شباهة ثمار الجنة بثمار الدنيا توجب علم الإنسان بعظم النّعمة عليه.

أو أن المعنى أن الثمار في الجنة يتبدل طعمها في كل مرة، فتفاح الجنة مثلاً له طعم كل مرّة يختلف عن المرّة السابقة، فكلما أكلوا من الثمار قالوا إنا أكلنا منه في المرة السابقة لكن بطعم مختلف، ويدل عليه قوله : (كُلَّمَا) أي في كل مرّة ، والداعي لقولهم (هذا الذي رزقنا من قبل) أكثر حينئذ من إشارتهم إلى فاكهة الدنيا، أو أن المراد أن هذا الذي بدله الله تعالى - قبلاً - إلى هذه النعمة، والمعنى الأول أظهر .

الخامس: ما هي حقيقة نعم الآخرة وعذابها؟

الجواب : إن حقيقتها مجهولة لنا فإنها تدرك ولا توصف إلّا إلماعاً ،وإشارة، كما أن نعيم الدنيا وآلامها لا يعرفهما الإنسان إلّا إذا أدركهما وأحسهما فكيف بما في الآخرة وهي فوق ما في الدنيا بدرجات، فتكون الأوصاف للإشارة إلى نعيم الآخرة وأنها شبيهة بنعيم الدنيا من حيث الشكل وتغايره في الحقيقة كما قال تعالى: (بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ«46» لَا فِيهَا عَوْلُ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ )(1)، كما لو أردنا شرح اللذة الجنسية للطفل فتأتي له بمثال مما يعقله وإن كان يختلف عنها في الحقيقة لأنه لا يمكن أن يدرك تلك اللذة .

ص: 59


1- سورة الصافات، الآية: 46، 47 .

الآیتان 26-27

التمييز بين المؤمن وغيره

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ «26»الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ «27»).

لمّا بين اللّه تعالى أصناف الناس من مؤمن ومنافق وكافر، وذكر سبحانه أركان الإيمان بين بعض ما يتميّز به المؤمن عن غيره، واختار تعالى تمييزهم عند ذكر الأمثال، لمناسبة ذكر بعض الأمثال في الآيات السابقة.

26 - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْى ) أي لا يترك حياءً (أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا) بمعنى أيّ مثل حتى إذا كان الشيء الممثل به من الأمور الصغار، (بَعُوضَةً) وهي صغار البق (فَمَا فَوْقَهَا) كالذباب والعنكبوت ، (فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي المثل (الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ لأنهم تركوا العناد فتفتحت بصائرهم فيستوعبون الحقائق بسهولة، فيعلمون أن ذكر المثل لتقريب المطلب إلى الأذهان، ﴿وَأَمَّا

ص: 60

الَّذِينَ كَفَرُوا) فيظهر كفرهم، بتصرفهم وبقولهم عند ذكر المثل (فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً) ، أي بهذا المثل - على التمييز أو الحال ، فيتوهمون أن ذكر الأمثال بالأشياء الصغيرة غير مناسب لجلال الله تعالى فيزعمون أن ضرب المثل مضرّ وأنه سبب انشقاق الناس إلى قسمين (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً) ، لكن هذا التوهم ،باطل ، لأن المثل يوجب الهداية ، (وَ) أما من لا يهتدى فلخلل في نفسه إذ (وَمَا يُضِلُّ بِهِ﴾ أي بالمثل (إِلَّا الْفَاسِقِينَ) الذين خرجوا عن طاعة ربهم.

27 - ولهؤلاء الفاسقين صفات :

أ - منها أنهم (الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) حيث ركز التوحيد في فطرتهم (مِنْ بَعْدِ مِيشَقِهِ) أي تأكيد ذلك العهد.

ب - (وَ) منها أنهم ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ) فقد أمر تعالى بصلة الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ و والمؤمنين، وكذلك بصلة الأرحام. ج - (وَ) منها أنهم (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ)، ولكن نتيجة أعمالهم تعود عليهم( أُولَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ) خسروا رأس مالهم وهو أعمارهم، فدنياهم نَصَب وضَنَك، وآخرتهم عذاب.

----------------------

بحوث

الأول: عدم استحياء الله تعالى، بمعنى أنه لا يترك ضرب المثل بالبعوضة كترك من يستحيي أن يُمَثَّل بها لحقارتها، وذلك لأن الحق فوق

ص: 61

الاعتبارات النفسانية، ولذلك قيل لا حياء في الدين، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ يَسْتَحْيِ، مِنَ الْحَقِّ)(1)، ولأن الحياء إنما يكون من الأشياء القبيحة أو ما يستقبحه الناس وإن لم يكن قبيحاً في نفسه كقول أمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلاَمُ:

«ولقد رقعتها حتى استحييت من راقعها» (2) ، أو مما يستقبح ذكرها وإن لم تكن قبيحة في نفسها كحياء البكر حين الخطبة.

وليس في التمثيل بالأمور الصغيرة حياء لأنها ليست قبيحة ولا يستقبح ذكرها وقد جرى دأب العقلاء على ذلك .

الثاني: إن الله تعالى لا يوصف بالصفات الانفعالية النفسانية، لأنه عزّ وجل ليس محلاً للحوادث ولا تتغير ذاته تعالى بالانفعالات - كما هو واضح - والحياء من الصفات الانفعالية النفسانية، فحينما يقع الإنسان أمام القبيح أو ما يستقبح ذكره تنفعل نفسه ويستحيي، وكلما رأينا وصف الله تعالى بالصفات الانفعالية النفسانية فإنما هو مجاز ، بمعنى ترتيب آثار تلك الحالة، وليست بمعنى عروض تلك الحالة عليه، فقوله تعالى: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم)(3) مثلاً بمعنی ترتیب آثار الغضب كالعذاب واللعن ونحوهما، وكذلك قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ )(4) وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ )(5) وقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾(6) كل ذلك بمعنى ترتيب آثار الرضا والحب والنسيان ونحو ذلك.

ص: 62


1- سورة الأحزاب الآية: 53
2- غرر الحكم ودرر الكلم: ج 1 ، ص 63 ، رقم 2084.
3- سورة الممتحنة، الآية: 13
4- سورة المائدة، الآية: 119
5- سورة التوبة، الآية: 4.
6- سورة التوبة، الآية: 67

الثالث: قوله: ﴿مَثَلاً مَّا) «ما» للإبهام، بمعنى «أيّ شيء كان»، كقولك (ايتني بكتاب ما) بمعنى أيّ كتاب كان و(بَعُوضَةً) ، بدل عن (مَاءَ . والبعوض هو صغار البق وإنما مثل به لأنه أصغر حيوان متعارف يراه ،الإنسان لأن الغرض من المثل هو تقريب المطلب إلى أذهان السامعين فيلزم أن يكون المثل معروفاً للناس حتى يتم المقصود.

﴿فَمَا فَوْقَهَا) أي ما هو أكبر من البعوضة كالذباب والعنكبوت ونحوهما وقدّ مثل بهما القرآن الكريم، وليس المراد من ﴿فَمَا فَوْقَهَا) ما هو أصغر منها ، لأنه لم يمثل في القرآن بما هو أصغر من البعوضة، ولأن الغرض يفوت بالتمثيل بالأصغر - عادة - لأن ذكر المثل لأجل تقريب المطلب إلى الذهن فيلزم أن يكون بالأشياء المتعارفة - كما ذكرنا قبل قليل ..

الرابع: المثال ينبغي أن يكون موافقاً للمقصود، فإذا أراد المتكلم بيان ضآلة شخص مثل له بمثال من المخلوقات الضعيفة، لبيان ضعف ذلك الشخص، وليس من البلاغة حينئذ التمثيل بالأشياء الجليلة، وكذلك في العكس يأتي بمثال جليل حينما يمثل لشيء جليل، ولذا كان الله تعالى المثل الأعلى قال تعالى : (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ)(1) فالنور من الأمور الجليلة فضربه الله تعالى مثلاً لنفسه.

الخامس: علم المؤمنين بأنه الحق من ربهم ليس فقط من باب تسليمهم الله تعالى وعلمهم بأن أقواله كلها حق، بل إضافة إلى ذلك فإن من يريد الوصول إلى الحق ويترك العناد فإن باب فهمه مفتوح فيفهم منطق الحق بأن ضرب المثل إنما هو لتقريب المطلب، وأنه تم اختيار المخلوقات

الضعيفة لمناسبة مقتضى الحال .

ص: 63


1- سورة النور، الآية: 35.

السادس: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً) هذا من تتمة نقل كلام الكفار أي

يقول الكفار ما هو الغرض من ذكر مثال يسبب انشقاق الناس، فقسم لا يقبل وينحرف وقسم يهتدي، وقيل إنهم لما قالوا: (مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً) جاء الجواب: إن ذكر المثل لتمييز المؤمن من الكافر، كما في كل ابتلاء حيث إن الناس مختلطون قبله لا يمكن التمييز بينهم، فلما جاء البلاء تميز المؤمن عن غيره، والمعنى الأول أقرب للسياق.

السابع: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) جواب عن اشكالهم، بأن ذكر المثل فيه فائدة كبرى، ولكن الفساق يُضلون به، لأنهم لم يريدوا الاستنارة بالحق، والفسق هو الخروج عن الطاعة.

وهذا المقطع من الآية إشارة إلى اختيار الإنسان وعدم كونه مجبوراً في

أعماله، وتوضيح لما في آيات أُخرى من نسبة الإضلال إليه تعالى فإن ذلك بمعنى أنهم فعلوا فعلاً سبب ضلالهم فتركهم الله وشأنهم، وقد مرّ بعض الكلام في قوله تعالى : (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، وفي مجمع البيان(1) ذكر عدة معانٍ للإضلال:

1 - أنهم ضلوا عنده كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ) (2) أي ضلوا عند الأصنام، لأنه من الواضح أن الأصنام جمادات لا تقدر على عمل شيء، وإنما كانوا هم سبب ضلال أنفسهم، لكن لما كان الضلال عند الأصنام نسب إليها.

2 - التخلية بينهم وبين الفعل بعدم إيجاد مانع قسري بمنع

ص: 64


1- مجمع البيان ج 1 ، ص 136 - 137 بتصرف وتغيير.
2- سورة إبراهيم، الآية: 36 .

الألطاف، كما يقال لمن لا يصلح سيفه «أفسدت سيفك» أي تركته وشأنه حتى علاه الصدأ - مثلاً -.

3 - الإهلاك والعذاب كما في قوله : (أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ)(1) أي هلكنا وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ )(2) أي لا يهلكها بالإبطال والحبط .

4 - النسبة إلى الضلال كما في قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ)(3) أي حكم عليه بالضلال.

وقد ذكرنا في كتاب (شرح أصول الكافي) تفصيل معنى الضلال

والهداية، فراجع.

الثامن: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَقِهِ) الميثاق هو تأكيد العهد وتشديده وهذا العهد الموثق قد يراد منه ما أودع في نظرة الإنسان من معرفته تعالى كما قال تعالى: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)(4) وهذا عام لجميع الناس، أو المراد ما في الكتب السالفة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)(5)

التاسع: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ) ، أمر الله بصلة الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والمؤمنين، ومن مصاديق الصلة : صلة الأرحام، وهذه الرابطة أودعها الله تعالى في فطرة الناس، ولذا عبر عنها بالقطع لأنها رابطة موصولة من حين ولادة الإنسان إلى حين قطعها .

ص: 65


1- سورة السجدة، الآية: 10.
2- سورة محمد، الآية: 4.
3- سورة الجاثية، الآية: 23.
4- سورة الأعراف الآية: 172
5- سورة آل عمران الآية: 187 .

العاشر: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) ، الفساد كل معصية يتعدى ضررها إلى غیر فاعلها، ومن الواضح أن من لا يرعوي عن نقض ميثاق الله تعالى ويقطع صلته بالرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وأرحامه، فإنه لا يمانع عن الفساد في الأرض.

وهذه الأمور الثلاثة : نقض الميثاق، قطع ما أمر الله بصلته، الفساد في الأرض من أبرز صفات الفسقين وهي مُرَتَّبةٌ، أي إنّ مخالفة الله تعالى تُؤدّي إلى مخالفة الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والمؤمنين والأرحام، وذلك مما يؤدي إلى الفساد في الأرض، ومن كان هذا فعله يتركه الله تعالى وشأنه، لأنه عند ذاك لا يرجى خيره.

ص: 66

الآيتان 28-29

الاحتجاج على الكفار

(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «28»هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «29»)

28 - ثم بيّن الله تعالى صحة طريقة المؤمنين، واحتج على الكفار ببطلان طريقتهم، وأنهم من غير حجة، فقال مستنكراً عليهم : (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) (وَ) الحال أنكم ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا) أجزاء وعناصر من التراب متفرقة في الأرض بلا روح (فَأَحْيَكُمْ) بأن جمع تلك العناصر، فتحولت نباتاً أو حيواناً، ثم نطفة من صلب إلى رحم(ثُمَّ) بعد قضاء فترة على الأرض (يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ يوم القيامة (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ للحساب، أو للجزاء بعد الحساب. 29 - وكيف تكفرون به مع أنه (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) لتنتفعوا بها وبما فيها، (ثُمَّ) أكمل الله تعالى نعمة الأرض وما فيها بأن (اسْتَوَى) أي توجه بقدرته (إلَى السَّمَاءِ) التي كانت واحدة حين الخلق (فَسَوَّنَهُنَّ) بدون أي اعوجاج (سَبْعَ سَمَوَاتِ)، وسخر تلك السماوات لمنفعتكم الدينية بالاعتبار بها، والدنيوية بأن

ص: 67

جعل لكم فيها علامات وزينة وقوانين كالجاذبية، فارجعوا عن كفركم بعد علمكم بهذه الآيات الباهرات (وَ) لا تحاولوا أن تخدعوا الله إذ ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).

---------------------

بحوث

الأول: ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتَا) كون الإنسان ميتاً قبل خلقه، يمكن أن يكون مجازاً، بمعنى أنه لم تكن له حياة حينما كان من العناصر الطبيعية في الأرض ، ثم يبدأ بالتحول إلى حين إفاضة الحياة عليه في الرحم كما في قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ )(1) أي بلا حياة، ويمكن أن يكون المراد أنه كان ميتاً بالمعنى الحقيقي بعد عالم الذر، والمعنى الأول أنسب للاحتجاج.

الثاني: (فَأَحْيَكُمْ) ابتدأ بأصل كل النّعم، وهو الحياة، لأن كل النعم الأخرى تتفرع عليها، ثم فرّع عليها النعم التي في الأرض في قوله: (خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ) وهذه مضافاً إلى كونها من آيات الله، فإنها أيضاً من أعظم النّعم على الإنسان والحياة ونعم الأرض من الآيات الواضحة التي يعرفها كل أحد، فلذا صح الاحتجاج بها على الكفار .

وإلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُم) ينتهي الاحتجاج، ولتكميل المطلب وبيان المراحل اللاحقة أضاف تعالى: ﴿ثُمَّ يُحييكم) ... الخ.

الثالث (ثمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) المراد في ساحة المحشر، وسمي رجوعاً إليه، لأنه هنالك الحساب بيده تعالى فرجع الأمر كله إليه، كما يقال : رجع

ص: 68


1- سورة يس الآية: 33.

الأمر إلى الحاكم، حيث لا يمكن لأحد التدخل فيه، أو المراد الرجوع إلى حسابه أو إلى ثوابه وعقابه.

الرابع: (خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) تدل الآية الكريمة على أنّ كل ما في الأرض خُلق لأجل الإنسان، ولا تدلّ الآية على حلّية كل شيء، بل تدلّ على أن كل شيء خُلق لأجل الإنسان ولنفسه، وقد يكون ذلك النفع مباشرة مثل حلية الأكل أو التزين أو الركوب، قال تعالى: ﴿وَالخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً )(1) وقد يكون الانتفاع بالواسطة أو الوسائط، كما يقال إن بعض الحشرات تفيد قسماً من الأشجار التي ينتفع بها بعض الحيوانات التي يستفيد منها الإنسان.

الخامس: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) من ملاحظة مختلف آيات خلق مبسوطة السماوات والأرض، يُستفاد أن الله عزّ وجلَّ خلق الأرض غير مبسوم وسماء واحدة، ثم بسط الأرض ثم جعل السماء سبع سماوات، ولم تذكر في الآيات أن خلق السماء كان أولاً أم الأرض، نعم إن تقسيم السماء إلى سبع سماوات كان بعد خلق الأرض، قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ «11» فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ «2»)(2)، كما أن القرآن يدل على أن دحو الأرض - أي بسطها - كان بعد خلق السماء وقبل تقسيمها إلى سبع قال تعالى: أمِ اَلْسَّمَاءُ بَنَهَا) إِلى (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَٰهَا)(3) وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ)

ص: 69


1- سورة النحل، الآية: 8.
2- سورة فصلت الآيتان: 11 - 12
3- سورة النازعات، الآيات: 27 - 30 .

إلى ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا) إِلى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ) إِلى (فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾(1)

السادس: (اسْتَوَى) استوى إن استعملت مجردة عن حرف الجر كان معناها: صار مستوياً من غير اعوجاج ، و(استوى عليه) أي ركبه واستقر عليه كما في قوله : (لِتَسْتَوُا عَلَى ظُهُورِهِ )(2) ، و(اسْتَوَى إِلَى) أي توجه إليه بقدرته أو قصده قصداً مستوياً .

السابع (سَبْعَ سَمَوَاتٍ) لعل كل ما نراه من كواكب ونجوم هو من السماء الأولى، وأما سائر السماوات فلعلّ علم الفلك سيكشفها في المستقبل، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِرِينَةٍ الكَوَكِبِ)(3) وقوله تعالى :(وزَيَّنَا السَّمَاةَ الدُّنْيا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظاً)(4)وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْنَها رُجُومًا)(5) ، ومن البعيد تفسير الكواكب والمصابيح

بالشهب، لأنه خلاف الظاهر، بل لا يتعارف إطلاق الكوكب على الشهاب وقوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا) وقوله: ﴿رُجُومًا) إنما هو لأجل أن الشهب إنما هي أجزاء من الكواكب والنجوم، التي انفجرت وتحولت إلى أجزاء متناثرة في الفضاء، فإذا وصلت إلى الأرض منعها من الاختراق الجو المحيط، فلذا صح أن يقال إن الكواكب والنجوم هي زينة أولاً وأجزاءها المتطايرة هي شهب لرجم الشياطين، وأما قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا«15» وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا)(6) فيكفي لصحة التعبير وجود الشمس والقمر

ص: 70


1- سورة فصلت الآيات: 9 - 12 .
2- سورة الزخرف، الآية: 13.
3- سورة الصافات، الآية: 6.
4- سورة فصلت الآية: 12
5- سورة الملك الآية 5.
6- سورة نوح، الآيتان: 15 - 16 .

في السماوات، حتى وإن لم يكن القمر والشمس في سائر السماوات، كما في قولنا زيد ملازم للمساجد مع أنه ملازم لأحدها ، وقيل في معنى السماوات السبع غير ذلك.

الثامن: (عَلِيمٌ) لما ذكر الله تعالى قدرته عبر بيان بعض مصاديقها من الإحياء والإماتة وخلق السماء والأرض، أكملها بوصف نفسه بالعلم، إذ بالقدرة والعلم يقع الفعل متقناً من غير اعوجاج ، مضافاً إلى تحذير الكفار من مغبة كفرهم، وإن الله لا يخدع مهما حاولوا (يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ ﴾(1) أي مجازيهم على خداعهم، فهو كثير العلم لا يخفى عليه شيء.

ص: 71


1- سورة النساء، الآية: 142.

ص: 72

فصل الاحتجاج بخلقة آدم

ص: 73

ص: 74

الآيات 30-33

فصل احتجاج آخر على الكفار (خلقه آدم)

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ «30»

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ «31» قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ «32» قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ «33»).

لما احتج الله تعالى على الكفار بما مرّ، أراد تكميل الاحتجاج بذكر قصة خلق الإنسان وما اكتنفها من أمور، فأتم آياته بخلق السماوات والأرض بخلق الإنسان وأنه جعل فيه القابلية العظيمة التي بها يفوق على الملائكة - إن استثمر تلك القابليات ، وأنه لم يجبره الله على الإيمان أو الكفر، وإنما خيّره، بعد أن أتم الحجة ،عليه، وأنّ له عدوّاً يصدّه عن الإيمان ويسوقه إلى الكفر، وأنه يمكن له الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة فقال :

30 - (وَ) اذكر ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ وَ

ص: 75

خَلِيفَةٌ) يخلف الله تعالى في تنفيذ مراده من الأمر والنهي مثلاً، أو يخلف الخلق السابق الذي سكن الأرض، (قَالُوا) أي الملائكة، سؤالاً لتوضيح الأمر عليهم (أتَجعَلُ فِيهَا) أي في الأرض (مَن يُفْسِدُ فِيهَا) بتجاوز الحد وإيصال الضرر إلى الغير (وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (وَ) حيث إن غرضك من خلقهم العبادة فنحن أحق بالاستخلاف، إذ إننا نعبد بأحسن وجه إذ (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) أي ننزهك عن النقائص بأن نحمدك (وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي نطهر الأرض من الأرجاس، بلا رياء، (قَالَ) اللَّه تعالى في جوابهم (إنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) من المصالح في استخلاف البشر ، وأن عبادتهم أفضل من عبادتكم، لأن عبادتكم بلا ،مانع، وأما عبادتهم فتعتريها موانع من الشهوات والنفس والهوى وشياطين الجن والإنس وغيرها من الموانع.

31 - ولأجل أن يتضح لهم بعض الحكمة في الاستخلاف بين الله تعالى لهم بعض ميزات آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، (وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ) أي علائم الأشياء وذلك يستلزم تعليمه المسميات (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) أي المسميات (عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ) تعالى لهم (أَنْبِتُوني) وأمرهم ليس على حقيقته لعلمه بعجزهم، وإنما لأجل تنبيههم كسؤال العالم من الجاهل لتنبيه بجهله (بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ) علائمها وخواصها (إن كُنتُمْ صَدِقِينَ) أي إن كان كلامكم - بأنكم أحق بالاستخلاف - مطابقاً للواقع.

32 - ﴿ قَالُوا سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا) فكل علمنا منك، ولم يكن منها أسماء الأشياء، وعدم تعليمك إيانا إنما هو لمصلحة

ص: 76

تعرفها إذ (إنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ) تعلم كل شيء ونحن نجهل (الحَكِيمُ) فأعمالك كلها تصيب الواقع وحسب مقتضى الحكمة.

33 - وحيث أقروا بعدم علمهم أراد الله أن يبين فضل آدم فہ (قَالَ يَادَمُ أَنْبِتْهُم بِأَسْمَاهِم فَلَمَّا أَنْبَأَهُم) آدم (بِأَسْمَاهِم قَالَ) اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ أَقُل لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ) ما لا تعلمون، والذي لا تعلمونه هو (غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي ما غاب عن إدراككم، (وَ) كذلك (أعْلَمُ) ما حضركم سواء كان من (مَا تُبْدُونَ ﴾ أي تظهرونه (وَ) أعلم (مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) كحسد بعض من اختلط بكم كالشيطان، أو اعتقادكم بأنكم خير خلق الله.

---------------------

بحوث

الأول: يمكن أن يكون إخباره تعالى الملائكة بأنه (جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ) تسلية آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ بعد إهباطه إلى الأرض، ليعلم أنه خُلق للأرض، وأن بقاءه في الجنة إنما كانت مرحلة مؤقتة لينتقل بعدها إلى الأرض، أو أن جنته كانت في الأرض نقل عنها بعد أكله الشجرة إلى بقعة أخرى منها

- كما في بعض الروايات(1).

ويمكن أن يكون الإخبار لإثارة حوار مع الملائكة، لكي يعلموا أن آدم أفضل منهم بالدليل المحسوس ،لهم ، فيكون لإظهار الحقائق، أو لإظهار كوامن النفوس أو لتعليم آداب الحوار، ليعلم صاحب القدرة

ص: 77


1- البرهان ،ج 1، ص 337 عن الكافي وعلل الشرائع

والمحق أن الله تعالى مع عظمته وقدرته وكونه الحق سمح بالسؤال وطلب الدليل، فأقام الدليل على أتم وجه ،وأقنعهم مع من فرض الأمر عليهم فرضاً ، قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ)(1) ، وحتى في يوم القيامة لا يُدخل الله الكفار في النار إلا بعد السماح لهم بالمناقشة والإنكار ، ثم إقامة الحجة الداحضة التي تفحمهم، فحري بنا تعلم ذلك وفتح باب النقاش والحوار ومحاولة إقامة الأدلة المقنعة في كل الأمور والله المستعان.

الثاني: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ) الاستفهام حقيقي لاستيضاح السبب، بعد أن أذن الله تعالى لهم بالسؤال :بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)، وليس الاستفهام للإنكار ، لأن الملائكة معصومون ويعلمون حكمته تعالى وعلمه وأنه لا يفعل شيئاً عبثاً، فلا يعترضون عليه، قال تعالى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )(2) ، وأما ما ورد من معصية بعض الملائكة وعقوبتهم فهو مجاز بمعنى ترك الأولى، كما في قوله: ﴿وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ)(3) وسيأتي توضيح ترك الأولى، وتفصيل عصمة الملائكة إن شاء الله تعالى.

الثالث: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) علم الملائكة بأن من البشر من يُفسد ويسفك الدماء، قد يكون بتعليم الله لهم بأن أخبرهم بأن من الناس هذا شأنه فسألوا عن السبب وعن وجه المصلحة، أو على سبيل القياس بالخلق السابق، حيث رأوا الخلق السابق أفسد وسفك الدم، فسألوا هل هذا

ص: 78


1- سورة الأنعام، الآية: 149
2- سورة التحريم، الآية: 6.
3- سورة طه، الآية: 121

مثل ذاك؟ أو أنهم علموا أن الفساد والسفك من طبيعة عناصر التراب التي خلق الإنسان منها، والأول أقرب لما ذكرنا من عصمة الملائكة، فلا معنى للقياس، وكذلك ليس من طبيعة عناصر الأرض ذلك لأن الفساد لا ينشأ من العناصر الترابية في الإنسان وإنما من أمور أخرى كالهوى.

الرابع: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) لعلهم عرفوا أن الغرض من

خلق البشر هو العبادة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾(1) فسألوا بأنه حيث كان الغرض العبادة فإننا نقوم بها بأتم وجه من دون إفساد وسفك لدماء فلماذا لم تجعلنا الخلفاء؟

(نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) : أي ننزهك عن النقائص عبر حمدنا لك، لأن مَنْ حَمِدَ الله فقد نزهه إذ الحمد هو الثناء على الجميل الاختياري ومن يختار الجميل فهو منزه عن النقص، ومن لا يختار الجميل فإن ذلك لنقص فيه إما لعدم قدرته أو لخبثه، والله تعالى منزه عن كل ذلك.

(وَنُقَدِّسُ لَكَ) بمعنى نُطهر الأرض من الأدناس لأجلك، وقد ورد من الملائكة - قبل خلق آدم - جاؤوا إلى في بعض الروايات أن قسماً

الأرض وطردوا منها بني الجان الذين كانوا يفسدون فيها(2)

وكلامهم هذا ليس تزكية لأنفسهم، بل لبيان حقيقتهم لتكميل السؤال، كقول العبد لمولاه - وقد أخذ خادماً جديداً : إني اطيعك فلماذا تأتي بغيري؟

الخامس: ﴿مَا لَا تَعْلَمُونَ ) أي لا تعلمون بأن في استخلاف البشر

ص: 79


1- سورة الذاريات الآية: 56 .
2- البرهان ج1، ص313.

مصالح أهم من الفساد الواقع منهم، وأن استخلافهم أهم من استخدامكم أو أن المراد أن هنالك بشر أفضل منكم وقد خلقت الأرض لأجلهم وهم الأنبياء والأئمة عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، أو أن عبادة البشر خير من عبادتكم، أو أنكم لا تعلمون أن بعض من هو مختلط بكم كافر في باطنه كإبليس .

السادس: (الْأَسْمَاء) لعل المراد كل العلوم المختلفة والحوادث التي تقع في المستقبل وقد ورد عن الصادق أنه كان جالساً على بساط فقال:

وهذا البساط مما علمه(1) للإشارة إلى تعليمه كل شيء حتى الأمور الصغار، وقد ذكرت في الروايات مصاديق مختلفة - كلية أو جزئية - للأسماء كالأرضين والجبال والشعاب والأودية، وكذلك الأدوية والنبات والشجر (2)

ولعل وجه تعليمه كل العلوم - سوى إبراز فضله للملائكة - أن النبي يجب أن يكون أفضل أهل زمانه لئلا يلزم تقديم المفضول على الفاضل - القبيح عقلاً ، وكذلك المناسب لعظمته تعالى أن يختار خلفاء كاملين أو لأن الله كما اصطفاهم لإيصال تشريعاته كذلك ربط أمور الكون به- وهذا الربط يحتاج إلى علم كامل بالأمور المختلفة لإدارة شؤونها - بإذن الله تعالى ، كما أنه ربط الإماتة بعزرائيل والإحياء للحشر بإسرافيل وبعض التدبيرات بالمدبرات أمراً .

بهم

السابع: (ثُمَّ عَرَضَهُمْ) أي مسميات الأسماء، وإنما جيء بضمير (هم) وهو لذوي العقول، لأن أشرف المسميات هم بعض البشر وكانوا ضمن ما

ص: 80


1- البرهان، ج 1، ص 320.
2- البرهان، ج 1، ص 320.

تم عرضه على الملائكة فتغليباً لجانبهم جيء بهذا الضمير، وفي بعض الروايات أنهم كانوا الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والأئمة عَلَيْهِ السَّلاَمُ.(1)

وإنما عرضهم على الملائكة ليكون أبلغ في الاستدلال، فإذا كانوا

يجهلون ما يرون فما بالك بما غاب عنهم؟

الثامن: (إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ) ذكر في مجمع البيان وجوهاً:

1 - أنه خطر ببالهم أنهم إن كانوا الخليفة لم يحصل في الأرض فساد ولا سفك دم، فأخبرهم تعالى بأنهم لا يعلمون ما حضر فكيف بما غاب.

2 - أنه خطر ببالهم أنهم الأعلم.

3 - بمعنى إن كنت تعلم فأخبر»، لأنه إن كان جاهلاً لا يمكن أن

يَصْدُقُ في خبره(2).

ومرجع هذه الوجوه إلى تفسير الصدق بما طابق الواقع أي أن من

خطر ببالهم ليس مطابقاً للواقع.

التاسع: (سُبْحَنَكَ) أي ننزهك تنزيهاً، ولعل وجه الإتيان به لأجل

تنزيهه عن الاعتراض عليه فيما يقضي وإن كانوا لا يعلمون وجه الحكمة، بمعنى أن الله لما سألهم عن الأسماء مع علمه بأنهم لا يتمكنون من الجواب، علموا أن ذلك لم يكن لأجل غرض غير صحيح، لأنه نقص والله

تعالى منزه عن كل نقص بل كان السؤال لغرض صحيح وهو الإجابة عن

سؤالهم وبيان فضل آدم عليهم، تمهيداً لأمرهم بالسجود له.

ص: 81


1- البرهان، ج 1، ص 314 .
2- مجمع البيان ،ج 1، ص 154/153 بتصرف.

العاشر: ﴿قَالَ يَتَعَادَمُ) في الآية دلالة على شرف العلم، لأنه تعالى لما أراد بيان فضيلة آدم على الملائكة قاس علمهم بعلمه، وجعل المزية له لعلمه بما جهلوا قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )(1)

الحادي عشر: (إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ) إلى (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي أن اللَّه

تعالى يعلم ما غاب عنهم وما شاهدوه سواء أخفوه أم أعلنوه، فالله عالم الغيب والشهادة، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات والأرض.

تكملة : قالو: إن العلم :قسمان: حصولي وهو انعكاس صورة الشيء في الذهن كعلمنا بكثير مما لم نشاهده، وحضوري وهو حضور الشيء لدى العالم، كالعلم بالصور الذهنية وعلم النفس بنفسها، ولاستحالة كون علم الله حصولياً للافتقار والحاجة إلى الصور والله غني عن كل شيء، قالوا بأن علم الله حضوري أي أن الأشياء حاضرة لديه.

وهذا الكلام محل تأمل لأن العلم من صفات الذات - وهي عين ذاته ، فعلمه سابق على كل معلوم فكيف يمكن في الأزل قبل الخلق حضور المخلوقات لديه ؟ فلذا اضطر بعض الفلاسفة إلى القول بقدم العالم وأنه معلول الله من الأزل واخترعوا اصطلاح القديم الذاتي والقديم الزماني، وقال بعضهم بأن الله لا يعلم الجزئيات وإنما علمه بالكليات فقط، وقال بعضهم بوعاء الدهر، بمعنى أن ما كان وما يكون وما هو كائن كله موجود في جميع الأزمان المعبر عنه بوعاء الدهر، وكل هذا باطل فإنه ما من شك بأن العالم غير قديم وأنه لم يكن ثمّ أوجده الله تعالى بضرورة الشرع والعقل، كما أنه لا معنى للقديم الزماني لأن المراد

ص: 82


1- سورة الزمر، الآية: 9.

إن كان قدم العالم فهو باطل، وإن كان المراد أنه وجد من حين خلق الزمان فهذا ليس بقديم وإطلاق القديم عليه لا يصح إلا مجازاً وكلامهم ليس على ضرب المجاز ، كما أن علمه يتعلق بالجزئيات كتعلقه بالكليات بضرورة العقل والشرع قال تعالى : لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ ) وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾(1) وإلّا بطل الثواب والعقاب على الأفعال لأنها جزئيات عادة، مضافاً إلى استلزامه قدم الكليات فرجع الإشكال المذكور، كما أن وعاء الدهر أيضاً ،باطل، ضرورة أن ما مضى وقته لحق بالعدم، وما لم يقع ليس بموجود، وإلا اجتمع النقيضان.

وكذلك لا يدفع الاشكال القول : بأن العلم بالعلة هو هو علم بالمعلول، لأن هذا الكلام في الحقيقة هو نفي حضور الأشياء في الأزل لديه.

وعليه فإن علم الله كما أنه ليس حصولياً كذلك ليس حضورياً، بل نحن نعتقد بأنه عالم مع جهلنا بكنه علمه وأنه من أي سنخ ،هو كما أننا نعلم بأنه موجود ولكننا نجهل كنه ذاته والذي يدل على ما ذكرنا أن صفاته الذاتية هي عين ذاته، وللكلام تفصيل ليس هذا موضعه .

الثاني عشر :(الحَكِيمُ) الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، ويلازمها

﴿ العلم الذي يمنع الجهل لأنه لا يمكن وضع الشيء في موضعه إلا بعد العلم به وبموضعه، علماً لا يشوبه جهل، وكذلك يلازم الحكمة الإصابة في الفعل، لأنه في صورة الخطأ لا يقع الشيء في موضعه.

ص: 83


1- سورة سبأ، الآية: 3 .

الآيات 34-39

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ «34» وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ «35» فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ «36» فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «37» قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ «38» وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ «39»)

34 - (وَ) اذكر ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَيكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) تعظيماً له بخضوعكم له ليتبين فضله أكثر ، (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) وكان من الجن مختلطاً مع الملائكة (أَبَى) أي امتنع، (وَاسْتَكْبَرَ) أي رفع نفسه إلى منزلة لا تستحقها، (وَكَانَ) أي صار بفعله هذا (مِنَ الْكَفِرِينَ) .

35 - ﴿وَقُلْنَا يَكَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) من جنان الدنيا، (وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا) أي واسعاً مرفهاً (حَيْثُ شِئْتُمَا) من أي مكان منها (وَلَا نَقْرَبَاءَ) بالأكل وَهَذِهِ الشَّجَرَةَ الحنطة نهياً إرشادياً، لا تحريمياً (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) لأنفسكما لأنكما تحرمان نفسكما من هذه الجنة،

ص: 84

كقول الطبيب: لا تأكل الحامض فتمرض وتحرم نفسك من الأطعمة اللذيذة، والظلم وضع الشيء في غير موضعه.

36 - (فَأَزَلَهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا) أي حملهما على الزلة والابتعاد عن الجنة بسبب أنه حملهما على الأكل من الشجرة، (فَأَخْرَجَهُمَا) أي كانت نتيجة عمله أن أخرجا (مِمَّا كَانَا فِيهِ) من النعيم أو من الطاعة الله تعالى، (وَقلُنْاَ أهْبِطُوا) أي انتقلوا عن الجنة إلى مكان دونها، والخطاب لآدم وحواء والشيطان (بَعضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) فالشيطان عدو لهما، وهما عدوّاه، (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَعُ) أي استمتاع (إِلَى حِينٍ) الأجل أو إلى يوم القيامة.

37 - ولمّا ندم آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ علی ،فعله تداركته رحمة الله (فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَتْ) توجب تلك الكلمات التوبة، وهي أسماء الخمسة أصحاب الكساء (فَتَابَ) الله (عَلَيْهِ) أي قبل توبته لما قال آدم تلك الكلمات (إنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ) كثير القبول للتوبة (الرَّحِيمُ) كثير الرحم، وقبوله للتوبة من رحمته عباده.

38 - ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) لعلّ الخطاب لذرية آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ حيث كانوا في صلبه (فَإِما يَأْتِيَنَكُم) أي إذا جاءكم، أصله «إن الشرطية وما التي دخلت لتصحيح لحوق نون التأكيد (مِنِّي هُدًى) عبر الرسل، (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من الأهوال المستقبلية (ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) على ما فاتهم في الماضي.

39 -(وَ) أما من لم يتبع الهدى، وهم (الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله

ص: 85

(وَكَذَّبُوا بِأَيَتِنَا ) كالرسل والكتب (أُولَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِ) الملازمون لها (هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ) .

----------------------

بحوث

الأول السجود هو الخضوع بكيفية خاصة، وهي وضع الجبهة على الأرض ونحوها، وهو إذا كان للعبادة فهو خاص بالله تعالى لعدم جواز عبادة غيره مطلقاً، وإذا كان للتعظيم فقد كان جائزاً في بعض الشرائع السابقة كسجود إخوة يوسف عَلَيْهِ السَّلاَمُ وأبويه له، وكسجود الملائكة لآدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وهو في الحقيقة عبادة الله تعالى لكونه بأمره تعالى، وقد نسخ هذا الحكم في الإسلام ويمكن أن يكون سجودهم لله تعالى ولكن جعل آدم قبلة لهم كما جعلت الكعبة قبلة لنا في صلاتنا .

وقيل بأن سجود الملائكة لم يكن بالكيفية المعهودة، لأن الملائكة مجردات ولا معنى لهذه الكيفية في المجردات لأنها ليست مادية فكان سجودها بمعنى الخضوع بكيفية لا نعلمها .

وهذا الكلام غير صحيح لأن الملائكة أيضاً أجسام مادية لكنها لطيفة، بل لا مجرد سوى الله تعالى، فكل المخلوقات أجسام، ويدل على ذلك ما ورد من أن الله تعالى خلق الماء أولاً ثم خلق منه كل شيء (1) ، مضافاً إلى أن ادعاء أن الملائكة مجردات رجم بالغيب، لم يدل عليه دليل عقلي ولا نقلي .

ص: 86


1- للتفصيل راجع (فقه العقائد) للإمام الشيرازي

الثاني: إبليس لم يكن من الملائكة وإنما كان من الجن لقوله تعالى: (إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)(1) وهو وهو كان مأموراً بالسجود لآدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ مع الملائكة قال تعالى : (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ)(2)

ومخالفة إبليس نشأت من سوء اختياره لأن الله تعالى لا يريد الشر ولا يفعله ولا يرضاه قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)(3) ، إذ لا يريد الشر إلا المحتاج أو الخبيث، والله تعالى منزه عن النقائص وهو الغني العدل.

سؤال: فلماذا خلق الله تعالى إبليس مع علمه بما يؤول إليه أمره؟

ولماذا سلطه على الإنسان ليوسوس في صدره ويصدّه عن السبيل؟ الجواب: إن كل ما خلقه الله تعالى خلقه خيراً لا شرَّ فيه، وإنما ينشأ الشر من سوء اختيار الإنس أو الجن والله تعالى خلق كل شيء سواهما لا اختيار له كالحيوانات، أو معصوماً عن المعاصي كالملائكة، ومن عظمته تعالى أن خلق خلقاً مختاراً لم يلجئه إلى ما أراده، وحباه بعقل يميّز به بين الحسن والقبيح، وأرسل له الرسل ليثيروا دفائن العقول ويرشدوه إلى الصواب وغرّز فيه فطرة سليمة، وهذا من أعظم آيات الله تعالى فلذا قال حينما خلق الإنسان: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ)(4) فالإنسان أفضل من جميع الموجودات - إن عمل حسب إرادة الله تعالى - ولذا خلق تعالى له جميع ما في الأرض، كل هذه الفضيلة إنما هو بسبب أنه موجود مختار وكذلك الجن - وإن كانوا دون البشر - لكنهم أيضاً لاختيارهم كانوا مكلفين

ص: 87


1- سورة الكهف، الآية: 50.
2- سورة الأعراف الآية: 12
3- سورة الزمر، الآية: 7.
4- سورة المؤمنون، الآية: 14.

ومفضّلين على غيرهم، وإبليس من هؤلاء الجن الذي خلقه الله خيراً، لكنه تحوّل إلى شرّ بسوء اختياره.

مضافاً إلى أن عدم استجابة المؤمنين لإبليس مما يزيدهم درجة

ورفعة لم يمكنهم الوصول إليها لولا وسوسته ومقاومتهم لها .

فالإنسان يتكامل وينمو كلما قاوم الوساوس وروّض نفسه (لكن) نفسي أروضها بالتقوى، فلذا ترتفع درجة الإنسان كلما كانت الوساوس أشد والمقاومة أقوى كما في سائر المشاكل التي تعرض على الإنسان إذ :

«والأزمات نوع من حركة الحياة، بل هي الهيكل العظمي للحياة، لأنها تسرع عملية الحياة وتربي قدرة الإنسان على الاحتمال فلها رسالة أعلى من رسالة الرخاء، فتوقع الرخاء الدائم ناتج عن الجهل بطبيعة الحياة والرخاء إذا استمر لفترة فإنه يربي الإنسان الرخو الذي يخترق في أول تجربة ولا يصلح إلا للبطالة واللهو»(1)

سؤال: كيف وقع ما أراده إبليس من المعصية، ولم يقع ما أراده الله من

الطاعة ؟

الجواب: لله تعالى إرادتان : إرادة تكوينية لا يتخلف المراد بل يقع فوراً، قال تعالى: ﴿إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)(2)، وارادة تشريعية التي هي أوامره ونواهيه، ولم يجبر أحداً عليها، فإن أطاع العبد وقع ما أراده الله تعالى، وإن عصى لم يقع ، كل ذلك بمشيئته تعالى وإعطاء القدرة للعبد.(3)

ص: 88


1- خواطري عن القرآن، ج 1، ص 13.
2- سورة النحل، الآية: 40.
3- للتفصيل راجع الجزء الثاني من شرح أصول الكافي - للمؤلف

الثالث: ﴿وَاسْتَكْبَر)َ الاستكبار هو رفع النفس إلى منزلة لا تستحقها،

ويلازم هذا الم- هذا المعنى الأنفة مما لا ينبغي أن يؤنف منه، والاستكبار عن أحكام الله هو أساس سائر المعاصي، فإن ارتكاب المعاصي إنما ينشأ بسبب استصغارها ورؤية الإنسان نفسه فوق النهي، وكذلك في ترك الواجبات.

الرابع: (وَكَانَ مِنَ الكَفِرِينَ) كان بمعنى صار، أي وصار باستكباره من

الكافرين كقوله : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾(1)أي صرتم، أو بمعنى أنه كان من الكافرين قبل الأمر ولكن ظهر كفره حينما عصى أمر السجود، أو هو التفات وليس حكاية مثل من يحكي قصة ثم يقطعها بتوجيه خطاب إلى السامعين.

الخامس (الجَنَّةَ) هذه الجنة ليست جنة الآخرة التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة، لأن تلك الجنة يخلد فيها من دخلها لقوله تعالى : (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(2) بل هي بل هي جنة من جنات الدنيا كما ورد عن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ (3) والظاهر أنها كانت في نفس هذه الأرض.

(3)

السادس: (حَيْثُ شِئْتُمَا) فكل شيء في هذه الجنة ومن أي مكان منها كان مباحاً، وإنما ذكر هذا المقطع حتى يكون أتمّ للحجة من منع الشجرة المنهيّة، فإن من أحِلَّ له كل شيء - وهي من الكثرة ما لا تحصى - وُمِنَع عن شيء واحد فإن خالف فقد انقطع عذره .

السابع: (وَلَا تَقْرَبَاً هَذِهِ الشَّجَرَةُ ) لم يكن الأكل من الشجرة حراماً لأن الأنبياء ،معصومون لا يرتكبون المحرمات - كبائرها وصغائرها -، ولا

ص: 89


1- سورة آل عمران الآية: 110.
2- سورة البقرة، الآية: 82.
3- البرهان ،ج 1، ص 337 عن الكافي وعلل الشرائع.

مكروهاً لأن المكروه قبيح - وإن لم يكن بحدِّ الحرمة - والأنبياء لا يفعلون القبيح.

بل كان النهي إرشادياً، كنهي الطبيب عن أكل الحامض لأنه يوجب

تشديد المرض مثلاً وليس نهيه للتحريم أو الكراهة، فالأكل من تلك الشجرة كان أثره الخروج من الجنّة فأرشد الله تعالى آدم لذلك .

وقيل : كان الأولى لآدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ الامتناع عن الأكل، لأن مقام النبوة يستدعي ترك بعض المحللات، فإن الأعمال تُقاس بفاعلها، فرُبّ فعل حسن من شخص لا يحبذ من آخر - وإن لم يكن محرماً ولا مكروهاً عليه - وهذا يُعبّر عنه بترك الأولى، وسمعت الوالد رحمه الله تعالى يستشكل على هذا الكلام وينزّه الأنبياء عَلَيْهِ السَّلاَمُ حتى عن ترك الأولى.

أما القول : بأنه كان قبل النبوة وتجويز المعصية الصغيرة على الأنبياء قبل النبوة !! فكلام باطل، لدلالة الدليل على عصمة الأنبياء مطلقاً - قبل النبوة وبعدها .

وكذلك القول : بأنه كان قبل التكليف !! فإنه تناقض إذ كيف ينهى عن

أكل الشجرة وهو غير مكلف؟

وكذلك القول : بأن النهي كان للامتحان فإن معنى ذلك أن آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ تجرأ على الحرام !! أي فعل ما توهمه حراماً !! ، والعصمة ملكة تمنع عن ارتكاب الحرام حتى إذا كان متوهماً - إن فرض إمكان ذلك في حق

الأنبياء -.

الثامن: (فَأَخْرَجَهُمَا) ، أي كانت نتيجة عمل إبليس أن اخرج الله تعالى

آدم وحواء من الجنة.

ص: 90

قيل : وهذا الإخراج لم يكن على وجه العقوبة، لأن الأنبياء لا تجوز عليهم القبائح، وإنما تغيرت المصلحة بتناول الشجرة، لأن الجنة كانت على سبيل التفضل فله تعالى المنع عنها تشديداً للامتحان، كما له أن

يفقر بعد غناء .

التاسع (كَلِمَتُ) الكلمات التي تلقاها آدم من الله تعالى هي سأله بحق محمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة صلى الله عليهم كما في

الكافي(1).

وفي رواية أخرى عن النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ «سأله بحق محمد وعلي وفاطمة

والحسن والحسين إلّا تبت عليَّ، فتاب الله عليه»(2).

وفي رواية أخرى أنه قال: (لا إله إلّا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي وأنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت خير الراحمين، لا إله إلّا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم ).(3)

وروي غير ذلك، ولا منافاة بينها إذ لعل الكلمات كانت كل ذلك .

العاشر: (قُلْنَا) استعمال ضمير الجمع: إما للتعظيم لأن القائل الله وهو

أهل الكبرياء والعظمة.

ويمكن أن يقال إن الأفعال التي يفعلها الله بالواسطة استعملت في

ص: 91


1- الكافي ج 8، ص 305 عنه البرهان ج 1 ، ص 354 .
2- معاني الأخبار 125 عنه البرهان ج 1، ص 356.
3- الكافي ج 8 ص 304 ، عنه البرهان ج 1 ص 353.

القرآن الكريم بضمير الجمع، لأن الأمر من الله تعالى والتنفيذ من غيره، فصح نسبة الفعل إلى الله وإلى غيره مثل (إنَّا أَنزَلْنَهُ)(1) حيث كان المنفذ للأمر الملائكة، وأما إذا كان الفعل من دون واسطة فقد يؤتى بضمير المفرد مثل(أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)(2) ومثله فيما يختص بالله تعالى مثل (إنّی أَنَا اللَّهُ)(3). ويجوز فيه ضمير الجمع تعظيماً.

الحادي عشر : (اهْبِطُوا) الأمر الأوّل لآدم وحواء والشيطان ويصح أن يقال إنه كان لآدم وحواء لجواز استعمال ضمير الجمع في الاثنين، وأما الأمر الثاني في (اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) لعلّ الخطاب الذرية آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ لقوله بعد ذلك . (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ) وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا)، وهذا التقسيم إنما يصح في ذرية آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ.

ويحتمل أن يكون الخطاب لآدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ وحواء بعد قبول التوبة، حيث

بين تعالى أن قبول التوبة لا يلازم الرجوع إلى الجنة والأول أظهر .

الثاني عشر: (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) «الخوف» عن مكروه مستقبلي، و«الحزن» هو الهّم الشديد على ما فات في الماضي، وواضح أن المؤمن في القيامة يدخل الجنة فلا يخاف من الأهوال ولا يحزن على المشاكل التي تعرَّض لها في الدنيا، وكذلك المؤمن في الدنيا لا (خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) ، إذ الخوف الكامل إنما يكون عن مكروه لا يُعوّض والمكروه الذي يُصيب المؤمن في الدنيا يُعوّض، والمخاوف التي يراها المؤمن في الدنيا ليست مخاوف بالنسبة إلى ما يراه الكفار من العذاب .

ص: 92


1- سورة القدر، الآية: 1.
2- سورة البقرة، الآية: 186.
3- سورة القصص الآية: 30.

الثالث عشر: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا) الكفر إن كان عن قصور لا يوجب

الدخول في النار، بل ورد في بعض الروايات أن الكفار القاصرين والمجانين من أبناء الكفار، وكذلك الصغار من أبنائهم، يمتحنون يوم القيامة، وأما إذا كان كفراً عن عناد، فذلك الذي يوجب الخلود في النار فلذا قال تعالى: ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا ).

الرابع عشر: لما كان الكلام من أول السورة حول تقسيم الناس إلى مؤمنين وغير مؤمنين وذكر أحوال كل صنف ثم الاحتجاج على الكفار ، ثم وصلنا إلى هذا المقطع الذي فيه بيان أوّل كفر بعد خلق الإنسان وأسبابه ودوافعه والتحذير منه، ختم الله تعالى المقطع، بذكر أصل التقسيم وما يترتب عليه من عقاب الكفار ونعيم المؤمنين

ص: 93

ص: 94

ص: 95

ص: 96

الآيات 40-46

(فصل) بنو إسرائيل نموذج آخر للمؤمنين والكفار

بعد الاحتجاج على الكفار بذكر خلق آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ وما اكتنفه من أحداث ذكر الله تعالى مثالاً لأمة عرضها الكفر والإيمان، إذ بني إسرائيل حضارة كاملة نموذج للجنس البشري، حيث اجتمعت فيهم مختلف حالات الأمم ، إذ كانوا مضطهدين ثم أصبحوا ملوكاً، وكان فيهم الأنبياء والعلماء والأثرياء والمستكبرين وعبدة الطاغوت والمخالفين لأوامر الله تعالى والمسوخ وغير ذلك .

وفي هذه الآيات تذكر جذور الإيمان والكفر وعلائم المؤمنين

والكفار ونحو ذلك قال تعالى :

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ «40» وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ «41» وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ «42» وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ «43» أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ «44» وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ «45» الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ «46»

ص: 97

40 - (يبَنِي إِسْرَاءِيلَ) أي عبد الله وهو يعقوب عَلَيْهِ السَّلاَمُ (أَذْکُرُواْ) بالشكر والتعظيم والإطاعة (نِعمَتیَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) كل النعم، (وَأَوْفُوا بِعَهْدِى) الذي أودعته في فطرتكم من الإيمان، أو ما أخذته من أسلافكم، ومنه الإيمان بمحمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) وهو حسن الثواب في الدنيا والآخرة، (وَإِيَّيَ فَأَرْهَبُونِ) فلا تخافوا من غير الله إذا وفيتم بالعهد.

41 - ﴿وَءَامِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ) وهو القرآن (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُم) إذ التوراة قد ذكرت النبيئ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والقرآن، فتم تصديقها بظهور النبي (وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرِ بِهِ) أي بما أنزلت لأنهم كانوا مرجعاً للجهل فكفرهم يسبق كفر الجهال الذين يتبعونهم، (وَلَا تَشْتَرُوا) أي لا تستبدلوا (بِابْتِي ثَمَناً قَلِيلاً) وهي المصالح الدنيوية الزائلة، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) فلا تحذروا وتتقوا غير الله لأن الله بيده النفع والضر.

42 - ﴿وَلَا تَلْبِسُوا) أي لا تخلطوا (الحَقِّ بِالْبَطِل) فتُلبسوا الباطل لباس ،الحق، وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ كأوصاف الرسول محمد، صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ (وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) بأن فعلكم هو باطل وأن الحق مع محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ.

43 - ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ) لأنها تنهى عن المنكر وقد توجب هدايتكم (وَءَاتُوا الزَّكَوةَ) حتى يسهل عليكم الابتعاد عن المصالح الدنيوية، (وارْكَعُوا مَعَ الرَّكِعِينَ) لأنّ الجو العام يؤثر في الإنسان سواء في الخير أم الشر.

44 - (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) أي أعمال الخير، والاستفهام للإنكار

ص: 98

والتوبيخ، (وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) أي تتركون أنفسكم من البر كأنكم نسيتموها، (وَأَنتُمْ) لستم جهال بل (تَتْلُونَ الْكِتَب) فاللازم أن تكونوا أول العاملين به (أَفَلَا نَعْقِلُونَ) أنَّ عملكم هذا غير صحيح.

45 - ﴿وَ) إذا أردتم الإيمان بالرسول محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ - الذي قد يؤدي إلى فقدانكم بعض المنافع ووقوعكم في مصاعب - (فاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ) لأنه الطريق إلى التقدم وتجاوز الصعاب، (وَالصَّلوة) لأنها توجب إقبال الله عليكم واطمئنان نفوسكم، (وَإِنَّهَا) أي الاستعانة بالصبر والصلاة لَكَبِيرَةُ ) أي شاقة وثقيلة (إلَّا عَلَى الْخَشِعِينَ) الذين يقبلون بقلوبهم إلى الله ويتذللون له.

46 - وهؤلاء الخاشعون هم (الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أي يوقنون ﴿أَنَهُم مُلَقُواْ رَبِهِمْ) أي ملاقو حسابه (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ) أي إلى ثوابه (رَاجِعُونَ).

-------------------------

بحوث

الأول: (أذْكُرُوا نِعْمَتِي) أي اشكروا النِّعمة ولا تستهينوا بها، بل عظموها وأطيعوا الله الذي حباكم بها، والمقصود بالنّعمة هو كل النّعم لعدم ذكر المتعلّق، ومنها ما سيأتي في الآيات اللاحقة.

وتلك النّعم قسمان : قسم على أسلافهم كجعل الأنبياء فيهم وجعلهم ملوكاً - بعد أن كانوا عبيداً ، وقسم منها عليهم، كإدراكهم للرسول محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، ومن المعلوم أن النّعم على الآباء تعم حتى الأبناء - وعلى أقل تقدير الفخر بها -.

ص: 99

الثاني: (الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) ليس تكراراً ، لأن كل النّعم من الله تعالى لكن قد تكون بعض النّعم بالواسطة - كالتصدق على الفقير - فيخفى على البعض أنها نعمة من الله عزَّ وجلَّ فينسبونها إلى غيره، ولكن نعم الله تعالى على بني إسرائيل كانت واضحة أنها من الله تعالى، لأنها لم تكن بواسطة - عادة - وهذا ما يستدعي شكر تلك النّعمة بدون أي التباس، كإنجائهم من آل فرعون، وقبول توبتهم بعد عبادتهم العجل، وإنزال المنّ والسلوى وغير ذلك.

الثالث: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِى) كل العهود، لأن حذف المتعلّق يفيد العموم، ومن أهم تلك العهود الإيمان بالرسول محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)(1). وقال سبحانه: ﴿النَّبِيَّ ألْأُمِيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ، مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَاَلْإنِجيلِ)(2) وقد ذكر القرآن الكريم العهود المختلفة التي أخذت منهم كما سيأتي - إن شاء الله - في الآيتين 83 و 84 من هذه السورة.

الرابع: (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) أي الوعود التي وعدها الله لهم إذا التزموا بعهودهم، ومنها ما ورد في قوله تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ)(3)، لكن أكثرهم نبذوا عهد الله وراء ظهورهم فاستحقوا الذلة في الدنيا وعذاب الخزي في الآخرة، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثٰقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةً )(4) و قال سبحانه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَهُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاهُو بِغَضَبٍ مِنَ اَللَّهِ)(5)

ص: 100


1- سورة آل عمران الآية: 187 .
2- سورة الأعراف الآية: 157
3- سورة المائدة، الآية: 12
4- سورة المائدة الآية: 13
5- سورة البقرة، الآية: 61.

الخامس: ﴿وَإِتَنىَ فَأَرْهَبُونِ) تقديم المفعول يفيد الحصر، أي ارهبوني ولا ترهبوا غيري، وهو تسكين لمن أراد الإيمان منهم، وتحذير لمن لم

يرده، حتى لا يعتذر لتركه العهود - ومنها الإيمان بالرسول محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ بأنه يخاف الناس، فيأتيه الجواب بأن الله أحق أن تخشاه وترهبه، لأن الخوف من الناس إنما هو لإبعاد ضرر دنيوي منهم، وأما الخوف من الله فإنه يبعد الضرر الدنيوي ،والأخروي وكلنا يعلم ما حلّ باليهود الذين خالفوا النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ فقد قتل بعضهم وأسر البعض واغتنمت أملاكهم وأراضيهم فخسروا الدنيا، فلو كانوا يؤمنون فبالإضافة إلى حفظ ما عندهم كانوا يحصلون على مغانم كثيرة أخرى، هذا فضلاً عن خسرانهم الآخرة وذلك هو الخسران المبين.

السادس: (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ) أي القرآن يصدق التوراة، فإن التوراة ذكرت أن محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ سيبعث، وذكرت أوصافه، فكانت بعثته تصديقاً لهذا الخبر، وليس المراد أن القرآن يصدق كل ما في التوراة التي هي بأيدينا لوضوح التحريف والحذف والزيادة فيها، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ الله)(1) أو المراد أن القرآن يصدق التوراة الأصلية غير المحرفة.

السابع: (أَوَّلَ كَافِي بهِ) لعل المراد أنه كان ينبغي أن تكونوا أول المؤمنين بالقرآن وبالرسول محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، لعلكم ببشارة التوراة، ولانتظاركم بعثته بشوق قال تعالى: ﴿وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا)(2) ، فلا تكونوا أول كافر به فيكون من باب المقابلة، لا الأول مطلقاً

ص: 101


1- سورة البقرة، الآية: 79
2- سورة البقرة، الآية: 89

فإن مشركي مكة كانوا أول الكافرين قبل اليهود، أو لأن العالم مرجع الجهال فيكون كفره أولاً وكفر الجاهل ثانياً لأنه تابع، أو لا تكونوا أول كافر من أهل الكتاب، ولعل الأول أفصح.

الثامن (ثَمَنًا قَلِيلاً) هي الرئاسة الزائلة، لأن كل المصالح الدنيوية إنما هي ثمن قليل لزوالها، ولتعرض المشتري للعذاب الدائم الذي ليس فوقه عذاب، وروي عن الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ أنه قال : «كان حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وآخرون من اليهود لهم مأكلة على اليهود في كل سنة فكرهوا بطلانها بأمر النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ فحرفوا لذلك آيات التوراة»(1) ولعل هذه المأكلة من مصاديق المصالح الدنيوية التي كان يخشون زوالها لو آمنوا .

التاسع: ﴿وَإِلَى فَاتَّقُونِ) التقوى من الوقاية، وهي حفظ النفس من الشهوات ونحوها، فيكون معنى الآية لا تغرنكم الدنيا والثمن القليل، بل احفظوا أنفسكم من عذاب الله الذي سيصيبكم لو اتبعتم الشهوات والمصالح الدنيوية، قال تعالى: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾(2) أي احفظوها من النار فيكون معنى (اتَّقُوا اللهَ )(3) احفظوا أنفسكم من عذابه وعقابه.

العاشر: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ) اللبس - بفتح اللام - هو التعمية كأنه ألبس الباطل لباس الحق ، وهذا ديدن أهل الضلال لأن الباطل الصريح لا يقبله أحد إلّا إذا خدعوا السذج والجهال بإظهاره بمظهر الحق، ومن أعمالهم كتابة أمور باطلة بأيديهم وزيادتها في التوراة حتى يظن الناس أنها حق من كلام الله تعالى وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلاَمُ : «إنما بدء

ص: 102


1- مجمع البيان، ج 1، ص 168.
2- سورة التحريم، الآية: 6.
3- سورة الأحزاب الآية: 70.

وقوع الفتن أهواء تُتَّبع، وأحكام تُبتدع، يُخالف فيها كتاب الله، ويتولى رجال رجالاً، على غير دين الله ، فلو أن الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين ولو أن الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين، لكن يُؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضعت فيمزجان فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى»(1)

الحادي عشر: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) الفرق بينه وبين (وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَطِل)، هو أن كتمان الحق إخفاءه حتى لا يظهر، ولبس الحق بالباطل هو إظهار الباطل على أنه حق، فينهاهم الله عن الأمرين.

وإن كان بينهما تلازم - عادة ..

الثاني عشر: ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ العالم الذي يكتم الحق ويظهر الباطل لا عذر له، وأما الجاهل فقد يُعذر إذا كان قاصراً بمعنى عدم تمكنه من الوصول إلى الحق قال تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا)(2) ، وأما الجاهل المقصّر الذي كان يمكنه أن يتعلم لكنه تهاون في ذلك فإنه والعالم غير العامل سواء، وقد ورد أنه يقال له : «هلا تعلمت»(3) .

الثالث عشر : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوةُ ) هذه أُمور ثلاثة توجب هداية الإنسان وابتعاده عن المصالح الدنيوية، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ومن لبس الحق بالباطل وكتمان الحق ﴿وَءَاتُوا الزَّكَوة)َ والزكاة تروّض النفس

ص: 103


1- نهج البلاغة الخطبة 50.
2- سورة النساء الآية: 98
3- الوسائل: ج 5 ، ص 371 .

على ترك التعلّق بالمال الزائل فإن من لا يمتنع عن دفعها يمتنع عن أكل المال بالباطل - عادة - فلا يشتري بآيات الله ثمناً قليلاً، وحيث إن الجو العام يؤثر في الإنسان فإن كان صالحاً رغبه إلى الصلاح فأمرهم الله تعالى بالاشتراك في صلوات الجماعة فقال (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) .

الرابع عشر (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِمِينَ ) قيل: إن صلاة اليهود لا ركوع فيها فيكون هذا الفصل ترغيباً لهم إلى الإسلام وإلى العبادة على الكيفية الإسلامية.

ويستفاد منه رجحان صلاة الجماعة عن النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ : «من صلى الخمس في جماعة فظنوا به خيراً»(1).

الخامس عشر : (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) ، قيل : إن رؤساءهم كانوا يقولون لمن أسلم من أقربائهم أن اثبتوا على ما أنتم عليه، ولا يؤمنون هم(2) حفاظاً على منافعهم فقال لهم الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِر) وهو الثبات على الإسلام، (وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ) أي لا تسلمون، (وَأَنتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَ) فتجدون اسم النبي وأوصافه صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ.(3).

وهذا بعيد لأنهم كانوا يحاربون الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ بمختلف الوسائل والسبل، ومن المستبعد أن يدعوا أقرباءهم إلى البقاء على الإسلام ودراسة حالاتهم ونفسياتهم وملاحظة الآيات الواردة في شأنهم تدل على مرضهم النفسي ومحاولتهم للتخريب على الإسلام بمختلف الوسائل والسبل .

ص: 104


1- الوسائل ج 5 ، ص 371 .
2- مجمع البيان، ج 1، ص192.
3- المصدر النفسه

وقيل : كانوا يأمرون العرب بالإيمان بمحمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ إذا بُعث، فلما بُعث كفروا به.

وهذا أيضاً بعيد، لأنهم كانوا ينتظرون بعثة النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وكانوا يمنون أنفسهم بأنه منهم، أنه ينصرهم فيكون الفتح لهم على العرب قال تعالى : (وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾(1) أي يطلبون الفتح بالرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ.

والأقرب أن المراد أمراً عاماً ، فإنهم كانوا يتلون التوراة على الناس ويصفون أعمال الخير والبر إلى العوام، لكنهم كانوا لا يعملون بذلك، فكانوا يكذبون ويأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ويكتنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، إذ سياق الآيات هو أمرهم بالفضائل التي كانوا يتركونها، ونهيهم عن الرذائل التي كانوا يقترفونها ومنها أمرهم الناس بالبر ونسيان أنفسهم .

السادس عشر: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةُ) أي إذا تركتم باطلكم فقد تصابون ببعض المشاكل، وهذا أمر طبيعي لكل من يغيّر دينه فإن نمط حياته تتغير، فقد يفقد بعض المكاسب، وقد يحاربه أقرباءه وأصدقاءه، فيقول تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ) لأن الصبر مفتاح الفرج، يعود بالنفع على الصابر، إذ الدنيا لا تخلو من المشاكل والإنسان بين أمرين: إما أن تحطمه تلك المشاكل ، وإما أن يحطمها هو، والصبر هو الطريق الأمثل للتغلب عليها، وكذلك استعينوا بالصلاة لأن الصلاة الارتباط بين الله تعالى وبين العبد فتوجب اطمئنان القلب، حيث إن المصلي يعلم بأنه ارتبط بركن شديد التي كلّ الأمور بيده.

ص: 105


1- سورة البقرة، الآية: 89

وروي أنّ الصبر هو الصوم(1) ولعله ذكر مصداق للصبر، إذ في الصوم منع الإنسان نفسه من الشهوات والملذات، فتُروّض النفس على الصعاب ويتعلّم الصبر في مختلف الأمور.

وعن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ: كان عَلَيْهِ السَّلاَمُ إذا أهاله شيء فزع إلى الصلاة ثم تلا

هذه الآية: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةُ)(2)

السابع عشر: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ ) أي شاقة وثقيلة، والضمير راجع إلى الاستعانة أي إن الاستعانة بالصبر والصلاة ثقيلة إلّا على الخاشعين والاستعانة وإن لم تكن مذكورة، إلا أنها تعرف بدلالة الكلام في قوله :تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا) كما في قوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ)(3) الضمير راجع إلى الميت وهو غير مذكور في الكلام السابق إلّا أنه مستفاد من سياق الكلام حيث إنه حول الإرث (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ )(4) ... الخ.

(3)

وكون الصلاة شاقة وثقيلة على غير الخاشعين، لأنها وإن لم تستغرق وقتاً، إلّا أنّ لزوم أدائها في مختلف الأوقات وبشكل منظم وخاصة في أوقات يرغب الإنسان في النوم كصلاة الصبح أو انشغاله بأعمال أخرى كالظهرين والعشاءين، إضافة إلى وساوس الشيطان وصرفه الإنسان عنها ، كل ذلك وغيره يجعل الصلاة ثقيلة صعبة على الإنسان إلا الخاشعين.

الثامن عشر : (الخَشِعِينَ)، الخشوع هو التذلل في القلب ويظهر ذلك

ص: 106


1- البرهان، ج 1، ص 377 عن الكافي.
2- المصدر عن الكافي
3- سورة المائدة الآية: 11
4- سورة المائدة الآية: 11

على الصوت والطرف قال تعالى: ﴿خَشِعَةٌ أَبْصَرُهُ)(1) وقال سبحانه:

(وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ)(2) وروي عن الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «الخاشع الذليل في صلاته المقبل عليها »(3) ، وأما الخضوع فهو اللين والانقياد، فهو من فعل الجوارح قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَضَعْنَ بِالْقَولِ)(4) أي لا يلينه، فالخاشعون لا تثقل عليهم الصلاة لعلمهم بعظمة الله وأنهم يرجعون إليه للحساب فيثابون على هذه الصلاة فهم راغبون إليها كل رغبة فمثلهم كمثل العامل الذي يعلم بأنه لو أتمَّ علمه يُعطى أجره مضاعفاً فإنه يكون نشطاً راغباً إلى العمل حتى لو كان شاقاً.

التاسع عشر : (الَّذِينَ يَظُنُّونَ) أي يوقنون، بمعنى يعلمون بأنهم يلاقون حساب الله تعالى فيوفيهم أجورهم ويحلهم دار الأمن بعد خوفهم، فلذا تحصل لهم حالة الذلة والخشوع الله تعالى.

والتعبير بالظن للمبالغة لأن أدنى مراتب الرجحان يوجب الخشوع فحتى من يظن بأن الصلاة - وهو عمل لا يستغرق وقتاً طويلاً - لها هذا الأجر جر العظيم فإنه يحصل له الخشوع فكيف بمن هو موقن ؟

العشرون: (مُلَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ أي يلاقون حسابه ويرجعون إلى ثوابه والجميع - مؤمناً كان أم كافراً - يلاقي حساب الله تعالى ولذا قال تعالى عن المنافقين: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً في قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ)(5)، ثم بعد

ص: 107


1- سورة القلم، الآية: 43.
2- سورة طه، الآية: 108.
3- البرهان، ج 1، ص378.
4- سورة الأحزاب الآية: 32.
5- سورة التوبة، الآية: 77

الحساب يكون الرجوع إلى ثواب الله أو عقابه قال تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ)(1).

وليس في الآية دلالة على إمكان رؤية الله تعالى، لأن اللقاء ليس الرؤية ، إذ لو لم يره - كما لو كان أعمى - لكن تكلم معه فيقال: «لقيه»، وإذا رآه من بعيد ولم يتكلم معه لا يقال «القيه»، ولأن القائلين بالرؤية يقولون باختصاصها بالمؤمنين مع أن لقاء الله يشمل المنافقين كما في الآية السابقة (فَاعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ)(2)، مضافاً إلى استحالة رؤية الله تعالى لأن الرؤية إنما هي اصطدام النور بالجسم ورجوعه إلى البصر فتحتاج إلى كون الشيء جسماً وأن يكون في مكان خاص مقابل الرائي والله تعالى ليس بجسم وهو غير محدود بمكان أو مقدار فكيف يمكن رؤيته؟ مضافاً إلى قوله تعالى : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ)(3) وقوله سبحانه: ﴿قَالَ لَن تَرانِي) (4) وسيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله - بعد قليل في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً)(5).

ص: 108


1- سورة البقرة، الآية: 156.
2- سورة التوبة، الآية: 77
3- سورة الأنعام، الآية: 103
4- سورة الأعراف الآية: 143
5- سورة البقرة، الآية: 55.

ص: 109

ص: 110

الآيتان 47-48

الأمر الأول: نعمة قيادة الأمم

لما ذكر الله تعالى في الآيات السابقة الواجبات والمحرمات على بني إسرائيل، ذكر في الآيات التالية النعم التي أنعمها عليهم بالتفصيل حتى يكون أدعى لالتزامهم بالشرع فقال سبحانه :

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ «47» وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ «48» ).

47 - (يبَنِي إِسْرَائِيلَ أَذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) وهذا تمهيد للنعم التي ستذكر تباعاً، (وَ) أولى النعم وأهمها ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ) في زمان أنبيائكم كموسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، فإن كل مؤمن في زمان نبيه أفضل من سائر العالمين.

48 - فراعوا هذه النعمة أحسن مراعاة ، ولا تعوّلوا على الأماني بأنكم في مأمن من العذاب ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا)، وهو يوم القيامة (لّاَ تَجْزِى) أي لا تقضي ولا تؤدي (نَفْسٌ عَن نَّفْسِ شَيْئًا) من الحقوق، فكل نفس بما كسبت رهينة (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا) أي من النفس ﴿شَفَعَةٌ) فإن

111

ص: 111

الشفاعة ليست اعتباطاً وإنما لها شروط خاصة، ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) أي فدية تعدله ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) بأن ينصرهم أحد من الله وعذابه.

----------------------

بحوث

الأول: (يبني إِسْراءِيلَ) ذكر هذا المقطع مع أنه سبق في الآية 40 ، لأن الأول كان تمهيداً لأمرهم ونهيهم، وهذا تمهيد لذكر النعم التي عليهم بالتفصيل وبيان نقاط قوتهم وضعفهم ، وقيل الأول للنعم عليهم والثاني للنعم على آبائهم، ويحتمل أن يكون للتأكيد فإن النّعم هي الأصل فيما يجب شكره فاحتيج إلى تأكيدها.

الثاني: (فَضَلْتُكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ) هذه أولى النعم وأهمها وهي نعمة القيادة الروحية العالميّة، فإن الله اختارهم ليكونوا قادة العالم وارتضى أن يكونوا حملة دينه فبعث فيهم الأنبياء تترى، وهذا التفضيل خاص بالعالمين في زمان أنبيائهم .

ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) (1) فإنه من الواضح أن التفضيل الشمولي لكل العالمين من الأولين والآخرين ينحصر في شخص واحد إذ لا يمكن أن يكون الأفضل إلّا شخص واحد، فدلّ ذلك على أن التفضيل إنما هو في زمانهم.

ثم إن التصدير بذكر النعم وميزات وفضائل المستمع، يكون له تأثير

نفسي بليغ في تأثير الموعظة التي تلحقها .

ص: 112


1- سورة الأنعام، الآية: 86.

الثالث: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا)... فإن اليهود كانوا يزعمون بأنهم شعب الله المختار فلا يعذبون فردعهم الله تعالى وحذرهم يوم الجزاء، فلا يمكن الفرار من عقوبة الله تعالى مهما فعلوا ولا يجري هنالك ما يجري في الدنيا من درء العقاب فإن الناس يدرؤون العقاب بأحد أمور أربعة عادة

1 - أن يؤدي شخص آخر الحقوق عن الإنسان.

2 - الشفاعة بأن يشفع أصحاب النفوذ، فلا يصدر الحكم ضد المجرم.

3 - أن يحكم عليه بدفع الفدية فيدفعها ويتخلص من سائر العقوبات.

4 - أن ينقذه أصحاب القوة من العقوبة.

وكل هذه الأمور يستحيل التعويل عليها لدرء عذاب الآخرة فهنالك :

1 - (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةُ )(1) وكل إنسان في فكر نفسه (يَوْمَ يَفِرُّ المَرءُ مِنْ أَخِيهِ«34» وَأَمِهِ، وَأَبِيهِ«35» وَصَحِيهِ وَبِيهِ)(2).

2 - لا شفاعة إلا لمن ارتضاه الله (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)(3)

3 - ولا فدية (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَا تُقُتِلَ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).(4)

ص: 113


1- سورة المدثر الآية: 38.
2- سورة عبس، الآيات: 34 - 36 .
3- سورة الأنبياء، الآية: 28
4- سورة المائدة، الآية: 36 .

4 - ولا قوة فوق قوة الله عزّ وجل (لا يُنصَرُونَ)...

الرابع: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَعَةٌ) ..

الشفاعة طلب بعض الأولياء من الله عزّ وجل غفران ذنوب بعض العصاة أو رفع درجات بعض المؤمنين .

وطريقة القرآن الكريم هي إثبات الكمال الله تعالى وسلبه عن غيره ثم إثبات بعض الكمال لغيره بإذنه تعالى ليتبين أن ما لغيره من الكمال ليس بشكل استقلالي، وإنما هو بأمر الله ،وإذنه لكي لا يتوهم الناس أن غيره من الأولياء يشاركونه في الأمر.

مثلاً علم الغيب منحصر بالله تعالى ولكن قد يُطلع الله على غيبه من يشاء قال تعالى : (لَا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ)(1) وقال سبحانه: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً«26» إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ) (2)، ومثال آخر : الخلق، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خٰلِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)(3) (خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ)(4) وقال سبحانه عن لسان عيسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: (أَنِّي أَخَلُقُ لَكُم مِّنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ)(5).

وهكذا في الشفاعة فإن الشفاعة خاصة بالله تعالى، وقد يأذن سبحانه لبعض الأولياء بالشفاعة ضمن ضوابط خاصة، والآيات تبين ذلك وهي على أصناف:

ص: 114


1- سورة النمل، الآية: 56
2- سورة الجن الآيتان 26 - 27 .
3- سورة فاطر، الآية: 3.
4- سورة الرعد، الآية: 16 .
5- سورة آل عمران الآية: 49

1 - إثباتها الله فقط قال سبحانه: (لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعُ)(1) (وقُل للَّهِ الشَّفَعَةُ جَمِيعًا)(2) (مَا لَكُم مِّن دُونِهِ. مِن وَلِيْ وَلَا شَفِيعٍ )(3)

2 - إن الله يأذن لأوليائه بالشفاعة قال تعالى: ﴿وَمَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ)(4) (يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً)(5)

3- لا يشفع من لم يرتضه الله ، قال عز من قائل: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَونَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنبِئونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ)(6) (و وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )(7)

4- الشفاعة لها ضوابط، قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَن أرْتَضی)(8) (لآ يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)(9) (مَا سلكَكُمْ فِي سَقَرَ«42» قَالُوا لَوْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ«43» وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ «44» وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ«45» وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِیومِ أَلْدِينِ«46» حَتَّی أَتَنَا الْيَقِينُ «47» فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)(10)

5 - الشفاعة لا تنال بعض الناس قال سبحانه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا

ص: 115


1- سورة الأنعام، الآية: 51
2- سورة الزمر، الآية: 44 .
3- سورة السجدة، الآية: 4.
4- سورة البقرة الآية: 255.
5- سورة طه، الآية: 109
6- سورة يونس الآية: 18
7- سورة الزخرف، الآية: 86
8- سورة الأنبياء، الآية: 28
9- سورة مريم، الآية: 87
10- سورة المدثر الآيات: 45 - 48 .

شَفَاعَةٌ )(1) ﴿ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَةٌ وَلَا شَفَعَةٌ ) (2) ﴿وَمَا مِن شَفِيعِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ)(3)

يستفاد من ذلك كلّه أن الشفاعة حقيقة ثابتة، وهي مثل كل كمال خاصة بالله تعالى وقد يأذن الله تعالى لمن يشاء بالشفاعة، ولا يشاء الله تعالى الشفاعة إلا لمن استحقها فليست اعتباطاً .

وبعض هذه الشروط - التي وردت في الآيات السابقة - هي :

أ - أن يرضى الله عن المذنب والله لا يرضى عنه إلّا إذا تاب أو عمل صالحاً

ب - أن يكون له عهد عند الله، ولعل هذا العهد هو الإيمان والعمل الصالح .

ج- أن لا يكون ظالماً .

د - عدم الاستخفاف بالصلاة.

ه- - إطعام المسكين - ومنها الزكاة الواجبة -

و - عدم الخوض مع الخائضين .

ز - عدم التكذيب بيوم الدين.

وأما اليهود فإنهم فقدوا كل شروط الشفاعة، فلذا خاطبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ).

ص: 116


1- سورة البقرة الآية: 48 .
2- سورة البقرة، الآية: 254.
3- سورة يونس الآية: 3.

الآيتان 49-50

الأمر الثاني ومن نعم الله تعالى على بني إسرائيل نعمة النجاة والحرية

﴿«وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ «49» وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ «50» ).

وبعد نعمة التفضيل والقيادة، تأتي النعمة الثانية وهي نعمة الحرية التي هي أهم من النعم الأخرى.

49 - (وَ) اذكروا نعمة نجاتكم من الاستعباد وجعلكم ملوكاً لأنفسكم ﴿وَإِذْ نَجَيْنَاكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ) أي قومه وخواصه (يَسُومُونَكُمْ) أي يلقونكم ويولونكم (سُوءُ الْعَذَابِ) أي العذاب الشديد، وذلك العذاب أنهم (يُذَبِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) أي يبقونهم أحياء للخدمة والاستمتاع، (وَفِي ذَلِكُم﴾ أي الذبح والاستحياء (بَلاَءٌ) وامتحان (مِن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ) لصعوبة تحمّله.

50 - (وَ) اذكروا ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ) أي بسببكم ولأجلكم (الْبَحْرَ) أي جعلناه فرقة فرقة فكانت فواصل بين ماء البحر حتى صارت كالشوارع (فَأَنجَيْنَكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ) ) أي فرعون وآله

ص: 117

ولم يذكر فرعون تغليباً وإيجازاً (وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) إلى غرقهم، فتكون النّعمة أتمّ عليكم لهلاك عدوكم ولشفاء غيظ صدوركم بمشاهدة غرقهم.

----------------------

بحوث

الأوّل: (يُذَبِحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) ، قيل : إنّ باب التفعيل هنا للتكثير فإن فرعون أمر بقتل الكثير من أبنائهم ، وقيل : إنما هو لبيان فظاعة الفعل فقد قتل قليلاً من أبنائهم - لعلهم اثنا عشر - وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَغَلَقَتِ الْأَبْوَابَ) مع أن الأبواب كانت سبعة - على ما قيل - وأغلقتها مرّة واحدة ولكن لبشاعة الفعلة جيء بباب التفعيل.

ولعل سبب القتل هو خوف فرعون من ازدياد نفوسهم لخصوبة نسلهم وتحولهم إلى أكثرية تُزيل - ولو بعد حين - ملك آل فرعون، كما يشعر به قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(1) وقيل: إن سببه رؤيا رآها عُبّرت بزوال ملكه على يد بني إسرائيل، فأراد استباق الحدث بقتلهم.

الثاني: ﴿بَلاءُ مِّن رَّبِّكُمْ) إنما كان البلاء من الله لعدم حيلولته بين فرعون وعمله وكان ذلك لأجل الامتحان، كما يقال أفسد الوالد ولده إذا لم يَحُلْ بينه وبين الفساد، وقد مرّ أنّ هذه الأفعال ونحوها تنسب إلى الله لا

ص: 118


1- سورة القصص الآية: 4 .

بمعنى الجبر وإنما بمعنى عدم منعه تكويناً عنها ، ويمكن أن يكون هذا البلاء عقوبة لهم لمّا خالفوا الأوامر الإلهية قبل موسى فعاقبهم الله بأن سلط

الفراعنة عليهم ثمّ لمّا تضرعوا إلى الله تعالى أنجاهم من آل فرعون ويمكن أن يكون الضمير في (ذَلِكُمْ) يرجع إلى الإنجاء، فيكون معنى البلاء النّعمة أي وفي إنجائكم من آل فرعون نعمة عظيمة من الله تعالى لأن البلاء يطلق على الشر والخير كما في قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ).(1)

الثالث: ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) أي بسببكم ولأجل إنجائكم، وكانت هذه معجزة عظيمة بأن تفرّق ماء البحر وصار كالحيطان وظهرت اليابسة من قاع البحر.

وقال بعض المنبهرين بالغرب والمنهزمين نفسياً إن ذلك كان بالمد والجزر ولم يكن معجزة، وهذا قول من لا يؤمن بالغيب ويريد إنكار المعاجز ارضاء للماديين، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ )(2) مضافاً إلى أن المد لا يمكن أن يغرق جيشاً بأكمله لأنه تدريجي فيمكن الفرار منه، وكذلك إن البحر الأحمر مَدُّهُ ضعيف لأنه محصور من أكثر أطرافه باليابسة فلا يغرق في مده أحد عادة، وكذا بحيرات سيناء.

ثم إنه قد مرّ سابقاً أن المعجزات هي لإثبات صدق مدعي النبوة لا لتغيير الأسباب الظاهرية، إلّا في موارد نادرة وهذا من هذه الموارد النادرة فإن الله فرق البحر ليس لتصديق موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ وإنما لإنجائه وبني

ص: 119


1- سورة الأنبياء، الآية: 35.
2- سورة البقرة، الآية: 120

إسرائيل، ولعل السبب أن الله لا يريد إخلاء الأرض من الحجة ومن دين يرتضيه فإذا قصرت الأسباب الظاهرية عن حفظ دینه تدخلت الأسباب الغيبيّة ومنها هذه القصة، وكذلك إنزال الملائكة يوم بدر، وأما إذا لم تقصر الأسباب الظاهرية عن حفظ دينه فإن الأمور تسير بشكل طبيعي وإن كان فيها قتل الأنبياء والأوصياء.

ص: 120

الآيات 51-54

الأمر الثالث والرابع من نعم الله على بني إسرائيل نعمة الشريعة والتوبة

﴿«وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ «51» ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «52» وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ «53» وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «54») .

51 - (وَ) اذكروا ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) أي جعلنا له موعداً لتلقي الكتاب ، (ثُمَّ) لما طال الأمد حيث زعمتم أن موسى مات (اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ) أي بعد ذهابه إلى الطور صنعت العجل، من الذهب ،وعبدتموه وَأَنتُم بفعلتكم هذه ظلِمُونَ

، لأنفسكم أي جلبتم الضرر على أنفسكم.

52 - (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي قبلنا توبتكم بعد عبادة العجل (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) لأن العفو نعمة من الله تعالى تستوجب شكراً.

53 - (وَإِذْ) أي اذكروا نعمة أخرى كانت حين عبادتكم للعجل

ص: 121

فإن الله لطف بكم حتى في تلك الحالة وهي أنا (ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَالْفُرْقَانَ ) وهو التوراة (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).

54 - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ أي لمن عبد العجل منهم: ﴿يَقَوْمِ إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِإتخاذكُمُ الْعِجْلَ) إلهاً يُعبد، لأن في ذلك ضرر على أنفسكم لأنه يوجب الذلة في الدنيا والآخرة، ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِيكُمْ) أي خالقكم الذي تجب عليكم عبادته والرجوع إليه، لا العجل المصنوع بأيديكم، وهذه التوبة ليست بالندم فقط بل إضافة إلى الندم (فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) أي يقتل بعضكم بعضاً (ذَلِكُم)، أي القتل (خَيْرٌ لَكُمْ) لأنه يدفع عذاب الآخرة الدائم (عِندَ بَارِيكُمْ) أي إن هذا خير عند الله، لأنه يقبل به توبتكم ويعوضكم بالجنة الدائمة وإن كان الناس يتصورونه شرّاً، (فَ) لما امتثلتم الأمر وقتل بعضكم بعضاً (تَابَ) اللَّه (عَلَيْكُمُ) أي قبل توبتكم (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) فمن رحمته عليكم قبوله للتوبة مع أنه كان يمكنه عدم قبولها

-----------------------

بحوث

الأوّل: في هذه الآيات مزج الله تعالى بين نعمتين هما إنزال الكتاب للهداية وقبول التوبة، ولعلّ ذلك لأنهما حدثا في وقت واحد، أو لأن قبول التوبة للهداية، إذ بدون قبولها لم يكن الكتاب لينفعهم، فالتوبة كانت رجوعاً إلى الله تعالى وإلى شرعه وذلك الشرع ما تضمنه الكتاب الذي أنزل على موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ.

ص: 122

الثاني: (ثَلَاثِينَ لَيْلَةً) . الوقت المحدد لموسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ كان أربعين ليلة، لكن الله تعالى لأجل امتحان بني إسرائيل أخبرهم بالثلاثين وسكت عن العشرة الباقية، فلما انقضت الثلاثين زعموا أن موسى قد مات، فاستغل السامري ذلك وصنع العجل وتبعه على ذلك الكثير منهم، وسيأتي تفصيل ذلك - إن شاء الله - في قوله تعالى : ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرِ﴾ (1) ، فلما رجع موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ بالكتاب ورآهم على تلك الحالة غضب منهم وأسف على فعلتهم، فندموا على عبادتهم العجل، فتاب الله عليهم فكان الكتاب بعد ذلك هدى وموعظة لهم .

الثالث: (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم) تذكير لهم بأنكم انحرفتم انحرافاً كبيراً في الماضي بعبادة العجل ، لكن الله تعالى رحمكم ولما تبتم قبل توبتكم، والآن أيضاً طريق التوبة مفتوح أمامكم فآمنوا بالنبي محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ يكفر الله تعالى عن ذنوبكم السابقة ويقبل توبتكم .

الرابع: (الْكِتَبَ والْفُرْقَانَ) أي التوراة فهي الجامع بين كونها كتاباً منزلاً من عند الله تعالى، وفرقاناً يميّز بين الحق والباطل، كما نقول رأيت العالم والعابد، ونقصد شخصاً واحداً جامعاً بين العلم والعبادة، فإن بعض المعجزات هي فرقان تفرق بين الحق والباطل لكنها ليست كتاباً كفلق البحر، لكن التوراة إضافة إلى كونها فرقاناً فهي كتاب في متناول الجميع.

الخامس (بَارِئِكُمْ) أي الخالق الذي أخرجكم من العدم إلى الوجود وإنما جيء بهذا الاسم دون سائر الأسماء والحسنى، لتقبيح فعلتهم حينما تركوا عبادة خالقهم الذي أوجدهم من العدم وبهذه الكيفية الدقيقة وهرعوا إلى عبادة العجل الذي لا يتمكن من صنع شيء وهو مَثَل في الغباء.

ص: 123


1- سورة الأعراف الآية: 142

ثم لما أمرهم بقتل أنفسهم قال : (خَيْرٌ لَكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ) فتكرر «البارىء» مرّة أُخرى لشدة مناسبة هذه الصفة للحكم وهو القتل أي أن الذي خلقكم هو الذي أمر بقتل بعضكم بعضاً.

السادس: ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)، قبول التوبة إنما كان بقتل بعضهم بعضاً، ولعلّ هذه التوبة العجيبة كانت بسبب أنهم أشربوا في قلوبهم حب عبادة الأصنام، فحينما عبروا البحر ورأوا قوماً يعبدون صنماً قالوا لموسى: (اجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ وَالِهَةٌ )(1) وحينما غاب موسى عبدوا العجل، فكان حب الأصنام متجذراً في قلوبهم حتى بعد رؤية الآيات الباهرات والمعاجز ،الظاهرات ولم يمكن اقتلاع هذا الحب بإظهار الندم وبالكلام فقط، فكان يخشى عليهم الرجوع إليه لو مات موسى، فإنه لما غاب أياماً عبدوا العجل فكيف إذا غاب عنهم دائماً بالموت !! فاحتاجوا إلى توبة من نوع آخر تكون صعقة نفسية مائلة أمامهم دائماً، ليقتلع حب الأصنام من قلوبهم نهائياً ، فكانت هذه التوبة بقتل بعضهم بعضاً .

السابع: (لَعَلَكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ أي قبلنا توبتكم عن عبادة العجل ورفعنا عنكم عذاب الآخرة الذي استحققتموه لأجل أن تشكروا الله تعالى على هذه النعمة، ويستفاد منها أن شكر النّعمة واجب، إذ قد مرّ أن «لعلّ» من الله تعالى ليس للترجي لاستلزام الترجي الجهل بالمستقبل المحال على الله تعالى العالم بكل الأمور، بل المقصود هو نتيجة الترجي.

ص: 124


1- سورة الأعراف الآية: 138.

الآيتان 55-56

الأمر الخامس ومن نعم الله على بني إسرائيل نعمة إحياء الأموات منهم

﴿«وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ «55» ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ «56») .

55 - ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ) أي لا نصدقك أبداً (حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) عياناً، ولما كان هذا ظلماً كبيراً عوقبوا بالموت (فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) وهى النار التى تنزل من اصطكاك السحب (وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) إلى إصابتها لكم وهذا أشد في الألم لانخلاع القلب قبل الموت.

56 - (ثُمَّ) استجابة لدعاء موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ (بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ

لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذه النعمة وترجعون عن عنادكم وغيّكم.

---------------------

بحوث

الأول: الفرق بين الإيمان) (به والإيمان) (له، أن الأول بمعنى الإذعان لوجوده، فالإيمان باليوم الآخر - مثلاً - بمعنى الاعتقاد بتحقق هذا اليوم وكذلك الإيمان بالله أي الاعتراف بوجوده تعالى، وأما الثاني فبمعنى

ص: 125

تصديق كلامه أي قبول كلامه الذي فاه به قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) (1) أي يعتقد بوجود الله ويصدق كلام المؤمنين .

الثاني: (حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) في الآية دلالة على عدم إمكان رؤية الله تعالى - لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولذا عاقبهم بأن أماتهم بالصاعقة، ولو كانت الرؤية ممكنة لما كان في طلبهم غضاضة ولا مشكلة حتى يستحقوا عليه العقاب.

ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) (2) و معنی (أدركه البصر) الرؤية بالعين، وكذلك قوله تعالى لموسى (لَن تَرَينِي)(3) وكلمة «لن» لنفي التأبيد أي للأبد، فيكون المعنى يا موسى لن تراني للأبد لا في الدنيا ولا في الآخرة.

وأما قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَدٍ نَاضِرَةُ«22» إِلَى رَبِهّاَ ناظِرَةٌ) (4) فبمعنى إلى رحمة ربها ناظرة .

والله عزّ وجلَّ - في سورة النساء - يذكر أن هذا الطلب - في نفسه - ظلم : ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ)(5)

وأما قول موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ : ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَئِنِي)(6) فإن طلبه كان استجابة لما طلبوا حيث روي أنهم قالوا: لن نؤمن لك حتى

ص: 126


1- سورة التوبة، الآية: 61 .
2- سورة الأنعام، الآية: 103
3- سورة الأعراف الآية: 143
4- سورة القيامة، الآيتان: 22 - 23 .
5- سورة النساء الآية: 153. (6)
6- سورة الأعراف الآية: 143

تسأله - أي الرؤية لك ، فقال موسى يا رب إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله إليه يا موسى سلني ما سألوك فلن أواخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾(1) وسيأتي تفصيل ذلك في سورة الأعراف - إن شاء الله تعالى .

الثالث: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ ) تقارنت الصاعقة من الزلزلة فكان الأمران سبب موتهم لقوله تعالى: ﴿وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاينا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ) (2)، ولعل الصاعقة أصابت الجبل فأحدثت ،زلزالاً ، فهم بالنظر إلى الصاعقة والزلزال الذي رافقها انخلعت قلوبهم فماتوا من جراء ذلك.

الرابع: (ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) في الآية دليل على إمكان الرجعة، لأن هؤلاء بعد موتهم أحياهم الله تعالى استجابة لدعاء موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ولكي يتركوا عنادهم حينما يرون النّعمة عليهم فلا يوجد مانع من أن أن يحيي الله تعالى من يشاء من هذه الأمة بعد موتهم وقد دلّت الروايات المتواترة على وقوع ،الرجعة بل الرجعة من مصاديق قدرة الله عزّ وجل فإنه قادر على إحياء الأموات في الآخرة وفي الدنيا، كما أن عیسی عَلَيْهِ السَّلاَمُ أحيى الأموات بإذن الله تعالى كما أنّ الله أحيى موجودات أخرى غير الإنسان - بعد موتها، كما في إحيائه البقرة - كما سيأتي في الآيات اللاحقة إن شاء الله تعالى -.

ص: 127


1- تفسير البرهان ج 4 ص 182 - 183 عن العيون والعلل.
2- سورة الأعراف الآية: 155

الآية 55

الأمر السادس

ومن نعم الله على بني إسرائيل النّعم المادية من الأكل والشرب والسكن و...)

أ - المأكل

(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَلوَى كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْتَنَكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) .

57 - (وَ) من نعم الله عليكم - يا بني إسرائيل - أن (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) أي جعلنا السحاب ظلاً لكم، يقيكم حرّ الشمس وبرد القمر، (وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ) وهو ماء حلو يقع على أوراق الأشجار صباحاً، أو مادة صمغية حلوة تخرج من الأشجار، (وَالسَّلْوَى) طير يعرف بالسماني، (كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنٰكُمْ)، (وَ) لكنهم ظلموا وكفروا بهذه النعم أيضاً و(وَمَا ظَلَمُونَا)، لأن الله غني عن العباد، وظلم الظالم لا يقدح في سلطانه تعالى ﴿وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ حيث يمنعوها من رحمة الله تعالى بالعباد وكفران النعم.

----------------------

ص: 128

بحوث

الأول: لمّا عبر بنو إسرائيل البحر عتوا مرة أخرى عن أمر ربهم فغضب الله تعالى عليهم وابتدأهم بالتيه أربعين عاماً، حيث تاهوا في صحراء سيناء وهي صحراء شديدة الحرارة نهاراً وشديدة البرودة ليلاً وقليلة الماء والطعام، ثمَّ تابوا إلى الله تعالى فتاب عليهم وأنزل عليهم هذه النّعم .

والعقوبات الإلهية ليس لها جانب انتقام - لأنه تعالى غني عن ذلک وانتقامه بمعنى نتيجة الانتقام أي العقاب - بل في كثير من الأحيان يراد بالعقوبة الدنيوية تنبيه الإنسان وتربيته، فلذلك أريد من عقاب بني إسرائيل بالتيه تربيتهم وتعليمهم على الحياة الحرّة بعيداً عن العبودية، ليصلحوا لقيادة الأمم حين دخولهم الأرض المقدسة، وخاصة أن مدة التيه أربعون سنة، وهي تكفي لتبدل جيلين مما يسهل قيامهم بالمهمة المنوطة بهم .

الثاني: (الْغَمَامَ) السحاب وقيل هو السحاب الأبيض الذي لا يمنع نور الشمس ولكنه يمنع حرارته.

وفي التفسير المنسوب للإمام العسكري عَلَيْهِ السَّلاَمُ «يصيبكم حر الشمس وبرد القمر»(1) ولعل المراد ببرد القمر - بعد وضوح أنه ليس للقمر برد - هو البرد في الليل، لأن الصحارى من طبيعتها الحرارة في النهار والبرد في الليل والسحاب كما يمنع حرارة النهار كذلك يمنع برودة الليل، ولما نسب الحرّ إلى الشمس ناسب نسبة البرد إلى القمر مجازاً من باب المقابلة .

الثالث (الْمَنَّ) روي عن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ أن «من المنّ الكمأة»(2)

ص: 129


1- البرهان ج 1، ص 397.
2- البرهان ج 1، ص398.

ويمكن أن يقال : إن الماء الذي ينزل من السماء يوجب حدوث الكمأة، الماء الحلو على أوراق الأشجار وكذلك سبب المادة

كما أنه سبب الصمغية الحلوة التي تخرج من الأشجار، فيجوز أن تراد كل تلك المعاني من (اَلْمَنَّ) والله العالم.

ص: 130

الآيتان 58-59

ب - المسكن

﴿«وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ «58» فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ «59»)

58 - ﴿وَ) اذكروا ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) بيت المقدس أو أريحا وذلك بعد بقائكم في التيه لمدة أربعين سنة (فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِعْتُمْ رَغَداً) أي أكلاً واسعاً مرفهاً، (وَ) أضيفوا المعنويات إلى الماديات بأن (ادْخُلُوا الْبَابَ) باب القرية (سُجَّداً) خاضعين الله تعالى (وَقُولُوا حِظَةٌ ) أي اللهم حط ذنوبنا، وحينئذٍ (تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَیَكُمْ) ذنوبكم ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) إضافة إلى غفران خطاياهم نزيدهم نعماً أُخرى، والمحسنون هم الذين لم يرتكبوا الخطايا الأخرى.

59 - لكن كثيراً منهم عتوا عن أمر ربهم (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) فبدل أن يقولوا حطة» قالوا كلمات أخرى فيها استهزاء (فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزَاً) عذاباً، قيل: الطاعون (مِنَ

ص: 131

السَّمَاءِ) جهة العلو لأن الهواء والغبار ينقلان المرض (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ أي بسبب خروجهم عن طاعة الله تعالى.

-----------------------

بحوث

الأول لما بقي بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة - قيل: توفي فيها موسى وهارون عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ وانتهت مدة العقوبة أذن الله تعالى لهم بالخروج عن التيه ودخول فلسطين، ولما وصلوا إلى بيت المقدس أو أريحا أمروا بدخولها شاكرين لأنعم الله تعالى طالبين منه العفو والصفح عن ذنوبهم السابقة، لكن كثيراً منهم عتوا عن أمر ربهم، فاستهزؤوا بدل طلب العفو، فأنزل الله على الظالمين منهم المستهزئين بأمره تعالى عذاباً من السماء - قيل هو الطاعون - نتيجة لظلمهم وخروجهم عن طاعته وعدم اتعاظهم بالعقوبات السالفة .

الثاني: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا قيل) المقصود هو دخولهم القرية بالقهر والغلبة، فيكون ما فيها مغنماً لهم، فيتصرفون في الغنائم كما يشاؤون من دون عناء وتعب ولكن الأنسب لقوله تعالى: (ادْخُلُوا)، هو الدخول العادي من دون قتال، كدخول سائر الناس، وإنما كان الأكل رغداً لأن طعامهم في التيه كان المن والسلوى بشكل عام في حين أن المدينة تحتوي على مختلف ألوان الأطعمة مما يستلذ ويطاب.

الثالث: (حَيْثُ شِئْتُم) لعل ذكر هذه الجملة لأجل أن حرية الإنسان في اختيار مكان طعامه يوجب زيادة اللذة منه لأن الحالات النفسية للإنسان

ص: 132

تؤثر في تلذذه، فقد يعجبه مكان دون مكان آخر، مضافاً إلى الإحساس بحرية الاختيار مما يوجب اطمئنان النفس.

الرابع: ﴿سُجَداً) قيل المراد به دخولهم خاضعين الله تعالى، لأن أصل معنى السجود الخضوع، ولعل الأقرب هو السجود بالمعنى المصطلح من وضع الجبهة على الأرض شكراً الله تعالى على نعمة انتهاء التيه والوصول إلى الهدف المنشود بعد أربعين سنة، ولعل طلب السجود منهم حين دخولهم من الباب لأجل أن الإنسان بعد تحمل المشاق والصعوبات إذا وصل إلى هدفه المنشود قد ينسى الله عزَّ وجلَّ وتبطره النعمة وتعمي بصره، فطلب منهم استهلال النعمة بالسجود الله عزَّ وجل، ولكن مع ذلك نجد أن بعضهم نسي كل ذلك وأوجبت النعمة بطره إلى حد الاستهزاء بأمر الله تعالى.

الخامس: (حِطَّةٌ) أي قولوا اللهم حط ذنوبنا حطة، قيل : حطة في الأصل مفعول مطلق، فلما حذف الفعل لدلالة الكلام عليه، رفع حطة لكي يدل على الثبوت والاستمرار ، أي يكون طلب غفران الذنوب مستمراً في جميع الحالات، وقيل غير ذلك.

السادس: ﴿تَغْفِرْ لَكُمْ) من لطف الله تعالى على العباد أن فتح باب التوبة من الخطايا وسهلها، بحيث إن كلاماً واحداً يوجب غفران الذنوب، بشرط الندم على الفعل، بأن يتطابق اللسان مع القلب، وأداء الحقوق، وفتح باب التوبة هو لمنع المذنب عن الانغماس في ذنبه، إذ إن اليأس يوجب تمادي الإنسان في غيّه، في حين أن فتح باب التوبة يسبب رجوع الكثيرين.

السابع: (بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) من أسباب البلايا السماوية هو خروج

ص: 133

الإنسان عن طاعة الله تعالى، كما قال سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ )(1) ، فإنزال الطاعون - على ما قيل في معنى الرجز -كان بسب خروجهم عن طاعته عزّ وجل واستهزائهم بأمره تعالى.

ولا بأس بالإشارة إلى أن طاعة الله عزّ وجل تشمل تنفيذ أوامره ونواهيه في مختلف الأمور، ومنها ما يتعلق بالنظافة، فإن القذارة والتلوث مما لا يريده الله عزّ وجل، فلذا يحب الله ،المتطهرين، وشرّع الاجتناب عن النجاسات - وأكثرها قذارات - كما شرّع الغسل والوضوء وغيرهما، وغير ذلك، وإن التزام الإنسان بهذه الأوامر والنواهي، يوجب نظافة البيئة والبدن، ويقلل الأمراض وخاصة المعدية منها.

الثامن : الباب الذي كانت تحط عنده ذنوب بني إسرائيل كان باب القرية، وأما في أمة محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ فباب حطة هم أهل البيت عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ كما روي عن الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ أنه قال : نحن باب حطتكم (2) .

ص: 134


1- سورة الروم، الآية: 41.
2- البرهان، ج 1، ص 406 .

الآية 60

ج- المشرب

﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ «60»).

60 - (وَ) اذكروا ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ) لما أصابهم العطش في التيه، (فَقُلْنَا أَضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَر) حتى نسقيهم بالإعجاز ليكون أربط على قلوبهم وأبلغ للحجة، فلما ضرب موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ الحجر (فَأَنفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا) لكل سبط من أسباط بني إسرائيل عين خاصة ، وقد عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ من الأسباط (مَشْرَبَهُمْ) أي مكان شرَبَهُم، ويقال لهم : (كُلُواْ) من المنَّ والسلوى (وَاشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) العثو والعثي: التمادي في الغي وتجاوز الحد في الفساد.

------------------------

بحثان:

الأول: (اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً) تعدد العيون قد يكون لأجل كثرتهم حيث

ص: 135

لا تكفيهم عين واحدة وحفظاً للنظم وعدم التدافع تم تخصيص كل عين من بسبط الأسباط، ويحتمل أن يكون لأجل العداوة بين تلكم الأسباط فلم يكن داع لحشرهم في عين واحدة قد يختلفون عليها فتبرز العداوة أو تشتد والحكيم كلما تمكن من إزالة مفجرات العداوة فعل ذلك، والإسلام كما يأمر الناس بالابتعاد عن العداوة والبغضاء كذلك يزيل أسباب تشديد العداوة أو أسباب ظهورها.

الثاني: ﴿مِن رِزْقِ اللَّهِ) الإنسان حينما يُغمر بالنعمة قد ينسى النصب الذي عاشه ،قبلها وكذلك قد ينسى الله تعالى ويصاب بالبطر، فيحتاج إلى من يذكره بأن هذه النّعمة من الله تعالى وأنه يجب عليه أن يخضع ويتواضع له تعالى، فلا يتمادى في غيه ويترك الفساد والإفساد.

ص: 136

ص: 137

ص: 138

الآية 61

(فصل) أسباب انحراف بني إسرائيل

أسباب انحراف بني إسرائيل(1)

المطلب الأول: الكفران بالنُّعم

﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ «61»).

61 - لما ذكر الله تعالى نعمه على بني إسرائيل وذكرهم بها، ذكر سبحانه كفرانهم بالنّعم، والعقاب الذي نالهم جراء ذلك ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ) حال كونكم في التيه (يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدِ) المن والسلوى، فإنه يتكرر كل يوم لذا عبروا عنه بالطعام الواحد، (فَادْعُ لَنَا) أي لأجلنا (رَبَّكَ يُخْرِج) أي يظهر (لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا) النباتات التي لا ساق لها، ومرادهم أطايب البقول، ﴿وَقِثَّائِهَا)

ص: 139


1- يبدأ هذا الفصل من الآية 61 وينتهي بالآية 110 ، في هذا الفصل اثنا عشر مطلباً تجمع الأسباب وإن كان بعضها قد مرّ.

الخيار، (وَفُومِهَا) الحنطة وقيل الثوم، (وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) ، فإنهم كانوا مزارعين وفلاحين فحَنَّوا إلى ما كانوا عليه، (قَالَ) موسی عَلَيْهِ السَّلاَمُ (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَی بِالَّذِي هُوَ خَیرٌ) أي تجعلون الأدنى عوضاً عن الأفضل وهو المن والسلوى، الذي هو أسهل وألذ وأكثر فائدة إضافة إلى أنه اختيار الله تعالى.

ثم قال لهم موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ : إن الله استجاب دعاءكم ف(اهْبِطُوا مِصْرًا) أي انزلوا من التيه إلى مدينة في أطرافه (فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) من البقل والقثاء وغيره.

(وَ) لأنهم لم يرضوا ما اختاره الله لهم فعاقبهم الله تعالى بأن (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ ) فهم أذلاء أمام الناس، (وَالْمَسْكَنَةُ) أي الفقر فإنهم فقراء القلب والنفس، حتى الثري منهم مع ثروته فإنه لا تفارقه المسكنة (وَبَاءُو) رجعوا (بِغَضَبِ مِنَ اللَّهّ) فكان رجوعهم من النعمة إلى النقمة.

و﴿ذَلِكَ) الذي أصيبوا به من الذلة والمسكنة، والغضب من الله سبب (بِأَنَّهُمْ) أي بسبب أنهم (كَانُوا يَكْفُرُونَ بِايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي بغير جرم،(وَ) سبب ﴿ذَلِكَ) الكفر وقتل الأنبياء (بِمَا عَصَوا) أي خالفوا أوامر الله (وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ أي يتجاوزون حدود الله إلى نواهيه، فأدى ترك الأوامر وفعل النواهي إلى التجرؤ على الكفر والقتل، مما أورثهم الذلة والمسكنة وغضب الله تعالى.

-----------------------

بحوث:

الأول: ﴿طَعَامٍ وَاحِدٍ) المقصود به المنّ والسلوى المذكوران في

ص: 140

الآيات السابقة، وإنما عبر عنه بالواحد لأنه كان يتكرر كل يوم، وما يتكرر حتى لو كان متعدداً يقال له ،واحد، لأنه لا تبديل ولا يختلف. أو أن المراد نوع واحد من الطعام حتى وإن كان ذا لونين.

الثاني: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) ولم يقولوا ربنا، ولعلّ هذا أول مقدمات انحرافهم وطغيانهم على الله وعدم الاعتراف بربوبيته، أو لأنهم كانوا يعلمون أنه مستجاب الدعوة وأن الله يستجيب له، أو لعلمهم بأن موسى من تربية الله تعالى لالتزامه بأوامره ونواهيه دونهم.

الثالث: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَی بِالَّذِي هُوَ خَیرٌ) لعل أفضلية المن والسلوى على ما طلبوه من البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل لجهات:

أ - المنّ والسلوى اختيار الله تعالى ولا يختار الله إلا ما هو الأفضل مما فيه المصلحة، وكان من شقائهم أنهم رجحوا اختيارهم على اختيار الله وذلك يؤدي إلى الشقاء الأبدي كما في طلب ذلك القائل (اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقِّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ انْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)(1).

ب - سهولة ما اختاره الله لهم وصعوبة ما اختاروه لأنه يحتاج إلى كدّ ونصب أو دفع مال .

جہ - المنّ والسلوى ألذ وأطيب مع عدم وجود أي ضرر فيه لأنهما طعام سماوي لا ينشأ منه ضرر أو مرض، عكس سائر الأطعمة التي قد توجب المرض أو لا تلائم جسم الإنسان.

ص: 141


1- سورة الأنفال، الآية: 32.

هہ- المن والسلوى لهما قيمة غذائية وتؤمنان كل ما يحتاجه جسم الإنسان - بسبب غيبي - عكس سائر الأطعمة التي قد تؤمن جانباً واحداً، ولذا احتاج الإنسان إلى مختلف الأطعمة التي تُلبي احتياج جسمه.

الرابع: (أهْبِطُوا مِصْراً) الهبوط قد يكون مادياً بمعنى أن التيه كان مرتفعاً والمصر كان في منخفض، أو معنوياً أي النزول من الدرجة العالية التي كان بموجبها يرزقهم الله المن والسلوى إلى المنزلة الدنيا، فتكون نسبة الهبوط إلى المصر من باب أن هبوطهم من الدرجات العليا كان في المصر فنسب إليه مجازاً.

الخامس: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَةُ وَالْمَسْكَنَةُ) أي أحاطت بهم كما تحيط الخيمة على من فيها فيقال ضربت عليه قُبة، أو أن الذلة والمسكنة لصقت بهم كما يقال ضرب الطين بالجدار أي ألصق به، والمعنى واحد.

وهذا من معاجز القرآن، فاليهود في طول تاريخهم أذلاء في نفوسهم وأمام الناس، وحتى في العصر الحاضر حيث احتلوا فلسطين وشكّلوا دولتهم اللقيطة، فإنهم يعيشون الذل والاستجداء من الدول الكبرى والتذلل والتزلف لها، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ)(1)

وكذلك لاتفارق نفسياتهم المسكنة فإنهم رغم ثروتهم دائمو التشكي والجشع وعدم التنعم بالثروات مخافة الفقر، وكذلك دائمو التصاغر والتفاقر مخافة الجزية أو سائر الضرائب وعن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ :

«الغنى غنى النفس»(2) .

ص: 142


1- سورة آل عمران الآية 112
2- مجمع البيان ج 1، ص 139.

السادس: ﴿وَبَاءُ و بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ) أي رجعوا من النّعمة إلى النقمة أو أنهم رجعوا من عند موسى إلى النقمة بسلبهم النعمة.

وغضب الله بمعنى إنزال العقوبة على المغضوب عليهم، لأن غضبه ليس كغضب البشر، وذلك لأن غضب البشر هو انفعال خاص بسبب حدوث ما يكرهه ويترتب عليه بعض التغيرات الكيمياوية في جسم الإنسان، ويظهر عادة على صفحات الوجه ولأن الله تعالى ليس محلاً للحوادث - فذاته سبحانه لا تغيير فيها ولا تبديل ، كان معنى غضبه هو ترتيب آثار الغضب أي العقوبة - دنيوية كانت أم أخروية - فيكون الغضب من صفات الفعل لا من صفات الذات.

السابع: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِأَيَاتِ اللهِ) «ذلك» إما إشارة إلى الغضب أي سببه الكفر والقتل أو إشارة إلى كل ما سبق من الذلة والمسكنة والغضب فهي كانت نتيجة الكفر والقتل .

الثامن: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِكِنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قيل بغير (الحق) توضيحي، لأنهم أيضاً كانوا يعتقدون بأن قتلهم الأنبياء كان من غير جرم ولكن مع ذلك كانوا يقتلونهم، لأنهم لم يكونوا يطيقون إرشاد الأنبياء وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ونصحهم.

وهذا القتل قد يكون بالمباشرة، وقد يكون بالتسبيب .

وفي الكافي الشريف عن الصادق : والله ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم، ولكن سمعوا أحاديثهم فأذاعوها، فأخذوا عليها فقتلوا، فصار قتلاً واعتداءً ومعصية»(1).

ص: 143


1- البرهان ،ج 1 ، ص 408 نقلاً عن الكافي ج 2، ص 275 .

التاسع: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ «ذلك» إما تأكيد لہ «ذلك» الأولى، فيكون ذكر سبب ثان بعد السبب الأول، أو ذكر العام بعد الخاص وقدم الخاص وهو القتل والكفر لأهميته.

أو أنه بيان سبب السبب أي إن العصيان والاعتداء كانا سبب الكفر والقتل والكفر والقتل كانا سبب غضب الله عليهم وضربهم بالذلة والمسكنة .

ولعل الفرق بين العصيان والاعتداء - هنا ، هو أن العصيان مخالفة أوامر الله تعالى والاعتداء ارتكاب ما نهى عنه بتجاوز حدود الله وتعديها إلى المحرمات.

وفي البرهان عن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ.

«ألا فلا تفعلوا كما فعلت بنو إسرائيل، ولا تسخطوا الله تعالى ولا تقترحوا على الله تعالى، وإذا ابتلي أحدكم في رزقه أو معيشته بما لا يحب فلا يحدس شيئاً يسأله لعل في ذلك حتفه وهلاكه، ولكن ليقل:

«اللهم بجاه محمد وآله الطيبين إن كان ما كرهته من أمري خيراً لي وأفضل في ديني فصَبرني عليه وقوّني على احتماله ونشطني على النهوض بثقل أعبائه، وإن كان خلاف ذلك خيراً فجُدْ عليّ به ورضني بقضائك على كل حال، فلك الحمد».

فإنك إذا قلت ذلك قدّر الله ويسر لك ما هو خير (1)

144

ص: 144


1- البرهان ج 1 ، ص 404 عن التفسير المنسوب للإمام العسكري ) .

الآية 62

(إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَرَى وَالصَّابِئينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)

62 - ولما ذكر الله سبحانه ما ابتلى به بنو إسرائيل من المخالفة وما نالهم من العذاب بيّن أن من يؤمن ويعمل الصالحات، يُجزى جزاءً حسناً - سواء كان من بني إسرائيل أو من غيرهم - كما أن من يخالف يعاقب على عمله فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا» أي أسلموا (وَالَّذِينَ هَادُوا) اليهود ، (وَالنَّصَرَى وَالصَّابِئینَ) دين خاص لعلهم في أصلهم أهل كتاب قبل التحريف، (مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ) حقيقة بأن لا يكون نفاقاً - من هؤلاء أو غيرهم ، ويدخل الإيمان بالنبي والوصي في الإيمان بالله تعالى ﴿وَ) آمن بہ ﴿ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) مما سيأتي عليهم في المستقبل في الدنيا، وفي القيامة لأنهم آمنون (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) لما أصابهم من المكاره لأنهم يعلمون أن الله يعوضهم عنها .

-----------------------

ص: 145

بحوث

الأول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا) لعل الغرض من هذه الآية بيان أن مجرد اتباع ملة - من غير اعتقاد ولا عمل - مما لا ينفع، ولا يترتب عليه الأثر المرجو من الأجر والأمن.

بل لا بدَّ من الإيمان الحقيقي والعمل الصالح.

فلذا لا ينفع إسلام المنافقين مع أنهم في الظاهر يُصنَّفون ضمن المؤمنين بالإسلام، بل هم في الدرك الأسفل من النار .

وكذلك لا ينفع بني إسرائيل مجرد نسبتهم إلى موسى ، لأنه ليس بأمانيهم فإن من يعمل سوءاً يجز به.

وهكذا سائر الملل والنحل .

الثاني: ﴿وَالصَّابِئِينَ) عن علي بن إبراهيم (رضوان الله عليه) إنهم قوم مجوس ولا يهود ولا نصارى ولا مسلمون وهم قوم يعبدون الكواكب والنجوم(1).

ويحتمل أنهم أهل كتاب في الأصل قبل أن ينال دينهم التحريف أو أنهم انشقاق عن أهل الكتاب.

وهل من يتسمون بالصابئة الآن في جنوب العراق هم نفس هؤلاء الذين عناهم الله تعالى في القرآن الكريم؟

فيه غموض، وخاصة أنه ينقل أن بعض من في شمال العراق منهم ينفي صلتهم بهم والله أعلم بحقيقة الحال.

146

ص: 146


1- البرهان 408/11 عن تفسير القمي.

الثالث: ﴿وَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ) لم يقل سبحانه من آمن منهم، بل عمم الأمر وذلك لأن أي إنسان آمن بالله وباليوم الآخر وعمل صالحاً فإنه ينال جزاءه الحسن من الأجر والأمن، ولا يختص ذلك بمن أظهر الإسلام أو كان يهودياً أو نصرانياً أو صابئياً.

فلذا مع أن المبتدأ - وهو اسم إنّ - خاص - المسلم واليهودي والنصراني والصابئي ، ولكن الخبر عام، وهو جملة من آمن بالله . . .

الخ.

وإنما كان المبتدأ خاصاً لأن الكلام كان حول بني إسرائيل قوم موسى وذكر ما نالوه من العقاب بسبب عصيانهم واعتدائهم، ولشدة اختلاط هذه الملل أي المسلمين والنصارى والصابئة مع اليهود، حسن ذكر حكم يشتركون فيه حتى مع كون الحكم عاماً يشمل غيرهم أيضاً .

الرابع: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا) يدخل ترك المعاصي في عنوان العمل بالصالحات لأن العامل بالمعاصي لا يكون عاملاً بالصالحات.

الخامس: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) مرّ في بحوث الآية 38 الفرق بين الخوف والحزن، فإن الحزن لمكروه واصل والخوف لمكروه مرتقب، والمخاوف والأحزان التي يراها المؤمن الصالح في الدنيا هي ليست مخاوف بالنسبة إلى ما يراه الكفار من العذاب والنار .

السادس: يحتمل في الآية أنها تشير إلى من التزم بهذه الشرائع قبل نسخها، فاليهودي في زمن موسی قبل نسخ شريعته، والنصراني في زمن عيسى قبل ،نسخها والصابئي - إن قلنا إن دينهم قبل التحريف دين سماوي - قبل نسخ شريعته هؤلاء كلهم في الجنة إن كان إيمانهم إيماناً حقيقياً واستتبع العمل الصالح.

ص: 147

أما بعد نسخ هذه الشرائع فلا يعذر أحد في التمسك بها، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ )(1)

السابع: لماذا لم تذكر الآية الإيمان بالأنبياء مع أن الإيمان بهم من أصول الدين، ولولاه كان الشخص كافراً؟

لعل الجواب هو أن الإيمان بأنبيائهم داخل في العنوان أي في (الَّذِينَ آمَنُوا) (هَادُوا ) ... الخ، فلا يكون الإنسان مسلماً إلا إذا آمن برسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، ولا يكون الرجل من الذين هادوا إلّا إذا كان مؤمناً بموسى ، وهكذا، فدخل الإيمان بهم في المبتدأ (اسم إنّ).

الثامن : في مجمع البيان وفي هذه الآية دلالة على أن الإيمان هو التصديق والاعتقاد بالقلب، لأنه تعالى قال : (مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ) ثم عطف عليه بقوله: ﴿وَعَمِلَ صَلِحَا)(2)

ولعل ذلك درجة من درجات الإيمان، لأن الإيمان في القرآن يطلق على درجات مختلفة، فأقلها هو إظهار الإسلام كما في قوله تعالى : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا)(3) وأعلاها هو الاعتقاد مع العمل، كما في قول الإمام الرضا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «الإيمان قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان» (4) ، وما في هذه الآية هو الدرجة الوسطى أي الاعتقاد الحقيقي، وأما العمل فهو مذكور بعد هذا الإيمان في قوله تعالى :

(وَعَمِلَ صَالحا).

ص: 148


1- سورة آل عمران الآية: 85
2- مجمع البيان 244/1
3- سورة النساء، الآية: 136.
4- الخصال: ص 186 ، ح 341 ، وعيون الأخبار: ج1، ص39.

الآيتان 63-64

المطلب الثاني ومن أسباب انحراف بني إسرائيل (مخالفة الميثاق)

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ«63» ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الخَاسِرِينَ ) .

63 - (وَ) اذكروا ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثاقَكُمْ) وهو العهد الشديد وذلك بالفطرة أو الدلائل الواضحة أو مباشرة بواسطة موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، كان ذلك لما رفضوا العمل بالتوراة لصعوبة وجدوها ،فهددناكم بأن (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) أي الجبل اقتلعه الله ورفعه فوقهم وهددهم بأنهم إن لم يقبلوا بما في التوراة ألقى بالجبل عليهم، فلما قبلتم العهد والميثاق قلنا لكم: (خُدُوا مَا ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ)، أي، بجد وعزم، وقوة بالقلب والبدن (وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) بأن تعملوا به ولا تتركوه (لَعَلَكُمْ تَتَّقُونَ) تحفظون أنفسكم من عذاب الله، أو من المخالفة الموجبة للعقاب.

64 - ولكنكم لم تفوا بالعهد (ثُمَّ تَوَلَّيْتُم) أي أعرضتم عن العمل بالأحكام (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) الميثاق، ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) بأن

ص: 149

أمهلكم لكي تتوبوا (وَرَحْمَتُهُ) بأن قبل توبتكم (لكُنتُم مِّنَ الخَاسِرِينَ) في الدنيا قبل الآخرة.

-----------------------

بحوث

الأول: (مِیثاَقَکُمْ) ظاهر السياق أن الميثاق الذي أخذ منهم كان مباشرة، وذلك بواسطة موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ بأن أخذ منهم العهد الشديد بالعمل بالتوراة فعاهدوا الله على ذلك .

ويحتمل - إضافة إلى الميثاق المباشر - الميثاق عبر ما أودعه الله في فطرتهم وفطرة غيرهم، وما أظهره الله لهم ولغيرهم من البراهين الساطعة والآيات الواضحة.

الثاني: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ) لما جاءهم موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ بالألواح، فرأوا ما فيه من الأحكام الشاقة امتنعوا عن قبولها، فقلع الله الجبل أو قطعة منه وجعله فوقهم وهددهم بأنهم إن لم يقبلوا الدين، أطبقه عليهم فيهلكوا، فلما رأوا ذلك قبلوا بالميثاق .

وهنا سؤال وهو : إنه لا إكراه في الدين فكيف أخذ الله تعالى منهم الميثاق تحت وطء التهديد؟ ولماذا كان هذا الميثاق ملزماً لهم مع أنهم أكرهوا عليه؟

ولعل الجواب : أنهم لما رفضوا العمل بما في الألواح، استحقوا الله العذاب والهلاك، فلما اقترب عليهم العذاب - بإطباق الجبل عليهم - أدركتهم رحمة الله تعالى فكشف عنهم العذاب شرط أخذ

ص: 150

الميثاق، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) ، وليس ذلك إكراها، كما يتعارف الآن في المحاكم من تخفيف أو إلغاء عقوبة المجرم شرط تعهده والتزامه ببعض الأمور، فإذا وفى بالعهد لا يعاقب، وإن نقض العهد جرت عليه العقوبة بل قد تشدد عليه، ومثل ذلك الأحكام التعليقية في المحاكم .

الثالث: (الطُّورَ) والطور هو كل جبل، فإن كان عليه شجر مثمر سمي طور سنين، أو طور سيناء، كما روى ذلك الصدوق رضوان الله عليه في علل الشرائع عن ابن عباس (1).

ثم غلبت التسمية حتى انصرف (الطور) و (طور سيناء) و (طور سينين) إلى الجبل المعهود الذي عليه كان يناجي موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ الله تعالى .

ويمكن أن يكون الطور في هذه الآية جبل من الجبال - لا الجبل المعهود - كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَنَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَةٌ )(2) الرابع: (بِقُوَّةٍ) سئل الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ «عن قول الله : (خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَاكُم

بِقُوَّةٍ) أقوة في الأبدان أم قوة في القلوب ؟ قال : فيهما جميعاً»(3).

ولعل الوجه أن قوة القلب توجب قوة العمل أيضاً، فإن المحرّك الأساسي للإنسان فكره ،وتصوره فإن كان الفكر قوياً أوجب ذلك الاستقامة وتحمل البدن، وضعف الفكر يؤدي إلى ضعف العمل أيضاً .

الخامس: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) أي ما فيه من الثواب وفي تركه من العقاب.

ص: 151


1- البرهان 409/1 عن العلل .
2- سورة الأعراف الآية: 171
3- البرهان 409/1 - 410 عن العياشي، ومحاسن البرقي).

ففي تفسير العياشي واذكروا ما في تركه من العقوبة(1) وفي التفسير : المنسوب للإمام العسكري عَلَيْهِ السَّلاَمُ: اذكروا جزيل ثوابنا على قيامكم به وشديد عقابنا على إبائكم له(2)

السادس: (لَعَلَّكُمْ) كلّما ورد الترجي عن الله في القرآن، فلا بدَّ من حمله على غير المعنى المتعارف في الترجي.

وذلك لأن الترجي يستعمل فيما لا علم بالعاقبة فيرجو المتكلم أمراً متوقع الحدوث من دون تأكد لوقوعه، وبما أن الله عالم بكل شيء وبعواقب الأمور فلذا يلزم صرف كلمة لعل وأشباهها عن معناها المتعارف - وهو رجاء المتكلم - إلى رجاء المخاطب، أو محبوبية ذلك الأمر مجرداً عن رجائه.

وفي هذه الآية الكريمة تحمل (العل) : إما على رجاء المخاطبين من بني إسرائيل بأن يرجوا الاتقاء بسبب الأخذ والذكر، فيكون لعل بمعناها الحقيقي من الترجي، أو لبيان أن الله يحب الاتقاء، فتسلخ لعل من معناها الحقيقي إلى المعنى المجازي.

هو

السابع: ﴿فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لعل الفرق بين الفضل والرحمة - هنا - هو أن التوبة عمل صالح، وكل عمل صالح يحتاج إلى توفيق بأن يهيئ من الله تعالى، الأسباب الموجبة لذلك العمل الصالح ، فلذا صح نسبة كل خير إلى الله تعالى لأنه هيأ الأسباب الموصلة إلى الخير.

وبما أنه كان يمكن الله تعالى أن لا يقبل التوبة - كما لا يقبلها حين الاحتضار أو حين نزول العذاب - فلذا قبوله لتوبتهم كان برحمة منه .

ص: 152


1- البرهان 1 / 410 .
2- البرهان 12/1

فلولا ذلك الفضل بأن وفقهم للتوبة وتلك الرحمة بقبوله توبتهم لكانوا من الخاسرين .

وبما أن تهيئة أو عدم تهيئة الأسباب للتوبة، لا تسلب العصاة اختيارهم فهم على كل حال مختارون، فلا جبر عليهم.

وبما أن الله سبحانه حكيم ولا يعمل أمراً اعتباطاً، فإن توفيتهم للتوبة أو لغيرها لم يكن اعتباطاً، بل لعله كان مكافأة لهم على بعض أعمال الخير التي فعلوها.

وهكذا يقال في هداية الله للبعض وفي إضلاله للبعض الآخر، فإن الهداية جزاء لبعض أعمالهم الحسنة، كما أن الإضلال هو عقاب لبعض سيئاتهم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ ﴾(1) وقد مرّ بعض البحث في ذلك .

الثامن: (الْخَسِرِينَ) الخسران هو فقد رأس المال أو بعضه. وبما أن رأس مال الإنسان هو عمره وقواه، فإذا صرفها في طاعة الله فإنه يربح بأن يُعوّض الجنة إضافة إلى الربح الدنيوي، ولكن إن صرفها في معصية الله فإنه يخسر عمره وقواه ويكتسب النار والعياذ بالله مضافاً إلى العقوبات الدنيوية، والعاصي بما أنه يستحق العقوبة فإنه خاسر - لا محالة - لولا أن تدركه رحمة الله بقبول توبته.

ص: 153


1- سورة الأنعام، الآية: 144.

الآيتان 65-66

المطلب الثالث من أسباب انحراف بني إسرائيل (التحايل على الأحكام)

(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئینَ«65»

فَجَعَلْنَهَا نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ«66»)

65 - ومن الموبقات التي حدثت في بني إسرائيل كان تحايلهم على الأحكام الشرعية ﴿وَلَقَدْ عَلِمتُمْ) أي عرفتم (الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ) أي جاوزوا حدود الله إلى نواهيه (فِي) يوم (السَّبْتِ) حيث حُرّم عليهم الصيد فيه، وإمعاناً في الامتحان كانت الأسماك تظهر في السبت وتختفي في سائر الأيام، فاحتالوا على التحريم، بأن حفروا أحواض وأوصلوها بالبحر بواسطة سواق، فلما كانت تكثر الأسماك في السبت وتدخل الأحواض عبر السواقي، كانوا يغلقون منافذها، ثم يأتون في يوم الأحد ويصطادون الأسماك المحبوسة في الأحواض من دون أي عناء، (ف) عقوبة لهم لتعديهم حدود الله (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا) أي جعلناهم - وبسرعة - (قِرَدَةً خَاسِئينَ) أي مبعدين عن كل خير، مطرودين عن رحمة الله تعالى.

66 - (فَجَعَلْنَها) أي هذه المسخة (نَكَلاً) عقوبة (لِمَا بَيْنَ

ص: 154

يَدَيْهَا) أي يدي العقوبة وهي المعصية القريبة للعقوبة زماناً وهي الصيد (وَ) كذلك عقوبة ل- ﴿وَمَا خَلْفَهَا) لسائر المعاصي التي كان يرتكبها أصحاب السبت، ﴿وَمَوْعِظَةٌ ) أي تخويفاً (لِلْمُتَّقِينَ) الذين يتقون الله ويخافونه، فإنهم لما شاهدوا المسخ أو سمعوا به، فإنهم يخافون الله ، فلا يرتكبون ما ارتكبه أصحاب السبت من المعاصي.

----------------------

بحوث

الأول: من الموبقات محاولة الفرار من الأحكام الشرعية، بالطرق غير الشرعية، بأن يرتكب الإنسان الحرام أو يترك الواجب بذرائع واهية، وأول من ارتكب ذلك إبليس لعنه الله، حيث ترك السجود لآدم بذريعة أفضليته وأنه لا يصح سجود الأفضل لغيره !!

نعم، إذا تغير الموضوع فبتبعه قد يتغير الحكم، لأن الحكم تابع للموضوع وفي الحديث نعمت الحيلة الفرار من الحرام إلى الحلال (1) كمن يفرّ من الزنى بالزواج، فإن الموضوع وهو (المرأة الأجنبية) تبدل بسبب الزواج إلى (الزوجة)، وهذا ما يعبر عنه في الكتب الفقهية بالحيل الشرعية، أي التخلص من الحرام إلى الحلال عبر تغيير الموضوع.

والمعتدون في السبت كان المحرم عليهم الصيد بأية طريقة كانت، حبس الأسماك الأسماك في الأحواض هو نوع صيد، فلذا كان عملهم تجاوز لحد الله تعالى وبالطريقة غير المشروعة .

الثاني: (قُلْنَا لَهُمْ) في مجمع البيان وهذا إخبار عن سرعة فعله،

ص: 155


1- الوسائل: ج 18 ، ص 176 ، ح 1، باب 6 .

ومسخه إياهم، لا أن هناك أمراً، ومعناه: وجعلناهم قردة، كقوله تعالى: (فَقَالَ لَهَا وَالْأَرْضِ ائتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَآبِعِينَ) (1) ولم يكن هنالك قول، وإنما أخبر عن تسهيل الفعل عليه وتكوينه بلا مشقة (2)

ويمكن أن يكون القول على معناه الحقيقي، بخلق ألفاظ (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئينَ) ، لأن الله مسبب الأسباب، فيمكن أن يجعل في هذه الألفاظ المخلوقة سبباً لمسخهم، كما أن الله عاقب أقواماً بأن جعل الماء سبباً لموتهم في الطوفان، أو جعل مطر الأحجار سبباً لهلاكهم.

الثالث: (نَكَالاً) النكل في اللغة المنع ، ومنه النكول في باب القضاء أي الامتناع عن الحلف ، وهذه العقوبة الشديدة بالمسخ ثم الهلاك، فيها ردع وزجر، أي منع الآخرين عن ارتكاب المعاصي، لأن من شاهد عقوبة عادة العاصي يمتنع عن أن يرتكب مثل ما ارتكبه .

وقد يفسر النكال بالعبرة، لأن من يعتبر بما فعله الآخر، فإنما يمنع نفسه عن اتباعه.

الرابع: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا) أي جعلت الأمة الممسوخة عبرة ورادعاً للأمم التي كانت تعاصرها، وكذلك جعلت عبرة ورادعاً للأمم اللاحقة التي يصلها خبر المسخ.

ويمكن أن يكون المراد أن جُعلت هذه المسخة عقوبة لأصحاب السبت لأجل ذنوبهم التي كانت بين يدي العقوبة أي الصيد والذنوب التي كانت خلف العقوبة، أي سائر المعاصي التي ارتكبوها قبل الصيد،

ص: 156


1- سورة فصلت الآية: 11
2- مجمع البيان: 0248/1

.

ولعل التعبير ب- (بَيْنَ يَدَيْهَا) و(خَلْفَهَا) لأجل أن الله تعالى لا يأخذ الإنسان بالمعاصي - عادة - إلّا بعد تراكمها وتجمعها، رحمة للعباد، وفتحاً لباب التوبة لهم، فعلى هذا يكون أصحاب السبت قد تجمعت عليهم معاص كثيرة إلى أن جاءت معصية الصيد في يوم السبت، فتراكم المعاصي سبب أن يأخذهم الله بجميع ذنوبهم السابقة واللاحقة، وهذا المعنى الثاني لعله أنسب لقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) إذ على المعنى الأول تكون هذه الجملة تكراراً للنكال أو من ذكر الخاص بعد العام، لكن على المعنى الثاني يكون النكال لأصحاب السبت والموعظة للمتقين الذين رأوهم أو سمعوا أخبارهم (لأن غير المتقين لم يتعظوا بهم).

ص: 157

الآيتات67 - 71

المطلب الرابع ومن أسباب انحراف بني إسرائيل (اللجاج والتمرد على الأحكام)

(«وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)»«قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)»«قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)»

«قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)»«قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)»

67 -(وَ) اذكروا (إذْ) قُتِل رجل من بني إسرائيل، ولم يعرف ،قاتله فأراد الله أن يبين لهم قدرته بأن يُحييه بضرب ذنب البقرة الميتة على ذلك الميت ليخبر عن قاتله ف-(فقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةٌ) أية بقرة كانت لا على التعيين، لكنهم لتمردهم قابلوا أمر الله بكلام خشن ف﴿ قَالُوا التَّخِذُنَا هُزُواً) فأي ربط بين معرفة القاتل وبين ذبح بقرة؟ ف(قال) موسى (أَعُوذُ بِاللَّهِ) والتجئ إليه من (أَن

ص: 158

أكُونَ مِنَ الْجاهِلينَ) قليلي العقل، لأن الاستهزاء بالغير في هكذا أمور من شأن الجهال.

68 - (قَالُوا ادْعُ لَنَا) أي لأجلنا (رَبَّكَ) ولم يقولوا ربَّنا وذلك زيادة في تمردهم (يُبيّن لَنَا مَا هِىَ) أي كم مضى من عمرها ؟ (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ) أي ليست كبيرة هرمة ﴿وَلَا بِكْرٌ) أي ليست صغيرة (عَوَانُ) متوسطة (بَيْنَ ذَلِكَ) أي بين الكبيرة والصغيرة ،(فَافَعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) ولا تؤخروا امتثال أمر الله بالأسئلة التافهة.

69 - (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إنَّهُ، يَقُولُ إنّها بَقَرَةٌ صَفْرَائُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا) أي شديدة الصفرة، صافية لا تميل إلى السواد ولا إلى البياض (تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) لأن لونها جميل زاءٍ يجلو القلوب.

70 - (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا هِيَ )صفاتها التي تسبب حصر البقرة في واحدة معلومة وذلك (إِنَّ الْبَقَرَ) كثير، ولا ندري أية بقرة أُريدت منا فلذا (تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) إلى البقرة المحددة، فلما قالوا إن شاء الله يسر الله الأمر عليهم بعد أن صعّبه بسبب تمردهم

71 - (قالَ) موسی (إنَّهُ) الله (يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ) أي ليست مما تعمل في الحرث فيذلها العمل، لأن كل مُكْرَه ذليل، فهي لا (تُثِيرُ الأَرْضَ) بتقليب التراب بواسطة المحراث، (وَلَا تَسْقِى الْحَرَّثَ) الأرض المزروعة، مُسَلَّمَةٌ من العيوب ﴿لا شِيَةَ فِيهَا)

ص: 159

أي ليس فيها لون يخالف لونها، بل كلّها صفراء من دون أن يخالطه لون آخر.

فلما اجتمعت تلك الصفات في بقرة معينة كانوا يعرفونها (قَالُوا الْانَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) أي الأمر الواضح بعد الإجمال ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) بسبب غلاء سعرها، وقيل كان ثمنها ملء جلد ثور ذهباً، وعن الرضا عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «ولو أنهم عمدوا إلى أي بقرة أجزأتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم »(1)

---------------------

بحوث

الأول: لعل سبب تمرد ولجاج بني إسرائيل هو ما قيل: من طول مدة عبوديتهم لفرعون، فكانوا يُذلونهم بأصناف الإذلال، فلما طال عليهم ذلك ومضى عليه أجيال متعاقبة، تطبعوا بطابع الذل، وصغار النفس، واللجاج والتمرد، وصارت لهم عقدة نفسيّة من الأمر والنهي، وكل من كان شأنه ذلك إذا وصل فجأة إلى النعيم والحرية المطلقة فإنه تتوق نفسه إلى ما تطبعت عليه من اللجاج والتمرد.

وقد بدت هذه السجيّة من أول لحظة افتكّوا من العبودية، حينما عبروا البحر، فطالبوا بإله كما لعباد الأوثان إله واستمر بهم الأمر رغم مشاهدتهم للآيات الباهرات ورغم العذاب الإلهي لهم كل مرّة .

الثاني: وردت في الروايات قصة صاحب البقرة:

ص: 160


1- البرهان 426/1 عن العيون وتفسير العياشي.

فعن الإمام الرضا عَلَيْهِ السَّلاَمُ : إن فتى من بني إسرائيل كان باراً بأبيه، وإنه اشترى بيعاً، فجاء إلى أبيه والأقاليد [أي المفاتيح لخزانة الأموال أو البضائع ] تحت رأسه، فكره أن يُوقظه، فترك ذلك البيع، فاستيقظ أبوه ، فأخبره، فقال له أحسنت خذ هذه البقرة فهي لك، عوضاً لما فاتك قال : فقال له رسول الله موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ : انظر إلى البر ما بلغ بأهله»(1).

وأما القتيل فورد في الرواية عن الإمام الرضا عَلَيْهِ السَّلاَمُ :

إن رجلاً من بني إسرائيل قتل قرابةً له، ثم أخذه وطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل، ثم جاء يطلب ،دمه فقالوا لموسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ : إن سبط آل فلان قتلوا فلاناً، فأخبرنا من قتله؟ فقال: ائتوني ببقرة .... [ إلى أن قال] فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل فقال : لا أبيعها إلا بملء مسك [جلد ثور] ذهباً ، فجاؤوا إلى ،موسى وقالوا له ذلك فقال اشتروها ،فاشتروها، وجاؤوا بها، فأمر بذبحها ، ثم أمر أن يضربوا الميت بذَنَبها ، فلمّا فعلوا ذلك المقتول، وقال : يا رسول الله إن ابن عمي ،قتلني دون من يَدّعي عليه ،قتلي فعلموا بذلك قاتله.(2)

وروي : أن الله تعالى عوضهم ضعف ما دفعوه ثمناً للبقرة، وذلك لأنهم لما امتثلوا أمر الله بدفع ملء جلد ثور ذهباً ثمناً للبقرة، اشتكوا إلى موسی عَلَيْهِ السَّلاَمُ

الفقر، فدلّهم على كنز فيه ضعف ما دفعوا (3).

ص: 161


1- البرهان 427/1 عن العيون، وتفسير العياشي.
2- المصدر نفسه.
3- تفصيل الرواية في البرهان 425/11 عن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسکري عَلَيْهِم السَّلاَمُ

ولعل ذلك لكي يكون تشجيعاً لهم ولغيرهم على امتثال أوامر الله تعالى وخاصة في الأمور المالية، فإن الإنسان لو رأى سرعة التعويض بل ومضاعفة الجزاء فإنّه يتشجع على الطاعة.

ويظهر من الروايات الواردة في الواجبات المالية كالزكاة والخمس أو التي تستلزم صرف أموال كالحج أن الله تعالى يُعوّض الإنسان عما دفعه - وزيادة - في الدنيا سريعاً ، قبل الثواب الجزيل في الآخرة.

الثالث: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ) الاستعاذة بالله الالتجاء إليه من الشرور - نفسية كانت أم خارجيّة ، وذلك لأن الشر النفسي قد يُردي صاحبه، والشر الخارجي قد يضرّ المبتلى به أو يصرفه عن الخير، فعلى الإنسان أن يقي نفسه من الشرور، بالأسباب الطبيعية المتعارفة، مما دل عليها الشرع أو العقل، وفي الوقت نفسه عليه أن يلتجئ إلى الله ويلوذ به لكي يُعينه على عدم الوقوع في الشر، وعدم التضرر منه، وحيث إن الله تعالى هو مسبب الأسباب فلو عمل الإنسان بأوامره - ومنها التمسك بالعلل والأسباب الطبيعية - فإن الله يعينه لو استعاذ به.

قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي )(1). وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)(2) وقال عزّ :وجل (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ )(3).

وإنما استعاذ بالله من الجهل، ولم يقل لهم (إني لست من الجاهلين) لتأكيد أن الأمر بالذبح من الله تعالى لا منه، مضافاً إلى أن توقي الشرور

ص: 162


1- سورة يوسف، الآية 53.
2- سورة النحل، الآية: 98
3- سورة الناس، الآية: 6.

والسفاهات بحاجة إلى توفيق من الله سبحانه لأن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي.

الرابع: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ ) يدل هذا المقطع من الآية الكريمة على أن الاستهزاء بالناس صفة الجاهلين قليلي العقل .

لأن العاقل لا يستهزئ بالناس وخاصة من جاء لقضاء حاجة، أو حلّ مشكلة .

لأن الاستهزاء بالغير إما بسبب عقدة نفسية يريد المستهزئ أن يفرغها على الغير، أو بسبب ضعف حجته، فلما لم يتمكن من مقارعة الحجة بالحجة وَضَعُف أمام دليل الغير وبرهانه فإنه يريد جبر النقص بالاستهزاء ونحو ذلك .

أما العاقل فإنه لا تتحكم به بالانفعالات النفسانية، بل هو الذي يتحكم بها، كذلك إنه يقبل الحق ولو كان ذلك الحق ضده، قال تعالى : (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ (1).

والجاهل هنا إما بمعنى غير العالم لأن العالم، الحقيقي يمنعه علمه السفاهات، أو بمعنى غير العاقل، وهذا المعنى أقرب إلى السياق .

الخامس: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) لا يخفى أن للألوان تأثيرات نفسية خاصة، (وكذلك ما يشعره الإنسان بسائر حواسه)، فقد توجب انشراح النفس، أو انقباضها، أو غير ذلك من الآثار النفسية، ولذا فإنه كثيراً ما يُستشار خبراء علم النفس في اختيار الألوان سواء في البضائع التجارية أو في المستشفيات أو في الأبنية أو في غيرها.

ويظهر من هذه الآية أن اللون الأصفر للبقرة هو سبب دخول السرور

ص: 163


1- سورة النساء، الآية: 135.

في قلب من ينظر إليها ولا أقل من كون اللون الأصفر دخيلاً في دخول السرور في قلوب من ينظر إليها .

حيث إن للألوان تأثيراً ، فإنه قد ورد في الأحاديث استحباب أو كراهة اختيار بعض الألوان في الملبس والنعال وغيرهما.

فعن الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ : من لبس نعلاً صفراء، لم يزل ينظر في سرور ما دامت عليه لأن الله عزّ وجل يقول: ﴿صَفْرَاهُ فَاقِعُ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) (1)

وعن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ لما سئل : فما ألبس من النعال ؟ قال : عليك بالصفراء، فإن فيها ثلاث خصال: تجلو البصر، وتشد الذكر، وتنفي الهم وهي مع ذلك من لباس النبيين.(2)

قال السيد الوالد (رضوان الله عليه إما غيبي، وإما أن من آثاره الفرح والانبساط مما يوجب المضي في قضايا الجنس والاكتساب فيكون سبباً للمال والولد بل والعلم كما يأتي في رواية أخرى (3).

وعن الإمام الصادق عن أبيه عَلَيْهِ السَّلاَمُ : إن علياً كان لا يلبس إلا البياض أكثر ما يلبس(4)

وعن الصادق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البسوا البياض فإنه أطيب وأطهر(5).

ص: 164


1- الفقه ج 94 ، ص 272 عن فروع الكافي
2- المصدر عن الفروع والخصال
3- الفقه ج 94 ، ص 271 .
4- الفقه ج 94 ، ص 245 .
5- المصدر ج94، ص244.

وقال السيد الوالد (رحمة الله عليه) أما الخضرة فالظاهر أنه لا أساس بأنها كانت شعار العلويين، بل الظاهر أن شعارهم كان البياض وقد ألمحنا إلى ذلك في كتابنا الإمام الرضا يقود الحياة)(1).

السادس: (إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ) .

روي عن النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ لكنهم لما شدّدوا على أنفسهم شدّد الله عليهم، وأيم الله لو لم يستثنوا ما بينت لهم إلى آخر الأبد» (2).

أي لما قالوا (وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ) فإن الله تعالى أعانهم بالهداية، فلذا لم يسألوا بعد ذلك سؤالاً آخر بل قالوا : (الْانَ جِئتَ بِالْحَقِّ) ، مع أنه كان في إمكانهم إضافة أسئلة تافهة أخرى.

قال تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا «23»إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّه)(3) لأن الله تعالى هو مسبب الأسباب، فإذا فعل الإنسان ما عليه، ثم التجأ إلى الله ليهيئ الأسباب الموصلة إلى المقصود، فإنه تعالى يُعينه، بفضله وكرمه

السابع: (قَالُوا الانَ جِئتَ بِالْحَقِّ).

موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ جاء بالحق من الأول، ولو كانوا من الأول يذبحون أية

بقرة، لكانوا قد امتثلوا الأمر وتحقق الغرض، لكنهم لعنادهم ولاتهامهم موسی عَلَيْهِ السَّلاَمُ شدّدوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم، فلما قالوا : (إن شَاءَ اَللَّهُ) هداهم الله تعالى فلم يشدّدوا أكثر فتبين لهم الحق .

ص: 165


1- المصدر، ج 94 ، ص 264 .
2- مجمع البيان، 259/1.
3- سورة الكهف، الآيتان: 23، 24 .

ويمكن أن يكون الذي ساقهم إلى هذا القول، أنهم لم يجدوا سؤالاً آخر، فاضطروا إلى قبول الكلام لا عن قناعة بل لانقطاع حجتهم وعدم تمكنهم من الردّ، كما يحدث كثيراً في المناظرت والمحاججات، حيث إن أحد المتحاورين يُظهر قبوله لكلام الآخر ، لا بسبب قناعته به، بل بسبب انقطاعه عن الجواب، بحيث لم يحر جواباً إلا بالاعتراف بما يقوله محاوره .

ولعل المراد بالحق هنا الأمر الواضح أي جئت بالأمر الواضح بعد الإجمال، أو ما يستحقه المقام من التفصيل .

الثامن: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) .

إما بسبب غلاء ثمن البقرة، وقيل إن سبب امتثالهم للأمر واستعدادهم لدفع الثمن الباهظ لم يكن بداع ديني، بل حملهم على ذلك طبعهم اللجوج واتهامهم موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، فأرادوا اختبار موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فدفعوا الثمن وفيه تأمل.

وإما معناه أنهم بأسئلتهم التافهة وتمردهم كادوا لا يمتثلون أمر الله تعالى، كما في بعض مخالفاتهم الأخرى، لكن الله هداهم للطاعة بسبب قولهم (إن شَاءَ اللَّهُ).

التاسع: سؤال حول تشديد الحكم عليهم بعد كونه سهلاً؟ فقد يقال كيف نسخ الحكم الأول وهو ذبح أية بقرة، بحكم ثان وهو ذبح بقرة عوان بين الفارض والبكر، ثم نسخ هذا الحكم بحكم ثالث وهو ذبح بقرة عوان صفراء، ثم نسخ هذا بحكم رابع هو ذبح بقرة عوان صفراء غير ذلول إلى آخر الأوصاف؟

ص: 166

مع أنه لا نسخ إلا بعد العمل ولو لمرة واحدة - كما في آيات نجوى الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ(1).

وليس هذا من قبيل التخصيص، وذلك لأنّ العام مراد من الأول، لكن لا يتبين المراد إلا بعد ورود ،الخاص وهنا كان الحكم في الأول غير مخصص بحيث إنهم لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم.

وللجواب عن هذا السؤال:

1 - قال السيد المرتضى رحمه الله : إن الحكم من الأول كان خاصاً بهذه البقرة وبجميع الأوصاف المذكورة، وإنما تأخر البيان عن وقت الخطاب ولا إشكال في ذلك(2).

لكن يظهر من سياق الآية وكذلك من الروايات - وبعضها صحاح (3) أن الأمر في البداية كان مطلقاً، لكنهم لما شدّدوا شدّد الله عليهم .

2 - إنه يمكن النسخ قبل العمل شرط حضور وقت العمل، كما ارتضى هذا المبنى الشيخ المفيد (رضوان الله عليه)(4)

فهنا لما أمروا بذبح بقرة مطلقة حان وقت العمل، فلما لم يذبحوا نسخ الذبح المطلق بذبح بقرة لها أوصاف خاصة.

3 - إنه لم يكن نسخ أصلاً، وذلك لأن الأمر كما يرتفع بالإطاعة فمن صلى الفريضة بعد دخول وقتها ارتفع عن ذمته الأمر بها وذلك بالامتثال ، كذلك يرتفع الأمر بالمعصية لو لم يبق الموضوع أو الوقت،

ص: 167


1- سورة المجادلة الآيتان 12 - 13.
2- مجمع البيان ج 1 ، ص 261 .
3- كالتي رواها الصدوق في العيون بأسناد معتبرة عن الرضا كما في البرهان جا ، ص 426 .
4- المعالم المطلب السابع في النسخ، ص 218 [ط: مؤسسة النشر الإسلامي]. 167

فإذا أمر المولى بإنقاذ الغريق وعصى العبد إلى أن مات غرقاً، فإن الأمر بالإنقاذ يسقط بسب العصيان لفوات الموضوع أي موت الغريق.

فهنا كان الأمر الأول ذبح آية بقرة، وهذا الأمر كان موقتاً بوقت خاص، وقد سقط الأمر بانتهاء وقته فكان الأمر بذبح بقرة ذات أوصاف خاصة أمراً جديداً وليس نسخاً .

وهذا الاحتمال أقرب وخاصة عند من لا يرى النسخ أصلاً .

العاشر: لعل التفصيل في هذه الآيات في قضية البقرة وجزئياتها - إضافة إلى الفوائد الجمة من الأمور المختلفة التي كانت تحيط بالقضية - هو بيان طبيعتهم اللجوجة، مما يتضح منه سبب مخالفاتهم الكثيرة، في مختلف القضايا الأخرى المذكورة في القرآن الكريم، وفي السنة المطهرة، أو التواريخ والتفصيل هنا في قصة البقرة يوصل الفكرة بشكل أوضح.

كذلك لعله لبيان أن من يشدّد على نفسه يشدد الله عليه، فكان التفصيل في القضية يوضح مسألة تشديدهم والتشديد عليهم، فتأمل .

وفي الميزان: (وزعموا أن ليس للإنسان أن يقبل قولاً إلا عن دليل، وهذا حق، لكنهم غلطوا في زعمهم أن كل حكم يجب العثور على دليله تفصيلاً ولا يكفي في ذلك الإجمال، ومن أجل ذلك طالبوا تفصيل أوصاف البقرة، لحكمهم أن نوع البقرة ليس فيه خاصة الإحياء، فإن كان ولا بد فهو فرد خاص منه يجب تعيينه بأوصاف كاملة البيان، ولذلك قالوا (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَنَا مَا هِىَ) وهذا تشديد منهم على أنفسهم من غير جهة، فشدّد الله عليهم)(1)

ص: 168


1- الميزان ج 1، ص 201 .

الآيات 72 - 74

﴿«وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72)»«فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)»«ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)»

72 - (وَ) اذكروا ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً) قام بالقتل بعضهم ولكن نسب إليهم على عادة العرب من نسبة العمل إلى الجميع وإن كان العامل البعض، (فَادَّارَءْتُمْ ﴾ أي تدافعتم بأن دفع كل واحد القتل عن نفسه (فِيهَا) في تلك النفس (وَاللهُ مُخْرِجٌ) ومظهر (مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) أي تكتمونه من أمر القاتل وسبب القتل.

73 - ثم أمرناكم (فَقُلْنَا) لكم (اضْرِبُوهُ) أي القتيل (بِبَعْضِهَا) . أي بذنبها، فلمّا فعلوا ذلك أحيى الله القتيل فقام وأخبر بقاتله، وأراهم الله ،قدرته بأنه سبب الحياة وليست الأسباب الظاهرية، وإلا فكيف ضرب ميت بميت يوجب الحياة؟ وكما أحيى الله القتيل في قصة البقرة (كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى) ، (وَ) كما رأيتم قدرة الله وعلائمه في القصة كذلك (يُرِيكُمُ) الله (ءَایاتِهِ) في الآفاق وفي أنفسكم فكل يوم ترون علائم الله تعالى في مختلف الأمور (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي

ص: 169

لكي تستعملوا عقولكم ولا تعطلوها، فإن من لا يستعمل عقله فهو كمن لا عقل له.

74 - لكن أكثركم بقي غافلاً وعطل عقله ث(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم) فلم تؤثر فيها المواعظ، فجفّت عن الخير والرحمة (مِن بَعْدِ ذَلِكَ) المذكور من آيات الله تعالى، في إحياء القتيل وسائر الآيات الأخرى (فَهِىَ) أي قلوبكم (كَالْحِجَارَةٍ) في قسوتها (أو) أن تلك القلوب ﴿أَشَدُّ قَسْوَةً) من الحجارة، وكلمة (أَوْ) هنا لإبهام الأمر على السامع ابتداء، ليكون أكثر دلالة على الأشديّة لما يفصل في الحجر، وهذا تشبيه المعقول بالمحسوس وسبب أن قلوبكم أقسى من الحجارة لأن بعض الحجر فيه نفع - قليل أو كثير - وقلوبكم لا يرجى خيرها ﴿وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ) التفجر التفتح بالسعة والكثرة أي لحجر يتفجر (مِنْهُ الْأَنْهَارُ) أي تخرج المياه الكثيرة الجارية من جوف بعض الجبال والأحجار ، (وَإِنَّ مِنْهَا) أي من الحجارة (لَمَا يَشَقَّقُ) أي تحصل فيه فطور تَنزّ ماءً كبعض العيون، (وَإِنَّ مِنْهَا) أي من الحجارة ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) فإن لم يجر منها الماء ولكنها خاشعة، ولها خشية - تكوينية - بأن تسير حسب قوانين الله من الجاذبية وغيرها، ولكنكم تخالفون قوانين الله فالحجر خير منكم !!، ثم لا تتوهموا أن الله لا علم له بأموركم وأفاعيلكم ، بل ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فهو عالم بكم ويجازيكم من غير أن يظلمكم.

-----------------------

بحوث

الأول: التسلسل الزمني للقضية كان القتل ثم ذبح البقرة لكشف القاتل

ص: 170

لكن في الآيات الكريمات ذكر عكس التسلسل الزمني، ولعل ذلك لبعض

الجهات:

1 - إن الغرض الأصلي من ذكر القصة هو بيان لجاجتهم وتمردهم فلذا قدّم ما هو المقصود أولاً وبالذات وذكر قصة القتل لتمام القصة .

2 - إن ما ذكر من قصص بني إسرائيل هو لتعداد ما ارتكبوه من الجنايات تقريعاً لهم وتحذيراً للمسلمين من حذو أثرهم، وهذه القصة وإن كانت واحدة إلّا أنه أُريد منها تقريعين اثنين وتحذيرين، ففي البداية تقريعهم على لجاجهم، وثم تقريعهم على القتل والتدارؤ فيه، قال في الكشاف : وإنما قدمت قصة الأمر بذبح بقرة على ذكر القتيل، لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب الغرض من تثنية التقريع ولقد روعيت نكتة بعدما استؤنفت الثانية قصة برأسها، أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله : اضربوه ببعضها (1).

الثاني: ﴿فَادَّرَءٰتُمْ ) أصله تدارأتم» من درأ بمعنى دفع أي كل واحد حاول دفع التهمة عن نفسه وإلقاءها على الآخرين، وقد يكون فيه معنى الاختلاف.

وذلك لأن العادة أن الناس في المشاكل يحاولون إلقاء اللوم أو المشكلة على الآخرين، عكس الانتصارات حيث يحاول كل أن يظهر نفسه بمظهر المشارك، ولذا قيل للانتصار ألف أب، والهزيمة يتيمة».

والصحيح أن يُبرّئ الإنسان نفسه من التهم الباطلة، من دون إلقاء المسؤولية على الآخرين عملاً بالظنة والتهمة.

ص: 171


1- الكشاف ج 1 ، ص 154 .

الثالث: (وَاللهُ يُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) لأنه من سنن الله في الكون إظهار الحقائق - ولو بعد حين - في الدنيا قبل الآخرة قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرىَ اَللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾.(1)

ويستفاد من بعض الأحاديث أن البغي أسرع المحرمات عقوبة وكان القاتل يُكشف على كل حال لكن الله عجل في فضحه والانتقام منه وبهذه الكيفية انتصاراً لنبيه، وتأديباً لبني إسرائيل، وإظهاراً لقدرته، وإفهاماً للناس بالعقوبة العاجلة للقتل لأنهم ينسون سبب العقوبة - لو تأخرت -.

الرابع: قيل: إن أول ما شُرّع منع القاتل من الإرث كان في هذه القضية، وذلك لأن المال الكثير للمورّث قد يوجب طمع الوارث في قتله ليستولي على أملاكه، ولأن من طرق كشف القاتل هو كشف المستفيد من الجناية فمن أوائل الأسئلة التي يلقيها المحقق الجنائي هو من المستفيد؟ ويتم التدقيق والتحقيق عنه وقد يؤدي هذا السؤال ومحاولة الإجابة عنه إلى کشف خيوط الجريمة.

فإذا علم الوارث أنه في معرض التحقيق والاتهام - كونه مستفيداً من موت مورثه ، وأنه لو اكتشف القتل فإنه يمنع عن الإرث، فإنه يرتدع عن ارتكاب الجريمة في أحيان كثيرة .

الخامس: ﴿وَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ) كان من الممكن أن يكون الأمر في كشف القتيل على المتعارف بأن يبحثوا عن البينات أو القرائن أو اللوث - وحسب الأحكام الظاهرية-.

ولكن الله أراد أن يريهم آياته وعجائب فعاله لتلين قلوبهم، فلذا جعل

ص: 172


1- سورة التوبة، الآية: 105.

اكتشاف القاتل عبر هذه الطريقة، وهي ضربه ببعض البقرة المذبوحة حتى يكون الإحياء أظهر وأكثر تأثيراً ، لأنهم كانوا ينتظرون الإحياء عبر هذه الطريقة غير المتعارفة .

السادس: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي جنّت من الخير والرحمة فلم تؤثر فيها المواعظ ، و(ذَلِكَ) قد يراد به إحياء القتيل في قصة البقرة ويمكن أن يراد به جميع الآيات التي شاهدوها - وما أكثرها -.

فيكون إشارة إلى بني إسرائيل في زمن موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وكذلك من كانوا في زمن رسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، وإلى يوم القيامة، وليس معنى ذلك أن قلوبهم لم تكن قاسية قبل ذلك، بل لعل المراد أن المتوقع ممن يرى هذه الآيات الباهرات أن يخشع قلبه ،ويلين لكن هؤلاء للجاجهم وشقاوتهم لم تلن قلوبهم، بل استمرت على ما كانت عليه من القسوة.

السابع: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ) هذا من تشبيه المعقول بالمحسوس، وبيان أن الحجارة كما هي صلبة ويصعب التأثير عليها، كذلك هذه القلوب لا تتأثر بالمواعظ، فهؤلاء يمتنعون عن الإقرار بالحق لما قامت الحجة عليهم، وكذلك يمتنعون عن العمل بما علموا من الطاعات.

الثامن: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ) بما أن الترديد مستحيل على الله تعالى، لأن منشأ الترديد هو الجهل وعدم العلم بأي الفردين، فلذا فإن «أو» هنا للإبهام، بمعنى أن المتكلم العالم لا يذكر الأمر بشكل واضح بل يذكره مبهماً، حتى يصل إلى غرضه، ثم بعد ذلك يتم تبيين ما أجمل، ولعل الغرض هنا هو الإلفات إلى شدة قساوة قلوبهم، ولإيصال الفكرة جاء الإبهام بين أمرين :هما (كَالْحِجَارَةِ) و(أَشَدُّ قَسْوَةٌ) ، ولذا لم يقل (أقسى)

ص: 173

بل قال (أَشَدُّ قَسْوَةٌ)، لأن المعنى وإن كان واحداً، لكن الإلفات في (أَشَدُّ قَسْوَةٌ) أكثر وذلك لتضمن الجملة على كلمة الشدة أيضاً.

ثم بعد حصول الالتفات إلى هذه القساوة بين الله تعالى أن قلوبهم أشد من الحجارة في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ) .

التاسع: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ) التفصيل في أقسام الحجارة وتقسيمها إلى الأقسام الثلاثة، إنما يراد منه زيادة بيان قسوة قلوب هؤلاء فالغرض الأساسي من التفصيل في أقسام الحجر ليس لأجل الحجر نفسه، بل لبيان مزية الحجر على قلوبهم، وذلك لإيصال الفكرة - وهي قساوة قلوبهم - بشكل أجلى وأوضح بما لا لبس فيه.

العاشر: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ)

هبوط الحجر من خشية الله قد يراد به انقياده لإرادة الله سبحانه وتعالى

حيث إن الله قدر الجاذبية - تكويناً - فانقادت لهذه الإرادة الجمادات .

ويمكن أن يراد المعنى الحقيقي كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)(1) وقوله سبحانه (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ)(2) وقوله عزّ وجل: ﴿وَإِن مِن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ ) (3). بناء على حمل هذه الآيات على الظاهر من المعنى الحقيقي.

وعلى كل فالمعنى أن قلوبهم أشد قساوة من الحجر، لأن الحجر فيه خشية من الله وهؤلاء لا يخشونه تعالى .

ص: 174


1- سورة الحشر، الآية: 21
2- سورة فصلت الآية: 11
3- سورة الإسراء، الآية: 41 .

الخلاصة:

هنالك عدة دروس تستفاد من قصة ذبح البقرة قصة ذبح البقرة - كما في الكشاف (1) والمجمع(2) وغيرهما ومنها :

1 - محبوبية الذبح ، تقرباً إلى الله، واكتساباً للثواب.

2 - لزوم ترك التشديد، حتى لا يشدد الله سبحانه .

3 - لزوم المسارعة إلى امتثال أمر الله تعالى.

4 - نفع اليتيم بالتجارة.

5 - بركة برّ الوالدين .

6 - محبوبية الشفقة على الأولاد.

7 - اختيار الأنسب للتقرب إلى الله، كما في البقرة المذبوحة حيث كانت جميلة الظاهر سالمة من العيوب .

8 - إن الله هو سبب الأسباب فالحياة منه تعالى وأما الأسباب الأخرى فهي أمور ظاهرية، وعلى الإنسان أن يأخذ بها لكن مع علمه بأن الأمر بيد الله .

ص: 175


1- الكشاف، ج 1 ، ص 154 .
2- مجمع البيان، ج 1، ص 263 .

الآيات 75 - 77

المطلب الخامس ومن أسباب انحراف بني إسرائيل (تحريف كلام الله تعالى أو الجهل به)

(«أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)»«وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)»«أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)».)

75 - (أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون، استفهام إنكاري بمعنى لا تطمعوا وأصل الطمع هو الأمل بما يظن نفعه (أَن يُؤْمِنُوا) هؤلاء اليهود (لَكُمْ) أي يصدقوكم ، فإن تعدية الإيمان باللام يفيد معنى التصديق ،والاستجابة، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) وهم بعض كبارهم ولم ينسب العمل إلى كلهم لأن التحريف لا يتأتى إلا من البعض،

﴿يَسْمَعُونَ كَلَمَ اللهِ) التوراة وسائر الكتب السماوية (ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) أي يغيرونه - معنىً أو لفظاً - تحريفاً ينسجم مع مصالحهم أو مصالح من أخذوا منهم الرشوة (مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) أي فهموه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ) بأنهم يحرفون، وهذا يشدد جريمتهم لأن من لا يفهم كلاماً

ص: 176

ويتصور المعنى خلاف المقصود أقل جرماً ممن فهم الكلام ثم حرّفه، فهؤلاء لا يرجى إيمانهم لأنهم مستعدون لكل شيء حتى لتحريف كلام الله، فيما لا ينسجم مع مصالحهم، فكيف يؤمنون لكم أيها المؤمنون؟

76 - ﴿وَ) حتى إذا أظهروا الإيمان فإنما هو نفاق منهم فإنهم ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا) بأن محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ مذكور في كتبنا ، فيظهرون الإيمان ليطلعوا على أخبار المسلمين وأسرارهم أو لحفظ ،مصالحهم ، (وَ) لكن ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أي التقوا في مكان خالٍ من الأغيار (قَالُوا) معاتبين من اعترف أمام المسلمين بوجود اسم محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم (أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ) أي بما علمكم وأرشدكم إليه، (ليُحَاجُوكُم بِهِ). أي اعترافكم سبب لإعطاء الحجة بيد المسلمين (عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) فإنهم كانوا يتصورون أن الله لا يعلم أسرارهم، فاعترافهم يوجب أن يذكر المسلمون ذلك أمام الله ، مما يوجب محاججتهم وانكشاف أمرهم أمام الله .

77 - (أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ) إخفاء الأمر على المسلمين لا يوجب خفاءه على الله تعالى فإن (اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ) بينهم أو في قلوبهم (وَمَا يُعْلِنُونَ) فيحاسبهم عليهما جميعاً.

----------------------

بحوث

الأول: ﴿يُؤْمِنُوا لَكُمْ ﴾ الإيمان قد يتعدى بالباء فيقال «آمن به» ومعناه هو

ص: 177

الاعتقاد بشيء كالإيمان بالله وبالرسول، وقد يتعدى باللام فيقال آمن له» ومعناه هو الاستجابة للشخص وتصديقه كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)(1) وهنا بمعنى أنكم تطمعون أن يصدقوكم ويستجيبوا لكم أي يؤمنوا كما آمنتم.

الثاني: ﴿فَرِيقٍ مِنْهُمْ) في الآيات السابقة واللاحقة نسب إلى جميعهم ما فعله بعضهم على الأسلوب البلاغي في نسبة عمل بعض القوم إليهم أجمع، لأن الطبع واحد والكل راض عن عمل البعض.

لكن هنا نسب الأمر إلى بعضهم فقال تعالى: ﴿فَرِيقٍ مِنْهُمْ)، ولعل ذلك بسب أن التحريف لا يمكن أن يقوم به إلا البعض من أحبارهم وكبرائهم ولا يتأتى من عامتهم وقد أشار سبحانه في الآية 78 أن فريقاً منهم أميون لا يعلمون الكتاب إلّا أماني، فالتحريف لا يتأتى منهم، وينحصر في البعض منهم، إضافة إلى أنه نوع بلاغة في الكلام مع جواز نسبته إلى كلّهم الرضاهم عنهم، ولذا نسب التحريف في آيات أخرى إليهم كلهم قال تعالى: (يُحرفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعه)(2).

الثالث: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ).

لعل وجه ذكر أنهم كانوا يسمعون ويفهمون ثم يحرفون، للدلالة على عمق جريمتهم في التحريف، فإنهم سمعوا وفهموا المقصود ومع ذلك قاموا بالتحريف، في حين أن من لم يسمع قد يعتذر أو يُعتذر له بأنه لم يكن يدري أو أن ما نقل له لم يكن صحيحاً ، فالمشكلة في الناقل لا فيه،

ص: 178


1- سورة البقرة، الآية: 61.
2- سورة المائدة الآية: 13

فأراد الله بيان أن هؤلاء كانوا مع علمهم وفهمهم بالمقصود يقومون بالتحريف، فلا يمكن الاعتذار لهم بأي وجه من الوجوه .

ويمكن أن يكون المراد هو أنهم كانوا يسمعون ثم يحرفون تحريفاً معنوياً أو في نقل الألفاظ، وأما التحريف في الكتابة فهو قسم آخر من أقسام التحريف ذكر في آيات لاحقة فيكون تقسيم إذاً إلى أقسام ثلاثة : فقسم يحرفون معنى أو لفظاً، وقسم أميون، وقسم ثالث يحرفون الكتابة، فتأمل.

الرابع: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) هو تغيير المعنى إلى خلاف المقصود، أو تغيير اللفظ ليتغير المعنى كجعل الحلال حراماً أو الحرام حلالاً .

وروي أنهم قالوا لبني إسرائيل : إن الله تعالى قال لنا هذا ، وأمرنا بما ذكرناه لكم ونهانا، وأتبع ذلك بأنكم إن صعب عليكم ما أمرتكم به فلا عليكم أن لا تفعلوه، وإن صعب عليكم ما عنه نهيتكم فلا عليكم أن ترتكبوه وتواقعوه، وهم يعلمون أنهم بقولهم كاذبون(1).

وسبب التحريف أنهم كانوا يرون كلاماً أو حكماً لا يرضون به، إما للمشقة في تطبيقه، أو لأنهم يريدون الإثراء أو الوجاهة على حساب الحق، فيجدون الحكم مانعاً ، أو يرتشون ممن لا يريد تطبيق ذلك الحكم فيغيرونه إرضاءً له، أو لغير تلك الأسباب.

وفي التوراة وقع التحريف في اللفظ أيضاً.

والتحريف اللفظي حدث لجميع الكتب السماوية الأخرى، سوى القرآن الكريم حيث حفظه الله تعالى من التغيير اللفظي، فما هو موجود الآن بين الدفتين هو ما نزل على رسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ بلا زيادة ولا نقصان .

ص: 179


1- البرهان ،ج 1، ص 439 ، عن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسكري عَلَيْهِم السَّلاَمُ.

كما

خلافاً لما زعمه ابن تيمية حيث توهّم أن التوراة الحالية هي نزلت على موسى من دون تحريف(1) وكأنه لم يقرأ قوله تعالى :

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّه)(2) .

وأما تغيير المعنى، أو التأويل من غير دليل، فهذا ما أحدثه البعض في معاني الكتب السماوية وحتى أن بعض المسلمين فسّروا أو أوّلوا آيات من القرآن الكريم خلافاً لما أراده الله تعالى، وذلك بسب الجهل أو مراعاة لمصالحهم أو مصالح الحكام - والعياذ بالله -

ومن أنواع التحريف - بتغيير المعنى - البدع، وهي إدخال ما ليس من الدين في الدين فما ليس له أصل في الدين يكون اعتباره من الدين من التحريف المعنوي ويقال له البدعة، وكذا الزيادة والنقيصة فيما هو توقيفي كالصلاة والصوم.

وأما تطبيق الكليات على الجزئيات - حتى المُستجد منها - فإنه ليس من البدعة في شيء، بل هو امتثال لأوامر الله تعالى، فمثلاً صلة الرحم من الأحكام الشرعية الكلية، فيجب أو يستحب أن يصل الإنسان أرحامه ، وهذا حكم كلي يمكن تطبيقه بشكل جزئي، حتى بما لم يكن متعارفاً سابقاً كالاتصال بالهاتف مثلاً ، فهذا ليس من البدعة بل هو تطبيق الأمر شرعي كلي على مصداق جزئي جديد.

الخامس: ﴿قَالُوا ءَامَنَّا) .

أي آمنا بأن محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ موجود في كتبنا، ولم يكن غرضهم الإيمان

ص: 180


1- منهاج السنة : ج 1 ، ص 363 ، وج 2، ص 153 وص 563.
2- سورة البقرة، الآية: 79.

حقيقة، وإنما كان ذلك نفاقاً منهم ، صوناً لأنفسهم، أو لأجل أن يطلعوا على أسرار المسلمين حينما يدخلون في صفوفهم، ومن ثَمَّ يتربصون بهم الدوائر .

ولعل وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها أنه كان من دأب أسلافهم تحريف كلام الله ، فلمّا بعث الله رسوله محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وكان اسمه مذكوراً في التوراة الموجودة في أيديهم كما أشار إليه تعالى في قوله : (الرَّسُولَ النَّبِىَّ اَلأُمِىَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَالإنجيل )(1) ، حينذاك من كان يظهر منهم الإيمان، كان يخبر المسلمين بما في التوراة من وصف رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد شق ذلك على كبارهم فلذا حرّفوا هذه المقاطع من التوراة بحذفها إخفاء للحجة .

ويحتمل بأن قولهم (ءَامِنا) لا يراد به إظهارهم الإسلام نفاقاً ، بل هم مع بقائهم على كفرهم كانوا يقرؤون التوراة وفيها ذكر لرسول الله ، فالإيمان هنا بمعنى اعترافهم بما في التوراة من غير قبول للإسلام - ولو ظاهراً ، ويقرّب هذا الاحتمال عتاب بعضهم لهؤلاء مما ذكره الله

تعالى .

السادس: فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُوكُم)

فَتَحَ باب العلم بمعنى علّمه وأرشده إليه، فكانوا يتصورون بأنهم بإخفائهم ما في الكتاب من أوصاف النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ يتمكنون من خداع الله سبحانه وتعالى، حيث كانوا يزعمون بأن الله لا يعلم أسرارهم وما يُسرّون، فلذا اعتبروا اعترافهم أمام المسلمين سيكون سبباً لانكشاف

ص: 181


1- سورة الأعراف الآية: 157

أمرهم أمام الله سبحانه، حيث سيشهد المسلمون عليهم أمام الله تعالى بأنهم أقروا واعترفوا بورود ذكر للنبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ مما سيوجب مؤاخذتهم .

وهؤلاء لجهلهم بالله تعالى كانوا يتصورون بأن الله كالناس فلذا نسبوا إلى الله ،الفقر وغلّ اليد والجهل وغيرها من صفات النقص تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .

في حين أن من أعمل عقله، علم يقيناً بأن الله لا كالأشياء، فهو علم بلا نهاية ولا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض.

والغريب أن بعض من يدعي الإسلام حذا حذو اليهود، فقالوا بجهل الله بالجزئيات، لأنهم بأوهامهم توهموا ذات الله ، ثم فسروا علمه وسائر صفاته بما ينسجم مع ما توهموه .

مع أن الإنسان يستحيل أن يفهم ذات الله تعالى، ولذا ورد في الروايات النهي عن التفكر في ذات الله، لأن المخلوق المحدود يستحيل أن يحيط بغير المحدود اللامتناهي.

ولأن صفات الله الذاتية عين ذاته تعالى، وليست أمراً زائداً على الذات، فكما يستحيل معرفة كنه ذاته كذلك يستحيل معرفة كنه صفاته .

بلى العقل يدرك أن الله موجود وأن له صفات كمال، وهو منزه عن النقائص، لكنه لا يمكنه أن يدرك كنه ذاته وصفاته تعالى .

بل الإنسان لا يمكنه أن يدرك كنه وحقيقة الممكنات، مثلاً الإنسان يعجز عن فهم كنه وحقيقة الوجود، مع أن الوجود من أوضح الأشياء، وهكذا سائر الأمور الواضحة التي يعتقد بها الإنسان ويراها فإنه يعجز

ص: 182

عن فهم حقيقتها وكنهها ، فإذا كان هذا حد فهم الإنسان في الممكنات الواضحة، فإنه أعجز من فهم كنه ذات الله تعالى وصفاته .

والمتحصل : أن الله تعالى عالم بكل شيء كلياً كان أم جزئياً، علنياً أم سريا، ظاهراً أم مضمراً .

وكما أن سنخ ذاته يختلف اختلافاً تاماً ذات الممكنات ، كذلك علمه وسائر صفاته تختلف اختلافاً تاماً عن علم الممكنات، لأن علمه عين ذاته .

وعن الإمام موسى بن جعفر عَلَيْهِ السَّلاَمُ أنه قال :

«علم الله لا يوصف منه بأين ولا يوصف العلم من الله بكيف، ولا

يفرد العلم من الله ولا يباين الله منه وليس بين الله علمه حد»(1) وبين ومن أرجع الصفات الثبوتية إلى الصفات السلبية فقال : إن معنى أنه عالم قادر مريد أنه ليس بجاهل وليس بعاجز وليس بمكره وهكذا سائر الصفات لعلّه أراد هذا المعنى، أي أن علمه يختلف عن علمنا بشكل تام، ولا يمكن لنا أن نفهم معنى علمه.

ولذا قال صاحب الفصول بالاشتراك اللفظي (2)، أي للعلم معنيان أحدهما علم الممكنات وهذا النوع ،نفهمه والآخر علم الله تعالى ولا يمكن لنا فهمه.

وإن كان الأصح أنه لا اشتراك لفظي، بل هناك معنى واحد : للعالم ولغيره من الصفات ولكن مع نوع من التأويل في إطلاق هذه الصفات عليه .

ص: 183


1- من فقه الزهراء ج 2، ص 214 عن البحار ج 4 ، ص 86.
2- الفصول / بحث المشتق

وذلك لأن العرف وأهل اللغة لا يلتفتون إلى هذه البحوث الدقيقة، فيطلقون هذه الأوصاف عليه سبحانه بنفس المعنى الذي يطلقونها على غيره ولكن لما كانت اللغة قاصرة عن بيان كنه الذات والصفات لاستحالة إدراك المحدود الممكن للواجب غير المحدود، فإن ألفاظ الصفات في القرآن الكريم جرت عليه ولكن بضرب من التأويل، فتأمل(1).

السابع: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ ) فالله يعلم سرّهم وجهرهم، فسِرُّهم حين يتناجون مع شياطينهم، وجهرهم حين ينافقون مع المسلمين.

وكذلك دحض حجتهم أمام الله تعالى لا فرق فيه بين أن يُظهروا بعض الحقائق أمام المسلمين أو لا يظهروها .

كما أن الحجة عليهم لا تختص بما يخفونه من صفات النبي صلى الله عليه وسلم بل لا حجة لهم أمام الله تعالى في كثير من أعمالهم الأخرى من القتل ونقض الميثاق والتحريف وغيرها، وروي أنهم قدروا بجهلهم أنهم إن لم يخبروهم بتلك الآيات لم يكن له حجة عليهم حجة في غيرها (2).

ص: 184


1- قال المحقق العراقي في نهاية الأفكار ج 1 ، ص 152 بأن عقول الممكنات طراً لما كانت قاصرة عن الإحاطة بذات الواحد الأحد ولم تدرك منه سبحانه إلا بقدر قابليتها واستعدادها، فلا جرم إذا كان همّ عقول الممكن جهة دون جهة وقصر النظر على علمه أو قدرته أو حياته أو إرادته سبحانه، يصير مدركه لا محالة محدوداً في نظره بحيث ينتزع من حد ما أدركه حيثية الذات تارة والعلم أخرى وحيثية الإرادة والقدرة ثالثة وهكذا من دون أن تكون تلك الحيثيات الانتزاعية الناشئة من قصور النظر راجعة إليه.
2- البرهان ج 1 ، ص 444 عن التفسير المنسوب للإمام العسكري

الآيتان 78 - 79

(«وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)»«فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ «79»).

78 - (وَ) هنالك قسم ثاني (مِنْهُمْ) أي اليهود، وهم العوام - الذين لا يقرأون ولا يكتبون، فلا يتمكنون من العلم بحقائق الكتاب فهم (أُمِیُّونَ) نسبة إلى الأم، أي لم يتعلموا القراءة والكتابة، وهم (لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) لأنهم لم يقرؤوه (إلَّا أَمَانِيَ) استثناء منقطع أي ليس لهم إلا أمان بالنجاة في الآخرة، ولا يعلمون بتحقق تلك الأماني ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) أي ليس لهم إلا الظن بالنجاة ولا علم لهم به.

79 - ولأنّ جهل الأميين كان بسبب تحريف علمائهم (فَوَيْلٌ) أي الهلاك والعذاب (لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِهِمْ) فليس هو كتاب منزل، وإنما هو ما كتبه علماؤهم لمصالحهم ، (ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا) الذي كتبوه هو منزّل (مِنْ عِندِ اللَّه)، وهؤلاء هم القسم الثالث من اليهود، وسبب هذا الافتراء هو (لِيَشْتَرُوا بِهِ) أي بما كتبوه (ثَمَناً قَلِيلاً) من الرئاسة على العوام، أو مصالح دنيوية مالية ونحوها، وهذا الويل لأمرين: ﴿فَوَيْلٌ لَهُم

ص: 185

مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ) لأنهم ارتكبوا أشد المحرمات المهلكات ﴿وَوَيْلٌ لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ لأن ثمن الحرام حرام شديد.

------------------------

بحوث

الأول: كما مرّ، لعل هذه الآيات من الآية 75 إلى الآية 79 تشير إلى حالاتهم مع التحريف، ففريق منهم يحرّف المعنى أو يحرف في كلامه : حينما ينقل كلام الله ويؤيده ما مرّ من الرواية الدالة على أنهم لما نقلوا التوراة أضافوا هذا القول: «بأنكم إن صعب عليكم ما أمرتكم به فلا عليكم أن لا تفعلوه... الخ.

وفريق آخر منهم : هم الأميون الذين لا يقرؤون ولا يكتبون، فلا علم لهم بالتوراة إلا ما سمعوه من علمائهم المحرّفين، وهؤلاء يظنون بأنهم ناجون ولا علم لهم بذلك.

وقسم ثالث منهم مَنْ يحرفون تحريفاً كتبياً، أي يضيفون إلى الكتاب ما ليس فيه.

ولعل ذكر الأميين في الوسط مراعاة للتسلسل الزمني، بسبب أن التحريف كان في البداية تحريفاً في المعنى أو في النقل فقط، فاتبع الأميون المحرفون بالمعنى واللفظ ، ثم احتاج هؤلاء المحرفون إلى تغيير الكتابة أيضاً .

أو لأنهم لما حرفوا المعنى رأوا استجابة من عوامهم فتشجعوا على تحريف الكتابة أيضاً .

ص: 186

أو أن الآية الأخيرة لبيان العذاب للمحرفين، فبعد أن ذكر الله تعالى أنهم قسمان بين محرّف وأمي، بعد محرّف وأمي، بعد ذلك بيَّن سبحانه العذاب الذي يلحق

المحرفين .

الثاني: (أُمِیُّونَ)

الأمي منسوب إلى الأم ويراد به الذي لا يكتب ولا يقرأ ، فكأنّه تربّى في ظل أمه لا المعلّم، أو كأنه بقي كما ولدته أمه.

ومعنى الأمي في مختلف آيات القرآن هو هذا .

وسيأتي - إن شاء الله - أن إطلاق الأمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِیَّ اَلْأُمِّیَ)(1) ، أيضاً بهذا المعنى لأن الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ - وإن كان بالإعجاز يعلم جميع الأمور ومنها القراءة والكتابة ، لكنه لم يتعلمهما عند بشر، وكذلك لم يستعمل القراءة أو الكتابة طيلة حياته، وذلك لإكمال الحجة ولكي لا يرتاب المبطلون قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذَا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)(2)

فيكون معنى الأمي فيه هو الذي لم يتعلم الكتابة ولا القراءة عند بشر، وهذا لا ينافي معرفته بهما بالإعجاز أي بتعليم من الله تعالى.

وسيأتي - إن شاء الله - بيان ما روي من أن نسبة الأمي إلى الرسول نسبة إلى أم القرى وهي مكة، وكذلك ما روي من قراءته أو كتابته، وأنه حتى لو فُرض صحة هذه الروايات ودفع التعارض بينها، فإنها لا تنافي

ص: 187


1- سورة الأعراف الآية: 157.
2- سورة العنكبوت الآية: 48 .

ما ذكرناه، لأن تلك الروايات تشير إلى الإعجاز لا إلى التعلّم عند بشر، كما أنها تشير إلى وقائع في المدينة المنورة أي بعد البعثة بسنوات طوال مما لا يتنافى مع دحض ارتياب المبطلين، فانتظر .

الثالث: (إلّا أمانِيَّ) جمع أُمنية، وهذا استثناء منقطع ، أي لأنهم أميون فإنهم لا علم لهم بالكتاب، ولا بما ورد فيه من أوصاف النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، وإنما هم إمعات يسمعون إلى ما يقوله أحبارهم وكبراءهم .

فهؤلاء بما سمعوه، يظنون النجاة في الآخرة وهذه أمنيتهم ولكن

لأنهم لا يطمئنون إليهم، فإنهم يمنّون النفس بالنجاة من غير اطمئنان لمعرفتهم بحالات الأحبار وعدم ورعهم.

وكل من علم بعدم ورع عالم وكذبه ،ومصلحيته، فإنه لا يجوز له أن يقلّده، وهو ليس بمعذور في ذلك، لأنه جاهل مقصر، ولا فرق بين من يعلم بالبطلان وبين الجاهل المقصر .

وعن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ أنه سئل عن ذلك :

فقال رجل للصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ : فإذا كان هؤلاء القوم لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم، لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمّهم بتقليدهم والقبول من علمائهم، وهل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علماءهم، فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم، لم يجز لعوامنا القبول من علمائهم؟ إلى أن قال:

فقال عَلَيْهِ السَّلاَمُ : إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح وبأكل الحرام والرشا، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات و المصانعات وعرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به

ص: 188

أديانهم ، وأنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه وأعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم، وظلموهم من أجلهم، وعرفوهم بأنهم يقارفون المحرمات .

واضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل مثل ما يفعلونه فهو فاسق، لا يجوز أن يُصدِّق على الله تعالى ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله .

فلذلك ذمّهم لما قلدوا من قد عرفوا ، ومن قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤديه إليهم عمّن لم يشاهدوه، ووجب عليهم النظر بأنفسهم، في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى وأشهر من أن لا تظهر لهم.

وكذلك عوام أمتنا، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصبون عليه - وإن كان لإصلاح أمره مستحقاً - ، وبالترفرف بالبر والإحسان على من تعصبوا له - وإن كان للإذلال والإهانة مستحقاً ، فمن قلّد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم .

فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا في بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم فإنه من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة، فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة لهم.(1)

ص: 189


1- البرهان ، ج 1، ص 446 - 447 عن التفسير المنسوب للإمام الحسن العسکري

الرابع: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ).

ننقل مضمون كلام الشيخ الأعظم الأنصاري الله في الرسائل، مع بعض الإضافات من كلام السيد الوالده في كتاب الوصائل إلى الرسائل)(1)والكلام تارة في الظن بأصول الدين، وتارة في العلم الناشيء من التقليد.

1 - إن مسائل أصول الدين وهي التي لا يجب فيها - أولاً وبالذات - إلا الاعتقاد باطناً والتدين ظاهراً ولا يجوز فيها التقليد على قسمين:

القسم الأول: ما لا يجب تحصيل العلم بها، لكن إذا اتفق حصول العلم، وجب الاعتقاد والتدين به كبعض تفاصيل المعارف مثل أحوال البرزخ وخصوصيات الجنة والنار.

فلا يلزم العلم بها، ولكن لو علم بها وجب عليه الاعتقاد بها، تصديقاً لرسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والأئمة عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ.

القسم الثاني: ما يجب تحصيل العلم بها كأصول الدين.

فمن هو قادر على تحصيل العلم فلا يجوز أن يكتفي بالظن فمن ظن بنبوة نبينا محمد أو بإمامة أحد الأئمة فإنه لا يجوز له الاقتصار على ذلك الظن بل يجب عليه زيادة النظر لتحصيل العلم .

والدليل على ذلك جميع الآيات والأخبار الدالة على وجوب الإيمان والعلم والتفقه والمعرفة والتصديق والإقرار والشهادة والتدين وعدم الرخصة في الجهل والشك ومتابعة الظن.

ص: 190


1- كتاب الرسائل / باب الانسداد التنبيه الخامس، وكتاب الوصائل ج 6، ص 43 - 137.

وحكم هذا الظان أنه ليس بمؤمن، وذلك للأخبار المفسرة للإيمان بالإقرار والشهادة والتدين والمعرفة الظاهرة في العلم .

2 - في التقليد في أصول الدين:

لا إشكال في عدم جواز التقليد الموجب للظن في أصول الدين وذلك للآيات والروايات الناهية عن اتباع الظن فيها، كقوله تعالى : (إن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ)(1) وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)(2) وغيرها من الآيات.

وأما التقليد الموجب للعلم بالحق، كبعض عوام المؤمنين فهل يجوز اتباعه أم لا؟

الأقوى - عند الشيخ الأعظم الله - كفاية الجزم الحاصل من التقليد الموصل إلى الحق لعدم الدليل على اعتبار الزائد على المعرفة والتصديق والاعتقاد .

والإشكال : بأنه كيف يمكن إثبات العقاب في المقلّد في الباطل، وعدم استحقاق العقاب للمقلد في الحق، مع فرض كونهما متساويين في سعيهما من جميع الجهات سوى ما كان خارجاً عن ،وسعهما بأن كان أحدهما مولوداً في أهل الباطل، والآخر مولوداً في أهل الحق؟

جوابه :

أما الذي قلّد في الحق، فعدم استحقاقه للعقاب، واستحقاقه الجنة لأنه سلك الطريق الموصل إلى الجنة .

ص: 191


1- سورة الأنعام، الآية: 166.
2- سورة يونس الآية: 36.

وأما الذي قلّد في الباطل :

فإن كان معذوراً في جهله - كالجاهل القاصر - فإنه يمتحن في الآخرة كما دل عليه النص وقول العلماء.

وإن لم يكن معذوراً في جهله، فلا مانع عقلاً ولا شرعاً من عقابه، فحالهما حال نفرين قلّد أحدهما من دله على الطريق، والثاني من دلّه على خلاف الطريق، فإن الأول سيصل دون الثاني.

انتهى ما اخترناه من الرسائل والوصائل - بالمضمون ..

الخامس: في المقدار الواجب من المعرفة :

قال الشيخ الأعظم الأنصاري رَحِمَهُ اللّه :

1 - يكفي في معرفة الرب :

التصديق بكونه موجوداً ، وواجب الوجود لذاته، والتصديق بصفاته الثبوتية، ونفي الصفات الراجعة إلى الحاجة والحدوث، وأنه لا يصدر منه القبيح فعلاً أو تركاً .

2 - يكفي في معرفة النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ:

معرفة شخصه بالنسب المعروف المختص به والتصديق بنبوته وصدقه .

ومعرفة ما عدا النبوة واجبة بالاستقلال على من هو متمكن منه بحسب الاستعداد وعدم الموانع.

والجهل بمراتب سفراء الله جل ذكره مع تيسر العلم بها، تقصير في حقهم، وتفريط في حبهم، ونقص يجب بحكم العقل رفعه، بل من أعظم النقائص .

ص: 192

3 - ويكفي في معرفة الأئمة عَلَيْهِم السَّلاَمُ:

معرفتهم بنسبهم المعروف، والتصديق بأنهم أئمة يهدون بالحق

ويجب الانقياد إليهم والأخذ منهم .

4 - ويكفي في التصديق بما جاء به النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ:

التصديق بما علم مجيئه متواتراً من المعاد الجسماني، وعدم إنكار الضروريات إذا علم بأنها من الدين.

وبالجملة يكفي في الإيمان : الاعتقاد بوجود الواجب الجامع للكمالات المنزه عن النقائص، وبنبوة محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وبإمامة الأئمة عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، والبراءة من أعدائهم، والاعتقاد بالمعاد الجسماني الذي لا ينفك عن الاعتقادات السابقة .

والمراد بمعرفة هذه الأمور : ركوزها في اعتقاد المكلف بحيث إذا سألته عن شيء مما ذكر أجاب بما هو الحق فيه، وإن لم يعرف التعبير عنه بالعبارات المتعارفة على ألسنة الخواص.(1)

السادس: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ﴾ الويل أصله بمعنى الهلاك والعذاب، ثم استعمل في كل من وقع في الهلكة أو في المشكلات، فإنه يقال له أو يقولها للتحسر والتفجع والتوجع.

قال سبحانه: ﴿قَالَ يَوَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ)(2)

وقال تعالى: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى ءَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ (3).

ص: 193


1- نقل باختصار وبالمضمون مع تقديم وتأخير، الرسائل، باب الانسداد، التنبيه الخامس.
2- سورة المائدة الآية: 31.
3- سورة هود، الآية: 72

وروي أن الويل واد في جهنم(1) وهو مصداق من مصاديق المعنى العام وهو الهلاك والعذاب.

والفاء في ﴿فَوَيْلٌ) للتفريع، أي إن وقوع الأميين في المخالفة والأماني غير الحقيقية، كان بسبب تحريفات علمائهم، فإذن الويل والهلاك لهؤلاء الأحبار المحرفين، لأنهم سبب الضلال، فهم ضالون مضلّون .

ويمكن أن تكون تفريعاً للتقسيم - كما مر - حيث قسمت الآيات هؤلاء إلى أقسام، فمنهم يسمعون ويحرفون المعنى، ومنهم جهلة أميون، ومنهم يحرفون الكتابة، وعادة تحريف الكتابة يكون عبر اللاحقين وتحريف المعنى عبر السابقين.

ويؤيده ما روي من تحريف الأحبار المعاصرين الرسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ التوراة بتغييرهم : ما ذكر فيها من صفات الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ، إلى صفات لا تنطبق عليه، ليُموّهوا على العوام وعلى المشركين، كما سيأتي في البحث اللاحق .

السابع (بِأَيْدِيهِمْ).

إشارة إلى التحريف، لأنه لو قال كتب الكتاب لا يفهم منه التحريف إلا بالقرائن، لأنه كثيراً ما يكتب الكتاب كما هو كما في الخطاطين الذين يخطون رسم القرآن مثلاً ، أما مع إضافة كلمة (بِأَيْدِیهِمْ) فيفهم معنى: من عندهم، أي يكتب الكتاب من عند نفسه لا كما نزل.

وفي التفسير إن أوصاف النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ و كانت مذكورة في التوراة، فلمّا أراد أحبارهم تعمية الأمر على الأمتين، غيّروا تلك الأوصاف.

ص: 194


1- مجمع البيان ج 1، ص 278 الوسائل ج 6، ص 76 - 87.

وروي أنه :

قال الله عزّ وجلَّ : [هذا] لقوم من هؤلاء اليهود كتبوا صفةً زعموا أنها صفة النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، ، وهي خلاف صفته ، وقالوا للمستضعفين منهم : هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان إنه طويل عظيم البدن والبطن أصهب الشعر، ومحمد خلافه، وهو يجيء بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة)(1).

وروي أنهم عمدوا إلى التوراة وحرفوا صفة النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ، ليوقعوا الشك بذلك للمستضعفين من اليهود وهو المروي عن أبي جعفر

الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ :(2)

الثامن: (لِيَشْتَرُوا بِهِ)

أي ليحصلوا بهذا التحريف أغراضاً دنيوية من مال ورئاسة، لأنهم توهموا أن اعترافهم بالرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ يسبب زوال الرئاسة والمال الذي كانوا يأكلونه من العوام ، وهم قد غلطوا في زعمهم هذا، لأن الله تعالى فتح كنوز العالم على من أسلموا فصاروا سادة بعد أن كانوا عبيداً أو كالعبيد وكما قالت فاطمة الزهراء سلام الله عليها : (وكنتم على شفا حفرة من النار مذقة الشارب ونهزة ،الطامع وقبسة العجلان، وموطئ ،الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القِد، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمّد)(3) .

ص: 195


1- البرهان ج 1 ، ص 448 - 449 - عن التفسير المنسوب للإمام العسكري عَلَيْهِم السَّلاَمُ
2- مجمع البيان، ج 1، ص279.
3- مقطع من خطبتها في المسجد ( من فقه الزهراء) ج 3، ص 79 - 110 .

وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (1).

بل تحقق العكس فإن هؤلاء اليهود الذين حرفوا الكتاب حفظاً المصالحهم الدنيوية، قد خسروا تلك المصالح أيضاً، مضافاً إلى خسارتهم الأخروية واكتسابهم للعذاب الدائم .

التاسع: ﴿ثَمَناً قَلِيلاً) :

والثمن قليل لأن كل ما كان بدلاً عن الآخرة فهو قليل قال تعالى : (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ «196» مَتَاعُ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَئهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المِهَادُ)(2).

وقال سبحانه: ﴿فَمَا مَتَاعُ الحَيٰوةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ)(3).

وكذلك كانت دنياهم قليلة أيضاً، فما كانوا يريدون من رئاسة تحولت إلى لعنة دنيوية وذكر سيئ، وكذلك إلى فقدهم المال والأملاك حينما أوقدوا حروباً ضد المسلمين ونقضوا العهود، فخسروا أرواحهم وأراضيهم وأموالهم وسبيت ذراريهم.

العاشر: ﴿فَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا كَتَبَتْ).

في هذه الآية تكرر الويل ثلاث مرات، ولعله لأنهم يعاقبون ثلاث مرات.

وبيان ذلك : أنه يستفاد من الآيات والروايات بأنّه في الآخرة تحضر

ص: 196


1- سورة المنافقون، الآية: 8
2- سورة آل عمران، الآيتان: 196 - 197.
3- سورة التوبة، الآية: 38.

الأعمال التي عملها الإنسان في حياته الدنيا، ويعبر عنه بتجسيم الأعمال، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُوا حَاضِراً) (1) ، وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ

لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدا بَعِیداً).(2)

وعليه فهؤلاء المحرّفون يعاقبون لأنهم قاموا بعملية التزوير ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) ، ثم عملهم وهو التحريف أيضاً يحضر ويتحول إلى عذاب ﴿فَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ)، وكذلك الأموال ونحوها التي حصلوا عليها جراء عملية التحريف أيضاً تحضر متحولة إلى عذاب ﴿وَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ ، فلذا لهم الويل ثلاث مرات .

ص: 197


1- سورة الكهف، الآية؛ 49 .
2- سورة آل عمران الآية: 30.

الآيات 80 - 82

المطلب السادس ومن أسباب انحراف بني إسرائيل (توهم عدم العقاب)

(«وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)»«بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)»«وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ «82»).

80 - (وَ) جمع منهم (وا لَنْ تَمَسَّنَا) أي لن تصيبنا (النَّارُ) في الآخرة (إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) قليلة، فلا نتعجل المكروه في الدنيا للعذاب الذي بقدر أيام ذنوبنا، وقيل توهموا أن العذاب سبعة أيام، (قُلْ) يا رسول الله في جوابهم (اتَّخَذْتُمْ) أي هل اتخذتم (عِندَ اللَّهِ) من طرفه (عَهْداً) على ذلك، وإذا كان الأمر كذلك بأن وعدكم الله (فَلَن يُخلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ)؟ (أَمْ) أنتم تكذبون و(تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ؟ فقولكم من غير دليل ولا برهان.

81 - (بَلَى) إنه لا يوجد هنالك عهد من الله تعالى بل بالعكس هنالك وعيد بالعذاب الدائم، فإن (مَن كَسَبَ سَيِّئَةً) أي عمل عملاً

ص: 198

سيئاً (وَأَحَاطَتْ بِهِ) أي استولت عليه واحتوته (خَطِيئَتُه) وذلك بكثرة الذنوب، بحيث لم يبق له منفذ إلى الخير (فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) يصحبونها ويلازمونها (هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ .

82 - (وَ) في المقابل (اَلَّذِينَ ءَامَنُوا) بقلوبهم وألسنتهم » ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ أَوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) ، فالجنة لا تكون بالتمني بل بالإيمان والعمل الصالح، كما أنه يخلد في النار من أحاطت به خطيئته.

----------------------

بحوث

الأول: ﴿لَن تَمَسَّنَا» بمعنى لن تصيبنا والمس هو اللمس، مع فارق أن في (اللمس) أخذ الإحساس أيضاً، في حين أن (المس ) أعم سواء كان بإحساس أم بدونه، فيطلق حتى في الحالات النفسية والأمور المعنوية والأمور غير الظاهرة كقوله تعالى (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآء)(1) ، والبأساء عادة في الحالات النفسية، وكقوله سبحانه: ﴿مَسَنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ) (2) ، وقوله عزَّ وجل: (عَلَى أَن مَّسَنِىَ الْكِبَرُ(3).

(3)

وأما اللمس فلا يطلق إلّا على ما يكون من المحسوسات الظاهرة

كقوله تعالى: ﴿كَتَباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ﴾(4)

ص: 199


1- سورة البقرة، الآية: 214
2- سورة يوسف، الآية: 88
3- سورة الحجر الآية: 54
4- سورة الأنعام، الآية: 7

وكأنهم كانوا يتوهمون أنهم حتى إذا دخلوا النار فإنهم لا يحسون آلامها كالمشلول الذي لا يحس حرارة النار التي يمسها، بسب فقدان أو انقطاع الموصلات العصبية، فتأمل.

الثاني: ﴿فَلَن يُخلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ) الخُلف بمعنى النقض الفعلي للعهد، أي إن كنتم قد أخذتم عهداً فلن يخلف الله عهده، وذلك لأن الله لا يخلف الميعاد .

وبحكم العقل لا يجوز للحكيم أن يُخلف الميعاد، لأن الخُلف إنما هو لنسيانه أو عجزه أو خبثه وتعالى الله عن ذلك، لأن تلك صفات النقص، والله مبرأ منها.

نعم لا مانع عقلاً أن لا يُنفّذ الحكيم تهديده ووعيده، فيجوز أن يعفو عمن خالف وعصى لحكمة أو رحمة .

فلذا قالوا الوفاء بالوعد واجب، وأما تنفيذ الوعيد فإنه غير لازم.

الثالث: (اتَّخَذَتُم)

أي هل اتخذتم، يمكن أن يكون الاستفهام إنكارياً، أي للإنكار عليهم في زعمهم بأنهم لا يعذبون إلّا أياماً معدودة، فيقال لهم : بأن زعمكم باطل لعدم وجود عهد من الله على ذلك، بل بالعكس فهنالك وعيد بالعذاب الدائم ، وعلى هذا المعنى تكون كلمة (أم) في قوله : (أَمْ تَقُولُونَ ﴾ منقطعة بمعنى (بَل) فيكون المعنى استنكار أن يكون هنالك عهد من الله إليهم، بل زعمهم تَقَوُّلٌ على الله من غير علم .

ويمكن أن يكون الاستفهام في (اتَّخَذْتُمُ) تقريرياً وعليه تكون (أَمْ) للمعادلة، فيكون المعنى أخذ الإقرار منهم على أخذ أمرين : فهل هنالك

ص: 200

وعد أم هو تقول ؟ ويكون أخذ هذا الإقرار تمهيداً لإثبات أنه تقوّل وأن هنالك خلوداً في النار، كما في الآية الآتية: (بَلَى مَن كَسَبَ) الآية.

الرابع: (تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).

لعله إشارة إلى بطلان زعمهم، فيكون معنى (مَا لَا تَعْلَمُونَ) هو : ما تعلمون بطلانه وقد يعبّر عن (العلم بالعدم) ب- (عدم العلم)، كما في قوله سبحانه: ﴿أَمْ تُنَبئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بما يعلم عدمه في الأرض.

ويمكن أن يكون (مَا لَا تَعْلَمُونَ) في الآية بمعناه الحقيقي، فيكون المعنى أنهم كانوا يقولون بأن عذابهم قليل تخرصاً وزعماً من غير برهان ودليل فلم يكونوا يعلمون ذلك، بل كانت أمانيهم ناشئة عن ظنون لا تغني ولا تسمن.

الخامس: (بَلَى).

كلمة بلى تستعمل للإثبات بعد النفي، فيكون المعنى أن النار : ستمَسَّكم أبداً، لأنهم نفوا عن أنفسهم النار إلا أياماً معدودة، فردّهم الله تعالى : بأنهم خالدون في النار.

السادس: (كَسَبَ سَيِّئَةً)

تشبيه لعمل السيئة بالكسب، فكما أن الكاسب يعطي شيئاً ويأخذ شيئاً آخر في مقابله كذلك عامل السيئات يعطي من قدرته وإمكاناته ويأخذ مقابلها السيئة، فمن عمل عملاً سيئاً فكأنّه كسبه .

ولعل الإتيان (بالسيئة) مفرد نكرة للإشارة إلى أن السيئة الواحدة أيضاً يمكن أن تخلّد الإنسان في نار جهنم، فلا يتوهم متوهم : أن الخلود

ص: 201

في نار جهنم خاص بمن يعمل جميع السيئات أو الكثير منها، بل إن بعض السيئات، تكفي الواحدة منها في أن تجعله مستحقاً للخلود في جهنم .

فالشرك مثلاً سبب للخلود فيها، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)(1)

وهذا إخبار لا يمكن أن يتخلف وإلا كان كذباً وتعالى الله عن ذلک.

نعم في بعض الموارد الأخرى وعيد بالخلود في النار ومعناه استحقاق المذنب للخلود، ولكن يمكن أن يشمله عفو الله تعالى لأنه لا مانع من عدم تنفيذ التهديد - رحمة أو حكمة ..

قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِداً فِيهَا)(2).

وقال سبحانه : - في المُرابي -: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأَوَلَيكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(3)

وقال عزّ وجلَّ: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ)(4) .

وفي هذه الموارد ونحوها أمر خلوده في النار أو عفوه منوط بمشيئة

ص: 202


1- سورة النساء، الآية: 48 .
2- سورة النساء الآية: 93
3- سورة البقرة الآية 275.
4- سورة النساء الآية: 14.

الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ)(1)

وعلى ما بيّناه فإنّه مصداق (للسيئة) في قوله تعالى : (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً)، فالسيئة تشمل الشرك وغيره من الكبائر الموعود عليها الخلود في النار ، مع فرق أن الشرك لا يغفر فالخلود حتمي، وفي غير الشرك خلوده أو عدم خلوده في النار منوط بمشيئة الله، إن شاء خلّده فيها وإن شاء عفا عنه.

السابع : ﴿وَأَحَاطَتْ بهِ).

أي احتوته من جميع الجهات واستولت عليه، فلا منفذ للخير فيه وذلك كالذي في الدخان فإنه لا يرى ولا يتنفس ولا يلمس إلا الدخان.

فالذي يرتكب السيئة بدون أن تحيط تلك السيئة به فإنه قد تكفّر وتغفر له بأن يوفق للتوبة أو تمحى كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)(2) ، أو غير ذلك من أسباب الغفران.

ويستفاد من الآية أن الجاهل القاصر - المعذور في جهله - لا يخلّد في النار لأن ما يرتكبه من السيئات لا تحيط به بل قد لا تعتبر خطيئة وذلك لجهله - المعذور فيه -

بل دل العقل والنقل أن الجاهل القاصر لا يستحق العقاب قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّاً مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُن أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجُرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَلَهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا«97» إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجَالِ وَالنِسَآءِ وَالوِلْدَانِ لاَ

ص: 203


1- سورة الأنعام، الآية: 128
2- سورة هود، الآية: 114.

يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا«98» فَأُولَئكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُو عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُواً غَفُوراً).(1)

وفي الروايات إن الله يمتحن في يوم القيامة الجاهل القاصر، فإن نجح في الامتحان لا يعذب وإلّا أدخله نار جهنم، ولعل كلمة عَسَى في الآية إشارة إلى ذلك، والله العالم.

الثامن: (خَطِيئَتُهُ).

الخطيئة نفس (السَّيِّئَةِ) المذكورة قبل كلمات حيث قال سبحانه: (مَن كَسَبَ سَيْئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) ، وتغيير التعبير لمراعاة الجهات البلاغية.

ولعله يراد (بِالسَّيِّئَةِ) - هنا - الذنب الصغير المعبر عنه بالصغيرة، و (بالخطيئة) عندما تتحول نفس الصغيرة إلى ذنب به يستحق صاحبه الخلود في النار، قال سبحانه: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) ، فيكون المعنى - على هذا - إن السيئة الواحدة لا توجب الخلود في النار إلّا إذا أحاطت بصاحبها واستولت عليه، بحيث لم نترك له منفداً للخير. فتأمل.

التاسع: (فِيهَا خَالِدُونَ).

أما الخلود في الجنة فذلك مما لا إشكال فيه لأن أصل الثواب تفضل من الله تعالى واستمراره تفضل آخر .

ولكن كيف نفهم الخلود في النار مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)(2) وقال سبحانه: ﴿جَزَاءً وِفَاقاً)(3) .

ص: 204


1- سورة النساء، الآيات: 97 - 99.
2- سورة النساء، الآية: 31.
3- سورة النبأ، الآية: 26.

والجواب :

أولاً: الخلود في النار هو نتيجة الاعتقاد أو العمل، فإن بعض الأعمال مدتها قليلة لكن توجب مشكلة دائمة، فالقتل مثلاً عملية قد لا تستغرق إلا ثوانٍ، ولكن نتيجتها وهي الموت أمدها طويل جداً، وكذلك الذي يصاب بحادث قد يبتلى بعاهة دائمة مع أن زمان الحادث كان قليلاً ونتيجته كانت دائمة .

وثانياً: والخلود أيضاً نتيجة النية، كما ورد عن أبي هاشم قال: سألت أبا عبد الله عَلَيْهِ السَّلاَمُ عن الخلود في الجنة والنار قال : إنما خُلّد أهل النار في النار ، لأن نياتهم كانت في الدنيا لو خُلّدوا فيها أن يعصوا الله أبداً، وإنما خلّد أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا لو بقوا أن يطيعوا الله أبداً ما بقوا فالنيات تخلد هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ)(1) قال على نيته)(2).

أما ما توهم ابن العربي وأضرابه من أن أهل النار فمالهم إلى النعيم ولكن في النار ، إذ لا بدَّ لصورة النار بعد انتهاء مدة العذاب أن تكون برداً وسلاماً على من فيهم) (3) .

فهو مخالف للعقل والنقل قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعَنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ«161» خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ

عَنْهُمُ الْعَذَابُ)(4).

ص: 205


1- سورة الإسراء، الآية: 48
2- فقه العقائد ص 131 - 132 عن علل الشرائع ص 523 .
3- قاله في الفص اليونسي، كما نقله فقه العقائد ص127.
4- سورة البقرة، الآيتان: 161 - 162 .

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِايَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ

بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ)(1) .

وقال عزّ وجلَّ: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ).(2)

ص: 206


1- سورة النساء، الآية: 56 .
2- سورة المائدة الآية: 37.

الآية 83

المطلب السابع (من أسباب انحراف بني إسرائيل) (مخالفة أحكام الله)

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ «83»).

83 - (وَ) اذكر يا رسول الله ، واذكروا يا بني إسرائيل ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِیثَاقَ) أي العهد المؤكد الشديد (بَنِي إِسْرَائِيلَ) بواسطة أنبيائهم، وكان الميثاق في الواجبات وترك المحرمات، أما في الواجبات :

(1) (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) أي حصر العبادة في الله تعالى.

(2) ﴿وَ) أن تحسنوا (وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَاناً)، (وَ) كذلك تحسنوا ب- ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ) ولعل الترتيب مراعاة للأولوية ففي الإحسان يقدم الأبوان ثم القربى ثم اليتامى ثم المساكين .

(3) ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) أي قولاً ذا حُسن بمعنى «قولاً حَسَناً». (4) (5) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَواةَ) أي الصلوات الخمس، أو حسب الكيفية التي كانت في شريعتهم ﴿وَءَاتَوُا الزَّكَواةَ) زكاة المال، أو الأعم من المال وغيره كالجاه والعلم ،ونحوها، فإن لكل شيء زكاة.

ص: 207

(ثُمَّ) الحاضرون منكم وقت الخطاب وأسلافكم (تَوَلَّيْتُم) أي رفضتم الميثاق (إِلَّا قَلِيلاً مِنكُمْ) وهم القلة ممن ثبتوا على الإيمان والعهد من أسلافكم ، والقليل منكم ممن آمن برسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وكان رفضكم للميثاق (وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ) عن أوامر الله .

-----------------------

بحوث

الأول: ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ)

الميثاق المأخوذ كان بواسطة أنبيائهم عَلَيْهِم السَّلاَمُ ، كما في قضية رفع الطور حيث أخذ ميثاقهم بواسطة موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، ليعملوا بالتوراة ويأخذوا ما فيها بقوة، وغيرها من الموارد.

ويمكن أن يشمل الميثاق ما أودعه الله تعالى في فطرتهم كما في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا).(1)

الثاني: (لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) .

هذا إخبار يراد به الإنشاء أي أمرهم بعبادة الله، ونهيهم عن عبادة غيره، وهو أبلغ من صريح النهي، لإيهامه المسارعة إلى قبول النهي فكأنهم انتهوا عما نُهُوا عنه فصار خبراً يخبر عنه .

والعبادة - هنا - هي الخضوع بقصد التأليه، وهو مخصوص بالله

تعالى ولا يجوز لغيره لأن الألوهية خاصة به.

ص: 208


1- سورة الأعراف الآية: 172.

وأصل العبادة هي الخضوع لشخص أو شيء.

وإن لم يكن الخضوع بقصد التأليه، فقد يجوز لغيره سبحانه وتعالى، فالسجود مثلاً - وهو أقصى درجة الخضوع - وجب على الملائكة لآدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وطرد إبليس من رحمة الله لعدم سجوده لآدم، وكذلك جاز السجود ليوسف عَلَيْهِ السَّلاَمُ لأنه لم يكن خضوعاً للتأليه بل خضوعاً للاحترام وقد نسخ هذا في الشريعة الإسلامية.

وقد يكون معنى العبادة هو الإطاعة وهذه الإطاعة واجبة لله تعالى، ولمن أمر الله إطاعته، ولا تجوز إطاعة من يُضِلُّ عن سبيل الله تعالى.

وفي القرآن الكريم : يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ)(1) ، وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِى ءَادَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ (2) والمعنى هنا النهي عن إطاعة الشيطان وآذر لم يأله الشيطان بل كان يطيعه فيتبعه.

و من هذا المعنى كلمة (العبد) فإن إطلاقها على بعض الناس إنما هو بمعنى المطيع، المملوك مطيع لمولاه فقيل له (عبد)، قال تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ)(3) ، وقال سبحانه: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيْمَى مِنكُمْ والصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ)(4)

وبهذا المعنى - أي الإطاعة - أقرَّ رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ اسم (عبد المطلب) على بعض أصحابه ومنهم عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد

المطلب، مع أن (المطلب) اسم بشر وهو (المطلب بن هاشم)

ص: 209


1- سورة مريم، الآية: 44.
2- سورة يس الآية: 60.
3- سورة النحل، الآية: 75.
4- سورة النور، الآية: 32.

وقد ورد اسمه في صحاح العامة.(1)

وإذا جاز (عبد المطلب) فقد جاز (عبد الحسين) - مثلاً لأنه ما من شك بأن الحسين عَلَيْهِ السَّلاَمُ أفضل من المطلب.

ومن سخافة العقول أن بعض العامة لا يجوزون التسمية بعبد الحسين لأنهم يعتبرونه شركاً ، لكنهم يجوزون عبد المطلب استثناء (2) ! !

وكأنّ الشرك أمر قد يجوز بصفة استثنائية ! !

الثالث: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).

قال في مجمع البيان: وفي هذه الآية دلالة على ترتيب الحقوق فبدأ الله سبحانه بحقه، وقدّمه على كل حق، لأنه الخالق المنعم بأصول النّعم ، ثم ثنّى بحق الوالدين وخصهما بالمزية لكونهما سبباً للوجود وإنعامهما بالتربية ثم ذكر ذوي القربى لأنهم أقرب إلى المكلّف من غيرهم، ثم ذكر حق اليتامى لضعفهم، والفقراء لفقرهم.(3)

وفي بعض الروايات تأويل الوالدين برسول الله صلى الله عليه وسلم والإمام

علي عَلَيْهِ السَّلاَمُ لعالمي لأنهما أبوا هذه الأمة، وذوي القربى بالأئمة عَلَيْهِم السَّلاَمُ ، واليتامى بمن ينقطع عن إمامه لا يقدر على الوصول إليه ولا يدري كيف حكمه، والمساكين بالذين ضعفت قواهم عن محاججة أعداء الله، فالإحسان للرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والأئمة عَلَيْهِ السَّلاَمُ اشكرهم ومعرفة حقهم ورعاية حقوقهم والإحسان إلى المنقطع عن إمامه هو هدايته وإرشاده وتعليمه شريعتهم وإخراجه من ظلمة جهله إلى نور العلم والإحسان إلى ضعفاء الحجة

ص: 210


1- مثلاً: صحيح مسلم، الزكاة، ترك استعمال آل النبي على الصدقة، الحديث رقم 1784.
2- وهذا من فتاوى ابن باز في موقع فتاواه على الانترنت.
3- مجمع البيان، ج 1، ص 287.

هو تقويتهم بفقههم وتعليمهم حتى تُزال مسكنتهم، ثم يسلّطهم على الأعداء الظاهرين من النواصب وعلى الأعداء الباطنين إبليس ومردته حتى يهزموهم عن دين الله ويذودوهم عن أولياء الله(1).

الرابع: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَاً).

بمعنى قولوا للناس قولاً حسناً، فوضع المصدر موضع الصفة للمبالغة، كما يقال (زيدعدل) أي عادل - مبالغةً -.

أو بحذف المضاف، أي قولاً ذا حُسن.

والقول الحَسَن يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإرشاد الجاهل، وردّ الاعتداء بالكلام وغير ذلك، لأنه كلام مطلق . كما أنه يشمل غير القول أيضاً - من الأفعال - وذلك لتعميم القول، ولبعض الروايات وسيأتي بعضها .

وكذلك يشمل المؤمن وغير المؤمن وحتى الكافر، وعن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ : وقولوا للناس كلهم حسناً - مؤمنهم ومخالفهم ، أما المؤمنون فيبسط لهم وجهه وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم إلى الإيمان، فإن يئس من ذلك يكف شرورهم عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين.(2)

وعن الإمام الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ في قول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) ، قال: قولوا لناس أحسن ما تحبون أن يقال فيكم(3).

ص: 211


1- ملخص بعض الروايات راجع البرهان ج 1، ص 457 - 459 .
2- البرهان ج 1 ، ص 460 . عن التفسير المنسوب للإمام العسكري
3- الكافي ج 2، ص 132 ، عنه في البرهان ج 1، ص 454.

وعنه عَلَيْهِ السَّلاَمُ : «قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم، فإن الله عزّ وجلَّ يُبغض اللعّان السبّاب الطعان على المؤمنين الفاحش المتفحش السائل الملحف، ويحب الحيي الحليم العفيف المتعفف»(1)

في الحديث الأول (أن يقال فيكم)، والثاني (أن يقال لكم)، والفرق هو ما يقال عن الشخص في غيابه وما يقال للشخص في وجهه وبحضوره.

والقول الحسن هو الأصل، وقد يستثنى من ذلك بعض الموارد وذلك فيما لو جرّد الكافر أو الناصب سيفه وجاهر بالعداء، فيجب ردّ اعتدائه ولو استدعى قتاله - وحسب الموازين الشرعية ، فعن سدير قال :

قلت لأبي عبد الله عَلَيْهِ السَّلاَمُ : أطعم سائلاً لا أعرفه مسلماً ؟ فقال : نعم، أعط من لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحق إن الله عزّ وجل يقول : ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَاً)، ولا تعط من نصب لشيء من الحق، أو دعا إلى شيء من الباطل.(2)

ولعل ذلك حتى لا يكون تقوية له في باطله الذي يدعو له، أو ليكون رادعاً له عن الدعوة إلى الباطل والنصب.

وذلك كقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم )(3)

ص: 212


1- أمالي الصدوق، ص 210 عنه البرهان ج 1، ص 455.
2- الكافي ج 2، ص 132 عنه في البرهان ج 1، ص 454.
3- سورة العنكبوت الآية: 46

وأما ما رواه الكليني رضوان الله عليه، بإسناده عن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) ، قال نزلت هذه الآية في أهل الذمة ثم نسخها قوله عزّ وجل: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْاخِرِ) الخ(1).

فلعل المراد بالنسخ هنا هو التخصيص، لا النسخ الاصطلاحي، أو يقال بأن الحكم إذا أريد منه العام - بالإرادة الجدية - ثم بعد فترة من العمل استثني مورداً وشرّع له حكم آخر، فإن هذا من النسخ أيضاً، لأن النسخ هو انتهاء أمد الحكم والمورد كان له حكم ثم انتهى أمده وشرع له حكم ،آخر، وهنا كان يلزم القول الحسن حتى على المعتدي، فنسخ ذلك الحكم بالقتال أو دفع الجزية صاغرين.

الخامس: (وَأَقِيمُوا الصَّلَوةُ)...

صلاتهم وزكاتهم كانت تختلف في تفاصيلها عمّا شرّع في الإسلام فكانت بكيفية أخرى .

ومن المعلوم أن الدين من آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ إلى النبي الخاتم صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ هو دين واحد كما قال تعالى : (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلَهُ)(2)، وقال سبحانه:

﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾(3). وقال عزّ من قائل : (مَا كَانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيّاً وَ لاَ نَصرَانِياً وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (4)، فالاعتقادات ،واحدة، ولكن كانت تختلف الشرائع - وهي في الأعمال ،

ص: 213


1- الكافي ج 5 ، ص 11 عنه في البرهان ج 1 ، ص 455 .
2- سورة آل عمران الآية: 19
3- سورة آل عمران الآية: 85
4- سورة آل عمران الآية: 67 .

ومع أن أصول الأعمال واحدة في كل تلك الشرائع، لكن الاختلاف في الجزئيات وفي الكيفيات، وخاصة في العبادات.

وكلّ ما ثبت نسخه من الشرائع السابقة فعلينا اتباع الحكم الجديد وما لم يثبت نسخه فإن حكمه باق وعليه فإن حكم كان في الشرائع السابقة يجب علينا اتباعه إلّا فيما ثبت نسخه

وقد يستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ)(1) وكذلك باستصحاب الشرائع السابقة - بناء على

جريانه ..

فالدين قد كمل يوم الغدير بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً).(2)

(2)

وكمال الدين كان بتثبيت قسم من أحكام الشرائع السابقة، وبنسخ بعضها ، فمن الأحكام الباقية : الصلاة والصوم والحج والزكاة وحرمة شرب الخمر ونحوها .

ومن الأحكام المنسوخة : صوم الوصال وصوم الصمت ونحوهما .

السادس: (تَوَلَّيتُم).

أي أعرضتم عن أحكام الله ونقضتم الميثاق، وتوليتم مأخوذ من ولى الدبر إذا أعرض عن الشيء، فيكون قوله تعالى: ﴿وَأَنتُم مُعْرِضُونَ﴾ تأكيداً، لإفادته نفس معنى (توليتم)، وحسن هذا التوكيد لأن

ص: 214


1- سورة البقرة، الآية: 136.
2- سورة المائدة، الآية: 3.

جملة (وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ) حال، وهي بلفظ آخر، كما في قوله تعالى: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً)(1) فالضاحك حال، والفعل وهو التبسم بنفس المعنى ولكن بلفظ آخر تأكيداً.

أو المعنى ثم توليتم وأنتم من عادتكم الإعراض، فيكون التولي هنا ناتج عن طبعهم في الإعراض، ومصداق من مصاديق إعراضهم.

ص: 215


1- سورة النمل الآية: 19.

الآيات 84 - 86

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ 86).

84 -(وَ) اذكروا يا بني إسرائيل ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ) العهد الشديد الأكيد، وهو (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) أي لا يريق بعضكم دم البعض، وهو إخبار بقصد الإنشاء بمعنى لا تسفكوا ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ) أي لا يُخْرج بعضكم بعضاً، (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) أي اعترفتم بلزوم الوفاء بهذا الميثاق (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بهذا الإقرار ولا تنكرونه، وتشهدون بإقرار أسلافكم به، وكذلك أقررتم على أنفسكم وشهدتم على غيركم.

85 - (ثُمَّ أَنتُمْ) بعد ذلك الميثاق (هَؤُلَاءِ) الناقضون له الناكثون

ص: 216

للعهد، حيث (تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) أي تقتلون من هو منكم نسباً وديناً، فكأنكم قتلتم أنفسكم ، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا) أي جماعة مِنكُم مِّن دیگرهم حال كونكم (تَظْهَرُونَ عَلَيْهِم) أي يُعاون بعضكم بعضاً ضد أولئك الفريق (بِاَلإِثْمِ) القبيح المستحق به اللوم (وَالْعُدْوَانِ) مجاوزة الحد بالإفراط في ظلمهم.

(و) لكنكم في الوقت نفسه تناقضون أنفسكم، إذ هؤلاء الذين تقتلونهم وتخرجونهم (وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى) أي إذا أسرهم غيركم واحتاجوا إلى الفدية لإطلاق سراحهم - فكأنّهم جاؤوكم مستغيثين - (تُفَادُوهُمْ﴾ أي تدفعون الفدية، (وَهُوَ) أي الإخراج (مُحَرَّمُ عَلَيْكُمْ)، وقوله تعالى: ﴿إِخْرَاجُهُمْ) لتوضيح ضمير «هو» تأكيداً حتى لا يتوهم رجوعه إلى الفداء، (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ) وهو وجوب الفداء (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) وهو حرمة القتل والإخراج، فما هذا التناقض؟ ، ثم احكموا أنتم بأنفسكم (فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ منكُمْ) ؟ ولا يكون مصيره (إلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا) كالتعبير من الغير، والجزية صاغرين، وقتل وأسر بعضكم بيد المسلمين، وإجلاء البعض الآخر منكم ، (وَ) هذا العذاب الدنيوي لا يكفّر عن ذنوبهم، بل ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ) لأن العصيان شديد .

86 - وسبب ذلك العذاب أن (أُولَئِكَ) هم (الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَوْةَ الدُّنْيَا) الزائلة (بِالآخِرَةِ) أي بدلاً عن نعيم الآخرة، ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) لأن ذلك العذاب ما اشتروه بأنفسهم، ﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ) لأن حلفاءهم والشياطين يتبرؤون منهم.

ص: 217

بحوث

الأول: روي عن ابن عباس أن قريظة والنضير كانا أخوين كالأوس والخزرج ، فافترقوا فكانت النضير مع الخزرج، وكانت قريظة الأوس، فإذا اقتتلوا عاونت كل فرقة حلفاءها، فإذا وضعت الحرب أوزارها فدوا أسراها تصديقاً لما في التوراة(1) «فقيل لهم كيف تقاتلوهم ثم تفدوهم»؟ فيقولون: أمرنا أن نفديهم ونهينا عن قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا (2).

وقد قال الله سبحانه عنهم : ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ)(3) ، فهم شديدو الاختلاف فيما بينهم، وقال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)(4)

وهذا أمر طبيعي لأنه لمّا كان كلّ همّهم الدنيا، وتجميع الثروات، ولم يكن لأمر الآخرة في حياتهم شأن فحين تعارض المصالح الدنيوية تتحول صدورهم إلى محل للعداوة والبغضاء ويظهر ذلك حين البأس.

وأما ما يرى من اتحادهم فهو في الظاهر، قال تعالى :(تَحْسَبَهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ).(5)

الثاني: لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ).

فإن ما يجري على أهل الدين ،الواحد وكذلك القرابة الواحدة، فهو

ص: 218


1- مجمع البيان ج 1 ، ص 385
2- الجوهر الثمين، ج 1، ص 118 .
3- سورة الحشر، الآية: 14 .
4- سورة المائدة، الآية: 64 .
5- سورة الحشر الآية؛ 14.

جارٍ على الآخرين أيضاً - خيراً كان أم شراً ، فسفك دم أحدهم إنما هو سفك لدمائهم، ولذا قال تعالى: ﴿دِمَاءَكُمْ).

وفي الإسلام شُرعت قوانين تعمّ القرابة وأهل الملة.

فمثلاً في قتل الخطأ توزع الدية على العاقلة، وهم أقرباء الجاني من طرف الأب، مع أنهم ليسوا ،قتلة لكن بما أن القاتل قريبهم فكأن الكل ساهم في قتل الخطأ هذا مضافاً إلى أنه نوع من التضامن الاجتماعي.

وكذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمن في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتکی بعضه تداعی سائره بالسهر والحمى».(1) فأهل الملة الواحدة ما يجري لأحدهم كأنه جار على كلهم .

الثالث: (أَنفُسَكُمْ) اعتبر الغير هنا نفس الإنسان، وذلك لاتصال أحدهما بالآخر بالنسب أو الدين فكأنّ أحدهما نفس الآخر، ويمكن أن يكون المراد أن من يفعل عملاً بالنسبة للآخر فكأنّما سنَّ ذلك العمل فقد يجري عليه في المستقبل، فالذي يُخرِج أو يقتل الآخر فقد شرّع للآخرين قتله أو إخراجه، ولذا ورد (من حفر بئراً لأخيه وقع فيها)، وقال سبحانه:

(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَفًا خَافُوا عَلَيْهِمْ)(2) فالذي لا يُراعي أيتام الغير قد لا تُراعي أيتامه من بعده.

الرابع: ﴿أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ).

أخذ الميثاق كان بموافقتهم ورضاهم - وقد مر نظير ذلك والإنسان قد ينكر العهد فيحتاج إلى إشهاد عليه، كما في الآخرة حيث

ص: 219


1- البحار : ج 58 ص 150 .
2- سورة النساء، الآية: 9

يقوم الأشهاد وتشهد الأعضاء، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ)(1) وقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يعْمَلُونَ«20» وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا).(2)

وهؤلاء لم يكونوا ينكرون ذلك العهد، ولذا أقروا على أنفسهم وشهدوا على بني جلدتهم، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) أي على أنفسكم وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ على أقرانكم وبني دينكم.

الخامس: ﴿تَظْاهَرُونَ عَلَيْهِم).

أي يعاون بعضكم بعضاً في القبيح ومجاوزة الحد بالإفراط في الظلم.

ومن المحرمات التعاون على الإثم، وكذلك إعانة الظالم في ظلمه ففي حرمة إعانة الظالم في ظلمه، قال عزّ وجل : (وَقَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَ فَلَنْ أَكُون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ)(3) وقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)(4).

قال عَلَيْهِ السَّلاَمُ : من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج

عن الإسلام. (5)

وقال عَلَيْهِ السَّلاَمُ : إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الظلمة؟ أين أعوان لي الظلمة؟ أين أشباه الظلمة حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجتمعون في تابوت من حديد، ثم يرمى بهم في جهنم.(6)

ص: 220


1- سورة غافر، الآية: 51
2- سورة فصلت، الآيتان: 20 - 21.
3- سورة القصص الآية: 17
4- سورة هود، الآية: 113
5- مجموعة ورام عنه : إيصال الطالب ج 3، ص271.
6- المصدر السابق.

وفي حرمة التعاون على الإثم قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان .(1)

ومن التعاون على الإثم المحرّم تظاهرهما على الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، كما ورد في سورة التحريم، حيث قال تعالى : (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) (2) حيث تعاونتا فيما يؤذي رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ.

السادس: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) دلت الآية على أن من المحرمات إخراج الناس من بلدانهم وأماكنهم، وهو ما يعبر عنه الآن بالتسفير والتبعيد.

ومن يفعل ذلك فإنما يتبع فسقة اليهود، حيث كان عملهم هذا كفر ببعض الكتاب كما قال تعالى عنه : ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ)، وكذلك هو اتباع المشركين حيث أخرجوا رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ والمسلمين من ديارهم في مكة المكرمة. كما أن ذلك من أماني المنافقين، قال تعالى: ﴿وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرُ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ)(3) ، وقال سبحانه: ﴿ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) (4)، وقال عز من قائل:

(يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ).

والمؤمنون الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، فإن الله تعالى يكافئهم أحسن جزاء المحسنين قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن

ص: 221


1- سورة المائدة، الآية: 2 .
2- سورة التحريم، الآية: 4.
3- سورة البقرة الآية: 217
4- سورة الممتحنة، الآية: 1.

دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ

تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّه).(1)

وجزاء من يُخرج المؤمنين من ديارهم شديد في الآخرة، وكذلك لعملهم أثر وضعي وعقوبة شديدة دنيوية .

منها : جواز قتالهم قال تعالى: (أذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اَللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ«39» الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ)(2)

ومنها : عدم جواز توليهم قال تعالى:(إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).(3)

ومنها جواز إخراجهم ووجوبه في بعض الصور قال تعالى:(وَاخْرِجُوهُم مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ).

ومنها هلاكهم قال تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا«76» سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا)(4) ، أي لو أخرجوك لا يبقون بعدك إلا قليلاً، لأن هذه سنة الله في الحياة، إلى غير ذلك.

السابع: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ).

والمراد من الإيمان - هنا - العمل طبق الحكم الشرعي، فهنا كانوا

ص: 222


1- سورة آل عمران الآية: 195.
2- سورة الحج، الآيتان: 39 - 40 .
3- سورة الممتحنه الآية: 9.
4- سورة الإسراء، الآيتان: 76 - 77 .

يعملون بالفداء الواجب، فكان هذا إيمان ببعض الكتاب أي تطبيق الحكم، فإن الإيمان يستعمل بمعان متعددة، وقد يكون تداخل في بعض الأقسام، ومن المعاني:

1 - الإيمان مقابل الكفر ، كقوله تعالى: (مَنْ ءَامَن بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ

الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحَاً)(1).

2 - الإيمان مقابل النفاق، قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ«8» يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا)(2)، وقال رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ للإمام علي عَلَيْهِ السَّلاَمُ : «لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق».(3)

3 - الإيمان مقابل الإسلام، فيكون مرتبة فوق الإسلام قال تعالى : (قالَتِ الأَعْرَابُ ءَامَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ )(4)

4 - التصديق باللسان قال سبحانه (إنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَآلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾(5) وقد مرّ توضيحها وأن المراد هو الذين آمنوا بألسنتهم.

5 - التصديق بالقلب، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُ بِالْإِيمَانِ﴾(6) ، وقال سبحانه: ﴿وَلَم تُؤْمِن قُلُوبُهُم).(7)

ص: 223


1- سورة البقرة، الآية: 62.
2- سورة البقرة الآيتان 8 ،9.
3- رواه من العامة مسلم في صحيحه.
4- سورة الحجرات، الآية: 14 .
5- سورة البقرة، الآية: 62.
6- سورة النحل، الآية: 106
7- سورة المائدة، الآية: 41.

6 - الدرجة العليا من التصديق والعمل، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(1) ، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).(2)

وهنالك الكثير من الروايات التي تفصل في درجات الإيمان وتبين المعاني المختلفة له، وقد روى بعضها ثقة الإسلام الكليني رضوان الله عليه في كتاب الكافي الشريف - كتاب الإيمان والكفر ، ومنها : ما عن الإمام الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ ثم بعث الله محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وهو بمكة عشر سنين، فلم یمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ رسول الله إلا أدخله الله الجنة بإقراره وهو إيمان التصديق.(3)

كما أن للكفر معان أيضاً :

فقد يكون كفر في العقيدة ويشمل ذلك المنافقين أيضاً، قال سبحانه : (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ)(4) ، وقال تعالى عن المنافقين: (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانكُمْ).(5)

و قد يكون كفر في العمل، أي يعمل عمل الكفار مع كون العقيدة سليمة قال تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌ

ص: 224


1- سورة النساء الآية 65 .
2- سورة الأنفال الآيات 2 - 4 .
3- الكافي كتاب الإيمان والكفر ج 2، ص 55.
4- سورة المائدة الآية: 73.
5- سورة التوبة، الآية: 66 .

حَمِيدٌ) (1) ، وقال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُطْمَئِنَةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ )(2)، وهذا ما يعبر عنه بالكفر العملي، أي يعمل الإنسان عمل الكفار ، لا أن ذلك العمل يخرجه من الإسلام إلى الكفر.

وفي الكافي عن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ ؛ قال : «الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه : فمنها كفر الجحود والجحود على وجهين، والكفر بترك ما أمر الله وكفر البراءة، وكفر النعم، فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية، وهو قول من يقول : لا رب ولا جنة ولا نار إلى أن قال وأما الوجه الآخر من الجحود على معرفة وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق قد استقر عنده»(3)

وفي هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) يراد من الإيمان والكفر هو التطبيق العملي، فهؤلاء كانوا يطبقون حكماً من أحكام الله وهو الفداء، ويخالفون حكماً آخر وهو حرمة الإخراج والقتل ولأن هذا العمل هو عمل الكفار، لأنه يعمل حسب ما يراه من مصلحة، لا حسب أوامر الله، فلذا عبر عن عملهم بأنه

إيمان ببعض وكفر ببعض .

وليس معنى ذلك إمكان اجتماع الكفر والإيمان في العقيدة، لأن من أنكر أصلاً من أصول الدين فهو كافر، حتى لو قبل جميع ما سوى ذلك،

ص: 225


1- سورة لقمان الآية: 12.
2- سورة النحل، الآية: 112
3- الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب وجوه الكفر ج 2، ص392.

وأما من اعترف بجميع أصول الدين فهو مؤمن - بالمعنى الأول للإيمان - حتى لو خالف بعض أوامر الله ونواهيه وكان من العصاة، أو كان جاهلاً بما سوى أصول الدين.

ولذا لا توجد واسطة بين الإيمان والكفر في أصول الدين، ويمكن أن يكون واسطة بين الإيمان والكفر في العمل ويعبر عنه بالضلال، فمن أنكر أصلاً من أصول الدين فهو كافر، ومن أنكر بعض العقائد اليقينية من غير أصول الدين، أو أنكر بعض فروع الدين المسلمة، أو عصى بترك الأوامر وفعل المناهي، فإنه يكون ضالاً.

قال الشيخ الأنصاري رحمه الله في أحد وجهين: «ودلالة الأخبار المستفيضة على ثبوت الواسطة بين الكفر والإيمان، وقد أطلق عليه في الأخبار الضلال، لكن أكثر الأخبار الدالة على الواسطة مختصة بالإيمان بالمعنى الأخص فيدل على أن من المسلمين من ليس بمؤمن ولا كافر لا على ثبوت الواسطة بين الإسلام والكفر نعم، بعضها قد يظهر منه ذلك.(1)

وفي مجمع البيان: ومما يسأل في هذه الآية : أن ظاهرها يقتضي صحة اجتماع الإيمان والكفر وذلك مناف للصحيح من المذهب؟ والقول فيه أنهم أظهروا التصديق ببعض الكتاب والإنكار للبعض دون بعض وهذا يدل على أنهم لا ينفعهم الإيمان بالبعض مع الكفر بالبعض الآخر»(2)

ص: 226


1- الرسائل، باب الانسداد التنبيه الخامس الوسائل ج 1، ص 93 - 97 .
2- مجمع البيان ج 1، ص 387.

الثامن: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ ).

الردّ يستعمل عادة ويراد به الرجوع إلى الشيء الذي كان فيه، وردّهم يوم القيامة قد يكون إشارة إلى أنهم في الدنيا كانوا في عذاب، وفي الآخرة أيضاً يعذبون فكأنهم رُدّوا وأرجعوا إلى العذاب، ويمكن أن يكون إشارة إلى رجوعهم إلى أصولهم، فهم من النار وإلى النار، كما تشير إليه أخبار الطينة، فعن الإمام الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «إن الله عزّ وجلَّ خلق المؤمن من طينة الجنة وخلق الكافر من طينة (النار.(1)

وعن الإمام الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ أنه قال : وخلق عدونا من سجين و وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك فقلوبهم تهوي إليهم لأنها خلقت مما خلقوا منه ثم تلا هذه الآية: ﴿كَلَآ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَارِ لَفِي سِجِينِ«7» وما أدرَئكَ مَا سِجِینٌ«8» كِتَابُ مَرْقُومٌ«9» وَیلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ).(2)

وورد مضمون هذه الأخبار في كتب العامة أيضاً،(3) وتوضيحها أن الله تعالى قبل خلقهم عَلِم بكفرهم فخلقهم من طينة سجين، كما أنه قبل خلق المؤمنين علم بإيمانهم فخلقهم من طينة عليين وما دونها، ولعل وجه

ص: 227


1- الكافي كتاب الإيمان والكفر باب طينة المؤمن والكافر حديث 2، ج 2، ص 25 .
2- سورة الانفطار، الآيات 7 - 10
3- ففي مسند البزاز ج8، ص 46 عن النبي صلى الله عليه وآله] وسلم إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم قبض من طينته قبضة بيمينه وقبضة بيده الأخرى فقال للذي بيمينه هؤلاء للجنة ولا أبالي وقال للذي بيده الأخرى: هؤلاء للنار ولا أبالي ثم ردهم في صلب آدم». وفي مختصر تاريخ دمشق ج 1 ، ص 36 : أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق قال حدث علي بن نصر البصري بسنده إلى علي بن الحسين عن أبيه رفعه قال: «إن الله عز وجل خق عليين وخلق طينتنا منها وخلق طينة محبينا منها، وخلق سجين وخلق طينة مبغضينا منها، فأرواح محبينا تتوق إلى ما خلقت منه وأرواح مبغضينا تتوق إلى ما خلقت منه». وكذلك صحيح ابن حبان ج 2، ص 50 ومسند أحمد بن حنبل ج 5 ، ص 68.

ذلك أن الجنة لا تتناسب إلا مع طينة عليين ونحوها، والنار لا تتناسب إلا مع طينة سجين، فخلق من سيختار الإيمان من سجين يكون سبباً لدخول طينة سجين إلى الجنة وهذا خلاف الحكمة، وكذلك خلق من سيختار الكفر من غير سجين يكون سبباً لدخول غير سجين في النار وهذا أيضاً خلاف الحكمة.

التاسع: (يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ).

دلت الآية على أنه قد يجمع عذاب الدنيا وعذاب الآخرة على بعض الناس، لاستحقاقهم العقوبتين .

وعذاب الدنيا قد يكون بطريقة تكوينية، بأن أراد الله عذابهم تكويناً بتهيئة أسبابه، وقد يكون عذاباً تشريعياً، بأن يشرّع عقوبة بعض الجرائم، وهذه العقوبة الدنيوية قد تكون تطهيراً للمجرم إذا تاب وكان مؤمناً ، فلا يعاقب في الآخرة لذلك الذنب، فإن الله أكرم من أن يجمع بين عقوبة الدنيا والآخرة على المؤمن - كما في بعض الأحاديث-.

ص: 228

الآيتان 87 - 88

المطلب الثامن ومن أسباب انحراف بني إسرائيل (تكذيب الرُّسل)

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ 88)

87 - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) التوراة (وَقَفَّيْنَا) أي أتبعنا ، وأرسلنا بعضهم خلف بعض (مِن بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِ) وكانوا مأمورين بالعمل بالتوراة والعمل على شريعة موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، ثم بعد ذلك نسخنا شريعة موسى (وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ) الإنجيل كما في قوله تعالى: (وآتيناه الإنجيل) (1) ، أو المعاجز كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، (وَأَيَّدَنَاهُ) قويناه (بِرُوحِ الْقُدُسِ) روح طاهرة، أي جبرائیل عَلَيْهِ السَّلاَمُ: حيث قوي عيسى به من قبل ولادته حين تمثل لأمه، إلى حين رفعه إلى السماء، لكنكم أيها اليهود لم تخضعوا لأمر الله بل اتبعتم أهواءكم (أ) الهمزة للتوبيخ والاستنكار (أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ

ص: 229


1- سورة الحديد، الآية: 27 .

رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ) على الحق فخالفتم ذلك الرسول بشتى الطرق ﴿فَفَرِيقًا كَذَبْتُمْ) كعيسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ومحمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ

وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ أي قتلتموهم كيحيى وزكريا.

88-(وَ) قد كانوا يعتذرون عن عملهم بأن ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أي على قلوبنا غطاء فلا نفهم ما تقول، وليس الأمر كما زعموا (بَل لَعَنَهُمُ اللهُ) أي أبعدهم عن الخير وقبول الهداية، وكان هذا الطرد (بِكُفْرِهِمْ) أي بسب ،كفرهم، فلمّا كفروا طردهم الله من رحمته وأبعدهم عن الخير والهداية، ﴿فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ) مبالغة في القلة أي لا يؤمن منهم إلا القليل. كما قال تعالى: ﴿وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِم فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا)(1)

-------------------------

بحوث

الأوّل: ﴿وَقَفَيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ)

الرُّسل من بعد موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ كانوا مأمورين حسب شريعة موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ

إلى أن بعث الله عيسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فنسخ شريعة موسى وجاء بشريعة جديدة، ولعيسى أوصياء على فترة من الرسل إلى أن بعث الله محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ بشریعة ناسخة لما قبلها وهو خاتم الأنبياء.

ولعلّ سبب كثرة الرسل في بني إسرائيل هو احتياجهم واحتياج

ص: 230


1- سورة النساء، الآية: 46 .

البشرية - في مراحل تطورها - إلى كثرة من يكون حلقة وصل بين السماء والأرض، وهم الأنبياء والرسل ولبناء أمة مرضيّة مفضلة على العالمين

كما قال تعالى: ﴿وَأَنِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)(1) ، ولتكون مثلاً يضرب بها في اللاحقين - في إيجابياتها وسلبياتها - ولعل ما مرّ به بنو إسرائيل من مراحل مختلفة في حياتهم في حياتهم هي أمور تمرّ بها جميع الأمم الأخرى في مراحلها المختلفة، فأرسل الله مختلف الرسل في كل تلك المراحل ليقوموا الأعمال ويرشدوا إلى الصواب فيكونون قدوة لكل من يمرّ بتلك المراحل، وليعتبر الناس بما جرى على بني إسرائيل، ويشاهدوا نقاط القوة فيتبعونها حينما يمرون بنفس تلك الظروف، ويشاهدون نقاط الضعف وما آلوا إليه من مشاكل فيجتنبوها.

ولأن المثل يكون أسهل وأقرب للفهم والقبول إذا كان في أُمة واحدة، فلذا خص الله بني إسرائيل بذلك فأرسل لهم الرسل تترى، ومن ثم جعلهم عبرة ومثلاً .

ولما وصل التطور إلى مرحلة احتاج انتقالها إلى مرحلة أسمى من المرحلة السابقة، أرسل الله عيسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ بشريعة تناسب مرحلة التطور، كبرزخ بین تلك المرحلة وبين المرحلة النهائية التي بدأت ببعثة رسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ

الثاني: (عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ).

ذكر اسم عيسى في القرآن في خمسة وعشرين موضعاً وكذلك ورد في أماكن مختلفة بلقبه المسيح، أكثرها أتبع بنسبه إلى أمه (مريم عَلَيْهِا السَّلاَمُ) ولعل ذلك لنفي كونه ابناً لله كما زعمت النصارى (وَقَالَتِ النَّصَارَى

ص: 231


1- سورة البقرة الآية؛ 47 .

الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ)(1) وكذلك لنفي بهتان اليهود عن

مريم عَلَيْهِا السَّلاَمُ (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيمًا)(2)

الثالث: (الْبَيِّنَاتِ).

البينات الدلائل الواضحة التي لا مجال لإنكارها إلا بالتكبر عن الحق، وهي معاجز عيسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى وإخبارهم بما يأكلون في بيوتهم، وكل ذلك بإذن الله تعالى، ولذا قال تعالى: ﴿وَءَاتَيْنَا) أي أعطيناه من لدنا .

والبينات تشمل الإنجيل أيضاً لأن فيه الدلائل الواضحة على صدق عیسی عَلَيْهِ السَّلاَمُ كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيْنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِى تَختَلِفُونَ فِيهِ).(3)

الرابع: ﴿وَأَيَّدَناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ).

أي قويناه بجبرائيل عَلَيْهِ السَّلاَم

وفي مجمع البيان وإذا قيل لِمَ خصّ عيسى عَلَيْهِ السَّلاَم من الأنبياء بأنه مؤيد بجبرائيل، وكل نبي مؤيد به؟

فالقول فيه : إنه إنما خُصّ بذلك، لثبوت اختصاصه به من صغره إلى كبره فكان يس- يسير معه حيث سار، ولما هَمّ اليهود بقتله لم يفارقه حتى صعد به إلى السماء، وكان تمثل لمريم عند حملها به وبشرها به ونفخ فيها (4)

ص: 232


1- سورة التوبة، الآية: 30 .
2- سورة النساء، الآية: 156 .
3- سورة الزخرف، الآية: 63.
4- مجمع البيان ج 1، ص392.

وروح القدس بمعنى الروح الطاهرة عن الآثام من باب إضافة الموصوف إلى الصفة كما يقال حاتم الجود.

وهو جبرائيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ «193» عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) (1) وقوله سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِ).(2)

ولعل ذلك من علل عداوة اليهود الجبرائيل حيث أيد الله تعالى عيسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ به، وأنزل القرآن على رسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ به.

الخامس: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ).

:أي: و فَرِيقاً قتلتم ونسب القتل إليهم لأن هؤلاء رضوا بما فعله أسلافهم فكأنّ القتل مستمر فيهم، أو لأن القتل من طبعهم فإن تهيأت لهم الظروف لقتل أي رسول لفعلوا ذلك، كما روي أن امرأة منهم أهدت رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ طعاماً مسموماً لتقتله(3) ، ولعل ذلك سبب المجيء بصيغة المضارع في تقتلون أو مراعاة للفاصل في الآيات التي انتهت بالنون.

وبما أن ما جرى على بني إسرائيل يجري على أمة محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ لأن الأمم تشترك في نقاط القوة والضعف وقد روت العامة ذلك أيضاً (4) ، لذا فإن المستكبرين في هذه الأمة كذبوا فريقاً من آل محمد وقتلوا فريقاً آخر، وفي تفسير العياشي، عن الإمام الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «ذلك مَثَل موسى

ص: 233


1- سورة الشعراء، الآيتان: 193 ، 194.
2- سورة النحل، الآية: 102
3- بحار الأنوار: ج 17، ص 232 .
4- البخاري، أحاديث الأنبياء، ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم الحديث 3197 ونصه «أن النبي صلى الله عليه وآله] وسلم قال: لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا حجر ضب لسلكتموه، قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟».

والرسل من بعده وعيسى صلوات الله عليهم، ضرب مَثَلاً لأمة محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ فقال الله لهم : فإن جاءكم محمد بما لا تهوى أنفسكم بموالاة علي استكبرتم، ففريقاً من آل محمد كذبتم وفريقاً تقتلون فذلك تفسيرها في

الباطن (1) أي أن ذلك من التأويل.

السادس: (غُلْفُ).

جمع أغلف أي على قلوبنا غطاء فلا نفهم ما تقول . وقيل : إن غُلف مخفف (غُلُف) بضمتين جمع ،غلاف أي إن قلوبنا أوعية للعلوم فلا نحتاج إلى ما تقول أو لا نجد أثر لما تقول في علومنا فكأنه أكاذيب.

وعلى الأول يكون هذا نظير قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا

تدعُونَآ إِلَيْهِ وَفِي ءَاذَانِنَا وَقَرٌ).(2)

وعلى الثاني يكون من عُجبهم بما عندهم وتكبرهم عن قبول الحق إذا جاء من غيرهم .

السابع: (بَل لَعَنَهُمُ اللَّهُ).

اللعن هو الطرد والإبعاد، ولعن الله هو طردهم وإبعادهم عن رحمته وخيره.

وقد ورد اللعن في أربعين موضعاً من القرآن الكريم، فلزم القول بأن اللعن ثقافة قرآنية، فإن ما ورد في آية واحدة هو ثقافة قرآنية، فما بالك بما ورد في أربعين موضعاً .

بل اللعن سنة الله تعالى التي لا يبدلها سبحانه وتعالى، ففي القرآن

ص: 234


1- عنه البرهان ج 1 ، ص 466 وقريب منه ما في الكافي.
2- سورة فصلت الآية 5.

الكريم : (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِلُوا تَقتِيلًا«61» سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا).(1)

فلعن هؤلاء وقتلهم سنة إلهية غير قابلة للتبديل نفياً مؤبداً .

وإن دعاة إلغاء اللعن من برنامج المسلمين، إنما هم يدعون إلى إلغاء هذه الآيات الكريمة من القرآن ظناً منهم أن اللعن أمر قبيح مخالف للعقل والمنطق فهؤلاء يؤمنون ببعض الكتاب لكنهم ينكرون بعضه!! عصمنا الله من الزلل ومن الانهزامية والتأثر بالتهريج والأراجيف التي يثيرها أعداء الإسلام وأعداء أهل البيت عَلَيْهِم السَّلاَمُ.

وللّعن فوائد كثيرة، منها : إيجاد حصانة فكرية ونفسية ضد الملعون، وإيجاد شعور باطني بلزوم الابتعاد عنه وعدم التأثر به فأعداء الله تعالى قد يكون لهم بريق أو إعلام مضلل وتهريج مما يتأثر به الإنسان، فلعنهم يوجب تركيز البراءة منهم وعدم التأثر ببريقهم الزائف، إضافة إلى أن الله تعالى يحفظ المؤمنين بلعنهم أعداءه من

التأثر بهم.

وهنا باختصار نشير إلى الملعونين في القرآن، وإلى الأعمال الموجبة للعن في القرآن وإلى اللاعنين في القرآن الكريم.

القسم الأول الملعونون في القرآن

وهم طوائف، فمنهم من لعنوا بأسمائهم، ومنهم من لعنوا بقبائلهم وأقوامهم، ومنهم من لعنوا بأفعالهم.

ص: 235


1- سورة الأحزاب الآيتان: 61-62.

فمن لعنوا بأسمائهم:

1 - إبليس، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)(1) ، وقال سبحانه: ﴿إِلَّا شَيْطَاناً مَّرِيدًا لَعَنَهُ اللَّهُ)(2)

2 - فرعون، قال تعالى: ﴿وَأُتَّبِعُوا فِي هَذِهِ، لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ)(3) وقال سبحانه: وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعَنَةً)(4)، ويدخل في الآيتين قوم فرعون وجنوده.

ومن الذين لعنوا بأقوامهم وقبائلهم:

1 - عاد، قال تعالى: ﴿وَأَتَّبِعُواْ فِي هَذِهِ، لَعْنَةً)(5)

2 - بنو أمية، قال سبحانه: ﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْءَانِ ﴾(6)

3 - أصحاب السبت، قال تعالى: (كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ)(7)

4 - اليهود، قال سبحانه: ﴿لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ)(8)، وقال سبحانه (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ).(9)

لأن أصحاب السبت كانوا طائفة من اليهود، ولأن اليهود هم قوم من بني إسرائيل، لذا أدخلناهم في هذا الصنف.

5 - قوم فرعون وجنوده وقد مرّ ذكرهم عند ذكر لعن فرعون .

ص: 236


1- سورة ص، الآية: 78
2- سورة النساء، الآيتان: 117 ، 118.
3- سورة هود الآية 99 .
4- سورة القصص، الآية: 42 .
5- سورة هود، الآية: 60.
6- سورة الإسراء، الآية: 60
7- سورة النساء، الآية: 47.
8- سورة البقرة، الآية: 88
9- سورة النساء، الآية: 52.

ومن الذين لُعنوا بأفعالهم:

1 - الكفار ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ)(1) ، وقال سبحانه (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ ).

2 - المشركون، قال تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ)(2).

3- المنافقون، لعنوا في الآية السابقة أيضاً، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)(3).

4 - القاتل، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (4).

القسم الثاني الأعمال الموجبة للّعن

إضافة إلى ما مرّ من الكفر والشرك والنفاق والقتل، فقد ذكر القرآن الكريم بعض الأعمال التي يستحق فاعلها اللعن ومنها :

1 - الإيمان بالجبت والطاغوت واعتبار الكفار أهدى من المؤمنين قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلًا «51» أُوْلَبِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ).(5)

ص: 237


1- سورة النساء، الآية: 46 .
2- سورة الفتح، الآية: 6.
3- سورة آل عمران الآية: 87
4- سورة النساء، الآية: 93
5- سورة النساء، الآيتان: 51 - 52 .

2 - القول الباطل في الله ، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ

أَيْدِيهِمْ وَلمِنُوا بِمَا قَالُوا(1).

3 - سوء الظن بالله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّآنِينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ).(2)

4 - إيذاء الله ورسوله، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لعنهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة).(3)

5 - كتمان البينات والهدى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَبِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ).(4)

6 - مخالفة أحكام الله تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْراءِيلَ) إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ)(5).

7 - قذف المحصنات، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(6)

8 - الظلم قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)(7)

9 - نقض الميثاق، ذكر في الآية التالية، وغيرها.

10 - الفساد في الأرض ذكر في الآية التالية، وغيرها.

ص: 238


1- سورة المائدة، الآية: 64 .
2- سورة الفتح، الآية 6.
3- سورة الأحزاب الآية: 57 .
4- سورة البقرة الآية 159
5- سورة المائدة، الآية: 78
6- سورة النور، الآية: 23
7- سورة هود، الآية: 18.

12 - قطع الأرحام قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أَوَلَئِكَ لَهُمُ اللَعْنَةُ و لَهُم سُوءُ الدَّارِ).(1)

13 - الإرجاف وإخافة المؤمنين قال تعالى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنَتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ) إلى أن قال: (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا).(2)

14 - الكذب، قال سبحانه: (فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِابِينَ).(3)

القسم الثالث اللاعنون في القرآن

فالله تعالى هو الذي يطردهم من رحمته إلى العذاب والخزي وأما غيره فإنهم يدعون الله تعالى ليطرد هؤلاء من رحمته.

فاللعن من الله هو الطرد، واللعن من الناس هو الدعاء عليهم .

وأما اللاعنون فمنهم: الأنبياء كقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)(4)

ومنهم: الملائكة قال تعالى : (أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)(5)

ص: 239


1- سورة الرعد، الآية: 25 .
2- سورة الأحزاب، الآيتان: 60 - 61.
3- سورة آل عمران الآية: 61
4- سورة المائدة الآية: 78
5- سورة آل عمران الآية: 87

ومنهم الناس أجمعون، كما في الآية السابقة.

ومنهم طرفا المباهلة قال تعالى: ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِابِينَ﴾(1) فرسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ وأهل البيت عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ شرّع لهم لعن الكاذبين وهم النصارى، كما شُرِّع للنصارى لعن الكاذبين الذين هم أنفسهم، ولذا خافوا ولم يباهلوا ورضوا بالجزية .

ومنهم : طرف اللعان في رمي الرجل زوجته : ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ

عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ).(2)

هذا كله في اللعن بلفظه الوارد في القرآن، وقد ورد في القرآن معنى اللعن بألفاظ أخرى كالرجيم وغضب الله، والعذاب، ونحوها، لأن اللعن الطرد من رحمة الله تعالى وهذه مصاديق للطرد منها ، والعياذ بالله .

كما يلزم تحري الدقة والالتزام باللوازم الشرعية، فلا لعن إلا لأعداء الله وأعداء أوليائه ومن لعنهم الله تعالى ورسوله وأهل بيته عَلَيْهِمُ اَلسَّلاَمُ.

وكذلك ينبغي مراعاة سائر أحكام الشرع من : التقية، والمداراة، ونحوهما، وحسب الضوابط الشرعية التي يكون تشخيصها - حكماً وموضوعاً - لدى أهل الاختصاص في الشرع، وهم الفقهاء العدول.

الثامن: (بِكُفرِهِمْ).

أي لم يكن لعنهم اعتباطاً لأن الله عادل حكيم، بل كان بسببهم، فإنهم كفروا فاستوجبوا اللعن، وفي هذه الآية ردّ على المجبرة الذين يزعمون أن الإنسان مجبور في أفعاله - مؤمناً كان أو كافراً- ، لأن هؤلاء

ص: 240


1- سورة آل عمران الآية: 61 .
2- سورة النور، الآية: 7 .

اليهود حيث قالوا : (قُلُوبُنَا غُلْفٌ)، فإن قولهم هو نفس قول هؤلاء المجبرة: من أن على القلوب ما يمنع الإيمان ويحول بينها وبين الإيمان، فكذَّبهم الله تعالى في ذلك بأن لعنهم وذمهم، ولو كان اليهود صادقين لما استحقوا

اللعن، ولكان الله تعالى قد كلفهم ما لا يطيقونه )(1) ، فقلوبهم كقلوب غيرهم خلقت على الفطرة لها قابلية الإيمان وقبول الحق، كما روي عن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»(2).

ص: 241


1- مجمع البيان ج 1 ، ص 395 - 396 - بتصرف -.
2- التبيان في تفسير القرآن: ج8، ص237.

الآيتان 89 - 90

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ «89» بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ «90») .

89 - بعد أن ذكر الله تعالى مثالين من تكذيبهم الرسل أتبعه بمثال ثالث وهو تكذيبهم لرسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ فقال: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ) أي اليهود (كِتَابُ) هو القرآن (مِنْ عِندِ اللَّهِ) أي من الله، والقرآن (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) من الكتب السماوية كالتوراة، لأنها أخبرت بأمر مستقبلي وهو بعثة محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ بنزول القرآن عليه تحقق هذا الإخبار، ولأن القرآن يصدّق التوراة غير المحرفة لأن كليهما من عند الله .

﴿وَ) هؤلاء اليهود (كانُوا مِن قَبْلُ) البعثة على علم ببعثة محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ونزول القرآن عليه ولذا كانوا ينتظرون الرسول وكتابه وكانوا (يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي يطلبون الفتح والغلبة بواسطة الرسول والقرآن (عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) أي أعدائهم من مشركي العرب، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا) بصفاته ومزاياه، وعلموا انطباق تلك الأوصاف على رسول الله

ص: 242

محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ ، وعلى القرآن (كَفَرُواْ بِهِ)، وهذا أوجب طردهم من رحمة الله (فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ).

90 - (بِئَسَمَا) أي بئس الشيء الذي (اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ) أَي باعوا أنفسهم وحصلوا مقابله على العذاب الدائم، وتمت عملية الاشتراء والبيع عبر (أَن يَكْفُرُوا) أي كفرهم (بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) على محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمْ (بَغياً) أي كفرهم لأجل الحسد وطلب ما ليس لهم حيث كانوا يتوقعون أن يكون النبي منهم لا من نسل اسماعيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وسبب بغيهم وحسدهم هو (أَن يُنَزِلَ اللَّهُ) الكتاب (مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) لا على من يشاؤون، لأن الله يتصرف بحكمته لا بأهواء الناس، (فَبَآءُو) أي رجعوا من هذه المعاملة (بِغَضَبٍ) من الله عليهم (عَلَى غَضَبٍ) إضافة إلى غضبه السابق عليهم بكثرة معاصيهم ومخالفتهم أوامر الله والأنبياء عَلَيْهِم اَلسَّلاَمُ ، (والكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) أي مذل وخلاصة معاملتهم كان بيع أنفسهم بكفرهم و بيع أنفسهم بكفرهم وشراء غضب الله وعذابه، وسبب هذا العمل هو الحسد.

------------------

بحوث

الأول : (مُصَدِّقٌ) .

ذكر الله تعالى في هذه الآية دليلين يوجبان الإقرار بصحة القرآن ونبوة رسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، بحيث يلزمهم بالإيمان بهما، وتتم الحجة عليهم :

ص: 243

1 - إن القرآن تصديق للتوراة فإذا صحت التوراة صح القرآن أيضاً - لما سيأتي- ، فما داموا قبلوا التوراة وأقروا بصحتها فيلزمهم الإقرار بالقرآن والإيمان بمحمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ للتلازم بينهما

2 - إنهم كانوا يعلمون ببعثة الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ونزول الكتاب عليه من قبل، وكانوا يجهرون بذلك أمام المشركين ولم يكن هذا مجرد تمنيات، بل قائم على أسس صحيحة من إخبار الأنبياء السابقين وكتبهم، فلما بعث فإنه كان الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ علمهم السابق يكفيهم في الإيمان به.

الثاني: ﴿لَمَا مَعَهُمْ)

وتصديق القرآن لما معهم - من كتب كالتوراة - لجهات عدة منها :

1 - لأن تلك الكتب منزلة من الله تعالى فكل واحد منها يصدق الآخر ولا اختلاف بينها عكس كتب البشر، حتى أن الكتاب الواحد المؤلف واحد قد يكون فيه اختلاف قال سبحانه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا).(1)

ولذا كان التصديق بجميع الأنبياء والكتب السماوية لازماً، إذ هو تصديق بالله تعالى وتكذيب أحدهم وأحدها تكذيب له سبحانه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ)(2) ، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضِ)(3)، وقال عز من قائل:

ص: 244


1- سورة النساء، الآية: 82.
2- سورة النساء، الآية: 152.
3- سورة النساء، الآية: 150.

وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَةِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ)(1) ، وقال تعالى: ﴿یَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنزَلَ مِن قَبْلُ)(2)

فقوله تعالى : (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ)، هو كالنتيجة لقوله : (كِتَابٌ مِنْ عِندِ

اللَّهِ) أي نتيجة كونه من عند الله هو تصديقه لما معهم.

2 - النبوءة إذا لم تتحقق يتبيّن كذب قائلها وكذب الكتاب الذي جاءت فيه والكتب السماوية السابقة كالتوراة، أخبرت ببعثة رسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، فلما بعث رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ونزل القرآن تبين صدق التوراة والكتب السماوية التي بشرت بهما.

3 - إن هذا التصديق هو دليل حقانية الرسول محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وصدقه، وذلك لأن طالبي الدنيا والرئاسة إذا عارضهم أحد أو مجموعة وشكّلوا خطراً، فإنهم يستعملون جميع الأساليب غير المشروعة لقمع أولئك المعارضين، ومن جملتها التنقيص منهم والنيل من مقدساتهم وتكذيبها .

ولما كان اليهود من أشد أعداء الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وكانوا يحاربونه من مختلف الجهات - عسكرياً واقتصادياً ودينياً وغيرها ، وكان الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يدافع عن نفسه والدين بردّ كيدهم وإفشال مؤامراتهم، فمقتضى الحال في طالبي الرئاسة كان يقتضي إنكار مقدساتهم، لكننا نجد القرآن الكريم مليء بتبجيل مقدسات اليهود - من الأنبياء والكتب- ، بل

ص: 245


1- سورة البقرة، الآية: 285
2- سورة النساء، الآية: 136.

حتى تنزيه أنبيائهم من بعض النقائص التي توهموها فيهم، فكان هذا دليلاً على أن محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ رسول من الله وليس طالب رئاسة .

الثالث: (يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا).

الاستفتاح هو طلب الفتح، وطلبهم للفتح قد يكون عبر :

1 - الانتظار والصبر على الأذى الذي كانوا يتحملونه من الكفار، إلى أن يُبعث الرسول فينقذهم من ظلمهم .

2 - توعد أهل الأصنام بأن رسولاً سيُبعث فيكسر أصنامهم، ففي الكافي عن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ : كان قوم بین محمد وعيسى صلوات الله عليهما، كانوا يتوعدون أهل الأصنام وبالنبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ويقولون ليخرجن نبي، وليكسرنّ أصنامكم، وليفعلن بكم ما يفعلن، فلما خرج رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كفروا به»(1) .

3 - دعاء الله بحق الرسول ليهيئ لهم أسباب النصر، فكانوا يسألون الله الفتح والظفر بحق النبي المبعوث .

فإن الله تعالى تفضّل على بعض عباده المؤمنين، بأن جعل لهم حقوقاً عليه - وذلك من أعظم حقوقه عليهم -.

كما قال سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)(2) ، وقال تعالى:

(كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا تُنج الْمُؤْمِنِينَ )(3) .

كما أن التوسل بالرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مما اتفقت على جوازه كلمة 3

ص: 246


1- البرهان ج 1 ، ص 475 عن الكافي الشريف.
2- سورة الروم، الآية: 47.
3- سورة يونس الآية: 103

المسلمين، لقوله تعالى: ﴿أَوَلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ﴾(1) . ودلت عليه الأحاديث الصحيحة .

وأما شأن النزول، ففي الكافي الشريف عن الإمام الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ : كانت اليهود تجد في كتبها أن مُهاجَر محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ما بين غير وأحد(2)، فخرجوا يطلبون الموضع . فمر بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه وقال لهم أمُرُّ بكم ما بين غير وأحد؟ فقالوا له : إذا مررت بهما فآذنا بهما ، فلما توسط بهم أرض المدينة قال لهم ذاك عَير وهذا أحد، فنزلوا عن ظهر إبله وقالوا قد أصبنا بغيتنا ...،فلما كثروا [أي الأوسر والخزرج] كانوا يتناولون أموال اليهود وكانت اليهود تقول لهم : أما لو قد بعث محمد لنُخرِ جنّكم من ديارنا وأموالنا . فلما بعث الله محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ آمنت به الأنصار وكفرت به اليهود(3) .

وتأويل الآية بني أمية حيث كفروا بعلي عَلَيْهِ السَّلاَمُ كما عن الإمام الباقرعلى ما رواه العياشي. (4)

الرابع: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ.

دلت الآية على أن لعنهم ليس لأجل نسبهم أو أصلهم، بل إنها لأجل أفعالهم، فاللعنة تبعتهم لكفرهم.

فالأرجح جعل اللام في «الكافرين» للجنس، أي اللعنة تشمل كل الكافرين، فشمولها لليهود لكونهم مصداقاً للكافرين، حيث لم يكن .

ص: 247


1- سورة الإسراء، الآية: 57
2- هما جبلان في أطراف المدينة المنورة.
3- البرهان ج 1 ، ص 473 - 474 عن الكافي الشريف ومثله.
4- عن تفسير العياشي، البرهان ج 1، ص 475.

محركهم الحق بل العصبية، فلذا كفروا برسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لما تبين لهم أنه ليس من بني إسرائيل، بل من ولد اسماعيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ .

الخامس: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ).

حاصل الآية هو تشبيه كفرهم بمعاملة بيع خاسرة :

البائع فيه : هؤلاء اليهود.

المثمن: أنفسهم .

الثمن : قليل من الدنيا .

وسيلة البيع : الكفر بما أنزل الله .

سبب المعاملة : الحسد وطلب ما ليس لهم .

النتيجة : خسارة الدنيا والآخرة، بغضب الله عليهم وعذابهم المهين. ووجه التشبيه ما ذكره الوالد رضوان الله عليه في كتاب تقريب القرآن إلى الأذهان):

(فكأنَّ الكفر والإسلام سلعتان فمن اختار أحدهما باع نفسه بذلك الشيء، إذ يصرف نفسه في سبيل ذلك، فإذا باع نفسه مقابل الإسلام كان نعم ما اشترى به نفسه وإذا باع نفسه مقابل الكفر كان بئسما اشترى به نفسه، واشترى هنا بمعنى البيع) (1).

وقد وردت آيات عدة في القرآن فيها هذا التشبيه :

فحول المؤمنين قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ .

ص: 248


1- تقريب القرآن إلى الأذهان ج1، ص 154.

وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ ) (1) ، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ

ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) (2)

كما ورد هذا التشبيه بلفظ البيع، قال سبحانه: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ) (3).

السادس: (بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ).

الظاهر (أنزل) و (نزّل) و (نزل به) بمعنى واحد، لأن (نَزَل) لازم وطرق تعديته: إما بحرف الجر أو باب الإفعال أو باب التفعيل .

وفي قوله تعالى: ﴿يَكْفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللهُ) حيث استعمل كلا البابين - الإفعال والتفعيل - دلالة على عدم الفرق في المعنى اللغوي بينهما.

نعم نزول القرآن دفعة على قلب الرسول مرّة، وبالتدريج مرة أخرى دلت عليه الروايات من غير تغيير في المعنى اللغوي.

ويمكن أن يكون المعنى أن يكفروا بالقرآن بغياً لأجل أن يبعث الله محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فيكون معنى (أَن يُنَزِلَ اللَّهُ) أي أن يختار الله للنبوة من يشاء.

السابع: (وأَن يُنَزِلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) .

دلت الآية على أن النبوة فضل من الله سبحانه وتعالى، فليس لأحد حق على الله تعالى، إلا بما يتفضل الله عليه بأن يشرع له حقاً - تكويناً أم 1

ص: 249


1- سورة التوبة، الآية: 111.
2- سورة البقرة، الآية: 208
3- سورة التوبة، الآية: 111

تشريعاً ، أو يتفضل الله على أحد بأن يجعل له حقاً عليه كما مرّ في البحث الثالث .

والسؤال: لماذا فضّل الله البعض ولم يفضّل البعض الآخر؟ وقد يتساءل البعض: أليس ذلك من الظلم؟ فلو كان الله يجعل الكفار والعصاة معصومين لكانوا في مصاف الأنبياء والأوصياء؟

والجواب على ذلك من وجوه :

1 - إن الله تفضل على جميع المخلوقات بأن خلقها، وغمر الإنسان - بنعمه الظاهرة والباطنة كل ذلك تفضل منه وما دام الأمر تفضلاً فلا مانع ، عقلاً من التفاوت في درجات التفضّل كمن يساعد الفقراء بمقادير متفاوتة من غير حق لهم عليه ، فلا يحق لمن أخذ الأقل أن يعترض.

2 - إن نظام الكون خلق على التفاضل في كل شيء، وهذا من الحكمة في الخلق والجمال فيه ولولا ذلك لزم خلق جميع الموجودات على نمط واحد وشكل ،واحد مما كان يؤدي إلى اختلال النظام.

فالجمادات بعضها أرفع من بعض والنبات أفضل من الجماد والنباتات فيها تفاضل، والحيوان أفضل منها وبين الحيوانات تفاضل ، والإنسان أفضل منها ، والناس بعضهم أرفع من بعض، وأعضاء الإنسان بعضها أشرف من بعض ،وهكذا، فلو ألغي نظام التفاضل لانتفت الحكمة من خلق هذا العالم .

أما ما يقال من أن الماهيات لها سعة خاصة فالله يفيض الوجود على كل ماهية حسب سعتها وقابليتها، ففيه تأمل من جهات متعددة، لأن الماهية قبل إفاضة الوجود عليها معدومة والعدم لا شيء ولا يحكم عليه

ص: 250

بشيء وليس له سعة أو قابلية ولا أي شيء آخر، وأما ما يقال من أن العدم الخاص له حظ من الوجود، فكلام متناقض متهافت لأن الوجود والعدم نقيضان لا يمكن أن يجتمعا .

والتفاضل قد يكون تكوينياً أو تشريعياً أو في الثواب والآيات الدالة على التفاضل في هذا العالم كثيرة منها :

1 - التفاضل في النباتات، قال سبحانه: ﴿وَنُفَضِلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي

الْأُكُلِ) (1).

2 - التفاضل في الجنس ، قال تعالى : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)(2).

3- التفاضل في المنصب الإلهي، قال عز من قائل : (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ)(3).

4 - التفاضل في القابليات قال سبحانه: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيَّاً ) (4) أي يُسخَّر بعضهم للأعمال للبعض الآخر.

5 - التفاضل بين المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (5) أي بني آدم فضلوا على كثير من المخلوقات.

6 - التفاضل بين الأمم، قال تعالى: ﴿وَأَنِي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾(6)..

ص: 251


1- سورة الرعد، الآية: 4.
2- سورة النساء، الآية: 34 .
3- سورة البقرة الآية: 253
4- سورة الزخرف، الآية: 32.
5- سورة الإسراء، الآية: 70.
6- سورة البقرة، الآية: 47 .

7 - التفاضل في الرزق، قال سبحانه: ہوَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي

الرِّزْقِ) (1).

8 - التفاضل في الثواب، قال تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) .

ولذا يغلط من ينكر مقامات الأنبياء والأئمة عَلَيْهِم اَلسَّلاَمُ استناداً إلى فهمه القاصر من قوله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (2) فإن هذه الآية ليست لإثبات التساوي في الفضيلة والمقامات الإلهية، بل لإثبات التشابه في التركيب الجسدي قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ ﴾ (3) وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ ليَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) (4) .

كل ذلك للدلالة على أنه من هذا الجنس البشري، لأن الله أرسل الرسل ليُقتدى بهم وليكونوا أسوة، ولا يمكن الاقتداء بهم إلا إذا كانوا من جنس المرسل إليهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ (5).

الثامن: (عَلَى مَن يَشَاءُ) .

ما يشاؤه الله تعالى ليس اعتباطاً لأن الله تعالى حكيم، والحكمة وضع الشيء في مواضعها قال سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)..

ص: 252


1- سورة النحل، الآية: 71.
2- سورة الكهف، الآية: 110.
3- سورة الأنبياء، الآية: 8.
4- سورة الفرقان الآية: 20.
5- سورة الأنعام، الآية: 9.

التاسع: ﴿بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ).

المراد هو تضاعف الغضب عليهم، فمن مصاديقه الغضب عليهم لما عبدوا العجل وخالفوا موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، ولما كذبوا بعيسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، ولما كذبوا رسول الله محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، وكذلك مسخهم، وكذا وقتلهم بسيوف المسلمين.

ولعل المراد به الغضب عليهم في هذه الدنيا وأما الآخرة فالعذاب المهين لهم، فيكون (بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) إشارة إلى الذل والمسكنة ونحوها مما أصيبوا به هنا و(وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) إشارة إلى عذابهم الأخروي.

قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَا لَهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي

الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا)(1)..

ص: 253


1- سورة الأعراف الآية: 152.

الآيات 91 - 93

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «91» وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ «92» وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «93»).

91 - وأما حجتهم على عدم اتباع الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فهو دليل باطل وهم يكذبون فيه (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ) على محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا) فالمهم عندهم ما كان يرتبط بهم، لا بما أنزل الله (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ) أي ما أنزل من بعد التوراة كالإنجيل والقرآن (وَ) الحال أن ما بعد التوراة ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُم) من التوراة، لكنهم كاذبون في ادعائهم بإيمانهم بالتوراة، لأنهم يخالفونها .

وهنا ثلاثة أدلة على كذبهم فأولاً (قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللَّهِ مِن

ص: 254

قَبْلُ) نزول الإنجيل والقرآن _(إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) بالتوراة المحرَّمة للقتل، فما بالك بقتل أنبياء الله تعالى.

92 - والدليل الثاني على كذبهم : ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِنَاتِ) الآيات الواضحات (ثُمَّ أَخَذْتُمُ الْعِجْلَ) أي عبدتموه (مِن بَعْدِهِ) أي من بعد ذهاب موسى للطور (وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) لأنفسكم، وكان عملكم عن تعمد ،وقصد، فلا عذر لكم، فإذا خالفتم موسى والتوراة في أهم الأمور وهي عبادة الله إلى عبادة العجل فهل أنتم مؤمنون بها؟

93 - والدليل الثالث على كذبهم هو مخالفتهم للميثاق وعصيانهم (وَ) اذكروا ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ) العهد الشديد (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) أي الجبل أو قطعة منهم، فعاهدتم وقلنا لكم (خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) بشدة وذلك بالعمل المستمر بما في الميثاق (وَاسْمَعُوا) أوامر الله تعالى سماع انقياد وطاعة، (قَالُوا) بألسنتهم أو بلسان حالهم (سَمِعْنَا) قولك (وَعَصَيْنَا) أمرك، (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ) أي امتلأت قلوبهم وتداخل فيها (الْعِجْلَ) أي حب العجل و عبادته، وكان سبب ذلك (بِكُفْرِهِمْ) الكامن في نفوسهم.

فكل ذلك دليل على كذبهم بأنهم يؤمنون بالتوراة، بل هم لا يؤمنون إلا بمصالحهم (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ) المزعوم بالتوراة، حيث زعمتم أنها تأمركم بالكفر بمحمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ (إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) بها، لكن الأمر ليس كذلك بل أنتم لا تؤمنون حتى بالتوراة.

-----------------------

ص: 255

بحوث:

الأول: (بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا).

يدل على أن إيمانهم بالتوراة لم يكن إيماناً حقيقياً، بل لأنه كان مرتبطاً بهم وأنزل عليهم، ولولا ذلك لما كانوا يؤمنون به، ولأن هدفهم كان ذلك فإن المحور عندهم كان أنفسهم، فلذا كلما تعارضت التوراة مع مصالحهم وأهوائهم خالفوها وجعلوها وراء ظهرهم.

وهذا من العصبية البغيضة، التي تسوق الإنسان إلى خلاف الحق والحقيقة إرضاءً لغروره وهوى نفسه.

وقد ابتلى بهذا الداء بعض الأعراب، حيث لم يكن إيمانهم برسول الله إلا لأنه من العرب لا لأنه مبعوث من قبل الله تعالى قال: («وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ «198» فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ «199» كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ «200» لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ «201»).(1)

الثاني: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُم).

القرآن الكريم هو الحق المطلق. وحتى لا يتوهم أن كون القرآن حقاً معناه أن التوراة غير المحرفة باطل، جاء بقوله تعالى : (مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ﴾ ، فكون القرآن حقاً لا ينافي كون التوراة الأصلية حقاً أيضاً، لأن القرآن يصدق التوراة، فكون القرآن الحق يلازم أيضاً كون التوراة حقاً، لأن الحق يصدق الحق ولا يمكن أن يصدّق الحق باطلاً.

مضافاً إلى بيان أن من مصلحتهم أيضاً القبول بالقرآن والإيمان

ص: 256


1- سورة الشعراء، الآيات: 198 - 201.

بمحمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لأن القرآن يصدّق كتابهم ولا يكذبه ويصدق بمقدساتهم من الأنبياء والكتب .

ولكنهم قوم جاهلون كاذبون فلا الحق يتبعوه ولا مصالحهم الصحيحة يفهمون، وإنما يتوهمون مصالح خسرتهم الدنيا والآخرة.

الثالث: (تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ) .

نسب فعل أسلافهم إليهم - كما مرّ - لرضاهم بفعلهم ولأن طبعهم نفس طبع أسلافهم، ولمحاولتهم قتل رسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وقد دسوا له السُم.

وهذا دليل على كفرهم بالتوراة، لأن التوراة تحرم القتل صراحة في الوصايا العشر، وقتل الأنبياء أشد من قتل غيرهم، لأن في قتلهم مخالفة لأحكام الله، إضافة إلى أن النبي مبعوث من قبل الله فقتله تكذيب لله ومعاندة له وهتك الحرماته تعالى .

وقوله (مِن قَبْلُ) لعله إشارة إلى أن مخالفتهم للتوراة أمر مرتبط : بطبعهم، مع أن أنبياء الله المقتولين كانوا منهم - أي من بني إسرائيل - ومع ذلك قتلوهم، فمخالفتهم لرسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ليس بدعاً في اسلوبهم، بل هو استمرار لأسلوبهم الطاغي المصلحي .

الرابع: (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) .

قد يتوهم متوهم أن هذا تكرار لما سبق في الآية الواحدة والخمسين، وكذلك ما سيأتي في سورة النساء والأعراف وطه ولكن بالتأمل في القرآن نجد أنه لا يوجد تكرار إطلاقاً، وما توهم فيه التكرار إنما هو لأجل التشابه، وهو غير التكرار.

ص: 257

مثلاً في الدار توجد أبواب مختلفة وقد تكون كلها بلون واحد وكيفية واحدة، ومع ذلك لا يقال إن الباب الثانية تكرار للأولى بل يقال إنها تشبيه الأولى في الشكل وتخالفها في المهمة، فالأولى حرز للغرفة الأولى، والثانية حرز لغرفة ثانية مثلاً، وكذلك البنات المستعملة في البناء بعضها يشبه بعضاً ولكن تختلف في المهمة، فكل واحدة مكملة للأخرى من غير أن تكون تكراراً لها.

والدليل الواحد قد يكون دليلاً لعدة أمور ، فإذا استدل به على أمر ثم استدل به على أمر آخر فإنه لا يكون من التكرار في شيء، فقصة العجل التي مرت في الآية الواحدة والخمسين كانت في سياق أسباب انحرافهم وكفرانهم بالنّعم، وهنا لإثبات كذبهم في مدعاهم.

وإن قلنا بوجود التكرار فذلك لوجوه : قال الوالد رحمه الله :

ولا يخفى أن تكرار هذه القصص :

1 - للتركيز في الأذهان.

2 - ولأن العرب كانوا يعرفون بعضها إجمالاً لأن هؤلاء سكنوا في جزيرة العرب وحواليها .

3 - ولأن أهل الكتاب كانوا يصدقون بها .

4 - وقد جاءت القصة في كل مرّة بمزايا لم تذكر في مرة أخرى.

5 - ولأن التكرار أدعى للتحدي إذ يظهر عجز العرب عن الإتيان بمثلها أكثر فأكثر، إلى غير ذلك (1) . .

ص: 258


1- تبيين القرآن ص 412.

الخامس: (وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) .

الإشراب دخول الشيء واختلاطه بحيث يصعب فصله، كما يتداخل

الصبغ في الثوب، وكما يتداخل الماء مع الخشب ونحوه .

و«أُشرب في قلوبهم» كناية عن اختلاط حب العجل في قلوبهم ونفوذه إلى أعماقهم بحيث يصعب انفكاكهم عنه .

ولعل سبب ذلك أن عقولهم كانت قاصرة عن معرفة الله سبحانه وتعالى بسبب سوء اختيارهم كما قال سبحانه: (بِكُفْرِهِمْ) ، فكانوا لا يعتقدون بإله غير قابل للرؤية كعبدة الأصنام وكالمجسمة من منتحلي الإسلام، فإنهم لقصور عقولهم وفكرهم لا يمكنهم أن يتصوروا كمالاً فوق الماديات وفوق صورة الإنسان، فتوهموا أن صورة الله كصورة آدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ لزعمهم أن لا كمال فوق صورة الإنسان كما ورد أن (النملة لو تصورت ربها تصورت له قرنين كقرنيها (1).

فهؤلاء - من بني إسرائيل - كانت تتوق نفوسهم إلى إله يناسب عقولهم القاصرة، فلذا لما عبروا البحر ورأوا قوماً يعبدون أصناماً (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَآ إِلَاهَا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ) (2) فلما زجرهم موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ انتظروا فقده فلذا عبدوا العجل بعد غياب موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وحتى حينما أحرق موسی عَلَيْهِ السَّلاَمُ العجل ونسفه في اليم نسفاً، كان بعضهم يُلقي بنفسه في الماء وما به إليه من حاجة، فيتعرض بذلك لرماد العجل فيشربه حباً في العجل وعبادته (3) . .

ص: 259


1- تبيين القرآن ص 412.
2- سورة الأعراف الآية: 147.
3- كما روى هذا المعنى العياشي عن الإمام الباقر عنه البرهان ج1، ص 483.

وهذه الصفة برزت في حبهم للماديات وقلة اعتقادهم بالغيبيات و سبب ذلك هو كفرهم وعدم إيمانهم بالغيب وبصدق الأنبياء، رغم ما شاهدوه من الآيات الواضحات، ورغم النّعم الكثيرة التي أنعمها الله عليهم .

ويمكن أن يكون إشراب قلوبهم بالعجل وكفرهم، بسبب أن البشرية في تلك المرحلة كانت تمر بفترة الطفولة فكان الكل يعبد الأصنام إلا القليل، وكانت المعارف الإلهية صعبة القبول لتلك العقول البدائية، وكان حال بني إسرائيل أفضل من غيرهم - رغم مشاكلهم - فلذا فضلهم الله على العالمين، أي الناس المعاصرين لهم، فتأمل.

ولعل هذه النظرة المادية للأمور هي التي أوجبت حبهم الكثير للمال

واكتنازه إلى يومنا هذا ، فكأنّ المال تحول إلى إله لهم في كل الأمور.

السادس: (بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانَكُمْ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) .

يعني إن كان إيمانكم بالتوراة يأمركم بهذه المخالفات، فبئس الإيمان

هذا، لأنه ليس إيماناً حقيقياً، بل هو مجرد لقلقة لسان مع المخالفةالعملية .

وفي ذلك بيان كذبهم بأنهم يؤمنون بالتوراة، بل هم يؤمنون بمصالحهم وما تمليه عليهم أهواءهم.

ويمكن أن يراد التهكّم بهم، كما في (أَصَلَواتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَتْرُكَ مَا

يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا) (1) .7

ص: 260


1- سورة هود، الآية: 87

الآيتان 94 - 95

المطلب التاسع ومن أسباب انحراف بني إسرائيل (العصبية والعنصرية)

(قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ«94» وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدَا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِم وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالظَّالِمِينَ«95»).

94 - ومن أسباب انحرافهم : زعمهم بأنهم شعب الله المختار، وأن الجنة لهم، فردّهم الله (قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ) أَي الجنة ونعيمها (عِندَ اللَّهِ) أي بحكمه وإذنه تعالى ﴿خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ) فلا يدخلها منهم أحد ، (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) حتى تصلوا إلى مرادكم من النعيم وترتاحوا من مشاكل الدنيا (إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) في ادعائكم بأنكم أولياء الله وأن الجنة لكم خاصة(1).

(وَ) لكنهم كاذبون في ادعائهم ف- (وَلَن يَتَمَنَّوْهُ) الموت (أَبَداً) ما عاشوا، وعدم التمني (ب-ِ) سبب (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي مخالفتهم لأحكام الله وأنبيائه، قدموا ذلك العمل إلى الآخرة فيكرهون لقاءه أبداً،

ص: 261


1- كما نقله عنهم القرآن (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا) (البقرة: (111)، وقال عنهم (نَحْنُ أَبْنَاوُا اللَّهِ وَأَحِبَاؤُهُ) (المائدة: 18).

لكن لا ينفعهم عدم التمني، لأن الموت سيأتيهم بغتة (وَ) سيحاكمون ويجازون على أعمالهم إذ (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فلا يخفى شيء من ظلمهم، وهذا تهديد لهم.

95 - (وَ) لأنهم يعلمون أن أعمالهم باطلة، وأن مصيرهم إلى النار، فلذا (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوةٍ) أي حياة طويلة أو يراد تحقير هذه الحياة لذا نكرها، (وَ) حتى أحرص (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) الذين لا يعتقدون بالآخرة فهم حريصون على حياتهم، وهؤلاء اليهود أحرص منهم لعلمهم بما يؤول إليه أمرهم في الآخرة من العذاب، ولذا ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي كل واحد منهم (لَوْ) للتمني (یُعَمَّرُ) يطول عمره (أَلْفَ سَنَةٍ) ، ولا يفيده هذا العمر الطويل إذ ﴿وَمَا هُوَ ) أي ليس طول العمر (بمُزَحْزِحِهِ) أي مبعَّده عن (الْعَذَابِ) وقوله (أَن يُعَمَّرَ) بدل «هو» لتوضيحه ، (وَ) ذلك لأن الله يجازيهم على أعمالهم إذ (اللَّهَ بَصِيرً)ا عالم (بِمَا يَعْمَلُونَ ) .

------------------------

بحوث

الأول: (لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ ) .

قيل : إن ذكر الآخرة ورد مرّة واحدة في التوراة المحرفة الموجودة الآن، وإن اليهود اليوم يؤولونها بالذكر الحسن، لا بالبعث والنشور يوم القيامة ! !

ص: 262

لكن دل القرآن الكريم على أن أسلافهم من معاصري الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كانوا يعتقدون بالآخرة، وأنها خاصة بهم لأنهم شعب الله المختار - حسب زعمهم ، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَآ أَيَاماً مَعْدُودَةً) (1)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَی) (2). وسيأتي بعض الكلام في الآية 110.

الثاني: (خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ).

هذا النوع من التفكير العنصري هو من أهم أسباب انحراف اليهود وعدم قبولهم للحق ، فأنْ يتصور الإنسان بأن كونه من مجموعة خاصة هي كل السبب في فلاحه ونجاحه ذلك ما يحدوه إلى ترك العمل والمخالفة، ونتيجة لذلك يَضل ويُضل، بل الملاك العمل، قال سبحانه :

(وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (3).

وقال رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ : «الناس سواء كأسنان المشط» (4)

وقال : « . . . لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى»(5) .

وكذلك وقع في هذا المطب بعض المسلمين حيث زعموا عدالة جمیع

الصحابة مع قطع النظر عن أعمالهم . .

ص: 263


1- سورة البقرة، الآية: 80.
2- سورة البقرة، الآية: 111
3- سورة الحجرات، الآية: 13
4- البحار ج 75 ، ص 351 ، ح 108 ، باب 23 . وفي الفقيه: ح 5798) هكذا الناس كأسنان المشط سواء).
5- معدن الجواهر للكراجكي : ص 7 ، ومستدرك الوسائل: ج 13، ص 89، ح13598.

ومع تصريح رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بوجود منافقين في أصحابه وأن ثمانية منهم لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط (1) .

وأن أكثرهم في النار فلا يخلص منهم إلا القليل مثل همل النعم (2)، ومع أنه جعل ميزاناً لمعرفة المنافقين فقال صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لعلي عَلَيْهِ السَّلاَمُ : «ولا يبغضك إلا منافق» (3).

وقبل ذلك الآيات القرآنية الواردة في ذم المنافقين قال تعالى :(وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ (4) ، ونزلت في الوليد قوله تعالى: (إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاءٍ فَتَبَيَّنُوا) (5) ، وعن ثعلبة قال سبحانه: ﴿فَاعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾(6) .7

ص: 264


1- رواه مسلم، صفات المنافقين وأحكامهم باب الحديث رقم 4983، ونصه «قال النبي صلّى الله عليه [وآله] وسلم: في أصحابي اثنا عشر منافقاً فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخيّاط.
2- رواه البخاري، الرقاق، في الحوض الحديث رقم 6099 ، ونصّه «عن النبي صلى الله عليه [وآله وسلم قال: بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم، قلت أين؟ قال إلى النار والله قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى هم إذاً زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال هلم، قلت أين؟ قال إلى النار والله قلت ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم». وفي الحديث رقم 6097 عن أبي هريرة أنه كان يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلم قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلؤون عن الحوض، فأقول يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».
3- رواه مسلم، الإيمان الدليل على أن حب الأنصار وعلي .... الحديث رقم 113 ونص الحديث قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلّى الله عليه وآله] وسلم إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق وأخرجه الألباني في السلسلة الصحيحة ج 4 ص 298 .
4- سورة التوبة، الآية: 101.
5- سورة الحجرات، الآية 6.
6- سورة التوبة، الآية: 77

ومع أن القرآن الكريم يدلنا على أن حال الصحابة كحال غيرهم من الناس، وكحال أصحاب الأنبياء السالفين كموسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، فقسم منهم آمنوا وعملوا الصالحات ولم يغيروا ولم يبدلوا، وقسم آخر نافقوا من الأول وقسم ثالث انقلبوا على أعقابهم وغيروا وبدلوا .

كما أن العامة في صحاحهم رووا ذلك عن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ الصحابة أنفسهم(1).

الثالث: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ) فيها تفسيران:

1 - ورد في تفسيرها أن المراد بها المباهلة نظير المباهلة مع نصارى نجران فعن الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب فإن كنتم - يا معشر اليهود - كما تزعمون فتمنوا الموت للكاذبين منكم ومن مخالفيكم إن كنتم صادقين بأنكم أنتم المحقون المجاب دعاؤكم على مخالفيكم فقولوا اللهم أمت الكاذب منا ومن مخالفينا ليستريح منه مخالفينا ليستريح منه الصادقون» (2)

ومما يدل على هذا المعنى (أي المباهلة) ما روي عن النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ «لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار» (3)، وكذلك قوله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ : «لا يقولها أحد منكم إلا غص بريقه فمات مكانه» (4).

2 - والتفسير الآخر هو أن يكون التمني بمعناه الحقيقي أي الرغبة قلباً في الشيء ورجاء الوصول إليه . .

ص: 265


1- مرّ تخريج بعض الأحاديث من صحاحهم.
2- البرهان ج 1 ، ص 485 .
3- مجمع البيان ج 1، ص 413 .
4- البرهان ج 1 ، ص 485 .

فيكون ذلك إخباراً عن الغيب وعن أمر مستقبلي، حيث إن اليهود بعد هذه الآية وإلى الآن لم يتمن أحد منهم الموت، وذلك آية من آيات صدق الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، كذا قيل (1) .

ويمكن أن لا يكون ذلك إخبار غيبي، بل أمر ظاهر يعرفه كل من عاشر اليهود وعرف طباعهم وشدة حبهم للدنيا ، فيكون الاحتجاج عليهم بما لا مجال لهم لإنكاره .

الثالث: (إن كُنتُمْ صَادِقِينَ) .

لأن من يدري أنه أولياء الله ومصيره إلى رضوانه ،والجنة، فإنه لا يهاب الموت .

وقيل : إن في التوراة (إن أولياء الله يتمنون الموت ولا يرهبونه) (2).

كما روي أن علياً عَلَيْهِ السَّلاَمُ كان يطوف بين الصَّفّين بصفين في غلاله، فقال له ابنه الحسن عَلَيْهِ السَّلاَمُ : ما هذا بزي المحاربين ! فقال : «يا بُني لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط «الموت» (3) .

ويروى: أن حبيب بن مظاهر ضحك يوم الطف، فقيل له في له في ذلك،

فقال : وأي موضع أحق بالسرور من هذا الموضع ؟ والله ما هو إلا أن

يقبل علينا هؤلاء القوم بسيوفهم فنعانق الحور العين (4).

قد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ) حيث إنهم

تمنوا الاستشهاد في غزوة بدر حيث لم يقتلوا هنالك . .

ص: 266


1- الکشاف ج1، ص168 قال (من المعجزات لأنه اخبار بالغیب، و کان کما اخبر به
2- الجوهر الثمين ج 1، ص 125 .
3- جوامع الجامع ج 1، ص 130.
4- المصدر السابق.

فلا بأس بأن يتمنى الإنسان المؤمن الموت، إذا كان سببه الشوق إلى لقاء الله تعالى .

وفي مجمع البيان: (وأما ما روي عن النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أنه قال : «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي، فإنه نهي عن تمني الموت لأنه يدل على الجزع والمأمور به الصبر وتفويض الأمر إليه تعالى، ولأنا لا نأمن من وقوع التقصير فيما أمرنا به ونرجو في البقاء التلافي) (1) .

الرابع: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً) .

فإن كان معنى التمني : المباهلة، فالمعنى واضح فإنهم لم يباهلوا أبداً لعلمهم بمصيرهم.

وإن كان المعنى هو التمني القلبي :

1 - فلأنّ من يتمنى شيئاً قلباً فإنه يظهر ذلك على لسانه وعمله، لأن من يحب شيئاً لا بدَّ وأن يطلبه أو يبيّنه على لسانه، أو يظهر على وجهه أو أعماله كما روي عن أمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلاَمُ أنه قال : «ما أضمر أحد شيئاً إلا وظهر على صفحات وجهه وفلتات لسانه» (2).

2 - ولأنهم لو تمنوه بقلوبهم لأظهروه بلسانهم، حرصا منهم على تكذيب الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ في إخباره بأنهم (وَلَن يَتَمَنَّوْهُ)، وحيث لم يظهروه على لسانهم تبيّن أنهم لم يتمنوه في قلوبهم وهذا دليل شدة للحياة وكرههم للموت ، بحيث إنهم لا يصرحون - حتى كذباً - بحبهم للموت، ولعلهم بأنه لا أحد يصدّقهم في كذبة حبهم الموت، لما ظهر ويظهر من شدة تمسكهم بالحياة وحبهم لها . .

ص: 267


1- مجمع البيان ج 1، ص 412 .
2- نهج البلاغة : ص 603 ، رقم الحكمة 36 .

الخامس : (أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوةٍ)

الحرص هو شدة طلب الشيء، وحسنه أو قبحه يكون باعتبار المتعلق، فإن كان متعلقه محبوباً كان هذا الحرص لا بأس به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (1) .

وإن كان متعلّقه مبغوضاً كان الحرص مذموماً، كما في هذه الآية، ولذا جعل (حياة) نكرة تحقيراً لها، فهم يطلبون أمراً حقيراً، فلذا كان حرصهم مذموماً، وإن كان تنكير حياة للدلالة على حياة خاصة - وهي الحياة الطويلة - فكذلك هذا الحرص مذموم، لأنه من طول الأمل المذموم حيث يعتقد أو يود البقاء مدة متمادية فيهيئ لنفسه لوازم هذه المدة ثم لا يلتفت إلى الآخرة حتى يأتيه الموت بغتة.

السادس: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا).

فيه توبيخ عظيم لهم، حيث صاروا أسوأ حالاً من المشركين فإن المشرك حيث لا يعتقد بالآخرة ويزعم أن الموت هو نهاية كل شيء كما نقل عنهم تعالى (إنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)(2) فهذا حريص جداً على الحياة، وهؤلاء اليهود أكثر حرصاً من المشركين وما ذلك إلا لعلمهم بما سيؤول إليه مصيرهم من النار والعذاب مضافاً إلى إشراب قلوبهم بالدنيا وما يتعلق بها.

و (الَّذِينَ أَشْرَكُوا) عام يشمل جميع المشركين، كمشركي مكة والمشركين من اليهود الذين زعموا أن عزيراً ابن الله والمشركين من .

ص: 268


1- سورة التوبة، الآية: 128
2- سورة المؤمنون، الآية: 37.

المجوس حيث زعموا أن للكون إلهين وما ورد من تفسيرهم بالمجوس فإنما هو من باب ذكر المصداق لا الحصر.

السابع: (ألْفَ سَنَةٍ)

ذكر (الألف) للمبالغة في الكثرة، فيشمل ما يتمنوه من الخلود وعدم

الموت أبداً .

و (الألف) آخر كلمة تدل على عدد، ولو أرادوا الدلالة على عدد أكثر

لدلوا عليه بالتركيب كما يقال عشرة آلاف) و (مائة ألف) و (ألف ألف). ولعل قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) (1) ، ولم

يقل (تسعمائة وخمسين) ليتبين طول المدة بشكل أوضح.

وقبل العصر الحاضر حيث كثرت الأشياء وظهر (المليون) فإن أكثر الناس كانوا يستعملون (ألف) حينما يريدون المبالغة في الشيء أو للدلالة على كثرته . وكان المجوس يتفاءل بعضهم لبعض بقولهم : (عش ألف نوروز وألف مهرجان ونوروز أول الربيع، ومهرجان أول الخريف. وهذا ما هو متداول إلى يومنا هذا حيث يقال : ألف عام مثل هذه الأعوام .

الثامن: ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ) .

أي عالم بالمبصرات، فإنّ الرؤية - التي هي انعكاس الضوء من الشيء على العين ومن ثَمَّ إدراكه عياناً بالبصر - هي من لوازم الأجسام، والله تعالى منزّه عن الجسم، وعن دخول ضوء فيه، وقد ذكرنا بعض التفصيل في شرح أصول الكافي فراجع. .

ص: 269


1- سورة العنكبوت الآية: 14 .

الآيات 97 - 99

المطلب العاشر ومن أسباب الانحراف في بني إسرائيل (عداوة أولياء الله)

(قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ «97» مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ «98»وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ «99»)

97 - (قُلْ) يا رسول الله (مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ) ، فغير منصف ولا تابع للحق، لأن جبرئيل عبد مأمور لله تعالى ﴿فَإِنَّهُ) أي جبرئيل (نَزَلَهُ) أي القرآن (عَلَى قَلْبِكَ) أي عليك بحيث تعيه وتحفظه (بإِذْنِ اللَّهِ) وأمره تعالى ولا ذنب لجبريل في ذلك فإنه ينفذ أمر الله، ثم إن ما جاء به جبرئيل لا يستدعي عداوته حيث كان (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) من الكتب السماوية السابقة ومنها التوراة، فإذا جاء بما يصدق توراتهم كان عليهم تصديقه لا عداوته، ثم إن ما جاء به جبرئيل (هُدَى) هداية من الضلال (وَبُشْرَى) أي يبشرهم بمستقبل زاهر في الدنيا والآخرة، والعاقل لا يعادي من جاء بالهداية والبشارة،

ص: 270

وقوله تعالى: (لِلْمُؤْمِنِينَ) لأنهم هم المستفيدون من الهداية والبشارة، وفيه تعريض بأن اليهود ليسوا بمؤمنين ولذا يعادون جبرئيل.

98 - ثم بيّن الله تعالى بأن هؤلاء ليسوا أعداء لجبرئيل فحسب، بل هم أعداء لله واوليائه وما أنزله (مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ) بالمخالفة والعناد، والإتيان بما يكرهه الله، أو بعداوة أولياء الله (وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِیل) ذكر الخاص بعد العام، وخصهما بالتسمية لأنهما مورد البحث مع هؤلاء اليهود، حيث قال أحدهم: جبرئيل عدونا فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك، ودلت الآية بأنه لا فرق بينهما (فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي يجازيهم بأفعالهم ويفعل بهم فعل المعادي من الإهانة والعذاب.

99 - ثم بيّن الله تعالى أنه لا معنى لتكذيبهم بالقرآن، حتى وإن كانوا يعادون جبرائيل ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءَايَاتِ بَيِّنَاتِ) أي علائم

واضحة على صدقك فيجب عليهم الإيمان بك ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ) أي بتلك العلائم الواضحة (إِلَّا الْفَاسِقُونَ) أي المارقون الخارجون عن طريق الرشاد، وفي الآية دلالة على شدة كفرهم.

---------------------

بحوث

الأول: قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ).

قيل : معنى جبريل (عبد الله)(1) على لغتهم .

ص: 271


1- الجوهر الثمين ج 1، ص 126 .

وسبب عداوتهم له من وجوه :

1 - إنهم لما أعيتهم الحجة، ونقض رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حججهم، اضطروا إلى هذا الكلام حتى يحفظوا أتباعهم من عوام اليهود، وليكون لهم العذر أمام الآخرين، حيث إن الحالات النفسية والعداوات الشخصية تؤثر في عامة الناس فقد تعمي بصائرهم عن قبول الحق وهذا وتر حساس يلعب به من أعيته الحجة أو أراد تهييج الناس على جهة معينة، فإنه ببيان العداوات يجيشهم فيما يريد أو لا أقل يمنعهم من اتباع الحق .

وقد يؤيد هذا: ما روي أن جماعة من يهود فدك لما قدم النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ المدينة سألوه عن أشياء فلما أجابهم الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بما لم يتمكنوا من ،دفعه قال ابن صوريا : خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك، واتبعتك، أي ملك يأتيك بما ينزل الله عليك ؟ قال : فقال جبرئيل ، قال : ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة والحرب وميكائيل ينزل باليسر والرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك لآمنا بك) (1) .

ولذا نشاهد فرعون لما أراد أن يهيج الناس على موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ حاول استغلال هذه النقطة، قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَامُوسَى«49» قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ثُمَّ هَدَى) ، فلما شعر فرعون بأنه مغلوب (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) أراد جرّ موسى إلى بيان أنهم في النار، حتى يقول فرعون للناس انظروا إنه يقول إن آباءكم في النار، لكن موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لم يعطه .

ص: 272


1- مجمع البيان عن ابن عباس ،ج 1 ، ص 420 ، وقريب منه ما في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري البرهان ج 1 ، ص 495 .

المجال ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَاب لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى) فقطع على فرعون ما أراده ثم كمل موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ احتجاجه (1).

2 - لأنهم تصوروا أن جبرئيل - من نفسه - منع من قتل بخت نصر لما كان غلاماً مسكيناً، وقد فعل بخت نصر باليهود ما فعل من تخريب وأسر وقتل إلى غير ذلك، مع أن جبرئيل لم يفعل ذلك إلا امتثالاً لأمر الله تعالى وتطبيقاً لحكمه.

فقد روي : قل يا محمد من كان عدواً لجبرئيل من اليهود لدفعه عن بخت نصر أن يقتله دانيال من غير ذنب كان جناه بخت نصر حتى بلغ كتاب الله في اليهود أجله، وحلّ بهم ما جرى في سابق علمه) (2)

وقال ابن صوريا من أحبار فدك : ذاك عدونا، ولو كان غيره لآمنا بك، وقد عادانا مراراً، أشدّها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر، فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلام مسكين، فدفع عنه جبرئيل، وقال إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه) (3)

3 - ولعله لأنه كان ينزل بما يخالف أهواءهم اليهود، كما في تمثله المريم عَلَيْهِا اَلسَّلاَمُ ونفخه فيها ليولد عيسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، وكذلك تنفيذه أمر الله تعالى بإنزال العذاب عليهم ، وأهم سبب لعداوتهم أنهم كانوا يطمعون أن تكون النبوة فيهم فلما بعث الله تعالى محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ اشتدت عداوتهم لجبرئيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ لأنه الذي نزل بالو. لأنه الذي نزل بالوحي عليه بأمر الله..

ص: 273


1- سورة طه الآيات: 49 - 056
2- البرهان ج 1، ص 490 عن التفسير المنسوب للإمام العسكري عَلَيْهِ السَّلاَمُ عن الإمام الحسن المجتبى .
3- الكشاف ج 1 ، ص 169 .

الثاني: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ).

ذكر الله تعالى في هذه الآية أربعة أوجه لبطلان عداوتهم لجبرئيل :

1 - إن جبرئيل لم يعمل شيئاً من تلقاء نفسه بل كان بأمر الله تعالى فلو كانوا حقاً مؤمنين لوالوا جبرئيل، حيث إن المؤمن يوالي من يمتثل أوامر الله تعالى ولا يعاديه .

لكنهم لم يكونوا منصفين ولا للحق ،متبعين، فلذا عادوا جبرئيل جزافاً من غير ذنب ارتكبه .

2 - إن ما جاء به جبرئيل يصدّق كتابهم فكان الحري بهم موالاته لا معاداته.

3 - إن ما جاء به جبرئيل كتاب هداية يجب أن يشكروه عليه، لأنّ في العمل به خروج من الظلمات إلى النور، وحياة خالية عن الضنك .

4 - إن ما جاء به جبرئيل فيه بشرى للمؤمنين بالنعيم الأبدي والمستقبل الزاهر، فإن كانوا مؤمنين حقاً لزم عليهم محبته لا عداوته .

ولكن هؤلاء اليهود لم يكونوا يريدون هذه الأمور، بل كانوا يريدون ما تمليه عليهم أهواءهم، كما أنهم ما كانوا يريدون التصديق بالتوراة الحقيقية بل بما حرفوه منها، كما قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِنُ لَكُم كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابّ) (1) ، كذلك ما كانوا يريدون الهداية والبشارة للمؤمنين حسداً من عند أنفسهم ، بل كانوا يريدون الآخرة خالصة لهم والدين خاصاً بهم .

والضمير في نَزَّلَهُ يرجع إلى القرآن، وهو غير مذكور في الآيات .

ص: 274


1- سورة المائدة، الآية: 15.

السابقة، ولكن صح رجوع الضمير إلى غير المذكور لدلالة سياق الكلام عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (1) رجع الضمير إلى الميت وهو غير مذكور فيما سبق، لدلالة الكلام عن الإرث عليه، مضافاً إلى أن في إضماره مع عدم ذكره تفخيماً لشأنه، فالقرآن لجلالة شأنه ورفعة قدره يدل على نفسه من غير حاجة إلى ذكره.

الثالث: قوله تعالى: ﴿عَلَى قَلْبِكَ.)

ولم يقل (على قلبي) مع أنه حكاية لكلام رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حيث قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ)، وذلك لأن في الحكاية يجوز الالتزام باللفظ ، ويجوز الالتزام بالمعنى، فيجوز عبارة (قال زيد إنه مؤمن) و (قال زيد إني مؤمن)، وفي الخطاب قد الخطاب قد يحسن الإلفات من الغائب إلى المخاطب والعكس لجهات بلاغية، وهنا لعله للإشارة إلى أن الله هو الذي أنزله على قلب رسوله، لا أن ذلك صرف ادعاء من الرسول، فكأنه تغير الكلام من كونه مقول الرسول إلى كونه مقول الله

تعالى.

والمراد بالتنزيل على قلبه : هو التنزيل عليه، وباعتبار أن القلب - بمعناه المجازي - محل للفهم والحفظ لذا عبرت الآيات بنزوله على قلبه كما في قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ«193» عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المنذرين) (2)

ولعل في ذلك بيان لمقام رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، فهو ليس مجرد مبلغ، بل .

ص: 275


1- سورة النساء، الآية: 11
2- سورة الشعراء، الآيتان: 193 - 194.

هو المحل القابل - بإرادة الله - للقرآن الكريم فهماً وحفظاً ومن ثَمَّ بياناً وتفسيراً كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (1) .

والقلب قد يستعمل مجازاً بمعنى العقل والفهم كما في قوله تعالى :

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْب) (2) أي عقل يتفكر به.

الرابع: قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ الله)

أي بأمر الله تعالى أو بتيسيره وتسهيله. وهنا يراد به الإذن التشريعي والتكويني معاً.

وقد ورد الإذن في القرآن الكريم بالمعنيين أو بأحدهما .

1 - الإذن التشريعي : بمعنى تجويز ذلك العمل، كما في قوله تعالى :

(أذِنَ لِلَّذِينَ يُقْاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (3).

2 - الإذن التكويني: بمعنى تقدير قوانين في نظام العالم بحيث من سار في تلك القوانين وصل إلى النتيجة كما في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمَعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ) (4) حيث إن القانون التكويني أن من لم يراع الأساليب الحربية فإنه يصاب بالقتل والجرح ونحوهما، وأن الله تعالى خلق جسم الإنسان بكيفية يؤثر فيها الحديد والآلات الحربية.

3 - الإذن التشريعي والتكويني معاً كما في قوله تعالى : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ ﴾ (5) ، حيث رفع الله تعالى أهل البيت عَلَيْهِم اَلسَّلاَمُ تكويناً وكذلك تشريعاً .

ص: 276


1- سورة النحل، الآية: 44.
2- سورة ق الآية: 37
3- سورة الحج، الآية: 39.
4- سورة آل عمران الآية: 166 .
5- سورة النور، الآية: 36 .

بجعل الخلافة والولاية فيهم، وكما في قوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةَ بِإِذْنِ اللَّهِ) (1) حيث إن الفئة القليلة - التي تعمل بالقوانين والنظم الحربية ويعينها الله غيبياً - هي الغالبة، كما في غزوة بدر حيث انتصر المسلمون وكان المشركون ثلاثة أضعافهم، لأن المسلمين أخذوا بالوسائل التكوينية ونصرهم الله غيبياً بالملائكة.

الخامس قوله تعالى: (َمَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ)....

الآية وإن كانت عامة فتشمل كل أعداء الله وملائكته ورسله، لكن المقصود بها هنا هؤلاء اليهود، وفي الآية دلالة على أن هؤلاء ليسوا فقط أعداء لجبرائيل بل هم أعداء الله حيث يخالفونه ويعاندونه ويأتون بما يبغضه، وكذلك هم أعداء رسل الله وملائكته لأن رسل الله يبينون سبيل الرشاد، وهؤلاء أهواؤهم ومصالحهم تُسبب عداءهم للحق ولمن جاء به وهم رسل الله تعالى ولذا كانوا يقتلون أنبياء الله تعالى رغم كون أولئك الأنبياء من قومهم وكذلك يعادون ملائكة الله المنفذة لأوامر الله تعالى التي تتعارض مع مصالحهم .

وإنما خص جبريل وميكال بالذكر مع أنهم من الملائكة، لأفضليتهما على سائر الملائكة، ولأن حديث اليهود مع رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ دار حول هذين الملكين، حيث زعموا أن جبرائيل عدوهم وميكائيل وليهم فبين الله تعالى بأنه لا فرق في العداوة، لأن من عادى جبرائيل فقد عادی ميكائيل أيضاً، لأن كليهما ينفذان أمر الله تعالى .

السادس: قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) . .

ص: 277


1- سورة آل عمران الآية: 49.

لم يقل (فإنه) حتى لا يتوهم رجوع الضمير إلى جبرائيل .

وعداوة الله لهم بمعنى أنه يفعل بهم فعل المعادي من الإهانة ،والعذاب فيجازيهم بأفعالهم معاقباً لهم، إذ لا يعقل فيه تعالى العداوة بمعناها المتعارف بين البشر، إذ هي نتيجة انفعالات نفسية تجاه شخص أو شيء وطلب الإضرار ،به ولأن الله ليس محلاً للحوادث فلا بدَّ من حمل عداوته لهم على معنى نتيجة العداوة

ولعل قوله : (للكافرين) ولم يقل لهم) لوجوه :

1 - للدلالة على أن عداوته لليهود بسبب كفرهم وليست عداوة

لأشخاصهم .

2 - لإبقاء باب التوبة مفتوحاً ،أمامهم، فلا يكون توهم أن الله إذا عاداهم فلا مجال لإيمانهم ، فالآية دلت أن العداوة للكافرين، فإذا آمنوا فقد تغير الموضوع فتنتفي العداوة .

قيل : إنّ الله لا يمكن أن يعادي من يعلم بإيمانه مستقبلاً، فلا يغضب على كافر أو فاسق يعلم بأنه سيتوب، ولا يرضى عن مؤمن يعلم بأنه سیرتد.

لكنا قد بيّنا أن غضبه ورضاه وعداوته ولايته بمعنى أثر ونتيجة هذه الأمور - لأنه ليس محلاً للحوادث - فالكافر الذي سيؤمن والفاسق الذي سيتوب فإن الله تعالى حين كفره وفسقه يغضب عليه - بمعنى ترتب أثر الغضب ، وحينما يؤمن أو يتوب فإنه تعالى يرضى عنه بمعنى ترتيب أثر الرضا، وهكذا في العداوة والولاية، فتأمل.

3 - للدلالة على أن عداوة الملائكة والرسل سبب للكفر، كما أن عداوة الله سبب له، لأن عداء أحدهم يرجع في الحقيقة إلى تكذيب الله

ص: 278

تعالى ،وعدائه، فمن يعلم بأن جبرئيل ملك وكذلك من يعلم بأن هذا الشخص رسول من قبل الله تعالى ثم يعاديه فإنه تكذيب لله تعالى .

ولذا وجب عدم التفريق بين أحد من الرسل، وكذلك وجب عدم الله ورسله ومن صفات الكافرين أنهم يريدون التفريق بين التفريق بين الرسل أو بين الله الله ورسله .

قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَةِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ) (1)، وقال تعالى: ﴿«إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا «150» أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا «151» وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا «152») (2).

السابع: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) .

الفسق هو الخروج عن الطاعة فهنا معناها ترك أمر الله تعالى فهؤلاء خرجوا عن طريق الهدى والرشاد وعن الحق بكفرهم بآيات الله .تعالى

ويمكن أن يكون المراد خروجهم عن دين موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، لأنّ من دينه التصديق بمحمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وقد كان مكتوباً عندهم في التوراة وكانوا يعلمون بذلك، لذا كانوا يستفتحون على الذين كفروا، فلما بعث الله محمداً كان عليهم الإيمان به فكفرهم به مخالفة للتوراة ولموسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ وبذلك خرجوا عن دين موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ

بفعلتهم هذه . .

ص: 279


1- سورة البقرة، الآية: 285
2- سورة النساء، الآيات: 150 - 152.

الآيتان 100 - 101

المطلب الحادي عشر ومن أسباب الانحراف في بني إسرائيل (ترك أوامر الله واتباع الشیاطن)

(«أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ «100» وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ «101»)

100 - (أ) كفروا بالله (وَ) خالفوا أوامره ف-( أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْدًا) يجب الوفاء به كعهودهم مع رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بأن لا يعينوا عليه أحداً، وكالعهود التي أخذها الأنبياء منهم بالتصديق بمحمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ(نَبَذَهُ) أي طرحه ونقضه (فَرِيقٌ مِنْهُمْ) ، والفريق الآخر كعبد الله بن سلام وفى بالعهد فآمن لكن هؤلاء أقليّة (بَلْ أَكْثَرُهُمْ) من الفريق الأول، لذا الأكثر (لَا يُؤْمِنُونَ) بالعهود، فلذا أنكروا رسالة محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ونقضوا عهودهم معه فأعانوا قريشاً عليه يوم الخندق .

101 - (وَ) لأنهم لم يريدوا الوفاء بالعهود، وصل بهم الأمر إلى تركهم التوراة ف- ﴿وَلَمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ) وتنطبق عليه

ص: 280

تماماً الأوصاف الواردة في التوراة فالرسول (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) حيث تحققت به البشارة وثبت صدق التوراة، لكنهم بدل التصديق به (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) وهم أحبارهم العلماء، تركوا العمل وطرحوا (كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) كالذي يرمي ما لا يحتاج إليه وراء ظهره استغناء عنه، (كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) أي من دون أن يهتموا بما في كتاب الله تعالى كأنهم جهال به والمعنى أنهم علموا لكنهم عاندوا وأنكروا.

----------------------

بحوث

الأول: قوله تعالى: (نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ).

من الأمور مور التي تجذرت في نفوس اليهود هو نقضهم للمعاهدات كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا ، سبب ذلك من وجوه :

1 - إنهم يتصورون أنهم شعب الله المختار، وأن الناس كالبهائم لا حرمة لهم ولا منزلة، ونتيجة ذلك يريدون أن يكون الكل تحت هيمنتهم وحسب رغباتهم، ولكنهم بما أنهم أقلية ومحكومون غالباً فلذا قد يقبلون بالمعاهدات مع الغير لا لاعتقادهم بما في المعاهدة وإنما لحفظ مصالحهم حصراً، فلذا كلّما وجدوا مندوحة وفرجة للتخلي عن العهود نقضوها، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ)(1)

ص: 281


1- سورة الأنفال، الآية: 56 .

2 - لأن النظرة المادية نفذت إلى عقولهم وأشربت بها قلوبهم، فإنهم لا يعتقدون بالآخرة أو لا يعتقدون بأنهم يعذبون فيها إلا أياماً معدودة، فلذا لا رادع لهم من نقض العهد وارتكاب سائر المحرمات، ولذا عقبه تعالى بقوله : (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾.

كما أن هذه الطريقة من التفكير سببت قصر نظرهم وعدم رؤيتهم لعواقب الأمور ، ولو قرأنا تاريخهم وحلّلنا تصرفاتهم، لرأيناها لا تعدو تفكيرهم بالمصلحة الآنيّة وغفلتهم عن المصالح الاستراتيجية، ولذا هم أذلاء أينما كانوا والناس تتنفر منهم، وإذا هم استقووا بحبل من الناس لاجتماع مصالح بعض الناس مع مصالحهم فإنه سرعان ما ينفك هذا العقد ويتخلى عنهم الناس فمن ذلك تأسيسهم لدويلتهم اللقيطة في أرض فلسطين وهذا من أكبر أخطائهم، لأنه لا ضمان لاستمرار مصلحة الغرب معهم إلى ما لا نهاية، كما لا يقين باستمرار ضعف المسلمين إلى الأبد، وأيّ وقت انتهت مصلحة الغرب معهم، أو استعاد المسلمون قوتهم، فإنهم ودولتهم سيتحولون إلى خبر كان.

ولو كانوا يعقلون أو يفكرون بنظرة طويلة الأمد لشكّلوا دولتهم في مكان آخر.

ولعل قوله : (فَرِيقٌ مِنْهُمْ) لأن الناقضين ابتداء هم مجموعة كالأحبار والملأ من القوم، ثم يتبعهم الباقون من عامة الناس.

الثاني: قوله تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) .

في الآية وجوه منها :

1 - لما قال تعالى : (نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) ، وحتى لا يتوهم أن الفريق

ص: 282

الآخر - غير الناقض - أكثر أو متساوي عدداً معه، قال تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، فضمير (هم) يرجع إلى المعاهدين، أي المعاهدون أكثرهم لا يؤمنون، ففيه دلالة على أن بعضهم الأقل يُؤمن وهذا البعض لا ينقض العهد، وهم من أسلموا كعبد الله بن سلام

2 - إنه إخبار مستقبلي بأن الفريق الناقض للعهد لا يؤمن أكثرهم في المستقبل - أيضاً - فضمير (هم) يرجع إلى فريق أي هذا الفريق الناقض للعهد سيبقى أكثرهم على الكفر ، وهذا المعنى مروي عن الإمام الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ(1)

فتكون الآية من المعاجز، حيث أخبرت عن أمر مستقبلي وقد تحقق

هذا الإخبار وثبت صدقه عياناً .

3 - بيان لنوع ،كفرهم ففريق منهم كفره بنقضه للعهد والأكثر كفره

بالجحود وعدم الإيمان .

4 - بيان لكون منشأ نقضهم للعهود هو عدم الإيمان فلأنّ الأكثر كانوا غير مؤمنين لذا كانوا ينقضون العهود، وأما البعض القليل من

ناقضي العهد فإن نقضهم كان بسبب الجهل

الثالث: قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ)

صفة للرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ الأيام الرسول يصدق ما في التوراة، وتصديقه لها لأجل أن التوراة بشّرت به وذكرت ،أوصافه فلما انطبقت تلك الأوصاف بأجمعها على رسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ثبت صدق ما في التوراة قال

ص: 283


1- البرهان ،ج 1، ص 496 عن التفسير المنسوب للإمام العسكري عَلَيْهِ السَّلاَمُ

تعالى: ﴿ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِيَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجِيلِ)(1)

أما ما مرّ في تصديق التوراة في الآية التاسعة والثمانين، والآية الواحدة و التسعين فإن التصديق كان صفة للقرآن الكريم، فهناك ذكر أن القرآن یصدق التوراة وهنا يذكر أن الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يصدق التوراة.

وقد مرّ بعض الكلام في محتملات التصديق فراجع.

الرابع: قوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ).

يراد به أحبارهم العلماء، لأن هذه الآية ذكرت كالتمهيد للآية اللاحقة، وهي اتباعهم لما تتلوه الشياطين وذلك صفة لأحبارهم، والحاصل أن هؤلاء بدل أن يتبعوا الرسول الذي بشرت به التوراة نبذوا التوراة وراء ظهورهم واتبعوا الشياطين وعملوا السحر ونحوه مما سيأتي.

الخامس: قوله تعالى: (كِتَابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ) .

الظاهر أن المراد من كتاب الله التوراة أي بدل أن يعملوا بالتوراة ويؤمنوا بمحمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حيث بشّرت به التوراة ويتبعوه، بدل ذلك اتبعوا الشياطين الذين أغوتهم .

ويمكن أن يكون المراد من (كِتَابَ اللَّهِ) القرآن، فالمعنى أنهم بدل اتباع القرآن الذي فيه هدايتهم ونفعهم دنيا وآخرة، بدل ذلك اتبعوا الشياطين، وذلك مما يضرهم في الدنيا، ويسبّب بأن لا يكون لهم في الآخرة خلاق ونصيب..

ص: 284


1- سورة الأعراف الآية: 157.

السادس: قوله تعالى: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ).

ترك كتاب الله بترك أوامره ومخالفة ،نواهيه، كالذي يرمي ما لا يحتاج

إليه وراء ظهره لاستغنائه عنه، أو ليدل على أنه مستغنى عنه ولا يلتفت

إليه .

وفي المجمع عن سفيان بن عيينة (أدرجوه [ أي التوراة ] في الحرير والديباج وحلوه بالذهب والفضة، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه (1) . فالمعنى أنهم في الظاهر احترموا كتاب الله - أي التوراة - ولكنهم عملاً رموه وراء ظهورهم لما تركوا العمل به.

وهذا فعل الكثير من المسلمين في الحال الحاضرة، حيث يحترمون القرآن في الظاهر، فيطبعونه أفخر الطبعات ويذهبونه ويخطونه في اللوحات الثمينة وبالفنون التشكيلية ،ونحوها وكل ذلك حق ولازم لكن شرط أن يكون مقدمة للعمل، ومع الأسف فإن العمل بالقرآن قليل وهذا ما قاله الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْءَانَ مَهجُورًا)(2) ونتيجة ذلك صعوبة العيش في الدنيا والعذاب في الآخرة ،قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى «124» قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَ قَدْ كُنتُ بَصِيرًا«125» له قَالَ كَذَلِكَ أَتَتكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنَسَى) (3) ، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ) (4). .

ص: 285


1- مجمع البيان: ج 1، ص 426 .
2- سورة الفرقان الآية: 30.
3- سورة طه، الآيات: 124 - 126 .
4- سورة السجدة، الآية: 22.

الآيتان 102 - 103

(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ «102»وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ «103» )

102 - (وَ) هؤلاء اليهود بدل أن يتبعوا كتاب الله ويؤمنوا برسوله (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا) أي ما قرأته - كذباً وافتراء - (الشَّيَاطِينِ) كفار الجن الذين كانوا (عَلَى) عهد (مُلْكِ سُلَيْمَانَ) فإن هؤلاء الشياطين كانوا مسخّرين لسليمان عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، فلما مات كتبوا السحر وألقوه تحت ،کرسیه، ثم أشاعوا أن عظمة سليمان وملكه كان بسبب استعماله للسحر الموجود في هذه الكتب، ترغيباً للناس في السحر فانخدع البعض لكن المؤمنين لم ينخدعوا ، لأن ذلك كان افتراء على سليمان ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) باستعمال السحر، بل كان عبداً نبياً آتاه

ص: 286

الله الملك (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) وكان كفرهم بأنهم (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ) بشكل عام، (وَ) كذلك الشياطين يعلمون - بشكل خاص - ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) اللذين أنزلهما الله تعالى لإبطال السحر ، قيل : حتى يتبيّن فرقه عن المعجزة فلا يختلط الأمر فى أذهان الناس لكي يعرفوا الأنبياء ولا يخلطوهم بالسحرة فتتم الحجة، وقد نزل الملكان (بِبَابِلَ) في العراق حيث كانت مركزاً للحضارة العالمية ذلك الوقت وشاع فيها السحر (هَارُوتَ وَمَارُوتَ) اسم للملكين .

﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ) إبطال السحر ، الذي يسبقه تعريفهم بالسحر، كما في قول الطبيب هذا سُمّ وذاك دواؤه (حَتَّى يَقُولآ) الملكان (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) أي اختبار وامتحان كما يقال لطلاب الطب إن دراستكم للعلاج لا للإضرار، فأنتم تُخْتَبرون بعلمكم هل كسبتموه لتنفعوا الناس أم لأغراض أخرى، فكان الملكان ينصحان كل أحد جاء ليتعلم منهما ويقولان له: ﴿فَلَا تَكْفُر) باستعمال السحر، ولكن الأشقياء خالفوا النصح (فَيَتَعَلَّمُونَ) الناس بشكل عام أو هؤلاء اليهود (مِنْهُمَا) من الملكين (مَا) أي سحراً (يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) أي ما يوجب العداوة والبغضاء بين الزوجين تكون نتيجته انفصالهما .

(وَ) لكن السحرة ليسوا بخارجين عن قدرة الله ومن التجأ إلى الله واستعاذ به لا يؤثر فيه السحر ف- (مَا هُم) أي ليس السحرة (بِضَآرِّينَ بِهِ) بسحرهم (مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي بعلمه وإذنه التكويني، حيث إنه تعالى جعل هذا الأثر لسحر لأنه مسبب الأسباب ثم لم يمنع بالجبر من تأثير عملهم حتى يكمل الامتحان في دار الدنيا فهؤلاء العصاة ليسوا

ص: 287

بخارجين عن قدرة الله كما أن المسحورين تحت قدرته فعليهم الاستعاذة به.

(وَيَتَعَلَّمُونَ) هؤلاء اليهود الكافرون بالكتاب (مَا يَضُرُّهُمْ) في آخرتهم ودنياهم ﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ) ولذا فالسحرة من أشقى الناس (ولا يفلح الساحر حيث أتى) (وَ) هؤلاء معاندون جداً فيتبعون السحر مع أنهم ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا) إما بعقولهم، وإما بما بلغهم من موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ وقصته مع سحرة فرعون (لَمَنِ اشْتَرَاهُ) أي اشترى السحر بدلاً عن دينه (مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ) أي نصيب، وهم مع علمهم بذلك اتبعوا السحر (وَ) لكنهم (وَلَبِئسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ) أي باعوا أنفسهم بعذاب الله (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي يعملون بعلمهم، لأن الذي لا يعمل بعلمه هو والجاهل سواء.

103 - (وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي أهل الكتاب بدل ذلك (ءَامَنُوا) بالله ورسوله (وَاتَّقُوا) بترك المعاصي ومنها نبذ الكتاب واتباع الشياطين (لَمَثُوبَةٌ) جزاءهم بالثواب (مِنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ) من كفرهم هم و سحرهم (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) .

------------------------

بحوث

الأول قوله تعالى: (مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ).

التلاوة بمعنى القراءة وجذرها لغة من (تلا) بمعنى جاء بعده»، فلأنَّ القراءة تكون بعد وجود القارىء، أو لأنها تخلفه، فلذا سميت

ص: 288

تلاوة، ومعنى كذبهم يستفاد من سياق الآية، أو من تضمين التلاوة معنى التقوّل، قال في المغني: ويحتمل أن «تتلو» مُضَمَّن معنى تتقول، فيكون بمنزلة (وَلَوْ تَقَولَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ) (1) ، فيكون المعنى حينئذ واتبعوا ما تكذبه الشياطين على ملك سليمان بأنه نتيجة السحر، في حين أن الصحيح أن ملكه كان بإرادة ربانية.

والشياطين مضافاً إلى قراءتهم السحر في ذلك الزمان فإنهم خلفوه لمن يأتي بعد .

والشياطين هم فسقة الجن، وكبيرهم إبليس .

والأغلب في القرآن، استعمال لفظة الشيطان» في قبال بني آدم حيث إن الشيطنة فيها معنى التخبيث ومحاولة الإضلال، واستعمال لفظة «إبليس في قبال الله تعالى لما فيها من معنى الإبلاس أي اليأس والقنوط .

وقد سخر الله الشياطين لسليمان، فكان يستعملهم في الأعمال الشاقة وبعضهم كانوا محبوسين حتى لا يفسدوا ويُفسدوا قال تعالى: ﴿وَمن الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لًهُمْ حَافِظِين)(2) وقال سبحانه: (وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَآءِ وَغَوَاصِ «37» وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ)(3) وقال عز من قائل: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ«12» يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَحَارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفَانِ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِیَاتٍ أَعْمَلُوا ءَالَ دَاوُدَ شُكراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)(4)..

ص: 289


1- مغني اللبيب، لابن هشام، ج 1، ص 191 والآية في سورة الحاقة، الآية: 44.
2- سورة الأنبياء، الآية: 82.
3- سورة ص، الآيتان: 37 - 38.
4- سورة سبأ، الآيتان 12 - 13.

فلما مات سليمان خرجوا من العذاب المهين، وفكت قيودهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيِّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ المُهِينِ)(1).

وبانطلاقهم مرة ثانية بدأوا بشيطنتهم وتخبيثهم ومحالة إضلال الناس، بدأوه بنشر السحر .

الثاني: قوله تعالى: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ).

أي على عهد ملك سليمان، فإن كان (تتلو على) يتضمن معنى «تتقوّل»

كما مرّ عن ابن هشام فيكون المعنى ما تكذبه الشياطين على عهد سليمان أي ما نسبوه إليه كذباً وافتراء بأن ملكه كان نتيجة السحر، وإن كان (تتلو) بمعنى القراءة) فيكون المراد القراءة بعد وفاة سليمان عَلَيْهِ السَّلاَمُ مباشرة، لأن الشياطين قبل وفاته كانوا محفوظين أي ممنوعين من الإفساد وكذلك كان قسم منهم مقرنين في الأصفاد، ومن كان يخرج عن طاعة سليمان يذاق من عذاب السعير كما مرّ في الآيات السابقة، ولكن لما توفي سليمان وعلموا بوفاته بعد حين رُفع المنع عنهم - ابتلاء للناس -.

فمن أول إضلال فعلوه، ما في الحديث الشريف عن الإمام الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ «فلما هلك سليمان وضع إبليس السحر وكتبه في كتاب، ثم طواه وكتب على ظهره : هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم، ومن أراد كذا وكذا فليفعل كذا وكذا، ثم دفنه تحت السرير ثم استثاره لهم فقرأه، فقال الكافرون ما كان سليمان يغلبنا إلا بهذا، وقال المؤمنون بل هو عبد الله ونبيه»(2) . .

ص: 290


1- سورة سبأ، الآية: 14.
2- البرهان ،ج 1 ، ص 504 - 505 عن تفسير القمي وعن تفسير العياشي.

وكان من فعل الشياطين أنهم يسترقون السمع من الملأ الأعلى حينما يصعدون إلى السماء - قبل منعهم لما ولد رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ - ثم يضيفون إليها أكاذيب من عندهم ويعلموها الكهنة وهؤلاء كانوا ينشرونها بين الناس، قال تعالى في سورة الجن : إنهم قالوا بعد منعهم عن استراق السمع : (وَأَنَا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِع الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) (1) ، وقال سبحانه: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ«221» تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَاکٍ أَثِيمٍ «222» يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ)(2) .

الثالث: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا).

دلت الآية على كفر الشياطين بسبب السحر، وأن سليمان عَلَيْهِ السَّلاَمُ لم يكفر لأنه لم يستعمل السحر .

وفي نهج البلاغة : (والساحر كالكافر ، والكافر في النار ) (3) .

وفي الحديث عن أمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلاَمُ : «من تعلم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً فقد كفر ، وكان آخر عهده بربه» (4) .

والكفر هنا يراد به الكفر العملي، أي عمله عمل الكفار ، لأنه - كما مرّ - فإن الكفر قد يكون في الاعتقاد كمنكر التوحيد أو النبوة أو المعاد وقد يكون كفراً عملياً من دون أن يخرج عن الملة، وفي التقريب : لا يخفى أن الكفر على نوعين : كفر في العقيدة وكفر في العمل، فالكفر في العقيدة هو إنكار أصول الدين والكفر في العمل هو ترك واجب أو فعل .

ص: 291


1- سورة الجن الآية: 9
2- سورة الشعراء، الآيات: 221 - 223
3- نهج البلاغة الخطبة 79
4- وسائل الشيعة ج 17 ، ص 148 الباب 25 من أبواب ما يكتسب به الحديث 7 .

[محرّم]، ولذا شاع استعمال الكفر في ترك الأوامر وفعل النواهي، كقوله تعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (1) في قصة الحج، وقوله: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (2) في باب الشكر ، وقول النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ «كفر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة» وعد منها النمام ونحوه) (3).

الرابع: قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ) .

نذكر ما يتعلق بالسحر في عدة بحوث :

1-في معنى السحر

اختلف أهل اللغة اختلافاً شديداً في تعريف السحر، وعرفه الفقهاء بتعاريف مختلفة (4).

وأحسن تلك التعاريف وأقربها إلى ما يتبادر من كلمة السحر عند أهل اللسان هو ما في التقريب والسحر أمور غير طبيعية، تأتي بعلاج خفي، ومنه التصرف في العين وفي النفس وفي العقل ، فيوجب عداوة بين الناس ومرضاً وما أشبه) (5).

وما قال العلامة في القواعد والتحرير: (إنه كلام يتكلم به أو يكتبه أو رقية، أو يعمل شيئاً، يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة) (6) .

ص: 292


1- سورة آل عمران الآية: 98
2- سورة إبراهيم، الآية: 8.
3- تقريب القرآن ج 1، ص 161 .
4- راجع المكاسب المحرمة للشيخ الأعظم رحمة الله عليه ج 1، ص 258 - 265.
5- تقريب القرآن ج 1 ، ص 161 - 162 .
6- مكاسب الشيخ الأعظم، المكاسب المحرمة ج 1 ، ص 259 عن القواعد ج 1 ص 121 والتحرير ج 1 ، ص 161.

وليس من السحر ما إذا كان السبب واضحاً، أو لم يكن تصرفاً في البدن أو العقل أو القلب، أو كان بطريقة مباشرة .

كأن يسقيه دواءً، أو يضربه على رأسه أو إيجاد الحب والبغض عبر

الكذب والنميمة ونحوها، فكل ذلك ليس من السحر .

2-سبب انتشار السحر

إن الجهل أهم سبب لانتشار السحر والتجاء الناس إليه، ولذا ينتشر في المجتمعات البدائية والمتخلفة، ويقل في المجتمعات المتحضرة.

فإن من الجهل أن يتصور الإنسان أن للساحر قوى خارقة غيبيّة يمكن بواسطتها حل المشاكل .

وإن من الجهل أن يرى الإنسان حل مشاكله بيد إنسان آخر هو أكثر

مشاكل وشقاوة منه.

وإن من الجهل أن يترك الإنسان الأسباب الطبيعية التي جعلها الله تعالى لحل المشاكل والأزمات، ويلتجئ إلى الخرافات والأمور غير الطبيعية التي لا تنفع وهو يرى عدم نفعها لكنه يبقى مصراً عليها .

3-تأثير السحر

لا شك في تأثير السحر على الناس ولكنه قد يكون مضراً عليهم

وقد يكون مجرد تمويه وتأثير على أبصارهم فحسب.

1 - فمن التمويه على العين ما أشار إليه تعالى حيث قال: ﴿فَلَمَّآ

ص: 293

اَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)(1)، حيث إنه

لخفة الحركات وخفاء السبب فإن العين لا يمكنها أن تُجاري ما يقع في الخارج، فيتخيل الإنسان شيئاً ليس له واقع على أنه حقيقة، قال تعالى: (فَإذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِیُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَهَا تَسْعَى)(2)، حيث إنهم وضعوا فيها الزئبق، فلما ارتفعت درجة الحرارة بارتفاع الشمس تحرك الزئبق - لأنه ينبسط في الحرارة وينقبض في البرودة - وبأثر تحركه تحركت الجبال والعصي، ولخفاء السبب خُيّل إلى فرعون أنها تتحرك، في حين أن المتحرك كان في الحقيقة الزئبق لا الحبال والعصي.

2 - ومن الضرر على البدن أو العقل ما أشار إليه سبحانه في قوله : ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) (3) ، وهن الساحرات اللاتي ينفخن عند السحر في العُقَد التي يعقدونها في الخيط، ولو كان السحر مجرد تخيل لم يكن معنى للشر هنا، وكذلك قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) حيث أثبت تعالى أن هؤلاء يفرقون بين المرء وزوجه بإلقاء الحب والبغض ثم إن قوله تعالى: (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أثبت أن هنالك ضرراً لكن لا يكون إلا بعد أن يأذن الله تعالى، فإذا ليس هو مجرد تخيل.

وفي الاحتجاج عن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ حيث سأله الزنديق عن مسائل كثيرة منها ما ذكره بقوله : أخبرني عن السحر أصله؟ وكيف يقدر الساحر على ما يُوصف من عجائبه وما يفعل؟ .

ص: 294


1- سورة الأعراف الآية: 116.
2- سورة طه، الآية: 66.
3- سورة الفلق، الآية: 4.

قال أبو عبد الله عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «إن السحر من وجوه شتى منها بمنزلة الطب كما صنع الأطباء لكل داء دواء، فكذلك علم السحر، احتالوا لكل صحة آفة، ولكل عافية عاهة، ولكل معنى حيلة، ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخارق وخفة ونوع منه ما يأخذه أولياء الشياطين منهم».

قال : فمن أين علم الشياطين السحر ؟

قال: من حيث علم الأطباء الطب بعضه بتجربة، وبعضه بعلاج (1).

وفي الحديث السابق إن الزنديق قال : أفيقدر الساحر أن يجعل الإنسان بسحره في صورة كلب أو حمار أو غير ذلك؟

قال [الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ ] هو أعجز من ذلك وأضعف من أن يغير خلق الله إن من أبطل ما ركبه الله تعالى وصوّر غيره فهو شريك الله في خلقه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، لو قدر الساحر على ما ذكرت لدفع عن نفسه الهرم والآفة والأمراض، ولنفى البياض عن رأسه والفقر عن ساحته» (2).

4-علة تأثير السحر

وفي التقريب «إنما شاء الله أن يختبر عباده، كما أنه حین یخلق العنب ويعطي القدرة للبشر فيعصروه خمراً، لا يخرج الأمر من يده سبحانه، بل إنما ذلك للابتلاء والامتحان» (3) .

ص: 295


1- الاحتجاج ج 2، ص 81 نقله عنه الشيخ الأعظم في المكاسب المحرمة ج 1، ص 264 .
2- المصدر نفسه.
3- تقريب القرآن ج 1 ، ص 163 . 295

وفي التقريب أيضاً : فإن شيئاً لا يؤثر في شيء إطلاقاً إلا بإذن الله، ومعنى إذنه أنه يُخلّي بين المؤثر ،والمتأثر ، ولو لم يُخَلّ كان عالم الجبر وبطل الامتحان والاختيار) (1)

5-علة تحريم السحر

لتحريم السحر أسباب، ولعل منها :

1 - إن الساحر يوهم الناس بأن له قدرات خارقة من نفسه، وذلك يؤدي إلى الشرك بالله، حيث يزعم الإنسان أن هنالك مؤثراً من غير إذن

الله تعالى.

وفي الحديث الشريف عن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ : «لأن السحر والشرك مقرونان» (2)، وفي (عيون أخبار الرضا) عن الإمام الحسن العسكري عَلَيْهِ السَّلاَمُ : «فلا تكفر باستعمال السحر وطلب الإضرار به، ودعاء الناس إلى أن يعتقدوا أنك به تحيي وتميت وتفعل ما لا يقدر عليه إلا الله عزَّ وجل فإن ذلك كفر » (3).

2 - الجهل والخرافة، وقد ذكرنا أن الجهل هو أهم أسباب انتشار السحر وإقبال الناس إليه وبما أن الإسلام دين العلم ويكافح الجهل فإنه يحرّم ما ينتج الجهل أو ينتجه الجهل .

3 - إضرار الناس فإن السحر يكثر ضرّه لا ينفع، ويكون ضرره على

ص: 296


1- المصدر السابق نفسه.
2- وسائل الشيعة ج 17 ، ص 146 ، ط آل البيت الباب 25 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2. (3) وسائل الشيعة ج 17، ص 147 .

دين الناس وعلى دنياهم، وما كان شأنه كذلك كان حري مكافحته ولذا حرمه الشرع المقدس وفي العيون عن الإمام العسكري عَلَيْهِ السَّلاَمُ «ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، لأنهم إذا تعلموا ذلك السحر ليسحروا به ويضروا به، فقد تعلموا ما يضرهم في دينهم ولا ينفعهم فيه».

ومن ذلك محاولة اختلاق أعداء لمن يراجعهم، وخاصة من أقربائه، وممن يكتشفون أنه يسيء الظن بهم، وذلك بغية إبقائه على جهله، بتحريك القوى الغضبية في داخله ولذا تكثر العداوات بعد مراجعة السحرة، ومن هنا كانت النميمة من أهم وسائل السحرة، ولكثرة ممارستهم لها عُدّت النميمة - مجازاً - من السحر فعن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ : «وإن من أكبر السحر النميمة يفرق بها بين المتحابين ويجلب العداوة على المتصافين، ويسفك بها الدماء، ويهدم بها الدور، ويكشف بها المستور والنمّام شر من وطئ الأرض بقدمه» (1) وليس المراد أن النميمة سحر بالمعنى الحقيقي، بل لما كانت من أهم وسائل السحرة لذا عُدّت من السحر مجازاً .

4 - أكل أموال الناس بالباطل حيث يشاهد كثيراً أن السحرة يستغلون مشاكل الناس وجهلهم، فيبتزونهم أموالهم ، وقد يأخذون أموالاً طائلة يحلّوا المشكلة، وهم يسوّفون ويأخذون مالاً بعد مال، فإن انحلت المشكلة لأسباب أخرى عزى الساحر الحلَّ إلى نفسه، وإن بقيت تحجج بمختلف الحجج واختلق أسباباً أخرى قد توجب عداوات أخرى وهكذا وهلم جرا . .

ص: 297


1- الاحتجاج، ج 2، ص 81 كما نقله الشيخ الأعظم في المكاسب المحرمة ج 1، ص 265 .

6-عقوبة الساحر

قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى )(1) وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ) (2) .

وللأضرار الكبيرة التي تلحق المجتمع من السحر وقد ذكرنا بعضها، فإن الشرع قد جعل عقوبة شديدة ردعاً عن ارتكاب السحر .

فساحر المسلمين عقوبته القتل، إلّا أن يتوب.

أما الساحر الكافر الذي لا يكون محل رجوع المسلمين فإنه لا يقتل، وإن ترتب على عمله ضرر لزم تأديبه بالتعزير .

قال الوالد رحمه الله في موسوعة الفقه : الساحر الذي مهنته السحر، حدّه القتل إن كان مسلماً، والتأديب إن كان كافراً، بلا إشكال ولا خلاف في الأول، لما رواه الكليني عن السكوني عن أبي عبد الله عَلَيْهِ السَّلاَمُ قال : قال رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ : ساحر المسلمين يقتل وساحر الكفار لا يقتل قيل يا رسول الله ولم لا يقتل ساحر الكفار ؟ قال : لأن الكفر أعظم من السحر، ولأن السحر والشرك مقرونان(3) ورواه الصدوق أيضاً (4) .

والظاهر أن المراد بالعلة، أن السحر حيث جاز في مذهب الكفار -

ص: 298


1- سورة طه، الآية: 69.
2- سورة يونس الآية: 77
3- وسائل الشيعة ج ؛ 28 ، ص 365 . عن الكافي.
4- المصدر عن من لا يحضره الفقيه.

لأنهما مقرونان - وحيث إن الكفار لا يقتلون بكفرهم للذمة أو نحوها، فلا قتل للساحر». (1)

وعن أمير المؤمنين من يعلم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً فقد كفر، وكان آخر عهده بربه، وحَدّه أن يقتل، إلّا أن يتوب»(2).

وفي الفقه ولو أضرّ الساحر المسحور، ضمن، سواء كان ضرراً في النفس أو في المال ولو لم يكن لضرره تقدير كما لو عقد الرجل عن حليلته، كان تقديره بيد الحاكم (3).

7-

روت العامة في بعض كتبهم أن النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ،سُحر، حتى أنه كان يخيل إليه أنه فعل في حين أنه لم يكن قد فعل (4) وهذه المرويات تتعارض مع القرآن الكريم، ومن يعتقد بها فهو ظالم بنصه، قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا) (5) ، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ﴾ (6) بل هذا زعم الكفار حول بعض الأنبياء السابقين، قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا )(7).

ص: 299


1- موسوعة الفقه ج 87 ص 407
2- وسائل الشيعة ج 17، ص 148 .
3- الفقه ج 87، ص 409 .
4- عن عائشة قالت: (سحر النبي صلى الله عليه وآله] وسلم رجل من بني زريق يقال له لبيد الأعصم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله] وسلم يخيّل إليه أنه يفعل الشيء، وما فعله) رواه البخاري، الطب، السحر، الحديث رقم 5321.
5- سورة الإسراء، الآية: 47 .
6- سورة الفرقان الآية: 8.
7- سورة الإسراء، الآية: 101.

والعجب أن يتركوا هذه الآيات المحكمات، ويتمسكوا بموضوعات، صوناً لأصحاب تلك الكتب أو رواتها، ولكنهم لا يفكرون في تنزيه رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ من هذه الأباطيل، بل لما بنوا لأنفسهم باطلاً، وهو صحة بعض تلك الكتب من الجلد إلى الجلد، صدّقوا كل ما فيها حتى لو تعارض مع القرآن الكريم أو كان فيه تنقيص من رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ والعياذ بالله .

الخامس: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) ونذكر ما يتعلق بهذين الملكين في عدة مسائل :

«الأولى»

قيل في سبب إرسالهما : إن السحر لما شاع بين تلك الأقوام، وظن الناس أن الساحر يمكنه أن يأتي بكل ما أراد من خوارق العادات ونحوها ، تعسر على الناس التمييز بين السحر والمعجزة.

فلذا أنزل الله الملكين هاروت وماروت لكي يُعلّما الناس إبطال السحر، حتى يعلم الناس أن كل سحر يمكن إبطاله، وأن ما أتت به الأنبياء من المعاجز لا يمكن نقضه، ولا الإتيان بمثله فيتيقنوا صدقهم وأن ما جاؤوا به ليس من العلوم البشرية بل هي موهبة ربانية (1).

ويدل على ذلك محاولة المشركين ربط المعاجز بالسحر، حيث كانوا يشيعون بأنها سحر، ولكن محاولاتهم كانت فاشلة، للتمييز الذي حصل بين السحر والمعجزة، مما عرفه عامة الناس فمن محاولاتهم ما أشار إليه تعالى: (كَذَلِكَ مَآ أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونُ) (2).

ص: 300


1- مواهب الرحمن ص 489 - 490 - بتصرف
2- سورة الذاريات الآية: 52.

ولما شاع ،السحر، كثر اتهام الأنبياء بذلك، فقال الكافرون عن موسی عَلَيْهِ السَّلاَمُ

: (وَقَالُوا مَهمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا)(1) و عن عیسی عَلَيْهِ السَّلاَمُ (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (2) ، وعن رسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ : ﴿وَإِن يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ ﴾ (3) وعن القرآن الكريم : ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ يُوْثَرُ«24» إِنْ هَذَآ إِلَّا قَولُ الْبَشَرِ)(4).

ولكن محاولة ربطهم معاجز الأنبياء بالسحر باءت بالفشل.

وذلك لأن البشرية عرفت إبطال السحر، وكذلك حقيقة السحر، فلما كانوا يشاهدون المعاجز كانوا يعرفون بأنها ليست بسحر، نعم المعاندون كانوا يقولون بذلك لما كانت الحجة تنقصهم، لكنه لم يكن له ذاك التأثير، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ) (5) ، حيث إن اللمس أنفى للشك من الرؤية، ولا يحتمل فيه السحر، ولكنهم معاندون لا يريدون قبول الحق بأية صورة.

ولتمييز السحر عن المعجزة، عرف سحرة فرعون أن ما جاء به موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ليس بسحر، فآمنوا مع أنهم كانوا أعرف الناس بالسحر، حتى عنهم بالسحّار العليم ، قال تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشرِينَ«111» يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) (6).2

ص: 301


1- سورة الأعراف الآية: 132
2- سورة المائدة، الآية: 110.
3- سورة القمر، الآية: 2.
4- سورة المدثر، الآيتان 24 - 25.
5- سورة الأنعام، الآية: 8.
6- سورة الشعراء ، الآيتان: 111 - 112

«الثانية» تعليم الملكين السحر

أما أنهما لماذا علما السحر، فلأنَّ من يريد تعليم إبطال شيء، يبين ذلك الشيء أولاً، ثم يبيّن علاجه ثانياً، كما في قول الطبيب هذا سُم، وهذا دواؤه، وإذا أحدهم جاء وتعلّم من الطبيب ثم قتل الناس بالسم فالذنب ليس ذنب الطبيب.

ولذا نشاهد حينما يستعمل أحدهم ما تعلمه في الجامعات بشكل سيئ، فإنه لا تُلام الجامعة، بل يُلام هو ويعاقب لسوء فعلته.

وفي عيون أخبار الرضا عَلَيْهِ السَّلاَمُ عن الإمام الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ أنه قال : «كان بعد نوح عَلَيْهِ السَّلاَمُ قد كثر السحرة المموهون، فبعث الله عزّ وجلَّ ملكين إلى نبي ذلك الزمان : بذكر ما يسحر به السحرة، وذكر ما يبطل به سحرهم ویرد به ،کیدهم فتلقاه النبي عن الملكين وأداه إلى عباد الله بأمر الله عزّ وجل، وأمرهم أن يقفوا به على السحر وأن يبطلوه، ونهاهم أن يسحروا الناس، وهذا كما يدل على السم ما هو، وعلى ما يدفع به غائلة السم، ثم يقال لمتعلّم ذلك : هذا السم فمن رأيته سُمَّ فادفع غائلته بكذا ، وإياك أن تقتل بالسم أحداً ، ثم قال ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ) وهو أن ذلك النبي أمر الملكين أن يظهرا للناس بصورة بشرين و يعلماهم ما علمهما الله تعالى من ذلك ويعظاهم، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ) ذلك السحر وإبطاله (حَتَّى يَقُولَا) للمتعلم (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) وامتحان للعباد ليطيعوا الله فيما يتعلمون من هذا ويبطلوا به كيد السحرة، ولا يسحروهم ، ﴿فَلَا تَكْفُر) باستعمال هذا السحر وطلب الإضرار» الحديث (1) .

ص: 302


1- عيون أخبار الرضا ج 1 ، ص 266 ، وعنه مختصراً وسائل الشيعة ج 17، ص 147 الباب 25 من أبواب ما يكتسب به.

وفي العيون أيضاً عن الإمام الرضا عَلَيْهِ السَّلاَمُ : «وأما هاروت وماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به سحر السحرة ويبطلوا کیدهم (1).

ويشبه هذا ما يكتبه العلماء في رد الشبهات، حيث يذكرون الشبهة أولاً ثم يكتبون الجواب عنها، ولعل من في قلبه مرض يأخذ الشبهة ويترك الجواب ثم ينشرها بين الناس كما نقله الوالد رحمه الله عن شخص قال رأيت في لبنان كتاباً ذكر فيه إشكالات على الإسلام بحيث يصعب على العوام الإجابة عليها ولدى التحقيق تبين أنه أخذها عن الكتب التي ألفها العلامة البلاغي للدفاع عن الإسلام، حيث أخذ هذا الشخص الشبهات ولم يذكر الأجوبة تحريفاً للحقائق وتدليساً على العوام.

«الثالثة»

وردت روايات موضوعة على أن الملكين سجدا لصنم وشربا الخمر وفعلا غير ذلك من الموبقات وأنهما أرادا فعل الفاحشة بامرأة تسمى الزهرة فطمسها الله كوكباً، وروى السيوطي من الدر المنثور فيما يقرب من هذا المعنى أكثر من عشرين رواية موضوعة، صرحوا بصحة بعضها على مبانيهم(2).

وروي أنه قيل للإمام الحسن العسكري عَلَيْهِ السَّلاَمُ «فإن عندنا قوماً يزعمون أن هاروت وماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني آدم وأنزلهما الله تعالى مع ثالث لهما إلى الدنيا وأنهما افتتنا بالزهرة، وأرادا

ص: 303


1- العيون ج 1، ص 271 وعنه وسائل الشيعة ج 17 ص 147 - 148. (2) نقله عنه الميزان ج 1، ص 239.

الزنى بها، وشربا ،الخمر، وقتلا النفس المحترمة، وأن الله يعذبهما ببابل، وأن السحرة منهما يتعلمون السحر وأن الله تعالى مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزهرة».

فقال الإمام عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «معاذ الله من ذلك، إن الملائكة معصومون من الخطأ محفوظون من الكفر والقبائح، بألطاف الله تعالى»(1).

وعن الإمام الرضا عَلَيْهِ السَّلاَمُ «وما كان الله ليمسخ أعداءه أنواراً مضيئة، ثم يبقيهما ما بقيت السماوات والأرض، وإن المسوخ لم تبق أكثر من ثلاثة أيام حتى تموت (2).

وقال تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَسِّ«15» الْجَوَارِ الكُنَّسِ)(3) و هي النجوم

والكواكب ، وما كان الله تعالى ليقسم بأعدائه .

ولكثرة الموضوعات والأكاذيب ولتمييز الغث من السمين فقد جعل الله تعالى ميزاناً يفرق بين الحق والباطل وهو كتاب الله تعالى أولاً وأهل البيت عَلَيْهِم اَلسَّلاَمُ ثانياً كما ذكره رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ في حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين حيث قال صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ : «إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» (4) .

ولأنه كثر الكذب على رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وعلى أئمة أهل البيت عَلَيْهِم اَلسَّلاَمُ فإن .

ص: 304


1- البرهان ج 1 ، ص 501 عن التفسير المنسوب للإمام العسكري عَلَيْهِ السَّلاَمُ .
2- البرهان ج 1 ، ص 503 عن عيون أخبار الرضا 1، ص3
3- سورة التكوير، الآيتان: 15 - 16 .
4- وسائل الشيعة ج 27 ص 34 ومن مصادر الحديث: الكافي، والخصال، والإرشاد، وسنن الترمذي، ومسند أحمد، ومسند أبي يعلى، ومستدرك الحاكم، والمعجم الكبير للطبراني وغيرها.

ما نسب إليهم من قول يجب عرضه على القرآن الكريم فما وافق الكتاب أُخذ به، وما خالفه يترك، قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) (1) ، وقال سبحانه: ﴿وَيُحِقُ اللَّهُ الْحَقِّ بِكَلِمَاتِهِ، وَلَمْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾ (2) ، وقال عز من قائل: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ)(3) ، وعن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أنه قال : «إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه»(4) . وعن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أنه خطب بمنى فقال: «أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله» (5). وعن الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ أنه قال: «انظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقاً فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقاً ،فردوه ، وإن اشتبه عليكم الأمر فقفوا عنده، وردّوه إلينا ، حتى نشرح لكم من ذلک ما شرح لنا»(6)

بعد ذلك كله :

فإن القرآن الكريم دَلّ على عصمة الملائكة وإطاعتهم الله تعالى وعدم

مخالفته أبداً، ووجوب الإيمان بهم، وكفر من كفر بهم :

1 - فحول عصمتهم قال تعالى : (... بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ «26» لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (7) ، وقال سبحانه: ﴿وَلَهُ مَن فِي .

ص: 305


1- سورة الأنفال الآية: 7.
2- سورة يونس الآية: 82.
3- سورة الشورى، الآية: 24 .
4- وسائل الشيعة ج 27 ، ص 110 عن الكافي والمحاسن وأمالي الصدوق.
5- وسائل الشيعة، ج 27 ، ص 111 ، عن الكافي والمحاسن.
6- وسائل الشيعة، ج 27 ، ص 120 عن أمالي الطوسي. (7) سورة الأنبياء، الآيتان: 26 - 27 .

السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ. وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ«19» يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) ، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (1).

2 - كما أن الإيمان بالملائكة واجب وعداوتهم كفر، ولو كان فيهم عصاة لما وجب الإيمان بهم، ولا كفر من يعاديهم قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) (2). وقال سبحانه: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائیلَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) (3).

3 - كما أن الآيات تدل على أن الملائكة يطيعون الله دائماً وهم في خشية منه وخوف. فإضافة إلى الآيات الدالة على إطاعتهم الله تعالى بأجمعهم في أمره بالسجود لآدم عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) (4) وقال سبحانه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾(5).

4 - في الآخرة مكانهم حول العرش، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائكَةَ حَآفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) (6) .

وأما إبليس فإنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن قال تعالى : (إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (7)..

ص: 306


1- سورة النحل، الآية 50
2- سورة البقرة، الآية: 285
3- سورة البقرة، الآية: 98
4- سورة الرعد، الآية: 13.
5- سورة الشورى، الآية: 5.
6- سورة الزمر، الآية: 75
7- سورة الكهف، الآية: 50.

«الرابعة»:

قال في مجمع البيان: (وفي هذه الآية دلالة على أن الأفعال تختلف باختلاف المقاصد، ولذلك كان تعلّم السحر لإزالة الشبهة والتحرز منه واجتنابه إيماناً ، ولتصديقه واستعماله كفراً) (1).

أقول : وليس في الآية دلالة على أن إبطال السحر كان بسحر مثله . والأقرب أن إبطال السحر الجائز إنما هو بغير السحر من الأعمال الجائزة، كالحلّ بالقرآن والذكر والتعويذ ونحوها قال تعالى: (مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ)(2) ، وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (3)، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ«1» مِن شَرِّ مَا خَلَقَ«2» وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ«3» وَمِن شَرِ النَّفَاثَاتِ فِي اَلعُقَدِ)(4).

وفي الحديث «دخل عيسى بن شفقي على أبي عبد الله عَلَيْهِ السَّلاَمُ وكان ساحراً يأتيه الناس ويأخذ على ذلك الأجر، فقال له : جعلت فداك أنا رجل كانت صناعتي السحر وكنت آخذ عليه الأجر، وكان معاشي، وقد حججت منه ومَنّ الله عليّ بلقائك، وقد تبت إلى الله عزّ وجلَّ، فهل لي في شيء من ذلك مخرج ؟ فقال له أبو عبد الله عَلَيْهِ السَّلاَمُ : حلّ ولا تعقد» (5).

ص: 307


1- مجمع البيان ج 1 ، ص 445 .
2- سورة يونس، الآية: 81
3- سورة طه، الآية: 69.
4- سورة الفلق، الآيات: 1 - 4.
5- وسائل الشيعة ج 17، ص 146 ، أبواب ما يكتسب به الباب 25 عن الكافي، والتهذيب، ومن لا يحضره الفقيه وغيرها.

قال صاحب الوسائل : خصه بعض علمائنا بالحل بغير السحر كالقرآن والذكر والتعويذ ونحوها، وهو حسن، إذ لا تصريح بجواز الحل بالسحر (1).

السادس قوله تعالى: ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) .

أي يتعلمون سحراً يوجب العداوة والبغضاء بين الزوجين مما يؤول إلى الفراق بينهما، فإن الملكين كانا يقولان كذا مفرق، وكذا مبطل للسحر المفرق، لكن هؤلاء كانوا يعملون بالسحر لا يمبطل السحر .

والتفريق بين الزوجين عن طريقين :

1 - بسبب تأثير السحر الذي عملوه فإنه يوجب البغض .

2 - بسبب النميمة بين الزوجين حيث يراجعون السحرة، والساحر - لكي يبتزّ أو لأجل الأهواء الشيطانية - يتكلم بكلام من النميمة يسبب البغضاء بينهما مما يؤدي إلى الفراق .

ولذا عدّت النميمة في بعض الروايات من السحر - مجازاً - كما مرّ .

ولعل ذكر التفريق بالخصوص - مع أن أفعال السحرة وأضرارهم متعددة- ، بسب أن أهم أعمالهم هو هذا ، وأكثر مراجعة الناس لهم بسبب ما يعانوه من مشاكل اجتماعية وخاصة في الحياة الزوجية .

والشرع المقدس حلّ المشاكل من الجذر وبيّن وظائف كل من الزوجين وما ينبغي أن يفعل كل منهما ، بحيث لو عمل بها الناس تخلصوا .

ص: 308


1- المصدر، والمسألة محل خلاف بين الفقهاء، وتفصيله في كتاب المكاسب المحرمة للشيخ الأعظم الأنصاري ج 1، ص 269 - 273.

من جميع المشاكل لكن الكثير من الناس يُعرض عن الشرع ويلتجئ إلى السحرة وذلك يزيده ،رهقاً، ويستفاد من الآية أن التفريق بين الزوجين من أشد المحرمات، وعلى الناس الصلح بينهما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهِآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا)(1)

السابع قوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) الإذن هنا بمعنى الإذن التكويني، أي إن الله تعالى يخلي بين المؤثر والمتأثر، فإنه تعالى شاءت قدرته أولاً بجعل هذا التأثير، وثم لم يمنع بالجبر عن التأثير.

ولو شاء أن يمنعهم لمنعهم بالجبر والقهر، لكن لو فعل ذلك كان عالم الجبر وبطل الامتحان والاختبار - كما مرّ-.

وبهذا يجاب عن إشكال أنه كيف لم يمنع من الظلم والمساوىء التي يرتكبها البشر ، ولم يمنع من إضلال الشيطان وأعوانه؟ فإنه سبحانه لو منع من الظلم والشر بالمنع التكويني بحيث يعجز الناس عن ارتكابهما ، فإنه لم يبق مجال للاختبار والامتحان قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)(2) ، وإن شاء الله سنذكر تفصيل ذلك في مظانه .

وهذا المقطع لإفادة أن الناس تحت إرادة الله وقبضته سواء أطاعوا أم عصوا ، حتى لا يزعم لا يزعم العاصي أنه خرج عن سلطة الله تعالى .

كما فيه إشارة إلى أن من التجأ إلى الله تعالى واستعاذ به من شرّ 5

ص: 309


1- سورة النساء، الآية: 35 .
2- سورة الأنبياء، الآية: 35

السحرة، فإن الله سيبطل سحرهم كما قال تعالى : (قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ) (1) وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ «1» مِن شَرِّ مَا خَلَقَ«2» وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ«3» وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ) (2) .

الثامن: قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ).

الضرر وعدم النفع، أخروي ودنيوي أيضاً.

أما في الآخرة ،فواضح كما ذكره تعالى في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ). وأما في الدنيا، فإنا نشاهد أن السحرة - عادة - هم من أتعس الناس وأفقرهم .

وفي الآية دلالة على مبغوضية ما يضر ولا ينفع، وقال تعالى: (يَدْعُوا لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ) (3). وكذلك ما ضره أكثر من نفعه قال سبحانه: ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا) (4).

والضمير في (فَيَتَعَلَّمُونَ) يرجع إلى اليهود التاركين للكتاب والمتبعين لما تتلو الشياطين، فهؤلاء بدل أن يتبعوا الكتاب الذي فيه نفعهم الدنيوي والأخروي، اتبعوا السحر الذي يضرهم ولا ينفعهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، ويمكن رجوع الضمير إلى الناس الذين تعلموا من الملكين أولاً وإلى هؤلاء اليهود المتبعين لهم ثانياً .

التاسع: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ) . 9

ص: 310


1- سورة يونس الآية: 81
2- سورة الفلق، الآيات 1 - 4 .
3- سورة الحج، الآية: 13.
4- سورة البقرة، الآية: 219

أي هؤلاء اليهود الذين نبذوا كتاب الله واتبعوا سحر الشياطين وما تعلموه من الملكين، هؤلاء يعلمون أن من باع الإيمان واشترى بدله السحر، فإنه لا نصيب له في الآخرة.

وأما قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون)مما يدل على عدم علمهم، مع أنه تعالى قال قبله بقليل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا) ففيه وجوه منها:

1 - أن العالم غير العامل بعلمه كالجاهل ، فمعنى (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ): لو كانوا يعملون بعلمهم .

2 - متعلق العلم والجهل أمران مختلفان :

أما متعلق العلم : فهو عدم نصيب في الآخرة .

وأما متعلق الجهل : فهو أنها بئست المعاملة، حيث إن هؤلاء مع علمهم بأنهم لا نصيب لهم في الآخرة كانوا يزعمون أن ربح الدنيا والتمتع بها خير من ثواب الآخرة وأحسن من عذابها فهؤلاء كانوا يجهلون أنها بئست المعاملة، لأن الدنيا قليل لا يبقى والآخرة كثير لا يفنى.

ولذا أكد الله تعالى عدم علمهم في الآية التالية حيث قال سبحانه : (وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ففي هذه الآية بيّن الله تعالى جهلهم بأن المثوبة خير، وفي الآية السابقة بيّن سبحانه جهلهم بأن معاملتهم شرّ.

ص: 311

المطلب الثاني عشرومن أسباب الانحراف في بني إسرائيل (الرذائل) (الأخلاقية)

الآيتان 104 - 105

(«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ «104» مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «105»)

اولاً:

104 - ومن سيئاتهم شتمهم لرسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حيث استغلوا اشتراك استعمال كلمة «راعنا» بين الشتم على لغتهم بمعنى «اسمع لا سمعت» وبين معنى النظر والانتظار في لغة العرب فقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا) للرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ (رَاعِنَا) من المراعاة والانتظار، وذلك لأن اليهود يستغلون كلامكم لشتم الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ،(و) لكن (وَقُولُوا انظُرْنَا) بعين رحيمة أو انتظرنا ، (وَاسْمَعُوا) سماع طاعة ، (ولِلْكَافِرِينَ) الشاتمين للرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وكذلك

ص: 312

المخالفين لهذا الأمر (عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم في الدنيا حيث كتب عليهم الجلاء والأسر والقتل ونحوها، وفي الآخرة خالدون في النار.

ثانياً:

105 - ومن سيئاتهم: عدم تحملهم لرؤية فضل الله على غيرهم حسداً (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) وهم اليهود حيث كانوا يكذبون بأنهم يحبون الخير للمؤمنين، وهذه الرذيلة ليست خاصة بهم بل يشاركهم فيها غيرهم، لذا قال تعالى: ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ) ، هؤلاء لا يحبون (أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم) أيها المؤمنون (مِّن خَيْرٍ) أي نوع من أنواع الخير - مادياً كان أم معنوياً كالوحي - (مِن رَّبِّكُمْ) ، (و) لكن (اللَّهِ) لا يعمل حسب أهوائهم، بل (يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ)، كالنبوة (مَن یَشَآءُ) حسب المصلحة، ولذلك أنزل عليهم التوراة من قبل مع وجود أقوام كثيرة تعاصرهم، وأنزل القرآن على محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ الآن، (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) فليست النبوة خاصة باليهود أو بني إسرائيل بل الله يختار حسب المصلحة كما قال سبحانه: (وإن من أمّة إلّا خلا فيها

نذير) وقال سبحانه: (الله أعلم حيث يجعل رسالته).

--------------------

بحوث

الأول: قوله تعالى: ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ).

هذا الخطاب يراد به المسلمون فقط وقد ورد في القرآن في ثمانية

ص: 313

وثمانين مورداً، والحكم فيها وإن كان عاماً للجميع - لاشتراك الكل في التكليف ، لكن الخطاب خُصص بالمؤمنين تشريفاً لهم أو لأنهم المنتفعون بهذه الآيات المباركات حيث يحاولون تطبيق ما جاء فيها من أمر أو نهي، أما غير المؤمنين فلا يهمهم تنفيذ أوامر الله تعالى.

وقيل كل آية فيها ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا فهي مدنية، وذلك لأن جمیع موارد استعمالها، جاءت لبيان حكم شرعي من أمر أو نهي، والموارد القليلة التي جاءت للإخبار فإنما يراد به الأمر أو النهي أيضاً، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)(1) وهذا خبر يراد به النهي عن الارتداد، وكذلك قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ (2) ، يراد يراد من هذا الخبر النهي عن إطاعتهم.

وأما الخطابات التي صدرت ب- (یَا أَيُّهَا النَّاسُ) - وتبلغ عشرين مورداً - فهي عادة دعوة إلى أصول الدين كالدعوة إلى عبادة الله، كقوله :سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ)(3)، وبطلان عبادة غيره كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً) (4) ، والدعوة إلى اتباع الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كقوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (5) ، والتخويف من يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ 8

ص: 314


1- سورة المائدة، الآية: 54.
2- سورة آل عمران الآية: 100.
3- سورة البقرة، الآية: 21
4- سورة الحج، الآية: 73
5- سورة الأعراف الآية: 158

الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ) (1) ، والتذكير بنعم كقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ) (2) ، وهذه الآيات المصدرة ب- (يَأَيُّهَا النَّاسُ) يُبين فيها وجه الاستدلال على أصول الدين أيضاً، فهي دعوة إلى الإيمان، وبعد الإيمان ينتفع الإنسان بالأحكام الشرعية.

وأما الخطابات التي صدرت ب- (يأَيُّهَا النَّبِيُّ ) أو (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) - وتبلغ خمسة عشر مورداً - فهي :

إما لتسلية الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِي الْكُفْرِ) (3) ، وكقوله سبحانه: ﴿وَيَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (4) . وكقوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَهدًا وَمُبَشِّرًا) (5)

وإما في قضية خاصة بالنبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ) (6) ، وكقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّها النَّبِيُّ قُل لِأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْن أُمَتِّعْكُنَّ وأسَرِحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) (7) .

وإما في أمور التبليغ كقوله سبحانه: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلغ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ .

ص: 315


1- سورة الحج، الآية: 252.
2- سورة فاطر، الآية 3.
3- سورة المائدة الآية: 41 .
4- سورة الأنفال: الآية: 64.
5- سورة الأحزاب الآية: 45.
6- سورة التحريم، الآية: 1.
7- سورة الأحزاب الآية: 28.

مِن رَّبِّكَ ﴾ (1)، وكقوله تعالى: ﴿حَرِضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) (2)، وكقوله

سبحانه: ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الْأَسْرَى) (3) .

وإما في طريقة التعامل مع الكفار والمنافقين، كقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ) (4) ، وكقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغَلُظَ عَلَيْهِمْ)(5) .

وإما فيما يتعلق بشؤون النساء كما في ست من الآيات، ولعله لبيان أهمية أحكامهن ولزوم مراعاتهن وعدم الاستخفاف بتلك الأحكام، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)(6) ، وكقوله سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ الَّتِي ءَاتَيتَ أُجُورَهُنَ) (7) وكقوله تعالى:

(يا أَیُّهاَ اَلنَّبِىُّ إذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبايِعْنَكَ) (8).

الثاني: قوله تعالى: (لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا).

عن الإمام موسى بن جعفر عَلَيْهِ السَّلاَمُ «وكانت هذه اللفظة (رَاعِنَا) من ألفاظ المسلمين يخاطبون به رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، يقولون: «راعنا»، أي ارع أحوالنا ، واسمع منا كما نسمع منك، وكان في لغة اليهود معناها «اسمع لا سمعت»، فلما سمع اليهود المسلمين يخاطبون بها رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ2

ص: 316


1- سورة المائدة، الآية: 67 .
2- سورة الأنفال، الآية: 65.
3- سورة الأنفال، الآية: 70.
4- سورة الأحزاب، الآية: 1.
5- سورة التحريم، الآية: 9
6- سورة الطلاق، الآية: 1.
7- سورة الأحزاب الآية 50
8- سورة الممتحنة، الآية: 12

يقولون راعنا ويخاطبون بها، فقالوا كنا نشتم محمداً إلى الآن سرّاً، فتعالوا الآن نشتمه جهراً» (1)

ذمهم الله تعالى على فعلتهم في هذه الآية، وفي سورة النساء قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنَاً فِي الدِّينَ) (2) ، فكان غرضهم من استعمال هذه الكلمة هو التواء ألسنتهم بالسب والطعن في الرسول والدين من دون أن يكون عليهم مأخذ في الظاهر.

ويستفاد من الآية أنه يلزم سد جميع الثغرات على أعداء الدين فالأمور المباحة التي ليست من أحكام الدين إن كانت ذريعة للطعن في الدين، يلزم الانتقال منها إلى البديل الصحيح، لسد الذرائع وعدم تعريض الدين للطعن والاستهزاء، نعم لو كان استهزاؤهم وطعنهم في واجب أو مستحب أو ما هو من الدين مطلقاً، فلا ينبغي الاهتمام باستهزائهم وسخريتهم لأن الله تعالى قد كفى رسوله والمؤمنين شرهم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِءينَ) (3) .

الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا) .

لعل سبب قولهم (انظُرْنَا) كان عدم سماعهم لكلام الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لانشغال قلبهم بالتفكير في أمور أخرى، أو لتكلم بعضهم مع البعض الآخر، فلذا أرشدهم الله تعالى بأنه يجب عليهم سماع كلام الرسول سماع فهم ،وطاعة فإن من يريد تنفيذ أمر تتوق نفسه إلى سماعها ينشغل قلبه بشيء ولا يشغل سمعه لسماع شيء آخر، فيفهمه ويعيه بسر بسرعة . 5

ص: 317


1- البرهان ج 1 ، ص 506 عن التفسير المنسوب للإمام العسكري عَلَيْهِ السَّلاَمُ
2- سورة النساء، الآية: 46 .
3- سورة الحجر، الآية: 95

ويجوز أن يكون المراد أن لا تكونوا كاليهود الذين قالوا سمعنا وعصينا، فسماعهم لكلام الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لم يكن سماع طاعة بل إما للاستهزاء أو لغرض الجدال بالباطل ونحوهما من الأغراض الباطلة.

الرابع: قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

يستفاد من الآية أن الاستهزاء بالرسول صلى الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وسبه من موجبات الكفر والخروج عن الدين قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَءايَاتهِ، وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْهَزّءُونَ«65» لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجرِمِينَ) (1)

وذلك لأن الاستهزاء والسب يكشف عن عدم تصديقه صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، ولا يعقل أن يستهزئ به من يصدّق برسالته ويتيقن بها .

وفي الفقه للوالد رضوان الله عليه :

(إن الأنظمة الإسلامية الصحيحة عقيدة وشريعة الموجبة لرفاه البشرية، متوقفة على شخصية الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ واحترامه عند الناس، فإهانته معناها تحطيم أساس رفاه ،البشر، وهي أسوأ من قتل إنسان، إذ قتله تحطيم لسعادة الفرد، بينما إهانة الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ شروع في تحطيم سعادة كل البشر ) (2) .

وفي الفقه أيضاً :

(لا إشكال في حرمة الاستهزاء بالله والرسول وآيات الله سبحانه، .

ص: 318


1- سورة التوبة، الآيتان: 65 - 66.
2- الفقه ج 87، ص 386 .

والأئمة الطاهرين والمعاد، وسائر أصول الدين، كما يحرم الاستهزاء بالأحكام الشرعية، وبعض ذلك على حد الكفر، وبعضه من المحرمات القطعية) (1).

الخامس : قوله تعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)...

هذا كالدليل لما قبله فإنهم كانوا يشتمون الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ،بسبب حسدهم لما رأوا فضل الله على غيرهم.

والظاهر يكشف عن الباطن كثيراً ، وهذا من نعم الله تعالى على الناس أن جعل لهم طريقاً إلى معرفة باطن الأشخاص، حيث إن كثيراً من الأمور الهامة تتوقف على هذه، ولولا هذه العلائم لما أمكن - غالباً - الوصول إليه وشتمهم للرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ علامة على حسدهم وبغيهم، وذلك مما يسقط اعتبار كلامهم ويفضحهم كيما لا يتأثر بهم أحد وتتم الحجة على الجميع، والحمد للَّه رب العالمين.

السادس: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ).

الرحمة عامة لكل أنواعها وأهم مصاديقها : النبوة، وهذا رد للكفار من أهل الكتاب حيث كانوا يريدون النبوة لهم لا للعرب ورد للمشركين حيث ما كانوا يطيقون نبوة محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ الجاهلية والعصبية القبلية التي كانت تتحكم بهم .

ومشيئة اختصاص النبوة ليس عبثاً وإنما لحكمة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ (2) وذلك لأن الرسالة تحتاج إلى موضع قابل لائق، ولما .

ص: 319


1- الفقه، ج 93، ص392.
2- سورة الأنعام، الآية: 124.

لم يكونوا الموضع اللائق بسوء ،أفعالهم، وكان محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، المحل القابل لها جعل الله الرسالة فيه دون غيره .

وقد مرّ أن الله تعالى جعل الدنيا دار التفاضل في الأشياء والأشخاص لكمال حكمته، فراجع.

وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «31» أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ «32»﴾ (1) .

حيث زعموا أن الرسالة لا تليق إلا بمن له مال وجاه، فردّهم الله تعالى بأنه ليس لهم وضع النبوة حيث شاؤوا ، بل الأمر لله، وهو لم يوكّل لهم تدبير ما هو أقل من النبوة وهو أمور الرزق، فكيف يفوض أمر الرسالة الى تقديراتهم، والرسالة من أعظم الأمور؟

وروي أنهم لأجل ذلك - أي عدم ودهم نزول الخير عليكم - يمنعون أهل دينهم من أن يحاجوك مخافة أن تبهرهم حجتك، وتفحمهم ، معجزتك فيؤمن بك ،عوامهم، أو يضطربون على رؤسائهم، فلذلك يصدون من يريد لقاءك - يا محمد - ليعرف :أمرك : بأنه لطيف خلاق ساحر ،اللسان لا تراه ولا يراك خير لك، وأسلم لدينك ودنياك، فهم بمثل هذا يصدون العوام عنك) (2) .

وهذا بمعنى قوله تعالى: جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) (3). .

ص: 320


1- سورة الزخرف، الآيتان: 31 - 32.
2- البرهان ج 1 ، ص 508 عن التفسير المنسوب للإمام العسكري
3- سورة نوح، الآية: 7.

الآيتان 106 - 107

(ومَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «106» أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ).

106 - لأن اليهود والمشركين ما كانوا يحبون تنزيل الخير على المسلمين، فلذا كانوا يتحججون بمختلف الاستدلالات لإبطال نبوة رسول الله محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، ومن شبهاتهم : أنه كيف تنسخ التوراة؟ فإنها إن كانت صالحة لم يجز نسخها وإن لم تكن صالحة كيف أمر الله موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ باتباعها ؟ وكذلك كيف تتغير الأحكام التي يجيء بها محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ؟ فالجواب: (مَا نَنسَخ) النسخ: التبديل (مِنْ ءَايَةٍ) علامة من علائم الله، سواء أكانت الكتب السابقة أم الأحكام الشرعية أم في التكوينيات، (أَوْ نُنسِهَا) النسيان بمعنى تركها حتى ينساها الناس كما حدث بالنسبة إلى بعض الكتب السماوية السابقة حيث لم تذكر حتى نسيت، (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ) لأجل مصلحة اقتضت ذلك، كما في اختلاف شرائط الزمان والمكان، كما في القبلة حيث كانت بيت المقدس فنسخ الحكم بجعل الكعبة قبلة حتى لا يكون لليهود حجة على المسلمين، أو لتسهيل الأمر على المكلفين

ص: 321

كقوله تعالى: (الآن خفف الله عنكم) ، وكونها خيراً منها إما في الثواب، وإما في المصلحة أو لجهات أُخرى.

وعدم النسخ إما لعدم القدرة أو لعدم وجود المثل أو الأصلح، وقد ثبت وجود المثل والأصلح، كما أن الله قادر ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلا يعجز عن النسخ.

107 - ودليل قدرة الله على النسخ أنه قادر على التكوينيات فكيف يعجز عن التشريعات؟ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) فيتصرف كما يشاء في التكوين وفي التشريع، فهو الذي يعلم بالمصالح الواقعية من مختلف الجهات ويلطف بكم حينما يُبينها لكم، (وَ مَا لَكُم مِّن دُونِ﴾ أي غير (اللَّهِ مِن وَلِيٍ) يلي أموركم ويرشدكم إلى مصالحكم ﴿وَلَا نَصِيرٍ) ينصركم بالحجة البالغة على أعدائكم المجادلين في دينكم.

----------------------

بحوث

الأول: قوله تعالى: (مَا نَنسَخ) .

ونذكر حول النسخ جهات، منها :

الجهة الأولى

النسخ هو التبديل كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَكَانَ وَايَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (1).

ص: 322


1- سورة النحل، الآية: 101

ولذا قيل في معناه - لغة - : إبطال الشيء وإقامة آخر مقامه، كقولهم : نسخت الشمس الظل، أي أذهبته وحلّت محلّه، كما في قوله تعالى : (فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكُمُ اللهُ ءَايَتِهِ) (1) أي يبطل الله مؤامرات الشيطان.

والنسخ في التشريع : هو إظهار انتهاء أمد الحكم وانقضاء أجله، كما نُسخت آية ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجَوَاكُمْ صَدَقَةً) بآية (أَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَى نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ) (2). حيث إن الحكم بوجوب الصدقة كان محدوداً بوقت معين، ولكن لمصلحة لم يُبيّن أنه محدود، لما انتهى وقت الحكم لتحقق المصلحة المرجوة منه، تم بيان انتهاء ثم أمد الحكم.

والنسخ في التكوينيات : هو إذهاب آية تكوينية والإتيان بآية أخرى مكانها، كما في موت نبي ونصب نبي آخر أو وصي مكانه.

الجهة الثانية

لعل حكمة النسخ هو :

1 - الامتحان، كما في أمر إبراهيم عَلَيْهِ السَّلاَمُ بذبح اسماعيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ .

2 - أو التدرج في الأحكام تسهيلاً من الله على العباد، كأن يجعل المنسوخ مقدمة للناسخ .

3 - أو للتمهيد لقبوله، فيما لو كان الحكم المنسوخ أصعب، كما

ص: 323


1- سورة الحج، الآية: 52 .
2- سورة المجادلة، الآيتان: 12 - 13.

روي في إيجاب صوم ثلاثة أشهر ثم نسخه شهرين، أو إيجاب خمسين صلاة كل يوم ثم نسخها بسبع عشرة ركعة (1) .

أو لجهات أخرى.

الجهة الثالثة

لا نسخ في العقائد فإنها حقائق غير قابلة للتبديل كالتوحيد - مثلاً - ، كما أنه لا نسخ في الأحكام العقلية القطعية - لأن العقل حجة الله الباطنة - كما لا نسخ في أصول بعض الأحكام كأصل العبادة، وإنما النسخ في بعض الأحكام.

ولذا لا تعدد في الأديان، بل هو دين واحد قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّين عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ) (2)، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) (3).

ولذا لا يصح القول بأن الأديان الإلهية متعددة، بل الصحيح هو وحدة الأديان وتعدد الشرائع .

الجهة الرابعة

علة بقاء الآيات المنسوخة في القرآن بعد تبديل حكمها هو اشتمالها على فوائد ومصالح جمة، وقد يكون الغرض هو إيصال فكرة معينة، فعِلم الناس بالنسخ كفيل بعلمهم بتلك الفكرة.

ص: 324


1- وسائل الشيعة ج 4 ص 13.
2- سورة آل عمران الآية: 19
3- سورة النحل، الآية: 123

كما في آيات النجوى، حيث إن الغرض لعله :

1 - بيان أن الناس يبادرون في الأمور التي فيها وجاهة لهم، لكن حينما يصل الأمر إلى البذل فإنهم يحجمون !

والتناجي مع الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وهو النبي والحاكم كان يتخذه البعض ذريعة لبيان أهميتهم، فلذا حاولوا كسب الوجاهة عبر ذلك، فأراد الله بيان عدم صدقهم.

2 - مضافاً إلى إعطاء قاعدة عامة وهي كشف الصادق من غيره، بواسطة تكليف ليس بصالحهم ظاهراً .

3 - مضافاً إلى بيان فضيلة للإمام علي عَلَيْهِ السَّلاَمُ حيث إنه الوحيد الذي عمل بالآية المنسوخة قبل نسخها فتصدق وناجى الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ (1).

4 - مضافاً إلى الجهات البلاغية وفهم الآيات الناسخة، إذ لعل فهمها يتوقف على فهم الآية المنسوخة .

ولغير ذلك من جهات .

الجهة الخامسة

لا يمكن نسخ آيات القرآن الكريم، إلا بآيات أخرى من القرآن وذلك لقوله تعالى : (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنهَآ أَوْ مِثْلِهَا) ومن المعلوم أن السنة ليست خيراً من القرآن ولا مثله، بل القرآن خير منها.

ص: 325


1- مجمع البيان ج 9، ص 619 . وقال ابن عمر: وكان لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه ثلاث، لو كانت لي واحدة منهن لكانت أحب إلي من حمر النعم تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. وقال أمير المؤمنين صلوات الرحمن عليه : إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي... الحديث.

وقال الطبرسي رَحمَةُ اللَّهُ : ( إن القرآن يجوز أن ينسخ بالسنة المقطوع عليها ومعنى (خَيْرٌ مِّنَها) أي أصلح لنا منها في ديننا وأنفع لنا بأن نستحق به مزيد الثواب) الخ (1).

ومرجع كلامه إلى أن الحكم الناسخ في السنة خير من الحكم المنسوخ في القرآن وذلك لأن مرجع السنة إلى أمر الله تعالى ووحيه .

ولكن الضمير في قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَآ) راجع إلى الآية لا إلى حكم الآية فقط، فيكون المعنى حينئذ أن الحديث خير من الآية، وذلك لا يصح البتة، فتأمل.

الجهة السادسة

كون الآية الناسخة خير من الآية المنسوخة أو مثلها، هو اشتمال الناسخ على مصلحة المنسوخ أو الزيادة عليه .

وإنما نسخ مع المماثلة لفقد المنسوخ تلك المصلحة، كما في طبع الأوراق النقدية الجديدة مع تماثلها في القيمة للأوراق النقدية القديمة لاهتراء الأوراق أو لتغيير صورة أو نحوها .

وكذلك كونها خيراً منها كما في الدراسات العالية فإنها خير من الدراسات الابتدائية، وذلك لتبدل الزمان ولارتقاء مستوى الدارس فحين درس الابتدائية كان فيها المصلحة والآن المصلحة في الدراسات العليا التي هي خير من الابتدائية .

ومن أمثلته في القرآن الكريم القبلة حيث كانت بيت المقدس، ثم

نسخ ذلك وتحولت القبلة إلى الكعبة وذلك لأنتهاء مصلحة التوجه إلى

ص: 326


1- مجمع البيان، ج 1 ، ص 458 .

بيت المقدس، وهي ما أشارت إليه الآية الشريفة ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) (1) ، وكذلك (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ)(2) ، ومن المصلحة التي اقتضت جعل القبلة التوجه إلى الكعبة ما قاله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (3) .

الجهة السابعة

كما يوجد النسخ في التشريع، كذلك يوجد النسخ في التكوينيات ولكن بمعناه اللغوي فمنه

1 - موت إمام وقيام إمام آخر مقامه من النسخ (4) ، ويمكن أن يكون منه وفاة نبي وقيام نبي أو وصي آخر ،مقامه، لأن السنة الإلهية تقتضي الموت بعد أمد معلوم، وعدم الخلود لأي إنسان - طال بقاؤه أم قصر -، وأن يخلف الناس أناس آخرون قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلدٌ أَفَإِيْن مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ) (5) . وقال سبحانه: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (6).

2 - ومنه البداء، وهو إظهار أمر لا يتحقق لعدم تحقق شرطه، فيذكر الأمر ويخفى شرطه - لمصلحة ، قال الله تعالى : (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (7).

ص: 327


1- سورة البقرة، الآية: 143
2- سورة البقرة، الآية: 150.
3- سورة البقرة، الآية: 143
4- البرهان ج 1 ، ص 512 عن تفسير العياشي.
5- سورة الأنبياء، الآية: 34.
6- سورة الملك، الآية: 2.
7- سورة الرعد: الآية: 39

وعن الباقر عَلَيْهِ السَّلاَمُ «الناسخ ما حوّل، وما ينسأها مثل الغيب الذي لم يكن بعد كقوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) ، قال : فيفعل ما يشاء ويحوّل ما يشاء، مثل قوم يونس إذ بدا له فرحمهم ومثل قوله: ﴿فَنَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ) ، قال أدركهم برحمته» (1).

3 - ومنه التخصص - أي خروج الآية الثانية عن موضوع الآية الأولى، نظير الاستثناء المنقطع - كقول أمير المؤمنين عَلَيْهِ السَّلاَمُ : {ونسخ قوله تعالى: ﴿وَإِن مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِیًا) وقولُه: (الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ«102» لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) (2)}.

ويحتمل التخصيص - أي خروج الآية الثانية عن حكم الآية الأولى مع الدخول في موضوعها - ففي آلاء الرحمن (3) مع أنه لو كان القضاء الحتم تحت اختياره تعالى من كل جهة - حدوثاً وبقاء ، يصح التخصيص بالنسبة إليه أيضاً وإنما أظهره بصورة التعميم والحتم لمصالح في ذلك انتهى .

مجمع

الجهة الثامنة

دلت الآية على أن القرآن ،محدث، وهو غير الله تعالى - كما في مجمع

البيان (4) .

ص: 328


1- البرهان ،ج 1 ، ص ،511 ، وسورة الذاريات، الآية: 54. 1،
2- تفسير النعماني، الميزان ج 1 ، ص 255، آلاء الرحمن ج 1 ، ص 525 والآيتان: سورة مريم الآية: 71 ، وسورة الأنبياء، الآية: 101.
3- ج 1 ، ص 526 .
4- مجمع البيان ج 1 ، ص 458.

أولاً: لأن الله قديم، ولا يعقل نسخ القديم، لأن القديم ضروري الوجوب، وما كان ضروري الوجود استحال العدم عليه.

ثانياً: الله تعالى لا مثل له قال سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)(1) ،والآية المنسوخة لها مثل بل قد يكون ذلك المثل خيراً منها.

ثالثاً: أثبتت الآية قدرة الله على الناسخ والمنسوخ، والقدرة تتعلق بالفعل، ولا يكون الفعل إلا محدثاً ، وذات الله ليست فعلاً ولا محدثة.

وفي النسخ بحوث أُخرى لم نذكرها حتى لا نخرج عن موضوع الكتاب.

الثاني: قوله تعالى: ﴿مِنْ آيَةٍ)...

«الآية) في اللغة العلامة، والكتب السماوية علائم تدل على الله تعالی.

والآية غير مختصة بالقرآن بل تشمل الكتب السماوية السابقة أيضاً قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُم يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِ رَبِّكُمْ) (2) .

والمعاجز من آيات الله تعالى ولذا تم التعبير في القرآن الكريم عن المعجزات بالآيات، بل لم ترد كلمة (المعجزة» بهذا المعنى في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً ﴾ (3) سمي كلام الله تعالى بالآيات لأنه معجزة لا يمكن الإتيان بمثله.

وشأن نزول هذه الآية هو إشكال اليهود على القرآن بأنه كيف ينسخ .

ص: 329


1- سورة الشورى، الآية: 42 .
2- سورة الزمر، الآية: 71.
3- سورة الأعراف الآية: 73.

التوراة؟ والجواب هو أن نسخ التوراة ممكن، فالآية في قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ)شملت التوراة.

الثالث: قوله تعالى: (أَوْ نُنسِهَا).

من النسيان، والمعنى تركها وعدم ذكرها حتى تُنسى، فترفع رسمها وكتابتها وتبلى عن القلوب حفظها .

وهذا مختص بالكتب السماوية السابقة، فبعضها تركت حتى لم تبق كتابتها ولم يبق حافظ لها .

وقيل بنسخ التلاوة في بعض آيات القرآن بمعنى أن الله أنزل آيات في القرآن ثم رفعها من المصحف فحذفت منه ! !

واستدلوا ببعض المرويات التي زعموا أنها من نسخ التلاوة كما رووا أن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» (1)

وهذا القول غير صحيح بل هو قول بتحريف القرآن !!

أولاً: لأن بعض الآيات التي زعموا نسخ تلاوتها مذكورة في الكتب فهي غير منسيّة، مع أن شرط نسخ التلاوة هو الإنساء كما قال تعالى: (أو نُنسِهَا)، فعدم نسيانها وذكرها في الكتب دليل على أنها ليست من الآيات المنسوخة بل هي زعم تحريف في القرآن الكريم.

ثانياً: لقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى«6» إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ) (2) ، دلت الآية ﴿ على أن الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لا ینسی ما أقرأه الله تعالى قوله : (أَوْ نُنسِها) دال 7

ص: 330


1- رواه ابن ماجه في سننه، الحدود، الرجم، الحديث رقم 2543 ، وقريب منه في البخاري ومسلم وغيرها.
2- سورة الأعلى، الآيتان 6- 7

على نسيان الجميع لها، وأما الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) ليس بمعنى وقوع النسيان فعلاً، لأن ذلك غير مختص بالرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فكل إنسان لا ينسى ما قرأه إلا إذا شاء الله، بل المعنى أن عدم نسيانه لا يخرجه عن قدرة الله تعالى فالله تعالى أقرأه فلا ينسى ولكن مع بقائه تحت قدرة الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) (1) ، أي إن الله قادر على إخراجهم من الجنة، وهذا للتنبيه على قدرته تعالى مع أنه سبحانه لا يخرج أهل الجنة منها أصلاً، وكذلك الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ) لمنع الغلو فيه صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وبيان أن المقامات التي أعطاها الله تعالى لرسوله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لا تسبب عدم حاجته إلى الله، بل هو محتاج إلى الله تعالى دائماً .

والحاصل أن قوله : (أَوْ نُنسِهَا) خاص بالكتب السماوية السابقة ولا يجري في القرآن.

بلى لما رأى بعض العامة الروايات الدالة على تحريف القرآن في صحاحهم، ولم يمكنهم ردّها كما لم يتمكنوا من القول بتحريف القرآن، اضطروا إلى ابتداع اصطلاح نسخ التلاوة للخروج عن هذه العويصة .

مع أن بعض مروياتهم تأبى عن الحمل على نسخ التلاوة مثل ما رووه عائشة أنها قالت كان ما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخن بخمس ،معلومات وتوفي رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وهن فيما يقرأ من القرآن) (2). .

ص: 331


1- سورة هود، الآية: 108
2- رواه مسلم ،الرضاع، التحريم بخمس رضعات، الحديث رقم 2634 . ج 4 ص 167.

أو حديثها الآخر في أكل الداجن آيات الرضاعة التي ضاعت بسبب ذلك الأكل لانشغالهم بموت رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ (1).

ومن المعلوم أن لا نسخ بعد وفاة الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فلا محمل لهذه المرويات إلا التحريف !!

مع بداهة بطلان التحريف وأن القرآن الذي بأيدينا هو كما نزل على رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، وسنتعرض لبحث نفي التحريف عن القرآن لاحقاً إن شاء الله تعالى.

مضافاً إلى اشتراط الإتيان بالمثل لقوله : (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ) وبعض مروياتهم تدل على عدم التعويض، مثل ما روي عن زر بن حبيش أن أبياً قال له: كم تقرؤون الأحزاب؟ قال: بضعاً وسبعين آية، قال قد قرأتها ونحن مع رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أطول من سورة البقرة (2).

الرابع: قوله تعالى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَآ).

كون الآية الناسخة خيراً من المنسوخة إما لأنها أسهل فهي خير لكم في التسهيل، كما في قوله تعالى : (الْائَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ) (3) ، وإما لأنها خير منها في المصلحة لانتهاء مصلحة المنسوخ، وانحصار المصلحة في الناسخ وإما خير منها في الثواب، وإما الناسخ في الوقت الثاني خير من المنسوخ في الوقت الأول ، فالقرآن في زمن رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وإلى الأبد، خير من التوراة في زمن موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ، أو لجهات أخرى. .

ص: 332


1- رواه ابن ماجه النكاح، رضاع الكبير الحديث رقم 1934 . وابن حزم في المحلّى ج 1 ) ص 235 - 236.
2- مجمع البيان ج 1 ، ص 457 رواه عن أبي علي في كتاب الحجة.
3- سورة الأنفال، الآية: 66 .

وأما كونها مثلها ، فهو المثلية في السهولة، أو الثواب كالصلاة باتجاه الكعبة مثل الصلاة باتجاه بيت المقدس، أو غير ذلك.

الخامس: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ)...

استفهام تقرير وتثبيت أي قد علمت وهذا النوع من الاستفهام أوقع وأقوى من مجرد الإخبار .

والفاعل في تعلم النبي صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ خطاباً تشريفياً، أو ليتعلم منه سائر الناس كقوله تعالى: ﴿یا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ)(1).

وهذا تعليل لقدرته تعالى على النسخ، فالذي بيده التكوين لا يعجز عن التشريع وضعاً ورفعاً بالنسخ أو بغيره، فإن النسخ إما لعدم وجود المثل أو الأفضل، وإما لعدم القدرة، وقد ثبت وجود المثل والخير، كما أن الله قادر على كل شيء .

وقيل : إن الإتيان بقوله: ﴿أَلَمْ تَعلَم) للدلالة على قدرته تعالى حدوثاً وبقاءً، فهو قادر على الإيجاد فقال تعالى: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرُ)، وقادر على التصرف فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ).

والأولى ما ذكرناه من إثبات قدرته على النسخ تشريعاً، ثم الاستدلال على قدرته التشريعية بقدرته التكوينية.

السادس: قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ)... الآية.

«الولي» من يقوم بالأمر الذي يتولاه ..

ص: 333


1- سورة الطلاق، الآية: 1.

والمعنى أن الله يلي أمركم ،وينصركم، ولذا شرّع النسخ ، فإن الوليّ يراعي مصلحة المُوَلّى عليه، وينصره، وفي الجوهر الثمين (والفرق بينهما أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبياً) (1) بمعنى ليس بولي، لكن الله تعالى هو الولي وهو النصير فلا المخلوقات خارجة عن ولايته ولا هو ضعيف، والحاصل أن تشريع النسخ كان بسبب ولايته ونصرته. .

ص: 334


1- الجوهر الثمين ج 1 ص 134 .

الآية 108

(أم تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ).

108 - وحيث إن التشريع بيد الله - ومنه النسخ، فاللازم على الجميع الخضوع لأحكامه وقبولها ولكن أكثر اليهود تعنتوا، كما ، فعلوا ذلك مع نبيهم موسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ (أَم) أي بل (تُرِيدُونَ) أيها اليهود والمشركون (أَن تَسْئَلُواْ) سؤال تعنت - لا سؤال استفهام - ﴿رَسُولَكُمْ) محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فإنه أرسل إليكم - سواء اعترفتم أم أنكرتم - (كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ) فقد طلب آل فرعون الآيات ثم لم يؤمنوا بها عتواً واستكباراً، وكذلك فعل بنو إسرائيل حيث طلبوا رؤية الله جهرة وعناداً للحق، ولكن استكباركم يرجع ضرره إليكم (وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالْإِيمَانِ) بأن ترك الإيمان واختار الكفر وعاند فيه بكثرة الأسئلة التعنتية بعد وضوح الحق (فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ) أي وسطه، أو بمعنى خرج عن حد الاعتدال.

----------------------

بحوث

الأول: قوله تعالى: (لَمْ تُريدُونَ) .

ص: 335

التعليق على الإرادة - مع أن القبيح هو الفعل - لأجل أنها سبب الفعل، لأن نفسية الإنسان وطريقة تفكيره هما المحرّكان الأساسيان لحركة الناس.

وإذا قبحت الإرادة، فإن الفعل المراد يكون قبيحاً بطريق أولى قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ (1) ، وقال سبحانه: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُواً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا)(2).

الثاني: قوله تعالى: (أَنْ تَسْئَلُوا).

السؤال إذا كان للاستفهام ولمعرفة الحق فهو مطلوب مأمور به، قال تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (3). وقد أجاب القرآن عن مجموعة من أسئلتهم للتعلم وصدرها بقوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ) كقوله تعالى:

(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ) (4) .

وأما إذا كان السؤال للتعنت، أو كان فيه الضرر كان مذموماً مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)(5) فقد كانوا يكثرون السؤال عما يوجب حزنهم، مثل مكان أجدادهم الكفرة، فكان الجواب بأنهم في النار، وكان ذلك يوجب غمهم وحزنهم.

الثالث قوله تعالى ﴿رَسُولَكُمْ)

لعل إضافة الرسول إليهم - مع عدم اعترافهم برسالته - لأجل : .

ص: 336


1- سورة هود، الآية: 15.
2- سورة القصص، الآية: 83.
3- سورة الأنبياء، الآية: 7.
4- سورة البقرة، الآية: 189
5- سورة المائدة، الآية: 101.

1 - أن لا يتوهم أحد أنه أرسل إلى العرب خاصة، فلا يلزم اليهود الإيمان به كبعض الأنبياء الذين أرسلوا إلى جمع من الناس قال تعالى :

(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (1).

2 - وكي لا يتوهم أحد بأن الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ خاص بمن آمن به کما يقال : عيسى نبي النصارى ومحمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ نبي المسلمين! بل هو رسول الجميع حتى لمن أنكره قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (2) .

الرابع: قوله تعالى: (كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ).

قال تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الكِتَاب أَن تُنَزَلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ (3).

التعنت والاستكبار حالة جارية في بعض النفوس، فتشابهت إلى حدّ

كبيرة معاناة الأنبياء عَلَيْهِم اَلسَّلاَمُ ، ولذا أكثر القرآن من ذكر قصص الأمم السالفة فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ) (4).

ومع أنا غير مسؤولين عن أفعالهم وأعمالهم كما قال سبحانه: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (5) ، ولكن علينا الاعتبار بهم.

نعم البعض حينما يريد إخفاء حقائق التاريخ، وخاصة ما جرى بعد رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لكي لا يفتح الناس عقولهم وقلوبهم لمعرفة شأن أهل .

ص: 337


1- سورة الصافات، الآية: 147.
2- سورة الأعراف الآية: 158
3- سورة الأعراف الآية: 153.
4- سورة يوسف، الآية: 111.
5- سورة البقرة، الآية: 141 .

البيت عَلَيْهِم اَلسَّلاَمُ ، وأعدائهم ، أو لأجل التهرب من الأسئلة المحرجة التي لا يجد جواباً لها، فإنه يستدل بهذه الآية مع أن معناها لو كان ما يزعم - من لزوم إخفاء حقائق التاريخ - لكان القرآن متناقضاً !! حيث ذكر قصص الأمم السابقة، وأكثر من ذكر المنافقين في عهد الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، بل قبل هذه الآية ذكر جمع من الأنبياء ثم إكمال ذكرهم بتكرار هذه الآية مرتين !!

الخامس: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ) .

التبديل هنا هو ترك الثقة بالآيات البينات المنزلة واقتراح غيرها لأجل التعنت فقط، وهؤلاء وإن كانوا قد قصدوا العناد ولكن الآية عامة، فكل من كفر بدلاً من الإيمان فقد ضل - سو من الإيمان فقد ضل - سواء كان قاصداً لذلك أم لم يكن قاصداً - نعم المعاند أسوأ حالاً من الجاهل، والمقصر من القاصر،

والمستكبر من المستضعف.

ص: 338

الآيتان 109 - 110

ثالثاً (من رذائل بني إسرائيل الأخلاقية) الحسد

(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «109» وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ «110»).

109 - (وَدَّ) التمني المتضمن للحب (كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) لا كلهم، فقد آمن القليل منهم، (لَوْ يَرُدُّونَكُم) أي أن يرجعوكم (مِن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَارًا)، وهذا التمني (حَسَدًا) أي لأجل حسدهم منكم ، وهذا التمني لم يكن لأجل تدينهم بل (مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم) أي سوء سريرتهم (مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) وأن محمداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مبعوث من الله وليكن موقفكم منهم هو ﴿فَاعْفُواْ) بعدم مؤاخذتهم، (وَاصْفَحُوا) بعدم عتابهم، (حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) التكويني بهدايتهم أو إبادتهم، أو أمره التشريعي بتشريع قتالهم

ص: 339

وإجلائهم وأخذ الجزية منهم، (إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلذا يدعو إلى دينه بما هو أليق فتارة بالصفح وأخرى بالعقاب.

110 - (و) لمّا كان موقف أهل الكتاب هذا ، ف- (أَقِيمُوا الصَّلوَةَ) لتقوية أنفسكم بربطها بالقوة غير المتناهية، ﴿وَءَاتَوُا الزَّكَوةَ) للتكافل الاجتماعي تقوية للفقراء كي لا تسبب الحاجة تأثرهم بالكفار (و) اعلموا أن صلاتكم وزكاتكم يرجع نفعها إليكم ، فإن ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ) أيّاً كان هذا الخير (تَجِدُوهُ) أي تجدوا ثوابه، أو تجدوا نفس العمل (عِندِ اللَّهِ) فلا يضيع عملكم (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).عالم.

----------------------

بحوث

الأول: قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ)...

«الود» هو إظهار الحب والمراد هنا هو التمني الذي يظهر على أعمالهم، وذلك بإثارة الشبهات ليشك المسلمون في دينهم، أو بالمؤامرات التي تزلزل ضعاف الإيمان، نظير قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالَاً شدِيدًا)(1) .

الثاني: قوله تعالى: ﴿حَسَدًا).

«الحسد» هو تمني زوال النعمة عمّن يستحقها - ولو لم يردها لنفسه -. ولعل الآية الشريفة تشير إلى أن سبب عدم قبولهم للإسلام ثم 1

ص: 340


1- سورة الأحزاب الآية: 11

مكائدهم على المسلمين هو الحسد الكامن في نفوسهم مع علمهم

بالحق .

وقد ظهر هذا الحسد في أعمالهم ابتداءً من إثارة الشبهات وانتهاءً إلى إثارة الحروب، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَلَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِةِ) (1).

ثم إن منشأ حسدهم هو إرادتهم، كل خير لهم لا لغيرهم، وخاصة النبوة كما مرّ في قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب وَلَا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ) (2).

الثالث: قوله تعالى: (مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم).

«من» إما يتعلق ب- «حسداً» أي الحسد ناشئ من أنفسهم، فيكون تأكيداً، وإما يتعلق ب- «ودّ» أي ودّهم لرجوعكم كفاراً لم يكن لأجل الحق بل بسبب سوء سرائرهم وفساد باطنهم .

الرابع: قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ).

هذا التبين إما لأجل انطباق الصفات التي كانوا يجدونها في التوراة على محمد صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ - وهذا كان يعلمه علماؤهم وإن كانوا يخفونه عن العوام -، وإما لأجل رؤيتهم المعجزات الباهرات من رسول الله صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ ، قال تعالى : (الَّذِي

يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاتهِ وَالإنجِيلِ)(3).

الخامس : قوله تعالى: ﴿فَاعْفُواْ). 7

ص: 341


1- سورة النساء، الآية: 54.
2- سورة البقرة الآية: 105
3- سورة الأعراف الآية: 157

«العفو عدم المؤاخذة، بإسقاط ما يستحقه الغير من العقوبة .

دلت الآية بأن المسلمين كانوا يتمكنون من الانتقام من اليهود، إذ لا معنی لأمر العاجز بالعفو، ولعل سبب العفو هو تحبيب قلوبهم إلى الإسلام، فإنهم حين يشاهدون سماحة المسلمين وعدم رد الإساءة إلّا بالإحسان لعلهم يرجعون إلى رشدهم .

أو لعدم المصلحة في الانتقام في بداية الأمر حتى تشتدّ شوكة المسلمين فيتمكنون من المؤاخذة بأقل الأضرار .

أو لإتمام الحجة، فإن الانتقام منهم قبل ظهور سوء سريرتهم وانكشاف مؤامراتهم لعله كان يسبب تصور البعض بأن الانتقام منهم لم يكن إلا بسبب معتقداتهم مع أن الإسلام :شرع: ﴿لَاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(1).

أو لإعطائهم فرصة أخرى، فإن الله لا يأخذ المخالفين بأول مخالفة، بل يؤخرهم علهم يتوبون، لطفاً ورحمة منه، أو لغير ذلك.

السادس: قوله تعالى: ﴿وَأَصْفَحُوا).

«الصفح» هو ترك التوبيح وعدم العتاب، وإزالة أثر عدم الارتياح من صفحة الوجه، وأصله بمعنى ظاهر الجلد ومنه صفحة الوجه، ،والمصافحة والصفحة، وتصفح الكتاب.

والصفح هو فوق العفو، فإن الإنسان كثيراً ما يعفو عمن ظلمه لكنه يهجره أو يظهر على وجهه أثر ما في نفسه من الإعراض وتغير اللون ونحوهما، وقد يعاتب فيظهر على لسانه، وذلك قد يكون مانعاً على .

ص: 342


1- سورة البقرة، الآية: 256 .

صفاء النفوس ونسيان الأخطاء، ولكن الصفح مقرب للقلوب قال تعالى :

(فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)(1).

وبالطبع فإن العفو والصفح لا يسبب غفران ذنبهم، فإن غفران الذنب بحاجة إلى تنازل صاحب الحق عن حقه الأخروي وتوبة المذنب، فإن مجرد تنازل صاحب الحق عن حقه الدنيوي بعدم المطالبة به، لا يعني تنازله عن حقه الأخروي ولذا ضم الغفران إلى العفو والصفح في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ).

السابع: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمرِهِ).

أمر الله قد يكون تكوينياً، بأن يهدي بعضهم إلى الإيمان أو يبيدهم أو يذلهم، وقد يكون تشريعياً بالإذن في القتال أو الإجلاء أو أخذ الجزية منهم .

وفي الآية دلالة إلى أن العفو والصفح ليس بشكل مطلق بل إنما شرع لمصلحة، فإذا تبدلت المصلحة جاز أو وجب أخذهم بذنوبهم .

قال تعالى: ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقْاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (2) ، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَئِكن

يَؤَخِّرُهُمْ)...(3).

الثامن: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

لعل الوجه في تكميل الآية ببيان قدرة الله تعالى على كل شيء هو : .

ص: 343


1- سورة الشورى، الآية: 40 .
2- سورة الحج، الآية: 39.
3- سورة النحل، الآية: 61.

1 - إنه تعالى يدعو إلى دينه بما هو أحسن بالحكمة، فتارة يأمر بالعفو والصفح، وأخرى بالمُؤاخذة بأشكال مختلفة - من القتل والجلاء والجزية ونحوها - لأنه قادر على كل شيء، ومنه التشريع بالمصلحة.

2 - أو لأن أمره بالعفو والصفح ليس لأجل العجز بل لأجل المصلحة.

3 - أو بمعنى أن عليكم الصبر فإن الله قادر على أن يجعلكم أقوياء بحيث تتمكنون من مقابلتهم بالمثل بأقل الخسائر أو لغير ذلك .

التاسع: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَوٰةَ) .

لما أمر الله تعالى بالعفو والصفح، أمر المسلمين بالصلاة والزكاة لتجاوز آثار تخريب أهل الكتاب وللغلبة عليهم.

فأما الصلاة فإنها توجب توثيق عرى الإيمان وتربط الإنسان بالقوة غير المتناهية، حيث إنها تسبب اطمئنان القلب فلا يتأثر بالشبهات، وتُعين الإنسان على الصبر وتحمل الأذى، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةُ).

وأما الزكاة: فإنها ترفع حاجة الفقراء، كي لا يبقى منفذ يدخل منه أهل الكتاب باستغلال فقرهم ليدعوهم إلى الكفر أو لتحويلهم عناصر تخريب في المجتمع الإسلامي.

وأيضاً فإن الإنسان عليه أن يواصل طريقه ويعمل حسب البرنامج المرسوم ،له فعليكم بعد العفو عنهم ، الاستمرار في برنامجكم العبادي والاجتماعي فإن في ذلك تقوية للقلب وتجاوز آثار التخريب.

ص: 344

العاشر: قوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم)...

بعد ذكر الصلاة والزكاة، تم التعميم بكل أعمال الخير، وأنها مذخورة عند الله تعالى.

والعلم بذلك يوجب سكون النفس واطمئنانها وعدم تأثرها بالمشككين.

وفي الآية إشارة إلى أن أعمال الخير إنما هي إرسال الإنسان زاداً لنفسه قبل قدومه إلى الآخر ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم) .

كما أن فيها إشارة إلى تجسيد الأعمال حيث قال تعالى: ﴿تَجِدُوهُ﴾ أي تجدوا نفس العمل كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً) (1) ، وقال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا) (2) .

ومن الواضح أن ذلك من باب المقتضي أي بشرط بقاء الإنسان على الإيمان والعمل الصالح إلى حين موته أما إذا كفر فإن عمله يحبط قال تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (3)، وكذلك بعض الذنوب تبطل الأعمال، قال سبحانه: ﴿وَلَا تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنْ وَالْأَذَى) (4)..

ص: 345


1- سورة الكهف، الآية: 49.
2- سورة آل عمران الآية: 30.
3- سورة الزمر، الآية: 65.
4- سورة البقرة، الآية: 246 .

ص: 346

فصل مشتركات اليهود والنصارى والمشركين في أسباب الانحراف

ص: 347

ص: 348

الآيتان 110 - 111

فصل مشتركات اليهود والنصارى والمشركين في أسباب الانحراف

من هنا - فما بعد - يتم ذكر أُمور من أسباب الانحراف، اشترك مع اليهود غيرهم فيها كالنصارى والمشركين، ولعل التكميل بهذا التعميم للإشارة إلى اشتراك الجميع في أسباب الانحراف فالأمر ليس منحصراً في بني إسرائيل وإنما ذكروا كمثال فزعموا أن الحق منحصر فيهم، ثم منعهز عبادة الله ، ثم انحرافهم في التوحيد، ثم انحرافهم في النبوة.

الأمر الأول

(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ «110» وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ «111»).

110 - ﴿وَقَالُوا) أي اليهود والنصارى ، فقالت اليهود: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا) أي يهودياً، وهود جمع هائد بمعنى التائب الراجع إلى الحق، (أَوْ نَصَارَى) أي قالت النصارى لا يدخل الجنة

ص: 349

غيرهم (تِلْكَ أَمَانِیُّهُمْ﴾ جمع أُمنية بمعنى الرغبة ، وجمعها - مع أنها أمنية واحدة - تأكيداً، (قل) يا رسول الله (هَاتُوا) أي أحضروا (برْهَانَكُمْ) على عدم دخول غيركم الجنة، والأمر تعجيزي لعدم تمكنهم من إتيان البرهان (إن كُنتُمْ صَادِقِينَ) في دعواكم.

111 - ثم أبطل الله تعالى قولهم (بَلَى) دخول الجنة له شرطان من توفر ذلك فيه دخلها وإن لم يكن منكم، وهما: (مَنْ أَسْلَمَ) أي أخلص ﴿وَجْهَهُ لِلَّهِ) كناية عن انقياده وهذا يرتبط بالمعتقد، ﴿وَهُوَ مُحسِنُ) في عمله، ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ أي في الآخرة ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من مكروه مستقبلي كالعذاب (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) من مكروه ،فعلي، أو عند الموت، فإن خوف المؤمن وحزنه يعتبر لا شيء مقابل حزن وخوف الكافر.

واشتملت الآية على البرهان للمدعى - وهي عدم انحصار الجنة بهم ، وذلك لأنه بعد ثبوت وجود الجنة يحكم العقل بأن الذي يستحقها هو المؤمن المحسن.

----------------------

بحوث:

الأول: قوله تعالى: ﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ)....

قد مرّ في توضيح الآية 94 أنّ اليهود والنصارى - حالياً - لا يعتقدون ،بالآخرة، ويزعمون أن الموت نهاية الإنسان، ولم تذكر الآخرة في الإنجيل المحرف الحالي أصلاً، وقد ذكرت في التوراة المحرّف مرة

ص: 350

واحدة - على ما قيل - ويهود اليوم يقولون إن المراد منها الذكر الحسن لا الثواب والعقاب!!

فقول يهود و نصارى ذلك اليوم بأنه: (لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ

هُودًا أَوْ نَصَارَى) يحتمل أموراً، منها:

1 - إن بعض مذاهبهم التي كانت سائدة في صدر البعثة كان فيها الاعتقاد بالآخرة.

2 - أو هو تعليق ،فرضي، أي إن كانت هنالك جنة فهي خاصة بنا .

3 - أو لعلمهم بصدق الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ كانوا يعلمون بوجود الآخرة، لكنهم لتعنتهم ما كانوا يؤمنون ولكن كانوا يتمنون أن تكون لهم خالصة دون غيرهم.

الثاني: قوله تعالى: (هُودًا أَوْ نَصَارَى).

في الآية إيجاز بديع، وإنما ذكرهما معاً لوضوح أن اليهود أعداء للنصارى فلا يريدون الجنة لهم، وكذلك النصارى أعداء اليهود فلا يقولون بأن الجنة لهم .

و«هود» جمع هائد أي التائب الراجع إلى الحق، مشتق من «هاد يهود هوداً»، كقوله: ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ) (1) ، ولعل هذا الفعل هو هذا الفعل هو اشتقاق من اسمهم حيث إنهم ينسبون إلى «يهوذا» أحد أبناء يعقوب عَلَيْهِ السَّلاَمُ .

ونصاری جمع نصران مثل سكران و سكارى، ولعله مشتق من کلمة «ناصرة» المدينة التي سكنها عيسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لفترة . .

ص: 351


1- سورة الأعراف الآية: 156.

ومن هذه الآية الكريمة ، ألحقت النصارى باليهود في الأساليب الباطلة التي اشتركوا فيها مع اليهود.

الثالث: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِیُهُمْ).

أي تلك رغبتهم، وهي رغبة كاذبة لعدم استنادها إلى دليل بل البرهان ضد رغبتهم .

ثم إن الإتيان بالجمع في «أمانيهم» مع أن الأمنية واحدة هي انحصار الجنة بهم، يحتمل وجوهاً منها :

1 - إن جمع ما حقه الإفراد يفيد تأكيداً ، أي إن هذه الأمنية كانت قوية جداً في نفوسهم أخذت منهم كل مأخذ، فلذا جاءت الأمنية بصيغة الجمع لبيان تأكدها في قلوبهم قيل : إن الجمع يفيد - بوضعه - الزيادة في الآحاد ، فنقل إلى تأكيد الواحد وإبانة زيادته على نظرائه، نقلاً مجازياً بديعاً (1) .

2 - الجمع باعتبار أمنية كل واحد واحد من اليهود والنصارى، فهي مجموعة أمانٍ متعددة بتعدد نفوسهم، وإن كان مؤداها واحداً.

3 - إن أمنية اليهود تختلف عن أمنية النصارى، فكل منهما يريد الجنة خالصة له، ويجوز جمع المثنى إذا اضيف إلى ضمير التثنية أو الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) (2) فجمع اليد مع أنها مثنى.

4 - أو أن هنالك أمان متعددة بإضافة أصحاب سائر الملل والنحل الفاسدة إلى اليهود والنصارى، فتأمل. .

ص: 352


1- حاشية الكشاف ج 1، ص 177.
2- سورة المائدة، الآية: 38.

الرابع: قوله تعالى: (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)...

دلت الآية على لزوم اتباع الدليل والبرهان في أصول الدين وكل ما لا دليل عليه فهو باطل، لأن الحق الصحيح له البرهان دائماً ، وأما أصحاب الملل الفاسدة فكلامهم لا يعدو المغالطة والسفسطة .

وأما في غير أصول الدين فلا يصح اتباع ما لم يقم عليه دليل - مع احتمال صحته لخفاء الدليل - كما أنه في أحكام الشرع لا يجوز إلا الأخذ عن الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وأهل بيته عَلَيْهِم اَلسَّلاَمُ ، وكل ما لم يخرج من بيوتهم فهو باطل - حتى وإن طابق الواقع - لأن الأخذ منهم جزء من موضوع الأحكام الشرعية، نظير القطع الموضوعي، ولبحث هذا الأمر مجال آخر .

و«البرهان» هو الدليل الصحيح الذي يقصد قائله الاستدلال به.

الخامس قوله تعالى (بَلَى).

(بلى) تستعمل في جواب الاستفهام، أو في إثبات ما نُفي، وهؤلاء نفوا دخول غيرهم الجنة، فكان الجواب هو إثبات دخول غيرهم.

أو أنها جواب سؤال مقدر ، وهو «أليس يدخلها أحد» أو «هل يدخلها غيرهم»؟

السادس: قوله : (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ)....

(أَسْلَمَ وَجْهَهُ) كناية عن الخضوع والانقياد، وهذا يرتبط بالاعتقاد، ومعناه الإيمان بالله تعالى، كما أن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ) يرتبط بالعمل الصالح.

والمعنى أن الجنة ليست بالأماني الباطلة لليهود والنصارى - ولا أماني غيرهم - تلك الأماني التي لا برهان عليها ، بل البرهان يدل على أن الجنة

ص: 353

ترتبط بالإيمان والعمل الصالح، فمن يريد أجراً من شخص لا يعتقد به ولا يعمل في سبيله فإن أمنيته باطلة، أما أن تعرف المنعم عليك وتؤمن به

وتطيعه فيما يأمرك من الأعمال الصالحة فإنك تستحق أجراً منه .

ثم إن قوله : (أَسْلَمَ وَجْهَهُ) يراد به أسلم نفسه، وإنما خص الوجه بالذكر لأنها أشرف الجوارح، وإذا أسلمها فقد أسلم نفسه البتة.

والحاصل أن اليهود والنصارى قبل نسخ شريعتهم وكذلك المسلمون يستحقون الجنة بالإيمان والعمل الصالح لا بغيرهما ، كما مرت الإشارة إليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (1) .

السابع: قوله تعالى: (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ)

الخوف هو من مكروه مستقبلي، والحزن من مكروه فعلي ولذا قالوا : «الخوف من المتوقع والحزن من الواقع».

إن قلت : نشاهد كثيراً خوف المؤمنين وحزنهم؟

والجواب : إن خوف وحزن المؤمن كالعدم إن قيس بخوف وحزن

الكافر.

أو يقال إن المراد الخوف والحزن في الآخرة، فأهل الجنة لا يخافون من المستقبل ولا يحزنون على حاضرهم، ولذا قيل المراد بالخوف هو من العذاب وبالحزن عند الموت . .

ص: 354


1- سورة البقرة، الآية: 62.

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).

113 -(و) نتيجة زعمهم انحصار الحق فيهم ، فقد (قَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ) يعتد به من الدين فكل قولهم باطل (وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ) (و) الحال أنهم من أهل العلم (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) وفيه ما يأمرهم بخلاف ما يقولون، ويعلمون بصحة بعض ما قالته الطائفة الأخرى، (كَذَلِكَ) أي مثل هذا القول (قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) كالمشركين (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) حيث أنكروا كل الشرائع - ومنها الإسلام، وهذا توبيخ لأهل الكتاب حيث صاروا العنادهم كالجهلة، وإبطال لقول من زعم أن عدم قبول أهل الكتاب للإسلام دليل على عدم صحته، (فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ) جميعاً ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ) حيث لا تبقى شبهة لأحد في حكمه ويضطر الجميع إلى قبوله - حتى المعاند - (فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) من أمر الدين.

ص: 355

----------------------

بحوث

الأول: قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ)

الآية مضافاً إلى تأكيدها على أن هؤلاء لأنانيتهم وعنادهم يريدون حصر الحق فيهم أيضاً جواب شبهة وهي أن الإسلام لو كان حقاً لاعترف به اليهود والنصارى - وهم أهل كتاب !!

والجواب هو أن مجرد تلاوة الكتاب لا توجب صحة إنكارهم، وذلك لأن اليهود ينكرون على النصارى وكذلك العكس وكل واحد منهما أهل كتاب، فلو كان إنكارهم معتبراً لبطلا معاً .

إذاً فإن إنكارهم للإسلام لا اعتبار به .

وسب إنكار كل طائفة ما عليه الطائفة الأخرى، هو العناد واللجاج والمعاند لا اعتبار لكلامه، لأنه ينبذ الحق وراء ظهره - حتى وإن علم به .

وفي الآية دلالة على لزوم الإنصاف وقبول الحق الذي تقول به الطوائف الأخرى، لا لأنه قولها، بل لأجل أنه حق، وأن لا يدع الإنسان نفسه تنساق وراء الأنانية والكبر، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُو)(1).

الثاني: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتَاب).

المراد نوع الكتاب ويمكن توضيحه بوجوه :

1 - أي يعلمون أن كلا منهما على شيء من الحق، فالنصارى يعتقدون بموسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ ويصدقون بالتوراة ، إذاً فاليهود على شيء من الحق،

ص: 356


1- سورة المائدة، الآية: 8.

كذلك اليهود يعلمون بهذا التصديق والاعتقاد، إذاً فالنصارى على شيء من الحق .

2 - وكذلك من آمن بكتاب من كتب الله تعالى عليه أن يؤمن بسائر الكتب، لأن كل واحد منها يصدق ،الآخريات، فإن المُرسل واحد ولذا قال تعالى: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(1).

3 - هم أهل العلم وأهل العلم يجب أن لا ينابذ بعضهم بعضاً، بل إن أرادوا الجدال عليهم أن يكون بالتي هي أحسن، ومقارعة الحجة بالحجة، لا بالتهريج والتسقيط والتسفيه ونحوها.

4 - في الكتاب ما يأمرهم بخلاف ما يقولون .

الثالث: قوله تعالى: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ).

أي كقول اليهود والنصارى بعضهم ضد بعض، قال المشركون حول المسلمين، أو قالوا حول كل أهل الكتاب بل الآية عامة تشمل حتى الملحدين الذين قالوا مثل ذلك لأهل كل دين .

والحاصل أن الآية دلّت على إبطال زعم بعض المشركين بأن الإسلام لو كان حقاً لاعترف به أهل الكتاب وإن عدم اعترافهم لا قيمة له لأن منشأه اللجاج والعناد ولذلك ينكر بعضهم على بعض، فاليهود ينكرون على النصارى دينهم وكذلك العكس . .

ص: 357


1- سورة البقرة الآية 285.

كما أن في الآية توبيخ كلا الطائفتين، وأنهم بعنادهم صاروا كالجهال من غير فرق، وهذا شأن العناد واللجاج، ويخسر بسببه العالم ويتحول إلى جاهل .

الرابع: قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

أي يحكم بين اليهود والنصارى والجهال بل وغيرهم والله سبحانه قد حكم بينهم في الدنيا بإقامة البينات والحجج، ولكن لا يقبلها هؤلاء ولهم مجال لإنكارهم - ولو من باب العناد ، لكن في الآخرة يكون الفصل بحيث لا تبقى شبهة عند أحد، فالجميع يعرف هناك الحق من الباطل، ويرى الكل عياناً من يدخل الجنة ومن يدخل النار ، فهنالك يعلم اليهود أن عيسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ حق، والانجيل غير المحرف حق، وتعاليم المسيح حق، كما أن النصارى يعلمون أن بعض ما يقوله اليهود حق، والجميع يشاهد أن الإسلام حق وأن من ابتغى غيره خاسر لا محالة.

ص: 358

الآيتان 114 - 115

الأمر الثاني من أسباب الانحراف محاربة العبادة وأماكنها

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ «114» وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ «115»).

114 - ﴿وَمَنْ) أي شخص (أَظْلَمُ) أكثر ظلماً (مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ) كالمسجد الحرام وبيت المقدس من (أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وَسَعَى فِي خَرابِهَا) خراباً للبنيان أو خرابها معنوياً بمنع المصلين عنها لثلا تعمر بطاعة الله، (أُولَئِكَ) المانعون (مَا كَانَ لَهُمُ) أي لم يشرّع لهم (أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ) من عقاب الله لا مستهترين مخرّبين، ولكنهم لم يمتثلوا أوامر الله تعالى فلذا يعاقبهم (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ) أي ذلة (وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

115 - (و) إن منعوا ذكر الله في المساجد فإن ذلك لا يؤثر على عبادة المؤمنين، لأنه (وَاللَّهِ المَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي كل الجهات

ص: 359

(فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) وجوهكم بمعنى أي مكان توجهتم إليه لذكر الله (فَثَمَّ) أي في ذلك الجانب (وَجْهُ اللَّهِ) أي طريق للوصول إليه، بمعنى إحاطة

علمه وقدرته بكل مكان، فأينما توجه الإنسان فقد توجه إلى الله تعالى ويدل على ذلك: (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعُ) علماً وقدرة، فلذا لا تَحدّه جهة من الجهات (عَلِيمٌ) بعبادتكم فلا ينحصر علمه بكم لو عبدتم في المساجد ، بل في أي مكان وأية جهة توجهتم إليه فإنه عالم بكم.

-----------------------

بحوث

الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ)

أعظم الذنوب وأشدها هو الاستكبار على الله تعالى، ومحاربته

ومصاديق الاستكبار متعددة ولذا كان مرتكب أي منها هو أظلم الناس .

فلذا وردت لفظة (أَظْلَمُ) لعدة من الكبائر كالافتراء على الله، أو تكذيب آياته أو الإعراض عنها ، أو كتمان الشهادة على صحة النبوة، كذلك هذه الآية منع ذكر الله في المساجد وتخريبها، فكل ذلك يرجع إلى الاستكبار على الله تعالى ومحاربته. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ) (1) . وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا)(2).

ص: 360


1- سورة البقرة، الآية: 140.
2- سورة الكهف، الآية: 57

الثاني: قوله تعالى: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ) .

فسرت المساجد بأنها بيت المقدس أو المسجد الحرام، - وإنما جاء بصيغة الجمع لسعة المسجدين ولصحة السجود في أي موضع منهما -، أو معنى المساجد مكة المكرمة أو كل الأرض - لأن التراب محل السجود-.

وكل ذلك من باب التفسير بالمصداق أو بيان لشأن النزول، ومن المعلوم أن شأن النزول لا يخصص العموم ولا يقيد الإطلاق، وكما يقال «خصوصية المورد لا تخصيص الوارد».

الثالث: قوله تعالى: (أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ).

إما بدل عن «مساجد» أي ومن أظلم ممن منع ذكر اسم الله في المساجد.

وإما مفعول ثان ل- «منع» بحذف حرف الجر أي منع المساجد من

الذكر، فيكون المراد من المساجد روّادها .

وإما مفعول لأجله بتقدير كراهية»، أي منع المساجد كراهية ذكر

اسم الله، والأول أقرب.

ومنع ذكر اسمه تعالى قد يكون بتعطيل المسجد، وقد يكون بذكر

أسماء الأنداد والأصنام - بل ولعله يشمل حتى ذكر الظالمين -.

ويؤيد ذلك أن المشركين لم يمنعوا ذكر اسم الله بشكل مطلق، بل

منعوا التوحيد وإلا فهم كانوا يذكرونه تعالى مقترناً بأصنامهم.

والوجه في ذلك أن الشرك ليس ذكراً لله تعالى أصلاً بل يضاد ذكره،

فتأمل.

ص: 361

الرابع: قوله تعالى: (مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفينَ).

1 - الأظهر أن معنى الآية : هو أن الله تعالى لم يشرع على الناس تخريب المساجد ومنع ذكره فيها، بل شرّع دخول المسجد بالخضوع والخشوع والخوف منه تعالى، فالمعنى أولئك لم يحق لهم إلا الدخول الخوف منه ،تعالی نظیر قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ)(1) ، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا كَان لِمُؤمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَاً)(2).

2 - وقيل : هو أمر تكويني فالذي يمنع ذكر الله في المساجد لعلمه

بقبح عمله خائف من عقابه تعالى، أو بمعنى أن نتيجة عملهم هو الخوف

من العقوبة فكل من هدم المساجد أو عطلها يصاب في الدنيا بخوف وهو أثر وضعي لهذا الذنب، فإن الذنوب لها أثران تكليفي كالجلد في الزنى، ووضعي وهو آثار الذنب كقسوة القلب وقطع الرزق وتعجيل الموت ونحوها مما هي مذكورة في الروايات .

3 - وقيل : هو إخبار مستقبلي، تحقق حين فتح مكة حيث مُنع المشركون من دخول المسجد الحرام كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)(3) فلم يكونوا يدخلونه إلا خائفين من الطرد أو انكشاف الأمر ، وكذلك اليهود والنصارى لمّا منعوا من دخول بيت المقدس بعد الفتح !!

الخامس: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)..

ص: 362


1- سورة التوبة، الآية: 17 .
2- سورة النساء، الآية: 92
3- سورة التوبة، الآية: 28.

أي الأرض كلها، فإن كل مكان هو مشرق لمكان ومغرب لمكان آخر ولذا قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ) (1)، وحيث كانت الأرض كلها الله تعالى فلا يتصور المانعون المخربون بأنهم بمنع المساجد وتهديمها يتمكنون من منع ذكر الله تعالى، فإن الأماكن كلها لله

تعالى، وذكره يشرّع في كل مكان، فالمشركون منعوا الرسول صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ والمسلمين من المسجد الحرام، لكن تحولت الهجرة إلى مفصل تاريخي هام في تاريخ الحضارة الإنسانية وعلت كلمة الله تعالى ودخل الناس في دين الله أفواجاً .

كما أن فيه تسلية للمسلمين بأن التوجه إليه لا ينحصر في بعض الأمكنة فلئن منعوا منها فإن الأرض كلها تتحول إلى مسجد لهم .

السادس: قوله تعالى (فَثَمَّ).

«ثُمَّ» يشار بها للبعيد، سواء كان بعيداً مكاناً، أم بعيداً عن العقول والأوهام - حتى وإن كان أقرب من حبل الوريد ، فعن الصادق عَلَيْهِ السَّلاَمُ (من تعاطى ثُمَّ فقد هلك) (2) أي من تفكر في ذات الله انحرف، بل اللازم التفكر في آثار عظمته لأن الإنسان يتضاءل أمام مخلوقاته العظيمة، فإذا نظر إليها وعلم بأنها مخلوقاته فإنه سيعلم بأن الله أعظم منها لأنه خالقها (3).

السابع: قوله: ﴿وَجْهُ اللَّهِ).

يستعمل الوجه بمعنى طريق الوصول إلى الشيء باعتبار أن الوجه .

ص: 363


1- سورة المعارج، الآية: 40.
2- أصول الكافي، باب النهي عن الكلام في الكيفية / الحديث العاشر.
3- للتفصيل راجع شرحنا على أصول الكافي.

طريق لمعرفة الأشخاص، ولذا فسره البعض هنا بالقبلة أي أينما توجهتم فهنالك القبلة .

وفي مجمع البيان «والوجه : هو مستقبل كل شيء، ووجه الإنسان : مُحيّاه، ويقال وجه الكلام تشبيهاً بوجه الإنسان لأنه أول ما يبدو منه ويعرف به، ويقال هذا وجه الرأي : أي الذي يبدو منه ويعرف به، والوجه من كل شيء: أول ما يبدو فيظهر بظهوره ما بعده، وقد استعملت العرب لفظة وجه الشيء وهم يريدون نفسه إلا أنهم ذكروه باللفظ الأشرف والأنبه ودلوا عليه ،به كما قال سبحانه: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) أي إلا هو ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ) أي ربك» (1) .

وفي الآية دلالة على أن الله تعالى ليس في مكان معين، كما زعمت

المجسمة بأنه في جهة خاصة من السماء. كما دلت على إحاطة علمه وقدرته بكل الأماكن.

الثامن: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

(وَاسِعٌ) بمعنى :

1 - أن ذاته لا تُحَدّ بمكان، فإذا أمر بالتوجه إلى مكان معين كالكعبة، فليس ذلك لأنه محدود بها بل الحكمة اقتضت ذلك .

2 - وبمعنى أن علمه وقدرته وسعتا كل الأماكن وكل الأشخاص، فالكافر المانع لا يمكنه الفرار من حكومته تعالى، ولا المؤمن الممنوع يخفى عليه

3 - وبمعنى: أن رحمته شملت عباده المؤمنين، فشرع لهم التوجه إليه من أي مكان وإلى أية جهة فهو يريد التوسعة على عباده واليسر بهم . 7

ص: 364


1- مجمع البيان، ج 1، ص 471 ، والآيتان سورة القصص: 88 والرحمن: 27

4 - وبمعنى الغني، أي هو لا يحتاج إلى عبادتكم بل المحتاج أنتم.

(عَلِيمٌ﴾ أي يعلم بأحوالكم فلا يحصر الأمر بمكان العبادة بل يمكنكم عبادته في كل مكان، كما أنه يعلم بالمصالح ولذا أمر بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فلا معنى لإشكال اليهود على تحويل القبلة فإن الذي جعل بيت المقدس قبلة لمصلحة هو الذي حولها المصلحة أُخرى .

التاسع: ذكروا مجموعة من الأحكام الشرعية المرتبطة بهذه الآية الشريفة - وإن كانت دلالتها على بعضها هي بالإخبار كما أن بعضها محل خلاف.

منها : يجوز للمتطوع الصلاة على راحلته في السفر ولو خلاف اتجاه

الكعبة .

منها : أن المتحير في القبلة يصلي بأي اتجاه، وإن تبين عدم توجهه

إلى القبلة فإنه لا يعيد النافلة أما الفريضة فإن كان في الوقت أعادها .

ومنها : عدم جواز دخول الكفار إلى المساجد بمعنى منعهم منها ووجوب إخراجهم .

ص: 365

الآيتان 116 - 117

الأمر الثالث الشرك

(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانتُونَ«116» بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن

فَيَكُونُ)

116 - ﴿وَقَالُوا) اليهود والنصارى (أتَّخَذَ اللَّهُ) جعل لنفسه (وَلَدًا) فقالت اليهود: عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله وشاركهم في هذا الزعم المشركون حيث زعموا أن الملائكة بنات الله ،(سُبْحَانَهُ) هو منزه عن هو منزه عن ذلك (بَل) هو غير محتاج إلى ذلك إذ (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ) كلهم ملكه و (كُلٌّ لَهُ قَانتُونَ) أي خاضعون.

117 - والولادة من غير أب أو ظهور بعض المعاجز من هؤلاء ليس دليلاً على كونهم أبناء الله، لأن اللَّه (بَدِيعُ) مبدع وخالق من غير مثال (السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) فكما خلقها من غير مثال كذلك خلق هؤلاء، (إذَا قَضَى) وأراد (أَمْراً) شيئاً (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) أي بمجرد إرادته يوجد الشيء بلا حاجة إلى مقدمات.

ص: 366

--------------------

بحوث

الأول: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا).

«الاتخاذ» من الأخذ وضُمِّن معنى الجعل، ولعل فيه إشارة إلى أن أصل هذا الزعم كان لإرادتهم تشريف هؤلاء فزعموا التبني، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا) (1) أي لا يليق به، وقال سبحانه : (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ «4»)(2) ثم تطوّر هذا الزعم عندهم إلى حد زعم الولادة الحقيقية، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ«151» وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (3) . والآيات التي تتحدث عن نفي الولد عنه تعالى تصدت للرد على كلا الزعمين - زعم التبني وزعم الولادة الحقيقية.

ومنشأ زعمهم لذلك أمور :

1 - كانوا يتصورون أن الولد كمال لهم، وكذلك كثرة الأولاد، قال تعالى: ﴿وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوَلَدِ) (4) . فزعموا أن ما هو كمال لهم فهو كمال لله تعالى !!

2 - أرادوا تشريفهم، ولم يجدوا - بزعمهم - تشريفاً أفضل من التبني، بادعاء أنهم أبناء الله، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ (5) . ثم تطور الأمر إلى ادعاء النسب الحقيقي.

ص: 367


1- سورة مريم، الآية: 92
2- سورة الزمر الآية 4.
3- سورة الصافات، الآيتان: 151 - 152.
4- سورة الحديد، الآية: 20
5- سورة المائدة، الآية: 18

3- عدم إدراكهم لبعض الحقائق ومن طبيعة الناس إذا لم يتمكنوا من فهم حقيقة أو تحليلها بطريقة صحيحة، اختلاق تصورات وخیالات باطلة، قال تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتِ بِغَيْرِ عِلمٍ) (1) فلما شاهدوا ولادة عیسی عَلَيْهِ السَّلاَمُ من غير أب، وكذلك شاهدوا المعجزات ولم يتمكنوا من إدراك إمكان ذلك بإذن الله تعالى، لذلك ادعوا أنهم آلهة أو أبناء الله .

4 - من طبيعة الناس الغلو في الصالحين خاصة الماضين منهم، ولعله لذلك أكثر القرآن الكريم من ذكر قصص ترك الأولى الصادر عن الأنبياء، وكذلك التأكيد على أن ما صدر منهم من معجزات كانت بإذن الله وعلى نفي العلم والقدرة الذاتية عنهم بل هما إعطاء من الله تعالى لهم وأنه قادر على سلبها منهم لو أراد.

الثاني: قوله تعالى: (سُبْحَانَهُ).

«سبحان» مصدر، وهنا هو مفعول مطلق أي أسبّحه تسبيحاً حذف

الفعل وأضيف المصدر إلى ضمير المفعول.

وهو بمعنى التنزيه عما لا يليق قيل : وضُمّن معنى التعظيم أيضاً،

فيكون تنزيهاً مقترناً بالتعظيم.

وهو رد لتصورهم أن اتخاذ الولد كمال له تعالى، بل هو نقص ولذا عنه الله تعالى لأنه لا يشبه مخلوقاته وليس كمثله شيء.

الثالث: قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ).

وهذا دليل على عدم اتخاذه الولد لأن الولد بالنسب يستحيل في حقه تعالى، لأنه انفصال جزء من الأب وتحوله إلى ابن، وهو تعالى لا .

ص: 368


1- سورة الأنعام، الآية: 100.

جزء له ولا معنى لانفصال شيء منه، ولا شيء يشابهه ويشاكله، وقد دلت الأدلة العقلية أنه لا سنخية بينه وبين موجود آخر، مع أنه من الواضح وجود السنخية بين الوالد والولد .

وأما الولد بالتبني، فإنه إما لحاجة الوالد، أو لحاجة الولد :

والله تعالى هو الغني المطلق، وفي آية أخرى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِّىُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) (1) .

والإنسان يحتاج إلى الولد عاطفياً أو لرغبته في البقاء والأبناء امتداد للآباء، أو لرغبته ف