الإدارة ونظام الحكم في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر

هوية الکتاب

الإدارة ونظام الحكم في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر رحمه الله

المؤلف: الربيعي، سجاد عبد الحليم. - مؤلف. العنوان: الادارة ونظام الحكم في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضوان الله علیه): دراسة تحليلية. بیان المسؤولية: تأليف الشيخ سجاد عبد الحليم الربيعي. بيانات الطبعة: الطبعة الاولى. بيانات النشر: کربلاء العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة. الوصف المادي: 429 صفحة؛ 24 سم. سلسلة النشر: سلسلة بحوث في العهد العلوي، الدراسات الإدارية؛ (1). تبصرة ببليوغرافية: يتضمن هوامش، لائحة المصادر الصفحات (411-429). موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. - عهد مالك الاشتر - شرح. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - احادیث. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - رسائل. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة سياسته وحكومته. موضوع شخصي: مالك بن الحارث الاشتر النخعي، توفي 39 للهجرة - نقد و تفسیر. مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام. مصطلح موضوعي: النظام الاداري في الاسلام. مؤلف اضافي: الحسني، نبیل قدروري، 1965، مقدم. اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة. مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة عنوان اضافي: نهج البلاغة. عنوان اضافي: عهد مالك الاشتر.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

ص: 1

ISBN 978-9933-582-36- 4 I7899335823641 رقم الإیداع فی دار الكتب والوثائق العراقية ببغداد 374 لسنة 2018 مصدر الفهرسة:

IQ - KaPLI ara IQ-KaPLI rda رقم الاستدعاء: A4 R83.BP38٫02 2018 المؤلف: الربيعي، سجاد عبد الحليم. - مؤلف. العنوان: الادارة ونظام الحكم في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضوان الله علیه): دراسة تحليلية. بیان المسؤولية: تأليف الشيخ سجاد عبد الحليم الربيعي. بيانات الطبعة: الطبعة الاولى. بيانات النشر: کربلاء العراق: العتبة الحسينية المقدسة، مؤسسة علوم نهج البلاغة، 2018 / 1439 للهجرة. الوصف المادي: 429 صفحة؛ 24 سم. سلسلة النشر: سلسلة بحوث في العهد العلوي، الدراسات الإدارية؛ (1). تبصرة ببليوغرافية: يتضمن هوامش، لائحة المصادر الصفحات (411-429). موضوع شخصي: الشريف الرضي، محمد بن الحسين، 359 - 406 للهجرة - نهج البلاغة. - عهد مالك الاشتر - شرح. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - احادیث. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة - رسائل. موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 للهجرة سياسته وحكومته. موضوع شخصي: مالك بن الحارث الاشتر النخعي، توفي 39 للهجرة - نقد و تفسیر. مصطلح موضوعي: نظام الحكم في الاسلام. مصطلح موضوعي: النظام الاداري في الاسلام. مؤلف اضافي: الحسني، نبیل قدروري، 1965، مقدم. اسم هيئة اضافي: العتبة الحسينية المقدسة. مؤسسة علوم نهج البلاغة - جهة مصدرة عنوان اضافي: نهج البلاغة. عنوان اضافي: عهد مالك الاشتر.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

ص: 2

سلسلة دراسات في عهد الإمام علي علیه السلام لمالك الأشتر رحمه الله (37) وحدة دراسات العلوم الإدارية

الإدارة ونظام الحكم في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر رضی الله عنه تأليف الشیخ سجاد الربیعی اصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة في العتبة الحسينية المقدسة

ص: 3

جميع الحقوق محفوظة العتبة الحسينية المقدسة الطبعة الأولى 1438 ه - 2017 م العراق - كربلاء المقدسة - مجاور مقام علي الأكبر (عليه السلام) مؤسسة علوم نهج البلاغة الموقع الألكتروني: www.inahj.org الإيميل: Inahj.org@gmail.com

تنویه: إن الأفکار والآراء المذکورة فی هذا الکتاب تعبر عن وجهة نظر کاتبها، ولاتعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسینیة المقدسة

ص: 4

مقدمة المؤسسة:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم من عموم نعمٍ ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:

فإن من أبرز الحقائق التي ارتبطت بالعترة النبوية هي حقيقة الملازمة بين النص القرآني والنص النبوي و نصوص الأئمة المعصومين (عليهم السلام أجمعين).

وإنّ خير ما يُرجع إليه في المصادیق لَحديث الثقلين «كتاب الله وعترتي أهل بيتي» هو صلاحية النص القرآني لكل الأزمنة متلازماً مع صلاحيّة النصوص الشريفة للعترة النبوية لكل الأزمنة.

وما كتاب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) لمالك الأشتر (عليه الرحمة والرضوان) إلا أنموذجاً واحداً من بين المئات التي زخرت بها المكتبة الإسلامية والتي اكتنزت في متونها الكثير من الحقول المعرفية مظهرة بذلك احتياج الإنسان إلى نصوص الثقلين في كل الأزمنة.

ص: 5

من هنا:

ارتأت مؤسسة علوم نهج البلاغة أن تخصص حقلاً معرفياً ضمن نتاجها المعرفي التخصصي في حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفكره، متّخذة من عهده الشريف إلى مالك الأشتر (رحمه الله) مادة خصبة للعلوم الإنسانية التي هي أشرف العلوم ومدار بناء الإنسان وإصلاح متعلقاته الحياتية وذلك ضمن سلسلة بحثية علمية والموسومة ب(سلسلة دراسات في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رحمه الله)، التي ستصدر بإذن الله تباعاً، حرصاً منها على إثراء المكتبة الإسلامية والمكتبة الإنسانية بتلك الدراسات العلمية والتي تهدف إلى بيان أثر هذه النصوص في بناء الإنسان والمجتمع والدولة متلازمة مع هدف القرآن الكريم في إقامة نظام الحياة الآمنة والمفعمة بالخير والعطاء والعيش بحرية وكرامة.

والبحث الموسوم ب «الإدارة ونظام الحكم في عهد الإمام علي (عليه السلام) المالك الأشتر (رضوان الله علیه)» يقدم فيه الباحث دراسة تحليلية في معالم العهد الشريف وهو يعد نافذة تطل على مفاهيم الإدارة ونظام الحكم، وقد سعی الباحث الى استقاء حلوله لكثير من المشاكل المرتبطة بنظام الحكم وادارة البلاد والمجتمع من فكر الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام).

فجزى الله الباحث خير الجزاء فقد بذل جهده وعلى الله أجره والحمد لله رب العالمين..

السيد نبيل الحسني الكربلائي رئيس مؤسسة علوم نهج البلاغة

ص: 6

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله المصطفی محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى اصحابه المنتجبين الميامين.

تؤلف قضايا إدارة نظام الحكم بمختلف أشكالها وأنواعها الحجر الأساس في النظرية الإسلامية بل الحجر الأساس في كل ما جاءت به الملل السماوية والشرائع الإلهية على الإطلاق، فقد اختزل الإمام أمير المؤمنين عليه السلام جميع القوانين الإلهية والشرائع السماوية في مسيرته وحياته الشريفة التي جسد فيها الأهداف الساوية في جوانبها وحقيقتها من خلال رسالة العهد الناصع للبشرية جمعاء.

وتحتوي وثيقة العهد التي ضمنها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر رضوان الله عليه واليه على مصر من الوثائق الإدارية المهمة في النظام الإسلامي وتعد من الأصول المعتمدة والأساسية التي ازدهرت بها كتب التراث الإسلامي حيث احتوت هذه الوثيقة في مضمونها أسساً ومبادئ ونظاماً إدارياً

ص: 7

متكاملاً في جوانبه وقد استندت هذه الوثيقة إلى الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة والسيرة العلوية الشريفة. وقد عكست الصورة الحقيقية للنظام والحكم الإسلامي الحقيقي عبر إنشاء علاقة بين الحاكم والمحكوم أو بين الراعي والرعية وكيفية منح المناصب الإدارية والقيادية وتوزيعها وتقديم المصالح العامة على المصالح الشخصية، وليست هذه الوثيقة تتسم بالطابع الديني فحسب بل تعدت الى النظم العلمية في الإدارة ونظام الحكم.

فجاء الكتاب بعنوانه (الإدارة ونظام الحكم في عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر رضوان الله عليه) ليبحث جانباً من الجوانب المهمة في الرسالة السماوية والمنصب الإلهي المتمثل في فكر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في تطبيق آليات النظام الإداري عبر إعطاء البشرية أنموذجاً اسمي في المجتمع الإداري وقيادة الأمة ويهدف الكتاب في مضمونه الى تحديد المعالم الأساسية للنظام الإداري في النظرية الإسلامية من خلال إبراز الفكر الإداري والقيادي للإمام أمير المؤمنين عليه السلام في رسالة العهد التي خطها لواليه على مصر الصحابي الجليل مالك الاشتر رضوان الله عليه.

وجاءت فكرة طرح هذا الموضوع من خلال التتبع للدراسات الواقعية في مضمون رسالة العهد للإمام أمير المؤمنين عليه السلام بأن هناك ضعفاً وخللاً كبيرين في الدراسات الواقعية في مضمون رسالة العهد.

يرى الباحث أنه يمكن عن طريق الدراسات التحليلية لمقاطع العهد من التوصل إلى معالجة المشاكل الإدارية التي تستهدف مؤسسات الدولة أولاً ومواجهة التحديات الإدارية الصعبة وتحويلها إلى فرص عمل في المسارات الصحيحة من خلال إنشاء منظومة إدارية متكاملة.

ص: 8

1- أهداف البحث:

الهدف من الدراسة هو تحديد المعالم الأساسية للنظام الإداري في النظرية الإسلامية، من خلال إبراز الفكر الإداري والقيادي للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في رسالة العهد التي خطها لواليه على مصر الصحابي الجليل مالك الأشتر (رضوان الله عليه).

2- مشكلة البحث:

هناك ضعف و خلل كبيرين في الدراسات الواقعة في مضمون رسالة العهد للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، يرى الباحث أنه يمكن عن طريق الدراسات الموضوعية لمقاطع العهد من التوصل إلى معالجة المشاكل الإدارية التي تستهدف مؤسسات الدولة أولا، ومواجهة التحديات الإدارية الصعبة وتحويلها إلى فرص عمل في المسارات الصحيحة، من خلال إنشاء منظومة إدارية متكاملة.

3- مناهج البحث:

هناك طرق وأساليب عديدة يستخدمها الباحثون في دراساتهم للوصول إلى الهدف المنشود من الدراسة، وكذلك في الحصول على أدق النتائج لهذه الدراسة وقد استخدم الباحث المنهج العلمي الوصفي التحليلي، وهو أحد المناهج العلمية النظرية ويستخدم في أغلب الابحاث العلمية ويعتمد الرجوع إلى الكتب والمراجع والمصادر و كل ما يتعلق بموضوع الدراسة، ويستفاد منه في تحديد المفاهيم التي يعتمدها الباحث في دراسته.

ص: 9

4. مكونات البحث:

بغية الوصول إلى أهداف البحث والتحقق من مشكلة البحث، فقد تمّ تقسيم البحث إلى ثلاثة فصول فضلا عن المقدمة والتمهيد والاستنتاجات والتوصيات والخاتمة.

الفصل الأول: مفهوم الإدارة ومعانيها: وفيه أربعة مباحث:

المبحث الاول: مفهوم الإدارة في اللغة والاصطلاح والقرآن والسنة المطهرة.

المبحث الثاني: مبادئ الإدارة في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) وفيه عشرون مسألة.

المبحث الثالث: سمات الشخصية الإدارية القيادية.

المبحث الرابع: المعايير الخلقية للشخصية الإدارية القيادية في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضوان الله عليه)

الفصل الثاني: مفهوم نظام الحكم ومعانيه، وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: مفهوم نظام الحكم في اللغة والاصطلاح والقرآن الكريم والسنة المطهرة.

المبحث الثاني: ضرورة وجود الحاكم ووظائفه الرئيسية في الدولة.

المبحث الثالث: مفهوم الحكم في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الاشتر (رضوان الله عليه).

الفصل الثالث: الأهداف العامة للحكم.

وقد فصلنا البحث فيه إلى أربعة مباحث، لنقف عندها من خلال التفصيل الآتي:

ص: 10

المبحث الاول: (السياسة المالية توفير الإيرادات المالية).

قوله عليه السلام: (جِبَايَةَ خَرَاجِهَا).

المبحث الثاني: (السياسة الحربية المتمثلة بالجهاد). (توفير الأمن والدفاع).

قوله عليه السلام: (وَجِهَادَ عَدُوِّهَا).

المبحث الثالث: (التنمية البشرية). الإصلاح الاجتماعي.

قوله عليه السلام: (وَاستِصلَاحَ أَهلِهَا).

المبحث الرابع: (التنمية الاقتصادية)

قوله عليه السلام: (وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا).

تمهيد:

إطلالة على شخصية مالك الاشتر (رضوان الله عليه).

لابد لنا قبل الخوض في تفاصيل العهد من ان نقف عند مالك الاشتر الذي خصه أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا العهد الذي اختزل فيه نظرية إدارة نظام الحكم في مهمة أوفدها لحكم مصر.

من هو مالك الأشتر؟ خصوصیاته؟ كيف جسد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه النظرية في تطبيقاتها العملية حينما اوفده في هذه المهمة؟

إن الوقوف عند شخصية مالك الاشتر سيشير إلى طبيعة العلاقة في المنظومة القيادية بين القائد والقيادات الوسطية فضلاً عن ان الوقوف عند خصوصیات مالك ورؤيته إزاء علي (عليه السلام) ورؤية علي (عليه السلام) إزاءه، يشير إلى الخصائص والمميزات والمواصفات الذاتية والموضوعية التي يجب ان تتوافر في من يتصدى للمواقع القيادية.

ص: 11

ولد مالك الاشتر (رضوان الله عليه) في اليمن قبل البعثة النبوية الشريفة بمدّة وجيزة من قبيلة (نخع) - حسبما ذكر السيد محسن الأمين في كتابه أعيان الشيعة - وهي من القبائل العربية الاصيلة، ثم انتقل إلى العراق واقام في الكوفة وقد عاصر رسول الله: (صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنه لم يره ولم يسمع حديثه ومن ثم لم يصنف من الصحابة، غير أن مالكاً ذُكِر عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال فيه:

«إنه المؤمن حقاً»(1).

وهذه شهادة كبيرة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحق مالك الاشتر حينما وصفه بالمؤمن حقا اي انه يتميز بالمرتبة العليا من الايمان والتقوى والورع.

وهذا يكشف لنا أن مالكاً (رضوان الله عليه) لم يكن شخصاً نكرة ومجهولا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرغم من شبابه وفتوته، وكذلك فيما جاء في الرواية من أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجمعٍ من الصحابة، وكان فيهم أبو ذر الغفاري:

«ليموتن أحدكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين»

فما كان من أمر أبي ذر (رضوان الله عليه) إلا أن توفي في صحراء الرَّبَذَةَ، فجاءت قافلة من بين أفرادها مالك الأشتر وحجر بن عدي، فدفنوا جثمانه الطاهر بتكريمٍ بالغ. ويُروى أن مالك الأشتر کفّنَهُ وصلّى عليه ودفنه، يُعينه على ذلك جمع من الناس، وفي مثل تلك الحال من الأسى والحزن اللذين استوليا على مالك، وضع يده على تراب القبر وقال بلوعةِ:

ص: 12


1- اعیان الشيعة: محسن الامین: ج 9: ص 41

(اللهم، فهذا أبو ذر ناصر نبيّك، الذي عَبَدَك عبادة العابدین، وجاهد المشركين في سبيلك، ولم يغيِّر ديناً أو يبدّل سُنَّةً، وقد رأى منكراً فاعترض عليه بقلبه ولسانه، فظُلِمَ ونُفِيَ وازدُري حتى قضى غريباً في الصحاري. اللهم فاهلِك مَن حَرَمَهُ ونَفاه وأبعَدَهُ عن حرم نبيّك ودار هجرته (فرفع الحاضرون جميعاً أيديهم وأمّنوا على دعائه)(1).

خطی مالك الأشتر منذ إسلامه على نهج السنّة النبوية والسيرة العلوية، رغم رحيل النبي محمد المصطفی (صلی الله عليه وآله وسلم) وتولّي الأمر ثلاثة من أصحابه، فإنه لم يتخلَّ يوماً عن أهل البيت (عليهم السلام) الورثة الحقيقيين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فضلاً عن أنه كان من المدافعين عن حريمهم وحقِّهم بضَراوة. وقد أسهم في عزل بعض الولاة المُعيّنين من قِبَل الخلفاء، عبر اعتراضه على سلوكياتهم، وقد هيأ الأرضية المناسبة لإنصاف المظلومين والاستجابة لشكاوى المسلمين. ومن جملة ذلك، اعتراضه على جرائم الوليد بن عقبة، مما أدى إلى تنحيته عن ولاية الكوفة.

وكذلك اشتكى مالك وبعض الصحابة والعظماء الآخرين من ظلم سعيد بن العاص، وهو والٍ آخر للكوفة، لكن عثماناً كان میّالاً بشدة إلى قومه وعشيرته، ولذلك فقد بادر إلى نفي مالك وعدد من الأجلاء مثل کمیل بن زیاد و صعصعة ابن صوحان و ثابت بن قيس إلى الشام، ثم لمّا لم يستطع معاوية بن أبي سفيان إسكات صوت مالك الصادح بالحقيقة، فقد أُبعِدَ هؤلاء الأكارم بأمر عثمان إلى حمص التي كان يحكمها عبد الرحمن بن خالد وفي نهاية المطاف أثمرت مساعي مالك الشجاعة في خلع سعيد بن العاص أيضاً بالقوة عن ولاية الكوفة(2).

ص: 13


1- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحدید، ج 15، ص 99؛ وينظر وسائل الشيعة، ج 2، ص 306؛ منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبیب الله الخوئي، ج 20، ص 163
2- ينظر: الأعلام من الصحابة والتابعين: الحاج حسين الشاكري، ج 3 ص 105

وقد ورد في خصاله في كتب التاريخ أنه (الكريم المغدق)، جاء في مجمع البحرين: الربيع المغدق ذو المطر الكثير والغيداق الرجل الكريم(1) أي أنه ذو کرم وسخاء وكان يعطي بكثرة مما كان يمتلكه للأخرين وهذه من الصفات المهمة التي ينبغي أن تتوافر في القيادة.

(الشجاع الفتّاك) أي انه لم يكن شجاعا فحسب، بل كان فائق الشجاعة وكان (رضوان الله عليه) حينما يبرز في الحروب يصول فيها ويوقع بالعدو أفدح الخسائر، والفتّاك الفاتك الجريء والجمع الفتّاك والفتك أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله(2).

(الخطيب القدير) والقدير ذو القدرة البالغة(3) أي كان خطيبا مفوها، یهیمن على سامعيه ويبعث فيهم روح الحماسة.

(الشاعر الصوال) المصاولة المواثبة يقال رب قول أشد من صول(4) أي كان شاعرا بليغا ينظم الشعر متى أراد وفي شتى أبواب الشعر.

وهذا التعريف يكشف لنا عن تنوع في شخصية مالك الاشتر (رضوان الله عليه)، ممكن أن يكون الشخص رجل حرب وقائدا عسكريا محترفا ویکون في مجال اخر أديبا وشاعرا ويكون في صورة اخرى رجلاً اجتماعیاً و کریم النفس يحسن التواصل مع الناس فشخصية مالك الاشتر شخصية متنوعة لجميع الخصال الحميدة، فهو رجل متميز ومتألق.

ص: 14


1- مجمع البحرين: الطريحي، ج 4 ص 218
2- الصحاح في اللغة: الجواهري، ج 2 ص 33
3- معجم الوسيط: للطبراني، مادة قدير، ج 2 ص 352
4- لسان العرب: ابن منظور، ج 11، ص 387

لقب بالأشتر: لأن احدى عينيه أصيبت في معركة اليرموك التي وقعت بين المسلمين والروم في السنة الثالثة عشرة للهجرة، وهو وسام شرف للتصدي لتحمل المسؤولية وللقتال ببسالة دفاعا عن الاسلام وعن الرسالة الاسلامية.

وكانت له ادوار مهمة في حروب الردة فقد دخلت مجاميع كبيرة في الاسلام بعد فتح مكة ولكن بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و تخلف المهاجرين والانصار عن الامامة وتحول الخلافة النبوية إلى ملك عضوض نشطت حركات أدعياء النبوات الكاذبة التي كانت موجودة منذ حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واستقطبت مجموعة من القبائل طمعا في السلطة، وأخذوا يشكلون خطراً على الإسلام في ارجاء الجزيرة العربية مما اضطر المسلمين ان يخوضوا معهم حروبا سميت بحروب الردة.

عندما نريد ان نقيّم شخصية مالك الاشتر (رضوان الله عليه) لابد من أن نعرف منزلته عند الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لأنه عارف بمنزلة الإمام عليه السلام في الموقف والنصرة.

فكان مالك (رضوان الله عليه) عارفا بمنزلة أمير المؤمنين (عليه السلام) و مبينا لها للأخرين، وهذه خصوصية مهمة للمنظومة القيادية وهي ربط الناس بإمام زمانهم.

كان مالك من أولئك النفر الذين كانوا يكشفون للناس حقيقة الجرائم وأنواع الخيانة التي كانت تُرتكب من قبل عثمان وولاته، ما أدى إلى أن ينالوا جزاءهم، وبعد مقتل عثمان، راح مالك الأشتر يدعو الناس بخُطَبِ استدلالية وتصريحات منطقية ومقنعة إلى مبايعة مولاه أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ويهيئَ الأرضية المناسبة لخلافة الإمام. ويُروى أن مالك الأشتر النخعي كان أول مسلم يصافح

ص: 15

يد الإمام عليّ (عليه السلام) في بيعته على الخلافة ويقول: (ايها الناس هذا وصي الاوصياء ووارث علم الانبياء، العظيم البلاء الحسن العناء في ايام الشدة، شهد له كتاب الله بالایمان، ورسوله بجنة الرضوان من كملت فيه الفضائل، ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الاواخر ولا الاوائل)(1).

وفي خطبة أخرى له كان يستعد فيها للقتال ويشحذ همم المقاتلين الذين يقفون ويدافعون عن المشروع الالهي يقول فيها: (معنا ابن عم نبينا، وسيف من سيوف الله علي بن أبي طالب، صلى مع رسول الله، لم يسبقه إلى الصلاة ذكر حتی كان شيخا، لم تكن له صبوة ولا نبوة ولا هفوة ولا سقطة. فقيه في دين الله تعالى، عالم بحدود الله، ذو رأي أصيل، وصبر جمیل، وعفاف قدیم، فاتقوا الله و علیکم بالحزم والجد واعلموا أنكم على الحق وأن القوم على الباطل، إنما تقاتلون معاوية وأنتم مع البدريين، قريب من مائة بدري، سوى من حولكم من أصحاب محمد، أكثر ما معکم رايات قد كانت مع رسول الله، ومع معاوية رايات قد كانت مع المشركين على رسول الله، فما يشك في قتال هؤلاء إلا ميت القلب، أنتم على إحدى الحسنيين، إما الفتح وإما الشهادة، عصمنا الله وإياكم بما عصم به من أطاعه واتقاه، وألهمنا وإياكم طاعته وتقواه، وأستغفر الله لي ولكم)(2).

وهذه كلها سمات مهمة في القيادة، فالقائد يجب ان يكون عالما باتخاذ الموقف الصحيح وأين يكون الاقدام و أين يكون الاحجام وأين يرفع صوته وأين يخفضه وأين يخفض جناحه لأخرين ويتعامل معهم برفق. فالحزم والجد والوقوف مع القيادة واستنفار الطاقات وشحذ الهمم هي من السمات التي يجب ان تكون في الأمة التي تسير خلف قائد تتوافر فيه المواصفات القيادية المطلوبة.

ص: 16


1- تاريخ اليعقوبي: ج2، ص179، وينظر: معالم المدرستين السيد مرتضى العسكري: ج2، ص219
2- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحدید، ج 5، ص190

هكذا كان مالك الاشتر في تقييمه لعلي (عليه السلام) وفي حث الناس نحوه وفي دعوة الناس إليه وفي ربط الناس به.

كان علي (عليه السلام) يعرف معادن الرجال ويعرف من هو مالك فكان مالك رجل المهام الصعبة في معركة الجمل وفي ظروف حرجة حصل فيها عملية التشكيك والتردد والاختلاف داخل المنظومة القيادية يقاتل ببسالة وشجاعة قلَّ نظيرها، وعندما انتهت المعركة هنا ارسل أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك ليأتي ويتحمل هذه المسؤولية، أرسله الإمام (عليه السلام) إلى منطقة (الجزيرة)(1) ليكون واليا عليها.

وحينما كلّفه بهذه المهمة ارسل معه كتابا إلى زياد بن نضير و شریح بن هاني يقول فيه (وقد أمرت عليكما وعلى من في حيز کما مالك بن الحارث الأشتر فاسمعا له وأطيعا، واجعلاه درعا ومجنا، فإنه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطي عنه أمثل)(2).

وخاض مالك حرب صفين إلى جانب أمير المؤمنين (عليه السلام) و كان قائدا على ميمنة الجيش وكادت الحرب تنتهي بالنصر لولا الخدعة برفع المصاحف والدعوة إلى التحكيم التي رفضها أمير المؤمنين (عليه السلام) و مجموعة من المخلصين معه.

وبعد انتهاء حرب صفين جاء دور مصر التي كان عليها محمد بن أبي بكر (رضوان الله عليه) كان شابا يافعا وقد اختاره الإمام (عليه السلام) لمصر بوصفها لم تكن

ص: 17


1- مناطق الموصل وسنجار وما يطلق عليها اليوم شمال العراق، منطقة واقعة على حدود الشام. أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج9، ص41
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (عليه السلام) ج3، ص14

محورا للصدام والصراع في تلك المرحلة، فحينما اصبحت ساحة للمواجهة وبدأت الغارات تتوالى عليها، وجه قيادة مالك الاشتر اليها بوصفه رجل المهام الصعبة ليذهب ويقاتل في تلك المعركة الضروس فارسل له الإمام (عليه السلام) رسالة ذكر فيها تقييما له حيث قال (سلام الله علیه):

«اما بعد فإني قد وليت النعمان بن عجلان البحرين بلا ذم لك فاقبل غير ظنين واخرج اليه من عمل ما وليست فقد اردت الشخوص إلى ظلمة اهل الشام وبقية الأحزاب فاحببت ان تشهد معي لقاءهم فإنك ممن استظهر به على اقامة الدين ونصر الهدى جعلنا الله واياك من الذين يعملون بالحق وبه يعدلون»(1).

ومن كتبه عليه السلام لمالك انه قال وهو يومئذ بنصيبين:

«أما بعد: فإنك ممن استظهرته على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأشد الثغر المخوف، وكنت وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب ولا بمجرب للأشياء، فأقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك. والسلام»(2).

كان الإمام علي (عليه السلام) يعتبر مالك الأشتر جديراً بحكم مصر، فلذلك فقد دعاه إلى الكوفة وأعطاه عهده المعروف، وبعث به إلى هناك. فما كان من معاوية الذي كان يُدرك أنه لو دخل مالك الأشتر مصر فإنها ستتحول إلى قاعدة قوية وراسخة للخلافة العلوية، فدبّر خطة لاغتياله، وهو ما تحقّق له في نهاية المطاف.

ص: 18


1- تاريخ اليعقوبي: ج2، ص201
2- الغدير: الشيخ الأميني: ج11، ص63؛ تاريخ الطبري: محمد بن جرير الطبري، ج4، ص71

فقد استشهد مالك الأشتر في أرض القلزم بمصر على يد نافع مولى عثمان بن عفان الذي سقاه شراباً مزيجاً من السَّم والعسل)(1).

ذكر بعض المؤرخين أن مالك الأشتر استشهد في رجب عام 37ه (657م)، ولكن يبدو أن الصواب هو الخامس والعشرون من ذي القعدة عام 38 للهجرة. ومن الأدلة المتوافرة يمكن تخمين عمره بأكثر من سبعين عاماً. أما فيما يتعلّق بمحل دفن جثمانه الطاهر، فقد ذهب بعض المؤرخين إلى أنه دُفِنَ في القلزم ذاتها، ولكن كثيرين يعتقدون أيضاً أن جثمانه حُمل من القلزم ودُفِنَ في المدينة المنورة، حيث يوجد قبره المعروف والمشهور الآن، وسبب ذلك هو أن مرافقيه لم يدفنوه في القلزم خشيةً من أن يأمر معاوية لشدّة معاداته له بنبش قبره وإهانة جثمانه الطاهر(2).

أدت وفاته إلى حزن الإمام (عليه السلام) حزناً بالغاً والبكاء عليه كثيراً، ثم ارتقائه المنبر دامع العين، وقوله:

«لله درّ مالك، لو كان من جبل لكان أعظم أركانه، ولو كان من حجر كان صلداً. أما والله ليهدن موتك عالماً، فعلى مثلك فلتبك البواكي»(3).

ثم قال:

«إنّا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله ربّ العالمين، اللهم إني أحتسبه عندك، فإن موته من مصائب الدهر، فرحم الله مالكاً، فقد وفي بعهده وقضى نحبه ولقي

ص: 19


1- ينظر: تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني: 13/10، معصوم دوم: 2/ 233، وورد في بعض المصادر أن شهادة مالك الأشتر كانت في سنة 39ه راجع شرح نهج البلاغة: 317/6
2- حياة مالك الأشتر: 176 177. ولكن الذي توصل إليه نجل المؤلف بأن استشهاده كان في سنة 39ه، ودفن في مصر راجع ما ألفه في مالك الأشتر
3- مستدرك الوسائل: میرزا حسن النوري الطبرسي: ج2، ص47؛ الآمالي، الشيخ المفيد، ص83

ربه، مع أنا قد وطّنا أنفسنا أن نصبر بعد مصابنا الرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنها من أعظم المصيبة»

ثم نزل (عليه السلام) من المنبر کسير الخاطر محزون القلب وتوجّه إلى بيته. وفي هذه الأثناء، تشرّف مشايخ قبيلة نَخَع (وهم أبناء عمومة مالك) بزيارة بيت الإمام لتعزيته، فوجدوه يتلهف ويتأسف عليه وهو يقول:

«لله درّ مالك، وما مالك لو كان من جبل لكان فنداً، ولو كان من حجر لكان صلداً. أما والله ليهدنّ موتك عالماً وليفرحنّ عالماً، على مثل مالك فلتبك البواكي وهل موجود کمالك»(1).

قال علقمة النخعي: (فما زال علي (عليه السلام) يتلهف ويتأسف حتى ظنّنا أنه المصاب به دوننا، وعرف ذلك في وجهه أياماً)(2) قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في وصف مالك:

«ليت فيكم مثله إثنان، بل ليت فيكم مثله واحد يرى في عدوي مثل رأيه»(3).

وقد علّق المحدِّث القمّي (رحمه الله) على هذه الرواية في الهامش قائلا: (إن عمرو بن الحمق الخزاعي الذي كان من حواريي أمير المؤمنين (عليه السلام) ومشهوراً بالجلالة والفضل، بل قيل في حقه أنه كان من أمير المؤمنين بمنزلة سلمان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: ليت أن في جندي مائة مثلك (لكنه قال في الأشتر (رضوان الله علیه): ليت

ص: 20


1- الغارات: ابراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، ج1، ص266
2- بحار الأنوار: ج33، ص556
3- بحار الأنوار: ج33، ص556، حدیث459، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحدید، ج6، ص77؛ الإرشاد، الشيخ المفيد، ج1، ص269

فيكم مثله واحد يرى في عدوکم مايري، إذا لخفت على مؤونتکم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودکم وقد نهيتكم عما أتيتم فعصيتموني فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:

وهل أنا إلَّا من غزیّةَ إن غوت *** غويتُ وإن ترشد غزيةُ أرشدِ)(1)تحفة الأحباب: 427، بحار الأنوار: 33/ 454، سفينة البحار: 385/4(2)

فتأمل في ذلك ليدلك على مرتبة رفيعة وجلالة.

رثاء مالك الاشتر (رضوان الله علیه):

ورثي جماعة من الشعراء مالكاً كان منهم المثنّى، يقول:

ألاما لضوء الصبح أسود حالك *** وما للرواسي زعزعتها الدكادك

ومالهموم النفس شتّى شئونها *** تظلّ تناجيها النجوم الشوابك

على مالك فليبك ذو الليث معولا *** إذا ذكرت في الفيلقين المعارك

إذا ابتدر الخطي وانتدب الملا *** وكان غياث القوم نصر مواشك

إذا ابتدرت يوما قبائل مذحج *** ونودي بها أين المظفّر مالك

فلهفي عليه حين تختلف القنا *** ويرعش للموت الرجال الصعالك

ولهفي عليه يوم دبّ له الردی *** وديف له سمّ من الموت حانك

فلو بارزوه يوم يبغون هلکه *** لكانوا بإذن الله ميت وهالك

ولو مارسوه مارسوا ليث غابة *** له كالتي لا ترقد الليل فاتك

فقل لابن هند لومنيت بمالك *** وفي كفه ماضي الضريبة باتك

لألفيت هندا تشتكي على الردی *** تنوح وتخبوها النساء العواتك(3)

ص: 21


1-
2-
3- نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، الشيخ المحمودي، ج2، ص464

وما عساني ان اقول في رجل هزمت حياته أهل الشام وهزم موته أهل العراق لأسفهم عليه ولفقدهم إياه فكان ذلك المخلص الذي وقف مع علي (عليه السلام) وجاهد معه في سبيل الله.

السلام عليه يوم ولد ويوم استشهد مظلوما ويوم يبعث حيا.

ص: 22

الفصل الاول مفهوم الإدارة والقيادة ومعانيهما

ص: 23

ص: 24

المبحث الاول مفهوم الإدارة وفيه مسائل

المسألة الأولى: الإدارة لغة.

يقال (إدارة (اسم) إدارة: (مصدر أَدار)

أَدار: (فعل) أدارَ یُدیر، أَدِر، إدارةً، فهو مُدير، والمفعول مُدار أَدار حول الشيء: دار )(1)

وقيل: (دار الشيء يدور دورا و دورانا، واستدار وأدرته أنا ودورته، وأداره غيره ودوارا دار معه)(2).

والادارة المصدر القياسي من الفعل (أدار فالمديرون يتولى الفض في الشيء ومن يتولى جهة معينة من البلاد)(3) (حيث يسيرّ أمور أو إدارة شركة أو مدرسة أو مؤسسة ويشرف على أعمالها)(4).

ص: 25


1- المعجم الوسيط، ابراهيم مصطفى النجار، ج1، ص726، باب الدال
2- لسان العرب، ابن منظور، ج4، ص592، مادة دور
3- المنجد في اللغة: لويس معلوف، ص18
4- الرائد: جبران، مسعود، ص64

المسألة الثانية: الإدارة في الاصطلاح.

تعرف الادارة اصطلاحا بتعاریف متعددة أهمها:

بأنها (سياسة الدولة وريادة مجتمعها في المعترك الإنساني بشيء من مناهجه ومناشطه من حيث ممارسة السلطات العامة التي تتولى حكم المجتمع وحمايته وتدبير مواضعه والحفاظ على تقاليده)(1).

أو (انها تنظيم القوى البشرية والمادية لتحقيق الأهداف الحكومية، والإداريون: هم أولئك الذين يختصون بتوجيه وتنسيق ورقابة الاخرين)(2)

وهي (نسيج متمایز من المهارات والقدرات الشخصية تبلور في القدرة على تحليل المشاكل وابتكار الحلول لها والتي تتوافر في تنشئة الافراد الموهوبين والمؤهلين طبيعيا لممارسة الاعمال الادارية والنجاح فيها)(3).

ولخص أحد الباحثين علم الادارة (بأنه علم وفن وأنها علم يستمد من النظريات الفلسفية والفكرية وظيفة في مضمار إدارة المجتمع ومنظماته الانسانية المختلفة ومن يعتمد على صيغ ذلك التعامل مع البشر لأن الإنسان الفرد حصيلة متفاعلة مع المتغيرات الموروثة والتأثير في ذلك الفرد أو الجماعة أو المجتمع)(4).

ويرى الباحث أن الإدارة هي: نشاط وسلوكيات متبعة من قبل المدراء في توجيه وتخطيط وتنظيم وترشيد ورقابة الاداء والجهد المبذول من قبل الأفراد في المنظومة الإدارية.

ص: 26


1- لغة الادارة العامة في صدر الإسلام: عبد السميع الهروي ص26
2- مبادئ علم الادارة العامة: سليمان الصحاوي، ص15-16
3- اساسيات الادارة: د. علي السلمي، ص3
4- الاتجاهات الفكرية عند الامام علي: رحیم محمد سالم، سلسلة اطاريح الدكتوراه، ص8

فيتحصل من مفهوم الادارة ما يلي:

1- إن الإدارة مجموعة أوامر و نواهي يوجهها الإداري نفسه بعد ما تناط به مهام القيادة وتوافر الشروط.

2- أن الإدارة تعني وضع أهداف المؤسسة في ضوء دراسة معمقة لبيئتها الداخلية والخارجية ثم القيام بالوظائف اللولبية للإدارة التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة، التي تؤدي إلى تحقيق تلك الأهداف.

المسألة الثالثة: مفهوم الإدارة في القرآن الكريم.

لقد بيّن القرآن الكريم بوضوح الخصائص المميزة للإدارة العامة في الإسلام من خلال الامور الآتية:

أولاً: الأعمال الصالحة.

ما ورد في سورة العصر قال تعالى:

«وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ»(1).

تشير الآيات المباركة في سورة العصر إلى مفهوم الإدارة في الاسلام من خلال ممارسة النشاطات المباحة من أجل الوصول إلى الاهداف المرجوة التي تتفق مع روح المصلحة العامة، التي تحكم طبيعة الإنسان في العمل من خلال تحديد مساره نحو الفساد والخسران أو اختيار العمل الصالح الذي يؤدي دوراً مهما في إنقاذ حياة الإنسان، فيرسم لنا الشارع المقدس أنه لا يمكن التهاون مطلقا في هذا الجانب المهم وهما الوسيلة والغاية أي أن يكونا مقبولين شرعا من أجل أن يكون العمل صالحا فلا إيمان بدون العمل الصالح وإبداء النصح والتحلي بالصبر.

ص: 27


1- سورة العصر

ثانيا: العبادة والمعرفة.

قوله تعالى:

«وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»(1).

إشارة إلى ان الإدارة في المنظومة الاسلامية تمثل العبادة المطلقة لله سبحانه وتعالى، ومن مصادیق مفهوم العبادة هو خدمة الناس وتحقيق أهدافهم وتطلعاتهم.

ثالثاً: الامانة والعهد.

ما ورد في قوله تعالى:

«وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ»(2)

الآية المباركة سلطت الضوء على عنصر مهم من عناصر الإدارة ما يسمى بالإدارة الرقابية، المتمثلة بحسن الشعور الذاتي في تحمل مسؤولية الأمانة والخوف من الله سبحانه وتعالى لأنه هو الرقيب والحسيب.

رابعاً: التدبير:

وهناك آيات اخرى اشارت إلى مفهوم الإدارة بمعنى التدبير في الامور.

منها قوله تعالى:

«ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ»(3)

ص: 28


1- الذاريات: 56
2- المؤمنون: 8
3- يونس: 3

وقوله تعالى:

«يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ»(1).

قال تعالى:

«أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ»(2)

خامساً: التقدير:

قال تعالى:

«وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»(3).

قَدَّرَ الله عَلَيْهِ الْمَصَائِبَ: حَکَمَ بِها عَلَيْهِ، قَدَّرَهُ الله عَلَى قِيَادَةِ أَمَّتِهِ: جَعَلَهُ قَادِراً عَلَى قِيَادَتِهَا.

أَعْمَالُهُ لاَتُقَدَّرُ بِثَمَنٍ: تَفُوقُ کُلَّ ثَمَنٍ(4).

فيتحصل: إن الإدارة في الفهم الاسلامي تمثل تدبير وتقدير الأمور والطاعة لله سبحانه وتعالى وتتجسد في أداء الأمانة وتعهد الاعمال الصالحة في خدمة المجتمع وفق منهج الرسالة السماوية وأهل البيت (عليهم السلام) بما يحقق الثواب في الدنيا والفوز بالآخرة.

ص: 29


1- السجدة: 5
2- نساء: 82
3- المزمل: 20
4- تاج العروس: الزبيدي، ص3373

المسألة الرابعة: مفهوم الإدارة في الروايات والأحاديث الشريفة.

يصطلح مفهوم الإدارة في الروايات الشريفة على أمور:

أولاً: التقنين والتدبير العقلي.

في معاني الاخبار في خبر أبي ذر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«لا عقل كالتدبير ولا ورع کالكفِّ ولا حسب كحسن الخلق»(1).

والتدبير هنا بمعنى التفكير في عواقب الأمور وحسن التخطيط والإدارة الصحيحة.

وعن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال:

«لا يصلح المرء إلا على ثلاث خصال؛ التفقه في الدين وحسن التقدير في المعيشة والصبر على النائبة»(2).

وفي آمالي الطوسي عن أيوب بن الحر قال (سمعت رجلاً يقول لأبي عبد الله عليه السلام بلغني أن الاقتصاد والتدبير في المعيشة نصف الكسب فقال أبو عبد الله عليه السلام:

«لا بل هو الكسب كله ومن الدين التدبير في المعيشة»)(3).

فحسن التدبير له تأثير كبير على رقي شخصية الإنسان من خلال مايمدّه من نفاذ بصيرة في شؤون الحياة، وأكد الامام (عليه السلام) على ان التدبير سبيل للرقي الاقتصادي حيث قال:

ص: 30


1- تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): للحراني ابن شعبه ص263
2- تحف العقول: للحراني ص263
3- الامالي: للطوسي، ج2، ص45؛ مستدرك سفينة البحار، الشيخ علي النمازي الشاهرودي، ج7، ص507

«حسن التدبير ينمي قليل المال وسوء التدبير يفني كثيره»(1).

وعنه (عليه السلام) قال:

«کن سمحا ولا تكن مبذرا و كن مقدرا ولا تكن مقترا»(2).

«فدع الاسراف مقتصدا»(3).

«ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف»(4).

ومن أمور حسن التدبير الاقتصاد في المعيشة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«ما عال امرؤ في اقتصاد»(5).

وقال أيضاً:

«ما عال من اقتصد»(6).

ويؤكد الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) على وجوب إنصاف المؤمنين برؤية مستقبلية تدبيرية:

«وحفظ ما في يدك أحب إلي من طلب ما في يدي غيرك..»(7).

ص: 31


1- عيون الحكم والمواعظ: للواسطي، ص228؛ میزان الحکمة: الريشهري، ج2، ص1385
2- نهج البلاغة: حكمة 33
3- نهج البلاغة: رسالة 31
4- نهج البلاغة: خطبة 126
5- میزان الحکمة: ريشهري ج3 ص557
6- نهج البلاغة حكمة 140
7- نهج البلاغة: رسالة 31

ثانياً: المعرفة والخبرة:

تعد المعرفة والخبرة من موارد التدبير لأن الإنسان صاحب العلم والخبرة يكون مدبراً، ولرسول الله (صلى الله وعليه وآله وسلم) كلام عن التدبير عندما خاطب أبن مسعود قائلا:

«یابن مسعود إذا عملت عملاً فاعمل بعلم و عقل وإياك أن تعمل عملا بغير تدبير وعلم فإنه جل جلاله يقول: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا»(1)»(2).

ومن موارد المعرفة في المنهج الإداري عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:

«المؤمنون هم الذين عرفوا ما أمامهم»(3).

ثالثا: التخطيط والتنظيم وحسن الإدارة.

إشارة إلى تنظيم وإيجاد رؤية مستقبلية غير ضيّقة منسجمة وفق الإرادة الإلهية في تقدير أمور الحياة ومعيشة الإنسان، فإنّ ذلك من علامات أهل الإيمان کما ورد في وصية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

«أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومَن بلغَهُ كتابي بتقوى الله، ونظم أمركم»(4).

ويمكن أن نستفيد من هذه الوصيّة أموراً منها:

ص: 32


1- النحل: 92
2- بحار الانوار: للمجلسي ج74 ص110؛ وينظر مکارم الاخلاق للطبرسي ص458؛ الوافي: للفيض الكاشاني، ص222
3- بحار الانوار: للمجلسي ج75، ص25
4- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص76

1- يؤكد الإمام (عليه السلام) بوصيته على التنظيم وضبط الامور وتحقيق الاهداف.

2- يعدُّ الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) التقوى سوراً حصيناً في المنظومة الإدارية.

3- يؤكد (عليه السلام) على حسن التدبير وعدم ضياع الجهود .

أقول: تشير هذه الأحاديث إلى حقيقة التدبير في الفهم الإسلامي من خلال ایجاد رؤية معمقة للدين الإسلامي واحكامه والذي يتم عبرها تكوين أيديلوجيا عملية منسجمة مع النظرية الاسلامية في الحفاظ على الاعتدال وعدم الاسراف والتبذير والمحافظة على الحقوق والذي يعتمد على التقوى.

ص: 33

ص: 34

المبحث الثاني مفهوم القيادة (ومعانيها) وارتباطها بالإدارة

المسألة الأولى: مفهوم القيادة لغة.

(قِيادَة: من قادَ، قيادة: (اسم) مصدر قَادَ، القيادة: زعامَة، القيادة: قدرة على معاملة الطبيعة البشريّة أو على التَأثير في السُّلوك البشريّ لتوجيه جماعة من النّاس نحو هدف مشترك بطريقة تضمن بها طاعتهم وثقتهم واحترامهم وتعاونهم)(1).

والقيادة: اسم الفاعل منها قائد ويجمع على قادة والقود نقيض السوق فالقود من الامام والسوق من الخلف والقائد يطلق على أنف الخيل أي مقدمته(2).

ويرى الباحث أن القيادة هي الزعامة لتوجيه الناس نحو الأهداف المعينة.

المسألة الثانية: مفهوم القيادة في الاصطلاح.

عندما نريد ان نتحدث عن مفهوم القيادة لا نعني بذلك الموقع القيادي المتمثل برئيس الدولة بل هناك أدوار للقيادة مترتبة وفق وجود الإنسان في المجتمع على الصعيد الفردي، إذ أن القيادة بمفهومها الواسع عرفت بتعاريف عديدة نكتفي ببعض منها:

ص: 35


1- المعجم الوسيط: ابراهيم محمد النجار، ج2، ص456
2- لسان العرب: ابن منظور: ج3، ص370، مادة قود؛ المصباح المنير، للفيومي، ج8، ص6

القيادة: (تشمل أي جهد لتشکیل سلوك الأفراد أو الجماعات في المؤسسات حيث تحصل المؤسسة من خلالها على مزايا أو تحقيق لأغراضها)(1)

أو أنها (عملية تحريك الناس نحو الهدف)(2).

أوهي قدرة الشخص على التأثير على الآخرين وتوجيه سلوكهم لتحقيق أهداف مشتركة.

فهي إذن مسؤولية إزاء المجموعة المقودة للوصول إلى الأهداف المرسومة.

ومن وجهة نظر الباحث: القيادة في الإسلام هي الزعامة وتولي أمور المسلمين العامة، كقيادة الجيوش والقضاء والسيطرة على الموارد الاقتصادية والبشرية وفق المعايير الصحيحة المنسجمة مع الرؤية الإسلامية والفهم الإسلامي مما يحقق الحياة الطيبة في بناء المجتمع ومؤسساته والالتزام بالقوانين الإلهية.

فيتحصل: من تعريف القيادة هي قدرة الشخص على إدارة الموارد البشرية وفقا للمسارات والتخطيط الصحيح في انجاح المشروع والمهمة المناطة به حتى وإن كانت هذه المهمة على مستوى بسيط والهدف من ذلك هو تحقيق ما يتطلع إليه الآخرون ضمن المنظومة الاجتماعية في معالجة المشاكل و تحقيق الأهداف، قال الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة:

«لابُدَّ لِلنّاسِ مِن أمیرٍ بَرٍّ أو فاجِرٍ، یَعمَلُ فی إمرَتِهِ المُؤمِنُ، ویَستَمتِعُ فیهَا

ص: 36


1- 30 وصية ووصية لتكون قائداً ناجحاً: د. أبو القاسم أبو بكر طنطاوي ص12، نسخة الكترونية، موقع مكتبة صيد الفواد الالكتروني: kenanaonline./users/Drk8 2cem/posts /291377
2- صناعة القائد: د. طارق السويدان، احمد بشراحيل، ص40، (الطبعة الثانية) 1442ه - 2003م (كتب التنمية البشرية)

الکافِرُ، ویُبَلِّغُ اللّهُ فیهَا الأَجَلَ، ویُجمَعُ بِهِ الفَیءُ، ویُقاتَلُ بِهِ»(1).

المسألة الثالثة: مفهوم القيادة في القرآن الكريم.

يعدّ مفهوم القيادة في القرآن الكريم من المفاهيم المشتقة التي تعطي الروح العامة للمعنى الذي يتحدث عنه القرآن ويعبر عنه في العديد من الآيات الشريفة في معاني مختلفة منها.

أولاً: القدوة والأسوة.

قوله تعالى:

«أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ»(2).

ومعنى (اقتده) هنا عند المفسرين من الاقتداء واتباع الأثر والأخذ بهديهم.

وأما الأسوة، أولاها ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

«لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(3).

وورد في ثانيها منوطا بالقدوة والاسوة بالنبي إبراهيم (عليه السلام) وأتباعه:

«قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ»(4).

وهناك تأكيد في مورد ثالث في القرآن الكريم على القدوة والأسوة بشكل عام

ص: 37


1- نهج البلاغة: باب المختار من خطب أمير المؤمنين، خطبة 40؛ بحار الانوار للعلامة المجلسي، ج33، ص358
2- الأنعام: 90
3- الأحزاب: 21
4- الممتحنة: 4

في قوله تعالى:

«لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»(1).

ثانياً: الحكم

ويأتي أيضا استخدام لفظ القيادة بمعنى الحكم، كما في قوله تعالى:

«وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ»(2).

ثالثاً: الخلافة

ويشير القرآن إلى لفظ القيادة بمعنى الخلافة: القيادة في تنفيذ الحكم، مثل قوله تعالى:

«يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ»(3).

رابعاً: الأمة

وقد استعمل القرآن الكريم أيضا مصطلح أمة مرة واحدة بمعنى القيادة:

«إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا»(4).

خامساً: الطاعة

وتمثل القيادة في جانب آخر معنى الطاعة والاتباع:

«وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»(5)

ص: 38


1- الممتحنة: 6
2- الجاثية: 16
3- ص: 26
4- النحل -120
5- الأنعام: 155

سادساً: الرحمة والشفقة

وهناك آیات اشارت إلى مفهوم القيادة تدلل على السمات الخلقية التي يمتاز بها القائد:

«فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ»(1).

سابعاً: الاصطفاء.

ويدل مصطلح القيادة في القرآن الكريم على معنى الاصطفاء:

«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(2).

فتحصل من الآيات التي استعرضناها في مفهوم القيادة في الاسلام أنها نقل الناس مما هم عليه إلى ما يجب أن يكونوا عليه، أي توجيه الناس إلى ما فيه مصالحهم وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم في بناء المجتمع.

المسألة الرابعة: مفهوم القيادة في الروايات الشريفة.

ورد مفهوم القيادة في الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام في كثير من المواضع وبطرق مختلفة وبعبارات كلها تشير اليه في صورة صريحة أو ضمنية ومنها:

ص: 39


1- آل عمران: 159
2- آل عمران: 33 - 34

أولاً: الوالي أو الحاكم.

ما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): عن علي عن صالح بن السندي عن جعفر بن بشير عن حنان عن أبيه عن أبي جعفر عليه السّلام قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«لا تصلح الإمامة إلا لرجل فيه ثلاث خصال - ورع يحجزه عن معاصي الله وحلم يملك به غضبه وحس الولاية على من يلي - حتى يكون لهم کالوالد)(1) وفي رواية أخرى: حتی یکون للرعية كالأب الرحیم»(2).

ثانيا: العدالة.

وفي رواية أخرى تبيّن أهمية القيادة الصالحة في أوساط الناس ما رواه أيضاً بسند صحيح عن محمد بن مسلم، قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:

«... والله يا محمّد، من أصبح من هذه الأمة لا إِمام له من الله - عزَّ وجل ظاهر عادل أصبح ضالا تائهاً. وإِن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق واعلم يا محمد، أن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله، قد ضلّوا وأضلّوا»(3).

ثالثاً: الشجاعة والحلم والرأفة.

إنّ القيادة تمثل الشجاعة والسياسة والحلم ونحوها، ماله دخل في حسن قيادة الأمّة؛ ما مرّ من نهج البلاغة:

ص: 40


1- الكافي: الكليني، ج1، ص407، الحديث 8؛ الوافي: الفيض الكاشاني، ج3، ص653
2- المصدر السابق
3- دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية: الشيخ المنتظري:ج1، ص195؛ الوافي: الفيض الكاشاني، ج2، ص119؛ الحدائق الناظرة، المحقق البحراني، ج13، ص294

«أيّها الناس، إِنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه، وأعلمهم بأمر الله فيه. فإن شغب شاغب استعتب، فإن أبی قوتل»(1).

رابعاً: العلم والمعرفة.

وفي مضمون حسن القيادة ما في الاحتجاج عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

«أنا أولى برسول الله...، وأفقهكم في الدين، وأعلمكم بعواقب الأمور، وأذربكم لساناً، وأثبتكم جناناً:(2).

وفي حديث آخر عن الرضا (عليه السلام):

«والإمام عالم لا يجهل، وراع لا ينكل... نامي العلم، کامل الحلم، مضطلع بالإمامة، عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله»(3).

ومعنى كلمة (نكول) قال في المنجد: (نکل نکولا عن كذا أو من كذا: نکص وجبن. وفيه أيضاً: ضلُع ضلاعة: كان قوياً شديد الأضلاع... اضطلع بحمله: نهض وقوى عليه)(4).

ص: 41


1- نهج البلاغة: 173
2- نهج البلاغة، الخطبة 173؛؛ بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج28، ص185؛ مرآة العقول في شرح أخبار الرسول، العلامة المجلسي، ج26، ص341؛ الاحتجاج: الطبرسي، ج1، ص46، باب ما جرى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
3- أصول الكافي: ج1، ص202، کتاب الحجة، باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته، ح1؛ الوافي: الفيض الكاشاني، ج3، ص484؛ الامالي: الشيخ الصدوق، ص778
4- المنجد في اللغة: علي بن الحسن الهنائي المشهور بکراع النحل، ص838

خامساً: حسن الادارة والسياسة.

وفي الغرر والدرر عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

«من حسنت سياسته وجبت طاعته»(1).

وعن علي (عليه السلام):

«ان الله جعلني إماما لخلقه ففرض علي التقدير في نفسي ومطعمي ومشربي وملبسي كضعفاء الناس کي يقتدي الفقير بفقري و لايطغي الغني غناه»(2).

سادساً: الابتعاد عن الدنيا.

وعن الصّادق عليه السّلام:

«اذا رأيتم العالم محبّا للدّنيا فاتّهموه علی دینکم، فانّ كلّ محبّ بشيء يحوط ما احبّ. وقال: اوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: لا تجعل بيني وبينك عالما مفتونا بالدّنيا، فيصدّك عن طريق محبّتي. فإنّ أولئك قطَّاع طريق عبادي المريدين. انّ ادني ما انا صانع بهم ان انزع حلاوة مناجاتي من قلوبهم»(3)

من هنا نستطيع القول: ان الحاكم الاسلامي (القائد) له حق على الأمة فتصبح العلاقة بينه وبين الناس ليست مجرد علاقة توكيل وعقد اجتماعي بل هي علاقة طاعة وتسليم لأن وجوده يمثل الخلافة الإلهية والامتداد السماوي في الأرض.

ص: 42


1- غرر والدرر: ج5، ص211، ح8025
2- الكافي: ج1 ص410: ح1؛ حلية الأبرار، السيد هاشم البحراني، الجزء الثاني، ص215
3- بحار الانوار، ج7، ص11، ح2

المسألة الخامسة: العلاقة بين الادارة والقيادة

من خلال ما توصلنا اليه من تعريفات سابقة في مفهوم الادارة والقيادة نجد هناك تشابهاً بينهما في بعض الجوانب لكنهما يفترقان في بعض النواحي واشتراكهما في وحدة الاهداف مع العلم أن القيادة والإدارة ليسا مفهومين منفصلين عن بعضهما تماماً وقد حددت النظرية الاسلامية الاطار العام والاسس التي تقوم عليها العلاقة بين الادارة والقيادة في اداء الواجبات والمسؤوليات ويمكن تلخيص الاسس التي تشكل الاطار العام لطبيعة هذه العلاقة بالنقاط الآتية:

1- تتركز الادارة عموما على العناصر المادية للمؤسسة من توجيه الافراد كل ضمن مجهوداتهم ومهاراتهم والاعتماد على الأشخاص في المستويات العليا وفق نظام التخطيط والتنظيم والرقابة في تحديد مسارات وسياسات المؤسسة.

2- (وعكس ذلك تماماً في القيادة إذ تركز بشكل كبير على العنصر البشري وتهتم به وبتنمية مهاراته وقدراته وتدريبه؛ لتحفيزه على أداء العمل وإنجاز الأهداف)(1).

3- تعدّ الادارة جزءاً من القيادة، فالقيادة في المنظومة الاسلامية تشكل ادارة بلد بكل مكوناته وطاقاته بينما الادارة تتضمن ادارة جزء معين من هذه المكونات (تركز على المعايير وحل المشكلات وإتقان الأداء، والاهتمام باللوائح والنظم واستعمال السلطة)(2) وهذا ما يسمى بالعلاقة المتبادلة بين الادارة والقيادة والنسبة بينهما ليست نسبة العام بالخاص بل تظهر هذه النسبة في طبيعة كل منهما..

ص: 43


1- القيادة أساسيات و نظریات و مفاهیم. ماهر محمد صالح حسن، عمان (الأردن)، ص85
2- الإدارة المعاصرة: عادل ثابت، ص183

من هنا يتضح ان العلاقة بين الادارة والقيادة تشكل محورا اساسيا في نظام ادارة الحكم وعليه فإن الامام علياً (عليه السلام) (استطاع تشخيص العناصر القيادية الفاعلة وتحديد ملامحهم وسلوكياتهم ووظائفهم کما كان على قدر كبير من الدقة في تشخيص الشخصيات الادارية وفرزها عن الشخصيات القيادية)(1)

فالدور القيادي يعدّ دورا مستقلاً ينظم علاقة الأمة بالحكم وطبيعتها من خلال اتخاذ القرارات وتشخيص المصالح العليا للبلد.

ص: 44


1- ملامح القيادة الناجحة في ضوء منهجية الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام): محمد عبد الرضا هادي الساعدي: ص46

المبحث الثالث مبادئ الادارة والقيادة في عهد الإمام علي (علیه السلام) لمالك الأشتر (رضی الله عنه)

من خلال هذا المبحث نتعرف على المبادئ الإدارية الأساسية في عهد الإمام (عليه السلام) لمالك الاشتر المتمثلة بالخصائص والعناصر والواجبات والمهام الملقاة على عاتق المدير والتي يجب تحققها في المنظومة الادارية.

تتركز مبادئ الادارة في العهد على المسائل الآتية:

المسألة الأولى: الادارة من موقع العبودية (مبدأ الاعتقاد)

قوله (عليه السلام):

«هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُاللَّهِ عَلِیٌّ أَمِیْرُالْمُؤْمِنِینَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَر»(1).

تشير هذه العبارة إلى مفردة يتحدث بها الامام (عليه السلام) وهي نظريته في الادارة والقيادة. وماذا تعني العبودية لله سبحانه وتعالى، وما هي مدخلية العبودية الله في موضوع الإدارة.

يريد الإمام (عليه السلام) أن يسلط الضوء على سلوكيات المدراء وانطباعاتهم وتصوراتهم وهم في موقع المسؤولية، هناك انطباعات وسلوكيات تدفع الإنسان نحو التسلط وحب الدنيا وحب الجاه. ماذا تكون خلفية من يحمل هذه السلوكيات والانطباعات فيمن يكون في موقع السلطة لاشك ولا ريب أنه حينما يصل إلى موقع المسؤولية سيتخذ مجموعة من الاجراءات القاسية والقرارات الظالمة ويسير نحو الانحراف في تضيع الاهداف وخدمة الناس، ويعتقد بأن من يعمل

ص: 45


1- نهج البلاغة: رسالة 53

تحت إمرته هو عبد ويتعامل معه تعامل المولى مع عبده، وليس تعامل مسؤول مع مرؤوسين يستحقون الاهتمام والرعاية كما هو في فكر الإمام (عليه السلام).

وهناك من ينظر إلى موقع المسؤولية على أنها محطة لهداية الناس وخدمتهم ومحطة يؤتمن فيها على مصالح الناس يضمن من خلالها حقوق الآخرين.

فالجانب السلوكي والمعتقد له أثر كبير في مسار أداء المدراء على كافة الأصعدة، ممكن أن يؤدي المدير دورا بارزا وسلوكا مغايرا لمعتقداته لكن على المستوى البعيد لا يستطيع المدير أن يخفي تأثير معتقداته.

الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقدم مفتاحا سحريا من مفاتيح النجاح والتفوق في الادارة المالك الأشتر (رضوان الله عليه) وهو العبودية لله تعالى والاعتقاد بالمبدأ.

وهذه القضية ليست قضية من القضايا الثانوية أو قضية لا صلة لها بموضوع الادارة والقيادة، العبودية لله استحضار العلاقة بين الإنسان وربه لها الاثر العميق في مجمل السلوك الاداري في كافة المراتب، هذا الاستحضار يجعل الإنسان المسؤول والقيادي يمارس علاقة الانسانية وفق النظرية الاسلامية وليست العلاقة السلطوية مع غيره من العاملين تحت إمرته.

ومن الجدير بالذكر أن الدور الإداري والقيادي يجب أن تتوافر فيه حالة الحزم والقوة وهذان الأمران يجب أن لا يتقاطعان مع علاقة الإنسان بربه وعلاقة المسؤول في سلسلة المراتب ومع من يعمل تحت أمرته.

من هنا يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) واصفا حالة التعامل والانسجام في النظام الاداري وفق الرؤية الاسلامية.

ص: 46

«فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ الله مِنْ عَفْوِه وصَفْحِه فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَیْكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَقَدِ اسْتَکْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا یَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلَا غِنَی بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ...... أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلاَّ تَفْعَلْ تَظْلِمْ وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللهِ كَانَ اللهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ وَمَنْ خَاصَمَهُ اللهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ لله حَرْباً حَتَّى يَنْزعَ وَيَتُوبَ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَة عَلَى ظُلْم، فَإِنَّ اللهَ سَميِعٌ دَعْوَةَ المضطَهَدِینَ وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ(1).

فعلاقة الإنسان بربه والعبودية لله سبحانه وتعالى تختلف تماما، فهي ليست علاقة تجميد وإنما هي علاقة انطلاق وتكامل فإن استعمال كلمة (عبدالله) تعني ان الإنسان في ذروة الكمال لا يمتلك سوى الرحمة والقدرة الإلهية التي يتصل بها ويتزود منها ويتحرك من خلالها فيبقى الإنسان في هذا الظرف الوجودي والسعة الذاتية والقدرات الشخصية المحدودة، فينبغي للإنسان المتصدي الارتباط بالمبدأ متوكلا عليه سبحانه وتعالى. قال (عليه السلام).

«وَأَنَا أَسْأَلُ اللّه بِسَعَةِ رَحْمَتِةِ وَعَظِیمِ قُدْرَتِةِ عَلَی إِعْطَاءِ کُلِّ رَغْبَةٍ أَنْ یُوَفِّقَنِی وَإِیَّاكَ لِمَا فیهِ رِضَاهُ مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَی الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَیْهِ وَإِلَی خَلْقِهِ مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِی الْعِبَادِ وَجَمِیلِ الْأَثَرِ فِی الْبَلاَدِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ وَتَضْعِیفِ الْکَرَامَةِ وَأَنْ یَخْتِمَ لِی وَلَكَ بالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ إِنَّا إلَیهِ راجِعُون وَالسَّلاَمُ عَلَی رَسُولِ اللّهِ صَلَّی اللّهُ عَلَیْهِ وَعلی آلِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ وَسَلَّمَ تَسْلِیماً کَثِیراً وَالسَّلاَمُ».

ص: 47


1- نهج البلاغة: رسالة 53

نلاحظ أن الإمام (عليه السلام) في بداية كلامه وختامه كان يذكر الله تعالى ومرضاته والتأكيد على القضايا الخاصة، من خلال وضع الصور الظاهرية في الاطار العام للأهداف المرسومة من خلال الفكر الابداعي للمسؤول صاحب الشعور والادراك العميق للعبودية لله سبحانه وتعالى، من حيث صبره على القضايا الموقتة ولايضيع نفسه من خلال هواه ولايفقد توازنه وإن صار زعيما على الدنيا وما فيها فإنه يقف ليقول كلمة الفصل والارتباط لاحول ولاقوة الابالله العلي العظيم.

فيتحصل من ذلك: ان الرؤية الاسلامية التي يحملها المسؤول (العبودية لله والایمان بالمبدأ) هما الركنان الاساسيان في تحقيق الاهداف الادارية في مسارات صحيحة.

المسألة الثانية: وحدة الأوامر وسلسلة المراتب.

قوله (عليه السلام):

«وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إلاَّ بِبَعْض وَلاَ غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ وَمِنهَا عُمَّالُ الاْنْصَافِ وَالرِّفْقِ وَمِنْهَا أَهْلُ الْجِزْيَةِ وَالْخَراجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ وَمِنهَا الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ ذَوِي الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَكُلٌّ قَدْ سَمَّى اللهُ سَهْمَهُ وَوَضَعَ عَلَى حَدِّهِ وَفَرِيضَتِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله) عَهْداً مِنْهُ عِنْدَنَا مَحْفُوظاً فَالْجُنُودُ بِإِذْنِ اللهِ حُصُونُ الرَّعِيَّةِ وَزَيْنُ الْوُلاَةِ وعِزُّ الدِّينِ وَسُبُلُ الاْمْنِ وَلَيْسَ تَقُومُ الرَّعِيَّةُ إِلاَّ بِهِمْ ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَی جِهَادِ عَدُوِهِمْ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيَما یُصْلَحهُمْ وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِهذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إِلاَّ بِالصِّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ لِمَا يُحْكِمُونَ مِنَ الْمَعَاقِدِ وَيَجْمَعُونَ مِنْ الْمَنَافِعِ وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصِّ الاْمُورِ وَعَوَامِّهَا

ص: 48

وَلاَ قِوَامَ لَهُمْ جَمِيعاً إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ فِيَما يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ وَيَكْفُونَهُمْ مِنَ التَّرَفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ مَا لاَ يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرِهِمْ ثُمَّ الطَّبَقَةُ السُّفْلَى مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْمَسْكَنَةِ الَّذِينَ يَحِقُّ رِفْدُهُمْ وَمَعُونَتُهُمْ وَفِي اللهِ لِكُلّ سَعَةٌ وَلِكُلٍّ عَلَى الْوَالِي حَقٌ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهُ

وَلَيْسَ يَخْرُجُ الْوَالِي مِنْ حَقِيقَةِ مَا أَلْزَمَهُ اللهُ مِنْ ذلِكَ إِلاَّ بِالاْهْتِمامِ وَالاسْتِعَانَةِ بِاللهِ وَتَوْطِينِ نَفْسِهِ عَلَى لُزُومِ الْحَقِّ وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ فِيَما خَفَّ عَلَيْهِ أَوْ ثَقُلَ»(1).

يستعرض الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف كل النشاطات والأفعال ذات السياق الواحد التي تخضع لإدارة المدير الذي يكون مشرفا على كل الممارسات المطلوبة من قبل المرؤوسين في مبدأ توحيد الأوامر وسلسة المراتب حتى لا يكون هناك خلل في العملية الاشرافية والرقابية التي يتولى أمرها المدراء في المنظومة الادارية.

ومقصوده (عليه السلام) من قوله «واعلم أن للرعية طبقات» ليس اثبات الطبقات بهذا المعنى بل بیان اختلاف الرعية في ما تتصدى له من شؤون الحياة البشرية، حيث أن الإنسان مدني الطبع يحتاج إلى حوائج كثيرة في معاشه من المأكل والملبس والمسكن ولايقدر فرد واحد بل افراد على إدارة كل هذه الامور فلابد وان تنقسم الرعية بحسب مشاغله إلى طبقات وتتصدى كل طبقة لشأنٍ من الشؤون وشغلا من المشاغل ثم يتبادل حاصل أعمالهم بعضهم مع بعض حتى يتم أمر معيشتهم ويكمل حوائج حياتهم(2).

ص: 49


1- نهج البلاغة: 53
2- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: للعلامة المحقق میرزا حبیب الله الخوئی: ج20، ص175

كل واحد من هذه المستويات يمتلك صلاحية لما دونه من سلطة، وهذا يعد تنظيما للحياة البشرية في جميع جوانبها المختلفة على أساس تسلسل المراتب فسلسلة المراتب عند الإمام (عليه السلام) تبدأ من المسؤول وتنتهي عند الأمام ثم الله تعالى فوق الإمام وعلى الجميع.

ثم أن الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع يقسم الرعية على سبع طبقات كل طبقة تعمل وفق نظام تسلسل المراتب ومن هذه الطبقات:

1- الجنود المحافظون على الحدود والثغور المدافعون عند هجوم الاعداء.

2- کتّاب العامة المتصدرون لكتابة العقود.

3- قضاة العدل ورؤساء المحاكم.

4- عمال الامور الحسبية المحافظون على الانصاف والرفق بين الناس.

5- أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس.

6- التجار وأهل الصناعات والحرف الكثيرة التي عليها مدار حياة البشر.

7- الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، والتعبير عن هذه الطبقة السفلى باعتبار أنها لا تقدم عملاً نافعا في المجتمع تتبادل به مع اعمال الطبقات الأخرى.

فسلسلة المراتب هي نوع من بسط النفوذ والرؤية السلطوية، ومن الظواهر التي نشاهدها كل يوم في حياتنا الاجتماعية ينبغي للمدير ضمن الصلاحيات الممنوحة له في التسلسل الوظيفي ان يكون مرنا لكي يستشعر النتائج الإيجابية في التسلسل الرتبي لما دونه، فالرؤية الاسلامية في الادارة لها ابعاد واسعة في العمل ولم تكن نوعا من الطبقية والتميز بين الافراد وإنما هي حالة تنظيمية للعمل وادارة شؤون الناس.

ص: 50

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في رسالة بعثها إلى الأشعث بن قیس عامله على أذربيجان:

(«وإن عملك ليس لك بطعمة لكنه أمانة في عنقك والمال مال الله وأنت من خزاني عليه حتى تسلمه إليّ إن شاء الله، وعلى ألا أكون شرّ ولاتك»

أنت موظف، والوظيفة أمانة في عنقك الله والمسلمين، وليست مزرعة لك ومتجرا.

«وأنت مسترعي لمن فوقك».

إن عليك لحسيبا ورقيبا، وهو الخليفة، يحصي عليك جميع أعمالك، ويأخذك بها ان خنت وخالفت.

«ليس لك أن تفتات في رعية».

أي تستبد وتستغل الرعية التي أنت لها خادم وأجير)(1).

يعد الإمام (عليه السلام) الوظيفة التي انيطت بالشخص ليست هي غنيمة وإنما هي أمانة وأداء الأمانة على أحسن وجه من الأمور الشرعية الواجبة في الشريعة المقدسة، فالمنصب عند أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما هو أمانة يؤتمن عليها في أي موقع من مواقع المسؤولية «وأنت مسترعي لمن فوقك» ويجب أن يحفظها لمن فوقه حتى يتحقق الهدف المنشود لخدمة الناس من خلال المنظومة الادارية.

لقد أعطى الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) رسالة ينقلها إلى أهل مصر اضافةً إلى العهد وحمّله فيها ادارة مصر وحدد له واجباته الادارية، والطريقة التي ينبغي لأهل مصر التعامل بها مع الوالي الجديد.

ص: 51


1- في ظلال نهج البلاغة: محمد جواد مغنية ج3، ص389؛ مستدرك نهج البلاغة: الشيخ هادي کاشف الغطاء، ص128

«أما بعد، فقد بعثت إِليكم عبداً من عباد الله لا ينام أيّام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع. أشدّ على الكفّار من حريق النار. وهو مالك بن الحارث، أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا أمره. فيما طابق الحقّ، فإنّه سيف من سيوف الله، لا كليل الظُبَة، ولا نابي الضريبة. فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإِن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنه لا يُقدم ولا يحجم ولا يؤخر ولا يقدم إِلاّ عن أمري، وقد آثرتكم به على نفسي، لنصيحته لكم وشدّة شكيمته على عدوّكم»(1).

أول خطوة قام بها الإمام هو تعريف مالك بأنه (عبد الله) يريد أن يستحضر الإمام في نفوس أهل مصر أنه لم يرسل إليهم شخصا عنيفا متكبرا (دكتاتوري) وسلطاناً يتأمر عليهم، بل هو عبد من عباد الله عز وجل بكل ما تتسع له العبودية من معان.

ثم يبدأ الامام في بيان أوصافه لأهل مصر «لا ينام أيّام الخوف» أي لا يتنصل من تحمل المسؤولية أيام الشدة، (ولا ينكل عن الأعداء ساعات الروع) یرید الامام (عليه السلام) أن يقول لأهل مصر ان هذا الرجل لا يجبن ولا يفر من المواجهة (أشدّ على الكفّار من حريق النار) من شدة بأسه وقوة شكيمته.

ثم يقول لهم بأن هذا الرجل لا يتساهل مع الانحرافات والاعوجاج الذي يصيب المجتمع ويأمرهم بطاعته بما کان مطابقا للحق وهذا يدل على ان للطاعة حدوداً معينة ليس هناك أمر مطلق فاذا كان المسؤول في المنظومة الادارية مطابقا

ص: 52


1- دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية: الشيخ المنتظري ج1، ص326؛ وانظر نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص63، الكتاب 38؛ بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج33، ص595

للحق تجب طاعته والا فلا يجب اذا كان منحرفا وغير مطابقا للحق، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

«لا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى»(1).

(قد قيل لحكيم: ما بال انقراض دولة آل ساسان؟ قال: لأنهم استعملوا أصاغر العمال على أعاظم الأعمال فلم يخرجوا من عهدتها، واستعملوا أعاظم العمال على أصاغر الأعمال فلم يعتنوا عليها، فعاد وفاقهم إلى الشتات ونظامهم إلى البنات. وإذا اعتبرت القوّة في العمّال فكيف بنفس الأئمة المفوض إليهم إدارة الأمة)(2).

فيتحصل: ان سلسلة المراتب هي عملية توزيع الصلاحيات والعمل الجماعي، الذي هو سمة من سمات المنظومة الادارية في الاسلام فإن العمل المشترك الجماعي يمثل القاعدة المثلى للإدارة الصحيحة الناجحة التي تستنفر الطاقات والامكانيات البشرية والمادية في خدمة الادارة الصالحة التي تعتمد على توزيع الصلاحيات من المسؤول الأعلى لمن هو دونه في سلسلة المراتب.

المسألة الثالثة: تزكية النفس وكسر الشهوات.

قوله (عليه السلام):

«وَأَمَرَهُ أَنْ یَکْسِرَ نَفْسَهُ مِنَ الشَّهَوَاتِ وَیَزَعَهَا عِنْدَ الْجَمَحَاتِ فَإِنَّ النَّفْسَ أَمَّارَهٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ... وَإِيَّاكَ وَالاْعْجَابَ بِنَفْسِكَ، وَالثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، وَ حُبَّ الاْطْرَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ»(3).

ص: 53


1- الشرح الكبير: عبد الرحمن بن قدامه، ج3، ص169؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج2، ص476
2- دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية: الشيخ المنتظري، ج11، ص327
3- نهج البلاغة: 53

جمح به: وهو جموح قال اذا عزمت على أمر جمحت به کالذي صدّ عنه ثم لم ينسب الجموح من الرجال الذي يركب هواه فلا يمكن رده، قال الشاعر:

خلعت عذاري جامحاً لا يردني ... عن البيض امثال الدمی زجر زاجرٍ

وجمح إليه: أي اسرع وقوله تعالى:

«لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَ هُمْ يَجْمَحُونَ»(1)، أي يسرعون(2).

الجمحات: منازعة النفس إلى الشهوات ومآربها ونزعها بكفها وعدم تمكنها من الاسترسال في الشهوات وأن يكون أميرا عليها ومسيطرا وقامعا لها من التهور والانهماك(3)، والجاح معناه الحركة السريعة الشديدة التي لا يتأتى لأي شيءٍ أن يصدّها كحركة الخيول المسرعة الجامحة التي لا تطاوع أصحابها، ولذلك سمي الجواد الذي لا يطاوع صاحبه جموحاً او جامحاً(4).

الاطراء: مصدر أطری، معتلًّا، وهو مجاوزة الحدّ في المدح والمبالغة فيه، يقال: أطرى فلانٌ فلاناً، إذا مدحه بما ليس فيه وفيه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

«لاتُطرُوني كما أَطرَتِ النصارَى المِسيحَ فإِنَّما أَنا عَبدٌ ولكن قولوا عبدُ الله ورَسُولُه؛ وذلك أَنَّهم مَدَحُوه بما ليس فيه فقالوا: هو ثالثُ ثَلاثةٍ وإنه ابنُ الله وما أَشبَهَه من شِركهم وكُفرِهِم»(5).

ص: 54


1- معجم المعاني: للسيوطي: مادة جمح
2- تهذيب اللغة: للأزهري، ج4، ص417؛ لسان العرب: ابن منظور، ج2، ص426؛ معجم مقاییس اللغة، ابن فارس، ج1، ص423؛ مجمع البحرین، للطريحي، ج1، ص374
3- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد: ج17 ص23
4- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: الشيخ ناصر مکارم الشيرازي، ج6، 87
5- لسان العرب: ابن منظور، ج15، ص6

والفرق بين الإطراء والمدح: (أنّ الإطراء هو المدح في الوجه، ومنه قولهم: الإطراء يورث الغفلة، يريدون بذلك المدح في الوجه، والمدح يكون مواجهة وغير مواجهة)(1) منه قوله (عليه السلام) في ذم الاطراء:

«الصق بأهل الخير والورع ورضّهم على أن لا يطروك فإن كثرة الاطراء مدن من الغرة، والرضا بذلك يوجب من الله المقت»(2).

أقول: يأمر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مالك الاشتر (رضوان الله عليه) أن یکسر نفسه من الشهوات والمغريات والطموحات والميول الشخصية ويطلب الامام عليه السلام منه أن يمسك نفسه عند الجموح والتردد، فالنفس بطبعها أمارة وتبعث نحو السوء تتمرد وتنزع للوصول إلى مآربها وشهواتها وتغري صاحبها وتحمله إلى المهالك الا ما رحم الله.

ويؤيد هذا المعنى ما ورد عن مولانا الامام زین العابدین (عليه السلام) بخصوص النفس الأمارة حيث يرسم الامام زین العابدین (عليه السلام) في المناجاة الثانية من المناجاة الخمسة عشر المعرفة النفس الامارة بكل وضوح ويشكو إلى الله تعالى منها بهذه الكلمات (بوصفه قدوة لعموم الناس ويقول)(3):

«إلهي إليك أشكو نفسا بالسوء أمارة، وإلى الخطيئة مبادرة، وبمعاصيك مولعة، ولسخطك متعرضة، تسلك بي مسالك المهالك، وتجعلني عندك أهون هالك، كثيرة العلل طويلة الأمل، إن مسها الشر تجزع، وإن مسها الخير تمنع، ميالة إلى اللعب واللهو، مملوءة بالغفلة والسهو، تسرع بي إلى الحوبة وتسوفني بالتوبة»(4).

ص: 55


1- معجم الفروق اللغوية: العسكري، ج1، ص56
2- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص81
3- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج1 ص294
4- الصحيفة السجادية، للإمام زين العابدین (عليه السلام) مناجاة الشاكين ليوم السبت، ص403

فالنفس الأمارة بالسوء تعتبر في الحقيقة أهم وسائل الشيطان وأدواته في إغواء الانسان، فلو أن الإنسان تخلص من شراكها و مصائدها فإنه يتخلص كذلك من شر الشيطان وتسولاته.(1)

ومن هنا أوصى الاولياء وعلماء الاخلاق أن يراقب الإنسان هذه النفس مراقبة دقيقة لئلا يتورط في شراكها وينخدع بخدعها يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام ورد في غرر الحكم:

«إن هذه النفس لأمارة بالسوء، فمن أهملها جمحت به إلى المآثم»(2).

وعنه (عليه السلام):

«إن نفسك لخدوع، إن تثق بها يقتادك الشيطان إلى ارتكاب المحارم»(3).

وعنه (عليه السلام):

«كن أوثق ما تكون بنفسك، أحذر ما تكون من خداعها»(4)

هذه العبارات العميقة والمؤثرة تعدّ درسا كبيراً من دروس القيادة والإدارة، عند أهل البيت عليهم السلام والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع يشير إلى نقطة مهمة، يقول إن من أخطر المخاطر على الإنسان هو التصدي لإدارة أمور الناس من دون وجود قدرة على التحكم بالنفس.

ص: 56


1- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج10 ص295
2- غرر الحكم: 2106، 3491، 3489، 3490، 7170. وينظر میزان الحکمة: محمد الري شهري الجزء: 4 ص3325
3- غرر الحكم: 2106، 3491، 3489، 3490، 7170
4- غرر الحكم: 2106، 3491، 3489، 3490، 7170

يريد الإمام (عليه السلام) ان يقول للناس إن موقع الإدارة والحكم هو مزید من السلطة والنفوذ والامر والنهي للمسؤول، فضع هذه السلطة في موضعها.

فيمكن للإنسان من خلال السلطة أن يمكن هواه وشهواته وميوله وأن يفقد توازنه ومشاعره متأثرا في سلوكه وعلاقة مع الاخرين فيسعى لتحقيق طموحاته الشخصية متعديا للأطر الشرعية، من توظيف السلطة والنفوذ لقضاياه الخاصة.

الامام (عليه السلام) يعبر عن الموقع الاداري بأنه السلطة والنفوذ و محطة اساسية لانطلاق الشهوات، فيكون ضعيفا أمام المغريات والملذات والشهوات، وهناك من يستطيع أن يميز بين المحطتين، محطة الانطلاق إلى الخدمة وتقديم المصلحة العامة في تحقيق الاهداف والسعي لقضاء حوائج الناس، ومحطة يعبر عنها حكام الجور (فرصة لإشباع الرغبات والشهوات النفسية والتمتع بالملذات)(1)، يقول الإمام (عليه السلام) في أحد حكمه في تأیید مانحن فيه:

«من ملك استأثر»(2).

الاستئثار لغة (استأثر فلان بالشيء استبد به)(3)، يعني الاستبداد فيقال هذا رجل مستبد برأيه، وهذا مدير مستبد، وهذا رب أسرة مستبد، معناه كل من يصل إلى موقع المسؤولية ولم يكن محكما لنفسه يصاب بالاستثار فتَحول إلى ملكة راسخة في النفس الإنسانية، فاذا استطاع تحكيم النفس والسيطرة عليها فيتحول الاستئثار إلى تواضع ومحبة وخدمة للناس، ونجد الصورة مغايرة فيما لو افلت عنان النفس

ص: 57


1- اخلاقیات الامام علي أمير المؤمنين (عليه السلام): السيد هادي المدرسي: ص334
2- نهج البلاغة: حكمة 160
3- مجمع البحرين، الطريحي: ج3، ص146، (استأثر)

من يده فیکون انسانا مستبدا، يعطل مصالح العباد والبلاد ويشفي غليله بظلم مرؤوسيه من خلال تركيز الانانية بالنفس واستغلال الموقع الذي هو فيه، يقول (عليه السلام):

«ثُمَّ إِنَّ لِلْوَالِی خَاصَّةً وَ بِطَانَةً فِیهِمُ اسْتِئْثَارٌ وَ تَطَاوُلٌ وَ قِلَّةُ إِنْصَافٍ فِی مُعَامَلَةٍ فَاحْسِمْ مَادَّةَ أُولَئِكَ بِقَطْعِ أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ»(1).

نلاحظ كيف يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مخاطر الاستبداد، بقوله «من استبد برأيه هلك» و «من شاور الرجال شاركهم في عقولهم»(2).

أي من أراد عقلا أكبر فلیشاور الرجال لأن في مشورتهم مشاركة في عقولهم ينبغي للإنسان أن يستشير الاخرين ويسمع لهم «الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أينما وجدها»(3).

وقال صلوات الله عليه: «انظر الى ما قال ولا تنظر الى من قال»(4)

يجب علينا أن نسمع الاخرين ونصغي اليهم ولا نعتد بآرائنا مهما کنا نری الحق في شيء ما، ويشير (عليه السلام) إلى هذا المعنى بقوله: «من نال استطال»(5).

أي من بلغ الوصول إلى طموحاته وصار مسؤولا استعلى على الاخرين صار متکبرا يرى نفسه متميزا عن الآخرين.

انظر إلى دعاء الإمام السجاد (عليه السلام) في مكارم الأخلاق:

ص: 58


1- نهج البلاغة: 53
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج4، ص41
3- نهج البلاغة: حكمة 80
4- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقیه، محمد تقي المجلسي (الأول)، ج13، ص167
5- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج4، ص49

«اللّهُمَّ صَلِّ عَلَی مُحَمَّد وَآلِهِ وَلَا تَرْفَعْنِی فِی النَّاسِ دَرَجَهً إِلّا حَطَطْتَنِی عِنْدَ نَفْسِی مِثْلَها...»(1).

المعنى: يا الهي كلما اصبح موقعي امام الناس اکبر ومسؤوليتي اعظم فاجعل شعوري بالتواضع والذل امامك اكبر وهذه التربية الاخلاقية في الرؤية الاسلامية في القيادة والادارة، يعبر عنها بالتهذيب والمجاهدات قال (ذروة الغايات لا ينالها إلا ذو التهذيب والمجاهدات الذين يقاومون أهواءهم کما يقاومون اعداءهم، ويعتبرون جهاد النفس هو الجهاد الاكبر)(2).

قال الامام أمير المؤمنين (عليه السلام):

«من نصب نفسه للناس إماما، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، ولیکن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه»(3).

(فلا بد من اتهام النفس ومخالفتها والإدبار عنها لكي نصلحها)(4)

فيتحصل: أن الإدارة في الرؤية الاسلامية وعهد الإمام (عليه السلام) يجب ان لا تكون خاضعة لتأثيرات النفس وجموحاتها، لابد ان يكون هناك تحکیم وسيطرة وتطبيع على ذلك في اداء الواجبات الادارية المتمثلة بالإشراف والتنظيم والرقابة والتخطيط واستثمار الطاقات و تحقيق الاهداف و خدمة الناس من اجل طرح ادارة ناجحة لها تأثيراتها في نمو الفكر البشري.

ص: 59


1- الصحيفة السجادية للإمام زين العابدین، دعاء مكارم الأخلاق، ص110
2- عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، حكمة 130
3- شرح نهج البلاغة 220:18 وینظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: مركز الرسالة
4- اخلاقيات الإمام علي أمير المؤمنين: السيد هادي المدرسي، ص335

المسألة الرابعة: الراي العام ومبدأ التوقعات.

قوله (عليه السلام):

«ثُمَّ اعْلَمْ یَا مَالِكُ أَنِّی قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَی بِلاَدٍ قَدْ جَرَتْ عَلَیْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَ جَوْرٍ وَ أَنَّ النَّاسَ یَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِی مِثْلِ مَا کُنْتَ تَنْظُرُ فِیهِ مِنْ أُمُورِ أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ، وَ یقُولُونَ فِیكَ مَا کُنْتَ تَقُولُ فِیهِمْ، وَإِنَّمَا یسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحِینَ بِمَا یجْرِی اللَّهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ فَلْیکُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَیكَ ذَخِیرَةُ الْعَمِلِ الصَّالِحِ»(1).

هذا المقطع من العهد على إيجازه يحمل معانٍ مهمة كثيرة في المنظومة الادارية، من هذه المعاني أن الأمام يستحضر في ذهن الأشتر (رضوان الله عليه) الأبعاد التاريخية لمصر والحكومات التي حكمت بلاد مصر وطبيعة نظام الحكم فيها من الظلم والعدل والجور ونظر الناس إلى الوالي ونظر الوالي اليهم والاجراءات التي يتخذها بعدما كان ينظر إليها من بعيد وهي تحت سلطة الحكومات العادلة والحكومات الظالمة (لابد من الفحص عن هذه الدول والفحص عن ماهي عادلة أو جائرة(2).

المقصود من هذه الدول هم العمال الاسلاميين بعد فتح مصر وهل يصح التعبير عنها بأنها دول ولو باعتبار شمول السلطة الاسلامية(3)، وهذه هي سنن الحياة وهذه هي القواعد الاجتماعية التي تتحكم بمجرى التاريخ ففي كل أمة وفي كل شعب هناك الخير وهناك الشر وهناك الصلاح وهناك الفساد وهذه المتناقضات تعيشها الشعوب والامم، يا مالك إني أوفدك إلى بلد جرت عليه كل هذه الاحداث الطيبة وغير الطيبة.

ص: 60


1- نهج البلاغة: 53
2- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: للخوئي: ج20، ص169
3- المصدر نفسه: ص169

يريد الإمام (عليه السلام) أن يقول ان ذاكرة التاريخ ذاكرة قوية فالناس لا تنسى ما جرى عليها وعلى الامم الاخرى لأن الناس يعايشون الحكومات و تجاربهم ويحفظون كل ما جرى لأن الذاكرة التاريخية اقوى من الطغاة و الظالمين، فلا تنسى الناس ماحرى عليها من ظلم و جور واضطهاد وعدل، كل شيء محفوظ في ذاكرة الناس ويتحدثون به في أوساط المجتمع حتى اصبح بعض الاشخاص فيهم بمثابة تاريخ مکتوب ويرجع اليهم كمصدر أساس عند الحاجة في تدوين الاحداث التاريخية، اذا كل من ينظر إلى الخط العام للتاريخ الانساني اليوم يجد ان الحقائق واضحة وتزهر كالنجوم ومحفوظة في ذاكرة الشعوب والامم، التي هي اكبر من ان تخضع للمحاولات اليائسة في طمسها و تزویر حقيقتها. هذا يدل على ان المواقف والسلوكيات والقرارات لا تضيع وإن كان البعض يستطيع أن يغطي عليها لفترة قصيرة وتنكشف.

فمنهج الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو تنشيط الذاكرة فيذكر الناس دائما بما مضى، وهو المنهج المطابق للقرآن الكريم عندما يتحدث عن الامم الماضية وسبب هلاكها، فعلينا دائما ان نتمتع بزخم تاريخي وحضاري وان ننطلق ونبدأ من حيث انتهى الاخرون.

يقول الإمام أمير المؤمنين في خطبة له تأييدا لما نحن فيه:

«أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مَعَ النُّبُوَّهِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهُ قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ المَوْتِ وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ

ص: 61

السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ آلْعَمَالِقَةِ أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ وَأَطْفَأُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ أَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَهَزَمُوا الاُلُوفَ وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَمَدَّنُوا الْمَدَائِنَ منها قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الْإِقْبَالِ عَلَيهَا وَالْمَعْرِفِةِ بهَا وَالتَّفَرُّغِ لَهَا فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا وَحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا، فَهُوُ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الْإِسْلاَمُ، وَضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وَأَلْصَقَ الْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أَنْبِيَائِهِ»(1).

الإمام (عليه السلام) يستعرض في هذالمقطع من الخطبة المراحل التاريخية المهمة التي مرت على الامم وعاش الناس احداثها في ظلال حكوماتها.

فالذي يتصدى للحكم والإدارة و في أي موقع من مواقع المسؤولية عليه أن يستثمرها في خدمة الناس من خلال المحبة والشفقة والمودة والكلمة الرقيقة والموقف الطيب والشيمة والنخوة والعون والنصرة اليهم وتحقيق تطلعاتهم وأن يستحضر سنن من قبله في حساباته وسلوكه وتعامله وان یکون انسانا واقعيا (وان تتوقع للناس ماکنت تتوقع لنفسك ان تقبل من الناس ماکنت تقبله من نفسك حينما لم تكن في موقع المسؤولية) فعلى الإنسان أن يكون حذراً في سلوكياته وانطباعاته في تحقيق العدالة والانصاف.

يقول الإمام (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) في وصية طويلة أوصاه بها:

«أي بني تفهم وصيتي واجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك، فاحبب لغيرك ما تحب لنفسك، وأكره له ما تكره لنفسك، ولا تَظلِم كما لا تحب أن تُظلَم، و أحسِن

ص: 62


1- نهج البلاغة: خطبة 182

کما تحب أن يحُسَن إليك. واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس لك ماترضی به لهم منك، ولا تقل بما لا تعلم، بل لا تقل كلّ ما تعلم، ولا تقل مالا تحب أن يقال لك. واعلم أن الاعجاب ضد الصواب وآفة الألباب، فإذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك»(1).

تجسد لنا هذه الامور التسعة القواعد الاساسية الإدارة فيمن يتولى شؤون الناس في تحديد العلاقة القائمة بين المسؤول والناس لأن غاية ما تطمع اليه الناس هو تحقيق اهدافها وتطلعاتها.

نحن بحاجة ماسة إلى تعزيز هذه المفاهيم وترسيخها بشكل اكبر ليكون البناء الاجتماعي سليما في مجتمعنا في دائرة المسؤولين واصحاب المناصب، ونستطيع بناء دولة على اسس صحيحة وفق منهج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في تنظيم وتكيف القانون نحو السلوك العادل.

خامساً: معايير نجاح المسؤول في المنظومة الإدارية.

ثم ينتقل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده المالك الاشتر (رضوان الله عليه) إلى استعراض المعايير الاساسية في نجاح المنظومة الإدارية في تحقيق الاهداف لمن يتصدى لإدارة الامور.

أولاً: الأعمال الصالحة.

يقول (عليه السلام):

«فَلْیَکُنْ أحَبَّ الذَّخائرِ إلَیکَ ذَخیرَهُ العَمَلِ الصّالِحِ»(2)

ص: 63


1- تحف العقول عن آل الرسول (ص): ابن شعبة الحراني، ص 74
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص83، رسالة 53

وقال عز وجلّ:

«فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا»(1).

وقال تعالى:

«إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ»(2).

العمل الصالح يرفع الكلام الطيب ويعمل على ترسيخ العقائد السليمة في واقع الإنسان و قلبه، ونقرأ أيضاً في قوله تعالى:

«وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ»(3).

هنا يذكر الإمام (عليه السلام) أن واحدة من هذه المعايير التي يستدل بها على صلاح المسؤول والمتصدي هو تقييم الناس له من خلال الحديث عنه وبيان اعماله الصالحة.

لذا نلاحظ الإمام (عليه السلام) يؤكد في هذا المقطع من العهد الشريف على العمل الصالح الذي يعد من الذخائر النفيسة للإنسان المتصدي وغيره ونتيجة هذا العمل يتحقق الاحترام والتقدير والمحبة في قلوب الناس التي تحظى بتأييد من الله سبحانه وتعالى ومن خلال حسن ظن الناس وتقييمها یکون قادرا على النفوذ إلى قلوب الناس والسيطرة على عواطفهم من دون حاجة إلى اظهار حالات التصنع والتظاهر بأمور معينة، ومن دون الحاجة إلى المكر والخداع أو التخويف

ص: 64


1- الكهف: 110
2- فاطر: 10
3- سورة العصر

والترهيب و استخدام الاساليب المغرية وتضييع اموال بیت المال لأجل استمالة قلوب الأخرين وضمانة السمعة الجيدة. فمعيار الرأي العام في تقييم المسؤول هو العمل الصالح الذي يقوم به المتصدي فالحديث عنه بخير واحترام ونعته بصفاته الواقعية يعد من العطایا الالهية لا يحتاج اليها استخدام الطرق الملتوية، بل يكفي ان يكون هذا المسؤول واضحا مع الناس في أدائِهِ وسلوكياته وانطباعاته يسمع ويتشاور معهم ويحترم أراءهم في الخطأ والصواب، وكل عمل صالح يقدمه للناس ويقربه إلى الله سبحانه وتعالى يندفع اليه بالاتجاه الصحيح.

ثانياً: الشح بالنفس والبخل عليها.

قوله (عليه السلام):

«وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَایَحِلُّ لَكَ فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِیمَا أَحَبَّتْ أَوْ کَرِهَتْ»(1).

ثم ينتقل الإمام (عليه السلام) في وصيته إلى مالك الاشتر (رضوان الله عليه) إلى كيفية التعامل مع آراء الناس بقوله:

«وَشُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَایَحِلُّ لَكَ فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِیمَا أَحَبَّتْ أَوْ کَرِهَتْ»

تتضمن هذه العبارة من العهد الشريف مضامين عالية في الادب القيادي والإداري في المنظومة الاسلامية فهي تخاطب المسؤول الذي يتحمل المسؤولية إزاء الاخرين بأن يسيطر على قواه النفسية وان يكبح جماح نزواته ورغباته ومشاعره أنانية والذي يؤكد عليه الإمام (عليه السلام) هو أن يستطيع الإنسان عند فوران

ص: 65


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص83، رسالة 53

الشهوة وثورة الغريزة أن يضبطها ويجعلها تحت إرادته وبعكس ذلك إذا سيطر هوى النفس على فكر الإنسان وعقله وقواه و ملکاته الأخرى فإنه سيقود صاحبه إلى وادي الهلكة والخسران(1)، ويؤكد هذا المعنى الامام الصادق (علیه السلام) بقوله:

«احذروا أهواء كم كما تحذرون أعداءكم، فليس شيء اعدى للرجال من اتباع اهوائهم وحصائد ألسنتهم»(2).

وفي غرر الحكم عن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام):

«أملكوا أنفسكم بدوام جهادها»(3)

الشح: (البخل والحرص، شح يشح، ورجلٌ شحاح بمعنی شحيح)(4).

المعنی ابخل بنفسك عما لا يحل لك فلا تفعله والمراد به المحرمات، ولأجل هذا قال (عليه السلام) فإن الشح بالنفس الإنصاف فيها فيما أحبته النفس أو کرهته(5) لا يعني سوى أن يتصرف الإنسان كالبخيل الذي لا يجد في نفسه رغبة في انفاق الدرهم والدينار من أمواله على الاخرين، فمثل هذا الإنسان يقف في مقابل المحرمات کالبخيل فلا يعطي من نفسه شيئا يؤدي به إلى خسرانه دینه وإيمانه ويبعده عن طريق الإنصاف والصلاح سواء في الامور التي يجد في نفسه میلا إليها

ص: 66


1- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج10 ص302
2- اصول الكافي، ج2، باب اتباع الهوى، حدیث 1؛ وينظر الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: الشيخ ناصر مکارم الشيرازي، الجزء21، ص267
3- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص89
4- المحيط في اللغة، صاحب بن عباد، ج1، ص154؛ مجمع البحرين، للطريحي، ج2، ص275
5- مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: سید محمد تقي التقوي ج15، ص420

أم في الامور التي لا يشتهيها(1)، فليس الحرص على النفس إيفاءها كل ما تحب بل من الحرص عليها أن تحمل على ما تكره إن كان ذلك في الحق ضرب محبوب يعقب هلاکا و مکروه محمد عاقبة(2).

يريد الإمام (عليه السلام) من المسؤول أن يكون بخيلا مع نفسه، وأن يكون شديدا عليها في مالا يحل له في القضايا التي لا يسمح له كمسؤول أن يمارسها او يقوم بها فيتعامل بشح وبخل و اقتصاد شدید و مراقبة وحزم كبير مع نفسه وهذا يتحقق بعدم السماح لها بأن تنطلق لتحب کما تريد وتکرہ کما تريد:

«فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا»(3).

لعل النفس تحب اشیاءً تضربها وهي لا تعلم ولعلها تكره أشياء تنفعها وهي ايضا لا تعلم؛ إذن هذه النفس تميل نحو أمور و تحجم عن أمور وهي من الممكن أن تحجم عن الحق وتميل إلى الباطل فمن حق النفس على صاحبها انصافها.

ثالثاً: التحكم بالنفس والسيطرة عليها.

إن السيطرة على النفس إحدى عوامل نجاح المسؤول في مهمته المناطة به باعتباره ضمن دائرة السلطة والنفوذ والرغبات والامكانيات والامتيازات التي تمنح بعناوين متعددة، هذه يمكن أن توقع الإنسان في المهالك و تحکیم الانا وعدم السيطرة عليه.

يعبر الإمام (عليه السلام) عن ذلك بقوله «فَامْلِكْ هَوَاكَ» إشارة إلى اأن

ص: 67


1- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج10 ص302
2- صفوة شروح نهج البلاغة: اركان التميمي: ص689
3- النساء: 19

الإنسان أو المسؤول في أطار مسؤولية لابد ان يكون مسلطا على كل ما يملكه من قوی نفسانية و تحكيم العقل في سلوكياته وانطباعاته، يشير الإمام (عليه السلام) إلى هذا المعنى في رسالة بعثها إلى الأسود بن قطبة(1) الذي كان قائدا للجيش في منطقة حلوان(2) الواقعة غرب ایران التي تسمى اليوم بمدينة سربل زهاب على ما يذكره المؤرخون(3).

«أما بعد فإن الوالي إذا اختلف هواه منعه ذلك كثيرا من العدل فليكن أمر الناس عندك في الحق سواء فإنه ليس في الجور عوض من العدل فاجتنب ما تنكر أمثاله وابتذل نفسك فيما افترض الله عليك راجيا ثوابه ومتخوفا عقابه، واعلم أن الدنيا دار بلية لم يفرغ صاحبها قط فيها ساعة إلا كانت فرغته عليه حسرة يوم القيامة وأنه لن يغنيك عن الحق شيء أبدا، ومن الحق عليك حفظ نفسك والاحتساب على الرعية بجهدك فإن الذي يصل إليك من ذلك أفضل من الذي يصل بك والسلام»(4)

المعنى: ان الوالي إذا اختلف هواه وانساق وراء رغباته ونزواته وميولاته فيكون الحاكم هنا الهوى والشهوات تكون سلوكياته وانطباعاته في مسؤولياته موافقة لحكم الهوى فلا ينتصر عدلا لأحد، فيما لو كان الخصمان عنده سواء بل كان هواه وميله إلى أحدهما أكثر ظلماً وجوراً.

هذا الامر يؤكده عليه الإمام (عليه السلام) ويعدّه من ظواهر التمييز بين

ص: 68


1- الاسود بن زید بن قطبة الانصاري: يقال انه ممن شهد بدرا. ينظر: اسد الغابة في معرفة الصحابة، الابن الاثير، ص48؛ الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر، ج1، ص29
2- حلوان وهي خمسة طساسیج، ويقال لها بستان خسروا شاہ فیروز
3- معجم البلدان، یاقوت الحموي، ج2، ص167
4- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص116، رسالة 59؛ وينظر: بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج33، ص511

الناس وإضاعة الحقوق و منشأ لظلم الاخرين، فيطلب الإمام (عليه السلام) لكل من يتصدى لإدارة ورعاية الناس أن يصرف وقته ويبذل جهوده في ما فرضه الله سبحانه وتعالى عليه والسير في السياقات والمسارات الصحيحة راجيا بذلك ثوابه والخوف من عقابه، ويؤكد هذ المعنی ایضا کلام الامام (عليه السلام) في معنی الفتن والبدع الذي يعد منشؤهما طغيان الهوى على العقل، يقول عليه السلام:

«إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ اَلْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَ أَحْکَامٌ تُبْتَدَعُ یُخَالَفُ فِیهَا کِتَابُ اَللَّهِ وَ یَتَوَلَّی عَلَیْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَی غَیْرِ دِینِ اَللَّهِ فَلَوْ أَنَّ اَلْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ اَلْحَقِّ لَمْ یَخْفَ عَلَی اَلْمُرْتَادِینَ وَ لَوْ أَنَّ اَلْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ اَلْبَاطِلِ اِنْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ اَلْمُعَانِدِینَ وَ لَکِنْ یُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَیُمْزَجَانِ! فَهُنَالِكَ یَسْتَوْلِی اَلشَّیْطَانُ عَلَی أَوْلِیَائِهِ وَ یَنْجُو اَلَّذِینَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اَللَّهِ اَلْحُسْنَی»(1).

كل ذلك يعرب عن أنّ إطار البدعة المحرمة، هو الإحداث في الدين وأساس الفتن والبدع أمران:

1- اتباع الهواء النفس والاحكام الموضوعة المخالفة لكتاب الله والسنة النبوية الشريفة.

2- تحريف القوانين لصالح الأطماع الشخصية وغياب العدل وتضييع الوظائف والاقبال على البدع(2).

ولا يخفى ان الثاني ايضا يرجع إلى الأول اعني متابعة الهوى، فإن البدعة في الدين منشؤها متابعة الهوى، وعلى أي تقدير لا خلاف عقلا في أن منشأ الانحرافات العقلية والشرعية انما هو متابعة الهوى من حب الدنيا وحب المقام والرئاسة وامثالها مما يرجع بالآخرة إلى حب الدنيا كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم):

ص: 69


1- نهج البلاغة، خطبة 50
2- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج2 ص357

«حب الدنيا رأس كل خطيئة»(1).

يقول (عليه السلام) إن المذاهب الباطلة والآراء الفاسدة التي يفتتن الناس بها أصلها اتباع الأهواء وابتداع الأحكام التي يخالف فيها الكتاب و تحمل العصبية والهوى على تولي أقوام قالوا بها على غير وثيقة من الدين، و مستند وقوع هذه الشبهات امتزاج الحق بالباطل من قبل بعض الساسة بالشكل الذي يصعب تميزه على الناس وأدني ذلك هو خداع الرأي العام ببعض العناوين كحقوق الإنسان والرفق بالحيوان ويوم العامل وأطباء بلا حدود ومنظمة العفو الدولية.. الخ، فالحكومات الاستكبارية تتشدق بالديمقراطية وضرورة الرجوع إلى آراء الشعب فاذا تم ذلك وجرت الامور خلافا لمصالحها اللامشروعة عمدت إلى الانقلاب أو إثارة الفتن وإظهار البدع(2).

هكذا يربي الامام (عليه السلام) المسؤول في المنظومة الإدارية والقيادية على الاخلاق الحسنة والحميدة في كيفية التعامل في ظرف مثل هذا، من هذا المنطلق اصبحت مناهج حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يحتفل بها في المحافل الدولية والمؤتمرات العلمية بالرغم من قصر مدة خلافتهِ (سلام الله عليه) التي استغرقت اربع سنوات ونيفاً وتبقی کلماته (عليه السلام) تقرع اسماع العالم عندما اوصى ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام):

«والله الله في القرآن لا يسبقنكم إلى العمل به غیرکم».

فيتحصل: ان كل هذه المفاهيم تدل إلى حقيقة عاقبة الإنسان الحسنة والسيئة، فالكل محكوم بزمن معين يسمى الأجل:

ص: 70


1- الوافي، الفيض الكاشاني، ج5، ص889
2- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج2 ص 360-361

«وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ»(1)

«قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ» (2)

فيجب على الإنسان أن يكون حذرا لما بعد الموت عندما يقف للحساب تعطينا هذه المعاني درسا في كيفية إدارة شؤون الناس واحترامهم وتحقيق طموحاتهم، وهذه لا تتحقق الا اذا كان المسؤول يبحث عن الثواب ويخشى العقاب الالهي.

المسألة السادسة: وسائل التحكم والسيطرة على النفس.

أولاً: التقوى.

قوله (عليه السلام):

«أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ الَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتِّبَاعِهَا وَلاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا وَأَنْ يَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بَيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ»(3)

(وقيت الشيء أقيته إذا صنته وسترته عن الأذى وهذا اللفظ خبر أريد به الأمر أي ليق أحدكم وجهه النار بالطاعة والصدقة «قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا»، والتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف هذا تحقيقه وصار التقوى في تعاريف الشرع حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحظور ويتم ذلك بترك بعض المباحات

ص: 71


1- الأعراف: 34
2- يونس: 49
3- نهج البلاغة: 53

لما روي: الحلال بين والحرام بيّن و من رتع حول الحمى فحقيق أن يقع فيه)(1).

والتقوی اصطلاحا: (عبارة عن الاجتناب عن محارم الله تعالى والقيام بما او جبه عليهم من التكاليف الشرعية والمتقي هو الذي يتقي بصالح عمله عذاب الله وهو مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزا بينه وبينه كما يقال: اتقى السهم بالترس أي جعله حاجزا بينه وبين السهم)(2)

والتقوى بعد الايمان التورع عن محارم الله واتقاء الذنوب التي تحتم السخط الالهي وعذاب النار وهي الشرك بالله وسائر الكبائر الموبقة التي اوعد الله عليها النار، فيكون المراد بالسيئات التي وعد الله سبحانه تكفيرها الصغائر من الذنوب وينطبق على قوله سبحانه:

«إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا»(3)

«...وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا»(4)

«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ»(5).

فيظهر من الآيات الشريفة ان التقوى هي الورع عن محارم الله أي المعاصي الكبيرة)(6).

ص: 72


1- لسان العرب: ابن منظور، ج10، ص401؛ المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص530، مادة وقي
2- المخصص: ابن سيده، ج3، ص169
3- النساء: 31
4- الطلاق: 5
5- المائدة: 65
6- الميزان في تفسير القران: العلامة الطبطبائي: ج19: ص317

والمحصل من تعاریف (التقوى) لغة واصطلاحا هو انها السور الذي يسوّر الإنسان به نفسه من الوقوع في الحرام والرذيلة والمعصية، أو هي حق الله على العباد، فهو الذي خلقنا و منحنا كل شيء وتنعم علينا بنعم كبيرة وفي مقابل ذلك أراد منا ان نلتزم ونتقي بتحصين انفسنا والمحافظة على الاطر والموازين الشرعية التي ارادها الله وقدرها للبشر.

ويشير الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى هذا المعنى بقوله:

«أوصيكم عباد الله بتقوى الله فإنها حق الله عليكم، والموجبة على الله حقكم، وأن تستعينوا عليها بالله وتستعينوا بها على الله، فإن التقوى في اليوم الحرز والجنة، و في غد الطريق إلى الجنة؛ مسلكها واضح، وسالكها رابح، ومستودعها حافظ، لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين والغابرین لحاجتهم إليها غدا إذا أعاد الله ما أبدى، وأخذ ما أعطى، وسأل ما أسدى»(1).

والتقوى تؤدي إلى عزة الإنسان لأنه يتصل بالعزيز المطلق، يقول الامام علي (عليه السلام): ((التقوى تجل. والفجور يذل))(2)، فالذلة في الفجور والعزة الانسانية في التقوى، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام):

«لا عزة أعز من التقوى»(3).

فمن اراد العزة والكرامة فليتصف بالتقوى، وقد أولى أمير المؤمنين (عليه السلام) اهتماما كبيراً لمسألة التقوى في إحدى خطبه:

ص: 73


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (عليه السلام) ج2، ص124
2- عيون الحكم والمواعظ: 34
3- نهج البلاغة: الحكمة 371

«فإن تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد وعتق من كل ملكة ونجاة من كل هلكة بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتنال الرغائب»(1).

وعنه (عليه السلام) في الحث عليها:

«فإنّ تقوى الله دواء قلوبكم وبصر عمى أفئدتكم وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم، وجلاء عشی أبصاركم وأمن فزع جأشكم، وضياء سواد ظلمتكم»(2).

ولذلك نجد أن أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما يتحدث عن المنظومة القيادية وعن النجاح في الدور القيادي يقف عند خصيصة التقوى ويعتبرها مفتاح التسديد والنجاح وذخيرة يوم الآخر الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون.

فيتحصل: من معنى الحديثين الشريفين أنه ينبغي وضع الرجل المناسب في المكان المناسب من ذوي الإيمان والتقوى والاختصاص والكفاءات والامكانيات العلمية والتخلي عن الاطر الشخصية والمحسوبية على مستوى جميع مرافق الدولة.

فثقافة اختيار الأصلح والاكفأ لإدارة امور الناس، يجب ان تكون هي الحاكمة على الثقافة الخاطئة التي يسعى الجميع في ظلالها إلى ان يكونوا في الصدارة وهذا معناه تجاوز على الثقافة الاسلامية في ادارة المنظومة الإدارية.

يقول الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) في كيفية وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وفق الرؤية الاسلامية:

ص: 74


1- نهج البلاغة خطبة: 230
2- نهج البلاغة خطبة: 198 وينظر تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم: السيد حيدر الآملي الجزء: 1 ص 273

«فَوَلَّ مِنْ جُنُودِكَ أَنْصَحَهُمْ فِي نَفْسِكَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلاِمَامِكَ، وَأَنْقَاهُمْ جَيْباً وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ يُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَيَسْتَرِيحُ إِلَى الْعُذْرِ وَيَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَيَنْبُو عَلَى الاَقْوِيَاءِ وَمِمَّنْ لاَ يُثِيرُهُ الْعُنْفُ وَلاَ يَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ»(1).

(عن محمّد بن قولویه، عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد، عن معمّر ابن خلاد قال: قال أبو الحسن عليه السلام موسی بن جعفر:

«ما ذئبان ضاريان في غنم قد غاب عنها رعاؤها بأضرّ في دين المسلم من حبّ الرئاسة»)(2).

وعن الامام الصادق (عليه السلام):

«ملعون من ترأس، ملعون من هَمَّ بها، ملعون من حدث بها نفسه»(3).

بیان: (من ترأس) أي ادعى الرياسة بغير حق، فإن التفعل، غالبا يكون للتكلف. وفيه: عن محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أتراني لا أعرف خیارکم من شراركم؟ بلى، والله وإن شراركم من أحب أن يوطأ عقبه، إنه لا بد من كذاب أو عاجز الرأي.)(4) بيان: قيل: أي من كذاب يطلب الرياسة ومن عاجز الرأي يتبعه.

وعن الرضا (عليه السلام):

«من طلب الرياسة لنفسه هلك، فإن الرياسة لا تصلح إلا لأهلها»(5)

ص: 75


1- نهج البلاغة: 53
2- رسائل الشهيد الثاني ( ط.ج): الشهيد الثاني الجزء: 2 ص 1003. ينظر الكافي ج2 ص297 ح1
3- الوافي: الفيض الكاشاني الجزء: 5 ص 844: ينظر الوسائل باب 5 من أبواب جهاد النفس ح /6
4- مستدرك سفينة البحار: الشيخ علي النازي الشاه رودي الجزء: ص12
5- فقه الرضا: علي بن بابويه القمي ص 384 وينظر الكافي 2: 225 / 2

فيتحصل: ان أولى الخطوات الاساسية واهمها في عمل الإداري هي التقوى ومن يريد ان ينفتح على الله تبارك وتعالى لابد ان يكون من اهل التقوى.

ثانياً: العقل.

من الامور المهمة التي تساعد المسؤول والمتصدي للقيادة والإدارة هو التعقل والتدبير والنظر في الامور وضرورة وضع كل امر موضعه بلا استبطاء أو عجلة وعدم الانجرار وراء الرغبات والاهواء.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) واصفا ثمرات العقل وهو وضع الامور في مواضعها، قوله (عليه السلام):

«وَإِيّاكَ وَالْعَجَلَةَ بالْأُمُورِ قَبْلَ أَوانِها أَوِ التَّسَقُّطَ فِيهَا عِنْدَ إِمْكَانِهَا أَوِ اللَّجاجَةَ فيها اِذا تَنكَّرَتْ أَوِ الوَهْنَ عَنْهَا إِذَا اسْتَوضَحَتْ فَضَعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوضِعَهُ وَاَوقِعْ كُلَّ أَمْرٍ مَوْقِعَهُ»(1).

العقل لغة: نقيض الجهل،، يقال عقل يعقل عقلا، إذا عرف ما كان يجهله قبل، أو انزجر عما كان يفعله. وجمعه عقول. ورجل عاقل وقوم عقلاء وعاقلون، ورجل عقول، إذا كان حسن الفهم وافر العقل)(2).

العقل هو السور المانع والحصن، والعقل من العقال أي عقال من الجهل هذه هي فائدة العقل للإنسان الذي يستعمل عقله دائما في اتخاذ قراراته الصائبة ویسور مواقفه واقواله وسلوكياته خشية الوقوع في الجهل، فقد ورد التأكيد عليه

ص: 76


1- نهج البلاغة، خطب الإمام علي ( عليه السلام)، ج3، ص109، رسالة 53
2- معجم مقاییس اللغة: ابن فارس، ج4، ص56، (عقل)

في الكثير من النصوص الشرعية، منها ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله في وصف العقل:

«إن العقل عقال من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب فإن لم تعقل حارت، فالعقل عقال من الجهل، وإن الله خلق العقل فقال له: أقبل، فأقبل وقال له: أدبر فأدبر، فقال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعظم منك ولا أطوع منك، بك أبدإ وبك أعيد، لك الثواب وعليك العقاب»(1). فقد شبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم النفس والهوى (بأخبث الدواب) أي الدابة التي لم تعقل، تهرب وتتيه كذلك النفس اذا لم تعقل فإنها تكون في تيه، وورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

«العقل يوجب الحذر»(2) - «الجهل يوجب الغرر»(3).

وعنه (عليه السلام) في وصيته لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) قال:

«وَلاتَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلّه فيهِ رِضًا فَاِنَّ فِى الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ وَراحَةً مِنْ هُمُومِكَ وَأَمْناً لِبِلادِكَ وَلكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ فَاِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْبِالْحَزْمِ وَاتَّهِمْ فى ذَلِكَ حُسْنَ الظَنِّ»(4).

فالإنسان حينما يستعمل عقله يكون حذراً في أقواله وأفعاله، وعنه (عليه السلام):

«العقل أقوى أساس»(5).

ص: 77


1- تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله)، ابن شعبة الحراني، ص15
2- عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص24
3- المصدر نفسة: ص24
4- نهج البلاغة: 53
5- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص35

أقوى أساس يمكن أن يعتمده الإنسان في تفجير طاقاته وفق الرؤية الاسلامية الصحيحة، فيكون تفكيره منسجماً مع الفطرة والمنطق، وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام):

«للحازم من عقله عن كل دنية زاجر»(1).

الحزم: الحزم: (ضبط الإنسان أمره والأخذ فيه بالثقة. حزم، بالضم، يحزم حزما وحزامة وحزومة، وليست الحزومة بثبت. ورجل حازم وحزيم من قوم حزمة وحزماء وحزم وأحزام وحزام: وهو العاقل المميز ذو الحنكة)(2).

الحزم هو تعبير ينبأ عن صدق وشعور الشخص إزاء آرائه واحتياجاته، وينم عن احترام الذات الإيجابي وعن رؤية الذات بصورة أفضل. ويرتبط مفهوم الحزم بخاصيتين هامتين في الإنسان هما: العقل والتفكير، الإرادة والاختيار.

الحزم هو ثمرة العقل فالإنسان الذي يحتاط في قراراته يعمل ضمن اطار العقل في تدبير الأمور وله الارادة في اختيار تنفيذ القرارات المنسجمة وفق العقل والحكمة فيكون محصنا لنفسه ويجد فيها مناعة من الوقوع في الخطأ والانحراف.

وورد عن الامام الحسن المجتبى (عليه السلام) قوله:

«اعلموا أن العقل حرز والحلم زينة»(3).

الحرز: هو الحفظ أي ان العقل يحفظ الانسان، فالمواقف الايجابية والعقلانية

ص: 78


1- المصدر نفسه ص403
2- لسان العرب: ابن منظور:ج12، ص131. (مادة حزم)
3- إرشاد القلوب: الحسن بن محمد الديلمي، ج1، ص199. وينظر: العقل والجهل في الكتاب والسنة: محمد الري شهري، ص63

التي تصدر من الإنسان دلالة على ان هذا الإنسان متحفظ و متحرز بعقله ثم ينسب الامام (عليه السلام) العقل إلى العفاف: يقول:

«إن أصل العقل العفاف، وثمرته البراءة من الآثام»(1).

العفة في اللسان والعين والاذن وفي جميع الجوارح، فأصل العقل هو العفة ومن يتصرف على اساس العقل لا يمكن ان يقع في الحرام والمعصية فيجد نفسه أكبر من أن ينساق وراء المواقف المشبوهة والدنيئة التي لا تحفظ کرامة الإنسان وسموه ورفعته، وعنه (عليه السلام) - في الحكم المنسوبة إليه -:

«لا ترضَينّ قول أحد حتى ترضى فعله، ولا ترض فعله حتى ترضى عقله، ولا ترض عقله حتى ترضى حياءه، فإن الإنسان مطبوع علی کرم ولؤم، فإن قوي الحياء عنده قوي الكرم، وإذا ضعف الحياء قوي اللؤم»(2).

وعنه (عليه السلام):

«لا يعد العاقل عاقلا حتى يستكمل ثلاثا: إعطاء الحق من نفسه على حال الرضا والغضب، وأن يرضى للناس مايرضى لنفسه، واستعمال الحلم عند العثرة»(3).

وعنه (عليه السلام):

«إنما العقل التحذر من الاثم والنظر في العواقب والأخذ بالحزم»(4).

ص: 79


1- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج75، ص7، وينظر: العقل والجهل في الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ص104
2- العقل والجهل في الكتاب والسنة، محمد الريشهري، ص104
3- إرشاد القلوب: الحسن بن محمد الديلمي، ج1، ص74
4- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص178

يريد الإمام (عليه السلام) أن يبين أهمية العقل فالعقل هو التجنب والحذر من الوقوع في الآثام والمعاصي والرذيلة والنظر في عواقب الامور المستقبلية فالإنسان حينما يستخدم عقله تكون نظرته بسيطة إلى الامور والعقل هو الحزم والاحتياط في المواقف والعقل هو مجانبة التبذير وحسن التدبير، فمن العقل ان يحسن الإنسان تدبيره في أموره.

فيتحصل: ان استحضار العقل في السلوك والاداء والمواقف يترك آثارا في مساحات الحياة، فالعاقل يرفض كل ما ينفر منه العقل كظلم الاخرين والعمل بالباطل، فينبغي للمسؤول والمتصدي ان يشح بنفسه ويقمع هواه بعقله ويمنع نفسه من الوقوع في المنزلقات كالشبهات والمواقف السيئة.

ثالثا: عدم مداهنة النفس.

قوله (عليه السلام):

(فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ، وَأشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ) (وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْب فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ)(1).

إن أخطر شيء على المتصدي للمسؤولية الإدارية هو حينما يعتبر المسؤول نفسه في حالة استثناء عن الآخرين، وهذا ما يسمى بالاستثناءات، أي كل ماهو ممنوع على الرعية جائز على الوالي ويعدّ هذا تجاوزاً على المحظورات والقوانين في إدارة الدولة، حيث يشير الإمام (عليه السلام) في هذ المقطع محذرا الولاة وداعيهم إلى الالتزام بالمواثيق المطلوبة وعدم الانجرار مع الاهواء والرغبات النفسية بالمداهنة مع الاخرين، یرید الامام (عليه السلام) ان يقول لا تبرر المواقف والاخطاء لأجل مصلحتك الشخصية فتضيع حقوق الرعية بالظلم والعدوان عليها من أجل مراعاة مشاعر الاخرين يقول عليه السلام»:

ص: 80


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (عليه السلام)، ج3، ص86

«وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْب فَتَغَابَيْتَ عَنْهُ أُلْزِمْتَهُ».

ألزمته أي حاسبه بحق وعدل من دون تملق وتزلف، المداهنة: مُداهَنة: (اسم) مصدر دَاهَنَ (الْمَلاَيَنَةُ، الْمَدَارَاةُ)(1)، والمداهنة هي التغطية على الحقيقة، مداهنة ودهانة، اظهر خلاف ما اضمر، وفلاناً خدعه وغشه وداراه ولا ينه، كما في الدهن الذي يستعمله الإنسان فيستر به البشرة ويغطيها(2).

المداهنة: هي ترك الحق من أجل الدنيا، حيث يتوسل بالتملق والتزلف والمصانعة في التأثير على الاخرين، أي يجامل الآخرين على حساب الحق ولا يخبرهم به لحساب مصلحته الشخصية، فهو يرى الانحراف و الخطأ والباطل في رعيته أو أصدقائه فيثني على هذا الخطأ ويمتدحه إلى حد التملق: والذي يظهر من معنى الكلام أن المداهنة تقترب كثيرا من النفاق فيما يقول وهو يعلم أنه ليس بصادق في قوله و المرجع المسألة هو الكذب وجماع النفاق هو الكذب، وربما كانت كفرا إذا كانت المداهنة الصاحب الكفر كما في قوله تعالى:

«وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ»(3).

قال صاحب تفسير الامثل في ذيل هذه الآية إشارة إلى الجهود التي بذلها المشركون في إقناع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بمصالحتهم والإعراض عن آلهتهم وضلالهم فيقول: (ودّوا لو تدهن فيدهنون). إنّ من أمانيهم ورغبتهم أن تلين وتنعطف باتّجاههم، وتغضّ الطرف عن تكليفك الرسالي من أجلهم(4).

ص: 81


1- تاج العروس، الزبيدي، ج18، ص210
2- المعجم الوسيط، النجار، ج1، ص625
3- القلم: 9
4- تفسير الامثل: ناصر مکارم الشيرازي في ذيل الاية المباركة: ج28،ص297

ثم قال إن من جملة الخصائص التي يتميز بها تجار السياسة، والاشخاص والمجاميع غير الرسالية، أنهم يتلونون ويتصرفون بالشكل الذي يتماشى مع مصالحهم، فلا ضوابط ولا ثوابت تحكمهم، بل هم على استعداد دائم للتنازل عن كثير من الشعارات المدّعاة من جانبهم مقابل تحقيق بعض المكاسب أو الحصول على بعض الامتيازات(1).

وقال صلى الله عليه و آله و سلم محذرا من التملق (ليس من اخلاق المؤمن التملق)(2)، إذ فيه تضييع للمبادئ والمثل من أجل الدنيا.

وقد وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من هذه الظاهرة موقفا متشددا فلقد شجبها ومنع التعامل بها لأنها من الاساليب الملتوية في السلوك وهي تعبر عن عدم استقامة الشخصية وخواء الضمير وهي من الظواهر التي لا تليق بأخلاقية المؤمن بتاتا لكونها تتجه نحو المخلوق وتهجر الخالق.

وفي وصيته (عليه السلام)، لكميل بن زیاد (رضوان الله عليه) قال:

«یا کمیل لست والله متملقا حتى أطاع ولا ممنيا حتى لا أعصي، ولا مائلا لطعام الاعراب حتى انحل إمرة المؤمنين وادعى بها»(3).

فقد تطرق (عليه السلام) عبر هذه الوصية إلى مجمل عناصر المداهنة وهي: التملق واطلاق الوعود وشراء الذمم من خلال بذل الموائد، منزها نفسه عن ممارستها بغية الحصول على السلطة أو البقاء والمحافظة عليها(4).

ص: 82


1- المصدر نفسه: ص297
2- جامع بیان العلم وفضله: ابن عبد البر، الجزء1، ص131: وينظر ملامح القيادة الناجحة في ضوء منهجية الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مقارنات دراسية في سيكولوجية السلوك التنظيمي المعاصر: محمد عبد الرضا هادي الساعدي: ص226
3- تحف العقول عن آل الرسول (ص): ابن شعبة الحراني ص175
4- ملامح القيادة الناجحة: محمد عبد الرضا هادي الساعدي: ص227: مصدر سابق

ومن وصاياه (عليه السلام) لابنه الحسن (عليه السلام) محذرا اياه من هذه الحالة والخصيصة الذميمة:

«وأكرم نفسك عن كل دنية وإن ساقتك إلى الرغائب فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا. ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا وما خير خيرُ لاينال إلا بشرّ، ويسر لا ينال إلا بعسر، وإياك أن توجف أي تسرع بك مطايا الطمع فتوردك مناهل الهلكة وإن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل فإنك مدرك قسمك وآخذ سهمك وأن اليسير من الله سبحانه أكرم وأعظم (أعظم وأكرم) من الكثير من خلقه وإن كان كلٌّ منه»(1).

وقال عليه السلام:

«المنية ولا الدنية. والتقلل ولا التوسل. ومن لم يعط قاعدا لم يعط قائما. والدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر»(2).

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

«ولا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا ولا تدهنوا في الحق فتخسروا»(3).

أو قوله (عليه السلام):

«ولا ترخّصوا لأنفسكم فتذهب بكم الرّخص فيها مذاهب الظّلمة، ولا تداهنوا فيهجم بكم الإدهان على المصيبة»(4).

ص: 83


1- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (الأول الجزء: 13 ص86
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (ع) الجزء: 4 ص 94
3- الحجة في وجوب صلاة الجمعة: محمد مقيم اليزدي ص63
4- نهج البلاغة: خطبة 83

يطلب الامام (عليه السلام) من الناس ألاّ يتساهلوا مع أنفسهم بطلب الرخصة لعمل الحرام، ويخلقوا لها المعاذير، انجروا للدين ولا تجرجروا به اتباعا لشهواتكم، وان فعلوا ذلك ذهبت بهم الرخص مذاهب الظلمة حتى يظلموا الناس ويكونوا من الظالمين من حيث لا يشعرون فمن لا يكون عادلا فهو ظالم.

إذا في منهج أمير المؤمنين (عليه السلام) في القيادة وألإدارة عدم المداهنة وإظهار خلاف الواقع وخلاف ما يعتقدون، وعلة التحذير من المداهنة هي أنها تفتح الباب أمام الإنسان للهجوم على المعصية، فبمجرد أن يبدأ بالمداهنة حتى ينزلق في طريق المعاصي والابتعاد عن السياقات الصحيحة.

المسألة السابعة: الانصاف والعدل مع الرعية.

قوله (عليه السلام):

«أَنْصِفِ اللهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوىً مِنْ رَعِيَّتِكَ.... وَإِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَیْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِی الْبِلَادِ وَظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِیَّةِ.... ثُمَّ اعْرِفْ لِکُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا أَبْلَی وَلَا تَضُمَّنَّ بَلَاءَ امْرِئٍ إِلَی غَیْرِهِ وَلَا تُقَصِّرَنَّ بِهُ دُونَ غَایَةِ بَلَائِهِ وَلَا یَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ صَغِیراً وَلَا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَی أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا کَانَ عَظِیماً»(1).

هذا المقطع من العهد الشريف يشير إلى مبدأ آخر من مبادئ الإدارة في المنظومة الإسلامية يسمى (الانصاف) حيث يشرف على مجموعة من السلوكيات والأفعال والأقوال العادلة, والذي يؤدي تطبيقه إلى زيادة روح الوفاء والولاء والإيثار والتضحية لدى الأفراد العاملين مما يحفزهم إلى تقديم الافضل.

ص: 84


1- نهج البلاغة: 53

الانصاف: أن تعطي من نفسك النصف أي تعطي لنفسك ما تستحق من الحق کما تأخذه وانتصفت منه، اخذت حقي کاملاً حتى صرت وهو على النصف سواء(1) يؤكد الإسلام على أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها،. ولعل أروع تعبير عنه ما رواه صاحب البحار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:

«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (لا يستكمل المرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(2).

جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله علمني عملا ادخل به الجنة فقال:

«ما أحبت أن يأتيه الناس إليك فأته إليهم وما كرهت أن يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم»(3).

والنكتة المهمة في هذا المقطع من العهد ان الامام (عليه السلام) يشير إلى ان على الإنسان أن ينصف نفسه قبل أن ينصف الاخرين فعندما يسيئ للأخرين وهذا معناه أنه قدم إساءة إلى نفسه قبل الاساءة إلى الاخرين أو حينما يجعل نفسه میزانا وفق الاطر والاتجاهات الصحيحة تراه ينتصر لنفسه قبل أن ينتصر للأخرين.

ص: 85


1- العين، الفراهيدي، ج2، ص440 کنز العمال: للمتقي الهندي ج9 ص335
2- بحار الأنوار: ج69 ص257 ب114 ضمن ح20، وينظر فقه العولمة: السيد محمد الحسيني الشيرازي ص126
3- وسائل الشيعة ( آل البيت): الحر العاملي الجزء: 15 ص287

فالملاحظة المهمة التي نستحصلها من هذه النكتة أن الإنسان من خلال النظرية الإسلامية والعهد الشريف لا يستطيع العيش بمعزل عن الآخرين فإحسانه للأخرين هو إحسانه إلى نفسه أولا وبالذات وإساءته إلى الآخرين هو إساءته إلى نفسه قبل أن يكون مسيئا للآخرين ثانيا وبالعرض.

ثم يعد الامام (عليه السلام) الانصاف بمثابة العدل:

«من كثر إنصافه تشاهدت النفوس بتعديله»(1).

وعنه (عليه السلام): «أعدل الناس من أنصف من ظلمه»(2).

وقال (عليه السلام) أيضاً:

«الإنصاف من النفس کالعدل في الإمرة»(3).

والإمام الباقر (عليه السلام) يقول:

«لا عدل كالإنصاف»(4).

ويقول الإمام الصادق (عليه السلام):

«ليس من الإنصاف مطالبة الإخوان بالإنصاف»(5).

يقول (عليه السلام) مخاطبا عماله على الخراج في رسالة طويلة.

ص: 86


1- غرر الحكم: 8394، 8408
2- المصدر نفسه: 1410، 3186
3- المصدر نفسه: 1951، 3803
4- بحار الانوار: 1/165/78
5- المصدر نفسه: 78/ 165؛ غرر الحكم: 3441؛ نهج البلاغة: الحكمة 231؛ أمالي الطوسي: 280 / 537

«مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِی أَمِیرِ الْمُؤْمِنِینَ إِلَی أَصْحَابِ الْخَرَاجِ: ... فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِکُمْ، وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ، فَإِنَّکُمْ خُزَّانُ الرَّعِیةِ، وَوُکَلَاءُ الْأُمَّةِ، وَسُفَرَاءُ الْأَئِمَّةِ. وَلاَ تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ، وَلَا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ...»(1).

يوصي الامام (عليه السلام) عماله على الخراج برعاية العدل والانصاف والمحبة للناس عند أخذ الخراج منهم، ويشير أيضا هنا إلى ثلاث مناصب لعمال الخراج ويترتب عليها ثلاث مسؤوليات في المنظومة الإدارية.

1- أنهم (خُزَّانُ الرَّعِیةِ): باعتبار هذه الاموال التي في أيدي الدولة والتي أخذت من الشعب هي أموال الشعب والحاكم والمسؤول هو مؤتمن عليها فيجب ان تصرف بعدل وانصاف على الشعب نفسه.

2- أنهم (وُکَلَاءُ الْأُمَّةِ) يصف الامام (عليه السلام) المسؤولين بأنهم وكلاء لهذه الامة أي انهم ممثلون عن الناس الذين وجب الحق عليهم في أخذ الحقوق منهم بشكل كامل.

3- أنهم (سُفَرَاءُ الْأَئِمَّةِ.) أي أنهم يمثلون الحاكم والمسؤول الاول في الدولة، وينبغي لهم أن يتخلقوا بأخلاق أئمتهم ويسلكوا مع الناس مسلك أئمتهم وأي تصرف ينعكس على الامام سواء كان حسنا أو سيئا فانطلاقا من هذه السفارة أن يكونوا حريصين على تحقيق الانصاف في تعاملهم مع الناس.

فيتحصل: إن الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما يطلب من الوالي أن يكون منصفا، هذا معناه أن تقييمهُ من قبل الاخرين مرهون بعدم تعاطيه المطلق مع رغباته النفسية فيما يحب ويكره، هذا هو منهج أمير المؤمنين (عليه السلام)

ص: 87


1- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص108، رسالة 51

وعدالته، فلقد كان منصفا في تعامله مع الناس فيعطينا درسا في كيفية تعامل المسؤول إداريا أن يكون منصفا وعادلا مع الناس لكي يحقق الاهداف المطلوبة في المنظومة الإدارية.

المسألة الثامنة: الانضباط والمساواة.

قوله (عليه السلام): «وَ لاَ یَکُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَ الْمُسِیءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ فِی ذَلِكَ تَزْهِیداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِی الْإِحْسَانِ وَ تَدْرِیباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ وَ أَلْزِمْ کُلاًّ مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ.... فَمَنْ قَارَفَ حُکْرَةً بَعْدَ نَهْیِكَ إِیَّاهُ فَنَکِّلْ وَ عَاقِبْ فِی غَیْرِ إِسْرَافٍ»(1).

يوصي الامام (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد بعدة وصايا تعد أصلا من الاصول مهمة للإدارة الجيدة المنسجمة مع الرؤية الاسلامية القائمة على اساس العدل، والعدل هو وضع الشيء في موضعه، فيتعامل مع المحسن بما ينسجم مع إحسانه، ويتعامل مع المسيء بما ينسجم مع إساءته وبناء على هذا المبدأ فإن الادارة الصحيحة المنسجمة مع الاسلام هي الإدارة التي تفرق في نظرتها بين العامل الخادم والعامل الخائن، فتكافئ الخادم وتعاقب الخائن أولا، وثانيا أن يكون المعيار في تشجيع الافراد هو ما يقومون به من أعمال وما يترتب عليها من نتائج، فلو غيب عنصر الترغيب والترهيب في النظام وتمتع المحسن بذات الحقوق والامتيازات التي يحظى بها المسيء.

فإن الفرد الأول سيشعر بعد مدة بعدم وجود التقييم الصحيح لأعماله الحسنة من ثمًّ عدم جدوى السعي وبذل الجهد في هذا المجال، الامر الذي يؤدي إلى أن

ص: 88


1- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج17، ص83

يدب الضعف والوهن في أجهزة الدولة ثم انهيارها وزوالها، ولهذا يوصي الامام (عليه السلام) عامله بضرورة التفريق بين الفئتين(1).

فالمسؤول الناجح هو من يميز بين الأفراد في التعامل بين المحسن والمسيء في مدى الالتزام بالضوابط الإدارية وإطاعة الأوامر وتنفيذها وجعل سلوكهم مطابقاً لها، بما ينسجم مع الإحسان والإساءه، ومن هنا تظهر أهمية العدالة في التعامل مع من هو تحت إدارته وقيادته.

المسألة التاسعة: معايير تقييم العاملين في المنظومة الإدارية.

من هنا ينبغي لنا الإشارة إلى المعايير والأدوات الرئيسية لتقييم وتمييز وفرز العاملين في المنظومة الإدارية في الفهم الاسلامي:

أولاً: المعايير الأخلاقية.

من العوامل والادوات الاخلاقية التي من خلالها يتم تقييم وتمييز العاملين هو عامل التقوى والنزاهة وعامل الحياء والصدق، والورع والإيثار الانتصار لله سبحانه وتعالى الإنسان الذي يمتلك هذه الادوات، يخاف الله ويتقيد بالضوابط الشرعية، وغيره اعني بذلك الإنسان غير الملتزم الذي لا يمتلك من هذه الادوات أي شيء، ينظر إلى العمل على انه فرصة للتلاعب والاستحواذ على المناصب فينبغي اللمسؤول ان يميز من خلال تقييمه بين كلا النوعين، لكي يبقي العمل بيد أمينه لا تمتد إلى الحرام.

ص: 89


1- الدولة الاسلامية شرح لعهد الامام علي (عليه السلام) إلى مالك الاشتر النخعي: محمد الفاضل اللنكراني: ص102 - 103

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) ضرورة التوخي والعمل بهذه الأدوات في المنظومة الإدارية.

«أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ» يسلط الضوء على عامل التقوى والايثار ثم يشدد على حسن اختيار أصحاب الاخلاق والسمعة الحسنة والتجربة والحياء واصحاب معرفة فيما تؤول اليه الامور (فإنهم أكرم أخلاقاً... وَتَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَالْحَیَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبُیُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالْقَدَمِ فِی الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُمْ أَکْرَمُ أَخْلَاقاً وَأَصَحُّ أَعْرَاضاً وَأَقَلُّ فِی الْمَطَامِعِ إِشْرَاقاً وَأَبْلَغُ فِی عَوَاقِبِ الْأُمُورِ..... واصحاب سمعة حسنة في المجتمع (إِنَّمَا یُسْتَدَلُّ عَلَی الصَّالِحِینَ بِمَا یُجْرِی اللَّهُ لَهُمْ عَلَی أَلْسُنِ عِبَادِهِ).

ثم يؤكد الإمام (عليه السلام) على التمييز بين الاشخاص الذين يمتلكون حالة الورع والصدق والانتصار للحق والصبر عليه وبين من لا يمتلكها

(وَأَنْ ینْصُرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِقَلْبِهِ وَیدِهِ وَلِسَانِهِ.... وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ.... لُزُومِ الْحَقِّ، وَالصَّبْرِ عَلَیْهِ)

ثم أن الامام (عليه السلام) يطلب من المسؤولين أن تكون لديهم رقابة إدارية تستطيع التمييز بين العاملين وتقييمهم في مورد النزاهة والقدرة وعدم الوشاية والتحلي بالأخلاق الفاضلة (وَأَنْقَاهُمْ جَیْباً وَأَفْضَلَهُمْ حِلْماً مِمَّنْ یُبْطِئُ عَنِ الْغَضَبِ وَیَسْتَرِیحُ إِلَی الْعُذْرِ وَیَرْأَفُ بِالضُّعَفَاءِ وَیَنْبُو عَلَی الْأَقْوِیَاءِ وَمِمَّنْ لَا یُثِیرُهُ الْعُنْفُ وَلَا یَقْعُدُ بِهِ الضَّعْفُ... وان يكون قادرا على الإعانة ومواساة الآخرين. مَنْ وَاسَاهُمْ فِى مَعُونَتِهِ وَ أَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ وَ يَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ حَتّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِى جِهَادِ الْعَدُوِّ فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ.... وعدم الوشاية والنميمة.. وَلْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وَأشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبُهُمْ لِمَعَائِبِ النَّاسِ)(1).

ص: 90


1- نهج البلاغه، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص91، رسالة 53

ثانياً: معيار الافضلية.

يؤكد الامام (عليه السلام) على عامل التفضيل بين الافراد في المنظومة الإدارية وفي مساحات العمل اليومي للعاملين، إذ يقول (عليه السلام):

«أَفْضَلَ رَعِیَّتِكَ فِی نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِیقُ بِهِ الْأُمُورُ وَلَا تُمَحِّکُهُ الْخُصُومُ وَلَا یَتَمَادَی فِی الزَّلَّةِ وَلَا یَحْصَرُ مِنَ الْفَیْءِ إِلَی الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَی طَمَعٍ وَلَا یَکْتَفِی بِأَدْنَی فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ وَأَوْقَفَهُمْ فِی الشُّبُهَاتِ وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَهِ الْخَصْمِ وَأَصْبَرَهُمْ عَلَی تَکَشُّفِ الْأُمُورِ وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُکْمِ مِمَّنْ لَا یَزْدَهِیهِ إِطْرَاءٌ وَلَا یَسْتَمِیلُهُ إِغْرَاءٌ»(1).

ثالثاً: معيار الكفاءة والاأمانة والعلم والابداع والتواضع وحب الصالحين وبغض الظالمين.

يشير الامام (عليه السلام) إلى أدوات و عوامل آخری لتقييم الافراد العاملين في المنظومة الإدارية والتأكيد عليها، يقول (عليه السلام):

«ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ كُتَّابِكَ فَوَلِّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَكَائِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِحِ الاَخْلاَقِ مِمَّنْ لاَ تُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِئَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلاَف لَكَ بِحَضْرَةِ مَلاَ وَلاَ تَقْصُرُ بِهِ الْغَفْلَةُ عَنْ إِيرَادِ مُكَاتَبَاتِ عُمَّالِكَ عَلَيْكَ وَإِصْدَارِ جَوَابَاتِهَا عَلَى الصَّوَابِ عَنْكَ فِيَما يَأْخُذُ لَكَ وَيُعْطِي مِنْكَ وَلاَ يُضْعِفُ عَقْداً اعْتَقَدَهُ لَكَ وَلاَ يَعْجِزُ عَنْ إِطْلاَقِ مَا عُقِدَ عَلَيْكَ وَلاَ يَجْهَلُ مَبْلَغَ قَدْرِ نَفْسِهِ فِي الاُمُورِ فَإِنَّ...... الْجَاهِلَ بِقَدْرِ نَفْسِهِ يَكُونُ بِقَدْرِ غَيْرِهِ أَجْهَلَ ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ...... وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ فَاعْمِدْ، لاَحْسَنِهِمْ

ص: 91


1- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص91، رسالة 53

كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَ أَعْرَفِهِمْ بِالاَمَانَةِ وَجْهاً، فَإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلّهِ وَلِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ»(1).

رابعاً: معيار المعرفة والاختيار وتوزيع الأعمال.

يوصي الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مالكا (رضوان الله عليه) بعدم الاعتماد على المعرفة الشخصية في أثناء تقييم العاملين في المنظومة الإدارية، واعتمادها كعنصر أساسي في العمل، قوله (عليه السلام):

«ثُمَّ لاَ يَكُنِ اخْتِيَارُكَ إِيَّاهُمْ عَلَى فِرَاسَتِكَ وَاسْتِنَامَتِكَ وَحُسْنِ الظَّنِّ مِنْكَ، فَإِنَّ الرِّجَالَ يَتَعَرَّضُونَ لِفِرَاسَاتِ الْوُلاَةِ بِتَصَنُّعِهِمْ وَحُسْنِ خِدْمَتِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلِكَ مِنَ النَّصِيحَةِ وَالاَمَانَةِ شَيْءٌ. وَلكِنِ اخْتَبِرْهُمْ بِمَا وُلُّوا لِلصَّالِحِينَ قَبْلَكَ، فَاعْمِدْ لاَحْسَنِهِمْ كَانَ فِي الْعَامَّةِ أَثَراً، وَ أَعْرَفِهِمْ بِالاَمَانَةِ وَجْهاً، فَإِنَّ ذلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَصِيحَتِكَ لِلّهِ وَلِمَنْ وُلِّيتَ أَمْرَهُ...».

ثم يستعرض (عليه السلام) طريقة تقييم توزيع الاعمال، فيقول:

«وَاجْعَلْ لِرَأْسِ كُلِّ أَمْر مِنْ أُمُورِكَ رَأْساً مِنْهُمْ لاَ يَقْهَرُهُ كَبِيرُهَا وَلاَ يَتَشَتَّتُ عَلَيْهِ كَثِيرُهَا وَمَهْمَا كَانَ فِي كُتَّابِكَ مِنْ عَيْب فَتَغَابَيْتَ عَنْه أُلْزِمْتَهُ»(2).

المسألة العاشرة: الرقابة والتحكيم والتقويم.

قوله (عليه السلام): «ثُمَّ تَفَقَّدْ أَعْمَالَهُمْ وَابْعَثِ الْعُیُونَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ عَلَیْهِمْ...... وَتَفَقَّدْ أُمُورَهُمْ بِحَضْرَتِكَ وَفِی حَوَاشِی بِلَادِكَ وَاعْلَمْ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ فِی کَثِیرٍ مِنْهُمْ ضِیقاً فَاحِشاً وَشُحّاً قَبِیحاً وَاحْتِکَاراً لِلْمَنَافِعِ وَتَحَکُّماً فِی

ص: 92


1- المصدر نفسه ص12
2- المصدر السابق نفسه ص12

الْبِیَاعَاتِ وَذَلِكَ بَابُ مَضَرَّةٍ لِلْعَامَّةِ وَعَیْبٌ عَلَی الْوُلَاةِ..... وَتَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَا یَصِلُ إِلَیْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُیُونُ وَتَحْقِرُهُ الرِّجَالُ فَفَرِّغْ لِأُلئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْیَةِ وَالتَّوَاضُعِ فَلْیَرْفَعْ إِلَیْكَ أُمُورَهُمْ.... ثُمَّ أَکْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ...... وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاَحِهِ وَصَلاَحِهِمْ صَلاَحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ وَلاَ صَلاَحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ»(1).

توضیح: الرقابة لغة: رقب في أسماء الله تعالى: الرقيب: هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء، وفي الحديث: ارقبوا محمدا في أهل بيته، أي احفظوه فيهم، ورقبت الإنسان، رقبه ورقباناً، وهو أن ينظره الرقيب والحارص والحافظ والامين(2).

أما في الاصطلاح فتعني عملية التحقق من مدى انجاز الأهداف المرجوة، والكشف عن الصعوبات في تحقيق هذه الأهداف، والعمل على إزالتها في اقصر وقت ممكن(3).

التقويم: حكم العقل والنظرة العميقة على الاشياء من خلال تقدیر و تحکیم نتائج الأمور وتفحصها.

يتناول الامام (عليه السلام) في هذه المقاطع من العهد الشريف عناصر ثلاث أساسية في المنظومة الإدارية، ينبغي توفرها في كل من يتصدى للمسؤولية الإدارية،

ص: 93


1- المصدر نفسه ص12
2- لسان العرب، ابن منظور ج1، ص424، المحيط في اللغة، ابن عباد، ج1، ص475
3- الرقابة على السلع والأسعار في الفقه الإسلامي: ظاهر فريدة حسين طه رسالة ماجستير (نابلس، جامعة النجاح، 2011م)، ص3

يتم من خلالها اکتشاف مواطن الاختلاف في نتائج العمل، ويجب الاستفادة من هذه النتائج لغرض تحسين أساليب الإدارة بشكل أفضل والاشراف على برامج وخطط العمل و تشخیص موارد الانحراف في أثناء ضهورها والعمل على إيجاد الطرق الكفيلة لإصلاحها.

المسألة الحادية عشر: التحفيز.

قوله (عليه السلام): «وَأَلْزِمِ الْحَقَّ مَنْ لَزِمَهُ مِنَ الْقَرِیبِ وَالْبَعِیدِ وَکُنْ فِی ذلِكَ صَابِراً مُحْتَسِباً وَاقِعاً ذلِكَ مِنْ قَرَابَتِكَ وَخَاصَّتِكَ حَیْثُ وَقَعَ....... فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِی الدِّینِ أَوْ نَظِیرٌ لَكَ فِی الْخَلْقِ»(1).

يتناول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف المالك الاشتر (رضوان الله عليه) عنصرا آخر من عناصر مبادئ الادارة في المنظومة الإدارية، وهو عنصر التحفيز.

والتحفيز لغة: حفزه حفزاً، دفعه من خلفه بالسَوق أو غيره يقال حفزت القوس السهم والليل يحفز النهار ويقال حفزه الى الأمر حثه عليه وحفز عليهم الخيل والركاب ارسلوها وفلاناً بالرمح طعنه وهو حافز وهي حافزة(2).

التحفيز: هو العملية التي تسمح بدفع الأفراد وتحريكهم من خلال دوافع معينة نحو سلوك معين أو بذل مجهودات معينة قصد تحقيق هدف(3).

ويتضح أن التحفيز يدل على تلك العوامل الخارجية التي تدفع الفرد إلى الحركة والقيام بعمل ما.

ص: 94


1- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص96. رسالة 53
2- المعجم الوسيط، النجار، ج1، ص384. مادة حفز
3- اسرار القيادة عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): جميل کمال: ص69

ومن الآيات القرآنية التي تستخدم اسلوب التحفيز ما ورد في قوله تعالى:

«وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»(1).

«فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا»(2).

ومن كلام له (عليه السلام) في التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة واستنهاض النفوس وتذكيرها بما ستؤول إليه.

(أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ، وَالْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ، وَ لا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ، وَ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ، فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ، وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ. إِنَّ الْمَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ: مَا تَرَكَ؟ وَ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: مَا قَدَّمَ؟ لِلَّهِ آبَاؤُكُمْ! فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ، وَ لا تُخَلِّفُوا كُلّاً فَيَكُونَ عَلَيْكُمْ)(3)

يشير الإمام (عليه السلام) في بداية الخطبة إلى مسألة مهمة بشأن حقيقة الدنيا والآخرة (أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ، وَالْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ، فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ)، يعدّ الامام (عليه السلام) مصدر شقاء الإنسان هو الغفلة عن الآخرة والركون إلى الدنيا واعتبارها دار مقر، فينهمك بجمع المال والثروة وينصرف ذهنه عن الآخرة التي هي دار السعادة .

ص: 95


1- الأعراف: 96
2- نوح: 10-11-12
3- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص183، خطبة 203: وينظر أمالي الصدوق: مجلس 23

ويعبر الإمام (عليه السلام) عن هذه الحقيقة بعدة تعابير، منها انه (عليه السلام) يعد الدنيا قنطرة (إنما الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها.)(1) وكذلك (متجر اولیاء الله.)(2).

(فإنه من زرع يحصد، ومن لم يزرع فهو محتاج فليتفكر في أمر الآخرة فإن الدنيا مزرعة الآخرة)(3)، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض خطبه: ((أيّها الناس! إنّ الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء، فخذوا من ممرّکم لمقرّكم، ولاتهتكوا أستارکم عند من لا يخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل تخرج منها أبدانكم)(4).

(تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل. وأقلوا العرجة على الدنيا، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فإن أمامکم عقبة كؤودا، و منازل مخوفة مهولة لا بد من الورود عليها والوقوف عندها)(5).

ويستمر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في التحفيز والتشويق إلى الآخرة، فقد ورد في الحديث عنه (عليه السلام): في الموثق کالصحیح، عن عبد الله بن مسکان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير - المؤمنين عليه السلام: ما من عبد إلا وعليه أربعون جنة حتى يعمل أربعين كبيرة فإذا عمل أربعين كبيرة انكشفت عنه الجنن فيوحي الله إليهم أن استروا عبدي بأجنحتكم فتستره الملائكة

ص: 96


1- الخصال: الشيخ الصدوق: ص65
2- مفردات نهج البلاغة: السيد علي اكبر القرشي، ج2، ص1126، حكمة 131
3- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (الأول) ج3 ص12
4- موسوعة الإمام العسكري (عليه السلام): مؤسسة ولي العصر (عجل الله تعالی فرجه) للدراسات الإسلامية، ج4، ص303؛ نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج2، ص184
5- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (عليه السلام) ج2، ص183

بأجنحتها قال: فما یدل شيئا من القبيح إلا قارفه حتى يقدح (أو يمتدح) إلى الناس بفعله القبيح فيقول الملائكة: يارب هذا عبدك ما يدع نهيا إلا ركبه وإنا لنستحيي مما يصنع فيوحي الله عز وجل إليهم أن ارفعوا أجنحتكم عنه، فإذا فعل ذلك أخذ في بغضنا أهل البيت فعند ذلك ينتهك ستره في السماء وستره في الأرض فيقول الملائكة: يارب هذا عبدك قد بقي مهتوك الستر فيوحي الله عز وجل إليهم لو كانت لله فيه حاجة ما أمركم أن ترفعوا أجنحتكم عنه(1).

إذا على المسؤول الاداري في المنظومة الادارية ان يهتم بعنصر التحفيز من اجل تحقيق الاهداف والارتقاء بالمستوى الروحي للأفراد فيكون عنصرا هادفا و مقتدرا في البناء وتطوير الذات.

المسألة الثانية عشر: تغليب المصالح العامة على المصالح الشخصية (الأرستقراطية).

قوله (عليه السلام) «وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الاْمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ.... وَإِيَّاكَ وَالاِسْتِئْثَارَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ أُسْوَةٌ وَالتَّغَابِيَ عَمَّا تُعْنَى بِهِ مِمَّا قَدْ وَضَحَ لِلْعُيُونِ فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْكَ لِغَيْرِكَ وَعَمَّا قَلِيل تَنْکَشِفُ عَنْكَ أَغْطِيَةُ الاُمُورِ وَيُنْتَصَفُ مِنْكَ لِلْمَظْلُومِ»(2).

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف، عن محورية العلاقة بين الامة والقائد في المنظومة الادارية.

ص: 97


1- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (الأول) ج9، ص266: وينظر أصول الكافي، باب الكبائر، خبر 9 من کتاب الایمان والكفر وزاد ورواه ابن فضال عن ابن مسکان، الوافي الفيض الكاشاني، ج5، ص112
2- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص86

يجب ان لا يكون الهدف هو ارضاء السلطة الحاكمة وما يسمى بالطبقة الارستقراطية اصحاب المصالح الخاصة بل ينبغي ان يكون الهدف هو خدمة الناس وما تريده الامة الأرستقراطية طبقة اجتماعية عالية كانت تشمل قادة الحكم في الدولة او الامة يدّعي اعضاؤها انهم أرفع منزلة من غيرهم من الناس في المجتمع بسبب صلاتهم الأسرية ومكانتهم الاجتماعية وثرواتهم وقدراتهم(1).

ينقسم المجتمع وفق النظرية الأرستقراطية إلى طبقتين من الناس:

1. طبقة الأقلية.

2. طبقة الأكثرية.

الطبقة الأولى (الأقلية):

هذه الطبقة العالية من الناس والتي تشكل بمفردها قادة الحكم في الامة ممن يدعون المكانة والنبل والقدرة والثراء والمكانة الاجتماعية البارزة في المجتمع، أصحاب البذخ والترف الذين يثقلون كاهل الحاكم كل يوم من خلال الضغوط التي يتعرض لها الوالي أو الحاكم.

الطبقة الثانية (الأكثرية):

هذه الطبقة التي تشكل العدد الأكبر في المجتمع، أي عامة الناس غالبا ما يتمتعون بالإمكانيات القليلة. ويكتفون بالمقدار المتواضع من المأكل والملبس والمشرب ومن البديهي أن تكون حركة الحاكم على ضوء هذا التقسيم لصالح عامة الناس، مما يحقق ضمان مصالحهم وتحقيق أهدافهم وتطلعاتهم.

ص: 98


1- الموسوعة العربية العالمية، ج1، ص1

تحدث الإمام (عليه السلام) عن هاتين الطبقتين من الناس في عهده لمالك (رضوان الله عليه) بقوله (وَلَیسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِیةِ أَثْقَلَ عَلَی الْوَالِی مَؤُونَةً فِی الرَّخَاءِ وَ أَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِی الْبَلَاءِ وَ أَکْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ وَأَقَلَّ شُکْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الْمَنْعِ وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ)(1).

المسألة الثالثة عشر: معايير نجاح المنظومة الادارية.

قال الإمام علي عليه السلام: (وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ، وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ، وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ)(2).

يشير الامام (عليه السلام) من خلال هذا المقطع إلى معايير ثلاث ناجحة في المنظومة الادارية.

أولاً: حالة الاعتدال والوسطية.

ليس المراد من مراعاة الحق والعدل هو قيام المدينة الفاضلة في عالم الاذهان وهذا ما يؤدي بدوره إلى تحجيم القرارات العملية والدفع بالحاكم إلى المثالية، ولذلك يحث الإمام (عليه السلام) الحاكم بقوله (أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ) إلى الأخذ بنظر الاعتبار الواقع والامكانيات المتاحة في المجتمع وعليه فهو يوصي الوالي والحاكم بمراعاة كل ما من شأنه التقرب من الحق، وعدم التهرب من المسؤولية بذريعة تعذر إقامة الحق بكل ما لهذه الكلمة من معنى(3).

ص: 99


1- نهج البلاغه، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص86، رسالة 53
2- المصدر نفسه ص86
3- الدولة الاسلامية شرح لعهد الامام علي (عليه السلام) إلى مالك الاشتر النخعي: محمد الفاضل اللنكراني: ص86

إن المهم هو تحقيق رضا الغالبية الساحقة من الناس لا الأقلية من أصحاب الثروة من الانتهازيين الذين يعيشون في بلاط الحاكم أو السلطان، ويقول الإمام (عليه السلام):

«فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ یجْحِفُ بِرِضَی الْخَاصَّةِ وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ یغْتَفَرُ مَعَ رِضَی الْعَامَّةِ»(1).

يجب مراعاة العدل في تمشية الامور وإن كان يوجب سخط الخاصة من أرباب النفوذ وأصحاب المقامات السامية، لأن غضب عامة الرعية وعدم رضاهم عن وضعهم يوجب الثورة والبلوى، و لايقدر الخاصة مهما كانوا مخلصين للحكومة وجادين في نصرته المقاومة مقابل سيول الثائرين وأهل البلوى، كما حدث في زمان عثمان، حيث إن سوء سياسته وعدم تأديته الحقوق العامة صار سببا لنقمة عامة الجيش الاسلامي، فانحازوا من مصر والكوفة واجتمعوا في المدينة وحصروا عثمان ولم يقدر خاصته کمروان بن الحكم وسائر رجال بني أمية مع کمال نفوذهم ودهائهم أن يصدوا سيل الثائرين والمهاجمين حتى قتل عثمان في داره وألقي بجسده إلى البقيع وتبعه ما تبعه من الحوادث الهامة(2).

إذن ينبغي على المسؤول في المنظومة الإدارية الناجحة أن يتخذ أسلوب الوسطية في مجمل أدائه من خلال تقدير ظروف وقدرات الناس المسؤول عنهم، فعندما يريد أن يصدر أوامره لابد أن تكون هذه الأوامر منسجمة مع الحالة الوسطية وخالية من حالة الإفراط والمبالغة. وهذا هو منهج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في ترسيخ أسس الاعتدال والوسطية في قلوب وأذهان الناس.

ص: 100


1- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج10: ص320
2- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: میرزا حبیب الله الخوئي: ج20: ص164

ثانياً: العدالة والمساواة.

يطلب الإمام (عليه السلام) في وصيته لمالك (رضوان الله عليه) التعامل بالعدل مع الجميع، فلا يكفي أن يكون عادلا مع البعض وغير عادلٍ مع البعض الآخر اي عدم استثناء أحد في خصوص العدالة.

يعدّ العدل من الخصائص الاسلامية والقيم الانسانية العليا في المنظومة الإدارية المتمثلة بالإدارة المثلى للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) بحكم القرآن الكريم «وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ»(1) .

وسئل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) (أيما أفضل العدل أو الجود) فقال عليه السلام:

«العدل يضع الأمور مواضعها، والجود يخرجها من جهتها. والعدل سائس عام، والجود عارض خاص. فالعدل أشرفهما و أفضلهما»(2) .

وعنه (عليه السلام):

«من كمال السعادة السعي في صلاح الجمهور»(3) .

فاذا أردنا أن نبني مجتمعا صالحا وفق النظرية الاسلامية و منهج علي (عليه السلام) علينا ان نشعر الجميع بحقوق المواطنة الصالحة ومن هذه الحقوق العدل.

ص: 101


1- الشورى: 15
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (عليه السلام) ج4 ص102 حكمة 437
3- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي، ص469: حكمة 30

ثالثاً: رضا الناس.

يشير الإمام (عليه السلام) إلى مسألة أخرى في تغليب المصالح العامة على المصالح الخاصة في المنظومة الإدارية وهو رضا الناس، ولا يتحدث الإمام (عليه السلام) عن رضا الناس بأجمعهم، لأن رضاهم غاية لا تدرك، ولا تتيسر لكل احد، فحتى الانبياء والاوصياء لم يستطيعوا أن يحققوا رضا عامة الناس، لكن يعتبر الامام (عليه السلام) إرادة الأمة لها السبق على إرادة الحكومة، مما يدعو الأن تكون المالكية الشرعية للدولة هو الشعب (الأمة) وتكون الحكومة في خدمة الشعب وملبية المطالبه و محقيقه لطموحاته، من خلال معالجة مشاكله وأزماته.

وتأييدا لذلك في خصوص ما نحن فيه ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيان كيفية معالجة آراء الناس و تحقیق رضاهم قال (عليه السلام) في مورد رفضه البيعة:

«دَعُونِي وَالتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَ أَلْوانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ وَ إنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ وَالْمُحَجَّةَ قَدْ تَنَکَّرَتْ. وَاعْلَمُوا أَنَّي إِنْ أَجَبْتُکُمْ رَکِبْتُ بِکُمْ مَا أَعْلَمُ وَ لَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ وَ إِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَما کَأَحَدِکُمْ وَلَعَلَّي أَسْمَعُکُمْ وَأَطْوَعُکُمْ لَمِنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَکُمْ وَ أَنَما لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنَّي أَمِيراً»(1) .

سلط الامام (عليه السلام) الضوء على حقيقة البيعة وأحقيتها وما جرى من ظلم في اغتصاب الخلافة، يريد الامام (عليه السلام) أن يبين للناس أنهم على دين ملوكهم .

ص: 102


1- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج1، ص181، خطبة92

فعندما يتحدث (عليه السلام) ويقول دَعُونِي وَالتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَ أَلْوانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ» فإنه يشير إلى الناس بأنكم التمستم غيري بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقلتم بخلافة أبي بكر، ثم خلافة عمر، ثم خلافة عثمان مع علمكم بأني احق بها فأنا لا ارتضي الخلافة بهذه الشروط وفي حقها قال: دعوني والتمسوا غيري. وأمّا الخلافة الإلهية الّتي وردت من خلال النصوص الشرعية الكثيرة فهي غنية عن البيعة، غير خاضعة لإقبال الناس وإدبارهم. وليست الناس أمامها سواء، بل تختص بمن خصه سبحانه بها، وليس لمن خصَّبه، فالخلافة الّتي ينحلها الناس عن طريق البيعة، فالإمام وغيره أمامها سواء، لا تؤدي إلى النجاح في المهمة الشرعية ثم إن الإمام (عليه السلام) لم يترك هذا الكلام بدون تعليل وبيان العلل التي دعته إلى الرفض قال (عليه السلام):

«فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَ أَلْوانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ وَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ»

يقول (عليه السلام) للناس نحن في ميدان ومعترك فيه اختلافات والتباسات وبدع حادثة تخلفت من جراء غصب الخلافة من قبل الخلفاء الماضين، وقد سرتم بسيرتهم وتابعتم طرقهم وسلوكياتهم في الحكم في توزيع الأموال التي كانت خلاف السنة النبوية، فلا تستطيعون بهذه الصورة أن تنسجموا مع الرؤية الحقة.

يريد الإمام (عليه السلام) أن يقول للناس إن تحقيق العدالة أمر صعب في حد نفسها واجرائها فمن لم يذق طعمها أصعب وأشكل، فإن قلب المنافق بمعزل عن القيام بالحق وعقله بعيد عن إدراك الحقائق والفضائل الانسانية(1)

ثم يبدأ في بيان الصفات المترتبة على هذه البيعة بهذا الشكل.

ص: 103


1- مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: محمد تقي النقوي: ج8، ص260

الصفة الاولى: «وَ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ».

هنا يتحدث الإمام (عليه السلام) عن اختلاف المواقف والمبادئ والثوابت التي يتحرك من خلالها الناس، البعض يتحرك وفق المصالح الشخصية، فتختلف رؤية علي (عليه السلام) مع مصالح الناس.

الصفة الثانية: «لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ»

يشير الإمام (عليه السلام) إلى حقيقة وجوهر القلوب، عندما تكون المعايير معايير حقة، تختلف قلوب الناس في اقبال الحق ورفضه، فلا تنسجم مع النهج الذي يقدمه علي (عليه السلام)، فقالوا: ننشدك الله ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى الاسلام؟ ألا ترى الفتنة ألا تخاف الله؟ فقال: قد أجبتكم واعلموا أني إن أجبتكم أركب بكم ما أعلم فإن تركتموني فإنا أنا كأحدكم إلا أني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه. ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد.(1)

يتوقع الناس إن الإمام (عليه السلام) يتحجج کما يتحجج البعض حينها يستغلون المواقف في اثناء غياب البديل، فيرفعون سقف شروطهم لأجل الحصول على المزيد من الامتيازات والحقوق.

فقال لهم (عليه السلام) قد أجبتكم ولم أكن متنصلا عنكم، ولكن الذي أراه فيكم صعب التعامل لأنكم لم تلتزموا بمنهجي فنفترق فيما بيننا واعلموا أني إن أجبتكم أركب بكم ما أعلم فإن تركتموني فإنما أنما كأحدكم إلا أني من أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه. ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد.

ص: 104


1- بحار الأنوار: العلامة المجلسي الجزء: 32ص8

فيتحصل: إن الإمام (عليه السلام) كان ينتمي إلى مدرسة تملي عليه القيام بالمسؤولية واحياء الدين ومفاهيمه السامية وتعاليمه الحقة وأن يسير في الناس بما يعلم وإن تعارضت أهدافه مع أهداف الناس ولا يأبه بعتب العاتب وإن كلف ذلك حياته، لأن رضا الناس غاية لا تدرك، ورضا الله غاية لا تترك .

المسألة الرابعة عشر: المركزية في القرار.

قوله (عليه السلام) «ثُمَّ أُمُورٌ مِنْ أُمُورِکَ لَابُدَّ لَكَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا مِنْهَا إِجَابَةُ عُمَّالِكَ بِمَا يَعْیَا عَنْهُ کُتَّابُكَ وَمِنْهَا إِصْدَارُ حَاجَاتِ النَّاسِ يَوْمَ وُرُودِهَا عَلَيْكَ بِمَا تَحْرَجُ بِهِ صُدُورُ أَعْوَانِكَ»(1) .

يتحدث الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع الشريف من العهد حول السلطة التنفيذية المتمثلة بالمسؤولين والعاملين في المنظومة الإدارية الذين تفوض لهم الأعمال و مباشرتها بأنفسهم، يلزم على المسؤول فيما بينه وبين العاملين معه، أن يتصدى بنفسه إجابات العمال، ومن الواضح أن كبار المسؤولين لا يتمكنون من القيام بكافة مهامهم فيضطرون لتفويض بعض مساعديهم ومستشاريهم للقيام بها، ولكي يستطيع المسؤول ممارسة إشرافه على سير مهام مساعديه، فإن عليه أن يفرق بين الأعمال ذات الأولوية عن تلك الثانوية غير الضرورية، فيباشر الأعمال ذات الأولوية على نحو يعين لها أوقاتها بالسرعة والدقة بالاستعانة بمساعديه في سائر الأعمال فلا يؤجل عمل اليوم إلى غدٍ(2) .

ص: 105


1- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص103، رسالة 53
2- الدولة الاسلامية شرح لعهد الامام علي ( عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي: محمد الفاضل اللنكراني: ص146

المسألة الخامسة عشر: ستر العيوب.

قوله (عليه السلام) «وَلْيَکُنْ أَبْعَدَ رَعِیَّتِك مِنْكَ وَأَشْنَاَهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبُهُمْ لَمِعَايِبِ النَّاسِ، فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا تَطْهِیرُ مَا ظَهَرَ لَكَ وَالله يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ یَسْتُرِ الله مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِیَّتِکَ أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَةَ کُلَّ حِقْدٍ، وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ کُلَّ وِتْرٍ وَتَغَابَ عَنْ كُلَّ مَا لَا يَضِحُ لَكَ»(1) .

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف المالك الأشتر (رضوان الله عليه) عن سات الاشخاص الواجب إبعادهم عن المنظومة الادارية، في مجملهم هؤلاء يشكلون خطرا على سمعة القرار الذي يصدر من المسؤول الإداري، ويشير الإمام (عليه السلام) إلى صنفين من هؤلاء الناس، الصنف الأول الانتهازيون المتتبعون لعيوب الناس ونقاط الضعف والقصور فيهم وهم من يسمی؛ (النمامين والوشاة، والصنف الثاني ما يسمى بالسعاة في الناس عند السلاطين، والإمام (عليه السلام) يشير إلى صفة رذيلة من الرذائل الخلقية والتي أعدّها الاسلام من أقبح الرذائل وهو النميمة والوشاية، ما هو المراد من النميمة والوشاية؟ (نميمة: (اسم) الجمع : نَمائمُ) النَّميمَة: وشاية، نقل الحديث على وجه الإفساد والوقيعة بين النَّاس وقيل: تَزْيينُ الكلام بالكذب. من نمَّ يَنِمُّ ويَنُمُّ، فهو نَمومٌ ونَمَّامٌ ومِنَمٌّ، ونَمٌّ، من قَوْمٍ نَمَّينَ و أنِمَّاءَ ونُمًّ، وهي نَمَّةٌ، ويقال للنَّمَّام القَتَّاتُ، ونَمَّامٌ مُبَالَغَةٌ، والاسمُ النَّمِيمَة، وأصل هذه المادة يدلُّ على إظهار شيء وإبرازه(2) .

ص: 106


1- نهج البلاغه، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص87، رسالة53
2- القاموس المحيط للفيروز آبادي، ج1، ص1503؛ وينظر لسان العرب : ج12: ص592، (نم)

النميمة تطلق في الأكثر على أن ينم قول الغير إلى المقول فيه، كأن يقال: فلان تكلم فيك بكذا وكذا، أو فعل فيك كذا وكذا. وعلى هذا تكون نوعا خاصاً من افشاء السر وهتك الستر، وهو الذي يتضمن فساداً أو سعاية. وقد تطلق على مالا يختص بالمقول فيه، بل على كشف ما یکره کشفه، سواء كره المنقول عنه أو المنقول إليه أو كرهه ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو الكتابه أو بالرمز والإيماء، وسواء كان المنقول من الأعمال أو من الأقوال، وسواء كان ذلك عيباً ونقصانا على المنقول عنه أو لم یکن، وعلى هذا يكون مساوياً الإفشاء السر وهتك الستر وحينئذ فكل ما يرى من أحوال الناس ولم يرضوا بإفشائه، فإذاعته نميمة فاللازم على كل مسلم أن يسكت عما يطّلع عليه من أحوال غيره، إلا إذا كان في حکایته نفع لمسلم أو دفع لمعصية. كما إذا رأى أحداً يتناول مال غيره، فعليه أن يشهد به مراعاة لحق المشهود له، وأما إذا رآه يخفي مالا لنفسه، فحکایته نميمة وافشاء للسر(1) .

قال رسول الله (صلى عليه وآله وسلم) لأصحابه: «ألا أنبئكم بشراركم قالوا بلى يا رسول الله قال المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون للبراء العيب»(2) .

عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):

«لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر»(3) .

ص: 107


1- جامع السعادات: للنراقي: ج2، ص247
2- الوافي: الفيض الكاشاني ج5، ص98
3- مکارم الأخلاق: الشيخ الطبرسي ص17

وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال:

«محرمة الجنة على القتاتين المشائين بالنميمة - والقتات النمام»(1) .

ثم يبين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أولوية المسؤول أو الحاكم في المنظومة الإدارية، ستر عيوب الناس (فَاِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا).

ثم ينهى الامام (عليه السلام) المسؤول من تتبع عثرات الناس وعيوبهم «فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا» أي لا ينبغي البحث عن العيوب الخفية للناس کالتصنت عليهم أو الاطلاع على خفايا حياتهم الشخصية، كما ورد في القرآن الكريم بالنهي عن التجسس «وَلا تَجَسَّسُوا»(2) .

ثم إن للمسؤول أن يتخذ القرارات الحازمة والصارمة إزاء القضايا التي تنكشف للناس، كظهور حالة النميمة والوشاية في المنظومة الادارية للحد منها وتطهير المجتمع من آثامها: ولا يأبى إظهار عيوبه للناس، ويتعامل معه بالیات الاصلاح السلمي، ومن خلال الموعظة والنصيحة «فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا استَطَعْتَ» ولو لم يوافق من هذا الطريق فإنه يستخدم القوة والشدة ويقيم الحدود الإلهية فيما يتعلق بأصحاب هذه الرذيلة فذلك بمثابة العملية الجراحية الضرورية لإدامة حياة المجتمع(3) .

يوضح (عليه السلام) العاقبة المحمودة والحسنة والجميلة في ستر العيوب فيقول (عليه السلام): «يَسْتُرِ الله مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ» ينبغي للمسؤول حينما يرى إنسانا تحت مسؤوليته في المنظومة الإدارية، وارتكب خطأ وكان هذا

ص: 108


1- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (الأول) ج9، ص343
2- الحجرات: 12
3- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي، ج10، ص339

الخطأ مستورا غير متجاهر به، أن يتعامل مع صاحبه كما يجب أن يتعامل الله سبحانه وتعالى مع ذنوبه التي عملها خفية، وليعلم إن الله عز وجل يمهل ولا يهمل وليتقِ الله في خلقه.

فيتحصل:

1- رفض الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) سياسة تتبع الاخطاء من قبل المسؤول، إذ لا ينبغي للمسؤول أن يبحث عن المستور من حياة الناس أو يتجسس عليهم ليكشف أسرارهم، لأن المعيار في المنظومة الإدارية الاستقامة والثبات والمودة والمحبة.

وتأييدا لهذا المعنى يقول (عليه السلام) (من تتبع خفيات العيوب حرم مودات القلوب)(1) .

2- ضرورة ستر العيوب من قبل المسؤول، وبحسب موقعه الإداري يستطيع الاطلاع على الكثير من خفايا الاخرين وأسرارهم ويسترها ولكن موقف الاسلام من هذه الامور هو عدم السماح بالاطلاع عليها، والحد من تكرارها.

3- القيام بالعملية الاصلاحية فيما لو ظهرت الاخطاء والعيوب، فيجب تطهير المجتمع من هذه الرذائل الخبيثة، لكي يبقى المجتمع نظيفا وسليما في سلوكه.

4 ظهور الآثار الوضعية في الكشف عن اخطاء الناس، وحسب القاعدة (كما تدين تدان)(2) ، أي: کا تجزي تجزي. ومن أسمائه الدّيان،

كما يدين الفتى يوما يدان به *** من يزرع الثوم لا يقلعه ریحانا.

ص: 109


1- عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص436
2- المقتصر من شرح المختصر : ابن فهد الحلي ص20

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) تأييدا لما نحن فيه:

«لا تتبعن عيوب الناس، فإن لك من عيوبك ان عقلت ما يشغلك من أن تعیب احداً»(1) .

وفي حديث آخر عنه (عليه السلام) في وصيته لابنه الحسين (عليه السلام):

«واعلم أي بني أنه من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره»(2) .

أي من یری عیوب نفسه لا يستطيع أن يعيب الآخرين، وعن الرسول الاعظم (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول:

«طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، ومهما وجد عيبا فينبغي أن يستحي من أن يترك نفسه ويذم غيره بل ينبغي أن يعلم أن، عجز غيره عن نفسه في التنزه عن ذلك العيب»(3) .

5 ضرورة تحلي المسؤول بصفة سعة الصدر: أي يجب أن يكون حليما ومتسامحا والصفح عن الآخرين، فالنظرة الضيقة عند المسؤول تجعله يعيش حالة الانهيار المنظومة الادارية، يجب أن تكون نظرته واسعة وقلبه رؤوفاً وصدره رحبا، كل هذه الامور تساعده على النجاح وتحقيق الأهداف وخدمة الناس.

ص: 110


1- غرر الحكم: 6: 292
2- تحف العقول عن آل الرسول (ص): ابن شعبة الحراني ص88
3- بحار الانوار: للعلامة المجلسي: ج1، ص205: ح31: وينظر رسائل الشهيد الثاني ( ط.ق): الشهيد الثاني ص297

المسألة السادسة عشر: حفظ الأسرار.

قوله (عليه السلام): «ثُمَّ انْظُرْ فِي حَالِ کُتاَّبِكَ فَوَلَّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ وَاخْصُصْ رَسَائِلَكَ الَّتِي تُدْخِلُ فِيهَا مَکَايِدَكَ وَأَسْرَارَكَ بِأَجْمَعِهِمْ لِوُجُوهِ صَالِح الْأَخْلَاقِ مِمَّنْ لَاتُبْطِرُهُ الْكَرَامَةُ فَيَجْتَرِيَ بِهَا عَلَيْكَ فِي خِلَافٍ لَكَ بُحَضْرَۃِ ملا»(1) .

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد، حول مبدأ آخر من مبادئ الإدارة في الإسلام وهو مبدأ حفظ الأسرار في المنظومة الإدارية، لأن المدير في الإدارة بحاجة إلى جمع المعلومات حول لياقة العاملين معه، وقدراتهم وإمكاناتهم وذكائهم وتجاربهم وسوابقهم الحسنة والسيئة وذلك بهدف اختيار الأصلح من بينهم لتسلم المسؤوليات و في حال انتشار هذه المعلومات في المؤسسة أو نقلها إلى الأشخاص أنفسهم فقد يؤدي ذلك إلى اثار نفسية وردود فعل غير مناسبة تؤدي إلى انهيار المنظومة الإدارية.

ما يسمى اليوم بالذاتية أي موظفو الدوائر المختصة بالملفات والأوراق السرية أسماه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكتّاب، فأوصى الامام (عليه السلام) مالكاً بأن يكونوا خير الكتاب «فَوَلَّ عَلَى أُمُورِكَ خَيْرَهُمْ»، لأنهم المكلفون بحفظ أسرار الدولة وصيانة خططها والوثائق الخاصة برجال معينين(2) ، التي يجب إخفاؤها ممن لا يحتاطون بحفظها، وايداعها لدى الامناء ممن يمتلكون الاخلاق الفاضلة، فحفظ الأسرار في المجال الإداري يؤمن المنظومة الادارية من الوقوع في الاخطار ويحفظ للإنسان كرامتهُ ومكاسبه ويحقق له الأهداف المستقبلية، ويسد الأبواب والطرق أمام المنافسين من الأعداء.

ص: 111


1- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص89، رسالة53
2- الحكم الاسلامي في مدرسة الامام علي (عليه السلام): محمد تقي المدرسي: ص197

ثم إن لإفشاء الأسرار آثاراً سلبية على المنظومة الإدارية، من هذه الآثار:

1- تعد مسألة إفشاء الاسرار في المنظومة الإدارية موجبة للتفرقة وممكنة للأعداء من تنفيذ خططهم وقد حذر القرآن الكريم من هذه الظاهرة في العديد من الآيات المباركة: منها ما ورد في سورة يوسف (عليه السلام) على لسان يعقوب (عليه السلام): «قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ»(1) من الدروس التي نستلهمها من هذا القسم من الآيات أن نحفظ الاسرار وينبغي أن نطبق هذا الدرس أحيانا حتى أمام الأخوة، فدائما تشتمل حياة الإنسان على أسرار لو أذيعت وفشت بات مستقبله أو مستقبل مجتمعه معرضا للخطر، والموافقة على حفظ الاسرار دليل على سعة الروح وتملك الارادة، فكثير من ضعاف النفوس والشخصية أو قعوا أنفسهم أو مجتمعهم في الخطر بسبب إفشاء الاسرار وكم يرى الإنسان من مساءة و ضرر لأنه ترك حفظ الاسرار(2) .

2- تعدّ مسألة حفظ الأسرار أمانة عظيمة في الفهم الإسلامي فيجب مراعاتها والوفاء بها قال تعالى «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا»(3) ، وقال تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ»(4) .

ورد في الحديث الشريف عن الامام علي بن موسی الرضا (عليه السلام) أنه قال (لا يكون المؤمن مؤمنا حتى تكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربه وسنة من نبیه وسنة من وليه، فأما السنة من ربه فكتمان السر وأما السنة من نبيه فمداراة

ص: 112


1- سورة يوسف: 5
2- تفسير الامثل: ناصر مکارم الشيرازي: ج5 في ذيل تفسير سورة يوسف الآية5
3- الاسراء: 34
4- المؤمنون: 8

الناس، وأما السنة من وليه فالصبر على البأساء والضراء)(1) ، وعن الامام الصادق (عليه السلام) يقول:

«سرك من دمك فلا يجرين من غير أوداجك»(2) .

وعن أمير المؤمنين عليه السلام:

«سرك من دمك فإذا تكلمت به فقد أرقته»(3) .

وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

«استعينوا على قضاء حاجاتكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود»(4)

وفي هذا المجال ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:

«سرك أسيرك، فإذت أفشيته صرت أسيره»(5) .

المسألة السابعة عشر: تأثير العلاقات القريبة للمدراء واهتمامهم بالعاملين معهم.

قوله (عليه اسلام) «ثُمَّ الْصَقْ بدوي المُرُوءَاتِ وَالْأَحْسَابِ وَأَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الْحسَنَةِ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَالسَّمَاحَةِ فَاِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ»(6) .

ص: 113


1- بحار الانوار: للعلامة المجلسي، ج78، ص334
2- بحار الأنوار، للعلامة المجلسي، ج72، ص71
3- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج18، ص384
4- میزان الحكمة، محمد الريشهري، ج1، ص630
5- عيون الحكم والمواعظ، علي الواسيطي، ص285
6- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج3، ص92، رسالة 53

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف حول مبدأ آخر من مبادئ الادارة في الاسلام وهو تأثير العلاقات المتبادلة بين المدير والعاملين معه في المنظومة الادارية، التي من خلالها تترتب القضايا المعنوية في تقوية الاطر الادارية وتحفيز العاملين نحو العمل وهو ما یسمی بالاصطلاح العلمي والمنطقي بعلم النفس التحليلي، وعنصر اختيار أفضل الرجال لقيادة الجيش في تولية المهام والوظائف الإدارية.

الإمام (عليه السلام) يشرح لمالك (رضوان الله عليه) كيفية اختيار الموظفين في دوائر الدولة الجند ورؤساء الأمراء وغيرهم، بعد مراعاة العناصر الآتية:

1- المروءة والنسب.

المروءة هي كمال الرجولية، مصدر من: مَرُؤ يَمْرُؤ مُروءة، فهو مَرِيء، أي: بَيَّن المروءَة، و تَمَرَّا فلان: تَكَلَّف المروءَة. وقيل: صار ذا مُروءَةٍ، وفلان تَمَرَّا بالقوم: أي سعي أن يوصف بالمروءَة بإِكرامهم، أَو بنقصهم وعَيْبهم(1) .

ومن معاني المروءة أنها (آداب نفسانيَّة، تحمل مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق، وجميل العادات من أصحاب الشخصيات المتميزة)(2) .

النسب: هو البعد الاجتماعي الذي يمتلكه الإنسان الذي يتأثر بالعامل الوراثي للأسرة والقبيلة، ما يعبر عنه بالأرحام الطاهرة من الآباء والأمهات في سلم النسل، ثم أن الاسلام يؤكد على هذا الجانب الوراثي في مسألة في شرعية الانتخاب للزواج:

ص: 114


1- المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد، ج2، ص443
2- مصباح المنير: للفيومي: ج8: ص446 ؛ مجمع البحرين، للطريحي، ج1، ص283

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) «تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس»(1) .

وقال أيضاً (صلى الله عليه وآله وسلم) (اختاروا لنطفكم فإن الخال احد الضجيعين)(2) إشارة إلى العامل الوراثي.

وحذّر الإمام الصادق (عليه السلام) من تزويج الرجل المريض نفسياً فقال: لا تزّوجوا في الشكاك ولا تزوّجوهم، لأن المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه(3) .

وجعل الإِسلام التديّن مقياساً في اختيار الزوج، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اذا جاءکم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه)(4) .

ونهي الإِسلام عن تزويج غير المتديّن والمنحرف في سلوكه عن المنهج الاسلامي في الحياة، لتحصين العائلة والاطفال من الانحراف السلوكي والنفسي، فنهى الإِمام الصادق عليه السلام عن تزويج الرجل المستعلن بالزنا حيثُ قال عليه السلام:) لا تتزوجوا المرأة المستعانة بالزنا، ولا تزوجوا الرجل المستعلن بالزنا إلاّ أن تعرفوا منها التوبة(5) .

فيتحصل: من مجموع الروايات والأحاديث الشريفة، إن للعامل الوراثي دوراً أساسياً، ينعكس سلبا وايجابا على نسل الانسان.

ص: 115


1- المحجة البيضاء، للفيض الكاشاني ج3: ص93، جامعة المدرسين قم ط2
2- الكافي، للكليني ج5، ص332/ 2 باب اختيار الزوجة دار التعارف 1401 ه ط 3
3- الكافي، للكليني، ج5: ص348/ 1 باب مناکحة النصاب والشكاك
4- المصدر نفسه، ج5، ص349
5- مکارم الاخلاق: 305

2- البيوتات الصالحة.

إشارة إلى الأسر والعوائل النظيفة والمرموقة في المجتمع(1) ، يريد أن يبين الإمام (عليه السلام) لمالك (رضوان الله عليه) الابعاد الاجتماعية للأسر في تاريخها الاجتماعي الناصع، اصحاب المواقف المشرفة في الاسلام ممن لم يتأثروا بالعوامل البيئية والثقافية المخالفة للتعاليم الاسلامية. فيكون عامل الاختيار هو مراعاة هذه البيوتات والأسر في عملية التوظيف.

3- السوابق الحسنة.

إشارة إلى السمعة الجيدة التي تمتلكها هذه البيوتات، التي جعلت عموم الناس تتحدث بسجاياهم الحسنة، بحيث تركوا سمعة حسنة في نفوس الناس.

4- النجدة.

يريد الإمام (عليه السلام) أن يشير إلى نقطة مهمة، وهو لابد من التمييز بين شخصيتين عند الناس، الشخصية الأولى التي تمتلك عنصر الروح العالية في التضحية والمكانة الاجتماعية. وبين الشخصيات الانتهازية أصحاب المطامع الشخصية، الذين لم يكن لهم اهتمام بروح المحبة و خدمة الناس. فيقول الامام (عليه السلام) الصق بأهل النجدة أصحاب الروح والهمة العالية، هؤلاء لم يتكاسلوا في أمر ما.

5- الشجاعة والسخاء والسماحة.

من يتصف بالشجاعة يتحلى أيضا بالنجدة، وعظم الهمة، والثبات، والصبر، والحلم.

ص: 116


1- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج10: ص371

والسَّخَاءِ: عبارة عن الجود والكرم والسخي هو الجواد الكريم(1) .

السَّمَاحَةِ: هي المساهلة والسلاسة واللين في التعامل وسعة الصدر والاتصاف بالحلم، ويقال سمح ساحة إذا صار سمحاً، والسماحة الجود، وسمح لي بالشيء(2) .

ولاشك أن الأشخاص الذين يملكون هذه الصفات الثمان يمثلون مركزا مجسدا للفضائل والصفات الانسانية المتميزة، يكونون جديرين بالاعتماد عليهم ويتحركون بفاعلية أكثر في مسألة كسب النصر المظفر(3) .

المسألة الثامنة عشر: الإحسان والمرتب والمكافأة.

قوله (عليه السلام): «ثُمَّ تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا، وَلَا یَتَفَاقَمَنَّ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ قَوَّیْتَهُمْ بِهِ وَلَا تَحْقِرَنَّ لُطْفاً تَعَاهَدْتَهُمْ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، ثُمَّ أَسْبغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاح أَنْفُسِهِمْ وَغِنًی لهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَك أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ».

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه المقاطع حول عناصر آخرى في المنظومة الادارية، ويجب على المسؤول الاداري العمل بها، وهما عنصر الإحسان إلى الناس، وتوزيع الحقوق والمكافأة الشهرية.

يقول (عليه السلام) «تَفَقَّدْ مِنْ أُمُورِهِمْ مَا يَتَفَقَّدُ الْوَالِدَانِ مِنْ وَلَدِهِمَا» أحد العناصر المهمة في نجاح المنظومة الادارية في المهمة المناطة بها، لابد من

ص: 117


1- العين، للفراهيدي، ج1، ص329
2- جمهرة اللغة، ابن درید، ج1، ص274
3- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة، ناصر مکارم الشيرازي، ج10، ص372

توفر عنصر الاحسان للآخرين، الإمام (عليه السلام) يخاطب مالكاً بالعبارات الابوية التي تحتوي في معانيها على الرحمة والعطف، أي اجعل نفسك بالنسبة إليهم كالأب الحنون والشفوق على ولدة ويكون تواصلك معهم من جهة الشفقة والمحبة، وتعاهدهم بالسؤال عنهم وقضاء حوائجهم، حتى تقوى هذه العلاقة بين المسؤول والمرؤوس، ومن ثمرات هذه العلاقة تحقق مبدأ الطاعة في العمل اليومي وثباتهم في مواقع المواجهة.

وقال (عليه السلام) في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» : «العدل: الإنصاف والاحسان: التفضل»(1)

ثم ينتقل الإمام (عليه السلام) إلى عنصر آخر من مبادئ الادارة في الفهم الإسلامي، وهو مبدأ المكافأة والحقوق الشهرية:

«وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا یُزِیلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاس، ثُمَّ أَسْبغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ فَإِنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاحِ أَنْفُسِهِمْ وَغِنًى لَهُمْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَحُجَّةٌ عَلَیْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ».

يقول الإمام (عليه السلام) إن نجاح المنظومة الادارية مرهون بالقضاء على عوامل الفساد في السلطات التنفيذية:

السلطة القضائية.

لا يخفى على احد مكانة السلطة القضائية الفعالة والصالحة في محاربة الفساد والتجاوز على حقوق الاخرين ويشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع إلى العاملين في الجهاز القضائي وأهمية القضاة وضرورة وجودهم في المجتمع،

ص: 118


1- نهج البلاغة، خطب الإمام علي عليه السلام، ج4، ص51، الحديث231

ويؤكد على أن القضاء العادل هوقوام الدولة العادلة وأن یکون قوة مقتدرة بالدفاع عن حقوق المحرومين والمظلومين أمام الناس الانتهازيين والمتجاسرين على حقوق الناس، ويعد الجهاز القضائي في فكر الإمام (عليه السلام) الضمان الاجتماعي، وقدرته وكفاءته تعتبر من الأصول المؤثرة في الحد من وقوع الجرائم.

يقول (عليه السلام) تأييدا في بيان أصناف الرعية وضرورة القضاء وأهمية القضاة:

«وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِبَعْضٍ وَلَا غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَمِنَها جُنُودُ الله وَمِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ واَلْخاصَّة وَمِنْهَا قُضَاة الْعَدْلِ، ثُمَّ لَا قِوَامَ لَهِذَیْنِ الصَّنْفَيْنِ إِلَّا بِالصَّنْفِ الثَّالِثِ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَالْكُتَّابِ لِمَا یُحْکِمُونَ مِنَ المُعَاقِدِ وَيَجْمَعُونَ مِنَ المُنَافِعِ وَيُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ مِنْ خَوَاصَّ الْأُمُورِ وَعَوَامَّهَا»(1) .

ثم أن الإمام (عليه السلام) أوصى مالكاً بأن يشعر القضاة بين الحين والآخر بالمسؤولية المناطة بهم والمكان الذي يجلسون فيه في الحكم بين الناس وأنه مقعد جلس عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) او وصيه أمير المؤمنين (عليه السلام) و أن منصبهم هذا امانة وليس تجارة، وأنهم أفضل الرعية في نفس الوالي. وان ينبههم الى نقاط ضعفهم ويشرف على عملهم وأن يعتني بتأمين حياتهم الكريمة والمرفهة لهم كي لا يضحي هذا الجهاز بالحقيقة من اجل مصلحته ولا يكون فريسة سهلة للرشوة والطمع والتهديد وأن لا يكون رجاله من اهل المداهنة والقسوة، يقول أيضا (عليه السلام) في وصيته لمالك (رضوان الله عليه) أن تكون هناك امتیازات في تعيين القضاة وإحدى هذه الامتيازات أن لا يكون من اصحاب الرشوة والطمع.

ص: 119


1- نهج البلاغة: 53

«وَلَا تُشْرِفُ نَفَسُهُ عَلَى طَمَع وَلَا يَكْتَفِي بأِدْنَى فَهْم دُونَ أَقْصَاهُ»(1) «ثُمَّ أَسْبغْ عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ فَإنَّ ذَلِكَ قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى اسْتِصْلَاح أَنْفُسِهِمْ وَغِنًی لَهُمْ عَنْ تَنَاؤُلِ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ وَحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ إِنْ خَالَفُوا أَمْرَكَ أَوْ ثَلَمُوا أَمَانَتَكَ»(2) .

فيتحصل: على المسؤول في المنظومة الادارية أن يدرس جميع الشروط المطلوبة في تعيين الوظائف في السلم الاداري، ودفع مرتبات و مکافأة العاملين يكون بشكل يؤدي إلى رضا الموظفين ويزيد من التزامهم بعد مراعاة النظم والقوانين.

المسألة التاسعة عشر: المشورة.

قوله (عليه السلام): «وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ وَلَا جَبَاناً یُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ وَلَا حَرِيصاً یُزَیَّنُ لَكَ الشَّرَةَ بِالجوْرِ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالجُبْنَ وَالحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّی یَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنَّ بالله»(3) .

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده المالك الأشتر (رضوان الله عليه) عن محور آخر من محاور العمل في المنظومة الادارية، وهو كيفية تمكين المسؤول من اختيار مستشاريه الاكفاء في شؤون الادارة، ليستطيع من خلال ذلك الاستفادة من أفكارهم وتجاربهم العملية وآرائهم المدروسة والمبنية على الاسس المنطقية.

ص: 120


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج3 ص90 رسالة53
2- المصدر نفسه : ج3 ص96
3- نهج البلاغة: 53

1- معنى المشورة.

المشورة بضم الشين تقول منه شاورته في الأمر واستشرته(1) المشورة: التشاور والمشاورة والمشورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض الآخر من قولهم: شرت العسل إذا اتخذته من موضعه واستخرجته منه(2) ، المشورة القول منه شاورته في الأمر واستشرته بمعنى فلان خير شيرّ أي يصلح للمشاورة وشاوره مشاورة وشواراً واستشارة طلب منه المشورة(3) وقيل في معنى المشورة: يقال صار هذا الشيء شوری بین القوم إذا تشاوروا فيه، وهو فعلى من المشاورة، وهو المفاوضة، وفي الكلام ليظهر الحق، أي لا ينفردون بأمر حتى يشاوروا غيرهم فيه(4) ، هذا بحسب اللغة.

أما المشورة في الاصطلاح: فالظاهر أن الشورة في كل شيء بحسبه، ففي الامور الخاصة يكفي فيها الاستطلاع بلا إلزام، وأما في الأمور العامة خصوصا مسائل الحكم والإدارة فالظاهر أنها ملزمة للتبادر، ومنه يقال: المستشار العليم الذي يؤخذ رأيه في أمر هام علمي أو فني أو سياسي أو قضائي أو اقتصادي ونحوه، نعم قد يقال: أنه قد جرت سيرة العقلاء على الأخذ برأي المستشار وإلا كانت المشورة لغواً(5) .

ص: 121


1- لسان العرب: بن منظور ج3 ص434 (شور)
2- مفردات الفاظ القرآن الكريم: الراغب الأصفهاني ص470
3- لسان العرب: ابن منظور، ج4 ص434 (شور)
4- مجمع البيان: للطبرسي : ج9: ص33: ذيل الآية: 39من سورة الشورى
5- فقه الدولة بحث مقارن في الدولة ونظام الحكم على ضوء الكتاب والسنة والانظمة الوضعية: فاضل الصفار: ج2، ص211

2- أهمية الشورى.

جاء مبدأ الشورى والتشاور في الاسلام كنص من النصوص الظاهرة في الإلزام في القرآن الكريم دون باقي المبادئ السياسية والاجتماعية الأخرى للدلالة على مدى أهميتهِ ودوره الفاعل في الحياة الديمقراطية للشعوب(1) ، قوله تعالى مخاطباً الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلى سلطة في الناس:

«فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»(2) .

وقال سبحانه وتعالى في مجال المنهج السليم في بناء الحياة السعيدة المبنية على مبدأ التشاور.

«وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ»(3) .

إن مسألة المشورة والاستشارة تعد من أهم المسائل الاجتماعية في الحياة الانسانية، وهناك نصوص عديدة من السنة الشريفة تؤكد على مبدأ التشاور، منها ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):

«من أراد أمرا فشاور فيه وقضى هدي لأرشد الأمور»(4) .

ص: 122


1- الحرية السياسية دراسة مقارنة في المعالم والضمانات : فاضل الصفار: ص64
2- آل عمران: 159
3- الشوری: 38
4- الدر المنثور: لجلال الدين السيوطي: ج6: ص10

وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم):

«من أراد أمر أفشاور فيه إمرأً مسلما وفقه الله لأرشد أموره»(1) .

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن العزم فقال:

«مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم»(2) .

وعنه (عليه السلام): «حق على العاقل أن يضيف إلى رأيه رأي العقلاء ويضم إلى علمه علوم الحكماء»(3) .

وعنه (عليه السلام): «من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ»(4) .

وعنه أيضا (عليه السلام) في وصيته لمحمد بن الحنفية:

«اضمم آراء الرجال بعضها إلى بعض، ثم اختر أقربها من الصواب، وأبعدها من الارتياب»(5) .

وعنه (عليه السلام): «شاوروا فالنجح في المشاورة»(6) .

ص: 123


1- الجامع الصغير: لجلال الدين عبد الرحمن ابن أبي بكر السيوطي: دار الفکر بیروت ط 1. 1401: ج2: ص563:
2- الدر المنثور للسيوطي: ج2 ص90؛ الوسائل للحر العاملي: ج8 ص434 باب استحباب مشاورة أهل الرأي
3- غرر الحكم: ح496
4- نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام: ج4 ص42 الحكمة173
5- الوافي : الفيض الكاشاني، ج26 ص233، من لا يحضره الفقيه الشيخ الصدوق ج4 ص385
6- عيون الحكم والمواعظ: ص196

وعنه (عليه السلام): «من استبد برأيه خفت وطأته على أعدائه»(1) .

وعنه (عليه السلام): «من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها»(2) .

وعن الامام الصادق (عليه السلام): قال لقمان لابنه: (إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم، وأجهد رأيك لهم إذا استشاروك، ثم لا تعزم حتى تثبت وتنظر ولاتجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد وتنام وتأكل وتصلي وأنت مستعمل فكرتك وحكمتك في مشورتك، فإن من لم يمحص النصيحة لمن استشاره سلبه الله رأيه، ونزع منه الأمانة)(3) .

فيتحصل: من الروايات والآيات إن مبدأ الشورى من المبادئ الأساسية في الاسلام، ويعد من أهم الفرائض والواجبات الاسلامية:

3- من نجتنبه في المشورة .

نرى تأكيد الامام (عليه السلام) في وصيته لمالك الأشتر: (رضوان الله عليه) لكل من يتصدى ويتحمل المسؤولية أن يختار مستشاريه بشكل دقيق، ويحذر الإمام (عليه السلام) من ادخال اصناف ثلاثة من الناس في المشورة، ممن يحملون الصفات الاخلاقية المذمومة التي نهی عنها الاسلام، البخل، الجبن، الحرص.

ص: 124


1- عيون الحكم والمواعظ: ص460
2- نهج البلاغة: الكلمات القصار الكلمة161
3- الوسائل: للحر العاملي :ج11 ص441 ح15208 وح15209 باب52

الصنف الأول (البخيل) (وَلَا تُدْخِلْنَّ فِي مَشْورَتِكَ بَخِيلاً.

البخل: البُخْلُ ضِدُّ الكَرَمِ والجُودِ، وقد بَخِلَ بكذا: أي ضنَّ بما عنده ولم يجُدْ، ويقال: هو بخيل وباخل، وجمعه بخلاء، والبَخَّال: الشَّديد: البُخْل(1)

والبخل:- هو الامساك حيث ينبغي البذل، كما إن الاسراف هو البذل حيث ينبغي الامساك، وكلاهما مذمومان والمحمود هو الوسط وهو الجود والسخاء(2) منه قوله تعالى: (وَلاَ تَجْعَلْ یَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا)(3) ، وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)(4) .

البخل من ثمرات حب الدنيا ونتائجه وهو من خبائث الصفات و رذائل الاخلاق ورد في ذمه ما ورد من الآيات والأخبار(5) .

قوله تعالى (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)(6) .

وقال تعالى في ذم البخل: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(7) .

ص: 125


1- لسان العرب: ابن منظور ج11 ص47 (بخل)؛ مختار الصحاح للرازي: ج1 ص23
2- جامع السعادات: للنراقي: ج2، ص110
3- الاسراء: 29
4- الفرقان: 67
5- جامع السعادات: للنراقي: ج2، ص110
6- النساء: 37
7- آل عمران: 180

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)(1) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا يدخل الجنة بخيل ولاخبئ ولا خائن والسيئ الملكة)(2) .

وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في مانحن فیه: (البخيل بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، وجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل)(3) .

وبعد ما اتضح مفهوم البخل في الروايات والآيات الشريفة، نجد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لمالك يحذر الحاكم أو المسؤول الإداري ألا يضع في طاقم منظومته الادارية مستشارا بخيلا لأنه يمنع المسؤول من تقديم الاحسان إلى للناس، ويجعل له الأجواء المكفهرة والاثار الوخيمة لكل عمل ايجابي. ( وَلَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَیَعِدُكَ الْفَقْرَ)(4) .

الصنف الثاني: الجبناء.

الجبن: جبن: فعل، جبن يجبن جبنا وجبانة، فهو جبان، وجبن الرجل: ضعفت قدراته، خاف، هاب، كان جبانا.(5)

وهو سكون النفس عن الحركة إلى الانتقام أو غيره، مما يؤدي إلى مهانة النفس والذلة وسوء العيش وطمع الناس فيها يملکه و قلة ثباته في الأمور والكسل وحب الراحة.(6)

ص: 126


1- الخصال: للصدوق ص176 ح234
2- مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: محمد تقي النقوي: ج7 ص419
3- المحجة البيضاء في تهذیب الاحياء: للفيض الكاشاني : ج6 ص62
4- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام ج3 ص87 رسالة53
5- لسان العرب: ج13، ص84 (جبن)
6- جامع السعادات: للنراقي: ج1 ص241

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (لا ينبغي للمؤمن أن يكون بخيلا ولا جبانا)(1) .

إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتعوذ بهن دبر الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن)(2) .

ويحذر الإمام (عليه السلام) من المستشارين الذين يمتلكون صفة الجبن أن يكونوا ضمن المنظومة الإدارية، لأن هؤلاء يلقون الرعب في نفوس الناس و يشجعون المسؤولين على الرضوخ للذلة والمسكنة مما يؤدي إلى هزيمة وانهيار الدولة .

الصنف الثالث: الحرص والطمع.

الحرص: معناه شدّة الرغبة والميل إلى شيء معيّن، ويرى أنّ هذه الكلمة في الأصل تأتي بمعنى الضغط على اللباس عند غسله بالماء بواسطة ضربه بالخشبة وأمثال ذلك(3) .

الحرص: يقال حرص يحرص حرصاً وحرص يحرص حرصاً وقد قرئ إن تحرص على هداهم ويقال رجل حريص على الشيء(4) .

والطمع: وهو التوقع من النّاس في أموالهم وهو أيضا من شعب حبّ الدّنيا ومن أنواعه ومن الرّذائل المهلكة.

ويرى علماء الأخلاق أن الحرص الشديد الذي جبل عليه الإنسان ليس حرصا منه على كل شيء خيرا كان أو شرا و نافعا أو ضارا بل حرصا على الخير

ص: 127


1- کنز العمال: المتقي الهندي الجزء: 3ص 453
2- نيل الأوطار: الشوكاني الجزء: 2ص 349
3- مفردات القرآن: للراغب الأصفهاني (مادة حرص)
4- جمهرة اللغة: ابن درید، ج1، ص259 (حرص)

والنافع ولا حرصا على كل خير أو نافع سواء ارتبط به أو لم يرتبط وكان له أو لغيره بل حرصا منه على ما يراه خيرا لنفسه أو نافعا في سبيل الخير، ولازم هذا الحرص أن يظهر منه الجزع والاضطراب عند مس الشر وهو خلاف الخير وأن يمتنع عن ترك الخير عند مسه ويؤثر نفسه على غيره إلا أن يرى الترك أكثر خيرا وأنفع بحاله فالجزع عند مس الشر والمنع عند مس الخير من لوازم الهلع وشدة الحرص(1) .

وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) تعبير جميل جداً في تعريف الحرص عندما سُئل: ما هو الحرص؟ فقال (هُوَ طَلَبُ الْقَلِيلِ بِإِضَاعَةِ الْكَثِير)(2) .

حالة الطمع والحرص اذا امتلكها الإنسان يكون في حالة غير متوازنة وغير منضبطة النظر إلى الأمور برؤية ضيقة ويسعى صاحبها إلى الوصول إلى المنصب من خلال التسلق على الآخرين، فيصعب تفكيره في المصلحة العامة ويبقى في هواجس شخصيته ونفسه ومن عوارضه؟ يعبر عنه بميت القلب. قال:

وأن هناك صفات تميت القلب، وتدفع بالإنسان أن يصر على الكفر والنفاق والضلال، وتجعله والموتی سواء لا تجدي معه عظة ولا إنذار، ومن أهم هذه الصفات الطمع والحرص على المكاسب والمناصب.. وقد تكرر هذا المعنى بأساليب شتى، منها قوله تعالى:

«لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ»(3) .

ص: 128


1- تفسير الميزان: السيد الطباطبائی، ج20 ص13
2- مستدرك الوسائل: میرزا حسين النوري الطبرسی، ج12 ص60
3- سورة الأعراف: 179

وقوله تعالى: «أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ. أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ»(1) .

وقال تعالى: «إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ»(2) )(3) .

فالطمع في الأموال والمناصب يجعل من المسؤول انساناً قاسيا وخشنا في تعامله مع الآخرين.

الروايات في هذا المجال كثيرة جداً نكتفي بهذا المقدار مخافة الاسهاب والاطالة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ايّاك والطَّمع فانّه الفقر الحاضر»(4) .

وعن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «المذلة والمهانة والشقاء في الطمع والحرص»(5) .

وعنه (عليه السلام): «أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع»(6) .

وعنه (عليه السلام): «دلالة حسن الورع عزوف النفس عن مذلة الطمع»(7) .

وعنه (عليه السلام): «من لم ينزه نفسه عن دنائة المطامع فقد أذلّ نفسه وهو في الآخرة أذلّ وأخزى»(8) .

ص: 129


1- سورة يونس: 43
2- سورة النمل: 81
3- التفسير الكاشف: محمد جواد مغنية: ج 6، ص39
4- مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: محمد تقي النقوي القايني الخراساني الجزء: 7ص 418
5- غرر الحکم، ح2095
6- غرر الحکم، ح3175
7- غرر الحکم، ح5161
8- غرر الحکم، ح8871

وقال الباقر (عليه السلام): «بئس العبد عبد له طمع يقوده وبئس العبد عبد له رغبة تذلَّه»(1) .

وقيل للَّصادق (عليه السلام): «ما الَّذي يثبت الايمان في العبد قال الورع والَّذي يخرجه منه الطَّمع»(2) .

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): (لوكان لابن آدم وادیان من ذهب الابتغى الثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)(3) . وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم المال وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): يشيب ابن آدم ويشبّ فيه خصلتان، الحرص وطول الأمل(4) .

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القز كلما ازدادت من القزعلى نفسها لفا كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غما»(5) .

وقال أبو عبد الله عليه السلام: «أغنى الغنى من لم يكن للحرص أسيرا»(6) .

وأمثال ذلك من الرّوايات المستفيضة في هذا المجال.

فيتحصل: إن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يحذر المسؤولين من إدخال الأصناف الثلاثة في المنظومة الإدارية، بهدف الاستحواذ على كل شيء بغير حق.

ص: 130


1- المصدر نفسه : ص 418
2- المصدر نفسه:
3- الدر المنثور: للسيوطي: ج6 ص378
4- مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: محمد تقي النقوي القايني الخراساني ج7 ص418
5- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (الأول) ج12 ص118
6- المصدر نفسه : ص118

ثم يقول (عليه السلام) إن الأصل في هذه الخصال (البخل، الجبن، الحرص والطمع) هو سوء الظن بالله سبحانه وتعالى.

ويؤكد الإمام (عليه السلام) أن هناك معايير ومواصفات إيجابية للمستشارين ينبغي للمسؤول النظر والتفحص فيها، وهي على سبيل الحصر (الصدق، العقل، الاخلاص الشجاعة، الدراية، التجربة والاختصاص، تغليب المصالح العامة على المصالح الشخصية)، ويحذر (عليه السلام) فضلا عن إلى الصفات الثلاث التي مر ذكرها من المواصفات السلبية الاخرى للمستشارين، وهي (الكذب، التهور، ضيق الأفق، الجهل والجهال...)

وعنه (عليه السلام): (لا تستشر الكذاب فإنه کسراب، يقرب إليك البعيد ويبعد عليك القريب)(1) .

ويقول (عليه السلام): لا تشاور أحمقاً. ولا تستعن بكذاب، ولا تثق بمودة ملول، فإن الكذاب يقرب لك البعيد ويبعد لك القريب. والأحمق يجهد لك نفسه ولا يبلغ ما تريد والملول أوثق ماکنت به خذلك وأوصل ما کنت له قطعك)(2) .

وقال (عليه السلام): (لا تشاورن في أمرك من يجهل)(3) .

ثم يؤكد الإمام (عليه السلام) إن تحقيق الأهداف والاقتراب من القيم الإسلامية والمفاهيم الصحيحة، منوط باسترشاد العقلاء والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم في الحياة الاجتماعية والسياسية.

ص: 131


1- غرر الحكم: ج6: 310
2- تحف العقول عن آل الرسول: ابن شعبة الحراني ص 313؛ بحار الانوار ج75 ص230 ح13
3- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص518

قال عليه السّلام: (استرشدوا العاقل، ولا تعصوه فتندموا)(1) .

أقول: فالابتعاد عن التعاليم الاسلامية موجب للحسرة والتألم وضياع الحقوق وتفشي الظلم، وربما يكون الندم بعد فترة من الزمن وليس سريعا.

بالنظر لأهمية مفهوم مبادئ الإدارة والقيادة، فقد تم استخلاص عشرين مبدأ من عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) وقدمناها في هذا الفصل، علما إن هناك مبادئ في هذا العهد هي أكثر بكثير من مجموع العدد الذي استعرضناه واكتفينا في بيانه مراعاة للاختصار بعد ما عرّفنا كل مبدأ من خلال الشواهد والايضاحات العهد ونتحدث عن البعض منها في مفهوم الحكم في عهد الامام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر.

ص: 132


1- هداية الأمة إلى أحكام الأئمة: الحر العاملي، ج5 ص 137؛ الوسائل ج8: 409/

المبحث الرابع سمات الشخصية الإدارية القيادية

نتناول في هذا البحث بشيء من التفصيل السمات والصفات المطلوبة لمن يتصدى لأي موقع من مواقع الادارة والقيادة، وأهميتها وحجمها الذي يترتب على حجم المسؤولية المناطة بالشخص المتصدي.

المسألة الأولى: الدراية.

الدراية لغة: (دِراية: (اسم) مصدر دَرَی لَهُ دِرَايَةٌ: عِلْمٌ، مَعْرِفَةٌ) و (درَی فلانٌ الشَّيءَ / درَی فلانٌ بالشَّيءِ: علِمَه وخبَرَه، دَرَی خَبَايَا الأُمُورِ: تَوَصَّلَ إلَى مَعْرِفَتِهَا، عَلِمَ بِهَا)(1) .

والدراية: هي الرؤية وسعة الأفق التي يجب أن يتحلى بها القائد إزاء المهمة المناطة به، قوله (عليه السلام): (فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ الله فَوْقَكَ وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ وَیَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ وَيَفِيءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ عَنْكَ مِنْ عَقْلِكَ.... الالتفات إلى السوابق في التعيين، وقول الحق، وقبول الحق)(2) .

ومن سماته في هذا الجانب ان یکون طموحا في تحقيق مستويات عالية من النجاح وما يسمى بالمصطلح الحديث التخطيط الاستراتيجي، فعندما يكون

ص: 133


1- المعجم الوسيط للنجار. ج1 ص586باب الدال
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (عليه السلام) ص85، رسالة53

الشخص متصديا للقيادة يجب ان تكون له القدرة على ايجاد التصورات ووضع الخطط الملائمة في لإنجاح مشروعه.

فالحديث عن سعة الافق والرؤية الاستراتيجية عند القائد هو الحديث عن شراكة العقل في تحديد المسارات الصحيحة في الإطار العام الذي يتحرك به وهذه الشمولية والسعة نتائج مستقبلية في نجاح عمله والمهمة المناطة به.

ويؤيد هذا المعنى ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) (يحتاج الإمام إِلى قلب عقول، ولسان فؤول، وجنان على إِقامة الحق صؤول)(1) . ويقصد الإمام هنا من يتصدى للمسؤولية والمهمة القيادية في المجتمع، فيجب على القائد ان يكون متعقلا لجميع الامور ومفكرا لما يحدث في الحاضر والمستقبل، فلذا قيل القلب نوعان:

1- القلب العاطفي: وهو القلب الذي يتأثر بالمشاعر والأحاسيس كالحب والبغض وتكون له انطباعات سريعة في اتخاذ القرارات، فعن سعيد الجريري قال سمعت غنيم بن قيس يحدث عن أبي موسى الأشعري قال (إنها سمي القلب قلبا لتقلبه وإنما مثل القلب مثل ریشة بفلاة من الأرض)(2) .

وهذا النوع من القلوب لا يلين للإيمان ولا يؤثَّرُ فيه زجر وأعرض عن ذکر الله فالقلب سريع التقلب والتحول، ولذا قيل: قد سمّي القلب قلبا من تقلَّبه * فاحذر على القلب من قلب و تحویل، يصفها القرآن الكريم بالقلوب القاسية وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)(3) .

ص: 134


1- الغرر والدرر6/ 472، الحدیث 11010
2- مسند ابن الجعد: علي بن الجعد بن عبيد الجوهري ج:، ط2: 1417- 1996
3- المائدة: 13

2- وهناك قلوب اخرى عقولة ومدبرة وهو القلب الذي لا يتأثر بالمشاعر والعواطف، ويسميه القرآن الكريم بالقلب الحي (إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لَمِن كَانَ لَهُ قَلْبٌ)(1) .

وقال صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «سمّي القلب قلبا لسرعة تقلبه «، فإذا صار القلب مزکَّی بالصفات الحميدة، وتخلى عن الصفات الرذيلة صار مصداقا لقوله تعالى: إلا من أتى الله بقلب سليم)(2) ویؤید کلامنا ما ورد وفي کنز العمّال: (إِذا أراد الله بقوم خيراً ولّى عليهم حلماءهم وقضى عليهم علماؤهم، وجعل المال في سمحائهم. وإِذا أراد الله بقوم شرّاً ولّى عليهم سفهاءهم، وقضى بينهم جهالهم، وجعل المال في بخلائهم)(3) .

فيعتبر في الوالي مضافاً إلى العقل، الرشد في قبال السفاهة أيضاً. وإن شئت قلت: يعتبر فيه العقل الكامل، فهما شرط واحد. والخلاصة المسألة واضحة لا تحتاج إلى بيان.

إن أي مسؤولية غيبت عنها الدراية والعقل والتخطيط مما لا شك فيه تكون محفوفة بالفشل والتلكؤ في تحقيق الأهداف، ولذلك نجد في كلام الأمام علي (عليه السلام) ما يؤيد لهذا المعنى (نعوذ بالله من سبات العقل، و قبح الزلل، وبه نستعين)(4) .

ص: 135


1- ق: 37
2- الشعراء: 89
3- کنز العمّال6/ 7، الباب 1 من كتاب الإمارة، الحديث 1459
4- مسائل الشريف المرتضى: الشريف المرتضی ج 3: أورد الخطبة بتمامها الشريف الرضي في نهج البلاغة . تحقيق: تقديم: السيد أحمد الحسيني / إعداد: السيد مهدي الرجائي ص 346، الطبعة: الأولى

اقول: اذا كان العقل قابلاً للنوم ويرقد کما يرقد البدن فالبعض من القادة يبطل عقله ولا يحرك مدارکه العقلية في المسؤولية المناطة به فتراه كثير العمل سریع الخطأ فهكذا قليل التدبر والتفكير وهناك من يتدبر ويخطط ويستشرف بالمستقبل ثم يقدم فتكون خطواته أقرب إلى النجاح، فتعبير الإمام (عليه السلام) عن حالة سبات العقل و قبح الزلل ويتعوذ بالله منها فحينما يرقد العقل وينام و حينما يعطل التفكير يكون الزلل والخطأ والانحراف والضلال وعدم امكانية تحقيق النتائج الصحيحة. فوقوع القيادة في مسارات خاطئة يؤدي إلى تعريض الامة إلى مشاكل وحملها إلى مدارج التيه الفوضوي المتمثل بالهرج والمرج الذي ينتج منه ظلم الأبرياء وتسبيب القتل وتعريض اعراض الناس إلى الهتك والظلم.

المسألة الثانية: البصيرة.

(البصيرة: قوة القلب المدركة ويقال بصر وجمع البصيرة بصائر، قال سيبويه بصر صار مبصراً وابصره اذا اخبر بالذي وقعت عينه عليه)(1) .

(إن البصيرة هي تكامل العلم والمعرفة بالشيء ولهذا لا يجوز أن يسمى الباري تعالى بصيرة إذ لا يتكامل علم أحد بعظمته وسلطانه)(2) . والبصيرة: تعني وضوح الرؤية وانشراح الفؤاد فالبصر هو العين الظاهرية، أما البصيرة فهي عين الفؤاد)(3) .

وقيل: هي التي ترسم الطريق في الحياة، اما فقدان البصيرة فذلك يعني العمى وما عليه الكفار وعبيد الدنيا)(4) ، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى (يَعْلَمُونَ

ص: 136


1- تاج العروس : الزبيدي، ج1، 2519
2- الفروق اللغوية: أبو هلال العسكري ص102
3- ينظر إلى رسالة الخواص: السيد احمد الحاتمي: ص26
4- المصدر نفسه : ص26

ظَاهِرًا مَّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)(1) وهي اشارة الى أن الإنسان الذي يفقد البصيرة یکون اعمى، ولا تمثل البصيرة العمى الظاهري بل العمی الباطني الذي هو حقيقة وجوهر الإنسانية.

وقال عليه السلام (فقد البصر أهون من فقد البصيرة)(2) . وقوله عليه السلام (فاقد البصيرة فاسد النظر فليصدق رائد أهله، وليحضر عقله، ولیکن من أبناء الآخرة فمنها قدم وإليها ينقلب)(3) .

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآلة): ليس الأعمى من يعمي بصره، إنما الأعمى من تعمى بصيرته)(4) .

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يصف فاقدي البصيرة بالحیاری (قوم حیاری عن الحق لا يبصرونه، وموزعين بالجور لا يعدلون به. جفاة عن الكتاب. نکب عن الطريق. ما أنتم بوثيقة يعلق بها، ولا زوافر عز يعتصم إليها. لبئس حشاش نار الحرب أنتم. أف لكم لقد لقيت منکم برحا، يوما أناديكم ويوما أناجيکم، فلا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاء)(5) .

ويتحدث القرآن الكريم عن سمات فاقدي البصيرة انه يتحول إلى البهيمية العمياء ويشير القرآن إلى هذا الموضع في سورة الأعراف قوله تعالى: «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ»(6) .

ص: 137


1- الروم: 7
2- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي رقم125: ص359
3- المصدر نفسه: ص359
4- میزان الحكمة: محمد الريشهري ج1: ص266
5- نهج البلاغة: خطب الإمام علي ج2، ص6: رقم الخطبة 125
6- الأعراف: 179

ويصفهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) (فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها)(1) .

ثم أن الإمام (عليه السلام) يشخص اهل البصائر من دونهم ويضع ميزانا في ذلك، وهو ما رواه الصدوق في الأمالي: عن علي بن أحمد الدقاق، عن محمد بن الحسن الطاري، عن محمد بن الحسين الخشاب، عن محمد بن محسن، عن المفضل ابن عمر، عن الصادق، عن أبيه، عن جده، عن أبيه (عليهم السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له: «ولو شئت لتسر بلت بالعبقري المنقوش من دیباجکم، ولأكلت لباب هذا البر بصدور دجاجكم، ولشربت الماء الزلال برقیق زجاجكم، ولكني أصدق الله جلت عظمته حيث يقول: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون)(2) .

فأهل البصائر هم الذين يشخصون طريق الحق والحياة الطيبة ولم ينخدعوا بالدنيا وملذاتها ولا يتخذون الدنيا ساحة لتنفيذ شهوات النفس ومسرحا تذبح عليه القيم الانسانية بل ينظرون إلى الأمور بعين البصيرة حيث انظارهم متعلقة بعاقبة الأمور وما تؤول اليه في الحاضر والمستقبل.

وهذا ما أشار إليه الإمام علي (عليه السلام) (أن أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى ظاهرها، واشتغلوا بأجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم، وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا، ودرگهم لها فوتا. أعداء ماسالم الناس، وسلم ماعادى الناس. بهم علم الكتاب وبه علموا. وبهم قام الكتاب وبه قاموا. لا يرون مرجوا فوق ما يرجون ولا مخوفا فوق ما يخافون)(3) .

ص: 138


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي ج3: رقم 45
2- مستدرك الوسائل: میرزا حسين النوري الطبرسی، ج16، ص301
3- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (عليه السلام) ج4 ص101 قصار الحكم: 432

فيتحصل ما يلي:

إن الشخصية القيادية والمتصدية للمسؤولية في البلد يجب أن تتحلى بالبصيرة، لما ذكرناه في ذم من فقدها وبفقدانها تكون الفوضى وظهور الميولات الشخصية من الأنا وحب الدنيا، فهي كالسراج الذي ينير الدرب في الظلام، وتعد البصيرة من الضروريات لحياة كل مجتمع ببعديه الفردي والاجتماعي ويستطيع صاحب البصيرة أن يفكر ويرسم المستقبل بكل جوانبه وأبعاده.

فالبلد الذي فيه أصحاب البصائر بلد تسوده الطمأنينة والعيش الهنيء ويرتقي في سلم الصعود نحو البناء والازدهار.

والصورة تظهر واضحة فيما لو فقده هؤلاء لغيبت عنه الخطط واصبح في مدارج السقوط وتعصف به بين الحين والآخر أزمات سياسية والاجتماعية، فالقيادة الفاقدة لهذه السمة لا يتأمل منها الا تصدير المشاكل وتفقيس الازمات وتضييع الحقوق وجر البلاد إلى الحروب والويلات.

المسألة الثالثة: المعرفة.

من السمات الأساسية التي يمكن توافرها في المتصدي للقيادة او المسؤولية هي المعرفة والخبرة او ما يعبر عنه: الاصطلاح الحديث بالكفاءة، إذ يجب أن يكون المسؤول كفوءاً خبيرا عالما.

والدراية غير المعرفة، فالدراية عبارة عن التخطيط والرؤية، والكفاءة هي قدرة الأشخاص على تنفيذ الخطة المعدة في تحقيق الرؤية على مرافق الأرض.

اذا النجاح لا يتحقق إلا من خلال أن يكون المتصدي للقيادة عارفا بمسؤوليته وبالمهمة المناطة به وإلا يقع في محذورين الافراط أو التفريط، إما الإفراط : الذي هو

ص: 139

تجاوز الحدود العملية من جانب الكمال فيحتمل أن يكون جاهلا فيحمل المهمة والمسؤولية الملقاة على عاتقه إلى العشوائية والتخبط و خلط الأوراق وانحراف المسارات عن الاتجاه الصحيح.

وإما التفريط : الذي هو تجاوز الحد من جانب النقصان والتقصير. في أداريهِ فيكون دائما في حالة التقصير في اداء الواجب ومن الصعب تشخيص الحدود بين الافراط والتفريط فيبقى بينهما ويؤيد هذا المعنى ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) (أن أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمه بأمر الله فيه)(1) .

وثمة روايات أخرى فيما يرتبط بالمعرفة بالزمان وأهله لا مجال لتتبعها.

ونقول أيضاً:

ثمة نصوص كثيرة حول كون الأحق بالأمر هو الأعلم، أو فقل: هو ذلك الرجل الذي يكون في المستوى الأعلى من العلم والمعرفة بأحكام الله تعالى أي الأقدر على الإتيان بالضوابط والسياقات والقوانين والسنن سواء كانت هذه الضوابط في الاطار الشرعي او الوضعي فالأعلم هو الأولى بتولي مهام الأمور القيادي والتصدي لها.

فضلان عن أن من الطبيعي: أن يكون الأعلم، والأعرف بزمانه، والأقدر هو الأقرب والأجدر بتحقيق الأهداف الإلهية، فيما يرتبط بتطبيق أحكام الإسلام، وتنفيذ تعاليمه على صعيد الحكم)(2) .

ص: 140


1- نهج البلاغة، الخطبة173
2- موقع ولاية الفقيه في نظرية الحكم والإدارة في الإسلام: السيد جعفر مرتضى العاملي ص50

وفي حديث علي (عليه السلام): (لا يرى الجاهل إلَّا مفرطا أو مفرّطا)(1) ، بالتخفيف: المسرف في العمل. وبالتشديد المقصر فيه. وفرط في الأمر يفرط فرطا أي قصر فيه وضیّعه حتى فات. وكذلك التفريط)(2) .

وقريب منه ما ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى (وبلفظ: الجاهل لا يلقي أبدا إلَّا مفرطا أو مفرّطا أي يسيء عمدا، و يحسن غلطا. وهو بالتّخفيف: المسرف في العمل، وبالتّشديد: المقصر فيه)(3) .

ومن قوله تعالى: «أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ»(4) .

و «مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ»(5) . مع قوله عزّ وجلّ: «مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ»(6) .

يعلم أنّ الجاهل في النّار، والتّفريط من صفته، کما يفهم من قوله تعالى: «وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا»(7) ، أنّه لا ينفكّ من الإفراط والتّفريط الغافل المتّبع للهوى.

فيتحصل: القول إن الجاهل اما متطرف فيزيد على الحد المطلوب او يفرط بتضييع جزء من الواجب والمسؤولية المناطة به.

ص: 141


1- نهج البلاغة: خطب الامام علي، ج4، ص16، ح70
2- ما وراء الفقه: السيد محمد الصدر، ج4
3- أمثال والحكم المستخرجة من نهج البلاغة: محمد الغروي
4- النحل: 62
5- يوسف: 80
6- يوسف: 89
7- الكهف: 28

المسألة الرابعة: العدالة.

العدل لغة: (خلاف الجور، وهو القصد في الأمور، وما قام في النفوس أنه مستقیم، مِن عَدَلَ يَعْدِلُ فهو عادل من عُدولٍ وعَدْلٍ، يقال: عَدَلَ عليه في القضية فهو عادِلٌ. وبسط الوالي عَدْلَهُ)(1) (والعدالة وصف بالمصدر معناه ذو عدل. وتعديل الشهود: أن تقول أنهم عدول، وعدّل الحكم، أقامه، وعدّل الرجل: زكاه)(2) .

ومن التعريفات اعلاه نستنتج إن:

العدل هو: وضع الشيء في موضعه أو إعطاء كل ذي حق حقه.

ومن مصادیقه:

اتخاذ الاجراءات الصحيحة في الوقت المناسب وفي الظروف المناسبة.

وضع الرجل المناسب في الموضع المناسب.

وتوزيع الأدوار والمهام الادارية بطريقة سليمة وصحيحة.

والحزم في الأمور.

وعدم التميز بين الناس بالابتعاد عن الهوى. هذا هو العدل کما يفهم من روایات اهل البيت (عليهم السلام).

عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لمالك الاشتر (رضوان الله عليه) واصفا العدل والإحسان للآخرين وَلَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَالْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ

ص: 142


1- لسان العرب: ابن منظور: ج11: ص430 وينظر مصباح المنير: للفيومي: ج2، ص396. والصحاح: اللجوهري: ج5: ص1760. القاموس المحيط للفيروز آبادي، ص1030
2- رسائل فقهية: الشيخ مرتضى الأنصاري، مجلد23، ص5، 144

فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ)(1) .

فقد ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلمات قالها في طريقه إلى صفين في حربه مع القاسطين، بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله: قال اتقوا الله عباد الله وأطيعوه وأطيعوا إمامكم فإن الرعية الصالحة تنجو بالإمام العادل، ألا وإن الرعية الفاجرة تهلك بالإمام الفاجر)(2) .

إن سبب نجاة الأمة وتقدمها في تحقيق اهدافها وتطلعاتها لا يكون إلا بوجود الحاكم والمسؤول العادل، أما الرعية غير الصالحة فلا يحقق الحاكم العادل النجاح، لأن غير الصالح لا يتبع الصالح.

فالأمام العادل والمسؤول العادل هو الضمان لنجاح الناس الصالحين، فهناك معادلة يمكن أن يكون القائد قدادی واجباته إزاء الأمة، والأمة هي السبب في حصول الاخفاقات، كما يحصل في عدم انتخاب الأكفاء في ادارة الحكم؛ وفي الطرف الآخر من المعادلة يبيّن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إن الحاكم والمسؤول حينما يكون فاجرا ويتنصل في مسؤوليته من إقامة العدل يكون سببا في هلاك الإنسان الفاجر لأن الفاجر يتبع الفاجر بينما الإنسان الصالح لا يتبع الحاكم الفاجر، حتى وإن انحرف الحاكم يبقى الإنسان الصالح ملتزما بالأحكام الشرعية والقوانين الوضعية ولا ينحرف معه.

ولكن لو تماشى مع المسؤول الفاجر غير العادل ووضع يده بيده وسمح لنفسه بأخذ الرشوة مثلا سوف ينغمس في متاهات ويضيع في دنيا مظلمة.

ص: 143


1- نهج البلاغة: خطب الامام علي، ج3، ص88، رسالة53
2- مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة): المير جهاني، ج1، ص293

ويصف الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) کلا القسمين من الحكام في خطبة له:

1- يصف الحاكم العادل: فيقول:

(عباد الله إن من أحب عباد الله إليه عبداً أعانه على نفسه... قد أخلص لله فاستخلصه فهو من معادن دينه وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غاية إلا أمّها ولا مظنة إلاّ قصدها قد أمكن الكتاب من زمامه فهو قائده وإمامه، يحل حيث ثقلُه وينزل حيث كان منزله..).

2- يصف الحاكم الفاجر (غير العادل): بقوله:

(وآخر قد تسمى عالماً وليس به فاقتبس جهائل من جهّال وأضاليل من ضلاّل ونصب للناس شَرَکا من حبائل غرور وقول زور، قد حمل الكتاب على آرائه وعطف الحق على أصواته، يؤمن من العظائم ويهوّن كبير الجرائم، يقول أقف عن الشبهة و فيها وقع، ويقول أعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة انسان و القلب قلب حیوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، ولا باب العمی فيصدّ عنه فذلك ميت الأحياء)(1) .

يبيّن الإمام (عليه السلام) ان من سمات القائد أو المسؤول أن يكون عادلا.

من مصاديق العدل:

1- نفي الهوى عن النفس.

وهذه اشارة وتنبيه لكل من يتصدى لزمام الامور لابد أن يبدأ بإصلاح نفسه حتی یکون قادرا على اصلاح الاخرين.

ص: 144


1- بحوث في الفقه المعاصر: الشيخ حسن الجواهري، ج4، ص91

2- وصف الحق والعمل به.

والصفة الاخرى للحاكم العادل عبارة عن وضع الخصائص والمعايير الصحيحة في كيفية تشخيص الحق ومن خلال ذلك يستطيع التمييز بين الحق والباطل وبين ما هو حق للناس، هذه من الأمور المهمة والاساسية التي وضعها الامام في عهده لمالك (رضوان الله عليه).

3- الالتزام بالوقت.

ومن المعايير الأخرى للعدالة هو الالتزام بالوقت فحينما يكون هناك قانون فواجب على الجميع الالتزام به من اعلى رتبة إلى ادنی رتبة.

4- حث الناس على فعل الخيرات.

ومن سمات المسؤول العادل أيضاً حث الناس على فعل الخيرات في المجتمع وهذا ما يسمى بالتكافل الاجتماعي، فالمسؤول العادل اول السبق له ویکون مبدعا و مبتکرا في هذا الجانب ويشجع الاخرين بهمة وعزم لكي يقدم شيئا جديدا في المنظومة القيادية بهدفِ انجاح الاخرين.

5- العمل بالقرآن الكريم.

ومن السمات الاخرى للحاكم العادل العمل بالقرآن الكريم ضمن منظومة قیادته باتخاذ الاجراءات الملائمة للشريعة الاسلامية فيتعامل مع الجميع على هذا الأساس؛ القرآن والقانون في إطار واحد وصحيح.

ويؤيد كلامنا قوله عليه السلام (التقي يلزم نفسه العدل، فيكون أول عدله نفي الهوى عن نفسه قرّة عين الولاة استقامة العدل في البلاد ليس في الجور عوض من العدل)(1) .

ص: 145


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي ( عليه السلام)، (تحقیق صبحي صالح) ص754

وأما صفات الحاكم غير العادل:

1- التشبه بالصفات.

فيما لو نعت الحاكم نفسه بصفات وليس فيه منها شيء كدعواه بأنه عالم وليس بعالم، او يدعي أن به الكفاءة والقدرة والعدل بالتعامل ولا يتوفر فيه شيء منها.

يصفه الإمام (عليه السلام) (وآخر قد تسمّى عالماً وليس به فاقتبس جهائل من جهّال وأضاليل من ضلاّل ونصب للناس شَرَکا من حبائل غرور وقول زور).

فيتضح من قول الإمام (عليه السلام) انه من كان جاهلا وضالا يكون مستشاروه والمحيطون به من الجهال وأهل الضلال، فالقائد في المنظومة الاسلامية إما أن يكون ضالا ومضلاً أو مهتدياً وهاديا، فمرة يتحول المسؤول إلى حالة مثالية يتحقق من خلالها الإنجازات الكبيرة في تحقيق الأهداف وطموحات الامة، أو يكون عبئا على الأمة يتحول فيها إلى حالة من التعصب وتمزيق الأمة وتشتيتها والتجاوز عليها.

2- سلب الحقوق والحريات.

من خلال سلب الحقوق والحريات وتضييعها، ترى الأمة في ظل أمثال هؤلاء تعيش الاضطراب والقلق النفسي، وهذه كلها عوارض تطرأ على المجتمع حينما يتصدى للمسؤولية الشخص غير الكفوء، فيقتبس الجهائل والأضاليل وينصب للناس اشراكا من حبائل الغرور وقول الزور من الكلام الباطل والوعود الزائفة.

وهذا ما نراه اليوم في الأنظمة الدكتاتورية من انها تقوم بمهام معينة في السلطنة على رقاب الناس واحد هذه المهام جعل القانون بأيديهم (كقول الإمام

ص: 146

الحسين عليه السّلام في كلام له: (الدّين لعق على ألسنتهم، يحوطونه مادرّت معائشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الدّيّانون)(1) .

فيبدا بتكييف القانون وفقا لآرائه وأفكاره ویری لنفسه الحق المطلق في تنفيذ فقرات القانون من بطش وفتك وقتل الناس على قارعة الطريق كل ذلك يراه صواب، ثم يخرج ويتحدث للناس عن الحق وماسواه ليس كذلك وهذا واضحا وجليا في قول من تصدى لدفة الحكم في الاسلام.

فيما روى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن سوید، قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة، ثم خطبنا فقال: والله إني ما قاتلتكم لتصلوا، ولا لتصوموا، ولا لتحجوا ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليکم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون)(2) ، فهذه التجربة التعسفية في الحكم دليل واضح لما تعيشه المجتمعات اليوم من سلب حرية الرأي والصعود على اكتاف الاخرين فينبغي للحاکم ان یکون عادلا في قوله وفعله لكي يحقق آمال الأمة وطموحاتها منسجما مع القيم الاسلامية.

واخيرا: يلخص لنا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) المشهد أو المقطع المتعلق بالحاكم أو المسؤول غير العادل ويوضح صورته للناس يقول (عليه السلام) (اعتزل البدع وبينها اضطجع، فالصورة صورة انسان والقلب قلب حیوان، لا يعرف باب الهدى فيتّبعه، ولا باب العمى فيصدّ عنه فذلك ميت الأحياء) يتحدث عن الصورة الظاهرية والباطنية فيقول صورته انسان و قلبه حيوان ليس لديه معرفه في أبواب الهداية لكي يتبعها فتلتبس عليه الأمور، فلا يستطيع تشخيص الامور

ص: 147


1- حياة الإمام الحسين عليه السّلام: 3/ 97؛ البحار: 44/ 383
2- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، الجزء: 16، ص46

الحق والباطل الخطأ والصواب فتكون قراراته عشوائية غير سليمة فيقول الامام ذلك ميت الأحياء انسان حي يمشي على الأرض ولكن ميت، لأن جوهر الحياة وفلسفتها غائبة عنه.

المسألة الخامسة: القدرة على الأداء

الاداء لغة: (أَدَاءٌ: (اسم) مصدر أدَّى (قَامَ بأداء وَاجِبِهِ: بِإِنْجَازِهِ، بِاِكْمَالِهِ)(1) ، وفي مجمع البحرین): أدا): قوله تعالى:) وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ)، أي إيصال إليه وقضاء، ومنه: (وأدّی دینه)(2) .

ولا نقصد بمفهومها القدرة على السيطرة واستخدام القوة مع الناس بل نعني بذلك المفهوم الواسع في المنظومة الادارية والقيادية: مجمل السمات والصفات التي تجعل المسؤول قادرا على انجاز الأهداف بالوسائل المتاحة و الصحيحة والطبيعية المألوفة.

ومن خلال هذا المعنى يدعونا الحديث عن سعة الصدر وتحمل الاطراف المنافسة والمخالفة وبالبداهة أن كل من يتصدى للقياده يظهر من حوله المنافسون والمخالفون في دائرة التعامل الاجتماعي والسياسي لأن الناس اصناف مختلفة في تعاملهم ورؤاهم، فينبغي للمسؤول أن تكون له رؤية وانضباط نفسي في كيفية التعامل مع المنافس والمخالف وهذا لا يتم إلا من خلال اتخاذ القرارات القوية والشجاعة لأن مصالح الناس يجب أن تضمن من خلال المواقف المنطقية المحسوبة الشجاعة.

ص: 148


1- معجم المعاني الجامع: للسيوطي: مادة (اداء)
2- مجمع البحرين: للطريحي: ج1، ص47

فالحكمة والقوة في اتخاذ القرارات تعني الاستقامة والثبات وعدم تزلزله بسبب الضغوطات التي يتعرض لها المسؤول من بعض الاطراف الاخرى، فيجب عليه اتخاذ الموقف الصحيح المنسجم مع المصلحة العامة، فلا يجوز له التنازل عن مصالحهم في مراعاة المنصب والمصالح الخاصة.

وينبغي أن تكون للحاكم القدرة في مواجهة التحديات و حفظ حقوق من هو مسؤول عنهم، فرب الاسرة يجب أن يحافظ على اسرته فلا يتركهم جياعا ويشبع بطون اخرين (الأقربون أولى بالمعروف) ويكونون واجبي النفقة عليهم.

فالحاكم مسؤول عن كيفية التعامل مع الرعية وأن يتحلى بالهمة العالية والثقة بالنفس وبث الأمل في نفوس الآخرين، وأن يكون متألقاً حتى يحقق الانجازات في أصعب الظروف .

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في أحد خطبه (ايّها الناس، إِن أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه، فإن شغب شاغب استعتب، فإن أبی قوتل)(1) .

ومعنى: الشغب: تهییج الفساد. والاستعتاب: الاسترضاء.

اقول: ان الاقوى على اداء المسؤولية هو الأحق بها وليس الأقوى هو من استقوى على الناس الضعفاء واذا كان المسؤول قويا فإنه لا يقع تحت تأثير السلطة واغراءاتها.

واذا وقع الحاكم أو المسؤول تحت تأثير الآخرين فإنه سيصاب بالإخفاقات وتشتت القرارات، والابتعاد عن الرؤية المطلوبة ويشهد لذلك قول الامام علي

ص: 149


1- نهج البلاغة، خطب الامام علي ج2، ص96، خطبة173

(عليه السلام): (من قوي على نفسه تناهي في القوة)(1) ، وقوله عليه السلام: (أقوى الناس من قوي على غضبه بحلمه)(2) .

فيتحصل: أن الحاكم إذا أراد أن يكون قويا فعليه أن يتحصن من خلال مسك مشاعره وغضبه وأحاسيسه ورغباته ومصالحة ومصالح من يلوذ به بقرابة وأن يقدم المصلحة العامة على الخاصة، وأن يتصرف بعلم وحلم وحكمة.

المسألة السادسة: النزاهة.

قبل الدخول في توضيح معنى النزاهة، لابأس بالإشارة إلى المراد من النزاهة لغة. نزه: النُّزْهَةُ: معروفة. والتَّنَزُّه: التباعد، والإِسم النُّزْهةُ. وهو يتنَزَّه عن الشيء إذا تباعد عنه. وقد نَزُه نَزاهةً وتَتَزَّه تنَزُّهاً إذا بَعُدَ.

ورجل نَزْه الخُلُقِ ونَزِهُه ونازِه النَّفْس: عفيف مْتکَرَّهٌ يَحُلُّ وحْدَه ولا يخالط البيوت بنفسه ولا ماله، والجمع نُزَها ونَزِهُونَ ونِزَاه، والإِسمُ ال والنزاهة.

ونَزَّه نفْسَه عن القبيح: نَحّاها. ونزَّه الرجلَ: باعده عن القبيح.

والنَّزاهةُ: البعد عن السوء(3) ، إن فلاناً لنَزِيه كريمٌ إذا كان بعيداً من اللُّؤْمِ، وهو نزِيه الخُلُقِ. وفلان يتَنزَّه عن مَلائمِ الأَخلاق أَي يتَرَفَّعُ عما يُذَمُّ منها.

وقال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام(4) .

ص: 150


1- غرر الحكم: 2449، 6803
2- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي، ص116
3- لسان العرب: ابن منظور ج13 ص548، الصحاح في اللغة، الجوهري، ج2 ص204
4- سراج الملوك: الطرطوشي ج1 ص67.؛ المستطرف في كل فن مستظرف، عبد المحسن بن محمد الصوري، ج1 ص443

وللنزاهة في الرؤية الاسلامية معنى اوسع بكثير من معاني النزاهة المالية التي تتبادر إلى الذهن فعرفها طائفة من العلماء بتعريفات متعددة نكتفي ببعض منها.

قال المناوي: (النَّزَاهَة: اكتساب المال من غير مَهَانة، ولا ظُلْم، وإنفاقه في المصارف الحميدة.... وقال ايضا (النَّزَاهة البُعْد عن السُّوء)(1) .

وقيل في تعريف النزاهة (ومعنى التَّنَزُّه: التَّباعد من الدَّناءة والأوساخ)(2) .

ويفهم من ذلك أن ترقى العبد في درجات القرب، فكلما صار أكمل صفة، وأتم علما وإحاطة بحقائق الأمور، وأثبت قوة في قهر الشيطان وقمع الشهوات، وأظهر نزاهة عن الرذائل، صار أقرب من درجة الكمال، ومنتهى الكمال لله، وقرب كل واحد من الله تعالى بقدر کماله(3) .

أن الفرد الذي يرتفع في نزاهة ورجاحة عقله على الأهواء والأخطاء. فلا بد إذن من اعلان المساواة التامة في الحقوق السياسية للمواطنين كافة، لأنهم يتساوون في تحمل نتائج المسألة الاجتماعية والخضوع لمقتضيات السلطات التشريعية والتنفيذية(4) .

أن ولي الأمر- الذي كان مفروضاً فيه أن يمثل مصالح المجتمع وأن يحكم من مكانه الرفيع في نزاهة وحياد وعدل و ایثار لمصالح المجتمع - قد سقط إلى درك الرقيق لهذه القوى المالية، وأصبح أداة طيعة لتنفيذ أهوائها وشهواتها)(5) .

ص: 151


1- التوقيف على مهات التعاريف للمناوي: ج1، ص695
2- قوت القلوب: لأبي طالب المكي : ج2، ص376
3- إحياء علوم الدين: الغزالي، ج14، ص329
4- المدرسة الإسلامية: السيد محمد باقر الصدر، ص38:
5- بحوث في الفقه المعاصر: الشيخ حسن الجواهري، ج5، ص386

وقريب منه ما ورد في أصول الكافي(1) فعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سنان، عن نصير أبي الحكم الخثعمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: المؤمن مؤمنان: فمؤمن صدق بعهد الله ووفي بشرطه، وذلك قول الله عز وجل: (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)، فذلك الذي لا تصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة، وذلك ممن يشفع ولا يشفع له، و مؤمن كخامة الزرع، تعوج أحيانا وتقوم أحيانا، فذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا وأهوال الآخرة، وذلك ممن يشفع له ولا يشفع)(2)

ويعبر عن النزاهة بالإخلاص وهو والتخلص من حب الدنيا أهم الموانع عن حصول الخلوص، والإخلاص حب العلائق الفانية الدائرة التي تحيط ببني آدم إحاطة الدنيا بأبنائها، وقد جمع ذلك كلَّه النبيّ الأعظم صلَّى الله عليه وآله في قوله: (حب الدنيا رأس كلّ خطيئة). الإمام عليّ (عليه السلام) في قوله: (سَبَبُ فَسادِ العَقلِ حُبُّ الدُّنيا)(3) فالإخلاص والخلوص مع حب الدنيا متنافيان(4) .

ويؤيد كلامنا قول أمير المؤمنين (عليه السلام):

(ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس والاستغناء عنهم، فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك و حسن بشرك، ويكون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك).

وقال سيد الساجدين (عليه السلام):

(رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس، ومن لم يرج الناس في شيء، ورد أمره إلى الله تعالى في جميع أموره(5) ).

ص: 152


1- ج3 ص346- 347 باب أن المؤمن صنفان ح1 و 2
2- معجم المحاسن والمساوى: الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي، ص116
3- غرر الحكم: 5543، عيون الحكم والمواعظ: 281/ 5056
4- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: السيد عبد الأعلى السبزواري، ج6، ص103
5- جامع السعادات: ملا محمد مهدي النراقی ج2 ص83؛ الوافي: الفيض الكاشاني، ج4 ص415

من مجموع التعريفات التي مرت آنفا نقول: النزاهة تعني الطهارة أي أن يكون الإنسان طاهرا نقيا وتظهر حالة النقاوة المعنوية في مساحات مختلفة وتوجد تغيرات و تحولات كبيرة في سلوك الإنسان المسؤول حينما يتصدى إلى مواقع المسؤولية فالمسؤول يحتاج أن يكون طاهرا ونقيا من الدنيا وحب الدنيا.

وقريب منه (عن أبي مخنف الأزدي قال: أتی أمير المؤمنين (عليه السلام) رهط من الشيعة، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو أخرجت هذه الأموال ففرقتها في هؤلاء الرؤساء والأشراف وفضلتهم علينا حتى إذا استوسقت الأمور عدت إلى أفضل ماعودك الله من القسم بالسوية والعدل في الرعية، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أتأمروني ويحكم أن أطلب النصر بالظلم والجور في من وليت عليه من أهل الإسلام، لا والله لا يكون ذلك ما سمر السمير وما رأيت في السماء نجماً والله لو كانت أموالهم ملكي لساویت بینهم فكيف وإنما هي أموالهم)(1) .

ص: 153


1- وسائل الشيعة : ج15 ص106- 105 ب39 ح2007

ص: 154

المبحث الخامس تقاطعات عنصر النزاهة

ومن خلال استعراضنا للأحاديث والروايات الشريفة يتضح لنا أن النزاهة في الشخصية الإدارية القيادية تتقاطع مع الصفات الخلقية الآتية:

المسألة الأولى: حب الأنا والاحتكار والاستحواذ وحالة أم الاعتداد؟ بالرأي:

التي يقع فيها المسؤول هي من حالات الانانية حيث يعتقد ان رأيه هو الصواب ويرفض الاستماع إلى أراء الاخرين (المستشارين) والخبراء، وبعبارة أخرى يريد ان يتكلم ولا يريد ان يسمع للأخرين فكلما كان الإنسان هادفا في حياته إنسانيا في سلوكه، حرکیا عمليا يتوسع فكره لأكثر من نفسه، ويتسع صدره لغير (الأنا) و (الذات): كان أكثر تأثيرا في مصير الناس، والصورة تختلف فيما لو توافرت صفة الأنا في دائرة حياته.

وهذه المدرسة الأموية تعطينا صورة واضحة في التعامل السيئ مع الآخرين وهو ناتج من استحواذ الأنا على نفوسهم، يقول الدكتور جورج جرادق واصفا حالتهم المزرية بقوله (أماّ أولئك الذين استلموا مقاليد الأمور وسُدَّة الرئاسة في عهود مختلفة، فإنّ كل مَن حكم منهم وأمسك بزمام الأمور، العالي منها والداني، صرف جُلّ اهتمامه ليحتضن في فريق حكومته الشريحةَ الغنية والقوية المقتدرة؛ محاباة لها، مع العلم بأنَّ قسماً كبيراً من الولاة والمسؤولين، لم يكن ذا خبرة وكفاءة تخوّله المشاركة في شؤون البلاد والعباد. ولا يخفى ما في ذلك من إجحاف وطمسٍ للقدرات والكفاءات التي كانت موجودة ومتوافرةً بحوزة المسلمين، والتي كان

ص: 155

لابد من تشغيلها للنهوض بالأُمّة الإسلامية نحو الأفضل والأكمل. وهذا الأمر كان جلياً في الاختراق الأُموي الذي حدث في زمن الخليفة الثالث عثمان ابن عفَّان، حيث استطاع الأُمويون وآخرون من أمثالهم أن يسيطروا على مراكز ومواقع مهمة وحساسة وأخذوا يبطشون بالناس الذين لا يرون رأيهم السياسي او الذين يشكلون المعارضة للنظام)(1) .

فحالتا الاستحواذ والاحتكار حينما يضع المسؤول اليد على كل شيء ويريد أن يكون قرار كل المهام بيده وليس بيد الآخرين، إنما يدل ذلك على تحقق الأنا في نفسه وذاته فينتج من ذلك آفة حب الرئاسة والسلطة.

ويؤيد ذلك ما ورد عن (صفوان بن يحيی.. روى عن محمّد بن قولویه، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن معمّر بن خلاد قال: قال أبو الحسن عليه السلام: ما ذنبان ضاريان في غنم قد غاب عنها رعاؤها بأضرّ في دين المسلم من حبّ الرئاسة)(2) .

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ملعون من ترأس، ملعون من همّ بها، ملعون من حدث بها نفسه)(3) .

المسألة الثانية: الرغبة في الشهرة والعجب بالنفس.

من المشاكل التي تتقاطع مع النزاهة هي الرغبة في الشهرة والعجب بالنفس وحب المديح والاطراء فاصطفاف الناس حولهم سياطين وعبارات التفخيم

ص: 156


1- علي صوت العدالة: جورج جرداق، ص117
2- الرواشح السماوية: المحقق الداماد ص113؛ اخلاق اهل البيت، السيد مهدي الصدر، ص131
3- اصول الكافي: ج2، ص298

والاطراء يجعلهم يعيشون في حالة خاصة مع أنفسهم تاركين الرعية، فبدلا من أن ينشغل القائد في ايجاد الحلول لمشاكل الناس ووضع الخطط المناسبة لها ينشغل في هذه الأجواء والاهازيج فتحمله إلى الرغبة في الشهرة فيفكر عند ذلك في كيفية استثمار هذه الفرص واستغلالها لمزيد من النفوذ والتأثير ففي هذه الحالة قد ترك المهمة المناطة به.

وبالإضافة إلى ذلك مما يساعد هؤلاء الأشخاص في حب الشهرة هم الجهلاء من الناس حيث يظهرون لهم التملق ويعظمون شأنهم ويمنحونهم مميزات لا توجد فيهم فهذا هو سبب علو واستحواذ هؤلاء على السلطة. ويؤيد كلامنا ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام):

(واعْلَمْ أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وآفَةُ الأَلْبَابِ)(1) .

وعنه (عليه السلام) في كتابه للأشتر النخعي قال: (وإِيَّاكَ والإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ، والثَّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا، و حُبَّ الإِطْرَاءِ، فَاِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِینَ)(2) .

وقال (عليه السلام) ( وأَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الٔعُجْبُ)(3) .

وقَالَ عليه السلام: (الإِعْجَابُ یَمْنَعُ الإِزْدِيَادَ)(4) .

وقَالَ عليه السلام: (عُجْبُ الْمُرْءِ بِنَفْسِهِ أَحَدُ حُسَّادِ عَقْلِهِ)(5) .

ص: 157


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي ( تحقیق صبحي صالح) ص297
2- نهج البلاغة: الحكمة212، الكتاب53
3- نهج البلاغة: خطب الإمام علي، ج4 ص11
4- وسائل الشيعة: الحر العاملي، ج1، ص105
5- نهج البلاغة: خطب الامام علي، ج4، ص49

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): من أعجب بنفسه هلك، ومن أعجب برأيه هلك، وإن عیسی ابن مریم (عليه السلام) قال: داويت المرضى فشفيتهم بإذن الله، وأبرأت الأكمه والأبرص بإذن الله، وعالجت الموتى فأحييتهم بإذن الله، وعالجت الأحمق فلم أقدر على إصلاحه! فقيل: يا روح الله ! وما الأحمق؟ قال: المعجب برأيه ونفسه، الذي يرى الفضل کله له لا عليه، ويوجب الحق كله لنفسه ولا يوجب عليها حقا، فذاك الأحمق الذي لا حيلة في مداواته)(1) .

ولذا لا ينبغي للحاكم أن يُشعر الناس بأنه يحب هذه الأمور فإن ظن انهم يظنون ذلك فعليه أن يبين لهم حقيقة شعوره من حب الثناء کما فعل علي (عليه السلام) ذلك حينما شعر من الناس انهم يظنون ذلك فيه فأنكر أن يوجد فيه وحمد الله تعالى على ذلك الذي هو احق بالعظمة والكبرياء، وإن الناس بطبيعتهم يحبون أن يحمدوا على ما يقومون به من أعمال.

لكن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو في موقع الخلافة والمسؤولية لا يريد منكم هذا الثناء وانه يعاقب نفسه على حقوق يشعر انه مهما قدم فهو مقصر في ادائها ويشعر أن هناك واجبات كثيرة لم يؤدها حتى الآن.

وهذا علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي قدم الغالي والنفيس وبذل كل ما في وسعه من أجل الله ومن أجل الناس يقول إني أرى نفسي مقصرا في أداء كل الحقوق.

المسألة الثالثة: ضيق الأفق والتحجر.

من التقاطعات المهمة مع النزاهة ضيق الأفق والتحجر اللذان يصاب بهما المسؤول او القائد خلال عمله وتصديه للمسؤولية، فيكون ضيق الأفق في ظواهر التعامل مع الناس فيجب على القائد أن يستوعب الاخرين وأن يكون عنده بعد

ص: 158


1- الاختصاص: الشيخ المفيد: ص221؛ مستدرك الوسائل، میرزا حسين النوری، ج1، ص139

نظر فان ضيق الأفق وعدم تحمل الآخر وعدم قبوله يجعل القائد أو المسؤول غير قادر على اتخاذ القرارات الموضوعية فعليه أن يراعي التوازن المطلوب بين الأطراف لكي يحقق الأهداف المطلوبة، و في جامع الأخبار: قال النبي صلى الله عليه وآله: أفضلكم إيمانا أفضلكم معرفة(1).

المسألة الرابعة: الغدر وعدم الوفاء.

من الحالات والسمات القيادية التي تتعارض مع النزاهة هو الغدر وعدم الوفاء بالمواثيق والعهود (المؤمنون عند شروطهم) فعندما يكون خلاف ذلك فتشيع حالة من الشك بين أطراف الأمة فيفقد المسؤول مصداقيته بين الناس، ويفقد الناس ثقتهم بكلامه.

إذا الالتزام بالعهود والمواثيق من أساسيات مبدأ النزاهة، قال تعالى: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)(2) ، وقال عز وجل: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)(3) .

وقال: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)(4) .

قال علي (عليه السلام): (الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله)(5) .

ص: 159


1- بحارالأنوار: العلامة المجلسي: ج3: ص140
2- الانفال: 58
3- الاحزاب: 7
4- الاسراء: 34
5- نهج البلاغة: خطب الإمام على، ج4 ص58

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أربع من كن فيه فهو منافق- إلى أن قال - وإذا عاهد غدر)(1) . وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (أسرع الأشياء عقوبة، رجل عاهدته على أمر، وكان من نيتك الوفاء به، ومن نیته الغدر بك)(2) .

فكان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكد على ضرورة الالتزام بالعهد و تحريم الغدر، فعنه (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (ما رفع الناس أبصارهم إلى شيء إلاّ وضعه الله تعالى، ولو بغى جبل على جبل لجعل الله تعالى الباغي منها دكاً)(3) .

وقال (عليه السلام): وهو يخطب على المنبر بالكوفة-: أيها الناس! لولا کراهية الغدر لکنت من أدهى الناس، ألا إن لكل غدرة فجرة، ولكل فجرة كفرة، ألا وإن الغدر والفجور والخيانة في النار)(4) .

وقال أبو عبد الله عليه السّلام: (لا ينبغي للمسلمين أن يغدروا ولا يأمروا بالغدر، ولا يقاتلوا مع الذين غدروا، ولكنّهم يقاتلون المشركين حيث وجدوهم ولا يجوز عليهم ما عاهد عليه الكفار)(5) .

وقال (عليه السلام) - من كتابه للأشتر لما ولاه مصر- : (فلا تغدرن بذمتك، ولا تخیسن *(6) (تحبسن) بعهدك، ولا تختلن عدوك... فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته)(7) .

ص: 160


1- مستدرك الوسائل: میرزا حسين النوري الطبرسی ج11 ص48
2- المصدر نفسه: ص48
3- المصدر نفسه، (باب تحريم البغي). ج12 ص85 رقم الحديث 13585
4- الوافي : الفيض الكاشاني ج5: ص923
5- الوسائل باب: 21من أبواب جهاد العدوّ، حدیث: 1 و 3
6- ولا تخیسن بما عاهدتهم عليه: أي لا يغدر، يقال: خاس به يخيس ويخوس أي غدر به، وخاس فلان بالعهد إذا نکث
7- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: قطب الدين الراوندي، الجزء: 3ص197

إذایعد الغدر وعدم الوفاء من الكبائر في الفهم الإسلامي فينبغي للوالي التحلي والانضباط في التعامل مع الناس والانصاف من نفسه في تذليل المعوقات فيما بينه وبين الأمة.

المسألة الخامسة: الأخلاق السيئة.

ومن التقاطعات الأخرى مع نزاهة القائد والمسؤول هو سوء الخلق والتعامل السيئ مع الناس بطريقة جافة والنظر اليهم بطريقة حادة و الجلوس امامهم بحالة التغطرس دیدنه السب والشتم للآخرين ظناً منه ان الطريقة المثلى في ضبط الرعية هو الاساءة اليهم.

وفي القوي کالصحيح، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: إن جبرئيل الروح الأمين نزل على (محمد) من عند رب العالمين فقال: يا محمد عليك بحسن الخلق، فإن سوء الخلق يذهب بخير الدنيا والآخرة، ألا وإن أشبهكم بي أحسنکم خلقا(1) .

وقال أبو عبد الله عليه السّلام: (أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه؛ الخلق السيئ يفسد العمل کما یفسد الخل العسل)(2) .

وعن أبي عبد الله عليه السّلام قال (من ساء خلقه عذب نفسه)(3) .

وقال رسول الله صلَّى الله عليه وآله: (عليكم بحسن الخلق فإنّ حسن الخلق في الجنة لا محالة، وإیّاکم وسوء الخلق فإنّ سوء الخلق في النار لا محالة).

اذا فالأخلاق السيئة تتعارض مع الاخلاق الاسلامية، إذ ينبغي للقائد والوالي أن يتخلى عنها ويتحلى بالأخلاق الحسنة.

ص: 161


1- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي الأول (الجزء: 13، ص228
2- الوافي: الفيض الكاشاني، ج5، ص888
3- المصدر نفسه: ص888

ومن كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده المالك الأشتر (رضوان الله عليه) يؤكد على الأخلاق الحسنة وينبغي للقائد ان يتحلى بها: (فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى ان يعطيك الله من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم فلا تنصبن نفسك لحرب له، فإنه لا يدمي لك بنقمته ولا غنى بك عن عفوه ورحمته ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت عنها مندوحة، ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين، وتقرب من الغير)(1) .

المسألة السادسة: الحقد.

الحِقْدُ لغة: الضِغْن، وهو إمساك العداوة في القلب، والتربص لفرصتها، والجمع أَحْقادٌ وحُقود و حقائد. وتقول: حَقَدَ عليه یَحْقِد حِقْدًا، وحَقِد عليه بالكسر حَقَدًا لغةً. وأَحْقَدَهُ غيره صيره حاقدًا. ورجل حَقود(2) .

الحقد: هو إضمار العداوة في القلب، وهو من ثمرة الغضب، لأن الغضب إذا لزم کظمه لعجز عن التشفي في الحال، رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا، وهو من المهلكات العظيمة. وقد قال رسول الله (ص): المؤمن ليس بحقود(3) .

الحقد هو (سوء الظنَّ في القلب على الخلائق لأجل العداوة)(4) .

ص: 162


1- نهج البلاغة: رسالة الامام المالك الأشتر
2- لسان العرب: ابن منظور: ج3 ص154 وينظر قاموس المحيط: للفيروز آبادي: ص354، العين للخليل الفراهيدي، ج3، ص40
3- جامع السعادات: للنراقي، ج1، ص275
4- التعريفات: للجرجاني: 91

يتحصل من التعريفات أن الحقد هو النار التي تشتعل في صدر الحاقد و ظهار حالة الانتقام لخصائه ولشعبه.

وورد اصطلاح الحقد في القرآن الكريم بمعنى الغل: منها قوله تعالى:

(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(1) .

وقال تعالى (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(2) .

وهناك روايات كثير في هذا المورد منها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (حسن البشر يذهب بالسخيمة).

(السخيمة الحقد في النفس)(3)

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما كان جبرئيل يأتيني إلا قال: يا محمد! اتق شحناء الرجال وعداوتهم(4) .

وقال (صلى الله عليه وآله وسلم: ما عهد إلي جبرئیل قط في شيء ما عهد إلي في معاداة الرجال، وقول الصادق (عليه السلام): من زرع العداوة حصد ما بذر(5) .

ص: 163


1- سورة الأعراف: 43
2- الحشر: 9
3- الوافي : الفيض الكاشاني ج4 ص428
4- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه المؤلف: محمد تقي المجلسي ( الأول)، ج12، ص89
5- الوافي: الفيض الكاشاني ج5، ص942

کما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أحاديث كثيرة، منها قوله: (الحِقْد ألأَم العيوب)(1) .

فيتحصل: لا يستطيع القائد أن يكون نزيها ومتوازنا إذا توافرت فيه صفة الحقد، ومثل هذا القائد لا يمكن ان يكون واليا او حاکما على الأمة لأنه يتصف بصفات المكر والخديعة والخيانة، وهذه جميعها لا تنسجم مع مفهوم النزاهة في المنظومة الاسلامية.

المسألة السابعة: الغلظة والشدة في التعامل.

من التقاطعات لمفهوم النزاهة التعامل الغليظ مع الرعية.

وفي اللغة غَلْظة بكسر الغين وضمها وفتحها وغِلاظة أيضا بالكسر أي فظاظة واغلظ له بالقول(2) : عَداوة غَلْظة: قساوة وشِدّة، وهذا معناه أن المسؤول يستخدم السقوف العالية من الصلاحيات الممنوحة له في العقوبات فينتج من هذا التعامل النفرة من قبل الناس وعدم المحبة له فتجعل الآخرين يفكرون في كيفية الخلاص منه والإطاحة به.

فالتسامح وإيجاد العلاقة المحبة والمودة بين أفراد الأمة من سمات القائد الناجح الذي يمتلك الارادة في تحقيق الأهداف بالشكل السليم وفق الرؤية الإسلامية الحقة وهذا ما نجده واضحاً في كتاب الله الكريم وروايات أهل البيت عليهم السلام حيث ورد اصطلاح الغلظة في القرآن الكريم في معانٍ متعددة، منها:

ص: 164


1- غرر الحكم: ح966
2- مختار الصحاح: الرازي ج1 ص338

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ»(1) .

«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ»(2) .

«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا»(3) ، فيتضح أن القرآن يوجه القيادة الاسلامية في أن تهيأ أجواء الأمان والطمأنينة للعدو ليكسب العقول والنفوس من خلال آلية خطابية تعتمد الذكاء والمرونة، والانفتاح، رافضاً الانفعالية، وهذا معناه انه يفتح الطريق أمام خصومه ليطرحوا الأفكار والمباني التي تزخر بها عقائدهم. فلا ينفعل أو تسري إلى نفسه روح الانهزامية الفكرية، مادام يعتمد في اسلوبه ومنهجه على القدرة الالهية المطلقة التي تزوده بكل أدوات المعرفة واليقين للخط الذي سار عليه، ولهذا يدعوه القرآن إلى الصبر وعدم ابداء الضيق، قال تعالى:

«وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ * فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ»(4) .

ص: 165


1- التوبة: 123
2- التوبة: 73
3- الفتح: 29
4- آل عمران: 159

ويتضح من الغلظة هنا «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» قيل: أي لو كنت جافي اللسان سيئ الكلام، قاسي القلب، صعبا غير لين تفرقوا عنك، وخلوك وحدك)(1) .

المسألة الثامنة: أزمة الثقة.

من الأمور التي تتقاطع مع النزاهة هو وجود أزمة الثقة، والمراد من ازمة الثقة هنا هي التساؤلات التي يعتمدها القائد في صحة كل ما يسمعه من دون تحقيق في الأمور فينشغل بتبرير المواقف ويحصل منها ظلم للآخرين من خلال توجيه العقوبات.

وهكذا النفوس عندما تسيطر عليها الأحقاد، وتقوى فيها رذيلة الحسد، تفقد تقديرها الصحيح للأمور، وتحاول التخلص ممن يزاحمها بالقضاء عليه، وتصور الصغائر في صورة الكبائر، والكبائر في صورة الصغائر.

فكيف تتحقق الثقة المتبادلة بين الحاكم والرعية؟ يذكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الصدد ثلاث طرق لتعزيز الثقة بين المسؤول وبين من هو مسؤول عنهم، وهو فحوى المسألة اللاحقة.

المسألة التاسعة: طرق تعزيز الثقة.

1- الاحسان والشفقة واللين.

يقول الإمام في رسالة المالك الأشتر (رضوان الله علیه): (واعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيٌء بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنَّ رَاع بِرَعِيَّتهِ مِنْ إِحْسَانِهِ الَيْهِمْ(2) ).

ص: 166


1- زبدة البيان في أحكام القرآن: المحقق الأردبيلي، الجزء: ص333
2- نهج البلاغة: خطب الامام علي، ج3، ص89، رسالة53

هناك انواع كثيرة من الاحسان للآخرين لابد للمسؤول أن يقوم به منها تسهل مهمة اللقاءات بالمسؤول ورفع الحواجز عنه ومنها تقديم الخدمة إلى الناس ومنها اظهار المحبة والبشاشة والتعاطي في التعامل مع الآخرين، قوله (عليه السلام):

(الاحسان بمحبة)(1) . وقوله (عليه السلام):

(احق الناس بالإحسان من احسن الله اليه وبسط بالقدرة يديه)(2) .

وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (من كثر إحسانه كثر خدمه وأعوانه)(3) .

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً (الاحسان ذخر)(4) .

أي أن الاحسان هو رأسمال الإنسان وبقدر ما يحسن للآخرين يكبر رأسماله ويصغر.

وقال عليه السلام: (إن احسانك إلى من کادك من الاضداد والحساد لأغيظ عليهم من مواقع إساءتك منهم وهو داع لصلاحهم)(5) .

أشارة إلى أن احسانك إلى من يتهجم عليك ويسب ويشتمك سوف يغيظه اکثر فإن كان مخطئا غافلا فسوف ينتبه ويرجع يعتذر منك، ثم ينتقل الإمام إلى مسالة يجعل فيها الاحسان إصلاحاً للآخرين فيما لو كان المسيء مغرضا و جاهلا

ص: 167


1- غرر الحكم: ج38: 1
2- عیون الحكم والمواعظ127
3- المصدر السابق: 460
4- المصدر السابق: 45
5- المصدر السابق: 156

ويريد الإساءة بالسب والشتم فهو إما أن يكون حقودا أو مصاباً بمرض خلقي، فالإحسان في هذه الصورة يتحول إلى ظاهرة الألم بنفسه ويكون مملوكا لك وهو قول الإمام عليه السلام: (احسن إلى المسيء تملكه)(1) .

2- تخفيف المؤن والأعباء.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (علامة رضا الله عز وجل في خلقه عدل سلطانهم ورخص أسعارهم وعلامة غضب الله تبارك وتعالى على خلقه جور سلطانهم وغلاء أسعارهم)(2) .

وعن علي (عليه السلام) في وصية لمالك الأشتر: (أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مِمَّا لَا مؤونة فِيهِ عَلَيْكَ)(3) .

اشارة إلى أن وجود الحاكم العادل في أوساط الناس علامة رضا الله عليهم وتنعكس القضية فيما لو كان الحاكم جائر بين الناس فتكون علامة غضب عليهم ومدلول الرضا والغضب في الرواية (رخص الأسعار وغلاء الأسعار).

3- التحميل بما لا يطاق.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في عدم اکراههم على مالا يتحملون من المهام الصعبة (وقد أحببتم البقاء، وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون)(4) .

وقوله عليه السلام (وليس أری أن اجبر أحدا على عمل يكرهه)(5) .

ص: 168


1- المصدر نفسه: 83
2- الوافي: الفيض الكاشاني، ج17، ص295
3- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ج3 ص104، رسالة53
4- نهج البلاغة خطب الامام علي، ج2، ص781، خ802
5- موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب والسنة والتاريخ: محمد الريشهري، ج12، ص250

المسألة العاشرة: اللجاج في الرأي.

اللجاج واللجاجة: الخصومة، ألججت بالكسرة تلج و لججت تلج وهو لجوج ولجوجة واللجلجة والتلجلج التردد في الكلام(1) ، عرفت اللجاجة في الرأي: بأنها الإلحاح والعناد والإصرار بالقول والفعل.

وهذا معناه ان القائد في تصوراته يعرف كل شيء عن كل شيء ولا يعرف الآخرون ذلك، فيتقاطع مع رؤية مستشاريه وخبرائهِ من ذوي الاختصاص والخبرة.

وهناك أحاديث توضح لنا الآثار السلبية للجاجة في الرأي، منها:

(عمل الرجل بما يعلم إنه خطأ هوى، والهوى آفة العفاف، وترك العمل بما يعلم إنه صواب تهاون، والتهاون آفة الدين، وإقدامه على ما لا يدري أصواب هو أم خطأ لجاج واللجاج آفة العقل)(2) .

لَجّ الرجل لَجاجاً: تَمادى في العِناد إلى الفعل المزجور عنه (اللجاج بذر الشر)(3) .

وعنه (عليه السلام): اللجاج مَثَارُ الحروب(4) .

وعنه (عليه السلام): اللجوج لا رأي له(5) .

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق بأن لا ينزل به مکروه أبداً، قيل: وما هنّ؟ قال: العجلة واللجاجة والعجب والتواني(6) .

ص: 169


1- القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ج1 ص194
2- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحدید، ج20، ص395
3- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي، ص310
4- غرر الحكم: ح358
5- غرر الحكم: ح308 و405 و 886 و 1542 و 1710 و 2173 و4795 و 4975 و 7478
6- بحار الأنوار: ج75 ص43 ح34

ص: 170

المبحث السادس المعايير الخلقية للشخصية الادارية القيادية في عهد الإمام (علیه السلام) لمالك الأشتر(رضی عنه الله)

توطئة:

إن احد الامور التي ينبغي ملاحظتها هنا هي المعايير الخلقية التي تتصف بها الشخصية القيادية في المنظومة الاسلامية، ويتفرع منها ادارة الحكم وفق الرؤية الاسلامية التي تؤمن للفرد الانساني متطلباته واحتياجاته من خلال مسيرته في الحياة الاجتماعية، وهذا الأمر يظهر للوهلة الأولى أنه مغفول عنه بالنسبة للكثير من الناس في المجتمع باعتباراتهم لا يجدون تلازما بين المفاهيم الأخلاقية السلوكية التي يتحلى بها الحاكم (القائد) على المستوى الفردي وبين الأساليب الواجب اتباعها في التعامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

ولبيان هذه المعايير واتضاح الصورة اكثر لابد من الرجوع إلى فهم الاضاءات المعنوية التي ضمّنها الأمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده المالك الأشتر (رضوان الله عليه).

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده المالك الأشتر:... أَمَرَهُ بِتَقْوَى الله، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتَّبَاع مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: مِنْ فَرَائِضِهِ وَ سُنَنِهِ، الَّتِي لاَ يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلاَّ بِاتَّبَاعِهَا، وَ لاَ يَشْقَى إِلاَّ مَعَ جُحُودِهَا وَإِضَاعَتِهَا، وَأَنْ یَنْصُرَ اللهَ سُبْحَانَهُ بَيَدِهِ وَقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ(1) .

ص: 171


1- نهج البلاغة: خطب الامام علي، ج3، ص83، رسالة53

يشير الإمام في هذا المقطع إلى موضوع أساس بعدّ المدخل الرئيس للمنظومة القيادية وهو بيان المعايير الخلقية للشخصية القيادية، التي هي الركيزة الأساسية البناء علاقة الإنسان مع ربه وإذا حصلت حالة التقوى تحصل حالة الاستقرار والطمأنينة والثبات والاصرار على الموقف والشعور بالقوة والعزة والمنعة من هنا نشرع في بيان المعايير الخلقية التي ينبغي للقائد الاداري آن يتصف بها.

ومن هذه المعايير:

المسألة الأولى: التقوى.

أن يجعل الله سبحانه وتعالى نصب عينيه في كل شيء (أَمَرَهُ بِتَقْوَى الله)(1) .

ومنها قوله (عليه السلام): (أو صیکم عباد الله بتقوى الله فإنها حق الله علیکم، والموجبة على الله حقكم)(2) ، وقد أشرنا اليها بالتفصيل في : مبادئ الادارة في عهد الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) تحت عنوان وسائل التحكم والسيطرة على النفس.

المسألة الثانية: علاقة الإنسان مع خالقه

من المعايير الخلقية التي ينبغي أن تتسم بها الشخصية الادارية القيادية هي علاقة العبد مع ربه. فتعد هذه العلاقة المفتاح والمدخل والسر للنجاح وركيزة للتوفيق وبداية للانطلاق وبلوغ الغايات والأهداف.

فكلما ازداد العبد ارتباطا بخالقه ازداد قوة وتماسكا وثباتا وصلابة في مواجهة الأخطار والتحديات.

ص: 172


1- نهج البلاغة: خطب الامام علي، ج3، ص83، رسالة53
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي، ج2، ص134

يقول سيد الموحدين علي بن أبي طالب (عليه السلام): (مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ ٵَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْیَاهُ)(1) .

بیان: إن علاقة الإنسان بالمجتمع متوقفة على حسن العلاقة ما بين العبد وخالقه فمن اراد أن يكون محبوبا ومرضيا عند الناس فليكن أداؤه مميزا وليصلح سريرته مع الله سبحانه وتعالى.

قال الصّادق عليه السّلام: فساد الظَّاهر من فساد الباطن، ومن اصلح سريرته اصلح الله علانيته، ومن خان الله في السّر هتك الله علانيته، وأعظم الفساد أن يرضى العبد بالغفلة عن الله تعالى، هذا الفساد يتولَّد من طول الأمل والحرص والكبر، كما أخبر الله تعالى في قصّة قارون في قوله: *(وَلا تَبْغِ الْفَسادَ في الأَرْضِ إِنَّ الله لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِینَ)(2) .

وهنالك الكثير من الآيات والروايات التي دلت على هذا المعنى.

إن على الإنسان القائد وفي كل المستويات أن يصلح سريرته وعلاقته مع الله سبحانه وتعالى، فالعلاقة المرتبكة تذهب بالسكينة والاطمئنان من القلب ويكون تحقيقهما بالذكر الذي يجلي القلوب من الأدران ويجعلها نقية طاهرة، قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ الله أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(3) .

ص: 173


1- نهج البلاغة : الحكمة 89؛ الوسائل، الحر العاملي ج11 ص183 ح8
2- مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة المنسوب للإمام الصادق ص107؛ مستدرك سفينة البحار: الشيخ علي الشهر ودي، ج8، ص195
3- الرعد، 28:

المسألة الثالثة: طرق توثيق العلاقة مع الله.

ولبيان هذه الطرق ولتعزيز وتوثيق العلاقة بين الإنسان وربه يقول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) (وَأَنْ يَنْصُرَ الله سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ وَيَدِهِ وَلِسَانِهِ فَإِنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ وَإِعْزَازِ مَنْ أَعَزَّهُ)(1) .

فهذه أوجه ثلاثة يذكرها الإمام (عليه السلام) لتعزيز الصلاح بين الإنسان وربه وهي أن يقول الحق ويدافع عن الحق وينطق بالحق.

1- نصرة الله سبحانه وتعالى.

النصرة: معنى النصرة في اللغة:- (النُّصرة: النَّصْر والعون، وهي اسم من نَصَرَه على عَدوَّه یَنْصُره نَصْرًا، أي: أعانَه وقَوَّاه، والنَّصيرُ والنَّاصِر واحد)(2) .

وعرفت بأنها (تلك الغَيْرة الإيمانيَّة، التي تدفع المسلم لرفع الظُّلم عن أخيه المسلم المستَضْعف)(3) .

والمحصل من بين التعريفين هو أن النصرة: المطابقة والانسجام بين حركة القلب وسلوك اليد واللسان والمشيئة الإلهية.

والله تعالى يريد من الإنسان السير على الصراط المستقيم، والمشيئة الالهية هي الاساس والطريقة التي يمكن للإنسان اقتفاؤها والسير عليها من خلال مطابقة افكارنا وعقيدتنا وادائنا واقوالنا مع المشيئة الالهية.

ص: 174


1- نهج البلاغة: رسالة53
2- لسان العرب: ابن منظور، ج4، ص561
3- هذه اخلاقنا: محمود محمد الخرندار: ص57

فيتضح ان نصرة الله هي حالة انسجام الإرادة الإنسانية مع الإرادة الإلهية، فما يريده الله نحن نريده. فإصلاح النفوس وتزكيتها لابد ان يكون وفق الإرادة الإلهية، قال تعالى:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ»(1) .

2- انسجام الإرادة الإنسانية مع الإرادة الإلهية.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «من أطاع الله علا أمره»(2) ؛ وقال أيضاً (عليه السلام): «من عمل بطاعة الله ملك»(3) .

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «من أراد عزا بلا عشيرة وغنی بلا مال وهيبة بلا سلطان فلينقل من ذل معصية الله إلى عز طاعته»(4) .

من أراد عزا بلا عشيرة فإن الله تعالى يعطيه ذلك بشرط أن يخرج من ذل المعاصي إلى عز الطاعة، ومن أراد أن يكون مهابا عند الناس من غير أن يكون له سلطان فإن الناس تهاب صاحب السلطة عادة، فإن الله يمنحه هذه الهيبة بشرط أن يخرج من ذل المعصية إلى عز الطاعة.

فالإنسان الذي يعيش في ظل المعاصي یکون ذليلا ومرتبكا وخائفا وغافلا عن الله تعالى فيكون مهزوما وضعيفا من الداخل، فكيف له أن يحقق الاستقرار وأن يعطي القوة للآخرين.

ص: 175


1- محمد: 7
2- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي الجزء: ص448
3- غرر الحكم: ج2 187
4- الخصال: الشيخ الصدوق الجزء: ص169

في حين أن الشخصية القيادية هي التي تمنح القوة للآخرين في المساحة التي يتحرك فيها، فإذا فقدها لا يستطيع أن يمنحها للآخرين، وفق القاعدة المعروفة (فاقد الشيء لا يعطيه)؟.

إذا لابد للقائد أن يستثمر هذه العلاقة من خلال حسن النية مع الله ومع الناس فيترتب من خلالهما العلاقة الدنيوية المنضبطة وفق الرؤية الإسلامية الصحيحة فيكون ناجحا موفقا في المهمة المناطة به.

3- إيثار الطاعة والتخلص من الشرك:

الخصيصة الأخرى التي ينبغي أن تتوافر في كل من يتصدى لمواقع الإدارة والقيادة هو الإيثار.. الإيثار: (إيثار.. اسم والمصدر آثر بمعنى تفضيل المرء غيره على نفسه)(1) ، والإيثَار أن يقدَّم غيره على نفسه في النَّفع له، والدَّفع عنه، وهو النَّهاية في الأخوة)(2) .

من المعنيين اللغوي والاصطلاحي نستنتج أن قضية تقديم طاعة الله تعالى على ما سواه يحتاج اليها المتصدي لقيادة الأمة فمن يتصدى للخدمة عليه ان يستذكر هذه الحالة وتكون لديه قناعة في نفسه بها.

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه و آله: «قال الله تعالى: وعزتي وجلالي، وعظمتي وقدرتي، و علائي وارتفاع مکاني، لا يؤثر عبد هواي على هواه، إلا جعلت غناه في نفسه، وكفيته همه، وكففت عليه ضيعته، وضمنت السماوات والأرض رزقه»(3) .

ص: 176


1- المعجم الوسیط: النجار ج1، ص11
2- التعريفات: للجرجاني: ج1، ص78
3- المحاسن: أحمد بن محمد بن خالد البرقی الجزء :1، ص28

إن إيثار الطاعة أي تقديم طاعة الله على طاعة الآخرين لا يقصد منها تقديم الطاعة في موارد الوجوب المنصوص عليه الصلاة والصوم، فالمسألة ليست محصورة بهذه الدائرة وهذا الإطار وإنما هي في إطار أوسع.

ولقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام): يقول أن كل حركة وسكنة وقول وفعل وأداء وموقف وسلوك يريد أن يأتي به الإنسان يجب أن يخضع للموازين والأطر الشرعية وأن يستحضر رضا الله سبحانه وتعالى في كل شيء، وفي مثل هذه الحالة يكون الإنسان إلهيا ورساليا يعيش الأمل والثقة ويستشعر القوة لارتباطه بالقوة المطلقة.

نجد هذه الصورة واضحة في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمحمد بن أبي بكر عندما ولاه مصر (واعلم يا محمد بن أبي بكر أني قد وليتك أعظم أجنادي في نفسي أهل مصر).

المراد بالأجناد هنا الأقاليم والأطراف، وهذه شهادة منه (عليه السلام) بحق المصريين ويدل کلام الإمام أنه كان يحب أهل مصر، ولعل السبب هذا الحب ثورة المصريين على عاملهم الطاغية عبد الله بن أبي السّرح الذي أفسد بين المصريين والخليفة الثالث عثمان (فأنت محقوق أن تخالف على نفسك). المراد بالنفس هنا الهوى، والمعنى انك مطالب أو جدير بك أن تقمع هواك، أو لا تستجيب لدعوته على الأقل. وبكلام أعم أن في كل واحد منّا عدوا لا يراه يوسوس ويلبّس، وعلينا أن نزجره ولا نستمع إليه وإلا سيطر وتحكم.

(وأن تنافح عن دينك) أي أن تحرص وتحمي دينك ولا تدع الشياطين الإنس والجن عليك سبيلا (ولو لم يكن إلا ساعة من الدهر) بحيث لا تبقى بعدها ثانية، فاغتنم هذه الساعة في إصلاح دينك و نفسك.

ص: 177

(ولا تسخط الله برضا أحد من خلقه إلخ).. لأنه لا شيء يغني عن مرضاته تعالى، وهل يبيع المؤمن بالله دينه للشيطان بثمن؟ أجل، لقد فعلها علانية الكثير من المنتسبين إلى الأديان والمذاهب في هذا الزمان، ثم قال عليه السلام: (وليس من الله خلف في غيره) أي أن الله إذا غضب عليك لم يكن هناك شيء يعوض غضبه فغضب الناس يعوض برضا الله ولكن غضب الله لا يعوض برضا الناس: إذ لا فائدة برضا الناس عنك والله سبحانه غاضب عليك)(1) .

4- أقسام الشرك .

وينقسم الشرك على قسمين:

1- الشرك الجلي.

2- الشرك الخفي.

يعرف الشرك الجلي: بانه اتخاذ آلهه غير الله تعالى، فمن يعبد آلهة غير الله أو آلهة مع الله يكون مشرکا بالله سبحانه وتعالى.

قال تعالى «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا»(2) «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا»(3) .

والشرك الخفي: هو عملية إدخال قضايا لا يراد منها القربة لله تعالى بل يراد منها السمعة والشهرة (الرياء).

ص: 178


1- في ظلال نهج البلاغة : محمد جواد مغنية، ج3، ص461
2- النساء: 116
3- النساء: 48

عن أبي عبد الله عليه السلام: كلّ رياء شرك، إنّه من عمل للنّاس كان ثوابه على النّاس، ومن عمل لله، كان ثوابه على الله(1) .

وقال (عليه السلام): الرياء مع المنافق في داره عبادة، ومع المؤمن شرك)(2) .

وعن الإمام الباقر عليه السلام: كان فيما وعظ به لقمان ابنه أنْ قال: يا بُنيّ، لا تُرِ الناس أنّك تخشى الله وقلبك فاجر)(3) .

إذا الشرك الخفي يتقاطع مع المراتب العالية لإيثار الطاعة وتقديم طاعة الله تبارك وتعالى على طاعة الآخرين.

لذا نقرأ هذا المقطع في دعاء کمیل بن زیاد (رضوان الله عليه) (أَسْأَلُكَ بِحَقَّكَ وَقُدْسِكَ وَأعْظَمِ صِفَاتِكَ وَ أَسْمَائِكَ، أَنْ تَجْعَلَ أَوْقَاتِي فِي (مِنَ) اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِذِکْرِكَ مَعْمُورَةً، وَبِخِدْمَتِكَ مَؤْصُولَةً)(4) .

يجب ان یکون ذكر الله حاضرا في كل آن، والسؤال كيف يمكن للإنسان أن يوجد هذه الحالة في نفسه؟ ثم يواصل الإمام الدعاء: وَأَعْمَالِي عِنْدَكَ مَقْبُولَةً، حَتَّى تَكُون أَعْمَالِ و َأَوْرَادِي (وَإِرَادَتِي) كُلُّهَا وِرْداً وَاحِداً، وَحَالِي فِي خِدْمَتِكَ سَرْمَدا.

فيتحصل من عبارات هذين المقطعين من الدعاء: هو حينما تكون الخلفية خلفية واحدة وحينما يكون ذكر الله ومرضاته هما الاساس یکون ذكر الله حاضراً في القب.

ص: 179


1- اصول الكافي : ج2 کتاب الایمان والكفر، باب الرياء: ص293
2- الهداية: الشيخ الصدوق، ص53
3- بحار الانوار: ج13: ص418، ح11
4- مصباح المتهجد: الشيخ الطوسي، ص849

وهذا في الحقيقة هو جوهر ما يشير اليه الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) في إصلاح علاقة الإنسان مع ربه (مَنْ أَصْلَحَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الله أَصْلَحَ اللهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس، وَمَنْ أَصْلَحَ أَمْرَ آخِرَتِهِ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ حَافِظٌ)(1) .

إذا على القادة والحكام مسؤوليات خطيرة في ادارة نظام الحكم وتوجيه الأمة وتحقيق اهدافها، التي منها ایثار طاعة الله على كل شيء، والحكم بالحق والعدل بين الناس، إلى غير ذلك من المسؤوليات الجسام.

5- إتباع الأوامر الالهية.

المعيار الأخلاقي الآخر الذي لابد أن يتسم به القائد والذي يعد من مستلزمات إصلاح العلاقة بين الإنسان وربه هو ما أشار اليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله (وَاتَّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ)(2) ، أي الرجوع إلى القرآن الكريم الذي هو المرجع في تحديد الاطار الصحيح في العلاقات الانسانية، وهو الذي يحدد طبيعة العلاقة ونظمها في الإطار العام للمنظومة القيادية.

واذا ما تجاوزنا الأطر التي يشير اليها القرآن الكريم و تساهلنا و تغافلنا عن السياقات التي يحددها القرآن الكريم، فحينئذ سنبتعد ونشذ عن الطريق فالقرآن هو الذي يحدد الواجبات في هذه العلاقة ويحدد الآداب وأخلاقية العلاقة في المنظومة القيادية وعلينا أن نتمسك بهذه الواجبات والآداب والأخلاق. «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا»(3) ، فالطريق الاقوم والسليم هو التمسك بالقران الكريم والعترة الطاهرة،

ص: 180


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي، ج4، ص30
2- نهج البلاغة: خطب الامام علي، ج3، ص38، رسالة53
3- الاسراء: 9

وهذا ما نص عليه حديث الثقلين:

(إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي)(1) .

وعنه (عليه السلام): لا يسعد أحد إلا بإقامة حدود الله، ولا يشقى أحد إلا بإضاعتها)(2) .

إذا السعادة القلبية الحقيقية التي يروم الإنسان أن يحصل عليها هي مختزلة في ذكر الله «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»(3) .

المسألة الرابعة: الانتفاع من سنن الماضين

من الأمور الأخلاقية التي يجب توافرها بالشخصية الإدارية القيادية هي الانتفاع من سنن الماضين، كما أشار إليها الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، والمجتمع اليوم بأمس الحاجة لاستحضارها في المنظومة الإدارية القيادية لكل المتصدين لإدارة الحكم.

والإمام (عليه السلام) يذكّر بوثيقته التاريخية لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) لابد من الرجوع إلى السنن الإلهية والى القواعد التي تتحكم بمجرى التاريخ، (فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره وإعزاز من أعزه)(4) .

ص: 181


1- بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام : محمد باقر الملكي ص104
2- غرر الحكم: 364
3- الرعد 28
4- نهج البلاغة خطب الامام علي، ج3، ص83، رسالة53

یرید (عليه السلام) أن يقول بأن هذا العالم يسير وفق نظام الأسباب والمسببات أي لا توجد مواقف انفعالية أو عشوائية من الله تعالى، فالعالم محکوم بنظام دقیق و منتظم يجري وفق الحكمة الإلهية.

هناك قواعد وسنن إلهية تنظم مجرى الحياة ولكن هذه السنن والقواعد ثابتة لا تتغير بتغير الأزمنة وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم «.. فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا»(1) .

والإمام (عليه السلام) يريد أن يضع لنا دستورا مهما لا يمكن تجاوزه وهو أن الإنسان إذا أراد أن يكون ناجحا في المنظومة القيادية عليه أن يدخل من خلال الأسباب الطبيعية وعليه أن يلتزم بالقواعد والسنن التي تتحكم بمجرى الحياة .

ويعبر عن النجاح في الروايات والنصوص بالتوفيق يقول عليه السلام (التوفيق والخذلان يتجاذبان النفس)(2) التوفيق والخذلان عاملان أساسيان في حياة الانسان، فایهما غلب كانت النفس في حيزة فاذا غلب النجاح والالتزام بالضوابط والمعاير الخلقية انحازت النفس إلى التوفيق فيكون الإنسان موفقا واذا انحازت إلى الخذلان يكون عدم التوفيق وهو الفشل.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) «ومن التوفيق حفظ التجربة»(3) ، أي أن الإنسان يحفظ التجارب ويعيها ويستوعب الماضي والتاريخ، ليكون قادرا على تحقيق التوفيق لنفسه ومنظومته القيادية وجماعته، فالتوفيق يحتاج إلى استذکار التجارب.

ص: 182


1- فاطر، 43
2- غرر الحكم: 26، میزان الحكمة: الريشهري، ج4، ص3606
3- نهج البلاغة: خطب الامام علي، ج4، ص48، الحكمة211

وعن علي (عليه السلام): أنه كتب إلى رفاعة قاضية على الأهواز:

«اعلم يا رفاعة، إنّ هذه الإمارة أمانة، فمن جعلها خيانة فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة، ومن استعمل خائناً فإنّ محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بريء منه في الدنيا والآخرة»(1) .

يتضح من هذا الحديث أن الإمام (عليه السلام) كان شديدا بحق من لا يلتزم بالضوابط (ومن استعمل خائنا) أي عدم وضع الرجل الكفوء في المكان المناسب فهي خيانة بحق الأمة فيتبرء منه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن تبرأ منه النبي تبرأ منه الله عز وجل.

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في المواصفات المطلوبة لوضع الرجل المناسب في المكان المناسب وفقا للنظرية الاسلامية في القيادة والادارة. (ايها الناس من استنصح الله وفق، ومن اتخذ قوله دليلا هدي للتي هي أقوم)(2)

من اراد التوفيق والنجاح فليطلب النصيحة من الله سبحانه وتعالى ويعمل بالضوابط والمعايير التي وضعها الله تعالى. ويقول: (عليه السلام) (من استنصح الله حاز التوفيق وقد تكفل بنصر من نصره).

أي من طلب النصح من الله سبحانه وتعالى والتزم بما أمره فإنه سبحانه وتعالى يمنحه التوفيق وهذا من الدروس العظيمة التي نأخذها من علي (عليه السلام) في المنظومة القيادية وهو الالتزام بالسنن والقواعد والضوابط في معالجة الأمور.

ص: 183


1- دعائم الإسلام 2/ 531، کتاب آداب القضاة، الحديث 1890. وينظر : دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامي: الشيخ المنتظري، ج2، ص123
2- نهج البلاغة: خطب الامام علي، ج2، ص32، الخطبة127

فيتحصل: إن إصلاح العلاقة بين الإنسان وربه تستوجب هذه المسائل الخمسة: تقوى الله وتقديم طاعته على الآخرين، والرجوع إلى كتاب الله عز وجل واتباع ما ورد فيه من تعليمات تنظم العلاقة بين الناس والانتفاع بسنن الماضين.

ص: 184

الفصل الثاني مفهوم نظام الحكم ومعانيه

ص: 185

ص: 186

إن مسالة الحكم من المسائل والقضايا المركزية ومن اولويات كل رسالة ودعوة تريد اقامة مجتمع صالح لأنه من الواضح لا يمكن اقامة هذا المجتمع مع عدم وجود نظام والدولة التي تديره ومن هنا يصبح الحكم ذا أهمية خاصة في مفهوم کل رسالة وهو يمثل البعد الأساسي في النظرية الاسلامية، فيكون الاسلام دیناً و دولة منظما للعلاقات الاجتماعية الانسانية ويمثل المضمون الكامل للحكم (الخلافة الانسانية في الأرض) کما نشير اليه لاحقا ان شاء الله تعالى ومن هنا نتعرف أولا على مفهوم النظام والحكم في اللغة والاصطلاح.

ص: 187

ص: 188

المبحث الأول مفهوم نظام الحكم

المسألة الأولى: مفهوم نظام الحكم في اللغة والاصطلاح.

1- مفهوم الحكم لغة.

الحَكم بفتح الحاء: الله تعالى، ومن أسماء الله: الحكم والحكيم، و هما بمعنی الحاكم، فهو فعيل بمعنى فاعل أو هو الذي يحكم الاشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم، والمختار في معنى هذا الاصطلاح قوله سبحانه وتعالى: «الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ»(1) )(2)

وقريباً من هذا المعنى (والحكم بالشيء أن تقضي بأنه كذا، أو ليس بكذا، سواء ألزمت ذلك غيرك أو لم تلزمه،.. ويقال حاكم لمن يحكم بين الناس، ويقال الحَكَمُ للواحد والجمع و تحاكمنا إلى الحاكم)(3) .

أنشد الجوهري وغيره لجرير:

أبني حنيفة أحكموا سفهاكم *** إني أخاف علیکم أن أغضبا

وسمي القاضي حاکما، لمنعه الخصوم من التظالم)(4)

ص: 189


1- هود: 1
2- مجمع البحرين للطريحي: ج6 ص34، لسان العرب بن منظور ج12 ص140
3- المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، ص127
4- الصحاح: للجوهري : ج5 ص1902؛ الفروق اللغوية أبو هلال العسكري، ص431

وعُرف الحكم بأنه الامتناع و حکمت الشيء أي منعته فصلت بينه وبين الاخر بالحكمة وكقوله تعالى: «ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»(1)

2- مفهوم الحكم في الاصطلاح.

الحكم في الاصطلاح له معانٍ عديدة و منها:

تولي ممارسة السلطة السياسية والقضاء في الخصومات ویکون الحاكم منفذا الحكم)(2) (ومن معانيه العلم والفقه بالعدل)(3) .

(والحكم في النظام السياسي الإسلامي يقوم على منظومة متكاملة من المبادئ والأصول التي جاءت بها الرسالة، کما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، التي تضمنت علاقة الراعي بالرعية للتوصل إلى إدارة شؤون الأمة على الوجه الأكمل)(4) .

والحكم عبارة (عن نتاج طبيعي تكويني للحالة الإنسانية باتجاه تحقيق المثل والقيم الإلهية في إطار الشريعة الإسلامية وان یمارسه الإنسان الصالح)(5)

أقول: من هذه التعريفات نستنتج أن الحكم يكون حلقة وصل وأداة ارتباط بين الأرض والسماء وبين الإنسان والله سبحانه وتعالى. وهي:

ص: 190


1- الممتحنة: 10
2- مناهج الانظمة الاسلامية من رحاب اهل البيت نظام الحكم والادارة دراسة مقارنة: باقر شریف القرشي، ص166
3- المصدر نفسه، ص166
4- منهاج الاسلام في الحكم: أسد محمد، ص117
5- الحكم الاسلامي بين النظرية والتطبيق: محمد باقر الحكيم: ص152

(ظاهرة إلهية تمثل الخلافة الله على الأرض وأراد الله لها أن تقوم بدورها الخاص في حياة الإنسان في تحقيق العدل وهداية الإنسان إلى الكمالات الإلهية وان احد الأسباب والأهداف الأساسية لبعثة الأنبياء والرسل هو إقامة الحكم بين الناس.

وأشار القرآن الكريم إلى ذلك في قضية داود (عليه السلام) «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ»(1)

فيتحصل: أن الطاعة للحاكم الاسلامي من اولويات القضية الايمانية في السلوك الإنساني. ومنه نفهم قول الامام علي (عليه السلام): «إِنَّ الله سُبْحَانَهُ جَعَلَ الطَّاعَةَ غَنِيمَةَ الْأَكْيَاسِ عِنْدَ تَفْرِیطِ الْعَجَزَةِ»(2) .

3- مفهوم النظام في اللغة:

النَّظام بالكسر: هو الترتيب والاتَّساق والتَّأليف، وأصله: الخيط الذي يُنظَم فيه اللؤلؤ؛ ونَظَمتُ الأمر فانتَظَم؛ أي: أقمتُه فاستَقام، وهو على نظامٍ واحد؛ أي: نهج غير مُختلَف فيه، وجمع النَّظام: نُظُم وأنظِمة وأناظيم(3) .

وفيه: نظام الأمر: قوامه وعماده(4) .

ويقال (في النظم) نظمت الخرز منبأ بضرب: جمعته فيسلكوه والنظام ومنها تأسس الشيء ونظامه ونظمت الأمر فانتظما أقمته فاستقام. وهو على نظام واحد(5)

ص: 191


1- سورة ص: 26
2- نهج البلاغة: خطب الامام علي، ج4 ص87 ح133
3- لسان العرب: لابن منظور،، ج3 ص667، مادة (نظم)؛ مصباح المنير في غريب شرح الكبير، ج9 ص363
4- المعجم الوسيط، ج2 ص786
5- مجمع البحرين: فخر الدين الطريحي : ج7 ص319

وقيل: الأصل اللّغويّ لكلِمة (نظام): معناه: نَظَمَ الشيءَ ينظِمُه ونظَّمه یُنَظَّمُه نِظاماً و نظما: إي ألَّفَه و جَمَعَه في سِلْكٍ واحِدٍ فانْتَظَمَ وتَنَظَّمَ) انتهى أقول: والجامع بين الاقوال أن النظام لغة (هو التنظيم والاستقامة ضمن حدود الشيء واجزاءه المحيطة به).

4- مفهوم النظام في الاصطلاح.

من معاني النظام هو (مجموعة الأحكام التي اصطَلَحَ شعبٌ ما على أنها واجبةُ الاحترام و واجبةُ التنفيذ؛ لتنظيم الحياة المُشتَرَكة في هذا الشعب)(1) .

ومنها انه (مجموعة الأحكام والقواعد والقوانين المتناسقة التي اصطلح عليها شعب ما لتنفيذها لتنظيم حياتهم)(2) .

إذا في كلا التعريفين هناك دلالة على أن النظام هو تنظيم الحياة الإنسانية وفق سياقات العقل والمنطق.

المسألة الثانية: مفهوم نظام الحكم في القرآن الكريم والروايات الشريفة.

أولاً: مفهوم نظام الحكم في القرآن الكريم.

قد وردت الكثير من الآيات التي تصرح بوجود نظام الحكم في المجتمعات البشرية، وفق العوامل الآتية:

ص: 192


1- نظام الحكم في الإسلام: محمد عبد الله العربي: ص21
2- المصدر نفسه، ص22

1- عامل الجهاد:

ما ورد في سورة البقرة قوله تعالى:

«أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ»(1) .

هذه الآية تشير إلى مسألة الجهاد ووجود الحاكم وكيفية تطهير الأرض من دنس المعتدي و تحرير الأسرى، والقرآن يبين معنى الحكومة والحكم من خلال التعبير (بالملك) والتي تعني الحاكم على جميع الشؤون وان كانت اجواء الآية تشير إلى وجود ساحة قتال مع عدو خارجي ألا أن الملك في ذلك الوقت كان تمليك صلاحية قيادة المجتمع.

ومن هذه الآيات قوله تعالى: «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ»(2) .

هذا المقطع من الآية يشير إلى خبر اندحار جیش جالوت في مقابل بني اسرائيل الا انه لولا وجود الحكم والهيمنة بوجه الطغاة والخارجين على القانون الامتلأت الأرض بالفساد وعلى هذا فإن نظام الحكم العادل هبة من الله للحد من الفساد الديني والاجتماعي والسياسي(3).

ص: 193


1- البقرة: 246
2- البقرة: 251
3- نفحات القران: ناصر مکارم الشيرازي، ج10، ص12

2- عامل إقامة الفرائض:

«الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ»(1).

إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المعنى العام لا يتحقق إلا عن طريق اقامة نظام الحكم، وهذه اشارة تصف فيها المؤمنين الحقيقيين اذا تمكنوا وامتلكوا القدرة للوصول إلى الحكم فإنهم يقيمون الفرائض الالهية الكبيرة.

3- عامل السلطنة ومواجهة الصعاب:

قوله تعالى: «وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ»(2).

تبين الآيات کيفية إجراء الاعمال الضرورية لمواجهة تلك السنين الصعبة وطرق تحضير وخزن المواد الغذائية وطريقة الاستهلاك، من خلال إدارة يوسف عليه السلام جنبا إلى جنب مع ملك مصر.

ص: 194


1- الحج: 41
2- يوسف: 43- 56

4- عامل العزة الإلهية:

«قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(1) .

إن الله تعالى ينفرد بالملك (الحكم) لنفسه.

فتحصل: إن كل الآيات التي ذكرناها لها دلالة واضحة على ضرورة وجود الحكم والنظام في المجتمع الإنساني.

5- عامل هداية الناس

«وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ»(2) «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ»(3) «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ»(4) .

يشير القرآن الكريم إلى دور الحكم في هداية الناس وإصلاحهم، أو دور الحكم في الضلالة والانحراف والفساد وبعبارة أخرى إن هناك أئمة هدى متمثلين بالأنبياء والأئمة عليهم السلام والصالحين على مدى التاريخ يعملون على تحقيق العدل والخير للبشرية وفي قبال هؤلاء هناك مجرمين مستکبرین طغاة وشياطين يمثلون أئمة الفساد والانحراف والضلالة.

ص: 195


1- سورة آل عمران: 26
2- سورة الأنبياء: 73
3- سورة السجدة: 24
4- القصص: 41

6- عامل الخلافة الالهية:

«يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ»(1) .

«وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ»(2).

ان عامل القيام بالحكم لابد أن يجسد منطق الخلافة الالهية من العدل والرحمة والتكامل الروحي والاجتماعي.

ثانيا: مفهوم نظام الحكم في الأحاديث والروايات الشريفة.

تعد مسألة الحكم ذات أهمية كبيرة في الروايات الاسلامية وتبين هذه الروايات أنه لا يمكن للناس العيش دون وجود (حکم) وإن كان ظالما غير عادل أفضل من الفوضى في غياب الحكم. وإن تأسيس (الحكم) أمر لازم بحسب ضرورة العقل والأحكام الإسلامية ونهج الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) للأمور الآتية:

1- العدل بين الناس.

وبحسب مفاد كثير من الروايات. وكنموذج على ذلك أذكر هذه الرواية المنقولة عن الإمام الرضا (عليه السلام):

ص: 196


1- سورة البقرة: 213
2- سورة المائدة: 49

روی عبد الواحد بن محمد بن عبد ويس النيسابوري العطار، قال: حدثني أبو الحسن علي بن محمد بن قُتيْبَة النيسابوري باب ما كتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون في محض الإسلام وشرائع الدين قال: قال أبو محمد الفضل بن شاذان النيسابوري: أن سأل سائل فقال: أخبرني هل يجوز ان يكلَّف الحكيم... فإن قال قائل: ولم جعل أولى الأمر وأمر بطاعتهم؟ قيل: لعلل كثيرة.

منها: أن الخلق لما وُقِفَوا على حد محدود، وأمروا أن لا يتعدوا تلك الحدود لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيها أميناً يأخذهم بالوقف عندما أُبيح لهم، ويمنعهم من التعدي على ما حَظَرَ عليهم، لأنه لو لم يكن ذلك لكان أحدٌ لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره. فَجُعِلَ عليهم قيَّمٌ يمنعهم من الفساد، ويقيم فيهم الحدود والأحكام.

ومنها: أننا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بَقوا وعاشوا إلا بقيَّم ورئيس لما لابد لهم منه في أمر الدين والدنيا. فلم يَجُزْ في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم انه لابد لهم منه، ولا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيمون به جمعهم، وجماعتهم، ويُمْنَعْ ظالمهم من مظلومهم.

ومنها: أنه لو لم يجعل لهم إماماً قیَّماً امیناً حافظاً مستودعاً لدرست الملة، وذهب الدين وغُيَّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبَّهوا ذلك على المسلمين. إذ قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير کاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم وتشتت حالاتهم، فلو لم يجعل قیَّماً حافظاً لما جاء به الرسول الأول، لفسدوا على نحوا ما بیَّناه وغُيَّرت الشرائع والسنن والأحكام والأيمان، وكان في ذلك فساد الخلق أجمعين).(1)

ص: 197


1- عیون أخبار الرضا: للصدوق، ج2، ص157

2- تنظيم أمور الناس والمساواة بينهما.

ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام جوابا على ادعاء الخوارج حين قالوا: (لا حكم إلا الله قال (عليه السلام): «كَلِمَةُ حَقًّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ! نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إِلاَّ لله، ولكِنَّ هؤُلاَءِ يَقُولُونَ: (لاَ إِمْرَةَ، فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلَّغُ اللهُ فِيهَا الأْجَلَ، وَیُجْمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيَّ، حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ ، وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِر».

وفي رواية أُخرى أنّه (عليه السلام) لمّا سمع تحكيمهم قال: «حُكْمَ الله اَنْتَظِرُ فِيکُمْ . وقال: أَمَّا الأْمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فيها التَّقِيُّ، وَأَمَّا الأْمْرَةُ الْفَاجرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ، إلى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ، وَتُدْرِکَهُ مَنِیَّتُهُ»(1) .

يتضح من كلام الإمام (عليه السلام) إن هناك أسباباً وعللاً عديدة تستدعي لزوم تشكيل الحكم وتولي ولي الأمر.

3- إقامة الحدود المعطلة

وما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) يبيّن سبب طلبه الحكم ويصف الامام الحقّ «اللهمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَان، وَلاَ الْتِمَاسَ شِيء مِنْ فُضُولِ الْحطَامِ، وَلكِنْ لِنَرِدَ الْمُعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، وَنُظْهِرَ الأِصْلاَحَ فِي بِلاَدِكَ، فَیَاْمَنَ الْمُظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وَتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ»(2) .

ص: 198


1- نهج البلاغة خطب الامام علي، ج1، ص100
2- نهج البلاغة خطب الامام علي، ج1، ص109، خ129

4- رد الأموال العامة المغصوبة المتعلقة بالمجتمع إلى أهلها.

فيما رد (عليه السلام) من قطائع عثمان قال: «وَالله لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوَّجَ بِهِ النَّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الاْمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ؛ فَاِنَّ في العَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَیْهِ العَدْلُ، فَالَجؤْرُ عَلَيْهِ أَضيَقُ»(1) .

5- التوجيه وتعليم الأمة.

عن علي (عليه السلام) قال (فإن الرعية الصالحة تنجو بالإمام العادل، ألا وإن الرعية الفاجرة تهلك بالإمام الفاجر)(2) وعن الإمام الصادق (عليه السلام) (لا يصلح الناس إلا بالإمام ولا تصلح الأرض إلا بذاك)(3) وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال (بني الاسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحج والولاية ولم ينادي بشيء کما نودي بالولاية)(4) .

عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «سلطان ظلوم وسلطان ظلوم خير من فتنة تدوم»(5) .

يتحصل: من جميع الروايات الشريفة ضرورة تحقيق وإيجاد الحكم وفي حالة عدم القدرة على إيجاد الحكم العادل فلا أقل من اقامة حكم وان كان ظالماً و جائراً وذلك في سبيل الاستقراء والامن للبلد وحدوده ومنع العدوان عليه وفي غير ذلك تسود حالة من التدهور حيث ستراق دماء الكثير من الأبرياء دون أي وازع مما يوفر للأعداء النفوذ إلى داخل البلد والهيمنة عليه.

ص: 199


1- نهج البلاغة خطب الامام علي ج1 ص46
2- بحار الأنوار: ج8، ص472
3- بحار الانوار: ج23، ص22
4- وسائل الشيعة: الحر العاملي: ج1، ص10، حدیث10
5- غرر الحکم و درر الكلم، ج1، ص437

ص: 200

المبحث الثاني ضرورة وجود الحاكم ووظائفه الرئيسية في الدولة

المسألة الأولى: ضرورة الحكم ووجود الحاكم.

تعد الحاجة الإنسانية الثابتة العامل الأساسي لضرورة وجود قانون وحكومة، وهذه الحاجة تنشأ بملاحظة طبيعة الإنسان التي تدعوه ليعيش مع أخيه الإنسان فيفيده ويستفيد منه.

ولكن الإنسان ونتيجة ميوله وغرائزه من حب الذات والمال الجاه والحرية المطلقة لجميع مايهواه سوف يقع في الاختلاف والتعارض بين ما يريده هو وما يريده الآخرون، ولا بد لأجل حل هذا التعارض والاختلاف من وجود مرجعية يتم الاحتكام إليها والخضوع لها وليست هذه المرجعية سوى (القانون) وأهم ما ينبغي أن يحمله هذا القانون هو العدالة لجميع الناس عبر إعطاء كل ذي حق حقه ورعاية العدل الاجتماعي.

وهناك العديد من الروايات التي تتحدث عن ضرورة وجود الحاكم.

ففي رواية نهج البلاغة أن علياً عليه السلام لما سمع مقولة الخوارج: لا حكم إلا اللهَّ قال: كلمة حق يراد الباطل، نعم إنه لا حكم إلا اللهَّ ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا اللهَّ وأنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ویستراح من فاجر(1) .

ص: 201


1- نهج البلاغة خطب الامام علي، ج1، ص125، خ40

وفي رواية الفضل بن شاذان التي مر ذكرها آنفا عن الإمام الرضا عليه السلام لما سأله: فلم جعل أولي الأمر وأمر بطاعتهم؟ قال (عليه السلام) إن الخلق لما وقفوا على حد محدود وأمر أن لا يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل عليهم فيه أميناً يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم، لأنه لو لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذته و منفعته لفساد غیره)(1) .

ومن كلام له (عليه السلام) في ضرورة وجود الحاكم ووظيفة في الدولة كتاب (عليه السلام) كتبه للأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها حين اضطرب أمر أميرها محمد بن أبي بكر (رضوان الله عليه) «هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ الله عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَجِهَادَ عَدُوَّهَا وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا...»(2)

ومن كلام له (عليه السلام) موضحا فيه مسؤوليات الحاكم «أنه ليس على الأمام إلا ماحمل من أمر ربه الابلاغ في الموعظة والاجتهاد في النعيمة والاحياء للسنة وإقامة الحدود على مستحقيها وإصدار السهمان على أهلها»(3) .

ومن جملة الأمور والمهام التي من شأنها الحفاظ على الوحدة الاسلامية، والإنسانية أشار الإمام إلى أن من واجبات الحاكم أن يجمع امرهم، والقيام بالمهمات العسكرية والأمنية، اذ قال (عليه السلام): «يقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ للضعيف من القوي». ويفسر (عليه السلام) بأن سبب عدم استجابته الدعوات الخروج في المعارك الصغيرة ضد جيش الشام بعد التحكيم (لا ينبغي لي

ص: 202


1- عیون اخبار الرضا: للصدوق:ج1 107
2- نهج البلاغه، خطب الامام علي ج3 ص38 رسالة53
3- نهج البلاغة، خطب الامام علي ج1 خطبة105

ان ادع الجند والمصر و بیت المال وجباية الأرض والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق المطالبين)(1) .

وهذا ما أشار إليه الإمام (عليه السلام) بقوله في بيان ضمان الحقوق للعباد.

«صوابُ الرأي بالدول: يُقبلُ بإقبالها، ويذهب بذهابها. (... و) إزالةُ الجبال أسهل من إزالةِ دولةٍ أقبلت، فاستعينوا بالله يورثها من يشاء. (...لكن) أشرفُ الملوك مَن لم يُخالطه البَطَر، ولم يحُل عن الحق. (... و) أصحاب السلطانِ في المَثَل كقَوم رَقُوا جبلاً ثمَّ سقَطوا منه، فأقربُهُم إلى الهَلَكةً والتَّلفِ أبعدُهُم كان في المُرتَقَی»(2) .

المسألة الثانية: العلاقة بين الحاكم والأمة.

لابد من تحقق أمرين في المنظومة القيادية:

1- العلاقة القلبية بين الحاكم والرعية: وهو ان يستشعر المسؤول الرحمة والشفقة إزاء الرعية.

2- الحقوق المتبادلة والالتزام بالضوابط من قبل الطرفين.

فضلاً عن أن هناك ضوابط لا بد للرعية من الالتزام بها كذلك يوجب اللمسؤول أن يحقق هذا الالتزام على نفسه أولا.

فاذا تم إصلاح العلاقة القلبية ونظمت الحقوق المتبادلة ضمن الأطر والسياقات الصحيحة واستطاع المسؤول بقدراته أن يؤدي واجباته بحفظ المصلحة العامة بشكل سليم، فحينذاك ستشعر أن هناك علاقة رصينة بين الحاكم والرعية قائمة على المحبة والرحمة.

ص: 203


1- نهج البلاغة، خطبة119
2- نهج البلاغه، خطبة339

إذا المبدأ الأساسي الذي بني عليه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حكمة هو مبدأ الترابط بين الحق والواجب، فالحاكم ليس سيداً على الناس لأن سيدهم هو الله تعالى فحسب والله وحده هو الاحد الصمد الذي («لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) فأي حق للحاكم يقابله واجب عليه يساويه في الاهمية إذ ليس الحكم منحة من أحد بل هو موقع يحتله أكفأ الناس لكي يؤدي حقوق الناس بأفضل مما يمكن أن يؤديه غيره)(1) .

(أذ تشكل دراسة العلاقة بين الحاكم والامة تصورا أصيلا للعلاقة من وجهة نظر إسلامية وتصورا لمفتاح وسر النجاح والتوفيق في جميع مجالات الحياة للمجتمع لأن الكيان الاسلامي يعتمد في وجوده وقوته وتطوره بعد شخصية الحاكم ووعي الأمة ووحدتها على طبيعة العلاقة بين الحاكم والامة فإنهما عندما يكونان في موقع واحد و في حركة متجانسة واحدة يمكن أن يتحقق للجميع هذا التطور والقوة بحيث إذا فقد أحدهما أو أصيبت حالة الانسجام أو التناسق بينهما بالخلل أو الضعف يفقد المجتمع الاسلامي وجوده وقوته أو قدرته على التطور ولا يتحقق ذلك إلا من خلال تشخیص العلاقة)(2) .

وقد اشار الامام علي (عليه السلام) إلى أهمية هذه العلاقة بقوله «أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلاَيَةِ أَمْرِکُمْ، وَلَكُمْ عَلَىَّ مِنَ الْحَقَّ مثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الأْشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لاَ يَجْرِي لإِحَد إلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لإِحَد أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً لله سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلَّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلکِنَّهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ

ص: 204


1- أخلاقيات الامام علي أمير المؤمنين: السيد هادي المدرسي، ص230- 231
2- الامام علي دراسة لجوانب من الشخصية والمنهج، السيد محمد باقر الحكيم، ص225

جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمُزِيدِ أَهْلُهُ ثُمَّ جَعَلَ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً افْتَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْض، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَأُ فِي وُجُوهِهَا، وَيُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَلاَ يُسْتَوْجَبُ بعْضُهَا إِلاَّ بِبَعْض.

وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ الْوَاليِ عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَحَقُّ الَّرعِيَّةِ، عَلَى الْوَاليِ، فَرِيضةً فَرَضَهَا اللهُ سُبْحَانَهُ لِکُلّ عَلَى کُلّ، فَجَعَلَهَا نِظَاماً لاِلْفَتِهِمْ، وَعِزّاً لِدِينِهِمْ، فَلَیْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِیَّةُ إِلاَّ بِصَلاَحِ الْوُلاَةِ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ إِلاَّ بِاسْتِقَامَةِ الرَّعيَّةِ.

فَإِذا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَاليِ حَقَّهُ، وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا، عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدَّينِ، وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَجَرَتْ عَلَى أَذْلاَلَهِا السُّنَنُ، فَصَلَحَ بِذلِكَ الزَّمَانُ، وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الأْعْدَاءِ.

وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا، أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بَرَعِيَّتِهِ، اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ لْكَلِمَةُ وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجُوْرِ، وَكَثُرَ الإدْغَالُ فِي الدَّينِ، وَتُرِکَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهُوَى، وَعُطَّلَتِ الأْحْكَامُ، وَكَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ، فَلاَ یُسْتَوْحَشُ لِعَظِیم حَقًّ عُطَّلَ، وَلاَ لِعَظِیمِ بَاطِل فُعِلَ! فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الأْبْرَارُ، وَ تَعِزُّ الأْشْرَارُ، وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللهِ عِنْدَ الْعِبَادِ.

فَعَلَیْکمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذلِكَ، وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ وَإِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَي الله حِرْصُهُ، وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ بِبَالِغ حَقِيقَةَ مَا اللهُ سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ، وَلكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ الله عَلى العِبَادِ النَّصِیحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى إقَامَةِ الْحَقَّ بَيْنَهُمْ. وَلَیْسَ امْرُؤٌ وَإنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقَّ مَنْزِلَتُهُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي الدَّين فَضِیلَتُهُ بِفَوْقِ أَنْ يَعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللهُ مِنْ حَقَّهِ. وَلاَ امْرُوٌ وَإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ، وَاقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلى ذلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهُ»(1) .

ص: 205


1- نهج البلاغة: خطبة34

وقوله عليه السلام في ضمان الحقوق «أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ لِي عَلَيْکُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ:

فَاَمَّا حَقُّکُمْ عَلَيَّ: فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِیرُ فَیْئِکُمْ عَلَیْکُمْ، وَتَعْلِیمُکُمْ کَیْلا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِیبُکُمْ كَیْما تَعْلَمُوا.

وَأَمَّا حَقَّي عَلَيْکُمْ: فَالوَفَاءُ بِالبَيْعَةِ، وَالنَّصِیحَةُ في الْمُشْهَدِ وَالْمُغِيبِ، وَالأْجَابَةُ حِينَ أَدْعُوکُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُکُمْ»(1) .

المسألة الثالثة: واجبات الحاكم إزاء الأمة.

أن واجبات الحاكم اتجاه الأمة يمكن تصويرها من خلال الرؤية القرآنية (الآيات المباركة):

ما ورد في سورة الجمعة أن الله سبحانه وتعالى يوضح واجبات ثلاثة للحاکم إزاء الأمة «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ»(2).

1۔ اقامة الحجة على الأمة وتلاوة آيات الله عليها وابلاغها الرسالة الإلهية والمسؤولية الملقاة على عاتقها أمام الله تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ»

2- تزكية الأمة وترتيبها والأشراف على مسيرتها والعمل على جعلها متطابقة مع الشريعة واقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحريرها من الاغلال والقيود والعبودية لغير الله تعالى: «وَيُزَكِّيهِمْ».

ص: 206


1- نهج البلاغة خطبة 34
2- سورة الجمعة: 2

3- تعليم الأمة الشريعة الاسلامية وهدايتها إلى العقائد والسنن التاريخية وبيان مواضع الاعتبار والانذار في مسيرتها: «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ».

4- وهناك واجب رابع تعبئة طاقات الأمة وتوضيفها في الدفاع عن الاسلام والجهاد في سبيل الله عند تعرض بلاد المسلمين إلى العدوان «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ»(1) .

وقوله تعالى في سورة التوبة: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».

وقوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»(2) .

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(3) .

تبين هذه الآيات الثلاثة طبيعة العلاقات بين المؤمنين في المجتمع الاسلامي. وورد في قوله تعالى: «وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا».

ص: 207


1- سورة التحريم: 9. وكذلك ورد الخطاب القرآني نفسه في سورة التوبة، الآية الثالثة والسبعين
2- سورة التوبة 71- 72
3- سورة التحريم 8

وقوله تعالى: «فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا»

«وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا»(1)

ومن الآيات ما ورد في سورة الأعراف «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»(2)

وقوله تعالى: «وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ»

«وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ»(3)

وهناك آيات كثيرة تحدث عن واجبات الحاكم الاسلامي نعزب عن ذكرها مخافة الاطالة، ومن النصوص الواردة في نهج البلاغة التي تبين بوضوح الواجبات الرئيسية للحاکم والتي كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يسير عليها في السيرة العملية فضلا عن الرؤية النظرية ومن هذه النصوص.

ص: 208


1- الفرقان: 50- 52
2- الأعراف: 157
3- النحل: 35- 36

قوله عليه السلام: «اَیُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِي عَلَیْکُمْ حَقّاً وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ فَاَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَهُ لَكُمْ وَتَوْفِيرُ فَیْئِکُمْ عَلَيْکُمْ وَتَعْلِیمُکُمْ کَیْلَا تَجْهَلُوا وَتَأْدِیبُکُمْ کَیْمَا تَعْلَمُوا وَأَمَّا حَقَّي عَلَيْکُمْ فَالْوَفَاءُ بِالْبَيْعَةِ وَالنَّصِيحَةُ فِي الْمُشْهَدِ وَالْمُغِيبِ وَالْإِجَابَةُ حِينَ أَدْعُوکُمْ وَالطَّاعَةَ حِينَ آمُرُکُمْ»(1) .

«وَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ وَيُبَلَّغُ الله فِيهَا الْأَجَلَ وَیُجْمَعُ بِهِ الفيء وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيَّ»(2) .

«إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا مَا حُمَّلَ مِنْ أَمْرِ رَبَّهِ: الْإِبْلَاغُ فِي الْمُوعِظَةِ، وَالاِجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ، وَالْإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ، وَإِقَامَةُ الْحُدُود ِعَلَى مُسْتَحِقَّيهَا، وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا، فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِکُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَنَاهَوْا عَنْهُ، فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِي»(3)

«وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ الله تَعَالَى وَسِيرَةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله والْقِيَامُ بِحَقَّهِ واَلنَّعْشُ لِسُنَّتِهِ»(4) .

«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّي قَدْ وَلَّیْتُ النُعْمَانَ بْنَ عَجْلاَنَ الزُّرَقيَّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَنَزَعْتُ يَدَكَ، بِلاَ ذَمًّ لَكَ، وَلاَ تَثْرِيب عَلَيْكَ، فَلَقَدَ أَحْسَنْتَ الْوِلاَيَةَ، وَأَدَّیْتَ الْأَمَانَةَ، فَأَقْبِلْ غَيْرَ ظَنِين، وَلاَ مَلُوم، وَلاَ مُتَّهَم، وَلاَ مَأثُوم، فَقَدْ أَرَدْتُ الْمُسِيرَ إِلَى ظَلَمَةِ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْهَدَ مَعِي، فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى جِهَادِ الْعَدُوَّ، وَإِقَامَةِ عَمُودِ الدَّيِنِ، إِنْ شَاءَ اللهُ»(5) .

ص: 209


1- نهج البلاغة 34
2- نهج البلاغة 40
3- نهج البلاغة 105
4- نهج البلاغة 169
5- البلاغة رسالة 42

ص: 210

المبحث الثالث مبادئ العلاقة في إدارة الواجبات

تعد المبادئ التي اعتمدها الإمام علي عليه السلام في حكمه الحجر الأساس في تقويم العلاقة بين الحاكم والأمة وبين الأمة والحاكم، في اداء المسؤوليات والمهام الملقاة على عاتق الحاكم والأمة والتي تشكل الاطار العام لطبيعة هذه العلاقة.

المسألة الأولى: الحقوق المتبادلة.

كثيرا ما يختلف المصلحون الاجتماعيون - في تشخيص موطن الخلل القائم في مجتمع ما - بين اتهام الحاكم بالطغيان، او اتهام الرعية بالطاعة العمياء، ففريق منهم تجده يردد (کما تكونوا يولى عليكم)، ويلقي باللائمة على الرعية، على اساس أن الرعية لو ارتقت الى المستوى المطلوب، وعرفت قدراتها وامكاناتها، لما انفرد الحاكم بقرارات غير رشيدة. وفريق آخر تجده يردد (الناس على دين ملوكهم)، فيلقي باللائمة على الحاكم، على اساس ان الحاكم لو لم يطغ، وكان رشیدا في سلوكه، لاقتدت به الرعية، ولما آل أمرها إلى الانحطاط.

این موطن الخلل اذن؟ هل في القمة ام في القاعدة؟ هل هو في السلطة الحاكمة ام في الرعية المحكومة؟

امير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يرى أن اصلاح الخلل لا يكون الا بمراعاة كل طرف حقوق الطرف الآخر، فطالما أن الحاكم لا يؤدي حق رعيته، او الرعية لاتؤدي حق حاكمها، فلا يمكن أن نظفر بمجتمع سليم، مدركٍ للعدالة

ص: 211

السياسية وإن كان مفهوما اعتباریا، إلا أن الالتزام بحقوق الطرف الآخر- او عدم الالتزام- تترتب عليه آثار واقعية بالغة الأهمية والخطورة.

في هذا المجال نجده يؤكد في خطبة له بصفين على أن الحقوق متقابلة، فيقول: (أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ الله سُبْحَانَهُ لِي عَلَيْکُمْ حَقّاً بِوِلَايَةِ أَمْرِکُمْ وَلَكُمْ عَلَىَّ مِنَ الْحَقَّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْکُمْ فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ وَلَّا جَرَي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلَا يَجْرِيَ عَلَيْهِ لَکَانَ ذَلِكَ خَالِصاً لله سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَلِعَدْلِهِ فِي كُلَّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ وَلَکِنَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ المُزِيدِ أَهْلُهُ)(1) .

ويؤكد اهمية مراعاة الحق من الجانبين، من جانب الحاكم، ومن جانب الرعية، على أساس أن أحد رکني المعادلة لو اختل، فلن تتحقق العدالة السياسية، فيستطرد ويقول: (وَأَعْظَمُ مَا افْتَرَضَ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا الله سُبْحَانَهُ لِکُلًّ عَلَى كُلًّ فَجَعَلَهَا نِظَاماً لِأُلْفَتِهِمْ وَعِزّاً لِدِينِهِمْ فَلَیْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ وَلَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِیَّةِ فَإِذَا أَدَّتْ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ وَأَدَّى الْوَالِي إِلَيْهَا حَقَّهَا عُزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ وَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدَّينِ وَاعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ وَجَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ فَصَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ وَطُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ وَيَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ)(2) .

ص: 212


1- نهج البلاغة خطب الامام علي، ج2، ص198، خ216
2- المصدر نفسه

ثم يبين العواقب الخطيرة لعدم مراعاة احد الجانبين حق الآخر، فيقول: (وَإِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ وَالِيَهَا أَوْ أَجْحَفَ الْوَالِي بِرَعِيَّتِهِ اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَهٌ وَظَهَرَتْ مَعَالِمُ الْجَوْرِ وَكَثُرَ الْاِدْغَالُ فِي الدَّينِ وَتُرِکَتْ مَحَاجُّ السُّنَنِ فَعُمِلَ بِالْهَوَى وَعُطَّلَتِ الْأَحْکَامُ وَکَثُرَتْ عِلَلُ النُّفُوسِ فَلَا يُسْتَوْحَشُ لِعَظِیم حَقًّ عُطَّلَ وَلَا لِعَظِیمِ بَاطِلٍ فُعِلَ فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ وَتَعِزُّ الْأَشْرَارُ وَتَعْظُمُ تَبِعَاتُ الله سُبْحَانَهُ عِنْدَ الْعِبَادِ)(1) .

إذا معالجة هذا الخلل لا تتم الا بالتناصح، والتعاون، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر على الدوام. وهذا الواجب لا يقتصر على الوجهاء والاغنياء والاقوياء، وإنما هو واجب كل عضو في المجتمع- سواء كان اعلي القمة او اسفل القاعدة- ولا يقلل من اهمية القيام بهذا الواجب عظمة الحاكم، مهما علا في المنزلة والقوة، وكما يقلل من اهمية القيام بهذا الواجب بساطة المحكوم، مهما تواضع في المنزلة والضعف. يقول (عليه السلام) (فَعَلَيْكُمْ بِالتَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وَحُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ فَلَیْسَ أَحَدٌ وَإِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا الله حِرْصُهُ وَطَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا الله سُبْحَانَهُ أَهْلُهُ مِنَ الطَّاعَةِ لَهُ وَلَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ الله عَلَى عِبَادِهِ النَّصِیحَةُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ وَالتَّعَاؤُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقَّ بَيْنَهُمْ وَلَيْسَ امْرُؤٌ وَإِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقَّ مَنْزِلَتُهُ وَتَقَدَّمَتْ فِي الدَّينِ فَضِيلَتُهُ بِفَوْقِ أَنْ يَعَانَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ الله مِنْ حَقَّهِ وَلَا امْرُوٌ وَإِنْ صَغَّرَتْهُ النُّفُوسُ وَاقْتَحَمَتْهَ الْعُيُونُ بِدُونِ أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُعَانَ عَلَيْهِ)(2) .

ص: 213


1- نهج البلاغة خطب الامام علي، ج2، ص199، خ216
2- نهج البلاغة خطب الامام علي، ج2، ص199، خ216

المسألة الثانية: التسامح واللين.

ان تكون الروح التي تستند اليها العلاقة في أداء هذه الواجبات والمسؤوليات هي روح الرأفة والتسامح واللين والاحسان وحسن الظن من قبل الحاكم إزاء الأمة، قوله تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ»(1) ، «قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ»(2) ، «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ»(3) ، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ»(4) .

واما النصوص الواردة عن مولانا أمير المؤمنين كثيرة وقد اشرنا إلى البعض منها آنفا في المبحث الثاني و أهمها (وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمُحَبَّةَ لَهُمْ، واللُّطْفَ بِهِمِ. ولا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً، تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ؛ فَاِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدَّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)(5) .

وهناك نص آخر يقول فيه (عليه السلام) (وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنَّ رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَتَخْفِيفهِ الْمُئونَاتِ عَلَیْهِمْ وَتَرْكِ اسْتِکْرَاهِهِ

ص: 214


1- آل عمران 159
2- التوبة 128
3- الفتح 29
4- المائدة 54
5- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ج3، ص48، رسالة35

إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ فَلْیَکُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ یَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنَّ بِرَعِيَّتِكَ فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنَّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلاً)(1) .

المسألة الثالثة: المساواة بين الناس في الحقوق.

ان ابناء الأمة وإن كانوا يختلفون في الكثير من الخصائص والامتيازات مثل التقوى، العلم والجهاد والاحسان فالتميز بينهم يقوم على اساس العدل.

وهذا متفق عليه بين جميع الشرائع الإلهية فضلا عن القوانين الوضعية ولكن الحديث عن مسألة المساواة بين الناس في هذه الحقوق لا يكون لها تميز بين افراد الأمة فيكون لكل سلطة في الدولة رأيها في مسالة معينه، القضاء مثلا له موقف إزاء عدد من أصناف الناس ويكون هذا الموقف موحدا یکون موقفه على حد سواء بين الشريف والوضيع والعالم والجاهل.

وقد اشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة وأكد عليها الإمام (عليه السلام) بقوله (أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْوَالِيَ إِذَا اخْتَلَفَ هَوَاهُ مَنَعَهُ ذلِكَ کَثِيراً مِنَ الْعَدْلِ، فَلْيَكُنْ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَكَ فِي الْحَقَّ سَوَاءً، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَؤْرِ عِوَضٌ مِنَ الْعَدْلِ، فَاجْتَنِبْ مَا تُنْکِرُ أَمْثَالَهُ، وَابْتَذِلْ نَفْسَكَ فِيمَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكَ، رَاجِياً ثوَابَهُ، وَمُتَخَوَّفاً عِقَابَهُ(2) .

وَاعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّة لَمْ صَاحِبُهَا قَطَّ فِيهَا سَاعَةً إِلاَّ كَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ القيامة أنه لَنْ يُغْنِيَكَ عَنِ الْحَقَّ شَيْءٌ أَبَداً، وَمِنَ الْحَقَّ عَلَيْكَ حِفْظُ نَفْسِكَ، وَالأْحْتسَابُ عَلَى الرَّعِيَّةِ بِجُهْدِكَ، فَاِنَّ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْ ذلِكَ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي يَصِلُ بِكَ، وَالسَّلاَمُ)(3) .

ص: 215


1- المصدر نفسه، ج3، ص88، رسالة53
2- المصدر نفسه، ج3، ص116
3- المصدر نفسه، ج3، ص116، رسالة53

نستنتج من قول الامام عليه السلام ما يلي:

1- الإنصاف من النفس في التعامل مع الرعية.

(أَنْصِفِ الله وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنَ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَؤًى مِنْ رَعِيَّتِكَ فَاِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ الله كَانَ الله خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ)(1) .

2۔ ان يكون أساس الاختيار للمواصفات الموضوعة ذا علاقة بكمال الشخصية والكفاءة.

(وَلْیَکُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وَاَشْنَاَهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبُهُمْ لِمَعَايِبِ النَّاسِ فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُیُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ وَالله یَحْکُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ الله مِنْکَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهَ مِنْ رَعِيَتِكَ أَطْلِقْ عَنِ النَّاسِ عُقْدَهَ کُلَّ حِقْدٍ وَاقْطَعْ عَنْكَ سَبَبَ کُلَّ وِتْرٍ وَتَغَابَ عَنْ كُلَّ مَا لَا يَضِحُ لَكَ وَلَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ وَ لَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَيَعِدُكَ الْفَقْرَ وَلَا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ وَلاَ حَرِيصاً یُزَیَّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّی يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنَّ بِالله إنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ کَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ َوزِیراً وَمَنْ شَرِکَهُمْ فِي الْاثَامِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً فَاِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ وَإخْوَانُ الظَّلَمَةِ وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّن لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَآثَامِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالمِاً عَلَى ظُلْمِهِ وَ لَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ أُولَئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَئُونَةً وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً وَأَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً فَاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَحَفَلَاتِكَ ثُمَّ لْیَکُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرَّ الْحَقَّ لَكَ وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِیمَا

ص: 216


1- المصدر نفسه، ج3، ص85، رسالة53

يَكُونُ مِنْكَ مِّمَا كَرِهَ الله لِأَوْلِيَائِهِ وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا يُطْرُوكَ وَلَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ وَلَ يَكُونَنَّ الُمْحْسِنُ وَالُمْسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ

سَوَاءٍ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ وَتَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ وَأَلْزِمْ كُلًّا مِنْهُمْ مَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شيءٌ بِأَدْعَى إِلَی حُسْنِ ظَنِّ

رَاعٍ بِرَعِيَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَتَخْفِيفِهِ الَمْئُونَاتِ عَلَيْهِمْ وَتَرْكِ اسْتِكْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلىَ مَا لَيْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلاً وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لَمَنْ حَسُنَ

بَلاَؤُكَ عِنْدَهُ وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لَمنْ سَاءَ بَلاَؤُكَ عِنْدَهُ وَلَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا وَالْوِزْرُ

عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَماَءِ وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَاَءِ فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلاَدِكَ)(1) .

3- تقديم المصالح العامة على الخاصة في اجتماعها (وَلْیَکُنْ اَحبُّ الْاُمورِ إلیْکَ اَوسَطَها فِی الْحقِّ وَ أعمَّها فی الْعَدلِ وَ أجْمَعها لِرضی الرّعیه فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ

بِرِضَی الْخَاصَّةِ وَإِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَی الْعَامَّةِ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ أَثْقَلَ عَلَی الْوَالِي مَئُونَةً فِي الرَّخَاءِ وَأَقَلَّ مَعُونَةً لَهُ فِي الْبَلاَءِ وَأَكْرَهَ لِلْإِنْصَافِ وَأَسْأَلَ بِالْإِلْحَافِ وَأَقَلَّ شُكْراً عِنْدَ الْإِعْطَاءِ وَأَبْطَأَ عُذْراً عِنْدَ الَمْنْعِ وَأَضْعَفَ صَبرْاً عِنْدَ

مُلِمَّاتِ الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ وَجِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَالْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ)(2) .

ص: 217


1- المصدر نفسه، ج3، ص85، رسالة53
2- المصدر نفسه، ج3، ص86، رسالة 53

4- التأكيد والاهتمام على السنن الصالحة التي تربت عليها الأمة والتي تعد جزءا من تراثها وقاعدة للارتباط في افقها الاجتماعي (وَلَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالَحِةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ وَلَا تُحْدِثَنَّ سُنَّةً تَضُرُّ بِشَيءٍ مِنْ مَاضِي تِلْكَ السُّنَنِ فَيَكُونَ الْأَجْرُ لِمَنْ سَنَّهَا وَالْوِزْرُ عَلَيْكَ بِمَا نَقَضْتَ مِنْهَا)(1) .

ص: 218


1- المصدر نفسه: ص89

المبحث الرابع مفهوم الحكم في عهد الإمام (علیه السلام) إلى مالك (رضی الله عنه)

المسألة الأولى: عدم تشبه الحاكم بالله في جبروته لأن الحكم أمانة وتكليف إلهي.

قوله (عليه السلام): (إِيَّاكَ وَمُسَامَاةَ الله في عَظَمَتِهِ وَالتَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ فَإِنَّ الله يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَيُهِینُ كُلَّ مُخْتَالٍ)(1) .

يحذر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مالكا (رضوان الله عليه) من منافسة الحاكم لله سبحانه وتعالى في جبروته وعظمته، لأن الحاكم قد يعيش حلاوة الدنيا وزهوها ويغفل عن رؤية كونه مخلوقا لله سبحانه وتعالى، فينزل كل ما لديه من قدرة في طول قدرته سبحانه وتعالى، فيصبح مضاهيا للقدرة الالهية المطلقة وهذا ما يسميه الإمام (عليه السلام) بالمساماة والتشبّه.

المساماة: هي المباراة في السمو والعلو.

جاء في المنجد: سامی مساماة الرجل، ماضره وباراه والمعنى إحذر عن مفاخرة الله ومباراته في عظمته والتشبه به تعالى في جبروته بأن تقول مثلا لي كذا وكذا من الملك، كما قال فرعون (أليس لي ملك مصر)(2) وذلك لأن الله تعالى يذل ويحقر كل جبار ويهين ويضعف كل مختال متكبر فخور. حيث يشير القرآن الكريم

ص: 219


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي، ج3، ص85، رسالة53
2- مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: محمد تقي النقوي: ج15 ص423

والروايات المباركة إلى مصاديق وشواهد للمتكبرين والمغرورين تؤكد هذا المعنى بشكل واضح.

منها قوله تعالى «وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ»(1) .

وقال تعالى على لسان موسی (علیه السلام) «... إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ»(2) .

وقال تعالى في مورد بیان ذم التفاخر ومصير الجبارين والمتكبرين في الدنيا والاخرة «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا»(3) المختال: هو المعجب بنفسه(4) ، فقد أخذ الله سبحانه وتعالى على نفسه أن تكون نهاية كل من يتظاهر بالجبروت الذل والهوان.

وقد وردت في هذا المضمون احادیث شريفة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة الاطهار (عليهم السلام).

فعن أبي عبد الله الصادق (عليه السّلام): قال (أدنى الإلحاد قال إن الكبر أدناه)(5) .

وقال (عليه السّلام): إيّاكم والعظمة والكبر، فإنّ الكبر رداء الله، فمن نازع الله رداءه، قصمه الله وأذلَّه يوم القيامة(6) .

ص: 220


1- ابراهيم: 15
2- القصص: 19
3- النساء: 36
4- ينظر لسان العرب10 ص436
5- الوافي: الفيض الكاشاني، ج5، ص870
6- هداية الأمة إلى أحكام الأئمة: الحر العاملي، ج5، ص553

وعن الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): قال (الكبر أن تترك الحق وتتجاوزه إلى غيره، وتنظر إلى الناس فلا ترى إن أحدا عرضه کعرضك ولا دمه کدمك)(1) .

وقال عليّ عليه السلام: احذروا على دينكم ثلاثة: منهم رجل آتاه الله سلطانا فزعم أنّ طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله وكذب، لأنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنّما أمر الله بطاعة الرسول وأولي الأمر، لأنّهم لا يأمرون بمعصيته(2) .

ونرى هذا المعنى واضحا في كلام الإمام عليه السلام إلى الأشعث بن قیس عامل اذربيجان قال (لمّا بويع عليّ (عليه السلام) وكتب إلى العمال، کتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن مرحب الهمداني، وكان الأشعث على آذربیجان عاملاً لعثمان وقد كان عمرو بن عثمان تزوج ابنة الأشعث بن قيس قبل ذلك فكتب إليه عليّ (عليه السلام): (أمّا بعد فلولا هنّات كنّ فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس ولعل أمرك يحمل بعضه بعضاً إن اتقیت الله، ثمّ إنّه كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك و كان طلحة والزبير ممن بايعاني ثمّ نقضا بيعتي على غير حدث وأخرجا أُم المؤمنين وصارا إلى البصرة فسرت إليهما فالتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا فأبلغت في الدعاء وأحسنت في البقية، وإنّ عملك ليس لك بطعمة ولكنه أمانة وفي يديك مال من مال الله وأنت من خزّان الله عليه حتى تسلمه إليَّ، ولعلي أن لا أكون شر ولاتك لك إن استقمت ولا قوّة إلاّ بالله.

ص: 221


1- الوافي : الفيض الكاشاني الجزء: 26، ص199
2- الوسائل: الحر العاملي ج18: 90 / 4: وينظر هداية الأمة إلى أحكام الأئمة: الحر العاملي ج8 ص382

فلما قرأ الكتاب قال الأشعث: أيها الناس إنّ أمير المؤمنين عثمان ولاني أذربيجان فهلك وهي في يدي وقد بايع الناس عليَاً و طاعتناله كطاعة من كان قبله وقد كان من أمره وأمر طلحة والزبير ما قد بلغكم، وعليّ المأمون على ما قد غاب عنا وعنكم من ذلك الأمر.

قال: فلما أتى منزله دعا أصحابه وقال: إن كتاب عليّ قد أوحشني وهو آخذ بمال أذربيجان وأنا لاحق بمعاوية!

فقال القوم: الموت خير لك من ذلك أتدع مصرك وجماعة قومك وتكون ذنباً لأهل الشام؟ فاستحيا الأشعث فسار حتى قدم على عليّ (عليه السلام)(1) .

فيتحصل: نفهم من منطوق الآيات والروايات المطهرة أموراً:

1- يجب على الحاكم تشخيص العوارض السلبية والأمراض الأخلاقية المترتبة من خلال المنصب وكرسي الحكم.

2- يجب على الحاكم أو الوالي بحكم مسؤوليته أن يهتم بتدبير الأمور وتوجيه الناس في مسارات العمل الصحيحة ونحو الأهداف السليمة.

المسألة الثانية: موقع الرحمة في الحكم.

قوله (عليه السلام) (وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ)(2) .

يتحدث الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو بين الحاكم والرعية في المنظومة القيادية في الفهم الاسلامي وهو

ص: 222


1- نهج البلاغة خطبة131؛ بحار الأنوار العلامة المجلسي ج32 ص361
2- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ج3، ص86

الشعور الباطني المتمثل بالرحمة والشفقة واللين وزرع الثقة بين الحاكم المتصدي والأمه التي تكون تحت رعايته ومسؤوليته.

فالإمام (عليه السلام) يوصي مالکا یوصفه واليا على مصر أن ينظر إلى العدل والمساواة بين الناس من دون أن يميز بين طبقات المجتمع، أي اجعل شعارك في الحكم عنوانه المحبة وللطف والشفقة للرعية.

ثم ينتقل الإمام (عليه السلام) إلى عنصر آخر وهو التشديد على إبقاء مبدأ الرحمة والمحبة والتودد إلى الناس، والتحذير من القسوة والغلظة والاعتداء على الناس.

قوله (عليه السلام) محذرا الوالي من القسوة وسلب حقوق الآخرين (وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ)، يمثل الإمام (عليه السلام) الحاكم بهذا العنوان الحيوان المفترس الذي يبطش ويفتك بفريسته.

وفي حديث آخر واصفا الناس اذا سلبت منهم الرحمة والمحبة يصبحون كالبهائم (إن البهائم همها بطونها، وإن السباع همها العدوان على غيرها)(1) .

فيتحصل: أن نجاح الحاكم العادل والمقتدر الذي تمتد سيطرته على الناس يستطيع استمالة قلوبهم وعواطفهم، ناتج من حسن التعامل مع الرعية بلغة الرحمة والمحبة واللطف، ثم يشير الإمام (عليه السلام) إلى عامل الفشل والانهيار الذي يصيب المنظومة القيادية للحاکم، فيعلل ذلك الفشل والسقوط بسبب التعامل السيئ القائم على البطش والقوة، فيكون الحاكم فيها الحيوان المفترس، يأكل حقوق الناس ويسلب حرياتهم بحجج واهية يحسبها غنيمة.

ص: 223


1- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ص214- 215، خطبة153

المسألة الثالثة: الرؤية الفكرية في تقييم الاخرين.

قوله (عليه السلام): (فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِیرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)(1) .

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف عن تقييم الناس في المجتمع على ضوء الرؤية الفكرية التي يحملها الإنسان إزاء الآخر.

وهذه الرؤية تنعكس تماما على السلوك والتعامل في المجتمع فالرؤية التي يحملها الحاكم تدفعه للتعامل مع الناس بأن ينظر اليهم على أساس أنهم أناس مثله وهم (فإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِیرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ) فإِنَّهُمْا: الفاء هنا للتفريع ومدلولها تعليل لما سبق وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ.

ومثله کما صرح به القرآن الكريم في سورة الكهف على لسان النبي صلى الله عليه وآله: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ»(2) ، إشارة إلى عدم الأفضلية، بل إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أعلى الكمالات ولكنه مثل الناس يأكل ويشرب ویمارس حياته کما تمارس الناس حياتها، فالبعد الانساني تجسد في كلمة (مِثْلُكُمْ) وأما مورد الكمالات فهي محل تنافس بين الناس ودعوة مفتوحة بين بني البشر، فكل من أراد أن يكون في سلم تصاعدي فعليه أن يجلب مقدماته، حتی یکون ضمن المتنافسين، كما أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في سورة المطففين (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الُمْتَنَافِسُونَ).

ص: 224


1- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ص68، رسالة53
2- الكهف 110

إذا الإمام (عليه السلام) يقسم ويصنف الناس بتقسيمات مختلفة.

قال: بما حاصله أن الرعية على قسمين، مسلم وكافر، أما الأول أعني المسلم فهو أخ لك في الدين ولا ينبغي الظلم على الاخ بل ينبغي الشفقة والرحمة به وإلا فلا يكون أخاله(1) .

في الصحيح، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إن اشتكى شيء منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، وأرواحهما من روح واحدة، وإن روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها(2) .

وفي الصحيح والموثق كالصحيح، عن علي بن عقبة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن أخو المؤمن، عینه و دلیله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة فيخلفه(3) .

وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فإن المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه(4)

وعن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام): والمسلم حرام على المسلم أن يظلمه أو يخذله أو يدفعه دفعة تعنته(5) .

ص: 225


1- مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: محمد تقي النقوي: ج1 ص420
2- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (الأول)، ج9، ص293
3- الكافي: الكليني، ج2، ص166
4- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (الأول)، ج5، ص526
5- الوافي: الفيض الكاشاني، ج4، ص161

قوله عليه السّلام: المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يغتابه(1) .

فالمراد من الإسلام هنا الإسلام الموافق للاعتقاد، مع أن الغيبة من ذمائم الصفات البشرية فهي مذمومة، ولا يجوز مطلقا إلا ما نص الشرع على جوازها، وقد فُسِر الأخ في الروايات بالأخ الإسلامي فلا وجه لحمله على الأخ الإيماني الإثني عشري. مع أن الولاية للمعصومين من أهل البيت (عليهم السلام) على قسمين:

الأول: المحبة.

الثاني: الولاية بالمعنى الأخص.

والأول: موجود في جميع المسلمين إلا الناصبيين والخوارج والظالمين لآل البيت (عليهم السلام) و الغلاة و كل من حكم بكفره.

والثاني: منحصر بالشيعة الاثني عشرية.

وبالجملة: من أقر بالشهادتين على أقسام.

الأول: من يحب النبي صلَّى الله عليه وآله المعصومين ويتبع المعصومين عليهم السّلام من آله.

الثاني: من يحبهم في الجملة ولا يتبع أقوالهم بل يتبع أقوال غيرهم.

الثالث: من ثبت كفره.(2)

ولقد أكد الاسلام على علاقة محبة وشفقة وتودد بين أصناف الناس، لأن فيها حلولاً للمشاكل وتنظيما للحياة في جميع جوانبها.

ص: 226


1- الوسائل باب: 152 من أبواب أحكام العشرة، حديث: 5
2- مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام: السيد عبد الأعلى السبزواري، ج16، ص125

وهناك تقسیم آخر للناس أشار اليه الإمام (عليه السلام) في نهجه يعتمد على أساس العلم، فقال مُخاطبا کمیل بن زیاد:(الناس ثلاثة: فعالم رباني او متعلم على سبيل نجاة وهمج رعاعٌ أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق عليه ولاة عنيف به.

فيتحصل: إن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لمالك الأشتر (رضوان الله عليه) يشير إلى معيار التقسيم ومنهجية في الفهم الإسلامي، وهو فإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَإِمَّا نَظِیرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ: يعني إما أخ للمسؤول في الدين أو نظير له في الخلق.

فالمعيار هنا هو المواطنة وحقوقها، فلا يفضل أحد على أحد في منظومة الحكم، ولا يميز أحداً على أحد على اساس الاختلافات الحاصلة بين الحاكم والرعية.

حيث جعل الله سبحانه حقوق عباده مقدمة على حقوقه، فمن قام بحقوق عباد الله كان ذلك مؤديا إلى القيام بحقوق الله(1) .

اقول: أن المنهج الذي يتحدث به أمير المؤمنين (عليه السلام) هو المنهج الانساني القائم على اساس العدل والمساواة واحترام حقوق الآخرين.

المسألة الرابعة: مبدأ العفو والصفح في التعامل مع الناس.

قوله (عليه السلام): (يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَيُؤْتَى عَلىَ أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَی أَنْ يُعْطِيَكَ الله مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ)(2) .

ص: 227


1- نهج البلاغة: غرر الحكم: 3، 7، 10
2- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ج3، ص84، رسالة53

يشير الإمام (عليه السلام) إلى أساس أخر من أساسيات الحكم، وهو مبدأ العفو والتسامح والصفح عن الآخرين.

قال الراغب رحمه الله: العفو والصفح صورتا الحلم، ومخرجاه إلى الوجود، فالعفو ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح ترك التثريب، واشتقاقه من تجاوز الصفحة التي أثبت فيها ذنوبه والإعراض بصفحة الوجه عن التلفت إلى ما كان فيه وهو محمود إذا كان على الوجه الذي يحب والعفو إنما يستحب إذا كانت الإساءة مخصوصة بالعافي کمن أخذ ماله أو شتم عرضه فإن عادت بالضرر على الشرع أو الناس فله ترك العفو(1) .

قال: الصفح عن خطاياهم والعفو عن ذنوبهم لنقصان التربية، ونبهه على أن نسبتهم إليه کنسبته إلى الوالي الامر عليه وفوقه أيضا هو الله، فينبغي الصفح عنهم، كما أنه يرجو الصفح عنه من الوالي الامر وفوقه من الله القادر، وبيّن أن تعذيب عباد الله بمنزلة الحرب مع الله الذي لا قدرة للإنسان أمام عقوبته، ولا غني عن عفوه ورحمته(2) .

يريد الإمام (عليه السلام) أن يشعر الحاكم أو الوالي بأن العفو والصفح من الصفات الإلهية، وبنو البشر بحاجة اليها لاحتياج الجزء إلى الكل، فكما أن الوالي إذا أخطأ، يرجع بأخطائهِ إلى الله سبحانه وتعالى متوسلا أن يعفو ويصفح عنه، كذلك الله يطلب من الإنسان أن يكون متسامحا مع الآخرين.

ونجد قضية طلب العفو والصفح واضحة في منهج الائمة الاطهار (عليهم السلام).

ص: 228


1- فيض القدير شرح الجامع الصغير: المناوي، ج2، ص303
2- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: حبيب الله الخوئي: ج20، ص164

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة فدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد من تحت العرش: تتاركوا المظالم بینکم فعلي ثوابكم(1) .

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة وكّلنا الله بحساب شیعتنا، فما كان لله سئلنا الله أن يهبه لنا فهو لهم، وما كان لنا فهو لهم، ثم قرأ أبو عبد الله عليه السلام: إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم(2) .

ثم إن المراد هو العفو والصفح عن من يستحقون العفو، لا الأعداء المجرمون الذين يحملهم العفو والصفح على مزيد من الإجرام، وينتهي بهم إلى الجرأة أكثر(3) .

فلذا (عليه السلام) يطلب من مالك أن يتعامل مع الناس على اساس مبدأ العفو والصفح عن الزلل والخطأ في الموارد الميسورة والممكنة من صرف النظر عن العقاب في الموارد التي يمكن للحاكم أن يغض النظر فيها و إزالة العقوبة على الخطأ من ذهن الحاكم وجعلها في طي النسيان مع مراعاة حقوق العامة المغصوبة، إذ لابد للوالي من ارجاعها إلى أهلها، ولا ينبغي للحاكم التعامل مع هذا المبدأ الذي يكون فيه إخلال بالقوانين ونظم الدولة في تضييع حقوق الناس، کالعفو عن المجرمين المتلبسين بقتل الابرياء المظلومين.

ص: 229


1- بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ج7، ص264
2- المصدر نفسه: ص264
3- الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: الشيخ ناصر مکارم الشیرازی، ص699

المسألة الخامسة: عوامل نجاح الحاكم في المنظومة القيادية.

1- سعة الصدر ومداراة الناس.

الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يريد أن يبين أن نجاح الحاكم وسر موفقیته يكمن في حلمه وسعة صدره، فلذا يعد هذا العامل من العوامل المهمة في القيادة، ومفتاحا سحريا في النجاح والتفوق، ومن علاماته الايمان الخالص والرفق واللين والرحمة والابتسامة العفوية، والمحبة الصادقة الخالية من التصنع. فبسعة الصدر تأسر القلوب وتلجم حياءً ويكون لها شعور بالندم. و قريب منه ما أشار اليه القرآن الكريم في سورة يوسف (عليه السلام)) في بيان سعة الصدر وحلم النبي يعقوب (عليه وعلى نبينا الآف التحية والسلام) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمیِنَ)(1) .

منه قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): آلة الرياسة سعة الصدر(2) .

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني ربي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض)(3) .

وأمر الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة والصيام، وكذلك أمره بمداراة الناس والاحسان اليهم.

وقد وصف النبي- صلى الله عليه وآله وسلم المؤمن بأنه: المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف، وخير الناس أنفعهم للناس(4) .

ص: 230


1- يوسف: 92
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي ج4 ص42
3- الكافي: ج2 117
4- کنز العمال: المتقي الهندي ج1 ص142

عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في وصف أفضل الأخلاق؟ قال: الصبر والسماحة(1) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: الرفق رأس الحكمة، اللهم من ولي شيئا من أمور أمتي فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم، فاشفق عليه(2) .

وعن الإمام علي (عليه السلام) عليك بالرفق فمن رفق في أفعاله تم أمره(3) .

وعنه (عليه السلام): (عليك بالرفق فإنه مفتاح الصواب وسجية أولي الألباب)(4) .

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال: نعم السياسة الرفق(5) .

وقال (عليه السلام): رأس السياسة استعمال الرفق(6) .

وعنه (عليه السلام): الرفق يسيّر الصعاب، ويسهّل شديد الأسباب(7) .

وعن أبي عبد الله عليه السّلام يقول: من كان رفيقا في أمره نال ما یرید من الناس(8) .

وفي نهج البلاغة من عهدله (عليه السلام) إِلى محمد بن أبي بكر حين قلّده مصر: (فاخفض لهم جناحك و ألن لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وآس بينهم

ص: 231


1- بحار الأنوار، العلامة المجلسي: ج63 ص853
2- المصدر نفسه: ج72 ص352
3- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص333
4- المصدر نفسه ص334
5- غرر الحكم: ح9947
6- المصدر نفسه: ح6 167
7- المصدر نفسه: ح2: 45
8- الكافي، 2 ص120 ج16 ص1

في اللحظة والنظرة، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم، فإنّ الله- تعالى- يُسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة، والظاهرة والمستورة فإن يعذّب فأنتم أظلم، وإِن يعف فهو أكرم)(1) .

ومن عهده (عليه السلام) إِلى مالك الاشتر : (وَاجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِله الَّذِي خَلَقَكَ وَتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ فَإِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله [صلى الله عليه وآله] يَقُولُ فِي غَیْرِ مَوْطِنٍ لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَیْرَ مُتَتَعْتِعٍ ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ

وَالْعِيَّ وَنَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ وَالْأَنَفَ يَبْسُطِ الله عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ وَيُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ)، إذ: جميع هذه الروايات والأحاديث المطهرة تؤكد على سعة الصدر لدى الحاكم وشعار الرعية بالرحمة والشفقة: وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ).

فإذا فقد الإنسان فضيلة سعة الصدر ضعف إيمانه وضاق صدره وتغير مزاجه وانحبس طبعه، حتى كأن على الإنسان ثقلا كبيرًا ينوء به، فيصبح سريع التضجر والتأفف من أدنى شيء، ويشعر بالضيق من تصرفات الناس حوله وتذهب سماحة نفسه.. ويؤدي ذلك إلى التحير في اتخاذ القرار.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من ضاق صدره لم يصبر على أداء حق(2) .

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ضيق الصدر بسوء الخلق(3) .

ص: 232


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي ج3 ص27 رسالة27
2- کنز الفوائد: أبو الفتح الكراجكي: ص128
3- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (تحقیق صبحي صالح)، ص701:

وعنه عليه السلام: من ساء خلقه ضاق صدره(1) .

وقالوا: من ضاق صدره اتسع لسانه، و من كثر كلامه كثر سقطه، ومن ساء خلقه قل صديقه(2) .

إذا الاثار المترتبة على ضيق الصدر هي سوء الخلق، فاذا كان الحاكم ضيق الصدر يكون سيئ الخلق، فينعكس سوء خلقه على التعامل مع الناس ويكون في حالة تحير في اتخاذ القرارات.

2- معالجة الأخطاء.

قوله عليه السلام: (وَتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَيُؤْتَى عَلَی أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأ)(3) .

من العوامل التي تؤدي إلى نجاح الحاكم في منظومة القيادة هو كيفية معالجة الأخطاء، وبعبارة آخرى كيف ينظر الوالي أو المسؤول إلى أخطاء الناس، وكيف يستطيع تقييمها، وماهي الطرق في التعامل معها.

وهذا ما يتناوله الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف فيقول ان الناس بحسب طبعهم تصدر منهم الأخطاء، البعض منهم ينسجمون في سلوكياتهم وافعالهم مع الضوابط والقوانين والبعض الآخر تصدر منهم الاخطاء تكون سلوكياتهم وطبائعهم غير منسجمة مع القانون ومع علمهم بهذه الأخطاء وإن الذي يقومون به يغيض الحاكم، فيجب على المسؤول والحاكم ان يتعامل معهم على ضوء مبدأ التسامح والصفح، وهذا العفو أو الصفح لا يعني تجاهل الحق العام، لابد من محاسبة كل من يتجاوز الحدود الضوابط والقوانين،

ص: 233


1- الغرر 379
2- نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة الشيخ المحمودي، الجزء: 7، ص384
3- نهج البلاغة: خطب الإمام علي، ج3، ص86، رسالة53

وإلا إذ ترك المسيء في ممارسة الاساءة للحق العام فإنه يؤدي إلى فقدان الدولة هيبتها، ونفهم من ذلك إن من واجبات الحاكم أو الوالي توفير أجواء المحبة والثقة بين الناس، ودفعهم باتجاه المزيد من الالتزامات بالقوانين.

3- الرؤية الشمولية ورجوع الحاكم إلى ذاته

يعتقد الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) ان من أولويات الحاكم عندما يجلس على كرسي الحكم، أن لا يستثني نفسه من الاخطاء، لأنه إنسان غير معصوم و من طبيعة الإنسان إن يخطأ، فيذكّر الإمام (عليه السلام) مالكا إن الحاكم والقائد لابد أن يتدبر في نفسه فإن وجد فيها عيبا اشتغل بعيب نفسه، وذكر قوله صلى الله عليه وآله طوبی لمن شغله عيبه عن عيوب الناس).

قال النبيّ صلَّى الله عليه و آله: طوبى لمن شغله خوف الله عزّ وجلّ عن خوف الناس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين من إخوانه(1) .

وقال صلى الله عليه وآله: (إن أسرع الخير ثوابا البر، وإن أسرع الشر عقابا البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما یعمی عنه من نفسه، وأن يعير الناس بما لا يستطيع تركه وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه)(2) .

وقال أمير المؤمنين عليه السّلام: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لدينه كفاه الله أمر دنياه، ومن أحسن فيما بينه وبين الله أحسن الله بينه وبين النّاس(3) ، وقال عليه السّلام: الحلم غطاء ساتر، والعقل حسام قاطع، فاستر خلل خلقك بحلمك، وقاتل هواك بعقلك(4) .

ص: 234


1- الوسائل باب: 36 من أبواب جهاد النفس، حدیث: 3 و 2
2- منهاج الصالحين: السيد الخوئي، ج: 1، ص356
3- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ج4 ص99
4- المصدر نفسه: ص99

3- تجسيد علاقة العفو والصفح في الناس.

يريد الإمام (عليه السلام) من خلال هذا العنصر أن يبين العلاقة الطردية بين صفح الله سبحانه وتعالى عن العباد، وصفح الإنسان عن الانسان، بعبارة أخرى إن من يريد أن يُرحم فعليه أولا أن يَرحم الآخرين، ومن يريد الصفح من الله فليصفح أولا عن الناس، وهذه من القواعد الأساسية في تحقيق السلوك الانساني في الفهم الإسلامي، يصبح الإنسان فيها مرآة واضحة في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، وقد اشار القرآن الكريم إلى محتوي هذه العلاقة بين فعل الله وفعل الانسان:

«وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»(1) .

تتحدث الآية الشريفة عن العباد ومغفرة الله تبارك وتعالى لهم.

وفي بيان وجوب الابتعاد عن عيوب الناس والانشغال بعيوب النفس واصلاحها، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (الأشرار يتبعون مساوي الناس، ويتركون محاسنهم، كما يتبع الذباب المواضع الفاسدة من الجسد)(2) .

وعنه (عليه السلام)، في النهي عن ذكر عيوب الناس وأمن عيوب النفس مورد سخط الله وغضبه قال: (يا عبد الله، لا تعجل في عيب أحد بذنبه فلعله مغفور له، ولا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلك معذب عليه، فليكفف من علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه، وليكن الشکر شاغلاله على معاناته مما ابتلى به غيره).

ص: 235


1- النور: 22
2- نهج البلاغة: 113

ونجد هذه الصورة واضحة في كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يشير إلى الربط بين الصفح عن الناس ومغفرة الله: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)(1) ، إشارة إلى مطلق الرحمة أي لمن في الأرض من إنسان أو حيوان في الشفقة عليهم والإحسان إليهم.

اذا علاقة العمل في تحقيق هذه الرابطة منشؤها العلاقات الاجتماعية القائمة على مبدأ الرحمة والشفقة بين الناس، فمن أراد استنزال الرحمة من السماء فعليه ان يبدأ أولا في الأرض، وهو قول النبي صلى الله عليه وآله: من لا يرحم لا يرحم(2) .

وورد عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): من لا يرحم الناس لا يرحمه الله(3) .

فيتحصل: القول في العناصر الثلاثة في نجاح الحاكم في المنظومة القيادية

ينبغي للوالي والحاكم أن يعمل بأمور ثلاثة:

1- تأخير العقوبة في موارد الغضب لأن في إمكانها العفو، والتريث فيما يرتأيه من رأى.

2۔ تعجيل مكافأة المحسن بالإحسان، فإن في الإحسان طاعة الرعية.

3- انفتاح الرأي ووضوح الصواب و حمد العاقبة.

ص: 236


1- مستدرك الوسائل : ج9: ص55 وينظر کنز العمال، ج3، ص163
2- صحیح مسلم: ج1، ص77
3- المحلى: ابن حزم، ج6، ص157

المسألة السادسة: الكفاءة والالتزام بالمسؤولية.

قوله (عليه السلام): (فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَالله فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلاَكَ بِهِمْ)(1) .

يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف المالك الأشتر النخعي (رضوان الله عليه) إلى أمور:

1- المسؤولية إلتزام.

إن كل من يتصدى للمسؤولية ينبغي عليه الالتزام في مسارات مسؤولية، ولابد ان يعتقد بمسؤوليته أمام الله سبحانه وتعالى وأمام الناس.

نجد الإمام (عليه السلام) يؤكد هذا المعنى ويمليه على ولاته وعماله في تطبيق المساواة بين الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم، يقول (عليه السلام) في بعض رسائله إلى عماله: (واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وألن لهم جنابك و آس بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك..)(2) .

قال: ولم تفتن في أي دين أو مذهب اجتماعي مثل هذه المساواة المشرقة التي تنشد كرامة الإنسان وعزته، وتؤلف ما بين المشاعر والعواطف، وتجمع الناس على صعيد من المحبة والإخاء.(3)

ص: 237


1- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ج3، ص84
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي، ج3، ص76، رسالة53
3- حياة الإمام الحسين: الشيخ باقر شريف القرشي، ج1، ص412

ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية: (أما بعد فإن الله سبحانه قد جعل الدنيا لما بعدها، وابتلى فيها أهلها ليعلم أيهم أحسن عملا. ولسنا للدنيا خلقنا، ولا بالسعي فيها أمرنا، وإنما وضعنا فيها لنبتلى بها، وقد ابتلاني الله بك وابتلاك بي فجعل أحدنا حجة على الآخر، فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني، وعصبته أنت وأهل الشام بي وألب عالمكم جاهلكم، وقائمكم قاعدكم. فاتق الله في نفسك، ونازع الشيطان قیادك، واصرف إلى الآخرة وجهك فهي طريقنا وطريقك، واحذر أن يصيبك الله منه بعاجل قارعة تمس الأصل وتقطع الدابر، فإني أولى لك بالله ألية غير فاجرة لئن جمعتني وإياك جوامع الأقدار لا أزال بباحتك «حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)(1) .

فعندما ينصب الإنسان حاكما على الناس فعليه أن ينظر إلى سلوكه وتعامله مع الناس من خلال احترامهم والتواضع لهم، وطلب المساواة بين الناس في النظرات وطلاقة الوجه، والحديث والجلوس معهم، فلا يمكن للمسؤول أو الحاكم أن يكون مسؤولا عن الأمة من دون مراعاة هذه السمات فيما بينهم.

ثم يؤكد الإمام (عليه السلام) في عهده لمالك، أن هناك حقيقة ربما تكون غائبة عن أذهان الولاة والمسؤولين، وهو السؤال الذي يسأله الله جلّ وعلا عن عبادة يوم القيامة، نحن لو دققنا النظر في هذه العبارات لوجدنا لها رؤية ومدالیل عميقة جدا، تجعل من الإنسان يراقب سلوكياته وانطباعاته.

فالله سبحانه وتعالى يسأل الحكام والمسؤولين يوم القيامة عن الاخطاء التي تسبب ظلم العباد في كل صغيرة وكبيرة.

ص: 238


1- نهج البلاغة: رسالة55

2- القدرة وحسن الأداء.

يؤكد الإمام عليه السلام في هذه النقطة على قدرة المتصدي وحسن أداءه، قوله عليه السلام: وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ، أي أن الله سبحانه وتعالى يطلب من الإنسان عندما يصل إلى مواقع السلطة، أن يكون ذا قدرة وحسن أداء، أي ما يعبر عنه بالكفاءة.

وقد روي في مورد الكفاءة وحسن الأداء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انه قال: (من طلب العلم ليباهي به العلماء أو یماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس فيه فليتبوأ مقعده من النار إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها)(1) .

فمن كانت لديه الأهلية والقدرة على التصدي يجوز له أن يتصدى لمواقع المسؤولية، وخلاف ذلك لا يجوز له واذا تصدی ارتكب كبيرة من الكبائر لأن مصالح البلاد والعباد تحتاج إلى متصدٍ قادر حسن الأداء.

المسألة السابعة: محاربة الله سبحانه وتعالى.

قوله (عليه السلام) (وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لَحِرْبِ الله فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ)(2) .

يتناول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف، موضوع محاربة الله سبحانه وتعالى، فيطلب الامام عليه السلام من الحاكم والمسؤول في منظومة القيادة والحكم ألا ينصب نفسه لمحاربة الله جلا وعلا.

ص: 239


1- الكافي: ج1 ص47 ح6
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي، ج3، ص84

ما هو المراد من محاربة الله؟ يقصد الإمام عليه السلام بمحاربة الله في هذا المقطع، هو أنه يجب على المسؤول أن يكون كفوءا، فإذا لم يكن كذلك وتصدی للمسؤولية، فقد اعلن الحرب مع الله تعالى.

ويعلل الإمام عليه السلام معنى الحرب في هذه الصورة، فيقول تنصيب غير الكفوء بمثابة سفك للدماء وهدر للمال، وتضييع للمصلحة العامة، وتجاوز على حقوق الآخرين والاعتداء عليهم.

من هذا المنطلق نفهم أهمية حقوق الناس في النظرية الاسلامية، الاعتداء والاساءة إليهم معناه محاربة الله، وفي قبال ذلك من أحسن إلى الناس وحفظ حقوقهم وحرياتهم ولم يتجاوز عليهم، يعد من الطاعة لله سبحانه وتعالى.

وهذا هو منهج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين.

ومن هنا نرى تأكيد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام على ذلك.

قال عليه السلام: من أبدى صفحته لإقامة الحد عليه هلك، ولم يصبر على الحق فيه(1) ... المعنى: أن الإنسان اذا واجه الحق وحاربه يهلك، وهذا ما نراه بوضوح في الحكومات الحاكمة عندما يعتز المسؤول بالمنطق والمفهوم الخاطئ، مع علمه بخطأ، يعبر عنه في علم المنطق الجهل المركب.

ويؤكد الامام عليه السلام في رواية أخرى على هذا المعنى، إذ قال عليه السلام: من صارع الحق صرعه(2) .. يجوز أن يراد بالحق ذات الله تعالى والمراد

ص: 240


1- نهج البلاغة: حكمة138؛ وينظر المقنعة: الشيخ المفيد، ص777
2- غرر الحكم: ج1 272

بالمصارعة حينئذ مخالفة أوامره ونواهيه، وأن يراد به الصواب، أي: من عدل عن طريق الصواب صرعه في مهاوي البلاء والعتاب(1) .

وقوله عليه السلام في هذا المعنى: الغالب بالشر مغلوب، المحارب للحق محروب(2) .

ومنه قوله عليه السلام: لا تغالب من يستظهر بالحق فإن مغالب الحق مغلوب(3) .

من نصب العداء لأهل الحق يكون مغلوبا لا محال، لأن الحق يعلو ولا یُعلی عليه.

ثم يختتم الإمام عليه السلام بقوله: وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ، اشارة إلى أن الإنسان لا يستغني عن الرحمة الإلهية وعفوه سبحانه وتعالى، لأنه مهما وصل بقدرته يكون محتاجا إلى رحمته وعفوه سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَی الله وَالله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)(4) .

يخبر تعالى بغناه عمن سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه واحتياجها اليه، فعلى الإنسان أن لا يشعر بالاستغناء عن الرحمة والعفو الالهي، لأن ذلك بداية للانحراف والسقوط، نعوذ بالله من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

ص: 241


1- نهج البلاغة: حكمة408
2- غرر الحكم: ج1 حكمة272
3- غرر الحكم: 6: 32
4- فاطر: 15

المسألة الثامنة: التنزه عن الصفات السلبية ونبذ سياسة ردود الأفعال.

قوله (عليه السلام): (وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلىَ عَفْوٍ وَلَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَی بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً)(1) ، يشير الامام عليه السلام في هذا المقطع إلى مجموعة من الصفات السلبية، يجب على الحاكم التنزه عنها وهي:

1- الندم على العفو: وَلَا تَنْدَمَنَّ عَلىَ عَفْوٍ: يخاطب الامام المسؤولين والحكام وكل من يتصدى لموقع المسؤولية، بأن عليهم ممارسة سياسة العفو وفق القدرة والتمكين، واذا عفوا عن شخص ألّا يندمون.

2- التبجح بالعقوبة.

التبجح: في اللغة معناه التكبر والتباهي، وهو عبارة عن سوء أدب وسلاطة لسان.

وَلَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ: ينبغي للحاكم أو المسؤول أن لا يفتخر ويشعر بالسعادة حينما يوجه عقوبة لأحد، لأن المنظومة القيادية ليست محطة لظلم الناس والشماتة بهم، بل هي رحمة وعفو وشفقة ولين، ونجد هذا المعنى في ابهى صوره في سلوك النبي (صلى عليه و آله و سلم) مع أهل مكة عندما جاء فاتحا لها.

أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عفا عن مكة وأهلها وقال (من أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) و نهی عن القتل إلا نفرا قد سماهم، إلا أن يقاتل أحد، فيقتل وقال لهم حين اجتمعوا في المسجد (ما ترون أني صانع بكم؟) قالوا: خيرا أخ کریم وابن أخ کریم قال (اذهبوا فأنتم الطلقاء)(2) .

ص: 242


1- نهج البلاغة خطب الإمام علي ج3 ص84
2- کتاب الأم: الإمام الشافعي ج7 ص382

3- ردود الأفعال: وَلَا تُسْرِعَنَّ إِلَی بَادِرَةٍ وَجَدْتَ مِنْهَا مَنْدُوحَةً.

المندوحة: السعة والفسحة أو المتسع وعدم المسارعة ويمكن ترك الأمر والعزوب عنه(1) .

يوصي الإمام عليه السلام مالكا بعدم المسارعة في معاقبة أحد وهناك فرصة يدرئها والخلاص منها، ويفهم من هذا المعنى القاعدة المعروفة (الحدود تدرأ بالشبهات)، فلا ينبغي للحاكم الاسراع في ردود الفعل وترتيب الأثر عليها وهو في حالة غضب،: بل هو مكلف بالبحث عن منافذ شرعية مقبولة لإيقاف العقوبات، لئلا تستشري ظاهرة الجريمة والعقاب، وواضح أن الناس يميلون إلى اعتناق الرأي والحكم المقرون بالرحمة، أكثر من قبولهم بما فيه ما يثير مخاوفهم(2) وتأكيدا لهذا المعنى فقد روي الكثير من الأحاديث والروايات حول الغضب وآثاره السلبية، فعن الإمام الرضا عليه السلام: قال الغضب مفتاح كل شر(3) .

وقال (عليه السلام): قال الحواریون لعيسى (عليه السلام): يا معلم الخير أعلمنا أي الأشياء أشد؟ قال: أشد الأشياء غضب الله، قالوا: فيما يتقی غضب الله؟ قال: بأن لا تغضبوا، قالوا: وما بدءُ الغضب؟ قال: الكبر والتجبر و محقرة الناس(4) .

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: أتی رسول الله صلى الله عليه وآله رجل بدوي فقال: إني أسكن البادية فعلمني جوامع الكلام فقال: آمرك أن لا تغضب فأعاد عليه الاعرابي المسألة ثلاث مرات حتى رجع

ص: 243


1- ينظر تهذيب اللغة: الأزهري، ج2، ص74
2- الحكم الاسلامي في مدرسة الامام علي عليه السلام: محمد تقي المدرسي: ص82
3- مشكاة الأنوار في غرر الأخبار: علي الطبرسي ص383
4- الخصال: 6/ 189، روضة الواعظين: 379، البحار: 14/ 287/ 9

الرجل إلى نفسه فقال: لا أسأل عن شيء بعد هذا، ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله إلا بالخير قال: وكان أبي يقول: أي شئ أشد من الغضب؟ إن الرجل يغضب فيقتل النفس التي حرم الله ويقذف المحصنة(1) .

وهذه هي اخلاق الإنسان الكامل المتمثلة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واهل بيته، انظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام كيف تعامل مع من خرج عليه بحرب في معركة الجمل، فقد اشارت النصوص المستفيضة، بعد انتهاء المعركة لم تقرع طبول النصر ولم يعبر عن هذا النصر بالسعادة، وعندما مرّوا بجثمان طلحة وهو مقتول وقف الامام عليه السلام على جثمانه وقال: لقد اصبح أبو محمد بهذا المكان غريبا أما والله لقد كنت اكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب(2) .

فيتحصل: ينبغي للحاكم أن لا يتسارع في حكم وهو في حالة غضب، لأن الغضب مفتاح كل شر، إذ يتولد منه الحقد والحسد والشماتة والتحقير والأقوال الفاحشة، وهتك الأستار، والسخرية والطرد والضرب والقتل والنهب ومنع الحقوق إلى غير ذلك مما لا يحصى.

المسألة التاسعة: المسؤولية والاستبداد.

قوله عليه السلام: (وَلَا تَقُولَنَّ إِنَّي مُؤَمَّرٌ آمُرُ فَأُطَاعُ فَإِنَّ ذَلِكَ إِدْغَالٌ فِي الْقَلْبِ وَمَنْهَكَةٌ لِلدِّينِ وَتَقَرُّبٌ مِنَ الْغِیَرِ)(3) .

يتحدث الامام عليه السلام في هذا المقطع من العهد حول موضوع الاستبداد بالمسؤولية، فينبغي لكل من يتصدى للمسؤولية ألا يقول أنا مؤمر ويجب أن

ص: 244


1- بحار الأنوار: العلامة المجلسي، ص274
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي، ج2، ص203، خطبة219
3- المصدر نفسه، ج3، ص85، رسالة53

أطاع، لكي لا يقع في مصائد الشيطان ولا يجعل حب الرئاسة يتملكه، لأن في حب الرئاسة سوف تتولد عنده حالة التجبر والتكبر والاستبداد والنرجسية فعندما يصاب المسؤول او الحاكم بهذه الأمراض الخلقية يعرض الحكومة للدخول بمطبات ومشاكل لا تحمد عقباها والتاريخ مليء بالعبر عندما يتحدث عن الحكم الاستبدادي والاثار المأساوية المترتبة عليه.

فالإمام عليه السلام يشدد على هذه الأمراض الخلقية التي قد يصاب به الحاكم، وقد تختلف هذه الأمراض من شخص إلى شخص آخر حسب موقع المسؤولية، ويقول عليه السلام لابد من وضع كوابح للسيطرة على النفس وهواها.

ويؤيد هذا المعنى قوله عليه السلام: بئس الاستعداد الاستبداد(1) .

ويقول عليه السلام في مورد الاستبداد والاثار المترتبة عليه: من استبد برأيه هلك(2) .

وعنه عليه السلام: من استبد برأيه زل(3) .

وقال عليه السلام: من استبد برأيه خفت وطأته على أعدائه(4) .

ويقول عليه السلام: خاطر من استبد برأيه(5) .

وعنه سلام الله عليه: الاستبداد برأيك يزلك، ويهورك إلى المهاوي(6) .

ص: 245


1- غرر الحكم: 3: 6: 256
2- المصدر نفسه: 5: 161
3- المصدر نفسه: 170
4- المصدر نفسه: 170
5- المصدر نفسه: 5: 460
6- المصدر نفسه: 390: 1

اذا يعدّ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام جميع هذه السمات سماتً خاطئة ولا يمكن ان تحقق النتيجة المطلوبة.

المسألة العاشرة: معالجة أمراض السلطة.

قوله عليه السلام: (وَإِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً

فَانْظُرْ إِلَی عِظَمِ مُلْكِ الله فَوْقَكَ وَقُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلىَ مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يُطَامِنُ إِلَيْكَ مِنْ طِمَاحِكَ وَيَكُفُّ عَنْكَ مِنْ غَرْبِكَ وَيَفِي ءُ إِلَيْكَ بِمَا عَزَبَ

عَنْكَ مِنْ عَقْلِك)(1) .

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع عن الأمراض التي تصيب السلطة والسلطان، ومن هذه الأمراض الأبهة، والعظمة، والكبرياء، والخيلاء والعجب.

الامام (عليه السلام) يقول إذا اصيب الوالي أو ظهرت هذه الأمراض في السلطة فلابد من معالجتها ووضع العلاج المناسب لها، ومن هذه العلاجات هو أن ينظر الوالي أو السلطان أو الحاكم إلى عظمة الله وقدرته فوقه، لأنه لا قيمة الملك الحاكم أمام ملك الله وقدرته وعظمة، فالنظر إلى هذه الامور يقلل ويهدئ من حالة الطغيان والتمرد التي يشعر بها الحاكم او المسؤول، ولا ريب أن آفة عقل الوالي التكبر الذي يحدث من سلطانه و ملکه، فلا بدله عند ما حدث له أبهة أن یکون ناظرا إلى عظم ملك الذي وسع كرسيه السماوات والأرض وقدرة القاهر على عباده الذي بيده ناصية كل شيء، وجبروت الذي بيده ملكوت كل شيء(2) .

ص: 246


1- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ج3، ص85، رسالة53
2- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ج3، ص85، رسالة53

فيحذر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كل من يتصدى لموقع المسؤولية، بأن يكون نبها فطنا أمام الأخطار والعوارض، كعوارض السلطة والتكبر وعوارض الوجاهات والمواقع والتدافع عليها، فيقول عليه السلام: (وإذا حدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة أو مخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك، ويفي إليك بما عزب عنك من عقلك. وإياك ومساماة الله في عظمته، والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار، ويهين كل محتال فخور(1) .

ومن عوارض السلطة الوصول إلى حالة الطغيان والتمرد والغدر والمكيدة ونقض العهود والمواثيق، واشاعة الظلم، واستعباد الناس، وشيوع ظاهرة النفاق، واستهداف المتدينين.

قال أمير المؤمنين عليه السّلام: لولا أن المكر والخديعة في النار لکنت أمكر الناس(2) .

قال أمير المؤمنين عليه السّلام ذات يوم وهو يخطب على المنبر بالكوفة: (يا أيها الناس لولا كراهية الغدر لکنت من أدهى الناس، ألا إن لكل غدرة فجرة ولكل فجرة كفرة ألا وإن الغدر والفجور والخيانة في النار).(3)

وعن عليّ عليه السّلام: من استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها(4) .

ص: 247


1- منهاج الصالحين: الشيخ وحيد الخراساني، ج1، ص273
2- الوافي: الفيض الكاشاني، ج: 5 ص923
3- المصدر نفسه، ج: 5 ص923
4- الوسائل باب: 21 من أبواب أحكام العشرة حديث: 2 و 4 و6 و 7

فيتحصل: فالحاكم إذا أراد النجاح فعليه أن يبدأ بنفسه، ويعرف قيمتها ومنزلتها وليس كحاكم أو سلطان.

والسبب في ذلك حتى يتمكن من السيطرة ويكون قويا أمام العوارض والامراض النفسية، فيتلاشى الهوى من نفسه ويمنح القوة للأخرين، فيحقق النجاح حينئذ في المنظومة القيادية، وخلاف ذلك لا يكون النجاح والتوفيق بل الفشل وانهيار المنظومة بجوانبها.

المسألة الحادية عشر: إنصاف الحاكم وظلمه.

قال الإمام علي عليه السلام: (أنْصِفِ الله وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ)(1)

يستعرض الإمام (عليه السلام) مسألة مهمة في عهده المالك الاشتر (رضوان الله عليه) تعد محورا أساسيا في مفهوم الحكم وهو الانصاف.

فالإنصاف: أن تعطي غيرك من الحق من نفسك مثل الذي تحب أن تأخذه منه لو كنت مكانه، ويكون ذلك بالأقوال والأفعال، في الرضا والغضب، مع من تحب ومع من تكره.... وهو لا يكون إلا بين اثنين، أو أمرين، أو أمر ذي طرفين. ولعل أروع تعبير ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (حب لأخيك ما تحب لنفسك وإذا احتجت فسله، وإن سألك فأعطه لا تمله خيرا ولا يمله لك، كن له ظهرا فإنه لك ظهر إذا غاب فاحفظه في غيبته وإذا شهد فزره وأجله وأكرمه فإنه منك وأنت منه فإن كان عليك عاتبا فلا تفارقه حتى تسأل سميحته وإن أصابه خير فاحمد الله، وإن ابتلى فاعضده وإن تمحل فأعنه)(2) .

ص: 248


1- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ج3، ص86، رسالة53
2- النظام السياسي في الإسلام: الشيخ باقر شريف القرشي، ص229

أقسام الانصاف:

أولاً: انصاف الله سبحانه وتعالى: لأنه الخالق المنعم على العباد بيده كل شيء، ويتحقق انصافه بتأدية حقوقه، ومن هذه الحقوق حق العبودية له سبحانه وتعالى (وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالأِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ)(1) وشكره على نعمه التي لا تحصى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا((2) ، ومن حقوقه الصبر على بلائه (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجَوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين)(3) .

ثانياً: انصاف الناس: يعني أداء حقوق الآخرين كاملة غير منقوصة مع رعاية المساواة.

وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول مَنْ: تَحَلّى بِالإنْصافِ. بَلَغَ: مَراتِبَ الإشْرافِ(4) .

قال عليه السلام: الإنصاف: عنوان النبل؛ الإنصاف: شيمة الأشراف؛ الإنصاف: أفضل الفضائل؛ الإنصاف: أفضل الشيم(5) .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ألا إنه: من ينصف الناس من نفسه، لم يزده الله إلا عزا(6) .

ص: 249


1- الذاریات: 51
2- النحل: 18
3- البقرة: 155
4- غرر الحكم ص394 ح 9111
5- المصدر نفسه394 ف4 ح9093- 9124
6- الكافي: ج4 ، ح5. ص146 ح12، 13

وقال الإمام الصادق عليه السلام: من يضمن لي: أربعة، بأربعة أبيات في الجنة: أنفق: ولا تخف فقرا. وأفش: السلام في العالم. واترك: المراء وإن کنت محقا. وأنصف: الناس، من نفسك(1) .

قال الإمام الصادق عليه السلام: من أنصف: الناس من نفسه. رضي به: حکما لغيره(2) .

وقال علي (عليه السلام): الإنصاف: من النفس، کالعدل في الإمرة(3) .

وفي أمالي الطوسي عن الصادق- عليه السلام- قال: (من اراد ان يسكنه الله جنته فليحسن خلقه ولیعط النصفة من نفسه وليرحم اليتيم وليعن الضعيف وليتواضع لله الذي خلقه)(4) .

ويعدّ الانصاف من الامور التي توفر للإنسان السعادة والاطمئنان.

قال الإمام الحسين عله السلام: أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظکم بما يحقّ لكم عليّ، وحتى أعذر إليكم، فإن أعطيتموني النصف کنتم بذلك سعداء وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فأجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمرکم علیکم غُمّة ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون، إنّ ولیّي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولّى الصالحين.

ص: 250


1- ج2 ص144 ح1، ح3
2- ح4، ح5. ص146 ح12، 13
3- غرر الحكم: 230: 1
4- الامالي: للطوسي

ومن أحلى الكلام في الإنصاف، قول أمير المؤمنين عليه السلام:

إن كنت تطلب رتبة الأشراف *** فعلیك بالإحسان والإنصاف

وإذا اعتدى أحد عليك فخّلِهِ *** والدهر فهو له مکاف كاف

المسألة الثانية عشر: ظلم العباد وحلول العقوبة الالهية.

قوله عليه السلام: (وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ الله كَانَ الله خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ وَمَنْ خَاصَمَهُ الله أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ للهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَو یَتُوبَ،... وَلَيسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيِر نِعْمَةِ الله وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ فَإِنَّ الله سَمِیعٌ دَعْوَةَ المُضْطَهَدِينَ وَهُوَ لِلظَّالِمينَ بِالْمِرْصَادِ)(1).

يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد إلى طبيعة ظلم الناس من قبل الحاكم أو المسؤول، فيوصي الإمام (عليه السلام) مالکا بأنصاف الناس وعدم ممارسة حالة التسلط وظلم الناس.

ويتحدث الإمام (عليه السلام) في الفقرة الأولى من هذا المقطع عن أن الله سبحانه وتعالى لا يترك المظلوم حتى يأخذ بحقه.

ويشير في الفقرة الثانية إن الله تعالى هو الذي يتولى أمر الظالم قبل المظلوم، ويدحض الله حجة الظالم وإبطالها وإظهار زيفها.

ومن اقبح الرذائل والأزمنة ان يكون الإنسان في موقع الظلم لعباد الله وخصمه الله سبحانه وتعالى، لأن أشد الخصومات الخصومة مع الله تبارك وتعالى، لأنه عالم بكل شيء وحسابه عسير وعذابه أليم.

ص: 251


1- نهج البلاغة خطب الإمام علي ج 2 ص 73 خطبة 27؛ ديوان الإمام علي مصطفي زماني

والعجب أن الإمام (عليه السلام) يصف من يظلم عباد الله بأنه (وكان الله حربا) أي أن الظالم ليس في حال خوض الحرب ضد الله، بل هو نفسه عبارة عن حرب ضد الله وهذا التعبير يتضمن المعنى نفسه، کالو قلنا في بيان التوضيح (زید عادل) وأخرى تقول (زید عدل) رغم انها تتضمن مفهوم العبارة (زید عادل) إلا أنها تفيد أمرا آخر وهو شدة ثبوت العدالة لزيد، واتصافه بأنه كتلة من العدل من دون مخالفة العبارات الأخرى، فالظالم هنا هو كتلة من الحرب تتجسد فيه حرب الله(1).

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوما فقدر أن ينصره فلم ينصره(2).

وعن سهل بن حنیف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال من أُذِلَّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو يقدر على أن ينصره أذله الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة(3).

ويروي العلامة المجلسي: إن أمير المؤمنين عليه السلام صعد المبنر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أن الذنوب ثلاثة ثم أمسك فقال له حبة العرني يا أمير المؤمنين فسرهالي فقال ما ذكرتها إلا وانا أريد أن أفسرها ولكنه عرض لي بهر حال بيني وبين الكلام، نعم الذنوب ثلاثة فذنب مغفور وذنب غير مغفور وذنب نرجو لصاحبه و نخاف عليه، قيل يا أمير المؤمنين فبيّنها لنا، قال نعم،

ص: 252


1- الدولة الاسلامية شرح لعهد الامام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي: محمد فاضل النكراني: ص 83
2- میزان الحکمة: محمد الريشهري الجزء: 2 ص 1774؛ وينظر: کنز العمال: 7641
3- مجمع الزوائد: الهيثمي الجزء: 7 ص 267

أما الذنب المغفور فعبد عاقبه الله تعالى على ذنبه في الدنيا فالله احكم وأكرم ان يعاقب عبده مرتين، وأما الذنب الذي لا يغفر فظلم العباد بعضهم لبعض أن الله تعالى وتبارك إذا برز لخلقه أقسم قسما على نفسه فقال وعزتي وجلالي لا يجوز لي ظلم ظالم ولو كف بكف ولو مسحة بكف و نطحة الشاة القرناء إلى الشاة الجماء فيقتص الله للعباد بعضهم من بعض حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة ثم يبعثهم الله إلى الحساب واما الذنب الثالث فذنب ستره الله على عبده ورزقه التوبة فأصبح خاشعا من ذنبه راجيا لربه فنحن له کاهو لنفسه نرجوله الرحمة ونخاف عليه العقاب(1).

فحينما يستذكر الإمام أمير المؤمنين هذه الأقسام من الذنوب تحصل عنده حاله من الخوف الشديد من الله تبارك وتعالى. من أن لا يغفر له الله تعالى ذنبه، وهذا هو منهج أهل البيت عليهم السلام في تربية الأمة وكيف يكون الحاكم فيها. فيجب على الحكومة الإسلامية والحاكم الإسلامي أن يتأسوا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في النزاهة والأمانة أيام إدارة الحكم(2).

لذا نجد التشدد الكبير والتحذير من قبل الباري عز وجل من ممارسة الظلم من قبل الحاكم أو المسؤول، يقول علي (عليه السلام):

ظالم الناس يوم القيامة منكوب بظلمه معذب محروب، ظلم اليتامى والأيامی ينزل النقم ويسلب النعم(3).

ص: 253


1- بحار الأنوار، ج 3، ص 100
2- فقه العولمة، السيد محمد الحسيني الشيرازي، ص 200
3- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي، ص 324

ظالم الناس يأتي يوم القيامة منكوس الرأس ومفتضحا بين الاشهاد کما في تعبير الروايات الشريفة.

لذا يحذر الإمام (عليه السلام) من الظلم الذي يعجل العقوبة لصاحبه، جاء في الرواية سئل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): أي ذنب أعجل عقوبة لصاحبه؟ فقال (من ظلم من لا ناصر له إلا الله وجاور النعمة بالتقصير واستطال بالبغي على الفقير)(1).

يتحدث الإمام (عليه السلام) من خلال الرواية عن ثلاثة أقسام من الذنوب:

القسم الأول: من الذنوب ظلم من لا ناصر له إلا الله، ويتحقق هذا النوع من الظلم في أكل أموال اليتامى والتعدي عليهم.

القسم الثاني: مجازاة النعم الإلهية بالتقصير ومن النعم الالهية أن يمن الله على الإنسان بخدمة الناس من خلال الموقع الرئاسي والمنصب الحكومي، ولكن لا يستفيد من هذه النعمة بل يحولها إلى نقمة من خلال ظلم الناس والتعدي عليهم وسلب حرياتهم وحقوقهم.

القسم الثالث: الاستطالة على الفقراء وغصب حقوقهم والبغي عليهم.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): يوم العدل على الظالم أشد من يوم الجور على المظلوم(2).

ثم يسترجع الامام (عليه السلام) ويقول ان للظالم توبة اذا رجع وعاد إلى رشده.

ص: 254


1- الاختصاص: الشيخ المفيد، ص 234
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي ( عليه السلام)، ج 4، ص 80

کما بیّنه (عليه السلام) بقوله: كان لله حربا حتى ينزع ويتوب(1). ومن كلام اله (عليه السلام) يبين فيه الظلم: يقول ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، و ظلم لايترك، وظلم مغفور لا يطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر، فالشرك بالله تعالى، قال الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) وأما الظلم الذي يغفر، فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات، وأما الظلم الذي لا يترك، فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص هناك شديد، ليس هو جراحا بالمدى ولا ضربا بالسياط، ولكنه ما يستصغر ذلك معه(2).

فيتحصل: إن ظلم الحاكم هو في حد ذاته حرب مع الله سبحانه وتعالى، كما و اشار الله سبحانه وتعالى في الفقرة (كَانَ لِلهِ حَرْباً) ولم يقل الإمام (عليه السلام) ان المسؤول او الحاكم هو محارب بل استعمل المصدر فقال حربا لشدة تأكيده بالتنكيل، فالحاكم الظالم ليس محاربا لله فقط، بل هو حرب و مسيئ للعباد من خلال استغلال موقعه الحكومي.

المسألة الثالثة عشر: غض النظر والتغافل.

(وَتَغَابَ عَنْ کُلِّ مَا لَا يَضِحُ لَكَ وَلَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ)(3).

يتحدث الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف عن سمتين لابد من توافرهما في الحاكم وكل من يتصدى إلى المسؤولية.

ص: 255


1- نهج البلاغة: خطب الامام علي (عليه السلام) ج 3 ص 95
2- مستدرك الوسائل: میرزا حسين النوري الطبرسي الجزء: 12 ص 104
3- نهج البلاغة خطب الإمام علي ج 3 ص 87 رسالة 53

السمة الأولى: غض النظر والتغافل عن الصغائر والتفاصيل الجزئية، يجب على الحاكم أن يتحلى بسعة الصدر والتعامل بعقلانية ويكون ذا أفق واسع ينظر للأمور بعين ثاقبة وتجنب القيل والقال وعدم الوقوف عندها (وَتَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَضِحُ لَكَ)، التغافل عن الأمور التي لا تظهر فيها اساءة إلى القانون والناس، کالأمور الجزئية والقضايا الهامشية فتترك المحاسبة عليها.

السمة الثانية: التصديق بالنامين والوشاة يؤدي إلى انهيار المنظومة القيادية (وَلَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ) ثم يعلل الإمام (عليه السلام) عدم تصديق هؤلاء بقوله (فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وَإِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ)، إن النامين والوشاة من طبيعتهم الغش وإظهار للحاكم بمظهر الحرص والنصح، فالإمام عليه السلام يوصي مالکا بعدم ترتب الأثر على اقوال هؤلاء، فعلى الحاكم أن يستحضر الاهداف الكبرى ويغض الطرف عن الجزئيات والصغائر.

يقول (عليه السلام): إن لله عبادا عاملوه بخالص من سره، فشكر لهم بخالص من شكره، فأولئك تمر صحفهم يوم القيامة فرغا، فإذا وقفوا بين يديه ملاها لهم من سر ما أسروا إليه. وقال عليه السلام: ذللوا أخلاقكم بالمحاسن، وقودوها إلى المكارم، وعودوا أنفسكم الحلم واصبروا على الايثار على أنفسكم فيما تجمدون عنه ولا تداقوا الناس وزنا بوزن. وعظموا أقدارکم بالتغافل عن الدني من الأمور. وأمسكوا رمق الضعيف بجاهكم وبالمعونة له إن عجزتم عا رجاه عندكم. ولا تكونوا باحثين عياغاب عنكم فيكثر غائبکم. وتحفظوا من الكذب، فإنه من أدنى الأخلاق قدرا وهو نوع عن الفحش وضرب من الدناءة. وتكرموا بالتعامي عن الاستقصاء - وروي بالتعامس من الاستقصاء(1).

ص: 256


1- تحف العقول عن آل الرسول (ص): ابن شعبة الحراني ص 224

وعنه (عليه السلام): نصف العاقل احتمال ونصفه تغافل(1): العاقل لا يكون عاقلا إلا بأمرين التحمل وسعة الصدر وغض الطرف عن الجزئيات.

وقال (عليه السلام): لا حلم كالتغافل. لا عقل كالتجاهل(2).

وقال أيضا (عليه السلام): من لم يتغافل ولا يغض عن كثير من الأمور تنغصت عيشته(3).

فيتحصل: إذا: إن التغافل وغض النظر عن الجزئيات والصغائر يؤدي إلى التكامل والاستقامة في السلوك القيادي، ودليل القوة في المنظومة القيادية، مما يؤدي إلى تشخيص الأهداف وفق المسارات الصحيحة.

المسألة الرابعة عشر: الاستعانة بأصحاب التجربة والخبرة.

قوله عليه السلام: (إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِیراً وَمَنْ شَرِکَهُمْ فِي الْآثَامِ فَلَا يَكُونَنَّ لَكَ بِطَانَةً فَأِنَّهُمْ أَعْوَانُ الْأَثَمَةِ وَإِخْوَانُ الظَّلَمَةِ وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَنَفَاذِهِمْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَأَوْزَارِهِمْ وَآثَامِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَلَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ أُولَئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَئُونَةً وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً وَأَقَلُّ لِغَیْرِكَ إِلْفاً فَاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلَواتِكَ وَحَفَلَاتِكَ)(4).

ص: 257


1- عيون الحكم والمواعظ: 94
2- غرر الحكم: 6: 356
3- غرر الحكم: 4663، 9149، 789
4- نهج البلاغة خطب الإمام علي ج 3 ص 87

يتحدث الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد حول الوزراء السات والخصال التي لابد من توافرها فيهم.

الوزراء: هم أرفع الأفراد الذين يضطلعون بمسؤولية برمجة مشاريع الحكومة، وهم الذين يمكنهم قيادة المسيرة نحو الصلاح والفلاح أو جرها إلى الفساد والانحراف(1).

والوزير هو المساعد الذي يكون ضمن تشكيلة وهيكلية فريق العمل والحكومة الذي يختاره الحاكم لإدارة البلاد، ويؤكد الإمام (عليه السلام) على ذلك بأن يكون الوزير متوافرة فيه الخصال المطلوبة.

ويحذر الإمام (عليه السلام) من اختيار الوزراء الذين كانوا وزراء في مناصب حكومات جائرة وفاسدة، لماذا يحذر الإمام (عليه السلام) من دخول هؤلاء الوزراء في الحكومات العادلة؟ لأن مثل هؤلاء الأفراد قد تأقلموا على الثقافة الفاسدة السائدة في ذلك النظام، فهم لا يتورعون عن الظلم(2)

فهؤلاء ممن اشترك مع الحكام الظلمة السابقين في الآثام، ومن دیدن هؤلاء أنهم لا يقربون أحداً اإلا ولطخوه بسوء أفعالهم وسمعتهم، فالإمام (عليه السلام) يحذر مالك الاشتر (رضوان الله عليه) من اقتراب وزراء مثل هؤلاء إلى الحكومة، لأنهم يكونون سببا لظلم الناس والاستحواذ على حقوقهم، ثم يوصي مالكا بعدم تفرق الناس بينه وبين من كان مع الظلمة، يقول له ليس من الضرورة أن تكون انت بالناس معهم بل اشرك من كان معك في الحكومة أن يكون قريباً من هؤلاء.

ص: 258


1- الدولة الاسلامية شرح لعهد الامام علي إلى مالك الأشتر النخعي: محمد الفاضل اللنكراني: ص 100
2- المصدر نفسه، ص 100

ثم أن الإمام (عليه السلام) يفتح لمالك نافذة فيما لو كان في الحكومة السابقة من اصحاب الخبرة والتجربة سابقا ويمكن الاستفادة منه لاحقا ماذا يكون الأمر؟ يقول (عليه السلام): (وَأَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ) فاذا اضطررت استفد ممن لم تلطخ يده بدماء الابرياء، يكون لك عونا وسندا في ادارة البلاد.

الإمام (عليه السلام) يتحدث قبل الف واربعمائة سنة وهذه الحقائق تتجدد في كل زمان ومكان، لأن الإمام (عليه السلام) وضع دستورا عالميا لكل زمان ومكان.

فيشير الإمام (عليه السلام) ایضا في هذا المقطع إلى بيان كيفية اختيار الوزراء في الحكومة من خلال عنصرين أساسيين، ويعد هذان العنصران دستورا اساسيا في اختيار الكابينة الوزارية ونجاح الحكم في البلاد وهما:

الأول النظر إلى الماضي السياسي النظيف للمسؤول أو الوزير الذي يتم اختياره ليكون أحد افراد فريق العمل الحكومي، ويتجلى هذا العنصر من خلال قول الامام (عليه السلام): (مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ) يؤكد الامام على التاريخ السياسي النظيف الذي لابد ان يحمله ممن يتصدى للحكم وإدارة البلاد، ورفع اليدعمن لم يحملوا هذا التاريخ بل كانوا عونا للظلمة في ظلمهم، لأن الذي يضع يده بيد الظالم ويسير معه يترتب عليه أثر وضعي لابد من معالجته.

إذا من خلال هذه النقطة يتفرع السؤال الآتي؟ هل یکون الدخول في ولاية الحاكم الجائر جائزا شرعا أولا؟ فاذا كان جائزا فيا هو مقدار مساحة مشروعية الدخول؟ قبل الاجابة عن هذا التساؤل لابد من ايجاد تعريفٍ للولاية وأقسامها:

ص: 259

الولاية: في اللغة بالفتح والنصب النصرة والغلبة، ومنه قوله تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ»(1). والولاية: إمّا مشترك معنوي، وإمّا مشترك لفظي، بالدرجة الأُولى أن تكون الولاية مشتركاً معنوياً، فمعنى الولاية إذا قيل: فلان وليّ فلان، أي فلان هو القائم بأمر فلان، فلان ولي هذه الصغيرة، أي القائم بشؤون هذه الصغيرة، فلان وليّ الأمر أي القائم بشؤون هذا الأمر، ولذا يقال للسّلطان: ولي. هذا المعنى هو واقع معنى الولاية. ونجد هذا المعنى في جميع موارد استعمال لفظ الولاية ومشتقّاته، مثلاً: الصديق وليّ، الجار وليّ، الحليف وليّ، الأب وليّ، الله وليّ، ورسوله وليّ، وهكذا في الموارد الأُخرى من الأولياء والولاية أيضاً السلطة التي يمتلكها الإنسان على الشيء، ومنه قيل لكل من السلطان والقاضي ولي، لأنه يملك الحكم على الناس، يقال وليَ الشيءَ ولي على الشيءِ ولاية بفتح الواو وكسرها، إذا ملك أمره وقام عليه... فإنّ المعنى الذي ذكرناه موجود في جميع الموارد، وهو القيام بالأمر(2).

الولاية في اصطلاح الفقهاء، هي: (سلطة شرعية يسوغ لصاحبها التصرف بمحل الولاية تصرفا نافذا غير موقوف على إجازة أحد).

وهي قسان: قاصرة ومتعدية، فالقاصرة هي سلطة الإنسان على إنفاذ أقواله وتصرفاته، والمتعدية هي سلطته على إنفاذ تصرفات غيره، وكل من هذين القسمين ينقسم إلى قسمين، ولاية على النفس، وولاية على المال(3).

ص: 260


1- البقرة: 257
2- ينظر: الصحاح 6 / 2030.، لسان العرب 15 / 406، تاج العروس 10 / 399، في مادة (ولي)، المغرب في ترتيب المعرب: أبو الفتح المطرز ج 5 ص 395
3- المكاسب المحرمة، ج 2، ص 159

ثم هناك نصوص صريحة في أنه يجوز الدخول في ولاية الجائر إذا كان سيقوم بمصالح العباد، فقد روى علي بن يقطين قال: قال لي أبو الحسن موسی بن جعفر (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه(1).

اذا من خلال هذا الكلام الذي استعرضناه في السمة الأولى من السمات التي لابد من توافرها في الوزراء يتحصل مايلي:

أولاً: يتضح من كلام الإمام (عليه السلام) أنه لا مانع من الاستفادة من اصحاب الخبرة والتجربة ممن كانوا تحت ولاية الحاكم الظلم، ممن لم يعينوا الظالم على ظلمه، ولم يسيروا بسيرته ويسلكوا سلوکه.

السمة الثانية: أن الوزراء الذين كانوا في الحكومات السابقة التي تحمل سمعة سيئة منهم من يعمل بسرية من اجل انقاذ حقوق الناس والانتصار لهم وهذا ما ذكرناه في حديثنا حول الدخول في ولاية الحاكم الظالم أو الجائر، والقسم الآخر وضع يده بيد الحاكم واخذ ينتصر للحاكم على ظلم الناس وسلب حقوقهم.

النظر إلى الجانب الأخلاقي النظيف: يتحدث الإمام (عليه السلام) في جزء آخر من المقطع إلى الجانب الاخلاقي الذي يحمله الوزير او المسؤول الذي يتصدى إلى المسؤولية : يقول (عليه السلام): (وَلَا آثِمًا عَلَى إِثْمِهِ) اشارة إلى الأشخاص الذين لم يرتكبوا المعاصي ولا يعينوا أحدا عليها.

فالإمام (عليه السلام) يوصي عامله (رضوان الله عليه) بطرد عناصر النظام السابق، ثم يرشده إلى العناصر الكفوءة الثورية المجربة لسد الفراغ، خشية أن

ص: 261


1- وسائل الشيعة ب 46 من أبواب ما يكتسب به، ح 1

تؤدي تلك التصفية إلى قلة الكادر المجرب والمتخصص، ثم يطرد عنه بعض الأفكار الخيالية التي تجعله يعيش هاجس القلق من تلك التصفية، فما إن تطرد تلك العناصر الفاسدة حتى تستبدل بكل سهولة بالعناصر الثورية الصالحة(1).

اذا لابد للحاكم من اعتاد العناصر النزيهة والكفوءة كل حسب موقعه بالسلطة، ثم يبين الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الخصال الايجابية التي يتمتع بها هؤلاء الوزراء الجدد، ويذكر (عليه السلام) أربعاً من الخصال الايجابية:

أولاً: أنهم أخف مؤونة: (أُولَئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَئُونَةً) أن هؤلاء الأفراد لا يثقلون كاهل الوالي في النفقات، ليس لديهم توقعات و امتیازات كثيرة وعيونهم مفتحة على الخدمة والعمل، وهم کا وصفهم رسول الله (صلى الله عليه واله) بقوله: «لا يكمل المؤمن إيمانه حتي يحتوي على مئة وثلاث خصال: فعل، وعمل، ونية، وباطن، وظاهر. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): یا رسول الله صلى الله عليه وآله): ما المائة وثلاث خصال؟ فقال: ياعلي من صفات المؤمن (.... قليل المؤونة، كثير المعونة،......)(2)، لا تكون توقعاته كثيرة، ويساعد الناس كثيرا، يعبرون عنهم بأصحاب الخدمة،

ثانياً: وَأَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً: إن هؤلاء احسن معونة لك في أسهاماتهم في تحمل المسؤولية، ومساعدوك في العمل حيث لا يتوانون يصلون الليل بالنهار مخلصون في سبيل ما يقدمونه من خدمة للناس وللبلاد، فهم اصحاب قضية ومشروع، فعندما يأتي بهم الوالي في إدارة البلاد سوف يسير عمله بصورة صحيحة.

ص: 262


1- الدولة الاسلامية شرح لعهد الامام علي (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي: محمد الفاضل اللنكراني: ص 101
2- منهاج الصالحين: الشيخ وحيد الخراساني الجزء 1: ص 525؛ مستدرك الوسائل، میرزا حسین النوري للطبرسی، ج 11، ص 180

ثالثاً: وَأَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً: ثم يصفهم الإمام (عليه السلام) بوصف ثالث وهو (حسن الولاء) أي يكون حبهم للوالي أكثر من غيره، لأنهم يتفقون معه في الفكر والدوافع والنيات مما يتسبب في فوران محبتهم وشدة تعاطفهم مع الوالي(1).

وكم نحن بأمس الحاجة اليوم إلى مثل هؤلاء الأشخاص الذين تحترق قلوبهم دما على حب الوطن والولاء له، لكي يدفع الله عنا ألوان البلاء.

رابعاً: وَأَقَلُّ لِغَیْرِكَ إِلْفاً: يتحدث الإمام (عليه السلام) في الوصف الرابع عن الوزراء السابقين الذين تكون لهم رابطة مع اعوان الظلمة الماضين، هؤلاء ينتمون إلى شبكة ومنظومة وروابط علاقات اجتماعية يشكلون من خلالها خطرا على الدولة والنظام الجديد.

ومن الجلي أن أنصار الظلمة السابقين ليسوا فقط غير صالحين معهم، بل با أن الناس يعرفون سوابقهم السيئة مما يؤدي إلى ضعف اعتمادهم على الوالي وعدم التعاون معه بشكل جيد.

وجاء في الخبر المرفوع: « ينادي يوم القيامة: أين من بري لهم - أي الظالمين قلما». أتی الولید بن عبد الملك برجل من الخوارج فقال له ما تقول في الحجاج قال: وما عسيت أن أقول فيه! هل هو إلا خطيئة من خطاياك، وشرر من نارك؟ فلعنك الله ولعن الحجاج معك! وأقبل يشتمها، فالتفت الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فقال: ما تقول في هذا؟ قال: ما أقول فيه! هذا رجل يشتمكم، فإما أن تشتموه کما شتمكم، وإما أن تعفوا عنه. فغضب الوليد وقال لعمر: ما أظنك إلا خارجيا! فقال عمر: وما أظنك إلا مجنونا، وقام فخرج مغضبا، ولحقه خالد ابن الريان صاحب شرطة الوليد، فقال له ما دعاك إلى ما كلمت به أمير المؤمنين!

ص: 263


1- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: ناصر مکارم الشيرازي: ج 10 ص 341

لقد ضربت بيدي إلى قائم سيفي أنتظر متى يأمرني بضرب عنقك، قال أو كنت فاعلا لو أمرك قال نعم فلا استخلف عمر جاء خالد بن الريان فوقف على رأسه متقلدا سيفه، فنظر إليه وقال: يا خالد، ضع سيفك فإنك مطیعنا في كل أمر نأمرك به - وكان بين يديه كاتب للوليد، فقال له: ضع أنت قلمك، فإنك كنت تضر به وتنفع اللهم إني قد وضعتها فلا ترفعها، قال: فوالله ما زالا وضيعين مهينين حتی ماتا(1).

ثم إن الإمام (عليه السلام) يوصي الوالي الجديد أن يختار هؤلاء الخاصة خلواته: أي اوقات المشورة خلف الأبواب المغلقة وخاصة حفلاته: تعني اوقات حضوره بين الناس، فتعرفهم الناس بأن هؤلاء اصحاب سيرة حسنة وتاريخ جهادي و سياسي كبير فيحمدون الله على ما هم عليه من واقع يعيشون فيه، واذا انظروا إلى غيرهم تعتريهم حالة التعجب في كل خبر يتلقونه.

المسألة الخامسة عشر: معيار نجاح الولاة.

قوله عليه السلام (ثُمَّ لْیَکُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَك أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ وَأَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيمَا یَکُونُ مِنْكَ مِمَّا کَرِهَ الله لِأَوْلِيَائِهِ وَاقِعاً ذَلِكَ مِنْ هَوَاكَ حَيْثُ وَقَعَ)(2).

يذكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع خصوصيتين أساسيتين يجب توافرهما في الوزراء ممن يتم انتخابهم في إدارة الدولة واشراكهم في فريق العمل الحكومي، وهما:

ص: 264


1- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد ج 17 ص 43
2- نهج البلاغة خطب الإمام علي ج 3 ص 88

أولاً: النصيحة: يوصي الإمام (عليه السلام) الحاكم والمسؤول أن يكون أقرب الناس اليه هو الأكثر نصحا، وهذا الأمر يتضح من خلال قوله (عليه السلام): (ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ).

النصيحة: وهي المشورة بما فيه الحظ والصلاح ونصح الشيء مثل نصع: إذا خلص، ومنه سميت النصيحة، ويقولون أيضا نصحت الثوب أنصحه نصحا إذا خطته. والناصح: الخياط. والنصاح: الخيط. ويقال نصحت الإبل نصوحا: إذا رویت، وانصحتها أنا إنصاحا. والنصاحات: الجلود، واحدها نصاح(1).

حق المؤمن على المؤمن، أن يمحضه النصيحة في المشهد والمغيب كنصيحته لنفسه(2).

عن أبي جعفر عليه السلام قال: (يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة)(3).

والنصيحة الصحيحة يكون فيها ازعاج للطرف المقابل، فمن الصعب جدا أن يقف الشخص بوجه الحاكم وينصحه ويتقبل النصح من دون انزعاج وترتيب الاثار على ذلك فعلى الحاكم او المسؤول أن يقرب من هو أكثر الناس صراحة وصدقا معه في قول الحقيقة وبيان أخطائه لأن نجاح المنظومة القيادية لا يكون إلا من خلال الانسجام والصراحة وقول الحق.

ثانياً: عدم الإعانة على الاثم: يوصي الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الحاكم أو الوالي، أن يقرب الناس او الأشخاص الذين يكونون أقل اعانة له على الاثم يقول (عليه السلام) منبها الوالي من ارتكاب الاخطاء وعدم قبول النصائح من المقربين والاصابة بالنرجسية وعلو حالة الكبرياء في الذات.

ص: 265


1- رسائل الشريف المرتضی، ج 4، ص 78
2- فقه الرضا: علي ابن بابويه القمي، ص 369
3- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (الأول)، ج 9 ص 408

يقول (عليه السلام): لو سلكت طريقا غير صحيح، أو ارتكبت خطأ فإن هؤلاء لا يعينوك على ذلك، أي انهم يملكون آراء وتفكيراً يختلف تماما مع آراء وافكار الحاكم، فعلى المسؤول أن لا يقدم على الأعمال الخاطئة واتخاذ القرارات الغير مؤثرة، فإنها تؤثر في سير وأهداف المنظومة القيادية، فعليه معالجة الأخطاء ووضع الكوابح التي توقف الإنسان عن الاندفاع نحو الأخطاء والاصابة بهذه الأمراض.

اذا: توجد هناك خصوصيتان أساسيتان يجب ملاحظتها في الوزراء الذين يتصدون لإدارة البلاد وهما الصراحة، وعدم التاشي مع المواقف الخاطئة.

ومن النصوص ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): إنا يحبك من لا يتملقك ويثني عليك من لا يسمعك من مدحك بما لا يليق فحقيق أن يذمك بما ليس فيك، أبق لرضاك من غضبك، لا يرضى عنك الحسود حتى تموت إذا قدمت الرحمة شبهت بالقرابة، لا تسرع إلى أرفع موضع في المجلس فالموضع الذي ترفع إليه خير من الموضع الذي تحط عنه(1).

وعنه (عليه السلام): ليس الملق من خُلق الأنبياء(2).

وقال (عليه السلام): ليس من أخلاق المؤمن الملق ولا الحسد إلاّ في طلب العلم(3).

فعلى الحاكم أن يحذر من المتملقين، لأن التملق ليس دليل المحبة بل هو الانتهازية والتقرب من السلطان بأي طريقة ووجه کان.

فلذا ينبغي على الوالي أن يقرب من هو صادق في نواياه فيكون صديقا حقيقيا له.

ص: 266


1- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي ص 177
2- غرر الحكم: ح 2696
3- بحار الأنوار: ج 75 ص 44 ح 44

ومن كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) يصف فيه العدو الغادر يقول: إنما سمي العدو عدوا لأنه يعدو عليك، فمن داهنك في معايبك فهو العدو العادي عليك(1).

المسألة السادسة عشر: صفات المقربين من الحاكم.

قوله عليه السلام (وَالْصَقْ بِأَهْلِ الْوَرَعِ وَالصِّدْقِ ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا يُطْرُوكَ وَلَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَتُدْنِي مِنَ الْعِزَّۃِ)(2)

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف، في مقام الوصية للوالي أو الحاكم والمسؤول عند اختيار من يجعل نفسه لصيقا بهم، من أفراد حاشيته وأصدقائه وأقاربه، أن تتوافر بهم صفتان أساسيتان هما الورع والصدق.

أولاً: الورع.

هو العفّة وحسن السيرة، وهو مرتبة وراء العدالة تبعث على ترك المكروهات والتجنّب عن الشبهات والرخص، ويؤيّد اعتبارها في المراتب أنّ العدالة المعتبرة في الإمام تقبل الشدّة والضعف، فكما يقدّم الأكثر فقها والأكثر قرآناً وغيرهما، فكذا الأشدّ عدالةً، وحيث كانت العدالة معتبرةً في جميع المراتب کانت زيادتها مرجّحةً في الجميع. ولأنّ الإمامة سفارة بين الله تعالى و بين الخلق، فأولاهم بها أكرمهم على الله، وكلَّما كان الورع أتمّ کان تحقّق العدالة أشدّ.(3)

ص: 267


1- عيون الحكم والمواعظ: 177
2- نهج البلاغة خطب الإمام علي ج 3 ص 85
3- روض الجنان في شرح ارشاد الأذهان، الشهيد الثاني ت: 965 ه تحقيق: مركز الأبحاث والدراسات الاسلامية، ط 1، 1922 ه، ج 2،: الناشر: بوستان کتاب قم

ومنه قوله تعالى واصفا عباده: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا»(1).

هذه الآيات تشير إلى الورع وتهذيب النفس والخصال الحميدة التي يمتلكها الإنسان الورع التي ذكرتها الآيات المباركة من سورة الفرقان.

ومنه قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (أصل الورع تجنب الشهوات)(2). وعنه (عليه السلام) أيضاً: أصل الورع تجنب الآثام والتنزه عن الحرام(3).

ويقول (عليه السلام): (إنما الورع التطهير عن المعاصي)(4).

وقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من لم يكن له ورع يرده عن معصية الله تعالى إذا خلا بهالم يعبأ الله بسائر عمله، فذلك مخافة الله في السر والعلانية(5). ثم يعد الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) الورع صيانة الإنسان من الرذائل والتحلي بالفضائل.

ص: 268


1- الفرقان: الآيات 63 - 67
2- عيون الحكم والمواعظ: علي بن محمد الليثي الواسطي . تحقيق: الشيخ حسين الحسيني البيرجندي، ط 1، مطبعة دار الحديث
3- عيون الحكم والمواعظ: علي الواسطي، ص 131
4- عيون الحكم والمواعظ: 178
5- میزان الحکمة: محمد الريشهري، ج: 4 ص 3510

يقول (عليه السلام): (عليك بالورع فإنه خير صيانة.(1) عليك بالورع فإنه عون الدين وشيمة المخلصين)(2).

إذن يتضح مما استعرضناه إن أهم السمات والصفات التي يجب أن يتصف بها من يحيط بالحاكم والمسؤول هو الورع عن محارم الله سبحانه وتعالى.

ثانياً: الصدق.

الصفة الثانية التي يجب أن تتوافر في المقربين وحاشية الحاكم هو الصدق.

والصدق لغة: ضد الكذب، صدق يصدق صدقا وتصداقا، وصدقة: قبل قوله، وصدقه الحديث: أنبأه بالصدق، ويقال: صدقت القوم. أي قلت لهم صدقا وتصادقا في الحديث وفي المودة(3).

ومعنى الصدق اصطلاحا: (هو الخبر عن الشيء على ما هو به، وهو نقيض الكذب)(4).

وقال الراغب الأصفهاني: (الصدق مطابقة القول الضمير والمخبَر عنه معًا، ومتی انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقًا تامًّا)(5).

ص: 269


1- غرر الحكم: 4 290
2- غرر الحكم: 4: 410
3- لسان العرب: لابن منظور: ج 10 ص 193 وينظر مختار الصحاح، للرازي، ص 174
4- الواضح في أصول الفقه: أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري، (المتوفي: 513 ه: ج 1 ص 129 مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، 1920 ه - 1999 م
5- مفردات الفاظ القرآن: الراغب الأصفهاني: ص 270

ووردت آيات كثيرة تبين وتشير إلى الصدق منها:

قوله تعالى «وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ»(1).

قوله تعالى «وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»(2).

وقوله عز وجل «فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ»(3).

وكذلك: «الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ»(4).

قوله عز وجل «أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»(5).

وقد وردت نصوص كثيرة عن المعصومين (عليهم السلام) في أهمية الصدق في الحياة الاجتماعية، وأنه مسألة أساسية وضرورية: منها ما ورد عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): الصدق صلاح كل شيء. الكذب فساد كل شيء(6) الصدق يؤمنك وإن خفته. الكذب پرديك وإن ائتمنته(7).

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الجمال صواب القول بالحق، والكمال حسن الفعال بالصدق(8).

ص: 270


1- الاحقاف: 16
2- البقرة: 23
3- البقرة 31
4- آل عمران: 17
5- البقرة 280
6- عيون الحكم والمواعظ، علي الواسطي، ص 44
7- المصدر نفسه، ص 44
8- کنز العمال: المتقي الهندي ج 3، ص 344. ح6853

وعنه (صلى الله عليه وآله): الصدق مبارك، والكذب مشؤوم(1).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: زينة الحديث الصدق(2).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): علیکم بالصدق، فإنه باب من أبواب الجنة(3).

دلالة هذه الروايات هو إن مفتاح الصلاح في كل الامور هو الصدق، وإذا بدأ الإنسان يقول خلاف الواقع في مسألة معينة، فلا يصدق في المسألة الاخرى فملاك الصدق هو الثقة، واذا زالت فلا يمكن الاعتماد على هذا الإنسان والتفاهم معه والتواصل معه.

إذن فالورع والصدق صفتان أساسيتان يجب توافرهما في من يريد أن يختاره المسؤول بطانة له.

الآثار السلبية المترتبة على مدح الحكام:

من الاثار السلبية التي تدخل الزهو والعجب في قلوب الحكام والمسؤولين هو كثرة الاطراء: كلمات الثناء المبالغ فيها على الشخص، وهو من الأخطار الفادحة على الحكام والأمة. فلهذا يوصي الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) المسؤول أن يحذر المقربين منه من الثناء عليه ومدحه، ويستعمل الامام (عليه السلام) كلمات الترويض والتدريب، لتربية وتدريب الحاشيته على ترك هذه الخصلة المقيتة والعادة السيئة، ويطلب من المسؤول أن يروض ويدرب حاشية على ترك مديحه والثناء

ص: 271


1- بحار الانوار، ج 74، ص 17
2- أمالي الصدوق: ج 1 ص 593؛ بحار الأنوار ج 86 ص 09
3- میزان الحكمة، محمد الريشهري، ج 2، ص 2751

عليه، ويوصي (عليه السلام) أيضا ترك التبجح بالباطل، ويحذرهم من المدح والاطراء بالطريقة التي توحي إلى الطرف الآخر أنه شيء مهم وأفكاره مهمة جدا في حين أنه كأحدهم وهو إنسان منهم يعرف الاشياء ويجهل أخرى.

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): حب الاطراء والمدح من أوثق فرص الشيطان(1).

وروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : قال حثوا (أي ارموا) التراب على وجوه المداحين(2).

أي خيبوهم ولا تعطوهم شيئا لما يحصل لكم العجب من المدح في الحضور أو المدح غير المستحق كما هو الغالب من الإطراء والمبالغة في الأكاذيب سيما إذا كانوا شعرا، وحمل بعضهم على ظاهره ويقول باستحباب رمي التراب بكفه (أو بكفيه) على وجهه(3).

وقال من مدح سلطانا جائرا أو تحفف وتضعضع له طمعا فيه كان قرينه في النار(4)، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إياكم والمدح فإنه الذبح(5)، إشارة إلى أن المديح هو الذبح بعينه، وتغييب كل المعايير الخلقية، كالتواضع والنصح والمشورة.

ص: 272


1- عيون الحكم والمواعظ، علي الواسطي، ص 231
2- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (الأول) الجزء: 9 ص 352 وينظر البحار: 70294 ح 1؛ الفروق اللغوية أبو هلال العسكري، ص 202
3- المصدر نفسه
4- الوافي: الفيض الكاشاني ج 5، ص 1037
5- کنز العمال: 6513 ح 8331

يقول (عليه السلام) لوكنت أحب أن يمدحني أحد لتركته تواضعا بين يدي الله تعالى، لأنه أحق به لما هو فيه، ثم يقول (عليه السلام) بالمكافاة إن حب الناس للثناء والمدح والتكريم أمر طبيعي ولكن بعد ان يحققوا انجازا واقعيا يستهدف خدمة الناس وتحقيق طموحاتهم وتطلعاتهم، فيقول (عليه السلام): وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا علي بجميل ثناء لإخراج نفسي إلى الله وإليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها.

الانسان بفطرته يشعر بحلاوة المدح والثناء عندما يقوم بعمل فيه مصلحة عامة، وهذا ليس سيئا وإنما السيئ عندما ينفلت عنان النفس ويتحول هذا المدح والاطراء إلى العجب والتكبر؛ ثم يوصي (عليه السلام) الناس بترك المدح والثناء عليه، لأنه عليه السلام اعتبر نفسه مقيدا بالحقوق الكبيرة التي أثقلت كاهله، فلابد أولا من تأدية حقوق الله ومن ثم حقوق الناس. ثم ينتقل (عليه السلام) بعد ذلك في نهاية هذا المقطع من العهد إلى الطلب من الناس عدم التعامل معه کالتعامل مع الجبابرة والسلاطين (فلا تكلموني با تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني با يتحفظ عند أهل البادرة)، يقول الإمام (عليه السلام) ايها الناس لا تلقبوا علي بن أبي طالب بألقاب الجبابرة، ولا تتعاملوا معي كتعاملكم معهم، كما يسمي الناس اليوم كبار المسؤولين فخامة، وسعادة، أو اصلح الله أمر الخليفة، او القيام بأفعال کالانحناء، او تقبيل الايادي والأرجل، أو المشي على الركب للسلطان، يطلب الإمام (عليه السلام) من الناس أن ينبسطوا معه في الحديث والمعاملة من دون تکلف و تصنع: ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا، ولا يعظموه تعظيما، ولا يخبئوا عنه حقيقة، وعدم منعه بمشورة عدل.

ص: 273

فعلى المقربين والمستشارين أن ينبهوا المسؤول على الاخطاء وغيرها، وعلى المسؤولين قبول النصيحة ممن ينصحهم، يقول (عليه السلام): ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ماهو أملك به مني(1).

فيتحصل: على المسؤول أن يتوكل على الله سبحانه وتعالى، وأن تكون علاقته مع الله علاقة محكمة وقوية، فيكون الله في عونه وتوفيقه، ويرشده إلى الطريق الصحيح والقويم، فتكون العناية الإلهية قد ظللت محاسنه وأرفعت شأنه، هذا هو منهج علي بن أبي طالب (عليه السلام) في رسم المنظومة القيادية والعمل الميداني في تحقيق أهداف الامة وتطلعاتها، فهو رمز للإنسانية عامة وللمسلمين خاصة.

المسألة السابعة عشر: ثقة الحاكم بالامة.

قوله عليه السلام: (وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَدْعَى إِلَى حُسْنِ ظَنِّ رَاعٍ بِرَعِیَّتِهِ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَتَخْفِيفِهِ الْمَئُونَاتِ عَلَيْهِمْ وَ تَرْكِ اسْتِکْرَاهِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا لَیْسَ لَهُ قِبَلَهُمْ فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلاً وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ حَسُنَ ظَنُّكَ بِهِ لمَنْ حَسُنَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ سَاءَ ظَنُّكَ بِهِ لمَنْ سَاءَ بَلَاؤُكَ عِنْدَهُ)(2).

يشير الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من الوثيقة التاريخية الاسلامية، إلى مسألة حسن ظن الحاكم بالشعب وبناء علاقة المودة والمحبة والثقة بينه وبين الناس المسؤول عنهم، والوسائل التي من خلالها يمكن تحقيق هذا الهدف، ويعد الإمام (عليه السلام) هذه المسألة من المسائل المهمة ولها الصدارة ومقدمة على كل الامور الادارية.

ص: 274


1- نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه السلام، ج 2، ص 201
2- نهج البلاغة خطب الإمام علي، ج 3، ص 88

وهنا نقطة مهمة أيضا، وهي أن الإمام (عليه السلام) يتحدث عن عوامل حسن الظن للوالي برعيته لاحسن ظن الرعية بالوالي، إن الولاة وزعماء الامة يسدون الخير والمعروف للرعية إلى درجة أنهم يطمئنون إلى تأییدهم ووفائهم لهم(1).

المسألة الثامنة عشر: وسائل تحقيق حسن ظن الحاكم بالرعية.

أولاً: الإحسان للرعية:

إن على الحاكم ومن يتصدى لأي موقع من مواقع المسؤولية أن يحسن الظن بمن يتحمل المسؤولية إزاءهم، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): الاحسان محبة(2).

وعنه (عليه السلام): وعنه (عليه السلام): «أحق الناس بالإحسان من أحسن الله إليه وبسط بالقدرة يديه»(3).

وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام): «من كثر إحسانه أحبه إخوانه»(4).

أي من خلال الاحسان إلى الناس يكون محبوبا بينهم ويكون أعوانه كثيرون، قال (عليه السلام): «سبب المحبة الإحسان»(5).

وعنه (عليه السلام): «من أحسن إلى الناس استدام منهم المحبة».

ص: 275


1- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: مصدر سابق: ص 347
2- عيون الحكم والمواعظ، علي الواسطي ج 10 ص 37
3- غرر الحكم 3369
4- عيون الحكم، والمواعظ: 460
5- غرر الحكم: 7601، 109

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها(1).

ومن كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) أوجز فيه معنى الاحسان: عنه (عليه السلام): احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأفضل على من شئت تكن أميره(2).

وقال علي (عليه السلام): إن إحسانك إلى من کادك من الأضداد والحساد، الأغيظ عليهم من مواقع إساءتك منهم، وهو داع إلى صلاحهم(3).

وعنه (عليه السلام): أحسن إلى المسيء تملکه(4).

فيتحصل: من مفهوم هذه الروايات إن الإحسان إلى الناس منهج تربوي اجتماعي في البناء والتزكية.

ثانياً: تخفيف المؤون

من الوسائل التي تحقق العلاقة المتبادلة بين الحاكم والأمة هو تخفيف المؤن عليهم؛ تخفيض الضرائب و أجور الخدمات العامة، كأجور شبكات المياه والكهرباء والصحة، وعدم تحميلهم بالا يطيقون، لأن التحميل بما لا يطاق مذموم عقلا و شرعا.

ص: 276


1- تحف العقول: 37
2- الإرشاد، الشيخ المفيد، ج 1، ص 303
3- عيون الحكم والمواعظ، علي الواسطي ص 651
4- غرر الحکم، ص 385، 386، 388

فرسالة الأمام (عليه السلام) لمالك الأشتر عندما ولاه مصر هي عبارة عن استحضار تاريخ مصر العريق، وما فعله الحكام السابقين في هذه البلاد، من نهب خيراتها والتسلط على أهلها بالقوة من خلال فرض الضرائب المملكة التي كانت تفوق كل إيراداتهم المالية مما اضطرهم إلى بيع بعض السلع المنزلية لتسديد هذه الضرائب.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «علامة رضا الله عز وجل في خلقه عدل سلطانهم ورخص أسعارهم وعلامة غضب الله تبارك وتعالى على خلقه جور سلطانهم وغلاء أسعارهم»(1).

اذا كان الحاكم عادلا يكون الله راضيا عنه، فيسلط عليهم من يرحمهم، وعلامات رحمته ترخيص الأسعار، وعلامة غضب الله سبحانه وتعالى على خلقه جور السلاطين وغلاء الأسعار، فاذا كانت الأسعار غالية لا يستطيع أحد أن يشتري الحاجة فيكون في عناء.

وقوله (عليه السلام): آفة العمران جور السلطان(2).

فالإمام (عليه السلام) يعطي درسا كبيرا وأسلوبا رائعا في كيفية نجاح المنظومة القيادية، وهو المطالبة بما هو ممكن و منطقي، وعدم تحميل الناس اکثر من طاقتهم.

ص: 277


1- الوافي: الفيض الكاشاني، ج 1، ص 295
2- الغرر والدرر 3 / 109، الحديث 3954

ثالثا: عدم الإكراه على الأعمال الشاقة والسخرة.

قوله (عليه السلام): (وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم)، حيث يوصي الإمام صلوات الله وسلامه عليه مالکا (رضوان الله عليه) بأن لا يطلب من الناس أن يقوموا بأعمال ومهام خارج حدود مسؤولياتهم وطاقاتهم، کما هو متعارف في المجتمعات القديمة، فيما ينقل عن المجتمع المصري حيث كان الفراعنة يأخذون الناس بالقهر والقوة، ويستخدمونهم في مجالات شتى من دون أجور، حتى أن البعض منهم كان يموت من شدة المشقة الكبيرة التي يتعرضون لها.

تسمى هذه الأعمال السخرة (مايسمى عند البعض من الناس بالمجهود الحربي. ويسمى في عند بعض الدول كما في روسيا والصين (معسكرات العمل) وهو استخدام الطاقة البشرية من دون مقابل.

قال الإمام أمير المؤمنين لجنده في حرب صفين (قد كنت أمس اميرا فأصبحت اليوم مأمورا و كنت أمس ناهيا فأصبحت اليوم منها وقد احببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون)(1).

فالحاكم الذي يريد ان يوطد ويقوي العلاقة بينه وبين الأمة فعليه أن لا يحملهم بما لا يطيقون، أو يطلب منهم ما هو خارج عن قدراتهم الجسدية والمادية. فالعناصر الثلاثة التي ذكرناهاهي ضمان لنجاح الحكم في المنظومة القيادية، و تحقیق حالة حسن الظن والثقة المتبادلة بينها وبين عموم الأمة.

من هنا تتضح ثمرة العلاقة بين الحاكم والرعية من خلال قول الإمام (عليه السلام): (حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا) إن حسن الظن بالرعية يؤدي إلى

ص: 278


1- نهج البلاغة، الخطبة 208

تخفيف الأعباء في إدارة البلاد، لأن من خلالها يعيش الحاکم مرتاح البال خاليا من هواجس الخوف والقلق التي تسببه الادارات الفاشلة والتعلق بالسلطة وكرسي الحكم.

فيتحصل مما ذكر ما يلي:

الملاحظة الأولى درجات ثقة الحاكم بالرعية:

من الطبيعي أن الحاكم لا تصبح ثقته بالأمة مطلقة وبدرجة واحدة، فقد يحظى البعض بدرجة عالية، والبعض الآخر لا ينال إلا درجة متوسطة من الثقة، والبعض تكون ثقة الحاكم به ضعيفة جدا، فالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يعطينا ميزاناً ومعياراً في كيفية نيل ثقة الوالي بالرعية، وطريقة منح الثقة لمن حوله، يقول (عليه السلام): (وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده).

الملاحظة الثانية تأصيل الثقة بالناس لأنها الاصل:

الملاحظة الثانية التي نريد ان نبینها هنا وهي إن الأصل هو الثقة، ولكن ليست الثقة العمياء، وإنما الثقة التي تحتوي على التوازن من خلال منح الفرص للأخرين أن يعبروا عن ذواتهم ومكنونهم، لتصل الحالة عند الحاكم بأن الجميع لو منحوا فرصاً اكثر سينجحون في الاختبارات وتكون نتائج نجاحهم مرضية، هذه الرؤية موضوعية ومتوازنة، تحمل فيها حسن الظن والثقة والعلاقات الانسانية، ومن خلال هذه الرؤية تنبثق رؤية أخرى تحذر من وجود النتوءات والاستثناءات وحالات الشواذ من الناس الذين لا يستحقون ثقة الحاكم، يقول الإمام (عليه السلام) في كلام له کلَم به طلحة والزبير بعد بیعته بالخلافة وقد عتبا عليه من ترك مشورتها، والاستعانة في الأمور بهما: (...فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَىَّ نَظَرْتُ إِلَى کِتَابِ الله وَ مَا وَضَعَ لَنَا وَ أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِهِ فَاتَّبَعْتُهُ وَ مَا اسْتَنَّ النَّبِيُّ

ص: 279

(صلى الله عليه وآله) فَاقْتَدَيْتُهُ فَلَمْ أَحْتَجْ فِي ذَلِكَ إِلَى رَأْيِکُمَا وَ لَا رَأْيِ غَيْرِ کُمَا وَ لَا وَقَعَ حُكْمٌ جَهِلْتُهُ فَأَسْتَشِیرَ کُمَا وَ إِخْوَانِي مِنَ الْمُسْلِمِینَ وَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ أَرْغَبْ عَنْکُمَا وَ لَا عَنْ غَيْرِ کُمَا(1). فيتحصل من خلال الملاحظتين النتائج الآتية:

أولاً: نجاح العلاقة بين الحاكم والامة:

نجاح العلاقة بين الحاكم والأمة تنشأ عبر مد جسور المودة والثقة بينهما لأن العلاقة الإنسانية هي التي تستطيع أن تنجح العمل.

ثانياً: توفير المحبة والمودة:

يكتسب المسؤول المحبة من قبل الشعب من خلال الاحترام الذي يبديه للجمهور، فتتحقق من خلال هذه المحبة علاقة رصينة قائمة على الاحترام والثقة المتبادلة، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): من حسن ظنه بالناس حاز منهم المحبة(2)، وكيف تتحقق هذه المحبة بانعدام الثقة؟ ولكن اذا كان الحاكم منضبطا ومتزنا ومنفتحا على الجمهور ويعتمد على سلوكياتهم وانطباعاتهم في الاداء، حينئذ ينال هذه المحبة.

ثالثاً: اكتشاف الأكفاء وتنمية المواهب والطاقات:

إن عنصر الثقة وحسن الظن بالجمهور يساعد الوالي على اكتشاف الطاقات والمواهب من بين عامة الناس، والاعتماد عليهم في إدارة الحكم، ومن خلال عملية الاكتشاف يستطيع الحاكم أن يقف على فرصة توزيع الحقوق بالعدالة، وإعطاء كل

ص: 280


1- نهج البلاغة: 322
2- غرر الحكم: 5 379

ذي حق حقه، أما اذا لم يكن للحاكم ثقة بالجمهور فيعمد إلى تقريب الناس من حاشيته وممن يعرفهم، ويترك الطاقات والاكفاء خوفا من الناس.

إذن المنهج الذي وضعه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) منهج اسلامي قائم على اسس وقواعد الاحترام والثقة بالطرف الآخر ومنهج يتبنى الاصول العلمية والأخلاقية للاختبارات و تحقيق النتائج و حسابها في القدرة على الأداء.

قال (عليه السلام): الرجل السوء لا يظن بأحد خيرا، لأنه لا يراه إلا بوصف نفسه(1).

المسألة التاسعة عشر: المعيار في حسن الظن وسوء الظن:

قوله (عليه السلام): وإن أحق من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده(2).

يتحدث الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من عهده المالك الأشتر(رضوان الله عليه) عن المعيار الاساسي في حسن الظن وسوء الظن، أي متى نحسن الظن، ومتى نسيء الظن، فيذكر الإمام (عليه السلام) بأن الإنسان لا يكون دائما في مستوى التغافل، فعندما يريد ان يحسن الظن بكل أحد ليس معناه العمى إغاض العيون عن الفئة الفاشلة والمفسدة التي تريد تغيير الاهداف الصحيحة عن مسارها الصحيح لابد أن يكون هناك توازن في رؤية الحاكم إزاء الأمة، وهذا ما يعبر عنه بالكياسة والفطانة يقول (صلى الله عليه وآله): المؤمن کیس، فطن، حذر(3).

ص: 281


1- غرر الحكم: 2175، 1903
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي ج 3 ص 98 رسالة 53
3- مستدرك الوسائل ج 3 ص 489؛ بحار الأنوار العلامة المجلسي، ج 64 ص 307

وفي رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكد بها على القول بالحق عند الناس فيثبتون بلاء كل ذي بلاء منهم ليثق أولئك بعلمك ببلائهم :(ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى ولا تضمَنَّ بلاء امرئ إلى غيره ولا تقصرنّ به دون غاية بلائه وكاف كلام منهم بما كان منه واخصصه منك بهزة. ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ولا ضعة امرئ على أن تصغر من بلائه ما كان عظيما. ولا يفسدن امرءا عندك علة إن عرضت له ولا نبوة حديث له، قد كان له فيها حسن بلاء، فإن العزة لله يؤتيه من يشاء والعاقبة للمتقين)(1).

يريد الإمام (عليه السلام) أن يبين قضية مهمة للمسؤولين وهي النظر فيمن كان عاملا واحتساب انجاز عمله له لا لغيره، او تسجيل الانجازات جميعها للمسؤول وتضييع حقوق الآخرين، أو يتساوى الإنسان العامل والانسان الفاشل، هذا لا يجوز جميعه في حدود الشريعة المقدسة، والقاعدة الفقهية تقول من له الغنم فعليه الغرم)(2)، أي من له الفائدة فإن عليه التبعات. فالمسؤول يكون هو مسؤولاً عن الانجاز و مسؤولا عن الفشل، ثم أن الإمام (عليه السلام) يؤكد على عدم التقليل والاستهانة من أهمية العمل وإن كان صغيرا (ولا تقصرن به دون غاية بلائه).

ثم يحذر(عليه السلام) الحاكم والمسؤول من التمييز بالتعامل بين الناس فقال (ولا يدعونك شرف امرئ إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا) فيما لو كان الشخص مؤخرا فيقدم لوجاهة، عندما يكون هذا الشخص من مقربي الحاكم أو

ص: 282


1- تحف العقول عن آل الرسول (ص): ابن شعبة الحراني ص 134
2- نهج الفقاهة: السيد محسن الحكيم ص 124

أقربائه، فيشار إليه بالبنان والاحترام، وفي مقابل ذلك يوصي الإمام (عليه السلام) مالكا بأن لايحجم عمل أحد من عامة الناس يقول (ولا ضعة امرئ على أن تصغر من بلائه ما كان عظيما) أي وضع وإهمال الإنسان البسيط ذي الانجازات الكبيرة.

وعنه صلوات الله وسلامه عليه يقول: (إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله ثم أساء رجل الظن برجل لم تظهر منه خزية فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله فأحسن رجل الظن برجل فقد غرر، لا تظنن بكلمة خرجت من أحد سوء وأنت تجد لها في الخير سبيلا(1).

يتحدث الإمام (عليه السلام) مشيرا إلى نقطة مهمة وهي حينما تكون الأجواء أجواءً إيمانية، فلا يمكن لأحد أن يسيء الظن بأحد، فاذا حدث مثل ذلك يكون ظلما لنفسه ولغيره، أما إذا غلب زمان الجور والفساد على زمان الايمان والعدالة، وأحسن رجل الظن برجل دون أن يجد منه ما يستحق فقد غره، أي غرر بنفسه فيكون المعيار الأساسي الذي تبنى عليه قاعدة حسن الظن وسوء الظن هو البيئة اذا كانت سليمة ونظيفة فيكون حسن الظن واقعاً، واذا كانت غير نظيفة وغير سليمة، فيحل محل حسن الظن سوء الظن، ويؤيد ذلك قوله (عليه السلام): إذا كان الزمان زمان جور وأهله أهل غدر فالطمأنينة إلى كل أحد عجز(2). وفي مانحن فيه ورد عنه عليه السّلام: من عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن(3).

فيتحصل: إن ثقة الحاكم بالأمة يجب أن تكون وفق المعايير المنطقية والسلوكيات الصحيحة، المبنية على الأسس العلمية والاخلاقية.

ص: 283


1- ، الحكمة 1144
2- تحف العقول عن آل الرسول (ص): ابن شعبة الحراني، ص 357:
3- الوافي: الفيض الكاشاني الجزء: 5 ص 984

ص: 284

الفصل الثالث: الأهداف العامة للحكم قوله (علیه السلام):

«جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَجِهَادَ عَدُوِّهَا وَاسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا»

ص: 285

ص: 286

توطئة

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع عن الاهداف العامة للقيادة المركزية والحكم، وقد حدد الإمام (عليه السلام) أربعة أهداف المالك حين ولاه مصر وعلينا أن نعتبر هذه الأهداف كأهداف استراتيجية في إدارة أي منظومة قيادية أخرى وأي مشروع على المستويات المختلفة.

وقد قسمنا الفصل على أربعة مباحث، لنقف عندها من خلال التفصيل الآتي:

المبحث الأول: (السياسة المالية توفير الإيرادات المالية).

قوله عليه السلام: (جباية خراجها). المبحث الثاني: (السياسة الحربية المتمثلة بالجهاد)؛ (توفير الأمن والدفاع). قوله عليه السلام: (وَجِهَادَ عَدُوِّهَا) المبحث الثالث: (التنمية البشرية)؛ (الإصلاح الاجتماعي).

قوله عليه السلام: (وَاسْتِصْلَاحَ أِهْلِها). المبحث الرابع: (التنمية الاقتصادية). قوله عليه السلام: (وَعِمَارَةَ بِلَادِهَا)

ص: 287

ص: 288

المبحث الأول السياسة المالية توفير الإيرادات المالية

قوله عليه السلام: (جِبَايَةَ خَرَاجِهَا).

يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد الشريف، عن السياسة المالية للدولة والإيرادات المالية.

- جباية الخراج الذي يتكون من:

المسألة الأولى: الخمس والزكاة.

المسألة الثانية: الجزية.

المسألة الثالثة: الركاز (المعادن). المسألة الرابعة: الفيء.

المسألة الخامسة: الغنائم.

المسألة السادسة: أموال الخراج والمقاسمة.

المسألة السابعة: سياسة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في الخراج. المسألة الثامنة: سياسة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في بيت مال المسلمين ومصارفة.

ص: 289

أولاً: الخراج في العرف الشرعي:

الخراج هو الضريبة المالية التي فرضها الإسلام على غلة الأرض(1).

ويعني الضرائب الموضوعة على الأراضي المفتوحة عنوة بيد المسلمين، ولكنها في هذا المورد تمتد لدائرة واسعة وتشمل جميع الأمور المالية المتعلقة بالحكومة الإسلامية، أعم من الخراج والزكاة والجزية والخمس وأمثال ذلك(2).

وهو من أهم الواردات المالية للدولة الاسلامية في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وصحبه، وقد بيّن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلامه أن صلاح الخراج صلاح لأهله، وصلاح لعامة الناس، لأنهم جميعا في نظر الإمام عیال عليه.

ويطلق على الخراج في الاصطلاح الفقهي على الأراضي التي يسيطر عليها المسلمون بالقوة دون الصلح بالأراضي المفتوحة عنوة، ومثل هذه الأراضي ملك لجميع المسلمين، وعلى ضوء ذلك فإن الحاكم الإسلامي يقوم وطبقا للمصالح الإسلامية بتقسيم هذه الاراضي على المسلمين على أن يأخذ منهم مبالغ سنوية، ويطلق على هذه المبالغ من الناحية الفقهية اسم الخراج(3).

ثانياً: الخراج في الرؤية القرآنية والسنة النبوية المطهرة:

قال تعالى في كتابه الكريم: «وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(4).

ص: 290


1- مجمع البحرین: مادة خرج
2- نفحات الولاية شرح نهج البلاغة: مصدر سابق: ص 290
3- المكاسب: للشيخ الأنصاري: 2 ص 239
4- الحشر: 6

وقال تعالى: «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»(1)

ثم قال تعالى: «لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ»(2)

تتحدث هذه الآيات المباركة عن غنائم الحرب، يقول صاحب مجمع البيان: إن بعد اندحار يهود بني النضير وخروجهم من المدينة، بقيت بساتينهم وأراضيهم وبيوتهم وقسم من أموالهم في المدينة، فأشار بعض شيوخ المسلمين على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تماشيا مع سنة جاهلية، بأن يأخذالصفوة من أموالهم وربع ممتلكاتهم، أن يترك المتبقي کي يقسم بين المسلمين، ثم إن الله أعلن صراحة، إن هذه الغنائم التي لم تكن بسبب قتال، ولم تكن نتيجة حرب، فإنها جميعا من مختصات الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) موضعه رئيسا للدولة الاسلامية، ويتصرف بها كما يشاء وفقا لمايقدر من مصلحة في ذلك.

وسنلاحظ أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قسم هذه الأموال بين المهاجرين الفقراء في المدينة وعلى قسم من الأنصار من ذوي القربى(3).

ثالثاً: أهمية الخراج في السنّة المطهرة:

نستنتج أهمية الخراج في الدين الاسلامي من خلال الروايات الواردة عن العترة الطاهرة سلام الله عليهم أجمعين. يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)

ص: 291


1- الحشر: 7
2- الحشر: 8
3- مجمع البيان في تفسير القرآن: للطبرسي: في ذيل الآيات المباركة 6، 7، 8 من سورة الحشر

في كتاب بعثه إلى امراء الخراج يبين فيه سياسته الاسلامية في التعامل مع جباية الخراج، يقول (عليه السلام) فيه: ((أما بعد؛ فإن من لم يحذر ماهو صائر إليه لم يقدم لنفسه ما يحرزها، واعلموا أن ما كلفتم به يسير وأن ثوابه كثير، ولو لم يكن فيما نهى الله عنه من البغي والعدوان عقاب يخاف لكان في ثواب اجتنابه ما لا عذر في ترك طلبه، فأنصفوا الناس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم فإنکم خزان الرعية ووكلاء الأمة وسفراء الأئمة، ولا تحشموا أحداً عن حاجته، ولا تحبسوه عن طلبته، ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة شتاء ولا صيف، ولا دابةً يعتملون عليها ولا عبداً، ولا تضر بن أحداً سوطاً لمكان درهم، ولا تمسن مال أحد من الناس مصل ولا معاهد، إلا أن تجدوا فرساً أو سلاحاً يُعدی به على أهل الإسلام فإنه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام فيكون شوكةً عليه، ولا تدخروا أنفسكم نصيحةً ولا الجند حسن سيرة ولا الرعية معونةً ولا دين الله قوةً وأبلوا في سبيل الله ما استوجب عليكم فإن الله سبحانه قد اصطنع عندنا وعندكم أن نشكره بجهدنا وأن ننصره با بلغت قوتنا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم))(1).

وروى إسماعيل بن مهاجر عن رجل من ثقيف قال: استعملني علي بن أبي طالب (عليه السلام) على بانقيا وسواد من سواد الكوفة فقال لي، والناس حضور: «انظر خراجك فجد فيه، ولا تترك منه درهما، فإذا أردت أن تتوجه إلى عملك فمر بي. قال: فأتيته، فقال: إن الذي سمعت مني خدعة، إياك أن تضرب مسلما، أو يهوديا، أو نصرانيا في درهم خراج، أو تبيع دابة عمل في درهم، فإنا أمرنا أن نأخذ منهم العفو. ولا تجمع بين متفرق، ولا تفرق بين مجتمع، يعني في الملك على ما قدمناه، والمعنى في ذلك: أنه لا يؤخذ من الشريكين صدقة إذا بلغ ملكها جميعا مقدار ما يجب فيه الزكاة، ولا تسقط الزكاة عن المالك وإن كان ملکه

ص: 292


1- نهج البلاغة، الرسائل: 51 من کتاب له (عليه السلام) إلى عماله على الخراج

في الأماكن على الافتراق. وإن أخذ المصدق حقه من الأنعام فباعها فيمن يريد فطلبها المتصدق بالثمن فهو أحق بها»(1).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصية له كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات:

«انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا ترو عن مسلما ولا تجتازن عليه کارها، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله، فإذا قدمت على الحي فأنزل بائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم، ولا تخدج بالتحية لهم، ثم تقول: عباد الله أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله في أموالكم، فهل الله في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه؟ فإن قال قائل لا، فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذما أعطاك من ذهب أو فضة. فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه، فإن أكثرها له، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلط عليه ولا عنيف به، ولا تنفرن بهيمة ولا تفزعنها ولا تسوءن صاحبها فيها، واصدع المال صدعين ثم خيره، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره. ثم اصدع الباقي صدعين ثم خيره، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره. فلا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله فاقبض حق الله منه. فإن استقالك فأقله ثم اخلطها ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله، ولا تأخذن عودا ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار، ولا تأمنن عليها إلا من تثق بدينه رافقا بال المسلمين حتى يوصله إلى وليهم فيقسمه بينهم،

ص: 293


1- المقنعة: الشيخ المفيد: ص 258، وينظر الكافي: 5403 / 8؛ وينظر تهذیب الاحکام: 4 / 98 / 275

ولا توكل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا، غير معنف ولا مجحف، ولا ملغب ولا متعب، ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك نصيره حيث أمر الله به.

فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألا يحول بين ناقة وبين فصيلها ولا يمصر لبنها فيضر ذلك بوليدها، ولا يجهدنها ركوبا. وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها، وليرفه على اللاغب. وليستأن بالنقب والظالع. وليوردهاما تمر به من الغدر ولا يعدل بهاعن نبت الأرض إلى جواد الطريق، وليروحها في الساعات وليمهلها عند النطاف والأعشاب حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات غير متعبات ولا مجهودات، النقسمها على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، فإن ذلك أعظم أجرك وأقرب لرشدك إن شاء الله(1).

يوصي الإمام (عليه السلام) واليه على الصدقات بأمور متعددة، تعدّ میزانا ومعيارا لآداب و اخلاق التصرف مع الأمة في جميع مجالات الحياة، وواحدة من هذه المجالات وهي جباية زكاة ما يسمى بالخراج.

المسألة الأولى: الخمس والزكاة.

الخمس: هو حق مالي فرضه الله مالك الملك بالأصالة على عباده، فالخمس في مال مخصص له ولبني هاشم الذين هم رؤساؤهم وسواهم وأهل الفضل والاحسان عليهم عوض إكرامه ایاهم بمنع الصدقة والاوساخ عنهم(2)، ويتعلق بأمور: منها: غنائم الحرب، والمعادن، والكنز، والغوص، والمال الحلال المخلوط بالحرام، والأرض التي يمتلكها الذمي من المسلم، وأرباح المكاسب كأرباح التجارة والراتب الذي يستلمه الموظف أو العامل وما شابهه.

ص: 294


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي (عليه السلام) الجزء: 3
2- جواهر الكلام، ج 16، ص 2

والروايات الدالة على وجوبه كثيرة: وروى الكليني والشيخ، عن محمد بن زيد الطبري قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض موالي أبي الحسن الرضا عليه السلام يسأله الإذن في الخمس فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم إن الله واسع کریم ضمن على العمل الثواب، وعلى الضيق الهم، لا يحل مال إلا من وجه أحله الله و إن الخمس عوننا على ديننا (يمكن قراءته بالفتح والكسر) وعلى عیالاتنا وعلى موالينا وما نبذله ونشتري من أعراضنا ممن نخاف سطوته فلا تزووه عنا ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه، فإن إخراجه مفتاح رزقكم وتمحيص ذنوبكم وماتمهدون لأنفسكم ليوم فاقتكم والمسلم من يفي الله بها عاهد إليه وليس المسلم من أجاب باللسان وخالف بالقلب والسلام، وعن محمد بن زيد الطبري قال قدم قوم من خراسان على أبي الحسن الرضا عليه السلام فسألوه أن يجعلهم في حل من الخمس، فقال: ما أحل؟ هذا؟ تمحضونا بالمودة بألسنتكم وتزوون عنا حقا جعله الله لنا وجعلنا له وهو الخمس لا نجعل، لا نجعل، لا نجعل لأحد منكم في حل(1).

ومنها: ما ورد عن مولانا الصادق (عليه السلام): أنه قال: إني لأخذ من أحدكم الدرهم، وإني لمن أكثر أهل المدينة مالا، ما أريد بذلك إلا أن تطهروا(2).

يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من ايقن بالخلف جاد بالعطيّة(3)، وفي مورد آخر يقول (عليه السلام): لا تجعلوا علمكم جهلا ويقينكم شكا اذا علمتم فاعملوا واذا تيقّنتم فأقدموا(4).

ص: 295


1- الكافي كتاب الحجة باب الفيء والأنفال وتفسير الخمس خبر - 26؛ والتهذيب باب الزيادات، خبر 19
2- الوسائل باب 1 حديث 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس ص 291
3- نهج البلاغة: حكمة 138
4- نهج البلاغة 274

ومن خطبة له (عليه السلام) يصف فيها الزكاة وأهميتها:

يقول (عليه السلام): ثم إن الزكاة جعلت مع الصلاة قربانا لأهل الإسلام فمن أعطاها طيب النفس بها فإنها تجعل له كفارة، ومن النار حجازا ووقاية. فلا يتبعنها أحد نفسه، ولا يكثرن عليها لهفه. فإن من أعطاها غير طيب النفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسنة مغبون الأجر، ضال العمل، طویل الندم(1).

ويقول (عليه السلام) إن أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله، فإنه ذروة الاسلام، و كلمة الإخلاص فإنها الفطرة.

وإقام الصلاة فإنها الملة. وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة(2).

وقال (عليه السلام): ومن ذلك ما حرس الله عباده المؤمنين بالصّلوات والزّكوات... تسكينا لأطرافهم، و تخشيعا لأبصارهم، وتخفيضا لقلوبهم... مع ما في الزّكاة من صرف ثمرات الأرض، وغير ذلك من أهل المسكنة والفقر(3).

وقوله (عليه السلام): حصنوا أموالكم بالزّكاة(4).

والزكاة تتعلق بأشياء تسعة هي: الغلات الأربع أي الحنطة والشعير والتمر والزبيب، والأنعام الثلاثة أي الإبل والبقر والغنم، والنقدان أي الذهب والفضة، ثم إن الخمس نسبة 20٪ والزكاة نسبتها 10٪ وهو فيما سقت السماء من الغلات، وأدناها الواحد في المائة نصاب الشياه، إذ في كل أربعين شاة شاة واحدة، وهذان الحقان يشكلان العمود الفقري للالية الإسلامية، وعادة ما يشكلان

ص: 296


1- نهج البلاغة: خطبة 199
2- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج 1، ص 215، خطبة 110
3- المصدر نفسه، ج 3، ص 149، خطبة 193
4- المصدر نفسه، ج 2 حكمة 146؛ الوافي، الفيض الكاشاني ج 1، ص 43. خطبة 110

ربع الموارد، أي إذا جمعنا الخمس والزكاة معا يصبح في الميزانية العامة ما يقارب الخمس والعشرين في المائة(1).

هذا ويقسم الحمس على قسمين: الأول للإمام المعصوم (عليه السلام) ونائبه في عصر الغيبة، وهذا ما يسمى بسهم الإمام، الثاني لذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسمى بسهم السادة، وقد ورد ذكر ذلك في الآية الشريفة في قوله عز وجل: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(2)، فيما كان لله والرسول والإمام المعصوم هو سهم ذوي القربى، أي قربي الرسول (صلى الله عليه واله)، ويسمى بسهم الإمام ويعطى له في حالة حضوره، وفي حالة غيبة الإمام (عليه السلام) يعطى إلى نائبه وهو الفقيه الجامع للشرائط ليصرفه في مصالح المسلمين، وما كان لليتامى المعوزين والفقراء المساكين وأبناء السبيل المنقطعين يسمى بسهم السادة، ويصرف في مصرف هؤلاء ممن لا يقدر على العمل ولا وارد له(3).

وأما الزكاة فتقسم على ثمانية أقسام کما ذکرت الآية الشريفة مواردها في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(4).

الاول: الفقير ويراد به من له حاجة لا يتمكن من سدها، الثاني: المسكين، وهو من أقعده الفقر وأسكنه عن فعل شيء، فهو أسوأ حالا من الفقير، والثالث:

ص: 297


1- ينظر: فقه الدولة: للشيخ فاضل الصفار، ج 2، ص 462
2- الانفال: 41
3- ينظر: فقه الدولة: الشيخ الصفار: ج 2 ص 462
4- التوبة: 60

وهو العامل عليها أي من يجبي الزكاة للإمام المعصوم (عليه السلام) أو الفقيه الجامع للشرائط، والرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم الكفار، إذ يعطون المال لأجل تقريبهم إلى الإسلام، ويشمل أيضا المسلم الضعيف الإيمان، فيعطي المال لأجل تقوية إيمانه، والخامس: الغارمون، وهم الذين لهم دين لم يصرفوه في عصيان الله، ولا يقدرون على أدائه أحياء كانوا أو أمواتا، کما ليس لهم ما يصرفه الورثة في أداء دیونهم، السادس: الرقاب، وهم العبيد الذين هم تحت الشدة من جهة الأسياد، فيشترون من الزكاة ويعتقون، السابع: وهو في سبيل الله عز وجل، والمراد به کل ما كان فيه مصلحة للإسلام والمسلمين مما ينطبق عليه عنوان سبيل الله عز وجل، والمراد به كل ما كان فيه مصلحة للإسلام والمسلمين مما ينطبق عليه عنوان سبيل الله سبحانه، والثامن: هو ابن السبيل، والمراد به من انقطع في السفر فلا يجد ما يوصله إلى أهله(1).

فيتحصل: وجوب الخمس والزكاة في الشريعة الاسلامية، فكلاهما من الأمور المالية التي تأخذ ممن له مال خاص ويصرفان: في مصالح المسلمين، والفقراء المعوزين.

المسألة الثانية: الجزية.

إن لفظ (الجزية) عند أكثر اللغويين والمفسرین لفظ عربي محض، مشتق من مادة (الجزاء) وهو عبارة عن مال تأخذه الحكومة الإسلامية من أهل الذمة. في قبال أن يمنحوا الأمن، جاء في القاموس: (الجزية بالكسر خراج الأرض وما يؤخذ من الذمي جمعه جزی و جزی وجزاء) وفي الصحاح: (الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة والجمع الجزی مثل لحية ولحي(2).

ص: 298


1- ينظر: فقه الدولة: للصفار مصدر سابق: ص 463
2- لسان العرب، ابن منظور ج 3 ص 311؛ مختار الصحاح، الرازي، ج 1، ص 50

وقال صاحب مجمع البيان: إن الجزية فعلة من جزى يجزي مثل القعدة والجلسة(1).

وذكر القرطبي في تفسيره: إن الجزية وزنها فعلة من جزى يجزي إذا كافأعما أسدي إليه فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، وهي كالقعدة والجلسة(2).

الجزية مبالغ مالية تؤخذ من أهل الذمة لبيت مال المسلمين وهي الخراج المجعول عليهم والجزية على وزن فعلة من جزي يجزي اذا كافأعيا اسدي اليه فكأنها اعطيت جزاء ما منحوا من الأمن بحفظ ارواحهم واموالهم واعراضهم وعدم ايذائهم ما اوفوا بعهدهم ولم ينكثوا(3).

وفي الاصطلاح تعني: ضريبة يدفعها أهل الكتاب بصفة عامة، ويدفعها المجوس في آراء أغلب الفقهاء، والمشركون في رأي بعضهم، نظير أن يدافع عنهم المسلمون، وإن فشل المسلمون في الدفاع عنهم، ترد إليهم جزيتهم، ثم إنهم ذكروا في وجه تسمية هذا المال المخصوص ب (الجزية) و جوها أهمها أمران:

- كونها جزاء عما منحوا من الأمن والحماية لهم والدفاع عنهم من غير تكليفهم التجند للقتال مع المسلمين. وبكلمة أخرى: جزاء اعطاء الذمي حقوق المسلمين ومساواتهم بأنفسهم في حرية النفس والمال والعرض.

- کونها جزاء على تمسكهم بالكفر وعدم قتلهم بذلك(4) وظاهر قوله تعالى: «قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ

ص: 299


1- مجمع البيان: للطبرسي ج 5 ص 2
2- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ج 8، ص 11
3- الموسوعة العربية العالمية: ص 1
4- الأحكام السلطانية، ص 153

صَاغِرُونَ»(1)، هو الوجه الثاني، حيث جعل اعطاء الجزية غاية لقتالهم، المستفاد منه إن هذا المال عقوبة على بقائهم في الكفر: وإنما سمي هذا المال جزية لأن معناها الاقتطاع، وفيه نوع من الضغط النفسي او الاجتماعي او الادبي، لأن الزكاة معناها النمو، والخمس معناه الجزء من المال، وأما الجزية فمعناها القطع من الكافر، وكأن ماله لا احترام له فيقطع منه(2)، ولكن المستفاد من بعض النصوص هو الوجه الأول. منها ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: (واعلم أن الرعية طبقات، لا يصلح بعضها إلا بعض، ولا غنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنهاعمال الانصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة)(3).

ففرض سبحانه على نبيه (صلى الله عليه وآله) أخذ الجزية من كفار أهل الكتاب، وفرض ذلك على الأئمة من بعده عليهم السلام، إذا كانوا هم القائمين بالحدود مقامه، والمخاطبين في الأحكام با خوطب به، وجعلها تعالى حقنا الدمائهم، ومنعا من استرقاقهم، ووقاية لما عداها من أموالهم(4)

وتعدّ الجزية نوعاً من الضغط كسائر الضغوط المحرجة لأجل أن يرجع عقلاؤهم إلى أنفسهم، ويلتفتوا إلى بطلان عقائدهم بواسطة فتح الحوار مع المسلمين، فبالحوار يتوصلون إلى أن عقيدتهم خرافية، وأن نظامهم ليس صحيحا، ولو كانوا من المنصفين لتوصلوا إلى احقية الإسلام وصحة عقيدته وعدالة نظامه، ويكون لهم الداعي في الإيمان بالإسلام(5).

ص: 300


1- التوبة 29
2- فقه الدولة: للصفار مصدر سابق ص 463
3- نهج البلاغة خطب الإمام علي عليه اسلام ج 3 ص 90
4- المقنعة: الشيخ المفيد ص 269
5- ينظر: فقه الدولة: للصفار، ج 2 ص 464

- أصناف أهل الجزية:

والواجب عليه الجزية من الكفار ثلاثة أصناف: اليهود على اختلافهم، والنصارى على اختلافهم، والمجوس على اختلافهم. وقد اختلف فقهاء العامة في الصابئين ومن ضارعهم في الكفر سوى من ذكرناه من الأصناف الثلاثة: فقال مالك بن أنس والأوزاعي: كل دین بعد دين الإسلام سوى اليهودية والنصرانية فهو مجوسية، وحكم أهله حكم المجوس. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: الصابئون مجوس. وقال الشافعي وجماعة من أهل العراق: حكمهم حكم المجوس. وقال بعض أهل العراق: حكمهم حكم النصارى. فأما نحن فلا تجاوز بإيجاب الجزية إلى غير من عددناه، لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم، والتوقيف الوارد عنه في أحكامهم. وقد روي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله أنه قال: المجوس إنها الحقوا باليهود والنصارى في الجزية والديات، لأنه قد كان لهم فيما مضى كتاب(1).

- مقدار الجزية:

وليس في الجزية حد مرسوم لا يجوز تجاوزه إلى ما زاد عليه ولا حطّه عما نقص عنه، وإنما هي على ما يراه الإمام في أموالهم، ويضعه على رقابهم على قدر غناهم وفقرهم(2).

وقدر الجزية كما يقرره الإسلام بدون أن تؤخذ من النساء والأطفال و الرهبان والمقعدين والفقراء منهم، بحسب ما يراه الحاكم الشرعي من المصلحة(3).

ص: 301


1- المصدر نفسه: ص 269
2- المقنعة: الشيخ المفيد: ص 272
3- فقه الدولة: للصفار مصدر سابق ص 464

عن زرارة قلت لأبي عبد الله عليه السّلام: ما حد الجزية على أهل الكتاب وهل عليهم في ذلك شيء موظَّف لا ينبغي أن يجوزوا إلى غيره؟ فقال: ذاك إلى الإمام أن يأخذ من كل إنسان منهم ماشاء على قدر ماله بما يطيق(1)

وكان أمير المؤمنين عليه السلام قد جعل على أغنيائهم ثانية وأربعين درهما، وعلى أوساطهم أربعة وعشرين درهما، وجعل على فقرائهم اثني عشر درهما. وكذلك صنع عمر بن الخطاب قبله، وإنما صنعه بمشورته عليه السلام(2).

- مصروف الجزية:

وكانت الجزية على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله عطاء المهاجرين، وهي من بعده لمن قام مع الإمام مقام المهاجرين، وفيما يراه الإمام من مصالح المسلمين

روی محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه سأله عن خراج أهل الذمة وجزيتهم إذا أدوها من ثمن خمورهم، وخنازيرهم، و ميتتهم أيحل للإمام أيأخذها، وتطيب للمسلمين؟ فقال: ذلك للإمام والمسلمين حلال، وهي على أهل الذمة حرام، وهم المحتملون لوزره(3).

وقال عليه السلام: لا يجوز رفع الجزية، لأنها عطاء المهاجرين، والصدقة لأهلها المسلمين في القرآن، وليس لهم من الجزية شيء. ثم قال: ما أوسع العدل: إن الناس يستغنون إذا عدل بينهم، وتنزل عليهم السماء رزقها، وتخرج الأرض برکاتها بإذن الله عز وجل(4).

ص: 302


1- النجعة في شرح اللمعة: الشيخ محمد تقي التستري، ج: 2، ص 161
2- الوسائل، ج 11، الباب 68 من أبواب جهاد العدو، ح 8، ص 116
3- الوسائل، ج 11، الباب 70 من أبواب جهاد العدو، ح 2، ص 118
4- الوسائل، ج 11، الباب 69 من أبواب جهاد العدو، ح 1 و 2، ص 116

المسألة الثالثة: الركاز والمعادن.

من الموارد المالية التي تعتمد عليها الحكومة الاسلامية هو الركاز.

والركاز لغة: هو كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وقيل إنها المعادن، والقولان تحتملها اللغة، لأن كلا منها مركوز في الأرض، أي ثابت، من: ركزه یرکزه ركزا: إذا دفنه(1).

ويشترط في تملك الركاز أن يكون في أرض الحرب، سواء كان عليه أثر الجاهلية، أو أثر الإسلام كذکر النبي صلى الله عليه وآله، أو أحد ولاة الإسلام

والواجب بالركاز الخمس، لقوله عليه السلام (في الركاز الخمس)، وهو على إطلاقه، ولأنه مال كافر فلم یعتبر فيه النصاب کالغنيمة(2).

وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام «كل ما كان رکازا ففيه الخمس»(3).

المسألة الرابعة: الفيء.

من الايرادات التي تعتمد عليها الحكومة الاسلامية هو الفيء.

والفيء: الغنيمة التي تنال من دون قتال، والجمع أفياء، و فيوء(4).

وقال الأزهري: الفيء: ما رده الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل

ص: 303


1- تاج العروس للزبيدي: ج 15 ص 159 - 160
2- المعتبر: المحقق الحلي ج 2 ص 125
3- التهذيب 4: 122 / 347
4- المعجم الوسيط: مادة (فيء)

دینه بلا قتال، إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلّوها للمسلمين، أو يصالحوا على جزية يؤدّونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم(1).

- مشروعية الفيء:

قال تعالى: «وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(2)

وقوله تعالى: «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ»(3). ويقول العلامة الطبرسي في مجمع البيان: ذکر سبحانه حكم الفيء فقال: (مَا أَفَاءَ الله عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) أي من أموال كفار أهل القرى (فللّه) يأمركم فيه بما أحب (وللرسول) بتمليك الله إياه (ولذي القربی) یعني أهل بيت رسول اللهّ، و قرابته، وهم بنو هاشم (واليتامى والمساكين وابن السبيل) منهم، لأن التقدير ولذي قرباه، ویتامی أهل بيته، ومساکینهم، وابن السبيل منهم(4).

- موارد الفيء:

فموارد الفيء كثيرة، نشير اليها باختصار منها:

ما جلا عنه الكفار خوفا من المسلمين من الأراضي والعقارات، ما ترکه الكفار وجلوا عنه من المنقولات، ما أخذ من الكفار من خراج أو أجرة عن الأراضي التي ملكها المسلمون ودفعت بالإجارة لمسلم أو ذمي، أو الاراضي التي

ص: 304


1- تفسير الرازي: 10 ج: ص 505 506
2- الحشر: 6
3- الحشر: 7
4- مجمع البیان ج 9: 431

أقرت بأيدي أصحابها من أهل الذمة صلحا أو عنوة على انها لهم ولنا عليها الخراج والجزية، ومن موارد الفيء عشور أهل الذمة، وما صولح عليه الحربيون من مال يؤدونه إلى المسلمين.

ومن موارد الفيء أيضاً:

مال المرتد إن قتل أو مات، مال الذمي إن مات ولا وارث له وما فضل من ماله عن وارثه فهو فيء، وهناك مصادیق اخرى للفيء کالاراضي المغنومة بالقتال وهي الأراضي الزراعية عند من يرى عدم تقسيمها بين الغانمين.

- مصارف الفيء:

أما مصرفه: فهو في مصالح المسلمين بحسب ما يراه الإمام کرزق القضاة، والمؤذنين، والأئمة، والفقهاء، والمعلمين وغير ذلك من مصالح المسلمين؛ وفي المغازي للواقدي بسنده: « فقال عمر: یا رسول الله، ألا تحمس ما أصبت من بني النضیر کا خمست ما أصبت من بدر؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا أجعل شيئاً جعله الله - عزَّ وجلَّ - لي دون المؤمنين بقوله: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى «الآية، کھيئة ما وقع فيه السهمان للمسلمين»(1). ولا يخفى أن مقصود عمر في سؤاله تخميس المال وتقسيم البقية، كما في الغنائم. والرواية شاهد على وقوع التخميس في غنائم بدر، ولهذا ذكر الله تعالى كل فئات المسلمين في معرض بیان مصارف الفيء فقال سبحانه وتعالى: «مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ»، فیأخذ منه الإمام من غیر تقدیر، ویعطي القرابة باجتهاد، ویصرف الباقي في مصالح المسلمین.

ص: 305


1- دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية: الشيخ المنتظر، الجزء: 3ص 321

وقد تعدّى ذلك إلى ما وهبه رسول اللهّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لأهل بيته من أموال الفيء، ومن مصادیقه فدكاً، وهي قرية بناحية الحجاز، بينها وبين المدينة يومان، وأرضها كانت لليهود، فأفاءها الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلح سنة 7 ه دون أن يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب.

وقد ورد إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منح فدك إلى ابنته الزهراء (عليها السلام) في حياته حينما نزلت الآية (وآت ذا القربي حقه) على ما رواه المحدثون والمفسرون عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وابن عباس وأبي سعيد الخدري، وحينما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وضعت سلطة الخلافة المزعومة يدها على نحلة الزهراء (عليها السلام) في فدك، وأخرجت وكيلها منها، وجعلتها من مصادر بیت المال و موارد ثروة الدولة كما زعمت(1).

ويظهر الفرق بين الغنيمة والفيء من خلال: الغنيمة ما غنمه المسلمون واستولوا عليه من أموال العدو ومعداتهم... بالقوة والقتال..

فهذا يقسم بين المقاتلين بعد خصم خمسه وجعله في بيت مال المسلمين لصرفه في المصالح العامة.

قال الله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..»(2)، وأما الفيء فهو ما حصل عليه المسلمون من أموال بدون قتال. وهذا مرجعه إلى بيت المال واجتهاد ولي أمر المسلمين، قال الله تعالى: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي

ص: 306


1- تفسير الدر المنثور: السيوطي 5: 272؛ وينظر مجمع الزوائد: الهيثمي 7: 49؛ وينظر کنز العمال: المتقي الهندي 3: 767 / 8696؛ وينظر مجمع البيان: الطبرسي 6: 634؛ وينظر الشافي: المرتضی4: 90 و 98
2- الأنفال: 41

الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ..(1).

المسألة الخامسة: الغنائم.

الغنيمة: ما يؤخذ من المحاربين في الحرب قهرا والجمع غنائم(2).

الغنائم اصطلاحا المال الذي يصيبه المسلمون من أعدائهم من خلال القتال والعنوة.

ويقصد بالغنائم: كل ما يحصل عليه الجيش الإسلامي في ميدان الحرب، بعد انتهاء المعارك، مِن أموال ودواب وسلاح وملابس، وأسرى من المحاربين، والسبي من النساء والأطفال، ويعرّف الفقهاء الغنائم: بأنها ما غلب عليه المسلمون من أموال أهل الحرب حتى يأخذوه عنوة، يعني: بالسلاح والقتال.

وتعدّ الغنائم التي حازها المسلمون من أعدائهم، موردًا حسنًا لبيت المال وللمقاتلين، ومن المعلوم أن القرآن نص على توزيع الغنائم بين الدولة والمقاتلين، ولم يترك ذلك لاجتهاد الدولة، فجعل للجيش الذي غنمها أربعة أخماسها، واحتفظ بالخمس يصرفه الرسول أو خلیفته في مصالح الدين والدولة، ومرافق المسلمين العامة.

وفي ذلك يقول الله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»(3).

ص: 307


1- الحشر: 7
2- ينظر التعريفات: الجرجاني، ج 1، ص 52
3- الأنفال: 41

وكل ما أفاده الناس فهو غنيمة، لا فرق بين الكنوز والمعادن والغوص ومال الفيء الذي لم يختلف فيه، وهو ما ادعي فيه الرخصة، وهو ربح التجارة وغلة الضيعة، وسائر الفوائد من المكاسب والصناعات والمواريث وغيرها، لأن الجميع غنيمة وفائدة من رزق الله تعالى(1).

وإذا غنم المسلمون شيئا من أهل الكفر بالسيف قسمه الإمام على خمسة أسهم، فجعل أربعة منها بين من قاتل عليه، وجعل السهم الخامس على ستة أسهم، منها ثلاثة له عليه السلام: سهان وارثة من الرسول صلى الله عليه وآله، وسهم بحقه المذكور، وثلاثة للثلاثة أضافه من أهله: فسهم لأيتامهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، فيقسم ذلك بينهم على قدر کفایتهم في السنة ومؤونتهم، فما فضل عنها أخذه الإمام منهم، وما نقص منها تممه لهم من حقه، وإنما كان له أخذ ما فضل لأن عليه إتمام ما نقص(2).

وروى أبو بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: كل شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله فإن لنا خمسة، ولا يحل لأحد أن يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا نصیبنا(3).

وفي رواية علي بن مهزیار، فإن فيها: (فأما الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كل عام قال الله تعالى ٭ (واعْلَمُوا) ٭. الآية. إلى أن قال (عليه السلام): والغنائم والفوائد يرحمك الله فهي الغنيمة يغنمها المرء والفائدة يفيدها والجائزة من الإنسان للإنسان التي لها خطر والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن(4).

ص: 308


1- فقه الرضا: علي ابن بابويه القمي ص 294
2- المقنعة: الشيخ المفيد ص 278
3- الوسائل، ج 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 5، ص 339 مع تفاوت. والباب 3 من أبواب الأنفال، ح 9، ص 378 عن الكتاب
4- الوسائل، ب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، ح 5. وسورة الأنفال، الآية 41

عن الامام الصادق (عليه السلام): وللإمام قبل القسمة من الغنيمة ماشاء على ما قدمناه في صفو الأموال، وله أن يبدأ بسد ما ينويه بأكثر ذلك المال. وإن استغرق جميعه فيما يحتاج إليه من مصالح المسلمين كان ذلك له جائزا، ولم يكن لأحد من الأمة عليه اعتراض. وجاء في حديث عن الامام أبي الحسن عليه السلام: قال وليس لمن قاتل معه شيء من الأرضين، ولا ما غلبوا عليه إلا ما احتوى عليه العسكر.

المسألة السادسة: أموال الخراج والمقاسمة.

من الموارد المالية الذي تأخذه الدولة وتعتمد عليه، هو المال الذي تأخذه الحكومة في قبال إجارة الأراضي المفتوحة لمن استأجرها منها.

وهما ضريبتان مضروبتان على من يعمل في الأراضي التي فتحها المسلمون بالقتال وسبب ذلك أنّ هذه الأراضيّ ملك لعامّة المسلمين فلا بدّ أن تصرف عائداتها في مصالحهم بعد أن يكون للعامل فيها ومحیيها حصّة لقاء عمله.(1)

والمقاسمة: حصة من حاصل الأرض، تؤخذ عوضا عن زراعتها. والخراج: مقدار من المال يضرب على الأرض أو الشجر حسبما يراه الحاكم. ونبهّ بقوله باسم المقاسمة واسم الخراج على انهما لا يتحققان إلا بتعيين الإمام العادل(2).

وعليه فإن قدّرت الدولة مقدارا خاصا من المال في مقابل الاجارة سمي ذلك خراجا، لأنه خرج من کیس الزارع ونحوه إلى کیس الدولة، وإن قدّرت الدولة نسبة خاصة ولم تعين مقدارا كالثلث والربع والنصف من الارباح سمي حينئذ مقاسمة، لأن الدولة والعامل يتقاسمان الربح(3).

ص: 309


1- مفاهيم القرآن: الشيخ جعفر السبحاني: ج 2 ص 582 - 583
2- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة: المحدث الشيخ يوسف آل عصفور البحراني ص 244
3- فقه الدولة: للصفار ص 465

المسألة السابعة: سياسة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في الخراج.

تعتمد سياسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في جباية الخراج على إجراءات مرنة وتعامل الاسلامي الحقيقي، حيث يؤكد الإمام (عليه السلام) على إن الاهتمام في هذا الأمر يساعد على حل مشكلة الفقر والعوز عند الناس، حيث يعد هذا العطاء استقامة واستقراراً لهم في تحقيق أهدافهم في الحياة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق نستعرض سياسته (عليه السلام) من خلال رسالته التي بعثها البعض عماله يحثه على الالتزام بالسلوكيات العامة للقيادة في المنظومة القيادية

يقول (عليه السلام):

«انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَلاَ تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً، وَلَا تَجْتَازَنَّ عَلَيْهِ کَارِهاً، وَلاَ تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّ اللهِ فِي مَالِهِ. فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى الْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخَالِطَ أَبْيَاتَهُمْ، ثُمَّ امْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، حَتَّى تَقوُمَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَ لاَ تُخْدِجْ بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ، ثُمَّ تَقُولَ: عِبَادَ اللهِ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَلِيُّ اللهِ وَخَلِیفَتُهُ، لِاخُذَ مِنْکُمْ حَقَّ اللهِ فِي أَمْوَالِكُمْ، فَهَلْ لِلهَّ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لاَ، فَلاَ تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ، فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَب أَوْ فِضَّة، فَإنْ كَانَتْ لَهُ مَاشِیَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلاَ تَدْخُلْهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَکْثَرَهَا لَهُ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلاَ تَدْخُلْها دُخُولَ مُتَسَلِّط عَلَيْهِ وَلاَ عَنِيف بِهِ، وَلاَ تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةً وَلاَ تُفْزِ عَنَّهَا، وَلاَ تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا، وَاصْدَعِ الْمَالَ صَدْعَيْنِ، ثُمَّ خَیِّرْهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلاَ تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ، ثُمَّ اصْدَعِ الْبَاقيَ صَدْعَیْنِ، ثُمّ خَيِّرْهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلاَ تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَهُ، لِمَا تَزَالُ بِذِلِكَ حَتَّى يَبْقَى مَا فِيهِ وَفَاءٌ لِحَقِّ اللهِ فِي مَالِهِ، فَاقْبِضْ حَقَّ اللهِ مِنْهُ، فَإِنِ

ص: 310

اسْتَقَالَكَ فأَقِلْهُ، ثُمَّ اخْلِطْهُمَا، ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّ اللهِ فِي مَالِهِ. وَلاَ تَأْخُذَنَّ عَوْداً، وَلاَ هَرِمَةً، وَلاَ مَكْسُورَةً، وَلاَ مَهْلُوسَةً، وَلاَ ذَاتَ عَوَار. وَلاَ تَأْمَنَنَّ عَلَيْهَا إِلاَّ مَنْ تَثِقُ بِدِینِهِ، رَافِقاً بِمَالِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُوصِلَهُ إِلَى وَلِيِّهِمْ فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ. وَلاَ تُوکِّلْ بِهَا إِلاَّ نَاصِحاً شَفِيقاً، وَأَمِيناً حَفِیظاً، غَيْرَ مُعَنِّف وَلاَ مُجْحِف، وَلاَ مُلْغِب وَلاَ مُتْعِب. ثُمَّ الحْدُرْ إِلَیْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ، نُصَیِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ بِهِ. فَإِذَا أَخذَهَا أَمِینُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ: أَلاَّ یَحُولَ بَيْنَ نَاقَة وبَيْنَ فَصِيلِهَا، وَلاَ يَمْصُرَ لَبَنَهَا فِي ذَلِكَ بِوَلَدِهَا، وَلاَ يَجْهَدَنَّهَا رُکُوباً، وَلْیَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ وَبَيْنَهَا، وَلْیُرَفِّهْ عَلَى اللاَّغِبِ، وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ، وَلْيُورِدُهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ اَلغُدُر، وَلاَ یَعدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الأَرْضِ إِلَى جَوَادِّ الطُّرُقِ، وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ، وَلْیُمْهِلْهَا عِنْدَ النِّطَافِ وَالاْعْشَابِ، حَتَّى تَأْتِينَا بِإِذْنِ اللهِ بُدَّناً مُنْقِیَات، غَيْرَ مُتْعَبَات وَلاَ مَجْهُودَات، لِنَقْسِمَهَا عَلَى كِتَابِ اَللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (عليه السلام) فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لِاجْرِكَ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ»(1).

اشتمل خطاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على جملة من التعاليم الاسلامية في جباية الخراج، اذ يعطي (عليه السلام) درسا اخلاقيا وتربويا في كيفية وطريقة أخذ الخراج من الناس وتوزيعها، فيتحدث سلام الله عليه في جملة من القيم والمبادئ السامية والرفيعة، لابد ان يتحلى بها القائد أو الوالي أو من توكل اليه مهمة جباية الخراج، فخطاب الإمام (عليه السلام): یدل بوضوح على المسيرة الرائدة للنبي (صلى الله عليه واله) في تعيين الإمام قائدا لأمته وخليفة من بعده، ومن المؤكد أن هذه الأحكام الرفيعة لا تصدر إلا من وصي نبي منحه الله تعالى الحكمة وفصل الخطاب(2).

ص: 311


1- نهج البلاغة: 52
2- مناهج حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): باقر شريف القرشي ص 116

يوصي الامام (عليه السلام) الوالي أو عامله على جباية الخراج بالتقوى (انْطَلِقْ عَلَى تَقْوَى اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ)، يبيّن الإمام إن التقوى مفتاح لكل الاعمال التي يريد الإنسان أن يقدم عليها، لأنها الغطاء الذي يحفظ الإنسان من الاخطار والوقوع في الرذائل، وهي مفتاح النجاح والتوفيق والتسديد، فيؤكد الامام (عليه السلام) في منهجه وسياسة على كل من يتصدى لمسؤولية معينة ان يتحلى بالتقوى. يقول (عليه السلام): فإن تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد وعتق من كل ملكة، ونجاة من كل هلكة. بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتنال الرغائب(1).

ومن كلام له (عليه السلام) يصف فيها فوائد التقوى: فإن تقوى الله دواء داء قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم، وجلاء غشاء أبصاركم، وأمن فزع جأشكم، وضياء سواد ظلمتكم(2).

يؤكد الامام (عليه السلام) في وصية (وَلاَ تُرَوِّعَنَّ مُسْلِماً، وَلاَ تَجْتَازَنَّ عَلَیْهِ کَارِهاً، وَلاَ تَأْخُذَنَّ مِنْهُ أَکثَرَ مِنْ حَقِّ اللهِ فِي مَالِهِ، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَی الْحَيِّ فَانْزِلْ بِمَائِهِمْ مِنْ غَیْرِ أَنْ تُخَالِطَ أبْیَاتَهُمْ)

يتحدث الإمام عليه السلام في هذا الجزء من الوصية عن الأبعاد الانسانية التي يجب أن تتوافر في المسؤول والحاكم، وهو عدم ادخال الفزع على قلوب الناس وتخويفهم والتطاول عليهم، من خلال سلب حقوقهم وتحميلهم أكثر من طاقتهم والابتعاد عن منازلهم مخافة انزال الذعر فيهم:

ص: 312


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي ج 2 ص 223
2- شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحدید، ج 10 ص 188

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يحل لمسلم أن يروع مسلا(1). في هذا الحديث دلالة أنه لا يجوز ترويع المسلم حتى في صورة المزح.

وهناك اساليب أخرى لترويع الناس وتخويفهم:

منها اشهار السلاح بوجوههم، كما في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): من أشار إلى أخيه المسلم بسلاحه لعنته الملائكة حتى ينحيه عنه.(2)

ومنها أن تنظر اليهم بنظرة مخيفة:

في رسالة الصادق (عليه السلام) إلى النجاشي: وإياك أن تخيف مؤمنا، فإن أبي حدثني عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب (عليهم السلام) أنه كان يقول: من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها، أخافه الله يوم لا ظل إلا ظله، وحشره في صورة الذر لحمه وجسده وجميع أعضائه حتى يورده مورده(3).

ومنها تخويفهم من خلال الحاكم او السلطان:

عن الصادق (عليه السلام): من روع مؤمنا بسلطان ليصيبه منه مكروه فلم يصبه فهو في النار. ومن روع مؤمنا بسلطان ليصيبه منه مكروه فأصابه، فهو مع فرعون وآل فرعون في النار(4).

ص: 313


1- نیل الأوطار: الشوكاني، ت: 1255،: 1973: دار الجيل - بيروت لبنان، ج 6، ص 62 ص 62
2- جامع أحاديث الشيعة: السيد البروجردي، ج: 16 ص 358
3- مستدرك سفينة البحار: الشيخ علي النمازي الشاهرودي، ج: 3 ص 227
4- المصدر نفسه: ص 228

ومنها إدخال الحزن عليهم:

عنه (صلى الله عليه وآله): من أحزن مؤمنا ثم أعطاه الدنيا لم يكن ذلك كفارته ولم يؤجر عليه(1).

وفي حديث مناجاة موسی (علیه السلام) قال تعالى: واعلم أن من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، ثم أنا الثائر لهم يوم القيامة(2).

ثم يوصي (عليه السلام) الوالي بأن لا يأخذ منهم أكثر مما فرض الله تعالى عليه من الحق؛ قوله (عليه السلام): «ثُمَّ امْضِ إِلَيْهِمْ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، حَتَّى تَقوُمَ بَيْنَهُمْ فَتُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ تُخْدِجْ بِالتَّحِيَّةِ لَهُمْ، ثُمَّ تَقُولَ: عِبَادَ الله، أَرْسَلَنِي إِلَيْکُمْ وَلِيُّ اللهِ وَخَلِيفَتُهُ، لاِ مِنْکُمْ حَقَّ الله فِي أَمْوَالِکُمْ، فَهَلْ للهَّ فِي أَمْوَالِكُمْ مِنْ حَقّ فَتُؤَدُّوهُ إِلَى وَلِيِّهِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لاَ، فَلاَ تُرَاجِعْهُ، وَإِنْ أَنْعَمَ لَكَ مُنْعِمٌ فَانْطَلِقْ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُخِيفَهُ أَوْ تُوعِدَهُ أَوْ تَعْسِفَهُ أَوْ تُرْهِقَهُ، فَخُذْ مَا أَعْطَاكَ مِنْ ذَهَب أَوْ فِضَّة، فَإنْ كَانَتْ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ إِبِلٌ فَلاَ تَدْخُلْهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ أَکْثَرَهَا لَهُ، فَإِذَا أَتَيْتَهَا فَلاَ تَدْخُلْها دُخُولَ مُتَسَلِّط عَلَيْهِ وَلاَ عَنِيف بِهِ، وَلاَ تُنَفِّرَنَّ بَهِيمَةً وَلاَ تُفْزِعَنَّهَا، وَلاَ تَسُوءَنَّ صَاحِبَهَا فِيهَا، وَاصْدَعِ الْمَالَ صَدْعَیْنِ، ثُمَّ خَيِّرْهُ، فَإِذَا اخْتَارَ فَلاَ تَعْرِضَنَّ لِمَا اخْتَارَ، فَلاَ تَزَالُ بِذلِكَ حَتَّی یَبْقَی مَا فِیهِ وَفَاءٌ لِحَقِّ اللهِ فِي مَالِهِ، فَاقْبِضْ حَقَّ الله مِنْهُ، فَإِنِ اسْتَقَالَكَ فَأَقِلْهُ، ثُمَّ اخْلِطْهُمَا، ثُمَّ اصْنَعْ مِثْلَ الَّذِي صَنَعْتَ أَوَّلاً حَتَّی تَأْخُذَ حَقَّ اللهِ فِي مَالِهِ».

ص: 314


1- البحار: ج 75 ص 150 / 13 وص 54 / ح 19
2- المصدر نفسه: ص 228

يتحدث الامام (عليه السلام) عن آداب أخرى للتعامل مع الناس، كأداء التحية عليهم بالآدب والخلق العظيم وتعريفهم بمن بعثه اليهم، وعدم مزاحمتهم اذا لم يكونوا متمكنين من ان يدفعوا اليه شيئا، واذا كانوا متمكنين فيذهب معهم ليرى ماذا عندهم من حق، فاذا كان الحق الذي يدفعونه ينقسم إلى قسمين، القسم الاول النقدين الذهب والفضة، والقسم الثاني الانعام الثلاثة، الغنم، الابل، البقر فاذا كان من القسم الاول يؤخذ منهم برفق ورعاية، واذا كان من القسم الثاني فيقسم المال إلى قسمين، فيجعل الخيار في أيديهم من اختيار أحد القسمين.

ويؤكد الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع عن أهمية الزكاة والحث عليها وعدم التهاون فيها.

قال عليه السلام لمعاذ (أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)(1).

- قوله (عليه السلام): وَلاَ تَأْخُذَنَّ عَوْداً، وَلاَ هَرِمَةً، وَلاَ مَکْسُورَةً، وَلاَ مَهْلُوسَةً، وَلاَ ذَاتَ عَوَار.

يوصي الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) عامله بوصايا أخرى في التعامل الانساني، أن لا يأخذ الهرمة والمكسورة وذات العوار يقول له يجب ان تميز بين الانعام في طريقة جبايتها وأخذها، ولا تؤخذ مريضة من الصحاح، ولا هرمة، ولا ذات عوار أي: ذات عيب، لقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون). وقال النبي صلى الله عليه وآله: (لا تخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق) أي: العامل(2).

ص: 315


1- المعتبر: المحقق الحلي ج: 2 ص 565
2- صحيح البخاري 2: 147

وعن الصادق عليه السلام: ولا تؤخذ هرمة، ولا ذات عوار، إلا أن يشاء المصدق، يعد صغيرها وكبيرها(1).

. ولا تأمن عليها إلا من ت. بدينه، رافق بالي المسلمين حتى يوصله إلى وليهم .

يقول (عليه السلام) على الشخص الذي توكل اليه مهمة جلب الصدقات إلى الامام (عليه السلام) أن يكون أمينا ثقة ومخلصا، لا يستبيح للدولة والرعية حقا من حقوقها، حتى يقسمها بالتساوي بين المسلمين، ويأخذ هو كنصيب واحد منهم ولا يفضل عليهم.

ثم يبين (عليه السلام) طبقات الناس الذين يستحقون العطاء؛ يقول (عليه السلام): «ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين، وأهل البؤس والزمني فإن في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً: واحتفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد. فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعیت حقه، فلا يشغلنك عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير المهم فلا تشخص همك عنهم، ولا تصعّر خدك لهم. وتفقّد أمور من لا يصل إليك منهم، ممن تقتحمة العيون وتحقره الرجال ففرّغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله يوم تلقاه. فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الانصاف من غيرهم. وكل فاعذر إلى الله في تأدية حقه اليه. وتعهد أهل اليتم، وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه»(2).

ص: 316


1- التهذيب 4: 20 / 52، الاستبصار 2: 19 / 56 و23 / 62
2- نهج البلاغة ص 438، الرسالة 53 وينظر اقتصادنا: السيد محمد باقر الصدر ص 667

ثم يقول (عليه السلام): «وَلاَ تُوَکِّلْ بِهَا إِلاَّ نَاصِحاً شَفِيقاً، وَأَمِيناً حَفِيظاً، غَيْرَ مُعَنِّف وَلاَ مُجْحِف، وَلاَ مُلْغِب وَلاَ مُتْعِب. ثُمَّ احْدُرْ إِلَیْنَا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَكَ، نُصَیِّرْهُ حَيْثُ أَمَرَ اللهُ بِهِ. فَإِذَا أَخذَهَا أَمِينُكَ فَأَوْعِزْ إِلَيْهِ: أَلاَّ يَحُولَ بَيْنَ نَاقَة وَبَيْنَ فَصِيلِهَا، وَلاَ يَمْصُرَ لَبَنَهَا فَيَضُرَّ ذلِكَ بِوَلَدِهَا، وَلاَ يَجْهَدَنَّهَا رُکُوباً، وَلْيَعْدِلْ بَيْنَ صَوَاحِبَاتِهَا فِي ذلِكَ وَبَيْنَهَا، وَلْیُرَفِّهْ عَلَى الاَّغِبِ، وَلْيَسْتَأْنِ بِالنَّقِبِ وَالظَّالِعِ، وَلْيُورِدْهَا مَا تَمُرُّ بِهِ مِنَ الْغُدُر، وَلاَ يَعْدِلْ بِهَا عَنْ نَبْتِ الأَرْضِ إِلَى جَوَادٍّ الطُّرُقِ، وَلْيُرَوِّحْهَا فِي السَّاعَاتِ، وَلْيُمْهِلْهَا عِنْدَ. النِّطَافِ والاْعْشَابِ، حَتَّى تَأْتِيَنَا بِإِذْنِ اللهِ بُدَّناً مُنْقِیَات، غَيْرَ مُتْعَبَات وَلاَ مَجْهُودَات، لِنَقْسِمَهَا عَلَى کِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (عليه السلام) فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لاِجْرِكَ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ»(1).

يوصي الإمام (عليه السلام) عامله على الخراج بالرفق في الحيوان رفقا رقيقا على وجه العموم، فلا يرهقه في المسير ولا الحمل والركون، ولا يحرم الصغير من لبن أمه، وتجب مراعاة الهزيل والمريض بما يستدعيه ضعفه ومرضه، ولا يجار عليه إذا تلكأ في السير. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): للدابة على صاحبها خصال ست: أن يبدأ بعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مر به، ولا يضرب وجهها، ولا يقف على ظهرها إلا في سبيل الله، ولا يحمّلها فوق طاقتها، ولا يكلفها من المشي إلا ما تطيق(2)، وليس هناك من البر بالحيوان مثل الذي ذكره الامام (عليه السلام).

أقول: تعد هذه الوصايا والبنود التي أوردناها من نص خطاب الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) دستورا حقيقيا في التعامل الاسلامي في المجتمع، وحاكیا عن الرأفة والرحمة بالناس البسطاء الذين يعيشون على كد أيديهم ووفرة أنعامهم، وكثير ما واجه هؤلاء مرارة العيش وظلم السلاطين.

ص: 317


1- نهج البلاغة: خطب الإمام علي عليه السلام، ج 3 ص 25
2- في ظلال نهج البلاغة: محمد جواد مغنية، ج 3 ص 449

ويقول (عليه السلام) في قسم من العهد:

وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلا فإن شكوا ثقلا أو علةً أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شيء خففت به المئونة عنهم فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم، معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم، فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبةً أنفسهم به، فإن العمران محتمل ما حملته وإنما یؤتی خراب الأرض من إعواز أهلها وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر(1).

يؤكد الامام (عليه السلام) في هذا المقطع من العهد، إن الدولة التي تعتمد على الضرائب والخراج، لابد لها ان توفر مقدماته وتهيئة السبل أمامه.

ويركز الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على الطبقتين الاقتصادية والاجتماعية، وهما المكلفتان بدفع الخراج، اي المستثمرين الزراعيين وغيرهم من المنتجين في الأرض التي عليها الخراج وهي أراضٍ واسعة تتميز بخصوبة تربتها، وبزراعتها لمحاصيل استراتيجية مهمة كالحنطة والشعير والتمر والزبيب ... وغيرها،

ص: 318


1- نهج البلاغة: رسالة 53

والذين يعملون فيها شريحة واسعة من المجتمع، حيث يعد النشاط الزراعي، النشاط الأول بالاقتصاد القومي، ومن ثم فهو السبب الرئيسي في العمارة حتى إن هذه الأراضي الخراجية تسمى بأرض السواد، وهي أرض العراق وبلاد الشام ومصر، إضافة إلى أرض بلاد فارس وأرض خيبر وغيرها من الأراضي الخراجية التي تحقق للدول الإسلامية موارد مالية كبيرة مقارنة بالموارد المالية الأخرى، لذلك نلاحظ أن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أكد على أهمية تفقد أمر الخراج، أي متابعته تفصيلية وشاملة لكل من الخراج وأهل الخراج، أي دراسة كافية لحقوق الدولة وحقوق أهل الخراج على حد سواء وآثارهما على من سواهم (المجتمع). ويعد ذلك بمثابة وضع نظام مالي متوازن بالخراج يخدم أهل الخراج (المنتجين الزراعيين)، أي يعمل على تحفيزهم وحثهم على الاستمرار في العمل في النشاط الزراعي وعلى زيادة الإنتاج، سواء كان من خلال زيادة الإنتاجية الكلية أو من خلال زيادة المساحة المزروعة، أي خلق حالة من المنافسة بين هؤلاء المنتجين الزراعيين على توسيع الإنتاج الزراعي واحساسهم بأهمية الإنتاج الذي يقومون بتحقيقه، وانهم شريحة مهمة في المجتمع، حيث يعتمد عليهم في إصلاح بقية المجتمع بعد أن يتحقق الإصلاح في الخراج وأهل الخراج، ولا يتحقق الإصلاح ببقية فئات المجتمع وبقية النشاطات الاقتصادية الأخرى إلا بعد أن تصلح كل من الخراج وأهل الخراج، وذلك لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله(1).

فضلاً عن تقديم الإعانة للمزارعين وسد احتياجاتهم وتخفيف المؤن (الخراج) عنهم: لأن الزراعة من أهم وسائل التنمية والاكتفاء الذاتي، فقد ورد في الاخبار مايدل على استحباب الزراعة، وفي الوقت نفسه أباح إحياء الأرض وحيازة المباحات فيها: روی سيابة أنّ رجلاً سأل الصادقَ (عليه السلام): أسمع قوماً

ص: 319


1- الإمام علي بن أبي طالب وسياسته في الخراج لمعالجة السكن والاعمار: رضا صاحب أبو حمد: ص 121

يقولون: إنّ الزراعة مكروهة، فقال: «ازرعوا واغرسوا، فلا والله ما عمل الناس عملاً أحلّ ولا أطيب منه، والله لنزرعنّ الزرع ولنغرسنّ غرس النخل بعد خروج الدجّال(1).

وسأل هارون بن يزيد الواسطي الباقرَ (عليه السلام) عن الفلاّحين، فقال: هُم الزارعون کنوز الله في أرضه، وما في الأعمال شيء أحبّ إلى الله من الزراعة، وما بعث الله نبيّاً إلاّ زارعاً، إلاّ إدريس (عليه السلام) فإنّه كان خيّاطاً(2).

سئل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أي الأعمال خیر؟ قال زرع زرعه صاحبه وأصلحه وأدى حقه يوم حصاده قال فأي المال بعد الزرع خير؟ قال رجل في غنم له قد تبع بها مواضع القطر يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة قال فأي المال بعد الغنم خير قال البقر تغدو بخير وتروح بخير قال فأي المال بعد البقر خير؟ قال الراسيات في الوحل المطعمات في المحل نعم المال النخل من باعها فإنما ثمنه بمنزلة رماد على رأس شاهق اشتدت به الريح في يوم عاصف إلا أن يخلف مکانها(3).

وعن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال «أيما قوم احيوا شيئا من الأرض او عمروها فهم أحق بها، وسئل الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) عن الرجل يأتي الأرض فيستخرجها، ويجري أنهارها ويعمرها (ويزرعها، ماذا عليه؟ قال (عليه السلام): الصدقة، قلت: فإن كان يعرف صاحبها: قال فليؤد اليه حقه فالأرض الله ولمن يقوم بعمارتها، لا لمن تركها وخربها»، وفي الحديث الشريف من أحيا أرضا ميتا من المسلمين، فليعمرها وليؤد خراجها إلى الإمام من

ص: 320


1- الكافي 5: 260 / 3، التهذيب 6: 384 - 385 / 1139
2- التهذيب 6: 386 / 1138
3- الوافي: الفيض الكاشاني الجزء: 17 ص 131

أهل بيتي وله من أكل منها، فإن تركها أو خربها، فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها فليؤد خراجها.(1)

وهذا يعني أن هناك حثاً من الشارع المقدس على العمل وعلى إحياء الأرض واستثمارها والاستفادة منها، فيتولد من هذا الاستثمار زيادة في الدخل الفردي للمواطن، فيترتب على هذه توفير الرفاهية والسعادة والرخاء، ويعد هذا الاستثمار العنصر الاساسي في القضاء على عامل البطالة، والارض لمن أحياها وهي له طالما يقوم بإعمارها والعمل فيها في احد النشاطات التي يحتاجها المجتمع، وعندما يتركها يحق للآخرين الاستفادة منها.

ويجوز لكل أحد إحياء أراضي الموات، فلو أحياها كان أحق بها من غيره سواء أكان في دار الإسلام، أم في دار الكفر، وسواء أكان في أرض الخراج أم في غيرها، وسواء أكان المحيي مسلما أم (كافرا، وليس عليه دفع الحراج أو أجرة الأرض إذا كان مؤمنا(2).

فيتحصل من كلامه (عليه السلام) في سياسة في جباية الخراج أمور بالغة الأهمية تعد دستورا في القيادة والادارة:

أولاً: يتحدث الامام (عليه السلام) في بداية كلامه عن تقوى الله سبحانه وتعالى وإطاعة أمره واجتناب معاصيه، مما لا ريب فيه أن التقوى تحكم الإنسان وتمنعه من ارتكاب المعاصي، وتجعله يمارس حياته بكل سعادة وطمأنينة، ويسعد الناس فيما لو كان حاكما عليهم.

ص: 321


1- هدى الطالب إلى شرح المكاسب: جعفر مروج الجزائري:، ط 2، انتشارات دار المجتبی ج 6، ص 475،
2- ، تفسير مجمع البيان، الطبرسي، المجمع العالمي لأهل البيت، ج،1

ثانياً: يؤكد الامام (عليه السلام) في وصيته لعماله بعدم التحميل بما لا يطاق، أي تكليف الناس فيما يجبونه فوق طاقتهم، ويوصيهم ايضا بأن يتحدثوا معهم بالمعروف بما هو واقع.

ثالثاً: ويوصي (عليه السلام) عماله بالإنصاف بين الناس، والسعي في قضاء حوائجهم، ويعتبرهم الإمام (عليه السلام) خدام الرعية وأمناءها وخزان أموالها.

رابعاً: عدم الاحتجاب ومنع الناس من الالتقاء بالوالي او المتصدي لهذه المسؤولية، فإن ذلك مما يولد النفرة والبغضاء بين الحاكم والمحكوم او الراعي والرعية.

خامساً: إلغاء مبدأ الضمان بين الناس، أي يؤخذ أحدهم بجرم غيره أو كفيل عنه.

سادساً: يؤكد الامام (عليه السلام) على الاهتمام بأعمال المواطنين وانجازها بالوقت المحدد من دون تأخيرها.

المسألة الثامنة: سياسة الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) في بيت مال المسلمين ومصارفه.

بیت المال: هو ذلك المكان الذي يتم فيه جمع كل ما يأتي إلى الدولة الاسلامية، من الخمس والزكاة والجزية والخراج وغيرها: سواء كانت أموالاً نقدية أو عينية، کالأغنام والابل والابقار والتمور وسائر الغلات، ويجب على الحاكم(1).

- مشروعية بيت المال:

نستطيع أن نعرف مشروعية بيت المال من خلال القرآن الكريم وروایات أهل البيت (عليهم السلام) حيث ذكر في كتاب الله وظائف مالية عديدة متفرعة

ص: 322


1- ينظر: فقه الدولة: للصفار، ج 2، ص 452

عن بيت المال، وأشارت آیات كثيرة بدلالة مفهومها العام إلى مشروعية بيت المال حيث أمر الله تعالى بأخذ الزكاة وتوزيعها، وحدد أصحاب الفيء، وأوضح طرق صرف الأموال المأخوذة في مصالح الأمة عامة، ولا يتم ذلك إلا من خلال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وولي الأمر من بعده، فضلاً عن مورد الغنائم وخُمسها. من هذه الآيات، ما ورد في قوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(1).

حيث يخاطب الله سبحانه وتعالى نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) ويحثه على العطاء والأخذ، وأخذه و عطاؤه صلى الله عليه وآله وسلم هو أخذ ولي بیت المال.

ومن الآيات الأخرى الدالة على بيت المال، ما ورد في قوله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»(2).

إشارة إلى موارد صرف الصدقات التي تخرج من بيت المال، والعاملون عليها هم مكلفون من قبل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشخصيته المعنوية المتولية الشؤون المسلمين عامة، وكذلك الأمر بالنسبة لمن خلفه من الأوصياء.

ومن الآيات قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(3).

ص: 323


1- التوبة: 103
2- التوبة: 60
3- الحشر الآية 8

إشارة إلى أن الفيء مال عاد للمسلمين من أعدائهم حصلوا عليه من دون قتال، فمن يقوم برعايته؟ ولا ريب أنه بحاجة إلى جمع وإحصاء وحفظ وتوزيع وهذا بالجملة مايقوم به بیت المال.

وقال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَی وَالْیَتَامَی وَالْمَسَاکِینِ وَابْنِ السَّبِیلِ إِنْ کُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِالله وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَی عَبْدِنَا یَوْمَ الْفُرْقَانِ یَوْمَ الْتَقَی الْجَمْعَانِ وَالله عَلَی کُلِّ شَيْءٍ قَدِیرٌ)(1).

بينت الآية المباركة خُمس الغنيمة في مصارف محددة أما ما يتبقى فيأخذه الغانمون، والخمس المتروك هو حق للرسول صلى الله عليه وسلم ولولي أمر الأمة من بعده للتصرف فيه بأشخاصهم المعنوية، وهذا في الحقيقة من مهام بیت المال.

هذه أهم مهام يقوم بها بیت المال في الحكومة الاسلامية وتحديد مشروعيته وفق النظرية القرآنية.

وأما الروايات التي تدل على بيت المال، فعلى الرغم من كثر وجود لفظ في روايات أهل البيت يدل على بيت المال، ولكن هناك اشارة واضحة على أن هناك وظائف لبيت المال كانت قائمة، تدل صراحة عليه، منها ما ورد في حديث جابر ابن عتيك، عن النبي [صلى الله عليه وآله و سلم] قال:

(سیاتیکم رَکبٌ مُبغَضون، فإن جاءوكم فرّحبوا بهم، وخلّوا بينهم وبين ما يبتغون، فإن عَدلوا فِلأنفسهم، وإن ظَلَموا فعليها، وأرضُوهم، فإن تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم)(2).

ص: 324


1- الأنفال: 41
2- الفتوحات المكية (ط.ج): ابن عربي الجزء: 8 ص 364

ولقد ثبت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان يوكل بعض أصحابه بحفظ مال الصدقة وحراسته مما يدل على إباحة حفظ مال الأمة في أي مكان يراه ولي الأمر، ومن ذلك ما ورد في صحيح البخاري، والحديث مرفوع عن أبي هريرة قال:

(وكّلني رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم] بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)(1).

وذكر البخاري عن عائشة أن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أرسلت إلى أبي بكر تسأل میراثها من رسول الله صلى الله عليه (وآله) مما أفاء الله عز وجل بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خیبر، فقال أبو بكر إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) قال لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه (وآله) عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم(2).

- في مصارف بيت المال:

من هنا نتحدث عن مصارف بيت مال المسلمين، ما في نهج البلاغة من كلام لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) کلّم به عبد الله بن زمعة لما قدم عليه يطلب منه مالا، فقال (عليه السلام):

«إن هذا المال ليس لي ولا لك، وإنما هو فيء للمسلمين وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظّهم، وإلا فجناة أيديهم لا تكون الغير أفواههم»(3).

ص: 325


1- صحيح البخاري، ج 3، ص 63
2- روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه: محمد تقي المجلسي (الأول) ج 8
3- نهج البلاغة، فيض / 728 عبده 2 / 253 لح / 203، الخطبة 232

ويؤكد الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) الالتزام بالمبادئ العامة عند الصرف من بيت مال المسلمين واعتماد مبدأ التسوية في العطاء. ومن كتاب له عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني وهو عامله على أردشير خره: (بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك وأغضبت إمامك: