مجالي اللطف بأرض الطف

هویة الکتاب

مَجَالِي اللُطْف بأَرْضِ الطَّفِّ

نَظْمُ

العلّامة الشَّيخِ محمّد بنِ طَاهِرِ السَّمَاوِيَ

المتوفّى سَنَة 1370ه

شَرحُ

عَلَاءِ عَبدِ النَّبِي الزُبَيْدِي

رَاجَعَهُ وَضَبَطَهُ وَقَدَّمَ لَهُ

وِحْدَةُ تَحْقِيْقِ

مَكْتَبَةِ العَتَبَةِ العَبَّاسیَّةِ المقدّسة

العَتَبَةِ العَبَّاسیَّةِ المقدّسة

قسم الشؤون الفكرية والثقافية / شعبة المكتبة

كربلاء المقدّسة/ ص.ب. (233) / هاتف: 322600، داخلي: 251

www.alkafeel.net

library@yahoo.comabbas

DS / السماوي، محمّد بن طاهر، 1292 - 1370ق.

79/9 مجالي اللطف بأرض الطف / تأليف محمّد بن طاهر السماوي؛ شرح علاء عبد النبي الزبيدي؛ راجعه وضبطه قدّم له وحدة التحقيق في مكتبة و دار مخطوطات العتبة العباسية المقدّسة. - كربلاء: مكتبة العتبة العباسية المقدّسة، 1432 ق. = 2011 م.

ص: 1

اشارة

العَتَبَةِ العَبَّاسیَّةِ المقدّسة

قسم الشؤون الفكرية والثقافية / شعبة المكتبة

كربلاء المقدّسة/ ص.ب. (233) / هاتف: 322600، داخلي: 251

www.alkafeel.net

library@yahoo.comabbas

DS / السماوي، محمّد بن طاهر، 1292 - 1370ق.

79/9 مجالي اللطف بأرض الطف / تأليف محمّد بن طاهر السماوي؛ شرح علاء عبد النبي الزبيدي؛ راجعه وضبطه قدّم له وحدة التحقيق في مكتبة و دار مخطوطات العتبة العباسية المقدّسة. - كربلاء: مكتبة العتبة العباسية المقدّسة، 1432 ق. = 2011 م.

4ك /

4024س

690 ص. – (مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدّسة ؛ 13 ).

للكتاب عنوان آخر: نوال اللطف في تاريخ الطف.

المصادر : ص. [661] - 676 ؛ و كذلك في الحاشية.

1. السماوي، محمّد بن طاهر، 1292 - 1370ق. مجالي اللطف بأرض الطف - نقد و تفسير. 2. كربلاء - تأريخ – شعر. 3. أرجوزة في تأريخ كربلاء 4. واقعة الطف، 61 ق. - شعر 50. الحسين بن علي (ع)، الإمام الثالث 4 - 61 ق. - كرامات – شعر. 6. كربلاء – السيرة. 7. السماوي، محمّد بن طاهر، 1292-1370ق. نقد و تفسير. ألف. الزبيدي، علاء عبد النبي، شارح. ب. وحدة التحقيق في مكتبة و دار مخطوطات العتبة العباسية المقدّسة.ج. عنوان. د. عنوان: نوال اللطف في تأريخ الطف.

تصنيف وحدة الفهرسة حسب النظام العالمي (.L.C.C) في مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدّسة

الكتاب: مجالي اللطف بأرض الطف.

شرح: علاء عبد النبي الزبيدي.

راجعه وضبطه وقدّم له: وحدة التحقيق في مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدّسة.

الناشر: مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدّسة.

الإخراج الطباعي والتصميم: محسن الجابري.

المدقق اللغوي: علي حبيب العيداني.

المطبعة: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات / كربلاء المقدّسة – العراق / بيروت - لبنان.

الطبعة الأولى.

عدد النسخ: 2000 نسخة.

التاريخ : 13 جمادى الأولى 1432ه- 17 نیسان 2011م.

ص: 2

بِسْمِ اللّه الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

ص: 3

ص: 4

صورة

إذا غفَرَ اللّه لِي زَلَّتِي***فيا سعْدَ صورتِيَ المُسْفِرَة

وإلا فتِلْكَ لِتِذْكَارِ مَنْ***دَعَا لي إلهي بالمَغْفِرَةً

(السماوي)

ص: 5

ص: 6

كلمة إدارة المكتبة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

مجالى اللطف بأرض الطف.

هذا الكتاب، شرحٌ لرائعة العلّامة، والمؤرّخ، والشاعر الجليل، الشيخ محمّد بن طاهر السماوي (رَحمهُ اللّه).

سطّر في ثناياها النافعَ والمهمّ فيما يخصّ تاريخ مدينة كربلاء، وعمارة المشاهد المطهّرة، وترجمة لبعض البيوتات المقيمة فيها، وبعضٍ ممّن وفدوا إليها.. والكثير من المعلومات التأريخية.

حتّى إنّ القارئ للأُرجوزة لا يملك إلّا أن يقف مأخوذاً ومنبهراً ببيان الشاعر، ومَلَكَتِه، وأُسلوبه في تخيّر الألفاظ التي بَدت منسابة مِطواعة، من جهة.

ومعجباً من كم المعلومات وتنوّع الموضوعات التي صاغها ببراعةٍ ودقةٍ، من جهة أُخرى بما يمكن أن يُعدّ وثيقة تاريخية مهمّة لهذه المدينة العظيمة.. .

على أنّ من دواعى الأمانة، القول إن هذه الأُرجوزة ليست وحيدة الشاعر العلّامة، ولا فريدة عطائه.. بل إنّ قريحة السماويّ –كما سيأتي في باب مؤلّفاته – جادت بفيوضات من التصانيف التي أرّخ فيها للنبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) و الأئمّة الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ)، كما أرّخ لعدد من المدن والحوادث، والأفراد، وبذات النَّفَس الشعري الصادح... ما يُشعر القارئ والمتصفّح بالفخر والاعتزاز بما يحويه تراث أُمّتنا من آيات

ص: 7

إلهية، تجسّدت في شخوص لَمْلَمت الحقائق وجذاذات التاريخ، وصاغتها بأرقى أساليب الكلام، وأعذبها، ووشّحتها بخالص النيات.

ما يُحمّلنا مسؤولية الكشف عنها، وتوجيه الأنظار إليها، فهي حقّاً الكنوز لمن يُقدِّر حقّ ثمنها.. .

والحمد للّه وليّ الحمد ومنه التوفيق وصلّى اللّه على النبي محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

إدارة مكتبة ودار

مخطوطات العتبة العبّاسية المقدّسة

ص: 8

توطئة

الحمد للّه رب العالمين، وأستغفر اللّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه توبة عبد خاضع مسكين مستكين لا يستطيع لنفسه صرفاً ولا عدلاً، ولا نفعاً ولا ضراً، ولا حياةً ولا موتاً ولا نشوراً، وصلى اللّه على نبينا محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وعترته الطيبين الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ) الأخيار الأبرار، وسلم تسليماً، وبعد....

فإنه لمّا كان وما يزال لمدينة كربلاء دورها الكبير والعظيم في الحضارة والثورة والفداء، والتي يُستمد من نورها وسيرها التاريخي الكثير من دروس التضحية والتفاني والإيثار والعبر لكل أحرار العالم، ولما شاع ذكرها في أرجاء المعمورة، تتجه اليوم مجتمعات العالم لمعرفة تاريخ هذه المدينة المتفاعل اسمها دوماً مع مكنونات الوجدان الإسلامي، وما يزال المجتمع العراقي يرنو إلى معرفة تاريخ كربلاء أكثر من غيره من المجتمعات الأُخرى، لمَا لها من موقع عزيز في نفوسهم بحكم كونها مدينة عراقية، وقبل ذلك كانت تعيش في وجدانهم وضمائرهم، وقد عُجنت في طينتهم واختُلطت بدمائهم وجرت في عروقهم. إلا أنها مع ذلك بحاجة إلى مزيد من الاستقصاء للوقوف على أسرار خلودها، فرغم صدور المؤلّفات الكثيرة عن كربلاء، لكن النفوس تبقى عطشى لمعرفة المزيد والمزيد عن كربلاء الخلود كربلاء الثورة، كربلاء المأساة....

فبرز من اهتم بتسليط الأضواء الساطعة على ماضيها وحاضرها ليمكن معرفته

ص: 9

أو الوصول إليه عبر حقب تاريخها، فقد أضحت كربلاء ذاكرة صالحة لكل عصر، فاسمها يكفي لتحريك الضمائر الحرة نحو الجهاد والثورة ضد الظالمين.

ومن ثوابت التاريخ التي جادت بها مدينة كربلاء أنها كانت مصدراً لبث الوعي الحقيقي بين جنبات النفوس ومركز إشعاع لرفعة معنويات الأمة، فكانت حاثّة لمناجاتها من قبل الكُتّاب والشعراء والأدباء، وقد استأثرت باهتمامهم، فكتبوا ما أجادت به قرائحهم كتابةً ونظماً ونثراً وشعراً، نصوص أصبحت إشعاعاً يسطع في نفوس أحرار العالم ومحبي آل البيت وستبقى خالدة خلود ذكرى معركة كربلاء.

وكان ممن كتب وتميّز أسلوباً وشمولاً في تاريخها العريق، وحوادثها الجسام، ومراحل إعمارها، وتراجم شخصياتها وعشائرها وساكنيها، وممن ولّى وجهه شطرها عشقاً، ورعاية على مر الدهور في ذلك نظماً، وأجاد وأوفى هو العالم النحرير الشيخ محمّد بن طاهر السماوي (رَحمهُ اللّه) الشاعر والأديب العراقي، فقد كتب (رَحمهُ اللّه) أرجوزته الشهيرة هذه المسماة ب(مجالي اللطف بأرض الطف) في تاريخ كربلاء، التي هي واحدة من أربع أراجيز، تضمّنت إضافة إليها أراجيز لكل من: مدينة النجف الأشرف، ومدينة الكاظمية، ومدينة سامراء، كلها مطبوعة في مجلد واحد طبع في سنة ( 1360 ه)، وقد ابتدأنا بتاريخ كربلاء؛ نظراً للاهتمام الخاص والجاد الذي أولته مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدّسة، إذ إنّ من أهم مهامها العناية بتاريخ هذه المدينة المقدّسة العزيزة على نفوس المؤمنين في جميع أنحاء العالم.

ومن المؤسف له أنّ هذا الكتاب، وعلى الرغم من أنّ الكثير من المصادر التي

ص: 10

كتبت عن كربلاء ومأساتها - في هذا القرن والقرن الماضي - قد ذكرته وأشارت إليه واستمدت منه بعض الحوادث التى كان هو مصدرها، كأن يكون عاصرها مثلاً، أو حوادث تاريخية اعتمدها هو من مصادر لم تقع بين أيدي من جاء بعده ليؤرخ لكربلاء، مع ذلك فقد ظل في طي النسيان بطبعته الأولى، ولم تمتد يد لطبعه أو شرحه مع أهميته، ولم يكن ذلك إلا لانحسار الاهتمام به في حقبة من الحقب بسبب ظروف قاهرة أبعدته عن أيدي القرّاء على اعتبار أنّ تلك الحقبة كانت عصيبة؛ بسبب ظروف قمعية مارستها أنظمة تتابعت على حكم العراق لم يكن من أولوياتها نشر الثقافة والأدب، لا بل عمدت لطمس كل ما يمت بصلة إلى أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وتراثهم.

مع تغيّر الظروف السياسية في العراق وما أنتجته من فرص مناسبة جداً من حرية الاعتقاد وإقامة الشعائر الدينية لكل أطياف الشعب العراقي، فقد فُتحت المكتبات العريقة التي تعج بها مدينة النجف وكربلاء وغيرها من المدن أمام روادها، فنهلوا من فيض علومها، وغاصوا في بحار أنوارها، فلمست أيديهم جواهر ولآلئ ثمينة حُجبت عن أعينهم دهوراً، وحرمتهم أيدي الظالمين من فيضها، فشمّروا عن سواعدهم وبذلوا جهوداً كبيرة لعرضها ونشرها لتصل إلى أيدي المؤمنين.

وكان ممن وفقهم اللّه تعالى لذلك الإخوة الأعزاء في مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدّسة، الذين بذلوا ويبذلون ما أمكنهم من جهود من أجل ذلك.

ومن هذا رأيت أن أقدم آيات الشكر والثناء لكل من: سماحة السيد ليث

ص: 11

الموسوي - رعاه اللّه – رئيس قسم الشؤون الفكرية والثقافية، الذي أولاني ثقته وحباني مسؤولية شرح وتوثيق هذه الأرجوزة المباركة، وسماحة السيد نور الدين الموسوي - رعاه اللّه - مدير المكتبة، وأخي وعزيزي المحقق البارع أحمد علي مجيد الحلي الذي قدّمني للإخوة المسؤولين في المكتبة، واختار نيل حسن ظنه وثقته بي للتشرف في العمل على هذا الكتاب مع توجيهاته القيمة.

ولا يسعني إلا أن أشكر الإخوة العاملين في وحدة التحقيق من المكتبة؛ لجهودهم الكبيرة في تدقيق وضبط وإخراج هذا الكتاب ليرى النور، وليكون في حُلّته هذه بأيدي قرّائنا الكرام، وهم كلاً من الاخو:ة الأستاذ علي حبيب العيداني، عدي فاضل الأسدي، علي كاظم خضير، السيد ميثم مهدي الخطيب، محمّد محمّد حسن الوكيل الذين بذلوا جهوداً مباركة وقدموا لكتابنا هذا بترجمة وافية في أحوال الناظم (رَحمهُ اللّه)، فلا يسعني إلا أن أشكرهم عليها جزيل الشكر، وأن ينعم اللّه عليهم بالتوفيق والسلامة في الدنيا والآخرة.

وختاماً أود أن أشير إلى أني لا أدّعي أبداً كمال هذا المجهود، مع ما تجشمته من أعباء ثقيلة لم تكن في مخيلتي عندما بدأت العمل به، من ذلك ما عانيته في تحضير المصادر التي لم يكن أكثرها في متناول اليد، فبذلت كل جهدي في الحصول عليها، لذا ألتمس من الإخوة الباحثين والقرّاء الأعزاء العذر على ما فاتني من الموارد التي قد يلتفتوا إليها، راجياً مدّي بملاحظاتهم لأجل استدراك ما فاتني في طبعة أخرى إن شاء اللّه تعالى، داعياً الباري (عزّوجلّ) أن يتقبل مني ويتجاوز عن تقصيري، وأن تشملني دعوة صاحب الأرجوزة المباركة:

ص: 12

فَرِحِمَ اللّهُ امْرَءاً رَوَاهَا***أَوِ اسْتَفَادَ الشَيْء مِنْ فَحْوَاهَا

وَسَأَلَ اللّه القَبُوَل لِلعَمَلْ***وَالصَّفْحَ عَنْ جُرْمِي وَتَبْلِيْغَ الأَمَلْ

رحمنا اللّه تعالى وإيَّاه، وأظلنا يوم لا ظل إلا ظله، بشفاعة النبي وآله (عَلَيهِم السَّلَامُ).

والحمد للّه أولاً وآخراً، وصلى اللّه على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وآله الطيبين الطاهرين (عَلَيهِم السَّلَامُ).

علاء عبد النبي الزبيدي

النجف الأشرف

15 شهر رمضان سنة 1431 ه

يوم ولادة الإمام الزكي الحسن المجتبى (عَلَيهِ السَّلَامُ)

ص: 13

ص: 14

المؤلّف في سطور

إشارة:

المؤلّف في سطور (1)

نسبه ونسبته :

«هو الشيخ محمّد بن طاهر بن حبيب بن حسین بن محسن بن ترکي الفضلي الشهير ب(السماوي)». (2)

قال السيد عبد الستار الحسني (دامت توفيقاته)«... و(الفضلي) - كما ذكروا - نسبة إلى آل فضل أحلاف المنتفق، وقد زعم بعضهم أنه تركي العنصر، كما جاء في (شعراء الغري: 475/10)، وسمعت ذلك أيضاً من سيدنا المجتهد الكبير السيد هبة الدين الشهرستاني (قدّس سِرُّه)، لكن الذي استظهره بعض المحققين أن هذا الزعم لا صحة له، وإنما جاء هذا الاشتباه من كون اسم جده الرابع (تركياً) فقيل لرهطه: (آل تركى) وهو استظهار وجيه، وكيف كان الأمر فالمرء بفضيلته لا بفصيلته:

كُنْ ابْنَ مَنْ شَنْتَ وَاتَّخذ أَدَبَا***يُغنيك مَحمُودُهُ عَن النَّسَب

إِنَّ الفَتَى مَنْ يَقُولُ: هَا أَنَا ذَا***لَيْسَ الفَتَى مَنْ يَقُولُ كَانَ أَبِي

وقد جاء عند ذكر كتابه (غنية الطلاب) من (الذريعة: 67/16) وكتابه (المُلمّة في تواريخ الأئمّة) من (الذريعة : 220/22) تلقيبه ب(العقيلي) السماوي. والظاهر أن ذلك

ص: 15


1- أخذنا ترجمة المؤلّف من النصوص الواردة في كتب التراجم.
2- شعراء الغري: 475/10.

تحريف (الفضلي) أو هو من سبق القلم وسهو الخاطر الذي لا يخلو منه إنسان.

والسماوي نسبة إلى السماوة وهي من مدن الفرات الأوسط، تقع بين الديوانية (القادسية) والناصرية ذي قار ) وتُسمّى اليوم (محافظة المثنى)، وهي غير (السماوة) القديمة المذكورة في كتب البلدان، وفي (معجم البلدان) و (المجمل) لابن فارس: سماوة كل شيء: شخصه. وقال أبو المنذر: إنما سُمّيت السماوة؛ لأنها أرض مستوية لا حجر بها، والسماوة: ماء بالبادية.

ويُنسب إليها جماعة من أهل العلم والأدب: كالشيخ أحمد آل عبد الرسول السماوي، وولده الشيخ عبد الحميد السماوي، وولده الشيخ أحمد، والشهيد السعيد الشيخ مهدي السماوي، وصديقنا العلّامة الأديب الشيخ سعد السماوي، وغيرهم». (1)

نبذة في أحوال والده :

قال السيّد جواد شبر (رَحمهُ اللّه) : كان والده الشيخ طاهر السماوي عالماً فاضلاً». (2)

ترجمه الشيخ الطهراني (رَحمهُ اللّه) في (الطبقات)، قائلاً: «هو الشيخ طاهر بن حبيب بن الحسين بن محسن الفضلي السماوي، عالم فاضل. هو والد العلّامة الشيخ محمّد السماوي المتوفّى سنة (1370) ه)، وقد حدّثني أنه هاجر به إلى النجف

ص: 16


1- مقدمة كتاب (شجرة الرياض في مدح النبي الفيّاض) : 357-358، المطبوع ضمن مجلة علوم الحديث العدد 20.
2- أدب الطف: 20/10.

في سنة (1304ه) وكان يثني على فضله. وقال: إنه كان يحضر أبحاث الأساتذة في النجف إلى أن تُوفي في حدود سنة (1320ه) وكان له أخَوان: عبد النبي، وصالح وبعض أولادهم موجود في السماوة والنجف». (1)

قال السيد عبد الستار الحسني (دامت توفيقاته): «ومما ينبغي التنبيه عليه هنا أن العلّامة الكبير المحقق السيد محمّداً الصادق آل بحر العلوم طاب ثراه - وهو تلميذ السماوي وأخصّ أصحابه - ذكر في ترجمة السماوي المختصرة التي قدّم بها (الكواكب السماوية) المطبوع سنة (1360ه): أن وفاة الشيخ طاهر السماوي - المذكور - كانت في سنة (1312ه)، وليست في حدود سنة (1320ه) كما ذكر الإمام الطهراني.

وأرجح القولين قول (الصادق)؛ لأن (الكواكب...) طُبع في حياة الشيخ السماوي، ولم يُشر إلى أن التاريخ المذكور - وهو سنة 1312ه - خطأ في (جدول الخطأ والصواب) الملحق بآخر الكتاب.

وأمّا ما ذكره الإمام الطهراني من كون وفاة الشيخ (الطاهر) في نحو سنة (1320ه) فقد يكون من سهو الخاطر... واللّه تعالى أعلم.

وما جاء في (شعراء الغري: 475/10) وفي أدب الطف: 20/10)، من كون وفاة أبيه بعد عشر سنين من ولادته غير صحيح، بل كان عمره عند وفاة والده في نحو العشرين.

ص: 17


1- نقباء البشر: 970/3.

وقد جاء تلقيب جده الأول - حبيب - ب(الشيخ) في ترجمة السماوي المكتوبة في حياته في مقدمة (الكواكب)، كما ورد باسم (الشيخ حبيب) في مواضع من (الذريعة)، منها ما جاء في الكلام على (ديوان السماوي) (الذريعة: 469/9)، و(غنية الطلاب) (الذريعة: (67/16)، و (ملتقطات الصحو) (الذريعة : 196/22)، و (الملمّة في تواریخ الأئمّة) و(الكواكب السماوية) (الذريعة: 180/18)، وهذا يدل على أنه كان من أهل العلم أيضاً، لكنني لم أقف له على ترجمة؛ وقد يكون ذلك بسبب أنه لم يترك آثاراً ومصنفات تلفت أنظار الباحثين إليه». (1)

ولادته ونشأته وأسفاره :

«وُلد في السماوة في السابع والعشرين من ذي الحجة الحرام سنة (1292ه)، كما جاء في ترجمته الموجزة المكتوبة في حياته في مقدمة (الكواكب السماوية) المطبوع سنة (1360ه)، وفي (أدب الطف)، وفي (شعراء الغري)، وفي (معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام)، وفي (الإجازة الجلالية) للعلّامة الكبير محمّد صادق آل بحر العلوم المنشورة في مجلة (علوم الحديث) العدد الرابع عشر سنة (1424ه)، وفي (الذريعة) عند الكلام على (ديوان السماوي) (469/9)، و (الجيد السري) (304/5)، و(تخميس الكرارية )(12/4)، و (ثمرة الشجرة) (15/5)، و(وشائح السرّاء) (93/25)، و(مكتبة السماوي) - الملحق - بقلم علي نقي المنزوي نجل صاحب الذريعة (4002/6)، وهذا هو الصحيح والمعوّل عليه.

ص: 18


1- (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق): ط علوم الحديث ع 20 / ص 360 - 361.

لكن ورد في ترجمته من (نقباء البشر ) (1) - المخطوط - أنه وُلد في سنة (1294ه)، كما ورد هذا التاريخ (1294ه) في (الذريعة: 255/3) عند ذكر (تاريخ سامراء)، وعند ذكر (أرجوزة في تاريخ المعصومين) (466/1)، وفي (130/24) عند ذكر (نزهة النوادي)، وفي (353/15) عند ذكر (عنوان الشرف).

كما ورد في (288/11) من الذريعة عند ذكر (روضة الأمان): أن ولادته في سنة (1293ه)، وجاء هذا التاريخ (1293ه) لولادته في (الأعلام) للزركلي (173/6)، وفي (الأدب العصري) لرفائيل بطي ص 151، وكل ذلك خطأ.

ومن المؤكد - بناءً على نبوغه المبكر - أنه أتقن القراءة والكتابة وشدا طرفاً من المبادئ في مسقط رأسه (السماوة)، كما كان لأبيه - العالم الفاضل - الأثر الكبير في توجيهه الوجهة العلمية الصحيحة، وصقل مواهبه، إذ مكث في السماوة عشر سنين مع والديه، ثم هاجر به أبوه إلى النجف الأشرف (2)؛ للترقي والاستزادة من العلوم والمعارف الدينية وبقي فيها ما يقرب من شهر، ثم مرض وبعد بُرئه عاد إلى السماوة وبقي سنة كاملة، ثم آب إلى النجف الأشرف سنة (1304ه)». (3)

ص: 19


1- حديثه عنه (دامت برکاته) قبل أن يُطبع، وقد طُبع أخيراً بتحقيق السيد محمّد الطباطبائي ونشر مكتبة مجلس الشورى الإسلامي، فلاحظ.
2- يبدو أن هجرته الأولى إلى النجف كانت في سنة (1303ه) كما هو المستفاد من سياق كلام مترجميه، وبعد مكوثه فيها شهراً رجع إلى السماوة وبقي فيها سنة كاملة، ثم كانت الهجرة الثانية في سنة (1304ه). (السيد عبد الستار الحسني)
3- (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق ): ط علوم الحديث ع 20 ص 361-362.

«لبث في النجف الأشرف من سنة (1304ه) إلى سنة (1312ه) بصحبة والده الذي كان من أهل العلم أيضاً، كما مرّ علي-ك. وعند وفاة والده سنة (1312ه) لم يبارح النجف بل بقي فيها إلى سنة (1322ه)، وقد يتخللها بعض الوقت الذي كان يجدد العهد فيه بزيارة مسقط رأسه - السماوة - كما هو المستفاد من قوله في ترجمة العلّامة الأديب السيد عدنان بن شبّر الغريفي من (الطليعة : 549/1)، إذ جاء فيها: (... وله منظومة... نظمها باسمي سنة إحدى عشر (كذا والصواب إحدى عشرة) بعد الألف والثلاثمئة عند نزوله عليّ في السماوة ضيفاً كريماً...). وفي سنة (1322ه) عاد إلى السماوة فبقي فيها إلى سنة (1330ه) ». (1)

المناصب التي تولّاها الشيخ (رَحمهُ اللّه) :

«وبعد عام ( 1330ه) طُلب من بغداد فعُيّن عضواً في مجلس الولاية الخاص خمس سنين، وفيها كانت الحرب العالمية الأولى فارتحل منها إلى النجف عند الاحتلال الإنكليزي. وبقي فيها إلى أن عُيّن قاضياً فبقي طيلة زمن الاحتلال وعامين من الحكم الوطني، ثمّ نُقل إلى كربلاء فبقي فيها سنتين، ونُقل إلى بغداد فبقي عشر سنوات بين القضاء والتمييز الشرعي، وأخيراً نُقل إلى النجف حس طلبه فبقي فيها سنة، واستقال على أثر سوء تفاهم وقع بينه وبين فخامة السيد محمّد الصدر أدّى إلى ذلك.

ص: 20


1- ينظر: المصدر نفسه: 367.

وقد اشتغل السماوي في الصحافة في أواخر العهد التركي حتى سقوط بغداد، كمحرّر في (جريدة الزوراء) الرسمية، وكانت تصدر باللغتين التركية والعربية فبقي فيها سنتين». (1)

وقد انتخب عضواً مراسلاً في المجمع العلمي العراقي سنة 1368ه. ولسبب استقالته المذكورة حكاية طريفة إذ كان بينه وبين السيد محمّد ابن الإمام الفقيه الحجة السيد حسن الصدر، ما قد يحصل بين الأقران من اختلاف الرأي الذي قد يُفضي - أحياناً - إلى المنافرة والمهاجرة؛ فكان ذلك سبب استقالته، واتفق أنّ هاتيك الاستقالة كانت في وقت صدور ذيل قانون (تنسيق الموظفين) غير المرغوب في بقائهم، وقد زعم بعضهم أن ذلك كان بسعي من السيد الصدر (رَحمهُ اللّه)، وفي ذلك يقول شيخ الخطباء الشيخ اليعقوبي (رَحمهُ اللّه) مداعباً الشيخ السماوي:

قُلْ للسّماوِيّ الذِي***فَلَكُ الْقَضاء به يَدُورُ

النّاسُ تَضرِبُها (الذُّيو***ل) وَأَنْتَ تَضْرِبُكَ (الصُّدُورُ)

وبعد استقالته انصرف إلى الكتابة والتصنيف.. والنسخ...». (2)

أساتذته:

أورد الشيخ الطهراني في (نقباء البشر / المجلد الخامس منه) مشايخ الناظم نقلاً عنه فقال:

ص: 21


1- شعراء الغري: 476/10.
2- (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق): ط علوم الحديث ع 20 / ص 368-369.

«قرأ الشيخ السماوي الأدبيات على الشيخ شكر البغدادي قاضي الجعفرية ومؤسس المكتب الجعفري بها.

وقرأ سطوح الفقه والأصول على السيد علي ابن السيد محمود الحسيني الأمين العاملي المتوفّى (1328ه)، وعلى الشيخ عبد الهادي ابن الحاج جواد شليلة البغدادي صاحب (لؤلؤة الميزان) المتوفّى سنة (1333ه)، وعلى الشيخ أحمد ابن الشيخ محمّد ابن الشيخ عبد الرسول الحكيمي العبسي نزيل السماوة والمتوفّى سنة (1328ه)، صاحب (كشف الغوامض في الفرائض) الموجودة نسخته في مكتبة المترجَم له، وعلى الشيخ حسن الصغير الجواهري المتوفّى (1343ه) ابن الشيخ الكبير صاحب الجواهر.

وحضر بحث الخارج على الفاضل ملّا محمّد الشرابياني المتوفّى (1322ه)، وعلى الفاضل الشيخ محمّد حسن المامقاني المتوفّى (1323ه)، وعلى المولى الفقيه الحاج أغا رضا الهمذاني المتوفّى (1322ه)، وعلى العلّامة السيد محمّد بن هاشم بن شجاعت علي الهندي النجفي المتوفّى (1323ه)، واستفاد منه بعض العلوم الغريبة أيضاً، وحصلت له إجازة الرواية منه أيضاً.

وقرأ الرياضيات على الشيخ أبي المجد الرضا المدعو ب(أغا رضا الإصفهاني) المتوفّى (1362ه) أوان تشرّفه بالنجف.

[قال الشيخ أغا بزرك الطهراني]: وقد حدّثني المترجَم له نفسه بجميع ما ذكرت شفاهاً قبل نيف وعشرين سنة تقريباً أوان كونه قاضي الجعفرية». (1)

ص: 22


1- نقباء البشر في القرن الرابع عشر: 221/5-222.

ومن مشايخه الذين لم يذكرهم البحاثة الشيخ آغا بزرك الطهراني في (طبقاته)، وذكرهم السيد عبد الستار الحسني هم: العلّامة الشيخ عبد اللّه معتوق القطيفي - وقد قرأ عليه المنطق-، ذكره الشيخ الطهراني في (الذريعة: 37/26) عند ذكر (أرجوزة في الإمامة) للشيخ القطيفي المذكور، إذ قال: (قرأ عليه السماوي المنطق)، والشيخ علي ابن الشيخ باقر آل صاحب (الجواهر)، والشيخ محمد طه نجف، والشيخ فتح اللّه النمازي المعروف ب(شيخ الشريعة الإصفهاني). (1)

وذكر الشيخ السماوي (رَحمهُ اللّه) في (الطليعة) في ترجمته للسيد الحسين بن الراضي بن الجواد بن الحسن بن أحمد الحسيني القزويني النجفي: أنه قرأ علم البيان على السيد المذكور. (2)

مَنْ أجازه مِن العلماء :

1 - الشيخ علي ابن الشيخ باقر صاحب (الجواهر) (رَحمهُ اللّه).

2- السيد محمّد الهندي (رَحمهُ اللّه).

3 - السيد حسن الصدر (رَحمهُ اللّه).

قال السيد الحسني (دامت توفيقاته): «وقد جاء في أدب الطف: 20/10): أنّ ممن أجازه بالاجتهاد الحجة السيد الحسن الصدر والشيخ علي ابن الشيخ باقر، وزاد صاحب (شعراء الغري: 476/10) السيد محمّد الهندي، وتبعهما من نقل عنهما.

ص: 23


1- ينظر: (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق ): ط علوم الحديث ع 20 / ص 363-364.
2- ينظر: الطليعة 254/1.

[وأضاف:] وأخشى أن يكون في ذلك تسامح بجعل إجازة الرواية إجازة اجتهاد؛ لأن المذكور في مقدمة (الكواكب السماوية) بمشارفة تلميذه القريب وصديقه الحميم العلّامة الكبير الحجة السيد محمّد صادق آل بحر العلوم (رَحمهُ اللّه) : «... وممن أجازه الشيخ علي ابن الشيخ باقر، والسيد محمّد الهندي، والسيد حسن صدر الدين الكاظمي».

والمتبادر منها إجازة الرواية، بل جاء النص بها صريحاً في ترجمة السماوي المذكورة في (نقباء البشر) المخطوط، حيث ذكر الشيخ الطهراني من أساتذته السيد محمّداً الهندي، وقال: «وله الرواية عن الأخير» ولو كانت معها إجازة إجتهاد لكانت أحقّ بالذكر. على أن إجازة المشايخ المذكورين للشيخ السماوي رحم اللّه الجميع بالاجتهاد غير ممتنعة في حقه؛ لما كان عليه من التضلع من الأصول والفقه، لكن الأمر على ما ترى!! وإن من كان يحضر أبحاث أولئك الأعاظم، مع قوة الاستعداد والقابلية والطموح المتناهي؛ لابد أن يحرز درجات راقية في العلوم التي استفادها من الحضور عندهم، وهكذا كان الشيخ السماوي (رَحمهُ اللّه) في المقدمة لا السّاقة من فحول العلماء الأدباء المشاركين». (1)

عشقه للكتب واستنساخها :

قال الشيخ الطهراني (رَحمهُ اللّه) : «كان (رَحمهُ اللّه) لا يدع الاشتغال ليلاً ونهاراً، وله إلمام تام في جمع الكتب ونشرها وتكثيرها بأي نحو كان حتى أنه استنسخ لنفسه بخط يده ما يربو على مائة نسخة نفيسة عزيزة مع ابتلائه بمنصب القضاء والدخول في

ص: 24


1- (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق): ط علوم الحديث ع 20 / ص 364-366.

الدوائر من سنين، ثمّ إنه استعفى عن القضاء ولازم الاشتغال بنفسه في حدود سنة (1355ه)، وجاور مكتبته النفيسة في النجف إلى أن توفي بها...». (1)

وأضاف الشيخ (رَحمهُ اللّه) : «أنه دوّن زهاء عشرين ديواناً للشعراء الذين لم يُدوّن شعرهم قبله، وهو جمع أشعارهم من الأماكن المتباعدة، منها: ديوان السيد الحميري، وديوان الشيخ حسين نجف، وديوان الصنوبري، وديوان الشيخ البرسي، وديوان الشيخ مفلّح الصيمري، وديوان الشيخ،مغامس، وديوان أبي ذيب، وديوان الشيخ حسن قفطان، وديوان دعبل الخزاعي، وديوان ديك الجن، وديوان السيد نعمان الحلي، وديوان الشيخ شريف الكاظمي (ناظم الكرارية)، وديوان الدرمكي، وديوان العوني... إلى غير ذلك». (2)

وقال الأستاذ جعفر الخليلي: «لم يعرف التاريخ عالماً في العصور المتأخرة أحاط بالكتب القديمة وتواريخها ومواضيعها، وقيمة الكتب الأثرية ونفاستها كالشيخ محمّد السماوي، خصوصاً فيما يتعلق بالشعر والشعراء ودواوينهم، فهو في عصورنا المتأخرة كمحمّد بن إسحاق صاحب (الفهرست) في عصره، فقد كان السماوي مرجعاً فذاً في تثمين الكتب القديمة، ومظان وجودها، بل كان (فهرست) يحتاجه المؤلّفون لمعرفة بحوثهم ومواضيعها حين يريدون الإحاطة التامة بما يبحثون عنه، وقد جاءته هذه الملكة من إفناء عمره الطويل في جمع الكتب والمخطوطات بصورة خاصة، وللكتاب في نفسه منزلة ما حاكاها شيء

ص: 25


1- نقباء البشر: 222/5.
2- نقباء البشر: 224/5.

معزةً وحباً وتقديساً، ولقد روى الراوون عنه على سبيل الفكاهة قوله: إنه عمل قاضياً أكثر من ثلاثين سنة، وكان يجنّب نفسه الاتصال بغير أصدقائه الخلّص المنتقين، وكان يرفض قبول أية هدية من أي شخص، حتى وإن لم تكن له حاجة في المحكمة؛ حذراً من أن تشوب حكمه شائبة من العواطف، لقد قال: لقد حاول الكثير إغرائي بشتى الطرق فلم يفلحوا؛ لأنهم لم يكتشفوا نقطة الضعف في نفسي، ولو عرفوا قيمة الكتب عندي، ومنزلتها في نفسي، لأفسدوا لي برشوة الكتب كل أحكامي....!!». (1)

وقال فيه صاحب (أدب الطف): «وكان شديد الشغف بالاستنساخ والتأليف، كنت أسأله واستفيد منه، ودخلت عليه مرة فرأيته يكتب تفسير القرآن استنساخاً فقال لي: إني كتبت وجمعت من الدواوين الشعراء لم يُجمع شعرهم مما يربو على الخمسين شاعراً، أمّا من التفاسير فهذا التفسير السادس الذي أكتبه بخطي...». (2)

وقال الشيخ علي الخاقاني (رَحمهُ اللّه) : «وأشهر ما عُرف به – أي الشيخ السماوي (رَحمهُ اللّه) - جمعه للكتب، فقد نمت فيه هذه الروح منذ أول عهد الشباب ونشطه على ذلك الشيخ أحمد ابن الشيخ عبد الرسول المتوفّى (1331ه)، حيث جمع مكتبة نادرة عبثت بها يد جاهلة، فقد أحرقتها الحملة البريطانية العسكرية يوم أن احتلت السماوة، ولا تزال بقية باقية منها مبعثرة عند أنجاله وأحفاده.

ص: 26


1- موسوعة العتبات المقدّسة / قسم النجف: 293/2-294.
2- أدب الطف: 22/10.

واستمر السماوي بجمع الكتب وأكثرها مما يكتبه بخطه، فقد كتب أكثر من مائتين كتاباً، وأول كتاب خطه هو (مضامير الامتحان) للسيد مهدي القزويني المتوفّى (1300ه)، واستمر يتتبع النوادر من المخطوطات، ولمّا حسُنت حاله أخذ يجمع أمّات الكتب المطبوعة والمراجع والموسوعات، حتى نالت شهرة واسعة عبرت بها الشرق، وقد كتب عنها المعنيون بالآثار أمثال جرجي زيدان في كتابه (تاريخ اللغة العربية) ». (1)

أما السيد الحسني (دامت توفيقاته) فقد قال - بعد أن ذكره بما هو أهله ونقل أقوال العلماء فيه ومدحهم إياه -: «وكل ما كان يُزنّ به ويؤخذ عليه هو حرصه الشديد على احتواء نفائس الآثار الخطية والاستثار بها، ومنع الآخرين عن الوقوف عليها، وربما زاد بعضهم قوله من أي طريق كان، وبأي وسيلة؟!

وقد نقلوا في ذلك حكايات غريبة لا يصغي ذو النصفة إلى قبولها، وإن كان ولابد فلا أقل من التوقف وإيكال البتّ بها إلى من «يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُن وَمَا تُخْفي الصُّدُورُ» (2)، إذ إن ذلك من أفعال القلوب التي لا يحيط بها إلا علّام الغيوب.

[ وأضاف السيد:] وقد ربأت بنفسي عن ذكرها لما قدمت، فلا تعزنُي إلى الغفلة (3):

لَيْسَ الغَبِيُّ بِسيِّد في قَومِهِ***لكِنَّ سَيِّدَ قَومِهِ المُتَغَابي» (4)

ص: 27


1- شعراء الغري: 477/10، وينظر: تاریخ آداب اللغة العربية: 29/4.
2- سورة غافر: آية 19.
3- وقولنا قوله دامت توفيقاته.
4- (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق)، ط علوم الحديث ع 20 / ص 370.

ثم قال السيد الحسني (دامت توفيقاته) في موضع آخر: «ومهما يكن من أمر أولئك الذين نسبوا إلى الشيخ السماوي من الحرص الشديد على عدم إيقاف أحد على نفائس محتويات مكتبته والضنّ بها على طلابها، فقد وقفت على شواهد تشير إلى أنه رحمه اللّه تعالى ما كان يبخل في إهداء بعض ما تحتويه مكتبته من الآثار الخطية، إذا ما كان ذلك الإهداء إلى أهله وفي محله، من ذلك ما ذكره الإمام الطهراني عند كلامه على كتاب (منهاج الكرامة في شرح تهذيب العلّامة) للسيد محمّد بن عطية الموسوي من (الذريعة: 173/23) إذ جاء فيها:«... نسخة الأصل عند الشيخ محمّد السماوي، وانتقل إلى حفيده (حفيد السيد محمّد بن عطية) السيد عبد الهادي الطعان النجفي بهبة من السماوي، والسماوي اشتراه من مرتضى بن محمّد ابن الميرزا محمّد علي الچهاردهي». فلاحظ كيف أن السماوي وهب هذا الأثر النفيس لأهله، مع أنه تمّلكه بالشراء الشرعي!

وجاء في (الذريعة: (108/17) أيضاً عند الكلام على (القصيدة ذات الأشباه) وشرحها للمفجع البصري - الشاعر المشهور - : «استنسخه الشيخ أحمد بن نجف علي الأميني التبريزي (والد صاحب الغدير)، وكتب عليه حواشي لنفسه، و (حواشي) للميرزا إبراهيم التبريزي، وأهداه التبريزي إلى الشيخ محمّد السماوي من تبريز إلى النجف، وقد وهبها السماوي لنا، وكتب بخطه عليه».

وجاء في (الذريعة : 299/11) أيضاً: (الروضة العبقرية في مدح الحضرة الحيدرية)، وذكر الشيخ الطهراني أنها ديوان يحتوي على (29) قصيدة بعدد الحروف في قوافيها، فكان المجموع (1351) بيتاً كتبها الناظم الشيخ محمّد السماوي بخطه، ثم قال الإمام الطهراني: «وكتب على ظهر النسخة: إهداءها لهذا الحقير (يعني نفسه)».

ص: 28

وقال العلّامة الخطيب الكبير السيد جواد آل شبّر في (أدب الطف: 22/10):«... وأذكر أن التاجر السيد حسن زيني، قال لي مرةً: يوجد ديوان جدنا السيد محمّد زيني في مكتبة الشيخ محمّد السماوي، ولعلك تستطيع شراءه لي، ولمّا أبديت ذلك للشيخ؛ قال لي: هاك الديوان، فأسرته أولى به، ولما سألته عن الثمن، قال: خذ منه ماتجود به يده». والظاهر أنه قَبِل الثمن؛ لأنه – في ذلك الوقت - كان مملِقاً، كما أشار السيد الجواد في ذيل هذه الحكاية مما لم أنقله». (1)

مكتبته :

ذكرها الشيخ الطهراني (رَحمهُ اللّه) في الذريعة فقال: «(مكتبة السماوي) مكتبة شخصية للشيخ محمّد بن طاهر السماوي المولود في (1292ه) في النجف، وهي تشتمل على ألفي مجلد مطبوع، وألف من المخطوطات، كثير منها بخط يده، وفيها كتب نفيسة». (2)

وقال العلّامة الشيخ جعفر محبوبة في ذكر مكتبة الشيخ المترجم (رَحمهُ اللّه): «خزانة جليلة فيها من النفائس المخطوطة والمطبوعة طائفة حسنة، وفيها كثير من الكتب المؤلّفة في علم الفلك والرياضيات، ومنها نسخة للمجلسي منقولة عن نسخة المصنِّف، و(شرح التذكرة) للسيد الشريف الجرجاني صاحب كتاب (التعريفات)، و(التحفة الشاهية)، و (المدخل لكوشيار) وقد كُتب سنة ( 800 ه)،

ص: 29


1- (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق)، ط علوم الحديث ع 20 / ص 375-376.
2- الذريعة 402/6.

و (شرح الجغميني) لجمال الدين التركماني وقد خُط في نحو سنة (800 ه)، و (كتاب التفهيم) للبيروني.

وفيها كثير من الدواوين الشعرية لمشاهير الشعراء المتأخرين: (كديوان السيد علي خان (صاحب) السلافة)، و (ديوان السيد المرتضى) - أربعة أجزاء -، و(ديوان عبد المحسن الصوري)، و(ديوان صر در (- وقد طُبع اليوم-، و(ديوان الأبله البغدادي)، و (ديوان الغزي)، و (ديوان السري الرفاء) وغيرها.

وفيها كتاب (الأمكنة) للغدة صاحب الأصمعي، وكتاب (نشوة السلافة) وهو ذيل على (سلافة العصر) للشيخ محمّد علي آل بشارة النجفي، والنسخة من مختصات هذه المكتبة.

وفيها تفسير (نهج البيان) لمحمّد بن الحسن الشيباني صنفه للمستظهر العباسي.

ومن كتب اللغة (ذيل الفصيح لابن فارس.

وكثير من مكتبته منسوخ بخط يده.

كان فيها كتاب (العين) للخليل بن أحمد، و المحيط في اللغة) للصاحب بن عبّاد، و(مجمل اللغة) لابن فارس و (دیوان حسان بن ثابت) بقلم قديم، وقد باعها في أخريات أيامه على مديرية الآثار العراقية والمعارف في شهر رجب سنة (1368ه)». (1)

وقال الأستاذ جعفر الخليلي فيها: «وقد ضمّت مكتبة السماوي أندر النسخ من

ص: 30


1- ماضي النجف وحاضرها: 166/1.

الكتب القديمة الثمينة، ومنها المخطوطة بخطوط أصحابها، وحين اشترى في شارع آل الشكري بمحلة العمارة،داره خصّ الطابق الثاني بهذه الكتب، ووفّر لنفسه مكاناً فسيحاً للمراجعة والعمل، وقد استخدم عدداً غير قليل من الخطّاطين في استنساخ بعض الكتب التي لم يستطع أن يظفر بها شراءً؛ لتكون في مكتبته نسخة منها، كما استعان بعدد من الذين يثق بهم لمعاونته في استخراج ما كان يريد من المواضيع من بين هذه الخزانة.

أمّا الكتب النادرة المنحصرة بمكتبته والأثيرة عنده فقد كان ينقلها بخطه، ولشدة خوفه على تلك الكتب الفريدة وحرصه عليها؛ تعلّم التجليد واشترى الأدوات اللازمة، وراح يجلدها بيديه تجليداً لا نظن أنه كان يقلّ جودة عن تجليد المجلّدين.

أمّا المطبوعات فقد كان يملك منها أعز الكتب المطبوعة في خارج العراق ب(ليدن) أو غيرها، وكل مطبوعات ( بولاق) على وجه التقريب، وقد رأينا مكتبته هذه وأفدنا منها، والذي لم يرها يستطيع أن يتبيّن قيمتها مما ترك السماوي من مؤلّفات يحتاج كل واحد إلى مئات المراجع والمصادر... .

أمّا تأسيس المكتبة فقد كان في طليعة القرن الرابع عشر، وحين توفي السماوي انحصرت الوراثة بابنته فعرضت المكتبة للبيع، فتزاحم وتنافس عل-ى شراء كتبها عدد من الأفاضل وأرباب الخزانات الخاصة، وقد ابتاعت مكتبة الإمام الحكيم منها نحو 450 كتاباً من المخطوطات، ومئات من الكتب المطبوعة، وكان عدد كتب مكتبة السماوي نحو (6000) كتاب.

ص: 31

أمّا الدواوين الشعرية فإن أغلبها قد انتقل شراءً إلى مكتبة الشيخ محمّد علي اليعقوبي، والشيخ محمّد رضا فرج اللّه، والمحامي صادق كمونة، وصالح الجعفري». (1)

أمّا الدكتور الشيخ محمّد هادي الأميني فإنه قال: «وقد عدها جرجي زيدان من أمّات المكتبات في السماوة في كتابه (تاريخ آداب اللغة العربية: 491/4)، وقال: (فيها من المخطوطات طائفة حسنة أكثرها في علم الفلك والرياضيات...)». (2)

وذكرها أيضاً السيد جواد شبّر في (أدب الطف) فقال: «وكانت مكتبة السماوي مضرب المثل وأمنية هواة الكتب، وأذكر أنه حاول أن تُشترى منه وتُوقَف وقفاً محبساً حتى ولو تنازل عن بعض ثمنها، وقال: أتمنى أن تقدّر هذه المكتبة وأتبرع بثلث قيمتها إذا حصل من يوقفها وقفاً خيرياً. وأعتقد أنه لو كان يملك القوت لأوقفها هو، ولكنه كان مملقاً، وبعد وفاته باعها الورثة وتفرّقت في عشرات من المكتبات، أخص المخطوطات التي تنيف على الألفي مخطوط...». (3)

ومما تجدر الإشارة اليه إن تركة الشيخ السماوي (رَحمهُ اللّه) من مكتبته قد ذكرها الدكتور حسين علي محفوظ في مجلة معهد المخطوطات العربية / المجلد الرابع /

ص: 32


1- موسوعة العتبات المقدّسة / قسم النجف : 294/2، 297.
2- معجم رجال الفكر والأدب في النجف: 686/2، وينظر: تاريخ آداب اللغة العربية: 4 /129.
3- أدب الطف: 22/10.

الجزء الأول: 215-273 في مقالة له بعنوان (المخطوطات العربية في العراق) ذكر فيها أسماء نفائس المخطوطات الموجودة في بعض مكتبات العراق ومنها (تركة الشيخ السماوي في النجف) برقم (6) وعدّد منها 471 عنواناً، لم نذكرها خوف الإطالة، فمن رامها فليراجعها في المصدر المذكور.

أقوال العلماء فيه :

ذكره الشيخ علي الخاقاني فقال: «عالم جليل، وشاعر شهير، وأديب معروف...». (1)

وأضاف الشيخ (رَحمهُ اللّه) : «والسماوي شخصية علمية أدبية، فذّة، جمعت كثيراً من أصول الفضائل، وطمحت إلى أسمى الأهداف، وقد حقق أكثرها، فقد شارك في كثير من الفنون والعلوم، ودرس مبادئها، وتنوع في معارفه... .

وقال الشيخ جعفر النقدي في (الروض النضير ) ص 246: فاضل، بسقت دوحة فنونه في رياض الفضائل، وجرت جداول عيونه في غضون الكمالات ينبئك عن جليل قدره وسمو مكانه قول أستاذه السيد إبراهيم الطباطبائي، وكانت له عُلقة به:

تبَرّعَ في كَسبِ الجمالِ فَخارُهُ***ولم يَرضَ حتى بالجميلِ تَبَرُّعا

ورَبُّ القوافي السّائِراتِ كأَنَّما***أَعادَ بها (عاداً) واتْبعَ (تُبّعا)

إذا أنشِدتْ وسطَ النَّدِيّ تَحَيّرتْ***كواشح بالأنيابِ تنهَشُ أصبعا

ص: 33


1- شعراء الغرى 475/10.

له السابقاتُ الغُرُّ غارتْ وأَنجَدَتْ***ففَرَّتْ وُقُوعاً في البلاد ووُقَّعا

إذا أطلقوُا منها العنانَ لغايةٍ***تَجُزها إلى أخرى شوارِدَ نُزّعا

تَتيهُ على اللُّجمِ المثاني فتَنبَريْ***بِها اللُّجمُ تَثْنِي جَامِحَ الخيلِ أَطوَعا

فأنّى تُجارى أو يُشقُّ غُبارها***وقد وقَفَتْ عنها المُجارُونَ ضُلَّعا

فَبَرَزَ لا عثراً تَشَكّى ولا وَجيً***فلا دَعدعاً للعاثرين ولا لَعا

سَعىِ للمَعالي قَبلَ شَدَّ نطاقِهِ***فَحَلَّ ذُراها يافِعَ السِّن مُذْ سَعى

وكان كثير الملازمة لأستاذه الطباطبائي (رَحمهُ اللّه)، فقد أخذ عليه علوم الأدب وأخبار العرب، ونشّطه في كثير من الحلبات، وسانده في مختلف المناسبات، وهام في حبه والإعجاب بذكائه.

والمترجَم له عرفته منذ أن نشأت وكان في بغداد، وله صدى في نفس كل من يتذوق الآثار وجمعها والاستفادة منها، وكنت كثير التشوق لحديثه والجلوس معه، فقد كان يمثل الباحث المتتبع، ويروي القصص النادرة، ويوقفك على كثير من النكات المستملحة، وكان على دمامة خلقته رقيق الحديث، حلو المفاكهة يجيد النقل ويتنوع فيه، وقد اطلع على مجموعة كبيرة من كتب الأخبار والنوادر، وحصل على قسم وافر من المجاميع التي ندرت عند غيره، وكان له سلوك مستقل وذوق خاص... .

ذكره الأستاذ عبد الكريم الدجيلي في جريدة (اليقظة) الغراء، فقال: كان السماوي خير مَن يمثّل العالِم في المدرسة القديمة بأسلوب كلامه، وطريقة

ص: 34

حواره وهيئة،بزّته واتزانه، وتعقله. وهو إذا حضر مجلساً يأسر قلوب الحاضرين

بسرعة البادرة، وحضور النكتة، وقوة الحافظة، وسعة الخيال، فهو ينتقل بك من الشعر العالي المتسامي إلى طرف من التاريخ والأدب، ثم إلى نوادر من الحديث والتفسير، وهو إلى جانب ذلك يسند حديثه بإحكام ودقة تعبير، فيدلّك على الكتاب الذي يضم هذه النادرة أو تلك النكتة، وعلى الصحائف التي تحويها، وعلى السنة التي طبع فيها هذا الكتاب - إن كان مطبوعاً، وإلى عدد طبعاته -إن كانت متعددة-، وحتى التحريف والتشويه بين الطبعات!

وأنت إذ تستمع إليه فكأنك تصغي إلى عالم من علماء العهد الأموي أو العباسي في طريقة حواره، وأسلوب حديثه، وانتقاله من فن إلى فن، ومن علم إلى علم فهو يعيد لك عهد علم الهدى في (مجالسه)، والإمام القالي في (أماليه)، والمبرِّد في (كامله)، والجاحظ في (بيانه وتبيينه)، ولا تفارقه تلك الابتسامة التي تقرأ منها عمق التفكير، وجلال العلم، وغبار السنين، ويده إلى جانب ذلك مشغولة في علبة البرنوطي». (1)

وقال فيه العلّامة الدكتور محمّد هادي الأميني (رَحمهُ اللّه) : «عالم فاضل، شاعر جليل، مؤرّخ متتبع، متضلع في الأدب والتاريخ واللغة والشعر، عارف بالرجال وبالكتب، مؤلّف مكثر...». (2)

وقال السيد عبد الستار الحسني (دامت توفيقاته) في حقه: «للعلّامة السماوي

ص: 35


1- شعراء الغري: 476/10-477، 478-480.
2- معجم رجال الفكر والأدب في النجف: 686/2.

طيب اللّه ثراه في كتب الترجمات والمجاميع الأدبية ذكرٌ معطار، مشفوع بالثناء الجميل والإطراء والتبجيل، إذ إنه يدخل في دائرة العلوم والمعارف الإسلامية من أكثر من باب، فهو العالم، والفقيه، والأديب، والمؤرخ، والفلكي، والحيسوب، بَلةَ مشاركته في ما اصطلح على تسميته ب(العلوم الغريبة). ولم تُشَن سيرته بغميزة من حيث الإيمان والعقيدة والسلوك، بشهادة أقرب المقربين كالعلّامة (الصادق) من آل بحر العلوم (1)، و (القاضي العادل) العلّامة النقدي(2)، والمحقق الثبت الإمام الطهراني (3)، والعلّامة سيد الخطباء الشهيد السعيد السيد جواد آل شبّر (4) وأمثالهم - وناهيك بهم - وقد قيل في أمثال العرب الحكيمة: كفى قوماً بصاحبهم خبيراً». (5)

آثاره

له تصانيف جمّة، نذكر منها:

1 - إبصار العين في أنصار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ط). (ذ : 65/1 رقم 322).

2- اجتماع الشمل بعلم الرمل. (شعراء الغري: 481/10).

ص: 36


1- ينظر: مقدمة كتاب (الكواكب السماوية).
2- ينظر: الروض النضير ص 246 نقلاً عن شعراء الغري: 478/10-479.
3- ينظر: نقباء البشر: 222/5، 224.
4- ينظر: أدب الطف: 18/10-27.
5- (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق) ط علوم الحديث ع 20 / ص 369 - 370.

3- أرجوزة في 200 بيت لعلها (لآلئ الأسلاك) الآتي ذكرها (شعراء الغري: 480/10).

4- الانثلاج في الاختلاج: نسخة منه في مكتبة الإمام الحكيم العامة. (1)

5- بلغة البلاغة: أرجوزة في علم البلاغة 300 بيت. (ذ: 147/3 رقم 503).

6- بلوغ الأمة في تاريخ النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) : في 120 بيتاً (أرجوزة). (ريحانة الأدب: 69/3).

7- تاريخ النجف: أرجوزة اسمها التاريخي (عنوان الشرف في شيد النجف) (ذ: 291/3)، وجاءت باسم (عنوان الشرف في وشي النجف) (ذ: 353/15 رقم 2265)، أرجوزة في 1250 بيتاً، وزِيدَ عليه فصار ألف ونصف ألف (ط).

8- تخميس الفرزدقية (ذ: 10/4 رقم 26).

9 - التذكرة في مَن ملك العراق إلى هذا العصر: (أرجوزة)، وهي تكملة (المخبره) لابن الجهم في 170 بيتاً. (شعراء الغري: 480/10).

10- الترصيف في علم التصريف: (أرجوزة). (ذ: 169/4 رقم 833).

11- تسديد المتحيرة في تخميس (المحبّرة). (ذ: 208/26 رقم 1052).

12- ثمرة الشجرة في مديح العترة المطهرة : أرجوزة، (ط). (ذ: 15/5 رقم 59).

13 - جداول في معرفة التاريخ العربي والرومي. (نسخة منه في مكتبة الإمام

ص: 37


1- ذكره السيد الحسني - دامت توفيقاته - في مقدمة تحقيقه لكتاب (شجرة الرياض) المذكور نقلاً عن الشيخ كاظم الفتلاوي (رَحمهُ اللّه).

الحكيم العامة)(1).

14 - جذوة السلام في مسائل علم الكلام - يعني الأربعينية الشهيدية - : (أرجوزة).(ذ: 93/5 رقم 838).

15- جمل الآداب: في نظم كتاب عيسى بن داب في فضائل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد وردت باسم (أجمل الآداب)، منظومة في 200 بيت. (ذ: 143/5 رقم 606).

16 - الجيد السري من شعر السيد الحميري. (ذ: 304/5 رقم 1428).

17- ديوان السماوي (ذ: 9ق 469/2 رقم 2674).

18- رسالة في حياة السيد سليمان الحلي (نسخة منه في مكتبة الإمام الحكيم العامة) (2).

19- الروض الأريض. (ديوان مراسلات) (3).

20- روضة الأمان في مدح صاحب الزمان. (ذ: 288/11 رقم 1747).

21- الروضة العبقرية في مدح الحضرة الحيدرية. (ذ: 288/11 رقم 1748).

ص: 38


1- ذكره السيد الحسني - دامت توفيقاته - في مقدمة تحقيقه لكتاب (شجرة الرياض) ضمن مجلة علوم الحديث ع 20 ص 396 - 397 نقلاً عن الشيخ كاظم الفتلاوي (رَحمهُ اللّه).
2- المصدر السابق.
3- المصدر السابق.

22- روضة الهدى في مدح سيد الشهداء (عَلَيهِ السَّلَامُ). (ذ: 288/11 رقم 1749).

23- رياض الأزهار: يقرب من 15000 بيت، وفيه روضات للنبي، وكل واحد من الأئمّة، منه (شجرة الرياض في روضات النبي وثمرة الشجرة). (ذ : 318/11 رقم 1924).

24- رياض الجنان المشحون باللؤلؤ والمرجان. (ريحانة الأدب 69/3).

25- سنا الآفاق في الأوفاق.(شعراء الغري: 481/10).

26- شجرة الرياض في مدح النبي الفيّاض (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أرجوزة، (ط). (ذ: 30/13 رقم 96).

27- صدى الفؤاد إلى حمى الكاظم والجواد في تأريخ الكاظمية: أرجوزة، قيل: 700بيت، وقيل: تقرب من 1000 بیت، وقيل: 1120 بيتاً، (ط). (ذ: (280/3) ووردت باسم (نزهة النوادي) في (ذ: 130/24 رقم 648).

28 - الطليعة من شعراء الشيعة (ط). (ذ : 180/15 رقم 1197).

29- ظرافة الأحلام: في النظام المتلو بين أهل البيت الحرام في المنام فيما أنشد به النبي أو الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) في الأحلام. (ط). (ذ: 198/15 رقم 1320).

30- غنية الطلاب في معرفة الإسطرلاب: أرجوزة في 150 بيتاً. (ذ: 455/1، 67/16 رقم 332).

31- قرط السمع في الربع المُجيب: أرجوزة في 150 بيتاً. (ذ: 473/1، 76/17 رقم 398).

ص: 39

32- كشف اللثام عن قوله: (وأتِمُّوا الصيام). (ذ: 56/18 رقم 654).

33 - الكواكب السماوية في شرح الميمية الفرزدقية. (ط). (ذ: 14/14).

34 - لآلئ الأسلاك أو فرائد الأسلاك في هيئة الأفلاك: أرجوزة 200.بيت. (ذ: 506/1، 1321/16 رقم 291).

35- مجالي اللطف في أرض الطف في تأريخ كربلاء أو نوال اللطف في تاريخ الطف: أرجوزة في 1250 بيتاً.ط. (ذ: 280/3، 373/19 رقم 1664).

36- مجموع تخاميس للعلويات والكرارية وقصيدة الأشباه. (شعراء الغري: 481/10).

37- مشارق الشمسين في الطبيعي والإلهي: أرجوزة في الفلسفة العالية في 500 بيت. (ذ: 491/1، 35/21 رقم 3829).

38- الملتقط في النحو سمّاه (ملتقطات الصحو في علم النحو): أرجوزة. (ذ: 504/1).

39- ملحة الأمة إلى لمحة الأئمّة: - في تواريخهم (عَلَيهِم السَّلَامُ)-، أرجوزة. (ذ: 466/1 197/22 رقم 6681.

40 - الملمة في تواريخ الأئمّة (ذ): 220/22 رقم 6771).

41 - مناهج الوصول في علم الأصول: في 150 بيتاً. (ذ: 460/1، 350/22 رقم 7394).

42 - منظومة في الأيام التي يصح أو لا يصح فيها المنام. (نسخة منها في

ص: 40

مكتبة الإمام الحكيم العامة (1).

43- موجز تواريخ أهل البيت ووفياتهم (عَلَيهِم السَّلَامُ) (ط). (2)

44 - نظم السمط في علم الخط أرجوزة. (ذ: 214/24 رقم 1112).

45- نقض المنحة الآلوسية في ردِّ الشيعة الاثني عشرية. (ذ : 290/24 رقم 1505).

46 - النيل الوافر (الوَفر - ض - ) في الجفر. (شعراء الغري: 481/10).

47- وشائح السرّاء في تأريخ سامراء: أرجوزة في 700 بيت، وردت في (ذ: 255/3 رقم 952) باسم (خلد السراء في حال سامراء) وفيها: أنها أرجوزة في 500 بیت، (ط). (3)

المجازون منه بالرواية

1 - العلّامة الكبير والمحقق البارع الخبير السيد محمّد صادق آل بحر العلوم النجفي (رَحمهُ اللّه) (ت 1399ه)، وتأريخ إجازته في ذي الحجة الحرام من سنة ( 1360ه).

ص: 41


1- المصدر السابق.
2- ذكره السيد الحسني - دامت توفيقاته - في مقدمة تحقيقه لكتاب (شجرة الرياض في مدح النبي الفيّاض) ضمن مؤلّفات الشيخ (رَحمهُ اللّه)، وقال فيه: كتيبٌ لطيف الحجم بقياس الكف، طُبع منسوباً إلى الشيخ السماوي، وقد قرأته منذ زمن غير قصير، لكن بعض من كتب عن السماوي ينفي نسبته إليه.
3- ملحوظة: الرموز المستخدمة هي ذ: الذريعة، ط: مطبوع

إجازة الشيخ السماوي (رَحمهُ اللّه) للسيد الصادق من آل بحر العلوم (رَحمهُ اللّه) نظماً

قال السيد محمّد صادق آل بحر العلوم (رَحمهُ اللّه) في سيرته الذاتية المخطوطة ما نصه:

«... وقد نظم هذا الأخير - أي الشيخ السماوي - إجازته لي أرجوزة فقال (رَحمهُ اللّه):

أَحْمَدُ رَبِّي وَأُصَلِّي أَبَدًا***عَلَى النَّبِيِّ القُرَشِي أَحْمَدا

وَآله أَهْلِ النُّهَى وَالأَمْر***ثُمَّ أَقَوْلُ في جَوَابِ الأَمْرِ

أَجَزْتُ سَيِّدي أَخَا الفَضْلُ السَّني***(مِحمّدَ الصَّادقَ) نَجْلَ الحَسَنِ

سَلِيْلَ إِبْرَاهِيمَ طَوْدِ المَجْدِ***ابْنِ الحُسَيْنِ بن الرِّضَا بْنِ المَهْدِيْ

عَنْ شَيْخنَا المُقَدَّسِ التَّقيِّ***محمّد بْنِ هَاشم هَاشِمَ الهِنْدِيِّ

عَنْ شَيْخهِ البَحْرِ مُحمّدِ الحَسَن***مُعْطى الوَرَى جَوَاهِراً بلا ثَمَنْ

عَنْ شَيْخنَا محمّد الجَواد***عَنْ شَيْخِهِ المَهْدِي بِالإِسْنَادِ

(حَيْلُوْلَة) وَعَنْ مُعزِّ الدِّيْنِ***محمّد بْنِ الحَسَنِ القِزْويني

عَنْ عَمِّهِ محمّدِ الباقِرِ عَنْ***مُحَمّدِ المَهْدِي مِنْ آلِ الحَسَنْ

(بَحْرِ العُلُومِ) والفُنُونِ والأَثَرْ***مَنْ جَدَّدَ القَرْنَ لَهَا الثَانِي عَشَرْ

عَنْ شَيْخه مُحَمّدِ الباقِرِ عَنْ***والِدِهِ مُحَمّدِ الأَكْمَلِ مَنْ

عن شَيْخِهِ محمّد عَن الأَبِ***مُحَمّدٍ المَجْلسِيّ المَنْسَب

ص: 42

عَنْ شَيْخِهِ محمّد البَهائِي***وطَرقِهِ نَيِرة السَّنَاءِ

سِلْسِلَةٌ تُزانُ فِي محمّد***مِنْ كُلِّ شَيْخِ بِالوُقُوقِ مُسَنَد

(أَجَزْتُهُ) أَنْ يَرْوِيَ الكُتُبَ الَّتِي***صَحَّت عَلَى شَرْطِ المُجِيْزِ المُثْبِتِ

فَإِنَّهُ أَهْلَّ لِهَذَا وَمَحَلْ***والسُّوْلُ أَنْ يَدْعُو لِمَوْلَاهُ (الأَقَلْ

مُحَمّدِ بْنِ الطَّاهِرِ السَّمَاوِيْ)***عَفَا لَهُ اللّه عَنِ المَسَاوِي(1)»

2- العلّامة الحجّة المحدّث الفقيه الشيخ محمّد رضا الطبسي (ت 1405ه).

3- العلّامة المفضال الدكتور حسين علي محفوظ الكاظمي، وتأريخ إجازته الثاني من شوال سنة (1367ه).

وفاته :

«توفّي (رَحمهُ اللّه) في مكتبته النفيسة في النجف يوم الأحد الثاني من المحرم سنة (1370ه). (2) ودُفن (رَحمهُ اللّه) في الصحن الحيدري الشريف في الحجرة التي دُفن فيها العلّامة المجتهد الكبير الشيخ جواد البلاغي النجفي بالقرب من باب الفرج». (3)

ص: 43


1- السيرة الذاتية للسيد محمّد صادق آل بحر العلوم (رَحمهُ اللّه) / مخطوط.
2- نقباء البشر: 222/5.
3- (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق)، ط علوم الحديث ع 20 / ص 400

من رثاه وأرّخ وفاته (رَحمهُ اللّه) :

وقد رثاه صديقه السيد محمّد صادق بحر العلوم مؤرِّخاً جامعاً بينه وبين الشيخ جعفر النقدي، فقد توفّي الشيخ محمّد - السماوي - يوم الأحد الثاني من المحرم من سنة (1370ه)، وتوفّي الشيخ جعفر النقدي بعد ستة (1) أيام يوم السبت، الثامن من المحرم من تلك السنة، فقال السيد محمّد صادق في رثائهما:

قد دهى الكَون رنّةٌ وعويلُ***ورزايا مِثلُها ليس يُوجَدْ

ألَإِنّ الأنامَ تندبُ شجواً***شهرَ عاشورَ سِبطَ طاها محمّدْ

أَلإِنّ الأيامَ جاءت بخطبٍ***إثرَ خَطبٍ؛ فالعيشُ أضحى مُنَكَّدْ

أَبِها قد قضى الحسينُ فأرِّخ***(أقضي جعفرٌ بها ومحمّدْ)

= (1370) (2)

وممن أرّخ وفاته السيد محمّد الحلي، والشيخ علي البازي، وممن أرّخ وفاته أيضاً السيد عبد الستار الحسني، عند كتابته لترجمة الشيخ (رَحمهُ اللّه) في مقدمته لتحقيق كتاب (شجرة الرياض) للمؤلّف (رَحمهُ اللّه)، والمطبوع ضمن مجلة (علوم

ص: 44


1- في نقباء البشر أن الشيخ جعفر النقدي (رَحمهُ اللّه) قد توفي بعد 5 أيام من وفاة المترجم (رَحمهُ اللّه).
2- ينظر: نقباء البشر: 222/5، الذريعة 9ق 469/2 - 470، (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق)، ط علوم الحديث ع 20 / ص 401

الحديث : ع 20) - والذي كان لنا خير معين في مقدمتنا هذه - بأبيات عدة منها:

ومُذ قضى حامي تُراثِ الهُدى***ومِقْوَلُ الحَقِّ لَهُ خَيرُ راثْ

(أئمَّةُ الخَلْقِ) بِهِم أرَّحُوا***(مُحَمّدٌ أودى فأبكى التُّراثْ) (1)

12، 92، 21، 113، 1132

سنة 1370ه

عقِبه :

«وتوفّي عن بنتٍ واحدة زوجة الشيخ جواد الساغرجي، وانتقلت المكتبة النفيسة الفريدة في النجف إليها. وقد توفي ابنه عبد الرزاق (2) المعقب عدّة بنين قبل وفاة والده بسبع سنين أو أزيد». (3)

نماذج من شعره :

للشيخ الناظم (رَحمهُ اللّه) قصائدٌ شعريةٌ ترى فيها فناً رائعاً وذوقاً رفيعاً تموج بين أبياتها، وتجد نفسك تائهاً في بحور قوافيها حتى تأخذك أمواجها لساحل معانيها،

ص: 45


1- ينظر: (شجرة الرياض / مقدمة التحقيق)، ط علوم الحديث ع 20 / ص 401.
2- توجد في مكتبة السيد محمّد صادق آل بحر العلوم (رَحمهُ اللّه) نسخة من كتاب (مطلع السعادات في تحريم الخمر والمسكرات) كتبها حفيد المترجم الحسن بن عبد الرّزاق ابن الشيخ محمّد السماوي وهي برقم (58).
3- نقباء البشر: 222/5.

فترتسم في مهجة النظر لوحة فنية متكاملة رسمتها مخيلة شيخنا الناظم (رَحمهُ اللّه).

وللمترجَم له (رَحمهُ اللّه) ديوان شعر يقع في أكثر من أربعة آلاف بيت اقتصر فيه على النواحي الدينية، وقد وقف عليه صاحب شعراء الغري (رَحمهُ اللّه) وذكر لنا نماذجاً منه.

فمنه ما قاله الشيخ (رَحمهُ اللّه) في مدح الرسول الأعظم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ):

أخجلتَ جيدَ الريمِ بالالتفاتْ***وفُقْت سَلَّ السيفِ بالانصلاتْ

بسمْتَ زهواً بشتيتِ اللمى***فأيُّ شملٍ لم تدعْهُ شتاتْ

تقوّلَ الناسُ بتحقِيقِه***واللُّه قد أنبتَ ذاكَ النباتْ

ثغرٌ إذا لَحْنُ ثناياه لي***عجِبتُ للّؤلؤِ وسطَ الفراتْ

... إلى أن قال:

قد جاءَ بالقرآنِ أعظِمْ بهِ***من معجزٍ حين تحدى الغواةْ

كتابُه المنزلُ من ربِّه***وقولُه الصادعُ بالمحكماتْ

للهِ ما جاءَ بهِ أحمدٌ***و للمعاني الغرِّ بالمعجزاتْ

.. إلخ. (1)

وله يمدح الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ):

لَمَعانُ البرقِ إذا أومضْ***أمضَى بحشايَ ظُبا أومضْ

ص: 46


1- شعراء الغرى: 484/10-487.

وأسالَ جفونيَ عن قلبٍ***لولا الأضلاع عليه ارفضْ

أمسكت حشاشَتَه قبضا***بيدٍ لا تقدرُ أن تقبضْ

... إلى أن قال:

يا لؤلؤَ عقدٍ قد أغنى وسحابَ ربعٍ قد روّضْ

أنا إن أعتبْ فليَ العُتبى***لم يبقَ لخيلي من مركضْ

أتُراك تعاودُني دنفاً***حشا لصدودِك تَستعرضْ

وبجسمٍ يوهنُ من خصرٍ***يعتلُّ ومن جسمٍ يمرَضْ

حاشاكَ فأنتَ أبرُّ بمَنْ***لمْ يبدلْ منك ولمْ يعتَضْ

... إلخ. (1)

وله يرثي الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ):

كم طلعةٍ لكَ يا هلالَ محرّمِ***قد غَيّبتْ وجهَ السرورِ بمأتمِ

ما أنتَ إلا القوسُ في كَبِدَ السما***ترمي قلوبَ المسلمينَ بِأسْهُمِ

ذكَّرتَهم يومَ الطفوفِ وما نَسَوا***لكنْ تجدّدُ ذكرِهِ المتصرمِ

يومٌ بهِ زحفَ الضلالُ على الهدى***وبهِ تميّزَ جاحدٌ من مسلمِ

ص: 47


1- شعراء الغري: 495/10-496.

... إلى أن قال:

أترى أميةَ يومَ قادتْ جيشَها***ظنّتْهُ يعطيها يدَ المستسلمِ

هيهاتَ ما أَنْفُ الأبيّ بضارعٍ***للحادثاتِ من الخطوبِ الهُجُّمِ

فقضى بحكمِ حسامِه أجسادَها***لأوابدِ ونفوسَها لجهنّمِ

... إلخ. (1)

وله في رثاء أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) قصيدة مطلعها:

بكرتْ تصبّ اللومَ مزنَة***لما رأتْ قلبي وحزنَه (2)

ومن تخميساته للأشعار قوله مخمساً بيتاً واحداً من قصيدة الشيخ كاظم الأزري:

إن يقتلوكَ على شاطي الفراتِ ظما***فقدْ تزلزلَ كرسيُّ السما عِظَما

وقد بكتْكَ دماً حتى العدى ندما***(أيُّ المحاجر لا تبكي عليك دماً

أبكيتَ واللّهِ حتى محجرِ الحجرِ) (3)

ص: 48


1- شعراء الغري: 499/10-500.
2- أدب الطف: 25/10.
3- أدب الطف: 25/10. ملحوظة وللشيخ الناظم (رَحمهُ اللّه) كرامة حدثت له ببركة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند تخميسه لأبيات قصيدة الشيخ الأزري المذكورة، فمن رامها فليراجع كتابه (ظرافة الأحلام: 148).

هذا مختصر وجيز من بعض أشعاره، وهي قطرة من بحور قوافيه، وذرة رمل من قصور شعره.

المصادر التي ترجمت للمؤلّف :

1 - إبصار العين فى أنصار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) / المقدمة: 15-17.

2- أدب الطف: 18/10-27.

3 - الأعلام: 173/6.

4- أعلام الأدب في العراق الحديث: 88/1-91.

5- جريدة اليقظة البغدادية، مقال لعبد الكريم الدجيلي.

6- حياة الإمام المهدي (عَلَيهِ السَّلَامُ) لباقر شريف القرشي : 242.

7 - الروض النضير للشيخ جعفر النقدي: 246.

8 - ريحانة الأدب: 68/3-70

9 - شعراء الغري (النجفيات): 475/10-503.

10- طبقات أعلام الشيعة / الضياء اللامع في القرن التاسع: 173.

11- طبقات أعلام /الشيعة / نقباء البشر في القرن الرابع عشر: ق 221/5- 224 برقم 312.

12- الطليعة من شعراء الشيعة / المقدمة: 7/1-42، بقلم الأستاذ كامل سلمان الجبوري.

13- علي في الكتاب والسنّة والأدب: 98/5.

ص: 49

14 - الكواكب السماوية / المقدمة، بقلم المحقق العلّامة السيد محمّد صادق بحر العلوم (رَحمهُ اللّه).

15 - ماضي النجف وحاضرها: 166/1.

16 - مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف: 303-305.

17 - مصفى المقال في مصنفي علم الرجال: 440.

18 - معجم مؤرخي الشيعة 225/2-226.

19 - معجم المؤلّفين لعمر كحالة: 97/10.

20- معجم المؤلّفين العراقيين: 180/3-181.

21 - معجم رجال الفكر والأدب في النجف: 686/2-687.

22- مقدمة كتاب (شجرة الرياض في مدح النبي الفيّاض): 347-406، المطبوع ضمن مجلة (علوم الحديث العدد 20) بقلم العلّامة السيد عبد الستار الحسني – دامت توفيقاته -.

23 - موسوعة العتبات المقدّسة / قسم النجف: 293/2-297

النسخة المعتمدة:

إنّ ما تعرّض له تراثنا الإسلامي – وخصوصاً الشيعي - من الهجمات الشرسة الهادفة لمحو آثاره استجابة لرغبات شيطانية، هي نتاج لحقائد بدرية وحنينية و و... قد حرمتنا من درر ولآلئ ما لو وُجدت لأثرت مكتباتنا بما تقرُّ به العيون، وتبتهج به النفوس، وتتسع به مدارك العقول.

ص: 50

ومنها ما تلاعبت بها أيدي الجهّال ممن لا يفرّقون بين نتاج العلماء ولغو الجهلاء، و ما مكتبة الشيخ السماوي (رَحمهُ اللّه)(رَحمهُ اللّه) إلا خير مثال لما ذكرنا، فقد تناثرت دررها وتبعثرت لثالئها فحُرمنا فوائدها، وهذا ما حدا بنا إلى أن نستقصي ونبحث عن النسخة المخطوطة للكتاب، إلا أننا منينا بالخيبة حينما لم نستطع العثور عليها، فعُدنا بخُفّي حنين واضطررنا إلى اللجوء للنسخة المطبوعة فاعتمدناها، وهي الطبعة الأولى للقصيدة التي طُبعت على نفقة دار النشر والتأليف لصاحبها – صاحب مجلة الغري - شيخ العراقين آل كاشف الغطاء في النجف الأشرف، وهي في مجلد واحد في أربع أراجيز: الأولى: عنوان الشرف في وشي النجف، والثانية: مجالي اللطف بأرض الطف، والثالثة: صدا الفؤاد إلى حمى الكاظم والجواد (عَلَيهِما السَّلَامُ) والرابعة: وشائح السرّاء في شأن سامراء. وعدد صفحات الثانية - الخاصة ب- (مجالي اللطف) - 80 صفحة.

ولأننا لم نوفّق لإيجاد النسخة المخطوطة للأرجوزة المذكورة والتي عدد أبياتها (1248) كما أسلفنا، اعتمدنا - عند مراجعتنا لشرحها - في ضبط الوزن الشعري لها والتشكيل على براعة الأستاذ خالد جواد جاسم، والذي تفضّل علينا مشكوراً بهذا العمل جزاه اللّه خير جزاء المحسنين.

ومما تجدر الإشارة اليه إننا اعتمدنا عناوين الأبواب والفصول للأرجوزة على فهرست النسخة المعتمدة.

وحدة التحقيق

في

مكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدّسة

ص: 51

خطبة الكتاب وتسميته وخدمته وأنه ثمانية أبواب وأربعون فصلاً

ص: 52

بسم اللّه الرحمن الرحيم

خطبة الكتاب وتسميته وخدمته وأنه ثمانية أبواب وأربعون فصلاً

أحْمَدُكَ اللهمَّ يا مَنْ ميّزا***مِنَ البِقاعِ حيّزاً فحيّزا

وخَصّ بالرفعِ لأجلِ الساكنِ***أربعةً تعلُو عَلَى الأماكنِ

مكةَ والمدينةَ المعروفةْ***والبقعتين كربلا والكوفة (1)

حَمْداً يليقُ بجلالكُ الأعمْ***ويستزيدُ اللطفَ مِنْكَ والنِّعمْ

وأَسألُ الصلوةَ منْك الجمّةْ***على مَنِ ابْتَعَثتَه للرحمةْ

محمّدَ المختارِ من خيرِ البشرْ***وآلهِ الأئمّةِ الاثني عَشَرْ

ماعَذبَ الفراتُ في الأنهارِ***واختلفَ الليلُ معَ النهارِ

وبَعْدُ فاسمعْ هذه المجالي(2)***تؤرّخُ الطفَّ على الإجمالِ

ص: 53


1- ورد في التهذيب في حديث الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأنّ البقاع التي ضجّت هي: البيت المعمور،والغري، وكربلاء، وطوس. (ينظر: تهذيب الأحكام: 110/6 ح 12/196). وأن مراد الناظم (رَحمهُ اللّه) بالرفعة للأماكن الأربعة المذكورة أعلاه فضلها على سائر البلدان.
2- المجالي: مفردها مجلى، وجلا: فعل ماضي، يقال: جلا الأمور: أي أوضحها وكشفها. (لسان العرب: 152/14 بتصرف يسير).

ذكرتُ فيها حالَهُ وفضلَهْ***ووصفَهُ وبعضَ مَنْ قَدْ حَلَّهُ

وما بهِ قَدْ لاحَ مِنْ معاجزْ***وما عليهِ حالَ مِنْ هَزَاهرْ

ممّا استبانَ النقلُ مِنْهُ ووضَحْ***وثَبَتَ المَعْنى الذي فيهِ وصَحْ

فانتَظَمَت أبوابها ثمانيةْ***عِدادَ أبوابِ الجنانِ العاليةْ

ثمَّ خَدَمْتُ عندما العزمُ اقْتَضَى***بِها الحسينَ بْنَ عليِّ المرتضى

مؤملاً تَرْقَى إلى عُلاهُ***هديةُ العَبِدِ إلى مولاهُ

فإِنْ يُوَقَّعِ القبولُ أَعُدْ***بِفَالٍ أَيْمَنِ وطَيْرٍ أَسْعَدْ

أَوْ لَا فَلَنْ أُحْرَمَ مِنْ رِضَاهُ***وَهْوَرِضَاءُ اللّه جَلَّ اللّه

فَسَمِّها مُؤَرخاً بالحرفِ***(مجاليَ اللُّطف بأَرْض الطَّفِّ) (1)

وَهَا أَنَا أَفَيْضُ في الكتابِ***مُبْتَدِئاً مِنهُ بِه ببابٍ بابِ

وكُلُّ بَابِ فَهْوَ ذو فصولِ***تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ في المَحْصولْ

فَالبَأْبُ قَدْ رَجَزْتُهُ فِي المَرْكَز***والفَضْلُ قَدْ تَرَكْتُهُ لَمْ أَرْجُزْ

ص: 54


1- سنة 1357ه. (الناظم).

الباب الأول: في اسم الطف وما كان عليه

اشارة

ص: 55

ص: 56

إشارة:

باب في الأسماءِ وفي المعاني

وما جَرى في سالفِ الزمانِ

الطَّفُّ ما أَطَلَّ بالإشرافِ***على العراقِ وعلى الأريافِ

أو ما عَلَا فِراتُهُ منْ شَطِّ***واختَصَّ في مَثْوَى الحُسينِ السَّبْطِ (1)

وسُمِّي (الحائرُ) وَهْوَ الدائِرْ***إذْ دارَ فيهِ الماءُ وهُوَ حَائِرْ (2)

ص: 57


1- الطف ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق مشتق من ذلك. وطف الفرات شطه سمي بذلك لدنوه. وقيل : الطف ساحل البحر، وفناء الدار. والطف: اسم موضع في ناحية الكوفة. وفي حديث مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): أنه يُقتل بالطف، سُمي به؛ لأنه طرف البر مما يلي الفرات، وكانت تجري يومئذ قريباً منه. (ينظر لسان العرب: 9 /221).
2- حار، يحار، حيرة، فهو حَيْران بفتح فسكون أي تحيّر في أمره. ورجل حائر بائر، إذا لم يتجه لشيء...، ومن المجاز: حار الماء في المكان: وقف وتردد كأنه لا يدري كيف يجري، كتحيّر واستحار. والحائر مجتمع الماء، يتحيّر الماء فيه، يرجع أقصاه إلى أدناه. وقيل: الحائر: المكان المطمئن يجتمع فيه الماء فيتحيّر لا يخرج منه. والحائر: كربلاء، سُميت بأحد هذه الأشياء كالحيراء، هكذا في النسخ بالمد. والذي في الصحاح وغيره: الحَيْر، أي بفتح فسكون بكربلاء أي سُميَّ؛ لكونه حُمي الحائر بها، أي بكربلاء، وهو الموضع الذي فيه مشهد الإمام الحسين (رضیَ اللّهُ عنهُ).... (تاج العروس: 320/6- 321 (مادة حير) بتصرف يسير، وينظر أيضاً: معجم البلدان2 / 208).

لَدُنْ رَأَى هارونُ ثُمَّ جَعْفَرْ***أَنْ يُحْرَثَ القَبْرُ كَما سَنَدْكُرْ (1)

وذاكَ عشرونَ ذراعاً تُضرَبْ***بمثلها فَعَمَّ أَقْصَى أَقْرَبْ (2)

ص: 58


1- هارون الرشيد خامس من حكم من بني العباس (170 - 193 ه)، ابن المهدي والخيزران، وُلد بالري، تولّى الحكم بعد مقتل أخيه الهادي، ستأتي ترجمته فلاحظ. وجعفر جعفر المتوكل بن محمّد المعتصم، عاشر مَن حكم من بني العباس (206 - 247ه)، قتله ابنه المنتصر، ستأتي ترجمته فلاحظ. ينظر ترجمتهما الباب الثالث: (في تعيين المرقد وماجرياته وفضل الزيارة).
2- حد الحائر: يشير إلى ذلك ما رواه ابن قولويه في (كامل الزيارات: 222 ح 3/325) قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه الحميري، عن أبيه، عن هارون بن مسلم، عن عبد الرحمن بن الأشعث، عن عبد اللّه بن حمّاد الأنصاري، عن ابن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: سمعته يقول: «قبر الحسين بن على (عَلَيهِما السَّلَامُ) عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً مكسّراً، روضة من رياض الجنّة، وفيه معراج الملائكة إلى السماء، وليس من ملك مقرّب ولا نبي مرسل إلا وهو يسأل اللّه أن يزوره، ففوج يهبط وفوج يصعد». وقال الشيخ الفقيه ابن إدريس الحلي (قدّس سِرُّه) تنث في (السرائر: 1/ 342) ما نصه: «والمراد بالحائر ما دار سور المشهد والمسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه؛ لأن ذلك هو الحائر حقيقة؛ لأن الحائر في لسان العرب الموضع المطمئن الذي يُحار الماء فيه. وقد ذكر ذلك شيخنا المفيد في (الإرشاد) في مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لما ذكر من قُتل معه من أهله، فقال: والحائر محيط بهم إلا العباس رحمة اللّه عليه، فإنه قُتل على المسناة، فتحقق ما قلناه، والاحتياط أيضاً طريقته تقتضي ما بيّناه؛ لأنه مجمع عليه، وما عداه غير مجمع عليه» انتهى. وقال المجلسي (قدّس سِرُّه) في (بحار الأنوار: 86 /89 -90) - بعد أن ذكر كلام ابن إدريس(قدّس سِرُّه)-: «وأقول: ذهب بعضهم إلى أن الحائر مجموع الصحن المقدّس، وبعضهم إلى أنه القبة السامية، وبعضهم إلى أنه الروضة المقدّسة، وما أحاط به من العمارات القديمة من الرواق والمقتل والخزانة وغيرها. والأظهر عندي أنه مجموع الصحن القديم لا ما تجدّد منه في الدولة العلية الصفوية - شيّد اللّه أركانها-، والذي ظهر لي من القرائن وسمعت من مشايخ تلك البلاد الشريفة أنه لم يتغير الصحن من جهة القبلة ولا من اليمين ولا من الشمال بل إنما زِيد من خلاف جهة القبلة وكل ما انخفض من الصحن وما دخل فيه من العمارات فهو الصحن القديم، وما ارتفع منه فهو خارج عنه، ولعلّهم إنما تركوه كذلك ليمتاز القديم عن الجديد والتعليل المنقول عن ابن إدريس (رَحمهُ اللّه) منطبق على هذا، وفي شموله لحجرات الصحن من الجهات الثلاثة إشكال. ويدل على أن سعة الحائر أكثر من الروضة المقدّسة والعمارات المتصلة بها من الجهات الثلاث ما رواه ابن قولويه بسند حسن عن الحسن ابن عطية، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «أما إذا دخلت الحير - وفي بعض النسخ الحائر - فقل:... - وذكر الدعاء- ثم تمشي قليلاً وتُكبّر سبع تكبيرات، ثم تقوم بحيال القبر، وتقول - إلى أن قال-: ثم تمشي قليلاً وتقول... إلى قوله وترفع يديك وتضعهما على القبر...». وعن ثوير بن أبي فاختة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف زيارته: «حتى تصير إلى باب الحائر - أو الحير - ثم قل: -إلى أن قال: - ثمّ اخطُ عشر خُطاء ثم قف فكبر ثلاثين تكبيرة، ثم امش حتى تأتيه من قبل وجهه». وعن أبي حمزة الثمالي بسند معتبر عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في وصف زيارة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «ثم ادخل الحير - أو الحائر - وقل: -إلى قوله: - ثم امشِ قليلاً وقل: - إلى قوله: - ثم امشِ وقصّر خُطاك حتى تستقبل القبر، ثم تدنو قليلاً من القبر وتقول...» إلى آخر الخبر. فهذه الأخبار وغيرها... تدل على نوع سعة في الحائر»، انتهى كلام المجلسي (قدّس سِرُّه).

ص: 59

(وَنَيْنَوى) (1) لَقَرْيَةٌ قَديْمَة***جَدَّدَ فيها يُونسٌ أديْمَة (2)

ص: 60


1- نِيْنَوَى: بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح النون والواو، بوزن طيطوى: وهي قرية يونس بن متّى (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الموصل، وفي سواد الكوفة ناحية يُقال لها: نينوى، منها: كربلاء التي أقبل فيها الحسين (رضیَ اللّهُ عنهُ). (ينظر: معجم البلدان: 5/ 339). ونینوى - التي في سواد الكوفة - كانت على نهر العلقمي، وكانت قرية عامرة في العصور الغابرة، تقع شمال شرقي كربلاء، وهي الآن سلسلة تلول أثرية ممتدة من جنوب سدة الهندية حتى مصب نهر العلقمي في الأهوار وتعرف ب(تلول نينوى). (ينظر : دائرة المعارف الشيعية (356/9)
2- الأديم الجلد المدبوغ (ينظر: مجمع البحرين: 1/ 54).

إِذْ قَذَفَتْهُ النُّونُ عارِي البَشَرَة***فأَنْبَتَ اللّه عَلَيْهِ الشَجَرَة (1)

وذاكَ في رِوايَةٍ مَعْرُوفَة***قِيْلَ بِها وَقِيلَ: بَلْ بِالْكُوْفَةٌ (2)

ص: 61


1- النون: الحوت، وصاحبها يونس بن متّى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وبها،يُكنّى، والشجرة: شجرة اليقطين.
2- قال الأستاذ محمّد سعيد الطريحي - مؤلّف كتاب (يونس ذو النون)- في معرض تحقيقه لكتاب (فضل الكوفة ومساجدها) للمشهدي ص 68: «... مشهد النبي يونس بن متّى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهذا من المشاهد المقدّسة في الكوفة، حيث ورد في كثير من الكتب أن النبي يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد دُفن في هذا الموضع، وورد هذا في حديث للإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن مسجد الحمراء الذي هو بجانب المشهد. وهذا المشهد الجليل - مع الأسف - لم يُقدّره الناس تقديره الذي يستحقه؛ بسبب خمول ذكر المصادر الموثوقة التي تشير إليه، ولهذا فقد قمنا بدراسته ضمن بحث كبير عن النبي يونس ذي النون وظهر لنا خلال التحرّي أنه من المشاهد القديمة، وذكره وردَ منذ زمن الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ومن قدامى الرّحالة الذين زاروه السائح الهروي، قال : (وهو بالنخيلة)، وابن المستوفي قال: (وهو بالطريق الشرقي من الكوفة). كما أسِّس عند هذا المشهد سنة 479 ه مدرسة دينية على المذهب الحنفي، أسّسها أحد القادة الأتراك، وأجري لأساتذتها وطلابها جِرايات من المال، وذكر المشهد القرماني وغيره. وهناك الكثير من الأضرحة والمقامات التي تُنسب للنبي يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، أشهرها الذي يقع فوق (تل توبة) في نينوى، ويقصده أهل الموصل للصلاة ولزيارة قبر النبي يونس (عَلَيهِ السَّلَامُ). وفي (قرية حلحول) في فلسطين قبر ليونس. وفي (بلدة كفر كنا) مقام ليونس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهي في فلسطين أيضاً. وفي (بلط) قرب نصيبين فوق الموصل، قيل: سُميت بلط؛ لأن الحوت ابتلع يونس هناك. وبين بيروت وصيداء (خان بني يونس)، يعتقد المسيحيون أن فيه نجا يونس من الموت... . وموقع المشهد الحالي بالكوفة على شاطئ الفرات، وبجانبه مسجد الحمراء القديم».

لكِنّما التَّسْمِيَةُ المَذْكُورَةْ***دَلَّتْ عَلَى الطُّرْفَة والباكُوْرَةْ

(وَكَرْبَلا) لأن فيها رَخْوا***أَوْ أَنَّها تُنْبِتُ وَرْداً أحوى (1)

ص: 62


1- كربلاء: قال ياقوت الحموي: «كربلاء بالمد، وهو الموضع الذي قُتل فيه الحسين بن علي (رضیَ اللّهُ عنهُ)، في طرف البرية عند الكوفة، فأمّا اشتقاقه فالكربلة رخاوة في القدمين، يُقال: جاء يمشي مكربلا، فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رخوة؛ فسُميت بذلك.... والكربل: اسم نبت الحماض، وقال أبو وجرة يصف عهون الهودج: وثامر كربل وعميم دفلى***عليها والندى سبط يمور فيجوز أن يكون هذا الصنف من النبت يكثر نبته هناك فسُمي به». (معجم البلدان: 445/4). أمّا المرحوم الدكتور مصطفى جواد، فإنه يرى محاولة ياقوت الحموي بردّ (كربلاء) إلى الأصول العربية غير مجدية، حيث يقول: «وأنا أرى محاولة ياقوت الحموي رد (كربلاء) إلى الأصول العربية غير مجدية، ولا يصح الاعتماد عليها؛ لأنها من بابة الظن والتخمين، والرغبة الجامحة العارمة في إرادة جعل العربية مصدراً لسائر أسماء الأمكنة والبقاع، مع أنّ موقع كربلاء خارج عن جزيرة العرب، وأنّ في العراق كثيراً من البلدان ليست أسماؤها عربية: كبغداد، وصرورا، وجوخا، وبابل، وكوش، وبعقوبا، وأن التاريخ لم ينص على عروبة اسم (كربلاء)، فقد كانت معروفة قبل الفتح العربي للعراق، وقبل سكنى العرب هناك، وقد ذكرها بعض العرب الذين رافقوا خالد بن الوليد القائد العربي المشهور في غزوته لغرب العراق سنة (12ه / 634م). قال ياقوت الحموي: ونزل خالد - عند فتحه الحيرة - كربلاء، فشكا إليه عبد اللّه بن وشيمه النصري الذبّان، فقال رجل مِن أشجع في ذلك: لقد حبست في كربلاء مطيتي***وفي العين حتى عاد غثا سمينها إذا رحلت من منزل رجعت له***عمري وإيها إنني لأهينها ويمنعها من ماء كل شريعة***رفاق من الذبّان زرق عيونها واستطرد المرحوم جواد قائلاً]: ولقائل أن يقول: إنّ العرب أوطنوا تلك البقاع قبل الفتح العربي، فدولة المناذرة بالحيرة ونواحيها كانت معاصرة للدولة الساسانية الفارسية وفي حمايتها وخدمتها. والجواب: إنّ المؤرّخين لم يذكروا لهم إنشاء قرية سُميت بهذا الاسم - أعني كربلاء -، غير أنّ وزن كربلاء ألحق بالأوزان العربية، ونُقل «فَعْلَلا» إلى «فَعْلَلاء» في الشعر حسب، فالأول موازن لجحجحي وقرقرى وقهقرى، والثاني موازن لعقرباء وحرملاء، زِيد همزة كما زِيد برْنساء». (موسوعة العتبات المقدّسة / قسم كربلاء: 10/8 - 13). وللأستاذ أنطوان بارا رأي في لفظة ( كربلاء)، هو وكربلاء تقع على بُعد عدة كيلو مترات من مشرعة الفرات شمال غرب الكوفة، وكانت في عهد البابليين معبداً، والاسم محرّف من كلمتي (كرب) بمعنى معبد أو مصلّى أو حرم، و (أبلا) بمعنى إله باللغة الآرامية، فيكون معناها (حرم الإله). وفي تعوّذ الحسين [(عَلَيهِ السَّلَامُ)] من الكرب والبلاء مرادف لفظي آخر جاء متطابقاً الى حد كبير لفظة (كربلاء) موصولة. فالكرب: هو الشدة المصحوبة بالألم والبلاء: هو النهاية وبلوة الموت. ولو نسبنا اللفظة الى مرادف آخر لوجدناها تصح بلفظة - كرٍّ، وبلاء - ومعنى الكرِّ هنا، هو أحد وجهي الهجوم والتراجع في المعارك، وهو ما يعني الهجوم (الكر)؛ لأن التراجع يعني (الفر) وهكذا يقال في وصف معركة: (قتالٌ بين كرٍّ وفر) أي بين إقدام وهروب. أما لفظة (بلاء) فمعناها متمم لمعنى لفظة (كر)، وبلاء هنا بعد لفظة كر، غير تلك البلاء بعد لفظة كرب فاللفظتان إذا عُطفتا على ما قبلهما فسر تا معنى ما سبقهما، فالبلاء بعد كرب تعني الشدة والموت. وبعد الكر، تعني المضاء والنجاح في القتال والهجوم. وهكذا يقال في وصف أحد الشجعان: (أبلى بلاء حسناً) أي: قاتل بشكل جيد وماضٍ. وعلى هذا المقياس تفسر لفظة (كر، بلاء) بمعنى: (إقدام، وبسالة). (الحسين في الفكر المسيحي: 314-315).

ص: 63

أَوْ «كُوْرُ بَابِلَ» (1) كَمَا يُقالُ***وَخَفَّفَ اللَّفْظَةَ الاِسْتِعْمالُ

ص: 64


1- کور بابل: قال الأستاذ أنطوان بار في معرض بيانه للفظة (كربلاء): «وقيل عنها قديماً: (كور بابل)، ثم اُختصرت إلى اسم كربلاء تسهيلاً للفظها، وبابل كما جاءت في نبوءة أشعيا هي (صحراء البحر)، وكانت في سهل متسع يقطعه الفرات، وفيها غدران كثيرة حتى لَيظن الناظر إليها بأنها صحراء طافية فوق بحر، فأطلق عليها هذا الاسم. وفي هذا التفسير شيء من المعقول، إذ إنّ كربلاء منطقة صحراوية حارة، وفيها الفرات وبعض الغدران وتسمية (صحراء البحر) فيها شبه كبير بتسمية (كور بابل)، فالكور معناه في العربية هو ذلك الجهاز الذي ينفخ الهواء فوق جمر الحدّاد؛ لإحماء الحديد، وبابل هي (الصحراء الحارة)، فصار اللفظ (كور بابل) يعني لهب صحراء بابل كلهب كور الحداد». (الحسين في الفكر المسيحي: 313 - 314). وقيل أيضاً: «كور بابل: كربلاء اسم قديم في التاريخ يرجع إلى عهد البابليين، وقد استطاع المؤرخون والباحثون التوصل إلى معرفة لفظة (كربلاء) من نعت الكلمة وتحليلها اللغوي، فقيل: إنها منحوتة من كلمة (كور بابل) العربية، وهي عبارة عن مجموعة قرى بابلية قديمة.... أمّا الأطلال الكائنة في شمال غربى كربلاء فتعرف ب(كربلاء (القديمة) يُستخرج منها أحياناً بعض الجِرار الخزفية، وكان البابليون يدفنون موتاهم فيها...». (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية: 18 / 428 - 430)

(وَالغاضِريات لأنَّ غاضِرةْ***منْ أُسُدٍ قَدْ تَخِذَتْهُ حاضِرَةْ (1)

وفيهِ نَهْرٌ لَهُمُ أَوْ أَنْهُرْ***تُعْرَفُ في نسبتِهِمْ وتُشْهَرْ

ص: 65


1- الغاضرية: «بعد الألف ضاد معجمة منسوبة إلى غاضرة من بني أسد، وهي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء (معجم البلدان: 183/4).

(ومَشْهَدُ الحُسَين) حَيْثُ اسْتُشْهدا***أَوْ حَيْثُ مَا يَشْهَدُهُ مَنْ شَهدا (1)

(وشَاطِيُّ الفراتِ) عمَّ ثمَّ خَصْ***لكنَّ هذا نادِرٌ لِمَنْ فَحَصْ

وطُولُه (الجنه) (2) (والعُرْضُ (لدم )(3)***لأَحدثِ الأرصادِ لا لِذي القِدَمْ

والحَدُّ مِنْهُ خَمْسَةُ الفراسِخْ***في مِثْلها حُرْمَةُ قَبْرِ شامِخْ (4)

وحُدَّ في أَرْبَعَةٍ بالمِثْلِ***وَوَجَّهوْهُ بازْديادِ الفَضْلِ

وذاكَ مِثْلُ ما يُوَجَّهُ الخَبَرْ***بالحائرِ المَحْدُودِ سَبْعَةَ عَشَرْ (5)

ص: 66


1- «المشهد: المكان الذي يكون مجمعاً للناس، أو مكان استشهاد الشهيد. واصطلاحاً: المكان الذي يكون فيه ضريح (مرقد) الإمام أو الولي». (معجم ألفاظ الفقه الجعفري: 392).
2- أي (33) درجة و (55) دقيقة. (الناظم)
3- أي (34) درجة و (40) دقيقة. (الناظم)
4- حريم قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : عن أبي عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «حريم قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) خمسة فراسخ من أربعة جوانب القبر». (ينظر: من لا يحضره الفقيه: 2/ 579 ح 3167، تهذيب الأحكام: 6/ 71 ح 1/132).
5- وعن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيضاً أنه قال: «حرم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الذي اشتراه أربعة أميال في أربعة أميال، فهو حلال لولده ومواليه حرام على غيرهم ممن خالفهم، وفيه البركة». (ينظر: الكشكول للبهائى: 1/ 280، مستدرك الوسائل: 10/ 321). قال الشيخ الطوسي (رَحمهُ اللّه) - بعد أن أورد روايات عدة في حدّ حرم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بعضها: أنه خمسة فراسخ في مثلها، وفي بعضها: فرسخ في فرسخ، وفي أخرى: خمسة وعشرون، أو عشرون ذراعاً في كل ناحية من قبره (عَلَيهِ السَّلَامُ) - : «وليس في هذه الأخبار تناقض ولا تضاد، وإنما وردت على الترتيب في الفضل، وكان الخبر الأول غاية فيمن يحوز ثواب المشهد إذا حصل فيما بينه وبين القبر على خمسة فراسخ، ثم الذي يزيد عليه في الفضل من حصل على فرسخ، ثم الذي حصل على خمسة وعشرين ذراعاً، ثم من حصل على عشرين ذراعاً. وإذا كان المراد بها ما ذكرناه لم تتناقض ولم تتضاد». (تهذيب الأحكام: 72/6).

ص: 67

ص: 68

الفصل الأول: في أنّ الأنبياء مرّت بالطفّ

لَهُ مَعَال سَامياتُ الرُّتَبِ***قَدْ ظَهَرَتْ في سالفاتِ الحِقَبِ

لأنبياء اللّهِ جَلَّ وَعَلا***لَدَنْ يَمُرُّونَ بِأَرْضِ كَرْبَلا

فَتَغْتَدي لَهُمْ بِها عَاداتُ***كَمَا بِها أَخْبَرَتِ السَّادَات (1)

إذ ذَكَرُوا عَلَيْهِمُ السَّلَامُ***مِنْ فَضْلِهِ مَا نَقَلَ الأَعْلامُ

مَرَّ بِهِ آدَمُ يَمْشِي فَعَثَر***وسَأَل اللّهَ فَاُنْبِئَ الأَثرْ

بِأَنَّ سَبْطَ أَحْمَدٍ سَيُقْتَلُ***بِهِ فَظَلَّ بِاكِياً يَبْتَهِل (2)

ص: 69


1- السادات يعني بهم: أهل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ).
2- النبي آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء: «روي مرسلاً أنّ آدم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لما هبط إلى الأرض لم يرَحوا، فصار يطوف الأرض في طلبها، فمرّ بكربلا فاغتمّ، وضاق صدره من غير سبب، وعثر في الموضع الذي قُتل فيه الحسين، حتى سال الدم من رجله، فرفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي هل حدث منّي ذنب آخر فعاقبتني به؟ فإني طفت جميع الأرض، وما أصابني سوء مثل ما أصابني في الأرض. فأوحى اللّه إليه: يا آدم ما حدث منك ذنب، ولكن يُقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلماً فسال دمك موافقة لدمه، فقال آدم: يا رب أيكون الحسين نبياً؟ قال: لا، ولكنه سبط النبي محمّد، فقال: ومن القاتل له؟ قال: قاتله يزيد لعين أهل السماوات والأرض، فقال آدم: فأيّ شيء أصنع يا جبرئيل؟ فقال: العنه يا آدم، فلعنه أربع مرات، ومشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حوا هناك». (بحار الأنوار: 242/44 ح 37).

وَمَرَّ نُوحٌ فَاسْتَدَارَ الفُلْكُ***مُضطَرباً فَخَيْفَ منْهُ الهَلْكُ

فَسَأَلَ اللّه ولَمَّا أُخبرا***ظَلَّ بحُزْن باكياً مُستَعبِرا(1)

ومَرَّ إبراهيم فيه فَكَبا***جوادُهُ حَتَّى هَوَى مُنقَلبا

فَقَالَ: يا ربِّ أكنتُ مُخطي***فقيل: لا لكنْ لِشَأْنِ السَّبْط

فَظَلَّ يَبْكِي بدموعِ العينِ***والقَلْبُ في حزنٍ على الحُسَينِ (2)

ص: 70


1- النبي نوح (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء «رُوي أنّ نوحاً (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمّا ركب في السفينة طافت به جميع الدنيا، فلمّا مرّت بكر بلا أخذته الأرض، وخاف نوح الغرق، فدعا ربه وقال: إلهي، طفت جميع الدنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض، فنزل جبرئيل وقال: يا نوح، في هذا الموضع يُقتل الحسين سبط محمّد خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فقال: ومن القاتل له يا جبرئيل؟ قال: قاتله لعين أهل سبع سماوات وسبع أرضين، فلعنه نوح أربع مرات، فسارت السفينة حتى بلغت الجودي واستقرت عليه». (بحار الأنوار: 243/44 - 38).
2- النبي إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء: رُوي أن إبراهيم اللّه مرّ في أرض كربلا وهو راكب فرساً، فعثرت به وسقط إبراهيم وشُجّ رأسه وسال دمه، فأخذ في الاستغفار وقال: إلهي، أيّ شيء حدث منّي ؟ فنزل إليه جبرئيل وقال: يا إبراهيم، ما حدث منك ذنب، ولكن هنا يُقتل سبط خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه. قال: يا جبرئيل، ومن يكون قاتله؟ قال: لعين أهل السماوات والأرضين، والقلم جرى على اللوح بلعنه بغير إذن ربه، فأوحى اللّه تعالى إلى القلم: إنك استحققت الثناء بهذا اللعن فرفع إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) يديه ولعن يزيد لعناً كثيراً وأمن فرسه بلسان فصيح، فقال إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) لفرسه: أيّ شيء عرفت حتى تؤمن على دعائي؟ فقال: يا إبراهيم، أنا أفتخر بركوبك عليّ، فلما عثرت وسقطت عن ظهري عظمت خجلتي، وكان سبب ذلك من يزيد لعنه اللّه تعالى» (بحار الأنوار: 243/44 ح 39).

ومَرَّ إسماعيلُ في أَنْعَامِهِ***فَامْتَنَعَ السَائِمُ عَنْ طَعَامه

فَقَالَ: يَا رَبِّ لِأَيِّ مَقْصَدْ***قيلَ: هُنا يُقْتَلُ سَبْطُ أحمد

فَظَلَّ يَبْكَيْهِ بِدَمْعِ هَتْنِ (1)***وأَضلُعٍ مَشْبوبةٍ بالحُزنِ (2)

ص: 71


1- يُقال : هتن المطر والدمع، إذا قطر متتابعاً. (ينظر: الصحاح: 2216/6).
2- النبي إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء: «روي أنّ إسماعيل (عَلَيهِ السَّلَامُ) كانت أغنامه ترعى بشط الفرات، فأخبره الراعي أنها لا تشرب الماء من هذه المشرعة منذ كذا يوماً، فسأل ربّه عن سبب ذلك؟ فنزل جبرئيل وقال: يا إسماعيل سل غنمك فإنها تجيبك عن سبب ذلك ؟ فقال لها: لِمَ لا تشربين من هذا الماء؟ فقالت بلسان فصيح قد بلغنا أن ولدك الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سبط محمّد يُقتل هنا عطشاناً، فنحن لا نشرب من هذه المشرعة حزناً عليه، فسألها عن قاتله؟ فقالت: يقتله لعين أهل السماوات والأرضين والخلائق أجمعين، فقال إسماعيل: اللهم العن قاتل الحسين» (عَلَيهِ السَّلَامُ). (بحار الأنوار: 243/44 ح 40).

ومَرَّ مُوسى نَحْوَهُ ويُوشَعْ***فَانْقَطَعَ الشَّسْع وَسَالت إصبِعْ

فَقَالَ: يَا رَبِّ أَمِنْ ذَنّب هفا***قِيلَ: هُنا يُقْتَلُ سِبْطُ المُصْطَفَى

فَظَلَّ يَبْكِيْهِ بِقَلْبِ مُوجَعْ***وأَدْمُعِ جارية مع يوشَعْ (1)

وَمَرَّ عِیسَى بالحَواریِّينا***فَصَدَّهُم لَيْثٌ حَمَى العَرِينا

ص: 72


1- النبي موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) لو وصيه يوشع في كربلاء: «رُوي أنّ موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان ذات يوم سائراً ومعه يوشع بن نون، فلما جاء إلى أرض کربلا انخرق نعله وانقطع شراكه، ودخل الحسك في رجليه وسال دمه، فقال: إلهي، أيّ شيء حدث منّي ؟ فأوحى إليه أن هنا يقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهنا يُسفك دمه، فسال دمك موافقة لدمه، فقال ربّ، ومن يكون الحسين ؟ فقيل له : هو سبط محمّد المصطفى وابن علي المرتضى، فقال: ومَن يكون قاتله؟ فقيل : هو لعين السمك في البحار، والوحوش في القفار، والطير في الهواء، فرفع موسى يديه ولعن يزيد ودعا عليه، وأمّن يوشع بن نون على دعائه ومضى لشأنه». (بحار الأنوار: 44/ 244 ح 41).

فَقَالَ: يا رَبِّ أَمِنْ أَسْبَابِ***قِيلَ: هُنَا يُقْتَلُ لَيْثُ العَابِ

فَظَلَّ مَعْ كُلِّ حَوَارِي مَعَهُ***يَبْكِي وَيُبْكُونَ لِمَا قَدْ سَمِعَهُ (1)

ومَرَّ الأنبياء فِي تِلكَ السُّبُل***فشاركوا بالحُزْنِ هاتيك الرُّسُل (2)

ص: 73


1- النبي عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحواريوه في كربلاء: «روي أن عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان سائحاً في البراري ومعه الحواريون، فمروا بكربلا فرأوا أسداً كاسراً قد أخذ الطريق، فتقدم عيسى إلى الأسد، فقال له: لِمَ جلست في هذا الطريق؟ - وقال: - لا تدعنا نمر فيه؟ فقال الأسد بلسان فصيح: إني لم أدع لكم الطريق حتى تلعنوا يزيد قاتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). فقال عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ): ومن يكون الحسين؟ قال: هو سبط محمّد النبي الأمّي وابن علي الولي، قال: ومَن قاتله؟ قال: قاتله لعين الوحوش والذباب والسباع أجمع، خصوصاً أيام عاشورا، فرفع عيسى يديه ولعن يزيد ودعا عليه، وأمّن الحواريون على دعائه، فتنحّى الأسد الأسد عن طريقهم ومضوا لشأنهم». (بحار الأنوار: 44/ 244 ح 43).
2- النبي سليمان (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء: «ورُوي أنّ سليمان كان يجلس على بساطه ويسير في الهواء، فمرّ ذات يوم وهو سائر في أرض كربلا، فأدارت الريح بساطه ثلاث دورات حتى خاف السقوط، فسكنت الريح، ونزل البساط في أرض كربلاء. فقال سليمان للريح: لِمَ سكنتي ؟ فقالت: إن هنا يُقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: ومن يكون الحسین؟ فقالت: هو سبط محمّد المختار، وابن على الكرار فقال ومن قاتله؟ قالت: لعين أهل السماوات والأرض يزيد، فرفع سليمان يديه ولعنه ودعا عليه وأمّن على دعائه الإنس والجن، فهبّت الريح وسار البساط». (بحار الأنوار: 44/ 244 ح 42).

ص: 74

الفصل الثاني: في أن نبيّنا (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) مرّ بها وخبر أمّ سلمة

وجَاءَ نَحْوَهُ نَبِيُّ المَرْحَمَة***في خَبَرٍ رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَة (1)

ص: 75


1- أم المؤمنين (أم سلمة (رضیَ اللّهُ عنهُ)): هي هند بنت أبي أمية سهيل زاد الراكب بن المغيرة بن عبد اللّه ابن عمر بن مخزوم، زوجة النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أمها عاتكة بنت عامر بن ربيعة ابن مالك بن خزيمة بن علقمة جذل الطعن بن فراس بن غنم بن مالك بن كنانة، زوجها الأول أبو سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد المخزومي، أنجبت له سلمة، وعمر ودرة، وزينب. ثم تزوجها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، كانت (رضیَ اللّهُ عنهُ) أفضل أمهات المؤمنين بعد خديجة بنت خويلد (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وهي مهاجرة جليلة ذات رأي وعقل وكمال وجمال، حالها في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و الحسن والحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ) أشهر من أن يُذكر، وأجلى من أن يُحرز شهد اللّه سبحانه وتعالى بفضلها ورسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). تُعدّ أم سلمة راوية من راويات الحديث، ويبلغ مسندها (378) حديثاً، وهي من رواة قول النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : «من كنت مولاه فعلي مولاه»، وهي من رواة حديث آية التطهير، أخرجه الشيخ الطوسي في (الأمالي)، وهي من رواة حديث الثقلين، ولها روايات أخرى. وقد أُختلف في وفاة أم سلمة (رضیَ اللّهُ عنهُ)، شأنها شأن الكثير من الصحابة. (الفصول المهمة في معرفة الأئمّة: 1/ 40 - 43 بتصرف يسير).

قالت: أتَى البيتَ صَبِيحَ المَطْلَعِ***فِي غُبرة مَزيجَةٍ بالجَزَعِ

وفِي يَدَيْهِ تُرْبَةٌ كَمَا هِي***فَقُلْتُ: مَا ذِي يَا رَسُولَ الله؟

قَالَ: أَتَى بِي جِبْرَئِيلُ كَرْبَلا***ثُمَّ أَرانِي مَصْرَعَ ابْنِي المُبْتَلَى

فَتِلْتُ مِنْ تُرْبَتِهِ المَبْرُورَةٌ***وَهَاكها فاسْتَودِعِي القارُورَة

فَإِنْ رأيتِها دِماءً تَنْعَتِلْ(1)***فَلْتَعْلَمِي أَنَّ الحُسَيْنَ قَدْ قُتِلْ

قَالَتْ: فَلَمْ تَزَلْ تَرَاهَا العَيْنُ***حَتَّى مَضَى لِكَرْبَلا الحُسَيْنُ

فَكُنتُ أرنُوها (2) صَبَاحاً ومَسَا***خَوْفاً عَلَى خَأمس أَصْحَاب الكا

وَجِئْتُها في عاشِرِ المُحرَّمْ ***وَهْيَ تَفُورُ عَنْ دَمٍ كَعَنْدَمْ (3)

ص: 76


1- غتل المكان كثر فيه الشجر فهو غتل. (القاموس المحيط: 23/4 بتصرف يسير). والظاهر أن المراد منها الكثرة، أي كثرة الدماء في القارورة.
2- الرنو: إدامة النظر مع سكون الطرف. أرنو: أي أديم النظر. (ينظر: لسان العرب: 339/14).
3- العندم: شجر أحمر، وقال بعضهم: العندم دم الغزال بلحاء الأرطى يطبخان جميعاً حتى ينعقدا فتختضب به الجواري. وقال الأصمعي:.... هو صبغ زعم أهل البحرين: أن جواريهم يختضبن به. (ينظر لسان العرب: 12/ 430).

فَصحْتُ وَيْلَتَاهُ في صَوْت رَتل(1)***فقيل : مَهيَم (2) قُلْتُ: فالسَّبْطُ قُتِلْ

فَقِيلَ: أَنَّى لَكِ هذا ؟ هَلْ قَدِمْ***طارٍ؟ فَقُلْتُ: لانْقِلابِ التُّرْبِ دَمْ

أَوْدَعَني هَذَا النَّبَا خَيْرُ البَشَرُ***ثُمَّ أَتَى الخُبْرُ فَصُدِّقَ الخَبر (3)

ص: 77


1- كلام رتل أي مرتّل حسن على تؤدة. وقيل: إنه ضد العجلة والتمكث فيه. وقيل: ترتل في الكلام أي ترسل (ينظر: لسان العرب: 11/ 265 بتصرف يسير).
2- أي: ما وراءك؟
3- إخبار أم سلمة بقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : روى الشيخ الطوسي في أماليه 314 - 316 ح 87/640 ما نصه: أخبرنا ابن خشيش، قال: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا علي بن محمّد ابن مخلّد الجعفي من أصل كتابه بالكوفة، قال: حدّثنا محمّد بن سالم بن عبد الرحمن الأزدي، قال: حدّثني غوث بن مبارك الخثعمي، قال: حدّثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه -أبي المقدام -، عن سعيد بن جبير، عن عبد اللّه بن عباس، قال: «بينا أنا راقد في منزلي إذ سمعت صراخاً عظيماً عالياً من بيت أم سلمة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فخرجت يتوجه بي قائدي إلى منزلها، وأقبل أهل المدينة إليها الرجال والنساء، فلما انتهيت إليها قلت يا أم المؤمنين ما بالك تصرخين وتغوثين؟ فلم تجبني. وأقبلت على النسوة الهاشميات وقالت: يا بنات عبد المطلب، اسعدنني وابكين معي، فقد واللّه قُتل سيدكن وسيد شباب أهل الجنة، قد واللّه قُتل سبط رسول اللّه وريحانته الحسين فقيل : يا أم المؤمنين، ومن أين علمت ذلك؟ قالت: رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في المنام الساعة شعثاً مذعوراً، فسألته عن شأنه ذلك، فقال: قُتل ابني الحسين وأهل بيته اليوم فدفنتهم والساعة فرغت من دفنهم، قالت: فقمت حتى دخلت البيت وأنا لا أكاد أن أعقل، فنظرت فإذا بتربة الحسين التي أتى بها جبرئيل من كربلاء، فقال: إذا صارت هذه التربة دماً فقد قُتل ابنك، وأعطانيها النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) فقال: اجعلي هذه التربة في زجاجة - أو قال في قارورة - ولتكن عندك، فإذا صارت دماً عبيطاً فقد قُتل الحسين، فرأيت القارورة الآن وقد صارت دماً عبيطاً تفور. قال: وأخذت أم سلمة من ذلك الدم فلطخت به وجهها، وجعلت ذلك اليوم مأتماً ومناحة على الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فجاءت الركبان بخبره، وأنه قُتل في ذلك اليوم».

رَوَاهُ عَنْها جُمْلَةُ الأكابر***كابنِ أبي الحَدِيدِ (1) والعَسَاكِرِي (2)

وَشَكَ مَنْ تَأَخَرُوا فِي الْأَزْمِنَة***بِمَوتِها قَبْلَ الحُسَيْنِ بِسَنَة (3)

تَدْفَعُهُ مَقَالَةُ الرَّاوينا***بِأَنَّها قَدْ جَازَتِ السِّتّيْنا (4)

ص: 78


1- لم اهتدِ إليه في شرح ابن أبي الحديد، ولم يُروَ عنه، وقد رواه ونحو منه معظم محدِّثي العامة والخاصة.
2- أخرج الحافظ ابن عساكر نحو هذا الحديث في (تاريخ مدينة دمشق) بأسانيد متعددة في 189/14-194 وفي 238/14 فلاحظ.
3- الطبري في (المنتخب من ذيل المذيل: 96) عن ابن عمر أنها رحمها اللّه ماتت في شوال سنة 59... .
4- تاريخ وفاة أم سلمة (رضیَ اللّهُ عنهُ) : قال ابن حجر في (الإصابة: 344/8): «قال الواقدي: ماتت في شوال سنة تسع وخمسين وصلّى عليها أبو هريرة، ولها أربع وثمانون سنة، كذا قال، وتلقّاه عنه جماعة، وليس بجيد، فقد ثبت في صحيح مسلم أنّ الحارث ابن عبد اللّه بن أبي ربيعة وعبد اللّه بن صفوان دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يُخسف به... الحديث، وكانت ولاية يزيد بعد موت أبيه في سنة ستين. وقال ابن حبّان: ماتت في آخر سنة إحدى وستين بعدما جاءها الخبر بقتل الحسين بن علي. قلت: وهذا أقرب. قال محارب بن دثار: أوصت أم سلمة أن يصلّي عليها سعيد بن زيد، وكان أمير المدينة يومئذ مروان بن الحكم، وقيل: الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. قلت: والثاني أقرب؛ فإنّ سعيد بن زيد مات قبل تاريخ موت أم سلمة على الأقوال كلها، فكأنها كانت أوصت بأن يصلّي سعيد عليها في مرضة مَرضَتْها، ثم عوفيت ومات سعيد قبلها». وقال في صفحة 407 من الجزء نفسه: «وقال أبو نعيم ماتت سنة اثنتين وستين، وهي من آخر أمهات المؤمنين موتاً. قلت: بل هي آخرهن موتاً، فقد ثبت في صحيح مسلم أن الحارث بن عبد اللّه ابن أبي ربيعة وعبد اللّه بن صفوان دخلا على أم سلمة في خلافة يزيد بن معاوية، فسألاها عن الجيش الذي يُخسف به، وكان ذلك حين جهز يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة بعسكر الشام إلى المدينة، فكانت وقعة الحرّة سنة ثلاث وستين، وهذا كله يدفع قول الواقدي». وقد ذهب الصفدي في (الوافي بالوفيات (27 /229) إلى أبعد من ذلك، إذ قال: «قال بعضهم: توفيت سنة تسع وخمسين، وهو غلط، وتوفيت في حدود السبعين للهجرة». وقال ابن كثير في (البداية والنهاية : 234/8): «قلت: والأحاديث المتقدمة في مقتل الحسين تدل على أنها عاشت إلى ما بعد مقتله، واللّه أعلم».

ص: 79

ص: 80

الفصل الثالث: في أنّ عليّا (عَلَيهِ السَّلَامُ) مرّ بها وخبر ابن عبّاس

وَجَاءَ نَحْوَهُ عَليُّ المُرتَضَى***فِي جُنْدِهِ حِيْنَ لِصِفِّينَ مَضَى

فَقَدْ رَوَى ذَانَكَ كَالصَّدُوقِ***عَن ابْن عَبّاس الفَتَى المَوْثُوقِ (1)

قَالَ: نَزَلْنَا كَرْبَلا وفينا***أبو الحُسَيْنِ يَنتَحِي صِفِّينا

فَقَامَ فِيْهَا ثُمَّ قَالَ: اطْلُبْ لِي***بَعْرَ الظَّبا الأَصْفَرَ في المَحَلَّ

ص: 81


1- عبد اللّه بن عباس (رضیَ اللّهُ عنهُ): «عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب (رضیَ اللّهُ عنهُ)، أمه لبانة بنت الحارث بن الحزن، أخت ميمونة زوج النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). قال العلّامة الحلي: كان محباً لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتلميذه، حاله في الجلالة والإخلاص لأمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أشهر من أن يُخفى.... ذكروا أنه ولد بمكّة قبل الهجرة بثلاث سنين ودعا له النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بالفقه والتأويل، وكان خبر هذه الأمة وترجمان القرآن وكان عمر يقربه ويشاوره مع جملة الصحابة. كُفّ بصره في أواخر عمره وتُوفّي بالطائف سنة (68ه)، وله تفسير مطبوع، ورُوي عن محمّد بن أمير المؤمنين أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة». (الكنى والألقاب: 346/1 - 348، خلاصة الأقوال 190).

تَجِدْهُ مِثْلَ الزَّعْفَرانِ صُفْرَة***وكالعبير إِنْ شَمَمْتَ نَشْرَة

فَجِئْتُهُ بِهِ كَمَا لَهُ وَصَفْ***فَسَالَ دَمْعُ العَيْنِ مِنْهُ وَوَكَفْ (1)

قُلتُ: لماذا؟ قَالَ لِي: لَوْ تَدْرِي***لَسَألَ مِنْكَ الدَّمْعُ فَوقَ الصَّدْرِ

طَافَ بهَذا الطَّفِّ عيسى الرُّوحُ***والعُفْرُ (2) تَغْدُو وَلَهُ تَرُوْحُ

وَبَعْرُهَا مِنَ الأَريج يَدْكُو***كَأَنَّهُ فِي طِيْبِ نَشْرِ مِسْكَ

فَقَالَ: تَبْقِيْنَ بِجَنبِ الشَّطِّ؟***قالتْ: إلَى أَنْ يَفْتَكُوا بالسِّبْطِ

ثُمَّ بَكَتْ وَظَلَّ مَعْهَا يَبْكي***وَشَمَّ مِنْ أَريج ذاك المِسكِ

وقَدْ َتمَنَّى وَحَوَاریُّوهُ***بِأَنْ يَشَمَّ طِيْبَهُ أَبَوْهُ

فَحَاطَهُ لأَجْلِهِ مُنْشِي العَدَم***وَهَذه الصفْرَةُ منْ ذَاكَ القَدَم

صِرْهُ إليْكَ حَافظاً مُحِيطا***فإِنْ رَأَيْتَهُ دَمَاً عَبيْطَا

فَاعلَمْ بَأَنَّ ابْنِي الحُسَيْنَ قَدْ قُتِلْ***قَالَ ابْنُ عَبّاس: فكنتُ أَسْتَهِل (3)

حَتَّى إذا مَا الطَّفْ كَانَ كَوْنُهُ***وَجَدْتُهُ قَدْ اسْتَحَالَ لَوْنَهُ

ص: 82


1- يقال: وكف البيت بالمطر، ووكفت العين بالدمع إذا تقاطر. (ينظر: لسان العرب: 363/9).
2- العفر: من الظباء التي يعلو بياضها حمرة، قصار الأعناق. (ينظر: الصحاح: 752/2).
3- يقال: استهل هو بمعنى تبين. (ينظر: الصحاح : 752/2).

وَصَارَ كَالدَّمِ العَبِيْطِ فِي النَّدَى***فَقُلْتُ: إِنَّ ابْنَ النَّبِيِّ اسْتُشْهِدَا

ثُمَّ أَتَانَا خَبَرُ الحُسَيْن***في ذلك الحِينِ وَذَاكَ الحِينِ (1)

ص: 83


1- ابن عباس مع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عند نزوله بنينوى بشط الفرات: روى الصدوق في (أماليه: 693 - 696 ح 951/ 5) ما نصه: حدّثنا محمّد بن أحمد السناني (رضیَ اللّهُ عنهُ)، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب قال: حدّثنا تميم بن بهلول، قال: حدّثنا علي بن عاصم، عن الحسين بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كنت مع أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في خروجه إلى صفين، فلما نزل بنينوى - وهو شط الفرات -، قال بأعلى صوته: يابن عباس أتعرف هذا الموضع ؟ فقلت له: ما أعرفه يا أمير المؤمنين فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) : لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي، قال فبكى طويلاً حتى اخضلت لحيته وسالت الدموع على صدره، وبكينا معاً، وهو يقول: أوه أوه، ما لي ولآل أبي سفيان، ما لي ولآل حرب، حزب الشيطان وأولياء الكفر، صبراً - يا أبا عبد اللّه - فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم. ثم دعا بماء فتوضّأ وضوءه للصلاة وصلّى ما شاء اللّه أن يصلّي، ثم ذكر نحو كلامه الأول إلا أنه نعس عند انقضاء صلاته وكلامه ساعة، ثم انتبه فقال: يابن عباس، فقلت: ها أنا ذا، فقال: ألا أحدّثك بما رأيت في منامي آنفاً عند رقدتي؟ فقلت: نامت عيناك ورأيت خيراً يا أمير المؤمنين. قال: رأيت كأني برجال قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض، قد تقلّدوا سيوفهم، وهي بيض تلمع، وقد خَطّوا حول هذه الأرض خطة، ثم رأيت كأن هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الأرض تضطرب بدم عبيط، وكأني بالحسين سخلي وفرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه، يستغيث فلا يُغاث، وكأنّ الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون صبراً آل الرسول، فإنكم تُقتلون على أيدي شرار الناس وهذه الجنّة - يا أباعبداللّه - إليك مشتاقة. ثم يعزّونني ويقولون: يا أبا الحسن، أبشر، فقد أقرّ اللّه به عينك يوم القيامة، يوم يقوم الناس لربّ العالمين، ثم انتبهت هكذا. والذي نفس علي بيده، لقد حدّثني الصادق المصدّق أبو القاسم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أني سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء، يُدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلاً من ولدي وولد فاطمة، وأنها لفي السماوات،معروفة تُذكر أرض كرب وبلاء كما تُذكر بقعة الحرمين وبقعة بيت المقدس. ثم قال: يابن عباس اطلب لي حولها بعر الظباء، فواللّه ما كَذبت ولا كُذبت، وهي مصفرة، لونها لون الزعفران. قال ابن عباس: فطلبتها فوجدتها مجتمعة فناديته يا أمير المؤمنين، قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي. فقال علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) صدق اللّه ورسوله. ثم قام (عَلَيهِ السَّلَامُ) يهرول إليها، فحملها وشمّها، وقال: هي هي بعينها، أتعلم - يابن عباس - ما هذه الأبعار؟ هذه قد شمّها عيسى بن مريم (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك أنه مرّ بها ومعه الحواريون فرأىها هنا الظباء مجتمعة وهي تبكي فجلس عيسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجلس الحواريون معه فبكى وبكي الحواريون وهم لا يدرون لِمَ جلس ولِمَ بكى. فقالوا: يا روح اللّه وكلمته، ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أيّ أرض هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه أرض يُقتل فيها فرخ الرسول أحمد وفرخ الحرة الطاهرة البتول شبيهة أم-ي، ويُلحد فيها، طينة أطيب من المسك؛ لأنها طينة الفرخ المستشهد، وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، فهذه الظباء تكلّمني وتقول: إنها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرخ المبارك، وزعمت أنها آمنة في هذه الأرض. ثم ضرب بيده إلى هذه الصيران فشمّها وقال هذه بعر الظباء على هذا الطيب لمكان حشيشها، اللهم فأبقها أبداً حتى يشمها أبوه فتكون له عزاء وسلوة، قال: فبقيت إلى يوم الناس هذا وقد اصفرت لطول زمنها، وهذه أرض كرب وبلاء. ثم قال بأعلى صوته يا ربّ عيسى بن مريم لا تبارك في قتلته، والمعين عليه والخاذل له، ثم بكى بكاءً طويلاً وبكينا معه حتى سقط لوجهه وغُشي عليه طويلاً، ثم أفاق، فأخذ البعر فصره في ردائه، وأمرني أن أصرّها كذلك، ثم قال: يابن عباس إذا رأيتها تنفجر دماً عبيطاً ويسيل منها دم عبيط، فاعلم أن أبا عبد اللّه قد قُتل بها ودُفن. قال ابن عباس: فواللّه لقد كنت أحفظها أشد من حفظي لبعض ما افترض اللّه (عزّوجلّ)عليّ، وأنا لا أحلّها من طرف كمي، فبينما أنا نائم في البيت إذ انتبهت فإذا هي تسيل دماً عبيطاً، وكان كمي قد امتلأ دماً عبيطاً، فجلست وأنا باك، وقلت: قد قُتل واللّه الحسين، واللّه ما كذبني علي قط في حديث حدّثني، ولا أخبرني بشيء قط أنه يكون إلا كان كذلك؛ لأن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره، ففزعت وخرجت، وذلك عند الفجر، فرأيت واللّه المدينة كأنها ضباب لا يستبين منها أثر عين، ثم طلعت الشمس فرأيت كأنها منكسفة، ورأيت كأن حيطان المدينة عليها دم عبيط، فجلست وأنا باكٍ، فقلت: قد قتل واللّه الحسين، وسمعت صوتا من ناحية البيت وهو يقول: اصبروا آلَ الرسولْ***قُتِل الفرخُ النحولْ نزلَ الروحُ الأمينْ***يبكاءٍ وعويلْ ثم بكى بأعلى صوته وبكيت، فأثبت عندي تلك الساعة، وكان شهر المحرم يوم عاشوراء لعشر مضين منه، فوجدته قُتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك، فحدّثت هذا الحديث أولئك الذين كانوا معه فقالوا: واللّه لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة، ولا ندري ما هو فكنا نرى أنه الخضر (عَلَيهِ السَّلَامُ)».

ص: 84

ص: 85

ص: 86

وَشَكَ مَنْ قَالَ بِضَعْف مَا نُقل***بأَنَّهُ أَعْمَى فَكَيْفَ يَسْتَهِلْ؟

يَدْفَعُهُ أَنَّ العَمَى تَأَخَّرَا***إِذْ هُوَ مَانَعَ الحُسَيْنَ السَّفَرا

وَإِنَّهُ تَعَاهَدَ المَوالي***إِنْ نَحْنُ صَدَّقْناهُ في الأقوال (1)

ص: 87


1- يدفع ذلك أيضاً - أي العمى - ما ذكره المحدّثون والمؤرّخون ومنهم: ابن حجر في (الإصابة: 121/4)، وابن عبد البر في الاستيعاب : (3/ 934)، والصفدي في (الوافي: 17/ 123) وغيرهم: أنه تُوفّي سنة 68 وهو ابن 71، أو 72، أو 74، وأنه قد عُمي في آخر عمره، ولا يخفى أنه بين مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) و بين وفاة ابن عباس ما يقرب من الثمان سنين، فلا يُبعد أن يكون قد عُمي في آخر سنين عمره بعد واقعة كربلاء. قال الطبري في تاريخه ما نصه: «قال أبو مخنف وحدّثني الحارث بن كعب الوالبي، عن عتبة بن سمعان أن حسيناً لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد اللّه بن عباس فقال: يابن عم، إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع ؟ قال: إني قد أجمعت المسير في أحد يومَي هذين إن شاء اللّه تعالى. فقال له ابن عباس: فإني أعيذك باللّه من ذلك، أخبرني رحمك اللّه أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوهم؟ فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسِر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم، وعماله تجبى بلادهم، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغرّوك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك، وأن يستنفروا إليك فيكونوا أشد الناس عليك. فقال له الحسين: وإني استخير اللّه وينظر ما يكون؟ قال: فخرج ابن عباس من عنده...». (مقتل الحسين لأبي مخنف : 63، عنه تاريخ الطبري: 4/ 287).

ص: 88

الفصل الرابع: في خبر هرثمة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وَقَدْ رَوَوْا أَيْضاً بِأَنَّ هَرْثِمَةً***قَدْ عَادَ من صفِّينَ بَعْدَ المَلْحَمَة

مَعَ الوَصِي وأتَى لِدَارِهِ***فَقَال يَا جَرْدَاء في حِوَارِهِ

لزَوْجَةٍ تَرَى الوَصِيَّ حَيْدَرَا***وَهُوَ خِلَاف رَأْيها فِيْمَا تَرَى

لَوْ تَسْمَعِيْنَ مَا سَمِعْتُ مِنْ عَلِيْ***وَمَا رَأَيْتُ مَا اتَّخَذْتِهِ وَلِي

مَرَّ بّكَربلَا فَصَلَّى وَبَكَى***وَقَالَ: واهِ لَكَ مِنْ تُرْبِ زَكَا

يُسَاقَ مِنْهُ خَيْرُ أَهْلِ الأرْضِ***إلى جنَانِ الخُلْدِ يَوْمَ العَرْضِ

بِلَا حِسَابِ وَبِلَامِيزَانِ***ولا صِرَاطِ بَلْ إِلَى الجِنَانِ

أُولئك الذيْنَ باعُوا الأَنْفُسا***للّه واعتاضُوا الثوابَ الأَنْفَسا

ليسَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَثْیلِ***قَدْ قُتِلُوا بِطاعَةِ الجَلِيلِ

أَلَا تَرَيْنَ فِي المَقَالِ الرَّيْبَا إ***ِذْ لَيْسَ يَعْلَمُ الوَصِيُّ الغَيْبَا

قَالَتْ: فَلَا يَقُولُ إِلَّا صِدْقَا***فَهْوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَقَّا

فَمَا قَضَى مِنَ الزَّمَانِ أَمَلَهْ***إِلا وَبَعْثُ ابْنِ زِيَادِ شَملَةْ

ص: 89

وَجَاءَ كَرْبَلًا لحرب السِّبطّ***وَرَهْطه الأطهار خَير رَهْطِ

فاذَكَرَ القولُ الذي كَانَ وَعَى***وأَخْبَرَ السَّبْطَ بِمَا قَدْ سَمِعَا

قالَ: فَهَلْ تَنْصُرُنَا فَقَالَ: لا***أَخْشَى على أَخْشَى على أَهْلي وَولدي الأَجَلا

قَالَ: فَأَبْعِدُ حَيْثُ لا تَسْمَعُ لي***صَوْتاً وَلَا وَاعِيَةً مِنْ مَنْزِلي

فإِنَّ مَنْ يَسْمَعُ تِلكَ الواعِية***وَلَمْ يُجِبْ يَصْلَ بنار حامية

قَالَ: فَأَبْعَدْتُ فِي الْأَرْضِ ضَرْبا***وَمَا شَهِدْتُ مِنْهُ تلْكَ الحَرْبا

حِيْنَ وَجَدْتُ القَوْلَ مِنْ أَبِي الحَسَنُ***قَدْ صَحَّ لِي مُشَاهِداً بِذَا الزَّمَنْ

والقَوْلُ منهُ ابعُدْ عَن الحَرْب أَسَدْ***فإن هذا الشَّيْلَ مِنْ ذَاكَ الأَسَد

وَمَا أَسِفْتُ طَوْلَ عُمْرِي كَالأَسَفْ***عَلَى فَوَاتِ نَصْرِهِ حِيْنَ ازْدَلَف (1)

ص: 90


1- حديث الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن كربلاء عند منصرفه من صفين: قال الشيخ الصدوق في (أماليه : 1998 - 200 ح 7/213) حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان، قال: حدّثنا الحسن بن علي السكري، قال: حدّثنا محمّد بن زكريا...، عن زوجها هرثمة بن أبي مسلم، قال: «غزونا مع علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) الصفين، فلمّا انصرفنا نزل كربلاء فصلّى بها الغداة، ثمّ رفع إليه من تربتها فشمّها، ثمّ قال: واهاً لك أيتها التربة، ليحشرنّ منك أقوام يدخلون الجنّة بغير حساب. فرجع هرثمة إلى زوجته، وكانت شيعة لعلي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: ألا أحدّثك عن وليّك أبي الحسن؟ نزل بكربلا فصلّى ثم رفع إليه من تربتها، وقال: واهاً لك أيتها التربة ليحشر منك أقوام يدخلون الجنّة بغير حساب قالت: أيها الرجل، فإن أمير المؤمنين لم يقل إلا حقاً. فلما قدم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال هر ثمة كنت في البعث الذين بعثهم عبيد اللّه بن زياد، فلمّا رأيت المنزل والشجر ذكرت الحديث، فجلست على بعيري، ثم صرت إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فسلّمت عليه وأخبرته بما سمعت من أبيه فى ذلك المنزل الذي نزل به الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: معنا أنت أم علينا؟ فقلت: لا معك ولا عليك، خلّفت صبية أخاف عليهم عبيد اللّه بن زياد. قال: فامضِ حيث لا ترى لنا مقتلاً، ولا تسمع لنا صوتاً، فوالذي نفس الحسين بيده، لا يسمع اليوم واعيتنا أحد فلا يعيننا إلا كبّه اللّه لوجهه في جهنم».

ص: 91

ص: 92

الفصل الخامس: في خبر شيبان عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وَقَدْ رَوَوْا كَذَاكَ عَنْ شَيْبَان***وَوَصَفُوهُ بالعَدُوِّ الشَّانِي

قَالَ: أَتَى عَلِيُّ ارْضَ كَربلا***فَقَالَ: هذي أَرْضِ كَرْبِ وَبَلَا

يُقْتَلُ فيها سُعَدَاءٌ شُهَدَا***فَيَفْتَحُونَ الوَرَى بَابَ الهُدَى

لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الثّرَى مَثْیلُ***لَهُمْ بِمَا نَالُوا وَمَا أُنيْلُوا

وَسَارَ ناظراً لتلك التُربَة***فَقُلْتُ: كِذبةٌ وَرَبِّ الكَعْبَة

وَرُحْتُ فِي عِظَامِ جَابِ (1) قَدْ بُلِي***حَتَّى دَفَنَتُها بِمُنتَدَى عَلِي

وَبَعْدَ مَا جِئْنَا لِقَتْلِ نَجْلِه***وَقَتَلُوهُ قُمْتُ فِي مَحَلَّه

ثُمَّ ذَكَرْتُ لِلْأُولَى مَعِي الخَبَرْ***الخَبَرْ فَفَتَّشُوا مَعي عَلَى ذَاكَ الأَثَرْ

حَتَى وَجَدْنَاهُ بِجَنْبِ الجَسَدِ***مُقارباً لجسْمه لَمْ يَبْعُد

وَرَهْطُهُ المُسْتَشْهَدُوْنَ حَوْلَهُ***فَصَدَّقَ اللّه تَعَالَى قَوْلَهُ (2)

ص: 93


1- الجاب الحمار. (ينظر : لسان العرب: 248/1).
2- روى الطبراني في (معجمه الكبير : 3/ 111 ح 2826)، ما نصه: حدّثنا محمّد بن عبد اللّه الحضرمي، حدّثنا محمّد بن يحيى بن أبي سمينة، حدّثنا يحيى بن حماد، حدّثنا أبو عوانة، عن عطاء بن السائب عن ميمون بن مهرا، عن شيبان بن مخرم - وكان عثمانياً - (وفي تاريخ ابن عساكر: قال ميمون: وكان عثمانياً يبغض عليّاً)، قال: «إني لمع علي (رضیَ اللّهُ عنهُ)إذ أتى كربلاء، فقال: يُقتل في هذا الموضع شهداء ليس مثلهم شهداء إلا شهداء بدر. فقلت بعض كذباته، وثم رجل حمار ميت، فقلت لغلامي: خذ رجل هذا الحمار فأوتدها في مقعده وغيبها، فضرب الدهر ضربة، فلما قتل الحسين بن علي (رضیَ اللّهُ عنهُ)انطلقت ومعي أصحاب لي، فإذا جثة الحسين بن علي (رضیَ اللّهُ عنهُ)على رجل ذاك الحمار وإذا أصحابه ربضة حوله».

وَقَدْ رَوَى بَعْضُ بِأَنَّ سِدْرَةٌ***قَدْ أَسْنَدَ الظُّهْرُ إِلَيْهَا صَدْرَهُ

وأَنَّها كَانَتْ هي العلّامة وَصَدَقَ اللّه بِهَا كَلَامَهُ (1)

حيْنَ رَأَى شَيْبَانُ ذَلكَ الجَسَدٌ***وَهْيَ لَدَيهِ بِانْحِنَاءِ وَإِوَدْ

وَأَنَّهَا هِيَ التِي قَدْ قَطعَتْ***وَسَمِعَتْ بِهَا الرُّواةُ وَوَعَت (2)

هَذَا وَكَفْكَفْتُ عَنَانَ مَا وَرَدْ***لأَنه يُخْرِجُنِي عَنِ الصَّدَدْ

ص: 94


1- ذكر العلّامة المجلسي (رَحمهُ اللّه) في (بحاره: 113/63) ما نصه: «... وأنه كانت سدرة عند قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكانت علامة قبره فقطعها بعض الخلفاء ليعمي أثر قبره، فالملعون قاطع تلك السدرة، وهي من معجزاته (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ).
2- ينظر ما ورد في حرث القبر وقطع السدرة التي بجواره (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الباب الثالث: (في تعيين القبر وماجرياته...).

الباب الثاني: في أنّ تربة الحسين شفاء

اشارة

ص: 95

ص: 96

إشارة:

بابٌ بذِكْرِ تُربةِ الحُسَيْن

فِي أنّها الشِّفا لِدَاءِ الحِينِ

قَدْ أَوْدَعَ الحَكِيمُ سِرّاً فِي الثَّرَى***وَرَبِّما أَظْهَرَ مِنْهُ الأَثَرَا

لكِنْ عَلَيْهِ أَطْلَعَ الهَادِيْنَا***لِيَنْفَعُوا دُنْيَا بِهِ وَدِينَا

فَانْظُرْ إِلَى مَعَادن الأَحْجَار***وَمَا بِهَا مِنَ السُّعُودِ الجَارِي

فَمَنْهُ جَوْهَرٌ وَمِنْهُ ذَهَبُ***وَمِنْهُ كَبْرِيْتٌ وَمَنْهُ لَهَبٍ (1)

ص: 97


1- من نِعمِه تعالى التي أودعها في الأرض: خلق اللّه تبارك وتعالى الأرض وأودع فيها من النعم والخيرات ما يعجز البشر عن عدها وإحصائها، ومن تلك النعم المعادن التي استطاع الإنسان أن يكتشف منها ما استطاع أن يكتشفه، وأن ينتفع منها وتصبح جزءاً من ضروريات حياته: كالنفط، والحديد والذهب والفضة والنحاس والكبريت... وغيرها. وخفي عليه ما خفي، وحتى المكتشَف منها لم يستطع البشر أن يدرك أسرار وخواص ومنافع بعضها، ومن تلك المعادن الأحجار الكريمة، حيث تتكون بعضها في باطن الأرض على أعماق مختلفة، وقد تتحد عناصر أخرى أو تكون في صورة حرة، مثل الألماس الذي يوجد في بعض الأحيان على عمق (160 م) تقريباً، ويخرج ضمن الحمم البركانية وناتج الزلازل الأرضية. وأمّا البعض الآخر، فتتكون في المملكة الحيوانية حيث تُستخرج من قاع البحر، مثل المرجان، واللؤلؤ الذي كان يعد من أجمل وأغلى الأحجار الكريمة في الماضي، كما تمنحنا المملكة النباتية الكهرمان الأصفر الجميل. ومن أهم تلك الأحجار وأكثرها تداولاً: الألماس، الزبرجد، الزمرد، اللؤلؤ، الفيروزج المرجان، الجزع، العقيق بأنواعه الأحمر والأصفر. أمّا خواص هذه الأحجار ومنافعها فيُستفاد من الكثير من الروايات التي تناقلها المحدِّثون والمصنفون، وقد أفردوا لها أبواباً وفصولاً، منها ما أورده الشيخ الكليني في كتابه الكافي: (6/ 470 – 472، باب العقيق، باب الياقوت والزمرد، باب الفيروزج، باب الجزع اليماني والبلور...)، فليراجع.

وَانْظُرْ إِلَى مَكَّةَ دُونَ غَيْرِها***وَرَوْضِ أَكْرَمِ المَلَا وَخَيْرِها

وَرَوْضِ عِشْرَةِ النَّبِيَّ العَرَبِي***وَمَاسِوَاهَا فِي اخْتِلَافِ الرُّتَبِ (1)

ص: 98


1- أي ما فُضّلت به أرض مكة المكرمة؛ وذلك لتشرفها بالبيت الحرام، ومقام إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومهبط الوحي والرسالة، فضلاً على ولادة ونشأة النبي الأكرم (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في ربوعها وشعابها إلى غير ذلك مما خصّها اللّه تعالى دون غيرها، وأيضاً أرض المدينة المنورة؛ لتشرّفها باحتضان النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ونزول الوحي، فضلاً على ضمّها لجسده الأطهر وأجساد عددٍ من أهل بيته الطاهرين: كولده إبراهيم، وبنته الصديقة الطاهرة، وأربعة أئمة من ذريته (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وغيرهم من أهل بيته، وخيار صحابتهالمنتجبين، والذين أتبعوه بإحسان (رضیَ اللّهُ عنهُ). وهنا نورد بعض ما نزل من الآيات وما ورد من الأحاديث في فضل مكة المكرمة والمدينة المنورة فضل مكة المكرمة: قال تعالى: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» [إبراهيم: 37]. وقال تعالى: «وَقالُوا إِنْ نَتَّبع الهُدى مَعَكَ تُتَخَطَّفَ منْ أَرْضنا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرَماً آمناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْء رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» [القصص: 57]. وقال تعالى: «إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذه البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ وَأَمَرْتُ أَنْ أَكُونَ منَ المُسْلِمينَ» [النمل: 91] وقال تعالى: «لا أُقسِمُ بِهَذَا البَلَدِ*وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البَلَدِ» [البلد: 1 - 2 ]. وقال رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ): «إن مكة بلد عظّمه اللّه وعظم حرمته خلق مكة وحفّها بالملائكة قبل أن يخلق شيئاً من الأرض يومئذ كلها بألف عام، ووصل المدينة ببيت المقدس، ثم خلق الأرض كلّها بعد ألف عام خلقاً واحداً». (الدر المنثور للسيوطي: 124/1). وعنه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - مخاطباً لمكة -: «ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ! ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك. (ينظر سنن الترمذي : 5/ 380 ح،4018، كنز العمال: 12/ 200 ح 34656). وعن الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «النائم بمكة كالمتهجد في البلدان». (من لا يحضره الفقيه 2/ 228 ح 2261). وعن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «أحب الأرض إلى اللّه تعالى مكة، وما تربة أحب إلى اللّه (عزّوجلّ) من تربتها، ولا حجر أحب إلى اللّه (عزّوجلّ) من حجرها، ولا شجر أحب إلى اللّه (عزّوجلّ) من شجرها، ولا جبال أحب إلى اللّه (عزّوجلّ) من جبالها ولا ماء أحب إلى اللّه(عزّوجلّ) من مائها». (من لا يحضره الفقيه: 243/2 - 2304). وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إنّ إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان نازلاً في بادية الشام... فأوحى اللّه إليه... ثم أمره أن يخرج إسماعيل وأمه، فقال – إبراهيم (عَلَيهِ السَّلَامُ) - : يا ربّ، إلى أي مكان؟ قال: إلى حرمي وأمني، وأول بقعة خلقتها من الأرض، وهي مكة...». (ينظر: تفسير القمي: 60/1). فضل المدينة المنورة: وعنه [ (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)]: «لكل نبي حرم، وحرمي المدينة». (مسند أحمد: 318/1). وعن رسول اللّه [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)] «إنّ اللّه تعالى أمرني أن أسمي المدينة طيبة». و عنه [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)] «من استطاع أن يموت بالمدينة فليفعل فإني أشفع لمن يموت بها». وعنه [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)] «إن إبراهيم حرّم مكّة ودعا لها، وحرّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكّة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكّة». وعن رسول اللّه [(صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ] «المدينة مهاجري ومضجعي من الأرض، وحقّ على أمتي أن يكرموا جیرانی ما اجتنبوا الكبائر...». (ينظر: كنز العمال: 232/12 ح 34808، 238 ح 34840، 241 ح 34860، 246 ح 34885).

ص: 99

ص: 100

تجد بِبَعْضِ التُّرْبِ فَضْلاً وَشَرَفْ***لا يَنْتَهِي واصِفُهُ إِلَى سَرَفْ (1)

ص: 101


1- السجود على التربة: «عن ابن عيينة قال: سمعت رزين مولى ابن عباس يقول: كتب إليّ علي بن عبد اللّه ابن عباس (رضیَ اللّهُ عنهُ): أن ابعث إليّ بلوح من أحجار المروة أسجد عليه. وهذا الخبر يعطي تقيد علي بن عبد اللّه بالسجود على الحجر، وتبركه بحجر المروة في سجوده في صلاته...». (السجود على الأرض: 66). «قال السمهودي في كتابه (وفاء الوفاء: 2/ 544): كانوا - يعني الصحابة وغيرهم- يأخذون من تراب القبر - يعني قبر النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) - فأمرت عائشة فضُرب عليهم، وكانت في الجدار كوة فكانوا يأخذون منها، فأمرت بالكوة فسُدّت. ومعلوم أنّ منعها لهم لم يكن إلا ؛ لأن أخذ التراب دائماً يوجب خراب البقعة المباركة، لا لأنه شرك؛ لأنه لو كان لذلك لصرّحت به ولأنكره الصحابة، كيف والآخذ هم، فيهم الصحابي وغيره، وطبعاً بمرأى منهم وبمسمع. وفي (وفاء الوفاء) أيضاً: ج 1 ص 69 عن نزهة الناظرين للبرزنجي ص 116 ط مصر في البحث عن حرمة المدينة، وحكم إخراج ترابها قال: ويجب على من أخرج شيئاً من ذلك - يعني تراب المدينة - ردّه إلى محله، ولا يزول عصيانه إلا بذلك ما دام قادراً عليه.... وقد رُوي أنه قد دُفن حمزة في أُحد وكان يسمّى سيّد الشهداء، وصاروا يسجدون على تربته. ورُوي أيضاً: أنّ فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) بنت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) كانت مسبحتها من خيط صوف مفتل معقود عليه عدد التكبيرات فكانت (عَلَيهَا السَّلَامُ) تديرها بيدها تكبّر وتسبّح إلى أن قُتل حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء، فاستعملت تربته وعملت المسابيح فاستعملها الناس، فلمّا قُتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عُدِل بالأمر إليه فاستعملوا تربته؛ لما فيها من الفضل والمزية». (السجود على الأرض: 133، وينظر مكارم الأخلاق 281، بحار الأنوار: 82/ 333). السجود على التربة الحسينية: ولمزيد من الإفادة والاستفادة أرى أن أنقل هنا ما سطّره قلم العلّامة المحقق الشيخ الأميني (قدّس سِرُّه) في كتابه (السجود على التربة الحسينية 49 – 63) قال: «وأمّا السجدة على تربة كربلاء وإتخاذها مسجداً فإن الغاية المتوخاة منها للشيعة إنما هي تستند إلى أصلين قيّمين، وتتوقف على أمرين قيمين: أوّلهما: استحسان اتخاذ المصلّي لنفسه تربة طاهرة يتيقن بطهارتها من أي أرض أخذت، ومن أي صقع من أرجاء العالم كانت وهي كلها في ذلك شرع سواء سواسية، لا امتياز لإحداهنّ على الأخرى في جواز السجود عليها، وإن هو إلا كرعاية المصلّي طهارة جسده وملبسه ومصلاه يتخذ المسلم لنفسه صعيداً طيباً يسجد عليه فيحلّه وترحاله، وفي حضره وسفره، ولاسيما في السفر. إذ الثقة بطهارة كل أرض يحلّ بها، ويتخذها مسجداً لا تتأتى له في كل موضع من المدن والرساتيق والفنادق والخانات وباحات النزل والساحات ومحال المسافرين ومحطات وسائل السير والسفر ومهابط فئات الركاب ومنازل الغرباء، أنّى له بذلك وقد يحلّ بها كل إنسان من الفئة المسلمة،وغيرها ومن أخلاط الناس الذين لا يبالون ولا يكترثون لأمر الدين في موضوع الطهارة والنجاسة. فأيّ وازع من أن يستحيط المسلم في دينه، ويتخذ معه تربة طاهرة يطمئن بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته؛ حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة والأوساخ التي لا يتقرب بها إلى اللّه،قط، ولا تجوّز السنّة السجود عليها، ولا يقبله العقل السليم، بعد ذلك التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلّي ولباسه، والنهي عن الصلاة في مواطن منها: المزبلة والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق والحمام، ومعاطن الإبل، والأمر بتطهير المساجد وتطييبها. وكأن هذه النظرة الصائبة القيّمة الدينية كانت متخذة لدى رجال الورع من فقهاء السلف في القرون الأولى، وأخذاً بهذه الحيطة المتحسنة [المستحسنة - ظ -] جداً كان التابعي الفقيه الكبير الثقة العظيم المتفق عليه مسروق بن الأجدع يأخذ أسافره [ أسفاره - ظ -] لبنة يسجد عليها، كما أخرجه شيخ المشايخ الحافظ الثقة إمام السنّة ومسندها في وقته أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه (المصنف في المجلد الثاني في باب من كان يحمل في السفينة شيئاً يسجد عليه)، فأخرج بإسنادين: أن مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها. هذا هو الأصل الأول لدى الشيعة وله سابقة قدم منه يؤم الصحابة الأولين والتابعين لهم بإحسان. وأمّا الأصل الثاني: فإن قاعدة الاعتبار المطردة تقتضي التفاضل بين الأراضي بعضها على بعض، وتستدعي اختلاف الآثار والشؤون والنظرات فيها، وهذا أمر طبيعي عقلي متسالم عليه، مطرد بين الأمم طراً، لدى الحكومات والسلطات والملوك العالمية برمتهم، إذ بالإضافات والنسب تقبل الأراضي والأماكن والبقاع خاصة، ومزية بها تجري عليها مقررات وتنتزع منها أحكام لا يجوز التعدي والصفح عنها. ألا ترى أن المستقلات والساحات والقاعات والدور والدوائر الرسمية المضافة إلى الحكومات، وبالأخص ما يُنسب منها إلى البلاط الملكي، ويُعرف باسم عاهل البلاد وشخصه لها شأن خاص، وحكم ينفرد بها، يجب للشعب رعايته والجري على ما صدر فيها من قانون. فكذلك الأمر بالنسبة إلى الأراضي والأبنية والديار المضافة المنسوبة إلى اللّه تعالى فإن لها شؤوناً خاصة، وأحكاماً وطقوساً، ولوازم وروابط لا مناص، ولابد لمن أسلم وجهه اللّه من أن يراعيها ويراقبها ولا مندوحة لمن عاش تحت راية التوحيد والإسلام من القيام بواجبها والتحفظ عليها، والأخذ بها. فبهذا الاعتبار المطرد العام المتسالم عليه أُنتزع للكعبة حكمها الخاص، وللحرم شأن يُخص به، وللمسجدين الشريفين: جامع مكة والمدينة أحكامهما الخاصة بهما، وللمساجد العامة والمعابد والصوامع والبِيَع التي يذكر فيها اسم اللّه في الحرمة والكرامة، والتطهير والتنجيس، ومنع دخول الجنب والحائض والنفساء عليها، والنهي عن بيعها نهياً باتاً نهائياً من دون تصور أي مسوغ لذلك قط، خلاف بقية الأوقاف الأهلية العامة التي لها صور مسوّغة لبيعها وتبديلها بالأحسن، إلى أحكام وحدود أخرى منتزعة من اعتبار الإضافة إلى ملك الملوك ربّ العالمين، فاتخاذ مكة المكرمة حرما آمناً، وتوجيه الخلق إليها، وحجّهم إليها من كل فج عميق، وإيجاب كل تلكم النسك، وجعل كل تلكم الأحكام حتى بالنسبة إلى نبتها وأبّها، إن هي إلا آثار الإضافة، ومقررات تحقق ذلك الاعتبار، واختيار اللّه إياها من بين الأراضي. وكذلك عدّ المدينة المنورة حرماً إلهياً محترماً، وجعل كل تلكم الحرمات الواردة في السنّة الشريفة لها، وفي أهلها وتربتها، ومن حلّ بها، ومن دفن فيها، إنما هي لاعتبار ما فيها من الإضافة والنسبة إلى اللّه تعالى وكونها عاصمة عرش نبيه الأعظم صاحب الرسالة الخاتمة (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وهذا الاعتبار وقانون الإضافة كما لا يخص بالشرع فحسب، بل هو أمر طبيعي أقرّ الإسلام الجري عليه، كذلك لا ينحصر هو بمفاضلة الأراضي، وإنما هو أصل مطرد في باب المفاضلة في مواضيعها العامة من الأنبياء والرسل، والأوصياء، والأولياء، والصدّيقين والشهداء، وأفراد المؤمنين وأصنافهم، إلى كل ما يتصور له فضل على غيره لدى الإسلام المقدس، بل هذا الأصل هو محور دائرة الوجود، وبه قوام كل شيء، وإليه تنتهي الرغبات في الأمور، ومنه تتولد الصلات والمحبات والعلائق والروابط لعدة عوامل: البغض،،والعداء والشحناء، والضغائن وهو أصل خلاف وشقاق ونفاق كما أنه أساس كل وحدة وإتحاد وتسالم ووئام وسلام، وعليه تُبنى سروح الكليات، وتتمهد المعاهد الاجتماعية، وفي أثره تُشكل الدول، وتختلف الحكومات، وتحدث المنافسات، والمشاغبات، والتنازع، والتلاكم، والمعارك، والحروب الدامية، وعلى ضوئه تتحزب الشعوب والقبائل، وتتكثر الأحزاب والجمعيات، وبالنظر إليه تُؤسس المؤسسات في أمور الدين والدنيا... وبمقاييسها يقاسي الإنسان الشدائد والقوارع والمصائب الهائلة، ويبذل النفس والنفيس دونها. هي التي جعلت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقبّل الصحابي العظيم عثمان بن مظعون وهو میت، و دموعه تسيل على خديه... . وهي التي دعت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) إلى أن يبكي على ولده الحسين السبط، ويقيم كل تلكم المآتم ويأخذ تربة كربلاء ويشمّها ويقبّلها... . هي التي جعلت السيدة أم سلمة أم المؤمنين تصرّ تربة كربلاء على ثيابها. هي التي سوغت للصديقة فاطمة أن تأخذ تربة قبر أبيها الطاهر وتشمّها. هي التي حكمت على بني ضبة يوم الجمل أن تجمع بعرة جمل عائشة ئة أم المؤمنين وتفتها وتشمّها كما ذكره الطبري. هي التي جعلت علياً أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أخذ قبضة من تربة كربلاء لمّا حلّ بها فشمّها وبكى حتى بلّ الأرض بدموعه وهو يقول: يحشر من هذا الظهر سبعون ألفاً يدخلون الجنّة بغير حساب. (أخرجه الطبراني) وقال الهيثمي في (المجمع: 9/ 191): رجاله ثقات. هي التي جعلت رجل بني أسد يشمّ تربة الحسين ويبكي، قال هشام بن محمّد: لمّا أجري الماء على قبر الحسين نضب بعد أربعين يوماً وامتحى أثر القبر، فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة من التراب ويشمّه، حتى وقع على الحسين فبكى وقال: بأبي وأمي ما كان أطيبك حياً، وأطيب تربتك ميتاً، ثم بكى وأنشأ يقول: أرادوا ليخفوا قبرَه عن عداوةٍ***فطيبُ ترابِ القبر دلَّ على القبر (ينظر: تاريخ ابن عساكر: 14/ 342، كفاية الحافظ الكنجي: 293). فالفرد البشري كائناً من كان، أينما كان وحيثما كان من أيّ عنصر وشاكلة على تكثّر شواكله، واختلاف عناصره، في جميع أدوار الحياة هو أسير تلك الحكومة، ورهين لفظة: روحي،بدني، مالي، أهلي، ولدي، أقاربي، رحمي، أسرتي، تجارتي، نحلتي،ملتي طائفتي، مبدئي، داري، ملكي، حكومتي، قادتي، سادتي، إلى ما لا يُحصى من المضاف المنسوب إليه. وهذه هي حرفياً بصورة الجمع الإضافي مأكلة بين شدقي الحكومات والدول، والجمعيات، والهيئات، والأحياء، والشعوب، والقبائل، والأحزاب، والملل، والنحل، والملوك، والطوائف، والسلطات الحاكمة إلى كليات لا تتناهى. وبمجرد تمامية النسبة وتحقق الإضافة في شيء جزئي أو كلي، أو أمر فردي أو اجتماعي لدى أولئك المذكورين تترتب آثار، وتتسجل أحكام لا منتدح لأي أحد من الخضوع لها والإخبات إليها والقيام،دونها، والتقيد بها. وهذا بحث جدٌّ ناجع تنحلّ به مشكلات المجتمع في المبادئ والآراء والمعتقدات وعقود الضغينة والمحبة، وعويصات المذاهب، ومقررات الشرع الأقدس، وفلسفة مقرّبات الدين الحنيف، ومقدّسات الإسلام وشعائره والحرمات والمقامات والكرامات. فبعد هذا البيان الضافي يتضح لدى الباحث النابه الحر سر فضيلة تربة كربلاء المقدّسة، ومبلغ انتسابها إلى اللّه سبحانه وتعالى، ومدى حرمتها وحرمة صاحبها دنوا واقتراباً من العلي الأعلى، فما ظنك بحرمة تربة هي مثوى قتيل اللّه، وقائد جنده الأكبر المتفاني دونه، هي مثوى حبيبه وابن حبيبه، والداعي إليه، والدالّ عليه، والناهض له، والباذل دون سبيله أهله ونفسه ونفيسه، والواضع دم مهجته في کفّه تجاه إعلاء كلمته، ونشر توحیده و تحكيم معالمه، وتوطيد طريقه وسبيله. فأيّ من ملوك الدنيا ومن عواهل البلاد من لدن آدم وهلمّ جرا عنده قائد ناهض طاهر كريم وفيّ صادق أبي شريف عزيز مثل قائد شهداء الإخلاص بالطف الحسين المفدّى؟ لماذا لا يباهي به اللّه وكيف لا يتحفظ على دمه لديه، ولا يدع قطرة منه أن تنزل إلى الأرض لمّا رفعه الحسين بيديه إلى السماء؟ كيف لا يديم ذكره في أرضه وسمائه، وقد اتخذت محبة اللّه بمجاميع قلبه؟ وكيف لا يسوّد وجه الدنيا في عاشورائه؟ ولا يبدي بينات سخطه وغضبه يوم قتله في صفحة الوجود؟ ولماذا لم تبكِ عليه الأرض والسماء؟ كما جاء عن ابن سيرين فيما الحفاظ، ولماذا لم تمطر السماء يوم قتله دماً؟ كما جاء حديثه أخرجه جمع من متواتراً، ولماذا لم يبعث اللّه رسله من الملائكة المقرّبين إلى نبيه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) بتربة کربلائه ؟ ولماذا لم يشمّها رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ولم يقبّلها ولم يذكرها طيلة حياته؟ ولماذا لم يتخذها بلسماً في بيته؟ فهلمّ معي أيها المسلم، الصحيح، أفليست السجدة على تربة هذا شأنها لدى التقرّب إلى اللّه فى أوقات الصلوات أطراف الليل والنهار، أولى وأحرى من غيرها من كل أرض وصعيد وقاعة وقرارة طاهرة، أو من البسط والفرش والسجاد المنسوجة على نول هويات مجهولة؟ ولم يوجد في السنّة أيّ مسوّغ للسجود عليها. أليس أجدر بالتقرّب إلى اللّه، وأقرب بالزلفى لديه، وأنسب بالخضوع والخشوع والعبودية له تعالى أمام حضرته، وضع صفح الوجه والجباه على تربة في طيّها دروس الدفاع عن اللّه، ومظاهر قدسه، ومجلى التحامي عن ناموسه ناموس الإسلام المقدس؟ أليس أليق بأسرار السجدة على الأرض السجود على تربة فيها سر المنعة والعظمة والكبرياء والجلال اللّه جل وعلا، ورموز العبودية والتصاغر دون اللّه بأجلى مظاهرها وسماتها؟ أليس أحق بالسجود تربة فيها بينات التوحيد والتفاني دونه؟ تدعو إلى رقة القلب، ورحمة الضمير والشفقة والتعطف؟ أليس الأمثل والأفضل إتخاذ المسجد من تربة تفجرت في صفيحها عيون دماء اصطبغت بصبغة حب اللّه، وصيغت على سنّة اللّه وولائه المحض الخالص ؟ فعلى هذين الأصلين نتخذ نحن من تربة كربلاء قطعاً لمعاً وأقراصاً نسجد عليها، كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنورة يسجد عليها، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة، فقيه المدينة ومعلّم السنّة بها، وحاشاه من البدعة، ففي أيّ من الأصلين حزازة وتعسف؟ وأي منهما يضاد نداء القرآن الكريم؟ أو يخالف سنّة اللّه وسنة رسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ؟ وأيّهما يُستنكر ويُعد بدعة؟ وأيّهما خروج عن حكم العقل والمنطق والاعتبار؟ وليس إتخاذ تربة كربلاء مسجداً لدى الشيعة من الفرض المحتّم، ولا من واجب الشرع والدين ولا مما ألزمه المذهب، ولا يفرق أيّ أحد منهم منذ أول يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها، خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم وإن هو عندهم إلا استحسان عقلي ليس إلا، واختيار لما هو الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت. وكثير من رجال المذهب يتخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء مما يصح السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم. ونحن نرى أن الأخذ بهذين الأصلين القويمين، والنظر إلى رعاية أمري الحيطة والحرمة ومراقبتهما يحتم على أهالي الحرمين الشريفين: مكة والمدينة، واللائذين بجنابهما، والقاطنين في ساحتهما أن يتخذوا من تربتهما أقراصاً وألواحاً مسجداً لهم، أخذاً بالأصلين وتخلصاً من حرارة حصاة المسجد الشريف القارصة أيام الظهائر وشدة الرمضاء، يسجدون عليها في حضرهم، ويحملونها معهم مسجداً طاهراً مباركاً في أسفارهم سيرة السلف الصالح نظراء الفقيه مسروق بن الأجدع كما سمعت حديثه، ويجعلونها في تناول يد الزائرين والحجّاج والوافدين إلى تلكم الديار المقدّسة من الحواضر الإسلامية، تقتنيها الأمة المسلمة مسجداً لها، في الحضر والسفر، وتتخذها تذكرة وذكرى اللّه ولرسوله ولمهابط،وحيه تذكرها ربها ونبيها متى ما ينظر إليها، وتشمها وتستشم منها عرف التوحيد والنبوة، وتكون نبراساً في بيوت المسلمين تتنور منها القلوب وتستضيء بنورها أفئدة أولي الألباب، ويتقرب المسلمون إلى اللّه تعالى في كل صقع وناحية في أرجاء العالم بالسجود على تربة أفضل بقعة اختارها اللّه لنفسه بيت أمن ودار حرمة وعظمة وكرامة، ولنبيه حرماً ومضجعاً مباركاً، وفيها وراء هذه كلها دعاية كبيرة قوية عالمية إلى الإسلام وإلى كعبة عبادته وعاصمة سنّته، وصاحب رسالته ذلك ومن يعظم حرمات اللّه فهو خير له عند ربه».

ص: 102

ص: 103

ص: 104

ص: 105

ص: 106

ص: 107

ص: 108

ص: 109

ص: 110

فَلَا تَشُكَّ في تُرَاب الحائر***بِأَنَّهُ المُعَظَّمُ الشَّعَائِرِ

وَهَلْ يَشُكُ خَاطِرُ ابْنِ آدَمْ***فِي تُربَةٍ رُشَتْ بِذَلِكَ الدَّمْ

وَهَلْ يَشُكُ مَنْ غَدَا مُلْتَفَتَا***إِلَى حَديث الأنبيا وَمَنْ أَتَى (1)

وَهَلْ يَشْكُ مَنْ عَلَيهِ يُمْلِي***بِفَضْلها عِتْرَةُ خَيْرِ الرُّسُلِ

فإِنَّها تُمْلَيْهِ عَنْ أَبٍ أَبِ***عَنْ جَدِّهَا الْأُمِّيِّنِ فِي الوَحْيِ النَّبِيِّ

ص: 111


1- ينظر ما مرّ في الفصل الأول والثاني والثالث من الباب الأول.

عَنْ مَقْولِ الأَمِينِ جبرائِيلِ***عَنِ الإلهِ الصَّمَدِ الجَليلِ

فاصْغِ إِلَى مَا ذَكَرَ الثِّقَاتُ***وما رَوَوْا وَليكُنِ التِفَاتُ (1)

ص: 112


1- سيأتي ما ورد في فضل تربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنها شفاء من كل داء، وإنها أمان، و آداب أخذها في الفصلين السادس والسابع من هذا الباب، فلينظر.

الفصل السادس: في خبر ابن قولويه عن فضل التربة الحسينية

قَدْ ذَكَرَ ابْنُ قَوْلَوَيْهِ فِي خَبَرْ***عَنْ جَعْفَرِ الصادِقِ فيما قَدْ ذَكَرْ

إِنْ فَخَرَتْ عَلَى البِلَادِ مَكَّة***بِالبَيْتِ إِذْ شَادَ الإِلهُ سَمْكَة

والكَعْبَةِ العُظمى وَبِالمَقَامِ***والحَجَرِ الأَسْوَدِ فِي النُّحامِ

وَذَكَرَتْ زَمْزَمَ والحَطيما***وَوَفْدَها الظَّاعِنَ وَالمُقيما

فَلَمْ تَكُنْ أَرْضِ لَها مُعارِضَةْ***إِذ هي بالحَمْلِ الثَّقِیلِ ناهِضَة

فقال ذُو الْجَلَالِ عَزَّ وعَلَا***لا تَفْخَرِي وَتَذْكُرِي وَلَاوَلَا

قَرِّي فإنِّي قَدْ خَلَقْتُ أَرْضًا***أَقْرَبَ مِنْكِ زُلْفَةً وَأَرْضَى

التُّرْبُ مِنْها طَيِّبٌ كَالمِسْكِ***واللَّوْنُ لَوْنُ الزَّعْفَرانِ يَحْكِي

تَعْلُوْ عَلَيْهَا قُبَّةٌ كَالكَعْبَةْ***أُجِيْبُ مَنْ يَدْعُو بِتِلْكَ القُبَّة

وَعِنْدَها القُراتُ وَهُوَ مَاءُ***مُبَارَكٌ فِي سَقْيهِ النَّمَاء

وَطَائِفُوْها زُمَرُ المَلَائِكْ***والأَنْبِيَا مَنْ عَابِدٍ وَنَاسِك

یُحْطَمُ فِيهَا الذَنْبُ للأَثَيْمِ***كَمَا تَرَيْنَ مَوْقِفَ الحَظِيْمِ

ص: 113

وَتِلْكَ كَرْبَلَا بِلَا مُشارَكَةْ***فَيَالَها مِنْ تُرْبَةٍ مُبارَكَة

وَيَا لَهَا مَنْ تُرْبةٍ ذاتِ كَرَمْ***فَضَّلَهَا اللّه عَلَى ذَاكَ الحَرَم

تُرْبَةِ قُدْسِ قَدْ زَكَت لزَاكِ***خُدَّامُهُ طَوَائِفُ الأَمْلاكِ (1)

فَكَمْ عَفَا اللّه بِهِ عَنْ مَلَكِ***أَوْقَعَهُ الذَّنْبُ بِأَهْوَى دَرَكِ

وَأَسْقَطَ الجَنَاحَ حَتَّى اسْتَشفَعا***به إِلَى رَبِّ السَّمَا فَارْتَفَعَا

كَمَا سَمِعْتَ عَنْ حَديثِ فِطرِس***وَغَيْرِهِ مِنْ مَلَكَ مُقَدَّس

فَقَدْ رَوَى فِي الكامِلِ الجَزِيلِ***عَنْ فِطرِسٍ ذَاكَ ودَرْدَائِيل ِ

ص: 114


1- خبر ابن قولويه في فضل التربة الحسينية: روی جعفر بن محمّد بن قولويه في كتابه (كامل الزيارات: 449 ح 2/675) ما نصه: حدّثني محمّد بن جعفر القرشي الرزاز، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن أبي سعيد القماط، عن عمر بن يزيد بياع السابري، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إنّ أرض الكعبة قالت: مَن مثلي وقد بُني بيت اللّه على ظهري، ويأتيني الناس من كل فج عميق، وجُعلتُ حرم اللّه وأمنه، فأوحى اللّه إليها: أن كُفي وقرّي، فوعزتي وجلالي ما فضل ما فُضِّلت به فيما أعطيت به أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غُمست في البحر فحملت من ماء البحر، ولولا تربة كربلاء ما فضّلتك ولولا ما تضمنته أرض كربلاء ما خلقتك، ولا خلقت البيت الذي افتخرتِ به، فقرّي واستقري وكوني دنِياً متواضعاً ذليلاً مهيناً، غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء، وإلا سُختُ بك وهويت بك في نار جهنم».

وَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ الصَّدُوقِ ذَلكَا***مُفَصَّلاً فاسْتَجْلَى فيها لحالكا (1)

ص: 115


1- حدیث الملك فطرس وتمسّحه بالحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) اللّه وعودته إلى مكانه: روى الشيخ الصدوق في (أماليه: 200 ح 215/ 9)، قال: «حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار (رَحمهُ اللّه)، قال : حدّثنا أبي، عن محمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، قال: حدّثنا موسى بن عمر، عن عبد اللّه بن صباح المزني، عن إبراهيم بن شعيب الميثمي، قال: سمعت الصادق أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: إنّ الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) لمّا وُلد أمر اللّه (عزّوجلّ) جبرئيل أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنئ رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)من اللّه ومن جبرئيل، قال: فهبط جبرئیل، فمرّ على جزيرة في البحر فيها مَلَك يُقال له: فطرس، كان من الحمَلة، بعثه اللّه (عزّوجلّ) في شيء فأبطأ عليه، فكسر جناحه وألقاه في تلك الجزيرة، فعبد اللّه تبارك وتعالى فيها سبعمائة عام حتى ولد الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ)، فقال المَلَك لجبرئيل: يا جبرئيل، أين تريد؟ قال: إنّ اللّه (عزّوجلّ) أنعم على محمّد بنعمة، فبعثتُ أهنئه من اللّه ومنّي، فقال: يا جبرئيل، احملني معك، لعل محمّداً (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يدعو لي. قال: فحمله، قال: فلما دخل جبرئيل على النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) هنأه من اللّه (عزّوجلّ) ومنه، وأخبره بحال فطرس، فقال النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) : قل له: تمسّح بهذا المولود وعد إلى مكانك، قال: فتمسّح فطرس بالحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) وارتفع، فقال: يا رسول الله، أمَا إنّ أمتك ستقتله، وله عليّ مكافأة ألا يزوره زائر إلا أبلغته عنه، ولا يسلّم عليه مسلم إلا أبلغته سلامه، ولا يصلّي عليه مصلٍّ إلا أبلغته صلاته، ثم ارتفع». وقد ورد في الدعاء الذي يُدعى به في يوم ولادة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): «وهب لنا في هذا اليوم خير موهبة، وأنجح لنا فيه كل طلبة كما وهبت الحسين لمحمّد جدّه وعاذ فطرس بمهده، فنحن عائدون بقبره...». (ينظر : مصباح المتهجد 827).

ص: 116

الفصل السابع: في تعظيمها وكيفيّة استعمالها

هذا وإنَّ التَّرْبَ حِيْنَ شُرِّفا***بابْنِ الرَّسُوْلِ المُصْطَفَى صَارَ شِفَا

قَدْ ذَكَرَتْ ذَاكَ الأئمّة الخَبَرْ***وَجَاءَ فيه خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٌ

وَأَخْبَرَتْ بأَن كُلَّ علَّةْ***يَعْجَرُ عَنْها طِبُّ كُلِّ مَلَّةْ

فَإِن تُربَةً بقدر الحُمُصَة(1)***أَوْ دُوْنَهَا مِنْ قَبْرِهِ مُخَصَّصَةْ

يَكُوْنُ أَكْلُ مَنْ غَدَا عَلَى شَفَا***منَ الرَّدَى لَهُ دَوَاءَ وَشِفَا

وَجَرَّبَتْهُ زُمْرَةٌ فَزُمْرةَ***فَطَابَقَ الأَخْبَارَ منها الخُبْرَة

ص: 117


1- قال العلّامة المجلسي في (بحاره: 161/57) في معرض حديثه عن المقدار المجوّز للأكل من طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ما نصه: «... والظاهر أنه لا يجوز التجاوز في كل مرة عن قدر الحمصة، وإن جاز التكرار إذا لم يحصل الشفاء بالأول، وقد مرّ التصريح بهذا المقدار في الأخبار، وكان الأحوط عدم التجاوز عن مقدار عدسة لِمَا رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : إن الناس يروون أن النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)قال: إن العدس بارك عليه سبعون نبياً، فقال: هو الذي تسمّونه عندكم الحمص ونحن نسميه العدس...».

مِنْ ذَلكَ العَصْر لهذا العَصْرِ***تَجْربَةٌ مِنْ أَهْلِ كُلِّ مِصرِ

أَقولُ في الأَخْبَارِ وَالمُشَاهَدَة***بِالنَّص والتجْرِيْبِ مِنِّي عَاضَدَهُ

فَكُنْ عَلَى حَالِ طُهُوْرٍ قُرْبَة***إِذَا تَنَاوَلتَ قَليلَ التُربَة (1)

ص: 118


1- كيفية أخذ الطين من قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) والدعاء عنده: «يُروى في أخذ التربة: أنك إذا أردت أخذها فقم آخر الليل واغتسل والبس أطهر ثيابك، وتطيب بسعد، وادخل وقف عند الرأس، وصلِّ أربع ركعات، تقرأ في الأولى منها: (الحمد) مرة وإحدى عشرةَ مرة (الإخلاص)، وفي الثانية: (الحمد) مرة وإحدى عشرة مرة (القدر)، وتقرأ في الثالثة: (الحمد) مرة وإحدى عشرةَ مرة (الإخلاص)، وفي الرابعة: (الحمد) مرة واثنتي عشرةَ مرة (إذا جاء نصر اللّه والفتح)، فإذا فرغت فاسجد وقل في سجودك ألف مرة: شكراً شكراً، ثم تقوم وتتعلق بالضريح وتقول يا مولاي يا ابن رسول اللّه، إني آخذ من تربتك بإذنك، اللهم فاجعلها شفاء من كل داء، وعزاً من كل ذل، وأمناً من كل خوف، وغنى من كل فقر لي ولجميع المؤمنين، وتأخذ بثلاثة أصابع، ثلاث قبضات، وتجعلها في خرقة نظيفة، وتختمها بخاتم فضة فصه عقيق، نقشه (ما شاء اللّه لا قوة إلا باللّه أستغفر اللّه)، فإذا علم اللّه منك صدق النية يصعد معك في الثلاث قبضات سبعة مثاقيل لا تزيد ولا تنقص ترفعها لكل علّة، وتستعمل منها وقت الحاجة مثل الحمصة، فإنك تُشفى إن شاء اللّه». (مصباح الزائر : 257 عنه بحار الأنوار: 98/ 137).

وَاسْتَجْلِها حَمْراءَ تَجْلُو طَيْبَةْ***مَمْزُوجَةً بقصَّةٍ رَطِيْبَة

فَسَوْفَ لَا تَمْلِكُ عَيْنَاكَ البُكَا***إِذَا رَأَيْتَ اللَّوْنَ منْها والذُّكا

وَاسْتَعْمل التُّرْبَةَ عنْدَ الدّاءِ***وَعِندَمَا تَخْشَى منَ الأعْدَاءِ

فَهْيَ الدَّوا الفَنُّ لكُلِّ آفَةْ***كَمَا هِيَ الأَمْنُ مِنَ المَخَافَةْ (1)

ص: 119


1- فضل تربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنها شفاء من كل داء، وإنها أمان، ومن أين يؤخذ طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ وكيف يؤخذ؟ وما يقول الرجل إذا أكل من تربة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : أورد ابن قولويه في (كامل الزيارات: 460 - 479 الباب 91- 95 -ح 699-731): أحاديثاً بسنده إلى الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) تتضمن فضل تربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وإنها شفاء من كل داء، وإنها أمان، ومن أين يؤخذ طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ وكيف يؤخذ؟ وما يقول الرجل إذا أكل من تربة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ ونحن نورد بعضاً منها للفائدة، قال: الباب (91) : ما يُستحب من طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للّه وإنه شفاء: حدّثني محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمّد ابن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضال عن كرام، عن ابن أبي يعفور، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : يأخذ الإنسان من طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فينتفع به ويأخذ غيره فلا ينتفع به، فقال: لا واللّه الذي لا إله إلا هو ما يأخذه أحد وهو يرى أن اللّه ينفعه به إلا نفعه اللّه به». حدّثني محمّد بن عبد اللّه، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه البرقي، عن بعض أصحابنا، قال: «دفعت إلى امرأة غزلاً، فقالت: ادفعه إلى حجبة مكة ليخاط به كسوة الكعبة، قال: فكرهت أن أدفعه إلى الحجَبة وأنا أعرفهم، فلما أن صرنا إلى المدينة دخلت على أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقلت له: جعلت فداك إن امرأة أعطتني غزلاً، فقالت: ادفعه بمكة ليخاط به كسوة الكعبة فكرهت أن أدفعه إلى الحجَبة، فقال: اشترِ به عسلاً وزعفران وخذ من طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واعجنه بماء السماء، واجعل فيه شيئاً من العسل والزعفران وفرّقه على الشيعة ليداووا به مرضاهم». وحدّثني أبي، عن سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن إسماعيل البصري - ولقبه فهد-، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شفاء من كل داء». ،وعنه، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن الحسين بن سعيد، عن أبيه، عن محمّد بن سليمان البصري، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «فى طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشفاء من كل داء، وهو الدواء الأكبر». حدّثني محمّد بن الحسين بن مت الجوهري، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن الخيبري، عن أبي ولاد، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «لو أنّ مريضاً من المؤمنين يعرف حق أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحرمته وولايته، أخذ من طين قبره مثل رأس أنملة كان له دواء». (ينظر: كامل الزيارات: 460 - 465). الباب (92): إن طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للشفاء وأمان: حدّثني أبي وجماعة مشايخي (رَحمهُمُ اللّه)، عن سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عيسى، عن رجل قال: «بعث إلي أبو الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خراسان بثياب رزم و كان بين ذلك طين، فقلت للرسول: ما هذا؟ فقال: طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ما يكاد يوجه شيئاً من الثياب ولا غيره إلا ويجعل فيه الطين، وكان يقول: هو أمان بإذن اللّه». حدّثني محمّد بن جعفر الرزاز، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن موسى بن سعدان عن عبد اللّه بن القاسم، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «حنّكوا أولادكم بتربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإنها أمان». حدّثني أبي (رَحمهُ اللّه)، عن سعد بن عبد اللّه، عن أيوب بن نوح، عن عبد اللّه بن المغيرة، قال: حدّثنا أبو اليسع، قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) و أنا أسمع، قال آخذ من طين قبر الحسين يكون عندي أطلب بركته، قال: لا بأس بذلك». وعنه، عن سعد عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن العباس بن موسى الورّاق عن يونس، عن عيسى بن سليمان، عن محمّد بن زياد، عن عمته عمته، قالت: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «إن في طين الحائر الذي فيه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شفاءً من كل داء، وأماناً من كلخوف». حدّثني محمّد بن جعفر عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن الخيبري عن أبي،ولاد عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «لو أن مريضاً من المؤمنين يعرف حق أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وحرمته وولايته، أخذ له من طين قبره على رأس ميل كان له دواء وشفاء». (ينظر: كامل الزيارات: 465 - 467). الباب (93) : من أين يؤخذ طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ وكيف يؤخذ؟ حدّثني أبي (رَحمهُ اللّه)، عن سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن علي، عن يونس بن رفيع، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «إنّ عند رأس الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) لتربة حمراء، فيها شفاء من كل داء إلا السام. قال: فأتيت القبر بعد ما سمعنا بهذا الحديث، فاحتفرنا عند رأس القبر، فلمّا حفرنا قدر ذراع انحدرت علينا من عند رأس القبر مثل السهلة حمراء قدر درهم فحملناه إلى الكوفة، فمزجناه، وأقبلنا نعطي الناس يتداوون به». حدّثني أبي ومحمّد بن الحسن وعلي بن الحسين، عن سعد، عن أحمد بن محمّد ابن عيسى عن رزق اللّه بن العلاء، عن سليمان بن عمرو السراج، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «يؤخذ طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من عند القبر على قدر سبعين ذراعاً». حدّثني علي بن الحسين، عن علي بن إبراهيم عن إبراهيم بن إسحاق النهاوندي، عن عبد اللّه بن حماد الأنصاري، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «إذا تناول أحدكم من طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فليقل: اللهمّ إني أسألك بحق الملك الذي تناوله والرسول الذي بوّأه، والوصي الذي ضُمِّن فيه أن تجعله شفاء من كل داء كذا وكذا، وتسمّي ذلك الداء». حدّثني حكيم بن داود، عن سلمة، عن علي بن الريّان بن الصلت، عن الحسين بنأسد، عن أحمد بن مصقلة، عن عمه، عن أبي جعفر الموصلي: أن أبا جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا أخذت طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقل : اللهم بحق هذه التربة، وبحق الملك الموكل بها، وبحق الملك الذي كربها، وبحق الوصي الذي هو فيها، صلِّ على محمّد وآل محمّد واجعل هذا الطين شفاء لي من كل داء، وأماناً من كل خوف». حدّثني أبو عبد الرحمان محمّد بن أحمد بن الحسين العسكري بالعسكر، قال: حدّثنا الحسن بن علي بن مهزيار، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن محمّد بن مروان، عن أبي حمزة الثمالي قال: قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا أردت حمل الطين طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاقرأ: فاتحة الكتاب والمعوذتين و«قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ»، و«قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ»، و«إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ لَيْلَة الْقَدْر»، ويس وآية الكرسي وتقول: اللهم بحق محمّد عبدك وحبيبك ونبيك ورسولك وأمينك، وبحق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عبدك وأخي رسولك، وبحق فاطمة بنت نبيك وزوجة وليك، وبحق الحسن والحسين وبحق الأئمّة الراشدين، وبحق هذه التربة، وبحق الملك الموكل بها، وبحق الوصي الذي حلّ فيها، وبحق الجسد الذي تضمنت، وبحق السبط الذي ضُمِّنت وبحق جميع ملائكتك وأنبيائك ورسلك، صلِّ على محمّد وآل محمّد، واجعل هذا الطين شفاء لي ولمن يستشفي به من كل داء وسقم ومرض، وأماناً من كل خوف. اللهم بحق محمّد وأهل بيته اجعله علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً وشفاء من كل داء وسقم، وآفة وعاهة وجميع الأوجاع كلها، إنك على كل شيء قدير. وتقول: اللهم ربّ هذه التربة المباركة الميمونة، والملك الذي هبط بها، والوصي الذي هو فيها، صل على محمّد وآل محمّد وسلّم وانفعني بها، إنك على كل شئ قدير». (ينظر: كامل الزيارات: 468 - 476). الباب (94): ما يقول الرجل إذا أكل من تربة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : حدّثني أبي (رَحمهُ اللّه) وجماعة، عن سعد بن عبد اللّه، عن محمّد بن عیسی بن عبید، عن محمّد بن إسماعيل البصري، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شفاء من كل داء، وإذا أكلته فقل: بسم اللّه وباللّه، اللهم اجعله رزقاً واسعاً، وعلماً نافعاً وشفاءً من كل داء، إنك على كل شيء قدير». قال: وروى لي بعض أصحابنا – يعني محمّد بن عيسى-، قال: نسيت إسناده، قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إذا أكلته تقول: اللهم ربّ هذه التربة المباركة، وربّ هذا الوصي الذي وارته، صلِّ على محمّد وآل محمّد واجعله علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء». حدّثني الحسن بن عبد اللّه بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال: «إذا أخذت من تربة المظلوم ووضعتها في فيك فقل: اللهم إني أسألك بحق هذه التربة، وبحق الملك الذي،قبضها والنبي الذي حضنها، والإمام الذي حلّ فيها أن تصلي على محمّد وآل محمّد، وأن تجعل لي فيها شفاءً نافعاً ورزقاً واسعاً، وأماناً من كل خوف وداء، فإنه إذا قال ذلك وهب اللّه له العافية وشفاه» ينظر) كامل الزيارات: 476- 477) الباب (95): أن الطين كله حرام إلا طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فإنه شفاء: حدّثني محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفار، عن عباد بن سليمان، عن سعد بن سعد، قال: سألت أبا الحسن (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن الطين، قال: فقال: «أكل الطين حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، إلا طين قبر الحسين فإنّ فيه شفاءً من كل داء وأمناً من كل خوف». حدّثني أبو عبد اللّه محمّد بن أحمد بن يعقوب عن علي بن الحسن بن علي ابن فضّال، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما (عَلَيهِما السَّلَامُ) قال: «إن اللّه تبارك وتعالى خلق آدم من الطين فحرّم الطين على ولده، قال: فقلت: فما تقول في طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : يحرّم على الناس أكل لحومهم ويحلّ لهم أكل لحومنا ولكن الشيء اليسير منه مثل الحمصة». (ينظر: كامل الزيارات: 478-479).

ص: 120

ص: 121

ص: 122

ص: 123

ص: 124

ص: 125

وَاسْتَعْمل السِّبْحَةَ للعِبَادَةْ***منها وللصَّلَاةِ في السَّجادةْ

فَإِنَّ أَمْلَاكَ السَّما تُصَلِّي***عَلَى مَنِ اسْتَعْمَلَها للفَضْلِ

وإِنَّ مَنْ يَنْظُرُها في يَدِهِ***كَمَنْ يَزُورُ الظُّهْرَ فِي مَرْقَدِهِ

وإِنَّ مَنْ يَحْمِلُها مُبَجَّلَا***يُبَادِرُ الأَجْرُ إِلَيْهِ مُعْجِلَا

جَاءَتْ بِهَذَا كُلَّه الأَخْبَارُ***وَاتَّضَحَتْ مِنْهَا لَنَا الآثارُ (1)

ص: 126


1- فضل السبحة من طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): في رواية عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) «... ومن كان معه سبحة من طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كُتب مُسبّحاً وإن لم يُسبّح بها...». (ينظر : من لا يحضره الفقيه: 1/ 268 - 829). وفي (البلد الأمين) رُوي: « أنّ من أدار تربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في يده وقال سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر، مع كل حبة كُتب له ستة آلاف حسنة، ومحي عنه ستة آلاف سيئة، ورُفع له ستة آلاف درجة، وأثبت له من الشفاعات بمثلها». (ينظر: بحار الأنوار: 340/82). قال أبو الحسن موسی بن جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لا تستغني شيعتنا عن أربع عن خمرة يصلّي عليها، وخاتم يتختم به، وسواك يستاك به وسبحة من طين قبر أبي عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيها ثلاث وثلاثون حبة، متى قلّبها ذاكراً اللّه، كُتب له بكل حبة أربعون حسنة، وإذا قلبها ساهياً يعبث بها، كتب اللّه له عشرين حسنة». (ينظر : روضة الواعظين: 412). وقال المجلسي: وجدت بخط الشيخ محمّد بن علي الجباعي جد الشيخ البهائي (قدس اللّه روحهما)، نقلاً من خط الشهيد رفع اللّه درجته، نقلا من مزار بخط محمّد بن محمّد بن الحسين بن معية، قال رُوي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأنه قال: «من اتخذ سبحة من تربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن سبح بها وإلا سبّحت في كفه وإذا حرّكها وهو ساهٍ كتب له تسبيحة، وإذا حرّكها وهو ذاكر اللّه تعالى، كتب له أربعين حسنة». وعنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «من سبّح بسبحة من طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تسبيحة كتب اللّه له أربعمائة حسنة، ومحا عنه أربعمائة سيئة، وقُضيت له أربعمائة حاجة، ورُفع له أربعمائة درجة. ثم قال (عَلَيهِ السَّلَامُ): وتكون السبحة بخيوط زرق، أربعاً وثلاثين خرزة، وهى سبحة مولاتنا فاطمة الزهراء (عَلَيهَا السَّلَامُ)، لمّا قُتل حمزة عملت من طين قبره سبحة، تُسبّح بها بعد كل صلاة» (ينظر: بحار الأنوار: 340/82). وروى الشيخ المفيد في (المزار : 150- 152) في باب فضل السبحة والتسبيح بها ما نصه: 1- روى عبد اللّه بن إبراهيم بن محمّد الثقفي، عن أبيه، عن الصادق جعفر ابن محمّد (عَلَيهِما السَّلَامُ) «إن فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) كانت مسبحتها من خيط من صوف مفتّل معقود عليه عدد التكبيرات، فكانت بيدها (عَلَيهَا السَّلَامُ) تديرها، تكبّر وتسبّح إلى أن قُتل حمزة بن عبد المطلب (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فاستعملت تربته وعملت التسابيح فاستعملها الناس، فلمّا قُتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وجُدّد على قاتله العذاب عُدل بالأمر عليه، فاستعملوا تربته لما فيها من الفضل والمزية». 2- وروي عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «من أدار الحجير من تربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فاستغفر ربه مرة واحدة كُتب له بالواحدة سبعون مرة، وإن أمسك السبحة في يده ولم يُسبّح بها، ففي كل حبة سبع مرات». 3- وروى أبو القاسم محمّد بن علي، عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من أدار الحجير من التربة وقال: سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر مع كل حبة منها، كُتب له بها ستة آلاف حسنة، ومُحي عنه ستة آلاف سيئة، ورُفع له ستة آلاف درجة، وأثبت له من الشفاعة مثلها». 4- وفي كتاب الحسن بن محبوب أنّ أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) سُئل عن استعمال التربتين من طين قبر حمزة وقبر الحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ) والتفاضل بينهما، فقال (عَلَيهِ السَّلَامُ): «المسبحة التي من طين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) تسبّح بيد الرجل من غير أن يسبّح قال: وقال: رأيت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) وفي يده السبحة منها، فقيل له في ذلك فقال: أما إنها أعود عليّ - أو قال: أخفّ عليّ-». 5-ورُوي: «أنّ الحور العين إذا أبصرن واحداً من الأملاك يهبط إلى الأرض لأمر ما، يستهدين التسبيح والتربة من قبر الحسين» (عَلَيهِ السَّلَامُ). انتهى من مزار الشيخ المفيد (رَحمهُ اللّه).

ص: 127

ص: 128

فَهْيَ إِذَنْ لِلأَمْنِ والإفضَالِ***وللشَّفا مِنْ مَرَضٍ عُضَالِ

وَقَلَّ هَذَا كُلُّهُ مِنْ تُربةْ***تَضُمْ مَنْ لَمْ يَعْصِ قَطُّ رَبَّةْ

تَضُمُّ رَيْحَانَةَ خَيْرِ مُرْسَلِ***وَسَبْطَهُ مِنْ فَاطِمٍ وَمِنْ عَلِي

تَضُمُّ مَنْ خَاصَ بِحَارَ القُدْسِ***بِطَيِّبِ الجِسْمِ وَطُهْرِ النَّفْسِ

مُنْذُ بَرَاهُ اللّه فِي التَّكْوِينِ***حَتَّى ثَوَى مُعَفَّرَ الجَبينِ

يَسْقِي تَرَابَ كَرْبَلا دِمَاءَهُ***وَلَمْ يَذُقَ مِنَ الفُرَاتِ مَاءَهُ

وَيَسْتَهِيْنُ أَنْ تَكُونَ الأَعْضَا***في اللّه قَدْ خَالَطْنَ تِلْكَ الأَرْضَا

للّهِ تِلكَ التربةُ الكَرِيمَة***رَوَتْ دَمَاهُ وَحَوَتْ أديمَهْ

وَنَالَتِ التَّعْظِيمَ وَالتَّبْجِيْلَا***مِمَّنْ حَبَاهَا فَضْلَهُ الجَزِيْلا

فَكُنْ عَلَى تعظِيمِها مُحافِظا***وَشَرِّف الشَّفَاهَ وَاللَوَاحِظَا (1)

ص: 129


1- الاستشفاء بطين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال الشيخ الطوسي في (أماليه: 318 ح 93/646) ما نصه: أخبرنا ابن خشيش، عن محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثني محمّد بن محمّد بن معقل القرميسيني العجلي، قال: حدّثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي الأحمري، قال: حدّثنا عبد اللّه بن حماد الأنصاري، عن زيد أبي أسامة، قال: «كنت في جماعة من عصابتنا بحضرة سيدنا الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأقبل علينا أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فقال: إن اللّه تعالى جعل تربة جدي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) شفاءً من كل داء وأماناً من كل خوف، فإذا تناولها أحدكم فليقبلها وليضعها على عينيه، وليمرها على سائر جسده، وليقل: اللّهم بحق هذه التربة، وبحق من حلّ بها وٹوى فيها، وبحق أبيه وأمه وأخيه والأئمّة من ولده، وبحق الملائكة الحافّين به إلا جعلتها شفاءً من كل داء، وبرءاً من كل مرض، ونجاةً من كل آفة، وحرزاً مما أخاف وأحذر، ثم يستعملها. قال أبو أسامة: فإني استعملتها من دهري الأطول، كما قال ووصف أبو عبد اللّه، فما رأيت بحمد اللّه مكروهاً».

وَاجْعَلْ مَحلَّ حِفظِهَا العِمَامَة***فإنَّها أَوْفَرُ في الكَرَامَةْ

وَلَا تَمُسَّها بِغَيْرِ طُهرِ***فَهْيَ التِي تَعْرِفُها وَتَدْرِيْ

وَسَأَقُصُّ مِنْ حَدِيثِ التَّجْرِبَةْ***بَعْضَ قَضَايَا عَنْ مَزَايَا مُعْرِبَةْ

ممَّا رَوَيْتُ مُسْنَداً عَن الثَّقَة***لَنَفْسه أَوْ غَيْره مُتَّفَقَةْ

ثمَّ أُبِينُ مَا مَضَى لِي فِيها***مِنَ التَّجَارِبِ الَّتي تَكْفِيها

ص: 130

الفصل الثامن: في خبر الشيخ الطوسي عن موسى بن سريع فيها

قَدْ ذَكَرَ الطُّوسِيُّ فِي الأَمَالِي***عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ مِنَ الرِّجَالِ

بِأَنَّ مُوسَى بْنَ سَرِيْعٍ قَابَلَهْ***إِبْنُ سُرَاقِيُّونَ ثُمَّ قَالَ لَهْ:

لمَنْ عَلَى شَاطى الفُرَات قَبْرُ***يَزُورُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِفْرُ؟

قَالَ: فَقُلْتُ لِلْحُسَيْنِ بن عَلي***سبْطِ النَّبِيِّ المُصْطَفَى المُبَجَلِ:

مَاذَا دَعَاكَ للسؤال عَنْهُ؟***قال: سُأُبدِي الأمْرَ إِن تَصْنَهُ

إِنَّ ابْنَ عَيْسَى الهاشمي مُوْسَى(1)***أَضْحَى بِنُعْمَى مَا لَدَيْها بُوْسَى

ص: 131


1- موسى بن عيسى بن موسى بن محمّد العباسي الهاشمي: «أمير، من آل عباس... وليَ الحرمين للمنصور والمهدي مدة طويلة، ثم وليَ اليمن للمهدي، ووليَ مصر للرشيد (سنة 171ه)، وكان سلفه فيها علي بن سليمان قد هدم الكنائس المحدثة بمصر، فرُفع إليه أمرها، فاستشار خاصته، فقالوا: هي من عمارة البلاد، واحتجوا بأن عامة الكنائس التي بمصر ما بنيت إلا في الإسلام في زمن الصحابة والتابعين، فأذن في بنائها، فبنيت كلها. وأقام على الولاية سنة وخمسة أشهر ونصفاً، وصُرف عنها ( سنة (172ه فعاد إلى العراق، فولاه الرشيد الكوفة فدمشق، ثم أعيد ثانية إلى إمرة مصر (سنة 175ه)، وصرف (سنة 176ه)، وأعيد ثالثة (سنة 179ه)، وصُرف (سنة 180ه) فأقام ببغداد إلى أن تُوفي». (ينظر: الأعلام: 326/7).

فَذَكَرُوا القَبْرَ وَأَن التُّربَة***منْهُ شَفَاء لِلْبَلَايَا الصَّعْبَة

وَقَالَ بَعْضُ الهاشميين: أَنَا***جَرَّبَّتُها فَأَنْقَذَتْنِي مِنْ عَنَا

فَقَالَ مُوسَى هَلْ لَهَا بَقِيَّةً؟***قَالَ نَعَمْ فَأُحْضِرَتْ نَقِيَّةْ

فَاحْتَمَلَ التُّرْبَةَ مِنْ تَمَسْخُرِهُ***وَلَمْ يَبُلْ مَا بَانَ مِنْ مُؤَخَّرِهٌ

فاسْتَبَّ نَاراً وَدَعا باطَّلسْتِ***فَقَاءَ أَحْشَاهُ بذَاكِ الوَقْتِ

وَلَا أَرَاهُ بَاقياً للَيْلَةْ***فَمَاتَ منْ ساعَته بوَيلَة

قَالَ: وَكَانَ بَعْدَ ذَا يُوْحَنَّا***إِبْنُ سُرَاقِيُّونَ يَأْتِي مَعْنا

فكَمْ وَكَمْ قَدْ زَارَهُ وَصَارًا***وَهُوَ عَلَى مَا دَانَتِ النَّصَارَى

ثُمَّ اهْتَدَى لِدَيْنِنَا وَأَسْلَما***وَحَسُن الإِسْلامُ مِنْهُ وانْتَمَى (1)

ص: 132


1- حكاية موسى بن عيسى وتربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : روى الشيخ الطوسي في (الأمالي: 320 ح الأمالي: 320 - 96/649) ما نصه: أخبرنا ابن خشيش، قال: حدّثني محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثني الفضل بن محمّد بن أبي طاهر الكاتب، قال: حدّثنا أبو عبد اللّه محمّد بن موسى السريعي الكاتب، قال: حدّثني أبي موسى بن عبد العزيز، قال: «لقيني يوحنا بن سراقيون النصراني المتطبّب في شارع أبي أحمد فاستوقفني، وقال لي: بحق نبيك ودينك من هذا الذي يزور قبره قوم منكم بناحية قصر ابن هبيرة ؟ مِن هو من أصحاب نبيكم؟ قلت: ليس هو من أصحابه، هو ابن بنته، فما دعاك إلى المسألة عنه ؟ فقال له عندي حديث طريف، فقلت: حدّثني به، فقال: وجّه إلي سابور الكبير الخادم الرشيدي في الليل، فصرت إليه فقال لي: تعال معي، فمضى وأنا معه حتى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي، فوجدناه زائل العقل متكئاً على وسادة، وإذا بين يديه طست فيها حشو جوفه، وكان الرشيد استحضره من الكوفة، فأقبل سابور على خادم كان من خاصة موسى فقال له ويحك ما خبره؟ فقال له: أخبرك أنه كان من ساعة جالساً وحوله ندماؤه، وهو من أصح الناس جسماً وأطيبهم نفساً، إذ جرى ذكر الحسين بن علي قال يوحنا هذا الذي سألتك عنه، فقال موسى: إن الرافضة لتغلو فيه حتى أنهم فيما عرفت يجعلون تربته دواء يتداوون به. فقال له رجل من بني هاشم كان حاضراً: قد كانت بي علة غليظة فتعالجت لها بكل علاج فما نفعني، حتى وصف لي كاتبي أن آخذ من هذه التربة، فأخذتها فنفعني اللّه بها، وزال عني ما كنت أجده. قال: فبقي عندك منها شيء؟ قال: نعم، فوجه من جاء منها بقطعة، فناولها موسى بن عيسى فأخذها موسى فاستدخلها دبره استهزاء بمن تداوى بها، واحتقاراً وتصغيراً لهذا الرجل الذي هذه تربته - يعني الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)-، فما هو إلا أن استدخلها دبره حتى صاح: النار النار، الطست الطست فجئناه بالطست فأخرج فيها ما تری، فانصرف الندماء وصار المجلس مأتماً، فأقبل على سابور فقال: انظر هل لك فيه حيلة؟ فدعوت بشمعة، فنظرت فإذا كبده وطحاله ورئته وفؤاده خرج منه في الطست، فنظرت إلى أمر عظيم، فقلت: ما لأحد في هذا صنع إلا أن يكون لعيسى الذي كان يحيي الموتى، فقال لي سابور: صدقت، ولكن كن هاهنا في الدار إلى أن يتبين ما يكون من أمره، فبت عندهم وهو بتلك الحال ما رفع رأسه، فمات وقت السحر. قال محمّد بن موسى: قال لي موسى بن سريع كان يوحنا يزور قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو على دينه، ثم أسلم بعد هذا وحسن إسلامه».

ص: 133

ص: 134

الفصل التاسع: في خبر السيد نعمة اللّه فيها

وَذَكَر المُحَدِّثُ الجَزَائِرِي(1)***فَقَالَ: زُرْتُ مَعْ أَحْ لِي زَائِرِ

ص: 135


1- السيد نعمة اللّه بن عبد اللّه الجزائري الموسوي التستري: «وُلد في الصباغية، قرية من قرى الجزائر من أعمال البصرة سنة ( 1050 ه)، وتوفي سنة (1112 ه)، وكان قد توجه من تستر إلى زيارة الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم رجع حتى وصل إلى جايدر - من أعمال الفيلية - فتُوفي بها، ودفن هناك وبُنيت عليه قبة، فوقفوا له أوقافاً، وقبره إلى الآن مزور معمور. ذكره حفيده السيد عبد اللّه فقال: كان من مبدأ نشوئه إلى آخر عمره مولعاً بطلب العلم، ونشره وترويجه، كدوداً لا يفتر عنه ولا يمل، وكان في أسفاره يستصحب ما يقدر عليه من الكتب، فإذا نزلت القافلة وضعها واشتغل بها إلى وقت الرحيل، وربما كان يطالع في الكتاب وهو راكب. وفي (تتمة أمل الآمل): أحسن من ترجمه حفيده في (تحفة العالم) وهو كتاب في التاريخ فارسي قال بعد سرد نسبه كل آباء هذا الفاضل علماء إمامية أجلاء أتقياء». (أعيان الشيعة: 226/10 - 227، وينظر في ترجمته أيضاً: أمل الآمل: 336/2 طرائف المقال: 66/1، تكملة أمل الآمل: 163/6، الكنى والألقاب: 330/2، :الأعلام 39/8، معجم المؤلّفين: 110/13، تلامذة المجلسي: 139).

حَتَى إذَا جَنَّنَا حَمَى الشَّهِيدِ***حَضَرْتُهُ فِي رَمَدِ شَدِيد

بِحَيْثُ لَا أُبْصِرُ فِيْهِ مَنْهَجِي***إلا بقائد يَرُوحُ وَيَجِي

فَجَاءَ بِي يَوْماً ضَريحَ الحائري***وَجَاءَ خَادِمٌ لِكَنْسِ الدَائِر

فَلتُ مِنْهُ بَعْضَ مَا أَصَابَا***ثُمَّ كَحَلْتُ أَعْيُنِي تُرَابَا

حَتَّى إِذَا فَتَحْتُها لَمْ أَرَمَا***عَهِدْتُ فِيْهَا حُمْرَةً أَوْ وَرَمَا

وَصِرْتُ أَرْنُوْ أَصْغَرَ الحُطَامِ***بِمُقْلَةٍ كَمُقْلَةِ القِطَامِ

وَقَدْ خَزَنَتُ الفَضْلَ فِي زُجَاجَة***أُكْحِلُ مِنْهُ العَيْنَ عِندَ الحَاجَة

فَهَا أَنَا وَالسِّنَّ نَالَتْ مِنِّي***عَيْنَايَ لَا تُناسِبَانِ سِنِّي

أَكْتُبُ مَا شِئْتُ مِنَ التَأْلَيْفِ***بِلَأسَامَةِ وَلَا تَكْلَيْف (1)

ص: 136


1- السيد نعمة اللّه الجزائري وشفائه من الرمد ببركة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): روى السيد نعمة اللّه الجزائري هذه الحكاية في كتابه (زهر الربيع: 250) إذ قال ما نصه: «وكان قد أصابني ضعف في الباصرة فحضرت زيارة عاشورا تحت قبة سيد الشهداء عليه أفضل الصلوات، فلما خرج زوّاره في اليوم الثاني أو الثالث كنس الخدَمة الروضة المطهرة عن التراب؛ ليضعوا الفرش، فوقفت أنا وجماعة تحت القبة الشريفة فثار غبار لم نتراءى من تحته، ففتحت عيني حتى امتلأت من ذلك التراب، فما خرجت من الروضة إلا وعيناي كالمصباح المتوقّد، وإلى الآن ما أعالج وجع العين إلا بالتكحل من ذلك التراب».

الفصل العاشر: في خبر السيد مصطفى الكاشي فيها

وَقَالَ ذُو الفَضْلُ الشَّهِيرُ القَاشِي***المُصْطَفَى نَجْلُ الحُسَيْن الكاشِيْ (1)

ص: 137


1- السيد مصطفى ابن السيد حسين الكاشاني الطهراني النجفي: العالم، الشاعر الأديب، أحد مشاهير علماء النجف، وُلد حدود سنة (1268ه) في كاشان، وتوفي في الكاظمية سنة (1336ه)، ودُفن بها في المقبرة التي كان أعدها لنفسه بين الإيوان القبلي وصحن قريش، وأقيمت له مجالس الفاتحة في العراق وإيران، ورثاه الشعراء. ترجم له الشيخ السماوي في (الطليعة) فقال: فاضل العصر علماً، وبحره فضلاً، وطوده حلماً، وأديب باللسانين نثراً ونظماً، رأيته شيخاً قد حلّ الدهر سبكه، وترك له تقاه ونسكه، ولكن لم يستطع مقاومة همته العالية، فهو اليوم واقف نفسه لقضاء حوائج الإخوان عند السلطان، دافع نفسه في مضائق لا يصلها كل إنسان، له ديوانا شعر ديوان بالفارسية، وديوان بالعربية كله مديح لأهل بيت النبوة (عَلَيهِم السَّلَامُ). ولد سلّمه اللّه في حدود سنة ألف ومائتين وستين كما أخبرني به ولده المذكور، وقد جاء نعيه إلى النجف وأنه تُوفي بالكاظمين لليلتين بقيتا من شهر رمضان من سنة (1332ه). (الطليعة: 322/2، أعيان الشيعة: 127/10 كلاهما بتصرف يسير، وينظر ترجمته: معارف الرجال: 13/3، أدب الطف: 18/9، الأعلام: 248/12). ملحوظة : ترجم له الكثير من الباحثين وذكروا: أن وفاة المترجَم كانت في سنة (1336ه) ليلة الثلاثاء 19 رمضان وذلك في بلد الكاظمية، ولعل الشيخ السماوي اشتبه عليه أو زلّت جرّة القلم في سنة وفاته، فالسيد ممن خرج في سنة (1333ه) إلى الجهاد متجهاً نحو البصرة والشعيبة، وقد أبلى بلاءً حسناً هناك كإخوانه أمثال: السيد الداماد، وشيخ الشريعة، والسيد مهدي الحيدري، وإخوانهم المؤمنين. و كان المترجم ممن يؤخذ برأيه وتدبيره، وعند رجوعه أقام بالكاظمية، وكان الوجه الناصع في البلد، تأتم به الناس في صلاته. (ينظر : مستدركات أعيان الشيعة : 2/ 334).

فِي سَنَةِ النَّفِيْرِ حِيْنَ عَمَّا***رِمَدتُ منْ قَبْلُ فَکِدْتُ أَعْمَى

وَلَمْ يُفِدْنِي فِي الدَّوَا مُعَالِج***مِمَّنْ لَهُ اسْمٌ فِي العِلَاحِ رَائِج

فَظَلْتُ عَامَيْنِ بِحَالٍ تُبكي***مَعْ أَنَّني لَمْ أُظْهِرِ التّشَكَّي

حَتَّى إِذَا أَعْيَتْ عَلَيَّ حِيَلي***جئْتُ إِلَى قَبْرِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِي

ثُمَّ كَحَلْتُ الطَّرْفَ منْ تُرَابِهِ***مُسْتَشْفِياً مِنْ غُبْرَةٍ تُرَى بِهِ

فَعَادَت العَيْنُ كَمَا تَرَاها***صَحِيحَةً بَعْدَ الَّذي عَرَاها (1)

ص: 138


1- شفاء السيد مصطفى الكاشي بتربة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): قال الشيخ السماوي (رَحمهُ اللّه) في الطليعة (324/2) ما نصه: «أخبرني ولده الفاضل السيد أبو القاسم: أن أباه السيد مصطفى رمدت عيناه وعجز الأطباء عنها، وأيسوا منها حتى استجار بأمير المؤمنين وولده،الحسين، فأخذ من تراب قبريهما واكتحل به فبرئتا، كما ذكر في شعره، وكما رأيته أنا صحيحاً سوياً».

ثُمَّ أراني حينَ أَنْهَى كَلمَة***ديوَانَ شِعْرِهِ الذِي قَدْ نَظَمَهْ

وَفِيْهِ شِعْرٌ يَمْدَحُ الحُسَيْنا***مَديحَ شُكْرِ إِذْ أَصَحَ العَيْنا

مُكَرِّراً ذَلِكَ فِي قَصَائِدْ***بِالشُّكْرِ مِنْهُ وَهْيَ خَيْرُ شَاهِدٌ (1)

ص: 139


1- نماذج من شعر السيد مصطفى الكاشي: قال الشيخ السماوي في ترجمته (رَحمهُ اللّه) أن له ديوانا شعر ديوان في الفارسية، وديوان شعر في العربية، كله مديح لآل بيت النبوة (عَلَيهِم السَّلَامُ) منه قوله في رمد أصابه: وحُزْ الفخرَ والعُلى بعلي***واقضَينَ في مديحهِ الأوطارا أنتَ شرّفت زمزماً والمُصلّى***بل وركنَ الحطيم المستجارا حازتْ الكعبةُ التي خارها اللّهُ***بميلادِك السعيدِ فخارا لو على الأرضِ منك قطرةُ علمٍ***نزلتْ عادتْ القفارَ بحارا أنتَ مولى الورى بما نصّ خيرُ***الرُّسل يومَ الغديرِ فيكَ جهارا أيها المرتضى فداؤك كل الكونِ***لا زلتَ للورى مُستجارا رَمَد قد أذلّني عند عامٍ***وتداويتُ***فيهِ منهُ مرارا لم يزدني الدواءُ إلا سقاماً***لم يفدني العلاجُ إلا خسارا فأعِد نورها فإنَّك مولى***قد ملكتَ الأسماعَ والأبصارا قال: وهي طويلة. ومن شعره: أشمسُ أفقٍ تبدت أم مُحيّاك***والمسكُ قد ضاعَ لي أم نشرُ سريتُ والليلَ داجٍ جُنحَ ظلمته***ثُمَّ اهتديتُ ببرقٍ من ثناياكِ رميتِ قلبي بسهم الحظ فاتكةً***أما علمتِ بأنَّ القلبَ مثواكِ فتكتِ بالصبِّ من هذا الصدودِ فمن***بالصدِّ أوصاكِ أو بالفتكِ أفتاكِ كذي فقار علي يومَ سُلَّ على***أصحابِ بغيٍ وإلحادٍ وإشراكِ مولى الأنامِ الذي طافتْ بحضرته***كرامُ رسُلٍ أولي عزمٍ وأملاكِ معارجُ المصطفى الأفلاكُ يصعدها***ومنكبُ المصطفى معراجُه الزاكي وكل قصائده طوال، وله غير ذلك من مراث حسينية. (ينظر: الطليعة: 323/2 ،324).

ص: 140

الفصل الحادي عشر: في خبر الناظم فيها

وَقَدْ حَضَرْتُ حَفْرَ قَبْرِ لِعَلِيْ***ابْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ وَهَّابِ الجَلِيْ

الفائزيِّ(1) عِنْدَ بابِ الرّأسِ***خَلْفَ حَبيب ذي النَّدى والبَاسِ

فَأَخْرَجُوا فِي الحَفْرِ تُرْباً أَحْمَرًا***يَفُوْحُ مِنْهُ مَا يَفُوْقَ العَنْبَرا

وَنَلْتُ مِنْهُ قَدَراً كَثيرا***وَعُدْتُ لِلْأَهْلِ بِهِ قَرِيرا

فَمَا رَأَيْتُ سُقْماً إِلَّا وَقَدْ***شَفَيْتُ فِيْهِ كلَّ أَعْضَاءِ الجَسَدْ

مِني وَمِمَّنْ رَامَ مِنِّي وَطَلَبْ***وَحَاوَلَ الشَّفَاء مِنْ ذَاكَ السَّبَب

والتُّرْبُ حِيْنَ نَلْتُهُ رَطَيْبُ***وَكُلَّما جَفَّ يَزُولُ الطَّيبُ

لكنَّما الشَّفاء لَمْ يَخْتَلِف***حَتَّى انْزَوَى عَنِّي فَيَا لَلْأَسَفِ

ص: 141


1- هو السيد على بن سليمان بن عبد الوهاب من سلالة آل السيد يوسف الموسويين من آل زحيك الحائري، الذين هم من سلالة الإمام الكاظم (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال صاحب (الطليعة) فيه عند ذكر أحوال ولده ما نصّه: «كان أبو هذا الفاضل - عبد الوهاب - من خدمة الروضة الحسينية أباً فأبا، وكان ذا وجاهة وشأن عن الحكومة والأهالي...». (ينظر: الطليعة: 1/ 541).

هذا وَهَذا البَابُ جِدُّ وَاسعِ***مُجَرَّبِّ لِنَاظِرٍ وَسَامِعِ

فَإِنْ تَشَأْ فَلَاحِظِ الأَخْبَارَا(1) وإِن تَشَأْ فَجَرب الغُبَارَا

ص: 142


1- ينظر في ذلك ما أوردناه من الأخبار في الفصل السابع، والتاسع، والعاشر من الباب الثاني.

الباب الثالث: في تعيين المرقد وماجرياته وفضل الزيارة

اشارة

ص: 143

ص: 144

إشارة:

باب به التَّعْيِينُ والزَّيارةْ

وَفَضْلُها وَمَنْ أَتَى ديَارَهُ

***

لَمّا قَضَى القَتْلُ عَلَى الحُسَيْن***وَشِيْلَ رَأْسُهُ عَلَى الرُّدَيْنِي (1)

وَوَطَأَتْ خَيْلُ العدا جُثْمَانَهُ***وسِيْرَ عَنْهُ وَثَوَى مَكَانَهُ (2)

ص: 145


1- الرديني: القناة والرمح القناة الردينية، والرمح الرديني، زعموا أنه منسوب إلى امرأة السمهري تسمّى ردينة كانا يقوِّمان القنا بخط هجر. (ينظر : صحاح الجوهري : 2122/5).
2- بعض ما حدث بعد مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قال السيد ابن طاووس في (اللهوف في قتلى الطفوف: 79): «... ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه من ينتدب للحسين فيواطئ الخيل ظهره وصدره، فانتدب منهم عشرة، وهم: إسحاق بن حوبة الذي سلب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قميصه، وأخنس بن مرثد، وحكيم بن طفيل السنبسي، وعمر بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن منقذ العبدي، وسالم بن خثيمة [ خيثمة - ظ -] الجعفي، وواحظ بن ناعم، وصالح بن وهب الجعفي، وهاني بن شبث الحضرمي، وأسيد بن مالك (لعنهم اللّه) فداسوا الحسين بحوافر خيلهم حتى رضّوا صدره وظهره. قال الراوي: وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد، فقال أسيد بن مالك - أحد العشرة عليهم لعائن اللّه - : نحنُ رضضنا الصدرَ بعد الظَهرِ***بكلِ يعبوبٍ شديدِ الأسرِ فقال ابن زياد: من أنتم؟ قالوا: نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنّا حناجر،صدره قال فأمر لهم بجائزة يسيرة. قال أبو عمر الزاهد: فنظرنا إلى هؤلاء العشرة فوجدناهم جميعاً أولاد زناء، وهؤلاء أخذهم المختار فشدّ أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد، وأوطأ الخيل ظهورهم حتى هلكوا».

تَحْفُهُ مِنْ رَهْطِهِ جُسُوْمُ***كَمَا تَحُفُّ القَمَرَ النُّجُوْم (1)

ص: 146


1- وهم الذين استشهدوا معه من أهل بيته وأصحابه الكرام البررة (صلوات اللّه عليه وعليهم). فأمّا الشهداء من أهل بيته (عَلَيهِم السَّلَامُ) بحسب ما ذكره الشيخ المفيد (رَحمهُ اللّه) فهم : «... العباس وعبد اللّه وجعفر وعثمان بنو أمير المؤمنين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، أمهم أم البنين. وعبد اللّه وأبو بكر ابنا أمير المؤمنين (عَلَيهِم السَّلَامُ)، لهم أمهما ليلى بنت مسعود الثقفية. وعلي وعبد اللّه ابنا الحسين بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ). والقاسم وأبو بكر و عبد اللّه بنو الحسن بن علي (عَلَيهِم السَّلَامُ). ومحمّد وعون ابنا عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب رحمة اللّه عليهم. وعبد اللّه وجعفر وعبد الرحمن بنو عقيل بن أبي طالب. ومحمّد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب رحمة اللّه عليهم أجمعين. فهؤلاء سبعة عشر نفساً من بني هاشم - رضوان اللّه عليهم أجمعين - إخوة الحسين وبنو أخيه وبنو عمَّيه جعفر وعقيل، وهم كلهم مدفونون مما يلي رجلي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مشهده، حُفر لهم حفيرة وألقوا فيها جميعاً وسوي عليهم التراب، إلا العباس بن علي رضوان اللّه عليه فإنه دُفن في موضع مقتله على المسنّاة بطريق الغاضرية وقبره ظاهر، وليس لقبور إخوته وأهله الذين سمّيناهم أثر، وإنما يزورهم الزائر من عند قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويومئ إلى الأرض التي نحو رجليه بالسلام، وعلي ابن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جملتهم، ويقال : إنه أقربهم دفناً إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). فأما أصحاب الحسين رحمة اللّه عليهم الذين قُتلوا معه، فإنهم دُفنوا حوله...». (الإرشاد: 2/ 125 - 126). ملحوظة: وقد ألفت فيهم وفي ذكر أحوالهم مصنفات عدة منها: كتاب (إبصار العين في أنصار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) للشيخ السماوي (رَحمهُ اللّه)، وكتاب (أنصار الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)) للشيخ محمّد مهدي شمس الدين وغيرها. وسيأتي في الباب السابع: في ذكر من دُفن في كربلاء وتعداد الشهداء وذكر أسمائهم، فلاحظ.

جَاءَتْ بَنُو غَاضِرَة (1) إِلَى الجُثَتْ***بَعْدَ ثَلَاثٍ لَتُوَارِيها الجَدَثْ

وأَرْبَأَتْ عَيْناً عَلَى الطَّريق***يَنْظُرُ مِنْ خَوْفٍ عَلَى الفَرِيقِ

ص: 147


1- غاضرة: بطن من الهون بن خزيمة بن مدركة من العدنانية، وهم غاضرة ابن بغض بن ريث بن غطفان بن سعد، تُنسب إليهم قرية من نواحي الكوفة، تُدعى: الغاضرية. (ينظر: معجم قبائل العرب: 874/3).

فَحَفَرَتْ إِذَاهُ كَي تُوَارِيَة***حفيْرَةً ثُمَّ أَنَتْ بِبَارِيَة

فَوَضَعَتْهُ فَوْقَهَا وأُنْزِلَا***لَمَهْبط الرُّوحِ وَمَعْرَاجِ العُلا

وَقَرَبَتْ مِنْ قَدَمَيْهِ نَجْلَهُ***وَمَنْ وَرَاهُ صَحْبَهُ وَرَجْلَهُ

وَوَارَتِ العَبَّاسَ فِي مَكَانِهِ***إِذْ لَمْ تُطقْ تَحْمِلُ مِنْ جُثْمَانه (1)دَلَالَةٌ مِنْ عَالِمٍ خَبِیرِ***بِهِ وبالأَصْحَابِ ذِي تَدْبَيْرِ

قَدْ عَلَّمَ القُبُورَ فِي عَلَائِمْ***لَمْ تَنْدَرِس إِلَى ظُهُورِ القَائِمُ (2)

ص: 148


1- قال الشيخ المفيد في (الإرشاد: 2/ 114): «ولمّا رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولاً بالغاضرية إلى الحسين وأصحابه رحمة اللّه عليهم، فصلّوا عليهم، ودفنوا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حيث قبره الآن، ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و جمعوهم فدفنوهم جميعاً معاً، ودفنوا العباس بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) في موضعه الذي قُتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن».
2- قصة كربلاء والوقائع المتأخرة عنه (عَلَيهِ السَّلَامُ) على ما قاله الإمام علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : في الرواية عن عبيد اللّه بن الفضل بن محمّد بن هلال عن سعيد بن محمّد، عن محمّد بن سلام الكوفي، عن أحمد بن محمّد الواسطي، عن عيسى بن أبي شيبة القاضي، عن نوح بن دراج، عن قدامة بن زائدة، عن أبيه قال: «قال علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : بلغني يا زائدة، أنك تزور قبر أبي عبد اللّه أحياناً؟ فقلت: إن ذلك لكما بلغك. فقال لي: فلماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذى لا يحتمل أحداً على محبتنا وتفضيلنا وذكر فضائلنا، والواجب على هذه الأمة من حقنا ؟ فقلت: واللّه ما أريد بذلك إلا اللّه ورسوله، ولا أحفل بسخط من سخط، ولا يكبر في صدري مكروه ينالني بسببه، فقال واللّه إن ذلك لكذلك. فقلت: واللّه إن ذلك لكذلك يقولها: ثلاثاً وأقولها: ثلاثاً. فقال: أبشر، ثمّ أبشر، ثمّ أبشر، فلأخبرنك بخبر كان عندي في النخب المخزون: إنه لمّا أصابنا بالطف ما أصابنا، وقُتل أبي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وقُتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يُراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا، فيعظم ذلك في صدري ويشتد لما أرى منهم قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى. فقالت: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟ فقلت: وكيف لا أجزع وأهلع؟ وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرّجين،بدمائهم مرمّلين بالعراء،مسلّبين، لا يُكفّنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجزعنك ما ترى فواللّه إن ذلك لعهد من رسول اللّه إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ اللّه ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يُدرس أثره، ولا يعفو رسمه على كرور على كرور الليالي والأيام، وليجتهدت أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره إلا علواً. فقلت: وما هذا العهد؟ وما هذا الخبر؟ فقالت: حدّثتني أم أيمن أن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) زار منزل فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ) في يوم من الأيام فعملت له حريرة وأتاه علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بطبق فيه تمر، ثم قالت أم أيمن: فأتيتهم بعس فيه لبن وزبد، فأكل رسول اللّه وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عَلَيهِم السَّلَامُ) من تلك الحريرة، وشرب رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وشربوا من ذلك اللبن، ثم أكل وأكلوا من ذلك التمر بالزبد، ثم غسل رسول اللّه يده وعلى يصب عليه الماء، فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه، ثم نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين نظراً عرفنا فيه السرور في وجهه، ثم رمق بطرفه نحو السماء ملياً، ثم وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه يدعو، ثم خرّ ساجداً، وهو ينشج فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر، فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين وحزنت معهم لما رأينا من رسول اللّه، وهبناه أن نسأله،حتى إذا طال ذلك قال له على وقالت له :فاطمة ما يبكيك يا رسول اللّه لا أبكى اللّه عينيك ؟ وقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك. فقال: يا أخي، سررت بكم - وقال مزاحم بن عبد الوارث في حديثه ههنا: - فقال: يا حبيبي، إني سررت بكم سروراً ما سررت مثله قط، وإني لأنظر إليكم وأحمد اللّه علىّ نعمته علي فيكم، إذ هبط علي جبرئيل فقال: يا محمّد، إن اللّه تبارك وتعالى إطلع على ما في نفسك، وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك، فأكمل لك النعمة، وهنأك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنّة لا يفرق بينك وبينهم، يحيون كما تحيى، ويعطون كما تعطى حتى ترضى وفوق الرضا، على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا، ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك ويزعمون أنهم من أمتك، براء من اللّه ومنك خبطاً خبطاً وقتلاً قتلاً، شتّى مصارعهم، نائية قبورهم، خيرة من اللّه لهم ولك فيهم، فاحمد اللّه (عزّوجلّ) على خيرته وارض بقضائه، فحمدت اللّه ورضيت بقضائه بما اختاره لكم. ثم قال جبرئیل: يا محمّد إن أخاك مضطهد بعدك، مغلوب على أمتك، متعوب من أعدائك، ثم مقتول بعدك يقتله أشر الخلق والخليقة، وأشقى البرية نظير عاقر الناقة ببلد تكون إليه،هجرته وهو مغرس شيعته وشيعة ولده، وفيه على كل حال يكثر،بلواهم ويعظم مصابهم، وإن سبطك هذا - وأومأ بيده إلى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)- المقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك، وأخيار من أمتك بضفة الفرات بأرض تدعى كربلاء، من أجلها يكثر الكرب والبلاء، على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا ينقضي كربه، ولا تُفنى حسرته، وهي أطهر بقاع الأرض، وأعظمها حرمة، وإنها لمن بطحاء الجنة...». (كامل الزيارات: 444، بحار الأنوار: 179/45 - 184 ح 30).

ص: 149

ص: 150

ص: 151

ثُمَّ أَتَتْ فِي يَومِ الأَرْبَعينا***عُصَابَةٌ لَهُ مُبَا يعيْنَا

فَبَاتَت اللَّيْلَةَ حَتَّى الصُّبْحاً***تَبْكِي وَتَبْكِي الخَيْلُ مَعْهَا ضَبْحَا

منْهُمْ سُلَيْمَانُ المُنْيْبُ ابْنُ صُرَدْ***وَمَنْ يُتِمُّ الأَرْبَعِيْنَ فِي العَدَدُ (1)

ص: 152


1- انتهاء سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قال أبو مخنف: حدّثنا الأعمش، قال: حدّثنا سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، قال: «لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه إلى قبر الحسين نادوا صيحة واحدة يا ربِّ، إنا قد خذلنا ابن بنت نبينا فاغفر لنا ما مضى منا وتب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم، وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين، وإنّنا نشهدك يا ربّ، إنّا على مثل ما قتلوا عليه، فإن لم تغفره لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. قال: فأقاموا عنده يوماً وليلة يصلّون عليه ويبكون ويتضرعون، فما إنفك الناس من يومهم ذلك يترحمون عليه وعلى أصحابه حتى صلّوا الغداة من الغد عند قبره، وزادهم ذلك حنقاً، ثم ركبوا فأمر سليمان الناس بالمسير، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسين فيقوم عليه فيترحم عليه ويستغفر له. قال: فواللّه لرأيتهم از د حموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر الأسود. قال: ووقف سليمان عند قبره، فكلما دعا له قوم و ترحموا عليه قال لهم المسيب بن نجبة وسليمان بن صرد: إلحقوا بإخوانكم رحمكم اللّه، فما زال كذلك حتى بقى نحو من ثلاثين من أصحابه، فأحاط سليمان بالقبر هو وأصحابه، فقال سليمان: الحمد للّه الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين، اللهم إذ حرمتناها معه فلا تحرمناها فيه بعده...». (ينظر: مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأبي مخنف : 290 - 291).

وَجَاءَ جابر لَهُ وَالعَوْفِي***عَطِيَّةٌ وَلَمْ يُبَل بالخَوْف

وَقَال الْمَسْنيْه يَعْني المَرْقَدَا***وَصَاحَ يَا فِلْذَةَ قَلْب أَحْمَدَا (1)

ص: 153


1- قصة ورود جابر بن عبد اللّه الأنصاري (رضیَ اللّهُ عنهُ) بكربلاء: قال الطبري في (بشارة المصطفى: 124 – 126 ح72): أخبرنا الشيخ الأمين أبو عبد اللّه محمّد بن شهريار الخازن بقراءتي عليه في مشهد مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شوال سنة اثنتي عشرة وخمسمائة... وساق السند إلى أن قال: عن الأعمش، عن عطية العوفي، قال: «خرجت مع جابر بن عبد اللّه الأنصاري (رَحمهُ اللّه) زائرين قبر الحسين بن علي بن أبي طالب، فلمّا وردنا كربلا دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ثم إتزر بإزار وارتدى بآخر، ثم فتح صرّة فيها سعد فنثرها على بدنه، ثم لم يخط خطوة إلا ذكر اللّه تعالى، حتى إذا دنا من القبر قال المسنيه فألمسته، فخر على القبر مغشياً عليه، فرششت عليه شيئاً من الماء، فلما أفاق قال يا حسين ثلاثاً، ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه، ثم قال: وأنى لك بالجواب وقد شُحطت أوداجك على أثباجك، وفرق بين بدنك ورأسك، فأشهد أنك ابن خاتم النبيين، وابن سيد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكسا، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة سيدة النساء، وما لك لا تكون هكذا وقد غذتك كف سيد المرسلين، ورُبيت في حجر المتقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفُطمت بالإسلام، فطبت حياً وطبت ميتاً، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيبة لفراقك ولا شاكة في الخيرة لك، فعليك سلام اللّه ورضوانه، وأشهد أنك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا. ثم جال ببصره حول القبر وقال: السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين وأناخت برحله، أشهد أنكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم اللّه حتى أتاكم اليقين، والذي بعث محمّداً بالحق نبياً لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه. قال عطية: فقلت له: يا جابر كيف ولم نهبط وادياً ولم نعلُ جبلاً ولم نضرب بسيف، والقوم قد فُرّق بين رؤوسهم وأبدانهم وأوتمت أولادهم وأرملت أزواجهم ؟ فقال لي: يا عطية، سمعت حبيبي رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول: من أحب قوماً حُشر معهم، ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم، والذي بعث محمّداً بالحق نبياً إن نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأصحابه، خذني نحو أبيات كوفان. فلمّا صرنا في بعض الطريق قال لي: يا عطية، هل أوصيك وما أظن أنني بعد هذه السفرة ملاقيك أحبب محب آل محمّد (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) ما أحبهم، وابغض مبغض آل محمّد ما أبغضهم، وإن كان صواماً قواماً، وارفق بمحب محمّد وآل محمّد، فإنه إن تزل له قدم بكثرة ذنوبه ثبتت له أخرى بمحبتهم، فإن محبهم يعود إلى الجنّة، ومبغضهم يعود إلى النار». ملحوظة: قول جابر (رضیَ اللّهُ عنهُ)العطية العوفي المسنيه - يعني القبر - يدل على أنّ القبر الشريف كان قد أعلِمَ بعلامة أو كان بارزاً.

ص: 154

وَجَاءَ بَعْدَ ذَلكَ المُخْتَارُ***حِيْنَ دَعَاهُ والجنُوْدَ النَّارُ (1)

وَعَمَّرَ المَسْجِدَ فَوْقَ الجَدَثِ***فَهْوَ إِذَنْ أَوَّلُ شَيءٍ مُحْدَثِ

وَبَقِيَ المَسْجِدُ حَوْلَ المَرْقَدِ***إِذْ كَانَ قَدْ أُسِّسَ التَّعَبُّد (2)

ص: 155


1- قال - أي الراوي- : ولمّا وصل - المختار - إلى القادسية عدل عنها إلى كربلاء، واغتسل ولبس ثياب الزيارة، وسلّم على قبر الحسين، واعتنقه وقبله وبكي، وقال: يا سيدي، آليت بجدك المصطفى وأبيك،المرتضى، وأمك الزهراء، وأخيك الحسن المجتبى، ومن قتل من أهل بيتك وشيعتك في كربلاء، لا أكلت طيب،الطعام، ولا شربت لذيذ الشراب ولا نمت على وطىء المهاد، ولا خلعت عن جسدي هذه الأبراد، حتى أنتقم لك ممن قتلك، أو أقتل كما قتلت، فقبّح اللّه العيش بعدك...». (ينظر : مقتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) للخوارزمي: 2/ 214). ملحوظة : قول المختار: (واعتنقه وقبّله وبكي...) أيضاً يدل على أنّ القبر الشريف كان قد أعلم بعلامة، أو كان بارزاً.
2- «وفي سنة (66 ه) وعندما استولى المختار بن أبي عبيدة الثقفي على الكوفة عمّر على مرقده الشريف قبة من الجص والآجر، وقد تولّى ذلك محمّد بن إبراهيم بن مالك الأشتر، واتخذ قرية من حوله، وكان للمرقد بابان: شرقي وغربي، وبقي - على ما قيل - حتى عهد هارون الرشيد. ويقول السيد محمّد بن أبي طالب وقد كان بني على قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مسجد ولم يزل كذلك بعد بني أمية، وفي زمن بني العباس إلا على زمن هارون الرشيد، فإنه خربّه وقطع السدرة التي كانت نابتة عنده وكرب موضع القبر. ونقل سركيس: أن المختار أحاط القبر الشريف بحائط المسجد، وبنى عليه قبة بالآجر والجص ذات بابين». (دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد: 1/ 250- 252).

وَلَمْ يَزَلْ يُزَارُ فِي جَنَاحَ***حَتَّى أَتَى المُلْكُ إِلَى السَّفَاحِ (1)

فَبَانَ قَبْرٌ وَبَدَا مَحلُّ***وَسِدْرَةٌ مِنْ حَوْله تُظِلُّ

وَاغْتَنَمَتْ شِيْعَتُهُ الزِّيَارَةْ***فَلَمْ تَزَلَ سَرَايَةٌ (2) سَيَّارَةْ (3)

ص: 156


1- أبو العباس السفاح: «هو عبد اللّه بن محمّد بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب (104 - 136 ه / 722 - 754م)، أول خلفاء الدولة العباسية، وأحد الجبارين الدهاة من ملوك العرب. ولد ونشأ بالشراة - بين الشام والمدينة - وقام بدعوته أبو مسلم الخراساني مقوّض عرش الدولة الأموية، فبويع له بالخلافة جهراً في الكوفة سنة (132ه)، وصفا له الملك بعد مقتل مروان بن محمّد آخر ملوك الأمويين في الشام... . وكان شديد العقوبة، عظيم الانتقام، تتّبع بقايا الأمويين بالقتل والصلب والإحراق حتى لم يبق منهم غير الأطفال والجالين إلى الأندلس... ومرض بالجدري فتوفي شاباً بالأنبار..... (ينظر: الأعلام: 116/4).
2- سرّاية الليل، والجمع السرى (ينظر : مجمع البحرين: 369/2). والمقصود من (سرّاية سيّارة): هو السير بالليل.
3- لم يزل القبر الشريف بعد سقوط بني أمية بعيداً عن كل تخريب وانتهاك لحرمته؛ وذلك لانشغال بني العباس – وخاصة في مدة مُلك السفاح - بإدارة شؤون دولتهم الجديدة، وتوطيد ملكهم، ولظهورهم بادئ الأمر بشعار الطلب بثأر آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وإرجاع الحق لهم. وقد كان القائمون بالدعوة من أهل خراسان، والمعروف أن أكثر هؤلاء كانوا من أنصار آل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) وقد توارد الزائرون لقبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من شيعته في تلك المدة جهراً ودون خوف، بعد أن كان زواره يزورونه خفية مع يلاقونه من المصاعب والأخطار.

حتَّى إِذا المَنْصُورٌ (1) حَلَّ قَصْرًا***لابنِ هُبَيرةٍ (2) يُنَاصِي القَبْرا

ص: 157


1- المنصور العباسي (95 - 158 ه): «عبد اللّه بن محمّد بن علي بن العباس أبو جعفر المنصور: ثاني خلفاء بني العباس، ولد في الحميمة من أرض الشراة - قرب معان-، وولي الخلافة بعد وفاة أخيه السفّاح سنة (136ه)، وهو باني مدينة بغداد أمر بتخطيطها سنة (145ه) وجعلها دار ملکه بدلا من (الهاشمية) التي بناها السفّاح. وهو والد الخلفاء العباسيين جميعاً... قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه. توفي ببئر ميمون - من أرض مكة - محرماً بالحج، ودفن في الحجون – بمكة-، ومدة خلافته 22 عاماً». (ينظر: الأعلام (117/4).
2- قصر ابن هبيرة: «يُنسب إلى يزيد بن عمر بن هبيرة... ابن ريث بن غطفان، كان لمّا وُلي العراق من قبل مروان بن محمّد بن مروان بنى على فرات الكوفة مدينة فنزلها، ولم يستتمها حتى كتب إليه مروان بن محمّد يأمره بالاجتناب عن مجاورة أهل الكوفة، فتركها وبنى قصره المعروف به بالقرب من جسر سورا، فلمّا ملك السفاح نزله واستتم تسقيف مقاصير فيه وزاد في بنائه وسمّاه الهاشمية، وكان الناس لا يقولون إلا قصر ابن هبيرة على العادة الأولى، فقال: ما أرى ذكر ابن هبيرة يسقط عنه، فرفضه وبنى حياله مدينة ونزلها أيضاً المنصور، واستتم بناء كان قد بقي فيها وزاد فيها أشياء وجعلها على ما أراد، ثم تحول منها إلى بغداد فبنى مدينة وسماها مدينة السلام». (معجم البلدان: 365/4).

أَغَاهُ تَوَافُدُ الأَنامِ***لِذَلِكَ المَرْقَدِ والمَقَامِ

فَنَدَبَ ابْنَ العَمَ مِنهُ مُوسَى (1)***لحَرْثِهِ فَجَاءَهُ مَرْمُوسَا

ص: 158


1- هو موسى بن عيسى بن موسى بن محمّد العباسي الهاشمي مرت ترجمته في الفصل الثامن، وفيها أنه وُلي الحرمين للمنصور والمهدي مدة طويلة، ووُلي مصر للرشيد وصُرف عنها (سنة 172ه) فعاد إلى العراق، فولاه الرشيد الكوفة فدمشق، ثم أعيد ثانية إلى إمرة مصر... . ملحوظة: إن الذي يُفهم من الأبيات المذكورة أن المنصور العباسي أراد حرث ونبش قبر الامام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلا أن ذلك لم يحدث. والمشهور أن نبش قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) كان في زمن الرشيد العباسي كما ذكرت ذلك عام-ة المصادر التاريخية، وليس في زمن المنصور والناظم (رَحمهُ اللّه) أعرف بذلك.

فَكَفْكَفَ المَنْصُوْرُ مِنْ غَلْوَائه***وَتَرَكَ البَرْدَ عَلَى انْطَوَائه (1)

ص: 159


1- كذا ذكر الناظم (رَحمهُ اللّه)، ولم أعثر على تفصيل ما ذكر وأيضاً لم يورده من كَتَب في تاريخ كربلاء، فضلاً عن أمّات مصادر التاريخ المعتبرة للخاصة والعامة، ولعلّي أعثر على ذلك مستقبلاً في الطبعة القادمة بتوفيقه تعالى. والذي نقوله وهو من اليقين الذي نقلته كتب السِيَر والتاريخ هو بغض المنصور المفرط لآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، لذا فما رجزه لنا الناظم (رَحمهُ اللّه) من أفعال المنصور المشينة بقبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ليس بالأمر البعيد. وأنقل هنا ما ذكره السيد تحسين آل شبيب في كتابه (مرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)عبر التاريخ : 122 – 124) تحت عنوان: (الحائر الحسيني في عهد المنصور)، قال: «عندما تولّى العباسيون السلطة، وتمكنوا من القضاء التام على خصومهم الأمويين، أرادوا التقرب إلى العلويين، وخصوصاً في عهد السفاح الذي فسح المجال لزيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فلم يزل البناء والمسجد والقبر المطهر بعيداً عن انتهاكات العباسيين في بداية دولتهم، لكن في زمن الخليفة المنصور صاروا يجاهرون بمعاداتهم للعلويين والتضييق عليهم، فنكّل المنصور بآل الحسن، فمنهم من قُتل ومنهم من هرب على وجه، متذرعاً بالثورة عليه التي قام بها محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بالمدينة، وأخوه إبراهيم الذي ثار من بعده في البصرة، كما أراد التخلص من بيعة كانت في عنقه لمحمّد بن عبد اللّه بن الحسن الملقب بالنفس الزكية. ولما انتهت هاتان الثورتان بالفشل تفرغ للتنكيل بآل علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فزج عدداً كبيراً منهم في السجن، ثم تجاوز باعتداءاته على العلويين حتى طالت القبر الشريف للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ). ففي رواية صفوان الجمال قال: أخبرَني مولى لنا عن مولى لبني عباس، قال: قال لي أبو جعفر المنصور: خذ معك معولاً وزنبيلاً وامض معى قال: أخذت ما قال وذهبت معه ليلاً، حتى ورد الغرى فإذا بقبر، فقال احفر، فحفرت حتى بلغت اللحد..» (ينظر: مروج الذهب: 326/3، 328، 329).

حَتَّى أَتَى الرَّشيدُ فَاسْتَشَاطَا***إِذْ أَفْرَطَ الوَفْدُ لَهُ إِفْرَاطَا (1)

وَإِذْ مَضَى شاعرُهُ المَنْصُوْرُ***للطَّف فِي مُحَرَّمِ يَزُوْرُ (2)

ص: 160


1- قال المرزباني الخراساني في (مختصر أخبار شعراء الشيعة: 84) ما نصه: «... ولما وقع أبو عصمة الشيعي بأهل ديار ربيعة - وكان الرشيد أمره بذلك-، فأوفدت ربيعة إلى الرشيد وفداً مئة رجل فيهم النمري، فلما صاروا إلى بابه قال: تخيروا من هذه العدة النصف، ففعلوا فقال يكثرون فاختاروا منهم الربع فاستكثرهم فاختاروا عشرة النمري منهم، ثم من العشرة اثنان النمري أحدهما، فلما دخلا قال: قولا ما تريدان، فاندفع النمري... إلى أن قال له الرشيد: ويحك قل حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين أخربت الديار، وأخذت الأموال، وقُتل الرجال، وهُتك الحرم، فقال: اكتبوا له بكل ما يريد وأمر له بعشرة آلاف درهم ولجميع أصحابه بمثلها، واحتبسه وشخص أصحابه فقضيت حوائجهم ».
2- هو منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك بن مطعم بن مالك النمري: ذكره السيد الأمين العاملي في (أعيان الشيعة) فقال: «منصور بن سلمة بن الزبرقان بن شريك بن مطعم الكبش الرخم بن مالك النمري من النمر بن قاسط من نزار. وكان عربي الألفاظ جيد الشعر وقيل: ما كسب أحد بالشعر كسبه، مدح الخلفاء مع أنه كان يسرّ التشيع، فإذا ظهر عليه أسهب بمدح بني العباس إلا أنه ظهرت أشعاره بعد موته. ... قال: ولم يأخذ أحد من الرشيد ولا تقدم عنده مثله، وأعجب به عجباً شديداً، ولقبه خال العباس بن عبد المطلب، ولم يزل عنده يقول الشعر فيه وفي عيسى بن جعفر، حتى استأذن له في أن يرى أهله برأس عين فأذن له. ومن شعره (رَحمهُ اللّه) يرثي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : متى يشفيك دمعُك من همولِ***ويبردُ ما بقلبك من غليلِ ألا يا ربَّ ذي حزنٍ تعايا***بصبرٍ فاستراح إلى العويل قتيلٌ ما قتيلُ بني زيادٍ***ألا بأبي وأمي من قتيل ِ رویدَ ابن الدعي وما أدعاه***سيلقى ما تسلف عن قليلِ غدت بيضُ الصفائحِ والعوالي***بأيدي كلِ مؤتشبٍ دخيلِ معاشرٌ أودعت أيامَ بدرٍ***صدورَهم وديعاتِ الغليلِ فلما أمكن الإسلامُ شدّوا***عليه شدةَ الحنقِ الصؤولِ فوافوا كربلاءَ مع المنايا***بمرداةٍ مسوّمةِ الخيولِ ... إلخ. ثم قال المرزباني، وقيل: إن الرشيد أنشد هذه القصيدة، فامتعض وأمر من يقتل النمري، فوجده الرسول قد مات، فقال: خلّصه الموت». (مختصر أخبار شعراء الشيعة 84-86 بتصرف يسير أعيان الشيعة: 10/ 138 وينظر في ترجمته أمالي السيد المرتضى: 184/4، الكنى والألقاب: 246/3،، معجم المؤلّفين: 13/13). ملحوظة: لم نعثر على خبر زيارة المنصور - الشاعر هذا - لقبر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فيما لدينا من المصادر، والناظم (رَحمهُ اللّه) أعرف بما ذكر.

ص: 161

وَيُوْسُفٌ وأَكْثَرُ البِطَانَةْ***مِمَّنْ يَعُدُّهُمْ لَهُ أَعْوَانَهْ

فَنَكَثَ الحَبْلَ بِلَا اكْتِرَاثِ***وَمَنَعَ البُكَاءَ وَالمَرَاثي

وَقَتَل المَنْصُوْرَ حِيْنَ اسْتَأْذَنا***للشُّرْب ثُمَّ زَارَ لَيْلاً مُوهنا

وَمَا بِهِ إلى الشَّرابِ مَيْلُ***لكن ليُخْفي ما يُريدُ اللَّيْلُ

واسْتَأْصَلَ المُوْلَعَ بالزِّيَارَة***وَمَنْ بَنَى في كَربَلا دِيَارَهُ

وَقَطَع السَّدْرَةَ عِنْدَ المَبْنَى***وَلَمْ يُبَال في الحديث اللَّعْنَا (1)

ص: 162


1- قال الشيخ الطوسي في (أماليه : 325 - ح 98/651) ما نصه: أخبرنا ابن خشيش، عن محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن هاشم الإبلي، قال: حدّثنا الحسن بن أحمد بن النعمان الوجيهي الجوزجاني نزيل قومس - وكان قاضيها-، قال: حدّثني يحيى بن المغيرة الرازي، قال: «كنت عند جرير بن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق، فسأله جرير عن خبر الناس فقال: تركت الرشيد وقد كرب قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأمر أن تقطع السدرة التي فيه، فقطعت. قال فرفع جرير يديه، فقال: اللّه أكبر، جاءنا فيه حديث عن رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) أنه قال: لعن اللّه قاطع السدرة ثلاثاً، فلم نقف على معناه حتى الآن؛ لأن القصد بقطعه تغيير مصرع الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) حتى لا يقف الناس على قبره». قال السيد محسن الأمين في (الأعيان: 627/1 - 628): «وبقيت هذه القبة [أي قبة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ] إلى زمن الرشيد فهدمها وكرب موضع القبر، وكان عنده سدرة فقطعها. وقال السيد محمّد بن أبي طالب الحسيني الحائري فيما حكي عن كتابه تسلية المجالس وزينة المجالس :[473/2]) وكان قد بُني عليه مسجد ولم يزل كذلك بعد بني أمية، وفي زمن بني العباس إلا على زمن هارون الرشيد فإنه خرّبه وقطع السدرة التي كانت ثابتة عنده وكرب موضع القبر، انتهى من التسلية. ويوجد إلى الآن باب من أبواب الصحن الشريف يسمّى باب السدرة، ولعل السدرة كانت عنده أو بجنبه».

وَهَدَمَ الدِّيارَ وَالآثارا***وَلَمْ يَدَعْ بِكَرْبَلا دَيَّارا

فَلَمْ تَخَفْ شَيْعَتُهُ المَنايا***واسْتَعْمَلُوا اللَّيْلَ لَهُمْ مَطَايَا

ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ الْأَهْلُوْنَا***إذ الأمينُ قَاوَمَ المَأْمُوْنَا (1)

ص: 163


1- إشارة الى ما حدث بين الأمين وأخيه المأمون من حروب وتقاتل على الخلافة بعد هلاك الرشيد، فكان نتيجة ذلك أن قتل الأمين وتولّى المأمون الخلافة، فكانت تلك مدة انشغال عن شيعة أهل البيت اللّه وفرصة لزيارة القبر المطهر بعد أن منعت أيام الرشيد، وكذلك بناء وإعمار ما تم هدمه وتخريبه. ينظر بهذا الشأن: تاريخ الطبري: 29/7 وما بعدها لسنة (196ه).

وازْدَادَ مِنْ بَعْدِ الأَمينِ فَبُنِي***وَنَزَلُوا مِنْهُ بِكُلِّ مَسْكَنِ (1)

ص: 164


1- «ولمّا جاء دور المأمون وتمكن من سرير الخلافة تنفس الشيعة الصعداء واستنشقوا ريح الحرية، ولم يتعرض لذلك. وكان المأمون يتظاهر بحبه لآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ) حباً جماً، حتى أنه استعاض بلبس السواد - وهو شعار العباسيين - بلبس الخضرة وهو شعار العلويين، وأوصى بالخلافة من بعده لعلي الرضا بن موسى الكاظم (عَلَيهِما السَّلَامُ)، ولعل ذلك كيد منه، وكان هذا الوقوع بعد قتل أخيه الأمين واسترضاء لمناصريه الخراسانيين. وقد زعم البعض أنه هو الذي شيّد قبره الشريف وبنى عليه لهذه الفترة. وفي ورود أبي السرايا بن السري بن المنصور إلى قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أيام المأمون عام تسعة وتسعين بعد المائة - حين قام ببيعة محمّد بن إبراهيم بن إسماعيل طباطبا بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن السبط - دليل على تشييد قبر الحسين بعد مضي الرشيد إلى طوس وبقي الحال على هذا المنوال والشيعة في حالة حسنة حتى قام حول قبره الشريف سوقاً واتخذتْ دوراً حوله، وأخذ الشيعة بالتوافد إلى قبره للسكنى بجواره...». (ينظر: بغية النبلاء في تاريخ كربلاء: 65- 66).

حَتَّى إذا مَا جَعْفَرُ المُلَقَّبُ***بِالمُتَوَكِّلِ (1) اسْتَطَالَ يَرْقُبُ

أَنْحَى عَلَى قَبْرِ الحُسَيْنِ فَحَرَثْ***وَأَخْرَبَ الآثَارَ مِنْهُ وَالجَدَثْ

ثُمَّ سَقَتْ مَا حَرَكَ المِيَاهُ***فَحَارَ ذَاكَ المَاءُ عَنْ سُفْيَاهُ (2)

ص: 165


1- المتوكل العباسي: هو جعفر بن محمّد بن هارون، ولُقب المنتصر باللّه، فلمّا كان في اليوم الثاني لقبه أحمد بن دُوّاد المتوكل على اللّه، بويع له وهو ابن سبع وعشرين سنة وأشهر، وقتل وهو ابن احدى وأربعين وذلك في سنة 247ه، فكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وتسع ليال أمه أم ولد خوارزمية يقال لها: شجاع. (مروج الذهب: 94/4 بتصرف يسير).
2- أيام المتوكل وهدمه لقبر الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) ذكر ذلك أبو الفرج الإصفهاني في (مقاتل الطالبيين: 395 - 396) باب ذكر أيام المتوكل جعفر بن محمّد المعتصم: «وكان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً على جماعتهم، مهتماً بأمورهم شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم، واتفق له أن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الراي فيهم، فحسّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العباس،قبله، وكان من ذلك أن كرب قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعفى آثاره، ووضع على سائر الطرق مسالح له لا يجدون أحداً زاره إلا أتوه به فقتله أو أنهكه عقوبة. فحدّثني أحمد بن الجعد الوشّاء، الجعد الوشّاء، وقد شاهد ذلك، قال: كان السبب في كرب قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أن بعض المغنيات كانت تبعث بجواريها إليه قبل الخلافة يغنين له إذا شرب، فلما وليها بعث إلى تلك المغنية فعرف أنها غائبة، وكانت قد زارت قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبلغها خبره، فأسرعت الرجوع، وبعثت إليه بجارية من جواريها كان يألفها، فقال لها: أين كنتم؟ قالت خرجت مولاتي إلى الحج وأخرجتنا معها، وكان ذلك في شعبان، فقال: إلى أين حججتم في شعبان؟ قالت: إلى قبر الحسين، فاستطير غضباً، وأمر بمولاتها فحبست، واستصفى أملاكها، وبعث برجل من أصحابه يقال له: الديزج، وكان يهودياً فأسلم إلى قبر الحسين، وأمره بكرب قبره ومحوه وإخراب كل ما حوله، فمضى ذلك وخرب ما حوله، وهدم البناء وكرب ما حوله نحو مائتي جريب، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه، وأجرى الماء حوله، ووكل به مسالح بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائر إلا أخذوه ووجهوا به إليه. فحدّثني محمّد بن الحسين الأشناني قال بعد عهدي بالزيارة في تلك الأيام خوفاً، ثم عملت على المخاطرة بنفسي فيها، وساعدني رجل من العطارين على ذلك، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتى أتينا نواحي الغاضرية، وخرجنا منها نصف الليل فسرنا بين مسلحتين وقد ناموا حتى أتينا القبر فخفي علينا، فجعلنا نشمه ونتحرى جهته حتى أتيناه، وقد قُلع الصندوق الذي كان حواليه وأحرق، وأجري الماء عليه فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق، فزرناه وأكببنا عليه فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها قط كشيء من الطيب، فقلت للعطار الذي كان معي أي رائحة هذه؟ فقال: لا واللّه ما شممت مثلها كشيء من العطر، فودعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدة مواضع، فلما قتل المتوكل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيين والشيعة حتى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه، انتهى من مقاتل الطالبيين. وذكر ابن الأثير أيضاً في (الكامل : 557 - 56 باب ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ)) ما نصه: «في هذه السنة - 236 ه - أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يُبذر ويُسقى موضع قبره وأن يُمنع الناس من إتيانه، فنادی عامل صاحب الشرطة بالناس في تلك الناحية من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة حبسناه في المطبق! فهرب الناس وتركوا زيارته وخُرّب وزُرع. وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم، وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه تحت ثيابه مخدة ويكشف رأسه وهو أصلع ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنون يغنون قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين، يحكي بذلك علياً (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والمتوكل يشرب ويضحك، ففعل ذلك يوماً والمنتصر حاضر، فأومأ إلى عبادة يتهدده، فسكت خوفاً منه، فقال المتوكل: ما حالك؟ فقام وأخبره، فقال المنتصر يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمك وشيخ أهل بيتك وبه فخرك، فكل أنت لحمه إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثال منه، فقال المتوكل للمغنين: غنوا جميعاً: غار الفتى لابن عمِهِ***رأسُ الفتى في حَرٍّ أمهِ فكان هذا من الأسباب التي استحلّ بها المنتصر قتل المتوكل. وقيل : إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء المأمون، والمعتصم، والواثق في محبة علي وأهل بيته، وإنما كان ينادمه ويجالسه جماعة قد اشتهروا بالنصب والبغض لعلي، منهم: علي بن الجهم الشاعر الشامي من بني شامة بن لؤي، وعمرو بن فرخ الرخجي، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني أمية، وعبد اللّه بن محمّد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة. وكانوا يخوفونه من العلويين ويشيرون عليه بإبعادهم والإعراض عنهم والإساءة إليهم، ثم حسّنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علو منزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان...»، انتهى من الكامل. وذكر الذهبي في (تاريخ الإسلام: 18/17 - 19 باب هدم قبر الحسين): «وفيها - 236 ه - أمر المتوكل بهدم قبر السيد الحسين بن علي (رضیَ اللّهُ عنهُما)، وهدم ما حوله من الدور، وأن تُعمل مزارع، ومُنع الناس من زيارته وحرث وبقي صحراء. وكان معروفاً بالنصب، فتألم المسلمون لذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان و المساجد، وهجاه الشعراء دعبل وغيره. وفي ذلك يقول يعقوب بن السكيت، وقيل: هي للبسامي علي بن أحمد، وقد بقي إلى بعد الثلاثمائة: باللّه إن كانت أميةُ قد أتت***قتلَ ابن بنتِ نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثلِهِ***هذا لَعمرِك قبرُهُ مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا***شاركوا في قتلهِ، فتتبعوه رميما». انتهى. ملحوظة: وقيل: إنه لما أمر المتوكل بهدم قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإطلاق الماء عليه ليعفيه، حار الماء فكان لا يبلغه ومنها أتت تسمية الحائر. (ينظر: ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة 4/ 291، ذخيرة المعاد: 1ق 413/2، مناهج الأحكام للميرزا القمي: 762، مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 85/2).

ص: 166

ص: 167

ص: 168

حَتَّى إذا ما انْتَصَرَ المُنْتَصِرُ(1)***وَأَمنَ النَّاسُ أُعَيْدَ الأَثَرُ

وَعَادَت السُّكّانُ والدِّيَارُ***وَشُیِّدَ المَقَامُ والمَزَارُ (2)

ص: 169


1- المنتصر العباسي: هو محمّد بن جعفر المنتصر، بويع في صبيحة الليلة التي قُتل فيها المتوكل، وهي ليلة الأربعاء لثلاث خلون من شوال لسنة 247ه، ويُكنّى بأبي جعفر، وأمه أم ولد يقال لها: حبشية، رومية، واستخلف وهو ابن خمس وعشرين، مات سنة 248ه، وكانت خلافته ستة أشهر. (مروج الذهب: 141/4 بتصرف يسير). وقد ذكر ابن خلكان في (وفيات الأعيان: 350/1) أن المنتصر قتل أباه المتوكل في حادثة تُروى، ويقال: إنّ السبب هو أنّ المتوكل قدّم المعتز على المنتصر والأخير أسنّ منه.
2- قال الطوسي في (أماليه: 328) ما نصه: «إن المنتصر سمع أباه – المتوكل - يشتم فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فسأل رجلاً من الناس عن ذلك، فقال له: قد وجب عليه القتل، إلا أنه من قتل أباه لم يطل له عمر. قال: ما أبالي إذا أطعت اللّه بقتله أن لا يطول لي،عمر، فقتله، وعاش بعده سبعة أشهر». وقال المسعودي في (مروجه: 147/4): «لم تزل الأمور على ما ذكرنا - أي في خلافة المتوكل - إلى أن استُخلف المنتصر، فأمن الناس، وتقدم بالكف عن آل أبي طالب، وترك البحث عن أخبارهم، وأن لا يمنع أحد زيارة الحيرة لقبر الحسين رضي اللّه تعالى عنه ولا قبر غيره من آل أبي طالب، وأمر برد فدك إلى ولد الحسن والحسين وأطلق أوقاف آل أبي طالب، وترك التعرض لشيعته ودفع الأذى عنهم... فقال البحتري: وإنَّ علياً لأولى بكم***وأزكى يداً عندكم من عمرِ وكلُّ له فضلُ هُو الحجو***لُ يومَ التراهنِ دونَ الغَررِ» (ينظر أيضاً: تاريخ الإسلام للذهبي: 418/18، تسلية المجالس: 474/2).

وَلَمْ يَكُنْ يُجْهَلُ ذَاكَ المَوْضِعُ***إذ الصَّوى (1) عَلَّمْنَهُ وَالأَذْرُعْ

فَفي الأُولَى قَدْ حَرَثُوْهُ جَمْهَرَةً***تَدْرَعُهُ منْ نُطَفٍ مُطَهَّرَةٌ

ثُمَّ تَغَاضَى مَنْ يَرُوْمُ العَبَثا***ليَوْمَنَا فَلَمْ يُوَازِ الجَدَثا

وَهَبْهُ لَمْ يُدْرَعْ وَلَمْ يُعَلَّم***أَفَتَرى يُجْهَلُ بَدْرُ الظُّلَمِ (2)

ص: 170


1- الصوى الأعلام من الحجارة. (ينظر: الصحاح: 2404/6).
2- روی ابن عساكر في كتابه (تاريخ مدينة دمشق: (244/14- 245) بعد ذكر السند ما نصّه: «قال هشام بن محمّد لمّا أجري الماء على قبر الحسين نضب بعد أربعين يوماً وامتحى أثر القبر فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمه حتى وقع على قبر الحسين وبكى وقال: بأبي وأمي ما كان أطيبك وأطيب تربتك ميتاً، ثم بكى وأنشأ يقول: أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه(عدوه: عداوة (- ظ -).)***فطيب تراب القبر دل على القبر» (ينظر: تهذيب الكمال للمزي: 444/6، سير أعلام النبلاء: 317/3).

أَلَمْ يَكُنْ رَيْحَانَةُ النَّبِيِّ***فِيهِ وَشِبَلُ المُرْتَضَى الوَصِيِّ

أَلا سَناً يَدْلُنَا أَلَا شَذَى***أَلَا ارْتعَادٌ يَسْتَخفُّ الجَهْبَدًا

فَكَمْ رَأَيْنَا مِنْ مُحِبُّ قَدْ ذَكَرْ***حَالَ الحَبيب ببرَاهِينِ الفكر

وَكَمْ نَظَرْنَا فِي الوَرَى مُسْتَافا(1)***قَدْ عَرَفَ المَكَانَ وَالْأَوْصَافَا

مُجَرَبَاتٌ وَمُشَاهَدَاتٌ***لَمْ تَخْتَلف بمثلها العَادَاتُ

لِذَاكَ لِمْ تَخْتَلِف الأنامُ***بِأَنَّ هَذا ذَلِكَ المَقَامُ

ص: 171


1- المستاف: الذي ينظر ما بُعدُ المكان. (ينظر : المحيط في اللغة: 391/8).

ص: 172

الفصل الثاني عشر: في ردّ من شكّ به بزيارة أبنائه

لَكِنَّ بَعْضاً جَمْجَمَ المَقُوْلاً***وَخَالَفَ المَنْقُولَ وَالمَعْقُولا

لبغضه الرَّحْمَنَ وَالنَّبيَا***محمّداً وَالمُرْتَضَى عَليَّا

وَرَوْمُهُ بِأَنْ يَصُدَّ القَوْمَا***عن قصده يا بِئْسَ ذَاكَ رَوْما

وَمَا عَلَيْه من مَزار الإنس***لَوْلَا الَّذِي فِي قَلْبِهِ مِنْ رِجْسِ (1)

ص: 173


1- من ذلك ما أورده ابن كثير الدمشقي في معرض حديثه عن قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويُشم منه رائحة التشكيك، قوله: «وأما قبر الحسين (رضیَ اللّهُ عنهُ) فقد اشتهر عند كثير من المتأخرين أنه في مشهد علي بمكان من الطف عند نهر كربلاء، فيقال: إن ذلك المشهد مبني على قبره، فاللّه أعلم. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله غفي أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه بخبر. وقد كان أبو نعيم الفضل بن دكين ينكر على من يزعم أنه يعرف قبر الحسين...». (ينظر: البداية والنهاية: 8/ 221).

هَلْ جَهَلَتْ مَوْضِعَهُ التَّوَابَة (1)***إِذْ بَانَتِ اللَّيْلَةَ في كَابَة

وَبَاعَتِ النَّفْسَ لِأَخْذِ ثارِهِ***بِمَوْضِعٍ لَا تَدْرِي فِي آثَارِهِ (2)

أَمْ هَلْ أَتَاهُ جَابِرٌ عَنْ جَهْلِ***وَهْوَ الصَّحَابِيُّ الكَثِيرُ الفَضْلِ

وَقَالَ: المسنيه للذِي مَعَهُ***يَعْنِي بِهِ مَرْقَدَهُ وَمَضْجَعَهُ (3)

أَمْ هَلْ تَجَاهَلَ الذي لَهُ حَرَثْ***حِيْنَ رَأَى باريَةً وَسْطَ الجَدَثْ

فَرَدَّ مَا أَمَالَهُ ثُمَّ أَبَى***وَوَطَّنَ النَّفْسَ عَلَى أَنْ يَصْلُبا(4)

ص: 174


1- التوّابة: المراد بهم (التوابون) وهم الذين قصّروا عن نصرة الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لمّا قدم إلى الكوفة، فلما استشهد سلام اللّه عليه ندموا وتابوا وعزموا على الأخذ بالثأر لدم الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وولّوا أمرهم سليمان بن صرد الخزاعي، فخرجوا وتلاقوا مع جمع من أهل الشام في موضع يقال له: عين الوردة، فتقاتلوا وقُتل فيها سليمان بن صرد الخزاعي وأصحابه عامة. (ينظر: تاريخ اليعقوبي: 257/2، ذوب النضار: 82، أصدق الأخبار: 3). وقد مرّ ذكر قدومهم إلى قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل خروجهم للقتال فلاحظ.
2- مرّ في نفس الباب، فلينظر.
3- مرّ في نفس الباب، فلينظر.
4- إبراهيم الديزج ونبش قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). قال الشيخ الطوسي في (أماليه 326 - ح 653/ 100) ما نصه: أخبرنا ابن خشيش، عن محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا أحمد بن عبد اللّه بن محمّد بن عمار الثقفي الكاتب، قال: حدّثنا علي بن محمّد بن سليمان النوفلي، عن أبي علي الحسين بن الحسين بن محمّد بن مسلمة بن أبي عبيدة بن محمّد بن عمار بن ياسر، قال: حدّثني إبراهيم الديزج، قال: «بعثني المتوكل إلى كربلاء لتغيير قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكتب معي إلى جعفر بن محمّد بن عمار القاضي: أعلمك أني قد بعثت إبراهيم الديزج إلى كربلاء لنبش قبر الحسين، فإذا قرأت كتابي فقف على الأمر حتى تعرف فعل أو لم يفعل. قال الديزج: فعرّفني جعفر بن محمّد بن عمار ما كُتب به إليه، ففعلت ما أمرني به جعفر بن محمّد بن عمار، ثم أتيته، فقال لي ما صنعت؟ فقلت: قد فعلت ما أمِرتُ به، فلم أرَ شيئاً ولم أجد شيئاً، فقال لي: أفلا عمّقته؟ قلت: قد فعلت وما رأيت، فكتب إلى السلطان: أن إبراهيم الديزج قد نبش فلم يجد شيئاً وأمرته فمخره بالماء، وكربه بالبقر. قال أبو علي العماري: فحدّثني إبراهيم الديزج، وسألته عن صورة الأمر، فقال لي: أتيت في خاصة غلماني فقط، وإني نبشت فوجدت بارية جديدة وعليها بدن الحسين بن علي، ووجدت منه رائحة المسك، فتركت البارية على حالتها وبدن الحسين على البارية، وأمرت بطرح التراب عليه، وأطلقت عليه الماء، وأمرت بالبقر لتمخره وتحرثه فلم تطأه البقر، وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه، فحلفت لغلماني باللّه وبالأيمان المغلّظة لئن ذكر أحد هذا لأقتلنه».

ص: 175

أَمْ هَلْ يَرَى بناه مَنْ بَنَاهُ***منَ المُلُوكَ الصَّيْد أَوْ أَبْنَاهُ

شَادَ عَلَى غَيْرِ مَحِلَّ القَبْرِ***مَا بَيْنَ أَهْلِيهِ وَأَهْلِ الخُبْرِ(1)

أَمْ هَلْ تَرَاهُ لَمْ يَصِلُهُ الخَبَرُ***أَنْ زَارَ وَلدَهُ الذِيْنَ حَضَرُوا

كَالسَّيّد السَّجَّاد فَهْوَ حاضر***وَمَثْلُهُ منَ الحُضُور البَاقِر(2)

وَهَكَذَا أَوْلادُهُ الأَطْهَارُ***فَكُلُّهُمْ هَذَا الصَريحَ زَارُوا (3)

يَا عَجَباً أَتَجْهَلُ الأَقَارِبُ***أَبَاهُمُ وَتَعْلَمُ الأَجَانِب

وَيَدَّعِي المُشَاهِدُونَ أَمْرًا***فَيُوْسِعُ الغَائِبُ عَنه نُكْرا

وَالعَجَبُ الأَعْجَبُ أَنْ قَدْ مَارَى***بَعْضٌ وَقَالَ: المَاءُ كَيْفَ حَارَا

وَلَمْ يُمَارِ الشَّافِعِيُّ إِذْ نَقَلْ***فِي غَرَقِ الزَّوْرا وَقَالَ: لَمْ يُقَل (4)

ص: 176


1- ينظر الباب الخامس: في ذكر البناء ومن بناه، وذكر الماء والضياء.
2- أي حضور الإمام زين العابدين علي بن الحسين وابنه الإمام محمّد الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) في واقعة الطف، وكان عمر الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ) ثلاث سنوات كما هو الثابت من الروايات فهما أعلم بموضع شهادته وقبره الشريف، فضلاً على أهل الغاضرية من بني أسد الذين قاموا بدفن الأجساد الطاهرة.
3- سيأتي في (الفصل الرابع عشر في زيارة أبنائه وسلاطين الزمان له).
4- ذكر اليافعي في (مرآة الجنان وعبرة اليقظان: 72/3) في حوادث سنة 466ه الغرق الكثير الذي أصاب بغداد، فقال: «وفيها - أي سنة 466ه - كان الغرق الكثير ببغداد، فهلك خلق تحت الردم، وأقيمت الجمعة في الطيار - نوع من السفن - على ظهر الماء، وكان الموج كالجبال، وغرق بالكلية بعض المحال وبقيت كأن لم يكن، وقيل: بلغ ارتفاع الماء ثلاثين ذراعاً».

قَضيَّةٌ مِنْ أَعْجَب القضايا***وَفِي الزَّوَايَا كَمْ تَرَى خَبَايَا

مَا ذَاكَ مِنْ شَكٍّ وَلَا مِنْ ظَنَّ***بَلْ مِنْ حُقَوْدٍ قَدِمَتْ وَضَغْنِ

ص: 177

ص: 178

الفصل الثالث عشر: في فضل الزيارة والزائر

زُرْهُ وَقِف بِالمَوْضِعِ النَّبِيْهِ***فَمَا تَرَى النَّفْسَ تَشْكُّ فِيْهِ

تَجِدْ حَشاً تَلْهَبُ بالضُّلُوْعِ***وَأَعْيُنا تَسْكُبُ بالدموع

زُرْهُ فَمَنْ زَارَ الحُسَيْنَ عُمْرَهُ***لَهُ بِكُلِّ حُجَّةٌ وَعُمْرَةٌ

وَضَاعِفَ البُشْرَى لِكُلِ ألف***مِنْ حُجَّةِ وَعُمْرَةِ لألف

زُرِّهُ بِحَيْثُ الخَوْفُ والأمَانُ***يُؤْمِنُكَ يَوْمَ الفَزَعِ الرَّحْمَنِ

ثُمَّ تَهَنَّأُ بِالجِنَانِ ماشِيَا***وَرَاكباً عُدَّ خُطَاكَ غَاشيا

أَلَا تُحِبُّ أَنْ تَزُورَ اللآها***فِي عَرْشِهِ وَتَنْتَدِي أَوَّاهَا

أَلَا تُحِبُّ أَنْ تُرَى مَعْ أَحْمَدِ***تَأْكُلُ مِنْ مَائِدَةٍ فِي مَقْعَدِ

أَلَا تُحبُّ أَنْ تُنَاجِيَ الصَّمَدُ***وَأَنْتَ آمِنٌ بهِ مِنَ الكَمَدْ

أَلَا تُحِبُّ أَنْ تَفُوزَ فِي رِضَا***محمّدٍ وَفَاطِمٍ وَالمُرْتَضَى

أَلَا تُحِبُّ أَنْ تَرَى محمّدا***وَآلَهُ وَأَنْتَ فِي البُشْرَى غَدا

أَلَا تُحِبُّ أَنْ تَغِي لِلْمَحْشَرِ***وَأَنْتَ مِنْ زُوَّارِهِمْ فِي مَعْشَرِ

ص: 179

أَلَا تُحِبُّ أَنْ يَكُوْنَ المُصْطَفَى*** يَدْعُوْ لَكَ اللّه تَعَالَى وَكَفَى

أَلَا تُحِبُّ أَنْ تُجَاثِيَ (1) الرُّسُلُ***كَمَا يُجَاثِي الرَّهْطُ فِي النَّادِي الرَّجُلْ

أَلَا تُحِبُّ أَنْ تُرَاحِمَ المَلَكَ***بِمَنْكِبَيْكَ وَهُوَ يَدْعُو اللّه لَكَ

أَلَا تُحِبُّ أَنْ تَسُرَّ فَاطِمَةْ***فَهيَ لِحُزْنِ وَبَكَا مُلَازِمَةْ

أَلَا تُحبُّ أَنْ تُرَى في الخُلدِ***وَأَنْتَ في ظِلِّ لِواءِ الحَمدِ

أَلَا تُحبُّ أَنْ تَطُولَ عُمْرا***وَأَنْ تُلاقِي بَعْدَ عُسْرِ يُسرا

فَهَذه التَّجَارَةُ الرَّبيْحَةْ***جَاءَتْ بهَا أَخْبارُنَا الصَّحِيحَة (2)

ص: 180


1- تجاثي: أي تجالس (ينظر: تاج العروس: 270/19).
2- وهذه جملة من الأخبار حوت ما تضمنه الفصل منها ما رواه ثقة الإسلام الكليني (رَحمهُ اللّه) المتوفّى سنة (328/ 329 ه) في (أصول الكافي: 580/4-583): باب فضل زيارة أبي عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفيه: 1 - محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة عن بشير الدهان قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): ربّما فاتني الحج فأعرف عند قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقال: أحسنت يا بشير أيما مؤمن أتى قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عارفاً بحقه في غير يوم عيد كتب اللّه له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات،مقبولات وعشرين حجة وعمرة مع نبي مرسل أو إمام عدل ومن أتاه في يوم عيد كتب اللّه له مائة حجة ومائة عمرة ومائة غزوة مع نبي مرسل أو إمام عدل، قال: قلت له: كيف لي بمثل الموقف؟ قال: فنظر إلي شبه المغضب، ثم قال لي: يا بشير، إنّ المؤمن إذا أتى قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه، كتب اللّه له بكل خطوة حجة بمناسكها - ولا أعلمه إلا قال: غزوة-». 2- عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عنالحسين بن المختار، عن زيد الشحام، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «زيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا تعدل عشرين حجة، وأفضل من عشرين عمرة وحجة». 3- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن يزيد بن عبد الملك، قال: «كنت مع أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) فمرَّ قوم على حمير، فقال: أين يريد هؤلاء؟ قلت: قبور الشهداء، قال: فما يمنعهم من زيارة الشهيد الغريب؟ فقال رجل من أهل العراق وزيارته واجبة؟ قال زيارته خير من حجة وعمرة وعمرة وحجة حتى عد عشرين حجة وعمرة، ثم قال: مقبولات مبرورات. قال: فواللّه ما قمت حتى أتاه رجل فقال له: إني قد حججت تسع عشرة حجة فادعُ اللّه أن يرزقني تمام العشرين حجة، قال: هل زرت قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ؟ قال: لا، قال: لزيارته خير من عشرين حجة». 4- محمّد بن الحسين، عن محمّد بن سنان، عن محمد بن صدقة، عن صالح النيلي قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «من أتى قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عارفاً بحقه كتب اللّه له أجر من أعتق ألف نسمة، وكمن حمل على ألف فرس مسرجة ملجمة في سبيل اللّه». 5 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن هارون بن خارجة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول: «وَكَّل اللّه بقبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أربعة آلاف مَلَك شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، فمن زاره عارفاً بحقه شيعوه حتى يبلغوه مأمنه، وإن مرض عادوه غدوة،وعشية وإن مات شهدوا جنازته واستغفروا له إلى يوم القيامة». 6- محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد اللّه بن القاسم، عن عمر بن أبان الكلبي، عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «إن أربعة آلاف ملك عند قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) الشعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، رئيسهم ملك يقال له: منصور فلا يزوره زائر إلا استقبلوه ولا يودّعه مودّع إلا شيعوه ولا مرض إلا عادوه، ولا يموت إلا صلوا على جنازته واستغفروا له بعد موته». 7- الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن أبي داود المسترق عن بعض أصحابنا، عن مثنى الحناط، عن أبي الحسن الأول (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: سمعته يقول: «من أتى الحسين عارفاً بحقه غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». ومنها مارواه الشيخ الصدوق في (من لا يحضره الفقيه: 579/2-582) 1 - وروى إسحاق بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «ما بين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) إلى السماء السابعة مختلف الملائكة». 2- ورُوي عن داود الرقي قال: سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمّد، وأبا الحسن موسى بن جعفر، وأبا الحسن علي بن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم يقولون: «من أتى قبر الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) بعرفة قلبه اللّه تعالى ثلج الصدر». 3- وقال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إنّ اللّه تبارك وتعالى يبدأ بالنظر إلى زوار قبر الحسين بن على (عَلَيهِما السَّلَامُ) عشية عرفة، قيل له: قبل نظره إلى أهل الموقف ؟ قال: نعم، قيل له وكيف ذاك؟ قال: لأت في أولئك أولاد زنا، وليس في هؤلاء أولاد زنا». 4- وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «من زار قبر الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) جعل ذنوبه جسراً على باب داره ثم عبرها كما يخلف أحدكم الجسر وراءه إذا عبره». 5- وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «وكل اللّه (عزّوجلّ) بالحسين صلوات اللّه عليه سبعين ألف ملك يصلّون عليه في كل يوم شعثاً غبراً، ويدعون لمن زاره ويقولون: يا ربّ هؤلاء زوار الحسين افعل بهم وافعل بهم». 6- وقال (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «من أتى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) عارفاً بحقه كتبه اللّه (عزّوجلّ) في أعلى عليين». 7 وسأله زيد الشحّام فقال له: «ما لمن زار واحداً منكم؟ قال: كمن زار رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)». 8- وقال موسى بن جعفر (عَلَيهِما السَّلَامُ): «أدنى ما يُثاب به زائر أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشط الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». 9- وروى الحسن بن علي بن فضال، عن أبي أيوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر محمّد بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) قال: «مروا شيعتنا بزيارة الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ)، فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع وزيارته مفترضة على من أقر للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالإمامة من اللّه (عزّوجلّ)». 10- وروى هارون بن خارجة، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «إذا كان النصف من شعبان نادى مُنادٍ من الأفق الأعلى: يا زائري قبر الحسين، ارجعوا مغفوراً لكم ثوابكم على ربكم ومحمّد نبيكم». ومنها مارواه الشيخ الطوسي في (تهذيب الأحكام: 42/6 - 53): باب فضل زيارته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قال : 1- محمّد بن أحمد بن داود، عن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، قال حدّثنا الحسن بن متيل الدقاق وغيره من الشيوخ، عن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي، قال: حدّثنا الحسن بن علي بن فضال، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «مروا شعيتنا بزيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإن إتيانه يزيد الرزق، ويمد في العمر، ويدفع مدافع السوء، وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقرّ له بالإمامة من اللّه». 2- وعنه عن الحسن بن محمّد بن علان عن حميد بن زياد عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يزيد عن علي بن الحسن، عن عبد الرحمن بن كثير قال: قال أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ): «لو أن أحدكم حجّ دهره ثم لم يزر الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) لكان تاركاً حقاً من حقوق رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، لأن حق الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فريضة من اللّه تعالى واجبة على كل مسلم». 3- سعد بن عبد اللّه ومحمّد بن يحيى وعبد اللّه بن جعفر وأحمد بن إدريس جميعاً، عن الحسين بن عبيد اللّه، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن عبد الجبار النهاوندي، عن أبي إسماعيل، عن الحسين بن علي بن ثوير بن أبي فاختة قال: «قال لي أبو عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) يا حسين مَن خرج من منزله يريد زيارة الحسين بن علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) إن كان ماشياً كتب اللّه له بكل خطوة حسنة وحط بها عنه سيئة، حتى إذا صار بالحائر كتبه اللّه من المفلحين، وإذا قضى مناسكه كتبه اللّه من الفائزين حتى إذا أراد الانصراف أتاه ملك فقال له: أنا رسول اللّه ربك يقرؤك السلام ويقول لك: استأنف العمل فقد غُفر لك ما مضى». 4 - أبو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن عبد اللّه، عن الحسين بن علي بن زكريا، عن الهيثم بن عبد اللّه عن الرضا علي بن موسى (عَلَيهِ السَّلَامُ) عن أبيه قال: قال الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «إن أيام زائري الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) لا تُعدّ من آجالهم». 5- وعنه، عن محمّد بن عبد اللّه بن جعفر، عن أبيه، عن محمّد بن عبد الحميد، عن سيف بن عميرة، عن منصور بن حازم قال: سمعته يقول: «من أتى عليه حول لم يأت قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) نقّص اللّه من عمره حولاً، ولو قلت: إن أحدكم يموت قبل أجله بثلاثين سنة لكنت صادقاً، وذلك أنكم تتركون زيارته، فلا تَدعوها يمد اللّه في أعماركم ويزيد في أرزاقكم، وإذا تركتم زيارته نقص اللّه من أعماركم وأرزاقكم، فتنافسوا في زيارته ولا تدعوا ذلك، فإن الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) شاهد لكم عند اللّه تعالى وعند رسوله وعند علي وعند فاطمة صلوات اللّه عليهم أجمعين». 6 - وعنه، عن أبيه، عن محمّد بن يحيى العطار، عن حمدان بن سليمان النيسابوري، عن عبد اللّه بن محمّد اليماني، عن منيع بن الحجاج، عن يونس بن عبد الرحمن، عن قدامة بن مالك، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من أراد زيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة مُحصت ذنوبه، كما يُمحص الثوب في الماء فلا يبقى عليه دنس، ويكتب اللّه له بكل خطوة حجة، وكل ما رفع قدمه عمرة». 7- محمّد بن يعقوب الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن إسماعيل، عن الخيبري، عن الحسين بن محمّد القمي، عن أبي الحسن الرضا (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «من زار قبر أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) بشط الفرات كمن زار اللّه فوق عرشه». 9 - وعنه، عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن موسى بن عمر عن غسان البصري، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ) قال: «قال لي: يا معاوية، لا تدع زيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإن من تركه رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده أما تحب أن يرى اللّه شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وعلي وفاطمة والأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) أما تحب أن تكون ممن ينقلب بالمغفرة لما مضى ويغفر له ذنوب سبعين سنة! أما تحب أن تكون غداً ممن يخرج وليس عليه ذنب يتبع به أما تحب أن تكون غداً ممن يصافحه رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)!».

ص: 181

ص: 182

ص: 183

ص: 184

ص: 185

ص: 186

يَنْقُلُها المحمّدونَ البَرَرَةْ***من الأئمّة الهُدَاة الخيَرَة (1)

ص: 187


1- المحمّدون الثلاثة: وهم أصحاب الأصول الأربعة الأول، التي عليها المدار، قال الشيخ بهاء الدين العاملي (رَحمهُ اللّه) في كتابه (الحبل المتين: 7) في الأصول الأربعة ومؤلّفيها (المحمدون الثلاثة): «أمّا (الكافي) فهو تأليف ثقة الإسلام أبي جعفر محمّد بن يعقوب الكليني الرازي عطّر اللّه مرقده، ألفه في مدة عشرين سنة. وتوفي في بغداد سنة ثمان أو تسع وعشرين وثلاثمائة ولجلالة شأنه عده جماعة من علماء العامة – كابن الأثير في كتاب (جامع الأصول) - من المجددين لمذهب الإمامية على رأس المائة الثالثة، بعدما ذكر أنّ سيّدنا وإمامنا أبا الحسن علي بن موسى الرضا - سلام اللّه عليه وعلى آبائه الطاهرين - هو المجدد لذلك المذهب على رأس المائة الثانية. وأما كتاب (من لا يحضره الفقيه) فهو تأليف رئيس المحدثين حجة الإسلام أبي جعفر محمّد بن علي بن بابويه القمي قدّس اللّه روحه. وله - طاب ثراه - مؤلّفات أخرى سواه تقارب ثلاثمائة كتاب. توفي بالري سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. وأمّا (التهذيب) و (الاستبصار) فهما من تأليفات شيخ الطائفة، أبي جعفر محمّد ابن الحسن الطوسي نوّر اللّه ضريحه. وله تأليفات أخرى سواهما في التفسير والأصول والفروع وغيرها. توفي - طيّب اللّه مضجعه - سنة ستين وأربعمائة بالمشهد المقدس الغروي على ساكنه أفضل الصلاة والسلام. فهؤلاء المحمّدون الثلاثة - قدس اللّه -أرواحهم - هم أئمة أصحاب الحديث من علماء الفرقة الناجية الإمامية رضوان اللّه عليهم».

دَعْ ذَا وَلَكنَّ الهَوَى والشَّوْقا***أَمَا يَسُوقَان المُحبَّ سَوْقَا

فَمُدَّعِي الحُبِّ وَقَالِي القُرْبِ***مَذْقُ اللِّسان وَكَذُوبُ الحُبِّ

إِذَا صَدَقْتَ فاطلب الأحْبَابا***وإِنْ نَوا وَلَا تَكُنْ كَذَّابا

فَالأَرْضُ إِنْ تَبْعُدْ، طَوَاهَا الحُبُّ لَكْ***وَالبَابُ مَفْتُوْحٌ لَكُلِّ مَنْ سَلَكْ

فَزُرْ بِحُبِّ سَائِقِ أَو تَقْوَى***أَوْ لَا فَأَنْتَ كَاذِبٌ في الدَّعْوَى

ص: 188

الفصل الرابع عشر: في زيارة أبنائه وسلاطين الزمان له

لذاكَ مَا قَدْ زَارَهُ السَّجَادُ***وَوُلدُهُ الأئمّة الأَمْجَادُ (1)

ص: 189


1- زيارة الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ) القبر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : روى السيد ابن طاووس في (اللهوف في قتلى الطفوف: 114): «قال الراوي: لمّا رجع نساء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وعياله من الشام وبلغوا العراق، قالوا للدليل: مر بنا على طريق كربلاء فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري (رَحمهُ اللّه)، وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) قد وردوا لزيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياماً...». ملحوظة: ومن ذلك يتبين زيارة الإمام السجاد وأهل بيته الكرام (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وكذلك من كان مع جابر من بني هاشم وآل الرسول واجتماعهم في كربلاء لزيارة السبط الشهيد (عَلَيهِ السَّلَامُ). وكذلك يستظهر من النصوص الآتية زيارة الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) لقبر جده الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، لدقة وصفه لاجزاء المرقد الطاهر. ففي رواية صفوان الجمّال عن الإمام الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنه قال: «إذا أردت قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء فقف خارج القبة وارمِ بطَرْفك نحو القبر، ثم أدخل الروضة وقم بحذائها من حيث يلي الرأس، ثم أخرُج من الباب الذي عند رجلي علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم توجه إلى الشهداء، ثم امشِ حتّى تأتي مشهد أبي الفضل العباس فقف على باب السقيفة وسلّم». (ينظر: مرقد الإمام الحسين: 120). وفي حديث آخر عن الثمالي، عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «»ثم امشِ قليلاً وعليك السكينة والوقار بالتكبير والتهليل والتمجيد والتحميد والتعظيم للّه ولرسوله (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، وقَصّر خُطاك، فإذا أتيتَ الباب الذي يلي المشرق فقف على الباب وقل.... واجتهد في الدعاء ما قدرت عليه وأكثِرْ منه إن شاء اللّه، ثم تخرج من السقيفة وتقف بحذاء قبور الشهداء... ». (ينظر : بحار الأنوار: 177/98 - 188). ويروي صفوان أيضاً، عن الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «فإذا أتيتَ الباب فقف خارج القبة وأومِ بطرفك نحو القبر – إلى أن يقول:- ثم أدخل رجلك اليمنى القبة وأخر اليسرى...». (ينظر: بحار الأنوار: 98/ 259).

ص: 190

وَجَمَّةٌ غُرٌّ مِنَ الصَّحَابَة***والتابعينَ وَأُولي النَّجَابَة (1)

ص: 191


1- زيارة الصحابة والتابعين وأولي النجابة لقبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وزار مرقده الشريف عدد من الصحابة والتابعين وأولي النجابة نورد بعضاً منهم: جابر بن عبد اللّه الأنصاري (رضیَ اللّهُ عنهُ) : كان أوّل من زاره من الصحابة، وهو الصحابي الكبير جابر بن عبد اللّه الأنصاري (رضیَ اللّهُ عنهُ)- وكان قد كُفَّ بصره - ومعه قائده عطية العوفي، وهو المشهور. (ينظر: مصباح المتهجد 787، بحار الأنوار: 334/98، توضيح المقاصد للشيخ البهائي: 6-7). عبيد اللّه بن الحر الجعفي: وفي بعض الأخبار قيل: إن أول من زار قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد دفن الأجساد هو عبيد اللّه بن الحر الجعفي. (ينظر: مدينة الحسين: 165/1). التوّابون: وزاره التوّابون عندما قصدوا زيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ربيع الأول من عام ( 65 ه) قبل رحيلهم إلى عين الوردة، وطافوا حول هذا الصندوق، وكان عددهم يقارب أربعة آلاف رجل منهم سليمان بن صرد الخزاعي والمسيب بن نجبة. (ينظر: تاريخ الطبري: 456/4). المختار بن أبي عبيدة الثقفي: وفي سنة (66 ه) زاره المختار بن أبي عبيدة الثقفي عندما استولى على الكوفة، فعمّر على مرقده الشريف قبة من الجص والآجر، وقد تولّى ذلك محمّد بن إبراهيم بن مالك الأشتر، واتخذ قرية من حوله.... (ينظر: دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد: 250/1). (ينظر: أول الباب في تعيين المرقد وماجرياته وفضل الزيارة). زائدة بن قدامة (أبو الصلت الثقفي الكوفي): وممن زاره أيضاً زائدة بن قدامة (أبو الصلت الثقفي الكوفي)، وهو من أعلام المسلمين الثقات، ومن كبار الرواة عند الخاصة والعامة توفي سنة 161ه وقد زار الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أواخر المائة الأولى الهجرية. (ينظر : مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): 73/2). سليمان بن مهران الأعمشي: وممن زار قبره الشريف سليمان بن مهران الأعمشي في أواخر القرن الأول الهجري، وهو راوية ثقة، إذ كان يجتمع مع جمع غفير من المسلمين ليلاً، ويقصدون قبر أبي عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عهد طغيان بني مروان (ينظر : مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 76/2). ملحوظة: وقد روى سليمان الأعمشي حادثة لطيفة ارتأينا أن نذكرها للفائدة فقال: «كنت نازلاً بالكوفة وكان لي جار وكنت آتي إليه وأجلس عنده، فأتيت ليلة الجمعة فقلت له يا هذا ما تقول في زيارة الحسين؟ فقال: هي بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فقمت من عنده وأنا ممتلئ عليه، فقلت في نفسي: إذا كان وقت السحر آتيه وأحدثه شيئاً من فضائل الحسين، فإن أصر على الفساد قتلته. فلمّا كان وقت السحر أتيته وقرعت عليه الباب ودعوته باسمه، فإذا بزوجته تقول لي: إنه قصد إلى زيارة الحسين من أول الليل، فسرت في أثره إلى زيارة الحسين، فلما دخلت إلى القبر إذا أنا بالشيخ ساجد للّه (عزّوجلّ) وهو يدعو ويبكي في سجوده ويسأل التوبة والمغفرة. ثم رفع رأسه بعد زمان طويل فرآني قريباً منه فسألته، يا شيخ بالأمس كنت تقول زيارة الحسين بدعة، واليوم أتيت تزوره؟! فقال: يا سليمان، لا تلمني فإني ما كنت أثبت لأهل هذا البيت إمامة حتى كانت ليلتي تلك، فرأيت رؤيا هالتني وروّعتني، فلمّا انتبهت من نومي قصدت من وقتي وساعتي إلى زيارة الحسين تائباً إلى اللّه تعالى فواللّه يا سليمان لا أفارق قبر الحسين حتى أموت». (مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 76/2-77). حسن بن محبوب البجلي: ومن جملة من زار قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في القرن الأول الهجري أيام بني أمية الراوية الشهير حسن بن محبوب البجلي. (ينظر: مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 77/2). أبو حمزة الثمالي: وممن زاره أيضاً في أواخر المائة الأولى من الهجرة المحدّث الكبير والراوية الشهير، تلميذ الإمام الباقر والإمام الصادق (عَلَيهِما السَّلَامُ)، والراوي عنهم الحديث ثابت بن أبي صفية ( دينار ) المعروف ب أبي حمزة الثمالي. (ينظر : مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 77/2). عقبة بن عميق السهمي: وقصد كربلاء في أواخر المائة الأولى الشاعر العربي المعروف عقبة بن عميق السهمي؛ الزيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ووقف بأزاء القبر ورثى الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ببعض الأبيات، منها: مررتُ على قبرِ الحسين بكربلا***ففاضَ عليهِ من دموعي غزيرُها ... إلخ الأبيات الشعرية. (ينظر: مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): 78/2) يحيى بن زيد الشهيد: وممن زاره أيضاً يحيى بن زيد الشهيد، حيث إنه بعد قتل أبيه - زيد الشهيد – دفنه (رَحمهُ اللّه)، ثم توجه إلى كربلاء ونزل في دار (سابق) - وهو من خاصته - بنينوى، ثم مشى راجلاً وأتى قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبقي عنده بعض يوم ثم توجه إلى خراسان مروراً بالمدائن، وخرج هناك على بني أمية حتى قُتل سنة 125ه. (ينظر: مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 79/2). جابر بن يزيد المذحجي: وممن زاره أيضاً جابر بن يزيد المذحجي، قصد كربلاء في أوائل القرن الثاني الهجري من الكوفة شاخصاً زيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، حتى وصل إلى شاطئ الفرات اغتسل وأدّى مراسم الزيارة عند القبر الشريف، وعرّج نحو المدينة فتتلمذ على يد الإمام الباقر (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وتخرج على يديه وصار أعلم زمانه (ينظر: مدينة الحسين : 81/2). الحسين بن حمزة الليثي الكوفي: وممن زار الحسين ابن بنت أبي حمزة الثمالي، وهو ثقة روى عن أبي عبد اللّه الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعدّه الطوسي من رجاله، وخاله محمّد بن أبي حمزة، ذكره أصحاب كتب الرجال. (ينظر : رجال النجاشي: 54، رجال الطوسي: 182). قال - أي الحسين بن حمزة-: «خرجت في آخر زمان بني مروان إلى زيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستخفياً من أهل الشام حتى انتهيت إلى كربلا، فاختفيت في ناحية القرية حتى إذا ذهب من الليل نصفه أقبلت نحو القبر...». (كامل الزيارات: 221 ح 2/324). زيد المجنون: وممن زاره من أعلام المائة الثالثة زيد المجنون، وهو عالمٌ، فاضلٌ، أديبٌ، من أرض مصر، لُقِّب بالمجنون؛ لأنه كان يُفحم كل لبيب ويقطع حجة كل مدعِ، ولم يكن ليعي عن الجواب، بعد أن سمع أعمال المتوكل الوحشية بقبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لم يستطلع صبراً، فأتى إلى الكوفة والتقى ببهلول العالم، وقدموا سوياً إلى قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) لزيارته. (ينظر : مدينة الحسين: 87/2). محمّد بن الحسين الأشتاني: وممن زاره أيضاً من أعلام المائة الثالثة العالم الفاضل محمّد بن الحسين بن علي الشيباني المعروف ب الأشتاني، توجه إلى زيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) سنة ( 240ه)، وقد كان الطريق إلى كربلاء بأشد ما يكون من الخطر بسبب أوامر اللعين المتوكل، ولكن العلّامة المذكور أقدم على المجازفة بنفسه سبيلاً لزيارة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (ينظر : مدينة الحسين: 88/2). عبد اللّه بن رابية الطوري: وممن زاره أيضاً في المائة الثالثة عبد اللّه بن رابية الطوري وذلك سنة (247ه)، وهي سنة مقتل المتوكل (لعنة اللّه)، وكان شاهد عيان على أفعال أذناب المتوكل فى تخريب قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). (ينظر : مدينة الحسين: 89/2). زعيم الطائفة الزيدية يحيى بن عمر: وممن زاره أيضاً الزعيم الزيدي زعيم الطائفة الزيدية يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد الشهيد ابن الإمام علي ابن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأمه فاطمة بنت الحسين بن عبد اللّه بن إسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب. خرج مع مَن بايعوه من أهل الكوفة، وممن كانوا يدّعون بإمامة زيد بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) قاصدين قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فزاره، وذلك سنة ( 250ه). (ينظر : مدينة الحسين: 93/2). علي بن عاصم: وممن زاره أيضاً العالم الفاضل المحدِّث علي بن عاصم المعروف ب العاصمي في معشر من الأكارم والصحابة من المحبين لأهل البيت (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان العاصمي من المحدثين الثقات، كوفي المولد بغدادي المنشأ، وقد زاره سنة (265ه). (ينظر : مدينة الحسين 96/2) محمّد بن يحيى الشيباني: وزاره أيضاً الراوية الثقة والمحدث الفاضل محمّد ابن يحيى الشيباني سنة 286ه. (ينظر : مدينة الحسين: 98/2). وفي سنة (422ه) بدأت الوفود والقوافل زاخرة قاصدة لزيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). (ينظر : مدينة الحسين: 112/2).

ص: 192

ص: 193

ص: 194

ص: 195

وَعدَةٌ مِنْ آلِ عبَّاس الكَمِيْ (1)***مِنْ زَمَنِ السَّفَاحِ لِلمُسْتَعْصِمِ (2)

ص: 196


1- آل عباس: المراد بهم الخلفاء من بني العباس وممن تشرّف منهم بزيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) (المقتفي باللّه) كما سيأتي. والكمي: اللابس السلاح، وقيل : هو الشجاع المقدم الجريء، كان عليه سلاح أو لم يكن، والجمع أكماء. (ينظر : لسان العرب: 232/15).
2- المقتفى باللّه: الخليفة العباسي المقتفي باللّه، في سنة (553ه) زار كربلاء ومرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو في طريقه لزيارة مدينة الأنبار بعد أن عبر نهر الفرات. (ينظر: المنتظم: 17/ 125).

وَمِنْ بَني بُوَيْهِ اهْلِ الشَّانِ***والطَّيِّبُونَ مِنْ بَني حَمْدَان (1)

ص: 197


1- زيارة آل بويه لمرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): عز الدولة البويهي: «إن أول من زار الحائر الشريف من السلاطين الديالمة هو عز الدولة البويهي، وذلك في سنة (266 ه)، ثم زار الحائر عضد الدولة البويهي في سنة (271 ه) وأقام فيه مدة. وقيل عند زيارته ما نصه: كانت زيارة عضد الدولة للمشهدين الشريفين الطاهرين: الغروي والحائري في شهر جمادى الأولى سنة(271)، وورد مشهد حائر مولانا الحسين صلوات اللّه عليه لبضع بقين من جمادى الأولى، فزاره صلوات اللّه عليه وتصدق وأعطى الناس على اختلاف طبقاتهم... ». (ينظر: تراث كربلاء: 77) الحسن بن الفضل بن سهلان الرامهرميزي: «وزار الحائر الشريف في جمادى الأولى من سنة (400ه) أبو محمد الحسن ابن الفضل بن سهلان الرامهرميزي وزير سلطان الدولة البويهي». (ينظر: مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): 112/2) جلال الدولة البويهي: «وزار الحائر السلطان أبو طاهر جلال الدولة ابن بهاء الدولة ابن عضد الدولة البويهي سنة (431 ه)، ترافقه حاشية كبيرة من أهله وأتباعه ومواليه من الأتراك، وبضمنهم الوزير كمال الملك أبو المعالي عبد الرحيم، وكان في أكثر الطريق يمشي على قدميه طلباً لمزيد الأجر والثواب...». (ينظر: تراث كربلاء: 78). السلطان مرزبان: وممن زار الحائر الشريف السلطان مرزبان الملقب ب(أبي كاليجار) ابن سلطان الدولة البويهي في سنة (436ه). (ينظر : مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 113/2). أبو الحارث أرسلان البساسيري: وممن زاره أيضاً الوزير أبو الحارث أرسلان البساسيري التركي الملقب ب(المظفر) وزير الملك الرحيم بن أبي كاليجار البويهي وذلك سنة (451ه). (ينظر: مدينة الحسين: 113/2). بني حمدان: حمدان بن حمدون بن الحارث التغلبي الوائلي من عدنان. جد بنوه (بنو حمدان) ملوك الموصل والجزيرة وحلب في العصر العباسي، منهم: سيف الدولة الحمداني صاحب حلب وأكثر الشام وديار بكر، وأبو فراس الشاعر، وآخرون. (ينظر: الأعلام: 2/ 274). «أما تشيّع الحمدانيين فلا يختلف فيه اثنان، وقد ظهر ذلك جلياً في هجرة علماء الشيعة إليهم كالشريف أبي إبراهيم جد بني زهرة وفي مدح الشعراء لهم: كالسري والصنوبري، وكشاجم، والناشي، والزاهي وغيرهم. وفي سنة (354 ه) ضرب سيف الدولة دنانير جديدة كُتب عليها: لا إله إلا اللّه محمّد رسول اللّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فاطمة الزهراء الحسن والحسين جبريل (عَلَيهِم السَّلَامُ)». (ينظر: الشيعة في الميزان: 164).

ص: 198

وَمِنْ بَنِي دُبَيْسَ كُلُّ أَسَد***(1) وَمِنْ بَنِي شَاهِيْنَ كُلُّ مُنجِدِ (2)

ص: 199


1- زيارة بني دبيس لمرقد الإمام الحسين ( عَلَيهِ السَّلَامُ) : وفي سنة (436ه) زار القبر الشريف الأمير دبيس بن مزيد الأسدي بعد ملازمته للسلطان أبي كاليجار، وذلك في طريق الأخير من البصرة إلى بغداد، فرافقه إلى زيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). (ينظر : مدينة الحسين: 113/2). «وفي سنة (513 ه) زار كربلاء الأمير دبيس بن صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد أبو الأعز الأسدي، وكان شجاعاً أديباً شاعراً، ملك الحلة بعد والده وحكمها زهاء 17 عاماً، وقُتل سنة (529 ه) بتحريض السلطان مسعود السلجوقي، ولما قصد كربلاء دخل الحائر الحسيني باكياً حافياً متضرّعاً إلى اللّه أن يمن عليه بالتوفيق وينصره على أعدائه، ولما فرغ من مراسيم الزيارة أمر بكسر المنبر الذي كان يخطب عليه باسم الخليفة العباسي عند صلاة الجمعة قائلاً: لا تُقام في الحائر الحسيني صلاة الجمعة ولا يُخطب هنا لأحد. ثم قصد مرقد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في النجف وعمل ما عمل في كربلاء » (ينظر: تراث كربلاء: 79).
2- زيارة بني شاهين لمرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : منهم أول أمراء بني شاهين عمران بن شاهين أمير من أمراء دبيس. «تمكّن عمران بن شاهين أن يستقطع البطائح بجنوب العراق من سلطة البويهيين عام 367 ه - ومنع الخراج عنهم، ثم إن عضد الدولة وبعد أن استتبت له الأمور في بغداد، أرسل إليه بجيش عظیم فحاصروه وضيقوا عليه الخناق، وعندما عجز عمران بن شاهين عن مقاومتهم التجأ إلى قبر الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتضرّع إلى الإمام، ورأى علياً في المنام يقول له: يا عمران، سيَقْدم العبد فناخسرو لزيارة البقعة، فلُذْ به سيُفرَّج عنك. فلمّا انتبه من نومه نذر اللّه إن نجا من عضد الدولة أن يبني مسجداً ورواقاً في حرم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وآخر مثلهما في حرم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). فلمّا التقى بعضد الدولة أخبره بكل ذلك، فعفی [فعفا – ظ –] عنه، وأوفى بنذره، فبنى المسجد المعروف باسمه إلى الآن والذي يقع إلى جهة الشمال من الروضة، وقد ضُمّ فيما بعد إلى الحرم». (ينظر: دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد: 1/ 294).

وَمِنْ بَنِي شَيْبَانَ أَوْ عَقيل***وَتَغْلِب وَكَعْبَ كلُّ قِيْل (1)

ص: 200


1- بني شيبان: «ومن أمراء الشيعة بالشام بنو ورقاء كانوا عرباً صميمين من بني شيبان، وكانوا شيعة، وبينهم وبين الحمدانيين خلطة ومراسلة بالشعر...». (ينظر: أعيان الشيعة: 1/ 188). «وكان بنو عقيل أبو الذواد محمّد بن المسيب وأخوه المقلّد وأولاده أمراء الموصل وغيرها، واتسع ملكهم وكانوا شيعة. (ينظر: أعيان الشيعة: 2/ 198). بني تغلب: «وكان بنو تغلب بن وائل من أعظم بطون ربيعة بن نزار، وكانوا من نصاری العرب في الجاهلية، لهم محل في الكثرة،والعدد، ثم كان منهم في الإسلام ثلاثة بيوت منها آل حمدان بن حمدون وحمدان هذا هو جد الأمراء الحمدانيين، وكان أميراً على قلعة ماردين القريبة من الموصل من قبل العباسيين، ثم الاستقلال أعلن عنهم سنة ( 281 ه)، وكان ذلك في خلافة المعتضد... ». (ينظر: الشيعة في الميزان: 164).

والإيْلخانيَّةٌ كُلُّ نَائرِ***وَالطَّاهِرُونَ مِنْ بَنِي الجَلائِرِي (1)

ص: 201


1- «وفي سنة (696ه) قدم العراق من بلاد الجبل السلطان محمود غازان خان ماراً بالحلة فالنجف فتوجه إلى كربلاء، حيث قصد زيارة الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وفي هذه المرحلة أمر بتوزيع آلاف من الخبز في اليوم للأشخاص المقيمين بجوار قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). و كذلك قصد السلطان غازان خان العراق سنة (698 ه)، وقدم إلى زيارة كربلاء والنجف وفي رحلته هذه كان قد عبر الفرات في 10 جمادى الأولى متوجهاً إلى الحلة ومكث بها ستة أيام وهناك أمر الخواجة شمس الدين صواب الخادم السكورجي أن يحفر نهراً من أعالي الحلة، يأخذ الماء من الفرات ويدفعه إلى مرقد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويروي سهل كربلاء اليابس القفر، ووهب غلاة هذا النهر إلى العلويين والفقراء الذين يأتون إلى المرقد الحسيني، وعددهم كان عديداً». (تراث كربلاء: 79). «وفي دور الدولة الأيلخانية الجلائرية التي تأسست إمارتها في العراق على عهد الشيخ حسن الجلائري المتوفّى سنة (757ه)، وأعقبه في الحكم نجله السلطان أويس، قام بتشييد بناية الروضة الحسينية المقدّسة. وقد زار الحائر نجله السلطان أحمد بهادر خان بن أويس الذي تم على يده بناء الروضة الحسينية الماثلة للعيان اليوم. يروي لنا بعض المؤرّخين أمّا السلطان أحمد فإنه عندما أيقن بعدم مقدرته على صد هذا الفاتح العظيم اضطر إلى ترك بغداد والانسحاب منها بجيشه الذي كان نحو ألفي مقاتل، فخرج من بغداد بعساكره ليلاً، وحمل ما قدر عليه من الأموال والذخائر، ونزل في سهل كربلاء، فاستولى تيمور على بغداد في السنة نفسها - سنة (795 ه)-، وفتك بأهلها فتكاً ذريعاً، ثم أرسل جيوشه في أثر السلطان أحمد، فدارت بين الفريقين معركة شديدة في سهل كربلاء انهزم في آخرها السلطان أحمد إلى مصر مستجيراً بسلطانها الملك الظاهر برقوق». (تراث كربلاء: 80).

وَآلُ سَلْجُوْق(1) وَآلُ الدَّنْبَلِي(2)***وَالمَالِكُوْنَ فِي أَعَالي الجَبَلِ

ص: 202


1- زيارة السلاجقة لمرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وزار الحائر من السلاجقة السلطان أبو الفتح جلال الدولة ملك شاه بن أبي شجاع محمّد ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، حيث توجه قاصداً زيارة الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء سنة (479 ه)، ومعه حاشية كبيرة كان من ضمنهم الوزير خواجة نظام الملك، وقد أجزل السلطان لدى زيارته أكثر من ثلاثمائة دينار على سكان الحائر، وأمر بعمارة سوره، ثم توجه إلى النجف، حيث زار مشهد الإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ)» (تراث كربلاء: 78).
2- الدنابلة: «والدنابلة نسبة إلى دنبل، قال في القاموس دنبل كقنفذ قبيلة من الأكراد بنواحي الموصل منهم أحمد بن نصر الفقيه الشافعي...، وقيل : إن سلسلة نسبهم تنتهي إلى البرامكة وزراء بني العباس.... وإن مؤلّف (تاريخ بخش) الفارسي ساق نسبهم هكذا: أبو المظفر جعفر شمس الملك ابن الأمير عيسى الملقب ب(السلطان صلاح الدين يحيى كرد الأمير يحيى ابن الأمير جعفر الثاني ابن الأمير سليمان ابن الأمير الشيخ أحمد بك ابن الأمير موسى الملقب ب(ملك طاهر) ابن الأمير عيسى أول ملوك الشامات ابن الأمير يحيى - وزير هارون الرشيد - ابن قباد برمك بن داود بن برمك ابن شاهنشاه أنو شيروان. وفي كتاب (آثار الشيعة الإمامية): الدنابلة قبيلة كبيرة تتفرع عنها قبائل مختلفة الأسماء منها: قبيلة دنبلي يحيى أولاد يحيى، وقبيلة شمسكي أولاد شمس الملك، وقبيلة عيسى بكلو أولاد الأمير عيسى، وقبيلة بكزاد كان من نسل الأمير فريدون، وقبيلة أيو بخاني من سلسلة أيوب خان وغير هؤلاء كثير. تفرقوا في قاشان وخراسان وخبوشان وشيروان وكنجة وقراباع وقراجه داع بأمر المأمون العباسي والأمير تيمور والسلطان سليم، انتهى. وكانت طريقة أسلافهم التصوف، قيل: إن أحد أجدادهم بنى ألفاً ومائتي تكية للبكتاشية، وقبورهم مزارات يتبرك بها، ويظهر أن أسلافهم لم يكونوا شيعة؛ لأن فيهم من كان شافعياً، ولأن التصوف على طريقة البكتاشية كما سمعت لا يلتئم مع التشيّع، وإن كانت البكتاشية شيعة ببعض الوجوه. وفي (آثار الشيعة الإمامية) كان المعاصرون منهم للملوك الصفوية محالفين لهم،و ناصرين لاتحادهم في الطريقة ومساواتهم في المذهب، وقد وردت أسماء جملة من محدثيهم في رواة الأئمّة الاثني عشر (عَلَيهِم السَّلَامُ)، منهم محمّد بن وهبان الدنبلي له حديث يعنعن بكميل بن زياد النخعي عن علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأورد الحديث أبو جعفر محمّد بن أبي القاسم الطبري في الجزء الأول من كتاب (بشارة المصطفى لشيعة المرتضى). وكان موطنهم في كردستان ثم هجروه منذ تسعة قرون تقريباً، ونزلوا ضواحي تبريز وأحدثوا جملة قرى وقصبات، وعمّروا بلدة خوي عدة مرات وهي عاصمة ملكهم، وكانت سلطنتهم في كردستان وضواحي تبريز مستقلة إلى ظهور السلطان حيدر الصفوي، فأطاعه الأمير بهلول الدنبلي، ودخل في خدمته عن اعتقاد وإرادة، واقتفى به من بعده من أولاده وأحفاده فنجَدوا الصفوية ونصروهم وهلك أكثرهم في حروب الصفوية...، وظهر في الدنابلة الملوك والأمراء والعرفاء». (ينظر : أعيان الشيعة: 3/ 192 - 193).

ص: 203

والفارقيُّونَ عَلَى وَتِيْرَةْ(1)***وَصَاحِبُو المَوْصل والجَزِيرَةْ (2)

ص: 204


1- أحمد بن مروان بن دوستك: «صاحب ديار بكر وميافارقين كردي الأصل. يلقب ب(الملك نصر الدولة). تملّك بعد مقتل أخيه منصور سنة (401 ه)، واستمر في الملك (51 سنة). (ينظر: الأعلام: 256/1 - 257).
2- هم أمراء الموصل من الفارقيين، وبني عقيل، وبني تغلب، وبني حمدان الشيعة وغيرهم، وقد مرّ ذكرهم في نفس الفصل، فلينظر. هذا ولم نعثر على تفصيل ما قيل: من زيارة الأمراء المذكورين على ما في أيدينا من المصادر، وكما قال الناظم (كل قيل)، أي: على ما قيل من زيارتهم للحائر المطهر. ولعل الناظم (رَحمهُ اللّه) ذكر ذلك استناداً لتشّيع المذكورين، فلاحظ.

وأَرْبلٌ وَمَا وَرَاءَ أَرْبل***ممَّنْ لَهُ سَلْطَنَةٌ في الجَبَلِ(1)

وَزُمْرَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ الشَّامِ***وَمِصْرَ مِمَّنْ زَارَ بِاكْتِتَامِ (2)

ص: 205


1- «... وأربل: قلعة حصينة، ومدينة كبيرة في فضاء من الأرض واسع بسيط، ولقلعتها خندق عميق، وهي في طرف من المدينة، وسور المدينة ينقطع في نصفها...، وهي بين الزابين تعد من أعمال الموصل، وبينهما مسيرة يومين.... قام بعمارتها وبناء سورها وعمارة أسواقها وقيسارياتها الأمير مظفر الدين كوكبري بن زين الدين كوجك علي فأقام بها، وقامت بمقامه بها، لها سوق وصار له هيبة، وقاوم الملوك ونابذهم بشهامته وكثرة تجربته حتى هابوه، فانحفظ بذلك أطرافه، وقصدها الغرباء، وقطنها كثير منهم، حتى صارت مصراً كبيراً من الأمصار». (ينظر: معجم البلدان 1 /137). «أبو سعيد كوكبوري بن أبي الحسن مظفر الدين، توفي (630ه)، ونُقل إلى قلعة أربل ودُفن بها، ثم حُمل بوصية منه إلى مكة شرّفها اللّه تعالى، وكان قد أعدت له بها قبة تحت الجبل يُدفن فيها، فلمّا توجه الركب إلى الحجاز سنة (631ه) سيّروه في الصحبة، فاتفق أن رجع الحاج تلك السنة من لينة ولم يصلوا إلى مكة فردوه ودفنوه بالكوفة بالقرب من المشهد». (ينظر الغدير: 5/ 83).
2- المراد بهم بنو زهرة: «وزُهرة بضم الزاي وسكون الهاء، بخلاف اسم النجم فإنه بفتح الهاء كما عن الجمهرة، وبنو زهرة ينسبون إلى زهرة بن علي حفيد محمّد الممدوح لا إلى زهرة الأول كما ستعرف، ويقال لهم: الإسحاقيون؛ لأنهم من نسل إسحاق ابن الإمام جعفر الصادق (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهم أحد بيوتات حلب المعروفة بالشرف والعلم وفيهم النقابة، بل هم أشهر بيوتاتها وأجلها في (القاموس) بنو زهرة شيعة بحلب، وفي (تاج العروس): بل سادة نقباء علماء فقهاء محدثون كثر اللّه من أمثالهم، وهو أكبر بيت من بيوت الحسين، ثم عد جماعة منهم، ثم قال وفي هذا البيت كثرة. وعن (در الحبيب [الحبب - ظ -] في تاريخ حلب) للرضي الحنبلي: أن زُهرة هذا – يعني ابن علي بن محمّد - لا زُهرة السابق، هو الذي ينتسب إليه بنو زُهرة أحد بيوتات حلب المذكورين في تاريخ الشيخ أبي ذر، إلى أن عد من هذا البيت جماعة كانوا نقباء حلب، وتعرض لتشيع واحد منهم هو نقيبها ورئيسها وعالمها الحسن بن زهرة بن الحسن بن زهرة من أهل هذا البيت، وقال: إن أصلهم م-ن،العراق، وأول من قدم منهم حلب الإمام الكبير أبو إبراهيم محمّد ممدوح المعري، وعنه، عن خط المحب أبي الفضل ابن الشحنة عن الحافظ برهان الدين الحلبي، عن والده قال: كان أهل حلب كلهم حنفية حتى قدم شخص من العراق فظهر فيهم التشيع، وأظهر مذهب الشافعي؛ لأنهم كانوا يتسترون بمذهبه، فلم أسأله أسأله عن القادم، ثم ذكر لي مرة ثانية ثم ثالثة ثم قال لي: ما لك لا تسألني عن القادم؟ فقلت من هو ؟ قال الشريف أبو إبراهيم الممدوح. ومنه يعلم تشيع كافة بني زهرة كالنور على الطور، بل يظهر من الكلام السابق أنهم أصل التشيع بحلب... . أقول: إن بني زهرة لا تزال ذريتهم في الفوعة إلى اليوم، وهم رؤساء أجلّاء مشهورون عند الخاص والعام، إلا أنه ليس فيهم أهل علم في هذا الزمان، وعندهم کتاب نسب جلیل قدیم علیه تواقيع نقباء حلب وقضاتها في كل عصر وجيل، ومنهم في عصرنا الشريف الحاج حسن الشهير، وولده الشريف نايف آغا الشهير الذي قتل غيلة في دار ضيافته بالفوعة ليلاً، والشريف الحاج عبد الهادي الذي زارنا مراراً في دمشق، أولاها بعد الاحتلال الفرنسوي لسوريا، وكان معه كتاب النسب المذكور الذي تشرفنا برؤيته. وعليه فالظاهر أن واحداً من بني زهرة كانت قد انقرضت ذريته الذكور، فاحتاج السيد أبو المكارم حمزة صاحب الغنية إلى إثبات ذلك بوثيقة شرعية لأجل الأوقاف العظيمة التي لهم بحلب، وكانت قد اختلست بعد نزوحهم من حلب إلى الفوعة، وانقراض التشيع من حلب وشدة التعصب من أهلها على الشيعة، ولكن أخبرني بعض سادة بني زهرة المقيم الآن بحلب، أنهم سعوا بعد الاحتلال الفرنسوي لحلب في استرجاع جملة من تلك الأوقاف التي لا تزال قيودها محفوظة في سجلات الأوقاف بحلب، وهي معروفة بأعيانها فأثبتوها ليسترجعوها، وحينئذ فالذين أثبت السيد أبو المكارم انقراضهم هم بعض ذرية أبي إبراهيم لا جميعهم، ويرشد إليه ما عن (در الحبب) عن الذهبي: أن بني زهرة عنده طائفة أخرى شيعة بحلب، كانوا بيت علم، ونظم، ونثر، وكتابة، ورئاسة، ومكارم أخلاق، وحشمة، وأنهم انقرضوا». (أعيان الشيعة: 9/3). ملحوظة: لعلّ الناظم (رَحمهُ اللّه) قد ذكر زيارتهم لقبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خلال تشيّعهم وولائهم لآل البيت (عَلَيهِم السَّلَامُ)، وهذا أمر بديهي. لا يخفى على المتبّحر اللبيب أن للتشيع أثراً كبيراً في بلاد مصر، وإنها كانت مركزاً من مراكز الإشعاع الشيعي في العالم الإسلامي؛ لذا نرى أن الآثار الشيعية على تنوعها من مقامات، وقبور، ومساجد ومدارس، قد انتشرت على أراضيها، وتكونت مجتمعات عُرفت بتشيعها على مر العصور في بلداتها، فمنها: «أسنا: بلدة كبيرة بمصر، قالح صاحب (الطالع السعيد) كان التشيع بها فاشياً والرفض بها ماشياً فجف حتى خف. أسوان: ثغر من الثغور المعروفة بمصر، قال صاحب (الطالع السعيد): ولمّا كانت البلاد للعلويين غلب على أهلها التشيع، وكان بها قديماً أيضاً وقد قل ذلك واضمحل...». (ينظر: أعيان الشيعة: 195/1). ولعل الناظم (رَحمهُ اللّه) ذكر زيارتهم لقبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) من خلال تشيعهم وارتباطهم بالإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). وقد مرت علينا شخصيات قد زارت القبر الشريف قدوماً من بلاد مصر، رغم الظروف الصعبة والقاهرة التي كانت تحيط بالقبر المقدّس، ومنهم العالم الفاضل زيد المجنون كما لُقب وقد مرت ترجمته في الفصل الرابع عشر، فليراجع.

ص: 206

ص: 207

ص: 208

والصَّفَوِيُّوْنَ بَنُوْ عَدْنَان(1)***والوَاردُونَ منْ بَني عُثْمَان (2)

ص: 209


1- زيارة الصفويين لمرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : السلطان إسماعيل الصفوي: «أول من زار الحائر من الصفويين السلطان إسماعيل الصفوي، وذلك بتاريخ 25 جمادى الثانية سنة (914 ه). ويروي المستر لونكريك بهذا الخصوص ما هذا نصه: فأسرع الشاه في القضاء على الحكومة الآق قويونليه التركمانية في العراق، فخضعت بغداد لحكمه في أواخر سنة ( 1508 م / 914 ه) على يد القائد حسين بك لاله...، إذ لم تكد تستقر جنوده في بغداد حتى قدم لزيارة الأضرحة المقدّسة في كربلاء والنجف». (ينظر تراث كربلاء: 81). الشاه عباس الكبير: «كما زار الحائر الشاه عباس الكبير حفيد الشاه إسماعيل الصفوي، وذلك في سنة (1032) ه / 1623م)، ويؤيد ذلك صاحب كتاب ( عالم آراي عباسي) كما في قوله : بعد ما قضى الشاه عباس زيارة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) توجه عن طريق الحلة إلى النجف للثم عتبة الحرم الحيدري تراث كربلاء: 81).
2- زياره بني عثمان لمرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): إشارة إلى الحكام العثمانيين، وقد زاره (عَلَيهِ السَّلَامُ) كل من: السلطان سليمان القانوني: «وفي سنة ( 941 ه /1534م) تم فتح العراق على يد السلطان سليمان القانوني الذي احتل بغداد في 18 جمادى الأولى سنة (941 ه)، وزار مرقد الإمامين الهمامين الجوادين (عَلَيهِما السَّلَامُ) في ظاهر بغداد، ثم قصد زيارة المشهدين المعظمين: أمير المؤمنين وأبي عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستمد من أرواحهما. وكانت زيارته لكربلاء في 28 جمادى الأولى من السنة المذكورة» (تراث كربلاء: 81). قبلان مصطفى باشا: «وفي بداية سنة (1088 ه) توجه الوالي قبلان مصطفى باشا إلى زيارة العتبات المقدّسة في كربلاء والنجف الأشرف، وذلك في شهر شعبان، وأنعم على الخدم، ثم عاد إلى بغداد، وعند عودته ورد أمر عزله». (تراث كربلاء: 82). السلطان حسن باشا: «ثم زار الحائر السلطان حسن باشا سنة (1117 ه/ 1705 م). يروي لنا ابن السويدي في كتابه (تاريخ بغداد) عن وصف زيارة السلطان المذكور بقوله: وفي شوال من هذه السنة رُفع اللواء بالمسير إلى كربلاء لزيارة سيد الشهداء وإمام الصلحاء، قرة عين أهل السنّة وسيد شباب أهل الجنة أبي عبد اللّه (رضیَ اللّهُ عنهُ)، وإلى زيارة الليث الجسور والشجاع الغيور، قاطع الأنفاس من ضال كالخناس أبي الفضل العباس، فدخل كربلاء وزار أصحاب الكساء...، وبقي يوماً واحداً لضيق القصبة بأحزابه وأعوانه وأصحابه، ثم ارتحل قاصداً أرض الغري». (تراث كربلاء: 82). الحاج حسن باشا: وممن زار الحائر الحاج حسن باشا والي بغداد وكانت ولايته عام (1308 ه - 1314 ه)، إذ جاء إلى كربلاء، ثم تشرف بزيارة النجف وكان قد زارها مراراً عديدة. (تراث كربلاء: 84).

ص: 210

والمَلكُ تَيْمَوْرَ كَذَا الْأَفْشَارِي***وَالرُّنْدُ وَالشَّاهَاتُ مِنْ قَاجَار (1)

ص: 211


1- الأمير تيمور الكركاني المعروف ب(تيمورلنك) المشهور: وُلد ليلة 25 شعبان سنة (736) ه)، وقيل: (728ه)، وكان مولده بظاهر کش من بلاد ما وراء النهر في قرية تسمّى (خواجة ايلغار) من أعمال كش، وتوفي ليلة الأربعاء 17 أو 19 شعبان سنة (807ه) ببلدة أطرار،- ويقال: أترارو اوترار من بلاد ما وراء النهر - وهو سائر لفتح بلاد الخطا في الصين عن 71 أو 79 سنة... ونُقل نعشه من أطرار إلى سمرقند في تابوت أبنوس، ودفن في قبة كان قد بناها لمدفنه في مدرسته، ومدة ملكه 36 سنة. و(لنك) بفتح اللام وسكون النون وكاف آخر الحروف فارسي معناه: (الأعرج)، وكان تيمور أعرج شديد العرج، و(الگرگاني) بكافين فارسيين نسبة إلى گرگان، وهي المعروفة عند العرب ب(جرجان)، فإنه كان من تلك الولاية لأنه وُلد كما سمعت بقرية من عمل كش، وكش على ثلاثة فراسخ من جرجان كما في (معجم البلدان). وفي (عجائب المقدور) أن گورگان بلغة المغول الختن، ولما استولى تيمور على ما وراء النهر صاهر الملوك فلُقب (گورگان). وقد بالغ جلّ من ذكر تيمور من المؤرخين خصوصاً ابن عربشاه والقرماني في سبّه وشتمه ولعنه كلما مر ذكره، ووصفه بأقبح الصفات، ونعته بأبشع النعوت. وقال الدحلاني في (الفتوحات الإسلامية) فيما حُكي عنه كان ظهور تيمورلنك من أشد المحن والبلايا على هذه الأمة، أفسد في الأرض وأهلك الحرث والنسل، وهو وإن كان يدعي الإسلام إلا أن قتاله مثل قتال الكفار؛ لأنه فعل أفعالاً مع المسلمين أكثر مما تفعله الكفار من القتل والأسر والتخريب، وكان رافضياً شديد الرفض، انتهى. ولا شك أن للنحلة والمذهب في ذلك دخلاً، فقد وقع في تاريخ الإسلام ما هو مثل أفعال تيمور وأفظع وأشنع، ولم نرَ هؤلاء المؤرّخين تناولوا فاعليها ببعض ما تناولوا به هذا الرجل...، نحن لا نقول أن تيمور لم يكن ظالماً، فهو طاغية ظالم كغيره من الظلمة المتغلبين، ولكننا نسأل هؤلاء المؤرّخين لماذا إذا مروا بذكر غيره من الظلمة ممن هو مثله أو أكثر منه ظلماً أو أقل – وكانت مفاسد ظلمه أضرّ على هذه الأمة - لم يتناولوه بسب ولا شتم؟! وربما التمسوا له العذر أو قالوا: إنه مأجور، وإذا مروا بذكر تيمور تناولوه بالشتم واللعن كلما ذكر ؟؟! ولا شك أن للعصبية المذهبية دخلاً في ذلك... . (أعيان الشيعة: 648/3 - 649 بتصرف يسير). زيارة الملك تيمورلنك لمرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وقيل: إن تيمورلنك زار مرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وذلك في سنة (803ه)، وأنه قد أغدق المجاورين هدايا كثيرة، واهتم بتعمير المشهد الشريف وتزيينه وإصلاحه». (ينظر : دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد: 48/2). زيارة نادر شاه الأفشاري لمرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : «وممن زار كربلاء أيضا السلطان نادر شاه الأفشاري، فإنه توجه نحو العراق عن طريق خانقين إلى بغداد سنة (1156ه)، ومنها إلى الحلة، ثم منها إلى النجف دخلها يوم الأحد في الحادي والعشرين من شوال، وارتحل عنها ي-وم الجمعة، ودخل كربلاء يوم السبت، وأقام فيها خمسة أيام هو ووزراؤه وعساكره وأرباب دولته ومعه ندیمه مرزا زکی (تراث كربلاء: 82). الزندية: «... الزندية في إيران الذين ملكوا بعد الأفشاريين، وكان جلوس كريم خان على كرسي الحكم سنة (1163)، وتوفي سنة (1193)، وحكم من بعده السلطان زكي خان المتوفّى سنة (1194)، ثم صادق خان المتوفّى سنة (1196)، ثم علي مراد خان المتوفّى سنة (1199)، ثم محمّد جعفر خان المتوفّى سنة (1209).... ومحمّد جعفر خان الزندي هو الباذل للصندوق الخاتم الذي هو على قبر الإمام علي أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان الابتداء بعمله سنة (1198ه) على يد محمّد حسين نجار شيرازي، وكاتب الآيات الكريمة حوله بالعاج المرصّع محمّد بن علاء الدين محمّد الحسيني وكمل عمله سنة (1202ه)...». (ينظر : معارف الرجال: 1/ 50 هامش). زيارة القاجاريين لمرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : السلطان ناصر الدين شاه القاجاري: «وزار الحائر السلطان ناصر الدين شاه القاجاري حفيد فتح علي شاه، وذلك في سنة (1287ه)، فقيل عن لسانه في تاريخ زيارته تشرّفنا بالزيارة، وقد دوّن ما أسعفته الذاكرة في رحلته المطبوعة بالفارسية باسم (سفرنامه ناصري). ويقال: إنّ معتمد الملك هو الذي كتب وصنّف هذه الرحلة عن لسان السلطان المذكور. جاء في (المنتظم الناصري وصف زيارته للحائر قوله في سنة (1287 ه) في شهر رمضان في الثالث عشر منه ورد السلطان ناصر الدين شاه زائراً النجف وخرج يوم العشرين منه عائداً إلى كربلاء، وأنعم على المجاورين للروضة المطهرة، وقدّم لأعتاب تلك الحضرة المقدّسة فص ألماس مكتوباً عليه سورة المُلك على يد متولي الحضرة الشريفة، انتهى» (تراث كربلاء: 82). السلطان أحمد شاه: «وفي 19 رمضان سنة (1338ه) زار الحائر السلطان أحمد شاه ابن السلطان محمّد علي شاه القاجاري ملك إيران، وزيّنت المدينة تزييناً رائعاً، وخرج الأشراف والأعيان لاستقباله». (تراث كربلاء: 84).

ص: 212

ص: 213

وَمَالِكُو العِرَاقِ مِنْ آلِ عَلِي***كَفَيْصَلِ المَاضِي وَآلِ فَيْصَل (1)

ص: 214


1- زيارة ملوك العراق لمرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : فيصل الأول: «وزار كربلاء الملك فيصل الأول ابن شريف حسين ملك العراق، وذلك في شوال سنة ( 1339 ه / 1921م)، وذلك عند توليه عرش العراق لأول مرة، واستُقبل بحفاوة بالغة من قبل أعيان البلد ووجهائه، وزينت الشوارع والطرق بالسجاجيد الثمين». غازي الأول: «وزار الحائر ملك العراق غازي الأول، وذلك في يوم الإثنين 24 ذي الحجة سنة (1352 ه)، واستقبل بحفاوة وتكريم عظيمين». فيصل الثاني: «وزار الحائر ملك العراق فيصل الثاني مع خاله عبد الإله في اليوم السابع عشر من شهر جمادى الثانية سنة (1369 ه)، كما زاره بزيارات متتالية أخرى». (ينظر تراث كربلاء: 84- 85).

منْ كُلِّ مَلك زَارَهُ وَأَنْعَمَا***عَلَى الذي جَاوَرَهُ أَوِ انْتَمى

وأَثَرَ الآثَارَ عِنْدَ المَرْقَد***تَقَرُّباً مِنْهُ لسبْطَ أَحْمَد

فَضْلاً عَن الصُّدُورِ ثُمَّ الوُزَرَا***وَذَاكَ حَسْبُ مَنْ يَعُدُّ الأُمَرا

فَإِن َتعْدَادَهُمُ يَطُولُ***وَفي الإشارات لَهُمْ مَحْصُول (1)

ص: 215


1- بعض من زار كربلاء من الشخصيات والملوك والأمراء والرؤساء والوزراء: ونشير هنا إلى بعض من زار كربلاء من الشخصيات والملوك، والأمراء، والرؤساء، والوزراء من مختلف البقاع والبلدان، وتشرّف بزيارة العتبتين المباركتين لأبي عبد اللّه الحسين وأخيه أبي الفضل العباس نقلا عن كتابي تاريخ مدينة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتراث كربلاء: ابن الدواتدار: «فقد قصد الزيارة للقبر الشريف ابن الدواتدار وذلك في سنة 662ه». السلطان محمود غازان خان: «وممن زار قبر الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ) السلطان محمود غازان خان وذلك سنة 696ه، وكذلك في سنة 698ه». الشيخ إبراهيم بن حمويه الجويني: «وممن تشرّف بالزيارة الشيخ إبراهيم بن محمّد بن المؤيد بن حمويه الجويني المعروف ب(صدر الدين أبو المجامع ابن سعد الدين الشافعي الصوفي، وأخذ يتلمّذ في كربلاء». (ينظر : مدينة الحسين: 129/1-130). محمّد خان اللكناهوري: «وزار الحائر السيد محمّد خان اللكناهوري أحد سلاطين الهند، وذلك في سنة (1310 ه)». مير فيض محمّد خان تالبر: «وزار الحائر في سنة (1326 ه) مير فيض محمّد خان تالبر أمير مقاطعة خير بور السند، وهو شيخ كبير ومعه عدد من وزرائه وعساكره». رضا شاه بهلوي: «وزار كربلاء سنة (1342 ه) رضا شاه بهلوي رئيس وزراء إيران وقائد الجيش الإيراني، فاستقبل استقبالاً رائعاً، ولدى عودته إلى إيران تولى العرش». الأمير عبد اللّه بن الحسين: «وزار الحائر الشريف الأمير عبد اللّه بن الحسين ملك المملكة الأردنية الهاشمية، وذلك في يوم الأربعاء 19 جمادى الأولى سنة (1348 ه)». الباب الثالث / الفصل الرابع عشر في زيارة أبنائه وسلاطين الزمان له.. عباس حلمي: «وزار الحائر أيضاً عباس حلمي ملك مصر السابق في رمضان سنة (1351ه)». السيد على رضا خان الرامبوري: «وزار الحائر السيد علي رضا خان الرامبوري، وذلك في يوم الأحد في الخامس والعشرين من رجب سنة (1353 ه) عائداً من النجف». السيد طاهر سيف الدين: «كما جاء الحائر أيضاً السيد طاهر سيف الدين زعيم الطائفة الإسماعيلية في الهند وأفريقيا، وذلك في سنة (1358 ه)». السلطان محمّد ظاهر: «وزار الحائر أيضاً السلطان محمّد ظاهر شاه ملك الأفغان في اليوم الخامس من جمادى الآخرة سنة ( 1369 ه) حيث توجه إلى النجف». «وبعد إعلان ثورة الرابع عشر من تموز سنة (1958م / 1378 ه) زار كربلاء عدد كبير من رؤساء وملوك الدول الإسلامية وما زالوا يزورون؛ وذلك لقدسيتها ومكانتها العلمية». (ينظر : تراث كربلاء: 84- 85). وأما في عصرنا الحاضر فقد زاره منهم مالا يحصى عدّه أو حصره.

ص: 216

ص: 217

ص: 218

الباب الرابع: في بعض معجزات ظهرت من القبر

اشارة

ص: 219

ص: 220

إشارة:

بابٌ لَنَشْرِ مُعجزات القبر

أذْكُرُ مِنْها قَطْرَةً مِنْ بَحْر

رَوَى ابْنُ قَوْلَوَيْه في الكَمَال***عَن الحُسَيْن السبط للثّمالي

قَالَ: قَصَدْتُ كَرْبَلا القُدْسِيَّة***في أُخْرَيَاتِ المُلك منْ أُمَيَّة

فِي خِيْفَةٍ مُشَمَّراً للذَّيْلِ***أَكْمِنُ يَوْمِي وَأَسِيْرُ لَيْلي

فَجِئْتُ نِصْفَ اللَّيْلِ كَيْ أَزُورًا***فَقَالَ شَخْصٌ: انْصَرِفْ مَأْجُوْرًا

فارْتَعْتُ ثُمَّ عُدْتُ قَبْلَ الفَجْرِ***فَقَالَ: لَا تَقْرَبْ لَنَحْوِ القَبْرِ

فَقُلْتُ: عوفيت لماذا إِنَّني***جئتُ منَ الكُوفَة في تَكَمُّن

وَأَخْتَشِي إِذَا تَجَلَّى الصُّبْحُ***عَلَيَّ هَاهُنَا يَحينُ الذَّبَّحُ

فَقَالَ لي: اصْطَبِرْ إِذَنْ لِيَخْرُجا***مُوسَى وَمَنْ صَاحَبَهُ فَيَعْرُجا

فَإِنَّهُ زَارَ بسَبْعَيْنَ الفا***منْ مَلَكَ السَّمَاء صَفَّاً صَفًّا

يُقَدِّسُوْنَ الأحَدَ المُعَظَمَا***وَقَدْ أَنَى أَنْ يَعْرُجُوا إِلَى السَّمَا

فَقُلْتُ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ لِي مَلَكْ***أَحْرُسُ قَبْرَهُ وَأَسْتَغْفِرُ لَكَ

ثُمَّ أَتَيْتُ عِنْدَمَا الفَجْرُ طَلَعْ***فَلَمْ أَجِدْ مَنْ صَدَّ قَبْلُ وَمَنَعْ

فَزُرْتُهُ ثُمَّ قَضَيْتُ الواجبا***وَعُدْتُ والشَّمْسُ تُريني حاجبَا

ص: 221

أُسْرِعُ فِي سَيْرِي بِالنَّهَارِ***عَنْهُ من الخيفة والحذار

فَسَلَّمَ اللّه تَعَالَى وَرَعَى***وازدَادَ مَنْ دَرَى بِشَأْني وَرَعَا (1)

ص: 222


1- زيارة الأنبياء لقبر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قال ابن قولويه في (كامل الزيارات: 221 ح 2/324): حدّثني الحسن بن عبد اللّه، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن الحسين ابن بنت أبي حمزة الثمالي، قال: «خرجت في آخر زمان بني مروان إلى زيارة قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) مستخفياً من أهل الشام حتى انتهيت إلى كربلا، فاختفيت في ناحية القرية حتى إذا ذهب من الليل نصفه أقبلت نحو القبر، فلما دنوت منه أقبل نحوي رجل فقال لي: انصرف مأجوراً فإنك لا تصل إليه، فرجعت فزعاً حتى إذا كان يطلع الفجر أقبلت نحوه حتى إذا دنوت منه خرج إلي الرجل، فقال لي: يا هذا إنك لا تصل إليه، فقلت له: عافاك اللّه ولمَ لا أصل إليه؟ وقد أقبلت من الكوفة أريد زيارته فلا تحل بيني وبينه، وأنا أخاف أن أصبح فيقتلوني أهل الشام إن أدركوني هاهنا، قال: فقال لي: اصبر قليلاً، فإن موسى ابن عمران (عَلَيهِ السَّلَامُ) سأل اللّه أن يأذن له في زيارة قبر الحسين بن على (عَلَيهِما السَّلَامُ) فأذن له، فهبط من السماء في سبعين ألف ملك، فهم بحضرته من أول الليل ينتظرون طلوع الفجر ثم يعرجون إلى السماء. قال: فقلت له: فمن أنت عافاك الله؟ قال: أنا من الملائكة الذين أمروا بحرس قبر الحسين (عَلَيهِما السَّلَامُ) والاستغفار لزواره، فانصرفت وقد كاد أن يطير عقلي لما سمعت منه، قال: فأقبلت حتى إذا طلع الفجر أقبلت نحوه، فلم يحل بيني وبينه أحد، فدنوت من القبر وسلّمت عليه، ودعوت اللّه على قتلته، وصلّيت الصبح، وأقبلت مسرعاً مخافة أهل الشام».

الفصل الخامس عشر: ذكر الشيخ الصدوق لمعجزة في الديزج

الفصل الخامس عشر: ذكر الشيخ الصدوق لمعجزة (1) في الديزج

وَذَكَرَ الطُّوْسِيُّ فِي الأَمَالِي***مُعْجِزَةٌ مُنْجِرَةَ الآمَالِ

بِأَنَّ إبْراهِيمَ يَعْنِي الدَّيْرَجا***قَالَ: أَرادَ جَعْفَرٌ أَنْ أَخْرُجَا

وأَنْبُتُ القَبْرَ بِكَرْبَلاءا***وَأَحْرُثُ الأَرْضِ وَأُجْرِي المَاءا

فَصِرْتُ لِلقَبْرِ بِمَنْ أَعْدُّهُ***مِنْ كُلِّ قَرْمٍ مُعْجَبٍ أَشُدَّهُ

وَمَعِيَ الأَكَارُ بالمَسَاحِي***فَبِتُّ لَيْلي ناظِرَ الصَّبَاحِ

فَنَبَّهَتْنِي زَعَقَاتُ الجُنْدِ***فَقُلْتُ: مَاذا لأُناس عِنْدِي؟

ص: 223


1- الأولى استخدام الكرامة بدلاً من الإعجاز في هذا المورد والموارد الأخرى من الإرجوزة والتي ستأتي لاحقاً؛ كون الثاني مختصاً بمدعي النبوة، قال الرازي في تفسيره 189/6: «المسألة الرابعة: من الناس من قال: إن طالوت كان نبياً، لأنه تعالى أظهر المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبياً، ولا يقال: إن هذا كان من کرامات الأولياء...» وينظر الفرق بين المعجزة والكرامة: (تفسير الرازي: 189/6، البيان في عقائد أهل الإيمان: 33، صحيح شرح العقيدة الطحاوية: 421-422).

فَقِيْلَ: صَدَنَا عَنِ التَّقَدُّمِ***قَوْمٌ رَمَوا وُجُوْهَنَا بِأَسْهُم

وَكُلُّ مَنْ رَمَاهُمُ بِسَهْمِ***عَادَ عَلَيْهِ السَّهُمُ مِنْهُ المَرْمِي

قَالَ: فَقُمْتُ لِأَرَى الأَمْرِ الجَلِي***فَمَا رَأَيْتُ غَيْرَ مَا قَدْ قِيْلَ لِي

فارتَعْتُ مِنْ ذَا وَطَوَيْتُ كَشْحِي***وَقُلْتُ: غَادِرُوْهُمُ لِلصُّبْحِ

حَتَّى إِذا الشَّمْسُ بَدَتْ لِلْأَعْيُنِ***قَامُوْا فَهَدَمُوا جَمِيْعَ مَا بُنِي

وَنَبَعُوا القَبْرَ فَلَاحَتْ بَارِيةْ***تَسْطُعُ بِالمِسْكِ كَمِثْلِ الغَالِيَة

قُلْتُ: دَعُوهُ وَلَئِنْ لَمْ يَكْتُمِ***رَاءِ قَتَلْتُهُ عَلَى النَّكَلَّمِ

ثُمَّ حَرَثْنَا الْأَرْضِ لَكِنَّ البَقَرْ***تَأْتِي إِلَى ذَاكَ المَقَامِ وَتَذَرْ

وَكُلَّما تُضْرَبُ للكراب***تَقَهْقَرَتْ تَمْشِي عَلَى الْأَعْقَابِ

ثُمَّ مَخَرْنَا المَاءَ فَوْقَ القَبْرِ***فَحَارَ عَنْهُ واقِفاً لَا يَجْرِي

وَكُلَّما تَجْرِيِّ المِيَاهُ فَوْقَة***تَرْفَصُ عَنْهُ وَتَكُوْنُ طَوْقَة

فَلَمْ يَزَلْ يَعْجَبُ مِنْ ذَا الأَمْرِ***فِي مُدَّةِ العَيْشِ وَطُولِ العُمْرِ

حَتَّى قَضَى فِي الهَوْلِ مِمَّا يُبْصِرُ***وَجَعْفَرٌ أَوْدَى بِهِ المُنْتَصِرُ

وَذَاكَ في سَتٌ وَالأَرْبَعَيْنَا***وَالمُنَتَيْنِ فَانْظُ وَالمُنَتَيْنِ فَانْظُر السِّنيْنَا

ص: 224

وَاتَّبع الرُّواةَ في هَذا الخَبَرْ***فإنَّ كُلَّ واحد لَهُ ذَكَرْ

وَقَالَ: إِنَّ الدَّيْرَجَ المُقَدَّما***كَانَ يَهُوْديّاً وَصَارَ مُسْلما (1)

ص: 225


1- خبر إبراهيم الديزج: قال الشيخ الطوسي في (الأمالي: 327 ح 665/ 102): أخبرنا ابن خشيش قال حدّثنا محمّد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا سعيد بن أحمد ابن العراد أبو القاسم الفقيه، قال: حدّثني أبو برزة الفضل بن محمّد بن عبد الحميد، قال: «دخلت على إبراهيم الديزج وكنت جاره، أعوده في مرضه الذي مات فيه، فوجدته بحال سوء، وإذا هو كالمدهوش وعنده الطبيب، فسألته عن حاله، وكانت بيني وبينه خلطة وأنس الثقة يوجب بي والانبساط إلي، فكاتمني حاله، وأشار لي إلى الطبيب، فشعر الطبيب بإشارته، ولم يعرف من حاله ما يصف له من الدواء ما يستعمله، فقام فخرج وخلا الموضع فسألته عن حاله، فقال: أخبرك واللّه وأستغفر اللّه أن المتوكل أمرني بالخروج إلى نينوى إلى قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأمرنا أن نكربه ونطمس أثر القبر، فوافيت الناحية مساء معنا الفعلة والروز كاريون معهم المساحي والمرور، فتقدمت إلى غلماني وأصحابي أن يأخذوا الفعلة بخراب القبر وحرث أرضه، فطرحت نفسي لما نالني من تعب السفر ونمت، فذهب بي النوم فإذا ضوضاء شديدة وأصوات عالية، وجعل الغلمان ينبهونني، فقمت وأنا ذعر، فقلت للغلمان: ما شأنكم؟ قالوا: أعجب شأن، قلت: وما ذاك؟ قالوا: إن بموضع القبر قوماً قد حالوا بيننا وبين القبر، وهم يرموننا مع ذلك بالنشاب، فقمت معهم لأتبين الأمر، فوجدته كما وصفوا، وكان ذلك في أول الليل من ليالي البيض، فقلت: ارموهم فرموا فعادت سهامنا إلينا، فما سقط سهم منها إلا في صاحبه الذي رمى به فقتله، فاستوحشت لذلك وجزعت وأخذتني الحمّى والقشعريرة، ورحلت عن القبر لوقتي، ووطنت نفسي على أن يقتلني المتوكل لما لم أبلغ في القبر جميع ما تقدم إليّ به. قال أبو برزة: فقلت له: قد كُفيت ما تحذر من المتوكل، قد قُتل بارحة الأولى وأعان عليه في قتله المنتصر، فقال لي: قد سمعت بذلك، وقد نالني في جسمي ما لا أرجو معه البقاء. قال أبو برزة: كان هذا في أول النهار، فما أمسى الديزج حتى مات. قال ابن خشيش قال أبو الفضل: إنّ المنتصر سمع أباه يشتم فاطمة (عَلَيهَا السَّلَامُ)، فسأل رجلاً من الناس عن ذلك، فقال له: قد وجب عليه القتل، إلا أنه من قتل أباه لم يطل له عمر قال: ما أبالي إذا أطعت اللّه بقتله أن لا يطول لي عمر، فقتله وعاش بعده سبعة أشهر». وينظر : بقية ما يتعلق بإبراهيم الديزج ونبشه لقبر الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في الفصل الثاني عشر من كتابنا هذا.

ص: 226

الفصل السادس عشر: في ذكره لمعجزة في هارون المعري

وَقَالَ فِيها: إِنَّ البَاقْطَانِي***حَكَى وَكَانَ كَاتبَ الدِّيوَانِ

وَكَانَ وَجْهُهُ كَمِثْل النَّفس(1)***لوناً وَجسْمُهُ كَمِثْل الطَّرْس (2)

فَقُلْتُ يَوْماً وَطَرَحْنَا الحَشْمَة:***وَجْهَكَ لِمْ خُص بِهَذِي الأَدْمَةً؟

قَالَ: سَأُنْبِيْكَ إِذا لَمْ تُخْبِر***فَقُلْتُ: لَا وَفَضْلكَ المُوَفَّر

قَالَ: خَرَجْتُ في عداد الدَّيْرَج***فَقَالَ طَيْفُ المُصْطَفَى: لَا تَخْرُج

فَمَلْتُ عَنْهُ إِذْ رَأَيْتُ النَّهْيَا***فَجَاءَنِي الدَّيْزَجُ يَدْعُو الوَحْيَا

فَقُمْتُ عَنْهُ تَابِعاً للأمْرِ***بِهَدْمِ كَرْبَلا وَحَرْثِ القَبْرِ

فَجَاءَنِي طَيْفُ الرَّسُوْلِ ثَانِيَا***وَقَالَ لِي: هَلَّا أَطَعْتَ النَّاهِيَا

وَيْلَكَ قَدْ حَرَقْتَ قَبْرَ ابْنِي الأَبَر***وَصَكَ وَجْهِي لَطْمَةٌ ذَاتُ أَثَرْ

ص: 227


1- النقس: الجرب. (ينظر: تاج العروس: 21/9).
2- الطرس : الكتاب يمحى ثم يعاد فيه، وفعله التطريس. (ينظر : كتاب العين 209/7).

فَاسْوَدَّ ذَاكَ الوَجْهُ والجسم بقي***فَهَا أَنَا بِهَيْئَة لَمْ تُسْبَقِ

أَكَادُ أَنْ أَذُوْبَ إِنْ رَآني***راءٍ بهَذا الوَجْه وَالجُثْمَان (1)

ص: 228


1- حادثة هارون المعري واسوداد وجهه: قال الشيخ الطوسي في (أماليه : 326 - 101/654): أخبرنا ابن خشيش، عن محمّد بن عبد اللّه قال: حدّثني محمّد بن إبراهيم بن أبي السلاسل الأنباري الكاتب قال: حدّثني أبو عبد اللّه الباقطاني، قال: «ضمني عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان إلى هارون،المعري، وكان قائداً من قواد السلطان أكتب له، وكان بدنه كله أبيض شديد البياض حتى يديه ورجليه كانا كذلك، وكان وجهه أسود شديد السواد كأنه القير، وكان يتفقاً مع ذلك مِدّة - المِدة بالكسر : ما يجتمع في الجرح من قيح - منتنة. قال: فلما آنس سألته عن سواد وجهه، فأبى أن يخبرني، ثم إنه مرض مرضه الذي مات فيه، فقعدت فسألته، فرأيته كأنه يحب أن يكتم عليه، فضمنت له الكتمان فحدّثني، قال: وجهني المتوكل أنا والديزج لنبش قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإجراء الماء عليه، فلما عزمت على الخروج والمسير إلى الناحية رأيت رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في المنام، فقال: لا تخرج مع الديزج، ولا تفعل ما أمرتم به في قبر الحسين. فلما أصبحنا جاءوا يستحثونني المسير، فسرت معهم حتى وافينا كربلاء، وفعلنا ما أمرنا به المتوكل فرأيت النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) في المنام فقال: ألم آمرك ألا تخرج معهم ولا تفعل فعلهم، فلم تقبل حتى فعلت ما فعلوا ؟ ثم لطمني وتفل في وجهي، لطمني وتفل في وجهي، فصار في وجهي مسو مسوداً كما ترى، وجسمي على حالته الأولى».

الفصل السابع عشر: في ذكره لمعجزة لعلي بن عاصم (رَحمهُ اللّه) في السبع

وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ مُوسَى***سَيِّدُنا أَعْني به الطَّاوُسَا

قَالَ: مَضَى عَلِيُّ بْنُ عَاصِمِ***لِكَرْبَلَا فِي مشَرِ أَكَارِمِ

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبْنِي ابْنُ زَيْدِ الدَاعِي***مَرْقَدَهُ بالشَّيْدِ والسَّيَاعِ (1)

فَجَاءَ لَيْلٌ ضَيْغَمْ فِي بَابِهِ***وَمَرَّغَ السَّاعِدَ فِي أَعْتَابِهِ

فَأُرْعِبُوا لَكِنْ عَليَّ ذَهَبا***إِلَيْهِ وَالبَاقُوْنَ دَانَوا رَهَبًا

فَوَجَدَ السَّاعِدَ مِنْهُ قَدْ نَشَبْ***فيه لَدَى الذِّرَاع أنْبُوبُ قَصَبْ

فَجَرَّهُ إِلَيْهِ ثُمَّ عَصَرَهْ***وَأَخْرَجَ الأُنْبُوبَةَ المُنْحَصِرَة

وَذَرَّ فَوْقَ جُرْحه رَغَامَهُ***وشَدَّهُ بِقِطعَةِ العِمَامَة

ص: 229


1- الشيّد بالكسر : كل ما طلي به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح: المصدر، تقول: شاده یشیده شیدا جصصه. (ينظر: لسان العرب: 244/3). والسياع: تطيينك بالجص والطين والقير، تقول: سيعت به تسييعا، أي طليتُ به طلباً رقيقاً. (ينظر لسان العرب: 170/8).

فَمَرَّغَ اللَّيْثُ مُحَيَّا وَذَهَبْ***وَشَاهَدَ الرَّهْطُ مِنْ اللَّيْثِ العَجَبْ

وَمَنْ عَليَّ حَيْثُ للَّيْثُ مَضَى***وَلا عَجِيْبٌ مِنْ تَرَى ابْن المُرتضى (1)

وَذَا عَليَّ كَانَ شَيْخ الشَّيْعَة***وَرُكْنَها فِي الكُوفَةِ المَنْيْعَة

لَكِنْ دَهَاهُ ابْنُ أَبِي الدَّواهِي***فَقِيْدَ لِلزَّوْرَاءِ فِي أَشْبَاهِ

وَزُجَّ فِي طَامُوْرَةِ لَمْ تَسْتَمِد***حَتَّى قَضَى نَحْبَاً زَمَانَ المُعْتَضِدْ

کَمَا أَفَادَ ذَلكَ الزُرَارِي***فِي وَصْف آلِ أَعْيَنَ الأَبْرارِ (2)

ص: 230


1- قصة علي بن عاصم الزاهد والسبع: قال السيد ابن طاووس: «ومن ذلك ما رأيناه في كتاب (السفراء)، وقد نقلناه بلفظه في كتاب (الكرامات)، ونذكر هاهنا بعض معناه أن علياً بن عاصم الزاهد كان يزور الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قبل عمارة مشهده بالناس، فدخل سبع إليه فلم يهرب منه، ورأى كف السبع منتفخة بقصبة قد دخلت فيها، فأخرج القصبة وعصر القصبة وعصر كف السبع و شده ببعض عمامته، ولم يقف الزوار لذلك سواه. (الأمان من أخطار الأسفار: 127). ملحوظة: وكتاب (الكرامات) الذي ذكره السيد (رَحمهُ اللّه) هو من كتبه مفقودة الأثر. (ينظر عنه : الذريعة: 289/17)
2- «وكان علي بن عاصم شيخ الشيعة في وقته ومات في حبس المعتضد، وكان حُمل من الكوفة مع جماعة من أصحابه، فحبس من بينهم في المطامير فمات على سبيل ماء، وأطلق الباقون، وكان يسعى به رجل يُعرف بابن أبي الدواب (الدواهي. خ )، وله قصة طويلة». (رسالة في آل أعين: 9). المعتضد باللّه: ذكر المسعودي أحوال المعتضد في كتابه (مروج الذهب: 245/4)، قال: «وبويع أبو العباس أحمد بن طلحة المعتضد باللّه في اليوم الذي مات فيه المعتمد على اللّه عمه، وهو يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين...، وكان مع ذلك قليل الرحمة، كثير الإقدام، سفاكاً للدماء، شديد الرغبة في أن يُمثل بمن يقتله... إلى أن قال: وذكر من عذابه أنه كان يأخذ الرجل فيُكتّف وَيُقيّد فيؤخذ القطن فيُحشى في أذنه وخيشومه وفمه، وتوضع المنافخ في دبره حتى ينتفخ ويعظم جسمه ثم يُسد الدبر بشيء من القطن، ثم يُفصد وقد صار كالجمل العظيم من العرقين اللذين فوق الحاجبين، فتخرج النفس من ذلك الموضع، وربما كان يُقام الرجل في أعلى القصر مجرداً موثَقاً ويُرمى بالنشاب حتى يموت. واتخذ المطامير، وجعل فيها صنوف العذاب وجعل عليها نجاح الحرمي المتولي لعذاب الناس...».

وَفِي ثَنَايَا الطَّفِّ رَسْمُ السَّبْعِ***يَعْنُوْنَ ذَا أَوْ حَارِسَاً كَمَا ادُّعِى (1)

ص: 231


1- ما رواه الكليني في (الكافي: 465/12 - 466 ب مولد الحسين بن علي (عَلَيهِما السَّلَامُ) ح8): الحسين بن محمّد، قال: حدّثني أبو كريب وأبو سعيد الأشج، قالا: حدّثنا عبد اللّه بن إدريس، عن أبيه إدريس بن عبد اللّه الأودي، قال: لمّا قُتل الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أراد القوم أن يوطئوه الخيل، فقالت فضة لزينب يا سيدتي، إن سفينة كُسر به في البحر فخرج إلى جزيرة فإذا هو بأسد، فقال: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)، فهمهم بين يديه حتى وقفه على الطريق، والأسد رابض في ناحية، فدعيني أمضي إليه وأعلمه ما هم صانعون غداً، قال: فمضت إليه فقالت: يا أبا الحارث، فرفع رأسه، ثم قالت: أتدري ما يريدون أن يعملوا غداً بأبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ)؟ يريدون أن يوطئوا الخيل ظهره، قال فمشى حتى وضع يديه على جسد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأقبلت الخيل، فلما نظروا إليه قال لهم عمر بن سعد (لعنه اللّه) فتنة لا تثيروها انصرفوا فانصرفوا»، انتهى. ملحوظة: وهذا عندي - الشارح - ضعيف جداً، ومخالف لما رُوي بالاتفاق من أن عمر بن سعد (لعنه اللّه) قد انتدب عشرة من الفرسان ليرضوا صدر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بأمر من ابن زياد (لعنه اللّه)، وقد فعل. ولعمري إن قتله وقطع رأسه وسبي نسائه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لأعظم، واللّه تعالى أعلم. وسيمرّ علينا شرحٌ للمقام المذكور في الفصل الثالث والثلاثين من كتابنا هذا، فليلاحظ.

ص: 232

الفصل الثامن عشر: في ذكر معجزة شاهدها قطب الدين الراوندي (رَحمهُ اللّه)

وَقَال قُطب المِلَّةِ الراوَنْدِي***في الدَّعَوات الأمنَات الرَّدِّ:

حدّثني مِنْ لَفْظه أبو الحَسَنْ***فَاضِلُ نَيْشَابُوْرَ وَهُوَ المُؤْتَمَنْ

قَالَ: رَحَلْتُ الحُسَيْن زَائرا***مَعْ رَفْقَةٍ قَدْ طَهَرُوا سَرَائِرَا

حَتَّى أَتَيْنَا لِقَرِيْبِ كَرْبُلا***فَأَسْقَطَ الفَالِجُ مِنَّا رَجُلًا

فَظَلَّ يَبْكِي وَيُنَادِي صَحْبَهُ***أَنْ يَحْمِلُوْهُ لِلْمَقَامِ حَسْبُهُ

فَانْعَطَفَتْ قُلُوْبُنَا إِلَيْهِ***وَظَلَّ كُلَّ قَائماً عَلَيْهِ

نَسْندَهُ إِنْ رَكِبَ المَطِيَّة***وَنَمْشِي جَانِبَيْهِ فِي الوَطيَّةٌ

حَتَّى وَصَلْنَا فَفَرَضْنَا بُسْطا***فيها حَمَلْنَاهُ وَزَارَ السَّبْطا

فَظَلَّ يَدْعُو والجَميعُ حاملُ***وَيَنْدَبُ الحُسَيْنَ وَهُوَ قَائِلُ

لَا تَتْرُكَنَّ هَكَذا يا سَيّدي***لَمْ تَسْعَ بِي رِجْلِي وَلَمْ تَسْعُدْ يَدِي

ثُمَّ وَضَعْنَاهُ فَقَامَ مُنْبَسِطُ***كَأَنَّهُ منَ العقَال قَدْ نَشَط

لَيْسَ بِهِ سُقْمٌ وَلَا بِهِ مَرَضْ***مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ بِأَيْدِيْنَا حَرَضْ

ص: 233

فَانْثَالَت النَّاسُ عَلَيْهِ تَنْظُرْ***وَشَاعَ في العراق هَذَا الخَبَرُ

وَازْدَحَمَ الوُفُوْدُ كُلِّ يَسْأَلُ***عَنْ حَالَهِ وَهوَ لَهُمْ يَسْتَقْبِلُ

وَيُخْبرُ السَّائِلَ عَمَّا قَدْ حَصَلْ***حَتَّى قَفَلْنَا رَاجِعِيْنَ لِلْمَحَلْ (1)

ص: 234


1- كرامة شاهدها قطب الدين الراوندي (رَحمهُ اللّه) في قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): قطب الدين الراوندي في (الدعوات: 205 ح 558)، قال: وحدّثني الشيخ أبو جعفر النيشابوري (رضیَ اللّهُ عنهُ)قال: «خرجت ذات سنة إلى زيارة مولانا أبي عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في جماعة، فلمّا كنا على فرسخين من المشهد أو ثلاثة أصاب رجلاً من الجماعة الفالج، وصار كأنه قطعة لحم قال وجعل يناشدنا باللّه سبحانه أن لا نخليه وأن نحمله إلى المشهد. قال: فشددناه على الدابة وأخذنا نراعيه ونحافظه فلما دخلنا المشهد على ساكنيه الصلاة والسلام وضعناه على ثوب، وأخذ رجلان من طرفي الثوب ورفعناه على القبر، وكان يدعو ويتضرع ويبكي ويبتهل ويقسم على اللّه بحق الحسين أن يهب له العافية. قال: فلما وُضع الثوب على الأرض جلس ومشى وكأنما نشط من عقال».

الفصل التاسع عشر: في ذكر السروي لمعجزة في المسترشد

وَذَكَرَ الشَّيْحُ ابْنُ شَهْرَ آشوبِ***فِي صَارِمِ المَنَاقِبِ المَخْشُوْبِ (1)

إنَّ خَليْفَةَ الوَرَى المُسْتَرْشدا(2)***مَدَّ إِلَى خَزَانَة السِّبط يَدَا

لَدُنْ أَرَادَ الحَرْبَ مَعْ مَسْعُودِ(3)***وَغَزْوَهُ بكَثرَة الجُنُود

ص: 235


1- أراد به كتاب (مناقب آل أبي طالب) لابن شهر آشوب، وقد وصفه المؤلّف (رَحمهُ اللّه) بقوله: (صارم المناقب المشخوب) أي: السيف المصقول.
2- «المسترشد باللّه الفضل (المسترشد باللّه) ابن أحمد (المستظهر باللّه) ابن المقتدي عبد اللّه بن محمّد الهاشمي العباسي، أبو منصور (485 - 529 ه / 1092 - 1135م) من خلفاء الدولة العباسية. بويع بالخلافة بعد وفاة أبيه (سنة 512ه)». (ينظر: الأعلام 147/5).
3- غياث الدين السلجوقي: «أبو الفتح مسعود بن محمّد بن ملكشاه ب-ن ألب أرسلان السلجوقي الملقب غياث الدين أحد ملوك السلجوقية المشاهير.... كان مسعود المذكور قد سلّمه والده في سنة خمس وخمسمائة إلى الأمير مودود ابن التوتكين وجعله صاحب الموصل ليربيه، فلمّا قُتل مودود في سنة سبع وخمسمائة، وتولّى الأمير آق سنقر البرسقي مكانه سلّمه والده إليه أيضاً، ثم أرسله من بعده إلى جوش بك أتابك الموصل أيضاً، فلما توفي والده وتولى موضعه ولده محمود، أخذ جوش بك يحسّن لمسعود المذكور الخروج على أخيه محمود وأطمعه في السلطنة، ولم يزل على ذلك حتى جمع العساكر واستكثر منها وقصد أخاه، والتقيا بالقرب من همذان في ربيع الأول سنة أربع عشرة وخمسمائة، وكان النصر لمحمود...، تنقلت ثم الأحوال وتقلبت بمسعود المذكور واستقل بالسلطنة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، ودخل بغداد واستوزر شرف الدين أنوشروان بن خالد القاشاني الذي كان وزير المسترشد...، وكان سلطاناً عادلاً لين الجانب كبير النفس فرّق مملكته على أصحابه، ولم يكن له من السلطنة غير الاسم، وكان حسن الأخلاق كثير المزاح والانبساط مع الناس...، وكان مع لين جانبه ما ناوأه أحد إلا وظفر به، وقتل من الأمراء الأكابر خلقاً كثيراً، ومن جملة من قتل الخليفتان: المسترشد باللّه، والراشد...، ثم أقبل مسعود على الاشتغال باللذات والانعكاف على مواصلة وجوه الراحات متكلاً على السعادة تعمل له ما يؤثره إلى أن حدث له القيء وعلة الغثيان، واستمر به ذلك إلى أن توفي في حادي عشر جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وقيل: يوم الأربعاء الثاني والعشرين من الشهر المذكور بهمذان، وماتت معه سعادة البيت السلجوقي فلم تقم له بعده راية يُعتد بها ولا يُلتفت إليها...، ودفن في مدرسة بناها جمال الدين إقبال الخادم. وقال ابن الأزرق الفارقي في (تاريخه): رأيت السلطان المذكور ببغداد في السنة المذكورة، وسار إلى همذان ومات بباب همذان، وحُمل إلى أصبهان...، ومولده يوم الجمعة لثلاث خلون من ذي القعدة سنة اثنتين وخمسمائة...». (ينظر: وفيات الأعيان: 2005 - 202).

ص: 236

وَقَالَ: مَا نَفْعُ الحُسَيْنِ بِالطَّرَف***وَهُوَ بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالغُرَف؟!

وَصَرْفُها في واجبات الجُنْد***خَيْرٌ منَ الخَزْنِ لَدَيْهِ عِنْدِي

فَبَاعَها وَجَهَّزَ العَسَاكرا***وَسَارَ فيْها غَازيَاً مُبَاكرًا

وَسَوَّعَ ابْنُهُ الذي قَدْ سَاعَة***فَقَتَلُوْهُ وَهُوَ فِي مَرَاغَة

وَلَمْ يُفدَّهُ الجُنْدَ وَالعَديدُ***فَإِنَّ بَطْشَ رَبَّنَا شَديدُ

وَمَا تَهَنَّا الرَّاشِدُ (1) ابْنُهُ سِوَى***أَقَلَّ مِنْ عَامٍ وَرَاهُ فَثَوَىٰ

قَتْلاً وَكُلٌّ سَحَبُوْهُ جَرًا***جَزَاءَ مَا كَانَ به تَجَرًا

أَلَيْسَ فِي المُجَرَّبِ المُتَّضَحِ***مَنْ مَدَّ لِلْوَقْفِ يَداً لَمْ يَرْبَحِ

ص: 237


1- الراشد باللّه (504 - 532 ه/ 1110 - 1138 م): «المنصور (الراشد باللّه، أبو جعفر) ابن الفضل المسترشد ابن المستظهر من خلفاء الدولة العباسية ببغداد. ولي الخلافة بعد وفاة أبيه (سنة 529 ه)». (ينظر الأعلام: 302/7).

فَكَيْفَ وَقْفٌ خَالِدٌ مُنَظَّمْ***شَعَائِرَ اللّه به تُعَظَّم(1)

ص: 238


1- حادثة المسترشد: في سنة (529 ه) كان المسترشد باللّه في حاجة للأموال؛ لغرض صرفها على الجند، فامتدت يده الخبيثة لسلب الحائر من أمواله وموقوفاته لينفقه على عساكره. وللتفصيل (ينظر: الباب السادس من الأرجوزة). وقد ذكر الحادثة ابن شهر آشوب في (مناقب آل أبي طالب: 171/2)، حيث قال: «وأخذ المسترشد من مال الحائر وكربلا والنجف وقال: إن القبر لا يحتاج إلى الخزانة، وأنفق على العسكر، فلما خرج قتل هو وابنه الراشد».

الفصل العشرون: في ذكر ابن الأثير الجزري لمعجزة ظهرت في خفاجة

وَذَكَرَ ابْنُ الجَزَرِيِّ البَاحِثُ***عَمَّا جَرَتْ فَي الكَامِلِ الحَوَادِثْ

إِنَّ خَفَاجَةَ غَرَتْ في أَسَد***غَيْظاً عَلَى صَدَقَةَ بْن مِزيَدِ

فَخَرَجَ ابْنُ عَمِّهِ قُرَيْشُ***فَاسْتَاقَهُ فِي الأَسْرِ مَعَهُ الجَيْش

وَأَطْلَقُوْهُ حُرْمَةً وَانْقَلَبُوا***لِكَرْبَلَا فَنَهَبُوا وَسَلَبُوا

فَصَدَقَ الكَبْسَ عَلَيْهِمْ صَدَقَة***وَكَرْبَلا بِسُوْرِهَا مُسَرْدَقَة

وَأَعْمَلَ الحُسَامَ في خَفَاجَة***بِحَيْثُ لَمْ يَدْرِ امْرُقٌ مِنْهَاجَه

فِي الطَّرْقِ فِي البُيُوتِ فِي الأَسْوَاقِ***في بَهَوَاتِ الصَّحْنِ فِي الرِّوَاقِ

وَلَمْ يَكُنْ يُبْقِي لَهُمْ سُوَى نَفَرْ***رَمَى بنَفْسه منَ السُّوْر وَفَر

وَرَدَّ مَا قَدْ نَهَبُوا بِالطَّفِّ***وَعَادَ في أُبَهَةٍ ولُطفِ

وَذَاكَ منْ مُعْجِزَة الحُسینِ***إِذْ نَهَبُوا الطَّفَ بِغَيْرِ دِيْنِ

وَكَانَ ذَا فِي التَّسْع للمُمَارِس***بَعْدَ الثَّمَانِينَ لِقَرْنِ خَامِس

وَذَكَرَ المُؤَرِّخُونَ الوَاقِعَة***فِي سَنَةِ التَّسْعِيْنَ لَا فِي التَّاسِعَة

ص: 239

وَقَالَ بَعْضُ إِنَّمَا قُرَيْش***أَطْلَقَهُ ابْنُ عَمِّه لَا الجَيْشُ

إِذْ كَبَسَ الطَّفَ عَلَيْهِمْ صَدَقَة***وَجَاءَ لابْن عَمَّه فَأَطْلَقَة

وَكَيْفَما كَانَ فَإِنَّ المُعْجِزَا***قَدْ بَانَ أَمْرُهُ عقاباً وَجَزَا (1)

ص: 240


1- غارة خفاجة على بلد سيف الدولة صدقة بن مزيد: قال ابن الأثير : «وفيها - سنة تسع وثمانين وأربعمائة - أغارت خفاجة على بلد سيف الدولة صدقة بن مزيد، فأرسل في أثرهم عسكراً مقدمه ابن عمه قريش بن بدران بن دبيس بن مزيد فأسرته خفاجة وأطلقوه، وقصدوا مشهد الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتظاهروا فيه بالفساد والمنكر، فوجه إليهم صدقة جيشاً، فكبسوهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً في المشهد حتى عند الضريح، وألقى رجل منهم نفسه وهو على فرسه من على السور، فسلم هو والفرس». (الكامل في التاريخ: 260/10).

الفصل الواحد والعشرون: في ذكر معجزة ظهرت للميرزا خليل جملة

وَحَدَّثَ النُّوْرِيُّ(1) ذُو الفَضْلِ الجَلِي***عَن شَيْخِهِ بَدْرِ التَّقَى المَوْلَى عَلِي(2)

عن الخَلِيْلِ إِذْ أَتَى لِكَرْبَلَا***مِنْ بَلَدِ الرَّيِّ بِهَا مُسْتَبْدِلَا

ص: 241


1- الميرزا حسين النوري الطبرسي (رَحمهُ اللّه) : «هو الميرزا الشيخ حسين ابن العلّامة محمّد تقي النوري الطبرسي، صاح كتاب (مستدرك الوسائل). قال عنه السيد الصدر في (تكملة أمل الآمل 512/2): كان ثقة الإسلام، ونائب الإمام صاحب الزمان، جمال السالكين، وخاتمة المحدِّثين والرجاليين، وأحد الفقهاء الماهرين، مجمع الفضائل والفواضل، والمصنّف النافع، والمستدرك الشافع. وُلد في قرية يالو سنة (1254ه)، وتوفي سنة ( 1320ه)، ألا قدّس اللّه نفسه الزكية». (ينظر ترجمته: تكملة أمل الآمل: 512/2 الفوائد الرضوية: 260/1، أعيان الشيعة 143/6، نقباء البشر: 543).
2- شیخه هو المولى علي ابن الميرزا خليل الطهراني أحد شيوخه الخمسة الذين أجازوا له الرواية.

وَكَانَ فِي الطَّبٌ هُوَ النَّطَاسِي***تَعْرِفُ ذَاكَ مِنْهُ كُلُّ النَّاسِ(1)

فاسْتَحْضَرَتْهُ عَلَويّةٌ وَقَدْ***ذَابَتْ مِنَ السُّقْمِ الذي بهَا وَقَدْ

فَقَال: هَذَا سُقُمْ يَحْتَاجُ***لِمُدَةِ يَلْزَمُها العِلَاجُ

قَالَتْ: فَكَيْفَ بِي وَكَفِّي صُفْرُ؟***فَقَالَ: عندي للدواء وَفْرُ

وانْصَاعَ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ***يَأْتِي لَهَا بِالقُوْتِ وَالدَّوَاءِ

حَتَّى شَفَاهَا اللّه فِي شَهْرَيْنِ***وَسَقِمَ الخَلِيْلُ سُفْمَ حِيْنِ

فَبَادَرَتْ للسبط في عَويْلِ***تَدْعُو الإله في شفا الخَليل

ثُمَّ تَقُولُ أَدَّ يا جدي العوض***فَقَدْ شَفَى بِنْتَكَ مِنْ ذَاكَ المَرَضِ

فَرَأَتِ الحُسَيْنَ فِي المَنَامِ***يَقُولُ قَدْ خُلَّص مِنْ حِمَامِ

وَقَدْ حَبَاهِ اللّه فِي أَوْلَادِ***أَرْبَعَةِ لِلْعِلْمِ وَالسَّدَادِ

ص: 242


1- الميرزا خليل ابن الملا إبراهيم الطهراني النجفي الطبيب: «الميرزا خليل ابن الملّا إبراهيم الطهراني النجفي الطبيب الشهير أبو أطباء النجف، توفي في النجف سنة (1270ه) طاعناً في السن. حصل الطب اليوناني القديم فى إيران واشتهر به، وتردد كثيراً بينها وبين العراق إلى أن سكن بالنجف وكان كثير العلاقة بالعلماء المجتهدين، يداوي مرضاهم». (ينظر: أعيان الشيعة: 336/6).

فانْتَبَهَتْ وَأَسْرَعَتْ إِلَيْهِ***وَدَخَلَتْ بِنَفْسِهَا عَلَيْه

فَمُدْ رَآها قَالَ أَدَيْتِ العِوَض***مْراً وَوُلداً وَشِفَاء للمَرَض

إِنِّي سَمِعْتُ مَنْ أَتَى لِحِيْنِي***يَقُولُ لِي تُرِكْتَ لِلْحُسَيْنِ

وَقَدْ حُيَيْتَ بالشَّفَاء وَمَعَة***عُمْرٌ وإعزاز وَوُلدٌ أَرْبَعَةْ

فَعَادَتِ الرُّوحُ إِلَى جُثْمَانِي***وَنَلْتُ منْ حَبّائه الأماني(1)

ص: 243


1- شفاء الميرزا خليل الطهراني من مرضه على يد علوية متوسلة بجدها الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : نقل الميرزا حسين النوري (قدّس سِرُّه) من هذه الكرامة في كتابه (دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام: 246/2- 248) عن شيخه المذكور، ونصّها: «وحدّثني دامت ظلاله على رؤوس الأنام، عن والده المرحوم (قدّس سِرُّه) قال: كان يقول: إن وجودي ووجود أولادي جميعاً من بركة علوية كانت في مشهد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، قلت : وكيف ذلك؟ فقال: كنت قبل أن أتزوج في بلدة طهران، فرأيت في المنام رجلاً حسن الوجه والشمائل عليه ثياب بيض، فقال لي: إن كنت قاصداً زيارة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فعجل، فإن بعد شهرين ينسد الطريق، فلا يطير الطير وكان في همّي زيارة أبي عبد اللّه (عَلَيهِ السَّلَامُ). فلما انتبهت تأهبت لزيارة مولاي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأتيت إلى زيارته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأرّخت الرؤيا فلم ينقص من الزمان الذي حدده إلا وقد انسدت الطرق، فعرفت صدق الرؤيا وصدق الرجل الذي أنبأني بذلك النبأ. ثم إنّ السيد (صاحب الرياض بعد أن رأى منّي معالجات حسنة في طبابة النفوس أمر الناس بالرجوع إليّ، فبقيت برهة من الزمان يرجع الناس إلي، وكنت يوماً من الأيام جالساً في المحكمة وإذا بامرأة دخلت علي مع خادمة لها، فلمّا فرغت من الناس ولم يبق أحد جاءت إليّ وأخرجت يديها، وإذا لم يبقَ فيها إلا العظم المرض الآكلة، فلما رأيت منها ذلك كرهت نفسي، فقلت لها: إن هذا مرض ليس عندي علاجه، فتأوهت وتحسّرت فخرجت فرق لها قلبي، فناديت المرأة التي كانت معها فقلت لها: من هذه؟ فقالت: إن هذه المرأة تُسمّى (صاحبة بيگم) علوية الطرفين، وزوجها كان علوياً، وجاءت من الهند مع مال عظيم لا يكاد يُحصى، (فأُصرف جميعه - ظ - ) على مولانا الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فبقيت الآن صفر اليدين لا مال لها وهي مبتلية بهذا المرض الذي تراه فقلت لها: ادعيها لأعالجها، فجاءت فشرعت في علاجها من الفصد والحجامة والمسهلات والمعاجين إلى ستة أشهر، وقد شرع نبات اللحم في يديها وما ابتلي بهذا المرض من جسدها، ولم يكمل لها السنة إلا وقد برئت كأن لم يكن فيها مرض أصلاً، فكانت العلوية تتردد إليّ وترأف بي رأفة الأم بولدها بل وأعظم، إلى أن مضت مدّة. فرأيت في المنام ذلك الرجل الذي أخبرني بانسداد الطريق، وأمرني بالتعجيل الزيارة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) يقول : يا فلان، تأهب لسفر الآخرة، فإنه لم يبقَ من عمرك إلا عشرة أيام، فانتبهت فزعاً مرعوباً، فحوقلت،واسترجعت، وقلت: هذه آخر أيامي من الدنيا، فعرضت لي في ذلك اليوم حمّى واشتدت علي إلى أن توسدت الفراش، وكانت العلوية تمرضني وتقضي ما أحتاج إليه إلى أن جاء يوم العاشر، فاجتمع الأحباب حولي، فبينا هم ينظرون إلي وأنظر إليهم وإذا أنا أرى نفسي تحولت من عالم إلى آخر، فلم أر من الجالسين حولي أحداً، وأنا في ذلك العالم وإذا بالحائط قد انشق وخرج منه شخصان كانا من الهيبة بمكان وجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي وهما لا يمساني بشيء، ولكن أرى نفسي منهما بحيث تعلّق بعروقي منهما شيء لا أستطيع وصفه، إلى أن وجدت نفسي كأنها بلغت التراقي، وإذا بالحائط قد انشق فخرج رجل فقال لهما دعاه، فقالا: نحن مأمورون، فقال لهما: إن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد شفع إلى اللّه في رجوعه إلى الدنيا، فقاما وخرجا، فرجعت إلى هذا العالم، فرأيت الجماعة الذين كانوا حولي قد تأهبوا لموتي، ففتحت عيني، فاستبشروا بي، وإذا بالعلوية قد دخلت البيت وقالت أيها الجماعة أبشروا بشفاء فلان، فإن جدي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) قد شفع إلى اللّه تعالى في شفائه، فقالوا لها كيف ذلك ؟ فقالت ذهبت إلى قبر جدي الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) فتضرعت إلى اللّه تعالى في شفاء هذا المريض والشفاعة عند اللّه تعالى، فرقدت فرأيت الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فقلت: يا جداه، أريد شفاء فلان منك، فقال لي: إن فلاناً ق-د ان-ق-ض-ى زمان عمره، فقلت: يا سيدي، لا أفهم هذا، أريد شفاء فلان، فقال: إني أدعو اللّه تعالى فإن رأى الحكمة في إجابتي أجابني، فرفع يديه إلى السماء فدعى، ثم قال: بشري فإن اللّه تعالى قد استجاب دعائي في شفاء فلان. ثم قال والدي يا ولدي، إن للعلويات لشأناً من الشأن وإني رأيت منهن عجائب...، قال سلّمه اللّه تعالى: وكان عمر الوالد في هذه الواقعة سبعاً أو ثماني وعشرين سنة، ويوم وفاته قريباً من تسعين، فكان الموهوب ضعف المكتوب»، انتهى.

ص: 244

ص: 245

وَهُمْ عَليَّ وَالحُسَيْنُ الزَّاخِرُ***علَمُهُما وَحَسَنٌ وَبَاقرُ

وَكَانَ فِي الرَّيِّ لَهُ محمّد***يُصْدَرُ عَنْ عِلَاجِهِ وَيُوْرَدْ (1)

ص: 246


1- «كان له خمسة،أولاد ثلاثة أطباء ماهرون مشهورون و طبابتهم على الطريقة القديمة اليونانية، وهم الميرزا محمّد الطبيب الشهير في طهران، والميرزا حسن، والميرزا باقر، عاصر ناهم....، واثنان من العلماء المجتهدين المقلدين، وهما: الحاج ملا علي والحاج ميرزا حسين..... وآل خليل كثيرون في النجف وطهران وغيرهما، فيهم العلماء والفضلاء والكتاب والأطباء، أهل شهرة ونجابة». (ينظر: أعيان الشيعة: 336/6).

الفصل الثاني والعشرون: في ذكر معجزة ظهرت للسيد محمّد الهندي(رَحمهُ اللّه)

وَقَدْ حَكَى سَيِّدُنا المَولَى الأَبَر***محمّد الهِنْدِيٌّ مَشْهُورَ الخَبَرْ (1)

أَنْ زائِرَ المَرْقِدِ ذا الصَّلاح ***يَشُمُّ مِنْهُ نَكْهَةَ النُّفَّاحِ

لَيْلَةِ الجُمْعَةِ فِي وَقْتِ السَّحَرْ***مِنْ أَجْلِ تُفَاحِ الحُسَيْنِ المُشْتَهَر (2)

ص: 247


1- السيد محمّد الهندي ابن السيد هاشم الموسوي الرضوي النجفي: «السيد محمّد الهندي ابن السيد هاشم ابن میر شجاعت علي الموسوي الرضوي الشهير بالهندي النجفي، وعُرف بالهندي؛ لأن جده قدم من الهند من لكهنؤ فسكن النجف، وُلد سنة (1242 ه)، وتوفي آخر شعبان سنة (1323 ه)، ودُفن في داره بالنجف وقد تجاوز الثمانين، وأضر في آخر عمره. وأمه بنت السيد حسين ابن السيد أبي الحسن موسى الحسيني العاملي..... قرأ على الشيخ محسن خنفر وغيره، وعمدة تلمذه في الفقه على الشيخ محسن، ثم بعد وفاته على الشيخ مرتضى الأنصاري وله منه إجازة، وكان شريك الشيخ محمّد طه نجف الفقيه الشهير في القراءة على الشيخ محسن. وكان علّامة فقيهاً أصولياً رجالياً جامعاً لشوارد العلوم» (أعيان الشيعة: 84/10).
2- رائحة التفاح تفوح من قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : جاء في كتاب (مناقب آل أبي طالب: 161/3): «الحسن البصري وأم سلمة: أن الحسن والحسين دخلا على رسول اللّه وبين يديه جبرئيل، فجعلا يدوران حوله يشبهانه بدحية الكلبي، فجعل جبرئيل يومئ بيده كالمتناول شيئاً، فإذا في يده تفاحة وسفرجلة ورمانة، فناولهما وتهلّل وجهاهما وسعيا إلى جدهما فأخذها منهما فشمهما، ثم قال: صيرا إلى أمكما بما معكما وابدءا بأبيكما، فصارا كما أمرهما، فلم يأكلوا حتى صار النبي إليهم فأكلوا جميعاً، فلم يزل كلما أكل منه عاد إلى ما كان حتى قُبض رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ). قال الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ): فلم يلحقه التغيير والنقصان أيام فاطمة بنت رسول اللّه حتى توفيت، فلمّا توفيت فقدنا الرمان وبَقي التفاح والسفرجل أيام أبي، فلمّا استُشهد أمير المؤمنين فُقد السفرجل وبقي التفاح على هيئته عند الحسن حتى مات في سمه، وبقيت التفاحة إلى الوقت الذي حُوصرتُ عن الماء، فكنت أشمها إذا عطشت فيسكن لهب عطشي، فلما اشتد عليّ العطش عضضتها وأيقنت بالفناء. قال علي بن الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) : سمعته يقول ذلك قبل مقتله بساعة، فلما ق-ضى نحبه وجد ريحها في مصرعه، فالتمست ولم يُرَ لها أثر، فبقي ريحها بعد الحسين، ولقد زرت قبره فوجدت ريحها تفوح من قبره، فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر فليلتمس ذلك في أوقات السحر، فإنه يجده إذا كان مخلصاً».

قَالَ: فَزِرْتُ وَسَهِرْتُ اللَّيْلَة عِنْدَ الضَّريح لِأَنَالَ نَيْلَة

فَلَمْ أَجِدْ حَتَّى إِذا اللَّيْلُ مَضَى حزنْتُ ثُمَّ قُلْتُ يَابْنَ المُرْتَضَى

ص: 248

ظَنَنْتُنِي مِنْ صَالِحٍ الذَّرَارِي***فَلَمْ أَكُنْ مِنْ صَالِحِ الزَّوَارِ

وَفَاضَت المُقْلَةُ وَالقَلْبُ التَهَبُ***لَمَّا رَأَيْتُ أَكْثَرَ اللَّيْلِ ذَهَبْ

فَلَمْ أَكُنْ إِلَّا وَفَاحَ عَرْفُ***يَنْتَشِقُ التَّفَّاحَ مِنْهُ الْأَنْفُ

فَقُمْتُ أَمْشي حَوْلَهُ وَأَبْعُدُ***إِلَى الرِّواقِ وَهُوَ لَا يُفْتَقَدُ

حَتَّى بَدَا الفَجْرُ فَلَمْ أَنْتَشِقِ***مَا كَانَ مِنْ رَائِحَةٍ وَعَبَقِ

ثُمَّ أَقَمْتُ مَاكِثاً فِي البُقْعَة***لِكَيْ أَفَوْزَ ثَانِياً فِي الجُمْعَة

فَنِمْتُ فِي بَيْنِي وَقُمْتُ سَحْرَهْ***إِلَى الوُضُوْء لِأَزُوْرَ الحَضْرَة

وَبَعْدَ مَا أَسْبَنْتُ فَاحَ الطَّيِّبُ***يَأْرُجُ تُفَاحٌ بِهِ رَطِيْبُ

وَلَمْ يَزَلْ فِي النهج والصحن وفي***مَرْقَدِهِ حَتَّى وَفَى الفَجْرُ الوَفِي

وَحَسْبُكَ الحَاكِي مِنَ اللَّيَاقَة***في العلم والإيْمَان وَالوَثَاقَة (1)

ص: 249


1- ذكر المحدث النوري في كتابه (دار السلام: 417/4) حكاية مشابهة لما أرجزه الشيخ السماوي (رَحمهُ اللّه) في هذا الفصل فقال ما نصه: «قال أيده اللّه - أي السيد محمّد الهندي -... وأخبرني ثقة اسمه شيخ علي ابن شيخ يعقوب عمران، عن الشيخ المولى علي أنه شم رائحة التفاح فسألت اللّه سبحانه أن يمكنّني من زيارة عاشوراء في هذه السنة رجاء أن أشمها، وبحسب العادة لا سبيل إلى ذلك، فاتفق لي تيسّره بأحسن وجه، فلما كانت ليلة العاشر شممت الشبّاك من الجوانب الأربعة من أول الليل فلم أجد شيئاً، فوقفت من جهة الوجه على الشبّاك منكسر الخاطر، وقد دخل على قلبي الذل والانكسار والالتجاء، وعلى عيني جريان الدموع والبكاء، فشممتها كأطيب وأجود ما يكون من التفاح - يستريح إليها القلب - وبقيت أشمها قدر ربع ساعة ثم ذهبت، وأنا أعلم أني لست أهلاً لذلك، ولكن بفضل اللّه سبحانه وكرم الحسین (عَلَيهِ السَّلَامُ)».

ص: 250

الفصل الثالث والعشرون: في ذكر معجزة ظهرت للناظم أيضا

الفصل الثالث والعشرون: في ذكر معجزة ظهرت للناظم أيضا (1)

وَقَدْ أَلَمَّ فَي يَدِي اليُسْرَى أَلَمْ***قَدْ أَوْهَنَ السَّاعِدَ مِنِّي إِذْ أَلَمْ

وَلَمْ يَزَلْ يَزْدَادُ يَوْماً يَوْمَا***بِحَيْثُ يَأْبَى أَنْ أَذُوْق نَوْمَا

وَدَامَ نِصْفَ الحَوْلِ وَهُوَ يَرْتَقِي***مِنْ رَاحَتي الساعدي لمرفقي

فَجِئْتُ لَيْلاً لِفِرَاشِي وَأَنَا***أُنْشِئُ فِي السَّبْطِ رِثَاءٌ مُحْزِنَا

وَنِمْتُ فِي أَثْنَاءِ ذَاكَ وإذَا***بِسَاعِدِي أَيْقَظَني مِنَ الأَذَى

فَقُمْتُ مُرْتَاعاً أَقُولُ سَيِّدِي***بِحَقِّ مَوْلَايَ الحُسَيْنِ اشْفِ يَدِي

قَوْلاً جَرَى بِهِ ابْتِدَاءً مَقْوَلِي***وَلَمْ يَكُنْ عَنْ فِكْرِ اوْ تَأْمُّلِ

فَلَمْ أُتمَّ القَوْلَ إِلَّا وَالأَلَمْ***زَالَ وَصَحَ سَاعِدِي مِنَ السَّقَمْ

فَغَادَرَتْني دَهْشَتِي مُفَكَرًا***هَلْ إِنَّنِي فِي يَقْطَة أَوْ فِي كَرَى

وَإِنَّنِي هَلْ كَانَ فِيَّ الوَجَعُ***أَوْ لَمْ يَكُنْ أَوْ زَالَ أَوْ سَيَرْجِعُ

ثُمَّ أَقَامَ فِكْرِي انْتِبَاهُ***فَقُلْتُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللّه

ص: 251


1- أي ناظم هذه الأرجوزة المباركة (رَحمهُ اللّه).

مُعْجِزَةٌ منَ الحُسَيْنِ تُنْظَمْ***وَحَقَّهُ عِنْدَ الإله أَعْظَمُ (1)

ص: 252


1- ذكر الشيخ السماوي هله هذه القصة في كتابه «ظرافة الأحلام: 148» فقال: «إن للشيخ كاظم الأزري قصيدة في رثاء الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أبدع فيها كل الإبداع، فأخذت بمجامع الأفئدة، ومدارك الأبصار، ومسالك الأسماع، وكنت خمست منها أبياتاً سنة (1337ه )، ثم في سنة (1347ه) عزمت على تتمة التخميس، فأعملت فكري فيه، وكان نشب بي تلك السنة وجع المفاصل، فخصّ يدي اليسرى، فكان يعتريني في أغلب الأوقات بحيث يبطل حركة يدي نهاراً وليلاً حتى أن الوجع قد ينبهني من نومي لشدته، فأجلس وأعركها حتى يسكن، وبقي نحواً من ستة أشهر وهو لا يزيد إلا شدة، ولما أعملت فكري في التتمة جعلت أردد تخميسي السابق؛ ليفتح اللّه عليّ، وكنت على فراشي ليلاً فغلبني النوم وأنا أردد بقولي: أصحرتَ في الطفِّ ضرغاماً بساحته***قد استخف المنايا من رجاحِتهِ ملکتَ فاسجحْ لمكدودٍ براحتهِ***(يا من تُدار المنايا حولَ راحتِه موقوفةً بينَ قوليهِ خُذي وذَري) قُتِلتَ ظمآن لم تُبلَل ظما شفة***إلا برشف مواض أو مثقفةٍ هم يعرفونك في ذاتٍ وفي صفةٍ***(إن يقتلوك فلا عن فقد معرفةٍ الشمسُ معروفةٌ بالعينِ والأثرِ) إن يقتلوك على شاطي الفرات ظما***فقد تضعضعَ كرسيُ السّما عظما وقد بكت دماً حتى العدا ندما***(أيُّ المحاجر لا تبكي عليك دما أبكيتَ واللّهِ حتى محجَرَ الحجرِ) وما نبّهني من نومي إلا وجع يدي نصف الليل، ذلك الوجع الذي أجلسني مرتاعاً بلا شعور سوى شعوري أني جلست قابضاً بيدي اليمنى على عضد اليد اليسرى التي هي كلها وجع وكلها باطلة الحركة، قائلاً: اللهم أقسم عليك بحق الحسين أن تشفي يدي، فما هو إلا وأنا أشعر أنها برئت بتّاً، فجعلت أفكر هل بها وجع بعد أو لا، فما أحس وجعاً، فأخذتني بهرة واعترتني دهشة لذلك الحال، ثم بقيت جالساً أنتظر هل يعود علي الوجع، فلم يعد وما كدت أنام تلك الليلة من الفرح الذي تداخلني من تلك المعجزة للحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم لم يعد إلى الآن بحمد اللّه تعالى، وببركة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و وبفضل الشيخ الأزري (رضیَ اللّهُ عنهُ)فإن إحسانه بنظمه النفيس دعاني إلى التخميس».

ص: 253

ص: 254

الفصل الرابع والعشرون: في ذكر معاجز عامّة

وَمَا تَرَاهُ أَعْيُنُ المُرَاقِبِ***فِي مَرْقَدِ العَبَّاسِ مِنْ مَنَاقِب

مَا يُعْجِزُ الأَقْلَامَ بَعْدَ الأَلْسِنَة***بِكُلِّ يَوْمٍ كَانَ مِنْ كُلِّ سَنَةْ

فَكَمْ بِهِ أَعْمَى أُعَيْدَ مُبْصِرًا***وَمُقْعَدِ مَشَى صَحِيْحاً مُصْحِرا

وَكَمْ بِهِ أَبَكُمَ قَدْ تَكَلَّمَا***وَكَانَ مِنْ يَوْمِ الوِلَادِ أَبْكَما

وَكَمْ به من كاذب الیَمِين***هَوَى عَلَى الجَبَيْن لَا اليَمين

وَكَمْ بِهِ مِنْ نَاذر وَلَمْ يَف***قَدْ طَاشَ عَقْلُهُ بذَاكَ المَوْقِف

وَكَمْ بِهِ مِنْ غَادِرِ لِلْعَهْدِ***غُوْدِرَ مَقْصِياً طَوِيْلَ السُّهْدِ

وَكَمْ سَؤُولِ نَالَ مَا تَمَنَّى***مَالاً وَأَهْلاً وَغِنىً وَأَمْنَا

وَكَمْ مَريضِ قَامَ دُونَ بَاسِ***وَقَلَّ ذَا مِنْ مَرْقَدِ العَبَّاسِ

فَهْوَ أَبو الفَضْلِ المُطَهَّرُ الوَفِي***وَالمُفْتَدِي أَخَيْهِ فِي النَّفْسِ وَفِي (1)

ص: 255


1- بعض كرامات أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) : وهذه جملة من الكرامات تحوي ما تضمنه الفصل من الشفاء من الأمراض (العمى والشلل والخرس، وغيرها)، وقضاء الحوائج، والغنى بعد الفقر، والأمان، وغيرها من الكرامات، ببركته، منها: 1- كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في رد بصر رجل أعمى لاذ بضريحه المقدس فنجا من القتل: ذكر السيد محمّد حسن صادق آل طعمة هذه الكرامة في كتابه (أعجب القصص: 111)، فقال: «روى لي الحاج صاحب الفراتي قائلاً: إنه في إحدى السنين جاء ملكان لزيارة مدينة كربلاء المقدّسة، كان أولهم ملك تركي وهو من أبناء العامة، والآخر شيعي من إيران وأرادا زيارة حرم أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فما أن دخلا الحرم الشريف، حتى رأيا رجلاً بصيراً قد لاذ بالضريح المقدس، سألاه: ما الذي تبتغيه من جلوسك هنا؟ وما تبتغيه من توسلك هذا؟ قال: أبتغي من المولى رد بصري، فأردف الملك التركي للأعمى قائلاً: إنكم تقولون إنّ أبا الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) باب الحوائج، وهو الذي منحه اللّه تعالى هذه الهبة ليشفي المرضى، فأين أنتم عن قولكم ؟ وبعد ذلك همس الملك الشيعي الأعمى في أذنه وقال له: (أنا الملك فلان سوف نخرج من الحرم الشريف ونرجع إليك بعد هنيهة، فإذا رأيناك على هذه الحال فسوف أضرب عنقك!)، فتوسل ذلك البصير أشد التوسل بقلب ملؤه الأمل والرجاء بصاحب الضريح المقدس لشفائه وإلا سوف يُقتل. فما انتهى ذلك البصير من توسله، حتى فتح اللّه عينيه ببركة أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقام يركض ويبحث عن الملكين لإخبارهما بشفائه ونجا من القتل». 2- كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شفاء طفلة مصابة بالعمى والخرس: وذكر السيد محمّد حسن صادق آل طعمة هذه الكرامة في الكتاب المذكور: 133 فقال: «حدّث السيد يوسف السيد كريم الغريفي الموسوي أخي السيد جعفر قائلاً له: كنت ذات يوم في حرم أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و كان ذلك عام 1977م فشاهدت زائراً من أبناء لبنان ومعه زوجته وبرفقتهم طفلتهم البالغة من العمر 9 سنوات، وكانت مصابة بالعمى والخرس، ورأيتهم يطوفون حول الضريح الطاهر لأكثر من مرة ويتوسلون بباب الحوائج أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) لشفائها، وبعد إكمال مراسم الزيارة توجهوا إلى حرم أبي عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وكان الأب يندب المولى بصوت عالي لشفاء ابنته حتى وصلوا عند باب الشهداء، وما إن دخلوا الصحن الشريف وإذا بالطفلة قد فتحت عينها وانطلق لسانها وأخذت تركض في باحة الصحن الشريف، وأول كلمة نطقت بها هي: (يا حسين)، فهتف الناس المرافقون له والمتواجدون في الصحن الشريف بالصلاة على محمّد وآل محمّد، وعلت أصوات الزغاريد والهلاهل وتهافتوا على البنت يقبلونها، وأخذوا يمزقون ملابسها؛ تبركاً بها على ما نالته من بركة لمسات عنوان السخاء والفضيلة أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، و من شدة الفرحة والبهجة التي انتابت الأب رفع حقيبة كانت بيده مملوءة بالنقود إلى الأعلى، وتناثر ما فيها في باحة الصحن الشريف، وكان هذا كل ما يملك». 3- كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شفاء طفلة مصابة بالفالج : وكتب السيد سلمان آل طعمة في (الكرامات المنظورة: 24) يقول فيه: «روى الشيخ محمود شاكر الحائري قائلاً: حدّثني والدي فقال: في أحد أيام الصيف القائض، دخلتُ إلى حرم أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فإذا برجلٍ قرويّ يحمل طفلتَه بيديه متّجهاً بها صوب ضريح أبي الفضل، أمعنتُ النظر إليه فتبيّن لي أن الطفلة مصابة بالفالج (الشلل )، ثم رأيت خروفاً يتعقب ذلك الرجل القروي. حتي إذا وصل الرجل إلى الضريح المطهر، أخذ يخاطب أبا الفضل العبّاس بلغته الدارجة، أما أنا فمضيتُ خلفه لأسمع ماذا يقول، ولأرى ماذا سيجري. سمعته يقول: «(يابو فاضل)، هذه الطفلة المريضة جِبِتْها (جئتُ بها) إلك حتّى اتشافيها، وهذه الذبيحة منذورة إلك يابو فاضل. إذا شافيت طِفِلتي فحمداً للّه وشكراً، وإذ لا فالذبيحة هم إلك (أيضاً لك)». ثمّ وضع الطفلة إلى جنب الضريح المقدّس، وتركها ومضى، وما هي إلا خُطُوات وإذا بالطفلة تعدو خلفه بابا، بابا التفتَ إليها وإذا هي سالمة قامت من مكانها وأخذت تركض خلف أبيها. قدّم الرجلُ القروي ذلك الخروف إلى خادم الروضة العبّاسية المقدّسة؛ ليذبحه ويقدّم لحمَه إلى الفقراء والموالين بثواب أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فيما أخذ الناس يتهلّلون فرحاً، وأخذن النسوة يزغردن إجلالاً لكرامة صاحب المشهد الشريف». 4-كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شفاء بنت خرساء ومشلولة: وجاء في كتاب (الكرامات المنظورة / تحت عنوان كرامات أبي الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) 23) تأليف السيد سلمان هادي آل طعمة قال: «روى الشيخ حسين نجل المرحوم الشيخ محمّد علي، الكشوان في الروضة العبّاسية المقدّسة، قال: جاء في يوم من الأيام رجلٌ مع زوجته سنة (1938م) إلى حرم أبي الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهما من سكنة أطراف كربلاء المقدّسة، رأيت الرجل حاملاً على ظهره ابنته البالغة من العمر أربعة عشر عاماً، وكانت معوّقة لا تتكلم. طلب الرجل منّي لدى دخوله الحرم الشريف أن أصطحبه إلى الداخل وأعينه على شدّ ابنته بشباك الضريح، فاستجبتُ له ودخلتُ معه هو وأهله إلى داخل الروضة المطهرة، وربطتُ البنت بشباك الضريح بقطعة من القماش، وكانت البنت ممدّودة على الأرض؛ لعجزها عن الوقوف، فدعوتُ اللّه تبارك وتعالى أن يشافيها من مرضها بحق أبي الفضل العباس سلام اللّه عليه، وتركتُها وعدتُ إلى مكاني. أذكر – والحديث ما يزال للشيخ حسين الكشوان – أني كنت واقفاً عند باب القبلة...، وبعد مضي مدةٍ قصيرة سمعتُ أصواتاً عاليةً منبعثة من داخل الحرم الشريف، بين زغاريد النسوة وصلوات على النبي وآله، وقد ملأت أجواء الحرم الطاهر، بعد لحظات جاءني الرجل والد البنت المشلولة يبحث عني، وإذ وقعت عيناه علَيّ أسرع يطلب منّي أن أرافقه إلى داخل الحرم، وهو يخبرني عن شفاء ابنته من علتها تماماً، فشكرنا اللّه تعالى، وكانت البنت مصرّةً على عدم ترك الشبّاك إلا بحضوري، وبالفعل دخلتُ الحرم مع الرجل فوجدتُ البنت واقفةً على قدميها بدون إسنادٍ من أحد، ثم خرجَتْ من الحرم مع والديها وهي تمشي بصورة طبيعيّة وفي أتم صحّة وأسعد حال، لا تشكو ألماً بفضل اللّه تعالى وكرامة أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)». 5- كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شفاء بنت خرساء: وفي حرم أبي الفضل العباس كانت هذه الكرامة، رواها رجل عن إحدى المؤمنات، وعن ذلك الرجل كتبها الأستاذ السيد محمّد حسن آل طعمة في كتابه (أعجب القصص في كرامات العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) 99)، القصة هكذا: «روى لي رجل عن إحدى المؤمنات قائلاً: في حدود سنة ( 1950م) جيء بصبية من الأعراب المحيطين بأطراف مدينة كربلاء المقدّسة إلى حرم المولى أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)؛ الطلب الشفاء منه، وكانت خرساء فأخذت الأم تتناوب بالمجيء إليه (عَلَيهِ السَّلَامُ) في مدة تتراوح ما بين أربعة إلى خمسة أيام، وفي ذات يوم كانت الصبية جالسة إلى جانب أمها في حضرته المقدّسة، بينما كان السادة خدمة الروضة المقدّسة منهمكين بإصلاح وتنظيف بعض المزهريات المعلقة في أعالي الجدار، وفي هذه الأثناء سقطت إحدى جزيئات هذه المزهريات على رأس هذه الصبية، فسرعان ما نطقت وأخذت تصيح وانفتح لسانها ببركة كرامة أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)». 6- كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في فضح رجل قاتل بعدما أقسم كاذباً في صحنه (عَلَيهِ السَّلَامُ): ما جاء في رسالة للسيد عبد الرزاق ابن السيد محمّد رضا آل طعمة بعثها إلى السيد محمّد حسن ابن السيد صادق آل طعمة، فأوردها في كتابه (أعجب القصص في كرامات العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) : 173 - 174)، وهي: «روى لي السيد عبد الرزاق محمّد رضا آل طعمة برسالة بعثها لي عندما كنت في بلاد الغربة – إيران-، عن إحدى كرامات أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)... قائلاً: كنت طفلاً صغيراً أبلغ من العمر عشر سنوات أي بحدود سنة (1946م)، عندما كنت برفقة والدي السيد محمّد رضا آل طعمة في داخل الحرم العباسي المطهر سمعت ضجيجاً عند مدخل باب القبلة، فهمَّ الناس لرؤية هذا الضجيج، فتركت والدي وتسلقت الحاجز الحديدي للطارمة المقدّسة لأرى ماذا يجري؟ فشاهدت عدداً من العرب الفلاحين، ومعهم شرطي وبيده ورقة سلّمها إلى نائب سادن الروضة العباسية، وهو الذي جاء بهذا الوفد الفلاحي المرسل من قبل محكمة جزاء كربلاء، وجلسوا جميعهم في الطارمة العباسية، وانقسموا على قسمين قسم منهم إلى جهة يمين السادن وهم المشتكى عليهم، والقسم الثاني على يساره وهم أصحاب الدعوى، وطلب السادن أن يؤدي كل منهم اليمين، وكان نص اليمين كالتالي: (أحلف بحق هذا العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) أنني لم أقتل، ولم أدر من قتل هذا الرجل، ولم أدفع أي شخص على قتله)، فكل منهم أدى الحلف، حتى وصل الدور للشخص الخامس، فتململ قليلاً وكان يتردد في أداء الحلف، فألح عليه السادن حتى نطق متعثراً في كلامه وفي هذه اللحظة شاهدت هذا الرجل سقط على الأرض يتلوّى وهو في داخل حرم العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فرأيت على وجهه قطعة حمراء تلفت نظر، وهي أثر لطمة، فأخذ الواقفون يصلّون على النبي وآله، والنساء يزغردن فرحاً وابتهاجاً، لما رأوه بأم أعينهم وضوح القاتل للعيان ومحض كذبه، فتعالت أصوات الناس وهم يقولون: (هذه ضربة العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)). ومن الجدير بالذكر أن المحكمة آنذاك كانت ترسل من يريد الحلف والقسم في مثل هذه القضايا والشكاوى إلى مرقد أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) في أداء اليمين؛ لبيان الحقيقة». 7- كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هلاك رجل لم يفِ بعهده لشريكه فشكاه للعباس (عَلَيهِ السَّلَامُ): ذكرها السيد محمّد حسن صادق آل طعمة في (أعجب القصص: 242)، فقال: «روى لي الحاج علي حسين مالك قائلاً: في حدود سنة (1955م)، وفي ذات يوم اتفقت مع صديق لي على أن نستأجر حمّاماً تعود ملكيته للأوقاف، يقع في الحامية في قضاء المسيب، فاتفقنا على أن يكون المبلغ مني والشغل عليه والأرباح تقسم على نصفين بالتساوي، فمضينا بالتوكل على اللّه على هذه الحال مدة من الزمن، ولم تصلني من الأرباح أي شيء يذكر، سوى أن يأخذ الشريك منّي مبالغ طائلة؛ لتصليح ما يعطل من أدوات ومستلزمات في هذا الحمام، وفي ذات يوم أردت التحقق من هذا الأمر وأطلع أنا بنفسي على مجريات الموضوع، فذهبت إلى الحمام الكائن في مدينة المسيب ووقفت عن كثب فرأيت أنه يأتيه الزبائن من كل حدب وصوب وبشكل لا يتصور، فقلت له انقضت مدة زمنية طويلة ولم أحصل منك على أي ربح من هذا الحمّام لحد الآن، بل العكس في ذلك أنا أصرف عليه من دون جدوى! فما الذي حدث؟ فامتعظ من كلامي معه بهذه اللغة وانصرف عني وذهب، وبعد مدة وجيزة التقيته في الصحن الشريف لمولانا أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فأردت معاتبته على الموضوع فقال: (روح، قابل آنه شريك وياك)، فأردفت عليه بالقول: (روح، آني بيني وبينك العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ))، فما إن مضى اليوم التالي حتى سمعت خبر وفاته، فحصلت على كل حقوقي ببركة وقفة العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) المشرفة لي». 8- كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في قضاء حاجة العلّامة الأميني. وروى السيد محمّد حسن صادق آل طعمة في كتابه (أعجب القصص في كرامات العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) 149) هذه الكرامة فقال: «ذكر لي الأستاذ الأديب اللامع : الشيخ أحمد محمّد رضا الحائري عن العلّامة الشيخ محمّد رضا الحائري المازندراني قائلاً: إنه في ذات يوم استعصى على العلّامة الشيخ عبد الحسين الأميني صاحب كتاب (الغدير) كتاب كان يعده كمصدر مهم لبحوثه، فبحث عنه كثيراً فلم يجده في الأسواق، فتوسل بالإمام علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) وطلب منه أن يعثر على هذا الكتاب، وفي ذات يوم وبينما هو كذلك وإذا به قد أخذته سنة من النوم، ورأى مولى المتقين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) في عالم الرؤيا، وأخبره أن حاجتك تُقضى عند ابني العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) بكربلاء، فرحل في اليوم الثاني لزيارته (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومكث عنده حتى الظهر فلم حلاً لقضيته، فأصابه اليأس من الحصول عليه وعزم العودة إلى النجف الأشرف، وعند خروجه من باب الصحن الشريف، رأى العلّامة المحدث الشيخ مهدي المازندراني عليه الرحمة صاحب كتاب (معالي السبطين)، فسلّم عليه ودعاه إلى بيته لتناول طعام الغداء فرفض الشيخ ذلك، وبعد حوار جرى بينهما وافق الشيخ على الحضور في منزل المازندراني، جلس الاثنان لتناول الطعام، فقال الشيخ المازندراني للعلّامة الأميني: إنه قبل بضعة أيام وصلت لي مجموعة كتب من إيران، فهل لك رغبة في الاطلاع عليها؟ وعسى أن ترى ضالتك فيها، قام العلّامة الأميني بالبحث في هذه المجموعة شيئاً فشيئاً، وإذا به يرى الكتاب المطلوب الذي بحث عنه طويلاً والذي كان في مجال بحوثه، فرح الشيخ كثيراً على ما أنعم اللّه عليه ببركة مولى المتقين وابنه أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)». 9- الغنى بعد الفقر ببركته (عَلَيهِ السَّلَامُ): ذكر العلّامة الشيخ عبدالواحد المظفّر في كتابه (بطل العلقمي: 481/3) كرامة لأبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، إليك نصها: «يحدّثني الخطيب الأديب الشيخ جاسم قَسّام، عن السيد الفقيه السيد جاسم إمام جامع الصياغ في النجف وكان رجلاً صالحاً ظاهر الخشوع، وأثر الزهد عليه بيّن: أن رجلاً علوياً من سكّان بلدة الكاظمية، وكان غنياً مثريّاً يجهز الزائرين لمرقد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ويُعينهم، ويزوّدهم بالأقوات وأسباب الراحة، ويبذل لهم المعونة والإسعافات بالنقليات من البغال وغيرها، ويقوم بالنفقة على من رافقه إلى زيارة الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، فابتلي بالفقر في بعض الأعوام. وأصابته ضائقةٌ شديدةٌ، وفاقةٌ وحاجةٌ! عجز معها عن تأدية ما كان يقوم به، واحتاج إلى ما يسد به حاجة رفقائه جرياً على عادته. فما تيسّر له لذلك ولم تَرضَ نفسه بقطع العادة فقام بكري حيوانات النقل، وأوعد المكاريين أن يوفيهم الكراء بكربلاء، واستدان من التجار ما يكفي لقوت مَن صَحِبَه إلى الزيارة موعداً لهم بالوفاء عند رجوعه. فلمّا وصل إلى الحائر الحسيني، وألقى أثقاله هناك، قصد الحرم الحسينيّ الشريف، ووقف اتجاه القبر المقدس وأنشأ يقول: جئتُ أسعى إليكَ مِن غيرِ زادٍ***قاصرَ الخَطْوِ أحمِلُ الآثاما لم يَدَع لي الحَياءُ عندك نُطقاً***ربَّما يَمْنَعُ الحياءُ الكلاما فخرج من القبر ولم ينل منه مقصوده بمقال في نفسه: أخطأت لم أجب جهة الطلب، علَيّ أن أدخل البيت من بابه، وباب الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وهو ما أبو الفضل (عَلَيهِ السَّلَامُ). فجاء إلى ضريح أبي الفضل العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ) فأنشأ يقول: أبا الفضلِ أنتَ البابُ للسبِّط مِثلَما***أبوكَ عليٌّ كان باباً لأحمدا إذا أنتَ لم تُسِعفْ بمقصد وافدٍ***إلى السبطِ لم يُنجِحْ له السبطُ مَقصدَا ثم خرج من القبر، فلقي رجلاً، فناوله ورقةَ تحويل على بعض التجّار، فيها وفاءٌ بحاجته وزيادة». 1 - كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في بقاء طفل على قيد الحياة في عائلة كانت لا يعيش لها مولود : وكتب السيد محمّد حسن صادق آل طعمة هذه الكرامة في (أعجب القصص: 95)، وهذا نصها: «روى لي الحاج السيد أحمد الحسيني شقيق السيد حسن الرادود، عن جدّته لأبيه قائلاً: إنه حدّثتني جدتي رحمها اللّه قائلة: رزقني اللّه تعالى سبعة أولاد، ومن المؤسف أنه لم يبلغ أحداً منهم ثلاث سنين أو أربع إلا ويمرض ويموت، وفي ذات يوم مرض والدكم وهو في الثالثة من عمره فخفت عليه خوفاً شديداً من الموت فأخذته وخرجت به من البيت بحثاً عن طبيب أو حكيم لعلاجه، فلم أرَ أحداً يُذكر؛ وذلك لشدة حرارة الجو وكان ذلك في شهر تموز في حدود عام (1905م)، وقعت في حيرة من أمري وأحزنني ذلك الأمر بشدة، وتعبت جداً وأصابني الإرهاق في جسمي، ولم أدر ما أفعل، فقررت على حين غرة أن أذهب به إلى حرم أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) وأتوسل به لإنقاذه، فدخلت على المولى وخاطبته بالقول: يا أبا الفضل أريد منك ابني هذا، وخرجت منه (عَلَيهِ السَّلَامُ)، هذا ولم أرَ أحداً على الإطلاق في صحنه الشريف ؛ وذلك لشدة الحر، وأخذت طريقي للعودة إلى البيت، وقبل خروجي من الصحن المقدس جاءني رجل عليه هيبة وبهاء وقدسية يرتدي العمامة الخضراء، وقال لي: خالة، خُذي منّي هذا الرغيف وقلت له: إنني لست بسائلة، فأعادها وقال لي ثانية: خذيها مني، فأخذتها منه، وحين استلمتها وجدتها حارة وكأنها خرجت للتو من التنور، تعجبت لذلك أدرت وجهي لأشكره أولاً، ومن أين أتى بها ثانياً؟ فلم أجد ذلك السيد الجليل، فعلى كل حال أكلت قطعة من ذلك الرغيف فما إن أكلتها حتى وجدت نفسي على أحسن حال وصحة، بعد ما أصابني التعب والإرهاق في سبيل ولدي المريض، فأسرعت إلى المنزل وأعطيتها إلى أبيكم فأكل منها شيئاً ولم يمض عليها وقت إلا وقد برء من مرضه بالكامل، ورأيته كأنه قد نشط من عقال. وعاش (93) سنة كل ذلك كان ببركة أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)». 11- كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في إنقاذ قافلة متوجهة إلى كربلاء المقدّسة: وفي الكتاب المذكور: 145، ذكر السيد هذه الرواية فقال: «روى آية اللّه العظمى السيد ميرزا هادي الخراساني الحائري (رَحمهُ اللّه) صاحب كتاب (معجزات و کرامات) قائلاً: حكى لي الميرزا حسن اليزدي، عن والده المرحوم، حيث كنت ألتقيه في منزله الذي كان يقيم فيه مجلساً للعزاء في أكثر أيام الجمع، أنه: ذات سنة جئنا من يزد بأموال كثيرة للتشرف بزيارة كربلاء المقدّسة مع قافلة كبيرة على الجمال، وفي نصف الليل وعلى مقربة من الجبال خرج علينا شرذمة من قطاع الطرق، وكانت معي ليرات ذهبية كثيرة، وعلى الفور وضعت تلك الليرات في قنينة رضاعة طفل (الذي هو نفسه ميرزا حسن) وأعطيتها إلى أمه، وفي هذه الأثناء غار علينا قطّاع الطرق، وأحاطوا بنا من كل حدب وصوب، ومن هول تلك المصيبة علا صراخ الزوار حتى لم تكد أذناي تتحملان ذلك الصراخ بشكل أكاد أفقد سمعي، ولم يبقَ صغير ولا كبير إلا وبكى من هول تلك الفاجعة، وأخذوا يندبون ويتوسلون ويقولون: (يا أبا الفضل العباس يا قمر بني هاشم نجِّنا وخلِّصنا...)، وفجأة وفي هذا الليل المظلم وكأن قبة ذهبية قد أنارت الدنيا بجمال قمر العترة أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعليه برقع يركب فرساً قادم من بين الجبال وكأن نور وجهه قد اخترق ذلك البرقع وأنار الأودية وكل شيء من حوله كمن كان قد أنار وادي الطور الأيمن، يحمل سيف ذا الفقار وكان يلتهب ناراً وكأن صيحة مهيبة عظيمة صكت مسامع هؤلاء السرّاق كالرعد أو الزئير تهددهم وتقول: ارفعوا أيديكم وابتعدوا وإلا سوف تهلكون). جميع أهل القافلة والسرّاق رأوا في سماء جلال البررة ذلك الوجه القمري المنور، ولم يبقَ قلب إلا وقد سُرِّ من ذلك الصوت، وعلى الفور انهزم السرّاق وانسحبوا ولم يتعرض الزوار لسوء قط، وغاب المولى أبو الفضل العباس بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) بعد هنيهة في نفس الموقع الذي كان واقفاً،فيه، وإجلالاً لتلك الكرامة والمعجزة الظاهرة ظل الزوار مستيقظين إلى الصباح في موقعهم يبكون ويناجون ويتوسلون ويبحثون عن المولى (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأقاموا التعزية والزيارة ووجدوا أمتعتهم محفوظة، والقسم الذي أراد السرّاق أخذه وجدوه في مكان آخر سالماً لم يعبثوا به، إنهم تركوه وانهزموا، وهذه جملة من بركات ظهور المولى أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) في هذا الليل العصيب...». العالم 12- كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شفاء طفل عند ضريحه الشريف: وذكر السيد محمّد حسن هذه الكرامة في: 93-94 من كتابه المذكور فقال: «روى لي الحاج الأستاذ محمّد غفّاري كرامة عظيمة شاهدها بأم عينيه قائلاً: في حدود عام (1968م) كان عمري آنذاك (12) سنة تقريباً، كنت حينها طالباً في الصف الخامس الإبتدائي في إحدى المدارس الابتدائية في مدينة كربلاء المقدّسة، وعند عودتي كل يوم من المدرسة كعادتي كنت أتناول طعام الغذاء، وأذهب بكتبي بعد ذلك إلى حضرة أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) قرب الضريح؛ لأطالع دروسي ووظائفي اليومية هناك لبرودة الجو. وفي ذات يوم، كنت منهمكاً بمطالعة دروسي هذه، وإذا بي قد رأيت أعرابياً وزوجته قد دخلا الحرم الطاهر، ورأيت عليهم سيماء الصالحين والوقار، وكان مما لفت نظري هو أن المرأة كانت تحمل بيدها طفلها الذي كان يناهز ثماني سنين، كان قد تهدّل رأسه إلى الأسفل وكذا الحال إلى رجليه وجاءت به حتى وصلت الضريح المقدس ووضعته على الأرض، ورأيتها تدني به نحو الضريح حتى لصقته به تماماً. دخلا ولم ينبس ببنت شفة على الإطلاق، كل هذا أثار انتباهي مما جعلني أواكب أحداث القصة عن كثب، تقدمت في الحال صوب الرجل لأسأله ما القصة؟ رأيته قد وقف بانتظام وإلى جنبه زوجته أمام ضريح المولى (عَلَيهِ السَّلَامُ) وخاطبه بقوله: (يابو فاضل، آنه جيتك، وجبت لك ابني أخرس أطرش شلل، أروحن فد مشوار وأرجع لك، وأريد ابني منّك). بعد ذلك فهمت ما يعتري هذا الطفل وما يعاني منه، فدعوت له كثيراً، هذا وأنا تركت مطالعة دروسي؛ لانشدادي بهذه القصة العجيبة، ولملمت كتبي ودفاتري وصرت أواكب الأحداث وما تسفر عنه النتيجة. يقول الحاج غفاري: قسماً بالعباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) فلم تمضِ عشرون دقيقة حتى عاد الأعرابي إلى الحرم الشريف، وفي أثناء دخوله نهض الطفل ومسك الضريح بيديه، وأخذ يدور حوله وهو يمصّ رمانات الضريح المقدس واحدة بعد الأخرى، ويسحب فمه منها، وهكذا إلى آخرها ويصيح بصوت عال: يا أبا الفضل... يا أبا الفضل... يا أبا الفضل... يا أبا الفضل....، حتى انتهى منها فتبع ذلك موجات هلاهل النساء وزغاريدهن التي عمّت أجواء الحرم الشريف، وأخذ الناس يتهافتون على الحرم زرافات زرافات؛ ليشاهدوا هذه الكرامة العظمى لأبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وانكبوا على الطفل حتى تمزقت ملابسه للتبرك به، ولما أولاه مولاه من الشفاء، وقف الأب باحترام وإجلال وإكبار أمام الضريح المقدس وكأنه كان مطمئناً من كرم العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، والحصول على مراده منه بهذه العجالة فخاطبه قائلاً: (شكراً لك يابو فاضل هاي من شيمك و آنه ممنون منك، وإنت ما قصرت وما أنسه فضلك)، وخرج من الحرم الشريف بمعية زوجته وابنه المشافى بخطى رصينة مطمئنة تحف به البهجة والغبطة والسرور». 13- كرامته (عَلَيهِ السَّلَامُ) في شفاء شاب توسلت أمه عند ضريحه المقدس: ونقلنا هذه الكرامة عن السيد محمّد حسن صادق آل طعمة في كتابه المذكور: 78، وهي: «جاء في كتاب (معالي السبطين) للمازندراني (رَحمهُ اللّه) قال: سمعت من بعض الأساتيذ أنه كان رجل من ساكني كربلاء وهو من أهل الخير والصلاح، وله ولد صالح قد مرض، فجاء به إلى الروضة المقدّسة وتوسل بالعباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) واستشفع به إلى اللّه في شفاء ابنه، فلما أصبح أقبل اليه رجل من أخلّائه وقال: رأيت رؤيا أريد أن أقصها عليك وهي هذه: كأن العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) سأل اللّه وطلب منه شفاء ابنك، فأقبل إليه ملك من قبل رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) يقول له: يا أبا الفضل لا تشفع في شفاء هذا الشاب فإنه قد بلغ الكتاب أجله، وقد انقطعت مدته وتصرّمت أيامه، فقال العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) للملك: أبلغ رسول اللّه عني السلام، وقل له: استشفع إلى اللّه وأطلب منه شفاءه، فمضى الملك ثم عاد وقال مثل كلامه الأول إلى ثلاث مرات، وأجاب العباس بمثل جوابه الأول، ففي المرة الرابعة لمّا جاء الملك وأعاد الكلام، قام العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) متغير اللون وأقبل على رسول اللّه (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال: یا رسول اللّه، أوليس أن اللّه قد سمّاني بباب الحوائج والناس علموا ذلك، ويستشفعون ويتوسلون بي إلى الله؟ وإن لم يكن كذلك فليسلب هذا الاسم منّي. فتبسّم النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ) وقال: ارجع أقرّ اللّه عينيك، فأنت باب الحوائج واشفع لمن شئت، وهذا الشاب المريض قد شفاه اللّه ببركتك، فانتبهت هكذا. نعم واللّه باب الحوائج ما دعته مروعة في حاجة إلا ويقضي حاجتها». ملحوظة : هذا غيض من فيض وقليل من كثير مما قد ذكروا وحكوا عن کراماته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وقد أفردوا لها مجلدات من الكتب هذا ولم يتسع المقام هنا إلا لذكر اليسير منها، ومن شاء فليراجع.

ص: 256

ص: 257

ص: 258

ص: 259

ص: 260

ص: 261

ص: 262

ص: 263

ص: 264

ص: 265

ص: 266

ص: 267

ص: 268

ص: 269

ص: 270

ص: 271

ص: 272

الفصل الخامس والعشرون: في ذكر معجزة بل معجزتين ظهرتا للشيخ عبد الرحيم التستري من العبّاس (عَلَيهِ السَّلَامُ)

وَسَأَقْصُ لَكَ فِي ذَا الفَصْلِ***مَنْقَبَةً جَاءَتْ بِشَبْتِ النَّقْلِ

فَقَدْ حَكَى عَبْدُ الرَّحِيمِ التَسْتَرِي(1)***أُعْجُوبَةً بَارِزَةٌ لَمْ تُسْتَرِ

ص: 273


1- الشيخ عبد الرحيم التستري النجفي: «الشيخ عبد الرحيم التستري النجفي ابن الشيخ محمّد علي ابن الشيخ محمّد حسين ابن الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ محمّد رضا ابن الشيخ محمّد تقي ابن الشيخ محمّد باقر صاحب (البحار)، وُلد سنة (1226ه)، وتوفي بالنجف في (12) جمادى الثانية سنة (1313ه)، ودُفن في الصحن الشريف كان عالماً، فاضلاً، محققاً مدققاً ورعاً زاهداً من مشاهير تلامذة الشيخ مرتضى الأنصاري، لزمه من ابتداء أمره إلى آخره لا يكاد يفارقه وكتب جميع أماليه، ويروي عنه بالإجازة، وقرأ أيضاً على صاحب (الجواهر) وغيرهما، خرج من النجف لدَين علاه فأقام في سبزوار بطلب من الميرزا إبراهيم السبزواري للتدريس إلى أن مات. له كتاب في الفقه في ثمانية مجلدات، كتاب في الأصول، (نتيجة الأنظار) منظومة في الأصول كبيرة لم تتم، (شمس الهدى لمن شك أو سها) منظومة...، نظم (منية المريد في آداب المفيد والمستفيد للشهيد الثاني سمّاه (محاسن الآداب). (ينظر: أعيان الشيعة: 470/7).

قَالَ: أَتَيْتُ زائراً سَبْطَ النَّبي***وَزُرْتُهُ زِيَارَةَ المُحْتَسِب

ثُمَّ أَتَيْتُ لِلأَخِ المُوَاسِي***شِبْلِ عَلِيِّ البَطَلِ العَبَّاسِ

فَرُرْتُهُ ثُمَّ جَلَسْتُ فِي المَحَلْ***فَجَاءَ زَائِرٌ لَهُ بِابْنٍ أَشَلْ

فَقَارَبَ الشَّبَاكَ وَهُوَ بَاكِ***ثُمَّ انْحَنَى بِجَانِبِ الشُبَّاكِ

وَقَالَ: يَا ذَا الشَّيْمَةِ المَعْرُوفَةْ***جِئْتُكَ مِنْ أَقْصَى نَوَاحِي الكُوفَة

أَطْلُبُ مِنْ فَضْلِكَ أَنْ تَشْفِي الوَلَدْ***حَتَّى أَعُوْدَ بِسُرُورِ لِلْبَلَدْ

ثُمَّ دَعَاهُ دَعْوَةٌ لَمْ تَحْتَجِبْ***وَصَاحَ فِيْها يَا أَبَا الفَضْلِ أَجِبْ

فَنَهَضَ ابْنُهُ وَزَالَ البَاسُ***وَقَالَ: قَدْ أَنهَضَنِي العَبَّاسُ

فَهُرِعَ النَّاسُ يُرِيدُونَ النَّظَرْ***وَفَرَّ لِلصَّحْنِ بِهِمْ مِنَ الحَذَرْ

فَوَقَفَتْنِي دَهْشَةٌ فِي الحَضْرَةْ***وَقُمْتُ بَاكِيَاً لَهُ بِعَبْرَةْ

وَقُلْتُ: يَأْتِيْكَ مُعَيْدي فَمَا***يَعُودُ إلَّا بِالمُنَى مُغْتَنمَا

وَلِي لُبانَتَانِ (1)كَمْ وَكَمْ أَجِيْ***أَرْجُوْهُمَا وَمَا أَرَى مِنْ فَرَجِ

ص: 274


1- لبانتان: مفردها،لبانة، وهي الحاجة من غير فاقة ولكن من همة. (ينظر: لسان العرب: 377/13).

أَلَسْتُ ذَا عِلْمٍ وَهَذَا جَاهِلُ***وَضَيْفُكَ السَّامِي وَهَذَا خَامِلُ

لَأَرْجِعَنَّ عَنْكَ بِالْكِمَادِ***وَلَا أَزُوْرُ بَعْدُ هذَا النَّادِي

ثُمَّ تَنَبَّهْتُ لِجَانِيِّ عَتْبِي***وَصِرْتُ أَسْتَغْفِرُ مِنْهُ رَبِّي

حَتَّى إِذَا مَا عُدْتُ فِي الزُوَارِ***إِلَى الغَرِي جَاءَنِي الأَنْصَارِي

أَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ الجَلِيْلَ المُرْتَضَى***وَوَجْهُهُ بِالابْتِسَامِ قَدْ أَضَا

وَمَدَّ كَفَّهُ بصُرَّتَیْنِ***وَقَالَ: تَانِ لِلْبَانَتَيْنِ

لِلْحَجِّ والدارِ الَّتي في النَّجَف***فَاشْرِ وَسِرْ حَجَّاً بِلَا تَكَلَّف

فَما عَجِبْتُ من أبي الفَضْلُ كَمَا***عَجِبْتُ من أَسْتَادْنَا إِذْ عَلَمَا

لِأَنَّ شبْلَ المُرْتَضَى لَمْ يَغْرُبِ***إِذَا أَنَى بِمُعْجِزٍ أَوْ مُعْجِب

بِكُلِّ يَوْمٍ بَلْ بِكُلِّ سَاعَةْ***لِمَنْ أَتَاهُ قَاصِداً رِبَاعَةْ

وَهْوَ مِنَ الشَّيْخ عَجِيْب بَيِّنُ***لَكنْ بُنُور اللّه يَرْنُو المُؤْمِنُ (1)

ص: 275


1- كرامة الشيخ عبد الرحيم التستري (قدّس سِرُّه) مع أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ) : قال الشيخ عبد الرحيم التستري (قدّس سِرُّه): «زرت الإمام الشهيد أبا عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم قصدت أبا الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبينا أنا في الحرم الأقدس إذ رأيت زائراً من الأعراب ومعه غلام مشلول وربطه بالشبّاك وتوسل به وتضرع، وإذا الغلام قد نهض وليس به علة وهو يصيح: شافاني العباس، فاجتمع الناس عليه وخرقوا ثيابه للتبرك بها، فلما أبصرت هذا بعيني تقدمت نحو الشباك وعاتبته عتاباً مقذعاً، وقلت: يغتنم المعيدي الجاهل منك المنى وينكفئ مسروراً، وأنا مع ما أحمله من العلم والمعرفة فيك والتأدب في المثول أمامك أرجع خائباً لا تقضي حاجتي، فلا أزورك بعد هذا أبداً! ثم راجعتني نفسي وتنبهت لجافي عتبي، فاستغفرت ربي سبحانه مما أسأت مع عباس اليقين والهداية، ولما عدت إلى النجف الأشرف أتاني الشيخ المرتضى الأنصاري قدس اللّه روحه الزاكية وأخرج صرتين وقال: هذا ما طلبته من أبي الفضل العباس اشتري داراً وحج البيت الحرام، ولأجلهما كان توسلي بأبي الفضل». (العباس للسيد عبد الرزاق المقرّم: 213).

ص: 276

الفصل السادس والعشرون: في ذكر معجزة منه (عَلَيهِ السَّلَامُ) ظهرت للناظم

هَذَا وَكَانَتْ لِي لبَانَةٌ وَلَنْ***تُوْجَدَ حَتَّى فِي مُضَاعَفَ الثَّمَنْ

فَزُرْتُهُ يَوْماً وَقُلْتُ بَعْدَ مَا***أَدَّيْتُ مِنْ زِيَارَتِي مَا لَزِمَا:

يَا أَسَدَ البَأْسِ وَيَا بَحْرَ الكَرَمُ***كَمْ لَكَ مِنْ مَنْقَبَةٍ بَيْنَ الأُمَمْ

وَمِنْ صِفَاتِكَ المُطِيْعُ لِلأَحَدْ***وَللرَّسُولِ وَهْيَ زُلْفَى لَا تُحَدْ

وَمَنْ أَطَاعَ اللّه رَبَّ الخَلْقِ***أَطَاعَهُ الخَلْقُ بِقَوْلِ طَلْقِ

وَلِي - فَدَتْكَ مُهْجَتِي- لُبَانَةْ***أُريدُها مَنْ كَفَّكَ المُبَانَةْ

فَمَا خَرَجْتُ مِنْ حَرَيْمِ المَرْقَدِ***إِلَّا وَقَدْ نَالَتْ لُبَانَتِي يَدِي

كَأَنَّها عَلَى الطَّرِيقِ تَنْتَظِرْ***لَا بِابْتِيَاعِ بَلْ بِأَمْرِ قَدْ قَدِرْ

وَمِنْ عَجِيْبِ أَنَّهَا مُسْتَكْمَنَةْ***عَن العُيُون مُدْ ثَلاثين سنة

وَالنَّاسُ بِالظُّنُّونِ فيها اخْتَلَفَتْ***فَقَائِلٌ بِأَنَّها قَدْ أُتلفت

وَقَائلٌ بِأَنَّها لَمْ تُتْلَف***لَكنْ نَأَتْ بِمَوْضِعِ لَمْ یُعرَفِ (1)

ص: 277


1- لم نوفق للاهتداء إلى حكاية الشيخ السماوي المذكورة نثراً فيما توفر لدينا من المصادر، ولعله (رَحمهُ اللّه) اقتصر على ذكرها نظماً في هذه الأرجوزة فلاحظ.

ص: 278

الفصل السابع والعشرون: في ذكر تعداد ما تقدّم وأنها بعض من كل

فَتِلْكَ ثِنْتَا عَشْرَةَ مُعَادِلَةْ***العَشْرُ لِلْحُسَيْنِ وَالثِّنتَانِ لَهْ

وَفِي الغُضُوْنِ مُعْجِزَاتٌ غُرَرُ***مِثْلُ الغُصُوْنِ حَمْلُهُنَّ الدَّرَرُ

فَبَعْضُها قَدْ رُويَتْ مُسَانَدَةْ***وَبَعْضُهَا قَدْ رُبِّيَتْ مُشَاهَدَةْ

وَلَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَعُدَّ مَا نُقل***عَدَدْتُ آلافاً وَقِيلَ لِي مُقِلْ

فَكَمْ لِقَوْمِيَّ مِنْ كِتَابِ قَدْ بَرَزْ***بِالمُعْجِزَاتِ ثُمَّ أَعْيَا وَعَجَزْ

كَالفَائِزِي ابْن الحُسَيْنِ المُوْسَوِي(1)***وَكَالأَديبِ ذي الكَمَالِ الرِّضَوِي (2)

ص: 279


1- هو السيد السعيد صفي الدين نصر اللّه بن الحسين الموسوي الفائزي الحائري الشهيد بقسطنطينية بعد سنة (1166)، كما يشهد به تقريظه للكرارية المنظومة في هذا التاريخ، له كتاب (الروضات الزاهرات في المعجزات بعد الوفاة). (ينظر: الذريعة: 281/11 بتصرف يسير).
2- هو السيد حسين ابن المير رشيد ابن السيد قاسم الرضوي النجفي الحائري. له کتاب (ذخائر المآل في نشر مدح المصطفى والآل) وفيه بديعيته في مدح النبي (صَلَّى اللّه عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَسَلَّمَ)...». (ينظر: الذريعة: 7/10).

وَكَالْحُسَيْن بن مُسَاعد التَّقى(1)***وَابْنِ أَمِّيرِ الحَاجِ فِيْمَنْ قَدْ بَقي (2)

ص: 280


1- «هو السيد حسين بن مساعد بن الحسن بن المخزوم بن أبي القاسم بن عيسى الحسيني الحائري، ذكر نسبه كذلك في آخر (عمدة الطالب) الذي كتبه لنفسه وفرغ منه (25 - ع 1 - 893ه) وعليه حواش له بخطه إلى تاريخ سنة (917ه)، توجد هذه النسخة في مكتبة المرحوم الشيخ عبد الرضا آل الشيخ راضي النجفي، وله كتاب (تحفة الأبرار في مناقب أبي الأئمّة الأطهار (عَلَيهِم السَّلَامُ)) والتحفة كتاب جيد استخرجه من كتب أهل السنّة وذكر أسماءها في آخر الكتاب، وهو من مآخذ كتاب (البحار)، وينقل عنه الشيخ إبراهيم الكفعمي الذي توفي سنة (905ه)، رتبه على ثلاثين باباً، وقال في أوله بعد الخطبة: (لمّا كثر الاختلاف في مناقب أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وصنّف العلماء في ذلك على قدر سعتهم، أحببت أن أجمع في ذلك كتاباً لم أسبق إليه، وأورد فيه من طرق أهل السنة والجماعة ما لا يُطعن عليه، ومن شك في شيء منه فعليه بالكتب التي أشير إليها)، وفي آخره ذكر نبذة من فضائل الزهراء البتول سلام اللّه عليها، والحسنين (عَلَيهِما السَّلَامُ)، وما ورد في الاثني عشر خليفة». (ينظر الذريعة : 405/3 - 406، أعيان الشيعة: 171/6- 173). ) ملحوظة: ونسخة العمدة موجودة الآن في مكتبة الإمام محمّد الحسين آل كاشف الغطاء (رَحمهُ اللّه) كما توجد مجموعة خطية بخطه في مكتبة الإستانة الرضوية، فلاحظ.
2- هو ابن أمير الحاج السيد محمّد بن الحسين بن محمد بن محسن.... وساق النسب... إلى أن قال ابن عبيد اللّه الأعرج بن الحسين الأصغر بن السجاد (عَلَيهِ السَّلَامُ). له (الآيات الباهرات في معجزات النبي والأئمّة الهداة (عَلَيهِم السَّلَامُ))، منظوم فيه لكل واحد منهم تسع آيات و معجزات باهرات بعدد الآيات البينات للكليم على نبينا وآله وعليه السلام...». (ينظر : الذريعة: 44/1 - 45).

وَمَنْ يَعُدُّ النَّجْمَ وَهُوَ لَامِحُ***أَوْ قَطَرَات الغَيْثَ وَهُوَ دَالحَ؟!

بَلْ مَنْ يَعُدُّ أَنْعُمَ الرَّحْمَنِ***وَلَوْ بِإِجْمَالِ عَلَى الْإِنْسَانِ؟!

فَلْنُوْصد البَابَ وَنَكْتَفِي بِمَا***كُنَّا ذَكَرْنَاهُ عَلَى مَا نُظما

ص: 281

ص: 282

الباب الخامس: في ذكر البناء ومن بناه وذكر الماء والضياء

اشارة

ص: 283

ص: 284

إشارة:

بَابٌ لذكْرِ الشَّيْد وَالْبَنَاء

وَحَالَة المياه والضَّيَاء

****

عَلِمْتُ أَنَّ الحَيَّ حَيَّ غَاضِرَةْ***هُمْ ضَرَّحُوا تِلْكَ الجُسُوْمَ النَّاضِرَة

وَأَعْلَمُوا عَلَى الضَّريحِ بِالصَّوَى***لِيُعْلَمَ الذِي بِرَبْعِهِ ثَوَى

وَلَمْ يَزَلْ مُخْتَلِفَ العِصَابَةْ***بَعْدَ مَجِيء الفِئَةِ التَّوَّابَة

وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى بَنَى***مَرْقَدَهُ المُخْتَارُ وَامْتَدَّ السَّنَا

لِأَنَّهُ قَدْ حَاطَهُ كَالمَسْجِد***فَلَمْ يَكُنْ يُنْكَرُ للتَّعَبُد(1)

ثُمَّ أَتَى المُلْكَ بَنُو العَبَّاسِ***فَقِيلَ: قَدْ زَالَ جَمِيعُ البَاسِ

حَتَّى إِذا السَّفَّاحُ بِالقُرْبِ نَزَلْ***طَالَ بِهِ الرَّجَاءَ وَازْدَادَ الْأَمَلْ

لَأَنَّهُ سَوَّدَ يُبْدِي الحُزْنَا***وَاتَّخَذُوا ذَاكَ الشَّعَارَ دينا

وَقَامَتِ الرُّثَاةُ بالنَّواحِ***تَبْكِي عَلَى الحُسَيْنِ في النَّواحِي

ص: 285


1- تقدّم تفصيل ذلك في: (الباب الثالث: في تعيين المرقد وماجرياته...)، فلينظر.

وتُنْشِدُ السَّفَاحَ ذَلِكَ الرِّثَا فَكَمْ جَثَّا للحِمْيَرِيَّ (1) وَحَثَا

فَبَدَت الشَّيْعَةُ كَالبُدُور***ونَزَلُوا من أَرْضه بدور (2)

شَيَّدُوا البِنَا عَلَيْهِ قُبَّةْ***ذَاتَ سَقِيفَةٍ لِتَأْوِي العُصْبَةٌ

ص: 286


1- السيد إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة الحميري: «إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة، ولقبه مفرع المعروف بالسيد الحميري، الشاعر المشهور، وكنيته أبو هاشم، كما ذكره الأكثر أو أبو عامر كما عن رجال الشيخ، والسيد لقبه، ولد بعمان ونشأ بالبصرة، حكاه في (لسان الميزان) عن أبي الفرج بن الجوزي في (المنتظم)، وكانت ولادته سنة (105)، وتوفي ببغداد سنة (173)، ودُفن بالجنينة. وكانت وفاته في خلافة الرشيد، وكان في بدء الأمر خارجياً ثم كيسانياً ثم إمامياً. وفي (مجالس المؤمنين): إنه كان من أكابر أهل زمانه، وأحرز قصب السبق في مضمار الفصاحة والبلاغة على أقرانه، وذكروا أن دفاتر ميمياته كانت حمل بعير. وفي (تذكرة) ابن المعتز: إنه كان للسيد أربع بنات كل واحدة منهن تحفظ أربعمائة قصيدة من قصائده، ولم يترك فضيلة ولا منقبة من فضائل أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) ومناقبه إلا ونظم فيها شعراً، على أن فضائله ومناقبه (عَلَيهِ السَّلَامُ) لا يحيط بها نطاق النظم والنثر». (ينظر: أعيان الشيعة: 405/3 - 407).
2- تقدّم تفصيل ذلك في: (الباب الثالث: في تعيين المرقد وماجرياته...)، فلينظر.

ثُمَّ دَعَا المَنْصُوْرَ حَقْدُ أَيد***فَثَلَّ (1) منْ أَحْقَاده المَشيد (2)

حَتَّى إِذا قَامَ وَرَاهُ المَهْدِيَّ***آمَنَهُمْ فَشِيْدَ فِي التَهَدِّي (3)

ثُمَّ دَعَا هَارُوْنَ فِرْطُ بُغْضِ***لِنَقْضِ دُوْرٍ وَلِحَرْثِ أَرْضِ (4)

وَآمَنَ الأمينُ وَالمَأْمُونُ***فَشَيْدَ وَاسْتَعْلَى به السُّكُون (5)

ثُمَّ تَنَاهَى جَعْفَرٌ بِالمَخْرِ***وَالحَرْث للأَرْض وَنَبْثَ القَبْر

لِمِانَتَينِ وَثَلاثِينَ وَسِتْ***إِذْ فُوِّضَ الأَمْرُ إِلى عِلْقٍ وَسِت (6)

حَتَّى إِذا أَخْنَى عَلَيْهِ المُنْتَصِرْ***نَادَى بِمَنْ خَافَ، أَمِنْتَ فَلْتَصِرْ

وَشَادَ مِيلاً (7) زَانَهُ الضَّرِيحُ***يَلُوحُ للزائر أَوْ يُليْحُ

ص: 287


1- ثلّ البيت: هدمه. (ينظر لسان العرب: 91/11).
2- تقدّم تفصيل ذلك في: (الباب الثالث: في تعيين المرقد وماجرياته...)، فلينظر.
3- تقدّم تفصيل ذلك في: (الباب الثالث: في تعيين المرقد وماجرياته...)، فلينظر.
4- تقدّم تفصيل ذلك في: (الباب الثالث: في تعيين المرقد وماجرياته...)، فلينظر.
5- تقدّم تفصيل ذلك في: (الباب الثالث: في تعيين المرقد وماجرياته...)، فلينظر.
6- تقدّم تفصيل ذلك في: (الباب الثالث: في تعيين المرقد وماجرياته...)، فلينظر.
7- «عام (248ه) أمر المنتصر العباسي ببناء مرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وإعادته إلى ما كان عليه ونصب على قبره الشريف علماً طويلاً ليستهدي الناس إليه، ودعا إلى زيارته (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعطف على آل أبي طالب وأحسن إليهم وفرّق فيهم الأموال وأرجع إليهم الأوقاف الخاصة بهم، كما أرجع فدكاً إليهم، فهب الشيعة إلى زيارته باطمئنان وراحة بال وجاوروه». (دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد: 286/1).

وَشَيَّدَ الشَّيْعَةً عِنْدَ الميْل***سَقيْفَةٌ للظَّلِّ وَالمَقيل

فَسَقَطَتْ سَقِيْفَةُ الأَجْدَاثِ***فِي سَنَةِ السَّبْعِيْنَ وَالثَّلَاثِ

مِنْ بَعْدِ قَرْنَيْنِ فَمَا ضَرَّتْ أَحَدْ(1)***وَهَنِئَ الزَّائِرُ بَعْدَ مَا وَرَدْ (2)

ص: 288


1- كذا ذكر الناظم (رَحمهُ اللّه) - فما ضرّت أحد-، وسيأتي أنه مات في ذلك الحادث جمع كثير من الزائرين لازدحام الروضة بالزوار؛ لأنه صادف سقوط السقيفة في يوم عرفة أو العيد من ذي الحجة.
2- يشير قوله (رَحمهُ اللّه) : (وهنئ الزائر بعد ما ورد)، إلى ما ورد في الرواية: حدّثنا أبو الحسن علي بن الحسين بن الحجاج من حفظه، قال: «كنا جلوساً في مجلس ابن عمي - أبي عبد اللّه محمّد بن عمران بن الحجاج-، وفيه جماعة من أهل الكوفة من المشايخ وفيمن حضر العباسي بن أحمد العباسي، وكانوا قد حضروا عند ابن عمي يهنئونه بالسلامة؛ لأنه حضر وقت سقوط سقيفة سيدي أبي عبد اللّه الحسين بن علي (عَلَيهِ السَّلَامُ) في ذي الحجة من سنة ثلاث وسبعين ومائتين. فبينا هم قعود يتحدثون إذ حضر المجلس إسماعيل بن عيسى العباسي، فلما نظرت الجماعة إليه أحجمت عمّا كانت فيه، وأطال إسماعيل الجلوس، فلما نظر إليهم قال : يا أصحابنا، أعزكم اللّه لعلّي قطعت عنكم حديثكم بمجيئي! قال أبو الحسن علي بن يحيى – وكان شيخ الجماعة ومقدماً فيهم : لا واللّه يا أبا عبد اللّه - أعزك اللّه - أمسكنا بحال من الأحوال، فقال لهم: يا أصحابنا، اعلموا أن اللّه (عزّوجلّ) سائلي عما أقول لكم وما أعتقده من المذهب، حتى حلف بعتق جواريه ومماليكه وحبس دوابه أنه ما يعتقد إلا ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عَلَيهِ السَّلَامُ) والسادة الأئمّة (عَلَيهِم السَّلَامُ)، ووعدّهم واحداً واحداً، وساق الحديث، فانبسط إليه أصحابنا، وسألهم وسألوه... ». (ينظر : فرحة الغري: 159 - 160).

وانْتَهَزَ الدَّاعِي (1) هُنَاكَ الفُرْصَةْ***وَطَلَبَ الإِذْنَ لَهُ وَالرُّخْصَة

إِذْ كَانَ لَمْ يَدْعُ إِلَى مَنْ قَدْ وَلِي***مِنَ المُلُوكِ بَلْ إِلَى آلِ عَلِيَّ

فَزَارَ أَوَّلاً لأَرْض النَّجَف***ثُمَّ لِأَرْضِ الطَّفْ ذَاتِ الشَّرَفِ

ص: 289


1- الداعي الصغير: «هو محمّد بن زيد بن إسماعيل بن الحسن العلوي الحسني، صاحب طبرستان والديلم. ولي الإمرة بعد وفاة أخيه الحسن بن زيد (الداعي الكبير) سنة ( 270 ه)، وكانت في أيامه حروب وفتن، وطالت مدته. وكان شجاعاً، فاضلاً في أخلاقه، عارفاً بالأدب والشعر والتاريخ أصابته جراحات في واقعة له مع محمّد بن هارون من أشياع إسماعيل الساماني على باب جرجان، فمات من تأثيرها». (الأعلام: 132/6، بتصرف يسير).

وَأَرْسَلَ الكُنُوْزَ مِنْ أَرْضِ العَجَمْ***كَالسُّحْب تَرْفَضُ بِغَيْثَ انْسَجَمْ

وَشَادَ قُبَّةٌ لَهَا بَابَان***وَمِنْ حَوَالَيْها سَقيْفَتَان

وَعَمَّرَ السُّورَ بهَا وَالمَسْكَنَا***وَنَوَّلَ السَّاكِنَ مَا قَدْ أَمْكَنَا

وَتَمَّ تِلْكَ الرّازَةُ المُسْتَحْسَنَة***في المِئَتَيْنِ وَالثَّمَانِينَ سَنَةْ (1)

ص: 290


1- تهدّم بناية المنتصر للمرقد الشريف عمارة الداعي الصغير له، أحوال الشيعة في عهده: «وفي سنة (273) ه) تهدمت بناية المنتصر، ومات جمع كثير من الزائرين لازدحام الروضة بالزوار؛ لأنه صادف سقوطها في يوم عرفة أو العيد من ذي الحجة. وقيل: إنّ الموفّق - طلحة بن جعفر المتوكل - كان وراء ذلك، فقام على أثر ذلك الداعي الصغير محمّد بن زيد أمير جرجان بزيارة الحائر، وأمر بعمارة المرقد الشريف فانتهى من بنائه عام ( 280 ه)، فوضع قبة شامخة على المرقد وبابين وبنى للمرقد إيوانين كما بنى سوراً حول الحائر، ومنازل للزائرين والمجاورين. وفي سنة (282ه) أرسل محمّد بن زيد مبلغ اثنين وثلاثين ألف دينار لمساعدة العلويين والأشراف عبر واليه محمّد بن ورد القطّان بل وجعلها عليهم سنوية، فاجتمعت الشيعة من جديد وبنت دوراً حول مرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ويُذكر أن الداعي الصغير بالغ في فخامة البناء وحسن الريازة ودقة الصنعة في عمارة الحائر». (ينظر : دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد : 287/1 - 290). ذكر ذلك ابن الأثير في (الكامل: 474/7) في حوادث سنة (282 ه)، قال: وفيها وجه محمّد بن زيد العلوي من طبرستان إلى محمّد بن ورد العطار باثنين وثلاثين ألف دينار ليفرقها على أهل بيته ببغداد والكوفة والمدينة، فسعى به إلى المعتضد فأحضر محمّد عند بدر وسُئل عن ذلك، فأقر أنه يوجه إليه كل سنة مثل ذلك ففرقه وأنهى بدر إلى المعتضد ذلك، فقال له المعتضد: أما تذكر الرؤيا التي أخبرتك بها؟ قال: لا يا أمير المؤمنين قال رأيت في المنام كأني أريد ناحية النهروان، وأنا في جيشي إذ مررت برجل واقف على تل يصلّي ولا يلتفت إليّ فعجبت منه، فلما فرغ من صلاته قال لي أقبل فأقبلت إليه، فقال لي: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا علي بن أبي طالب، خذ هذه فاضرب بها الأرض بمسحاة بين يديه، فأخذتها فضربت بها ضربات فقال لي: إنه سيلي من ولدك هذا الأمر بعدد الضربات فأوصهم بولدي خيراً. وأمر بدراً بإطلاق المال والرجل، وأمره أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه ما يريد ظاهراً، وأن يفرّق ما يأتيه ظاهراً وتقدم بمعونته على ذلك».

في زَمَنِ المُعْتَضِدِ (1) المُنْصَبٌ***بالطَّعْن في حَرْبٍ وَآلِ حَرْبِ

ثُمَّ تَوَلَّى ابْنُ بُوَيْهِ العَضُد (2)***فَاخْضَرَّ عُوْدٌ فِيْه كَادَ يَخْصُدْ

ص: 291


1- المعتضد باللّه: مرت ترجمته في الفصل السابع عشر، فلاحظ.
2- «أبو شجاع فنّاخسرو ابن ركن الدولة أبي علي الحسن بن أبي شجاع بويه المعروف ب(عضد الدولة): ذكره السيد محسن الأمين فى (أعيان الشيعة: 415/8 - 417)، فقال: «أبو شجاع عضد الدولة فناخسرو شاهنشاه ابن ركن الدولة أبي علي بن بويه الديلمي. ولد بإصفهان في ذي القعدة سنة (324 ه)، وتوفي يوم الإثنين ثامن شوال سنة (371 ه)، عن سبع وأربعين سنة وأحد عشر شهراً وثلاثة أيام ببغداد، ونُقل إلى مقبرته بالنجف فدفن فيها. كانت إمارته في العراق خمس سنين ونصفاً، وفي أيامه عُمَرت بغداد، ورفع الجباية عن قوافل الحجاج، وكثر إدرار الأرزاق والرسوم والصلات للقرّاء والفقهاء وأهل الأدب، وهذا لم يجتمع في زمن من الأزمان كما اجتمع في الدولة البويهية. وهو أول من خوطب بالملك شاهنشاه، وأول من خُطب له على المنابر مع الخلفاء، وأول من ضُرب الطبل على بابه أوقات الصلوات الخمس، وعمّر المشهد العلوي. فقد جاء في تاريخ طبرستان و رویان و مازندران وعمّر الأمير عضد الدولة فناخسرو من آل بويه مشهد أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في النجف، ومشهد الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) في كربلاء، ومشهد موسى والجواد (عَلَيهِما السَّلَامُ) في بغداد، ومشهد العسكريين (عَلَيهِما السَّلَامُ) في سامراء عمارة كثيرة، وكتب اسمه على باب مشهد علي بن أبي طالب، وكتب هناك: «وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بِالوَصِيدِ»، وفي موسم عاشوراء والغدير والمواقف الأخرى كان يحضر في المشاهد ويقوم بالمراسم التي يقوم بها الشيعة. ... وعضد الدولة هو أشهر ملوك بني بويه صيتاً وأعظمهم صولة وأغزرهم علماً وأرفعهم أدباً وأوسعهم تدبيراً وأجلّهم شأناً؛ ولذلك بلغت الحكومة البويهية ذروة ازدهارها على عهده». (ينظر ترجمته أيضاً في الكنى والألقاب: 469/2).

ص: 292

بَنَى لَهُ القُبَّةَ ذَاتَ الأَروِقَة***مُحيْطَةً عَلَى الضّريح مُحْدِقَة

وَزَيَّنَ الضَّريحَ بِالدِّيْبَاج***وَمَا عَلَا دائِرَهُ بِسَاجِ

وَشَعْشَعَ القُبَّةَ والرِّوَاقَا***وَعَمَّرَ البُيُوتَ وَالأَسْوَاقَا

وَعَصَّمَ البَلْدَةَ بالأسوَارِ***فَحَكَّتِ المِعْصَمَ بِالسِّوَارِ

وَسَاق للطَّفِّ مياهاً جَاريَه***وامْتَازَ للضَّوْء وَقُوْفاً جَارية

وَبَدَلَ المَالَ لِآلِ حَيْدَرِ***كِصُنْعِهِ البَدِيْعَ فِي أَرْضِ الغَرِي (1)

ص: 293


1- في سنة ( 367 ه) استولى عضد الدولة البويهي على بغداد، فعرّج منها على كربلاء الزيارة مرقد الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، ثم إنه جعل زيارته للمرقد الشريف عادة سنوية. وفي العام نفسه – 369 ه - وعندما قام عضد الدولة بزيارته التقليدية للمرقد المطهر للإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) أمر بتجديد بناء القبة الحسينية وروضتها المباركة، وشيّد ضريح الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ) بالعاج، وزيّنه بالحُلل والديباج، وبنى الأروقة حوالي مرقده المقدس وعمر المدينة، وإهتم بإيصال الماء لسكّان المدينة والضياء للحائر المقدس، وعصمها بالأسوار العالية التي بلغ محيطها حوالي (2400 خطوة) وقطره حوالي (2400قدم) ، فأوصل المدينة بترعة فأحياها، وأوقف أراضي لاستثمارها لصالح إنارة الحرمين الشريفين: أبي عبد اللّه الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وأخيه أبي الفضل العباس (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وبالغ في تشييد الأبنية والأسواق حوله، وأجزل العطاء لمن جاوره من العلماء والعلويين، كما أمر ببناء المدرسة العضدية الأولى، كما بني بجنبها مسجد رأس الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وعلى أثر ذلك تضاعف عدد المجاورين المرقده المقدس». (دائرة المعارف الحسينية / تاريخ المراقد : 293/1، 296 - 299).

ثُمَّ أَتَى عِمْرَانَ (1) فِي زَمَانِهِ فَعَمَّرَ الرَّوَاقَ مِنْ أَمَامه

وَوَصَلَ الرَّوْضَةَ بالرِّواقِ***من الجَنُوْب وَهُوَ بَعْدُ باق

وَتَمَّ ذَا ذا فِي السَّبْعِ والسِّتِّيْنا***بَعْدَ ثَلَاثٍ قَدْ مَضَتْ مِئینا (2)

ص: 294


1- عمران بن شاهين: ذكره الذهبي في (سير أعلام النبلاء: 267/16) فقال: «عمران بن شاهين ملك البطائح كان عليه دماء، فهرب إلى البطيحة، واحتمى بالآجام يتصيد السمك والطير، فرافقه صيادون، ثم التف عليه لصوص، ثم استفحل أمره، وكثر جمعه، فأنشأ معاقل وتمكن، وعجزت عنه الدولة، وقاتلوه فما قدروا عليه، وحاربه عز الدولة غير مرة، ولم يظفروا به، إلى أن مات على فراشه سنة تسع وستين وثلاث مئة، وامتدت دولته أربعين سنة، وقام بعده ابنه الحسن مدة، لكنه التزم بمال في السنة لعضد الدولة». ينظر في ترجمته: (الكامل في التاريخ: 481/8، أعيان الشيعة: 488/2، الأعلام 5/ 70).
2- «... وفي ظل اضطراب الأوضاع السياسية في العراق وتدهورها في المدة التي سبقت دخول عضد الدولة بغداد عام (367 ه)، تمكن عمران بن شاهين إنّ يستقطع البطائح بجنوب العراق من سلطة البويهيين ومنع الخراج عنهم، ثم إن عضد الدولة وبعد أن استتبت الأمور له في بغداد أرسل إليه بجيش عظيم فحاصروه وضيقوا عليه،الخناق وعندما عجز عمران بن شاهين عن مقاومتهم التجأ إلى قبر الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ) وتضرع إلى الإمام، ورأى علياً في المنام يقول له: (یا عمران سيقدم العبد فناخسرو لزيارة البقعة فلذ به سيفرّج عنك)، فلمّا انتبه من نومه نذر للّه إن نجا من عضد الدولة أن يبني مسجداً ورواقاً في حرم الإمام أمير المؤمنين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وآخر مثلهما في حرم الإمام الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ). فلمّا التقى بعضد الدولة أخبره بكل ذلك، فعفا عنه، وأوفى بنذره، فبنى المسجد المعروف باسمه إلى الآن والذي يقع إلى جهة الشمال من الروضة، وقد ضمّ فيما بعد إلى الحرم. أمّا الرواق الذي شيّده فيقع إلى جهة الغرب من قبر الحسين (عَلَيهِ السَّلَامُ)، وهو أول من ربط حزام الحائر بالرواق والظاهر أن ذلك كان في عام (368 ه)». (ذُكرت الحكاية في دائرة المعارف الحسينية/ تاريخ المراقد: 294/1، وفيها التاريخ مثبت كما في المتن، وقد ذكره السيد عبد الكريم بن طاوس في (فرحة الغري: 169) بدون تأريخ). «وذكر السيد محمّد صادق آل بحر العلوم في كتابه (السلاسل الذهبية): أنّ رواق ابن شاهين في الجانب الغربي من الحائر الشريف المعروف اليوم برواق السيد إبراهيم المجاب، وبني بجنبه مسجداً سمي باسمه، ذكره ابن بطوطة الطنجي في رحلته. وكان هذا المسجد موجوداً إلى أيام الصفويين، فاستثنوا بدمج المسجد في الصحن فأدمج الصحن، وبقي من المسجد أثره حتى اليوم، وهو محل خزن مفروشات الروضة الحسينية خلف الإيوان المعروف بالإيوان الناصري، وتم ذلك البناء - أي بناء الرواق والمسجد المعروف برواق مسجد ابن شاهين - في سنة (367 ه). وقد أدلى المرحوم السيد حسين القزويني الحائري برأيه: أنه شاهد متانة بناء هذا المسجد عند الحفريات الأخيرة في المشهد الحسيني، فكان سمك الأساس يقرب من 3 أمتار ». (ينظر: تراث كربلاء: 39).

ص: 295

وَاحْتَرَقَ السَّاجُ عُقَيْبَ ا