لُقمانُ الحَکيمُ وَ وَصَاياهُ

هوية الکتاب

لقَمانَ الحَکیم

وَوَصَايَاهُ

تَألِيَفٌ

العلامة الشهيد السيد محمد رضا بحر العلوم

( 1950 - بعد 1991م)

مُراجَعَةٌ

وَحدَةِ التأليف والدراسات

فی

مَكَتَبَةِ العَتَبَةِ العَبَّاسِيَةِ المَقَدَّسَةِ

ص: 1

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ص: 2

لقَمانَ الحَکیم

وَوَصَايَاهُ

تَألِيَفٌ

العلامة الشهيد السيد محمد رضا بحر العلوم

( 1950 - بعد 1991م)

مُراجَعَةٌ

وَحدَةِ التأليف والدراسات

فی

مَكَتَبَةِ العَتَبَةِ العَبَّاسِيَةِ المَقَدَّسَةِ

ص: 3

العَتَبَةِ العَبَّاسِيَةِ المَقَدَّسَةِ

قسم الشؤون الفكرية والثقافية /شعبة المكتبة

كربلاء المقدسة /ص.ب. (233) / هاتف: 322600، داخلي: 251

www.alkafeel.net

library@alkafeel.net

alderasat@alkafeel.net

بحر العلوم محمد رضا موسی ،جعفر، 1950 - بعد 1991

لقمان الحكيم ووصاياه = The Sage Luqmân and his Commandments تأليف العلامة الشهيد السيد محمد رضا بحر العلوم ؛ مراجعة وحدة التأليف والدراسات في مكتبة العتبة العباسية المقدسة. - الطبعة الأولى. كربلاء : مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة، 1436ه- / 2015.

554 صفحة ؛ 24 سم- (مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة ؛ 36) .

يتضمن آخر الكتاب مقدمة باللغة الإنجليزية.

المصادر: ص. 541-544 ؛ وكذلك في الحاشية.

1 . لقمان (ع) النبي في القرآن. 2 . لقمان (ع) ، النبي - وصايا. 3. الوصايا. ألف .مكتبة العتبة العباسية المقدسة. وحدة التأليف والدراسات. ب. العنوان. ج. العنوان The Sage Luqman and his Commandments

BP133.7.L84 B3 2015

الفهرسة والتصنيف في مكتبة العتبة العباسية المقدسة

الكتاب: لقمان الحكيم ووصاياه. المؤلف : السيد محمد رضا بحر العلوم

الناشر: مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة.

الإخراج الفني فاضل الموسوي

:المطبعة دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع.

الطبعة: الأولى.

عدد النسخ: 1000

التاريخ: اشهر ربيع الآخر 1436ه- - 22 كانون الثاني 2015م.

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (2407) لسنة 2014م

ص: 4

كلمة إدارة المكتبة

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلّى الله على أكمل خلقه نبيّه الأمجد أبي القاسم محمّد وعلى آله الأطهار المصطفين الأبرار ، وبعد :

فقد عُرض علينا فى مكتبة ودار مخطوطات العتبة العبّاسيّة المقدّسة كتاب (لقمان الحكيم (ووصاياه لمؤلّفه العلّامة السيّد محمّد رضا بحر العلوم رحمه الله، وقد وجدنا في الكتاب معلومات نافعة ، وأخبار وافرة عن هذه الشخصية التى كرّمها القرآن الكريم ، ففيه دراسة وافية عن الشخصيّة وملامحها وصفاتها ، وعن الوصايا ، وما ورد في حكمته ، وما عنه في موضوعات الأخلاق والآداب والمواعظ والحكم والقضاء ، مفصلة ومأخوذة من الروايات والأخبار والأحاديث ، جمعها المؤلّف وبوبها وقسمها بأسلوب لطيف يسهل على القارئ التعامل معه والإفادة اثر مما ورد فيه .

ولا يخفى على أحد أنّ شخصيّة لقمان الحكيم - والتي ورد ذكرها في كتاب الله (جل وعلا) ، وفي الأحاديث والآثار العديدة عن النبي والمعصومين صلوات الله عليهم - شخصيّة ارتبط ذكرها بالحكمة،

(أ)

ص: 5

والموعظة الحسنة ، والإرشاد إلى سبيل البناء القويم للذات والمجتمع بمفهومه الخاص ، والآخر الإنساني العام، وبذا تبرز أهمية هذا الكتاب المؤلّف في دعم الفرد المسلم وتوجيهه إلى الاتجاهات الإيجابية التي أرشد الخالق الحكيم عباده إليها ، ضامناً لهم السعادة التي لا شقاء معها ، والكرامة التي لا هوان بعدها ، فساق الحكمة على لسان لقمان ، وفي شخصه في آن واحد ، فكان مُعَلِّماً ومَعْلَماً ... فالحكيم الذي جلس الأولياء والعظماء بين يديه يتعلّمون منه ، ويرتوون من مناهله ، ويتأدبون بأدبه ، لم يكن ذا جاه أو حسب أو نسب أو مال أو جمال ، إذ إنّه وصل إلى ما وصل من الدرجات بحكمته وعلمه و رشاده

وبذلك وغيره فإنّ مكتبتنا لتتشرف بنشر هذا الكتاب إيماناً منها بالواجب الأخلاقي في نشر كتب الفضيلة والمثل : لما فيها من بناء للذوق

السامي .

والحمد لله أولاً وآخراً .

السيّد نور الدين الموسوي

إدارة مكتبة ودار مخطوطات العتبة العبّاسيّة المقدّسة

17 شهر ربيع الأول 1436ه-

(ب)

ص: 6

تمهید

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف النبيين والمرسلين محمّد وآله الطيبين الطاهرين وبعد :

فقد جاءت الشرائع السماوية ورسالات الأنبياء وفق برنامج أخلاقي وتربوي متكامل يصقل روحيّة العبد ويخلق منه انموذجاً متميزاً بعيداً عن انحرافات المجتمع . ولذا نشاهد أنّ في سياقات الآيات القرآنية حقاً حثيثاً في معرفة الخالق وتوحيده والتحلّى بأخلاق الأنبياء والسير على نهجهم القويم وصراطهم المستقيم .

فكانت الحكمة والموعظة آنذاك مفردات متداولة للتخاطب أخذت وقعها عند الكثيرين فكان ممن خلّدهم التاريخ في أولى صفحاته المشرقة هو لقمان الحكيم هذه الشخصية العظيمة التي عرفت بسلوكها التربوي ونهجها الأخلاقي وعطائها الثر حتى اختلف المؤرّخون في أنه نبي أم حكيم.

والمتأمّل جيّداً فى سيرة هذا الرجل الحكيم يجد انه امتداد لسيرة

(ت)

ص: 7

الأنبياء والأوصياء وهو ثروة علمية لا يستغنى عنها أتحف المنظومة الأخلاقية بالكثير والوفير من العطاءات الكفيلة بتربية الفرد ونشوئه

نشأة سليمة . وقد وردت عدة آيات قرآنية تحكى ما ذكرناه من سبل التربية تهذيب النفس حيث قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِم الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (لقمان : 17 - 18) .

فتلك الآيات تكشف عن عمق شخصيّة لقمان الحكيم والمستوى العالي للنفس التي كان يروّضها كيف يشاء في حبّ الآخرين ونشر الخير والوئام بين أبناء جلدته .

وهنا أيها القارئ الكريم لابدّ من الاشارة إلى أنّ هذا الكتاب الذي بين يديك هو حصيلة جهد وتتبع من قبل المؤلّف حيث كان مدار اهتمامه ورغبته لسنوات جمع فيها ما تمكن له من الحكم والوصايا المتفرّقة في طيات الكتب وبدأ بتقسيم كتابه وتبويبه وشرح مفرداته بعرض مرتب

وشكل مهذب مبيناً مضامين هذه الوصايا والحكم بحثاً وتحليلاً. والمتتبع لمصادر الكتاب يجد أنّ الكثير منها مصادر معتبرة يأخذ بها العامة والخاصة رغم اختلاف مبانيهم إلا أن وزارة الثقافة والإعلام فی عهد النظام البائد أعلنت بوضوح مكامن غلها وشرور حقدها

(ث)

ص: 8

فأصدرت منعاً بعدم الموافقة على طبع الكتاب وختم بالحبر الأزرق على جميع صفحاته ما نصه : (يمنع طبع الكتاب لأن المؤلّف مستمد مادته من كتب الشعوبية والزندقة .

فلا غرو إذ مارست السلطة المجرمة شتى فنون الإقصاء والتعسّف بحق العلم والثقافة الذي يكشف عن شغفها في طمس معالم الخط الذي انتهجه لنا أئمتنا الطاهرين على مر التاريخ .

وبقي الكتاب في غياهب الخفاء حتى انكشاف الغمّة عن هذه الأُمّة ولله الحمد كان لبعض الاخوان والأصدقاء الدور الكبير في الوقوف معي من أجل إخراج هذا الكتاب إلى النور فجزاهم الله خير جزاء المحسنين .

(ج)

ص: 9

المؤلّف في سطور

* ولد الشهيد السعيد السيّد محمّد رضا بحر العلوم في مدينة النجف الأشرف سنة 1950م ومن أسرة عريقة عرفت بالعلم والتقوى والمواقف الجهادية والوطنية وعلى رأسها آية الله العظمى صاحب الكرامات

الباهرة السيّد محمّد مهدي بحر العلوم قدّس سرّه الشريف .

*نشأ المترجم له نشأة علميّة اقتداءً بالسلف الطاهر من علماء الأسرة وتحت رعاية والده آية الله العلّامة السيد موسى آل بحر العلوم قدس سره، الذي عرف بهيبته وأخلاقه وسلوكه وشغفه بالعلم والأدب وأيضاً كان لأخيه حجة الإسلام والمسلمين العلّامة الشهيد السيد جعفر بحر العلوم قدس سره الدور الكبير في متابعته وتوجيهه حتى نحى منحى آبائه وأجداده في الدراسة الحوزوية .

*درس العلوم الحوزوية من المقدّمات والسطوح العالية عند كبار الأساتذة والعلماء حينها وأخص بالذكر منهم :

1 - آية الله الشهيد السيد علاء الدين بحر العلوم قدس سره.

2 - آية الله الشهيد السيّد عزّ الدين بحر العلوم قدس سره.

(ح)

ص: 10

3 - آية الله العظمى الشيخ علي الغروي قدس سره.

4 - آية الله العظمى الشيخ بشير النجفي (دام عزّه) .

5 - حجة الإسلام والمسلمين السيد عبد الرزاق الحكيم قدس سره.

*حضر أبحاث الخارج فقهاً وأُصولاً عند كل من :

آية الله العظمى السيد نصر الله المستنبط قدس سره وآية الله العظمى الإمام السيّد أبو القاسم الخوئي قدس سره ولديه مسودات من تقريرات أبحاثهم الفقهيّة والأصولية .

*تخرج المترجم له من كلّيّة الفقه في النجف الأشرف بدرجة الامتياز في العلوم الإسلامية سنة 1974 - 1975م.

*عرف المترجم له أيضاً باهتمامه في كتب الأدب والشعر من خلال المساجلات والمسابقات الشعرية بين طبقته آنذاك.

* له كتاب آخر في طريقه إلى الطبع إن شاء الله تعالى تحت عنوان (نبوّة آدم) .

*صاهر المترجم له كريمة خادم الحسين المغفور له السيد هاشم السيّد حمود الموسوي الدسفولي رحمه الله ورزقه الله منها (كاتب هذه السطور) وبنت .

*اعتقل الشهيد مع اخوانه وأولاد عمومته وأسرته وجمع من أبناء مدينة النجف الأشرف فى الانتفاضة الشعبانية المباركة عام 1991م ضد النظام الصدامي . بعد أن أخرجوا من ديارهم في أيام عصيبة من

(خ)

ص: 11

التضييق والقتل حيث أخذوا إلى جهة مجهولة وتم اعدامهم ظلما وجوراً على يد أزلام صدّام ولم نعثر لهم على رفات أو قبور فقد كان لهم أسوة بجدتهم السيدة الزهراء علیها السلام فكانوا أوسمة شرف وعزّ في تاريخ التضحية والشهادة .

«وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ »(آل عمران : (169) .

*أخيراً أرجو من الله عزّوجلّ أن يكون هذا الجهد الذي بذله الوالد رحمه الله في ميزان حسناته وبضاعة مزجاة لروحه الطاهرة وأن ينتفع من ثوابه يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88_89).

وأسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدينا لأن نكون خير خلف لخير سلف وأن يوفقنا للرشاد والهداية وبلوغ الغاية والحمد لله على نواله والصلاة والسلام على محمد وآله .

مصطفى السيّد محمّد رضا بحر العلوم

النجف الأشرف

السابع من ذي القعدة 1435ه-

(د)

ص: 12

الصورة

حجة الاسلام والمسلمين الشهید

السيد محمد رضا بحر العلوم

ص: 1

المقدمة

ص: 2

الحمد لله على آلائه وأشكره على نعمائه وأصلّى على أكرم أنبيائه وأحبّ أحبّائه الرسول المسدّد أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أهل بيته الهادين سلام الله عليهم أجمعين .

منذ زمن ليس بالقصير أحس برغبة ملحة في تأليف كتاب جامع لوصايا لقمان الحكيم ، وكانت هذه الفكرة ترسو و تطفو ، ومهما مرّت العطل والمناسبات تنتبهت الرغبة ونشطت وجاشت هذه الخاطرة ثم قرّت وهكذا أكثر من سنتين أكتب كلّ ما أعثر على وصيّة من وصاياه في طيات الكتب وبطون التاريخ وأودعها في كراسات مبعثرة غير منظمة وأرجع إليها عند الحاجة وكنت أعود إلى جمعها بين الحين والأخر فأزيد فيها حتى بلغت من جمعها ما تسحق الذكر، ولما تأملت فيها وجدتها مشتملة على حكم بالغة ومواعظ شافية وحض على مكارم الأخلاق والأفعال ونهى عن مساويها ، فكنت أتردّد منذ أمد ليس ببعيد بين مواصلة شرح هذه الوصايا وأهمالها بالكلية مقتصراً على جمعها فحسب إلى أن يتيح الله سبحانه خصباً في الذهن ونشاطاً في النفس وقوة في الفكر أكثر مما أجد ولكن وجدت نفسي كما قال العماد الاصفهاني:

ص: 3

أنّه لا يكتب الانسان كتاباً في يومه إلا قال في غده لو غيّر هذا لكان أحسن ، ولو زيد كذا لكان ،يستحسن ، ولو قدّم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل ، وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر».

ليست الغاية من تأليف كتابي هذا أن أحيط بكل ما أوصى به لقمان فإنّ الإحاطة وبلوغ الغاية أمر صعب جداً لا يقوى عليه إلا من أوتى حظاً عظياً وتوفيقاً إلهياً . « هذا جناي وخياره فيه » فان أحسنت فذلك غاية ما أبتغيه - والحمد لله - وإن تكن الاخرى فالقصور وليد مع كلّ إنسان ، وما أدري أيُّها القارئ الكريم لعله لا يروق لك أو لعلك تقول بكلمات طالما تلوكها الألسن - إن حقاً وإن باطلاً - والمؤلّف هدف للنقد كما يقولون ، ولكن لا يهمني قلت ذلك أم لم تقل .

ان وصايا لقمان لم تلق من الكتاب والشراح العناية التي تستحقها لا في جمعها ولا في شرحها فلم يعطوها نصيبها الوافر من الجمع والشرح كما أعطوا غيرها ممن هي دونها ودونها بأشواط، فلذا حاولت في هذا الكتاب أن أشير إلى هذه الثروة العظيمة من الوصايا والمواعظ الزهدية والزواجر الدينية والحكم النفيسة والآداب الخلقيّة .

ثم إن هذه الوصايا لم تكن موجودة بشكل يسهل على الباحث جمعها، بل وجدت في هنا وهناك بشكل غير متناسق لذا كان من الصعوبة بمكان الربط بين فقراتها إلا بعد الرجوع إلى المصادر التي استيقت منها.

ص: 4

ان مواضيع الوصايا متنوعة تماماً، وانّي حرصت أشد الحرص على أن تكون منسقة ومبوبة على النحو الآتي، ولعلّي بهذه الطريقة أكون قد سهلت إلى القارئ الكريم دون حاجة للرجوع إلى مصادرها

1 - الفصل الأوّل :

يتضمن مواضيع مهمة تتعلق بشخصيّة لقمان وما يتصل بها من جهات أخرى.

2 - الفصل الثاني:

يتضمّن وصايا لقمان التي وردت في القرآن الكريم.

3 الفصل الثالث :

يتضمن وصايا بوبت إلى ثلاث وعشرين باباً مع ذكر المصدر الذي استقت منه وذكر الجزء والصفحة من المصدر نفسه كي يسهل الرجوع إليه إذا ما أراد القارئ مزيد الاطلاع والتوسع ، فان المرء حريص عليها .

4 - الفصل الرابع :

يتضمّن الأخلاق بصورة عامة فتشمل الفضائل والرذائل.

5 - الفصل الخامس :

وصايا متفرّقة الموضوعات شتى.

6 - الفصل السادس:

فى حكايات لقمان ومناظراته مع مواليه وغيرهم .

وأمّا الخاتمة :

ص: 5

فتتضمّن جملة من مواعظ الله عزّوجلّ والأنبياء وغيرهم من الملوك والرؤساء والحكماء.

ثم انه سيرى القارئ لهذا الكتاب مصادر كثيرة جليلة الشأن معروفة عند أهل الفن، غير ان جدّ اعتماد المؤلّف - وخصوصاً في نقل الأخبار - على أصول الكافي ومجموعة ورّام وبحار الأنوار وتحف العقول وجامع السعادات .

وأمّا الأحاديث والروايات التي استشهدت بها ولم أشر إلى مصادرها فهي من مرتكزات الذهن .

وختاماً فاني أستسمح القارئ الكريم إذا ما وجد في عملي هذا تقصيراً ، فبحر العلم لا قرار له ، والساحل بعيد والجهد قليل .

استمد من الله سبحانه التوفيق والعصمة وأتنجز التسديد والمعونة خطأ الجنان قبل خطأ اللسان، ومن زلّة الكلام قبل زلّة واستعيذه من القدم وهو حسبي ونعم الوكيل .

النجف الأشرف

المؤلّف

محمد رضا موسى بحر العلوم

ص: 6

بسم الله الرحمن الرحيم

وَلَقَدْ آتَيْنَا لقَمَانَ الحِكْمَة أَن اشكر لله و من يَشْكُرْ فَإِنمَا يَشْكُرُ لَنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَان اللَّهَ غَنى حَمِيدٌ

سورة لقمان / 21

ص: 7

ص: 8

الفصل الأول

اشارة

ويحتوي على :

1 - شخصية لقمان

2 - نسبه

3 - عمره

4 - أوصافه

5 - مهنته وصنعته

6 - رقيته وسبب عتقه

7 - هل هو نبي أو حكيم ؟

8- أولاده

9 - وفاته

ص: 9

ص: 10

شخصيّته

ان تأريخ العظماء ليس مجرّد حياة وموت وأحداث وقعت فيما بين الحياة والموت فضبطتها صحف التأريخ وختم عليها الزمن بخاتمه ، وإنما تأريخ حياتهم ميراث كريم تتوارثه الانسانية كلّها وتقتدي بما فيه منعظات وعبر وتقطف من مجانيه ما تطول يدها وتبلغ همّتها من قدوة صالحة ومثل كريم، ومن أجل هذا كانت حياة الذاهبين من العظماء في معرض النظر والدرس وفي مجال المحض والتمحيص لكل انسان ولكلّ جماعة ولكلّ أمة لاستخلاص ما يمكن استخلاصه من عظات وعبر. وحكيمنا لقمان كان من الصدارة بمكان من العظمة الانسانية وفي أرفع منازلها وأسمى مراتبها ، إذ كان في مدارج السمو الروحي والاطمئنان القلبي الذي تسكن به نزعات الهوى وتطيش معه رميات الشيطان ووساوسه .

كانت حياة لقمان وجهاً مشرقاً بارزاً، إذ كان في أقواله وأعماله تفسيراً عمليّاً لمنهجه في اقامة مجتمع انساني على أحسن وأتم صورة يمكن أن تقع الحياة البشرية .

ص: 11

هناك كثيرون ممن يطوي صفحتهم الموت فيصبحون أثراً بعد عين فلم يخلد لهم التأريخ ذكراً ولم تلهج الأفواه بحسن الاطراء عليهم ويسدل عليهم رداء الفضيلة والنسيان.

ومن اولئك الاعلام حكيمنا لقمان فقد كان مثالاً للفضيلة ونموذجاً صالحاً يُقتدى به في سمو الأخلاق وجليل المزايا وجميل الصفات مضافاً إلى ما جبّل عليه من الورع والتقوى فكانت نفسه سامية أطهر من الطل وأنقى من ماء السماء، تحلّلت من قيود الطبيعة ولم تدنس بأوضارها أقتربت نفسه من البشرية فكانت تتحسّس آلامها وتتوجع لأحزانها، رزق قلباً رحيماً بالضعفاء والفقراء وهذا لا يتاح إلا لأقوام نذروا أنفسهم لخدمة المجتمع الانساني وقصر وا حياتهم في سبيل السعي لسعادة البشريّة وطرد البؤس والشقاء .

لا شكّ ان الانسان كلّما كان على حالة رفيعة من الصفاء وطهارة الضمير ونقاوة الوجدان علت روحه و سمت نفسه حتى تعلو النفوس بسموه وبرفعته .

لقمان هو ذلك الرجل القوي الورع في الله عزّ وجل عميق النظر طويل الفكر كان يداوي قلبه بالتفكّر ويداوي نفسه بالعبر، كان يعتزل الناس حتى قيل له : لو جلست مع الناس كان آنس لك ، فيقول : ان طول الوحدة أفهم للفكر ودليل على طريق الجنّة .

ان الحكمة التي عرف بها لقمان هي عبارة عن النضج في تجاربه في

ص: 12

الحياة وانّ المؤشّرات التي كانت موجودة في سلوكه تدلّ على أنه كان يستعمل أساليب دقيقة فى الرياضة النفسيّة فكان يستفيد من التجارب

على قدر ما يسع له عقله حتى عرف بالدقة في تعبيره وأسلوبه فكانت وصاياه كوصايا الأنبياء لما تحمّل من عمق الفهم وحرارة العاطفة وسمو الغاية فكانت حصناً منيعاً للأخلاق العامة والعطف الانساني وتركيز العمل النافع على أسس من الايجابية في العقل والضمير، لقد كان يتجه إلى الناس بحكمه ومواعظه ونصائحه الرائعة حتى روي ان داود علیه السلام كان ينصب له منبراً فيجلسه عليه ثمّ يجلس هو تحت منبره يستمع لحكمته وكان يقول له : طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية وأعطي داود الخلافة وابتلي بالخطأ والفتنة . لقد كان لقمان ممن وعظ بغيره أي رأى العبر في غيره فاتعظ بها في نفسه فكان يعتبر ويتعلّم ما يغلب به نفسه و يجاهد به هواه ويحترز به من الشيطان فكان لا يظعن إلا فيما ينفعه ولا يتكلّم بما لا يعلم ولا يماري فيا علم وكان أكثر دهره صامتاً ولا يستشير صاحباً إلا أن يرجو منه النصيحة فكان كما قال الشاعر:

وكان يرى الدنيا صغيراً عظيمها*** وكان لأمر الله فيها معظما

وأكثر ما تلقاه في الناس صامتاً ***وإن قال بز القائلين فافحما

أهان الهوى حتى تجنبه الهوى*** كما اجتنب الجاني الدم الطالب الدما

نعم كانت مواعظه خير المواعظ لأنها خرجت من شخص مخلص

ص: 13

ومن قلب مشفق وكلّما كانت كذلك أنتفع بها السامع المنصف وقد قالوا: ما أحسن التاج وهو على رأس الملك أحسن، وما أحسن الدرّ وهو على نحر الفتاة أحسن، وما أحسن المواعظ وهي من الفاضل التقي أحسن . لقد انطلق لقمان في وصاياه من منطلق المسؤولية ، من مسؤولية الآباء للأبناء حيث وضع خلاصة تجاربه أمام ابنه فكان يرى ان الأب يلعب دوراً مهماً في توجيه ابنه وتنميته تنمية صالحة كالدور الذي يلعبه في وجود ابنه ، فكان يرى ان المسؤولية الكبرى منصّبة على الوالدين لأنهما أكثر الناس اختلاطاً بالولد وهو أخشع لهما وأعظم استكانة لأمرهما واستسلاماً لطاعتهما يهوي إليها فؤاده وتسكن لجوارهما نفسه.

نعم كان هو القدوة الطيّبة والمثل المشكور حيث تدرّع بلباس الكمال الذي يملأ القلوب جلالاً والعيون جمالاً فكان قد تنازل عن كثير مما يشتهيه نفياً للرذيلة وابعاداً للنقيصة وكان يرى ان الانسان مهما كان خاضعاً لقانون الوارثة فانه لا يمكنه أن يقف جامداً أمام تأثير التهذيب كما أنّه كان يرى ان المخالطة هى التي تغير التي تغير الانسان كثيراً من أخلاقه وعاداته من حيث يدري ولا يدري ومن حيث يريد ولا يريد ، وهذا شيء لا يستطيع أحد أن ينكره إذ ان المخالطة نجد أثرها حتى في الجماد والحيوان فالماء يطيب ريحه ويعذب في الفم مذاقه إذا جاور الأزهار ويخبث ريحه ويشتد غصصه إذا جاور ،الجيف ، وهكذا الحيوان فالحصان الشرود مثلاً إذا قرن باخر ذلول صار ذلولاً سهل القياد

ص: 14

أجل هكذا كان لقمان يتجه إلى الناس بحكمه وأمثاله ونصائحه الرائقة التي لا تجد لها أشباها إلا في حكم الأنبياء ونصائحهم.

عاش لقمان في عصر يطغى فيه الكفر والإلحاد كما يطغى به التكالب على المادة حتى اختلطت على الناس السبل وتعثر منهم الرأي عاش في مجتمع بعيد عن القيم الأخلاقيّة تعمّه الفوضى ، الظلم والفساد منتشران فيه فلم ير بدا - بعد ان قلّ صبره وضعفت طاقته واشتد غمّه ولم يكن أحد يعينه على أمره -ان اعتزل الناس ودخل بيته وأخذ ابنه يعظه حتى تفطر وانشق -كما روي - .

نسبه

حقاً ان النسب هو سبب التعارف وسُلّم التواصل ، به تتعاطف الأرحام الواشجة وعليه تحافظ الأواصر القريبة ، فمن لم يعرف النسب لم يعرف الناس ولم يعد منهم .

ان معرفة الأنساب من المعارف المطلوبة لما يترتب عليها من الأحكام الشرعيّة، ولما يتعارف بين الناس حتى لا يعزى أحد إلى غير آبائه ولا ينتسب إلى سوى أجداده.

ان عمود النسب إلى عدنان متفق على صحته ، وما بعده إلى آدم علیه السلام مختلف فيه لذا اقتصرنا عليه وعلى اسم أبيه وجده .

جاء في تفسير القرطبى ما هو بالحرف الواحد:

ص: 15

« لقمان بن باعوراء بن تاحور بن تارح هو آزر أبو إبراهيم. وقيل : «هو ابن عنقاء بن سرون وكان نوبياً من أهل أيله وقيل : كان من أولاد آزر»(1).

وجاء في تفسير الكشاف :

« هو لقمان بن باعوراء بن أخت أو ابن خالته .»(2).

«وقيل : كان ابن خالة أيوب علیه السلام ».

وقيل : كان ابن أخت أيوب علیه السلام»(3)

وقال ابن العربي :

«ذكر المؤرخون انه كان لقمان بن عاد الأكبر، وكان لقمان الأصغر ، وليس بلقمان المذكور في القرآن وكان لقمان هذا الذي تذكره العرب حكيماً. وفي أخبارها ان أخت لقمان كانت امرأة محمقة ، وكان لقمان حكيماً نجيباً ، فقالت أخته لامرأته : هذه ليلة طهري فهبي لي ليلتك طمعاً في أن تعلّق من أخيها بنجيب ، ففعلت فحملت من أخيها فولدت لقيم ابن ،لقمان، وفيه يقول النمر بن تولب:

لقيم بن لقمان من أخته*** فكان ابن أخت لها وابنما

ليالي حق فاستعضت ***عليه فقربها رجلاً مظلما

ص: 16


1- تفسير القرطبي : ج 14 ، ص 59 .
2- تفسير الكشاف : ج 13 ، ص 492 .
3- قصص الأنبياء للثعلبي : ص 192 .

فقربه رجل محکم*** فجاءت به رجلاً محکما(1)

وقال الزبيدي صاحب التاج :

«ان للعرب لقمان غير الذي ذكر صاحب النسور تنبه الشعراء إلى عاد يقال عاش حتى أدرك لقمان الحكيم وأخذ عنه العلم كما في الروض.

قال أبو المهوش الأسدي :

تراه يطوف الآفاق حرصاً ***ليأكل رأس لقمان بن عاد(2)

وذكر الكراجكي في كنز الفوائد :

لقمان بن عاد الكبير أطول الناس عمراً بعد الخضر علیه السلام وذلك انه عاش ألف وخمسمائة سنة ويقال انه عاش عمر سبعة أنسر وانه كان يأخذ فرخ النسر الذكر فيجعله في الجبل فيعيش النسر ما عاش فاذا مات أخذ آخر فربّاه حتى كان آخرها لبد وكان أطولها عمراً، فقيل طال الأبد على لبد ، ولما رأى هلاكه قال : يا لبد أهلكتني نفسك ، وفيه يقول الأعشى :

لنفسك ان تختار سبعة ***انسر إذا ما مضى نسر خلوت إلى نسر

فعمّر حتی خال آن نسوره ***خلود وهل تبقى النفوس على الدهر

لأدناهنّ إذ حلّ ريشه هلكت ***وأهلكت ابن عاد وما تدري(3)

ص: 17


1- تفسير أحكام القرآن : ج 3، ص 1484
2- تاج العروس - مادة لقم -.
3- كنز الفوائد : ص 248 .

عمره

ان مسئلة طول العمر من المسائل التي وقعت موقع الانكار - خصوصاً في عصرنا الحاضر - في حين ان هذه المسئلة ليست بأغرب من خلق الانسان وتكوينه وانتقاله من عالم الأصلاب إلى عالم الأرحام ومنه إلى عالم الدنيا .

قال الشيخ الحجة محمّد رضا المظفّر :

«إنّ طول الحياة أكثر من العمر الطبيعي أو الذي يتخيل انه العمر الطبيعي لا يمنع منها فن الطب ولا يحيلها غير ان الطب بعد لم يتوصل إلى ما يمكنه من تعمير حياة الإنسان وإذا عجز عنه الطب فان الله تعالى قادر على كلّ شيء وقد وقع فعلاً تعمير نوح وبقاء عيسى علیه السلام كما أخبر عنها القرآن الكريم ... ولو شكّ الشاك فيما أخبر به القرآن فعلى الاسلام

السلام» (1)*(2) .

ص: 18


1- عقائد الامامية : ص 79
2- ذكر الشيخ الطنطاوي الجوهري في تفسيره الجواهر مقالة نشرتها مجلة كلّ شيء تحكي عن إمكان إطالة العمر وتجديد قوى الشيوخ وان الدكتور فورد نرف الذي طار أسمه في كل ناحية لا كطبيب بل كمبشر - بإمكان إطالة الأعمار إلى ما فوق المائة وبإمكان عود الشباب تجارب ذلك في الحيوانات ، قال : قد عملت إلى الآن ( 600 ) عمليّة ناجحة وأقول الآن عن اقتناع انه لا ينصرم القرن العشرون حتى يمكن تجديد قوى الشيوخ وازالة غبار السنين عن وجوههم ... إلى أن قال : إنّ المرء يولد مستعداً للحياة قرنين من حيث تركيب بنيته ونظام قواه قياساً على ما نراه في الحيوانات... إلى أن قال : ويدعم هذا الرأي ما تراه من حياة بعض الانسان الذين عاشوا أعماراً طويلة ... إلى أن قال : قال بعض الأطباء : الموت ينشأ عن المرض لا عن الشيخوخة ... » [ تفسير الجواهر : ج 17 ، ص 224].

لقد ثبت في علم الطب إمكان طول العمر إذا واظب الإنسان على صحته بشكل تام، فان موت الإنسان ليس سببه انه عمر تسعين مثلاً بل العوارض تمنع عن استمرار الحياة.

فهذه المسئلة غير ممتنعة لا نقلاً ولا عقلاً، لما ورد في الحديث :

«عاش أبو البشر آدم عليه السلام سبعمائة وثلاثين سنة وعاش نوح عليه السلام لألفي وأربعمائة وخمسين سنة وعاش إبراهيم عليه السلام مائة وخمسة وسبعين سنة وعاش إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام المائة وعشرين سنة وعاش إسحاق بن إبراهيم عليه السلام مائة وثمانين سنة وعاش يعقوب بن إسحاق مائة وأربعون سنة وعاش موسى عليه السلام المائة وستة وعشرين سنة وعاش هارون عليه السلام مائة وثلاثون سنة وعاش داودعليه السلام مائة سنة منها أربعين سنة في ملکه وعاش سلیمان بن داود عليه السلام سبعمائة واثني عشر سنة(1).

وقد تضمّنت التوراة من المعمرين أسماء كثيرة وذكر أحوالهم ففي سفر التكوين الاصحاح الخامس الآية 5 على ما في ترجمتها من العبرانية

ص: 19


1- إكمال الدين وإتمام النعمة : ص 487 .

إلى العربية ط بيروت سنة 1870م أسماء المعمرين من الأنبياء وغيرهم والمدة التي عاشوا فيها فراجع.

والتاريخ يحدثنا عن أشخاص كثيرة قد عمّرت أكثر من مئتين سنة أمثال أكثم بن صيفي الأسدي، وزهير بن جناب بن عبدالله ، وقس بن ساعدة الأيادي، وعمرو بن ربيعة بن كعب المعروف ب-(المستوغر) وغير ذلک من المعمرين، وكانت العرب لا تعدّ من الأعمار إلا ما بلغ مائةوعشرون سنة فما فوقها .

ومن المعمرين الذي حدثنا التأريخ عنه هو لقمان الحكيم كما هو المشهور والمعروف لدى المؤرّخين ، إلا أنهم اختلفوا في المدة التي عاش .

قال القرطبي صاحب التفسير :

«أنّه عاش ألف سنة »(1).

بينما قال غيره :

«أنّه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة )(2).وفي بعض الروايات :

أنه عاش أكثر من أربعة آلاف سنة »*(3)

أقول :

بناءاً على صحة هذه الرواية فهو أطول الناس عمراً بعد الخضر علیه السلام

ص: 20


1- تفسير القرطبي : ج 14 ، ص 59 .
2- المستطرف : ج 2، ص 22 .
3- راجع عدة الداعي للشيخ ابن فهد .

ومهما تكن المدة التي عاش فيها فانّه ثوى في الأرض كما ثوى أبوه من قبل وآب إلى المصير الذي يثوب إليه كلّ حيّ ، ولكنّه عاش مل الحياة في حساب الانسانية والتأريخ ، انتهت حياته ولكنه لم ينته عطاؤها المثمر ..

أوصافه

اتفق المؤرّخون على أوصاف لقمان المتميّزة حيث كان عبداً أسوداً حبشيّاً قصيراً أفطساً غليظ المشافر مشقوق الرجلين.

قال السيوطي:

«قال رسول الله صلی الله علیه و آله : أتدرون ما كان لقمان ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : كان حبشيّاً.

وقال ابن عبّاس : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : اتخذوا السودان فان ثلاثة منهم سادات أهل الجنة : لقمان الحكيم والنجاشي وبلال المؤذن »(1)

«وقال سعيد بن المسيب :

كان لقمان أسود من سودان مصر ذا مشافر»(2)

وقال الطبرسي:

«كان عبداً أسود جشياً غليظ المشافر مشقوق الرجلين»(3)

ص: 21


1- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 160 .
2- تفسير القرطبي : ج 14 ، ص 59 .
3- مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 7، ص 315

ومهما كان وصفه فقد استحسن الرحمن منطقه وتعجبت الملائكة من حكمته فقد أوتى الحكمة بلا حسب ولا مال ولا أهل ولا بسط جسم ولا جمال وإنما أوتي الحكمة لعقله ولسانه ، فكان كما قال الشاعر:

إذا أكمل الرحمن للمرء عقله ***فقد كملت أخلاقه ومآربه

يشين الفتى في الناس قلة عقله ***وإن كرمت أعراقه ومناسبه

أجل الرجال مخابر لا مناظر .

لا تجعلنّ دليل المرء صورته ***کم مخبر سمج في منظر حسن

فلابد للإنسان إذن أن يأخذ معارفه وحكمه ممن وجدها عند صاحبها كما ان صاحب الضالة يأخذها حيث وجدها بغض النظر عن الصورة واللون .

مهنته وصنعته

انطلق لقمان الحكيم يعمل ليحذو حذو الأنبياء والمرسلين حيث لم يجد بداً من العمل والكسب وبذل الجهد ، وحتم على نفسه أن يكون ايجابياً في حياته فتمتع بالجد والنشاط ليفيد ويستفيد وكره الحياة السلبية والانكماش والانزواء عن العمل فكان يكره الكسل ويمقت صاحبه فانطلق يعمل كادحاً في تحصيل قوته وسد رمقه وانه لابد للانسان من مكسب طيب يحصل منه ما يحتاج إليه من الرزق وغيره من المخارج المحمودة فكان يرى المهنة والاحتراف هي الوسيلة لخدمة المجتمع كما انها

ص: 22

الوسيلة لكسب العيش والارتزاق وطالما قرن رضي الله عنه المهنة بالعزّ والكرامة وعدم الذلّ(1).

المعروف والمشهور أنه كان يعمل لتحصيل قوته وسد رمقه ، إلا انه

ص: 23


1- هذا ولكن تقدير الرأي العام للممتهن يرى معظم الناس الاحتراف بالمهن اليدوية أو الصناعية تستدعى إحتقار أصحابها والقائمين بها لأنها مهن تستدعي إنهاك الجسم وتلويث الثياب وقلّما يطلب العلم المهني من كان بينها متفوقاً في عقله وذكائه من الناس. ويراودنى العجب حين أعقد المقارنة بين النظرة هذه والنظرة الاسلامية في الزمن الأوّل لحكم الإسلام فها نحن اليوم نتعالى على هذه المهن ونستنكف العمل بها وقد كان يومها رجال الاسلام يحترمون كلّ الذين يشتغلون بالحرف لأنهم أدركوا ان الحرفي وحده هو مصدر الثروة وصانع الانتاج . لذا كان العمل من سيرة النبيين والمصلحين فما بعث نبياً إلا كان عاملاً كادحاً ، فاقتصرت الأنبياء على أن تأكل مما كسبت أيديهم والذي لم يتهيّأ له ذلك يأكل من حشائش الأرض ومنابتها المباحة لسائر الحيوانات فهذا عيسى روح الله كثيراً ما يقول : زادي تقواي و راحلتي رجلاي وأكلي مما تنبت الأرض. وهذا داود كان في بدء أمره يأكل من بيت المال فسئل يوماً عن سيرة نفسه - وكان المسؤول جبرئيل علیه السلام - فقال : نعمت السيرة إلّا أنه يأكل من بيت المال - وما كان ذلك عليه حراماً - ولكن الله أراد أن يتنزه عن ذلك ، فقال :داود : لقد آلى داود على نفسه أن لا يأكل من بيت المال، ولما علم الله منه صدق النية آلان له الحديد فكان يصنع منه الدروع ويبيعها ويأكل من ثمنها. وهذا سيد المرسلين محمد صلی الله علیه وآله كان قبل البعثة يرعى الأغنام ويتجر في أموال خديجة سلام الله عليها ، وأمّا بعد البعثة فكان يقول صلی الله علیه وآله جعل رزقي تحت ظل رمحي ، فكانت حرفته الجهاد . وهكذا أهل البيت علیهم السلام كانوا قد اقتدوا بمعلّمهم رسول الله صلی الله علیه وآله في أحيان كثيرة حين قلّدهم بتقبيل أيدي المحترفين التي تشققت من جراء العمل وهم يردون قوله صلی الله علیه وآله : هذه يد يحبّه الله ورسوله تشجيعاً منهم للمهنة والمشتغلين بها .

أختلف في مهنته وحرفته أشد اختلاف .

«قال سعيد بن المسيب : انه كان خيّاطاً ، وقيل : أنّه أمتهن رعاية الأغنام سنيناً ، وقيل : انّه كان حطّاباً لمولاه ، وقيل : انه كان نجاراً، وقال الواقدي : أنّه كان قاضياً في بني إسرائيل»(1)

«وقال الآلوسي : وقيل انه كان نجاداً - بالدال - أي يعالج الفرش والوسائد ويخيطهما »(2)

وكيف كان حرفته فقد انطلق إلى ميادين العمل من أجل حياة حرّة كريمة تعمّها الرفاهية ويسود فيها الخير ، فكان لا يألف الراحة ولا يخلد إلى السكون والبطالة لأن ذلك يؤدى إلى تجميد طاقاته وفساد مجتمعه وبالأخير يؤدّي إلى شل حركته الاقتصادية ، وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على استعداده ومهارته الفائقة في مجال العمل .

رقيته وسبب عتقه

من العبيد الذي ذاق مرارة العبوديّة فى نفسه لقمان الحكيم ومن كان كذلك فما أجدره أن يستشعرها في غيره ، لقد كان عبداً فباعد الله عنه ذلّ العبودية فأصبح رجلاً حراً يملك إرادته(3) ، بل كان عبداً ولكن لم يكن

ص: 24


1- تفسير القرطبي : ج 14 ، ص 60 .
2- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 83 .
3- كان الاسترقاق سنة شائعة عند جميع الأمم ، وهو معروف من القدم لأنه نتيجة الحروب والحروب معروفة من مبدأ الخليقة، وكانت قوانين الأمم بالنسبة للاسترقاق في غاية الغلظة والفظاظة حتى انه كان في بعض البلاد ليس له من الحق ما لبعض الحيوانات الداجنة ، وكانت الموالي بدورها تعامل العبيد معاملة سيئة ويكلفونهم ما لا يطيقون . جاء الاسلام ليوقظ العقل البشري الذي أخذه السبات العميق منذ فترة سحيقة ، جاء ليجعل حداً لتلك المظالم فأخذ في مبارزة هذا القانون فقال :« يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ»[سورة الحجرات (49): 13]. لم يقف الاسلام مكتوف الأيدي أمام هذه الظاهرة ، بل عالج فكرة الاستعباد معالجة جذرية لتقطع أصلها وتذهب بفرعها حيث جعل وسائل تحرير العبيد بطرق شتى كثيرة منها قهرية، ومنها أختيارية فضلاً عن القوانين التي سنّها الاسلام لشراء العبيد وأعتاقهم.

كسائر العبيد ، بل كان أهون مملوك على سيّده ، فقد عجنت طنيته بمسك ، كان عبداً إلا انه حرّ في تفكيره ، حرّ في بصيرته كان سديد الرأي لا يخدع عن الصواب، طويل الصمت كأنما تحدثه الملائكة حتى حسب أقرانه ان صمته صمت الغريب المستضعف يسبغه وحينئذٍ يضفيه فيحس إسباغه واضفاءه أدب في نفسه ووداعة في طبعه ولين في مزاحه وانصراف عمّا لا يعنيه .

ثمّ إنّ المورّخين ذكر وا مواقف كثيرة للقمان مع مواليه كانت السبب في عنقه ، فذكر ابن الجوزي في كتابه الأذكياء : قصته مع مولاه استطاع من خلالها أن يملك حريته حقيقة . وإليك نص الرواية بالحرف الواحد :

«كان مولاه يلعب بالنرد ويقامر عليه وكان على بابه نهر جار فلعب يوماً على أن مَنْ قمر صاحبه شرب ماء النهر كله ، أو أفتدى منه وان

ص: 25

هو قمر صاحبه فعل به مثل ذلك . قال : فقمر سيد لقمان ، فقال له القامر : أشرب ما في النهر وإلا أفتد منه ، قال : فسلني الفداء قال : عينيك أفقؤهما أو جميع ما تملك ، قال : إمهلني يومي هذا ، قال : لك ذلك ، قال : فأمسى كئيباً إذ جائه لقمان وقد حمل حزمة على ظهره فسلم على سيده ثم وضع ما معه ورجع إلى سيّده وكان سيّده إذا رآه عبث به ويسمع منه الكلمة الحكيمة فيعجب منه فلما جلس إليه قال لسيّده : مالي أراك كئيباً حزيناً، فأعرض عنه ، فقال له الثانية مثل ذلك فأعرض عنه ثم قال له الثالثة مثل ذلك فأعرض عنه ، فقال له : أخبرني فلعل لك عندي فرجاً فقص عليه القصة ، فقال له لقمان : لا تغتم فانّ لك عندي فرجاً، قال له : وما هو ؟ قال : إذا أتاك الرجل فقال لك أشرب ما في النهر فقل له : أشرب ما بين ضفتى النهر أو المد ؟ فانه سيقول لك : أشرب ما بين الضفتين فاذا قال لك ذلك فقل له : أحبس عنى المد حتى أشرب ما بين الضفتين فانه لا يستطيع أن يحبس عنك المد فتكون قد خرجت». « مما ضمنت له ، فعرف سيّده انه قد صدق فطابت نفسه ، فلما أصبح جائه الرجل فقال له : ف لي بشرطي . قال له : نعم أشرب ما بين الضفتين أو المد ؟ قال : لا بل ما بين الضفتين ، قال : فأحبس عنى المد . قال كيف أستطيع ؟ قال : فخصمه ، قال فأعتقه مولاه»(1).

ص: 26


1- كتاب الأذكياء / باب السادس : ص 15 .

هل هو نبي أم حكيم؟

عرف لقمان بالحكمة حيث طغت هذه الصفة على باقى جوانبه ولكن هل نستطيع أن نلتمس لحكيمنا جانباً آخراً يقف إلى جانب ما اشتهر به من الحكمة ؟ الجواب على ذلك يعول إلى المصادر التي يمكن أن تجمع منها معلوماتنا ، ولكن قبل الرجوع إليها لابد لنا أن نقف عند نقطتين هما : الحكمة والنبوة .

أمّا الحكمة : فقد اختلف المفسّرون في تعريفها

قال الزمخشري :

«إنّ الحكمة الأصلية والعلم الحقيقى هو العمل بهما وعبادة الله والشكر له حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشكر »(1).

وقال الآلوسي :

«عن ابن عبّاس : انّها العقل والفهم والفطنة .

وعن مجاهد : انها العقل والفقه والاصابة في العقول.

وعن ابن حيّان هي المنطق الذي يتعظ به ويتنبه ويتناقله الناس لذلك .

وعن الراغب : هي معرفة الموجودات وفعل الخيرات»(2)

وقال الطبرسي :

ص: 27


1- تفسير الكشاف : ج 2 ، ص 493 .
2- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 83 .

«الحكمة هي العقل والعلم والعمل به والاصابة في الأمور »(1)فالحكمة أم الفضائل لأنها تنول النفس الانسانية بالنور الالهي فيشرف على جميع المجهولات العلميّة فلا يخفى عليه شيء من المجهولات، ويقال قديماً: إنّ آخر درجة الحكمة أوّل درجة النبوّة .

فاذا غابت الحكمة عن النفس عميت عن نفسها وغيرها، كما يعمى البصر عن نفسه وغيره إذا غاب عنه الضياء.

وأما النبوة :

«فهي وظيفة إلهيّة وسفارة ربّانيّة يجعلها الله عزّوجل لمن ينتخبه ويختاره من عباده الصالحين وأوليائه الكاملين في انسانيتهم فيرسلهم إلى سائر الناس لغاية ارشادهم إلى ما فيه منافعهم ومصالحهم في الدنيا والآخرة »(2)*(3) .

ص: 28


1- مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 7، ص 315
2- عقائد الامامية للشيخ محمّد رضا المظفّر : ص 48 .
3- الأنبياء كلّهم رُسل الله وعباده المكرمون بعثهم الله لدعوة الخلق إليه ، والأنبياء كثيرون وإن لم يصرح القرآن الكريم بعددهم قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه المجيد : «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ »[سورة غافر (40) : 78] إلا ان الروايات صرّحت بعددهم وهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، ولكن خفيت علينا أكثر أسمائهم . ثم إن الأنبياء معصومون قاطبة عن الذنوب والمعاصى صغائرها وكبائرها وعن الخطأ والنسيان، وكذلك عن كل عمل يستهجن فعله عند العرف العام ، كما انهم متصفون بأكمل الصفات الخلقية والعقلية وأفضلها حتى لا يدانيهم بشر سواهم فيها ، لأنه لو لا ذلك لما صح أن تكون لهم الرئاسة العامة على جميع الخلق .

فالاسمان اذن يختلفان بحسب اختلاف طرق التعليم فان أدركها بزمان يسير من غير تعلّم بشري وكان مأموراً من الله عزّوجلّ باصلاح النوع الانساني سميت نبوّة . وإن كان بالتعلّم والدراية سميت فلسفة ، في لسان اليونانيين والفيلسوف : محب الحكمة ، وأصله فيلاسوفا - وفيلا هو المحب -وسوفا الحكمة .

إذا عرفت ذلك فنقول :

ان لقمان الذي اختاره القرآن تختلف في حقيقته الروايت:

فعن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة وأكثر المفسرين : انه كان حکیماً ولم يكن نبياً.

وعن عكرمة والسدي والشعبي : أنّه كان نبياً وفسّروا الحكمة هذا بالنبوة .»(1).

وعن بعض المفسّرين :

«أنه كان عبداً صالحاً من غير نبوّة »(2).

«وقيل : خير الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النبوّة فأتاه جبرئيل علیه السلام وهو نائم فذرّ عليه الحكمة فأصبح وهو ينطق

ص: 29


1- مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 7، ص215 .
2- في ظلال القرآن : ج 6 ، ص 482

بها، فقيل له : كيف اخترت الحكمة على النبوّة وقد خيرك ربّك ؟ فقال : انه لو ارسل إليّ بالنبوة عزمة لرجوت فيها العون منه ولكنّه خيّرني فخفتُ أن أضعف عن النبوّة فكانت الحكمة أحب إلي»(1).

وقال المسعودي : «كان لقمان نوبياً مولى لقين بن خسر ولد على عشرة سنين من ملك داود علیه السلام وكان عبداً صالحاً ومن الله عليه بالحكمة ولم يزل في فيا في الأرض مظهراً للحكمة والزهد في هذا العالم إلى أيام يونس بن متى حتى بعث إلى أهل نينوى من بلاد الموصل »(2). والصحيح - كما هو المشهور والمعروف انه كان عبداً من عباد الله الصالحين أحبّ الله فأحبّه ومنّ عليه بالحكمة فصار حكيماً، والروايات الواردة في المقام تدلّ صريحاً على ذلك . ففي المجمع عن ابن عمر قال:

سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول : حقاً أقول لم يكن لقمان نبيّاً ولكن كان عبداً كثير التفكّر حسن اليقين أحبّ الله فأحبه ومنّ عليه بالحكمة وكان نائماً نصف النهار إذ جاؤه نداء يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق فأجاب الصوت : إن خيّرني ربّي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن عزم علي فسمعاً وطاعة فانّي أعلم ، انّه

ص: 30


1- تفسير القرطبي : ج 14 ، ص 60 .
2- لم يوجد هذا النص في كتابه مروج الذهب، وإنّما أشير إليه في هامش الكامل لابن الاثير : ج 1 ، ص 76 .

إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني ، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم : ولِمَ يا لقمان ؟ قال : لأن الحكم أشدّ المنازل وأكدها يغشاه الظلم من كلّ مكان إن وقي فبالحري أن ينجو ، وان أخطأ اخطأ طريق الجنّة ومن يكون في الدنيا ذليلاً وفي الآخرة شريفاً خير من أن يكون في الدنيا شريفاً وفي الآخرة ذليلاً ، ومَن يختر الدنيا على الآخرة تفته الدنيا ولا يصيب الآخرة . فتعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطى الحكمة فانتبه يتكلّم بها ، ثمّ كان يوازر داود بحكمته فقال له داود طوبى لك يا لقمان أعطيت الحكمة وصرفت عنك البلوى»(1)

وفي تفسير علي بن ابراهيم ، عن حماد :

«سألت أبا عبدالله علیه السلام عن لقمان وحكمته التي ذكرها الله عزّوجل فقال : أما والله لقد أوتي لقمان الحكمة لا بحسب ولا مال ولا أهل ولا بسط في جسم ولا جمال ولكنّه كان رجلاً قوياً في أمر الله متورّعاً في الله ساكتاً سكيناً عميق النظر طويل الفكر حديد النظر مستعبراً بالعبر لم ينم نهاراً قط ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط ولا اغتسال لشدّة تستره وعمق نظره وتحفّظه في أمره ، ولم يضحك من شيء قط مخافة الاثم ولم يغضب قط ولم يمازح إنساناً قط ولم يفرح بشيء إن أتاه من أمر الدنيا ولا

ص: 31


1- مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 7، ص 316.

حزن منها على شيء قط وقد نكح من النساء وولد له من الأولاد الكثيرة وقدم أكثرهم افراطاً فما بكى على موت أحدٍ منهم ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان إلّا أصلح بينهما ولم يمض عنهما حتى يحابا ولم يسمع قولاً قط من أحدِ استحسنه إلّا سأل عن تفسيره عمّن أخذه ، وكان یکثر مجالسة الفقهاء والحكماء وكان يغشي القضاة والملوك والسلاطين فيرثي للقضاة ما ابتلوا به ويرحم الملوك والسلاطين لغرتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك ويعتبر ويتعلّم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه ويحترز به من الشيطان فكان يداوي قلبه بالفكر ويداوي نفسه بالعبر وكان لا يظعن إلّا فيما ينفعه فبذلك أوتي الحكمة ومنح العصمة ، فان الله تبارك وتعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت العيون بالقايلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا : يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس ؟ فقال لقمان: إن أمرني الله بذلك فالسمع والطاعة لأنه إن فعلى بي ذلك أعانني وعلّمني عليه وعصمني وإن هو خيّرني قبلت العافية، فقالت الملائكة يا لقمان لِمَ قلت ذلك ؟ قال : لأنّ الحكم بين الناس من أشدّ المنازل من الدين وأكثرها فتناً وبلاءاً ما يخذل ولا يعان ويغشاه الظلم من كل مكان وصاحبه فيه بين أمرين إن أصاب فيه الحق فبالحري ، إن يسلم وإن أخطأ أخطأ طريق الجنّة ومن يكن في الدنيا ذليلاً وضعيفاً كان أهون عليه في المعاد ان يكون فيه حكماً سرياً شريفاً ، ومن اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما

ص: 32

كلتيهما تزول هذه ولا تدرك تلك ، قال فتعجبت الملائكة من حكمته واستحسن الرحمن منطقه فلمّا امسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل الله عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم وغطاه بالحكمة غطاءاً فاستيقظ وهو أحكم الناس في زمانه وخرج على الناس ينطق بالحكمة ويثبتها فيها .

قال : فلما أوتي الحكم بالخلافة ولم يقبلها أمر الله الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان فأعطاه الله الخلافة في الأرض وابتلي فيها غير مرّة وكلّ ذلك يهوي في الخطأ يقبله الله ويغفر له، وكان لقمان يكثر زيارة داود ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه وكان داود علیه السلام يقول له : طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة وصرفت عنك البليّة وأعطي داود علیه السلام الخلافة وابتلي بالخطأ والفتنة »(1).

ثم أنه قد يقال : كيف احتاج داود علیه السلام - وهو خليفة الله في الأرض - إلى مواعظ لقمان حيث كان ينصب له منبراً فيجلسه عليه ثم يجلس هوتحت منبره يستمع لحكمته مع انه نبي من الأنبياء ولقمان ليس بنبي ؟

أقول أوّلاً :

ان احتیاج داود علیه السلام إلى لقمان كاحتياج موسى بن عمران علیه السلام إلى علم الخضرعلیه السلام مع انه من أولي العزم وصاحب التوراة وكليم الله عزّوجلّ وانه علیه السلام أوتي من الخلق والأدب البارع الحري بالمتعلم المستفيد قبال الخضر.

ص: 33


1- تفسير القمي : ج 2، ص 162 .

«هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَن مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً »(1).(2)

وثانياً :

ان مجالسة داود للقمان لا يكشف عن احتياجه له ، لأن الأنبياء عليهم السلام مطلقاً موصوفون بالكمال والتمام والعلم ونفي الذنب عنهم قبل النبوّة وبعدها ، ولا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا جهل ولا نسيان فكيف في الامور الدينية والدنيوية الجامعة للاصلاح العاجل والأجل، فانه يلتمس ذلك منهم بطريق أولى حيث لا يوجد الحق إلا معهم ولا يؤخذ الصواب إلا عنهم ، لا ترد لهم دعوة كلّما أرادوا شيئاً دعوا الله عزّ وجل.

نعم كان جلوسه تحت منبر الوعظ لغرض ان يقتدي به الملوك والقضاةوغيرهم.

وثالثاً:

ربما كان جلوسه للتواضع الذي لا يعرف حقيقته إلا المقربون من عباده المستقلين بوحدانيته ، والتواضع لله ، كما قال الامام الصادق علیه السلام :

«أصل كلّ شرف نفيس ومرتبة رفيعة ولو كان للتواضع لغة

ص: 34


1- سورة الكهف (18): 66
2- كما ان الامام علي علیه السلام طلب من أخيه عقيل أن يختار له امرأة ولدتها الفحولة، العرب وذوي الشجاعة فيهم ليتزوّجها فتلد غلاماً فارساً شجاعاً ينصر الحسين علیه السلام بطف كربلاء مع أنه القائل: سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا انبتكم بناعقها وسايقها إلى يوم القيامة

يفهما الخلق لنطق عن حقائق ما في مخفيات العواقب » .

كما ان كلام موسى علیه السلام الخضر محمول على التواضع من أوّله إلى آخره

قال العلّامة الطباطبائي في تفسيره :

« لقد تأدب معه أوّلاً فلم يورد طلبه من الخضر التعليم في صورة الأمر، بل في صورة الاستفهام هضماً لنفسه وسمي مصاحبته اتباعاً منه له ، ثم لم يورد التعليم في صورة الاشتراط ، بل قال على أن تعلمني ، ثم عد نفسه متعلماً »(1).وهناك وجوه آخر كما قيل ان احتياجه إلى لقمان كان قبل نبوته وقبل خلافته - لا تخلو من نظر وتأمل.

وكان - إلى جانب ما اشتهر - قد ساهم مساهمة إيجابية في بلورة العقل البشري وتطوير الحياة العلمية والفكرية في عصره فكان من مصادر الاشعاع الفكري ، والاستدلال على مدى ممواهبه العلميّة هو تراثه الرائع الذي هو في ذروة ما خلفته الانسانية لروادها من نتاج أصيل للفكر والحياة .

أمّا حلمه فقد تعدى حدود الوصف فكان يتغاضى عن إساءة المسيء إليه بل يقابل الأساءة بالاحسان وكأن لم تكن قد صدرت منه إساءة إليه ، هكذا كان مثالاً للانسانية الكريمة ورمزاً للخلق العظيم، لا

ص: 35


1- تفسير الميزان : ج 13 ، ص 242

يثيره الغضب ولا يزعجه المكروه ، قد وضع نصب عينيه قوله تعالى : «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حميم »(1).

وقد قابل جميع ما لاقاه من سوء وأذى ومكروه من الحاقدين عليه بالصبر والصفح الجميل حتى اعترف ألد أعداؤه بسمو حلمه وعظيم خلقه .

إن الخلق الكامل إذا انطبع في النفس لا يمكن أن تنحرف عن الطريق القويم ، أو تحل الانانية محل الايثار ، أو تستولي عليها المغريات والنقائص ، من أجل ذلك كانت الأخلاق من أهم العناصر التي تبتني عليها الحياة الاجتماعية والفردية ، كما انها من أوثق الأسباب في بقاء الأمم وفي دوام حضارتها وأصالتها .

هذه الأخلاق الرفيعة قد انطبعت فى نفس لقمان الحكيم وقد ذكر التاريخ بوادر كثيرة من مكارم أخلاقه .

أجل لقد بلغ الذروة في فضائله، ومآثره، وأصالة رأيه ، وسمو تفكيره وشدّة ورعه وسعة حلمه ودمائة أخلاقه إلى غير ذلك من ملكاته التي كان بها موضع اعتزاز وفخر فكان يحكي المجموعة الكاملة من فضائل الدنيا ومزاياها.

يقول مهدي الجواهري

ص: 36


1- سوره فصلت (41) : 34 .

تعداد مجد المرء منقصة إذا ***فاقت مزاياه عن التعداد

أجل لقد فاقت مزايا لقمان حدود التعداد وتحدّث عوامل الزمن التي تجرف أمامها الماضي والحاضر فتجعله أثراً بعد عين .

أولاده

المعروف والمشهور انّ لهذا العبد الصالح أولاد كثيرين كما ورد في الخبر المتقدم إلا ان الزمان آلى أن لا يبقى منهم أحداً يعرف ، ولم يزل يقدم الواحد تلو الآخر حامداً لله شاكرا له سبحانه فما بكى على أحدٍ منهم ، نعم سمح الزمان له أن يبقى له واحداً خلفاً عمن سلف، لذا أشفق عليه ولم يزل يوصيه بما ينفعه ويحذره عما يضره ويؤدبه بآدابه الجامعة لأمور الدارين فكان المعلّم الروحي له ليل نهار ، فلم يزل كذلك حتى تفطر قلبه وانشقت مرارته وتأثر لموت ولده أثراً شديداً حيث كان معه في النصيحة نصيحة مبرأة من العيب .

وكيف كان فقد قدّر لولده أن يعيش بين أحضان الفضيلة يغذيه أبوه ألبان المعارف ويغدق عليه من فيض علومه و آدابه ويشع على نفسه من نور صفائه وتقواه وورعه .

ثم انه اختلف المفسّرون في اسم ولده الذي قدّر له أن يعيش .

قال الألوسي :

«انه تاران وقيل أنعم وقيل ماثان - بالمثلث - وقيل أشكم - وهو

ص: 37

بوزان أفعل ، وقيل مشكم بالميم بدل الهمزة »(1). بينما صرّحت بعض الروايات بأن اسمه : ناتان كما عن الصادق علیه السلام :

«كان فيما أوصی به لقمان ابنه ناتان»(2)

بينما ورد في روايات آخر ان اسمه با تار كما عن الصادق علیه السلام أيضاً

«فوعظ لقمان ابنه باتار حتّى تفطر وانشق»(3).

بينما لاذت الكثير من الروايات بالصمت واكتفت بالقول : قال لقمان لابنه وهو يعظه .

ثم انه اختلف في مذهبه هل كان مسلماً أو كافراً؟

قال القرطبي :

«كان كافراً فما زال يعظه حتى أسلم ، وقال : ودلّ على هذا قوله : ولا تشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظيم » (4).

وقال الألوسي :

«وقيل كان مسلماً والنهى عن الشرك تحذير له عن صدوره منه في المستقبل »(5)

وعلى الأرجح انه مات وكان رجلاً صالحاً متعظاً بمواعظ أبيه لذا

ص: 38


1- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 84 .
2- أمالي الصدوق : ص 296
3- تفسير القمي : ج 2، ص 164 .
4- تفسير القرطبي : ج 14 ، ص 62 .
5- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 85 .

تأثر لموته أثراً شديداً مع انه ما بكى على أحد من أولاده.

نعم تعمل الأولاد النجباء كما تفعل الآباء الكرماء وتخطو خلف خطواتهم وتهتدي بهديهم وكثيراً ما رأينا الأولاد تبعث بهم الهمم العالية والعزائم الجبارة أن تشيد على ما أشارت آباؤهم وتضفي على ما أقاموا.

كثيراً ما يصادف الطموح في الانسان الواعي فيبعد مرماه فوق آبائه وأجداده كما هو واضح لمن تتبع في مطالعاته عن سيرة مریمی العظماء من الرجال.

وفاته

لم نعثر على مصدر يشير الى تحديد ولادته أو وفاته ، بل المصادر كلّها تلوذ بالصمت، توفي مخلّفاً له جميل الذكر وحسن الأحدوثة خالداً

بحسناته الباقيات الصالحات* (1)

هكذا أستراح لقمان مما كان يكابد من أصحابه وأقرانه ومما كان .

ص: 39


1- وأمّا زمانه فالمشهور أنّه كان في زمن بني إسرائيل، وكان يفتي فيهم قبل مبعث داود علیه السلام فلما بعث قطع الفتوى . قال المسعودي : لم يزل في فيا في الأرض مظهراً للحكمة والزهد في هذا العالم إلى أيام يونس بن متي بعث إلى أهل نينوى في بلاد الموصل » [ قصص الأنبياء للجزائري : ص 372] . بينما صرّحت بعض المصادر بأن زمانه كان بين محمد صلی الله علیه وآله وعيسى علیه السلام » [ تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 82] .

يلقى من انقلاب الحياة وتحوّل أحوالها حتى بات غريباً بين أوليائه وخلصائه لا يجد من يؤنس وحشته إلا أن يناجي نفسه مواسياً معزّياً وشاكياً إلى الله متضرّعاً ... فقد كان ذلك ديدنه وخاصة في الفترة الأخيرة من حياته.

أجل يحمل الداء ومعه الدواء ، ولكن لا سبيل إليه فهو كما يقول الشاعر :

اهم بأمر الحزم لو أستطيعه ***وقد حيل بين الغير والنزوان

وذلك هو الداء الذي لا دواء له

ص: 40

الفصل الثاني

اشارة

ويحتوي على : وصايا لقمان في القرآن الكريم

ص: 41

ص: 42

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

«وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمُ عَظِيمٌ *وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمَّهُ وَهْنَا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ* وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَتابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ *يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْفِي السَّمَاوَاتِ أَوْفِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ *يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ* وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَمَوْتُ الْحَمِيرِ» (1)

ص: 43


1- سورة لقمان (31) : 13 - 19 .

فضل هذه السورة

روي عن النبي صلی الله علیه وآله انه قال :

« مَنْ قرأ هذه السورة كان لقمان رفيقه يوم القيامة وأعطى من الحسنات عشراً بعدد من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ومن كتبها وسقاها من في جوفه علة زالت عنه، ومن كان ينزف دماً رجلاً أو إمرأة وتعلّقها على مواضع الدم انقطع عنه باذن الله تعالى»(1).

وأما سبب نزولها

قال الطبرسي :

«نزلت الآية (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَديثِ(2) في النضر بن الحرث بن علقمة بن كلدة بن عبدالدار بن قصي بن كلاب ، كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم ويحدث بها قريشاً ويقول

ص: 44


1- تفسير البرهان - سورة لقمان
2- سورة لقمان (31) : 6.

لهم ان محمداً يحدثكم بحديث عاد وثمود ، وأنا أحدثكم بحديث رستم وأسفنديار وأخبار الأكاسرة فيستمعون حديثه ويتركون استماع القرآن»»(1)».

شرح المفردات

1 - الوعظ : زجر مقترن بتخويف كما عن الراغب .

وقال الخليل : هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب .

2 - يا بني : تصغير إشفاق ومحبّة لا تصغير تحقير ، قال الشاعر :

ولكن إذا ما حب شيء تولعت*** به أحرف التصغير من شدة

3- الظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، ومنه المثل : من استرعى الذئب فقد ظلم.

4 - الوهن : الضعف ، وقيل : شدّة الجهد، قال زهير بن أبي سلمى :

فان يقولوا بجعل واهن خلق*** لوكان قومك في أسبابه هلكوا

5 - الفصال : الفطام.

6 - جاهداك : أي حرصاً على متابعتك لهما في الكفر .

الأصعر : المعرض بوجهه كبراً.

والصعر : داء يصيب الأبل فيلوى أعناقها .

-8 المختال : الذي يفعل الخيلاء وهو التبختر في المشى كبراً .

ص: 45


1- راجع مجمع البيان في تفسير القرآن - سورة لقمان .

9 - أنكر الأصوات : أقبحها وأصعبها على السمع .

10 - المثقال : ما يوزن به غيره ، ومثال حبّة الخردل مثل في الصغر .

الشرح

اشارة

يعد أن بين الله سبحانه ان لقمان أوتى الحكمة ، كان طبيعة هذه الحكمة ومظهرها الفريد أن يشكر ربّه على نعمه المتظاهرة عليه وهو يرى آثارها في الآفاق والأنفس آناء الليل وأطراف النهار ، وان من يشكر نعمة الله عليه فانه يشكر لنفسه لأن ثواب شكره عائد عليه، ومن جحد نعمة الله فانّه غني عن شكره حميد على أفعاله .

بعد أن بيّن ذلك أردف ذلك ببيان انه نصح ابنه بذلك أيضاً نصيحة غير متهمة ، فما يمكن أن تتهم نصيحة والد لولده .

استطرد في أثناء هذه المواعظ إلى ذكر وصايا عامة تتلخص في أُمور أربعة :

الأمر الأوّل: في توحيد الله والنهي عن الشرك به .

الأمر الثاني : في المعاد والحساب في يوم القيامة.

الأمر الثالث : في حقوق الوالدين - إن قلنا ان الآية ووصينا الانسان بوالديه - من كلام لقمان كما هو رأي بعض المفسرين .

الأمر الرابع : في بعض فروع الدين ونبذة من الأخلاق الفاضلة .

ص: 46

الأمر الأوّل

لا شك ولا ريب أن وجود الله سبحانه أجل من أن يحتاج إلى بيان وأوضح من أن يتوقف على برهان ، فانّ العيان يغني عن البيان والوجدان يكفي عن البرهان فمن تأمل في حق هذا العالم بما فيه من مخلوقات ومصنوعات واختلاف تلك الحركات واجتماع تلك العناصر يعلم علماً قطعياً ويجزم جزماً بديهيّاً بان هذه المخلوقات وما يطرأ عليها من حركات وسكون تحتاج إلى صانع قديم عليم حكيم أبدي سرمدي قدير ليس كمثله شيء ، إذ لو كان منها أو مثلها لاحتاج إلى خالق آخر .

«كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِمَا هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ، أَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ مَا لَيْسَ لَكَ، حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتَى غِبْتَ حَتَّى تَحْتَاجَ إِلَى دَلِيلِ يَدُلُّ عَلَيْكَ، وَمَتى بَعْدْتَ حَتَّى تَكُونَ الْأَثَارُ هِيَ الَّتي تُوصِلُ إِلَيْكَ، عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تراك »(1).

فواعجبا كيف يعصى إلاله*** أم كيف يجحده الجاحد

وفي كلّ شيء له آية ***تدلّ على أنه واحد

أمّا توحيده فلابد من أن نوحده من جميع الجهات توحيده في الذات : بأنه واحد في ذاته ووجوب وجوده، وتوحيده في الصفات : بأن صفاته عين ذاته أي ليست هي صفات زائدة على ذاته المقدسة وليس

ص: 47


1- دعاء الإمام الحسين علیه السلام وفى يوم عرفة .

وجودها إلا وجود ذاتها فقدرته من حيث الوجود حياته وحياته قدرته ، نعم هي مختلفة في معانيها ومفاهيمها ، وتوحيده في العبادة فلا تجوز عبادة غيره بوجه من الوجوه وكذا لا يجوز إشراكه في العبادة في أي نوع من أنواع العبادة لأنه ظلم عظيم ، لذا أكد لقمان ظاهرة النهي عن الشرك مرتين مرّة بتقديم النهي وفصل علّته ، ومرّة بأنَّ واللام ، وأي ظلم أكثر من الشرك ، لا شك ان من يسوي بين الخالق والمخلوق، بين من لا نعمة إلا منه وهو الله سبحان وبين من لا نعمة لها وهي الأصنام والأوثان، لا شكّ أنّه وضع الأمور في غير موضعها الصحيح فهو حري بأن يوصف بالظلم العظيم.

الأمر الثاني

المعاد أصل من أصول الدين وركن من أركانه فلابد لكل إنسان أن يؤمن بالدليل العقلي بأن الله يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد في اليوم الموعود به عباده فيثيب المطيعين ويعذب العاصين ، وقد صرّح القرآن الكريم بذلك ولمح إليه بما يقرب من ألف آية كريمة .

قال العلّامة الشيخ محمد رضا المظفّر :

«وإذا تطرّق الشكّ في ذلك إلى شخص فليس إلا الشكّ يخالجه في صاحب الرسالة أو وجود خالق الكائنات أو قدرته ، بل ليس إلا الشكّ

ص: 48

يعتريه في أصل الأديان كلّها وفي صحة الشرايع جميعها »(1).

إذن لابد ان يؤمن الانسان بعودته روحاً وجسماً إلى الحياة يوم القيامة ذلك اليوم الذي تضع فيها موازين القسط ويجازى عليها الانسان إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر.

«وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً »(2).

أجل إن الله سبحانه أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شي، عدداً فأي عمل مهما كان نوعه ومهما كان حجمه وإن تكن وزن حبة من خردل ومهما كان مكانه ولو في جوف صخرة أو في أعلى مكان كالسماوات أو في أسفله كباطن الأرض يحضرها الله يوم القيامة للحساب والجزاء لأنه لطيف ينفذ علمه في أعماق الأشياء ويصل إلى كلّ مكان خفي يعلم كنه الموجودات.

الأمر الثالث

أمر الله سبحانه ببر الوالدين وطاعتهما والقيام بحقوقها حيث قرن طاعتهما بطاعته تعالى :

«وقضى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً »(3).

ص: 49


1- عقائد إمامية : ص 126 .
2- سورة الأنبياء (21): 47 .
3- سورة الإسراء (17) : 23

ولعل السبب في ذلك واضح لكونهما السبب في وجوده وإحسان تربيته وما لاقيا من الشقة العظيمة حتى استحكمت قواه ، فقد حملته الأُمّ في بطنها أشهراً ثم وضعته وربّته ليلاً ونهاراً .

فينبغي للولد البار أن يكون شديد الاهتمام في تكريمها وتعظيمها واحترامهما وإلا يقصر في خدمتهما ويحسن صحبتهما وإلا يتركها حتى يسألاه شيئاً مما يحتاجان إليه ، وإن أضجراه فلا يقل لهما أفٍّ ، وإن ضرباه لايعبس وجهه ، وكيف كانت المشقة فان طاعتهما واجبة وطلب رضاهما حتم .

جاء في رسالة الحقوق:

«فَحَقُّ أُمِّكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهَا حَمَلَتْكَ حَيْثُ لا يَحْمِلُ أَحَدٌ أَحَداً وَأَطْعَمَتْكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبِهَا مَا لا يُطْعِمُ أَحَدٌ أَحَداً وَأَنَّهَا وَقَتْكَ بِسَمْعِهَا وَبَصَرِهَا وَيَدِهَا وَرِجْلِهَا وَشَعْرِهَا وَبَشَرِهَا وَجَمِيعِ جَوَارِحِهَا مُسْتَبْشِرَةً بِذَلِكَ فَرِحَةً مُؤَمِّلَةً مُحْتَمِلَةً لِمَا فِيهِ مَكْرُوهُهَا وَأَلَمُهَا وَثِقْلُهَا وَغَمُّهَا حَتَّى دَفَعَتْهَا عَنْكَ يَدُ الْقُدْرَةِ وَأُخْرِجْتَ إِلَى الْأَرْضِ فَرَضِيَتْ أَنْ تَشْبَعَ وَتَجُوعَ هِيَ وَتَكْسُوَكَ وَتَعْرَى وَتُرْوِيَكَ وَتَطْمَأَ وَتُظِلَّكَ وَتَضْحَى وَتُنَعْمَكَ بِبُؤْسِهَا وَتُلَذَّذَكَ بِالنَّوْمِ بِأَرَقِهَا وَكَانَ بَطْنُهَا لَكَ وِعَاءً وَحُجْرُهَا لَكَ حِوَاءَ وَثَدْيُهَا لَكَ سِقَاءً وَنَفْسُهَا لَكَ وَقَاءً تُبَاشِرُ حَرَّ الدُّنْيَا وَبَرْدَهَا لَكَ وَدُونَكَ فَتَشْكُرُهَا عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَلَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللهِ

ص: 50

وتوفيقه .

وَأَمَّا حَقٌّ أَبِيكَ فَتَعْلَمُ أَنَّهُ أَصْلُكَ وَأَنَّكَ فَرْعُهُ وَأَنَّكَ لَوْلاهُ لَمْ تَكُنْ فَمَهُمَا رَأَيْتَ فِي نَفْسِكَ مِمَّا يُعْجِبُكَ فَاعْلَمْ أَنَّ أَبَاكَ أَصْلُ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيهِ وَاحْمَدِ اللَّهَ وَاشْكُرْهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَلَا قُوَّةَ الا بالله » .

وما أحسن ما قال الشاعر في حق الأُمّ :

لأمّك حق لو علمت كبير ***كثيرك يا هذا لديه يسير

فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي*** لهامن جراها أنّة وزفير

وفي الوضع لو تدرى عليها مشقة ***فمن غصص لها الفؤاد يطير

وكم غسلت عنك الأذى بيمينها ***وما حجرها إلا لديك سرير

وتفديك ممّا تشتكيه بنفسها ***و من ثديها شرب لديك نمير

وكم مرة جاعت واعطتك قوتها*** حنوّاً وإشفاقاً وأنت صغير

فاها لذي عقل ويتبع الهوى*** وآها لأعمى القلب وهو بصير

فدونك فارغب في عميم دعائها ***فأنت لما تدعو به لفقير

الأمر الرابع

وينقسم إلى قسمين :

القسم الأوّل: في بعض فروع الدين؛

والقسم الثاني : في الاخلاق الفاضلة :

ص: 51

القسم الأول :

أ - الصلاة

الصلاة أفضل ما يتقرب به العبد إلى الله عزّ وجلّ وأحبَّ شيء إليه بعد المعرفة به كما جاء فى الحديث الشريف _.

الصلاة من الدعائم التي بني عليها الاسلام وهي ركن من أركانه وعموده إذا قبلت قبل ما سواها وإن رُدّت رُدّ ما سواها ، وهي أوّل ما ينظر فيه من عمل ابن آدم فان صحت نظر في عمله وإن لم تصح لم ينظر في بقيّة عمله .

الصلاة هي التي ترفع بالانسان عن أن يذل أو يخضع لغير الله الواحد الأحد حيث تشعر بالسمو والعزة والكرامة في الحياة ، كما أنها تقلع صفة الكبرياء عند الانسان وهي بدورها تقتلع الشر من أساسه وتستأصله من جذوره.

الصلاة هى الملجأ الوحيد والحصن المنيع الذي يجب على المسلمين أن يلتجئوا إليه ويعتصموا به عند ما تنتابهم شدّة من شدائد الحياة أو كارثة من كوارثها والقرآن الكريم يخاطب المؤمنين بقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ »(1).

وكان النبي محمد صلی الله علیه وآله إذا أصابه هم وهو في الطريق قصد المسجد

ص: 52


1- سورة البقرة (2) 153

للصلاة وإذا كان في المسجد وهو على أهبة الصلاة قال لمؤذنه بلال : أرحنا يا بلال أي بأذانك وبدعوتك للصلاة .

فالشارع المقدّس قصد من فرض الصلاة لأحداث الصلة بينه وبين الانسان فالصلاة اذن وسيلة لغاية غالية وليست هي ذاتها غاية فلا يجوز لانسان أن يعتقد ان الله فرض علينا الصلاة لنقوم وتقعد تالين القرآن بلا تدبّر ولا تفهم بل يجب عليه أن يعتقد بأنها وسيلة للاتصال به سبحانه وتعالى والاستمداد من نوره وقوته.

كان النبي صلی الله علیه وآله يصلي حتى تتورّم قدماه وإذا قام للصلاة انقطعت عنه الخواطر فلا يعي شيئاً حتى ولو أوذي جسمه .

روي عن الامام علي علیه السلام انه وقع نصل في رجله فلم يمكن أحداً من خراجه فقالت فاطمة علیها السلام : أخرجوه في حال صلاته فانّه لا يحسّ حينئذٍ بما يجري عليه ، فأخرج وهو في صلاته ، فلم يحس به أصلاً.

فحظ كلّ واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه، فان موضع نظر الله عزّ وجل هي القلوب دون ظاهر الحركات .

فطوبى لمن أخلص الله العبادة والدعاء ولم يشتغل قلبه بما تراه عيناه ولم ينس ذكر الله بما تسمع اذناه

ب - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

بعد أن أمر لقمان ابنه بتكميل نفسه - توفية لحق الله عليه - عطف على

ص: 53

ذلك تكميله لغيره ، فقال : وأمر بالمعروف وانه عن المنكر .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الواجبات الاجتماعيّة شرعاً وهما من أسس الدنيا ومقومات هذه الشريعة لأن فيها حفظ النظام و بهما اكتساب الفضائل الدينية والعقلية وازالة الأخلاق الفاسدة . الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان بحكم العقل والشرع وجوباً كفائياً على كافة العقلاء ، تعاقب الأمر بهما والحث عليهما في الكتاب والسنّة النبوية والمأثور عن أمة الهدى صلوات الله عليهم ، وقام إجماع الأمة على وجوبها .

« وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »(1).

روي انّ رجلاً من خثعم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله أخبرني ما أفضل الاسلام ؟ قال : الايمان بالله ، قال : ثم ماذا ؟ قال : صلة الرحم ، قال : ثم ماذا ؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: فقال الرجل : فأخبرنى أيّ الأعمال أبغض إلى الله ؟ قال : الشرك بالله ، قال : ثم ماذا ؟ قال : قطيعة الرحم ، قال : ثم ماذا ؟ قال : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.

فالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض حتم على كلّ مسلم وإن كان محفوفاً بالمكاره والمخاوف، فالناس اذا تركوا الأمر

ص: 54


1- سورة آل عمران (3) : 104

والنهي وسكت بعضهم لبعض على ارتكاب المنكرات خرجوا عن معنى الامة وكانوا أفذاذاً متفرّقين لا جامع لهم ولأضمحلت الديانة وتعطلت النبوّة وخشت الضلالة وشاعت الجهالة وهلك العباد.

أجل انّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء، ومنهاج الصلحاء فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب وتردّ المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر...

ثم ان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طرق كثيرة وأساليب متعدّدة ولكلِّ مقام مقال، وان لكلّ منهما مراتب وشروط ذكرها الفقهاء في كتبهم .

القسم الثاني :

1- الصبر على الأذى

أمر لقمان ابنه بالصبر على ما يصيبه إلى الله عزّ وجلّ - إذ هو أمرهم بالمعروف أو نهاهم عن المنكر - من التواء النفوس وعنادها ، وانحراف القلوب واعراضها ، ومن الأذى تمتدّ به الى الألسنة وتمتد به الأيدي، ومن الابتلاء فى المال والابتلاء فى النفس عند الاقتضاء.

يا بني ؛ كن صابراً حلياً قوياً في نفسك لئلا تنفعل إذا قيل في حقك ما لا يليق بك ، فان أكثر الناس يتبعون هواهم فاذا نهوا عما يميلون إليه شق

ص: 55

ذلك عليهم .

ثم ذكر له علة ذلك فقال : انّه من عزم الأمور لما لها من جزيل الفوائد وعظيم المنافع في الدنيا والآخرة.

2 - ولا تصغر خدّك للناس

الصعر : داء يصيب الابل فيلوى أعناقها ، والأُسلوب القرآني اختار هذا التعبير للتنفير من الحركة المشابهة للصعر حركة الكبر والازوراء وإمالة الخد للناس في تعال واستكبار، فالتصعير بالخد هو الاعراض بالوجه أي : لا تعرض بوجهك عمّن تكلّمه تكبيراً واحتقاراً له ، بل أقبل عليه بوجهك من غير تكبّر ولا عتو ، بل أقبل عليه تواضعاً مؤنساً مستأنساً ، وإذا حدثك أحدهم فاصغ إليه حتى يكمل حديثه .

وجاء في الحديث :

«إنّ أعظم الكبر غمص الخلق وسفه الحق ، قلت : ما غمص الخلق وسفه الحق ؟ قال : يجهل الحق ويطعن على أهله، فمن فعل ذلك فقد نازع الله رداءه».(1).

3-ولا تمش فى الأرض مرحاً

انّ مشية المختال المتبختر هي مشية الجبارين الذين يبغون في

ص: 56


1- كتاب الأخلاق لسيّد عبدالله شبّر : ص 171 .

الأرض ويظلمون الناس ان مشية المختال المعجب بنفسه الفخور على غيره بما رزقه الله من أموال وأولاد وجاه بدلاً من شكر المنعم مشية لا يحبّها الله .

قال الله في محكم كتابه :

«وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طولاً ».(1).

أي لا تمش متبختراً متا يلا كمشي الجبارين بل امش متواضعاً، ولا يخفى ما في الآية الكريمة من التقريع والتهكم والزجر لمن اعتاد ذلك . قال الشاعر:

ولا تمش فوق الأرض إلّا تواضعاً*** فكم تحتها قوم هم منك أرفع

وإن كنت في عزّ وحرز ومنعةٍ ***فكم مات من قوم هم منك أمنع

روي انّ القبر يكلّم العبد إذا وضع فيه فيقول : يابن آدم ما غرّك بي ؟ ألم تعلم اني بيت الوحدة ، ألم تعلم اني بيت الظلمة ، ألم تعلم اني بيت الحق، یابن آدم ما غرّك بي ؟ لقد كنت تمشي حولي فذاذاً ( ذا خيلاء وكبر).

4- واقصد في مشيك

أي اجعل مشيك قصداً مستوياً على وجه الأرض بوقار وسكون.

ص: 57


1- سورة الإسراء (17) 37

قال سبحانه :

«وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً ».(1).

والقصد في المشي هو ما بين الاسراع والبطء، فكما كان المشي هوناً محفوفاً بالسكينة والوقار كان مشياً متعارفاً يحبه الله عز وجل، لأن سرعة المشى يدلّ على الخفّة وأنّه يذهب بهاء المؤمن وهيبته وجماله وتورث حقارة في أعين الناس.

روى في مكارم الأخلاق : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مشى تكفأ تكفئاً كأنما يقتلع من صبب ، وإذا مشى مشى مشياً يعرف أنّه ليس بمشي عاجز ولا بكسلان .

5-واغضض من صوتك

أي لا ترفع صوتك لعدم الحاجة إلى ذلك فكلما كان الصوت هادئاً ومقتصداً كلّما كان أوقر للمتكلّم وأبسط لنفس السامع وفهمه، وعلل هذا النهي بأن الصوت المرتفع هو أقبح الأصوات وأبشعها وشبه ذلك بصوت الحمار الذي هو أنكر الأصوات.

وقيل : قبل نزول هذه الآية كانت العرب تفتخر بجهارة الصوت فمن كان منهم أشدّ صوتاً كان أعز، ومن كان أخفض كان أذل.

ص: 58


1- سورة الفرقان (25) : 64 .

قال الشاعر :

جهير الكلام جهير العطاس ***هير الرواء جهير النعم

ونعدو على الابن عدو الظليم*** ويعلو الرجال بخلق عمم

الظاهر -كما هو المشهور - المراد بالغض من الصوت الغض منه : عند التكلم والمحاورة، وبيّن عزّوجل ان مثلهم في رفع أصواتهم مثل الحمير وان مثل أصواتهم التي يرفعونها مثل نهاقها في الشدّة مع القبح الموحش.

وقيل : المراد من الغض الغض من الصوت مطلقاً فيشمل الغض منه عند العطاس، فلا ينبغي أن يرفع صوته عنده إن أمكنه عدم الرفع .

« وروي عن زيد بن على أنّه قال: أراد صوت الحمير من الناس وهم الجهال شبههم بالحمير كما شبههم بالانعام في قوله : أولئك كالأنعام . وروي عن أبي عبدالله علیه السلام قال: هى العطسة المرتفعة القبيحة، والرجل يرفع صوته بالحديث رفعاً قبيحاً إلا أن يكون داعياً أو يقرأ القرآن».(1).

ص: 59


1- مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 7، ص 220.

ص: 60

الفصل الثالث

اشارة

ويحتوي على :

1 - باب العقل

2 - باب العلم

3 - باب ذكر الله - جل جلاله -

4 - باب التوكل على الله -جل جلاله -

5- باب الخوف من الله -عزوجل -

6 - باب التقوى

7- باب حسن الظن بالله -عزوجل -

8- باب التوبة

9 - باب الدعاء

10 - باب الصلاة

11 - باب الموعظة

12 - باب ذم الدنيا

13 - باب المال

14 - باب الرزق

15 - باب الفقر

16 - باب الصديق والعدو

17 - باب الصمت والكلام

18 - باب السفر

19 - باب النساء

20 - باب الطفل

21 - باب الطعام

22 - باب الموت

23 - باب يوم القيامة

ص: 61

ص: 62

باب العقل

وفيه خمس وصايا

استر شدوا العقل ترشدوا ولا تعصوه فتندموا

الصادق الأمين علیه السلام

ص: 63

1 - يا بُنيّ : مَا عَبَدَ اللهُ بِشَيْءٍ أَفضلُ مِنَ العَقلِ.(1).

2 - يا بُنَيَّ : أَعقَلْ عَنِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ فَإِنَّ أَعقِلُ النَّاسِ عَنِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ أَحسنهم عملاً ، وإنَّ الشيطانَ لِيفَر مِنَ العاقِلِ وَما يَستطيعُ أَنْ يُكابده.(2).

3 - يا بُنيّ : ما يَتمُ عَقل امرئٍ حَتَّىٰ يَكُونَ فِيهِ عَشْرُ خِصَالٍ : 1 . الكِبرُ مِنْهُ مَأمون 2 . والرُشدُ فِيه مأمول 3 . يُصيبُ مِنَ الدُّنيا القُوتَ وفَضْلُ مَالِهِ مَبذول . 4. التواضع أحبَّ إِليهِ مِنَ الشرفِ . 5. والذُّلُّ أَحبَّ إِلَيْهِ مَعَ اللَّهِ مِن العِزَّ مَع غيره 6. لا يَسلَّمُ مِنْ طَلَبِ الفِقِهِ طُولَ دَهرِهِ . 7 . وَلا يَتبرَمُ مِنْ طَلبِ الحَوائِجِ مِنْ قَبْلِهِ 8. يَستَكثِرُ قَليلَ المعروفِ مِنْ غَيرِهِ 9 . وَيَسْتَقلُ كَثيرَ المعروفِ مِنْ نَفسهِ 10 . الخصلَةُ العاشرة التي بها مجده وأعلى ذِكره أنْ يُرى جميعَ أهل الدنيا خَيْراً مِنه وإنَّه شَرّهم ، وإِنْ رآى خَيْراً مِنه سَرَّه ذلك وتمنّى أنْ يُلحق به ، وإنْ راىٰ شَرَّاً مِنهُ قالَ لَعَلَّ هذا يَنجُوا وأهلَك أَنا ، فهُنالِكَ حين أستكمل عقله(3)

4 - يا بني : غايةُ الشرفِ والسَّوَّددِ حُسنُ العقلِ ، وَمَنْ حَسُنَ عَقَلهِ غَطّى ذلك جميعَ ذُنوبهِ وأصلَحَ ذلِكَ مَساويه ورضي عنه مولاه.(4).

5- يا بُنيّ : تَواضَعْ للحقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ الناس وإنَّ الكَيْسَ لدى الحق يسير.(5)

ص: 64


1- كتاب الأذكياء : ص 6 - 12
2- كتاب الأذكياء : ص 6 - 12
3- كتاب الأذكياء : ص 6 - 12
4- كتاب الأذكياء : ص 6 - 12
5- تحف العقول: ص 87

العقل:

«أصله المنع لمنع صاحبه مما لا يليق، أو من المعقل وهو لالتجاء صاحبه إليه، وقال بعض أهل الاشتقاق: العقل أصل معناه المنع ومنه العقال للبعير ، سمي به لأنه يمنع عمّا لا يليق ، قال :

قد عقلنا والعقل أي وثاق*** وصبرنا والصبر مر المذاق ».(1)

وفي المجمع :

« العاقل : هو الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها ومن هذا قولهم اعتقل لسان فلان اذا حبس ومنع من الكلام».(2).

خلق الله عزّوجل الانسان ليعيش مجتمعاً ولم يعط الالهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية كما اعطى سبحانه لبعض الحيوانات الالهام ما يكفيها لأن تعيش مجتمعة تؤدّي كلّ واحد منها وظيفة العمل لجميعها ويؤدي الجميع وظيفة العمل لواحدة منها وبذلك قامت حياة أنواع الحيوانات ، وأما الانسان فلا يتوفر له مثل ذلك الالهام بل حباه الله هداية هي أعلى من هداية الحس والالهام وهي

ص: 65


1- تاج العروس - مادة عقل -
2- مجمع البحرين - مادة عقل -

العقل الذي يصحح غلط الحواس والمشاعر ويبين أسبابه ، وذلك ان البصر يرى الكبير على البعد صغيراً، ويرى العود المستقيم فى الماء معوجاً والصفراوي يذوق الحلو مرّاً ...

فالعقل هو الذي يحكم بفساد مثل هذا الادراك .

العقل هو الميزان القسط الذي توزن به الخواطر والمدركات ويميز به بين أنواع التصوّرات والتصديقات فمتى رجحت فيه كفة الحقائق طاشت كفة الأوهام وسهل التمييز بين الوسوسة والالهام .

العقل نور يقذفه الله في قلب من يشاء ليدرك به الأشياء وهو مركز التفاهم والتخاطب و به انتظام النوع البشري وهوعلّة تشريع الأحكام وناموس الأديان وعليه مدار الخطاب ومن جلالة قدره إنّ الله تعالى لم يخاطب إلا ذوي العقول.

أجل ان من أجل الأشياء العقل لأنه الآلة في تحصيل معرفة الإله وبه تضبط المصالح وتلحظ العواقب وتدرك الغوامض وتجمع الفضائل وهو الدليل المرشد للعمل الصالح وبه يميز الخير والشر، وبه الاستضاءة والهداية وهو أصدق مشير وأنصح خليل، لذا أشاد الكتاب والسنة بالعقل اشادة كبيرة ومدحا صاحبه وفضلاه على غيره لميله إلى محاسن الأخلاق واعراضه عن رذائل الأعمال ورغبته في ابتداء صنايع المعروف وتجنّبه عمّا يكسب عاراً ويورثه شناراً، فالعاقل من عقله في ارشاد ورأيه في إمداد وقوله سديد وفعله حميد .

فقد ورد في الحديث الشريف:

ص: 66

« ما قسّم الله للعباد شيئاً أفضل من العقل ، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل ، ولا بعث الله نبياً ولا رسولاً حتى يستكمل العقل ، ويكون عقله أفضل من جميع عقول أمته وما يضمر النبي نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين، وما أدى العبد فرائض الله حتّى عقل عنه، ولا بلغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل ، والعقلاء هم أولوا الألباب الذين قال الله تعالى: ﴿ وَما يَتَذَكَّرُ إِلّا أُولوا الألباب )(1).

فالعقل السليم يلزم بالتدبير والتعقل ورفع حجاب الغفلة وكشف ستار التمويه ولزوم السعي وراء الحقيقة بعين مبصرة وقلب غير مقلوب، فالعاقل من وعظته التجارب، فهو يدبّر بعقله - مثلاً - عيشته في الدنيا فان كان فقيراً اجتهد في كسب وصناعة تكفّه الذل للخلق ، وقلّل

عن العلائق واستعمل القناعة فعاش سليماً من منن الناس عزيزاً بينهم ، وإن كان غنياً دبّر في نفقته خوف أن يفتقر فيحتاج إلى الذل للخلق، فلا مال أعود من العقل كما في الخبر - لأنّ العاقل الذي لا مال له طالما اكتسب المال بعقله . قال الشاعر :

لعمرك ما بالعقل يكتسب الغنى ***ولا باكتساب المال يكتسب العقل

وكم من قليل المال يُحمد فضله*** وآخر ذي مال وليس له فضل

وما سبقت من جاهل قط نعمة ***إلى أحد إلا أضر بها الجهل

ص: 67


1- أُصول الكافي : ج 1، ص13

وذو اللب إن لم يعط أحمدت عقله ***وإن هو أعطى زانه القول والفعل

أجل إنّ لكلّ أدب ينبوع ، وينبوع الأدب العقل، جعله الله لمعرفته وللدين أصلاً وللملك والدنيا عماداً وللسلامة من المهلكات معقلاً، فأوجب الله لهم التكليف باكماله وجعل أمر الدنيا مدداً به ، وألف به بين خلقه مع اختلافهم ومتباين أغراضهم ومقاصدهم وما استودع الله أحداً عقلاً إلا استنقذه به يوماً، فالعقل خير المواهب وخير جليس ونعم الوزير .

إذا تم عقل المرء تمت أموره ***وتمت اياديه وتم ثناؤه

فعليك أيُّها الانسان أن تلزم ذا عقل وذاكرم وتسترسل إليه ، وإياك وفراقه إذا كان كريماً ولا عليك أن تصحب العاقل وإن كان غير محمود الكرم لكن أحترس من شين أخلاقه وانتفع بعقله ولا تدع مواصلة الكريم وإن لم تحمد عقله وأنتفع بكرمه وأنفعه بعقلك وفر الفرار كله من الأحمق اللئيم .

ص: 68

باب العلم

وفيه ثمان عشرة وصيّة

وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً سورة طه (20): 114

ص: 69

1 - يَا بُنَيَّ : إِنْ تَأَدَّبْتَ صَغِيراً انْتَفَعْتَ بِهِ كَبِيرًا وَمَنْ عَنَى بِالْأَدَبِ اهْتَمَّ بِهِ وَمَنِ اهْتَمَّ بِهِ تَكَلَّفَ عِلْمَهُ وَمَنْ تَكَلَّفَ عِلْمَهُ اشْتَدَّ لَهُ طَلَبُهُ وَمَنِ اشْتَدَّ لَهُ طَلَبُهُ أَدْرَكَ بِهِ مَنْفَعَةً فَاتَّخِذْهُ عَادَةً وَإِيَّاكَ وَالْكَسَلَ مِنْهُ وَالطَّلَبِ بِغَيْرِهِ وَإِنْ غَلَبْتَ عَلَى الدُّنْيَا فَلا تَغْلِبَنَّ عَلَى الْآخِرَةِ وَإِنَّهُ إِنْ فَاتَكَ طَلَبُ الْعِلْمِ فَإِنَّكَ لَمْ تَجِدْ لَهُ تَضْيِيعاً أَشَدَّ مِنْ تَرْكِه.(1).

2 - يَا بُنَيَّ : اسْتَصْلِحِ الْأَهْلِينَ وَالْإِخْوَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنِ اسْتَقَامُوا لَكَ عَلَى الْوَفَاءِ وَاحْذَرْهُمْ عِنْدَ انْصِرَافِ الْمَالِ بِهِمْ عَنْكَ فَإِنَّ عَدَاوَتَهُمْ أَشَدُّ مَضَرَّةً مِنْ عَدَاوَةِ الْأَبَاعِدِ لِتَصْدِيقِ النَّاسِ إِيَّاهُمْ لِاطّلاعِهِمْ عَلَيْكَ.(2)

3- يَا بُنَيَّ : اجْعَلْ فِي أَيَّامِكَ وَلَيَالِيكَ وَسَاعَاتِكَ نَصِيباً لَكَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَإِنَّكَ لَنْ تَجِدَ لَهُ تَضْيِيعاً مِثْلَ تَرْكِهِ.(3)

4 - يَا بُنَيَّ : لا تَتَعَلَّمِ الْعِلْمَ لِتُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ تُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ تُرَائِيَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ ، وَلا تَتْرُكِ الْعِلْمَ زَهَادَةً فِيهِ وَرَغْبَةً فِي الْجَهَالَة.(4).

5 - يَا بُنَيَّ : اخْتَرِ الْمَجَالِسَ عَلَى عَيْنَيْكَ فَإِنْ رَأَيْتَ قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ إِلَيْهِمْ فَإِنَّكَ إِنْ تَكُنْ عَالِماً يَنْفَعَكَ عِلْمُكَ وَيَزِيدُوكَ عِلْماً وَإِنْ تَكُنْ جَاهِلاً يُعَلِّمُوكَ وَلَعَلَّ الله تعالى أَنْ يُظِلُّهُمْ بِرَحْمَتِهِ فَيَعُمَّكَ مَعَهُم.(5)

ص: 70


1- بحار الأنوار: ج 13، ص 419.
2- بحار الأنوار: ج 13، ص 419.
3- بحار الأنوار: ج 13، ص 419.
4- بحار الأنوار: ج 13، ص 419.
5- نفس المصدر السابق : ج 12 ، ص 417 .

6 - يَا بُنَيَّ : صَاحِبِ الْعُلَمَاءَ وَجَالِسْهُمْ وَزُرْهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ لَعَلَّكَ أَنْ تُشْبِهُهُمْ فَتَكُونَ مِنْهُم .(1)

7- يَا بُنَيَّ : جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَرَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ وَلَا تُجَادِلْهُمْ فَيَمْنَعُوك حَدِيثَهُمْ وَلا تَعجزهم فَيمُلُوكَ والطَّفْ بِهِم في السؤالِ إِذا تَرَكُوكَ.(2).

8- يَا بُنَيَّ : تَعَلَّمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَا جَهِلْتَ وَعَلَّمِ النَّاسَ مَا عَلِمْتَ تَذكر بِذلِكَ فِي المَلكوت.(3).

9 - يَا بُنَيَّ : لا خَيْرَ لَكَ في أَنْ تَتَعَلَّم مَا لَم تَعلَمْ ولِما تَعمل بِما قَد علمتَ فَإِنَّ مِثل ذلكَ برَجلٍ أحتطب حطباً فحمل حُزمَةً وذَهَب بِحَملها فَعَجِزَ عَنها قضم إليها أُخرى .(4).

10 - يَا بُنَيَّ : لِلْعَالِمِ ثَلاثُ عَلامَاتِ : الْعِلْمُ بِاللهِ وَالعِلمُ بِما يَكْرَه الله والعِلمُ بِمَا يُحِبُّ اللَّهُ سُبحانَهُ وَتعالى.(5)

11 - يَا بُنَيَّ : عَلّم الجاهِلَ ما عَلِمتَ والتّمس مِنْ عِلم العالم إلى علمك.(6).

12 - يَا بُنَيَّ : السؤالُ نِصفُ العِلم وحُسنُ الجَوابِ مِنَ العِلم.(7).

ص: 71


1- كنز الفوائد : ص 214 .
2- مجموعة ورّام : ج 1، ص 82 .
3- مجموعة ورّام : ج 1، ص 82 .
4- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 84 . .5 الخصال / باب الثلاثة / ص 117
5- الخصال /باب الثلاثه /ص117.
6- جلاء الكروب في شرح القلول : ج 2 ، ص 264 - 265
7- جلاء الكروب في شرح القلول : ج 2، ص 264 - 265 .

13 - يَا بُنَيَّ : لا تُخَاصِمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ فَإِنَّ عِلْمَ اللهِ لا يُدْرَكُ وَلا يُحْصَى.(1)

14- يَا بُنَيَّ : أَخْلِصْ طَاعَةَ اللهِ حَتَّى لا تُخَالِطَهَا بِشَيْءٍ مِنَ الْمَعَاصِي ثُمَّ زَيِّنِ الطَّاعَةَ بِاتِّبَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ فَإِنَّ طَاعَتَهُمْ مُتَّصِلَةٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَزَيِّنْ ذَلِكَ بِالْعِلْمِ وَحَصِّنْ عِلْمَكَ بِحِلْمٍ لا يُخَالِطُهُ حُمْقُ وَاخْزُنْهُ بِلِينٍ لا يُخَالِطُهُ جَهْلْ وَاشْدُدْهُ بِحَزْمٍ لا يُخَالِطُهُ صَيَاعُ وَامْزُجْ حَزْمَكَ بِرِفْقٍ لَا يُخَالِطُهُ عُنْفُ.(2).

15 - قِيلَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ لُقْمَانَ الحَكيم : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ : الْمُؤْمِنُ الْغَنِيُّ ، فَقِيلَ لَهُ : الْغِنى مِنَ الْمَالِ ؟ قَالَ : لا وَلَكِنَّ الْغِنى مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ انْتُفِعَ بِعِلْمِهِ وَإِنِ اسْتَغْنى عَنْهُ كَانَ هُوَ أَكثَرُ غِناءً مِنهم.(3).

16 - قيلَ لِلْقمانَ : أيّ النَّاسِ أَشرّ ؟ قال : الذي لا يُبالي أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ مُسيئاً ، والناسُ بالنظر إلى النوع شرع سواء ، وإِنما يَتَفاضَلُونَ بِالعلم والعَمَل.(4)

17 - يَا بُنَيَّ : إِنَّ الحكمة أجلست المساكينَ مَجالِسَ المُلوكِ.(5).

18 - يَا بُنَيَّ : تَعَلْمِ الْحِكْمَةِ نَشَرَفْ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَدُلُّ عَلَى الدِّينِ وَتُشَرِّفُ الْعَبْدَ عَلَى الْحُرِّ وَتَرْفَعُ الْمِسْكِينَ عَلَى الْغَنِيّ وَتُقَدِّمُ الصَّغِيرَ عَلَى الْكَبِيرِ وَتُجْلِسُ الْمِسْكِينَ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ وَتَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفاً وَالسَّيِّدَ سُوْدَداً وَالْغَنِيَّ مُجَّداً

ص: 72


1- الاختصاص : ص 222 .
2- بحار الأنوار: ج 12 ، ص 421 .
3- بحار الأنوار: ج 12، ص 421 .
4- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 164 .
5- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 164 .

وَكَيْفَ يَظُنُّ ابْنُ آدَمَ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُ أَمْرُ دِينِهِ وَمَعِيشَتِهِ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ وَلَنْ يُهَيِّئَ اللَّهُ عَزَّ جَلَّ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا بِالْحِكْمَةِ وَمَثَلُ الْحِكْمَةِ بِغَيْرِ طَاعَةٍ مَثَلُ الْجَسَدِ بِلا نَفْسٍ أَوْ مَثَلُ الصَّعِيدِ بِلا مَاءٍ وَلا صَلاحَ لِلْجَسَدِ بِغَيْرِ نَفْسٍ وَلَا لِلصَّعِيدِ بِغَيْرِ مَاءٍ وَلَا لِلْحِكْمَةِ بِغَيْرِ طَاعَة.(1).

ص: 73


1- كنز الفوائد : ص 214 .

العلم : هو اليقين الذي لا يدخله الاحتمال ، هذا هو الأصل فيه لغة وشرعاً وعرفاً، وكثيراً ما يطلق على الاعتقاد الراجح، ومنه قوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ ) (1). وجاء العلم بمعنى المعرفة كما جائت بمعناه لاشتراكهما في كون كلّ منهما مسبوقاً بالجهل ، وقال : لا تعلمونهم الله يعلمهم ، أي لا تعرفونهم الله يعرفهم (2)* (3) .

العلم من اشيع الكلمات المستعملة قديماً وحديثاً فهو في كلّ دور من أدواره يطلق على ما يضاد الجهل على الاطلاق، فالعرب في الجاهلية

ص: 74


1- سورة الممتحنة (60) : 10 .
2- مجمع البحرين - مادة علم -.
3- وفي البصائر : المعرفة ادراك الشيء بتفكر وتدبّر لأثره وهي أخص من العلم ، والفرق بينها وبين العلم من وجوه لفظاً ومعنى ، اما اللفظ : ففعل المعرفة يقع على مفعول واحد وفعل العلم يقتضي مفعولين واذا وقع على مفعول كان بمعنى المعرفة، وأما من جهة المعنى فمن وجوه : أحدها : ان المعرفة تتعلّق بذات الشيء والعلم يتعلّق بأحواله ، والثاني : ان المعرفة في الغالب تكون لما غاب عن القلب بعد ادراكه فاذا أدركه قيل عرفه بخلاف العلم، فالمعرفة نسبة الذكر النفسي وهو حضور ما كان غائباً عن الذاكر ولهذا كان ضدّها الانكار وضدّ العلم الجهل ، والثالث : ان المعرفة علم لعين الشيء مفصلاً عما سواه بخلاف العلم فأنّه قد يتعلّق بالشيء مجملاً . ولهم فروق آخر غير ما ذكرنا . انظر تاج العروس - مادة علم - .

كانت تطلق العلم على ما ينافي الجهل بمعارف الجاهلين المحدود كالشعر والقيافة والخطابة والأنساب ، وفي زمن الاسلام كانت العرب تطلق العلم على ما ينافي الجهل بما ظهر من المعارف الجديدة وهي الكتاب والسنة وأخبار الملاحم، ولما ازدادت معارف العرب صارت تطلق على ما ينافي الجهل كالفقه والنحو والتفسير والتاريخ وغيرها من العلوم التي انتشرت آنذاك .

وكيف كان فالعلم نور وحياة وكنز لا يفنى وهو أنيس في الوحشة وصاحب فى الوحدة ، ميراث الأنبياء ، به سعادة الدنيا والآخرة ، وهو الوسيلة الوحيدة إلى معرفة الله عزّوجلّ.

أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلمات (1).

عظم القرآن شأن العلم تعظماً لا تعلوه عظمة أخرى بقوله تعالى:

شَهدَ الله أَنَّهُ لا إله إلا هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ (2).

فبدأ عزّ وجل بنفسه وثنى بملائكته وجعل أولي العلم في المرتبة الثالثة ويدخل فيها الأنبياء والحكماء ومن دونهم من أهل الدرجات. فلا خصيصة أشرف من العلم ، بزيادته صار آدم مسجوداً له وبنقصانه صارت الملائكة ساجدة فأقرب الخلق إلى الله هم العلماء أجل

ص: 75


1- سورة الأنعام (6) : 122
2- سورة آل عمران (3): 18

العلم من أعظم الأشياء منفعة عند العقلاء لأنه يتمتع به صاحبه مدة حياته ويحسن به ذكره ويورثه في الآخرة النعيم الدائم ولا يلحقه بلاء ولا نقص ومع كثرة الاستمتاع به أنه لذيد في نفسه محبوب في ذاته فهو نعم الخدين لصاحبه حيث لا يفارقه في حال من الأحوال فما تقتضيه ضرورة العقل ان المصاحب أشرف من المفارق .

وعند ما قيل لبعض الحكماء : أيّ الأشياء تقتني ؟ قال : الأشياء التي إذا غرفت سفينتك سبحت معك ، يعني بذلك العلم .

والمقصود من العلم الذي يجب تحصيله هو العلم النافع الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، وكلّ علم لا يثبت في الشريعة الاسلامية تعلمه - وجوباً ولا ندباً - فهو علم لا ينتفع به ولا خير فيه واستعاذ رسول الله صلی الله علیه وآله منه .

نعم العلم النافع هو ما أعقب تفقهاً في الدين أو تهذيباً للنفس أو سجاحة في الخلق أو دمائة في الضرائب أو عظة بالغة أو عبرة زاجرة وهناك علوم لم تمنع عنها الشريعة ، ولعلّ في غضون مأثوراتها ترغيباً في تعلّمها أو ان لها صلة بغير واحد من الأحكام الدينية كغير واحد من الرياضيات والعلوم الفلكيّة والجغرافيّة ،وغيرها، وهناك علوم جمة باقية على اباحتها وهي مجلبة للفضل والكمال.

ثم انه لا شكّ أنّ العلم ليس هو بمجرّد صورته يكون نافعاً بل معناه ، وإنما ينال معناه من تعلمه للعمل به فكلّما دلّه على فضل اجتهد في نيله

ص: 76

وكلّما نهاه عن نقص بالغ في تجنّبه، والذي لا يعمل بالعلم لا يطلعه العلم على غوره ولا يكشف له عن سره، فقد ورد في الخبر :

العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم ، والعلم يهتف بالعمل فان أجابه وإلّا ارتحل عنه ». (1).

وورد في خبر آخر عن أبي عبد الله علیه السلام عن آبائه :

«جاء رجل إلى رسول الله صلی الله علیه و آله فقال : يا رسول الله ما العلم ؟ قال : الانصات ، قال : ثمّ مه ؟ قال : الاستماع ، قال : ثمّ مه ؟

قال : الحفظ ، قال : ثم مه ؟ قال : العمل به، قال : ثمّ مه يا رسول الله صلی الله علیه وآله ؟ قال : نشره ».(2)

فالعلم لا ينمو في نفس صاحبه إلا بالعمل وإلا فأي فائدة من علم المؤمن في دينه - مثلاً - فاذا كملت عند الانسان موارد الحكمة ونتائج العلم يجب عليه ألا يحتكرها أو يؤثر بها نفسه فحسب، فيصغى دائرة المنفعة ويضيق منفذ الخير ولما لهذه من أهميّة ومنزلة ومكانة اجتماعية.

جاء الحديث عمّن لا تجود نفسه بين الموعظة والعلم عند الحاجة إليها :

«إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه ومن لم يفعل

ص: 77


1- أُصول الكافي : ج 1 ، ص 44 - 48 .
2- أصول الكافي : ج 1 ، ص 44 - 48 .

فعليه لعنة الله(1).

وفي الناس من لا تجود نفسه حتى على نفسه وهو العلم الذي لا يعمل بعلمه . فالعلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفراً ولم يزدده من الله إلا بعداً .

قال الامام علي بن أبي طالب علیه السلام :

« أَيُّهَا النّاسِ إِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِهِ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لا يَسْتَفِيقُ(2)عَنْ جَهْلِهِ بَلْ قَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْحَجَّةَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ وَالْحَسْرَةُ أَدْوَمُ عَلَى هَذَا الْعَالِمِ الْمُنْسَلِخِ مِنْ عِلْمِهِ مِنْهَا عَلَى هَذَا الْجَاهِلِ الْمُتَحَيِّرِ فِي جَهْلِهِ وَكِلاهُمَا حَائِرٌ بَائِرٌ لا تَرْتَابُوا فَتَشُكُوا وَلا تَشْكُوا فَتَكْفُرُوا وَلا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتُدْهِنُوا وَلا تُدْهِنُوا فِي الْحَقِّ فَتَخْسَرُوا وَإِنَّ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَفَقَّهُوا وَمِنَ الْفِقْهِ أَنْ لا تَغْتَرُوا وَإِنَّ أَنْصَحَكُمْ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُكُمْ لِرَبِّهِ وَأَغَشَّكُمْ لِنَفْسِهِ أَعْصَاكُمْ لِرَبِّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ يَأْمَنْ وَيَسْتَبْشِرْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يَخِبْ وَيَنْدَمْ (3)

ص: 78


1- الكافي : ج 1 ، ص 54 ، ح 2 .
2- الاستفاقة : الرجوع إلى ما شغل عنه وشاع استعماله في الرجوع عن السقم إلى الصحة.
3- أُصول الكافي : ج 1 ، ص 45.

باب ذكر الله

وفيه خمس وصايا

من أكثر ذكر الله عزّوجلّ أحبّه الله ومن ذكر الله كثيراً كتبت له براءتان : براءة من النار وبراءة من النفاق

ابو الزهراء

ص: 79

1 - يَا بُنَيَّ : أَقِلَ الْكَلَامَ وَاذْكُرِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَإِنَّهُ قَدْ أَنْذَرَكَ وَحَدَّرَكَ وَبَصَّرَكَ وَعَلَّمَك.(1).

2 - يَا بُنَيَّ : لا يَحْلْ قَلبَكَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَفَضْلُ ذِكرِ اللَّهِ عَلَى الكلامِ كَفَضلِ اللهِ على سائِر خَلقِهِ».(2).

3- يَا بُنَيَّ : أَسْتَحِ مِنَ اللَّهِ بِقَدرِ قُربِهِ مِنْكَ(3)

4 - يَا بُنَيَّ : أَرضَ الخالِقَ بِسَخَطِ المَخْلُوقِ وَلَا تَأْخُذْكَ فِي اللهِ لَومَةَ لائم.(4)

5 - يَا بُنَيَّ : اذْكُرْ اثْنَيْنِ ... أَحَدَهُما الله(5).

ص: 80


1- الاختصاص : ص 221 .
2- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 264 - 266 .
3- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 264 - 266 .
4- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 264 - 266 .
5- راجع عدّة الداعي للشيخ ابن فهد .

قد يطلق الذكر في الأصل على اخطار معنى الشيء أو خطوره في الذهن ويسمّى ذكر القلب، وضدّه النسيان ولذلك قرنه الله بالتفكّر وقد يطلق على النطق باللفظ الدال عليه ويسمّى ذكر اللسان(1).

ولا تحصل فائدة الذكر باللسان إلا مع ذكر القلب - وهو ملاحظة معاني القول - فكم من ذاكر ذكر الله كثيراً فلا يفيده ذلك معرفة به تعالى ولا مراقبة له ، بل هو عادة تقارنها عادات اخرى وما ذلك إلا انه ذكر لساني محض لا حظ فيه للقلب ، فذكر القلب وحده ينفع دائماً وذكر اللسان وحده قلّما ينفع وقد يكون في بعض الأحوال ذنباً فالأفضل والأكمل للانسان الجمع بين الذكرين فاذا توجه الانسان إلى الله تعالى أراح قلبه بذكره ، إذ لا هم له في حياته إلا الفوز بالسعادة والنعمة ولا

ص: 81


1- ويستعمل مجازاً بمعنى الصيت والشرف وفسّر به قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرُ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ ، سورة الزخرف (43) : 44، ويطلق بمعنى العلم وبه يسمّى القرآن وغيره من الكتب الالهية ذكراً ومنه : ﴿ فَسْئلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، سورة النحل (16) : 43 . وأما التذكّر فمعناه تكلّف ذكر الشيء في القلب أو التدرّج فيه بفعله المرّة بعد المرّة ، ويطلق على الاتعاظ، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنيبُ ﴾ ، سورة غافر (40) : 13 ، وقوله : ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ﴾ ، سورة الأعلى (87) 10 ، والشواهد عليه في الذكر كثيرة .

خوف له إلّا من ان تغتاله الشقوة ،والنقمة، فالله سبحانه هو السبب الوحيد الذي بيده زمام الخير وإليه يرجع الأمر كله وهو القاهر فوق عباده فعّال لما يريد وهو ولي عباده المؤمنين به اللاجئين إليه ، فذكره تعالى للنفس الأسيرة بيد الحوادث الطالبة لركن شديد يضمن له السعادة المتحيّرة فى أمرها وهى لا تعلم أين تريد وأنى يراد بها ؟

فكل قلب يطمئن بذكره تعالى ويسكن به ما فيه من القلق والاضطراب.

«أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ».(1).

ذلك القلب الذي يستحق أن يسمّى قلباً وهو القلب الباقي على بصيرته ورشده ، وأما المنحرف عن أصله الذي لا يبصر ولا يفقه فهو مصروف عن الذكر محروم عن الطمأنينة والسكون .

«فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور».ِ(2).

ان مصدر الهم والقلق هو استشعار الانسان بضعفه أمام الحوادث ولكن الايمان القوي بالله سبحانه يلقى في نفس الانسان طمأنينة وقوّة تتضاءل أمامها هموم الحياة ويراها شيئاً تافهاً لا تستحق الذكر ، فذكره أثر من آثار الايمان به وهو الغذاء الروحي الذي يمد النفس الانسانية بالعلاج لا دوائها والسكينة التي تحتاجها .

ص: 82


1- سورة الرعد (13) : 28 .
2- 2. سورة الحج (22): 46 .

إن ذكر الله سبحانه مظهر لمعرفة الانسان ربّه والثناء عليه ولهذا يصرّح القرآن الكريم بأن ذكره تعالى وسيلة للتقرب منه سبحانه وإنّ الذاكرين له مجزيون بمحبته ورحمته .

« وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ هُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عظياً ».(1).

ولشدّة العناية بذكر الله جعل الصلاة التي يتقرب بها الانسان إليه مشتملة على أنواع كثيرة من الأذكار وطالب الزيادة على ذلك في الليل وهو ما يطلق عليه التهجد لأنّ فى الليل تصفو النفوس وتكون أقدر على المناجاة بروحيّة لا يعكر صفوها أي معسكر وهذا ما أمر الله به .

أجل نحن مأمورون بالذكر على كل حال نكون عليها وأن الله تعالى لم يجعل لنا حداً ننتهي إليه من ذكره ، كما انه لم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله ، فهذا أبو عبد الله عليه السلام يقول صريحاً:

« مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَلَهُ حَدَّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِلَّا الذِّكْرَ فَلَيْسَ لَهُ حَدٌ يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَرَضَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ الْفَرَائِضَ فَمَنْ أَدَّاهُنَّ فَهُوَ حَدُهُنَّ ، وَشَهْرَ رَمَضَانَ فَمَنْ صَامَهُ فَهُوَ حَدُّهُ وَالْحَجَّ فَمَنْ حَجَّ فَهُوَ حَدُّهُ إِلَّا الذِّكْرَ فَإِنَّ اللهَ عَزَّوَجَلَّ لَمْ يَرْضَ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدَأَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً فَقَالَ : لَمْ يَجْعَل الله

ص: 83


1- سورة الأحزاب (33) 35

عَزَّوَجَلَّ لَهُ حَداً يَنْتَهِي إِلَيْهِ ، قَالَ : وَكَانَ أَبِي عليه السلام كَثِيرَ الذِّكْرِ لَقَدْ كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ وَإِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللَّهَ وَآكُلُ مَعَهُ الطَّعَامَ وَإِنَّهُ لَيَذْكُرُ اللهَ وَلَقَدْ كَانَ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ وَمَا يَشْغَلُهُ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَكُنْتُ أَرَى لِسَانَهُ لازقاً بِحَنَكِهِ يَقُولُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَكَانَ يَجْمَعُنَا فَيَأْمُرُنَا بِالذِّكْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَأْمُرُ بِالْقِرَاءَةِ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ مِنَّا وَمَنْ كَانَ لَا يَقْرَأُ مِنَّا أَمَرَهُ بِالذِّكْرِ وَالْبَيْتُ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ وَيُذْكَرُ اللهُ عَزَّوَجَلَّ فِيهِ تَكْثُرُ بَرَكَتُهُ وَتَحْضُرُهُ الْمَلائِكَةُ وَتَهْجُرُهُ الشَّيَاطِينُ وَيُضِيءُ لَأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا يُضِيءُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَالْبَيْتُ الَّذِي لَا يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ وَلا يُذْكَرُ اللهُ فِيهِ تَقِلُّ بَرَكَتُهُ وَتَهْجُرُهُ الْمَلائِكَةُ وَتَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله : ألا أَخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ لَكُمْ أَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَم وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَقْتُلُوهُمْ وَيَقْتُلُوكُمْ ؟ فَقَالُوا : بَلَى ، فَقَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ كَثِيراً ثُمَّ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وآله ، فَقَالَ : مَنْ خَيْرٌ أَهْلِ الْمَسْجِدِ ؟ فَقَالَ : أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْراً ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآله : مَنْ أَعْطِيَ لِسَاناً ذَاكِراً فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَالَ : فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا

ص: 84

تَمننْ تَسْتَكْثِرُ ، قَالَ : لا تَسْتَكْثِرُ مَا عَمِلْتَ مِنْ خَيْرِ لِله».(1).

وكيف كان فذكر الله حسن بالليل والنهار في البر والبحر في السفر والحضر في الغنى والفقر في السقم والصحة في السر والعلانية وذكره حسن على كل حال :

فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ(2).

أي اذكروه في أنفسكم على كل حال من قيام وقعود لتقوى قلوبكم وتعلو هممكم وتحتقروا متاعب الدنيا ومشاقها في سبيله فهذا مما يرجى به الثبات والصبر وما يعقبهما من الفلاح والنصر .

فلا تكن أيُّها الانسان غافلاً عن ذكره تعالى في سائر الأوقات، فمن غفل عن ذكره مرض قلبه وضعف ايمانه واستحوذ عليه الشيطان فأنساه نفسه .

صلى الإله على قوم شهدتهم ***كانوا إذا ذكروا أو ذكروا شهقوا

كانوا إذا ذكروا نار الجحيم بكوا ***وإن تلا بعضهم تخويفها صعقوا

من غير همز من الشيطان يأخذهم ***عند التلاوة الا الخوف والشفق

صرعى من الحزن قد سجوا ثيابهم*** بقية الروح في أوداجهم رمق

حتى تخالهم لو كنت شاهدهم ***من شدّة الخوف والاشفاق قد زهقوا

ص: 85


1- . أُصول الكافي : ج 2، ص 498
2- سورة النساء (4) : 103 .

ص: 86

باب التوكّل على الله جل جلاله

اشارة

وفيه خمس وصايا

توكل على الرحمن في الأمر كله ***فما خاب حقاً مَنْ عليه توكلا

وكُنْ واثقاً بالله واصبر لحكمه ***تفز بالذي ترجوه منه تفضّلا

شهاب الدين محمد بن أحمد

ص: 87

1 - يا بُنَيَّ : تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ مَنْ ذَا الذِي تَوَكَّلَ عَلَى الله فَلَمْ يَكفِ ؟(1)

2 - يا بُنَيَّ : ثَقْ بِاللَّهِ العَظيمِ عَزَّوَجِلَ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ هَلْ مِنْ أَحَدٍ وَتَقَ بِاللَّهِ فَلَمْ يَنجه ؟(2) .

3 - يا بُنَيَّ : السَفِينَةُ إيمانُ وشُرَاعُها التوكُل.(3).

4 - يا بُنَيَّ : مَنْ ذالَّذِي تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهُ فَوَكَّلَهُ إِلَى غَيْرِهِ .

5- يا بُنَيَّ : الإتكالُ عَلَى اللهِ أروحُ ، وقلة الإسترسال إلى الناس أجزَمُ.(4).

ص: 88


1- كنز الفوائد : ص 214 .
2- الاختصاص: ص 221 - 222
3- . الاختصاص : ص 221 - 222 .
4- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 265 .

أصل التوكل إظهار العجز والانقطاع إلى مَنْ يتكل عليه فاذا ظهر الانسان عجزه عن فعل من الأفعال لانسان مثله وانقطع إليه كان متوكّلاً عليه، وأمّا التوكل على الله فهو أن يعتمد الانسان في جميع أموره على الله وذلك بأن يعتقد اعتقاداً جازماً بأنه لا فاعل إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، ومن اعتقد ذلك اتكل قلبه على الله وحده، وحده ، فهو لا يلتفت إلى نفسه وإلى غيره.

التوكل على الله لازم للانسان ولكن بمعنى انه يتوجه بحسب إرادته ورغبته إلى ما يرتضيه من الأعمال ويسعى بمقدار قدرته وهو متوكّل على الله في نجاح سعيه وإتمام عمله فان كان صلاحه في إتمامه أقدره الله عليه وإلّا رجع عنه بعد إن كان تحت قدرته وفي قبضته بحسب ما يراه ، فالعارف بالله المؤمن به لا يتوكّل على انسان مثله في قضاء عمله له ، نعم له أن يطلب منه قضاءه وهو متوكل على الله بأن يقدره عليه بتوسط ذلك الانسان أو غيره من العباد . قال عزّ من قائل :

«ألا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكيلاً »(1).

ص: 89


1- سورة الإسراء (17): 2

فالآية صريحة بالنهي في الاتكال والاعتماد في شيء من أمورهم على أحد من العباد، إذ لا يمكن أن يقضي أحد حاجة أحد إلا بالأقدار والتوفيق من الله سبحانه فالذي يعتمد على الله في أُموره فالله يكفيه ولا يلجئه إلى أحدٍ سواه . وهذا ما جاء في الخبر الصحيح:

من أعطي ثلاثاً لم يمنع ثلاثاً : من أعطي الدعاء أعطي الاجابة ، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة ، ومن أعطي التوكل أعطي الكفاية، ثمّ قال : أتلوت كتاب الله عزّوجلّ : ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (1)وقال : ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) (2)﴿ وقال : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (3).

ان المتوكل على الله حق توكله وعن يقين ثابت يجزم بأن كل رزق وعطاء ونعمة وسعادة من الله سبحانه ثم يسعى في الطلب على الوجه الجميل بحيث يخاف من الله وحده ولا يطمع في أحد سواه ، ففي الحديث :

« مَنِ انْقَطَعَ إِلَى اللهِ كَفَاهُ كُلَّ مَدُّونَةٍ وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب وَمَنِ انْقَطَعَ إِلَى الدُّنْيَا وَكَلَهُ اللهُ إِلَيْهَا ».(4).

وجاء في حديث آخر :

« لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكَّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا تَرْزُقُ

ص: 90


1- سورة الطلاق (65) : 3
2- سورة الطلاق (65) : 3
3- سورة غافر (40) : 60 .
4- مجموعة ورّام : ج 1 ، ص 222 .

الطيورَ تَغْدُو خِمَاصاً وَتَرُوحُ بِطَاناً ».(1).

قد يتوهم البعض : بأنّ التوكل على الله هو ترك الكسب والسعي في أمر المعاش ولكن هذا توهم فاسد لأن الله عزّوجلّ أمر بالسعي وجعل لكلّ شيء سبباً فاذا كان كذلك في أحواله كان جارياً على ما هو تكليفه وتحت قدرته ، ونحن نعلم بأنّ التوكّل على الله من كمال الايمان وفيه ما فيه من التسليم والرضا وهو السبب في ارتياح النفس واطمئنانها وتجرّدها عن البغي والجشع، فبعد تحقق هذه المرتبة الأخلاقيّة لا تصل النوبة بالانسان أن ينازع من فوقه بالمعصية أو من يساويه ومن دونه بالغلبة. ان للتوكّل على الله مراتباً أضعفه ما كان توكلاً لا يقين معه وأعلاه كل مع يقين ثابت من دون أن يعترضه الشكّ في موارده ، وهذا النوع من التوكل له أثر عميق في النفس، وهو ترك الجشع والعدوان وإن صاحبه مطمئن فى اتجاهه فلا يخشى خورا ولا يحاذر ذلاً ، لأنه استند إلى ملجأ لا يخاف أنهياره واستند إلى كهف حريز ومانع عزيز لا تدانيه سطوة عدو أو غلبة مناجز، وهو متى وحده اتجاه نحو الله عزّجلّ وعلم انه لا منجى منه إلّا إليه ، توحد فكره وانصرف عن الأباطيل ، فلذا حسن أن يتوكّل عليه ويلتجأ إليه في كلّ أموره، وإلى ذلك أشار الامام علی علیه السلام حيث قال :

«أَلْجِيُّ نَفْسَكَ فِي أُمُورِكَ كُلَّهَا إِلَى إِلَهِكَ فَإِنَّكَ تُلْجِنَّهَا إِلَى

ص: 91


1- مجموعة ورّام: ج 1 ، ص 222 .

كَهْفِ حَرِيزٍ وَمَانِعِ عَزِيز».(1).

فأعظم مقام موسوم بمحبّة الله عزّوجلّ صاحب التوكل، فمن يكن الله حسبه ومكافيه ومحبّه ومراعيه فقد فاز فوزاً عظياً .

أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) (2).

فطالب الكفاية من غيره هو التارك للتوكل، ان من توكّل على الله يكون عزيزاً ومن لاذ واستجار به لا يضيعه الله ومن انقطع إليه كفاه من كلّ مؤنة فيجب ان حال المتوكل حال الطفل مع أمه ، فهو لا يعرف غيرها ولا يعتمد إلا عليها ، وإذا فزع من شيء لا يلتجأ إلا إلى أمّه ، وإذا صرخ لا ينادي إلا أمّه ، كذلك المتوكل فهو لا يعرف سوى الله يفوض إليه أمره ، وإليه مرجع العباد.

فالذي يؤمن بأنّ الله بيده تصاريف الحياة وبيده النفع والضر يترك الأمر إليه ويرضى بمشيئة الله فلا يفزعه المستقبل وما يخبئه له من مفاجئات ويعوض عن الخوف بسكينة واطمئنان إلى عدل الله عزّوجل ورحمته ولهذا قرّر الإسلام بأن الايمان يجب ان يصاحبه توكل التوكل.

«زاد روحي للتغلب على الخوف والقلق وهو الذي يعطي المؤمن بسمة أمام أحلك الساعات التي تمرّ به ويهبه سكينة النفس المحروم منها

ص: 92


1- نهج البلاغة .
2- سورة الزمر (39) : 36 .

كثير من سكان هذه الأرض(1).

فالتوكل إذن :أفضل درجا الموقنين وأرقى منازل السالكين وأعلى مقامات الموحدين لذا ورد في لذا ورد في مدحه وفضله والترغيب فيه من الكتاب والسنة ما لا يحصى عدده، فقد جاء في الخبر :

« أَوْحَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى دَاوُدَ : مَا اعْتَصَمَ بِي عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي دُونَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِي عَرَفْتُ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ ثُمَّ تَكِيدُهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ إِلَّا جَعَلْتُ لَهُ الْمَخْرَجَ مِنْ بَيْنِهِنَّ وَمَا اعْتَصَمَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي عَرَفْتُ ذَلِكَ مِنْ نِيَّتِهِ إِلَّا قَطَعْتُ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ يَدَيْهِ وَأَسَحْتُ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهِ وَلَمْ أُبَالِ بِأَيِّ وَادٍ هَلَكَ ».(2).

حكاية

روي ان حاتماً ( الأصم ) كان رجلاً كثير العيال وكان له أولاد ذكور وأناث ولم يكن يملك حبّة واحدة ، وكان قدمه التوكل على الله ، فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدّث معهم فتعرّضوا لذكر الحج فداخل الشوق قلبه ثم دخل على أولاده فجلس معهم يحدثهم ثم قال لهم : لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربّه في هذا العام حاجّاً ويدعو لكم ، ماذا عليكم لو

ص: 93


1- روح الدين الاسلامي : ص 148 .
2- أصول الكافي : ج 2 ، ص 62 .

فعلتم ، فقالت زوجته وأولاده أنت على هذه الحالة لا تملك شيئاً ونحن على ما ترى من الفاقة فكيف تريد ذلك ونحن بهذه الحالة، وكان له ابنة صغيرة فقالت : ماذا عليكم لو أذنتم له ولا يهمكم ذلك دعوه يذهب حيث يشاء فانّه مناول للرزق وليس برزّاق فذكرتهم ذلك ، فقالوا: صدقت والله هذه الصغيرة يا أبانا انطلق حيث أحببت فقام من وقته وساعته وأحرم بالحج وخرج مسافراً وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم كيف أذنوا له بالحج وتأسف على فراقه أصحابه وجيرانه فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة ويقولون لو سكت ما تكلّمنا فرفعت الصغيرة طرفها إلى السماء وقالت : إلهى وسيدي ومولاي عوّدت القوم بفضلك وأنّك فلا تخيبهم لا تخيبهم ولا تخجلني معهم.

فبينما هم على هذه الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيّداً فانقطع عن عسكره وأصحابه فحصل له عطش شديد فاجتاز ببيت الرجل الصالح حاتم الأصم ) فاستسقى منهم ماء وقرع الباب فقالوا: من أنت؟ قال: الأمير ببابكم يستقيكم فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء وقالت : إلهي وسيدي سبحانك البارحة بتنا جياعاً واليوم يقف الأمير على بابنا يستقينا ، ثمّ أنها أخذت كوزاً جديداً وملأته ماء وقالت للمتناول منها : اعذرنا فأخذ الأمير الكوز وشرب منه فاستطاب الشرب من ذلك الماء، فقال : هذه الدار لأمير فقالوا : لا والله بل لعبد من عباد الله الصالحين يعرف بحاتم الأصم ، فقال الأمير : لقد سمعت به ، فقال الوزير: يا سيدي

ص: 94

لقد سمعت البارحة باتوا جياعاً وأحرم بالحج ، فقال الأمير : ونحن أيضاً قد ثقلنا عليهم اليوم وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم ثمّ حلّ الأمير منطقته من وسطه ورمى بها في الدار ثم قال لأصحابه : من أحبّني فليلق منطقته فحل جميع أصحابه مناطقهم ورموا بها إليهم ثم انصرفوا .

فقال الوزير: السلام عليكم أهل البيت لأتينكم الساعة بثمن هذه المناطق فلما أنزل الأمير رجع إليهم الوزير ودفع إليهم ثمن المناطق مالاً جزيلاً واستردها منهم، فلما رأت الصبية الصغيرة ذلك بكت بكاءاً شديداً فقالوا لها : ما هذا البكاء ؟ إنما يجب أن تفرحي فانّ الله قد وسع علينا ، فقالت : يا أمّ والله إنّما بكائي كيف بتنا البارحة جياعاً فنظر إلينا مخلوق نظرة واحدة فأغنانا بعد فقرنا ، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد طرفة عين ، اللهم انظر إلى أبينا ودبّره بأحسن التدبير، هذا ما كان من أمرهم . وأما ما كان من أمر حاتم أبيهم فأنّه نا خرج محرما ولحق بالقوم توجع الأمير الركب فطلبوا له طبيباً فلم يجدوا، فقال لهم هل من عبد صالح فدلّ على حاتم ، فلما دخل عليه وكلّمه دعا له فعوفي الأمير من وقته فأمر له بما يركب وما يأكل وما يشرب، فنام تلك الليلة مفكراً في امر عياله ، فقيل له في منامه : يا حاتم من أصلح معاملته معنا أصلحتنا معاملتنا معه ، ثم أخبر بما كان من أمر عياله فأكثر الثناء على الله تعالى فلمّا قضى حجّه ورجع تلقته أولاده فعانق الصبية الصغيرة وبكى ثم قال:

ص: 95

صغار قوم کبار قوم آخرين . ان الله لا ينظر إلى أكبركم ولكن ينظر إلى أعرفكم به فعليكم بمعرفته والاتكال عليه فأنّه مَنْ توكّل على الله فهو حسبه

وما تمّ إلّا الله في كلّ حالة*** فلا نتكل يوماً على غير لطفه

فكم حالة تأتي ويكرهها الفتى*** وخيرته فيها على رغم أنفه

ص: 96

باب الخوف من الله جل جلاله

وفيه خمس وصايا

« من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا ».

الامام الصادق علیه السلام

ص: 97

1 - يَا بُنَيَّ : خَفِ اللَّهَ خَوْفاً لَوْ جِئْتَهُ بِبِرِّ التَّقَلَيْنِ خِفْتَ أَنْ يُعَذِّبَكَ اللهُ وَارْجُ اللَّهَ رَجَاءَ لَوْ جِئْتَهُ بِذُنُوبِ التَّقَلَيْنِ رَجَوْتَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكَ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ يَا أَبَتِ وَكَيْفَ أُطِيقُ هَذَا وَإِنَّمَا لِي قَلْبُ وَاحِدٌ فَقَالَ لَهُ لُقْمَانُ يَا بُنَيَّ لَوِ اسْتُخْرِجَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ فَشْقَ لَوْجِدَ فِيهِ نُورَانِ نُورُ لِلْخَوْفِ وَنُورُ لِلرَّجَاءِ لَوْ وُزِنَا مَا رُبِّحَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ فَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يُصَدِّقُ مَا قَالَ اللهُ وَمَنْ يُصَدِّقُ مَا قَالَ اللهُ يَفْعَلُ مَا أَمَرَ اللَّهُ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَ اللهُ لَمْ يُصَدِّقْ مَا قَالَ اللهُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَخْلاقُ يَشْهَدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ إِيمَاناً صَادِقاً يَعْمَلْ لِلَّهِ خَالِصاً نَاصِحاً وَمَنْ يَعْمَلْ لِلَّهِ خَالِصاً نَاصِحاً فَقَدْ آمَنَ بِاللَّهِ صَادِقاً وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ خَافَهُ وَمَنْ خَافَهُ فَقَدْ أَحَبَّهُ وَمَنْ أَحَبَّهُ اتَّبَعَ أَمْرَهُ وَمَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ اسْتَوْجَبَ جَنَّتَهُ وَمَرْضَاتَهُ وَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْ رِضْوَانَ اللَّهِ فَقَدْ هَانَ سَخَطَهُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ(1) .

2 - يا بُنَيَّ : كُنْ ذا قَلَبَينِ : قَلبْ تَخافُ بِاللهِ خَوفاً لا تُخالِطه تفريط ، وقَلبْ تَرجو بِه الله رجاءاً لا يُخالطه تغريرُ .(2).

3- يَا بُنَيَّ : خَفِ اللَّهَ مَخَافَةً لا تَيْأَسُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَارْجُهُ رَجَاءَ لَا تَأْمَنُ مِنْ مَكْرِه.(3).

ص: 98


1- تفسير القمي : ج 2، ص 164 .
2- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 421 .
3- كتاب الاختصاص : ص 224 .

4 - يَا بُنَيَّ : إِذا راقَبْتَ اللهُ تَعَالَى لَم تَقدمْ عَلَى مَعَصيتِهِ أَبَداً لأَنه بِمُجرّد إلتفاتَكَ إِلى أَنَّهُ يَرَاكَ وَيطَّلِعُ عَليكَ يَمْنعُكَ الحَياءُ مِنْ مُخالَفَتِهِ (1).

5 - يا بُنَيَّ : خَفْ الله بقدرِ قُدرته عَليكَ (2).

ص: 99


1- مجموعة ورّام : ج 1 ، ص 50 .
2- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 264 .

الخوف لغة الفزع والخوف من الشيء الحذر منه .

الخوف هو سوط الله الذي يسوق به العباد إلى المواظبة على العلم والعمل لينالوا بهما رتبة القرب إليه عزّوجل ولدة المحبّة والانس به . الخوف من الله هو الذي يؤثر في جوارح الانسان فيكفها عن المعاصي ويقيّدها بالطاعات، فلو لا خشية الله لاسترسل الانسان في شروره وانكبّ على لذائذه ، فهو أقوى رادع وأفضل زاجر للانسان عن اقتراف الشر وانتشار الجرائم فخشية الله هي من الدعائم التي قامت عليها الحياة الروحية التي تسمو بالانسان إلى كل خير فكل من أنس بالله وملك الحق قلبه وبلغ مقام الرضا وصار مشاهداً لجمال الحق لم يبق له الخوف بل تبدل خوفه بالأمن كما هو مدلول الآية :

«أُولئِكَ هُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ».(1).

فكلما ازداد الخوف من الله عز وجل كان درعاً لكفّه عن المحضورات وتقياً ، لكنه عن الشبهات ، اذا التقوى أن يترك ما يريبه إلى ما لا یریبه وقد يحمله على ترك ما لا بأس به مخافة ما به بأس

ص: 100


1- سورة الأنعام (6) : 82

نعم الخائف مخافة من الله ينزّل نفسه منزلة السقيم الذي يحتمي طول السقام، فلابد أن يجتهد في ترك المعاصي وكسب الطاعات، ولذا قيل : من خاف شيئاً هرب منه ومن خاف الله هرب إليه ، فليس الخائف من الله من يبكي ويمسح عينيه بل من كان كما وصفه الامام علي عليه السلام

« أَمَا وَاللهِ لَقَدْ عَهِدْتُ أَقْوَاماً عَلَى عَهْدِ خَلِيلِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَإِنَّهُمْ لَيُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ شُعْثاً غُبْراً خُمْصاً بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ كَرْكَبِ الْبَعير يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً يُرَاوِحُونَ بَيْنَ أَقْدَامِهِمْ وَجِبَاهِهِمْ يُنَاجُونَ رَبَّهُمْ فِي فَكَاكَ رِقَابِهِمْ مِنَ النَّارِ وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ مَعَ هَذَا وَهُمْ خَائِفُونَ مُشْفِقُون ». (1). هكذا ينبغي للانسان أن يخشى ربّه بحيث لا يصل إلى اليأس الذي لا يرجى له صلاح ولا ينتظر منه نفع ، بل يقرن خوفه برجائه يكون راجياً عند ما يلاحظه سعة رحمة الله ويكون خائفاً عند ما يلاحظ شدّة بأسه وبطشه وما أعد للعاصين من عذاب وإلى هذا أشار أبو عبد الله علیه السلام حيث قال :

«كَانَ أَبِي صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ نُورَان نُورُ خِيفَةٍ وَنُورُ رَجَاءِ لَوْ وُزنَ هَذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا وَلَوْ

ص: 101


1- جامع السعادات : ج 2، ص 225 .

وُزِنَ هَذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا (1).

فالخوف والرجاء أمران متلازمان، الخوف عن شيء وجوداً يلزمه الرجاء عدماً وعنه عدماً يلزمه الرجاء وجوداً.

ثم انه لابد أن يكون الخوف والرجاء باعثين للعمل من حيث الرهبة فلابد له من ترك الانهماك في المعاصي والشهوات وإلا مع كونه كذلك ثمّ ينتظر المغفرة كان انتظاره حمقاً وغروراً وإلى هذا المعنى أشار أبو عبدالله الصادق علیه السلام عند ما قال علي بن محمد له ان قوماً من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون نرجو ، فقال :

كَذَبُوا لَيْسَ لَنَا بِمَوَالِ أُولَئِكَ قَوْمٌ تَرَجَّحَتْ بِهِمُ الْأَمَانِيُّ مَنْ رَجَا شَيْئاً عَمِلَ لَهُ وَمَنْ خَافَ مِنْ شَيْءٍ هَرَبَ مِنْهُ (2)

فلا تغتر أيُّها الانسان وأحذر من الشيطان الرجيم ، فانّه يثبطك عن العمل ويقنعك بمحض الرجاء والأمل ، ألا ترى الأنبياء كانوا يعبدون الله عزّ وجلّ ليل نهار مع علمهم بسعة رحمته ، أما كان يرجون عفو الله ورحمته ؟ نعم علموا إن رجاء رحمته من دون عمل غرور محض وسفه بحث.

يا غافلاً ترنو بعيني راقد*** ومشاهداً للأمر غير مشاهد

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى ***درك الجنان بها وفوز العابد

ص: 102


1- أُصول الكافي : ج 2، ص 68 - 71 .
2- أُصول الكافي : ج 2، ص 68 - 71 .

ونسيت ان الله أخرج آدماً ***منها إلى الدنيا بذنب واحد

ثم ان علماء الأخلاق اختلفوا في ترجيح أحدهما على الآخر ، فمنهم من رجح الخوف من الله عزّوجلّ على الرجاء منه وقال : الخوف أصلح من الرجاء وان تأثيره على العمل أكثر من الرجاء. ومنهم من رجح الرجاء على الخوف وقال : الرجاء أصلح وأفضل من الخوف لأنه ينبعث من رجائه نشاط العبادة، بينما فصل ثالث وقال : انّ المسئلة تختلف باختلاف الأشخاص فمن غلب عليه اليأس والقنوط وترك العبادة أو غلب عليه الخوف فأسرف فيها حتى أضر نفسه وأهله فالرجاء له أصلح وأفضل ويجب عليه أن يقمع قنوطه بالرجاء ويتذكر ما ورد فيه كقوله تعالى: «لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ».وأمّا المنهمك في الذنوب والمغرور بما هو فيه من الفساد والخوف فالرجاء بالنسبة إليه سموم مهلكة إذ لا يزداد سماعه لها إلا تمادياً في طغيانه وفساداً في فساده وعصيانه لأنه غلب عليه مرض الأمن من مكر الله عزّوجلّ والاغترار به .

ولو فرض تساويها في البعث على العمل ولم يغلب شيء من المذكوران فالأصلح اعتدالهما كما هو المروي عن الامام علی علیه السلام :

يَا بُنَيَّ : خَفِ اللَّهَ خَوْفاً أَنَّكَ لَوْ أَتَيْتَهُ بِحَسَنَاتِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْكَ وَارْجُ اللَّهَ رَجَاءَ أَنَّكَ لَوْ أَتَيْتَهُ بِسَيِّئَاتِ أَهْلِ الْأَرْضِ غَفَرَهَا لَكَ ». (1).

ص: 103


1- لاحظ نهج البلاغة .

ص: 104

باب التقوى

وفيه أربع وصايا

(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)

سورة البقرة (2): 197

ص: 105

1 - يَا بُنَيَّ : اتَّخِذْ تَقْوَى اللَّهِ تِجَارَةً تَأْتِكَ الْأَرْبَاحُ مِنْ غَيْرِ بِضَاعَةٍ وَإِذَا أَخْطَأْتَ خَطِيئَةً فَابْعَثْ فِي أَثَرِهَا صَدَقَةً تُطْفِئُهَا .(1)

2 - يَا بُنَيَّ : أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا لَكَ حَقٌّ وَعَلَيْكَ حَقٌّ. (2).

3 - يَا بُنَيَّ : اتَّقِ الله وَلا تَرَ الناسَ إِنَّكَ كامل وَتَخشَ اللَّهَ لِيَكْرِمُوك. (3).

4 - يَا بُنَيَّ : إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرُ عَمِيقٌ هَلَكَ فِيهَا نَاسٌ كَثِيرٌ تَزَوَّدْ مِنْ عَمَلِهَا وَاتَّخِذْ سَفِينَةٌ حَشْوُهَا تَقْوَى اللَّهِ ثُمَّ ارْكَبِ الْفُلْكَ تَنْجُو وَإِنِّي لَخَائِفٌ أَنْ لا تَنْجُو. (4)

ص: 106


1- مجموعة ورّام : ج 2، ص 231
2- جلاء الكروب فى شرح حكمة القلوب : ص 264 - 265 .
3- جلاء الكروب فى شرح حكمة القلوب : ص 264 - 265 .
4- الاختصاص : ص 331

التقوى لغة المشقة ، من اتقى فلاناً حذره وخافه، فتقوى الله مخافته وتجنب كلّ ما يغضبه ، وهي أثر الايمان الكامل بالله عزّوجلّ.

ليست التقوى كثرة الصلاة والصيام وأمثالها من العبادات الظاهرة وأنّها تصل بالانسان درجة من الصلاح بحيث لا تنال إلا بالتفرغ للصلوات والانقطاع عن الدنيا والزهد في كلّ ما فيها من الملذات، بل التقوى هي مراقبة الله والخوف منه والثقة به والرجوع إليه يطلب الرحمة والغفران في كل وقت لا ان التقوى تمنع الانسان من العمل للدنيا وتمنعه من التمتع بملذاتها المشروعة، ولا تفرض عليه مقاومة نفسه إلى حد المستحيل في ترك المعاصى كلياً .

التقوى هي معيار التفاضل بين المسلمين كما ورد في الحديث :

« لا فَضلَ لِعَرَبيّ على أعجمي ولأبيض على أسود إلا بالتقوى ». (1).

فرجل التقوى هو الذي تأمن الناس بواده و تأمل نجعته ولا يتحرى إلا مرضاة ربّه ويخشى غضبه، فعامل التقوى يحدوا إلى هذه كلها . ولم

ص: 107


1- معدن الجواهر : ص 21

تكن هناك خصلة أصلح للعبد وأجمع للخير وأعظم بالقدر وأنجح للآمال من التقوى ومن أجل هذا حرص النبي على أن يمكن من قلوب أتباعه خوف الله واليقين بقدرته على كلّ شيء إلى حد ينتفي معه الخوف من غيره وحصر الأمل في الله عزّوجل باعتباره القادر على كلّ شيء والناصر لكل من يريد أن ينصره.

فحق التقوى هو الخوف من الله أكثر من كلّ ما سواه .

« أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ».(1).

فخوف الله يقتضي تجريد قلب الانسان من خوف غيره حتى يزيل الله عزّ وجلّ عنهم الخوف والحزن في يوم القيامة ، جاء في الحديث :

«إنّ المنادي ينادي يوم القيامة : يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون فترفع الخلائق رؤوسهم يقولون نحن عباد الله عزّوجلّ، ثم ينادي الثانية : الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمین، فينكس الكفّار رؤوسهم ويبقى الموحدون رافعي رؤوسهم، ثمّ ينادي الثالثة : الذين آمنوا وكانوا يتقون فينكس أهل الكبائر رؤوسهم ويبقى أهل التقوى رافعي رؤوسهم قد أزال الكريم عنهم الخوف والحزن كما وعدهم، لأنّه أكرم الأكرمين لا يخف وليه ولا يسلمه عند الهلكة ».(2).

ص: 108


1- سورة التوبة (9) : 13 .
2- انظر إلى كتاب الرعاية لحقوق الله .

فالتقوى في أصل معناها جعل النفس في وقاية ولا تجعل النفس في وقاية إلا بالنسبة لما يخاف، فخوف الله أصلها ، فالمتقون هم الذين يقون أنفسهم عذاب الله وسخطه في الدنيا والآخرة وذلك بالوقوف عند حدوده وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهو لا يأمر إلا بما فيه خير للانسانية ولا ينهي إلا عما يضرها .

لقد عنى القرآن الكريم بالتقوى عناية كبرى وأولاها بدرجة فائقة ودعى إليها وأكثر من دعواها وكانت له في ذلك أساليب كثيرة مختلفة فمرّة يأمرنا بالتوجه إلى الله وحده في العبادة واجتناب ما يأباه من الشرك.

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ».(1).

وتارة يصف المتقين بكلّ من اتصف بهذه الصفات التالية :

« لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمُشْرِقِ وَالْمُغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا والصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المَتَّقُونَ».(2).

ص: 109


1- سورة آل عمران (3) : 102
2- سورة البقرة (2): 177

نعم التقوى أساس التعبد وأصل الطاعة وبها تؤتى الأعمال على أتم الوجوه وان بعض الصفات تعد من التقوى كالعدل والعفو والاستقامة مع الأعداء، لهذا كان أهم ما دعى أهل البيت علیهم السلام هي الدعوى إلى التقوى حيث كانوا ينصحون المؤمنين بالتزامها والتزود منها لذا نرى مواعظهم مليئة بالدعوة إلى التقوى وضبط النفس ومقاومة هواها ومراقبة الله عزّوجل ودوام الخوف منه والرجوع إليه،

وإنما أقول ضبط النفس ومقاومة هواها يعني مقاومتها لا إلى حد يستحيل ترك المعاصي كليّاً بل إلى درجة تدعوه إلى مراقبة الله والخوف

منه والثقة به والرجوع إليه بطلب الرحمة والغفران في كل وقت .

وجاء عن الامام الحسن بن علي علیهما السلام :

« أَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى وَجَعَلَ التَّقْوَى مُنْتَهَى رِضَاهُ وَالتَّقْوَى بَابُ كُلِّ تَوْبَةٍ وَرَأْسُ كُلِّ حِكْمَةٍ وَشَرَفُ كُلِّ عَمَلٍ بِالتَّقْوَى فَازَ مَنْ فَازَ مِنَ الْمُتَّقِينَ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً وَقَالَ وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ وَيُسَدِّدُهُ فِي أَمْرِهِ وَيُهَيِّيُّ لَهُ رُشْدَهُ وَيُفْلِجُهُ بِحُجَّتِهِ وَيُبَيِّضُ وَجْهَهُ وَيُعْطِيهِ رَغْبَتَهُ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ

ص: 110

أُولَئِكَ رَفِيقاً.(1).

قال حطيئة الشاعر :

ولست أرى السعادة جمع مال ***ولكن التقي هو السعيد

وتقوى الله خير الزاد ذخراً ***وعند الله للأتقى مزيد

وما لابد أن يأتي قريب ***ولكن الذي يمضي بعيد

ص: 111


1- تحف العقول: ص 163 .

ص: 112

باب حسن الظن بالله جل جلاله

وفيه وصيتان

« أَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ بِي إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً».

الامام الرضا علیه السلام

ص: 113

1 - يَا بُنَيَّ : أَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللهِ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ مَنْ ذَا الَّذِي أَحْسَنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ حُسْنٍ ظَنِّهِ بِهِ .(1)

2 - يَا بُنَيَّ : مَنْ ذَا الَّذِي عَبَدَ اللَّهَ فَخَذَلَهُ وَمَنْ ذَا الَّذِي ابْتَغَاهُ فَلَمْ يَجِدْهُ وَمَنْ ذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فَلَمْ يَذْكُرْهُ وَ مَنْ ذَا الَّذِي تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فَوَ كَلَهُ إِلَى غَيْرِهِ وَمَنْ ذَا الَّذِي تَضَرَّعَ إِلَيْهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فَلَمْ يَرْحَمْهُ ؟(2) .

ص: 114


1- كنز الفوائد : ص 214 .
2- الاختصاص : ص 333

الظن بما هو ظن لا يتعلّق به نهي وإنما ورد النهي عن الظن السوء والاجتناب عن ترتيب الأثر عليه ، كأن يظن بأخيه المؤمن سوء فيرميه به ويذكره لغيره ويرتب عليه سائر ،آثاره قال عزّوجل :

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»(1).

حيث أمرهم الله باجتناب كثير من الظن وأمرهم بأن لا يتركوا نفوسهم نهباً لكلّ ما يهجس فيها حول الآخرين من ظنون وشبهات وشكوك لأن بعض الظن إثم ، فالله عزّ وجلّ أدب عباده المؤمنين بآداب إن تمسكوا بها دامت المودة والوئام بين الناس، فمن هذه الآداب البعد عن سوء الظن ليصبح الناس في مجتمع نظيف لا يأخذون بظنة ولا يحكمون بريبة ومعنى هذا أن يظل الناس أبرياء .

الظن قد يتصف بالحسن وذلك إذا قويت النفس وثبتت حسن ظنّه سواء كان بالله عز وجل أو بالناس وكان ظناً مندوباً إليه كما في الآية الكريمة :

ص: 115


1- سورة الحجرات (49): 12

لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً (1)

وقد يتصف بالقبح وذلك إذا جبن وضعفت نفسه وصغرت وأخذت تذعن لكلّ فكر فاسد يدخل في وهمه سيّ ظنّه سواء كان بالله عزّوجلّ أو بالناس وهو من المهلكات العظيمة ، وإن دل سوء الظن فإنما يدلّ على خبث باطنه وسقم فؤاده لأنّ الأسرار لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لأحد أن يعتقد في حق غيره سوءاً.

«ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ وَلا تَظُنُّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وَأَنْتَ تَجِدْ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْملاً ».(2)

روي انه صلی الله علیه و آله كان يكلّم زوجته صفيّة فمرّ به رجل من الأنصارفدعاه رسول الله صلی الله علیه و آله وقال : يا فلان هذه زوجتي صفية ، فقال : يا رسول الله أفنظن بك إلا خيراً ؟ قال : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فخشيت أن يدخل عليك (3)

هذا حال من ساء ظنّه بالمخلوق فكيف مَنْ ساء ظنّه بالخالق فهو أدعى أن يعذبه الله شرّ عذاب - نعوذ بالله من سوء الظن تعالى واليأس من روحه -إن الله أجل وأعلى من أن يظن به عبده ظنّاً سيئاً، إنما خلقه

ص: 116


1- سورة النور (24) : 12
2- أُصول الكافي : ج 2، ص 362 .
3- نقل بالمعنى .

لأجل الفيض والجود فلابد أن يرحمه في دار الآخرة ويخلّصه من عذابه ويوصله إلى النعيم الخالد ، ولكن هذا ليس معناه ترك العمل والاجتراء على المعاصي إتكالاً على رحمته تعالى بل لابد من العمل وإنما يرجو الله قبوله من فضله وكرمه ويكون خوفه من ذنبه وقصور عمله لا خوفه من رب العالمين.

فحسن الظن بالله عزّوجلّ لا ينا فى الخوف منه تعالى بل لابد منه وضمه إلى الرجاء.

إن حسن الظن بالله وسوء الظن به هو الأساس والمعيار في سعادة الانسان وشقائه مطلقاً حيثاً انه تعالى كريم بيده الخير فمن ظنّ به ظنّاً حسناً أعطي الخير كله لأنه تعالى يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنّه ورجاءه ، ومن ظنّ به ظنّاً سيئاً - نعوذ بالله منه - حرم ذلك الخير وصار شقياً بذلك

قال الامام الرضا علیه السلام :

«أَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ بِي إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَإِنْ شَرَاً فَشَرَاً ».(1).

أي عند يقينه بي في الاعتقاد على الاستيثاق بوعدي والرهبة من وعيدي والرغبة فيما عندي والاستغناء بي أعطيه إذا سألني واستجيب له إذا دعاني كل ذلك ظنّه حسب وقوة يقينه .

ص: 117


1- أُصول الكافي : ج 2، ص 72 .

فلابد للانسان أن يظن بأنه تعالى يرحمه ويغفر له وهو أرحم وأرأف به من والديه والذي يكون سعيه على الدوام ومقصده نيل رحمة الله لا توهن نفسه آية خيبة أمل وبعكس ذلك الذي يقنط من رحمة الله فانّه أحرى أن تلتبس عليه سبل النجاة فيقع في مواطن الخطر وما أصدق ما وصف به القرآن هذه الحالة :

«وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُونَ».(1).

قال أبو جعفرعلیه السلام : وجدنا في كتاب علي علیه السلام ان رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم قال:

وَالَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا أَعْطِيَ مُؤْمِنٌ قَطُّ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا بِحُسْنِ ظَنِّهِ بِاللهِ وَرَجَائِهِ لَهُ وَحُسْنِ خُلُقِهِ وَالْكَفِّ عَنِ اغْتِيَابِ الْمُؤْمِنِينَ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لا يُعَذِّبُ اللهُ مُؤْمِناً بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ إِلَّا بِسُوءٍ ظَنِّهِ بِاللهِ وَتَقْصِيرِهِ مِنْ رَجَائِهِ وَسُوءِ خُلْقِهِ وَاغْتِيَابِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لا يَحْسَنُ ظَنُّ عَبْدِ مُؤْمِنِ بِاللَّهِ إِلَّا كَانَ اللهُ عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ لِأَنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ بِيَدِهِ الْخَيْرَاتُ يَسْتَحْيِي أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ الْمُؤْمِنُ قَدْ أَحْسَنَ بِهِ الظَّنَّ ثُمَّ يُخْلِفَ ظَنَّهُ وَرَجَاءَهُ فَأَحْسِنُوا بِاللهِ الظَّنَّ وَارْغَبُوا إِلَيْهِ (2)

ص: 118


1- سورة الحجر (15) : 56
2- أُصول الكافي : ج 2، ص 72.

باب التوبة

وفيه وصيتان

« التائِبُ مِنَ الذنبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ وَالمُقيم على الذنب وَهُوَ مُستَغفِرٌ مِنْهُ كالمُستَهزى » .

الامام الباقر علیه السلام

ص: 119

1 - يا بُنَيَّ : لا تُؤخِّرُ التَوبَةَ فَإِنَّ المَوتَ يَأْتِي بَعْتةً (1).

2- يا بُنَيَّ : جَدِّدِ التوبَةَ فِي قَلْبِكَ (2).

ص: 120


1- . تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 163 .
2- ُأصول الكافي : ج 2 ، ص 134 .

« التوبة هي الرجوع ، تاب إلى الله رجع عن المعصية إلى الطاعة ، تاب الله عليه : عاد بالمغفرة واستتابه : عرض عليه التوبة مما أقترف أى الرجوع والندم على ما فرط منه » (1).

قد يخطأ الانسان في حياته وتزل قدمه فيكبوا كما هو شأن كلّ إنسان مجرّد عن العصمة ، إلا أن الخطأ قد العصمة ، إلّا أنّ الخطأ قد يزيد عند انسان وقد يقل عند آخر وكلّما راقب الله عزّوجلّ في كافّة أعماله تقل أخطاؤه وكلّما غفل عن ذكر الله كلما ازدادت أخطاؤه ووقع في المهالك ومن لطفه تعالى ومنه على العباد ان فتح لهم باب التوبة وكتب على نفسه الرحمة . قال تعالى :

«فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ».(2).

وقال تعالى :

«كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ

ص: 121


1- تاج العروس - مادة تاب
2- سورة المائدة (5): 39

تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(1).

ومن منه تعالى على العباد إن أي انسان يستطيع أن يتوجه إلى ربه مباشرة نادماً طالباً المغفرة منه عزّوجلّ ليفتح الله بابه ويمنحه رحمته وعفوه من دون حاجة إلى الرواح إلى شخص والاعتراف بخطأه وذنبه بل ذلك بينه وبين الله .

« وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رحيماً ».(2).

ففي الآية حبّ وترغيب على التوبة والاستغفار كما ان فيها بياناً للمخرج من الذنب بعد وقوعه فيها .

التوبة من أهم الدعائم الخلقية وهي سلاح خلق عظيم كما انها الوسيلة إلى أن يغير الفرد نفسه ويتحول ويندم على ما صدر منه فهي اذن : ليست كلمات تردّدها الشفاه بلا ندم ولا ارتداع،بل هي كما وصفها الامام على علیه السلام حينما قال قائل بحضرته : استغفر الله فقال له:

ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَتَدْرِي مَا الإِسْتِغْفَارُ ؟ إِنَّ الإِسْتِغْفَارِ دَرَجَةً الْعِلِّيِّينَ وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى سِتَّةِ مَعَانٍ : أَوَّلُهَا : النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى ، وَالثَّانِي : الْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ إِلَيْهِ أَبَداً ، وَالثَّالِثُ : أَنْ تُؤَدِّيَ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ حُقُوقَهُمْ حَتَّى تَلْقَى اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ أَمْلَسَ

ص: 122


1- سورة الأنعام (6) : 54 .
2- سورة النساء (4) : 110 .

لَيْسَ عَلَيْكَ تَبِعَةٌ ، وَالرَّابِعُ : أَنْ تَعْمِدَ إِلَى كُلِّ فَرِيضَةٍ عَلَيْكَ ضَيَّعْتَهَا فَتُؤَدِّيَ حَقَّهَا ، وَالْخَامِسُ : أَنْ تَعْمِدَ إِلَى اللَّحْمِ الَّذِي نَبَتَ عَلَى السُّحْتِ فَتُذِيبَهُ بِالْأَحْزَانِ حَتَّى يَلْصَقَ الْجِلْدُ بِالْعَظمِ وَيَنْشَأَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ جَدِيدٌ، وَالسَّادِسُ : أَنْ تُذِيقَ الْجِسْمَ أَلَمَ الطَّاعَةِ كَمَا أَذَقْتَهُ حَلاوَةَ الْمَعْصِيَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَقُولُ أَسْتَغْفِرُ الله(1).

أجل يجب على كل انسان أن يبادر إلى التوبة ولا يؤخّرها لأنه لا يدري كم يبقى في هذه الدنيا وهل يوفّق إليها فيما بعد ؟ وما الباعث له على التسويف وما المانع له من المبادرة إليها ؟ هل له سبب إلا عجزه عن مخالفة شهوته لما فيه من التعب والمشقة أفينتظر إلى يوم يأتيه لا تعسر فيه مخالفة الشهوات ؟ هذا يوم لا يخلقه الله عزّ وجلّ ، لا تكون الجنة إلا محفوفة بالمكاره ولا تكون المكاره خفيفة على التقوى . إلى متى يعد الانسان نفسه ويقول غداً وغداً؟ فقد جاء الغد وصار يوماً فكيف وجده ؟ أما علم انّ غداً الذى جاء وصار يوماً له حكم الأمس ، لا بل ما تعجز عند اليوم فأنت غداً عنه أعجز لأنّ الشهوة كما يقال كالشجرة الراسخة التي تعبّد الانسان بقلعها فاذا عجز عن قلعها للضعف وأخرها كان كمن عجز عن قلع شجر وهو شاب قوي فأخّرها إلى سنة أخرى مع العلم بأن طول المدة يزيد الشجر قوّة ورسوخاً ويزيد القالع ضعفاً ووهناً فما لا يقدر

ص: 123


1- نهج البلاغة : ج 3، ص 252 .

عليه في الشباب لا يقدر عليه في المشيب أو ما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

«الْكَيْسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنِ اتَّبَعَ نَفْسَهُ وَهَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْأَمَانِي ». (1).

فالأجدر بالانسان أن يغتنم صحته قبل سقمه وفراغه قبل شغله وغناه قبل فقره وشبابه قبل هرمه وحياته قبل مماته واستعداده للآخرة على قدر بقائه فيها ، فقد روى ان ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنّه قد بقي من عمره ساعة وانه لا يستأخر عنها فيبد وللعبد من الأسف ما لو كانت له الدنيا كلّها لخرج منها على أن يضم إلى الساعة ساعة اخرى يتدارك تفريطه فيها فلا يجد إليه سبيلاً .

«وَحيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ ». (2).

فلابد من توبة ولابد من رجوع عمّا فعله ولا يمكن ذلك إلا بالندم عليه والعزم على ترك معاودته والاستغفار باللسان كما ورد في الخبر :

«التَّوْبَةُ نَدَمَ بِالْقَلْبِ وَاسْتِغْفَارُ بِاللَّسَانِ وَتَرْكَ بِالْجَوَارِحِ وَإِضْمَارُ أَنْ لا يَعُود ».(3)

فهذه هي توبة نصوحاً، هي توبة أحبّها الله . وقد ذكر المفسّرون لها وجوهاً:

ص: 124


1- بحار الأنوار: ج 74 ، ص 80
2- سورة سبأ (34) : 54
3- مستدرك الوسائل : ج 12، ص 137 ، باب 87 .

1 - الأول : أن يراد منها توبة تنصح الناس أي تدعوهم إلى أن يأتوا بمثلها لظهور آثارها الجميلة في صاحبها أو تنصح صاحبها فيقلع عن الذنوب ثم لا يعود إليها أبداً.

2 - الثاني : انّ النصوح ما كانت خالصة لوجه الله سبحانه من قولهم : عسل النصوح إذا كان خالصاً من الشمع بأن يندم على الذنوب لقبحها أو كونها خلاف رضا الله سبحانه لا لخوف النار مثلاً، وقد حكم المحقق الطوسي ( طاب ثراه ) في التجريد : بأن الندم على الذنوب خوفاً من النار ليس توبة .

3 - الثالث : ان النصوح من النصاحة وهي الخياطة لأنها تنصح من الدين ما مزقته الذنوب أو تجمع بين التائب وبين أولياء الله وأحبائه كما تجمع الخياطة بين قطع الثوب .

4 - الرابع : ان النصوح وصف للتائب واسناده إلى التوبة من قبيل الاسناد المجازي أي توبة ينصحون بها أنفسهم بأن يأتوا بها على أكمل ما ينبغي أن تكون عليه حتى تكون قالعة لآثار الذنوب من القلوب بالكلية وذلك بإذابة النفس بالحسرات ومحو ظلمة السيئات بنورالحسنات.

وكيف كان فالبدار البدار يا معشر الاخوان إلى التوبة قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح أيمانكم عملاً لا ينفع بعده الاحتماء ويخرج الأمر فيه عن أيدي أطباء القلوب فلا ينفع حينئذٍ وعظ الواعظين ونصح الناصحين وتحق عليكم كلمة العذاب وتدخلون تحت عموم قوله تعالى:

ص: 125

«وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ».(1).

وقوله تعالى :

«خَتَمَ اللهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ».(2).ولهذا أوجبها العلماء في جميع الأوقات وعلى جميع الأشخاص لأن الانسان لا يخلو من شهوات وكلّ شهوة فعلها يرتفع منها ظلم إلى القلب كما يرتفع من نفس الانسان ظلم إلى وجه المرآة الصيقلة فان تراكمت ظلمة الشهوات صارت ريناً .

«كَلأَ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبهمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ».(3).

فاذا تراكم الدين صار طبعاً على القلب كالخبث على وجه المرأة ولا يكفي في ازالة اتباع تلك الشهوات تركها في المستقبل، بل لابد من محو تلك الآثار التي انطبعت في القلب، فلا سبيل لها إلا الاستغفار والتوبة ليرتفع إليها نور إلى القلب فتحمي ظلمة المعصية بنور إستغناء التوبة - أتبع السيئة الحسنة تمحها _.

قال أبو سليمان الدارين _كلمته المشهورة : لو لم يبك العاقل فيا بقي من عمره إلا على موت ما مضى منه في غير الطاعة لكان خليقاً أن يجزيه

ص: 126


1- سورة يس (36): 9
2- سورة البقرة (2) : 7
3- سورة المطففين» (83) : 14

ذلك إلى الممات فكيف من يشتغل فيما بقي من عمره بمثل ما مضى من جهله وذلك ان العاقل اذا ملك جوهرة نفيسة وضاعت منه بكى على ضياعها فان صار ضياعها سبب هلاكه كان بكاؤه أشد ، وكلّ ساعة من العمر جوهرة نفيسة لا قيمة لها ولا بدل عنها فاذا ضيعتها فى الغفلة فقد خسرت خسراناً مبيناً.

الذنوب فان الله يغفرها ***إن شيّع العبد إخلاص وإيمان

وکلّ كسر فانّ الله يجبره ***ولا لكسر قناة الدین جبران

ص: 127

ص: 128

باب الدعاء

وفيه خمس وصايا

أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى سِلاحٍ يُنْجِيكُمْ مِنْ أَعْدَائِكُمْ وَيُدِرُ أَرْزَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : تَدْعُونَ رَبَّكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنَّ سِلاحَ الْمُؤْمِن الدُّعَاءُ».

رسول الانسانية صلی الله علیه وآله

ص: 129

1 - يَا بُنَيَّ : عَلَيْكَ بِالدُّعَاءِ مَا دُمْتَ خَالِياً (1).

2 - يَا بُنَيَّ : ادْعُ اللهَ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ هَلْ مِنْ أَحَدٍ دَعَا اللَّهَ فَلَمْ يُجِبْهُ ؟ أَوْ سَأَلَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ ؟ (2)

3 - يَا بُنَيَّ : أكثِرْ مِنْ قَوْلِ رَبِّ اغْفِرْلى فَإِنَّ لِلَّهِ سَاعَةً لا يُردُّ فيها الدعاء (3).

4- يَا بُنَيَّ : لَيْسَ كُلُّ مَنْ قَالَ اغْفِرْ لِي غُفِرَ لَهُ إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ إِلَّا لِمَنْ عَمِلَ بِطاعَةِ رَبِّهِ (4).

5- اللَّهُمَّ ارْحَمِ الفُقَرَاءَ لِقِلَّةِ صَبْرِهِمْ وأَرحمُ الأَغنياء لِقِلَّةِ شُكرِهِم وارحم الجميعَ لِطُول غَفَلَتهم(5) .

ص: 130


1- الروضة من أصول الكافي : ج 8، ص 348 .
2- كنز الفوائد : ص 214 .
3- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 160 .
4- الاختصاص : ص 332
5- مجموعة ورّام : ج 2، ص 199 .

«الدعاء هو الرغبة إلى الله تعالى فيما عنده من الخير والابتهال إليه بالسؤال ومنه قوله تعالى: «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ». (1).(2)

الدعاء هو الصلة التي ترتبط بين الانسان وخالقه يفزع إليه عند الشدائد ويتضرّع إليه في كشف السوء عنه بدون حاجة إلى الواسطة فاذا أفضى الانسان المحزون إلى ربّه ما يعانيه وطلب منه ما يبتغيه مع التوجه إلى الله بقلب سليم فانه يشعر بطمأنينة ونفحة روحية تنشله مما هو فيه من الهم والضيق وذلك مع الاعتقاد التام بأنّ الله قريب منه مجيب دعوته كما اخبر القرآن الكريم بذلك .

«وَإِذا سَأَلُكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ».(3).

الدعاء من مستلزمات العبادة بل هو أفضل منها وما من شيء أفضل عند الله عزّ وجلّ من أن يسئل ويطلب مما عنده وما أحد أبغض إلى

ص: 131


1- سورة الأعراف (7): 55.
2- تاج العروس - مادة دعاء -
3- سورة البقرة (2) : 186 .

الله ممن يستكبر عن عبادته ولا يسئل ما عنده، فالانسان ضعيف لا يجد سنداً لضعفه غير الدعاء، فقد ورد في الحديث :

« الدُّعَاءُ سَلاحُ الْمُؤْمِنِ وَعَمُودُ الدِّينِ وَنُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ».(1)

فكما ان للرجل سلاح وانه لابد منه ولا يمكن مفارقته كذلك الدعاء لابد للانسان أن يدعو ربه في كل الحالات فى السرّاء والضراء لأنّ الانسان بطبيعته يلجأ إلى ربّه عند الشدّة ولكن ما أن يكشف الله عنه ما به من ضرّ حتى ينسى ويغتر بقوته فأخيراً يؤدّي به الإعراض عنه ، جاء في الخبر عن ميسر بن عبد العزيز عن أبي عبد الله علیه السلام قال : قال لي:

يَا مُيَسِّرُ : ادْعُ وَلا تَقُلْ إِنَّ الْأَمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ إِنَّ عِنْدَ اللهِ عَزَّوَجَلَّ مَنْزِلَةً لا تُنَالُ إِلَّا بِمَسْأَلَةٍ وَلَوْ أَنَّ عَبْداً سَدَّ فَاهُ وَلَمْ يَسْأَلْ لَمْ يُعْطَ شَيْئاً فَسَلْ تُعْطَ يَا مُيَسِّرُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ يُقْرَعُ إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يُفْتَحَ لِصَاحِبِهِ ) (2).

ان لوجود الكائنات وعدمها أسباباً وشروطاً وأبى الله أن يجري الأشياء إلا بالأسباب ومن جملة الأسباب لبعض الأمور الدعاء ، فما لم يدع لم يعط ذلك الشيء ، وأما علمه سبحانه تابعاً للمعلوم كما قيل - لا يصير سبباً لحصول الأشياء وقضاؤه تعالى وقدره ليسا قضاء الازماً حتماً

ص: 132


1- الكافي : ج 2 ، ص 468 .
2- أُصول الكافي : ج 2 ، ص 466.

وإلا لبطل الثواب والعقاب والأمر والنهي .

فالدعاء عبارة عن استغاثة ملهوف واستغاثة متأزم ونشيد للحب وليس عبارة عن عبادات لا نفهم معانيها .

ان أثر الدعاء ايجابي في الغالب وكأن الله يستمع نداء الانسان ويجيبه بصورة مباشرة .

الدعاء يمنح الانسان مقدرة على تحمّل الآلام والمصائب وعند ما تنعدم الكلمات المنطقية لتهدئة الانسان فانّه هو الذي يبرز ليبعث المتطامن في نفسه ويمنحه القوّة للوقوف أمام الحوادث.

هناك بعض العبادات والأذكار في صورة صلوات واجبة ومندوبة مشرعة بكيفيات خاصة ، وهناك عبادات غير مقيّدة بكيفيات معيّنة بل تندرج ضمن أطار واسع هو ذكر الله والدعاء، ولابد من الجهر في بعض العبادات تحقيقاً لبعض المصالح وفي قبال ذلك يود التأكيد على التخفي في عبادات أخرى كما ورد ذلك صريحاً في الحديث :

« أعْظَمُ العِبادات أجراً أخفاها».(1).

فعند ما يسدل الليل أستاره ويغطّ الناس في النوم ويسود الكون ظلام وسكون يقوم المؤمنون للتضرع بين يدي الله عزّوجلّ.

«تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ».(2).

ص: 133


1- قرب الاسناد : ص 64 .
2- سورة السجدة .(32) : 16 .

فالعشق الإلهي يلتهب في أعماقهم ويضاء سراج الايمان في قلوبهم فينهضون بشوق ورغبة شديدين ويتوضأون ويتجهون نحو الله تعالى بكل خضوع و خشوع وينيبون ربّهم ويذرفون الدموع ويعاهدون على عدم العود إليها ويستمدون العون منه تعالى في جميع أمورهم . الدعاء -كما قلنا - هو الصلة بين الانسان وربّه ، فلابد اذن أن يعرف كيف يدعو ربه ومتى يدعوه ؟

قال الامام علي بن أبي طالب علیه السلام :

« لِلدّعاءِ شُروط أرْبَعَةٌ : الأوّل إحضار النية ، والثاني إخلاص السريرة، والثالث مَعْرِفَة المَسؤول ، والرابع الإنصاف في المسألة».(1)

یرید الله سبحانه من عبده أن يدعوه بقلب خاشع وبدن خاضع وجوارح متذلّلة ويقين واثق بالاجابة وألا يكون قلبه متشاغلاً بغير الله .

«إِنَّ اللهَ عَزَّوَجَلَّ لا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً بِظَهْرِ قَلْبِ سَاهِ فَإِذَا دَعَوْتَ فَأَقْبلْ بِقَلْبِكَ ثُمَّ اسْتَيْقِنْ بِالْإِجَابَةِ ».(2).

ومن جميل ما يروى ان أحد الملوك كان عقياً لم يولد له فكان يخرج آخر الليل إلى الصحراء ويدعوا الله تعالى ويتضرع إليه بأن يرزقه ولداً فبق على هذه الحالة مدة إلى أن ضجر ذات ليلة وقال: إلهي أنا لا أدري

ص: 134


1- ارشاد القلوب ، ج 1 ، ص 149 .
2- الكافي : ج 2 ، ص 473 .

أقريب أنت فتسمع ثم لا تجيب ؟ أم بعيد أنت فلا تسمع ، فلما رجع إذاً بهاتف يهتف به يا فلان : أنا أقرب إليك من حبل الوريد أسمع صوتك ولكن أريد أن تدعوني بقلب خالص وسريرة طاهرة .

فالانسان قد يسأل ربه في حاجات فلا يجيبه في سؤاله أو قد يبطئ عليه في الاجابة وذلك لأمور:

الأوّل : إما لأن الله سبحانه يحبُّ أن يسمع صوت عبده ونحيبه فيؤخّر حاجته إلى حين فيزداد العبد من الدعاء كما ورد في الخبر.

«إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَدْعُو اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ فِي حَاجَتِهِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ أَخِّرُوا إِجَابَتَهُ شَوْقاً إِلَى صَوْتِهِ وَدُعَائِهِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ : عَبْدِي دَعَوْتَنِي فَأَخَّرْتُ إِجَابَتَكَ وَثَوَابُكَ كَذَا وَكَذَا وَدَعَوْتَنِي فِي كَذَا وَكَذَا فَأَخَّرْتُ إِجَابَتَكَ وَثَوَابُكَ كَذَا وَكَذَا قَالَ فَيَتَمَنَّى الْمُؤْمِنُ أَنَّهُ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ دَعْوَةً فِي الدُّنْيَا مِمَّا يَرَى مِنْ حُسْنِ الثَّوَابِ».(1)

الثاني : ان الله في شؤونه مصالح وحكماً وان لها لسراً غامضاً وخبراً مكتوماً لا يطمع في ذلك بفهم أو تأويل لأن الله في شؤونه وإرادته لا يصلح لشيء من الفهم والتأويل وأنت تقول في دعاء الافتتاح:

«فَإِنْ أَبْطَا عَنِّي عَتَبْتُ بِجَهْلي عَلَيْكَ، وَلَعَلَّ الَّذِي أَبْطَاعَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِي لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الْأُمُورِ ».

ص: 135


1- أصول الكافي: ج 2، ص 490

وقال الامام عليه السلام لولده بعد كلام له :

« فَلا يُقَنِّطَنَّكَ إِبْطَاءُ إِجَابَتِهِ فَإِنَّ الْعَطِيَّةَ عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ وَرُبَّمَا أُخْرَتْ عَنْكَ الْإِجَابَةُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْظَمَ لِأَجْرِ السَّائِلِ وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الأَمِلِ وَرُبَّمَا سَأَلْتَ الشَّيْءَ فَلا تُؤْتَاهُ وَأُوتِيتَ خَيْراً مِنْهُ عَاجِلاً أَوْ آجِلاً أَوْ صُرِفَ عَنْكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ فَلَرُبَّ أَمْرٍ قَدْ طَلَبْتَهُ فِيهِ هَلاكَ دِينِكَ لَوْ أُوتِيتَهُ فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتُكَ فِيمَا يَبْقَى لَكَ جَمَالُه ».(1).

الثالث : واما لان من الذنب ما يكون حاجباً عن الدعاء أى يحجب الدعاء من القبول فما يدريك لعلّ بين أعمالك عملاً نابياً فكان هو السيّد في أبطأ الاجابة فارجع إلى أعمالك فلعلّ فيها ذنبا اقترفته أو جرماً ارتكبته. روي انّ بني إسرائيل أصابهم قحط فاستقى موسى مرات فما أجيب فأوحى الله تعالى إليه اني لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم تمام قد أصرّ على النميمة ، فقال موسى : يا ربّ من هو حتى نخرجه من بيننا فقال : يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماماً، فتابوا بأجمعهم فسقوا.

وما ورد في دعاء كميل يؤيد ذلك :

« اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتي تَحْبِسُ الدُّعَاءَ».

ثم ان الأوقات والحالات التي يرجى فيها الاجابة غير معروفة . فقد ورد فيه أوقات معيّنة ولكن الله عزّوجلّ أخفى تلك الساعة

ص: 136


1- انظر نهج البلاغة لسيد البلغاء الامام علی علیه السلام

التي يستجاب فيها الدعاء كي يطمع الانسان في دعائه فلو عينت تلك الساعة لاقتصر عليها وما يرى داعياً إلا في ذلك الوقت، ولهذا قال رسول الله صلی الله علیه وآله :

« والفائدة في اخفاء هذه الليلة - أي ليلة القدر - أن يجتهد الناس في العبادة ويحيوا جميع ليالي شهر رمضان طمعاً في إدراكها كما انّ الله سبحانه أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس واسمه الأعظم وساعة الاجابة في ساعات الجمعة » .

فلابد للانسان أن يسئل الله سبحانه ويلحق بالسؤال وأن يستعين بالله على كلّ شيء مهما كان أمره وأن يتوسط إليه ويبالغ في التوسل، فانّ الابن إذا طلب إلى أبيه حاجة قد لا ينالها لو لا ان يشدّد في الطلب ويكثر من السؤال وانّ الباب لا يفتح إلا بالقرع فالحديث الوارد :

«رَحِمَ اللهُ عَبْداً طَلَبَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَاجَةً فَأَلَحٌ فِي الدُّعَاءِ اسْتَجِيبَ لَهُ أَوْ لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ وَتَلا هَذِهِ الأَيَةَ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ».(1).

فيه حث على الدعاء وأن لا يفتر عنه لبط الاجابة لأنه من أعظم العبادات ويترتب عليه أجزل المثوبات.

ومن جميل ما يروى ان ابراهيم بن أدهم مر بسوق البصرة فاجتمع

ص: 137


1- أصول الكافي : ج 2، ص 470 .

إليه الناس وقالوا: يا أبا اسحاق ما لنا ندعوا فلا يستجاب لنا ؟ قال :

«لأنّ قلوبكم ماتت بعشرة أشياء

الأوّل : انكم عرفتم الله فلم تؤدّوا حقه .

الثاني : زعمتم أنّكم تحبّون رسول الله صلی الله علیه وآله ثم تركتم سنته .

الثالث : قرأتم القرآن ولم تعملوا به.

الرابع : أكلتم نعمة الله ولم تؤدوا شكرها .

الخامس : قلتم ان الشيطان عدوّكم ووافقتموه.

السادس : قلتم ان الجنة حق فلم تعملوا لها .

السابع : قلتم ان النار حق ولم تهربوا منها .

الثامن: قلتم ان الموت حق فلم تستعدّوا له .

التاسع : انتبهتم من النوم واشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم.

العاشر : دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم فكيف يستجاب لكم وأنتم على مثل هذه الأحوال ، انما يستجاب لمن كان ذو نيّة صادقة وضمير طاهر وقلب نقي وإلا ما كان الله ليفتح للعبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الاجابة وهو يقول : ادعوني أستجب لكم . وما كان الله ليفتح باب التوبة ويغلق باب المغفرة لأنه تعالى يقول : ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ ) (1)، وما كان الله ليفتح باب الشكر ويغلق باب

ص: 138


1- سورة الشورى (42) : 25 .

الزيادة لأنه يقول : ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ )(1)، وما كان الله ليفتح باب التوكل ولم يجعل للتوكل مخرجاً فانه سبحانه يقول: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾) (2).

وسارية لم تسر في الأرض تبتغي ***محلاً ولم يقطع بها البيد قاطع

تظل وراء الليل والليل ساقط*** بأوراقه فيه سمير وهاجع

تفتح أبواب السماء لوفدها ***اذا قرع الأبواب منهنّ قارع

اذا سألت لم يردد الله سؤلها ***على أهلها والله راء وسامع

واني لأرجو الله حتى كأنما*** أرى بجميل الظن ما الله صانع

ص: 139


1- سورة إبراهيم (14): 7.
2- سورة الطلاق (65) : 2 - 3 .

ص: 140

باب الصلاة

وفيه ست وصايا

«إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً ».

القرآن الكريم

ص: 141

1 - يَا بُنَيَّ : أَقِمِ الصَّلاةَ فَإِنَّ مَثَلَ الصَّلاةِ فِي دِينِ اللهِ كَمَثَلِ عَمُودِ الْفُسْطَاطِ فَإِنَّ الْعَمُودَ إِذَا اسْتَقَامَ نَفَعَتِ الْأَطْنَابَ وَالْأَوْتَادَ وَالظَّلالَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمْ لَمْ يَنْفَعْ وَتِدٌ وَلا طُنْبُ وَلا ظِلال (1).

2 - يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (2).

- يَا بُنَيَّ : لا تَصُمْ صِيَاماً يَمْنَعُكَ مِنَ الصَّلاةِ فَإِنَّ الصَّلاةَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الصَّوْمِ (3).

4 - يَا بُنَيَّ : إِذَا جَاءَ وَقْتُ الصَّلاةِ فَلا تُؤَخِّرْهَا لِشَيْءٍ صَلَّهَا وَاسْتَرِحْ مِنْهَا فَإِنَّهَا دَيْنُ وَصَلِّ فِي جَمَاعَةٍ وَلَوْ عَلَى رَأْسِ زُج (4).

5 - يَا بُنَيَّ : إِذَا نَزَلْتَ فَصَلَّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ فَإِذَا ارْتَحَلْتَ فَصَلَّ رَكْعَتَيْن (5).

6 - يَا بُنَيَّ : إذا كُنتَ في الصلاةِ فَاحْفَظ قَلَبَكَ (6).

ص: 142


1- كنز الفوائد : ص 214 .
2- سورة لقمان (31) : 17 .
3- بحار الأنوار: ج 13، ص 411.
4- فروع الكافي : ج 8 ، ص 349 .
5- فروع الكافي : ج 8 ، ص 349 .
6- انظر إلى عدّة الداعي للشيخ ابن فهد

الصلاة لغة الدعاء دعاء يتقرب به إلى الله عزّوجلّ، فهي صلة وعلاقة بينه وبين الله أو اتصال الروح الانسانية بخالقها .

الصلاة طقس من طقوس الاسلام ومدرسة كبرى لأبنائه وتشريع عظيم ينبض بالحياة وتقوم بتهذيب نفس الانسان واقتلاع جذور الشر منها وغرس ملكات الخير فيها.

ان الاسلام أراد أن يجعل من أفراد أُمته قوى تتحطم عليها هجمات الشرور والفتن وتريد عن منطقتها المطامع والأهواء فهياً لها الوسائل التربوية وكانت الصلاة من أنجح وسائله حيث يتربى بها الانسان تربية صحيحة متحرّرة من كلّ العبوديّات لأنه يصبح عبد الله وحده ، وعبوديّة الله تلازم الحريّة العامة، ولا شكّ أنّ الامّة التي تتشكل من هذه الأفراد ستكون أمة جبّارة تمتلك التأريخ وتوجهه حسب إرادتها ورغباتها.

ان الصلاة تجعل من المسلمين جماعة مهذبة راضية متحابة تجتنب الشرور والآثام وهي نظام كامل يقوم بحفظ حقوق الناس ويجعلهم متآخين آمنين من تعدي بعضهم على بعض.

ان في أداء المسلم لفريضة الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة

ص: 143

تجديد للعهد الذي أخذه الله عليه - مرّة بعد أخرى - بأن لا يكذب ولا يخون ولا يدلس ولا يأتى شيئاً لا يرضاه الله عز وجل وأن يفعل ما أمره به وترهيب من عذابه وترغيب في رحمته، وكيف يفكر المسلم في أن يقدّم على شيء يسخط ربّه وهو يعرض نفسه على خالقه في اليوم والليلة خمس مرّات مؤدّياً فريضة وعلى موعد لأداء فريضة أخرى فمثلها كمثل النهر الجاري فكما انّ من اغتسل فيه في كلّ يوم خمس مرات لم يبق في بدنه شيء من الدرن كذلك كلّما صلى صلاة كفّر ما بينهما من الذنوب وليس ما بين المسلم وبين أن يكفر إلا أن يترك الصلاة .

و في الخبر عن هشام بن الحكم قال :

« سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ عَنْ عِلَّةِ الصَّلاةِ فَإِنَّ فِيهَا مَشْغَلَةً لِلنَّاسِ عَنْ حَوَائِجِهِمْ وَمَتْعَبَةً لَهُمْ فِي أَبْدَانِهِمْ، قَالَ : فِيهَا عِلَلٌ وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ لَوْ تُرِكُوا بِغَيْرِ تَنْبِيهِ وَلا تَذْكِيرِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه و آله وسلم بِأَكْثَرَ مِنَ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ وَبَقَاءِ الْكِتَابِ فِي أَيْدِيهِمْ فَقَطْ لَكَانُوا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُونَ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا اتَّخَذُوا دِيناً وَوَضَعُوا كُتُباً وَدَعَوْا أَنَاساً إِلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ وَقَتَلُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَدَرَسَ أَمْرُهُمْ وَذَهَبَ حِينَ ذَهَبُوا وَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ لا يُنْسِيَهُمْ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ ص فَفَرَضَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةَ يَذْكُرُونَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ يُنَادُونَ بِاسْمِهِ وَتَعَبَّدُوا بِالصَّلاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ لِكَيْلا يَغْفُلُوا عَنْهُ فَيَنْسَوْهُ فَيَدْرُسَ ذِكْرُهُ (1).

إنّ اقامة الصلاة التى يكرّر القرآن المطالبة بها لا تتحقق بأداء أفعال

ص: 144


1- الوسائل، باب اعداد الفرائض والنوافل ، حديث 8.

الصلاة وأقوالها فقط، وإن جاء بها المصلّى تامة على الوجه الذي يذكره الفقهاء ، لأن ما يذكرونه هو صورة الصلاة وهيأتها ، وإنما المهم والمطلوب منه هو سرّ الصلاة وروحها الذي تصدر عنه آثارها من النهي عن الفحشاء والمنكر وقلب الطباع السقيمة والاستعاضة عنها بالغرائز المستقيمة ، فمن حافظ على الصلاة الحقيقية تطهّرت نفسه من الهلع والجزع

إذا مسه الشرّ ، ومن البخل والمنع إذا مسه الخير .

«إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلا الْمُصَلِّينَ».(1).

المصلّي شجاع كريم قوي العزيمة شديد الشكيمة لا يرضى بالضيم ولا يخشى من الحق العذل واللوم لأنه بمراقبته الله تعالى في صلاته واستشعاره عظمته وسلطانه الأعلى في ركوعه وسجوده يكون الله تعالى غالباً على أمره ، فلا يبالي ما لقي من الشدائد في سبيله وما أنفق من فضله ابتغاء مرضاته ، وصورة الصلاة لا تعطي صاحبها شيئاً من هذه المعاني فليست بمجردها من البر في شيء، وإنما شرعت للتذكير بذلك السناء الالهي والاستعانة بها على توجه القلب إليه واستغراقه في ذكره ومناجاته ودعائه وهو روحها وسرّها الذى يستعان به.

ان وجه الحاجة إلى الاستعانة بالصلاة محجوب لا يكاد ينكشف إلا للمصلين الذين هم في صلاتهم خاشعون تلك الصلاة التي أكثر من ذكرها

ص: 145


1- سورة المعارج (70) : 19 - 22 .

الكتاب العزيز ووصف ذويها بفضلى الصفات وهي التوجه إلى الله تعالى ومناجاته وحضور القلب معه سبحانه واستفراقه في الشعور بهيبته وجلاله وكمال سلطانه تلك الصلاة التي قال فيها جلّ ذكره :

«وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ ». (1).

وقال فيها :

«إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ». (2)

ولیست هي الصورة المعهودة -كما قلنا - من القيام والسجود والتلاوة باللسان خاصة التي يسهل على كلّ صبي مميّز أن يتعوّدها والتي نشاهد من المعتادين لها الاصرار على الفواحش والمنكرات واجتراح الآثام والسيئات وأي قيمة لتلك الحركات الخفيفة في نفسها حتى يصفها ربّ العزّة والجلال بالكبر إلا على الخاشعين، إنما جعلت تلك الحركات والأقوال صورة للصلاة لتكون وسيلة لتذكير الغافلين وتنبيه الذاهلين ودافعاً يدفع المصلّي إلى ذلك التوجّه المقصود الذي يملأ القلب بعظمة الله وسلطانه حتى يستهل في سبيله كلّ صعب ويستخف بكل كرب ويسهل عليه عند ذلك احتمال كل بلاء ومقاومة كلّ عناء فانّه لا يتصوّر شيئاً يعترض في سبيله إلا ويرى سيّده ومولاه أكبر منه فهو لا يزال يقول الله أكبر حتى لا يبقى في نفسه شيء كبير إلا ما كان مرضيّاً الله العلى الكبير

ص: 146


1- سورة البقرة (2) 45
2- سورة العنكبوت (29) : 45 .

الذي يلجأ إليه في الحوادث ويفزع إليه عند الكوارث .

فالصلاة اذن هى أوثق رابطة بين الله تعالى وبين عباده وماذا يقال في فضلها بعد قول أبي عبد الله علیه السلام :

أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ عَزَّوَجَلَّ الصَّلاةُ وَهِيَ آخِرُ وَصَايَا الْأَنْبِيَاءِ فَمَا أَحْسَنَ الرَّجُلَ يَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِعُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَتَنَحَّى حَيْثُ لا يَرَاهُ أَنِيسٌ فَيُشْرِفُ عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ نَادَى إِبْلِيسُ يَا وَيْلاهُ أَطَاعَ وَعَصَيْتُ وَسَجَدَ وَأَبَيْت (1).

وبعد قوله علیه السلام أيضاً:

«إِذَا قَامَ الْمُصَلِّي إِلَى الصَّلاةِ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ مِنْ أَعْنَانِ السَّمَاءِ إِلَى أَعْنَانِ الْأَرْضِ وَحَفَّتْ بِهِ الْمَلائِكَةُ وَنَادَاهُ مَلَكَ لَوْ يَعْلَمُ هَذَا الْمُصَلِّي مَا فِي الصَّلاةِ مَا انْفَتَلَ (2).

انّ هذه الهيأة التي اختارها الله تعالى للصلاة هي أفضل معين على استحضار سلطانه وتذكر كرمه واحسانه فان قولك الله أكبر يعطيك من الشعور بكون الله أكبر وأعظم من كلّ شيء تشغل به نفسك وتوجّه إليه همك وتعطيك من الشعور بكونه تعالى أكبر وأقدر وأقوى قوة في هذا الوجود يجب أن يخشاها ولا يخرج عن اطاعتها في كبيرة أو صغيرة إذكلّ

ص: 147


1- الوسائل ، باب 10 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ، حدیث 2 و 7. .2.
2- الوسائل ، باب 10 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها ، حدیث 2 و 7. .2.

ما سواها من القوى فهو ضعيف وضئيل إلى جانبها ومقهور لها، فالخضوع الله وحده لا غير ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وفي قراءة الفاتحة من الثناء على الله تعالى وتذكر رحمته ومعاهدته على اختصاصك إيّاه بالعبادة والاستعانة وكلّ ما تقرأه من القرآن بعد الفاتحة له في النفس آثار محمودة تختلف باختلاف ما في القرآن من المعارف العالية والحكمة البالغة والعبر العظيمة .

وانحناؤك للركوع والسجود بعد ذلك يقوّي في النفس معنى العبودية وتذكّر عظم الالوهية ويقلع صفة الكبرياء من نفسه لأنّ المصلّي بسجوده إلى ربّه واضعاً أشرف عضو من جسده على الصعيد يصل بذلك إلى أرفع مراتب الخشوع والتذلل والعبودية حيث يسجل ضعفه وضئالته أمام خالقه وقعد هذا فهل يبقى للكبرياء والتعاظم أثر في نفسه ؟

كلّا، مادام يفترش وجهه متذلّلاً مبتهلاً إلى ربّه طالباً منه الرحمة ة، فاذا كانت هذه هي منزلة الصلاة فعليك أيها المصلّي أن تؤدّيها على النحو المأمور بأعمالها الواجبة والمندوبة وشرائطها الظاهرة والباطنة مع الاخلاص وحضور القلب ففى الخبر :

«إِنَّ الْعَبْدَ لَيُرْفَعُ لَهُ مِنْ صَلاتِهِ نِصْفُهَا أَوْ تُلْتُهَا أَوْ رُبُعُهَا أَوْ خُمْسُهَا فَمَا يُرْفَعُ لَهُ إِلَّا مَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِقَلْبِهِ وَإِنَّمَا أَمَرْنَا بِالنَّافِلَةِ لِيَتِمَّ لَهُمْ بِهَا مَا نَقَصُوا مِنَ الْفَريضَةِ ». (1)

ص: 148


1- بحار الانوار: ج 18، ص 169 .

فحظّ كلّ واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه فانّ موضع نظر الله عزّوجلّ هي القلوب دون ظاهر الحركات.

الصلاة عمل قلبي وإنما فرضت فيها تلك الأعمال الظاهرة لأنها مساعدة على العمل القلبى المقصود بالذات وهو تذكّر سلطان الله تعالى شأن الانسان إذا أراد عملاً قلبياً يجتمع فيه الفكر ويصح فيه توجّه النفس وحضور القلب أن يستعين على ذلك ببعض ما يناسبه من قول وعمل .

قال بعض الصحابة : يحشر الناس يوم القيامة على مثال هيئتهم في الصلاة من الطمأنينة والهدوء ومن وجود النعمة واللذة والبهجة بها .

قال تعالى :

«ولِكُلِّ دَرَجاتٍ مِمَّا عَمِلُوا ».(1).

فمن شاء عمل عمل النبيين والصديقين والشهداء والصالحين حيث كانوا عند اشتغالهم في الصلاة في غاية الاقبال والخشوع والخوف و...

«الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ».(2).

قال جدنا الأكبر السيد مهدي بحر العلوم رحمه الله في فضل الصلاة :

إن الصلاة هي أفضل القرب ***وأكمل الطاعات طرّاً وأحب

عمود هذا الدين والعنوان*** لسائر الأعمال والميزان

ص: 149


1- سورة الأنعام (6) : 132
2- سورة المؤمنون (23) 2

إن قبلت فغيرها بها قبل*** وإن تردّ رُدَّ كُلّ ما عمل

في العقل بان فضلها والنقل*** عن الكتاب ووصايا الرسل

وفي النصوص من أئمة الهدى*** في فضلها ما ليس يحصى عددا

بادة اللسان والجنان*** وطاعة تحيط بالأركان

ما جمعت عبادة ما جمعت*** من جنس كلّ طاعة تنوّعت

تنهى عن المنكر والفحشاء*** أقصر فهذا منتهى الثناء

ص: 150

باب الموعظة

اشارة

وفيه ست وصايا

«ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ».

القرآن الكريم

ص: 151

1 - يَا بُنَيَّ : عَلَيْكَ بِالْمَوعِظَةِ فَاعْمَلْ بِها فَإِنَّهَا عِنْدَ العَاقِلِ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ الشَّهْدِ (1).

2 - يَا بُنَيَّ : إِنَّ الْمَوْعِظَةَ تَشُقُّ عَلَى السَّفِيهِ كَمَا يَشُقُّ الصُّعُودُ عَلَى الشَّيْخِ الكبير (2).

- يَا بُنَيَّ : مَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظُ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ (3).

4 - يَا بُنَيَّ : أَتَعظُ بِالنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَتَّعِظ الناسُ بِكَ (4).

5 - يَا بُنَيَّ : أَتعظ بالصَغيرِ قَبْلَ أَنْ يَنزِلَ بِكَ الكَبِيرُ (5).

6 - يَا بُنَيَّ : اتَّقِ النَّظَرَ إِلَى مَا لا تَمْلِكُهُ وَأَطِلِ التَّفَكُرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فَكَفَى بِهَذَا وَاعِظَا لِقَلْبِكَ (6).

ص: 152


1- بحار الأنوار: ج 12 ، ص 411 .
2- مجموعة ورّام: ج 2، ص231.
3- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 164 .
4- الاختصاص : ص 221 - 226 .
5- الاختصاص : ص 221 - 226 .
6- الاختصاص : ص 221 - 226 .

الوعظ: النصح والتذكير بالعواقب والاتعاظ : قبول الموعظة ، يقال : السعيد من وعظ بغيره والشقي من به اتعظ .

وقال الخليل : الوعظ هو التذكير فى الخير بما يرقق القلب (1).

من الواضح ان أنفع شيء للمرء هي الموعظة لأنها تحيي القلوب وتفتح البصائر وتوقظ الفكر وتبعث العزائم لا شكّ أنّ من وجد رجلاً يحضر مجالس الوعظ والتذكير فانّه غالب ما يكون رجل لين وأدب وعطف، ومن وجد رجلاً أهمل ذلك كلّه وتباعد عن الوعظ فانّه غالب ما يكون رجل خشونة وجفاء وعدم التزامه بشيء من الأدب والدين .

إنّ الله عزّ وجلّ جعل التذكير والموعظة جلاء للقلوب تسمع به بعد قرة وتبصر به بعد العشوة وتنقاد به بعد المعاندة ولشرف الوعظ وفضله تولاه الله عزّ وجل ثم أمر أنبياءه ورسله أن يتولاه ويقوموا به.

إنّ الموعظة ثقيلة على السمع وتجنح النفس إلى مخالفتها وهي مانعة للانسان ممّا تشتهي نفسه وحاملة لها على ما تكره وهي بعيدة عن القبول لأنّ الشهوة تعترضها وهوى النفس تمنعها إلاّ مَنْ وعظه عقله وأرشده

ص: 153


1- تاج العروس - مادة وعظ -.

قلبه وأحكمته تجربته .

لن ترجع إلا نفس عن غيّها ***حتى يرى منها لها واعظ

قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة فاذا انفصل عن مجلس الذكر عادت القسوة والغفلة ، والناس يتفاوتون في ذلك فالحالة العامة ان القلب لا يكون على صفة واحدة من اليقظة عند سماع الموعظة وذلك إمّا لأنّ المواعظ كالسياط والسياط لا تؤلم بعد انقضائها إيلامها وقت طوعها ، وإما ان حالة سماع المواعظ يكون الانسان فيها مزاح العلّة قد تخلّى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا وأنصت بحضور قلبه فاذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها وكيف يصح مع تلك الجواذب ان يبقى كما كان ، وهذه الحالة تعم الناس إلا ان أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر فمنهم من يعزم بلا تردّد ويمضي من غير تفاوت ، ومنهم من يميل بهم الطبع إلى الغفلة احياناً ويدعوهم ما تقدّم من المواعظ إلى العمل احياناً فهم كالسنبلة تميلها الرياح ، ومنهم من لا يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه كماء دحرجته على صفوان ... !!

وعلى كل حال فالموعظة لم تقتصر على شيء معيّن بل كلّ شيء تراه العين فيها موعظة .

قال رسول الله صلی الله علیه وآله :

« أغفل الناس مَنْ لَمْ يَتَّعظ بتغير الدنيا من حال إلى حال (1).

ص: 154


1- الفقيه : ج 4 ، ص 394 .

فلذا كثير ما يقال : اقدعوا هذه النفوس فانها طلعة أي كثيرة الميل إلى هواها ، وحادثوها بالذكر فانّها سريعة الدثور، واعصوها فانها إن أطيعت نزعت إلى شرّ غاية .

فالسعيد من وعظ بغيره أي من رأى العبر في غيره فاتّعظ بها في نفسه وخير المواعظ ما كانت من قائل مخلص إلى سامع منصف ، « الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت فى القلب وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الاذان(1).

فالواجب على الواعظ أن يعطى لكلّ ما يناسبه وما ينتفع به ولذا قالوا : إنّ للواعظ شرائط إذا أهملت كلاً أو بعضاً قل التأثير وفات الغرض.

لا شكّ ان في بعض النفوس قابلية واستعداداً لتلقى الموعظة وقبولها والتأثر بها أكثر من بعض كما قلنا - فمن اولئك الأفذاذ الذين وعظوا بقليل الموعظة فاتعظوا هو « بشر الحافي». كان هذا الرجل في بدء أمره من أهل المعازف والملاهي فتاب وكان سبب اتعاظه وتوبته هو اتعاظه و توبته هو انه اجتاز الامام موسی بن جعفر علیه السلام داره ببغداد فسمع الملاهي وأصوات الغناء فخرجت من تلك الدار جارية وبيدها قمامة فرمت بها في الدرب فقال علیه السلام لها : يا جارية صاحب هذه الدار حرّ أم عبد ؟ فقالت : بل حرّ ، فقال علیه السلام : صدقت لو كان عبداً خاف من مولاه فلما دخلت قال مولاها

ص: 155


1- شرح نهج البلاغة : ج 20 ، ص 287

وهو على مائدة السكر ما أبطأت ؟ فقالت : حدثني رجل بكذا وكذا فخرج حافياً حتى لقي الامام فتاب على يده.

ويظهر أنّه قد أخلص الله فى التوبة حتى كان ممن فاق أهل عصره في الورع والزهد وتفرّد بوفور العقل وأنواع الفضل ولا جرم ان من أخلص الله كان كذلك.

نعم الموعظة - كما قيل - جند من جنود الله عزّوجل ومثلها مثل الطين يضرب به على الحائظ إن استمسك نفع وإن وقع أثر .

مواعظ الله عزّوجلّ في خلقه كثيرة ونصائحه لهم عظيمة يكتبها الدهر وتقرأها عليك الليالي والأيام وأفصحها كتبه المنزلة وشرائعه المفصلة ، وأفضل كتبه القرآن، فابلغ المواعظ كلّها كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

«ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ».(1)

موعظة لمن اعتبر

حكي ان الاسكندر مرّ ببابل فأخبر عن غار هناك وانه فيه آثار عظيمة فتوجه إليه فوجد مكتوباً على باب الغار بالسريانية :

يا من نال المنى وآمن الفناء وصل إلى هنا اقرأ وافتكر وأدخل

ص: 156


1- سورة النحل (16) : 125

الغار وأعتبر وأعلم اني قد ملكت البلاد وحكمت على العباد وما نلت من الدنيا المراد .

قال: فدخل الاسكندر الغار وقد أسبل الدموع الغزار فوجد ميتاً عظيم الهامة طويل القامة على سرير من ذهب ملقى وقد ترك جميع ما ملك وألقى بيده اليمنى مقبوضة والأخرى مفتوحة ومفاتيح خزائنه تحت رأسه مطروحة وعند رأسه مكتوب فيه هذان البيتان :

لقد عمّرت في زمن سعيد ***وكنت من الحوادث في أمان

وقاربت الثرايا في علوي*** فصرت على السرير كما تراني

فتنبّة الاسكندر وقال: لابد أن أعزل نفسي قبل العزل وأحاسبها مثل حساب يوم الفصل، فلبس الخشن وانزوى ووطئ بساط الفقر وطوى وأنشد ما ترجمته هذه الأبيات:

دع الهوى فآفة العقل الهوى*** ومنتهى الوصل صدود ونوى

ما ينفع الانسان يوم موته ***ما حاز من امواله وما احتوى

ص: 157

ص: 158

باب ذم الدنيا

اشارة

وفيه ثمان وصايا

هي الدنيا تقول بملئ فيها ***حذار حذار من بطئي وفتكي

فلا يغرركم حسن ابتسامي ***فقولي متضحك والفعل مبكي

أنا الدنيا كشهد فيه سمّ ***وإلّا جيفة طليت بمسكي

شهاب الدين محمد بن أحمد

ص: 159

1 - يَا بُنَيَّ : إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرُ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهَا عَالَمْ كَثِيرٌ فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ وَحَشْوُهَا إِيمَانَكَ وَشِرَاعُهَا التَّوَكُلَ عَلَى اللَّهِ فَلَعَلَّكَ تَنْجُو أو ما أظنُّك ناجياً . يَا بُنَيَّ : كَيْفَ لَا يَخَافُ النَّاسُ مَا يُوعَدُونَ وَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَنْتَقِصُونَ يَا بُنَيَّ خُذْ مِنَ الدُّنْيَا بُلْغَةً وَلا تَدْخُلْ فِيهَا دُخُولاً تُضِرُّ فِيهَا بِآخِرَتِكَ وَلَا تَرْفُضْهَا فَتَكُونَ عِيَالاً عَلَى النَّاسِ .

يَا بُنَيَّ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا قَبْلَكَ لِأَوْلادِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ مَا جَمَعُوا وَلَمْ يَبْقَ مَنْ جَمَعُوا لَهُ وَإِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ مُسْتَأْجَرْ قَدْ أُمِرْتَ بِعَمَلٍ وَوُعِدْتَ عَلَيْهِ أَجْراً فَأَوْفِ عَمَلَكَ وَاسْتَوْفِ أَجْرَكَ وَلا تَكُنْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ شَاةٍ وَقَعَتْ فِي زَرْعٍ أَخْضَرَ فَأَكَلَتْ حَتَّى سَمِنَتْ فَكَانَ حَتْفُهَا عِنْدَ سِمَنِهَا وَلَكِنِ اجْعَلِ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ قَنْطَرَةٍ عَلَى نَهَرٍ جُزْتَ عَلَيْهَا وَتَرَكْتَهَا وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهَا آخِرَ الدَّهْرِ أَخْرِجْهَا وَلَا تَعْمُرُهَا فَإِنَّكَ لَمْ تُؤْمَرْ بِعِمَارَتِهَا وَاعْلَمْ أَنَّكَ سَتُسْأَلُ غَداً إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَرْبَعٍ شَبَابِكَ فِيمَا أَبْلَيْتَهُ وَعُمْرِكَ فِيمَا أَفْنَيْتَهُ وَ مَالِكَ مِمَّا اكْتَسَبْتَهُ وَفِيمَا أَنْفَقْتَهُ فَتَأَهَبْ لِذَلِكَ وَأَعِدَّ لَهُ جَوَاباً وَلَا تَأْسَ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّ قَلِيلَ الدُّنْيَا لا يَدُومُ بَقَاؤُهُ وَكَثِيرَهَا لَا يُؤْمَنُ بَلاؤُهُ فَخُذْ حِذْرَكَ وَجِدَّ فِي أَمْرِكَ وَاكْشِفِ الْغِطَاءَ عَنْ وَجْهِكَ وَتَعَرَّضْ لِمَعْرُوفِ رَبِّكَ وَجَدِّدِ التَّوْبَةَ فِي قَلْبِكَ وَالْمُشْ فِي فَرَاغِكَ قَبْلَ أَنْ يُقْصَدَ قَصْدُكَ وَيُقْضَى قَضَاؤُكَ

ص: 160

وَيُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا تُرِيدُ (1).

2 - يَا بُنَيَّ : إِنَّكَ مُنْذُ سَقَطتَ إِلَى الدُّنْيَا اسْتَدْبَرْتَهَا وَاسْتَقْبَلْتَ الأَخِرَةَ فَدَارٌ أَنْتَ إِلَيْهَا تَسِيرُ أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ دَارٍ أَنْتَ عَنْهَا مُتَبَاعِد (2).

3 - يَا بُنَيَّ : لا تَطْلُبْ مِنَ الْأَمْرِ مُدْبِراً وَلَا تَرْفُضْ مِنْهُ مُقْبِلاً فَإِنَّ ذَلِكَ يُضِلُّ الرَّأْيَ وَيُزْرِي بِالْعَقْل (3).

4 - يَا بُنَيَّ : بِعْ دُنْيَاكَ بِآخِرَتِكَ تَرْبَحْهُمَا جَمِيعاً وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ تَخْسَرْهُمَا جَمِيعًا (4)

5 - يَا بُنَيَّ : إِنَّ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَعُمْرَكَ قَصِيرُ (5).

6 - يَا بُنَيَّ : لا تَأْمَنْ مِنَ الدُّنْيَا وَالذُّنُوبُ وَالشَّيْطَانُ فِيهَا (6).

7 - يَا بُنَيَّ : اجْعَلِ الدُّنْيَا سِجْنَكَ فَتَكُونَ الأخِرَةُ جَنَّتَكَ (7).

8- يَا بُنَيَّ : إِنَّكَ مُنْذُ يَوْمَ هَبَطْتَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ اسْتَقْبَلْتَ الأَخِرَةَ وَاسْتَدْبَرْتَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ إِنْ نِلْتَ مُسْتَقْبَلَهَا أَوْلَى بِكَ أَنْ مُسْتَدْبَرِهَا (8).

ص: 161


1- أُصول الكافي : ج 2 ، ص 134 .
2- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 411 ، 418 ، 420 ، 422
3- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 411 ، 418 ، 420 ، 422
4- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 411 ، 418 ، 420 ، 422
5- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 411 ، 418 ، 420 ، 422
6- الاختصاص : ص 331 - 334 .
7- الاختصاص : ص 331 - 334 .
8- الاختصاص : ص 331 - 334 .

الدنيا ليست إلا متاعاً من شأنها أن تعزّ الانسان وتشغله عن تكميل نفسه بالمعارف الحقيقيّة والأخلاق المرضيّة التي ترقى بروحه فقعدها لسعادة الآخرة فينبغي له أن يحذر من الاسراف في الاشتغال بمتاعها عن نفسه فانّ أيّ نوع منه قد يشغله وينسيه عن نفسه وإن لم يكن الاشتغال به ضروريّاً ولا من حاجات المعيشة المعتدلة، فليس لمتاع الدنيا غاية ينتهي العامل إليها فتسكن نفسه ويطمئن قلبه ، بل المزيد منه يعزى بزيادة الاسراف في الطلب فلا ينتهي أرب منه إلا إلى أرب .

فما قضى أحد منا لبانته ***ولا انتهى أرب إلا إلى أرب

فالدنيا متاع ولكنّه ليس متاع الحقيقة ولا متاع الصحو واليقظة ، انها متاع الغرور ، المتاع الذي يخدع الانسان فيحسبه متاعاً، أو المقام الذي ينشئ الغرور والخداع، وأما المتاع الحق المتاع الذي يستحق الجهد في تحصيله فهو متاع الآخرة وهو الفوز بالجنة .

فلم أرها إلّا غروراً وباطلاً ***كما لاح في أرض الفلاة سرابها

وما هي إلّا جيفة مستحيلة ***عليها كلاب همهن اجتذابها

فان تجنّبتها كنت سلماً لأهلها ***وإن تجتذبها نازعتك كلابها

ص: 162

ليس المقصود من ترك الدنيا هو الانصراف عنها تماماً، بل لابد للانسان أن يأخذ منها بقدر الحاجة الداعية إليه بقدر ما يعين على طاعة الله وتقواه فان ذلك القدر ليس من الدنيا ، بل كلّما أخذ من الدنيا بمقدار الحاجة منه وقصد به الاستعانة على التقوى والطاعة فهو الله وكلّما أخذ من الدنيا بمقدار الزائد عن الحاجة ويقصد به اللذة والمفاخرة والمكاثرة فليس الله تعالیٰ :

« مَنْ طَلبَ الدنيا حَلالاً مُكاثراً مَفاخراً لقى الله وهُوَ عَليهِ غَضبان ومَن طلبها استعفافاً عن المسئلة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر». (1)

لقد أوضح الله عزّوجلّ في كتاب المجيد ما كان للدنيا وهي خمسة أُمور:

«أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَهُوَ وَزِينَةٌ وَ تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ ». (2).

أي خذ شيئاً قليلاً مما أوتيت وهو ما تأكله وتشربه وتلبسه والباقي فضل ستتركه لغيرك فخذ منها ما يكفيك وأحسن بالفضل لغيرك إحساناً كما أتاكه الله إحساناً من غير أن تستحققه وتستوجبه .

الدنيا رأس كلّ خطيئة وسبب لكلّ معصية وأسباب الميل إليها

ص: 163


1- مجموعة ورّام: ج 1 ، ص 153
2- سورة الحديد (57) 20 .

كثيرة ودواء الكل واحد وهو التفكّر فى فنائها وسرعة زوالها وتقلب أحوالها.

يا خاطب الدينا الدنية انها ***شرك الردى وقرارة الأقذار

دار متى ما أضحكت في يومها ***أبكت غداً تباً لها من دار

ان من تلمّح أحوال الدنيا علم ان مراد الحق سبحانه اجتنابها فمن مال إلى مباحها ليلتذ وجد مع كلّ فرحة ترحة وإلى جانب كل راحة تعباً وآخر كلّ لذة نقصاً يزيد عليها وما دفع شيء من الدنيا إلا ووضع، فمن هذا يعلم العاقل انّ مراد الحق بهذا التكوير هو التنفير عن الدنيا فيبقى أخذ البلغة منها ضرورة وترك الشواغل فيجتمع الهم في خدمة الحق فقط ، ومن عدل عن ذلك ندم على الفوات.

ان سبب الهموم والغموم الذي يحصل عند الانسان ما هو إلا الأعراض عن الله عزّ وجلّ والاقبال على الدنيا وكلّما فات منها شيء وقع الغم لفواته، وأما من رزق معرفة الله تعالى استراح لأنه يستغني بالرضا بالقضاء فمهما قدر له رضي ، فان دعى فلم ير أثر الاجابة لم يختلج في قلبه اعتراض لأنه مملوك مدبر فتكون همّته في خدمة الخالق.

وأمّا من لم يرزق هذه المعرفة فانّه لا يزال في تنغيص متكدّر العيش لأنّ الذي يطلبه من الدنيا لا يقدر عليه فيبقى أبداً في الحسرات مع ما يفوته من الآخرة بسوء الآخرة بسوء المعاملة.

من فكّر في عواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق

ص: 164

تأهب للسفر فما أعجب أمرك أيها الانسان فانك توقن بأمر ثم تنساه وتتحقق ضرر حال ثم تغشاه وتخشى الناس والله أحق أن يخشاه تقلبك نفسك على ما تظن ولا تغلبها على ما تستيقن ، فالعجب كلّ العجب من كان سروره بغروره وسهوه في لهوه عمّا قد خُبى له ، واغتر بصحته ونسى دنو سقمه وفرح بعافيته وغفل عن قرب الألم .

كأنك لم تسمع بأخبار من مضى ***ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر

فان كنت لا تدري فتلك ديارهم ***محاها مجال الريح بعدك والقبر

أجل الدنيا عدوة الله عزّوجلّ ولأوليائه ولأعدائه اما عداوتها الله فانها قطعت الطريق على العبادة ولذلك لم ينظر إليها الله من خلفها كما ورد ذلك ذلك في بعض الأخبار، وأمّا عداوتها لأوليائه وأحبائه فانا تزينت لهم بزينتها وعمّتهم بزهوتها ونضارتها حتى تجرّعوا مرارة الصبر في مقاطعتها واما عداوتها لأعدائه فانّها استدرجتهم بمكرها ومكيدتها وأفتضتهم بشبّاكها وحبائلها حتى وثقوا بها وعدلوا عليها فاجتبوا منها حيرة وندامة تنقطع دونها الأكباد ثم حرمتهم عن السعادة أبد الآباد منهم على فراقها يتحسّرون ومن مكائدها يستغيثون ولا يغاثون بل يقال لهم :

«اخسوا فيها ولا تُكَلِّمُون ».(1).

أجل ان جواذب الطبع إلى الدنيا كثيرة وان مثل الطبع في ميله إلى الدنيا كالماء الجاري يطلب الهبوط وإنما رفعه إلى فوق يحتاج إلى التكلّف

ص: 165


1- سورة المؤمنون (23) : 108

فليس العجب أن يغلب وإنما العجب أن يُغلب، فقد ورد في الخبر انّ الله تعالى ناجى موسیٰ علیه السلام

«يَا مُوسَى لا تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا رُكُونَ الظَّالِمِينَ وَرُكُونَ مَنِ اتَّخَذَهَا أَبَاً وَأُمَاً يَا مُوسَى لَوْ وَكَلْتُكَ إِلَى نَفْسِكَ لِتَنْظُرَ لَهَا إِذا لَغَلَبَ عَلَيْكَ حُبُّ الدُّنْيَا وَزَهْرَتُهَا يَا مُوسَى نَافِسٌ فِي الْخَيْرِ أَهْلَهُ وَاسْتَبِقْهُمْ إِلَيْهِ فَإِنَّ الْخَيْرَ كَاسْمِهِ وَاتْرُكْ مِنَ الدُّنْيَا مَا بِكَ الْغِنَى عَنْهُ وَلا تَنْظُرْ عَيْنُكَ إِلَى كُلَّ مَفْتُونِ بِهَا وَمُودَلٍ إِلَى نَفْسِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ فِتْنَةٍ بَدْؤُهَا حُبُّ الدُّنْيَا وَلا تَغْبِطُ أَحَداً بِكَثْرَةِ الْمَالِ فَإِنَّ مَعَ كَثْرَةِ الْمَالِ تَكْثُرُ الذُّنُوبُ لِوَاجِبِ الْحُقُوقِ وَلا تَغْبِطَنَّ أَحَداً بِرِضَى النَّاسِ عَنْهُ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ رَاضٍ عَنْهُ وَلا تَغْبِطَنَّ مَخْلُوقاً بِطَاعَةِ النَّاسِ لَهُ فَإِنَّ طَاعَةَ النَّاسِ لَهُ وَاتِّبَاعَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ هَلاكَ لَهُ وَلِمَن اتَّبَعَهُ ». (1).

موعظة لمن اعتبر

روي ان عيسى بن مريم توجّه في بعض حوائجه ومعه ثلاثة نفر من أصحابه فمرّ بلبنات من ذهب على ظهر الطريق فقال عيسى لأصحابه : انّ هذا يقتل الناس ثم مضى ، فقال أحدهم : ان لي حاجة ، قال: فانصرف ثم قال الآخر : إنّ لي حاجة فانصرف، ثمّ قال الآخر: إنّ لي حاجة

ص: 166


1- أصول الكافي : ج 2، ص 135

فانصرف فوافوا على الذهب ثلاثتهم، فقال اثنان لواحد اشتر لنا طعاماً، فذهب يشتري لها طعاماً فجعل فيه سماً ليقتلها كيلا يشاركاه في الذهب، وقال اثنان : اذا جاء قتلناه كي لا يشاركنا فلما جاء قاما إليه فقتلاه ثم تغذيا فماتا ، فرجع إليهم عيسى وهم موتى حوله فأحياهم باذن الله تعالى ذكره ثم قال : ألم أقل لكم ان هذا يقتل الناس.

ص: 167

ص: 168

باب المال

وفيه ست وصایا

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ )

القرآن الكريم

ص: 169

1 - يَا بُنَيَّ : لا تُضيّع مالك وتُصلِح مالَ غيرك فإنّ مالَكَ ما قدمت ومال غيرك ما تركت .

2 - يَا بُنَيَّ : لا تُورّث مالَكَ أعدائك

3- يَا بُنَيَّ : إِيَّاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا فَقِيرًا وَتَدَعَ أَمْرَكَ وَأَمْوَالَكَ عِنْدَ غَيْركَ قَيْماً فَتُصَيِّرَهُ أَمِيراً .

4- يَا بُنَيَّ : اجْعَلْ مَعْرُوفَكَ فِي أَهْلِهِ وَكُنْ فِيهِ طَالِباً لِثَوَابِ اللَّهِ وَكُنْ مُقْتَصِداً وَلا تُمْسِكُهُ تَقْتِيراً وَلَا تُعْطِهِ تَبْذِيرًا .

5- يَا بُنَيَّ : أُوصيك باثنتين ما تَزَالُ بِخَيرٍ مِمَّا تَمْسَكَتَ بِهما : دِرهَمْكَ لمعاشك ودينك لِمعادِكَ

6 - يَا بُنَيَّ : القَصد في المعيشة نصفُ الرزْقِ .

ص: 170

المال فى الأصل : الملك من الذهب والفضة ثم أطلق على كلّ ما يقتني ويملك من الأعيان وأكثر ما يطلق عند العرب على الابل لأنها كانت أكثر أموالهم، ومال الرجل وتموّل إذا صار ذا مال، ورجل مميل أي صاحب ثروة ومال كثير ويسمّى المال مالاً : لأنه مال بالناس عن طاعة الله .». (1)

المال في الحقيقة فتنة واختبار وامتحان للبشر في حياتهم الدنيوية من معايش ومصالح ، إذ هو الوسيلة إلى الصلاح والافساد والخير والشر والبرّ والفجور وهو مثار التنازع والتنافس في كسبه وانفاقه وكنزه واحتكاره وجعله دولة بين الأغنياء وتداوله في المصالح والمنافع بين الناس ، قال تعالى :

«كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ». (2).

أي لئلا يكون المال محصوراً في الأغنياء متداولاً بينهم وحدهم.

المال زينة الحياة الدنيا به يتعلّق أمل كل انسان لذا تعلّقت به القلوب وتافت إليه النفوس وتتوقع منه الانتفاع ولكنه سرعان ما يزول بحيث لا يسعه الانسان أن ينتفع من المال في كل ما أراده منه ولا أن

ص: 171


1- مجمع البحرين - مادة مول -
2- سورة الحشر (59): 7

يصدقه في جميع ما يأمله ويتمناه بل ولا في أكثره فلذا ما أعطى الاسلام أيّة قيمة للمال وإنما القيمة للباقيات الصالحات من الأعمال والأقوال والعبادات.

«المَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيا وَالْباقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثواباً».(1).

فعبّر القرآن الكريم بأنهما زينة الحياة الدنيا وليس هما قيمة الحياة، فالاسلام لا ينهى عن المتاع بالزينة في حدود الطيبات ولكنه يعطيهما القيمة التى تستحققها الزينة في ميزان الخلود بخلاف ما كانت عليه الجاهلية من العرب وغيرهم حيث كانت تتكالب على جمع المال بكل طريقة ووسيلة وكانت تراه مقياس الكرامة والمهانة عندهم لأنّ طبائعهم مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل الله عزّوجلّ .

ثم أنّه لا بد لصاحب المال أن يعرف كيف ينفق ماله كي لا يتوسّع في الانفاق فيصبح نادماً عاجزاً عنه ولا يكون بخيلاً بحيث لا يعطي أحداً شيئاً فيكون ملوماً مذموماً كما كانت العرب وغيرهم في الجاهلية بين هذا وذاك فكانت عاجزة عن كيفيّة الانفاق وعلى من تنفق ؟ كما يفهم ذلك من قول رجل من تميم حينما أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع ؟ فقال رسول الله صلی الله علیه وآله: تخرج الزكاة من مالك إن كان فانها طهرة

ص: 172


1- سورة الكهف (18): 46.

تطهرك وتصل أقرباؤك وتعرف حق السائل والجار والمسكين، فقال :يا رسول الله صلی الله علیه وآله أقلل لي ، قال : فآتِ ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً، فقال : حسبي يا رسول الله صلی الله علیه وآله إذا أديت الزكاة إلى رسو لك فقد برئت منها إلى الله ورسوله، فقال رسول الله صلی الله علیه وآله : نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها ولك أجرها وإتها على مَنْ بدلها .

هكذا كانت العرب وغيرهم بين منفق باسطاً يده كل البسط بحيث يصل إلى حدّ الاسلام وينفق ماله في الشهوات زائداً على حاجته فيعرض نفسه بذلك للنفاذ والهلاك وبين بخيل قبض على كفّه بحيث لا يخرج شيئاً من ماله ، فعند ذلك بين الله سبحانه الطريقة الصحيحة في انفاق المال فقال عزّ من قال :

« وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ».(1).

فالطريقة المنزلة من السماء هي الاقتصاد في العيش والتوسط في الانفاق لا بخل ولا إسراف بل أمر بين أمرين فضرب الله سبحانه بسط اليد مثلاً لذهاب المال فان قبض الكف يحبس ما فيها وبسطها يذهب ما فيها وضرب غسل اليد مثلاً للبخيل الذي لا يقدر من قلبه على اخراج شيء من ماله .

فينبغي للانسان أن يعمل بما أمره الله عزّوجل وبما نهاه عنه من

ص: 173


1- سورة الإسراء (17) :29

بسط اليد فيما تبسط فيه وفيمن يبسطها له ومن كفّها وعمن يكفها عنه فهو أعلم بمصالح العباد من الانسان ومن جميع الخلق وأبصرهم بتدبّر شؤونهم فهو يعلم من الذي تصلحه السعة في الرزق ومن الذي تفسده ومن الذي يصلحه الاقتار والضيق ومن الذى يفسده .

وكيف كان فمن أراد النجاة من غوائل المال فليما حظ على أمور

« الأوّل : أن يعرف مقصود المال وباعث خلقه وعلّة الاحتياج إليه حتى لا يتكسب ولا يحفظ إلا قدر حاجته .

الثاني: أن يراعي جهة دخله فيجتنب الحرام والمشتبه والجهان المكروهة القادحة في المروّة والحريّة كالهدايا المشوبة بالرشوة والسؤال الذي فيه الانكسار والذلّة.

الثالث: أن يراعي جهة الخرج ويقتصد في الانفاق غير مبذر ولا مقتر.

الرابع : أن يضع ما اكتسبه من حلّه في حقه ولا يضعه في غير حقه فانّ الاثم في الأخذ من غير حلّه والوضع في غير حقه سواء.

الخامس : أن يصلح نيته في الأخذ والترك والانفاق والاحسان فيأخذ ما يأخذ استعانة به على خلق لأجله ويترك ما يترك زهداً فيه واستحقاراً له واجتناباً عن وزره وثقله واذا فعل ذلك لم يضره وجوده».(1).

ص: 174


1- جامع السعادات : ج 2 ، ص 54 .

باب الرزق

اشارة

وفيه وصيتان

« الرِّزْقُ رِزْقَانِ رِزْقَ تَطْلُبُهُ وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ فَلا تَحْمِلْ هَمَّ سَنَتِكَ عَلَى هَمَّ يَوْمِكَ وَكَفَاكَ كُلَّ يَوْمٍ مَا فِيه » .

الامام علي علیه السلام

ص: 175

1 - يَا بُنَيَّ : لِيَعْتَبِرْ مَنْ قَصْرَ يَقِينُهُ وَضَعْفَتْ نِيَّتُهُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَهُ فِي ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ مِنْ أَمْرِهِ وَأَتَاهُ رِزْقُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا كَسْبُ وَلَا حِيلَةٌ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيَرْزُقُهُ فِي الْحَالِ الرَّابِعَةِ أَمَّا أَوَّلُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي رَحِمٍ أُمِّهِ يَرْزُقُهُ هُنَاكَ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ حَيْثُ لا يُؤْذِيهِ حَرٌّ وَلا بَرْدُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ ذَلِكَ وَأَجْرَى لَهُ رِزْقاً مِنْ لَبَنِ أُمِّهِ يَكْفِيهِ بِهِ وَيُرَبِّيهِ وَيَنْعَشُهُ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ بِهِ وَلَا قُوَّةٍ ثُمَّ فُلِمَ مِنْ ذَلِكَ فَأَجْرَى لَهُ رِزْقاً مِنْ كَسْبِ أَبَوَيْهِ بِرَأْفَةٍ وَرَحْمَةٍ لَهُ مِنْ قُلُوبِهِمَا لَا يَمْلِكَانِ غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى إِنَّهُمَا يُؤْثِرَانِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا فِي أَحْوَالٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى إِذَا كَبِرَ وَعَقَلَ وَاكْتَسَبَ لِنَفْسِهِ ضَاقَ بِهِ أَمْرُهُ وَظَنَّ الظُّنُونَ بِرَبِّهِ وَحَجَدَ الْحُقُوقَ فِي مَالِهِ وَقَتَّرَ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مَخَافَةَ إِقْتَارِ رِزْقٍ وَسُوءِ يَقِينِ بِالْخُلْفِ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْعَاجِلِ وَالْأَجِلِ فَبِئْسَ الْعَبْدُ هَذَا يَا بُنَيَّ (1).

2 - يَا بُنَيَّ : اجعَل هَمْكَ فيما كلفتَ بِه وَلا تجعل همك فيما كفيته (2)

ص: 176


1- الخصال، باب الثلاثة : ص 118 .
2- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 258 .

الرزق - لغة : كلّ ما ينتفع به .

هذه الكلمة لم تقتصر على معنى معيّن ثابت بل مرت بمراحل وتطوّرت معناها شيئاً فشيئاً حسب المراحل الزمنية حتى أصبح يطلق على جميع ما يفيضه الله على خلقه من الخير ، وكله خير ينتفع به .

«وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى ». (1).

بعد أن كان يختص بما يتغذى به الانسان فحسب

«وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ )(2).

فلم يعد الكسوة رزقاً ثم توسّع في معناه فعد كل ما يصل الانسان من الغذاء رزقاً ، كأنه عطيّة بحسب الحظ والجد وان لم يعلم معطيه ، ثم عمّ فسمّي كلّ ما يصل إلى الشيء مما ينتفع به رزقاً وإن لم يكن غذاء اكسائر مزايا الحياة من مال وجاه وعشيرة وجمال وعلم وغير ذلك فكل ما ينتفع به الخلق في وجودهم ممّا ينالونه من خير فهو رزقهم الله رازقه . فالرزق لما كان هو العطية الالهية بالخير كان هو الرحمة فكما انّ

ص: 177


1- سورة طه (20) : 131 .
2- سورة البقرة (2): 233

الرحمة رحمتان: رحمة عامة تشمل جميع الخلق من مؤمن وكافر ومتق وفاجر و انسان وغيره، ورحمة خاصة وهي الواقعة في طريق السعادة كالايمان والتقوى ، كذلك الرزق منه ما هو رزق عام وهو العطية الالهية العامّة الممهدة لكلّ موجود في بقاء وجوده ، ومنه ما هو رزق خاص وهو الواقع في الحل.

ثم ان الرزق رزقان

1 - رزق يطلبه الانسان ويسعى إليه ويتذرع بشتى الوسائل للحصول عليه وهذا النوع طرقه كثيرة لابد للانسان أن يلتمسه من وجوهه وهو ما أحله الله عزّوجلّ دون غيره، حين يجب عليه أن يسعى ويجد في سعيه لتحصيل الحلال من كسب وغيره وليس له أن يلتمس العذر من أن تحصيله مشقة وإنّ السبيل إليه مسدود إلا بشق الأنفس ، لأنّ الله تعالى أجل وأعظم من أن يكلّف عباده بأكل الحلال ويسد عنهم طرق تحصيله فقد ورد في الحديث :

« لَنْ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللهَ عَزَّوَجَلَّ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَسَمَ الْأَرْزَاقَ بَيْنَ خَلْقِهِ حَلالاً وَلَمْ يَقْسِمْهَا حَرَاماً فَمَن اتَّقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَبَرَ أَتَاهُ اللهُ بِرِزْقِهِ مِنْ حِلِّهِ وَمَنْ هَتَكَ حِجَابَ ستر الله عَزَّوَجَّلَ وَأَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ قُصَّ بِهِ رِزْقِهِ الْحَلالِ وَحُوسِبَ

ص: 178

عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ».(1).

أجل على المرء أن يسعى في طلب الرزق وعلى الله الاتكال والنجاح ولكن مع الأسف الشديد نرى البعض قد حرم على نفسه السعادة من أجل الكسب في المحرّمات ومنع من توفيق الوصول إلى الله

سبحانه بسببه غير مبالي من أين اكتسب المال وفيمن أنفقه . نعم ينبغي أن يفر المرء من الحرام كفراره من الأسد ويحترز عنه لأنه الموجب لخسران النفس وهلاكها ، كيف يدخل النور والضياء في قلب أظلمته أدفنه المحرّمات وأنّى للنطفة الحاصلة من الحرام الوصول إلى مراتب الأنس.

2 - ورزق يسعى نحو الانسان ويأتيه من دون أن يبذل فيه شيئاً من راحة ومن دون أن يركب المرء في نيله الصعاب ويجتاز من أجله العقاب.

أجل انّ الله تعالى يرزق من يشاء بغير حساب وبلا عوض ولا استحقاق لكون ما عندهم من استدعاء أو طلب أو غير ذلك مملوكاً له تعالى محضاً فلا يقابل عطيته منهم شيء فلا حساب لرزقه ، قال سبحانه :

«وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبين ».(2).

ص: 179


1- الأنوار النعمانية : ج 3، ص 295 .
2- سورة هود (11): 6.

فالرزق من أفعاله سبحانه المختصة به وأنّه حق للخلق عليه ولا أن يثبت عليه تعالى حق لغيره إذا كان سبحانه هو الجاعل الموجب لذلك على نفسه من غير أن يداخل فيه غيره كما انه اختص بالرحمة والنصر .

حكاية في الرزق

كان عبدالله بن جدعان صعلوكاً شريراً فتاكاً حتى أبغضه عشيرته ونفاه أبوه فخرج في شعاب مكة حائراً يتمنى الموت فرأى شقاً في جبل فدخل فيه فاذا فيه ثعبان عظيم له عينان تتقدان كالسراجين فحمل عليه الثعبان فأخرج له فأنساب عنه مستديراً بدائرة عند بيت ثم خطا خطوة أخرى فصفر به الثعبان فأقبل إليه كالسهم فأخرج له فانساب عنه فوقف ينظر إليه يفكر في أمره فوقع في نفسه انه مصنوع فأمسكه بيديه فاذا هو من ذهب وعيناه ياقوتتان فكسره وأخذ عينيه ودخل البيت فاذا جثث طوال على سرر لم ير مثلهم طولاً وعظماً وعند رؤوسهم لوح من فضة فيه تأريخهم وإذا هم رجال م ملوك جرهم وآخرهم موتا الحرث ابن مضاض - صاحب العذبة الطويلة - وإذا عليهم ثياب من وشى لا يمس

منها شيء إلا انتشر كالهباء من طول الزمن مكتوب في اللوح عضات وكان اللوح من رخام وكان فيه :

أنا نفيلة بن عبد المداة بن خشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن

ص: 180

قحطان بن نبي الله هود علیه السلام عشت من العمر خمسمأة عام وقطعت غور الأرض ظاهرها وباطنها في طلب الثروة والمجد والملك فلم يكن ذلك ينجيني من الموت ومكتوب تحته هذه الأبيات الشعرية :

قد قطعت البلاد في طلب*** الثروة والمجد قالص الأثواب

وسريت البلاد قفراً لقفر*** بقتاة وقوة واكتساب

فأصاب الردى بنات فؤادي*** بسهام من المنايا صياب

فانقضت مدتي وأقصر جهلي*** واستراحت عواذلي من عتابي

ودفعت السفاه بالحلم لما ***نزل الشيب في محلّ الشباب

صلح هل رايت او سمعت براع*** ردّ في الضرع ما قرى في الحلاب

دخل البيت وإذا في وسطه كوم عظيم من الياقوت واللؤلؤ والذهب والفضة والزبرجد فأخذ منه ثم علَّم على الشق بعلامة وأغلق بابه بالحجارة وأرسل إلى أبيه بالمال الذي خرج به يسترضيه ويستعطفه ووصل عشيرته كلّهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف وكانت له جعته يأكل منها الراكب وهو على البعير لعظمها ، وروي أنّه سقط فيها صبي فغرق ومات لعمقها

ص: 181

ص: 182

باب الفقر

اشارة

وفيه وصيتان

« يا معشر الفقراء : أعطوا الله الرضى منقُلوبِكُم تظفروا بثواب فَقَرَكُم فَإِن لَمْ تَفعَلُوا فلا ثَوابَ لكم ».

حديث نبوي شريف

ص: 183

1 - يَا بُنَيَّ : ذُقْتُ الصَّبْرَ وَأَكَلْتُ لِحَاءَ الشَّجَرِ فَلَمْ أَجِدْ شَيْئاً هُوَ أَمَرُّ مِنَ الْفَقْرِ فَإِنْ بُلِيتَ بِهِ يَوْماً فَلَا تُظْهِرِ النَّاسَ عَلَيْهِ فَيَسْتَهِينُوكَ وَلَا يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ

ارْجِعْ إِلَى الَّذِي ابْتَلاكَ بِهِ فَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى فَرَجِك (1).

2 - يَا بُنَيَّ : الفقر خَيرٌ مِنْ أَنْ تَظْلِمَ وتَطغَى (2).

ص: 184


1- الوسائل، باب 24 من أبواب الصدقة ، الحديث الثالث
2- الاختصاص : ص 33

الفقير هو المحتاج ، وقيل : من يجد القوت ولا يكفيه ، وقيل : الذي لا يسأل بالكف ولا حرفة له وإن كانت له حرفة لا تقوم بحاجته (1).

لا شكّ ان الفقر يشكل الخطر الأكبر على الامة الاسلامية لأنه الطريق الواسع الذي ينفذ أعداء الاسلام للقضاء على القيم الروحية والمثل الانسانية لقوله تعالى :

«الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً ».(2).

الفقر هو مصدر الجوع والبؤس والشقاء والجهل والمرض فلهذا يشكل الفقراء - الذين أفقدهم الفقر راحتهم وأضعف شخصياتهم وحطم

ص: 185


1- قيل إن المسكين أسوء حالاً من الفقير - لما روي في الصحيح عن عبدالله بن مسكان عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام قول الله تعالى : ( إنّما الصدقات للفقراء والمساكين ) قال له : «الفقير الذي لا يسأل الناس والمسكين أجهد منه والبائس أجهدهم .. وقيل ان الفقير أسوء حالاً من المسكين لأنّ الله تعالى بدأ به في آية الزكاة وهذا يدل على الاهتمام بشأنه في الحاجة، ولاستعادة النبي صلی الله علیه وآله من الفقر مع قوله صلی الله علیه و آله: « اللهم احيني مسكيناً وأمتنى مسكيناً وأحشرني مع المساكين». لأن الفقير مأخوذ ومشتق من فقار الظهر فكأنّ الحاجة قد كسرت فقار ظهره.
2- سورة البقرة (2) : 268 .

آمالهم - أعظم خطراً على المجتمع لأنه يسبب حرمانهم وسوء معيشتهم تمتلى نفوسهم حنقاً وغيظاً ونقمة على الأغنياء إذ يرون فيهم لصوصاً قد تعدوا على حقوقهم فصرفوها في شهواتهم ولذاتهم النفسيّة وتركوهم يقاسون ويلات الفقر وقسوة الحياة ، لذلك تلافي الاسلام ذلك الخطر الكبير وسد تلك الفقرة من مشاريع تتكفّل بالقضاء على الفقر قضاءاً نهائيّاً كالزكاة والخمس والكفارات مع رصد احتياطي كبير لهم لو كانت المشاريع لا تكفي للقيام بشؤنهم . وهذا ما جاء في الخبر صريحاً:

إِنَّمَا وُضِعَتِ الزَّكَاةُ اخْتِبَاراً لِلْأَغْنِيَاءِ وَمَعُونَةً لِلْفُقَرَاءِ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ أَدَّوْا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ مَا بَقِيَ مُسْلِمٌ فَقِيراً مُحْتَاجاً وَلاسْتَغْنَى بِمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ وَإِنَّ النَّاسَ مَا افْتَقَرُوا وَلا احْتَاجُوا وَلا جَاعُوا وَلا عَرُوا إِلَّا بِذُنُوبِ الْأَغْنِيَاءِ وَحَقِيقٌ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَمْنَعَ رَحْمَتَهُ مِمَّنْ مَنَعَ حَقَّ اللهِ فِي مَالِهِ وَأُقْسِمُ بِالَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ وَبَسَطَ الرِّزْقَ أَنَّهُ مَا ضَاعَ مَالٌ فِي بَرٍ وَلا بَحْرٍ إِلَّا بِتَرْكِ الزَّكَاةِ وَمَا صِيدَ صَيْدٌ فِي بَرٍ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا بِتَرْكَ التَّسْبِيحَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَسْخَاهُمْ كَفَاً وَأَسْخَى النَّاسِ مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ وَلَمْ يَبْخَلْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِمَا افْتَرَضَ اللهُ لَهُمْ فِي مَالِهِ ». (1).

فالاسلام سعى في تخفيف طغيان رأس المال بأن فرض على مالكي

ص: 186


1- الوسائل، باب وجوب الزكاة ، الحديث السادس .

الثروات أن ينزلوا عن حصّة من ثرواتهم لصالح الطبقة الفقيرة كلّ ذلك لانعاش الطبقة المحرومة وضمانها من العجز الذين يصابون بها في حياتهم، ففي الخبر :

«أَنَّ عِلَّةَ الزَّكَاةِ مِنْ أَجْلِ قُوتِ الْفُقَرَاءِ وَتَحْصِينِ أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ لأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّفَ أَهْلَ الصَّحَّةِ الْقِيَامَ بِشَأْنِ أَهْلِ الزَّمَانَةِ وَالْبَلْوَى كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَتُبْلَوْنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي أَمْوَالِكُمْ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَفِي أَنْفُسِكُمْ تَوْطِينُ الْأَنْفُسِ عَلَى الصَّبْرِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَدَاءِ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالطَّمَع فِي الزِّيَادَة ». (1).

فالله تعالى جعل للانسان كرامة ما أجملها لو أعطى حقها من العناية والاهتمام وما أعزّ الانسان لو كفّ عن السؤال وما أحبه إلى النفوس وأعظمه في الأبصار لو غني وأثرى وهو باق على مراعاته حرمات الله وهو لم يتغيّر عما كان عليه أوّلاً .

فالفقير غني إذا عفّ عن السؤال والغني فقير إذا ألحف في الطلب، وهو في غنى عمّا يطلب الفقير عزيز إذا لم يمد يده إلى من يحسن إليه وهو ذليل اذا شره وطمع بما في أيدي الناس.

«يَحْسَبُهُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ». (2).

ص: 187


1- نفس المصدر السابق، الحديث السابع .
2- نفس المصدر السابق، الحديث السابع .

أي إذا رآهم الجاهل بحقيقة حالهم يظنّهم أغنياء لما هم عليه من التعفّف بحيث بحيث تمسك بهم كرامتهم أن يسألوا العون فيتجمّلون كيلا تظهر حاجتهم فيحسبهم الجاهل بما وراء الظواهر أغنياء في تعفّفهم ، ولكن ذا الحس المرهف والبصيرة المفتوحة يدرك ما وراء التجمّل ، وهذا هو منتهى المبالغة في التنزّه عن الطمع فيما في أيدي الناس وكلّ ما لا يليق فهؤلاء الفقراء الكرام الذين يكتمون الحاجة كأنما يغطون الصورة لن يكون إعطاؤهم إلا سرّاً وفي تلطف لا يخدش آباءهم ولا يجرح كرامتهم ، ومن ثم كان إخفاء الصدقة واسرارها مطمئناً لأصحابها على علم الله عزّوجلّ بها وجزائه عليها فعلى الانسان يكون مثلاً رائعاً للانسانية في فقره وغناه فان كان فقيراً فلا يخضع لأحد ، وإن كان غنيّاً فلا يجفون أحداً ممن كانت تجمعه وإيّاه الصلات .

خلقان لا أرضاهما للفتى*** تيه الغني ومذلّة الفقر

فاذا غنيت فلا تكن بطرا ***وإنا افتقرت فته على الدهر

ثمّ إنّه ينبغي للفقير ألا يكون كارها للفقر من حيث انه فعل الله ومن حيث أنه فقر بل يكون راضياً به طالباً لعلمه بغوائل الغنى فالله سبحانه قسم الأرزاق وجعل الفقير فقيراً والغني غنيّاً لعلمه بمصالحهم ففي الحديث القدسي:

« وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالْفَقْرِ وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يَصْلُحُ

ص: 188

إِيمَانُهُ إِلَّا بِالْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ ذَلِكَ ». (1).

كما ينبغى أن يكون قانعاً صابراً شاكراً على فقره منقطع الطمع عن الخلق غير ملتفت إلى ما في أيديهم وغير حريص على اكتساب المال كيف كان لأن من لم يرضى بالفقر فانه عز القناعة وتدنس بذل الحرص والطمع وجرهما إلى مساوئ الأخلاق وارتكاب المنكرات .

فالفقر مع الصبر والقناعة والرضا أفضل من الغنى مع الحرص والامساك كما ان الغنى مع الانفاق وصدق الاستعانة على العبادة أفضل من الفقر مع الحرص والجزع وأفضل منها من كان لا يشغله العبد عن الله سبحانه .

فان كان الفقر يشغله فالغنى أولى به وإن كان الغنى يشغله فالفقر أولى وذلك لأنّ الغنى ليس محذوراً بعينه بل لكونه عائقاً عن الوصول إلى الله والفقر ليس مطلوباً لذاته بل لعدم كونه عائقاً عن الله ، وليس مانعية الأوّل وعدم ما نعيّة الثاني كلياً إذ ربّ فقير يشغله الفقر عن القصد وكم من غني لا يصرفه الغنى عنه ، إذ الشاغل ليس إلا حب الدنيا لمضاداته حبّ الله تعالى والمحب للشيء مشغول به سواء كان في وصاله أو في فراقه . فاذن فضل الفقير والغني بحسب تعلّق قلبها بالمال وجوداً وعدما .

أَتَعْلَمُ

ص: 189


1- جامع السعادات : ج 2، ص

إنّ بلخ لما فتحت في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب وجد على با بها صخرة مكتوب فيها :

إنما يتبيّن الفقير من الغني بعد الانصراف من بين يدي الله عزّوجلّ أي بعد العرض .

ويؤيّد هذا المعنى ما جاء في الحديث الشريف

« قال رسول الله صلی الله علیه وآله يوماً لأصحابه من الفقير ؟ قالوا : الذي لا در هم له ولا دينار فقال النبي له : ليس هذا هو الفقير وإنّما الفقير الذي يؤتى به في عرصات القيامة ضارباً لهذا وشاتماً لهذا وغاصباً من هذا فان كان له شيء من الحسنات أخذت منه ودفعت إلى المغصوب منه والمضروب والمشتوم وإن لم يكن له حسنات أخذت ذنوبهم وجعلت في عنقه، قال الله تعالى :

«وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَاهِمْ ». (1).

ص: 190


1- سورة العنكبوت (29) : 13 .

باب الصديق و العدو

وفيه ثلاث عشرة وصيّة

« لا يكون الصديق لأخيه صديقاً حتّى يحفظهُ في نكبته وغيبته وبعد وفاته».

الامام على علیه السلام

ص: 191

1 - يا بُنَيَّ : استكثر من الأصدقاء ولا تأمن من الأعداء فإن الغل في صدورهم مثل الماء تحت الرماد (1).

2 - يَا بُنَيَّ : إِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةَ الْفُسَاقِ فَإِنَّمَا هُمْ كَالْكِلابِ إِنْ وَجَدُوا عِنْدَكَ شَيْئاً أَكَلُوهُ وَإِلَّا ذَقُوكَ وَفَضَحُوكَ وَإِنَّمَا حُبُّهُمْ بَيْنَهُمْ سَاعَة (2) .

3 - يَا بُنَيَّ : مُعَادَاةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ مُصَادَقَةِ الْفَاسِقِ (3).

4 - يَا بُنَيَّ : لا تَعرفُ أخاكَ إِلَّا عِنْدَ حاجتِك (4).

5 - جالسِ الصالِحينَ مِنْ عِبادِ اللهِ فَإِنَّكَ تُصِيبُ بِمُجالِسهم خَيْراً ولَعَلَّهُ أنْ يَكونَ آخَر ذلِكَ تُنزِلَ عليهم الرحمةُ فتُصيبُكَ مَعهم(5).

6 - يَا بُنَيَّ : لا تُجالِسِ الأشرار فإِنَّكَ لا يُبكَ مِنْ مُجالستهمْ خَيْرٌ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكونَ في آخرِ ذلِكَ أَنْ تَنزِلَ عَليهم عقوبةٌ فتُصيبك معهم (6).

7- يَا بُنَيَّ : كُنْ كَمَنْ لا يَبقى محمدةَ النَّاسِ وَلَا يَكسبُ ذَمهم فنفسه مِنه في عِناءِ والناسُ مِنْهُ في راحَةٍ (7).

8- يَا بُنَيَّ : لا تَقْتَرِبْ فَتَكُونَ أَبْعَدَ لَكَ وَلَا تَبْعُدْ فَتُهَانَ كُلُّ دَابَّةٍ تُحِبُّ مِثْلَهَا وَإِنَّ ابْنَ آدَمَ يُحِبُّ مِثْلَهُ وَلا تَنْشُرْ بَزَّكَ إِلَّا عِنْدَ بَاغِيهِ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ الذَّنْبِ وَالْكَبْشِ خُلَّةٌ كَذَلِكَ لَيْسَ بَيْنَ الْبَارِّ وَالْفَاجِرِ خُلَّةٌ مَنْ يَقْتَرِبْ مِنَ الزِّفْتِ يَعْلَقْ بِهِ بَعْضُهُ كَذَلِكَ مَنْ يُشَارِكِ الْفَاجِرَ يَتَعَلَّمْ مِنْ طُرُقِهِ مَنْ يُحِبُّ الْمِرَاءَ يُشْتَمْ وَمَنْ

ص: 192


1- الاختصاص : ص 333، ص239
2- الاختصاص : ص 333، ص239
3- الاختصاص : ص 333، ص239
4- الاختصاص : ص 333، ص239
5- تفسير الدر الممنثور : ج 5 ، ص 164 .
6- تفسير الدر الممنثور : ج 5 ، ص 164 .
7- تفسير الدر الممنثور : ج 5 ، ص 164 .

يَدْخُلْ مَدَاخِلَ السُّوءِ يُتَّهَم (1)

9- يَا بُنَيَّ : اتَّخِذْ أَلْفَ صَدِيقٍ وَأَلْفُ خَلِيلٌ وَلا تَتَّخِذْ عَدُوّاً وَاحِداً وَالْوَاحِدُ كَثِيرُ (2).

10 - يَا بُنَيَّ : صَاحِبْ مائَة وَلا تُعادي واحِداً (3).

11 - يَا بُنَيَّ : لِيَكُنْ مِمَّا تَتَسَلَّحُ بِهِ عَلَى عَدُوّكَ فَتَصْرَعُهُ الْمُمَاسَجَةُ وَإِعْلَانُ الرّضَا عَنْهُ وَلا تُزَاوِلْهُ بِالْمُجَانَبَةِ فَيَبْدُوَ لَهُ مَا فِي نَفْسِكَ فَيَتَأَهَّبَ لَك (4)

12 - يَا بُنَيَّ : لِيَكُنْ مِمَّا تَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى عَدُوِّكَ الْوَرَعُ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْفَضْلُ فِي دِينِكَ وَالصِّيَانَةُ لِمُرُوَتِكَ وَالْإِكْرَامُ لِنَفْسِكَ أَنْ تُدَنِّسَهَا بِمَعَاصِي الرَّحْمَنِ وَمَسَاوِي الْأَخْلاقِ وَقَبِيحِ الْأَفْعَالِ وَاكْتُمْ سِرَّكَ وَأَحْسِنْ سَرِيرَتَكَ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ أَمِنْتَ بِسِتْرِ اللَّهِ أَنْ يُصِيبَ عَدُوُّكَ مِنْكَ عَوْرَةً أَوْ يَقْدِرَ مِنْكَ عَلَى زَيَّةٍ وَلا تَأْمَنَنَّ مَكْرَهُ فَيُصِيبَ مِنْكَ عِزَّةً فِي بَعْضِ حَالَاتِكَ وَإِذَا اسْتَمْكَنَ مِنْكَ وَثَبَ عَلَيْكَ وَلَمْ يُقِلْكَ عَشْرَةً وَلْيَكُنْ مِمَّا تَتَسَلَّحُ بِهِ عَلَى عَدُوِّكَ إِعْلَانُ الرِّضَا عَنْهُ وَاسْتَصْغِرِ الْكَثِيرَ فِي طَلَبِ الْمَنْفَعَةِ وَاسْتَعْظِمِ الصَّغِيرَ فِي رُكُوبِ الْمَضَرَّة (5).

13 - يَا بُنَيَّ : لا تَحْمِلَنَّ عَلَى النَّاسِ فَوْقَ طَاقَتِهِمْ فَلا يَزَالُ جَلِيسُكَ عَنْكَ نَافِراً وَالْمَحْمُولُ عَلَيْهِ فَوْقَ طَاقَتِهِ مُجَانِباً لَكَ فَإِذَا أَنْتَ فَرْدٌ لا صَاحِبَ لَكَ يُؤْنِسُكَ وَلا أَخَ لَكَ يَعْضُدُكَ فَإِذَا بَقِيتَ وَحِيداً كُنْتَ مَخْذُولاً وَصِرْتَ ذَلِيلاً وَلا

ص: 193


1- أصول الكافي : ج 2 ، ص 642
2- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 413 - 417 .
3- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 413 - 417 .
4- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 413 - 417 .
5- نفس المصدر السابق : ج 13 ، ص 18 4 - 419 .

تَعْتَذِرْ إِلَى مَنْ لا يُحِبُّ أَنْ يَقْبَلَ لَكَ عُذْراً وَلا يَرَى لَكَ حَقًّا وَلَا تَسْتَعِنْ فِي أُمُورِكَ إِلَّا بِمَنْ يُحِبُّ أَنْ يَتَّخِذَ فِي قَضَاءِ حَاجَتِكَ أَجْراً فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ طَلَبَ قَضَاءَ حَاجَتِكَ لَكَ كَطَلَبِهِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ بَعْدَ نَجَاحِهَا لَكَ كَانَ رِبْحاً فِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ وَحَظًّا وَذُخْراً لَهُ فِي الدَّارِ الْبَاقِيَةِ فَيَجْتَهِدُ فِي قَضَائِهَا لَكَ وَلْيَكُنْ إِخْوَانُكَ وَأَصْحَابُكَ الَّذِينَ تَسْتَخْلِصُهُمْ وَتَسْتَعِينُ بِهِمْ عَلَى أَمْرِكَ أَهْلَ الْمُرُوَّةِ وَالْكَفَافِ وَالتَّرْوَةِ وَالْعَقْلِ وَالْعَفَافِ الَّذِينَ إِنْ نَفَعْتَهُمْ شَكَرُوكَ وَإِنْ غِبْتَ عَنْ جِيرَتِهِمْ ذَكَرُوك (1).

ص: 194


1- نفس المصدر السابق : ج 13 ، ص 18 4 - 419 .

«الصديق : هو الخل والحبيب وهو مشتق من صدقه المودّة والنصيحة ، وفي المثل صديقك مَنْ صدقك لا مَنْ صدقك .

والعدو : هو الخصم وهو ضد الصديق والولي ». (1).

إنّ للصداقة أسس وقواعد متينة لابد لكل انسان مراعاتها فالصداقة لا تسمح للظنون أن تتطرق إليها ، فليس لصديق على صديق أن يظنّ به أسوء الظن كما ليس من حق صاحب على صاحب أن يكيد له أعظم الكيد فاذا استكملت هذه الخصال في انسان وجب إخاؤه وتعيّن اصطفاؤه وعلى قدر وفورها فيه يكون الميل إليه والثقة به، فالاخوان على طبقات مختلفة وانحاء متشعبة ولكلّ واحد منهم حال يختص بها في المشاركة لأنّ التباين في الناس غالب واختلافهم في الشيم ظاهر فهم كالشجر شرابه واحد وثمره مختلف ، فاذا تميز الاخوان وجب أن ينزل كلّ منهم حيث نزلت به أحواله إليه واستقرّت خصاله وخلاله عليه فمن قويت أسبابه قويت الثقة به وبحسب الثقة به يكون الركون إليه والتعويل عليه .

ص: 195


1- المنجد - مادة صدق - ومادة عدو -

ما أنت بالسبب الضعيف وإنّما ***نجح الأمور بقوة الأسباب

فاليوم حاجتنا إليك وإنّما ***يدعي الطبيب لشدّة الأوصاب

وإلى هذا المعنى أشار الامام الصادق علیه السلام حيث قال :

«لا تَكُنُ الصَّدَاقَةُ إِلَّا بِحُدُودِهَا فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الْحُدُودُ أَوْ شَيْءٌ مِنْه وَالا تَنْسُبْهُ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الصَّدَاقَةِ فَأَوَّلُهَا أَنْ تَكُونَ سَرِيرَتُهُ وَعَلَانِيَتُهُ لَكَ وَاحِدَةً وَالثَّانِي أَنْ يَرَى زَيْنَكَ زَيْنَهُ وَشَيْنَكَ شَيْنَهُ وَالثَّالِثَةُ أَنْ لا تُغَيِّرَهُ عَلَيْكَ وِلايَةٌ وَلا مَالٌ وَالرَّابِعَةُ أَنْ لا يَمْنَعَكَ شَيْئاً تَنَالُهُ مَقْدَرَتُهُ وَالْخَامِسَةُ وَهِيَ تَجْمَعُ هَذِهِ الْخِصَالَ أَنْ لا يُسْلِمَكَ عِنْدَ النَّكَبَاتِ ».(1). ثمّ إنّ بعض الصلحاء يرى الاكثار من الأصدقاء ليكونوا أقوى يداً وأوفر تحبّباً وتودّداً وأكثر تعاوناً، وقالوا: إن لم يرغب في الاستكثار من الاخوان ابتلى بالخذلان ، وإن العيش إقبال الزمان وعزّ السلطان وكثرة الاخوان وأنّهم معونة على حوادث الزمان ونوائب الحدثان وعون في السراء والضراء وإن الرجل بلا أخ أو صديق كشمال بلا يمين وانشدوا:

وما المرء إلّا باخوانه ***كما يقبض الكف بالمعصم

ولا خير في الكف مقطوعة ***ولا خير في الساعة الأجذم

وأنشدوا في ذلك أيضاً:

عليك باخوان الصفا فانّهم ***عماد اذا استنجدتهم ظهور

ص: 196


1- تحف العقول: ص 273 .

وإن قليلاً ألف خلّ وصاحب وإن عدوا واحداً لكثير واستدلوا على ذلك قول الامام الصادق علیه السلام حيث قال :

« أَكْثِرُوا مِنَ الْأَصْدِقَاءِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ يَنْفَعُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَحَوَائِجُ يَقْدِمُونَ بِهَا وَأَمَّا الْآخِرَةَ فَإِنَّ أَهْلَ جَهَنَّمَ قَالُوا فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ».(1).

وقوله علیه السلام :

« اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْإِخْوَانِ فَإِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ دَعْوَةً مُسْتَجَابَة ». (2).

بينما يرى البعض الآخر منهم : ان الأقلال من الأصدقاء أولى لأنه أخف أثقالاً وكلفا وأقل تنازعاً وخلفاً، وقالوا: المستكثر من الاخوان من غير اختيار كالمستوفر من الحجارة والمقل من الاخوان المتخيّر لهم كالذي يتخيّر الجوهر، وأنشدوا:

عدود من صديقك مستفاد*** فلا تستکثرن من الصحاب

فان الداء أكثر ما تراه ***يكون من الطعام والشراب

ودع عنك الكثير فكم كثير*** يعاف وكم قليل مستطاب

فما اللجج الملاح بمرويات*** وتلقى الري في النطق العذاب

واستدلوا على ذلك بقول الامام علی علیه السلام حيث قال :

ص: 197


1- وسائل الشيعة : ج 12، ص 17
2- نفس المصدر.

« إياكَ وكَثرة الإخوان فإنَّه لا يؤذيك إلا من يعرفك ».(1)

والحقيقة إنّ الصديق لا يراد ليؤخذ منه شيء أو ليعطي شيئاً ولكن ليسكن إليه ويعتمد عليه ويستأنس به ويستفاد منه ويستشار في المهم وينهض فيه، فالعبرة في الصداقة : هى مراعات تلك الأسس والقواعد ولا تكن الصداقة إلا بحدودها فمن كانت فيه هذه الحدود فهو وإلا فلا.

«لا يَكُونُ الصَّدِيقُ لِأَخِيهِ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَهُ فِي نَكْبَتِهِ وَغَيْبَتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ ». (2).

فالصديق -كما وصفه ارسطاطاليس - انسان هو أنت إلا انه بالشخص غيرك أي فكما إن الانسان واحد بما هو إنسان كذلك يصير بصديقه واحداً بما هو صديق لأنّ العادتين تصيران عادة واحدة .

روحه روحي وروحي روحه ***ان يشأ شئت وإن شئت يشاً

ثم انه من حدود الصداقة : أن يغض عن زلات صديقه ويتجاوز عن سيئاته ويهديه إلى طريق الحق ويرشده إلى الصواب ويزيد له الخير ويستر عيوبه وإرشاده إلى مصالح دينه وتعليمه إذا كان جاهلاً وتنبيهه إذا كان غافلاً والذب عنه وعن اعراضه إذا كان ضعيفاً وتوقيره وترك حسده وغشه ودفع الضرر عنه وجلب النفع إليه ولو لم يقبل نصيحته سلك طريق الرفق حتى يقبلها ولو كانت متعلقة بأمر الدين سلك به

ص: 198


1- شرح نهج البلاغة : ج 20 ، ص 309
2- تحف العقول : ص 153 .

طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه مشروع، وإن شئت فقل : رعاية جميع المصالح ودفع المفاسد عنه على أي وجه كان ، فمن أراد الصداقة الوثيقة وأراد المحافظة عليها فعليه مراعات تلك الحدود.

ليس الصديق الذي ان زل صاحبه ***يوما راى الذنب منه غير مغفور

وإن أضاع له حقاً فعاتبه ***فيه أتاه بتزويق المعاذير

إنّ الصديق الذي ألقاه يعذر لي*** ما ليس صاحبه فيه بمعذور

وقال الآخر :

إذا أنا لم أصبر على الذنب من أخ ***وكنت اجازيه فأين التفاضل

إذا ما دهاني مفصل فقطعته*** بقيت ومالي للنهوض مفاصل

ولکن اداویه فان صح سرّني ***وإن هو أعيا كان فيه تحامل

وجاء في رسالة الحقوق:

وَأَمَّا حَقُّ الصَّاحِبِ فَأَنْ تَصْحَبَهُ بِالْفَضْلِ مَا وَجَدْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَإِلَّا فَلا أَقَلَّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَأَنْ تُكْرِمَهُ كَمَا يُكْرِمُكَ وَتَحْفَظَهُ كَمَا يَحْفَظُكَ وَلا يَسْبِقَكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِلَى مَكْرُمَةٍ فَإِنْ سَبَقَكَ كَافَاتَهُ وَلا تَقْصِدَ بهِ عَمَّا يَسْتَحِقُ مِنَ الْمَوَدَّةِ تُلْزِمُ نَفْسَكَ نَصِيحَتَهُ وَحِيَاطَتَهُ وَمُعَاضَدَتَهُ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَمَعُونَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا لا يَهُم بِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ رَبِّهِ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَلا تَكُونُ عَلَيْهِ عَذَابا (1).

ص: 199


1- مستدرك الوسائل: ج 11 ، ص 164 .

فالاخاء والصداقة : هي جوهرة رقيقة وهي ما لم تُوفّها وتحرسها معرّضة للآفات، فرض الاخاء بالحد له حتى تصل إلى قربه ، وبالكظم حتى يعتذر إليك من ظلمك وبالرضى حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من أخيك التقصير .

ثم أنّه من أعظم الغلط الثقة بالصديق كل الثقة والاسترسال إليه بحيث يوخى إليه زمام أمره ويغشي إليه بأسراره، لأنه ربما انقلب ذلك الصديق إلى عدو غشوم فيصرعه ولا يقدر حينئذٍ أن يدفع عن نفسه وقد نبذ السلاح إلى عدوه وإلى هذا أشار الشاعر :

أحذر عدوك مرّة*** واحذر صديقك ألف مرة

فلربما انقلب الصد*** يق فكان أعلم بالمضرة

فلابد له أن يتدرّع بدرع الحذر ولا يطلعه على باطن يمكن أن يستر عنه وليكن كما يقال عن الذئب :

ینام باحدى مقلتيه ويتقي*** باخرى الأعادي فهو يقظان هاجع

وإلى هذا أشار الامام أبو عبدالله حيث قال :

«لا تَثِقَنَّ بِأَخِيكَ كُلَّ الثَّقَةِ فَإِنَّ صَرْعَةَ الإِسْتِرْسَالِ لا تُسْتَقَالَ ». (1)

ص: 200


1- تحف العقول: ص 265 .

باب الصمت والكلام

وفيه تسعة وصايا

خل جنبيك لرامي ***وامض عنه بسلام

من بداء الصمت خير ***لك من داء الكلام

رب لفظ ساق أجا ***ل- فئام وفئام

إنّما السالم من ال- ***جم فاه بلجام

الحسن بن هاني

ص: 201

1 - يَا بُنَيَّ : إِنْ كُنْتَ زَعَمْتَ أَنَّ الْكَلامَ مِنْ فِضَّةٍ فَإِنَّ السُّكُوتَ مِنْ ذَهَبٍ (1).

2 - يَا بُنَيَّ : مَنْ يَصمتْ يَسْلَمْ ، ومَنْ يَقُلْ الخَيرَ يَعْلَمْ ، وَمَنْ يَقُلْ البَاطِلَ يَأثَمْ (2).

3- يَا بُنَيَّ : مَنْ لا يَكُفْ لِسَانَهُ يَندِمْ (3).

4 - يَا بُنَيَّ : إذا كُنتَ بَين الناسِ فاحفظ لسانك (4).

5 - يَا بُنَيَّ : إمتَنِعْ بِما يَخرُج مِنْ فِيكَ فَإِنَّكَ مَا سَكَتَ سالمٌ وإِنما يَنبغى لَكَ مِنَ القول ما ينفعك (5).

6 - يَا بُنَيَّ : إذا افتخر الناس بحسنِ كَلامِهم فافتخر أنتَ بحُسنِ صَمتِك (6).

7 - كانَ لُقمان كثيراً لصمتِ فَسَّئل عَنْ ذلِكَ فقال : ما جَعَلَ اللهُ لى أذنَينِ ولِساناً واحداً إلّا ليكونَ ما أسمعه أكثر مما أتكلّم به (7).

ص: 202


1- أُصول الكافي : ج 2 ، ص 114
2- العقد الفريد : ج 3، ص 152
3- الاختصاص : ص333
4- لاحظ عدّة الداعي للشيخ ابن فهد
5- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 165 .
6- المستطرف : ج 1، ص 82.
7- المخلاة : ص 59 .

8 - إنّ طول الوحدة أفهم للفكرة وطول الفكرة دليل على طريق الجنّة (1).

9 - الصمتُ حِكم وقليلٌ فاعِله (2).

ص: 203


1- قال هذه الكلمة عند ما سُئل لماذا تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع الناس كان آنس لك . بحار الأنوار: ج 13 ، ص 420 .
2- روي ان لقمان كان يجسل إلى داود علیه السلام وكان عبداً أسود فوجده وهو يعمل درعاً من حديد فعجب منه ولم ير درعاً قبل ذلك . فلم يسأله لقمان عا يعمل ولم يخبره داود حتى تم الدرع بعد سنة فقاسها داود على نفسه وقال : «زرد طاقاليوم طرقاً تفسيره : درع حصينة ليوم قتال ، فقال لقمان هذه الكلمة . العقد الفريد : ج 2، ص 471 .

«السكوت لغة الصمت .

وقال الراغب في مفرداته : الصمت أبلغ من السكوت لأنه قد يستعمل فيما لا قوة له على النطق ، ولذا قيل لما لا نطق له الصامت

والمصمت والسكوت يقال لما له نطق فيترك استعماله (1)

اللسان من أجل النعم وأفضل الحواس جميعها إذ به يميز الانسان عن سائر الحيوانات.

ان حاسة النظر تصل الانسان إلى الصور والألوان فحسب، وان حاسة السمع تصل الانسان إلى الأصوات فحسب، وأمّا اللسان فهو رحب الميدان ليس له مرد ولا لمجاله حد ، فله في الخير مجال رحب وله في الشر مجرّد سحب ، فمن أطلق عذبة لسانه ساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار ، ولا يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم فلا ينجي منه إلا أن يقيد بلجام الشرع فلا يطلقه إلا فيما ينتفع به في الدنياوالآخرة .

اللسان مصدر الشرور والخيرات وانه مفتاح القلوب، به ينال

ص: 204


1- تاج العروس : مادة صمت ومادة سكت .

الانسان درجات الجنان أو يأوي طبقات النيران صغير جُرمه كبير جرمه ، إن راحة الانسان وسلامته فيه وإنّ لطماته وعثراته أشد من ضرب السنان.

جراحات السنان لها التيام ***ولا يلتام ما جرح اللسان

فالانسان ملزم بعدم النطق إذا كان للكلام ضرر محض لئلا يتعرّض إلى آفات اللسان لأنه من أعصى الأعضاء على الانسان حين لا كلفة في اطلاقه ولا تعب في تحريكه والناس عنه غافلون، فقد ورد في الخبر :

«ألا انّ اللسان بضعة من الانسان فلا يسعده القول إذا امتنع ولا يهمله النطق إذا اتسع ».(1)

إنّ الصمت مع سهولته أنفع للانسان من كل عمل وأنّه أيسر العبادات وأهونها وكيف لا يكون كذلك وخطره لا ينسد إلا به .

« قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه و آله لِرَجُلٍ أَتَاهُ : أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ يُدْخِلُكَ اللهُ بِهِ الْجَنَّةَ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : أَنِلْ مِمَّا أَنَالَكَ اللهُ قَالَ : فَإِنْ كُنْتُ أَحْوَجَ مِمَّنْ أُنِيلُهُ ؟ قَالَ : فَانْصُرِ الْمَظْلُومَ ، قَالَ : وَإِنْ كُنْتُ أَضْعَفَ مِمَّنْ أَنْصُرُهُ ؟ قَالَ : فَاصْنَعْ لِلْأَخْرَقِ يَعْنِي أَشِرْ عَلَيْهِ ، قَالَ : فَإِنْ كُنْتُ أَخْرَقَ مِمَّنْ أَصْنَعْ لَهُ؟ قَالَ : فَأَصْمِتْ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ أَمَا يَسُرُّكَ أَنْ تَكُونَ فِيكَ خَصْلَةٌ مِنْ هَذِهِ

ص: 205


1- أُصول الكافي : ج 2 ، ص 113 - 114 .

الْخِصَالِ تَجْرُّكَ إِلَى الْجَنَّةِ ». (1).

فطوبى لمن رزق معرفة عيب الكلام وهوائه وعلم الصمت وفوائده ، فانّ ذلك من أخلاق الأنبياء وشعار الأصفياء.

فمن علم قدر الكلام أحسن صحبته الصمت ومن أشرف على ما في لطائف الصمت وأتمن على خزائنه كان كلامه وصمته عبادة ولا يطلع على عبادته إلا الملك الجبّار، لذا كان بعض الصحابة يضع الحصاة في فمه فاذا أراد أن يتكلّم بما علم انه الله وفي الله ولوجه تعالى أخرجها ، وإن كثيراً منهم يتنفسون تنفّس الفرقى ويتكلّمون شبه المرضى لأنهم كانوا يرون ان هلاك الخلق ونجاتهم بكلامهم و صمتهم

قال عیسی علیه السلام :

« العبادة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت و جزء في الفرار من الناس (2).

فاللسان هو أنفع الجوارح اذا صلح وأضرها إذا خس فهو كما قيل سيف- قاطع لا تأمن من حدّه ، والكلام سهم نافذ لا تملك ردّه، طول السكوت يولد السلامة وطول الكلام يورث الندامة ، الزم الصمت تعد في نفسك عاقلاً و في جهلك فاضلاً وفي قدرك حکیماً وفي عجزك حليماً، وإياك وفضول الكلام فانّها تظهر من عيوبك ما بطن وتحرّك من عدوّك ما سكن.

ص: 206


1- أصول الكافي : ج 2، ص 113 - 114 .
2- مجموعة ورّام: ج 1 ، ص 106 .

فالصمت اذن فضيلة عظيمة وفوائده جليلة فانّ فيه جمع الهم ودوام الوقار والفراغ للعبادة والفكر والذكر وللسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسناته في الآخرة ، ولقد قال الشاعر وأجاد :

ما ذلّ ذو صمت وما من مكثرٍ*** إلا يذل وما يعاب صموت

إن كان منطق ناطق من فضّة ***فالصمت در زانه الیاقوت

وقال الآخر :

الصمت زين والسكوت سلامة ***فاذا نطقت فلا تكن مكثاراً

فاذا ندمت على سكوتك مرّة ***فلتندمن على الكلام مراراً

ومن جميل ما يروى: اجتمع أربعة ملوك، فقال أحدهم : أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل، وقال الثاني : اني اذا تكلّمت بكلمة ملكتني ولم أملكها واذا أتكلّم بها ملكتها ولم تملكني ، وقال الثالث : عجبت للمتكلّم إن رجعت عليه كلمته ضرته وإن لم ترجع له تنفعه وقال الرابع : أنا على ردّ ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت .

أجل اللسان خير أداة يظهر بها البيان وشاهد يخبر عن الضمير وناطق يردّ به الجواب وحاكم يفصل به الخطاب وشافع تدرك به و واصف تعرف به الأشياء .

إن الكلام لفي الفؤاد وإنّما ***جعل اللسان على الفؤاد دليلا

ص: 207

ص: 208

باب السفر

وفيه ثلاث وصايا

تغرب عن الأوطان في طلب العلى ***وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرّج هم واكتساب معيشة ***وعلمٍ وآدابِ وصحبة ماجد

ص: 209

1- يا بُنَيَّ : إِذَا سَافَرْتَ مَعَ قَوْمٍ فَأَكْثِرِ اسْتِشَارَتَهُمْ فِي أُمُورِهِمْ وَأَكْثِرِ التَّبَسُّمَ فِي وُجُوهِهِمْ وَكُنْ كَرِيماً عَلَى زَادِكَ بَيْنَهُمْ وَإِذَا دَعَوْكَ فَأَجِبْهُمْ وَإِذَا اسْتَعَانُوا بِكَ فَأَعِنْهُمْ واسْتَعْمِل طُولِ الصَّمْتِ وَكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَسَخَاءِ النَّفْسِ بِمَا مَعَكَ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ زَادٍ وَإِذَا اسْتَشْهَدُوكَ عَلَى الْحَقِّ فَاشْهَدْ لَهُمْ وَاجْهَدْ رَأْيَكَ لَهُمْ إِذَا اسْتَشَارُوكَ ثُمَّ لَا تَعْزِمْ حَتَّى تَثْبُتَ وَتَنْظُرَ وَلَا تُجِبْ فِي مَشُورَةٍ حَتَّى تَقُومَ فِيهَا وَتَقْعُدَ وَتَنَامَ وَتَأْكُلْ وَتُصَلِّيَ وَأَنْتَ مُسْتَعْمِلُ فِكْرَتَكَ وَحِكْمَتَكَ فِي مَشُورَتِكَ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُمْحِضِ النَّصِيحَةَ لِمَنِ اسْتَشَارَهُ سَلَبَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَأْيَهُ وَنَزَعَ عَنْهُ الْأَمَانَةَ وَإِذَا رَأَيْتَ أَصْحَابَكَ يَمْشُونَ فَامْشِ مَعَهُمْ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ يَعْمَلُونَ فَاعْمَلْ مَعَهُمْ وَإِذَا تَصَدَّقُوا وَأَعْطَوْا قَرْضًا فَأَعْطِ مَعَهُمْ وَاسْمَعْ لِمَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْكَ سِنَا وَإِذَا أَمَرُوكَ بِأَمْرٍ وَسَأَلُوكَ فَقُلْ نَعَمْ وَلَا تَقُلْ لا فَإِنَّ لَا عِيٌّ وَلُومْ وَإِذَا تَحَيَّرْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَانْزِلُوا وَإِذَا شَكَكْتُمْ فِي الْقَصْدِ فَقِفُوا وَتَوَامَرُوا وَإِذَا رَأَيْتُمْ شَخْصاً وَاحِداً فَلَا تَسْأَلُوهُ عَنْ طَرِيقِكُمْ وَلَا تَسْتَرْشِدُوهُ فَإِنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ فِي الْفَلَاةِ مَرِيبْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عَيْناً لِلُّصُوصِ أَوْ يَكُونَ هُوَ الشَّيْطَانَ الَّذِي حَيَّرَكُمْ وَاحْذَرُوا الشَّخْصَيْنِ أَيْضاً إِلَّا أَنْ تَرَوْا مَا لا أَرَى فَإِنَّ الْعَاقِلَ إِذَا أَبْصَرَ بعَيْنِهِ شَيْئاً عَرَفَ الْحَقَّ مِنْهُ وَالشَّاهِدَ يَرَى مَا لا يَرَى الْغَائِبِ (1).

2 - يا بُنَيَّ : لا تَنَامَنَّ عَلَى دَابَّتِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ سَرِيعُ فِي دَبَرِهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْحُكَمَاءِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ فِي مَحْمِلِ يُمْكِنُكَ التَّمَدُّدُ لإِسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ

ص: 210


1- من لا يحضره الفقيه : ج 2 ، ص 194 - 195 .

وَإِذَا قَرُبْتَ مِنَ الْمَنْزِلِ فَانْزِلْ عَنْ دَابَّتِكَ وَابْدَأْ بِعَلْفِهَا قَبْلَ نَفْسِكَ وَإِذَا أَرَدْتُمْ النُّزُولَ فَعَلَيْكُمْ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ بِأَحْسَنِهَا لَوْنَا وَأَلْيَتِهَا تُرْبَةً وَأَكْثَرِهَا عُشْبَاً وَإِذَا نَزَلْتَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجْلِسَ وَإِذَا أَرَدْتَ قَضَاءَ حَاجَةٍ فَأَبْعِدِ الْمَذْهَبَ فِي الْأَرْضِ فَإِذَا ارْ تَحَلْتَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ وَدِّعِ الْأَرْضَ الَّتِي حَلَلْتَ بِهَا وَسَلَّمْ عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لِكُلِّ بُقْعَةٍ أَهْلاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَأْكُلَ طَعَاماً حَتَّى تَبْدَأَ فَتَصَدَّقَ مِنْهُ فَافْعَلْ وَعَلَيْكَ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا دُمْتَ رَاكِباً وَعَلَيْكَ بِالتَّسْبِيحِ مَا دُمْتَ عَامِلاً وَعَلَيْكَ بِالدُّعَاءِ مَا دُمْتَ خَالِياً وَإِيَّاكَ وَالسَّيْرَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَسِرْ فِي آخِرِهِ وَإِيَّاكَ وَرَفْعَ الصَّوْتِ فِي مَسِيرِكَ ».(1).

3- يَا بُنَيَّ : سَافِرْ بِسَيْفِكَ وَخُفِّكَ وَعِمَامَتِكَ وَحَبَالِكَ وَسِقَائِكَ وَخُيُوطِكَ وَمِخْرَزِكَ وَتَزَوَّدْ مَعَكَ مِنَ الْأَدْوِيَةِ مَا تَنْتَفِعُ بِهَا أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ وَكُنْ لِأَصْحَابِكَ إِلَّا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ (2).

ص: 211


1- المصدر السابق.
2- مكارم الأخلاق : ص 265

السفر ميزان القوم ومرآت لمن يريد الاختبار والكشف ، وهذا أقل ما يستفيد به المسافر .

وفي التهذيب : إنما سمّى السفر سفراً لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم فيظهر ما كان خافياً فيها.

مهما كان الانسان ملازماً لوطنه ساكناً بيته - لاعتزازه به أو لأيّ غرض آخر - فانّه لابد له من حرصه على مغادرته وطنه ومحل ولادته ومسقط رأسه يوماً ما ، فهذا رسول الله صلی الله علیه وآله خرج من مكة المكرّمة وهي أحبّ البقاع إليه حين آذاه أهل الشرك والطغيان فهاجر منها إلى المدينة المنوّرة وأقام بها إلى أن كان من أمره ما كان.

وإن صريح الحزم والمجد لامرئ*** اذا بلغته الشمس ان يتحوّلا

انّ الله سبحانه لم يجمع منافع الدنيا في أرض معيّنة بل فرّقها وأحوج بعضهم إلى بعض ، فمن ساح في الأقطار وتنقل بين القرى والأمصار كان حرياً أن يرى العجائب ويكسب التجارب ويجلس المكاسب.

إن مقام المرء في بيته ***مثل مقام الميّت في لحده

فاستغنم الرحلة نحو الغنى ***فالسيف لا يقطع في غمده

ص: 212

والنار لا يحرق مشبوبها*** إلّا إذا ما طار عن زنده

ان من الناس من يرى الاقامة بدار الهوان والذل بين الأعداء والحساد وهو الداء العضال بل هو الموت الأحمر وان التنقل منها إلى

غيرها وارتكاب شدائد الأسفار أجمل له وأستر وأنشدوا فى ذلك :

وإذا البلاد تغيّرت عن حالها ***فدع المقام وبادر التحويلا

ليس المقام عليك فرضاً ***واجباً في بلدة تدع العزيز ذليلا

وإنّ من الناس من استهوتهم حبّ الاستطلاع وشدّ الرحال وركب الأهوال ليسجّل مشاهداته الشخصية وملاحظاته الخاصة باحثاً ناقداًيتحرّى التمحيص في ذلك السبيل. ومن هؤلاء الرجال الرحالة ابن بطوطة الذي كان سيّاحاً كثير الأسفار وقد دوّن أسفاره في رحلة سماها ( تحفة النظار في غرائب الأسفار ) .

ومن الأسباب التي تحدو بالانسان إلى السفر والتغرب الضغط المادي الذي يعانيه حيث يضطره إلى هجران وطنه ومسقط رأسه كما اتفق ذلك لبعض الرحالة كالسيّد عبّاس المكي صاحب كتاب (نزهة الجليس ) كما صرح بذلك في كتابه:

ولم أغترب إلا لاكتسب الغني ***فأسقي منه كلّ ذي ظماً سجلا

ويعلو الغمام الأرض من أجل انه*** يسوق إليها وهي لن تبرح الوبلا

إذا ما قضت نفسي من العز حاجة ***فلست أبالي الدهر أملي لها أم لا

ومن الناس من يرى السفر راحة للنفوس لأنه يحلّ كلّ يوم في محلّة

ص: 213

لم يحل فيها ويعاشر قوماً لم يعرفهم والى هذا أشار الشاعر صفي الدين الحلّی:

تنقل فلذات الهوى في التنقل ***ورد کلّ صاف ولا تقف عند منهل

ففي الأرض أحباب وفيها مناهل ***فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل

ولا تستمع قول امرئ القيس انه ***مضل ومن ذا يهتدي بمضلل

ومنهم من يرى السفر والاغتراب أكبر الأثر لقطع المألوفات والانسلاخ من ركون النفس إلى معهود ومعلوم والتحامل على النفس بتجرع مرارة الفراق ، كما يفعله أصحاب السلوك فى مخالفة الهوى . أو لاستكشاف دقائق النفوس لأنها لا تكاد تتبيّن الحقائق بغير السفر وكيف كان فان للسياحة أكبر الأثر في تطوير الخبرات وتصحيح المعلومات قلّما يخيب المسافر منها وقد نظم بعض الشعراء ما يمكن أن يتأتى للمسافر الفوائد، وقال:

تغرب عن الأوطان في طلب العلى ***وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرّج هم واكتساب معيشة ***و علم و آداب وصحبة ماجد

فان قيل في الأسفار ذلّ ومحنة ***وقطع الفيافي وارتكاب الشدائد

فموت الفتى خير له من قيامه ***بدار هوان بین واش و حاسد

ومن الناس من يرى العكس فيرى السفر قطعة من العذاب بل كلّ العذاب قطعة من السفر .

كلّ العذاب قطعة من السفر ***یا رب فارددنا على خير الحضر

قيل لأعرابي : ما الغبطة ؟ قال : الكفاية مع لزوم الأوطان.

ص: 214

باب النساء

وفيه سبع وصايا

« إيّاكُمْ وَخَضراء الدمن ، قيل : يا رسول الله صلی الله علیه وآله وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأةُ الحَسناء في منبت السوء» .

الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله

ص: 215

1 - يَا بُنَيَّ : النِّسَاءُ أَرْبَعُ ثِنْتَانِ صَالِحَتَانِ وَثِنْتَانِ مَلْعُونَتَانِ فَأَمَّا إِحْدَى الصَّالِحَتَيْنِ فَهِيَ الشَّرِيفَةُ فِي قَوْمِهَا الدَّلِيلَةُ فِي نَفْسِهَا الَّتِي إِنْ أُعْطِيَتْ شَكَرَتْ وَإِنِ ابْتُلِيَتْ صَبَرَتْ الْقَلِيلُ فِي يَدَيْهَا كَثِيرُ وَالثَّانِي الْوَلُودُ الْوَدُودُ تَعُودُ بِخَيْرٍ عَلَى زَوْجِهَا هِيَ كَالْأُمِّ الرَّحِيمِ تَعْطِفُ عَلَى كَبِيرِهِمْ وَتَرْحَمُ صَغِيرَهُمْ وَتُحِبُّ وُلْدَ زَوْجِهَا وَ إِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِهَا جَامِعَةُ الشَّمْلِ مَرْضِيَّةُ الْبَعْلِ مُصْلِحَةٌ فِي النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ فَهِيَ كَالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ طُوبَى لِمَنْ رُزِقَهَا إِنْ شَهِدَ زَوْجُهَا أَعَانَتْهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ وَأَمَّا إِحْدَى الْمَلْعُونَتَيْنِ فَهِيَ الْعَظِيمَةُ فِي نَفْسِهَا الدَّلِيلَةُ فِى قَوْمِهَا الَّتِي إِنْ أُعْطِيَتْ سَخِطَتْ وَإِنْ مُنِعَتْ عَتَبَتْ وَغَضِبَتْ فَزَوْجُهَا مِنْهَا فِي بَلاءِ وَجِيرَانُهَا مِنْهَا فِي عَنَاءٍ فَهِيَ كَالْأَسَدِ إِنْ جَاوَرْتَهُ أَكَلَكَ وَإِنْ هَرَبْتَ مِنْهُ قَتَلَكَ وَالْمَلْعُونَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ قَلَى عَنْدَ زَوْجِهَا وَمَيلِهَا فِي جِيرَانُهَا فَهِيَ سَرِيعَةُ السَّخْطَةِ سَرِيعَةُ الدَّمْعَةِ إِنْ شَهِدَ زَوْجُهَا لَمْ تَنْفَعْهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهَا فَضَحَتْهُ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأَرْضِ النَّشَّاشَةِ إِنْ أُسْقِيَتْ أَفَاضَتْ الْمَاءُ وَغَرِقَتْ وَإِنْ تَرَكَتْهَا عَطِشَتْ وَإِنْ رُزِقْتَ مِنْهَا وَلَداً لَمْ تَنْتَفِعْ بِهِ (1).

2 - يَا بُنَيَّ لَوْ كَانَتِ النِّسَاءُ تُذَاقُ كَمَا تُدَاقُ الْخَمْرُ مَا تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةَ سَوْءٍ أَبَدا (2).

3- يَا بُنَيَّ : لا تَفشِينَّ سِرِّكَ إلى إمرأتِكَ وَلَا تَجْعَلْ مَجلسِكَ على بابِ

ص: 216


1- الاختصاص : ص 334 - 335 .
2- الاختصاص : ص 334 - 335 .

دارك (1).

4- يَا بُنَيَّ : إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِ أَعْوَجَ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا وَإِنْ تَرَكْتَهَا تَعَوَّجَتْ أَلْزِمْهُنَّ الْبُيُوتَ فَإِنْ أَحْسَنَ فَاقْبَلْ إِحْسَانَهُنَّ وَإِنْ أَسَأْنَ فَاصْبِرْ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور (2).

- يَا بُنَيَّ : لا تَتَزَوَّجْ بِأَمَةٍ فَيُبَاعَ وُلْدُكَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَهُوَ فِعْلُكَ بِنَفْسِكَ (3).

6 - يَا بُنَيَّ : لا تَطلُّ أمتك ولو أعجبتك وإِنَّهُ نَفْسَكَ عَنها وزوجها (4)

7 - يَا بُنَيَّ : لا تنكِح أمةَ غيرِكَ فتورّث بينك حُزناً طَويلاً (5).

ص: 217


1- المصدر السابق .
2- المصدر السابق .
3- المصدر السابق .
4- المصدر السابق .
5- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 163 .

كانت نساء العرب في الجاهلية محرومات من مزايا المجتمع الانساء لا يملكن من أنفسهن إرادة ولا من أعمالهنّ عملاً ولا يملكن ميراثاً، فكن مسجونات في سجن الذل والهوان حتى صار الضعف طبيعة ثانية لها، عليها نبتت لحمها وعظمها وعليها كانت تحيا وتموت في جميع الأُمم عندهم أمثال سائرة في ضعفها وهوان أمرها ، يقرع بها الجبان ويؤنب بها الضعيف ويلازم بها المحذول والمستهان والمستذل المتظلّم ويوجد من نحو قول القائل :

وما أدري وليت أخال أدري*** أقوم آل حصن أم نساء

ولم يورث من السابقين ما يعتني بشأنها ويهم بأمرها إلا بعض ما في التوراة وما وصى به عيسى بن مريم علیه السلام من لزوم التسهيل عليها والارفاق وما وصى به عیسی بن مریم علیه السلام من لزوم التسهيل عليها والارفاق بها . فلما بزغ نور الاسلام أبدع في حقها أمراً ما كانت تعرفه الدنيا فالغى ما كانت تعتقده الدنيا في هويتها اعتقاداً، فقد نص على إنّ المرأة كائن انساني لها روح انسانية من نفس النوع الذي فيه روح الرجل فجعل المرأة تساوى الرجل فى الأصل والمنشأ والمصير بل المساواة

ص: 218

الكاملة في الكيان وجميع ما يترتب عليها من الحقوق المتصلة بهذا الكيان كلّها حقوق مشتركة لا تمييز فيها بين جنس وجنس هكذا الأوامر والتشريعات والملكيّة والتصرّف فقد كانت المرأة على عهد قريب محرومة من كل هذه الحقوق وتجعل سبيلها الوحيد إليها عن طريق الرجل . فالمرأة في الاسلام ذات شخصيّة تساوي شخصيته الرجل في حريّة الارادة والعمل من جميع الجهات ولا تفارق حالها حال الرجل إلا في ما تقتضيه صفتها الروحيّة الخاصة المخالفة لصفة الرجل الروحية . وأفضل من وصف المرأة وأعطى لها حقها هو الامام علی علیه السلام حيث قال :

«مَعَاشِرَ النَّاسِ لَا تُطِيعُوا النِّسَاءَ عَلَى حَالٍ وَلَا تَأْمَنُوهُنَّ عَلَى مَالٍ وَلا تَذَرُوهُنَّ يُدَبِّرْنَ أَمْرَ الْعِيَالِ فَإِنَّهُنَّ إِنْ تُرِكْنَ وَمَا أَرَدْنَ أَوْرَدْهنَ الْمَهَالِكَ وَعَصَيْنَ أَمْرَ الْمَالِكِ لا وَرَعَ لَهُنَّ عِنْدَ الحَاجَة وَلا صَبْرَ لَهُنَّ عِنْدَ الشَّهْوَتِ الْبَذَحْ لَهُنَّ لازِمَ وَالْعُجْبُ بِهِنَّ لاحِقٌ ، لا يَشْكُرْنَ الْكَثِيرَ إِذَا مُنِعْنَ الْقَلِيلَ يَنْسَيْنَ الْخَيْرَ وَيَذْكُرْنَ الشَّرَّ يَتَهَافَتْنَ بِالْبُهْتَانِ وَيَتَمَادَيْنَ فِي الطَّغْيَانِ وَيَتَصَدَّيْنَ لِلشَّيْطَانِ فَدَارُوهُنَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَحْسِنُوا لَ-هُنَّ الْمَقَالَ لَعَلَّهُنَّ يُحْسِنَّ الْفَعَالَ ».(1).

أجل الشريعة الاسلامية كرّمت المرأة إذ فرضت لها مكافأة عن أمر

ص: 219


1- راجع نهج البلاغة.

تقتضيه الفطرة ونظام المعيشة وهو أن يكون زوجها قيّاً عليها فجعل هذا الأمر من قبيل الأمور العرفية التي يتواضع الناس عليها بالعقود لأجل المصلحة كأنّ المرأة تنازلت باختيارها عن المساواة التامة وسمعت بأن يكون للرجل عليها درجة واحدة وهي درجة القيموميّة والرئاسة ورضيت بعوض مالي عنها

قال سبحانه وتعالى :

«وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ».(1).

فمن شأن الرجل المعهود القيام على النساء بالحماية والرعاية والولاية ، من لوازم ذلك أن يفرض عليهم الجهاد دونهنّ فانه يتضمّن الحماية لهنّ ، وأن يكون حظهم من الميراث أكثر من حظهنّ لأنّ عليهم النفقة ما ليس عليهنّ حيث ان الله تعالى فضّل الرجال على النساء في أصل الخلقة وأعطاهم ما لم يعطهنّ من الحول والقوّة فكان التفاوت في التكاليف والأحكام أثر التفاوت في الفطرة والاستعداد .

قال سبحانه وتعالى :

«الرّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ».(2).

والسنّة النبوية بينت ذلك وسيرته صلى الله عليه واله جرت على ذلك أيام حياته

ص: 220


1- سورة البقرة (2) : 228
2- سورة النساء (4) : 34 .

فلم يولّ إمرأة على قوم ولا أعطاها منصب القضاء ولا دعاهنّ إلى غزاة . اذن تشارك الرجال في أصول المواهب الوجودية أعني الفكر والارادة المولدتين للاختيار فلها الاستقلال بالتصرف في جميع شؤون حياتها الفرديّة والاجتماعيّة عدا ما منع عنها مانع .

عبر عنه بقوله تعالى : وللرجال عليهن درجة هذه الدرجة التي رفع النساء إليها لم يرفعهنّ إليها دين سابق ولا شريعة من الشرائع ، بل لم تصل إليها أمة من الأمم قبل الاسلام ولا بعده، وهذه الأمم الاوربية التي كانت من آثار تقدّمها في الحضارة والمدنيّة أن بالغت في تكريم النساء واحترامهنّ وعنيت بتربيتهن وتعليمهنّ العلوم والفنون لا تزال دون هذه الدرجة التي رفع الاسلام النساء إليها ، ولا تزال قوانين بعضها تمنع المرأة من حق التصرّف في مالها بدون اذن زوجها وغير ذلك من الحقوق التي منحتها إيّاها الشريعة الاسلامية من نحو اربعة عشر قرنا

ثم انه لا شكّ أنّ النساء ليست على درجة واحدة من الصلاح والخلق والاطاعة لله سبحانه ولزوجها بل هنّ على قسمين :

قسم منهنّ صالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله أي حافظات لكلّ ما هو خاص بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين فلا يطلع أحد منهنّ على شيء مما هو خاص بالزوج، فالمرأة الصالحة يكون لها من مراقبة الله تعالى وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة ، قويّة على حفظ الأمانة أو حافظات له بسبب أمر الله بحفظه فهنّ يطعنه ويعصين الهوى

ص: 221

فهنّ كما وصفه سيّد الكائنات ورسول الانسانية محمّد صَلَّی الله عليه وآله :

«إِنَّ مِنْ خَيْرِ نِسَائِكُمُ الْوَلُودَ الْوَدُودَ السَّتِيرَةَ الْعَفِيفَةَ الْعَزِيزَةَ فِي أَهْلِهَا الذَّلِيلَةَ مَعَ بَعْلِهَا الْمُتَبَرِّجَةَ مَعَ زَوْجِهَا الْحَصَانَ مَعَ غَيْرِهِ الَّتِي تَسْمَعُ قَوْلَهُ وَتُطِيعُ أَمْرَهُ وَإِذَا خَلا بِهَا بَذَلَتْ لَهُ مَا أَرَادَ مِنْهَا وَلَمْ تَبَذَّلْ لَهُ تَبَذُّلَ الرَّجُلِ ». (1).

وهذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن شيء من سلطان التأديب وإنما سلطانهم على القسم الثاني الذي بيّنه الله سبحانه وبين حكمه بقوله :

«وَاللأُتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ».(2).

فالمرأة التي تخرج عن حقوق الرجل قد ترفعت عليه وحاولت أن تكون فوق رئيسها ، بل ترفعت أيضاً عن طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل فتكون كالناشز من الأرض الذي خرج عن الاستواء . وهذا القسم من النساء طالحات حقيرات صخابات ولاجات همازات تستقل الكثير ولا تقبل باليسير .

قال رسول الله صلی الله علیه وآله :

«أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ نِسَائِكُمْ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَخْبِرْنَا قَالَ:

ص: 222


1- كتاب التهذيب : ج 2، ص 227 .
2- سورة النساء (4) : 34 .

مِنْ شَرِّ نِسَائِكُمُ الذُّلِيلَةُ فِي أَهْلِهَا الْعَزِيزَةُ مَعَ بَعْلِهَا الْعَقِيمُ الْحَقُودُ الَّتِي لَا تَتَوَرَّعُ عَنْ قَبِيحِ الْمُتَبَرِّجَةُ إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا الْحَصَانُ مَعَهُ إِذَا حَضَرَ الَّتِي لَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ وَلا تُطِيعُ أَمْرَهُ فَإِذَا خَلابِهَا تَمَنَّعَتْ تَمَنُّعَ الصَّحْبَةِ عِنْدَ رُكُوبِهَا وَلَا تَقْبَلُ لَهُ عُدْراً وَلا تَغْفِرُ لَهُ ذَنْباً ».(1).

ألا أنّ النساء خلقن شتّى ***فمنهنّ الغنيمة والغرام

ومنهن الهلاك اذا تجلى*** لصاحبه ومنهنّ الظلام

فمن يظفر بصالحهنّ يسعد*** ومن يغبن فليس له انتقام

ص: 223


1- المصدر السابق.

ص: 224

باب الطفل

وفيه وصية واحدة

وإنّما أولادنا بيننا ***أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبت الريح على بعضهم ***لم تشيع العين عن الغمض

ص: 225

1 - يا بُنَيَّ : كُنْ للطفل الصغيرِ راحِماً وَعَليْهِ حانياً فَإِنَّ اللهَ تعالى أَرحَمْ ما يكون له ولما رحمه عطف عليه أمه فتركَتْ لَه نَومَها وراحتها ، وعطف عليه أبوه فوجَدَ بِهِ سرورَه وَإيناسه ، وعطف عليه الناسَ ، فَمَنْ رأى ضحكه عجب وتبسّمَ ومَنْ رأى بكاءَه رق وتألّمَ ، وما عليك أنْ لا يَكُونَ أَينُ مُسْلِمٍ فَإِنَّ الطفل الصغير لا ذنب له(1).

ص: 226


1- على والأسس والتربوية : ص 61 .

الطفل أمانة فى يد أبويه أو من وكلت إليه تربيته فعليه أن يحفظه من موارد التلف ، فان طبّعه على الأخلاق الفاضلة وجنبه الرذائل وعوده خير الأعمال أثابه الله على حفظ تلك الأمانة والعمل الصالح الذي كان به كمال ذلك الطفل ، ذلك الكمال الذي أفاده وأفاد أسرته وإلا كان ضارّاً لنفسه ولأسرته وامّته .

فالتربية تستطيع أن تمد يدها إلى الطفل لتخرج غرائزه الصالحة وتحفظها من كلّ ما يعوق غوها حتى يستطيع الطفل بعد نضوج جسمه وتسوية خلقه وتهذيب عقله أن يزج بنفسه في المجال العام لحضارة الانسان ورقيه .

أجل يجب أن يؤخذ الطفل في حال صباه من التربية والتعليم وغرس الفضيلة في قلبه إذ في هذا الدور يكون التعليم أرسخ في الذهن وأكثر أثراً، والذي يرشد إلى هذا قول الامام علی علیه السلام لولده الحسن علیه السلام:

«یا بنی احرز حظك من الأدب وفرغ له قلبك فإنه أعظم من أن يخالطه دنس واعلم أنك إن افتقرت غنيت به وإن تغربت

ص: 227

كان لك كالصاحب الذي لا وحشة معه . يا بني : الأدب لقاح العقل وعنوان الفضل وذكاء القلب . واعلم : انه لا مروّة لأحدٍ بماله ولا حالة بل الأدب عماد الرجل وترجمان عقله ودليل على مكارم أخلاقه وما الإنسان لو لا الأدب إلا بهيمة مهملة ».(1)

فلابد للآباء من تربية أبنائهم تربية صحيحة وإن لم يحسن تربية أولادهم شبو على الرذيلة وضعف الرجاء في اصلاحهم فان من شبّ على شيء شاب عليه .

إنّ الغصون إذا قومتها اعتدلت*** ولن يلين اذا قومته الخشب

ومن هنا نجد ان رسول الله صلی الله علیه و آله قد عمل - مضافاً إلى توصية أتباعه بالاهتمام بتربية الأطفال وبذل العناية البالغة باحياء الشخصية ففيهم - على تطبيق جمع النكات والدقائق بالنسبة إلى أولاده، لقد كان صلی الله علیه و آله يراقب أطفاله منذ الأيام الأولى للولادة فالرضاع فالادورار الاخرى خطوة خطوة ويرشدهم إلى الفضائل العليا والقيم المثلى ويحترمهم ويكرمهم وكان لا يقتصر على تربية أطفاله فحسب بل عمد إلى تربية أطفال آخرين فكان مرتباً عظيماً دأباً عطوفاً لأطفال المسلمين ، فكان صلی الله علیه و آله يأتي بالصبي الصغير ليدعوا له بالبركة أو ليسميه فيأخذه فيضعه في

ص: 228


1- ارشاد القلوب : ج 1 ، ص 160 .

حجره كرامة لأهله ، فربما بال الصبي عليه فلا يدعه حتى يقضي بوله .

أجل لقد كان أطفال المسلمين متمتعين بهذا الاحترام والعطف من النبي صلی الله علیه و آله فكان يتلقاه الصبيان عند ما يقدّم من السفر فيقف لهم ثم يأمر بهم فيرفعون إليه وكان يهدف من معاملة الأطفال بالعطف والحنان بغض النظر عن الارشاد إلى كيفية تربية الأطفال وانه كيف يستغل الأبوان الفرص في سبيل احترام أطفالهم واحياء شخصياتهم وألا يقوموا بما من شأنه تحقيرهم وتحطيم شخصياتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ان العطف والحنان في الأسرة أساس التنمية الصحيحة لعواطف الطفل وفي ظل المشاعر والعواطف فقط يمكن هدايته إلى الطريق المستقيم والحياة السعيدة ، أمّا الطفل الذي حرم من العطف والحنان فان مشاعره تسير نحو طريق منحرف فيصاب بالقسوة والشدّة ويشعر بالتشام والاستياء وتشب في نفسه نيران الحقد والبغضاء وعشرات من الصفات الذميمة الاخرى ، فلذا نجد بالوجدان ان الطفل الذي يتلقى مقداراً كافياً من العطف والحنان من أبويه يملك روحاً غضة ونشطة انه لا يحس بالحرمان في باطنه ولا يصاب بالعقد النفسيّة ، ولذا ورد تأكيد على العطف على الصغار في كثير من الأحاديث الشريفة .

« لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَفِّرْ كَبِيرَنَا». (1).

ص: 229


1- مستدرك الوسائل : ج 12 ، ص 185 .

وقوله صلی الله علیه و آله .

«أَكْثِرُوا مِنْ قُبْلَةِ أَوْلادِكُمْ فَإِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ قُبْلَةٍ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ».(1).

كلّ هذا لكي يحمل الآباء على الامتثال لهذا الميل النفسي عند الأطفال فيأمرهم بالحنو على أولادهم واغداق الحب عليهم كما كان يفعل هو صلی الله علیه و آله مع الامام علی علیه السلام يوم كان صغيراً ومع الحسن والحسين علیهما السلام وقد وردت عنه أحاديث كثيرة بهذا الشأن .

هذا من جهة ومن جهة أخرى فانّ الطفل بحاجة إلى أن يرد الحب بمثله لذا نراه يتذلّل لأبويه وذويه ويقبلهم قبلا حارّة كلّما تيسر له ذلك ومما يؤكده النفسانيون في هذا المجال بالنسبة لنمو الطفل الرضيع انه لا يكتفي باللبن الذي تقدمه الأُمّ له كسبب نهائي في عملية النمو بل ان العطف والحنان الذي تضفيه عليه الأم من خلال عمليّة الرضاعة ذاتها أيضاً .

وهذا الغذاء العاطفي لا يقل أهمية عن الغذاء الجسدي في تنمية شخصيته ولقد أكد هذه الناحية الامام زين العابدين علیه السلام في رسالة الحقوق في قوله عن حق الأمومة :

«وَأَطْعَمَتْكَ مِنْ ثَمَرَةِ قَلْبهَا مَا لا يُطْعِمُ أَحَدٌ أَحَداً وَأَنَّهَا وَقَتْكَ بِسَمْعِهَا وَبَصَرِهَا وَيَدِهَا وَرِجْلِهَا وَشَعْرِهَا وَبَشَرِهَا وَجَمِيعِ

ص: 230


1- وسائل الشيعة : ج 21 ، ص 485 .

جَوَارِحِهَا مُسْتَبْشِرَةً بِذَلِكَ فَرحَة »(1)

فكل هذه العبارات إنّما هي استعمالات مجازية للحنو والرحمة .

وما يقال بشأن الأُمّ ينطق على الأب أيضاً فموقف الأطفال المنتظر .

اتجاه والديهم يتوقف على ما لدى الوالدين من حبّ لأطفالها ، ولنا في معاملة الامام علی علیه السلام لابنيه الحسن والحسين خير طريق يجلي لنا الظلام ويبيّن لنا معالم أهمية هذه الحاجة في نفوس الناشئة مهما كانوا فقد كان الامام علیه السلام يتودد لولديه بأحاديث وأسلوب كلامه معهم من أجل أن يسمعا له ويعملا بتعاليمه، ففى وصيّته تلك لابنه الحسن يقول مخاطباً إياه :

وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي وَحَتَّى كَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِي مَا يَعْنِينِي عَنْ أَمْرِ نَفْسِي (2)

ولم تكن الطريقة كلام الامام لابنه جرت مجرى الصدفة واللاقصد إنما كان علیه السلام يعتقد ذلك ويؤكّده في نصائحه وتوجيهاته التي كان يلقيها ويبثها هنا وهناك. ولنا الآن أن ندرك الخطأ الذي يقع فيه غالبية الآباءوالأمهات حين يسلكون في معاملة أطفالهم مسالك العنف والقسوة وبهذا ينشأ أولادهم معقدين منطوين على أنفسهم واحدهم لا يشعر بالطمئنينة

ص: 231


1- مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 160
2- بحار الأنوار: ج 74 ، ص 200 .

ولا يعرف الراحة النفسيّة بل كلّه تعب وانهيار يشك من نفسه بمقدار ما كان يجب أن يثق بها . لذا كان من الواجب على الأبوين أن يخلقا في البيت جوّاً عائليّاً مشبعاً بروح المودة والحبّ ممهدين بذلك لأولادهم سبيل التفاهم والتعاضد حتى إذا نشأوا على هذه الروح في حياتهم البيتية سهل عليهم نقلها إلى حياتهم الاجتماعيّة الواسعة .

ص: 232

باب الطعام

اشارة

وفيه خمس وصايا

« لا تُوَفِّرَنَّ مِعْدَتَكَ طَعَامَكَ وَدَعْ فِيها لِلْمَاءِ مَوضِعاً وَللريح مجالاً».

الامام علي علیه السلام

ص: 233

1 - يا بني : لا تأكل شبعاً فإنَّ الفاءَكَ إياه للكلب خيرٌ من أن تأكله(1).

2 - يا بُنيّ : إذا امتلأت المعدةُ نامَتْ الفكرةُ وخَرست الحِكمَةُ وقعدت الأعضاء عن العبادة(2).

3- يا بُنيّ : كُل أطيب الطعام ، ونَمْ على أوطأ الفِراشِ (3).

4 - يا بني : إذا كُنتَ على المائدة فأحفظ حلقك(4)

5- يا بني : لا يأكل طعامك إلّا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء (5).

ص: 234


1- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 83 .
2- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 83 .
3- مجموعة ورّام : ج 1 ، ص 48 .
4- مجموعة ورّام : ج 1 ، ص 48 .
5- راجع كتاب عدّة الداعي للشيخ ابن فهد

كانت العرب في الجاهلية تحرم على نفسها أكل الطيبات، وكان الشايع لدى النصارى ان أقرب ما يتقرب به إلى الله عزّوجل هو تعذيب النفس واحتقارها وحرمانها من جميع الطيّبات المستلذة واحتقار الجسد وان الله لا يرضى منّا إلا إحياء الروح، فكل هذه الأحكام والشرائع قد وضعها الرؤساء وليس لها أثر ينقل عن التوراة أو عن المسيح ، فعند ما أشرق نور الاسلام على شبه الجزيرة العربية أعطى للجسد حقه كما أعطى للروح حقه ، ولم يجعل هذه الأمة جاثمة كالأنعام ، ولا روحيّة كالملائكة بل جعلها وسطاً .

«وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ».(1).

فأحلّ لهم الطيبات وأمرهم بالشكر عليها .

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ». (2).

لا شكّ أنّ الأكل والشرب بدون إسراف من الطيبات وانهما من لذات الدنيا وقوامها بل هما الدعامتان اللتان يتوقف عليها القيام بجميع

ص: 235


1- سورة البقرة (2) : 143
2- سورة البقرة (2): 172

الأعمال الدينية والدنيوية من عقلية وبدنية .

«وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ».(1).

فكلّ ما كان من أكلة تؤيد إلى التخمة فهو اسراف بالأكل وبالنتيجة يؤدّي إلى الضرر الحتمي ، هذا بالاضافة إلى انها تذهب بالفطنة وتميت الفكرة وتخرس الحكمة، وجاء في الحديث:

«لا تُمِيتُوا الْقُلُوبَ بِكَثْرَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنَّ الْقُلُوبَ تَمُوتُ كَالزِّرْعِ إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ ». (2).

وورد أيضاً :

«مَنْ قَلَّ طَعَامُهُ صَحَ بَدَنُهُ وَصَفَا قَلْبُهُ وَمَنْ كَثرَ طَعامُهُ سَقِمَ بَطْنُهُ وَقَسَى قَلْبُهُ ».(3)

أجل المعدة بيت الداء ورأس الداء كلّه هو ادخال الطعام على الطعام وأكثر العلل كلّها إنما تتولّد من فضول الطعام، فالمعدة اذا امتلأت من الطعام ضاقت عن الشراب فاذا ورد عليها الشراب ضاقت عن النفس وعرض له الكرب والتعب وصار محمله بمنزلة حامل الحمل الثقيل وهذا ما يلزم من فساد القلب وكسل الجوارح عن الطاعات وتحرّكها عن الشهوات التي يستلزمها الشبع فعلى العقال أن يسعى في صلاح بدنه ولا يحمل عليه ما يؤذيه ولا يناوله من القوت ما لا يوافقه .

ص: 236


1- سورة الأعراف (7): 31.
2- مكارم الأخلاق : ص 149
3- مكارم الأخلاق : ص 149

ثم انه لا شك ان الأغذية كلّها إنما خلقها الله عزّوجلّ وأعدّت لنا لتصح بها أبداننا وتصير مادة حياتنا فهى تجري مجرى الأدوية ليتداوى بها الجوع والألم الحادث منه ، فما أنّ الدواء لا يرام للذة ولا يستكثر منه للشهوة فكذلك الأطعمة لا ينبغي أن يتناول فيها إلا ما يحفظ البدن ويدفع ألم الجوع ويمنع من المرض فيحقر عنده قدر الطعام الذي يستعظمه أهل الشره ويقبح عنده صورة من شره إليه وينال منه فوق حاجة بدنه أو ما لا يوافقه حتى يقتصر على لون واحد .

ثم انه لا يخفى على القارئ الكريم انّ ما في القرآن الكريم ما هو شفاء للأبدان والأرواح وانه يضم الكثير من العقاقير، ففي قوله تعالى: فكلوا واشربوا ولا تسرفوا أبلغ عقار لدواء الأمراض الباطنية إذ كانت المعدة ومازالت بيت الداء، وفي تحريم القرآن لكثير من المآكل الخبيثة كالميتة والدم ولحم الخنزير وتحريم الخمور والخبائث من الشراب الآسن والطعام المتعفّن وتحريم القذارة وسؤر الكلاب والخنازير والزام الانسان بالطهارة في عبادته أو سلوكه مع غيره لما فيها من مصالح ومنافع كلّها تتعلّق بالصحة .

فالقرآن هو أجود الطب وأنفعه وأفضل العلاج وأنجعه وأكمل الدواء وأجمعه ، قضية لا يسع المؤمن الكامل والمسلم العاقل إلا أن يعتقدها ويؤمن بها فلا يتردّد في ثبوتها أو يشكّ في صحتها إلا من أضله الله سبحانه على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على قلبه غشاوة .

وأقول صريحاً إنما ينتفع الانسان بطب القرآن من تلقاه بالقبول

ص: 237

واعتقاد الشفاء له وإلا لم يحصل له الشفاء العاجل بل لا يزيد المنافقين إلاّ رجساً إلى رجسهم ومرضاً إلى مرضهم .

ان الطب الالهي الصادر من السماء لا يناسب إلا الأبدان الطيبة وإن شفاءه لا يناسب إلا الأرواح والقلوب الحيّة ، فليس هناك قصور في الدواء لكن لخبث الطبيعة وفساد المحل وعدم قبوله .

يا طالب الطب من داء تخوفه ***ان الطبيب الذي ابلاك بالداء

فهو الطبيب الذي يرجى لعافية ***لا من يذيب لك الترياق بالماء

حكاية ظريفة

لما مرض بشر الحافي رحمه الله قالوا له : ندعو لك طبيباً؟ قال : اني بعين الطبيب يفعل بي ما يريد، فألح عليه أهله وقالوا لابد أن تدفع ماءك إلى الطبيب، فقال لأخته : ادفعي إليهم الماء في القارورة ، فلما رآه قال : حرّكوه، فحرّكوه، ثمّ قال : صفوه ، ثمّ قال :،ارفعوه، فقالوا له: ما بهذا وصفت لنا ، قال : وبم وصفت لكم ، قالوا : بالحذق والمعرفة ، قال - هو كما تقولون - غير ان هذا الماء إن كان ماء نصراني فهو راهب قد فتت كبده العبادة وإن كان مسلماً فهو ماء بشر الحافي فانّه أوحد أهل زمانه في السلوك مع الله تعالى، قالوا: هو ماء بشر الحافي ، فأسلم النصراني وقطع زناره فلما رجعوا إلى بشر قال لهم أسلم الطبيب ، فقالوا: ومن أعلمك ؟ قال : لما خرجتم من عندي هتف لي هاتف وقال : يا بشر ببركة مائك أسلم الطبيب وصار من أهل الجنة .

ص: 238

باب الموت

اشارة

وفيه سبع وصايا

« خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة » .

الامام الحسين علیه السلام

ص: 239

1 - يَا بُنَيَّ كَيْفَ يَنَامُ ابْنُ آدَمَ وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ وَكَيْفَ يَغْفُلُ وَلا يُغْفَل عَنْهُ (1)

2- يَا بُنَيَّ إِنَّهُ قَدْ مَاتَ أَصْفِيَاءُ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ وَأَحِبَّاؤُهُ وَأَنْبِيَاؤُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَمَنْ ذَا بَعْدَهُمْ يُخَلَّدُ فَيُتْرَك (2).

3 - يَا بُنَيَّ بَادِرْ بِعَمَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ أَجَلُكَ وَقَبْلَ أَنْ تَسِيرَ الْجِبَالُ سَيْراً وَتُجْمَعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَر (3).

4- يا بُنَيَّ لا تُشْمِتْ بالمَوتِ (4).

5 - يا بُنَيَّ : كَما تنام كذلِكَ تموتُ وكَما تستيقظ كذلِكَ تُبعثُ (5).

6 - يَا بُنَيَّ إِنْ تَكُ فِي شَكٍّ مِنَ الْمَوْتِ فَارْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ النَّوْمَ وَلَنْ تَسْتَطِيعَ ذَلِكَ إِذَا فَكَّرْتَ فِي هَذَا عَلِمْتَ أَنَّ نَفْسَكَ بِيَدِ غَيْرِكَ وَ إِنَّمَا النَّوْمُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْت (6).

7- يا بُنَيَّ : إني خدمتُ أربعة آلاف سنة الأنبياء واخترتُ مِنْ كلامهم ثمان كلمات ... إلى ان يقول : واذكر الموت (7).

8 - بينما لقمان في عريشه قد اخذ مضعجه وابنه جالس بين يديه وقد نزل به الموتُ فَبكى ، فقال له ابنه : ما يبكيك يا أبتي ؟ أجزَعاً مِنَ الموتِ أم

ص: 240


1- الاختصاص : ص 334 - 336
2- الاختصاص : ص 334 - 336
3- الاختصاص : ص 334 - 336
4- مجموعة ورّام : ج 2 ص 231 وج 1، ص 80
5- مجموعة ورّام : ج 2 ص 231 وج 1، ص 80
6- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 417
7- انظر حاشية عدّة الداعي للشيخ ابن فهد

حرصاً على الدنيا ؟

فقال : لا ولا واحدة منهما ولكن أبكي من شقةٍ بعيدةٍ ومفازة سحيقةٍ وعقبة كودٍ وزادٍ قليل وحمل ثقيل فلا أدري أينحط ذلك الحمل حتى أبلغ الغاية أَمْ يبقى عَلَيَّ فأساقُ معه إلى نار جهنّم ، ثم مات رحمه الله (1).

ص: 241


1- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 264 .

«الموت» هو السكون ، يقال : مات سكن وكلّ ما سكن فقد مات، ومن ذلك قولهم ماتت الريح إذا ركدت وسكنت، ومات ضد حي، ومن ذلك أيضاً الروح إذا خرجت من البدن سكن وهدأ ».(1).

الحياة في هذه الأرض موقوتة ومحدودة بأجل ثم تأتي نهايتها حتماً، يموت الصالحون ويموت الطالحون يموت المجاهدون ويموت القاعدون يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة والأهداف العالية ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص . الكل يموت .

«كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ المَوْتِ »(2)

كلّ نفس تذوق هذه الجرعة وتفارق هذه الحياة ، لا فارق بين نفس ونفس في تذوق هذه الجرعة من هذه الكأس الدائرة على الجميع ، إنما الفارق في شيء آخر، الفارق في قيمة أخرى، الفارق في المصير الأخير الذي يستحق السعي والكد والمصير المخوف الذي يستحق أن يحسب له ألف حساب إلا وهو قوله تعالى:

ص: 242


1- تاج العروس - مادة مات ..
2- سورة آل عمران (3) : 185

« وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ».(1). ﴾

الموت يعرض على الانسان بشكل طبيعي وينظر إلى الناس كموجودات طبيعة دون تمييز طبقة عن أخرى فهو ينظر بعين واحد إلى الشيخ الكبير وإلى الصبي، قال سبحانه:

«إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ». (2).﴾

فلابد من التسليم له ولا يستطيع لأي انسان أن يردّه بل ولا يستطيع أن يؤخّره .

«فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ». (3).

قال الشاعر :

ولقد حرصت بان ادافع عنهم ***واذا المنيّة أقبلت لا تدفع

واذا المنية انشبت أظفارها ***الفيت كلّ تميمة لا تنفع

فالموت أمر هائل وخطر عظيم والناس عنه في غفلة لقلّة فكرهم فيه وذكرهم له، ومن ذكره لا يذكره بقلب فارغ بل مشغول بشهوات الدنيا فلذا لا ينفع بل لابد من ذكره حتى ينقطع الركون إليه ويتجافى عن دار الغرور ويتقاضى الاستعداد للآخرة ومن كان كذلك كان أكيس

ص: 243


1- سورة آل عمران (3) : 185
2- سورة الزمر (39) 30
3- سورة الأعراف (7) : 34 و النحل (16) : 61 .

الناس وأكرمهم .

الموت هو السبيل الوحيد إلى الحياة وانه حق والخوف منه هو الباطل وان الخائف منه هو جاهل به وبذاته فلو لم يمت أجدادنا وآباؤها لم ينته الوجود إلينا ولو جاز أن يبقى الانسان لبقي من تقدمنا ولو جاز ذلك ما وسعهم الأرض .

روي ان نبيّاً من الأنبياء طلب منه قومه أن يدعوا الله تعالى ليدفع الموت عنهم فدعاه فرفع الموت عنهم حتى كان الرجل منهم ينظر إلى أبيه وجده وجد أبيه وجد جده وهكذا ، وكذلك من طرف الأم، فكان يقوم بخدمتهم ويتعاهد أحوالهم كالأطفال فيشتغل بخدمتهم عن الكسب لهم وضاقت بهم الدور والمنازل فانقلبوا إليه بأن يدعو الله سبحانه ويجري عليهم الموت . هذه مدة قصيرة من الزمان فكيف اذا طال وتضاعف الناس ولذلك ذكر الله الموت وعده من النعم وعرضه في القرآن الكريم بمعرض الامتنان :

«تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ». (1).

فالخوف من الموت لا يعرض إلا لمن لا يدري ما الموت على الحقيقة أو لا يعلم إلى أين تصير نفسه أو لأنه يعتقد عقوبة تحل به بعد الموت أو لأنه متحيّر لا يدري على أيّ شيء يقدم بعد الموت أو لأنه يأسف على ما

ص: 244


1- سورة الملك (67): 1 - 2 .

يخلفه من المال والمقتنيات وهذه كلّها ظنون باطلة لا حقيقة لها .

لأنّ الموت ليس بشيء أكثر من ترك النفس استعمال آلاتها وهي الأعضاء التي يسمي مجموعها بدنا كما يترك الصانع استعمال آلاته

وأما ثانياً فلجهل ما ينبغي ان يعلمه فالجهل اذا هو المخوف اذ هو سبب الخوف واما ثالثاً فهو في الحقيقة يخاف العقاب وهو إنما يكون على شيء باق بعد البدن فهو بالنتيجة خائف من ذنوبه لا من الموت.

وكذلك تقول لمن خاف الموت لأنه لا يدري على ما يقوم بعد الموت لأن هذه حال الجاهل الذي يخاف بجهله

أجل يجب على من لا يدري متى يبغته الموت أن يكون على جانب عظيم من الحذر، بأن يكون قد أخذ المقابلة ذلك الشيء أهبته كما يأخذ أهبته للسفر ، ولا يتمكن له ذلك ما لم يردده على لسانه ويخطره على قلبه آناء الليل وأطراف النهار ليكون بذلك على استعداد كامل لمواجهته ، فلا يغتر بالشباب والصحة ، فان أقل من يموت الأشياخ وأكثر من يموت الشبان ، ولهذا يندر من يكبر ، وقد أنشدوا :

يعمر واحد فيغر قوما ***وينس من يموت من الشباب

ثم انه لا شك ان الأجل تابع لعمل الانسان وانه قابل للزيادة والنقصان كما ورد ذلك صريحاً في الحديث الشريف :

«انّه يكون قد بقى من عمر أحدكم ثلاث سنين فيصل رحمه أو يفعل شيئاً من أنواع البر فيمحو الله الثلاث ويثبت له

ص: 245

ثلاثين، وقد يكون بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه أو يعق والديه فيمحو منه الثلاثين ويثبت له ثلاثاً ». (1).

وورد في الخير أيضاً:

« إن من يموت بالذنوب أكثر ممّن يموت بالآجال ومن يعيش بالاحسان أكثر ممّن يعيش بالأجل».(2).

ولا منافاة في ذلك ، لأنّ الله سبحانه خلق لوحاً وسماه لوح المحو والاثبات وكتب فيه الآجال والأرزاق وجميع ما يكون واقعاً في عالم الكون معلّقة على الأسباب والشروط وهي التي يقع فيها المحو والاثبات والتغيير والبداء ، وهذا اللوح هو كل يوم في شأن.

وخلق الله عزّ وجلّ لوحاً آخراً وهو اللوح المحفوظ حيث كتب فيه الكائنات على ما علمه سبحانه منها فى الأزل فان علمه بالأشياء قبل وجودها كعلمه بها بعد وجودها ، وهذا العلم الذي علمه وكتبه في ذلك اللوح لا يتغير ولا يتبدل بوجه من الوجوه لأنه علمه مربوط بالمسببات والأسباب وهذا اللوح هو المسمى في لسان الشرع بأم الكتاب.

«ويمحوا الله ما يَشَاءُ وَيُثبتُ وَعِنْدَهُ أُم الكتاب ».(3).

أى لا يدخله محو ولا إثبات.

ص: 246


1- الأنوار النعمانية : ج 4 ، ص 188 .
2- الأنوار النعمانية : ج 4 ، ص 188 .
3- سورة الرعد (13) : 39 .

حكاية

روي ان ملك الموت أتى موسى بن عمران فسلم عليه فقال من أنت ؟ قال : أنا ملك الموت ، قال : ما حاجتك ؟ فقال له : جئتك أقبض روحك من لسانك ، قال : كيف وقد كلّمت به ربي عزّوجلّ، فقال من يديك ، فقال له موسى : كيف وقد حملت بهما التوراة ، فقال : من رجليك ، فقال : كيف وقد وطأت بهما طور سيناء ، قال : وعد أشياء غير هذا ، قال : فقال له ملك الموت فاني امرت أن أتركك حتى تكون أنت الذي تريد بذلك .

فمكث موسى علیه السلام ما شاء الله ثم مرّ برجل وهو يحفر قبراً فقال له موسی علیه السلام : ألا أعينك على حفر هذا القبر ؟ فقال له الرجل بلى، قال: فأعانه حتى حفر القبر و لحد اللحد فأراد الرجل أن يضطجع في اللحد لينظر كيف هو ، فقال له موسى علیه السلام : أنا أضطجع فيه فاضطجع موسى فأرى مكانه في الجنة ، فقال:يا رب أقبضني إليك فقبض ملك الموت روحه ودفنه فى القبر وسوى عليه التراب .

قال: وكان الذي يحفر القبر ملك في صورة آدمي فلذلك لا يعرف قبر موسى علیه السلام .

وما أحسن ما قال الشاعر :

نعى لك ظلّ الشباب المشيب ***ونادتك باسم سواك الخطوب

فكن مستعداً لريب المنون*** فان الذي هو آت قريب

وقبلك داوى الطبيب المريض ***فعاش المريض ومات الطبيب

يخاف على نفسه من يتوب*** فکیف تری حال من لا يتوب

ص: 247

ص: 248

باب يوم القيامة

اشارة

وفيه ست وصايا

«يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ شکاری وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ».

القرآن الكريم

ص: 249

1 - يا بُنيّ : إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِنَ الْبَعْثِ فَادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ الانْتِبَاهَ وَلَنْ تَسْتَطِيعَ وَإِنَّمَا الْيَقَظَةُ بَعْدَ النَّوْمِ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْت(1).

2 - يا بُنَيَّ : إِنَّهُ حِينَ تَتَفَطَّر السماء وتَطوى وتنزل الملائكة صفوفا خافقين حافين مشفقين وتكلف أن تجاوز الصراط و تعاين حينئذ عملك وتوضع الموازين وتنشر الدواوين (2).

3 - يا بُنَيَّ إن النار تحيط بالعالمين كلهم فلا ينجو منها أحد إلا من رحمه الله وقربه منه(3)

4 - يَا بُنَيَّ اعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ جَاوَرَ إِبْلِيسَ وَقَعَ دَارَ الْهَوَانِ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (4).

5 - يا بُنَيَّ إن الله تعالى رهن الناس بأعمالهم فويل لهم مما أيديهم وأفئدتهم (5).

6 - يا بُنَيَّ احضر الجنائزَ وَلا تحضر العِرسَ فانَّ الجنائزَ تُذكركَ الآخرةَ والعِرس يشهيك الدنيا (6)

ص: 250


1- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 417 .
2- الاختصاص : 332 - 333
3- الاختصاص : 332 - 333
4- الاختصاص : 332 - 333
5- الاختصاص : 332 - 333
6- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 83 .

المعاد أصل من أصول الدين وركن من أركانها ، وهو أن يعتقد القيامة الانسان بأنّ الله يبعث النفوس ويعيد لها الحياة من جديد في يوم متجسّدة بنفس جسدها ليحاسب كلّ نفس بما عملت ، وليست الدنيا هذه إلا ممراً ومعبراً إلى الآخرة يقتص فيها الله هناك من المذنبين وينتصف للمظلومين من الظالمين ويثبت الذين عملوا الصالحات على أعمالهم ، إذ ليس من العدل أن يساوي المسيء والمحسن والمجرم وغيره في الحياة.

وقد أيّد المعاد جميع الشرايع والأديان وعدوا الاعتراف بعودة الانسان جسماً وروحاً إلى الحياة ركناً أساسياً في أديانهم ويكفر من أنكره بلاجماع، فلابد اذن أن يؤمن الانسان به بالدليل العقلي بصفته ركناً وأصلاً من أصول الدين ولا يجوز تقبله من قبل المدركين اعتباطاً وبطريق التقليد .

أجل يوم القيامة يوم عظيم يوم ترى السماء فيه قد انفطرت والكواكب من هوله قد اندثرت والوحوش قد حشرت والجحيم قد سعرت والجنّة قد از لفت ويومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم.

ذلك اليوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل

ص: 251

حملها وترى الناس سکاری و ما هم بسکارى ولكن عذاب الله شديد .

يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيداً .

يوم تعلم فيه كل نفس ما احضرت وتشهد بما قدمت وأخرت.

انهم يرونه بعيداً ونراه قريباً وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً، فالويل كل الويل من غفل عن ذلك اليوم الذي شيّب ذكره وهوله سيّد المرسلين عند ما قيل له : يا رسول الله صلی الله علیه وآله نراك قد شيّبت، فقال: شيبتني سورة هود والواقعة والمرسلات وعمّ يتساءلون وإذا الشمس كورت .

أجل لا ينجو من هول ذلك اليوم إلا مَن حاسب نفسه فى الدنيا ووزن فيها بميزان الشرع أعماله وأقواله وخطواته ولحظاته، فقد ورد في الخبر:

« حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ توزنُوا ».(1)

وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحاً ويتدارك ما فرط من تقصير في فرائض الله ورد المظالم ، قال سبحانه :

« وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ فيهِ ».

ص: 252


1- وسائل الشيعة : ج 16 ، ص 99 .

وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ) (1)

لا يرفع الانسان قدماً عن قدم حتى يسئل عن عمره فيما أفناه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، فاذا قام سوق الحساب وضعت الموازين ونشرت الدواوين وتتجسّم الأعمال في ذلك اليوم ويأتي أمر الله سبحانه بوزنها ليرى العاملون راجح أعمالهم وناقصها عياناً فلا يظنون الظلم عليه تعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا.

في ذلك اليوم المهول المروع تسئل فاطمة الزهراء أباها فتقول :

«يَا أَبَتَاهُ أَيْنَ أَلْقَالَ يَوْمَ الْمَوْقِفِ الْأَعْظَمِ وَيَوْمَ الْأَهْوَالِ وَيَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ قَالَ يَا فَاطِمَةُ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَأَنَا الشَّفِيعُ لِأُمَّتِي إِلَى رَبِّي قَالَتْ يَا أَبَتَاهُ فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ هُنَاكَ قَالَ الْقَيْنِي عَلَى الْحَوْضِ وَأَنَا أَسْقِي أُمَّتِي قَالَتْ يَا أَبَتَاهُ إِنْ لَمْ أَلْقَلَ هُنَاكَ قَالَ الْقَيْنِي عَلَى الصَّرَاطِ وَأَنَا قَائِمٌ أَقُولُ رَبِّ سَلَّمْ أُمَّتِي قَالَتْ فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ هُنَاكَ قَالَ الْقَيْنِي وَأَنَا عِنْدَ الْمِيزَانِ أَقُولُ رَبِّ سَلَّمْ أُمَّتِي قَالَتْ فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ هُنَاكَ قَالَ الْقَيْنِي عَلَى شَفِيرٍ جَهَنَّمَ أَمْنَعُ شَرَرَهَا وَلَهَبَهَا عَنْ أُمَّتِي فَاسْتَبْشَرَتْ فَاطِمَةُ بِذَلِك». (2).

أقول : مع هول ذلك اليوم العظيم فانّ رحمة الله أعظم وإن المؤمن

ص: 253


1- سورة ابراهيم (14) : 42 - 43 .
2- الأنوار النعمانية : ج 4 ، باب موقف الناس يوم القيامة .

أكرم على الله من أن يحيى ليله بالعبادة ويصوم نهاره يدفعه يوم القيامة إلى النار ، كلا، إنّ الله عزّ وجلّ أجل من ذلك وأعلى، فانّ رحمته وسعت كلّ شيء.

وفي أمالي الصدوق عن الصادق علیه السلام :

« إذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك وتعالى رحمته حتى يطمع ابليس في رحمته .

يا ربّ إن عظمت ذنوبي كثرة ***فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلّا محسن ***فيمن يلوذ ويستجير المجرم

ادعوك ربّ كما أمرت تضرّعاً ***فاذا رددت يدي فمن ذا يرحم

مالي إليك وسيلة إلّا الرجا ***وجميل عفوك ثم انى مسلم

حكاية

روي أن رجلاً من بني إسرائيل ينبش القبور فاعتل جار له فخاف الموت فبعث إلى النباش فقال كيف جواري لك ؟ قال : أحسن جوار ، قال : فانّ لي إليك حاجة ، قال : قضيت حاجتك ، قال : فاخرج إليه كفنين ، فقال : احبّ أن تأخذ أحبّهما إليك واذا دفنت فلا تنبشني ، فامتنع النباش من ذلك وأبى أن يأخذه ، فقال له الرجل : احب أن تأخذه فلم من يزل به حتى أخذ أحبهما إليه ، ومات الرجل ، فلما دفن قال النباش: هذا قد دفن فما علمه بأنّي تركت كفنه أو أخذته، لأخذنه فأتى قبره فنبشه

ص: 254

فسمع صايحاً يقول ويصيح به : لا تفعل، ففزع النباش من ذلك فتركه وترك ما كان عليه وقال لولده أي أب كنت لكم ؟ قالوا : نعم الأب كنت لنا ، قال : فانّ لي إليكم حاجة ، قالوا : قل ما شئت فانا سنصير إليه إن شاء الله تعالى.

قال : فأحبّ اذا أنا مت أن تأخذوني فتحرقوني بالنار فاذا صرت رماداً فدقوني ثم تعمدوا بي ريحاً عاصفة فذروا نصفي في البر ونصفي في البحر.

قالوا : فلما مات فعل به ولده ما أوصاهم به فلما ذروه ، قال الله جلّ جلاله للبر أجمع ما فيك وقال للبحر أجمع ما فيك، فاذا الرجل قائم بين يدى الله تعالى، فقال له عزّوجلّ ما حملك على ما أوصيت به ولدك أن يفعلوه بك ؟ قال : حملني على ذلك عزّتك وخوفك ، فقال الله جلّ جلاله : فاني سأرخي خصومك وقد أمنت خوفك وغفرت لك.

«رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّنَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الميعاد »(1).

ص: 255


1- سورة آل عمران (3) : 193 - 194.

ص: 256

الفصل الرابع

وصايا في الأخلاق

اشارة

وتشمل على :

الفضائل والرذائل

ص: 257

ص: 258

الفضائل

ويحتوي على أبواب :

1 - باب الأخلاق الفاضلة

2 - باب الصبر

3- باب حسن الجوار

4 - باب أداء الأمانة

5 - باب العفو والاحسان

6 - باب القناعة

7 - باب التحية والمصافحة

ص: 259

ص: 260

باب الأخلاق الفاضلة

اشارة

وفيه اثنا عشرة وصية

«البرّ وحُسن الخُلق يَعمران الديار ويزيدان في الأعمار ».

الامام الصادق علیه السلام

ص: 261

1 - يَا بُنَيَّ : اجْتَنِبْ سُوءَ الْخُلُقِ فَلا يَكُونَنَّ مِنْ طَبْعِكَ فَإِنَّكَ لا تُضِرُّ بِهِمَا إِلَّا نَفْسَكَ وَإِذَا كُنْتَ أَنْتَ الضَّارَّ لِنَفْسِكَ كَفَيْتَ عَدُوَّكَ أَمْرَكَ لِأَنَّ عَدَاوَتَكَ لِنَفْسِكَ أَضَرُّ عَلَيْكَ مِنْ عَدَاوَةِ غَيْرِك (1).

2 - يَا بُنَيَّ : سَيِّدُ أَخْلاقِ الْحِكْمَةِ دِينُ اللهِ تَعَالَى وَمَثَلُ الدِّينِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ نَابِتَةٍ فَالْإِيمَانُ بِاللَّهِ مَاؤُهَا وَالصَّلَاةُ عُرُوقُهَا وَالزَّكَاةُ جِذْعُهَا وَالتَّأَنِّي فِي اللَّهِ شُعَبُهَا وَالْأَخْلاقُ الْحَسَنَةُ وَرَقُهَا وَالْخُرُوجُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ ثَمَرُهَا وَلَا تَكْمُلُ الشَّجَرَةُ إِلَّا بِثَمَرَةٍ طَيِّبَةٍ كَذَلِكَ الدِّينُ لا يَكْمُلُ إِلَّا بِالْخُرُوجِ عَنِ الْمَحَارِمِ (2).

3 - يَا بُنَيَّ : إِنَّمَا هُوَ خَلاقُكَ وَخُلُقُكَ فَخَلاقُكَ دِينُكَ وَخُلُقُكَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ وَلا تَتَبَغَضْ إِلَيْهِمْ وَتَعَلَّمْ مَحَاسِنَ الْأَخْلاق (3).

4 - يَا بُنَيَّ : إِيَّاكَ وَالضَّجَرَ وَسُوءَ الْخُلُقِ وَقِلَّةَ الصَّبْرِ فَلَا يَسْتَقِيمُ عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ صَاحِبْ وَأَلْزِمْ نَفْسَكَ التَّؤَدَةَ فِي أُمُورِكَ وَصَبِّرْ عَلَى مَؤونَاتِ الْإِخْوَانِ نَفْسَكَ وَحَسِّنْ مَعَ جَمِيعِ النَّاسِ خُلْقَكَ (4).

5 - يَا بُنَيَّ : إِنْ عَدِمَكَ مَا تَصِلْ بِهِ قَرَابَتَكَ وَتَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَى إِخْوَانِكَ فَلَا يَعْدَ مَنَّكَ حُسْنُ الْخُلُقِ وَبَسْطُ الْبِشْرِ فَإِنَّهُ مَنْ أَحْسَنَ خُلُقَهُ أَحَبَّهُ الْأَخْيَارُ وَجَانَبَهُ الْفُجَّارُ وَاقْنَعْ بِقَسْمِ الله (5).

6 - يا بُنَيَّ : لا يطأ بساطَكَ إِلّا راغِب فيك أو راهب منكر منك ، فأما الراغب فيك فأظهر له البشاشة مع صَفاءَ الباطن له وابدأه بالنوال قبل السؤال

ص: 262


1- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 416 - 428 .
2- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 416 - 428 .
3- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 416 - 428 .
4- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 416 - 428 .
5- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 416 - 428 .

فإِنَّكَ إن تلجأه إلى السؤال منك تأخذ من حر وجهه ضعفي ما تعطيه وأنشدوا :

إذا أعطيتني بسؤال وجهي*** فقد أعطيتني وأخذت مني

وأما الراهب فيك الخائف : فأدن مجلسه وتهلل في وجهه وإياك والغمز من ورائه (1).

7- يا بُنَيَّ : أبسط حِلَمَكَ ِللقريب والبعيد وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم وصل أقاربك وليكن إخوانَكَ مَن إذا فارقتهم لم تعبهم ولم يعيبوك (2).

8- يا بني : أحب إلى الناس ما تحب لنفسك ، واكره لهم ما تكره لنفسك ولا تقل ما لا تعلم واجهد أن يكون اليوم خيرٌ لك مِن أمس وغداً خيرُ لك من اليوم فانّه من استوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان يومه شرٌّ مِن امسه فهو ملعون (3).

9 - يا بُنيّ : كُن قريباً من الناس سَهلاً فانّ الله يحبُّ كلّ سهل خلق الوجه وهو رأس أخلاق الصالحين (4)

10 - يا بني : حسنُ الاستماع من الحلم وسوء الخلق من اللؤم وحسر الخلق من الكرم (5).

ص: 263


1- نفس المصدر السابق .
2- نفس المصدر السابق .
3- نفس المصدر السابق .
4- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 259
5- نفس المصدر السابق : ج 1 ، ص 269 .

11 - يا بُنيّ : مَن ساء خُلقه كثر غمّه (1).

12 - يا بني لتكن حكمتك طيبةً وليكن وجهة بسطاً تكن أحبّ إلى الناس ممّن يعطيهم العطاء (2).

ص: 264


1- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 83 . 2
2- نفس المصدر السابق.

الخلق لغة : السجية والطبع والعادة . واصطلاحاً : كيفية نفسانية تصدر عنها الأفعال بسهولة (1).

كانت القبائل العربية في العصر الجاهلي في حالة تخلّف اجتماعي وانحطاط خلقي يتمثل بما بنى عليه مجتمعهم من عادات الغزو والتعدي والتناصر بالقوّة وبالعصبية القبلية ، هذا إلى جانب ما كان عندهم من أخلاق فطرية طيبة كالكرم والمحافظة على العرض والشهامة وحبّ النجدة.

ولما جاء الاسلام قلب معظم العادات الجاهلية رأساً على عقب وحقق اصلاحاً أخلاقياً كاملاً كان من أثره تطعيم المجتمع العربي الاسلامي بالعدالة والاحسان وتهذيب أبنائه بأحسن الفضائل الخلقيّة بحيث كانت جزءاً لا تتجزأ من التقوى والايمان الصحيح.

لقد مرّت البلاد العربية - بالخصوص - بأزمة أخلاقية مروّعة في كلّ جانب من جوانب الحياة الاجتماعية - لا سيّما قبل الاسلام وبعده - وكان رسول الله صلی الله علیه وآله يلحظ ذلك الانهيار المخيف في قيم ومثل الجماعات

ص: 265


1- مجمع البحرين - مادة خلق-

والخراب الشامل في نظم المجتمع وقوانينه ، لذلك وقف لينشر رسالة الأخلاق.

فعاش عيشة الجهاد المستميت من أجل تقويم دعائم مجتمعه على أسس رسالة أخلاقية مهذبة ، ومن أجل ذلك دعى إلى الأفعال والصفات التي تعطي التقارب والتحابب.

دعى الى التمسك بالصفات الفاضلة والأفعال الكريمة بالحاح واصرار وحثّ عليه بتشديد وتأكيد اذ لا تكاد سورة من سور كتابه المجيد تخلو من الدعوة إلى الأخلاق وما ذلك إلا لأنها هي التي تحقق الفوز بالنعيم الاخروي.

أجل هكذا عاشت رسالة الاسلام لتتم مكارم الأخلاق فكان ذلك التعبير الاجتماعي الكاسح الذي حاول تغير الحياة تغيراً يعيد لها معناها الأخلاقي ويهب لها من جديد روحها المفقودة ومعنوياتها المنهارة.

ان الأخلاق الكريمة لم تتم ولم تكمل الا في الاسلام ويكفيا القول بأنّ النبي محمد صلی الله علیه وآله قد جعل تتميم أخلاق الانسانية علّة وبعثته معلوها :

«إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ».

ونعت الله سبحانه نبيه صلی الله علیه وآله:

«إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيم ».(1).

فخص عزّوجل نبيه صلی الله علیه وآله من كريم الطباع ومحاسن الأخلاق من

ص: 266


1- سورة القلم (68) : 4 .

الحياء والكرم والصفح وحسن العهد بما لم يؤتي غيره مع انه أمي لا يقرأ ولا يكتب نشأ في بلاد الجهل يتيماً لا أب له ولا أم فعلمه الله سبحانه جميع محاسن الأخلاق فكان أفصح الناس منطقاً وأحلاهم كلاماً .

فعن ابن عباس : لو زنت كلمة رسول الله صلی الله علیه وآله بمحاسن الناس لرجحت وهي قوله صلی الله علیه وآله

«إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم».

لا شك ولا ريب انّ أخلاقية الاسلام لم تنبع من البيئة ولا من اعتبارات أرضيّة اطلاقاً فهى لا تستمدّ ولا تعتمد على اعتبار من اعتبارات العرف أو المصلحة أو الارتباطات التي كانت قائمة في الجيل ، ولن تكون تلك الأخلاقية مصدرها الناس لاختلاف أهوائهم وتشتت اتجاهاتهم وتنوع مشاربهم ولو كانت كذلك لأعتز الامام علي بن أبي طالب علیه السلام بتجمع حشودهم حوله واستوحش من تفرّقهم عنه ، فذاك قوله تصريحاً:

«لا تَزِيدُنِي كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي عِزَّةً وَلَا تَفَرَّقُهُمْ عَنِّي وَحْشَةً وَلَوْ أَسْلَمَنِي النَّاسُ جَمِيعاً لَمْ أَكُنْ مُتَضَرِّعاً ».(1).

ولو لم يكن للمثل الانسانية والمعايير الأخلاقية وجود مستقل ومقرّر لم يكن لفكرة الامام وجه ولا معنى.

بل ان هذه المعايير تستمد من السماء وتعتمد على السماء ، تستمد من هتاف السماء للأرض لكي تتطلع إلى الأفق وتستمد من صفات الله

ص: 267


1- بحار الأنوار: ج 97، ص 361.

سبحانه المطلقة ليحققها البشر كي يحققوا انسانيتهم العليا كي يتأهلوا للحياة الرفيعة الاخرى.

«في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ». (1).

ثم ان هذه الأخلاق ليست فضائل مفردة، صدق وأمانة وعدل ورحمة وبرّ، وإنما هي منهج كامل تتعاون فيه التربية التهذيبيّة مع الشرائع التنظيمية وتقوم عليه فكرة الحياة كلّها واتجاهاتها جميعاً وتنتهي في خاتمة المطاف إلى الله سبحانه لا إلى أيّ اعتبار آخر من اعتبارات هذه الحياة .

وقد تمتّلت هذه الأخلاقية الاسلامية بكمالها وجمالها وتوازنها واستقامتها وثباتها في محمد صلی الله علیه وآله وتميز الدين الاسلامى على ما تقدّمه من الأديان السماوية بكماله في جميع ما جاء به من الأحكام والتشريعات والأخلاق.

ان الخلق - كما أشرنا - ملكة نفسيّة وهي ليست ظاهرة تدرك بالحواس وإنما تتمثل فى أفعال الانسان وأقواله ، وتلك الأفعال والأقوال التي تصدر عن الانسان باختياره ويحكم عليها العقلاء تارة بالخير وأخرى بالشر وهي التي تسمى سلوكاً عند الأخلاقيين.

والضمير الانساني - كما هو المعروف اليوم - هو أقدر على ضبط السلوك من أي وسيلة أخرى ، فهو الرقيب الواعي والحكومة المطاعة التي لا يستطيع الفرد التخلّص من ارادتها ورقابتها .

لقد دعى الاسلام بدعوته الأكيدة إلى حسن الخلق وحسن السلوك

ص: 268


1- سورة القمر (54): 55 .

وما لهما من الأثر العظيم في الحياة الاجتماعية .

فالاسلام : «هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده إكراماً لهم وامتناناً عليهم به ينجحون في الدنيا وبأتباعه يفلحون في الآخرة، فيجب عليهم أن يجاهدوا الخلق السيء من أنفسهم لأنّ الاقامة على الأخلاق السيئة إسائة لا تلتئم مع قدس الاسلام». (1).

فلابد اذن للانسان أن يلين جناحه ويطيب كلامه ويلق أخاه ببشر حسن لئلا يكون صاحبه بعيداً عن الخالق والمخلوق، والتجربة شاهدة بأنّ الطباع متنفّرة عن كلّ سيّء الخلق لذا ورد به الذم الشديد من الشريعة المقدّسة. ففي الحديث:

«أبى الله عزّوجلّ لصاحب الخلق السيء بالتوبة ، قيل : وكيف ذلك يا رسول الله صلی الله علیه وآله ؟ قال : اذا تاب من ذنب وقع في ذنب أعظم منه».(2)

وفيه أيضاً:

« سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ».(3)

وروي انّه قيل للنبي صلی الله علیه وآله ان فلانة تصوم النهار وتقوم الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها ، قال : لا خير فيها ، هي من أهل النار.

ص: 269


1- الأخلاق عند الامام الصادق علیه السلام : ص 23 .
2- الأخلاق للسيد عبدالله شبر : ص 7.
3- الأخلاق للسيّد عبدالله شبر : ص 7.

وروي أيضاً أن أُم سلمة رضي الله عنها قالت للنبيزيوماً: بأبي أنت وأمى المرأة يكون لها زوجان فيموتون فيدخلون الجنّة لأتهما تكون ؟ قال صلی الله علیه و آله : يا أم سلمة تخير أحسنها خلقاً وخيرهما لأهله ، يا أمّ سلمة إنّ حُسن الخلق ذَهَبَ بخير الدنيا والآخرة .

حكاية

قال علي بن الحسين علیهما السلام : ثلاثة نفر آلوا باللات والعزى ليقتلوا محمد صلی الله علیه و آله فذهب أمير المؤمنين علیه السلام وحده إليهم وقتل واحداً منهم وجاء بالآخرين فقال النبي صلی الله علیه و آله : قدم إلى أحد الرجلين فقدمه ، فقال : قل لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله ، فقال : لنقل جبل أبي قبيس أحبّ إليَّ من أن اقول هذه الكلمة ، قال : يا علي أخره وأضرب عنقه ، ثم قال : قدّم الآخر ، فقال : قل لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله ، قال : الحقني بصاحبي ، قال : يا علي أخره وأضرب عنقه، فأخره وقام أمير المؤمنين ليضرب عنقه . فنزل جبرائيل علیه السلام علی النبي صلی الله علیه و آله فقال : يا محمّد ان ربك يقرئك السلام ويقول : لا تقتله فانه حسن الخلق سخي في قومه ، فقال النبي صلی الله علیه و آله: يا علي أمسك فانّ هذا رسول ربي عزّوجل يخبرني انه حسن الخلق سخي في قومه ، فقال المشرك :تحت السيف، هذا رسول الله ربك يخبرك ، قال : نعم ، قال :والله ما ملكت در هماً مع أخي لي قط ولا قطبت وجهي في الحرب، فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله: هذا ممن جرّه حسن خلقه وسخاءه إلى جنات النعيم .

ص: 270

باب الصبر

وفيه خمس وصايا

إنِّي رأيت وفي الأيام تجربة ***للصبر عاقبة محمودة الأثر

وقلّ مَن جد في شيء يؤمله ***واستشعر الصبر إلا فاز بالظفر

الامام علي علیه السلام

ص: 271

1 - يا بُنَيَّ : إِيَّاكَ وَقِلَّةَ الصَّبْرِ فَلا يَسْتَقِيمُ عَلَيْهَا صَاحِبٌ وَأَلْزِمْ نَفْسَكَ التَّوَّدَةَ فِي أُمُورِكَ وَصَبِّرْ عَلَى مَدُّونَاتِ الْإِخْوَانِ نَفْسَك (1).

2 - يَا بُنَيَّ : السَّفِينَةُ إِيمَانُ وَشِرَاعُهَا التَّوَكَّلْ وَسُكَّانُهَا الصَّبْر (2) .

3 - يَا بُنَيَّ : لا تَصْحِرْ فَإِنَّكَ إِنْ ضَحِرتَ لَمْ تَصِبَرْ عَلَى حَقٌّ فَإِنَّهُ لَيس مَنْ يُمنع مِنْ حقِّ إِلَّا فَتَحَ اللهُ عَليهِ باباً مِنَ الباطِل فأعطى فيه أمثاله (3).

4 - يَا بُنَيَّ : الصبر على المصائبِ مِنْ حُسنِ اليقين (4).

5 - قيل للقمان عَليه السلام : أيُّ الناسِ أصبرُ ؟ قال : صَبر لا معه أذى(5) .

ص: 272


1- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 419 - 427 .
2- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 419 - 427 .
3- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 267 - 262 .
4- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 267 - 262 .
5- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 164 .

الصبر : أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر جنس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما ويقال صبر يصبر صبراً وصبر نفسه .

وأمّا حقيقته فهو خلق فاضل من أخلاق النفس يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل ، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها ». (1).

ليس فى التكليف أصعب من الصبر على القضاء لأنّ القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس، وليس هذا يقف على المرض والأذى فى البدن فحسب بل هو يتنوّع حتى يتحيّر العقل حكمة جريان القدر، وسبحان الله المتصرف فى خلقه بالاغتراب والاذلال ليبلوا صبرهم ويظهر جواهرهم في الابتلاء ، فهذا آدم علیه السلام تسجد له الملائكة ثم بعد قليل يخرج الجنّة ، وهذا نوح علیه السلام يضرب حتى يغشى عليه ثم بعد قليل ينجو في السفينة ويهلك أعداؤه ، وهذا خليل الله علیه السلام يلقى في النار ثم بعد قليل يخرج إلى السلامة ، وهذا نبينا محمد رسول الله صلی الله علیه و آله يقال له بالأمس اليتيم ويقلب في من

ص: 273


1- عدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين : ص 10 .

عجائب يلاقيها من الأعداء تارة ومن مكائد الفقر أُخرى وهو أثبت من جبل حرّاء وهو القائل :

«إنّ الله عزّوجلّ لم يرض من أولى العزم من الرسل إلّا بالصبر ولم يكلّفني إلّا ما كلّفوا به واني والله لأصبرنّ كما صبروا».

فليس في طريق الصبر نفقة سواها، فينبغي للصابر أن يشغل بها نفسه ويقطع بها ساعات ابتلائه، ولا بد له من الصبر إلى ان ينقضي أوان البلاء ، فان من تلمح بحر الدنيا وعلم كيف تتلقى الأمواج وكيف يصبر على مدافعة الأيّام لم يستهول نزول البلاء ولم يفرح بعاجل الرخاء.

وما أحسن ما قال الشاعر :

واذا مسك الزمان بضر*** عظمت دونه الخطوب وجلت

وأنت بعده نوائب أخرى ***سئمت نفسك الحياة وملت

فاصطبر وانتظر بلوغ الأماني ***فالرزايا اذا توالت تولّت

واذا أوهنت قواك وجلت ***كشفت عنك جملة وتخلت

جعل الله سبحانه الصبر جواداً لا يكبو وصار ما لا ينبو وجنداً لا يهزم وحصناً لا يهدم ولا يلئم ، فهو والنصر اخوان شقيقان فالنصر مع الصبر والفرج مع الكرب والعسر مع العسر ، وهو انصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد ومحلة من الظفر كمحل الرأس من الجسد.

أجل الصبر أخية المؤمن التي يجول ثم يرجع إليه ، وساق ايمانه الذي لا اعتماد له إلا عليها ، فلا ايمان لمن لا صبر له ، وإن كان فايمان قليل في

ص: 274

غاية ،الضعف ، وصاحبه ممن يعبد الله على ،حرف ، فان أصابه خير اطمأن ،، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ولم يحظ منها إلّا بالصفقة الخاسرة فخير عيش أدركه السعداء بصبرهم وترقوا إلى أعلى المنازل بشكرهم فساروا بين جناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

الصبر من الأخلاق الفاضلة ومن أجل ذلك كانت رسالة السماء تحت عليها لأن محامد الأخلاق كلّها ترجع إلى الصبر وإن أخلاق الايمان داخل في الصبر . وهذا ما تؤيّده الروايات ففى الخبر :

«الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، فَإِذَا ذَهَبَ الرَّأْسُ ذَهَبَ الْجَسَدُ كَذَلِكَ إِذَا ذَهَبَ الصَّبْرُ ذَهَبَ الْإِيمَانُ ».(1).

وهذا إن دلّ فانّما يدلّ على عظم أمره لأنه يُربّي ملكات الخير في النفس فما من فضيلة إلا وهي محتاجة إليه فالشجاعة هي الصبر على مكاره الجهاد، والعفاف هو الصبر على الشهوات، والحلم هو الصبر على المبترات، وكتمان السر هو الصبر على اذاعة الأسرار، والقناعة هو الصبر على قدر يسير من الرزق إلى غير ذلك، وقد جمع الله عزّوجلّ ذلك فسمّى الكل صبراً .

«وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا

ص: 275


1- أصول الكافي : ج 2، ص 87 .

وأُولئِكَ هُمُ المتقون )(1).

الصبر يحمد في هذه المواطن وفي غيرها، وخص هذه الثلاث بالذكر لأنّ من صبر فيها كان في غيرها أصبر، لما في احتمالها من المشقة على النفس والاضطراب في القلب ، فانّ الفقر إذا اشتدت وطأته يضيق له الذرع ويكاد يفضين إلى الكفر ، والضر اذا برح بالبدن يضعف الأخلاق حتى لا يكاد المرء يحتمل ما كان يسر به فى حال الصحة ، فما بالك بالمرض وآلامه وما يطرأ في أثنائه من الأُمور التي تسوء الأمور التي تسوء النفس ، وأمّا حالة اشتداد الحرب فهى على ما فيها من الشدّة والتعرّض للهلكة يخوض غمرات المنيّة يطلب فيها من الصبر ما لا يطلب في غيرها ، لأن الظفر مقرون بالصبر وبالظفر حفظ الحق الذي يناضل من يجاهد في سبيل الله دونه ويدافع عنه ويحاول اظهاره ويبغي انتشاره، وهذا هو المأمور من الله عزّوجلّ بالصبر حين البأس.

فالصبر هو ملكة الثبات والاحتمال التي تهون على صاحبها كلّ ما يلاقيه في سبيل تأييد الحق ونصر الفضيلة، وإنما يظهر الصبر في ثبات الانسان على عمل اختياري يقصد به إثبات حق أو أزالة باطل . فالثابت على العمل في مثل هذا الحال هو الصابر ، وإن كان في أوّل الأمر متكلّفاً، ومتى رسخت الملكة يسمّى صاحبها صبوراً وصبّاراً.

وليس كلّ متحمل للمكروه من الصابرين، بل لابد من العمل

ص: 276


1- سورة البقرة (2): 177

للحق والثبات فيه لأنّ الفضائل لا تتحقق إلا بما يصدر عنها من الأعمال الاختياريّة فالصبر اذن هو ملكة اكتسابيّة ولذلك أمر الله سبحانه به، وإنما يكون الامتثال بتعويد النفس احتمال المكاره والشدائد في سبيل الحق ، وعلى ذلك جرى النبي محمد صلی الله علیه وآله وأصحابه وأهل بيته عليهم السلام حتى فازوا بعاقبة الصبر المحمودة ونصرهم الله سبحانه مع قلّتهم وضعفهم على جميع الأمم وما ذاك إلا بالصبر لأنه تعالى جعله سبباً للنجاة من الخسر كما جاء في سورة العصر:

« وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ».(1).

وأشد أنواع الصبر وأجمله هو الصبر على المصائب والمكاره، لأنه يقع على ما لا مردّ له ، ولابد للانسان فيه ، وهذه المصائب متفاوتة الدرجات والآثار وأبسطها ما نشأ عن القدر اليسير من الأرزاق والحظوظ، أو عمّا فات إدراكه من الرغبات، فدواء هذه المصائب البسيطة وما شاكلها يكون بالسعي لتحسين الحال أو لادراك ما فات وعند التعدّر فبالصبر الجميل ومعناه هنا القناعة .

وأمّا الاستسلام إلى المكروه والصبر على المصيبة والتقاعد عن دفعها بالطرق والوسائل المشروعة الممكنة فليس مما يرضاه الشرع ولا العقل ولا يكون الصبر حينئذٍ صبراً محموداً ولا خلقاً مشكوراً، ينزل

ص: 277


1- سورة العصر (103) : 1 - 3 .

بالمرء فقر أو ضائقة وأسباب الرزق ممهدة بين يديه فيعرض عنها ويقول : اني صابر ، وإنّ الصبر مفتاح الفرج، ويصاب المرء بمرض مؤلم ويكون له علاج أو دواء ناجع فيتقاعد عن تناوله ويقول : اني صابر وإنّ الصبر سلاح المؤمن، كل أولئك ليس من الصبر في قليل ولا كثير ولا ينبغي أن يقرظ صاحبه عليه ، وان استنكار ذلك وبعده عن الأخلاق أمر ظاهر لا يحتاج إلى استدلال بل يكاد الشعور باستنكاره أمراً بديهياً.

ثم ان حزن الانسان وبكاءه عند نزول المصيبة لا ينا في الصبر والتثبت ، بل ذلك من الرحمة ورقة القلب ، ولو فقدها الانسان لكان قاسياً لا يرجى خيره ولا يؤمن شرّه وإنما الحزن المذموم الذي يحمل صاحبه على ترك الأعمال المشروعة لأجل المصيبة والآخذ بعادات وأعمال مذمومة ضارّة ينهى عنها الشرع ويستقبحها العقل .

«روي ان النبي محمدصلی الله علیه وآله لما مات ابنه الطاهر ذرفت عيناه ، فقيل يا رسول الله بكيت ، فقال صلی الله علیه وآله : ان العين تذرف وان الدمع يغلب وان القلب يحزن ولا نعصي الله عزّ وجلّ ». (1)

فالحزن غير مناف للصبر والرضا، وإنما هو طبيعة بشريّة لا حرج في ابرازها ولا ضرر في اخراجها ما لم تشتمل على أحوال تأذن بالسخط وتنبئ عن الجزع وتذهب بالأجر، لذا قالوا: ليس الجزع أن تدفع العين ويحزن القلب ، ولكن الجزع القول السيء والظن السيء.

ص: 278


1- الأخلاق في حديث واحد : ج 1، ص 213

فالصبر الحقيقی يحصل بتذكّر وعد الله بالجزاء الحسن للصابرين على أعمال البر التي تشق على النفس وعن الشهوات المحرمة التي تصبوا إليها ويتذكّر انّ المصائب بفعل الله عزّوجلّ وتصرفه في خلقه فيجب الخضوع له والتسليم لأمره لأنّ الجزع وإظهار المصيبة والتحدّث بها مما يقدح في الصبر ، وأنها انكار لقضاء الله وإكراه لحكمه وسخط على فعله .

قال أبو عبدالله الصادق علیه السلام :

«رَأْسُ طَاعَةِ اللهِ الصَّبْرُ وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ فِيمَا أَحَبَّ الْعَبْدُ أَوْكَرِهِ وَلَا يَرْضَى عَبْدٌ عَنِ اللَّهِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ إِلَّا كَانَ خَيْراً لَهُ فِيمَا أحب أو كرة». (1)

«وأنى للعبد ألا يرضى بما يرضى به ربه ، ولعمري ان من يعترض على فعل الله فهو أشد الجهلاء ، ومن لم يرض بالقضاء فليس الحمقه دواء وقد ورد في الخبر القدسي : خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه، وويل لمن خلقته للشرّ وأجريت الشرّ على يديه، وويل ثم ويل لمن قال لم ، وكيف ، وفي خبر قدسي آخر أنا الله لا إله إلّا أنا من لم يصبرى على بلائي ولم يشكر على نعمائي ولم يرض بقضائي فليتّخذ ربّا سواي ». (2)

فخف الله أيها الناس من كل نعمة أنعم بها عليك من قلة الشكر

ص: 279


1- أُصول الكافي : ج 2، ص 60 .
2- جامع السعادات : ج 3، ص 199 .

عليها مع المعصية بها ، فانّ في النعم حجّة وفيها تبعة، فأما الحجّة بها فالمعصية بها وأمّا التبعة فيها فقلة الشكر عليها .

عفى الله عنا كلما ضيعنا من شكر أو ركبنا من ذنب أو قصرنا من حق.

إذا كان شكري نعمة الله نعمة ***علي له في مثلها يجب الشكر

فكيف وقوع الشكر إلّا بفضله*** وإن طالت الأيام واتصل العمر

إذا مس بالسراء عمّ سرورها ***وإن مس بالضرّاء أعقبها الأجر

وما منهما إلّا له فيه منّة ***تضيق بها الأوهام والبر والبحر

ص: 280

باب حسن الجوار

وفيه ثلاث وصايا

«ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن حسن الجوار صبرك على الأذى ».

الامام موسى الكاظم علیه السلام

ص: 281

1 - يَا بُنَيَّ : إِنِّي حَمَلْتُ الْجَنْدَلَ وَالْحَدِيدَ وَكُلَّ حِمْلٍ نَقِيلٍ فَلَمْ أَحْمِلْ شَيْئاً أَثْقَلَ مِنْ جَارِ السَّوْءِ (1).

2 - يَا بُنَيَّ : لَوْ كَانَتِ الْبُيُوتُ عَلَى الْعَمَدِ مَا جَاوَرَ رَجُلٌ جَارَ سَوْءٍ أَبَداً (2).

3- يَا بُنَيَّ : الجارُ ثُمَّ الدار (3).

ص: 282


1- بحار الأنوار: ج 13، ص 416 .
2- الاختصاص : ص 332
3- الاختصاص : ص 332

الجوار ضرب من ضروب القرابة فهو قرب بالمكان والسكن، وقد يأنس الانسان بجاره القريب ما لا يأنس بنسيبه البعيد، فيحسن أن يتعاون الجاران ويكون بينهما الرحمة والاحسان فاذا لم يحسن أحدهما إلى الآخر فلا خير لهما لسائر الناس .

حثّت رسالة السماء على الاحسان في معاملة الجار ووسعت في مفهومه وأعطت العناية الفائقة والاهتمام الكبير والحقوق العظيمة له ، بل أعطت له حقوق زائدة على غيره من المسلمين حتى شملت الكافر فاثبتت له ذلك .

وجاء في الحديث الشريف :

«الْجِيرَانُ ثَلاثَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقِ حَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْقَرَابَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ حَقَّانِ حَقُّ الْإِسْلامِ وَحَقُ الْجِوَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ الْكَافِرُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ ». (1).

فانظر كيف أثبت للكافر حق الجوار.

إن حدود الجوار في الاسلام أوسع منها في العرف ، إذ ان العرف يحدد الجوار تحديداً ضيّقاً ، فالجار في عرف الناس هو من يتصل بينه بيتك من الأطراف الأربعة، أمّا في الاسلام فالجار هو الذي يتصل بينه ببيتك إلى مسافة عشرة بيوت من الجهات الأربع، قال الامام أبو جعفر الباقر علیه السلام:

ص: 283


1- جامع السعادات : ج 2، ص 267 .

«كُلِّ أَرْبَعِينَ دَاراً مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شماله». (1)

ويرى بعض العلماء : ان المراد بالجار : من تجاوره ويتراءى وجهك ووجهه.

في غدوك ورواحك إلى دارك، فيجب أن تعامل من ترى وتعاشر بالحسنى فتكون في راحة معهم ويكونون في راحة معك ، فكأنما يرى انّ أمر الجوار لا يحدّد بالبيوت. ويرى النراقي : « إن معرفة الجوار موكولة إلى العرف فأيّ دار يطلق عليها الجار عرفاً يلزم مراعاة حقوق أهلها (2)

وكيف كان فانّ اكرام الجار والدفاع عنه من الأخلاق لذا كانت

العرب سابقاً تفتخر بحسن الجوار حتى صار يسمون النصير جاراً.

إذ المرء لم يدنس من اللوم عرضه ***فكلّ رداء يرتديه جميل

وان هو لم يحمل على النفس ضيمها*** فليس إلى حسن الثناء سبيل

تعيّرنا انا قليل عديدنا ***فقلت لها ان الكرام قليل

وما ضرّنا أنا قليل وجارنا ***عزيز وجار الأكثرين ذليل

وما أحسن ما قال الشاعر :

ما ضر جارا لي اجاوره ***إلّا يكون لبابه ستر

ص: 284


1- الأخلاق للعلّامة السيّد عبدالله شبر : ص 114 .
2- جامع السعادات : ج 2، ص 268 .

أعمى إذا ما جارني خرجت ***حتى يواري جارتي الخدر

ناري ونار الجار واحدة ***وإليه قبلي ينزل القدر

جاء الاسلام وزادهم تأكيداً بقوله تعالى:

«وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبِي وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنبِ ».(1).

وجاء في الحديث النبوي الشريف :

«أتدرون ما حق الجار ؟ إن استعان بك أعنته، وإن استقرضك أقرضته، وإن افتقد عدت إليه ، وإن مرض عدته، وإن مات اتبعت جنازته ، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزّيته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلّا باذنه، وإذا اشتريت فاكهة فاهده له، فان لم تفعل فأدخلها سرّاً ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ، ولا تؤذيه بتقار قدرك إلّا أن تغرف له منها(2)

وجاء في رسالة الحقوق:

«وَأَمَّا حَقُّ الْجَارِ فَحِفْظُهُ غَائِباً وَكَرَامَتُهُ شَاهِداً وَنُصْرَتُهُ وَمَعُونَتُهُ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعاً لا تَتَبَّعْ لَهُ عَوْرَةً وَلَا تَبْحَتْ لَهُ عَنْ سَوْأَةٍ لِتَعْرِفَهَا فَإِنْ عَرَفْتَهَا مِنْهُ مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ مِنْكَ وَلَا تَكَلُّفٍ

ص: 285


1- سورة النساء (4) : 36 .
2- الأخلاق للسيّد عبدالله شبّر : ص 113 .

كُنْتَ لِمَا عَلِمْتَ حِصْناً حَصِيناً وَسِتْراً سَتِيراً لَوْ بَحَثَتِ الْأَسِنَّةُ عَنْهُ ضَمِيراً لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ لِانْطِوَائِهِ عَلَيْهِ لا تَسَمَّعْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُ لا تُسْلِمْهُ عِنْدَ شَدِيدَةٍ وَلا تَحْسُدُهُ عِنْدَ نِعْمَةٍ تُقِيلُهُ عَشْرَتَهُ وَتَغْفِرُ زَلَّتَهُ وَلا تَذْخَرْ حِلْمَكَ عَنْهُ إِذَا جَهِلَ عَلَيْكَ وَلا تَخْرُجْ أَنْ تَكُونَ سِلْماً لَهُ تَرُدُّ عَنْهُ لِسَانَ الشَّتِيمَةِ وَتُبْطِلُ فِيهِ كَيْدَ حَامِلِ النَّصِيحَةِ وَتُعَاشِرُهُ مُعَاشَرَةً كَرِيمَة (1).

أجل كلّ من فكّر في أداء هذه الحقوق زاحت أسباب الشقاء بنفسها عن تلك البلدة الذي يعيشه وسينام كل فرد من أفراد تلك الأمة وهو مستريح .

فالتعاليم الاسلاميتة تنص على ان الذين يؤذون جيرانهم بأي لون من ألوان الايذاء ليسوا من الاسلام في شيء ، كما ورد ذلك في مناهي النبي صلی الله علیه وآله

«مَنْ آذَى جَارَهُ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِيحَ الْجَنَّةِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ وَمَنْ ضَيَّعَ حَقَّ جَارِهِ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَا زَالَ جَبْرَئِيلُ ع يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّتُه». (2).

من هذه النصوص تبين ان حق الجار لا ينحصر في مجرّد كف الأذى ، إذ ذلك يستحقه كلّ فرد من أفراد المجتمع ، بل لابد من الرفق

ص: 286


1- الأخلاق للسيّد عبدالله شبر : ص 113
2- مكارم الأخلاق ، مناهي النبي صلی الله علیه وآله : ص 469 .

واهداء الخير والمعروف وتشريكه فيما يملكه ويحتاج إليه من المطاعم ، كما ظهر من بعض الأخبار المتقدّمة .

وذهب بعض علماء الأخلاق إلى ان من جملة حق الجار : « أن يبدأه بالسلام ولا يطيل معه الكلام ، ولا يكثر عن حاله السؤال، ويعوده في المرض، ويعزّيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ويهنّئه في الفرح ويصفح عن زلاته، ويستر ما اطلع عليه من عوراته ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره ولا في صبّ الماء في ميزابه ، ولا في مطرح التراب في فنائه، ولا في المرور عن طريقه، ولا يمنعه ما يحتاج إليه من الماعون، ويغض بصره عن حرمه ، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته ، ويتلطّف لأولاده في كلمته ، ويرشده إلى ما يصلحه من أمر دينه ودنياه وان استعان به في أمر أعانه (1).

ص: 287


1- جامع السعادات : ج 2، ص 269 .

ص: 288

باب أداء الأمانة

وفيه ثلاث وصايا

«لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فان ذلك شيء اعتاده فلو تركه استوحش لذلك ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته».

الامام الصادق علیه السلام

ص: 289

1 - يا بُنَيَّ : كُن أميناً تَعشَ غَنيّاً .

2 - قيل للقمان : قِيلَ لِلْقْمَانَ أَلَسْتَ عَبْدَ آلِ فُلانٍ قَالَ بَلَى قِيلَ فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا تَرَى قَالَ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ .

3 - يَا بُنَيَّ : أَدَّ الْأَمَانَةَ تَسْلَمْ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ وَكُنْ أَمِيناً تَكُنْ غَنِيّاً ، فإنّ الله تعالى لا يُحبُّ الخائنين .

ص: 290

:الأمانة ما يؤمن عليه الانسان من الامن وهو طمأنينة النفس وعدم الخوف ويقال ائتمن فلاناً أي عده أو اتخذه أميناً وائتمنه على الشيء كأمنه عليه ويسمّى من يحفظ الأمانة ويؤدّيها : حفيظاً وأميناً و وفيّاً ويسمّى من لا يحفظها أو لا يؤدّيها خائناً .

ان أداء الأمانة مما يختبر به صلاح المرء وخوفه من الله عزّ وجلّ لأنه من الأُمور الخفيّة والتي تحصل به كمال النفس وإن لم يكن الله بخلاف الصلاة والصيام فانهما ليست مما يختبر بهما صلاح المرء لأنها من الأفعال الظاهرة التي لابد للمرء من الاتيان بها خوفا وطمعاً ورياءاً، لا سيما للمتسمين بالاصلاح فيأتون بها من غير اخلاص حتى يعتادونها ولا غرض لهم في تركها غالباً، والدواعي الدنيوية في فعلها لهم كثيرة ، وهذا ما ورد في الأخبار كثيراً، فعن الامام الصادق علیه السلام :

« لا تَغْتَرُّوا بِصَلَاتِهِمْ وَلا بِصِيَامِهِمْ فَإِنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا لَهِجَ بِالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ اسْتَوْحَشَ وَلَكِنِ اخْتَبِرُوهُمْ عِنْدَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ». (1).

ص: 291


1- أُصول الكافي : ج 2 ، ص 104 .

أجل ان أداء الأمانة من ضروريات المجتمع ، دعى إليه القرآن الكريم كما دعى إلى كلّ فضيلة ترقى المجموعة البشرية .

ان الله تعالى وصف المؤمنين بأنهم لأماناتهم وعهدهم راعون، وهذه الصفة دائمة لهم في كلّ حين وما تستقيم حياة جماعة الا أن تؤدّي فيها الأمانات وترعى فيها العهود ويطمئن كلّ من فيها إلى هذه القاعدة الأساسيّة للحياة المشتركة الضرورية لتوفير الثقة والأمن والاطمئنان كما كانت الخيانة من صفات الفاسقين وهذه الصفة ما انتشرت في قوم إلا كانت نذير الخراب والفوضى وسرعان ما ينتقل ضررها إلى سائر الأفراد ، لذا نهى الله عنها فقال :

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ».(1).

ليس المقصود من الأمانة الأمان والوديعة والثقة بل كلّ ما يجب حفظه فهو أمانة وكلّ حق مادي أو معنوي يجب عليك أداؤه إلى أهله فهو أمانة.

قال سبحانه :

«فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤدِّ الَّذِي اوتين أمانته وليتق الله رَبَّهُ ».(2).

فالأمانة حق عند المكلّف يتعلّق به حق غيره ويودعه لأجل أن

ص: 292


1- سورة الأنفال (8) :27
2- سورة البقرة (2) : 283

يوصله إلى ذلك الغير كالمال والعلم وغيرهما سواء كان المودع عنده ذلك الحق قد تعاقد مع المودع على ذلك بعد قولي خاص صرّح فيه بأنه يجب على المودع عنده أن يؤدّي كذا إلى فلان مثلاً أم لم يكن كذلك ، فان ما جرى عليه التعامل بين الناس في الأمور العامة هو بمثابة ما يتعاقد عليه الآخر أو في الأمور الخاصة ، فالذي يتعلّم العلم قد أودع أمانة وأخذ عليه العهد بالتعامل والعرف بأن يؤدّي هذه الأمانة ويفيد الناس ويرشدهم بهذا العلم فيجب على العالم أن يؤدّي أمانة العلم إلى الناس كما يجب على من أودع المال أن يردّه إلى صاحبه ، كما يجب عليهم معرفة الطرق التي تؤدّي إلى ايصال العلم إلى الناس ،وقبوله ، وهذه الطرق تختلف باختلاف الزمان والمكان.

ومن هنا يمكن أن نقسم الأمانة إلى ثلاثة أقسام:

1 - القسم الأول : أمانة العبد مع ربّه :

وهي ما عهد إليه حفظه من الائتمار بما أمره ربّه والانتهاء عما نهاه عنه، واستعمال مشاعره وجوارحه فيما ينفعه ويقربه من ربّه فالمعاصي كلها خيانة الله عزّوجلّ، وقد ورد في المأثور مما يدل على ذلك .

2 - القسم الثاني : أمانة العبد مع الناس :

ويدخل فيها ردّ الودائع وعدم الغش في الشيء وحفظ السر وغير ذلك مما لأحاد الناس وللأهل والأقربين مراعاته، وعليها بناء المدينة وبها حفظ العمران وصلاح حال الأمة بأسرها، لان عليها مدار الثقة في

ص: 293

جميع المعاملات وناهيكم بما عظم الله من أمر الأمانة في قوله سبحانه :

« إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (1).

وجاء في وصيّة الامام علی علیه السلام الكميل بن زياد:

«إِنَّا لا نُرَخِّصُ فِي تَرْكِ أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ فَمَنْ رَوَى عَنِّي فِي ذَلِكَ رُحْصَةً فَقَدْ أَبْطَلَ وَأَثِمَ وَجَزَاؤُهُ النَّارُ بِمَا كَذَّبَ أَقْسَمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلی الله علیه و آله يَقُولُ لِى قَبْلَ وَفَاتِهِ بِسَاعَةٍ مِرَارًا ثَلَاثَاً : يَا أَبَا الْحَسَنِ أَدَّ الْأَمَانَةَ إِلَى الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ فِيمَا قَلَّ وَجَلَّ حَتَّى فِي الْخَيْطِ وَالْمِخْيَط ». (2).

3- القسم الثالث : أمانة الانسان مع نفسه : وذلك بأن لا يختار الانسان لنفسه إلا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا وأن لا يقدّم على ما يضره في الآخرة، فكلّ ما يوجب الهلاك من افراط أو تفريط ورد به نهي.

« وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ».، (3).

فالامانات كثيرة في عنق الفرد وفي عنق الجماعة وفي أوّلها أمانة الفطرة فلابد من مراعاة تلك الأمانة الكبرى فلا يدع المؤمنون فطرتهم .

ص: 294


1- سورة الأحزاب (33) :72
2- تحف العقول: ص 117
3- سورة البقرة (2) : 195 .

تنحرف عن استقامتها فتظل قائمة بأمانتها شاهدة بوجود الخالق ووحدانيته ثم تأتي سائر الأمانات تبعاً لتلك الأمانة الكبرى أو الجماعة المسلمة مسؤولة عن أماناتها العامة مسؤولة عن عهدها مع الله عزّوجلّ وما يترتب على هذا العهد من تبعات. تلك الخصائص تحدد شخصيّة المؤمنين وهي خصائص ذات أثر حاسم في تحديد خصائص الجماعة المؤمنة بالله عزّ وجلّ ونوع الحياة التي يحياها الحياة الفاضلة اللائقة بالانسان الذي كرهه الله وأراد له التدرّج في مدارج الكمال ولم يرد له أن يحيا حياة الحيوان يستمتع فيها ويأكل كما تأكل الانعام .

ص: 295

ص: 296

باب العفو والاحسان

وفيه ثمان وصايا

إذا اعتذر المسيء إليك يوما ***من التقصير عذر فتى مقر

فصنه عن عقابك واعن عنه ***فان الصفح شيمة كلّ حر

ص: 297

1 - يَا بُنَيَّ : أَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ(1).

2 - يَا بُنَيَّ : لا يُعْجِبْكَ إِحْسَانُكَ وَلا تَتَعَطَّمَنَّ بِعَمَلِكَ الصَّالِحِ فَتَهْلِك (2).

3 - يَا بُنَيَّ : المُحسِنُ يكافئ بإحسانِه والمسيء يكفيه مساويه ، لو جهدتَ أنْ تفعل به أكثر مِمّا يفعله بنفسِهِ ما قَدرت عليه (3).

4 - يَا بُنَيَّ : لا يُعرفُ الحكيمُ إِلَّا عِندَ الغُضَب (4)

5 - يَا بُنَيَّ : لأَنْ تُعرَف بالخير فيجيبك مَنْ لَم يصل معروفك إليه خيرُ لكَ مِنْ أَنْ تُعرف بالشرّ فيخشاكَ مَنْ لَمْ تَصِلْ إِلَيهِ إسائتك كالحية والعقرب يَقتُلهما منْ لَم يؤذياه (5).

6 - يَا بُنَيَّ : خِصلةٌ تُقربُكَ إِلَى رِضوانِ اللَّهِ عَزَوجِلٌ وتُبَاعِدُكَ مِنْ سَخَطِهِ وهي : تكظم لغيظ وتُحسِنُ إِلى مَن أَساءَ إِليكَ (6).

7 - يَا بُنَيَّ : من لا يَكظم غيظه يشمتُ عدوه (7).

8 - يَا بُنَيَّ : أنس اثنين : إحسانك في حق الغير ، وإسائة الغير في حقك (8).

ص: 298


1- الاختصاص : ص 335، 336، 333، 239 .
2- الاختصاص : ص 335، 336، 333، 239 .
3- الاختصاص : ص 335، 336، 333، 239 .
4- الاختصاص : ص 335، 336، 333، 239 .
5- المخلاة : ص 323
6- كنز الفوائد : ص 272 .
7- بحار الأنوار: ج 71، ص 428 .
8- لاحظ عدة الداعي للشيخ ابن فهد

الاحسان ضدّ الاساءة ، وهو كل نعمة تنال الانسان في نفسه وبدنه وأحواله ، والاحسان فوق العدل، لأن العدل يعطى ما عليه ويأخذ ماله ، والاحسان أن يعطي أكثر مما عليه ويأخذ أقل مما له .

:الاحسان مصدر أحسن يحسن احساناً ويقال لمعنيين :

أحدهما : متعد بنفسه كقولك : أحسنت كذا أي حسنته وكملته ، وهو منقول بالهمزة من حسن الشيء .

وثانيها : متعد بحرف جر كقولك : احسنت إلى فلان أى أوصلت إليه ما ينتفع به ». (1).

إنّ الله أحسن إلى الانسانية جمعاه بنعمه ومننه فلابد لانسان أن يحسن بهذه النعم والمنن إلى الخلق من مال وجاه وطلاقة وجه وأن يحسن لقائهم والثناء عليهم في غيبتهم والعفو عنهم إلى غير ذلك من موارد الاحسان وما يفعله المحسن من التفضّل والانعام يعود منفعته إليه ، قال سبحانه :

ص: 299


1- تاج العروس - مادة حسن -.

«إن أحسنتهُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَساتُم فَلَها ».(1)

فالمحسن يشعر بالطمأنينة وبكسب الود والمحبة والتقدير مما يدخل العادة في نفسه لهذا أمر الله تعالى بالاحسان وأكد عليه أكثر من موضع

وجعل منزلته بمنزلة المخلص الله تعالى.

«وَمَنْ أَحْسَنُ ديناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ».(2).

بينما الاساءة تجعل صاحبها منبوذاً محتقراً لا يهنأ له عيش ولا يقرّ له قرار إنّ الأفعال الحسنة تشمل كلّ خير وكل معاملة ترقي وترفع من شأن الانسانية وتهذب نفسية المرء وتقربه من خالقه، وعلى هذا المعنى جاءت وصايا القرآن الكريم في الدعوة إلى الاحسان والترغيب في اتيانه .

«إنّ تعاليم القرآن في الاحسان تشهد بأنه كتاب روحي يرتقي به إلى أعظم مراقي السمو ويعلو به عن أيّ مذهب أخلاقي أو ديني فقد عالج الاحسان بما يؤثر في الشخصية الانسانية من ناحية دوافع العمل ومن وصف صفات المحسنين ، وعين فئات من الناس أحق بالاحسان من غيرهم، ودعا إلى الاحسان بما يحقق في الانسانية المثل العليا التي لا يزال يدعو إليها الفلاسفة ودعاة الاصلاح في العالم .». (3).

ان المبادرة إلى إحسان فئات من الناس الذين فقدوا المعين

ص: 300


1- سورة الإسراء (17): 7
2- سورة النساء (4) : 125 .
3- روح الدين الاسلامي : ص 158 .

والنصير يحتاج إلى تضحية كبيرة ومجاهدة للنفس وعدم الانقياد للنفس الأمارة بالسوء والحيلولة بينها الانقياد ولأهوائها ورغباتها الضارّة لهذا رغب الله في الاحسان ببيان فضله وثوابه للتأثير على النفس الانسانية والتسلّط عليها لاستساغة الاحسان وجعله من طبيعتها .

ان الاحسان الذي دعى إليه القرآن هو غاية ما تصبو إليه الانسانية لاقرار السلام فيها ولنشر المحبة بين الأفراد.

ان الاحسان إلى المسيء هو أعلى مراتب الاحسان فمن استمسك به فقد استولى على دواعي الخير ومساعي البر في كل أرب فهو من أكرم الخلال وأتم الخصال وأفضل الشمائل وأسنى مواهب الله المتعال فما زال يسمو بصاحبه في الدارين إلى أرفع الرتب .

قال عيسى بن مريم علیه السلام: إنما الاحسان أن تحسن إلى من أساء إليك ليس الاحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك .

ما أحسن ما قال الشاعر السيد جعفر الحلّي رحمه الله:

جاز الاسائة بالاحسان إن صدرت*** من امرء زلّة تدعوا إلى الغضب

سجيّة النخل إن تضربه في حجر*** جازاك عن ضربه بالبسر والرطب

كذلك الصدف البحري إن فلقوا ***أعلاه جازاهم باللؤلؤ الرطب

فلتكن أيها الانسان كذلك ولو ترفعاً من أن تكون أدنى من الجمادات فضلاً عن أن تكون متأسياً بالسادة الهدات عليهم السلام العاملين بتمام قوله تعالى :

ص: 301

« خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ». (1).

وهذه الآية كما عن بعض المفسّرين - جامعة لمكارم الأخلاق وتضمّنت قواعد الشريعة فلم يبق فيها حسنة إلا وعتها ، ولا فضيلة إلا شرحتها ، فقوله تعالى : خذ العفو : إيماء إلى جانب اللين ونفي الحرج في الأخذ والاعطاء وأمور التكليف ، وقوله : وامر بالعرف تناول جميع المأمورات والمنهيات وإنهما ما عرف في الشريعة حكمه ، وقوله : وأعرض عن الجاهلين : تناول جانب الصفح بالصبر الذي يتأتى للعبد به كل مراد

في نفسه وغيره.

والاعراض عن الجاهل : السفيه الذي إن كلّمه سفه عليه وآذاه بكلامه .

وقد أخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال :

خذ العفو وأمر بعرف كما*** أمرت واعرض عن الجاهلين

ولنْ في الكلام لكلّ الأنام*** فمستحسن من ذوي الجاه لين

ومن الاحسان العفو والمسامحة عن الاساءة والاغماض عن حق الانتقام الذي يعطيه العقل الاجتماعي بعضهم على بعض ، فالصفح عن الزلات والهفوات وإسقاط الحق والتنازل عن المطالبة به أو بما يقابله من العقوبة أو التعويض من أبرز أنواع التبرّع وعمل الخير، وإن نصوص الشرع قد حضت كثيراً على الاحسان بالصبر والعفو والصفح وأيدته

ص: 302


1- سورة الأعراف (7): 199.

بالأجر والثواب الدينى كما قرنته بعفو الله تعالى :

«إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوا قديراً ».(1).

فينبغي للمحسن العاقل : العفو عن هفوات الغير وإن يلتمس العذر للناس لاسيا إذا كان خطؤهم طفيفاً أو غير مقصود، وان يذكر ان

الانسان ليس معصوماً عن الخطأ ، وانّ العصمة والكمال الله وحده . أجل ما زال العفو يعرب عن نزاهة النفس وبعد الهم والفوز بأوفر حظوظ الفضل والكرم ومن تحلّى به واستعمله وأخذ نفسه وأمثلته فقداستمسك من الصبر بكل سبب لأنّ العفو لا يصدر إلا من نفس كبيرة راجحة العقل صبر على اعتداء الغير وأذاه ، وإن اعتداء الغير علينا لا يكون إلا من نفس مريضة حجب الشر صوابها فما أحرى بنا أن نغفر لها.

أتيتك تائباً من كل ذنب ***وخير الناس من أخطأ فتابا

أليس الله يستعفي فيعفو ***وقد ملك العقوبة والثوابا

«فالعفو كما دعا إليه الاسلام - قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى صداقة قوية بين المتخاصمين ، لأنّ المعتدي يؤلمه هذا العفو من قادر على

القصاص فيعمل على أرضائه ومحو أثر الاعتداء من نفسه». (2)

ثم انه ينبغي للمحسن العاقل المحافظة على كرامة المحسن إليه وذلك

ص: 303


1- سورة النساء (4) : 149 .
2- روح الدين الاسلامي : 168 .

بتجنّبه اظهار احتياجه للناس وبتورية ما قد يستشعره من مذلّة الاستجداء أو الأخذ من الغير ، فلذا كان من واجب المحسن اخفاء احسانه لأجل صيانته من ايذاء المحسن إليه بسبب علانية العطاء أو نشره إلى جانب صيانته من شائبة الرياء.

وفوق ذلك ، ينبغي للمحسن اجتناب تمنين المحسن إليه ، فالتمنين يبطل الاحسان ويمحو الصدقات والحسنات جميعاً، لا بل يستبدل بها سيئة تأذيه المحسن إليه سببه إن المنّ تذكير بمذلة الحاجة وتغذية للألم والاغتمام الذي يورثه هذا التذكير في نفس المحسن ، هذا بالاضافة الى ما ينجم عن ذلك من رياء مذموم من جانب المحسن . قال سبحانه:

«الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فى سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلَا أذى هُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَفْزَنُونَ * قَوْل مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا لذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنَّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ (1).

وكذلك أمر القرآن الكريم محمد صلی الله علیه وآله نفسه باجتناب المن وبعدم اعطاء القليل ابتغاء الحصول على الأكثر وذلك فى الآية

«وَلَا تَكُنْ تَسْتَكْثِرُ ».(2)

ص: 304


1- سورة البقرة (2) : 262 - 264 .
2- سورة المدمّر (74) : 6 .

تعليله ان الله وحده مصدر النعم جميعاً وله وحده تذكير العباد بما يمنّه عليهم من فضله مصداقا لقوله تعالى :

«وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ». (1).

وفرق واضح بين الاحسان الناصع كالبياض وبين تمنين المحسن إليه وما يسبّبه في نفسه من انقباض وظلام شبيه بالسواد.

فواجب المحسن ينحصر بالامتناع عن المن والأذى والرياء التي تبطل الصدقات وأمّا المحسن إليه فواجبه أن يقدّر هذا الجميل وأن يعرف هذا الفضل وينبغي له من ثمّ التمسّك بفضيلة العدل والاستقامة على الأقل وذلك باداء الشكر للمحسن ومقابلة إحسانه بالاحسان واجتناب مقابلة احسانه بالاساءة وفوق ذلك يفترض عرفان الجميل من المحسن إليه أن يذهب إلى أبعد من العدل فيتحلّى يفضيلة الاحسان نفسها عند الامكان وذلك بمقابلة احسان المحسن بأحسن منه أو بالزيادة عليه ، وهذا الواجب الأخلاقي مصدره الحبّ الذي يورثه الخير عادة في نفوس من يشملهم.

ما أحسن ما قال الشاعر :

وحي ذوي الأضغان تسبّ قلوبهم ***تحيتك العظمى فقد يرفع النفل

فان أظهروا خيراً فجاز بمثله ***وان خنسوا عنك الحديث فلا تسل

فان الذي يؤذيك منك سماعه ***وإن الذي قالوا وراءك لم يقل

ص: 305


1- سورة إبراهيم (14) : 11 .

ص: 306

باب القناعة

وفيه خمس وصايا

« مَنْ لَمْ يُقْنِعْهُ مِنَ الرِّزْقِ إِلَّا الْكَثِيرُ لَمْ يَكْفِهِ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا الْكَثِيرُ وَمَنْ كَفَاهُ مِنَ الرِّزْقِ الْقَلِيلُ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ مِنَ الْعَمَلِ الْقَلِيل ».

الامام الرضا علیه السلام

ص: 307

1 - يا بُنيّ : إِيَّاكَ والطمع وأرضَ بالقضاء وأقنَعْ بِما قسم اللهُ لَكَ يَصف عَيشك وتسرُ نفسك وتستلذ حياتك ، وإن أردت أن تجمع لك غنى الدنيا فأقطع طمعك مِمّا في أيدي الناس فإنَّ ما بلَغَ الأنبياء والصديقونَ ما بَلَغُوا إِلَّا بقطع طمعهم بما في أيدي الناسِ (1).

2 - يا بُنِيَّ : الْزَمِ الْقَنَاعَةَ وَالرِّضَا بِمَا قَسَمَ الله (2)

3- يا بُنيّ : كُن قانِعاً تَعش غنياً (3)

4 - يا بُني : أغنى الناس من قنع بما في يديه وأفقرُ النَّاسِ مَن مَدَّ عينيه إلى ما فى يد الناس (4)

5 - يا بُنيّ : عليك باليأس عمّا في أيدي الناس والوثوق بما وعد الله واسع فيما فرض عليك ودع السعي فيما ضمن لك وتوكل على الله في كل أمورك يكفيك (5).

ص: 308


1- قصص الأنبياء للثعلبي : ص 195 .
2- بحار الأنوار: ج 12، ص 421 .
3- بحار الأنوار: ج 12، ص 421 .
4- بحار الأنوار: ج 12، ص 421 .
5- بحار الأنوار: ج 12، ص 421 .

«القناعة هي الرضا بالقسم واليسير من العطاء ». (1)

القناعة هي ملكة توجب الاكتفاء بقدر الحاجة والضرورة من المال من دون سعي وتعب في طلب الزائد عنه ». (2). (3)

أجل القناعة كنز لا يفنى ، لأن الانفاق منها لا ينقطع كلّما تعذر عليه شيء من أمور الدنيا قنع بما دونه ورضي.

القناعة عزّ ، لأنّ القانع لا يذله الطلب فلا يزال عزيزاً، فمن أراد أن يعيش حرّاً أيّام حياته فلا يسكن قلبه الطمع .

القناعة تقود صاحبها إلى الرضا بما أعطى الله والتوكل عليه في كلّ عمل وفيما لم يعط ، والصبر على ما حدث ويحدث من المفاجآت والمخبات

ص: 309


1- تاج العروس - مادة قنع -.
2- جامع السعادات : ج 2، ص 101
3- قال بعض الحكماء : حدّ القناعة هو الرضا بما دون الكفاية، والزهد الاقتصار على الزهيد أي القليل ، والقناعة هي الزام النفس الصبر عن المشتهيات التي لا يقدر عليها، وكل زهد حصل لا عن قناعة فهو تزهد وليس بزهد ، لذا قيل القناعة أوّل الزهد، تنبيها على ان الانسان يحتاج أولاً إلى قدع نفسه وتخصصه بالقناعة ليسهل عليه تعاطي الزهد والقناعة التي هي الغنى بالحقيقة ، لأن الناس كلّهم فقراء إلى الله سبحانه .

القناعة تكفل اطمئنان النفس وضمان القوت والغنى عن الآخرين القناعة هو أن ترضى بما تيسر من الحلال وتيأس عمّا في أيدي الناس ومن البداهة ان من رأى الثروة فيما تيسر له من حلال يستحيل أن تنفد ثروته ، لأنّ المفروض ان الميسور هو الثروة بالذات، وان غير الميسور لم ينظر إليه على الاطلاق . ينبغي على الانسان أن يعرف ما في القناعة من عزّ الاستغناء وما في الطعم والحرص من الذل فاذا تحقق هذا عند ذلك انبعثت رغبته إلى القناعة بحيث لا يحس فيها ألم الصبر عن شهوات الفضول، فمن فاتنه القناعة وتدنس بالحرص والطمع وطول الأمل تفرّق قلبه وتشتت أمره وجرّه إلى مساوئ الأخلاق وارتكاب المنكرات .

فهي اذن من الصفات الحميدة التي يتوقف عليها كسب سائر الفضائل بخلاف الحرص فانه صفة مضلة وملكة مهلكة بل بادية مظلمة الارجاء والأطراف وهاوية غير متناهية الأعماق والأكناف مَنْ وقع فيها ضل وباد والتجربة واضحة على ان الحريص لا ينتهي إلى حد يقف دونه ، بل لا يزال يخوض في غمرات الدنيا إلى أن يغرق وتطرحه أرض إلى أرض حتى يهلك ، وجاء في الحديث :

«لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى وراءهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب ويتوب الله على من تاب ».(1).

ص: 310


1- جامع السعادات : ج 2، ص 100 .

لا شكّ أنّ الحريص يجر للانسان العناء والمتاعب ويحمله على الجهد والكد ويحرمه الراحة والاستقرار ويبعث له الهم والآلام وأحسن طريق لاستئصال جذوره من النفس القناعة بما كتب الله له وأدامة التفكير في انّ الأموال التي يحرص على جمعها لا بد أن تنتقل إلى غيره، فاذا كان اقتناؤه لها بغير وجه مشروع يكون الوزر عليه والعناء لغيره .

أجل انّ الحرص يدفع الانسان بغير وعي إلى السعي المتواصل نحو تحصيل المادة وهو غافل من أنّ الأرزاق بيد الله عزّوجل يهبها لمن يشاء ويمنعها عمّن يشاء ، وما مجاهدة الانسان توصله إلى ذلك

وما مجاهدة الانسان توصله*** رزقاً ولا دعة الانسان تقطعه

والله قسم بين الخلق رزقهم ***لم يخلق الله مخلوقاً يضيّعه

لكنّهم ملئوا حرصاً فلست ترى ***سترزقاً وسوى الغايات يقنعه

والسعي في الرزق والأرزاق قد قسمت ***بفي إلّا أن يفيء المرء يصرعه

لا شكّ أنّ النفس إذا احرزت قوتها اطمأنت ، فان لم يكن له مال اكتسب قدر كفايته وقلّل الغلو ليجمع بين همه وضرورته وليقنع بالقليل فانه متی سخت همته إلى فضول المال وقع المحذور من التشتت والمحذور منه يكون للحرص على الفضول فيذهب العمر على البارد كما يقولون :

ومن ينفق الأيام في حفظ ماله ***مخافة فقر فالذي فعل الفقر

فطوبى لمن هدى للاسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به ، وما أحسن ما

ص: 311

قال ابن الرومي:

مرحباً بالكفاف يأتي هنيئاً ***وعلى المتعبات ذيل العفاء

دائياً يكنز القناطير للوا ***رث والعمر دائباً في انقضاء

يحسب الحظ كلّه في يديه*** وهو منه على مدى الجوزاء

ليس في أجل النعيم له ح-***ظ وما ذاق عاجل النعماء

ذلك الخائب الشقي وإن كا*** ن يرى أنّه من السعداء

حسب ذي إربةٍ ورأي جليّ*** نظرت عينه بلا غلواء

صحة الدين والجوارح والعر ***ض وإحراز مسكة الحوباء

تلك خير لعارف المجد ممّا*** يجرع الناس من فضول الثراء

ص: 312

باب التحية والمصافحة

وفيه وصيتان

« إِذَا الْتَقَيْتُمْ فَتَلاقَوْا بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّصَافُحِ وَإِذَا تَفَرَّقْتُمْ فَتَفَرَّقُوا بِالاسْتِغْفَارِ ».

حديث نبوي صلی الله علیه وآله

ص: 313

1 - يَا بُنَيَّ : ابْدَأَ النَّاسَ بِالسَّلامِ وَالْمُصَافَحَةِ قَبْلَ الْكَلامِ (1).

2 - يَا بُنَيَّ : إذا أتيت مجلس قوم فارمهم بسهم الإسلام ثم اجلس يعني السلام فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك مع سهامهم و إن أفاضوا في غیره فتخلّ عنهم وانهض(2).

ص: 314


1- الاختصاص : ص 333
2- العقد الفريد : ج 3، ص 152 .

التحيّة : مصدر حياة ، إذا قال له حياك الله ، هذا هو الأصل ثم صارت التحيّة اسماً لكلّ ما يقوله المرء لمن يلاقيه أو يقبل هو عليه من نحو دعاء أو ثناء كقولهم أنعم صباحاً وأنعم مساءاً وجعلت تحية المسلمين السلام للاشعار بأن دينهم دين الاسلام والايمان وأنّهم أهل السلم ومحبو السلامة فنّ الاسلام آداباً للمسلم حال التقائه بأخيه المسلم فحت على التسليم والمصافحة والمعانقة بما لا مزيد عليه وما ذلك إلا لتحقيق الالفة والمودة والقضاء على الحسد والعداوة وتوثيق علاقات المودة والقربى بين الأفراد، فافشاء السلام والردّ على التحيّة بأحسن منها من خير الوسائل لافشاء هذه العلاقات وتوثيقها .

السلام حق عام يراد به أمران : مطلق التحية وتأمين من تسلّم عليه من العذر والايذاء وكلّ ما يسيء ، فمعنى السلام عليكم : عليّ عهد الله وميثاقه ألّا اغتابك ولا أعيب عليك مقالتك ولا أريد زلّتك فاذا ردّ عليه : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يقول : لك علي مثل الذي عليك ورحمة الله والله شهيد على ما يقولون .

هذه هي الآراب التي كانت فاشية في عهد النبوة إلا مع المحاربين،

ص: 315

لأن مَنْ سلّم على أحد فقد أمنه فاذا فتك به بعد ذلك كان خائناً ناكثاً للعهد ، لأنّ السلام تأمين ، وماكان يحبّ أن يؤمنهم وهو غير أمين منهم لما تكرّر من غدرهم ونكثهم للعهد معه فكان ترك السلام عليهم تخويفاً لهم ليكونوا أقرب إلى المواتاة .

وكانت اليهود يسلمون على النبي صلی الله علیه و آله فيرد عليهم السلام حتى كان من بعض سفهائهم تحريف السلام بلفظ (السام ) أي الموت، فكان النبي صلی الله علیه وآله يحيهم بقوله وعليكم.

أجل هذا هو السلام الذي سنّه الله تعالى إلقائه عند كلّ تلاق وما ذاك إلّا لنشر الأمن بين المتلاقين على أساس المساواة والتعادل من استعلاء وأدحاض وعلى أساس رعاية الحقوق، فان الاسلام لم يأمر أهله بالغاء الحقوق واهمال أمر الفضائل والمزايا ، بل أمر غير صاحب الفضل أن يراعي فضل ذي الفضل ، وحق صاحب الحق .

لقد أدب الله سبحانه رسول الله صلی الله علیه وآله بالتسليم للمؤمنين وهو سيدهم فقال سبحانه :

«وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ».(1).

بل ورد في الخبر الصحيح ان رسول الله صلی الله علیه وآله مع ما هو عليه من عظم الشخصيّة يسلّم على الأطفال حتى ذكر بعضهم في تعدادصفات

ص: 316


1- سورة الأنعام (6) : 54

النبي صلی الله علیه و آله، حتى ورد عنه :

«خَمْسٌ لَسْتُ بِتَارِكِهِنَّ حَتَّى الْمَمَاتِ... وَتَسْلِيمِي عَلَى الصِّبْيَانِ لِتَكُونَ سُنَّةً مِنْ بَعْدِي ». (1).

فعلى الراغب في اتباع سنة الرسول الأعظم صلی الله علیه وآله أن يبدأوا الأطفال بالسلام كي يركزوا في نفوسه فضيلة التواضع ويحيوا شخصيات الأطفال ويدفعوهم إلى طريق التربية السليمة .

ان إبتداء السلام سنّة مؤكدة عند الجمهور، وان الاسلام دين عام ومن مقاصده نشر آدابه وفضائله في الناس ولو بالتدريج وجذب بعضهم إلى بعض ليكون البشر كلهم أخوة ، وجاء في الحديث :

أولى الناس بالله وبرسوله من بدأ بالسلام(2).

وأمّا ردّه فواجب لقوله تعالى:

وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوها (3).

فقد أوجب الله سبحانه علينا في هذه الآية أن نجيب من حيّانا بأحسن من تحيّته أو بمثلها أو عينها كأن تقول له الكلمة التي يقولها وهذا هو ردّها.

والأحسن أن تقول : وعليكم السلام ورحمة الله ، فاذا قال هذا في

ص: 317


1- وسائل الشيعة : ج 12 ، ص 63 .
2- أصول الكافي : ج 2 ، ص 644 .
3- سورة النساء (4) : 86

تحيّته فالأحسن أن تقول : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهكذا يزيد المجيب على المبتدئ كلمة أو أكثر .

فعلم من الآية ان الجواب عن التحيّة له مرتبتان أدناهما بعينها وأعلاهما الجواب عنها بأحسن منها، فالمجيب مخير بينهما.

وأما النهي الوارد عن التسليم على بعض الأفراد فانّما هو متفرّع على النهي عن توليهم والركون إليهم ، كما قال سبحانه :

«لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ». (1).

وقال سبحانه:

«وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ». (2).

نعم ربما اقتضت مصلحة التقرّب من الظالمين لتبليغ الدين أو اسماعهم كلمة الحق ، التسليم عليهم ليحصل به تمام الأنس وتمتزج النفوس كما امر بذلك النبي محمد صلی الله علیه و آله في قوله :

«فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ ».(3).

فالاسلام الذي استوفى جميع مقومات الأجساد والأرواح لم يغفل الآداب التي يجب أن يسير عليها أتباعه فوفاها حقها من الرعاية والتي تنم عن كمال في الذوق وسمو في الشعور.

ص: 318


1- سورة المائدة (5): 51
2- سورة هود (11) : 113
3- سورة الزخرف (43) : 89

ثمّ أنّه لابد في الابتداء والردّ من رفع الصوت بقدر ما يحصل به السماع بالفعل ، حيث ان السنّة في السلام والجواب الجهر فلا تكفي الاشارة بالاصبع والكف ، فاذا ردّ المسلّم أسمع جوابه لأنه إذا لم يسمع المسلم لم يكن جواباً له ، ألا ترى انه إذا سلّم بسلام لم يسمعه المسلّم عليه لم يكن ذلك منه سلاماً ، فكذلك إذا أجاب بجواب لم يسمع منه فليس بجواب نعم تكفى إشارة الأخرس ابتداء أورداً.

ويُسن عند التلاقي سلام الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير والراكب على الماشي والماشي على القاعد، والقليل يبدؤون الكثير وأصحاب البغال يبدؤون أصحاب الحمير وأصحاب الخيل يبدؤون أصحاب البغال .

وهناك مواضع يكره للمسلّم التسليم ، جمعها الشاعر في هذه الأبيات:

سلامك مكروه على من ستسمع*** ومن بعد ما أبدى يسنّ ويشرعُ

مصلّ وتال ذاكر ومحدث*** خطيب ومن يصفي إليهم ويسمع

مکرر فقه جالس لقضائه ***ومن بحثوا في الفقه دعهم لينفعوا

مؤذن أيضاً مع مقيم مدرس*** كذا الاجنبيات الفتيات أمنع

ولعاب شطرنج وشبه بخلقهم*** ومن هو مع أهل له يتمتع

ودع كافراً أيضاً ومكشوف عورة ***ومن هو في حال التغوط أشنع

ودع آکلاً إلّا إذا كنت جائعاً ***وتعلّم منه انه ليس يمنعُ

ص: 319

كذلك استاذ فعن مطير*** فهذا ختام والزيادة تنفع (1)

ومن الآداب التي سنّها الاسلام المصافحة والمعانقة، وهما اليوم من الخلال التي تعد من مميزات أهل المدينة فتراهم يحرصون عليها ولا يتسامحون فيها .

أجل ندب إليها وحت عليها إذ هما من أكبر الوسائل للتآلف والتحابب، حبّ عليها لايجاد المحبّة في قلب المسلم لأخيه المسلم واستئصال جذور الكراهية والقضاء على التباعد والتنافر وبزوا لهما يتنسى لأفراد الأمة الاسلامية أن تثبت وجودها وتحقق أهدافها وتتقدّم في مضمار الحياة.

قال الرسول الأعظم صلی الله علیه و آله:

« إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلَّمْ عَلَيْهِ وَلْيُصَافِحْهُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ أَكْرَمَ بِذَلِكَ الْمَلائِكَةَ فَاصْنَعُوا صُنْعَ الْمَلائِكَةِ ». (2).

وجاء في الخبر الصحيح :

« مَا صَافَحَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه و آله رَجُلاً قَطُّ فَنَزَعَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْهُ ».(3).

ص: 320


1- في بعضها نظر .
2- مشكاة الأنوار فى غرر الأخبار : ص 182
3- مشكاة الأنوار فى غرر الأخبار : ص 182 .

الرذائل

اشارة

ويحتوي على أبواب :

1 - باب الحسد

2 - باب الكذب

3- باب الغضب

4- باب الكبرياء

-5- باب الظلم

6 - باب أكل مال اليتيم

- باب قرين السوء

-8- باب الفضول

9 - باب العجب

10 - باب السرقة

ص: 321

ص: 322

باب الحسد

وفيه ثلاث وصايا

أيا حاسداً لي على نعمتي ***أتدري على من أساءت الأدب

أسأت على الله في حكمه ***لأنك لم ترض لي ما وهب

ص: 323

1 - يَا بُنَيَّ : احْذَرِ الْحَسَدَ فَلَا يَكُونَنَّ مِنْ شَأْنِك(1).

2 - يَا بُنَيَّ : احْذَرِ الحَسَدَ فَإِنّه يَفسد الدين ويُضعف النفس ويعقب الندم (2).

-3 - لكلّ شيء علامة يُعرف بها ويشهد عليها ، وإِنَّ لِلْحَاسِدِ ثَلَاثُ عَلامَاتٍ يَغْتَابُ إِذَا غَابَ وَيَتَمَلَّقُ إِذَا شَهِدَ وَيَشْمَتْ بِالْمُصِيبَة (3).

ص: 324


1- بحار الأنوار: ج 13، ص 420 .
2- بحار الأنوار: ج 13، ص 420 .
3- الخصال باب الثلاثة : ص 117.

«الحسد : هو أن يرى الرجل لأخيه نعمة فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه ». (1).

الحسد من الصفات المذمومة ينبأ عن مرض في القلب، فهو من الأسباب العظيمة لخراب العالم إذا كان الحاسد كثيراً ما يكون حركاته وسعيه في هلاك أرباب الفضائل وأهل الشرف والأموال إذ لا يتعلّق الحسد بغيرهم.

الحسد من أعضل الأدواء وأكبر المعاصى وأشرّها وكفى به شرّاً انّه الله به في السماء وأوّل ذنب عصي به في الأرض فحسد أوّل ذنب عصي ابلیس آدم علیه السلام و حسد قابيل هابيل ، فالحاسد ممقوت مبغوض مطرود ملعون، ولقد أحسن من قال :

قل للحسود إذا تنفّس طعنة ***یا ظالماً وكانه مظلوم

أجل ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد، نفس دائم، وحزن لازم، وعبرة لا تنفد ، نعوذ بالله من شر حاسد إذا نفذ حسده بالسعي والجد في ازالة نعمة من يحسده، فهو يعمل الحيلة وينصب شباكه لايقاع

ص: 325


1- تاج العروس - مادة حسد

المحسود فى الضرر بأدق الوسائل، ولا يمكن ارضاؤه ولا في استطاعة الوقوف على ما يدبّره ، فهو لا يرضى إلا بزوال النعمة ، وليس في الطوق دفع كيده ورد عواديه ، فلم يبق إلا أن نستعين عليه بالخالق فهو القادر على رد كيده ودفع أذاه واحباط سعيه .

الحسد أصل الشر فهو يمحق الايمان ويهتك الستر إذا أظهر ما في نفسه من الحسد وعمل بمقتضاه بترتيب مقدّمات الشر ومبادي الاضرار د قولاً وفعلاً، ومن ذلك النظر إلى المحسود وتوجيه نفسه الخبيثة نحوه على وجه الغضب فان نفس الحاسد حينئذٍ تتكيّف بكيفية خبيثة ربما تؤثر في المحسود بحسب ضعفه وقوّة نفس الحاسد شراً قد يصل إلى حد الهلاك، وربّ حاسد يؤذي بنظره بعين حسده نحو ما يؤذي بعد الحيات بنظر هن ، فان نفس الحاسد تتكيف وتتوجّه نحو من تريد آذاه في الغيبة والحاضر، لذا عُدّ من أسوأ الرذائل وأخبثها وإن حذر الحسد إنما يحيق بالحاسد لا غير ، وجاء في الخبر :

«الْحَاسِدُ مُضِرٌّ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُضِرَّ بِالْمَحْسُودِ كَإِبْلِيسَ أَوْرَثَ بِحَسَدِهِ لِنَفْسِهِ اللَّعْنَةَ وَلَآدَمَ ع الاجْتِبَاءَ وَالْهُدَى وَالرَّفْعَ إِلَى مَحَلِّ حَقَائِقِ الْعَهْدِ وَالاصْطِفَاءِ فَكُنْ مَحْسُوداً وَلا تَكُنْ حَاسِداً فَإِنَّ مِيزَانَ الْحَاسِدِ أَبَداً خَفِيفٌ بِثِقَلِ مِيزَانِ الْمَحْسُودِ وَالرِّزْقُ مَقْسُومٌ فَمَا ذَا يَنْفَعُ حَسَدُ الْحَاسِدِ فَمَا يَضُرُّ الْمَحْسُودَ

ص: 326

الْحَسَد ». (1).

كما جاء فيه أيضاً :

«الله درّ الحسد ما أعد له بدأ بصاحبه فقتله » .

اصبر على حسد الحسو*** د فان صبرك قاتله

فالنار تأكل بعضها ***إن لم تجد ما تأكله .

أجل الحاسد معاند لحكم الله باغ على عباده ، عاث على ربّه محتقر بنعم الله إن سالمته وتركك ، وان واصلته قطعك ، وإن صدقته سبقك .

أيا حاسداً لي على نعمتي ***أتدري على ما أساءت الأدب

أساءت على الله في حكمه ***لأنك لم ترض لي ما وهب

قال السمر قندي : يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود :

أولاها : غم لا ينقطع .

الثانية : مصيبة لا يؤجر عليها

الثالثة : مذمّة لا يحمد عليها .

الرابعة : سخط الرب.

الخامسة : يغلق عنه باب التوفيق.

فالحسد اذن داء ينهك الحاسد ، علاجه عسير وصاحبه ضجر وهو باب غامض، وما ظهر منه فلا يداوى ، وما بطن منه فمداويه في

ص: 327


1- الأنوار النعمانية : ج 3، ص 20

عناء. قال نبي الرحمة ورسول الانسانية صلى الله عليه وآله وسلم :

«ربّ إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء (1)

أجل الحسد عقيد الكفر حليف الباطل ضدّ الحق منه تتولّد العداوة وهو سبب كلّ قطيعة ومفرّق كلّ جماعة وقاطع كلّ رحم من الأقرباء ومحدّث للتفرّق بين القرناء و مُلقح الشر بين الحلفاء، فهو لا ينال من المجالس إلا مذمّة وذلاً، ولا من الملائكة إلا لعنة وبغضاً ومن الخلق إلا جزعاً وغماً ولا عند النزع إلا شدّة وهولاً، ولا عنده الموقف إلا فضيحة ونكالاً ...

قال أبو العتاهية ، وما أحسن ما قال :

فيا ربّ إنّ الناس لا ينصفونني*** فكيف ولا أنصفتهم ظلموني

وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه ***وإن شئت أبغى شيئهم منعوني

وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم ***وإن أنا لم أبذل لهم شتموني

وإن طرقتني نكبة فكهوا بها ***وإن صحبتني نعمة حسدوني

سأمنع قلبي أن يحنّ اليهمو ***وأحجب عنهم ناظري وجفوني

ثم لا يخفى ان الحسد الغريزي الجبلي إذا لم يعمل بمقتضاه من الأذى مطلقاً بل عامل المتصف به أخاه بما يحب الله تعالى مجاهداً لنفسه لا أثم فيه، بل يثاب صاحبه على جهاد نفسه وحسن معاملته أخاه ثواباً عظياً لما في ذلك من مشقة مخالفة الطبع .

ص: 328


1- مجموعة ورّام : ج 1 ، ص 127 .

فالحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن يحمله الحسد على ايقاع الشر بالمحسود فيتّبع مساوؤه ويطلب عثراته .

لذا ورد إذا حسدت فلا تبغ..

وأمّا الغبطة فحقيقتها : أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره وهذه ليست مذمومة بل هي في الواجب واجبة ، وفي المندوب مندوبة وفي المباح مباحة .

قال سبحانه :

«وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ».(1)

وعليها يحمل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم

« لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله مالاً فسلّطه على ملكه الحق ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلمه الناس(2).

وستميت الغبطة حسداً كما يسمّى الحسد منافسة، إتساعاً لمقارنتها. وقال بعض علماء الأخلاق إنّ الغبطة :

«لو كانت مقصورة على مجرّد حبّ الوصول إلى مثل ما للمغبوط . لكونه من مقاصد الدين والدنيا من دون حب مساواته له وكراهة نقصانه عنه ، فلا حرج فيه بوجه ، وإن كان معه حبّ المساواة وكراهة التخلّف

ص: 329


1- سورة المطفّفين (83) : 26 .
2- جامع السعادات : ج 2، ص 197 .

والنقصان ، فهنا موضع خظر ، إذ زوال النقصان اما بوصوله إلى نعمة المغبوط أو بزوالها عنه ، فاذا أفسدت إحدى الطريقتين تكاد النفس لا

تنفكّ عن شهوة الطريقة الاخرى »(1).

ص: 330


1- جامع السعادات : ج 2، ص197.
باب الكذب

وفيه ثلاث وصايا

« اتَّقُوا الْكَذِبَ الصَّغِيرَ مِنْهُ وَالْكَبِيرَ فِي كُلِّ جِدٍ وَهَزْلِ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَذَبَ فِي الصَّغِيرِ اجْتَرَى عَلَى الْكَبِيرِ ».

حديث نبوي

ص: 331

1 - يَا بُنَيَّ : مَنْ كَذِبَ ذَهَبَ ماء وجههِ (1).

2 - يَا بُنَيَّ : إِيَّاك والكذب فإنّه شهر كلحم العصفور عما قليل يُغلي صاحبه (2).

3 - يَا بُنَيَّ : إِيَّاك والكذب فإنّه يُفسد دينك وينقص عند الناس مروّتك ، فعند ذلك يذهب حباؤك وبهاؤك وجاهك فتهانُ ولا يسمع مِنْكَ إذا حدثت ولا تصدق إذا قلت ، فلا خير فى العيش إذا كان هكذا (3).

ص: 332


1- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 83 .
2- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 83 .
3- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 421 .

« الكذب : هو الاخبار عن الشيء بخلاف ما هو فيه سواء العمد والخطأ إذ لا واسطة بين الصدق والكذب. والكذب هو الانصراف عن الحق ».(1)

الكذب شعار خلق ومورد رنق وأدب سيّىء وعادة فاحشة وقل من استرسل معه إلا ألفه وقلّ من ألفه إلا أتلفه ، والصدق ملبس بهي ومنهل غذي وشعاع منبث وقلَّ من اعتاده ومرن عليه الا صحبته السكينة وأيّده التوفيق وخدمته القلوب بالمحبة ولحظته العيون بالمهابة، وكان يقال : خذوا عن أهل الشرف فانّهم قلّما يكذبون .

الكذب يحرق جذور الفضيلة ويميت روح الانسانية وانه أحد الأمراض الاجتماعية الكبيرة لأنه يجر وراءه سلسلة من الرذائل الاخر ويفتح باباً على الجرائم الباقية، فقد ورد في الخبر :

«حُطَّتِ الْخَبَائِتُ فِي بَيْتِ وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الْكَذِبَ». (2).

نعم نعم إنّما النما ذو حذر ***لكنّما الكاذب الجاني أشد ضرر

ص: 333


1- مجمع البحرين - مادة كذب -.
2- مستدرك الوسائل : ج 6 ، ص 85.

الكذب يزلزل الكيان الخلقي والاقتصادي والقانوني في المجتمع لأنّ الشخص الكاذب يجعل الناس يسيء بعضهم الظن إلى الآخر ويسلب الاعتماد منهم ومع هذا فقد يتصوّر البعض أحياناً أن الكذب هو الوسيلة الوحيدة للنجاح وإنّ صاحب الحاجة يهزه الطيش والشرع إلى قضاء حاجته ويفقد الصبر على مرارتها فيكذب لاعتقاد ان حاجته تقضى فيدفع المضرّة أو يجلب المنفعة بالكذب وأنّه بالصدق يفوته هذا فيقترف جريمة الكذب لهذا الاعتقاد وهو ظان بل واهم ومتى اقترنه مرة هان عليه فيعود إليه فيكون كذاباً لذا ورد النهي الصريح في الكذب الصغير والكبير والجد والهزل . ففي الخبر :

«اتَّقُوا الْكَذِبَ الصَّغِيرَ مِنْهُ وَالْكَبِيرَ فِي كُلِّ جِدٍ وَهَزْلٍ فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَذَبَ فِي الصَّغِيرِ اجْتَرَى عَلَى الْكَبِيرِ أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ص قَالَ مَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَصْدُقُ حَتَّى يَكْتُبَهُ اللهُ صِدِّيقاً وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ حَتَّى يَكْتُبَهُ اللهُ كَذَّاباً (1).

فمتى عرف بذلك ضاعت الثقة به وفسد حاله وأصبح يجد الحاجة إلى الصدق أشد مما كان منها إلى الكذب .

أجل صاحب الكذب لا يصدق في قول لأنه إن قال حقاً لم يصدق وإن أراد خيراً لم يوفق فهو الجاني على نفسه بفعاله والدال على فضيحته بمقاله فما صح من صدقه نسب إلى غيره وما صح من كذب غيره نسب

ص: 334


1- أُصول الكافي : ج 2، ص 338 .

إليه فهو كما قال الشاعر ، وما أحسن ما قال :

حسب الكذوب من المها ***نة بعض ما يحكى عليه

ف متى سمعت بكذبة ***من غيره نسبت إليه

الكذب أكبر الكبائر وشر الرذائل حتى ان الكفر والشرك شعبة منه لأنه ليس ممّا تغلب المرء عليه سورة غضب أو ثورة شهوة بل يقترف بالتروّي والتعمّد ، ولأنه عام فاش في جميع طبقات الناس في عصرنا هذا بل في كل عصر . ويصب الانسان من أوّل أدوار حياته ويظلّ مصاباً به حتى نهاية العمر ، لذا نجد ان التوبة الحقيقية عنه تعصم الانسان عن كثير من الذنوب.

روي ان رجلا أتى إلى رسول الله صلی الله علیه و آله فقال : اني أُصلي وأنا أزني وأكذب فمن أيّ شيء أتوب ؟ قال : من الكذب، فاستقبله فعهد أن لا يكذب فلما انصرف وأراد الزنا فقال في نفسه إن قال لي رسول الله صلی الله علیه و آله هل زنيت بعد ما عاهدت ؟ فان قلت : لا كذبت ، وإن قلت نعم يضر بي الحد.

وكيف كان فالكذب حرام لما فيه من الضرر، وأنّه يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار ، إلا أنه إذا كان مما يتوقف عليه تحصيل مصلحة مهمّة ولم يمكن التوصل إليها بالصدق ، زالت حرمته وارتفع اثمه فان كانت المصلحة مما يجب تحصيلها ، كانقاذ مسلم من القتل والأسر ، أو عرضه أو ماله المحترم كان الكذب فيه واجباً، وإن كانت راجحة غير بالغة حد الوجوب فالكذب لتحصيلها مباح أو راجح مثلها ،

ص: 335

كالاصلاح بين الناس والغلبة على العدوّ في الحرب ، وتطيب خاطر امرأته واسترضائها .

فهذه مسوغات للكذب يحمد عليها ويكون اجدى من الصدق وأنفع للانسانية، وقد وردت الأخبار بجواز الكذب في هذه المقاصد كما روی :

«إِنَّ رَسُو اللَّهِ صلی الله علیه و آله لَمْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكَذِبِ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ : الرَّجُلِ يَقُولُ الْقَوْلَ يُرِيدُ الْإِصْلاحَ، وَالرَّجُلِ يَقُولُ الْقَوْلَ فِي الْحَرْبِ وَالرَّجُلِ يُحَدِّثُ امْرَأَتَهُ وَالْمَرْأَةِ تُحَدِّثُ زَوْجَهَا ». (1).

وروي عن الصادق علیه السلام أيضاً:

كُلُّ كَذِبٍ مَسْئُولٌ عَنْهُ صَاحِبَهُ يَوْماً إِلَّا كَذِباً فِي ثَلاثَةٍ : رَجُلٌ كَائِدٌ فِي حَرْبِهِ ، فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ، أَوْ رَجُلٌ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَلْقَى هَذَا بِغَيْرِ مَا يَلْقَى بِهِ هَذَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ الْإِصْلاحَ مَا بَيْنَهُمَا ، أَوْ رَجُلٌ وَعَدَ أَهْلَهُ شَيْئاً وَهُوَ لا يُرِيدُ أَنْ يُتِمَّ لَهُمْ (2)

فهذه الأخبار وإن اختصت بالمقاصد الثلاثة ، الا ان غيرها من المقاصد التي فوقها أو مثلها في المصلحة يلحقها من باب الاولوية . وعن بعض العلماء : الكذب إذا كان وسيلة إلى ما يستغنى عنه حرام مطلقاً وإذا كان وسيلة إلى ما لا يستغنى عنه ينبغي أن يوازن محذور

ص: 336


1- جامع السعادات : ج 2، ص 324 .
2- جامع السعادات : ج 2، ص 324 .

الكذب مع محذور الصدق فيترك أشدّهما وقعاً في نظر الشرع.

هذا ما كان من الكذب على الناس عامة .

وأمّا الكذب على الله سبحانه وعلى رسوله والأئمة علیهم السلام فهو أشدّ أنواعه أثماً ومعصية بل ورد في بعض الأخبار أنّه من الكبائر .

ففي الخبر عن أبي بصير قال :

«سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام يَقُولُ : إِنَّ الْكَذِبَةَ لَتُفَطَّرُ الصَّائِمَ ، قُلْتُ وَأَيُّنَا لا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ، قَالَ : لَيْسَ حَيْثُ ذَهَبْتَ ، إِنَّمَا ذَلِكَ الْكَذِبُ عَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْأَئِمَّةِ صلوات الله عليه وعليهم». (1).

وفي خبر آخر ذكر عنده علیه السلام الحائك وكونه ملعوناً، فقال:

«إنّما ذلك الذي يحوك الكذب على الله وعلى رسوله».(2)

وكيف كان فاللسان الكذوب من أعظم الخطايا ولا مضغة أبغض إلى الله سبحانه من اللسان إذا كان كذوباً.

ولقد أحسن الشاعر حينما قال :

لا يكذب المرء إلا من مهانته*** أو فعله السوء أو من قلة الأدب

لبعض جيفة كلب خير رائحة ***من كذبة المرء في جد وفي لعب

ص: 337


1- أُصول الكافي : ج 2، ص 340.
2- أُصول الكافي : ج 2، ص 340 .

ص: 338

باب الغضب

وفيه خمس وصايا

« لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصَّرْعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ».

حديث نبوي صلى الله عليه وآله وسلم

ص: 339

1 - يَا بُنَيَّ : امْلِكَ نَفْسَكَ عِنْدَ الْغَضَبِ حَتَّى لا تَكُونَ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا(1)

2 - يَا بُنَيَّ : لا يُعْرَفُ الْحَلِيمُ إِلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ(2).

3 - يَا بُنَيَّ : إِيَّاكَ وَشِدَّةَ الغَضَبِ ، فَإِنَّ شدّة الغضب ممحقة لفؤادِ الحكيم (3).

4 - يَا بُنَيَّ : أَوّلُ الغَضَبِ جُنونُ وآخرهُ نَدمُ (4).

5 - يَا بُنَيَّ : إذا أردتَ أنْ تُواخي رَجلاً فأغضبه قبل ذلك فإِنْ أنصفك عند غضبهِ وَالّا فاحذره (5).

ص: 340


1- الاختصاص : ص 232 - 239
2- الاختصاص : ص 232 - 239
3- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 164
4- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 423 .
5- تفسير روح المعاني : ج21، ص 83 .

الغضب :« عبارة عن غليان دم القلب لارادة الانتقام». (1).

الغضب شعلة نار مستكنة في طيء الفؤاد استكنان الجمر تحت الرماد فالانسان في احتدام غيظه يفقد الرشد والصواب ويصبح وحشاً ضارياً لا يدري ما يفعل ويظن انه بذلك يظهر بمظهر المحترم لنفسه المحافظ على كرامتها، وهو إنّا يظهر بمظهر الطائش الأحمق، فالانسان في غضبه كما يقال - حاكم غير منصف، وهو لا يرى في وقت غضبه صواباً لذلك تكون أحكامه بعيدة عن الصواب.

الغضب من الرذائل الخلقية التي إذا تحكمت في نفوس الناس كان لها أسوأ الأثر في حياتهم ويوجب بالنتيجة إلى تمزيق روابط المودة فيما بينهم لذلك يجب على كلّ انسان أن يفكّر في حال الغضب ويفكّر في انه ما هو السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ .

فالشخص الذي يستحق رضوان الله سبحانه والذي لا يستسلم للغضب هو الذي يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهر له اثراً.

وقد وصفهم الله هؤلاء المؤمنين ب-( الكاظمين الغيظ ) .

ص: 341


1- مجمع البحرين - مادة غضب

الغيظ هو أشدّ الغضب وكظمه هو الامساك على ما في النفس من الغضب بالصبر حتى لا يظهر له أثر ، لذا عدّ رسول الله صلی الله علیه و آله مجاهدة النفس وامتلاكها عند الغضب من علامات البطولة والرجولة حيث قال صلی الله علیه و آله :

«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصَّرْعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ ».(1).

أجل الغضب ضرب من الجنون لأن صاحبها يندم فان لم يندم فجنونه مستحكم فهو ممحقة لقلب الحكيم لأن ثوران نار الغضب وانبعاث دخانه إلى ساحة القلب يوجب محق نوره بحيث لا يدرك شيئاً من الحق وعند ذلك يستولي عليه الشيطان ويحمله على أن يفعل ما يفعل

وجاء في الخبر :

«إِنَّ هَذَا الْغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تُوقَدُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا غَضِبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ وَدَخَلَ الشَّيْطَانُ فِيهِ فَإِذَا خَافَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ فَلْيَلْزَمِ الْأَرْضَ فَإِنَّ رِجْزَ الشَّيْطَانِ لَيَذْهَبُ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ». (2).

الغضب مرض في القلب ونقصان في العقل صادر عن ضعف النفس ونقصانها لا عن شجاعتها وقوتها ، لذا يكون المجنون أسرع غضباً من العاقل ، والمريض أسرع من الصحيح ، والشيخ الهرم من الشاب، والمرأة

ص: 342


1- مجموعة ورّام : ج 1 ، ص 122 .
2- أُصول الكافي : ج 2، ص 304.

من الرجل ، وصاحب الأخلاق السيّئة والرذائل القبيحة من صاحب الفضائل ، فالرذل يغضب لشهوته إذا فاته شيئاً، والبخيل يغاظ لبخله إذا فقد شيئاً بخلاف النفس القوية المتصفة بالفضيلة فانّها أجل شأناً من أن يتغيّر وتضطرب لمثل هذه الأمور ، بل هى كالطود والشاهق لا تحرّكه العواصف .

فلابد اذن من إحسان النفس عن الاستشاطة في الغضب وملك عند اتقاد جمرة الشر والسكون عند الأحوال المحرّكة للانتقام الجوارح والتثبت في ترك تعجيل انفاذ الحكم لما في عواقب ذلك من وقع الندم لاسيا مع تمكّن القدرة وتحكّم القوّة فان ذلك آية الرحمة وسعة الصدر وعلوّ الهمّة وايثار مكارم الاخلاق، فما منع شيئاً من دواعي الفضل من طبع عليه ولا قصر عن أرفع مراتب الخير من وفق إليه ، كما أنّه ما ترك شيئاً من الأحوال الذميمة وتأخر عن سبب من الأسباب المليمة من أنفذ غضبه واستعجل عند القدرة انتقامه .

ثم ان الناس كما هم مختلفون في أصل قوّة الغضب كذلك مختلفون في صوته وزواله سرعة ،وبطأ ، فيكونون في بعضهم سريعين وفي بعضهم بطيئين وفي بعضهم يكون أحدهما سريعاً والآخر بطيئاً، وفي بعضهم يكون كلاهما أو أحدهما متوسطاً بين السرعة والبط.

فالغضب إذا كان باشارة العقل والشرع ليس غضباً مذموماً، وأمّا إذا كان يتوجه إلى التشفّي والانتقام بحيث يخرج عن سياسة الشرع

ص: 343

والعقل فهو مذموم عقلاً وشرعاً .

هذا كله إذا كان الغضب لأجل الدنيا ولقصد الانتقام، وأما إذا كان الغضب الله سبحانه ولقصد الحق فهو من آثار الشجاعة بل من لوازمها ، وهو مما ابتلى به بعض الأنبياء كما روي ان النبي محمد صلی الله علیه و آله لا يغضب للدنيا ، وإذا أغضبه الحق لم يصرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له .

ص: 344

باب الكبرياء

وفيه ثلاث وصايا

« مَا مِنْ رَجُلِ تَكَبَّرَ أَوْ تَجَبَّرَ إِلَّا لِذِلَّةٍ وَجَدَهَا فِي نَفْسِهِ».

الامام الصادق علیه السلام

ص: 345

1 - يَا بُنَيَّ : إِيَّاكَ وَالتَّجَبُّرَ وَالتَّكَبُرَ وَالْفَحْرَ فَتُجَاوِرَ إِبْلِيسَ فِي دَارِهِ يَا بُنَيَّ دَعْ عَنْكَ التَّجَبُّرَ وَالْكِبْرَ وَدَعْ عَنْكَ الْفَخْرَ وَاعْلَمْ أَنَّكَ سَاكِنُ الْقَبْر (1).

2 - يَا بُنَيَّ : دَعْ عَنْكَ التَجَبُّرَ وَالكِبْرَ ، وَدَعْ عَنْكَ الْفَخْرَ وَاعْلَمْ إِنَّكَ سَاكِنُ القُبُور (2).

3- يَا بُنَيَّ : وَيْلٌ لِمَنْ تَجَبَّرَ وَتَكَبَّرَ كَيْفَ يَتَعَظَّمْ مَنْ خُلِقَ مِنْ طِينٍ وَإِلَى طِينٍ يَعُودُ ثُمَّ لَا يَدْرِي إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَدْ فَازَ أَوْ إِلَى النَّارِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً وَخَاب(3) .

ص: 346


1- الاختصاص : ص 334 .
2- الاختصاص : ص 334 .
3- الاختصاص : ص 334 .

استكبر الرجل رفع نفسه فوق مقدارها ، والاستكبار هو طلب الترفّع وترك الاذعان للحق ». (1).

فالمتكبّر هو الذي يرى انه أفضل الخلق وان له من الحق ما ليس لغيره ، وهذه الحالة يتخصص بها الانسان من أعجابه بنفسه فيرى نفسه أكبر من غيره بأن يصعّر خدّه للغير كانه معرض عنه .

الكبرياء صدر كثير من البلايا التي تحل بالمجتمع الانساني فهي تغرس الفرقة والعداوة بين الأفراد فتقضي على التعاون والمحبة بينهم.

أجل ان من ركن الى رؤية نفسه فوق غيره وأعجبته نفسه أبى أن النصيحة من غيره فيكون حائلاً بينه وبين الاستفادة من علم يسمع العلماء واقتباس الفضيلة من الفضلاء فينزل إلى هوة الجهل والانحطاط ليس لها من قرار ، لهذا كان من سنة الله سبحانه ان صرف قلوب المتكبّرين عن سماع ما أنزل على رسله من البينات والهدى لأن هؤلاء المتكبّرين كتب الله عليهم الضلالة التي تؤدّي بهم إلى غضبه وذلك من جرّاء كبريائهم .

ص: 347


1- مجمع البحرين : مادة كبر -

قال سبحانه :

«سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ».(1).

فالكبر آفة عظيمة هلك به ناس كثيرون وهو الحجاب الأعظم للوصول إلى أخلاق المؤمنين إذ فيه عزّ يمنع عن التواضع وكظم الغيض وقبول النصح وترك الغضب والحقد والحسد ، لذا ورد في ذمّة ما ورد من الآيات والروايات أجل لا يتكبّر الاكل وضيع ولا يتواضع إلا كلّ رفيع وما تاه إلا وضيع ولا فاخر إلا لقيط ، وكل من تواضع الله سبحانه رفعه الله ، فسبحان من تواضع كلّ شيء لعزّ جبروت عظمته ، فليس لأحد أن يتكبّر على آخر مادام الناس كلّهم بل كلّ أصناف المخلوقات متساويين في العبوديّة لأنّ مولاهم واحد، فليس لأبيض أن يتكبّر على أسود ، ولا مولى على عبده ، أبناء آدم كأسنان المشط لا يفضل بعضهم بعضاً .

روي انّ الله سبحانه أوحى إلى موسى علیه السلام : إذا جئت للمناجاة فأصحب معك من تكون خيراً منه ، فجعل موسى علیه السلام لا يتعرض أحداً إلا وهو لا يجسر أن يقول إني خير منه ، فنزل عن الناس وشرع في أصناف الحيوانات حتى مرّ بكلب أجبر فقال أصحب هذا فجعل في عنقه حبلاً ثمّ مرّ به ، فلمّا كان بعض الطريق شمر الحبل وأرسله، فلما جاء إلى مناجاة الرب سبحانه قال : يا موسى أين ما أمرتك به ؟ قال : يا ربّ لم أجده ،

ص: 348


1- سورة الأعراف (7) : 146 .

فقال تعالى: وعزتي وجلالي لو أتيتني بأحدٍ لمحوتك من ديوان النبوة .

وأعظم الكبر التكبّر على الله بالامتناع عن قبول الحق بحيث لا يجد هذا المتكبّر في نفسه معنى عظم الله وكبريائه ، لأنه لوجدها لتأدب وشعر بضعفه وعجزه وصغاره فهو كالجاحد لصفات الالوهية التى لا تليق إلا بها ، ولا تكون بحق إلا لها ، قال سبحانه :

«إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ».(1).

وقال سبحانه:

«وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ».(2).

فهذا هو أعلى درجات التكبّر وأعظم أفراد الكفر وأفحش أنواعه ، كما كان لنمرود ، فانّه كان يحدث نفسه بأن يقاتل ربّ السماء ، وكما كان لمن يدعي الربوبية مثل فرعون حيث قال أنا ربكم الأعلى، إذ تكبّر عن العبودية لله ، ومن هذا القسم التكبّر عن الدعاء والتضرع إلى الله سبحانه ، وسببه هو الطغيان ومحض الجهل.

أجل لقد كانت سيرة رسول الانسانية صلى الله عليه وآله وسلم بريئة عن جميع ما يصدر من الكبر من الأفعال والحركات فينبغي لكل انسان أن يقتدي به . وقد روى أبو سيعد الخدري انه صلى الله عليه وآله وسلم كان يعلق الناضح ، ويعقل البعير ويقمّ البيت، ويحلب الشاة ، ويخصف النعل، ويرقع الثوب ،ويأكل

ص: 349


1- سورة غافر (40) : 60 .
2- سورة النساء (4) : 172 .

مع خادمه ، ويطحن عنه إذا أعيى ، ويشتري الشيء من السوق ، ولا يمنعه الحياء أن يعلّقه بيده أو يجعله فى طرف ثوبه وينقلب إلى أهله، يصافح الغني والفقير والصغير والكبير ، ويسلّم مبتدأ على كل من استقبله من صغير أو كبير أسود أو أحمر أو عبد من أهل الصلاة ... إلى أن يقول :

لين الخلق كريم الطبيعة ، جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، بسّاماً من غير ضحك ، محزوناً من غير عبوس، شديداً في غير عنق، متواضعاً في غير ذلّة .

فالكبر آفة عظيمة وغائلته هائلة ، وبه هلك خواص الأنام فضلاً عن غيرهم من العوام ، فما من خلق مذموم إلا وصاحب الكبر مضطر إليه ، ليحفظ به عزّه وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه خوفاً من فوات عزّه وبخلافه التواضع ، وهو أن تعطى للناس ما تحبّ أن تعطاه ، فهو كما وضعه الإمام الصادق عليه السلام :

«أَصْلُ كُلِّ شَرَفٍ وَخَيْرٍ وَنَفِيسٍ وَمَرْتَبَةٍ رَفِيعَةٍ وَلَوْ كَانَ لِلتَّوَاضُعِ لُغَةٌ يَفْهَمُهَا الْخَلْقُ لَنَطَقَ عَنْ حَقَائِقِ مَا فِي مَحْفِيَّاتِ الْعَوَاقِبِ، وَالتَّوَاضُعُ مَا يَكُونُ لِلَّهِ وَفِي مَا سِوَاهُ فَكبر، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلهِ شَرَّفَهُ اللهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ ، وَلِأَهْلِ التَّوَاضُعِ سِيمَاءُ يَعْرِفُهَا أَهْلُ السَّمَاوَاتِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَأَهْلُ الْأَرْضِ مِنَ الْعَارِفِينَ قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ : وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّا بِسِيمَاهُمْ ». (1)

ص: 350


1- سورة الأعراف (7): 46.

وَأَصْلُ التَّوَاضُعِ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ وَهَيْبَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَلَيْسَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَةٌ يَقْبَلُهَا وَيَرْضَاهَا إِلَّا وَبَابُهَا التَّوَاضُعُ وَلا يَعْرِفُ مَا فِي مَعْنَى حَقِيقَةِ التَّوَاضُعِ إِلَّا الْمُقَرَّبُونَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُسْتَقِلَّينَ بِوَحْدَانِيَّتِهِ قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ ، وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاما ». (1) ))(2) .

أجل هذه هي سمات المؤمنين الصالحين من عباد الرحمن حيث وصفهم الله سبحانه بأنهم يمشون على الأرض مشية ليس فيها تكلّف ولا تصنّع وليس فيها خيلاء ولا تصعير خد ، والمشية لكلّ حركة تعبير عن الشخصيّة وعمّا يستكن فيها من مشاعر ، والنفس السوية المطمئنة الجادة القاصدة تخلع صفائها هذه على مشية صاحبها فيمشي مشية سويّة مطمئنة فيها وقار وسكينة .

وجاء في الحديث :

« طوبى لمن تواضع في غير مسكنة وأنفق مالا جمعه في غير معصية ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة (3).

واعلم ان المحمود من التواضع أن يتواضع في غير مذلّة ومن غير

ص: 351


1- سورة الفرقان (25) : 64 .
2- جامع السعادات : ج 1 ، ص 361 ، 359 .
3- جامع السعادات : ج 1 ، ص 361 ، 359 .

تخاسس فان كلا الطرفين مذموم وخير الأُمور أوسطها فمن تقدّم على أمثال فهو متكبّر ومن تأخّر عنهم فهو متواضع .

ثم انه ينبغي ألا يتواضع للمتكبّرين ، إذ الانكسار والتذلل لمن يتكبّر ويتعزّز مع كونه من التخاسس والمذلة المذمومة يوجب اضلال هذا المتكبر وتقريره على تكبّره ، وإذا لم يتواضع له الناس وتكبّروا عليه ربما تنبّه وترك التكبّر ، إذ لا يرضى بتحمّل المذلة والاهانة من الناس، فقد ورد في الحديث :

«إذا رأيتم المتواضعين من أمتي فتواضعوا لهم و إذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم فإن ذلك لهم مذلة و صغار». (1)

ص: 352


1- نفس المصدر : ج 1 ، ص 363 .
باب الظلم
اشارة

وفيه خمس وصايا

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدراً ***فالظلم مصدره يُفضي إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه ***يدعو عليك وعين الله لم تتم .

ص: 353

1 - يَا بُنَيَّ : لا تَرْثِ لِمَنْ ظَلَمْتَهُ وَلَكِنْ ارْثِ لِسُوءِ مَا جَنَيْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ وَإِذَا دَعَتْكَ الْقُدْرَةُ إِلَى ظُلْمِ النَّاسِ فَاذْكُرْ قُدْرَةَ اللهِ عَلَيْك(1)

2 - يَا بُنَيَّ : مَنْ أَنْصَفَ الناسَ مِنْ نَفسه زاده الله بذلك عِزّاً (2).

3 - يَا بُنَيَّ : الظُّلِمُ ظُلمات ، ويوم القيامة حسرات(3).

4 - يَا بُنَيَّ : الفَقيرُ خَيْرٌ مِن أَنْ تَظلَمَ وَتَطغَىٰ(4).

5 - يَا بُنَيَّ : لكلّ شيءٍ عَلامةٌ يُعرفُ بِها ويَشْهَدُ عَلَيْهَا ، فَإِنَّ لِلظَّالِمِ ثَلَاثُ عَلامَاتٍ يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ وَيُعِينُ الظُّلَمَة (5).

ص: 354


1- مجموعة ورّام : ج 2، ص 230 .
2- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 164 .
3- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 427 ،429 .
4- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 427 ،429 .
5- الخصال / باب الثلاثة : ص 117 .

« الظلم هو التصرف في ملك الغير ومجاوزة الحد.

وقال الراغب : الظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء : وضع الشيء فى غير موضعه المختصّ به إما بنقصان أو بزيادة وإمّا بعدول عن وقته أو مكانه ». (1).

وقال الطريحي :

« الظالم من يتعد حدود الله تعالى بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (2).

الظلم هو احدى طبائع النفس تظهره القوة ويخفيه الضعف.

والظلم من شيم النفوس فان تجد*** ذا عفّة فلعلة لا يظلم

أجل إذا تأملت كلّ شيء في الوجود تجد للظلم أثراً فيه وتراه يأكل قويه ضعيفه ، ويفتك كبيره بصغيره ، فالانسان يظلم وينال بظلمه ما دنا ونأى، وأوّل من يصيبه بظلمه نفسه التي بين جنبيه فان ما تنطوي عليه من الشرور وما يخاط قلبه من الأثرة وحبّ الاستبداد يجد ألمه ووخزه

ص: 355


1- تاج العروس - مادة ظلم - .
2- مجمع البحرين - ماده ظلم - الآية من سورة البقرة (2) : 229 .

كلّما تحرّكت فيه الأثرة وحبّ الاستئثار بالمنفعة لا شك ولا ريب ان الظلم والتعدي يخل بنظام نوع الانسان إذ فيه تفريق ما اجتمع ، ومن ثم وقع في الشرع الأمر بالأخذ على يدي الظالم ، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله:

«أنصر أخاك ظالماً كان أو مظلوماً».

فقيل يا رسول الله ننصره مظلوماً ، فما بالنا ننصره ظالماً ؟ فقال :

« خُذوا على يديه وامنعوه عن الظلم فهذا نصرتكم لأخيكم».

فلابد للمسلم ان يكفّ يده عن الظلم ويسلك سنن العدل ويعامل بالنصفة ويراقب الله سبحانه في السر والعلانية ويعلم ان الله يجازي على الخير والشر ويعاقب الظالم على ظلمه وينتصر للمظلوم ويأخذ له حقه ممن ظلمه ، وإذا أخذه الظالم لم يفلته ، كما ورد في الخبر :

« يَوْمُ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ أَشَدُّ مِنْ يَوْمِ الظَّالِمِ عَلَى الْمَظْلُوم (1).

لا تظلمنّ إذا ما كنت مقتدراً ***فالظلم مصدره يفضي إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه ***يدعو عليك وعين الله لم تنم

ان من أشد الظلم أن تحس بالظلم فرداً لا عشيرة له ولا قرابة ولا جاه له ولا مال لأن له ربّاً يعصمه الشرور وإلهاً يردّ عنه ظلم الظالم وعسف الجائر ، إن ربك لبالمرصاد.

ص: 356


1- مستدرك الوسائل : ج 12، ص 97.

أى ان شأن ربّك ألا يفوته من شؤون عباده نقير ولا قطمير ولا يهمل أمة تعدت في أعمالها حدود شرائعه القويمة بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر ، كما يأخذ الراصد القائم على الطريق مَنْ عِسر به يريد من خير أو شر لا يفرط فيما رُصد له فهو سبحانه يرى ويحسب ويحاسب ويجازى وفق ميزان دقيق لا يخطئ ولا يظلم ولا يأخذ بظواهر الأمور .

وجاء في الحديث الصحيح:

ما مِنْ عبدِ فشخص ببصره إلى السماء إلّا قال الله عزّوجلّ : لبيك عبدي حقاً لأنصرنك ولو بعد حين .

وجاء في الخبر أيضاً:

«ظُلْمُ الضَّعِيفِ أَفْحَشُ الظُّلْمِ » (1).

لانه ناشيء من لؤم الطبع وخبث النفس وضعف الوازع الديني والخلقي، فالظلم أعظم عامل في صد الانسان عن الطريق السوي وأكبر حجاب حاجز دون رؤية الحق والواقع ، وذلك لأن الظلم ظلمات فلولاه لكان الناس يعبدون الله سبحانه ويوحدونه وما كنت ترى للشرك سبيلاً.

ولا للجحود والضلال أثراً.

فالظلم اذن : هو نتيجة حتمية لهذه الموبقات لذا عُدّ من أعظم المعاصى وأشدّها عذاباً ، وما ذاك إلا لأنه يسد على النفس الانسانية

ص: 357


1- مستدرك الوسائل : ج 12، ص 97.

أبواب الفيوضات الالهية فيعمى القلب فلا يهتدي إلى سبيل الحق حتى يتوب توبة نصوحاً، نعم له أن يتوب بأنواع النوبة ويظهر نفسه فتتفتح

بصائر قلبه ويهتدي إلى السبيل القويم باذن الله سبحانه ، وهو القائل:

«إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ». (1).

وأمّا معونة الظالمين في ظلمهم فهو من أشد أنواع الظلم وادعاها للويل والثبور لذا نص القانون الاسلامي على حرمته وقبحه .

«وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ». (2).

أي لا تستعينوا بالظلم فتكونوا كأنكم رضيتم عن أعمالهم فان فعلتم ذلك أصابتكم النار التي هي جزاء الظالمين ، فالركون إلى الظلم مطلقاً سواء بالقلب أو اللسان أو الأعضاء والجوارح ظلم لقوله تعالى:

« وَمَنْ يَتَوَكَّمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ». (3).

فالآية تدلّ على حرمة كلّ حاله دخل فى الظلم من معونة أو مشاركة ولو قلبيّة ويحشر يوم القيامة مع الظالمين.

فالذي يعيّن الظالمين ويرضى بفعلهم ويسعى لهم في قضاء حوائجهم وحصول مقاصدهم كالظالم بعينه في الاثم والعقوبة ، ففي الخبر

ص: 358


1- سورة البقرة (2) : 173 ، 182 ، 199 ؛ سورة المائدة (5) : ( 34 ، 39، 98؛ سورة التوبة (9): 99، 102 ؛ سورة النور (24) : 62 ؛ سورة الحجرات (49) : 14؛ سورة الممتحنة (60): 12؛ سورة المزمل (73): 20
2- سورة هود (11): 113 .
3- سورة المائدة (5): 51

«الْعَامِلُ بِالظُّلْمِ وَالْمُعِينُ لَهُ وَالرَّاضِي بِهِ شُرَكَاءُ ثَلَاثَتُهُمْ».(1)

قال الشاعر وما أحسن ما قال :

أما والله ان الظلم سوم ***وما زال الظلوم هو الملوم

سینقطع التلذذ عن أناسي ***أدام وهوينقطع النعيم

إلى ديان يوم الدين غضي*** وعند الله تجتمع الخصوم

حكاية

روي الكشي عن الحسن بن علي بن فضال قال : حدثني صفوان بن مهران الجمال ، قال : دخلت على أبي الحسن الأول علیه السلام فقال لي : يا صفوان كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً، فقلت : أي شيء جعلت فداك ؟ قال : إكراك جمالك من هذا الرجل - يعنى هارون- قلت : والله ما اكريته أشراً ولا بطراً ولا للصيد ولا للهو ، ولكن اكريته لهذا الطريق - يعني طريق مكة - ولا أتولاه بنفسي ولكن أبعث معه غلماني ، فقال لي : يا صفوان أيقع كراك عليهم ؟ قلت : نعم جعلت فداك ، قال : فقال لي أتحبّ بقاءهم حتى يخرج كراك ؟ قلت : نعم ، قال : فمن أحب بقاءهم فهو منهم، ومن كان منهم كان ورد النار ، قال صفوان : فذهبت وبعت جمالي عن آخرها ، فبلغ ذلك إلى هارون فدعاني فقال لي يا صفوان بلغني إنك بعت جمالك ، قلت : نعم ، فقال لي ولم ؟ قلت : أنا شيخ كبير وإنّ الغلمان لا

ص: 359


1- أصول الكافي : ج 2، ص 333

يقومون بالأعمال، فقال : هيهات هيهات اني لأعلم من أشار عليك بهذا ، إنّما أشار إليك بهذا موسى بن جعفر ، قلت : مالي ولموسى بن جعفر ، فقال : دع هذا عنك فوالله لو لا حسن صحبتك لقتلتك

ص: 360

باب أكل مال اليتيم

وفيه ثلاث وصايا

«إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ».

القرآن الكريم

ص: 361

1- يَا بُنَيَّ : لا تَأْكُلْ مَالَ الْيَتِيمِ فَتُفْتَضَحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُكَلَّفَ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيْه (1).

2 - يَا بُنَيَّ : كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ وَلِلْأَرْمَلَةِ كَالزَّوْجِ الْعَطُوف (2).

3 - يَا بُنَيَّ : تَعَطَّفْ عَلى الأرامِلِ وَالأيتام يَتعطَّفُ عَليكَ اللهُ مِنْ فَوقِ ذلك (3).

ص: 362


1- الاختصاص : ص 332 - 335
2- الاختصاص : ص 332 - 335
3- علي والأسس التربوية : ص 61 .

«اليتيم : المفرد من كل شيء، ويقال : للصبي الذي فقد أباه يتيم ، أي منفرد من أبيه ، ويقال : درّة يتيمة أي ثمينة لا نظير لها ». (1)

اليتيم في عرف الفقهاء : من مات أبوه وهو صغير لم يبلغ الحلم كما في الحديث - لا يتم بعد احتلام ، فمتى بلغ زال يتمه إلا إذا بلغ سفيها فانّه يبقى في حكم اليتيم ولا يزول عنه الحجر.

حضي اليتيم عناية خاصة من قبل الله عزّوجلّ، فقد خصه بالرأفة عليه والحض على كفالته وحفظ ماله بعد ان كانت العرب في الجاهلية لا يتحرّجون عن أموال اليتامى فكانوا يأخذون الطيب والجيد من أمواله ويبدلونه بالرديء من أموالهم ويقولون اسم باسم ورأس برأس فنهاهم الله سبحانه عن ذلك فنزلت هذه الآية الكريمة :

وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَاهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كبيراً ) (2)

اليتيم هو ذلك الانسان الضعيف الذي لا يقدر على حفظ ماله والدفاع عنه فانتم أيها الأولياء والأوصياء احفظوا ماله ولا تتعرّضوا له

ص: 363


1- المنجد - مادة يتم -.
2- سورة النساء (4) : 2 .

بسوء وسلموه له حتى أنستم منه الرشد ، ولا يجوز أكل شيء منه بالباطل.

قال سبحانه وتعالى :

«وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَاهُمْ ».(1).

كانت النفس الانسانية كثيراً ما تتحامل على اليتيم وتقسو عليه فعالجها القرآن الكريم فذكر شيئاً ما يهز القلب ويحرّك المشاعر فقال:

تذكروا انكم مفارقون أولادكم وأخشوا ترك ذرية ضعفاء كزغب القطا لا حول لها ولا قوّة ، واتقوا الله سبحانه وقولوا قولاً سديداً يوافق الدين، وتذكروا انه كما تدين تدان(2) ثم أخذ القرآن يهدّد الانسان بهذا التهديد الشديد وقال : ان الذين يأكلون أموال اليتامى ويأخذونها بأي طريق إنّما يأكلون في بطونهم ما به يدخلون النار وسيحرقون بنار مسعرة وقودها الناس والحجارة ، وقانا الله منها .

ص: 364


1- سورة النساء (4) : 6.
2- ومن جملة وصايا القرآن باليتيم : هو أن لا تقهره ولا نستدله بل نرفع نفسه بالأدب ونهذبه بمكارم الأخلاق ليكون عضواً نافعاً في المجتمع ، قال سبحانه : ( فَأمَّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرُ ﴾ / سورة الضحى (93) : 9 / حيث أمر سبحانه بإحسان القول إلى اليتامى لأنّ اليتيم مرهف الحس يألم للكلمة التي تهينه ولاسيما ذكر أبيه وأمه بسوء، وقلّما يوجد يتيم لا يمتهن ولا يقهر بالسوء من القول ، لذا طلب الله من عباده الاشفاق عليه ومعاملته بالحسنى فزعاً يترك الميّت ذريّة ضعافاً يود أن غيره يعاملهم بمثل هذه المعاملة . أجل هذه هي تعاليم القرآن لابد للمسلم المنصف أن ينقاد لها ليبتعد عن سخط الرب وغضبه في الدنيا والآخرة .

أجل ان أكل مال اليتيم من الكبائر وان الأكل يصليه الله سبحانه حرّ النار إصلاءاً ، لأن الظالم إذا أكل مال اليتيم ظلماً فقد أعان على قتله ، إذ اليتيم غير مستغن ولا متحمّل لنفسه ولا قائم بشأنه ولا له من يقوم عليه ويكفيه كقيام والديه فاذا أكل ماله فكأنه قد قتله وصيّره إلى الفقر والفاقة .

ثمّ إنّ الله سبحانه نهى الأولياء عن أكل أموال اليتامى وذلك عن طريق الاسراف والمسارعة في صرفها على أنفسهم حذر ان يكبر اليتامى فيلزموا بدفعها إليهم ، ثم خاطبهم الله بأنهم إذا كانوا أغنياء غير محتاجين إلى مال اليتيم فليعفوا عن أن يأكلوا شيئاً منه أجراً على ولايتهم وليكن عملهم انسانيّة ومروءة ، وإذا كانوا فقراء محتاجين إلى أخذ شيء من مال اليتيم في مقابل بعض وقتهم في شؤون ولايته فيباح لهم أن يأكلوا من ماله ولكن بالمعروف وبعد هذا أمر الله سبحانه بالاشهاد عند دفعهم مال اليتيم لأنه يظهر أمام الشهود نزاهة أيديهم ويحول دون الجحود والتنازع، كلّ ذلك للمحافظة على الأموال من أن تتبدّد فى طرق غير مشروعة ، لذا أمر الله سبحانه باختيار اليتامى قبل تسليمهم أموالهم ، حيث قال سبحانه :

«وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسيباً ». (1)

ص: 365


1- سورة النساء (4) : 6 .

أجل كان رسول الانسانية صلی الله علیه وآله يحسن إلى اليتامى ويبرهم ويوصي بهم ، وكيف لا يكون كذلك وقد ذاق مرارة الضيق في نفسه فما أجدره أن يستشعرها في غيره ، كان صلی الله علیه وآله يتيماً فباعد الله عنه ذل اليتم فآواه، فكان یکرم كلّ يتيم شكراً الله على نعمته

«ألم يجِدْكَ يتيماً فاوى». (1).

عاش يتياً اذ توفى أبوه وهو في بطن أُمّه فلما ولد عطف الله عليه فكفّله جدّه عبد المطلب فما ال يكفله خير كفالة حتى توفّى فكفله عمّه أبو طالب فكان به حفيّاً شديد العناية بأمره وما زال يتعهده حتى كبر وترعرع حتى أرسل الله رسولاً فقام يؤازره وينصره ويدفع عنه اذى قريش حتى مات - رحمه الله - فاستطاعت قريش أن تنال منه وتجرأ عليه سفهاؤهم وسلطوا عليه غلمانهم حتى اضطروه إلى الهجرة .

ولو تدبر المنصف فى رعاية الله له وحياطته بحفظه وحسن تنشئته لوجد من ذلك العجب، فلقد كان اليتم وحده مدعاة إلى المضيعة وفساد الخلق ، لقلّة من يحفل باليتيم ويحرص عليه، وكان في خلق أهل مكة وعاداتهم ما فيه الكفاية في اضلاله لو انه سار سيرتهم لكن عناية الله كانت ترعاه وتمنعه السير على نهجهم، فكان الوفي الذي لا تميين والأمين الذي لا يخون ، والصادق الذي لا يكذب والطاهر الذي لم يدنّس برجس الجاهليّة وكان ...

ص: 366


1- سورة الضحى (93) : 6 .
باب قرين السوء

وفيه خمس وصايا

«فَسَادُ الْأَخْلَاقِ مُعَاشَرَةُ السُّفَهَاءِ وَصَلاحُ الْأَخْلَاقِ مُعَاشَرَةُ الْعُقَلَاءِ».

الامام علي علیه السلام

ص: 367

1 - يَا بُنَيَّ : نَقْلُ الْحِجَارَةِ وَالْحَدِيدِ خَيْرٌ مِنْ قَرِينِ السَّوْءِ (1).

2 - يَا بُنَيَّ : إِنَّهُ مَنْ يَصْحَبُ قَرِينَ السَّوْءِ لَا يَسْلَمْ وَمَنْ يَدْخُلْ مَدَاخِلَ السَّوْءِ يُتّهم (2).

3 - يَا بُنَيَّ : الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ صَاحِبِ السَّوْءِ (3).

4 - يَا بُنَيَّ : الصاحِبُ الصالِحُ خَيْرٌ مِنَ الوَحدَةِ (4) .

5 - يَا بُنَيَّ : لا تَقْتَرِبْ فَتَكُونَ أَبْعَدَ لَكَ وَلَا تَبْعُدْ فَتُهَانَ كُلُّ دَابَّةٍ تُحِبُّ مِثْلَهَا وَإِنَّ ابْنَ آدَمَ يُحِبُّ مِثْلَهُ وَلا تَنْشُرْ بَزَّكَ إِلَّا عِنْدَ بَاغِيهِ كَمَا لَيْسَ بَيْنَ الذَّنْبِ وَالْكَبْشِ خُلَّةٌ كَذَلِكَ لَيْسَ بَيْنَ الْبَارِّ وَالْفَاجِرِ خُلَّةٌ مَنْ يَقْتَرِبْ مِنَ الزِّفْتِ يَعْلَقْ بِهِ بَعْضُهُ كَذَلِكَ مَنْ يُشَارِكِ الْفَاجِرَ يَتَعَلَّمْ مِنْ طُرُقِهِ مَنْ يُحِبَّ الْمِرَاءَ يُشْتَم (5).

ص: 368


1- الاختصاص : ص 332 - 333.
2- الاختصاص : ص 332 - 333.
3- الاختصاص : ص 332 - 333.
4- الاختصاص : ص 332 - 333.
5- أصول الكافي : ج 2 ، ص 642

إنّ من التعاليم الاسلامية اختيار القرين الصالح ليسير الانسان على إرشاده ويقتبس من نصحه ، فالقرين الصالح هو المرشد الأمين لطريق الحق والصواب، لذا دعى القرآن الكريم إلى اختيار الأصحاب الصالحين، حيث أمر الله سبحانه ورسوله بل وكلّ مؤمن من مصاحبة الأخيار ليقتدي بهم ويقتبس من فضائلهم .

فقال عزّ من قائل :

«وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذكرنا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكانَ أَمْرُهُ قُرطاً ».(1).

وأمّا قرين السوء فانّه يقود الانسان إلى اقتراف الآثام والاستهانة بالأخلاق ، فينبغي للانسان أن يجتنبه لأنه لا يشير عليه بخير ولا يرجى الصرف السوء عنه ولو أجهد نفسه وربما أراد منفعته فضره فموته خير من حياته، وسكوته خير من نطقه ، وبعده خير من قربه، لذا نهى الله سبحانه المؤمن عن مصاحبة الأشرار والغافلين عن ذكر الله سبحانه

ص: 369


1- سورة الكهف (18) : 28 .

الذين اتبعوا هواهم وجاوزا حدود الحق في أعمالهم .

قال سبحانه:

« فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ». (1).

وجاء في الخبر كان أمير المؤمنين على بن أبي طالب علیه السلام إذا صعد المنبر قال :

«يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَنِبَ مُوَاخَاةَ ثَلاثَةِ الْمَاجِنِ الفَاجِر وَالْأَحْمَقِ وَالْكَذَّابِ فَأَمَّا الْمَاجِنُ الفاجر فَيُزَيِّنُ لَكَ فِعْلَهُ وَيُحِبُّ أَنْ تَكُونَ مِثْلَهُ وَلا يُعِينُكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ وَمَعَادِكَ وَمُقَارَنَتُهُ جَفَاء وَقَسْوَةٌ وَمَدْخَلُهُ وَمَخْرَجُهُ عَلَيْكَ عَارٌ وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَإِنَّهُ لَا يُشِيرُه عَلَيْكَ بِخَيْرٍ وَلا يُرْجَى لِصَرْفِ السُّوءِ عَنْكَ وَلَوْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَرُبَّمَا أَرَادَ مَنْفَعَتَكَ فَضَرَّكَ فَمَوْتُهُ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ وَسُكُوتُهُ خَيْرٌ مِنْ نُطْقِهِ وَبُعْدَهُ خَيْرٌ مِنْ قُرْبِهِ وَأَمَّا الْكَذَّابُ فَإِنَّهُ لا يَهْنِتُكَ مَعَهُ عَيْشَ يَنْقُلُ حَدِيثَكَ وَيَنْقُلُ إِلَيْكَ الْحَدِيثَ كُلَّمَا أَفْنَى أُحْدُوثَةً مَطرهَا بِأُخْرَى مِثلها حَتَّى إِنَّهُ يُحَدِّثُ بِالصِّدْقِ فَمَا يُصَدَّقُ وَيُغْرِي بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدَاوَةِ فَيُنْبِتُ السَّخَائِمَ فِي الصُّدُورِ فَاتَّقُوا اللهَ وَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ ».(2).

فلابد من أحاطة الانسان منذ بداية نشأته وفي جميع الأوقات بكلّ

ص: 370


1- سورة النجم (53) : 29 .
2- أُصول الكافي : ج 2، ص 639 .

ما هو خير وحسن وينحي عن كلّ ما هو سيّء وقبيح على اعتبار انه إذا عرف الخير وتحسّس به واعتاده فى حياته اليوميّة نشأ في أعماق نفسه مثل أعلى للفضيلة والخير، وصار من تلقاء نفسه يقصد الخير ويتجنّب القبيح والشر في جميع الأمور ، فلابد اذن من تخيّر القرناء له والأصدقاء الصالحين، وجاء في الخبر عن علي عليه السلام حيث قال :

« أحذرُ أصحابه مَن يقبل رأيه وينكر عمله فان الصاحب معتبر بصاحبه ».

فعلى علیه السلام يحذر بكلامه هذا من قرناء السوء لأن قرين السوء يعدي قرينه وينصح بالتقرب من الأخيار والمؤمنين لأن في مجالستهم ومصاحبتهم اقتداء بهم وحث على عمل الخير .

فلابد في القرين أن يكون محمود الأخلاق مرضى الأفعال مؤشّراً للخير آمراً به ، كارها للشر ناهياً عنه ، لأن مودّة الشر يرتكب الأعداء ، ولا خير في مودّة تجلب عداوة وتورث مذمّة وملامة فانّ المتبوع تابع صاحبه ، فينبغي للعاقل أن يحترز من صحبة الأشرار وأهل الغدر، ومن لا وفاء لهم، بل كل قرين سوء اجتمعت فيه الرذائل فانّه إذا فعل ذلك سلم من مكائد الخلق وأراح قلبه ، وبدنه ، كما ينبغي له أن يصحب من له دين وتقوى فانّ المحبّة في الله تنفع في الدنيا والآخرة.

وكلّ محبّة في الله تبقى ***على الحالين من فرج وضيق

وكلّ محبّة فيما سواه ***فكالحلفاء في لهب الحريق

ص: 371

أجل للمخالطة الصالحة نتائج حسنة إذ يستحي الانسان في الغالب من رفقائه والمتصلين به ، ولاسيا من عرفوا منهم بالترفّع عن الدنايا وفي هذا ما يبعده عن الشر ويدنيه من الخير، كما يأمن على أخلاقه بمعاشرتهم .

فالمخالطة عامل من عوامل التربية ، ومن أجل ذلك يجب على الآباء والمربين أن يعيروا المخالطة عنايتهم كلّها لأن أثرها في التربية تنقطع دونه جميع الأسباب، ولتحقيق الغرض الصالح منها يجب أن يمنع الأطفال من مخالطة من ساءت أخلاقهم ولو زمناً طويلاً، وألا يتركوا لهم الحبل على الغارب في اختيار الأصدقاء والخلان فان قلة خبرتهم ونقص تجربتهم تدعوهم في الغالب إلى اختيار من يضرون ولا ينفعون ويفسدون ولا يصلحون ومهما كان الانسان خاضعاً لقانون الوراثة ، ومهما كان أيماننا بهذا القانون فلا يمكننا أن نقف جامدين أمام تأثير التهذيب والصقل ، ومهما كانت قابلية النفس البشرية للتأثر بالتهذيب، فليس في الامكان مقاومة ما استكفا فى النفس عن الوراثة والغرائز مقاومة تامة ، فقد نرى أبناء الصالحين طالحين كما نرى بعض أبناء الأشرار أخياراً.

فالمخالطة هي التي تغيّر في الانسان كثيراً من أخلاقه وعاداته من حيث يدري ولا يدري ومن حيث يريد ولا يريد .

المخالطة تربية لا تنقضي إلا بالموت فان حسنت أثمرت ثمراً طيباً، وإن ساءت كانت شراً و بلاءاً.

ص: 372

فقد عنى الباحثون وعلماء الأخلاق في كل عصر وزمان بوصف الخلطاء وأرسلوا القول في ذلك شعراً ونثراً، والأحاديث الواردة فيها أكثر من أن تعيها أذن واعية أو يلم بها قلب حافظ أو راوية .

ومن ذلك قول الرسول الأكرم صلی الله علیه وآله

«انْظُرُوا مَنْ تُحَادِثُونَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَنْزِلُ بِهِ الْمَوْتُ إِلَّا مُثْلَ لَهُ أَصْحَابُهُ إِلَى اللهِ إِنْ كَانُوا خِيَاراً فَخِيَاراً وَإِنْ كَانُوا شِرَاراً فَشِرَاراً وَلَيْسَ أَحَدٌ يَمُوتُ إِلَّا تَمَثَّلْتُ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ (1).

ومن ذلك قول الامام علي بن الحسين علیهما السلام في رسالة الحقوق

« وَأَمَّا حَقُّ الصَّاحِبِ فَأَنْ تَصْحَبَهُ بِالْفَضْلِ مَا وَجَدْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَإِلَّا فَلا أَقَلَّ مِنَ الْإِنْصَافِ وَأَنْ تُكْرِمَهُ كَمَا يُكْرِمُكَ وَتَحْفَظَهُ كَمَا يَحْفَظُكَ وَلا يَسْبِقَكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِلَى مَكْرُمَةٍ فَإِنْ سَبَقَكَ كَافَأْتَهُ وَلا تَقْصِدَ بِهِ عَمَّا يَسْتَحِقُ مِنَ الْمَوَدَّةِ تُلْزِمُ نَفْسَكَ نَصِيحَتَهُ وَحِيَاطَتَهُ وَمُعَاضَدَتَهُ عَلَى طَاعَةِ رَبِّهِ وَمَعُونَتَهُ عَلَى نَفْسِكَ فِيمَا لا يَهُمُ بِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ رَبِّهِ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَلَا تَكُونُ عَلَيْهِ عَذَاباً » (2).

لهذا ينبغى للانسان أن يعرف فيمن يختارهم لمخالطته ويصطفيهم لمعاشرته أُموراً لابد منها لتستقيم الصحبة وتدوم الألفة.

ص: 373


1- أصول الكافي : ج 2 ، ص 638 .
2- مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 164 .

اجعل قرينك من رضيت فعاله ***وأحذر مقارنة اللئيم الشائن

كم من قرين شائن لقرينه ***ومهجن منه لكلّ محاسن

وقال الآخر :

وعاشر بمعروف وكن متودرا*** ولا تلق إلّا بالي هي أحسن

فلا تغفل أيّها الانسان إن خالطت الناس فان استطعت أن تكون يدك العليا عليهم فافعل (1).

فقد جاء في الخبر :

«عَظْمُوا أَصْحَابَكُمْ وَوَقِّرُوهُمْ وَلا يَتَهَجَّمْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَلا تَضَارُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَإِيَّاكُمْ وَالْبُخْلَ كُونُوا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ »(2).

ص: 374


1- وهو كناية عن الإحسان وإيصال النفع إليهم بقدر الامكان .
2- أُصول الكافي : ج 2، ص 637 .
باب الفضول

وفيه خمس وصايا

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ».

القرآن الكريم

ص: 375

1 - يَا بُنَيَّ : عَلَيْكَ بِمَا يَعْنِيكَ وَدَعْ عَنْكَ مَا لا يَعْنِيكَ فَإِنَّ الْقَلِيلَ مِنْهَا يَكْفِيكَ وَالْكَثِيرَ مِنْهَا لَا يُغْنِيك(1)

2 - يَا بُنَيَّ : إِيَّاكَ وَكثَرَةِ الفُضول ، فإنَّ حسابكَ مِنها يَطولُ (2).

3 - قالَ للقمانَ بَعضُ الناسِ ألستَ كُنتَ ترعى الغنم معنا ؟ فقال : نعم ، فقال مِن أينَ أُوتيتَ ما أرى ؟ قال : قَدرُ اللهِ وأداء الأَمانَةِ وَصِدقُ الحديث والصَمتُ عَمَّا لا يعنينى (3).

4 - قِيلَ لِلْقْمَانَ : مَا يَجْمَعُ مِنْ حِكْمَتِكَ قَالَ لا أَسْأَلُ عَمَّا كُفِيْتُهُ وَلا أَتَكَلَّفُ مَا لا يَعْنِينِي (4)

5 - قِيلَ لِلْقْمَانَ : أَلَسْتَ عَبْدَ آلِ فُلانٍ ؟ قَالَ : بَلَى ، قِيلَ : فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى ؟ قَالَ : صِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي ، وَغَضٌي بَصَرِي ، وَكَفِّي لِسَانِي ، وَعِفَّتِي فِي طُعْمَتِي ، فَمَنْ نَقَصَ عَنْ هَذَا فَهُوَ دُونِي ، وَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ فَوْقِي ، وَمَنْ عَمِلَهُ فَهُوَ مِثْلِي (5).

ص: 376


1- كتاب الاختصاص : ص 336
2- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ص 264 .
3- مجمع البيان : ج 7، ص 315 .
4- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 417 .
5- مجموعة ورّام : ج 2، ص 230 .

إن من آفات اللسان الناجمة عن الافراط في الكلام الفضول وكلام المرء فيا لا يعنيه ، لأنّ التكلّم بما لا يعنى والسؤال عن كلّ ما يخفى أو عمّا يحتمل أن يكون في اظهاره مانع ناشئ عن رداءة القول الشهويّة إذ الباعث عليها ليس إلا مجرد تشهى النفس وهواها .

جدير بمن يقصد الكمال أن يبلغ مجهوده في حفظ اللسان حتى يستقيم له ومن أراد أن يسلّم من خطره فليصمت فانّه أمان ن فانّه أمان من تحريف اللفظ وسلامة من فضول القول وهيبة لصاحبه ، فما أكثر من ندم إذا نطق وأقلّ من يندم إذا سكت وأطول الناس شقاءاً وأعظمهم بلاءاً من ابتلى ولا يعترض بلسان جامح.

فالواجب على اللبيب الا يغالب الناس على كلامهم عليهم فيه لأنّ الكلام حينئذٍ قد يؤدّي إلى فوز موقت غير انه لو أرجئ الى حينه لكان الفوز أدوم وأبقى.

فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله ورضى العنان سلك به الشيطان في كلّ ميدان ، وأوقعه في أودية الضلالة والخذلان وساحة إلى شفا جرف هارٍ إلى ان يضطره إلى الهلكة والبوار، وجاء في الحديث :

ص: 377

« هَلْ يَكْبُ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»(1).

إن ترك القوم فيا لا يعرف يصون الانسان عن مزلات الجهل ومغيات الخطأ التي يتدهور إليه الانسان من حيث لا يشعر متى رمى القول ولهج بما لا ينفعه من الكلام ، لذا نهانا الله عزّ وجلّ عن التكلّم فيما لا يعرفه الانسان والسؤال عما لا يعود على السائل منه أدنى فائدة ، بل ربما ساءه وأضرّ به، كأن يسئل الانسان ويفحص عن ما عفاه الله سبحانه ، فانّ الاطلاع على حقيقة مثل هذا الأمر مظنة الهلاك والشقاء كمن تفحص عن يوم وفاته أو سبب هلاكه أو زوال ملكه أو حسن عاقبته فهذه الأمور تتضمّن غالباً مساءة الانسان وحزنه كظهور ان الأجل قريب أو ان العاقبة وخيمة فالله سبحانه نهى عن أن يسألوا عن أشياء ، إن تبد لهم تسوهم ، فقال سبحانه :

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْتَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْتَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حليمٌ ».(2).

إنّ الله سبحانه نظم الحياة بشكل دقيق ووضعه جارياً في الكون فأبدأ أشياء وحجب أشياء لم يظهر ما أظهره إلا لحكمة ولم يخف ما أخفاه

ص: 378


1- الكافي : ج 2 ، ص 115 .
2- سورة المائدة (5) : 101 .

إلا لحكمة، أى انّ التسبّب إلى اخفاء ما ظهر منها والترسل إلى ظهور ما خفي منها يورث اختلال النظام المبسوط على الكون بل ربما أدى إلى بطلان الحياة بحقيقتها أو معناها ، فأدب المرء بالنسبة إلى الله سبحانه أن يسكت عمّا ترك الله ذكره لأنه عزّ وجلّ هو العالم بالصالح والمحيط علمه بكل شيء ولو علم انّ في ذكر هذه الأشياء خيراً كثيراً لذكرها .

أجل عد التدخّل فيما لا يعني الانسان به آفة لسانية وعادة سيئة يجب اجتنابها حذراً من أن يصيبه المكروه من جراء ما ليس بصالحه من قول أو عمل .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

« مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ». (1)

وذلك من جهة ان التكلّم فيا لا يعنى المرء مما لا فائدة فيه أصلاً لا في الدين ولا في الدنيا، على انه مذموم شرعاً وقد وردت في ذمّة أخبار كثيرة ، فهو ربما أدّى إلى الكذب بالزيادة والنقصان .

روي أنه استشهد يوم أحد غلام من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع ، فمسحت أمّه التراب من وجهه وقالت : هنيئاً لك الجنة يا بني . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: وما يدريك لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره.

ثم أنّه كما ان التكلّم بما لا يعني المرء مذموم ، كذلك سؤاله غيره عما لا

ص: 379


1- وسائل الشيعة : ج 12، ص 199 .

يعنيه مذموم ، بل هو أشد ذمّاً ، حتى قال بعض علماء الأخلاق : لو سئلت غيرك عن عبادته فنقول له : هل أنت ،صائم، فهو سؤال عما لا يعنيك وربما كنت مذموماً عليه محاسب من جهته ، لأنه إذا قال لك نعم كان مظهراً عبادته فيدخل عليه الرياء، وإن لم يدخل الرياء سقطت عبادته لا أقل من ديوان عبادة السرّ، وعبادة السرّ تفضّل عبادة الجهر بدرجات وإن قال لا ، كان كاذباً، والكذب ممقوت عليه صاحبه ، وإن سكت كان مستحقراً إيّاك، وإن احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى تعب وجهد فيه، فكنت عرضته بالسؤال .

فهذا السؤال وأمثاله إذا لم يكن فيه ضرر وهتك ستر وايقاع في رياء أو كذب، فهو ممّا لا يعني وتركه من حسن الاسلام.

فطوبى لمن رزق معرفة عيب الكلام وهوائه، وعلم الصمت وفوائده فان ذلك من أخلاق الأنبياء وشعار الأصفياء.

عوّد لسانك قول الخير تنج به*** من زلّة اللفظ أو من زلّة القدم

وأحذر لسانك من خدّ تنادمه*** ان النديم لمشتق من الندم

أجل لسان المؤمن وراء قلبه ، فاذا أراد أن يتكلّم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه بلسانه ،وإن لسان المنافق أمام قلبه فاذا هم بشيء أمضاه بلسان ولم يتدبّره بقلبه فعلى العاقل أن يكون عارفاً بزمانه ، مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه .

ص: 380

باب العجب
اشارة

وفيه وصيتان

«سيّئةُ تسوك خَيْرٌ عِندَ اللهِ مِنْ حَسَنَةٍ تُعجِبُك ».

الامام علي علیه السلام

ص: 381

1 - يَا بُنَيَّ : لِكُلِّ شيءٍ آفةٌ وآفَةُ العملِ العُجِبُ وَلا تَرَ النَّاسَ ما يَعلَمُ اللهُ مِنْكَ غيره (1).

2- يَا بُنَيَّ : لا تَجبَنَّ بِما تَعمل فإنّك لا تدري أيقبلُ اللهُ مِنكَ أَمْ لا ؟(2).

ص: 382


1- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ص 259 .
2- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ص 259 .

«العجب : هو الزهو والكبر ، رجل معجب : مزهو بما يكون منه حسناً أو قبيحاً (1).

والعجب كما عن ابن مسكويه - ظن كاذب بالنفس في استحقاق مرتبة هي غير مستحقة لها .

فالانسان المعجب يغتر بنفسه ويظنّ أنّه عند الله سبحانه بمكانه فيخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها ، وأن أعجب برأيه وعمله وعقله منع ذلك من الاستفادة والاستشارة والسؤال فيستبد بنفسه ورأيه ويستنكف من سؤال من هو أعلم منه وربما يعجب بالرأي الخطأ الذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره ولا يفرح بخاطر غيره فيصر عليه ولا يسمح نصح ناصح ولا وعظ واعظ ، بل ينظر إلى غيره بعين الاستهجان ويصرّ على خطاياه .

حقيق على من عرف نفسه أن يعرف كثرة العيوب والنقائص التي يعتورها فانّ الفضل مقسوم بين البشر ، وليس يكمل الواحد منهم او لا بفضائل غيره، وكلّ من كانت فضيلته عند غيره فواجب عليه أن لا

ص: 383


1- تاج العروس - مادة عجب -.

يعجب نفسه .

المعجب بما لديه يجمع به الحال عن تحرّي مراقي السعادة والتقدّم بحسبان ان ما عنده واف لما ينبغي أن يتحرّاه من مناهج الأمور فيبق عاطلاً لا يجد وسيلة إلى التقدّم ويكون منتهى أمره الخسران .

وهذا ما أشار إليه الامام علی علیه السلام حيث قال :

«أَنَّ الْإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وَآفَةُ الْأَلْبَاب». (1).

لو أنصف المرء لتجلى لديه ان من أوّل السفه تسريب العجب إلى نفسه المحتفّة بالنقائص ، أجل انّ الانسان أوّله لقمة ضمّت إليها جرعة ماء فان شئت كسيرة خبز معها ثمرات وقطعة من لحم ونحو ذلك طبقته الكبد فأخرجت منه قطرات مني فاستقر في الانثيين فحركتها الشهوة فصبت في بطن الأم مدّة حتى تكاملت صورتها فخرجت طفلاً تتقلب في خرق البول.

ان كلّ ما يعجبه المعجب عرضة للزوال والفناء فكم أباد الدهر أهل الحسب وجعل الملوك عبيداً، وصاحب العبادة والزهد فاسقاً مارقاً أجل العجب بالعبادة يدعها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف فيا صاحب العبادة كيف تعجب و ترى نفسك انك أحسنت مع الله سبحانه صنعاً كأَنك ثمن على الله بطاعتك له ، أغفلت قوله سبحانه :

«يَتُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ مِنْ عَلَيْكُمْ

ص: 384


1- بحار الأنوار: ج 74، ص 205 .

أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ». (1).

أم غاب عن سمعك قول علي بن الحسين علیهما السلام في حال طاعته وعبادته

«إِلَهِي وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ وَعَظَمَتِكَ لَوْ أَنِّي مُنْذُ بَدَعْتَ فِطْرَتِي مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ عَبَدْتُكَ دَوَامَ خُلُودِ رُبُوبِيَّتِكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ سَرْمَدَ الْأَبَدِ بِحَمْدِ الْخَلائِقِ وَشُكْرِهِمْ أَجْمَعِينَ لَكُنْتُ مُقَصِّراً فِي بُلُوغِ أَدَاءِ شُكْرِ أَخْفَى نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِكَ عَلَيَّ وَلَوْ أَنِّي كَرَبْتُ مَعَادِنَ حَدِيدِ الدُّنْيَا بِأَنْيَابِي وَحَرَثْتُ أَرَضِيهَا بِأَشْفَارِ عَيْنِي وَبَكَيْتُ مِنْ خَشْيَتِكَ مِثْلَ بُحُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ دَماً وَصَدِيداً لَكَانَ ذَلِكَ قَلِيلاً فِي كَثِيرٍ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّكِ عَلَي ».(2).

فهل يا صاحب العبادة والشكر تعظم نفسك وتعجب بعبادتك بعد وقوفك على قول هذا الامام العابد في طاعته الله سبحانه وهو ساجد.

ومن آفات العجب أن يغتر الانسان بحسبه ونسبه ويتكل عليهما ، فهو لا يعرف من الفضائل والكمالات سوى أسمائها ، وأجهد الناس بالحقيقة من افتخر بالعظام البالية وتبجع بالقرون الماضية واتكل على الأيام الخالية ، فعلى أهل النسب والحسب أن تأبى نفوسهم عن الاتكال

ص: 385


1- سورة الحجرات (49): 17
2- علي والأسس التربوية : ص 480 .

عليها وأن يقولوا كما قال الامام علی علیه السلام :

أنا ابن نفسي وكنيتي أدبي*** من عجم كنت أو من العرب

انّ الفتى من قال ها انذا ***ليس الفتى من قال كان أبي

ويقولوا كما قال عبد الله بن جعفر سلام الله عليه :

لسنا وإن أحسابنا كرمت ***يوماً على الأحساب نتكل

نبني كما كانت أوئلنا ***تبني ونفعل مثل ما فعلوا

أجل هذا قول ذوي الهمم العالية، وأما من تصاغرت نفوسهم وتدانت شمسهم وتسافلت هممهم فانّهم يسلون أنفسهم بما كان لسلفهم من الآثار الخالدة والمزايا الحميدة ويزاحمون أهل الفضل والكمال بكمال سلفهم يرون لهم الحياة بمن فات.

والمفتخر بنسبه أكثر ما يدعيه إذا كان صادقاً إن أباه كان فاضلاً فلو حضر ذلك الفاضل وقال ان الفضل الذي تدعيه لي أنا مستبد به دونك فما الذي عندك منه مما ليس عند غيرك لأفحمه وأسكته

يروى ان مملوكاً كان لبعض الفلاسفة افتخر عليه بعض رؤساء زمانه فقال له : ان افتخرت على بفرسك فالحسن للفرس لا لك ، وان افتخرت بثيابك وآلاتك فالحسن لها دونك ، وان افتخرت بآبائك فالفضل كان فيهم دونك ، فاذا كان الفضائل والمحاسن خارجة عنك ها أنت منسلخ عنها وقدر رددناها على أصحابها ، بل لم تخرج عنهم فتردّ عليهم وأنت ممن يحقق ذلك إن شاء الله تعالى لذلك ذمّ الله عزّ وجلّ أهل

ص: 386

العجب ووبخهم بما لا مزيد عليه فقال سبحانه :

«لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ».(1)

أي نصركم الله في يوم حنين في ذلك اليوم الذي أعجبتهم فيه كثرتهم فسرى داء العجب فيمن كان مع رسول الله صلی الله علیه و آله من الأنصار والمهاجرين إلا من امتحن الله قلبه للايمان وخلصت الله أعماله فانهزم المعجبون بعدتهم وعديدهم وأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين الثابتين معه .

أجل « من العجائب أن تعجب بنفسك ولا تعجب بمن إليه الأمر كله ولا تعجب بجوده وكرمه وفضله في ايثاره إيّاك على الفساق من عباده إذ مكنهم من أسباب الشهوات واللذات وزواها عنك وصرف عنهم بواعث الخير وهيأها لك حتى يتيسر لك الخير من غير وسيلة سابقة منك ».(2) .

تعصي الاله وانت تظهر حبّه ***هذا محال في القياس بديع

لو كنت تضمر حبّه لأطعته*** ان المحب لمن أحبّ مطيع

في كلّ يوم يبتليك بنعمةٍ ***منه وانت لشكر ذاك مضيع

ص: 387


1- سورة التوبة (9) : 25 - 26 .
2- جامع السعادات : ج 1 ، ص 335 .

وكيف كان فآفات العجب كثيرة ، فانّه يدعو إلى نسيان الذنوب واهمالها لظنه انه مستغن عن تفقدها ، ومنها انه يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه ويتولّد من الكبر الآفات الكثيرة ومنها يدعو إلى استعظام العبادات والطاعات والمنّة بها على الله وكفى بذلك نقصاً .

ومنها يدعو اعجابه بها إلى التعامي عن آفاتها، والمعجب يغتر بنفسه وبربّه ويأمن مكر الله ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون .

ويمنعه العجب عن الاستشارة والاستفادة والتعليم فيبقى في ذل الجهل وربما يعجب برأيه الخطأ في الأصول والفروع فيهلك . وأخيراً العجب نبات حبّها الكفر وأرضها النفاق وماؤها البغي وأغصانها الجهل وورقها الضلالة وثمرها اللعنة والخلود في النار فمن اختار العجب فقد بذر الكفر وزرع النفاق ولابد من أن يثمر .

لذا ورد في الخبر انّ الله تعالى علم ان الذنب خير للمؤمن من العجب ولو لا ذلك ما ابتلي مؤمناً بذنب أبداً .

وعن الصادق علیه السلام :

«إِنَّ الرَّجُلَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيَنْدَمُ عَلَيْهِ وَيَعْمَلُ الْعَمَلَ فَيَسُرُّهُ ذَلِكَ فَيَتَرَاخَى عَنْ حَالِهِ تِلْكَ فَلأَنْ يَكُونَ عَلَى حَالِهِ تِلْكَ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا دَخَلَ فِيهِ ».(1) .

أعاذنا الله وإيّاك من داء العجب ووفقنا للقيام بشكره وانعامه .

حكاية

ص: 388


1- الأخلاق للسيّد عبدالله شبر : ص 166 .

كان عيسى بن مريم من شرائعه السيح في البلاد، فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من أصحابه قصير ، وكان كثير اللزوم لعيسى فلما انتهى عيسى إلى البحر قال : بسم الله ، بصحة يقين منه فمشى على ظهر الماء، فقال الرجل القصير حين نظر إلى عيسى جازه بسم الله يقين منه فمشى على الماء والحق بعيسى علیه السلام فدخله العجب بنفسه ، فقال : هذا عيسى روح الله يمشي على الماء، وأنا أمشي على الماء فما فضله علي؟ قال : فرمس في الماء فاستغاث بعیسی علیه السلام فتناوله من الماء فأخرجه ، ثم قال له : ما قلت يا قصير ؟ قال : قلت هذا روح الله يمشي على الماء وأنا أمشي فدخلني من ذلك عجب، فقال له عيسى : لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فمقتك الله على ما قلت ، فتب إلى الله عزّ وجلّ ممّا قلت

قال : فتاب الرجل وعاد إلى مرتبته التي وضعه الله فيها

ص: 389

ص: 390

باب السرقة
اشارة

وفيه وصيّة واحدة

«وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ».

القرآن الكريم

ص: 391

1 - يَا بُنَيَّ : إِنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ حَبَسَهُ اللهُ مِنْ رِزْقِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ إِثْمُهُ وَلَوْ صَبَرَ لَنَالَ ذَلِكَ وَجَاءَهُ مِنْ وَجْهِه (1).

ص: 392


1- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 420 .

«السارق من جاء مستتراً إلى حرز فأخذ مالاً لغيره فان أخذه من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس ، فان منع ما في يده فهو غاصب.». (1)السرقة صاحبها مذموم لأنها ناتجة عن خساسة النفس واستحكام الجهل ، فاذا سرق ولم يجد رادعاً عنه كانت له جرأة على السرقة ثانياً وإذا وجد من يزيّن له تحسينها كانت له جرأة ورغبة على العدوان وإذا رأى سارقاً غيره يرى عمله مرضيّاً.

السرقة رذيلة وموبقة من الموبقات الخطيرة لما يشتمل عليها من المساوئ والعواقب غير الحسنة، فهى تحطّ المرء في الأعين ، فبعد ان كان محترماً وكان له مقامه المرموق تراه اذا ما سرق شيئاً يهوي من شرفه العزّة والشرف إلى الهاوية السحيقة من الذل والاحتقار والسقوط، كما انها تسلب ثقة الناس واطمئنانهم منه فأوّل سرقة تمثل حداً فاصلاً بين بثقة الناس وبين سلب تلك الثقة .

السرقة جريمة لا يقدم عليها إلا من ضعف ايمانه بالله عزّوجلّ، فهو

ص: 393


1- تاج العروس - مادة سرق - .

يسرق لا لسد حاجة ، بل إنما يسرق لطمع في الثراء من غير طريق العمل ، هذا ولكن الله سبحانه أبى إلا أن يربط الأشياء بأسبابها والنتائج بمقدّماتها فجعل كلّ شيء داعية وسبب فجعل الرزق مرتبط بالسعي وبذل الجهد، جعل تفكيرهم يتجه إلى العمل والكسب من طريقه لا إلى السرقة فاذا لم يوجد العمل أو لم يكف لتوفير ضرورياتهم أعطاهم الله حقهم بالوسائل النظيفة الكريمة

قال سبحانه :

«هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ». (1).

السرقة مصدر لكثير من البلايا التي تحل في المجتمع الانساني فهي تجر إلى العداوة بين الأفراد، بل إلى القتل احياناً ، لذا نرى أن الشريعة الاسلامية دفعت خطر السرقة عن كل نفس محترمة حيث وفّر لها ضمانات العيش وضمانات العدالة في التوزيع وجعل الملكيّة الفرديّة وظيفة اجتماعيّة تنفع المجتمع ولا تؤذيه ، وبدأ الاسلام بتقرير حق كل فرد في المجتمع وحقه في كلّ الوسائل الضرورية لحفظ الحياة من أجل هذا كله من حقها اذن أن تُشدّد في عقوبة السرقة والاعتداء على الملكية الفردية

ص: 394


1- سورة الملك (67) : 15 .
حد السرقة

المراد بالحدّ هنا العقوبة التي نص عليها الشارع وأوجب أنزالها بالجاني المرتكب جريمة معيّنة ، والغاية منه الردع والزجر عن المحرّمات ويسمّى الحدّ عقوبة مقدّرة ، لأنّ الشارع هو الذي قدّرها (1).

والأساس الذي قامت عليه الشريعة الاسلامية في عقوبة السرقة هو قطع اليد ، هذا مما لا أشكال فيه، وإنما الخلاف من أين تقطع اليد أو لا ؟ و في كم تقطع ؟ أي في نصاب السرقة الذي تقطع من أجله اليد ثانياً .

أمّا المسئلة الأولى : ففيها ثلاثة أقوال:

1 - القول الأول :

تقطع اليد من الكف إلى الرسخ، لأنها المتبادر من اطلاق اليد ولهذا قال الله في آية الوضوء : ﴿ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ فدل على هذا انّ حدّ اليد هو المرفق.

وقالوا أيضاً : إنما تقع السرقة بالكف مباشرة والساعد والعضو يحملان الكف كما يحملها معها البدن .

وقالوا أيضاً : إنّ اليد اليمنى هى التى تقطع لأن التناول يكون بها إلا ما شذ وندر.

2 - القول الثاني :

ص: 395


1- وأمّا التعزير : فهو أيضاً عقوبة لكن غير منصوص عليها من قبل الشارع بل قول تقدير ذلك إلى الحاكم بما يراه على ان لا يبلغ في التقدير الحد المنصوص عليه.

تقطع اليد من الكرسوع لقول الله عزّوجل في التيمم : «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ).

3- القول الثالث :

تقطع اليد من مفصل أصول الأصابع فتترك الكف أي يترك أبهامه وراحته لقول الله سبحانه: « وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ».ولقول رسول الله صلی الله علیه و آله: « السجود على سبعة أعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين ، فاذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها ».(1)

وكيف كانت العقوبة فهى ملائمة للفرد وصالحة للجماعة لأنها تؤدّي إلى تقليل الجرائم وتأمين المجتمع مادامت كذلك فهي أفضل العقوبات

ص: 396


1- هذا إذا كان له خمس أصابع ، أما لو كانت ناقصة اقتصر على الموجود من الأصابع وإن كانت واحدة عدا الابهام فانّها لا تقطع وإن كانت وحدها في اليد لصحيحة الحلبي عن الصادق علیه السلام قال : قلت له : من أين يجب القطع ؟ فبسط أصابعه وقال : من ها هنا . يعني من مفصل الكف وقوله في رواية أبي بصير : القطع من وسط الكف ولا يقطع الابهام الوسائل: ج 18 ، ص 489] . ولا فرق بين كون المفقود خلقة أو بعارض، بأن قطعت أحدى أصابعه بآلة ، أو بفعل غير اختياري . ولو كان له اصبع زائدة لم يجز قطعها . وأما لو سرق ثانياً بعد قطع يده تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم وترك العقب يعتمد عليه حالة المشي ، والصلاة لقول الامام الكاظم الهلال : تقطع يد السارق ويترك ابهامه، وصدر راحته، وتقطع رجله ويترك له عقبة يمشي عليها ، وفي السرقة الثالثة بعد قطع اليد والرجل يحبس أبداً إلى أن يموت ولا يقطع في باقي أعضائه وفي الرابعة يقتل .

وأعدلها .

وأمّا المسئلة الثانية : وهي المقدار الذي يوجب الحد من السرقة

فهى على أقوال ثلاثة :

1 - القول الأوّل :

تُقطع اليد بالقليل والكثير عملاً باطلاق الآية وحديث لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الجمل فتقطع يده .

2 - القول الثاني :

تقطع اليد بسرقة دينار أو عشرة دراهم أو قيمة أحدهما .

3- القول الثالث :

ان القطع لا يكون إلا في ربع دينار ذهب خالص مضروب بسكة المعاملة أو مقدار قيمته ، لما روي عن محمد بن مسلم قال : قلت لأبي عبدالله علیه السلام في كم يقطع السارق ؟ قال : في ربع دينار . قال : قلت له في در همین ، قال : في ربع دينار بلغ الدينار ما بلغ . قال : قلت له أرأيت من سرق أقل من ربع دينار هل يقع عليه حين سرق اسم السارق وهل هو عند الله سارق . فقال : كلّ من سرق من مسلم شيئاً قد حواه وأحرزه فهو يقع عليه اسم السارق فهو عند الله سارق ، ولكن لا يقطع إلا في ربع دينار أو أكثر ، فلو قطعت أيدي السرّاق فيها أقل هو من ربع دينار لألقيت عامة الناس مقطعين (1).

ص: 397


1- الوسائل : ج 18 ، ص 484 .

نعم لا يُحد وإنما يُعزر بما يراه الحاكم.

ثم انه لا يُغني قطع يد السارق عن اعادة المال، بل يجب عليه اعادة العين مع وجودها وامكان اعادتها وأما مع تلفها أو تعذر ردّها وجب رد مثلها إن كانت مثلية أو قيمتها إن كانت قيميّة ، ولو عابت ضمن أرشها ، ولو كانت ذات أجرة لزمه مع العين - مثلاً أو قيمة -أجرتها كل ذلك لأنهما حکمان متغايران الاعادة لأخذ مال الغير عدواناً، والقطع حد عقوبة على الذنب .

حكاية

دخل علي بن أبي طالب علیه السلام المسجد ، فقال لرجل إمسك على بغلتي ، فأخذ الرجل الجامها ومضى وتركها ، فخرج علي وفي يده درهمان ليكافى بهما الرجل على مسك البغلة ، فوجدها بغير لجام فركبها ومضى ودفع لغلامه الدرهمين ليشتري بها لجاماً ، فوجد الغلام اللجام في السوق قد باعه السارق بدر همين ، فقال علیه السلام : ان العبد ليحرم على نفسه الرزق الحلال بترك الصبر ، ولا يزداد على ما قدر له .

ص: 398

الفصل الخامس

في وصايا متفرّقة

اشارة

وتشمل على :

سبعة عشرة وصيّة

ص: 399

ص: 400

1-الوصية الأولى في النهي عن الضحك

يَا بُنَيَّ : لَا تَضْحَكَ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ ، وَلَا تَمْشِ فِي غَيْرِ أَدَبِ (1).

وعظ لقمان ولده لحبّه له وميله إليه ، يريده أن يسلّم من كلّ ما يشين به من عيب ، ويريد لولده كما يريد الله سبحانه له ، نهى ولده عن الضحك لما تشتمل عليه تلك الخلّة من المساوئ والعواقب غير الحسنة فمن نتائجها : أنها تحطّ المرء في الأعين ، فبعد ان كان الانسان محترماً وكان مقامه المرموق تراه إذا ما تفوه بكلمة يستخف بها يهوي من شرفة العزّة والشرف إلى الذل والاحتقار ، مضافاً إلى أن ذكر ما يؤدي إلى الخفّة ليس من صفات أهل الشرف والمقام الجليل والمكانة السامية - وليس هذا من شأنهم ، وإنما هو شأن أناس عجزوا عن التفوه بالحقائق العلمية الراهنة فعمدوا إلى تعويضها بالسفاسف والمضحكات.

فالضحك ما زال مذموماً ومنهيّاً عنه إذا كان مفرطاً ومخرجاً صاحبه عن الحق ، وأمّا إذا لم يكن كذلك وكان موجب لانبساط خاطر وطيبة قلب فليس منهيّا عنه ، وانّ التبسّم الذي ينكشف فيه السن ولا يسمع له صوت ليس مذموماً.

روي ان رسول الله صلی الله علیه و آله كان أكثر ضحكه التبسّم وكان مزاحه بأدب ومن مزاحه : أنّ عجوز أنصاريّة أتت إليه فقالت : يا رسول الله صلی الله علیه وآله ادع الله لي

ص: 401


1- العقد الفريد : ج 3، ص 152 .

أن يدخلني الجنّة ، فقال لها : يا أُم فلان ان الجنة لا يدخلها عجوز، فولت المرأة تبكي، فتبسم النبي صلی الله علیه وآله وقال لها : أما قرأت قوله تعالى: «إنا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكاراً * عُرُباً أَتْرَاباً ». (1).

وفي وصيّة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام لهمام :

«يَا هَمَّامُ الْمُؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً ... إلى أن يقول : إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَخْرَق ، وضحكه التبسم ».(2).

هذا ولكن الوقوف على المقدار المعتدل منه صعب، وأكثر الناس تبتدي ولا تدري أين تقف منه ، فتخرج عن حده ويروم الزيادة فيه على صاحبه حتى يصير سبباً للوحشة فيثير غضباً كامناً ويزرع حقداً باقياً، لذا ينبغي أن يحذره من لا يعرف حده ، ويذكر قول القائل :

ربّ جد جره اللعب ***وبعض الحرب أوّله مزاح

قول الآخر :

افد طبعك المصدود بالجد راحة ***يحم وعلله بشيء من المزح

ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ***بمقدار ما يعطي الطعام من الملح

فالمذموم من الضحك هو الافراط فيه والمداومة عليه ، أو ما يؤدّي إلى الكذب والغيبة وأمثالها ، ويخرج صاحبه عن الحق ، وأما القليل الذي

ص: 402


1- سورة الواقعة (56) : 35 - 37
2- انظر : نهج البلاغة .

يوجب انبساط خاطر وطيبة قلب ولا يتضمن ايذاءاً ولا كذباً ولا باطلاً، فليس مذموماً ، لقول رسول الله صلی الله علیه وآله : الي لأمزح ولا أقول إلا حقاً.

ولما روي : أنهم قالوا له صلی الله علیه وآله: يا رسول الله ، انك تداعبنا .

فقال : اني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً.

وأمّا المقصود من الفقرة الثانية ولا تمش فى غير أرب - فهو أن لا تمشي إلا لضرورة كالسعي لقضاء حاجة ، ولعله أشار بذلك إلى العزلة عن المجتمع إلا لحاجة تدعوه إلى الاختلاط ، لأنّ المخالطة تشغل القلب عن التوجه العام إلى الله سبحانه.

فيا للعزلة ما ألذها، يسلم الانسان من كدر غيبة و آفات تصنع وأحوال المداجاة وتضييع الوقت، ويخلو فيها القلب بالفكر بعد ما كان مشغولاً عنه بالمخالطة ، ولو لم يكن في العزلة إلا التفكير في زاد الرحيل والسلامة من شرّ المخالطة لكفى ، فلا يصفو التعبّد والتزهد والاشتغال بالآخرة إلا بالانقطاع الكلّي عن الخلق بحيث لا يبصرهم ولا يسمع كلامهم إلا في وقت الحاجة ويحترز في تلك الساعات منهم.

فطوبى لمن اختار الاعتزال فأنه أروح للبال، وأصلح للمال، وان في العزلة السلامة .

وجاء في الخبر عن الصادق علیه السلام :

«صَاحِبُ الْعُزَلَةِ مُتَحَصِّنَ بِحِصْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمُتَحَرِّسٌ بحَرَاسَتِهِ ، فَيَا طُوبَى لِمَنْ تَفَرَّدَ بهِ سِرّاً وَ عَلانِيَةً ، وَهُوَ يَحْتَاجُ

ص: 403

إِلَى عَشَرَ خِصَالٍ وهي : عِلْمِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَتَحَبُّبِ الْفَقْرِ، وَاخْتِيَارِ الشِدَّةِ ، وَالزُّهْدِ، وَاغْتِنَامِ الْخَلْوَةِ ، وَالنَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ ، وَرُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ مَعَ بَذْلِ الْمَجْهُودِ، وَتَرْكِ الْعُجْبِ ، وَكَثْرَةِ الذِّكْرِ بِلا غَفْلَةٍ ، فَإِنَّ الْغَفْلَةَ مُصْطَادُ الشَّيْطَانِ، وَرَأْسُ كُلِّ بَلِيَّةٍ وَرَأْسُ كُلِّ حِجَابٍ ، وَخَلْوَةِ الْبَيْتِ عَمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْوَقْت ».(1).

وجاء في وصيّة موسى بن جعفرعلیه السلام الهشام بن الحكم:

«يَا هِشَامُ الصَّبْرُ عَلَى الْوَحْدَةِ عَلامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ ، فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا وَالرَّاغِبِينَ فِيهَا وَرَغِبَ فِيمَا عِنْدَ رَبِّهِ أَنْسَهُ فِي الْوَحْشَةِ وَصَاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ وَغِنَاهُ فِي الْعَيْلَةِ وَمُعِزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَة ».(2).

وعن الصادق علیه السلام :

«عَزَّتِ السَّلامَةُ حَتَّى لَقَدْ خَفِيَ مَطْلَبُهَا ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي شَيْءٍ فَيُوشِكُ أَنْ يَكُونَ فِي الْحُمُولِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي الْحُمُول فَيُوشِكُ أَنْ تَكُونَ فِي الصَّمْتِ ، فَإِنْ طُلِبَتْ فِي الصَّمْتِ فَلَمْ تُوجَدْ فَيُوشِكُ أَنْ تَكُونَ فِي التَّخَلِّي، فَإِنْ طُلِبَتْ فِي التَّخَلِّي فَلَمْ تُوجَدْ فَيُوشِكُ أَنْ تَكُونَ فِي كَلامِ السَّلَفِ

ص: 404


1- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 274
2- تحف العقول: ص 288 .

الصَّالِحِ ، وَالسَّعِيدُ مَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خَلْوَةً يُشْغَلُ بِهَا فکره». (1).

وقال الشاعر في ذلك وما أحسن ما قال :

أخص الناس بالايمان عبد ***خفيف الحال مسكنه القفار

له في الليل حظ من صلاة*** ومن صوم إذا طلع النهار

وقوت النفس ياتي من كفاف*** وكان له على ذاك إصطبار

وفيه عفّة وبه خمول*** إليه بالأصابع لا يشار

وقل الباكيات عليه لما*** قضى نحبا وليس له يسار

فذلك قد نجا من كل شر*** ولم تمسسه يوم البعث نار

ص: 405


1- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1، ص 282 .

2- الوصية الثانية: في اتخاذ الرسول الحكيم

«يَا بُنَيَّ : لا تَتَّخِذِ الْجَاهِلَ رَسُولاً فَإِنْ لَمْ تُصِبْ عَاقِلاً حَكِيماً يَكُونُ رَسُولَكَ فَكُنْ أَنْتَ رَسُولَ نَفْسِك ».(1).

الرسول الذي يتابع أخبار الذي بعثه أخذاً من قولهم جاءت الابل رسلاً، أي متتابعة .

الذي يتابع الأخبار لابد أن تتوفّر فيه صفات الرجل العاقل الحكيم العارف الفطن المجرّب الشجاع الفصيح البليغ حتى قال بعض الحكماء : إذا غاب عنكم حال رجل ولم تعلموا مقدار عقله فانظروا إلى كتابه ورسوله فهما شاهدان لا يكذبان.

لذا كانت الملوك والرؤساء من العرب وغيرهم تتخذ رسولاً لها من اجتمعت فيه هذه الصفات مضافاً إلى العفّة والأمانة لئلا يخون مرسله فكم من رسول برقت له بارقة الطمع من جهة من أرسل إليه فحفظ جانبه وترك جانب مرسله .

روي أن معاوية بن أبي سفيان أرسل رسولاً إلى ملك الروم لتقرير أمر الهدنة فلمّا حضر الرسول عند ملك الروم اجتهد على تخفيف تلك الشروط فلم يقبل فخلا به وقال له : بلّغنى انك فقير وانك إذا أردت الركوب إلى معاوية تستعير الدواب ، قال كذلك هو ، قال : فما أراك تعمل

ص: 406


1- قصص الأنبياء للثعلبي : ص 194 .

لنفسك شيئاً، وهذا المال الذي عندنا كثير فخذ منه ما يغنيك إلى الأبد ودع معاوية، وأحضر له عشرين ألف دينار فأخذها وخفّف له الشروط وأمضى له الهدنة ، ثم رجع إلى معاوية فلما نظر معاوية في الكتاب علم بالحال ، فقال له :

ما ومن الأشعار المقولة في ذلك قول القائل :

إذا كنت في حاجة مرسلا ***فارسل حكيماً ولا توصه

وقول الآخر:

إذا أرسلت في أمر رسولاً ***فافهمه وأرسله أديبا

فان ضيّعت ذاك فلا تلمه ***على ان لم يكن علم الغيوبا

ص: 407

3- الوصية الثالثة : في النهي عن الشتم

يَا بُنَيَّ : لا تشتم الناس فتكون أنت الذي شتمت أبويك(1) .

الشتم : هو السب، بان تصف الشيء بما هو أزراء ونقص. السب قبيح صادر عن خباثة النفس، وأهل الصلاح يتماشون من التعرّض له لأنه إذا صدر من الشخص كانت له جرأة ورغبة على العدوان وربما زاد في ذلك وربّ كلمة سلبت نعمة .

فكم سلب الكلام النعم وجرّ النقم وذهب بالنفوس العزيزة ومن تصفّح التاريخ ولاحظ الماضين لعلم الكثير ولعرف ما للسب والشتم وبذاءة اللسان من الرداءة والخساسة وتسبّب العداوة والعثرات التي لا تقال قال سبحانه :

« وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ». (2).

فالآية الكريمة تذكر أدباً دينياً تصان به كرامة مقدسات المجتمع الديني وتنوقى ساحتها أن يتلوّث بدون الاهانة والازراء بشنيع القول والسخرية ، ونحوها ، فانّ الانسان مغروز على الدفاع عن كرامة ما

ص: 408


1- الاختصاص : ص 336
2- سورة الأنعام (6) : 108 .

يقدسه ، والمقابلة في التعدي على من يحسبه متعدّياً إلى نفسه وربما حمله الغضب على الهجر والسب لما له عنده أعلى منزلة العزة والكرامة، فلو سب المؤمنون آلهة المشركين حملتهم عصبيّة الجاهليّة أن يعارضوا المؤمنين بسب ماله عندهم كرامة الالوهية ، وهو ، وهو الله عزّ اسمه، ففي سبّ الهتهم نوع تسبيب إلى ذكره تعالى بما لا يليق بساحة قدسه وكبريائه .

وفي مقابلته بالمثل - على أقل تقدير - ترجع المسبة عليه إن لم تجد مساغاً وطريقاً لها فيكون بالتالي قد سب نفسه وسبّ أبويه، وجاء في الخبر :

«إِنَّ اللَّعْنَةَ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ فِي صَاحِبِهَا تَرَدَّدَتْ فَإِنْ وَجَدَتْ مَسَاعَاً وَإِلّا رَجَعَتْ عَلَى صَاحِبِهَا ».(1).

فالألفاظ السب والشتم بأنواعها مذمومة عقلاً وشرعاً وعرفاً

ومحظورة بأسرها وإن كان بعضها أفحش من بعض وسواء قصد بذلك الجد او المزاح.

قال رسول الله صلی الله علیه و آله:

«سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فَسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ وَأَكْلُ لَحْمِهِ مَعْصِيَةٌ وَحُرْمَةً مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ »(2).

وجاء في الخبر عن أبي بصير عن أبي جعفر علیه السلام قال :

ص: 409


1- أصول الكافي : ج 2، ص 360 - 361 .
2- اصول الكافي : ج 2 ، ص 360 - 361 .

« إِنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَتَى النَّبِيَّ صلی الله علیه و آله فَقَالَ : أَوْصِنِي فَكَانَ فِيمَا أَوْصَاهُ أَنْ قَالَ : لا تَسُبُّوا النَّاسَ فَتَكْتَسِبُوا الْعَدَاوَةَ بَيْنَهُمْ »(1).

وأمّا سبّ الأموات فهو أشدّ وزراً وأعظم إثماً لقول النبي صلی الله علیه و آله:

«لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ». (2).

ص: 410


1- اصول الكافي : ج 2 ، ص 360 - 361 .
2- اصول الكافي : ج 2 ، ص 360 - 361 .

4- الوصيّة الرابعة في النهي عن طول الجلوس في الخلاء

يَا بُنَيَّ : طُولُ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَاجَةِ يُفْجَعُ مِنْهُ الْكَبِدُ وَيُورَثُ مِنْهُ الْبَاسُورُ وَيُصْعِدُ الْحَرَارَةَ إِلَى الرَّأْسِ ، فَاجْلِسْ هَوْناً وَقُمْ هَوْنا (1). (2)

البواسير : « هي احتقانات دموية تحصل في أوردة المقعد فتكون أوراماً مختلفة ، وقد تكون الأورام غائرة لا يظهر منها شيء، وقد تكون جافّة أو رطبة يسيل منها دم بانتظام أو بغير انتظام وهذا الداء يصيب الكهول والشيوخ ويندر حصوله للشبّان وقد يحصل من استعمال الحقن ومن الامساك الشديد، وقد يعترى النساء حال الحمل، وهذا المرض يصيب الرجال أكثر مما يصيب النساء النساء وأسبابه الرئيسية : الأغذية الدسمة وإطالة المكث أمام المكتبة أو على الحصان أو على المركبة، أو كثرة الجلوس على المراتب الدافئة فانّ الحرارة تجذب الدم إلى المقعدة أو من غسل المقعدة بالماء البارد وهي دافئة أو من تناول الأشربة المسكرة أو الأغذية المتبلة أو المنبهة :

ص: 411


1- مجمع البيان : ج 7، ص 317
2- روى السيوطي في تفسير الدر المنثور : كان لقمان من أهون مملوك على سيّده وانّ أوّل ما روي من حكمته انه بينما هو مع مولاه إذ دخل المخرج فأطال فيه الجلوس فناداه لقمان : ان طول الجلوس ... فقال : فكتبت حكمته على باب الحشى. والحشى : البستان ، سمّي بذلك لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في البساتين.

« وجاء في كتاب الطب الطبيعي للعلامة ( بلز ) ما يأتي :

هذا المرض ينشأ أصلياً من ركود تيار الدم في الأوعية الدقيقة والمتوسطة والغليظة من مجموعة الأوردة البطنية والوريد الباب ويمكن أن يأتي أيضاً من الاستعداد له أو ينشأ في الابن من الأسباب عينها التي أوجدته كالمهنة وشكل الحياة والتغذية والاشتغالات(1).

وقد تكون البواسير في بعض الأحوال ضرورية لحفظ الصحة إذا كان الدم الذي يخرج منها قليلاً وفي أوقات معلومة ، في هذه الحالة لا

ص: 412


1- الذي يتبع التشريعات الاسلامية المتعلقة بصحة الأبدان يلاحظ ان الاسلام فرض على أهله كثيراً من الاصول التي يعتبرها الطب الحديث اليوم من القواعد الأولية التي تصلح لدفع أكثر الأمراض قبل وقوعها ، وللتخفيف من حدثها اذا وقعت وقد عنى الاسلام بالتشريعات الوقائية ثم بالتشريعات المرضيّة التي تخفف من علل الأجسام. أجل لقد استفاد المسلمون منه ، واستغنوا به عن غيره ، ايام ان كانت الأنفس كريمة ، والأفئدة سليمة ، والأفكار نظيفة والعقائد صحيحة ، لقد عنى أئمة العلم والحديث - من قديم الزمان - بمعرفة ما ورد عن رسول الله صلی الله علیه وآله من الطب النبوي والعلاج المحمدي، أجل لهو أجود الطب وأنفعه ، وأفضل العلاج وأنجعه وأكمل الدواء وأجمعه. ان خير علاج للمرض هو أن تتفادى الوقوع فيه ، وهذا ما يقوله الأطباء ، أي ان الوقاية خير من العلاج . لقد وضع الاسلام للأبدان تشريعات خاصة تقيها من العلل وتحفظها من الأمراض، وذلك لما للصلة المتينة بين الروح والجسد، ولأن صاحب الجسد العليل لا تتاح له الفرصة للسير في مضمار الحياة والقيام بواجبة الانساني. فالانسان المريض ضعيف الارادة لا يستفيد منه المجتمع الانساني كما يستفيد من الأصحاء الأقوياء.

يحسن معالجتها ، بل تركها بل إذا قل خروج الدم منها أو انقطع وجه وضع العلق عليها لانزاله كما كان قبلاً.

وأمّا إذا كانت البواسير مؤلمة ويسيل منها دم غزير مضعف للبنية فيجب تلطيفها بالحمية والأشربة المرطبة المسكنة وأن يوضع عليها مرهم الخيار أو دهن اللوز الحلو، وممّا يفيد فيها شرب ماء الكراث أو وضعه عليها فان لم تنفع هذه الوسائط وجب استشارة الأطبّاء الحذاق.

وأمّا تسليم النفس للحلاقين وتعاطى ما يصفه بعض المتطبيين من العلاجات فاستهداف بالنفس للهلكة ». (1).

ص: 413


1- دائرة المعارف القرن الرابع عشر : ج 2، ص 27 .

5- الوصية الخامسة: في مشاورة الكبير

يَا بُنَيَّ : شَاوِرِ الْكَبِيرَ وَلا تَسْتَحْيِ مِنْ مُشَاوَرَةِ الصَّغير (1).

«شاور في الأمر : طلب منه المشورة ، تشاور القوم شاور بعضهمبعضاً، والمشاورة : المفاوضة فى الكلام لاظهار الحق.

ويقال : صار هذا الشيء شورى بين القوم اذا تشاوروا فيه ». (2).

لا شك ولا ريب أن عقول الناس متفاوتة وأفكارهم مختلفة فربما ظهر بعضهم من مصالح الآراء ما لا يظهر لغيره ، وإن كان ذلك عظماً ، لذا كان رأي الجماعة أبعد عن الخطأ في رأي الفرد الواحد في أكثر الحالات. :وقالوا: الخطأ مع المشورة أصلح من الصواب مع الانفراد والاستبداد.

لذلك أمر الله سبحانه نبيه محمد صلی الله علیه وآله أن يستشير صحبه ويصفي إلى كل قول ويرجح رأي على رأي بما يرى فيه من المصلحة والفائدة بقدر المستطاع ، قال سبحانه :

«شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ».(3) .

وقال سبحانه:

«وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ».(4) .

ص: 414


1- الاختصاص : ص 333
2- مجمع البحرين - مادة شور - .
3- سورة آل عمران (3) : 159 .
4- سورة الشورى (42) : 38

كان النبي الله يخص بها أهل الرأي والمكانة في الأمور التي يضرّ افشاءها فاستشارهم يوم بدر لما علم بخروج قريش من مكة للحرب، واستشارهم يوم أحد ، وما كان حفر الخندق إلا من رأي بعض الصحابة ، وهكذا كان يستشيرهم في كلّ أمر مهم .

قال العلّامة الطبرسي رحمه الله :

«اختلفوا في فائدة مشاورته اياهم مع استغنائه بالوحي عن تعرّف صواب الرأي من العباد على أقوال :

أحدها : انّ ذلك على وجه التطيب لنفوسهم والتألف لهم والرفع من أقدارهم ليبيّن أنّهم ممن يوثق بأقوالهم ويرجع إلى آرائهم.

ثانيها : ان ذلك لتقتدي به امّته في المشاورة ولم يروها نقيصه كما مدحوا بأنّ أمرهم شورى بينهم .

ثالثها : انّ ذلك لأمرين : لاجلال أصحابه ولتقتدي أمته في ذلك .

رابعها : انّ ذلك ليمتحنهم بالمشاورة ليتميّز الناصح من الغاش .

خامسها : انّ ذلك في أمور الدنيا ومكائد الحرب ولقاء العدو ، وفي مثل ذلك يجوز أن يستعين بآرائهم ». (1).

وكيف كان فان مهمة الشورى هي تقليب أوجه الرأي، واختيار اتجاه من الاتجاهات المعروضة، وهي لا تُغني عن التوكل على الله في نهاية المطاف.

ص: 415


1- مجمع البيان : ج 1 ، ص 527 .

قال صاحب كليلة ودمنة : لابد للشخص من مستشار مأمون يفضي إليه بسره ويعاونه على رأيه فانّ المستشير وإن كان أفضل من المستشار وأكمل عقلاً وأصح رأياً فقد يزداد برأي المشير رأياً كما تزداد النار بالدهن ضوءاً ونوراً.

وإلى هذا أشار الشاعر ولنعم ما قال :

إذا أعوز الرأي المشورة فاستشر*** برأي نصيح أو مشورة حازم

فلابد للانسان اذن : ألا يستبد برأيه وأن يشاور في الملمات خواص الناس وعقلاءهم ومن يتغرس فيه الذكاء والعقل وجودة الرأي وصحة التمييز ومعرفة الأمور ، ولا ينبغي أن يمنعه عزّة إنسان من إيناس المستشار به وبسطه واستمالة قلبه حتى يمحضه النصيحة فان أحداً لا ينصح بالقسر ولا يعطي نصيحته إلا بالرغبة .

وما أحسن قول الشاعر في هذا المعنى:

أهان وأقصى ثم يستنصونني*** ومن ذا الذي يعطي نصيحته قسرا

أجل ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار، فمن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، وكان يقال : ما أستنبط الصواب بمثل المشاورة ، فمن بدأ بالاستخارة وثنى بالاستشارة فحقيق أن لا يخيب رأيه ، وقال الشاعر:

ان اللبيب إذا تفرّق أمره ***فتق الأمور مناظراً ومشاورا

وأخو الجهالة يستبد برأيه ***فتراه يعتسف الأمور مخاطرا

ص: 416

فينبغي أن يكون المستشار صحيح العلم مهذب الرأي ، فليس كلّ عالم يعرف الرأي الصائب وكم ناقد في شيء ضعيف في غيره .

قال الشاعر:

وما كلّ ذى نصح بمؤتيك نصحه ***وماكلّ مؤت نصحه بلبيب

ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ***فحق له من طاعة بنصيب

وقال ابن المعتز المشورة راحة لك وتعب على غيرك.

ص: 417

6- الوصيّة السادسة في أمر الناس بالبر وحرمان نفسه

يَا بُنَيَّ : لا تَأمر الناسَ بالبر وتنسى نَفْسَكَ فَيكونَ مَثلُكَ كمثَل السراج يُضيءُ لِلنَّاسِ وَيُحرِقُ نفسه »(1).

البر : سعة الخير ، ومنه البر والبريّة للفضاء الواسع.

انّ الأمر بالمعروف لابد أن يكون عاملاً به وإلا لم يكن أهلاً لأن يأمر به لأن فاقد الشيء لا يعطيه ، فالتارك للفعل الحسن مع قدرته عليه لا يحسن منه أن يأمر به ولا يؤثر أمره بأحدٍ كما ان المرتكب للمنكر نجد من المنكر نهيه عنه فضلاً عن كونه لا يؤثر نهيه بأحدٍ ، فالدعوة إلى البر والمخالفة عنه في السلوك الداعين إليه هي الآفة التي تصيب النفوس بالشكّ وتبلبل قلوب الناس وأفكارهم لأنهم يسمعون قولاً جميلاً ويشهدون فعلاً قبيحاً ، فتتملّكهم الحيوة بين القول والفعل ، وتخبو في أرواحهم الشعلة الي توقدها العقيدة .

ان الكلمة لتنبعث ميتة وتصل هامدة - مهما كانت رنّانة إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها ، ولن يؤمن انسان بما يقول حقاً إلا أن يستحيل هو ترجمة حيّة لما يقول، وتجسياً واقعياً لما ينطق ... عندئذٍ يؤمن الناس، ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق، أنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها لأنها منبعثة من حياة .

ص: 418


1- بحار الأنوار: ج 72، ص 47 .

قال سبحانه وتعالى :

«أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ»(1).

المراد من النسيان هو الترك، لأن من شأن الانسان ألا ينسى نفسه من الخير، ولا يجب أن يسبقه أحد إلى السعادة وعبّر به عنه للمبالغة في عدم المبالاة والغفلة عمّا ينبغى أن يفعله ، فالله سبحانه وبّخ هؤلاء القوم على أنهم كانوا يأمرون الناس بالبر كالأخذ بالحق ومعرفته لأهله، وعمل الخير والوعد عليه بالسعادة مع الغفلة عن أنفسهم وعدم تذكيرها بذلك . فما أجمل التعبير عن هذه الحالة بنسيان الأنفس وأخذ هذا المعنى أبو الأسود الدؤلي وقال ولقد أحسن وأجاد :

لا تنه عن خُلق وتأتي مثله ***عار عليك إذا فعلت عظيم

فهناك يُقبل إن وعظت ويُقتدى ***بالقول منك وينفع التعليم

ومَثَلُ من كانت هذه حاله كمثل رجل أمامه طريق مضيء نصبت فيه الأعلام بحيث لا يضل سالكه ، ثم هو يسلك طريقاً آخر مظلماً طامس الأعلام ، وكلّما لقى في طريقه شخصاً نصح له أن لا يمشي معه وان يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه .

أو مَثَله مَثَل الساغب يدعو الناس إلى المائدة الشهيّة ويبيت على الجوع والطوى.

فالمطابقة بين القول والفعل ، وبين العقيدة والسلوك ، ليست أمراً هيناً

ص: 419


1- سورة البقرة (2): 44

ولا طريقاً معبداً، أنها في حاجة إلى رياضة وجهد وإلى صلة بالله سبحانه و استمداد منه ، فالشخص الفاني ما لم يتصل بالقوّة الخالدة الباقية ضعيف مهما كانت قوته لأن قوى الشر والطغيان والاغواء أكبر منه ، بخلاف من يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي ، بل أقوى من كلّ قوّة .

قال الشاعر:

ما أقبح التزهيد من واعظ*** يُزهّد الناس ولا يزهد

لو كان في تزهيده صادقاً ***أضحى وأمسى بيته المسجد

إن رفض الدنيا فما باله*** يستمنح الناس ويسترفد

والرزق مقسوم على من ترى*** يناله الأبيض والأسود

أجل من لم يكن مهتدياً مستقياً، تسقط عنه الحسبة بالوعظ ، لعلم الناس بفسقه فلا يتضمّن وعظه وكلامه فائدة ولا يؤثر في العالم بفسقه ، ولا يخرج ذلك وعظه وقوله عن الجواز.

وجاء في مصباح الشريعة :

« مَنْ لَمْ يَنْسَلِحْ عَنْ هَوَاجِسِهِ وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ آفَاتِ نَفْسِهِ وَشَهَوَاتِهَا وَلَمْ يَهْزِمِ الشَّيْطَانَ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي كَذَفِ اللَّهِ وَأَمَانِ عِصْمَتِهِ لا يَصْلُحُ لَهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَكَلَّمَا أَظْهَرَ أَمْراً كَانَ حُجَّةً عَلَيْهِ وَلا يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَيُقَالُ لَهُ يَا خَائِنُ أَتُطَالِبُ خَلْقِي بِمَا خُنْتَ

ص: 420

بِهِ نَفْسَكَ وَأَرْخَيْتَ عَنْهُ عِنَانَكَ». (1).

« وروي انّ الله تعالى أوحى إلى عيسى : عظ نفسك ، فان اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستحى منى »(2).

ص: 421


1- باب 64 ، باب الأمر بالمعروف .
2- مستدرك الوسائل : باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 360/2.

7- الوصيّة السابعة: في اليقين

يَا بُنَيَّ : لا يُستَطاعُ العَمَلُ إِلّا باليَقِينِ ، وَلا يَعملُ المرءُ إِلَّا بِقَدرِ يَقِينِهِ ، ولا يقصر عامل حتّى ينقصَ يَقينه (1).

« يقين الأمر وأيقنه وتيقن واستيقنه : علمه وتحققه .

وفي الاصطلاح اعتقاد الشيء مطابقاً للواقع غير ممكن الزوال، وعند أهل الحقيقة : رؤية العيان بقوّة الايمان لا بالحجة والبرهان »(2).

اليقين عزيز الحصول صعب المنال ، ثمراته جيّدة وعواقبه مجيدة وطريقه مستقيم ، ان شمس اليقين إذا أشرقت واستضاءت بنورها النفس أراه ذلك الا الملكوت وأحوال الدنيا والآخرة وبواطن الأشياء والأسرار التي في الغيوب مما كشفها الله لأنبيائه ، واطلع عليها قلوب خيرته وأصفيائه ، وذلك ان القلب إذا وصل إلى الله سبحانه وامتلأ من عظمته وأشرف بنور جلاله وهيبته ، فبعد ذلك أينما وقع البصر دار الفكر حوالي ما امتلأ به القلب إذ وصل إلى الله وامتلأ من عظمته من العمل الصرف الصافي الخالص .

ان صاحب اليقين في جميع الأحوال خاضعا الله سبحانه معرضاً عن جميع ما عداه ، مفرغاً قلبه عما سواه ، منصرفاً بفكره إلى جناب قدسه.

ص: 422


1- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 162 .
2- تاج العروس - مادة يقن -.

ان صاحب اليقين لا يتكل في مقاصده إلا على الله سبحانه ولا يثق إلا به ، فهو يتبرى من كلّ حول وقوّة سوى حول الله وقوته ، ويعلم ان ما يرد عليه منه سبحانه ، وما قدّر له وعليه من الخير والشر سيساق إليه . فتستوي عنده حالة الوجود والعدم والزيادة والنقصان والفقر والغنى والصحة والمرض، وما ذاك إلا لأنه يرى الأشياء كلّها من عين واحدة هو مسبّب الأسباب، ولا يلتفت إلى الوسائط ، بل يراها مسخّرة .

وجاء في الخبر :

«مَنْ ضَعُفَ يَقِينُهُ تَعَلَّقَ بِالْأَسْبَابِ وَرَخَّصَ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ وَاتَّبَعَ الْعَادَاتِ وَأَقَاوِيلَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقِيقَةِ وَالسَّعْي فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَجَمْعِهَا وَإِمْسَاكِهَا مُقِرّاً بِاللَّسَانِ أَنَّهُ لَا مَانِعَ وَلَا مُعْطِيَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ الْعَبْدَ لا يُصِيبُ إِلَّا مَا رُزِقَ وَقُسِمَ لَهُ وَالْجَهْدَ لَا يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ وَيُنْكِرُ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ وَقَلْبِهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (1).

أجل اليقين أشرف الفضائل الخلقيّة وأهمها ، وأفضل الكمالات النفسية وأعظمها وهو الكبريت الأحمر الذي لا يظفر به إلّا أوحدي من أعاظم العلماء ، ومن وصل إليه فاز بالرتبة القصوى .

وورد في الحديث :

« أَقَلَّ مَا أُوتِيتُمُ الْيَقِينُ وَعَزِيمَةُ الصَّبْرِ وَمَنْ أُتِيَ حَظَّهُ مِنْهُمَا لَمْ

ص: 423


1- جامع السعادات : ج 1، ص 119 - 120 .

يُبَالِ مَا فَاتَهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَار»(1).

ان لليقين مراتب ودرجات متفاوتة في القوة والضعف، بل حتى الأنبياء مع جلالة قدرهم عند الله سبحانه متفاوتون في قوة اليقين وضعفه .

فالأشخاص مختلفون في كيفية التصديق والاذعان، فبعضهم فيها على يقين مثل ضوء الشمس بحيث لو كشف عنهم الغطاء ما ازدادوا يقيناً كما كان ذلك لعلي بن أبي طالب علیه السلام وبعضهم على يقين دون ذلك، وأقل هؤلاء رتبة أن تصل مرتبة يقينهم إلى طمأنينة لا اضطراب فيها ، وبعضهم على مجرّد تصديق ظنّي يتزلزل من الشبهات والقاء الفيض فالنفس كلّما ازدادت یقیناً ازدادت تجرّداً فتحصل لها ملكة المتصرف في موارد الكائنات . ففي الخبر :

«الْيَقِينُ يُوصِلُ الْعَبْدَ إِلَى كُلِّ حَالٍ سَنِي وَمَقَامٍ عَجِيب ».

كذلك اخبر رسول الله صلی الله علیه وآله من عظم شأن اليقين حين ذكر عنده ان عيسى بن مريم كان يمشي على الماء ، فقال : لو زاد يقينه لمشى في الهواء.

ومن أخبار أهل اليقين : ما حكاه ابراهيم الخواص . قال : لقيت غلاماً في التيه كأنه سبيكة ،فضة ، فقلت : إلى أين ؟ فقال : إلى مكة . فقلت : بلا زاد ولا راحلة ، فقال : يا ضعيف اليقين الذي يحفظ السماوات والأرض

ص: 424


1- جامع السعادات : ج 1، ص 119 - 120 .

لا يقدر أن يوصلني إلى بيته بلا علاقة ، فلما دخلت مكة إذا هو في الطواف يقول :

يا عين سحي أبداً*** یا نفس موتی کمدا

ولا تحبّي أحدا ***إلا الجليل الصمدا

فلما رآني ناداني يا شيخ : أنت بعد على ذلك الضعف من اليقين ؟ إن من وثق بالله في رزقه لم يطلب الرزق قبل وقته .

اللهم هَبْ لنا يقيناً صادِقاً يَكفينا بِهِ مِن مَؤُونِةِ الطلب، وألهمنا ثِقَةً خالِصَةً تُعفينا بها مِنْ شِدَّةِ النَصَب...

ص: 425

8- الوصيّة الثامنة : في حفظ العين - النظر -

يَا بُنَيَّ : إِذا كُنتَ في بَيتِ غَيْرِكَ فاحفَظْ عَيْنَيْكَ (1).

غض البصر أدب نفسى ، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام وغير ذلك مما لا يحلّ النظر إليه وترك ابتذاله إلا لموضع العبرة والاعتبار، كما ان فيه اغلاقاً للنافذة الاولى من نوافذ الفتنة والغواية ، ومحاولة عمليّة للحيلولة دون وصول السهم المسموم .

فغض البصر هو نموذج من تقليل فرص الاستثارة والغواية والفتنة.

أجل البصر هو الباب الأكبر إلى القلب وأعمر طرق الحواس إليه لذا وجب التحذير منه وغضّه فى كلّ ما يخشى الفتنة من أجله

وجاء في الحديث الشريف:

إيَّاكُمْ والجلوس على الطرقات، قالوا: ما لنا بُدّ منها إنما هي مجالستنا نتحدث فيها ، قال : ماذا أبيتم إلا ذلك فاعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق ؟ قال : غض البصر وكف الأذى ... الخ ».(2)

ص: 426


1- راجع حاشية عدة الداعي للشيخ ابن فهد .
2- جامع السعادات : ج 2، ص238.

وجاء في رسالة الحقوق

وَأَمَّا حَقُّ بَصَركَ فَغَصُّهُ عَمَّا لا يَحِلُّ لَكَ وَتَرْك ابْتِذَالِهِ إِلَّا لِمَوْضِعِ عِبْرَةٍ تَسْتَقْبِلُ بِهَا بَصَراً أَوْ تَسْتَفِيدُ بِهَا عِلْماً فَإِنَّ الْبَصَرَ بَابُ الإِعْتِبَار». (1).

فالبصر رائد القلب كما ان الحمى رائد الموت.

ألم تر إنّ العين للقلب رائد*** فما تألف العينان فالقلب آلف

فالنظرة الخائفة هي رائد الفتنة وأصل الجريمة وهي كما في الحديث سهم من سهام ابليس ورُبّ نظرة أورثت حسرة يوم القيامة

فاذا غض الانسان بصره كان أطهر له من الذنوب وأنمى الأعمال في الطاعة وأفرغ لباله وأصلح لأحواله ، لذا قالوا:

وأنيت إذا أرسلت طرفك رائداً ***لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

رأيت الذي لا كلّه أنت قادر*** عليه ولا عن بعضه انت صابر

فمن أرسل طرفه أدنى حتفه ، ومن غض البصر كفّه عن التطلع الى المباحات من زينة الدنيا وجمالها (2)

قال سبحانه:

«إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤلاً . ».(3)

ص: 427


1- مستدرك الوسائل : ج 11 ، ص 156 .
2- والمقصود من الغض هو الكف عن الاسترسال ، قال الشاعر : فغض الطرف إنك من غير ***فلا كعباً بلغت ولا كلابا
3- سورة الإسراء (17) : 36

إن السمع والبصر والفؤاد هي نعم أتاها الله الانسان ليشخص بها الحق ويحصل بها على الواقع فيعتقد به ويبنى عليه عمله وسيسأل عن كلّ منها هل أدرك ما استعمل فيه ادراكاً علمياً؟ وهل اتبع الانسان ما حصلته تلك الوسيلة من العلم ، فيسأل عن البصر هل كان ما رآه ظاهراً بيّناً، فمن الواجب اذن على كل انسان أن يتحرّز عن كلّ ما لا يحل له لأن أعضاءه تسأل وتشهد عليه ، كما أخبر بذلك سبحانه وتعالى:

«وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُم وَلَكِنْ ظنتهم أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ »(1).

ص: 428


1- سورة فصلت (41): 22

9- الوصية التاسعة في صحة الجسم

يَا بُنَيَّ : لَيسَ غِنى مِثلُ صحة الجسمِ وَلا مَعْنَم مِثل طيب العيش (1).

الصحة من أجلّ نِعم الله عزّ وجلّ على عبده وأجزل عطاياه وأوفر منحه ، بل العافية المطلقة أجل النعم على الاطلاق .

قال رسول الله صلی الله علیه و آله:

«نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغِ» (2).

فحقيق على الانسان مراعاتها وحفظها وحمايتها عما يضادها ، لأنها قوام الانسان وعليها المدار، فاذا انحرفت صحته هزل جسمه وتأثرت جميع أعضائه ومنها العقل، فلم يعد الانسان قادراً على التعقل ولا الفكر ، لذا قالت الأطباء : لا عقل سليم إلا في جسد صحيح .

فلو كان الضرر الجثمانى لا يتعدّى إلى بقيت الأعضاء لقلنا كما قال المتنبي:

يهون علينا أن تصاب جسومنا ***وتسلم أعراض لنا وعقول

فينبغي أن يتناول الانسان الأغذية ما يحفظ البدن ويدفع ألم الجوع ويمنع من المرض، فيحقر عنده قدر الطعام الذي يستعظمه أهل الشره ويقبح عنده صورة من شره إليه، وينال منه فوق حاجة بدنه أو ما لا

ص: 429


1- جلاء الكروب في شرح حكمة القلوب : ج 1 ، ص 262 .
2- مستدرك الوسائل : ج 12 ، ص 140 .

يوافقه حتى يقتصر على لون واحد .

فحفظ الصحة كلّه في هاتين الكلمتين الالهيتين وهما :

«وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ».(1).

فأرشد عباده إلى إدخال ما يُقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلّل منه ، وأن يكون بقدر ما ينتفع به البدن في الكمية والكيفية فمتى جاوز ذلك كان إسرافاً، وكلاهما مانع من الصحة جالب للمرض أعني عدم الأكل والشرب أو الاسراف فيها.

فحفظ البدن موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب والملبس والهواء والنوم واليقظة والحركة والسكون والمنكح والاستفراغ والاحتباس ، فاذا حصلت هذه على الوجه المعتدل الموافق الملائم للبدن والبلد والسن والعادة ، كان أقرب إلى دوام الصحة والعافية أو غلبتها إلى انقضاء الأجل.

إنّ الأغذية كلّها أنما خلقت وأعتدت لنا لتصح بها أبداننا وتصير مادة حياتنا فهي تجري مجرى الأدوية لتيداوى بها الجوع والألم الحادث منه ، فكما انّ الدواء لا يرام للذة ولا يستكثر منه للشهوة فكذلك الأطعمة.

أمّا الفقرة الثانية : لا مغنم مثل طيب العيش :

فلا شكّ أنّ من صح جسمه وذكر مقام ربّه ورضي بما قسم الله له

ص: 430


1- سوة الأعراف (7) : 31.

طاب عيشه ، ومن أعرض عن ذكره سبحانه كان في ضنك من العيش

«وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ».(1).

أجل من نسي ربّه وانقطع عن ذكره لم يبق له إلا أن يتعلّق بالدنيا ويجعلها مطلوبه الوحيد الذي يسعى له ويهتم باصلاح معيشته والتوسع فيها والمعيشة التي أديتها لا تسعه سواء كانت قليلة أو كثيرة ، لأنه كلّما حصل منها واقتنها لم يرض نفسه بها وانتزعت إلى تحصيل ما هو أزيد وأوسع فهو دائماً في ضيق صدر وحنق مما وجد متعلّق القلب بما رواه مع ما يهجم عليه من الهم والغم والحزن والقلق والاضطراب بينما لو عرف مقام ربه ذكراً غير ناسي أيقن أن له حياة عند ربّه لا يخالطها موت وملكاً لا يعتريه زوال وعزّة لا يشوبها ذل وفرحاً وسروراً ورفعة وكرامة لا تقدر بقدر ولا تنتهي إلى أحد ، فلو عرف ذلك قنعت نفسه بما قدر له من الدنيا ووسعت ما اوتيه من المعيشة من غير ضيق وضنك.

ص: 431


1- سورة طه (20) : 124 .

10- الوصيّة العاشرة: تفاوت الناس فى المفهوم

يَا بُنَيَّ : نَقل الصخور مِنْ مواضعها أيسر مِن إفهام مَنْ لا يفهم(1)

ما أكثر تفاوت الناس في الفهوم شدّة وضعفاً، فمنهم من توجد في نفسه قوّة مهيّأة ومستعدة لاكتساب الآراء ومستعدة لاكتساب الآراء بسرعة فيعلم الذكي الفطن معنى القول عند سماعة - وبهذا حدوا الفهم وقالوا :

هو العلم بمعنى القول عند سماعه ، وهذا النوع من الانسان قد أراح نفسه ومعلّمه(2) .

ومنهم من يكون على العكس من ذلك فهو البليد الذي لا فطنة له والذي ترك نظره في العواقب وثقته بمن لا يعرفه كثير الكلام، سريع

ص: 432


1- تفسير روح المعاني : ج 21 ، ص 83 .
2- قالت الحكماء : الخلق المعتدل والبنية المتناسبة دليل على قوّة العقل وجودة الفطنة ، وإذا غلظت الرقبة دلّت على قوة الدماغ ووفوره . وقيل في الاستدلال على عقل العاقل وفطانته : بسكوته وسكونه وخفض بصره وحركاته في أماكنها اللائقة بها ومراقبته للعواقب فلا تستفده شهوة عاجلة عقباها ضرر ، وتراه ينظر في الفضاء فيتخير الأعلى والأحمد عاقبة من مطعم ومشرب وملبس وقول وفعل ويترك ما يخاف ضرره ويستعد لما يجوز وقوعه . وقال أبو الدرداء : ألا أنبئكم بعلامة العاقل : يتواضع من فوقه، ولا يزدري من دونه يمسك الفضل ، منطقه يخالق الناس بأخلاقهم ويحتجر الايمان فيما بينه وبين ربه عزّوجل فهو يمشى في الدنيا بالتقية والكتمان .

الجواب ان استغنى بطر، وان افتقر قنط ، وإن قال أفحش، وإن سئل بخل ، وإن سأل ألح وان قال لم يحسن ، وان قيل له لم يفقه ، وان ضحك قهقه وإن بكى ،صرخ، فكانه جامد العقل والرأي . فلا يشاور ولا يلتفت إليه في أمر من الأمور وهو غريزة لا تنفع فيها الحيلة، بل هو داء دواؤه الموت.

قال المتبنى وما أحسن ما قال :

ومن البلية عذل من لا يرعوي ***عن غيه وخطاب من لا يفهم

روي إنّ رجلاً يتعبد في صومعة فأمطرت السماء وأعشبت الأرض فرأى حماره يرعى في ذلك العشب، فقال يا ربّ لو كان لك حمار لرعيته مع حماري هذا ، فبلغ ذلك بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهم أن يدعو عليه فأوحى الله إليه لا تدع عليه فانّي أجازي العباد على قدرعقولهم.

ص: 433

11- الوصيّة الحادية عشرة: يد الله على أفواه الحكماء

يَا بُنَيَّ : أَلا إِنْ يَد اللهِ على أفواهِ الحُكَماءِ ، لا يَتَكَلَّمُ أحدهم إلّا ما هيّاً الله له (1).

لما كانت الحكمة هي معرفة علل الأشياء ،ومعلولاتها ، كانت علماً غامضاً صعباً لا يكاد يطلع عليها ويصل إليها إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم والقائمون مقامهم بالحق ثم المرتاضون بالعلوم الالهية والحكم الربانية الآخذون بأنوار الحكمة من مشكاة النبوة والولاية وهم الفلاسفة الحقة ، وهم بعد الأنبياء والأوصياء رتبة ، ويقال : ان آخر درجة الحكمة هى أول درجة النبوة.

لا شكّ أنّ الحكيم المطلق هو الله عز وجل، وكلّ من أدرك من المقولات نصيباً سمّى على سبيل التجوّز حکیماً لدنوه من الله وتشبهه به ، فالسعادة الأبديّة إنما هى بالقرب منه تعالى، وهو لا يتحصل ولا يتيسّر إلا بالحكمة ، فلا شيء أعظم ولا أتم فائدة منها وإن :

«وَمَنْ يُوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِي خَيْراً كَثيراً ». (2).

فالحكمة بنفسها منشأ الخير الكثير والتلبس بها يتضمّن ذلك مع ما عليه الحكمة من ارتفاع الشأن ونفاسة الأمر.

ص: 434


1- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 164 .
2- سورة البقرة (2) : 269 .

قال أفلاطون : تعلّموا الحكمة وعلّموها فانها الفضيلة الانسانية وهي الفائدة العظيمة والبضاعة المربحة والخير الكثير .

لذا من أراد الشروع فيها أن يكون على ما نص عليه معلّم الصناعة الفارابي :

شاباً صحيح المزاج ، متأدباً بآداب الأخيار، وقد تعلم القرآن وعلوم الشرع واللغة أوّلاً ، ويكون عفيفاً صدوقاً معرضاً عن الفسق والفجور والغدر والخيانة والمكر والحيلة ويكون فارغ البال من مصالح معاشه مقبلاً على أداء الوظائف الشرعيّة ، غير مخل بركن من أركانها ولا قدراً إلا بأدب من آدابها معظاً للعلم والعلماء ، ولا يكون لشيء عنده قدر ، العلم وأهله ، ولا يتخذ علمه لأجل الحرفة، ومن كان بخلاف ذلك فهو حکیم زور ولا يعد من الحكماء.

أجل ومن يوفقه الله سبحانه لهذا النوع النافع من العلم، ويرشده إلى هداية العقل ، وتوجيهه الوجهة الصحيحة ، فقد هدى إلى خيري الدنيا والآخرة حيث قرن الله سبحانه الخير الكثير مع الحكمة، فهما لا يفترقان كما لا يفترق المعلول عن علّته التامة . لذلك أمر الامام علی علیه السلام بتعلم الحكمة أين وجدت، ولو من المنافقين بقوله :

«خُذ الحكمة أنا كانت ، فانّ الحكمة تكون في صدر المنافق فتلجلج في صدره حتى تخرج فتسكن إلى صاحبها في

ص: 435

صدر المؤمن» (1) .

وقال علیه السلام أيضاً :

الحكمة ضالة المؤمن فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق (2).

فيجب على المؤمن أخذها واخراجها من غير أهلها ، فانّ الحكمة تفسد عند غير أهلها كما تقلب السبخة طيب البذر إلى العفن .

قال الشاعر :

فمن منح الجهال علماً أضاعه ***ومن منع المستوجيبن فقد ظلم

ص: 436


1- علي والأُسس التربوية : ص 177.
2- على والأسس التربوية : ص 177 2

12- الوصية الثانية عشرة: القلب

يَا بُنَيَّ : إِنَّ أَشَدَّ الْعُدْمِ عُدْمُ الْقَلْبِ وَإِنَّ أَعْظَمَ الْمَصَائِبِ مُصِيبَةُ الدِّينِ وَأَسْنَى الْمَرْزِنَةِ مَرْزِنَتُهُ وَأَنْفَعَ الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ (1).

العَدِم : الفقر .

والفقر هو فقد ما يحتاج إليه فكلّ من فقد ما يحتاج إليه فهو فقير وهو لا يختص بالمال بل يشمل العلم والأدب وغيره فيقال فقير العلم والأدب.

انّ أشدّ الفقر وأعظم الخطر هو فقر القلب لحرمانه السعادة من الأبديّة ، القلب هو سيّد الأعضاء وأقوى الجوارح كلّها ، فاذا قوي بالايمان واليقين صار غنياً وانتفع به ، وإذا ضعف وران هواه على قلبه صار فقيراً فكل إقبال على طاعة وإعراض عن سيئة يوجب جلاءاً ونوراً للقلب يستعدّ به الافاضة علم يقيني .

فلابد من تصقيل مرآة القلب وتصفيتها عن الخبائث الطبيعية ومع تراكم صدأها لا يمكن أن يتجلّى فيها شيء من الحقائق.

وجاء في الخبر :

«مَا مِنْ عَبْدِ إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ نَكْتَةٌ بَيْضَاءُ فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْباً خَرَجَ فِي النُّكْتَةِ نَكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِنْ تَابَ ذَهَبَ ذَلِكَ السَّوَادُ وَإِنْ تَمَادَى

ص: 437


1- بحار الأنوار: ج 13 ، ص 420 .

فِي الذُّنُوبِ زَادَ ذَلِكَ السَّوَادُ حَتَّى يُغَطِّيَ الْبَيَاضَ فَإِذَا غَطَّى الْبَيَاضَ لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُهُ إِلَى خَيْرٍ أَبَداً وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (1).

فمن عمل عملاً صالحاً أثر فى نفسه ضياء وبازدياد العمل يزداد الضياء والصفاء حتى تصير كمرآة مجلوة صافية ومن أذنب ذنباً أثر ذلك أيضاً وأورث لها كدورة فان تحقق عنده قبحه و تاب عنه زال الأثر وصارت النفس مصقولة صافية، وان أصر عليه زاد الأثر وفشا في النفس وقعد عن الاعتراف بالتقصير والرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار والانقلاع عن المعاصي، ولا محلّ لشيء من ذلك إلى هذا القلب المظلم .

فجعل الله سبحانه الذكر خير جلاء للقلوب، تسمع به بعد الوقرة وتبصر به بعد العشوة وتنقاد به بعد المعاندة فليس شيء انفع للمرء من الموعظة فانّها تحيي القلب وتفتح البصيرة وتوقظ الفكرة وتشد الهمة وتبعث العزيمة.

قال سيّد البلغاء والفصحاء الامام علی علیه السلام لولده الحسن علیه السلام :

أَحْي قَلْبَكَ بِالْمَوْعِظَةِ وَأَمِتْهُ بِالزَّهَادَةِ ». (2).

فأمره علیه السلام بأحياء قلبه بالموعظة لما فيها من تنشيط العامل إن كان متحليّاً بما تقتضيه الموعظة وارجاعه إلى الأمر الحكيم إن كان خلوا منها ،

ص: 438


1- أُصول الكافي : ج 2، ص 273 .
2- مستدرك الوسائل : ج 2، ص 102 .

فهو كل حين بين النشاط والمسرة ، بما آب إليه من الجميل المبهج بلحاظ عواقبه السارة وأمره بأمانته بالزهادة بكبح جماحه عن الشهوات، ويخالج الانسان من دواعي التهمة والشره فكأن القلب إذا انكفأ عنها بتصوير مغبّاتها السيئة فانّ روح الحركات الذميمة قد انتزعت منه وكأنه ميت عن الدنيا ، وإن كانت تزامله الحياة السعيدة الخالدة.

ص: 439

13- الوصية الثالثة عشرة : القضاء

يَا بُنَيَّ : إذا جاءَك الرجلُ وقَد سَقَطَتْ عيناه فلا تقضي له حتى يأتي خَصمه ، لعله أن يأتى وقد نزع أربعة أعين (1).

القضاء من الأمور المهمة والمعروفة عند كل الأُمم مها بلغت درجتها في الحضارة رقياً أو انحطاطاً، وما رأينا وما سمعنا عن أُمّة تركت أمورها فوضى ، إذ الخصومة من لوازم الطبيعة البشرية ، فلو لم يكن هناك وازع للقوي عن الضعيف لاختل النظام وعمت الفوضى.

«وَلَوْ لَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ هَدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثيراً »..(2).

فالقضاء منصب جليل مقدّس ولكن خطره عظيم، إذ القاضي على شفير جهنم ، فعن أبي عبدالله علیه السلام :

«الْقُضَاةُ أَرْبَعَةٌ ثَلاثَةٌ فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ : رَجُلٌ قَضَى بِجَوْرٍ وَهُوَ يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ قَضَى بِجَوْرٍ وَهُوَ لا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ ، وَرَجُلٌ قَضَى بِالْحَقِّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى بِالْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ فَهُوَ فِي الْجَنَّة »(3).

ص: 440


1- تفسير الدرّ المنثور : ج 5 ، ص 165 .
2- سورة الحج (22): 40 .
3- الوسائل : ج 18، باب القضاء، ص 11 .

القضاء :

« هو فصل الخصومة بين المتخاصمين، والحكم بثبوت دعوى المدعي أو بعدم حق له على المدعى عليه ». (1).(2)

أجل منصب القضاء له من خطر الشأن وعلوا المكانة يقدر ما عليه من ثقل التبعة ومعاتبة الضمير، فلا يجوز أن يتقلّده إلا من كان له كفواً

وأهلاً، لما ورد في الحديث :

« لِسَانُ الْقَاضِي بَيْنَ جَمْرَتَيْنِ مِنْ نَارٍ حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ فَإِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ » (3).

فيجب على القاضي أن يسير السير الذي يرضي الله ورسوله الله فيأخذ بآداب الشرع فيتوقى ما يشينه في دينه ومروؤته وعقله والتحلّي بجميع صفات الكمال لأنه لا يسعه ما يسع غيره، فالعيون إليه مصروفة (4)

ص: 441


1- مباني تكملة المنهاج : ج 1 ، ص 3 .
2- والفرق بين القضاء وبين الفتوى : ان الفتوى عبارة عن بيان الأحكام الكلية من دون نظر إلى تطبيقها على مواردها وهي - أي الفتوى - لا تكون حجة إلا على من يجب عليه التقليد المفتي بها، والعبرة في التطبيق إنّما هي بنظرة دون نظر المفتي، وأمّا القضاء فهو الحكم بالقضايا الشخصيّة التي هي مورد الترافع والتشاجر ، فيحكم القاضي بأنّ المال الفلاني لزيد أو انّ المرأة الفلانية زوجة فلان وما شاكل ذلك ، وهو نافذ على كلّ أحد حتى إذا كان أحد المتخاصمين أو كلاهما مجتهداً . نفس المصدر السابق .
3- الوسائل : ج 18 ، ص 107 .
4- وقد بالغ علماؤنا في حفظ كرامة القاضي حتى انهم منعوه عن البيع والشراء في مجلس الحكم إتفاقاً ، وكرهوا له ذلك خارج مجلس القضاء ، بل قالوا : ينبغي له أن يتنزه عن طلب الحوائج من الناس من أدوات أو دابة ليكون القاضي موفور الكرامة محفوظاً من ألسنة الناس محفوظاً بعين الاجلال والاكرام . وقال بعضهم : ومن حقه أن يكون غير متكبّر عن مشورة من معه من أهل العلم ، ورعاً ذكياً مظنّاً غير عجول نزهاً عما في أيدي الناس عاقلاً مرضي الأحوال، موثوقاً به في دينه غير مخدوع ، وقوراً مهيباً عبوساً من غير غضب ، متواضعاً من غير ضعف ، كثير التحرّز من الحيل ولا ينبغي أن يكون فظا غليظاً جباراً ... دليل القضاء الشرعي : ج 1 ، ص26.

و قد كتب أقضى القضاة الامام علي بن أبي طالب علیه السلام كتاباً إلى مالك الأشتر لما ولاه مصر وأعمالها بعد أن أرشده إلى الصفات الواجبة وقال فيه :

اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ مِمَّنْ لا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ وَلا يَمْحَكَهُ الْحُصُومُ وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ وَلَا تَشْرِفُ نَفْسَهُ إِلَى طَمَعٍ وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهُم دُونَ أَقْصَاهُ وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبَهَاتِ وَآخَذَهُمْ بِالْحَجَجِ وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُفِ الْأُمُورِ وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتَّضَاحِ الْحُكْمِ مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءً وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاء وَأُولَئِكَ قَلِيل... ».(1) .

ان من المسائل التي عني الفقهاء بها وأكدوا على وجوبها مراعاتها التسوية بين الخصوم أمام القاضي حتى أنها - لأهميتها كانت تكتب في تقاليد القضاة .

ص: 442


1- تحف العقول: ص 90 .

« وقد نص الفقهاء : على انّ الخصمين إذا تقدما إلى القاضي وجب عليه أن يسوّى بينهما جلوساً وإقبالاً وإشارة ونظراً، لا فرق بين صغير وكبير، ولا بين الخليفة والرعيّة ، ولا بين الدني والشريف، ولا بين الوالد والولد ، والمسلم والكافر ، فالكل سواء وقد قضى صلی الله علیه وآله أن يجلس الخصمان

بين يدي القاضي، وقد قال الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في محاكمته إلى شريح مع يهودي - وقد جلس اليهودي بين يدي القاضي شريح - لو كان خصمي مسلماً لجلست معه بين يديك، غير اني سمعت النبي صلی الله علیه وآله يقول : لا تساووهم في المجلس. والخبر - وان اختصّ بالذمّي - لكن الحكم في غيره أولى لعدم ذمام لهم ». (1).

ثمّ إنّ الفقهاء ذكروا أنّه لا يجوز للقاضي أن يحكم عند الشكّ فی المسئلة ولا في حضور من هو أعلم منه ولا الحكم قبل سماع كلام الخصمين، بل يجب عليه انصاف الناس حتى من نفسه . لما ورد في الحديث الشريف :

« إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلانِ فَلا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءِ ».(2).

وفي الخبر عن علي علیه السلام قال : قال النبي صلی الله علیه و آله لما وجهني إلى اليمن :

« إِذَا تُحُوكِمَ إِلَيْكَ فَلا تَحْكُمْ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ دُونَ أَنْ تَسْأَلَ

ص: 443


1- دليل القضاء الشرعي : ج 1 ، ص 26 .
2- الوسائل : ج 18 ، ص 158 - 159 .

مِنَ الْآخَرِ قَالَ فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ». (1)

فالقاضي مأمور بالتسوية بين الخصوم فيما يقدر فيه على التسوية وما في وسعه ، وكلّ شيء يقدر على التسوية فيه بينهما لا يعذر ببركة ثم أنه يستحب للقاضي الاصلاح بين الخصمين لقوله تعالى:

«فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ». (2).

وقوله تعالى :

«وَالصُّلْحُ خَيْرٌ »(3).

وروي ان النبي صلی الله علیه و آله كان يدعو الخصوم إلى الصلح فلا يزال بهم حتى يصطلحوا - إلى أن قال : وإن جرحها وطعن عليها أصلح بين الخصم وخصمه والروايات في استحباب الصلح كثيرة.

ص: 444


1- الوسائل: ج 18 ، ص 158 - 159 .
2- سورة الحجرات (49): 10 .
3- سورة النساء (4) : 128 .

14- الوصيّة الرابعة عشرة : من يَرحم يُرحم

يَا بُنَيَّ : مَنْ يَرْحَمْ يُرحَمْ

فكما تُجازي أنت الناس على صنيعهم كذلك تجازي على صنيعك فتدان دينا مثل دينك، أى كما تدين تدان كما تعمل تجازى ان حسناً فحسن ، وان سيئاً فسي، وبهذا قال الشاعر:

یا مار ایيقن إن ملكك زائل*** واعلم بأن كما تدين تدان

ان من يعمل من الخير أو الشر يجد جزاءه . قال تعالى :

«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ».(1).

فليس لأحد أن يحقر شيئاً من عمله خيراً كان أو شراً، ولا يقول هذه صغيرة لا حساب لها ولا وزن، إنما يرتعش وجدانه أمام كلّ عمل من أعماله ، ارتعاشة ذلك الميزان الدقيق الذي ترجع به الذرّة .

انّ هذا الميزان لم يوجد له نظير أو شبيه بعد في الأرض إلا في قلب المؤمن ، القلب الذي يرتعش لمثقال ذرّة من خير أو شر .

إن مَنْ يعتدي ويكسب إثماً*** وزن مثقال ذرّةٍ سيراه

ويجازى بفعله الشر شرّ*** وبفعل الجميل أيضاً جزاه

هكذا قوله تبارك ربّي ***في إذا زلزلت وجلّ ثناه

ص: 445


1- سورة الزلزلة (99) : 7-8

15- الوصية الخامسة عشرة : الشر لا يطفئ بالشر

يَا بُنَيَّ : كَذِبَ مَنْ قالَ : إِنّ الشرّ يُطفئ الشرّ ، فإِن كانَ صادِقاً فليُوقِدُ نارين ، ثُمّ لينظر هل يطفئ أحديهما الأخرى ؟ وإِنَّما يُطفئ الخيرُ الشرّ ، كما يُطفئ الماء النار (1).

أى لِنْ مَن غالظك ، ولا تغلظه فتكون الغلظة مضاعفة ، وقد قيل : إن الشر شرّ واحد لو أغضيت عنه ولم تأبه به ، ولكنك إذا قابلته بشر مثله فقد رويت الزند وأصبح الشر شرين بعد إن كان واحداً، وقد تستطيع أن تبلغ منه ذلك المغالظ الذي تعرّض عن سوأته صفحاً، قد تستطيع أن تبلغ منه ما تريد أن تجده في كلّ أحدٍ ، فأنت إن أغضيت عن الأمر الذي يريده لك عدوّك ، أو فاوضته فى أمره بلسان طيب لا شذوذ فيه ، فقد جلبت لنفسك أصدقاء ، وهذا ما صرحت به الآية الكريمة :

«ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيُّ حميمٌ ».(2).

فلابد من مقابلة تلك القوّة الهائجة والحركة العنيفة الممتلئة بالدخان المظلم بالهدوء والسكون وبحركة أعصاب باردة كي تطفئ تلك الحرارة المستقرّة التي أثارت صاحبها وسترت عليه نور العقل، ولو قوبل

ص: 446


1- مجموعة ورّام : ج 1، ص 38 .
2- سورة فصلت (41) : 34 .

الغضب بالغضب لكانت المقابلة مقابلة نار بنار فيتأجج الناران ويزداد الطرفان في النزاع ، وربما يطلق أحدهما لسانه بالشتم ويده بالضرب ونحو ذلك من الأساليب التي توثّب الأعضاء.

فالحالة هذه لا يمكن مقابلتها بالمثل عند ما يريد الانسان مجادلته وإلا ربما ازداد غضباً وحينئذ لا تؤثر فيه الموعظة والنصيحة ، بل تزيده الموعظة غلظة وشدّة ، بل يذعن له ويقرّ بذنوب لم يقترفها استكفافاً لشره وتسكينا لغضبه.

واعلم ان قمع أصل الغيظ من القلب غير ممكن ، بل التكليف إنما هو بكسر سورته وتضعيفه حتى لا يشتدّ هيجان الغيظ في الباطن، وينتهي ضعفه إلى أن يظهر أثره في الوجه ، بل ينبغي للانسان أن يكون غضبه تحت إشارة العقل والشرع، فيغضب في محلّ الغضب ويحلم في محلّ التحلّم ، ولا يخرجه غضبه عن الاختيار.

وقال علماء الأخلاق :

«انّ الأسباب المهيجة للغضب هى الزهو، والعجب والهزل والهزؤ والذل والتعيير ، والممارات والمضادة، والعذر وشدة الحرص على فضول المال والجاه وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعاً، ولا خلاص عن الغضب مع بقاء هذه الأسباب، فلابد من إزالتها بأضدادها ». (1).

ص: 447


1- الاخلاق للسيّد عبدالله شبّر : ص 145 .

16- الوصيّة السادسة عشرة : لا يسخر أحد بأحد

يَا بُنَيَّ : لا تَحقِرَنَّ أحداً بخَلقانِ ثيابه ، فإنّ ربّك وربّه واحد (1).

أجل لا ينبغى لأحدٍ أن يسخر بآخر لرثاثة حاله ولفقره، أو لكونه ذا عاهة في بدنه أو غير لبق فى محادثته فيعيب عليه بقول أو اشارة باليد أو العين أو غيرهما ، لأنه هو والغير كنفس واحدة فمتى عابه فكأنما عاب نفسه ، إذ ربما كان المسخور منه أخلص ضميراً وأنقى قلباً منه فيكون قد ظلم نفسه بتحقير من وقره الله عزّوجل(2) .

فالقيم الظاهرية التي يراها الانسان في نفسه ليست هي قيم حقيقية يوزن بها، فقد يسخر الغني من الفقير والقوي من الضعيف وذو الأولاد

ص: 448


1- بحار الأنوار: ج 72 ، ص 47 .
2- والسخرية الاستهزاء : هو محاكاة أقوال الناس أو أفعالهم أو صفاتهم وخلقهم ، قولاً وفعلاً ، أو إيماءاً واشارة ، على وجه يضحك منه ، وهو لا ينفك عن الايذاء والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص ، وإن لم يكن ذلك بحضرة المتسهزأ به ، فيتضمن الغيبة أيضاً. جامع السعادات : ج 2، ص 287 ولا شكّ أنّ المرتكب لهذه الأفعال بعيد عن الانسانية بمراحل ومستوجب العقوبة العاجل وعذاب الآجل ولا يخلو ساعة عن الصغار والهوان ، ولا وقع له في قلوب أهل الايمان ، وكفاه ذماً انه جعل تلك المعاصي الخبيثة وسيلة لتحصيل المال أو الواقع في قلوب أبناء الدنيا . هذا كلّه فى حق من يؤذي الناس ويهينهم باستهزائه وسخريته ، وأما من جعل نفسه مسخرة ويسر بأن يهزل ويسخر به، وإن كان هو ظالماً لنفسه خارجاً عن شعار المؤمنين ، الا ان سخرية الغير به من جملة المزاح.

من العقيم ، فهذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس والمعيار، بحيث لو افتقرها بالمرّة لكان مدعاة للسخرية والاحتقار ، بل التقوى معيار التفاضل بين المسلمين وهي ميزان الله سبحانه لقوله :

« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ». (1)

فالله سبحانه ألقى مطلق التفاضل بالطبقات كالأبيض والأسود والغنى والفقير والمولى والعبد، وجعل الناس مشتركين ومتساويين بعضهم بعضا وكلّهم من أب وأم ، وأمرهم الله بأن يحترموا غيره ويحافظوا على سمعتهم وكرامتهم وشعورهم فلا يستهزئوا بأيّ فرد من الناس ، إذ ربما كان المذموم خيراً عند الله . قال الله تعالى :

«و يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ».(2) .

فالآية الكريمة بيّنت ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن فذكرت أنه لا ينبغى أن يسخر منه ولا أن يعيبه بالهمز واللمز ولا أن يلقبه باللقب الذي يتأذى منه فبئس العمل هذا، ومن لم يتب بعد ارتكابه فقد ساء إلى نفسه وارتكب جرماً كبيراً.

فمن السخرية واللمز التنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها،

ص: 449


1- سورة الحجرات (49) : 13 .
2- سورة الحجرات (49): 11 .

ويحسون فيها سخريّة وعيباً ، ومن حق المؤمن على أخيه ألا يناديه بلقب يكرهه ويزرى به ومن أدب المؤمن ألا يؤذى أخاه بمثل هذا .

وقد غيّر رسول الله صلی الله علیه و آله أسماء وألقاباً كانت في الجاهلية لأصحابها(1) أحسّ فيها بحسّه المرهف، وقلبه الكريم بما يزري بأصحابها، أو يصفهم بوصف ذميم. فيصف القذاة في عين أخيه ويدع الجذع في عينيه .

أجل من سعادة المرء أن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب غيره. روي ان رسول الله صلی الله علیه و آله يطلب يوم القيامة من الله سبحانه ألا يحاسب أُمته بحضرة من الملائكة والرسل وسائر الأُمم ، لئلا تظهر عيوبهم عندهم بل يحاسبهم بحيث لا يطلع على معاصيهم غيره سبحانه وسواه له فيقول الله سبحانه يا حبيبي : أنا أرأف بعبادي منك ، فاذا کرهت كشف عيوبهم عند غيرك فأنا أكره كشفها عندك أيضاً، فأُحاسبهم وحدي بحيث لا يطلع على عثراتهم غيري

يقول العلّامة العراقي قدّس سرّه:

« فاذا كانت عناية الله سبحانه في ستر عيوب العباد بهذه المثابة ،

ص: 450


1- . وفي المجمع : نزل قوله « لا يسخر قوم من قوم » في ثابت بن قيس بن شماس وكان في اذنه وقر وكان إذا دخل المسجد تفسحوا له حتى يقعد عند النبي صلی الله علیه و آله فيسمع ما يقول فدخل المسجد يوماً والناس قد فرغوا من الصلاة وأخذوا مكانهم فجعل يتخطى رقاب الناس ويقول : تفسحوا تفسحوا حتى انتهى إلى رجل فقال له : أصبت مجلساً فاجلس فجلس خلفه مغضباً فلم انجلت الظلمة قال : من هذا ؟ قال الرجل : أنا فلان فقال ثابت : ابن فلانة ذكر أماً له كان يعيّر بها في الجاهليّة فنكس الرجل رأسه حياءاً فنزلت الآية . عن ابن عبّاس .

فأنّى لك أيها المسكين المبتلى بأنواع العيوب والمعاصي، تسعى في كشف عيوب عباد الله، مع انك مثلهم في الاتصاف بأنواع العيوب والعثرات وتأمّل أنّه لو أظهر أحد بعض فواحشك عند الناس كيف يكون حالك ، فقس عليه حال غيرك ممن تكشف أنت بعض فواحشه وقد ثبت ووضع من الأخبار والتجربة : إن من يفضح يفتضح - فيا حبيبي - ترحم على نفسك وتأس بربّك فاسبل الستر على عيوب غيرك ». (1).

قال الشاعر :

لا تكشفنّ مساوئ الناس ما ستروا ***فيهتك الله ستراً عن مساويكا

واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ***ولا تعب أحداً منهم بما فيكا

وقال الآخر :

المرء إن كان عاقلاً ورعاً ***أشغله عن عيوبه ورعة

كما السقيم المريض يشغله ***عن وجع الناس كلّهم وجعه

ص: 451


1- جامع السعادات : ج 2 ص 272 .

17- الوصيّة السابعة عشرة : الوالد الشفيق

يَا بُنَيَّ : أقبل وصيّة الوالد الشفيق (1).

وذلك واضح لأن وصاياه مملوءة بالحنان الأبوي لبيان تمحيص النصح وإسداء أقصى ما يسعه أن يسديه من محض الخير .

ألا ترى ان عليّاً أمير المؤمنين علیه السلام يخاطب ولده الحسن علیه السلام بعبارات مملوءة بالعطف والشفقة ، وهذا مما يدل على أشدة اتحاده بولده وكثرة محبّته له فكان يقول له :

«يَا بُنَيَّ وَجَدْتُكَ بَعْضِي بَلْ وَجَدْتُكَ كُلِّي حَتَّى كَأَنَّ شَيْئاً لَوْ أَصَابَكَ أَصَابَنِي وَكَأَنَّ الْمَوْتَ لَوْ أَتَاكَ أَتَانِي فَعَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِينِي مِنْ أَمْرِ نَفْسِي ».(2)

ونتيجة هذا الحنان والعطف يبذل الأب قصارى جهده ليضع نتيجة تجاربه وحصيلة أفكاره أمام ابنه ليستضيء بنوره ويهتدي بهداه فحري على الولد أن يقبل وصيّة أبيه لأنها تحمل من حرارة العاطفة وسمو الغاية .

وحري على الوالد أن يضع أمام عينه انه قدوة طيّبة ومثل مشكور يحتذيه ابنه ، فلابد له أن يخلع قناع الخسّة ويدرع لباس الكمال الذي يملأ القلوب جلالاً والعيون جمالاً.

ص: 452


1- الاختصاص : ص 336 .
2- بحار الأنوار: ج 74 ، ص 219 .

وقال الشاعر وما أحسن ما قال :

عوّد بنيك على الآداب في الصغر*** كيما تقرّ بهم عيناك في الكبر

فانّما مثل الآداب تجمعها ***في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر

هي الكنوز التي تنمو ذخائرها ***ولا يخاف عليها حادث العبر

ان الأديب اذا زلّت به قدم ***يهوي على فرش الديباج والسرر

ص: 453

ص: 454

الفصل السادس

اشارة

فى حكايات لقمان ومناظراته

ويشتمل على : تسع حکایات

ص: 455

ص: 456

- الحكاية الأولى :

يَا بُنَيَّ : لا يَنزَلنَ بِكَ أمرُ رضيته أو كرهته إلا جعلت في الضمير منك إنّ ذلك خيرٌ لكَ ، قَالَ : أمّا هذا فلا أقدر أعطيكها دونَ أن أعلمُ ما قُلتَ كما قلتَ . قال : يا بنيّ : فانّ الله قد بعث نبيّاً هلم حتّى تأتيه فصدقه ، قال : أذهبْ يا أبتِ ، فخرج على حمارٍ وابنه على حمار وتزودا ثم سارا أياماً وليالي حتّى تلقتهما مغازة فأخذا أهبتهما لها فدخلا فسارا ما شاء الله حتى ظهرا وقد تعالى النهار واشتدّ الحرّ ونفذ الماء والزاد واستبطاً حماريهما فنزلا فجعلا يشتدان على سوقهما فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان أمامه فاذا هم بسواد ودخان فقال في نفسه السواد الشجر والدخان العمران والناس ، فبينما هما كذلك يشتدان إذ وطئ ابن لقمان على عظم في الطريق فخر مغشياً عليه فوثب إليه لقمان عليه السلام فضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه ثم نظر إليه فذرفت عيناه ، فقال : يا أبت أنت تبكي وأنت تقول هذا خير لي كيف يكون هذا خيراً لى وقد نفذ الطعام والماء وبقيت أنا وأنت في هذا المكان ؟ فان ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت ، وإن أقمت معي متنا جميعاً ، فقال لا بنيّ : أما بكائي فرقة الوالدين ، وأما ما قلتَ كيف يكون هذا خيراً لى فلعل ما صرف عنك أعظم مما ابتليت به ، ولعلّ ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك ثمّ نظر لقمان أمامه فلم ير ذلك الدخان والسواد ، وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بيض وعمامة بيضاء

ص: 457

يمسح الهواء مسحاً فلم يزل يرفعه بعينه حتّى كان منه قريباً فتوارى عنه ثمّ صاح به أنت لقمان ؟ قال : نعم ، قال : أنت الحكيم ؟ قال : كذلك ، فقال : ما قال لك ابنك ؟ قال : يا عبد الله من أنت اسمع كلامك ولا أرى وجهك ؟ قال : أنا جبرئيل أمرني ربي بخسف هذه المدينة ومن فيها ، فأخبرت أنكما تريدانها فدعوت ربّي أن يحبسكما عنها بما شاء فحبسكما بما ابتلي به ابنك ولو لا ذلك لخسف بكما مع من خسفت ، ثمّ مسح جبرئیل عليه السلام يده على قدم الغلام فاستوى قائماً ومسح يده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعاماً وعلى الذي كان فيه الماء فامتلأ ماء ثم حملهما وحماريهما فزجل بهما كما يزجل الطير فاذا هما في الدار خرجا بعد أيام وليال(1).

حث لقمان علیه السلام ولده على الصبر عند الشدائد وتلقي المكاره بالقبول، قائلاً له يا بني مهما اصطدمت بشيء من ملمات الحياة لا تكن عضواً مشلولاً أو شخصاً باهتاً ، واعلم ان مع العسر يسراً وانّ مع المرض شفاء ومع الضيق سعة ومع الشدّة فرجاً، والأمور كلّها بيد الله عزّوجلّ.

يا بني: إن نابتك نائبة اصبر لها مهما قست عليك الظروف ومهما توالت عليك المصائب، بل التمس وجوه الخير فيما يبتليك الله عزّوجلّ به من الشدائد فكم من خائبِ فاز ، وكم من فقير أصبح غنياً وكم من شقي صار سعيداً، ذلك لأنهم صبروا فظفروا وتركوا بعدهم ذكراً حسناً وثناءاً طيّباً وأعمالاً نافعة وذلك جزاء الصابرين.

ص: 458


1- تفسير الدر المنثور : ج 5 ، ص 162 .

ليس في الدنيا أشدّ بلها ممن يريد معاملة الحق سبحانه على بلوغ الاغراض فأين تكون البلوى إذن ؟

لا والله لابد من إنعكاس المرادات ، ومن توقف أجوبة السؤالات ومن تشفّي الأعداء في أوقات ، فأما من يريد أن تدوم له السلامة والنصر على من يعاديه ، والعافية من غير بلاء فما عرف التكليف ، ولا فهم التسليم ، أليس الرسول محمد صلی الله علیه وآله ينصر يوم بدر ثم يجري عليه ما جرى یوم أحد ؟ أليس يصد عن البيت ويقهر بعد ذلك على العودة ؟ فلابد اذن من جيد ورديء والجيّد يوجب الشكر ، والرديء يحرك إلى السؤال والدعاء ، فان امتنع الجواب أريد نعوذ بالله والتسليم للقضاء، وههنا يبين الايمان ويظهر في التسليم جواهر الرجال ، فان تحقق التسليم باطناً وظاهراً فذلك شأن الكامل ، وإن وجد في الباطن انحصار من القضاء لا من المقضي فانّ الطبع لابد أن ينفر من المؤذي دل على ضعف المعرفة ، فان خرج الأمر إلى الاعتراض باللسان فتلك حال الجهّال . أجل الدنيا وضعت للبلاء لينظر الله فيها كيف تعملون، فلابد للعاقل أن يوطن نفسه على الصبر، وان يعلم ان ما حصل من المراد فلطف وما لم يحصل فعلى أصل الخلق والجبلة للدنيا ، كما قيل :

طبعت علی کدر وانت تريدها ***صفوا من الأقذاء والأكدار

ومكلّف الأيام ضدّ طباعها ***متطلّب في الماء جذوة نار

فما الجزع والقنوط إلا إنكار لقضاء الله واكرامه لحكمه ، ففي

ص: 459

الحديث :

« مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي وَلَمْ يَشْكُرْ لِنَعْمَائِي وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلائِي فَلْيَتَّخِذْ رَبَّاً سِوَائِي ».(1) .

فالبلاء منحة قد يراد الشديد عليه لاكبار مقامه و علوّ رتبته فيثاب عليه ويظهر فضله ومقدار صبره، وقد يراد منه الشدّة فحسب من غير انتهاء إلى مثوبة فهو نقمة وخذلان - نعوذ بالله منهما .

أيا صاحبي إن رمت أن تكسب الو*** لا وترقى إلى العلياء غير مزاحم

عليك بحسن الصبر في كلّ حالة ***فما صابر فيما يروم بنادم

وقال الآخر :

هو الدهر قد جربته وبلوته ***فصبراً على مكروهاً وتجلّداً

ص: 460


1- بحار الأنوار: ج 5، ص 95 .

- الحكاية الثانية :

يَا بُنَيَّ : لا تُعَلِّقْ قَلْبَكَ بِرِضًا النَّاسِ وَمَدْحِهِمْ وَذَمِّهِمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَحْصُلُ وَلَوْ بَالَغَ الْإِنْسَانُ فِي تَحْصِيلِهِ بِغَايَةِ قُدْرَتِهِ ، فَقَالَ وَلَدُهُ : مَا مَعْنَاهُ أُحِبُّ أَنْ أَرَى لِذَلِكَ مِثَالاً أَوْ فِعَالاً . فَقَالَ لَهُ : أَخْرُجُ أَنَا وَأَنْتَ ، فَخَرَجَا وَمَعَهُمَا بَهِيمُ فَرَكِبَهُ لُقْمَانُ وَتَرَكَ وَلَدَهُ يَمْشِي وَرَاءَهُ فَاجْتَازُوا عَلَى قَوْمٍ فَقَالُوا : هَذَا شَيْخُ قَاسِي الْقَلْبِ قَلِيلُ الرَّحْمَةِ يَرْكَبُ هُوَ الدَّابَّةَ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ هَذَا الصَّبِيِّ وَيَتْرُكُ هَذَا الصَّبِيَّ يَمْشِي وَرَاءَهُ ، وَإِنَّ هَذَا بِئْسَ التَّدْبِيرُ . فَقَالَ لِوَلَدِهِ : سَمِعْتَ قَوْلَهُمْ وَإِنْكَارَهُمْ لِرُكُوبِي وَمَشْيِكَ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : ارْكَبْ أَنْتَ يَا وَلَدِي حَتَّى أَمْشِيَ أَنَا فَرَكِبَ وَلَدُهُ وَمَشَى لُقْمَانُ فَاجْتَازُوا عَلَى جَمَاعَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا : هَذَا بِئْسَ الْوَالِدُ وَهَذَا بِئْسَ الْوَلَدُ ، أَمَّا أَبُوهُ فَإِنَّهُ مَا أَدَّبَ هَذَا الصَّبِيَّ حَتَّى يَرْكَبَ الدَّابَّةَ وَيَتْرُكَ وَالِدَهُ يَمْشِي وَرَاءَهُ وَالْوَالِدُ أَحَقُّ بِالإِحْتِرَامِ وَالرُّكُوبِ ، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِنَّهُ عَقٌّ وَالِدَهُ بِهَذِهِ الْحَالِ فَكِلاهُمَا أَسَاءَا فِي الْفِعَالِ ، فَقَالَ لُقْمَانُ لِوَلَدِهِ : سَمِعْتَ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : نَرْكَبُ مَعاً الدَّابَّةَ فَرَكِبَا مَعَا فَاجْتَاذَا عَلَى جَمَاعَةٍ ، فَقَالُوا : مَا فِي قَلْبِ هَذَيْنِ الرَّاكِبَيْنِ رَحْمَةٌ وَلا عِنْدَهُمْ مِنَ اللهِ خَيْرٌ ، يَرْكَبَانِ مَعاً الدَّابَّةَ يَقْطَعَانِ ظَهْرَهَا وَيَحْمِلَانِهَا مَا لا تُطِيقُ ، لَوْ كَانَ قَدْ رَكِبَ وَاحِدٌ وَمَشَى وَاحِدٌ كَانَ أَصْلَحَ وَأَجْوَدَ ، فَقَالَ : سَمِعْتَ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : هَاتِ حَتَّى نَتْرُكَ الدَّابَّةَ تَمْشِي خَالِيَةً مِنْ رُكُوبِنَا فَسَاقَا الدَّابَّةَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ فَاجْتَاذَا عَلَى جَمَاعَةٍ فَقَالُوا : هَذَا عَجِيبٌ مِنْ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ يَتْرُكَانِ

ص: 461

دَابَةً فَارِغَةً تَمْشِي بِغَيْرِ رَا كِبٍ وَيَمْشِيَانِ وَذَمُوهُمَا عَلَى ذَلِكَ كَمَا ذَمُّوهُمَا عَلَى كُلِّ مَا كَانَ ، فَقَالَ لِوَلَدِهِ : تَرَى فِي تَحْصِيلِ رِضَاهُمْ حِيلَةً لِمُحْتَالٍ ، فَلَا تَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ وَاشْتَغِلْ بِرِضًا اللهِ جَلَّ جَلالُهُ ، فَفِيهِ شُغُلْ شَاغِلٌ وَسَعَادَةٌ وَإِقْبَالُ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمِ الْحِسَابِ وَالسُّؤَالِ (1).

لا شك ولا ريب انّ رضا الناس غاية لا تدرك وان ألسنتهم لا تضبط ومهما اجتهد الانسان أن يكسب رضا الناس جعل الله عزّوجل حامده من الناس ذاماً وأحسن ما قيل في هذا المعنى ما ورد عن أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب علیه السلام في وصيته لولده الحسن علیه السلام حيث قال :

« فَمَا طِلابُكَ لِقَوْمٍ إِنْ كُنْتَ عَالِماً عَابُوكَ وَإِنْ كُنْتَ جَاهِلاً لَمْ يُرْشِدُوكَ وَإِنْ طَلَبْتَ الْعِلْمَ قَالُوا مُتَكَلِّفُ مُتَعَمِّقٌ وَإِنْ تَرَكْتَ طَلَبَ الْعِلْمِ قَالُوا عَاجِزٌ غَبِيٌّ وَإِنْ تَحَقَّقْتَ لِعِبَادَةِ رَبِّكَ قَالُوا مُتَصَنِّع مُرَاءِ وَإِنْ لَزِمْتَ الصَّمْتَ قَالُوا أَلْكَنُ وَإِنْ نَطَقْتَ قَالُوا مِهْذَارٌ وَإِنْ أَنْفَقْتَ قَالُوا مُسْرِفْ وَإِنِ اقْتَصَدْتَ قَالُوا بَخِيل ».(2)

وقال بعض الشعراء فى ذلك نظما

وما أحدٍ من السن الناس سالماً*** ولو انه ذاك النبي المطهر