الفقه فی قرآن

هوية الکتاب

من مواهب آية الله العظمى الحاج العارف السيد عبد الأعلى السبزواري الموسوي

المتبرع الدیجیتالي : جمعیة المساعدة إمام الزمان (عج) في اصفهان

محرر الكتاب: خانم شهناز محققیان

ص: 1

اشارة

الفقه فی القرآن

ص: 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ

ص: 3

الفقه في القرآن

آية الله العظمى العارف السيد الحاج عبد الأعلى السبزواري الموسوي «قدس سره»

إعداد السيد إبراهيم سرور

ص: 4

جمیع الحقوقه المحفوظه

الطبعة الأولى 1432 ه - 2011م

دار الکاتب العربی

للطباعة و النشر و التوزيع

هاتف: 03/257984 - فاکس: 01/553456- ص.ب. 25/355 - غبيري- بيروت

Daralkatebalarabi@hotmail.com

ص: 5

الإفتتاحية

«الْعِلْمُ دین یدان بِهِ ، بِهِ يَكْسِبُ الْإِنْسَانُ الطَّاعَةَ فِي حَيَاتِهِ ، وَ جَمِيلَ الْأُحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ ...

هَلَكَ خُزَّانُ الْأَمْوَالِ وَ هُمْ أَحْيَاءُ ، وَ الْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الأدهر : أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٍ ، وَ أَمْثَالَهُمْ فِي الْقُلُوبِ مؤجودة».

الإمام علي علیه السلام

ص: 6

الاهداء

- أضع بين يدي سيدتي و مولاتي مظهر الولايتين التكوينية و التشريعية

فاطمة الزهراء علیها السلام

هذا السفر الجليل، و رجائي أن يبلغ ثوابه إلى روح العارف الكبير السيد عبد الأعلى السبزواري «قدس سره»و يكون طريقا لمرضاة المعصومين علیهم السلام، بحق الحق و القائل بالصدق محمد و آله الطاهرین .

عبدكم الراجي

إبراهيم

ص: 7

ص: 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحیم

المقدمة

- الحمد لله و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين

- تميزت سيرة آية الله العظمى الحاج السيد عبد الأعلى السبزواري بجوانب علمية عديدة، عرفانية و أخلاقية و فقهية و أصولية، فكان «قدس سره» مرجعا في كل هذه العلوم التي تكفلت ببناء علمي متين لذوي العلم و طلبة العلوم الدينية على كافة المستويات.

- و في هذا الكتاب سوف نتناول الجانب الفقهي في حياة سماحة السيد لما له من الفوائد العظمى و الإرتباط الوثيق في حياة الطلاب الكرام.

- فالسيد عبد الأعلى السبزواري و إن كان غائبا عنا بجسده إلا أنه حاضر معنا بعلومه و فقهه .

- (و العلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة و أمثالهم في القلوب موجودة).

و الحمد لله رب العالمين

2009/9/17

ص: 9

ص: 10

جزئية البسملة من كل سورة و استحباب الإجهاز بها

البسملة في أول كل سورة إما جزء منها أو من السورة التي تسبقها، أو آية متكررة في القرآن، أو من غيره ذكرت تبركا .

و الكل واضح البطلان - كما يأتي - سوى الأول، و قد وردت النصوص على ذلك، فتكون البسملة جزء من كل سورة التي افتتحت بها إلا في سورة التوبة فإنه لا بسملة لها، كما ستعرف.

فعن علي عليه السلام : «الْبَسْمَلَةُ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ آيَةٍ مِنْهَا ، وَ إِنَّمَا كَانَ يُعْرَفُ انْقِضَاءُ السُّورَةِ بنزولها ابْتِدَاءً لِلْأُخْرَى ، وَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى كِتاباً مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا وَ هِيَ فَاتِحَتِهِ».

و عنه علیه السلام - أيضا : أَنَّهَا مِنَ الْفَاتِحَةِ ، وَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَ آلِهِ كَانَ يَقْرَأْهَا وَ يَعُدُّهَا آيَةً مِنْهَا وَ يَقُولُ : فَاتِحَةُ الْكِتَابِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي».

و عن أبي جعفر علیه السلام : «سَرَقُوا أَكْرَمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ».

و عن الرضا علیه السلام: «مَا بالَهُمْ ، قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ، عَمَدُوا إِلَى أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَزَعَمُوا أَنَّهَا بِدْعَةُ إِذَا أَظْهَرُوهَا ».

و في سنن أبي داود قال ابن عباس: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ كَانَ لَا يَعْرِفُ فَصَلِّ السُّورَةِ - أَيْ انقضاءها - حَتَّى يُنْزَلُ عَلَيْهِ:«بِسْمِ ٱللَّٰهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ»[الفاتحة: 1].

و في صحيح بن مسلم عن أنس، قال رسول الله صلی الله علیه و آله: «انْزِلْ عَلِيِّ آنِفاً

ص: 11

سُورَةً ، فَقَرَأَ : «بِسْمِ ٱللَّٰهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ»[الفاتحة: 1]» و روى الدار قطني عن أبي هريرة: «إذا قرأتم الحمد فاقرؤا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن، أم الكتاب، و السبع المثاني، و بسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها».و الأخبار في كونها جزء من سور القرآن كثيرة من الفريقين.

و يستحب الجهر بالبسملة مطلقا ، كما ورد النص بذلك، و قد جعل ذلك من علامات المؤمن، كما في الحديث. و لعل السر في ذلك هو أن الجهر بها إجهار بالحق، و إعلان لحقيقة الواقع.

كما تستحب الاستعاذة بالله من الشيطان عند قراءة القرآن لقوله تعالى : «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيوةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [97] فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجيمِ [98] إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [99] إِنَّما سُلْطنُهُ عَلَى الَّذينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [100]»[النحل: 97-100] بل يستفاد من بعض الآيات لا سيما سورة الناس استحباب الاستعاذة مطلقا. و هي إما قولية أو فعلية . و اجتماعهما في واحد هو من الكمال).(1)

ص: 12


1- مواهب الرحمن 22-24 ج 1.

حكم التأمين بعد فاتحة الكتاب و ان الفاتحة قوام الصلاة

يظهر من الروايات المستفيضة بين الفريقين أن قوام الصلاة بفاتحة الكتاب فعن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله أنه: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» و قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجُ» إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة .

و أما التأمين بعد الفاتحة فيبحث فيه تارة، بحسب الثبوت، و أخرى: بحسب الإثبات.

أما الأول : إن الهداية إما أن تلحظ من حيث إضافتها إلى الله تعالى فهو الهادي، فحينئذ لا رجحان لذكر (آمین) بعدها، كما في جميع صفاته تعالی الفعلية، و إما أن تلحظ من حيث إضافتها إلى العبد أي: طلب الهداية منه تعالى، فكذلك أيضا لفرض حصول جميع مناشيء الهداية و أسبابها، و موجبات إتمام الحجة منه عزَّ و جل ، فقد حصل المطلوب خارجا فلا يعقل معنی صحیح للتأمين على ما وقع و حصل.

و إن كان المزاد بها بحسب البقاء لا أصل الحدوث فإن أضيف البقاء إليه عز و جل فهي باقية، لأن حجته تامة و باقية ببقاء الإنسان، و لا وجه للتأمين عليه أيضا، و أن أضيف إلى العبد فهو من فعله و لا معنى لتأمين الشخص على فعله.

و إن أريد به أن يوفق الله عبده لإدامة الهداية لنفسه في المستقبل كما وفقه في الماضي، فهو خروج عن ظاهر اللفظ بلا دلیل.

و أما الثاني : فقد نسب إلى نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله باسناد غير نقية قول (آمین) بعد تمام الحمد. فالمقام مقام الحمد لله تعالى على هذه النعمة العظيمة من

ص: 13

وقوف العبد بين يدي الله تعالى و مخاطبته معه جل شأنه، و يرشد إلى ذلك قوله تعالى : «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهَ»[الأعراف: 43]، وقد ورد عن الصادق عليه السلام: «إِذَا قَالَ الْأَمَامَ وَ لَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ».

ثم إنه يجوز قصد الأنشاء بجملة «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ »و «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إهدنا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » و نحوها من الآيات الكريمة مع قصد القرآنية أيضا، لأن المتكلم في مقام إيجاد مفاهيم هذه الألفاظ لفظة و البناء على العمل طبقها خارجا.

و قد أشكل عليه جمع من المفسرين بأنه من استعمال اللفظ في معنيين و هو غیر جائز .

و هو مردود: لأن الاستعمال الممتنع - على فرض امتناعه - إنما هو في ما إذا كان المعنيان فردين مستقلين في الإرادة الاستعمالية، كل منهما في عرض الآخر، لا في ما إذا كان أحدهما استقلاليا و الآخر تبعيا. و إلا فهو واقع كثيرا في المحاورات الصحيحة، و المقام من هذا القبيل فيقصد القارىء القرآنية استقلالا و الأنشائية تبعا، و المسألة أصولية تعرضنا لها في «تهذيب الأصول»(1).

ص: 14


1- م - ن : 59-60 ج 1.

حرمة السحر في السحر الأديان السماوية

المحرمات في الشريعة المقدسة تارة : تكون المفاسد فيها شخصية فقط کشرب السم مثلا . و أخرى: تكون شخصية و نوعية، كالظلم. و ثالثة : تكون منهما مضافا إلى معرضية المعارضة مع النبوات السماوية كالسحر. و حيث إن العقل يستقل بقبح الجميع خصوصا الأخيرتين فلا بد و أن تكونا محرمتين في جميع الشرائع الالهية.

فالسحر محرم في شريعتي موسى و عيسی علیهما السلام . و قد ورد في سفر اللاويين الاصحاح التاسع عشر من التوراة : «لا تلتفوا إلى الجان، و لا تطلبوا التوابع [النفاثات في العقد] فتتنجسوا»، و قال في الاصحاح العشرين منه : «و إذا كان في رجل أو امرأة جان أو تابعه، فإنه يقتل بالحجارة يرجمونه دمه عليه».

ثم إنه قد استدل بعض الفقهاء بقوله تعالى: «وَ مَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ»[البقرة : 102] - الآية - على جواز تعليم السحر و تعلمه، لأن المنزل هو الله تعالى، و الملك معصوم، فلا يعقل أن يكون محرما.

و فيه: إن التأمل في مجموع الآية الشريفة صدرها و ذيلها يدل على أن الاستدلال بها على الحرمة أولى من الاستدلال بها على الجواز، فإنها قد عدت السحر في عرض الكفر، فكيف يستدل بها على الجواز؟ نعم، قد يعرض الجواز لعناوين خارجية، كما تزول حرمة الكذب لعروض عناوین توجب رفع الحرمة . و المسألة محررة في الكتب الفقهية. فراجع المكاسب من كتابنا [مهذب الأحكام](1)

ص: 15


1- م - ن 399 ج1.

حكم دخول الكفار و المشركين المساجد و جواز التوجه إلى غير القبلة في موارد

قد يستدل بقوله تعالى: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ»[البقرة: 114] على عدم جواز دخول الكفار و المشركين في المساجد. بتقريب : أنه إذا استولى عليها المسلمون و حصلت تحت سلطانهم فلا يمكنون الكافر حینئذ من دخولها.

و الصحيح أن الآية الشريفة لوحدها لا تدل على ذلك إلا بضميمة قوله تعالى : «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ»[التوية : 28]، و قول نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «أَلَا لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكُ وَ لَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ»، بعد الإجماع على عدم الفرق بين المشرك و غيره من الكافرين، و كذا سائر المساجد من هذه الجهة، كما يأتي في قوله تعالى : «يا بَني آدَمَ خُذُوا زينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ»[الأعراف: 31].

ثم إنه قد يتمسك بقوله تعالى: «وَ لِلهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ »وول الشر والعين أينما تولوا ف وجه الله [البقرة : 115] على جواز التوجه إلى غير القبلة في عدة موارد، و قد ذكرنا أن ذلك من باب التطبيق، و هي:

الأول : جواز صلاة النافلة على الدابة أينما توجهت، كما في صحيح حريز، عن أبي جعفر علیه السلام: «أنزل الله هذه الآية : «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ»في التطوع خاصة، و صلى رسول الله صلی الله علیه و آله إيماء على راحلته أينما توجهت به حيث خرج إلى خيبر، و حين رجع من مكة و جعل الكعبة خلف ظهره».

و روى مسلم، عن ابن عمر :«كان رسول الله صلی الله علیه و آله يصلي و هو مقبل من مكة

ص: 16

إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه».و رواه في الدر المنثور عن جماعة.

الثاني: صحة صلاة الخوف و التحير ، كما روی زرارة، عن الصادق علیه السلام: «لَا يَدُورُ إِلَى الْقِبْلَةِ».

و روى الترمذي، عن ابن ربيعة: كنا مع النبي صلی الله علیه و آله في سفر في ليلة مظلمة ، فلم ندر أين القبلة؛ فصلی كل رجل منا على حباله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلی الله علیه و آله فنزلت: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ »

الثالث : جواز سجود التلاوة لغير القبلة، رواه الصدوق في العلل، عن الحلبي، عن الصادق عليه السلام :«يَسْجُدُ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ دَابَّتِهِ».

الرابع: عدم قضاء صلاة الفريضة إذا صليت خطأ لغير القبلة، فقد روي في الفقيه عن الصادق علیه السلام ، و تمسك الجمهور برواية ابن ربيعة المتقدمة، و فيه تفصيل ذكرناه في الفقه .

و هناك موارد أخرى تعرضنا لها في كتابنا (مهذب الأحكام)، و من شاء فليرجع إليه.(1)

ص: 17


1- م - ن : 445-446 ج 1.

الشطر والقبلة

اشارة

الوارد في الآيات المباركة إنما هو لفظ «شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرام»[البقرة: 144]. و الشطر - في اللغة و العرف - جهة الشيء و نحوه، كما تقدم، و لم يبين الشارع الأقدس في هذا الأمر النوعي العام البلوى خصوصية خاصة، غير لفظ الشطر و التولي و التحول و نحو، و أمثالها في السنة الشريفة، و المرجع في معاني هذه الألفاظ هو العرف، لأنه المحكم في كل ما لم يرد فيه تحديد شرعي، كما هو المتبع في الفقه.

و ما ورد من العلامة في القبلة من الجدي و نحوها - كما ذكر في الفقه - مجملة أيضا، ليس لها كلية، و ليس من عادة الشرع الإيكال إلى مثله في الأمور العامة البلوى، فهو أيضا من قرائن كون الموضوع عرفيا، فلا يعتبر إلا صدق التوجه و التولي شطر القبلة عرفا، من دون الابتناء على الدقة العقلية، و لأجل ذلك ذهب جمع من الفقهاء إلى جواز الاعتماد على ما يصممه خبراء الهيئة الموثوق بهم في تعيين القبلة.

ثم إن المعروف بين المسلمين أن القبلة هي الكعبة، و قد دلت عليه الأخبار المتواترة بين الفريقين، ففي صحيح البخاري عن ابن عمر، أن النبي صلی الله علیه و آله: «رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قَبَّلَ الْكَعْبَةِ ، وَ قَالَ صلی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ : هَذِهِ الْقِبْلَةِ».

و في جوامع أخبار العامة في حديث تحويل القبلة : أنه كان إلى الكعبة .

و أما عن الخاصة فقد وردت أخبار كثيرة تدل على أن الكعبة هي القبلة، و في أكثرها : أن الكعبة هي القبلة المحول إليها، ففي صحيح معاوية بن عمار

ص: 18

عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «كان يصلي في المدينة إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا، ثم أعيد إلى الكعبة»، و في رواية أخرى: «أَنَّهَا قَبِلْتَ مِنْ تُخُومِ الْأَرْضِ إِلَى عَنَانِ السَّمَاءِ».

و إنما ذكر المسجد الحرام في الآيات الشريفة، لأجل إظهار شانه و عظمته للناس، مع إطلاق المسجد على الكعبة أيضا، اطلاق الكل على الجزء، فيجمع بین ما دل على التوجه إلى المسجد، و المتواترة الدالة على أن القبلة هي الكعبة ، أن المسجد الحرام ذکر بعنوان الطريقية إلى الكعبة المقدسة.

و في بعض الأخبار : «أن الكعبة قبلة لأهل المسجد، و المسجد قبلة لأهل الحرم، و الحرم قبلة لأهل العالم»، و لا معنى لذلك إلا الطريقية الصرفة، و المسألة فقهية تعرضنا لها في كتابنا [مهذب الأحكام].(1)

القبلة أمر اجتماعي:

لا ريب في أن الإنسان واحد نوعي، و هذه الوحدة النوعية تقتضي وحدة الاجتماع بالطبع، و الوحدة الاجتماعية من أهم الأمور النظامية، التي يقوم بها النظام و يحفظ بها شؤون الأنام، فإذا كان تنظيم الأمور النظامية في الحيوان بإلهام من الله تعالى، كما يستفاد من آيات كثيرة، و يأتي في قوله تعالى :«وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ»[النحل: 68] بعض الكلام، ففي استلهام طبيعة الإجتماع الإنساني التي يستكمل بها خصوصیات الاجتماع و الجهات اللازمة بالأشد و الأقوى.

و من تلك الجهات التي يستكمل بها الاجتماع وحدة التوجه إلى الجهة الواحدة، التي لا بد للمجتمع أن يهتم بها .

كما أن ارتباط كل عابد بمعبوده من الأمور الفطرية التي أظهرها أنبياء الله

ص: 19


1- م - ن : 128-129 ج 2.

تعالى، كذلك التوجه إلى جهة معينة، و يرشد إلى ذلك قوله تعالى:«لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها»[البقرة: 148]، و لا تخلو الأمم البدائية القديمة من هذه العادة و إن كانت مشوبة ببعض الجهات المستنكرة، إلا أن ذلك لا يوجب خروجها عن كونها من طرق توجه القلب و الروح إلى المعبود، بل سيأتي في المحل المناسب إثبات أن العبادیات جميعها - من الطواف حول الكعبة و السعي في المسعى، و القيام بین يدي المولى، و الركوع و السجود و القنوت، و غسل الوجه و اليدين، و ما يفعل بالرأس و الرجلين - من طرق توجه القلب إلى الله تعالى و عدم غفلته عنه ، و الخضوع و الخشوع لديه، كل عضو بحسبه، و هذا هو معنى الروح في العبادة ، و البقية بمنزلة اللفظ أو الحسد، و لا فائدة في لفظ بدون المعنى. و جسد بلا روح فيه .

و بعبارة أخرى : أن فعل الجوارح مع غفلة الروح و القلب، مما يستنكره العقل و العقلاء، فكيف يرضى به إلى السماء.

الحكمة في تشريع القبلة:

ذكرنا أن القبلة الجديدة كانت حدثا نوعيا و اجتماعيا، الذي به تحفظ الوحدة بين المسلمين بعد أن كانوا متفقين في العبادة و المعبود، و بها تميز المسلمون عن غيرهم و احتفظوا استقلاليتهم بعد أن كانوا تابعين.

و الظاهر أن هذا التشريع النوعي الأبدي، هو أول تشريع من نوعه في تاريخ الأديان الإلهية ، فلم تكن قبلة بهذه الخصوصية في الأديان السابقة.

نعم. كان لأهل الكتاب قبلة معينة، و لكنها كانت محدودة و موقتة، فقد ورد في شأن موسى وأخيه أن أوحى الله تعالى إليهما أن يجعلا بيوتهما قبلة لقومهما ، قال تعالى: «وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَ أَخيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَ أَقيمُوا الصَّلاةَ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنينَ»[يونس: 87]، و لكنه كان محدودا بحدود خاصة، زمانية و مكانية .

ص: 20

و يظهر من بعض الآثار أن قبلة اليهود كانت هي التابوت، و كانوا يستقبلونه إذا كان معهم في أسفارهم، ثم يضعونه عند صخرة بيت المقدس و يصلون إليه ، ثم عظم مكانه فصار قبلتهم.

و أما قبلة النصاری: فكانت شرقي بيت المقدس، باعتبار کونه مولد عيسى عليه السلام و مدفنه عندهم، و لم يثبت بدليل يصح الاعتماد عليه أن قبلة الطائفتين كان بوحي سماوي، أو هي كسائر مقترحاتهم التي اقترحوها من عند أنفسهم.

و لعل أحد وجوه تأكيد القرآن و اهتمامه بكون بيت الحرام قبلة، أنها أول قبلة شرعت في الأديان السماوية ، بها تحفظ الوحدة بين أفراد هذا الدين، و أنها كانت سببا في هدايتهم، و إعلاما بأنهم على الصراط المستقيم، و تدعيما لهم، و قد تكفل سبحانه و تعالى الجواب عن احتجاج المعترضين، كما وصم سبحانه المخالفين بخفة العقول و اتباع الأهواء الباطلة و الظلم، و أوعدهم بسوء العقبي إن هم أصروا على الجحود و الإنكار. و لأجل ذلك كله كان هذا التشريع الجديد من موجبات إتمام النعمة على المؤمنين .

تحويل القبلة:

كان الرسول صلی الله علیه و آله و أصحابه يستقبلون بيت المقدس أول بعثته في مكة، حتى بعد هجرته إلى المدينة إلى نزول الوحي بتحويل القبلة، و لقد كان صلی الله علیه و آله كل يرغب في ذلك و يترقبه بشغف شديد، كما حكى عنه عزوجل : «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها»[البقرة: 144].

و يمكن أن يستفاد من إطلاق قوله تعالى: «وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ»[البقرة : 125]، أن القبلة الحقيقية كانت هي البيت الحرام، فإن كون البيت مثابة يقتضي أن يكون مثابة أيضا لهم في أهم الجهات العبادية، و هو الاستقبال و التوجه إليه في العبادة.

ص: 21

و يؤكد ذلك جملة من الأحاديث الواردة في أن الكعبة كانت قبلة الأنبياء السابقين علیهم السلام ، و أنها كانت موضع تقدير العرب و حبهم لها و توجههم إليها . فهي من هذه الجهة أقدم القبلتين و أشرفهما .

و تربو فضيلتها على بيت المقدس من جهتين : ذاتية، لأنها أشرف بقاع الأرض مطلقا ، كما تدل عليه الأخبار الكثيرة، و أنها مقابل بیت المعمور.

و عرضية، لأنها موضع عبادة المتعبدين من بدء تكوينها، فما زالت مطاف الملائكة المقربين و الأنبياء المرسلين و الأولياء و الصديقين و عباد الله الصالحين .

و لا يستفاد من آيات تشريع القبلة ما يخالف ذلك ، إلا ما قد يتوهم في قوله تعالى : وما ولهم عن قبلهم التي كاثروا عليها ؟ [البقرة: 143]. وقوله تعالى: (وما جلا القبلة التي كنت عليها * [البقرة: 143]. إلى غير ذلك مما تقدم من الآيات المباركة .

ويمكن الجواب عنه : بأن الآية الأولى نسب الاستقبال فيها إلى المسلمين ،

لا إليه لا ، مما يؤكد عدم كون القبلة المولي عنها قبلة حقيقية .

و عن الآية الثانية بأنها لا تدل على كون الجعل جعلا أوليا ذاتيا. نعم. تدل على الجعل التقريري الظاهري. لمصالح ظاهرية متعددة اقتضت استقبال الرسول صلی الله علیه و آله لبيت المقدس - نظیر صلح الحديبية و غيره - و المصالح الزمنية قد تقتضي الفعل و قد تقتضي الترك، و لذلك أمثلة كثيرة في الشريعة المطهرة، فلم يكن استقبال الرسول صلی الله علیه و آله إلى بيت المقدس لأجل كونه قبلة حقيقية فنسخت و حولت إلى قبلة أخرى، بل القبلة الحقيقية هي الكعبة المقدسة، و يشهد لذلك ما ورد: «من أن النبي صلی الله علیه و آله،كان يصلي - و هو بمكة - نحو بيت المقدس و الكعبة بين يديه».

و عليه، فلم تكن مصلحة واقعية في استقبال الرسول صلی الله علیه و اله لبيت المقدس، بل كان الحكم إرشادا محضا لاستقرار ظاهر الشريعة، و الأمن من كيد الأعداء و خديعتهم، ليحين حين إظهار الحق، فهو تكليف مجاملي تأليفي، فيكون إطلاق النسخ عليه من باب المجاز و العناية ، أو بالمعنى اللغوي، و هو مطلق التبديل، إلا إذا أريد منه نسخ قبلة اليهود .

ص: 22

إن قلت : يظهر من ذيل الآية الشريفة : «»[البقرة : 144] أن استقبال بیت المقدس كان لأجل كونه قبلة حقيقية. لا أنه مجرد تکلیف مجاملي.

نقول: إن الآية الشريفة في الخلاف أدل و أظهر، كما ذكرنا آنفا.

زمان تحويل القبلة:

قد صلی الرسول صلی الله علیه و اله بأصحابه إلى بيت المقدس برهة من الزمن حتی نزلت آيات تحويل القبلة، فأمر النبي صلی الله علیه و آله بالتحويل إلى القبلة الجديدة و هو في صلاة الظهر بينما كان يصلي بأصحابه ، فتحول إلى الكعبة المقدسة - و في بعض الروايات أخذ جبرائيل بيد النبي صلی الله علیه و آله و حوله إليها - و تحول أصحابه إليها، حتى صار الرجال موضع النساء و النساء موضع الرجال، ثم صلى بهم صلاة العصر إلى القبلة الجديدة، و هو في مسجد بني سالم، و سمي بعد ذلك بمسجد القبلتين، و هو من المساجد المشهورة في المدينة المنورة، يقصده المسلمون ليؤدوا فيه الصلاة، إعظاما لهذا الحدث العظيم و تخليدا لذكرى صاحبه.

و أما زمانه : فالمروي في صحيح مسلم : أنه كان في رجب من السنة الثانية بعد الهجرة بستة عشر شهرا، و في رواية البخاري : أنه صلى إلى بيت المقدس بعد الهجرة بستة عشر أو سبعة عشر.

و لكن المشهور - و عليه جمهور العامة - أنه كان في النصف من شعبان من السنة الثانية للهجرة.

و على كلا التقديرين، فلا بد و أن تكون الشهور بعد الهجرة - التي وقعت في شهر ربيع الأول - إما سبعة عشر إذا كان التحويل في رجب، أو ثمانية عشر إذا كان في شعبان.

و روى الشيخ المفيد في مسار الشيعة : «في النصف من رجب سنة اثنتين من الهجرة حولت القبلة».

ص: 23

و روى ابن بابویه في الفقيه : «صلی رسول الله صلی الله علیه و آله إلى بيت المقدس بعد النبوة ثلاث عشرة سنة، و تسعة عشر شهرا بالمدينة»، و ذكره في قرب الأسناد أيضا، و لا بد من حملة على بعض المحامل.

تعيين القبلة:

يمكن تعيين القبلة إما بالعلم بها، كما في أهل مكة و الحرم.

و إما بالظن، و قد عين الشارع له بعض العلامات، کالجدي و غيره، و قد فصل الفقهاء ذلك، راجع الصلاة من كتابنا [مهذب الأحكام].

و يستفاد من مجموع ما وصل إلينا أن الشارع اكتفى في تعيينها بمجرد الاطمئنان المتعارف.

و أما ما عن جمع من أعلام الهيئة - رفع الله تعالى شأنهم - الذين اجتهدوا في هذا الموضوع و بذلوا جهدهم في تعيين الجهة، و من ذلك ما تعارف عليه في هذه الأعصار كالآلات المغناطيسية، كل ذلك إن حصل منه الإطمئنان، فلا ريب في كفايته، و إلا فلا اعتبار به(1)

ص: 24


1- م - ن : ص 155-160 ج 2.

السعي وأنه أمر عبادي

يستفاد من قوله تعالى :«إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ»[البقرة: 108]، أن السعي عمل عبادي، يتقوم بقصد القربة، فبدونه أو مع قصد الرياء - نستجير بالله منه - أو غاية أخرى، يكون السعي فاقدا لصلاحية الإضافة إلى الله تعالى، و يكون السعي باطلا، كما في سائر العبادات، فيفسد حينئذ أصل الحج أو العمرة، كما هو المفضل في كتب الفقه.

و السعي بين الصفا و المروة : عبارة عن المشي بينهما سبع مرات، بدءا من الصفا و انتهاءا بالمروة، كما هو مذكور في الفقه. و يصح ماشيا و راكبا، و لا يعتبر فيه الطهارة، لا الحدثية و لا الخبثية، و لا الموالاة بين الأشواط، و لا بين أبعاضها على ما فضل في الفقه.

و هو واجب، كما عليه جمهور المسلمين، و تدل عليه نصوص كثيرة ، و إجماع الإمامية، و تقدم أن نفي الجناح إنما كان لرفع توهم الحظر الذي اعتقده المسلمون باعتبار أن السعي شيء صنعه المشركون.

أو لأجل وجود الأصنام على الجبلين، فتوقفوا من السعي بينهما، كما مر.

و يمكن استفادة ذلك من ظاهر الآية الشريفة أيضا، فإن إثبات كون الصفا و المروة من شعائر الله، يدل على أن الاعتقاد کان على خلاف ذلك، فأراد سبحانه و تعالى إعلام الناس بشعيرتهما، و نفي ما كان معتقدا عندهم.

و مما ذكرنا يعرف أن التطوع بالسعي أمر مرغوب فيه، لأنه خير و من تعظيم شعائر الله تعالى، و لا يستفاد منه الاستحباب الشرعي المصطلح عليه في الفقه ،

ص: 25

و لا سيما مع القرينة المزبورة على الخلاف. و لذلك وردت الروايات الدالة على وجوب السعي لعدم التنافي بينه و بين ظاهر الآية الشريفة، و تقدم في البحث الروائي ذكر بعض الروايات، و التفصيل يطلب من قسم الحج من كتابنا [مهذب الأحكام في بيان الحلال و الحرام] . [م - ن: 220-221 ج 2.]

ص: 26

إباحة الأشياء و حقيقة التقليد

اشارة

استدل الفقهاء بقوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً»:[بقره: 168]، و جملة أخرى من الآيات الكريمة على إباحة الأشياء و حليتها ، إلا ما قام الدليل المعتبر على الحظر و الحرمة، من الكتاب العزيز، و السنة المقدسة ، و الإجماع المعتبر، فإن هذه الآية الشريفة صريحة في الأذن بالانتفاع فيما ليس فيه نهي شرعي.

و لكن عن جمع آخرین عکس ذلك، و قالوا بحرمة الانتفاع بالأشياء مطلقا ، و أن الأصل في الأشياء الحظر، إلا ما دل الدليل على الإباحة، و استدلوا بأدلة قابلة للمناقشة، تعرضنا لتفصيلها في الأصول، و من شاء فليراجع كتابنا [تهذيب الأصول]

ثم إنه قد يستدل بمثل هذه الآيات على بطلان التقلید مطلقا في فروع الدين، فضلا عن أصوله، لأنه تعالى إنما ذم الكفار باتباعهم لآبائهم.

و لا ريب في بطلان الاستدلال.

أما أولا: فلأن الآيات الشريفة ظاهرة في التقليد في أصول الدين، و إنما ذم تعالى الكفار باتباعهم الآباء في الباطل. و الدعوة إلى الأوثان و الأصنام، و لم يقل أحد من المسلمين بجواز التقليد كذلك.

و أما ثانيا : فلأن التقليد في الحق و متابعة من يحكم عن الستة المقدسة المنتهية إلى الله تعالی، متابعة له عزوجل ، و التقليد كذلك أصل من أصول الدين ، و ملجأ يلجا إليه الجاهل، الذي لا يمكنه النظر و الاستدلال.

ص: 27

و التقليد و المتابعة في أمور الدين مأخوذ على نحو الطريقية، لا الموضوعية بوجه من الوجوه؛ و البحث محرر في الفقه و الأصول، فراجع کتابنا[مهذب الأحكام]

ثم إن التقليد المبحوث عنه في المقام هو التقليد في أمور الدين، و قد ذكرنا أنه لا يجوز في أصول الدين، و أما في فروعه فهو فرض العامي، الذي لا يتمكن من استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية، و أما التقليد و المتابعة في غير ذلك من أمور المعاش كلها - كالصنايع و الحرف و غيرهما - مما ليس فيه منع شرعي، فهو صحيح، بل قد يجب إن كان من الواجبات النظامية، و لم يرد نهي شرعي عنه ، كما أنه ليس من متابعة خطوات الشيطان.(1)

ص: 28


1- م - ن: 299-300 ج 2.

حرمة الدم و الميتة و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله

قال تعالى :«إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ»[البقرة : 173].

مادة (ح رم) تأتي بمعنى المنع، سواء كان تكليفيا أم غير تكليفي، تكوينيا أم قهريا، قال تعالى: «إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»[المائدة: 72]، و هو من المنع التكويني لكونه من الجمع بين المتنافيين، فلا يجتمع الخبيث من كل جهة مع الطيب كذلك، و من المنع القهري، قوله تعالى : «قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعينَ سَنَةً»[المائدة: 26]، و المقام من المنع التكليفي الشرعي.

و الحرمة من إحدى الأحكام الخمسة التكليفية : و هو الوجوب، و الحرمة ، و الإباحة، و الندب، و الكراهة، و هي ثابتة في جميع الشرایع الإلهية على اختلافها ، بل هي دائرة في الأحكام الوضعية و لو كانت غير سماوية.

و الميتة: من الحيوانات ما مات حتف أنفه، و عن الفقهاء تعميمها إلى كل ما زال روحه بغير تذكية شرعية.

و الدم : معروف ، و به يحيا الحيوان و تنتظم شؤونه و وظائفه، أو المراد به هنا الدم المسفوح، لقوله تعالی : «أَوْ دَماً مَسْفُوحاً»[الأنعام: 145].

و تأتي مادة (لحم) بمعنى اللزوم، و سمي اللحم لحما للزوم بعضه مع بعض.

و الخنزير : حيوان معروف، و هو من المسوخات، التي يأتي المراد منها في قوله تعالى : «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ»[المائدة: 3] [سورة المائدة ، الآية: 3]، و قال تعالى:«قُلْ لا أَجِدُ في ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ

ص: 29

أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ»[الأنعام: 145] [سورة الأنعام، الآية: 145]، و قال تعالى : «إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ»[النحل : 115] مضافا إلى السنة المتواترة، و إجماع المسلمين.

و ضرر هذا اللحم بین، دلت عليه التجربة، و قد كشف العلم الحديث عن بعض مفاسده. و لا فرق في الحرمة بين البري منه و البحري، و إن كان الأول يزيد عن الأخير في أنه نجس عينا، و أعظم خبثا، و إنما ذكر اللحم كناية عن جمیع اجزائه لانه اهمها.

و قد حرم الله هذه الثلاثة لخباثتها، و لما لا يؤمن الضرر منها، و قذارتها، و اشمئزاز النفس منها، و قد كشف العلم الحديث ما يترتب عليها من المفاسد و المضار.

قوله تعالى: «وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ»[البقرة : 173].

الإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم استعم في أول كل صوت يرفع، و منه استهل الصبي، و الإهلال بالحج، و الإهلال بالذبح. أي التقرب بالذبائح إلى الأصنام و الأوثان و غيرها، مما يعبد من دون الله تعالى، أو ذکر الوثن و الصنم عند الذبح، فإن ذلك كله من عادات المشركين و الوثنين، و هو شرك بالله تعالى، و قد اعتبر الشارع هذه الذبائح من الميتة التي لا يجوز أكلها، و إنما ذكرها بالخصوص، للإهتمام به في ترك العادة التي جرت عليها قرون عديدة من الإهلال لغير الله تعالی.

و لعل من أسرار قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ»[البقرة: 172]، التمهيد لما يأتي، و إعلام الناس بأنهم أجل مخلوقاته عزوجل ، و أنه تعالى خلق ما في الأرض له، ليرفع نفسه عن درجات البهيمية إلى الدرجات العالية، و يتنزه عن ما ينافي مقام العبودية، فلا يعبد غيره تعالى، فإن الجميع مخلوق و مربوب له عزوجل.

قوله تعالى : «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ»[البقرة: 173]

قد ذكر الاضطرار إلى الأكل في موارد خمسة من الكتاب الكريم، أحدها

ص: 30

في هذه الآية، و الثاني في قوله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ »[المائدة: 3]، و الثالث في قوله تعالى:«فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ»[الأنعام: 145]

و الرابع في قوله تعالى : «إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ»[النحل: 115]، و الخامس في قوله تعالى: «وَ ما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَ إِنَّ كَثيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدينَ»[الأنعام: 119].

و كلمة «غير» منصوبة على الحالية، و قيل على الاستثناء، و التمييز بينهما هو أنه إذا صلح في موضعها لفظ (في)، أو ما يفهم معنى الظرفية و الحالية، فهي حال، و إذا صلح لفظ (إلا) فهي استثناء.

و الاضطرار معلوم، و المراد به الإلجاء إلى أكل شيء من المذكورات.

و مادة (بغي) تأتي بمعنى الميل، و له مراتب كثيرة، و من بعض مراتبه الطلب، و منه قول نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «أَلَا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ بُغَاةَ الْعِلْمِ»، أي طالبي العلم.

و هي إما أن تكون متعدية أو لا تكون كذلك، بل تتعدى بلفظ (على). و لهذه المادة استعمالات كثيرة في القرآن الكريم، ربما تزيد على عشرين موردا ، و جامعها الميل من الحق إلى الباطل، و قد تستعمل في الميل إلى الحق أيضا، كمن أتي بالفرائض و بغي إتيان النوافل.

فالأقسام أربعة : الميل من الحق إلى الحق، و الميل من الباطل إلى الحق، و الميل من الحق إلى الباطل، و منه البغي بمعنى الظلم، و البغاء أي الزنا، و الخروج على خليفة رسول الله صلی الله علیه و آله، و قد روى الفريقان أنه صلی الله علیه و آله قال لعمار بن ياسر : «تقتلك الفئة الباغية»، و القسم الرابع الميل من الباطل إلى الباطل، و القسمان الأخيران مذمومان.

و الغالب في استعمالات البغي إنما هو في الميل من الحق إلى الباطل .

ص: 31

و العادي : المتعدي عن الحق إلى الباطل، فيشمل كلا طرفي الإفراط و التفريط، لأن كلا منهما باطل بالنسبة إلى الحد الوسط.

و قد اختلف العلماء في المراد منهما، فقيل: المراد من الباغي الظلم، و قيل : الاعتداء ، و قيل : الحسد، و قيل : الفساد، من بغى الجرح إذا فسد، و قيل : مجاوزة الحد عن الحق أو عن القصد.

و الحق ما ذكرناه في بيان اللفظين، فيكون المراد منهما مطلق المعصية، و ما ورد عن الأئمة الهداة علیهم السلام ، و ما ذكروه في بيان اللفظين، من باب التطبيق و تفسير المعنى الكلي بالفرد، و هذه عادة جارية بين اللغويين و المفسرين، كما بهنا عليها مرارا.

و المعنى: أنه بعد أن أباح سبحانه و تعالى للمؤمنين أكل الطيبات، بين حرمة بعض الأشياء، لخباثتها، و فسادها، و أضرارها، أو لإزالة الشرك و خلع الأنداد و إثبات التوحيد في جميع القربات، و هي أربعة : الميتة، و الدم، و لحم الخنزير ، و ما أهل لغير الله تعالى. و رخص سبحانه الأكل منها في حالة الاضطرار إليها، بشروط خاصة مذكورة في كتب الفقه، إلا أن يكون المضطر باغيا، أو عاديا ، بأن يكون مائلا إلى الباطل، و حينئذ يحرم الأكل عليهما.

و إنما ذكر سبحانه : «غير باغ و لا عاده» بعد الاضطرار، للتنبيه على أنه ليس لأحد تحديد الاضطرار و تفسيره من قبله، و إلا كان من أحدهما، و ياتي في البحث الفقهي زيادة إيضاح.

قوله تعالى : «إِنَّ أللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ »[البقرة : 173].

أي : إن الله يغفر المعاصي، رحيم بالعباد، إذ أباح لهم الطيبات و حرم عليهم الخبائث، و رخص لهم ما لم يقدروا عليهما. و ذكر الغفران في المقام مع أنه لا معصية في مورد الاضطرار، للإعلام بأنه إذا كان لا يؤاخذ على المعاصي، ففي موارد الرخصة أولی أن لا يؤاخذ، أو لأن تقدير الضرورة إنما هو موکول إلى الناس، و قليل منهم يقتصرون على قدر الضرورة، فلا غناء عن

ص: 32

غفران الله تعالى. إذا اضطر إليها، هي حرام عليهما، ليس هي عليهما كما هي على المسلمين، و ليس لهما أن يقصرا في الصلاة».

أقول: روى مثل ذلك في تفسير العياشي و التهذيب.

و في تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام قال: «الْبَاغِي الظَّالِمِ ، وَ الْعَادِي الْغَاصِبُ». و في الفقيه في قوله تعالى :«إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.» [البقرة: 173] عن الصادق عليه السلام : «مَنِ اضْطُرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ وَ الدَّمِ وَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَمُوتَ ، فَهُوَ كَافِرُ ».

أقول: الوجه في كونه کافرا مخالفة الله تعالى، حيث إنه تعالى أمر بالأكل حينئذ، و لم يفعل، فالكفر کفر عملي، لا اعتقادي، كما تقدم أقسامه في قوله تعالى : «إِنَّ الَّذينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُون»[البقرة: 6].

ص: 33

دلالة آية الحرمة

تدل الآية الشريفة على جملة من الأحكام الشرعية :

منها : أن إطلاق قوله تعالی : «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ »[المائدة: 3] يشمل جميع التقلبات و التصرفات في الميتة، أكلا و انتفاعا و غيرهما. و تدل عليه الأخبار الكثيرة الشارحة للآية المباركة، ففي الحديث عن النبي صلی الله علیه و آله: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْ ءٍ»، و في حديث عبد الله بن حكيم عنه صلی الله علیه و آله: «لَا تَنْتَفِعُوا بِإِهَابٍ وَ لَا عَصَبٍ»، و عن الصادق علیه السلام: «لَا يَنْتَفِعُ بِشَيْ ءٍ مِنْهَا ، وَ لَوْ شَبِعَ مِنْهَا»، هذا بالنسبة إلى الانتفاعات التي يشترط فيها الطهارة، و أما في غيرها مثل التسميد و الزرع و نحوهما مما لا يشترط فيه الطهارة، فلا دليل على الحرمة.

و منها : أن إطلاق قوله تعالى : «الْمَيْتَةُ »[البقرة : 173] يشمل جميع أنواع الميتة، سواء كانت برية أو بحرية، ميتة ما له نفس سائل - أي الدم الخارج عن العروق حين الذبح - و ميتة ما ليس له نفس سائل، و إن كانت الأخيرة غير محكومة بالنجاسة.

كما تشمل القطعة المبانة من الحيوان الحي، و في ذلك روايات كثيرة من الفريقين، فعن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «مَا قُطِعَ مِنِ الْبَهِيمَةِ وَ هِيَ حَيَّةُ ، يَكُونَ مَيْتَةُ».

كما أن إطلاق الآية المباركة يشمل حرمة جميع أجزاء الميتة.

و عن بعض علماء العامة جواز الانتفاع بجلد الميتة، بل طهارته بالدبغ، و استدل بالحديث المروي عن النبي صلی الله علیه و آله حين مر على شاة ميمونة، فقال : «هلا أخذتم إهابها»، و لقوله صلی الله علیه و آله : «أَيُّمَا إِهَابَ دُبِغَ فَقَدْ طَهَّرَهُ»، و قد ناقشنا ذلك في

ص: 34

الفقه مفضلا، و كذا قول علي عليه السلام في البحر «الحل ميتته»، محمول على الطهارة، لا حلية الأكل.

و منها: إطلاق قوله تعالى:«وَ الدَّمُ»[البقرة : 173] يشمل القليل و الكثير ، و حرمة جميع التقلبات و التصرفات و الانتفاعات منه، كما يشمل جميع أنواع الدماء.

و منها : المراد من قوله تعالى: «وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ»[البقرة : 173] أن يكون الذبح لغيره تعالى، سواء ذكر غير اسم الله تعالى، كما يفعله الوثنيون و المشركون، أو ذبح للأصنام و الأوثان من دون ذكر اسم عليه أبدا.

و المناط في حلية الذبيحة ذكر اسم الله عليهما، و يدل عليه قوله تعالی : «وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ»[الأنعام: 121]، فالإهلال بالذبيحة لغير الله شيء، كما أن الإهلال بها الله تعالى شيء آخر، ففي القسم الأخير لو أهل بالذبيحة لله تعالى، و تصدق بلحمها على فقراء مشهد أو مزار رغب الشارع في زیارته ، فهو حلال لا إشكال فيه.

فما عن بعض أنه لا يحل، تمسكا بقوله تعالى: «وَ لا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ»[الأنعام: 121]، أو أنه إهلال لغير الله تعالى، خلط بين موضوعين، الا ربط لأحدهما بالآخر. فإن الذبح كان الله تعالى، و مصرفه كان للمنذور له، أو الفقراء.

و بعبارة أخرى : إن ذلك كان على نحو الطريقية إلى الله تعالى و التقرب إليه عزوجل، لا الموضوعية للمنذور له، أو الفقراء.

و منها: يستفاد من قوله تعالى :«فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ»[البقرة : 173] أن الاضطرار يرفع الحك التكليفي، لأن التكليف محدود بالقدرة ، و لا تكليف في ما لا قدرة للمكلف عليه، و الاضطرار إلى الفعل الحرام أو ترك الواجب ينافي القدرة، لأن المضطر لا يقدر على الترك في الأول، كما لا يقدر على الفعل في الثاني.

ص: 35

و المناط في القدرة : القدرة العرفية التي يعتمد عليها الناس في أمور معاشهم و جميع أغراضهم.

نعم، قد يتبدل الحكم في صورة الاضطرار إلى حكم آخر، و لكنه يحتاج إلى دليل بالخصوص.

و الاضطرار الحاصل للإنسان المبيح لتناول المحرم على قسمين :

الأول : ما لا ينتهي إلى اختياره .

الثاني: ما ينتهي إلى اختياره .

و لا ريب في أنه لا تكليف و لا عقاب في الأول، و أما الثاني : فلا ريب في أن العقل يحكم باختيار أقل القبيحين، لأن الأمر يدور بين إهلاك النفس و أكل الميتة مثلا، و لا إشكال في كون إهلاك النفس أقبح من أكل الميتة، و أما الخطاب، فهو باق على ملاكه، لبقاء العقاب لفرض الانتهاء إلى الاختيار، فمن ذهب إلى سفك دم معصوم، أو هتك عرض محترم، أو غصب مال كذلك، فاضطر حينئذ إلى أكل الحرام، يعاقب على الأكل، فيكون حكم القرآن الكريم موافقة للعقل السليم.

و من ذلك يعلم أن الاضطرار المبيح لأكل المحرمات - کالميتة و الدم و نحوهما - محدود في الشريعة المقدسة بحد خوف التلف على النفس في ترك الأكل، ثم الأكل بقدر ست الرمق من دون تعد عنه .

و في المقام فروع كثيرة أخرى، تعرضنا لها في كتب الفقه.(1)

ص: 36


1- م - ن: 306-314 ج 2.

بعض موارد صرف الزكاة

تدل الآية المباركة على جملة من الأحكام الفقهية:

الأول: أنها تدل على رجحان إيتاء المال و بذله في إعانة المحتاجين و الهدايا ، و صرفه في الخير، و هو محبوب عقلا أيضا، إلا أنه قد يكون واجبا کالزكاة، و الكفارات، و النذور، و أداء الديون.

وقد يكون مندوبا، و هو في ما إذا كان يراعى فيه الوظيفة الشرعية، و لم يصل إلى الصرف المحرم، و له مصادیق كثيرة مذكورة في كتب فقه الفريقين . و الظاهر أن قوله تعالى: «َوَاتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ»[البَقَرَة: 177]، ناظر إلى القسم الثاني لذكر الزكاة بعد ذلك، و يمكن أن يكون الزكاة مثالا لجميع الحقوق الواجبة المالية .

الثاني: القيد في قوله تعالى: «عَلَى حُبِّهِ»قید توضيحي إن رجع إلى حب المال، لأنه أمر غریزی مرکوز في الإنسان، أو أنه يرجع إلى حفظ النفس من الهلاك، و هو أمر فطري أيضا. و إن رجع إلى الله تعالى يصح أن يكون احترازيا، لأن الناس يختلفون في ذلك، إلا أن يقال إن الآية وردت في وصف الأبرار، و صرفهم للمال لا يكون إلا الله تعالى، قال عزوجل:«وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكيناً وَ يَتيماً وَ أَسيراً [8]إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُريدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً [9]»[الإنسان: 8-9]

الثالث: لا يعتبر الفقر في ما ذكر من الأصناف سوى المسكين، لعدم كون دفع المال من باب الصدقة الواجبة، بل أعم منها .

نعم، لو كان بعنوان الصدقة الواجبة، يعتبر الفقر في موردها .

ص: 37

الرابع: ذكر تعالى السائلين، و السؤال إن كان لأجل الاضطرار و حفظ النفس يجوز، بل قد يجب، و إن كان لغير ذلك يكره، بل قد يحرم. فعن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله:

«مَنْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ ، فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرُهُ » ؛ و عن الصادق علیه السلام: «ثَلَاثَةُ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَا یزکیهم وَ لَهُمْ عَذابُ أَلِيمُ - إِلَى أَنْ قَالَ - وَ الَّذِي يَسْأَلُ النَّاسَ وَ فِي يَدِهِ ظَهْرُ غنی»، وعن أبي جعفر عليه السلام: «لَوْ يَعْلَمُ السَّائِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ ، مَا سَأَلَ أَحَدُ أَحَداً ، وَ لَوْ يَعْلَمُ الْمُعْطِي مَا فِي الْعَطِيَّةِ مَا رَدَّ أَحَدُ أَحَداً ، وَ مَنْ سَأَلَ وَ هُوَ يَظْهَرُ غنی ، لَقِيَ اللَّهَ مَخْمُوشاً وَجْهُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

ويكره رد السائل مطلقا، فقد ورد عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله أيضا: «لِلسَّائِلِ حَقٍّ ، وَ إِنْ جَاءَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسَهُ».

الخامس: يستفاد من الآية الكريمة أنه يجوز صرف الزكاة في جميع الموارد التي ورد فيها، مع تحقق الشرائط المذكورة في الفقه.

السادس: الظاهر أن المراد من قوله تعالى:«ذَوِي الْقُرْبى»[البقرة: 177] قرابة المعطي، و لكن يحتمل أن يكون قرابة الرسول صلی الله علیه و آله، كما في قوله تعالی: «وَ اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ ءٍ فَأَنَّ لِلهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكينِ وَ ابْنِ السَّبيلِ »[الأنفال:41].(1)

ص: 38


1- م - ن: 339-340 ج 2.

في أحكام الجنايات

هذه الآية الشريفة تتضمن من الأحكام ما يلي:

الأول : يستفاد من قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخيهِ شَيْ ءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسنٍ ذلِكَ تَخْفيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ»[البقرة: 178]، أن الحكم الأولي في الجنايات مطلقا هو القصاص، و التبديل إلى الدية إنما يكون الجهات أخرى، و لفظ «کتب»يشمل الحكم الأولي و الثانوي.

الثاني : أنها مسوقة لبيان التساوي و التكافؤ بين الدماء، خلاف ما كانت عليه العادة في الجاهلية ، كما تقدم. و قد ذكر فيها بعض الأفراد إلا أنها لا تدل على الحصر فيهم، و قد وردت في السنة الشريفة ما يبين حصول التكافؤ و التساوي في القصاص، و من ذلك التفرقة بين دية الرجل و المرأة، و قتل واحد لجماعة، أو بالعكس، و قتل العبد للحر، فإن لكل واحد من هذه أحكاما خاصة مذكورة في الفقه مفصلا.

الثالث: أن اطلاق قوله تعالى: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ»[البقرة : 179]، یدل على القصاص في الجناية، سواء كانت في القتل أو القطع أو الجرح، كما هو مفضل في قوله تعالى : «وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ»[المائدة: 45].

الرابع : أن إطلاقها يشمل ما إذا كانت الجناية عمدية أو خطأية، و لكنها

ص: 39

خصصت بالأولى، لقوله تعالى:«وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ»[النساء: 92]

كما أنها خصصت بموارد:

منها : قتل الأب لابنه و إن كان عمديا، للإجماع و النصوص .

و منها : قتل الحر للعبد، إجماعا و نصوصا.

و منها : قتل المسلم للكافر، على ما هو المفضل في الفقه، و من شاء فليراجع كتابنا [مهذب الأحكام].

بحث روائي:

في الكافي : عن الصادق عليه السلام في رواية الحلبي في قوله تعالى : «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخيهِ شَيْ ءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ»[البقرة: 178]، قال علیه السلام«يَنْبَغِي اللذي لَهُ الْحَقُّ أَنْ لَا يَعْسُرَ أَخَاهُ إِذَا كَانَ قَدْ صَالَحَهُ عَلَى دِيَةٍ ، وَ يَنْبَغِي لِلَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ لَا يَمْطُلَ أَخَاهُ إِذَا قَدَرَ عَلَى مَا يُعْطِيهِ ، وَ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ باحسان».

و عنه علیه السلام في قوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ»[البقرة: 178]، قال علیه السلام: «هُوَ الرَّجُلُ يَقْبَلُ الدِّيَةَ أَوْ يَعْفُو أَوْ يُصَالِحُ ، ثُمَّ يَعْتَدِي فَيَقْتُلُ ، فَلَهُ عَذَابُ أَلِيمُ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ»

أقول: روي مثله في عدة روایات .

في تفسير العياشي: عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى: «الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى»[البقرة : 178] قال علیه السلام :«لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِعَبْدٍ ، وَ لَكِنْ يُضْرَبُ ضَرْباً شَدِيداً ، وَ يُغَرَّمُ دِيَةَ الْعَبْدِ ، وَ إِنْ قَتَلَ رَجُلُ امْرَأَةً فَأَرَادَ أَوْلِيَاءُ المفتول أَنْ يُقْتَلُوا ، أَدَّوْا نِصْفَ دِيَتِهِ إِلَى أَهْلِ الرَّجُلِ».

أقول: الحديث يفسر التكافؤ في الدماء و الجراحات، كما هو مفصل في الفقه .

ص: 40

في الاحتجاج: عن علي بن الحسين علیه السلام في قوله تعالى: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ» [البقرة: 179):«لكم يا أمة محمد في القصاص حياة، لأن من هم بالقتل فعرف أنه يقتص منه فكف لذلك عن القتل، كان حياة للذي هم بقتله، و حياة للجاني الذي أراد أن يقتل، و حياة لغيرهما من الناس إذا علموا أن القصاص واجب، لا يجترءون على القتل مخافة القصاص - الحديث - »

أقول: ذكر أمة محمد من باب ذكر أفضل الأفراد لا التخصيص، لأن الحكم عام للجميع.

و في تفسير القمي: قال: «لو لا القصاص لقتل بعضكم بعضا».

و في الدر المنثور : في قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى»[البقرة: 178]:«كان بين حيين من أحياء العرب قتال، و كان لأحد الحيين طول على الآخر، فقالوا: نقتل بالعبد منا الحر منكم، و بالمرأة الرجل، فنزلت هذه الآية».

أقول: تقد وجه ذلك.

بحث علمي:

ذكرنا أن آية القصاص نزلت في قوم كان الانتقام متبعا بينهم بأقبح الصور، فقد كانوا يقتلون لواحد جماعة، و ربما قتل الحر بالعبد، أو الرجل بالمرأة ، و الرئيس بالمرؤوس، بل ربما وقت حروب و غارات بسبب قتل حيوان من قوم ذوي منعة و شرف، و كان المناط كله على قوة القبائل وضعفها، و المتبع هو القتل و الانتقام، و الاقتصاص من دون أن يكون في البين قانون يحدده، أو قواعد تهذب تلك العادات ، كما هي عادة الأقوام البدائية و الشعوب الهمجية.

نزلت آية القصاص و لم يكن أحد يعرف الصلح و الوئام بدل القتل و الانتقام،

ص: 41

و كان ذلك تشديدا منهم على أنفسهم، كما يستفاد من ذيل الآية الشريفة، قال تعالى : «ذلِكَ تَخْفيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ»[البقرة: 178].

و من المعلوم أنه لا ينكر أحد أن حب الانتقام طبيعة من طبائع الحيوان فضلا عن الإنسان، و أن دفع التعدي غريزة من غرائزه، و أنه على ذلك مجبول و مفطور.

كما أنه ليس ثمة من ينكر أن العفو و الرحمة غريزة أخرى من غرائز الإنسان، بها يحنو على بني نوعه، و يدفع عن أهله البلاء، و يكافح في سبيلهم للعيش و الرفاه.

و بحسب تلك الأسس و الغرائز نزلت آية القصاص؛ و قررت تشریع حق الاقتصاص لولي الدم، و أهدرت دم الجاني لولي المجني عليه فقط، و مهدت له السبيل و أمكنته كل التمكين من القصاص بشروط خاصة، لإشباع غريزة الانتقام في الإنسان، فكان ذلك أول خطوة في تهذيب هذه الغريزة .

لكنه تعالى لم يغفل عن الغريزة الأخرى الكامنة فيه، فحبب إليه العفو بمختلف الأساليب ..

فتارة : رغب إليه العفو بأخذ الدية، و أداء إليه بإحسان.

و أخرى : بالثواب في الآخرة، و رضاء الله تعالى، و العفو و المحبة للمحسنين، قال تعالى: «فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ»[شوری : 40]، و قال تعالى :«وَ الْعافينَ عَنِ النّاسِ وَ اللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ»[آل عمران : 134].

و لقد راعى الإسلام في هذا التشريع جميع من يهمه هذا التكليف، القاتل، و المقتول، و وليه، و المجتمع، و الصالح العام، فحكم بالمعادلة بين القاتل و المقتول فقال عز و جل :«الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى»[البقرة: 178]، فحفظ بذلك التهجم على الدماء، و وقف الإسراف في القتل.

و اهتم عزوجل بالجانب التربوي، فحبب إلى الإنسان الرحمة و العطف،

ص: 42

و رغب الناس على نبذ مسلك الانتقام و الوعد لمن راعي هذا الجانب بعظیم الأجر و الإحسان.

و لذلك كان هذا التشريع موققا كل التوفيق في رفع الخصام، و حلول الصلح و الوئام، الذي هو السبب في حفظ الأمن و النظام، هذا بالنسبة إلى الإسلام.

أما بالنسبة إلى سائر التشريعات الإلهية، فإنها تختلف بين إثبات تشريع القصاص و الإلغاء؛ ففي التشريع اليهودي اعتبر الحكم في الجنايات هو القصاص، و لم يسن للعفو و الدية أحكاما إلا في حالات معينة، راجع ما ورد في التوراة في الفصل الحادي و العشرين، و الثاني و العشرين من سفر الخروج، و الخامس و الثلاثين من سفر العدد، كما حکی عنها القرآن الكريم، فقال تعالى : «وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ »[المائدة: 45].

و أما التشريع في الدين المسيحي، فلا يرى في مورد الجنايات إلا العفو و الدية، و ليس للقتل و القصاص فيه سبيل إلا في موارد خاصة.

و أما سائر التشريعات - سواء كانت و ضعية أو غيرها - فهي تختلف في هذا الحكم، و لا يمكن جعلها تحت ضابطة كلية، و إن كانت لا تخلو عن القصاص في الجملة.

و مما ذكرنا يعرف أن الإسلام اختار الطريق الأمثل، و سلك مسلكا وسطا بين الالغاء و الإثبات، فحكم بالقصاص ولكن ألغي تعيينه، فأجاز العفو و الدية ، و لاحظ جميع جوانب هذا الحكم وأحكمه أشد الإحكام، و سد باب الجدال و الخصام، و أبطل شبهات المعترضين.

و مع ذلك، فقد اعترض على تشريع القصاص في الإسلام خصومه، فادعوا أنه خلاف إنسانية الإنسان. و أنت بعد الإحاطة بما ذكرناه تعلم أن ما ذكروه في المقام واضح الفساد.

و قد استدل على إلغاء هذا الحكم بأمور هي:

ص: 43

الأول: أن تقرير حق الاقتصاص إقرار للعادات السيئة التي كانت سائدة في الشعوب الجاهلية، و الأقوام البدائية.

و هذا باطل.. أما أولا : فلأن نظر الإسلام في هذا الحكم هو تربية الإنسان تربية صالحة، يرفض معها كل ظلم و انتقام، و لم يكن ينظر إلى تقرير عادة، أو إبطالها .

و ثانيا : ذكرنا أن حب الانتقام غريزة من غرائز الإنسان، و الإسلام إنما أراد تهذيبها و كبح جماحها، خلاف ما كانت بين الأقوام وقت نزول القرآن .

و ثالثا : فائدة تشريع القصاص إنما ترجع إلى الجماعة و الصالح العام، شأنه شأن غالب التكاليف الإلهية .

الثاني : أن القوانين الوضعية التي وضعتها المثل الراقية لا ترى جواز عقوبة الإعدام مطلقا، و ترفض إجراءها بين البشر، معتمدين في ذلك على أن القتل مما ينفر عنه الطبع، و يستهجنه وجدان كل إنسان.

و أن القتل على القتل يكون فقدا على فقد.

و أن القتل بالقصاص فيه من القسوة و الانتقام زيادة على نفس القتل الواقع من الجاني، و لا بد من إزالة هذه الصفة من بين الناس بالتربية العامة، و عقاب القاتل بما هو أدون، كالسجن و الأعمال الشاقة.

الثالث: أن المجرم إنما يكون مجرما و أقدم على الجريمة لأجل عذر له، إما للجهل، أو عدم التربية الصالحة، أو لمرض عقلي، فيجب في هذه الحالة علاجه إما بالتربية الصالحة، أو معالجة مرضه.

و إن إبقاء الفرد الجاني أولی من إفنائه، لأن في إبقائه منفعة للمجتمع، و لا ملزم لأن نقبل عقوبة القصاص إلى الأبد، فيعاقب الجاني بما يعادل القتل، و في نفس الوقت نستفيد منه ، فيكون توفيقا بين حق المجتمع و حق أولياء الدم، و غير ذلك من الوجوه.

و لأجل ذلك عدلت القوانين الوضعية عن القصاص و القتل إلى عقوبات

ص: 44

أخرى لردع الجناة، أشدها عقوبة الحبس؛ سواء كان محدودا بوقت أو غير محدود به، مع الأشغال الشاقة مثلا.

و لكن كل ذلك باطل .. .

أما أولا: فلأن في تشريع القصاص تهذيبة للطبيعة الإنسانية في حب الوجود و ملاحظة الجانب التربوي في هذا التكليف، بل جميع تكاليف الإسلام و قوانينه إنما وضعت لأجل ذلك، و لذلك حت على العفو، و لم يكن الإسلام ليمنع من رفع هذه العقوبة بعد التربية الصالحة، و إعداد الأفراد في صالح المجتمع، و نبذ التخاصم و الانتقام، و الأمم الراقية إنما ذهبت إلى ذلك بعد جهد جهيد في تربية الأفراد و تنفير القتل بينهم، و هذا شيء حسن لم ينكره أحد، و هو مما يريده الإسلام، كما تشير إليه نفس الآية الشريفة.

و ثانيا : فلأن الإسلام إنما لاحظ في هذا التشريع الصالح العام و مصالح النوع، كما هو شأن كل قانون، سواء كان إلهيا أو وضعيا، و يعتبر أن الاعتداء على فرد کالاعتداء على الأمة، قال تعالى: «مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَميعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَميعاً »[المائدة : 32]، و لا ريب أن الدفاع عن الأمة و الجماعة أمر غريزي، و لذا نرى أن الأمة تهب في دفع الأعداء و من يريد إهلاكهم، فلا يتوقفون عن الدفاع عن أمتهم، فكيف يمكن القول بالرأفة في هذه الحالة، فهل تقبل الطبيعة الإنسانية مثل هذه الرأفة في هذه الحالة؟! بل لا تكون الرأفة إلا إبادة للأمة و اختلالا للنظام.

و ثالثا : فلأن ما ذكروه في تبرير قتل القاتل إنما هو في الحقيقة تبرير لتطبيق قانون العقوبة، لا أنه عيب في نفس القانون کم فرق بينهما ؛ مع أن الإسلام قد لاحظ جميع الخصوصيات في القتل، كم هو مفضل في الفقه ، فلا يبقى عذر بعد ملاحظة ذلك، مع أن ذلك تلقين للمجرم، و إعطاء السلاح بيد المجرم، كما يقال.

و أخيرا فإن تبديل هذه العقوبة إلى عقوبة أخرى أنفع للمجتمع و للفرد، فإنه

ص: 45

يسأل منهم هل كانت هذه العقوبات ناجحة في ذلك؟! و هل رفعت الفساد الاخلاقي؟!! و هل كان الحبس مطلقة ناجحة في رفع المشكلات و تقويض الجنايات؟! مع أن الملاحظ يعترف أنه قد أدى تطبيق هذه العقوبة إلى نتائج خطيرة و جلبت مشاكل دقيقة:

منها : قتل الشعور بالمسؤولية في نفوس المجرمين، و أنها سببت زيادة في سلطان المجرمين، و إفسادة للمسجونين، و أوجبت انعدام قوة الردع، إلى غير ذلك من المشاكل.

و بعد ذلك كله، فهل يمكن الاستفادة من المجرمين؟!

و لعمري، أنه لا يمكن تفضيل أي قانون على القانون الإسلامي، لما عرفت من أنه يراعى فيه جميع جوانب الحياة، و ما أورد عليه يكون من قبيل الشبهة في البديهيات، قال تعالى : «أَ فَلَمْ يَسيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتي فِي الصُّدُورِ»[الحج: 46](1)

ص: 46


1- م - ن: 367-374 ج 2

حكم الوصية

يقول الله تبارك و تعالى : «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبينَ»[البقرة : 180].

يستفاد من الآية أمور:

الأول : تدل الآية على رجحان الوصية و الإهتمام بها، و قد أكد تعالی عليها بأنحاء التأكيد، كما ورد في السنة المقدسة أيضا، و لا بد أن يراعى فيها جميع الشروط المذكورة في الكتب الفقهية، منها العدل و المعروف، و عدم الإضرار بالورثة، كما يستفاد من قوله تعالى: «بِالْمَعْرُوفِ»[البقرة : 178].

الثاني : أن الوصية في الآية الشريفة هي الوصية التمليكية، لما ذكر فيها الخير.

و أما الوصية العهدية، فلا يشترط فيها وجود المال، بل يكفي فيها وجود نفع للموصي

الثالث: إطلاق الآية الشريفة يشمل الوصية بالقول، أو الكتابة، أو الإشارة المفهمة مع العذر .

الرابع: تدل الآية على عدم تقوم الوصية بالوصي، بل تتحقق بدونه، و المعتبر إنفاذ الوصية و لو من قبل الحاكم الشرعي.

الخامس: يستفاد من الآية الشريفة حرمة التبديل، و أنه من الكبائر، و قد دلت عليه نصوص خاصة.

ص: 47

السادس: يمكن أن يكون الإذن في الإصلاح من باب الإرشاد إلى الحكم، إن كان الموصي جاهلا بالحكم، و يصح أن يكون من باب النهي عن المنكر إن كان عالما به، و يصح تصديه من كل أحد يعرف الحكم. و لا بد أن يكون هذا الإصلاح مطابقا للموازين الشرعية، و إلا فلا يجوز، فقد ورد عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «الصُّلْحُ جَائِزُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، مَا لَمْ يُحَلِّلُ حَرَاماً أَوْ يُحَرِّمَ حَلَالًا »

بحث روائي:

في الكافي: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السلام: «الْوَصِيَّةُ حَقٍّ ، وَ قَدْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ صلی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُوصِيَ».

أقول: الروايات في استحباب الوصية و رجحانها كثيرة، و في بعض الروايات عن علي عليه السلام: «مَنْ لَمْ يُوصِ عِنْدَ مَوْتِهِ لِذَوِي قَرَابَتِهِ مِمَّنْ لَا يَرِثُ ، فَقَدْ خَتَمَ عَمَلَهُ بِمَعْصِيَةٍ».و المراد بالمعصية مطلق العمل المرجوح؛ لا العصيان الموجب لاستحقاق العقاب.

و في الكافي - أيضا - عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام : «سألته عن الوصية للوارث؟ فقال علیه السلام : تجوز، ثم تلا هذه الآية: «الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقينَ»[البقرة : 180]».

أقول: قد روي قريب من ذلك في عدة روایات .

و في الفقي، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عزوجل: «الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقينَ»[البقرة: 180] . قال علیه السلام: «هُوَ شَيْ ءُ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ ، قِلَّةُ : فَهَلْ لِذَلِكَ حَدٍّ ؟ قَالَ علیه السَّلَامُ : نَعَمْ . قِلَّةُ : وَ ما هُوَ ؟ قَالَ علیه السَّلَامُ : أُدْنِي مَا يَكُونُ ثُلُثُ الثُّلُثِ».

و مثله في تفسير العياشي إلا أن فيه أدناه: «السدس و أكثره الثلث».

ص: 48

أقول: المستفاد من مجموع هذه الروايات أن الوصية في قوله تعالی تشمل وصية السابق للأحق بأصول الاعتقاد بذوي القربى، كما في قوله تعالی :«وَ وَصَّى بِها إِبْراهيمُ بَنيهِ»[البقرة: 132]، و حيث لا نبوة بعد نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله ، فتكون الوصية حينئذ بالنسبة إلى ذوي قرباه.

و أما تفسير المال بالسدس، أو الثلث، و هو أيضأ صحيح من باب تطبيق الكلي على بعض المصادیق، و إلا فقد ورد في روايات أخي أن أدناه الربع . و ليس ذلك في مقام التحديد و الحصر، بل المراد بيان أن المال الموصى به يكون معتنى به في الجملة، كما ذكرنا في التفسير.

و في تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أحدهما علیهم السلام في قوله تعالی :«كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ»[البقرة : 180]. قال علیه السلام: «هِيَ مَنْسُوخَةُ نستختها آيَةُ الْفَرَائِضِ الَّتِي هُوَ الْمَوَارِيثِ»

أقول: يمكن أن يحمل النسخ في المقام على غير معناه الاصطلاحي، كما يمكن أن يحمل على نسخ بعض مراتب الإلزام، دون أصل الرجحان أو الوجوب في مورد وجوب الوصية كما في الوصية بالديون.

و في تفسير القمي: في قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ»[البقرة: 180]: إنما هي منسوخة بقوله تعالى:«يُوصيكُمُ اللهُ في أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»[النساء: 11].

أقول: تقدم وجه ذلك.

في تفسير القمي - أيضا - عن الصادق علیه السلام: «أذا أوصى بوصية فلا يحل للوصي أن يغير وصيته، بل يمضيها على ما أوصى، إلا أن يوصي بغير ما أمر الله فيعصي في الوصية و يظلم، فالموصى إليه جائز له أن يرده إلى الحق، مثل رجل يكون له ورثة فيجعل المال كله لبعض ورثته، و يحرم بعضا، فالوصي جائز له أن يرده إلى الحق، و هو قوله تعالى :«جَنَفاً أو إثماً) [البقرة: 182]. فالجنف الميل إلى بعض ورثته دون بعض، و الإثم أن يأمر بعمارة بيوت النيران، و اتخاذ المسكر، فيحل للوصي أن لا يعمل بشيء من ذلك».

ص: 49

أقول: ما ذكر في بيان الجنف و الإثم من باب ذكر بعض المصادیق، كما هو معلوم، و يستفاد من لفظ «فأصلح» الوارد في الآية الشريفة أن كل ما يكون خلاف الصلاح الشرعي، يجري عليه حكم الجنف

في الكافي : عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله علیه السلام: «في رجل أوصى بماله في سبيل الله ، فقال علیه السلام: أعطه لمن أوصى به له، و إن كان يهوديا أو نصرانيا، إن الله تعالى يقول: «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ أللهَ سَميعٌ عَليمٌ »[البقرة: 181]».

أقول: الروايات في ذلك كثيرة، و لا بد من تقييدها بما إذا لم يكن صرف المال إليهم من الصرف إلى المحرم، كما يظهر من سائر الروايات.

في تفسير العياشي: عن محمد بن سوقة، عن أبي جعفر علیه السلام في قول الله تعالی:«فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ أللهَ سَميعٌ عَليمٌ ».قال عليه السلام:«نسختها . التي بعدها، و هي قوله تعالى :«فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ»[البقرة: 182]، يعني : الموصى إليه إن خاف جنفا من الموصي في ولده، في ما أوصى به إليه، في ما لا يرضي الله به من خلاف الحق، فلا إثم عيه ، أي على الموصى إليه أن يبذله إلى الحق، و إلى ما يرضى الله به من سبيل الخير».

أقول: المراد بالنسخ التقييد، لا النسخ الاصطلاحي.

في العلل: عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله تعالى: «فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ»[البقرة: 182]. قال علیه السلام : يعني إذا اعتدى في الوصية».

أقول: ومثله في تفسير العياشي، إلا أن فيه : «وزاد على الثلث».

و ما ورد في الروايتين من باب ذكر بعض مصادیق الجنف، و ليس من جملتهما ما إذا لم يمض الورثة ما زاد عن الثلث، و إلا فلا إثم حينئذ.

ص: 50

و في المجمع: «الجنف أن يكون على جهة الخطا، من حيث لا يدري أنه يجوز، قال: روي ذلك عن أبي جعفر علیه السلام».

أقول: هذا لا إثم فيه إن كان خطأه مع قصور، و أما إذا كان مع التقصير فيكون مثل الرواية الآتية.

في الفقيه - أيضا - : عن علي عليه السلام : «أَنَّ الْجَنَفِ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ».

أقول: يستفاد ذلك من عدة روایات . و الله العالم (1).

ص: 51


1- م - ن : 381-385 ج 2

تشريع الصوم في الأديان و فيه بيان بعض أحكامه و فضله

اشارة

«يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [183] أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»[البقرة: 183-184.]

بحث دلالي

يستفاد من الآية الشريفة أمور:

الأول : قد تكرر التأكيد على الصوم بقوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»و قوله تعالى: «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ»، و قوله تعالى: «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ، و ذلك للترغيب في هذه العبادة، أي الصوم لما فيه من الفضل العظيم و الثواب الجزيل - الذي عد منه أنه «جنة من النار»-و الفوائد الجمة . و لما فيه من الإمساك عن الشهوات النفسانية، فيحصل الشبه بين الصائم و الروحانيين، و إنه من أقوى الروابط العابد و المعبود.

الثاني : أن في قوله تعالى : «أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ»من التلطف و العناية و إسقاط كلفة الصيام، ما لا يخفی.

الثالث : أن في ترتب التقوى على الصوم بشارة عظيمة للصائمين، لأن التقوى من أقرب وسائل القرب إلى الله تعالى، و أقوى الزواجر عن إطاعة

ص: 52

الشيطان، و فيه من البشارة إلى الوصول إلى مقام المتقين . الذي هو من مقامات الصديقين .

الرابع : تدل الآية الشريفة على أن المكلفين بالنسبة إلى الصيام على حالات ثلاث:

الأولى : المقيم الصحيح القادر، فيجب عليه الصوم، و لا يجوز له ترکه بوجه.

الثانية : المسافر، أو المريض الذي لا يمكنه الصوم - إما لأجل أن الصوم یزیده ضررا، أو يبطىء برءه - فيجب عليهما الإفطار مع وجوب القضاء بعد البرء و الحضر، إلا أن الفدية تختص بالمريض غير المتمكن من القضاء دون المسافر، على تفصيل مذكور في الفقه.

الثالثة : الشخص الذي يقدر على الصوم مع المشقة و غاية الجهد، كالشيخ و الشيخة، و ذي العطاش و نحو ذلك، يجب عليه الفدية عن كل يوم بمد، على ما متر، و الأحكام مفضلة في الفقه.

الخامس: أن قوله تعالى: «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»[البقرة: 184]، يدل على محبوبية الصيام والترغيب إليه، ورفع الكلفة في الإمساك.

وقيل : إنه يرجع إلى من رخص له بالفدية، فيكون تكليف من يطيق الصوم ويبلغه غاية جهده، أن الصوم خير له من الفدية.

و يرد عليه : أن سياق الآية يدل على أن الجملة راجعة إلى من خوطب بأصل الصيام، ومن كتب عليه، ويؤكد ذلك أن الخطاب في من عليه الفدية إنما هو بلفظ الغيبة، مضافة إلى ذلك أنه لا يناسب التأكيد بقوله تعالى : «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ »[البقرة: 184]، مع أن التكليف بالنسبة إليه إنما هو الفدية بدلا عن الصوم، فلا يصح إرجاع الجملة إلى ما ذكروه.

ص: 53

و أما الأحكام التي تستفاد في المقام ما يلي

الأول: وجوب الصوم في أيام معدودات، و هي: شهر رمضان، كما ذكره تبارك و تعالى في الآية التالية، فالآية الشريفة من المبينات، و ليست هي منسوخة، و ما ذكر في ذلك واضح البطلان.

الثاني : المرض الموجب للإفطار ليس المراد منه كل مرض، كما هو ظاهر الإطلاق، بل سياق الآية المباركة يدل على أنه المرض الذي يخاف فيه الشخص على نفسه من زيادته، أو بطء برئه، كما فضل في السنة المقدسة.

الثالث: تدل الآية المباركة على أن السفر موجب للإفطار، وقد حددته السنة بحدود وشروط، مذكورة في الفقه مفصلا .

وقال بعض: إن قوله تعالى: «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»[البقرة : 184]، راجع إلى الصيام في السفر، فقالوا بأفضلية الصوم للمسافر .

و يرد عليه : ما ذكرناه آنفا مع منافاته للروايات الكثيرة الدالة على عدم الصوم في السفر، فقد روى أحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن النبي صلی الله علیه و آله: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ».

ورواه ابن حبان في صحيحه، عن جابر، عنه صلی الله علیه و اله، ورواه غيره عن كعب ابن عاصم الأشعري عنه صلی الله علیه و اله.

و روى ابن ماجه، عن عبد الرحمن بن عوف، عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ»، ورواه النسائي عن عبد الرحمن موقوفا.

وروى عبد الرزاق في جامعة عن ابن عمر، عن رسول الله صلی الله علیه و آله:

«إن الله تصدق بإفطار الصائم على مرضى أمتي ومسافريهم، أيحب أحدكم أن يتصدق على أحد بصدقة ثم يظل يردها؟!».

ورواه الديلمي في الفردوس، وبمضمونه ورد في أحاديثنا عن أئمتنا الهداة عليه السلام.

ص: 54

وروى مسلم والنسائي والترمذي عن جابر قال : «خرج رسول الله صلی الله علیه و آله، إلى مكة عام الفتح حتى بلغ كراع الغميم (و هو واد أمام عسفان)، وصام الناس معه، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، و إن الناس ينظرون في ما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، فبلغه أن أناسا صاموا ، فقال صلی الله علیه و آله: «أولئك العصاة».

وروي ذلك في الكافي والفقيه عن الصادق علیه السلام أيضا.

وأخرج أحمد والأربعة وجماعة، عن أنس الكعبي، عن النبي صلی الله علیه و آله: أنه دعاه إلى الطعام فاعتذر بالصيام، فقال له صلی الله علیه و اله: «انَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ».و أخرج قريبا منه النسائي عن عمر بن أمية الضمري عنه صلی الله علیه و آله.

وروى البيهقي في المعرفة عن سعيد بن المسيب، والمتقي الهندي في كنز العمال عن الشافعي، مرسلا عن رسول الله صلی الله علیه و آله: «خِيَارُكُمُ الَّذِينَ إِذَا سَافَرُوا قَصَرُوا الصَّلَاةِ ، وَ أَفْطَرُوا ».ورواه في الكافي والفقيه عن الباقر علیه السلام.

و أما الروايات عند الإمامية في وجوب الإفطار في السفر، فهي متواترة، و عليه إجماعهم، بل عد من ضروریات مذهبهم.

و لأجل تلك الروايات ذهب كبار الصحابة إلى أن الصائم في السفر عليه الإعادة.

ومع ذلك ذهب قوم إلى التخيير، وأن من صام في السفر فقد أدى فرضه، ومن أفطر وجب عليه القضاء، وبذلك مضت السنة العملية، واستدلوا بما رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن عائشة : أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلی الله علیه و آله: «أَ أَصُومَ فِي السَّفَرِ ؟ وَ كَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ ، فَقَالَ صلی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ ، وَ إِنْ شِئْتَ فافطر»، وفي مسلم أنه صلی الله علیه و آله أجابه بقوله: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه».

و الكل مردود، إذ السنة العملية غير ثابتة، والحديث ظاهر في الصوم المندوب لا الواجب، وعلى فرضه، فهو معارض بالروايات المتقدمة، وإجماع

ص: 55

أهل البيت، مضافا إلى أن الروايات الدالة على التخيير أو الرخصة في الصوم في السفر - مع غض النظر عن الأسانيد - لا يعلم ورودها بعد نزول آية الصوم وتحريمه في السفر.

وعليه فلا يبقى مجال للقول بأن الإفطار أفضل إن كان في الصوم مشقة، والصوم أفضل مع عدمها، والتفصيل بأكثر من ذلك يطلب من السنة.

الرابع : إطلاق الآية الشريفة يدل على أن السفر موجب للإفطار، سواء كان السفر قصيرا أم طويلا، و سواء كان فيه المشقة أم لا، إذا توفرت الشروط، كما هو مفضل في الفقه.

الخامس: تدل الآية الكريمة على أن من كان يقدر على الصوم مع الإطاقة و بلوغ الجهد - غير المسافر، والمريض، والصحيح القادر على الصوم بدون مشقة - يجب عليه الإفطار والفدية ، على تفصيل ذكرناه في الفقه.

السادس: المباركة تدل على أن المسافر إذا حضر، و المريض إذا بريء، يجب عليه القضاء.

السابع: ظاهر سياق الآية الشريفة هو السفر الاتفاقي، لا الدوام به، فإنه حينئذ لا يوجب الترخيص في ترك الصوم، كما هو مفضل في كتابنا [مهذب الأحكام].

الثامن : المراد من الطعام الوارد في الآية المباركة هو مطلق ما يطعم ويرفع جوع المسكين، ولا اختصاص له بالبر، كما عن بعض، ولو كان وجه اختصاص فهو من باب الغالب، كما هو مذكور في محله.

ص: 56

فضل الصوم في الروايات و ما جاء في صوم التطوع

في العلل و المحاسن، عن علي عليه السلام، عن رسول الله صلی الله علیه و آله؛ في جواب مسائل اليهودي، قال صلی الله علیه و آله: «ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا إلا أوجب الله له سبع خصال :

أولها: يذوب الحرام في جسده، والثانية : يقرب من رحمة الله، والثالثة : يكون قد كفر خطيئة أبيه آدم، والرابعة : يهون عليه سكرات الموت، و الخامسة: أمان من الجوع والعطش يوم القيامة. والسادسة: دخول الجنة، وبراءة من النار . والسابعة: يطعمه من ثمرات الجنة».

أقول: في هذا السياق روایات كثيرة من الفريقين، واقتضاء الصوم لهذه الأمور إذا كان الله تعالى مع شرائطه المقررة في الشريعة مما لا ريب فيه، لأنه رياضة نفسانية، ويزيل الشهوات الحيوانية. ويمكن أن يكون ترتب هذه الأمور عليه في بعض النفوس من قبيل ترنجب المعلول على العلة التامة، ولا ريب في تحقق السنخية بين الصوم وهذه الأمور.

في الحديث القدسي قال الله تعالى : «الصَّوْمُ لِي ، وَ أَنَّا أَجْزِي به».

أقول: أما كون الصوم الله تعالى، فلأنه أمر قلبي ليس من فعل الجوارح، فلا يطلع عليه غيره تعالى، فيكون الخلوص فيه أكثر من سائر العبادات .

وأما قوله: «و أنا أجزي به»، فهو كناية عن كمال الجزاء، وعدم حصر له، وعدم اطلاع أحد عليه، فيكون المقام نظير قوله تعالى :«لاتَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْیُنٍ جَزاءً بِما کانُوا یَعْمَلُونَ »[السجدة:17]، هذا إذا قریء بصيغة المعلوم. و أما إذا قریء بصيغة المجهول - أي أنه تعالى بذاته الأقدس يكون جزاء لهذا العمل - فيكون كناية عن قرب الصائم إلى ربه تعالی، بحيث لا يمكن تحديده بحد.

في تفسير العياشي: عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول

ص: 57

الله عزوجل: «کتب علیکم الْقِتَالِ - وَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ»، قال عزوجل: هذه كلها يجمع الضلال والمنافقين، وكل من أقر بالدعوة الظاهرة».

أقول: لا اختصاص لذلك بخصوص الصوم، بل يشمل كل من جمع شرائط التكليف، كما في سائر التكاليف الإلهية.

في تفسير العياشي: عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ[البقرة : 183]، قال: «هي للمؤمنين خاصة».

أقول: يمكن أن يحمل بحسب مراتب القبول، لا بحسب أصل التكليف - كما في سائر التكاليف الإلهية - إن كان المراد بالمؤمنين طائفة خاصة، و إلا فالحديث يكون مثل سابقه.

في تفسير القمي: عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ»[البقرة : 183]، قال: «أول ما فرض الله تعالى الصوم، لم يفرضه في شهر رمضان على الأنبياء، و لم يفرضه على الأمم، فلما بعث الله نبيه صلی الله علیه و اله خضه بفضل شهر رمضان هو وأمته، وكان الصوم قبل أن ينزل شهر رمضان، يصوم الناس أياما».

أقول: قريب منه في الفقيه عن حفص بن غیاث النخعي، و الحديثان بظاهرهما مخالفان للآية الشريفة، ومخالفان للروايات الدالة على أن الصيام كان مكتوبا على الأنبياء السابقين وأممهن، وأن الأنبياء كانوا يصومون شهر رمضان. ويمكن حملهما على أن التفضيل بالنسبة إلى رسول الله صلی الله علیه و آله باعتبار إيجابه في شهر رمضان خاصة دون سائر الأمم، فإن صوم الأنبياء في هذا الشهر كان أعم من الإيجاب عليهم.

في الكافي: عن الصادق علیه السلام: «كان رسول الله صلی الله علیه و اله أول ما بعث يصوم حتى يقال : ما يفطر، ويفطر حتى يقال : ما يصوم، ثم ترك ذلك وصام يوما وأفطر يوما، وهو صوم داود، ثم ترك ذلك وصام الثلاثة الأيام الغر، ثم ترك ذلك وفرتها في كل عشرة خميسين، بينهما أربعاء، فقبض صلی الله علیه و اله و هو يعمل ذلك».

ص: 58

أقول: هذا وارد في صوم التطوع.

في الكافي - أيضا - عن علي بن الحسين علیه السلام: «فأما صوم السفر و امرض، فإن العامة قد اختلفت في ذلك، فقال قوم: يصوم، و قال آخرون: لا يصوم، و قال قوم: إن شاء صام و إن شاء أفطر. و أما نحن فنقول : يفطر في الحالين جميعا، فإن صام في السفر، أو في حال المرض، فعليه القضاء، فإن الله عز و جل يقول: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»[البقرة: 184]

أقول: تدل عليه روایات متواترة عندنا، وإجماع الإمامية، وقد تقدم عدم صلاحية ما ذكروه لثبوت الصوم في الحالتين، أو التخيير، فراجع.

العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «لم يكن رسول الله صلی الله علیه و اله بصوم في السفر تطوعة و لا فريضة، يكذبون على رسول الله صلی الله علیه و آله ، نزلت هذه الآية :«فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»[البقرة: 184] بكراع الغميم عند صلاة الفجر، فدعا رسول الله صلی الله علیه و آله، بإناء فشرب، وأمر الناس أن يفطروا، فقال قوم: قد توجه النهار ولو صمنا يومنا هذا، فسماهم رسول الله العصاة، فلم يزالوا يسمون بذلك الاسم حتى قبض رسول الله صلی الله علیه و آله.

أقول: وردت روايات أخرى قريبة منها عن طرق العامة أيضا.

و في تفسير العياشي - أيضا - عن الصباح بن سبابة، عن الصادق علیه السلام قال: «إن ابن أبي يعفور أمرني أن أسألك عن مسائل، فقال علیه السلام : و ما هي؟ قلت: يقول لك : إذ دخل شهر رمضان وأنا في منزلي، ألي أن أسافر؟ قال علیه السلام : إن الله يقول: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ»[البقرة: 185]، فمن دخل عليه شهر رمضان و هو في أهله، فليس له أن يسافر إلا لحج، أو عمرة، أو طلب مال يخاف تلفه».

أقول: لا بد من حمله على الكراهة جمعا، بينه و بين الأخبار الدالة على الجواز.

ص: 59

في تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام: «عن حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار، كما يجب عليه في السفر في قوله تعالی: «فَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ»قال علیه السلام: هو مؤتمن عليه، مفوض إليه، فإن وجد ضعفا فليفطر، و إن وجد قوة فليصم، كان المريض على ما کان».

أقول: و يدل عليه روايات أخر شارحة لقوله تعالى: «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصيرَةٌ»[القيامة: 14].

و في رواية أخرى عنه علیه السلام: «أَ أَصُومَ فِي السَّفَرِ ؟ وَ كَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ ، فَقَالَ صلی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ : إِنْ شِئْتَ فَصُمْ ، وَ إِنْ شِئْتَ فافطر».

أقول: يستفاد من مثل هذه الروايات أن موضوعات الأحكام موكولة إلى العرف، ما لم يحدها الشارع بحد معين .

في الكافي: عن محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عز و جل : «وَ عَلَى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ»[البقرة: 184]، قال علیه السلام: «الشَّيْخُ الْكَبِيرُ ، وَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْعُطَاشُ».

في الفقيه : عن ابن بكير قال : «سألته عن قول الله عزوجل: «و وَ عَلَى الَّذينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ»[البقرة: 184]؟ قال: الذين كانوا يطيقون الصوم، ثم أصابهم كبر، أو عطاش، أو شبه ذلك، فعليهم لكل يوم مد».

أقول: هذه الروايات قرينة على ما ذكرنا سابقا من أن المراد بالقدرة على الصوم القدرة المتعارفة، لا القدرة العقلية .

ص: 60

الصوم في الأديان السماوية

تقدم أن الصوم ن أهم الوسائل التي يلتمس بها العبد التقرب إلى خالقه ، و أعظم السبل في تحلية النفس بالفضائل، وتخليتها عن الرذائل، وأنه أول ما يمكن أن يصدر من الحبيب في لقاء حبيبه، بالتنزه عما تشتهيه النفس من المستلذات، فهو من الخير الذي أمرنا الله تعالی بالاستباق إليه، ولأجل ذلك وغيره مما هو كثير كتبه الله على الأمم السابقة، بل هو محبوب لدى جميع الأمم، حتى الوثنية منها ، فلم يخل منه دين من الأديان، سواء السماوية منها أم الوضعية، فقد يظهر من بعض الروايات أن المجوس كان لهم صوم، وأن الصيامية نحلة منهم تجردوا للعبادة، وأمسكوا عن الطيبات من الرزق، وعن النكاح والذبح على ما هو المقرر عندهم، وتوجهوا في عبادتهم للنيران.

و أما اليهود، فالصوم عندهم هو الإمساك عن الأكل والشرب، ولم يفرض عليهم إلا صوم يوم واحد، كما ورد في عهد [اللاويين 29/16]، وكان اليهود يصومون بعد ذلك أياما في مناسبات، وكانوا في ذلك اليوم يلبسون المسوح، وينثرون الرماد على رؤوسهم، ويصرخون ويتضرعون، ويتركون أيديهم غير مغسولة، إلى غير ذلك من العقائد التي كانت عندهم في الصوم، وكان اليوم هو يوم التكفير، أي: اليوم العاشر من الشهر السابع، كما في سفر اللاويين، وفيه يحاول اليهودي التشبه بالملاك، وهذا اليوم يسبق بتسعة أيام، تسمى ب (أيام التوبة)، حيث يطهرون خلالها تطهيرا يكفل لهم النقاء في خلال العام القادم، والصوم عندهم يكون من غروب الشمس إلى مساء اليوم التالي.

وفي غير ذلك يصومون تذكارا للرزايا التي وردت عليهم، فخصصوا أربعة أيام للصوم حزنا بعد خراب الهيكل الأول، وهي اليوم التاسع من الشهر الرابع من كل سنة، وهو يوم استيلاء الكلدان على القدس، واليوم العاشر من الشهر الخامس، وهو يوم احتراق الهيكل والمدينة، واليوم الثالث من الشهر السابع،

ص: 61

وهو يوم استباحة نبوخذ نصر لاورشلیم، قتلا ونهبا ، واليوم العاشر من الشهر العاشر، وهو يوم ابتداء حصار القدس.

وأما النصارى - على اختلاف مذاهبهم - فهم متفقون على وجوب الصوم في الجملة، فقد ورد في انجيل [متی 6ر16]: «و متی صمتم فلا تكونوا عابسين کالمرائين، فإنهم يغيرون وجوههم، لكي يظهروا الناس صائمين، الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم، وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائما»، وقد نسب إلى السيد المسيح أنه صام أربعين يوما بلياليها.

والصوم عندهم مفروض في أزمنة معينة خاصة، وإن اختلفوا في قواعده ، فإنه عند أكثرهم الانقطاع عن المأكل من نصف الليل إلى الظهر، فالكاثوليك منهم، الصيام عندهم كثير وشديد، وهو عندهم: الإمساك عن الطعام والشراب يومهم وليلهم، ولا يأكلون إلا قرب المساء، وإذا أفطروا لا يشربون خمرا، ولا يتأنقون في المأكل، والفرض عندهم هو الصوم الكبير، السابق لعيد الفصح، وما سواه فهو نفل، وهو كثير کصوم يوم الأربعاء تذكارا للحكم على السيد المسيح، ويوم الجمعة يوم صلبه، وكذا صوم الأيام الأربعة السابقة للميلاد، وعيد انتقال العذراء، وعيد جميع القديسين، هذا ما كان عليه الكاثوليك أول الأمر، ولكن جرت تغييرات في فروض الصوم، حتى صار صوم كثير من الأيام السابقة فرضا، ومن ذلك وجوب الصوم والانقطاع عن اللحم يوم الجمعة، ما لم يقع يوم عيد، وأضيف إليه يوم السبت أيضا. ومن ذلك صوم البارامون، أي : صوم الاستعداد للاحتفال بالأعياد الكبری.

وأما الروم الآثوذكس، فأيام الصيام عندهم أكثر، و قوانينهم أشد، وأهمها أربعة ..

أولها : الصوم السابق لعيد الفصح.

الثاني : من العنصرة إلى آخر حزيران .

الثالث: خمسة عشر يوما قبل انتقال العذراء .

ص: 62

الرابع: أربعون يوما قبل الميلاد.

وأما الأرمن والقبط والنساطرة، فهم أشد الملل النصرانية في لاصوم وأكثرها صوما، وهو عندهم إجباري، لا يجري فيه من التساهل. ما يجري عند غيرهم، فإن الأرمن يصومون الأربعاء والجمعة من كل أسبوع، إلا ما وقع منهما بين الفصح والصعود، ولهم أيضا عشرة أسابيع يصومونها كل سنة. وبالجملة إن الصوم عندهم يذهب بنصف السنة.

وأما البروتستانت، فالصوم عندهم سنة حسنة، لا فرض واجب، وهو عندهم الإمساك عن الطعام مطلقا، بخلاف سائر الطوائف المسيحية، فإن الصوم عندهم الانقطاع عن بعض المأكل، كما عرفت.

والصوم عند المسلمين هو الإمساك عن الأكل والشرب وغيرهما، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وفيه من الشروط والآداب والأحكام ما لم يكن الغيرهم، ولذا يفسده عندهم ما لا يفسده عند غيرهم.

وأما الفرض عندهم هو شهر رمضان، وغيره نفل يعم السنة، إلا ما كان محرما كصوم يومي العيدين، وله أحكام كثيرة عندهم، فتراجع الكتب الفقهية .

وأما الصوم عند غير الأديان الإلهية، فالمصريون القدماء كانوا يصومون تعبدا لايزيس، واليونان لذيمينيز - آلهة الزراعة - وكذا إذا أراد أحدهم أن ينخرط في زمرة المطلعين على أسرار كيبلي، استعد لذلك بصوم عشرة أيام.

وأما الرومان، فقد كانوا أكثر صوما من اليونان، ولهم أيام معلومة يصومونها كل عام، تعبدا لزفس وسیریس، وإن ألمت بهم حادثة صاموا استعطافا لمعبوداتهم.

وأما الهنود، فقد فاقوا جميع الأمم بالصيام، حتى إنهم يقضون أياما لا يأكلون ولا يشربون، ويألفونه صغارا فلا يوهن قواهم کثرته كباراً .(1)

ص: 63


1- م - ن : 5-25 ج 3.

الرفث و معناه

«أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ»[البقرة : 187].

قوله تعالى : «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ».

الإحلال: الرخصة والإباحة، من الحل مقابل المنع أو العقد.

والرفث: بمعنى الكلام المستقبح ذكره من الجماع ودواعيه، وقد كني به عن الجماع للتلازم بينهما، كما هو أدب القرآن في استعمال الألفاظ الكنائية عما يستقبح ذكره من الوطي والجماع كالمباشرة، والمس، واللمس، والدخول، والفرج، والغائط ونحو ذلك.

ويمكن أن يكون المراد من الرفث: الكلام الذي يقال عند حصول دواعي الجماع وهيجان الشهوة، كما تدل عليه الهيئة التركيبية لهذه الكلمة المركبة من الحروف الإخفانية، فيستفاد منها أنه القول الخفي الذي لا يسمعه إلا من به نواله، فاطلق على نفس الجماع من باب الملازمة، وحيث إن مثل هذا الكلام غالبا يوجب الوصول إلى المقصود، عدي ب (إلى). فضمن معنى الإفضاء.

ولم ترد هذه الكلمة في - القرآن الكريم إلا في موردين، أحدهما المقام، والثاني آية الحج، قال تعالى : «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ»[البقرة: 197]. ولعل السر في استعمالها في هذين الموردين - أعني الصيام والحج - استهجانا لما كانوا عليه قبل الحكم بالإباحة في الصيام.

قوله تعالى :«هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ»

ص: 64

جملة مستأنفة فيها من التعليل للحكم السابق، أي: أن سبب الإحلال هو كثرة المخالطة، و قلة الصبر عنهن.

ومادة : (ل -ب - س) تأتي بمعنی ستر ما يقبح إظهاره غالبا. واللباس ما يستر به، وحيث إن كل واحد من الزوجين يستر الآخر من الوقوع في الحرام، أو يستر قبائح الآخر، سمي كل واحد منهما لباسا ، كما أن التقوى تستر جميع القبائح عبر عنها باللباس في قوله تعالی:«وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ»[الأعراف: 26].

و قد تأتي بمعنی مطلق الستر، قال تعالى: «وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ»[البقرة: 42]، وقال تعالى :«الَّذينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ»[الأنعام: 82]

وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم بهيئات مختلفة، تتعلق بالدنيا والآخرة، قال تعالى في شان أهل الجنة : «وَ لِباسُهُمْ فيها حَريرٌ»[فاطر: 33] ، و قال تعالي: «وَ يَلْبَسُونَ ثِياباً خِضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَ إِسْتَبْرَقٍ»[الكهف: 31]. وقد يستعمل لكل ساتر، قال تعالى: «وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً »[النبإ:10]، ولم يستعمل اللباس بالنسبة إلى أهل النار، وإن استعمل لفظ الثياب، قال تعالى : «قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ»[الحج: 19]، و ربما يكون الوجه في ذلك أن اللباس يدل على نحو اهتمام وعناية باللابس، ولا يليق أهل النار بذلك.

وفي الكلام من اللطف والحسن ما لا يخفى، وبه من الاستعارة لأعظم أمر اجتماعي، وهي الحياة الزوجية، كما أن فيه من الترغيب إلى حسن المعاشرة والملاطفة والاعتناء بالحياة الزوجية، كما يعتني الإنسان بلباسه وثيابه، فيصح التعبير عن الزوجة بلباس الزوج، كما يصح التعبير عنها بالفراش، قال نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ»، و قال تعالى: «وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ»[الواقعة: 34]، أي مرتفعة عن الأقدار.

قوله تعالى : «عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ»[البقرة : 187).

مادة: (خ - و - ن) تدل على المخالفة ونقض العهد، وهي خلاف الأمانة والنفاق أعم من الخيانة، وهيئة الاختنان تدل على ملازمة هذه الصفة والمداومة عليها، كقوله تعالى :«إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ»[یوسف: 53].

ص: 65

والآية المباركة تدل على أن تلك الخيانة كانت سرا بين المسلمين، وأمرة مستمرة بينهم، وكانت كثيرة عندهم.

يعني : علم الله - الذي هو العالم بالجزئيات كما هو عالم بالكليات، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور - بأنكم كنتم تخونون أنفسكم وتوقعونها في الحرام، وهو مباشرة النساء.

والآية تدل على وجود حکم تحريمي قبل نزولها، وهو حرمة مباشرة النساء ليلة الصيام، فكان المسلمون أو بعضهم يعصون الله تعالی سرا، ولذا عقب سبحانه ذلك بالتوبة عليهم والعفو عنهم، وإباحة المباشرة بالرخصة بعد المنع.

قوله تعالى: «فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ»[البقرة: 187].

أي : باب عليكم فيما صدر منكم من المخالفة، وما ارتكبتموه من المحظور، وعفا عن خيانتكم.

والتوبة : عبارة عن غفران ما فعلوا وارتكبوا من المخالفة. والعفو: عبارة عن رفع أصل الحكم وتبديله بحكم آخر سهل يسير .

حكم المباشرة في ليلة الصيام

قوله تعالى :«فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ» [البقرة : 187] .

ترخيص للمباشرة من حين رفع الحرمة والمنع، والمباشرة إيصال البشرة إلى البشرة، كني بها عن الوقاع، لكونها من مقدماته ، أو وقوع التلاصق بين البشرتین فيه.

ولعل الإتيان بها في المقام للدلالة على جواز استمتاع الزوج من زوجته بكل جزء من بدنه من كل جزء من بدنها، ما لم يكن نهي شرعي في البين، وإن كان ظهور الآية في الجماع مما لا يستنكر .

والابتغاء: هو الطلب، والمراد بما كتب الله هو النسل والولد، فإن طلب

ص: 66

الذرية هو مما كتبه الله في مباشرة النساء والوقاع، وإن لم يكن ملحوظا حين المباشرة إلا قضاء الحاجة ونيل اللذة، ولكنه مطلوب فطري وتسخير إلهي.

ويصح أن يكون المراد بما كتب الله هو الحلال من المباشرة، فإن الله تعالى : يحب أن يؤخذ برخصه ، كما يحب أن يؤخذ بعزائمه»، وعلى هذا يصح أن تحمل الآية على مطلق الرجحان في الجملة أيضا.

ومجموع الآية الشريفة يدل على نسخ الحرمة بحلية الجماع ليلة الصيام، كما هو ظاهر من موارد مختلفة منها.

نعم، إن هذا الحكم يمكن أن يكون مما بينه الرسول صلی الله علیه و اله، فإن آیات الصيام لا تدل على حرمة المباشرة و الأكل والشرب بعد اليوم.

وقيل : إن الآية ليست ناسخة لحكم تحريمي شرعي، لعدم وجوده قبل نزول الآية الشريفة. نعم، ذهب جماعة من الصحابة باجتهادهم إلى تحريم ما يحرم على الصائم في النهار في الليل أيضا بعد النوم، ولكنهم خانوا أنفسهم، فكانوا عاصين بما فعلوا، فكانت الخيانة بحسب الزعم والحسبان، فنزلت الآية تبين أن ذلك لم يكن حكما تحريميا عليهم، وقوله تعالى : «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ»[البقرة : 187]، يدل عی تحقق الحلية، كما في قوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ»[المائدة: 96]، إذ لم يكن صيد البحر محرما قبل نزول الآية المباركة.

ويمكن المناقشة فيه: بأنه خلاف ظاهر الآية الشريفة كما عرفت، وأن اشتمال الآية على حكم ليلة الصيام لا يدل على أن ذلك كان بحسب اجتهاد بعض الصحابة، بل يمكن أن يكون مما بينه الرسول صلی الله علیه و آله ، فالآية تنسخ ما بينته السنة المقدسة.

إلا أن يقال : إن ترك المباشرة في الليل لم يكن بأمر من النبي صلی الله علیه و آله، وإنما كان من فعل الصحابة تجلب لهم لشهر الصيام، ولم ينههم النبي صلی الله علیه و آله عن ذلك، فتوهموا من عدم النهي تقريرا منه صلی الله علیه و آله، فيكون التشريع من حيث التقرير ، فمن يقول بالنسخ يلاحظ جهة التقرير، ومن لا يقول به يلاحظ أصل الفعل،

ص: 67

فيصير مجموع هذه الآيات المباركة من قبيل قوله تعالى:«وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها»[الحدید: 27]، فإنهم مع بنائهم على ترك المباشرة، مع ذلك خانوا أنفسهم و باشروا النساء، و يستفاد ذلك من سياق الآية: «عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ»[البقرة : 187].

حكم الرخيص في الأكل والشرب في ليلة الصيام

قوله تعالى: «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ»[البقرة : 187]

ترخيص للأكل والشرب في ليلة الصيام إلى أول طلوع الفجر الصادق، الذي هو عبارة عن البياض المعترض في الأفق آخر الليل، ويكون معترضا مستطيلا كالخيط الأبيض، وسمي بالصادق لصدقه في إخباره عن قدوم النهار ، مقابل الفجر الكاذب، الذي يشبه بذنب السرحان.

ومن ذلك يظهر أن ليلة الصيام هي عبارة عما بين غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، كما أن اليوم الصومي عبارة عما بین طلوع الفجر إلى غروب الشمس، واليوم العملي [لسورة الإيجاري] عبارة عما بین طلوع الشمس وغروبها، لو لم يكن جعل آخر في البين.

وقوله تعالى : «مِنَ الْفَجْرِ»، بيان للخيط الأبيض، أي : يتبين الخيط الأبيض من الفجر، وذلك بطلوع الفجر الصادق، أي : نور الصبح من ظلمة الليل، وفي الكلام تشبیه بليغ، يشبه الفجر بالخيط الأبيض. وغبش الليل بالخيط الأسود، والعرب تشبه النور الممتد بالحبل أو الخيط، وفي الحديث عن نبينا الأعظم صلی الله لیه و آله في صفة القرآن: «كِتَابُ اللَّهِ حَبْلُ مَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ»، يعني : نور هداه المؤمن من العذاب والحيرة، ممدود من السماء إلى الأرض، ومنه قوله تعالى : «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً وَ لا تَفَرَّقُوا»[آل عمران: 103].

ص: 68

ولعل وجه التشبيه أنهم لم يعرفوا من قوعد الهيئة والأفلاك العلوية شيئا ، وإنما كان انسهم بالأمور المادية، فشبه الجلیل جل وعلا الفجر بالأمر المحسوس، لتقريبه إلى أذهانهم، ولبعده عن الالتباس وسهولة معرفته.

ومن تحديد الفجر بتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، يستفاد أنه يكون من أول حين طلوع الفجر، لأن ارتفاع الشعاع يوجب اضمحلال الخيطين وإبطالهما.

وهذه العلامة من العلامات العامة في الأوقات، بلا اختصاص لها لبلد أو أفق معين، كغروب الشمس الذي هو علامة لدخول ليل كل بلد بحسب أفقه.

وذلك لأن حد الظلمة في هذا العالم المتحرك الدوار ينتهي إلى النور، كما أن حد النور ينتهي إلى الصلمة، لفرض تناهي كل واحد منهما في فلكهما المتحرك الدائر، فيحصل نحو اختلاط بين النور والظلمة حتى يغلب النور على الظلمة، كما في الاختلاط الحاصل في الفجر، أو تغلب الظلمة على النور، كما في الاختلاط الحاصل في الغروب، والأول يسمى الفجر، أو الخيط الأبيض والخيط الأسود بالتعبير القرآني، والثاني يسمى الشفق، وكلاهما مذكوران في القرآن الكريم، أحدها في المقام، والثاني في قوله تعالى: «فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ»[الانشقاق:16]، وكل منهما لا ينعدمان آنا ما من هذا العالم، لاختلاف الآفاق، ففي كل حين في هذا العالم غروب، ودلوك، وشفق، وفجر ذلك تقدير العزيز العليم الذي «يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ»[القمان: 29]، هذا في العالم الذي نحن فيه، وأما في سائر العوالم أو سائر المجموعات الشمسية التي يكون عالمنا الذي نحن فيه كخردلة في فلاة، فليس للعقول الدراكة إلى ذلك من سبيل، وقد اعترف المتخصصون بالتحير والقصور.

ص: 69

حد انتهاء الصوم

قوله تعالى :«ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ»[البقرة : 187] .

التمام : ضد النقصان، ويستعمل في انتهاء الشيء، بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر خارج عنه.

لما حدد سبحانه ابتداء الصيام بالفجر، ذكر هنا تحديد انتهائه بإتمامه إلى الليل - المعاقب للنهار - الذي يبدأ بغروب الشمس وذهاب الحمرة المشرقية .

وذكر بعض المفسرين أن في قوله تعالى:«أَتِمُّوا »دلالة على أن الصوم واحد بسيط، وعبادة واحدة تامة، لا أن يكون مركبا من أجزاء، و هذا هو الفرق بينه وبين الكمال، حيث إنه انتهاء وجود ما، لكل من أجزائه أثر مستقل وحده .

ولكن يمكن أن يقال : إن الصوم - كسائر العبادات - يلحظ فيه جهة تمام، وجهة كمال، يمكن أن تكون الثانية بالنسبة إلى الشرائط الأعم من شرائط الصحة والكمال، وتكون الأولى بالنسبة إلى الأجزاء، هذا إذا لم تكن قرينة على الخلاف، وإلا فهي المتبعة، ومنه يعلم ما في المقام من ذكر التمام دون الكمال، ويأتي في قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي»[المائدة: 3]، تتمة الكلام.

وحيث إن بين الشروع في نية الصيام والمضي فيه نحو فصل عرفي، عطف سبحانه ب (ثم) للتنبيه إلى هذه الجهة .

ص: 70

العكوف و معناه الشرعي

قوله تعالى: «وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ»[البقرة : 187].

استثناء من العموم، الذي ربما يتوهم من قوله تعالى :«أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ»[البقرة: 187]، ليشمل جواز المباشرة ليالي الاعتكاف في المسجد، فنهى تعالى عن ذلك حالة الاعتكاف مطلقا.

و العكوف: هو الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم. وفي الشرع: ملازمة المسجد والمكث فيه على سبيل القربة للعبادة .

وتستعمل المادية في مطلق الحبس أيضا، قال تعالي:«سَواءً الْعاكِفُ فيهِ وَ الْبادِ»[الحج: 25]، و قال تعالى: «فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ»[الشعراء : 71]، وقال تعالى: «فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ»[الأعراف: 138]، وقال تعالى:«وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ»[الفتح: 25].

وحالة الاعتكاف في المسجد هي حالة القرب إلى الله تعالی بخلاف حالة الجنابة ، فإنها حالة البعد عنه عزوجل ، فلا تجتمعان، ولذلك نهى الشارع عنها .

والمباشرة: الجماع - كما تقدم - وهو يبطل الاعتكاف، لما ذكرناه في الفقه .

والإعتكاف : عبادة خاصة رغب إليه الإسلام بشروط مقررة في الكتب الفقهية، ويدل على رجحانه ومحبوبيته الكتاب، والسنة، والإجماع.

فمن الكتاب قوله تعالى: «أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفينَ وَ الْعاكِفينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ »[البقرة: 125].

وأما السنة: فهي متواترة بين الفريقين، منها قول نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «اعتکاف عَشْرٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، تَعْدِلُ حَجَّتَيْنِ وَ عُمْرَتَيْنِ».

وأما الإجماع : فهو من المسلمين فنوى، وعملا.

ص: 71

ويدل على حسنه العقل أيضا، فإن اللبث في بيت المحبوب راجح ومحبوب.

ويعتبر أن يكون في المسجد الجامع، وأفضله المساجد الأربعة، وهي : المسجد الحرم، ومسجد النبي صلی الله علیه و آله، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة.

وله شروط، وآداب، وأحكام مذكورة في الكتب الفقهية، راجع الصوم من کتابنا [مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام].

معنى الحدود الواردة في الآية

قوله تعالى : «تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها»[البقرة: 187].

الحد: يأتي بمعنى المنع، وحدود الله ، هي شرايعه وأحكامه المحرمة، التي قرنها بالعقوبة، والنهي عن الاقتراب إليها كناية عن مخالفتها، عبر عنها بالاقتراب لشدة الحيطة ومبالغة في التحذير، فإن من قرب من شيء، أو شك أن يتعداه، وقد ورد في الحديث «أَنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، وَ أَنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمِهِ ، فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ».

و هذا التعبير أبلغ في التحذير من قوله تعالى :«تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها»[البقرة : 229]، ولهذا لم يستعمل مثل هذا التعبير إلا في موارد خاصة، مثل قرب مال اليتيم، والزنا، والمقام.

والمعنى : أن ما ذكر من الأحكام المشتملة على الإيجاب والتحريم، هي حدود الله تعالى، فلا تضيعوها، ولا تعصوا الله تعالی بترکها، فإن نقض الحد المحدود کنقض العهد المعهود، مبغوض بالفطرة.

والآية تشير إلى أمر فطري، وهو الاهتمام بالقانون مطلقا - خالقيا كان أو خلقية - واحترامه وتعظيمه ما لم ينه عنه الشرع، لأن في حفظ القانون حفظا لنظام النوع الإنساني، وتكميل المجتمع، وجلب السعادة للأفراد، هذا في

ص: 72

القوانين الوضعية الممضاة من قبل الشرع، فكيف بالقوانين الإلهية التي تنفع الإنسان في الدنيا والآخرة، كما تنفع الفرد والمجتع سواء، وسيأتي في الآية اللاحقة ما يتعلق بالمقام.

ويستفاد من الآيات الشريفة كمال المذمة، لعدم العلم والعمل بحدود الله تعالى، قال سبحانه وتعالى : «الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ»[التوية : 97].

الروايات الواردة في حرمة الأكل والشرب في ليل شهر رمضان

في تفسير القمي عن الصادق عليه السلام قال: «كان الأكل و النكاح محرمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم، يعني كل من صلى العشاء و نام و لم يفطر ثم انتبه ، حرم عليه الإفطار، و كان النكاح حراما في الليل والنهار في شهر رمضان، وكان رجل من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله يقال له: خوات بن جبير الأنصاري، أخو عبد الله بن جبير، الذي كان رسول الله صلی الله علیه و آله و كله بفم الشعب يوم أحد في خمسين من الرماة ففارقه أصحابه وبقي في اثني عشر رجلا فقتل على باب الشعب، وكان أخوه هذا خوات بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا، وكان صائما مع رسول الله صلی الله علیه و آله في الخندق، فجاء إلى أهله حين أمسى فقال: عندكم طعام؟ فقالوا: لا تنم حتى نصنع لك طعاما ، فأبطأت عليه أهله بالطعام، فنام قبل أن يفطر، فلما انتبه قال لأهله: قد حرم علي الأكل في هذه الليلة، فلما أصبح حضر حفر الخندق فاغمي عليه، فرآه رسول الله صلی الله علیه و آله فرق له، وكان قوم من الشبان ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان، فأنزل الله تعالى : «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ»[البقرة: 187] - الآية - ، فأحل الله تبارك وتعالی النكاح بالليل في شهر رمضان، والاكل بعد النوم إلى طلوع الفجر بقوله تعالی : «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ»[البقرة: 187] قال : هو بياض النهار من سواد الليل».

ص: 73

أقول: قريب منه ما رواه الكليني والعياشي في تفسيره عن الصادق علیه السلام ، أيضا ومن طرق العامة ما رواه في الدر المنثور بطرق متعددة، ويستفاد منها أن الأكل والشرب كان حلالا قبل النوم، وأما النكاح فكان محرما في الليل والنهار من شهر رمضان، ويمكن استفادة ذلك من اختلاف التعبير في الآية الشريفة أيضا .

في الدر المنثور : أخرج ابن جریر، وابن المنذر، عن ثابت، عن ابن عباس: «أن المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم أن أناسا من المسلمين أصابوا الطعام والنساء في رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلی الله علیه و آله:فأنزل الله : «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ»[البقرة: 187]- إلى قوله تعالى -«فَالْآنَ بَشِرُوهُنَّ»، يعني : انكحوهن».

أقول: وفي بعض الروايات أن جمعة من الصحابة كانوا كذلك .

في الكافي: عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ»[البقرة: 187]، قال علیه السلام : «بَيَاضُ النَّهَارِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ».

أقول: تقدم الوجه في ذلك.

في الدر المنثور: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ قَالَ : الْفَجْرُ فجران ، فَأَمَّا الَّذِي كانه ذَنَبَ السِّرْحَانِ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ شَيْئاً وَ لَا يَحْرِمُهُ ، وَ أَمَّا الْمُسْتَطِيلِ الَّذِي يَأْخُذُ الْأُفُقِ ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ الصَّلَاةِ وَ يَحْرُمُ الطَّعَامِ».

أقول: الروايات في ذلك مستفيضة بين الفريقين، تعرضنا لبعضها في [مهذب الأحكام] في بحث الأوقات.

في صحيح البخاري، ومسلم، والترمذي، وأبي داود، وابن جریر، والنسائي، عن عمر قال رسول الله صلی الله علیه و آله: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا ، وَ أَدْبَرَ النَّهَارِ مِنْ هَا هُنَا وَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمِ».

أقول: وردت روايات كثيرة عن الأئمة الهداة علیهم السلام أن الليل لا يدخل إلا

ص: 74

بذهاب الحمرة المشرقية عن سمت الرأس، وعليه إجماع الإمامية، ولا تنافي بين الروايات، فإن المتحصل من مجموعها أن غروب الشمس له مراتب متفاوتة، أدناها غيبوبة قرص الشمس، وآخرها ذهاب الحمرة المشرقية، ويعرف غروب الشمس بالأخيرة .

في الفقيه: عن الصادق، عن آبائه عليه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله: «اعتکاف عَشْرٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، تَعْدِلُ حَجَّتَيْنِ وَ عُمْرَتَيْنِ».

أقول: الروايات في فضل الاعتكاف في شهر رمضان كثيرة، تعرضنا لبعضها في الصوم من كتابنا (مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام).

ص: 75

التحديدات الشرعية لمواقيت الحج

«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا أللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»[البقرة : 189].

الآية الشريفة تبين حكما آخر من الأحكام الشرعية والأمور الوضعية، وتأمر الناس بالبر، وإتيان الأمور من طرقها المقررة، لا من عند أنفسهم بكل ما شاءوا، وهي مرتبطة بآيات الصوم في شهر رمضان، فناسب ذكر التوقيت وسائر التحديدات الشرعية المحدودة بأوقات خاصة، ومن ذكر الحج فيها تكون کالمقدمة للآيات الآتية المرتبطة بالحج).(1).

ص: 76


1- م - ن : 77-88 ج 3

الأهلة

اشارة

قوله تعالى : «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ».

قد تكرر لفظ «يسألونك» في القرآن الكريم في ما يزيد على عشرة موارد، وغلبها السؤال عن الأحكام، وفي بعضها السؤال عن الأمور التكوينية الطبيعية، کالمقام، وقوله تعالى : «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ»[الإسراء: 85]، وقوله تعالی :«يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ»[الأعراف: 187]، وفي جميعها وقع الجواب بغير الفاء، إلا في قوله تعالى : «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً»[طه: 105]، فإنه کاشف عن عظمة المسؤول عنه، لأنه من أشراط الساعة.

والأهلة: جمع الهلال، سمي بذلك لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر حين رؤيته، من قولهم استهل الصبي، إذا صرخ عند الولادة، وأهل القوم بالحج، إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية .

وللقمر أدوار من حين خروجه عن تحت شعاع الشمس إلى حين دخوله تحت الشعاع وهو المحاق، كل دور ثلاث ليال، فتسمى في الثلاث الأول - وقيل إلى أن يستدير بخطة دقيقة - هلالا، ثم قمرا، ثم بدرا، والعرب تسمى كل ثلاث ليال من الشهر باسم.

وقيل : إن ظاهر الآية الشريفة أن السؤال كان عن السبب الغائي للأهلة وطلب الحكمة، واختلافها، وفائدتها دون حقيقتها، كما يقتضيه الجواب أيضا .

ولكن يمكن أن يقال: بأن الجواب منزل على ما تدرکه عقولهم من

ص: 77

الحكمة، فالمناسب أن يكون السؤال عن الحقيقة والسبب الفاعلي أيضا، فيكون الجواب تعريضا لهم.

وفيه من التنبيه إلى أن السؤال لا بد أن يكون محدودا بحدود خاصة، بحيث تكون فيه الفائدة الدينية أو الدنيوية، وأن السؤال بغير ذلك يكون لغوا.

و يؤيد ذلك : أن السؤال كان من تلقين اليهود، الذين كانوا في مقام تعجيز المسلمين بأي وجه أمكنهم، فالمنساق من السؤال أن يكون عن السبب الفاعلي لذلك، ولكن عقولهم كانت قاصرة عن درك ذلك، فأعرض سبحانه وتعالی عنه إلى جواب آخر يكون أنفع لهم، وهذا من جهات البلاغة ومحاسنها، فيجيب بمصلحة الوقت وحال السائل .

وكيف كان، ففي السؤال وتلفيق الجواب، من اللطف والحنان ما لا يمكن أن ينطق باللسان، كيف وفيه إعلام علاقة المعلم بالمتعلم، وهي من أشد مراتب المحبة، لأنها سبب لرفع الجهل، وموجبة لتكميل النفوس وتزويدها بنور العلم.

ومن أسئلة أمة نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله يعرف الفرق بينهم وبين سائر الأمم في الجملة ، كأمة موسی علیه السلام ، حيث قالوا : «أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً »[النساء: 153]، وهكذا بقية الأمم التي حکي الله تعالی عنها في كتابه الكريم، وهذا الفرق من مقتضيات قانون الارتقاء في نظام التكوين.

المواقیت ومعناها

قوله تعالى :«قُلْ هِيَ مَواقيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ»[البقرة : 189].

مادة [و ق ت] تأتي في الأصل للزمان المفروض للفعل، ولها استعمالات كثيرة في القرآن بهيئات مختلفة، قال تعالى : «إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنينَ كِتاباً مَوْقُوتاً»[النساء : 103]، وقال تعالى : «إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ ميقاتُهُمْ أَجْمَعينَ»[الدخان : 40]، لأنه يوم عرض الأعمال على العظيم المتال، وقال تعالى:«وَ إِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ

ص:78

[11]لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ [12]»[المرسلات: 11-12]، لأن للرسل عملا مخصوصا في ذلك اليوم مما يتعلق بأممهم، من كيفية تبليغهم وإرشادهم، وإتمام الحجة عليهم، وكيفية قبول الأمم دعوة الرسل.

ويطلق الوقت على المكان المعين لفعل، كمواقيت الإحرام بالملازمة، إذ كل عمل في زمان مخصوص يستلزم المكان المعين، لكون الزمان والمكان من الإضافات العامة لجميع الأجسام، فمواقيت الحج، كما أنها زمانية هي مکانية أيضا، وقتها رسول الله صلی الله علیه و آله لحجاج بيت الله الحرام، كما هو مفصل في كتب الفقه، وإلا كان كل منهما مجعولا بجعل مستقل وتشريع خاص.

ويصح أن يطلق على جميع المساجد، فإنها مواقيت الله تعالى، أي : أمكنة التكلم معه والخضوع لديه.

والمعنى: أن الأهلة هي مواقيت للناس، بها يعرفون أوقاتهم في جميع أمورهم الدينية - كالصلاة والصيام والمعاملات والعدد - والدنيوية، كالزراعة والصناعة والرعي، بل وتربية الأولاد وتنظيم شؤونهم، ونحو ذلك لدى عامة الناس، وبها يمكن معرفة ساعات الليل والنهار، وبها يعرف موقيت الحج، الذي هو أشهر معلومات.

ومن المعلوم أن لتقدير الزمان طرق مختلفة، ربما يصعب بعضها على عامة الناس، ولا يمكن معرفته إلا بعد بلوغ الإنسان منزلة من العلم، ولذلك كان الطريق الأسهل لجميع الناس، الذي يستفيد منه العالم والجاهل، والحضري والبدوي، إنما هو التوقيت بالأهلة، ويكون الحساب بالشهور القمرية، وهو قديم جدا، بل هو أصل لجميع أقسام الحساب التي نشأت بعد ذلك بعدة قرون، وإليه ترجع سائر التقاويم، كما ستعرف في البحث العلمي إن شاء الله تعالی.

ص: 79

البيت ومعناه

قوله تعالی : «وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها»[البقرة : 189].

تقدم ما يتعلق بالبر في آية 177، من هذه السورة.

والإتيان : هو المجيء بسهولة، وله استعمالات كثيرة في القرآن بهيئات مختلفة، ويستعمل بالنسبة إلى الله عزوجل، قال تعالى: «فَأَتَى اللهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ»[النحل : 26]، وقال تعالى : «أَتى أَمْرُاللهِ فَلاتَسْتَعْجِلُوهُ»[النحل: 1]، وفي غيره - سبحانه - من الجواهر والأعراض، قال تعالى : «وَ لَا يَأْتُونَ الصَّلَوةَ إِلَّا وَ هُمْ كُسَالىَ»[التوبة: 54]، وقال تعالى: «فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى»[طه: 60]، إلى غير ذلك من الآيات الشريفة .

والبيت : مأوى الإنسان بالليل، يقال : بات، أي أقام بالليل، كما يقال : ظل بالنهار، وغلب استعماله لمطلق السكن من غير اعتبار الليل، وجمعه بیوت وأبيات. والأول في السكن أشهر، والثاني في الشعر.

وقد استعمل لفظ بیت وبيوت في القرآن الكريم كثيرا، ولم يرد فيه لفظ أبيات، وفي الحديث عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «أَنَّا مَعَاشِرَ الملائکة لَا نَدْخُلُ بیتا فیخ کلب ، وَ لَا صُورَةُ»، ويمكن حمله على الأعم من البيوت الظاهرية، والقلب الحريص على الدنيا، وحمل الصورة على الأعم منها ومن القلب الذي فيه العلاقة بغير الله تعالى، كما أن الملائكة لهم درجات كذلك، لهبوطهم ودخولهم والإشراق بواسطتهم.

والمراد بظهورها: الطرق غير المتعارفة للسلوك إلى البيوت، دون بابها المعد له عادة .

والآية تدل على ثبوت عادة سيئة كانت متعارفة في العصر الجاهلي، وقد نهى سبحانه عن ذلك، فقد ورد أنهم إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من

ص: 80

ظهره - كما سيأتي في البحث الروائي - فنفي البر عن هذا العمل يدل على أنه لم يكن مرضيا لله تعالی.

ولكن الظاهر أن الآية الشريفة كناية عن مطلق التشريعات الحاصلة عن الجهل بالواقع، والزعم بأنها هي البر من غير اختصاص بقوم دون قوم، ولا عصر دون آخر، وما ورد في شأن نزول الآية، إنما هو من ذكر أحد المصادیق.

فيكون المعنى: ليس البر وعمل الخير هو إتيان الأحكام والتشريعات غير المنزلة من قبل الله تعالى، أو إتيان الأحكام الإلهية بغير الوجه الذي أنزله الله تعالی.

ويكون وجه الارتباط بصدر الآية واضحا، فإن الأوقات المضروبة للأحكام الشرعية لا يجوز التعدي عنها وإتباعها في غير أوقاتها المضروبة، إلا بترخيص من الشرع(1).

ص: 81


1- م - ن : 98-102 ج 3

(معنى الوقت و تحديده)

الوقت وتحديد السنة والشهر، هو القمر، فقد كانت الأمم السابقة تستند استنادا أساسيا إلى التقويم القمري، وإن كان في عرض ذلك بعض التقاويم الأخرى، كالتوقيت بطلوع نجم، أو موت إنسان عظيم، أو حادثة ونحو ذلك، ولكنهم أساسا لم يحيدوا عن التقويم القمري، بل كان يسایر سائر التقاويم حتى عصرنا الحاضر.

فالمصريون القدماء كانوا يحسبون الزمن بواسطة القمر، قبل أن ينتقلوا إلى التقويم الشمسي، وقد قسموا السنة إلى اثني عشر شهرا، وكل شهر إلى ثلاث وحدات متساوية، وكانت السنة تبتديء عنده في أول يوم من شهر (توت)، وهذا هو اليوم السادس عشر من شهر يوليه، ومجموع السنة عندهم 365 يوما.

وكذلك البابليون، فقد كان تقويمهم الخاص هو التقويم القمري، واعتمدوا عليه أشد من غيرهم، وكان كل شهر عندهم مكونا من (29) يوما، والشهور تعقب بعضها بعضا، ومعدل السنة عندهم 354 يوما قصيرا، ولكنهم أضافوا شهرا ثالث عشر عند كل ثمان سنوات، لاعتبارات، وقسموا الشهر إلى أسابيع وأيام، ولكن أسابيعهم لم تكن مثل أسابيعنا، بل كان يحتم عليه أن يكون اليوم الأول من كل شهر هو اليوم الأول من الأسبوع، ويعزى إليهم أنهم قسموا اليوم إلى ساعات متساوية لكل من الليل والنهار، ولكن لهم الشان الكبير في علم الفلك، فقد وصفوا حركات الكواكب وصفا دقيقا، وشرحوا ذلك في جداول حسابية.

ص: 82

وأما السومريون، فقد تبعوا غيرهم في التقويم القمري، إلا أنهم اعتبروا السنة مكونة من (360) يوما، وقسموا اليوم الكامل إلى ست ساعات، أي : ثلاث ساعات لليوم، وثلاث أخرى لليل، مع اختلاف طول كل ساعة عن الأخرى، ولكنهم أعرضوا عن ذلك، لدركهم بعدم صلاحية الساعات غیر المتساوية.

وأما اليونان القدماء، فكان تقويمهم تقویما قمريا صرفا، مع شيء من التغيير في فصول السنة.

وأما الرومانيون، فإن أقدم تقویم عندهم كان تقویما قمريا، و لهم في ذلك بعض المراسيم التي كانت تحت سلطنة الكهنة.

وأما العبريون، فهم يتبعون التقويم القمري حتى عصرنا الحاضر، وإن أحد المهام الملقاة على عاتق الكهنة، هو تعيين غرة الهلال، ووضع الأسماء للشهور.

ومن هذه النبذة التأريخية، يعلم بأن التقويم القمري هو الأصل في جميع الأدوار التأريخية التي مرت بها التقاويم الموضوعة لمعرفة قياس الزمن.

ولكن التقويم القمري مع ما فيه من المحاسن، لا يخلو من مشاكل ومتاعب، ولذلك عدل بعض الأقوام إلى تعيين السنة الشمسية، وهذا التقويم الشمسي مر بأدوار مختلفة، ولم يصل إلى ما وصل إليه الآن إلا بفضل جهود ومتاعب، فقد كانت مشكلات التقويم في البلاد القديمة كثيرة، خصوصا إذا أريد التوفيق بين تواريخ الأمم المختلفة، فكان زمن التحويل من نظام إلى نظام آخر أمرا عسيرا.

فقد أخذ بعض الأقوام التقويم المختلط من التقويم القمري، والتقويم الشمسي، ثم عدلوا عن ذلك وآثروا استخدام التقويم الشمسي، وبقي هذا التقويم مع ما عليه من الاختلاط بين الأمم، معمولا به إلى أن اقتضت الضرورة إلى إصلاح التقاويم ووضع التقويم اليوليوسي، بأمر من يوليوس قيصر وتحت إشرافه في أول مارس، ثم عدل إلى أول يناير عام 153 قبل الميلاد، و ابتدأ

ص: 83

العمل به عام 45، و سمي هذا التقويم باسم التقويم الميلادي، وأصبحت السنة 365 وربع يوما، تكبس كل أربع سنوات بيوم وحد بعد 23 شباط [فبراير]،و وضع أسماء خاصة لشهور هذه السنة، وطرحت بقية التقاويم.

إلا أن هذا التقويم قد بان فيه الاختلاف، فجرى إصلاحه على يد الباب جريجوري الثالث عشر في 4 أكتوبر عام 1582، وهو المعمول به في أغلب البلدان، ويسمى بالتقويم الجريجوري.

وأما عند المسلمين. فهم يتبعون التقويم القمري، المتكون من اثني عشر شهرا، لكل شهر اسم خاص به كان مشهورا عند العرب قبل الإسلام، و ابتداء السنة الجديدة من أول محرم الحرام، و يسمى بالسنة الهجرية، تخليدا للحدث العظيم، وهو الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، والهجرة وإن كانت في شهر ربيع الأول، لكنهم آثروا أن يكون ابتداء السنة من أول محرم الحرام.

و قد وضع هذا التقويم في زمن الخليفة الثاني بمشورة من علي عليه السلام ، وذلك في سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة، ووقع اختيارهم على أن يكون أول السنة شهر محرم، منصرف الناس من حجهم، وهو شهر حرام.

ولكن يستفاد من بعض الروايات أن جعل أصل التاريخ الهجري كان يوحي من السماء، فقد ورد في سند الصحيفة الملكوتية للسجاد عليه السلام، عن علي عليه السلام: «أتس جبریل رسول الله صلی الله علیه و آله بهذه الآية: «وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُ هُمْ إِلّا طُغْياناً كَبِيراً»[الإسراء: 60]، قال : يا جبريل، على عهدي يكونون وفي زمني؟! قال : لا، ولكن تدور رحى الإسلام من مهاجرك، فتلبث بذلك عشرا، ثم تدور رحی الإسلام على رأس خمس وثلاثين من مهاجرك».

و مع ذلك، فقد كانوا يعملون بالسنة الشمسية في كثير من الأمور المدنية. وقد تصدى بعض العلماء للتوفيق بين السنة الهجرية والسنة الشمسية، فوضع تقویما هجريا شمسيا.

ص: 84

و لم يكن للعرب تأريخ يجمعهم، بل كان كل طائفة منهم تؤرخ بما وقع من الحوادث المشهورة بينهم، إلا أن قريشا كانت تؤرخ من عام الفيل، وكان عليه العمل حتى أرخ بالهجرة .

وهناك تقاويم أخرى عفا عليها الزمن وأصبحت مهجورة، أو انحصر العمل بها عند أقوام معینین، لا يتعداهم إلى غيرهم.

ثم إنه تقدم أن الزمان عبارة من مجموع الشهر والأسابيع وساعات الليل والنهار، والسنة وحدة كبيرة مؤلفة منها، وهي وحدات فلكية لقياس الزمن . ولكن هذه الوحدات متدرجة في الكبر، فالسنة وحدة كبيرة جدا . ثم الشهر، ثم الأسبوع، ثم الساعات.

وقد دعت الحاجة إلى قياس الزمان بوحدات صغيرة، فوقع اختيارهم على الأسبوع، وتقدم أن سير القمر في منازله وأوجهه الأربعة، كان لها التأثير الكبير في تقسيم الشهر إلى أربعة أسابيع، وقد مرت أدوار كثيرة على هذه الوحدة الزمنية حتى صارت مثل ما عليها اليوم من الثبات، وربما يكون السبب الديني هو المهم في اختيار عامة الأقوام القديمة الأيام السبعة، وإن كان وراء ذلك أسباب طبيعية واعتبارية ثانوية أخرى، ويظهر ذلك جليا بوجود يوم مقدس عند الأديان الإلهية في الأسبوع، وإن كانت أساء الأيام ترجع إلى أصل طبيعي فلكي، كما ستعرف.

و يذكر التاريخ أن من الشعوب القديمة كان البابليون ومن بعدهم اليهود، أول من فكر بأسبوع يتألف من سبعة أيام.

فقد نشأت فكرة الأسبوع عن البابليين من الكواكب السبعة السيارة، التي تشمل الشمس والقمر عندهم، ولذا خصص كل يوم من أيام الأسبوع لأحد الكواكب السبعة.

وأما عند اليهود، فيرجع اختيارهم الأسبوع إلى الوحي، وقد ورد في سفر التكوين الإصحاح الأول، وسفر الخروج الإصحاح الثاني عشر، ذكر الأيام،

ص: 85

و يبتدىء الأسبوع من يوم الأحد، و آخره يوم الراحة أو الشبات [أي السبت]، بخلاف ما عليه النصارى، فإن آخر يوم الأسبوع عندهم يوم الأحد.

ولم يكن عند المصريين الأسبوع، بل كان الشهر عندهم مقسما إلى ثلاثة وحدات زمنية تسمى (بالدیکاد).

وأما عند الرومانيين، فقد كان الأسبوع عندهم مؤلفا من ثمانية أيام، وكان السبب في ذلك أنهم اعتبروا الخير لهم أن يقسموا كذلك، من دون أن يكون سببا دينيا أو فلكية وراء ذلك.

فجعلوا : اسم الشمس على الأحد، والقمر على الاثنين، والمريخ على الثلاثاء، وعطارد على الأربعاء، والمشتري على الخميس، والزهرة على الجمعة، وزحل على السبت، وقد أقرت الكنائس المسيحية هذه الأسامي مع شيء من الحذر .

ولكن يبقى شيء، هو أن ترتيب الكواكب السبعة غير ما هو عليه في التقويم، ولم يعلم السبب لذلك.

وتستمر أيام الأسابيع طوال الشهر والسنة دون انقطاع ومع الاستمرار تامة .

وأما عن المسلمين، فلم تختلف الحال عندهم عن غيرهم، فالأسبوع عندهم مكون من سبعة أيام، يبتديء من يوم السبت، ويكون اليوم الأخير هو يوم الجمعة.

وأما تقسيم اليوم إلى الساعات، فهو أيضأ قديم، فقد قسم المصريون النهار إلى 12 ساعة، وقسموا الليل كذلك، لكن إن تزايد النهار تزايدت ساعاته أيضا ، وإن تناقص تناقصت، وقسم السومريون أولا الليل والنهار إلى ثلاث نوايات للنهار، وثلاث أخرى لليل كذلك، وأخذ اليهود ذلك منهم، كما ورد في سفر الخروج 14 و 24.

ولكنهم بعد ذلك أعرضوا عن حساب الساعات غير المتساوية، فقسموا اليوم بكامله إلى ساعات متساوية، عددها اثني عشر ساعة، وكل ساعة إلى

ص: 86

ثلاثين (جشا)، و هكذا يتألف اليوم من 360 جشا، كما تألفت السنة عندهم من 360 يوما.

و بذلك، فقد ورثنا تقسيم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة من المصريين، و فكرة الساعات المتساوية وتقسيم الساعة من السومريين.

ثم بعد ذلك قسم هيبارطوس النهار والليل إلى أربع وعشرين ساعة اعتدالية، وأما عند عامة الناس فقد قسم اليوم إلى ساعة موسمية غير متساوية . وهكذا الأمر عند الرومان مع شيء من التعديل.

هذا ما أردنا ذكره من التقويم بإيجاز في هذا البحث، وإن كان مثل هذه الدراسة معقدة جدا، لاختلاط الموضوع بالخرافات والعادات والتقاليد السائدة، قد كان للعلماء شأن كبير في تهذيبه.(1).

ص: 87


1- م - ن : 108-112 ج 3

الحرمات والقصاص

اشارة

يقول تعالى :«وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ»[البقرة: 194].

الحرمات : جمع حرمة، كظلمة وظلمات، وهي: ما يجب احترامه وتعظيمه، و يحرم هتکه، وفي الحديث عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها»، أي: لا يسألوني عن أمر خطب ومشكل يعظمون فيه حرمات الله، إلا أجبتهم.

والقصاص: من المقاصة والمقابلة، أي ؛ إن كل هتك لحرمة ما يجب احترامه و تعظيمه يقابل بالمثل، فلو هتكوا حرمة الشهر الحرام والبيت الحرام، و الحرم المقدس الإلهي، جاز للمؤمنين قتالهم فيه، ولم تسقط الحرمات عن الحرمة، بل هو نصرة الدين الحق، ونصرة التوحيد و سيد المرسلين.

و بذلك كسب المسلمون العزة و الاحترام، وكسب المشركون الخزي والعار بهتك الحرمات و قتال المسلمين فيها.

وفي الكلام الكريم جمع بين اللطف ولعتاب، وأخذ الظالم بظلمه، وفيه كمال العناية ، بحيث يجلب قلب الإنسان وخطاب مع الضمير، ومثل هذا له التأثير الكبير في النفس.

قوله تعالى : «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ»[البقرة: 194].

خطاب عام بعد خاص، أمر بالاعتداء مع أنه لا يحب المعتدين، لأن المذموم منه ما كان ابتداء، وأما إذا كان في مقابل اعتداء آخر، فليس إلا دفع الاعتداء وقهر شوكة الظالم، والتعالي عن الذل والهوان .

ص: 88

و إنما عبر سبحانه وتعالى بالاعتداء من باب المجانسة الفظية والازدواج في الكلام، وإلا فليس ذلك اعتداء، نظير ذلك ما ورد عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «فاكلفوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»، أي : إن الله لا يمل أبدا ، مللتم أو لم تملوا، ولا يقطع عنكم فضله حتى تملوا، فسمى فعله سبحانه وتعالى مللا على طريق الازدواج في الكلام، كما هو عادة العرب في كلامهم.

وفيه إيماء إلى أن الاعتداء ما إذا كان صادرا عن ابتداء، فأخذ عليهم و ألزمهم بفعلهم، أي أنه وقع عليهم بفعلهم.

والمعنى : من اعتدى حدود الحق عليكم، فاعتدوا عليه مجازاة ومعاملة بالمثل، بمقداره دون الزيادة.

وهذا حكم عقلي يجري في جميع شؤون حياة الإنسان النظامية والاجتماعية.

وقد استدل فقهاء المسلمين بهذه الآية المباركة في مواضع متعددة في الفقه الإسلامي، وأسسوا قاعدة المثلية في الضمانات، طبقا لهذه الآية الشريفة، وهي قاعدة فطرية، إلا أن التحدیدات الواردة عليها إنما هي شرعية، كما هو الشأن في كثير من القواعد الفطرية .

والمراد بالمثلية المتعارفة منها في الكم والكيف وسائر الجهات الفرعية، المختلفة لأجلها الأغراض العقلانية، ومن التحديد بالمثل يستفاد أن الزيادة عليه اعتداء، لا بد وأن يقتص بها .

وليس المراد بالمثلية العقلية منها، فإنها غير ممكنة، بل هي مستحيلة، وذ كيف يمكن تحصيلها مع ما يعتبر فيها من تحقق جميع النسب والإضافات العامة، كالزمان والمكان ونحو ذلك؟! ولذا لم تعتبر في الإسلام المبني على التيسير والتسهيل.

وإنما أفرد الضمير في «عليه»، باعتبار لفظ «من».

و يستفاد من الآية الشريفة العدل الإسلامي الجاري في القليل والكثير.

ص: 89

و الضعيف والقوي. والفقير والغني، وكان ذلك معیارا للتمييز بين الحق والباطل(1).

(ما يستفاد من الآية من القواعد الفقهية)

القتل والقتال من دون أي مجوز إلهي من القبائح العقلية، فإن من الأصول المسلمة لدى جميع الأمم هي أصالة احترام النفس والعرض والمال، وعليها تدور جملة كثيرة من القوانين الوضعية، وقد قررتها الشريعة المقدسة الإلهية ، ورتب عليها أحكاما كثيرة.

كما أن قاعدة (تقديم الأهم على المهم)، من أمتن القواعد العقلية التي أمضاها الإسلام وجعلها محور فروع كثيرة. ولكن إحراز الأهم لا بد أن يكون عن طريق الوحي المبين، أو بفطرة من العقل الكامل السليم .

وهذه الآيات ونظائرها الواردة في الجهاد مع المشركين، تدور على هاتین القاعدتين العقليتين، وقد ذكر سبحانه في هذه الآيات جملة كثيرة من الأحكام، أهمهما:

الأول: الإذن في قتال المشركين، وأنه عام لا يختص بعصر دون آخر، وحكمها باق إلى أن يظهر دين الله صلی الله علیه و آله و يكون الدين كله لله تعالى، و تصير كلمته هي العليا، ولا بد أن يكون ذلك بمحضر من النبي الأعظم صلی الله علیه و آله، و من يتلو تلوه في العلم والعمل والتدبير و التقوى، وهم أئمة الدين عليه السلام ، أو من يحذو حذوهم من العلماء الجامعين للصفات. القائمين مقامهم. هذا إذا كانت الفتنة الكفر و الشرك.

وأما إذا كانت غيرها مما يخاف على معتقدات الناس الحقة، وهتك النفوس والأعراض والأموال المحترمة، فلها حكم آخر فصلناه في الفقه.(2)

ص: 90


1- م-ن:122-123ج3
2- م - ن : 122-123 ج 3.

الثاني: أن إطلاق النهي عن الاعتداء، يشمل جميع أنحاء الاعتداء، سواء كان على النفس، أو في العرض، أو في المال، ولكل واحد من هذه الأمور الثلاثة أحكام خاصة مذكورة في كتب الفقه .

وذكرنا في كتاب الغصب من (مهذب الأحكام) : أن الاعتداء في المال إن كانت العين موجودة عند المعتدي، يجب عليه ردها إلى مكانها، كما يجب رد قيمة المنافع المستوفاة منها، بل وغير المستوفاة، ويقتضيه ما نسب إلى نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «عَلَى الیدِ ما اخَذَتْ حَتّى تُؤَدّى» .

وأما إذا كانت تالفة، فإن كانت من المثليات بحسب المتعارف، وجب عليه رد المثل، وإن كانت من القيميات كذلك وجب عليه رد القيمة، وإن كان مردده بينهما، لا بد من التراضي مع صاحب المال.

ومقتضى ظواهر الأدلة الشرعية اعتبار المماثلة في كيفية الاعتداء وكميته وسائر الجهات، وقد ورد في الحدود: «إن الله جعل لكل شيء حدا، وجعل لكل من تعدى ذلك الحد حدا»، فلا بد من مراعاة إذن الشارع في جميع ذلك.

وما قيل : من أن «الغاضب يؤخذ بأشق الأحوال، فهو مردود، لم يقم على إطلاقه دليل، لا من العقل، ولا من النقل، هذا صفوة القول، ومن أراد التفصيل فليراجع كتابنا (مهذب الأحكام).

الثالث: قد استدل الفقهاء بقوله تعالی : «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» [البقرة : 194] ونظائره من الآيات الدالة على لزوم المماثلة في الاعتداء، بلزومها أيضا في الجنايات والضمانات.

الرابع: أن قوله تعالى: «وَ لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» [البقرة : 195]، يدل على حرمة الإقدام على ما يخاف الإنسان على نفسه أو عرضه أو ماله. وأما المجاهدة مع أعداء الدين، فهي ليست من الإلقاء في التهلكة، لما فيها من المصالح الواقعية الكثير، الراجعة إلى الإنسان، ولذا لو لم تكن في مقاتلة الأعداء مصلحة إما لأجل الخوف من غلبتهم على المسلمين، أو عدم القدرة لهم على المقاتلة ونحو ذلك، يجب الصلح، وإلا كان من إلقاء النفس في

ص: 91

التهلكة، ومن ذلك صلح نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله مع المشركين في عام الحديبية، وصلح علي علیه السلام في صفين، وصلح الحسن عليه السلام مع معاوية.

وأما نهضة الحسين عليه السلام مع علمه من - قرائن الأحوال - أنه مقتول ومهتوك ظاهرا لا محالة، فاختار الشهادة تقديما للأهم على المهم. ومن ذلك ما جاء في الكافي عن أبي عبد الله علیه السلام: «لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن، ولا وقق، أليس الله يقول: «وَ لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» [البقرة: 195]، أي المقتصدين؟!!»، فإن تفسيره عليه السلام المحسنين بالمقتصدين، يوضح معنى التهلكة في بذل المال، وهو يدل على ما ذكرناه أيضا كما مر(1)

ص: 92


1- م - ن: 133 - 135 ج 3.

(الحج وأقسامه)

اشارة

قوله تعالى: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» [البقرة : 196].

مادة (ت م م) تدل على انتهاء الشيء إلى حد لا يحتاج إلى شيء خارج عنه، بخلاف النقص والناقص.

ويطلق التمام على الجواهر والأعراض والأمور المعنوية، ويطلق النمام على الكمال، مع إمكان التفرقة بينهما في الجملة، كما يأتي

والحج: هو شعيرة من شعائر الإسلام، بل هو أحد أركان الإسلام الخمسة، وقد شرعه إبراهيم الخليل علیه السلام، وكان عليه العرب في الجاهلية ، وأقره الإسلام إلى يوم القيامة .

وهو على ثلاثة أقسام:

حج التمتع: وهو أفضل الأقسام.

وحج القران.

وحج الإفراد.

وواجباته : هي الإحرام، والوقوف بعرفات، والوقوف بالمشعر الحرام، ثم إتيان منی ورمي العقبة والتضحية بها، ورمي الجمرات الثلاث، وطوال الحج، وصلاته، والسعي بين الصفا والمروة، وطواف النساء وصلاته .

والعمرة عبادة معروفة أيضا، وهي على قسمين :

عمرة مفردة.

ص: 93

وعمرة التمتع.

وواجباتها : هي الإحرام، والطواف وصلاته، والسعي بين الصفا والمروة .

ولكل واحد منهما أجزاء وشروط وآداب، وردت في السنة الشريفة، وقد شرح أبو عبد الله جعفر الصادق علیه السلام خصوصیات هذين العملين بما لا مزيد عليه، حتى نسب إلى أبي حنيفة أنه قال: «لولا جعفر بن محمد ما عرف الناس مناسك حجهم». وتضمنتها كتب الأحاديث والفقه.

وفي الحج والعمرة اجتمعت أنحاء العبادات الروحية والبدنية والمالية، الفردية والاجتماعية .

والمراد بإتمام الحج والعمرة : إتيانهما تامين بأجزائهما وشرائطهما، بحسب ما شرعه الله عز و جل، وشرحته السنة الشريفة.

ويستفاد من قوله تعالى: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» [البقرة: 196]، أنهما عبادتان يعتبر فيهما قصد التقرب لله تعالى، فلا يتمان إلا لوجه الله عز و جل

وذكر بعض المفسرين أن المراد من قوله تعای : «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» [البقرة : 196]، أي ائتوا بهما تامين، فيكون محض أمر بالإتمام بعد الشروع فيهما، ثم ذكر أن العمرة غير واجبة، فيكون الأمر بالإتمام للوجوب والندب، كما تقول : صم رمضات وستة من شوال.

ويرد عليه .. أولا : أن العمرة واجبة بمقتضى الآية والروايات، وسيأتي في البحث الروائي ما يدل عليه.

وثانيا : أن حمل الأمر على الوجوب والندب، باطل إلا بالعناية ، وقد نبه عليه هو في تفسير آية الوضوء أيضا، فقال بأن تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الألغاز والتعمية.

قوله تعالى : «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» [البقرة : 196].

مادة (حصر) تأتي بمعنى الضيق والحبس، يقال : حضره العدو في منزله، حبسه، وأحضره المرض، منعه من السفر.

ص: 94

ولها استعمالات كثيرة في القرآن الكريم بهيئات مختلفة تناسب هذا المعنى، وفي الحديث: «هلك المحاصير»، أي المستعجلون، لأن الاستعجال في الشيء نحو تضييق في الجملة.

وقيل : إن الإحصار في المنع الظاهر عن الوصول إلى بيت الله تعالى، کالعدو، والحصر، يقال في المنع الداخل كالمرض.

ولكن عن جمع من أهل اللغة أنه لا فرق بين الإحصار والحصر، فإن كليهما يستعملان في الممنوعة عن الإتمام، سواء كان بسبب عدو أو مرض. إلا أنه ورد في الأخبار المعتبرة عن الفريقين أن المحصور غير المصدود، فإن الأول هو المريض، والثاني هو الذي يرده العدو.

والاستیسار : من اليسر، يقال : يسر الأمر واستيسر، كما يقال : صعب واستصعب، وهو السهولة، أي: ما تيسر كل فرد بحسب حاله.

والهدي يصح أن يكون من الهدية والتحفة، ومن السوق إلى الرشاد، وهو يرجع إلى الأول، لأن الهدية إلى الله عز و جل نحو سوق لفاعليها إلى الرشاد، كل بحسبه، فهدايا العباد إلى الله جل جلاله سياق لهم إلى الرشاد، لا سيما إذا تشرفت بالقبول.

والمراد به : ما يسوقه الناسك من النعم، لتضحية به في مكة أو في منى.

والمعنى: إن منعتم عن الاتمام بسبب مرض أو غيره، فليرسل كل ناسك ما تيسر له من الهدي، كل بحسب حاله من الإبل والبقر والغنم، ومن موارد ما استيسر من ساق الهدي ثم أحصر، فإنه يكفيه ذلك، كما هو المشهور عند الإمامية .

قوله تعالى: «وَ لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» [البقرة: 196].

الحلق : استبصال الشعر، وعن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «اللهم اغفر للمحلقين - قالها ثلاثا -» والمراد بهم في الحج والعمرة، وإنما قال صلی الله علیه و آله ذلك لأن أكثر من حج معه صلی الله علیه و اله لم يكن معهم هدي، فلما حلق من كان معه هدي، وأمر

ص: 95

النبي صلی الله علیه و آله من لم يكن معه هدي أن يحلق، ولكنهم آثروا البقاء على إحرامهم، فتدارك النبي صلی الله علیه و آله ذلك منهم بالدعاء لهم.

والرأس: معروف، ويكنى به عن أعلى كل شيء، وعن الرئيس أيضا .

والمعنى: ولا تحلوا بالحلق، فإن الشارع جعل الحلق أول الإحلال، حتى يبلغ الهدي محله المقرر شرعا، وقد حددته السنة الشريفة بأنه مني إن كان حاجا، وإن كان معتمرا فمحله مكة وفناء الكعبة، أو حزورة.

ويستفاد من الآية المباركة : أن للهدي محظ معينا، لا يصح أن يذبح في غيره، إلا أن السنة حددته بمنى أو مكة، كما عرفت.

قوله تعالى: «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ» [البقرة: 196].

الأذى : ما يصل إلى الإنسان من المكروه في نفسه أو جسمه أو تبعاته . وكذا بالنسبة إلى مطلق الحيوان.

ولهذه المادة استعمالات كثيرة في القرآن الكريم، فقد ورد استعمالها بالنسبة إلى الله عز و جل ورسوله أيضا، قال تعالى : «يُؤْذُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ» [الأحزاب: 57] وقال تعالى : «لا تَكُونُوا كَالَّذينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ» [الأحزاب: 69].

والفاء للتفريع على الحكم السابق، الدال على النهي عن حلق الرأس، فيكون المراد بالمرض خصوص المرض في الرأس، الناشىء من ترك الشعر وعدم الحلق، ومن مقابلته للأذى يستفاد أن الأخير حاصل من غير المرض، کالهوام وغيره، ففي الحديث: «أن رسول الله صلی الله علیه و اله مر علی کعب بن عجرة الأنصاري والقمل يتناثر من رأسه، فقال رسول الله صلی الله علیه و اله: أيؤذيلك هوامك؟ قال : نعم - الحديث - ».

والمعنى : فمن كان منكم في حال الإحرام مريضا يضره الشعر، أو بالرأس ما يؤذيه كالقمل ونحوه الهوام، فإنه يجوز الحلق مع الفدية .

قوله تعالى : «فَفِدْیَةٌ مِنْ صِیامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُکٍ» [البقرة: 196].

الصدقة : ما يتطوع به في سبيل الله، واجبا كان أم غيره .

ص: 96

ومدة «نسك» تأتي بمعنى العبادة، والناسك العابد، واختصت باعمال الحج، كما أن النسيكة تختص بالذبيحة .

أي : إن المحرم الذي جاز له الحلق حال الإحرام، يفدي بواحدة من هذه الخصال الثلاث: إما الصيام، أو الصدقة ، أو النسك. ولم تبين الآية حدود كل واحدة من هذه الخصال، إلا أنه ورد في السنة المقدسة ما يبين ذلك، فالصيام بثلاثة أيام، والصدقة إطعام ستة مساكين، والنسك ذبح شاة.

قوله تعالى : «فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» [البقرة: 196].

الأمن: طمانينة النفس، وزوال الخوف. والأمن والأمان، والأمانة تستعمل مصدرا تارة، واسما أخرى، ويفرق بالقرائن.

وماذا (متع) تأتي بمعنى الارتفاع والانتفاع، يقال: منع النهار ومتع النبات، إذا ارتفع، قال تعالى: «وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ» [البقرة: 36]، أي: انتفاع. ولهذه المادة استعمالات كثيرة في القرآن الكريم بالنسبة إلى الدنيا والآخرة، وغالب استعمالاتها تشعر بالقلة والزوال والتحديد، وهو كذلك، إذ لا نسبة بين المتناهي من كل جهة، وغير المتناهي كذلك، وفي الحديث: «لوْ كَانَت الدُّنْيَا تَزن عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سَقَى كَافراً منْها شَرْبَةَ مَاءٍ».

وسمي حج التمتع تمتعا، لأن المحرم يحل من إحرامه بعد تمام العمرة ، فينتفع بما حرم عليه لأجل الإحرام حتى يهل للحج، فهو إحلال بين إحرامین .

وهذه الآية صريحة في تشريع حج التمتع، لأن الجملة الخبرية أصرح في التشريع من الإنشائيات، وقد أثبتوا ذلك في الأصول، ومن شاء فليراجع كتابنا (تهذيب الأصول). ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين، وسيأتي في البحث الفقهي ما يرتبط بذلك.

والفاء في قوله تعالى: (فإذا أمنتم) للتفريع على الإحصار. كما أن الباء للسببية.

ص: 97

أي : تمتع بسبب العمرة، بأن ختمها وأحل منها، فإنه يتمتع بما كان محترما عليه حال الإحرام، حتى يهل بالحج.

والمعنى: فإذا أمنتم بارتفاع المانع من عدو، ومرض ونحوهما، فمن كان متمتعا بالعمرة، بأن أحل منها إلى وقت الإهلال بالحج، فعليه ما استيسر من الهذي.

قوله تعالى : «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» [البقرة : 196].

أي : عليه ما استيسر من الذي يذبحه في منى، كل بحسب حاله، من إبل أو بقر أو شاة .

والظاهر من الآية المباركة أنه دم نسك لا جبران لما فات منه من الإهلال بالحج من الميقات، كما قال به الشافعي.

قوله تعالى : «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ»

أي: فمن لم يجد الهدي، لعدم التمكن من المال لشرائه، أو لعدم وجدانه، فعليه صيام ثلاثة أيام من الأيام التي من شأنها أن يقع فيها الإحرام بالحج.

وفي جعل الحج ظرفا للصيام باعتبار اتحاد زمانهم، وذلك لأن الزمان الذي بعد عرفا من الحج، هو من زمان الإحرام إلى الحج إلى الانتهاء عنه، فتكون أيام الصيام هي يوم التروية وما قبله وما بعده، ومن فاته في ذلك فعليه الصيام بعد أيام التشريق، ولا يصح الصيام فيها، وفي ذلك وردت روايات كثيرة من السنة المقدسة، وعليه الإجماع، وسيأتي في البحث الروائي ما يدل على ذلك.

قوله تعالى : «وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ» [البقرة : 196].

التفات من الغيبة إلى الحصور، لبيان أن السبعة بعد الرجوع لا حينه .

أي: وسبعة بعد الرجوع إلى أهله ووطنه، فلا يكفي إرادة الرجوع، أو حينه.

قوله تعالى : «تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ» [البقرة: 196].

ص: 98

إجمال بعد تفصيل، أي: أن تلك الأيام الثلاثة في أيام الحج، والسبعة بعد الرجوع إلى الأهل، عشرة كاملة في النسك.

ويستفاد من هذه الآية أمور:

منها : أن تلك الأيام العشرة تعد نسكا واحدا عند الله تعالى، لا يضر الفصل فيها وإن بلغ ما بلغ.

ومنها : أنه لا يضر إتيان السبعة في غير أيام الحج، بل في غير أشهره .

ومنها : أنه لا يفسدها الصوم في السفر .

ومنها : أن كل واحدة من الثلاثة أو السبعة عمل خاص وتام في حد نفسه ، وله حكمه، وإنما الأخيرة مكملة للأولى.

ومنها : دفع توهم الإباحة والاستغناء بإحديهما .

ومنها : الاهتمام بالعشرة، والتأكيد على إتيانها كاملة من دون نقص، ولا إغفالها بوجه.

ومنها : إفادة أن البدل يقع مقام المبدل منه كاملا، وأنه كامل ككمال الهدي والأضحية.

قوله تعای: «ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» [البقرة: 196].

ذلك: إشارة إلى التمتع بالعمرة إلى الحج.

والأهل يقال : لمن يختص بشيء، سواء كان ذلك الشيء إنسانا أم غيره، يقال: أهل الرجل، وأهل الدار، وأهل الذكر. والآل لا يقال إلا فيما إذا كان للمختص به شرف، سواء كان دنيويا، كقوله تعالى : «أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ» [غافر: 46]، أم معنويا كآل موسى وهارون، أم هما معا كان محمد صلی الله علیه و آله.

وحاضري: من الحضر - بفتحتين - والحضور خلاف البعد - والغيبة ، والبدو .

والمراد به : المقيم عند المسجد الحرام، وليس المراد منه مقابل السفر .

ص: 99

والمستفاد من الآية : أن المدار صدق الحضور عليه مقابل النائي، فيدخل فيه من كان مقيما في الحرم، وقد حددته السنة الشريفة بما إذا كان بينه وبين المسجد الحرام بما يعادل أقل من ثمانية وثمانين كيلو مترا، والنائي من يكون أكثر من ذلك.

وحج التمتع وظيفة الآفاقي، الذي يأتي من آفاف الأرض، ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فقد أمر بالإهلال من المسجد الحرام أو غيره، بعد الإحلال من إحرام العمرة، وجواز التمتع بما كان محرما عليه بسبب الإحرام، ذلك تخفيف من ربه عليه، لتحمله مشقة السفر ومقاساته لعنائه ، وفي العبارة من اللطف والعناية ما لا يخفی.

قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ» [البقرة: 189].

أي: اتقوا الله بطاعته وامتثال أوامره، والانتهاء عن نواهيه، ويستفاد منه أن الحكمة في جعل الأحكام الإلهية إنما هي التقوى، كما في قوله تعالى : «لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَ لَا دِمَاؤُهَا وَ لَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ» [الحج: 37].

كما يستفاد من الأمر بالتقوى في المقام، أن هناك مخالفة تصدر وعصيان على هذا الحكم، فأمرهم بملازمة التقوى، وإتيان الأحكام الشرعية على وجهها المطلوب، من دون تغيير و تبدیل .

قوله تعالى : «و اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» [البقرة: 196].

حذرهم من المخالفة وهتك الحرمات، وأوعد عليها، لما يعلمه تعالی من عبث الأهواء في هذا الأمر، فإن الحج من الأمور التي كانت سائدة عند العرب من عصر إبراهي علیه السلام، وقد دخلته عادات وتقاليد لم يمضها الإسلام، فلم يكن التغيير أمرا سهلا على نفوس اعتادت بعض الأمور، ولذا التشديد والتوعيد على المخالفة، ولذلك كله تعهد النبي صلی الله علیه و آله هذا التشريع الجديد بوجوه من الكلام في خطبته المباركة، تضمنت كثيرا من أحكام الحج. وأكد عليه بأنحاء التأكيدات، فأمر صلی الله علیه و اله بأنه حكم أبدي لا يدخله أي تغيير، وعام لا يستثنى منه أحد.

ص: 100

أشهر الحج

قوله تعالى : «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ» [البقرة : 197] .

أي : إن زمان الحج أشهر معلومات معينات، ومعروفات عند الناس، وهي : شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، كما تدل عليه السنة المقدسة، فلا يقع شيء منه في غيرها وإن كان ذلك الإحرام، لأنه من أجزاء الحج، وكذلك عمرة التمتع، لأنها من الحج، ويدل عليه الحديث عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «دَخَلَتِ اَلْعُمْرَةُ فِي اَلْحَجِّ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ».

فما ذكره بعض الفقهاء من أنه يجوز تقديم الإحرام في غيرها، لأنه شرط للحج، كالظهارة للصلاة، فيجوز التقديم على وقت الأداء.

غير صحيح كبرى وصغرى، كما هو مذكور في كتب الفقه .

والمراد من الآية : أن مجموع الوقت من الأشهر الثلاثة، وقت للمجموع من أفعال الحج، فلا ينافي كون بعض الشهر هو زمان الحج فقط، كما لا ينافي اختصاص بعض أفعال الحج ببعض الأيام، لجريان العرف على عد جزء من الزمان منزلة الكل، وعد جزء من العمل منزلة تمامه، يقال: رأيته يوم الجمعة ، وإنما رآه في بعضه دون الجميع، وكذا : اجتمعت معه سنة كذا، وغير ذلك.

ويستفاد من قوله تعای : «مَعلُومَتٌ»، أنه لا يجوز تأخيرها وإنساؤها إلى شهر آخر، كما كان المشركون يفعلونه.

ص: 101

الفرض والفرق بينه وبين الوجوب

قوله تعالى : «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ» [البقرة: 197].

مادة (فرض) تأتي بمعنى قطع الشيء الصلب، والتأثير فيه، قال تعالى حكاية عن الشيطان : «لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» [النساء: 118]، أي : مقطوعا معلوما، وتستعمل في فرائض الله تعالى، لأنها تقطع الأوهام والشكوك والمحتملات بالنسبة إلى موردها.

ويطلق في اصطلاح الفقهاء على المواريث أيضا، لأنها تقطع وتقسم من مال الميت، ونسب إلى نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «تَعَلَّمُوا اَلْفَرَائِضَ، فَإِنَّهَا نِصْفُ اَلْعِلْمِ». وفي الحديث عنه صلی الله علیه و آله أيضا : «إنما العلم ثلاثة : آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة قائمة».

و فرائض الله تعالى هي : الأحكام التي أوجبها على العباد، والفرق بين الفرض والوجوب من وجوه :

الأول: أن الفرض يختص بالنسبة إلى ما فرضه الله تعالی فقط، بخلاف الوجوب فإنه أعم، يقال: وجوب عقلي، ولا يقال: فريضة عقلية .

الثاني: الوجوب يطلق ولو على مرتبة الإنشاء، والفرض لا يطلق إلا على مقام العمل.

الثالث: يطلق الفرض في الشريعة على ما ألزمه الله تعالى، بخلاف الوجوب، فإنه أعم من السنة وما فرض الله جل شأنه .

والمعنى : فمن أوجب على نفسه الحج فيهن، وذلك بالشروع فيه بعقد الإحرام، إما بالتلبية، أو الإشعار بالهذي، أو التقليد.

ص: 102

الفسق ومعناه

قوله تعالى : «فَلَا رَفَثَ وَ لَا فُسُوقَ وَ لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» [البقرة: 197].

نفي لجنس هذه الأمور الثلاثة مبالغة، وهو يتضمن النهي عنها ، وهذا أبلغ.

أي : إن الحج بطبعه والحكمة في تشريعه، يابي هذه الأمور، كما يستفاد من تكرار لفظ «الحج» أيضا .

وتقدم الكلام في الرفث في آية 187 من هذه السورة، ويراد به كل ما يستقبح ذكره من الجماع ودوعيه، وقد يكنى به عن نفس الجماع، فالرفث بالفرج الجماع، وباللسان المواعدة عليه، وبالعين الغمز له.

ومادة (فسق) تأتي بمعنى الخروج، يقال : فسق الرطب إذا خرج عن قشره، ويستفاد من موارد استعمالاتها أن الفسق خروج الشيء من الشيء عى وجه الفساد، ومنه الفسق في الشرع، وهو الخروج عن الطاعة، وهو أعم من الكفر، والعصيان أعم منهما، وقد وردت هذه المادة في القرآن الكريم بهيئات مختلفة فيما يقرب من أربعين موردا، كلها تشعر بالذم، وفي المتعارف يستعمل فيمن عرف بذلك. ويقال للفأرة : الفويسقة، لأنها تخرج من بينها مرة بعد أخرى، وعن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله : «اقتلوا الفويسقة، فإنها توهي السقاء، وتضرم البيت على أهله»، وعنه صلی الله علیه و آله أيضا : «خمس فواسق تقتل في الحل والحرم: الغراب ، والحداءة، والكلب، والحية، والفأرة»، وشرح هذا الحديث يطلب من کتب الفقه في مسائل تروك الإحرام.

والمراد بالفسوق هنا: مطلق ارتكاب المناهي، وما يوجب الخروج عن

ص: 103

طاعة الله عز و جل، وهو وإن كان حراما في غير الحج أيضا، ولكن تكون حرمته في الحج أشد وأكد، فإن قصد الحاج السفر إلى الله تعالى والإقبال عليه عز و جل، ومع تلبسه بالفسوق يكون خارجا منه وبعيدا عنه تعالى، ولأن في الحج تكون حالة الارتباط والاتصال بساحة ذي الجلال، فما أقبح القطع والانفصال في مثل هذا الحال !

والجدال : المفاوضة على نحو المنازعة والمغالبة ، والمراء بالكلام، وهو داخل في المصارعة، لأنها إما بالآلات الخارجية، أو باليد، أو باللسان . والأخير يسمى جدالا، وما كان منه لغير الله فهو قبيح، وما كان لإظهار الحق فهو حسن، وما كان لتثبيته وإيضاحه، فهو أحسن.

وقد فسر الجدال في الآية المباركة في السنة بقول: «لا والله ، وبلى والله»

والظاهر أن الآية المباركة تنهى عن أمور كانت متبعة عند العرب في زيارتهم لبيت الله الحرام وحجهم له، فقد كانت الأسواق في الموسم تعقد للمفاخرة بين القبائل، وكان يجري فيها التنابز بالألقاب والخصام والمراء، وغير ذلك من المناهي المتعلقة باللسان، فناسب ذلك النهي عن هذه الأمور في الحج، وإلا فهي محرمة في جميع الأحوال، ولبيان أن الحج بطبعه لا يقبل هذه الأمور، فإنه السفر إلى الله والإقبال عليه لغرض أسمى، ولا تناسب بین ما كان كذلك، وبين ما هو من شأنه البعد والفرقة والانفصال.

قوله تعالى : «وَ ما تَفعَلوا مِن خَيرٍ يَعلَمهُ اللَّهُ» [البقرة: 197].

التفات من الغيبة إلى الخطاب والتكلم، لبيان كمال العطف والاهتمام، والاقتراب إلى المتعبدين، وفيه من الترغيب إلى فعل الخير، كما أن في الآية من التذكير بأن أعمال العباد لا تغيب عنه عز و جل، فإن ما يفعله الإنسان من الخير سواء في الحج أو في غيره، يعلمه الله ويجازي عليه، وهو الذي لا يضيع أجر المحسنين، ولا يهمله عز و جل.

وذكر الخير بالخصوص مع أنه تعالی عالم بالخير والشر، ظاهرهما

ص: 104

وباطنهما كما في قوله تعالى: «وَ إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ» [البقرة : 284]، وقوله تعالى : «وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَ مَا تَكْتُمُونَ» [النور: 29]، إنما هو للترغيب إلى الخير وحث الناس عليه، فتكون إرشادا إلى مطلوبيته له تعالى، مع أن ظاهر الحال والمكان يقتضي ذكر الخير، ولو فرض وجود شر من المعاصي في البين، فهو مضمحل في جنب ذلك الخير العظيم، لغلبته عليه في تلك المشاعر العظام.

والتصريح باسم الجلالة، ليكون إثبات الشيء ببرهان .

وفيه من التنبيه إلى أن الإنسان لا بد أن لا يفقد روح العمل، وهي الحضور لديه عز و جل في جميع أفعاله، وأنه لا بد من التطابق بين العلم والعمل، فإن أحدهما بدون الآخر لا أثر له في نظر القرآن .

ص: 105

الزاد ومعناه

الزاد: ما يتهيأ به للسفر، وهو يختلف كمية وكيفية باختلاف حالات السفر، والسفر على قسمين : سفر في الدنيا، وسفر من الدنيا، وفي كل منهما لا بد من الزاد، وزاد الأول هو : الطعام والشراب والمركب ونحوه، وزاد الثاني : هو معرفة الله تعالى والطاعة، والاستعداد للآخرة.

وقد بين سبحانه أن خير الزاد لهذا السفر هو التقوى، أي فعل الطاعات وترك المعاصي، وترك ما يوجب سخط الله تعالى، والتقوى هي الصراط المستقيم إلى الإنسانية الكاملة والجنان العالية، وهي الارتباط الوثيق مع مالك الدنيا والآخرة .

وذكرها في المقام لبيان أن الحاج إذا كان في سفره القصير، لا بد له من الزاد وإلا هلك، فكيف بالسفر الطويل البعيد المحفوف بالمخاطر العظام، فيكون احتیاجه إلى الزاد أهم وأعظم.

ومن تعريف الخبر (التقوى) يستفاد أن الأمر مقطوع به، ولا يدخله الشك، وأن الحكم على التحقيق كذلك.

والآية تنحل إلى برهان قويم، وترجع إلى قول: تزودوا بخير الزاد، وخير الزاد التقوى، فتزودوا بالتقوى، والكبري معلومة بالأدلة الأربعة.

ثم إن ظاهر الآية المباركة، العموم بالنسبة إلى تمام الحالات والأزمنة والأمكنة، وإنما ذكر في المقام بالخصوص، لاقتضاء الحالة بتزود التقوى، لأنه السفر إلى الله تعالی.

ص: 106

وأما ما عن ابن عباس أنه قال: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن متوكلون، ثم يقدمون فيسالون الناس، فنزلت الآية المباركة»، فهو من باب ذكر المصداق لا الحصر الحقيقي، ويمكن تعميم الأمر بالتزود في خصوص الحرم الإلهي، حتى بالنسبة إلى ما تعارف بين الحجيج من حمل الهدايا معهم إلى بلادهم .

ص: 107

عرفات ومعناها

اشارة

قوله تعالى: «فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ» [البقرة : 198].

مادة (فیض) تأتي بمعنی سیلان الماء مع الكثرة، وتستعمل في كل دفع مع كثرة كما في المقام، والاستفاضة هي الشيوع والكثرة والانتشار.

وعرفة : هي بمعنى الإصابة، يقال : عرفه أي أصاب عرفه - أي رائحته - أو خذه .

وعرفات: علم للمكان المخصوص المعروف، وهي في معنى الجمع وليس بجمع شيء، وما في بعض الأخبار : «الحج عرفة»، إنما هو باعتبار الزمان، لا باعتبار کون عرفة مفرد عرفات، وتنوينه تنوين المقابلة، لا تنوين التمكين .

وسمي الزمان والمكان بها لتحقق تعرف في البين، إما لأجل أن خليل الرحمن عليه السلام عرف صدق رؤياه، أو لأجل أن جبرائیل عرفه مشاعر الحرام في هذا المكان، أو لأن الله عز و جل يتجلى لأهل عرفات، أو لأجل أن في هذا المكان يعرف العباد أنفسهم إلى الله تعالى بالدعاء والثناء، أو لأجل أن الناس في هذا المكان يعرف بعضهم بعضا، أو لأجل ارتفاع المحل ارتفاعا ظاهريا أو معنويا، من عرف الديك.

والآية تدل على الوقوف في عرفات بالملازمة، فإن الإفاضة من محل، يستلزم الكون فيه لا محالة، مع أن الكون فيها كان معهودا في الجاهلية، وقرره الإسلام، وإنما يراد بيان بقية أعمال الحج، فالموضوع مفروض الوجود عند بیان اللواحق والأحكام.

ص: 108

قوله تعالى : «فَاذْكُرُوا أللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ» [البقرة : 198].

وهو المزدلفة: وجمع: وسمي مشعرا، لأنه معلم لشعائر الله تعالی وعبادته، وهو المكان المعروف.

والمراد بالذكر هو الصلاة، والتهليل، والتسبيح، والدعاء، وهو ما يعم الواجب والمستحب.

والآية المباركة تدل على وجوب الوقوف بالمشعر الحرام، ولو بالمسمى، الذي هو الكون لدلالة الذكر عليه وإن كان بالملازمة.

قوله تعالى : «وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ» [البقرة: 198].

تأكيد للجملة السابقة، وترغيب إلى ذكره تعای، والحث على الإقبال إليه ، وإرشاد للإنسان إلى أنه ينبغي أن يكون على ذكره تعالی دائما، أي: واذكروه بالثناء والشكر على هدايته إياكم، وأنكم كنتم من قبل الهدى لمن الضالين.

وال (واو) للحال و(إن) مخففة من الثقيلة لدلالة اللام عليه، وهي تفيد التأكيد.

والمستفاد من الآية الشريفة : أن ذكر المنعم وشكره لا بد أن يكون لأجل نعمته، ولا نعمة أولى وأحسن وأتم وأكمل من الهداية إلى الإيمان، وترك الكفر والضلال

قوله تعالى : «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ» [البقرة : 199].

حيث للمكان المبهم، يفسره ما بعده، ويمكن أن يطلق على المكان المبهم باعتبار حالة من يحل فيه، من الوقار والسكينة والذكر ونحو ذلك.

والمراد من الناس، من يصلح للاقتداء والإنتمام به، والعالمين بحدود الحج وأحكامه، العاملين بها، وهم منحصرون في خلیل الرحمن وذريته، القائمين مقامه ، العاملين بشريعته، فهو علیه السلام أول هذه السلسلة، وأئمة الحق من

ص: 109

ذریته آخرها، والعلماء العاملون الذين يتلونهم علما وعملا، حفظة هذه التشريعات.

وإنما ذكر لفظ الناس ليشمل جميع من له دخل في تشريع هذه المشاعر، حدوثا و بقاء و حفظا و إبقاء.

ومعنى «مِن حَيثُ أَفاضَ النّاسُ» [البقرة: 199]، أي على الحالة التي أفاض الناس المعهودون في هذا المكان، ويستفاد من قوله تعالى أمرهم بالإفاضة التي يريدها الله جل شأنه، ونبذ الحركة الهمجية في هذه الحالة، التي ينبغي فيها ملاحظة الخضوع والخشوع لله تعالی.

وظاهر الآية الشريفة : أنه إيجاب للإفاضة المعهودة بين الناس، وبعد ذکر الإفاضة من عرفات يستفاد أنه إفاضة إلى متى، بعد الوقوف في المزدلفة. فيكون قد ذكر سبحانه الوقوفين، أحدهما بالصراحة، وهو الوقوف بعرفات والإفاضة إلى المزدلفة، بقوله تعالى: «فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ» [البقرة: 198]، والآخر بالملازمة، وهو الوقوف في المشعر الحرام والإفاضة منه إلى منى، فتكون (ثم) على الحقيقة، لوجود التراخي الزماني بين الإفاضتين.

وفي ذلك خلاف ما كانت عليه قريش وحلفاؤها، الذين هم (الحمس) فإتهم كانوا لا يقفون بعرفات ترفعا، بل بالمزدلفة، وكانوا يقولون: نحن أهل حرم الله لا تفارق الحرم، وكانوا يمنعون الناس من أن يفيضوا معهم من المزدلفة، فأثبت سبحانه إفاضتين ووقوفين، لأن الإفاضة لا تكون إلا بعد وقوف، ولو بمقدار الذكر، ويدل على ما ذكرنا بعض الأخبار، كما يأتي في البحث الروائي.

وقيل : - وعليه أكثر المفسرين - إن المراد الإفاضة من عرفات كما كان عليه دأب الناس، فأمر الله تعالى أولئك العرب الذين كانوا لا يقفون مع غيرهم في عرفات، وبذلك يكون تشريعا للوقوف بعرفات، وأن الكلام بمنزلة الاستدراك بعد قوله تعالى: «فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ» [البقرة : 198]، وتكون (ثم) دالة على التراخي الرتبي، والخطاب مع قريش فقط.

ص: 110

ولكن فيه نظر، فإنه بناء على ذلك تكون الجملة تكرارا لمفاد الجملة الأولى، وهو لا يليق بكلامه تعالى، فلا بد من حمل الإفاضة إما على الإفاضة من المشعر إلى منى - كما ذكرنا - أو حملها على كيفية الإفاضة في الإفاضتين ، بأن يكون المفيض على هدوء ووقار بلا تهجم، وللإعلام بأن الإفاضة المطلوبة هي الإفاضة المشروعة، فإنها هي من رحمة الله تعالى(1)

بحث روائي

في الكافي والتهذيب وتفسير العياشي: عن الصادق عليه السلام في قوله تعالی : «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» [البقرة: 196]، قال: «هما مفروضان».

أقول: تمسك علیه السلام بظاهر الأمر الوارد في الآية المباركة، بناء على أن وجوب الإتمام في هذا العمل يستلزم أصل الوجوب. والوجوب بالنسبة إلى حجة الإسلام من ضروريات الدين، ويدل عليه قوله تعالى: «وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» [آل عمران: 97].

وأما بالنسبة إلى العمرة، فإن العمرة التمنعية واجبة، ويكفي في صدق الفرض ذات الطبيعة ولو في الجملة .

وفي العلل: عن الصادق علیه السلام: «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع، لأن الله يقول: وأتموا الحج والعمرة لله . قيل: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج. أيجزي ذلك عنه؟ قال علیه السلام: نعم».

أقول: تقدم بيانه، ولا وجه للإعادة مرة أخرى.

وفي تفسير العياشي: عن أبي جعفر علیه السلام: «العمرة واجبة بمنزلة الحج، لأن الله يقول: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» [البقرة: 196]، هي واجبة مثل الحج، ومن تمتع أجزأته، والعمرة في أشهر الحج متعة».

ص: 111


1- م - ن : 140 - 158 ج 3.

أقول: صدر الرواية مر بيانه، وأما ذيلها، فلأن الإحلال بعد الإحرام متعة يتمتع بها المحل بما حرم عليه بالإحرام.

في تفسير العياشي: عن أبي جعفر وأبي عبد الله علیه السلام في قوله تعالى: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» [البقرة: 196]، قالا: «فإن تمام الحج أن لا يرفث، ولا يفسق، ولا يجادل».

أقول: هذا بيان لأهم تروك الإحرام، وأن ذلك من باب ذكر بعض أفراد التروك لا الحصر، وقريب منه ما في الكافي والخصال والعيون.

وفي الكافي: عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى : «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» [البقرة: 196]، قال علیه السلام: «يعني بتمامهما، أداؤهما واتقاء ما يتقي المحرم فيهما».

في الكافي - أيضأ - : عنه عليه السلام في قوله تعالى: «إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر لسانه إلا من خير كما قال تعالى : «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَ لَا فُسُوقَ وَ لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» [البقرة : 197].

أقول: هذا يبين ما قلناه في معنى الإتمام.

وفي المجمع: عن أمير المؤمنين والسجاد عليه السلام : «یعني أقيموهما إلى آخر ما فيهما».

أقول: هذه الرواية تبين ما سبق من الروايات، وتقدم ما يدل على ذلك.

في الكافي والتهذيب : عن معاوية بن عمار عن الصادق علیه السلام: «المحصور غير المصدود، وقال علیه السلام: المحصور هو المريض، والمصدود هو الذي يرده المشركون، كما ردوا رسول الله صلی الله علیه و آله، وأنه ليس من مرض، والمصدود يحل له النساء، والمحصور لا يحل له النساء».

أقول: نسب ذلك إلى المشهور بين الفقهاء أيضا .

وفي تفسير العياشي: عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» [البقرة: 196]، قال: «يُجْزِيهِ شَاةٌ وَ الْبَدَنَةُ وَ الْبَقَرَةُ أَفْضَلُ».

ص: 112

أقول: يكون المراد بالاستيسار، الاستیسار بالنسبة إلى النوع.

وفي العيون: عن الرضا عليه السلام في قوله تعالى: «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» [البقرة : 196]، قال علیه السلام : «يعني شاة وضع على أدنى القوم قوة، ليسع القوي والضعيف».

أقول: هذا بيان لبعض حكم التشريع.

في التهذيب عنه عليه السلام: «في رجل أحصر في الحج، قال عليه السلام: فليبعث يهديه إذا كان مع أصحابه ، ومحله أن يبلغ الهدي محله، ومحله منی یوم النحر إذا كان في الحج، وإن كان في عمرة نحر بمكة، وإنما عليه أن يعدهم لذلك يوما ، فإذا كان ذلك اليوم فقد وفي، وإن اختلفوا في الميعاد لم يضره إن شاء الله تعالی».

أقول: المسألة مذكورة في الفقه، ومن شاء فليراجع كتاب الحج من (مهذب الأحكام).

وفي الكافي : عن الصادق علیه السلام: «إذا أحضر الرجل بعث بهديه، فإن أذاه رأسه قبل أن ينحر هديه ، فإنه يذبح شاة في المكان الذي أحضر فيه، أو يصوم، أو يتصدق، والصوم ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساکین، نصف صاع لكل مسکین».

أقول: يصير مدين، أي : كيلو ونصف تقريبا من الطعام، أو من كلما يؤكل.

في التهذيب وتفسير العياشي: عن الصادق علیه السلام قال: «مر رسول الله صلی الله علیه و آله علی کعب بن عجرة والقمل يتناثر من رأسه، وهو محرم، فقال صلی الله علیه و اله له: أيؤذيك هوامك؟ فقال: نعم، فأنزلت الآية : «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ» [البقرة : 196]، فأمره رسول الله صلی الله علیه و آله أن يحلق رأسه، وجعل الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين، مدين لكل مسكين، والنسك : شاة. قال أبو عبد الله علیه السلام: وكل شيء في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار، یختار ما يشاء، وكل شيء في القرآن «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» [البقرة : 196] كذ، فعليه كذا. فالأول بالخيارة».

ص: 113

أقول: قوله علیه السلام مطابق للمحاورات العرفية، كما ذكرنا في علم الأصول.

وفي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: «قال : کعب بن عجرة : في أنزلت هذه الآية، قال : أتيته صلی الله علیه و آله فقال : أدنه، فدنوت مرتين أو ثلاثا، فقال صلی الله علیه و اله: أيؤذيك هوامك؟ - قال ابن عود وأظنه - قال : نعم فأمرني بفدية من صيام، أو صدقة، أو نسك، ما تيسر».

أقول: المراد بالتيسر، أي كل ما أمكن .

أحاديث حج التمتع:

في الكافي : عن الحلبي، عن الصادق عليه السلام قال : «إن رسول الله صلی الله علیه و اله حين حج حجة الإسلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشجرة فصلی بها، ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء فأحرم منها وأهل بالحج، وساق مائة بدنة وأحرم الناس كلهم بالحج، لا ينوون عمرة ولا يدرون ما المتعة، حتى إذا قدم رسول الله صلی الله علیه و اله مکة طاف بالبيت وطاف الناس معه، ثم صلى ركعتين عند المقام واستلم الحجر، ثم قال صلی الله علیه و آله: أبدأ بما بدأ الله عز و جل به. فأتى الصفا فبدأ بها، ثم طاف بين الصفا والمروة سبعا، فلما قضى طوافه عند المروة قام خطيبا وأمرهم أن يحلوا ويجعلونا عمرة وهو شيء أمر الله عز و جل به، فأحل الناس، وقال رسول الله صلی الله علیه و اله: لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتم، ولم يكن يستطيع أن يحل من أجل الهدي الذي كان معه، إن الله عز و جل يقول: «وَ لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» [البقرة: 196]. فقال سراقة بن جشعم الكناني : یا رسول الله ، علمنا ديننا كأنا خلقنا اليوم: أرأيت هذا الذي أمرتنا به، لعامنا أو لكل عام؟ فقال رسول الله صلی الله علیه و اله: لا، بل للأبد وإن رجلا قام فقال : يا رسول الله ، نخرج حجاجا ورؤوسنا تقطر! فقال رسول الله صلی الله علیه و اله: إنك لن تؤمن بهذا أبدأ، قال صلی الله علیه و اله: وأقبل علي عليه السلام من اليمن حتى وافی الحج، فوجد فاطمة قد أحلت، ووجد ريح الطيب، فانطلق إلى رسول الله صلی الله علیه و آله

ص: 114

مستفتيا، فقال رسول الله صلی الله علیه و اله: لا تحل أنت، فأشركه في الهدي وجعل له سبعا وثلاثين، وتحر رسول الله صلی الله علیه و اله ثلاثا وستين فنحرها بيده . ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلها في قدر واحد، ثم أمر به فطبخ، فأكل منه كل بدنة بضعة فجعلها في قدر واحد، ثم أمر به فطبخ، فأكل منه وحسا من المرق، وقال صلی الله علیه و اله: قد أكلنا منها الآن جميعا، والمتعة خير من القارن السائق، وخير من الحاج المفرد، قال : وسألته علیه السلام أليلا أحرم رسول الله صلی الله علیه و اله، أم نهارة؟ فقال علیه السلام: نهارا، فقلت : أي ساعة؟ قال علیه السلام: صلاة الظهر».

أقول: روي قريب من هذا المعنى في عدة روایات

وفي التهذيب : عن الصادق عليه السلام قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لأن الله يقول : «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» [البقرة: 196]، فليس لأحد إلا أن يتمتع، لأن الله أنزل ذلك في كتابه، وجرت به السنة من رسول الله صلی الله علیه و اله».

أقول: تقدم ما يدل في الروايات السابقة.

وفي الدر المنثور: عن البخاري ومسلم، عن ابن عمر قال : «تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدی، فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله صلی الله علیه و اله فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فتمتع الناس مع النبي صلی الله علیه و آله بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي صلی الله علیه و اله مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر وليحل، ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديا، فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله».

أقول: قد كثرت الروايات في ذلك عن العامة بعدة طرق.

وفي صحيح البخاري ومسلم والنسائي : عن أبي موسى قال: «قدمت على رسول الله صلی الله علیه و آله، وهو بالبطحاء، فقال صلی الله علیه و اله: أهللت؟ قلت : أهللت بإهلال النبي صلی الله علیه و اله، قال صلی الله علیه و اله: هل سقت من هدي؟ قلت: لا. قال صلی الله علیه و اله: طف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل، فطف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم أتيت امرأة من

ص: 115

قومي فمشطتني وغسلت رأسي، فكنت أفتي الناس في إمارة أبي بكر وإمارة عمر، فإني لقائم بالموسم، إذ جاءني رجل، فقال : إن لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في شأن النسك. فقلت : أيها الناس، من كنا أفتيناه بشيء فليبتد، فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فيه فأتموا، فلما قدم، قلت: ماذا الذي أحدثت في شأن النسك؟ قال : نأخذ بكتاب الله فإن الله قال: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» [البقرة : 196]، وأن نأخذ بسنة نبينا، صلی الله علیه و آله لم يحل حتى نحر الهدي».

وفي مسند أحمد: عن أبي موسى أن عمر قال: «هي سنة رسول الله صلی الله علیه و اله- يعني المتعة - ولكن أخشى أن يعسوا بهن تحت الأراك، ثم يروحوا به حجاجا».

وفي صحيح الترمذي وزاد المعاد: «سئل عبد الله بن عمر عن متعة الحج، قال : هي حلال، فقال له السائل : إن أباك قد نهى عنها، فقال : أرأيت إن كان أبي نهی وصنعها رسول الله صلی الله علیه و اله ، أأمر أبي تتبع، أم أمر رسول الله صلی الله علیه و اله؟!! فقال الرجل : بل أمر رسول الله صلی الله علیه و اله، فقال : لقد صنعها رسول الله صلی الله علیه و اله»

وفي سنن البيهقي : عن مسلم، عن أبي نضرة، عن جابر قال: «قلت: إن ابن الزبير بنهی عن المتعة، وابن عباس يأمر بها، قال: على يدي جرى الحدیث، تمتعنا مع رسول الله صلی الله علیه و آله ومع أبي بكر، فلما ولي عمر خطب الناس، فقال : إن رسول الله صلی الله علیه و اله هذا الرسول، والقرآن، هذا القرآن، وإنهما كانتا متعتين على عهد رسول الله صلی الله علیه و اله، وأنا أنهی عنهما وأعاقب عليهما، إحداهما متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته بالحجارة، والأخرى متعة الحج».

أقول: الروايات في مضامين هذه الأخبار كثيرة مروية في صحاحهم، تدل جميعها على تشريع المتعتين عن النبي صلی الله علیه و اله، وعمل الصحابة بهما ، فإن كان نهي الخليفة في مقابل النبي الأعظم وردا له صلی الله علیه و اله، فإن أحدا من المسلمين لا يرتضي بذلك، ولذا اعترض بعض الصحابة في عصره عليه، وإن كان لأجل مصلحة الوقت التي رآها الخليفة باجتهاده، فهو إنما ينفع للوقت الخاص

ص: 116

وللأشخاص المخصوصین، كما أثبتوا ذلك في أصولهم، ولا ينفع ذلك للحكم الأبدي.

مع أن الاستدلال عليه بأنه يوجب التمتع بالنساء والرواح تحت الأراك والتعريس بهن، فهو مجمل لا يمكن أن يكون سببا للتحريم بعد حلية النبي الأعظم له، واجتهاد في مقابل النص الذي اتفق المسلمون على بطلانه.

مع أنه يجري في من حج التمتع ابتداء، الذي اتفق جميع الفقهاء على صحته، فيكون هذا القول مخالفا للنص، وإجماع الفقهاء.

وفي الدر المنثور: أخرج مسلم عن عبد الله بن شفیق قال: «كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها، فقال : عثمال لعلي كلمة، فقال علي علیه السلام: لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلی الله علیه و اله، قال : أجل، ولكنا كنا خائفين».

أقول: هذا أحد الإشكالات التي أوردها على حج التمتع.

وفيه مضافا إلى قصور السند، قصور الدلالة، فإنه كيف يمكن أن يكونوا خائفين مع كونهم مع النبي الأعظم صلی الله علیه و اله، وفي منعة وقوة عظيمة، إذ أن تشريع حج التمتع إنما كان في حجة الوداع والمسلمون في منعژ وشوكة .

وإن أراد بذلك قوله تعالى : «فَإِذَا أَمِنْتُمْ» [البقرة: 196] فهو مردود، لأن الآية تبين كلي الحكم، لا أن أصحاب الرسول صلی الله علیه و اله في خوف في حجة الوداع، أو أنه شرط في هذا الحكم.

وفي الدر المنثور: أخرج مسلم عن أبي ذر قال: «لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني: متعة النساء ومتعة الحج».

أقول: هذا هو الإشكال الثاني .

وفيه أيضا أخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي ذر : «كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلی الله علیه و اله خاصة».

أقول: هذا مخالف للروايات الصحيحة الدالة على أنهما مشروعان إلى

ص: 117

الأبد، ولعل مراده: «لنا خاصة»، أي لمن يعلم خصوصیات الموردين، فيعم كل مسلم عالم بالحكم وشرائطه.

ويأتي في البحث الفقهي ما يرتبط بحج التمتع أيضا .

وفي الكافي والتهذيب : في قوله تعالى : «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» [البقرة : 196]، عن الصادق علیه السلام: «شاة».

أقول: إنه محمول على أقل ما يجزي، بقرينة التفصيل التي تقدمت في الروايات السابقة .

في الكافي : عن الصادق علیه السلام أيضا: «في المتمتع لا يجد الهدي؟ قال : يصوم قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة. فإنه قدم يوم التروية، قال علیه السلام: يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق، قلت: لم يقم عليه جماله؟ قال علیه السلام: يصوم الحصبة وبعده يومين، قلت: وما الحصبة؟ قال علیه السلام: يوم نفره، قلت : يصوم وهو مسافر؟ قال علیه السلام: نعم، أليس هو يوم عرفة مسافر، إنا أهل بيت نقول ذلك لقول الله عز وجل : «فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ» [البقرة: 196]، نقول في ذي الحجة».

أقول: هذا تخصیص لما دل على عدم جواز الصوم للمسافر

وفي التهذيب : عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: «كنت قائما أصلي وأبو الحسن موسی بن جعفر علیه السلام قاعد أمامي وأنا لا أعلم به، فجاءه عباد البصري فسلم عليه وجلس، فقال له: يا أبا الحسن، ما تقول في رجل تمتع ولم يكن له هدي؟ قال علیه السلام: يصوم الأيام التي قال الله . قال : فجعلت أصغي إليهما، فقال له عباد: وأي أيام هي؟ قال علیه السلام: قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، قال : فإن فاته ذلك؟ قال عليه السلام : يصوم صبيحة الحصبة ويومين بعده . قال : أفلا تقول كما قال عبد الله بن الحسن ؟ قال علیه السلام: وأي شيء قال؟ قال: يصوم أيام التشريق. قال علیه السلام: إن جعفرا علیه السلام كان يقول: إن رسول الله صلی الله علیه و اله أمر بلالا ينادي أن هذه أيام أكل وشرب فلا يصومن أحد. فقال : يا أبا الحسن، إن الله

ص: 118

قال : «فصیام ثلثه أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم» [البقرة: 196]. قال علیه السلام : كان جعفر عليه السلام يقول: ذو الحجة كله من أشهر الحج».

أقول: في سياقه وردت روايات كثيرة من الخاصة والعامة.

في الكافي : عنهم علیهم السلام في قوله تعالى : «إذا رجعتم»: «إن بدا له الإقامة بمكة ؛ نظر مقدم أهل بلاده، فإذا ظن أنهم قد دخلوا فليصم السبعة».

أقول: استفاد علیه السلام ذلك من قوله تعالى : «إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ» [البقرة : 196]، وقد مر في التفسير فراجع.

وفي تفسير العياشي: عن موسی بن جعفر علیه السلام: «سألته عن صوم ثلاثة أيام في الحج والسبعة أيصومها متوالية، أم يفرق بينها؟ قال علیه السلام: يصوم الثلاثة والسبعة لا يفرق بينها ، ولا يجمع الثلاثة والسبعة جميعا».

أقول: يستفاد ذلك من ظاهر الآية المباركة.

وفي التهذيب : في قوله تعالى: «فصيام ثلالثه أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم» [البقرة : 196]، قال الصادق علیه السلام : «كمالها كمال الأضحية، سواء أتيت بها أو أتيت بالأضحية، تمامها كمال الأضحية».

أقول: تقدم أنه يستفاد من الآية ذلك.

في الكافي: عن الصادق علیه السلام في قول الله عز و جل: «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ»؛ [البقرة: 196] قال: «من كان منزله على ثمانية عشر ميلا من بين يديها، وثمانية عشر ميلا من خلفها، وثمانية عشر ميلا عن يمينها، وثمانية عشر ميلا عن يسارها ، فلا متعة له، مثل (مر) وأشباهها».

أقول: الروايات في التحديد مختلفة، تجمعها هذه الرواية وأمثالها .

ومر: موضع بقرب مكة من جهة الشام على قدر مرحلة .

وفي التهذيب : عن أبي جعفر علیه السلام في قول الله تعالى، قال: «يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين، مثلا ذات عرق، وعسفان، يدور حول مكة، فهو ممن دخل في هذه الآية : «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ

ص: 119

حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» وكل من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة».

وفي التهذيب - أيضا -: عن الصادق علیه السلام: «ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضري المسجد الحرام، وليس لهم متعة».

أقول: لا بد وأن تحمل هذه الرواية على ما مر بعد رد بعضها إلى بعض.

وفي الكافي: عن الباقر علیه السلام في قوله تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ» [البقرة : 197]، قال : «شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، ليس لأحد أن يحج فيما سواهن».

أقول: قد ورد في ذلك عدة روایات، وفي بعضها : «و مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِی غَیْرِ أَشْهُرِ اَلْحَجِّ فَلاَ حَجَّ لَهُ».

وفي الكافي وتفسير العياشي: في قوله تعالى: «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ» [البقرة : 197]، قال الصادق علیه السلام : «والفَرْضُ الْحَجِّ التَّلْبِیَهًُْ وَ الْإِشْعَارُ وَ التَّقْلِیدُ فَأَیُّ ذَلِکَ فعلفَقَدْ فَرَضَ فیهن الْحَجَّ».

وفي الكافي: في قوله تعالى: «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ » [البقرة: 197]، قال الصادق عليه السلام: «إذا أحرمت فعليك بتقوى الله وذكر الله كثيرا، وقلة الكلام إلا بخير، فإن من تمام الحج والعمرة أن يحفظ المرء لسانه إلا من خير ، كما قال الله عز و جل: «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَ لَا فُسُوقَ وَ لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» .

والرفث: الجماع.

والفسوق: الكذب والسباب .

والجدال : قول الرجل: لا والله وبلى والله - الحديث - ».

أقول: يأتي ما يتعلق بهذه الرواية في البحث الفقهي إن شاء الله تعالی .

وفي تفسير العياشي: في قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ» [البقرة: 198]، قال الصادق علیه السلام : «يعني الرزق، فإذا أحل الرجل من إحرامه، وقضی نسکه، فلیشتر وليبع في الموسم».

ص: 120

أقول: تدل عليه العمومات، والإطلاقات، وأن الآية المباركة نزلت لرفع توهم الحظر، كما يدل عليه الحديث الآتي

وروى في المجمع: عن جابر، عن الباقر عليه السلام : «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَطْلُبُوا الْمَغْفِرَةَ مِنْ رَبِّكُمْ».

أقول: لا منافاة بين هذه الرواية وما تقدم من الروايات، لأن الرزق أعم من المعنوي والظاهري.

وفي الدر المنثور: «كان ذو المجاز وعكاظ منجرا للناس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية».

وفي الكافي : عن الصادق عليه السلام في حج النبي صلی الله علیه و اله : «ثم غدا والناس معه - إلى أن قال - وكانت قريش تفيض من المزدلفة - وهي جمع - ويمنعون الناس أن يفيضوا، فأنزل الله عز و جل عليه: «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ» [البقرة: 199]، يعني إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق في إفاضتهم منها، ومن كان بعدهم».

أقول: يستفاد من الحديث أن المراد بالناس خصوص من كان ملتفتا إلى أحكام الإفاضة، كما يدل عليه الحديث الآتي

وفي تفسير العياشي: عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى: «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ»، قال: «يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ومن بعدهم من أفاض من عرفات».

وفي رواية عن الصادق علیه السلام قال: «إِنَّ قُرَيْشاً كَانَ تُفِيضُ مِنْ جَمْعٍ وَ مُضَرُ وَ رَبِيعَةُ مِنْ عَرَفَاتٍ».

أقول: إن الآية المباركة نزلت في رفع هذه العادة السيئة .

وفي المجمع: عن الباقر عليه السلام: «كانت قريش وحلفاؤهم من الحمس لا يقفون مع الناس بعرفات، ولا يفيضون منها، ويقولون: نحن أهل حرم الله تعالی فلا نخرج من الحرم، فيقفون بالمشعر ويفيضون منه، فأمرهم الله تعالى أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منه» .

ص: 121

أقول: قد روي قريب منه في الدر المنثور، وتقدم الكلام عن الخمس في البحث الروائي من آية 189.

في الكافي : عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى : «رَبَّنَا آتِنَا فِی الدُّنْیَا حَسَنَةً وَ فِی الآخِرَةِ حَسَنَةً» [البقرة: 201]، قال: «رِضْوَانُ اَللَّهِ وَ اَلْجَنَّةُ فِي اَلْآخِرَةِ، و اَلْمَعَاشِ وَ حُسْنُ اَلْخُلُقِ فِي اَلدُّنْيَا».

وفي رواية أخرى عنه عليه السلام أيضا : «رضوان الله والتوسعة في المعيشة، وحسن الصحية، وفي الآخرة الجنة».

وعن علي علیه السلام : «في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء، وعذاب النار المرأة السوء».

أقول: لا منافاة بينها، لأن ذلك من بيان بعض المصادیق .

وفي المجمع: عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى : «أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ» [البقرة: 202] قال: «أَنَّهُ یُحَاسِبُ اَلْخَلْقَ دَفْعَهً کَمَا یَرْزُقُهُمْ دَفْعَهً».

في تفسير العياشي: عن أبي عبد الله علیه السلام في قول الله عز و جل: «وَاذْکُرُوا اللَّهَ فِی أَیَّامٍ مَعْدُودَاتٍ» [البقرة: 203] قال: «قال علي علیه السلام : التكبير في أيام التشريق في دبر الصلوات».

وفي الكافي : عن الصادق عليه السلام في قول الله تعالى: «وَاذْکُرُوا اللَّهَ فِی أَیَّامٍ مَعْدُودَاتٍ» [البقرة : 203]، قال : «التكبير في أيام التشريق من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث، وفي الأمصار یکبر عقيب عشر صلوات».

أقول: يأتي ما يتعلق بذلك في البحث الفقهي.

في الفقيه : في قوله تعالى : «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» [البقرة : 203]، قال أبو عبد الله علیه السلام: «لَيْسَ هُوَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ إِنْ شَاءَ صَنَعَ ذَا، لَكِنَّهُ يَرْجِعُ مَغْفُوراً لَهُ لَا ذَنْبَ لَهُ».

ص: 122

أقول: قريب منه في تفسير العياشي، والمراد منه أنه ليس على التخییر مطلقا.

وفي الفقيه - أيضا - في قوله تعالى : «لمن اتقی» (البقرة: 203]، قال الصادق علیه السلام: «یَتَّقِی اَلصَّیْدَ حَتَّی یَنْفِرَ أَهْلُ مِنًی».

وفي تفسير العياشي: عن الباقر عليه السلام : «لمن اتقى منهم الصيد، واتقی الرفث، والفسوق، والجدال، وما حرم الله عيه في إحرامه».

وعن الصادق علیه السلام: «لِمَنِ اِتَّقی اَلْکَبَائِرَ».

وعن أبي جعفر الباقر علیه السلام: «لِمَنِ اتَّقَي اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ»

أقول: كل ذلك صحيح، ولكن الظاهر المنساق من الآية اتقاء ما حرم في الإحرام.

ص: 123

أحكام الحج وأقسامه

تضمنت الآيات الشريفة كثيرا من أحكام الحج، وشرحتها السنة المقدسة شرحا وافيا، وقد ذكرها الفقهاء في كتبهم الفقهية، ونحن نذكر المهم المستفاد من هذه الآيات في المقام، هي:

الأول : دلت الآية الشريفة : «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» [البقرة: 196] على أن الحج والعمرة من العبادات المتوقفة على قصد القرية، كما تدل على وجوب إتيانهما تأمين جامعين للأجزاء والشرائط، وعلى وجوب إتمامهما بعد الشروع، فلا يجوز الإحلال إلا بعد تمام أفعال الحج والعمرة، فمن أفسد حجه أو عمرته لجهة من الجهات لا يبطلان، ويجب عليه المضي فيه والإتمام ثم الإحلال، وحينئذ، فإن كان فيه القضاء وجب وإلا فلا. وتفصيل ذلك يطلب من الفقه .

كما تدل على وجوب العمرة، وأنها بمنزلة الحج، وتدل عليه روايات كثيرة مروية من الفريقين، ذكرنا بعضها في الحبث الروائي.

والآية المباركة لا تدل على أن الحج والعمرة واجبان، فلا بد من إثبات الوجوب لهما من دليل آخر.

أما الحج: فقد دلت الآية الشريفة : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ» [آل عمران: 97]، والنصوص المتواترة بين الفريقين، بل الضرورة الدينية، على وجوب الإسلام مع استجماع الشرائط .

وأما العمرة : فقد دلت على وجوبها السنة كما ذكرناها في الفقه، وتكفي

ص: 124

عمرة التمتع عن العمرة الواجبة، ويكون كل منهما مندوبا بالذات، ويجبان بالعارض من نذر ونحوه.

الثاني: إن قوله تعالى: «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ»، يدل على أن مطلق المنع من إتمام الحج والوصول إلى بيت الله الحرام لأداء المناسك، سواء كان السبب عدوا، أم مرضا، أم غير ذلك يوجب تبدل الحكم بالنسبة إلى المحصور مطلقا، وأن قوله تعالى: «فَإِذَا أَمِنْتُمْ» [البقرة : 196] لا يكون قرينة على أن المراد هو الحصر من العدو، بل هو عام يشمل الأمن من رفع المنع، ولكن تكرر في الروايات أن المحصور غير المصدود، فالأول هو المريض، والثاني هو الذي يرده المشركون، كما صدوا النبي صلی الله علیه و اله عن الحج عام الحديبية .

والظاهر: أن الحصر متعلق بالحج والعمرة كليهما، فلا اختصاص له بالأول فقط، لأنه ذكر عقيبهما فيرجع إليهما معا.

الثالث : يدل قوله تعالى : «حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» [البقرة : 196]، أن للهدي محلا معينا لا يجوز ذبحه في غيره، ولكنه تعالى أجمل ذلك، وقد حددته السنة المقدسة بمكة المكرمة أو منی، ونظيره قوله تعالى: «هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ» [القح: 25].

ويستفاد من الآية الشريفة : أنه لا يجوز الحلق والتحلل من الإحرام «حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» [البقرة: 196): سألته عن رجل أحضر فبعث الهدي؟ قال؛ يواعد أصحابه میعادا إن كان في الحج فمحل الهدي يوم النحر، فإذا كان يوم النحر فليقص من رأسه، ولا يجب عليه الحلق حتى تنقضي مناسکه، وإن كان في عمرة فلينتظر مقدار دخول أصحابه مكة والساعة التي يعدهم فيها، فإذا كان تلك الساعة قصر وأحل»، أو ذبحوه بعد تحلله، فإنه لا شيء عليه، ويدل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار أيضا عن الصادق علیه السلام : «فإن ردوا الدراهم عليه، ولم يجدوا هديا ینحرونه وقد أحل، لم يكن عليه شيء، ولكن يبعث من قابل ويمسك أيضا»، أي يمسك عن النساء إذا بعث هذا في المحصور.

وأما المصدود : فإنه يذبح في مكانه، حلا كان أو حرما، وقد نطقت بذلك

ص: 125

جملة من الروايات، وقد نحر رسول الله صلی الله علیه و اله هديه بعد أن صده المشركون في الحديبية وأحل من الإحرام، والتفصيل يطلب من کتاب الحج من الفقه .

الرابع : أن قوله تعالى : «فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» [البقرة: 196]، يدل على تشريع حج التمتع، الذي هو أحد الأقسام الثلاثة في الحج، والقسمان الآخران هما حج الإفراد، وحج القران. والفرق بين الأول والأخيرين هو:

1 - أن الأول وظيفة ممن لم يكن مقيما وحاضرا عند المسجد الحرام، ويدل عليه قوله تعالى: «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» [البقرة: 196]، وهو الآفاقي الذي يبعد عن المسجد الحرام بما يعادل 88 کیلو مترا، كما حددته السنة الشريفة.

2 - أن الأول مركب من عملين : هما العمرة والحج، ولا يقع الثاني بدون الأول، وأما الأخيران فلا يكونان كذلك، بل هما عمل واحد وهو الحج، إلا أن حج القران يساق فيه الهدي مع عقد الإحرام، بخلاف حج الإفراد.

3- أن وجوب الهدي يختص بالتمتع، بخلاف القسمين الأخيرين. وهناك فروق أخرى مذكورة في كتب الفقه .

ولا خلاف ولا إشكال في أصل تشریع حج التمتع بإجماع الأمة وأئمة الحق علیهم السلام، والنصوص المتواترة بين الفريقين، وهو أفضل أنواع الحج مطلقا، لنصوص معتبرة كثيرة .

منها : ما ورد عن أبي جعفر الباقر علیه السلام: «لوْ حَجَجْتَ أَلْفاً و أَلْفاً لتَمَتَّعْتَ» . وهو يتحقق على نحوين:

الأول: أن يحرم أولا بعمرة التمتع، ثم بعد قضاء مناسكها والانتهاء منها يحل ويحرم بالحج، وهذا مما لا نزاع في مشروعيته من أحد من المسلمين، ولا تختص مشروعيته بأصحاب محمد صلی الله علیه و آله، ويدل عليه قوله تعالى: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» [البقرة: 196]، والنصوص المتواترة بين الفريقين، منها ما عن أهل البيت علیهم السلام عن رسول الله صلی الله علیه و آله: «دَخَلَتِ اَلْعُمْرَةُ فِي اَلْحَجِّ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ» . وروي عن جابر أن سراقة بن مالك قال: «یا رسول الله ، هذا الذي أمرتنا به -

ص: 126

يعني الإحلال بعد العمرة إلى الحج - لعامنا هذا، أم إلى الأبد؟ فقال صلی الله علیه و آله: بل إلى الأبد، إلى يوم القيامة، ورواهما الجمهور في مجامعهم.

وأخرج البخاري وأحمد والنسائي وغيرهم: عن علي علیه السلام قال : «إن المتعة سنة رسول الله صلی الله علیه و اله، فلا يدعها لقول أحد من الناس»، وادعى الإجماع على ذلك.

ولهذا القسم شروط مذكورة في كتب الفقه.

الثاني : أن يحرم بالحج حتى إذا دخل مكة محرما بحج الإفراد، يعدل عن حجه إلى عمرة التمتع، ويتم حج التمتع، وقد وقع النزاع بين الفقهاء فيه.

أما عند الخاصة : فالمشهور جوازه حتى في فرض العين، ومنهم من منعه في فرض العين، وجوزه في الندب والفرض غير المتعین .

وأما عند العامة : فمنعه جمهورهم، وهو الذي توعد عليه الخليفة الثاني فقال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله صلی الله علیه و اله أما أنا أنهی عنها وأعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحج».

وقد وردت في صحته ومشروعيته الأخبار الكثيرة عن الفريقين :

ففي الصحيح عن معاوية بن عمار، عن الصادق عن آبائه علیهم السلام: «لما فرغ رسول الله صلی الله علیه و اله من سعيه بين الصفا والمروة، أتاه جبرائیل عند فراغه من السعي فقال : إن الله يأمرك أن تأمر الناس أن يحلوا، إلا من ساق الهدي. فأقبل رسول الله صلی الله علیه و اله على الناس بوجهه فقال: أيها الناس، هذا جبرائیل - وأشار بيده إلى خلفه - يأمرني عن الله عز و جل أن آمر الناس بأن يحلوا إلا من ساق الهدي . فأمرهم بما أمرهم الله تعالى. فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، نخرج من منى ورؤوسنا تقطر من النساء؟! وقال آخرون: يأمرنا بشيء، ويصنع هو غيره. فقال : أيها الناس، لو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت كما صنع الناس، ولكن سقت الهدي، فلا يحل من ساق الهدي حتى يبلغ الهدي محله. فقصر الناس، وأحلوا وجعلوها عمرة. وقام إليه سراقة بن مالك المدلجي فقال : يا رسول الله ، هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال صلی الله علیه و اله: بل للأبد إلى يوم القيامة -

ص: 127

وشبك بين أصابعه - . وأنزل الله بذلك قرآنا : «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» [البقرة: 196].

وقريب منه: ما رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي ، وابن ماجة في جوامعهم وأحمد في مسنده وغيرهم، عن الصادق وعن الباقر عن جابر، وقد ذكرت في مجامعهم روايات كثيرة بمضامین مختلفة.

قال القرطبي: «قد تواردت الآثار عن النبي صلی الله علیه و آله فيه - أي في مشروعية هذا القسم - أنه أمر أصحابه في حجة من لم يكن معه هدي ولم يسقه، وقد كان أحرم بالحج، أن يجعلها عمرة، وقد أجمع العلماء على تصحيح الآثار بذلك عنه صلی الله علیه و آله، ولم يدفعوا شيئا منها، إلا أنهم اختلفوا في القول بها والعمل لعلل»، ثم ذكر بعض تلك العلل، وهي موهونة لمن تدبر فيها، ولذلك لم يعمل بها كثير من علمائهم.

وأما قول الخليفة فهو مردود من جهات، وقد ذكرت في الكتب الكلامية ، وسيأتي في الموضع المناسب في هذا التفسير إثبات أن أحدا لا يقدر أن يدفع حكما إلهيا نطق به القرآن الكريم، أو جاء به الرسول الأمين صلی الله علیه و آله.

الخامس: إطلاق قوله تعالى: «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» [البقرة: 196].، يقتضي إجزاء ما صدق عليه الهدي من النعم الثلاثة، إلا أن الفقهاء قيدوه واشترطوا في الهدي شروطا كثيرة لأدلة خاصة، وهي مذكورة في كتب الفقه فراجع.

كما أن ظاهر الآية الشريفة أنه لا بد وأن يكون الهدي كاملا وعن واحد، فلا يجزي بعض الهدي.

السادس : ظاهر قوله تعالى: «ثَلَثَهَ أَیَّامٍ فِی اَلْحَجِّ» [البقرة: 196]، إجزاء الصيام في تمام ذي الحجة، وأفضله السابع والثامن والتاسع، كما في روايات كثيرة، منها ما في صحيح رفاعة عن الصادق عليه السلام : «عن المتمتع لا يجد الهدي، قال : يصوم قبل التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة، قلت: فإن قدم يوم التروية؟ قال علیه السلام: يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق - الحديث - ».

ولا يجوز له صوم أيام التشريق إذا فاته ذلك، وتدل عليه روايات كثيرة،

ص: 128

وإجماع الإمامية، منها ما في صحيح ابن سنان: «أن الصادق عليه السلام استشهد بان بديل بن ورقاء أمره رسول الله صلی الله علیه و آله بأن ينادي يمني في الناس : أن لا يصوموا»، وغيره من الأخبار المروية عن الفريقين.

السابع: الانتقال إلى الصوم هو في زمان تعذر ثمن الهدي في محل وجوبه، على تفصيل مذكور في كتاب الحج من (مهذب الأحكام).

الثامن : الظاهر من قوله تعالى : «وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ» [البقرة: 196]، أن يكون الرجوع إلى الأهل كما تدل عيه الروايات، ولكن الرجوع على قسمين، حقيقي وهو أن يرجع بنفسه إلى الأهل، أو حكمي فيما إذا رجع أصحابه وأقام بمكة، فإن عليه الانتظار مدة وصول أصحابه إلى الأهل، وذكرنا أن ذلك ربما يستفاد من قوله تعالى : «إِذَا رَجَعْتُمْ»

التاسع: ذكرنا أن ظاهر قوله تعالى: «ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ» [البقرة: 196]، أن الحضور مقابل النائي، وهو من لم يكن من أهل مكة وقراها، وهو مطلق، ولكن السنة حددت الحضور وقيدته بما إذا كان بينه وبين مكة ما يساوي ثمانية وثمانون كيلو مترا، الأدلة خاصة، ذكرناها في كتابنا [مهذب الأحكام] قسم الحج منه.

العاشر : ظاهر قوله تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ» [البقرة: 197]، أنها أشهر معلومة عند العرب، وقد أقرها الإسلام.

ويستفاد منه أن ذا الحجة من أشهر الحج، يصح إيقاع بعض الأعمال التي يعتبر أن تكون في الحج فيه ، كما في ثلاثة أيام الصوم، ويدل عليه صحيح عبد الرحمن بن الحجاج.

كما يستفاد منه أنه لا يجوز الإحرام بالحج في غير الأشهر الثلاثة، كما لا يصح إحرام عمرة التمتع في غيرها، لأنها داخلة في الحج كما عرفت .

الحادي عشر: ظاهر قوله تعالى: «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ» [البقرة: 197]، أنه يجوز إيقاع إحرام الحج في أي وقت من هذه الأشهر الثلاثة، إذ أن فرض الحج يتحقق بالإحرام فيهن.

ص: 129

كما أن ظاهر قوله تعالى : «فَمَنْ فَرَضَ»، أنه يجب إتمامه، لأنه جعله فرضا على نفسه .

الثاني عشر : يستفاد من قوله تعالى : «فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ» [البقرة : 198] وجوب الوقوف فيها، وأن له وقتا محدودا يجتمع الناس فيها ويفيضون، فإن الإفاضة لا تكون إلا بعد الكون.

كما يستفاد من قوله تعالى : «فَاذْكُرُوا أللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ» [البقرة : 198]، وجوب الوقوف ولو بقدر الذكر عند المشعر الحرام.

والمراد من الذكر : مطلق التسبيح والتهليل والدعاء، وقد ورد في رواية أبي بصير عن الصادق علیه السلام: «يكفيه اليسير من الدعاء».

الثالث عشر: المستفاد من سباق قوله تعالى: «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ» [البقرة: 199]، أنه الإفاضة من المشعر الحرام إلى منى، لأنه تعالى ذكر الوقوف بعرفات والإفاضة منها، فيكون كلاما مستأنفا، لا أن يكون تأكيدا للإفاضة من عرفات، والتأسيس خير من التأكيد لكثرة الفوائد فيه.

الرابع عشر : أن قوله تعالى : «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءآبَاءَكُمْ» [البقرة : 200]، مطلق من حيث الكيفية والكمية، إلا أن السنة حددته بخمسة عشرة تكبيرة من بعد كل فريضة، من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من اليوم الثالث عشر .

وصورته المتفق عليها بين المسلمين : «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله ، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد». وقد زاد أصحابنا تبعا للمأثور عن الأئمة الهداة علیهم السلام: «الله أكبر على ما هدانا ، والحمد لله على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام»، ويدل على كلتي صورتيه عدة روايات من الخاصة والعامة.

الخامس عشر : المستفاد من سياق الآية الشريفة : «فَمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى» [البقرة: 203]، أنه راجع للعموم المستفاد من حكم ما قبله، أي: الاتقاء عما يحرم على المحرم، وقد فسرت في الروايات بخصوص الصيد والنساء، وهذا هو المشهور عند الإمامية.

ص: 130

ثم إن أعمال الحج الواردة في القرآن الكريم، المشروحة في السنة المقدسة هي:

الأول - الإحرام : قال تعالى : «وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» [المائدة : 96]، وقال تعالى : «لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۚ» [المائدة : 95]، وغيرهما .

الثاني - الطواف : قال تعالى: «و َلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» [الحج: 29]، وقال جل شأنه: «وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ» [الحج : 26].

الثالث - صلاة الطواف : قال تعالى : «واتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهیمَ مُصَلًّی» [البقرة : 125].

الرابع - السعي بين الصفا والمروة : قال تعالى : «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ» [البقرة : 158].

الخامس - الوقوف بعرفات : قال تعالى: «فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ» [البقرة: 198].

السادس - الوقوف بالمشعر الحرام: قال تعالى : «فَاذْكُرُوا أللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ» [البقرة: 198].

الثامن - الهدي: قال جل شأنه: «وَ الْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَ جَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَ أَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [الحج: 36].

التاسع - الإحلال والتقصير : قال تعالى : «وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا» [المائدة: 2]، وقوله تعالى: «وَ لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ» [البقرة: 196].

العاشر - أيام منى: قال تعالى: «وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ» [البقرة : 203]

الحادي عشر - فضاء المناسك : قال تعالى: «فَإِذَا قَضَيْتُمُ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ» [البقرة: 200]، ولم يذكر سبحانه في القرآن رمي الجمرات ولا العيد، ولعل السر في ذلك أنه بعد ذكر الرجم الكبير المذكور في

ص: 131

قوله تعالى : «قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ» [ص: 77]، يكون جميع أنحاء الرجم من المؤمنين قولا وعملا من صغريات ذلك الرجم، وأما عدم ذكر العيد، فيمكن أن يكون قوله تعالى : «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» [البقرة : 173)، إشارة إليه(1)

ص: 132


1- م - ن: 170 - 190 ج 3

الطلاق وأحكامه

اشارة

تدل الآيات الشريفة على أمور: يقول تعالى: «وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ وَ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ۚ وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَ لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ۗ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» [البقرة : 228].

الأول : يدل قوله تعالى : «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ» [البقرة: 228]، على وجوب الاعتداد على المطلقة، ووجه الحكمة في تشريع هذا الحكم، وإن كانت الحكمة لا تطرد ولا تنعكس.

الثاني: تدل جملة : «يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ»، على أن الأمر الذي لا بد منه في مدة التربص هو حفظ النساء أنفسهن، فيمسكنها عما تقتضيه طبائعهن من الطموح إلى الزواج.

وفيها دلالة على وجوب أن لا يخرجن من رعاية الزوج وحيطته .

وهذه الجملة من روائع الأسلوب في الدلالة والفصاحة بإيجاز كما ذكرنا .

الثالث : يدل قوله تعالى: «وَ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ» [البقرة : 228]، بالملازمة عى اعتبار قولهن إذا أخبرن بما في أرحامهن من الحيض، والطهر، والحمل.

ولعل ما ورد في الأحاديث: «إن الله فوض إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض، والطهر، والحمل»، مستفاد من هذه الآية الشريفة.

وقد سبق ذلك مساق القاعدة الكلية، وأجمع الفقهاء على اعتبار قولهن في

ص: 133

هذه الثلاثة ما لم يعلم الكذب، وهو موافق للقاعدة النظامية المذكورة في الفقه من أن: «كل من استولى على شيء فقوله معتبر فيما استولى عليه»، ولهذه القعدة موارد كثيرة في فقه المسلمين.

الرابع : قوله تعالى : «إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ» [البقرة: 228]، يدل على أن الحكم - وهو وجوب حفظ أنفسهن في العدة، وحرمة كتمانهن لما في الأرحام - من لوازم الإيمان، فلا استغناء عنه، وفيه الزجر الشديد.

ويستفاد منه الردع الأكيد عن عادة كانت متبعة بينهن قبل نزول الآية الشريفة، وأنها مخالفة للإيمان .

الخامس: يدل قوله تعالى : «بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» [البقرة : 228]، على كمال عطفه وشدة اهتمامه عز و جل ببقاء العصمة الأولى، حيث عبر تعالى: «بردمن» دون غيره، فجعل للزوج حق الرد باعتبار الحالة التي قبل الطلاق، فكأنها لم تقطع، ولا حق للمرأة في المعارضة، ولا منافاة في ذلك مع القول بأن للزوج حقا في المطلقة، ولسائر الخطاب حقا أيضا، ولكن الرد لا يتحقق إلا مع الزوج الأول في العدة.

ويستفاد من هذه الآية الشريفة رجحان المراجعة وحسنها، ويدل عليه العدول عن التعبير بالزوج إلى البعولة، لإخرج غير المدخول بها، وللترغيب في المراجعة وتذكر الحالة السابقة والعصمة الأولى.

السادس: يستفاد من تعقيب الآية المتقدمة بقوله تعالى: «وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ » [البقرة: 228]، أن رد الرجل امرأته إلى حبالته وعصمته على ما یریده الله تعالى، إنما يتحقق بإرادة الإصلاح، وهي القيام بحقوقها، ويلازم ذلك قيام المرأة بحقوق الزوج، فذكر سبحانه وتعالى حق كل واحد منهما على الآخر، وأجمل في ذلك بعبارة فصيحة، وهي بإيجازها تشتمل على جميع ما ينبغي ذكره في هذه الحالة، ثم أرجع ذلك إلى العرف المتداول في كل مجتمع.

السابع: يستفاد من تكرار المعروف في هذه الآيات المباركة - فقد ذكر فيها

ص: 134

اثنتا عشرة مرة - حجية العرف كما عليه المحققون من الفقهاء - قدس الله أسرارهم -.

الثامن : إنما ذكر سبحانه وتعالى لفظ الرجال في قوله: «وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» [البقرة: 228] للإشارة إلى وجه التفوق وأنه كمال الرجولية، وفضل قيامه بأمورها ورعايتها ، كما فسرت هذه الدرة في آية أخرى على ما ذكرنا في التفسير فراجع.

التاسع: يدل قوله تعالى : «الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ» [البقرة : 229]، على مرجوحية الطلاق والفرقة، يعني: أن أصل الطلاق مرجوح، ولو أريد العمل بهذا المرجوح فمرتان، وإلا فسيرى أثر عمله في الدنيا والآخرة التي تظهر فيها منويات العبد، فإنها عالم الظهور والشهود، وقد ذكر العلماء آثارا خطيرة على الطلاق، حيث إنه يوجب فساد الأخلاق بين الزوجين، وسوء تربية الأولاد، ويوجب الأمراض النفسي، إلى غير ذلك، فهذا الأمر من الأمور التي تترتب علیه آثار كثيرة ومتعددة الجوانب، منها الصحية والأخلاقية، والتربوية الفردية والاجتماعية، ولذا لا بد من تقييده بقيود توجب الإقلال منه وحصره في موارد، كما سنذكرها في بحث آخر.

العاشر : أن قوله تعالى : «فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ» [البقرة : 229]، يلهم الزوجين بأعذب أسلوب وألطف بيان وبعناية خاصة، نبذ الفرقة والاختلاف، ويلقي بينهما الائتلاف والأنس وسكون النفس الذي جعله الله تعالى بين الرجل والمرأة، ولذا اعتبر أن يكون الإمساك بمعروف، وألغى الإمساك الواقع عن مضارة وإضرار، وهكذا التسريح.

الحادي عشر : إنما قید سبحانه وتعالى الإمساك بمعروف، لنفي الإمساك المضار، كما في قوله تعالى: «وَ لَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا» [البقرة: 231]، وقيد التسريح بالإحسان، ليترتب عليه قوله تعالى: «و لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» [البقرة: 229]، لأنه قد ينافي أخذ شيء من المرأة العرف الدائر بين الناس، ولأن من الإحسان هو أداء النفقة والإسكان وحسن المعاشرة حتى

ص: 135

تنقضي العدة، وهذه مزية في الإحسان لم تكن في المعروف، ولذا اختلف القيد في الموردين .

الثاني عشر: يستفاد من قوله تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» [البقرة: 229]، أنه لا بد من كراهة الزوجة، لأن الاقتداء إنما يستعمل فيما إذا كان إكراه أو أسر في البين، وهذه الكراهة والنفرة هي التي توجب الخوف بأن لا يقيما حدود الله. وهذا هو طلاق الخلع، الذي هو قسم من الطلاق، وتجري عليه نفس الأحكام التي تترتب على مطلق الطلاق إلا ما استثنی

ما ورد في الأخبار في تفسير الآية المباركة

في الكافي : عن أبي جعفر علیه السلام في صحيح زرارة في قوله تعالی : «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» [البقرة : 228]، قال علیه السلام : هي الأطهاره».

وفي تفسير العياشي: في قوله تعالى : «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» [البقرة: 228]، عن زرارة قال: «سمعت ربيعة الرأي يقول: إن من رأيي أن الأقراء التي سمى الله تعالى في القرآن إنما هي الطهر فيما بين الحيضتين، وليس بالحيض، قال: فدخلت على أبي جعفر علیه السلام فحدثته بما قال ربیعة، فقال علیه السلام: كذب ولم يقل برأيه إنما بلغه عن علي علیه السلام، فقلت: أصلحك الله ، أكان علي علیه السلام يقول كذلك؟! قال: نعم، كان يقول: إنما القرء: الطهر، تقرأ بما فيه الدم فيجمعه فإذا حاضت، قذفته، قلت: أصلحك الله، رجل طلق امرأته طاهرا من غير جماع بشهادة عدلين، قال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلت للإزواج - الحديث».

أقول: الروايات في كون القرء هو الطهر كثيرة، وهو المشهور بين الفقهاء ، وقول أبي جعفر علیه السلام: «نعم كان يقول : إنما القرء الطهر»، رد على ما نسب إلى علي علیه السلام من أنه يقول: «إن القرء هو الحيض».

ص: 136

وفي تفسير القمي في قوله تعالى: «وَ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ» [البقرة: 228]، قال علیه السلام : «لا يحل للمرأة أن تكتم حملها أو حيضها ، أو طهرها، وقد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء : الطهر، والحيض، والحبل».

أقول: ما ذكر في الحديث بيان لإطلاق ما ورد في الآية الشريفة، وتقدم سابقا ما يتعلق بذلك.

وفي المجمع: عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى؛ «وَ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ» ، قال علیه السلام : «الحيض والحبل».

أقول: ليس ذلك في مقام الحصر، فلا تنافي غيرها.

وفي تفسير العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام في الآية المباركة: «وَ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ»، قال علیه السلام: «يعني : لا يحل لها أن تكتم الحمل إذا طلقت وهي حبلى، والزوج لا يعلم بالحمل، فلا يحل لها أن تكتم حملها، وهو أحق بها في ذلك الحمل ما لم تضع».

أقول: مر في الرواية السابقة أنها ليست في مقام الحصر، فلا تنافي غيرها .

وفي تفسير القمي: في قوله تعالى : «وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» [البقرة: 228]، قال علیه السلام: حق الرجال على النساء أفضل من حق النساء على الرجال».

أقول: إن الفضيلة لا تنافي أصل التساوي في الجملة .

وفي التهذيب : عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: «الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ» [البقرة : 229]، قال علیه السلام : «التَّطْلِيقَةُ الثَّالِثَةُ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ».

وفي تفسير العياشي: في قوله تعالى : «الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ»، عن أبي جعفر علیه السلام قال: «التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ اَلتَّطْلِيقَةُ الثَّالِثَةُ».

وفي الفقيه : عن الحسن بن فضال قال : «سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن العلة التي من أجلها لا تحل المطلقة للعدة لزوجها حتی تنکح زوجا غيره؟ فقال عليه السلام : إن الله عز و جل إنما أذن في الطلاق مرتين، فقال عز و جل: (الطَّلَاقُ

ص: 137

مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ» [البقرة: 229]، يعني في التطليقة الثالثة ولدخوله فيما كره الله عز و جل من الطلاق الثالث حرمها عليه، فلا تحل له حتى تنکح زوجا غيره، لئلا يوقع الناس في الاستخفاف بالطلاق ولا يضاروا النساء».

أقول: لا ريب في أن التطليقة الثالثة من التسريح بإحسان، لعدم تحقق التلاعب والاستخفاف بالمرأة في طلاقها.

وأما أن هذه الآية الشريفة تدل على وقوع الطلقات الثلاث بلفظ واحد أو في مجلس واحد ففيه منع، ومذهب أهل البيت علیهم السلام على خلاف ذلك، وقد حررنا الكلام في الفقه فمن شاء فليراجع [مهذب الأحكام].

في أسباب النزول: عن عروة، عن أبيه: «كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها ، وقال: والله ، لا آويك إلي ولا تحلن أبدا، فأنزل الله عز و جل: «الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ» [البقرة : 229].

وفي تفسير القمي: في قوله تعالى : «وَ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا ءآتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ » [البقرة: 229]، عن الصادق علیه السلام قال: «الخلع لا يكون إلا أن تقول المرأة لزوجها. لا أبر لك قسما ولأخرجن بغیر إذنك، ولا وطئن فراشك غيرك، ولا أغتسل لك من جنابة، أو تقول : لا أطيع لك أمرا أو تطلقني، فإذا قالت ذلك فقد حل له أن يأخذ منها جميع ما أعطاها وكل ما قدر عليه مما تعطيه من مالها، فإذا تراضيا على ذلك طلقها على طهر بشهود فقد بانت منه بواحدة، وهو خاطب من الخطاب، فإن شاءت زوجته نفسها وإن شاءت لم تفعل فإن تزوجها فهي عنده على اثنتين باقيتين، وينبغي له أن يشترط عليها كما اشترط صاحب المبارة : فإن ارتجعت في شيء مما أعطيتني فأنا أملك ببضعك، وقال علیه السلام: لا خلع ولا مباراة ولا تخيير إلا على طهر من

ص: 138

غیر جماع، بشهادة شاهدين عدلين، والمختلعة إذا تزوجت زوجا آخر ثم طلقها يحل للأول أن يتزوج بها، وقال : لا رجعة للزوج على المختلعة ولا على المبارة إلا أن يبدو للمرأة، فيرد عليها ما أخذ منها».

أقول: قد حررنا تفصيل طلاق الخلع في الفقه، فمن شاء فليراجع كتابنا [مهذب الأحكام].

وفي الفقيه : عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السلام قال : «إذا قالت المرأة لزوجها جملة : لا أطيع لك أمرا، مفسرة أو غير مفسرة، حل له ما يأخذ منها وليس له عليها رجعة».

أقول: المراد بالمفسرة التصريح بالمقصود جملة، وغير المفسرة الكناية وغيرها.

في الدر المنثور : أخرج أحمد، عن سهل بن أبي حتمة قال: «كانت حبيبة ابنة سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس فكرهته وكان رجلا دميما، فجاءت وقالت: يا رسول الله، إني لا أراه فلولا مخافة الله لبزقت في وجهه، فقال لها : أتردين عليه حديقته التي أصدقك؟ قالت: نعم، فردت عليه حديقته وفرق بينهما ، فكان ذلك أول خلع في الإسلام».

وفي تفسير العياشي: عن أبي جعفر علیه السلام في قول الله تبارك وتعالى : «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ » [البقرة : 229]، فقال: «إن الله غضب على الزاني فجعل له مائة جلدة، فمن غضب عليه فزاد فأنا إلى الله منه بريء، فذلك قوله تعالی : «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا».

أقول: يريد علیه السلام بذلك الوقوف عند ما عينه الله تعالى في أحكامه المقدسة، وضعية كانت أو غيرها، فكل من تعدى عنها فقد تعدى عن حده تعالى، والشرع منه بريء.

ص: 139

الأحكام المستفادة من الآية

ويستفاد من الآيات الشريفة الأحكام الشرعية الفقهية التالية :

الأول : يدل قوله تعالى: «ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ» [البقرة : 228]، أن مدة العدة ثلاثة أطهار، كما هو الحق وعليه جمع كثير من الجمهور - منهم المالكية والشافعية - وفي الدر المنثور عن ابن شهاب أنه قال: «سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا، أي أن القرء بمعنی الطهر». فيكفي في الطهر الأول مسماه ولو لحظة، فلو طلقها وقد بقيت من الطهر لحظة يحسب ذلك طهرا واحدا، فإذا رأت طهرين آخرين بينهما حيضة واحدة انقضت أيام التربص (العدة) .

وإذا كان المراد من القرء الحيض فإن أقل الحيض ثلاثة أيام ولا يكون أقل منها، وأكثره عشرة أيام لا يكون أكثر منها، وأقل الطهر عشرة أيام لا يكون أقل منها، وأكثره لا حد له، والتفصيل يطلب من [مهذب الأحكام]، أحكام العدد .

الثاني: أن المراد من قوله تعالى: «وَالْمُطَلَّقَاتُ» [البقرة : 228] هو الصنف الخاص منهن، أي: المدخول بها وغير اليائسة، وغيرهما لا تشملهن الآية الشريفة، فإن غير المدخول بها لا عدة لها حتى يجب عليها التربص ثلاثة قروء.

والحامل عدتها وضع الحمل، كما يأتي في قوله تعالى : «أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ» [الطلاق: 4].

الثالث : يدل قوله تعالى: «وَ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ» [البقرة : 228]، على قبول قولهن في إخبارهن بما في أرحامهن من الحمل، والحيض، والطهر، ولا يختص الحكم بخصوص الحمل كما . ذكره بعض الفقهاء، لأن هذا الزجر الشديد يناسب أن يكون على كتمان الحمل، ولكن إطلاق اللفظ يشمل جميع ما ذكر.

الرابع: يدل قوله تعالى : «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» [البقرة : 228]، أن الزوج إذا طلب الرجوع لا حق للمرأة في معارضة البعل في ردها .

ص: 140

الخامس: يستفاد من قوله تعالى : «الطَّلاقُ مَرَّتانِ» [البقرة : 229]، أن من الطبيعي الطلاق على نوعين، نوع يجوز للزوج المراجعة في العدة ورد الزوجة إلى العصمة الأولى، والنوع الآخر لا يجوز للزوج رد الزوجة حتى تنقضي العدة، فلا بد من عقد جديد حينئذ.

السادس : يدل قوله تعالى: «وَ لا يَحِلُّ لَکُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» [البقرة : 229]، عدم جواز استرداد المهر من الزوجة، لأنها تملك صداقها بمجرد العقد الصحيح الجامع للشرائط، وإن استقرت ملكية التمام بالدخول.

وبالجملة : أن التصرف في صداقها بدون رضاها يكون تصرفا في حق الغير بدون الإذن، وهو حرام بالأدلة الأربعة، كما قررناه في كتاب الغصب من [مهذب الأحكام]، وأما مع الرضا وطيب النفس فلا بأس به لكونه حلالا، كما في قوله تعالى : «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا» [النساء: 4].

السابع: یدل قوله تعالى : «إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» [البقرة: 229] على مشروعية طلاق الخلع، ويفترق عن غيره من أقسام الطلاق بأن الأول إنما يشرع إذا كان نفرة من الزوجة للزوج، وبذلها الفداء عوضا عن الطلاق، ويدل على كلا الأمرين قوله تعالى : «فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» [البقرة: 229]، ويصح الفداء بكل ما يتمول، قليلا كان أو كثيرا، كان بقدر المهر أو أنقص أو أزيد.

وطلاق الخلع بائن لا يصح فيه الرجوع من الزوج ما لم ترجع المرأة فيما بذلت، ولها الرجوع في الفدية ما دامت في العدة ، فإذا رجعت كان له الرجوع.

ولو طلقها مع عدم الكراهة وكون الأخلاق ملتئمة، لم يملك العوض وحرم عليه التصرف، ولكن يصح أصل الطلاق وإن بطل الخلع.

الثامن : لا بد في الكراهية الموجبة لجواز الخلع من الزوجة أن تكون بحيث يخاف منها الوقوع في المعصية، وعدم إقامة حدود الله ، وهي أحكامه المقدسة(1)

ص: 141


1- م - ن: 17 - 25 ج 4.

المراد من النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثا

اشارة

«فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۗ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» [البقرة: 230] .

الآية الشريفة في غاية إيجازها واشتمالها على أربعة عشر ضميرا، هي في منتهى الفصاحة خالية عن التعقيد، فيها جملة من الكنايات، مما زادت في بلاغتها وهي تبين حكما آخر من أحكام الطلاق، وهو عدم حلية المطلقة ثلاثا على الزوج حتی تنکح زوجا غيره، فإن طلقها بعد العقد والتزویج يجوز لهما أن يتراجعا بشرط اطمینانهما أن يقيما حدود الله تعالى. وهذا الحكم يعتبر تحديدا لعدد الطلقات الواقع من الزوج، وردعا له لئلا يقدم على تكرار الطلاق واعادته

قوله تعالى : «فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ»

المراد من الطلاق هو التطليقة الثالثة، ونفي الحلية عن نفس الزوجة لبيان أنها لا تحل لا بالعقد ولا بالمراجعة، فالحرمة متعلقة بهما معا.

والمعنى : فإن طلق زوجته بعد مرتين من الطلاق فلا تحل له بعد الطلاق الثالث مهما طال الزمن وتقادم العهد، حتی تنکح زوجا غيره.

قوله تعالى : «حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» [البقرة : 230] .

يستفاد من هذه الآية المباركة أن الحرمة في هذه المرأة غير دائمية ، أي : فلا تحل له حتی تنکح زوجا آخر، نکاحا صحيحا مشتملا على العقد الصحيح والمباشرة - وقد کنی سبحانه وتعالى عنهما بكناية لطيفة مؤدبة - فتكون زوجة له

ص: 142

وتدل هذه الآية على أن النكاح لا بد أن يكون صحيحا مصاحبا للمباشرة والغشيان، لا مجرد العقد فقط، فيختص بخصوص العقد الدائم الصادر عن البالغ العاقل.

وقد استدل بعض المفسرين وجمع من فقهاء الجمهور بهذه الآية المباركة على أن النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثا، لا بد أن يكون زواجا صحيحا عن رغبة مقصودة لذاتها، فلو نوى بالتزويج التحليل، أي : إحلال الزوجة للزوج الأول، كان زواجه غير صحيح ولا تحل به المرأة إذا هو طلقها، بل هو معصية لقول نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «لعَنَ اللهُ المُحَلِّل، والمُحَلَّلَ له».

ويمكن المناقشة في ذلك : بأن الآية المباركة لا تدل على ما ذكروه، بل هي أجنبية عنه، والحديث - على فرض اعتباره – إرشاد إلى ترك ذلك منهما، لا أن يكون النهي عنه نهيا تحريميا، وعلى فرض كونه كذلك فإنهم لا يقولون بأن النهي في غير العبادات يوجب الفساد، والنكاح ليس بعبادة محضة ، فلا فرق في النكاح بين أن يكون بنية التحليل إذا حصل قصد النكاح الدائم الصحيح الجامع للشرائط. نعم، إذا لم يحصل قصد أصل النكاح الدائم يبطل من هذه الجهة.

قوله تعالى : «فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا» [البقرة : 230] .

المراد بالتراجع: هو العقد، وقد کنی به عنه، وهو يختلف عن الرجوع الذي كان حقا للزوج في التطليقتين الأوليتين، بأن التراجع إنما يكون بين اثنين فلا بد من التوافق بينهما، بخلاف الرجوع.

والمعنى : فإن طلقها الزوج الثاني طلاقا صحيحاف يوجب انقطاع العصمة بينهما، فلا جناح أن يتراع الزوجان إلى الحياة الزوجية بعقد شرعي، ويستأنفا تلك الحياة الجديدة برغبة منهما مع حسن المعاشرة بينهما وإلغاء الحزازات السابقة، فالتراجع مشروط بذلك. ويلحق بطلاق الزوج الثاني موته، لأنه يوجب انقطاع العصمة بينهما كالطلاق.

قوله تعالى : «إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ» [البقرة: 230] .

أي: أن التراجع بينهما والرجوع إلى الحياة الجديدة مشروط بما إذا ظن كل

ص: 143

واحد من الزوجين أن يقوم بحقوق الآخر، وهي حسن المعاشرة والإخلاص وسلامة النية ونحوها، التي هي حدود الله تعالى التي كتبها في مثل هذه الحياة ، وإلا فالرجوع مرجوح وإن كان العقد صحيحا إن وقع جامعا للشرائط .

قوله تعالى: «وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» [البقرة : 230] .

وضع الظاهر موضع المضمر، لبيان أن الحدود في المقام غير الحدود السابقة .

وخص العالمين بالذكر تشريفا للعلم وتعظيما لحدود الله تعالى، ولأن أهل العلم هم الذين يدركون مصالح تلك الحدود وآثارها وخصوصياتها، وغيرهم عاجزون عن ذلك.

الوجه في تكرار جملة (حدود الله) في الآية

تكرر في هذه الآيات المباركة جملة «حُدُودَ اللَّهِ»؛ [البقرة: 187]، وذلك لإزالة ما شاع في الجاهلية من أقسام التفرقة والطلاق، وانحصارها في الإسلام بما قرره الشارع بحدوده وقيوده، والتجاوز عنها تجاوز عن حدود الله تعالى، ولذا کررت تلك الجملة للتأكيد، كما كرر التوجه إلى القبلة في الآيات السابقة، الأجل إزالة ما سبق وإثبات قبلة أخرى.

ويستفاد من قوله تعالى: «أَنْ يَتَرَاجَعَا» [البقرة : 230]، أنه لا بد من رضاء الطرفين في الرجوع، ولا يتحقق ذلك إلا بعقد جديد جامع للشرائط كما عرفت آنفا، بخلاف الرجوع في الطلاق الأول أو الثاني، قد عبر سبحانه وتعالى بالرد، وقال : «و بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» [البقرة: 228]، وفي السنة المقدسة وكلمات الفقهاء عبر بالرجوع، وهو عبارة أخرى عن الرد.

ثم ربما يستدل بقوله تعالى : «حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ» [البقرة : 230] على صحة استقلالها في النكاح من دون مرجعة الولي، لأنه أضاف النكاح إلى نفسها فقط.

ص: 144

وهذا صحيح بالنسبة إلى البالغة الراشدة الكاملة، وأما بالنسبة إلى غيرها فالدليل لا يشملها، وإن التمسك بالآية المباركة فيها، من التمسك بالدليل في الموضوع المشكوك، وهو باطل عند الجميع، وقد فصلنا البحث في الفقه ومن شاء فليراجع النكاح من كتابنا [مهذب الأحكام].

الأخبار في النكاح الذي تحل به المطلقة

في الكافي ؛ عن أبي عبد الله علیه السلام: «المرأة التي لا تحل لزوجها حتى تنکح زوجا غيره؟ قال علیه السلام: هي التي تطلق ثم تراجع ثم تطلق الثالثة، فهي التي لا تحل لزوجها حتى تنکح زوجا غيره، ويذوق عسيلتها» .

وفي الكافي - أيضا - «في الرجل يطلق امرأته الطلاق الذي لا تحل له حتی تنکح زوجا غيره ثم تتزوج رجلا ولم يدخل بها، قال علیه السلام: لا، حتى يذوق عسيلتها».

أقول: العسيلة تصغير العسلة : وهي القطعة من العسل، شبه لذة الجماع بذوق العسل، وفي الحديث: «إذا أراد الله بعبد خيرا عسله في الناس»، أي طيب ثناءه فيهم.

واحتمل بعض اعتبار الإنزال فيه مضافا إلى لذة الجماع.

لكنه مردود بالأصل، والإطلاق، كما ذكرنا في كتاب الطلاق من (مهذب الأحكام) .

وفي الدر المنثور: عن البزار والطبراني والبيهقي: «أن امرأة رفاعة أتت النبي صلی الله علیه و اله، وقالت: كنت عند رفاعة فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلآ مثل هدبة الثوب، فتبسم النبي صلی الله علیه و اله؛ وقال لها : لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتک».

أقول: إنما صغره إشارة إلى القدر القليل أو المسمى الذي يحصل به الحل .

ص: 145

في الكافي : عن الصادق علیه السلام: «أنه سئل عن رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتی تنکح زوجا غيره، وتزوجها رجل متعة، أبجل له أن ينكحها؟ قال علیه السلام: لا، حتى يدخل في مثل ما خرجت منه» .

أقول: الروايات في أن المتعة لا توجب التحليل كثيرة، تعرضنا لبعضها في کتاب الطلاق من (مهذب الأحكام).

وفي التهذيب : عن محمد بن مضارب قال : «سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن الخصي يحل؟ قال عليه السلام : لا يحلل» .

أقول: هذا في الخصي الذي لا يقدر على الجماع كما هو الغالب، وأما إذا قدر فتشمله العمومات والإطلاقات.

وفي المجمع: عن أبي جعفر علیه السلام : «بين سبحانه وتعالى حكم التطليقة الثالثة، فقال تعالى : «فإن طلقها» [البقرة : 230]، يعني التطليقة الثالثة».

وفي تفسير القمي: في قوله تعالى: «فلا جُناحَ عَلَیْهِما أَنْ یَتَراجَعا» [البقرة: 230]، قال: «في الطلاق الأول والثاني».

أقول: لو فرض هذا من كلام المعصوم فلا بد فيه من التأويل أو الحمل، وإلا فالإشكال فيه ظاهر(1)

ص: 146


1- م - ن: 30 - 35 ج 4.

ما يستفاد من آية الرضاع من أحكام ودلالات

اشارة

يستفاد من الآية الشريفة أمور:

الأول: أن قوله تعالى : «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ» [البقرة : 233)، يرشد - كما ذكرنا - إلى أمر طبيعي، وهو رضاع الأم ولدها، نظرا إلى شفقة الأم ولطفها وحنانها، واحتياج الطفل إلى عناية تامة قد لا تتوفر في غير الأم، وأما الوجوب فلا يمكن استفادته من الجملة الخبرية، فإنها إنما تدل على الوجوب إذا كانت في مقام الإنشاء، ولم تكن قرينة على الخلاف، وهي موجودة في المقام، كما عرفت.

الثاني : أن الآية الشريفة ترشد إلى أهمية لبن الأم وأولويته بالنسبة إلى غيره، وترغب الأم في إرضاع ولدها، لما فيه من الأثر الكبير في جسم الطفل وأخلاقه وصحته ونشأته ، بل وجميع صفاته النفسية والعقلية، وأثبتت التجارب العصرية والعلوم الصحية والنفسية أن رضاع الأم في فترة الحولين ضروري لنمو الطفل نموا سليما، ولا يقوم مقامه غيره، فهو الغذاء الذي لا يقابله غيره له، وهذه قرينة أخرى على عدم دلالة الجملة على الوجوب، فيجوز لغير الأم إرضاع الولد إن كان في إرضاع الأم موانع خلقية أو خلقية، أو لجهات أخرى.

الثالث : يدلج قوله تعالى : «حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ» [البقرة : 233]، على أن المعتبر هو أربعة وعشرون شهرا، فلا يصدق الحولان على الحول الواحد وبعض من الحول الثاني، ويمكن حمله على التأكيد، فإن الطفل في هذه المدة يعين مصير الطفل من حيث صحته وسقمه وصفاته النفسية والخلقية، وقد كشف القرآن بهذه

ص: 147

الكلمة الوجيزة عن كل ما وصل العلم إليه بعد جهدهم الأكيد في قرون، فعلی المسلمين أن يرجعوا إلى دينهم، فإنه تعرض إلى كل ما يرشدهم إلى الهداية والصلاح والسعادة في الدنيا والآخرة.

الرابع: يستفاد من قوله تعالى : «لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ» [البقرة: 233]، أن المدة المذكورة إنما هي لمصلحة الطفل، فإذا اقتضت أن تكون الرضاعة أقل منها فلا بأس به، وأوكل ذلك إلى اجتهاد الوالدين، ولهذا عدل عن خطاب الأم إلى خطاب الذكور، لبيان أنها لا بد من الرجوع إلى الوالد في تقرير مصير الطفل في أمر الرضع والفطام، وهذا مما يؤكده قوله تعال: «فَإِنْ أَرادا فِصالًا» [البقرة : 233] في ذيل الآية الشريفة.

الخامس : ذكر بعض المفسرين أن قوله تعالى : «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ» [البقرة: 233]، يدل على أن الوالدات إنما ولدن للآباء فقط، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات، واستشهد بقول القائل :

وإنما أمهات الناس أوعية *** مستودعات وللآباء أبناء

والمناقشة في ما ذكره واضحة، فإن الآية الشريفة تدل على أن الولد لوالديه، فهو بمنزلة الثمرة لهما، وإنما يرجع فيه إلى الاعتبارات، وما عليه المجتمع الإنساني، وهو يختلف باختلاف الأمم، كما هو واضح.

وإنما عبر سبحانه بالمولود له لبيان الحكمة في الحكم وإثارة العاطفة والحنان فيه ، فما ذكره المستدل مخالف لصريح الآية الشريفة، وإنما هو عادة جاهلية قد أبطلها الإسلام.

السادس: يدلج قوله تعالى : «لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَ لَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» [البقرة: 233)، على أن إضرار كل واحد من الوالدين بالآخر موجب للإضرار بالولد، ويؤثر ذلك في تربيته ونشأته وصحته ونفسيته. والنهي عام يشمل جميع أقسام الإضرار.

السابع: إطلاق قوله سبحانه وتعالى: «وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» [البقرة : 233]

ص: 148

يشمل جميع الورثة ، فإنه يحرم الإضرار مطلقا من أي شخص كان، وارث الوالد أو وارث الوالدة أو وارث الولد، وإن كان المنصرف من الآية المباركة وارث الوالدين .

الثامن : إنما عبر سبحانه وتعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» [البقرة : 233]، لأنه ورد في المقام أحكام كثيرة مرتبطة بالوالد والوالدة والولد، ولذلك عقبها بعلمه الإحاطي بالجزئيات، وعلمه يستلزم حكمه بما هو الصلاح.

وأما الآية السابقة، فقد ورد فيها: «وَ مَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ» [البقرة: 231]، وهي تشتمل على مصالح العبد وسبل هدايتهم وسعادتهم، فعقبها بقوله تعالى: «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ» [البقرة: 231]، ليشعروا بأهمية الإنعام وغزارة الفيض.

الأخبار في تفسير الآية

في تفسير العياشي: في قوله تعالى : «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» [البقرة : 233]، قال علیه السلام : «ما دام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية ، فإذا فطم فالأب أحق به من الأم، فإذا مات الأب والأم أحق به من العصبة ، وإن وجد الأب من يرضعه بأربعة دراهم، وقالت الأم: لا أرضعه إلا بخمسة دراهم، فإن له أن ينزعه منها، إلا أن ذلك أخير له وأقدم وأرفق به أن يترك مع أمه» .

أقول: يستفاد من هذه الرواية أفضلية لبن الأم من لبن غيرها .

وفي الكافي : عن الصادق عليه السلام : «لاَ تُجْبَرُ اَلْحُرَّةُ عَلَى إِرْضَاعِ اَلْوَلَدِ وَ تُجْبَرُ أُمُّ اَلْوَلَدِ».

أقول: أما عدم إجبار الحرة فلعدم ثبوت حق له عليها في هذه الجهة، والآية الشريفة إنما تبين حكم المرأة لا حكم الرجل. نعم، لو اقتضت المصلحة

ص: 149

الوجوب تجبر على الإرضاع بإذن الحاكم، لأنه حينئذ من موارد الأمر بالمعروف. وأما إجبار المملوكة، فلفرض کونها ولبنها ملكا للوالد.

في الكافي - أيضا - : عن الحلبي، عن الصادق علیه السلام في قوله تعالی : «لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَ لَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» [البقرة: 233]، قال علیه السلام: «كانت امرأة منا ترفع يدها إلى زوجها إذا أراد مجامعها تقول: لا أدعك، أنا أخاف أن أحمل على ولدي، ويقول الرجل: لا أجامعك إني أخاف أن تعلقي فأقتل ولدي، فنهى الله عز و جل أن تضار المرأة الرجل وأن يضار الرجل المرأة».

أقول: هذا بيان بعض مصاديق الإضرار، والآية المباركة عامة لجميع أنحاء الإضرار.

وفي تفسير العياشي: في قوله تعالى: «لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَ لَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» [البقرة : 233]، قال الصادق علیه السلام: «الجماع».

أقول: تقدم ما يتعلق به لو كان مضرا.

وفيه - أيضا - : عن أحدهما عليه السلام في قوله تعالى: «وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» [البقرة : 233]، قال علیه السلام: «هو في النفقة على الوارث مثل ما على الوالد».

أقول: الآية الشريفة عامة، وما ورد في هذه الرواية بيان بعض المصادیق .

وفي تفسير العياشي - أيضا - في قوله تعالى : «وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ»، عن الصادق علية السلام: «لا ينبغي للوارث أن يضار المرأة فيقول: لا أدع ولدها يأتيها، ويضار ولدها إن كان لهم عنده شيء فلا ينبغي له أن يقتر عليه».

أقول: تقدم ما يدل على ذلك في التفسير.

في الكافي: في قوله تعالى: «وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ»، عن الصادق علیه السلام: نهى أن يضار بالصبي أو يضار أمه في رضاعه، وليس لها أن تأخذ في رضاعة فوق حولين كاملين، فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور قبل ذلك كان حسنا، والفصال : هو الفطام».

ص: 150

أقول: هذا بيان لبعض المصادیق ، والآية المباركة عامة شاملة للجميع.

في الدر المنثور : عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله صلی الله علیه و اله: لا يتم بعد حلم، ولا رضاع بعد فطام، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا وصال في الصيام، ولا نذر في معصية، ولا نفقة في معصية، ولا يمين في قطيعة رحم، ولا تعرب بعد الهجرة، ولا هجرة بعد الفتح، ولا يمين لزوجة مع زوج، ولا يمين لولد مع والد، ولا يمين لمملوك مع سيدة، ولا طلاق قبل نکاح، ولا عتق قبل ملك».

أقول: المراد من قوله صلی الله علیه و آله، لا رضاع بعد فصال، أي : بعد فطام، وهو بعد الحولين، كما يدل عليه ما رواه حماد في الكافي : عن الصادق عليه السلام قال : «لا رضاع بعد فطام، قلت له : جعلت فداك، وما الفطام؟ قال عليه السلام : الحولان اللذان قال الله عز وجل ».

أقول: هذا بحسب الحكم الأولي، وأما العناوين الثانوية فقد توجب الرضاع ولو كان بعد الفطام(1)

ص: 151


1- م - ن : 57 - 60 ج 4.

المراد من الصلاة الوسطى في مذهب أهل البيت علیهم السلام

اشارة

يقول تعالى: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَ قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴿238﴾ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴿239﴾ [البقرة: 238- 239]

بعد أن ذكر سبحانه وتعالى جملة من الأحكام المتعلقة بشؤون الحياة الزوجية، وبين ما يكون سببا في سعادة هذه الحياة، ونبه الإنسان إلى ابتغاء الإحسان في جميع شؤونه، وعدم تناسي الناس الفضل بينهم.

بين في هاتين الآيتين المبارکتين ما هو من أعظم الشؤون العبودية، التي لها دخل في تكميل الحقيقة الإنسانية، وهي الصلاة التي دعا إليها جميع الأنبياء، وبهما يتشرف المصلي بالتكلم مع الحي القيوم، وهي إسراء النفوس إلى الملكوت الأعلى، ومعراج أرواح المتعبدين إلى قاب قوسين أو أدنى، وهي التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتبعث النفوس الغافلة إلى التذكر بجلال الله عز و جل وجماله، وتذكير الإنسان إلى مكانته الحقيقية، وتجعله مراقبا لنفسه لتطهيرها من رذائل الأخلاق وتحليتها بفواضلها، وتمكنها على تحمل المصاعب والآلام في طريق الاستكمال.

وفي تعقيب تلك الأحكام بالأمر بالصلاة، التي هي أكبر العبادات، إشارة إلى أن الايتمار بأوامر الله سبحانه وتعالى، والانتهاء عن نواهيه، إنما يكون في النفوس المستعدة وهي لا تحصل إلا بإقامة الصلاة والمحافظة عليها، وأدائها

ص: 152

بخضوع وخشوع لتنال النفس سعادتها، فهي الروح لتلك الأحكام، وإنها بدون الصلاة كالجسم الذي لا روح له.

قوله تعالى: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَتِ» [البقرة : 238] .

مادة (حفظ) تأتي بمعنى المواظبة على الشيء والإقبال عليه مرة بعد أخرى، والمحافظة على الصلوات هي المواظبة عليها. بإقامتها في أوقاتها بحدودها وشرائطها، والإقبال عليها بالإخلاص والخشوع والخضوع.

فالمحافظة أخص من مطلق الإتيان، لأن الحفظ عبارة عن التفقد والتعهد والرعاية .

وإنما عبر سبحانه وتعالى بهذا اللفظ المشعر بفعل الاثنين، لبيان أن كل من حافظ على الصلاة وأذاها على ما هي عليه في الواقع، هي أيضا تحافظ على رعايته، فهي تردعه عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى : «إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» [العنكبوت: 45]، وفي السنة الشريفة من ذلك الشيء الكثير.

وللصلاة أنحاء من الوجودات والمظاهر، فهي في هذا العالم مركبة من جملة من الأعراض، وفي عالم آخر لها وجود مستقل تمدح فاعلها وتشفع له أو تذمه وتلعنه، وفي نشأة أخرى: غيب الغيوب، تكون من صقع الآية جل جلاله لا يعلمها إلا هو.

والصلوات في الإسلام من أهم العبادات التي أمر الناس بها، فهي عمود الدين، إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها.

تَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ و الْفَحْشاءِ *** أُقَصِّرُ فَذَاكَ منتهی الثَّنَاءُ

وأعدادها كثيرة، والواجب منها الصلوات الخمس المعروفة بين المسلمين، التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وشرحتها السنة المقدسة شرحا وافيا، وبينت أركانها وشروطها وآدابها وسائر جهاتها بيانا قوليا وعمليا.

قوله تعالى : «وَالصَّلَوهِ الْوُسْطَی» [البقرة : 238].

ص: 153

تخصیص بعد تعمیم، للاهتمام والترغيب إليها .

والوسطى تأنيث الأوسط، وهو من الأمور الإضافية، بصح إطلاقه على ما يقع وسطا بين الاثنين أو أكثر، ولهذا اختلف العلماء في تعيين الوسطى من الصلاة:

فقيل : إنها الصبح لكونها وسطا بین فرائض الليل وفرائض النهار، والقيام إليها شديد، وقال به جمع من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و اله

وقيل : إنها الظهر، لأنها وسط بين العشاء والصبح، والعصر والمغرب، وأنها وسط النهار المبتديء من طلوع الفجر والمنتهي بغروب الشمس، ولأنها أول صلاة صليت في الإسلام، وفي قراءة عائشة وحفصة: «حَافِظُوا عَلَی الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاهِ الْوُسْطَی وَ صَلاهُ الْعَصْر» بالواو، وروى مالك في موطنه ، والطيالسي في مسنده عن زيد بن ثابت قال: «الصلاة الوسطى: صلا الظهر»، وزاد الطيالسي: «وكان رسول الله صلی الله علیه و اله يصليها بالهجير». وقال بهذا جمع من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و اله، وهو المشهور بين الإمامية، المروي في عدة أخبار كما يأتي في البحث الروائي.

وقيل : إنها العصر، لكونها وسطا بين الظهر والمغرب، وأن ما قبلها صلاتان نهاريتان، وهما الصبح والظهر، وبعدهما صلاتان ليليتان وهما المغرب والعشاء، وقال بهذا جمع آخر من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و اله، وبه قال الجمهور، وأخرج الترمذي عن ابن مسعود: «قال رسول الله صلی الله علیه و اله: الصلاة الوسطى صلاة العصر». وروى مسلم وأبو داود عن علي عليه السلام مرفوعا: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر» يعني يوم الأحزاب، وفي رواية الشيخين أن النبي صلی الله علیه و اله قال يوم الأحزاب: «ملا الله قبورهم وبيوتهم نارا، كما حبسونا وشغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس».

وقيل : إنها المغرب، لأنها متوسطة في عدد الركعات، ولا تقصر في السفر، وأنها وسط بين صلاتي جهر وصلاتي إخفات .

ص: 154

وقيل : إنها العشاء الآخرة، لأنها بين صلاتين لا تقصران، ولأنها يستحب تأخيرها، وذلك شاق، فوقع التأكيد في المحافظة عليها، هذا بحسب الأقوال.

وأما بحسب الأخبار فسيأتي في البحث الروائي ما يتعلق بها .

ولكن نفس الآية الشريفة لا تدل على شيء مما ذكر، وهي مجملة لا يظهر المراد منها، فلا بد من ترجيح أحد الاحتمالات من الرجوع إلى السنة الشريفة والقرائن القطعية .

ومذهب أهل البيت علیهم السلام: أنها صلاة الظهر - كما يأتي في البحث الروائي بل يمكن أن يستشهد له بقوله تعالى : «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَ زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» [هود: 114]، حيث إنه تعالى لم يذكر صلاة الوسطى بين الطرفين، وخصوصا بعد الأمر في قوله تعالى : «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ» [الإسراء: 78]، المتفق بين المسلمين على أنها صلاة الظهر، المعبر عنها في لسان علي علیه السلام بصلاة الأوابين.

مع أن وقت الظهر عظيم جدا، ففي صحيح محمد بن مسلم عن الصادق علیه السلام: «سألته عن رکود الشمس؟ فقال : يا محمد، ما أصغر جثتك وأعضل مسألتك وإنك لأهل للجواب، إن الشمس إذا طلعت جذبها سبعون ألف ملك، بعد أن أخذ بكل شعاع منها خمسة آلاف من الملائكة، بين جاذب ودافع حتى إذا بلغت الجو وجازت الكو قلبها ملك النور ظهرا لبطن، فصار ما يلي الأرض إلى السماء وبلغ شعاعها تخوم العرش، فعند ذلك نادت الملائكة : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا، فقال له : جعلت فداك، أحافظ على هذا الكلام عند زوال الشمس؟ فقال: نعم، حافظ عليه كما تحافظ على عينك».

وسيأتي شرح الرواية في الموضع المناسب إن شاء الله تعالی.

وعن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله في الصحيح: «إذا زالت الشمس فتحت أبواب

ص: 155

السماء وأبواب الجنان واستجيب الدعاء، فطوبى لمن رفع له عند ذلك عمل صالح» .

قوله تعالى : «وَ قُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ» [البقرة: 238] .

مادة (قوم) تدل على الثبوت والعزم والاستقامة والرعاية والحفظ، وقد ورد جميع ذلك في الآيات الشريفة المتعددة، كما يأتي إن شاء الله تعالى، والمراد به هنا ما يكون عن استقامة وتثبت.

وأما مادة (قنت) فقد وردت في القرآن كثيرا بهيئات مختلفة، منتسبة إلى الرجال تارة وإلى النساء أخرى، وإلى مخلوقاته وموجوداته ثالثة، وكلها مقرونة يدور مدار وسع المكلف وعدم العسر والحرج، وأن تغيير التكليف بحسب الحالات يكون بيد من كان أصل التشريع بيده، كما ثبت ذلك في علمي الفلسفة والكلام.

الروايات بشأن الآية

في تفسير العياشي: عن زرارة ومحمد بن مسلم، أنهما سألا أبا جعفر علیه السلام عن قول الله تعالى: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ» [البقرة : 238]، قال علیه السلام: «صلاة الظهر ، وفيها فرض الله الجمعة، وفيها الساعة التي لا يوافقها عبد مسلم فيسأل خيرا إلا أعطاه الله إياه».

أقول: المأثور عن الأئمة الهداة علیهم السلام في روايات كثيرة أن الصلاة الوسطى هي صلاة الظهر، وادعی شیخ الطائفة الإجماع عليه، وقوله علیه السلام: «فيها» أي في صلاة الظهر، لأن الجمعة والظهر واحدة حقيقية، وإنما سقطت ركعنا الجمعة، لمكان الخطبتين فليستا حقیقتين مختلفتين.

وفي الكافي : عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام: «عما فرض الله عز و جل من الصلاة ، فقال علیه السلام: خمس صلوات في الليل والنهار. فقلت: فهل سماهن

ص: 156

وبينهن في كتابه؟ قال: نعم، قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلی الله علیه و اله: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» [الإسراء: 78]، ودلوكها زوالها، ففيما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل أربع صلوات، سماهن ووقتهن، وغسق الليل هو انتصافه، ثم قال : «وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا» [الإسراء: 78] فهذه الخامسة، وقال الله تعالى في ذلك: «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ» [هود: 114]، فطرفاه المغرب والغداة، و«وَ زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ» [هود: 114] وهي صلاة العشاء الآخرة، وقال الله تعالى : «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ» [البقرة : 238] ، وهي صلاة الظهر، وهي أول صلاة صلاها رسول الله صلی الله علیه و آله وهي وسط النهار، ووسط صلاتين بالنهار: صلاة الغداة وصلاة العصر. وفي بعض القراءات «حفِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلوةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلهِ قانِتينَ» [البقرة: 238] قال: ونزلت هذه الآية يوم الجمعة ورسول الله صلی الله علیه و اله في سفره، فقنت فيها رسول الله صلی الله علیه و اله، وتركها على حالها في السفر والحضر، وأضاف للمقيم رکعتین، وإنما و ضعت الركعتان اللتان أضافهما النبي صلی الله علیه و اله، يوم الجمعة للمقيم لمكان الخطبتين مع الإمام، فمن صلی یوم الجمعة في غير جماعة فليصلها أربع ركعات كصلاة الظهر في سائر الأيام».

أقول: قوله علیه السلام: «في بعض القراءات»، لا بد أن يكون المراد قراءة غيرهم علیهم السلام، وإنما ذكر ذلك لبيان أن كون الوسطى صلاة الظهر منقولا عن غيرهم أيضأ، ولكن في نفس القراءة أيضا بحث، لأنه يمكن أن يكون محاذرة من الوقت وأهله، فيكون الحكم الأول هو المتبع.

في تفسير القمي: عن أبي عبد الله علیه السلام أنه قرأ : «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَىٰ و صلاة العصر وَ قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ».

وفي تفسير العياشي: عن أبي جعفر علیه السلام قريب منه، ولكن فيه: «وكذلك كان يقرأها رسول الله صلی الله علیه و آله.

أقول: إنه يحتمل أن يكون قوله : «صلاة العصر» من القرآن، فتكون الصلاة الوسطى الظهر، ويستفاد أهمية صلاة العصر أيضا، كما يحتمل أن يكون تفسيرا

ص: 157

للصلاة. لا أن يكون قراءة للقرآن، ويدل عليه أن الجمهور نقلوا في مجامعهم : «صلاة الوسطى: صلاة العصر»، ومع تعارض القراءتين وعدم ترجيح في البين، فالحكم هو التخيير، لو لم نقل بكون الوسطى هي الظهر أرجح من جهات كثيرة.

وفي الدر المنثور: أخرج أحمد وابن المنيع، والنسائي، وابن جرير وغيرهم من طريق الزبرقان: «أن رهطا من قریش مر بهم زید بن ثابت وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى؟ فقال : هي الظهر، ثم انصرفا إلى أسامة بن زید فسألاه، فقال : هي الظهر، إن رسول الله صلی الله علیه و آله كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وتجارتهم، فأنزل الله تعالی: «حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَ قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ» [البقرة : 238]، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله: لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم».

أقول: تقدم في التفسير ما يدل عليه أيضا، ولكن بإزاء ذلك روایات مختلفة مروية عن النبي صلی الله علیه و آله من طرق الجمهور. منها ما يدل على أنها صلاة العصر، ومنها ما يدل على أنها صلاة الصبح، ومنها غير ذلك، ومع التعارض لا يصح الأخذ بأحدها بالخصوص، ولكن تقدم أن الترجيح مع ما يدل على أنها صلاة الظهر .

وفي تفسير العياشي: عند عبد الله بن سنان، عن الصادق علیه السلام في قوله تعالى: «وَ قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ»، قال علیه السلام: «إقبال الرجل على صلاته ومحافظته على وقتها، حتى لا يلهيه عنها ولا يشغله شيء».

أقول: تقدم في التفسير أن من معاني القنوت الرعاية، وما ورد في الرواية يكون من باب التطبيق.

وفي المجمع: في قوله تعالی : «وَ قُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ»، قال : هو الدعاء في الصلاة حال القيام، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله علیه السلام».

أقول: إن ذلك من باب التطبيق، فلا تعارض في البين أصلا.

وفي الكافي : عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، عن الصادق علیه السلام في قوله

ص: 158

تعالى : «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً» [البقرة: 239]، قال : «كيف يصلي؟ وما يقول إذا خاف من سبع أو لص، كيف يصلي؟ قال علیه السلام: يكبر ويومي إيماء برأسه».

أقول: يدل على ذلك الإجماع، ونصوص أخرى، وهي تدل على تبذل الصلاة إلى الأبدال الاضطرارية حسب ما تقتضيه الظروف.

في الفقيه : عنه علیه السلام أيضأ قال: «تكبر وتهلل، تقول : الله أكبر، يقول الله : «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً» [البقرة: 239]».

أقول: تقدم ما يدل على ذلك في التفسير .

وفي الفقيه - أيضا - : عن الصادق علیه السلام: «إن کنت في أرض مخوفة فخشيت لصا أو سبعا، فصل الفريضة وأنت على دابتك».

أقول: المسألة محررة في الكتب الفقهية ، فلا مجال لذكرها هنا(1)

ص: 159


1- م - ن : 80 - 90 ج 4.

أحكام فقهية

«مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿261﴾الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿262﴾ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَ مَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴿263﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿264﴾ وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَ تَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿265﴾ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴿266﴾يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿267﴾ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَ فَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿268﴾ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَ مَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿269﴾ وَ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴿270﴾ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوهَا

ص: 160

وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿271﴾ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَ لَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَ مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَ مَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴿272﴾ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَ مَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴿273﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَ عَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿274﴾» [البقرة: 261-274]

يستفاد من الآيات الشريفة الأحكام الفقهية التالية:

الأول: أن الإنفاق والصدقات مطلقا - واجبة كانت أو مندوبة - متقومة بقصد القربة، فما لم تضف إلى الله تعالى تكون باطلة، ولا تبرأ الذمة لو كانت من الصدقات الواجبة وتجب الإعادة، وقد ذكرنا أن الإضافة إليه عز و جل في كل عمل بمنزلة روح ذلك العمل.

الثاني: إطلاق الآيات الشريفة الواردة في الإنفاق المالي في سبيل الله ، يشمل الإنفاق الواجب - کالزكاة، والخمس، والكفارات المالية والنفقات الواجبة، والإنفاق المندوب، كأصل الوقف والسكنى والعمرى والوصايا والهدية والهبة وغيرها.

ويشترط في قبول جميع ذلك قصد سبيل الله تعالى، والإخلاص فيها، وعلى قدر الإخلاص يتحقق مقدار الثواب وما أعده الله تعالى من عظيم الأجر، وعدم إبطالها بالمن والأذى.

والإنفاق ينقسم بانقسام الأحكام الخمسة التكليفية، فهو إما مباح، أو واجب، أو مندوب، أو مكروه، أو حرام، والأخير لا وجه له إلا العصيان واستحقاق العقاب، والبقية إن قصد بها وجه الله وسبيله ففيها الثواب وعظيم الأجر، وإن خلت عن ذلك وخلت عن الرياء وما يفسدها، يصح أن يترتب

ص: 161

الثواب أيضا، ويترتب الثواب على الإنفاق المكروه بعدما كان أصل الذات محبوبا، وهو ليس بعادم النظير، مثل الصلاة في الأمكنة المكروهة والأزمنة المكروهة.

الثالث: إطلاق قوله تعالى: «فِي سَبِيلِ اللّهِ» [البقرة: 154]، يشمل القصد التفصيلي، وهو معلوم لكل أحد، والقصد الإجمالي الارتكازي، كما إذا قصد الشخص أن كل ما يفعله من الأفعال المباحة في زمان معين يكون الله تعالى، ثم فعل فعلا غافلا عن هذا القصد، لكن كان بحيث لو التفت إليه لكان بانيا على قصده، فهذا أيضا من قصد سبيل الله.

ويكفي قصد سبيل الله عن النائب والوكيل في تحقق الثواب ما لم يتحقق المن والأذى، فإنهما یهدمان العمل ويبطلانه، بل قد يحرم الإنفاق حينئذ لاشتماله على إيذاء الغير وهتكه.

ولا فرق في المن والأذی بین ما إذا كان بعد الإنفاق بلا فصل أو معه، كان بعنوان المن والأذى أو لم يكن، ولكن انطلق العنوان عليه.

الرابع: إيذاء المؤمن والمنة عليه يجتمع فيه حق الله تعالی وحق الناس، لكثرة ما ورد في السنة الشريفة من عناية الله تعالی بشأن المؤمن، فلا يكفي فيه مجرد الاستغفار والتوبة ما لم يجلب رضاه.

الخامس: إطلاق قوله تعالى : «لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى» [البقرة: 264]، يشمل ما إذا حصلا من صاحب المال أو من وسيطه، کالوكيل والنائب عنه، لأن المستفاد من مجموع الآية الشريفة أن ذاتهما مبغوضتان ومن رذائل الصفات وخبائث الأخلاق مطلقا، فالنهي يشمل الجميع. ولكن لو قصد الموكل القربة ومرضاة الله تعالى وتنزه عن المنة والأذية، وقصد الوكيل المنة والأذية، أثم الوكيل من دون أن يمحق ثواب أصل العمل.

السادس : تجب الإعادة في الصدقات الواجبة لو كانت بعنوان المن والأذى ولا تجزي، لقوله تعالى: «لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى» [البقرة: 264]،

ص: 162

والنهي في العبادة يوجب الفساد، كما ثبت في محله، راجع كتابنا [تهذيب الأصول).

السابع : يستفاد من قوله تعالى : «كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ» [البقرة: 264]، مبغوضية الرياء واستلزامه بطلان العمل، ويكون المرائي آثما، سواء تعلق الرياء بجميع العمل، أم بجزء من أجزائه، أم بشرط من شروطه، هذا إذا كان العمل عباديا، وأما إذا لم يكن المورد عبادة، ولم يعتبر في تحققه قصد القربة ، فإنه لا يوجب البطلان، ولكنه يوجب الحرمان عن الثواب.

وهو من رذائل الأخلاق ومن الصفات الخبيثة جدا، ينافي الاستكمالات مطلقا، وإنه يرجع إلى براءة غير الواقع بصورة الواقع، ويجتمع فيه أنواع من الأخلاق الذميمة، والصفات الرذيلة، كالغش والمكر والخديعة وغير ذلك، ولعل تعدد أسمائه في السنة المقدسة - كما تقدم - لأجل تعدد مصادیقه، فهو من المقبحات الذاتية، سواء كان بين الخلق بعضهم مع بعض، أو بين الخلق والخالق، فإن قبحه أعظم وأشنع، وقد كني في علم الأخلاق ب (أم الخبائث)، كما كني الخمر بذلك.

الثامن : يستفاد من قوله تعالى: «وَ لَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ»، أن الحق نوعي، لا أن يكون شخصيا، فليس للفقير أن يأخذ الخبيث، ولا تبرأ ذمة المالك بذلك، وإطلاق الآية الشريفة يشمل الصدقات الواجبة والصدقات المندوبة.

التاسع: إطلاق قوله تعالى : «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ» [البقرة: 271] - الآية - يشمل المباشرة والتسبيب، كما يشمل جميع أنحاء الإبداء والإخفاء، سواء كان في جميع الصدقات أو في البعض، وتقدم أن الإبداء في الصدقات الواجبة والإخفاء في غيرها(1)

ص: 163


1- م - ن : 357 - 359 ج 4.

حرمة الربا

اشارة

يقول تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَ مَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿275﴾ [البقرة: 275].

تدل الآيات الشريفة على الأحكام الفقهية التالية :

الأول: تدل الآيات الكريمة على حرمة الربا، وأنه من الكبائر التي أوعد الله تعالى عليها النار، ومن الموبقات التي تقضي على الفرد والنوع، ويدل على ذلك السنة الشريفة، وإجماع المسلمين، ودليل العقل أيضا، بل لا اختصاص لحرمة الربا بالشريعة المقدسة الإسلامية، فهو . محرم في جميع الشرائع الإلهية ، فهو من الأمور العامة النظامية المحرمة، ويدل على كونه محرما عند اليهود قوله تعالى : «وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ» [النساء: 161].

الثاني: الربا مما اجتمع فيه حق الله وحق الناس، فهو محرم من جهتين، وتشتد حرمته عند شدة حاجة المأخوذ منه ، فلا تنفع فيه التوبة فقط، بل لا بد من رد ما أخذه المرابي إلى المأخوذ منه، ويجري عليه جميع أحكام الغضب، من بطلان الصلاة فيه وحرمة التصرف فيه، وبطلان أداء الحقوق الواجبة أو المندوبة منه، ووجوب رده إلى صاحبه، وتدل على ذلك الأدلة الأربعة، كما فصلناها في کتاب الغصب من [مهذب الأحكام]، ومنها قول نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي».

ص: 164

الثالث : الربا إما قرضي أو معاملي :

والأول: دفع المال قرضا بشرط الزيادة على المقترض حين الأداء .

والثاني : بيع أحد المثلين بمثله مع الزيادة في أحدهما، إذا كان من المكيال أو الموزون، کبیع کیلو حنطة بكيلو وربع منها . ولكل واحد من القسمين أحكام خاصة مفضلة في كتب الفقه، ولا أثر لرضاء الطرفين في حلية الربا بعد نهي الشارع عنه وإلغاء هذا الرضا، كما في المعارضات المحرمة، فيكون وجوده کالعدم .

الرابع : ظاهر قوله تعالى : «فَلَهُ ما سَلَفَ» [البقرة : 275] سقوط الضمان بالنسبة إلى ما مضى إذا أتلفه، كما يظهر ذلك من السنة الشريفة أيضا، وأما شموله لعدم وجوب الرد فيما أخذه ولم يتصرف فيه فمشکل، فلا بد حينئذ من الرجوع إلى السنة.

الخامس: إطلاق قوله تعالى: «وَ ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَوا» [البقرة : 278]، يشمل كل زيادة ربوية، سواء كانت عينا أم منفعة أو انتفاعا أو حقا. ومنها رباء النسيئة، الذي كان متعارفا في الجاهلية، وهو أن يدفع المال لمقترضه إلى مدة على أن يأخذ كل شهر قدرا معينا، ثم عند حلول الدين وتعذر الأداء یزید المديون في الحق ويزيد الدائن على الأجل.

السادس : يدل قوله تعالى : «فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ» [البقرة : 275]، على رفع حكم الربا فيما إذا لم تبلغه الحجة الظاهرية، كما قد رفع حرمته في جملة من الموارد، منها ربا الأب مع ابنه، وربا السيد مع عبده، وربا الزوج مع زوجته، وقد فصل ذلك في الفقه .

السابع: بدل قوله تعالى: «وَ إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ» [البقرة : 280]، على وجوب رد الدين إلى صاحبه عند المطالبة، وحرمة الطلب عند ثبوت عسر المديون ويجب إنظاره، وتدل على ذلك جملة من الروايات، منها ما ورد عن أبي عبد الله الصادق علیه السلام في رسالته التي كتبها إلى أصحابه: «إياكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين، وأن تعسروه بشيء يكون لكم قبله، فإن

ص: 165

أبانا رسول الله صلی الله علیه و اله؛ كان يقول: ليس للمسلم أن يعسر مسلما، ومن أنظر مسلما أظله الله يوم القيامة بظله يوم لا ظل إلا ظله».

ولو استدان أحد ولم ينو أداء الدين، لا يجوز له التصرف في المال المقترض، لقول نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «من استدان ولم ينو الأداء، فهو كاللص السارق» هذا في عدم قصد الأداء، فضلا عن قصد عدم الأداء.

والظاهر من قوله تعالى: «فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» [البقرة: 280]، امتداد وقت الإنظار إلى حصول اليسار، وتدل عليه جملة من الأخبار، كما أن إطلاقه يشمل كل دين بلا اختصاص له بدين الربا ، فهو من القواعد الامتنانية في أبواب الديون والمعاملات.

الثامن : إطلاق قوله تعالى : «وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ» [البقرة : 280]، شموله الكل أنواع الصدقة حتى احتساب الدين من الزكاة أو الحقوق الأخرى الواجبة ، بل يشمل إبراءه كلا أو بعضا، ويستفاد منه أن الصدقة أفضل من الأنظار، وإن كان الأخير واجبا، ولا ضير في ذلك بعد استفادته من الأدلة.

التاسع: یدل قوله تعالى: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبوَا» [البقرة : 275]، على بطلان التمثيل الظاهري (القياس)، لأن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، التي لا يعلمهما إلا الله تعالی.

العاشر : أن إطلاق قوله تعالى: «فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ» [البقرة : 275]، يشمل التوبة بعد العلم بالحرمة، كما يشمل الجهل بالتحريم، وبعبارة أخرى يشمل الربا في الجاهلية قبل تشريع الحكم، والربا في الإسلام بعد التوبة.

الحادي عشر: يستفاد من قوله تعالى: «فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ» [البقرة: 279]، على توسعة الأمر في المعاملات الربوية في الجملة، فهو ظاهر في بطلان الزيادة في الرباء أما بطلان أصل المعاملة فلا يمكن استفادته من الآية الشريفة، بل ظاهرها الصحة، ويمكن استفادة ذلك من قوله تعالى : «يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا

ص: 166

اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبوا» [البقرة : 278]، الدال على صحة المعاملة ووجوب رد الفضل الذي أخذه زائدا على رأس ماله.

هذا إذا لم يقم دلیل معتبر على الخلاف، وقد فصلنا القول في باب الربا من کتابنا [مهذب الأحكام].

الثاني عشر : إطلاق قوله تعالى : «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوا» [البقرة: 275]، يشمل الربا القرضي والربا المعاملي، لفرض صدق الربا على كل منهما، ويدل عليه أيضا تفريق الآية بين الربا والبيع، وسياق قوله تعالى: «وَ إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ» [البقرة : 280] ظاهر في الربا القرضي.

حرمة الربا في السنة:

في الكافي : عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «درهم ربا عند الله أشد من سبعين زنية، كلها بذات محرم».

أقول: وفي بعض الروايات ثلاثين. والحصر ليس حقيقيا، بل إضافي، يختلف باختلاف مراتب اضطرار المديون وتشديدات أكل الربا .

والتشبيه إنما هو باعتبار تشدید نفس الحرمة، فإن حرمة الزنا تختلف باختلاف المزني بها ومكان الزنا وزمانه وسائر جهاته، لا أن يكون تنزيلا للربا منزلة الزنا كل حيثية وجهة، حتى يلزم إجراء الحد ونحو ذلك.

ولعل جهة أشدية الربا من الزنا أن فيه المفسدة الشخصية والنوعية ، بخلاف الزنا الذي فيه مفسدة شخصية.

نعم، لو انتشر الزنا في المجتمع كان فيه مفسدة نوعية أيضا.

وفي الفقيه : عن جعفر بن محمد عن آبائه علیهم السلام، عن النبي صلی الله علیه و اله في وصية لعلي علیه السلام قال: «يا علي»، الربا سبعون جزءا فأيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه في بيت الله الحرام، يا علي، درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية كللها بذات محرم في بيت الله الحرام».

ص: 167

أقول: تقدم ما يتعلق بذلك، والمراد من سبعين جزء، أن الربا مركب من سبعين معصية ومفسدة.

وفي الكافي : عن أبي جعفر علیه السلام: «أَخْبَثُ اَلْمَكَاسِبِ كَسْبُ اَلرِّبَا».

أقول: لأن فيه خبائة شخصية، ويوجب خباثة النوع باعتبار جريان ايدي المتبادلين على المال الذي وقع فيه الربا، ويرشد إلى ذلك ما ورد عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الرباء ومن لم يأكل الربا أصابه غباره».

وفي التهذيب : عن زيد بن علي عن آبائه عن علي علیه السلام قال : «لعن رسول الله صلی الله علیه و اله الرباء، وآكله وبائعه، ومشتريه، وكاتبه، وشاهديه».

أقول: ورد في رواية أخرى: «لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ خَمْسَةٌ»، ويمكن أن يكون الحصر إضافيا، نظير الخمر التي لعن رسول الله جملة فيها.

وفي الكافي : عن ابن بكير قال: «بلغ أبا عبد الله علیه السلام عن رجل أنه كان يأكل الربا - ويسميه اللبا - فقال : لئن أمكنني الله لأضربن عنقه»

أقول: يمكن أن يكون قتله لأجل استحلال للربا وجرأته على الله تعالی وهتکه لحرماته، وتدل عليه الرواية الآتية

وفي الفقيه والعيون: عن الرضا علیه السلام: «هي كبيرة بعد البيان، والاستخفاف بذلك دخول في الكفر»

أقول: المراد من قوله علیه السلام بعد البيان أي تمامية الحجة عليه، فلا ينحصر الأمر في خصوص الرباء بل تكون جميع المحرمات كذلك أيضا.

وفي کنز العمال عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «ما ظهر في قوم الربا والزناء إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله».

أقول؛ يشهد لذلك الدليل والبرهان والوجدان.

وعنه صلی الله علیه و اله: «الربا ثلاثة وسبعون بابا ، والشرك مثل ذلك».

وعن الصادق علیه اللام: الربا سبعون بابا ، أهونها عند الله كالذي ينكح أمه».

أقول: تقدم ما يتعلق بهما.

ص: 168

موضوع الربا:

في تفسير القمي: عن جعفر بن غیاث، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «الرباء رباءان: أحدهما ربا حلال، والآخر ربا حرام، فأما الحلال فهو أن يقرض الرجل قرضا طمعا أن يزيده ويعوضه بأكثر مما أخذه، بلا شرط بينهما، فإن أعطاه أكثر مما أخذه بلا شرط بينهما فهو مباح له، وليس له عند الله ثواب فيما أقرضه، وهو قوله عز و جل: «فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ» [الروم: 39]، وأما الربا الحرام فهو الرجل يقرض قرضا، ويشترط أن يرد أكثر مما أخذه، فهذا هو الحرام».

أقول: الروايات في ذلك كثيرة، والمستفاد من مجموعها أن شرط الزيادة محرم، ولكن نفس دفع الزيادة بلا شرط لا يكون محرما، بل يكون راجحا.

وفي التهذيب : عن الحبي، عن الصادق عليه السلام: «إذا أقرضت الدراهم ثم جاءك بخير، فلا بأس إن لم يكن بينكما شرط».

أقول: تقدم ما يتعلق بذلك.

وفي الكافي : عن الرجل كانت لي عليه مائة درهم عددا قضيناها مائة درهم وزنا ، قال علیه السلام: لا بأس ما لم يشترط. وقال: جاء الربا من قبل الشروط، إنما تفسده الشروط».

أقول: المراد من الشرط هو شرط الزيادة في العقد.

وفي الكافي - أيضا - : عن عبيد بن زرارة قال: «سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول: لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن».

أقول: هذه الرواية تبين الرباء المعاملي لا الرباء القرضي.

وفي التهذيب : عن عمر بن يزيد قال: «يا عمر، قد أحل الله البيع وحرم الرباء بع واربح ولا تربه، قلت: وما الربا؟ قال علیه السلام: درهم بدراهم مثلين بمثل، وحنطة بحنطة مثلین بمثل».

أقول: هذا أيضا في الربا المعاملي دون القرضي.

ص: 169

وفي التهذيب - أيضا - : عن الحلبي، عن أبي عبد الله علیه السلام: «ما كان من طعام مختلف، أو متاع، أو شيء من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يدا بيد، فأما نظرة فلا يصلح» .

أقول: المراد من قوله علیه السلام: «يدا بيد»، النقد وهذا في الرباء المعاملي، ولا يتحقق الربا فيه لفرض اختلاف العوضين، والمراد من النظرة النسيئة .

وفي الكافي : عن سماعة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «المختلف مثلان بمثل، يدا بيد لا بأس».

أقول: تقدم ما يدل على ذلك.

وفي التهذيب : عن منصور بن حازم، عن الصادق عليه السلام قال : «سألته عن البيضة بالبيضتين؟ قال علیه السلام: لا بأس به ، والثوب بالثوبين قال علیه السلام: «لا بأس به. والفرس بالفرسين فقال علیه السلام: لا بأس به . ثم قال : كل شيء يكال أو يوزن فلا یصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد، فإذا كان لا يكال ولا يوزن، فلا بأس به اثنين بواحد».

أقول: لفرض اعتبار اتحاد العوضين في الرباء المعاملي، فإذا اختلفا فلا رباء مع اعتبار کون العوضين من المكيل والموزون والبيض والثوب ليس منهما .

أثار الربا:

في الكافي: عن سماعة: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: «إني قد رأيت الله تعالى قد ذكر الربا في غير آية وكرره. قال علیه السلام: أو تدري لم ذاك؟ قلت: لا. قال عليه السلام: لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف».

أقول: إذا فرض اقتصار الناس على الزيادة الربوية فقط، تمحق جميع المعاملات وتذهب الخيرات والبركات ويختل النظام.

وفي الفقيه: عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام: «إنما حرم الله عز و جل الربا، لئلا يذهب المعروف».

ص: 170

أقول: تقدم ما يدل على ذلك .

وفي تفسير القمي في قوله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ» [البقرة: 275]، عن الصادق عليه السلام قال : «قال رسول الله صلی الله علیه و آله: لما أسري بي إلى السماء رأيت قوما يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر أن يقوم من عظم بطنه، فقلت: من هؤلاء یا جبرائیل؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون الربا، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وإذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا، يقولون: ربنا متى تقوم الساعة».

أقول: ما في الرواية حقيقة حال المرابي، كشفها الله تعالی لرسوله ليلة المعراج.

وفي التهذيب : عن زرارة، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «إني سمعت الله يقول: «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَ يُرْبِي الصَّدَقَتِ» [البقرة: 276]، وقد أرى من يأكل الربا يربو ماله؟! فقال علیه السلام: أي محق أمحق من درهم ربا يمحق الدين، وإن تاب منه ذهب ماله وافتقر».

أقول: هذا من الآثار الوضعية للربا، تظهر ولو بعد التوبة، ومثل ذلك في الماصي قليل جدا.

وفي العيون: عن الصادق علیه السلام: «وعلة تحريم الربا، لما نهی الله عز و جل عنه، ولما فيه من فساد الأموال، لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم در هما وثمن الآخر باطلا، فبيع الربا وشراؤه وكس على كل حال على المشتري وعلى البائع، فحرم الله عز وجل على العباد الربا لعله فساد الأموال، كما حظر على السفينة أن يدفع إليه ماله لما يتخوف عليه من إفساده حتى يؤنس منه رشد، فلهذه العلة حرم الله عز و جل الربا وبيع الدرهم بالدرهمين يدا بيد، وعلة تحريم الربا بعد البينة - لما فيه من الاستخفاف بالحرام المحرم، وهي كبيرة بعد البيان وتحريم الله عز و جل لها - ولم يكن إلا استخفافا منه بالمحرم الحرام، والاستخفاف بذلك دخول في الكفر، وعلة تحريم الربا بالبينة

ص: 171

لأنها تؤدي إلى ذهاب المعروف، وتلف الأموال، ورغبة الناس في الربح، وتركهم القرض، والقرض صنایع المعروف، ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال».

أقول: المراد من الوكس: النقص.

وفي عقاب الأعمال : عن النبي صلی الله علیه و آله: «من أكل الربا ملأ الله بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل، وإن اكتسب منه ما لا يقبل الله منه شيئا من عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ما كان عنده منه قيراط واحد».

أقول: القيراط أصله قراط، وهو نصف عشر الدينار، وقوله صلی الله علیه و اله بکلا جزئية مطابق للقاعدة العقلية، وهي ترتب المسبب على السبب.

وفي تفسير العياشي: عن الصادق علیه السلام: «آکِلُ الرِّبَا لَا یَخْرُجُ مِنَ الدُّنْیَا حَتَّی یَتَخَبَّطَهُ الشَّیْطَان».

أقول: تقدم ما يتعلق بذلك.

وفي المجمع: عن الصادق علیه السلام: «إنما شدد في تحريم الربا، لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف قرضا أو رفدا».

أقول: الرفد بمعنى الصلة والعطية، وقد مر سابقا ما يتعلق بهذه الرواية .

وفيه أيضا : عن علي علیه السلام: «إذا أراد الله تعالى بقرية هلاكا، ظهر فيهم الربا».

أقول: الهلاك أعم من الهلاك المعنوي والظاهري .

ما ورد في تفسير مفردات الآية:

في الدر المنثور: عن أنس قال: «قال رسول الله صلی الله علیه و آله: يأتي آكل الربا يوم القيامة مختبلا يجر شقيه، ثم قرأ: «لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ» [البقرة : 275].

ص: 172

أقول: ما ذكره صلی الله علیه و آله هو عادة نوع المصروعين في الدنيا .

وفي الكافي: عن أحدهما عليه السلام في قوله تعالى: «فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ» [البقرة : 275]، قال علیه السلام: «الموعظة التوبة».

أقول: هذا تفسیر بالمعنى الأخص.

وفي التهذيب : عن محمد بن مسلم قال : دخل رجل على أبي عبد الله علیه السلام من أهل خراسان قد عمل بالربا حتى كثر ماله، ثم أنه سأل الفقهاء فقالوا: ليس يقبل منك شيء حتى ترده إلى أصحابه ، فجاء إلى أبي جعفر عليه السلام فقص عليه قصته، فقال أبو جعفر علیه السلام: مخرجك من كتاب الله عز و جل: «فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ» [البقرة : 275]، قال علیه السلام: والموعظة النوبة» .

أقول: يستفاد من هذه الرواية العموم، كما ذكرنا ذلك في كتاب البيع -فصل الربا - من [مهذب الأحكام].

وفي الكافي : عن الصادق علیه السلام: «كلج ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة، وقال علیه السلام: لو أن رجلا ورث من أبيه مالا وقد عرف أن في ذلك المال ربا، ولكن قد اختلط في التجارة بغيره حلال، كان حلالا طيبا فليأكله وإن عرف منه شيئا أنه ربا، فيأخذ رأس ماله وليرد الزيادة».

أقول؛ هذه الرواية ظاهرة في اختصاص الحرمة بخصوص الزيادة، فلا شمول لها لجميع المال.

وفي التهذيب : عن الصادق علیه السلام : «سئل عن الرجل يأكل الربا وهو يرى أنه حلال؟ فقال علیه السلام: لا يضره حتى يصيبه متعمدا، فإذا أصابه متعمدا فهو بمنزلة الذي قال الله عز و جل: «لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ» [البقرة: 275]» .

أقول: ظاهرها اختصاص الحكم بصورة العلم، لا صورة الجهل به.

ص: 173

وفي تفسير العياشي: عن الباقر عليه السلام قال الله تعالى: «أنا خالق كل شيء، وكلت بالأشياء غيري إلا الصدقة، فإني أقبضها بيدي، حتى أن الرجل والمرأة يتصدق بشق التمرة فاربيها كما يربي الرجل منکم فصيله وفلوه، حتى أتركه يوم القيامة أعظم من أحد».

أقول: تقدم ما يتعلق بذلك.

وفي تفسير العياشي: عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام: «عن الرجل يكون عيه الدين إلى أجل مسمى، فيأتيه غريمه فيقول: أنقذني، فقال : لا أرى به بأسا، لأنه لم يزد على رأس ماله، وقال الله تعالى : «فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَ لَا تُظْلَمُونَ» [البقرة : 279]».

أقول: لم يتحقق في الفرض موضوع الربا، لأنه مشروط بالزيادة، وهو منتف.

وفي تفسير القمي: «لما أنزل الله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبوَا» [البقرة: 275] - الآية -، فقام خالد بن الوليد إلى رسول الله صلی الله علیه و اله قال : يا رسول الله ، ربا أبي في ثقيف وقد أوصاني بأخذه عند موته، فأنزل الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَوا» [البقرة: 278]».

أقول: حيث إن المال انتقل إلى الورثة فهم مأمورون بعدم أخذ الزيادة وردها إلى صاحبها الذي كان معلوما، وإن الوصية بالمحرم غير نافذة .

وفي الدر المنثور: عن ابن عباس في قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَوا»، نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، وكان بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله تعالی رسوله على مكة، وضع يومئذ الربا كله، فأتی بنو عمرو بن عمير، وبنو المغيرة إلى عتاب بن . أسيد وهو على مكة، فقال بنو المغيرة : ما جعلنا أشقى الناس بالربا؟ وضع عن الناس غيرنا. فقال بنو عمرو بن عمير : صولحنا على أن لنا ربانا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله صلی الله علیه و آله فنزلت الآية».

أقول: يمكن تعدد الواقعة بين خالد وبين من ذكر في هذه الرواية .

ص: 174

وفي المجمع: قريب منه وزاد: «فقال النبي صلی الله علیه و آله: ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، وكل دم في الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان مرضعا في بني ليث فقتله هذيل».

وفي الدر المنثور: أخرج أبو داود، والترمذي في صحيحه، والنسائي ، وابن أي حاتم، والبيهقي في سننه عن عمرو بن الأحوص: «أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلی الله علیه و اله فقال : ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون».

وفي الكافي: عن الصادق علیه السلام قال: «صعد رسول الله صلی الله علیه و آله المنبر ذات يوم فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على أنبيائه ثم قال: أيها الناس ليبلغ الشاهد منكم الغائب، ألا ومن أنظر معسرا كان له على الله في كل يوم صدقة بمثل ماله حتى يستوفيه، ثم قال أبو عبد الله علیه السلام: «وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» [البقرة : 280]، إنه معسر فتصدقوا عليه بما لكم فهو خير لكم».

أقول: لا بأس بأن يكون الإنظار صدقه وإن كان واجبا، كما أن دفع المال يكون صدقة وإن كان واجبا كالزكاة.

وفي تفسير العياشي: عن الرضا عليه السلام في قوله تعالى: «فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ» [البقرة : 280]، أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها الله عز و جل، لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر لا بد من أن ينظر، وقد أخذ مال هذا الرجل وأنفق على عياله، وليس له غلة ينتظر إدراكها، ولا دين ينتظر محله، ولا مال غائب ينتظر قدومه؟ قال علیه السلام: ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام، فيقضي عنه ما عليه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة الله ، فإن كان أنفقه في معصية الله فلا شيء له على الإمام، قلت: فما لهذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيم أنفقه، في طاعة الله أو في معصيته؟ : يسعى له في ماله فيرده، وهو صاغر».

أقول: يحمل قوله علیه السلام: «وَ هُوَ لاَ یَعْلَمُ فِیمَ أَنْفَقَهُ» على ما قیل ظهور بذل

ص: 175

المال في الحرام، فحينئذ يجب عليه السعي بعد الظهور وهو صاغر، فالأقسام أربعة :

الأول: العلم بصرف المال في الطاعة، فعلى الإمام أن يؤدي دینه .

الثاني : الشك - في الصرف في الحرام - مستمرا، ويحمل فعل المديون على الصحة، فعلى الإمام أيضا أن يؤدي دينه .

الثالث : العلم بالصرف في المعصية، لا بد له أن يسعى ويؤدي دینه بنفسه .

الرابع : عدم العلم بذلك حين دفع المال إلى المديون، وبعد مدة علم أنه صرف المال في الحرام، فحينئذ يسعى وهو صاغر ويستفاد جميع هذه الأقسام من الروايات المتقدمة.

وفي المجمع: في قوله تعالى: «وَ إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ» [البقرة : 280]، «اختلف في حد الإعسار، فروي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : هو إذا لم يقدر على ما يفضل من قوته وقوت عياله على الاقتصاد».

أقول: حد الإعسار أمر إضافي، يختلف باختلاف المديونين وعیالاتهم، والأزمنة والأمكنة ومقدار قدرتهم على تحصيل المال، فلا بد من الرجوع إلى الحاكم الشرعي، وهو يرجع إلى أهل الخبرة.

وفي الدر المنثور: عن ابن عباس، والسدي، وعطية العوفي، وأبي صالح، وسعيد بن جبير : «أن آخر آية نزلت من القرآن قوله تعالى: «وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ» [البقرة: 281].

أقول: إن ذلك يناسب مع كثرة اهتمام القرآن بالتقوى، حدوثا وبقاء، بدوا وختما(1)

ص: 176


1- م - ن : 387 - 399 ج 4.

إنقسام البخل بحسب الأحكام التكليفية الخمسة

بحث فقهي:

الآية الشريفة : «وَ لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» [آل عمران : 180] - الآية - تدل على حرمة البخل وقبح جمع المال وإدخاره، ولكن المستفاد من مجموع الأدلة الواردة في الكتاب والسنة أن جمع المال وادخاره ينقسم حسب الأحكام الخمسة التكليفية :

الأول : ما إذا كان واجبا، وهو ما إذا جمعه الإنسان لأن يصرفه في النفقات الواجبة - خالقة كانت أو خلقية - وهي كثيرة، كالإنفاق على الأولاد أو إعطاء الدين، وغيرهما مما ذكر في الكتب الفقهية .

الثاني: ما إذا كان مندوبا، وهو الجمع للصرف في الخيرات والمبرات الراجحة شرعا.

الثالث : ما إذا كان مكروها، وهو الجمع والادخار للإنفاق في الأغراض المرجوحة شرعا غير البالغة حد الحرمة، كجملة من الإنفاقات التي تنفق لأجل التفاخر بين الناس والمراءاة معهم .

الرابع : ما إذا كان محترما، وهو الجمع للصرف في الأغراض المحرمة شرعا.

الخامس: ما إذا كان مباحا، وهو ما إذا لم يترتب عليه أية جهة راجحة أو مرجوحة، لو لم نقل بأن جمع المال من حيث هو مرجوح شرعا كما يستفاد من

ص: 177

جملة من الأخبار، كقول رسول الله صلی الله علیه و آله: «الدُّنْيَا جِيفَةٌ وَ طَلابُهَا كِلَاب»، وقول مولانا الصادق عليه السلام: «والله ما تناولت من دنياكم إلا ما اضطررت إليها»، إلى غير ذلك مما روي عن المعصومین (صلوات الله عليهم أجمعين)(1)

ص: 178


1- م - ن : 118 - 119 ج 7.

الأسرة في الفقه الإسلامي

اشارة

يقول تعالى: «وَ ءآتُوا الْيَتَمَى أَمْوَالَهُمْ وَ لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿2﴾ وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَ ثُلَاثَ وَ رُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴿3﴾ وَ آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴿4﴾ وَ لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴿5﴾ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَ بِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَ مَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَ كَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴿6﴾ [النساء: 2-6) .

بحث دلالي:

يستفاد من الآيات الشريفة أمور:

الأول: أن التعبير ب (آتوا) في قوله تعالى : «وَءآتُوا الْيَتَمَى» يدل على عناية خاصة منه تعالى للأيتام لم تكن في التعبير بغيره، مثل اعطوا أو ارجعوا ، لأن الأيتاء هو إعطاء خاص لا مطلق الاعطاء.

الثاني: إنما عبر جل شأنه بالخبيث دون غيره حتى يشمل الفاسد والمحرم وغيرهما، فإنه كما تقدم عام يشملهما ويشمل الردي والفاسد وما سواهما، وكذا الطيب يشمل المباح والواجب والمندوب .

ص: 179

الثالث: أن الاختلاف في التعبير بقوله تعالى: «أَلَّا تُقْسِطُوا»، وقوله تعالى: «أَلَّا تَعْدِلُوا»، لأن الأول وقع موقع الخوف من عدم الإقساط الذي هو بمعنى العدل، أي: خفتم أن تجوروا وتميلوا في النفقة عن الحق فواحدة منهن .

الرابع: يستفاد من الآية الشريفة : «مَثْنَىٰ وَ َثُلَثَ وَ رُبَعَ» الجمع في الحكم، أي : يجوز للرجل التزويج بتسع نساء طولا، لأن الواو وإن بقيت على حالها لكنها لا يستلزم الجمع بين تسع نسوة عرضا، لأن الجمع في الحكم لا يستلزم الجمع في الزمان الواحد، وذلك بقرينة ما ورد في الكتاب والسنة من عدم جواز الجمع بأكثر من أربع منهن.

الخامس: يدل قوله تعالى : «مَثْنَىٰ وَ َثُلَثَ وَ رُبَعَ» على مشروعية تعدد الزوجات، والتخيير بين التزویج بواحدة منهم أو اثنتين أو ثلاث أو أربع. وهذه الآية من الآيات المعدودة التي تقرر مبدأ تعدد الزوجات إلى أربع وتبيح ذلك، ولكن الإباحة مقيدة بقيود تحددها إلى الحد المطلوب، والذي تستقيم به الحياة ، كما تدل عليه الآية الشريفة، وسيأتي الكلام في هذا المجال في البحث الآتي

وإنما عدل سبحانه وتعالى عن الاثنين والثلاث والأربع إلى مثنى وثلاث ورباع، لأن الخطاب للجميع، فالمعنى أن كل من يريد الجمع من المخاطبين اثنتين اثنتين فقط أو ثلاث ثلاث أو أربع أربع ولو أفردت، لما أفاد هذا المعنى .

ومن ذلك يعلم الوجه في اتیان حرف العطف ب (و) دون (أو)، فإنه يدل على جواز الجمع بين أنواع القسمة التي دلت عليه الواو، أي: إن شاء الجميع أن يتفقوا في أي عدد من تلك الأعداد أو يختلفوا في تلك الأعداد .

وذهب بعض إلى أن الآية الكريمة تدل على جواز الجمع بين تسع نسوة، التي هي مجموع اثنتين وثلاث وأربع، لمكان الواو .

ولكنه مردود بما ذكرناه .

السادس: إنما خص النهي عن أكل مال اليتامى مع أموال الأولياء أو الأوصياء أو غيرهما، ولم ينه عن الأكل وحده، مع أن ذلك حرام أيضا، لأن أكل مال اليتيم كذلك أقبح، لأن فيه الاستغناء، حيث لغير اليتيم مال وهو

ص: 180

مستغن به، ولذلك خصه بالنهي. وإن الأكل كذلك فيه نحو خفاء وتستر، بخلاف الأكل وحده ، كما أنه جاء النهي على ما وقع منهم.

السابع : يدل قوله تعالی : «وَ آتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً»، على أن النكاح ليس من المعارضة الحقيقية، فالصداق نحو نحلة وهدية من الزوج إلى المرأة.

كما أن التعبير ب (طبن) يدل على اعتبار أن يكون اعطاؤهن الصداق للزوج عن جزم وعزم نفساني غير قابل للتبدل، لا مجرد الإذن الظاهري، فذلك لا يتحقق إلا بهذا التعبير : طبن.

الثامن : يدل قوله تعالى : «فَإِنْ ءآنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» [النساء: 6] على كثرة المعاشرة مع اليتامی ومعاشرة اليتامى معهم، بحيث صار ذلك مغروسا في النفس وحصل الاطمينان الكامل بالرشد، كما في قوله تعالى حكاية عن موسی بن عمران علیه السلام : «و إِنِّي ءآنَسْتُ ناراً» [طه: 10].

التاسع: بدل قوله تعالى: «و قُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» [النساء: 5] على اختلاف كيفية المقاولة معهم بحسب الأزمنة والأمكنة والحالات، كما في قوله تعالی : «وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» [النساء: 19]، فإن ذلك يختلف اختلافا كثيرا، وكذا في قوله تعالى : «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» [النساء: 6].

العاشر : يدل قوله تعالى : «وَ کَفى بِاللَّهِ حَسِیباً» [النساء: 6]، على التهويل وأهمية ما تقدم من الأحكام والأصول النظامية، على نحو أن الحي القيوم المحيط بجميع العوالم بكلياتها وجزئياتها هو يتكفل الحساب، ويحاسبكم على أعمالكم وما صدر منكم.

ص: 181

الروايات المتعلقة بالموضوع

بحث روائي:

في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: «وَ آتُوا الْيَتَمَى أَمْوَلَهُمْ وَ لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ» [النساء: 2]، يعني: «لا تأكلوا مال اليتيم ظلما، فتسرقوا وتبدلوا الخبيث بالطيب، والطيب ما قال الله : «وَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» [النساء: 6] «وَ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ» [النساء: 2] يعني مال اليتيم، لأنه كان حوبا كبيرا، أي: اثما عظيما».

أقول: هذه الروايات من باب بيان أهم المصادیق للآية الشريفة، وكذا في تبديل الخبيث بالطيب.

وفي نهج البيان للشيباني في قوله تعالى: «وَ لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ» [النساء : 2] قال ابن عباس: «لا تتبدلوا الحلال من أموالكم بالحرام من أموالهم، لأجل الجودة والزيادة فيه، قال : وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله علیه السلام»

أقول: ما ورد في الرواية من باب ذكر أحد المصادیق وأهمها وانطباق الكلي عليه، وإلا فالآية الشريفة عامة لها مصادیق أخرى يأتي في البحث العرفاني وتقدم في التفسير أيضا.

وفي مجمع البيان: قال : «روى أنه نزلت هذه الآية : «وَ ءآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَ لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ» [النساء: 2]، فأنزل الله سبحانه : «وَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ۖ وَ إِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ» [البقرة : 220]، قال : وهو المروي عن السيدين الباقر والصادق علیهاالسلام».

أقول: هذه الرواية وأمثالها إرشاد إلى لزوم الجادة الوسطى في كل الأمور، وعدم الإفراط والتفريط.

وفي تفسير العياشي: عن سماعة، عن الصادق عليه السلام قال: «سألته عن رجل أكل مال اليتيم هل له توبة؟ فقال : يؤدي إلى أهله، لأن الله يقول: إن الذين

ص: 182

يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا، وقال : إنه كان حوبا كبيرا».

أقول: هذه الرواية موافقة للقاعدة لأن التوبة لا تتحقق إلا بعد أداء حق الناس إليهم.

وفي الفقيه : بإسناده عن أبي بصير قال: «قلت لأبي جعفر علیه السلام: ما أيسر ما يدخل العبد النار؟ قال: من أكل مال اليتيم درهما، ونحن اليتيم».

أقول: هذه الرواية من باب بيان أهم المصادیق.

وفي أسباب النول للواحدي : في قوله تعالى : «وَءآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ» [النساء: 2] الآية نزلت في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبي صلی الله علیه و اله، فنزلت الآية، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله، فقال النبي صلی الله علیه و اله، من يوق شح نفسه ويطع ربه فإنه يحل داره، یعني جنته ، فلما قبض الفتي ماله أنفقه في سبيل الله ، فقال النبي صلی الله علیه و اله: ثبت الأجر وبقي الوزر، فقالوا: يا رسول الله، قد عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال صلی الله علیه و اله: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده».

أقول: لا ريب في أن ذلك من باب بيان بعض المصادیق فيجري الحكم في الجميع مطلقا، وذيل الرواية موافق لقوله تعالى : «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» [النجم: 39]، فكان والده حمل أوزارا في جمع المال.

وفي تفسير العياشي: عن سماعة بن مهران، عن الصادق علیه السلام: «أنه كان حوبا كبيرا»، قال: «و هُوَ مِمَّا يُخْرِجُ اَلْأَرْضُ مِنْ أَثْقَالِهَا».

أقول: هذه الرواية تدل على عظمة هذا الإثم.

وفي حديث الدعاء: «تقبل توبتي واغسل حوبتي»، أي: اثمي، وفيه أيضا : «اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا»، أي : اثمنا.

وفي تفسير علي بن إبراهيم: قال: «نزلت مع قوله تعالى: «وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي

ص: 183

النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَمَى النِّسَاءِ التِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ» [النساء: 127]، «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَ ثُلَثَ وَرُبَعَ»، [النساء: 3] فنصف الآية في أول السورة ونصفها على رأس المائة وعشرين آية، وذلك أنهم كانوا لا يستحلون أن يتزوجوا بيتيمة قد رأوها، فسألوا رسول الله صلی الله علیه و آله عن ذلك فأنزل الله تعالى: «وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ» إلى قوله : «مَثْنَىٰ وَ ثُلَاثَ وَ رُبَعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ ۚ»

وقوله تعالى: «ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا» [النساء: 3] أي : لا تتزوجوا ما لا تقدرون أن تعولوا».

أقول: يمكن أن يكون التفكيك في كيفية سماع الناس من رسول الله صلی الله علیه و اله مرتين، لا في أصل نزول الوحي.

وفي أسباب النزول للواحدي: «أنزلت هذه الآية : «وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا» [النساء: 3] في الرجل يكون له اليتيمة وهو وليها، ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها، فلا ينكحها حبا لمالها ويضر بها ويسيء صحبتها، فقال الله تعالى: «وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ» [النساء: 3]، ما أحللت لك، ودع هذه» .

أقول: وقريب منه ما رواه مسلم في صحيحه، وإن ذلك من باب ذكر أهم المصادیق.

وفي الكافي: بإسناده عن نوح بن شعيب، قال : «سأل ابن أبي العوجاء هشام بن الحكم فقال : أو ليس الله حکيما؟ قال: بلى هو أحكم الحاکمین، قال: فأخبرني عن قوله عز و جل «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَ ثُلَاثَ وَ رُبَعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً» أليس هذا فرض؟ قال: بلى، قال: فأخبرني عن قوله عز و جل: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ»أي حکيم يتكلم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب، فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد الله علیه السلام فقال: يا هشام في غير وقت حج ولا عمرة؟ قال: نعم جعلت فداك لأمر اهمنء، أن ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها

ص: 184

شيء، قال : وما هي؟ قال: فأخبره بالقصة، فقال له أبو عبد الله علیه السلام: أما قوله عز و جل: «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَ ثُلاثَ وَ رُبَعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَحِدَةً» يعني بالنفقة، وأما قوله تعالى: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ» [النساء: 129] يعني في المودة، قال : فلما قدم عليه هشام بهذا الجواب وأخبره، قال : والله ما هذا من عندك».

أقول: يمكن رفع التهافت ورد قول ابن أبي العوجاء بالاختلاف الجهتي المعقول، وما قاله علیه السلام من إحدى تلك الجهات.

وفي تفسير علي بن إبراهيم: «سأل رجل من الزنادقة أبا جعفر الأحول فقال: أخبرني عن قول الله عز و جل: «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَ ثُلَاثَ وَ رُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً» [النساء: 3]، وقال في آخر السورة: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ» [النساء: 129] فبين القولين فرق، فقال أبو جعفر الأحول: فلم يكن عندي في ذلك جواب، فقدمت المدينة فدخلت على أبي عبد الله علیه السلام وسألته عن الآيتين، فقال : أما قوله : «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَحِدَةً» فإنما عني به النفقة، وقوله: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ»، فإنما عنى به في المودة، فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين المرأتين في المودة، فرجع أبو جعفر الأحول إلى الرجل فأخبره، فقال هذا حملته الإبل من الحجاز».

أقول: ما قاله علیه السلام رفع معقول للتاني كما تقدم في الرواية السابقة .

وفي الكافي: بإسناده عن محمد بن مسلم، عن الصادق علیه السلام: «إذا جمع الرجل أربعا فطلق إحداهن، فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلق، وقال لا يجمع ماء في خمس».

وفي تفسير العياشي: بإسناده عن منصور بن حازم، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «لَا یَحِلُ لِمَاءِ الرَّجُلِ أَنْ یَجْرِیَ فِی أَکْثَرَ مِنْ أَرْبَعَهًِْ أَرْحَامٍ مِنَ الْحَرَائِرِ»

أقول: هذا بناء على ما هو المتسالم بين المسلمين من أن المطلقة الرجعية

ص: 185

زوجة، فلا بد من حمل الطلاق فيها على الطلاق الرجعي دون البائن ومن لا عدة له.

وعن ابن بابویه : بإسناده عن محمد بن سنان : أن أبا الحسن الرضا علیه السلام: «كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: علة تزويج الرجل أربع نسوة وتحريم أن تزوج المرأة أكثر من واحد، لأن الرجل إذا تزوج أربع نسوة كان الولد منسوبا إليه، ولمرأة لو كان لها زوجان أو أكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن هو، إذ هم مشتركون في نكاحها، وفي ذلك فساد الأنساب والمواريث والمعارف».

أقول: هذه الرواية محمولة على ما إذا كان الزوجين في زمان واحد عرضا لا طولا، بأن تزوجت برجل ثم فارقته واعتدت منه فتزوجت بآخر وهكذا.

وعن ابن بابویه بإسناده عن محمد بن الفضيل، عن سعد الجلاب، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «إن الله عز و جل لم يجعل الغيرة للنساء وإنما تغار المنكرات منهن فأما المؤمنات فلا، إنما جعل الله عز و جل الغيرة للرجال، لأنه قد أحل الله عز و جل له أربعا وما ملكت يمينه، ولم يجعف للمرأة إلا زوجها وحده وإن بغت معه غيره كانت عند الله زانية».

أقول: يشهد لذلك روايات أخرى تدل على ما ورد فيها .

وعن العياشي: بإسناده عن الصادق عليه السلام قال: «في كل شيء إسراف إلا في النساء، قال الله تعالى: «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَ ثُلَثَ وَ رُبَعَ» [النساء: 3] وقال: وأحل الله ما ملكت أيمانكم».

أقول: المراد من عدم الإسراف في النساء جواز التعدد إلى الأربع في العقد الدائم، وإلى ما لا حد له من ملك اليمين والانقطاع، كما فصلناه في كتابنا (مهذب الأحكام).

وفي الكافي : بإسناده عن سعيد بن يسار، قال: «قلت لأبي عبد الله علیه السلام جعلت فداك ، المرأة دفعت إلى زوجها مالا من مالها ليعمل به، وقالت حين دفعت إليه : انفق منه فإن حدث بك حدث فما أنفقت منه كان حلالا طيبا ، فإن حدث بي حدث فما انفقت منه فهو حلال طيب، فقال: أعد علي يا سعید

ص: 186

المسألة، فلما ذهبت أن أعبدها عليه عرض فيها صاحبها وكان معي حاضرا فأعاد عليه مثل ذلك، فلما فرغ أشار بإصبعه إلى صاحب المسالة فقال: يا هذا إن كنت تعلم أنها قد أفضت بذلك إليك فيما بينك وبين الله فحلال طيب ثلاث مرات، ثم قال: يقول الله عز و جل: «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا» [النساء: 4].

أقول: يستفاد من الرواية أن ما أعطته المرأة أعم من أن يكون من صداقها أو من غيره .

وفي الكافي : عن عدة من أصحابنا، بإسناده عن زرارة، عن الصادق عليه السلام قال: «لا يرجع الرجل فيما يهب لامرأته، ولا المرأة فيما تهب لزوجها أجيزت أو لم تجز، أليس الله تبارك وتعالى يقول: «أَن تَأْخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شيْئاً» [البقرة : 229]، وقال: «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا» [النساء: 4]، وهذا يدخل في الصداق والهبة».

أقول: يستفاد من هذه الرواية أن الهبة غير المعرضة في الزوج والزوجة لازمة، كما ذكرنا في الفقه، وأن الصداق داخل في الهبة من باب الدخول الحكمي لا الموضوعي .

وفي تفسير العياشي: عن زرارة قال: «لا ترجع المرأة فيما تهب لزوجها حيزت أو لم تحز أليس الله يقول: «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا»

أقول: يستفاد ذلك من روايات كثيرة تقدم بعضها، وقد ذكرنا أن الهبة بين الزوج والزوجة لازمة.

وفي تفسير العياشي - أيضا - بإسناده عن سماعة بن مهران، عن الصادق عليه السلام قال: «سألته عن قول الله تعالى : «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا» ، يعني بذلك أموالهن في أيديهن مما ملكن».

أقول: الرواية تشمل الصداق وغيره مما ملكن.

ص: 187

وفي تفسير العياشي: عن عبد الله بن القداح، عن الصادق، عن أبيه عليه السلام قال: «جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين بي وجع في بطني، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : ألك زوجة؟ قال: نعم، قال: استوهب منها شيئا طيبة به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلا ثم اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه، فإني سمعت الله يقول في كتابه : «وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً» [ق: 9]، وقال: «يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ» [النحل: 69]، وقال : «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا» [النساء: 4]، شفيت إن شاء الله تعالى، ففعل ذلك فشفي».

أقول: اقتباس حسن لطيف من الآيات المباركة، ولعل الشفاء من الآثار الوضعية لما قرره في تلك الآيات الشريفة، وقريب منها غيرها.

وفي تفسير علي بن إبراهيم: «عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: «وَ لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ» [النساء: 5]، فالسفهاء النساء والولد، إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وولده سفيه مفسد لم ينبغ له أن يسلط واحدا منهما على ماله الذي جعل الله له قياما، يقول: «وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا» [النساء: 5] : المعروف العدة».

أقول: المراد بالعدة الوعد بالإحسان، وتوصيف السفيه بالمفسد بيان لبعض مراتب السفاهة.

وفي تفسيره – أيضا – بإسناده عن أبي نصير، عن الصادق عليه السلام قال: «قال رسول الله صلی الله علیه و اله: شارب الخمر لا تصدقوه إذا حدث، ولا تزوجوه إذا خطب، ولا تعودوه إذا مرض، ولا تحضروه إذا مات، ولا تأتمنوه على أمانة؛ فمت ائتمنه على أمانة فأهلكها فليس على الله أن يخلف عليها ولا أن يؤجره عليها، لأن الله يقول: «وَ لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ»، وأي: سفيه أسفه من شارب الخمر؟!»

أقول: قد ورد في كثير من الأخبار تفسير السفيه بشارب الخمر، وهو صحيح من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم، فإن شرب الخمر ملازم لزوال العقل

ص: 188

و عدم إصلاح المال، خصوصا إذا غلب عليه ذلك وصار مدمنا، ويمكن الحمل على السفه الواقعي، لا ما هو موضوع حكم السفه شرعأ .

وعلى هذا، كل من ارتكب المعاصي سفيه من هذه الجهة، ولا اختصاص بشرب الخمر، لأن العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان، وكل ما كان خلافه فهو سفه .

وفي تفسير علي بن إبراهيم: عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب الله، ثم قال في بعض حديثه : إن رسول الله صلی الله علیه و اله نهي عن القيل والقال وفساد المال وكثرة السؤال، فقيل له: يا بن رسول الله، أين هذا من كتاب الله؟ قال: إن الله عز و جل يقول: «لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ» [النساء: 114]، وقال : «وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً» «النساء: 5]، وقال: «لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» [المائدة: 101).

أقول: الروايات في ذلك كثيرة، وما ذكره علیه السلام استفادة حسنة من الآيات الشريفة.

وفي تفسير العياشي: عن يونس بن يعقوب قال : «سألت أبا عبد الله علیه السلام في قول الله : «وَ لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ»، قال: من لا تثق به».

أقول: المراد من عدم الوثوق عدم تدبيره لأجل خفة في عقله، كما مر في التفسير .

وعن علي بن إبراهيم في تفسيره: عن علي بن أبي حمزة، عن الصادق علیه السلام قال : «سألته عن قول الله «وَ لَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَلَكُمُ» ، قال : هم اليتامى، لا تعطوهم حتى تعرفوا منهم الرشد، فقلت: فكيف يكون أموالهم أموالنا؟ قال: إذا كنت أنت الوارث لهم».

أقول: مفاد الرواية التنزيل بإضافة المال إلى كل من الورث والمورث.

وعن علي بن إبراهيم: «قال أمير المؤمنین علیه السلام: من كان في بده مال

ص: 189

بعض اليتامى فلا يجوز له أن يعطيه حتى يبلغ النكاح ويحتلم، فإذا احتلم وجب عليه الحدود وإقامة الفرائض، ولا يكون مضيعا ولا شارب خمر، ولا زانيا، فإذا أنس منه الرشد دفع إليه المال وأشهد عليه ، وإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ فإنه يمتحن بريح أبطه ونبت عانته، فإذا كان ذلك فقد بلغ، فيدفع إليه ماله إذا کان رشيدا، ولا يجوز أن يحبس عنه ماله ويعتل عليه بأنه لم يكبر بعد».

أقول: يظهر من هذه الرواية أن اتبان كل كبيرة سفه وهو كذلك، وإن لم يعمل مشهور الفقهاء بذلك، وما ورد من الاختبار بريح الأبط مهجور لدى الأصحاب ولم يعمل به أحد.

وفي أسباب النزول للواحدي : في قوله تعالى: «وَ ابْتَلُوا الْيَتمى» [النساء: 6] الآية نزلت في ثابت بن رفاعة، وفي عمه، وذلك: «أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابتا، وهو صغير فأتى عم ثابت إلى النبي صلی الله علیه و اله فقال له: إن ابن أخي يتثيم في حجري، فمتى يحل لي من ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية».

أقول: الرواية من باب ذكر المصداق، وإلا فالآية الشريفة عامة إلى يوم القيامة.

وفي الفقيه : بإسناده عن الصادق عليه السلام: «أنه سئل عن قول الله عز و جل : «فَإِنْ ءآنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» [النساء: 6]، قال : ايناس الرشد حفظ المال».

أقول: قريب منها ما عن العياشي في تفسيره، ومثل هذه الروايات تبين أظهر مصادیق الرشد وآثاره.

وفي الفقيه – أيضا – بإسناده عن الصادق علیه السلام في تفسير قوله تعالى : «فَإِنْ ءآنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» قال: «إذا رأيتموهم يحبون آل محمد فأرفعوهم درجة».

وقال ابن بابویه «إن الحديث غير مخالف لما تقدم، وذلك أنه إذا أونس منه الرشد وهو حفظ المال دفع إليه ماله، وكذلك إذا أونس منه الرشد في قول الحق أخير به، وقد تنزل الآية في شيء وتجري في غيره»

ص: 190

أقول: قريب منها ما عن العياشي في تفسيره، ويظهر من مثل هذه الرواية أن ترك كل كبيرة مأخوذ في معنى الرشد، وأن رفع الدرجة أخص من دفع المال لهم.

وفي الفقيه - أيضا - بإسناده عن منصور بن حازم، عن هشام، عن الصادق عليه السلام قال : انقطاع يتم اليتيم الاحتلام وهو أشده، وإن احتلم ولم يؤنس منه رشد وكان سفيها أو ضعيفا، فليمسك عنه وليه ماله».

أقول: المراد من الضعف ضعف التدبير في أموره، وإن لم يبلغ مرتبة السفه.

وعن ابن بابویه، بإسناده عن صفوان، عن عیص بن القاسم، عن الصادق عليه السلام قال: «سألته عن اليتيمة متي يدفع إليها؟ قال: إذا علمت أنها لا تفسد ولا تضيع، فسالته إن كانت قد تزوجت؟ فقال: إذا تزوجت فقد انقطع ملك الوصي عنها.

أقول: المراد من التزويج الكناية عن بلوغها تسع سنين .

وفي الكافي : بإسناده عن عثان بن عيسى، عن الصادق علیه السلام في قول الله عز و جل: «وَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» [النساء: 6]، قال: «من كان يلي شيئا الليتامى وهو محتاج ليس له ما يقيمه يتقاضى أموالهم ويقوم في ضيعتهم، فليأكل بقدر الحاجة ولا يسرف، فإن كانت ضيعتهم لا تشغله عما يعالج لنفسه فلا يزرأ من أموالهم شيئا».

أقول: إن العامل في مال اليتيم - وليا كان أو غيره - من يستحق أجرة مثل عمله إن لم يقصد الإباحة المطلقة، هذا بحسب القواعد الشرعية، وما ورد من الأخبار الدالة على غير ما ذكرنا - كما تقدم - فهي محمولة على الفضل والفضيلة.

وفي الكافي أيضا بإسناده عن عبد الله بن سنان، عن الصادق علیه السلام في قول الله عز و جل: «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ»، قال: «المعروف هو القوت، وإنما عنى الوصي أو القيم في أموالهم وما يصلحهم».

ص: 191

أقول: قريب منه ما عن الشيخ في التهذيب والمراد من القوت هو القوت الغال، فتنطبق الرواية على أجرة المثل غالبا .

وفي التهذيب : بإسناده إلى أبي الصباح الكناني، عن الصادق علیه السلام في قول الله عز و جل: «وَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ»، قال: «فذاك رجل يحبس نفسه عن المعيشة، فلا بأس أن يأكل بالمعروف إذا كان يصلح، فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا».

أقول: هذه الرواية وأمثالها محمولة على مراتب الفضل.

وفي تفسير العياشي: عن عبد الله بن أسباط، عن الصادق علیه السلام قال : «سمعته يقول: إن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم منی ينقضي يتمه؟ فكتب إليه : أما اليتيم فانقطاع يتمه هو الاحتلام، إلا أن يؤنس منه رشدا بعد ذلك فيكون سفيها أو ضعيفا فليشد عليه».

أقول: معنى ذيل الرواية، أي: لا يعطي ماله إليه.

وفي تفسير العياشي: بإسناده عن أبي بصير، عن الصادق عليه السلام في قول الله : «وَ مَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ » [النساء: 6]، فقال : هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية ويشغل فيها نفسه، فليأكل منه بالمعروف، وليس ذلك في الدنانير والدراهم التي عنده موضوعة»

أقول: إن الدراهم والدنانير لو كانتا بنحو الأمانة، وإلا فحكمهما حكم غيرهما.

وعن العياشي في تفسيره: بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام قال : «سألته عن قول الله : «وَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ» [النساء: 6]، قال: ذلك إذا حبس نفسه في أموالهم، لا يحترث لنفسه، فليأكل بالمعروف من أموالهم».

أقول: هذه الرواية محمولة على الفضل، وإلا يجوز له أخذ أجرة المثل وإن كان محترثا لنفسه أيضا.

وعن رفاعة، عن أبي عبد الله علیه السلام في قوله: «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ» قال: «كان أبي يقول إنها منسوخة».

ص: 192

أقول: وفي الدر المنثور: «نسختها «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا» [النساء : 10]، الآية» والمراد من النسخ الإطلاق والتقييد، لا النسخ المصطلح.

وعن زرارة ومحمد بن مسلم، عن الصادق عليه السلام أنه قال: «مال اليتيم إن عمل به من وضع على يديه ضمنه ولليتيم ربحه، قال : قلنا له : قوله : «وَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ» [النساء: 6]، قال : إنما ذلك إذا حبس نفسه عليهم في أموالهم فلم يتجر لنفسه، فليأكل بالمعروف من مالهم».

أقول: إنها محمولة على الفضل والفضيلة، كما تقدم في الروايات السابقة .

وفي مجمع البيان: في قوله تعالی : «رُشدا» [النساء: 6]، قال : «المراد به العقل وإصلاح المال، وهو المروي عن الباقر عليه السلام، وقال في قوله تعالی : «وَ مَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ» ، معناه من كان فقيرا فليأخذ من مال اليتيم قدر الحاجة والكفاية على جهة القرض ثم يرد عليه ما أخذ، قال : وهو المروي عن الباقر عليه السلام»

أقول: أما الأول فقد تقدم أنه من باب ذكر أهم المصادیق، والثاني محمول على الفضيلة وإلا فيجوز له أخذ أجرة عمله، كما مر.

الأحكام المستفادة في الآيات المتقدمة

اشارة

يقول تعالی: «وَ ءآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَ لَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا» [النساء: 2].

بحث فقهي:

يستفاد من الآيات المباركة المتقدمة أحكام :

الأول: أن إطلاق الآية الشريفة: «وَ ءآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ » [النساء: 2] يشمل كل يتيم ذكرا كان أو أنثی، صغيرا كان أو كبيرا، إن كان محجورا عليه.

ص: 193

كما لا فرق بين من عين الأب له قيما أو لا.

نعم، لو كان الجد موجود فالولاية له.

ولا فرق في مال اليتيم بين ما إذا وصل إليه بإرث أو غير ذلك من الهدايا والمنح، فإن جميع ذلك ماله، فتشمله الآية الكريمة.

الثاني: مقتضى الآية الشريفة وما وردت من الروايات أنه يجوز لليتيم التصرف في أمواله مع تحقق الشرائط، وهي: أن يكون التصرف بإذن المولى - شرعيا كان الولي أو تكوينيا، وأن يكون فيه المصلحة لليتيم، كما فصلناها في کتابنا (مهذب الأحكام)، وأن يكون التصرف سائغا شرعا، كما يجوز للولي التصرف في أموال اليتيم بشرط عدم المفسدة، بل مع وجود المصلحة، كل ذلك كما فصلناه في الفقه.

الثالث: لا تختص حرمة تبدل الخبيث بالطيب بأموال اليتامى، بل يجري ذلك في تبدل كل مال كذلك، ولو كان من الكبير والرشيد مع عدم مجوز شرعي، لأن ذلك أكل بالباطل، وقال تعالى: «و لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ» [البقرة : 188]، وقال تعالى: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿1﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿2﴾وَ إِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَ زَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿3﴾» [المطففين: 1-3]، ولكن في أموال اليتامی تكون الحرمة أشد وأكثر تنفرا من غيرها، ولذا أكد النهي فيها .

ولو فعل ذلك أحد لا يملك الطيب وتشتغل ذمته برده إلى صاحبه، ومع التلف ينتقل إلى العوض بالمثل أو القيمة.

الرابع: أن قوله تعالى : «أَلَّا تَعُولُوا» [النساء: 3] عام يشمل النفقة وغيرها، والتودد الخارجي، بل الميل القلبي أيضا، نعم ما كان خارجا عن الاختیار في القسم الأخير فهو معفو عنه، وإن كان تحت الاختيار وترتب عليه الأثر، يكون داخلا في أحد الأولين .

الخامس: مقتضى إطلاق الآية الشريفة وما ورد من الروايات أن السفيه كما هو محجور عليه في ذمته فلا يصح أن يتعهد مالا أو عملا، كذلك لا يصح افتراضه وضمانه ولا بيعه ولا شراؤه بالذمة ولا تزويجه، وكذا لا يصح أن يجعل

ص: 194

نفسه أجيرا وعاملا للمضاربة والمزارعة والمساقاة وغير ذلك، للحجر عليه شرعا.

كما أن المراد من عدم نفوذ تصرفات السفيه هو عدم استقلاله في ذلك، فلو كان بإذن الولي صح ونفذ.

السادس : لو أحرز رشد السفيه سلم إليه أمواله، كما نصت عليه الآية الشريفة وغيرها من الروايات، ولو لم يحرز رشده واشتبه حاله ، يختبر السفيه بما يناسب شانه بتفويضه البيع والشراء والإجارة وغيرها مما يناسبه، وكذا السفيهة ، وقد فصلنا ذلك في الفقه، ومن شاء فليراجع كتابنا (مهذب الأحكام).

السابع: يجب دفع أموال السفيه إليه فورا بعد تحقق الرشد وإحرازه، لأصالة فورية دفع مال الغير إليه، كما أثبتها الفقهاء وذكرنها في الفقه.

الثامن : الاستعفاف لأولياء اليتامى عن التصرف في أموال اليتامى حسن وليس بواجب شرعا، لأنه يجوز أخذ أجرة عمله وإن كان غنيا، كما أثبتناه في الفقه .

وكما أن الأكل بالمعروف كذلك ليس بواجب عليه، بل له أن يرفع اليد عن ذلك ويعطي الجميع لليتيم(1)

ص: 195


1- م - ن : 239 - 257 ج 7.

(الإرث في الفقه الإسلامي)

اشارة

يقول تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿11﴾وَ لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿12﴾تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿13﴾وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَ لَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿14﴾» [النساء: 11-14).

ص: 196

بحوث المقام:

بحث دلالي: تدل الآيات الشريفة على أمور:

الأول: يستفاد من الآيات المباركة المتقدمة أهمية الفرائض وأحكام المواريث في الشريعة الإسلامية، فقد اعتنى القرآن الكريم بهذه الفرائض واهتم بها اهتماما بليغا، وتضمنت تلك الآيات رموزا ووجوها كثيرة تدل على ما قلنا.

منها : أن الله تبارك وتعالی شرع تلك الأحكام وفرضها على الناس وأمرهم بمراعاتها وتعهدها حالا بعد حال، وفي الوصية بالفرائض اهتمام بها وتأكيد على مراعاتها والعمل بها، ما لم يوجد ذلك في غيرها .

ومنها : أنه ذكر عز و جل القواعد الكلية المتبعة في المواريث، ولم يعهد مثل ذلك في غيرها، فمن تلك القواعد قاعدة «إن لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»، وقاعدة «الأقرب يمنع الأبعد»، وغيرها من القواعد.

ومنها : أنه تعالى بسط السهام، وذكر أصولها في هذه الآيات، وهي : النصف : والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.

ومنها، أنه جل شأنه عظم أمر تلك الفرائف ببيان جزاء المطيع والعاصي، فذكر التواب على إطاعة الله تعالى وإطاعة الرسول صلی الله علیه و اله فيها، والعذاب المهين على المخالفة والعصيان.

ومنها : أنه تعالى جعلها من حدوده التي لا يجوز التعدي عنها، وقد وردت أحاديث المعروف عن رسول الله صلی الله علیه و اله أنه قال: «تعلموا الفرائص وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة ولا يجدان من يقضي بها»، وغيره من الأحاديث الكثيرة.

الثاني: يدل قوله تعالى : «و يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ» [النساء: 11] على أن حكم السهم والسهمين مخصوص بأولاد الصلب للميت مباشرا، وأما غيرهم فهم في حكم من ستصلون به، فلبنت الابن سهمان ولابن البنت سهم واحد إذا اجتمعا ولم يكن هناك من يتقدم عليهم في المرتبة، وكذلك حكم الإخوة

ص: 197

والأخوات وأولادهم. هذا بخلاف الابن والبنت، فإنهما أعمان من أن يكونا بواسطة أو بغيرها.

الثالث : يدل قوله تعالی : «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» [النساء: 11] بإيجازه البليغ وأسلوبه الجذاب على أعظم حکم سنته الشريعة الإلهية في الفرائض والمواريث، فإنه يعلم أن جنس الذكر يعادل في النصيب سهم انثيين، وهو يبين حقیقتين.

إحداهما : إرث الأنثى، وأنه أمر مقرر معروف لا يمكن لأحد إنكاره، وهو الأصل في إرث الذكر.

الثانية : أن للذكر مثل حظ الأنثيين. وبذلك تبطل جمع التقاليد والعادات البائدة التي لم ينزل بها سلطان، وقد قيل في وجه الحكمة في هذا الحكم الإلهي وجوه كثيرة، بعضها لا تخلو من المناقشة. والمهم أن القرآن الكريم في هذا الأسلوب يبين جهة فضل الفاضل، ولم يتطرف إلى جهة نقص حظ الأنثي.

الرابع : قد ذكر سبحانه في الآيات المتقدمة من موجبات الإرث النسب - المتحقق في الأباء والأبناء والإخوة - والسبب المتحقق في الزوجية، وقد ذكر الأبناء والآباء في قوله تعالى : «فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ» [النساء: 11]. وكلالة الأم ومن الإخوة .

فأما السبب، فقد ذكر عز و جل سهم الزوجين الأعلى والأدني على ما عرفت من التفصيل.

الخامس: يستفاد من التفصيل في سهام البنات أنه لا يستغرق فرضهن التركة، فإن الواحدة منهن تأخذ النصف والمتعددة يأخذن الثلثين، وأما الزائد فيرد عليهن بالتساوي. هذا إذا لم يكن معهن وإرث ذكر، وإلا فإن للذكر مثل حظ الأنثيين. ويعلم من هذا التفصيل أن الذكر الواحد أو المتعدد يأخذون التركة ويتساوون فيها .

ص: 198

السادس: يستفاد من قوله تعالى: «و مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أو دَيْنٍ» [النساء: 12]، أنه لا نصيب لذوي السهام في التركة قبل إخراج الدين والوصية منها، فإذا أوفي الدين.

وأخرجت الوصية من التركة فما فضل منهما يتعلق به سهام ذوي الفروض .

وإنما قدم الوصية لإثبات الاهتمام بها، فإن أداء دین المورث مفروغ عنه بين العقلاء، بخلاف الوصية .

السابع: يستفاد من نسبة السهام إلى التركة أن كل سهم من السهام الستة - وهي الثلث، والثلثان، والسدس، والنصف، والربع، والثمن - يتعلق بأصل التركة في عرض واحد وعلى حد سواء، فإذا اجتمع السدس والربع مثلا فإن السدس يخرج من أصل التركة كما يخرج الربع كذلك، لا أن يخرج السدس أولا ثم يخرج الربع من ما بقي أو بالعكس، وكذا في بقية فروض الاجتماع - كالثلث، والثمن، أو الثلثان، والربع - فالسهام کسور عشرية تتعلق بجميع المال وأصله، فإن كل جزء من أجزائه ينحل إلى كسور، وكل كسر معين لصاحب فرض، فلا وجه لتقديم أحد الفروض وإخراجه من المال المورث ثم إخراج فرض آخر من ما بقي وهكذا، فإن ذلك خلاف ظواهر الآيات الكريمة وخلاف المنساق من تعلق الكسور في مال معين.

الثامن : يدل قوله تعالی: «ءآبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا» [النساء: 11] على أن تلك الأحكام الإلهية والقسمة الربانية تبتني على مصالح واقعية، يعم النفع بها لجميع أفراد البشر .

ص: 199

روايات في الموضوع

بحث روائي:

في أسباب النزول، والدر المنثور: أخرج عبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جریر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في السنن، عن جابر بن عبد الله قال: «عادني رسول الله صلی الله علیه و اله وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي صلی الله علیه و اله لا أعقل شيئا فدعا بماء فتوضا منه ثم رش علي فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» [النساء: 11].

أقول: في ماء الوضوء آثار فكيف بماء وضوئه صلی الله علیه و آله، فإنه قد يوجب إحياء الموتی.

وفي أسباب النزول - أيضا - : عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : «جاءت امرأة إلى رسول الله صلی الله علیه و آله بابنتين لها فقالت: يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قیس - أو قالت سعد بن الربيع - قلت معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالا إلا أخذه، فما تری یا رسول الله ؟ فوالله ما تنکحان أبدا إلا ولهما مال. فقال : يقضي الله في ذلك، فنزلت سورة النساء وفيها : «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»، الآية، فقال لي رسول الله صلی الله علیه و آله: ادع لي المرأة وصاحبها ، فقال لعمهما : أعطهما الثلثين واعط أنهما الثمن، وما بقي فلك».

أقول: الرواية لا تتعرض لحكم الزائد عن السهام، وهناك روايات أخرى تتعرض له وأن الزائد يرد على البنتين.

ويمكن أن يكون منشا النزول متعددا والنزول واحدا، ولا بأس بذلك.

وفي الدر المنثور: عن أبي حاتم، عن السدي قال: «كان أهل الجاهلية لا

ص: 200

يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من والده إلآ من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن - أخو حسان الشاعر - وترك امرأة له يقال لها أم كحة، وترك خمس جواري، فجاءت الورثة فأخذوا ماله، فشكت أم كحة ذلك إلى النبي صلی الله علیه و آله، فأنزل الله تعالى هذه الآية : «فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ» [النساء: 11)، ثم قال في أم كحة: ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن».

وفيه - أيضا - عن ابن عباس قال: «لما نزلت آية الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا : تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى الابنة النصف ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر».

أقول: يعلم أن منشأ افتعال التعصيب في الإسلام وجذوره كانت من الجاهلية، كما يعلم من ذلك أن قوله تعالى : «ءابَاؤُکُمْ وَأَبْنَاؤُکُمْ لا تَدْرُونَ أَیُّهُمْ أَقْرَبُ لَکُمْ نَفْعًا» [النساء: 11] كان ردا على جميع هذه الخرافات والافتعالات الجاهلية منها، وما كانت في الإسلام.

وفي الدر المنثور : أخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال: «أول من أعال الفرائض عمر، تدافعت عليه وركب بعضها بعضا، قال : والله ما أدري كيف أصنع بكم؟ والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر؟ وما أجد في هذا المال شيئا أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص؟ ثم قال ابن عباس : وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله ما عالت فريضة، فقيل له: وأيها قذم الله؟ قال ؛ كل فريضة ولم يهبطها الله من فريضة إلى فريضة، فهذا ما قدم الله، وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي، فتلك التي أخر الله ، فالذي قدم كالزوجين والأم، والذي أخر کالأخوات والبنات فإذا اجتمع من قدم الله وأخر بدیء بمن قدم فأعطي حقه كاملا، فإن بقي شيء كان لهن، وإن لم يبق شيء فلا شيء لهن» .

ص: 201

وفيه أيضا : أخرج سعید بن منصور عن ابن عباس قال: «أترون الذي أحصى رمل عالج عددا، جعل في المال نصفا وثلثا وربعا؟ إنما هو نصفان وثلاثة أثلاث وأربعة أرباع».

وفي الكافي: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «جالست ابن عباس فعرض ذكر الفرائض من المواريث، فقال ابن عباس : سبحان الله العظيم أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا وثلثا؟! فهذان نصفان قد ذهبا بالمال، فأين موضع الثلث؟ فقال له زفر بن أوس البصري : یا أبا العباس فمن أول من أعال هذه الفرائض؟ فقال : عمر بن الخطاب لما التقت عنده الفرائض ودفع بعضها بعضا، قال : والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر؟ وما أجد شيئا أوسع من أن أقسم عليكم هذا المال بالحصص وأدخل على كل ذي حق حقه، فأدخل عليه من عول الفرائض. وأيم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله ما عالت الفريضة، فقال له زفر بن أوس : وأيهما قدم وأيهما أخر؟ كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة إلا إلى فريضة فهذا ما قدم الله، وأما ما أخر الله فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها ما بقي فتلك التي أخر، فأما التي قدم الزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجل إلى الربع لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع فإذا زالت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، والأم لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدم الله عز و جل، وأما التي أخر ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لها إلا ما بقي، فتلك التي أخر الله ، فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر بدیء بما قدم الله فاعطي حقه کاملا ، فإن بقي شيء كان لمن أخر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له، فقال له زفر : فما منعك أن تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال: هبته».

أقول: الروايات في مضمون ذلك كثيرة، ونفي العول مذهب أهل البيت علیهم السلام.

وفي الكافي : عن أبي جعفر الباقر علیه السلام في حديث قال: «كان أمير

ص: 202

المؤمنين عليه السلام يقول: إن الذي أحصى رمل عالج ليعلم أن السهام لا تعول على ستة لا تبصرون وجهها لم تجز ستة».

وفيه - أيضا - عن الصادق علیه السلام قال: «قال أمير المؤمنين علیه السلام: الحمد الله الذي لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم. ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى ثم قال : يا أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها، لو كنتم قدمتم من قدم الله وأخرتم من أخر الله وجعلتم الولاية والوراثة حيث جعلها الله ما عال ولي الله ، ولا عال سهم من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم الله ، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمر الله إلا وعند علي علمه من كتاب الله ، فذوقوا وبال أمركم وما فرضتم فيما قدمت أيديكم، وما الله بظلام للعبيد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون»

أقول: الروايات في رد العول متضافرة، وأما كيفية تقسيم التركة على الوارث إذا كانت السهام أكثر منها، فهي مذكورة في كتب الحديث والفقه فليرجع إليها .

وفي الكافي: عن الصادق علیه السلام قال: «لاَ تَحْجُبُ اَلْأُمَّ عَنِ اَلثُّلُثِ إِلاَّ أَخَوَانِ أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ وَ أُمٍّ أَوْ لِأَبٍ».

أقول: الأخبار في ذلك كثيرة، وقد تقدم ما يستفاد ذلك من الآية أيضا.

وفي التهذيب : عن السكوني، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «أول شيء يبدأ به من المال الكفن، ثم الدين، ثم الوصية، ثم الميراث».

أقول: الروايات في مضمون ذلك كثيرة، وهي متفقة على أن الدين مقدم على الوصية، وهي مقدمة على الميراث، والكفن من شؤون الميت نفسه، فلا بد من إخراجه أولا.

وفي المجمع: في قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ» [النساء: 12] عن أمير المؤمنين علیه السلام: «و إِنَّکُمْ تَقْرَأُونَ فِی هَذِهِ اَلْآیَهِ اَلْوَصِیَّهَ قَبْلَ اَلدِّینِ، وَ إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّی اَللَّهُ عَلَیْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ قَضَی بِالدَّیْنِ قَبْلَ اَلْوَصِیَّهِ»

ص: 203

أقول: رواه السيوطي وغيره أيضا، وتقدم الوجه في تقديم الدين على الوصية.

وفي تفسير العياشي: عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إِنَّ اَللَّهَ أَدْخَلَ اَلزَّوْجَ وَ اَلْمَرْأَهَ عَلَی جَمِیعِ أَهْلِ اَلْمَوَارِیثِ، فَلَمْ یَنْقُصْهُمَا مِنَ اَلرُّبُعِ وَ اَلثُّمُنِ».

أقول: هذه الأخبار ونظائرها دليل على عدم العول والتعصب بالنسبة إليهما، وأما الرد إليهما ففيه كلام ذكرناه في الفقه ، ومن شاء فليرجع إلى (مهذب الأحكام).

وفي الكافي: في معنى الكلالة عن الصادق علیه السلام: «مَنْ لَيْسَ بوالد وَ لَا وَلَدُ».

أقول: تقدم معنى الكلالة، وذكرنا أن ذلك مستفاد من نفس الآية الشريفة.

أحكام وقواعد مهمة مستفادة من الآيات المباركة في الإرث وأحكامه

يقول تعالى: «لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْولِدَانَ وَالْأَقْرَبُونَ و لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَفْرُوضًا» [النساء : 7].

بحث فقهي:

يستفاد من الآيات المتقدمة - التي فرض الله تعالى فيها السهام بضميمة الآيات الأخرى الواردة في الإرث، منها الآية التي تقدم تفسيرها : «لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَفْرُوضًا» [النساء: 7]، والآية التي في آخر هذه السورة وغيرها - أحكام مهمة تعتبر کليات باب الفرائض والمواريث، وقد اعتمد عليها الفقهاء في كتبهم الفقهية، ونحن نذكر منها في ضمن مسائل :

ص: 204

المسألة الأولى : قاعدة : تفضيل الذكر على الأنثى» التي هي من القواعد في الفرائض والإرث، والأصل فيها قوله تعالى : «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» [النساء: 11]، فإنها تقضي تقسيم التركة إذا اجتمع الذكور والإناث من الورثة ولم يكن لواحد فرض على تفضيل الذكر على الأنثى في النصيب، وإذا تأملنا في الفرائض التي فرضها الله تعالى في الإرث للرجال والنساء نرى أن سهم النساء ينقص عن سهام الرجال مطلقا إلا في مورد واحد، وهو الأبوان إذا اجتمعا، فإن سهم الأم قد يزيد على سهم الأب، كما إذا اجتمع الأب والأم والبنت الواحدة فإن للبنت الواحدة النصف، وللأب وللأم السدسدان والباقي يرد على البنت والأم دون الأب، فيزيد سهم الأم على الأب حينئذ، ولعل الوجه في ذلك أن الأم أمس رحمة للولد من الأب، لما تحمله من المصاعب وتقاسي من الهموم في سبيل تربيته وحضانته، فلها المنزلة العظمى في الإسلام، وفي غير هذا المورد يكون نصيب المرأة أقل من نصيب الرجل، فالزوج له النصف مع عدم الولد للزوجة، والربع مع وجوده ، وأما الزوجة فلها الربع مع عدم وجود الولد للزوج، والثمن لها مع وجوده، ونحو ذلك.

وأما وجه الحكمة في كون سهم الرجل ضعف سهم الأنثى في الجملة ، فإنه يبني على أمرين:

أحدهما : اجتماعي اقتصادي.

والآخر: يرجع إلى الخلق والتكوين. ويشير إلى كلا الأمرين قوله تعالی : «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ بِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» [النساء: 34]، فإن المراد من الفضل الوارد فيها هو تعقل الرجال واستيلاء روح التعقل بحسب الطبع والتكوين عليهم، وما يمتاز به الرجل من زيادة البأس، والصلابة والشدة، والغلظة والخشونة، فإن جميع ذلك أمور يتطلبها المجتمع الإنساني في مواطن الدفاع والأعمال الشاقة، وفي تحمل الشدائد والمحن، والثبات في الأهوال، ونحو ذلك مما هو ضروري في الحياة ، فالرجال على الأكثر يقومون بهذه الشؤون.

ص: 205

وأما المرأة فهي متصفة بالإحساسات والعواطف التي لا غنى للمجتمع عنها، فإن لهما آثارا عجيبة في الإنسان لما يتطلبه من الوداعة في العيش والسكن والمحبة والأنس والرحمة والرأفة، مضافا إلى تحمل المرأة أثقال الحمل والوضع والحضانة وخدمة البيوت، ولا يصلح لهذا الجانب إلا الرحمة والرأفة والإحساس اللطيف والعاطفة الرقيقة، فالرجل والمرأة يتبادلان هذين الأمرين الضروريين، وتتعادل بهما الحياة وتنتظم شؤونها، فإنها تتقوم بهما.

وأما الوضع الاجتماعي، فإن وضع الرجل الاجتماعي يقتضي الصرف وإدارة المعاش والسعي فيهما ويجب عليه الانفاق غالبا، ذلك يتطلب التدبير المالي في الانتاج والاسترباح، فهذا إلى روح التعقل أنسب، إذ لا فائدة للإحساس والعواطف التي هي إلى روح التصرف والمصرف أنسب، ولذا كانت المرأة أكثر من الرجل، فكانا متعاكسين في الملك والمصرف، فإذا ملك الرجل الثلثين فإن المرأة تذهب بنصف هذين الثلثين، بينما تملك المرأة الثلث، ولكنها تملك زمام ملکه و مصرفه. ويستفاد ما ذكرناه من عدة آيات - كما مر - وروایات .

منها: ما رواه هشام: «أن ابن أبي العوجاء قال لمحمد بن النعمان الأحول: ما بال المرأة الضعيفة لها سهم وحد، وللرجل القوي الموسر سهمان؟ قال : فذكرت ذلك لأبي عبد الله علیه السلام، فقال : إن المرأة ليس عليها عاقلة، وليس عليها نفقة ولا جهاد - وعدد أشياء غير هذا - وهذا على الرجل، فلذلك جعل له سهمان ولها سهم»، وفي مضمونها وردت روايات أخرى.

المسألة الثانية : قاعدة «تقريب الأقرب وتقديمه، وأن القريب يمنع البعيد»، ويدل عليها قوله تعالی: «ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا» [النساء: 11]، فإنه اعتبر الأقربية إلى الميت أمر مفروغا عنه، ولكن الإنسان يجهل خصوصيات الأقربية، وبضميمة الآيات الأخرى يتبين الأقرب والأبعد اللذان يكونان مؤثرين في زيادة السهم وقلته، ويدل على أن الأقرب نسبا يمنع الأبعد قوله تعالى: «وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ» [الأحزاب: 6].

فمن الآيات المتقدمة يستفاد: أن أقرب الأقارب والأرحام هو الأب

ص: 206

والأم، والإبن والبنت، ومع وجودهما لا تصل النوبة إلى أولادهما، لأن الابن والبنت يتصلان بالميت بدون واسطة، وأولادهما يتصلون به بواسطتهما.

ثم بعد هذه الطبقة تأتي الطبقة الثانية، وهم إخوة الميت وأخواته وجدودته ، فإنهم يتصلون بالميت بواسطة واحدة، وهي الأب والأم وأولاد الأخ والأخت، كأولاد الابن والبنت، فإنهم يتصلون بالميت بواسطة آبائهم وأمهاتهم، وهم يمنعون الأولاد.

ثم تأتي الطبقة الثالثة، وهم أعمام الميت وعماته وخالاته وأخواله، فإنهم يتصلون بالميت بواسطتين، الجدودة والأبوين والأم، وهكذا القياس في جميع الأفراد.

ومن ذلك يظهر أن ذا السببين مقدم على ذي السبب الواحد، فإذا اجتمع الأبوان مع كلالة الأب، فإن الأول مقدم على الثاني، وأما كلالة الأم فلا يزاحمها أحد من كلالة الأبوين أو الأب، لأدلة خاصة.

المسألة الثالثة : قاعدة الحجب، وتستفاد تلك القاعدة من الآيات المباركة المتقدمة والسنة الشريفة، فإن بعض الأفراد يحجب صاحب سهم عن سهمه، وهذا على نحوين، فإنه تارة بحجبه عن سهم إلى سهم آخر، كحجب الإخوة لنصيب الأم من الثلث إلى السدس، ويدل عليه قوله تعالى: «فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ» [النساء: 11]، وفي حجب الإخوة شروط مذكورة في كتب الفقه.

منها : أن يكونوا الإخوة متعددین، سواء كانوا ذكرين أم أخا وأختين أو أربع أخوات، ويدل عليه ظاهر الآية الشريفة وبعض الأخبار والإجماع المحقق .

ومنها : أن يكون للأب والأم أو للأب، ويدل عليه الأخبار - كما عرفت - والإجماع أيضا.

ومنها : أن يكون الأب حيا، وغير ذلك من الشروط المذكورة في الفقه .

وأخرى : يكون الحجب من سهم معين، ولكن لا ينتقل إلى سهم آخر، مثل حجب الابن والبنت لسهم الأب والأم .

ص: 207

المسألة الرابعة : التركة إذا قيست مع السهام:

فتارة : تكون مساوية للسهام، مثل بنتان وأب وأم، فإن للبنتين الثلثين وللأب السدس وللأم السدس، فاستغرقت السهام التركة والمال الموروث، أو زوج وأخت، فإن للأخت الواحدة النصف وللزوج النصف أيضا .

وأخرى: تكون السهام أكثر من التركة، مثل زوج أو أختين أو أخوات، فإن للزوج النصف وللأخوت الثلثين، وكما إذا اجتمع أبوان وبنتان وزوج، فإن اسهام سدسان وثلثان وربع، وهي تزيد على التركة بربع، إذ هي لا تزيد عن السدسين الثلثين.

وثالثة : تكون السهام أنقص من التركة، كما إذا اجتمع أب وبنت واحدة فإن للأب السدس وللبنت الواحدة النصف، وهي تنقص عن التركة بمقدار السدسين، وكما إذا كان بنتا فقط أو بنتين فقط أو أختين فقط.

والصورة الثانية : تسمى في اصطلاح الفقهاء بالعول، والصورة الثالثة : تسمى بالتعصيب، وفيهما النزاع المعروف بين الإمامية والجمهور، فإنهم حكموا بورود النقص في مسألة العول على جميع الورثة؛ كما حكموا في مسألة التعصيب بأن الزائد يرد على عصبة الميت - وهم أقاربه من الذكور فقط - فحرموا الإناث منه.

ولكن الإمامية شددوا النكير على ذلك تبعا لما ورد من أئمة أهل البيت علیهم السلام، واعتبروا ذلك خروجا عن حدود الله تعالى وتعد عليها، ويستفاد من تشديد النكير في آخر الآيات المتقدمة على التعدي عن حدوده سبحانه والاقتران بين عصيان الله والرسول صلی الله علیه و آله، والتعدي عن حدود الباري عز و جل، أن ذلك خروج عما فرضه الله تعالى، ولعل ما ورد في السنة الشريفة من إنکار العول والتعصيب مأخوذ من الآيات المتقدمة.

وكيف كان، فإن أئمة الهدى علیهم اسلام حكموا في مسألة العول أن النقص يدخل على خصوص الذين لم يعين لهم إلا سهم واحد وهم البنات والأخوت،

ص: 208

دون غيرهم كالأم والزوج الذين عين لهم الله تعالی فرائضهما الأعلى والأدنى في جميع الفروض، وفي مسألة التعصيب يكون الزائد للجميع حسب نسبة السهام، والتفصيل يطلب من محله، وتقدم في البحث الروائي ما يتعلق بذلك أيضا.

المسألة الخامسة: ظاهر إطلاق الآية الشريفة في الأولاد وغيرهم أن الأولاد يقومون مقام آبائهم في مقاسمة الأبوين، ويرث كل واحد منهم نصيب من يتقرب به، كما تقدم في البحث الدلالي، ويدل عليه أخبار كثيرة والإجماع المحقق .

المسألة السادسة : إطلاق الأزواج في قوله تعالى : «وَ لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ» [النساء: 12]، يشمل المعقود عليها وإن لم تحصل المقاربة والدخول فترثه ويرثها ، كما يتناول المطلقة طلاقا رجعيا، لأنها بحكم الزوجة ما دامت في العدة. وبعد العدة إلى سنة يقع فيها الوفاة، ويدل على ذلك الإجماع والأخبار المستفيضة، إلا أنه استثنى من القسم الأول ما إذا تزوج المريض زوجة فلم يدخل بها حتى مات في مرضه الذي تزوج بها، ويدل على ذلك الأخبار والإجماع.

كما أن ظاهر إطلاق الآية الشريفة: «وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ۚ» [النساء: 12] إرث الزوجة من جميع التركة من العقار والبناء ونحو ذلك، فلا تحرم من شيء منها، ولكن الروايات المستفيضة والإجماع المحقق يدلان على حرمانها من بعض الأشياء. واختلف الفقهاء في تعيين ذلك تبعا لاختلاف الأخبار، والمتفق بينهم أنها تحرم من العقار بلا إشكال، كما فضلناه في الفقه.

المسألة السابعة : ظاهر قوله تعالى: «وَ إِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ» [النساء: 12] أن الإخوة والأخوت لا يرثون مع الوالدين والأولاد، ولا مع أحد منهم، لما ذكرناه من أن

ص: 209

طبقة الإخوة والأخوات بعد طبقة الوالدين والأولاد، فإذا وجد واحد من الطبقة الأولى لا ترث الطبقة الثانية وهو متفق عليه عند الإمامية، ولكن الجمهور يرثون الإخوة مع الأم، وتعرضنا لذلك في الفقه فراجع (مهذب الأحكام)(1)

ص: 210


1- م - ن: 295 - 307 ج 7.

النكاح في الفقه الإسلامي

اشارة

يقول تعالى: «وَ لَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَ مَقْتًا وَ سَاءَ سَبِيلًا ﴿22﴾حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خَالَاتُكُمْ وَ بَنَاتُ الْأَخِ وَ بَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَ رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴿23﴾» [النساء: 22-23] .

تدل الآيات الشريفة على أمور:

الأول: بدل قوله تعالى : «إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَ سَاءَ سَبِيلًا»، على ، ان النكاح المحرم مما يوجب الدخول في الفحشاء، ويزيد الجرأة على ارتكاب المآثم، وأنه السبيل الذي لا يهدي إلى الكمال المنشود في تكوين الأسرة والاجتماع، ويستلزم بعث روح الانتقام والبغضاء في النفوس.

وبالجملة : أن النكاح المحرم يؤثر في النفوس والأعقاب، ويوجب استيلاء مادة الفساد وروح الانتقام والبغضاء، والاستهانة بالحقائق والمقدسات، والدخول في مسالك وسبل لا توصل الإنسان إلى الكمال.

الثاني: يستفاد من قوله تعالى : «إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ»، رفع الحكم الوضعي والتكليفي معة بالنسبة إلى ما وقع قبل تشريع الحكم، أي : أن هذا النكاح الذي حرمه الله تعالی جار من حين إنشاء الحكم، لا أن يعم ما قبله، فلا حرمة له في

ص: 211

ما سبق ولا أثر له من ذنب وغيره ، ولكن هذا لا يدل على أن النكاح الموجود حين التشريع مباح لهم، فإن التشريع قد حرمه بقاء، فتجب المفارقة فورا .

وعلى هذا، فلا معنى للنزاع في أن الاستثناء في الآية الشريفة منقطع أو متصل.

الثالث: قال بعض العلماء: إنه يمكن أن يستفاد من قوله تعالى : «وَ رَبَئبُکُمُ الَّتیِ فیِ حُجُورِکُم» [النساء: 23] الحكمة في تشريع الأحكام في هذه الآية، وهي الاختلاط وشدة المصاحبة والمعاشرة بين هذه الأصناف من النساء المذكورات في الآية المباركة وبين الرجل، بحيث يعد أحدهما من الآخر، وفي هذه الحالة لا وجه للنكاح.

روايات في الموضوع

في تفسير العياشي في قوله تعالى: «وَ لَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ» [النساء: 22] عن الباقر علیه السلام : «وَ لاَ يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْكِحَ اِمْرَأَةَ جَدِّهِ».

أقول: التعبير ب (لا يصلح) لا ينافي الحرمة، لاستعماله كثيرا في الأعم.

وفي الدر المنثور : أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى: «وَ لَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ»، قال : نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف على أم عبيد بنت ضمرة كانت تحت الاسلت أبيه ، وفي الأسود بن خلف. وكان خلف على بنت أبي طلحة بن عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف، وفي فاخنة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد، كانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية، وفي منظور بن رباب، وكان خلف على مليكة ابنة خارجة وكانت عند أبيه رباب بن سیار»

وفيه - أيضا - أخرج ابن سعد عن محمد بن کعب القرظي قال: «كان الرجل إذا توفي عن امرأة كان ابنه أحق بها أن ينكحها إن شاء، إن لم تكن أمه ،

ص: 212

أو ينكحها من شاء، فلما مات أبو قيس بن الأسلت قام ابنه محص فورث نکاح امرأته ولم ينفق عليها ولم يورثها من المال شيئا، فأتت النبي صلی الله علیه و اله؛ فذكرت ذلك له، فقال: ارجعي لعل الله ينزل فيك شيئا، فنزلت: «وَ لَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ» [النساء: 22)، ونزلت : «لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا» [النساء: 19].

وفيه : أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: «كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، فأنزل الله : «وَ لَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ»، وقوله تعالى: «وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ» [النساء: 23].

أقول: في مضمون ذلك أخبار أخرى، ولا منافاة بينها بعد إمكان تعدد منشأ النزول.

وفي كتب الأحاديث والفقه عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «إِنَّ اَللَّهَ حَرَّمَ مِنَ اَلرَّضَاعَهِ مَا حَرَّمَ مِنَ اَلنَّسَبِ»، وفي حديث آخر عنه صلی الله علیه و آله: «الرَّضَاعُ لُحْمَةُ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ».

أقول: الحديثان معروفان عند الإمامية والجمهور، ومذكوران في كتب الحديث والفقه .

وفي الدر المنثور: أخرج مالك وعبد الرزاق عن عائشة، قالت: «كان في ما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات ، فسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلی الله علیه و آله، وهن في ما يقرأ من القرآن».

أقول: الرواية تدل على التحريف، فهي مطروحة. وأما نشر الحرمة بالرضاع فله شروط مذكورة في الفقه ، وقد تعرضنا لها في كتابنا (مهذب الأحكام).

وفي الفقيه والتهذيب : عن أمير المؤمنین علیه السلام: «إذا تزوج الرجل المرأة حرمت عليه ابنتها إذا دخل بالأم، فإذا لم يدخل بالأم فلا بأس أن يتزوج بالابنة، وإذا تزوج الابنة فدخل بها أو لم يدخل بها فقد حرمت عليه الأم، وقال عليه السلام: الربائب حرام، كن في الحجر أو لم يكن».

ص: 213

و في الاستبصار : عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : «سألته عن الرجل تكون له الجارية فيصيب منها، أله أن ينكح ابنتها؟ قال علیه السلام: لا، هي كما قال الله تعالى : «وَ رَبَائِبُكُمُ التِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ التِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ» [النساء: 23] .

أقول: الروايات في هذا المعنى متضافرة عن أئمة أهل البيت علیهم السلام بل يعتبر ذلك من مذهبهم، وقد ذكرنا جملة منها في كتابنا (مهذب الأحكام)، وهي صريحة في اشتراط الدخول بالأم في حرمة البنت وعدم اشتراط الحجور أيضا .

ولكن، في بعض الروايات التي رواها أهل السنة والجماعة عن علي علیه السلام أنه اشترط الحجور في حرمة البنت.

ولكنه مردود بما علمت، ومخالف لما هو المستفاد من الآية الشريفة .

وفي الدر المنثور: أخرج عبد الرزاق، وعبد الحميد، وابن جرير وابن المنذر، والبيهقي في سننه من طريقين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلی الله علیه و آله، قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها ، دخل بالابنة أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوج الابنة».

أقول: في مضمون ذلك روایات متعددة.

وفي الاستبصار : عن جعفر، عن أبيه : «أن عليا علیه السلام كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمهات اللاواتي دخلتم بهن، في الحجور وغير الحجور سواء، والأمهات دخل بالبنات أم لم يدخل، فحرموا وأبهموا ما أبهم الله».

أقول: صدر الحديث موافق لما هو المأثور عن الأئمة علیهم السلام، والمعروف من مذهبهم كما تقدم. وأما ذيل الحدیث: «والأمهات مبهما»، أي: أمهات نسائکم مطلقات غير مقيدة بالدخول بالبنت، فهن محرمات سواء دخل بالبنات أم لا.

وفي الكافي : عن منصور بن حازم قال: «كنت عند أبي عبد الله علیه السلام فأتاه رجل فسأله عن رجل تزوج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها أيتزوج بأمها؟ فقال

ص: 214

أبو عبد الله علیه السلام: قد فعله رجل منا فلم یر به بأسا، فقلت : جعلت فداك ما تفتخر الشيعة إلا بقضاء على علیه السلام في هذا الشمخية التي أفتاه ابن مسعود أنه لا بأس بذلك، ثم أتي عليا علیه السلام فسأله .

فقال له علي علیه السلام: من أين أخذ بها؟ فقال: من قول الله عز و جل: «وَ رَبَائِبُكُمُ التِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ التِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ» [النساء: 23]، فقال علي عليه السلام: إن هذه مستثناة وهذه مرسلة، فقال أبو عبد الله علیه السلام: أما تسمع ما يروى هذا عن علي علیه السلام؟ فلما قمت ندمت وقلت : أي شيء صنعت؟ يقول: قد فعله رجل منا ولم ير به بأسا وأقول أنا : قضى علي فيها ! فلقيته بعد ذلك وقلت: جعلت فداك ، مسألة الرجل إنما كان الذي قلت كان زلة مني فما تقول فيها ، فقال : يا شیخ، تخبرني أن عليا عليه السلام قضى فيها وتسألني ما تقول فيها؟».

أقول: الظاهر من قوله علیه السلام: «رجل منا»، أي : ابن مسعود ما يأتي في ما رواه الدر المنثور، وأما قضاء علي علیه السلام كان في حرمة أم الزوجة مطلقة، فلا محالة لا بد من حمل الرواية على التقية، فلا يصح التمسك بالرواية مقابل ظاهر الآية الشريفة والروايات المستفيضة وإجماع الفقهاء الدالة على حرمة أم الزوجة مطلقا.

وفي الدر المنثور عن البيهقي في سننه : «أن رجلا من بني شمخ تزوج امرأة ولم يدخل بها، ثم رأى أمها فأعجبته ، فاستفتی ابن مسعود فأمره أن يفارقها ثم يتزوج أمها ففعل وولدت له أولادة، ثم أتى ابن مسعود المدينة فقيل له : لا تصلح، فلما رجع إلى الكوفة فقال للرجل : إنها عليك حرام ففارقها».

أقول: حكم الجواز لم يصدر عن معصوم، فلا يمكن الاعتماد على هذه الرواية .

وفيه أيضا عن علي علیه السلام: «إن أم الزوجة لا بأس بنكاحها قبل الدخول بالبنت، وإنها بمنزلة الربيبة، إذا لم تكن في حجر زوج أمها لم تحرم عليه نکاحها».

ص: 215

أقول: هذه الرواية مخالفة المذهب أهل البيت والمأثور عنهم علیهم السلام كما عرفت.

وفي التهذيب : عن عبد الله بن سنان قال؛ «سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : إذا كانت عند الإنسان الأختان المملوکتان، فنكح إحديهما ثم بداله في الثانية ، فليس ينبغي له أن ينكح الأخرى حتى تخرج الأولى من ملکه، یهبها فإن وهبها لولده يجزيه».

أقول: الرواية تدل على حرمة الجمع بين الأختين في الوطء بالملك، وما ورد في روايات أخرى من جواز الجمع بينهما في أصل الملكية، لا بد من طرحها أو حملها على عدم وطنهما أو إحداهما وغير ذلك.

وفي تفسير العياشي: عن أبي عون قال: «سمعت أبا صالح الحنفي قال : قال علي عليه السلام ذات يوم: سلوني، فقال ابن الكواء: أخبرني عن بنت الأخت من الرضاعة، وعن المملوكتين الأختين، فقال؛ إنك لذاهب في التيه، سل عما يعنيك أو ينفعك ، فقال ابن الكواء : إنما نسألك عما لا نعلم، وأما ما نعلم فلا نسألك عنه، ثم قال : أما الأختان المملوکتان أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولا أحله ولا أحرمه، ولا أفعله أنا ولا واحد من أهل بيتي».

أقول: هذا الحديث يفسره ما ورد عن أبي عبد الله علیه السلام في رواية عبد الله بن سنان المروية في التهذيب كما تقدم، ويشهد لذلك ما روى عن قبيصة بن ذؤيب: «أن رجلا سأله علیه السلام عن ذلك فقال: لو كان إلي من الأمر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا»، فإنها ظاهرة في أن الجمع بين المملوكتين كان شائعة في عصر الأئمة علیهم السلام لم يقدر على بيان الحكم الواقعي للتقية، والتفصيل مذكور في كتب الفقه فراجع.

وفي التهذيب : عن معمر بن يحيى بن سالم قال: «سألنا أبا جعفر علیه السلام عما يروي الناس عن أمير المؤمنين علیه السلام عن أشياء لم يكن يأمر بها ولا ينهى إلا نفسه وولده ، فقلت : كيف يكون ذلك؟ قال: قد أحلتها آية وحرمتها آية أخرى. فقلنا : الأولى أن يكون إحديهما نسخت الأخرى، أم هما محکمتان

ص: 216

ينبغي أن يعمل بهما؟ فقال: قد بين لهم إذ نهى نفسه وولده، قلنا: ما منعه أن يبين ذلك للناس؟ قال : خشي أن لا يطاع، فلو أن أمير المؤمنین علیه السلام ثبت قدماه أقام كتاب الله والحق كله».

أقول: ظهر وجه ما تقدم من هذه الرواية(1).

ص: 217


1- م - ن : 10 - 20 ج 8.

(أحكام المحصنات)

يقول تعالى: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا» [النساء: 24).

تدل الآية الشريفة على أمور:

الأول : يدل قوله تعالى: «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ» على أن إحصان المرأة بالتزويج بشخص يمنعها من الفجور ومن التزويج بشخص آخر.

وبعبارة أخرى: أن الآية المباركة تدل على حرمة تعدد الأزواج بالنسبة إلى امرأة واحدة، الذي كان معروفا عند بعض المجتمعات في العصر القديم ، والإسلام حرم ذلك، وحكم بأن الزوجة لا يجوز أن تتزوج برجل آخر مع كونها محصنة بالزوج الأول، بخلاف العكس، فإنه أباح لرجل واحد أن يتزوج بأكثر من واحدة حتى أربعة نساء، وقد تقدم في أول هذه السورة ما يتعلق بالأخير، فراجع.

الثاني: يبدل قوله تعالى : «إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» على أن الإحصان في الإماء بالتزويج لا يمنع المولى من التسري بهن، فله أن يحول بين مملوكته وزوجها ثم التسري بها بعد استبرائها بالعدة ، والإطلاق يشمل جميع أنواع الإماء والجواري، سواء كن مسبييات أو غيرهن.

الثالث : يدل قوله تعالى : «كَتَبَ اللَّهُ» على أن الأحكام المذكورة في

ص: 218

الآيات السابقة تحليلا وتحريما، مما كتبه الله تعالى على العباد وفقا لمصالح حقيقية واقعية، ولا يمكن التعدي عنها بوجه من الوجوه.

الرابع: يدل قوله تعالى : «وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ» [النساء: 24]، على أن المطلوب في كل نکاح هو تحصين النفس والتعفف، دون الابتذال والإباحة وسفح الماء من غير غاية ، الآية الشريفة تبين روح الشريعة في هذا الحكم والجانب المعنوي منها، كما تشير إلى بعض الجوانب المادية فيه أيضا، وهو المال والزوج والزوجة، فإن كل نکاح يتقوم بهذه الأمور الثلاثة.

وأما الجانب المعنوي، فهو العفة وتحصين النفس والتجنب عن الإباحية والزنا والمباشرة من دون غاية سوى قضاء الشهوة العارمة.

ويستفاد من مجموع الآية الشريفة أن الغرض من هذه الأحكام التوفيق بين الاستجابة التكوينية وداعي الفطرة والعقل؛ لتثبيتها على أساس محکم متین، وحفظ النس والتحرر عن الفحشاء التي تعتبر بحق مفسدة للحياة الزوجية ، وقاطعة للنسل، وهادمة للسعادة، بخلاف ما إذا كانت الفطرة والشهوة التكوينية تحت سيطرة العقل وإمارته، فإنه يوجب تأسيس حياة سعيدة تبتني على الخير والمحبة وبث النسل الطيب على ما يريده الله تعالی.

الخامس: درنا أن ظاهر السياق من قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» [النساء: 26] هو نكاح المتعة، وأنه مشروع كالقسمين اللذين ذكرهما عز و جل في الآية السابقة، وأنه من سبل تحصين النفس من الوقوع في الحرام، وأن الثلاثة هي الطرق الشرعية في الاستمتاع واللذة الجنسية، وغير تلك الثلاثة يكون سفاحا محرما ، وهذا مما لا شبهة فيه، فلا يبقى بحال للنقاش في دلالة الآية الشريفة على المطلوب، وقد ذكرنا سابقا بعض ما قيل في وجه الاشكال فراجع.

وذكر بعضهم أن الآية الكرمية منسوخة، واختلفوا في الناسخ لها، فقيل : إنها منسوخة بقوله تعالى : «الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿5﴾إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا

ص: 219

مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿6﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿7﴾» [المؤمنون: 5-7] .

وفيه أولا : أن آية المتعة متأخرة عن آية المؤمنون في النزول، فإن الأولى مدنية والأخيرة مكية، ولا يصلح أن تكون المكية تنسخ الآية المدنية.

وثانيا : أن المتعة نكاح بمقتضى الآية الشريفة وما ورد في السنة المباركة ، فتدخل في قوله تعالى : «إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ» [المومنون: 6]، والإشكال بأنه يلزم من ذلك ثبوت التوارث والطلاق وغير ذلك من الأحكام المترتبة على النكاح الدائم.

مردود بأن تلك منفية بدليلها الخاص الوارد في السنة، وسياتي ما يتعلق بذلك.

وقيل : إن آية المتعة منسوخة بالآيات الشريفة الدالة على لزوم العدة ، كقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» [الطلاق: 1]، وقوله تعالی : «وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ۚ» [البقرة : 228]، فإن المتعة لاطلاق فيها ولا عدة، والزوجية لا تنفصم إلا بهما.

ويرد عليه : أن النسبة بين الآيتين الكريمتين نسبة العام والخاص أو المطلق والمقيد، لا نسبة الناسخ والمنسوخ؛ لأن قوله تعالى : «إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ» عام أو مطلق يشمل كل النساء في النكاح الدائم والمؤقت، ولكن خصص في الزواج المؤقت بدلیل وارد في السنة.

يضاف إلى ذلك أن العدة لا تختص بالنكاح الدائم، بل هي موجودة في النكاح المنقطع أيضا.

نعم، تختلف العدتان في المدة، ولكنه لا يرتبط بأصل الموضوع.

وقيل : إن المنعة منسوخة بآية الميراث، قال تعالى: «وَ لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۚ وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ

ص: 220

يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ» [النساء: 12]، ولا إرث في نكاح المتعة.

وفيه: أنه يرد عليه ما ذكرناه آنفا، فإن النسبة بين الآيتين نسبة العام والخاص، لا نسبة النسخ، فإن آية الميراث تدلج على عموم الحكم بالنسبة إلى الأزواج الدائم والمنقطع، ولكن السنة خصصت عموم آية الميراث بالزواج المنقطع، فلا إرث فيه حينئذ.

وقيل : إن آية المتعة منسوخة بالآية التي تدل على تعدد الزوجة وانحصارها في أربع، قال تعالى: «فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَ ثُلَاثَ وَ رُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا» [النساء: 3]

و فیه: انه لا وجه للنخ مع دلالة السنة علی عدم انحصار المتعة فی الأربعة، فتكون النسبة من العام والخاص كما عرفت.

ودعوى: نسخا بأية التحريم، قال تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خَالَاتُكُمْ وَ بَنَاتُ الْأَخِ وَ بَنَاتُ الْأُخْتِ وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَ رَبَائِبُكُمُ التِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ التِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا» [النساء: 23].

فهي باطلة كما هو واضح، فإن المتعة نكاح تجري فيها جميع ما شرع في النكاح الدائم إلا ما خصصته السنة الشريفة، مثل الإرث ونحوه، مما سيأتي في البحث الفقهي إن شاء الله تعالی.

وقيل - وهو المعروف المشهور بين الجمهور - إنها منسوخة بالسنة، فقد نقل أن رسول الله صلی الله علیه و اله نسخها عام خيبر ، وقيل : عام الفتح، وقيل : في حجة الوداع، وقيل غير ذلك.

ولكن ذلك لم يثبت بدلیل معتبر، بل معارض بروایات معترة أخرى من الفريقين تدل على عدم النسخ، وعلى فرض القول به فيحتمل أن يكون النهي من

ص: 221

الخليفة الثاني حكما وقتيا لا نسخا دائميا، لمصلحة رآها تختص بزمانه، وعلى فرض التعارض، يكون الترجيح مع الروايات الدالة على عدم النسخ؛ لما ورد من أنه لا بد عند التعارض من عرض الأخبار المتعارضة على الكتاب، فما وافق الكتاب يؤخذ به، وما خالفه يطرح، وسيأتي في البحث الروائي ما يتعلق بذلك .

ص: 222

نكاح المتعة وما ورد عليه من إشكالات

اشارة

نكاح المتعة من الموضوعات التي كثر الجدل فيها بعد عصر النزول، مع أنه لم يخالف أحد في مشروعيتها، وقد فهم الأصحاب (رضي الله تعالی عنهم) من الآية المباركة هذا القسم من النكاح، وجرى عليه العمل عندهم برهة من الزمن، وفهمهم والعمل به من القرائن المعتمدة عند الجميع، ولم تظهر مناقشات القوم في دلالة الآية الكريمة إلا بعد زمن طويل، فإن من حكم بالمنع إنما حكم به لأجل النسخ، لا من جهة عدم الدلالة. ولعمري إن الموضوع لا يحتاج إلى هذا الجدل العنيف والمناقشة العظيمة التي شغلت بال كثير من العلماء.

وقد ألفت في ذلك كتب ورسائل في الحلية والحرمة، مع أنه لم يقصر عن سائر المسائل الفقهية التي طالما اختلف الفقهاء فيها، ولم تصل إلى الحد الذي وصل إليه نكاح المتعة من التشكيك والمغالطة، مع اتفاق الجميع على حرمة الزنا وأن الذي يحرمه لا يريد اتخاذ الزنا بدلا عنه، وقضاء الوطر بالسفاح دون النكاح. مع أن جمعا من الفقهاء يحكمون بأنه يجوز للمكلف الرجوع إلى أي مذهب من المذاهب الإسلامية شاء في تعيين الوظيفة وكسب التكليف في الحكم الفرعي.

وبعد الإحاطة بما ذكرناه ، لا موجب لهذا الاختلاف العظيم في هذا الموضوع الذي يمس المجتمع الإسلامي ويحتاج إليه المسلم في حياته اليومية أشد الاحتياج، وهو ينبغي رضا الله تعالى ويريد العمل بالشرع المبين، ولو اهتم العلماء بهذا الموضوع وتشييد أركانه وإعلام الناس بحدوده وقيوده وتعلیم فروعه

ص: 223

وآدابه، لما حصلت هذه المفاسد العظيمة التي أخلت بالنظام، مع علمهم بأن الإنسان لا يمكنه التغاضي عن حاجته الفطرية، ولولا ما تفاحش الزنا - العلن منه والخفي - لرأيت وقوع الناس في الحرج والمشقة وسمعت الضجة في الخلاص من الورطة، ولو بقيت شرعية المتعة ولم يحصل منع وتحريم، لما كان وقع للزنا واللواط وسائر الفواحش في المجتمع الإسلامي التي هددت كيانه واستنزفت أمواله وهتكت أعراضه، وفشت بها الأمراض الموبقة الردية - الجسمانية والروحانية - في أفراده، ودب الضعف في جسمه وكيانه، وفسدت أخلاقه، وأفسدت النسل بالتعرض للهلاك والدمار، ولو وجد لهذه الشهوة المكنونة طريق يغنيهم من الدخول في خسة الزنا والسفاح، لما استرسل أكثرهم في هذه الرذيلة، ولما استدرجوا في اتباع الهوى، ولما اجترؤوا على الزنا بالمحصنات وهتك الأعراض، ولما اختلطت الأنساب، ولما ظهرت المفاسد الأخلاقية، وهذا هو السر في قول أمير المؤمنین علیه السلام: «لما زَنَى إِلَّا شَقِيٌّ»، أو «لما زَنَى إِلَّا شَفِيٌّ»، أي: القليل.

ثم إنه ذكر نكاح المتعة في علوم متعددة منها علم الكلام.

ومنها : علم الفقه، فبحثوا فيه من حيث الجواز والحرمة.

ومنها : علم التفسير من حيث النظر في دلالة قوله تعالى : «فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» [النساء: 74]، فإنهم اختلفوا في أنه هل يدل على تشريع المتعة، وعلى فرضه فهل هو منسوخ بشيء كالآيات والسنة كما عرفت آنفا، وعلى فرض التشريع فهل تشریعه ابتدائي أو إمضائي. كما ذكر أمر المتعة في علم السير والتراجم، ونحن نذكر بعض ما قيل في هذا الموضوع مطلقا، والتفصيل يطلب من محله .

قال بعض وهو يوجز ما ذكره الجمهور في دلالة الآية الشريفة : «وهذه الآية لا تدل على الحل، والقول بأنها نزلت في المتعة غلط؛ لأن نظم القرآن يأباه، حيث بين سبحانه أولا المحرمات، ثم قال تعالى : «وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ» [النساء: 26)، فإن فيه شرطا بحسب المعنى، فيبطل تحليل الفرج

ص: 224

وإعارته، وقد قال بهما الشيعة، ثم قال جل وعلا: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسفِحِينَ» [النساء : 24]، وفيه إشارة إلى النهي عن كون القصد مجرد قضاء الشهوة وصب الماء واستفراغ أوعية المني، فبطلت المتعة بهذا القيد؛ لأن مقصود المتمتع ليس إلا ذاك دون التأهل والاستيلاد وحماية الذمار والعرض؛ ولهذا نجد المتمتع بها في كل شهر تحت صاحب، وفي كل سنة بحجر ملاعب، والإحصان غیر حاصل في المرأة المتمتع بها غير النكاح إذا زنا لا رجم عليه، ثم فرع سبحانه على النكاح قوله عز من قائل: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُم» [النساء: 24]، وهو يدل على المراد بالاستمتاع هو الوطء والدخول، لا الاستمتاع بمعنى المتعة التي يقول بها الشيعة، والقراءة التي ينقلونها عمن تقدم من الصحابة شاذة».

ومراده من القراءة التي ينقلونها هي القراءة المروية عن عائشة: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن فريضة من الله)، وهذه القراءة لم يروها الشيعة، بل نقلها بعض الجمهور في كتبهم والشيعة في غنى عنها بعد تصريحهم بدلالة الآية الشريفة على المطلوب مع قطع النظر عن وجود جملة «وإِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى» [البقرة: 282]، وإنما يذكرها بعضهم من المؤيدات.

وكيف كان، فالمناقشة في ما ذكره ظاهرة بعد الإحاطة بما ذكرناه في تفسير الآية الشريفة، وقلنا إن الآية الكريمة تدل على أن النكاح المؤقت الموسوم بالمتعة من طرق الإحصان، لمقام التفريع على قوله تعالى: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسفِحِينَ» [النساء: 29]، فإنه تعالى بعد أن بين المحرمات ثم أحل ما وراءها، ذكر أن المناط في كل نکاح واستمتاع هو الإحصان، دون مجرد قضاء الشهوة وصب الماء واستفراغ أوعية المني، مع غض النظر عن ما يترتب على ذلك وعدم الالتزام بآثاره، كما هو الحال في الزنا، وأما المتعة فإنها وإن تضمنت صب المني و استفراغ أوعيته، لكن مع الالتزام بآثار ذلك كما يلتزم المتمتع في النكاح الدائم، وأما التأهل، والاستيلاد، وحماية الذمار والعرض، فليست من العلل التامة في النكاح والمتمتع مطلقا، فإن الله تعالى قد أذن بالتمتع بالإماء، ولا ينكر ذلك أحد من المسلمين وليس فيه أي واحدة من تلك الأمور التي

ص: 225

ذكرها في وجه حلية النكاح، فهذه الأمور إنما هي من وجوه الحكمة، لا العلة في التشريع، والفرق بين الأمرين، واضح لمن له أدنى تأمل.

ثم إن الذي ذكره في المتعة من أن: «المتمتع بها في كل شهر تحت صاحب، وفي كل سنة بحجر ملاعب»، فإنه ينقض ذلك في الأمة، بل قد يتحقق في المتزوجة بالزواج الدائم، ولا ضير في أن يكون الأمر كذلك، بعد أن ذكر أن المتزوج بالزواج المؤقت يلتزم بآثار هذا العقد وما يترتب على هذا النكاح من لحوق الولد به، ووجوب الإنفاق عليه، ولزوم العدة على المرأة بعد امفارقة ، ونحو ذلك مما سيأتي في البحث الفقهي، فالإحصان حاصل بالمتعة بعد الالتزام بلوازمها الشرعية، ولا يضر بها كون المراد بالاستمتاع في الآية الشريفة هو الوطء والدخول، كما هو الحال في بعض أفراد النكاح الدائم ولا يمكن إنكاره .

والمرأة المتمتع بها لا يمكنها التزويج بعد المفارقة من الزوج الأول إلا بعد العدة واستبراء رحمها، فكيف تكون: «صولجانه يلعب بها» كما قاله بعض المفسرین، فدلالة الآية المباركة على أن المراد بها النكاح المؤقت لا غبار عليها .

الإشكال الثاني قال بعضهم : إنه قد استدل الجمهور بقوله تعالى : «فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ» [المؤمنون: 7]، على تحريم نكاح المتعة الذي هو النكاح المؤقت بأجل بلفظ المتعة، وهو استدلال ظاهر، إذ أن التي عقد عليها هذا لم تكن مملوكة ملك يمين، وهو ظاهر، ولم تكن زوجة؛ لأن العقد الزوجية لوازم تترتب عليه من صحة الطلاق والإرث والعدة ووجوب النفقة، وهي كلها منتفية في نكاح المتعة، وهو لا يحمل شيئا من خواص النكاح إلا التسمية المقيدة التي عرضت له من ناحية صورة العقد...

ثم قال : إن عقد النكاح هو الألفة والمحبة والشركة في الحياة. وأي ألفة وشركة تجيء من عقد لا يقصد منه إلا قضاء الشهوة على سبيل التوقيت، أليس الزنا يقع بالتراضي بين الزانيين على قضاء الوطر، وهل عقد نكاح المتعة إلا

ص: 226

هذا؟ !! وهل تقل المفاسد التي تترتب على نكاح المتعة عن المفاسد التي تترتب على الزنا؟!!

أقول: إن ما ذكره من أقوى ما قيل في هذا الموضوع، حيث جعل ما أباحه الله تعالی واعتبره عز و جل من إحدى الوسائل لتحصين النفس وسبيلا من سبل التعفف، كالزنا وما حرمه الله تعالى، وليس ذلك إلا من الجهل بأحكام الله تعالى والتعنت والعناد، فما ذكره بعيد عن البحث الموضوعي النزيه وجرأة على الله تعالی.

وكيف كان، فالإشكال على ما ذكره واضح بعد الإحاطة بما ذكرناه في التفسير :

أولا : بأن النكاح المؤقت هو من أفراد مطلق النكاح. وانتفاء بعض الأمور المعتبرة في النكاح الدائم كالطلاق والإرث ووجوب النفقه من الزواج المؤقت لأجل دليل شرعي لا يجعله خارجا عن صدق النكاح ويدخله في المحرمات .

وثانيا: أن هذه الأمور قد تنتفي من النكاح الدائم في بعض الحالات أيضا ، فلا بد أن يكون من الزنا كما يدعيه هذا الخصم، أما الطلاق فكما إذا وقع الزواج على امرأة فيها أحد العيوب المجوزة للفسخ، فإنه يجوز للزوج فسخ العقد من دون طلاق، وكذا بالنسبة إلى المرأة إذا وجدت في الرجل أحد العيوب التي تجوز الفسخ، فإنه يجوز لها فسخ العقد من دون طلاق، فانتفاء الطلاق لا يوجب رد الزواج إلى الزنا المحرم.

وأما الإرث، فإنه ربما ينتفي في الزواج الدائم أيضا، كما إذا تحققت في الزوجة أحد موانع الإرث، كالقتل والكفر، فإنه إذا ارتدت الزوجة وكفرت، فإنها لا ترث من زوجها .

وأما انتفاء العدة في الزواج الدائم فغير عزیز، فإنه لا عدة في الصغيرة غير البالغة، والكبيرة التي يئست عن المحيض، والزوجة التي لم يقاربها الزوج فطلقها قبل الاستمتاع بالمقاربة بها، مضافا إلى أنه لم يقل أحد بانتفاء العدة في المتعة والزواج المؤقت.

ص: 227

وأما وجوب النفقة، فلأن النفقة حق من حقوق الزوجة، يجوز للزوج الشرط على الزوجة حين العقد إسقاط هذا الحق، فلا تجب النفقة على الزوج حينئذٍ بمقتضى الشرط بينهما، كما تسقط النفقة عن الزوج أيضا في ما إذا نشزت الزوجة وامتنعت عن وظائف الزوجية.

فانتفاء هذه الأمور عن الزواج لا يصيرها من أفراد الزنا بالاتفاق من جميع الفقهاء، فليكن المقام كذلك، فإن الشارع الأقدس الذي شرع الزوج المؤقت ومطلق النكاح، فيكفينا عمومات النكاح والزواج الواردة في الكتاب والسنة، بعد تسالم العلماء وأهل المحاورة على أن تخصيص بعض العمومات لبعض الخصوصيات، لا يوجب سقوط العمومات عن التمسك بها.

وثالثا : أن جعل الألفة والمحبة من العلل الخاصة في النكاح والزواج بحيث أن الزواج لم يشرع إلا لأجلها من مجرد الدعوى، بل الدليل على خلافها، فإنه بناء على ما ذكره إذا تحقق في الحياة الزوجية الخصام والنزاع، فلا بد وأن تنفصم من دون طلاق؛ لانتفاء المعلول بانتفاء العلة، فالزواج الدائم والزواج المؤقت يشتركان في الإحصان والتعقف، وإنه لا يخلو فيهما من تحقق الألفة والمحبة، وهما من الحكمة التي لا كلية فيها ، كما هو واضح.

يضاف إلى ذلك أن عقد المتعة والزواج المؤقت قد يكون لأجل فيه طويلا ، بحيث يتكون منه أسرة تبني على الألفة والمحبة ويلحق بهما الولد، فلا يقصر الزواج المؤقت على أجل قصير، كساعة أو ساعتين مثلا ، كما يتصوره الخصم.

فما ذكره في الإشكال على المتعة باطل، وتشبيه المتعة المبنية على الإحصان بالزنا المبني على السفاح غير صحيح، كما هو واضح.

الإشكال الثالث : ادعي بعضهم الإجماع على الحرمة ونصخ المتعة، فقال : إن جمهور العلماء من الصحابة ومن بعدهم ذهبوا إلى أن نكاح المتعة حرام، وأن الآية الشريفة منسوخة إما بالسنة عند من يرى نسخ الكتاب بها ، ومن لم يره - کالشافعي - قال؛ إنها منسوخة بقوله تعالى : «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿5﴾

ص: 228

إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿6﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿7﴾» [المومنون: 5-7]، والمنكوحة في المتعة ليست بزوجة ولا ملك يمين.

ويرد عليه : أما ما ذكره من نسخ الكتاب بالسنة فسياتي الكلام فيه. وأما الإشكال في ما ذكره أخيرا، فقد تقدم فراجع.

وأما دعوى الإجماع في هذا الموضوع الذي كان مورد النزاع بين المسلمين من عصر التشريع حتى الآن، ممنوعة جدا، فإن الصحابة كانوا على الخلاف فيه.

والمعروف بين المسلمين أن علي بن أبي طالب علیه السلام كان يقول بجواز المتعة ومشروعيتها وعدم نسخها، وقد نقل عنه متواترا أنه قال: «لَولَا نُهِيَ عُمَرَ عَنْهَا لِمَا زُنِيَ إِلَّا شَقِيُّ». وتبعه في ذلك أهل بيته المعصومون علیهم السلام وأولاده ، حتى عرفوا واشتهروا به وسرت على هديهم شيعتهم، كما اعترف به الخصم، فقال العلامة القسطلاني في شرحه لصحيح البخاري: «قد وقع الإجماع على تحریمها إلا الروافض»، وهذه كتب الإمامية مشحونة بالروايات عن الأئمة علیهم السلام التي تدل على مشروعية المتعة، وتبين جميع حدودها وشروطها .

ولكن، نقل الجمهور أحاديث عن أمير المؤمنين عليه السلام علي أنه قال : «نهی رَسُولُ اللَّهِ صلی اللَّهِ علیه وَ اله ؛ عَنْ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ». كما روى البيهقي عن جعفر بن محمد علیه السلام أنه سئل عن المتعة فقال: «هِيَ الزِّنَا بِعَيْنِهِ»، وهذه الروايات آحاد لا يمكن الاعتماد عليها، لمعارضتها لأحادیث متواترة عنهم تدل على الحلية والإباحة ، كما سيأتي نقل بعضها .

كما أن من الأصحاب ابن عباس فقد اشتهر عنه أيضا : «كنا نتمتع على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله وعهد أبي بكر وشطرا من خلافة عمر حتى نهانا»، وقد عرف بهذا القول وسارت به الركبان.

وروى الجمهور عنه أنه رجع عن فتياه، وذكروا أنه خص الحلية في حال الاضطرار، ففي الدر المنثور أخرج ابن المنذر، والطبراني والبيهقي من طريق

ص: 229

سعید بن جبير قال: «قلت لابن عباس : ماذا صنعت؟ ذهب الركبان بفتياك، وقالت فيه الشعراء، قال : وما قالوا؟ قلت: قالوا:

أقول للشيخ لما طال مجلسه *** یا صاح هل لك في فتيا ابن عباس؟

هل لك رخصة الاطراف آنسة *** تكون مثواك حتى مصدر الناس؟

فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون. لا والله ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت ولا أحللتها إلا للمضطر ولا أحللت منها ما أحل الله من الميتة والدم ولحم الخنزير».

ويرد عليه أن رجوع ابن عباس عن فتياه مشكوك فيه، إذ لم ينقله أصحاب المجامع والمعروفين من الجمهور، والخبر السابق شاهد على ذلك. وأما تخصیصه الحلية بحال الاضطرار، فهو يرجع إلى نفسه، فقد كانت عنده من القرائن التي أوجبت عليه أن يحكم بذلك. مع أن الاضطرار يوجب الإباحة في جميع الأزمان والأعصار، فلماذا لم يحكم بالحلية غيره من العلماء

ومن القائلين بالإباحة ابن مسعود، ففي صحيح البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: «كنا نغزوا مع رسول الله صلی الله علیه و آله ، وليست معنا نساؤنا، فقلنا: أنستخصي؟ فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ» [المائدة : 87]» .

ومن القائلين بالإباحة من الصحابة جابر وعمرو بن حریث، وغيرهم، ومن التابعين القائلين بالإباحة مجاهد، ففي تفسير الطبري عن مجاهد في قوله تعالی : «فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ» (النساء: 26] قال: يعني نكاح المتعة .

ومنهم السدي وسعيد بن جبير وغيرهم، ومع وجود المخالف كيف يتم الإجماع المدعى على التحريم، فالآية الشريفة محكمة غير منسوخة لا بالكتاب ولا بالسنة، وسيأتي مزید کلام في ذلك.

ص: 230

روايات في الموضوع

في الكافي: وتفسير العياشي عن محمد بن مسلم قال : «سألت أبا جعفر علیه السلام عن قوله تعالى : «وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» [النساء: 24]؟ قال : هو أن يأمر الرجل عبده وتحنه أمته، فيقول: اعتزل امرأتك ولا تقربها ، ثم يحبسها عنه حتى تحيض ثم يمسها، فإذا حاضت بعد مسه إياها ردها عليه بغیر نکاح».

أقول: الحديث يبين الاحصان الأمة وملك اليمين والاباحة التمتع بها من المولى بالشرط المذكور في الحديث وهو موافق للقاعدة ؛ لفرض أن المنافع ملك للمولی، فله أن ينتفع منها بأي وجه لكن مع ملاحظة الجهات الشرعية .

وفي تفسير العياشي: عن ابن مسكن، عن أبي بصير، عن أحدهما عليهم السلام في قول الله تعالى: «وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» قال علیه السلام : «هن ذوات الأزواج، إلا ما ملكت أيمانكم إن کنت زوجت امتك غلامك نزعتها منه إذا شئت، فقلت: أرأيت أن زوج غير غلامه؟ قال: ليس له أن ينزع حتى تباع، فإن باعها صار بضعها في يد غيره، فإن شاء المشتري فرق، وإن شاء أقر».

أقول: تقدم ما يبين الحديث، وهو موافق للقاعدة أيضا.

وفي الفقيه : عن الصادق علیه السلام في قول الله تعالى: « الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ»، قال: «هن ذوات الأزواج، فقيل: «الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتابَ مِنْ قَبْلِکُمْ» [المائدة: 5]؟ قال: هن العفائف».

أقول: المراد منها العفائف في حال كونهن مزوجات، ولعل اختلاف التعبير لأجل الفرق بين نساء المسلمات ونساء أهل الكتاب ، فإن الأولى لهن استحقاق الاتصاف بالإحصان من كل جهة بعد التزويج، والثانية تتحقق العقة بالأزواج فقط.

وفي الدر المنثور: أخرج الطيالسي وعبد الرزاق والفريابي، وابن أبي شيبة ،

ص: 231

وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم وأبو داود، والترمذي والنسائي، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطحاوي وابن حبان، والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري : «إن رسول الله صلی الله علیه و اله: بعث يوم حنين جيشا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكان أناسا من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و اله تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك : «وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» [النساء: 24)، يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بذلك فروجهن».

أقول: روي مثل ذلك عن الطبراني عن ابن عباس، وقد روي في سبب نزول هذه الآية الشريفة بعض الأخبار، وهو على فرض الاعتبار لا يخصص عموم الحكم الوارد فيها ، كما هو واضح.

ثم إنه قد وقع النزاع في مشروعية المتعة وادعي نسخها بالسنة، ونحن نذكر الروايات الدالة على المشروعية، ثم تذكر الأحاديث التي يدعی دلالتها على نسخها والمناقشة فيها .

الروايات الدالة على المشروعية:

في الكافي : بإسناده عن أبي بصير قال : «سألت أبا جعفر علیه السلام عن المتعة فقال : «نزلت في القرآن : «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لاجُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ» [النساء: 24)».

وفيه بإسناده عن أبي عبد الله صلی الله علیه و آله قال: «المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السنة من رسول الله صلی الله علیه و اله.

وفي تفسير العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السلام: «قال جابر بن عبد الله عن رسول الله صلی الله علیه و آله: إنهم غزوا معه فأحل لهم المتعة ولم يحرمها، وكان علي عليه السلام يقول: لولا ما سبقني به ابن الخطاب - يعني: عمر - ما زني إلا شقي، وكان ابن عباس يقول: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ

ص: 232

أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً»، وهؤلاء يكفرون بها ورسول الله صلی الله علیه و آله أحلها ولم يحرمها».

أقول: في رواية : «مَا زُنِيَ إِلَّا شُفِيَ»، وفي رواية ثالثة : «إلا شقي».

وفي الكافي : بإسناده عن زرارة قال: «جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى أبي جعفر عليه السلام، فقال له : ما تقول في متعة النساء؟ فقال : أحلها الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه، فهي إلى يوم القيامة ، فقال : يا أبا جعفر، مثلك يقول هذا وقد حرمها عمر ونهی عنها؟! فقال: إني أعيذك بالله من ذلك، أن تحل شيئا حرمه عمر، قال: فقال له : فأنت على قول صاحبك وأنا على قول رسول الله صلی الله علیه و آله، فهلم ألاعنك أن القول ما قال رسول الله صلی الله علیه و آله، وأن الباطل ما قال صاحبك ، فأقبل عبد الله بن عمير، فقال: أيسرك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمك يفعلن؟ قال: فأعرض عنه أبو جعفر علیه السلام حين ذكر نساءه وبنات عمه».

أقول: الروايات في هذا المعنى متواترة عن أئمة أهل البيت علیهم السلام.

وفي صحيح الترمذي : عن محمد بن كعب عن ابن عباس قال: «إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فيحفظ له متاعه ويصلح له شيئه حتى إذا نزلت الآية : «إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» [المؤمنون: 6]، قال ابن عباس: فكل فرج سوى هذين فهو حرام».

أقول: قد تقدم في البحث العلمي ما يتعلق بهذا الحديث، وذكرنا أن ابن عباس ممن عرف عنه الجواز، ولازم هذا الخبر أن النسخ كان بعد فتح مكة ؛ لأن الآية الشريفة مكية.

وفي صحيح مسلم : عن عبد الله قال: «كنا نغزوا مع رسول الله صلی الله علیه و اله ليس لنا نساء، فقلنا : ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل».

وروي أيضا عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع: «خرج علينا منادي رسول الله صلی الله علیه و آله، فقال : إن رسول الله قد أذن لكم أن تستمتعوا، يعني: متعة النساء».

ص: 233

وروي أيضا عن جابر قال : «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلی الله علیه و اله، حتى نهی عنه عمر».

وفي صحيح البخاري ورواه في الدر المنثور عن البد الرزاق وابن أبي شيبة ، عن ابن مسعود قال: «كنا نغزوا مع رسول الله صلی الله علیه و اله، وليس معنا نساؤنا، فقلنا : ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ورخص لنا أن نتزوج المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ» [المائدة : 87].

وفي الدر المنثور - أيضا - : من طريق مولى الثريد قال : «سألت ابن عباس عن المتعة، أسفاح هي أم نکاح؟ فقال : لا سفاح ولا نکاح، قلت: فما هي؟ قال: هي متعة كما قال الله تعالى، قلت: هل لها من عدة؟ قال : عدتها حيضة، قلت: هل يتوارثان؟ قال: «لا».

أقول: يأتي في البحث الفقهي ما يتعلق بهذا الحديث.

وفيه - أيضا - : أخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: «يرحم الله عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي، وقال: وهي التي في سورة النساء : فما استمتعتم به منهن إلى كذا وكذا من الأجل على كذا وكذا ، قال : وليس بينهما وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنعم، وإن تفرقا فنعم، وليس بينهما نکاح، وأخبر أنه يراها الآن حلالا».

أقول: يدل الحديث على أن ما نسب إلى ابن عباس من الحرمة ليس بثابت .

وفي تفسير الطبري ورواه في الدر المنثور عن عبد الرزاق وأبي داود في ناسخه عن الحكم: «أنه سئل عن هذه الآية الشريفة، أمنسوخة؟ قال: لا، وقال علي: لولا أن عمر نهی عن المتعة ما زني إلا شقي».

أقول: الروايات في ذلك كثيرة، وجميعها تدل على أصل التشريع.

ص: 234

قراءة الآية الشريفة:

القراءة المعروفة بين المسلمين في آية المتعة أنها تقرأ بدون جملة: «إلى أجل مسمى»، ولكن وردت بعض الروايات التي هي على خلاف هذه القراءة المعروفة.

ففي الكافي بإسناده عن ابن أبي عمير، عمن ذكره، عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «إنما نزلت: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن فريضة».

أقول: القراءة المعروفة عند الإمامية هي بدون هذه الجملة، وهي المتبعة ، ولعل ما ورد في الحديث إنما لبيان معنى المتعة وبعض شروطها، كما يظهر من قول ابن عباس في الحديث المتقدم.

مع أن الإمامية في غنى عن هذه القراءة، فإنهم يصرحون بكفاية الآية المباركة عي أصل التشريع، ولعل ذكر الإمام لهذه القراءة إنما هو لأجل موافقة بعض القراءات المنسوبة إلى الجمهور، كما يدلج عليه الحديث الآتي

وفي مستدرك الحاكم بإسناده عن أبي نضرة، ورواه ابن جرير قال: «قرأت على ابن عباس : فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى، فقلت: ما نقرؤها كذلك، فقال ابن عباس : والله لانزلها الله كذلك».

وفي الدر المنثور: أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ، قال : «في قراءة أبي بن كعب : فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى».

أقول: روى هذه القراءة الجمهور بطرق عديدة عن أبي بن كعب وابن عباس، وأصل هذه القراءة صادرة من الجمهور، وإنما دخلت في روايات الإمامية منهم.

ص: 235

الروايات الدالة على النسخ والتحريم:

الروايات التي استدلج بها على تحريم المتعة ونسخها متعددة، نقلها الجمهور في كتبهم، وهي مختلفة، فبعضها تدل على نسخها بالكتاب، وبعضها تدل على نسخها بالسنة، وبعضها تدل على نهي الخليفة الثاني إياها، ونحن نذكر جملة من الأقسام الثلاثة:

القسم الأول: روى الحاكم في المستدرك عن عبد الله بن عبد الله بن أبي ملكية : «سألت عائشة عن متعة النساء؟ فقالت : بيني وبينكم كتاب الله تعالى، قال: قرأت هذه الآية: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿5﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿6﴾» [المومنون: 5-6]، فمن ابتغى وراء ما زوجه الله أو ملکه فقد عدا».

أقول: تقدم ما يتعلق بهذا الحديث في البحث السابق، وقلنا: إن المتعة الجامعة للشرائط الشرعية زواج.

وفي الدر المنثور: أخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر والنحاس من طریق عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» [النساء: 24)، قال نسختها: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ» [الطلاق: 1]، وقوله تعالى: «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ» [البقرة : 228]، وقوله تعالى: «وَالئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ» [الطلاق: 4].

أقول: تقدم ما يتعلق بذلك في البحث السابق، وأنه لا وجه للنسخ أصلا وفيه - أيضا - : خرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، والنحاس والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال : «نسخت آية الميراث المتعة».

أقول: لا وجه للنسخ، بل هو تخصيص حكمي كما عرفت، وسيأتي في البحث الفقهي ما يتعلق بذلك.

ص: 236

وفيه: أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن مسعود قال : «المتعة منسوخة، نسخها الطلاق، والصدقة، والعدة، والميراث».

أقول: أما نسخ المتعة بالطلاق، فقد تقدم، وأما الصدقة - أي : الصداق - فلا ريب في صدقه على المهر، كما يصدق عليه الأجرة أيضا، كما يدل عليه القرآن والسنة، فلا منافاة في التسمية حينئذ، وأما الميراث فقد عرفت أنه تخصيص حكمي.

وفي الدر المنثور - أيضا - : أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن علي علیه السلام قال: «نسخ رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل صدقة، ونسخت المتعة الطلاق والعدة والميراث، ونسخت الضحية كل ذبيحة».

أقول: نسبة ذلك إلى علي عليه السلام - الذي عرف منه القول بجواز المتعة - غير صحيحة، وأما النسخ فقد عرفت فيه الكلام.

وفي صحيح الترمذي عن محمد بن کعب، عن ابن عباس قال: «إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فيحفظ له متاعه ويصلح له شيئه، حتى إذا نزلت الآية : «إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» [المومنون: 6]، قال : ابن عباس فكل فرج سوى هذين فهو حرام».

أقول: تقدم ما يتعلق بذلك في البحث السابق.

القسم الثاني : الروايات التي تدل على أن المتعة منسوخة، وهي محرمة بالسنة القاطعة، وقد نقلها الجمهور في كتبهم، وقد اختلفوا في زمان نسخها، ونحن ننقل جملة منها أيضا .

ففي صحيح مسلم : «أَنَّ النَّبِيَّ صلی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ نَهَى عَنْ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ».

وفيه : أيضا عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه: «أن رسول الله صلی اللَّهِ علیه وَ آلِهِ، قال : ألا أنها - المتعة حرام - من يومكم هذا إلى يوم القيامة ، ومن كان أعطى شيئا فلا يأخذه».

ص: 237

أقول: هذه الأحاديث تدل على الحرمة من دون تقييد بوقت معین، ويأتي ما يتعلق بها .

وفي صحيح مسلم: عن أياس بن سلمة، عن أبيه قال: «رخص رسول الله صلی الله علیه و آله عام أوطاس في المتعة ثلاثا - أي : ثلاثة أيام - ثم نهى عنها».

أقول: يستفاد أنه كان النسخ بعد فتح مكة ؛ لأن أوطاس واد في ديار هوازن اجتمع فيه المشركون بعد انهزامهم يوم حنين، وذلك بعد فتح مكة.

وروي عن سبرة الجهني أيضا قال: «أمرنا رسول الله صلی الله علیه و آله بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم يخرج حتى نهانا عنها».

وفي الدر المنثور: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال : «رخص لنا رسول الله صلی الله علیه و آله في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام، ثم نهی عنها بعدها».

وروى مسلم عن علي علیه السلام: «أن رسول الله صلی الله علیه و آله نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية».

أقول: روي مثله عدة روایات .

وفي شرح ابن العربي لصحيح الترمذي عن إسماعيل، عن أبيه الزهري: «أن سبرة روى أن النبي صلی الله علیه و آله نهی عنها في حجة الوداع».

وفيه - أيضا - : عن الزهري: «أن النبي صلی الله علیه و آله نهی عن المتعة في غزوة تبوك».

وفيه : قال الحسن: «إنها في عمرة القضاء».

أقول: اختلاف هذه الروايات يدل على سقوطها، إلا أن بعضهم حملها على تكرار النهي، ولكنه موهون بذهاب جمع من الأصحاب إلى الحلية ، كعلي عليه السلام وابن عباس وابن مسعود وجابر وأبو سعيد وعمرو بن حریث وغيرهمم - كما قال ابن حزم - ولا يمكن خفاؤها علهيم مع لالة شأن أكثرهم، فهي موهونة بالاختلاف والمعارضة بالقول والفعل، كما عرفت .

ص: 238

القسم الثالث : الروايات التي تدل على نهي الخليفة الثاني عنها وهي كثيرة ، ننقل بعضا منها : ففي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال : «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله، وأبي بكر، حتى نهی عنه عمر في شأن عمرو بن حریث».

أقول: نقله جمع من العلماء كابن الأثير في جامع الأصول، وابن القيم في زاد المعاد، وابن حجر في فتح الباري، والمتقي الهندي في كنز العمال.

وفي الدر المنثور: أخرج مالك وعبد الرزاق عن عروة بن الزبير : «أن خولة بنت حکیم دخلت على عمر بن الخطاب فقالت: «إن ربيعة ابن أمية استمتع بامرأة مولدة، فحملت منه، فخرج عمر بن الخطاب يجر رداءه فزعا، فقال : هذه المتعة ولو کنت تقدم فيها لرجمت».

أقول: نقل ذلك الشافعي في الأم، والبيهقي في السنن الكبرى.

وفي صحيح مسلم عن أبي نضرة قال : «كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال: «إن ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله صلی الله علیه و آله، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما».

أقول: رواه مسلم في مواضع ثلاثة، وروى مثله البيهقي في السنن الكبرى والمتقي الهندي في کنز العمال، والسيوطي في الدر المنثور، والرازي في تفسيره، والطيالسي في مسنده، والجصاص في أحكام القرآن.

وفي تفسير القرطبي عن عمر أنه قال في خطبته : «متعتان كانتا على عهد رسول الله صلی الله علیه و اله، وأنا أنهی عنهما وأعاقب عليهما، متعة الحج ومتعة النساء».

أقول: قد تسالم الجميع على هذه الخطبة، وذكروها في كتب التفسير والتاريخ والفقه والكلام.

وفي بداية المجتهد لابن رشد عن جابر بن عبد الله : «تمتعنا على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله وأبي بكر ونصفا من خلافة عمر، ثم نهى عنها عمر الناس».

أقول: الأحاديث في مضامین ذلك كثيرة، من شاء فليراجع كتب الحديث

ص: 239

والفقه . وهذه الروايات تدل على أن الناسخ ليس هو رسول الله صلی الله علیه و اله، بل هو الخليفة الثاني، فتكون معارضة مع تلك الروايات التي دلت على نهي الرسول صلی الله علیه و اله لها ولا مرجح فتتساقطان، فيرجع إلى أصل التشريع التي دلت عليه الأخبار الكثيرة التي تقدم ذكر شطر منها .

مع أننهي الخليفة يحتمل فيه وجوه ثلاثة :

الأول: أن يكون النسخ والنهي دائميا أبديا.

الثاني: أن يكون حكما وقتيا لأجل مصالح كثيرة، كما يستفاد من بعض الروايات المتقدمة، منها حديث خولة بنت حکیم .

الثالث : أن يكون ترغيبا إلى التقليل من هذا العمل والتحريض على الزواج الدائم.

ومع وجود هذه الاحتمالات لا يمكن الجزم بالاحتمال الأول، فيبقى أصل التشريع سالما عن جميع ما يصلح للمعارضة، ولا موجب لرفع اليد عنه.

ص: 240

النكاح المؤقت وبعض أحكامه

تقدم أن قوله تعالى : «فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» [النساء: 24] يدل على حلية نكاح المتعة بشرائطها المقررة الآتية.

والآية الشريفة هي الآية الوحيدة الواردة في القرآن الكريم التي وردت في هذا الموضوع بالخصوص، وإن قلنا بشمول العمومات الواردة في مطلق النكاح للنكاح المؤقت أيضا ، وقد عرفت أنه اتفق المسلمون واستفاضت رواياتهم على أن المتعة نکاح شرع في دين الإسلام، وعليه كان عمل المسلمين برهة من الزمن، ويعتبر في صحة النكاح المؤقت شروط لا بد من ذكرها في المقام، كما دلت عليها السنة الشريفة.

الأول: يعتبر في الزوجين الكمال بالبلوغ والعقل، أو إذن وليهما إن كانا قاصرين، كما يعتبر في النكاح الدائم، وهو معلوم لا ريب فيه.

الثاني: أن لا تكون المرأة مما يحرم نکاحها بالنسب أو السبب أو في العدة ، وهذا مما لا شك فيه كما ذكر مفصلا في الفقه ، ومن شاء فليراجع کتاب النكاح من (مهذب الأحكام).

الثالث : ذكر الأجرة، ويدل عليه الكتاب والسنة الشريفة، فلو لم يذكر بطل العقد، ولا تحديد في الأجرة، بل يكفي فيها كل ما تراضيا عليه، وقد تقدم في حديث جابر : «كنا نتمتع بالثوب وقبضة من التمر».

الرابع : ذكر المدة، وتدل عليه السنة الشريفة والإجماع، فلو لم تذكر يكون

ص: 241

العقد دائما، كما ذكرنا في كتاب النكاح في الفقه، ولا فرق في ذلك بين المدة القليلة والكثيرة، نضا وإجماعا.

الخامس: إجراء صيغة العقد بأن تقول المرأة: «متعتك نفسي - أو - أنكحتك نفسي في مدة كذا بأجرة كذا»، ويقول الرجل : «قبلت النكاح كذلك»، هذا كله إذا لم تكن مفسدة أو شين في البين، وإلا فلا وجه للصحة.

وإذا تحققت جميع الشروط يتم العقد بين الزوجين، فيجوز لكل واحد منهما التمتع بالآخر، كما في العقد الدائم، وينفسخ العقد بانقضاء المدة أو فسخ العقد، وهبة المدة، وهذا بمنزلة الطلاق في العقد الدائم، وحينئذ تصير المرأة أجنبية عن الرجل والولد ملحق بهما، ويجب على الوالد الانفاق عليه ، وتجب على المرأة العدة إذا تمتع الرجل بالغشيان والدخول، فلا يجوز لها التزويج بالغير بعد انقضاء العقد الأول مباشرة إلا بعد انقضاء العدة، وهي في المتعة حيضتان، فإذا انقضى الحيض الثاني يجوز لها التزویج بآخر، سواء بالعقد الدائم أم بالعقد المنقطع.

ومن أحكام النكاح المؤقت أنه لا توارث بين الزوجين ؛ لأن الإرث حکم شرعي ثبت في كل مورد يدل عليه الدليل، وينتفي إذا دل الدليل على عدمه كما في الزوجة الكتابية والمسلمة القاتلة لزوجها، وفي المقام دل الدليل على انتفائه ، وقد عرفت في البحث السابق أنه لا ملازمة شرعية ولا عقلية بين الزوجية والإرث، بل يتبع الدليل في ثبوته، وفضلناه القول في أحكام العقد المنقطع في کتابنا (مهذب الأحكام) فراجع.

ولا ريب أن المتعة من سبل المنع عن الفحشاء والمنكر، كما ورد في الأحاديث السابقة بعض الأسباب التي دعت إلى مشروعية المتعة والنكاح المؤقت، ولك ما كان كذلك، فالعقل يحكم بحسنه بل قد یری قبح ترکه، كما في أصل النكاح.

وقد ذكرنا أن نسخ التشريع على فرض وقوعه وصحته إنما كان لمصالح وقتية رآها الحاكم، وحينئذ لا يمكن استفادة الحرمة الأبدية .

ص: 242

وعلى فقهاء المسلمين (رفع الله تعالى شأنهم) إعادة النظر في هذا الموضوع المهم في هذا العصر، الذي كثر الفحشاء والمنكر فيه، وانقلب المعروف منكرا والمنكر معروفا، وزاد جرأة الناس على ارتكاب المآثم والموبقات، وامتازت المجالس بالمخالطة بين الجنسين من دون رادع ديني، واشتدت المخالطة بينهما بلا حجاب، وكادت الإباحية أن تستولي على المجتمع الإسلامي كما تراها في المجتمع الغربي الكافر، والمسؤولية إنما تقع على العلماء وغيرهم، ولا أقل من سد باب الذرائع من الوقوع في الفحشاء، حيث يحكم به جميع علماء الجهور، بل علماء الإسلام بأجمهم، والنكاح المؤقت مع الشروط المطلوبة من أحسن الطرق، مع أن فرقة كبيرة من المسلمين أن يسدوا باب الفحشاء باحياء سنة رسول الله صلی الله علیه و آله حتى يسد الله تعالى عليهم أبواب البلاء والمحن، التي عجزت عقول البشر عن معالجتها ورفعها ، والله الموفق للصواب(1)

ص: 243


1- م - ن: 31 - 55 ج 8.

مرجوحية نكاح الإماء

اشارة

«وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَافِحَتٍ وَ لَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» [النساء: 25]

تدل الآيات الشريفة على أمور:

الأول : تدل مجموع الآية الشريفة : «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ...» علی مرجوحية نكاح الإماء، حيث اشترط عز و جل في جواز نكاحهن أمرين: عدم الطول، وخوف العنت، وما تضمنته الآية المباركة من الترغيب في نكاحهن عند توفر الشرطين ثم الأمر بالصبر أخيرا والإرشاد إلى ترك ذلك بل استحبابه ، كل ذلك يدل على مرجوحية النكاح بهن وكراهته، ولكن لا يستفاد من جميع ذلك حرمة نكاحهن، وهو المشهور بين العلماء.

وذهب جمع إلى الحرمة إذا فقد أحد الشرطين المزبورين لمفهوم الآية الكريمة، فإن الأول مفهوم الشرطة، والثاني وإن كان مفهوم الصفة، إلا أنه لا يقصر عن المنطوق في الدلالة، واستدلوا على ذلك بجملة من الروايات التي حملها على الكراهة أولى من الحرمة، بقرينة جملة أخرى من الأحاديث.

وأما المفهوم، فلا حجة فيه مع سياق الآية الشريفة الدال على التنزه كما

ص: 244

عرفت، ولدخول نکاح الإماء بالعقد في الفرض المزبور تحت العمومات الدالة على الإباحة، والتفصيل مذكور في كتب الفقه .

الثاني: يستفاد من قوله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ» [النساء: 25]، رجحان النكاح بالحرائر المؤمنات مع التمكن من المهر.

الثالث: ظاهر الآية الشريفة يدل على أنه لا بد لكل نکاح من مهر، وإن لم يكن ذكره لازمة في متن العقد.

الرابع: يستفاد من قوله تعالى : «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُم بَعْضُكُم مِّن م بَعْضٍ» [النساء : 25] الرد على العادات والتقاليد التي كانت سائدة في هذا النوع من أفراد المجتمع الإنساني، وهم العبيد والإماء الذين كانوا في أشدج معاناة وأعظم محنة، فاعتبر الإسلام أنهم من أفراد المجتمع الإنساني، فهم يحسون ما تحسونه ويعانون ما أنتم تعانون منه، فإن بعضهم من بعض، وإذا انضم إلى ذلك الإيمان كان الارتباط أوثق والوشيجة بين الأفراد أمتن، فإن في المجتمع الإسلامي من الروابط بين الأفراد ما لم تكن في أي مجتمع آخر، ولعل ما ورد عن علي عليه السلام: «الناس صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق» ، مقتبس من مثل هذه الآية الشريفة، كما تدل هذه الآية أيضا على أن الأحكام الإلهية لا يمكن أن تقبل التغيير تبعا للعادات والتقاليد الباطلة، فإنها أحكام واقعية تشتمل على مصالح، فلا يصح أن يعتبر نکاح الإماء عارا عند الحاجة إليه بعد الإيمان، وأنه أكبر رادع عن ارتكاب السوء والفحشاء نوعا.

الخامس: يدل قوله تعالى : «مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ» [النساء : 20]، على وجه الحكمة في التشريع في هذا الأمر التكويني، فإن الله تعالى إنما شرع الأحكام المرتبطة بالنکاح مطلقا، لأجل تهذيب هذا الأمر الفطري وتحديده، بحيث يحتفظ فيه داعي العقل والفطرة، فلا يسرح فيه كالبهائم ليس همه إلا اتباع الشهوة وإرضاء داعي الفطرة، فكان النكاح أمرا تربويا في نظر الإسلام، وليس

ص: 245

مجرد كونه أمرا تكوينيا واتباعا للشهوة العارمة، ولا بد في النكاح من ملاحظة کونه رادعا عن الفحشاء وصارفا عن السفاح، فالنكاح الشرعي من أهم سبل ترويض النفس وتهذيبها، والصبر عن الحرام .

أما التوالد والتناسل، فهما أمران تکوینیان يترتبان على المقاربة وغشيان النساء، ويصلحان بصلاح المنشأ والسبب ؛ ولذا اهتم الإسلام في تحديد العلاقة الزوجية بأن حدد لها شروطا وآدابا؛ لأنها السبب في صلاح النسل وفساده، فما ذكره جمع من أن الحكمة في نظر الإسلام إنما هو تكوين الأسرة والنسل، فهو خلاف ظاهر الآيات الشريفة، مع أن ما ذكروه مترتب على نوع تلك العلاقة، لا مجرد تكوين الأسرة والنسل بأي وجه حصل، فرب أسرة تشكلت من الحرام وحصل منها النسل الكثير، ولكنه في نظر الإسلام مذموم وقبيح.

السادس: يستفاد من قوله تعالى : «فَإِذٰا أُحْصِنَّ» [النساء: 25] أن الغاية من النكاح هو الإحصان، كما ذكره عز و جل آنفا، وأنه لا ينبغي لمن أحصن نفسه فعل الفاحشة وارتكاب السوء والآثام، فإنهما جهتان لا يجتمعان، فإذا صدر منهن ذلك فعليهن نصف ما على الحرائر من العذاب، وهذا مختص بما يقبل التنصيف. وهو الجلد دون الرجم، كما عرفت.

بحث روائي في الموضوع:

في الكافي : عن الصادق عليه السلام قال: «لا ينبغي أن يتزوج الحر المملوكة اليوم، إنما كان ذلك حيث قال الله عز و جل: «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا» [النساء: 25]، والطول المهر، ومهر الحرة اليوم مهر الأمة أو أقل».

أقول: هذه الرواية تدل على كراهة التزویج مع فقد الشرط، والتفصيل مذكور في الفقه.

وفي المجمع: عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في قوله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا» [النساء: 25]: «أي: من لم يجد منكم غنی».

ص: 246

أقول: المستفاد من الرواية أن ذكر الغني والمهر في الحديثين من باب بیان ذکر مصادیق الطول، والمراد منهما القدرة العرفية.

وفي التهذيب : عن أبي العباس البقباق، قال: «قلت لأبي عبد الله علیه السلام: «يتزوج الرجل الأمة بغير علم أهلها؟ قال : هو زنا، إن الله تعالى يقول: «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» [النساء : 25]» .

أقول: الحديث موافق للقواعد العامة، فإن التصرف في ملك الغير غير جائز إلا بإذنه، وفي النكاح يكون زنا قهرا.

وفي تفسير العياشي: قال : «سألته عن المتعة، أليس هي بمنزلة الإماء؟ قال علیه السلام: نعم، أما تقرأ قول الله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ» - إلى قوله تعالى - «وَ لاَ مُتَّخِذِی أَخْدَانٍ» [النساء: 25]؟! فكما لا يسع الرجل أن يتزوج الأمة وهو يستطيع أن يتزوج الحرة فكذلك لا يسعى الرجل أن يتمتع بالأمة، وهو يستطيع أن يتزوج بالحرة».

أقول: الحديث يدل على أن نكاح المنقطع کالنكاح الدائم في هذه الجهة، وتقدم في التفسير أنه مستفاد من إطلاق الآية الشريفة، والحديث رد على من زعم أن المتعة لا تجوز مع التمكن من نكاح الأمة.

وفي التهذيب : عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال : «سألت الرضا علیه السلام يتمتع بالأمة بإذن أهلها؟ قال: نعم، إن الله تعالى يقول: «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ»

أقول: الحديث نص في أن المتعة نكاح يجري فيها ما يجري في النكاح الدائم، إلا ما خرج بالدليل.

وفي الكافي وتفسير العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أحدهما علیهم السلام قال : «سألته عن قول الله تعالى في الإماء: «فَإِذَا أُحْصِنَّ» [النساء: 25]، ما إحصانهن؟ قال: يدخل بهن، قلت: فإن لم يدخل بهن ما عليهن حد؟ قال علیه السلام: بلی».

ص: 247

أقول: الحديث يدل على أنه لا مفهوم للآية الشريفة بالنسبة إلى إقامة الحد عليهن.

وفي التهذيب : عن بريد العجلي، عن أبي جعفر علیه السلام: «ي الأمة تزني، قال : تجلد نصف الحد، كان لها زوج أو لم يكن».

أقول: تقدم ما يرتبط بهذا الحديث، وهو في مقام شرح الآية الشريفة.

وفي تفسير العياشي: عن حريز قال : «سألته عن المحصن؟ قال علیه السلام: الذي عنده ما يغنيه».

أقول: الحديث وإن ورد في الرجل المحصن، لكن مقتضى قاعدة الاشتراك والأخبار الواردة في هذا السياق، تساوي المرأة المحصنة مع الرجل في هذه الجهة.

وفي تفسير القمي في الآية الشريفة :

«فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَیْنَ بَفحِشَهٍ» [النساء: 25] الآية قال: «يعني به العبيد والإماء إذ زنيا ضربا نصف الحد، فمن عاد فمثل ذلك حتى يفعلوا ذلك ثماني مرات، ففي الثامنة يقتلون، قال الصادق علیه السلام: وإنما صار يقتل في الثامنة ؛ لأن الله رحمه أن يجمع عليه ريق الرق وحد الحر».

أقول؛ قد ورد أن أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة والثالثة، وهذا الحديث يشرح ذلك بالنسبة إلى العبيد والإماء.

وفي الكافي : عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله علیه السلام: في عبد مملوك قذف حرا، قال علیه السلام: يجلد ثمانین، هذا من حقوق الناس، فأما ما كان من حقوق الله عز و جل فإنه يضرب نصف الحد، قلت: الذي من حقوق الله عز و جل ما هو؟ قال علیه السلام: إذا زنى أو شرب خمرا فهذا من الحقوق التي يضرب عليه نصف الحد».

أقول: الحديث شارح لجملة كثيرة من ما ورد في المقام.

وهناك فروع فقهية مرتبطة بنكاح العبيد والإماء، ذكرنا شطرا منها في كتابنا (مهذب الأحكام)، ومن شاء فليرجع إليه.

ص: 248

وفي الدر المنثور: أخرج ابن جرير عن ابن عباس قا: «المسافحات المعلنات بالزنا، المتخذات اخدان ذات الخليل الواحد، قال : كان أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي، يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذل. فأنزل الله تعالى : «وَ لَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ» [الأنعام: 151]».

أقول: تقدم في التفسير ما يتعلق بالآية الشريفة(1)

ص: 249


1- م - ن : 17 - 71 ج 8.

من أحكام الميراث

«وَ لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿12﴾ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿13﴾ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَ لَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴿14﴾ وَالتِي يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴿15﴾ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴿16﴾ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿17﴾ وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿18﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَ لَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَ يَجْعَلَ اللَّهُ

ص: 250

فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴿19﴾ وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَ إِثْمًا مُبِينًا ﴿20﴾ وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴿21﴾وَ لَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَ مَقْتًا وَ سَاءَ سَبِيلًا ﴿22﴾ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خَالَاتُكُمْ وَ بَنَاتُ الْأَخِ وَ بَنَاتُ الْأُخْتِ وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَ رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿23﴾وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿24﴾ وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَ لَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿25﴾ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿26﴾ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴿27﴾ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴿28﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَ لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴿29﴾ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَ ظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَ كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿30﴾ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴿31﴾وَ لَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ

ص: 251

صِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴿32﴾وَ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴿33﴾ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَ بِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَالتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴿34﴾ وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴿35﴾» [النساء: 12-35).

يستفاد من الآيات الشريفة المتقدمة أحكام شرعية متعددة، نذكر المهم منها في المقام.

منها : ذكر بعضهم أنه يمكن أن يستفاد من قوله تعالى : «لِلرِّجالِ نَصِیبٌ مِمَّا اکْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِیبٌ مِمَّا اکْتَسَبْنَ» [النساء: 32)، أن لكل منهما نصيبا من الميراث على ما قسمه الله تعالى، وقد ذكرنا أن الآية الشريفة أعم من ذلك، كما عرفت.

ومنها: أنه يدل قوله تعالى: «وَ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ» [النساء: 33)، على أن لكل ميت وارثا معينا من الآباء والأقرباء، يرثونه مما ترك، وأمر عز و جل بإعطاء كل منهم نصيبه بالكيفية المقررة في الآيات السابقة.

كما أن الآية الكريمة تدل على أن الأقرب أولى بالميراث من الأبعد، فأولاهم بالميت أقربهم إليه في الرحم، كما في آية أولوا الأرحام، ومنها تستفاد قاعدة كلية مذكورة في الإرث، وهي: «إن الأقرب يمنع الأبعد»، وتقتضيها كثير من الروايات، وتعرضنا لها في كتاب الإرث من (مهذب الأحكام).

وأما قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ» [النساء: 33]، فإنه يدل على أن من يدخل في المولي بسبب المعاقدة والمعاهدة أيضا له نصيبه، وقد اختلف المفسرون والعلماء في المراد من هؤلاء، حتى قال بعضهم: إن الآية منسوخة.

ص: 252

ولكن ذكرنا أن الآية المباركة مطلقة تدل على ثبوت التوارث بالمعاهدة ولمعاقدة، فتشمل إرث الزوجين وضمان الجريرة والإمام، كما دلت عليه السنة الشريفة، ففي الحديث عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «أنا وارث من لا وارث له»، وفي بعض الروايات عن الأئمة المعصومين علیهم السلام تنازلوا عن حقه لمصالح عامة.

إلا أن لإرث هؤلاء شرائط وقيودا مذكورة في الفقه ، فراجع كتابنا (مهذب الأحكام). والآية الكريمة تدل على أن إرث الذين عقدت أيمانكم متأخر في الرتبة على إرث أولي الأرحام والأقربين.

ومنها : أنه يدل قوله تعالى : «واَلرِّ جَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ» [النساء: 34] على أن القوامية الثابتة للرجال وتسلطهم على النساء، هي قوامية سياسة وتدبير ، کتسلط الوالي على الرعية، فلا بد أن يعطي زمام الأمور الكلية والجهات العامة الاجتماعية - كالقضاء والحرب ونحو ذلك - مما يمتاز بالتعقل والقوة إلى الرجال، وقد دلت على ذلك السنة الشريفة، وذكرها الفقهاء في مواضع متعددة من الفقه، وأما غير ذلك من شؤون الحياة، كالتعليم والكسب ونحو ذلك، فإن الرجال والنساء فيها؛ سواء للقعدة المعروفة عند الفقهاء، وهي قاعدة : «اشتراك النساء مع الرجال في الشؤون والأحكام إلا ما خرج بالدليل».

ويستفاد من لآية المباركة أن على المرأة إطاعة الزوج، فإن له عليها قيمومة الطاعة في الحضور، والحفظ في الغيبة، ففي الحديث عن أبي جعفر علیه السلام قال: «قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلی الله علیه و آله، فقالت: يا سول الله ، ما حق الزوج على المرأة؟ فقال صلی الله علیه و اله : أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تتصدق من بيته إلا بإذنه، ولا تصوم تطوعا إلا بإذنه ، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قنب، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، وإن خرجت بغير إذنه لعنتها ملائكة السماء وملائكة الأرض وملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى ترجع إلى بيتها - الحدیث».

ومنها : أنه إذا ظهرت أمارات النزاع والنشوز على المرأة وخرجت عن طاعة

ص: 253

الزوج إما ظنا أو علما، فلا بد من الوعظ بتذكيرها بما ورد من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وما ورد عن الأئمة الطاهرين المتضمنة لحقوق الزوج.

ثم الهجر في المضجع بما يفيد إعراض الزوج عنها، ومنه تحويل ظهره إليها في الفراش أو الاعتزال عنها فيه لو اقتضى الأمر كذلك.

ثم الضرب، فليكن ضرب تأديب، لا ضرب عصيان، فيقتصر على ما تؤلم ويضمن ما يوجب الجناية .

وهذه الأمور الثلاثة - الوعظ والهجران ثم الضرب - مترتبة من الأخف إلى الأشد، والمعروف بين الفقهاء أن ترتب الوعظ إنما يكون على مجرد ظهور أمارات النشوز والعصيان، فإذا لم يفد الوعظ كان النشوز متحققا بالفعل، فينتقل إلى الهجر، وإن تحقق الإصرار منهن فينتقل إلى الضرب، كلج ذلك مغیی بحصول الطاعة ورجوعها عن النشوز، فإذا حصل فلا يتعرض لهن بشيء . والأمر في المقام للإباحة، ويمكن أن يكون للندب؛ لأنه من المعروف(1)

ص: 254


1- م - ن : 182 - 184 ج 4.

من أحكام الجنابة والتيمم

«يا أَيُّهَا الَّذينَ ءامَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَ أَنْتُمْ سُكرى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلاَّ عابِري سَبيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لمَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْديكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورا» [النساء: 43].

يستفاد من الآية الشريفة أحكام خاصة تتعلق بالجنابة والتيمم، وسائر الأعذار.

الأول : يدل قوله تعالى : «يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَ أَنْتُمْ سُكَرَى» [النساء: 43]، على بطلان الصلاة لو أتي بها في حال السكر من الخمر، ويجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه بعد شعوره . ولو كان المراد من السكر النعاس فالنهي إرشاد إلى عدم الكمال لو تحقق سائر شرائط صحتها، إلا إذا فقد الاختيار بسبب النعاس، بحيث لا يصلح ما يقول ولا يدرك ما يتلفظ به، فتبطل الصلاة حينئذ.

كما تدل الآية المباركة على بطلان الصلاة حال الجنابة ، ولا ترتفع الجنابة إلا بالغسل عند التمكن من استعمال الماء أو التيمم بدلا عنه، إلا إذا كان هناك عذر من مرض أو سفر أو نحو ذلك .

الثاني: بدل قوله تعالى : «إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ» [النساء: 43]، على عدم جواز مکث الجنب في المساجد إلا إذا كان مجتازا فيها، فيجوز ما عدا المسجدين، كما دلت عليه السنة.

ص: 255

الثالث : يدل قوله تعالى: «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا» [النساء: 43]، أن التيمم بدل عن الماء في كل ما يشترط فيه الطهار، فيستباح به كل ما يستباح بالطهارة المائية ، وتدل على ذلك جملة من الروايات، ففي بعضها : «أن التُّرابُ اَحَدُ الطَهورَیْن».

ومن ذلك يعلم أن ما ذكره فخر المحققين في الآية الكريمة من عدم جواز الطواف بالبيت للجنب المتيمم، بل ولا مكثه في شيء من المساجد وإن تيمم تیمما مبيحا للصلاة؛ لأنه لا عز و جل علق دخول الجنب إلى المساجد على الاتيان بالغسل مع وجود الماء وعلى التيمم مع العدم، فحمل الطوال والمكث على الصلاة في ذلك قياس لا نقول به.

غير صحيح؛ لأن الآية المباركة تبين حكم الصحيح غير المعذور مطلقا ، فعين له الطهارة المائية، ثم بينت حكم المعذور فعين له التيمم بدلا عنه، فيقوم البدل مقام المبدل عنه في جميع الأحكام، إلا ما خرج بالدليل، مع أن الشارع أباح للمتيمم الدخول في الصلاة، فيدل على إباحته للدخول إلى المساجد بطرق أولى، والمسألة محررة في الكتب الفقهية، فراجع.

الرابع: قد ذكر سبحانه الجنابة وبين سببا واحدا لها في ذيل الآية المباركة، وهو ملامسة النساء، أي الجماع معهن مطلقا، ولها سبب ثان أيضا وهو نزول المني مطلقا في نوم ويقظة، سواء كان مع شهوة أم بدونها.

الخامس: يستفاد من قوله تعالى : «فَلَمْ تَجِدُوا مَآء» [النساء: 43] أن المناط في الرجوع إلى التيمم هو عدم وجدان الماء مطلقا، سواء كان من جهة العجز وعدم التمكن من استعماله، أم كان من جهة فقده، أم كان من جهة حصول الضرر باستعماله، فيستفاد جميع موارد العذر المذكورة منه .

ويحتمل أن يكون المراد من عدم الوجود فقده ولا يشمل عدم التمكن من استعماله، فحينئذ يستفاد بعض أفراد المعذورين من دليل آخر.

السادس: إطلاق الآية الكريمة يدل على كفاية الضربة الواحدة في التيمم،

ص: 256

سواء كان بدلا عن الوضوء أم كان بدلا عن الغسل إلا أن بعض الروايات تدل على التعدد في البدل عن الغسل.

كما أن إطلاق الآية المباركة يدل على كفاية مطلق الضرب، سواء كان تعلق باليد شيء من التراب أم لا، بل في بعض الروايات جواز النفض.

السابع: يستفاد من الآية الشريفة عدم احتیاج غسل الجنابة إلى الوضوء؛ لأنه جعل النهي عن قربان الصلاة مغيا بالغسل، فلو كان مفتقرا إلى الوضوء لوجب بيانه، وإلا كان بعض الغاية غاية ، وهو باطل(1)

ص: 257


1- م - ن : 242 - 263 ج 8.

التحية والسلام

يستفاد من سباق الآية الشريفة : «وَ إِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا» [النساء: 86) جملة من الأحكام الشرعية :

الأول: أن التحية هي نوع من العبادة، فيثاب عليها إن لم يتحقق مانع من ذلك، ويدل عليه قوله علیه السلام: «المراد من التحية في الآية السلام وغيره من البر». وتقدم ما يدل على تحديد الثواب على اختلاف التحية بالسلام.

الثاني: أن السلام من المستحبات الكفائية لظاهر سياق الآية المباركة ؛ ولقول الصادق علیه السلام: «إِذَا سَلَّمَ مِنَ اَلْقَوْمِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ»، فلو كان الداخلون جماعة فسلم أحدهم، يسقط استحبابه عن الباقين.

ولكن مقتضى إطلاق بعض الروايات بقاء استحباب السلام بالنسبة إلى الباقين، مثل قول أبي جعفر علیه السلام: «إنَّ اللّه َ عز و جل يُحِبُّ إفشاءَ السَّلامِ»، وعن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله قال: «السلام اسم من أسماء الله تعالى، وضعه الله في الأرض فافشوه بينكم»، مع أنه من الآداب المجاملية الممدوحة عقلا و شرعا.

الثالث : وجوب رد التحية لظاهر الآية الشريفة، ولجملة من الروايات أيضا كما مر بعضها، وعمومها يشمل كل أنواع التحية وفي جميع الحالات، إلا أن في الصلاة تختص الرد ب (سلام عليكم) فقط كما ذكرنا في كتابنا (مهذب الأحكام)، فلا تشمل غيره من أنوع البر والإحسان، وإن كان الأفضل والأولى الرد؛ لما مر من قوله الصادقين علیهم السلام: «امراد من التحية في الآية السلام وغيره من البر»، وتقدم التسميت في التعطيس، وذكرنا في (مهذب الأحكام) ما يتعلق بذلك.

ص: 258

الرابع : يجب أن يكون الرد في أثناء الصلاة بمثل ما سلم، فلو قال «سلام عليكم»، يجب في الجواب والرد أن يكون كذلك، ففي صحيح ابن مسلم قال : «دخلت على أبي جعفر علیه السلام وهو في الصلاة، فقلت: السلام عليك، فقال عليه السلام : السلام عليك، فقلت: كيف أصبحت؟ فسكت، فلما انصرف قلت : أيرة السلام وهو في الصلاة؟ قال عليه السلام: نعم، مثل ما قيل له»، والمسألة محررة في كتب الفقه بشقوقها .

الخامس: يجب الرد فورا؛ لأنه المنساق من الأدلة عرفا، كما أنه مقتضی المرتكزات في رد التحيات القولية، مضافة إلى الإجماع.

السادس: رد السلام واجب كفائي، فيسقط برد واحد عن البقية، ويدل عليه الإجماع، والنصوص الكثير، منها ما رواه غياث بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام: «إِذَا سَلَّمَ مِنَ اَلْقَوْمِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ وَ إِذَا رَدَّ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ.». هذا بالنسبة إلى الوجوب.

وأما بالنسبة إلى استحباب الرد، فالظاهر بقاؤه وعدم سقوطه عن الباقين : لأنه نحو مجاملة وتودد وتحبب، ولا ريب في رجحان ذلك كله.

السابع: مقتضی عموم الآية الكريمة جواز سلام الأجنبي على الأجنبية وبالعكس إذا لم يكن هناك ريبة أو خوف فتنة، ويدل على ذلك روايات كثيرة . وما دل على الخلاف مثل خبر غیاث: «لاَ تُسَلِّمْ عَلَى اَلْمَرْأَةِ»، أو «لاَ تَبْدَءُوا اَلنِّسَاءَ بِالسَّلاَمِ»، فمحمول على ما إذا تحقق عنوان الريبة أو الخوف أو الفتنة ، جمعة وإجماعا.

الثامن : يجوز السلام على الكافر، خصوصا إذا استلزم ترغيبه للإسلام، فإنه من مكارم الأخلاق التي اهتم بها الإسلام أشد الاهتمام ودعى إليها الناس، وما ورد في بعض الأخبار من النهي عن السلام عليهم ابتداء، كما في خبر غیاث، قال أمير المؤمنین علیه السلام: «لاَ تَبْدَءُوا أَهْلَ اَلْكِتَابِ بِالتَّسْلِيمِ وَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: و عَلَيْكُمْ»، ونحوه غيره، يمكن حملها على الكراهة بقرينة ما ورد في بعض الأخبار : «قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : أرأيت إن احتجت إلى

ص: 259

الطبيب وهو نصراني، أسلم عليه وادعوا له؟ قال علیه السلام: «نعم، إنه لا ينفعه دعاؤك»، فإذا لم ينفعه السلام ولا الدعاء، ولا وجه للحرمة. نعم وهو مرجوح؛ لأنه نحو اعتناء بالمسلم عليه ، فلا يليق بمن يعادي الله ورسوله ذلك لو لم يكن جهة راجحة في البين، كالدعوة إلى الإسلام والضرورة ونحوهم، وأما جواب سلام الكافر فواجب لما مر.

التاسع : استحباب الرد بالأحسن في غير حال الصلاة، بأن يقول في (سلام علیکم): «سلام عليكم ورحمة الله وبرکاته». كما مر في البحث الروائي، ويجوز الرد بالمثل ولو كانت التحية بالشر، فالرد الأحسن بالحلم والعفو أو المكافأة بالخير، ولو أراد المثلية تكون «جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بمِثْلُهَا» [يونس: 27]، ولكن في وجوب رد مثل هذه التحية منع ؛ لأن المنساق من أدلة التحية ووجوب ردها أن تكون التحية من الخير والبر كما مر، وأما لو كان غير ذلك كما لو سلم تحقيرا للمؤمن أو تهديدا للقتل أو قصد بسلامة إيذاء الطرف المقابل، لا تشمله الأدلة المتقدمة، وإن التمسك بالعموم تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، كما هو واضح.

وهناك فروع كثيرة متعلقة بالسلام والتحية مذكورة في الكتب الفقهية والأخلاقية، ومن شاء فليرجع إليهما».(1)

ص: 260


1- م - ن : 118 - 120 ج 9.

(أحكام الدماء)

اشارة

يقول تعالى: «وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ إِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿92﴾ وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴿93﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿94﴾ [النساء: 92-94] .

بحوث المقام

بحث دلالي:

تدل الآيات الشريفة على أمور : -

الأول: يدل قوله تعالى: «وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً» [النساء: 92] على أن الإيمان جتة واقية يحفظ بها دماء المؤمنين، ويستفاد من نفي الاقتضاء

ص: 261

المستفاد من (ما) النافية المتضمن للنهي التكليفي أيضا، أنه لا يوجد في المؤمن بعد دخوله في حريم الإيمان وبعد أن حماه الإيمان اقتضاء القتل أبدا، وأن المؤمن لا يقصد قتل مؤمن أصلا، فإذا تحقق منه شيء من ذلك لكان قتلا خطأ ؛ لعدم وجود قصد إليه، ويستفاد هذا من تكرار لفظ المؤمن أيضا.

الثاني: يستفاد من تفصيل الحكم في قتل الخطأ - بين قتل المؤمن وهو من المؤمنين، فتكون فيه الدية والكفارة، وقتله وهو بين الأعداء، فإن فيه الكفارة فقط، وقتله وهو بين العاهدين ففيه الدية والكفارة معا - أهمية هذا الحكم، فإنه لم يذكر في مورد الخطأ في الشريعة المقدسة تفصيل بهذا المضمون، مع أن الحكم موضوع عن الفعل الخطأ، كما ورد عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «رفع عن أمتي تسع - وعد منها - الخطأ والنسيان»، فيستفاد من ثبوت الحكم في مورد الخطأ في المقام وتفصيل الحكم فيه أهمية الدماء في الإسلام، وأنه لا يجوز إراقة الدماء المحترمة إلا إذا ورد ممن قبل الشارع الأقدس الإذن فيها صريحا

الثالث : يستفاد من ثبوت الدية والكفارة في قتل المؤمن خطأ وهو بين قومه من الكفار المعاهدين، أهمية العهد والميثاق، فلا بد أن يحفظ ولا يجوز نقضه .

الرابع : يدل قوله تعالى: «وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ» [النساء: 92] على أنه لا بد من رفع ما يوجب التنازع والخصام في هذا الموضوع القابل للجدال، بأن تكون الدية حاضرة مسلمة إلى أهل المقتول بلا تأخير فيها: قطعا للنزاع والخصام، إلا إذا اتفق الطرفين على التأخير.

الخامس : يستفاد من قوله تعالى: «إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا» [النساء: 92) أن العفو من الدية في هذه الحالة التي تثور فيها الضغائن ويشتد فيها الغضب، من الصدقة التي أمر الله تعالى بها في مواضع متعددة من القرآن الكريم، وأن فيها الفضل الكبير عند الله تعالی.

السادس: يستفاد من قوله تعالى: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» [النساء: 93] شدة الحكم في القتل العمدي بما لم يكن في أي حرام آخر، فقد

ص: 262

أوعد عز و جل على القاتل كذلك أربعة أنواع من العذاب، الخلود في جهنم، وغضب الله تعالى عليه، واللعن، والعذاب العظيم، كل ذلك لأهمية الدماء في الإسلام واحترامها عند الله تعالى، وأن إزهاق الروح المحترمة في الشريعة كبيرة موبقة لا يعادلها شيء أبدا، وأن كل نفس في مقابل الدم المحترم قليل بالنسبة إليه، ولعل ما ورد عن الأئمة الهداة المعصومين علیهم السلام: «التقية في كل شيء فإذا بلغت الدم فلا تقیه»، ناظر إلى ذلك.

السابع: يستفاد من قوله تعالى: «وَ لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا» [النساء: 94] أهمية السلام في الإسلام، فإنه تحية تحقن الدم وتحفظ الذمام.

الثامن : يستفاد من قوله تعالى : «تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» [النساء: 94] أنه ينبغي للمؤمن أن يكون غرضه من جهاده وكفاحه سبيل الله تعالى لا الدنيا الفانية الزائلة، فإن عند الله تعالى المغانم الكثيرة الدائمة الباقية .

التاسع: بدل قوله تعالى : «تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ» [النساء: 92] بعد سرد جملة من الأحكام الشرعية والكفارة وبدل الكفارة - وهو صيام شهرين متتابعين - أن تلك الأحكام توبة من الله تعالى للمجتمع وعناية بهم ورحمة لهم، فإن جعل الكفارة في القتل الخطا توبة وعناية من الله تعالى للقاتل فيما لحقه من آثار القتل ودرنه ؛ ليكون سببا في تحقظه، فلا يعود إليه ثانيا، كما أن تحرير الرقبة التي هي عبء ثقيل على المجتمع، فإن المملوك عضو ميت وإن كان بصورة الأحياء: لأنه ليس له كمال الاختبار بالتصرف بما شاء، فيكون تحريره بمنزلة إحيائه بدل ما فقدوا منهم واحد، كما أن صيام شهرين متتابعين بدل عنق الرقبة؛ لأن له الأهمية الكبيرة في ترويض النفس وإرغامها على قبول الفضائل وترك الرذائل، فهو من الأمور التربوية الإصلاحية.

العاشر: يشتمل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا» [النساء: 94] على العظة والتوبيخ، ولا يدل على كون القتل في هذه الآية المباركة من القتل العمد، فإن

ص: 263

الظاهر أن القاتل زعم كون المقتول کافرا واراد خلاص نفسه بإلقاء السلام، فلم يثق بكونه مؤمنا، فتكون الآية الشريفة ردا عليه، وتوبخه بأن المدار في الإسلام على الظاهر. وأما الباطن والحقيقة، فلا يعلمهما إلا الله تعالی.

وبناء على هذا، يكون قوله تعالى : «تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» [النساء: 94] نازلا على مقتضى الحال، أي: حالكم في قتل من يظهر الإسلام من دون قصده سبيل الله تعالى، فإن من سبيل الله هو الاعتناء بأحوال المؤمنین والأخذ بظاهر الإسلام، لا ما كان عليه حال المؤمنين قبل الإسلام، فإنه لم يكن قصدهم إلا ابتغاء عرض الحياة الدنيا إلى أن من الله تعالى عليهم بالإيمان وهداهم برسول الله صلی الله علیه و آله

ثم إن المراد من سبيل الله الأعم من السير في الأرض - كما هو الظاهر من الآية المباركة - أو السير والسلوك إلى الله تعالى في طلب المعرفة والهداية إلى الحق والإيمان به، فيكون للسير والضرب حينئذ الدرجات بالارتقاء بأن يصير الإيمان به ایقانا، والايقان عيانا، والعيان غيبا، وصار الغيب شهادة والشهادة شهودا والشهود شاهدا والشاهد مشهودا، وبهما أقسم الله تعالی : «وَ شٰاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ» [البروج: 3]، وهذا مقام لا يناله إلاج الأولياء والأخص من الخواص، فيكون المراد من التبين التثبيت والمراد من السلام الاستسلام والعطف، أي: ولا تنفروا أحد منكم وقولوا له كما أمر الله تعالی موسى وهارون: «فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا»: [طه: 44]، وهذا المقام يستحق المن منه تعالى، كما دلت الآية المباركة.

الحادي عشر: يمكن أن يستفاد من قوله تعالى: «وَ لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ» [النساء: 94] أن إلقاء السلام واعتزال القتال يكون إيذانا بعدم الحرب، وهو كان في عدم قتله، كما علم من الآيات الكريمة السابقة من النهي عن قتل الذين يعتزلون القتال ويكفون أيديهم عنه .

وبعبارة أخرى: «أن ذلك يكون كافيا في عدم انطباق عنوان الحربي عليه، فلا موجب لقتله، ويدل على ما ذكرنا عموم قوله تعالى: «وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» [الأنفال: 61].

ص: 264

روايات في الموضوع

في تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: «وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ» [النساء: 92]: «لا عمدة ولا خطأ، وإلا في معنى لا، وليست باستثناء».

أقول: تكون الآية الشريفة نظير قوله تعالى : «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ» [البقرة: 100]، أي : ولا الذين ظلموا منهم، فيكون التشريك في اللفظ والمعنى.

وفي المجمع عن أبي جعفر الباقر علیه السلام: «نزلت في عياش ابن أبي ربيعة المخزومي أخي أبي جهل لأمه، كان أسلم وقتل بعد إسلامه رجلا مسلما وهو يعلم بإسلامه، وكان المقتول الحارث بن يزيد أبو بنيشة العامري، قتله بالحرة».

أقول: ذكروا في سبب نزول الآية المباركة أسبابا متعددة وجميع ذلك من التطبيق والجري، لا التعدد الواقعي؛ لأن الآية الكريمة بمنزلة قاعدة عامة لا تختص بمورد خاص ولا بعصر معین.

وفي الدر المنثور عن ابن جرير عن ابن زيد قال: «نزلت في رجل قتله ألو الدرداء، كانوا في سرية فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له فوجد رجلا من القوم في غنم له فحمل عليه السيف، فقال: لا إله إلا الله ، فضربه ثم جاء بغنمه رسول الله صلی الله علیه و آله : ألا شققت عن قبله؟! فقال ؛ ما عسيت أجد، هل هو یا رسول الله إلا دم وماء؟! فقال : قد أخبرك بلسانه فلم تصدقه؟! قال : كيف بي يا رسول الله؟ قال : كيف بلا إله إلا الله ! قال : فكيف بي يا رسول الله؟ قال؛ كيف بلا إله إلا الله ؟! حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي. قال: ونزل القرآن : «وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً»

أقول: لا بد من حمل الرواية على وجه ينطبق مع الخطأة، وإلا فظاهرها أن الرجل قصد القتل بعد إعلان الشهادة .

ص: 265

وكيف كان، فعلى فرض صحة الرواية فهي من باب التطبيق.

وفي أسباب النزول للواحدي نزلت الآية في عياش بن أبي ربيعة، فقال : «إنه أسلم وخاف أن يظهر إسلامه فخرج هاربا إلى المدينة ، فقدمها ثم أتى أطما من آطامها، فتحصن فيه، فجزعت أمه جزعا شديدا، وقالت: لابنيها أبي جهل والحارث بن هشام - وهما أخواه لأمه - : والله لا يظلني سقف بيت، ولا أذوق طعاما ولا شرابا ، حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه وخرج معهم الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا عياشا في الأطم فقالا له: أنزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت أن لا تأكل طعاما ولا شرابا حتى ترجع إليها، ولك الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكرا له جزع أمه وأوثقا له نزل إليهم، فأخرجوه من المدينة وأوثقوه بنسع، وجلده كل واحد منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه، فقالت: والله ، لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثقا في النفس وأعطاهم بعض الذي أرادوا ، فأتاه الحارث بن زید وقال : يا عياش، والله إن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن کن ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عیاش من مقالته وقال : والله ، لا ألقاك خاليا إلا قتلتك ، ثم إن عياشا أسلم بعد ذلك وهاجر إلى رسول الله صلی الله علیه و آله بالمدينة، ثم إن الحارث بن زید أسلم وهاجر بعد ذلك إلى رسول الله بالمدينة وليس عياش يومئذ حاضرا ولم يشعر بإسلامه، فبينما هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحارث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله، فقال الناس : أي شيء صنعت؟! إنه قد أسلم، فرجع عیاش إلى رسول الله صلی الله علیه و اله فقال : يا رسول الله كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حين قتلته، فنزل علیه جبرائیل علیه السلام قوله تعالى: «وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً» [النساء: 92].

أقلو: الأطم (بالضم) بناء مرتفع، وفي الحديث: «إن بلال كان يؤذن على أطم»، وآطام المدينة أبنيتها المرتفعة كالحصون والجبال. والظاهر أن عياشا لم يسلم مرتين، وما أعطاهم من كفره لم يكن عن عقيدة وإنما كان لدفع الظلم عن نفسه، وذلك لا يضر بإسلامه الذي كان عن عقيدة.

ص: 266

وكيف كان، فالرواية من باب التطبيق كما مر.

وفي التهذيب بإسناده عن الحسين بن سعيد عن رجاله عن الصادق علیه السلام قال : «قال رسول الله صلی الله علیه و اله: كل العتق يجوز له المولود إلآ في كفارة القتل، فإن الله تعالی يقول: «فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» [النساء: 92]، يعني بذلك مقرة قد بلغت الحنث».

أقول: المردا من الرواية الرقبة التي ولدت من غير مسلم، فلا بد فيها من البلوغ والإيمان حتى يطلق عليها «مؤمنة»، فلا يجزى الصبي، وأما الرقبة المولودة بين المؤمنين أو بين مؤمن و کافر، فلا خلاف أنه يحكم بالإيمان وإن كان صبيا، وعلى ذلك يحمل قول العبد الصالح علیه السلام: «تُعْرَفُ الْمُؤْمِنَةُ عَلَى الْفِطْرَةِ»، فلا تنافي بين الروايتين، ويدل على ما ذكرناه ما عن ابن عباس: «يعني بالمؤمنة من قد عقل الإيمان وصام وصلی، وکل رقبة في القرآن لم تسم مؤمنة ، فإنه يجوز المولود فما فوقه ممن ليس به زمانه».

وفي سنن البيهقي: «أن رجلا أتى النبي صلی الله علیه و اله بجارية سوداء. فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة . فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها. فقال لها: من أنا؟ فأشارت إلى رسول الله صلی الله علیه و اله وإلى السماء، أي: أنت رسول الله . فقال: «اعتقها، فإنها مؤمنة».

أقول: هذا القدر يكفي في الحكم بالإسلام، فإن المناط إظهار الشهادتين بما هو مقدور، بل أن الكافر إذا عرض عليه الإسلام واقتصر على قوله: «اني مسلم» وكان جامعا للشرائط، يؤخذ بإقراره ما لم تكن قرينة مانعة، أو يدل دليل على الخلاف.

وفي الكافي بإسناده عن الحلبي عن الصادق علیه السلام: «العمد كل ما اعتمد شيئا فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصى أو بوکزة، فهذا كله عمد. والخطأ من اعتمد شيئا وأصاب غيره».

أقول: ذكرنا في (مهذب الأحكام) الفرق بين العمد والخطأ وشبه العمد، وأن الرواية موافقة للقاعدة ، كما تقدم فيه مقدار الدية وأصنافها، فلا وجه لسرد الروايات الواردة في المقام هنا.

ص: 267

وفي التهذيب بإسناده عن الصادق علیه السلام: «في رجل مسلم كان في أرض الشرك فقتله المسلمون، ثم علم به الإمام بعده ، فقال : يعتق مكانه رقبة مؤمنة ، فذلك قول الله عز وجل: «فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ۖ» [النساء: 92]».

أقول: لا بد من تقييد الرواية بأن قاتله لم يعلم بكونه مسلما، وهي تعطي للإنسان أهمية وتغلب جانب الحرية بإعطاء الإنسان قيمته وحياته بدلا عن الضرر الواقع في حياة الأفراد.

في الكافي بإسناده عن محمد بن سليمان عن أبيه قال: «قلت لأبي عبد الله علیه السلام: ما تقول في الرجل يصوم شعبان وشهر رمضان؟ قال : هما الشهران اللذان قال الله تبارك وتعالى: «شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ» [النساء: 92]، قلت : فلا يفصل بينهما؟ قال: إذا أفطر من الليل فهو فصل، وإنما قال رسول الله صلی الله علیه و اله: لا وصال في صيام، يعني ألا يصوم الرجل يومين متواليين من غير إفطار، وقد يستحب للعبد السحور».

أقول: تمسك الإمام عليه السلام بالآية الشريفة ؛ لبيان أن شهري شعبان ورمضان متتابعان، وهما من أفضل الشهور وفضل الصيام فيهما، وليس في مقام تحديد كفارة القتل.

وفي الكافي بإسناده عن الصادق علیه السلام: «إن كان على رجل صيام شهرين متتابعين فأفطر أو مرض في الشهر الأول، فإن عليه أن يعيد الصيام، وإن صام الشهر الأول وصام من الشهر الثاني شيئا ثم عرض له ما له عذر، فعليه أن يقضي».

أقول: لا بد من حمل الرواية على الإفطار العمدي والمرض الذي لا يضره الصوم، فحينئذ لا بد من الاستيناف، وأما لو كان الإفطار - في الصوم الذي يشترط فيه التتابع - لعذر من الأعذار - کالحيض والنفاس والمرض الذي يضره الصوم والسفر الاضطراري دون الاختياري - لم يجب استینافه، بل يبني على ما

ص: 268

مضى؛ لقاعدة فقهية، وهي: «ليس على ما غلب الله عز و جل على العبد شيء»؛ ولنصوص كثيرة ذكرناها في المجلد العاشر من (مهذب الأحكام).

نعم، لو أفطر في أثنائه لا لعذر وجب الاستیناف، ويكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأول ويوم من الشهر الثاني، كما ذكرنا في كتاب الصوم

وفي الكافي عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ، وقال : لا يوفق قاتل المؤمن متعمدا التوبة».

أقول: الفسحة بالضم بمعنى السة أو عدم الضيق، والمراد من الحديث : لا يزل المؤمن في سعة من ديته برجی له الرحمة ويوفق للخيرات ولو باشر الكبائر ما لم يتعمد قتل مؤمن، فإذا قتل بعد عن رحمته ولم يوفق للخيرات، وهو في مقام التغليظ الشديد للقتل، وذيل الحديث محمول على الغالب والأكثر .

وفي الكافي أيضا بإسناده عن ابن سنان عن الصادق علیه السلام قل: «قاتل المؤمن متعمدا له توبة؟ قال: إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له، وإن كان قتله الغضب أو لسبب شيء من أمر الدنيا، فإن توبته أن يقاد منه . وإن لم يكن علم به أحد انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية وأعتق نسمة وصم شهرين متتابعين وأطعم ستين مسكينا ، توبة إلى الله».

أقول: صدر الرواية محمول على ما إذا قتل المؤمن لأجل دينه وإيمانه ولم بندم ولم يؤد الدية لأولياء المقتول مع رضائهم بها، وإلا فتقبل توبته بعد تحقق شرائطها، كما تقدم في بحث التوبة فراجع.

وعن علي بن جعفر عن أخيه علیه السلام قال: «سألته عن رجل قتل مملوکه؟ قال: عليه عتق رقبة وصوم شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا، ثم يكون التوبة بعد ذلك».

أقول: لا فرق في الكفارة في القتل بين كون المقتول حرا أو عبدا، صغيرا أو كبيرا، كما ذكر في كتابنا (مهذب الأحكام).

ص: 269

وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في قول الله عز و جل: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ» [النساء: 93] قال : «جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ إِنْ جَازَاهُ».

أقول: معنى ذيل الحديث إن شاء عذبه، وإن شاء عفي عنه.

وأخرج البيهقي عن شهر بن حوشب: «إن أعرابيا أتى أبا ذر فقال؛ إنه قتل حاج بيت الله ظلما، فهل له من مخرج؟ فقال له أبو ذر : ويحك! أحي والدك؟ قال: لا، قال: فأحدهما، قال: لا، قال: لو كان حيين أو أحدهما لرجوب ذلك لك، وما أجد لك مخرجا إلا في إحدى ثلاث، قال : ما هن؟ قال: هل تستطيع أن تحييه كما قتلته؟ قال: لا والله ! قال: فهل تستطيع أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء؟ فقام الرجل وله صراخ، فلقيه أبو هريرة فسأله فقال: ويحك حبان والداك؟ قال: لا، قال: لو كانا حيين أو أحدهما لرجوت لك، ولكن اغز في سبيل الله وتعرض للشهادة فعسى».

أقول: يستفاد من هذه القضية مقدار شان الوالدين عنده تعالى - كما ذكره أبو ذر - وتشديد القتل بغير الحق، ولا بد من حملها على عدم تحقق التوبة مع شرائطها وأداء الدية، وإلا فيسقط عنه الذنب إذا ندم وأدى ما عليه من الحقوق، كما تقدم.

وفي المجمع في قوله تعالى: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» [النساء: 93]. قال: «نزلت في مقیس بن صبابة الكناني وجد أخاه هشاما قتيلا في بني النجار فذكر ذلك لرسول الله صلی الله علیه و اله، فأرسل معه قيس بن هلال الفهري، وقال له : «قل لبني النجار: إن علمتم قاتل هشام فادفعوه إلى أخيه ليقتص منه، وإن لم تعلوا فادفعوا إليه ديته، فبلغ الفهري الرسالة فاعطوه الدية، فلما انصرف ومعه الفهري وسوس إليه الشيطان فقال: ما صنعت شيئا، أخذت دية أخيك فيكون سبة (عار) عليك، اقتل الذي معك لتكون نفس بنفس، والدية فضل، فرماه بصخرة فقتله وركب بعيرا ورجع إلى مكة كافرا.

وأنشد يقول:

ص: 270

قتلت به فهرا وحملت عقله *** سراة بني النجار أرباب قارع

فأدركت ثأري وأضطجعت موسد *** وكنت إلى الأوثان أول راجع

فقال النبي صلی الله علیه و آله: لا أؤمنه في حل ولا حرم، فقتل يوم الفتح».

أقول: رواه في الدر المنثور وغيره من المفسرين عن ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما، والعقل الدية. والسراة جمع السرى الأشراف والأكابر من القوم، وقارع علم لحصن، والرواية وإن لم تستند إلى معصوم ولكنها من باب التطبيق.

وفي تفسير القمي في قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءآمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا» (النساء: 94] أنها: «نزلت لما رجع رسول الله صلی الله علیه و اله من غزوة خيبر وبعث أسامة بن زيد في خيل إلى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم إلى الإسلام، كان رجل يقال له مرداس بن نهبك القدكي في بعض القرى، فلما أحس بخیل رسول الله صلی الله علیه و آله جمع أهله وماله في ناحية الجبل فأقبل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمر به أسامة بن زید فطعنه فقتله، فلما رجع إلى رسول الله صلی الله علیه و اله أخبره بذلك، فقال له رسول الله صلی الله علیه و اله: قتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟! فقال : يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل. فقال رسول الله صلی الله علیه و اله: هلا كشفت الغطاء عن قلبه، ولا مال قال بلسانه قبلت، ولا ما كان في نفسه علمت، فحلف أسامة بعد ذلك أن لا يقتل أحدا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فتخلف عن أمير المؤمنين علي في حروبه ، فأنزل في ذلك الآية».

أقول: روي قريبا من هذا المعنى المحدثون من المفسرين، وإن اختلفوا في استناد القصة، فأسندوها تارة لمقداد بن سوید كما ذكره السيوطي في الدر المنثور. وأخرى لمحلم بن جثامة كما عن البيهقي، وثالثة لمرداس وغيرهم.

وكيف كان، فإن جميعها من باب التطبيق لا التخصيص ؛ لما تقدم في

ص: 271

التفسير من أن الحكم المذكور فيها أمر عقلي، وأن للدماء صيانة عقلية فطرية، إلا ما أهدرها الشارع الذي هو خالق العقل وجاعل الفطرة .

ثم إن هناك روايات ذكرها السيوطي في الدر المنثور: «أن القاتل المذكور مات فدفنوه فلم تقبله الأرض وأصبح على وجهها ثلاث مرات، فلما رأوا ذلك استحيوا وخزوا مما لقي، فحملوه وأتقوه في شعب من تلك الشعاب».

أقول: تلقي أمثال هذه الروايات بالقبول مشکل جدا، ولعل الوجه في ذلك أنه للعبرة والعظة، وإلا فإن الأرض تستر من هو شر منه وأخبث، والله العالم بحقائق الأشياء.

ص: 272

أحكام القتل والدية في الشريعة الإسلامية

يقول تعالى: «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا» [النساء: 93].

يستفاد من الآيات المباركة الأحكام التالية :

الأول: أن القتل ينقسم إلى أقسام: فتارة القتل العمدي، ويدل عليه قوله تعالى : «وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ» [النساء: 93]، وحكمه كما يستفاد من شياق الآية المباركة ومن قوله تعالى: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَبِ» [البقرة : 179]. ويتحقق العمد بقصد القتل بما يقتل غالبة ، كما تدل عليه جملة من الأخبار.

وأخرى: القتل الخطائي، وهو الخالي عن القصد إلى القتل، ويدل عليه قوله تعالى: «وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ» [النساء: 92]، وحكمه ثبوت الدية على العاقلة والكفارة، ففي صحيح الحلبي عن الصادق علیه السلام: «أن العمد كل من اعتمد شيئا فأصابه بحديدة أو حجر أو بعصا أو بوکزة، فهذا كله عمد، والخطأ من اعتمد شيئا فأصاب غيره»، وغيره من الروايات، كما ذكرنا في الفقه.

وثالثة : الخطا الشبيه بالعمد، وهو أن يقصد الفعل دون القتل، وتدل عليه جملة من الأخبار، منها رواية العلاء بن الفضيل عن الصادق عليه السلام قال : «الخطأ الذي يشبه العمد الذي يضرب بالحجر أو بالعصا الضربة أو الضربتين، لا يريد قتله»، وحكمه الدية، ويدخل في هذا القسم علاج الأطباء المرضى فيتفق الموت.

ص: 273

ثم إنه يلحق بالخطأ المحض من ألقى الشارع قصده كفعل الصبي أو المجنون، وكذا يكون منه ما يصدر من النائم كالضرة إذا انقلبت على غيرها فمات، على تفصيل مذكور في كتب الفقه.

الثاني : مقتضى الآيات الشريفة أنه لا يجوز في الموارد التي ثبتت الدية القصاص، وكذا العكس إلا إذا رضي الطرفان بذلك، فيشمله الأصل والإطلاق والعموم.

نعم، لو لم يكن القصاص في مورد، تثبت الدية لا محالة؛ لقاعدة: «عدم ذهاب الجناية هدرا في الشرع».

الثالث : صریح قوله تعالى : «فَتَحْرِیرُ رَقَبَةٍ» [النساء: 92] اعتبار الإيمان في الرقبة، والمراد بالإيمان مطلق الإسلام، أي الإقرار بالشهادتين، فلا يشترط الإيمان بالمعنى الخاص ويكفي الطفل المتولد من المسلم؛ كما تقدم في الفقه.

الرابع: لزوك الكفارة والدية في قتل الخطأ، وأن الكفارة مترتبة، وهي تحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، كما هو مقتضى (ما) والرط الدالان على التعقيب ، والشهر أعم من الهلالي واتصاله بالثاني ولو بيوم واحد؛ لأن المأمور به التتابع بين الشهرين، لا بين جميع أيامهما، ومع عدم القدرة على الصيام فإطعام ستين مسكينا.

الخامس: الدية في القتل العمدي من مال القاتل نفسه، وكذا دية القتل في شبه العمد، وأما دية القتل في الخطأ المحض فهي على العاقلة، ويدل على هذا التفصيل الأخبار الكثيرة الورادة عن الأئمة الهداة علیهم السلام، كما ذكرناها في کتاب (مهذب الأحكام).

السادس: المقتول خطأ إن كان من قوم أهل الحرب وهو مؤمن، فإنه تجب الكفارة فقط لأجل إيمانه، ولا دية على قتله، وإن كان من قوم معاهدین - سوء كانوا من أهل الكتاب أم غيرهم - لهم عهد فتجب الكفارة والدية، كما لو قتل في دار الإسلام، وتكون ديته لورثته المسلمين خاصة إن وجدوا، وإلا فهي

ص: 274

للإمام عليه السلام ، وعلى ذلك دلت جملة من الروايات وقام الإجماع، فتكون هذه الآية المباركة تخصيصا لأدلة الدية .

السابع: يستفاد من الآية المباركة أن الدية لا بد وأن تؤدي إلى ورثة المقتول، يقتسمونها كسائر تركة الميت بعد قضاء الدين وتنفيذ الوصية منها، كما فصل في الفقه ، ولو لم يكن للميت وارث تكون الدية للإمام عليه السلام؛ لأنه وارث من لا وارث له.

الثامن : يستفاد من الآيات الكريمة أن الدية حق الورثة، فيملكون إسقاطها بالعفو؛ ولذا حث سبحانه وتعالى على العفو عنها، وسمي العفو صدقة؛ تنبيها على فضله، وأنه «كل معروف صدقة»، بخلاف الكفارة في التحرير والصوم، فإنها حق الله تعالى، فلا تسقط بعفو الأولياء بالصدقة وإسقاطهم لها(1)

ص: 275


1- م - ن : 149 - 162 ج 9.

القصر في الصلاة

اشارة

«وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴿101﴾ وَ إِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَ رَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿102﴾فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴿103﴾وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿104﴾[النساء: 101-104).

تدل الآيات الشريفة على أمور :

الأول : يدل قوله تعالى : «وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا» [النساء: 101) على ثبوت القصر في الصلاة، والقصر إما متعلق بالكمية، وهو مختص بالمسافر الجامع للشروط المقررة في السنة، أو بالكيفية وهو الذي في صلاة الخوف، وإما فيهما معا ويتحقق في شدة الخوف، وتسمى بصلاة المطاردة حين الحرب واشتداد الحال، على التفصيل المذكور في كتب الفقه ، وقد ذكرنا في التفسير أن الآية المباركة مع القرائن المنضمة إليها تدل على كون القصر في السفر عيمة. لا

ص: 276

أن تكون رخصة، ونفي الجناح أعم من الرخصة، وسيأتي مزيد بيان في البحث الفقهي إن شاء الله تعالی.

ويستفاد من الآية المباركة أن القصر في السفر مشروط بأمرين .

الأول : المسافة، ولم تبين الآية الكريمة مقدار المسافة ولكن حددتها السنة الشريفة.

الثاني: الخوف، فلا قصر في الأمن، إلا أن استفادة ذلك إنما يكون من ناحية المفهوم الشرطي، وقد ذكرنا في التفسير ما يتعلق به فراجع.

واستدل بالآية الكريمة بعضهم على اشتراط الجماعة والسفر والخوف في صلاة الخوف، فلا قصر فيها إذا انتفى أحد هذه الشروط، ولكنه مردود كما هو مذكور في كتب الفقه .

الثاني : يدل قوله تعالى: «وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ» على أنه يشترط أن يكون الضرب مقرونا بالقصد والعزم إلى المسافة المبينة في الشرع، سواء كان مجبورا على السير مع علمه بانتقاله إلى المسافة الشرعية أو لم يكن كذلك، فالذاهل والمتردد و فاقد القصد والعزم لمنتظر الرفقة ونحوهما لا يترخصون في القصر ، وإطلاق الآية المباركة يدل على ثبوت الرخصة عند حصول الضرب والتلبس بالسير، إلا أنه مقيد بخفاء الأذن أو الجدران بأدلة خاصة، كما هي مذكورة في الفقه .

الثالث : يدل سیاق قوله تعالى: «وَ إِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ» [النساء: 102] على فضل الجماعة والحث العظيم على إقامتها، كما استفاضت به الأخبار.

الرابع: تدل الآية الكريمة على وجوب اتخاذ الحذر من الكافرين الذين هم أعداء الله تعالی ودین الحق، والآية المباركة ترشد إلى أمر فطري، وهو حكم الفطرة باتخاذ الحذر مما يخاف منه.

الخامس: يمكن أن يستفاد من قوله تعالى : «إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

ص: 277

كِتَابًا مَوْقُوتًا» [النساء : 103] أن الصلاة من الأمور الثابتة التي لا تتغير ولا تقبل الفدية والبدل، ولا تقبل الإسقاط، ولعل ما ورد في بعض الآثار: «إن الصلاة لا تسقط بحال»، مأخوذ من هذه الآية الشريفة.

السادس: يدلج قوله تعالى: «وَ لَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ» [النساء : 104] على وجوب اتخاذ الحيطة والحذر والتهيؤ للقتال، حتى يكف بأس الذين كفروا ويدفع أذاهم عن الدين الحق وأهله، وتدل الآية الشريفة على الجهاد الطويل المرير وشدة العزيمة.

وتتعرض الآية الشريفة إلى أهم الأمور النفسية التي تؤثر في هذا الميدان وهو جانب الوهن في العزيمة وتأثر النفس بما يرد عليها من الآلام والمحن والأمراض، وتبين الفرق الكبير بين الفريقين وبعد الشقة بينهما، كما عرفت.

السابع : تدل الآية المباركة: «وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ» [النساء: 104] على وعد الله تعالى بالنصر للمؤمنين لمكان إيمانهم وثباتهم عليه، وأن النصر حليفهم إن تحقق منهم العمل والثبات وعدم الوهن في ابتغاء القوم، وإلا فلا نصرة، ورجاء المؤمنين منه تعالى أعم مما يفيض عليهم في الحياة الدنيا والآخرة.

الثامن : يدل قوله تعالى : «فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَ قُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ» [النساء : 103] على لزوم ذكره تعالى في جميع المواطن، ومراقبة النفس والاعتماد عليه عز و جل والتوسل به في نجح المقاصد وإنجاز المطالب، لا سيما في ميدان الجهاد والقتال مع أعداء الله تعالی.

التاسع: يستفاد من تكرار الصلاة في الآيات الشريفة أهميتها، وأنها من السبل القربية التي يتوسل إليه تعالى في إنجاح المقاصد، وقد ورد في بعض الأحاديث: «إنَّ الصَّلاةَ قُربانُ المُؤمِنِ».

ص: 278

روايات في الموضوع

في التهذيب بإسناده عن زرارة قال : «سألت أبا جعفر علیه السلام عن صلاة الخوف وصلاة السفر، تقصران جميعا؟ قال: نعم، وصلاة الخوف أحق أن تقصر من صلاة السفر، فإن السفر ليس فيه خوف».

أقول: المراد من الأحقية أفعل التفضيل، فيقتضي اشتراك غيره معه، أي تشترك صلاة السفر وصلاة الخوف في القصر وإن كان القصر في الخوف آکد لذكره في الآية الكريمة من باب ذكر إحدى حکم التشريع، كما ذكرنا في التفسير، لا أن يكون من باب الاختصاص من غير مشاركة، نحو: زيد أحق بماله.

وفي التهذيب بإسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله علیه السلام قال : الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدها شيء إلا المغرب».

أقول: متعلق الاستثناء صدر الرواية كما هو واضح، وليس قبل الركعتين المفروضتين شيء واجب، وكذا ليس بعدهما. نعم يستحب بعدهما التسبيحات الأربع وثلاثين مرة، كما هو مذكور في الجوامع الفقهية، فراجع صلاة المسافر من (مهذب الأحكام).

وفي الكافي بإسناده عن حريز عن الصادق عليه السلام في قول الله عز و جل «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» [النساء: 101] قال : «في الركعتين تنقص منها واحدة».

أقول: قريب منها غيرها، وهذه الروايات إما تحمل على صلاة المطاردة ، أو على التقية ؛ لمخالفتها لما هو المشهور بين الإمامية وموافقتها لغيرهم.

وفي تفسير العياشي عن إبراهيم بن عمر عن الصادق عليه السلام قال: «فرض الله على المقيم أربع صلوات، وفرض على المسافر رکعتین تمام، وفرض على الخائف ركعة، وهو قول الله : «فلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ» يقول من الركعتين فتصير ركعة».

ص: 279

أقول: ما ذكرنا في الرواية السابقة يجري في هذه الرواية أيضا، وأن المراد من الخائف شدة الخوف، أي: الخائف المطارد.

وفي الدر المنثور عن علي عليه السلام قال: «سأل قوم من التجار رسول الله صلی الله علیه و اله فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله : «وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ» [النساء: 101]، ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلی الله علیه و اله فصلي الظهر ، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم مثلها أخرى في أثرها، فأنزل الله تعالی بین الصلاتین : «إِنَّ الْكافِرينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبيناً (101)وَ إِذا كُنْتَ فيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ» [النساء: 101-102] فنزلت صلاة الخوف».

أقول: لا بد من حمل التاجر على الذي لا يدور في تجارته، بقرينة ما تأتي من الرواية، وأن المراد بقطع الوحي في شأن المورد - كما هو الظاهر - لا مطلقا. وأن ما نزل في الغزوة من تمام الآية الكريمة يكون من باب تعدد النزول أو من باب التطبيق.

وفي الكافي بإسناده عن إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر عن أبيه علیه السلام قال : «سبعة لا يقصرون الصلاة : الجابي الذي يدور في جبايته، والأمير الذي يدور في إمارته، والتاجر الذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق، والراعي، والبدوي الذي يطلب مواطن القطر ومنبت الشجر، والرجل الذي يطلب الصيد یرید به لهو الدنيا ، والمحارب الذي يقطع الطريق».

أقول: لا بد من تحقق شرائط القصر من المسافة الشرعية، واستمرار القصد، وقطع المسافة وعدم قصد الإقامة، ومع ذلك لا يقصر هؤلاء، فالرواية في مقام التخصيص لا التخصص كما هو واضح، وقد ذكرنا التفصيل في صلاة المسافر من (مهذب الأحكام) فراجع.

وفي تفسير القمي نزلت - أي : آية صلاة الخوف - لما خرج رسول الله صلی الله علیه و اله الحديبية يريد مكة، فلما رفع الخبر إلى قريش بعثوا خالد بن الوليد

ص: 280

في مائة فارس ليستقبل رسول الله صلی الله علیه و اله، فكان يعارض رسول الله صلی الله علیه و اله على الجبال، فلما كان في بعض الطريق وحضرت صلاة الظهر أن بلال وصلی رسول الله صلی الله علیه و اله بالناس، فقال خالد بن الوليد: لو كنا حملنا عيهم وهم في الصلاة لأصبناهم، فانهم لا يقطعون الصلاة، ولكن تجيء لهم الآن صلاة أخرى هي أحب إليهم من ضياء أبصارهم، فإذا دخلوا فيها حملنا عليهم، فنزل جبرئیل بصلاة الخوف بهذه الآية، ففرق رسول الله صلی الله علیه و اله أصحابه فرقتين ووقف بعضهم تجاه العدو وقد أخذوا سلاحهم، وفرقة صلوا مع رسول الله صلی الله علیه و اله قائما ومروا فوقفوا موقف أصحابهم، وجاء أولئك الذين لم يصلوا فصلی بهم رسول الله الركعة الثانية ولهم الأولى، وقعد رسول الله صلی الله علیه و اله وقاموا أصحابه فصلوا هم الركعة الثانية وسلم عليهم».

أقول: الحديبية قرية بينها وبين مکة مرحلة واحدة، ويقال : إن بعضها من الحل وبعضها من الحرم، وسميت بذلك لبثر فيها تسمى الحديبية. ويستفاد من هذه الرواية اهتمام النبي صلی الله علیه و اله والمسلمين بالصلاة، حتى أن ذلك كان معروفا عند أعدائهم، كما يستفاد منها الكيفية الخاصة في صلاة الخوف، كما تقدم في التفسير.

وفي الكافي بإسناده عن الصادق علیه السلام: «صلی رسول الله صلی الله علیه و اله بأصحابه في غزوة ذات الرقاع صلاة الخوف، ففرق أصحابه فرقتين، أقام فرقة بازاء العدو، وفرقة خلفه، فكبر وكبروا فقرا وانصتوا فركع وركعوا فسجد وسجدوا ثم استمر رسول الله صلی الله علیه و اله قائما وصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلم بعضهم على بعض ثم خرجوا إلى أصحابهم فقاموا بأزاء العدو، وجاء أصحابهم فقاموا خلف رسول الله صلی الله علیه و اله، فصلى بهم ركعة ثم تشهد وسلم عليهم، فقاموا وصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلم بعضهمم على بعض، وقد قال الله تعالى لنبيه : «إِنَّ الْكافِرينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبيناً ﴿101﴾ وَ إِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ»- إلى قوله تعالى: - «إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَوْقُوتًا» [النساء: 101 - 103]، فهذه صلاة الخوف التي أمر الله عز و جل بها نبيه، وقال: من

ص: 281

صلى المغرب في خوف بالقوم صلى بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الثانية ركعتين - الحديث».

أقول: ذات الرقاع هي من إحدى غزواته التي حضرها بنفسه صلی الله علیه و اله، وكان بينها وبين الهجرة أربع سنين وأيام، وخاف الجمعان بعضهم بعضا، فصلی رسول الله بالمسلمين صلاة الخوف، وذات الرقاع موضع بنجد، وكانت قوات أعدائهم من بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، وكان قوات المسلمين اربعمائة راكب وراجل، وانهزم بنو ثعلبة وبنو محارب فيها، وكان هدف الأعداء فيها القضاء على المدينة وغزوها.

وسميت الغزو بذات الرقاع لوجوه كثيرة، أهمها أنهم كانوا يشدون على أرجلهم الخرق من شدة الحر، أو يعصبونها حتى يسهل عليهم المشي. وقيل : إنها اسم جبل قريب من المدينة فيها رقع سود وحمر وبيض. وقيل : إن الأرض كانت كذلك، وقيل : رقعوا راياتهم كذلك. وقيل : هي اسم شجرة كانت في موضع الغزوة.

وكيف كان، تتضمن الرواية الكيفية الخاصة لصلاة الخوف، وهي المعروفة بين الإمامية والموافقة للقواعد العامة، كما ذكرنا في كتابنا (مهذب الأحكام).

وعن ابن عباس في تفسيره أن النبي صلی الله علیه و اله، غزا محارا ببني أنمار فهزمهم الله تعالى وأحرزوا الذراري والمال، فنزل رسول الله صلی الله علیه و اله، والمسلمون ولا يرون من العدو واحدا، فوضعوا أسلحتهم وخرج رسول الله صلی الله علیه و اله ليقضي حاجته وقد وضع سلاحه، فجعل بينه وبين أصحابه الوادي، فإلى أن يفرغ من حاجته وقد درأ الوادي والمساء ترش، فحال الوادي بين رسول الله صلی الله علیه و اله، وبين أصحابه ، وجلس في ظل شجرة فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، فقال له أصحابه : یا غورث هذا محمد صلی الله علیه و اله قد انقطع من أصحابه ، فقال : قتلني الله إن لم اقتله ، وانحدر من الجبل ومعه السيف ولم يشعر به رسول الله إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده، وقال : يا محمد من يعصمك مني الآن، فقال رسول الله : الله ، فانكب عدو الله لوجهه فقام رسول الله صلی الله علیه و اله، فأخذ سيفه،

ص: 282

وقال: یا غوث من يمنعك مني الآن؟ قال: لا أحد، قال: أنشهد أن لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله، قال: لا، ولكني أعهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا، فأعطاه رسول الله صلی الله علیه و اله سيفه فقال له غورث : والله، لأنت خير مني، قال صلی الله علیه و اله: إني أحق بذلك، وخرج غورث إلى أصحابه فقالوا: يا غورث لقد رأيناك قائما على رأسه بالسيف فما منعك منه ، قال : الله، أهویت له بالسيف لأضربه فما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي وخر سيفي وسبقني إليه محمد وأخذه. ولم يلبث الوادي أن سكن فقطع رسول الله صلی الله علیه و اله إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم: «إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ۖ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا» [النساء: 102] .

أقول: ذكر صاحب المجمع الرواية عن أبي حمزة الثمالي في تفسيره.

وكيف كان، أن الزلخ وجه يأخذ في الظهر لا يتحرك الإنسان من شدته . وذكر الواقدي في المغازي أن المشركين في غزوة ذات الرقاع كانوا من بني أنمار وثعلبة. إذا ما ورد فيها تكون نفس غزوة ذات الرقاع. ويمكن الجمع بين ما تقدم وبين ما ذكره الواقدي بأن المشركين كانوا في غزوة ذات الرقاع من قبائل متعددة أكثرها ثعلبة وبنو محارب ومنهم بنو أنمار أيضا، فلا تنافي حينئذ، وعلى أية حال لا يهمنا ذلك.

وإنها تدل على عنايته جلت عظمته برسوله الكريم ودوام إمدادته الخاصة به بحفظه عن المشركين الذين هم كانوا أعداء له صلی الله علیه و آله، ولعل الوجه في عدم قتل رسول الله صلی الله علیه و آله الرجل لإتمام الحجة عليه، وأنه صلی الله علیه و آله ليس في مقام الانتقام أو التشقي، وأن الآية الشريفة المذكورة فيها إما من باب التطبيق، أو من باب تعدد النزول.

وفي الدر المنثور بإسناده عن ابن عباس قال: «صلينا مع رسول الله صلی الله علیه و آله بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئا، رکعتین» .

أقول: تدل الرواية على أن القصر في الصلاة في السفر الشرعي لا يناط

ص: 283

بالخوف، وما ذكر في الآية المباركة من إحدى حكم التشريع لا العلة المنحصرة بها الحكم، كما في مثل الإسكار على ما تقدم في التفسير.

ومما ذكرنا يظهر الوجه في ما رواه البخاري وغيره عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: «صلیت مع النبي صلی الله علیه و آله الظهر والعصر بمني أكثر ما كان الناس وآمنة ركعتين»، فإن السفر الشرعي تحقق سواء كان ذلك بمني أو غيرها، وهو موجب لقصر الصلاة .

وفي الكافي بإسناده عن داود بن فرقد قال: «قلت لأبي عبد الله صلی الله علیه و آله قوله تعالى : «إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا» [النساء: 103]؟ قال : كتابا ثابتة، وليس إذ عجلت قليلا أو أخرت قليلا بالذي يضرك ما لم تضع تلك الإضاعة، فإن الله عز و جل يقول: «أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا» [مریم: 59].

أقول: يستفاد من هذه الرواية أمور:

الأول: أن الصلاة ثابتة فلا تسقط بحال، فتكون الرواية دليلا على القاعدة المتفق عليها الفقهاء من أن «الصلاة لا تسقط بحال» إلا إذا دل الدليل على سقوطها ، كما في الحائض والنفساء والمجنون والصبي المميز وغيره.

الثاني : مشروعية القضاء فيها؛ لأن معنى الثبوت هو البقاء، ما لم نؤد بالكيفية الخاصجة التي قررها الشارع، كما ذكر ذلك في الكتب الفقهية.

الثالث: أن الصلاة يعم تكليفها الناس جميعا، والتخصيص بفرقة خاصة ينافي إطلاق قوله علیه السلام: «كتابا ثابتا»، فلا بد من إقامة دليل خاص على التقييد، وأن ذكر المؤمنين في الآية المباركة من باب ذكر أشرف الناس وأحبهم إليه جلت عظمته، مع أن للإيمان مراتب.

الرابع: يستفاد منها أن وقت الصلاة موسع؛ لأن في الضيق شدة وحرجا، وهما ينافيان رحمته التي وسعت كل شيء، ويدل قوله تعالى: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» [الحج : 78]، وتدل على ذلك أيضا روايات كثيرة .

ص: 284

وفي الدر المنثور عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلی الله علیه و اله: أمني جبرائیل عند البيت مرتين، فصلی بي الظهر حین زالت الشمس وكانت قدر الشراك، وصلى بي العصر حین کان ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين غلب الشفق، وصلى بي الفجر حین حرم الطعام والشراب على الصائم، وصلى بي الغد الظهر حین کان ظل كل شيء مثله، وصلى بي العصر حین کان ظل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء ثلث الليل، وصلى بي الفجر فأسفر ثم التفت إلي فقال: يا محمد، هذا الوقت وقت النبيين قبلك. الوقت ما بين هذين الوقتين».

أقول: الشراك أحد شيور النعل التي تكون على وجهها، والتقدير به ليس على وجه التحديد، أي: إذا استبان الفيء في أصل الحائط من الجانب الشرقي عند الزوال، فصار في رؤية العين قدر الشراك، وهذا أقل ما يعلم به الزوال، وإنما يتبين ذلك في مثل مكة المكرمة والبلاد التي حولها مما يقل فيها الظل، فإذا كان أطول النهار واستوت الشمس فوق الكعبة لم ير شيء من جوانبها ظل، فكل بلد يكون أقرب إلى خط الاستواء ومعدل النهار، يكون الظل فيه أقصر، وكل ما بعد عنهما إلى جهة الشمال يكون الظل أطول.

ويمكن أن يستدل بالرواية على جمع النبي صلی الله علیه و اله بين الصلاتين، والمراد من (مرتين) يومين، بقرينة ذيل الرواية . ولم يؤم جبرئیل لسوی رسول الله صلی الله علیه و اله من الأنبياء العظام، وهذا من مختصاته صلی الله علیه و اله، كما تدل على شرف البيت وكرامته أيضا .

وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أحدهما صلی الله علیه و اله قال: «في صلاة المغرب في السفر لا يضرك إن تأخرت ساعة ثم تصليها إن أحببت أن تصلي العشاء الآخرة، وإن شئت مشية ساعة إلى أن تغيب الشفق، إن رسول الله صلی الله علیه و اله صلى صلاة لهاجرة والعصر جميعا، والمغرب والعشاء الآخرة جميعا، وكان يؤخر ويقدم، إن الله تعالى قال: «إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا» [النساء : 103]، إنما عنى وجوبها على المؤمنين، لم يعن غيره، إنه لو كان كما

ص: 285

يقولون لم يصل رسول الله صلی الله علیه و اله هكذا وكان أعلم وأخبر، وكان كما يقولون، ولو كان خيرا لأمر به محمد رسول الله صلی الله علیه و اله، وقد فات الناس مع أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وأمرهم علي أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وأمرهم علي أمير المؤمنين عليه السلام فكبروا وهللوا وسبحوا رجالا وركبانا ؛ لقول الله : «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا» [البقرة: 239]، فأمر علي عليه السلام فصنعوا ذلك».

أقول: الهاجرة نصف النهار عند اشتداد الحر أو من عند الزوال إلى العصر، وسمي بها لأن غالب الناس يسكنون في بيوتهم، فكأنهم قد تهاجروا ، وصلاة الهجرة صلاة الظهر، وفي الدعاء: «اَتراك مُعَذِّبِي وَ قَدْ أَظْمَأْتُ لَكَ هَوَاجِرِي»، أي: حصل لي شدة العطش في هواجري لأجل عبادتك والخضوع الك.

وكيف كان، فتدل الرواية على أن رسول الله صلی الله علیه و اله جمع بين الصلاتین، وكان يقدم ويؤخر، وذلك يدل على الاستمرار.

والمراد بقوله علیه السلام: «إِنَّمَا عَنَی وُجُوبَهَا عَلَی اَلْمُؤْمِنِینَ»، أي: الوجوب الخاص وهو اتيان الصلوات في الأوقات الخمسة المعينة؛ لأن فيه عناية خاصة لا تشمل كل أحد، فلا ينافي ما ذكرناه في رواية داود بن فرقد من شمول الوجوب لجميع الناس حتى الكافر .

والرواية لا تدل على فوت الصلاة عن علي عليه السلام، بل فوت الصلاة عن الناس الذين كانوا معه، كما هو المنساق منها.

وفي الكافي بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام في قول الله تبارك وتعالی: «إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا» [النساء: 103] قال: يعني مفروضأ، وليس يعني وقت وقتها أن جاز ذلك الوقت ثم صلاها لم تكن صلوته هذه مؤداة ، ولو كانت كذلك لهلك ابن داود علیه السلام حین صلاها لغير وقتها ، ولكنه متى ذكرها صلاها».

ص: 286

أقول: يستفاد منها أن الصلاة واجبة، وأن التوقيت الزمني في الصلاة المفروضة من باب تعدد المطلوب، وأما صلاة ابن داود عليه السلام التي صلاها في غير وقتها يمكن أن يكون ذلك لمصلحة فيها ، كتشريع القضاء عملا أو غير ذلك تحقظا على العصمة في الأنبياء علیهم السلام

وفي الدر المنثور بإسناد متصل عن يعلى بن أمية قال : «سألت عمر بن الخطاب قلت: «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» [النساء: 101]، وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله علیه السلام عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».

أقول: تقدم أن الخوف من باب إحدى حکم التشريع، وكانت الأسفار القديمة - خصوصا في صدر الإسلام - مقرونة بالخوف من الكفار الذين كانوا أعداء المسلمين. والمراد بالصدقة هو أن تشريع القصر في الصلاة في السفر عطية إلهية أعطاها الله لنا فنتشرف بها بالتقرب إليه ، وذلك شأن جميع الأحكام. ويستفاد منها أن القصر فيها عزيمة لا رخصة.

وفي تفسير علي بن إبراهيم في قوله تعالى: «وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ» [النساء : 104]، أنه معطوف على قوله تعالى في سورة آل عمران: «إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ۚ» [آل عمران: 140]، وقد ذكرنا هناك سبب نزول الآية.

أقول: لعل المراد العطف من حيث وحدة المعنى وسياق الآيات الكريمة، الا العطف المصطلح، ويشهد لما ذكرنا ما روي عن أبي سفيان، قال عند انصرافه من أحد: يا محمد، موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال صلی الله علیه و اله: إن شاء الله ، فلما كان القابل ألقى الله الرعب في قلبه فندم على ما قال، فبعث نعیم بن مسعود ليخوف المؤمنين من الخروج إلى بدر، فلما أتی نعیم المدينة وجد المؤمنين يتجهزون للخروج فقال لهم : إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، ففتر المؤمنين فقال صلی الله علیه و اله: لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد، فأنزل الله تعالى: «وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ»

ص: 287

وفي الدر المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: «إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ» [النساء: 104] قال ؛ «توجعون، «وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ» [النساء: 104] قال ؛ ترجون الخير».

أقول: الوجع أعم من الوجع الجسدي والنفسي، كما أن الخير أعم من الخير الدنيوي والأخروي، فيشمل الحياة والرزق والعلم والجاه ومآرب الدنيا التي فيها رضاؤه جل شأنه ومنازل الآخرة التي تنال بالشهادة.

ص: 288

أحكام القصر في الصلاة

استدل فقهاؤنا الأبرار (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين) بقوله تعالی : «وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ» [النساء: 101] على ثبوت قصر الصلاة في السفر، وكذا استدلوا بها على قصر صلاة الخوف سفرا وحضرا، وكذا صلاة المطاردة .

والآية المباركة وإن كانت مجملة من حيث بعض الشروط وبيان الكيفية ، إلا أن السنة الشريفة بنت خصوصيات الموضوع بیانا شافيا.

وتختص القصر بالصلاة الرباعية في السفر بالشروط المذكورة في الكتب الفقهية، وهي أمور:

الأول: أن لا يكون السفر سفر معصية، كالسفر لأجل شرب الخمر أو السرقة أو قطع الطريق وغيرها من الفواحش، ولا يجب أن يكون طاعة، كالسفر للجهاد أو الحج المفروض، ولو كان مباحا كسفر التجارة وجب القصر؛ ولذا لم يقيد في الآية المباركة الضرب بكونه في سبيل الله تعالى كما في الآية السابقة.

الثاني : أن تتحقق المسافة الشرعية، وهي ثمانية فراسخ - أو أربعة فراسخ إذا رجع في نفس يومه - أو (44) كيلو متر على التفصيل المذكور في الكتب الفقهية. وقد اختلفت المذاهب في هذا الشرط، فقال أبو حنيفة : مسيرة ثلاثة أيام ولياليها بسیر ازبل ومشي الأقدام بالاقتصاد في البر، وجري السفينة والريح معتدلة في البحر. وقال الشافعي: التقدير بيوم وليلة. والمشهور بينهم التقدير

ص: 289

بالفراسخ، واختلفوا، فقال بعضهم: إنه أحد وعشرون فرسخا، وقال آخرون : ثمانية عشر وآخرون خمسة عشر.

الثالث: أن يكون المسافر قاصدا للسفر، فلا قصر على الذاهل والمتردد، ويستفاد هذا الشرط من ظاهر الآية المباركة: «وَ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوةِ» [النساء: 101] كما عرفت.

الرابع: استمرار القصد، فلو عدل عن قصده قبل بلوغ المسافة الشرعية، أن تردد، أتم للأدلة التي ذكرناها في كتابنا (مهذب الأحكام).

الخامس: أن لا يكون ممن بيته معه، كأهل البوادي الذين ينزلون البراري في محل العشب والكلأ ومواضع القطر واجتماع الماء؛ لعدم صدق المسافر عليهم، وكذا لا يكون من الذين اتخذوا السفر عملا وشغلا لهم، كالمكاري والسائق والساعي والراعي ونحوهم، فإن هؤلاء يتمون في سفرهم الذي هو عمل لهم؛ لعدم انقطاع سفرهم؛ ولنصوص كثيرة مذكورة في الكتب الفقهية.

السادس: الوصول إلى حد الترخص، وهو المكان الذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد ويخفي عنه آذانه؛ لصدق التلبس بالسفر عرفا؛ ولأدلة أخرى مذكورة في الكتب الفقهية. وهناك قواطع للسفر ذکرناها في كتابنا (مهذب الأحكام).

واختلف علماء الجمهور في القصر في السفر، فقال الشافعي: عدم وجوب القصر وأفضلية التمام، واستدل بقوله عائشة : «ان رسول الله صلی الله علیه و اله: كان يقصر في السفر ويتم»، وبما رواه النسائي والدار قطني: «إن عائشة لما اعتمرت مع رسول الله صلی الله علیه و اله وقالت: يا رسول الله قصرت واتممت وصمت وأفطرت، فقال صلی الله علیه و آله: «احسنت يا عائشة»، وقال مالك : إنه يجب القصر وجوب عزيمة لا رخصة فيه، واستدل بما رواه النسائي وابن ماجة عن عمر أنه قال: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم عليه الصلاة والسلام»، وبما رواه الشيخان عن عائشة أنها قالت: «أول ما فرض الله تعالى الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر»، وذهب جمع إلى أن القصر في الآية الشريفة ليس هو قصر الرباعية في السفر المبين بشروطه في كتب الفقه، فذلك مأخوذ من السنة

ص: 290

المتواترة، وأما ما في المقام فهو في صلاة الخوف كما ورد عن بعض الصحابة ، والشروط فيها على ظاهرها.

ولكن، عرفت في التفسير بطلان ذلك. وأما ما ذهب إليه الشافعي فهو مخالف لسنة رسول الله صلی الله علیه و اله، ومذهب أهل البيت وعمل الصحابة، وأما رواية عائشة فهي مردودة من جهات كثيرة، قد ذكرها علماء الجمهور في كتبهم.

وأما صلاة الخوف، فهي مقصورة سفرا وخوفا، جماعة وفرادی، إلا في الصبح والمغرب؛ لما تقدم من الآية المباركة والسنة المعصومية . والمراد من الخوف : الخوف الذي يكون مقتضيا لتخفيف الصلاة، سواء كان ذلك من عدو أو لص أو سبع أو ظالم، لا كل خوف ولو لم يقتض ذلك، ويستحب فيها الجماعة، ولها كيفيات ثلاثة، كما تقدم في التفسير وذكرناها في كتابنا (مهذب الأحكام).

وأما صلاة المطاردة - وتسمى بشدة الخوف والمرامات والمسابقة، أي : التضارب بالسيف - فتصلى بكل وجه أمكن، فهي تابعة للقدرة، ويبدل كل ما لا يقدر عليه بالأبدال الاضطرارية، كما ذكرناه مفصلا في محله(1)

ص: 291


1- م - ن : 216 - 230 ج 9.

(النشوز وأحكامه)

يقول تعالى: «وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَ مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا(127) وَ إِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ۚ وَ إِنْ تُحْسِنُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا(128) وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَ إِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(129) وَ إِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ۚ وَ كَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا(130) وَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَ لَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَ كَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا(131)وَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَ كَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا(132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَ كَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا(133)مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَ كَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(134)» [النساء: 127-134).

يستفاد من الآيات المباركة بضميمة الروايات الواردة في الأحكام المستفادة منها أمور:

الأول: لا يجوز لأحد التصرف في أموال اليتامى ولا في أنفسهن، إلا بعد مراجعة الولي على اليتيم أو اليتيمة كالحد - أب الأب - لو كان وإلا فالحاكم الشرعي، على تفصيل ذكرناه في كتاب النكاح من (مهذب الأحكام)، ولا بد في

ص: 292

التصرف مطلقا من المصلحة تعود لليتامى للآية الشريفة، ولقوله تعالى : «وَ لَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» [الأنعام: 152]، وللروايات الواردة في هذا الباب، كما لا يجوز لليتامى التصرف في أموالهم وأنفسهم للحجر عليهم شرعا كما ذكرنا في الفقه ويرفع الحجر بذهاب اليتم بالعلامات المقررة شرعا، كما ذكرناها في كتاب الحجر من (مهذب الأحكام).

الثاني: النشوز في الزوجة يتحقق بأمور: منها الخروج عن بيت الزوج بلا إذن منه إن لم يكن خروجها واجبا شرعيا، ويدل على ذلك روايات كثيرة ذكرنا بعضها في كتاب النكاح من (مهذب الأحكام).

ومنها : عدم تمکین نفسها للزوج فيما يجب عليها التمكين، ويدل على ذلك الأدلة الأربعة، كما قررناها في محله .

ومنها : عدم إزالة المنفرات المضادة للتمتع بها والالتذاذ منها ؛ للروايات الدالة على ذلك، مضافا إلى الإجماع.

وإذا تحقق النشوز يسقط وجوب النفقة عن الزوج في النكاح، ويستمر السقوط ما دام النشوز باقيا، للأصل. وإذا رجعت عن النشوز وثابت رجع وجوب النفقة على الزوج وتستحقها لتحقق المقتضي ورفع المانع، فتشمله الإطلاقات والعمومات.

وأما نشوز الزوج فيتحقق بإظهار الخشونة لها قولا وفعلا، ولا يوجب نشوزه سقوط النفقة الواجبة عليه.

ثم إن مقدار النفقة من الكمية والكيفية موكول إلى العرف المتداول حسب كل عصر وزمان، كما ذكرنا ذلك في كتاب النكاح من (مهذب الأحكام).

الثالث : يستفاد من قوله تعالى: «وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ» [النساء: 128] قاعدة فقهية فيها البركة لعمومها، وهي: «جریان الصلح في جميع العقود دالا ما خرج بالدليل»، کالنکاح مثلا على ما ذكرنا في كتاب الصلح، وتدل عليها كلمة «خير» الساري في جميع العقود بلا تقييد ولا تخصیص، وللروايات الكثيرة، منها ما عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا وأحل

ص: 293

حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا»، وغيره من الروايات المستفيضة، مضافا إلى الإجماع.

ولا يختص الصلح بالعقود التمليكية - كالبيع والإجارة وغيرهما - بل يجري في غيرها أيضا - كما ذكرنا في كتاب الصلح من (مهذب الأحكام) - وهو يفيد فائدة سائر العقود أيضا، فقد يفيد فائدة البيع أو الإجارة أو الهبة أو الإبراء وهكذا ، ولا يشترط فيه أن يكون مسبوقا بالنزاع.

والصلح: عقد لازم سواء كان مع العوض أو بدونه، لأصالة اللزوم في كل عقد إلا ما خرج بالدليل، ولم يدل دليل فيه على الخروج، وذكرنا في كتاب البيع من (مهذب الأحكام) ما يتعلق بها .

ويغتفر في الصلح ما لم يغتفر في غيره من الشرائط والأحكام المعتبرة في العقود؛ لأنه خير، ولا قيد في الخير إن لم يقيده الشرع.

الرابع : وجوب التساوي في القسمة بالمبيت عند كل واحدة من الزوجات ، وكذا في النفقة حسب لياقة الزوجة وشرفها .

نعم، لو كان الرجحان خارجا عن القدرة كالحب والمودة فيسقط وجوب التعديل والتساوي، كما تقدم في التفسير.

وعن ابن مسعود في قوله تعالى: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ» [النساء: 129] قال: «في الجماع». ولكن ذلك مجرد دعوی منه لم تستند إلى معصوم أو دليل عقلي معتبر، مع أن الجماع قد يكون باستطاعة الشخص - لاختلاف الأمزجة - ولا يكون كالحب والمودة، فالمناقشة فيما ذكره واضحة والله العالم(1)

ص: 294


1- م - ن : 273 - 275 ج 9.

بحث في الشهادات

يستفاد من الآية الشريفة بضميمة الروايات الواردة في الأحكام المستفادة منها أمور:

الأول : ذهب جمع من الفقهاء (قدس الله أسرارهم الشريفة) إلى قبول شهادة الولد على واده، واستدلوا على ذلك بأمور:

الأول : قوله تعالى: «كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» [النساء: 135]، بدعوى أن الآية المباركة صريحة في وجوب إقامتها ويستلزم ذلك قبولها.

الثاني : السنة المعصومية، فعن أبي الحسن الرضا عليه السلام: «أقم الشهادة لله ولو على نفسك أو الوالدين، وقول الصادق علیه السلام: «أَقِيمُوا اَلشَّهَادَةَ عَلَى اَلْوَالِدَيْنِ وَ اَلْوَلَدِ»، ومثلهما غيرهما من الروايات.

الثالث : يستفاد ذلك من كلام الشهيد وغيره .

ويمكن المناقشة في جميع ذلك، أما الآية الكريمة فسياقها الشهادة في أصول الدين - لا مطلق الشهادة - بقرينة صدر الآية الكريمة «شُهَدَاءَ لِلَّهِ» [النساء: 135]، وقوله تعالى : «لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ» [المجادلة : 22] وما يأتي من الروايات، فلا مجال للتمسك بإطلاق الآية الشريفة بعد احتمال أن الشهادة في أصول الدين.

وأما السنة، فلا مجال للتمسك بها؛ لإعراض المشهور عنها وهجر العمل

ص: 295

بإطلاقها فيسقط عن الاعتبار كما ذكرنا في كتابنا (تهذيب الأصول)، مضافا إلى معارضتها بالأقوى منها، مثل قول الصادق علیه السلام في الصحيح: «لا تقبل شهادة الولد على والده»، وقريب منه غيره .

وأما كلماتهم الشريفة، فإنها لا تصير دليلا ما لم يبلغ حد الإجماع، وقد ادعى الإجماع على عدم قبول شهادة الولد على الأب غير واحد من الأعلام. نعم ما تقدم يصلح للاحتياط كما ذكرناه في الفقه.

ويمكن رفع الاختلاف والجمع بين الروايات بان ما دل على الجواز في ما إذا كان الوالد غير مبال بدينه ومتجر في مخالفة الأحكام الإلهية، وأن شهادة ابنه عليه موجبة لإرشاده وهدايته، وما دل على عدم الجواز فيما إذا كان الأب من أصحاب الوجوه والشرف وملتزما بالانقياد للأحكام الشرعية، فتكون شهادة الابن على والده نحو إهانة له وخلافا لاحترامه ولا تكون من المعروف المأمور به في الكتاب والسنة، وهذا نحو جمع عرفي كما ذكرناه في كتاب الشهادات من (مهذب الأحكام) والحمد لله.

ولا فرق فيما تقدم بين الأب والأم، وهل يشمل الحكم الجد والجد؟

وجهان يظهران مما تقدم.

الثاني: أن الشهادة لا يغير الواقع عما هو عليه - بل الحكم الصادر من الحاكم الجامع للشرائط يكون كذلك أيضا - لأن المدار المأمور به هو الواقع الحق، فإذا انكشف يسقط ما سواه، وأن الشهادة طريق للوصول إليه، وعن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «أيها الناس إنما أنا بشر مثلكم وأنتم تختصمون ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ به، فإنما أقطع له قطعة من النار».

الثالث: يختص وجوب أداء الشهادة بموارد الاستشهاد؛ لقوله تعالى: «وَ لَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا» [البقرة: 282]، ومع عدمه فهو بالخيار في الأداء؛ لقول أبي جعفر عليه السلام: «إِذَا سَمِعَ اَلرَّجُلُ اَلشَّهَادَةَ وَ لَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ شَهِدَ وَ إِنْ شَاءَ سَكَتَ».

ص: 296

الرابع: لا يتوقف تحمل الشهادة على الاستشهاد والاستدعاء من المشهود، فإذا سمع ما تصح الشهادة تقبل الشهادة ، فلو سمع الإقرار والعقد أو الايقاع أو رأی ما تصح الشهادة به كالقتل، فلا يعتبر فيها القصد في خصوص الشهادة ولا الاستشهاد، لوجود المقتضي وفقد المانع وأصالة البراءة عن شرطية الاستدعاء والاستشهاد بعد توفر سائر الشروط کالعدالة وغيرها، وهناك فروع ذكرناها في کتاب الشهادات من (مهذب الأحكام) - ومن شاء فليرجع إليه - والفرق بين الإقرار والشهادة أن الأول إخبار بما يرجع إلى نفس المخبر، والشهادة إخبار على الغير بما علم به بالحضور فيه، كما ذكرنا في محله(1)

ص: 297


1- م - ن : 25 - 27 ج 10.

(قواعد فقهية)

يقول تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴿137﴾ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿138﴾ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴿139﴾ وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴿140﴾ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَ إِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَ نَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴿141﴾ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ وَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿142﴾ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴿143﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ﴿144﴾إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴿145﴾إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿146﴾ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَ كَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴿147﴾ [النساء: 137-147]

تستفاد من الآيات المباركة بضميمة السنة الشريفة الشارحة لها القواعد الفقهية التالية :

الأولى : قاعدة «حرمة الإعانة على الإثم» ؛ للنهي الوارد في قوله تعالی :

ص: 298

«وَ قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءايَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَ يُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ۗ» [النساء: 140]، فإن الكفر والاستهزاء بآياته عز و جل من مصادیق الإثم والظلم، فيشمل غيرهما مما هو منهي عنه ويكون إثما.

والنهي عن القعود معهم يشمل عدم إعانتهم بالأولوية، أو المراد ذلك بالمنطوق، كما عن بعض المفسرين، ويدل على ذلك أيضا قوله تعالی : «وَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَ لَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» [المائدة: 2] كما دلت عليها روايات كثيرة ذكرناها في المكاسب المحرمة من كتاب (مهذب الأحكام).

وقد خصصت القاعدة بموارد کالاضطرار، والتقية لحفظ النفس التي هي من باب تقديم الأهم على غيره، وهذا يتهم إلى الحق وغير ذلك مما هو مذكور في محله .

وفي قوله تعالى : «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» [النساء : 140] دلالة واضحة على وجوب النهي عن المنكر إن توفرت شروطه من القدرة وزوال العذر والتأثير، وإلا فإن من رضي بمنکر رآه وخالط أهله كان شريكهم في الإثم وإن لم يفعل، وأن ترك المنكر مع القدرة على رفعه وتوفر سائر شروطه، ذنب عظيم وخطيئة كبيرة.

وقيل : يستفاد من الآية المباركة أنه يجوز مجالستهم في غير ما ذكر في الآية الشريفة من الاستهزاء والخوض في آيات الله تعالى، كما لو خاضوا في حديث غيره، لأن (حتى) غاية للتحریم.

لكن الأخبار الواردة في المقام تدل على وجوب الإعراض عن الكفار المستهزئين، وتحريم الميل إليهم، ففي معتبرة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله علیه السلام قال: «لاَ تَصْحَبُوا أَهْلَ اَلْبِدَعِ وَ لاَ تُجَالِسُوهُمْ فَتَصِيرُوا عِنْدَ اللّٰهِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ»، ومثلها غيرها.

وإنما اقتصر عز و جل في قوله تعالى : «وَ إِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَ إِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» [الأنعام: 68] على النهي عن القعود، وذكر في هذه الآية الكريمة في هذه

ص: 299

السورة «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» [النساء: 140]؛ لأن سورة الأنعام مكية، وإنما كان المسلمون في مكة عاجزين عن الإنكار، فكان تركهم له لعجزهم، وأما الآية التي في سورة النساء، فقد نزلت والمسلمون يقدرون على الإنكار، فإذا لم ينكروا مع قدرتهم عليه يكون ذلك كاشفا عن رضى منهم، فيصيرون مثلهم في الإثم أو الكفر؛ لأن الرضا بالكفر كفر.

الثانية : قاعدة «نفي السبيل على المؤمنين» المستندة لقوله تعالى: «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» [النساء: 141]، وللأخبار الكثيرة المذكورة في أبواب متفرقة من الفقه.

ويمكن أن يقال: إن هذه القاعدة فطرية، وإن الآية المباركة والسنة الشريفة من باب الإرشاد؛ لأن إكمال الدين - بقوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا» [المائدة: 3] ورضاؤه تعالى به، وختم النبوة به، يقتضي أن يكون متفوقا، أو ممتازا في جميع جهاته على غيره، مما يوجب البعد عنه تعالى، وإلا يستلزم الخلف وتعلق رضائه بالناقص؛ لأن الإيمان الذي يكون للكافر عليه سبيل لم يكن على حد الكمال فكيف يتعلق رضاؤه به؟!

مع أن الأديان السابقة كلها مقدمة لهذا الدين، فيستلزم عقلا أن يكون لهذا الدين تفوقا كاملا عليهم، وأن العمدة في التفوق الحجة بل هي الأصل، وغيرها لا يكون تفوقا كما مر في التفسير.

ومن هنا كانت القاعدة غير قابلة للتخصيص لما عرفت أنها عقلية، هذا إن فسرنا السبيل بالحجة ، كما تقدم في البحث الروائي.

وأما إن فسرناه بمطلق السلطة والاستيلاء كما عن بعض الفقهاء، حيث تمسكوا بها في كتاب العتق في مسألة ما لو أسلم العبد وكان مولاه کافرا، وكذا لو أسلمت الزوجة دون الزوج، وفي الخيار عند رة المشتري العبد المسلم بالخيار إلى البائع الكافر فيرجع إلى البدل، فحينئذ تخرج عن كونها عقلية وتختص بموارد خاصة.

ص: 300

ولكن سياق الآية المباركة يابي عن ذلك، وأن المراد من نفي السبيل نفي الحجة .

ويمكن أن يكون المراد الأعم إن صح الجامع بينهما، وبقية الكلام موكولة إلى الفقه .

الثالثة : قاعدة «كل رياء حرام ويوجب بطلان العبادة»، والدليل عليها الآية الشريفة: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ وَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ» [النساء: 142]، أي مع أنهم كسالى في إقامة الصلاة يراءون الناس، فلا تكون العبادة له عز و جل، وقد أوعد على المرائي الويل في سورة الماعون أيضا، وتدل على ذلك الروايات المستفيضة الصادرة عن المعصومين علیهم السلام الدالة على الحرمة؛ لأنه نحو خديعة مع الله تعالى، ولذا عده سبحانه وتعالى من صفات المنافقين، كما تقدم.

وأما كونه يوجب بطلان العمل لانتفاء الشرط المهم الذي هو قصد القربة في العبادات، فتشمله قاعدة : «انتفاء المشروط بانتفاء شرطه» المقررة لدى جميع العقلاء، هذا كله في العبادات.

وأما في غيرها مما لا يتوقف على قصد القربة ، فهو لا يوجب البطلان وإن وجب نفي الثواب، والمؤمن يبتعد عنه دائما لئلا يقع في شرك الشيطان.

والرياء مبغوض عنده تعالى، ولم يترتب عليه أي ثواب إلا في الخمر، ففي الحديث : «مَنْ تَرَكَ اَلْخَمْرَ لِلَّهِ اثابه اَللَّهُ»، ولعل ذلك من أجل مبغوضية الخمر وشدة كراهته تعالى لها، أو بطرو عناوين أخرى يوجب الثواب. والله العالم.

الرابعة : قاعدة : «عدم جواز اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء»، والمراد منها عدم متابعة المؤمنين الكافرين ونصرتهم في عقائدهم أو في أعمالهم، التي تستلزم ترویج عقائدهم الفاسدة، من بثها في المجتمع أو تقويتها أو الدفاع عنها . وأما الميل القلبي إلى أعمالهم أو تعلم كمالاتهم الدنيوية دون عقائدهم إن لم تترتب عليه مفسدة، فلا محذور فيه.

وكيف كان، فقد استدلوا على القاعدة المتقدمة بالأدلة الأربعة.

ص: 301

في القرآن فمن الكتاب قوله تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» [النساء : 144] وغيره من الآيات المباركة.

ومن السنة روايات كثيرة، منها الحديث المشهور المعروف عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَ لَا يُعْلَى عليه»، وغيره مما ورد في الأبواب المتفرقة في كتب الفقه.

وضرورة الدين أيضا تقتضي ذلك، فضلا عن الإجماع.

وأما العقل، فحكمه البتي بالفساد في متابعة عقائدهم ونصرتها وأن ذلك يوجب خسران الدنيا والآخرة.

ولا فرق في الفساد الذي يكون موجبا لشمول القاعدة بين أن يكون في الحال أو في المستقبل من الزمان، فلو حصل للمؤمن الاطمئنان بأن متابعة الكافر تستلزم انقلاب عقيدته وفساد أخلاقه بتزلزل إيمانه في المستقبل، يحرم عليه المتابعة.

وهذه القاعدة عقلية كشف عنها الشارع امتنانا، إذ العقل يحكم بالبعد عن ما يضر بالعقيدة ويوجب فسادها كما هو واضح، وتطبيق القاعدة على مواردها موکول إلى الفقه.

الخامسة : قاعدة : «الاسلامُ یَجُبُّ ما قَبْلَه»، وكيفية استظهارها من الآية الشريفة تقدت في البحث الدلالي فلا وجه للاعادة .

وعن بعض المفسرين أنه استشهد بقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً» [النساء: 137]: للقاعدة المعروفة في القضاء من: «أَنَّ أَصْحَابَ اَلْكَبَائِرِ يُقْتَلُونَ فِي اَلثَّالِثَةِ أَوِ اَلرَّابِعَةِ».

ولكن الاستشهاد بها في غير محله؛ لعدم انطباقها على القاعدة، وأن سياقها في أصول الدين والعقيدة والقاعدة أعم، ولا بد في مورد القاعدة التخلل بالحد في مرتكب الكبيرة كما هو مصبها، والآية الكريمة لا تدل على ذلك أصلا، فإن محو الكفر يتحقق بالتوبة أيضا، وأن القتل في القاعدة يوجب محو

ص: 302

الذنب والغفران، والآية المباركة تدل على عدم الغفران، فالعمدة في القاعدة المذكورة الروايات الدالة على القتل في الرابعة كما هو المشهور، وإن ما ذكره لا يقع مورد القبول والله العالم.

وعن ابن عباس قال: يكره للمؤمن أن يقول: «إني كسلان» ؛ للآية الشريفة التي هي في مقام الذم. ولا بأس بقوله: لقاعدة التسامح في أدلة السنن(1).

ص: 303


1- م - ن : 75 - 80 ج 10.

أحكام الغيبة

يقول تعالى: «لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَ كَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴿148﴾ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴿149﴾» [النساء: 148-149].

من المعاصي الكبيرة الغيبة، وهي: أن يذكر خلف إنسان ما هو مستور يغمه لو سمعه، فإن كان صدقا سمي غيبة وإلا فهو البهتان الذي هو أشد من الغيبة ، بل من الموبقات.

ولا فرق في الغيبة بين أن يكون بقصد الانتقاص أو لم يكن كذلك لإطلاق ما يأتي من الأدلة، كما لا فرق في العيب المستور بين أن يكون في بدنه، أو في خلقه، أو في نسبه، أو في قوله، أو في دينه، أو دنياه وسواء كان الذكر بالقول أو الكتابة أو بالحكاية بوجود العيب في الشخص المغتاب (بالفتح)، كالإشارات والتمثيليات، ففي جميع ذلك تتحقق الغيبة.

وتدل على أنها أم الرذائل الأخلاقية ومن المعاصي الكبيرة الأدلة الأربعة:

فمن الكتاب قوله تعالى: «وَ لَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ» [الحجرات : 12]، فشبه سبحانه وتعالى لما يناله المغتاب (بالكسر) من عرض المغتاب (بالفتح) بأفحش وجه كما هو معلوم. وقال تعالى : «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» [الهمزة: 1]، أي: الذي لا يبالي بالغيبة وهتك أعراض الناس، وقال تعالى : «لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ» [النساء: 148]، فإن الجهر بالسوء سواء كان أمام الطرف أو خلفه مبغوض

ص: 304

عند الله تعالى، وإن إطلاق السوء فيها كما يشمل الغيبة والبهتان يشمل الكذب ، بل يشمل ترك التقية المكلف بها أيضا؛ فإنه سوء للعامل أو الفاعل.

ومن السنة روايات كثيرة بلغت حد التواتر، فعن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «من اغتاب امرءا مسلما بطل صومه ونقض وضوؤه وجاء يوم القيامة تفوح من فيه رائحة من الجيفة يتأذى بها أهل الموقف، وإن مات قبل أن يتوب مات مستحلا لما حرمه الله تعالی»، المحمول في بطلان الصوم ونقض الوضوء على المرتبة النازلة من الكمال، أو على الاستحباب بالقضاء أو التجديد، والمراد من الاستحلال عدم المبالاة في ارتكاب الغيبة .

وعن الصادق علیه السلام: «الْغِيبَةُ أَسْرَعُ فِي دِينِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْأَكِلَةِ فِي جَوْفِهِ»، إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في كتب الأحاديث.

ومن الإجماع ما هو مسلم بين المسلمين بجيمع مذاهبهم، بل عد حرمتها من الضروريات الدينية.

ومن العقل حكمة بالقبح؛ لأنه نوع من التعدي على الغائب وظلم عليه ؛ لفرض أنه يغمه ويتأذى لو سمع يذكر ما فيه.

ويعتبر فيها أمور :

الأول: وجود سامع بقصد إفهامه، فلو لم يكن سامع لا تكون غيبة.

الثاني: تعيين المغتاب وتشخيصه، فلو قال : واحد من أهل البلد سارق، لا يكون غيبة ، أو قال؛ أحد أولاد زيد جبان، لا يكون غيبة، أو قال : أحد أولاد الجار فاسق، لا يكون غيبة وإن حرم من جهة انطباق عنوان الهتك أو الإهانة بالانتقاص.

الثالث: أن لا يكون المغتاب (بالفتح) داخلا في المستثنيات التي سنذكرها.

الرابع : أن يكون المغتاب (بالكسر) جامعا لشرائط التكليف، ولو فقد أحد هذه الشروط انتفى الحكم وإن تحقق مفهوم الغيبة لغة في بعض الموارد .

ص: 305

واقد استثنی من حرمة الغيبة مورد کثيرة مذكورة في كتب الفقه، ولكن أهمها هي:

الأول : المتجاهر بالفسق، فتجوز غيبته في العيب المتجاهر فيه - دون العيب المستتر فيه - إن قصد من غيبته ارتداعه عن فسقه بعد وصول الخير إليه أو يحذر الناس عنه، فمن نبينا الأعظم صلی الله علیه و آله: «اذكر الفاسق بما فيه كي يحذره الناس»، فإذا علم أنه لا يؤثر فيه - كغالب الفساق الذين انحرفوا عن الصراط المستقيم وران قلوبهم - ففي غيبته إشكال من إمكان شمول قوله تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» [النور: 19]، ودعوى سياق الآية الشريفة في غير المورد تحتاج إلى دليل، ومن شمول إطلاق بعض الروايات مثل قوله علیه السلام: «مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ اَلْحَيَاءِ فَلاَ غِيْبَةَ لَهُ» إن لم يدع الانصراف عن المورد. نعم تجوز من جهة تحذير الناس في عدم وقوعهم في المهالك.

الثاني : الظالم لغيره، فيجوز للمظلوم غيبته في ظلمة للانتظار وبلا تعدي ؛ لقوله تعالى: «لا يجب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم» [النساء: 148]، وإطلاق الآية الكريمة يشمل جميع أنواع الظلم ومراتبها ، إلا إذا كان الظلم على نحو لا يعتني به لدى عفرف المتشرعة ولا يحصل منه إيذاء، فالآية المباركة منصرفة عنه .

ولا فرق في ذلك بين ما كان في مجلس عام أو لم يكن فيه ، كما لا فرق في الظلم من أن يطرأ على المغتاب، أو على من ينتسب إليه، كما إذا غصب زید دار عمرو فمات عمرو، فيجوز لورثته غيبة زيد انتصارا لحقهم، وكذا لا فرق بين أن يكون الظالم حيا أو ميتا، كل ذلك لإطلاق الآية الشريفة.

وهل تجوز الغيبة في ما لو وقع الظلم على شخص لا ينتسب إلى المغتاب (بالكسر) أصلا إلا من باب الأخوة الإيمانية ولم يرد إليه نفعا؟

مقتضى الأدلة عدم الجواز إلا من باب النهي عن المنكر إن توفرت شرائطه .

ص: 306

الثالث: نصح المستشير لو استشاره شخص في أمر ذي بال كالتزویج، وشراء عقار، أو جعل وکیل، أو اتخاذ أجیر وغيرها، فيجوز نصحه ولو استلزمت الغيبة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون ابتداء ومن دون الاستشارة أو معها.

وهناك موارد أخرى مذكورة في الكتب الفقهية، كالخوف على الدين، فيجوز غيبته لئلا تترتب عليه مفسدة دينية، أو كجرح الشهود، وقدح المقالات الباطلة وغيرها، ومن شاء التفصيل فليرجع إلى كتابنا (مهذب الأحكام)(1)

ص: 307


1- م - ن: 97 - 100 ج 10.

(حكم الكتابي)

يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَ كَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿170﴾ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ كَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿171﴾لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَ لَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَ يَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴿172﴾فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَ لَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَ لَا نَصِيرًا ﴿173﴾يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴿174﴾فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿175﴾» [النساء: 170-175]

اختلف الفقهاء (قدس الله تعالى أسرارهم) في نجاسة الكافر الكتابي وطهارته ، كما أنهم اتفقوا في نجاسة المشركين من الكفار بالأدلة المقررة وإن المسألة بجوانبها محررة في الفقه مفصلا .

وبناء على طهارة الكتابي - كما ذهب إليها جمع من الفقهاء - فهل تشمل الأدلة الدالة على نجاسة الكفار من المشركين الكتابي أيضا؛ لقوله تعالی : «وَ قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ

ص: 308

قَوْلُهُمْ»- إلى أن قال تعالى - «وَ مَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» [التوبة: 30 - 31]، وقوله تعالى: «وَ لَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ» [النساء: 171] وغيرهما من الآيات الشريفة، فيكون الكفار مطلقا محکومین بالنجاسة أو لا تشملهم؟

الظاهر هو الثاني ؛ لأن عنوان الكتابي - من اليهود والنصارى والمجوس - غیر عنوان المشرك، لما فيهم نحو إضافة إلى الدين أو إليه سبحانه وتعالى ونزول الكتاب بواسطة أنبيائهم، فالكتابي والمشرك عنوانان متقابلان وإن كان بينهما عنوان مشترك - وهو الكفر - وكان بعض عقائدهم يشابه عقائد المشركين، إلا أن الأحكام مطلقا تابعة لعناوین موضوعاتها، قال تعالى : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا» [الحج: 17]، فأفرد سبحانه وتعالى المشركين عن اليهود والنصاری.

ودعوى : أن المراد من الأمم في الآية المباركة غير المنحرفة إلى الشرك ، أي دين اليهود الواقعي الذي جاء به موسی عليه السلام، أو النصرانية التي جاء بها المسيح عليه السلام.

غير صحيحه : لأن التخصيص بذلك تخصيص بالفرد المعدوم أو القليل جدا وإطلاق الآية الشريفة يشمل اليهود والنصارى الموجودين حال نزول الآية الكريمة وبعده، وهما لا يخلوان عن الشرك كما تنص الآيات المباركة الكثيرة .

أو تخصيص الأدلة الدالة على نجاسة المشركين بالأخبار الدالة على طهارة الكتابي وفيها الصحيح، وتقدم مرارا أن للشرك مراتب، وأن الأدلة الدالة على نجاسة الكتابي تحمل على محامل مذكورة في الكتب الفقهية المفضلة.

وأن الشرك الذي محكوم بالنجاسة، وعدم الغفران، والضلال البعيد، والحرمان عن الدخول في الجنة، ووجوب القتل إن تحققت شروطه، هو الشرك العظيم الذي هو الشرك في الذات - أي المعبود - والعبادة، والصفات - أو إنكار المبدأ بالكلية - فإذا لم يكن كذلك خرج عن الحكم بالنجاسة واتصف بحكم آخر، ولا ينافي ذلك مبغوضيته عند الشارع.

ص: 309

وبالجملة : أن عقيدة الكتابي بالشرك لا تنافي القول بطهارتهم - لو قلنا بها - والقول بنجاسة المشركين كما عرفت من الوجوه، وحتى لو التزمنا بنجاسة الكتابي فالاستدلال بتلك الآيات - الدالة على شركهم - بنجاستهم مشکل، فتأمل جيدا، هذا كله لو قلنا بطهارتهم، وأما لو قلنا بنجاستهم فلا موضوع لهذا البحث أصلا كما هو واضح(1)

ص: 310


1- م - ن : 229 - 231 ج 10.

(إرث الكلالة)

اشارة

يقول تعالى: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَ هُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ۚ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَ إِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَ نِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۗ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [النساء: 176]

تدل الآيتان الشريفتان على أن إرث الكلالة مطلقا مشروط بانتفاء الوالدين والأولاد مطلقا، فيستفاد منهما أنهم من الطبقة الثانية، كما أن الوالدين والأولاد من الطبقة الأولى، وقد دلت الأخبار الواردة من المعصومين عليهم السلام على أن الأجداد يشاركون الإخوة والأخوات فيكونون من الطبقة الثانية أيضا، وقد ذكرنا جملة منها في كتاب الإرث من (مهذب الأحكام).

كما أن الأخبار دلت على أن إرث الأعمام والأخوال مشروط بانتفاء الإخوة والأجداد، فعلم من ذلك أنهم من أهل الطبقة الثالثة، على التفصيل المذكور في الكتب الفقهية .

وأن الآيتين الشريفتين تدلان على تفصيل توريث كلالة الأبوين أو الأب خاصة على الإطلاق، حيث لم تشترط فقد الإخوة من كلالة الأم.

والكلالة : هي القرابة غير الوالد والولد كما تدل عليه الآية المباركة والسنة الشريفة وآية الكلالة مذكورة في هذه السورة امباركة في موضعين، وفي كلتيهما يبين عز و جل معنى الكلالة بأحسن بیان، ففي قوله تعالى: «انِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ

ص: 311

وَلَدٌ» [النساء: 176] بيان لمعنى الكلالة، فيستفاد منه أن الكلالة ليست في عمود النسب.

وفي كلمة «هلك» والتعبير به دون مات أو توفي أو أمثالهم، إشارة لطيفة بأن من لا ولد له فهو هالك.

وفي الآية الشريفة قرينة على أن المراد بالكلالة المتقرب بالأبوين أو الأب فقط، فتدبر فيها وفي ما مر من آية الكلالة.

كما أن الأولى التي وردت في كلالة الأم دلت على توريثها على الإطلاق كما عرفت، فيعلم من ذلك أن الكلالتين تجتمعان وقد تفترقان، وكذا حالهما مع الأزواج، فإذا اجتمعت كلالة الأب وكلالة الأم فإن كانت الأخيرة واحدة ، فالسدس لها، وإن كانوا أكثر فيقتسمون الثلث بينهم بالسوية مطلقا، وأما الباقي فيعطى لكلالة الأب، فإن كانت أختا واحدة فلها النصف من الثلثين والبقية يرد عليها ، وإن كانت أختين فصاعدا يعطى لهما ثلثا الثلثين والباقي يرد عليه، وإن كانوا ذكورا وإناثا فيعطى لهم الثلثين، للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا شيء عندنا للعصبة ، فيعطي له نصيبه الأعلى، فإن بقي شيء فللكلالة، بالتفصيل الذي ذكرناه في الإرث من (مهذب الأحكام).

والمستفاد من الآيتين الشريفتين أن السهام المذكورة لكلالة الأب فيهما هي سهم الأخت الواحدة وهو النصف، وسهم الأختين وهو الثلثان ، وسهم الأخ الواحد وهو المال كله، مشارك غيره من الزوج أو الجد كما دلت عليه النصوص. وسهم الإخوة ذكورا وإناثا، وهو المال كله، للذكر مثل حظ الأنثيين، ومن ذلك يعلم بقية السهام، وهي سهم الأخوين، وهو المال كله بينهما بالسوية، ومنها الأخ مع الأخت، فللذكر مثل حظ الأنثيين، ويصدق على الجميع الإخوة.

ويدل قوله تعالى: «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» [البقرة : 282] على أن تشیع الأحكام يختص بمن كان عالما بجميع الأمور - حقائقها ومصالحها - وما تتعلق بمحياكم ومماتكم، وبمقدار قدرة العباد في تحملها ، فيعلم من ذلك بطلان

ص: 312

أي تشريع آخر صادر من غيره عز و جل، فإنه ضلال ولا يجلب إلا الشقاء والحرمان، كما يدل عليه قوله تعالی : «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا» [النساء: 176].

كما أن في الآية الشريفة إشارة إلى أن الله تعالى لم يكل تشريع الأحكام إلى النبي صلی الله علیه و اله، وإنما هو رسول ومبلغ من عنده جل شأنه .

بحث روائي

علي بن إبراهيم بسنده عن بکیر بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إذا مات الرجل وله أخت، لها نصف ما ترك من الميراث بالآية كما تأخذ البنت لو كانت، والنصف الباقي يرد عليها بالرحم إذا لم يكن للميت وارث أقرب منها ، فإن كان موضع الأخت أخ أخذ الميراث كله؛ لقول الله : «وَ هُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ۚ» [النساء: 176]، فإن كانتا أختين أخذنا الثلثين بالآية والثلث الباقي بالرحم، «وَ إِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَ نِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ» [النساء: 172] وذلك كله إذا لم يكن للميت ولد أو أبوان أو زوجة».

أقول: الرواية من باب التفسير والتوضيح للآية المباركة كما تقدم

العياشي في تفسيره عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى : «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ» [النساء: 176]: «إنما عنى الله الأخت من الأب والأم، أو الأخت من الأب «فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَ هُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ» [النساء: 176]، وقال: «وَ إِن كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَ نِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ»، فهؤلاء الذين يزادون وينقصون وكذلك أولادهم يزادون وينقصون».

أقول: الرواية كسابقتها، ونصيب كلالة الأم تقدم في الآية التي تقدمت في أوائل السورة.

وفيه أيضا عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال: «إذا ترك الرجل

ص: 313

أمه وأبه وابنه وابنته، فإذا هو ترك واحدا من هذه الأربعة فليس هو من الذي عني الله في قوله : «قُلِ اللَهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَلةِ» [النساء: 176]، ليس له أن يرث مع الأم ولا مع الأب ولا مع الابن ولا مع الابنة إلا زوج أو زوجة، فإن الزوج لا ينقص من النصف إذا لم يكن معه ولد، ولا تنقص الزوجة من الربع شيئا إذا لم يكن معها ولد».

أقول: وقريب منه ما عن زرارة، وتقدم تفصيل المراتب في الإرث من کتاب (مهذب الأحكام)، والرواية من باب التفسير للآية المباركة .

وفي المجمع عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: «اشتكيت وعندي تسعة أخوات لي - أو سبع - فدخل علي النبي صلی الله علیه و اله فنفخ في وجهي فأفقت فقلت : يا رسول الله ألا أوصي لأخوتي بالثلثين؟ فقال : أحسن، قلت: الشطر؟ فقال : أحسن. ثم خرج وتركني ورجع إلي فقال: يا جابر إني لا أراك ميتا من وجعك هذا، وإن الله تعالى قد أنزل في الذي لأخواتك فجعل لهن الثلثين، وكان جابر يقول : أنزلت هذه الآية في».

أقول: الرواية تتضمن كرامة النبي، وكم له صلی الله علیه و اله منها في كل يوم من أيام عمره الشريف، وكان في مرض جابر مصالح وبركات .

وفي الدر المنثور عن جابر بن عبد الله قال : «دخل علي رسول الله صلی الله علیه و اله وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب علي فعقلت فقلت : إنه لا يثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض»، وقال جابر: «أنزلت في: «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَللَةِ» [النساء: 176]، هكذا في رواية أبي حاتم».

أقول: الظاهر وحدة القضية، وأن النفخ كان من مقدمات صب الماء على وجهه، وأن الشفاء حصل بمجرد النفخ، وصب ماء الوضوء کان لمنقبة أخرى ومفخرا لجابر؛ لأن المسلمين كانوا يتسابقون للتبرك بقطرة من ماء وضوئه صلی الله علیه و آله.

وفي الدلائل للبيهقي عن البراء قال: «آخر سورة نزلت كاملة براءة ، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء : «يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَللَةِ».

ص: 314

أقول: اختلف المفسرون في آخر سورة نزلت على رسول الله صلی الله علیه و اله، وسيأتي في المحل المناسب التعرض له.

وفي الدر المنثور عن البراء بن عازب قال : «جاء رجل إلى رسول الله صلی الله علیه و اله فسأله عن الكلالة؟ فقال: تكفيك آية الصيف».

أقول: تسمية الآية الكريمة بأية الصيف لنزولها في ذلك الموسم، فإن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين، إحداهما في الشتاء وهي التي في أول هذه السورة، وأخرى في الصيف وهي هذه الآية.

وفي تفسير العياشي عن بكير قال: دخل رجل على أبي جعفر علیه السلام فسأله : عن امرأة تركت زوجها وإخوتها لأمها وأختا لأب؟ قال : للزوج النصف ثلاثة أسهم وللإخوة من الأم الثلث سهمان، وللأخت للأب سهم، فقال له الرجل: فإن فرائض زید وابن مسعود وفرائض العامة والقضاء على غير ذا يا أبا جعفر! يقولون: للأخت للأب والأم ثلاثة أسهم نصيب من ستة تعول إلى ثمانية ، فقال أبو جعفر عليه السلام : ولم قالوا ذلك؟ قال : لأن الله تعالى قال : «وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ» [النساء: 176]، فقال أبو جعفر علیه السلام : فما لكم نقصتم الأخ إن کنتم تحتجون بأمر الله بإن الله سمى لها النصف، فإن الله سمى للأخ الكل، والكل أكثر من النصف، فإنه تعالى قال: «فَلَهَا نِصْفُ» [النساء: 176]، وقال للأخ: «وَ هُوَ يَرِثُهَا» [النساء: 176]، يعني جميع المال، «إِن لَّمْ يَكُن لَّها وَلَدٌ» [النساء: 176] فلا تعطون الذي جعل له الجميع في بعض فرائضكم شيئا وتعطون الذي جعل الله له النسف تاما؟!»(1)

ص: 315


1- م - ن : 239 - 243 ج 10.

قواعد فقهية مهمة

يقول تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴿1﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَئِرَ اللَّهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَ لَا الْهَدْيَ وَ لَا الْقَلَائِدَ وَ لَا ءامِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْوَانًا وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَ لَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿2﴾ [المائدة: 1-2].

تدل الآيات المباركة على قواعد فقهية متينة ترتبط بالحياة الفردية والاجتماعية قد كثر الابتلاء بها وتمسك الفقهاء بها في أكثر أبواب الفقه، خصوصا في المعاملات :

الأولى : قاعدة : «الوفاء بالعقود مطلقا إلا ما أخرجه الدليل، وهي قاعدة قيمة، وركيزة في التجارات، وعبروا عنها ب «أصالة اللزوم في العقود، إلا إذا دل دليل على الخلاف، ولا جدوى في اختلاف التعبير هنا.

ومعنى القاعدة أن كل عقد جامع للشروط المعتبرة - في العقد والعاقد والعوضين - لو تحقق في الخارج يكون ثابتا ودائما لا يجوز حله مطلقا، إلا بسلطة الشرع كما في مورد الخيارات، أو برضاء الطرفين الجامعين للشرائط الشرعية كما في مورد الإقالة .

بل يمكن أن يقال : إن كل إنشاء جامع الشرائط - عقدا كان أو إيقاعا حتى لو كان مبايعة مع أوليائه تعالى - يجب الالتزام بمضمونه مطلقا ولا يجوز نقضه

ص: 316

اختيارا، إلا إذا ورد ترخيص من الشرع في ذلك، وما ورد في الآية الكريمة من العقود إنما هو من باب ذكر الغالب لا التقييد، فتأمل.

ولا فرق في العقد بين أن يكون خلقيا كأغلب العقود مثل البيع والإجارة وغيرهما، أو خالقيا كالنذور والصدقات، أو مشوبا به کالنکاح، وكذا في الإيقاعات كالطلاق والعتق.

واستدل للقاعدة بالأدلة الأربعة : فمن الكتاب آیات :

منها: قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» [المائدة: 1]، فاللزوم وإن كان حكما وضعيا، ولكن منشأه الأمر التشريعي أو التقريري، وإطلاقه يشمل كل عقد وعهد، الجامعين للشرائط العقلانية، في كل زمان، أي: أن وجوب الوفاء استمراري في جميع اللحظات الزمانية، كما يشمل كل عاقد وأي نوع الثمن أو المثمن.

ومنها : قوله تعالى: «وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عهَدْتُمْ» [النحل: 91]، وعهد الله هو ما شرعه تعالى - عقدا كان أو إيقاعا منوطا بقصد القرية كالعبادات، أو لم يكن كذلك كالمعاملات - وهو في مقابل عهد الشيطان، أي : العهود التي فيها مفسدة كشف الشارع عنها بنهيه، فكل عهد صدر من الخلق هو من عهد الله ما لم يرد فيه نهي منه سبحانه ، إذ أن التشريعيات كالتكوینیات ترجع إليه جل شأنه ، وقد خصصت الآية المباركة بموارد بينتها السنة الشريفة.

ومنها : قوله تعالى: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ» [الانسان: 7]، الذي هو في مقام الإنشاء والتشريع بقرينة قوله تعالى : «وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ» [الحج: 29]، وذكر النذر ليس من باب التخصيص والتقييد، وإنما هو من باب ذكر أحد الأفراد للعقد بقرينة ما تقدم .

ومن السنة روايات كثيرة، منها : قوله صلی الله علیه و آله: «اَلْبَیِّعَانِ بِالْخِیَارِ مَا لَمْ یَفْتَرِقَا»، فيستفاد منه أن الخيار حکم عارضي للعقد محدد بزمان خاص، وإلا فإن من ذات العقد اللزوم، ولولا ذلك لم يكن معنی ل (جعل الخيار) إلا بنوع من التجوز، وهو خلاف الظاهر، كما ذكرنا في كتابنا (مهذب الأحكام) ما يتعلق بذلك.

ص: 317

ومنها : قوله صلی الله علیه و اله: «النَّاسَ مُسَلَّطُونَ عَلَی أَمْوَالِهِم»، فبعد انتقال السلطنة بالعقد حلها - أو هدمها - لا يجوز إلا برضاء الطرفين، وقد استفیدت من هذه الرواية قاعدة أخرى، وقد عبر عنها ب «قاعدة السلطنة»، وهي تدعم قاعدة «الوفاء بالعقود»، وسيأتي البحث عن مقدار دلالتها في المورد المناسب إن شاء الله تعالی.

ومنها: قوله : «لَا یَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِیب نَفْسهُ»، فجعل المناط في الحلية طيب النفس، وليس هذا إلا اللزوم، فحل العقد من طرف واحد لا يتحقق فيه طيب النفس، فلا يحل المال.

وهناك روايات أخرى ذكرت في المضلات، فمن شاء فليراجع إليها .

ومن الإجماع ما ادعاه غير واحد من أساطين الفقهاء، بل عد ذلك من المسلمات الفقهية .

ومن العقل اتفاق العقلاء كافة على قبح نقض العهد أو حل العقد من طرف واحد بلا رضا الطرف الآخر، وعد ذلك عندهم غدرا وهو مذموم عقلا و شرعا ففي الحديث عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله: «لِکُلِّ غادِرٍ لِواءٌ یَومَ الْقِیامَهِ یُعْرَفُ بِهِ».

وهذه القاعدة من القواعد التي لم تنلها يد الخلاف كثيرا؛ بكونها عقلانية قررها الشارع المقدس، وأن الأدلة الشرعية ترشد إلى ما قررته العقلاء.

وقد خصصت القاعدة بموارد دلت عليها الأدلة الشرعية.

الأول: الخيارات بأقسامها وأنواعها كخيار المجلس، والحيوان وخیار العيب، والغبن وغيرها، كما هي مذكورة مفصلة في الكتب الفقهية، ومن شاء فليرجع إلى كتابنا (مهذب الأحكام).

الثاني: ما إذا حكم الشارع بعدم اللزوم وجواز الفسخ، كبعض أقسام الهبة والوكالة والوديعة، ومثل هذه الموارد تحتاج إلى دليل خاص.

الثالث : ما إذا اشترط من الطرفين أو كل واحد منهما الحل أو الفسخ وقرره الشرع، لأن اللزوم في العقود هو الحكم الأولي، أي : الطبيعي لها، وهو

ص: 318

قابل للرفع لو اتفق الطرفان على ذلك، وقد دلت على ذلك روايات كثيرة تقتضي التسهيل والتيسير على الأمة المرحومة فتكون امتنانية.

ثم إن موارد التمسك بهذه القاعدة كثيرة، أهمها ثلاث:

الأول: عند الشك في اللزوم وعدمه بعد تحقق العقد، فمقتضى القاعدة هو الحكم باللزوم.

الثاني: العقود المستحدثة إن لم يدخل في أحد العقود التي كانت في عصر الشرع، كما في عقد التأمين وغيره مما حصل في التجارات الحديثة.

الثالث: عند الشك في اعتبار أمر زائد على الشروط الأولية المتفقة عند العقلاء في العقد المقررة لدى الشرع.

وبعض الفقهاء (قدس الله أسرارهم) جعل موردا رابعا في المقام، وهو الرجوع إليها إن لم يدل دليل على الجواز أو الخيار، لكنه داخل في القسم الأول، لا أن يكون قسيما له فتأمل.

ولا بد من إحراز هيكل العقد عند التمسك بهذه القاعدة، وإلا يكون من التمسك بالعام في الفرد المردد، فتكون الشبهة مصداقية، وإحراز ذلك لا يكون إلا بتحقق الشرائط الرئيسية المتفقة عند العقلاء، کرضاء الطرفين وتعيين كل من الثمن والمثمن.

وهذه القاعدة كما تجري في العقود التمليكية كذلك تجري في العقود الإذنية، إلا أن الشارع حكم فيها بالجواز کالوكالة والوديعة، ولا شك أن الأدلة الخاصة - لفظية كانت أو لبية - حاكمة عليها كما ثبت ذلك في علم الأصول.

أو نقول: إن الجواز في العقود الإذنية من مقتضيات ذواتها ؛ تمسكا بقاعدة «السلطنة»، فإن الناس بأذنون لمن شاؤوا بما شاؤوا، فلا يكون الجواز لدليل خاص، وإن ما ورد يكون إرشادا لما عرفت.

وعلى أي حال أن الخروج في العقود الإذنية إما خروج حكمي أو موضوعي، فقاعدة اللزوم لا تجري فيها إلا إذا ورد دلیل خاص على اللزوم فيها، فتأمل.

ص: 319

الثانية : قاعدة كلية تختص باللحوم من الأطعمة، وهي: «كل ما في الأنعام يحل أكله بعد التذكية، إلا ما خرج بالدليل»، ويلحق بالأنعام الحيوانات المحللة شرعا كالظبي، والطيور، والأسماك، فتعميم القاعدة تكون من هذه الجهة.

واستندت القاعدة على الأدلة الأربعة، فمن الكتاب آيات كثيرة:

منها : قوله تعالى : «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ» [المائدة: 1]، فإطلاقها يشمل جميع أجزاء الحيوان إلا ما أخرجه الدليل أو الاستثناء في الآية الكريمة، كما يأتي.

ومنها : قوله تعالى : «فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» [الأنعام: 118]، فإن اومر فيها للرخصة لا للوجوب، وإطلاقه يشمل القاعدة، وهناك آیات کریمة أخرى يأتي الاستدلال بها في محالها.

ومن السنة الشريفة روايات كثيرة، منها: معتبرة داود بن فرقد عن الصادق عليه السلام: «كل شيء لحمه حلال فجميع ما كان منه - من لبن أو بيض أو انفحة - كل ذلك حلال طيب»، وذكر الثلاثة ليست من باب الحصر، وإنما يكون من باب الغالب، وأنها لا تحل الحياة كما هو واضح، وقريب منها غيرها، وتدل على هذه القاعدة : «قاعدة الحلية في الأشياء» أيضا، وسيأتي في المورد المناسب البحث عنها.

ومن الإجماع، فهو مما لا شك فيه كما عبر في كلمات جمع من الفقهاء.

ومن العقل، قاعدة : «قبح العقاب بلا بيان»، إذ بعد إحراز الحلية في المذبوح لا بد من الشارع بیان حرمة ما فيه، وإلا فالتكليف به قبيح.

وكيف كان، فهذه القاعدة من المسلمات الفقهية، وقد خصصت وخرجت عنها بالدليل في الذبيحة أربعة عشر جزءا، كلها محرمة على المشهور، وهي : الدم، والغدد، والطحال، والقضيب، والانثيان، والفرث، والمثانة، والمرارة ، والمشيمة، والفرج، والعلياء، والنخاع، وخرزة الدماغ، والحدقة، والظاهر أن جميعها من الخبائث. هذا في غير الطيور، وأما فيها فتكون خمسة: الرجيع، والدم، والطحال، والمرارة والبيضتين في بعضها .

ص: 320

ولعل تمسك الإمام عليه السلام بإطلاق الآية الشريفة : «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ» [المائدة : 1]؛ لحلية الجنين وأن ذكائه ذكاة أمه؛ لأجل التنبيه على هذه القاعدة وإرشادنا لها، فعن أبي جعفر (سلام الله تعالی علیه): «أن المراد بقوله تعالى : «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ» اجنة الأنعام التي تؤخذ من بطون أمهاتها إذا أشعرت وقد ذكيت الأمهات وهي حية، فذكاتها ذكاة أمها»، وتضمنت هذه الرواية شروط تذكية الجنين من تذكية الأم - فإذا ماتت بلا تذكية ومات الجنين في جوفها حرم أكله - وموت الجنين قبل خروجه من بطن الأم - فإذا خرج حيا ومات بلا تذكية حرم - وتمام الخلقة بأن يكون قد أشعر أو أوبر، فإذا فقد أحد هذه الشروط حرم.

وهذه القاعدة لا تجري في الأجزاء المبانة من الحي؛ لأن قوامها التذكية كما ذكر في عنوانها، كما أنها تجي في مورد الشك في الأجزاء إن لم يدلج دلیل على الاستثناء، ولم يحرز أنها من الخبائث التي يأتي تفسيرها في الآية المباركة، كالكلى وأذني القلب مثلا، ولا فرق في منشا الشك حينئذ والله العالم.

الثالثة : قاعدة كلية مذكورة في كتاب الحج وتختص به، وهي: «لا تحل تروك الإحرام إلا بالإحلال منه»، ومواطن الإحلال ثلاثة : التقصير، والهدي، والطواف، بلا فرق في الإحرام بين أن يكون للعمرة مطلقا أو للحج، وإن كان الإحلال في الأولى بالتقصير وفي الثاني بالحلق، عی تفصیل مذكور في محله، وتدل على هذه القعدة الأدلة الثلاثة.

أما الكتاب ، فآيات كثيرة مذكورة في سورتي البقرة والحج، ومنها هذه الآية الكريمة : «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ»- إلى قوله تعالى - «وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا» [المائدة : 1 - 2]، أي: الأنعام كلها حل إلا ما كان منها وحشيا، فإنه صيد ولا يحل ذلك للحرم إذا أحل منه.

والصيد من أهم تروك الإحرام الرفث، والفسوق، والجدال ويلحق بها سائر التروك لأجل أدلة خاصة.

ص: 321

ومن السنة روايات كثيرة مذكورة في كتاب الحج، ومن شاء فليرجع إلى کتابنا (مهذب الأحكام).

ومن الإجماع ما هو مسلم في أصل القاعدة، ويقتضيه الأصل أيضا، فيتمسك بالقاعدة في بعض الموارد التي نوقش في الأصل.

ثم إنه يستفاد من الآيات الشريفة أحكام:

الأول : أنه يحرم على المحرم صيد الحيوان البري - طيرا كان أو غيره - وذبحه وأكله وإمساكه واتلاقه، لإطلاق الآية الشريفة، وأما ذبح الحيوان الأهلي کذبح الدجاج الأهلي أو الغنم كذلك، فلا يجري عليه حكم الصيد البري، فيجوز لأنه ليس بصيد عرفا ولا شرعا.

الثاني : يجوز قتل السباع الضاريات وكل حيوان خيف منها: لأنه ليس بصید موضوعا، وإنما يكون لدفع الضرر عن نفسه، مضافا إلى أدلة خاصة دالة على الجواز .

نعم، لا يجوز مع الأمن عنها كما ذكرناه في كتاب الحج من (مهذب الأحكام).

الثالث: أن الأمر في قوله تعالى: «وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا» [المائدة: 2] کالأمر في قوله تعالى: «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» [الجمعة: 10] للرخصة ورفع الحضر، فلا يستفاد منه العزيمة والتكليف، أي: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.

الرابعة : قاعدة : «كل صید حلال إلا ما خرج بالدليل»، والصيد لا يطلق في اللغة إلا على الحيوان الممتنع؛ لأنه أخذ الحيوان بحيلة، وفي الشرع يعتبر في تملكه أمور، وهي: أن لا يكون للحيوان مالك، وأن يستولي عليه بالأخذ أو بوقوعه في شبكته أو يصير الحيوان غير ممتنع، وأن يكون قصده الصيد، فلو انتفى أحد هذه الأمور لم يتحقق التمليك في الصيد شرعا، كما لا يطلق على الحيوان الأهلي الذي يقدر الاستيلاء عليه كالبقر والغنم إلا إذا توحش وامتنع فيكون صیدا لغة.

ص: 322

وكيف كان، فقد دلت الأدلة الثلاثة على هذه القاعدة، فمن الكتاب قوله تعالى : «وَ إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ۚ»، وإطلاقه يشمل جميع أقسام الحيوانات، وفي جميع الأوقات إلا ما خرج بالدليل، كالصيد في حال الإحرام، أو الصيد للهو واللعب، أو ما إذا فقد أحد الشروط المتقدمة بالنسبة إلى تمليك المالك .

ومن السنة روايات كثيرة ذكرناها في كتاب (مهذب الأحكام)، والتعرض لها يوجب الخروج عن الموضوع، ومن شاء فليرجع إليه.

ومن الإجماع ما ادعاه غير واحد من الفقهاء، بل هو من المسلمات عندهم: لأنه من سبل العيش وإبقاء الحياة ، فكيف يمنعه الشارع؟! نعم له أن يحدده بما يراه وبما فيه المصلحة. هذا

ويختص حل الاصطياد بالحيون أن يكون كليا ومعلما ومرسلا، والمرسل مسلما، وأن يذكر الله تعالی عند الإرسال، ويستند الموت إلى جرحه ، كل ذلك للأدلة الخاصة من الكتاب - كما يأتي - ومن السنة ذكرناها في الفقه، ومن أراد فليرجع إليه، فلو فقد أحد هذه الشروط انتفت الحلية وصار ميتة. وإن حصلت الملكية إن توقرت الشروط السابقة .

كما يعتبر في الآلة أن تكون سلاحا، وأن تكون قاطعة - أو شائكة - وأن يستند القتل إلى الآلة، وأن يكون الرامي مسلما، ويذكر الله تعالى عند الرمي، وأن يكون الرمي بقصد الاصطياد، وتستقل الآلة المحللة في القتل، كل ذلك للأدلة الخاصة أيضا، فلو انتفى أحد هذه الأمور انتفت الحلية .

ويصح التمسك بالقاعدة في موارد:

الأول: عند الشك في اشتراط وجود شيء أو اشتراط عدمه ، ولم يكن دلیل معتبر عليه، مثل إباحة آلة الصيد، أو أصل موضوعي كالشک في الإحلال من الإحرام.

الثاني: حلية اللحم بعد تحقق الصيد وكان الحيوان مما يؤكل شرعا، فمقتضى القاعدة الحلية، ولا تصل النوبة إلى أصالة عدم التذكية إلا إذا شك في وجود شرط من الشروط المتقدمة، على تفصيل مذكور في الكتب المفصلة .

ص: 323

الثالث: عند الشك في وجود زمان قابل للتذكية، فتارة : يحرز أن الزمان متسع للتذكية، فلا يحل إلا بها.

وأخرى : يحرز أن الزمان غير قابل لها، كما إذا كان في اللحظة الأخيرة من حياته .

وثالثة يشك في الزمان هل هو قابل للذبح فيمكن التمسك بالقاعدة في هذه الصورة، ولكنه مشکل. فتدبر وإن كان الاجتناب طريق النجاة.

ولا فرق في تحقيق الذكاة بالاصطياد بين الحيوان المأکول اللحم وغيره کالسباع، فإنها تصير ذكية به ويجوز الانتفاع بجلدها، إلا إذا كان الحيوان نجس العين، ولكن تحقق الذكاة بالاصطياد بالكلب المعلم في الحيوان غير المأكول إشكال تعرضنا له في كتابنا (مهذب الأحكام)، وهناك فروع أخرى مذكورة في الكتب المفصلة.

الخامسة : يستفاد من الآية الشريفة : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَ لَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ۚ» [المائدة : 2] قاعدة : «عدم جواز هتك حرمات شعائر الدين»، أو نقض إعلامه والتعدي عن حدود الله تبارك وتعالى من أمره، ونهييه، وفرائضه، وأحكامه، ومواثيقه، وعهوده، ويكون عطف الأمور المذكورة في الآية المباركة من قبيل عطف الخاص على العام، أو التقييد بعد الإطلاق، وهذا شائع في الاستعمالات المحاورية، وتدل عليها روايات كثيرة مذكورة في محالها.

وذهب جماعة منهم الشيخ أنه لا يجوز قتل الصيد وهو يؤم الحرم ولم يدخل فيه، وتمسكوا بإطلاق قوله تعالى: «وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ» وبجملة من الأخبار.

ولكن الأخبار معارضة بأخبار أخرى، فالحمل على الكراهة طريق الجمع بينهما كما ذهب إليه المشهور، وكذا الاصطياد في حرم الحرم، وهو يريد من كل جانب. نعم احترام حدود حرم الله تعالی لازم عقلا ولكن إثبات الحكم الشرعي بما تقدم مشکل.

ص: 324

السادسة: تدل الآية المباركة: «وَ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا» [المائدة: 2] علی قاعدة کلیة، وهي: «عدم جواز الاعتداء على الأشخاص الذين ينقضون عهد الله ويصدون المؤمنين من إقامة شعائر الدين»، وأن الانتقام منهم لأجل نقض عهد الله تعالی نحو اعتداء ولا يقبل الشارع به. نعم لو استلزم ذلك جناية على شخص أو على أمور عامة للمسلمين، فالضمان أو القصاص كما حكم به الشرع، وتدل عليها روايات كثيرة مذكورة في الأبواب المتفرقة، وسيأتي في قوله تعالى : «وَ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ» [الأنام: 164] ما يتعلق بالمقام.

السابعة: تدل الآية المباركة: «وَ لَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» [المائدة: 2] قاعدة عامة، وهي: «قاعدة حرمة الإعانة على الإثم»، كما أن صدرها: «وَ تَعاوَنوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوىٰ» [المائدة: 2] تدل على قاعدة أخرى، وهي: «حسن الإعانة على كل خير وبر، فالآية الكريمة بصدرها وذيلها تدل على قاعدتين عامتين مهمتين، والروايات الواردة فيهما فوق حد الإحصاء، قال الصادق علیه السلام في المعتبر: «وليعن بعضكم بعضا، فإن أبانا رسول الله صلی الله علیه و اله كان يقول: إن معونة المسلم خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتکافه في المسجد الحرام».

وقال علیه السلام: «عونك الضعيف من أفضل الصدقة».

وعنه علیه السلام: «الله في عون المؤمن ما دام المؤمن في عون أخيه»، إلى غير ذلك من الروايات. فإعانة المؤمن من حيث هي راجحة ومندوبة، وقد يعرض عليها الوجوب لأجل عناوين أخرى.

ولا شك في أن ذلك هو المتسالم عليه عند الفقهاء، بل إن مقتضی المرتكزات والفطرة حسن المعاونة على البر والخير وقبح الإعانة على الشر والقبيح، وأن الآيات المباركة والسنة الشريفة إرشاد إليهما.

ولا يخفى أن الإعانة المبحوث عنها - سواء أكانت راجحة أم مرجوحة - ما إذا انحصرت جهة الراجحية أو المرجوحية في مجرد الإعانة من حيث هي، لا ما إذا كان المعان بها بذاته راجحا أو مرجوحا، فإعانة الظلمة بنفسها محرمة

ص: 325

في الشريعة مثل قبول الرشوة، أو الإعانة على الصدقة بنفسها راجحة يثاب كل يد وإن تجاوز إلى سبعين، كما في بعض الروايات.

ثم إن الإعانة بكلا قسميها تتصور على وجوه تبلغ عشرة، ذكرناها في كتاب (مهذب الأحكام)، كما في بعض الروايات.

ثم إن الإعانة بكلا قسميها تتصور على وجوه تبلغ عشرة. ذكرناها في كتاب (مهذب الأحكام) مفصلا ، فمن شاء فليرجع إليه.

وتقوم الإعانة بأمور:

الأول : العلم بتحقق المعان عليه ، فإذا لم يعلم لم تتحقق الإعانة.

الثاني : القصد في الجملة ولو كان حاصلا من العلم، سواء قصد التوصل أم قصد غير ذلك.

الثالث : تحقق الفعل خارجا، ولا فرق في ما ذكرنا بين الإعانة الراجحة أو المرجوحة.

وأما قاعدة : «حرمة الإعانة على الإثم» فتدل عليها - مضافا إلى ما مر - روايات كثيرة، منها ما عن جعفر بن محمد صلی الله علیه و اله في الصحيح: «من أعان ظالما على مظلوم، لم يزل الله ساخطا عليه حتى ينتزع عن معونته».

وعنه عليه السلام: «العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به، شرکاء ثلاثتهم»، وتقدم مکررا أن المناهي الرعية مطلقأ ظلم.

ولا بد من إحراز عنوان الإعانة للحرام من القصد، والتحقق، والعلم كما مر، فإذا انتفى أحد هذه الأمور أو تحقق الحرام بعد وسائط كثيرة ولم تكن من العلة التامة أو جزء العلة - كما في بيع العنب والتمر لمن يعلم أنه يعمله خمرا- لم تتحقق ؛ للشك في صدق الإعانة حينئذ، فلم تكن محرمة، والروايات الواردة الدالة على الجواز - كما هي مذكورة في المكاسب المحرمة من كتاب البيع - ليست من باب التخصيص، وإنما هي من باب التخصص كما عرفت.

ولا فرق في الحرام الذي تكون الإعانة عليه حراما بين أن يكون من الكبائر

ص: 326

أو الصغائر ، معلوما تفصيلا أو بالإجمال، مسلما كان العامل أو كافرا بناء على تكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالأصول، كما هو المشهور، كل ذلك للعموم والإطلاق. وإن الإعانة على اثم تابعة للإثم المعان عليه، فإن كان كبيرة فهي كبيرة وإلا فصغيرة.

وهناك فروع للقاعدة تعرضنا لها معها في كتاب الاجتهاد والتقليد من (مهذب الأحكام)، ومن أراد فليرجع إليه والله العالم(1)

ص: 327


1- م - ن: 276 - 287 ج 10.

حرمة بعض أنواع الحيوانات إلا في حالات الإضطرار

يقول تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْکُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطيحَةُ وَ ما أَکَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَکَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَي النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِکُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذينَ کَفَرُوا مِنْ دينِکُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دينَکُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْکُمْ نِعْمَتي وَ رَضيتُ لَکُمُ الْإِسْلامَ ديناً فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيمٌ» [المائدة: 3] .

يستفاد من الآية المباركة قواعد فقهية، مضافا إلى أحكام خاصة.

أما الأولى فهي ثلاثة :

الأولى : قاعدة : «حرمة أكل الميتة إلا ما خرج بالدليل»، كما في حالات الاضطرار، أو ميتة السمك مع تحقق شروط حليتها.

وتختص هذه القاعدة بالحيوانات التي يحل أكلها ذاتا - کالأنعام الثلاثة ، وأنواع الظبي، وأقسام الطيور التي فيها إحدى علامات الحل - وأما غيرها من محرمات الأكل - كالفيران، والسباع، والحشرات وبعض الطيور الفاقدة لعلامات الحل، فلا أثر لهذه القاعدة ؛ لأن لحومها محرمة مطلقا، سواء ذكيت أم ماتت حتف أنفها . نعم للتذكية أثر خاص، وهو طهارة جلودها فقط، ولا أثر لها في الحشرات؛ لأنها طاهرة حيا كانت أم ميتة ، كما فضل في الفقه.

وأما الحيوانات التي حرم أكل لحمها بالعارض کالجلال، وموطوء الإنسان، فإن لحومها حرمت إما بالفعل الشنيع، أو بأكل النجاسة، نعم في

ص: 328

خصوص الجلل جعل الشارع سببا لزواله كما هو مذكور في الفقه، بخلاف الوطء فلا تزول الحرمة مطلقا، فيجب قتله ودفنه إن كان مما يراد أكله، والجلل ليس مانعا عن وقوع الذكية التي كانت ثابتة قبل الجلل، لإطلاقات الأدلة، وأن المحرم بالذات لو كان قابلا لها فالمحرم بالعرض بالأولى، وكذا في الوطء.

كما أن القاعدة من القواعد التي لم تنلها يد التخصيص إلا في الحيوانات البحرية بشرائطها، وفي غيرها باق على عمومها، وأما الاضطرار فعده من التخصيص لها نحو تسامح، بل هو تخصص - كما في مورد النسيان - إذ «ما من شيء إلا وقد أحله الاضطرار»، إلا أنه مضيق في المقام كما يأتي

وكيف كان، فقد دلت الأدلة الأربعة على حجيتها .

أما الكتاب، فقوله تعالی : «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» [المائدة: 3]، وقد تكرر هذا التعبير في القرآن الكريم أكثر من ثلاثة مواضع، وإن متعلق الحكم (الحرمة) هو الأكل؛ لأنه النفع الشائع والغالب منها .

وأما السنة، فروايات كثيرة متواترة تقدم بعضها في البحث الروائي، وعن أبي جعفر الباقر علیه السلام: «لا تأكل من ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها».

وفي معتبرة محمد بن قيس عنه علیه السلام أيضا : «ما فعلت الحبالة فقطعت منه شيئا فهو ميت، وكلوا مما أدركتم حيا وذكرت اسم الله عليه» وغيرها من الروايات.

ومن الاجماع مما لا خلاف بين المسلمين، بل عذ ذلك من ضروریات الفقه ، كما بينا ذلك في الفقه.

وأما العقل، فإنه يستقذر أكل الميتة؛ لأنه لا يؤمن من الأمراض والأضرار .

ثم إن المراد من الميتة الأعم مما مات حتف أنفه، أو قتل، وذبح على غير الوجه الشرعي

وتثبت على الميتة أحكام أربعة:

الأول: النجاسة «فكل ميت نجس إلا ما خرج بالدليل»، كالسمك

ص: 329

والحشرات مما لا نفس سائلة له، وما ذبح على غير الوجه الشرعي على المبنى، وإلا فالمشهور النجاسة، وهذه قاعدة مستقلة أخرى.

الثاني : عدم صحة الصلاة فيها وفي أجزائها، إلا ما استثنی.

الثالث : حرمة الانتفاع منها في الجملة كما ثبت ذلك في المكاسب، ومن شاء فليرجع إلى كتابنا (مهذب الأحكام).

الرابع : حرمة الأكل.

والتفكيك في هذه الأحكام لا يصح إلا بالدليل المعتبر شرعا.

القاعدة الثانية : «كل دم يحرم شربه إلا ما خرج بالدليل»، سواء أكان دم إنسان أم حيوان - مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم - مسفوحا أم غير مسفوح، نجسا أم طاهرا كدم العلقة.

والدليل عليها قوله تعالی : «حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ المَیْتَهُ وَالدَّمُ» [المائدة: 3] بتقریب ما تقدم في حرمة أكل الميتة.

إن قلت: إن الدم الوارد في الآية المباركة هو الدم المسفوح، فلا تصير الآية الشريفة أصلا للقاعدة.

قلت : الدم المسفوح هو الغالب والأكثر في الدماء المراقة، وغيره يلحق به للأدلة الدالة على ذلك في السنة، إلا أن يدل دلیل خاص على الحلية.

وقول أبي الحسن الرضا عليه السلام : «وَ حَرَّمَ اللَّهُ الدَّمَ كَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ»، وقريب منه غيره من الروايات، وقد ورد عن الصادق علیه السلام في تعليل حرمة أكل الطحال: «لأنه دم».

وادعى غير واحد من الفقهاء الإجماع على ذلك، مضافا إلى أن الدم نجس - إلا ما استثنی - وشرب كل نجس حرام بالضرورة الفقهية .

وإنه من الخبائث التي تستقذرها الطبع السليمة، فالعقل يحكم باجتنابه.

ولا فرق في الدم من الحيوان ذي النفس السائلة أو غير ذي النفس السائلة کالوزغ، والضفدع، والقرد، مسفوحا أو غير مسفوح كالعلقة، والدم في البيضة .

ص: 330

كما لا فرق بين أن يكون مایعا فيشربه أو يابسا فيأكله، كما لا فرق بين أن يكون ممتزجا مع شيء آخر أو لا، إلا أن يكون مستهلكا بحيث يراه العرف معدوما، كل ذلك للقاعدة المتقدمة.

ثم إن القاعدة لا تشمل ما تداول في هذه الأعصار من التزریق ؛ لعدم تحقق عنوان الشرب، كما لا تشمل ما لو انقلب الدم إلى شيء آخر.

وقد استثنبت من القاعدة المتقدمة موارد:

منها : الدم المتخلف في الذبيحة لإطلاق دلیل حلية أكل الذبيحة، كما مر. ويشترط فيه أن يخرج الدم عن الذبيحة بالقدر المتعارف من مثلها، وأن تكون مأكول اللحم، وأن لا يرجع دم المذبح إلى الجوف، كل ذلك لأجل أدلة خاصة ذکرناها في كتاب الطهارة من (مهذب الأحكام).

ومنها : الدم من غير ذي النفس مما حل أكله كالسمك الحلال إذا أكل مع السمك، وأما لو شرب منفردا فلا يبعد الحرمة للقاعدة المتقدمة، وأنه من الخبائث وإن كان طاهرا.

ومنها : القلب والكبد من الحيوان مأکول اللحم، لقاعدة الحلية، وعموم حلية الذبيحة الشامل لجميع أجزائها الداخلية والخارجية. ولكن المسألة مع ذلك مورد الإشكال تعرضنا له في الفقه .

وهذه القاعدة كسائر القواعد الفقهية لها امتیازاتها، كتقدمها على الأصول العملية، وحجية لوازمها، والتمسك بها في موارد الشك .

وتثبت على الدم أحكام ثلاثة :

الأول: النجاسة، فكل دم نجس إلا ما أخرجه الدليل، كدم الحيوان الذي لا نفس له سائلة، كالسمك والبرغوت وغيرهم.

الثاني : عدم جواز الانتفاع منه، إلا إذا كان فيه غرض عقلاني معتد به فيصح بيعه، كما ذكرناه في المكاسب.

الثالث : حرمة شربه، إلا في موارد خاصة كما مر، وأما الصلاة مع الدم في

ص: 331

اللباس أو على البدن، ففيه تفصيل لا يسع المقام ذكره، ومن شاء فليرجع إلى كتاب الطهارة في شرائط لباس المصلي. والله العالم.

القاعدة الثالثة : «كل حيوان قابل للتذكية إلا ما خرج بالدليل»، والأصل في هذه القاعدة عموم قوله تعالى: «إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ» [المائدة: 3]، بقرينة ما ورد في السنة الشريفة.

ودعوى: أن الآية المباركة في مقام بيان كيفية زهوق الروح، فبعض منها توجب الحرمة، وبعض منها توجب الحلية، وهو التذكية .

قابلة للمناقشة : لأن الآية الكريمة - بضميمة الروايات - أثبتت التذكية في الحيوانات وجعلت الحرمة للبقية، سواء أكان الحيوان غير قابل لها، أو أن زهوق الروح لم يكن بطريق التذكية، فعموم الآية الشريفة بقرينة السنة يكون أصلا للقاعدة .

ومن السنة الروايات الواردة في الأبواب المتفرقة في الفقه ، كأبواب الصيد والذباحة، ولباس المصلي، والإحرام وغيرها، وهي كثيرة فمنها :

صحیح ابن يقطين قال : «سألت أبا الحسن عليه السلام عن لباس الفراء والسمور، والفنك، والثعالب وجميع الجلود قال علیه السلام: لا بأس بذلك»، فإذا لم تكن الجلود قابلة للتذكية، فجواب الإمام بنفي البأس مطلقا لم يكن صحيحا، كما هو واضح.

وفي صحيح ابن بكر عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «فإن كان غي ذلك مما نهيت عن أكله وحرم عليك أكله، فالصلاة في كل شيء منه فاسد، ذکاه الذابح أو لم يذکه»، إذ لولا قبول التذكية لما صح قوله علیه السلام: «ذكاه الذابح أو لم يذکه».

وغيرهما من الروايات.

ومن الإجماع ما ادعاه صاحب الحدائق على أن كل حيوان قابل للتذكية إلا ما خرج بالدليل، كالكلب والخنزير والإنسان، وأيده صاحب الجواهر قدس سره، كما ذكرناه في الفقه ، ومن شاء فليراجع كتابنا (مهذب الأحكام).

ص: 332

ويمكن استفادتها من توسعة الشارع في هذا الأمر العام البلوى تقريبا، إذ لو كان حيوان غير قابل للتذكية لبينه الشارع كما بينه في الكلب والخنزير وغيرهما .

ثم إن المراد من التذكية الاستعداد، بمعنى أن الحيوان له اقتضاء التذكية . وأما أنه هل تؤثر التذكية فيه؟ فذاك بحث آخر. والحيوان الذي يقبل للتذكية بحكم الشرع على أقسام:

الأول: الحيوان الذي يحل أكله ذاتا وإن حرم بالعارض - کالجلال والموطوء - بحريا كالسمك أو بريا، وحشيا كان أو مانوسا، طيرا كان أو غيره . وإن اختلف في كيفية التذكية على ما فضل في الفقه، ولا شك في وقوع التذكية في هذا القسم، وهي تؤثر فيها لطهارة لحمها وجلدها والصلاة والطواف في أجزائها وحلية أكل لحمها إن لم يحرم اللحم بالعارض.

الثاني : الحيوان الذي لا يحل أكله وكان له نفس سائلة ولكنه نجس العین، کالكلب والخنزير، فإنه غير قابل للتذكية؛ لفرض أنه حرام ونجس على كل حال ذكي أو لم يذك، فلا أثر للتذكية، وأن القاعدة لا أثر لها في هذا القسم، ويلحق بهذا القسم المسوخ کالفيل والذئب؛ لأجل دلیل خاص، فيجري عليها حكم عدم التذكية ولو بعد التذكية.

ولكن، نسب إلى جمع من الفقهاء منهم الشهيد والمرتضى قبولها للتذكية ، مستدلين بأدلة تعرضنا لها في الفقه وناقشناها، فمن شاء فليرجع إلى كتاب الأطعمة والأشربة من (مهذب الأحكام).

الثالث : الحيوان الذي لا يحل أكله وله نفس سائلة ولم يكن نجس العین، کالسباع التي تفترس الحيوانات وتأكل اللحوم، سواء أكانت من الوحوش کالأسد والنمر والفهد والثعلب وابن آوى وغيرها. أم من الطيور كالصقر، والبازي والباشق وغيرها، فتؤثر التذكية فيها وبها تطهر لحومها - وإن حرم أكلها - وجلودها وحل الانتفاع بها في غير الصلاة والطواف، دبغت أو لم تدبغ.

الرابع : الحشرات التي تسكن جوف الأرض، كالفارة وابن عرس، فمقتضی القاعدة المتقدمة أنها قابلة للتذكية؛ للشك في قبولها، كما ذهب إليها صاحبا

ص: 333

الحدائق والجواهر، وإن نسب إلى المشهور خلاف ذلك. ويظهر مما تقدم المناقشة في ثبوت الشهرة في المقام.

الخامس: الحيوان الذي ليس له نفس سائلة لا أثر للتذكية فيه أصلا ، لا من حيث الطهارة، ولا من حيث الحلية ؛ لأنه طاهر ومحرم أكله على كل حال ذكي أو لم يذلك، فالقاعدة المتقدمة لها الأثر في قسم خاص من الحيوانات كما عرفت، وكذا في موارد الشك في المسخ.

ثم إن تذكية جميع ما يقبل التذكية من الحيوان المحرم الأكل إنما يكون بالذبح مع الشرائط المعتبرة - من التسمية، والاستقبال، وإسلام الذابح، وفري الأوداج، وتتابع الفري - وكذا الاصطياد مورد الإشكال، والمسألة محررة في الفقه والله العالم.

ثم إن هنا أصلا موضوعيا، وهو أصالة عدم التذكية تمنع من جريان أصل البراءة والإباحة؛ لأنهما أصل حكمي، والمراد من عدم التذكية (غير المذكي) في اصطلاح الكتاب والسنة الميتة، فهما وإن اختلفا مفهوما لكنهما متحدان شرعا وخارجا، ويترتب عليه أن بجريانها يحكم بالنجاسة وحرمة الأكل؛ لأنه مع وحدة الموضوع يثبت كل منهما، فلا يكون الأصل مثبتا هذا.

وإن أمكنت المناقشة في ذلك من أنه لا دليل على الاتحاد، إلا أن المشهور بين فقهاء الإمامية (رضوان الله عليهم أجمعين) ذلك، وأن مخالفة المشهور نحو تعد، والله العاصم من الزلل .

وكيف كان، فإن مورد جریان هذا الأصل في الشبهات الموضوعية فقط، وفيها أيضا لا بنحو السعة في أية شبهة موضوعية فرضت وتحققت، فلو شك في أنه هل يعتبر الاضطجاع على الأيسر أو على الأيمن في الحيوان المذبوح؟ أو هل يعتبر أن يكون الحيوان مربوطا بأن يشد يد الغنم مع إحدى رجليه أو لا؟ أو هل يعتبر أن يكون الذابح قائا؟ إلى غير ذلك، فإن في جميع هذه المود وأمثالها لا تجري أصالة عدم التذكية، بل يرجع إلى أصالة عدم الاشتراط أو إلى العموم والإطلاق.

ص: 334

وإنما تختص أصالة عدم التذكية في خصوص الشروط التي نص الشارع على اعتبارها ثم شك في تحققها في الخارج وعدم أمارة شرعية تدل عليها ؛ لأصالة عدم تحقق ذلك الشرط، لا تحل الذبيحة حينئذ وتكون محكومة بالنجاسة.

وتدل الأدلة الشرعية على اعتبارها، فمن الكتاب قوله تعالى: «إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ» [المائدة: 3]، بتقرير أنه لا تحل الذبيحة إلا إذا أحرزتم التذكية .

ومن السنة روايات كثيرة، منها ما عن أبي جعفر عليه السلام : «لاَ تَأْكُلْ مِنْ ذَبِيحَةٍ مَا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهَا» ومثله غيره، وظهور مثل هذه الأخبار في حرمة الأكل مما لا ينكر. وأما النجاسة فهي كما ذهب إليها المشهور، وهناك روايات أخرى ذكرناها في كتابنا (تهذيب الأصول).

ومن الإجماع ما ادعاه غير واحد من الفقهاء، وبقية الكلام موكولة إلى علمي الأصول والفقه.

وأما الأحكام الخاصة التي تستفاد من الآية المباركة فيه :

الأول : أنه لا فرق في أسباب الموت والخنق وغيرهما بين أن تكون بالاختيار أو بغير الاختيار، عن علم كانت أو جهل؛ لإطلاق الآية المباركة. نعم لو كان الموت والخنق والإهلال لغير الله تعالى وغيرها مما ذكر في الآية الكريمة عن علم وعمد، فإنه مضافا إلى جعل الحيوان ميتا أنه ارتكب محرما أيضا ؛ لذيل الآية الشريفة : «ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ» [المائدة: 3]، إن لم يترتب عنوان محرم آخر، كالإسراف وغيره.

الثاني: تدل الآية المباركة على أن الاضطرار المتجانف للإثم لا يوجب رفع الحرمة، هذا إن كان باقيا على بغية وتجرؤه. وأما لو تاب يجوز له أكل الميتة بمقدار رفع الاضطرار؛ لتحقق عنوان «غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ».

الثالث: لا بد في مورد الاضطرار من ارتكاب أخفت المحذوین، فلو دار الأمر بين أكل لحم الخنزير أو شاة منخنقة، فالظاهر يتعين الثاني ؛ لأنه أخف من الأول. وكذا بالنسبة إلى نفس الأكل كما في بعض الروايات : «يسد رمقه».

ص: 335

الرابع: أنه لا يتحقق الاضطرار لو وجد سبيلا إلى الحلية موضوعا أو حكما.

الخامس: لو تحقق الاضطرار من غر مخمصة، بل كان لأجل التداوي مثلا يعتبر فيه أيضا أن لا يكون متجانفا لإثم، كما يدل على ذلك قوله تعالى : «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لاَ عَادٍ» [الأنعام: 145].

السادس : أن المستفاد من سياق الآية المباركة أنه لو اضطر إلى أكل ميتة حال المخمصة، ولم يكن متجانفا لإثم ولم يأكل - أو صام - فمات أثم؛ لأنه أعان على نفسه وخالف تكليفه ، فإن حفظ النفس واجب شرعا و عقلا.

وأما لو امتنع عن التداوي بالميتة أو بالخمر حتى مات، فإنه لا يأثم لأنه لا يعلم أن الميتة أو الخمر يشفيه. نعم لو علم ذلك ولم يأكلها - أو لم يشربها - كان حكمه حكم الفرع الأول، والله العالم.

الروايات الواردة في تفسير الآية المباركة المتقدمة حسب ما وردت في قطاعاتها على أقسام:

الأول: ما عن الشيخ في التهذيب بإسناده عن عبد العظيم بن عبد الله الحسين ، عن أبي جعفر الثاني علیه السلام قال: «سألته عما أهل لغير الله به؟ قال: ما ذبح لصنم أو وثن أو شجر، حرم الله ذلك كما حرم الميتة والدم ولحم الخنزير - فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه أن يأكل الميتة. فقلت له: يا بن رسول الله ، متی تحل للمضطر الميتة؟ قال : حدثني أبي عن أبيه عن آبائه علیهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له: يا رسول الله إنا نكون بأرض فتصيبنا المخمصة، فمتی تحل لنا الميتة؟ قال : ما لم تصطحبوا، أو تغتبقوا، أو تحتفوا بقلا فشأنكم بهذا، قال عبد العظيم : فقلت له: يا بن رسول الله صلی الله علیه و آله، فما معنی قوله: «غَيْرَ بَاغٍ وَ لاَ عَادٍ»؟ قال : العادي السارق، والباغي الذي يبغي الصيد بطرا أو لهوا، لا ليعود به على عياله وليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرا، هي حرام عليهما في حال الاضطرار كما هي حرام عليهما في حال الاختيار، وليس لهما أن يقصرا في صوم ولا صلاة في سفره، فقلت له : قوله تعالى : «وَالْمُنْخَنِقَةُ

ص: 336

337

وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَ مَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ» [المائدة: 3]، قال : المنخنقة التي انخنقت با خناقها حتى تموت، والموقوذ التي مرضت حتجي قذها المرض حتى لم يكن بها حركة، والمتردية التي تتردى من مكان مرتفع إلى أسفل أو تتردى من جبل أو في بئر فتموت، والنطيحة التي نطحتها بهيمة أخرى فتموت، وما أكل السبع منه فمات، وما ذبح على النصب على حجر أو صنم، إلا ما أدركت ذكاته فذكي، قلت: «وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ» [المائدة: 3]، قال : كانوا في الجاهلية يشترون بعيرا فيما بين عشر أنفس ويستقسمون عيه بالقداح، وكان عشرة سبعة لها أنصباء وثلاثة لا أنصباء لها، أما التي لها أنصباء لها فالفسیح، والمشيح، والوغد، وكانوا يحيلون السهام بين عشرة، فمن خرج بينهما باسمه سهم التي لا أنصباء لها ألزم ثلث من البعير، فلا يزالون كذلك حتى تقع السهام التي لا أنصباء لها إلى ثلاثة، فيلزمونهم ثمن البعير ثم ينحرونه وتأكل السبعة الذين لم ينقدوا في ثمنه شيئا، ولم يطعموا منه الثلاثة الذين وقروا ثمنه شيئا، فلما جاء الإسلام حرم الله تعالى ذكره ذلك فيما حرم، وقل عز و جل: «وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ» [المائدة: 3] يعني: حرام».

أقول: يستفاد من هذه الرواية أمور:

الأول: أن ما ذبح لغير الله تعالى ميتة، سواء كان لأجل الجماد أو الإنسان، إلا أن يرجع إليه تعالى كما في العقيقة، أو ما يذبح لأجل السلامة التي منحها الله تعالى للإنسان، أو لأجل الشكر على العافية، أو لأجل الحفظ عن الخطر الذي توجه على الإنسان فأصرفه الله تعالی عنه.

وهذا أمر فطري؛ لأن مثل هذا التعظيم لا ينبغي إلا لخالق الكائنات ومبدع الآيات ومنزل البركات .

وهل يأثم لو ذبح لغير الله تعالى مضافا إلى الحكم الوضعي؟ والبحث الفقهي يتكفل هذا الجانب.

الثاني: أن الاضطرار الذي يبيح المحظورات، في أكل الميتة بالخصوص مقيد بما لم يكن منشاه البغي والعدوان، كما يأتي تفسيرهما وباق فيهما عليها ،

ص: 337

إلا إذا تاب حل لهما أكل الميتة بمقدار رفع الاضطرار، كما يأتي في البحث الفقهي.

وأن المراد منهما السارق، والذي يبغي الصيد بطرا، لا لأجل المعيشة ودفع الجوع عن نفسه أو عياله أو مسلم آخر، فهو الباغي فيجري عيهما حكم الاختيار في حال الاضطرار إن لم يتوبا .

الثالث : يستفاد من هذه الرواية قاعدة عامة في مورد الاضطرار المحل والمبيح للمحظورات، وهي أن يصل المكلف إلى مرحلة لا يمكنه حفظ نفسه إلا بارتكاب المحذور، ولا وقع في مهلكة أو طرأ عليه مشقة عرفا، ولعل هذا هو المراد من كلام صلی الله علیه و اله: «ما لم تصطحبوا»، أي: لم تأكلوا لقمة الصباح، أو «تغتبقوا»، أي: العشاء أو لم تجدوا بقلة بها يحفظ الإنسان نفسه، فحينئذ يحل أكل الميتة لابقاء رمق الحياة ورفع ألم الجوع.

وعن بعض أن المراد من قوله صلی الله علیه و اله ليس لكم أن تجمعوا أكل الصبوح والعشاء من الميتة، ولكن سياق الحديث يدل على ما ذكرناه .

وعن الأزهري في تفسير الحديث : «إذا لم تجدوا لبينة تصطحبونها أو شرابا تغتبقونه بعد عدم الصبوح والغبوق لم تكن بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة، وهذا هو الصحيح»، وهذا عين ما ذكرناه .

الرابع : أن السفر للصيد اللهوي كسائر الأسفار التي قصد بها المعصية، لا يوجب القصر في الصلاة ولا الإفطار في الصوم.

الخامس: فسر الموقوذة في هذه الرواية بالمرض الذي يصيب الحيوان، بحيث لا يجد ألم الذبح ولم يتمكن من الحركة فيترك حتى يموت، وذلك من باب التفسير بالمصداق؛ لأن المضروب أيضا كذلك لا يجد ألم الموت ولا يمكن له الحركة، فيترك حتى يموت والجامع موجود.

السادس : أن قوله علیه السلام: «إلا ما أدركتم ذكاته فذكي» يرجع إلى جميع الأقسام كما في الآية المباركة، لا خصوص الأخير فقط؛ لتحقق سببية الحل وعدم ورود نهي من الشارع.

ص: 338

وعن الصدوق في الفقيه بإسناده عن علي بن إبراهيم بن هاشم سنة سبع وثلاثمائة بإسناده عن أبان بن تغلب - الذي هو من أجلاء أصحاب الصادقي عليه السلام - عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: «الميتة، والدم، ولحم الخنزير معروف، وما أهل لغير الله به يعني ما ذبح للأصنام. وأما المنخنقة، فإن المجوس كانوا لا يأكلون الذبائح ويأكلون المتية، وكانوا يخنقون البقر والغنم، فإذا خنقت وماتت أكلوها، والمتردية كانوا يشدون عينها ويلقونها من السطح، فإذا ماتت أكلوها، والنطيحة كانوا يتناطحون بالكباش، فإذا مات أحدهما أكلوه، وما أكل السبع إلا ما ذکیتم، فكانوا يأكلون ما يقتله (يأكله) الذئب والأسد والدب، فحرم الله عز و جل ذلك، وما ذبح على النصب كانوا يذبحون لبيوت النيران، وقريش كانوا يعبدون الشجر والصخر فيذبحون لهم، «وَ أَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ» [المائدة: 3] كانوا يعمدوا إلى جزور فيجتزون عشرة أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، والسهام عشرة - الحديث».

أقول: يستفاد من الآية الشريفة ومجموع هذه الروايات أن الشريعة الإلهية في زمن الجاهلية لم تحل تلك الطرق السيئة التي كانت سائدة في الأمم الغابرة ، کالمجوس، والوثنيين، وغيرهما : لأن غالبها مما تأباها الفطرة المستقيمة.

وكيف كان، فإن الرواية من باب الجري والتطبيق وذكر المصداق، ولا فرق بين الروايتين إلا في موارد بسيطة جدا.

وعن الشيخ في التهذيب بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: «كل شيء من الحيوان غير الخنزير، والنطيحة، والمتردية وما أكل السبع، وهو قال الله : «إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ» [المائدة: 3] فإذا ذكيت شيئا منها وعين تطرف، أو قائمة تركض، أو ذنب يمصع فقد أدركت ذكاته فكله. قال: وإن ذبحت ذبيحة فأجدت الذبح فوقعت في النار أو في الماء من فوق بيتك أو جبل، إذا كنت قد أجدت الذبح فكل».

أقول: الرواية تبين حكم الشك في حياة الذبيحة، فيكفي أحد الأوصاف في

ص: 339

الحكم ببقاء الحياة، فإذا ذبحت على تلك الال حل أكلها، والمراد من (عین تطرف) أي : تتحرك، وفي دعاء الصلوات: «اللهم صل على محمد وآل محمد كلما طرفت عين أو ذرفت»، والمراد من «قائمة تركض» أن تضرب الأرض، ومن «ذنب يمصع» أي: الحركة مع الضرب، والمراد من جودة الذبح أن يكون جامعا للشرائط الشرعية.

وفي تفسير العياشي عن محمد بن عبد الله، عن بعض أصحابه قال: «قلت لأبي عبد الله علیه السلام: جعلت فداك، لم حرم الله تعالى الميتة، والدم، ولحم الخنزير؟ فقال : إن الله تبارك وتعالى لم يحرم ذلك على عباده وأحل لهم ما سواه من رغبة منه تبارك وتعالى فيما حرم عليهم، ولا زهد فيما أحل لهم، ولكنه خلق الخلق وعلم ما يقوم به أبدانهم وما يصلحهم فحله وأباحه؛ تقصدا منه عليهم لمصلحتهم، وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه وحرمه عليهم، ثم أباحه للمضطر وأحله لهم في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به، فأمره أن ينال منه بقدر البلغة لا غير ذلك، ثم ذال :

أما الميتة، فإنه لا يدنو منها أحد ولا يأكلها إلا من ضعف بدنه ونحل جسمه ووهنت قوته وانقطع نسله، ولا يموت آكل الميتة إلآ فجأة.

وأما الدم، فإنه يورث الكلب، وقسوة القلب، وقلة الرأفة والرحمة، لا يؤمن أن يقتل ولده ووالديه، ولا يؤمن على حميمه، ولا يؤمن على من صحبه .

وأما لحم الخنزير، فإن الله تعالی مسخ قوما في صور شتی شبه الخنزير والقرد والدب، وما كان من الإمساخ ثم نهى عن أكل مثله لكي ينتفع بها ولا يستخف بعقوبته .

وأما الخمر، فإنه حمها لفعلها وفسادها، وقال: إن مدمن الخمر كعابد وثن ويورثه ارتعاشا، ويذهب بنوره ويهدم مروته، ويحمله على أن يكسب على من سفك الدماء وركوب الزنا، ولا يؤمن إذا سكر أن يثب على حرمه وهو لا يعقل ذلك، والخمر لم يورد شاربها إلا إلى كل شر».

أقول: تدل هذه الرواية - مع قطع النظر عن السند - على أمور :

ص: 340

الأول: أن سؤال الرواة عن بعض الحكم للأحكام مع أن الحكم فطري وعقلي لا ينافي الفطرية كما في المنام، فإن سؤاله عن العلل في الحرمة للأمور المذكورة لا ينافي أن يكون قبح أكلها فطريا تتنفر الطباع السليمة البشرية عنها كما تقدم : لأن الفطرة المستقيمة قد تخمد وتضيع، وأن الأنبياء والأولياء علیهم السلام يخرجونها عن خمودها ويرزونها عن خفائها، فإن المشرع الذي ه غني في ذاته وصفاته، لا حاجة له فيما شرع، وإن المصالح والمفاسد ترجعان بالآخرة إلى المكلف.

الثاني : أن الحكم والمصالح أو المفاسد التي وراء الأحكام قد تظهر في هذا العالم - حسب سيره بأطواره، وأدواره، ومراحله - أو في عالم البرزخ أو في عالم الآخرة، وفي الأخيرين لا محيص إلى ذلك إلا بالوحي؛ لأن سلطان العلم مقهور فيهما.

وقد تكشف العلوم الحديثة عن بعض الحكم التي وراء الأحكام، إلا أنها محدودة، فقد تكون الحكمة في تشريع الحكم أوسع وأسمى مما كشفتها ، فإنها نظریات محدودة قد لا يقتنع بها علماء آخرون، ومن هنا قال بعض العلماء: «إن حكم التكاليف هي في غاية الخفاء، لا يمكن درکها إلا بدليل شرعي فقط».

وكيف كان، فما ورد من الشرع في بيان حكم التكاليف مما لا شك في واقعیتها وصحتها، وما خفيت علينا كانت لمصالح لعل منها حفظ الانقياد، وصون العبودية عن الخلل.

الثالث: أن ما ذكر فيها من الحكم إنما هو من باب الغالب لا من باب الاستقصاء الكامل، ومن هنا لا وقع للإشكال بأن ما ذكر من الحكم فيها كضعف البدن، ونحولة الجسم، وانقطاع النسل، وغيرها مما يمكن رفعها بغذاء أو دواء آخر؛ لأن الحكم عنده تعالى في تشريع الأحكام أوسع وأكثر مما وصل إلينا، مع أن الحكمة ليست كالعلة بحيث يدور الحكم مدارها، كما ثبت في محله .

ص: 341

أو المصالح - قد تكون ظاهرية مشهودة، مثل انقطاع النسل في أكل الميتة أو موت الفجأة فيه، وكذا نحولة الجسم، وقد تكون معنوية كالكلب (الحرص) في شرب الدم أو قسوة القلب، وكذا قلة الرأفة والرحمة، فإنها صفات دنية معنوية ، فقد يوجب ارتكاب الحرام المفسدة الظاهرية والمعنوية، وقد يوجب إحداهما دون الأخرى.

الخامس: أن قوله علیه السلام: «إِنَّ مُدْمِنَ اَلْخَمْرِ کَعَابِدِ وَ ثَنٍ»، في الإثم والبعد عن ما يوجب التقرب لديه تعالی.

وفي الدر المنثور عن ابن عباس عن نبينا الأعظم صلی الله علیه و اله قال: «لا تَأْكُلِ الشَّرِيطَةَ فَإنَّها ذَبِيحَةُ الشَّيْطانِ».

أقول: الشريطة هي الذبيحة التي لا تقطع أوداجها ويستقصي ذبحها، وكانت العرب في الجاهلية يقطعون بعض حلق الذبيحة ويتركونها حتى تموت للقسوة التي توظنت في نفوسهم، وإنما أضافها إلى الشيطان لأنه هو الذي علمهم ذلك وحملهم عليه وسوله لهم.

القسم الثاني : من الروايات وهي التي وردت في تفسير قوله تعالى : «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ» [المائدة: 3] في تفسير العياشي بإسناده عن أبي جعفر علیه السلام في الآية : «يوم يقوم القائم (عجل الله تعالی فرجه الشریف) يئس بنو أمية، فهم الذين كفروا يئسوا من آل محمد صلی الله علیه و آله».

أقول: الاختصاص بذلك اليوم لأنه يوم ظهور الحق، وزمن بسط العدل، وتقدم في التفسير أن المراد من اليوم الزمان اللائق لإظهار الحق، وهو ممتد من حين البعثة إلى يوم القيامة .

وتقدم أن للكفر مراتب، وفي كل مرتبة دركات، وإن الرواية من باب التطبيق والجري لا من باب التخصيص.

وفي تفسير علي بن إبراهيم قال: ذلك لما أنزلت ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.

ص: 342

أقول: إن ذلك من باب التفسير بأجلى المصادیق ؛ لأن الحق إذا ظهر وثبت يحصل اليأس لمقابلة ومعاندة .

وفي شعب الإيمان للبيهقي عن ابن مسعود قال: «قال رسول الله صلی الله علیه و آله : إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب، ولكن سيرضى منکم بدون ذلك بالمحقرات، وهي الموبقات يوم القيامة ، فاتقوا المظالم ما استطعتم».

أقول: الموبقات المهالك.

وفي حديث جابر عنه صلی الله علیه و آله «وَ لَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ»، أي: أن الشيطان يحرش بينكم حتى يوقعكم في الموبقات.

القسم الثالث : من الروايات وهي التي وردت في تفسير قوله تعالى : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا» [المائدة: 3]، وقد وردت روايات كثيرة جدا متواترة - نضا ومعنی - عن العامة والخاصة أن المراد من هذه الآية الشريفة هو يوم الغدير الذي نصب رسول الله صلی الله علیه و اله عليا علیه السلام بالولاية، وقد ضبط أكثرها مع التحقيق في أسانيدها وكونها ثقات غير واحد من علماء الفريقين، وكتبوا في ذلك كتبا كثيرة جدا .

فعن ابن شهر آشوب في كتاب المناقب قال : «سمعت أبا العالي الجويني - إمام الحرمين وأستاذ الغزالي - يتعجب ويقول: شاهدت مجلدا ببغداد في يدي صحاف، فيه روایات هذا الخبر مکتوبا عليه المجلد الثامن والعشرون من طرق قوله : «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» ويتلوه المجلد التاسع والعشرون»، وقد ذكر الكتب بأسمائها وسرد أحوال مؤلفيها السيد میر حامد صاحب کتاب عبقات الأنوار، وتبعه الشيخ الأميني في كتابه الغدير وغيرهما(رضوان الله تعالى عليهم أجمعين).

ومن العجب أنه لم تنل فريضة من فرائض الله تعالى بمثل هذه الأهمية بالوحي، والضبط، والتأكيد، والإشهاد کفريضة الولاية، ولم تجحد ولم تنكر كمثل هذه الفريضة في الشريعة المحمدية الغراء، ومع ذلك كله فالحق واضح والشمس ساطعة، فعن مولانا الصادق علیه السلام أن حقوق الناس تعطي بشهادة

ص: 343

شاهدين، وما أعطي أمير المؤمنين بشهادة عشرة آلاف أنفس، يعني: يوم غدیر خم، إن هذا إلا الضلال عن الحق المبين، قال تعالى: «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴿32﴾ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿33﴾» [يونس: 32-33].

وفي الدر المنثور عن أبي سعيد الخدري قال: «لما نصب رسول الله صلی الله علیه و اله عليا علیه السلام يوم غدیر خم فنادى له بالولاية وهبط جبرئيل عليه بهذه الآية : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» [المائدة: 3].

أقول: بعدما سبق أن الروايات الواردة في تفسير هذه الآية الشريفة متواترة ومتفقة المعنى، لا يجدی رمي الحديث بضعف السند بعد التواتر وصراحة الدلالة، كما فعله بعض المفسرين، ولم يذكر وجه الضعف في هذا السند وأمثاله .

بل إن الروايات الدالة على أن المراد من اليوم يوم عرفة لم تكن نقية السند؛ لأن فيها سمرة وهو معلوم الحال، ومعاوية بن أبي سفيان، وعلى فرض الصحة، فلا يبعد أن تكون الآية المباركة نزلت في يوم عرفة، ولكن النبي صلی الله علیه و آله أخر إعلان الولاية إلى يوم الغدير بوحي من السماء ولمصالح كثيرة كما يأتي، وأنه صلی الله علیه و اله تلا الآية الشريفة مقارنة مع التبليغ في يوم الغدير، ويدل على ذلك تهنئة الخليفة الثاني لعلي عليه السلام في يوم غدیر خم مع قوله: إنها نزلت في يوم عرفة كما في بعض الروايات.

فعن المناقب لابن المغازلي يرفعه إلى أبي هريرة قال: «من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهرا، وهو يوم غدیر خم، بها أخذ النبي صلی الله علیه و اله بيعة علي بن أبي طالب، وقال : من کنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، فقال له عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولي كل مؤمن ومؤمنة، فأنزل الله تعالى : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» [المائدة: 3].

أقول: هذه الرواية صريحة في ما قلناه وظاهرة في أن الآية الشريفة نزلت في يوم غدیر خم وغير قابلة للتأويل .

ص: 344

وفي تاريخ بغداد للخطيب البغدادی روی بسنده عن أبي هريرة قال: «من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستین شهرا، وهو يوم غدیر خم لما أخذ النبي صلی الله علیه و اله ؛ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام فقال : ألست ولي المؤمنين؟! قالوا : بلی یا رسول الله، قال: من کنت مولاه فعلي مولاه. فقال عمر بن الخطاب : بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مسلم، فأنزل الله تعالی : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي» [المائدة: 3]».

أقول: الرواية ذكرها الخطيب في ترجمة حبشون الذي نقل الرواية، وروی قريبا منها الشبيعي في تفسيره، وابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة أمير المؤمنين علي علیه السلام

وفي شواهد التنزيل بإسناده عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «بينما نحن مع رسول الله صلی الله علیه و اله في الطواف إذ قال: «أفيكم علي بن أبي طالب؟ قلنا: نعم يا رسول الله، فقربه النبي صلی الله علیه و اله، فضرب على منكبيه وقال : طوباك يا علي، أنزلت علي في وقتي هذا آية ذكري وإياك فيها سواء: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا» [المائدة: 3]» .

أقول: لا منافاة في أن الآية المباركة نزلت على رسول الله صلی الله علیه و اله قبل يوم الغدير بأيام وعلم بها رسول الله صلی الله علیه و اله وجمع آخرون، ولكن أخر صلی الله علیه و اله إعلانها إلى يوم الغدير حتى نصب عليا بالولاية كما تقدم، ويدل على ذلك ما رواه فرات بن إبراهيم الكوفي، قال: حدثني علي بن أحمد بن خلف الشيباني، عن عبد الله بن علي ابن المتوكل، عن بشر بن غیاث، عن سليمان بن العمر العامري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «بينما النبي صلی الله علیه و اله؛ بمكة أيام الموسم إذ التفت إلى علي فقال: هنيئا لك يا أبا الحسن ! إن الله قد أنزل علئ آية محكمة غير متشابهة، ذكري وإياك فيها سواء «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» الآية».

أقول: الظاهر تعدد الواقعة، وتدل على ما ذكرنا روايات أخرى.

وفي شواهد التنزيل للحافظ الحسكاني بإسناده عن أبي سعيد الخدري: «أن

ص: 345

رسول الله صلی الله علیه و آله لما نزلت عليه: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» قال : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي وولاية علي بن أبي طالب، ثم قال: من کنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله».

أقول: وفي رواية أخرى عن أبي سعيد الخدري أيضا : «أن النبي دعا الناس إلى علي فأخذ بضبعيه فرفعهما ثم لم يفترقا حتى نزلت الآية : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي»، فمن سياقهما يستفاد أن الآية المباركة نزلت في يوم غدیر خم، وتقدم في التفسير معنى إكمال الدين وإتمام النعمة عليه.

وفي تفسير علي بن إبراهيم بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السلام قال: «آخر فريضة أنزلها (الله) الولاية، ثم لم ينزل بعدها فريضة ، ثم أنزل: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» بكراع الغميم، فأقامها رسول الله بالجحفة فلم تنزل بعدها فريضة».

أقول: كراع الغميم واد بالحجاز بينه وبين المدينة نحو من مائة وسبعين میلا، وبينه وبين مكة نحو ثلاثين، وهذه الرواية تقرب ما ذكرناه من أنه لا تنافي بين أن تكون فريضة الولاية نزلت في مكة على رسول الله صلی الله علیه و آله، أو في عرفة، واخر إعلامها حتى وصل إلى كراغ الغميم الذي هو في طريق الجحفة، فنزلت الآية المباركة عليه ونصب عليا علیه السلام في الجحفة لأهمية الأمر؛ لأن الإسلام کالمادة للولاية، ولا قوام للمادة إلا بالصورة، ولا صورة إلا بالمادة، وقد ورد مضمون ذلك في روايات كثيرة .

وفي أمالي الشيخ بإسناده عن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه أبي عبد الله علیه السلام، عن علي علیه السلام قال: «سمعت رسول الله صلی الله علیه و اله يقول: بناء الإسلام على خمس خصال: على الشهادتين، والقرينتين، قيل له: أما الشهادتان فقد عرفناهما، فما القرینتان؟ قال: الصلاة، والزكاة، فإنه لا تقبل إحداهما إلا بالأخرى، والصيام وحج بيت الله من استطاع إليه سبيلا، وختم ذلك بالولاية، فأنزل الله عز و جل: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا».

ص: 346

أقول: الروايات الواردة بهذا المني من أن الإسلام بني على الخمس كما في الرواية فوق حد التواتر - لو صح التعبير - وقد جعل لها صاحب الوسائل بابا في مقدمة العبادة من كتابة الشريف، والسر في هذا الاهتمام من قبل الشرع للولاية فإنها كالحياة لأصول التكاليف والشعائر التي قوام الدين بها، وهي بدونها مجرد هیکل وقصب، ولم يتمحض في القلب حتى تكون بها الحركة والسير إلى الله تعالی.

وفي الدر المنثور عن ابن عباس قال: «ولد نبيكم يوم الاثنين، ونبیء يوم الاثنين، وخرج من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وفتح مكة يوم الاثنين، ونزلت سورة المائدة : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين».

أقول: لو صح الخبر لكان من خصائصه صلی الله علیه و اله، ولعله إلى ذلك أشارت ابنة أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبها: «آه من يوم الاثنين»، أي المصائب التي حلت بالأمة من بعد وفاته صلی الله علیه و اله، وفي بعض التواريخ أن واقعة الطف كانت يوم الاثنين أيضا.

القسم الرابع: من الروايات الواردة في تفسير الآيات المباركة هي ما عن علي بن إبراهيم في قوله تعالى : «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» [المائدة: 3]، قال: «هو رخصة للمضطر أن يأكل الميتة والدم ولحم الخنزير والمخمصة الجوع».

وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام في قوله تعالى: «غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ» [المائدة: 3] قال: «يقول غير متعمد لإثم».