أَبُوْ طَاْلَب وَبَنُوْه

هویة الکتاب

السيد محمد علي آل السيد علي خان

المدني

أَبُوْ طَاْلَب

وَبَنُوْه

إصدار

مؤسسة مسجد السهلة المعظم

الطبعة الثالثة (1436ه- - 2015 م)

جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة

ص: 1

المجلد 1

اشارة

مقدمة المؤسسة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

والصلاة والسلام على أشرف الخلق النبيّ الكريم محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين أئمة الحق وسادة الخلق.

وبعد: فقد أغنانا العلماء الأعلام وسادة الفكر والأدب فيما كتبوه من مقدمات للأجزاء الثلاثة من هذا السفر القيّم المبارك؛ فآثرنا أن نكتب في مقدمتنا نبذة عن المؤلف الراحل تمجيداً لذكره وعرفاناً لفضله وتقديراً لفضيلته والتماساً لشكره، على ما أداه من خدمة جليلة وإفاضة عظيمة بالكتابة عن سيد بني هاشم وزعيمهم المطاع أبي طالب (علیه السلام) .

السيد محمد علي السيد عبد الحسين السيد علي: فقيه إمامي وعالم جليل وكاتب أديب، ومدرس فاضل ومؤلف محقق قليل التأليف غزير الفضل والكمال، طويل الصمت هادئ النفس عفيف الضمير (1).. ولد عام 1343 في النجف الأشرف ونشأ بها على والده العالم الفاضل وهو من أفاضل خريجي مدرسة النجف الأشرف وفضلائها المرموقين.

قرأ المقدمات الأدبية والشرعية وواصل دراسته في علم المنطق والمعاني والفقه وأجيز به، ودرس السطوح الفقهية والأصولية على والده وعلى عمه السيد عبد الكريم (قدس سره) والسيد

ص: 2


1- خير الدين الزركلي – الأعلام / ج6 / ص 309، و د. محمد هادي الأميني -معجم رجال الفكر والأدب والأدب في النجف خلال ألف عام/ ط1 / حرف العين

باقر الشخص (قدس سره) والأبحاث العالية على السيد نصر الله المستنبط (قدس سره) والسيد محسن الحكيم (قدس سره) والسيد الخوئي (قدس سره) (1)، وأجازه علماء النجف وتصدّى للتدريس.

عين أستاذاً في مدرسة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قدس سره) (2)، وهو من مؤسسي جمعية التحرير الثقافي وأحد أساتذة مدرستها.

أوكل إليه مرجع الطائفة السيد محسن الحكيم (قدس سره) مهام نشر معالم الدين في مدينة العزيزية بمحافظة الكوت حتى وفاته عام 1393 ه-.

له عدة مؤلفات منها: المناظرة بين والد وولده، الشذرة في علم النحو، بحث في أصول الدين، التقريرات، أبو طالب وبنوه، ونشرت له الصحف والمجلات العراقية العديد من المقالات القيمة.

نقل إلى النجف ودفن بالصحن العلوي الشريف بحجرة رقم 30 (3).

تمت طباعة الجزء الأول من كتاب (أبو طالب وبنوه) في حياة المؤلف طاب ثراه بمطبعة الآداب في النجف الأشرف سنة 1969 م.

وشاءت إرادة العلي القدير أن ينتقل السيد الجليل إلى دار الرضوان دون أن يرى النور الجزآن الآخران من سفره المبارك؛ فانبرى نجله الميمون الأستاذ السيد علاء الدين وأتمّ ما

ص: 3


1- كاظم الفتلاوي – مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف / ط1/2006/ الغدير للنشر/ ص319، و د. محمد هادي الأميني -معجم رجال الفكر والأدب والأدب في النجف خلال ألف عام/ ط1 / حرف العين
2- حميد المطبعي – موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين /ج3/ص232/ط1 / 1998
3- كاظم الفتلاوي – مشاهير المدفونين في الصحن العلوي الشريف / ط1/2006/ الغدير للنشر/ ص 319

نوى إصداره والده المعظم، فصدر عن دار المحجة البيضاء في بيروت الجزءان الأول والثاني من الكتاب.

وسيراً على نهجها في نشر فكر أهل البيت (علیهم السلام) فقد التمست مؤسسة مسجد السهلة المعظم من الأمين العام السيد مضر السيد علي خان المدني تحرّي الجزء الثالث المخطوط، والموافقة على طباعة الأجزاء الثلاثة من الكتاب لما لموضوع سيد البطحاء من أهمية كبرى تخليداً لذكر زعيم بني هاشم رضوان الله تعالى عليه، ولحاجة المكتبة الإسلامية لأمثال هذه الإضمامات العطرة من تاريخ رجال الإسلام وبناته أمثال عمّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) الذي قام الإسلام به قويّاً عزيزاً.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

مدير المؤسسة

أحمد رزاق الجنابي

1436 ه-

ص: 4

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

تفضل به سماحة آية الله السيد نصر الله الموسوي المستنبط (دام ظله)، ننشره شاكرين.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وأله الطاهرين واللعن على أعدائهم أجمعين، وبعد:

فلا يزال في التاريخ الإسلامي فجوات كثيرة تحتاج إلى كثير من الجهد ممن له علم وعناية بالموضوع فإن التاريخ الإسلامي في أطواره المختلفة قد خضع لعوامل ومؤثرات خطيرة جعلته يسير في ركب الحكومات التي كانت تتوالى على الحكم فأفقده صفة الموضوعية والحياد في الولاء والعداء والجرح والتعديل، ومن هنا قد أهمل ذكر كثير من الرجال اللامعين على امتداد العصور الإسلامية، ولم ينصف كثيراً من الرجال الذين بذلوا حياتهم ونفوسهم في خدمة الرسالة، ومن هؤلاء شيخ الأباطح سيدنا أبو طالب (علیه السلام) ، فقد تنكر له التاريخ الإسلامي، ولم ينصفه رغم أنه وقف حياته في سبيل الإسلام، وجمد كل إمكاناته ومكانته في قريش لإسناد النبيّ العظيم (صلی الله علیه و آله) ، ولم يتنكر له ذلك جهلاً، بل لأمر ما قد أكنته الصدور لا يخفى على ذوي البصائر والفكر.

وقد تفرغ فضيلة العلّامة الحجة السيد محمد علي السيد علي خان دامت بركاته لدراسة حياة أبي طالب وبنيه ومواقفه من رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، حينما كان مستضعفاً بين قومه وعشيرته في

ص: 5

مكة، وقد كان للمؤلف دامت بركاته التوفيق فيما قرأت من كتابه القيم في عرض الجوانب المشرقة من حياة أبي طالب ومناقشة الأحاديث التي اختلقتها الأيدي المدسوسة للحط من كرامته، ومحاسبة التشكيكات التي أوردوها في إسلامه.

وسوف يجد القارىء في هذا الكتاب القيم عرضاً أدبياً رائعاً ومنهجاً متماسكاً جديداً، ولا غرو فإن فضيلة المؤلف ممن درس وتخرج من جامعة النجف الأشرف، وعدًّ من فضلائها المرموقين، والله أسأل أن يجعل هذا الأثر العظيم طليعة لآثار يتحف بها المكتبة الإسلامية والله الموفق.

نصر الله الموسوي المستنبط

ص: 6

بين يدي الكتاب

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وصلّى الله على خير النبيّين وسيد المرسلين والبشر أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

كانت فكرة التأليف في حياة أبي طالب وبنيه (علیهم السلام) تراودني وتشدني إليها منذ عهد بعيد.

وما أن سنحت الفرصة وحالفني التوفيق حتى بادرت إلى الفكر أستوحيه، وإلى التاريخ الذي تضمن أحداث هذه الفترة من عمر الزمن؛ لأحكم له أو عليه، فكان هذا المؤلف الذي يضم أجزاء ثلاثة.

يختص الجزء الأول منها بحياة أبي طالب (علیه السلام) ، والثاني في أحوال عقيل وجعفر وأحفاد أبي طالب من أولاده الثلاثة، أما الثالث فيتضمن حياة أمير المؤمنين عليٍّ (علیه السلام) فحسب.

وكلي أمل في أن يمدني الله سبحانه بالرعاية والتأييد، وينال هذا المؤلف الذي أهديه لساحة قدس علي أمير المؤمنين (علیه السلام) : من الله تعالى شأنه ومنهم (علیهم السلام) : الرضا والقبول.

المؤلف

ص: 7

المؤمن الأول

كان الناس – ومنهم الأمة العربية – تتبعها الأسر القرشية من قبل أن يطل الإسلام على العالم الفسيح، ومن قبل أن تشرق أنواره على البسيطة المترامية الأطراف، ومن قبل أن يمنَّ الله القدير على المجموعة الإنسانية ببعثة الرسول المنقذ محمد (صلی الله علیه و آله) .

كان الناس من قبل على نزعات متباينة وأهواء شتى، كما كانوا في مجتمع تسوده الوحشية وتهيمن على أخبيته الخرافات والأساطير، وتعشش في أذهان أفراده الأباطيل وكل ما ينافي الإنسانية والخلق الرصين: من وأد البنات وهن أحياء، وقتل الأولاد خشية الإملاق، وانتشار الخمور، وتعاطي الفجور، وغزو القوي للضعيف.. كما كانوا متفككين متفرقين يخافون أن يتخطفهم الشيطان من حولهم وهم لا يشعرون، يعبدون أحجاراً عملوها بأيديهم: يهللون لها ويكبرون، يسجدون لها ويركعون، ويسبحون بحمدها آناء الليل وأطراف النهار، كما كانوا يقربون لها القرابين، ويسألونها بإلحاح الحاجات في الشدائد والملمات..

وعلى سبيل المثال نذكر جملة من تلك الأوثان والأصنام المعبودة في تلك الأدوار المظلمة والعهود السوداء:

مناة، أساف، نائلة: معبودات قبيلة غسان والأوس والخزرج.

ود: معبود بني هذيل.

نسر: معبود قبيلة حمير. سواع: معبود بني كلب، محله حومة الجندل.

ص: 8

يغوث: معبود قبيلة ثقيف، موقعه الطائف.

العزى: معبود كنانة وبعض بني سليم وبعض من قريش.

هبل: معبود أكثرية قريش، موقعه الكعبة المشرفة.

وفي ذلك العصر الذي كان للأصنام والأوثان سوقها الرائج ومكانتها العظمى ومنزلتها الرفيعة، كان أيضاً أناس يعبدون الله عزّ وجلّ ويوحدونه وينفون عنه كل شريك ونظير: منهم قس بن ساعدة الأيادي، وزيد بن عمر بن نفيل، وبنو هاشم بصورة عامة، وفي طليعة بني هاشم الزعيم عبد المطلب وابنه أبو طالب عبد مناف.. فكانا ينحوان منحى هذا البيت:

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ *** وكل نعيم لا محالة زائلُ

وقد عد أهل السير أن جد الرسول العظيم عبد المطلب من المتألهين، كما ذكروا أن دوره كان دور إيمان بالله ودور اعتزاز بخدمة بيت الله، وبها تميز وتطاول على الغير وتفوق على الناس – كل الناس – كما انفرد بالخلق الفاضل الجميل وتحلى بكافة المفاخر والمآثر.

وقد ذكر المؤرخون في ترجمته رضوان الله عليه: أنه كان مشتهراً بعبادة الله والتجائه إليه، لذا كان الناس يقصدونه في الأمور الصعاب وفي الشدائد والأهوال، وكلما دعتهم الحاجة فما يجدونه إلا ملبياً حاضراً لكل المتطلبات بكل رحابة، يقصدونه للاستسقاء عند حبس الأرض بركاتها والسماء درها، فيخرج مستصحراً فلا يأتي على آخر دعائه إلا ويستجيب الله دعاءه، فيرحم الناس بالمطر، ويغيثهم من القحط والشدة.. وبدعوته ودعائه خلص الله الكعبة من

ص: 9

ومن بفنائها من الناس من شرور أبرهة الحبشي وأتباعه الذين أرادوا نقض الكعبة ونسفها من الأساس، فكان عبد المطلب في أكثر أوقاته آخذاً بعضادتي باب الكعبة وهو يردد:

يا رب إن المرء يمنع رحله *** فامنع رحالك

لا يغلبن ّصليبهم ومحالهم *** عدواً محالك

***

يا رب لا أرجو لهم سواكا *** يا رب فامنع عنهم حماكا

وهكذا ظل جد النبيّ (صلی الله علیه و آله) متوسلاً إلى الله سبحانه ومتضرعاً إليه راجياً منه تعالى أن يقي البيت الحرام ويدفع عن الناس مكائد الأحباش ومناوءتهم العدوانية، إلى أن ثأر الله عزّ وجلّ لبيته وخلقه فأرسل على الأحباش الأوباش الطير الأبابيل، فدمرتهم تدميرا، ومزقتهم شر ممزق، وذهبوا إلى لعنة الله وناره ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾( الفيل:1-5).

يحدثنا المسعودي في مروج الذهب 1 / 390 في ترجمة الزعيم الهاشمي شيبة الحمد عبد المطلب فيقول: وكان عبد المطلب مقرا بالتوحيد، مثبتا للوعيد، تاركا للتقليد – إلى أن يقول: وكان أول من أقام الرفادة والسقاية وهو أول من جعل باب الكعبة ذهباً خالصاً مطعماً بالأحجار الكريمة على حسابه الشخصي، كما كان يفتخر بذلك، وهذا قوله:

أعطي بلا شح ولا مشاححْ *** سقياً على رغم العدو الكاشحْ

بعد كنوز الحلي والصفائح *** حلياً لبيت الله ذي المسارحْ

ص: 10

ويقول المسعودي في نفس الصفحة والجزء: ولما جاء أبرهة بالأحباش لهدم الكعبة وقلعها من الجذور وعسكر في القرب من مكة المكرمة وأخرج الفيلة ليرهب الناس ويبعث الوجل والاضطراب في النفوس، ثم صار جيشه إلى نهب مواشي قريش وإبلها، وكان من جملة ما انتهبوه إبلاً للزعيم عبد المطلب، الأمر الذي أدى إلى الرغبة بزيارة أبرهة في معسكره ومخيّمه ليتنقذ أموال الناس وحيواناتهم وضمناً إبله الخاصة، ولما وصل إليه رحب بهِ وعظمه واحترمه وأكرمه وقال له: ألك حاجة فأقضيها؟ وكان يحسب أنه جاء لغاية تخليص الكعبة من الهدم والنقض، فما استشعر إلا أن إبله نهبت مع ما نهبه الجيش من مواشي الناس، وعندها قال له القائد: حسبتك ترجو مني ما هو أسمى وأجل عندكم من الإبل والأموال، حسبتك أنك تأمل العفو عن كعبتكم ومعبدكم المعظم. فقال عبد المطلب: أيها القائد أما أنا فرب الإبل، وأما البيت فله رب يحميه ويمنعه من أي اعتداء و إساءة ثم نهض للخروج، فأمر أبرهة برد الإبل وجميع ما أخذه الجيش من قريش كرامة لرئيس مكة، وبعد أن عاد عبد المطلب إلى مكة نادى بأهلها وأعلمهم بمنويات القائد الحبشي من الإبادة والتدمير ثم القضاء على البيت الحرام مهما كانت الموانع والحواجز، الأمر الذي يحتم عليهم الفرار بأرواحهم وذراريهم من الموت المرتقب في عشية وضحاها واللحوق ببطون الأودية ورؤوس الجبال، أما أنا فأبقى مرابطا في البيت حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا. فخرج القوم من الوطن مرغمين خائفين تاركين وراءهم رئيسهم المحبوب وزعيمهم الكريم، وظلوا يرقبون الأخبار ويتطلعون عن كثب إلى ما سيصنعه الله بالأحباش.

أمّا عبد المطلب فكان على عادته يأخذ كل يوم بعضادتي باب الكعبة ويدعو الله عزّ وجلّ ويستدر رحمته وعطفه ولطفه بالناس وانتقامه من الظالمين الذين يريدون الوقيعة والسوء

ص: 11

ببيته المعظم إلى أن انتقم الله لبيته وخلقه وأرجع كيد الأحباش إلى نحورهم وصدورهم فرح عبد المطلب فرحا كثيرا وكتب إلى قريش يعلمهم بتعجيل الله على الكفر ونزول عذابه عليهم واهلاكهم عن آخرهم، فعادوا مستبشرين إلى وطنهم وأماكنهم، كما عادت إليهم حياتهم الطبيعية، وبالمناسبة أنشأ عبد المطلب:

حمدت الله إذ عاينت طيراً *** حصيب حجارة تلقي علينا

وكل القوم يسأل عن نفيل *** كأن له على الحبشان دينا

وله أيضاً:

أيها الداعي لقد أسمعتني *** ثم ما بي عن نداكم من صممْ

إن للبيت لرباً مانعاً *** من يرده بأثام يصطلمْ

فانثنى عنه وفي أوداجه *** جارح أمسك منه بالكظم

قلت والأشرم يرمي حيلة *** إن ذا الأشرم عز بالحرم

فجزاك الله فيما قد مضى *** لم يزل ذاك على عهد ابرهم

نحن دمرنا ثموداً عنوة *** ثم عاداً قبلها ذات الأرم

نعبد الله وفينا سنة *** صلة القربى وإيفاء الذمم

لم تزل لله فينا حجة *** يدفع الله بها عنا النقمْ

وقال المسعودي في مروج الذهب 1 / 313: وكان عبد المطلب يوصي ولده أبا طالب بصلة الرحم وإطعام الطعام وتصور البعث والمعاد، وجعل إليه سدانة البيت الحرام وسقاية الحاج ورفادتهم.

وأكثر من الوصايا بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) ، ومن ذلك قوله:

ص: 12

أوصيت من كنيته بطالبِ *** بابن الذي قد غاب غير آيبِ

وقوله:

أوصيك يا عبد مناف بعدي *** بواحد بعد أبيه فردِ

* **

وقد ألهم جد الرسول الكريم (صلی الله علیه و آله) أن ينقب عن زمزم، وقد عثر عليها مؤخرا فنظفها ونقاها من الأدران، وجعلها صالحة للاستعمال.

وزمزم هذه هي العين التي أنبعها الله تعالى للنبي إسماعيل (علیه السلام) حين كان رضيعا، وحين جاء به أبوه مع أمه هاجر وأسكنهما بفناء الكعبة، فأدار عليهما الحجارة وانصرف عنهما بعد أن استودعهما الله الرؤوف الرحيم بقوله كما حكاه القرآن الكريم: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37).

فبقيت هاجر وطفلها في حماية الله وكنفه، في حين لا شيء هناك، لا ماء ولا كلاء سوى البر الأقفر والفضاء الموحش، ويجف اللبن من هاجر ويعطش إسماعيل ويشرف على الموت من العطش، فترتبك الأم للحادث، وراحت تركض إلى حيث لا تدري ثم تعود فتنظر طفلها يفحص بيديه ورجليه، وهكذا إلى أن عادت في المرة الأخيرة فوجدت رحمة الله وصنعه.. وجدت عين ماء صافية باردة تنبع من تحت قدمي الرضيع، ففرحت واستبشرت وهي تقول منذهلة: زمّ الماء، زمّ الماء؛ فسميت زمزم.

ص: 13

وهي التي أحياها وأعادها عبد المطلب، وعلى أثر هذا الإصلاح والإحياء ثارت ثائرة قريش، وتعالى وتعاظم حسدها وحقدها للزعيم الهاشمي على ما آتاه الله من فضله، وأخيرا نازعوه العين زاعمين أنها تعود للقرشيين بصورة عامة باعتبار أنها موروثة من الجد الأعلى إسماعيل فهم فيها شركاء، فلا وجه اذاً لاختصاص السيد الزعيم عبد المطلب بها وانطوائه على خيراتها.

وتوسعت الخصومة واشتدت، وأخيراً أجبروا عبد المطلب على المحاكمة عند الكاهنة، فوافق مضطرا حفظا على بني هاشم وحرصا على سيادة الأمن والسلام، فساروا جميعاً لحضور المحاكمة، وبينما هم في أثناء الطريق كان الوقت شديد الحر، فعطش القوم وأضرّ بهم، فكانوا من الموت كقاب قوسين أو أدنى، فما وسعهم إلّا أن يلوذوا بالملاذ العظيم والكهف الحصين جدّ الرسول (صلی الله علیه و آله) ، فاستجاروا به من العطش، فما كان منه رضوان الله عليه إلا ِان يسأل الله عزّ وجلّ أن يسقي القوم ويمن عليهم بالحياة المهددة، فلم يستتم دعاءه إلاّ وأنبع الله الماء من تحت حافر فرس عبد المطلب، ففرح القوم وشربوا الماء وعادت إليهم حياتهم الاعتيادية، وحين شاهدوا هذه الكرامة لجدّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) قرّ رأيهم بالإجماع أن يتنازلوا له عن زمزم ويعدلوا عن فكرتهم، وأخيرا صارحوه بما نووا وكرّوا راجعين إلى الوطن.

أقول: وما إجراء مثل هذه الكرامات والفضائل من الله تعالى على يدي الزعيم عبد المطلب رضوان الله عليه إلّا من جهة وطيد اتصاله ووثيق علاقته بالله عزّ وجلّ، ومتين اعتماده عليه سبحانه، وإلاّ لكان من أول المستحيلات أن يجري الله الخير والكرامة على يدي من لا علاقة له به، أو على يدي جاحديه والمشركين به.

** *

ص: 14

ومن كرامة الله وإحسانه على عبد المطلب أن صار أميناً مخلصاً على النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، وكافلاً حنونا عليه (صلی الله علیه و آله) ، وذلك على أثر موت أبيه وأمه، فكفله أجمل كفالة وأفضلها، وقام بتربيته وإدارة شؤونه خير قيام فكان المقدم عنده والمقرب لديه والمتفوق حتى على أولاده، يوليه الكثير من عنايته والوفير من رعايته وحنانه، يتحرى خدمته بنفسه ويتصدى للوازمه بشخصه، يحرص الحرص كله أن يدني منه كل مفرح ويبعد عن ساحته كل مؤذٍ ومكدر، وربما توسم من محياه النيّر وجبينه الوضّاء شارات العظمة والسمو وعلامات المجد والسؤدد وآيات النبوة والكرامة، فيضيف ذلك إلى ما لديه من معلومات قديمة وأخبار متوارثة: من أن النبيّ الذي يظهر في آخر الزمان هو من صلبه يكاد يعتقده في محمد (صلی الله علیه و آله) .

ومن هنا وهناك أراد المزيد من التأكد والاطمئنان، قصد به (صلی الله علیه و آله) إلى الكهنة وقدامى العلماء، ولا يعرضه على واحد منهم إلّا ويجد منه التأييد لفكرته، والتسليم لنبوءته، والإيصاء بالاحتياط والحفاظ عليه من مكائد الدهر وحوادث الزمن، فيرجعه والفرح والغبطة ملء جوانحه وجوانبه، وكيف لا يكون كذلك والنبوة والرسالة لحفيده المحبب محمد؟!.

وكم كان رضوان الله عليه يتمنى أن يفسح الله له في أجله ويمد في عمره لا لشيء سوى أن يدرك الزمن الذي تتحقق فيه بعثة محمد ورسالته، ثم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

ولكن الأجل لا يستأخر ولا يستقدم، فتصدر إرادة السماء بانتقاله إلى الفردوس الأعلى، حيث المؤمنون والأولياء وحسن أولئك رفيقا؛ وعليه لا بد من الرضوخ للقدر والتسليم، والرضا بأمر الله، فيعهد بوصاياه ومهامه إلى ولده المؤتمن وثقته المفضل أبي طالب ولده الأكبر، فيستعد أبو طالب لكل متطلبات الوالد الراحل، وأنشأ على الفور:

لا توصني بلازم وواجبْ *** إني سمعت أعجب العجائب ْ

ص: 15

من كل حبر عالم وكاتبْ *** حديثه رويته عن راهب ْ

ثم ينتقل جد الرسول (صلی الله علیه و آله) إلى الدار الآخرة وجوار ربه الكريم، فيلتزم أبو طالب بكل الوصايا والعهود، ولا سيما فيما يخص رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

ص: 16

أبو طالب يتمتع بكل صفات الخير

كان رضوان الله عليه ينعم بشخصية فذة وزعامة عامة، كما كان يتصف بكريم الخصال وعظيم المفاخر وجميل الفعال والمآثر.

وكان عالماً كبيراً، له دراية في فقه الأوائل والحديث، وهو شاعر بليغ، له ديوان مطبوع يحتوي على الشعر الرائق والنظم البديع، وما حفظته الكتب من شعره أكثر مما احتواه الديوان المطبوع.

وكان فيلسوفاً مهماً، تلمذ على يديه كثير من متكلمي العرب وفلاسفتهم، وربما تجرنا المناسبة إلى التعرض لهم إن شاء الله تعالى.

وكان مجاهداً في سبيل الله، يعمل الخير من أجل الخير، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويسعى دائباً إلى قمع جذور الضلال وقلع أسس الفساد، بعد أن كان قد حرم على نفسه وأسرته شرب الخمور وتعاطي الفجور ولعب القمار، والتزم بمحاربة الرذائل بكل ألوانها وأشكالها التي منها عبادة الأوثان والأصنام السائدة حينذاك، وهو الذي قرر أن تكون دية المقتول إمّا ألف دينار، وإمّا أن تكون مائة رأس من الإبل، يهدف من وراء هذا التثقيل في الدية إلى أن تنخفض نسبة القتل المتكثرة في ذلك العصر، وقد أقرها الإسلام ولم يزل معمولاً بها حتى اليوم وإلى يوم يبعثون.

ص: 17

أما بنو هاشم بصورة عامة فهم يكبرون أبا طالب ويقدرونه ويحترمونه ويعظمونه، كما لا يقطعون بأمر دونه، فهم يأتمرون بأمره وينزجرون بزواجره، ولم يشذ منهم أحدٌ أبداً، حتى أبو لهب فإنه لا يستطيع إلا أن يمتثل لأمره وإن كان مخالفاً له في المبدأ والدين.

يحدثنا النسائي في خصائصه عن عفيف الكندي أنه قال: قصدت مكة المكرمة لأشغال عرضت لي، وكان بعضها يتعلق بالعباس بن عبد المطلب، وكان عطاراً يبيع العطر في محل مقابل البيت الحرام، ولما وصلته استطال بي الجلوس حتى صار الظهر أو قارب، إذ أنظر شاباً بهي المنظر جميل الطلعة يمشي على استحياء، له هيبة ووقار، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، فأتبعته بصري، فإذا هو يقف عند باب المسجد الأعظم فيرمق السماء بطرفه، ثم دخل البيت فوجه وجهه إلى جهة من جهات البيت، ثم أقبل غلام يشبهه في الهيئة والهيبة فاقتدى به، ثم جاءت امرأة فوقفت خلفهما، وصار الجميع يركعون ويسجدون مع الغلام المتقدم، الأمر الذي استفزني وجلب انتباهي، فلم أتمالك أعصابي دون أن استفهمت العباس عن هؤلاء وعما يعملون. فقلت: يا عباس إنه لمنظر رائع وحدث عظيم.

العباس: إنه حقاً لأمر خطير وجليل، أتدري من الشاب المتقدم؟

عفيف: لا أعرفه ولا أعرف عنه شيئاً ولم أره قبل اليوم.

العباس: هو محمد بن عبد الله ابن أخي، والغلام هو عليّ بن أبي طالب أخي، والمرأة هي خديجة بنت خويلد زوجة محمد، وقد أخبرني محمد أن ربه رب السماء هو الذي قد أمره بهذا الدين.

ص: 18

عفيف: أيوجد من هو على هذا الدين غيرهم؟

العباس: لا والله ما على وجه الأرض غير هؤلاء الثلاثة.

عفيف: ما تقولون أنتم يا بني هاشم؟

العباس: ننتظر رأي الشيخ أبي طالب، فإنه بعد لم يعرف رأيه، فنحن في ترقب، ومتى ما استظهرنا رأيه تابعناه، وما كان لأي منا أن يتخلف أبداً.

***

أقول: العباس هو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فهو أخ لأبي طالب رضوان الله عليهما، وللعباس وزنه وأهميته ومكانته المثلى في الأوساط المكية والهاشمية، كما وإنه شخصية لامعة في دنيا التجارة والثروة، كما وإن له جميع مؤهلات الزعامة والرياسة لولا أبو طالب. ومع هذا كله لا يقطع بأمر ولا ينفرد برأي من دون استشارة أخيه الزعيم أبي طالب (رضی الله عنه) .

وهكذا نجد شخصية عم الرسول العظيم (صلی الله علیه و آله) محاطة بهالة من الإعظام والإكبار والاحترام والتقدير، فعن دسته تصدر الأوامر، ومن ناديه تنبعث الزواجر والنواهي وكافة التعليمات والإرشادات.

ومن هنا نجد أن بني هاشم على العموم حين تحققوا التفات أبي طالب نحو رسول الله (صلی الله علیه و آله) وتظاهره بمؤازرته ومعاضدته أجمعوا على الذب عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، وحمايته من الأيدي الغاشمة الكافرة، إلّا أبا لهب فإنّه ساير قريشاً وانضم إلى قوافلهم.

ص: 19

أبو طالب يكفل النبيّ (صلی الله علیه و آله) ويؤازره

يقوم زعيم الهاشميين بكل وصايا أبيه الراحل على أفضل ما قام به ولد بارٌ بأبيه العظيم، فيوقف نفسه لخدمة الكعبة وحماية المسجد الأعظم وإدارته، ووفادة الحاج وضيافتهم وسقايتهم، إلى غير ذلك من تعظيم وتبجيل،

ثم قام بخدمة النبيّ الكريم (صلی الله علیه و آله) ، فالتزمه التزاماً قل ّ نظيره، وأحاطه إحاطة قلما تتحقق لأحد من الناس، فنجده يقدمه على نفسه وولده، حتى أصبح لا يأنس إلا به، ولا يرتاح إلا إليه، ولا تحلو له مجالسة غيره، فهو صحيبه في سفره وحضره، وسميره في حلِّه وترحاله، يفرح إذا فرح، ويحزن إذا حزن، يرضى لرضاه ويغضب لغضبه، وهكذا تمر الأعوام على رسول الله (صلی الله علیه و آله) وهو في كنف عمه وتحت ظله الوارف آمناً وادعاً مرتاحاً، ينعم بالكرامة والهدوء.

وربما إذا خلا بنفسه تعترضه الذكريات، وتمر على صفحات ذهنه الشريف بعض الفكر، فيلوح له ما قد فقده من حنان الأبوين وشفقتهما وعطف الوالدين ورأفتهما، فيستشعر مخلفات اليتم ورواسبه المؤلمة، فيتعكر عليه صفوه ويكثر عليه قلقه، ثم تنطوي عنده هذه الصفحة، وسرعان ما تنقلب عنده الحال، فتعرض نعم الله عليه وما هيأه له من حضور عمه الزعيم لخدمته ومداراته، وحضور زوجة عمه فاطمة بنت أسد أيضاً كذلك فتهون عليه (صلی الله علیه و آله) مصيبته بأبويه الكريمين، فيعاود التسليم لقضاء الله وقدره، وينصرف إلى حمد الله تعالى والازدياد من شكره على نعمائه وآلائه.

ص: 20

***

وكلما يزداد النبيّ (صلی الله علیه و آله) نمواً وارتقاءً في السن يزداد ويتعالى ولاؤه وحبه في نفس عمه وأعماقه.

وكان رضوان الله عليه كأبيه يقرأ من ملامح النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأسارير وجهه الكريم علامات النبوة ودلائل البعثة، بالإضافة إلى ما ورثه من سلفه الصالح من المعلومات، وصار هو أيضاً يدور بابن أخيه على العرّاف والكهنة ليتبين مدى توسمه وتكهنه، ومدى أثر صحة ما وصل إليه بطريق الوراثة من أنقال وأحاديث، وأخيراً يحصل على تأييدهم أجمعين ويستفيد منهم واقعية الأمر وأنه كائن لا محالة، وكلهم يوصونه بالاحتفاظ بمحمد (صلی الله علیه و آله) وحمايته، والسهر على حياته، ويحذرونه من اليهود الآثمين.

وظل أبو طالب يرقب ذلك اليوم الأغرّ، اليوم المبارك الذي يبعث الله فيه محمداً (صلی الله علیه و آله) رسولاً للناس ورحمة للعالمين، ثم المجد والعزة والكرامة والعظمة للعرب بصورة عامة ولبني هاشم بصورة خاصة.

وما أن يشيع خبر تكهّن أبي طالب والعرّاف في مكة وضواحيها حتى غمرت الناس اللهفة وعمتهم الفرحة، ورجوا ببركة هذا الحدث أن يتخلصوا من هوة الجاهلية، وأوضار الوثنية المقيتة، وتحكم أهل النفوذ والقوة.

وأعطى الناس لقب الصادق الأمين لرسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فكان محمد الصادق الأمين.

ص: 21

وهكذا قدر للرسول (صلی الله علیه و آله) أن يكون مهوى الأفئدة، ومهبط الإكبار والتمجيد، ومحل الثناء من قبل كافة المتألهين والموحدين، بل من قبل عامة الناس، إلا ما كان من الجبابرة والطواغيت والمشركين واليهود القذرين الذين أقض مضجعهم وحزّ في نفوسهم تنبّؤ محمد وتحقق بعثته.

يحدثنا المتقي الحنفي في كنز العمال 1 / 305 فيقول: جاء رجل من بني عامر فجلس بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله) فصار يسأله متأدباً، فارتاح إليه النبيّ (صلی الله علیه و آله) وآنسه حديثه، ولما انتهى العامري من مسألته أخذ النبيّ (صلی الله علیه و آله) يقص عليه ولادته المباركة وما جرى له أثناء الولادة، فاستأنس الرجل وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما ألذّ حديثك، وأجمل كلامك، تفضل حدثني جعلت فداك.

فقال (صلی الله علیه و آله) : إعلم يا أخا بني عامر لما بنى أبي بأمي وحملت بي رأت فيما يرى النائم أن نوراً شعّ من بطنها وانتشر في الفضاء، فجعلت تتبعه بصرها، فرأته وقد ملأ الأرض والسماء، فقصت رؤياها هذه على حكيم من حكماء العرب، فقال لها: يا آمنة ستلدين غلاماً يعلو ذكره بين السماء والأرض،. وكان أهل حي بني سعد بن هوازن ينتابون نساء أهل مكة لحضانة أولادهم وأطفالهم ليعيشوا على خيرهم وأجرة إرضاعهم، وصادف أن ولدتني أمي في أيام حضورهم بمكة، وكان قد مات أبي وتبعته أمي، فكنت يتيماً قد كفلني عمي أبو طالب، ولمّا سمعت النساء بقصتي تباعدن عني ورفضن حضانتي وإرضاعي نظراً لفقري ويتمي، وصرن يرددن: ضرع صغير ويتيم فقير، فما عسانا أن ننتفع به من خير.

ص: 22

وكانت من بين النساء امرأة يقال لها أم كبشة بنت الحارث، فقالت لجماعتها: إني لا أرجع لبلدي خائبة أبداً، فقصدتني فحملتني وألقتني على صدرها، فدرّ لبنها فحضنتني وحضرت لإرضاعي وتربيتي، ولما بلغ عمّي أبا طالب الخبر فرح بذلك فرحاً ما له من مزيد، فأقطع الحاضنة إبلاً وثياباً ثم صار يواصلها ويسعفها ما دمت عندها.

أقول: الحكيم الذي نوهت عنه آمنة بنت وهب والذي قصت عليه رؤياها هو جد الرسول (صلی الله علیه و آله) الزعيم عبد المطلب رضوان الله عليه، فإنه كان على يقين من أمر حفيده، وأنه سيصبح أعظم إنسان وأجلّ شخصية يخضع له العالم كل العالم، وتنحني له إجلالاً وإعظاماً كافة الرؤساء والعظماء، كما سيعلو دينه على كافة الأديان، وإن كره المشركون.

وأما المرأة التي حضنت النبيّ (صلی الله علیه و آله) والتي فازت بتلك الكرامة التي لا تضاهيها كرامة، والتي حازت على إسعاف زعيم بني هاشم أبي طالب هي حليمة بنت أبي ذؤيب، حليمة التي ألقى الله في روعها حب محمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) وولاءه ومودته، فانصاعت صادقة مخلصة إلى خدمته وتيسير كل ما يحقق راحته وهدوءه واطمئنانه،. فهنيئاً لك يا حليمة، وبخٍ بخٍ لك يا مرضعة محمد العظيم، فقد فزت والله فوزاً عظيماً، ونلت من الشرف وعلو المقام ما يغبطك عليه جميع نساء العالمين، وبشراك يا حليمة حيث صحّ عنه (صلی الله علیه و آله) أنه قال: هبط عليّ جبرئيل يبلغني عن الله عزّ وجلّ أنه يقول لأي: يا محمد إني مشفّعك يوم القيامة في ستة نفر:

بطن حملك: آمنة بنت وهب.

وصلب أنزلك: عبد الله بن عبد المطلب.

ص: 23

وحجر كفلك: عمك أبو طالب.

وبيت آواك: جدك عبد المطلب.

وثدي أرضعك: حليمة السعدية.

وأخ لك: كان في الجاهلية.

فهنيئاً لك وألف هنيئاً يا حاضنة النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، وسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

وهكذا يقدر لرسول الله (صلی الله علیه و آله) أن يكون مقدراً مهاباً محترم الجانب عند حليمة وأسرة حليمة، الكل يعزونه ويكبرونه ويسهرون على راحته وارتياحه ويحرصون على دفع الأذى والمكاره عنه: أولاً لما لمسوه من توفر الخيرات وتضاعف البركات عليهم بوجوده بين ظهرانيهم، وثانياً من حيث إغداق أبي طالب الأموال والمعونة عليهم مدة الرضاع.

***

وبعد أن استكمل (صلی الله علیه و آله) مدة الرضاع نقله عمّه أبو طالب إلى داره، فنما وترعرع في ظل تلك الأحضان الحنونة والحجور المحبة الحريصة على سلامته وصيانته.

ويبدو لأبي طالب أن يسافر في متجر إلى الشام في الرحلة التي اعتاد عليها المكيون، إلا أنه (رضی الله عنه) صار في ضيق من ناحية النبيّ (صلی الله علیه و آله) ؛ لأنه لا يستطيع فراقه، كما لا يأمن عليه من تركه بمكة، واصطحابه معه لا يخلو من مصاعب وأتعاب، وأخيراً قرر استصحابه لأنه أخفّ الضررين وأهون الأمرين، باعتبار أنه هو الحارس عليه بعد الله تعالى، فأردفه أمامه وسار

ص: 24

مع القافلة، حتى إذا أراد الجمع الإستراحة والاستجمام، فأوقفوا حركة القافلة، وأنزلوا الأحمال والأثقال انحاز الناس كل إلى جماعته وأصحابه، وانحاز أبو طالب برسول الله (صلی الله علیه و آله) إلى ظل دير كان هناك، ففرش له وأجلسه، ثم صار إلى تهيئة ما لديهم من الطعام، إذ يطل راهب الدير من بعض النوافذ فيقع بصره على النبيّ (صلی الله علیه و آله) ويعقب تلك النظرة بتأمل في ملامحه وأوصافه ومحاسنه وطلعته، وما كان منه إلا أن ترك الدير وأقبل مبادراً مسرعاً حتى جثا بين يدي النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، الأمر الذي أدى بأبي طالب أن يعرض عما هو فيه إلى التوجه بكلّه نحو النبيّ (صلی الله علیه و آله) وترقب حركات الراهب وسكناته.

ولنترك الحديث لابن هشام، فهو يوضح لنا القصة، وهو الذي يوقفنا على الواقع والحقيقة، وقد جاء في سيرته 1/ 90، قال:

إن القافلة حين وصلت إلى أرض بصرى قريباً من الشام نزلت بالقرب من دير راهب، فأطل الراهب على الركب، وما أن وقع بصره على رسول الله حتى خفّ الراهب إلى أبي طالب يسأله:

ما يكون هذا الغلام منك يا أبا طالب؟

أبو طالب: هو ابني وولدي.

الراهب: لا يا أبا طالب ما هو بابنك ولا ولدك.

أبو طالب: ولماذا وكيف علمت أنه لم يكن كذلك؟

ص: 25

الراهب: إنه لا ينبغي أن يكون له والد حي.

أبو طالب: ولماذا وما الغاية من ذلك؟

الراهب: لأنه على مواصفات تقتضي أن يكون هو نبيّ هذا الزمن، وعليه فإحدى علاماته أن يموت أبوه.

أبو طالب: ما الذي تقصده من النبيّ؟

الراهب: النبيّ هو الإنسان الذي يأتيه الخبر من السماء فينبئ به أهل الأرض.

أبو طالب: أهل كل نبي يجب أن يموت أبوه؟

الراهب: نعم حتى لا يكون لأي إنسان أمر وسيطرة عليه حتى ولو كان أباه.

أبو طالب: صدقت أيها الراهب، إن لنا على تنبؤ محمد دلائل ورثناها خلفاً عن سلف، وهو قد مات أبوه وهو حمل في بطن أمه.

الراهب: إذاً ما يكون منك يا شيخ الأبطح؟

أبو طالب: هو محمد بن عبد الله أخي.

الراهب: صدقت يا أبا طالب، وإني أنصحك أن ترجع بابن أخيك من مكانك هذا وإن أدى ذلك إلى ذهاب أموالك وخسارتك في تجارتك، فإني لا آمن عليه من دسائس الشرك ومكائد اليهود، فإنهم إن عرفوا منه الذي عرفته فلا يولون عنه حتى يلحقوا الأذى به، بل يغتالونه بكل نشاط وقوة، ومن دون ما اختشاء أو حذر.

ص: 26

وبالتالي يصمم أبو طالب على العودة بابن أخيه مؤثراً الحفاظ عليه والاحتياط على حياته التي هي أثمن وأغلى من كل نفيس على أي منفعة مادية، وأي فائدة يتصور أنها تنتج عن تلك السفرة والتجارة، وأخيراً لوى عنان راحلته وكرّ راجعاً إلى الوطن.

وقد ذكر ذلك أيضاً الحلبي في سيرته 1 / 140، وذكره أيضاً ابن سعد في طبقاته، بل تعرض له كافة أهل السير في ترجمة النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، وذكروا أيضاً أن أبا طالب حين وصل بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) إلى مكة لازمه ملازمة منقطعة النظير، حتى صار ينيمه معه في فراشه، كل ذلك حرصاً على حياته واحتياطاً على سلامته من شرور المعتدين.

وهكذا يظل عم رسول الله (صلی الله علیه و آله) مراقباً له متفقداً أحواله، لا يبارحه ليل نهار، يقتفي أثره ويتبعه اتباع الظل، حتى إذا بلغ أشده وقوى ساعده وامتلك القوى الدفاعية قلص أبو طالب تلكم الملازمة ليعتمد على نفسه بعد الله عزّ وجلّ، ومع هذا ما استطاع أبو طالب إلّا أن يرقبه عن كثب ويرصده من حيث لا يستشعر مدة غير قليلة إلى أن اطمأن (رضی الله عنه) عليه.

ص: 27

أبو طالب وتجارة النبيّ (صلی الله علیه و آله)

وترجح لأبي طالب، أن يعرض السفر على رسول الله (صلی الله علیه و آله) بتجارة يهيؤها له، فيسافر بها إلى الشام مع القافلة، ليطلع أولاً على عالم أوسع من العالم الذي يعيشه، وليقف بنفسه على عادات العرب ومآثرهم، ثم التجارة التي يؤمل أن تعود عليه بالخير والنعم الجمة... فكان منه (صلی الله علیه و آله) أن وافق على الفكرة ورحب بالسفر، فصار أبو طالب إلى إنجاز الأمر وتوفير أسبابه ولوازمه.

قصد خديجة بنت خويلد، إذ هي أول امرأة ملية مثرية، والناس كلهم يتاجرون بأموالها وثروتها، فعرض عليها فكرته وغايته، فلم يجد منها إلا الترحيب الحار والتقدير والإكبار. ثم صبت الأموال بين يديه، وتركت الخيار له فيأخذ ما يشاء من غير حساب كرامة للزعيم الهاشمي وتقديراً لمحمد العظيم. فتناول قدراً معيناً وشكرها على شعورها الطيب نحوه ونحو ابن أخيه، ثم خرج من عندها مودعاً بمثل ما استقبلته به من الحفاوة والتكريم، بعد أن طلبت إليه أن يعلمها بساعة السفر لتجهز خادمها ميسرة ليكون بخدمة النبيّ (صلی الله علیه و آله) مصطحباً إياه، ليتولى إدارة شؤونه ذهاباً وإياباً.

عندما تهيأت القافلة واستعدت للسفر أوصى أبو طالب بمحمد الأصدقاء والأحباب، وأرسل إلى خديجة بعض غلمانه يشعرونها بتهيؤ القافلة، فكان ميسرة على أهبة الاستعداد، فالتحق بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) فور إعلامه، فسايره ومشى إلى جنبه، وحين علمت بنت خويلد بحركة الركب، إذ تتحفز متسلقة السلم لتشرف من أعلى السطح على محمد لتلقي عليه نظرة الحنان واللطف

ص: 28

التي شعرت بها ساعة مجيء أبي طالب ذاكراً لمحمد، وبمجرد أن وقع بصرها عليه رأت الغمام يظلله من حرارة الشمس ويقيه لفح الهجير، فيأخذ الحادث العجيب منها مأخذه، فتتحقق أن لمحمد شأناً خطيراً ومكانة سامية في السماء فكان موضع اللطف الإلهي والعناية الربانية.

وتستمر متوجهة نحوه حتى غاب عن بصرها، فترجع إلى مقرها لتزاول أعمال البيت، إلّا أنها تجد في قرارة نفسها أنها تحب محمداً وتوده وتكبره وتعظمه، لا شيء غير أنه صفي الله ومهبط فضله وكرامته.

ولم تمضِ الليالي والأيام حتى بشرت بوصول القافلة ومحمد إلى ضواحي البلد، فتعاود السطح لتنعم بنظرة إلى محياه الكريم، ولتستطلع قضية الغمامة، فتبينت عين المنظر، وتحققت نفس الحالة الأولى. فحمدت الله تعالى على سلامته، وشكرته على وصوله موفور العزة والمنعة، وطلبت إليه عزّ وجلّ أن يلهم محمداً رغبة الزواج منها، لتتوفق لخدمته ويتسنى لها القيام بشؤونه وإذا ما تمّ لها ذلك كانت هي السعادة العظمى والحياة الحرة الكريمة.

وتأتيها الأخبار بربح المتجر مائة بالمائة، وهي لا تزيد على أكثر من أن سلامة محمد هي أثمن من كل نفيس وغالٍ، وأجل ُ من جميع متع الحياة.

ولم تزل مصممة على هذا حتى إذا زارها أبو طالب ليرجع إليها ما أخذه منها والربح الذي مخض عنه المتجر، فما وجد منها إلا الإلحاح بإهداء الأصل والفرع لمحمد العظيم، ورجاء تكرار العودة فيما إذا صادف لمحمد مثل هذه السفرة مع فخر واعتزاز، فلم يسع أبا طالب إلّا

ص: 29

القبول والشكر والدعاء، وتهيأ للقيام فرأى وقرأ من نفس خديجة شيئاً تحاول إظهاره وإيقافه عليه، لولا ما هناك من مانع الحياء، فيجعلها تتلكأ في الحديث، الأمر الذي أدى بأبي طالب أن يستفهمها الحال ويستطلعها عما يخالجها من فكرة.. وبالتالي رات أن تصارحه بما يدور في خلدها المتمثل برغبة الزواج من محمد (صلی الله علیه و آله) إن كانت هناك رغبة مماثلة، وكل الغاية هي خدمة محمد وتوفير أسباب الراحة والهدوء لقداسته، فما كان من عمّ الرسول الكريم إلّا ان وعدها خيراً.

وكرّ راجعاً إلى البيت يفكر في الموضوع يؤيده مرة ويفنده تارة أخرى، فيجد أن المرجحات والمحاذير تتعارض وتتصادم لديه، إذ تنهزم المحاذير أمامه إلا واحداً منها يتأصل ويستحكم، وهو كل ما يكون تفوق خديجة بالسنّ على محمد، وهو من اختصاص محمد فقط وله وحده الاختيار، فليعرض الأمر عليه إذاً ليبتّ فيه ويحكم بما يشاء.

وبعد إيقافه على القصة أخذت منه مقداراً من التأمل والتفكير، وأخيراً يرفع رأسه قائلاً: يا عمّ لا أرى لكبر السنّ مزيداً من الأهمية إن كان الموضوع رائقاً من الجهات الأخرى. فاستشعر أبو طالب الموافقة، واعتزم إتمام القضية، وبعث إلى خديجة من يبشرها.

ص: 30

أبو طالب يزوج النبيّ (صلی الله علیه و آله)

إتجه أبو طالب نحو تهيئة أسباب الزواج ومعدات الفرح، وأول عمل قام به رضوان الله عليه هو أن قصد أهل خديجة وأسرتها العربية الكريمة، فوجد الإعظام والإكبار والتقدير والتوقير، وما أن استقر به المجلس حتى فاوض الأهل والأقارب فيما يخص خديجة ومحمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، إذ يهبُّ الجميع معتزين فخورين بالشرف العظيم الذي سيحصلون عليه بمصاهرة بني هاشم، ولا سيما محمد الصادق الأمين... وعندها خطب أبو طالب خطبة العقد فقال:

((الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، الحمد لله الذي جعلنا خيار الناس، الحمد لله الذي جعل لنا بلداً حراماً وبيتاً محجوجاً، وجعلنا الحكام على الناس.

ثم إن ابن أخي محمداً من لا يوازن به أحد من قريش إلا رجح عليه براً وفضلاً، عقلاً ورأياً، وإنه وإن كان في المال مقلاًّ فإنما المال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله رغبة في خديجة، كما لها مثل ذلك، وما أحببتم من صداق فعلي أداؤه، ولمحمد والله بعد نبأ شايع وخطب جليل)).

ثم قدمت التشريفات وتفرق القوم، ورجع أبو طال فصار إلى إعداد المهر ومعدات الوليمة، حتى إذا ما تمّ له كل شيء صنع ليلة الزفاف وليمة فخمة ضخمة لم يسبق لها في تاريخ الولائم العربية مثيل أبداً، وكانت ليلة مباركة عمّت الفرحة فيها الجميع، ولاسيما بني هاشم، ولاسيما أبا طالب.

ص: 31

يحدثنا الشبلنجي في نور الأبصار ص 41 في بيان تعداد أزواج النبيّ (صلی الله علیه و آله) فقال: أول زوجات النبيّ (صلی الله علیه و آله) اللواتي دخل بهن خديجة بنت خويلد، وكان تزوجه بها بإرشاد من عمه أبي طالب، وكان صداقها اثني عشر أوقية ونصف الأوقية من الذهب الخالص، دفعه أبو طالب من خالص أمواله.

أقول: لقد عرفتنا الوقائع وأوقفتنا الأحداث على أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) عاش مع السيدة الكريمة أم المؤمنين خديجة عيشة هادئة رضية، كما وجد منها المرأة المحبة الوفية والمخلصة الأمينة، لقد شاركته في السراء والضراء، وآثرت راحته على راحتها، آثرته بثروتها التي جلت عن الإحصاء والتعداد، آثرته بكل ما تملك حتى صارا ينامان على جلد شاة، فهو كل الموجود وكل ما يدور عليه سور بيتهما الكريم.. كل ذلك ولم يخط ببالها يوماً أن تسال الرسول (صلی الله علیه و آله) عن شيء أبداً، لعلمها بأنه (صلی الله علیه و آله) صرف تلك الثروات في سبيل الله ومصالح الإسلام، وكان من جملة موارد الصرف إعاشة بني هاشم سني الحصار والاعتقال.

ويقدر لها أن تلد بعد اليأس للنبي العظيم الطيب والطاهر والزهراء، ولم تلد إحدى زوجات النبيّ (صلی الله علیه و آله) إلاّها، وكان نسله (صلی الله علیه و آله) منها، لذا قال: إن ذرية كل نبي من صلبه إلاّ أنا فذريتي من ابنتي فاطمة وابن عمي عليّ بن أبي طالب.

ويا لفرحة أبي طالب حين يتبين ارتياح ابن أخيه العائلي وصفاء جوه المنزلي، ولا سيما حين يطلع على أحوال خديجة معه من السهر على المصلحة والتصدي بصدق وإخلاص عميقين لجلب بواعث الدعة والاطمئنان والترفيه والاستقرار، ما أن كان لها إلى ذلك سبيل، فينكفئ إلى حمد الله وشكرانه على نعمائه وآلائه.

ص: 32

أبو طالب وبدء الدعوة الإسلامية

تشاء إرادة الله الحكيم الإشاءة التي لا رادّ لها ولا يمكن ان يقف في طريقها أي إرادة أو إشاءة، نعم تشاء إرادة الله العظيم أن يجهر رسول الله (صلی الله علیه و آله) بنبوته، ويعلن عن بعثته ورسالته، ولا سيما بعد ترديد السماء ﴿وأنْذِرْ عَشِيْرَتَكَ الأَقْرَبِيْنَ﴾ (الشعراء: 214).

فلم يرَ (صلی الله علیه و آله) بداً من أن يفاتح عمه الزعيم أبا طالب في الأمر، ويطلعه على جلية الحال، إذ هو رضوان الله عليه فقط موضع ثقته ومحط أسراره، كما هو أكبر عامل للنهوض به نحو الغاية، وأجلّ دعامة يمكن أن يرتكز عليها ويعتمد على ما يراه من آراء موفقة وخطط سديدة.

ففاتحه (صلی الله علیه و آله) ، فتأمل قليلاً ثمّ رفع إليه طرفه وقال: بأبي أنت وأمي يابن أخي، مرْ تطعْ، واحكم انفذْ إن شاء الله.

فقال: أريد فعلاً إحضار أربعين نفراً وأنت منهم يا عم من الأهل والأسرة.

فأجابه إلى ذلك وهو يردد ((سعياً على الرأس لا سعياً على القدم)) الآن أحضرهم يابن أخي.

فنهض رضوان الله عليه وعاد ومعه القوم، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) لعليٍّ (علیه السلام) : أحضر الطعام، فأحضره فأكلوا وشربوا، والطعام على حاله وكأنه لم تمسسه أيديهم ولم يتناولوا منه لا قليلاً ولا كثيراً.

ص: 33

وما أن استشعروا هذه الكرامة حتى صار بعضهم ينظر إلى بعض نظر المغشي عليه من الموت، وهبوا جميعاً للخروج، وبعضهم يقول للآخرين: هيّا هيّا لنخرج لقد سحرنا محمد، فانفضوا ولم يستفد منهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) شيئاً، ولم يفهموا منه معنى.

ولما صار اليوم الثاني أمر النبيّ (صلی الله علیه و آله) عليّاً (علیه السلام) أن يجمع له القوم ثانية، فبادر (علیه السلام) إلى إحضارهم، فأحضرهم، وبعد أن أخذ كل واحد منهم مجلسه ابتدرهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) قائلاً: يا قوم أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو ممسيكم أو مصبحكم أكنتم تصدقوني على ذلك؟

قالوا: نعم نصدقك وأنت فينا الصادق الأمين.

قال: يا قوم إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، إني قد جئتكم بأمر إن أطعتموني عليه دانت لكم العرب والعجم، تشهدون أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله إليكم، أيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووزيري وخليفتي من بعدي؟

وما أن سمع القوم ذلك حتى أحجموا وأطرقوا برؤوسهم إلى الأرض كأنهم يساقون إلى الموت.

وإلى هنا نعطي المجال للتاريخ ليحدثنا عن لسان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ، لأنه شاهد عيان، فيقول (علیه السلام) : ردد رسول الله (صلی الله علیه و آله) دعوته ثلاث مرات والقوم سكوت كأنما على رؤوسهم الطير، فقمت أنا وكنت آنذاك أصغرهم سنّاً وأضعفهم جسماً، فقلت: أنا يا رسول الله أؤازرك على دعواك وأناصرك على أداء رسالتك، وعند ذلك أخذ برقبتي وقال: يا قوم هذا علي أخي ووزيري وخليفتي من بعدي.

ص: 34

أما أبو طالب فإنه حين رأى إحجام القوم ووجومهم قام فتكلم فقال فيما قال: أي محمد ما أحبَّ إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون وأنا واحد منهم، فلا أزال أمنعك وأحوطك، فامض لما أمرت به.

فقام أبو لهب فقال: يا قوم هذه هي السوءة، هذه هي السوءة، يا قوم خذوا على يديه من قبل أن يأخذ غيركم.

ثم التفت إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) وقال: قم يا سيدي، قم يا محمد، تكلم بما أحببت، وبلغ رسالة ربك فأنت الصادق الأمين.

سمع القوم هذا فقاموا مغضبين، تعلوهم الكآبة، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، كل ذلك من حيث انحياز أبي طالب إلى جبهة محمد وحزبه، والمصارحة باتباعه وتصديقه، وأقل نتائج ذاك الإتباع والانحياز، هدر القيم والإطاحة بالكيان، وبالنهاية القضاء على الآلهة والمعبودات.

ولكن ثمّة بصيص من أمل حسبوا أنهم ينفثون منه إلى تعكير الجو بين أبي طالب ومحمد من جهة وإلقاح الفتنة بين عليٍّ (علیه السلام) وأبيه من جهة أخرى، وإذا ما تمّ لهم ذلك جلسوا على التل للفرجة، وبالتالي يتمكنون من شل حركة محمد وخنقها في مهدها، ويقضون على محمد وبه ينتهي كل شيء.

أقبلوا على أبي طالب يذرفون دموع التماسيح، وتسلحوا بالخداع الماكر،،اظهروا تألمهم لقضية تأمير محمد (صلی الله علیه و آله) لعليٍّ (علیه السلام) مع وجود أبيه البطل والعظيم المفضل: أما رأيت يا شيخ

ص: 35

الأبطح كيف أمرك محمد أن تسمع لابنك وتطيعه، أما إن ذلك هوان لا يمكننا معه الصبر والسكوت؟

ولكن أبا طالب العظيم لم يكن ليخفى عليه حقد القوم وبغيهم، كما لا يتصور في حقه أنه يمكن أن تنطلي عليه محاولات الشرك وأحابيلهم الهادفة إلى خلق الجو المعاكس بينه وبين ابن أخيه أو بينه وبين ولده عليّ (علیه السلام) ، لذا لم يعر طنطنة الذباب ولا نقيق الضفادع ولا النفثات المحمومة ولا قليلاً من الأهمية، ما دام محمد صادقاً في دعواه حكيماً لأمره كما لا يخدش في كرامته وزعامته كونه مأموراً لولده الصغير منقاداً إليه، مادام ذلك صادراً عن إرادة إلهية وتدبير سماوي.

ولم يحدثنا التاريخ كما لم تنقل لنا كتب السير أن عم النبيّ (صلی الله علیه و آله) الزعيم أبا طالب تأثر للحادث، أو تألم للتأمير آنف الذكر، أو تعرض للعتاب لا أقل، فكل ذلك لم يكن، بل الآثار والشعائر تؤيد رضاه بفعل الرسول (صلی الله علیه و آله) ، وإقرار له، ولنا من ناصع الأدلة كما سنذكر إن شاء الله على أمر أبي طالب ولده عليّاً (علیه السلام) باتباع النبيّ (صلی الله علیه و آله) ومؤازرته لا يحصى، فمن ذلك قوله: إلزم محمداً مهما استطعت، فإنه لا يدلّك إلا على خير، ولا يهديك إلا سبيل الرشاد.

وتواتر عنه قوله:

إن الوثيقة في لزوم محمد *** فاشدد بصحبته عليُّ يديكا

ومهما يكن من أمر: إن انحياز أبي طالب إلى معسكر النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، أحدث البلبلة والضجة في صفوف الشرك، كما أحدث الإستياء العام في جموع الكفر.

ص: 36

ومن هنا وهنالك صمموا على التكتل والاتحاد ومحالفة اليهود ليكونوا يداً واحدة على أبي طالب كي يقهروه على التنازل ويضطروه إلى التخلي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، أو يموتوا جميعاً قرابين للأصنام والأوثان.

وبطبيعة الحال أن هذه التكتلات والتجمعات لا تكاد تخفى على أبي طالب كما لا تعزب عن تفكيره نتائجها السيئة ورواسبها الدنيئة إذا لم تتخذ السبل لتكتل مماثل أو أقوى يرهب العدو فيوقفه عند حده، ولا أقلّ من تكثير عدد الأعوان والأنصار والحلفاء، فيبدو لأبي طالب أن يكون أول عمل يقوم به هو الإجتماع بالهاشميين بصورة عامة وإحاطتهم بمنويات القوم وما يبيتونه للمجتمع الهاشمي من الدمار والإفناء، ولا سيما محمد محبوب الجميع، وما كان من الهاشميين إلّا أن يلبوا نداء زعيمهم ورئيسهم مهما كانت التضحيات والخسائر والمخلفات، وهم طوع إشارته وتوجيهاته.

وصار هو بنفسه – أعني أبا طالب -إلى تحري حركات القوم وترصد ما يدور في النوادي والمجالس من مؤامرات وتصميمات عدائية وخطط جهنمية حتى إذا وقف على خيوطها تتبعها واكتشفها ففضحها ووقف أمامها وقفة الأسد المشبل، فيصرخ عالياً إني بالمرصاد لكل من سولت له نفسه إيذاء محمد، أو يدنو منه بمساءة ما دمت حياً وسيفي بيميني، ثم ليعلم أن ابن أخي محمداً لا يريد أن يفرض مبادئه بالقوة والسيف، بل هو كالتاجر الدوار بتجارته، ما أن وجد لها راغباً باعها وإلا حمد الله على كل حال.

وانطوى على نفسه إلى أن يحدث الله بعد ذلك أمراً، ويلقي الله سبحانه وتعالى الذعر والخوف في قلوب المشركين من سطوة أبي طالب والأسرة الهاشمية، الأسرة التي ألهبها

ص: 37

أبو طالب قوة وحماساً وبأساً وشجاعة وترك كل فرد من أفرادها يتوقد ثورة وإقداماً، كما خلق منهم قوماً مستميتين لا يرون الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً، وما أن شاهد الشرك ذلك حتى خافوا نشوب حرب مدمرة تطيح بالأرواح والآلهة، ثم لا ينفعهم إذ يندمون.

وأخيراً وبعد اجتماعات ومداولات قرروا أن لا يعملوا بصورة علنية على مقاومة أبي طالب ومحمد وإيذائهما، فالتكتم هو الأولى في الأوقات الحالية، وانتهاز الفرصة بانفراد محمد واتخاذ طرق الحرب الباردة أنفع في صدّ الأخطار.

وعليه تم التصميم وعقدت النية، ويلاقي هذا التدبير من الجماعة كل ترحيب وتقدير، فالتذرع بسحر محمد وشعوذته وجنونه وكهانته هو أكبر ذريعة لتحطيم مبادئ محمد وشريعة محمد، وبنفس الوقت نصر للمعبودات وعزة للآلهة...

وربما تلاقي هذه الهمسات الحاقدة، النفثات المحمومة بعض الرواج، ونوعاً من القبول والتصحيح، إلا أنها تنهار أمام دعوة الحق وثورة العدل، ولم تفلح بالاستمرار والدوام ما دام هناك قدرة وقوة تعملان في الخفاء، فتنفذان إلى المناوي المحاطة بسور من الكتمان المنيع، فتكشفان كل ما هو مبيت ومصور، فتوحيه للزعيم الهاشمي فتملؤه استئساداً ونخوة، وتحفزه للأخذ بعضد محمد مطلاً به على رؤوس الشيوخ والأبطال في أعظم نواديهم المزدحمة، فينقض عليهم انقضاض الصقر بلاذع الخطاب وقريع المقال:

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** وابشر بذاك وقرَّ منك عيونا

ص: 38

ودعوتني وعلمت أنّك صادق *** ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا

ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا

والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا

فيترك القوم حيارى تتقاذفهم الأمواج فتعود بهم إلى الحضيض، وتسير بهم في الطريق الشائك المتعب والسبل الملتوية، وسيسمعهم أبو طالب ما هو أشد عليهم من وقع السيوف، وأشقّ عليهم من لهب النار وضرب الحديد، ما دام سائراً وراء محمد يسنده ويؤازره، فيلزمهم والحال هذه أن ينكفئوا إلى الآلهة مستجيرين ولائذين، يثيرون فيها روح الثأر لعروشها المهددة بالنقض والنسف، فيرجعون وكأنها قد ألهمتهم الصمود، وحببت إليهم مماكرة أبي طالب ومخادعته بكل وسيلة وحيلة.

فيعم النادي ويجتمعون ويكثر الحديث، وأخيراً يرون أن يقدموا على أبي طالب بعمارة بن الوليد.. عمارة الذي هو أنبل شخصية عربية عندهم وأجمل شاب في قريش يجمع كثيراً من صفات الكمال وخصال الخير، فيستبدلونه بمحمد شابٍ مكان شاب، ومتى ما كان ذلك كان الفتح في جانبهم والرشد في صالحهم، وتفننوا في قتل محمد وتلذذوا بالتمثيل به.

وما أن عرضوا الفكرة على الزعيم الهاشمي حتى انتفض انتفاضة الأسد، وغضب غضبة الليث، وقال: والله ما أنصفتموني أيها الحمقاء، تبّاً لكم أيتها الجماعة، وسحقاً وتعساً لعقولكم أيها الجبناء الأغبياء، أتريدون مني ايها الصلفون الوقحون أن أعطيكم ولدي وروحي لتقتلوه وتنكلوا به، وتعطوني ابنكم أربيه لكم، فما لكم كيف تحكمون؟! أترجون مني

ص: 39

أن أستبدل محمداً بعمارة بن الوليد، فو الذي نفسي بيده لو أعطيتموني العالم كله لما استبدلته بظفر من رجل محمد، فإليكم عني ولا تكلموني وإلا علوت رؤوسكم بالسيف...

فنهضوا من المجلس مهانين محقرين يودون أن تنخسف بهم الأرض أو يأتيهم الموت من مكان سحيق، فباءوا إلى أهليهم بالخزي والعار وفشل المحاولة.

***

أية فكرة أحطُّ قدراً وأوطأ درجة من هذه الفكرة، وأيُّ رأي أسخف وأقذر من هذا الرأي؟؟!

فكرة ورأي يصدران من أناس يزعمون الثقافة، ويدعون التفوق في المجالين العلمي والأدبي، ويتمشدقون بالشمم والسؤدد والرياسة العامة على العرب – كل العرب – ويفضلونهم نبلاً وعقلاً سياسة وحزماً.. وأخيراً تسفر آراؤهم عن مثل تلكم النظرات الحاقدة والنظريات المخبولة التي يترفع عن مثلها صغار الأطفال وضعاف النفوس.

وكيف يا ترى يرضى الأطفال والضعاف لأنفسهم أن يقدموا على مثل أبي طالب الذي يفتدي محمداً بأولاده ونفسه بعمارة بن الوليد، أو أن حب أولئك للآلهة أو حبهم للزعامة الجاهلية هو الذي أعماهم وأصمهم، والحب في الغالب يعمي ويصم، وهو وحده يريهم جمال الأفعال وحسن الآراء، فينبعثون نحو ما يتخيلونه من حيث يشعرون ولا يشعرون، غير مكترثين بوخيم العواقب ولا بالنتائج غير المحمودة.

وعلى يدي من رجوا أن تنجح مؤامراتهم ويفلح خداعهم ومحاولتهم؟! على يد أبي طالب الذي يرى أن الحفاظ على حياة محمد أقدس واجب ألقيت مسؤوليته على عاتقه، وأجلُّ

ص: 40

مشروع يفرض عقله عليه حمايته وصيانته؟! إذاً لتصغر النفوس والأولاد والنفائس، فهي أقل الفداء لمحمد ما دام محمد رسولاً لله ومبعوثاً من قبله عزّ وجلّ...

وجرياً على سير النبلاء وطريقة العقلاء فيما إذا لم تلاق أفكارهم القبول والترحيب فإنه يتحتم عليهم عدم ارتياد النظائر والأشباه، وعدم التفكير بالأمثال والمقاربات، وحرصاً على البقية من الكرامة والمكانة، ولكن أنى لهؤلاء أن يركنوا إلى كرامة ويعتنوا بسيرة مستحسنة.

لذا نجدهم وقد عاودوا الكرة وقاربوا الفكرة وكونوا وفداً ليقابل الزعيم المهيب يشكونه النبيّ (صلی الله علیه و آله) ويريدون منه أن يحدد صلاحيته ويعرقل سير قافلته وحركة عجلته، فيتقدم أبو جهل رئيس الوفد وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية، وأبو البحتري بن هاشم، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج.

وأقحم أبو جهل نفسه بالكلام، فقال: يا زعيم مكة إن ابن أخيك محمداً قد سب آلهتنا، وعاب ديننا الذي نحن عليه، فإما أن تكفه عنا وعن شعائرنا ومعبوداتنا، وإما أن تخلي بينه وبيننا.

فما كان من عم النبيّ (صلی الله علیه و آله) العظيم إلا أن قال: سأجتمع بمحمد فأعرض عليه ما تطلبون، والأمر له والحكم يخصه، فانتظروا إني معكم من المنتظرين.

فنظر القوم إلى بعضهم نظرة القنوط واليأس، وانفضوا من حوله وقد أضافوا فشلاً جديداً إلى قائمة المحاولات السابقة الفاشلة.

ص: 41

ويجتمع أبو طالب بالرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ليستشعر عزمه وتصميمه، وليتضح موقفه هو شخصياً إن رفض محمد مقررات قريش وطلباتهم، وعندها يجهش (صلی الله علیه و آله) بالبكاء ويألم للحادث ويقول لعمه: والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك.

فيحدث هذا الإنكسار والاستعبار والتصميم الحار في نفس أبي طالب صدمة قوية وانهياراً عميقاً ووخزاً مثل حد الشفار، الأمر الذي لا بد أن يكون معه عرض جميع القوى والطاقات، واستعراض كل ما لديه من إمكانات وقابليات واسعة النطاق ليهدأ محمد وليفرح بنفس الوقت، وليكون على اطمئنان من أن أبا طالب لا يمكن أن يتركه وشأنه أبداً، ولا يمكن أن يتخلى عنه ولا لحظة واحدة أبداً، ويستحيل أن يسلمه عند الوثبة أبداً.. ولا ولن يقول له ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾( المائدة: 24).

ولا بد أيضاً من تشجيع محمد وبث روح الحماس فيه والاستبسال والمضي قدماً نحو الغاية والهدف الذي كانت بعثته من أجله، غير هياب لما يعترض طريقه من عقبات ومصاعب، وهو الناصر والمؤازر له بعد الله تعالى وكفى، فينشط رسول الله (صلی الله علیه و آله) وتقوى عزيمته، فيسترسل في تبشيره ويواصل دعوته وتبليغه معتمداً على الله العظيم أولاً وعلى مساندة عمه الزعيم ثانياً.

* * *

ص: 42

أما القرشيون والأتباع والحلفاء الحاقدون فإنهم كادوا يتميزون من الغيظ، وكادت قلوبهم أن تتقطع حسرات وآهات كلما شاهدوا محمداً جاداً في أمره داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد تحدى بواسطة عمّه كل الآلهة المقدسات وكل الزعامات والحريات، ومن الممكن بالتالي القضاء النهائي، وتلك هي الخسارة التي لا تعوض، وذلك هو الخسران المبين.

فليس لهم إذاً إلا معاودة الآلهة والاستجارة بحضرتها من الشبح المخيف الذي يلاحقهم حتى في فترات الاستراحة وأوقات النوم، الشبح الذي صار بانحيازه إلى محمد سبباً بل من أكبر الأسباب -في تحطيم الكيان الجاهلي وسحق السلطان الوثني، اللذين عاشتهما الناس قروناً وقروناً.

ويرجعون وهم يحملون بين طياتهم فكرة ضرب الحصار على أبي طالب في شعبه، ونية اعتقاله في محلته، وبذلك تحدد صلاحية أبي طالب وتتقلص دعوة محمد ويرقب فيما بعد ماذا تكون النتائج وما سيسفر عنه الاعتقال وفرض الإقامة الجبرية، فقدر لهم في هذه المرة أن يفلحوا وينجحوا، فيتم فرض الحصار ويتحقق حكم الاعتقال.

ص: 43

أبو طالب والشِعب

وما أن بلغت قضية الحصار إلى أذهان الهاشميين الأفذاذ حتى نفروا أجمعين إلى الشِعب، مؤثرين حياة الاعتقال الرهيبة ومرارة الحصار الشائنة مع الزعيم أبي طالب على الحياة المرفهة والعيشة الرضية خارج نطاق الشِعب، الأمر الذي لم يجد من نفس الزعيم نوعاً من الاستحسان، ولا قليلاً من الرضا بغية تحمل الأعباء بنفسه ليس إلّا، إذ هو كل الغاية وهو وحده المقصود أولاً وبالذات، إلا أن نفوس الأبطال الهاشميين أبت وأبت بإلحاح إلّا المقام معه وربط المصير بالمصير مهما كانت النتائج، ثم الحياة بحياته والممات بمماته.

ويبدو للزمر المعادية بعد إخضاع اليهود والمجرمين على الإنضواء تحت اللواء وتحت شعار العدو المشترك أن يكتبوا صحيفة توقع من الرؤساء وأهل النفوذ، بعد أن تملأ مواد وبنوداً كل سداها ولحمتها التضييق على أبي طالب والتشديد في أمر الحصار، وأن لا يفكَّ إلاّ بتسليم محمد أو يموت أبو طالب ومن معه، كما يجب أن تعلق الصحيفة في جوف الكعبة، فذلك أبعد لها عن التحريف وعبث الأيدي المناوئة.

أما مواد الصحيفة فهي كما يلي:

1-يفرض الحصار على أبي طالب في شعب أبي طالب.

2-يمنع منعاً باتاً إيصال المواد الغذائية إليهم بكل صورها وألوانها.

3-يمنع الدخول إليهم والخروج منهم نهائياً.

ص: 44

4-يحظر التزويج من آل أبي طالب أبداً.

5-يحظر التزوج من آل أبي طالب أبداً.

6-يمنع إيصال الماء أو كل مايع إلى آل أبي طالب منعاً باتاً.

7-يحظر التعامل كلية مع آل ابي طالب.

8-يمنع منعاً باتاً إيصال الفرش والكساء إلى آل أبي طالب.

9-لا يفك الحصار عن أبي طالب إلّا أن يسلم محمداً أو يموتوا كلهم جوعاً وعطشاً.

10-تعلق الصحيفة في جوف الكعبة.

11-يعاقب كل من يحاول الإخلال بأيّ واحد من الشروط.

12-يجب أن يخصص جماعة يرابطون في منافذ الشِعب ليمنعوا كل من يحاول التسلل من بني هاشم أو إليهم.

13-على قريش تنفيذ كل ما جاء في الصحيفة حرفياً.

التواقيع: أبو جهل المخزومي، أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية، العاص بن وائل، أبو البحتري بن هاشم، شيبة بن ربيعة، عتبة بن ربيعة، أبو لهب بن عبد المطلب، منبه بن الحجاج، نبيه بن الحجاج، عبد الله بن ربيعة، الحرث بن هاشم المخزومي، صفوان بن أمية، سهيل بن عمرو، حويطب بن عبد العزى، الوليد بن عقبة.

ص: 45

وهكذا تطوى الصحيفة وتعلق في جوف الكعبة، وظلوا يرقبون الثمرة والنتيجة المرضية بندم أبي طالب وتسليم محمد، وهناك تعود الحياة والنصر، كما تفوز الآلهة بالظفر والحفاظ على الكيان والمعنويات.

* * *

أما أبو طالب والهاشميون فقد وطنوا أنفسهم على تحمل أعباء الإعتقال وأثقال الحصار مهما كانت شاقة ومؤلمة، حتى ولو أدت إلى الموت جوعاً وعطشاً، ولا بد في كل ذلك من التسليم لأمر الله وقضائه ما دام يهدف إلى الحفاظ على حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله) والاحتياط على وجوده الكريم.

ويطول الإعتقال فيخطر على بال عمِّ النبيّ الكريم (صلی الله علیه و آله) سأم الهاشميين وضجرهم فيندفع تلقائياً إلى تخفيف الوضع عليهم وتذكيرهم برعاية الله وعنايته، ويلزمهم التصبر إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا، كما يلزمهم بأن لا يشعروا رسول الله (صلی الله علیه و آله) الاستياء والسأم، فينضاف إلى ما يحسه ويستشعره من أليم الحصار وعذابه الخانق ما يعكر عليه صفوه ويزيد في قلقه وانعدام استقراره.

ويستمر الحصار ثلاث سنين عجاف، لاقى فيها أبو طالب الأمرّين: لاقى فيها الذل والهوان، لاقى فيها من المصاعب والمصائب ما تطأطئ لهوله الشوامخ وتنحني لفظاعته الجباه...

لاقى كل ذلك بصبر وثبات، لم يكن ليستعين إلّا بالله ولا يأمل الفرج إلّا منه عزّ وجلّ، ومنه وحده يستمد العون والرشاد والتسديد والفلاح.

ص: 46

وبيمن دعائه (رضی الله عنه) قيّض الله لإنعاش الهاشميين في تلك الأزمات الحرجة حكيم بن حزام بن خويلد ابن أخ خديجة بنت خويلد، فصار يوصل مقداراً من المواد الغذائية إلى أبي طالب تحت الخفاء، وبنوع من التأثير الخارجي أو الإرشاء في بعض الأحايين، ولأموال خديجة كل الأثر في انتشال الهاشميين من الموت المحتم والحرب الباردة.

* * *

ولم يكتف الشرك والكفر بما صدر منهم في حق الزعيم الهاشمي أبي طالب، بل راحوا يحاولون اغتيال رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، بل حاولوا فعلاً في أكثر من مرة، لولا أن يلقي الله تعالى في روع أبي طالب أن يغير مجلس الرسول (صلی الله علیه و آله) ومكان منامه بين حين وآخر حذر الإختطاف والاغتيال.

وكم من مرة أقام ولده عليّاً (علیه السلام) من منامه فأنامه مكان رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأنام النبيّ (صلی الله علیه و آله) مكانه، يستهدف من وراء العملية هذه إخفاء مقام النبيّ (صلی الله علیه و آله) ومكانه حتى لا يستبين فيستهدفه العدو.

أما عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) فإنه فرح بما كان يعمله الوالد الحكيم معه من تعريضه للسيوف والخطر، ما دام كل المبتغى هو الحفاظ على سلامة محمد الحبيب.

قال ابن أبي الحديد: ربما داعب عليٌّ أباه على إثر ذلك بما حاصله:

مالي أجدك يا أبتاه تعرضني للموت المرة تلو الأخرى، وكأني هين عليك؟؟ فما كان من عم الرسول إلا أن يجيبه بالحقيقة ويصارحه بالواقع الذي يحمله بين جوانحه، فأنشأه:

ص: 47

بني اصبر فإن الصبر أحجى *** كل حيٍّ مصيره لشعوبِ

قد بذلناك والبلاء شديد *** لفداء الحبيب وابن الحبيب

حقاً إنها الحقيقة المكشوفة والواقع الذي لا يحتمل المجاملة والمماراة، إنها الحقيقة والواقع وكفى، إنها الحقيقة والواقع اللذان يبتني عليهما كيان وجود الزعيم الهاشمي، الحقيقة والواقع اللذان هما كل الداعي إلى الزهد بحياة عليٍّ (علیه السلام) التي هي نسخة طبق الأصل لولا النبوة من حياة محمد العظيم...

والحقيقة والواقع هما كانا كل السبب في تحفز عليٍّ (علیه السلام) إلى إشعار أبيه الكريم بما يختلج في نفسه من التصميم على وقاية محمد بآخر قطرة من الدم وآخر لحظة من الحياة، ولم يكن ذلك بالشيء الذي يستجده عليّ (علیه السلام) ، بل هو أمر عاهد عليه الله عزّ وجلّ من أول يوم قد ادعى رسول الله (صلی الله علیه و آله) فيه النبوة وأظهر فيه البعثة، ثم أنشأ:

أتأمرني بالصبر في نصر أحمد *** و والله ما قلت الذي قلت جازعا

ولكنني أحببت أن ترَ نصرتي وتعلم أني لم أزل لك طائعا

سأسعى لوجه الله في نصر أحمد *** نبي الهدى المحمود طفلاً ويافعا

* * *

أقول: إن هذا من عمّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) وكافله لأعظم تضحية عرفتها الدنيا، وأخطر مفاداة ظهرت على مسرح الحياة، وأجل تفانٍ سجله التاريخ في عالم التفاني، لذا لم يعرف أحد من لدن آدم

ص: 48

وحتى اليوم رجلاً يملك كما يمتلك أبو طالب من المكانة والسيادة وولاية الكعبة وسقاية الحاج ووفادة الزائرين.. إلى آخر ما هنالك من صفات الخير وكرائم الخصال، وهو ابن هاشم الذي أقام الدنيا وأقعدها جوداً وكرماً نفسية وشخصية.

ويزهد بكل ذلك وينصاع إلى محمد الصغير، محمد اليتيم الذي قد تربى في حجره وترعرع في بيته وتحت رعايته وحمايته، ثم لم يكفه كل ذلك دون أن يفديه بنفسه ثم بولده ونفائسه !!.

لا، لا يمكن أن يتصور هذا بالنسبة إلى من يماثل أبا طالب أبداً، إلاّ اللهمّ أن يكون ذلك بإرادة الله تعالى، كما هو الحال بالنسبة إلى أبي طالب، وإلاّ فالعاطفة والرحم مهما أثّرا فهما لا يبلغان إلى ذلك الحد الذي بلغه أبو طالب رضوان الله عليه.

ولو كان لهما كل الأثر والفعالية لكانا يعملان عملهما بالنسبة إلى علي، فلا يدعان مجالاً لتقديم الغير عليه، أو جعله فداءً وقرباناً لمحمد ابن عمّ عليٍّ (علیه السلام) .

إذاً والحالة هذه لا محالة من أن تكون صلة القربى وأواصر الرحم بعض الدواعي، أمّا الجزء الأخير المحقق لوجود العلة هو نبوة محمد ورسالته، وهما خاتمة المطاف، وهما اللذان ينبعث عنهما أبو طالب مؤيداً لرسول الله (صلی الله علیه و آله) وناصراً له... وأخيراً يفديه بنفسه وولده، وهو يرى التقصير ويستشعر الحاجة إلى الإزدياد من التشمير.

ص: 49

وليس لقائل أن يقول: إذا كان عليّ (علیه السلام) يمثل رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلاّ في النبوة فليس من الإنصاف بعلي (علیه السلام) أن يزهد بحياته لحفظ حياة محمد، إذ على الفرض لا بدّ وأن يتحقق محذور الترجيح من دون مرجح عنده، وهو ممنوع عقلاً وينافي شأن أبي طالب أن يصدر منه ذلك.

لأنّا نقول: أن عمّ النبيّ الكريم (صلی الله علیه و آله) لم يخرج على طريقة العقلاء، ولم يشهر السلاح في وجه القواعد أبداً، بل هو على ضوئها يسير وفي فلكها يمشي وعلى رحاها يدور، وما تقديم محمد على ولده إلاّ سعياً وراء المثل العقلائية وجرياً على إثر القواعد، لأهمية محمد (صلی الله علیه و آله) لأنه نبيّ هذه الأمّة، والنبيّ يجب تفاديه بالنفس والأولاد. بل بالأمّة كلها إن اقتضى المقام ذلك.

وقولهم المأثور: ((يجب تقديم الأهمِّ على المهمَّ)) هو أساس عمل أبي طالب رضوان الله عليه، وهو الذي كان ينظر من زاويته وواجهته إلى التقديم والتأخير فإنّه (رضی الله عنه) لاحظ حياة محمد فوجدها هي الحجر الأساس لحياة الأمم والشعوب والأجيال المتعاقبة، وهي غيرها في أبي طالب وابنه عليٍّ (علیه السلام) ... لذا احتفظ بتلك وفدى هاتين ما دام الجمع غير ممكن والحفاظ على الجميع غير مقدور.

فجزاك الله يا عمّ رسول الله خير جزاء المحسنين، وسلام الله عليك ورحمته وبركاته.

وتتكثر النوائب والمصائب على أبي طالب، ويحاط من جميع جهاته بالآلام والأحزان وأسوار من الهموم والقلق، لاستطالة مدة الحصار وجحيم الإعتقال، إذ يفاجئه الرسول (صلی الله علیه و آله) ببشارة الله عزّ وجلّ، تبدو منها أمارات الخلاص وشارات النجاة والسلامة، تتمثل البشارة بالوحي

ص: 50

الإلهي النّاصِّ على أنه عزّ وجلّ قد أرسل الأرضة على الصحيفة المشؤمة فلحستها عن آخرها إلاّ ما كان من ((باسمك اللهمّ))، وحينئذٍ ينشط أبو طالب ويثب وثبة الأسد، فيستفهم ثانية ليتأكد النبأ: الله عليك يابن الأخ أ ربُّك أطلعك على ذلك؟ فيجيبه: نعم يا عم ربي أطلعني على ذلك.

فيتجه حين ذاك إلى ملابسه وسيفه ثم يخرج مستأسداً مغضباً وتبعه نفر من أهله وذويه.

ص: 51

أبو طالب يفكُّ الحصار

قويت إرادة عم النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، واشتد عزمه وحزمه، وفكّ الحصار، وخرج وقد حفَّ به بعض أشباله.

وكلما مرّ بملأٍ من المشركين والمنافقين المجرمين هالهم منظره واستبساله، حتى إذا دخل البيت الحرام فلم يسع الناس إلاّ أن قاموا إجلالاً وإعظاماً لهيبته، ظلوا كذلك حتى انتهى من طوافه وأخذ مكانه الخاص به من جنب الحجر.

جلس القوم، وأخذ كلٌّ مكانه وهم من الإستغراب على أشده، مستكبرين هذا التحدي السافر الفظيع، ولكن من الذي يجرؤ على الإستفهام والتعرف على الدوافع؟ فليس لهم إذاً إلاّ التزام جانب السكوت والصمت، حتى كادت أن تنفطر المرائر وتتمزق القلوب، الأمر الذي استلزم أن يقحم أبو جهل نفسه في الكلام، فقال والدهشة والرعشة أسقطتا إهابه:

لعلك أيها الرئيس قد آن لك أن ترجع عما أنت عليه من التعصب لمحمد وملازمته، وجئتنا لتفاوضنا في هذا الشأن؟!

فقال (رضی الله عنه) : لا ولا كرامة لك، لا ولن أتخلى عن محمد أبداً ما دمت حيّاً. نعم كل ما في الأمر أن ابن أخي أخبر عن ربّه أنه عزّ وجلّ قد سلط الأرضة على صحيفتكم الظالمة، فأكلت كل ما فيها من كتابة إلاّ ما كان من ((باسمك اللهمّ))، فإن كان الأمر كما يقول فلا والله لا نسلمكم إيّاه ولا نتركه حتى نموت عن آخرنا دونه، وإن كان الأمر على خلاف ذلك نرى أمرنا ورأينا في تسليمه إليكم.

ص: 52

فتأخذ القضية بمجامع القلوب، وتأخذ الوفير من تعاليق القوم وحواشيهم وأخيراً يطلبون من عم النبيّ (صلی الله علیه و آله) أن يسمح لهم بالانزواء إلى بعض جهات الجامع للمشاورة والتداول في الحديث.

ثم انحازوا، وبعد أخذ وردٍّ وتحبيذ وتفنيد قد استقر رأيهم على إنزال الصحيفة والاطلاع على مدى صحة دعوى أبي طالب عن ابن أخيه، وعلى الأكثر أنهم غير مؤمنين بصحة الدعوى.

وكيف كان أنزلت الصحيفة العاتية ونشرت أمام المجتمع، فإذا هي كما أخبر رسول الله (صلی الله علیه و آله) تماماً.

الله أكبر، والعزة لله ورسوله، الله أكبر.

ولكن صلافة الشرك ووقاحته أبت إلاّ المكابرة والتظاهر بالبطولة والهيمنة على الأعصاب، فالتجأوا إلى الأقاويل المكرورة من سحر محمد وشعوذته، وأن السحر وحده هو الذي عمل في الصحيفة ما عمل.

قام أبو طالب عن المجتمع مستجيراً ببيت الله من أباطيل الكفر وعناد الشرك، آملاً منه تعالى النجاة والسلامة. وكرّ راجعاً إلى الشعب يحدث الرسول (صلی الله علیه و آله) بما جرى، ويعلمه بإصرار القوم على كفرهم وعتوهم.

فما كان منه (صلی الله علیه و آله) إلا أن يردد ((إنّا لله وإنّا إِلَيه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. يا عم لا تكن في ضيق مما يمكرون، سيجعل الله بعد العسر يسراً، يا عم وما ضاقت إلّا انفرجت)).

ص: 53

* * *

أمّا قريش فقد أصروا على ما في الصحيفة الغاشمة، فأعادوه حرفياً إليها كما علقوها في مكانها من جوف الكعبة.

ولم يمر على الوضع غير أيام قلائل حتى قيض الله عزّ وجلّ لأبي طالب جماعة من قريش مثل زهير بن أمية المخزومي ومطعم بن عدي وأبي البحتري وزمعة بن الأسود بتحريض من هشام بن عمرو بن الحارث -لما لهذا الرجل من صداقة وعلاقة مع أبي طالب -على أن يجدُّوا جميعاً ويجتهدوا في فصم زرد الإعتقال وذلك الحصار عن الهاشميين مهما كلفهم الأمر ومهما كانت المخلفات والنتائج.

وبعد عدة من الاجتماعات السرية أسفرت عن التعاهد والتعاقد والتصميم على الاجتماع صباح اليوم الباكر في الجامع بعد أن يأتوا منفردين متفرقين، وأول عمل يقومون به هو تمزيق الصحيفة المشؤومة وإعدامها.

فاجتمعوا على الكيفية المقررة، فتريثوا حتى إذا اكتضّ الجامع بالناس نهض زهير بن أمية خطيباً، فشخصت إليه الأبصار وتطاولت إليه الأعناق، فقال فيما قال:

((أيسرّكم يا معاشر قريش ويا زعماء العرب أنكم في راحة واطمئنان ورفاه وأمان تسرحون وتمرحون، وهذا أبو طالب زعيم مكة وسيد قريش في ضنك من العيش ونكد الحياة ومرارة الاعتقال، تمرّ عليه ثلاثة أعوام لم يتنّسم فيها ريح الحرية ولم يستنشق طيب المقام؟ فلا والله لا أقعد حتى تمزق الصحيفة وتعدم)).

ص: 54

ثم واصل جماعته القيام بنفس اللغة والكلام، فقام في وجوههم شيخ المجرمين أبو جهل فقال: يستحيل إعدام الصحيفة، ويستمر الحصار على أبي طالب وأسرته حتى يموتوا أجمعين أو يسلمونا محمداً.

فابتدره زمعة بن الأسود فقال: أما يكفيك يا أبا جهل لؤمك وخبثك عن مثل هذه التدخلات الطائشة، فو الله ما رضينا بصحيفتكم الكريهة أولاً وأخيراً.

ثم قفز مطعم بن عدي إلى الصحيفة فجرّها وأهوى عليها تمزيقاً وتخريقاً فأسقط في يد القوم ولم يسع أبا جهل إلاّ أن يقول قولته المعروفة: أمر دُبّر بليل... وسكت خوف اتساع الفتنة واتصال الحركة.

وما أن وصل الخبر إلى بني هاشم حتى هبوا أجمعين منتصرين للقوم، إلاّ أن الحادثة قد انتهت بسلام وردّ الله كيد الكافرين إلى نحورهم وأعدّ لهم عذاباً أليماً.

ثم صار بنو هاشم إلى مزاولة أعمالهم، كما مارس رسول الله (صلی الله علیه و آله) نشاطه وتبشيره، فقويت حركته واتسعت، كما تكثرت أنصاره وأعوانه.

وهذا ابن سعد في طبقاته 1 / 93 يحدثنا عن ملخص قضية الشعب فيقول: إن قريشاً لما تكاتبت على بني هاشم - حين أبى أبو طالب أن يدفع إليهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) - فتكاتبوا على أن لا يزوجوهم ولا يتزوجوا منهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم في شيء، ولا يكلموهم، إلى كثير من هذه القيود والبنود الثقيلة، فمكثوا في الشعب محصورين ثلاث سنين، إلاّ ما كان من أمر أبي لهب فإنه لم يدخل معهم، ودخل الشعب مع أبي طالب جميع بني هاشم بن عبد مناف،

ص: 55

فلما مضت عليهم ثلاث سنين أطلع الله نبيه على أمر صحيفتهم، فذكر ذلك لعمّه أبي طالب، فقال أبو طالب: أصحيح ما تقوله يابن أخي؟ فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : نعم يا عم، فذكر ذلك أبو طالب لأخوته فقالوا له: وما ظنك به؟ فقال: والله ما كذب ابن أخي قط، فقالوا: وما ترى؟ قال: أرى أن تلبسوا أحسن ما تجدون من الثياب ثم تخرجون معي إلى قريش فنذكر لهم ذلك من قبل أن يصل إليهم الخبر.

ثم قاموا فدخلوا المسجد فصمدوا إلى الحجر، وكان لا يجلس إليه من الزعماء والرؤساء أحد، فترفعت إليهم الأنظار يترقبون ما سيقوله أبو طالب فقال أبو طالب: إنّا جئناكم بأمر فأجيبوا بالذي يعرف لكم، فعند ذلك قالت قريش: مرحباً بكم وأهلاً، فعندنا ما يسرك يا أبا طالب.

قال أبو طالب: إن ابن أخي محمداً قد أخبرني ولم يكذبني قط، أن الله سلّط على صحيفتكم الأرضة فلحست كل ما فيها من جور وظلم وقطيعة رحم، وبقي فيها كل ما ذكر به الله عزّ وجلّ، فإن كان ابن أخي صادقاً نزعتم عن سوء رأيكم، وإن كان كاذباً دفعته إليكم قتلتموه أو استحييتموه إن شئتم.

فقالت قريش: أنصفتنا يا أبا طالب، فأرسلوا إلى الصحيفة، ولما أتي بها قال اقرأوها، فلما فتحت إذا هي كما قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) فقد أكلت الأرضة كل ما فيها إلا ما كان من ذكر الله، فأسقط في يد القوم كما نكسوا على رؤوسهم.

ثم دخل أبو طالب إلى الكعبة فتعلق بها، فدعا الله عزّ وجلّ وسأله النصر والتأييد، ثم خرجوا من الكعبة ورجعوا إلى الشعب، فأنشأ:

ص: 56

وما ذنب من يدعو إلى الله وحده *** ودين قويم أهله غير خيّبِ

وقد جربوا فيما مضى غب أمرهم و ما عالم أمراً كمن لم يجرب

فلا تحسبونا مسلمين محمداً *** لذي غربة منّا ومن متقرب

ستمنعه منّا يد هاشمية *** فمركبها في الناس من خير مركب

فلا والذي تحدى إليه قلائص *** لإدراك نسك من منى ومحصب

نفارقه حتى نصرّع دونه *** وما بال تكذيب النبيّ المقرب

فكفوا إليكم من فضول حلومكم *** ولا تذهبوا في رأيكم كل مذهب

يميناً صدقنا الله فيها ولم نكن *** لنحلف كذباً بالعتيق المحجب

فيا قومنا لا تظلمونا فإننا *** متى ما نخف ظلم العشيرة نغضب

وقد كان في أمر الصحيفة عبرة *** متى يخبر غائب القوم يعجب

عن الله منها كفرهم وعقوقهم *** وما نقموا من ناطق الحق معرب

فأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً *** ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب

فأمسى ابن عبد الله فينا مصدقاً *** على ساخط من قومنا ومعتب

ومن قصيدة له أيضاً بالمناسبة:

فيخبرهم أن الصحيفة مزقت *** وأن الذي لم يرضه الله فاسد

ص: 57

إلى أن يقول:

فمن ينش من حضار مكة عزّة *** فعزتنا في بطن مكة أتلدُ

نشأنا بها والناس فيها قلائل *** فلمّا نزل نزداد خيراً ونحمدُ

ونطعم حتى يترك الناس فضلهم *** إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد

ألا إن خير الناس أمّاً ووالداُ *** إذا عُدّ سادات البرية أحمدُ

نبيّ إلهي والكريم بأصله *** وأخلاقه وهو الرشيد المؤيد

حزيم على جلّى الأمور كأنه *** شهاب بكفي قابس يتوقد

طويل نجاد خارج نصف ساقه *** على وجهه يسقي الغمام ويسعد

كثير رماد سيّد وابن سيّد *** يحضُّ على مقرى الضيوف ويحشد

ويبني لأحياء العشيرة صالحاً إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد

وله أيضاً:

أرقت وقد تصوبت النجومُ *** وبتّ و لا تسالبك الهمومُ

لظلم عشيرة غدروا وعقّوا *** وغب عقوقهم لهم وخيم

وقالوا خطة جوراً وظلماً *** وبعض القول أبلج مستقيم

لنخرج هاشماً فتصير منها *** بلاقع بطن مكة والحطيم

ص: 58

فمهلاً قومنا لا تلحقونا *** بمظلمة لها أمر عظيم

فيندم بعضكم ويذلّ بعض *** وليس لقتله فيهم زعيم

ودون محمد منا نديٌّ *** هم العرنين والعضو الصميم

طوال الدهر حتى تقتلونا *** ونقتلكم وتجتمع الخصوم

ويصرع حوله منّا رجال *** وتمنعه الخؤولة والعموم

ويعلم معشر ظلموا وعقوا *** بأنهم همُ الخدّ اللطيم

وله أيضاً:

سيعلم أهل الضغن أيّي وأيّهم *** يفوز ويعلو في ليالٍ قلائلِ

ومن ذا يملّ الحرب مني ومنهم *** ويحمد في الآفاق في قول قائل

فأصبح منا أحمد في أرومة *** تقصر عنها سورة المتطاول

وجدت بنفسي دونه وحميته *** ودافعت عنه بالذرى والكواهل

كأني به فوق الجياد يقودها *** إلى معشر زاغوا إلى كل باطل

ولا شكَّ أن الله رافع أمره *** ومعليه في الدنيا ويوم التجادل

* * *

ص: 59

أقول: وليس ذكر قضية الشِعب مقصورة على خصوص الطبقات، بل ذكرها كل المؤرخين وأهل السير، إلاّ أني لم أجد من اختصرها كما في الطبقات. قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 3: ولأبي طالب في أثناء الشعب هذه الأبيات:

ترجون منا خطة دون نيلها *** ضراب وطعن بالوشيج المقدم ِ

ترجون أن نسخوا بقتل محمد *** ولم تنخصب سمر العوالي من الدم

كذبتم وبيت الله حتى يفلقوا *** جماجم ترمى بالحطيم وزمزم

وتقطع أرحام وتنسى خليلة *** خليلاً ويغشى محرم بعد محرم

على ما مضى من مقتكم وعقوقكم *** وغشيانكم في أمركم كل مأثم

وظلم نبيٍّ جاء يدعو إلى الهدى *** وأمر أتى من عند ذي العرش قيّم

فلا تحسبونا مسلميه فمثله *** إذا كان في قوم فليس بمسلم

وقال أيضاً:

توالى علينا موليانا كلاهما *** إذا سئلا قالا لغيرهما الأمرُ

بلى لهما أمر ولكن تراجما *** كما ارتجمت من رأس ذي القلع الصخر

أخصّ خصوصاً عبد شمس ونوفلاً *** هما نبذانا مثل ما تنبذ الخمر

كما أغمضا في القوم في أخويهما *** فقد أصبحت أيديهما منهما صفر

ص: 60

قديماً أبوهم كان عبداً لجدنا *** بني أمة شهلاء جاش بها البحرُ

لقد سفهوا أحلامهم في محمد *** فكانوا كجعر بئس ما ضفطت جعر

إلى كثير من هذا اللون من الشعر الذي يفيض حماسة ويطفح مؤازرة للدين وتصلباً للإسلام وبيانا لمآثر النبيّ (صلی الله علیه و آله) ومفاخره وتصديقاً لنبوته وسفارته، كما يعجّ باندفاعاته رضوان الله عليه نحوه مستميتاً في سبيل ذلك كله، لا يرى الموت في سبيل الله وسبيل رسوله إلاّ سعادة ورضواناً وحياة وجناناً، الأمر الذي سهل للنبي (صلی الله علیه و آله) خوض المعركة من جديد والسير بعجلة الشريعة بلا اختشاء ولا مراقبة، غير هياب لأراجيف الكفرة وأخاويف الطغاة من المشركين واليهود المجرمين ما دام عمّه البطل من وراءه ينصره ويحميه من الأيدي العاتية الأثيمة.

واتفق ذات يوم أن كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) يصلي مختلياً بنفسه في بعض شعاب مكة، إذ يظفر به كذلك أبو جهل، فينتهزها فرصة فيبحث عن حجر ثقيل ليضرب به النبيّ (صلی الله علیه و آله) ثأراً لنفسه وانتصاراً لآلهته ومقدساته، فيثر على ما يبتغي وينتظر سجوده (صلی الله علیه و آله) وقد جمع قواه، فهمَّ أن يرميه فإذا بالحجر يلتصق بيده لصوق المسمار باللوحة السهلة، فانشغل بيده والحجر وعالج نزعه فلم ينتزع، ففرّ هارباً لئلا يستبين أمره لأبي طالب فيقيم الدنيا عليه ويقعدها إهانة وفضيحة، إذلالاً وتقريعاً.

ومن جهة أخرى ليستر على نفسه المخزية ويكتم عنها العار الذي لا ينمحي أبداً ما دام للتاريخ وجود وأثر، فأعطى سيقانه للريح ولم يصدّه صادٌّ إلاّ حيطان داره المشؤومة.

ص: 61

وظنّ أن آية الله عزّ وجلّ ووقيعته به ستنكتم عن الناس ولا سيما عن أبي طالب الليث المخيف، بعد أن كانت غير معلومة لأحد إلاّه، ولم يصبح عليه الصبح إلاّ والحادثة أظهر من الشمس وأبين من الأمس، تلوكها أفواه الأطفال فضلاً عن الرجال والنساء، والكلّ يردد أبيات الزعيم الهاشمي أبي طالب بالمناسبة:

أفيقوا بني عمنا وانتهوا *** عن الغيّ في بعض ذا المنطق ِ

وإلاّ فإني إذاً خائف *** بوائق في دوركم تلتقي

كما ذاق من كان من قبلكم *** ثمودٌ وعادٌ ومن ذا بقي

وأعجب من ذاك في أمركم *** عجائب في الحجر الملصق

فأثبته الله في كفّه *** على رغمة الخائن الأحمقِ

فيألم ويندد عم النبيّ العظيم بكافة قريش وأبي جهل بصورة خاصة على إثر هذه القضية المنكرة والأعمال الإجرامية الدنيئة، الأعمال التي تتقزز منها المشاعر، وتشمئز منها نفوس الأحرار، وتترفع عنها حتى الوحوش والضواري، بل حتى أراذل الناس.

كما ويحذرهم مغبة أعمالهم تلك ومخلفاتها من وخيم العواقب والسيّء من الرواسب، فيما إذا اقتضت إرادة الله تعالى أن ينتقم لنبيه ويثأر لدينه، كما كان ينتقم لأنبيائه القدامى من الأمم والشعوب الماضية، فخسف ببعضهم وبدورهم الأرض ومسخ الآخرين قردة وآخرين خنازير، جزاءً بما كانوا يعملون.

ص: 62

وهل قضية إلصاق الحجر بكفِّ أبي جهل إلاّ بادرة من بوادر الإنتقام ومقدمة من مقدمات العقاب والمؤاخذة، وما ذلك من الظالمين ببعيد.

* * *

أنّى لهؤلاء يا زعيم الهاشميين أن ينصاعوا إلى وعظك وإرشادك الخيرين وتذكيرك الحق وإصلاحك العادل... أنّى لهؤلاء أن تنفع معهم النصائح والتذكير بأيام الله وانتقامه، وقد أعماهم الشرك وأصمّهم فهم في طغيانهم يعمهون.

فالطينة السوداء من خبثها *** هيهات تبيضُّ سجاياها

ما فتئوا يتربصون بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) الدوائر وينتهزون به المواتي من الفرص ووحدته، وعندما لا يسعهم المجال يوحون إلى الأطفال فيقفوا له سماطين، حتى إذا مرّ عليهم في طريقه إلى الصلاة رموه بالأحجار حتى يدموا ساقيه ويؤلموا رجليه.

واستمروا على ذلك مدة من الزمن وهو (صلی الله علیه و آله) لا يخبر عمه الكريم حرصاً على عدم إيلامه ومساءته، حتى استبان ذلك عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ذات يوم فصار يتبع رسول الله (صلی الله علیه و آله) ليقف على المسببين والفعلة، فإذا الأطفال على عادتهم مستعدين، فتقدم أحدهم فضرب النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، فانتفض عليه أمير المؤمنين (علیه السلام) فأخذه من أذنه ولم يزل بها حتى فصمها ورمى بها أمام الأطفال، فارتجفوا وارتعدت فرائصهم وانهزموا هزيمة نكراء، وما عادوا بعدها لمثل عملهم السابق، وربما يرون رسول الله (صلی الله علیه و آله) وعليّاً (علیه السلام) مقبلين انهزموا، ونبّه بعضهم بعضاً مردداً:

ص: 63

جاءكم قاطع الأذن، جاءكم قاطع الأذن، ولم يكتفوا بالهزيمة بل يدخلون البيوت ويغلقون الأبواب.

ولمّا رأى الكبار أن المحاولة كأخواتها قد فشلت وخابت بدا لهم - بعد أن أخبرهم الخبير بأن محمداً يصلي منفرداً في بعض شعاب مكة - فصاروا إلى ناحية مبتغين إساءته وإيذاءه، فوجدوه يصلي لربه، وكان بالقرب منهم مقدار من الفرث والدم، فإلقاؤه عليه (صلی الله علیه و آله) أعظم توهين وإيذاء، فانتظروه إلى السجود فألقوه على ظهره وولّوا هاربين، وبعد أن لاحظ ذلك كرّ راجعاً إلى المنزل متأثراً مألوماً، فاستظهر عمه منه ذلك واستفهمه الحال، وبعد إلحاح أطلعه على عمل القوم معه فاستاء هو الآخر أيّما استياء،ُ ثمّ انتفض رضوان الله عليه انتفاضة الأسد الهصور، فأخذ بيد النبيّ (صلی الله علیه و آله) وهو مغضب وتبعه بعض أشباله، حتى إذا حاذى القوم وشاهدوا حالته المستأسدة وغضبه تعوذوا بالآلهة من سطوته وغضبه، كما أرادوا أن يعطوا سيقانهم للريح ويركنوا إلى الفرار والانهزام، لولا أن لاحظ منهم ذلك فيصيح بهم أن يلزموا أماكنهم وأن لا يتحركوا بأي حركة وإلاّ عرّضوا أنفسهم للخطر والموت، فلا يسعهم والحال هذه إلاّ الرضوخ والسكون على مضض، أذلة خاسئين يتوسلون بالآلهة يسألونها النجاة والسلام.

أمّا أبو طالب فوقف على رؤوسهم مخاطباً النبيّ العظيم (صلی الله علیه و آله) : يابن أخي من الذي قرب منك من هؤلاء بسوء أو دنا إليك بمكروه، ولو قلت لي كلهم آذاني لما تركتهم إلاّ وانتقمت منهم لك أجمعين ومن دون ما استثناء.

ص: 64

ولكنّ الرحمة الإلهية واللطف الملكوتي المتمثلين برسول الله (صلی الله علیه و آله) لم يدعانه أن يشكو إلاّ من ابن الزبعرى، إذ هو أشدّ القوم إيذاءً وأكثرهم تحمساً للإجرام والمناكير، فاستقدمه عم الرسول إليه، فجاء يتعثر بأذياله هلعاً وخوفاً، فلطمه أبو طالب لطمات أطاحت بأسنانه وأدمت فمه ووجهه، ثم أمره أن ينصرف مخزياً يتخبط بالشنآن والعار إلى شحمة اذنيه.

ثم أمر فتيان بني هاشم أن يحضروا له الفرث والدم فوراً، فأحضروه له كذلك، فأمرهم أن يخضبوا بها لحى القوم ويلطخوا بها جباههم ووجوههم ولم يتركوا منهم أحداً، وبعد الفراغ التفت إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

وهو يقول: أيرضيك هذا يا محمد؟ فإذا الجواب: نعم يا عم جزاك الله خير جزاء المحسنين، فقال أبو طالب: إن كان هذا قد كفاك فلا يكفيني أنا.

ثم أنشأ على رؤوس القوم ما هو أقتل عليهم من الفرث والدم، وأعظم عليهم من لهيب النار:

أنت النبيّ محمدُ *** قرم أغرّ مسوّدُ

لمسوّدين أكارم *** طابوا وطاب المولد

نعم الأرومة أصلها *** عمرو الحطيم الأوحد

هشم الربيكة في الجفان *** وعيش مكة أنكد

فجرت بذلك سنة *** فيها الخبيزة تثرد

ص: 65

ولنا السقاية والحجيج *** بها يماث العسجدُ

والمازمان وما حوت *** عرفاتها والمسجد

أنّى تضام ولم أمت *** وأنا الشجاع العربدُ

وبطاح مكة لا يرى *** فيها نجيع أسود

وبنو أبيك كأنهم *** أسد العرين توقدوا

ولقد عهدتك صادقاً *** بالقول لا تتزيد

ما زلت تنطق بالصواب *** وأنت طفل أمرد

وأخذ بعضد النبيّ (صلی الله علیه و آله) وجاء به إلى المنزل، مرتفع الرأس، موفور الكرامة، ظافراً بالثأر، منتصراً على الظالمين.

أمّا القوم فلم يرفعوا رؤوسهم حتى غاب عنهم أبو طالب، فعند ذلك تنسموا ريح الحياة واستنشقوا نسمات الحرية فحمدوا الآلهة والمعبودات على السلامة والنجاة.

وما كان هذا الموقف الخطير -الموقف العظيم الرهيب -ليتحقق لولا أبو طالب، فهو وحده الذي يمكنه ذلك، وهو وحده الذي يتسع له أن يطوح بكيان العظماء والزعماء ويهدد عروش الأصنام والطغيان ويستهين بكل ما هنالك من شخصيات منافسين مثل أبي جهل وأبي سفيان وشيبة وعتبة وأبي البحتري ومن شاكلهم.

ص: 66

وهو وحده الذي يستطيع الأخذ بظلامة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ويعلن صارخاً باتباعه دين الله ينصره ويؤازره، ثم التعريف بما عليه رسول الله (صلی الله علیه و آله) من الشرف والمنعة والعظمة والسؤدد، وما كان عليه آباؤه الميامين من المجد والشمم وإسداء المعروف إلى أهل مكة في المحن والشدائد وعند البلاء والقحط.

فهاشم جد النبيّ العظيم (صلی الله علیه و آله) هو الذي هشم الثريد لقومه، وأهل مكة مسلتون عجاف، قد أضرّ بهم الإملاق وأضعفهم الجوع واشتدت عليهم المسكنة وباءوا بالويل والثبور والحاجة الملحّة، لولا إسعاف عمرو العلى الزعيم هاشم بن عبد مناف... أفلا يكون هذا محتماً على القوم أن يرعوا هاشماً في حفيده ووليده محمد بن عبد الله؟ ولا أقلّ من كف الأذى عنه، إن لم يكن يتحتم عليهم إعزازه وتقديره ونصره.

ص: 67

أبو طالب يدعو الحمزة إلى الإسلام

ذكر ابن أبي الحديد في ترجمة أبي طالب في شرح النهج 3 / 309 دعوة أبي طالب هذه مصاغة بقالب من الشعر الذي ندت به شفتاه (رضی الله عنه) :

فصبراً أبا يعلى على دين أحمد ٍ *** وكن يا أخي للدين وفقت صابرا

وحط من أتى بالحق من عند ربه بصدق وعزم لاتكن حمز كافرا

فقد سرني أن قلت أنك مؤمن فكن لرسول الله في الله ناصرا

وناد قريشاً بالذي قد أتيته *** جهاراً وقل ما كان أحمد ساحرا

الحمزة عم رسول الله (صلی الله علیه و آله) كما هو أخ لأبي طالب، وهو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهو من الأبطال الهاشميين وفرسان آل عبد المطلب، يتمتع بعلي المكانة ورفيع المنزلة وجليل المقام في الأوساط المكية، مهاب الطلعة جميل المنظر وقور كريم...

ومع كل ذلك كان يخضع لزعامة أخيه الكبير أبي طالب، وقد أجابه حين طلب إليه أن ينصاع إلى دين محمد وشريعته الغراء، فصدقه وآمن بنبوته ورسالته، وصار إلى الدفاع عنه وحمايته وكف الأذى عنه وتزييف الدعايات المغرضة التي ينمقها المشركون، ويثيرها ويروجها اليهود الآثمون ¸كما صار يدعو إلى دين الله ويرشد إلى شريعة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، لا تأخذه في سبيل ذلك لومة لائم ولا قوة ولا إرهاب المرهبين.

ص: 68

وما أن يبلغه نبأ يفيد الإساءة إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) أو إيذاءه فلم يهدأ حتى يستعلم الفاعل، فلا يولّي عنه حتى يأخذ ظلامة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ويثأر له: فيستبين ذات مرة أن أبا جهل قد تعرض للنبي وأساء إليه، فيترصده ويبحث عنه حتى إذا عثر عليه في الندوة بين لمة من الرؤساء والشيوخ، فلم يبرح عنه دون أن أقامه فلطمه على وجهه وجبهته لطمات أخزته أمام الجماهير وفي الأوساط المكية، فتحملها ولم يرفع إليه رأسه أبداً حذر الصواعق والسيف.

وعلى هذا استمرت سيرة عم الرسول (صلی الله علیه و آله) وأسد الله ورسوله حتى قتل في واقعة أحد ومعركتها الرهيبة ومثّلوا به أفظع وأشنع تمثيل، الأمر الذي أدّى بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) حين وقف عليه أن يقول: ما وقفت موقفاً أغيظ عليَّ من هذا الموقف، والله إن مكنني الله من قريش لأمثلنّ بسبعين من قريش.

إلاّ أنه (صلی الله علیه و آله) قد انصرف عن هذه الفكرة، بعد أن هبط عليه جبرئيل (علیه السلام) عن الله عزّ وجلّ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلْتَقْوَىْ﴾، (البقرة: 237)، فعندها قال: إشهد يا جبريل أنّي قد عفوت.

وهكذا قدّر لعم النبيّ (صلی الله علیه و آله) أن تكون خاتمته الشهادة في سبيل الله قتيلاً بين يدي رسول الله (صلی الله علیه و آله) مضحياً نفسه لدين الله، فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.

وما كان للحمزة من الجهاد والتزام النبيّ (صلی الله علیه و آله) وخدمته وأخيراً الشهادة دونه إلاّ ببركة نصيحة أخيه أبي طالب وإرشاده.

ص: 69

وقد فرح أبو طالب أيّما فرح وسرّ سروراً ما له من نظير، حيث أثّرت موعظته ونصيحته بأخيه البطل، وهو يشاهده وقد انضمّ إلى قافلة النبيّ (صلی الله علیه و آله) وساير الركب الإسلامي المجيد، بل صار من دعاته وناشريه مقتفياً أثر رسول الله (صلی الله علیه و آله) مؤازراً له في كل حركة وقضية.

***

يبدو لأبي طالب مرة أخرى أن يشجع ولديه عليّاً (علیه السلام) وجعفراً على نصرة النبيّ (صلی الله علیه و آله) ومعاضدته والذبِّ عنه، فيصور ذلك بأبياته التي ذكرها ابن أبي الحديد في ترجمة أبي طالب كما جاء في شرح النهج 3 / 310:

إنّ عليّاً وجعفراً ثقتي *** عند ملمّ الزمان والنوبِ

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما *** أخي لأمي من بينهم وأبي

والله لا أخذل النبيّ ولا *** يخذله من بنيَّ ذو حسب

فكان له من الولدين البارّين ما يبهجه ويسرّه ويملؤه حيوية وطمأنينة وثقة تامة بحضورهما لكل المتطلبات واللوازم مهما كانت النتائج وإن أدت إلى باهظ الفداء وغالي الثمن.

وقد نبه (رضی الله عنه) ولديه الكريمين – ولا سيما ببيتيه الثاني والثالث – على ما هناك من بواعث مهمة وأسباب ضخمة، كل واحد منها إذا ما قيس منفرداً كان من أقوى الدوافع المحتمة والحاكمة بوجوب نصرة النبيّ (صلی الله علیه و آله) والمحاماة عنه دائماً وأبداً: أولاً هو ابن شقيق أبي طالب، ولم يكن له من أخوته كذلك.

ثانياً أنه نبي هذا الزمن، والنبيّ لا بدّ من أن يلاقي في أبان دعوته الصعاب والأهوال.

ص: 70

ثالثاً أن النبيّ يجب في سبيل الحفاظ عليه والإبقاء على حياته بذل الغالي والنفيس، بل حتى الدماء والأرواح.

وذكر ابن أبي الحديد في ترجمة أبي طالب هذه الأبيات أيضاً:

فلا تسفهوا أحلامكم في محمدٍ *** ولا تتبعوا أمر الغواة الأثائمِ

تمنيتمُ أن تقتلوه وإنما *** أحاديثكم هذي كأحلام نائم

زعمتم بأنّا مسلمون محمداً *** ولمّا نقاذف دونه ونراجم

من القوم مفضال أتي على العدى *** تمكن في الفرعين من آل هاشم

أمين حبيبٍ في العباد تسومه *** بخاتم ربٍّ قاهرٍ في الخواتم

وكانت الأسباب الداعية إلى إنشائها مؤامرة دبرت بليل وحيكت خيوطها في ظلامه الدامس، كل سداها ولحمتها هو قتل أبي طالب باغتيال رسول الله (صلی الله علیه و آله) وقتله لدى خروجه لصلاة الفجر، ثمّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالآلهة الفاشلين.

ولكن إشاءة الله العظيم وعينه الساهرة على رسوله حركت أبا طالب وبعثته بحماس وقوة أن يخرج متطلعاً خفايا الشرك وخباياهم، فأوصله الاستطلاع إلى خارج مكة، إذ يسمع نبرات وهمسات، فأنصت مليّاً فيعرف القوم تماماً ويقف على نيتهم الدنيئة من ابتغاء اغتيال الرسول (صلی الله علیه و آله) لدى صلاة الفجر وعند خروجه للجامع، فينكفئ راجعاً إلى المنزل، فينام عند رأس النبيّ (صلی الله علیه و آله) واقياً له وحارساً حتى مطلع الفجر، فنهض النبيّ (صلی الله علیه و آله) على عادته ليتهيأ للصلاة والخروج للمسجد إذ يمنعه عمه البرّ الحنون عن الخروج محبذاً له أن تكون صلاته في البيت، ولمّا كان (صلی الله علیه و آله) واثقاً من عمّه إذاً لا بدّ وأن يكون منعه لمصلحة وغاية مقبولة ومعقولة، فصار إلى صلاته داخل المنزل.

ص: 71

أمّا المشركون الحاقدون ومن لفّ لفّهم من اليهود القذرين الذين كان لهم الضلع الأكبر في ترويج المؤامرة وتدبيرها – قاتلهم الله أنّى يؤفكون– فهم حضروا قريباً من الجامع عند طلوع الفجر، وانزووا إلى زاوية مظلمة، وظلوا يرقبون وينتظرون فلم يمر ّ عليهم محمد، وأوشك النور أن يفضحهم ويفشي أسرارهم، فتعين عليهم التفرق ورجوع كل منهم إلى بيته لئلا يطلع على مؤامرتهم أحد فيخبر أبا طالب فينقضّ عليهم بمقوله الصارم البتار، فما راعهم إلاّ والأبيات تطالعهم فاضحة وكاشفة.

وأوحوا إلى شياطينهم أن يحفظوا الأبيات ليقفوا على مفادها ومعطياتها ولعلهم يستظهرون من مضامينها الجاسوس والخبير الذي حرّك أبا طالب وأثار شعوره وعواطفه، فلم يجدوا منفذاً لذلك إلاّ أبا طالب نفسه، ومن الذي يقدر على مساءته والدنو منه بمكروه؟!

* * *

أقول: وقد ذكر ابن أبي الحديد بالمناسبة محاورة جليلة ومساجلة علمية نبيلة تدور رحاها بين أستاذ وتلميذ، فكان الأستاذ هو أبو جعفر النقيب الإسكافي شيخ المعتزلة ورئيس علمائهم، أمّا التلميذ فهو عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي، وقد ذكرها حرفياً في شرحه على النهج 3 / 39، ولكنّا نلخصها ونوجزها مع المحافظة على جميع محتوياتها وبنودها.

والحاصل: أن ابن أبي الحديد قد أظهر لأستاذه النقيب كبير العجب وكثيره من تنازل أبي طالب وخضوعه للنبي (صلی الله علیه و آله) في حال أنه شيخ كبير يتمتع بغرّ الصفات وعظيم المآثر وجليل المفاخر والمكارم، بالإضافة إلى أنه رئيس مكة وسادن الكعبة وساقي الحاج، مع العلم أن محمداً يتيمه ومكفوله والحاني عليه ومربّيه.

ص: 72

ولم يكتف بكل ذلك بل صار لمدحه بشعره ونثره، كما يمتدح الأدنى الأعلى وكما يمتدح العبد سيده ومولاه.

أمّا ملخص الجواب فحاصله: إعلم يا عبد الحميد أن قضية تصاغر الشيخ أبي طالب وقصة تنازله للنبي مع ما ذكرت من مكانته ومنزلته، ومع كونه معهد الفضائل ومجموعة مفاخر وكمالات وإضبارة أدب ومعارف، ومع كونه صاحب اليد البيضاء على رسول الله وهو كفيله وحاميه من شرور دولة الكفر والشرك والأوثان، وقد رأيته وقد تنازل لمحمد وتصاغر له لا بصفة محمد الشخصية فحسب بل بصفته نبيٌّ مرسل وسفير عن الله عزّ وجلّ مبعوث من قبله تعالى، وهو العليم بما للنبي من جلى المكانة وفضلى القداسة وكبير الأثر في نفوس المؤمنين، وهذا المعنى وحده كل المحرك وكل السبب لتصاغر الشيخ أبي طالب وتواضعه لمحمد، والنبوة وحدها هي جديرة بالإكبار والإعظام وهي فقط التي تستلزم أن تنحني لها وأمامها كافة الزعامات والكرامات، وتخضع حولها جميع الكفاءات، كما تذوب عندها الشخصيات والمؤهلات.

أو ما ترى إلى قوله الذي هو نص على تصديقه بالنبوة وتصريحه بالبعثة والرسالة:

لقد أكرم الله النبيّ محمداً *** فأكرم خلق الله في الناس أحمدُ

أما ترى يا عبد الحميد إلى العباس بن عبد المطلب وهو الشخصية الكريمة التي انتقلت إليه سدانة الكعبة بعد أخيه أبي طالب وقد تنازل وتصاغر لابن أخيه عليّ بن أبي طالب بعد وفاة الرسول (صلی الله علیه و آله) وقد جاء وهو يقول: مدَّ يدك أبايعك حتى يقال عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله، مع العلم أن العباس هو العم والأعلى سنّاً.

ص: 73

أو ما ترى إلى أبي سفيان وهو بمنزلة العم لعليٍّ (علیه السلام) وقد جاءه ليبايعه بعد وفاة النبيّ (صلی الله علیه و آله) إلاّ أنه امتنع عن قبول ذلك، فإذاً القضية قضية نبوة وإمامة، وهما أكبر من أن تقف في طريقهما الزعامة والرياسة العامة.

ثم قال ابن أبي الحديد: أستاذي العظيم أترى لو كان من المقدر للحمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما أن يعيشا إلى ما بعد وفاة رسول الله أهل كانا يبايعان عليّاً بالخلافة ويقرّان له بالإمامة وولاية العهد للرسول؟

قال الإسكافي: نعم يبايعانه بكل اطمئنان وترحيب، والمعتقد أنهما يسرعان إلى ذلك سرعة تفشّي النار في يبس العرفج أو الحطب اليابس.

قال ابن أبي الحديد: إني أرقب ذلك من جعفر بن أبي طالب، ولم أكن أرقبه من الحمزة، لما فيه من فتوة البأس وشدة الشكيمة ووفرة أسباب العظمة والشجاعة، بالإضافة إلى أنه العم والأعلى سنّاً، وما أراه إلاّ أنه يدعيها لنفسه.

قال الإسكافي: الأمر في أخلاق الحمزة كما ذكرت، إلاّ أنه (رضی الله عنه) صاحب دين متين وتصديق خالص للرسول العظيم، وهما يمنعانه من طلب الخلافة والتصدي لمقام رسول الله الكريم، ولو قدّر للحمزة أن يعيش الزمن الذي عاشه عليٌّ مع الرسول (صلی الله علیه و آله) لرأى من أحوال النبيّ (صلی الله علیه و آله) مع عليٍّ ما يكسر نخوته ويطأطئ هامته ويقدّم عليّاً فيبايعه ويرشحه للإمامة والخلافة.

ثم أين نفس الحمزة السبعي من خلق عليٍّ اللطيف الروحاني، وأين نفس الحمزة الخلوّ من العلوم من نفس عليٍّ القدسية التي أدركت بفطرتها لا بالقوة التعليمية ما لا تدركه الفلاسفة

ص: 74

وأكابر المفكرين، ولو أن الحمزة كان موجوداً حتى يرى من عليٍّ ما قد رآه غيره لكان أتبع إليه من ظله وأطوع إليه من أبي ذرّ والمقداد... وأجدك تكرر كبر السن وعلوّه، وقد عرفت -بما لا مزيد عليه -أنه والكثير من المحاسن والمكارم تذوب أمام العظمة الإلهية، والمقام الرباني الكريم، أمام النبوة والخلافة.

ولم يكن يستغرب كما لن يستكثر على عم النبيّ الحمزة أن يتنازل لابن أخيه عليّ بن أبي طالب فيبايعه وما زالت الأعمام تخدم أبناء الأخوة وتتصاغر لهم وتتبعهم في كافة الأمور:

ألست ترى إلى داود بن علي العباسي وعبد الله بن صالح بن علي وعيسى بن علي وإسماعيل بن علي وعبد الصمد بن علي خدموا ابن أخيهم السفّاح عبد الله بن علي وبايعوه، وكانوا أمراء جنده وقوّاد جيشه، كما كانوا أنصاره وأعوانه في جميع الحالات.

أما ترى إلى الحمزة والعباس ابني عبد المطلب وقد أطاعا ابن أخيهما محمداً واتّبعاه وصدّقا دعوته ورضيا بزعامته.

ألست تعلم أن أبا طالب كان رئيس بني هاشم وشيخهم المطاع، وكان محمد رسول الله يتيمه ومكفوله، وكان جارياً مجرى أولاده عنده، ثم خضع له وأطاعه وصدّقه في دعواه، كما اعترف بزعامته ودان لأمره، حتى مدحه بشعره كما ذكرت... أنظر إلى قوله:

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأراملِ

تطوف به الهلاّك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضلِ

ص: 75

وإن سرّاً قد اختصّ الله به محمداً (صلی الله علیه و آله) حتى أقام أبا طالب وحاله معه حالة المادح له لسرٌّ عظيم وخاصية شريفة، وإن في هذا المعتبر عبرة أن يكون هذا الإنسان الفقير الذي لا أعوان له ولا أنصار، الإنسان الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه فضلاً عن أن يقهر غيره وتعمل دعوته وأقواله في النفوس ما لم تعمله الخمرة في الأبدان المعتدلة المزاج حتى يطيعه أعمامه ويعظمه مربيه وكافله ومن هو إلى آخر العمر القيّم عليه بنفقته وكسوته، وهذا في باب المعجزات عند المنصف أعظم من انشقاق القمر وإخبار القوم بما يأكلونه ويدخرونه في البيوت.

* * *

لقد والله أنصف النقيب في هذا التصوير الواقعي والتحليل الحقيقي لعم النبيّ الكريم، وهو إن أعطى شيئاً أو دلّ على شيء فإنّما يدلُّ على تفهم الرجل للتاريخ ووقائعه، ومدى وقوفه على الأحداث الزمنية، ومدى دراستها الواقعية، لا لشيء غير التاريخ وتفهيم الأجيال بصورته الصحيحة.

وقد استبان من خلال ذلك بما لأبي طالب العظيم من جهاد جبار وخدمات فضلى ومفاداة منقطعة النظير ونضال وكفاح زهاء ثلاثين سنة، بعد التصديق بالنبوة والانصياع إلى الرسالة والبعثة.

كما قد أصاب السيد النقيب فيما قرأه واستوحاه عن نفسية عم الرسول (صلی الله علیه و آله) الحمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، وفيما استشعره من إيمانه الصادق ودينه الواقعي، فرآه بعين

ص: 76

بصيرته وهو يسرع إلى مبايعته عليّاً (علیه السلام) سرعة تفشي النار في الحطب اليابس كمن يراه عياناً ومن شاهده حسّاً ووجداناً.

وليس ذلك على المؤمنين بكثير ولا عزيز، بل المؤمن ينظر بنور الله، ينظر إلى المستقبل المرتقب كما ينظر إلى الحاضر.

وينقدح في ذهني إضافة شيء إلى قراءة النقيب وتكهنه، والشيء الذي يختلج في الذهن: أن الحمزة البطل لم يكن ليكتفي من نفسه أنه يسارع إلى بيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) فحسب، فيضرب على يده أو يصفق على يده فقط وينتهي كل شيء، بل المعتقد فيه (رضی الله عنه) أن يجند نفسه وجميع قواه وطاقاته وإمكاناته لإخماد كل حركة تحاول شلّ الأمر أو إبعاد الخلافة عنه (علیه السلام) ، فأراه يقف بالمرصاد لتحطيم كل دسيسة أو مؤامرة تبتغي معارضة عليٍّ (علیه السلام) في زعامته وخلافته، بالرغم من معاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وما يخادعون إلاّ أنفسهم ولكن لا يشعرون.

وعليٌّ (علیه السلام) نفسه كان يستشفُّ من عمّه الحمزة وأخيه جعفر نفس القراءة لذا استنجدهما واستصرخهما في بعض الظروف الحرجة، وحين تنمّرت عليه الفهود واستأسدت عليه القرود، فكان يردد: واحمزتاه ولا حمزة لي اليوم، واجعفراه ولا جعفر لي اليوم...

ص: 77

أبو طالب يستسقي للناس

يحدثنا ابن أبي الحديد في ترجمة أبي طالب في شرح النهج ج 3: أن أبا طالب رضوان الله عليه كان يقصده الناس كلما أمسكت السماء قطرها وحبست ذلك لما يعلمونه من حاله رضوان الله عليه وما هو عليه من توحيد الله وثقته به واعتماده عليه عزّ وجلّ، كما لا يحتملون أن الله تبارك وتعالى يردّ له دعوة أو يؤخره عن رجاء، لذا قصده بعض الأعراب المجاورين لمكة المكرمة شاكين إليه ما يلاقونه من جدب الأرض ومنع السماء الدر، فوعد بالخير ولبى النداء.

ثم خرج مستصحباً معه النبيّ (صلی الله علیه و آله) وهو بعد لم يبلغ الحلم، فاستند إلى حائط الكعبة، وجعل بين يديه النبيّ (صلی الله علیه و آله) ثم دعا الله سبحانه بدعوات وتوسل إليه بمحمد أن يمطر الناس ويغيثهم مما فيه من البلاء والشدة.

ولما يتم دعاؤه حتى هطل المطر وأرسلت السماء عزاليها فملأت القفار والوديان، حتى ملّ الناس الكثرة وخافوا الغرق، فعادوا يهرعون يسألونه إيقاف المطر المهدد بالخطر، فسأل الله ذلك، فوقف وأمسك وعاد الصحو على أحسن أوقاته.

وعلى الأثر نظم أبو طالب لاميته الشهيرة والتي تحتوي مئة بيت أو تزيد قليلاً والتي قد ذكرها جلّ المؤرخين، ولكن الغالب لم يذكروها بكاملها ومطلع القصيدة هو:

أعوذ بربّ البيت من كل طاعنِ *** علينا بسوء أو يلوح بباطلِ

ص: 78

إلى أن يقول في أثنائها:

وأبيض يستسقى الغمام بوجههِ *** ثمال اليتامى عصمة للأراملِ

ولعلنا نأتي على آخر القصيدة إن توفقنا إن شاء الله.

قال ابن أبي الحديد: ولأبي طالب أيضاً:

ألا أبلغا عني على ذات بينها *** لؤيّاً وخصّا من لؤي بني كعبِ

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً *** رسولاً كموسى خطّ في أول الكتب

وأن عليه في العباد محبة *** ولا حيف فيمن خصه الله في الكتب

وأن الذي لفقتم في كتابكم *** يكون لكم يوماً كراغية السقب

أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى *** ويصبح من لم يجن ذنباً كذي ذنب

فلا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا *** أواصرنا بعد المودة والقرب

وتستجلبوا حرباً عواناً وربّما *** أمرّ على من ذاقه حلب الحرب

فلسنا وبيت الله نسلم أحمداً *** لعزّاء من عض الزمان ولا كرب

ولما تبن منا ومنكم سوالف *** وأيدٍ أبيرت بالمهندة الشهب

بمعترك ضنك ترى كرى القنا *** والضباع العرج تعكف بالشرب

كأن مجال الخيل في حجراته *** وغمغمة الأبطال معركة الحرب

ص: 79

أليس أبونا هاشم شد أزره *** وأوصى بنيه بالطعان وبالضربِ

أنشأ عم النبيّ العظيم هذه الأبيات تعريضاً بطائفة من لؤي وهم بنو كعب، والكعبيون هؤلاء من الأسر العربية المرموقة، لها مكانتها وأهميتها في أوساط مكة.

وقد بلغ أبا طالب عنهم أنهم ينالون من النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، كما يخدشون بقداسته وبعثته ثم يعرجون على انتقاص أبي طالب بما لا يناسبه، ولكن كل السبب في التنديد والتعرض هو الثأر لرسول الله (صلی الله علیه و آله) فقط، وإلاّ لا يهمه همسهم بأنه مسحور من جهة محمد أو مفتون به عاطفياً، فكل ما في المقام أنه يحاول ويبعد عن الأذهان تلك الهمسات المحمومة والنفثات المسمومة وإعلان ما تنطوي عليه سريرته وتكنّه جوانحه وجوارحه من اعتقاده نبوة محمد ورسالته، الأمر الذي يحتم عليه أن يذوب ويفنى في سبيل تحقيقهما ونشرهما..

كما إن انبعاثه نحوه لم يكن بالأمر الإرتجالي أو الفجائي، بل هو أمر مدروس وخطة معلومة ينبعثان عن تباشير العلماء الأقدمين والكتب السماوية، إذاً فلتخرس الألسن الحاقدة ولتكمّ الأفواه الكافرة إلى الأبد.

وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 309: ولأبي طالب أيضاً هذه الأبيات بالمناسبة:

ألا أبلغا عني لؤيّاً رسالة *** بحق وما تغني رسالة مرسلِ

بني عمنا الأدنين فيما يخصهم *** وإخواننا من عبد شمس ونوفل

أظاهرتمُ قوماً علينا سفاهة *** وأمراً غويّاً من غواة وجاهل

ص: 80

يقولون لو أنّا قتلنا محمداً *** لقرّت نواصي هاشم بالتذلل

كذبتم وربِّ الهدي تدمى نحوره *** بمكة والبيت العتيق المقبّل

تنالونه أو تصطلوا دون نيله *** صوارم تفري كل عضو ومفصلِ

فمهلاً ولمّا تنتج الحرب بكرها *** بخيل تمام أو بآخر معجل

وتلقوا ربيع الأبطحين محمداً *** على ربوة في رأس عنقاء عيطل

وتأوى إليه هاشم إن هاشماً *** عرانين كعب آخر بعد أول

فإن كنتمُ ترجون قتل محمد *** فروموا بما جمّعتمُ نقل يذبل

فإنّا سنحميه بكل طمرة *** وذي ميعة نهد المراكل هيكل

وكل ردينيّ ظماء كعوبه *** وعضب كإيماض الغمامة مفصل

أقول: كل من يمعن النظر وينعمه في شعر أبي طالب يجده مفعماً بتعظيم النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، ثم الإرشاد إلى دينه الحق والحضور للدفاع والذود عنه، وهذا لا يكاد يتأتى إلاّ للمؤمن الواقعي، والمسلم الذي يكون الإسلام والإيمان جاريين مجرى دمه في عروقه وأوردته.

وحقاً أن يكون أبو طالب كذلك كما هو كذلك فعلاً، وأقواله وأفعاله قد دللت على ذلك، والمرء بأصغريه قلبه ولسانه.

ص: 81

قال ابن أبي الحديد بعد ذكره للأبيات المتقدمة: كان صديقنا علي بن يحيى البطريق رحمه الله يقول: لولا خاصة النبوة وسرّها لما كان مثل أبي طالب -وهو شيخ قريش ورئيسها وذو شرفها -يمدح ابن أخيه محمداً وهو شاب صغير قد ربّاه في حجره وهو يتيمه ومكفوله وجاري مجرى أولاده، فيقول فيه:

وتلقوا ربيع الأبطحين محمداً *** على ربوة في رأس عنقاء عيطلِ

إلى كثير من الأمثال والنظائر، فإن هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذنابي من الناس.

وإذا تصورت هذا تصورت أنه شعر أبي طالب ذاك الشيخ الوقور المبجل المعظم في محمد (صلی الله علیه و آله) ، وهو شاب مستجير به معتصم بظله من قريش وطغاة العرب ومجرمي اليهود، قد رباه في حجره وعلى عاتقه طفلاً وبين يديه شاباً، يأكل من زاده ويأوي إلى داره... علمت خاصية النبوة ومكنون سرها وأن أمره كان عظيماً وأن الله تعالى قد أوقع في القلوب محبته وفي الأنفس منزلته.

وقرأت في أمالي الشيخ أبي جعفر محمد بن حبيب: أن أبا طالب (رضی الله عنه) كان إذا رأى رسول الله (صلی الله علیه و آله) حزيناً يبكي، وكان يقول إذا ما رأيت محمداً تذكرت أخي عبد الله، ولذا كان يغير مضجعه فلا يدعه بمكان واحد لئلا يعرف مضجعه، فكان يقيمه ليلاً من منامه ويضجع ابنه عليّاً (علیه السلام) مكانه.

وذكر ابن أبي الحديد 3 / 460 بطريقه إلى الزبير بن بكار أنه قال:

ص: 82

أما أبو طالب فهو كافل رسول الله وحاميه من قريش وناصره والشفوق عليه والرفيق به، كما هو وصي أبيه عبد المطلب، وكان سيد بني هاشم في زمانه، ولم يكن أحد في الجاهلية قد ساد إلاّ بالمال إلاّ أبو طالب، كما وهو أول من سنَّ القسامة في دم عمرو بن علقمة، ثم أثبتتها السنة النبوية في الإسلام، وله أيضاً سقاية الحجيج وسدانة الكعبة، وكان شاعراً مجيداً.

وذكر ابن أبي الحديد أيضاً: أن أبا طالب قد افتقد النبيّ (صلی الله علیه و آله) ذات يوم، وكان شديد الحرص والحذر عليه من شرور المعتدين من العرب واليهود المجرمين، فخرج يصحبه ولده جعفر يطلبان النبيّ (صلی الله علیه و آله) ويفحصان عنه، وبعد جهد وعناء وجداه وعليّاً يصليان في شعاب مكة، فلما رآهما التفت إلى جعفر وقال: يا بني تقدم صلْ جناح ابن عمك، فقام جعفر عن يساره (صلی الله علیه و آله) ، فلما كمل الجناحان تقدم رسول الله (صلی الله علیه و آله) عليهما وصار إماماً لهما، فكانت جماعة، وهي أول صلاة جماعة تكونت في الإسلام.

وحين رأى أبو طالب تقدم النبيّ (صلی الله علیه و آله) وتأخر الأخوين بكى رضوان الله عليه، وقال يخاطب ولديه:

لا تخذلا وانصرا ابن عمّكما *** أخي لأمي من بينهم وأبي

ثم قال ابن أبي الحديد: وقد أسلم جعفر من ذلك اليوم.

كما ذكر أيضاً 3 / 306 بطريقه إلى محمد بن إسحق أنه قال: لما علمت قريش أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله كما أبى تسليمه إليهم ورأوا إجماعه على مفارقتهم وإصراره على

ص: 83

عداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي -وكان أجمل فتى في قريش -فقالوا له: يا أبا طالب هذا عمارة خذه لك فاتخذه ولداً وسلمنا محمداً هذا الذي خالف ديننا ودين آبائنا الأولين وفرّق جماعتنا كما أحدث البلبلة والضوضاء في صفوفنا، فإنّما هو شاب مكان شاب وغلام مكان غلام.

فقال أبو طالب: والله ما أنصفتموني أيّها القوم، تعطوني ابنكم أغذّيه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا ما لا يكون أبداً.

فقال له مطعم بن عدي بن نوفل -وكانت له صداقة مع أبي طالب مصافياً له -: يا أبا طالب ما أراك تريد أن تقبل شيئاً من قومك، ولعمري لقد جهدوا في التخلص مما تكرهه، وأراك لا تنصفهم.

قال أبو طالب: والله يا مطعم ما أنصفوني كما لم تنصفني أنت، وأجدكم وقد أجمعتم على خذلاني، وأراك وقد ظاهرت القوم عليَّ، فاصنع ما بدا لك، فالله حسبي وهو أرحم الراحمين.

فعند ذلك تنابذ القوم وصارت الأحقاد تلعب دوراً هامّاً، ونادى بعضهم بعضاً، وتآمروا فيما بينهم على من في القبائل من المسلمين، فوثبت كل قبيلة على من فيها من أعوان محمد وأنصاره يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله عزّ وجلّ رسوله بعمّه الزعيم أبي طالب، الأمر الذي أدّى بأبي طالب أن يكاتب أبا لهب ويراسله نثراً وشعراً استمالة له واستثارة لعواطفه نحو أواصر النسب ووشائج الرحم اللذين هما أقوى الروابط التي تربطه بينه وبين ابن أخيه محمد، ومن جملة تلك المساجلات والمراسلات القطعة الشعرية التي يقول في مطلعها:

ص: 84

حديث عن أبي لهب أتانا *** وكاتفه على ذاكم رجالُ

والقطعة التي يقول في مطلعها:

تستعرض الأقوام توسعهم *** عذراً وما أن قلت من عذرِ

ثم قال ابن إسحق: ولم يستجب أبو لهب إلى نداء أبي طالب واستعطافه، ولم يعرف عنه أي عمل من شأنه أن يؤدي إلى تقدير أبي طالب أو توقيره، إلاّ ما يروى من أن أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي لما وثب عليه قومه ليعذبوه ويفتنوه عن إسلامه ودينه هرب منهم فاستجار بأبي طالب، وكانت أمُّ أبي طالب مخزومية، كما وهي أمُّ والد رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فأجاره أبو طالب وحماه وكفّ الأيدي العاتية عنه، فمشى إليه رجال من بني مخزوم فقالوا: يا أبا طالب هبك منعت عنا ابن أخيك فمالك ولصاحبنا تمنعه عنا؟ قال أبو طالب: إنه قد استجار بي وهو ابن أختي، وإذا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي.

ثم ارتفعت الأصوات على أبي طالب كما وقد ارتفع صوته أيضاً، فتهيج أبو لهب وتوترت أعصابه، ولم يستطع صبراً دون أن قام على قدميه مغضباً محتدماً فقال: يا معشر قريش لقد أكثرتم على هذا الشيخ، ولا تزالون تتوثبون عليه في جواره من بني قومه لتنتهنّ أو لنقومنّ معه حتى يبلغ ما يريد.

فعندئذٍ خافت قريش وحذرت من أن يتبع عمله قوله، لما يعلمون من حاله أنه إذا قال فعل، فصاروا إلى إرضائه بكل حيلة ووسيلة، كما خدعوه بتنازلهم واستدرارهم عطفه ولطفه، وقالوا كلهم بلسان واحد: بل ننصرف عن أي عمل من شأنه أن يسيء إليك يا أبا عتبة.

ص: 85

وكأنه قد رضي وهدأ، وبقي على مسايرته للقوم وموالاته لهم ومظاهرته لهم على أخيه وابن أخيه محمد (صلی الله علیه و آله) .

قال ابن إسحق: وحين علم أبو طالب بموقف أبي لهب هذا طمع في استجلابه، وأمل منه أن يرجع إلى صوابه فينحاز إلى جهة النبيّ (صلی الله علیه و آله) وقافلته الخيّرة، فوجه إليه رسالة أكثر فيها الإرشاد والنصح، وختمها بأبياته هذه:

وإنّ امرءاً قد كان مثلك عمّه *** لفي معزل من أن يسام المظالما

ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة *** تسب بها ما إن هبطت المواسما

أقول له بل أين منك نصيحتي *** أبا عتبة ثبت سوادك قائما

وولّ سبيل العجز غيرك منهم *** فإنّك لم تخلق على العجز دائما

وحارب فإن الحرب نصف ولن ترى *** أخا الحرب يعطي الخسف حتى يسالما

كذبتم وبيت الله نبزي محمداً *** ولمّا تروا يوماً من الشعب قائما

وله أيضاً بالمناسبة:

عجبت لحلم يابن شيبة عازب *** وأحلام أقوام لديك سخافِ

يقولون شايع من أراد محمداً *** بسوء وقم في أمره بخلافِ

أضاميم إمّا حاسد ذو خيانة *** وإمّا غريب عنك غير مضاف

ص: 86

فلا تركبنّ الدهر مني ذمامة *** وأنت امرؤ من خير عبد منافِ

فلا تتركنه ما حييت لمعشر *** وكن رجلاً ذا نجدة وعفاف

يذود العدى عن ذروة هاشمية *** إلافهمُ في الناس خير إلاف

وإن له قربى لديك قريبة *** وليس بذي حلف ولا بمضاف

ولكنه من هاشم في صميمها *** إلى أبحر فوق البحور طواف

فراجم جميع الناس عنه وكن له *** وزيراً على الأعداء غير مجاف

وإن غضبت منه قريش فقل لها *** بني عمنا ما قومكم بضعاف

وما بالكم تغشون منا ظلامة *** وما بال أحقاد هناك خواف

فما قومنا بالقوم يمضون ظلمنا *** وما نحن فيما ساءهم بخفاف

ولكننا أهل الحفائظ والنهى *** وعزٍّ ببطحاء المشاعر صافِ

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 315: إن أبا طالب يبلغه عن أبي جهل شيخ المجرمين أنه قد أسمع النبيّ (صلی الله علیه و آله) كلمات نابية وبذيئة، مما أدى إلى تألّم رسول الله وتأثّره، الأمر الذي أنشأ على أثره هذين البيتين يخاطب بهما النبيّ (صلی الله علیه و آله) أمام الجماهير من قريش:

لا يمنعنّك من حقٍّ تقوم به *** أيدٍ تصول ولا سلق بأصواتِ

فإنّ كفّك كفي إن أصبت بها *** ودون نفسك نفسي في الملمّات

ص: 87

فحاول (رضی الله عنه) من ورائهما إرشاد النبيّ (صلی الله علیه و آله) إلى اتخاذ الطرق التأديبية في حقِّ المجرمين مهما كانوا من العظمة والمهابة، فإنّ اليد المؤدبة هي مما تقصر الرجال عن أن تدناها أو تطاولها، وإنّ كلّ يد تمتدّ إليك فلا محالة من أن تلاقي القطع بالنهاية، فما عليك إلاّ أن لا تعتني بمثل كلمات أبي جهل الجوفاء، فتقعدك عن حقك الذي جعله الله تعالى لك، والذي قد ألقيت مسؤوليته على عاتقك، فامض لما أمرت به واصدع بأمرك، والله من ورائك يسندك ويعضدك، وهو خير مؤيد ومعين.

ومرة أخرى يستمع إلى بعض المشركين وقد همس إلى شياطينه بالقدح بمقام النبوة وقداسة الرسالة، إذ يأخذ بيد النبيّ (صلی الله علیه و آله) ويقف به على رؤوس القوم وهو ينشد:

لقد أكرم الله النبيّ محمداً *** فأكرم خلق الله في الناس أحمدُ

وشقّ له من إسمه ليجلّه *** فذو العرش محمود وهذا محمدُ

وقال ابن أبي الحديد بعد ذكره للبيتين السابقين: وله أيضاً في المناسبة:

يا شاهد الله عليَّ فاشهدِ *** أنّي على دين النبيّ أحمدِ

من ضلّ في الدين فإنّي مهتدي

* * *

وقال المسعودي في مروج الذهب 1 / 370: إن قريشاً قد تنازعت فيما بينها على قصة وضع الحجر بعد ترميمات جرت على الكعبة، واشتدّ النزاع والخصام بين القبائل، حتى كانت

ص: 88

الحرب من الناس قاب قوسين أو أدنى، لولا أن يهرع العقلاء والمصلحون إلى أبي طالب يسألونه التدخل السريع في القضية تفادياً للحرب الطاحنة، الحرب التي إذا نشبت ربّما تتسع حركتها وتمتد إلى ما لا يحمد عقباه.

ففكر مليّاً ثم رفع رأسه إليهم وقال: الرأي الصحيح والحلّ المجدي هو أن تحكّموا في أمركم أول طالع عليكم من باب شيبة، وأخيراً صوّبوا الرأي واستحسنوا الخطة واتجهوا يرقبون الطالع من باب شيبة، فإذا هم برسول الله (صلی الله علیه و آله) وقد طلع عليهم من الباب التي عناها أبو طالب، وكأنّ وجهه فلقة قمر طاله أو هو البدر ليلة كماله وتمامه.

فاجتمعوا عليه وأجمعوا على تحكيمهم إيّاه في قضيتهم المتأزمة، فلم يكن من النبيّ (صلی الله علیه و آله) إلاّ أن فرش رداءه وتناول الحجر بيده الكريمة فوضعه في وسط الرداء، ثم انتخب من الجمع العمدة والزعماء المتناحرة أربعة أنفار أعطى لكل واحد منهم طرفاً من الرداء ليحملوه إلى مكانه الأصيل، ولما وصلوا به تناوله (صلی الله علیه و آله) ووضعه في محلّه ومكانه القديم.

واستحسن الجميع هذا الحلّ الرضي، كما فرحوا بانتهاء الموضوع بسلام، ورضيت جميع الأطراف المتخاصمة.

قال المسعودي: فبينما الناس في فرح وهدوء إذ يسمعون هاتفاً يهتف ويقول وا عجباً لقوم يدّعون لأنفسهم الشرف والمنعة والزعامة والسيادة من شيوخ وكهول قد عمدوا إلى أصغرهم سنّاً وأقلّهم مالاً فحكّموه فيما شجر بينهم وجعلوه زعيماً عليهم.. أما واللات والعزّى ليفوقهم سبقاً، وليقسم بينهم خصوصاً، وليكون له بعد اليوم شأن عظيم.

ص: 89

ثم قال المسعودي: وقد تنوزع في الهاتف من هو؟

فمن الناس من رأى أنه إبليس ظهر ذلك اليوم على صورة رجل من قريش كان قد مات، وأن اللات والعزى هما اللذان أحيياه لينبّه الناس على الخطر الداهم الذي سيجرّه عليهم محمد بن عبد الله (صلی الله علیه و آله) .

ومن الناس من يرى أن المتكلم هو حكيم من حكماء العرب، قد استنتج من تحكيم القوم للنبي ومن عمليته تلك تفوقه وسموّه، وأنه سيكون على شأن عظيم.

قال المسعودي: وعلى أثر سماع أبي طالب مقالة الهاتف أنشأ:

إن لنا أوّله وآخره *** في الحكم العدل الذي لا ننكره

وقد جهدنا جهدنا ليغمره *** وقد عهدنا عهدنا لنحضره

فإن يكن حقاً ففينا أكثره

ص: 90

أبو طالب يدعو ملك الحبشة إلى الإسلام

يحدثنا ابن هشام في سيرته 1 / 357 وابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 224 أن أبا طالب (رضی الله عنه) قد كرّر كتبه لإمبراطور الحبشة يدعوه إلى الإسلام وكان قد ختم بعض رسائله بمقطوعتين، من الأولى:

أتعلم ملك الحبش أن محمداً *** نبيٌّ كموسى والمسيح بن مريمِ

أتى بالهدى مثل الذي أتيا به *** فكل بأمر الله يهدي ويعصم

وأنّكمُ تتلونه في كتابكم *** بصدق حديث لا حديث الترجم

فلا تجعلوا لله ندّاً وأسلموا *** فإنّ طريق الحق ليس بمظلم

ومن الثانية:

ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر *** وعمرو وأعداء النبيّ الأقاربُ

تعلم أبيت اللعن إنّك ماجد *** كريم فلا يشقى إليك المجانب

تعلم بأن الله زادك بسطة *** وأسباب خير كلها بك لازب

قال ابن أبي الحديد والطبري وابن سعد في الطبقات: لما كثر اعتداء المشركين واليهود على المسلمين هرب من الإضطهاد المرير كثير من المسلمين، وفرّوا بأرواحهم ودينهم إلى خارج

ص: 91

الحجاز وبعضٌ إلى خارج مكة، وكان من أولئك النازحين جعفر بن أبي طالب وخمسة وثلاثون نفراً من أصحابه قصدوا الحبشة فلاذوا بحماها حفاظاً على نفوسهم ودينهم.

* * *

أقول: مما لا ينكر أن هناك من المسلمين من لاذ بالفرار والنزوح إلى البلدان النائية ليسلموا على أرواحهم ودينهم من أذى وتعذيب قريش، إلاّ أن الهرب كذلك كان غير مقصود، ولا يمكن أن يكون من المعقول بالنسبة إلى ابن أبي طالب الطيار؛ لأنّ قضيته تأبى وتأبى أن تنطبع بطابع الفرار والهزيمة، بل هي سياسية تبشيرية قلباً وقالباً وروحاً وواقعاً.

وكيف لا تكون كذلك وهناك أكثر من مصدر ووثيقة يبرهنان على أن ابن أبي طالب هو الشخصية اللامعة في سماء مكة، كما هو البطل المهيب في دنيا العرب وقريش، كما هو ثاني رجل في الإسلام وثاني مصلٍّ على الكرة الأرضية بعد أخيه عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ... إذاً فكيف يا ترى يمتلئ به استياؤه وتألّمه فيحدوان به إلى الفرار وأن يعاف الرسول (صلی الله علیه و آله) ويغادر الوطن بغية النجاة والسلامة.

هذا مضافاً إلى أنه ابن أبي طالب الرئيس العام، وقد تحاشا الشرك ابن أخيه فكيف يكون بالإمكان -والحالة هذه -أن يدنو من ابنه وفلذة كبده.

يؤيد ذلك تفكير قريش بخطر الرحلة وتصميمها على إرسال بعثة مناوئة لتقف في وجه الطيار وجماعته وتصدّ دعوته وتبشيره، فكانت إرساليتهم تتألف من الزعماء السياسيين:

ص: 92

مثل عمرو بن العاص، وعبد الله بن ربيعة المخزومي، وعمارة بن الوليد، وغير هؤلاء من رجال الفكر وأبطال الدهاء.

كما وقد زودوا البعثة بوفير المال وجليل الهدايا؛ ليستميلوا بواسطتها أهل النفوذ والوجهاء، حتى يتمكنوا من غايتهم ويحصلوا على الشيء الذي كانت بعثتهم من أجله.

وفعلاً طبقوا كل ذلك، فوزعوا الأموال المسيلة للعاب، ونشروا الهدايا من هنا وهناك، فكسبوا من هذا الطريق قلوب جماعة من أهل الحل والعقد، وقلوب جماعة ممن يرتبطون بالبلاط الملكي ارتباطاً وثيقاً، وظنوا أنهم سيحصلون على ما يريدون، فنفثوا إلى الملك واستطاعوا تشويش ذهنه على ابن أبي طالب وجماعته، زاعمين له مبينين أنهم قوم مشعوذون قد تنكروا لدينهم ودين آبائهم الأولين، وابتدعوا ديناً جديداً لا يعرفونه ولا الملك يعرفه، وهذا هو الذي جلب عليهم نقمة القوم وسخط عشائرهم، فاضطروا إلى الهجرة والاستجارة بحمى الملك، متخذين من ذلك وسيلة وذريعة إلى بث سمومهم ونشر دعوتهم في البلد الآمن المطمئن، فيعكرون صفوه ويحدثون البلبلة والغوغاء في ربوعه المجيدة، وإذا ما اتخذت التدابير لقمع حركتهم وتحديد صلاحياتهم أو إبعادهم عن البلاد وبخلاف ذلك ربّما يقع ما يكره، وبالتالي الإنقلاب على الحكم القائم والديانة المتأصلة.

فتأخذ المؤامرة مجالاً غير قليل من تفكير الملك وقلقه، فيستمهلهم ريثما يتأمل في الأمر ويفحصه من جميع أطرافه ثم يرى رأيه.

فلم يسع القوم حين ذاك إلاّ الموافقة والسكوت على مضض إلى أن يقفوا على النتيجة.

ص: 93

ومن حسن الصدف أن تصل إحدى رسائل أبي طالب إلى الملك في اليوم نفسه، وما أن يقرأها ويتفهم معناها حتى يستولي عليه الهدوء والطمأنينة، ويذهب عنه الهمّ والحذر.

وكان الكتاب يتضمن جملة من محاسن الإسلام وأحكام الدين المحمدي، وأنه الدين الحق الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، كما هو لم يكن بالدين المرتجل الذي خلقته الظروف الآنية، بل هو أمر مرتقب قد بشرت به الكتب السماوية والعلماء الأقدمون، كما استطاع أن يركز نفسه ويرسيها على قواعد متينة ودلائل وثيقة وآيات بينات يعجز البشر من الإتيان بما يماثلها ويضاهيها.

وأول شيء يستهدفه هو توحيد الله عزّ وجلّ ونفي الشركاء عنه تعالى، ثم الأمر بمكارم الأخلاق والتحلّي بصفات الخير والمحبة للناس، والتوادد والتآلف فيما بينهم، وتفقد الضعفاء، والحثّ على صلة الرحم – إلى غير ذلك من المكارم والمآثر.

ثم لفت نظره في نهاية الرسالة إلى ولده جعفر، وإنه فضل حماه والانطواء تحت لوائه دون غيره، وما ذلك إلاّ لما يعلمه من جميل الفعال وكرم النفسية والخصال، وإلاّ فأرض الله واسعة فضاها.

وتدخل المحتويات في نفس الملك، فيمتلئ حدة وغضباً على ابن العاص وأصحابه، ويرسل خلف الطيار، فيوسع له ويعتني به فيقدره ويكرمه، وبالتالي أسلم على يدي القائد الإسلامي جعفر بن أبي طالب، وآب ابن العاص وصحبه فاشلين في مهمتهم خاسرين في رحلتهم.

ص: 94

ولعلنا نأتي على تفاصيل الرحلتين والبعثتين في ترجمة أولاد أبي طالب، والمهم الآن هو بيان أن الطيار لم تكن سفرته كما يقولون من أنها انهزامية بحتة نشأت عن الضغط الكافر والاضطهاد المشرك، وقد عرفت أنها إن دلّت على شيء فإنّما تدل على أنها سياسية وتبشيرية، وقد تمكنت من التأثير على الإمبراطور الحبشي، ثم توسعت إلى المجموعة الحبشية، فكانت الحبشة منضمة إلى البلاد الإسلامية بالنهاية... كل ذلك ببركة عم النبيّ وابنه الطيار، كما تدلّنا مراسلات الزعيم الهاشمي على أنه (رضی الله عنه) لم يكن توحيده لله وإيمانه به تقليدياً وتبعياً فقط، بل إنّما كان فطرياً وغريزياً من جهة، ووراثياً تلقاه عن سلفه الصالح وآبائه الميامين من جهة أخرى.

والحق أن آباء رسول الله (صلی الله علیه و آله) الأكرمين كانوا مؤمنين بالله ولا يشركون به طرفة عين أبداً، كانوا يدينون بدين إبراهيم الخليل جدهم الأعلى، ومما لاشكّ فيه أن ملة إبراهيم ودينه هما نسخة طبق الأصل للدين الإسلامي الحنيف ﴿مَاْ كَاْنَ إِبْرَاْهِيْمُ يَهُوْدِيَّاً وَلاْ نَصْرَاْنِيّاً وَلَكِنْ كَاَنَ حَنِيْفَاً مُسْلِمَاً وَمَاْ كَاْنَ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ * إِنَّ أَوْلَىْ الْنّاْسِ بِإِبْرَاْهِيْمَ لَلْذِيْنَ اتَبَعُوْهُ وَهَذْاْ النبيّ وأْلْذِيْنَ آمَنُوْاْ وَاْللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِيْنَ ﴾ (آل عمران: 67-68).

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ﴾ (الحج: 78).

وهناك آيات أخرى تؤيد أيضاً أن ديانة إبراهيم وملّته قريبة من الديانة الإسلامية إن لم تكن هي، ودين إبراهيم (علیه السلام) هو الذي كان يرجع إليه آباء النبيّ (صلی الله علیه و آله) كلما تنقرض ديانة أو تنسخ، فهو دين معلوم لديهم محفوظ عندهم يحكمون عملهم عليه ويسيرون على ضوئه، كي لا يكون حالهم حال الأُسر الأخرى من العكوف على عبادة الأوثان وارتكاب المحارم والآثام،

ص: 95

لذا حرّم أبو طالب على أسرته وآله الملاذّ غير المشروعة كالخمور والقمار والفجور، وكلّ عمل من شأنه أن يؤدي إلى ما لا يرتضيه العقلاء والنبلاء، إلاّ ما كان من أمر أبي لهب المرفوض، فإنه قد شذّ عن هذه الأسرة الكريمة بكل معاني الشذوذ، لهذا فقد لفظه بنو هاشم لفظ النواة، وأسقطوه من قائمتهم، قاتله الله ولعنه وأعدّ له عذاباً أليماً.

ص: 96

أبو طالب يطلب من النبيّ (صلی الله علیه و آله) المعجزة

يحدثنا ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 206 عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: خرجت مع ابن أخي محمد وأخي أبي طالب إلى خارج مكة لغاية الترفيه عن محمد وقصد تسليته، فجلسنا على تلٍّ كان هناك، فاسترسلنا في الحديث فخضنا فيه من هنا وهناك، إذ يطلب أبو طالب من محمد أن يدعو إليه شجرة كانت تبعد عنا قليلاً، فحرّك محمد شفتيه فإذا الشجرة وقد انقلعت من جذورها أقبلت حتى وقفت أمامه قائلة: ((السلام عليك يا رسول الله وحجته على خلقه)).

فقال أبو طالب: مرها يابن أخي أن تعود إلى مكانها وترجع إلى محلها؛ فتكلم محمد بكلمات لم نفهمها، فإذا الشجرة وقد استدارت واتجهت إلى مكانها فثبتت فيه، ثم قضينا الوقت الذي كنا قد قررنا أن نقضيه وعدنا إلى دورنا.

أقول: إن هذا الطلب من الزعيم الهاشمي إنّما كان في أوائل البعثة وبدء أزمنة الرسالة، وإن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أن عمّ الرسول أراد أن يكون تصديقه بالنبوة والبعثة مرتكزاً على الدليل ومبتنياً على براهين وأسس واقعية لا تقبل الجدل والنقاش، مثل تقدم الشجرة وسلامها على رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، كل ذلك مزيداً للاطمئنان والتأكد والوثوق، نظير ما وقع على تفسير للنبي الخليل حين سأل الله عزّ وجلّ أن يريه كيف يحيّ الموتى؟ قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئنّ قلبي.

ص: 97

هذا أولاً، وأمّا ثانياً فإنه قد اجتمع عليهم عدة من العرب المجاورين، فأراد أبو طالب أن يريهم كرامات الرسول (صلی الله علیه و آله) ومعاجزه لعلهم يهتدون إلى دين الله وصراطه المستقيم، وإلاّ فهو مؤمن بالله وبما جاء به محمد من عند الله، لا يزيده تكرر الفضائل وخوارق العادة سوى الفرح بما أعطى الله رسوله من عظيم المقام وجليل المنزلة، وها هو يقول:

إنّ ابن آمنة النبيّ محمداً *** عندي بمثل منازل الأولادِ

ويقول أيضاً:

ظهرت دلائل نوره فتزلزلت *** منها البسيطة وازدهت أيامُ

وهوت عروش الكفر عند ظهوره *** وبسيفه سيشيد الإسلام

وأتاهمُ أمر عظيم فادح *** وتساقطت من حوله الأصنام

صلّى عليه الله خلاق الورى *** ما أعقب الصبح المضيء ظلام

ومما لا شك فيه أن البيت الأول هو إقرار صريح واعتراف واضح بنبوة النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، ثم أبان أنه بمنزلة أولاده عنده من حيث الشفقة والحنان واللطف، بل زاد عليهم وتقدمهم أشواطاً بعيدة، فيفقده ذات يوم فلم يحضر الدار على مستمر عادته، فيضطرب للحادث ويستولي عليه القلق والتشويش ويرتبك للتأخر غير المعتاد، لعلمه بتلبد الغيوم على رسول الله (صلی الله علیه و آله) وتجهم الوضع عليه والتربص به، الأمر الذي أدى بإكثار الرسل ليأتوه بخبره، فانتشروا في نواحي مكة ثم عادوا ولم يحصلوا على أثر لا قليل ولا كثير، فيزداد تألماً وامتعاضاً، ويأمر فتيان بني هاشم بالتسلح الخفي وأن يخرجوا إلى النادي الكافر، فيقف كل واحد منهم على

ص: 98

رأس كل رئيس وزعيم من العرب وقريش حتى يعود إليهم، فإن جاءهم بمحمد فذاك، وإلاّ عمدوا إلى الزعماء والرؤساء فقتلوهم عن آخرهم.

فخرج وخرجوا، ويقدر له أن يضيف إلى أعماله الخالدة وكراماته المتتالية كرامة العثور على رسول الله (صلی الله علیه و آله) وفضيلة لقياه ووجدانه، فيأخذ بيده ويأتي به إلى الندوة، فيقف به على الجماهير ويشرف به على المجتمع، فأعلمهم بما بيته لهم إن هو لم يجد محمداً صحيحاً سويّاً.

ثم أومأ إلى فتيانه أن يخرجوا ما أخفوه تحت الثياب من السيوف ليرهبوا بها عدو الله وعدو رسوله، فأخرجوها فإذا هي صحائف يقطر منها الموت، الأمر الذي هال القوم وأرعد فرائصهم، وبالتالي حمدوا الآلهة على سلامة محمد، كما حمدوها على سلامتهم ونجاتهم، ثم أنشأ أبو طالب وهو آخذ بيد النبيّ (صلی الله علیه و آله) :

ألا أبلغ قريشاً حيث حلّت *** وكل سرائر منها غرورُ

فإني والضوابح عاديات *** وما تتلو السفافرة الشهور

فلست بقاطع رحمي وولدي *** ولو جرّت مظالمها الجرور

أنا لبني أخي راعٍ حفيظ *** وورد الصدر مني والضمير

أيأمر جمعهم أبناء فهر *** بقتل محمد والقتل زور

فلا وأبيك ما ظفرت قريش *** ولا أمّت رشاداً إذ تشير

ص: 99

بنيّ أخي ونوط القلب مني *** وأبيض ماؤه غدق كثيرُ

ويشرب بعده الولدان رياً *** وأحمد قد تضمنه القبور

أيابن الأنف أنف بني قصيٍّ *** كأن جبينك القمر المنير

وبعد أن فرغ رجع بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) مرفوع الرأس موفور الكرامة فرحاً بما آتاه الله تعالى من فضله.

وهكذا يقدر لعم النبيّ (صلی الله علیه و آله) أن يحيى حياة طيبة، ملؤها الجهاد في سبيل الله، ملؤها المفاداة والذبُّ عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وقد خدم بيت الله قرابة الستين عاماً، كما قام بشؤون زواره وحجاجه طول عمره الكريم.

وتشاء إرادة الله القدير أن يرحل عن هذه الدنيا الفانية، الدنيا المليئة بالأتعاب والمشاق والنصب والعناء، ليحل ّ مكانها دار الخلود والراحة، دار الفردوس والكرامة، دار الأنبياء والأولياء والصالحين والأتقياء وحسن أولئك رفيقاً، ليجزي بما كسب وقدم من خير عميم، وأعمال صالحة يستمر أثرها إلى قيام يوم الدين.

كيف وقد أخذ الله عزّ وجلّ على نفسه المقدسة أن لا يضيع عمل عامل من ذكر وأنثى، كما لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأنه تعالى لا يضيع أجر المحسنين، ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره.

ص: 100

إذاً فلتهدأ نفسك ولتقرّ عينك يا عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) وناصر دين الله، بما سيريك الله العظيم من نعيم مقيم ورحمة أبدية، لا زوال لها ولا فناء.

ويشيع نبأ مرضه رضوان الله عليه، فيجتمع عليه للعيادة الأهل والأسرة والمعارف والأصدقاء، يصابحونه ويماسونه وكلهم وجلون متصدعون لوعكة زعيمهم وسيدهم العظيم، ولا سيما رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فإنه أشدّ الناس توجعاً وأكثرهم تألماً واستياءً.

ويستشعر هو رضوان الله عليه دنو أجله واقتراب وفاته، فيستعد إلى لقاء الله ويتأهب للدار الآخرة، فيبعث خلف بني هاشم فيحضر كلهم أجمعون ملبين دعوة زعيمهم المفارق، فيدير عينيه في وجوههم، ثم أخذ يعظهم ويذكرهم بأيام الله وينصحهم بطاعة الله وملازمة أحكامه وسننه، واقتفاء أثر رسول الله (صلی الله علیه و آله) واتباع شريعته ومبادئه، فيتعاظم الأنين ويتعالى البكاء والحنين.

ثم أرشدهم إلى الإعتناء بالبيت الحرام، وتقديس الكعبة الموقرة... إلى كثير من النصائح والإرشادات.

ص: 101

أبو طالب ينشئ وصيته

ولمّا سكن نشيج القوم وهدأت زفرتهم وحرّاتهم أخذ عم النبيّ العظيم يسلّي الهاشميين ويهون عليهم، وأنه ليس لوحده فقط أوجد الموت وخلق الفناء، بل هو حتم في رقاب العباد لا يمكن أن ينجو منه أحد:

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته *** يوماً على آلةٍ حدباء محمولُ

* * *

وإذا حملت إلى القبور جنازةً *** فاعلم بأنّك بعدها محمولُ

يا معشر بني هاشم، يا معاشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه، وأنتم قلب العرب، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدام الشجاع، الواسع الباع.

واعلموا أنّكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيباً إلاّ أحرزتموه، ولا شرفاً إلاّ أدركتموه، فلكم بنوالكم على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب، وعلى حربكم ألب.

وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية، فإن فيها مرضاة الرب، وقواماً للمعاش، وثباتاً للوطئة.

صلوا أرحامكم ولا تقطعوها، فإن صلة الرحم منسأة للأجل وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق ففيها هلك القرون قبلكم، وأجيبوا الداعي، وأعطوا السائل، وعليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإن فيها محبة في الخاص، ومكرمة في العام.

ص: 102

وإني أوصيكم بمحمد، فإنه الأمين في قريش، والصدّيق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، ولقد جاءنا بأمر قبله الجنان ووعاه القلب.

وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين من الناس، وقد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره، فخاض بهم غمار الموت، وصارت رؤساء قريش وصناديدها أذناباً ودورهم ضراباً، وإذا بأعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم عنه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش، دونكم ابن أخيكم كونوا له ولاة ولحزبه حماة.

فو الله لا يسلك أحد سبيل محمد إلاّ رشد، ولا يأخذ بهديه إلاّ سعد، ولو كان لنفسي مدة وفي أجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز ودفعت عنه الدواهي، غير أني أشهد بشهادته وأعظم مقالته.

أقول: وأيم الله إنها وصية جليلة ومذكرة عظيمة، ولعمر الحق إنها وصية حازت منتهى السمو واتصفت بمنتهى الجلالة والعظمة، تزخر بغرر النصائح ودرر الكلم وبليغ المقال وجميل الوعظ والإرشاد، قد مجّدها كثير من المؤرخين وقدستها كتب التاريخ والسير، وكان من أولئك مفتي الشوافع في عصره السيد (زيني دحلان) في مؤلفه (أسنى المطالب)، و(الحموي) في كتابه (ثمرات الأوراق)، و(السهيلي) في (الروض)، و(السيد علي خان) في (درجاته الرفيعة)، و(المجلسي) في (البحار)، والسيد (البرزنجي الشافعي)، و(ابن أبي الحديد) في (شرح النهج) 2 / 213.

ص: 103

وإني لأقسم بالله -وإنه لقسم لو تعلمون عظيم -أن وصية حامي النبيّ وعمّه الكريم هذه لهي وصية ضخمة، هي بوصايا الأنبياء أشبه، وبنصائح الأئمة والأولياء أنسب، وإلى تعاليم العلماء والعباقرة أقرب.

فهي وصية تنمّ عن مجموعة معارف، وتعطي إضمامة من دروس قيّمة وتعاليم رفيعة وراقية، كما يستشف منها العلم الجمّ، والأدب الوفير، والبلاغة المنقطعة النظير -إلى غير ذلك مما يضع عمّ الرسول الكريم بمواضع العباقرة والمفكرين والعلماء اللامعين.

فأول ما استهدفه من معنى ظهر على لسان النبيّ الكريم أخيراً: وهو قوله (صلی الله علیه و آله) : ((إن الله اصطفى إسماعيل من ولد إبراهيم، ثم اصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)).

أمّا قوله رضوان الله عليه: ((فيكم المقدام الشجاع الواسع الباع)) يريد بذللك أسرة رسول الله (صلی الله علیه و آله) الكريمة وسلسلته المجيدة، فهي وحدها التي قد انفردت بطيب المحتد وكريم المآثر وجليل صفات الخير -إلى غير ذلك من عناوين الكمال وجميل الخلال والخصال والشجاعة الفذة.

ومما لا يختلف فيه اثنان ولا يرتاب فيه أحد أن آباء النبيّ (صلی الله علیه و آله) العظماء كانوا على درجة عليا من الجود والسخاء والرأفة والحنان والعطف على الضعفاء واللطف بالمعوزين والفقراء.

أغاثوا الملهوف وسعوا جاهدين إلى قضاء حوائج الناس والترفيه عليهم، مضافاً إلى تميزهم بعبادة الله وروحانية خدمة بيته الحرام والقيام بلوازم الزوار والحجاج من وفادة

ص: 104

وسقاية -إلى غير ذلك من المفاخر مما جعلهم في الأنظار في أعلى مقامات السيادة والزعامة.

ثم يلفت نظر الهاشميين إلى العكوف على خدمة الكعبة ثم تعظيمها وتكريمها خدمة لله عزّ وجلّ وقربة إليه تعالى.

هذا بالإضافة إلى ما تخلفه الخدمة والسدانة من شرف كبير، وعلى المكانة في النفوس المؤمنة والقلوب المحبة لله سبحانه، وذلك أمر لا ينبغي التفريط به بأي حال من الأحوال..

وأمّا عن قوله (رضی الله عنه) : ((صلوا أرحامكم ولا تقطعوها)) فهو إرشاد قيّم متين ونصح جليل ثمين، كما هو معنى إنساني كريم يستشف منه الشعور بآمال الأقارب والأرحام وآلامهم، ثم الترفيه عليهم جهد الإمكان وحسب المستطاع؛ لما لهم من حقوق فضلى وواجبات مثلى، يحتمها العقل السليم وتفرضها الإنسانية الحقة.

أضف إلى ذلك النتائج التي تنتج من جراء الصلة المشار إليها من آثار مستحسنة ومفاهيم محببة: منها الزيادة في الرزق والإطالة في الأعمار، ثم المودة في نفوس الأقرباء والأرحام.

ولله درّ القائل:

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهمُ *** فطالما استعبد الإنسان إحسانُ

وقد جاءت هذه النظرة من عمّ النبيّ الزعيم أبي طالب موافقة لآداب القرآن وسنن الإسلام، وقد ورد في القرآن الكريم كما في سورة (النساء:1) ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.

ص: 105

فقد جعل الله تعالى لزوم الإتّقاء من سخط الأرحام واجتناب عقوقهم مقارناً لمخلفات عقوقهم وعصيانه عزّ وجلّ، وما ذلك إلاّ لأهميتهم عنده وكرامتهم عليه.

وورد أيضاً في سورة (محمد:22-23) ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾.

فنظر الله تعالى إلى الذين يقطعون أرحامهم ولا يصلونها نظرته إلى الذين يعيثون في الأرض الفساد ويسعون فيها بالجرائم والمنكرات، فقاس الجميع بمقياس واحد ووزنهم بميزان واحد.

وورد أيضاً في سورة (الأنفال:75) ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ﴾.

وأمّا ما ورد في السنّة النبوية -من فضيلة صلة الرحم والحثّ عليها -فهناك الشيء الكثير.

روى آل البيت عن جدهم النبيّ ً (صلی الله علیه و آله) :

((صلوا أرحامكم ولا تقطعوها)).

((صلوا أرحامكم ولو بالسلام)).

((الرحم مشتقة من الرحمة، والرحمة من صفات الله عزّ وجلّ)).

((الرحم معنى معلق بين السماء والأرض ينادي: اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني)).

((إنّ صلة الرحم تطيل العمر كما تزيد المال والثراء)).

ص: 106

((صلْ رحمك ولو بشربة ماء، وإن أفضل ما يوصل به الرحم كفُّ الأذى عنه)).

((من مشى إلى ذي قرابة بنفسه أو بماله أو بجاهه رعاية لصلة الرحم أعطاه الله عزّ وجلّ أجر الشهداء في سبيل الله، كما أعطاه بكل خطوة يخطوها من الحسنات ما لا يعلم به إلاّ الله، ويعطيه ثواب عبادة مئة سنة تطوعاً)).

((صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار)).

وقال الإمام الصادق (علیه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ (الرعد: 21): الذي أمر الله به أن يوصل هو رحم رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وذوو قرباه، ثم رحم الإنسان.

وأمّا قوله رضوان الله عليه ((واتركوا البغي والعقوق)) فإنه درس نافع وفكرة اجتماعية ضخمة، لأن البغي والإعتداء من دون حق وإضرار الناس من دون ما سبب أو مبرر هو الظلم بعينه، والظلم إن دام دمر.

وكذلك الإستهانة بحقوق الآخرين أو بحقوق الأخوة المؤمنين، فهو ظلم صريح، وتحطيم للكرامة التي قدرها الله تعالى للأبوين أو للإنسان بعضه مع بعض، وقد تعرض القرآن المجيد للظلم والظالمين وذمّهما فقال تعالى:

﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾، (الأعراف: 44)

﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾، (إبراهيم: 42)

ص: 107

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾، (الفرقان:27)

﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (مريم: 38)

﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران:151)

وليست هذه الآيات الكريمة فقط هي كل الوارد في الموضوع، بل هناك كثير ممّا تركناه رعاية للإختصار، ولما في هذا القدر من الكفاية.

أمّا ما ورد من السنّة فنذكر على سبيل المثال ما نقله الشيخ ورّام في مجموعته، بطريقه إلى مولى المؤمنين وإمام المتقين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) عن ابن عمّه رسول الله (صلی الله علیه و آله) عن الله عزّ وجلّ أنه قال: ((إشتدّ غضبي على من ظلم من لم يجد له ناصراً غيري)).

وعنه (علیه السلام) : إيّاك وظلم من لم يجد عليك ناصراً إلاّ الله.

وعنه (علیه السلام) عن النبيّ عليه الصلاة والسلام أنه قال: الويل لظالم أهل بيتي، عذابهم مع المنافقين في الدرك الأسفل من النار.

وعنه (علیه السلام) : لا يكبرن عليك بغي من ظلمك، فإنه يسعى في مضرة نفسه ونفعك.

وعنه أيضاً: ألا وإن الظلم ثلاثة أنواع: ظلم لا يغفره الله، وظلم لا يتركه الله، وظلم ربّما يغفره الله.

أمّا الظلم الذي لا يغفر فهو الشرك بالله ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ (النساء: 48)، وأمّا الظلم الذي لا يترك فظلم الناس بعضهم لبعض، وأمّا الظلم الذي يمكن أن يغفر فهو ظلم

ص: 108

الإنسان نفسه بزجها في آتون محارم الله وذلّ معصيته، فهذا النوع من الظلم يمكن إعفاؤه والتسامح فيه فيما إذا عقب بالتوبة وقرن بالندم على ما صدر والإقلاع عن المماثل في المستقبل.

وعنه (علیه السلام) : بالظلم هلكت القرون والأمم السابقة.

قوله (رضی الله عنه) : ((أجيبوا الداعي وأعطوا السائل))، أمّا إجابة الدعوة أو الداعي فتلك من صفات المؤمنين وسمات المتدينين، مضافاً إلى أنها تورث التآخي والتصافي بين الناس، كما توجب التآلف والتوادد بين المسلمين.

وقد ورد عنه (صلی الله علیه و آله) : لو دعاني داعٍ على كراع لأجبته.

كل ذلك حثٌّ وترغيب على إجابة الداعي مهما كان، حتى ولو كان مثل كراع الرجل الفقير البسيط، وحتى لو كانت الدعوة بسيطة لا تتعدى كراع الشاة، وحتى لو كانت تستلزم التعب من جهة بعد المكان، مثل كراع الذي هو اسم مكان يبعد مقداراً ما عن البلد.

وثبت عنه (صلی الله علیه و آله) أنه قال: إذا دعيتم فأجيبوا.

أمّا قصة إعطاء السائل فإنها أضحت من مآثر الإسلام ومختصاته، وقد ندب إليها القرآن الكريم في أكثر من آية ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (الضحى: 10)، ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾(الحج: 28).

وفي الحديث: إرحموا من في الأرض يرحمْكمْ مَنْ في السماء.

ص: 109

لو صدق السائل لهلك المسؤول.

من أراد أن ينمو ماله ويطول عمره فليكثر من الصدقة.

وما عسى إن يقول القائلون في وصية عمّ الرسول العظيم هذه، فكل قول وثناء وكل تقريض وتفخيم هو دون مستواها ودون شأنيتها ومكانتها، فأكرم بها من وصية تصقل العقول وتصهر النفوس ببوتقة الخلق الإسلامي النبيّل، كما تطبع الإنسانية بطابع الحضارة والمثل العليا التي تضع الإنسان بمصاف العباقرة اللامعين والنبلاء الأكارم.

قوله (رضی الله عنه) : ((وعليكم بصدق الحديث)) ولا يكاد يخفى ما للصدق من أثر فعال يورث ترابط المجتمع، ويؤدي إلى التفاهم والتقارب بين أفراده وجماعاته، كما يظهرهما بمظهر الكمال والجلال... ويلحقهما بالمثقفين العظماء والروحانيين من الملائكة المقربين.

وقد ورد في القرآن العزيز تمجيد الصدق والصادقين في كثير من الآيات الكريمة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23).

فهذه الآية المباركة -وإن كانت واردة في فضل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) كما ذكر ذلك السبط ابن الجوزي في تذكرته وابن أبي الحديد والقندوزي في ينابيعه -إلاّ أنها تخرج عن كونها مدحاً للصادقين وثناءً على الصدق.

ومن الآيات: ﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (الزمر: 33).

ص: 110

أمّا نظرة الإسلام إلى الكذب فهي نظرة ساخط ماقت ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ (القمر: 26)، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ (المطففين: 10).

ويكفي في ذمّ الكذب وقبحه كونه كذباً، وهو من الرذائل والصفات المقيتة، وبالتالي إنه يورث الإنهيار الخلقي والتفسخ والتحلل في أفراد المجتمع ثم الويل والدمار.

قوله (رضی الله عنه) : ((وعليكم بأداء الأمانة)) هو توجيه فطري وشعور بأهمية الأمانة ولزوم الحفاظ عليها ثم أدائها وتسليمها إلى أهلها كاملة غير منقوصة.

ويكفي في خلاف ذلك ثبوت الخيانة في حق الأمين أو المؤتمن، والخيانة جرم خطير وعمل حقير يورثان في بني الإنسان التباغض والتناحر ثم التقابل المسلح والحرب الطاحنة، ومن هنا كان القرآن المجيد يصرُّ في أكثر من آية على لزوم أداء الأمانة﴿ :فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ﴾ (البقرة: 283) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المؤمنون: 8).

قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((ليس مني من غشَّ أمتي، أو خادعهم، أو خانهم)).

قوله : ((وإني أوصيكم بمحمد فإنه الأمين في قريش والصدّيق في العرب))، فإنه تأكيد بالإيصاء برسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ولزوم اتباعه ونصرته، ولزوم إحاطته والمحافظة عليه، وسدّ كل النوافذ والثغور التي يمكن أن يتسرب منها العدو فيتسلل إلى عرقلة حركته أو يعترض سير قافلته.

هذا أولاً، وأمّا ثانياً فإنه تصديق للبعثة، واعتراف بالرسالة والنبوة، وإرشاد إلى ذلك، لذا أتبعه بقوله: ((ولقد جاء بأمر قبله الجنان ووعاه القلب)) يعني الإسلام.

ص: 111

ثم أقسم (رضی الله عنه) فقال: ((والله لا يسلك أحد سبيل محمد إلاّ سعد، ولا يأخذ أحد بهديه إلاّ رشد)) ومن الجلي الواضح أن سبيل محمد وهدى محمد هو الدعوة إلى الله ثم إلى دين الله الحق، وبهما يتحقق للإنسان الهدى والرشاد والسعادة والفلاح.

ثم أخذ يقرأ عليهم عن مستقبل النبيّ القريب أو البعيد، وما سيكون عليه من التوسع وانتشار الصيت والانتصار على الدول الكافرة والمشركة، ولا بدَّ أن تتهافت عليه الناس بعد ذلك خاشعة تأتمر بأمره وتنتهي بنواهيه، أفلا يكون هذا من أجلّ الدوافع والأسباب المقتضية إلى مساندته والإلتفاف حوله والأخذ بقوله؛ لتكون لهم السيادة والقيادة والإمرة والوزارة.

أفلا يكون ذلك موجباً لعدم فسح المجال للآخرين الأباعد أن يحيطوا بمحمد، فيكونوا بهذه الواسطة هم الدعاة والولاة، في حال أن الآل والأسرة هم أحقّ بالإحاطة والنصرة؛ ليحصلوا على الأولوية في الوصاية والولاية.

ثم تمنى (رضی الله عنه) أن يفسح الله في أجله ويمدّ له في عمره، لا لحبِّ البقاء والخلود في الدنيا، بل ليكفَّ عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) الهزاهز، ويدفع عن حضرته الدواهي؛ حتى تعلو كلمة الله ويشاهد انتشار ألوية الدين عالية خفاقة، وحتى يرى الرؤساء والعظماء غادية وجائية، وهي تعتذر إلى ابن أخيه مستشعرة تقصيرها في حقه آملة منه العفو والصفح عمّا صدر منها من الأذى والإساءة إليه (صلی الله علیه و آله) ، وهناك فليكن الموت وليقضي الله أمراً كان مفعولاً.

* * *

ص: 112

رضي الله عنك وأرضاك يوم لا ينفع فيه المال والبنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم من درن الجاهلية وأوضار الوثنية، مؤمن بالله لم تأخذه فيه لومة لائم، ولا في موالاته لرسول الله (صلی الله علیه و آله) ومؤازرته إيّاه رعد الفوضويين وإبراق المرجفين.

تمنيت أن تعيش الزمن الذي يتمّ فيه الأمر للرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ؛ لتستكثر من صالح الأعمال، وتتوصل إلى خير الزاد ليوم المعاد، وتقي الرسول (صلی الله علیه و آله) من مكائد الكفر ودسائس الشرك، أو لتموت في سبيل الله ورسوله شهيداً سعيداً، وهنالك الفوز المبين والفردوس الأعلى مقر الأنبياء والمؤمنين، وحيث رحمة ربّ العالمين.

وما أدري يا عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) كيف استشعرت التقصير، فرجوت أن يفسح في أجلك لتحوز على خدمات لله ورسوله أكثر وجهاد أوفر، وهل تركت شيئاً تكون فيه الخدمة أو تتحقق منه المفاداة إلاّ وقد صنعته؟

ألم تحتمل الذلّ والهوان من حيث توحيدك لله ومن حيث ملازمتك لرسول الله (صلی الله علیه و آله) ، تلك الملازمة التي أطاحت بقلاع الكفر وهدمت صروح الأصنام والشرك، ثم تخضع لرسول الله (صلی الله علیه و آله) ذاك الخضوع الذي لم يحدث التاريخ منذ عرف له مثيلاً ونظيراً، وأنت عمّه ومربيه وكافله، وأنت زعيم مكة ووليّ الله على بيته الحرام؟

ألم تحتمل مرارة الحصار المشين وتبعات الإعتقال المؤلمة طوال ثلاث سنين؟

ألم تخمد تحرشات الكفر، وتفضح مؤامرات الشرك، وتأتي على عدوانهم وما يبيتونه من أضاليل وأباطيل، فتنسفه وتنقضه من الأساس؟

ص: 113

ألم تنذر نفسك وتوقفها على مدح رسول الله (صلی الله علیه و آله) ونشر فضائله ومكارمه ومآثره، فملئت الكتب بنثرك وشعرك؟

أما يكفيك كل هذا العمل الخيّر، العمل الذي يكون بعضه موجباً لأن تشملك رحمة الله وتستدرجك جنته ورضوانه، وأخيراً ختمت وصيتك بكلمتك الرائعة ((غير أنّي أشهد بشهادته وأعظم مقالته)).

نعم والله يا عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، لقد شهدت بشهادة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وأعظمت مقالته من أول يوم أظهر فيه (صلی الله علیه و آله) الشهادة لله عزّ وجلّ بالوحدانية وله بالرسالة، ولكنك أيها العظيم أحببت أن تختتم بما ابتدأت به؛ لتكون آخر دعواك: أن الحمد لله ربِّ العالمين.

ولا يضرُّ الأسود نبح الكلاب، كما لا يضرُّ نقيق الضفادع وطنطنة الذباب في عظمة العظماء ومقامات الأبطال، وسوف ترد ويردون على الله، كما سيعرض الظالمون على الله ورسوله، فتسودُّ وجوههم حياءً من رسول الله (صلی الله علیه و آله) بما زوروا ولفّقوا، ولا ينفعهم إذ يندمون، كما لا ينفعهم إذ يعتذرون يوم يعضُّ الظالم على يديه ويقول الكافر بآلائك الجاحد لفضلك: يا ليتني كنت تراباً، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

* * *

وتحدث ابن أبي الحديد فقال: وإن لشيخ الأبطح وصية أخرى شعرية قد اختصّ بها نفراً من أبطال بني هاشم الأفذاذ، وهم أربعة، العباس بن عبد المطلب والحمزة بن عبد المطلب وعليٌّ وجعفرٌ ولداه:

أوصي بنصر نبيِّ الخير أربعة *** إبني عليّاً وعمَّ الخير عبّاسا

ص: 114

وحمزة الأسد المخشيّ صولته *** وجعفراً أن تذودوا دونه النّاسا

كونوا فداءً لكم أمّي وما ولدت *** في نصر أحمد دون الناس أتراسا

لله درّك، ولله أنت يا كافل المصطفى وحاميه، ما أعظمك وأكرم نفسك ونفسيتك، وما أشدّ تصلبك لدين الله وحرصك على حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وما أزهدك في دمك وروحك تبذلهما بكل سخاء وطمأنينة لا في سبيل الله ورسوله فحسب، بل لكل مساند لهما ومعاضد، فأنت وفي مثل هذه الظروف الحرجة وهاتيك الساعة الصعبة الرهيبة لم تفتأ توصي وتلهج بذكر الله عزّ وجلّ وتشحذ الهمم والعزائم نحو الحفاظ على حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

فسلام الله عليك يوم ولدت ويوم متَّ ويوم تبعث حيّاً.

* * *

قال التفتوني في ضياء العالمين والواحدي في أسباب النزول، وابن شهر آشوب في المناقب، وابن أبي الحديد في شرح النهج: إنّ لأبي طالب عمّ النبيّ العظيم وصية ثالثة خصّ بها ولده طالب الذي هو أكبر أولاده، يحثّه فيها على التدين بدين رسول الله واتباعه في أقواله وأفعاله، والذود عنه والذبِّ عن دينه بكل القوى والإمكانات، وفي ذلك الخير العميم والنجاة في الدارين، ثم أنشأ الوصية بقالب شعري فقال:

أبنيّ طالب إنّ شيخك ناصح *** فيما يقول مسدد لك واثقُ

فاضرب بسيفك من أراد مساءة *** أبداً وإنّك للمنية ذائق

هذا رجائي فيك بعد منيّتي *** إني عليك بكل رشد واثق

فاعضد قواه يا بنيَّ وكن له *** إني بجدّك لا محالة لاحق

آهاً أردد حسرة لفراقه *** إذ لم أجده وهو عالٍ باسق

ص: 115

أترى أراه واللواء أمامه *** وعليُّ إبني للّواء معانقُ

ويحدثنا صاحب إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي نقلاً عن مقاتل من حديث طويل: إن أبا طالب (رضی الله عنه) قد جمع إليه بني هاشم في أواخر أيامه وعند استفحال المرض فيه ويأسه من الحياة، كما أرسل على الزعماء والأحلاف من قريش والعرب، وعند اجتماعهم من حوله قد استوى جالساً وخطب فيهم خطبة عظيمة أكثر فيها من الإيصاء برسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ومن جملة ذلك أن قال: يا قوم إن ابن أخي محمداً – كما يقول – نبيٌّ مرسل، أخبرنا بذلك آباؤنا وعلماؤنا من قبل، فهو نبيٌّ صادق وأمين ناطق.

وفيه أيضاً 1 / 407 بطريقه إلى أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن عبد الله بن محمد بن سلمة اللؤلؤي عن صادق آل محمد عليه وعليهم السلام أنه قال بمناسبة إسلام أبي ذر ٍّ الغفاري رضوان الله عليه: وكان الإمام الصادق (علیه السلام) قد سئل عن كيفية إسلام أبي ذر، فقال: كان أبو ذر يرعى الغنم، فإذا هو يرى ذئباً وقد جاء من جهة يمين الغنم، فذاده بعصاه، فصار الذئب إلى شمال الغنم فهشَّ عليه بالعصى وقال: ما رأيت ذئباً أخبث منك ولا أشرّ، فتكلم الذئب بقدرة الله وقال: هناك من هو أكثر شرّاً مني وأخبث، وهم أهل مكة، بعث الله فيهم نبيّاً من أنفسهم فكذبوه وشتموه ونسبوا له كل شيء، ثم أدار بظهره وولّى.

فيأخذ حديث الذئب هذا من قلب أبي ذر مأخذاً عظيماً، كما يأخذ الوفير من تفكيره واهتمامه، الأمر الذي حداه أن يعهد بغنمه إلى بعض أحبابه ويقصد مكة ليقف على جلية الحال وواقع خبر الذئب، فيصادف دخوله مكة عند الظهر، وكان الوقت حارّاً، وقد أعياه التعب وأمضَّ به العطش، فاتفق أن مرَّ على زمزم فأدلى دلوه فإذا به يخرج محلوّاً لبناً سائغاً، فشرب وتفاءل.

ص: 116

ثم قصد جانباً من جوانب الكعبة، فإذا هو بحلقة من قريش، فجلس قريباً منهم وإذا به يسمع شتم محمد وسبّه وانتقاصه ورميه بالسحر والجنون وما أشبه، فبينما هم كذلك إذ أقبل عليهم شيخ كبير عليه آثار الجلالة والمهابة والعظمة، وما أن نظروه حتى تواصوا بالكفِّ عن ذكر محمد بسوء فقلبوا الحديث إلى شكل آخر.

ولمّا وصل إليهم قام المجتمع إجلالاً له وإكباراً لمقامه، فجلس معهم حتى كان آخر النهار قام الشيخ وانصرف إلى شأنه.

فسألت بعضهم عنه؟ فقيل لي: هو شيخ الأبطح أبو طالب، فلحقته وصرت أماشيه، فالتفت إلي وقال: ألك حاجة فنقضيها؟ قلت: حاجتي النبيّ المبعوث فيكم.

قال: وما تريد منه؟ قلت: أؤمن به وأصدقه وأطيعه.

فدلّني على عليٍّ إبنه فقال: هو يدلك عليه؛ فسألت عن عليّ بن أبي طالب فوصلت إليه، قال لي: وما حاجتك؟ قلت: حاجتي النبيّ المبعوث فيكم، قال: وما تريد منه؟ قلت: أؤمن به وأطيعه.

فقام معي إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فسلمت عليه وآمنت به وصدقته ولازمت خدمته.

أقول: إن ذكر هذه القضية من قبل الإمام جعفر بن محمد (علیهما السلام) ما هي إلاّ لإثبات أن أبا طالب كان يرشد إلى رسول الله ويشيد بنبوته وبعثته، ولا يكثر عليه أن يكون أول داعية إلى الله ورسوله وأول محامٍ عن رسول الله ودين رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وبواسطته رضوان الله عليه كثر أعوانه وأنصاره.

ص: 117

أبو طالب يصير إلى الفردوس الأعلى

وهكذا تنتهي حياة عم رسول الله (صلی الله علیه و آله) وتنطوي صفحتها المشرقة، كما انطفت شمعتها الوضاءة، لكنها تركت للأجيال وفيراً من التعاليم الخيّرة والدروس القيّمة والنصائح الغر، ما إذا سار الناس على إيحاءاتها ومحتوياتها لكانوا من أرقى الأمم حياة وحضارة ومدنية وثقافة، ولكانوا أشد الناس تمسكاً بالدين، وأكثرهم تصلّباً للمبدأ والعقيدة، وحبّاً لله ورسوله، واستماتة في سبيلهما.

وما أن يشيع نبأ وفاته (رضی الله عنه) فتزدحم مكة بالناس من كل مكان، كما خيّم الوجوم والانكسار على الجميع: فما ترى إلاّ باكٍ وباكية ونائحاً ونائحة، حتى أصبحت مكة ضجة واحدة، فالأسى والحزن يلوحان على الوجوه.

ويبادر أمير المؤمنين عليٌّ (علیه السلام) إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) يخبره بوفاة عمّه، ثم يستوحي الإرشاد والتعليم فيما يخصُّ التجهيز والتشييع، وما أن فهم (صلی الله علیه و آله) الفاجعة حتى أجهش بالبكاء وانتحب انتحاباً عالياً، حتى تحادرت دموعه على كريمته المباركة، ثم رفع رأسه إلى عليٍّ (علیه السلام) وقال: إمض يا عليُّ جهّزه وقم في أمره وأعلمني إذا ما تمّ ذلك.

فرجع عليُّ (علیه السلام) وأخذ بتجهيز أبيه، فغسله وكفنه ووضعه في سريره ووجّه إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) من يعلمه بحمل الجثمان الكريم، فحضر رسول الله (صلی الله علیه و آله) .. فانضمّ إلى التشييع مألوماً متوجعاً، ورفع الجثمان على الرؤوس تتلاقفه الأيدي تبركاً بجثمان عم النبيّ العظيم، حتى إذا جيء به

ص: 118

إلى مثواه الأخير ومرقده النهائي، أراد النبيّ (صلی الله علیه و آله) أن ينزله بنفسه إلى حفرته إلاّ أن أمير المؤمنين عليّاً (علیه السلام) تبرع عنه (صلی الله علیه و آله) فتكفل انزاله وإيداعه في مقرّه.

وفي بعض الروايات أن النبيّ (صلی الله علیه و آله) هو الذي نزل مع عمّه إلى القبر، وربّما نأتي إلى بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.

وكيف كان أنزل عمّ الرسول في حفرته، وأهالوا عليه التراب، وصار إلى جوار ربّه ورحمته.

وبعد إجراء مراسيم الدفن قام رسول الله (صلی الله علیه و آله) على القبر الزكي مؤبناً عمّه وكافله، فكان مما قاله (صلی الله علیه و آله) :

((وصلتك رحمٌ يا عم، جزيت خيراً يا عم، فلقد ربيت وكفلت صغيراً، وآزرت ونصرت كبيراً، أما والله يا عم لأستغفرنّ لك وأشفعنّ فيك شفاعة يعجب منها الثقلان)).

* * *

لعمري إنّه تأبين عظيم وخطير، يصدر من عظيم العظماء وسيد الأنبياء والحكماء، يصدر من رسول ربِّ الأرض والسماء، فهو تأبين لم يعرف التاريخ له مثيلاً، ولم يسجل له نظيراً على مسرح الدنيا وفي دنيا التاريخ.

ص: 119

الله أكبر، يا له من تأبين يتكفل فيه النبيّ الكريم لعمّه العظيم أن يشفع له شفاعة يعجب منها الثقلان وعالما الجنِّ والأنس... يا لها من شفاعة تتمناها الأنبياء، وتذوب شوقاً إليها الأئمة والأولياء.

فهنيئاً لك ملايين المرات يا عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) هذه الشفاعة، الشفاعة التي ستجد آثارها أمامك يوم لا تنفع فيه شفاعة الشافعين، ويوم ينادي فيه الإنسان: ربّي نفسي، ربّي نفسي لا ولدي ولا أقاربي.. حتى نبيُّ الله الخليل ينادي: ربّي نفسي لا ولدي إسماعيل.

فهنيئاً لك يا عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) ذلك الضمان الضخم، ومن أولى منه (صلی الله علیه و آله) بشكران النعمة وعرفان الجميل، وهو الذي علّم الناس وأرشدهم إلى مقابلة الإحسان بالإحسان والنعمة بالشكران.

ويحدثنا الحجة الأميني في غديره 7 / 399 عن أبي الفرج الأصفهاني عن الصحابي الكريم حذيفة اليماني من حديث طويل قد استعرض قضية وفاة عمّ النبيّ الزعيم أبي طالب رضوان الله عليه وقصة تشييعه وتوجع الرسول وحزنه عليه – إلى أن يقول:

وقام العباس وأبو بكر بن أبي قحافة، فأبّناه وشهدا على إيمانه وتدينه كما أخذ فقده من النبيّ (صلی الله علیه و آله) مأخذاً عظيماً، وصادف في السنة التي مات فيها أبو طالب أن ماتت أمُّ المؤمنين خديجة، وبفقدها تجدد الحزن على رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وصار مجمعاً لمصيبتين كبيرتين كلٌّ منهما يهدُّ القوى ويورث الإستياء الأليم، لذا سمّى رسول الله (صلی الله علیه و آله) ذلك العام بعام الحزن، كما نشطت في تلك الأيام الأعداء والخصوم، وتحركت عليه علناً وجهراً شراذم اليهود، وصار

ص: 120

الجميع يتفننون في إيذائه ويتفكهون بأنواع الإساءة إلى حضرته، إذ خلا لهم الجوّ وواتتهم الفرصة، فغاب عنهم المحامي والناصر والكفيل والمؤازر، فغاب عنهم الليث الهصور والأسد المخيف، فغيّب الثرى عمّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) وعضده وبقي محمد لا معين له ولا ذابَّ عنه سوى نفر من بني هاشم، وهم يقلّون العدو عدداً وعدّة، الأمر الذي أدى برسول الله (صلی الله علیه و آله) أن يكرر دعاءه، على الظلمة والظالمين، ويسأل الله تعالى الخلاص والنجاة من الأيدي الكافرة، وكان من جملة أدعيته:

اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على الناس.

اللهم يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربّي إلى من تكلني يا إلهي، إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو يمتلك أمري، إن لم يكن يا إلهي بك غضب عليَّ فلا أبالي أن يحلّ عليّ سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، فلا حول ولا قوة إلاّ بك يا غياث المستغيثين.

* * *

يستشفُّ من دعاء رسول الله (صلی الله علیه و آله) مدى تجهم الوضع عليه واشتداد البلاء عليه وتنكر الكفر والشرك له ولشريعته، وقد مرّت عليه أزمات حرجة وظروف مجهدة ألزمته أن يدعو على القوم، وإلاّ كان يقال له أن يدعو عليهم، فيقول: لا، بل يدعو لهم فيقول: ((اللهمّ اهدِ قومي إنهم لا يعلمون)).

وأخيراً تداركته رحمة الله وعنايته، فأوحى إليه عزّ وجلّ أن اخرج من مكة، فما لك بها من ناصر بعد أبي طالب.

ص: 121

ويخرج الرسول (صلی الله علیه و آله) من الوطن ومسقط الرأس المحبب مكرهاً مضطرّاً خائفاً يترقب، وبعد لأيٍّ وعناء ومصاعب وأهوال وصل إلى المدينة المنورة، فاستراح (صلی الله علیه و آله) نوعاً ما من الجهد والبلاء، وأنقذه الله تعالى من مخالب الكفر وأيدي المجرمين.

ثم التحق به أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) يصحب العائلة النبوية، فبنى له ولعليٍّ (علیه السلام) دارين إلى جانب من جوانب المسجد.

وفي المدينة كثر عدد المسلمين وتوفر الأعوان والأنصار، ثم صار المسلمون يؤمونها من الخارج يتعاقبون على الخدمة ليل نهار، يفدونه بالآباء والأنفس والأمهات وعظائم الأموال، إلاّ أنه (صلی الله علیه و آله) كلّما نشطت دعوته وعلت كلمته وظهر أمره وانتشرت رايته وتعالت كرامته تذكر عمّه وتذكر مواقفه وخدماته للدين والإسلام؛ فيبكي لهفة عليه ثم يصير إلى الإستغفار له والترحم عليه.

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 213: قصد جماعة من مجاوري المدينة النبيّ (صلی الله علیه و آله) يشكونه توقف المطر وحبس الأرض بركاتها عنهم، ففقدوا من جرّاء ذلك كلّ ضروريات الحياة ومقومات المعيشة، ثم قام واحد فأنشأ بمحضر من رسول الله مستعرضاً ما نابهم من القحط والجدب ومخلفاتهما المؤلمة بأبيات من الشعر:

أتيناك والعذراء تدمى لبانها *** وقد شغلت أمّ الصبي عن الطفلِ

وألقى بكفيه الصبيُّ استكانة *** من الجوع ضعفاً لا يمرّ ولا يحلي

ولا شيء مما يأكل الدهر عندنا *** سوى الحنظل العامي والعلهز الفسلِ

ص: 122

وليس لنا إلاّ إليك فرارنا *** وأين فرار الناس إلاّ إلى الرسلِ

فانصدع رسول الله (صلی الله علیه و آله) للحالة، وتألم للوضع، ثم قام إلى المنبر فارتقاه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((اللهمّ اسقنا غيثاً مغيثاً سيحاً طبقاً غير رايث، تنبت به الزرع وتملأ به الضرع وتحي به الأرض)).

فلم يستتمّ دعاؤه (صلی الله علیه و آله) حتى أبرقت السماء وادلهمت ورعدت، ثم أرسلت عزاليها كأفواه القرب، واستمر المطر حتى خاف الناس الغرق؛ فجاءوا يهرعون إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) ينادون: الغرق الغرق يا رسول الله، فرمق النبيّ (صلی الله علیه و آله) السماء بطرفه وقال: ((اللهمّ حوالينا، ولا علينا)).

فانجاب السحاب وتقشع الغيم وتوقف المطر وعاد الصحو كما كان، فتبسم رسول الله (صلی الله علیه و آله) فرحاً بكرامة الله ونعمته عليه، ثم قال: رحم الله عمّي أبا طالب، أو لله درّ عمّي أبي طالب لو كان حيّاً لقرّت عينه، من الذي ينشدنا من شعره؟ فابتدره أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) فقال: لعلّك يا رسول الله أردت قوله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأراملِ

فقال: نعم يا عليّ، ما أردت إلاّ ذاك، إستمرّ يا عليُّ، فاستمرّ إلى آخر القصيدة والنبيّ (صلی الله علیه و آله) يواصل الترحّم والإستغفار لعمّه الكريم.

ص: 123

وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة، وابن أبي الحديد في شرح النهج: دار حديث أبي طالب في منزل النبيّ (صلی الله علیه و آله) بعد موت أبي طالب، وكانت الجلسة عائلية تضمّ العباس عمّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) وولد أبي طالب عقيلاً وجعفراً وعليّاً وأمَّ المؤمنين خديجة بنت خويلد، إذ يلتفت العباس إلى رسول الله فقال: يابن أخي ما ترجو لعمّك أبي طالب في الآخرة؟ قال (صلی الله علیه و آله) : أرجو له رحمة ربّي، وأرجو له كل خير.

وقالا أيضاً: إن النبيّ (صلی الله علیه و آله) قال لعليٍّ ذات يوم وبمناسبة جرى فيها ذكر عمِّ النبيّ الراحل: يا عليُّ ليس أحد أحقّ بمقامي منك لقدمك في الإسلام وقربك مني ومصاهرتك لي، فعندك سيدة نساء العالمين، وقبل ذلك ما كان من حياة أبيك أبي طالب وبلائه في مناصرتي، فأنا حريص أن أراعي ذلك في ولده.

ونجده (صلی الله علیه و آله) مرة أخرى يتحدث إلى عقيل بن أبي طالب فيقول له: يا أبا يزيد إني أحبك حبين، حباً لقرابتي منك، وحباً لما كنت أعلمه من حب عمي أبي طالب لك، والمرء يحفظ في ولده، وما ذلك منه (صلی الله علیه و آله) إلاّ تقديراً لعمّه المحسن الكريم، ومكافأة لناصره العظيم.

ومن الواضح الجلي الذي لا يقبل الشكَّ والريب أنّه (صلی الله علیه و آله) لا يودُّ أحداً إلاّ أن يودّه الله، ولا يحبُّ إلاّ من يحبّه الله، كما لا يبغض إلاّ من يبغضه وسخط عليه.

ومن هنا وهناك يحصل اليقين والجزم بأن أبا طالب العظيم هو ممن أحبه الله فأحبه الرسول (صلی الله علیه و آله) وقدّره وترحم عليه واستغفر له.

ص: 124

قال ابن أبي الحديد: إن أبا عبيدة بن عبد المطلب لمّا أصيب بحادثة بدر في رجله وجاء به المسلمون يحملونه ومخّ ساقه يسيل، حتى وضعوه أمام رسول الله على العريش، فقال له: يا رسول الله صلّى الله عليك لو كان عمّك أبو طالب حيّاً لعلم أنه صدق في قوله:

كذبتم وبيت الله نخلي محمداً *** ولمّا نطاعن دونه ونقاتلِ

وننصره حتى نصرّع دونه *** ونذهل عن أبنائنا والحلائلِ

فلمّا سمع (صلی الله علیه و آله) هذين البيتين بكى حتى سالت دموعه على لحيته الكريمة، ثم صار إلى الترحم عليه والاستغفار له.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها وانتهت المعركة صار النبيّ (صلی الله علیه و آله) يتفقد القتلى، وكان بخدمته أبو بكر، إذ ينقدح في ذهنه بيت من قصيدة أبي طالب اللامية، فأنشده للنبي (صلی الله علیه و آله) فقال: فو الله يا رسول الله لقد صدق أبو طالب في قوله: ((لنلتبسنَّ أسيافنا بالأماثلِ)).

فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : إنّا لله وإنّا إليه راجعون، رحم الله عمّي أبا طالب، لو كان حيّاً لما صرنا إلى ما نحن فيه.

نقل ابن أبي الحديد بطريقه إلى ابن إسحق أنه قال: فلم يزل أبو طالب ثابتاً صابراً مستمراً على نصر رسول الله (صلی الله علیه و آله) وحمايته حتى مات في السنة الحادية عشرة من مبعث النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، فطمعت في النبيّ عند ذلك قريش ونالت منه، فخرج من مكة خائفاً يطلب أحياء العرب.

ص: 125

أبو طالب والدليل على إيمانه

التحدث عن الموضوع ذو شجون، أقلُّ مخلفاته وأدنى لوازمه ورواسبه جروح في قلوب المؤمنين وقروح في جفون الأوفياء من المسلمين، جروح وقروح لا تندمل ما دام هناك أناس لا يتحرجون عن منكر فعلوه، وما دام هناك عملاء عبدوا الدينار وسجدوا للدرهم وخضعوا لمن في يده شيء منهما حتى أعماهم ذلك وأصمّهم فعمدوا إلى قلب الحقائق وتشويه الوقايع، كما قلبوا للأحداث ظهر المجن وأجهزوا على كل ما من شأنه أن يصان ويوقّر ويحترم ويعظم؛ فتنكروا لكرامات العظماء واستهانوا بحرمات المجاهدين الأولين.

كما استباحوا من أجل الوصول إلى ملاذِّهم وشهواتهم ومآربهم اقتحام مراكز الأبطال من رجال رسول الله (صلی الله علیه و آله) ومؤازريه ونصرائه، كاقتحامهم مركز عمّ النبيّ وكافله، ونسبوا له ما لا يناسب مقامه الكبير من الممات على غير الإسلام والإيمان، في حال أن الله ورسوله والأطائب من المسلمين يعلمون أنه (رضی الله عنه) براءٌ من تلك النسبة.

فيا للوقاحة والصلافة، ويا للمادة المسيلة للعاب.. كيف لعبت دوراً هامّاً؛ فغيّرت مجرى التاريخ، وعمدت إلى ارتكاب ما لا يحلّ ارتكابه شرعاً وأدبيّاً في حقِّ عم النبيّ المحامي وناصر الإسلام، قد انتحلوا الرواية ونسبوها إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) مرة، وإلى عليٍّ (علیه السلام) مرة ثانية، وإلى العباس بن عبد المطلب ثالثة، وإلى عبد الله بن عباس رابعة، في حال أن هؤلاء كلهم أعرف الناس وأعلمهم بما كان عليه أبو طالب من تدين راسخ وقدم ثابت في الإسلام، وما لاقى في سبيله من المصائب والمحن حتى توفاه الله واختار له دار أوليائه وصفوته،

ص: 126

فيستحيل إذاً عليهم – ولا سيما بالنسبة إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) – أن يمجّد عمّه ويستغفر له ثم يذمّه ويقول فيه ما لا يليق بشأنه وشانه، وإليه (صلی الله علیه و آله) نسب القول المأثور: ((من مدح وذمّ فقد كذب مرتين)).

نعوذ بالله من همزات الشياطين، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

ليت هذا البعض من المؤرخين قد اكتفى بالمرور على الموضوع مرَّ الكرام ومن دون تعليق وتكبير، والتزموا جانب الحياد لا لها ولا عليها؛ لكان ذلك خيراً لهم وأصلح في رعاية رسول الله (صلی الله علیه و آله) وحفظه في عمّه الكفيل، ولكنهم ساروا على سيرة الماضين من الموتورين والحاقدين، وبنوا على جملة من أسس وضع حجرها الأول جمع من الإنتهازيين الذين يركضون وراء الدرهم، والذين يتزلفون إلى أهل النفوذ والسلطة، ولو ببيع الضمائر والدين، والذين قد أخزاهم عمّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) وفضحهم بنثره وشعره وتأديبه.

أغيره لطم أبا جهل الطاغوت عدة مرات فأطاح بأسنانه؟!.. ومن الذي ضرب ابن الزبعرى وأدماه وكسّر ثناياه؟!.. ومن الذي لطّخ جباه القوم ووجوههم بالفرث والدم؟!.. ومن الذي أهان المعبودات والآلهة ودعا إلى الله وحده؟!.. ومن الذي كان يترصد نفثات العدو وحركاته التآمرية فينقضُّ عليها انقضاض الكوكب فلا يرجع حتى يفرّقها ويبددها؟!.. ومن الذي قد حمى رسول الله (صلی الله علیه و آله) وسانده حتى قال الناس: ((لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله)) ؟!

فبشرف الحقِّ والحقيقة أقسم أن بعض هذا من الزعيم الهاشمي هو أكبر محفز للقوم ليثأروا للكرامة المهدورة والمقدسات المهانة، ولكن لمّا لم يتسنَّ لهم ذلك في حياته (رضی الله عنه) عمدوا إليه

ص: 127

بعد وفاته، حيث خلا لهم الجو وأمنوا العقوبة؛ فلفقوا وزوروا ما شاءت لهم نفوسهم وأهواؤهم وميولهم.

وما أدري أكانوا يشعرون بأن عملهم ذاك هو ليس إلاّ الطعن بقداسة النبوة وصميم الرسالة، الأمر الذي حتّم علينا أن نخوض المعركة ونكشف النقاب عن الحقيقة المضامة، والواقع المهتضم؛ انتصاراً للحقيقة ومعاضدة للواقع، وهما كل الغاية، والله من وراء القصد.

ولست أدري ولا المؤرخون أنفسهم يدرون كيف استساغوا لعمّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) هذه النسبة، وكيف بنوا عليها وعلقوا عليها، والحال أن الكثير منهم هم الذين حدثونا وأثبتوا المئات من الإعترافات والأقارير التي ندت بها شفتا عمّ الرسول (صلی الله علیه و آله) ، والتي قد انبثقت عن فمه (رضی الله عنه) :

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً *** نبيّاً كموسى خطّ في أول الكتبِ

يا معشر قريش، يا معشر بني هاشم أطيعوا محمداً وصدّقوه تفلحوا.

وقد كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) يكتفي بأدنى إشارة يستظهر منها الإسلام ويستشفُّ منها قبول الدين، وعلى ذلك مشت سيرة أولياء الأمور بعد الرسول (صلی الله علیه و آله) ، فأبو سفيان في عرف أولئك هو المؤمن الحقيقي والمسلم الواقعي، في حال أن ابن أبي الحديد وأمثاله هم الذين عرفّونا حقيقة إسلام أبي سفيان وإيمانه، وهم الذين أوقفونا على تردده وتلكوئه في الشهادتين حين أخافه العباس من بأس الإسلام وشدة وطأته عام الفتح، وجاء به وقد أردفه خلفه، وبعد أخذ الرخصة لاجتماعه بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) حضر عند رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأمارات الكره وعدم الاختيار باديان على ملامحه، وما أن نظر إليه النبيّ (صلی الله علیه و آله) حتى أطرق برأسه وكأنه لا يريد أن ينظره، فطلب

ص: 128

العباس منه أن يرفع إليه رأسه ويعرض عليه الإسلام، فكرامة لعمّه رفع إليه طرفه وقال: أما آن لك أن تسلم يا أبا سفيان؛ فترعوي عن غيّك وتثوب إلى رشدك، فتشهد أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله؟! فكان من محققات إسلامه وتدينه لو كان هناك إلهٌ غير الله لكان أغنانا يوم بدر، وأما الشهادة لك بالرسالة ففي النفس منها شيء.

قال ابن أبي الحديد: لمّا رأى العباس من أبي سفيان ذلك وكزه بخاصرته وقال: قلها ويلك تسلم على نفسك وعرضك؛ فقالها متلجلجاً متلعثماً، فقبلها منه رسول الله على علاّتها، وهكذا كان إسلام أبي سفيان.

وقال ابن أبي الحديد: ثم إن العباس صحب أبا سفيان يوم دخول النبيّ (صلی الله علیه و آله) إلى مكة، فأوقفه في المضيق الذي تمرُّ منه جنود الله وجيوش الإسلام وكتائب النبيّ الخيّرة؛ ليطلعه على العظمة الإلهية والكرامة الملكوتية ومقام محمد العظيم، فصارت تمرُ عليه الرايات وهو يستفهم العباس متعجباً مندهشاً، فيقول: يا عباس لمن هذه الكتيبة ولمن هذه؟ والعباس يقول: هذه كتيبة فلان، وتلك كتيبة فلان.. إلى أن دنت منه كتيبة الرسول (صلی الله علیه و آله) تعلوها هيبة الله وتشعُّ عليها أنوار النبوة، فقال أبو سفيان: لمن هذه يا أبا الفضل؟ قال: هي كتيبة رسول الله، فإذا به بكل صلافة ووقاحة يقول: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً يا عباس... الأمر الذي أهاج مشاعر العباس وأغضبه فقال بتأثر وحدّة: إنها النبوة يا ويلك لا أمَّ لك، فاضطر إلى القول مجاملاً: نعم يا أبا الفضل إنها النبوة، إنها النبوة.

ويحدثنا ابن أبي الحديد في بعض المناسبات عن تدين أبي سفيان وإسلامه حين مرَّ على قبر الحمزة بن عبد المطلب، فلم يمتلك أعصابه دون أن ركل القبر برجله وهو يقول: إيه أبا

ص: 129

عمارة -أو اجلس أبا عمارة -وانظر إلى الملك الذي كنّا نقتتل عليه بالأمس لقد أصبح اليوم وهو كالكرة تتلاعب به أيدي صبياننا.

ولم يكفه ذلك حتى أعقب مقالته هذه بقوله هذا: فو الذي يحلف به أبو سفيان لا من جنّة ولا نار ولا حساب ولا عقاب، وإنّما هو الملك.

كل هذا والكثير من أمثاله يستعرضه المؤرخون ولم يحرك منهم ساكناً أبداً ولم يثر فيهم لا قليلاً ولا كثيراً من التردد في إيمانه، كما لم يشكك أحد في إسلامه، كما لم يشككوا ولم يترددوا في إسلام معاوية في حال أنهم هم الذين رووا أن معاوية قد تنكر للإسلام واستهان بحرمات المسلمين وكرامة الدين، وأنه كان يمتعض وينفعل عند سماعه ذكر النبيّ (صلی الله علیه و آله) في الأذان، فرووا مقالته: إيه ابن أبي كبشة ما رضيت لنفسك حتى قرنت اسمك مع إسم الله.

ورووا أيضاً أنه خطب المسلمين عام الصلح في النخيلة، فقال فيما قال: أيها الناس ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلّوا ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا وأعلم أنكم تفعلون ذلك، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطيت ذلك وأنتم له كارهون.

كما رووا أنه قد ألحق زياداً بأبيه أبي سفيان، والحال أنه مخالفة صريحة للنصوص الإسلامية الدالّة على ما لا يقبل الشك من أن الولد للفراش وللعاهر الحجر.

ورووا أيضاً أنه سبَّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ، وعمّم السبَّ إلى كلّ قطر قد امتدَّ إليه سلطانه وحكمه، وهو يعلم يقيناً أن النبيّ (صلی الله علیه و آله) قال لعليًّ (علیه السلام) أكثر من مرة: ((يا عليُّ من سبّك فقد سبّني، ومن سبّني فقد سبَّ الله، ومن سبَّ الله فقد كفر)).

ص: 130

وأنه حارب عليّاً (علیه السلام) مع علمه بأنه إمام زمانه وحجة الله في عصره، وهو يعلم أن النبيّ (صلی الله علیه و آله) قال له: ((يا عليُّ حربك حربي وسلمك سلمي)).

كما يعلم أن الخارج على إمام زمانه كافر ومن أهل النار.

ورووا أنه قتل المسلمين الأبرار مثل حجر بن عدي، وكانت خاتمة أعماله الخيّرة تولية ابنه يزيد أمور المسلمين وزعامة الدين، وتمليكه رقاب الأمّة بغير رضىً منها...

كل ذلك وهو مؤمن مسلم، يتحاشى من خدشه ومن الإشارة إلى مخازيه.

أمّا يزيد بن معاوية الذي رووا عنه أنه الخمّير السكّير اللاعب بالفهود والقرود، والذي هدم الكعبة وأباح المدينة للجند ثلاثة أيام، وقتل الحسين بن عليٍّ (علیهما السلام) ريحانة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، والذي كان يردد:

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ

فهو من المسلمين الأتقياء، لم يدن أحد من التشكيك في إيمانه وإسلامه، بل لعلّه عندهم من أمراء المؤمنين والخلفاء الراشدين... أمّا أبو طالب عمّ النبيّ العظيم وحاميه الذي قد ملأ الدنيا جهاداً في سبيل الله وذبّاً عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) -إلى غير ذلك من طرق النصرة والتأييد والتفاني والتسديد -فهو قد مات كافراً في عرف هؤلاء.. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

أمّا ربّما قيل ويقال: ما هي الأسباب وما الدوافع التي دعت البعض من المؤرخين إلى أن يغضّوا النظر أو يهملوا ما لعمُّ النبيّ الكريم من المقامات الكثر وجلّى الخدمات لله ورسوله، ثمّ يرمونه بما يشينه من الموت على غير الإيمان والدين، في حال أنهم وغيرهم من

ص: 131

المؤرخين قد احتفظوا بما لا يحصى من محققات تدينه وإيمانه ودلائل تصديقه بالنبوة وإقراره بالبعثة والرسالة، فلماذا سكتوا عن هذا وعلقوا وبنوا على ذلك؟؟ !

أقول: هناك دواعٍ ودوافع أدت إلى ذلك، يمكن أن نستنتج من مجموع الأحداث ومجريات الظروف وملابسات الأحوال، مما يمكن حصرها في أمور ثلاثة:

أولاً: -إن عمّ النبيّ العظيم قد وتر الأقربين والأباعد في الله، وحطم الآلهة والزعماء في سبيل الحفاظ على رسول الله (صلی الله علیه و آله) والإنتصار لشريعته، وبعضه كافٍ للنهوض والتحفز للثأر منه.

وحيث لا يمكنهم ذلك في حياته صاروا إليه بعد وفاته، فالمغيرة بن شعبة وأمثاله -ممن أطاح أبو طالب بمعنويتهم وكرامتهم كما لطخ وجوههم وجباههم بالدم والفرث -هو المدبر الوحيد لهذه الفكرة كما هو مديرها ومروّجها.

ولعل التاريخ نفسه ربّما يشير إلى عداء المغيرة لبني هاشم، ولا سيما لزعيم بني هاشم أبي طالب.

ولمّا كان لا يسعه التظاهر في حياته حذر زعامته وسطوته عمد إلى تسميم أفكار البسطاء من الناس وتشويش أفكارهم على أبي طالب من بعد مماته، من أنه (رضی الله عنه) ما انساق إلى محمد عقائدياً ودينياً، بل إنما كان هو نتيجة للعاطفة أو من حيث التأثير الساحر.

فوافقت هذه النفثات تجاوباً عند تلك الشرذمة من الناس؛ فعلّقوا ووسعوا، وأخيراً يموت أبو طالب على غير الإسلام.

ص: 132

وأمّا ثانياً: -الحسد، والحسد لا يكاد يخفى ما له من الفعالية وما يبتنى عليه من أسس تعود بالحاسد إلى رجاء حيازة كل ما للمحسود من كرامات وفضائل إن أمكنه ذلك، وإلاّ غيّر المجرى وقلب الحقائق وتكلم بما شاءت له أحقاده وضغائنه، ولله درّ القائل:

إن يحسدوك على علاك فإنّما *** متسافل الدرجات يحسد من علا

ومما لا شكَّ فيه أن أبا طالب هو ألمع شخصية وأجلُّ إنسان في دنيا مكة وسماء العظماء والزعماء، بالإضافة إلى ما يتمتع به من مؤهلات علمية وأدبية وثقافية وخلق إنساني رفيع، ثم سدانة الكعبة والقيام بشؤون الحجاج، وما إلى ذلك من الفضائل والمفاخر.

هذا ما كان عليه قبل الإسلام وقبل أن تشعَّ أنوار النبوة على الكرة الأرضية، أمّا بعد الإسلام فهو السبّاق لكل خير، كما هو أول من لبّى الدعوة إلى الله ومحاربة كل ما هنالك من معبودات ومقدسات، ثم التزام جانب رسول الله (صلی الله علیه و آله) بكل ما للملازمة من مفاهيم ومعانٍ.

آمن به وصدّق بكل ما جاء به من ربّه، ثم حماه وفداه بنفسه ثم بولده وأله ثم بجميع ما يملك.. وأيّ فضل وأيّ شرف أجلّ وأجمل من الجهاد في سبيل الله ثم الحفاظ على حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وعلى الفضيلتين قد حصل عمّ النبيّ الكريم.

وعليه -والحالة هذه -فهو رضوان الله عليه أقرب الموارد إلى أن يحسد على ما آتاه الله من السمو ورفيع المقام والدرجة، فحسدوه أخيراً ونسبوا إليه ما لا يناسب مقامه العظيم.

وأمّا ثالثاً: -فإن أمير المؤمنين عليّاً (علیه السلام) قد سلك جادة أبيه، كما نهج منهجه وسار على ضوء سيرته؛ فلازم رسول الله (صلی الله علیه و آله) ملازمة منقطعة النظير، فآزره وناصره ومشى في فلكه،

ص: 133

بل تعدى ما كان عليه أبوه، فخاض غمار الحرب، وغاص في أوساط المعارك، فبارز الأبطال، ونازل الفرسان لا يرهب السيوف ولا يهاب الألوف.

وقد اشتهر عنه قوله البطولي العظيم: ((أما والله لو تظاهرت العجم والعرب على قتالي لمّا وليتهم ظهري، وأنا ابن أبي طالب)).

فهو قائد الرسول (صلی الله علیه و آله) في كل حروبه، وحامل لوائه في جميع غزواته، كما قتل الطواغيت من خصوم النبيّ (صلی الله علیه و آله) ومناوئيه مثل طلحة بن أبي طلحة، وأبطال بني عبد الدار، والوليد بن عقبة خال معاوية، وحنظلة بن أبي سفيان، وعتبة وشيبة في وقعة بدر، كما قتل عمرو بن عبد ود في وقعة الخندق، ومرحباً يوم خيبر -وهكذا حتى ظهر أمر الله وعلت كلمته، وحتى ساد الحق والعدل، وولت دولة الفساد وحكومات الظلم والجور، وعادت حياة المسلمين هادئة هانئة، وقد ساد عليها الاستقرار والاطمئنان.

وعند ذلك صارت التقاريض الإلهية والمدائح النبوية تتوارد عليه: فمرة ينزل على رسول الله (صلی الله علیه و آله) -كما في قصة الغدير -قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ (المائدة: 67) من تخليف عليٍّ (علیه السلام) وجعله أميراً للمسلمين من بعده، وثانية يهتف جبرئيل (علیه السلام) بين السماء والأرض: ((لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتىً إلاّ عليٌّ)).

أمّا تقاريض النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأقواله في حقه فقد ملأت الخافقين، وما من كتاب أو مؤلف انتحى منحى التراجم والتاريخ أو الأخبار والأحاديث إلاّ وكان لذكر الكثير منها المجال الواسع، بل هناك مؤلفات خاصة ترجع إلى مناقب عليٍّ (علیه السلام) وفضائله، الأمر الذي أقضَّ مضاجع

ص: 134

الموتورين والحاقدين، وأهاج حفائظ الخصوم والمناوئين؛ مما حداهم إلى التنقيب من كوّة أو ثغرة ينفذون منها إلى انتقاص عليٍّ (علیه السلام) والافتراء عليه، فلم يفلحوا وما وجدوا فعزوه إلى الدعابة، حتى قال قائلهم لابن عبّاس في حديث جرى فيه ذكره: ((أما والله لو ولّي الناس عليّ بن أبي طالب لحملهم على المحجّة البيضاء لولا دعابة فيه)).

كما قالوا إن أبا طالب قد مات على غير الإيمان والإسلام، محاولين من كلا النسبتين التقليل من أهمية عليٍّ (علیه السلام) وأبيه في النفوس ومن معنويتيهما في التاريخ الإسلامي المجيد، وعندئذٍ يفرح المبطلون.

* * *

أقول: أمّا حديث الدعابة فهو أمر منتحل وحديث مفتعل لم يكن له في التاريخ الصحيح عين ولا أثر، كما أنه لم يعرف من مزاج أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) التصدي للمزاح أو التقرب من الفكهيات أو قصد الأندية التي تعقد من أجلها في تلك الأدوار، ولعلّ كلّ من خاض في صفاته ومزاياه، وغاص في مآثره وقضاياه يعرف ذلك بوضوح ويقف على الحقيقة بأجلى مظاهرها، كما يتحقق ما كان عليه في العهد النبوي الكريم وبعده.

أمّا هو في عهد النبيّ (صلی الله علیه و آله) فيكفيه ملازمته له وإحاطته إيّاه منذ نعومة أظفاره وطفولته، لا يفارقه إلاّ في ظروف استثنائية، ولا ينفصل عنه إلاّ عند الضرورة، حتى شبَّ وراهق وخاض المعارك ودخل لهوات الحرب وتعيّن لبعوث النبيّ (صلی الله علیه و آله) ومهامّه، فأين الفرصة يا ترى لأن يكون ذا دعابة وفكاهة؟

ص: 135

وأمّا بعد النبيّ (صلی الله علیه و آله) فيكفيه مصابه برسول الله العظيم، ثم فقده لبضعته وريحانته الزهراء (علیها السلام) ، ثم بما جيء به من إجماع القوم على تأخيره عن المقام الذي جعله الله ورسوله (صلی الله علیه و آله) له، واجتماعهم على قطيعته ومحاربته، ثم انشغاله بحروب الناكثين والقاسطين والمارقين في الجمل وصفّين والنهروان.. فمتى كانت تلازمه الدعابة، أو أنه امرؤ تلعابة؟

أنا لا أدري، ولعل القائل نفسه لا يدري، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

نعم هناك شيء واحد نصَّ عليه التاريخ، وهو الوحيد في بابه، وكان بطله ومصدره رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فروي أنه أهدي إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) طبق فيه رطب أول نضوجه، فدعا عليّاً (علیه السلام) لمشاركته فيه، فصارا يأكلان سوية، إلاّ أنه صار الرسول (صلی الله علیه و آله) يضع نواه أمام عليٍّ (علیه السلام) ، وبعد الفراغ التفت رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلى عليٍّ (علیه السلام) وقال: ((ما أكثر النوى أمامك يا عليُّ؟!.. الذي يظهر أنك محبٌّ للتمر وراغب فيه؟))، فأجاب (علیه السلام) : ((بأبي أنت وأمي يا رسول الله المحبُّ للتمر الأكول فيه من يأكله ونواه))؛ فاستملح النبيّ (صلی الله علیه و آله) الجواب واستلطفه وتبسم.

فتعطينا هذه البادرة أن النكتة أو اللطيفة ربّما تصدر عن الأنبياء والعظماء، كما صدرت فعلاً عن سيد النبيّين وخاتم المرسلين محمد (صلی الله علیه و آله) مع ابن عمّه عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) .

إذاً لم يكن عروض النكتة الأدبية واللطيفة المستملحة ضائرة في عظمة العظيم ولا قادحاً في كرامة الأنبياء، فكيف يا ترى تكون خصلة يعاب بها على الإمام فيما لو طرأت منه.

ص: 136

أم كيف وقد ثبت صحيحاً عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) أنه قال: ((المؤمن لا يكون عبوساً سيّء الخلق))، أو ((المؤمن هشٌّ بشٌّ)).. إلى غير ذلك من الأحاديث المؤدية إلى لزوم كون المؤمن منشرحاً مرحاً يحدّث بنعم الله وفضله عليه.

أمّا قضية نسبة الممات على الكفر إلى أبي طالب، فربّما قد لاقت بعض الرواج ولا سيما في عهد معاوية، كما نمت وترعرعت في أيامه حيث قد وقف على كلٍّ من تاريخ أبيه وأبي طالب؛ فرأى الثاني حافلاً بالجهاد والمفاخر وعظيم المكارم والمآثر، ونظر إلى الأول فرآه مليئاً بالمساوئ والرذائل، فأدمى قلبه وأقرح أجفانه؛ فعمل ما في وسعه أن يعمل لإشاعة ممات أبي طالب على الكفر، بعد أن أخضع للغرض نفسه مثل أبي هريرة من المذبذبين والوصوليين، فأغدق عليهم الأموال المسيلة للعاب، كما منّاهم الإمرة والولاية.

غرق أبو هريرة إلى شحمة أذنيه في خدمة البلاط الأموي والتزلّف إلى معاوية، وصار يختلق الأحاديث ويفتعل الأقاويل على الرسول الأمين (صلی الله علیه و آله) ، وقد بلغت من الكثرة بحيث قد فاقت حتى على محفوظات أزواج الرسول (صلی الله علیه و آله) وأقاربه الذين لا يفارقونه ليل نهار، مثل عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) وعبد الله بن العباس، وكان أكثرها يهدف إلى ذمِّ عليٍّ (علیه السلام) وأبيه وعمّه العباس بن عبد المطلب.

فمن ذلك ما رواه عن عائشة أنها قالت: كان عندي رسول الله إذ أقبل علينا العباس بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب، فقال رسول الله: ألا من أراد أن ينظر إلى رجلين من أهل النار فلينظر إلى هذين المقبلين.

ص: 137

ومما نسبه إلى الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) أنه قال له: يا أبا هريرة إذا وقع أحد جناحي الذبابة في إناء فاغطس الجناح الثاني واشربه ففي الجناح الأول داءٌ وفي الثاني دواء.

أقول: من المستحيل صدور الحديث الأول من النبيّ (صلی الله علیه و آله) في حقِّ عمّه العظيم وابن عمّه عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ، وهو العليم بما لهما من الأسبقية في الدين والقدم الراسخ في الإسلام.

وإذا كان العباس وعليٌّ (علیه السلام) من أهل النار فهل الجنة لأبي هريرة ومعاوية وبطانتهما الأثيمة؟!.

ثم إنّا نحاشي عائشة أن تنسب ذلك إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وهي التي أجابت على سؤال توجه إليها: ما رأيك في عليّ بن أبي طالب؟ قالت: عليٌّ خير البشر، ومن شكَّ في ذلك فقد كفر.. فكيف يا ترى تروي عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) أنه من أهل النار؟ !.

وأمّأ الحديث الثاني فهو كالأول من حيث استحالة صدوره عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، بل هو لا يعقل أن يصدر عن أيِّ عاقل فضلاً عن أن يصدر عن حكيم الحكماء وسيد الأنبياء الذي هو مستودع علم الله وخزانة أسراره.

أترى أن العقل البشري قد أدرك أضرار الذباب ومخلفاته القاتلة ومفاسده الفتاكة كما استشعر منه نقله للأمراض والجراثيم بفمه ودمه، وخفي ذلك على رسول ربِّ العالمين فقال لأبي هريرة ما قال؟؟ كلا وألف كلا، الحديث مكذوب على رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

ص: 138

ثم مع غضِّ النظر عن نسبة الحديث وعن معطياته، هو مجافٍ للذوق ومنافٍ للطبايع الإنسانية التي جاء الدين ملائماً لها وموافقاً في كافة المجالات والاعتبارات.. وهل من المستذوق والمستحسن أن يعمد الإنسان إلى أن يشرب الماء الذي يكون مجمعاً للذباب والحشرات والأقذار والجراثيم؟

اللهمّ إلاّ أن يكون أبو هريرة قد استحسن ذلك، كما استذوقه ووجد من نفسه المناعة الكافية ضدّ رواسب الذباب ومخلفاته؛ فاختلق الرواية لتعمَّ وتنتشر، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.. فلتراجع الأضواء على السنّة المحمديّة للشيخ محمود أبو ريّة.

وعليه فلا يستغرب من أبي هريرة أن ينسب إلى أبي طالب الممات على غير الإسلام.

ويكفي في تكذيب النسبة أيضاً ما رواه ابن أبي الحديد والسبط بن الجوزي في التذكرة من اعتكاف الرسول (صلی الله علیه و آله) في بيته أياماً بعد وفاة أبي طالب يترحم على عمّه ويستغفر له.

ص: 139

أبو طالب في نظر النبيّ (صلی الله علیه و آله) وعليّ (علیه السلام)

أمّا رسول الله (صلی الله علیه و آله) فيعتبره الوالد الشفيق، والعم الحنون المربي، والكفيل الذي كان موضع ثقته وأسراره ومحلّ آرائه واستشاراته، كما كان يعظمّه ويحترمه، وقدّر له جهاده وجهوده، وشكر له أعماله ومواقفه؛ فاستغفر له وأكثر من الترحم عليه.

يحدثنا الشيخ يوسف بن فرغلي الحنفي صاحب تذكرة الخواص عن جده أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المولود في سنة خمسمائة وإحدى وثمانين من الهجرة والمتوفى سنة ستمائة وأربعة وخمسين يحدث عن عبد الباقي عن محمد الأنصاري عن أبي الحسن الجوهري عن أبي عمرو ومحمد بن العباس بن حياته عن أبي الحسن أحمد بن معروف عن الحسن بن الفهم عن محمد بن سعيد عن محمد بن عمرو بن واقد الواقدي عن معمر بن راشد عن محمد بن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن عليّ بن أبي طالب أنه قال: لمّا توفي أبو طالب جئت إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، فأخبرته بوفاته فبكى بكاءً شديداً حتى اخضلت كريمته المباركة، ثم رفع إليه رأسه وقال: إذهب يا عليُّ فغسله وكفّنه ثم أعلمني غفر له الله ورحمه.

فقال العباس بن عبد المطلب: إنك لترجو له، فقال: نعم يا عم، أي والله إني لأرجو له كل خير، وجعل رسول الله يستغفر له أياماً لا يخرج من البيت.

ويحدثنا أحمد بن حنبل في مسنده 1/ 99 عن حبة العرني أنه قال: رأيت عليّاً وقد ضحك من على المنبر ولم أره قد صدر منه قبل ذلك مثل هذا.

ص: 140

ثم قال: إني تذكرت قول أبي طالب وقد ظهر علينا وأنا ورسول الله نصلي ببطن نخل كان خارج مكة، فقال يخاطب النبيّ (صلی الله علیه و آله) : ما تصنعان يابن أخي؟ فقلت: نصلي لربنا يا أبتاه، ثم دعاه رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلى الإسلام، فقال: ما بالذي تقولانه أو بالذي تصنعانه من بأس.

أقول: إن قول أبي طالب هذا يدل بمفهومه ومنطوقه على تصويب دعوة النبيّ (صلی الله علیه و آله) وتصديقه، ثم قبول نصحه وإرشاده، وإلاّ لأكثر من الرد وخلق المبررات للاعتذار.

وذكر صاحب التذكرة أيضأً بطريقه إلى الواقدي عن ابن عباس أنه قال: عارض رسول الله (صلی الله علیه و آله) جنازة عمّه أبي طالب، والألم والتوجع يلوحان على وجهه الكريم، وهو يردد ((وصلتك رحمٌ يا عم، وجزاك الله خيراً يا عم))، حتى إذا أودع حفرته وقف عليها رسول الله (صلی الله علیه و آله) وقال: ((رحمك الله يا عم، فقد آويت وكفلت صغيراً، وعاضدت ووازرت كبيراً، فرحمك الله وجزاك الله جزاء المحسنين، فو الله لأشفعنَّ فيك شفاعة يعجب منها الثقلان)).

ومن النعم الإلهية على عمِّ الرسول العظيم أن كان مورداً لعنايته تعالى، كما صار مورداً للتعاليم الإسلامية من قبل أن تنتشر، وقد ثبت عن الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) أنه قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع أمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية ينتفع بها الناس، أو كتاب علم ينفع بما فيه من علم، أو ولد صالح يذكر أباه بخير، أو يذكر بواسطته بخير)).

وقد حصل أبو طالب على كل الأمور الثلاثة، فقد ترك دار ضيافته وقفاً على الوفود والحجاج والمنتفعين من الضعفاء المسلمين، كما خلّف زمزم البئر التي تلقّاها عن آبائه الميامين، فأوقفها كصدقة جارية لإرواء الناس وسدِّ حاجاتهم.

ص: 141

ولو لم تكن كذلك لاستغلها أولاده في المصالح الزراعية والنفعية، ولكانت تدرُّ عليهم الخير الوفير والنعم الجمّة، ولكنهم عرفوا عن أبيهم وقفيتها للمصالح العامة؛ فانصرفوا عن فوائدها وأعرضوا عنها، ولم تزل باقية حتى يومنا هذا، وقد يحمل الحجاج من مائها للتبرك به والاستشفاء به، كما ترك للأجيال الصاعدة ثروة أدبية وعلمية كبيرتين.

وهذا ديوانه وما سجلته له كتب الحديث من الخطب والنصائح الغر لأدلّ دليل على أنه (رضی الله عنه) قد ترك كتاباً ينتفع به، فديوانه مليء بالدعوة إلى الله والإرشاد إلى شريعة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ثم بيان محاسن الإسلام، ثم بيان تمسكه بالدين وتضحيته في سبيله، ثم توصيفه للرسول الأعظم ذلك التوصيف الرائع الراقي، ثم حثّه قريشاً وبني هاشم على اقتفاء أثر الرسول (صلی الله علیه و آله) وتصديقه في الدعوة.. إلى غير ذلك من التوجيه الديني والإيحاء العقائدي.

كما خلّف أولاداً قلّما ينجب الزمن لهم مثيلاً ونظيراً: مثل عليٍّ (صلی الله علیه و آله) أمير المؤمنين وسيد الأولين والآخرين بعد النبيّ الأمين (صلی الله علیه و آله) ، وجعفر الطيار القائد الإسلامي العظيم ثاني المصلين في الإسلام، وعقيل بن أبي طالب السيد الجليل محبوب النبيّ (صلی الله علیه و آله) وصفيه، قاهر النفاق ومحطم الجبابرة الطغاة.

ومما لا شكَّ فيه أن مثل هؤلاء الأولاد كلهم خير للأب كما يذكرونه بخير، ويذكر الأب بواسطتهم بخير، ولا سيما أمير المؤمنين (علیه السلام) ، فإنه كان أكثر أخوته برّاً وخيراً لأبيه، فإنه طوال حياته لم يترك الترحم عليه والاستغفار له، فكان يستنيب عنه وعن عبد الله والد رسول الله (صلی الله علیه و آله) وآمنة والدته أشخاصاً يحجون عنهم، وأوصى ولده الحسن أن يقوم بذلك بعد

ص: 142

وفاته، كما كان (علیه السلام) يستشعر أن أباه العظيم هو الذي هداه إلى الإسلام وعبّد له الطريق لصحبة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ومن محاربته للأوثان والأصنام زهاء خمسين عاماً قوي على تكسيرها وتحطيمها عند أمر النبيّ (صلی الله علیه و آله) بذلك حين واتته الفرصة.

فعليٌّ (علیه السلام) يعتبر أن كل ما حصل عليه من مفاخر ومناقب فهو إنما كان ببركة أبيه ومن جهة فسح المجال لأّمه لملازمة النبيّ (صلی الله علیه و آله) والركون إليه.

هذا بالإضافة إلى كرامة الأبوة وقداستها وفضلها ومكانتها، لذا كان حزنه عليه عميقاً ووجده لا يكاد يوصف، وقد رثاه بمرثيات كثيرة نذكر قطعة من بعضها على سبيل المثال:

أبا طالب عصمة المستجير *** وغيث المحول ونور الظلمْ

لقد هزَّ فقدك أهل الحفاظ *** فصلّى عليك وليُّ النعم

ولقّاك ربُّك رضوانه *** فقد كنت للمصطفى خير عم

فيصور أباه بهذا التصوير الجميل، التصوير البعيد عن المبالغة والغلو، وحاشا مقامه الرفيع أن يقرب من طرق المبالغة أو يدنو من سبل الغلو، وهو العليم بمقام أبيه الكبير في الأوساط المكية والعربية.

ثم تعرض (علیه السلام) إلى ما خلّفه فقد أبيه العظيم من الألم والاستياء الممضين في نفوس أهل النهى والحفاظ، وخاصة في نفس زعيم أهل النهى والحفاظ الرسول الأمين (صلی الله علیه و آله) ، ومن بعده

ص: 143

المسلمون الذين صهرهم الإسلام وأنار نفوسهم وعقولهم الدين، والذين عرفوا لأبي طالب كافل النبيّ (صلی الله علیه و آله) وحاميه مقامه وجهاده وخدماته.

ثم صار (علیه السلام) إلى رجاء الله تعالى أن يلطف بأبيه، ويسعفه بعفوه ومرضاته وعطفه وغفرانه.

قال الشبلنجي في نور الأبصار ص 13 تبعاً لابن هشام والحلبي في سيرتيهما: إن النبيّ لما أخبر بوفاة عمّه أبي طالب بكى واسترجع وعارض جنازته وهو يقول: ((وصلتك رحم يا عم، وجزاك الله خيراً يا عم))، وجعل رسول الله (صلی الله علیه و آله) يستغفر له أياماً لا يخرج من بيته.

وقال أيضاً (تنبيه) الكفر أربعة أنواع: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر نفاق، وكفر عناد.

أمّا كفر الإنكار فهو أن لا يعرف الله بالقلب ولا يعترف به باللسان، وأمّا كفر الجحود فهو أن يعترف بالله بالقلب ولا يعترف به بلسانه ككفر إبليس، وأمّا كفر النفاق فهو أن يعترف بالله بلسانه دون قلبه، وأمّا كفر العناد فهو أن يعترف بالله بقلبه ولسانه ولكن لا يظهر ذلك كما لا يكون منقاداً ومطيعاً بحسب الظاهر ككفر أبي طالب.

ثم ذكر الشبلنجي أبيات أبي طالب هذه:

ولقد علمت بأنّ دين محمدٍ *** من خير أديان البريّة دينا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثمَّ أمينا

لولا الملامة أو حذاري مسبّة *** لوجدتني سمحاً بذاك مبينا

ص: 144

ثم قال الشبلنجي بعد عرضه الأبيات: واعلم أن جميع أنواع الكفر الأربعة سواء لا يغفرها الله لأصحابها، نعوذ بالله منها إذا ماتوا عليها.

أقول: ذهب اللغويون إلى أن تحت لفظة الكفر معانٍ ومصاديق متكثرة:

منها – الكفر ضد الإيمان بالله، وهو نكرانه وجحوده.

ومنها – الكفر بالنعمة، وهو عدم شكرانها، والاستهانة بواجباتها.

ومنها – الكفر بمعنى الظلمة، فيقال لليل (كافر) لكون ظلمته تخفي الأشياء وتسترها.

ومنها – الكفر بمعنى التغطية، فيقال لكل شيء غطى شيئاً (فقد كفره).

ومنها – الكفر بمعنى ستر البذر في الأرض، فيقال للزارع (كافر) لستره للبذر في جوف الأرض.

ومن هنا يظهر الغموض والتشويش في تقسيم الشبلنجي وعدم انسجامه مع ما نصَّ عليه أهل اللغة، فاللغويون جعلوا الكفر بمعنى الجحود قسماً من الكفر ضدّ الإيمان لا قسيماً له، فالإنكار لوجود الله تعالى مرادف لجحوده، وعليه فكفر أبي طالب (رضی الله عنه) لم يكن كذلك باعتراف الشبلنجي نفسه.

أمّا كونه من قبيل الكفر بالنعمة – بالإضافة إلى أنه لا يريده قطعاً – فالحسُّ والوجدان يشهدان لعمِّ النبيّ العظيم أنه لم يكفر بنعم الله عليه، بل لعله على العكس ما وجد إلاّ شاكراً مقدراً لفضل الله وآلائه، ولو أنه كان على خلاف ذلك لما واصلته النعمة ولازمته رحمة الله

ص: 145

وكرامته حتى النفس الأخير من حياته، والمعروف أن كفران النعمة وعدم شكرانها يستلزم زوالها وفناءها.

نعم يمكن أن يكون كفر عمِّ الرسول (صلی الله علیه و آله) محمولاً على المعاني المتبقية، مثل كفر الليل وكفر الزارع وكفر مغطّي الشيء، إلاّ أن ذلك لا يعطي المعنى الذي يحوم حوله الشبلنجي وأشياخه، فالذي لا يستر البذر والذي لم يغطِّ الشيء وإن كان مصرّاً على الترك لا يكون مستحقاً دخول النار، كما لا يكون من الكفار المستوجبين غضب الجبار وأليم عذاب الله، حتى إذا توقفت ضرورات الحياة العامة على البذر والزرع وقلنا إن ذلك من فصيلة الواجبات النظامية الكفائية، فالواحد لا يجب عليه تعييناً أن يقوم به، بحيث إذا لم يقم به يعدُّ كافراً.

على أن عدم القيام بالواجب حتى العيني منه ما لم يكن إنكاراً لضروري من ضرورات الإسلام لا يكون موجباً للكفر والجحود، فغاية ما يمكن أن يثبت في حقه الفسق، بالإضافة إلى عدم التظاهر بالواجب وعدم وقوف الناس على إتيانه لا ينهض دليلاً على العصيان وعدم القيام به، فلا يكون هناك شيء غير مرضيٍّ أبداً حتى الفسق، والحال كذلك تماماً بالنسبة إلى أبي طالب.

ثم إن الأحكام الإسلامية لم تفرض ولم تشرع في عهده، بل إنها إنما فرضت ووجبت بعد الهجرة وبعد وفاة أبي طالب.

نعم كل ما كان واجباً في حياته هو توحيد الله ثم الشهادة للنبي بالبعثة والرسالة، هناك ألف دليل ودليل على إيمانه بالله ونفي الشركاء عنه وتصديقه للنبي ومساندته، وقد ثبت عنه (رضی الله عنه) قوله:

ص: 146

مليك الناس ليس له شريك *** هو الجبار والمبدي المعيدُ

ومن فوق السماء له بحقٍّ *** ومن تحت السماء له عبيد

وقوله:

لا تيأسنَّ إذا ما ضقت من فرج *** يأتي به الله في الروحان والدلجِ

فما تجرع كأس الصبر معتصم *** بالله إلاّ سقاه الله بالفرج

على أن البيت الثالث قد استشفَّ منه الشبلنجي ومن نحا منحاه كفر أبي طالب، فغاية ما يفيده الكتمان للتدين والإيمان لظروف مقتضية ومناسبات خاصة، وهو كل مفهومه ومنطوقه، فليراجع بإمعان حيث يتحقق ما نقوله، مضافاً إلى أن البيت ملصق بالأبيات لا أنه منها، تلك فكرة كثير من المؤرخين الأحرار كما هي الحق والمختار.

مضافاً إلى أن نسبة الممات على الكفر تستلزم مخالفة الرسول (صلی الله علیه و آله) والإمام عليّ (علیه السلام) للنصوص القرآنية الدالة على تحريم الاستغفار والترحم للكافرين والمشركين: فأمّا أن يقال لم تمرَّ عليهما ولم يعلماها، وإمّا أن يكون قد علماها وخبراها وخالفا مضمونها، وكل من التقديرين لا يمكن القول به والتزامه، بل هو طعن بقداسة النبوة وشرف الإمامة.

وهل من الممكن أن الرسول (صلی الله علیه و آله) ووصيّه (علیه السلام) لم يقف على مثل قوله عزَّ من قائل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة: 22).

ص: 147

أو مثل قوله تعالى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ﴾ (آل عمران: 28).

والمفروض أن رواية استغفار النبيّ (صلی الله علیه و آله) لعمّه وترحمه عليه تكاد تكون إجماعية، إذاً لا بدَّ وأن يكون أبو طالب مؤمناً مستكمل الإيمان، وإلاّ نسبنا إلى الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) وابن عمّه عليٍّ (علیه السلام) إمّا الجهل بالقرآن وإمّا تعمد مخالفة نصوصه، والعياذ بالله.

وعن فم أمير المؤمنين قد أخذ المؤرخون وفي الطليعة ابن أبي الحديد أنه قال: والله ما عبد أبي أبو طالب ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم بن عبد مناف وثناً ولا صنماً قط، وإنما كانوا يصلّون إلى الكعبة على دين الخليل إبراهيم.

ويحدثنا السيد علي خان في درجاته الرفيعة وابن أبي الحديد في شرح النهج وابن هشام في السيرة أن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) كان يخطب الناس في الكوفة إذ قام إليه رجل من الحاضرين فقال: أنت بالمكان الرفيع الذي جعلك الله فيه وأبوك أبو طالب يعذب في النار؟ فانتفض أمير المؤمنين انتفاضة الأسد المغضب وقال للرجل: صه يا هذا فضَّ الله فاك، فو الذي بعث محمداً بالحق لو شفع أبو طالب في كل مذنب لشفعّه الله فيه، ويلك يا هذا أبي يعذب في النار وابنه قسيم الجنّة والنار، والله إن نور أبي طالب ليطفئ أنوار الخلائق كلها يوم القيامة إلاّ نور رسول الله (صلی الله علیه و آله) ونوري ونور فاطمة والحسن والحسين، والله ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول الله (صلی الله علیه و آله) من نفسه الرضا.

ص: 148

أقول: ولعمري إنها شهادة كريمة وعظيمة تصدر من ربيب رسول الله (صلی الله علیه و آله) ووصيه في حق أول مؤمن بالله، وأول معترف بنبوة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وأول متفانٍ في سبيلهما.. هو أبو طالب، وعليٌّ (علیه السلام) هو سيد آل البيت الذين نزههم القرآن الكريم عن كل شين حيث يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: 33)

ص: 149

أبو طالب في نظر آل البيت (علیهم السلام)

فهو عندهم المؤمن حقاً والموحد واقعاً علانية وجهراً، وهو عندهم المجاهد الوحيد والمكافح الأعظم، والذي دافع وناضل دفاع ونضال المستميت في سبيل إعلاء كلمة الله وإرساء قواعد دين رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ومحاربة كل معبود ومقدس يناهض الله أو يقرن معه، كما حامى رسول الله (صلی الله علیه و آله) وعصمه عن الكفر والشرك وصدّقه في دعواه وأيّده في ديانته، ولم يزل كذلك حتى توفاه الله فذهب إلى روحه وريحانه حيث منازل الأنبياء والمرسلين ودرجات الأولياء والمقربين.

ذكر السيد صاحب الدرجات الرفيعة بطريقه إلى ريحانة الرسول (صلی الله علیه و آله) وسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب (علیهم السلام) أنه قال: حدثني أبي أمير المؤمنين عن أبيه أبي طالب أنه قال للنبي (صلی الله علیه و آله) ذات يوم: بماذا قد بعثت يابن أخي؟ فقال: ((يا عم بعثت بصلة الرحم، وأن يعبد الله وحده، ولا يعبد معه أحد))، فقال: ((يا محمد وأنت عندي الصادق الأمين)).

لو وضعنا هذا الحديث على طاولة التشريح ومنضدة الفحص والتدقيق وجدناه يفيد أول ما يفيد الإقرار بالبعثة والإيمان برسالة النبيّ (صلی الله علیه و آله) الذي لم يكن الاستفهام عنها أبداً، فكان أمر النبوة مفروغاً عنه وأنه متحقق لا محالة، بل كل الاستفهام والاستشعار إنما كان عن الشيء الذي بعث من أجله (صلی الله علیه و آله) ، لذا كان الجواب موافقاً للسؤال ((بعثت بصلة الرحم وأن يعبد الله وحده))، فكانت النتيجة أن قال: وأنت عندي الصادق الأمين.

ص: 150

ونقل السيد صاحب الدرجات بطريقه إلى الإمام السجّاد زين العابدين عليٍّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عن أبيه عن جدّه عليٍّ (علیهم السلام) أنه قال: كنت جالساً في الرحبة والناس مجتمعون من حولي إذ قام إليَّ رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنت في المكان الذي أنزلك الله فيه وأبوك يعذب في النار؟ فقلت: صه يا هذا فضَّ الله فاك، فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً لو شفع أبي في كل مذنب لشفعّه الله فيه، أبي يعذب في النار وابنه قسيم الجنّة والنار.

وروى الحديث أيضاً الإمام شمس الدين علي بن فخار بن معد الموسوي المتوفي سنة ستمائة وثلاثين هجرية في مؤلفه الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، وقد رواه بطرق عديدة فليراجع الكتاب.

ومؤلف السيد هذا من أقدم الكتب وأكثرها أهمية، يحتوي على أكثر من أربعين حديثاً قوية الدلالة والسند تنطق بلسان واحد وتعبر عن معنى واحد، هو إيمان عمّ النبيّ العظيم وتديّنه، وكنموذج نذكر واحداً من تلك الأحاديث فأقول:

قال السيد الموسوي (قدس سره) : حدثني السيد النقيب أبو جعفر يحيى بن زيد العلوي الحسيني البصري بمدينة السلام سنة ستمائة وأربعة بعد الهجرة، قال: أخبرني والدي محمد بن محمد أبي زيد النقيب البصري، قال أخبرني تاج الدين والشرف محمد بن محمد أبي الغنائم المعروف بابن السخطة العلوي الحسيني البصري، قال: أخبرني الشريف الإمام العالم أبو الحسن علي بن محمد الصوفي العمري النسابة، قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد البصري عن أبي الحسن يحيى بن محمد المدني، قال: رأيته بالمدينة المنورة سنة ثمانين بعد الثلاثمائة، فأخبرني عن أبيه علي بن همام (رضی الله عنه) ، عن جعفر بن الضراري، عن عمران

ص: 151

بن معافى، عن صفوان بن يحيى، عن عاصم بن حميد، عن أبي بصير، عن الإمام الباقر (علیه السلام) أنه قال: مات والله جدّنا أبو طالب مؤمناً مسلماً.

وشعره في ديوانه يدلُّ على إيمانه ثم محبته وتربيته ونصرته ومعاداته أعداء الله وأعداء رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ثم موالاته أولياء الله وأولياء رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ثم تصديقه للرسول بكلِّ ما جاء به من ربّه، ثم أمره لولده أن يسلموا ويؤمنوا بما يدعو إليه، ثم وصفه لرسول الله (صلی الله علیه و آله) بأنه خير الخلق، وأنه يدعو إلى الحق والمنهاج المستقيم، وأنه رسول ربِّ العالمين، فيثبت هذا القول في نفوس أولاده وقلوبهم حين دعاهم؛ فيؤازروا رسول الله (صلی الله علیه و آله) وما تلبثوا عمّا قرره.

* * *

أقول: وكما لا إشكال فيه ولا شبهة تعتريه أن العظة من المتعظ تؤثر أثرها في النفوس وتأخذ مأخذها من مجامع القلوب، فتستولي على المشاعر وتهيمن على الأفكار، فتنفذ إلى الأعماق، فتكون مقبولة شهية محبوبة تتجاوب مع الإحساس، كما كانت موعظة أبي طالب لولده، فإنها لمّا كانت خارجة من القلب ونابعة عن الصميم ومنبعثة عن الواقع أثّرت أثراً فعالاً منقطع النظير في نفس عليٍّ وجعفر وعقيل؛ فأصبحوا من المؤمنين الأقوياء الأشداء على أعداء الله والرسول (صلی الله علیه و آله) .

ص: 152

وتحدث المجلسي في بحار الأنوار في الجزء التاسع منه فقال: لقد تواترت الأخبار عن الإمام علي بن الحسين بن علي (علیهم السلام) أنه قال ردّاً على سؤال قد وُجّه إليه هذا مضمون السؤال والجواب.

السائل: مولاي يابن رسول الله جعلت فداك أهل كان جدك أبو طالب مؤمناً حقاً؟

الإمام: نعم يا هذا إنه كان والله مؤمناً مسلماً حقاً.

السائل: سيدي إن قوماً يزعمون أنه مات كافراً؟

الإمام: واعجباً أيطعنون على أبي طالب أم على رسول الله (صلی الله علیه و آله) !؟ أما علمت أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قد نهاه الله عزّ وجلّ أن يقرَّ مؤمنة تحت كافر في غير آية من القرآن الكريم، ولا يشكُّ أحدٌ أن فاطمة بنت أسد – وهي من المؤمنات الصادقات – فإنها لم تزل تحت أبي طالب إلى أن توفي، أما قرأت يا هذا قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾ (النساء: 141).

أقول: ولعمري إن استدلال الإمام (علیه السلام) هذا على إيمان جدّه هو أقوى دليل وأجلُّ برهان، يأكل جميع ما يأفكون.. وكيف لا يكون كذلك وقد صدر عن حفيد الرسول (صلی الله علیه و آله) ووارث علمه، وقد استنتجه وحصله من عملية جده رسول الله (صلی الله علیه و آله) مع ابنته زينب وزوجها أبي العاص، حيث فرّق بينهما وسحب ابنته منه لبقائه على الشرك وإيمان ابنة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فمن سحبه هذه وإبقائه تلك – أعني فاطمة بنت أسد تحت أبي طالب – يجزم بإيمانه وتدينه، وإلاّ لما ساغ للنبي إبقاء علاقة الزوجية بينهما وتوثيق الروابط بينها وبينه.

ص: 153

ويحدثنا ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 312 بطريقه إلى الإمام عليٍّ بن (علیهما السلام) أنه قال عند سؤال تقدم به إليه بعض المسلمين، وكان حاصل السؤال: أصحيح يا مولاي ما ينسبه بعض الناس إلى جدك أبي طالب من الموت على الشرك؟.. فقال (علیه السلام) : واعجباً إن الله تعالى نهى رسوله أن يقرَّ مؤمنة مسلمة تحت كافر وعلى نكاحه، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام، ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات.

وقال ابن أبي الحديد: ووُجّه عين السؤال إلى الإمام الباقر (علیه السلام) فأجاب: والله يا هذا لو وضع إيمان جدنا أبي طالب في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق لرجح إيمان أبي طالب على إيمان الخلق أجمعين، ألم تعلموا أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) كان يستغفر لعمّه ويترحم عليه طيلة حياته، وهل يعقل أن يستغفر لمشرك؟ ألم تعلموا أن جدنا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) كان يأمر بالحج عنه، وأوصى ولديه الحسنين بأن يحجّوا عنه وعن والد رسول الله (صلی الله علیه و آله) ووالدته؟.. ألم تعلموا أن عليّاً (علیه السلام) كان يكرر أن لإيمان أبي طالب رجحاناً ذاتياً على إيمان الناس أجمعين؛ فإنه إيمان عالم عارف لا إيمان تابع ومقلد؟!.

ويحدثنا الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة، والحمويني في فرائد السمطين بطريقهما إلى زيد بن المنذر عن الإمام الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين عن أبيه عليّ بن أبي طالب عن الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) أنه قال: قال لي رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((يا عليُّ خلقت أنا وأنت من نور واحد، كان ذلك بين يدي الله عزّ وجلّ من قبل أن يخلق آدم بألفي عام، ولمّا خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه، ولم يزل ينقله الله من صلب إلى صلب حتى

ص: 154

أقرّه في صلب عبد المطلب، ثم قسمه نصفين، فصار قسم في صلب أبي عبد الله، وصار القسم الثاني في صلب عمي أبي طالب، فأنت مني وأنا منك، لحمك لحمي ودمك دمي)).

أقول: لقد أكثر المحدّثون ذكر هذا الخبر، ولعل كلّ من تعرض لسيرة النبيّ (صلی الله علیه و آله) تعرّض له بطرق عديدة، فيكاد يكون مجمعاً على صحته ووثاقة إسناده.

وعليه فإن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ بالصراحة على استحالة إيداع الله الحكيم نور أوليائه وصفوته وأحبائه في أصلاب المشركين كعبد المطلب وعبد الله والد رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأبي طالب بن عبد المطلب عمّ الرسول الكريم (صلی الله علیه و آله) ، وعليه يتضح أن جد النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأباه – ولا سيما عمّه العظيم، لأنه أدرك الإسلام وشاهد مفاخره ومآثره فتمجد به ودعا إليه وتفانى دونه، فهو وهما من المؤمنين – فافهم واغتنم.

ونقل صاحب البحار بسنده إلى الصحابي الكريم أبي ذرٍ الغفاري رضوان الله عليه أنه كان يقول: لقد سمعت حبيبي رسول الله (صلی الله علیه و آله) كان يقول: خلقت أنا وعليّ بن أبي طالب من نور واحد، كنا نسبح الله ونقدسه يمنة العرش من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، ولمّا خلق الله آدم جعل ذلك النور في صلبه وسكن الجنة ونحن في صلبه، وركب نوح السفينة ونحن في صلبه، وقذف إبراهيم خليل الله في النار ونحن في صلبه، ولم يزل الله ينقلنا من أصلاب طاهرة إلى أرحام طاهرة، حتى انتهى بنا إلى صلب عبد المطلب، فقسم ذلك النور إلى قسمين: فأودع قسماً منه في صلب أبي عبد الله، وأودع القسم الثاني في صلب عمّي أبي طالب؛ فجعل فيَّ النبوة والبركة وفي عليٍّ الإمامة والفروسية، وشقَّ لنا إسميين من أسمائه،

ص: 155

فذو العرش محمود وأنا محمد، والله العليُّ الأعلى وهذا عليٌّ – وأشار (صلی الله علیه و آله) إلى عليّ بن أبي طالب بيده الكريمة المقدسة.

هذا والحديث أكثر من نص على إيمان أسرة النبيّ (صلی الله علیه و آله) ولحمته، وتنزيههما من أرجاس الوثنية وأقذار الكفر وأوضار الشرك، وإلاّ لا تجتمع طهارة الأصلاب والأرحام مع عبادة الأوثان والأصنام التي هي من أعظم الرجس وأقذر ألوانه وصوره، فلا بدَّ إذاً – والحالة هذه – أن يكون آباء النبيّ العظيم (صلی الله علیه و آله) موحدين متألهين.

ذكر ابن شاذان في المناقب بسنده عن صفوان بن يحيى بن عاصم بن حميد عن أبي بصير عن الإمام الباقر (علیه السلام) أنه قال: مات أبو طالب مؤمناً مسلماً.

وشعره في ديوانه يدلُّ على إيمانه وتدينه، ثم محبته ونصرته للرسول (صلی الله علیه و آله) ، ثم معاداته لأعداء الله ورسوله وموالاة أوليائهما، ثم تصديقه في كل قول جاء به عن ربِّه، ثم أمره لولديه عليٍّ (علیه السلام) وجعفر أن يسلما ويؤمنا بما يدعو إليه، وقال لهما فيما قال: إن محمداً خير الخلق، وإنه يدعو إلى الحقِّ والصراط المستقيم.

وقال السيد الموسوي في الحجة على الذاهب ص 84: أخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن إدريس في سنة ثلاث وتسعين بعد الخمسمائة، قال: أخبرني الشريف أبو الحسن العريضي، قال: أخبرني الحسين بن طحال المقدادي، عن الشيخ أبي علي الحسن بن محمد الطوسي، عن أبيه الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي، عن رجاله، عن أبي بصير ليث المرادي، قال: قلت للإمام الباقر (علیه السلام) : إن بعض الناس يقولون: إن جدك أبا طالب

ص: 156

في ضحضاح من نار، فقال مغضباً: كذب والله أعداء الله، إن إيمان جدنا أبي طالب لو وضع في كفة ميزان، ووضع إيمان هذا الخلق في كفة لرجح إيمان أبي طالب على إيمان الخلق أجمعين. وكان والله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) يأمر أن يُحجَّ عنه وعن أب رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأمّه، وأوصى بالحجّ عنهم بعد وفاته.

وذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 3 بطرقه إلى الإمام الصادق (علیه السلام) : أنه قد تقدم إليه بعض الناس بهذا السؤال:

السائل: مولاي يابن رسول الله جعلني الله فداك، أصحيح ما يزعمه البعض في جدك أبي طالب من أنه مات كافراً مشركاً؟

الإمام: كذب والله أعداء الله والرسول (صلی الله علیه و آله) ، ما بهذا نزل جبرئيل (علیه السلام) على رسول الله (صلی الله علیه و آله) عن الله عزّ وجلّ يبشره بأنه قد حرّم النار على صلب أنزله وبطن حمله وحجر كفله، ومما لا يشكُّ فيه أحد أن الحجر الذي كفله هو عمّه أبو طالب، واعلم يا هذا أن مثل جدنا أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن جدنا قد كتم إيمانه فأعطاه الله أجره مرتين.

قال ابن أبي الحديد والقاضي النقدي والسيد الموسوي في الحجة: إن الإمام الصادق بنفسه قد ابتدأ ذات يوم يونس بن نباتة – وهو أحد أصحابه ومخلصيه -:

الإمام: ماذا يقول الناس يابن نباتة في جدنا أبي طالب؟

يونس: يقول بعضهم أنه في ضحضاح من نار يغلي منه مشاشه.

ص: 157

الإمام: كذب والله أعداء الله، إن جدنا أبا طالب من رفقاء النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين في جنان الخلد، وكيف يقال في حقه ذلك وهو القائل:

يا شاهد الله عليّ فاشهد *** أنّي على دين النبيّ أحمد

قال ابن أبي الحديد والموسوي والنقدي: وكان الإمام الصادق يأمر أصحابه ومواليه أن يحفِّظوا شعر جده أبي طالب ويحفِّظوه أبناءهم.

وكان (علیه السلام) يقول: إن الله تعالى يبعث جدنا أبا طالب يوم القيامة وعليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك.

قال النقدي في المواهب وابن شاذان في المناقب والسيد الموسوي في الحجة والسيد علي خان في الدرجات: أن داود الرقي قال: دخلت على سيدي ومولاي ابن الباقر جعفر بن محمد (علیه السلام) فشكوت له من رجل تصعب علي ولم يفني ما لي بذمته من دين مع حاجتي وإلحاحي؛ فقال (علیه السلام) : إذا مررت بمكة فطف بالبيت الحرام سبعة أشواط عن عبد المطلب جدّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وطف كذلك عن أبويَّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) عبد الله وآمنة بنت وهب، ثم عن أبي طالب عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) وحاميه، ثم عن فاطمة بنت أسد مربية رسول الله (صلی الله علیه و آله) وخادمته، وصلِّ لكل طواف ركعتين، ثم أطلب من الله سبحانه أن يمكنك من غريمك ويردّ عليك أموالك.

ففعلت ما أمرني به سيدي ومولاي، وأردت الخروج من البيت من باب الصفا فإذا أنا بصاحبي ينتظرني على الباب، وبمجرد أن رآني بشر في وجهي وقال: يا دواد هلم معي تسلم

ص: 158

دينك واقبض حقك، فتبعته إلى الدار فتسلمت أموالي، وكان ذلك ببركة توسلي إلى الله تعالى بأب النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأمه وجده وعمّه سلام الله عليهم أجمعين.

ص: 159

أبو طالب في نظر الإمام الكاظم (علیه السلام)

وهو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (علیهم السلام) .

وها هو يتحدث للجماهير الإسلامية والأجيال المتعاقبة، فيحكي لهم مآثر جده العظيم، وما يعرفه عنه من إيمان صادق وإخلاص لله ورسوله، وذلك على أثر سؤال وجهه إليه بعض الناس، وهذا نص السؤال والجواب:

السائل: مولاي يابن رسول الله جعلت فداك، ما حال جدك أبي طالب بعد بعثة الرسول (صلی الله علیه و آله) ؟

الإمام: إعلم يا داود أن جدنا أبا طالب كان قبل البعثة ينتظر رسالة رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأيام نبوته، حتى إذا تحقق له ذلك آمن به وأقرَّ بكلِّ ما جاء به من عند ربّه، كما دفع إليه وصايا الأنبياء السالفين من آبائه، الوصايا التي انتقلت إليه بطريق الوراثة، وكيف لا يكون كذلك وهو القائل:

قل لمن كان من كنانة بالعز *** وأهل الندى وأهل المعالي

قد أتاكم من المليك رسول *** فاقبلوه بصالح الأعمالِ

وانصروا أحمداً فإن من الله *** رداء عليه غير مدال

يا داود لو لم يكن أبو طالب مؤمناً بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) ؛ لما كان مندفعاً نحو رسول الله (صلی الله علیه و آله) ذاك الإندفاع الغريب، الإندفاع الذي قلَّ أن يصادف لأيِّ مؤمن أو مسلم نظيره؛ حتى تحمل مرارة

ص: 160

الإعتقال والإقامة الجبرية مدة ثلاث سنين، وحتى استمات في سبيل إعلاء كلمة الله وفي سبيل الحفاظ على حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله) زهاء الخمسين عاماً.

وهل رأيت يا داود أو سمعت أن إنساناً يدين بدين قد تمكن منه قلبه وعاش عليه مدة من الزمن، ومع احتفاظه به يدعو إلى دين آخر يقاومه ويناهضه بل، بل يقلعه من الأساس ويزيفه؟

وأبو طالب يا داود لا يخاف محمداً (صلی الله علیه و آله) ولا يرهبه، بل النبيّ (صلی الله علیه و آله) يحتاجه وينتدبه في كثير من الحالات والمجالات، وعليه لابدّ وأن يكون اندفاع جدنا أبي طالب اندفاع إيمان وتصديق بالنبوة؛ لذا آوى وحامى وجاهد وكافح، فلا تعتني يا داود بالأقاويل المغرضة والتهويلات المبغضة.

فالله بالمرصاد لكل باغٍ وظالم، فلا تكن تقابل رسول الله (صلی الله علیه و آله) يوم القيامة وأنت قد مسست عمّه ومربيه وآذيته، ولقد ثبت عن جدنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال: ((من آذى أهل بيتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فقد دخل النار)).

ص: 161

أبو طالب في نظر الإمام الرضا (علیه السلام)

والرضا هو علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (علیهم السلام) .

قال السيد علي خان المدني الحسيني في درجاته الرفيعة وابن أبي الحديد في الجزء الثالث من شرح النهج والسيد الموسوي في الحجة وابن شاذان في المناقب: إن أبان بن محمود – وهو من أصحاب الإمام الرضا (علیه السلام) - كما هو من المؤمنين الصلحاء الذين قد درسوا وتثقفوا على يد الإمام (علیه السلام) ؛ حتى أصبح داعية للدين ومرشداً قديراً للإسلام... كتب هذا الرجل إلى الإمام يستفهمه عن همسات ربما يسمعها في بعض الأندية، فكان نصّ السؤال:

مولاي يابن رسول الله جعلت فداك، إني شككت في إيمان جدك أبي طالب، فتداركني يا مولاي وإلاّ ضللت وهلكت، أنقذني يا سيدي وإلاّ خسرت وهويت.

وبعد أن وصل الكتاب، كتب الإمام إليه الجواب، وهذا نصّه:

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ (النساء: 115)

ص: 162

يا أبان وإنك إن لم تقرْ بإيمان أبي طالب يكن مصيرك إلى النار لا محالة، والسلام.

* * *

ذكر المفسرون ومنهم صاحب مجمع البيان والسيد عبد الله شبّر في تفسيره والزمخشري في كشّافه في تفسير الآية المباركة أنَّ من يشاقق الرسول ويعانده فيما يأمر وينهى، ويصرُّ على المخالفة، ويتنكب صراطه المستقيم ويتخذ غير جادته القويمة، فهو ليس من الله والرسول بشيء، كما وهو خارج على حدود النبوة، بل هو ممن شهر السيف في وجه توحيد الله وفي وجه رسوله (صلی الله علیه و آله) .

ولا سيما إذا كانت المعاندة والمخالفة ناشئة عن سبق الإصرار، وبعد تبيّن الهدى والتعرف على الحقِّ الجليِّ المتمثلين بتوحيد الله عزّ وجلّ، والتمسك بالإسلام العظيم الذين هما المحور والحجر الأساس لدعوة الرسول (صلی الله علیه و آله) وبعثته، كما وهما السبيل الذي سلكه المؤمنون، والطريق الذي سار عليه المسلمون الأوفياء.

أمّا وجه استدلال الإمام (علیه السلام) بالآية فحاصله: إن التعرض لأبي طالب، والمسَّ بكرامته، والنيل من قداسته ومقامه الرفيع، هو عين المعاندة للرسول والمخالفة المكشوفة له (صلی الله علیه و آله) ، وكيف لا يكون الحال كذلك وقد ثبت عنه أنه كان كثير الذكر لعمّه، كثير الترحم عليه والاستغفار له، وعلى ذلك سار المسلمون والمؤمنون؛ وعليه فمن يبتغي غير ذلك في عمِّ الرسول وحاميه فهو مجافٍ ومخالف، كما هو مشاقق ومعاند للرسول (صلی الله علیه و آله) ، بل معاند لله وللمسلمين.

ص: 163

ولم يكتفِ الإمام (علیه السلام) بالآية جواباً على الكتاب، بل ذيّلها بقوله: ((وإنّك يا أبان إنْ لم تقرْ بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار))؛ نظراً إلى أنه ربّما تفوت على السائل خصوصيات الاستدلال.

ونقل السيد صاحب الدرجات والسيد الموسوي في الحجة والقاضي النقدي في المواهب بطريقهم إلى الإمام الرضا (علیه السلام) أنه كان يقول: كان نقش خاتم جدنا أبي طالب ((رضيت بالله ربّاً، وبمحمد نبيّاً، وبعليٍّ إماماً)).

وقال ابن أبي الحديد والسيد في الحجة: وكتب عبد العظيم بن عبد الله العلوي الحسني إلى الإمام الرضا، فكان نص الكتاب: عرّفني يابن رسول الله عن الخبر المروي المفيد بأن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه.

فكتب (علیه السلام) الجواب، وهذا نصّه:

بسم الله الرحمن الرحيم

أمّا بعد: فإنك إن شككت في إيمان أبي طالب فتبوأ مقعدك من النار.

ونقل السيد في الحجة والنقدي في مواهبه والسيد علي خان في الدرجات وابن شهر آشوب في المناقب وصاحب البحار بطريقهم إلى الإمام الحسن العسكري (علیه السلام) ، عن آبائه عن جده رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال:

ص: 164

((أوحى الله تعالى إليَّ: أنْ يا محمد إني قد أيدتك بشيعتين: شيعة تنصرك علانية وجهراً، وشيعة تنصرك سرّاً وخفية.

أمّا الشيعة التي تنصرك علانية وجهراً فسيدهم وأفضلهم عليّ بن أبي طالب، وأمّا الشيعة التي تنصرك خفية وسرّاً فسيدهم وأفضلهم أبو طالب، كما أوحى الله إليَّ بعد موت عمّي أبي طالب: أنْ يا محمد اخرج من مكة، فما لك بها من ناصر بعد أبي طالب)).

ص: 165

أبو طالب في نظر ابن عبّاس

وهو عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهو ابن عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، كما هو ابن عمّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ، وهو تلميذ رسول الله (صلی الله علیه و آله) كما هو تلميذ عليٍّ (علیه السلام) ، واختصّ به بعد وفاة الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ، حتى أصبح من حواريه ومواليه.

ومن جرّاء ملازمته واتصاله حصل على مراتب من العلم ودرجات من المعرفة، فتفوق وامتاز على غيره، وأصبح من الرواة الأفذاذ، والمحدث الصادق عند المسلمين كافة، لا يُعارض في حديث ولا يناقش في رواية، وحصل على لقب حبر الأمة.

يحدثنا الشيخ الصدوق في أماليه بطريقه إلى أبي حمزة الثمالي، عن عكرمة عن عبد الله هذا، عن أبيه العباس بن عبد المطلب أنه قال: كنت ذات يوم في ندوة القوم – والندوة ذلك اليوم هو البيت الحرام، وكانت الندوة تضمّ جماعة من الأبطال والزعماء العربية المناوئة لرسول الله (صلی الله علیه و آله) وأبي طالب – وكان الحديث كل محوره أبو طالب وقصة دفاعه عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) وملازمته إياه، فغرّب الحديث وشرّق، وعزاه بعضهم إلى أنه ما آمن بمحمد قلباً، وأنه مات على دين الأشياخ دين الوثنية والأصنام، فعند ذلك رأيت أن لا مقام للسكوت، وما رأيت إلاّ أن أوقف القوم عند حدهم، كما أوقفهم على حقيقة أبي طالب وواقعه، قلت: اسمعوا يا قوم واعلموا ان أخي أبا طالب والله لقد شهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، كما إنه كان يعتقد بأن محمداً أرسله الله وابتعثه؛ ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

ص: 166

فعند ذلك أحجم القوم وسكتوا، وما كان يمكنهم إلاّ ذلك.

وعن ابن عبّاس عن أبيه أيضاً أنه قال في بعض المناسبات: والله ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا، أما والله شهد عند الموت أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله.

إلى كثير من هذا النوع مما تركناه رعاية للإختصار.

* * *

أقول: ربّما يُستشفُّ من الحديث الأخير كون الشهادتين قد صدرتا عند الموت فقط، وأنها كلّ ما ندت به شفتا الزعيم أبي طالب، بل إنما كان ذلك حيث طلب العباس من أخيه في تلك الساعة الرهيبة أن تكون خاتمة كلامه ونهاية حديثه هي الشهادة لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة.. والطلب لم يكن من مخترعات العباس ومبتكراته، بل هو إيحاء من الرسول (صلی الله علیه و آله) ليلقنه أبا طالب؛ لتكون آخر دعواه كأولاها أن الحمد لله ربِّ العالمين، ولتكون سنّة باقية على مرِّ العصور وكرِّ الدهور والأجيال المتعاقبة؛ لأنَّ الإنسان في ذلك الحال وفي تلك الساعة الحرجة – ساعة فراق الأحبة، ساعة فراق الدنيا – ربّما ينشغل بنفسه عن كلِّ شيء وراء ذلك، فأراد رسول الله (صلی الله علیه و آله) من إيحائه إلى عمّه العباس بأن يلقن أخاه أبا طالب ويذكّره بأول سؤال يُسأله عند إنزاله القبر؛ ليلهج به ويجدد العهد به حتى يكون على بصيرة منه وليجيب عند السؤال، وإلاّ ليس هو أول اعتراف وأخير إقرار، بل هو يتبع سلسلة غير منتهية من الإعترافات والأقارير سجلتها الكتب ولاكتها الألسن.

ص: 167

والعباس نفسه هو ممن يشهد له بما نقول، ومن ذلك ما رواه السيد الموسوي في الحجّة والنقدي في المواهب والسيد علي خان في الدرجات وابن أبي الحديد في شرح النهج بطريقهم إلى أحمد الرقي عن خلف بن حماد الأسدي عن الأعمش عن عباية بن ربعي عن عبد الله بن عبّاس عن العباس بن عبد المطلب أنه قال:

قال أخي أبو طالب لابن أخيه محمد بمحضر جماعة من العرب وقريش: يابن أخي ألله أرسلك؟

قال محمد: نعم يا عم، الله أرسلني وبعثني نبياً؛ لأنذر الناس وأبشرهم برحمة الله.

فقال أبو طالب: إنَّ للأنبياء معاجز وخوارق للعادة يتعذر على عادي الناس الإتيان بالمماثل والنظائر.

فقال (صلی الله علیه و آله) : نعم يا عم كان الأمر كما تقول.

فقال أبو طالب: أرنا آية نبوّتك ورسالتك يابن أخي.

قال محمد: أطلب يا عم الشيء الذي تريده.

قال: أدع لنا تلك الشجرة لتأتيك.

قال النبيّ (صلی الله علیه و آله) : قم يا عم ادعها عني وقل لها: ((يقول لك محمد: أقبلي إليَّ)).

فقام أبو طالب ففعل كما أمره النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، وإذا بالشجرة وقد انقلعت من جذورها وأقبلت نحو النبيّ (صلی الله علیه و آله) حتى وقفت بين يديه ونطقت بإذن الله قائلة: السلام عليك يا رسول الله.

ص: 168

فالتفت أبو طالب وقال: قل لها يابن أخي فلترجع من حيث أتت وإلى مكانها الذي انحدرت منه؛ فأمرها محمد أن تنصرف إلى مكانها فانصرفت.

فعندها قال أبو طالب: أشهد أنك صادق صدّيق يا محمد.

ثمّ التفت إلى عليٍّ (علیه السلام) ابنه وقال: يا عليُّ الزم جانب ابن عمّك، فإنه لا يدلُّك إلاّ على خير، ولا يهديك إلاّ سبيل الرشاد.

أقول: والذي يظهر من مجريات الحديث وخصوصياته أنه كان في أوائل البعثة وفي مبتدأ أيام الدعوة، وليس الغرض من الطلب هذا إلاّ إيقاف الناس وإفهامهم بأن محمداً يدّعي النبوة ومدّعيها كذلك لا بدّ وأن يقرن دعواه بالمعجزة، وفعلاً جاء محمد بخارق العادة والمعجزة فآمن بها من آمن وكفر بها من كفر، ومن كفر فلن يضرَّ الله شيئاً، ومن كفر فعليه كفره وإن الله غنيٌّ عن العالمين.

ويحدثنا القاضي النقدي في المواهب بطريقه إلى الصحابي أبي ذرٍّ الغفاري - رحمه الله – أبي ذرٍّ الذي قال في حقه رسول الله العظيم (صلی الله علیه و آله) : ((ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء بأصدق ذي لهجة من أبي ذر)) – نعم أبو ذر هذا قال: كنت في مجلس من مجالس قريش أبان دعوة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فتعرضوا للإساءة بأبي طالب والنيل من كرامته، فلم يسعني إلاّ أن قلت: ما أعلمه عن حاله، وما أعرفه من خدماته، فقلت: والله الذي لا إله إلاّ هو ما مات أبو طالب إلاّ مؤمناً مسلماً كامل الإسلام والإيمان، ابتغى بذلك نصرة الحق، لأني علمت أن

ص: 169

الساكت عن الحق شيطان أخرس، وإني رأيت رسول الله (صلی الله علیه و آله) وسمعته يترحم على عمّه ويستغفر له وتلك طريقته مع المؤمنين والمسلمين.

وذكر الفضل بن شاذان والنقدي في المواهب بطريقهما عن الشيخ أبي الفتح الكراجكي عن طاهر بن موسى بن جعفر الحسيني عن أبي القاسم ميمون بن حمزة الحسيني عن مزاحم بن عبد الواحد البصري عن أبي بكر عبد العزيز بن عبد الرحمن عن العباس بن علي البصري عن جعفر بن عبد الواحد بن جعفر عن العباس بن الفضل عن إسحق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب عن المهاجر مولى نوفل اليماني عن أبي رافع خادم رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: سمعت أبا طالب يقول:

حدثني ابن أخي محمد أن الله عزّ وجلّ بعثه بصلة الرحم، وأن يعبد الله وحده ولا يشرك به أحداً، ومحمد عندي الصادق الأمين.

أقول: لم ينفرد بالرواية هذه ابن شاذان والنقدي فحسب، بل رواها جمع كثير من المؤرخين كابن حجر في الإصابة 4 / 116، وزيني دحلان في أسنى المطالب، والشيخ إبراهيم الحنبلي في نهاية الطلب، إلاّ أن الرواية كانت بهذه الصورة عن عروة الثقفي عن أبي طالب أنه قال: حدثني ابن أخي محمد أن الله سبحانه أرسله بصلة الرحم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكان يقول: أشكرْ ترزقْ ولا تكفرْ تعذب، ومحمد عندي الصادق الأمين.

وذكر الأميني في غديره 7 / 381 عن الإمام أحمد بن الحسين الموصلي الحنفي الشهير بابن وحشي في شرحه على كتاب شهاب الأخبار تأليف العلاّمة محمد بن سلامة القضاعي المتوفى سنة أربعمائة وخمسين هجرية أنه قال: بغض أبي طالب كفر وجريمة لا تغتفر، كما

ص: 170

نصَّ على ذلك العلاّمة التفتوني والشيخ علي الأجهوري في فتاواه والتلمساني في حاشيته على كتاب الشفاء مع إضافة ((وإن أبا طالب لا ينبغي أن يُذكر إلاّ بخير وإلاّ بحمايته للنبي (صلی الله علیه و آله) ومؤازرته له ونصرته إيّاه بقوله وفعله، وفي ذكره بمكروه إيذاء للنبي (صلی الله علیه و آله) ، ومؤذي النبيّ (صلی الله علیه و آله) كافر يجب قتله، وقد نهى الله تعالى في غير آية من القرآن عن إيذاء النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، وفي بغض أبي طالب إيذاء للنبي ومؤذي النبيّ (صلی الله علیه و آله) كافر)).

وقال أبو طاهر: إن حبَّ أبي طالب إيمان، وبغضه كفر ونفاق؛ لأنه إيذاء للرسول (صلی الله علیه و آله) ، وإيذاؤه كفر ونفاق.

ص: 171

أبو طالب في نظر المأمون

قال ابن أبي الحديد في شرحه على النهج 3/ 213 ك وكان المأمون معجباً بإيمان أبي طالب الذي يحكيه شعره ونثره، وكان كثيراً ما يردد هذه الأبيات ويكررها:

نصرت الرسول رسول الإله *** ببيضٍ تلألا كلمع البروقْ

أذبُ وأحمي رسول الإله *** حماية عمٍّ عليه شفيق

وما إن أدبَّ لأعدائه *** دبيب البكار حذار الفنيق

ولكن أزير لهم سامياً *** كما زار ليث بغيل مضيقْ

قال ابن أبي الحديد: قال المأمون بعد ترداده للأبيات: لقد أسلم والله أبو طالب بأبياته هذه.

* * *

يظهر من هذه الحادثة أن المأمون لم يكن على إحاطة تامة ووقوف شامل على ما صدر عن عمِّ النبيّ العظيم، الدالِّ بصراحة أكثر مما استشفّه من الأبيات التي كانت قد أعجبته، والتي قد استظهر منها إسلامه وإيمانه، مثل قوله:

ولقد علمت بأن دين محمدٍ *** من خير أديان البريّة دينا

وقوله أيضاً:

أنت النبيّ محمدُ *** قرمٌ أغرُّ مسوّدُ

ص: 172

لمسوّدين أكارم *** طابوا وطاب المولدُ

وقال ابن أبي الحديد: لقد صحَّ عن الخليفة عمر بن الخطاب أنه كان منصهراً ببيتي زهير بن أبي سلمى، وكان يحفظهما ويرددهما كثيراً، ويعجبه أن يقرءا أمامه، والبيتان هما:

فلا تكتمنَّ الله ما في نفوسكم *** ليخفى ومهما تكتم الله يُعلم

يؤخر فيوضع في كتاب فيدّخر *** ليوم حساب أو يعجّل فينقم

وقال ابن أبي الحديد: قال عمر: ما رأيت جاهليّاً أعلم بالحكم من زهير بن أبي سلمى، ولو قلت إن شعره هو شعر مؤمن يدخل الجنة؛ لإقراره بالبعث والنشور لقلت حقاً، ولكنت صادقاً غير مبالغ.

ونحن نقول: إذا كان الخليفة عمر قد استشفَّ من بيتي زهير إيمانه بالله واعتقاده بالبعث، فحكم بأنه من المؤمنين، ومن أهل الجنة في حال أنه لم يدرك الإسلام، أو أدرك ولم يؤمن بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) ، إذاً فما بال أقوام لا يقتدون به ولا يسيرون على ضوء استفادته واستنتاجه بالنسبة إلى عم النبيّ العظيم ابي طالب، فيستظهرون من شعره ونثره وخدماته ودفاعه ومحاماته وجهاده في سبيل الله وإعلاء كلمته وحفظه لرسول الله (صلی الله علیه و آله) وتفاديه إيّاه بالنفس والأولاد، ثم يفكروا في أقواله مثل:

مليك النّاس ليس له شريك *** هو الجبار والمبدي المعيدُ

ومثل قوله:

ص: 173

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمداً *** نبياً كموسى خطَّ في أول الكتبِ

فبالله عليك أيها القارئ الكريم.. ألم يكن هذا من عمِّ الرسول أجلى وضوحاً واقوى اعترافاً بالله وبالمعاد وبالنبيّ (صلی الله علیه و آله) من قول زهير بن أبي سلمى؟؟

قال الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء، وأبو الفرج الأصفهاني، وصاحب نهاية الطلب عن العروة الوثقى عن أبي رافع خادم رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال: سمعت أبا طالب يقول: حدثني ابن أخي محمد بن عبد الله – وكان والله صادقاً – إن الله عزّ وجلّ قد بعثه بصلة الرحم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما كان يقول: اشكر الله ترزق ولا تكفر تعذب.

وهذا وكثير من هذا القبيل يذكره المؤرخون وينصُّ عليه المحدثون، وكأنّه لم يكن ومعه يموت كافراً وهو في ضحضاح من نار، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله العليِّ العظيم، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ص: 174

أبو طالب في نظر أبي لهب

وأبو لهب هذا هو ابن عبد المطلب وأخ لأبي طالب من أبيه فقط، لأن أبا طالب لم يكن له شقيق في أكثر الروايات إلاّ عبد الله والد رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وقد كان أبو لهب قبل أن يدّعي الرسول (صلی الله علیه و آله) البعثة ويعلن الرسالة والنبوة خاضعاً خاشعاً لزعامة أخيه أبي طالب، يأتمر بأمره وينزجر بزواجره، يقف إلى جنبه وينادي باسمه إذا اقتضت الظروف الشاكسة.

ولكن بعد الدعوة، وتظاهر النبيّ (صلی الله علیه و آله) بالبعثة، وانحياز أبي طالب إلى جانب الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) يحميه ويقول بقوله ويذبُّ عنه، انصرف أبو لهب بكلِّه إلى الجهة المعارضة، كما انحاز تماماً إلى الكتلة المشركة، وصار يعمل معها ليل نهار على إخماد صوت أبي طالب ثمّ شلّ حركة محمد.

وليس خروج أبي لهب هذا على ما عليه أخوته وذووه من العناد والإصرار على المقاومة الفاسدة... أول خروج على الحقّ ظهر على مسرح الدنيا، بل هناك من الأشباه والنظائر كثير، وكثير وليس غريباً أن يخرج الخبيث من الطيّب، كما اتفق ذلك بالنسبة إلى نوح النبيّ (علیه السلام) وولده وآدم (علیه السلام) وولده.

وعلى أيّ حال تجاهل أبو لهب كلّ القيم الإنسانية، وتعامى عن الحق الصراح وتجاهر بالأذى والعداء لأبي طالب أخيه، ثم لابن أخيه رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وكان هو أشدّ وأكثر أثراً على النبيّ (صلی الله علیه و آله) وعمّه العظيم من الزمرة المشركة الكافرة، حتى أنزل الله فيه سورة كاملة من القرآن:

ص: 175

بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ (المسد: 1-5)

وعلى هذا الأساس اجتمع بنو هاشم؛ فأجمعوا على رفضه وإسقاطه عن قائمتهم بإرشاد من أبي طالب وتحريك منه، لا لشيءٍ سوى انصرافه عمّا هم عليه من دين محمد وشريعته المجيدة ومظاهرته للمعارضين من المشركين.

ومع هذا قد تأخذه حميّة النسب ووشائج القربى، ومن أجلهما قد يغضب أحياناً على القوم؛ فيثأر لأبي طالب ويمنع الكفر عن بعض المحاولات المعادية.

وقد تقدم منّا بيان بعض المواقف من هذا النوع، فنكتفي به فراجع.

ص: 176

أبو طالب وإجماع آل البيت (علیهم السلام) على إيمانه

وآل البيت (علیهم السلام) هم الأئمة الطيبون والسادة الأطائب المكرمون، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: 33)

﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾( الشورى: 23)

((إني مخلّفٌ فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، أحدهما أكبر من الآخر، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا من بعدي أبدا، فانظروا كيف تخلفوني فيهما)).

((مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى)).

((مثل أهل بيتي فيكم كالنجوم، فالنجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون)).

(محمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) )

ومما لا يرتاب فيه أحد أن المقصود من آل البيت هم عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذرية الحسين (علیهم السلام) .

ذكر الطبرسي في مجمع البيان والزمخشري في الكشاف والسيوطي في الدر المنثور أنه سُئل رسول الله (صلی الله علیه و آله) عند نزول آيتي التطهير والمودة من هم آل البيت المعنيون في الآيتين؟

ص: 177

قال (صلی الله علیه و آله) : هم عليٌّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمة التسعة من ذرية الحسين، وهم عليُّ بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعليٌّ الرضا والجواد محمد وعليٌّ الهادي والحسن العسكري ومحمد المهديُّ الذي سيظهره الله عزّ وجلّ فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فهم أولاء آل البيت، وهم خيرته وصفوته، كما وهم خزّان علم الله وحججه، وأوصياء رسول الله (صلی الله علیه و آله) وخلفاؤه على أمّته، بهم فتح الله، وبهم يختم، وبهم ينزل الغيث، وبهم يكشف الضرّ، وبهم يمسك السماء أن تقع على الأرض، وبهم يدفع البلاء وتستدرُّ الرحمة الإلهية.

قال ابن كثير في جامع الأصول في ترجمة عمّ الرسول أبي طالب في حديث طويل: وقد أجمع آل البيت على إيمان أبي طالب، وإجماعهم حجة عند المسلمين كافة.

أقول: إن إجماع آل البيت مما لا إشكال في تحققه، كما لا يكاد يخفى على كل مستقرئ متتبع، فهم قد أجمعوا بلا استثناء على إيمان جدهم الأعلى الزعيم أبي طالب، وتبعتهم على ذلك ذرياتهم لحد الآن وإلى يوم القيامة، فهو غير قابل للمناقشة والخدشة عندهم أبداً، بل هو عندهم أمر مفروغ منه، وإنه من قبيل إرسال المسلمات.

وكيف يكون معرضاً للنقاش والجدال وقد عُلم أن مصدره وباني أسسه هو رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((رحمكَ اللهُ يا عمّ، فو اللهِ لأشفعنَّ فيكَ شفاعةً يعجبُ منها الثقلانِ)).

ص: 178

أبو طالب في نظر أئمة الزيدية

والزيدية هؤلاء هم طائفة من طوائف المسلمين، لها وزنها وأهميتها في الأوساط الإسلامية، كما هم يشكلون عدداً هائلاً من حيث الوفرة والكثرة، ولعل البلدان الإسلامية المترامية الأطراف قلَّ أن لا يوجد فيها من الزيدية. نعم يقطن كثير منهم في اليمن العربي.

أمّا تسميتهم بالزيدية فنظراً إلى اعتقادهم بإمامة زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (علیهم السلام) ، ومن زيد تنتقل الإمامة في نظرهم إلى كلّ من نهض بالسيف وقاوم الظلم والطغيان وجاهد الكفار وثار على الحكام الجائرين المتمردين، بشرط أن يكون من وُلد عليٍّ وفاطمة (علیهما السلام) ، ولعل هذه العقيدة لا تزال موجودة حتى هذه العصور القريبة.

أمّا أنهم يلحقون بالإمامية بحيث يعدون منهم فلا؛ لأن الإمامية ترى: أولاً وقبل كل شيء أن الزيدية هم طائفة من طوائف المسلمين وفرقة من فرقهم، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.

وثانياً أن الإمامية لا يقولون بإمامة شخص مهما كانت عظمته ومؤهلاته، ومهما كان نسبه ومميزاته، إلاّ من قامت على زعامته وخلافته الأدلة القطعية المعلومة الصدور عن الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ، كما قامت على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب والأئمة الأحد عشر من ذريته (علیهم السلام) ، أمّا غير هؤلاء من السادة الأماثل من ذرية الرسول (صلی الله علیه و آله) فهم سادة كرام موقرون محترمون لانتمائهم بهذه السلسلة الطيبة والشجرة المباركة الميمونة.

ص: 179

كما وإن الإمامية لا ترى القيام بالسيف وشنّ الحروب شرطاً أساسياً في إمامة الإمام، فالإمام يرى رأيه ويراعي ظروفه الخاصة وإمكاناته الوقتية، كما كان ذلك بالنسبة إلى صلح الإمام الحسن ونهضة الإمام الحسين (علیهما السلام) .

ومستندهم في ذلك قول الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) : ((الحسنُ والحسينُ إمامانِ قاما أو قعدا)).

بمعنى أنهما (علیهما السلام) إمامان على كلّ حالٍ وعلى كلّ الفروض والتقادير، نهضا بالسيف أم لم ينهضا.

كما وإن الإمامية لا يرون الإمامة في كافة ذرية عليٍّ والزهراء (علیهما السلام) وعلى العموم، بل الذي يرونه أنها تنحصر في ذرية الحسين (علیه السلام) فقط، ولم تساعدهم الأدلة القطعية إلاّ على ذلك، مثل قول الرسول الأمين (صلی الله علیه و آله) : ((الحسينُ إمامٌ أخوْ إمامٍ إبنُ إمامٍ أبوْ أئمةٍ تسعٍ)).

فمقام الإمامة عند الشيعة مقام رفيع ورهيب، كما هو خطير وعظيم، لا يرتقيه أو يتسنمه إلاّ بنصٍ من الله تعالى ونصٍّ من رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، باعتبار أنه (صلی الله علیه و آله) لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يُوحى، فما يصدر عنه (صلی الله علیه و آله) من قول وفعل هو من الله وبوحيٍ منه عزّ وجلّ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر: 7).

فمقام الإمامة عندهم كمقام النبوة، لا يتحقق ولا يكاد يثبت إلاّ بالنصّ، أو المعجز الخارق للعادة.

ص: 180

ومن هنا وهناك قد ذهبوا إلى عدم إمكان الترشيح والانتخاب في الإمامة، قياساً على النبوة، وعطفاً على قدسيتها وكرامتها، فكما أن النبوة لا يمكن – بل لا يعقل – فيها الإنتخاب والترشيح، كذلك الإمامة؛ لما يتحملانه معاً من الغاية الواحدة، وما يستهدفانه من الغرض المتحد.

نعم كلّ ما هناك من فرق أن الإمام يفقد صفة النبوة فقط، ولعل الرسول (صلی الله علیه و آله) قد عنى ذلك بقوله: ((يا عليُّ أنتَ منّيْ بمنزلةِ هارونَ من موسىْ، إلاّ أنّه لا نبيَّ بعديْ)).

فهرون (علیه السلام) كان حائزاً على جميع صفات موسى (علیه السلام) أخيه، كما كان مرشحاً من قبل الله عزّ وجلّ للنبوة بعد موسى، ولكن لمّا كانت النبوات قد ختمت بنبوة الرسول محمد (صلی الله علیه و آله) ، أعطى عليّاً (علیه السلام) كل الصفات والمزايا التي كانت بين موسى وهارون.. من الأخوّة والوصاية والوزارة وولاية العهد إلاّ النبوّة.

إذاً النبوة والإمامة سيان من ناحية كون كلّ واحد منهما منصب يمنحه الله لمن يشاء من عباده، أو ينصّ عليه الرسول بالخصوص.

هذا بالإضافة إلى أن الطائفة الزيدية تختلف عقائدياً عن الشيعة الإمامية: أولاً أنها لا تعترف إلاّ بأربعة من أئمة الإمامية، وهم عليٌّ والحسن والحسين وعليٌّ بن الحسين (علیهم السلام) ، وهذا مناهض كلياً لعقيدة الإمامية الذين يرون أن الأئمة الثابت في حقهم النص إثنا عشر شخصاً لا يزيدون واحداً ولا ينقصونه أبداً، كما أن من أنكر واحداً من الإثني عشر عندهم كان كمن أنكر الجميع.

ص: 181

ومن جهة أخرى إن الزيدية يختلفون من حيث الفقه والطريقة عن الإمامية الشيعة؛ لأن فقههم – على الأكثر – ينتسب إلى المذهب الحنفي، وفيهم الشوافع، وفيهم غير ذلك من المذهبين الآخرين، أمّا الشيعة ففقههم لا يتعدى الفقه الجعفري، الفقه الذي أخذه الخلف عن السلف وعلى الأكثر عن الإمام الصادق جعفر بن محمد (علیهما السلام) ، الفقه الذي أخذه عن أبيه الباقر (علیه السلام) ، وهو عن أبيه عليٍّ بن الحسين (علیهما السلام) ، وهو عن أبيه الحسين (علیه السلام) ، وهو عن أبيه عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ، وهو عن ابن عمّه رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وعليٌّ (علیه السلام) كان باب مدينة علم النبيّ (صلی الله علیه و آله) كما أخبر به (صلی الله علیه و آله) في قوله: ((أناْ مدينةُ العلمِ وعليٌّ بابهاْ، ألاْ منْ أرادَ المدينةَ فليأتهاْ منْ بابهاْ)).

والفقرة الأخيرة من قول الرسول العظيم (صلی الله علیه و آله) تقريباً إن لم يكن تحقيقاً تعطي الإرشاد العام إلى علم عليٍّ (علیه السلام) وفقهه، وهذا الفقه هو فقه الشيعة من الصدر الأول وإلى يوم القيامة، كما أنهم يعتقدون أن هذا الفقه هو الذي نزل به جبرئيل (علیه السلام) على رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فعلّمه عليّاً (علیه السلام) وعلّمه عليٌّ لأولاده (علیهم السلام) ، وهم بدورهم علّموه العلماء، ولم يزل كذلك حتى وصل إلى علماء العصر.

وكيف كان الأمر، فالطائفة الزيدية – وإن لم يكونوا من الشيعة الإمامية – إلاّ أنهم مثل باقي الفرق الإسلامية، والمهم هنا أن الزيدية هؤلاء قد أجمع علماؤهم ومحدّثوهم على إيمان عمّ النبيّ العظيم أبي طالب، ومستند إجماعهم روايات يروونها بطرقهم عن العدول والثقات عندهم.

ص: 182

ومن الروايات التي كانت مصدراً وأساساً للإجماع رواية أبي رافع مولى رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال: سمعت الشيخ أبا طالب يتحدث بمكة: حدثني ابن أخي محمّد بن عبد الله عن الله عزّ وجلّ أنه تعالى بعثه بصلة الرحم، وأن يُعبد الله وحده، ومحمّد عندي الصادق الأمين.

كما رووا عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) أنه كان يقول: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة – وضمَّ إصبعيه.

قال السيد علي خان في الدرجات الرفيعة والقاضي في المواهب: إن الزيدية ذهبوا إلى وجوب حقِّ أبي طالب على المسلمين كافة؛ لأنه حمى نبي الإسلام وأنقذه من مخالب الكفر والشرك، ولولاه لكان نسياً منسيّاً، فأبو طالب هو الذي أرسى قواعد الدين، وبنى على قواعد الإسلام بحمايته للرسول ونصرته له، كما أنه أول المؤمنين به، وأول المصدقين لدعواه، وقال بعض علمائهم:

حماه أبونا أبو طالبٍ *** وأسلم والناس لم تسلمِ

وقد كان يكتم إيمانه *** وأمّا الولاء فلم يكتمِ

إقتطعنا هذين البيتين من قصيدة قيلت في المقام، والذي يظهر أن القائل علويُّ النسب حيث يقول: ((حماه أبونا أبو طالب))، يعني أنه حماه من دولتي الكفر والشرك وخلّصه من موت محتّم، إذ لولا أبو طالب لقضت المؤامرات الكافرة والدسائس المشركة على رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وبه يقضون على كلّ ما جاء به عن ربّه من دين وشريعة، فحفظه أبو طالب وحماه، وبه حفظ الدين واستقام الإسلام، فمن هنا وهناك كان حقه واجباً على المسلمين إلى أن يقوم الناس لربِّ العالمين.

ص: 183

أبو طالب في نظر علماء المغرب العربي

ذهب الكثير منهم إلى أن عمّ الرسول الزعيم أبا طالب حامي النبيّ (صلی الله علیه و آله) وكافله هو من أوائل المؤمنين والقدامى من المسلمين، كما يرون أنه هو أول مجاهد في سبيل الله، ولم تأخذه في سبيل إعلاء كلمته لومة لائم ولا إرهاب المرهبين، كما حمى النبيّ (صلی الله علیه و آله) ووقاه عن كل ما يسوؤه ويؤذيه، وفداه بكل ما يملك، وتحمل في سبيله المشاق والأهوال والنكبات والآلام، وبشّر بدعوة الرسول (صلی الله علیه و آله) وحثَّ عليها واستمات في سبيلها.

ولم يكتفِ بكل ذلك حتى أعلن للملأ فلسفة جهاده ومحاماته، وغاية دفاعه والذبِّ عنه، وأنّ كلّ ما هنالك هو عقيدته بلزوم القيام بوجه الأصنام ومقاومة الشرك والأوثان، وحفظ رسول الله (صلی الله علیه و آله) بكل ما يتمكن من قوى وطاقات حتى بالنفس والأولاد والأسرة.

ولم يكتفِ بذلك أيضاً بل صار إلى المقابلة العلنية، ثم الإفصاح بتدينه وإسلامه، وشعره ونثره يصرخان بذلك، ثم ترحم النبيّ (صلی الله علیه و آله) عليه واستغفاره له، وذكره دائماً بخير...

كلُّ ذلك أدلة قاطعة على إيمانه وإسلامه، والمشكك في ذلك ظالم له متعدٍّ على حقوقه المفروضة، مضافاً إلى أنه إيذاء للنبي (صلی الله علیه و آله) ، ومؤذي النبيّ (صلی الله علیه و آله) كافر عند كافة المسلمين.

قال السيد صاحب الدرجات الرفيعة ص 157: قال السيد زعيم المغاربة السيد الجليل السيد العارف بالله السيد عبد الرحمن الإدريسي الحسيني المغربي نزيل مكة المكرمة والمتوفى بها سنة سبع وثمانين بعد الألف – وقد سئل عن إيمان عمّ النبيّ العظيم وكافله الزعيم الهاشمي

ص: 184

أبي طالب، وكان السيد الإدريسي من أرباب الحال وأبطال وأقطاب الرجال، فقال رحمه الله للسائل: إعلم قرّبك الله منه ورزقك كمال الفهم أن ناصر دين الله وكافل رسول الله أبا طالب (رضی الله عنه) قد قال بإيمانه خلق كثير وجمع غفير من المؤرخين والمحدثين، كما قال بإيمانه جماعة من أهل الشهود والكشف، كما قد وردت فيه أحاديث كثيرة تشهد بإيمانه وتدينه، أوردها الحافظ ابن حجر في إصابته وتكلم عليها:

منها – ما جاء عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) من أن جبرئيل (علیه السلام) نزل على رسول الله صلوات الله عليه يبشّره عن الله فقال فيما قال: يا رسول الله إن الله عزّ وجلّ يقول لك: إنه لا يعذب صلباً أنزلك، وبطناً حملك، وحجراً كفلك، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : حبيبي جبرئيل أوضحه لي؟ فقال: الصلب الذي أنزلك هو صلب عبد الله بن عبد المطلب، والبطن الذي حملك هو بطن أمّك آمنة بنت وهب، وأمّا الحجر الذي كفلك هو عمّك أبو طالب.

ومنها -ما أورده المحبّ الطبري في كتابه ذخائر العقبى عن السيوطي في كتابه المسالك أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمّي وعمّي أبي طالب، وبطبيعة الحال لا يشفع رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلاّ للمؤمنين الموحدين والمتدينين من المسلمين.

ومنها – ما أخرجه الشعراني أن الله تبارك وتعالى أحيا أبا طالب للرسول فآمن به وأسلم على يديه.

ومنها – ما أخرجه التلمساني المغربي في مؤلفه شموس الأنوار وكنوز الأسرار من قول أبي طالب:

ص: 185

لقد أكرم الله النبيّ محمداً *** فأكرم خلق الله في الناس أحمدُ

وشقَّ له من إسمه ليجلَّه *** فذو العرش محمود وهذا محمّدُ

قال الثعلبي في تفسيره وعند تفسيره لقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾(الشعراء: 214): إن هذه الآية دليل على إيمان أبي طالب، وهكذا الطبري في تفسيره.

أقول: ولعل نظر الثعلبي والطبري ومن هو على شاكلتهما يرمي ويستهدف حضور أبي طالب في دار النبيّ (صلی الله علیه و آله) يوم الإنذار وقيامه وانحيازه إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) من دون كل المجتمعين، ومعارضته أخاه أبا لهب، حيث صدَّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) وعارضه وتعهده للقيام معه مهما كلفه الأمر، وهو في الواقع دليل قوي على إيمانه وتدينه، وفي الحقيقة إنها نظرة موفقة وصائبة قد وقعت في محلها تماماً.

وقد ذكرنا ذلك مفصلاً فيما تقدم فراجع.

ص: 186

أبو طالب في نظر العامّة

يحدثنا السيد في الدرجات الرفيعة أن الأغلب من الجمهور وجلّهم يذهبون إلى القول بإيمان عمّ الرسول أبي طالب وتدينه، ومما لا يعتريه الريب أن من أولئك العظماء أبو القاسم البلخي شيخ المعتزلة وعلمهم المفضل، وكذلك النقيب أبو جعفر الإسكافي، وكثير أمثالهما.. يستندون في ذلك إلى روايات قد اعتمدوا عليها متناً وسنداً:

منها – ما قد رووه عن حماد بن سلمة عن ثابت بن دينار عن إسحاق بن عبد الله عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت لرسول الله (صلی الله علیه و آله) : ما الذي ترجوه لعمّك أبي طالب؟ فقال: أرجو لعمّي الرحمة والغفران، كما أرجو الله أن يعطيه كل خير وكرامة.

ومنها أن أبا بكر بن أبي قحافة قد جاء بأبيه أبي قحافة، وهو أعمى يقوده إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) يوم فتح مكة، فلما نظر إليه النبيّ (صلی الله علیه و آله) قال لأبي بكر: هلاّ تركت الشيخ حتى أتيت به. قال أبو بكر: أردت يا رسول الله أن يأجره الله، فو الله يا رسول الله والذي بعثك بالحق نبياً لأنا أشدّ فرحاً بإسلام عمّك أبي طالب مني بأبي، ألتمس بذلك قرّة عينك.

ومنها – ما يروونه بطرق متعددة بعضها عن العباس وبعضها عن أبي بكر كلها تنطق أن أبا طالب ما مات حتى قال: ((لا إله إلاّ الله محمد رسول الله)).

ومنها – عن العباس أنه قال: لقنت أخي أبا طالب الشهادتين عند الموت ليجدد بهما العهد، وليكون آخر كلام يخرج به من الدنيا، فقالها ولكنه ضعف من أن يسمعها رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

ص: 187

ومنها – ما قد رووه عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال أبو طالب للرسول (صلی الله علیه و آله) ذات يوم: أ الله يابن أخي بعثك وأرسلك؟ قال: نعم يا عم ّ الله بعثني وأرسلني إلى الناس كافة.

قال أبو طالب: أرنا آية ذلك؛ فدعا رسول الله (صلی الله علیه و آله) شجرة كانت بالقرب منّا، فانقلعت بأمر من الله وأقبلت نحوه ولها دويٌّ عظيم، فوقفت أمامه وقالت: السلام عليك يا رسول الله.

ولمّا نظرنا ذلك فرحنا بكرامة الله على رسوله، وعند ذلك قال أبو طالب: مُرها يابن الأخ أن تنكفئ إلى محلّها من الأرض، فأمرها فرجعت، وعندها قال أبو طالب: أشهد أنّك صادق صدّيق.

ثم التفت إلى ولده عليٍّ وقال:

إن الوثيقة في لزوم محمّدٍ *** فاشدد بصحبته عليُّ يديكا

ونقل الأميني في الغدير 7 / 399 عن أبي الفداء والشعراني بطريقهما إلى ابن عباس أنه قال: ما مات أبو طالب حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا.

وفي نفس الصفحة عن ابن عباس أيضاً أنه قال: لمّا تقارب الموت من عمّي أبي طالب أخذ يحرّك شفتيه كأنه يقول شيئاً، فأصغى إليه العباس بن عبد المطلب وأدنى إليه رأسه ليسمع ما يقول، وكان رسول الله (صلی الله علیه و آله) حاضراً، ثم رفع رأسه إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) وقال: يابن أخي لقد قال عمّك الكلمة التي أردته أن يقولها، فقال رسول الله: الحمد لله.

ص: 188

أبو طالب في نظر الشيعة الإماميّة

والشيعة الإمامية هم طائفة من الطوائف الإسلامية الضخمة، وهي إذا ما قيست إلى بقية الطوائف لا تقلّ عنها إن لم تكن تكبرها، فهي لا تقلّ عن الحنفية منفردة والشافعية كذلك.

والشيعة الإمامية هم المسلمون الذي شايعوا عليّاً أمير المؤمنين (علیه السلام) وتابعوه في جميع أقواله وأفعاله، ولم نغالِ إذا قلنا أنهم هم المؤمنون الذين لم يحيدوا قيد أنملة عن أقوال رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأحاديثه، بل في الحقيقة ونفس الأمر أنهم إنّما شايعوا عليّاً (علیه السلام) وتابعوه بأمر من رسول الله (صلی الله علیه و آله) ؛ لأنه قد صحَّ عندهم قوله لعمّار بن ياسر: ((يا عمّارُ لوْ سلكَ النّاسُ وادياً، وسلكَ عليّ بن أبي طالب وادياً، فاسلكْ الواديَ الذيْ يسلكهُ عليٌّ)).

والتشيّع لم يكن بالأمر الذي قد تكوّن بعد زمن النبوة، بل فيه نما وترعرع ونشأ وتأصّل.

وكان ممن يفتخر بالشيعة والتشيع: أبو طالب بن عبد المطلب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن عباس، وجعفر بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، والحسن بن عليّ (علیهما السلام) ، والحسين بن عليّ بن أبي طالب (علیهم السلام) ، ومحمد بن الحنفية، ومسلم بن عقيل، وقثم وعبد الرحمن والفضل أولاد العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وعون ومحمد ابنا جعفر بن أبي طالب، وربيعة بن الحرث بن عبد المطلب... وهكذا إلى جميع بني عبد المطلب وكافة بني هاشم، ثم جمع غفير من عظماء الصحابة ورجال الإسلام، مثل عمر بن سلمة، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وياسر أبيه، والمقداد بن الأسود الكندي،

ص: 189

وأبي ذر الغفاري، وحذيفة اليماني، وخزيمة بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، ومالك بن نويرة، ومالك بن التيهان، وأُبي بن كعب، وسعد بن عبادة الخزرجي، وقيس بن سعد، وأبي قتادة الأنصاري، وعدي بن حاتم الطائي، وعبادة بن الصامت، وبلال الحبشي مؤذن الرسول (صلی الله علیه و آله) ، وأبي رافع خادم النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وعثمان بن حنيف، وسهل بن حنيف، وحكيم بن جبلة العبدي، وخالد بن سعيد بن أبي وقاص، والبراء بن مالك الأنصاري، ورفاعة بن رافع الأنصاري، ومالك بن ربيعة بن الوليد الساعدي، وعقبة بن عمرة بن تغلبة الأنصاري، وهند بن أبي هالة التميمي ربيب النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، وجعدة بن هبيرة، وأبي عمرة الأنصاري، وحجر بن عدي الكندي، وأسامة بن زيد الكندي، وزيد بن أرقم، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والمسور بن شداد الفهري، وأبي ليلى الأنصاري، وأبي برزة الأسلمي، ومسعود بن أوس، وعبد الله بن مسعود... إلى كثير من هذا اللون والعيار الثقيل من وجوه الصحابة وخيار المسلمين ممن تركناهم رعاية للاختصار الذي هو مبنى هذا المؤلَف، وما ذكر فهو على سبيل المثال لا الحصر.

فالشيعة إذاً لم يكونوا قد جاءوا متأخرين، ووجدوا على هامش المسلمين، أو كانوا – كما يقولون – قد خلقتهم وخلقت فكرتهم الظروف وتبنتهم السياسة... بل الشيعة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، والذين قد تناسلوا وتكاثروا، والذي قد صاروا إلى التشيع أخيراً من غيرهم لا يحصي عددهم إلاّ الله تعالى، بل إذا أردنا أن نأتي على آخر من جاء إلى التشيع من بقية الطوائف الإسلامية الأخر لما وسعنا ذلك، وهم لا يزالون يتكاثرون ويستمرون في التكاثر والانتشار إلى اليوم وإلى يوم القيامة.

ص: 190

وعلى سبيل المثال نذكر من الأسر العربية التي رجعت إلى التشيع في الأدوار القريبة الدليمات، وهم غالباً يسكنون في النعمانية والزبيدية من لواء الكوت، وقسم كبير من الأسرة القرغولية الذين يسكنون في الدبوني والعزيزية من لواء الكوت أيضاً، وقسم كبير من الجنابيين، وقسم كبير من الجبوريين، وقسم كبير من العبيديين، وقبائل متعددة من شمّر وهكذا.

والشيعة يعتقدون أن الذي أسس قواعدهم وبنى كيانهم هو الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ، كما يعتقدون أن أول غارس لبذرة الشيعة والتشيع هو الله عزّ وجلّ، كما وهو تعالى قد وضع الحجر الأساس لهما ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: 33) ، ﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾(الشورى: 23)، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ (الإسراء: 26)، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران: 61)، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة: 55).. إلى غير ذلك مما ورد في القرآن الكريم في فضل آل البيت الذين هم رمز الشيعة والتشيع.

أمّا ما قاله الرسول (صلی الله علیه و آله) في ذلك فكثير وكثير، نذكر جملة من ذلك:

أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده والبيهقي في صحيحه عن أبي الحمراء أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((ألاْ منْ أرادَ أنْ ينظرَ إلىْ آدمَ فيْ علمهِ، وإلىْ نوحٍ فيْ عزمهِ، وإلىْ إبراهيمَ فيْ حلمهِ، وإلىْ موسىْ فيْ هيبتهِ، وإلىْ عيسىْ في زهدهِ، فلينظرْ إلىْ عليّ بن أبي طالب)).

ص: 191

وأخرج القندوزي الحنفي في ينابيع المودة والخطيب الخوارزمي الحنفي في المناقب عن سعيد بن عقيصا عن أبي عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال لعليٍّ ذات يوم: ((أنتَ أخيْ وأناْ أخوكَ، أناْ المصطفىْ للنبوةِ وأنتَ المجتبىْ للإمامةِ، يا عليُّ أناْ وأنتَ أبواْ هذهِ الأمّةِ، يا عليُّ أنتَ وصييّ ووارثيْ وأبو وُلديْ، أتباعكَ أتباعيْ وأولياؤكَ أوليائيْ وأعداؤكَ أعدائيْ، وأنتَ صاحبيْ على الحوضِ، وصاحبيْ فيْ المقامِ المحمودِ، وصاحبُ لوائيْ فيْ الآخرةِ كماْ أنتَ صاحبُ لوائيْ فيْ الدنياْ، لقدْ سعدَ منْ تولاّكَ وشقيَ منْ عاداكَ، وإنَّ أهلَ مودّتكَ فيْ السماءِ أكثرُ منهمْ فيْ الأرضِ.

يا عليُّ أنتَ حجّةُ اللهِ علىْ الناسِ بعديْ، قولكَ قوليْ، أمركَ أمريْ، نهيكَ نهييْ، طاعتكَ طاعتيْ ومعصيتكَ معصيتيْ، حزبكَ حزبيْ، وحزبيْ حزبُ اللهِ، وحزبُ اللهِ همُ الغالبونَ.

يا عليُّ منْ أبغضكَ فقدْ أبغضنيْ، ومنْ أبغضنيْ فقدْ أبغضَ اللهَ، ومنْ أبغضَ اللهَ فقدْ كفرَ، ومنْ كفرَ فقدْ دخلَ النارَ)).

وقال القندوزي أيضاً: لقد أخرج الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء والحمويني في الفرائد عن عكرمة عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((منْ سرَّهَ أنْ يحياْ حياتيَ ويموتَ مماتيَ ويدخلَ جنّةَ عدنٍ التيْ غرسهاْ ربّيَ فليوالِ عليّ بن أبي طالب منْ بعديَ، وليوالِ وليَّهَ وليقتد بالأئمةِ منْ وُلدهِ بعدهَ، فإنهمْ عترتيْ، خلقواْ منْ طينتيْ ورزقواْ فهماً وعلماً، فويلٌ للمكذبينَ بفضلهمْ منْ أمتيْ القاطعينَ فيهمْ صلتيْ، لاْ أنالهمْ اللهُ شفاعتيَ يومَ القيامةِ)).

ص: 192

وقال القندوزي أيضاً: لقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في المسند وأبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) :

((منْ سرَّهَ أنْ يحياْ حياتيَ ويموتَ مماتيَ ويدخلَ جنّةَ عدنٍ غرسهاْ ربّيَ بيدهِ فليتمسكْ بولايةِ عليّ بن أبي طالب)).

أقول: هذا وكثير من النظائر والمشابهات هو الذي روّج الشيعة والتشيع من زمن النبوة، كما استوجب استمرارهما وتأصلّهما بالرغم من العوائق والمكافحات، بل الاستئصال والإبادة في بعض الأدوار.

وعل كل حال فقد اتحدت كلمة الشيعة، كما اتفقوا كلهم أجمعون على إيمان عمّ الرسول أبي طالب العظيم، لا يختلف في ذلك منهم اثنان، أخذه الخلف عن السلف، وهكذا حتى اليوم وإلى قيام يوم الدين.

وقد ألّفوا في الموضوع مؤلفات قيّمة، مؤلفات ضخمة، ولعلنا نذكرها في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى.

ص: 193

أبو طالب في نظر ابن حجر

وابن حجر هذا محدث ومؤرخ قديم وشهير، إلاّ أنه وقف من عمّ النبيّ وكافله الزعيم أبي طالب موقفاً شائناً ومعادياً، موقف المتعامي عن الحق الحائد عن جادة الصواب، موقف الناكر للجميل، موقف المستهين بكل ما صدر من المحدثين الأطائب والرواة الأماثل الذين ذهبوا إلى إيمان عمّ النبيّ العظيم وتدينه، الرواة الذين عززوا مذهبهم ودعواهم بأقوى البراهين وأوثق الأدلة.

ولو أن ابن حجر قد نظر بمنظار بصيرته وفكّر بإمعان ودقة إلى أولئك الرواة وما ذكروه من الأحاديث، وجرّد نفسه ومشاعره عن العاطفة والتعصب الأعمى لما كان بإمكانه إلاّ أن يسير في ركاب القائلين بإيمان عم الرسول (صلی الله علیه و آله) ولما وسعه إلاّ أن يسير بعجلة الذاهبين إلى تدينه وإسلامه (رضی الله عنه) .

ولكنه أعرض عن كل ذلك وانصرف عن كل ما هنالك، فجرى عدواً وراء أقاويل جماعته الموتورين والحاقدين الذين ثأروا لكرامتهم المهانة وشخصياتهم المحطمة أيام زعامته وحمايته لرسول الله (صلی الله علیه و آله) وقد بنى ابن حجر على تلكم القواعد المنهارة والأركان الواهية المنخورة، فجاء يحدث في إصابته أن شرذمة من الروافض ذهبوا إلى إيمان أبي طالب وإسلامه، وتمسكوا بما نسب إليه من قوله:

ودعوتني وعلمت أنك صادقٌ *** ولقد صدقت وكنت ثمَّ أمينا

ولقد علمت بأن دين محمّدٍ *** من خير أديان البريّة دينا

ص: 194

أقول: لم يكن بالشيء الغريب من ابن حجر ولا بالشيء الكثير عليه أن يعمد على تشويه الحقائق ومسخ الواقع، فدسَّ ما شاءت له أهواؤه وافترى ما سنحت له الفرصة أن يفتري من الأكاذيب والأقاويل في حق أول ناصر للإسلام، وأول فدائي للرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ذاك عمُّ النبيّ الكريم الزعيم أبو طالب، وسيعلم الذين ظلموا وافتروا أيّ منقلب ينقلبون، يوم لا تغني عنهم جماعتهم، ولا ينفعهم إذ يندمون.

وفات ابن حجر ومن اقتفى أثره ممن جاء بعده أن الطعن في أبي طالب طعن صراح في صميم النبوة ووخز بأوصال الرسالة وقداستها، لأنه يؤدي إلى رمي الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) بالمخالفة القطعية للنصوص القرآنية والنهي البيّن عن مواصلة الترحم والاستغفار للكفرة والمشركين ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾ (التوبة: 84)، ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (المنافقون: 6)

هذا مع العلم أن الرسول (صلی الله علیه و آله) قام على قبر عمّه وقرّضه وأبّنه، ثم اعتكف في بيته أياماً لم يخرج منه.

كل ذلك بغية التخصص للاستغفار إلى عمّه الكريم، ولم يزل كذلك مداوماً على الاستغفار ملازماً طوال حياته (صلی الله علیه و آله) على الترحم على عمّه المحامي والكفيل – راجع شرح النهج لابن أبي الحديد والتذكرة للسبط ابن الجوزي وينابيع المودّة للقندوزي الحنفي وكفاية الطالب للكنجي الشافعي وأسنى المطالب للسيد زيني دحلان والسيرة لابن هشام وسيرة الحلبي للتأكد من الموضوع.

ص: 195

أمّا البيتان اللذان نوّه عنهما ابن حجر وشكك في نسبتهما إلى أبي طالب (رضی الله عنه) ، كما ندد بالشيعة على حسابهما ورماهم بالرفض مرة، وبالاعتماد على الواهي والمنهار من القواعد والأسس والمزيّف من الأدلة، كما كان ذلك بالنسبة إلى استدلالهم بالبيتين السابقين على إيمان أبي طالب.

وما درى ابن حجر – أو كان يدري وتعامى عن الحق وتغافل عن الواقع الصريح – كما تعامى وتغافل من كان قبله، فطووا وطوى كشحاً عما تكررت روايته وأثبته الجلُّ من المؤرخين إن لم يكن الكلُّ.

نعم روى البيتين كلٌّ من ابن أبي الحديد وابن الجوزي والحلبي وابن هشام والطبري وصاحب ثمرات الأعواد والكنجي الشافعي في الكفاية والثعلبي في تفسيره والبيهقي في دلائله والزمخشري في كشافه... كما رواهما الأعلام من الرواة والفطاحل من المحدثين: مثل عبد الله بن عباس ومقاتل والقسم بن مخضرة وعطاء بن دينار وجمع كثير من أمثالهم، وقد عدّها العلامة البرزنجي من شهير شعر أبي طالب، فلتراجع السيرة الحلبية في ص 396، والسيرة الهشامية في 1 / 283 و 285 لكلٍّ من السيرتين، كما رواهما من الشيعة كافة رواتهم ومؤرخيهم، راجع البحار وأعيان الشيعة والغدير.

وإذا كان الأمر كذلك فكيف يا ترىد استساغ ابن حجر أن يخصَّ شرذمة من الروافض قد نسبت، من دون ما تأكد وتوثق ذينك البيتين إلى أبي طالب، ثم استدلت بهما على إيمانه وتدينه؟؟

ص: 196

ولكن الحق لا بدَّ وأن ينتصر، ولا بدَّ وأن يظهره الله تعالى، حتى على ألسنة جاحديه ومعانديه... والحقُّ لا بدَّ أن يعلو ولا يعلو عليه شيء، كما انتصر وظهر فعلاً على ألسنة المنكرين والجاحدين، ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ (الإسراء:81)

، فلا يقدح بكرامة الشيعة إذاً إذ ينسبهم ابن حجر ونظراء ابن حجر إلى الرفض والترفض.

ولعمري إنهم أرادوا أن يذموا الشيعة فمدحوا، وأرادوا أن ينتقصوا فمجدوا وعظموا، فلتكن الشيعة روافض مترفضين، فالحقّ فيهم ومنهم ومعهم، وهم معدنه وأساسه ومصدره ومنتهاه، وإليهم يرجع ويعود، وهم حقيقة وواقعاً روافض؛ لأنهم رفضوا الأباطيل والأكاذيب، ونبذوا المناكير والأضاليل الهريرية التي ما أنزل الله بها من سلطان، كما يبرأ منها رسول الله (صلی الله علیه و آله) والمؤمنون، المناكير والأضاليل التي تتقزز من فضاعتها وبشاعتها النفوس وتستنفر من هولها وشناعتها المشاعر والأحاسيس النقية.

ولمن يهمه أن يقف على جلية الأمر، ويطلع على واقع الأحوال، ويتعرف على القضايا التي تنكرت لها الروافض، وحاربتها بكل ما للمحاربة من معنى، ووقفت منها موقف المصادم المعارض، بكل ما لديها من قوى وطاقات وجهود وإمكانات، نذكر ونذكّر، ولعلّ الذكرى تنفع المؤمنين، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ (الأعلى: 10-12).

فأقول: قال البخاري في صحيحه 4 / 75 من كتاب الاستئذان، كما حدّث مسلم في مسنده ص 481 في باب (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم كأفئدة الطيور، كما حدّث صاحب إرشاد

ص: 197

الساري عن أبي هريرة أنه قال: خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً – وزاد أحمد بن حنبل في مسنده بعرض سبعة أذرع.

وأخرج ابن ماجة في صحيحه في تفسير سورة (ق والقران المجيد) 3 / 137، كما صححه ابن خزيمة بإسناده إلى أم المؤمنين عائشة، كما نقله القسطلاني في إرشاد الساري 10 / 493، كما أخرجه البخاري في صحيحه 1 / 86 في باب فضل السجود من كتاب الأذان عن الراوية المكثار أبي هريرة أنه قال: قال للنبي (صلی الله علیه و آله) جماعة من المسلمين: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال (صلی الله علیه و آله) : هل تضارون في الشمس ليس دونها سحب؟؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، فقال (صلی الله علیه و آله) : فإنكم ترون ربكم يوم القيامة كذلك، ثم يجمع الله الناس فيقول لهم: ألا من كان يعبد شيئاً فليتبعه، من كان يعبد الشمس فليتبع الشمس، ومن كان يعبد القمر فليتبع القمر، ومن كان يعبد الطاغوت فليتبع الطاغوت. فتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول لهم: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا، فإذا أتانا عرفناه، فيأتيهم على الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعم أنت ربّنا فيتبعونه.

أقول: وبودي أن أترك هذه الأحاديث بلا تعليق؛ لأنها كفر صراح واستخفاف بالله العظيم... ولكن ثمة شيء واحد يجيش في صدري، فأجدني مرغماً إلى أن أقوله وأبديه، هو أن أقول:

أيها المؤمنون، أيها المسلمون الأطائب، يا من رباكم محمّد النبيّ (صلی الله علیه و آله) على العلم والمعارف، وغذّاكم بالفضيلة ومكارم الأخلاق، هل ترضون لربّكم أن يكون بتلك الصور المخزية المنكرة، الصورة التي قد اخترعها أبو هريرة وصوّرها من عندياته، ثم نسبها إلى الرسول

ص: 198

العظيم (صلی الله علیه و آله) ، الرسول الذي هو أول عارف بالله، وأول مقدر له، وأول داعٍ إليه عزّ وجلّ؟! أو المعتقد أنكم تقولون معي كلاّ وألف كلاّ، ونهتف الجميع تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، ثم نستغفر الله من تلك الأباطيل والأكاذيب الدنيئة.

وإليك قارئي العزيز ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وابن حنبل في مسنده 2 / 314 عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : إنّ النار لتغلي يوم القيامة كما يغلي القدر، فلا تسكن حتى يضع الله رجله فيها؛ فتقول: قط قط.

هذا وليس بغريب على مثل هذا الراوي الذي نقل عنه مسلم في صحيحه، والنسائي وأحمد الحديث التالي:

أخذ رسول الله بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل.

وقد قضى أئمة الحديث بأن هذا الحديث مأخوذ من كعب الأحبار، وأنه مخالف لنصِّ القرآن في أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام.

فمثل هذه الرواية تُعدّ – ولا ريب – كذباً صراحاً وافتراءً على رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وهذا الحديث وحده يكشف ولا ريب عن روايات أبي هريرة التي يجب الإحتياط الشديد في تصديقها (1).

ص: 199


1- راجع (أضواء على السنّة المحمدية) للأستاذ محمود أبي رية المصري ص 209 ط 3.

أجل.. إنه ليس بغريب على مثل هذا الراوي الذي قد اتهمه بالكذب عليٌّ (علیه السلام) وعمر وعثمان وعائشة وغيرهم (1): أن يأتي بهذا وأمثاله من الأعاجيب والسير، ثم إنهم يعتبرون أبا هريرة مع ذلك كلّه الصحابي الجليل والراوية الصادق، فلم يدر في مخيلة ابن حجر وأصحابه السالكين في فلك المغيرة بن شعبة، والسائرين في ركاب معاوية بن أبي سفيان أن يشككوا في إيمان أبي هريرة أو يلوحوا من قريب أو بعيد إلى منكراته ومخازيه الطاعنة بكرامة الباري وقداسته عزّ وجلّ، والنّاصّة على ما لا يليق نسبته إلى النبيّ العظيم (صلی الله علیه و آله) .

نعم حرص هؤلاء وحاولوا جاهدين أن يموهوا على من اتبعهم من الغاوين، بأن عمّ النبيّ أبا طالب مات كافراً مشركاً، في حال أن أبا طالب رضوان الله عليه قد ملأ الدنيا من أقصاها إلى أقصاها هتافاً بالدين المحمدي وإعلاناً بالدعوة إلى الله، كما قد ملأها جهاداً في سبيل الله وحفاظاً على حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، حتى تفرّى الليل عن صبحه وأسفر الحق عن محضه، وصار النبيّ (صلی الله علیه و آله) يؤدي رسالته بكل طمأنينة وهدوء، فما ذلك من أبي طالب إلاّ خدمة لله وحرصاً على تركيز شريعة السماء المجيدة، وهي كل غايته وتمام غرضه ومتوخياته، وإلّا فهو الغني بشخصيته والعظيم بمكانته وسموّه، تنحني لزعامته العظماء وتطأطئ لسيادته الرؤساء والزعماء.

فما الذي يحدوه أن ينصرف عن كل تلك المقامات والمؤهلات الرفيعة، ويصير خادماً لمحمّد (صلی الله علیه و آله) اليتيم الذي ربّاه وكفله، وينصاع ويتصاغر له ذاك الانصياع والتصاغر اللذين لا يتفقان لأحد أبداً.

ص: 200


1- راجع (أضواء على السنّة المحمدية) للأستاذ محمود أبي رية المصري ص 203

وإليك أيّها القارئ الكريم هذا البيت الذي هو واحد من عشرات، بل هو واحد من مئات مما صدر عنه مما يصرح فيه عن انصهاره بالإسلام واعتقاده بالنبوة:

لقد أكرم الله النبيّ محمّداً *** فأكرم خلق الله في الناس أحمدُ

إذاً فلتكن الشيعة روافض، ولنفتخر بالرفض والترفض، فالشرف كلّ الشرف، والمجد كل المجد في الرفض والرافضية بهذا المعنى.

وهذا الشافعي محمد بن إدريس يفتخر بهما ويعتزّ بالترفّض، إقرأوا معي أبياته الشهيرة:

يا راكباً قف بالمحصّب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهضِ

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كملتطم الفرات الفائض

أعلمهم أنَّ التشيع مذهبي *** أبداً أقول به ولست بناقض

إن كان رفضاً حبُّ آل محمدٍ *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي

قال أبو نعيم في حليته 9 / 152 بعد ذكره للأبيات هذه: إنها من مشاهير الشافعي.

كما ذكرها كذلك ابن حجر في صواعقه ص 79 باختلاف يسير.

وقال البيهقي: إن الداعي للشافعي أن ينظم الأبيات مقالة بلغته عن بعض المشعوذين تعرّض به وتنتقصه لإكثاره التحدث في فضائل آل البيت، فنسبوه إلى الرفض والترفض.

وذكر الأبيات أيضاً الفخر الرازي في تفسيره في أواخر تفسير قوله تعالى: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى: 23)

ص: 201

وذكرها أيضاً الشبلنجي في نور الأبصار ص 108، وذكر فيها أيضاً له:

آل النبيّ ذريعتي *** وهمُ إليه وسيلتي

أرجو بهم أعطى غداً *** بيد اليمين صحيفتي

وفيها أيضاً:

يا آل بيت رسول الله حبّكمُ *** فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ

يكفيكمُ من عظيم الفخر أنّكمُ *** من لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ

وقال الشبلنجي ص 104: حكى الإمام أبو بكر البيهقي في كتابه الجامع لفضائل الشافعي، قال: بلغ الإمام الشافعي أن جماعة من الناس كانوا يمتعضون وينزعجون من سماع فضائل آل محمد، وربما يصل الحال بهؤلاء إلى الطعن بالشافعي، حيث يُكثر التحدث بفضائل آل النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، فقال مندداً بهؤلاء ومعرّضاً بهم:

إذا في مجلس ذكروا عليَّاً *** وسبطيه وفاطمة الزكيّه

يقال تجاوزوا يا قوم هذا *** فهذا من حديث الرافضيّه

برئت إلى المهيمن من أناس *** يرون الرفض حبّ الفاطميّه

وقال الشبلنجي أيضاً ص 150: قال الشعراني: وما أحسن وأجمل ما أورده في المناسبة الشيخ الأكبر في الفتوحات الإسلامية:

ص: 202

فلا تعدل بأهل البيت خلقاً *** فأهل البيت أهل للسيادهْ

فبغضهمُ من الإنسان خسر *** حقيقي وحبهمُ عبادهْ

وفي المناسبة قال ابن حجر في صواعقه ص 110: قال الشيخ شمس الدين ابن العربي:

رأيت ولائي آل طه فريضة *** على رغم أهل البعد يورثني القربى

فما طلب المبعوث أجراً على الهدى *** بتبليغه إلاّ المودة في القربى

وذكر صاحب المستدرك على الصحيحين 3/ 150 بسنده إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((لاْ يُبغضناْ أهلَ البيتِ أحدٌ إلاّ أدخلهُ اللهُ النارَ)).

وجاء في الصواعق ص 143 نفس الحديث بلا زيادة ولا نقصان، وفي الدر المنثور للسيوطي في أواخر تفسير آية المودّة مثل ذلك.

وفي تاريخ بغداد 3/ 122 بسنده إلى ابن عباس أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((ولوْ أنَّ عبداً عبدَ اللهَ بينَ الركنِ والمقامِ ألفَ عامٍ وألفَ عامٍ حتّىْ كانَ كالشنِّ البالي، ويلقىْ اللهَ مبغضاً لعليّ بن أبي طالب، أكبّهُ اللهُ علىْ منخريهِ فيْ نارِ جهنّمَ)).

أقول: وقد تركنا الكثير من هذا اللون من الحديث النبوي الوارد في فضائل آل البيت، ولا سيما أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه وعليهم ألف تحية وسلام؛ رعاية للإختصار وإرجاء الموضوع إلى ترجمة الإمام (علیه السلام) .

ص: 203

وعليه فقد اتضح أن الرفض والترفض لم يكن مما يُعاب به على الشيعة، بل هو موضع اعتزاز المسلمين وافتخارهم.

إذاً نسأله سبحانه أن يحيينا عليه ويميتنا عليه؛ لنلقى الله عزّ وجلّ ونحن شيعة وروافض، ولنا الفخر.

ومع هذا كله يأتي ابن حجر في إصابته يقول: وقد وقفت على تصنيف لبعض الشيعة يحاول فيه صاحبه إثبات إيمان أبي طالب، وكان مستنده فيه أحاديث واهية السند ضعيفة الدلالة.

أقول: أليس هذا من ابن حجر نسف لقوله المتقدم ونقض له من الأساس؟.. أو ليس قد قال: إن شرذمة من الشيعة قد استدلت على إيمان أبي طالب ببيتين نسبا إليه، وقال مؤخراً: قد وقفت على مصنف لبعض الشيعة يذهب فيه إلى إثبات إيمان أبي طالب؟.. أفلا يتدبر هؤلاء أم على قلوب أقفالها.

وأكثر الظنِّ أن المؤلَّف الذي يعنيه هو الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب، وهذا المؤلَّف للسيد العلم بن معد بن فخار الموسوي الحلّي الذي أثبت فيه إيمان جدّه الأعلى أبي طالب بقويِّ الأدلة متناً وسنداً، فكان من جملة ما فيه أربعون حديثاً متصلة لم يكن في سلسلتها إلاّ العدل الموثوق بروايته، فليراجع تعرف أهمية الكتاب والكاتب.

ومن الطبيعي أن تكون أحاديث الشيعة وروايات الروافض عند ابن حجر وأشياخه ضعيفة الدلالة واهية السند، لا لشيء غير أنها تعتمد جملة وتفصيلاً على حديث آل البيت النبوي

ص: 204

الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، ولأنها تخصُّ عمَّ الرسول العظيم أبا الكرّار أبا طالب كافل رسول الله (صلی الله علیه و آله) وناصره.

فبشرف الأنبياء أقسم.. لو قدّر أن تكون تلكم الأحاديث وهاتيك الروايات التي جاءت من طريق الروافض والشيعة تعني تمجيد واحد من أصحاب المغيرة بن شعبة أو من بطانة معاوية بن أبي سفيان وأمثالهما لكانت عند القوم – ولا سيما في نظر ابن حجر – من أضخم الروايات وأعظم الأحاديث سنداً وأقواها إفادة ودلالة، ولكانت فوق كل حديث وأعلى كل رواية، ولكنها واردة في حق أبي طالب واتر الأقربين والأبعدين، ووالد أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين؛ لذا كانت واهية السند ضعيفة الدلالة.

هذا وكأنّ ابن حجر لم ينقل في الإصابة، أو أنه لم يدرِ ما كتب:

فإن كان لا يدري فتلك مصيبةٌ *** وإن كان يدري فالمصيبة أعظمُ

أو أنه الحقُّ لابدَّ أن يعلو وينتصر، فيظهره الله عزّ وجلّ على كلّ حالٍ حتى على ألسنة جاحديه ومعانديه من حيث يشعرون، أو من حيث لا يشعرون.

لذا نجد ما نقله ابن حجر في إصابته من محققات إيمان عمّ النبيّ الزعيم الهاشمي أكثر مما نقلته الشيعة وأوفر، وها هو يحدّث أن ابن عساكر ذكر في صدر ترجمة أبي طالب بسنده إلى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن حبيب بن ثابت عن ابن عباس أنه كان يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام:26)، أنه نزلت في فضل أبي طالب، وفي سبيل الإشادة بأعماله الخالدة المؤازرة

ص: 205

للدين والرسول الأمين (صلی الله علیه و آله) ، فأبو طالب هو وحده الذي نذر نفسه العظيمة للذود عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، ونهى الطغاة وأبعدهم عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

وذكر أيضاً بسنده إلى عكرمة عن ابن عدي عن هيثم البكاء عن ثابت عن أنس بن مالك أنه قال: مرض أبو طالب فعاده رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فقال أبو طالب للنبي: يابن أخي ادعُ الله الذي بعثك أن يشفيني ويعافيني؛ فما كان من الرسول إلاّ أن رفع يديه إلى السماء وقال: ((اللهمَّ اشفِ عمّي، اللهمَّ عافِ عمّي))، فقام أبو طالب على أثر الدعاء وكأنّما نشط من عقال، وصار من وقته وساعته إلى مزاولة أعماله الإعتيادية، وكأنه لم يطرأ عليه أيّ مرض أو ألم.

وقال ابن حجر: قال ابن عساكر: إن أبا طالب قد أسلم وآمن بالبعثة والرسالة.

وذكر ابن حجر عن مسند ابن حنبل عن حبة العرني أنه قال: رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وقد ضحك من على المنبر حتى بدت نواجذه، ثم قال (علیه السلام) : إني تذكرت قول أبي طالب وقد ظهر علينا وأنا أصلي مع رسول الله في نخل كان خارج مكة، فانتظرنا حتى إذا فرغنا فقال لنا: ما ذا تصنعان يا ولديَّ؟ فأجابه رسول الله (صلی الله علیه و آله) : نصلّي لربّنا يا عم، ثم دعاه إلى الإسلام، فقال أبو طالب: ما بالذي تقوله يابن أخي من بأس.

وقال ابن حجر: ذكر البخاري بطريق طلحة بن يحيى عن موسى بن طلحة عن عقيل بن أبي طالب أنه قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالت: يا أبا طالب إن محمّداً قد سبَّ آلهتنا

ص: 206

وديننا، كما آذانا واستهان بكرامتنا ومقدساتنا، فإمّا أن تنهاه وتكفّه عنّا، وإمّا أن تُخلي بيننا وبينه.

فالتفت عمُّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) إليَّ وقال: يا عقيل جئني بمحمد؛ فلم يسعني إلاّ الإمتثال، فأسرعت إلى الفحص عنه فوجدته، فأتيت به إلى عمّه، وبعد أن استقرَّ به المجلس كلّمه أبو طالب بخضوع ورفق، وكان من جملة حديثه: أي محمّد إن بني عمّك هؤلاء يزعمون أنك تؤذيهم وتتعرض لمقدساتهم وتسبّ آلهتهم، فإن كان ما يزعمونه صحيحاً، خفف وطأتك عليهم، وحينذاك ينتفض رسول الله (صلی الله علیه و آله) على القوم قائلاً: يا قوم أترون هذه الشمس، فو الله ما أنا قادر على ردها.

وعند ذلك قال أبو طالب: والله يا قوم ما كذب ابن أخي قط، وهو الصادق الأمين.

وذكر ابن حجر بسنده إلى أبي قرّة عن أبي موسى بن عبيدة عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال: إن أبا بكر قد جاء بأبيه أبي قحافة إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) وهو أعمى يقوده عند فتح مكة، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) لأبي بكر: هلاّ تركت الشيخ حتى أتيت به، فقال أبو بكر: إنما أردت يا رسول الله أن يؤجره الله، فو الذي بعثك بالحق يا رسول الله نبياً لأنا أشدّ فرحاً بإسلام عمّك أبي طالب مني بأبي.

وذكر ابن حجر بطريقه إلى أبي طالب نفسه أنه قال: كنت مع ابن أخي محمّد بذي المجاز إذ عطشت عطشاً شديداً حتى أشرفت منه على الموت، فرأيت أن لا بدَّ من أن أذكر الأمر إلى ابن أخي، ولم أر عنده شيئأً، فبينت له حالتي، ولمّا نظرني تألم لحالتي، ثم أهوى إلى الأرض

ص: 207

بعصى كانت بيده، فإذا أنا بعين ماء نبعت، فقال محمّد: إشرب يا عم، فشربت حتى ارتويت، والله يعلم ما رأيت أطعم ولا ألذَّ من ذلك الماء.

وذكر ابن حجر عن فوائد الرازي بطريق الوليد بن مسلم عن عبد الله بن عمر بن الخطاب أنه قال: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمّي وعمّي أبي طالب.

وذكر ابن حجر أن جماعة قد استدلوا على إيمان أبي طالب بهذه الآية: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف:157).

أقول: لقد استدلَّ كثير من المفسرين بهذه الآية على إيمان عمّ النبيّ الكريم وتدينه، منهم الزمخشري في الكشاف، والرازي في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور، والشيعة كلهم أيضاً كذلك.

إذاً كيف يا ترى يقول ابن حجر: وإن شرذمة من الشيعة قد استدلت على إيمان أبي طالب ببيتين نسبا إليه؟!.. نعوذ بالله من كل شيطان رجيم، همّاز مشّاء بنميم.

ونكتفي بهذا القدر مما نقله ابن حجر، وبه كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد.

** *

ليست نسبة الممات على الشرك والكفر قد اقتصرت على عمّ الرسول أبي طالب، بل تعدّوا بها إلى أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) الكريمين.

ص: 208

قال ابن عساكر في تاريخه في ترجمة أبي طالب: وقد أورد البرزنجي الحنفي رسالة قيمة ألّفها رداً على مؤلَّف الشيخ علي القاري الهروي.. المؤلّف الذي ذهب فيه الهروي هذا إلى أن أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) الزكيين ماتا مشركين وهما من أهل النار، فالسيد البرزنجي ممن ثأر لكرامتهما وتهيج مغضباً لمقامهما العظيم؛ فانتفض مستبسلاً في وجه الهروي؛ فألّف رداً مقذعاً وقوياً أتى به على جميع دلائل الهروي ونسف بقوي حجته وأصيل برهانه كل ما ذكره، وزيّف جميع محتويات المؤلف، وأثبت بقاطع الدليل وواضح البراهين إيمان السيدين الشريفين والدي رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، كما أثبت أيضاً إيمان عمّه وحاميه الزعيم أبي طالب.

قال ابن عساكر: وقال البرزنجي: وقد وجدت في سيرة ابن هشام قصيدة أبي طالب اللامية القصيدة التي مدح بها رسول الله (صلی الله علیه و آله) التي منها قوله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجههِ *** ثمال اليتامى عصمة للأراملِ

تطوف به الهلّاك من آل هاشمٍ *** فهم عنده في نعمة وفواضلِ

أقول: هذه القصيدة هي من أشهر شعر أبي طالب، وهي تحتوي على ما جاوز المائة بيت أو جاورها، كما هي تذكر في أغلب كتب السير والتراجم، وقد تعرض لأكثرها ابن أبي الحديد في شرح النهج.

وذكر البرزنجي مقطوعتين لأبي طالب لم يذكرهما ابن عساكر، كما ذكرهما صاحب الحجة أيضاً، يقول في الأولى:

ألم ترني من بعد همّ ٍ هممته *** بفرقة خير الوالدين كرامِ

ص: 209

بأحمد لمّا أن شددت مطيتي *** برحل وقد ودعته بسلامِ

بكى حزناً والعيس قد قلصت بنا *** وناوش بالكفين فضل زمام

ذكرت أباه ثم رقرقت دمعة *** تفيض على الخدين ذات زمام

فقلت له رح راشداً في عمومة *** مواسين في البأساء غير لئام

فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا *** لنا فوق دور ينظرون جمام

فقال اجمعوا أصحابكم لطعامنا *** كثير عليه اليوم غير حرام

فلما رآه مقبلاً نحو داره *** يوقيه حر الشمس ظل غمام

حنى رأسه شبه السجود وضمه *** إلى نحره والصدر أي ضمام

وأقبل رهط يطلبون الذي رأى *** بحبر من الأعلام وسط خيام

فذلك من أعلامه وبيانه *** وليس نهار واضح كظلام

فثاروا إليهم خشية لعرامهم *** وكانوا ذوي بغي لنا وعرام

دريس وهمام وقد كان فيهم *** زريد وكل القوم غير نيام

فجاءوا وقد هموا بقتل محمّد *** فردّهم عنه بحسن كلامِ

بتأويله التوراة حتى تيقنوا *** وقال لقد رمتم أشد حرام

أتبغون قتلاً للنبي محمّد *** خصصتم بشؤم مفزع وأثامِ

ص: 210

ويقول في الثانية، وقد ذكرها أيضاً البيهقي في خصائصه ص 285:

فما رجعوا حتّى رووا عن محمّد *** أحاديث تجلو غمَّ كل فؤادِ

وحتى رأوا أحبار كل مدينة *** سجوداً له من عصبة وفراد

زبيراً وتماماً وقد كان شاهداً *** زريد وهموا كلهم بفساد

فقال لهم قولاً بحيرٌ وأيقنوا *** له بعد تكذيب وطول عناد

كما قال للرهط الذين تهودوا *** وجاهدهم في الله كل جهاد

فقال ولم يترك له النصح رده *** فإن له إرصاد كل رصاد

فإني أخاف عليه الحاسدين وأنه *** لفي الكتب موجود بكل مداد

وله أيضاً يندد بأبي جهل ويعرض بأعماله العدوانية التي يقوم بها ضدّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، كما يتعرض لمصير أبي جهل المرتقب، المصير المهان الأسود:

صدق ابن آمنة النبيّ محمّد *** فتميزوا غيظاً به وتقطعوا

إن ابن آمنة النبيّ محمّداً *** سيقوم بالحقّ الجليِّ ويصدع

فاربع أبا جهل على ظلع فما *** زالت جدودك تستخف وتظلعُ

سترى بعينك أن رأيت قتاله *** وحروبه من أمره ما تسمع

ص: 211

أقول: وهذه نظرة عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلى مستقبل أبي جهل وما يلاقيه من الذل والامتهان والحقارة والخسران المبين، وهذه النظرة والقراءة إن دلت على شيء فهي إنما تدلُّ على أنها نظرة إيمان وقراءة انغمار بنور الله عزّ وجلّ، فقد قيل: ((المؤمن ينظر بنور الله))؛ لذا كانت نظرة عمّ النبيّ وقراءته قد أصابت الواقع وحكت عن الحقيقة، وبالتالي كان الأمر كما تكهنَّ وقرأ، فقتل أبو جهل أشرَّ قتلة ومات أخزى ميتة، ووطأه المسلمون بالأقدام، وذهب إلى جهنّم وساءت مصيراً.

ص: 212

أبو طالب في نظر الإسكافي

الإسكافي هذا علم من الأعلام، وبطل العلم والأدب والتاريخ، كما هو من أعاظم العباقرة والمفكرين، له مقامه الكريم ومكانته السامية الرفيعة في الأوساط الإسلامية بكل فرقها وطوائفها ولا سيما عند المعتزلة.

وقد ذكر له التاريخ آراء تاريخية سديدة، وتحقيقات علمية رشيدة، ونظرات موفقة تري الإنسان واقع الأشياء، وتوقفه على حقائق الأحداث.

ذكر بعض آرائه وتحقيقاته تلميذه الفذ عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح النهج، وكان من جملة ما ذكره الرد الموفق والمفوق، الرد الذي زيّف فيه رسالة الجاحظ المؤلفة لغاية إثبات أن مبيت أبي بكر مع النبيّ (صلی الله علیه و آله) بالغار أفضل من مبيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) على فراش النبيّ (صلی الله علیه و آله) ليلة خروجه من مكة، فليراجع المجلد الثالث ليعرف وزن الرد وقيمته العلمية، كما يتضح أن موقف الإمام عليٍّ (علیه السلام) وقصة منامه على فراش النبيّ (صلی الله علیه و آله) لا يضاهيه أي موقف آخر، ولا يقاس به أيّ مقام آخر.

فالإمام (علیه السلام) بات على فراش الرسول (صلی الله علیه و آله) واقياً بروحه، وهو يرى الأسود تزأر وتزمجر، ويلاحظ لمعان السيوف من وراء شقوق الباب، فهو يرتقب الهجوم عليه لحظة بعد لحظة، وإذا ما كان ذلك قطعّوه إرباً إرباً ومثّلوا به أفضع مثلة، وعليه أين هذا الموقف من موقف من كان بصحبة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وقد استظلّ بظلّه واحتمى بحماه وستر عن الأبصار كرامة له؟!

ص: 213

وأيّاً كان الأمر فالمهمّ تعريف ما كان عليه الإسكافي من المنزلة العلمية والقدرة التاريخية والأدبية، وكان من جملة آرائه وتحقيقاته موقفه المشرف من عمِّ الرسول الزعيم أبي طالب (رضی الله عنه) ، الموقف الكريم الذي أبان فيه للأجيال ما لشخصيته الفذة من إيمان عميق، وإخلاص صادق أصيل لله عزّ وجلّ، وتفانٍ ودفاع ومحاماة في سبيل رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ثمَّ الذود عن حياض الإسلام والذبّ عن المسلمين، فكان ممّا قاله فيه – كما نقله عنه تلميذه ابن أبي الحديد في الجزء الثالث من شرح النهج – أنّ من قرأ علوم السير والتاريخ عرف أن الإسلام لولا أبو طالب لم يكن شيئاً مذكوراً.

أقول: إن الأمر كان حقيقة كذلك، لا يشوبه نوع من المبالغة واللغو، ولا يخالطه شيء من المجاملة والمماراة، فأبو طالب لو لم يلتزم النبيّ (صلی الله علیه و آله) ذلك الالتزام المنقطع النظير ويحميه من كيد العدو، ثم يعضده ويسنده ويصدقه ويؤازره لقضت المؤامرات الكافرة عليه، فبحفظه له ومحاماته عنه حفظ الإسلام، فقام عموده واخضرَّ عوده وأينع ثمره وانتشرت أعلامه ومعالمه، فكان الأمر كما حققه الإسكافي وارتآه.

ولم يكن غريباً ولا كثيراً على العارفين الواعين أن يقرأوا الواقع ويتوسموا الأحداث كما هي، ويقولوا الحق لا يبتغون عنه بدلاً ولا يتخذون عنه حولاً، كل الغاية من وراء ذلك نشر الحقائق والإعلان عن الواقع مهما كانت العقبات المضادة كأداء، فهم يرون أنها لا تصمد أمام الحق، كما لا يمكن أن تقف في وجه المعلومات التي تحققوها وجاسوا خلالها.

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: 17).

ص: 214

لذا أرسل الإسكافي كلمته الطيبة – الكلمة التي أسرَّ الله فيها، كما أسرَّ رسوله (صلی الله علیه و آله) – وتبعه على هذه الفكرة، وسايره على الرأي تلميذه وخريج مدرسته عبد الحميد بن أبي الحديد فقال:

ولولا أبو طالبٍ وابنهُ *** لما مثل الدين شخصاً فقاما

فذاك بمكة آوى وحاما *** وهذا بيثرب خاض الحِماما

وقال أيضاُ: لولا أبو طالب لما قام للإسلام عمود، ولما اخضرَّ له عود، وإن حقه واجب على المسلمين كافة إلى يوم القيامة.

أقول: ولا بدَّ أن يكون أبو طالب صاحب ذلك الجهاد وهاتيك الجهود وتلك الخدمات والتضحيات والحماية والرعاية منبعثاً عن إيمانه بالله فجاهد في سبيله، وناشئاً عن تصديقه رسول الله (صلی الله علیه و آله) فحماه وفداه بنفسه وأولاده.

ولعلنا لا نغالي إذا قلنا: إن عمَّ الرسول أبا طالب كان يعتقد ببعثته (صلی الله علیه و آله) من قبل أن يتنبأ ومن قبل أن يأتيه الوحي من ربِّه، وعلى ذلك وثائق ومستندات تاريخية متوفرة: منها ما نقله الحجة الأميني في غديره 3/ 99 نقلاً عن الراوندي في كتابه الخرائج بطريقه إلى فاطمة بنت أسد أنها قالت: لمّا توفي جدُّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) عبد المطلب رضوان الله عليه كان وصيه ولده الكبير أبا طالب، وقد أوصاه بوصايا كثيرة وأكثر إيصائه بمحمّد بن عبد الله؛ فقام أبو طالب بجميع الوصايا ولا سيما ما يرجع منها إلى محمّد؛ فاحتضنه وكفله وأولاه عنايته وصار عنده أعزَّ من بنيه جعفر وعقيل وعليٍّ (علیه السلام) ، ثمّ أنا بدوري لزمت خدمته وتولّيت تدبير

ص: 215

شؤونه، وكان من جملة ما أقوم له به، وممّا عوّدته عليه أن ألتقط له من نخلات في دارنا حفنة من الرطب في كل يوم، فنسيت ذات يوم أن ألتقط، وبعد أن تنبهت إلى أني لم أحضر العادة لمحمّد أسرعت إلى ذلك، فتبيّن لي أن أطفال الجيران قد دخلوا الدار والتقطوا من الرطب ما كان موجوداً؛ فتألّمت من نفسي فوضعت كمّي على وجهي ونمت خجلة من محمّد، ثمّ انتبه من النوم وصرت أرقبه، ولمّا لم يجد عادته قام بنفسه إلى النخلات فخاطب واحدة منهن: أيتها النخلة أنا جائع، فو اللهِ لقد رأيت النخلة وقد انحنت وتدلّت عليه أغصانها؛ فأكل منها كفايته وارتفعت الأغصان؛ فتعجبت للحادث وبقيت أنتظر أبا طالب إذ هو غائب؛ لأحكي له القصة وأطلعه على القضية والكرامة التي منحها الله ابننا محمّداً، فبينما أنا كذلك أذ دخل عليّ أبو طالب، فوجدني منذهلة في وجوم؛ فسألني عن الوضع والمقتضي، فنقلت له ما شاهدته وما رأيته من ابن أخيه، فقال لي: يا فاطمة لا تعجبي ولا تستكبري الأمر من محمّد، فإنّه نبيُّ هذه الأمّة، والنبيّ يا فاطمة لا تُردُّ له دعوة، كما لا تزوى دونه حاجة يطلبها من الله عزّ وجلّ، أما إنّك ستلدين له وزيراً بعد يأس.

قال الراوندي: وقد ولدت عليَّاً كذلك.

أقول: لم يكن ذكر هذه القضية ومنطوياتها مقصوراً على خصوص الخرائج، بل ذكرها جمع من أرباب السير كالحلبي في سيرته، وابن هشام في سيرته، وزيني دحلان في أسنى المطالب، والقاضي النقدي في المواهب.

ص: 216

أبو طالب في نظر ابن أبي الحديد

وابن أبي الحديد هو عبد الحميد المعتزلي من أفاضل العلماء والعلماء الأفاضل، هو مؤرخ قدير وأديب شهير، له في كل فن من العلم اليد الطولى والكفاءة البينة، ومن استقرأ شرحه على نهج البلاغة عرف مدى مقدرته العلمية والفنية، وسعة اطلاعه وتضلعه في الأدب والتاريخ والفلك والفلسفة وغير ذلك من أنواع المعارف.

كما وهو تلميذ النقيب أبي جعفر الإسكافي المعتزلي، وحيث وصل بنا الحديث إلى هنا وجدتني مندفعاً إلى إعطاء صور موجزة عن المعتزلة والاعتزال، فأقول:

أُطلق الإعتزال على جماعة قد اعتزلوا حروب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) في الجمل وصفين والنهروان، وكان ممن اعتزل وصار معتزلياً بهذا المعنى سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وأسامة بن زيد وكثير أمثالهم.

أمّا الاعتزال الذي كان عند الإسكافي والحديدي وجمع غفير من بغداديين وبصريين لم يكن من ذلك النوع الذي يؤدي إلى اعتزال حروب الإمام الثلاثة؛ لأن الإعتزال كفكرة ومبدأ إنما كان في الزمن العباسي، وقد حدث أيام خلافة المنصور الدوانيقي يوم كان الحسن البصري هو المدرس العام في بغداد، وكان البصري ينتمي بدراسته وفقهه إلى أبي موسى الأشعري، وكان من جملة تلاميذه البارزين عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، واتفق أن حصلت مشادة كلامية بين واصل وأستاذه البصري أثناء الدرس أدّت إلى ثورة الأستاذ وغضبه، كما أدت إلى خروج واصل عن حدود الأدب مع أستاذه، الأمر الذي أدى به أن يبعد واصلاً عن

ص: 217

الدرس، فكان مما قال له: إعتزل درسنا ومجلسنا؛ فاعتزل واصل واستقلّ، وكوّن على الأثر لنفسه حلقة دراسية وحوزة علمية؛ فاجتمع عليه خلق كثير، وتردد على درسه جمع غفير، وأصبحوا يُعرفون بالمعتزلة، كما صار الحسن البصري وجماعته يُعرفون بالأشاعرة.

وقد حدث بين الطائفتين خلاف عقائدي كبير؛ حتى أدى الأمر بكلٍّ من الفرقتين أن ترمي الأخرى بالخروج من الدين وتنبزها بالتعدي على حدود الشريعة.

وعلى كل حال فليس المهم في المقام الإتيان على آخر ما هناك من موارد الخلاف والنقاش، إذ هي كثيرة، ولكن رأينا من الضروري أن نتعرض لأهمِّ الأسس التي دارت عليه رحى القيل والقال والخصام والجدال، وهو نكران الأشاعرة للحسن والقبح العقليين المؤدي إلى تعطيل المستلزمات العقلية، وعزل العقل عن كل مدركاته واستشعاراته، وقصر الحكم والتدخل بشؤون الخلق على الشرع وحده، فلا حكم إلاّ له ولا أمر إلاّ له، فلله الأمر من قبل ومن بعد، فالحسن عندهم ما حسّنه الشرع والقبيح ما قبّحه.

وبمقتضى هذا إذا صدر من الشرع أمر بإدخال مثل أبي ذرّ وسلمان إلى النار، ويزيد وإبليس إلى الجنّة كان حسناً وطيباً؛ لأنّ الحسن ما حسّنه والقبيح ما قبّحه والعقل قد أحيل على التقاعد، فلا يضع ولا يرفع ولا يعطي ولا يمنع، الأمر الذي أدى بالمعتزلة أن يصولوا ويجولوا ويرعدوا ويبرقوا، كما أجمعوا على تزييف هذه الفكرة وتسخيفها وأنها بالكفر أشبه، لذا حاولوا جاهدين إثبات العقل ومستلزماته بالأدلة القطعية الرامية إلى أن للعقل تمام الحرية، ولا يمكن أن يعطل عن وظيفته المقررة له، فهو يحكم بقبح الظلم والكذب والخيانة،

ص: 218

كما يحكم بحسن الصدق والإحسان ووجوب أداء الأمانة، وهو والشرع دائماً وأبداً متساندان متعاضدان، ولا يمكن أن يكون بينهما أي انفكاك أبداً.

والعقل يحكم بثبوت الحكمة والعدل بالنسبة إلى الله عزّ وجلّ، فهو لا يرفع ولا يضع ولا يعطي ولا يمنع ولا يثيب ولا يعاقب إلاّ بمقتضى الحكمة والمصلحة، كما لا يكلف إلاّ بما يطاق ولا يأمر إلاّ بالممكن ولا يثيب إلاّ من يستحق الثواب ولا يعاقب إلاّ من يستحق العقاب، فلا يعقل إذاً في حقه تعالى أن يشتهي إدخال المؤمنين النار والشياطين إلى الجنة؛ لأن ذلك خلاف الحكمة والعدل، وخلاف مقتضى الربوبية، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

ومن هنا سميت المعتزلة بالعدلية، كما سميت الإمامية أيضاً كذلك؛ لتوافق الطائفتين على تحكيم العقل وإثبات الحكمة والعدل بالنسبة إلى الله سبحانه؛ وعليه ربما يتكرر في الكتب النقل عن العدلية، فهم الإمامية والمعتزلة.

أمّا الإعتزال بالمعنى الأول الذي يحكي عن قعود الجماعة وتأخرهم عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) في حروبه فلم يكن اعتزالاً كفكرة عقائدية، بل هو انحراف عن الخليفة الحق وقعود عن الإمام المفترض الطاعة بإجماع المسلمين، فإطلاق الإعتزال على أولئك لا معنى له، بل غير معروف في ذلك الدور.

* * *

وإذا اتضح ذلك فابن أبي الحديد معتزلي حقيقي ومعتزلي واقعي، يعتقد بأن الله تعالى حكيم وعادل، ومقتضى ذلك أنه عزّ وجلّ لا يفعل القبيح، ولا يقرب من أي شيء ينافي العدل ويجافي الحكمة.

ص: 219

ولكنّا وجدناه وقد خرج على عقيدته وفرَّ عن مبدأه، كما تنَكَّر لهما وضرب بهما عرض الجدار، فجاء في مستهل كلامه وبعد البسملة فلا فصل فقال: ((الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل))، وهو يعني بالمفضول أبا بكر، وبالفاضل عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ، والحال أن تقديم المفضول على الفاضل قبيح عند المعتزلة فضلاً عن الإمامية، كما هو مستحيل الصدور عن الربِّ الكريم لمنافاته لقداسته وحكمته وعدالته.

ولست أدري – ولعل ابن أبي الحديد نفسه لا يدري أيضاً – كيف استساغ أن يحمد الله على ذلك العمل الذي يأباه العقل وينفر منه الحكماء والعقلاء، وكأنه يعتبره نعمة لازمة الحمد والشكر.

نعم يمكن أن يكون قد تابع الأشاعرة وقلّدهم في هذه المسألة بالخصوص، ولكن كان اللازم عليه أن يشير ولو من بعيد إلى تقليده هذا وتبعيته تلك – راجع شرح النهج الجزء الأول.

ونجده مرة ثانية وقد أعرض ونأى بجانبه عن طريقة أشياخه وأساتذته المعتزلة، وقد توقف عن البتِّ بإيمان عمّ النبيّ العظيم أبي طالب، وها هو يذكر في شرح النهج 3/ 137، بعد أن يسرد كثيراً من الروايات عن آل البيت النبوي، الروايات النّاصة على إيمانه وتدينه رضوان الله عليه ثم يقول: فأمّا أنا فالحال ملتبسة عليَّ والأخبار متعارضة عندي، والله أعلم بحقيقة الحال.

إلى أن يقول: وقد صنّف بعض الطالبيين كتاباً في هذا العصر فبعثه إليَّ يسألني أن أكتب عليه بخطي نظماً أو نثراً أشهد فيه بصحة ما نقله وأعترف له بوثاقته متناً وسنداً، فتحرجت أن أحكم قاطعاً؛ لما عندي فيه من التوقف، ولكني لم أستجز أن أقعد عن تعظيم أبي طالب،

ص: 220

فإني أعلم أنه لولاه لما قامت للإسلام دعامة، وأعلم أن حقه واجب على المسلمين عامة إلى يوم القيامة وإلى أن تقوم الساعة، فكتبت على ظهر المؤلف:

ولولا أبو طالب وابنه *** لما مثل الدين شخصاً فقاما

إلى أن يقول:

و ما ضرَّ مجد أبي طالب *** جهول لغى أو بصير تعامى

ثم قال: فوفيته حقه من التعظيم والإجلال، ولم أكن أجزم بأمر عندي فيه وقفة.

* * *

أقول: التفكير والتدبر في نثر ابن أبي الحديد هذا ونظمه يعطيان التناقض في الأقوال والتضارب في الكلام:

فمرة نجده من المكبرين لمقام عمِّ النبيّ الأمين، ومن القائلين بوجوب حقه على المسلمين إلى يوم الدين، وأن الدين والإسلام لولا أبو طالب لما قامت لهما دعامة، كما عرّض بمن يتعامى عن حقه ويتغافل عن خدماته لله والرسول (صلی الله علیه و آله) .

ونجده مرة أخرى يتوقف من البتِّ بإيمانه (رضی الله عنه) ، يتعامى عن الحق الذي أوجبه على كافة المسلمين، في حال أن القول بإيمانه بعد قيام الأدلة التي ذكرها آل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً موافق للاحتياط، فكان اللازم عليه أن لا يتوقف في ذلك بعد شهادة الأئمة البررة، وأن لا يقدم على شهادتهم وأدلتهم دعوى المغيرة بن شعبة وأقاويله

ص: 221

الباطلة العدائية، وهو من جملة الناقلين والمسجلين لما كان عليه المغيرة من المخازي والمناكير، خصوصاً في الزمن الإسلامي الكريم، ولقد نقل لنا هو وغيره اختلاف المغيرة على الفواحش، وقد شهد عليه المسلمون بالزنى، ولولا أنه كان يُعدُّ من الصحابة وأنه شيخ كبير وأن قضية إقامة الحدّ عليه ربّما تكون سبباً للتشهير بالصحابة ومدعاة للتعريض بكرامة المسلمين، لذا حاول الخليفة عمر درء الحدّ عنه بكل صورة بالنظر إلى تلك الأمور، فغلق الموضوع وسدَّ الحديث، فجلد الشهود لئلّا تتوسع القضية.. ومن كان هذا حاله كيف تقدَّم روايته على رواية من نزّههم الله عن كل شيء، وطهّرهم القرآن من الدنس والرجس تطهيراً.

ثم إذا كان أبو طالب في بعض شعر ابن أبي الحديد هو الفاتح للهدى والإسلام، ولولاه لم تقم للإسلام دعامة، وأن حقه واجب على المسلمين بصورة عامة إلى يوم القيامة، فكيف يمكن لأبي طالب أن لا يدين بالإسلام الذي فتحه وأيّده وبذل في سبيل إرساء قواعده النفس والنفائس؟!.

وقد برهنت الوقائع والأحداث التاريخية أنه (رضی الله عنه) حارب الشرك، وقاوم الكفر والوثنية، وحطم الإسلام، واستهان بكل من يقدسها ويعظمها من الجهلاء والطغاة المردة... أفلا يكون هذا مقنعاً لابن أبي الحديد ومن مشى في ركابه أن يقولوا بإيمانه، لا أن يحتاطوا ويتوقفوا فيه ويستشكلوا من الحكم عليه بالتدين والإيمان.

ثم إذا كان عمّ النبيّ الكريم غير متحقق إيمانه عند ابن أبي الحديد وجماعته، كيف جاز له أن يحكم بوجوب حقه على المجموعة الإسلامية إلى قيام يوم الدين، أفهل كان يتصور أن هذا

ص: 222

كان تقديراً للمسلمين وتوقيراً لمقامهم الرفيع، والحال أنه توهين لم وحطُّ من كرامتهم؛ لأنه أوجب عليهم تقديس المشركين والاعتراف بحقوقهم وفضلهم مدى الدهر وأبد الآبدين، وإلى أن يقوم الناس لربِّ العالمين.

وهذا القرآن الكريم يصرح ناهياً عن الإشادة بذكر الكفار، ونفى أبداً عن أن يكون لهم حق على المؤمنين والمسلمين ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: 141)

ومن هنا حكم الإسلام بانقطاع عصمة الزوجية بين الزوجة المسلمة والزوج الكافر، كل ذلك لئلا يكون للكافرين على المؤمنين سبيل وحق؛ ولذلك فقط فرّق رسول الله (صلی الله علیه و آله) بين بنته زينب وزوجها أبي وقّاص الكافر المشرك.

إذا كيف يا ترى يوجب ابن أبي الحديد حق المشركين على عامة المسلمين إلى الأبد، وهل هذا منه إلاّ المخالفة الصريحة للنصوص الإسلامية.

ثم إذا كان المتعامي والمتغافل عن حق أبي طالب وفضله وهو متعامٍ عن الحق ومعاند للعدل – على حسب مؤدّى قوله – يكون المعنى والمفاد الحكم على عامة المشككين بالتقصير وترك الواجب، وإذا كان ذلك عن إصرار فللقول بأنه الكفر مجاله الواسع.

وابن أبي الحديد بالذات هو واحد من أولئك المتوقفين المشككين، والحال أنه هو نفسه قد روى لنا عن ابن عباس أنه قال: إن مثل عمي أبي طالب مثل أصحاب الكهف أسرَّ الإيمان فآتاه الله أجره مرتين، كما وهو الذي روى أن بغض أبي طالب كفر ونفاق، كما هو الذي

ص: 223

حكى أن المعتزلة قالت بإيمان أبي طالب – فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.

قال الحلبي في سيرته 1 / 984: روى الشيخ السحيمي والشعراني والسبكي عن ابن عباس (رضی الله عنه) أنه قال: قال العباس بن عبد المطلب حين رآه يحرك شفتيه عند الموت وساعة الإحتضار، فأدنى إليه رأسه ليسمع ما يقول، ثم رفع رأسه وقال يخاطب النبيّ: يابن أخي إن عمّك قد قال الكلمة التي أردتها منه؛ فقال رسول الله: الحمد لله.

ثم قال الشعراني: وقد صحَّ هذا الحديث عند أهل الكشف والشهود، كما صحَّ عندهم إيمان عمّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) وتدينه.

وقال السيد زيني دحلان في أسنى المطالب: إن عمّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) أبا طالب قد عُدَّ من الرواة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ومن ذلك ما رواه الخطيب البغدادي في تأريخه بإسناده إلى الإمام الباقر (علیه السلام) عن آبائه (علیهم السلام) عن عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) أنه قال: حدثني ابن أخي محمّد: أن الله بعثه بصلة الرحم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهو والله كان صادقاً صدوقاً.

وكان أبو طالب دائماً وأبداً يشيد بنبوة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، كما تفانى في الذبِّ عنها.

قال السيد ابن معد في الحجة والقاضي النقدي في المواهب: إن أبا طالب قال هذه الأبيات:

ألا يا رسول الله إنّك صادق *** فبوركت مهدياً وبوركت هاديا

ص: 224

فيا خير مدعوٍ ويا خير مرسل *** إلى جنّنا والإنس لبيك داعيا

أتيت ببرهان من الله واضح *** فأصبحت فينا صادق الوعد راعيا

فبوركت في الأحوال حيّاً وميتاً *** وبوركت مولوداً وبوركت ناشيا

ويحدّث الفضل بن شاذان في مناقبه أن من جملة مواقف عمّ النبيّ العظيم الزعيم أبي طالب موقفه البطولي الكريم، الموقف الذي ذكره ابن إسحق عن كثير بن عامر، وذلك على أثر مجيء راكب إلى الأبطح ومعه سبعة نوق محملة مثقلة بقماش الحرير والديباج والذهب والفضة وبعض الأحجار الكريمة، وعلى كل ناقة عبد أسود، والكل يطلبون رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وكان الراكب المتقدم عليه مهابة وجلالة، كما تبين مؤخراً أنه وصي أبيه وقد جاء بهذه النوق وأحمالها والعبيد باعتبار أنها ثلث أبيه الذي أوصى بإيصالها إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، فصادف أن مرَّ الراكب على جماعة من قريش وزعمائها، وكان من جملتهم أبو جهل وأبو البحتري، فقام الأخير في وجوههم وقال: لأيِّ مكان تقصدون؟ قالوا: نقصد محمّداً. قال البحتري: هذا محمّد – وأومأ إلى أبي جهل – فنظره الغلام المتقدم مليّاً، ثم ساق النوق مسرعاً وقال: ما هو بصاحبي.

ثم أوقف الجمال بمكان وصار بنفسه فقط يدور في أزقة مكة حذراً من أن يسأل عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) فيأتيه غيره مدعياً أنه هو، ومن الصدف أن قابل رسول الله (صلی الله علیه و آله) وجهاً لوجه في بعض الطريق، وبمجرد أن تفرس في وجهه تحقق أنه رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فنزل من على بعيره، وأهوى على يديه ورجليه لثماً وتقبيلاً، وإذا به (صلی الله علیه و آله) يقول: أنت ناجي بن المنذر السكاك؟ قال:

ص: 225

نعم فداك أبي وأمي يا رسول الله، قال النبيّ (صلی الله علیه و آله) : أين ثلث أبيك المتكون من سبعة نوق محملة وسبعة عبيد؟ فقال: بالقرب منّا يا رسول الله، اسمح لي قليلاً الآن آتيك بها.

ثم ذهب مسرعاً فقاد الجمال وجاء مع النبيّ (صلی الله علیه و آله) إلى دار عمّه أبي طالب، أمّا أبو جهل فلمّا تحقق وصول الجمال إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) ثارت ثائرته وقامت قيامته ودعا بالويل والثبور، وقد اظلمت الدنيا في عينيه وصار إلى إهاجة قريش وإثارتهم شارحاً لهم أن أموالاً ضخمة وثروة طائلة نذرها بعض الناس إلى أصنام الكعبة، وقد استولى عليها محمّد وأوصلها إلى دار عمّه أبي طالب، وعليه يلزم الجميع بإشراك اليهود أن ينضموا إلى قيادته ليستخلصوا الأموال من محمّد، وإلاّ وضع السيف في صدره وانتحر.

وحينئذٍ ما كان من القوم إلاّ أن يوافقوه ويقوموا معه إلى دار أبي طالب، ولمّا قربوا من الدار الهاشمية وسمع أبو طالب ضجيج القوم وصهيل الخيل عرف مغزى مجيء القوم، فخرج ومعه بعض أسود بني هاشم، فاستقبل أبا جهل وقال: ما تريد وما وراءك يا أبا جهل؟ فقال: إن ابن أخيك محمّداً جنى علينا وخان الآلهة الخيانة العظمى، يهون لقريش لأن تسفك في سبيلها الدماء وتزهق الأرواح وتسبي الذراري والنساء.

قال أبو طالب: أنت أقلّ وأدنى من أن تصل إلى ذلك، ولكن عرفّني ما الخبر.

قال أبو جهل: إن محمّداً قد استولى على نذر وصل للكعبة بما فيها من أصنام، فلا بدَّ من تسليمه لنا لنعمل فيه رأينا.

ص: 226

فقال أبو طالب: قف مكانك ولا تتكلم حتى أجتمع بمحمّد وأقف على تفاصيل القضية ثم آتيك برأيه.

فدخل على النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأوقفه على إرادة أبي جهل ودعواه، وصار ينتظر أمره ورأيه، إذ تكلم رسول الله (صلی الله علیه و آله) فقال: يا عم إن الأموال ثلث ميت أوصى أن تصل إليَّ، وقد وصلت فعلاً وجاء بها ابن الميت، فهي لي خاصة لا يشاركني فيها أيّ أحد، كما ليس لأيِّ إنسان فيها حق، ولكن أبا جهل لا يقنع بذلك يا عم، وعليه أتفق معه على يوم للمباهلة فنخرج نحن وهم إلى قريب من الكعبة ونخرج معنا الجمال فيتقدم أبو جهل إلى مقدساته يسألها أن تكلم النوق بأيِّ كلام وإلى سبع مرّات، فإنْ كلّمته فهي له وليس لي حقّ الإعتراض عليه بأيِّ لون من ألوان الإعتراض، وإنْ أيس من كلامها أتقدم أنا فأسأل ربّي أن تكلمني، فإن كلّمتني فهي لي وليس لأحد فيها حقٌّ، وإن لم تكلمني فهي لأبي جهل أيضاً وليس لي فيها حق.

قال أبو طالب: هذا هو الرأي السديد والحل الوحيد، فأسرع إلى أبي جهل فأفهمه نظرية رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وأن لا حلَّ للمشكلة إلاّ ذلك، فلم يسعه إلاّ الموافقة والرضا، وتفرقوا على ذلك.

وصار أبو جهل يقضي جلَّ أوقاته وأكثر جلساته عند هبل شيخ الآلهة وكبير المعبودات، وهو يخضع له ويتوسل به ويطلب إليه أن لا يشمت به الرجال والنساء، فينصره على محمّد (صلی الله علیه و آله) ويخضع له الجِمال لتكلمه.

ص: 227

ولم يزل على هذا الحال إلى أن حانت الليلة التي تكون في صبيحتها المباهلة، بات أبو جهل عند هبل باكياً متضرعاً يمنّيه إن ْ هو قد انتصر على محمّد (صلی الله علیه و آله) وظفر بالأموال ليَضع عليه قبة من الذهب وخلخالين من الذهب وتاجاً مرصعاً بالأحجار الكريمة وقلادة من الياقوت الأحمر.

ولمّا صار الفجر وقرب طلوع الشمس أرسل إلى شياطينه ليحضروا المباهلة؛ فجاءوه يُهرعون، ثم حضر النبيّ (صلی الله علیه و آله) وبخدمته عمُّه أبو طالب والهاشميون، وجيء بالجِمال فأُوقفت في جانب، وبعد أن أخذ كلٌّ من الطرفين مكانه التفت رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلى عمّه وقال: قل لأبي جهل أن يكلّم النُوق؛ فتقدم إليها وكلما أراد وحاول منها ذلك ما تسنّى له ما أراد حتى عجز وكلَّ.

فقال أبو طالب للنبي: قم يا محمّد كلّم النوق؛ فقام رسول الله (صلی الله علیه و آله) ووقف في مقابلها، وبمجرد أن نظرته كلّمته وسلّمت عليه من قبل أن يكلّمها ويحدّثها، وأخيراً كلّمها وكلّمته بكل لباقة وطلاقة، وانتهت القصة في صالح رسول الله (صلی الله علیه و آله) ...

وعند ذلك أمر أبو طالب فتيان بني هاشم أن يسوقوا النوُق إلى الدار، أمّا أبو جهل فقد صار أضحوكة بين الناس وسخرية للنساء والأطفال، ورأى أن يرمي النبيّ (صلی الله علیه و آله) بالسحر والشعوذة، وعلم أبو طالب بذلك فصدَّه وزجره وأوقفه عند حدّه.

وعاد أبو طالب برسول الله (صلی الله علیه و آله) موفور الكرامة ظافراً منتصراً بعون الله عزّ وجلّ ومعاونة عمّه الكريم.

ص: 228

ونقل الفضل في المناقب والقاضي في المواهب بسندهما عن المفضل بن عمر أنه قال: ومن مواقف أبي طالب المؤمنة ما قد سمعه عن صادق آل محمد جعفر بن محمّد (علیهما السلام) ، وكان يحدث أصحابه أنه لمّا وُلد رسول الله (صلی الله علیه و آله) كانت جدتي فاطمة بنت أسد حاضرة حين ولادته إذ كُشف لها عن بصرها فرأت بياض قصور الشام وفارس؛ فتعجبت لذلك، ثم بعد أن وصلت إلى دارها أخبرت بما شاهدت وما رأت أبا طالب؛ فقال لها أبو طالب: لا تتعجبي يا فاطمة من الأمر، إن محمّداً نبيُّ هذه الأمة، وستلدين وصيَّه ووزيره.

وفي نفس الصفحة كما هو موجود في معاني الأخبار بسندهما إلى الدقاق عن الكليني عن الحسن بن محمد عن محمد بن يحيى الفارسي عن أبي حنيفة محمد بن يحيى عن الوليد بن أبان عن محمد بن مسكان عن أبيه عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قال: جاءت فاطمة بنت أسد – وكانت حاضرة حين وُلد رسول الله (صلی الله علیه و آله) – ثم أقبلت تبشّر أبا طالب بمولود ابن أخيه، فقال لها: وأنا أبشرك ببشارة يا فاطمة، فانتظري سبتاً ستلدين مثله إلاّ النبوة.

وكان السبت آنذاك ثلاثين سنة فعدَّ بين حديث أبي طالب هذا وولادة عليٍّ (علیه السلام) فكان ثلاثين سنة لا تزيد ولا تنقص.

وقال مفتي الشوافع زيني دحلان في أسنى المطالب: إن وصية أبي طالب هي من جملة مواقفه المؤمنة الخيّرة.

وقال المجلسي في البحار: وإن من جملة مواقف أبي طالب الخيّرة والمؤيدة لإيمانه قوله لفاطمة بنت أسد زوجته: أخبرتني عن محمّد ساعة ولادته أنه سقط معتمداً على يده اليمنى

ص: 229

يصعد منه نور إلى السماء وهو يقول: ((لا إله إلاّ الله)).. قالت: نعم حدثتك عن مشاهدة وحسٍّ؛ فقال لها: اكتمي الأمر ولا تخبري به أحداً، فإني أخاف عليه عيون الحاسدين والماكرين من اليهود الأرجاس والشياطين من العرب.. أما إنك ستلدين مولوداً ذكراً يكون له وصيّاً ووزيراُ، فانتظري سبتاً – والسبت ثلاثون سنة – وأخيراً كان الأمر كما أخبر وكما حدّث؛ فولدت له عليّاً (علیه السلام) بعد هذا الإخبار بثلاثين سنة بعد يأس.

وقال صاحب درر البحار نور الدين محمد بن المرتضى والقاضي النقدي في مواهبه:، وإنّ من مؤيدات إيمان عمّ النبيّ الزعيم أبي طالب رضوان الله عليه حضوره لقضاء حوائج النبيّ (صلی الله علیه و آله) واستعداده لكل متطلباته ورغباته بكل صورة وعلى كل حال، ومن ذلك أن اتفق لرسول الله (صلی الله علیه و آله) أن خرج ذات يوم إلى خارج مكة للتروح والانفراد بنفسه، وبعد أن قضى المدة التي كان قد قرر أن يقضيها هناك كرَّ راجعاً إلى المنزل، فمرَّ في طريقه على نادي بني تميم، وكان مناديهم يهتف بالناس بين شعاب مكة وضواحيها: ألا من أراد القرى والضيافة فليحضر المأدبة والوليمة المقامة من قبل بني تميم على شرف رئيسهم عبد الله بن جذعان.

فأخذ الناس يتهافتون زرافات ووحداناً على النادي، ولمّا مرَّ عليهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) قام إليه عبد الله وجماعة من زعماء بني تميم فاستقبلوه وسلموا عليه وعرضوا عليه حضور الوليمة، فامتنع عن الإجابة معتلّاً بترقب عمّه أبي طالب له وانتظاره إيّاه، وأخيراً أقسموا عليه بربِّ البيت وشيبة عبد المطلب، فما وسعه حين ذاك إلاّ الإجابة والموافقة، وبعد تناول الطعام والاستراحة قام ليرجع إلى البيت فقام الناس كلهم أجمعون إجلالاً لحضرته، فودعوه بما استقبلوه به من الحفاوة والتوقير والتكريم، بعد أن أخذ منهم كلاماً على أن تكون وليمة

ص: 230

عنده وفي بيت عمّه الزعيم أبي طالب، فليحضروا كلهم ولا يتخلف منهم أحد حتى الأتباع والحلفاء.

ثم فارقهم وعاد إلى أهله، وبعد أن وصل (صلی الله علیه و آله) أخذت القضية تعظم عليه وتكبر في عينه، ولا سيما أن عمّه أبا طالب كان في تلك الظروف لا تساعده حالته المادية على القيام بتلك المأدبة الخطيرة التي تستلزم جملة من الأسباب والمعدات، ما ربّما يصعب على عمّه تهيئتها.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن الأمر لا بدَّ منه؛ لأنه (صلی الله علیه و آله) قد أعطى كلاماً عليه.

ومع هذا وذاك يتعقد الموقف عليه، كما يكثر عليه التفكير والقلق، وبينما هو على هذا الحال إذ تستشعر منه زوجة عمّه فاطمة بنت أسد القلق والاهتمام، الأمر الذي أدى بها إلى أن تستفهمه عن البواعث والدواعي، ولم تزل به حتى أوقفها على جلية الحال، فقالت مهدئة عليه وفاتحة أمامه أبواب الراحة والاطمئنان، وأن الموضوع أقلُّ من أن يكون مثاراً لقلقه ومدعاة لاهتمامه وتفكيره، بل هو بسيط للغاية، ولا سيما وأنها تمتلك مقداراً من العسل يقوم بسدِّ كلِّ نفقات الوليمة إن لم يمنع أبو طالب لمكان أنه هو يريد أن يتولى أمرها.

وبينما هما في الحديث إذ دخل عليهما أبو طالب فقال: فيمَ أنتما عليه؟ فأخبرته فاطمة بالقصة وأطلعته على تعهد النبيّ (صلی الله علیه و آله) لبني تميم، فانتهض أبو طالب إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) فضمّه إلى صدره وقبّله بين عينيه وصار يهوّن عليه الأمر ويبسّطه عليه، وأن غداً منه

ص: 231

قريب فيرى ما تقرّ به عينه ويسرّ به خاطره، وتتهيأ بعون الله وليمة تتحدث بها الركبان في كل مكان؛ فاطمأنَّ (صلی الله علیه و آله) وارتاح نفسياً لضمان عمّه، وصار يرقب الغد الموعود.

أمّا أبو طالب فقد خرج من الدار مسرعاً إلى أخيه العباس ليستدين منه من المال ما يسدُّ به نفقات الوليمة، فاعترضه في الطريق بعض الهاشميين فرآه على غير حالته الطبيعية، وأخيراً تكاشفا فقال الهاشمي: لا حاجة إلى قصد العباس أنا أقوم بكل ما تريد يا أبا طالب.

فغاب قليلاً ثم عاد فجاء بما يكفي من الذهب والفضة وقال: الوفاء ممدود غير محدود يا زعيم مكة.

فشكره أبو طالب وودعه وصار إلى إعداد اللوازم والمقتضيات، وبعد أن كمل كل شيء أمر جملة من المنادين أن ينادوا في أرجاء مكة وضواحيها: ألا من أراد أن يحضر الوليمة التي سيقيمها محمّد بن عبد الله في دار عمّه أبي طالب على شرف عبد الله بن جذعان رئيس بني تميم فليحضر غداً فالدعوة عامة للجميع.

فوصل الخبر إلى العباس بن عبد المطلب، فتصور أن هذا المطلب سيكلف أخاه مبلغاً ضخماً، فبادر ليعرض عليه المعاونة والمساهمة فيه، فاعتذره أبو طالب محتجاً بتمامية الأمر وحضور كافة اللوازم.

ثم أراد العباس من أخيه أن يتلطف عليه بإدارة شؤون الوليمة كخصوصية يختصّ بها وككرامة يكرمه بها، فأجابه إلى ذلك.. فنحر العباس الإبل والغنم، ونصب القدور وصنع فاخر الحلوى، كما لوّن المطبوخات وأكثر الشواء، ثم هيأ أبو طالب عرشاً خاصاً للنبي (صلی الله علیه و آله) وحلّاه

ص: 232

بالأحجار الكريمة والحرير والديباج، حتى إذا صار الظهر قريباً وبانت طلائع المدعوين جاء برسول الله (صلی الله علیه و آله) فأجلسه على العرش، فكان كالبدر ليلة تمامه وكماله، فشغل الناس نوره الملكوتي ووقاره الإلهي حتى صاروا جميعاً لا يفترون عن النظر إلى هيبته وطلعته البهية، والفرح والسرور باديان على الجميع.

وبعد الفراغ من تناول الطعام قام الشعراء والأدباء يمتدحون رسول الله (صلی الله علیه و آله) وعمّه الزعيم أبا طالب، كما عرجوا على الوليمة الفخمة، الوليمة التي لم يقفوا على مثيل لها في دنيا الولائم والمكارم، كما كانت هي إحدى معالي عمّ الرسول العظيم أبي طالب رضوان الله عليه، وعلى مثلها فقسْ ما سواها.

ص: 233

أبو طالب وأهل الكهف

لقد قيس عمّ النبيّ العظيم أبو طالب بأهل الكهف بالنظر إلى أن الطرفين كانا يتستران بإيمانهما ويتكتمان في عقيدتهما وتدينهما، لذا استحقا أن يعطيهما الله جزاءهما وأجرهما مرتين وثوابهما ضعفين.

وربما قد عضد هذا القياس والتشبيه بعض الروايات التي استندت إلى عبد الله بن عباس مرة وإلى بعض أئمة آل البيت مرة أخرى، في حال أن ظواهر حال كل من الإثنين تأبى لهما أن يكون إيمانهما وتدينهما على تلك الصورة من الخفاء والسرية التي ينقلها الرواة والمحدثون.

وكيف يكون كذلك في حال أنهم نقلوا عن كل من أبي طالب وأهل الكهف جملة من المقابلات الموجهة، وسيلاً من الاحتجاج العلني مع ملاحدة العصر ومشركي أزمنتها؟ !.

أمّا الحال بالنسبة إلى أهل الكهف فإنهم لمّا كانوا يقلون عن العدو عدداً وعدة فهم محاربون من قبله ومطاردون من ناحيته، حتى خافوا على أنفسهم بدا لهم أن يفروا بدينهم وأرواحهم إلى حيث لا يدرون، وما زالوا كذلك حتى أدركتهم رحمة الله عزّ وجلّ، فأخفتهم عن أبصار الكفرة وغيّبتهم عن أنظار المجرمين الجبابرة.. وأخيراً أُلهموا الدخول إلى الكهف، فلبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً.

والقرآن الكريم حين ينقل قضيتهم لا يعطينا أكثر من ذلك، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: 13)

ص: 234

وعليه لو لم يكونوا متظاهرين بإيمانهم بالله معلنين بما هم عليه من المبدأ والعقيدة لما كان هناك للكفرة الطغاة سبيل عليهم أبداً، كما لم يكن هناك موجب لإخفائهم في الكهف كذلك.

* * *

وأمّا بالنسبة إلى إيمان عم النبيّ الزعيم أبي طالب فهو أبين من الأمس، وأظهر من الشمس، وأوضح من النهار في اليوم الضاحي.. كشف عنه نثره وشعره اللذان ضاقت بهما كتب الحديث وسجلتهما له الوقائع والأحداث:

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً *** نبياً كموسى خُطَّ في محكم الكتبِ

((أخبرني ابن أخي محمّد أن الله بعثه بصلة الرحم، وأن يعبد الله وحده، وهو عندي الصادق الأمين)).

إلى مئات من هذا اللون من الإقرار والاعترافات التي كان ينتهز بها المجتمعات والأندية غير هياب ولا مكترث.

ولا نجدنا مغالين بالقول حين نقول: إن كل من استقرأ التاريخ وتدبر بإمعان ما نقله لشيخ الأبطح من أقوال وأفعال وأثر فعال في تقوية الدين وشد أزر المسلمين ومعاونة الرسول الأمين (صلی الله علیه و آله) لما خرج منه إلاّ مؤمناً مصدقاً بإسلام عمّ النبيّ جازماً متحققاً لإيمانه رضوان الله عليه.

قال بعض عارفي فضله وتدينه: فإيمان من كان محلقاً لألاءً في أفق مكة إن لم يكن هو إيمان عمّ النبيّ المجاهد أبي طالب؟ وتدين من يا ترى كان مشرقاً وضّاءً يسترعي اليقظة والانتباه

ص: 235

في عالم الخارج غير تدين أبي طالب كافل النبيّ (صلی الله علیه و آله) وداعية الإسلام؟! ولهذا وذاك فقد عدّه المشركون من الصباة لدين محمّد (صلی الله علیه و آله) ومن المسحورين الذين نفث في أعماقهم حبّ محمّد (صلی الله علیه و آله) وشريعته، لذا أجمع الشرك على قطيعته واتخاذ كل وسائل التهوين في حقه، فلا يزيده ذلك إلاّ فناءً في الله وتفانياً في سبيل رسول الله (صلی الله علیه و آله) علانية وجهراً.

إذاً لا بدَّ أن تكون تلكم الأخبار وهاتيك الأحاديث بعد فرض صحتها وصحة نسبتها إلى بعض آل البيت واردة مورد المجاراة للناس، وعلى حسب ما تهضمه عقولهم وتدركه أحاسيسهم، واردة مورد الإقناع بالنسبة إلى المغفلين والبسطاء من الرجال الذين قد استحوذ عليهم الشيطان، فصرفهم عن ذكر الله الحكيم وأعماهم عن مقامات عمّ النبيّ العظيم ومواقفه الخالدة في الدين والإسلام، كما أعماهم وأصمّهم عن إدراك حقيقة أبي طالب المؤمنة وجهوده الخيّرة، أولئك المغفلون والبسطاء الذين قد حشا أدمغتهم وأذهانهم بهذه الفكرة، المناوئ الأول والمعادي المتجاهر لأبي طالب المغيرة بن شعبة، المغيرة الذي هو أول حاسد وحاقد لبني هاشم ولا سيما آل أبي طالب؛ لشرفهم الموروث ومجدهم العالي وزعامتهم العامة ومكانتهم السامية في الأسرة القرشية والعربية.

الأمر الذي أدى به أن يحمل على شيخ الأبطح وسيد بني هاشم حملاته المنكرة العداونية، تلك الحملات التي يعلم الله ويشهد أنها حملات مبغضة حاقدة، وأن مغزاها لا أساس له من الصحة.

وهكذا الحال بالنسبة إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ثم المخلصين والأوفياء من المسلمين، وسيجمع الله عزّ وجلّ بين ابن شعبة وعمِّ النبيّ الكريم أمام رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ثم يعرض عليه ما زوره

ص: 236

ابن شعبة وما ابتدعه على عمّه، فيتولى المحاكمة والمخاصمة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ثم أمير المؤمنين (علیه السلام) بمحضر من الأئمة البررة (علیهم السلام) والمسلمين الأطائب.

يا ترى كيف حال من يكون شفعاؤه خصماؤه؟

ويلٌ لمن شفعاؤه خصماؤه *** والصور في يوم القيامة ينفخُ

قال السيد زيني دحلان في اسنى المطالب ص 45: وقد صحَّ عن العباس بن عبد المطلب أنه سال رسول الله (صلی الله علیه و آله) فقال: أترجو لأبي طالب خيراً؟ قال: كل الخير أرجوه من ربي لعمّي أبي طالب.

ثم قال السيد دحلان: وهذا الحديث رواه أيضاً ابن سعد في الطبقات بسند صحيح، ورجاؤه هذا محقق، ولا يرجو (صلی الله علیه و آله) كل الخير إلاّ للمؤمن.

ثم قال السيد دحلان: قال بعض العارفين: أنه ثبت عند أهل الكشف والشهود إيمان أبي طالب العلني.

** *

أقول: قد تقدم منّا – قبل قليل – أن نسبة الممات على الشرك وتهمة الموت على الكفر لم تقتصر على خصوص عمّ النبيّ الكريم أبي طالب، بل تجاوزت إلى أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) الشريفين وأسرته الطيبة، وكان مصدر ذلك حديثاً رواه مسلم في صحيحه بطريق أبي داود عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أنه قال: أقبل رجل إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) فسأله: أين مكان أبيه

ص: 237

يكون أفي الجنة هو أم في النار؟ وكان أب الرجل قد مات في الزمن الجاهلي، فقال له رسول الله: إن أبي وأباك في النار.

وبعد أن وقف العلماء على حديث مسلم هذا قامت قيامتهم وثارت ثائرتهم، فصالوا وجالوا وتطاول بعضهم على بعض، فانتصر قسم كبير منهم للسيدين الجليلين، ودافعوا عن مقامهما الرفيع، وأثبتوا في أكثر من مؤلف إيمانهما وأنهما من أهل الجنة.

ومن هنا ذهب الفاضل السيوطي إلى التنديد بالحديث الذي رواه مسلم، فطعن في متنه وسنده وقال ما ملخصه: إن الحديث من افراد مسلم، ومثله لا يثبت به المدعى.

أمّا قولهم بأنه يجزم بما في الصحيحين أو بما في أحدهما فيما إذا لم ينتقده الحفّاظ أو يخدِش بصحته رواة الحديث، والحديث معلول سنداً ومتناً:

أمّا من حيث السند ففيه (ثابت)، و(ثابت) هذا قد عدّه المحدثون في عداد الضعفاء، مما لا يتحرج في رجاله عن النكرات ومجهول الحال، وأمّا (حماد) المذكور في السند فقد ناقش جمع من الرواة في حديثه، لذا تنكب البخاري عن الأخذ منه، كما قيل: كان أبو العوجاء الملحد يدسُّ في كتبه المناكير.

وأمّا من حيث المتن فالكلام عليه يتوقف على بيان مقدمة تتلخص بما حاصله: إن كثيراً من المؤرخين والمحدثين ذكروا سيلاً وافراً من الأحاديث تدلُّ بمفهومها ومنطوقها على أن أهل الفترة لا يدخلون النار أبداً إلاّ بعد الاختبار وعرض الإسلام عليهم، فمن قبله منهم ودان به

ص: 238

كان من أهل النعيم والجنة، ومن أباه ونفر عنه كان من أهل النار، ولعلَّ أب الرجل ممن لا يتقبل الإسلام فيكون من أهل النار.

ثم قال السيوطي: وإذا عرفت هذا فاعلم أنه روي بطريق معمر بن ثابت أن النبيّ (صلی الله علیه و آله) قد قال للأعرابي آنف الذكر حين سأله عن مكان أبيه: أي قبر لمشرك مررت به فبشره بالنار.

وعليه الرواية لم تكن ناظرة لا لأب النبيّ (صلی الله علیه و آله) ولا لأب الأعرابي، ومعمر هذا لم يناقش في صدقه كما لم يخدش أحد في صحة حديثه، وقد اتفق الشيخان على التخريج له والنقل عنه، وعليه فحديثه يقدم على حديث مسلم، إذ هو أقوى دلالة وإفادة، كما هو أوثق متناً وسنداً.

هذا بالإضافة إلى أن رواية معمر معتضدة بالروايات المماثلة مضموناً وطريقاً، فتتعين هي إذاً وتطرح رواية مسلم.

وقال السيوطي: ومع غضّ النظر عن كل ذلك لا يمكننا القول بكفر أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) العظيمين، بل عامة أهل الفترة؛ لجواز تقبلهم للدين واعتناقهم للإسلام عندما يعرضان عليهم، ومتى قام الإحتمال بطل الإستدلال.. اللهمَّ إلاّ يُدعى قيام إجماع على تعذيب أهل الفترة، فيقاس على ذلك أبوا النبيّ (صلی الله علیه و آله) الشريفان، ولكن قيام الإجماع أول الكلام، ودون إثباته خرط القتاد، بل التحقيق يقضي أن لا إجماع في المقام فلا قياس.

ثم قال السيوطي: وكيف يسعنا القول والحكم بكفر أبوي النبيّ وقد صحَّ عنه (صلی الله علیه و آله) قوله: ((ما زلتُ أخرجُ منْ نكاحٍ كنكاحِ الإسلامِ حتىْ خرجتُ منْ أبيَ عبدِ اللهِ وأمّيَ آمنةَ))، كما صحَّ عنه أنه قال: ((ما ولدنيْ منْ سفاحٍ شيءٌ قطُّ)).

ص: 239

وقال السيوطي: قال الجاحظ: ومن اعتقد غير هذا في أبوي النبيّ فهو كافر، والحمد لله الذي قد برّأ نبيه من كل وصمة وطهّره من كل دنس تطهيراً.

ولا يجوز لأي إنسان أن يؤذي النبيّ (صلی الله علیه و آله) بمباح ولا في غيره، وتكفير أبويه إيذاء له مما لا ريب، ومؤذي النبيّ كافر بلا كلام.

وقال السيوطي: وروى الطبري في ذخائر العقبى عن أبي هريرة أنه قال: جاءت سبعية بنت أبي لهب إلى رسول الله شاكية إليه ما سمعته من البعض من سبِّ أبيها أمامها؛ فغضب رسول الله (صلی الله علیه و آله) عند سماعه ذلك، ثم قام إلى المسجد فصعد المنبر فقال فيما قال: فما بال أقوام يؤذوني في قرابتي، ألم يعلموا أن من آذاني فقد آذى الله.

وشكا عكرمة بن أبي جهل إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) من بعضهم حيث أسمعوه شتم أبيه وسبّه، الأمر الذي أدى بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) أن يمنع منعاً باتّاً عن سبِّ أبي جهل تكريماً لابنه المسلم.. ثم قال: ((لا تؤذوا الأحياء بسبِّ الأموات))، فكيف إذاً يا ترى يكون الحال فيمن ينسب إلى أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) الكفر، وهو أعظم من الشتم والسبِّ، في حال لأن نسبة الكفر إليهما لا دليل عليه، فالذي يجب أن نعتقده فيهما أنهما مؤمنان وناجيان من النار ومن غضب الجبار.

وقال الطبري: واعلم أنه قد قال بنجاة أبوي الرسول جمع غفير وخلق كثير من العلماء، ممن جمع بين الفقه والحديث والأصول، مثل ابن العربي وابن شاهين وابن منبه وابن ناصر الدين الدمشقي والرازي والسبكي والقرطبي ومحب الدين الطبري وابن حجر العسقلاني

ص: 240

وحافظ الدين الحنفي وخاتمة الحفاظ السيوطي وابن حجر الهيثمي ومن حذا حذوهم من الحفاظ وأئمة الحديث.

قال ابن حجر في النعمة الكبرى: إحذر أن تزوغ عن القول بنجاة أبوي النبيّ الشريفين، فالنبيّ حذرك عن ذلك عند شكاية بنت أبي لهب وعكرمة بن أبي جهل، حيث قال: ((منْ آذانيَ فيْ قرابتيْ فقدْ آذى اللهَ)).

وقال الطبري في كتابه الصغير: القول والخوض في حديث نسبة الكفر إلى الأبوين الشريفين خلاف حقوق النبيّ المفروضة، كما وهو يؤذيه (صلی الله علیه و آله) ، فإني أرى هدر دم من يقول بذلك، فعلى العاقل أن يصرف نفسه عن هذه الورطة الصعبة، وإياك أيها المسلم أن يسبق لسانك إلى خلاف ما قلناه من نجاة الأبوين الكريمين، فتكون ممن آذى رسول الله (صلی الله علیه و آله) في آبائه الطاهرين، نسأله تعالى المعافاة عن الخوض في مثل هذه المهالك، وإياك أن تصغي لما ذهب إليه القارئ علي الهروي من القول بكفر السيدين الجليلين والدي النبيّ الأمين، حيث زعم أنه ركن إلى مسألة نسبة الممات على الكفر إلى أبي حنيفة النعمان بن ثابت وعن كتابه المسمى بالكفر الأكبر، وعلى هذا الأساس نشط الهروي؛ فألّف كتاباً طبعه على هامش كتاب الشفاء معتزّاً مفتخراً بتلك الفكرة المقيتة، وليته إذ لم يراعِ حق رسول الله حيث آذاه في آبائه (صلی الله علیه و آله) أخفى عن التعرض لهما لا نفياً ولا إثباتاً، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم.

ثم قال الطبري: ولمّا شاع نبأ كتاب الهروي هذا انتدب إليه جماعة من رجال الإسلام وجماعة من حملة العلم ممن أسخطهم وأقضَّ مضجعهم ذلك المؤلف المشؤوم، المؤلف الذي

ص: 241

استهدف في أول ما استهدف كفر أبوي النبيّ الكريمين، ثم إسقاط وجوب الصلاة على محمّد وآل محمّد (صلی الله علیه و آله) أثناء الصلاة.

وكان في طليعة أولئك الأفذاذ الثائرين بوجه الهروي الإمام عبد القادر الشافعي فإنه رحمه الله قد ألّف كتاباً جليلاً قد ردَّ فيه مزاعم الهروي ومفترياته، كما مزّق فيه آراءه السقيمة شرَّ ممزق، معتمداً في ذلك على الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، مما أدى بالهروي أن يؤوب بالخزي والعار واللعنة إلى يوم المآب، فنسأله سبحانه وتعالى العافية من أباطيل الهروي، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ثم قال الطبري: ولقد صحَّ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخٍ كان لي في الجاهلية.

ثم قال الطبري في الصفحة السابعة من الذخائر: وأخرج تمام الحديث الفخر الرازي في فوائده ثم قال: فإن قلت: أليس قد صرّح أبو حنيفة في الفقه الأكبر بأن أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) ماتا كافرين فهما من أهل النار؟ قلنا: لقد عزَّ على الحنفية كثيراً أن يصدر هذا القول من أبي حنيفة، ولا سيما الحنفيون المتعصبون الذين لا يجيزون تعمد الخطأ على أبي حنيفة، بل لعلهم يعتقدون عصمته في جميع أقواله وأفعاله، وهذه مرتبة لا تنطبق إلاّ على خاتم النبيّين وسيد المرسلين محمّد (صلی الله علیه و آله) على حدِّ تعبير الإمام مالك بن أنس حيث قال: كل إنسان يؤاخذ على أقواله وحديثه إلاّ صاحب هذا القبر – وأشار إلى قبر رسول الله (صلی الله علیه و آله) -.

ص: 242

هذا بالإضافة إلى أنّا لا نسلّم أن الذي قد استند إليه حديث تكفير أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت، والحديث الذي ذكره الهروي وعلّق عليه لم يوجد له في الفقه الأكبر عين ولا أثر، وكذلك قد استقرأنا الفقه الأصغر فلم نعثر على أي شيء من ذلك.

ولعل الهروي قد اشتدَّ عليه الحال بأبي حنيفة محمّد بن يوسف البخاري، والبخاري هذا لم يكن معصوماً، فلا يستبعد منه أن يتعرض لمثل تلكم الأحاديث البشعة، وأنّا نبرأ إلى الله عزّ وجلّ من تلك المقالة، كما ننزه جناب الإمام الأعظم منها.

وكيف يكون من المعقول أن يصدر من أبي حنيفة النعمان وهو العارف بمقام آباء النبيّ ما يؤذي النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، وكيف يمكن له أن يتفوه بمثل ذلك وهو الرجل التقي الورع العالم، فيعمد إلى نشر مقدمة لكتابه الذي يحتوي على أصول الفقه والدين ومبادئ الإعتقاد.. ثم يعممه على الناس كافة ليعملوا على ما فيه، ثم يضمنه سبَّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) وشتم آباءه الأطهار ورميهم بالكفر الذي لا يليق بشأنهما وشانه (صلی الله علیه و آله) ، فيؤذيه بأمسِّ الناس به رحماً وأقربهم إليه مودّة.

وهذا الإمام النسفي ممن يرى إمامة أبي حنيفة كما يعتقد ورعه وتقاه، والنسفي ممن ذهب مطمئناً إلى القول بنجاة الأبوين الشريفين، فهل يا ترى لو كان النسفي يعلم بقول إمامه الذي ذكره الهروي عن الفقه الأكبر هل كان من مستطاعه أن يخالف أو يرى غير ما يراه مقتداه، في حال أن النسفي هو الذي روى عن الثقات من أساتذته وأشياخه أن الله عزّ وجلّ قد أحيا للنبي أبويه كرامة له فعرض عليهما الإسلام فأسلما ثم ماتا عليه.

ص: 243

قال النسفي: إن محققي الحنفية الجامعين بين الفقه والحديث قد نقلوا عن أبي حنيفة نفسه أنه قال لواحد من أصحابه حين تقدم إليه بسؤال مضمونه:

ما تقول في رجل أقرَّ بالإسلام مجملاً لبعده عن البلاد الإسلامية وتوطنه البلاد الكافرة، فهو لا يعرف من نفسه غير أنه مسلم هوية وجنسية فقط، فإذا مات على هذا فهل يموت مؤمناً مسلماً؟

فقال ابو حنيفة: نعم يموت مؤمناً مسلماً.

السائل: وإن لم يعمل بكل شيء طوال حياته من متطلبات الدين وأحكام الإسلام؟

أبو حنيفة: نعم هو مؤمن حيَّاً وميّتاً وإن لم يعمل أي عمل من أعمال الإسلام.

ثم قال النسفي: فمن يكون هذا رأيه بالنسبة إلى هذا النوع من الناس فكيف يا ترى يكون رأيه فيمن دلت عليهم الآثار والأخبار أنهم موحدون مؤمنون بالله لا يشركون بعبادة ربهم أحداً، كما كان كذلك آباء رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

هذا مضافاً إلى أن أبا حنيفة لم يدّعِ لنفسه العصمة والتنزه المطلق عن الخطأ، وهو شخصياً كان يقول وبالحرف الواحد: لا يحلُّ لأحد أن يأخذ بأقوالنا حتى يعلم بأخذنا من الكتاب والسنّة.

ولو سلمنا تنزلاً أن القول محل النزاع هو قوله وحديثه لزمنا العمل على وصيته، بمعنى أنه وجب علينا أن نعرض ما نسب إليه على الكتاب والسُنّة، فإن وجدناه موافقاً لهما أخذنا به،

ص: 244

وإن وجدناه مخالفاً تركناه وأعرضنا عنه، إذ هو مجتهد والمجتهد ربما يخطئ، وإن أصاب له أجر عشر حسنات وإن أخطأ له أجر حسنة واحدة.

وكان المعروف من حال أبي حنيفة أن الخطأ أرغب إليه من الصواب، ولم يكن من أولئك النفر الذين إذا أخطأوا أصرّوا على صحة ما فعلوا وصعب عليهم الإعتراف بالخطأ.. نعوذ بالله من ذلك.

وقال الطبري: وقال السيوطي في مؤلفه الدرجة المنيفة في فضل الآباء الشريفة: ذهب كثير من أئمة الإسلام إلى نجاة الأبوين الشريفين، وليس من المعقول أن لا يقف أولئك الفحول على تلك الأقوال المؤذية للنبي (صلی الله علیه و آله) ، وحينئذ لا محالة من أن يكونوا قد وقفوا عليها وخاضوا غمراتها ونفذوا إلى أعماقها، وأجوبتهم على مؤلف الهروي ومن حذا حذوه أشد وقعاً من رواسي الجبال والصواعق الفاتكة.

ثم إن المحقق ابن العربي محي الدين قد قال – وقوله الحق -: إن أبوي النبيّين الزكيين لا إشكال في أنهما من المعنيين بآية الإصطفاء الكريمة ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾ (ص: 47).. ذكر ذلك الشيخان البخاري ومسلم.

ومن ثم قد استدلَّ الفخر الرازي بالآية نفسها على عصمة كافة الأنبياء، كما ندد بالمخالفين الذين قد استدلوا بالآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِه﴾ (فاطر: 32) على عدم عصمتهم.

ص: 245

قال السيد صاحب شرح المواقف: لا ريب ولا إشكال في عصمة الأنبياء كافة، ولا مجال للاستدلال بالآية على عدم عصمتهم؛ لأنّه مبني على عدم تفهم مفاد الآية وعدم الوقوف على مغزاها ومعطياتها، وتصور أن الظالم لنفسه هو بعض المصطفين والحال أنه غير معقول أبداً؛ لأن اصطفاء الله الحكيم واختياره لا يكون إلاّ للأخيار والعدول من المؤمنين والمسلمين، فلا يمكن أن يقع على الأشرار والمجرمين والظالمين لأنفسهم، إذاً لا بدَّ وأن يكون التبعيض من العباد، والعباد هم على نوعين منهم شقيٌّ وسعيد.

وعليه لمّا كان الأنبياء المكرمون ممن تحقق الإصطفاء بالنسبة إليهم لا بدَّ وأن يكونوا معصومين من الذنب منزهين عن الوقوع في الأخطاء، وهو المطلوب كما هو الحقُّ، والحقُّ أحقُّ أن يتبع.

وحيث أن أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) الكريمين قد قام الدليل على اصطفائهما فلا بدَّ إذاً من أن يكونا بريئين من الكفر والشرك، ولا سيما بعد تكثر الأحاديث على إحيائهما ثم عرض الإسلام عليهما فتقبلاه وماتا عليه.

وكان ممن ذكر حديث الإحياء هذا من العلماء والمحدثين ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، وعدَّوه من الحديث الحسن بل الصحيح.

قال الطبري في الذخائر: يمكننا أن نقول بأن أبوي النبيّين الطاهرين لم يكفرا بالله طرفة عين أبداً، بل كانا يدينان بدين جدهما الأعلى إبراهيم الخليل، وهذا الوجه يسري ويجري في جميع آباء النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأجداده، والقرآن الكريم هو دلّنا على ذلك وعلى دعاء إبراهيم، الدعاء الذي يطلب فيه من الله سبحانه أن تكون ذريته مؤمنة بالله مسلمة: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي

ص: 246

بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ ﴾(إبراهيم: 37) وقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ (البقرة: 128)، وقد استجاب الله دعاء نبيه فكانت ذريته مؤمنة مسلمة.

وإذا كان الأمر كذلك فآباء النبيّ (صلی الله علیه و آله) كلهم من تلك الشجرة الطيبة والغمامة الصيبة إلى عبد المطلب وعبد الله، وهكذا الحال بالنسبة إلى كافة وُلد عبد المطلب ما عدا أبي لهب.

نقل الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء بطريقه إلى ابن عباس عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال: ((لمْ يلتقِ آبائيَ علىْ سفاحٍ أبداً، ولمْ يزلْ ينقلنيَ اللهُ منَ الأصلابِ الطاهرةِ إلىْ الأرحامِ المطهرةِ مصطفىً مهذباً لا تنبعثُ شعبتانِ إلّاْ كنتُ في خيرهماْ)).

روى ابن سعد في الطبقات والبخاري والبيهقي عن واثلة بن الأسفع أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((إنَّ اللهَ اصطفىْ إسماعيلَ منْ وُلدِ إبراهيمَ، واصطفىْ منْ وُلد إسماعيلَ كنانةَ، واصطفىْ منْ كنانةَ قريشاً، واصطفىْ منْ قريشٍ بنيْ هاشمَ، واصطفىْ منْ بنيْ هاشمَ محمّداً)).

ونقل أحمد بن حنبل في مسنده والترمذي في صحيحه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((إنَّ اللهَ عزّ وجلّ حينَ خلقَ الخلقَ جعلنيْ منْ خيرِ خلقهِ، ثمَّ خلقَ القبائلَ جعلنيْ منْ خيرِ قبيلةٍ، ثمَّ خلقَ البيوتَ جعلنيْ منْ خيرِ البيوتِ، ثمَّ خلقَ النفوسَ جعلنيْ منْ خيرِ النفوسِ)).

ص: 247

وروى البخاري وابن شاذان عن ابن عباس أنه قال: دخل أناس على عمّة رسول الله صفية بنت عبد المطلب، فصاروا يتفاخرون ويذكرون الأوضاع الجاهلية، فقالت صفية: منّا رسول الله محمّد وكفى، فقال لها بعضهم: تنبت النخلة على الكناسة؛ فغضبت صفية وتألمت للكلمة الجارحة، فأسرعت إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) شاكية إليه ومخبرة إياه بما سمعته من القوم، فتأثر رسول الله (صلی الله علیه و آله) وانزعج، ثم قصد المسجد وأمر بلال الحبشي أن ينادي جامعة فجاء الناس يهرعون، فقام النبيّ (صلی الله علیه و آله) إلى المنبر فخطب الناس فقال فيما قال: (( إنسبونيْ معرفةَ منْ أناْ ))، فقال المسلمون: أنت محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.

فعند ذلك قال (صلی الله علیه و آله) : ((إذاً ماْ بالُ أقوامٍ ينزلونَ أصليْ، فوَ اللهِ إنّيْ أفضلهمْ أصلاً وخيرهمْ موضعاً)).

وحدث البيهقي عن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال: ((خلقَ اللهُ الخلقَ فرقتينِ، فجعلنيْ في خيرهمْ فرقةً، ثمَّ جعلهمْ بيوتاً فجعلنيْ فيْ خيرهمْ بيتاً)).

وروى الحاكم والطبراني وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال: ((خلقَ اللهُ الخلقَ فاختارَ منهمْ بنيْ آدمَ، واختارَ منْ بنيْ آدمَ العربَ، واختارَ منَ العربِ قريشاً، واختارَ منْ قريشٍ بنيْ هاشمَ، واختارنيْ منْ بنيْ هاشمَ)).

وفي طبقات ابن سعد: ((واختارَ منْ بنيْ هاشمَ آلَ عبدِ المطلبِ، واختارنيْ منْ آلِ عبدِ المطلبِ)).

ص: 248

ونقل ابن عساكر عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((ماْ ولدنيْ بغيٌّ قطْ منذُ خرجتُ منْ صلبِ آدمَ حتىْ خرجتُ منْ أفضلِ بنيْ هاشمَ)).

وعن الحاكم والترمذي عن الإمام الصادق عن آبائه عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال: ((جاءنيْ جبرئيلُ فقالَ ليْ: أيْ محمّد إنَّ اللهَ بعثنيْ أنْ أطوفَ في مضرَ، فلمْ أجدْ حيّاً خيراً منْ بنيْ هاشمَ، ثمَّ أمرنيْ أنْ أختارَ منْ أنفسهمْ فلمْ أجدْ خيراً منْ نفسكَ)).

قال المفسرون ومنهم الزمخشري في الكشاف إن قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: 218-219) دليل على ثبوت الإيمان والتوحيد بالنسبة إلى آباء النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأجداده الكرام، وأنهم يتنقلون من الأصلاب الساجدة الطاهرة إلى الأرحام الساجدة المطهرة.

كما قالوا أيضأً: إن هذه الآية المباركة – وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (الطور: 21) -إن أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) الطيبين تشملهم الذرية.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) أنه قال: ((إذاْ دخلَ المؤمنُ إلىْ الجنّةِ أولُ ماْ يسألُ عنْ أبويهِ وزوجتهِ وذريتهِ)).

وأخرج الترمذي وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) أنه قال بعد أن نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: 33): ((أناْ وأهلُ بيتيْ مطهرونَ منَ الذنوبِ والعيوبِ)).

ص: 249

وأخرج أبو سعيد النيسابوري عن عمران بن حصين أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((سألتُ ربّيَ أنْ لاْ يُدخلَ أحداً منْ أهلِ بيتيَ النارَ، وقدْ أعطانيَ ذلكَ)).

وقال الطبري في الذخائر وابن حجر في الإصابة: ونحن في سعة من القول بأن جد النبيّ العظيم وأمّه آمنة بنت وهب من المؤمنين، كما هما صحابيان أيضاً؛ لأن أصحَّ ما وقفنا عليه من تعريف الصحابي هو (من لقي رسول الله (صلی الله علیه و آله) مؤمناً ومات على ذلك فهو صحابي محترم كما هومن أهل الجنة أيضاً).. فيدخل في ذلك من طالت صحبته أو قصرت، وسيان في ذلك من حضر معه بعض حروبه أو لم يحضر، وسواء في ذلك من نظر إليه أو لم ينظر كالأعمى.

نعم لا يكون صحابياً من لقي رسول الله (صلی الله علیه و آله) كافراً ومات على الكفر.

وهذا التعريف هو الحق وهو المعتمد عليه، كما هو الذي تساعد عليه الأدلة الخاصة والقواعد العامة، وعليه فانطباقه على جد النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأمه واضح جداً: أمّا أمّه (صلی الله علیه و آله) فقد عاشت ست سنين كما رأت بعضاً من كراماته ومعاجزه أثناء ولادته وبعدها.

وأمّا جدّه عبد المطلب فقد عاش معه أكثر من أمّه ورأى أيضاً قسماً وفيراً من علامات النبوة وآثارهما، كما كان يرقب ذلك من قبل أن يولد.

وقد أيّد هذا المعنى كل من ابن عساكر وابن سعد في الطبقات بطريقهما إلى مجاهد ونافع واببن جبير أنهم قالوا جميعاً: قال عبد المطلب لأمِّ أيمن: أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يقولون: إن ابني محمّداً نبيُ لهذه الأمّة، وهو كذلك.

ص: 250

وقال ابن عساكر: إن عبد المطلب قال لأولاده وقومه عند الموت: احتفظوا بمحمّد ألا تسمعون ما يقوله الناس فيه.

كما قال ابن سكن وغيره من أهل الحديث أن عبد المطلب من الصحابة، وإلى ذلك ذهب العلاّمة البرزنجي الحنفي وألّف رسالة في الموضوع، ولم يقتصر البرزنجي على إثبات إيمان جد النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأبويه وصحبتهم، بل تعدى إلى عمّ النبيّ أبي طالب وأنه (رضی الله عنه) أطول صحبة لرسول الله (صلی الله علیه و آله) وأكثرهم مشاهدة لكراماته ومعاجزه وأوفرهم خدمة له وجهاداً في سبيله واعترافاً بنبوته، كما استدل البرزنجي بكثير من نثره وشعره الإسلاميين.

ومن حديث البرزنجي: أن أبا طالب صدّق بالنبيّ وآمن به بقلبه ولسانه، فهو من الناجين من النار، قال بذلك أكثر المتكلمين وأئمة الأشاعرة.

وقال البرزنجي: قال العلامة محمد أفندي السجقلي في رسالته المسماة بالردود والفرح.. الرسالة المتكفلة لإثبات إيمان الأبوين الشريفين، وكان من جملة ما كان فيها أن والدي النبيّ أخصّ من أبوي النبيّ؛ لأن الأب أطلق على العم أيضاً كما ورد في القاموس والقرآن الكريم كما في قضية إبراهيم وعمّه آزر، وكما أطلق على أبي طالب بالنسبة إلى رسول الله لمقام كفالته وتربيته له (صلی الله علیه و آله) ، كما أطلق لفظ الأم على فاطمة بنت أسد؛ لأنها قامت بشؤون النبيّ وخدمته، فوالدا النبيّ مما لا إشكال في أنهما من أهل الإيمان كما هما من أهل الجنة، أمّا أبو طالب فهو لمّا كان أكثر مشاهدة وصحبة فهو مؤمن مسلم وصحابي، شعره ونثره يدلان على مدى تمسكه بالبعثة ومدى إقراره واعترافه بالنبوة والرسالة، وعليه لا ينبغي أن يصغى للقول المخالف الشاذ.

ص: 251

** *

أقول: لقد اتضح مما أسلفناه من أقوال العلماء وأدلتهم القاطعة والقوية على إيمان أسرة النبيّ (صلی الله علیه و آله) الكريمة ولا سيما أبوه وأمّه وجدّه وعمّه صلوات الله عليهم أجمعين، ولعمري إنهم حاولوا أمراً حسناً وجليلاً، وزايلوا معنىً رفيعاً وكريماً، لله فيه رضى، وللرسول (صلی الله علیه و آله) فيه تعظيم وتكريم وإعزاز وتقدير، بعد أن أوشك أن يلوثه النفعيون والانتهازيون والحاقدون المتصيدون في الماء العكر، مثل ابن شعبة والهريري، ومن اقتفى أثرهما من الأوائل والأواخر، ممن أدمى نواظرهم وقلوبهم مجد بني هاشم الأصيل وعزتهم المجيدة اللذان قد أصبحا حديث التاريخ والأجيال، الأمر الذي أدى بأولئك وهؤلاء أن يتنكروا للهاشميين الأطهار، فيقلبوا لهم ظهر المجن محاولين تشويه تاريخهم الناصع وسمعتهم الكريمة؛ فعملوا ما وسعهم أن يعملوا جادين في إخفاء نور الله المودع في أصلابهم تكريماً لهم، ولكن الله يأبى إلاّ أن يتمَّ نوره ولو كره الكافرون، فقيض الله للقيام بوجه أولئك المنافقين بوجه عام جماعة من أبطال العلم وجملة من محدثي الإسلام، فوثبوا عليه وثبة الأسد الشبل، ونهضوا إلى أكاذيبهم ومفترياتهم نهضة الليث الهصور؛ فأبادوها وفندوها ببليغ البيان وقوي الحجة والبرهان، فلله درُّهم وعليه تعالى جزاؤهم يوم يردون عليه وعليهم بهاء نصرة الحق وأنوار الدعوة إلى الدين والعدل، وعندئذٍ يجدون ما أعده الله للمخلصين المقدرين للرسول والحافظين فيه آباءه وآله من النعيم المقيم في الفردوس الأعلى، كما يجدون تقدير النبيّ (صلی الله علیه و آله) وشفاعته يوم لا تنفع فيه شفاعة الشافعين، يوم لا ينفع فيه المال والبنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم، موالٍ لآل البيت قد حفظ النبيّ (صلی الله علیه و آله) في آبائه وذريته.

ص: 252

نعم وأيم الله حاول أولئك الأفذاذ أمراً أرضوا به الله ورسوله والمسلمين الأماجد، كما هو تجنب لما من شأنه أن يؤذي النبيّ (صلی الله علیه و آله) من نسبة الكفر إلى آبائه وأجداده وأسرته الكريمة، الأسرة التي قد رفع الله شأنها وأظهر للعالم كرامتها ومنزلتها، كما نزّهها عن درن الجاهلية ودنس الوثنية، فهم السادة الأبرار والمصطفون الأخيار من لدن آدم وحتى عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهب صلوات الله عليهم أجمعين.

وهذه هي نظرة الإمامية بالنسبة إلى الأسرة الطاهرة من الصدر الأول، وحتى يومنا هذا، وإلى أن يقوم الناس لربّ العالمين، وإلى أن يردوا على الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ، وهم فرحون مستبشرون بولائهم له ولآله وآبائه، الآباء الذين كانوا الوعاء المبارك له (صلی الله علیه و آله) .

وتلك مؤلفاتهم الضخمة ومدوناتهم القيمة مشحونة بالأدلة والبراهين على طهارتهم ونزاهتهم أجمعين، ولا سيما العمّ الكريم أبي طالب حامي الرسول (صلی الله علیه و آله) وكافله رضوان الله عليه.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية إن الإمامية قد دلّها التتبع والاستقراء لتاريخ ما قبل الإسلام على اليقين بأن بني هاشم – وخصوصاً زعيمهم أبا طالب – لم يسجدوا لصنم قطّ ولا لوثن أصلاً، ولو كان ثمّة نوع من هذا اللون لظهر ولتناقله التاريخ كما نقله عن غير الهاشميين من القبائل العربية والقرشية، ولنوّهت عن المعبود الذي كان يخصُّ الهاشميين والعياذ بالله.

بل لعل التاريخ والحقائق والوثائق تعطي العكس، تعطي أن لا علاقة لهم إلاّ بالله عزّ وجلّ ولا اعتماد لهم إلاّ عليه.

ص: 253

وقد عرفت بما لا مزيد عليه أن جدَّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) عبد المطلب وعمَّه أبا طالب تقصدهما الناس للاستسقاء وعند الشدائد؛ فيفرج الله بواسطته عنهم ويكشف عنهم الضرَّ والبلوى، وما ذلك منه تعالى إلاّ لعلمه بأنه من المؤمنين الموحدين المخلصين، وإلاّ لاستحال عليه أن يجري الخير والكرامة على أيدي الكافرين والمشركين.

هذا مضافاً إلى ما نصَّ عليه المؤرخون – ومنهم المسعودي في مروج الذهب – من أن عبد المطلب (رضی الله عنه) هو أول شخصية تقدمت إلى جعل أبواب الكعبة ذهباً مرصعاً بالأحجار الكريمة من خالص أمواله، كل ذلك تعظيماً لشعائر الله ربّه وربّ آبائه الأولين، في الظرف الذي كان فيه الناس – ولا سيما العرب بصورة عامة – تبذل قصارى جهودها وأهم طاقاتها وإمكاناتها على تشييد الأصنام وزخرفتها وتطعيمها بالمجوهرات والحلي والحلل؛ لتظهر للرأي العام بالمنظر الجذاب والمظهر الطيب الخلاب.

وأمّا عمّ النبيّ أبو طالب فقد لازم خدمة الكعبة ومداراة البيت الحرام، وحارب ما على سطحها من أوثان وأحجار، ودع إلى الله وحده، وكان متى ما داهمته داهمة أو أصابته كارثة لاذ بفنائها واستجار بحماها، فلا ينكفئ حتى يعطيه الله ما يريد.

بل زاد على ما كان عليه أبوه الكريم، فنصر النبيّ (صلی الله علیه و آله) وخدمه ووازره وحماه ووقاه بنفسه ووُلده، ثم بأسرته وعشيرته، وهكذا إلى آخر لحظة من حياته.

قال السيد في الحجة والنقدي في المواهب: ولعمِّ النبيّ الكريم هذه المقطوعة:

ألا قل لعمرو والوليد ومطعمِ *** ألا ليت حظّي من حياطتكم بكرُ

ص: 254

من الخور حبحاب كثير رغاؤه *** يرشّ على الساقين من بوله قطرُ

تخلف خلف الورد ليس بلاحق *** إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر

نرى أخوينا من أبينا وأمّنا *** إذا سئلا قالا لغيرنا الأمر

بلى لهما أمر ولكن تحرجما *** كما حرجمت من رأس ذي علق صخر

هما غمزا للقوم في أخويهما *** فقد أصبحت منهم أكفّهم صفر

وتيم ومخزوم وزهرة منهمُ *** وكانوا لنا مولىً إذا بني النصر

فو الله لا تنفعك منّا عداوة *** ولا منهم ما كان لنا منهم شفر

فقد سفهت أحلامهم وعقولهم *** وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر

وما ذاك إلاّ سؤدد خصّنا به *** رب العباد واصطفانا له الفخر

رجال تمادوا حاسدين وبغضة *** لأهل العلى فبينهم أبداً وتر

وليد أبوه كان عبداً لجدّنا *** إلى علجة زرقاء حال بها البحرُ

تربص أبو طالب بهذه الأبيات اجتماع قريش في الندوة، فألقاها على مسامعهم والحماس والإستئساد باديان عليه.

ص: 255

كما يظهر أنه من جملة ما كان يحاوله أنه أهاب بآباء رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وتذكير الناس بزعامة بني هاشم المستمدة من أقدم العصور وسالف الزمان، ثم تعريفهم بأن محمّداً (صلی الله علیه و آله) هو النتيجة الطيبة لأولئك السادة الأكارم، كما هو المصطفى من السماء والمرتضى من البرية.

كما ندد بقريش بصورة خاصة وبالمجموعة العربية بصورة عامة، حيث ابتعدتا عن روحانية عبادة الله، وتجنبتا حلاوة التقرب من رسول الله (صلی الله علیه و آله) وعزّة النبوة؛ فتظاهرتا مع العدو، وعاونتا من كانوا عبيداً لهما، فلبئس المولى ولبئس العشير، ولبئس ما قدمت لهم أيديهم أن سخط الله عليهم وهم في العذاب مشتركون.

قال العلامة الدينوري في نهاية الطلب، والحجة الأميني في الغدير 7/ 348: إن النبيّ (صلی الله علیه و آله) حين أمره الله بإظهار النبوة والقيام بمهمة الدعوة الإلهية ترجح لديه أن يقصد عمّه العباس بن عبد المطلب ليعلمه الحال ويوقفه على جلية الأمر وترشيح الله عزّ وجلّ له بالنبوة والسفارة، وما أن عرف العباس ما عنده وما يهمه أبدى له رأيه وأن يقصد عمّه أبا طالب لأنه كبير آل عبد المطلب وزعيم بني هاشم والشخصية المهابة في أرجاء مكة، وكان من جملة ما قاله: الرأي عندي يابن الأخ أن تقصده بما يهمك تجد منه ما يسرك من المؤازرة والمعاونة وكفّ الأذى عنك، وإلاّ لم يخذلك ولم يتخلَّ عنك أبداً، وكلٌّ من الأمرين في صالحك.

فاستصوب رسول الله (صلی الله علیه و آله) الرأي واستملحه، فنهض من مجلس العباس وتوجه إلى عمّه شيخ الأبطح، فأطلعه على ما عنده وأفهمه بكل شيء، حتى إذا فرغ من حديثه فما كان من أبي طالب إلاّ أن نهض مستبسلاً فتقلّد سيفه وأخذ بيد النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأخرجه إلى الندوة – وكانت مكتضة بالناس – فأوقفه على رؤوس القوم، ثم خطب المجتمع وقال فيما قال: أي محمّد

ص: 256

يابن أبي تكلم بما أحببت وقل ما شئت وأظهر ما بدا لك، فإنك الرفيع كعباً والمنيع حزباً والأعلى أبا وجدّاً، فو الله لا يسلقك لسان إلاّ سلقته ألسن حداد شداد واجتذبته سيوف حداد، فو الله يا محمّد لتذلّ لك العرب ذلَّ البهم لحاضنها، ثم اعلم يابن أخي لقد كان أبي عبد المطلب يقرأ الكتب جميعاً فعرف منها عظيم مقامك وكبير منزلتك وما سيظهره الله على يديك، وقد أخبرني بكل ذلك، كما وقد أخبرني في أكثر من مرة أنه سيخرج الله تعالى من صلبه النبيّ الموعود لهذه الأمّة، كما قال لي: يا أبا طالب كم وددت أني أدرك زمن نبوته لأسلم له أمري وأؤمن به، فمن أدركه منكم فليؤمن به ولينصره على أعدائه.

وقال ابن هشام في سيرته 2 / 17: إن حياة أبي طالب كلها مواقف مشرقة، حياة جهاد في سبيل الله، حياة محاماة عن رسول الله، حياة مملؤة بالخدمات الجليلة، حياة تشفُّ عن إيمان صادق وتديّن بالشريعة لا يعرفان التكتم ولا يقفان موقف المتستر المجامل، ومن ذلك موقفه في قوله الذي أنشأه على ملأ من الناس وفي المجتمع العام في الندوة وهو آخذ بيد رسول الله (صلی الله علیه و آله) :

ألا إن خير الناس نفساً ووالداً *** إذا عُدَّ سادات البريّة أحمدُ

نبيُّ إلهي والكريم بأصله *** وأخلاقه و هو الرشيد المؤيد

جريءٌ على جلّى الخطوب كأنّه *** شهاب بكفي قابس يتوقد

كثير رماد سيد وابن سيد *** يحضّ على مقري الضيوف ويحشد

ويبني لأولاد العشيرة سؤدداً *** إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد

ص: 257

ومن جملة ذلك أيضاً قوله:

نحن وهذا النبيّ ننصره *** نضرب عنه العدوّ بالشهبِ

* * *

أقول: لست أدري ولا المنجم يدري مع هذه الوثائق الصارخة والمستندات العلنية والهتافات المدوية كيف تستاغ نسبة الممات على الكفر إلى عمّ النبيّ العظيم أبي طالب، أو نسبة التكتم في الإيمان والتدين، في حال أنه لو كان في ذلك الدور المظلم ثمّة إيمان حقيقي ودين أصيل لا يعتورهما شيء من التورية والتمويه لكانا ملازمين لأبي طالب وحده.

فهو فقط كان يحاكي بإيمانه ودينه إيمان ودين أهل الدرجات العالية وأهل العلم واليقين، وإيمان الأولياء المخلصين.

إيمان من لا تأخذه في الله عزّ وجلّ لومة لائم، ولا وعيد متوعد، أو إرهاب قوة أو حكومة.

إيمان من طابق فيه سرّه إعلانه، ووافق فيه ضميره بيانه ولسانه.

وسنوضح الأمر أكثر، وننور الأفكار بما وقفنا عليه من مآثر عمِّ النبيّ الزعيم أبي طالب الكريمة تحت عنوان (أبو طالب في بطون الكتب).

ص: 258

أبو طالب في بطون الكتب

قال السيد ابن فخار في الحجة والقاضي في المواهب والخنيزي في مؤمن قريش: قيل لتأبّطّ شرَاً الشاعر الشهير: من سيد العرب؟ فقال: سيد العرب أجمعين أبو طالب بن عبد المطلب.

وقيل للأحنف بن قيس التميمي: من أيِّ شخص قد تعلمت الحكمة واقتبست المعارف؟ فقال: تعلمت ذلك ودرسته على يد حكيم عصره وحليم دهره قيس بن عاصم المنقري.

وقيل لعاصم هذا: علم من رأيت فتعلمت، وحلم من رأيت فتحلمت؟ فقال عاصم: تعلمته من الحكيم الذي لم تنفذ حكمته قطّ أكثم بن صيفي.

وقيل لأكثم: ممن تعلمت الحكمة والرياسة والحكم والسياسة؟ فقال: أخذت ذلك عن حليف الحلم والأدب ونبراس المجد والكرم سيد العرب والعجم أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم.

وقال القاضي والكراجكي: قيل لأكثم بن صيفي – وكان من المعمرين كما كان حكيم العرب على الإطلاق -: إنك لأعلم أهل زمانك وأحكمهم وأعقلهم وأحلمهم، فقال: ولم لا أكون كذلك وقد جالست الشيخ أبا طالب دهره، وعبد المطلب دهره، وهاشماً دهره، وعبد منافٍ دهره، وقصيّاً دهره، وكلُّ هؤلاء سادات وأبناء سادات؛ فتخلقت بأخلاقهم وتعلمت من علمهم وحلمهم، واقتبست من سؤددهم، واتبعت آثارهم.

ونقل بعض المؤرخين ومنهم ابن الجوزي في تاريخه بطريقه إلى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: لمّا تكاثرت البشائر إبان ولادة رسول الله (صلی الله علیه و آله) بنبوته، وتكررت التنبوآت ببعثته قال

ص: 259

الزعيم عبد المطلب لابنه أبي طالب: أسمعت ما يقوله هؤلاء في محمّد يا بني؟ قال: نعم، فقال عبد المطلب: يا أبا طالب احتفظ بمحمّد فإن له مقاماً رفيعاً وشأناً عظيماً، وما أظنه إلاّ أن يكون نبيَّ هذه الأمّة.

وقد قام أبو طالب بكل متطلبات أبيه وزاد.

وتحدّث ابن شاذان في مناقبه عن ابن عباس عن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين أنه قال: قال أبو طالب ذات يوم للعباس أخيه: ألا أخبرك يا عباس عن ابن أخي محمّد؟

فقال العباس: نعم يا أخي حدثني عن ابن أخي محمّد.

فقال: إعلم يا عباس أني لازمت محمّداً ملازمة كلّية فلم أفارقه أبداً لا في ليلٍ ولا في نهار؛ لا أئتمنُ عليه أحداً لا من قريب ولا من بعيد حتى صرت أنيمه معي في فراشي، فلاحظت ذات ليلة فرأيت أنه يضرب بيني وبينه سترٌ تفوح منه روائح المسك والعنبر، فإذا أصبحنا لم أجد الستر، وقد انتبهت ليلة من الليالي لم أجد محمّداً معي، فارتعبت للمفاجأة وارتعت للحادث؛ فقمت مضطرباً مألوماً وإذا به من حولي وهو يقول: ها أنذا حاضر حولك يا عم، وكان في أغلب الأوقات يقصد بئر زمزم فيشرب من مائها.

كما شاهدته ليلاً يصلّي كثيراً، ثم يقرأ ما نزل عليه من القرآن الكريم.

وذكر القاضي نور الله في تفسيره عن أبي طالب أنه قال: ما كنّا نعرف التسمية على الطعام حتى رأينا محمّداً يبتدئ بالطعام والشراب بها، وإذا فرغ قال: ((الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ))؛

ص: 260

فالتزمنا ذلك وصار عملنا على الإبتداء بالبسملة والختام بالحمد؛ فرأينا توفر الخيرات وتكثّر البركات.

ونقل القاضي في المواهب ص 45 عن أبي طالب أنه قال: كنت أشاهد من ابن أخي محمّد أنواراً تسطع إلى عنان السماء، كما أني لم أعثر على كذبة منه قطّ، كما لم أرَ فيه شيئاً من وضر الجاهلية أبداً، وما رأيته وقف على صبيان يلعبون في الطريق أبداً، ولم يلتفت إليهم أبداً، وكانت الوحدة والعزلة والانفراد لنفسه أحبُّ شيءٍ إليه، كما كان التواضع من خصائصه ومآثره.

واتفق لليهود أن قالوا للمنافقين والمشركين وقريش: إنّا وجدنا في كتبنا السماوية أن من صفات الأنبياء التي لا يشاركهم فيها أحد من الناس أن يجنّبهم الله أكل الحرام والمشتبهات، ومحمّد بن عبد الله قد ادعى النبوة؛ فاللازم إذاً اختباره وامتحانه؛ فهيّأوا مأدبة فخمة في دار واحد من زعماء قريش كان يتردد على رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وكان من جملة الطعام دجاجة ميتة، فدعيَ رسول الله (صلی الله علیه و آله) لتلك الوليمة، وجعلت الدجاجة الميتة أمامه (صلی الله علیه و آله) ، وصار المدبرون لهذه المؤامرة يرقبونه عن كثب ليروا هل يمدُّ يده إلى تلك الدجاجة، فلمّا رأوه منصرفاً عنها أوحوا إلى شياطينهم أن يصرّوا عليه بالتناول منها، فامتنع أبداً وقال: إني أرى أنها ميتة وأكلها حرام عليَّ، وقد صانني ربي عن مثل ذلك، فأخذوا يحلفون له أنها لم تكن كما يظنُّ، وهو يصرُّ على أنها ميتة، وأخيراً قالوا له: إذا لم تمتد إليها يدك فاسمح لنا نحن نلقمك منها شيئاً.

ص: 261

فقام بعضهم فتناول منها قطعة وكلّما حاول أن يوصلها إلى فم النبيّ (صلی الله علیه و آله) ما استطاع، فقام آخر وكلّما أراد أن يدني يده من فم النبيّ (صلی الله علیه و آله) لا تصل يده إليه إلى أن عجز، وأخيراً انصرفوا عن الموضوع خوف الشياع، وتكاشفوا فيما بينهم فقال بعضهم: إن محمّداً هذا لساحر عظيم وكاهن خطير.

وفي المواهب أيضاً بسنده إلى العباس بن عبد المطلب أنه كان أبو طالب لا يمكّن أولاده ولا عائلته من الطعام لا في ليل ولا في نهار حتى يحضر رسول الله (صلی الله علیه و آله) فيأكل معهم على المائدة، معتقداً أن في حضوره معهم استدراراً للبركة وتوفراً للخير، وفي خلاف ذلك ينقص عليهم طعامهم وإن كان كثيراً، ولا يكفيهم مطبوخهم وإن كان وفيراً.

وتحدث صاحب الكافي بسنده إلى جعفر بن إسماعيل عن إدريس بن السائب عن الإمام الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه عليّ بن الحسين عن الحسين عن أبيه عليّ بن أبي طالب (علیهم السلام) أنه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) في مجلس ذُكر فيه عمّه أبو طالب، فقال: لقد عقَّ عني عمّي أبو طالب عقيقة دعا إليها آل عبد المطلب ونفراً من قريش، وبعد أن حضروا أحبّوا أن يعرفوا المناسبة التي أدّت إلى الإيلام والإطعام، قالوا: يا أبا طالب بأيِّ مناسبة كانت وليمتك هذه؟ قال: عقيقة وصدقة عققتها على شرف ابن أخي محمّد، وقد اختصصتكم بها دون غيركم من الناس.. قالوا: يا سيد العرب ولماذا قد سمّيت ابن أخيك محمّداً؟ قال: ليحمده أهل السماء وأهل الأرض – وفي بعض النسخ لمحمدة أهل السماوات والأرض.

ص: 262

ونقل ابن هشام في السيرة 1 / 378، كما جاء في البداية والنهاية 3 / 97 والغدير 7 / 364 أن أبا طالب أنشأ أبياته التالية على جماهير قريش غير هياب ولا مكترث، حاول فيها وصف النبيّ (صلی الله علیه و آله) بما هو أهله، كما امتدحه وحدّث عن فضله وكرامته وبعثته ونبوته:

هو العالم المهديُّ في كل منسر *** عظيم اللوا في أمره الدهر يحمدُ

إذا قال قولاً لا يعاد لقوله *** كوحي كتاب في صفيح يخلد

يجيش له من هاشم يتبعونه *** يسددهم رب العلى ويؤيد

همُ راجعوا سهل بن بيضاء راضيا *** وكان إمام العالمين محمّد

تتابع فيها كل ليث كأنه *** إذا ما مشى في رفرف الدرع أصرد

قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا *** على مهل إذ سائر الناس رقّد

سلوا من قريش كل كهل وأمرد *** وإن قد بغانا اليوم كهل وأمرد

متى شرك الأقوام في مجد قومنا *** وكنّا قديماً قبلها نتودد

وكنّا قديماً لا نقرُّ ظلامة *** وندرك ما شئنا و لا نتنشد

فيا لقصيٍّ هل لكم في نفوسكم *** وهل لكم فيما يجيء به الغد

وإني وإياكم كما قال قائل *** إليك بيان لو تكلمت أسود

ص: 263

وتحدث ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 / 320 ما ملخصه: إن أبا طالب لم يكن حامياً ومدافعاً عن رسول الله فحسب، بل كان يحامي أيضاً ويدافع عن كل إنسان آمن بالله وصدّق رسول الله في بعثته ورسالته فيما إذا قد اعتدى عليه الكفر وتعرض لإيذاء الشرك، ومن ذلك ثأره وانتصاره للصحابي الجليل عثمان بن مظعون، حين تعرض له الطغاة من اليهود والمشركين؛ فنصره أبو طالب وأخذ بثأره بيده ولسانه فقال:

أمن تذكر دهر غير مأمون *** أصبحت مكتئباً أبكي لمحزونِ

أمن تذكر أقوام ذوي سفه *** يغشون بالظلم من يدعو إلى الدينِ

ألا ترون أذلّ الله جمعكم *** أنّا غضبنا لعثمان بن مظعون

ونمنع الضيم من يبغي مضيمتنا *** بكل مطّرد في الكف مسنون

ومرهفات كأن الملح خالطها *** يشفي بها الداء من هام المجانين

حتى تذل رجال لا حلوم لها *** بعد الصعوبة بالإسماح واللين

أو يؤمنوا بكتاب منزل عجب *** على نبيٍّ كموسى أو كذي النونِ

ونقل المجلسي في البحار بسنده إلى الإمام الباقر عن آبائه (علیهم السلام) عن أبي طالب أنه قال: لمّا أتى على رسول الله (صلی الله علیه و آله) اثنان وعشرون شهراً من ولادته قد رمدت عيناه، فقال لي أبي عبد المطلب: خذ ابن أخيك إلى عرّاف الجحفة ليداوي عينه؛ فامتثلت أمر أبي، فحملت محمّداً بعد أن غطيته بعباءتي عن حرارة الشمس؛ فعرضته على الطبيب، وبمجرد أن نظره قال: يا أبا

ص: 264

طالب من يكون هذا وما هو منك؟ قلت: هو محمّد بن عبد الله أخي، ولماذا سؤالك هذا؟ قال: يا أبا طالب إن محمّداً هذا نبي هذا الزمان.. قلت: وما دلالك على ذلك؟ قال: إني أرى دلائل النبوة وعلامة الرسالة باديان عليه، كما أني أرى نوراً يخرج من جنبيه فيتصل بعنان السماء، كما أسمع رفيف أجنحة الملائكة التي تحوم من حوله لأجل المحافظة عليه.

ثم قال: يا أبا طالب أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمّداً هذا رسول الله، وإنه هو النبيّ الذي بشرت به الكتب السماوية من قبل.. يا أبا طالب احتفظ بمحمّد وحافظ عليه بكل ما تستطيع من فتك اليهود وشرور الكفرة المجرمين.

قلت: أيها الحكيم إنك لتحدثني عن شأن عظيم وامر خطير يكون لابن أخي محمّد.

فقال: إعلم يا أبا طالب أن محمّداً هذا أجلُّ وأرفع مكاناً وقداسة مما حدثتك به.. انصرفْ بابن أخيك، ولا تمكّن أحداً من النظر إليه أو الدنو منه، فإن عينيه سيشفيان قريباً إن شاء الله..

يا أبا طالب ولقد قرأت في الكتب عندنا أنك أنت الذي ستتولى تربيته وكفالته، وأنت الذي تمنعه عن عدوّه وعدو الله.

قال أبو طالب: ثم أخفيته تحت قبائي وجئت به إلى أبي، فنقلت له جميع ما وقع بيني وبين العرّاف جملة وتفصيلاً، فقال لي أبي: وأنا يا بني أعرف ذلك وأرقبه من قبل أن يبوح به الحكيم ويعرّفك به، فيلزمك يا أبا طالب أن تكتم الأمر وأن تخفيه حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وحتى يظهر أمر الله في محمّد، فو الله يا أبا طالب ما يموت محمّد حتى يسود العالم بأسره أعاجماً وعرباً.

ص: 265

وقال صاحب البحار أيضاً: لمّا سافر رسول الله (صلی الله علیه و آله) متاجراً إلى الشام بترجيح من عمّه أبي طالب كان في القافلة المتوجهة آنذاك جماعة من شخصيات قريش، منهم عبد مناف بن كنانة ونوفل بن معاوية، وهما ممن أوصاهما أبو طالب برسول الله (صلی الله علیه و آله) ، كما حثّهما على مداراته وخدمته، وفعلاً قاما بوصية أبي طالب تماماً حتى وصلت القافلة إلى الشام، فتفرقت التجار تدور بسلعها وبضائعها، فكان عبد مناف ونوفل مصطحبين، إذ صادفهما في بعض الطريق أبو المويهب – وهو راهب كبير وعالم شهير – فاستوقفهما وأخذ يسألهما، وقال فيما قال: من أيّ مكان أنتما؟ قالا: نحن من مكة ومن قريش.. قال: من أي قريش لأنَّ قريشاً تنشقّ إلى فروع وطوائف، فأجاباه على الشيء الذي يحاول التعرف عليه.

ثم قال: هل من بني هاشم في القافلة معكم؟ قالا: نعم معنا فتى من بني هاشم اسمه محمّد.

قال: نعم هو مقصدي، وهو الشخص الذي أردت التعرف عليه والوقوف على أحواله.

قالا: إن هذا الإنسان لم يكن في قريش أخمل منه ذكراً ولا أوطأ منه شخصية، ولا يُعرف إلاّ بيتيم أبي طالب، كما هو فعلاً أجير لامرأة منّا تعرف بخديجة بنت خويلد، فإنه جاء متاجراً بأموالها.

قال: مهما يكن من أمر إني أريد منكما مواجهته ومقابلته..

قالا: ما حاجتك إليه؟ فأخذ يحرك شفتيه وهو يقول: هو هو والمسيح بن مريم، إني أرجوكما أن تدلاني عليه، فينما هم كذلك إذ يطلع عليهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) ووجهه كأنه القمر المنير، إذا تركهما الراهب وقصد النبيّ (صلی الله علیه و آله) فأهوى على يديه ورجليه.. يقبل يديه ويلثم رجليه، ثم توجه

ص: 266

إلى الرجلين فقال: اسمعا مني ما أقوله لكما: إن محمّداً هذا والله نبي هذا الزمان، وسيخرج عمّا قريب وسيدعو الناس إلى شهادة أن لا إله الله وأنه رسول الله، فاتبعوه ولا تعصوا له أمراً.

ثم قال لهما: هل ولد لعمّه أبي طالب ولد سمّيَ بعليٍّ؟ قالا: لا.

فقال: أما أن يكون قد ولد، أو سيولد عمّا قريب، وهو أول من يؤمن بمحمّد ويصدقه على دعواه.. هكذا وجدنا في كتبنا، كما وجدنا أن ‘ليَّ بن أبي طالب سيكون سيد العرب بعد محمّد ابن عمّه، كما هو رباني هذه الأمة وذو قرنيها، يعطي السيف حقه، اسمه في الملأ الأعلى عليٌّ، كما هو أعلى الخلائق درجة يوم القيامة بعد محمّد، ويُعرف عند الملائكة بالبطل الأزهر، كما هو أكثر معرفة عند أهل السماء من الشمس الطالعة.

ثم انصرف الراهب وعاد الرجلان إلى قافلتهما وهما في سبات عميق وفكر متواصل، وهكذا إلى أن وصلت القافلة إلى مكة، واجتمع عبد مناف ونوفل بأبي طالب فنقلا له ما لقياه من الراهب، فقال أبو طالب: وإني والله أعرف ذلك عن أبي عبد المطلب، وأنا في ترقب للأمر وعلى استعداد لتلقي ما سيجئ به عن ربّه، كما أنا على استعداد لمناصرته ومؤازرته مهما كانت المخلفات من الشدة والصعوبة.

وفي دائرة المعارف الإسلامية في ترجمة أبي طالب 1 / 361: أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب عمّ النبيّ، وهو الذي كفل ابن أخيه اليتيم عند وفاة جده عبد المطلب – إلى أن يقول -: وعندما بدأ أهل مكة يضطهدون النبيّ لمهاجمته عقائدهم ناصره أبو طالب بصفته ربّ

ص: 267

الأسرة، ورفض أن يتخلى عنه أبداً، كما رفض أن يتخلى عن القيام بهذا الواجب الأبوي رغم اعتراض المكيين واحتجاجهم، وحذا حذوه بنو هاشم عدا أبي لهب.

ولمّا أعلن القرشيون إقصاء أبي طالب وبني هاشم عن المجتمع المكي اعتكفوا في حيّهم في شعب أبي طالب، وعاشوا هناك مضطهدين كل الإضطهاد مدة من الزمن، ولذلك نجد أن النبيّ (صلی الله علیه و آله) خسر خسارة عظيمة بموت عمّه المخلص أبي طالب قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنوات، وبعد بعثته بعشر سنين.

وليس عجيباً أن تجعل الروايات من أبي طالب مادة لها، فهو الرجل الذي كان على صلة وثيقة بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) ، كما وهو يعرف عنه الشيء الكثير.

ونقل السيد الموسوي في الحجة ص 226، كما نقل صاحب ذخائر العقبى ص 240.. قال أبو طالب يهجو قريشاً ويندد بأعمالهم المجرمة ويحذرهم مغبة تماديهم في الغي والضلال، ونتائج تخلفهم عن شريعة رسول الله ومناوئتها بمحضر منهم:

تطاول ليلي لأمر نصبْ *** ودمع كسح السقاء السربْ

للعب قصيٍّ بأحلامها *** وهل يرجع الحلم بعد اللعب

وقالوا لأحمد: أنت امرؤ *** خلوف الحديث ضعيف السبب

وإن كان أحمد قد جاءهم *** بصدقٍ ولم يأتهم بالكذب

فيا لقصيٍ ألم تخبروا *** بما قد خلا من شؤون العرب

ص: 268

فرمتم بأحمد ما رمتمُ *** على الأصرات وقرب النسبْ

فأنّى ومن حجَّ من راكب *** و كعبة مكة ذات الحجب

تنالون احمد أو تصطلوا *** ظباة الرماح وحدّ القضب

وقال أيضا:

خذوا حظكم من سلمنا إن حربنا *** إذا ضرستنا الحرب نار تسعّرُ

فإنّا وإياكم على كل حالة *** لمثلان بل أنتم إلى الصلح أفقر

وقال السيد في الحجة ص 225: لقد حكى لي الشيخ أبو الحسن علي بن أبي المجد الواعظي الواسطي في شهر رمضان سنة تسع وتسعين وخمسمائة حكاية مطبوعة قال فيها: كنت أروي أبيات أبي طالب التي أنشأها على أثر التصاق الحجر بكفي أبي جهل حين همَّ أن يضرب به رسول الله (صلی الله علیه و آله) وهو يصلي، وكان يعجبني من الأبيات هذا البيت فأكثر ترداده:

بكف الذي قام في جنبه *** إلى الصائن الصادق المتقي

فرأيت في منامي ذات ليلة رسول الله (صلی الله علیه و آله) في مكان موقور كأنه الجنة، وهو جالس على كرسي من زبرجدة خضراء، وإلى جنبه كرسي آخر وعليه شيخ بهي وقور عليه سيماء الجلالة والعظمة، نوره يأخذ بالأبصار، فدنوت من رسول الله لأسلّم عليه وأتشرف بلثم يديه، وقلت: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا صفوة الله ورحمة الله وبركاته.

ص: 269

فردَّ عليّ السلام وقال لي: سلّم على عمّي – وأشار بيده المباركة إلى الجالس من حوله -.

قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أي أعمامك هو؟ فقال: هو عمّي أبو طالب الذي آواني صغيراً ووازرني كبيراً.

فدنوت حينئذ منه وقلت: السلام عليك يا عمّ رسول الله، فردَّ علي ّ السلام، ثم قبلت يديه وتبركت بحضرته.

ثم تفطنت أني أحفظ أبياته التي قالها على أثر التصاق الحجر بكف أبي جهل، فقلت له: يا عمّ رسول الله إني أحفظ أبياتك في قصة الحجر، وأرغب أن أقرأها عليك لتصححها لي فيما إذا كان فيها شيء من الخلل، فقال: إقرأها علي ّ، فصرت أنشده إلى أن وصلت إلى قوله:

بكف الذي قام في جنبه *** إلى الصائن الصادق المتقي

إذ يستوقفني (رضی الله عنه) ، ويطلب إليّ إعادة البيت، ورسول الله مستبشر فرح للوضع؛ فأعدته كما أحفظ، فقال: لم تكن روايتك للبيت صحيحة وعلى ما صدر مني، بل الذي قد قلته كان هكذا:

بكف الذي قام في جنبه *** إلى الصابر الصادق المتقي

فاستيقظت معجباً بالرؤيا مرتاحاً لمشاهدتي رسول الله (صلی الله علیه و آله) وزيارة عمّه المحامي والكافل ثم التصحيح المليح؛ فعمدت إلى مجموعتي التي كنت ألفتها، وجمعت فيها كثيراً من الشعر العربي، ولا سيما شعر أبي طالب الحماسي؛ فكتبت في المجموعة وتحت الأبيات الخاصة: أخبرني عمّ النبيّ أبو طالب رضوان الله عليه بمحضر من رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قد قال هذا البيت بهذه الصورة:

ص: 270

بكف الذي قام في جنبه *** إلى الصابر الصادق المتقي

* * *

أقول: وسيجمع الله الخلق يوم القيامة فيوفي الصابرين أجرهم بغير حساب، ويؤتى بعمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) أبي طالب ونوره يسعى بين يديه؛ فيزفُّ إلى الفردوس الأعلى والجنان العالية، وعليه وقار الأنبياء وبهاء الأولياء والمجاهدين في سبيل الله وروحانية المحاماة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فيوضع له كرسي إلى جانب النبيّ (صلی الله علیه و آله) الذي نافح وكافح من أجل دينه والحرص على سلامته، وضحى في سبيل ذلك كل ما لديه من نفس ونفائس، حتى علت كلمة الله فكانت هي العليا، وظهر أمر الله وولت دولة الأصنام وكانت هي السفلى، وتحطمت فلول الوثنية على صخرة التوحيد الصلبة، فينظر حينئذ إلى ما أعده الله عزّ وجلّ له من المقام الكريم والدرجات الرفيعة، ثم يتهافت المؤمنون على رسول الله (صلی الله علیه و آله) يسلمون عليه زرافات ووحداناً، وبطبيعة الحال أنه (صلی الله علیه و آله) يريد توقير عمّه فيأمر المسلمين بالسلام عليه، ولا بدَّ للمسلمين من أن يمتثلوا أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله) فينثالون على أبي طالب مسلمين عليه ومهنئين له بمقامه العظيم.

ومن الطبيعي أن صاحب الرؤيا هو واحد من المسلمين إلاّ أنه يمتاز بأنه يعرف عمّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) ؛ لأنه قد رآه وعرفه، وعليه تكون القضية قضية يقظة ووجدان لا قضية رؤيا وأحلام إن كنّا نؤمن بيوم الحساب.

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115)

ص: 271

قال العلاّمة البحاثة الشيخ عبد الواحد المظفر: إن عمّ النبيّ العظيم الزعيم أبا طالب هو بطل حركة رسول الله، كما هو بطل المحاماة عنه (صلی الله علیه و آله) ، كما هو بطل بكل معنى البطولة وبكل مفاهيمها، إذ نحن إذا تصورنا البطولة تصوراً عميقاً ودقيقاً وفحصنا الشخصيات فحصاً عاماً وشاملاً – باستثناء شخصيات الأنبياء والمبعوثين بالرسالة الإلهية – وتصورنا البطل من واجهة كونه مفكراً وعبقرياً، أو من زاوية كونه قائداً باسلاً، أو من حيث كونه شجاعاً لا يعرف التقهقر ولا الخور – كما هو المعنى الحقيقي للبطل – أو من حيث كونه زعيماً عظيماً، أو من حيث كونه جواداً كريماً، أو من حيث كونه شاعراً وأديباً – كما ذهب إلى ذلك كارليل الإنجليزي في كتابه الأبطال - أو من حيث كونه عالماً محيطاً، اومن حيث كونه نجيباً ومنجباً للأبطال... إلى غير ذلك من صفات المجد والكمال وسمات العظمة والجلال التي هي من لوازم الأبطال وخصائص البطولة، اتضح لنا جيداً أن البطل الجامع لكل المستلزمات والمتصف بكل المتطلبات يكاد يكون معدوماً، أو على تقدير أن يوجد فعلى ندرة.

نعم ما يوجد في الخارج فهو الحائز على بعض من تلك المزايا وهاتيك الخلال.

وعليه فعمّ النبيّ أبو طالب من أولئك الأفراد النادري الوجود، والذين قلَّ أن تنجب الإنسانية لهم نظيراً ومثيلاً في دنيا الوجود، فهو كما أسلفنا بطل بكل ما للبطل من معنى، وبطل بكل ما للبطل من مفاهيم متآلفة كانت أو متباينة، فهو حليم شديد، عظيم متواضع، كبير صغير، نبيه متغافل، قوي ضعيف، متحرك ساكن، شجاع يحترم الدماء ويبتعد عن إرهاب الناس وإشاعة الهلع والاضطراب فيهم.. إلى غير ذلك من متنافر الصفات ومتباين الطباع.

ص: 272

ولا يقال: ليس من الممكن أن يكون الفرد الواحد مجمعاً للمتناقضات ومركزاً للمتنافرات والمتباينات؛ لاستحالة اجتماع النقيضين على مائدة واحدة وبساط واحد.

لأنّا نقول: نعم من المستحيل اجتماع الأضداد، وليس من المعقول تآلف المتباينات، ولكن حيث تجتمع على المعنون من واجهة واحدة وتحاول احتلاله من زاوية متحدة، أمّا إذا كان عروضها على المعنون من جهات وحيثيات وزوايا متعددة فهو بمكان من الإمكان، كما وقع ذلك في الشريعة، وصادف بالنسبة إلى الأحكام الإسلامية، واتفق بالنسبة إلى عمِّ النبيّ الكريم أبي طالب.

فحياته (رضی الله عنه) مليئة بالمتضادات حافلة بالمتناقضات، كما وهي حياة جهاد ونضال عنيفين، تدور رحاهما بين حق وباطل، بين توحيد وشرك، بين عدل وجور، بين خشوع وجبروت، بين قوى الخير وقوى الشر.

فهو (رضی الله عنه) المبدأ لقوة الحركة الإصلاحية، والمصدر لتسيير قافلة النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، كما إن اعتقاده بأهميتها وشعوره بمسؤوليتها كان عاملاً قوياً ومن أهم العوامل والبواعث على دعمه رسالة السماء ودعوة التوحيد الهادفين إلى إعلاء كلمة الله القدير وإسعاد البشرية جمعاء في حياتيها المادية والروحية، كما وهما الحجر الأساس إلى تحرير المجموعة الإنسانية من أوضار الجاهلية في البيئة المتمردة على الأخلاق والمثل العليا النبيّلة والطاغية على الصراط السوي المستقيم.

ص: 273

ومن هنا وهناك شعر أبو طالب بضرورة معاونة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ولزوم مؤازرته والوقوف معه جنباً إلى جنب في جميع الأحوال والتطورات؛ حتى يتسنى له القيام بكل هدوء واطمئنان بالمسؤولية التي ألقيت على عاتقه، وحتى يستطيع أداء مهمته كما تريد السماء، وحتى يحصل أبو طالب على فضيلة الرجل المجاهد وكرامة المحاماة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) والناصر لنبوته.

ولهذه الأغراض فقط كان رضوان الله عليه يهتف نثراً مرة وشعراً مرة أخرى يحرض النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، يحرضه على الإسترسال في أمره والاستبسال في واجبه.

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة *** ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا

أمّا أنه (رضی الله عنه) بطل بصورة سياسي محنّك، فإنه استطاع أن يخضع الأقوام المختلفي الطباع المتابيني العقائد، فيجمعهم على بساط واحد، ويجلسهم على مائدة واحدة، ويجعلهم إخواناً متراصين متكاتفين؛ فيكون منهم كتلة قوية ومجموعة قهارة، بإمكانها أن تقاوم التكتلات الكافرة، وتقف في وجه التيارات المشركة.

كما سخرها للدفاع عن الدين، والجهاد في سبيل الحق المبين، والذود عن حياض الإسلام الأغر، ثم تفادي رسول الله (صلی الله علیه و آله) بكل معاني المفاداة..

كل ذلك بفضل تدبره للأمور، ودراسته العميقة للأحداث، ومعرفته الكبيرة بالطرق والأساليب التي يمكنه أن يصل إلى ما يريد من نواحيها ونوافذها، فيستولي على أحاسيس الناس

ص: 274

ومشاعرهم من دون أن يلتجئ إلى طرق شائكة وملتوية، ربّما لا تكون حميدة العاقبة سليمة النتائج.

وبهذه السياسة الحكيمة والفراسة القويمة تمكن أبو طالب أن يقضي على السيول الجارفة من المؤامرات والحركات المشركة، كما استطاع القضاء على النعرات القبلية والطبقية، فنجده مرة يثير بني هاشم ويشجعهم على الإسلام ثمّ التزام جانب النبيّ (صلی الله علیه و آله) وحمايته، ونجده مرة يتوسع في الأمر فيذكر العرب وقريشاً بما لرسول الله (صلی الله علیه و آله) من الشرف العظيم والمجد الرفيع من قديم الزمن وسالف الدهور، وما لآبائه الغرّ الميامين من الأيادي البيضاء على قريش بصورة خاصة، الأمر الذي يحتم عليهم بطبيعته الانصياع إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) والخضوع له، ثم اتباعه فيما تنبأ به واقتفاء أثره، ثم مواساته في محنه وشدائده.

وقد وجد (رضی الله عنه) أن أثمرت سياسته وأينعت أفكاره وفراسته؛ فوجد النبيّ (صلی الله علیه و آله) وقد أحاط بحضرته الفدائيون والمخلصون من هاشميين وغير هاشميين يفدونه بكل غالٍ ونفيس، ويواسونه في السراء والضراء.

***

أمّا أنه رضوان الله عليه بطل بصورة مفكر عبقري وفيلسوف ألمعي، فالواقع والوجدان يشهدان بذلك، ولكن لا يراد بالمفكر والفلسفي هما صاحبا التخيلات الفارغة والتي لا ترجع إلى معنى معقول وقبول، التخيلات والتصورات الجوفاء التي هي ربّما تكون كل ما في خزانة بعض المفكرين والفلاسفة، بل أبو طالب مفكر عبقري وفيلسوف ألمعي يبني على أساس من

ص: 275

الدراسة الصحيحة، والإمعان في الحقائق، والخوض في غمرات الأحداث، والغور في أعماق الوقائع، ثم تصور العواقب وترتيب أقيسة النتائج، ثم تعبيد الطرق للحصول على الغاية الحميدة والمقصد الكريم، من دونما خسارة بالأموال والأرواح، وتضحية بالعزيز والممتلكات.

فبهذه السياسة والحنكة أعلن أبو طالب الحرب على اليهود والمشركين وقاوم الأوثان وحطم الأصنام والجاهلية...

بهذا وأمثاله قُدّر للزعيم الهاشمي أبي طالب أن يفلح وينجح وينصر رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ويصدّقه في جميع المقال والدعوى، وأخيراً يتغلب على كافة العقبات ويقضي على جميع المؤامرات الحاقدة، الأمر الذي اضطر المشركين أن يعملوا ويعملوا ليل نهار جادّين جاهدين، يحاولون ويحاولون فصل أبي طالب عن ابن أخيه، ثم لينفذوا فيه مآربهم وليقفوا صفّاً واحداً، ثائرين كرامة أوثانهم المحطمة وأصنامهم المبعثرة المهانة.

وما دروا أنهم يحاولون المستحيل، وما علموا أن أبا طالب لا يمكن أن يتخلى عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أبداً؛ لأنه (رضی الله عنه) كان يرى أن الإنفصال عن محمّد (صلی الله علیه و آله) أو الإبتعاد عنه انفصال عن دينه وعقيدته، وابتعاد عن ربّه وربِّ آبائه الأوّلين، الربّ الذي خدم بيته طوال حياته، وخدم زواره وحجاجه زهاء نصف قرن، وأخيراً هو ابتعاد عن الرسول (صلی الله علیه و آله) الذي ثبتت نبوته بالأدلة القطعية والبراهين القوية، والتي شاهدها بذاته ووقف على بعضها بنفسه، وأعرب عنها بلسانه:

ص: 276

والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا

إلى أن يقول:

ولقد علمت بأن دين محمّدٍ *** من خير أديان البريّة دينا

***

أمّا بطولته (رضی الله عنه) بصورة قائد مظفر فهي لا تعني كونه بطلاً مفتول الساعدين، عبل الذراعين، عريض ما بين المنكبين، متكون من عدد مناسب من السنتمترات فحسب.. بل تعني أكثر ما تعني تحقيق عناوين الفوز والإنتصار والغلبة والظفر، ثم بفضل الحزم والتدبير والتروي والتفكير الإستيلاء على مخيمات العدو واحتلال مناطقه الخطرة، وما تحتوي عليه المعسكرات من قوة وعتاد وسلاح وذخائر.

وبالنظر إلى هذه القيادة الرشيدة المتمثلة في أبي طالب أصرَّ الكنانيون عليه أن يقودهم إلى معركتهم مع القيسيين، وبعد أن أجابهم إلى ذلك لمسوا منه حسن الإدارة للجيش وحسن القيادة للجند، وكلّما كان هو قائدهم كان النصر حليفهم والفوز معهم.. وهكذا في كل خروجه معهم.

***

أمّا أنه بصورة بطل زعيم فهو زعيم بمعنى الكلمة، وزعيم بجدارة واستحقاق.

ص: 277

فالزعيم في عرف الحكومات والدول هو القائد لقطعة من الجيش تحتوي على ثلاثة أفواج، والفوج يتألف من ألف جندي.

والزعيم في عرف العرب هو رئيس القبيلة وقائدها، والحاكم بينها في خصوماتها، ولسانها المعبر عن آلامها وآمالها لدى السلطة الحاكمة، أو لدى القبائل الأخرى.

وعلى جميع التقادير كان أبو طالب زعيم قريش، ورئيس مكة، وأعظم قائد محنك خبرته الحوادث وجربته الوقائع.

وقد تقدم ما نقلناه عن التاريخ، وعن مروج الذهب بالخصوص قيادته للكنانيين في حروبهم مع القيسيين، وكان جيش كنانة يتألف من عشرات الآلاف من الجند.

هذا بالإضافة إلى ما كان يتمتع به الزعيم الهاشمي من لوازم الزعامة ومقتضياتها: من كرم نفسي، وتصاغر للناس، وتعاهد لقضاء الحوائج مهما كلفه الأمر من خسارة مادية أو تعب ومشقة بدنيين.

نعم قد تتوقف أموره المادية أحياناً فيضطرّ إلى الإستدانة من أخيه العباس بن عبد المطلب، وهذا قد يتفق حتى للحكومات الكبرى، فإنها قد تستدين أحياناً من حكومة أخرى في ظروف استثنائية وأوقات خاصة، فلا يضرّ في زعامة أبي طالب إذاً أن يحتاج إلى الإستدانة من العباس أخيه.

ولا يُصغى لما نقله البعض من المؤرخين أن أبا طالب كان فقيراً لا مال له، وما ساد فقير قط إلاّ أبو طالب، والحال أن التاريخ هو الذي كان ينقل أن أبا طالب كان كريماً جواداً، وقد أنسى

ص: 278

كرمه وجوده كرم كل كريم حتى كرم حاتم وجوده، ومن يكون على هذه الشاكلة كيف يكون فقيراً لا مال له؟!.

أقول: ولا ينهض دليلاً على تأزم حالة أبي طالب الاقتصادية وفقره عملية الرسول (صلی الله علیه و آله) معه، حيث جاء إليه بعمّه العباس ليأخذ منه بعض عائلته تخفيفاً عليه وتقليلاً لمصارفه المتكثرة، بل إنما كان ذلك من النبيّ (صلی الله علیه و آله) وعمّه العباس لغاية أسمى وأرفع وأجلّ وأمنع لاحظها رسول الله (صلی الله علیه و آله) من زاوية التخفيف عن أبي طالب المثقل بعبء العائلة الضخمة، والأضياف الذين ليس لهم انقطاع، والحجاج المتكثرين، بل كانت الغاية هي أن يضمَّ عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) إليه، ويضيفه إلى عائلته؛ ليتولى تربيته وتثقيفه وتعليمه وتأديبه؛ ليظهر للعالم وهو أكما إنسان وأفضل شخصية بعد شخصية النبيّ (صلی الله علیه و آله) المباركة، وفعلاً وبهذه الواسطة ظهر عليٌّ (علیه السلام) كذلك على مسرح الدنيا، وهو أجلّ إنسان بعد النبيّ (صلی الله علیه و آله) .

فحيازة النبيّ (صلی الله علیه و آله) لعليٍّ (علیه السلام) لما يعلمه من أنه هو خيرة الله وحجته من بعده أولاً، وحفظاً لعمّه أبي طالب فيه ثانياً.

ولهذا وذاك كان الإختصاص منه (صلی الله علیه و آله) بعليٍّ (علیه السلام) ، وإلاّ فأبو طالب كان كريماً يهب الألوف ويعطي عطاء من لا يخاف الفقر، كما كان مأوى الضيوف والوفود والحجاج.

وعليه كيف يمكن أن يكون فقيراً ومعدماً حتى يقال فيه أنه ((ما ساد فقير قط إلاّ أبو طالب))؟

ص: 279

ومن يمعن النظر ويتصور قضية التخفيف بدقة يجد أن سحب الشخص الواحد أو الشخصين عن أبي طالب لا يؤثر التخفيف أبداً، إذا لا بدّ وأن تكون عملية النبيّ (صلی الله علیه و آله) ناظرة لما قدمناه من تلك الغاية الجليلة والمقصد الشريف النبيّل.

***

قال المظفر: أمّا أنه رضوان الله عليه بطل بصورة شجاع، وقد عرف الشجاع بأنه هو الإنسان الذي يزاول الحروب ويمارس الغزوات والوقائع ويخوض غمار المعارك، فينازل الأبطال ويواجه الفرسان والشجعان، فيأتي بفنون حربية ما يستطيع بها التغلب على العدو وقتل فرسانه وأبطاله، ثم كسب المعركة والفتح المبين، لذا لا يُعطى وصف الشجاع وسمة الشجاعة لمن يتفق له دخول حرب واحدة ودخول معركة واحدة، أو لمن يدخل الحروب ولم يلقِ نفسه في لهواتها.

ومن هذه الزاوية ومن نوافذ هذه الواجهة ربّما يتوصل إلى أن الزعيم أبا طالب لم يعرف عنه أنه قد تكررت عنده الحروب، وخاض غمار الغارات والغزوات، إلاّ ما كان من أمر قيادة الكنانيين، فهو وإن أبدى فيها شجاعة وبطولة متناهيتين لكن الواقعة الواحدة لا تفيض على قائدها سمة الشجاع ووصف الشجاعة، فإطلاقهما على أبي طالب إذاً جزاف ومن قبيل السالبة بانتفاء الموضوع.

فهذا صحيح من بعض الوجوه، ولكن إن تدبرنا المعنى اللغوي والمرتكز العرفي للشجاع نجد أن الملكة والقابلية وتوطين النفس على خوض المعارك وممارسة الثورات وتدبير أمور الجيش وتسييره على الخط الذي يضمن له الفلاح والنجاح هي كل مفاد الشجاع ومعطيات

ص: 280

الشجاعة، وخوض معركة واحدة كافٍ في تحققها فيما إذا ظهرت ملكة الإنسان وقابليته، وعرفت بطولته وبسالته، كما ذهب إلى ذلك كارليل الإنكليزي في مؤلفه (الأبطال) حيث قال: إن الشجاعة ينبوع الرحمة، وينبوع الصدق والشرف، كما هي مصدر الكرم والمرؤة، وما إلى ذلك من محامد ومحاسن وفضائل مجيدة.

ومَن وقف على ما كان عليه زعيم بني هاشم من صفات الخير والمجد المؤثل وسمات الكرم، وجده هو الشجاع حقاً.

على أن أبا طالب رضوان الله عليه لا يقال له أنه ليس له إلاّ موقف واحد في حرب الكنانيين مع القيسيين؛ لأن الحرب بين القبيلتين داوم مدة غير قليلة، وكل يوم تثار فيه الحرب هي حرب جديدة، إذاً هي حروب متجددة ومتعددة.

وما دام أبو طالب هو القائد إذاً هو الشجاع بكل معنى الكلمة.

وكيف لا يكون كذلك وقد نقل التاريخ عن الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) أنه قال في بعض المناسبات: رحم الله عمّي أبا طالب، لو وَلَدَ النّاس كلهم لوَلَدَهم شجعاناً.

وبطبيعة الحال لو لم يكن هو شجاعاً لما صحَّ أن يولد الشجعان؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه – راجع الجزء الثالث من شرح النهج لابن أبي الحديد في ترجمة أبي طالب.

***

ص: 281

أمّا أنه بطل بصورة شاعر، فالشاعر في عرف الأدباء هو الإنسان الذي يقوى على صياغة مستوحيات خياله وأحاسيسه بقالب موزون وأسلوب مقفّى، سيّان في ذلك الشعر العاطفي والشعر الحماسي أو غير ذلك.

ولا يقدح أو يضرّ بشاعرية الشاعر كونه متميزاً بطابع خاص وأسلوب مخصوص، مبتعداً بهما عن الغزل المفضوح والحبّ غير المشروع والمدح والهجاء من غير استحقاق، ولعلّ هذا اللون من الشعر هو أوقع في نفوس البعض وألذّ إلى طبائعهم.

نعم قد لا يروق للمؤمنين والمتدينين، وعلى كل حالٍ فصاحبه أديب وشاعر مما لا ريب فيه.

أمّا شعر أبي طالب فهومن النمط المستمر بطابع التحمس للدين، ثم بيان محاسن الإسلام ومفاخر الدين الحنيف، ثم الإشادة بنبوة رسول الله (صلی الله علیه و آله) وتعظيمها بالنفوس، ثم الحثّ اتباعها واقتفاء أثرها ومناصرتها على أعداء الله وأعداء رسوله، ثم التدليل على أنه ممن تابع الرسول (صلی الله علیه و آله) وآمن بدعواه، ووازره بكل إمكاناته وطاقاته.

وقد وُجد أنه يكرر:

يا شاهد الله عليَّ فاشهد *** أني على دين النبيّ أحمد

أمّا لاميته المعروفة الشهيرة فهي إمّا أن تكمل المائة بيت أو تجاوز المائة، والتي هي من الشعر الراقي، والتي هي من أجمل الشعر وأفضل القصيد، التي قال فيها ابن كثير الشافعي الدمشقي: أمّا لامية أبي طالب فهي أجمل وأكمل وأفحل من المعلقات السبع، كما وإنها أصدق مثال للشعر العربي.

ص: 282

***

أمّا أنه بطل بصورة عالم، ولا يكاد يخفى ما للعلم من أنواع ومصاديق: فقه، أصول، فلسفة، طبّ، فلك، كلام، تفسير، البلاغة، المنطق، المعاني والبيان، لغة، العلوم الطبيعية – إلى غير ذلك من الأصناف.

ومن وقف على ترجمة عمّ النبيّ أبي طالب.. الترجمة التي تعرضت لها كافة كتب التاريخ والسير عرف جيداً أنه رضوان الله عليه كان عالماً بجميع أنواع العلم، كما دلل على ذلك بنثره وشعره، لذا قد عُدَّ من أعاظم الحكماء، بل قالوا: إنه أستاذ الحكماء ومعلم الفلاسفة والأدباء، فلتراجع كتب التاريخ ومنها مؤلفات ابن حجر العسقلاني تعرف مقدرته العلمية وتتحقق منزلته الأدبية والفلسفية.

***

أمّا أنه (رضی الله عنه) بطل بصورة نجيب، فإنه قد أنجب الليوث والأشبال، وولد الأبطال والنبلاء، مثل عليٍّ (علیه السلام) وعقيل وجعفر، الأشبال الذين كانوا المثل الأعلى للبسالة والإستئساد والبطولة والنبل والسؤدد.

أمّا عليٌّ (علیه السلام) بصورة خاصة فهو الشخصية اللامعة التي قد ملأت الدنيا من أقصاها إلى أقصاها سمواً ومجداً وعزّاً وعظمة.. علماً وحلماً وكرماً وشجاعة.. إقداماً وبسالة وفتوة وجهاداً؛ لذا عبّر عنه علماء الغرب أنه سلطان الأبطال وفيلسوف العرب.

***

ص: 283

أقول: ولعمري إن حديث المظفر هذا حديث قيّم وتحليل شامل يتسم بمنتهى العظمة والجلالة، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بحث وتحليل هما كانا متميزان سمواً وملائمة مع حياة النبيّ العظيم (صلی الله علیه و آله) ، الحياة الحافلة بكل المؤهلات والمكانة الخيرة، فجزاه الله عن عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) خير جزاء المحسنين.

وتحدث السيد الموسوي في الحجة ص 223 فقال: حدثني شيخنا عميد الرؤساء ابن أبي أيوب اللغوي، قال: أطلعني السيد الشريف عبد الحميد التقي الحسيني النسابة على نسخة من كتاب الكامل للمبرد كان فيها بعد ذكره لأبي طالب في بعض أبواب الكتاب: لقد أسلم أبو طالب وحسن إسلامه، كما صدّق الرسول في دعوى النبوة، كما يظهر ذلك واضحاً جلياً من قوله الذي يخاطب به النبيّ (صلی الله علیه و آله) :

إذهب بنيَّ فما عليك غضاضة *** ولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا

وفي ص 357 من الحجة قال السيد: وكان عثمان بن مظعون الصحابي الجليل يقف أحياناً بباب الكعبة فيعظ الناس، فيأمرهم بالمعروف والرضوخ للدين والتمسك بمبادئ محمّد الذي جاء بها من ربّه العظيم، وينهاهم عن المنكر والبغي، ويحثهم على نبذ الأوثان ورفض الأصنام والإبتعاد عن الشرور والآثام، فوثب عليه رجال من المشركين فضربوه ضرباً مبرحاً وعذبوه عذاباً أليماً، ولم يكتفوا بكل ذلك دون أن قلعوا إحدى عينيه، فبلغ الخبر أبا طالب، فغضب للحادث المرير، ثم أخذ يتطلب الفعلة حتى عرف الذي تصدى لقلع عين عثمان، وكان شخصية مرموقة من قريش، فأصرَّ على أن يقتص منه وأن يفعل به كما صنع بعثمان.

ص: 284

وقد شاع نبأ إصرار الزعيم الهاشمي على أن يقلع عين من قلع عين عثمان بن مظعون، فضاق الخناق بقريش وتحققوا أن تصميم أبي طالب هذا لابدّ وأن يسفر عن الإقتصاص، ولا بدّ أن يقلع عين صاحبهم؛ فصاروا يهرعون إلى أبي طالب زرافات ووحداناً يطلبون إليه ويرجون منه أن يقبل منهم بالدية والفداء، وأبو طالب يصرُّ على تصميمه ورأيه وأنه يقوم بما بدا له مهما كلفه الأمر، وبعد محاولات ومخادعات فاشلة ارتد الوسطاء على أعقابهم خاسرين، وقد يئسوا من كل المحاولات.

أمّا أبو طالب فصار إلى ترصد المجرم وترقبه، وأخيراً عثر عليه بين ملأٍ من قريش وقد أحاطوا به من جميع جهاته، فلم يبرح عنه حتى فقأ عينه كما فقأ عين عثمان بن مظعون، ولم يستطع أي واحد من الحاضرين أن يتكلم أو يدافع أو يرفع رأسه، ثم أنشأ أبو طالب مقطوعة شعرية تبين الحادث وترمز إلى الإنتصار وأخذ الثأر، وقد تقدم ذكر الأبيات.

وتحدث الفضل بن شاذان في المناقب عن الكراجكي عن محمد بن علي بن صخر عن عمر بن محمد بن يوسف عن محمد بن سليمان عن محمد بن صنوبر بن صلصال أنه قال: كنت أخرج مع أبي طالب لنصرة رسول الله (صلی الله علیه و آله) وحمايته من اليهود والمشركين، فخرجت ذات يوم للغاية، وكان خروجي قبل موعد خروج أبي طالب، فجلست على الباب ريثما يخرج، فبينما أنا كذلك إذ خرج إليّ مضطرباً مرتبكاً، وهو يقول: يا أبا الغضنفر هل رأيت الغلامين محمّداً وعليّاً؟ قلت: لا يا شيخ الأبطح لم أرهما منذ جلست، فقال: قم بنا نطلبهما فلست آمن عليهما من أن يغتالهما المشركون واليهود.. فقمت معه حتى خرجنا من بيوت مكة، ثم صرنا إلى جبل كان هناك، فإذا نحن بمحمّد وعليٍّ يصليان بجانب من جوانب الجبل، وقد رأيت أبا

ص: 285

طالب وقد تهلل وجهه فرحاً حيث وجدهما يصليان، فانتظرهما إلى أن فرغا جاء بهما إلى الدار.

ونقل القاضي النقدي في المواهب بسنده إلى عمر بن حصين أنه قال: كان والله إسلام جعفر بن أبي طالب بأمر أبيه وإرشاده، حين أمره أن يوصل جناح رسول الله (صلی الله علیه و آله) في الصلاة، كما قال له بعد أن فرغوا من الصلاة: يا جعفر ستقتل في سبيل الله وبأمر من محمّد بن عبد الله، وتقطع يداك فيعوضك بجناحين بدل يديك المقطوعتين تطير بهما مع الملائكة في الجنة.

أقول: وليس كثيراً على عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) أن يقرأ مستقبل ولده فيخبره بما سيطالعه من ميتة في سبيل الله بأمر من رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، حين يأمر بجهاد الكفرة الطغاة، فيقتل وتقطع يداه ثم يعوض عنهما بجناحين... نعم ليس غريباً عليه هذا التنبوء وهذه القراءة، كما هو شأن المؤمنين المتقين، وأخيراً وافق الخبر العيان وطابق التنبوء الواقع، بعث رسول الله (صلی الله علیه و آله) ابن عمّه جعفر إلى مؤتة يقود جيش المسلمين، فجاهد جهاد الأبطال إلى أن قطعت يداه ثم قتل (علیه السلام) ، فأبدله الله عن يديه جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة.

ونقل ابن شهر آشوب في مناقبه بطريقه إلى مقاتل أنه قال: لمّا رأت قريش إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) – وقد علا ذكر وظهر أمره واستجاب كثير من الناس إلى دعوته وأصبحت تتسع يوماً فيوماً – اجتمعوا فيما بينهم وتشاوروا، كما صمموا وتهيؤا وتعاقدوا على أن يقتلوا رسول الله (صلی الله علیه و آله) بعد موت أبي طالب، حتى ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة، ثم شاءت الأقدار أن يعلم أبو طالب بما بيتوه وصمموا عليه، فيجمع على الأثر كافة بني هاشم وبني المطلب، فأعلمهم بنوايا

ص: 286

القوم تجاه ابن أخيه وحبيبه محمّد (صلی الله علیه و آله) ، وطلب إليهم أن يلازموه ولا يفارقوه في حلّه وترحاله، وأن يحوطوه مهما كلفهم الأمر، وإن أدى ذلك إلى التضحية بالروح والدم، ثم قال: يا قوم إن ابني محمّداً نبي صادق وأمين ناطق، وإن شأنه أعظم شأن ومكانه من ربّه أعلى مكان، فأجيبوا دعوته وأجمعوا على نصرته وحاموه من كيد عدوه، فإنه الشرف الباقي لكم.

ونقل في الكافي بسنده إلى ابن أبي عمير عن الحسين بن أبي حمزة عن صادق آل البيت جعفر بن محمّد (علیهما السلام) أنه قال: قد اجتمعت قريش وحلفاؤها من العرب واليهود ذات يوم، فتداولوا أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ثم مخض اجتماعهم ذاك عن التصميم على قتل النبيّ الأمين (صلی الله علیه و آله) ، وبه يقضوا على شريعته ودينه، إلاّ أنه قد وقف نصب أعينهم أبو لهب، فخافوا تحركه وهياجه وحذروا من أن تثور فيه روح النخوة القبلية وحمية النسب، فيقلب لهم ظهر المجن ويتنكر لأفعالهم هذه ومؤامرتهم القذرة، فقالت أم جميل بنت أبي سفيان وزوجة أبي لهب – وهي كانت من جملة من حضر تلك الندوة المشؤومة ومن جملة المشتركين في وضع خططها وتصاميمها – نعم تبرعت أن تكفيهم أمر أبي لهب، وأوعدت أن ستعمل جاهدة وتحاول ما أمكنتها المحاولة والخديعة على حبسه وحجزه في الدار وتهيئة الظروف المحبذة لعدم خروجه ريثما تتم العملية والمؤامرة، فشكروها ثم ودعوها وتفرقوا على أن يجتمعوا في الوقت المحدد ليقوموا بما تعاقدوا وتعاهدوا عليه، وعادت أم جميل إلى دارها وهي قلقة تفكر وتفكر حتى قرب الفجر، وأخيراً دلّها التفكير على أن تحمي الحمام، وبالفعل قامت بذلك حتى إذا نهض أبو لهب من نومه وقام ليرتدي ملابسه ليخرج على مستمر عادته قامت بوجهه أم جميل فقالت: يا أبا لهب إني رأيتك محتاجاً إلى الإغتسال وها أنا قد هيأت لك

ص: 287

الحمام وغسلت ثيابك، فاغسل والبس ثيابك النظيفة ثم اخرج إذا أردت ذلك، فانطلت الحيلة عليه وتلقى الفكرة برغبة ورحابة، فبادر إلى دخول الحمام وصارت أم جميل تدلكه وتغسل له وتماطله وقد أطالت القضية فخافت انكشاف السر؛ فهيأته للبس ثيابه، ولمّا رأته يحاول الخروج من الدار عرضت عليه الشراب وحسنته له، وأنه شراب عظيم قد أهدي إليهم ومن مدة لم يشربا ولم يثملا، وكأنه هشَّ للموضوع فوافق وجلس، فأخذت تسقيه وتشرب وتسقيه حتى ارتخت أعصابهما وصارا بعالم الخيال والنشوة، وكادت مؤامرة جماعة الشرك أن تنجح وتفلح وتتم لولا أن ينكشف التآمر الدنيء لعم النبيّ الزعيم أبي طالب، فتقوم قيامته وتثور ثائرته، ويتأكد أن أبا لهب لم يكن مع القوم كما لم يكن من المتآمرين على حياة النبيّ (صلی الله علیه و آله) في هذه المرة، فيرسل ولده عليّاً (علیه السلام) إلى دار عمّه وقال له فيما قال: أسرع إلى دار عمّك، فأطرق عليه الباب فإن فتح لك وإلاّ اكسره وادخل وقل لعمّك: يقول لك أبو طالب: إن امرأ ً عمه عينه في القوم ليس بذليل.

فذهب عليٌّ (علیه السلام) فوراً فطرق الباب فلم يفتح له، فكسره ودخل فوجد عمّه وزوجته وقد دوخهما الخمر وأنامهما السكر، فلمّا بصر به أبو لهب استنكر دخوله وحالته، فقال: ما وراءك يا عليُّ؟ فقال له: يقول لك أبو طالب: من كان عمه عينه في القوم ليس بذليل، فقال: صدقت وصدق أبوك.

ثم نهض ليخرج، فتعلقت به زوجته وحاولت عدم خروجه، فاشتدّ واحتدّ ولطمها على عينها ففقأها وخرج مسرعاً حتى وقف على رؤوس القوم والغضب بادٍ على وجهه، ثم انفجر قائلاً: أيها الجماعة الحمقاء تباً لكم ولأعمالكم، إني وافقتكم وسايرتكم على أخي وابن أخي، وما

ص: 288

كنت أعتقد أن الحال يبلغ بكم إلى ما قد وصل وتبلغ بكم الصلافة والوقاحة إلى هذا الحد، تريدون قتل محمّد، فو الله لقد هممت أن أصبو لدين محمّد ثم ترون صنعي بكم.. فخاف القوم من أن يفعل؛ فأخذوا يهدئون عليه ويخففون من حدته، وتنازلوا له وأعطوه كلاماً أن يكفوا عن المحاولة ويبتعدوا عن إيذاء أبي طالب ومحمّد، ولم يزالوا به حتى أرضوه، وفشلت المحاولة وخسرت المؤامرة، وباؤوا بالخزي والعار، وتفرقوا أذلاء صاغرين.

وتحدث السيد الموسوي في الحجة ص 174 فقال: حدثني السيد عبد الحميد بن التقي الحسيني قراءة عليه في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، قال: أخبرني الشريف النسابة أبو تمام هبة الله بن عبد الصمد العباسي الهاشمي، قال: أخبرني الشريف أبو عبد الله جعفر بن هاشم بن علي بن محمد بن الصوفي، قال: أخبرني جدي أبو الحسن علي بن محمد الصوفي العلوي العمري النسابة، قال: روى الشريف الفاضل أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عن جده عن جده يحيى بن الحسين الشريف العالم النسابة يرفعه إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال ذات يوم وبمناسبة ما لعقيل بن أبي طالب: يا عقيل إني أحبك حبين حبّاً لك، وحبّاً لحبِّ عمّي أبي طالب لك.

أقول: لله أنت، ولله درّك يا عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وهنيئاً لك بمقامك الكريم وشأنك الرفيع عند رسول الله العظيم (صلی الله علیه و آله) ، حيث قد أحبّك وأحبَّ من تحبّه أنت كرامة لك، ومن الجلي والواضح أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) ما أحبّك إلاّ لإخلاصك لله وتفانيك في سبيله، ومن المستحيل أن يحبَّ إلاّ في الله ولا يبغض إلاّ في الله، ولو لم يكن أبو طالب يحبّ الله ويحبّه الله لما أحبّه رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

ص: 289

ولعلّه من أقوى الأدلة على مدى حبّه لله عزّ وجلّ ومدى حبّه لرسول الله (صلی الله علیه و آله) لاميّته العظيمة، وكنت أودّ بإلحاح أن أقف عل تمامها؛ لأن الكتب التاريخية التي كانت بمتناولي غالباً ما كانت تقتطف منها البعض وتنصرف عن الباقي لطولها وكبرها، حتى إذا قُدّر لي أن أعثر عليها كاملة غير منقوصة في سيرة ابن هشام وديوان أبي طالب والمواهب، تفتحت لها مشاعري وأحاسيسي، ووجدتني مغرماً بها وبتردادها، ومعجباً بما تحتوي عليه من معانٍ غر ٍّ وأهداف جليلة، ودعوة إلى الله تعالى ورسوله، ووجدتها فوق وصف الواصفين وتعريف المعرفين، ورأيتني مندفعاً إلى تسجيلها كاملة وتامة في مؤلفي هذا، ولكن قد يعترضني ما كان يعترض الآخرين من التوقف عن نقلها جملة وتفصيلاً للغرض الذي من أجله كان الإكتفاء ببعضها، وهكذا بقيت متردداً أقدم مرة وأحجم مرة أخرى، وربّما تصورت أن في ذكرها تامة خدمة للأدب العربي والشعر العربي، كما هو خدمة لأبي طالب؛ لما له على المسلمين عامة من الحق المبين والفضل الجليل الجسيم، ومع هذا كله لم أكن أجزم بشيء.

وفي ذات يوم، وفي ضحى يوم الخميس المصادف أربعة وعشرين من شهر جمادى الأولى لسنة ألف وثلاثمائة وسبعة وثمانين هجرية ساورتني قصة لاميّة أبي طالب، فشغلت كل تفكيري إذ أخذتني سِنةٌ لم أألفها ولم أكن قد اعتدت عليها في مثل ذلك الوقت بالذات، فخيّل لي شخص سيدي ومولاي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) وهو يقول: ألم تكن تذكر في مؤلف كهذا عنّي أني كنت أأمر أصحابي أن يحفظوا ويحفِّظوا أبناءهم لاميّة أبي طالب، فقلت: نعم كان ذلك جُعلت فداك.

ص: 290

قال: لماذا إذاً توقفك عن ذكر لاميّة أبي طالب مجموعة، أذكرها كاملة فإنها تحتوي على علم جمٍّ ونصائح ومواعظ وحكم ومدح للنبيّ (صلی الله علیه و آله) ، ثم الإقرار بنبوته وتشجيعه على حركته.

فانتبهت مرتبكاً واجماً، وكلمات الإمام (علیه السلام) ملء مشاعري وأحاسيسي، ووجدت مؤلف القاضي النقدي المواهب مفتوحاً أمامي وعنوان صفحته الأولى ((لاميّة أبي طالب))، في حال أني لم أتصور، ولم أكن أتفطن أني فتحته أو استخرجت القصيدة قبل السِنة والغفوة.

وكيف كان الأمر، المهمّ أني وجدت من نفسي أنها تحوم حول الموضوع، وتحاول بصورة لا إرادية ذكر تمام القصيدة، وشعرت بأن قلمي أكثر مني مبادرة والتهاماً للقصيدة الشذية العطرة، وها هي نعرضها للقرّاء امتثالاً لطلب الإمام، وتنويراً للأفكار المحبة للرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ، والمنصهرة ببوتقة الولاء لآله الميامين صلوات الله عليهم أجمعين:

خَلِيلَيَّ ما أُذْنِي لأَوَّلِ عاذِلِ *** بِصَغْواءَ في حَقٍّ ولا عندَ باطِلِ

خَلِيْلَيَّ إِنَّ الرأْيَ ليسَ بِشركةٍ *** ولا نهنهٍ عندَ الأمورِ التلاتِلِ

ولمّا رأيتُ القَومَ لا ودَّ فيهُمُ *** وقد قَطَّعُوا كُلَّ العُرَى والوَسائلِ

وقد صارَحُونا بالعَداوَةِ والأَذَى *** وقد طاوَعُوا أَمْرَ العَدُوِّ المُزايِلِ

وَقَدْ حالَفُوا قَوماً عَلينا أَظِنَّةً *** يَعَضُّونَ غَيظاً خَلْفَنا بالأَناملِ

صَبَرْتُ لَهُمْ نَفْسي بِسَمراءَ سَمْحةٍ *** وأبيضَ ماضٍ مِن تُراثِ الأوائلِ

وأَحْضَرتُ عندَ البيتِ رَهْطي وإخْوَتي *** وأَمْسَكْتُ من أثوابِهِ بالوصَائلِ

قياماً معاً مُستَقْبِلينَ رِتاجَهُ *** لدَى حيثُ يقضِي نُسْكَهُ كُلُّ نافِلِ

ص: 291

وحيثُ يُنِيخُ الأشعرونَ ركابَهُم *** بِمَفْضَى سُّيولِ من أسافٍ ونائلِ

مُوسَّمَة َ الأعضادِ أو قَصَراتِها *** مُخيَّسة ً بين السَّديس وبازِلِ

تَرى الوَدْعَ فيها والرُّخامَ وزينة ً *** بأعناقِها معقودة ً كالعثاكلِ

أَعُوذُ بِرَبِّ الناسِ مِن كُلِّ طاعِنٍ *** علينا بِشَرٍّ أو مُلِحٍّ بِباطِلِ

ومِن كاشِحٍ يَسعَى لنا بِمَعِيبةٍ *** ومِن مُفْتَرٍ في الدِّينِ ما لم نُحاوِلِ

وَثَورٍ ومَن أرسَى ثَبِيراً مَكانَهُ *** وعَيْرٍ، وراقٍ في حِراءَ ونازِلِ

وبالبيتِ رُكْنِ البيتِ مِن بَطنِ مَكَّةٍ *** وباللهِ إنَّ اللهَ ليسَ بغافِلِ

وبالحَجَرِ المُسوَدِّ إذ يَمسَحُونَهُ *** إذا اكتَنَفُوهُ بالضُّحَى والأصائِلِ

وموطِئ إبراهيم في الصَّخرِ وَطأَةً *** على قَدَميهِ حافياً غيرَ ناعِلِ

وأشواطِ بينَ المَروَتَينِ إلى الصَّفا *** وما فيهما من صُورةٍ وتماثِلِ

ومَن حَجَّ بيتَ اللهِ مِن كُلِّ راكِبٍ *** ومِن كُلّ ذِي نَذرٍ ومِن كُلّ راجِلِ

وبالمَشعَرِ الأَقصَى إذا عَمَدُوا لَهُ *** أَلالاً إلى مُفضَى الشِّراجِ القَوابِلِ

وتَوقَافِهم فوقَ الجِبالِ عَشِيّةً *** يُقيمونَ بالأَيدِي صُدورَ الرواحِلِ

وليلةِ جَمْعٍ والمَنازلِ مِن مِنى *** وما فَوقَها مِن حُرمَةٍ وَمَنازِلِ

وجَمْعٍ إذا ما المُقرَبات أجَزْنَهُ *** سِراعاً كما يَفزَعنَ من وَقعِ وابلِ

وبالجَمرةِ الكُبرى إذا صَمَدوا لها *** يَؤُمّونَ قَذفاً رأسَها بالجَنادِلِ

وكِندةَ إذ تَرمي الجِمارَ عَشيّةً *** تُجيز بها حُجَّاجَ بكرِ بنِ وائلِ

حَليفانِ شدَّا عَقْدَ ما احْتَلَفا لَهُ *** وردَّا عليه عاطِفاتِ الذلائلِ

ص: 292

وحَطْمِهمُ سُمْرَ الرِماحِ مَعَ الظُّبا *** وإنقاذِهِم ما يَنتقي كُلّ نابلِ

وَمَشْيهُمُ حَولَ البَسالِ وسَرْحِهِ *** وسَلميّةٍ وَخْدَ النَعامِ الجوافِلِ

(وحَطْمِهم سُمْرَ الصِّفاح وسَرْحِهِ *** وشِبْرِقَةٍ وَخْدَ النَّعامِ الجَوافِلِ)

فَهلْ فوقَ هذا من مَعادٍ لعائذٍ؟! *** وهَل من مُعيذٍ يَتَّقِي اللهَ عادلِ؟!

يُطاع بنا الأعداء ودّوا لو انَّنا *** تُسَدُّ بنا أبوابُ تُركٍ وكابُلِ

كَذَبتُم وبيتِ اللهِ نَترُكُ مَكّةً *** ونَظْعَنُ إلاَّ أَمرُكُم في بلابِلِ

(كَذَبتُم وبيتِ اللهِ نَترُكُ مَكّةً *** وبَطْنٌ تُرَىْ مِنْ هَاشِمٍ بِالمَحَافِلِ)

كَذَبتُم وبيتِ اللهِ نُبزَى محمّداً *** ولَمَّا نُطاعِنْ دونَهُ ونُناصِلِ

نُقِيمُ عَلىْ نَصْرِ النبيّ مُحَمّدٍ *** نُقَاتِلُ عَنْهُ بِالظُبَىْ وَالعَواْسِلِ

وننصره حتّى نُصَرَّعَ حَولَهُ *** وَنَذهَلَ عن أبنائِنا والحَلائِلِ

وَينهضَ قومٌ في الحَديدِ إليكُمُ *** نُهوضَ الرَّوايا تحتَ ذاتِ الصَّلاصِلِ

وَحَتّى يُرى ذا الضِغنِ يَركَبُ ردعَهُ *** مِنَ الطَعنِ فِعلَ الأَنكَبِ المُتَحامِلِ

(و حتَّى يُرى ذو البَغي يَركَبُ رَدعَهُ *** مِن الضِّغْنِ فِعلَ الأَنكَبِ المُتَحامِلِ)

وإنّا لَعَمْرُ اللهِ إنْ جَدَّ ما أرى *** لَتَلتَبِسَنْ أسيافُنا بالأماثِلِ

بكفِّ فَتىً مثلِ الشِهابِ سَمَيْدَعٍ *** أَخي ثِقَةٍ حامي الحَقيقةِ باسِلِ

مِنَ الحَيِّ مِنْ فَرْعَيْ لُؤَيِّ بنِ غَالِبٍ *** مَنِيْعِ الحِمَىْ عِنْدَ الوَغَىْ غَيْرِ نَاْكِلِ

شُهوراً وأيّاماً وحَوْلاً مُجَرَّماً *** علَينا وتأتي حِجَّةٌ بعدَ قابِلِ

وما تَرْكُ قَومٍ لا أباً لكَ سَيِّداً *** يَحُوطُ ذِّمارَاً غير ذَرْبِ مُواكِلِ

ص: 293

وأبيضَ يُستَسْقَى الغَمَامُ بوَجهِهِ *** ثمال اليتامَى عِصمَةٌ للأرامِلِ

(وأبيضَ يُستَسْقَى الغَمَامُ بوَجهِهِ *** رَبيعُ اليتامَى عِصمَةٌ للأرامِلِ)

يَلوذُ بهِ الهُلاَّكُ مِن آلِ هاشِمٍ *** فهُم عندَهُ في نِعمةٍ وفَواضِلِ

لَعَمْري لقد أَجرى أَسيدٌ وَرَهطُهُ *** إلى بُغضِنا جَيْشَ العِدَىْ وَالتَحَامُلِ

(لَعَمْري لقد أَجرى أَسيدٌ وَرَهطُهُ *** إلى بُغضِنا وَجْزاً بأكلَةِ آكِلِ)

جَزَتْ رَحِمٌ عنّا أَسيداً وخالِداً *** جَزاءَ مُسيءٍ لا يُؤَخَّرُ عاجِلِ

وعُثْمانُ لم يَرْبَعُ علينا وقُنفُذٌ *** ولكنْ أطاعا أمرَ تلكَ القَبائلِ

أَطاعا بِنا الغَاوِين في كُلِّ وجهَةٍ *** ولم يَرْقُبا فينا مَقالَةَ قائِلِ

(أطاعا أبيّاً وَابْنَ عَبْدٍ يَغُوْثُهُمْ *** ولم يَرْقُبا فينا مَقالَةَ قائِلِ)

كما قَد لَقِينا مِن سُبَيْعٍ ونَوفَلٍ *** وكُلٌّ تولّى مُعرِضاً لم يُجامِل

فإنْ يلُقَيَا أو يُمكِنِ اللهُ مِنهُما *** نَكِلْ لَهُما صاعاً بكَيلِ المُكايِلِ

وذاكَ أبو عَمرٍو أبى غير بُغْضِنا *** لِيَطْعَنَنا فِيْ كُلِّ شَاْءٍ وَنَاْئِلِ

(وذاكَ أبو عَمرٍو أبى غيرَ مُغضَبٍ *** لِيُظعِنَنَا في أَهلِ شاءٍ وجامِلِ)

يُناجي بنا في كُلّ مُمْسىً ومُصْبَحٍ *** فناجِ أَبا عمرِو بنا ثُمّ خاتِلِ

ويُقْسِمُنا باللهِ ما إنْ يَغُشّنا *** بلَى قد نراهُ جَهْرَةً غيرَ حائلِ

أضاق عليه بُغضُنا كُلَّ تَلْعةٍ *** مِن الأَرضِ بينَ أَخْشَبٍ فالأجادِلِ

وسائلْ أبا الوليدِ ماذا حبَوْتَنا *** بِسَعْيِكَ فينا مُعرِضاً كالمُخاتِلِ

و كنتَ امرَءاً ممّن يُعاشُ برأيهِ *** ورَحمتهُ فينا ولستَ بجاهلِ

ص: 294

فعُتبةُ لا تَسمَعْ بنا قولَ كاشِحٍ *** حَسُودٍ كَذوبٍ مُبغِضٍ ذي دَغاولِ

وَلَسْتُ أُبَالِيْهِ عَلَىْ ذَاْتِ نَفْسِهِ *** فَعِشْ يَابْنَ عَمِّيْ نَاْعِمَاً غَيْرَ مَاحِلِ

وقد خِفت إنْ لم تَزدَجِرْهُم وَتَرعَوُوا *** تُلاقي ونَلقى منك إحدى البَلابلِ

ومَرَّ أبو سُفيانَ عَنِّيَ مُعرِضاً *** كَمَاْ مَرَّ فِيلٌ مِنْ عَظِيْمِ الْمنَاولِ

(ومَرَّ أبو سُفيانَ عَنِّيَ مُعرِضاً *** كأنَّكَ قَيلٌ في كِبارِ المَجادِلِ)

يَفِرُّ إلى نَجدٍ وبَردِ مِياهِهِ *** ويَزعُمُ أَنِّي لستُ عَنهُم بغافِلِ

وأعلَمُ أنْ لا غافلٌ عن مَساءةٍ *** كذاكَ العَدُوُّ عندَ حَقٍّ وباطِل

فمِيلُوا علينا كُلُّكُم إنَّ مَيلَكُم *** سَواءٌ علَينا والرياحُ بِهاطِل

يُخَبِّرنا فِعلَ المُناصِحِ أَنَّهُ *** شَفِيقٌ ويَبْغي عارقاتِ الدَّواخِلِ

أَمُطْعِمُ لم أَخذُلْكَ في يومِ نَجدَةٍ *** ولا عندَ تلكَ المُعْظماتِ الجَلاجلِ

ولا يَومَ قَصْمٍ إذ أتَوك ألِدَّةً *** أُولي جَدَلٍ مِثلِ الخُصوم المَساجلِ

أَمُطْعِمُ إنَّ القومَ سامُوكَ خُطَّةً *** وإنّي متَى أُوْكَل فلستُ بوائلِ

جَزى اللهُ عنّي عَبدَ شمسٍ ونَوفَلاً *** عُقوبةَ شَرٍّ عاجلاً غيرَ آجِلِ

بميزانِ قِسطٍ لاَ يَخِيسُ شَعِيرةً *** له شاهدٌ من نفسِهِ حَقّ عادلِ

لقد سَفِهَتْ أخلاقُ قَوم تَبدَّلوا *** بَني خَلَفٍ قَيضاً بنا والغَياطِلِ

ونَحنُ صميم مِن ذُؤابَةِ هاشمٍ *** وآل قُصَيٍّ في الخُطوبِ الأوائلِ

فَإِنْ نَكُ قَوْمًا نَتّئِرْ مَا صَنَعْتُمْ *** وَتَحْتَلِبُوهَا لِقْحَةً غَيْرَ بَاهِلِ

وكانَ لنا حَوضُ السِّقايةِ فيهمُ *** ونحن الذُرَى منهم وفوقَ الكَواهلِ

ص: 295

فما أدركوا ذَحْلاً ولا سَفكوا دماً *** و ما حالفوا إلاَّ شِرارَ القبائلِ

بَني أَمَةٍ مَجنونةٍ هِنْدِكِيَّةٍ *** بَني جُمَع من عَبِدَ قَيسِ بنِ عاقلِ

وسَهْمٌ ومَخْزُومٌ تَمالَوا وألَّبُوا *** علينا العِدى من كُلِّ طِمْلٍ وخامِلِ

يَعضُّوْنَ مِنْ غَيْضٍ عَلَيْنَاْ أَكَفَّهُمْ *** بِلاْ َتَرَةٍ بَعْدَ الحِمَىْ والْتَوَاْصِلِ

وَحَثَّ بَنِيْ سَهْمٍ عَلَيْنَاْ عَدِيّهُمْ *** عَدِيٌّ وَكَعْبٌ فَاحْتَبُوْا بِالْمَحَاْفِلِ

وشائظُ كانت في لُؤيِّ بنِ غالبٍ *** نَفاهُم إلينا كُلُّ صَقْرٍ حُلاحِلِ

ورَهطُ نُفَيلٍ شَرَّ مَن وَطِئ الحَصا *** وأَلأَمَ حافٍ مِن مَعَدٍّ وناعِلِ

فَعَبدُ مُنافٍ أنتُمُ خَيرُ قومِكُم *** فلا تُشرِكوا في أَمرِكُم كُلَّ واغِلِ

فقد خِفتُ إن لَم يُصلِحِ اللهُ أَمرَكُم *** تكونُوا كما كانَت أَحاديثُ وائِلِ

لَعَمْرِي لَقَد أوَهَنْتُمُ وَعَجَزتُمُ *** وجِئتُمْ بأَمرٍ مُخطِئٍ للمَفاصِلِ

وكنتُم قديماً حَطْبَ قِدْرٍ فأنتُمُ *** إلى الآنَ من حِطابُ قْدُرٍ ومَرجِلِ

ليَهْنِ بني عبد المُنافِ عُقوقُها *** وخِذْلانُها أو تَرْكُها في المَعاقِلِ

فإن يَكُ قومٌ سَرَّهُم ما صَنَعتُمُ *** سَيَحتَلِبُوها لاقِحاً غيرَ باهِلِ

فأبلِغ قريشاً أنْ سيُنشَرُ أمرُنا *** وبشّر قُصَيّاً بعدَنا بالتَّخاذُلِ

ولو طَرَقَت لَيلاً قُصِيّاً عَظيمةٌ *** إذَاً ما لَجأنا دونَهُم في المَداخِلِ

ولَو صَدَقوا ضَرباً خِلالَ بُيوتِهِم *** لكنَّا أُسىً عندَ النِّساءِ المَعاطِلِ

فإنْ تَكُ كَعبٌ مِن لُؤيٍّ تَجَمّعتْ *** فلا بُدَّ يوماً مَرّةً مِن تَزايُلِ

وإن تَكُ كَعبٌ من كُعوبٍ كبيرةٍ *** فلا بُدَّ يوماً أنَّها في مَجاهِلِ

ص: 296

وكنّا بخيرٍ قبلَ تسويدِ مَعشَرٍ *** هُمُ ذَبَحونا بالمُدَى والمَقاوِلِ

فَكُلُّ صَديقٍ وابنِ أُختٍ نَعُدُّهُ *** لَعَمْري وَجَدنا عَيشَهُ غيرَ زائلِ

سِوَى أنَّ رَهطاً مِن كِلابِ بنِ مُرّةٍ *** بَراءٌ إلَينا مِن مَعقَّةِ خاذِلِ

بني أَسَدٍ لا تَطْرِفُنَّ على القَذَى *** إذا لم يَقُلْ بالحَقّ مِقوَلُ قائلِ

فنعمَ ابنُ أختِ القومِ غير مكذبٍ *** زُهير حسامًا مفردًا من حَمائلِ

أشمَّ من الشمِّ البهاليلِ ينتمي *** إلى حسبٍ في حومةِ المجدِ فاضلِ

لَعَمْري لَقد كُلِّفتُ وَجداً بأحمَدٍ *** وإِخوَتِهِ دأبَ المُحِبِّ المُواصِلِ

فلا زالَ في الدُنيا جَمالاً لأَهلِها *** وزَيناً على رَغمِ العَدُوّ المُخاتلِ

فمَن مِثلُهُ في الناس أو مَن مُؤمَّلٌ *** إذا قايسَ الحُكّامُ أهلَ التفاضُلِ

حليمٌ، رَشيدٌ، عادِلٌ، غيرُ طائِشٍ *** يوالي إلهاً ليسَ عنهُ بذاهِلِ

كريمُ المساعي ماجدٌ وابنُ ماجدٍ *** لهُ إرثُ مجدٍ ثابتٍ غيرِ ناصلِ

فأَيَّدَهُ رَبُّ العِبادِ بنَصرِهِ *** وأظهرَ دِيناً حَقُّهُ غير زائل

فو اللهِ لولاْ أنْ أجِيءَ بِسبّةٍ *** تَجرُّ عَلىْ أشياخِنا فِي المَحافِلِ

لَكُنّا تَبِعْناهُ علىْ كُلِّ حَالةٍ *** مِنَ الدهرِ جِدّاً غَيْر قَولِ التهازلِ

لقد علموا أنَّ ابنَنَا لا مُكَذَّبٌ *** لَدَيهِم، ولا يُعنَى بقولِ الأباطِلِ

رِجالٌ كِرامٌ غيرُ مِيلٍ نَماهُمُ *** إلى العِزِّ آباءٌ كرامُ الأصائل

وَقفنا لَهُمْ حتّى تَبَدَّدَ جَمعُهُم *** ويَحسُرَ عنّا كُلّ باغٍ وجاهلِ

شبابٌ مِن المُطَّلبينَ وهاشِمٍ *** كبِيضِ سيوفٍ بين أيدي الصَّياقِلِ

ص: 297

(شبابٌ كرامٌ غيرُ ميلٍ غوادرٍ *** كبِيضِ سيوفٍ بين أيدي الصَّياقِلِ)

بضَربٍ ترى الفِتيان عنه كأَنَّهُم *** ضَوارِي أُسودٍ فوقَ لَحمٍ خَرادلِ

ولكِنَنا نَسلٌ كِرامٌ لِسادَةٍ *** بِهم يَعتلي الأقوامُ عندِ التَّطاوُلِ

سَيَعلِمُ أهلُ الضِّغْنِ أَيّي وأَيُّهُم *** يَفوزُ ويَعلو في لَيالٍ قَلائلِ

وأيّهُمُ مِنّي ومِنهُم بسيفِهِ *** يُلاقي إذا ما حانَ وقتُ التنازُلِ

ومَن ذا يَمَلّ الحَربَ مِنّي ومِنهُم *** ويُحمَدُ في الآفاق في قولِ قائلِ

فأصبح منّا أحمدٌ في أُرُومَةٍ *** تُقَصِّرُ مِنها سَورةُ المُتطاولِ

كأنّي بهِ فوقَ الجِيادِ يَقودُها *** إلى مَعشَرٍ زاغُوا إلى كُلِّ باطلِ

وجُدْتُ بنفسِي دُونَه وَحَمَيتُهُ *** ودافَعتُ عنهُ بالطُّلى والكلاكِلِ

ولا شَكَّ أنَّ اللهَ رافِعُ أَمرِه *** ومُعْليهِ في الدنيا ويومَ التَّجادُلِ

كما قد أُري في اليوم والأَمسِ جَدُّهُ *** ووالِدُه رؤياهُما خيرُ آفلِ

***

أقول: لعمري إنها قصيدة عصماء عطرة، وفريدة فواحة نضرة، وألوكة ناجحة مظفرة، قد استهدفت أول ما استهدفت تحطيم ثورة الأوثان، وتسخيف عبادة الأحجار والأصنام، ثم التعريض بقريش والعرب؛ حيث أنهم حاربوا الله ورسوله، وجانبوا كل شيء من شأنه أن يرجع إلى الفضيلة والخلق السامي النبيّل، ثم التعريج على ما لآباء رسول الله (صلی الله علیه و آله) من مكارم ومفاخر وفضائل ومآثر من سالف الزمن وأقدم العصور، ثم التحدث عن نبوة الرسول (صلی الله علیه و آله) وبعثته وفضله ومحاسنه، ثم مدحه (صلی الله علیه و آله) بما هو أهله ومستحقه، ثم إعلان تصديقه للنبوة،

ص: 298

وإظهار تمسكه بكل ما جاء به النبيّ (صلی الله علیه و آله) عن ربّه عزّ وجلّ، ثم إبداء الإستعداد والحضور لكل متطلبات النصرة والمؤازرة من التفاني والتفادي وما إلى ذلك، ثم التفاؤل لدين رسول الله (صلی الله علیه و آله) بالانتشار والانتصار مهما كانت العوائق والحواجز... إلى آخر ما تحتوي عليه من فنون العلم والأدب واللغة والفلسفة، فهي جديرة بأن يخصص لها مؤلف يتضمن شرحها وما حوته من بديع المقال وعظيم المفاد والمآل، ولعلنا نتوفق إلى ذلك فيما يأتي إن شاء الله، فنكون ممن تقرب إلى الله بحفظ رسول الله (صلی الله علیه و آله) في عمّه وحاميه وكافله.

وقال القاضي النقدي في مواهبه ص 114: إن أبا طالب (رضی الله عنه) كان يتعاطى في نظمه اللغز أيضاً، فمن ذلك قوله:

خذ الميمين من ميمٍ *** ولا تنقط على أمري

و مازجها يكن إسماً *** لمن كان به فخري

به آمنت في سري *** ولا تسألني عن جهري

رمز كريم وإشارة باهرة يفوه بها عمّ النبيّ الكريم، حاول فيها فيما حاول أن يشير إلى اسم رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ثم أفاد عن انطباعاته عنه وأنه رسول الله حقاً ونبيه صدقاً، لا مراء في ذلك ولا شبهة، كما أظهر أنه (صلی الله علیه و آله) هو فخره وشرفه معتزاً بذلك ويرفع رأسه عالياً بواسطتهما، وذلك منتهى الإيمان وغاية الإخلاص.

وقال النقدي في نفس الصفحة: ومن ذلك أيضاً قوله:

ص: 299

ألا خذ وعد موسى مرتين *** وضع أصل الطبايع تحت ذينِ

وسكة خان شطرنج فخذها *** وادرج بين ذين المدرجين

فذلك اسم من يهواه قلبي *** وقلب جميع من في الخافقين

ويحدثنا الموسوي في الحجة فيقول: أخبرني الشيخ محمد بن إدريس بإسناده المتصل إلى الحسن بن جمهور القمي عن أبيه أنه قال: قال ابن قتيبة بطريقه إلى صالح بن كيسان عن عبد الله بن رومان عن يزيد بن الصعق عن عمر بن خارجة عن عرفطة أنه قال: خرجت إلى بعض أصقاع مكة لشغل كان لي هناك، إذ أقبلت جمال من أعالي نجد حاذت مكة وقربت من الكعبة، وإذا أنا بغلام قد ألقى بنفسه من أعلى جمل من الجمال ثم توجه إلى الكعبة وتعلق بأستارها، ثم صار ينادي: يا ربّ هذه البنية أجرني وخلصني مما أنا فيه.

فأقبل إليه رجل ممن كان في القافلة فأخذ يوسعه شتماً وضرباً، ورام أن يجرّه من الكعبة، والغلام متمسك لا يريد أن يحلَّ يديه من أستارها، والناس وقوف لا تستطيع تخليص الغلام من الرجل.

وبينما نحن كذلك إذ أقبل على الكعبة شيخ جسيم وسيم عليه وقار الحكماء وبهاء الملوك والعظماء، فشاهد ما نشاهده، فأقبل على الرجل وقال: ما بالك وباله؟ فقال: هذا غلامي وقد أبق مني ووجدته الآن وأريد إرجاعه معي إلى وطني.. ثم استنطق الغلام وقال: أصحيح ما يقول هذا؟ قال الغلام: لا يا عم لا علاقة لي بهذا الرجل أبداً، غير أنه كانت له صداقة مع أبي وبما أنه رجل فقير كان يعطف عليه ويساعده، وربما قد ولاّه بعض أعماله، ثم مات أبي وأنا

ص: 300

طفل لا أعرف كل شيء، فما شعرت إلاّ وأنا مستعبد لهذا النجدي، وقد سمعت أن لله بيتاً يمنع من الظلم وينتقم من الظالمين لذا قصدته واستجرت بأستاره ليخلصني ممن ظلمني واستعبدني.

فقال له الشيخ: نعم الآن يفرج الله عنك وتخلصك بنيته من خصمك، هيا معي وامش أمامي، فحلَّ الغلام يديه من أستار الكعبة ومشى أمامه، فحانت مني التفاتة إلى النجدي فرأيته وقد اربدَّ وجهه وتحير ولاذ بالسكوت والصمت، ورجع إلى قافلته بخفي حنين، وأمّا الشيخ فغاب بالغلام ولم أدرِ إلى أين، وقد أكبرت موقفه ومقامه ونصرته للمظلوم وتخليصه من الظالم، ثم رجعت إلى مكاني والقضية قد أخذت مني مأخذها، وأنا أشعر برغبة ملحة حول التعرف على ذلك الشيخ؛ لأكتسب منه الأدب والنخوة العربية، فما وجدتني إلاّ وأنا في مكة لتلك الغاية، ولكني لم أعرف اسم الرجل حتى أسأل عنه وأصل إليه، فصرت أطوف في مكة فرأيت حالتها غير طبيعية تهيمن عليها الضوضاء وتسودها غوغاء غير اعتيادية، والناس بين قائل: استجيروا باللات والعزّى، وقائل يقول: استجيروا بهبل ومناة الأخرى، وقائل يقول: يا قوم لا تذهبن بكم المذاهب وفيكم بقية إبراهيم وسلالة إسماعيل، فهو أهل لكل كرامة ومحلٌّ لكل فضيلة.

فسألت عن الأخير فقيل لي: هو ورقة بن نوفل، ولمّا سمع الناس قوله قالوا: لعلك عنيت بكلامك شيخ الأبطح أبا طالب؟ قال ورقة: نعم ما عنيت إلاّ هو.

ثم قام القوم كلهم بصحبته، وقمت أنا معهم، فسرنا إلى أن وصلنا إلى مضيف عامر ودار شامخة، فدخلوا ودخلت، فاستقبلنا صاحب المضيف استقبالاً طيباً، فتأملت فيه وإذا هو

ص: 301

صاحبي الذي قصدت من أجله مكة، فجلس الناس بين يديه خاشعين مؤدبين، أمّا أنا فكل غايتي أن أجلس أمامه أتزود من النظر إلى محياه الكريم ووجهه المبارك.

وبعد أن استقر بالجماعة الجلوس تكلم خطيبهم فقال: يا زعيم قريش إنّا قصدناك بمهمة وجئناك بحاجة توسط إلى الله في قضائها وإلاّ هلكنا عن آخرنا نحن ومواشينا وأطفالنا.

قال: وما ذاك يا قوم؟ قالوا: يا شيخ الأبطح قد أقحط الوادي وأجدبت الأرض ومنعت السماء درَّها فاستسقِ لنا يابن عبد المطلب، فإنَّ لك شأناً عند الله وجاهاً كبيراً.

قال أبو طالب: رويدكم يا قوم دلوك الشمس وهبوب الريح.

فصار القوم إلى الإنتظار، فما زاغت الشمس أو كادت حتى خرج أبو طالب ومعه أغيلمة من آل عبد المطلب، وبينهم غلام كأنه البدر الساطع والقمر المنير ليلة التمام والكمال، فجاء أبو طالب فأسند ظهره إلى حائط البيت الحرام وجعل الغلمان بين يديه، ثم صار يدعو بدعوات لم نسمعها، ثم لوّح نحو السماء بإصبعه السبابة، فنظرت إلى السماء وهي ضاحكة صاحية، وبمجرد أن فرغ أبو طالب من دعائه رأيت الغيم وقد سيطر على السماء فاسودَّ وادلهمَّ، ثم رعدت السماء وأبرقت، ثم انفجر السحاب كأفواه القرب بماء منهمر، ففاضت الصحارى والوديان؛ فهلل الناس وكبّروا وفرحوا بما تفضل الله عليهم ببركة عمِّ النبيّ أبي طالب من تحقق الطلبة وتلبية المهمّة.

وتحدث السيد زيني دحلان مفتي الشوافع في عصره على هامش المختصر تأليف السيد الشريف محمد قطب الدين البرزنجي – والمختصر هذا كان الأساس والغاية من تأليفه الرد

ص: 302

والجواب المعتضد بأقوى الأدلة وأسطع البراهين على مؤلف الشيخ علي القاري الهروي الرامي إلى نسبة الكفر إلى أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) الشريفين وأسرته الكريمة.

فالمختصر كل غايته تحطيم مزاعم الهروي وتفنيد آرائه من الجزم بأن أبوي النبيّ (صلی الله علیه و آله) وعمّه أبي طالب، بل وأسرته المباركة كلهم كانوا مؤمنين بالله لا يشركون به طرفة عين أبداً، وهم على دين وملة جدهم الأعلى النبيّ إبراهيم (علیه السلام) ، وبالتالي هم من أهل المشمولين لكرامة الله ورحمته يوم القيامة.

قال السيد زيني دحلان: ذكر البرزنجي في خاتمة مؤلفه: لمّا أكملت من رسالتي مسودتها، وكان ذلك في أوائل ذي القعدة الحرام من سنة ثمانين بعد الألف هجرية بالمدينة المنورة على مشرفها آلاف التحية والسلام في منزلي المعروف بالزقاق المعروف بزقاق البدوي، انقدح في ذهني وبدر لي أن أبعث بمسودتي إلى بعض الخدمة للحرم النبوي الشريف لمن قَدم له وقِدم في طريق الله، وممن له مجاهدات ومكاشفات وأوراد، وأخيراً بعثتها إليه ورجوته أن يدخلها الحضرة الشريفة، ويجعلها تحت أستار كسوة القبر المعظم؛ لأنه هو (صلی الله علیه و آله) كل الغاية من الجمع والتأليف كخدمة خالصة لحضرته ليس إلاّ، ومن ثم تنزيه آبائه الكرام مما يضرُّ بسمعته وسمعتهم (علیهم السلام) ، كما كانت الغاية من إرسال المسودة لتجري عليها تلك العملية لأتبين مقبوليتها ومدى إرضائها للرسول (صلی الله علیه و آله) ، ومتى ما استشعرت منه الرضا واستظهرت القبول قدمت على تبييضها ثم تقديمها للطبع والنشر وإلاّ انطويت عليها وأخفيتها إلى الأبد ولم أشعر بها أحداً، ولمّا وصلت إلى السادن قد حقق ما طلبته منه، فتركها تحت أستار القبر الشريف عدة ليالٍ، ثم جاء بها إليَّ وهو فرح مستبشر وهو يقول:

ص: 303

خذ كتابك يا شيخ فإني أهنيك به؛ لأنه قد وقع موقع الرضا والقبول من حضرة الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ، كما أنه قد أيّد كل ما جاء فيه من أصول وفروع، وعندئذ تشجعت وقويت على حركة النشر والإظهار.

***

وتحدث الشيخ الصدوق في أماليه ومعاني الأخبار بطريقه إلى أبي ذرٍّ الغفاري رضوان الله عليه عن الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) أنه قال: خُلقت أنا وعليّ بن أبي طالب من نور واحد، فكنّا نسبح الله ونحمده يمنة العرش من قبل أن يخلق الله آدم بخمسمائة عام، ولمّا خلق الله آدم جعل الله ذلك النور في صلبه، كما ركب نوح السفينة ونحن في صلبه، وقذف الخليل إبراهيم في النار ونحن في صلبه، ولم يزل الله عزّ وجلّ ينقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام المطهرة حتى انتهى بنا إلى عبد المطلب، فقسم ذلك النور إلى قسمين وجعله نصفين، فجعلني في صلب عبد الله بن عبد المطلب وجعل عليّاً في صلب عمي أبي طالب بن عبد المطلب، وجعل الله سبحانه وتعالى فيَّ النبوة والبركة ¸وفي عليٍّ الوصاية والفصاحة، كما شقَّ لنا إسمين من أسمائه، فذو العرش محمود وأنا محمّد، وهو تعالى الأعلى وهذا عليٌّ – وأشار بيده الكريمة إلى عليّ بن أبي طالب.

أقول: الحديث أشهر من أن يذكر، فقد سجلته كل كتب التاريخ والحديث والسير، فلم يختلف فيه اثنان، فراجعْ تجده نصّاً في السيرتين الحلبية والهاشمية والطبقات.

وعليه إذا كان الله عزّ وجلّ قد استودع نوره في صلب عبد الله وأبي طالب أفلا يكون هذا الإستيداع دليلاً واضحاً على إيمانهما رضوان الله عليهما، وإلاّ لكان ذلك من المستحيلات

ص: 304

الأولية؛ لما يلزمه من تلوث نور الله تعالى بدرن الكفر ونجس الشرك، وحينئذ يستكشف من ذلك أنهما مؤمنان نقيان؛ لذا كانا مستودعاً لنور الله عزّ وجلّ وأوعية لحبيبه ووليّه.

وتحدث القاضي في المواهب ص 53 بطريقه إلى الصحابي العظيم جابر بن عبد الله الأنصاري رضوان الله عليه أنه قال: سألت رسول الله (صلی الله علیه و آله) عن مولد عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ، إذ يتأوه رسول الله (صلی الله علیه و آله) وقال: آهٍ آهٍ لقد سألتني يا جابر عن خير مولد ولد بعدي من ذرية إبراهيم الخليل، إعلم يا جابر أن الله تبارك وتعالى خلقني وعليَّاً من نور واحد من قبل أن يخلق آدم بخمسمائة ألف عام، فكنا نسبح الله ونقدسه على يمنة العرش، ولمّا خلق آدم قذف بنا في صلبه، فاستقررت أنا في جنبه الأيمن، واستقرَّ عليٌّ في جنبه الأيسر، ثم نقلنا من صلبه إلى الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة، ولم نزل كذلك حتى أطلعني من ظهر أبي عبد الله بن عبد المطلب ورحم أمي آمنة بنت وهب، ثم أظهر الله عليَّاً من صلب طاهر ورحم طاهر من صلب عمي أبي طالب ورحم فاطمة بنت أسد.

ثم قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : أخالك يا جابر يطيب لك التحدث عن هذا المولود الكريم.. قلت: أجل يا رسول الله فداك أبي وأمي، المتحدث أنت والحديث عن عليّ بن أبي طالب محبوب الله ومحبوبك.

فقال: إعلم يا جابر أن عليّاً من قبل أن تقع نطفته في بطن أمّه كان هناك راهب يقطن على مراحل من مكّة في كهف من جبل يسمى جبل اللكام، وكان هذا الراهب من المعمرين، وقد وصل عمره إلى مائة وتسعين سنة قضاه في عبادة الله عزّ وجلّ، وما طلب من الله شيئاً إلاّ وأعطاه إيّاه، فسأل الله سبحانه ذات يوم أن يريه وليّاً من أوليائه، فألهم الله أبا طالب في

ص: 305

زيارته؛ فقصده إلى صومعته، ولمّا أن بصر الراهب عمّي أبا طالب ثار إليه وصار يقبل رأسه وجبهته، ثم أجلسه مكانه وجلس هو متأدباً بين يديه وصار إلى مساءلته، وكان من جملة ما ألقاه عليه من المسائل: من أين أنت يرحمك الله؟

أبو طالب: من تهامة.

الراهب: ومن أيِّ تهامة فهي طويلة عريضة؟

أبو طالب: من مكة المكرمة.

الراهب: فمن أيِّ أسرها وقبائلها أنت؟

أبو طالب: من عبد مناف.

الراهب: من أي بني عبد مناف؟

أبو طالب: أنا أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.

فقام الراهب مجدداً إلى عمّي فأهوى عليه يقبل يديه ورجليه وهو يقول: السلام عليك يا وليَّ الله، الحمد لله الذي قد أراني وليَّه قبل الموت.

الراهب: أبشر يا أبا طالب إن الله تبارك وتعالى قد ألهمني بشارة سارة لك.

أبو طالب: بشرني أيها الراهب الصالح، فمثلك من يبشر بخير.

الراهب: ألهمت أنه سيخرج من صلبك ولداً ذكراً يكون وليَّاً من أولياء الله، ويكون وصيَّاً للرسول المبعوث في هذا الزمان، ويكون وزيره وولي عهده، فإن أدركت زمن ولادته إقرأه

ص: 306

عني السلام وقل له: المثرم يقرؤك السلام ويشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأن محمَّداً عبده ورسوله يرسله بالهدى ودين الحق ويظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، بمحمّدٍ تختم النبوة والبعثة، وبك تتمّ الخلافة والوصاية.

يا جابر لمّا سمع عمّي هذا من الراهب بكى من شدة الفرح والشوق للوليد الجديد، ثم قال للراهب: أتعرف اسمه وهل هو موجود عندكم في كتبكم؟

الراهب: نعم أعرف اسمه ونعته، وهو موجود عندنا وفي كتبنا اسمه عليّ بن أبي طالب.

أبو طالب: فهل من دليل يذهب الشكّ عني؟

الراهب: تمنَّ عليَّ واطلب مني ما بدا لك، فو الله ما تسألني عن شيء إلاّ وحققته لك فوراً بإذن الله تعالى ولطفه.

أبو طالب: إني جائع أشتهي من طعام الجنة.

الراهب: يحرك شفتيه ويدعو الله، وما أن يستتم دعاؤه حتى حضر بين يديه طبق فيه من فواكه الجنة وتمرها، فقال: تقدم يا أبا طالب وكلْ من طعام الجنة فهو هنيءٌ مريءٌ، فتقدم وأكل من تلك الفاكهة، وكانت مشكلة من عنب وتفاح ورمّان، حتى إذا شبع استأذن الراهب أن يحمل ما تبقى من الفاكهة، فأذن له، ثم استأذن الراهب بالرجوع إلى أهله فأذن له وقال: إذا ولد لك وليدك المبارك أعلمني فأنصرف معافى إن شاء الله.

فعاد أبو طالب إلى بيته، فدفع الفاكهة إلى زوجته فاطمة بنت أسد، فتناولتها وأكلتها، وبعد أيام وجدت نفسها حاملاً مثقلة، فانعقدت يا جابر نطفة عليٍّ من طعام الجنة، ولقد زلزلت

ص: 307

الأرض وارتجّت الجبال يوم حمله وانعقاد نطفته، الأمر الذي أفزع قريشاً وأقلقهم؛ فهرعوا إلى آلهتهم وفزعوا إلى مقدساتهم يسألونها تهدئة الأرض وإرساء الجبال، فما تزداد الأرض والجبال إلاّ اهتزازاً وارتعاداً، كما تضعضعت الأوثان واضطربت الأصنام وسقط على الأرض قسم منها من شدة الإهتزاز، كل ذلك وهم لا يعرفون السبب والدوافع التي أدت إلى هذا العالم المخيف المرتبك.

أمّا أبو طالب فقد جاء إلى جبل أبي قبيس، فصعد عليه غير هيّاب ولا مكترث بما أصاب القوم من الذهول والفزع، ولمّا استقرّ على الجبل نادى بالناس؛ فاجتمعوا في سفح الجبل؛ فأومأ إليهم بالهدوء وملازمة السكينة، فصاروا يتطلعون إلى ما سيقوله شيخ الأبطح وما هي غايته من ندائه، ثم ابتدأ عمّي بالكلام فقال فيما قال: إعلموا أيها الناس أن الله تبارك وتعالى قد أحدث في هذه الليلة حادثة مهمة، وخلق فيها خلقاً جديداً، فإن لم تقرّوا لهذا المخلوق الكريم بالولاء والفضل، وتشهدوا له عن إيمان وتصديق بذلك لم يهدأ الوضع الذي تحسونه وتستشعرونه، بل لا يزداد إلاّ تفاقماً وشدة وتعقيداً.

وعندئذ قال الناس: ومن هو هذا المخلوق الجديد، المخلوق الذي أثّرت ولادته بالعالم هذا الأثر العظيم؟ قال: هو عليّ بن أبي طالب، لقد أمر الله سبحانه وتعالى أن يولد؛ فولدته فاطمة بنت أسد في الليلة المنصرمة.

وحينئذ لم يسع القوم إلاّ أن ينطقوا بلسان واحد: إنّا نؤمن بما تخبر ونقول بمقالتك، فاسأل ربّك أن يرفع عنّا ما نحن فيه.

ص: 308

فبكى أبو طالب ورفع رأسه ويديه إلى السماء وسأل الله عزّ وجلّ أن يرفع عن الناس ما يرونه من الهلع والفزع، ثمَّ دعا بهذا الدعاء فقال:

((إلهيْ ومولايَ أقسمُ عليكَ بالمحمّديّةِ المحمودةِ والعلويّةِ العاليةِ وبالفاطميّةِ البيضاءَ إلاّ ما تلطّفت َ علىْ تهامةَ بالرحمةِ والرأفة ِ)).

فاستجاب الله دعاء عمّي أبي طالب، فهدأت الأرض ومنع الإهتزاز وعادت حياة الناس إلى حالتها الطبيعية.

يا جابر فو الذي برأ النسمة وفلق الحبة لقد كانت العرب تكتب هذا الدعاء للحرز به وهم لا يهتدون إلى معناه ومغزاه، وكانوا يستعملونه في الشدائد ومشكل الأمور فيفرج الله عنهم وهم لا يعرفون مضمونه ومراميه.

وفي صبيحة الليلة التي ولد فيها عليٌّ (علیه السلام) أشرقت السماء وتنور الأفق وخرج عمّي أبو طالب يتخلل سكك مكة ويجوب أسواقها ونواديها هاتفاً ومردداً: الله أكبر، الله أكبر، لقد تمت حجة الله على الخلق أجمعين، فجاءه الناس يهرعون وهم يقولون: وما تأويل ذلك يا زعيم مكة؟ فقال: أبشروا يا قوم فهذه الليلة قد وُلد فيها وليٌّ من أولياء الله، وظهر فيها نور من أنوار الله، به يختم الله الأوصياء كما يكمل بولادته خصال الخير كما ختم بمحمّد الأنبياء من قبل، فعليّ بن أبي طالب إمام المتقين وناصر الدين ووصيّ رسول ربِّ العالمين، فهو إمام هدى ونجم علا ومصباح دجى، كما هو مبيد الشرك والشبهات، كما هو نفس اليقين وروح الدين.

ص: 309

يا جابر ولم يزل عمي كذلك النهار كله والليل كله حتى أصبح الصباح قد اختفى أربعين صباحاً ولم يره أحد.

قال جابر: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي إلى أين ذهب عمّك، وما غايته من ذلك الإختفاء المدة التي ذكرتها؟

قال (صلی الله علیه و آله) : قصد عمّي الراهب ليبشّره بولادة عليٍّ (علیه السلام) حيث قد أوعده بذلك، وقد استوعب ذهابه وإيابه تلك المدة، ولمّا وصل أبو طالب إلى الجبل الذي يقطن المثرم بعض كهوفه فوجده ملتفاً بعباءته وكان قد فارقت روحه الحياة، فاستاء أبو طالب لذلك حيث لم يحصل على الغاية التي من أجلها تحمل وعثاء السفر ووعورة الطريق، وبينما هو كذلك إذ أدار بعينه في زوايا الكهف فوقع بصره على حيتين عظيمتين مختبئتين في الزاوية وكأنهما يحرسان جثمان الراهب من الضواري والوحوش، وقد ألهم أبو طالب أن يكلم الحيّتين فقال: السلام عليكما أيها المخلوق العظيم.

فقالتا: وعليك السلام يا وليَّ الله وعمَّ رسوله وأبا وليّه، الذي يظهر من حالتك يا عمَّ رسول الله أن غايتك الاجتماع بالمثرم؟

قال: نعم ولكن من المؤسف لم أجده حيَّاً.

فقالت: يا عمَّ رسول الله إسأل الله تعالى بحقِّ محمّد وآل محمّد أن يُحيي لك هذا الراهب فتجتمع به وتسأله عمّا تريد ثم يعود إن شاء العودة إلى الموت.

ص: 310

فاتّجه عمّي إلى الله وأقسم عليه بيَ؛ فأحيا الله الراهب، فعانق عمّي وصارا يتحدثان مليّاً، فقال عمّي: إني قصدتك لأبشّرك بمولد عليٍّ ابني، فقال: بشّرك الله بخير يا أبا طالب، إشهد عليَّ أني أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمّداً رسول الله، وأن عليّ بن أبي طالب وليُّ الله وحجته على الخلق بعد رسول الله، هلم أعلمني هل كانت هناك علامات وأمارات ليلة ولادة عليٍّ؟

قال أبو طالب: نعم قد اهتزت الأرض، ومادت الجبال، وسقط بعض الأصنام من شدة الإهتزاز.

ثمّ طلب الراهب يا جابر من عمّي أن يطلعه على كيفية ولادة عليٍّ وأين كانت ولادته، فصار أبو طالب يقصُّ عليه قصة الولادة ويوقفه على مكانها، فقال: إعلم أيها الراهب لمّا مضى من الليلة التي وُلد فيها عليٌّ ثلثها أخذ فاطمة زوجتي ما يأخذ النساء من الطلق، فاستشعرت ذلك منها، فقلت: ما بالك يا فاطمة؟ قالت: إني أجد وهجاً وارتباكاً في أحشائي، ثم خرجت إلى البيت الحرام مستجيرة به ولائذة بحماه، ولمّا وصلت إلى البيت وكان مقفلاً فانشقَّ لها الحائط، وكان هناك جماعة قد استعظموا الأمر فعالجوا فتح الباب فاستعصى عليهم، فتحققوا أنه سرٌّ من الأسرار الإلهية، أمّا أنا فرجعت إلى البيت فجئت بالمفاتيح وفتحت الباب، فدخلت فوجدت فاطمة وهي في حالة طلق، فصار في نفسي أن أخرج فآتي إليها بنساء من بني هاشم ليلين منها ما تلي النساء من النساء، فقلت لها: إني ذاهب لآتيك ببعض نساء بني هاشم.

ص: 311

قالت: شأنك يا أبا طالب، فنهضت للغاية، ولمّا صرت قريباً من الباب إذ نوديت من بعض أركان البيت أن: أمسك يا أبا طالب إنّ وليَّ الله لا تمسّه أيدي البشر حين ولادته؛ فتحيرت ولم أدرِ ماذا أصنع، وبينما أنا كذلك إذ يدخلن البيت أربع نسوة عليهن هيبة ووقار يلبسن ملابس بيض، روائحهن أطيب من المسك الأذفر، فأقبلن يمشين على سكينة وهدوء حتى حاذين فاطمة، فقلن لها: السلام عليك يا وليَّة الله وأمَّ وليَّه، فقالت: وعليكنَّ السلام من أنتنَّ؟ قلن: ستعرفين من نحن بعد ولادتك، فهلمي نهيئك للولادة، فجلسن بين يديها ولم يزلن كذلك حتى وُلد عليٌّ، وقد وقع إلى الأرض ساجداً لله عزّ وجلّ فنظرته فوجدته كالشمس الطالعة وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمّداً رسول الله وأنا وصيُّ رسول الله، بمحمّد تختم النبوة وبي تختم الوصية.

ثم أخذته واحدة من النسوة فوضعته في حجرها، فلمّا نظرها قال: السلام عليك يا أمّاه.. قالت: وعليك يا ولدي أفضل التحية والسلام.

ثم قال لها: ما ذا تعلمين عن أبي؟ قالت: إنه يتقلب بنعم الله وينعم برحمته ولطفه.

فلمّا سمعت منه ذلك لم أمتلك نفسي دون أن قلت: ألست أنا أبوك وفاطمة أمّك؟!.

قال: نعم ولكن أنا يا أبتاه من صلب آدم وبطن حوّاء فسؤالي كان عن أبي الأول وحاضنتي التي تراها هي حواء، فلمّا سمعت ذلك استحييت من النسوة فقصدت بعض زوايا البيت، فالتففت بعباءتي ونمت.

ثم تناولته الثانية فقبلته وناغته، فنظرها عليٌّ وقال: السلام عليك يا أختاه، فما خبر أخي؟ قالت: وعليك السلام يا ولدي وأخوك برحمة من الله وفضل، أمّا أنا فما وجدتني إلاّ مندفعاً لسؤاله من حيث أدري ولا أدري، فقلت: يا ولدي أيّ أخت هي وأيّ أخ تسأل عنه؟ فقال: أمّا هي فمريم بنت عمران فسألتها عن أخي وأخيها موسى بن عمران.

ص: 312

ثم تناولته الثالثة فجعلته في حجرها، ثم أخرجت من حقيبتها ثوباً من حرير الجنة وسندسها، فألبسته إيّاه، وناولته الرابعة فشمّته وصارت تلثمه وتقبله وقالت له: السلام عليك يا وليَّ الله.. قال: وعليك السلام أيتها المؤمنة الصالحة، السلام عليك يا آسية، ثم ناولته لأمّه وقالت: احتفظي به يا فاطمة بارك الله لك فيه.

فقلت للنسوة: لو ختناه لكان ذلك أحسن له وأخفَّ عليه؛ لأن العرب كانت تستعمله.

فأجابتني واحدة منهن وقالت: يا عمّ رسول الله بارك الله لك في ولدك وأقرَّ عينيك به، فإنّه ولد مختوناً وطاهراً مطهراً، واعلم يا عمّ محمّد أن ابنك لا يضره حرُّ الحديد في الدنيا أبداً إلاّ على يد رجل يبغضه الله ورسوله والملائكة والمؤمنون.

قلت: وما اسم هذا الرجل؟ قالت: اسمه عبد الرحمن بن ملجم المرادي من أهل الكوفة، ويكون هذا الأمر بعد وفاة نبي الله محمّد بن عبد الله بثلاثين سنة.

وبينما نحن كذلك إذ يدخل علينا محمد، فأخذه من أيدي النسوة فصار يناغيه ويناجيه ويسر إليه، ثم ناوله لأمّه، ثمّ غبن النسوة عن الأبصار، فالتفت إلى ولدي وقال: قم الآن والتحق

ص: 313

بالمثرم وأخبره بولادتي، وقصّ عليه قصتي كما رأيتها، فاستصوبت رأيه، وقد قصدتك لأجل بشارتك.

فسجد الراهب شكراً لله تعالى، ثم هلل الله وكبّره، ثم قال لعمّي: غطّني يا عمّ رسول الله بعباءتي، فغطّاه، فانتقل إلى جوار ربّه ورحمته.

يقول أبو طالب: فاستوحشت لذلك كثيراً، وإذا أنا بالحيتين يقولان لي: إذهب يا عمّ رسول الله إلى مكانك فحافظ على ابن أخيك محمد، وعلى ولدك عليّ، واحفظهما من كيد الأعداء، واحرسهما من شرور الكافرين، ولا سيما اليهود المجرمين، وإننا نهنئك بولدك الكريم فإنّه وليّ الله وحبيبه بعد رسول الله، كما هو وصيّه ووزيره.

قال جابر: قلت يا رسول الله صلّى الله عليك وعلى آل بيتك: أصحيح ما يقوله بعض الناس أن عمّك وناصرك أبا طالب قد مات كافراً، والعياذ بالله؟

فقال (صلی الله علیه و آله) : يا جابر، الله أعلم بما في النفوس، كما هو سبحانه وتعالى أعلم بالغيب، ولكنْ يا جابر الشيء الذي أريد أن أقوله لك الآن أني لمّا عرج بي إلى السماء ليلة الإسراء فانتهى بي إلى العرش فرأيت على ساقة العرش أربعة أنوار، فقلت: إلهي ومولاي وسيدي ما هذه الأنوار؟ فقال عزّ وجلّ: يا محمد يا حبيبي هذا نور جدّك عبد المطلب، وذاك نور عمّك أبي طالب، وهذا نور أبيك عبد الله، وذاك نور أمّك آمنة بنت وهب، فقلت: إلهي وبماذا استحقّ هؤلاء منك هذه الكرامة؟ قال تعالى: لإيمانهم بي، واعتمادهم عليَّ.

***

ص: 314

أقول: وقد روى الحديث كثير من المؤرخين والمحدثين، منهم العلّامة المجلسي في البحار، وابن شاذان في الفضائل، وصاحب جامع الأخبار، والديلمي في إرشاد القلوب.

ثم لا يستكثر على عمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) مثل هذه الكرامات فيحي الله عزّ وجلّ بواسطة توسله بمحمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) الأموات، أو يكلمه ما لا قابلية له على التكلم؛ لإطاعته رضوان الله عليه لله وعبادته إياه، ثم مجافاة ومحاربة كل ما ينافي التوحيد والشرك، ثم تفانيه في سبيل رسول الله (صلی الله علیه و آله) والتزامه.

وقد ورد في الحديث القدسي: ((عبديْ أطعنيْ تكنْ مثليْ، أنا أقولُ للشيءِ كنْ فيكونُ، وأنتَ تقولُ للشيءِ كنْ فيكونُ)).

قال القاضي النقدي في المواهب: قال أبو طالب يمدح رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ويعلن ولاءه والتزامه له صلوات الله وسلامه عليه:

بسنى وجهك الذي فاق في *** الحسن على نور شمسنا والهلال ِ

أنت والله يا مناي وسؤلي *** الذي فاق نوره المتعالي

أنت خير الأنام من هاشم الغر *** بكل العلا وكل المعالي

وعلوّ الفخار والمجد أيضاً *** ولقد فقت أهل كلّ المعالي

ص: 315

وقال السيد زيني دحلان في المطالب، والحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: أن أبا طالب كان إذا اشتد عليه البلاء وأصابته ضائقة ومحنة، توسل إلى الله تعالى بمحمد، وأسمع الناس بعض ما يعرف من فضائله وفواضله، فيفرج الله عنه ويكشف ما به من ضرّ مسّه.

فما من محفل أو ندوة يحضرها إلّا وينفجر كالبركان باثّاً مكارم رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ومحدثاً عن جميل خصاله ونبيل خلاله وصفاته، وما ذلك إلّا إيماناً منه بنبوته وتصديقاً له في بعثته ورسالته.

فمن ذلك ما يرويه عن أبيه العظيم جدّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) الزعيم عبد المطلب أنّه (رضی الله عنه) رأى ذات ليلة كأنّ شجرة قد نبتت على ظهره وقد ضربت أغصانها على الدنيا وامتدت إلى المشرق والمغرب، وكأنّ الناس كلّ الناس قد سجدوا، لتلك الشجرة وكانوا لها خاضعين خاشعين، ورأى بعضاً من قريش وقد تعلق ببعض فروع الشجرة، ورأى البعض الآخر يحاول قطعها واستئصالها، وكلما قربوا منها يقوم في وجوههم شابّ لم يرَ قطّ أجمل ولا أنبل منه، فيصدّهم ويمنعهم بقوة وحماس عن الدنو إليها بسوء، فدنوت أنا وحاولت التعلق بغصن منها لم أستطع ذلك، فقلت في نفسي: الخير كل الخير لهؤلاء الذين ساعدهم الحظ والتوفيق على التعلق والتمسك ببعض فروعها.

ثم انتبه فزعاً مرعوباً فناداني وقصّ عليّ قضية رؤياه، فاستأذنته أن أعرضها على الكاهنة والعرفاء فأتبين مغزاها وما ترمز إليه، فقال: شأنك إذا أردت ذلك.

فقصدت من ترجح لدي من العرفاء فنقلت له رؤيا أبي، وما أن سمع ذلك مني حتى استوى جالساً وقال: قل لأبيك – إن صدقت رؤياه وتحقق حلمه -: ليخرجنّ من صلبه رجل يمتلك

ص: 316

شرق الدنيا وغربها، وتدين له الناس، وتخضع له الدنيا بأسرها، أما إنّه ما استطاع أن ينال غصناً من أغصانها، وما تمكن من التعلق بفرع من فروع الشجرة، فإنّه لا يدرك الزمن الذي يكون فيه حفيده سلطاناً وملكاً على العالمين، بل يفاجئه الأجل قبل ذلك.

وبعد ذلك جئت إلى أبي فقصصت عليه تأويل رؤياه ففرح أولاً، ثم بدت على وجهه وأساريره علامات الإستياء والتأثر، فقلت: يا أبتاه رأيتك فرحت أولاً واستأت أخيراً؟!.

فقال: يا أبا طالب إمّا فرحي فلأنّ الوليد المرتقب لم يكن كما ذكر الراهب هو ملك من ملوك الدنيا فحسب، بل هو النبيّ الذي بشّرت به الكتب السماوية من قبل، ونقله الخلف عن السلف من آبائك الأكرمين، وبالملازمة يسود الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، وهو أمر بواقعه وحقيقته يستلزم المسرّة والفرح؛ لأنّه الشرف والمجد اللذان يتضاءل أمامهما أي شرف ومجد.

أمّا جهة استيائي وتأثري أولاً لمحاولة القوم قطع الشجرة واجتثاثها ومحاربتها بكل الوسائل والحيل، وثانياً من ناحية أني لم أدرك الزمن الذي يكون فيه وُلد نبيّاً وسفيراً من الله عزّ وجلّ.

وقال القاضي النقدي في المواهب – بعد أن يذكر هذه القصة -: وكان أبو طالب يكرر المرّة تلو الأخرى، مما لا شكّ فيه أن الشجرة نبتت على ظهر أبي عبد المطلب هي أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.

ص: 317

وقال النقدي أيضاً: إن جماعة من المحدثين قد عدّوا كون أبي طالب شقيقاً لعبد الله والد الرسول (صلی الله علیه و آله) من النعم الإلهية والتفضلات الملكوتية على أبي طالب؛ لأنّه لم يكن شقيقاً لعبد الله إلّا أبو طالب رضوان الله عليهم أجمعين.

كما إنهم عدّوا اختيار النبيّ الأكرم (صلی الله علیه و آله) كفالة عمّه أبي طالب واختصاصه به من دون أعمامه التسعة الآخرين هو أيضاً من كرامات الله عزّ وجلّ لأبي طالب (علیه السلام) .

وقال المجلسي في البحار: ومن أظهر كرامات الله تعالى على أبي طالب أن جعله أميناً على محمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) وكفيلاً له.

ثم قال المجلسي: روى الواقدي: لمّا دنت الوفاة من عبد المطلب جد رسول الله (صلی الله علیه و آله) أمر ولده أبا طالب أن يحمل من داره إلى البيت الحرام فيجعله بفناء الكعبة وعند أستارها المباركة.

فامتثل أبو طالب، فحمل السرير حيث أراد أبوه، وكان السرير من الخيزران الأسود، وقد انتقل إلى عبد المطلب بطريق الوراثة من جدّه عبد مناف، وكان مطعماً بالذهب والفضة والثمين من الأحجار الكريمة، ثم نقل أبو طالب أباه إلى سريره فنام عليه والتفّ أولاده حوله، كما أحاطت به جموع بني هاشم، وصار الناس من الزعماء والوجوه يتهافتون على زيارته وعيادته، وكل فرد منهم تظهر على ملامحه شعارات الحزن والألم.

أمّا رسول الله (صلی الله علیه و آله) قد كان في ذلك الحين طفلاً صغيراً يروح ويجيء على جدّه، فيصعد معه على السرير فيتلقاه جدّه بكل رحابة وسرور، فيجلسه معه على السرير.

ص: 318

وجاء ذات مرّة وأراد صعود السرير على عادته فلم يهن الأمر على أبي لهب، فاجتذبه وأراد منعه، فأخذه عبد المطلب بقوة وأصعده معه، وما شعر أبو لهب إلّا واللطمة على وجهه وعينيه، فأخجلته أمام الناس وأمام حشود الزائرين والعائدين.

ثم قال عبد المطلب: والله يا أبا لهب إن تقربت من محمد أو تعرضت إليه أو دنوت منه بسوء تعرف ما يصيبك مني كما تعرف مصيرك الأسود وتعرض نفسك لأقصى العقوبات.

ثم التفت عبد المطلب إلى أبي طالب وقال: يا ولدي إني مفارقكم عمّا قريب فأذهب إلى جوار ربّي وغفرانه، وهذا محمد وديعتي بل وديعة الله عندك.. يا أبا طالب بحرمة أبوتي عليك احفظ وصيتي، وعليك بمحمد، اكفله أنت بنفسك، ولازم رعايته بشخصك، ولا تدع أبا لهب وأمثاله لمن لا ذمّة لهم ولا ذمام يقربون منه بأذى، أو يتعرضونه بما يسيئه ويكدر عليه صفوه وراحته، ثم أنشأ يقول للتأكيد عليه بالمحافظة على رسول الله (صلی الله علیه و آله) :

أوصيك يا عبد مناف بعدي *** بواحد بعد أبيه فرد ِ

فارقه وهو ضجيع المهد *** فكنت كالأم ّ له في الوجد

وبالحشا ألصقته والكبد *** حتى إذا خفت فراق الوغد

أوصيك أرجى أهلنا للرفد *** بابن الذي غيبته في اللحد

بالكره مني ثم لا بالوعد *** وخيرة الله تشا في العبد

ص: 319

قال الواقدي: ولمّا سمع أبو طالب التأكيد النثري والشعري على محافظة النبيّ وإحاطته قال: يا أبتاه طبْ نفساً وقرّ عيناً، فإني والله سأقوم بكل وصاياك، وأفدي محمداً بنفسي وأهلي وولدي، وبكل ما تناله يدي ما دمت حيّاً، فرفع عبد المطلب يديه نحو السماء وقال: اللهمَّ ربَّ الأرباب، ومالك الأرض والسماء، بارك في أبي طالب ووفقّه لكل خير.

ونقل ابن شهر آشوب بطريقه إلى الأوزاعي أنّه قال: لمّا مرض عبد المطلب مرض الموت أوصى برسول الله (صلی الله علیه و آله) ابنه أبا طالب كثيراً وكثيراً جدّاً، فقام ذات يوم أبو لهب فقال: أبتاه أراك تكرر الوصية إلى أبي طالب، كما عهدت إليه أمر محمد وكفالته، فلمَ لا توصي إليّ وتعهد بكفالة محمد لي، فأنا أحفظه وأصونه.

وما أن سمع عبد المطلب منه ذلك حتى استوى جالساً، وانتفض انتفاض الليث، فهزّ أبا لهب وانهال عليه بكلمات جارحة، وقال فيما قال: إنّك لم تكن أهلاً لكفالة محمد ولا صالحاً لحمايته، ولا كرامة لك، بل نكتفي منك أن تكفَّ عنه شرّك ومكرك، فسكت ولم يحر جواباً.

ثم قام العباس وقال: أنا يا أبتاه أكفل محمداً وأقوم بخدماته وأكفيه كل شيء، فقال: لا ولن تصلح لرعاية محمد وتربيته، لأنك كثير الغضب شديد الوطأة؛ فلا آمنك أن تثور وتغضب على محمد، فتكسر خاطره وتعكر عليه عيشه، فعندئذ سكت العباس ولم يتفوه بشيء.

ثم قام أبو طالب فقال: أنا له يا أبتاه جعلت فداك وفداه، فقال: نعم يا ولدي أنت له، بارك الله فيك وفيه، قم يا محمداه واجلس في حجر عمّك، فامتثل رسول الله (صلی الله علیه و آله) فجلس في حجر عمّه أبي طالب.

ص: 320

وذكر المحدث قطب الدين الراوندي في الخرائج بطريقه إلى فاطمة بنت أسد زوج أبي طالب أنها قالت: لمّا بدت أمارات الموت على عبد المطلب اجتمع إليه أولاده، فالتفت إليهم وقال: أيّكم يكفل محمداً ويقوم بشؤونه؟ فقال بعضهم: نحن، وسكت آخرون، فقال عبد المطلب: من الأفضل أن نتركه هو يختار لنفسه من يشاء من عمومته، وعندئذ توجه إليه بالكلام وقال: يا محمد أنا قد جعلت لك حرية الإختيار، وفوضنا لك أمر الإنضمام إلى من تشاء من عمومتك، لأني يا ولدي قد دنا مني أجلي، وقربت مني منيتي، والموت أراه يحوم من حولي، فأجده كقاب قوسين أو أدنى، وأود أن أرى بحياتي من يكفلك، والشخص الذي تختاره لحمايتك؛ كي أطمئن وأذهب إلى جوار ربّي مرتاح الضمير من ناحيتك.

وعلى هذا الأساس قام رسول الله (صلی الله علیه و آله) وصار يطيل النظر إلى كل واحد من عمومته، ثم إلى عمّه أبي طالب فجلس في حجره، فالتفت عبد المطلب إلى أبي طالب وقال: يا بني إني على ثقة من أمانتك ودينك، فكن لابن أخيك كما كنت أنا له، والله يجزيك خير جزاء المحسنين، فقال أبو طالب: والله يا والدي هو عندي أعزّ من نفسي وولدي، ولأنعمنّك عيناً إن شاء الله.

ولمّا مات عبد المطلب وانتقل إلى رحمة ربّه الكريم تولى أبو طالب خدمة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فأجاد الكفالة وأحسن الخدمة، وكان المقدم عنده على نفسه وأولاده، ثم التفت إليَّ وقال لي: يا فاطمة هذا محمد ابن أخي، هو روحي وسمعي وبصري فاحرصي على أن لا يمسه مكروه، أكرمي مثواه وقومي بمتطلباته واعرفي قدره، فإنّه نبي هذه الأمّة وكفى؛ فقلت عند ذلك: نعم يا أبا طالب إني أعرف محمداً حقّاً، وأعرف ما سيؤول إليه أمره، وهو والله عندي

ص: 321

أعزّ عليَّ من نفسي عليها، كما هو والله أعزّ عليَّ من ولدي، وسأقوم بخدمته ما وجدت إلى ذلك سبيلاً إن شاء الله.

***

أقول: ومهما يكن من شيء فليس اختيار عبد المطلب أبا طالب لكفالة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، واختيار النبيّ (صلی الله علیه و آله) هو شخصياً للانضمام إلى عمّه الزعيم أبي طالب.. نعم ليس هذا إلّا لتجاوب الأرواح وانجذاب النفوس بعضها لبعض، بالإضافة إلى إيمان أبي طالب العميق بالله ورسوله، الأمر الذي استشعر أنّه أرأف به وأشفق عليه من أيّ أحد من أولاد عبد المطلب؛ لأن أبا طالب هو شقيق عبد الله والد رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ولم يكن لهما شقيق ثالث.

ومن هنا وهناك كان من أبي طالب ما كان من الخدمة الصادقة، والولاء الخالص، والإيمان الواقعي العظيم.

وتحدث الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة ص 17 فقال: إن أبا طالب يجتمع برسول الله من حيث الآباء والأمهات إلى آدم وحوّاء، وممّا لا شكّ فيه ولا ريب يعتريه أن آباء النبيّ (صلی الله علیه و آله) الأكارم وأجداده البررة كلّهم أماجد أطائب، ينحدرون من طاهر إلى طاهر ومن زكية إلى زكية ومن مؤمن بالله إلى مؤمنة كذلك، وإذا كان الأمر كذلك فعمّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) هو واحد من تلك الدوحة المؤمنة وفرع من فروع تلك الشجرة الطيبة، فلا غرابة إذاً أن يكون أول مؤمن بالله، وأول واثق ببعثة محمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وأول متفانٍ في نصرته ومؤازرته.

ص: 322

ونقل القندوزي في نفس الصفحة أيضاً بسنده إلى الكلبي أنّه قال: أحصيت لرسول الله (صلی الله علیه و آله) خمسمائة أمّ، فما وجدت فيهن من سفاح الجاهلية شيئاً.

وممّا لا يعترضه الوهم والشكّ أن أمهات أبي طالب هن أمهات رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

أقول: ومن أصدق من رسول الله (صلی الله علیه و آله) قيلاً وحديثاً، وقد تقدم عنه صحيحاً أنّه قال: ((والله ما ولدني من سفاح الجاهلية شيء قطّ من لدن آدم وحوّاء، وحتى عبد الله وأمّي آمنة بنت وهب)).

ونقل القندوزي في نفس الصفحة بسنده إلى ابن عباس أنّه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء:219 )، يعني عزّ وجلّ قد علم تقلب رسول الله (صلی الله علیه و آله) في أصلاب الساجدين وأرحام الساجدات، حتى أخرجه من صلب عبد الله وبطن آمنة نبيّاً.

وفيها أيضاً بطريقه إلى عائشة أنها كانت تقول: قال رسول الله في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾(التوبة: 128)، إنّما أراد عزّ وجلّ من أنفسهم نسباً وصهراً وحسباً، فو الله ليس في آبائي ولا في أمهاتي من لدن آدم وحواء وحتى آمنة وعبد الله سفاح قطّ، بل كانوا يستحلون نساءهم بعقد كعقد الإسلام.

وفيها أعني في ينابيع المودة في ص 13 قال القندوزي: وقد جاء في فضائل العباس بن عبد المطلب من أنّه (رضی الله عنه) قد دخل على رسول الله (صلی الله علیه و آله) كئيباً حزيناً الأمر الذي استلزم أن يسأله رسول الله (صلی الله علیه و آله) عن الأسباب والدوافع التي أدت إلى ذلك.

ص: 323

قال العباس: بأبي أنت وأمّي صلّى الله عليك وعلى آلك الطيبين ما لنا وقريش إذا تلاقوا ما بينهم تلاقوا بوجوه ضاحكة مستبشرة، وإذا صادفونا لقونا بغير ذلك، لقونا بوجوه مكفهرة كالحة؟ فغضب رسول الله (صلی الله علیه و آله) عند سماعه من عمّه ذلك، ثم قام إلى الجامع وأمر المنادي أن ينادي بالناس، فحضر الناس فصعد النبيّ (صلی الله علیه و آله) على المنبر فقال فيما قال: ((من آذى عمّي فقد آذاني، فإنّما عمّ الرجلِ صنوُ أبيهِ))، ثم قال: ((فوَ اللهِ الذيْ نفسي بيدِهِ لا يدخلُ الإيمانُ قلبَ رجلٍ منكمْ حتّى يُحبّ آلَ بيتي للهِ ورسولِهِ)).

أقول: ومما لا يخالجه الشكّ والريب أن عمّ النبيّ العظيم أبا طالب إذا ما قرناه بالعباس، وقسنا أحدهما بالنسبة إلى الآخر، وجدنا أن خدمات أبي طالب ومواقفه المشرفة هي أكثر وأوفر من خدمات العباس، بل لا قياس ولا نسبة بالمرّة بين الموقفين والخدمتين، فخدمة أبي طالب وجهوده ومساعيه المشكورة ونصرته ومؤازرته لا يعلمها ولا يقدرها إلّا الله عزّ وجلّ، وإلّا رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

ثم إذا كانت ملاقاة قريش للعباس على غير الوجه الذي يلاقون به بعضهم لبعض مما يغضب النبيّ (صلی الله علیه و آله) ويؤلمه – وبالتالي يضطره إلى صعود المنبر وتفهيمهم – بأن من آذى عمّه فقد آذاه، ثم قال: ((إنما عمّ الرجل صنو أبيه))، فما حال من نسب إلى عمّه وخادمه وكافله والقائل بمقالته الممات على الكفر – والعياذ بالله -.

أليست هذه النسبة لأبي طالب من أعظم الإيذاء لرسول الله (صلی الله علیه و آله) وأكبر الإساءة إليه (صلی الله علیه و آله) ، أفلا يتدبرون هذا أم على قلوب أقفالها!!.

ص: 324

ذكر ابن أبي الحديد في شرحه على النهج بطريقه إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) من أنّه قال في بعض خطبه الحكيمة البليغة يصف رسول الله (صلی الله علیه و آله) وصفاً رائعاً وواقعياً يرادف وصف الله عزّ وجلّ ومدحه لرسوله وحبيبه كما وصف آباءه وأسرته الكريمة، وأنها أسرة مؤمنة بالله معتمدة عليه في كل أمورها ومشاكلها، لا تعرف غيره كما لا تعبد سواه.. ثم ذكرها بما هي فيه من المواهب الجليلة والصفات الفذة النبيّلة والمجد المؤثل القديم، فقال (علیه السلام) :

((فاستودعهمْ فيْ خيرِ مستودعٍ، وأقرّهمْ في خيرِ مستقرٍّ، تناسختهم كرائمُ الأصلابِ إلى أرحامِ المطهراتِ، كلّما مضى منهم خلفٌ قامَ منهم بدينِ اللهِ خلفٌ، حتّى أفضتْ كرامةُ اللهِ سبحانهُ إلى محمّدٍ (صلی الله علیه و آله) ، فأخرجهُ منْ أفضلِ المعادنِ منبتاً، وأعزِّ الأروماتِ مغرساً، منَ الشجرةِ التي صدعَ منها أنبياءهُ، وانتخبَ منها أمناءَهُ.

عترتُهُ خيرُ العترِ، وأسرتهُ خيرُ الأسرِ، وشجرتُهُ خيرُ الشجرِ، نبتت في حرمٍ، وبسقت في كرمٍ، لها فروعٌ طوالٌ وثمرٌ لا ينالُ.

فهوَ إمامُ من اتّقى، وبصيرةُ من اهتدى، وسراجٌ لمعَ ضوءهُ، وشهابٌ سطعَ نورهُ، سيرتُه القصدُ، وسنّتهُ الرشدُ، كلامُهُ الفصلُ، وحكمهُ العدلُ، أرسلهُ اللهُ على حينِ فترةٍ من الرسلِ، وهفوةٍ من العملِ، وغباوةٍ من الأممِ)).

وتحدث القندوزي في ينابيعه ص 13، وصاحب مجمع الفوائد فقالا:

ص: 325

جاء العباس بن عبد المطلب إلى الرسول الأعظم، فقال: يابن أخي حضرتني أبيات أرغب أن ألقيها عليك إذا سمحت، فقال: هاتها يا عمّ لا يفضّ الله فاك، فأنشده:

من قبلها طبت في الجنان وفي *** مستودع حيث يخصف الورقُ

ثم هبطت البلاد فلا *** بشر أنت ولا مضغة ولا علقُ

وردت نار الخليل مكتتماً *** وقد ألجم نسراً وأهله الغرق

تنقل من صالب إلى رحم *** إذا مضى عالم بدا طبق

حتى احتوى بيتك المهيمن من *** خندف علياء دونها الأفق

وأنت لمّا ولدت أشرقت الأر *** ض وضاءت بنورك الطرقُ

فكنت في ذلك الضياء وفي *** النور وبحر الرشاد تخترق

وقال ابن أبي الحديد والقندوزي في ينابيعه: إن لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب خطبة يصف بها كيفية خلق الكون، وكيفية خلقة رسول الله محمد (صلی الله علیه و آله) ، ثم يتعرض لما لآباء النبيّ (صلی الله علیه و آله) من المجد والشمم والإيمان العميق بالله عزّ وجلّ والدعوة له خاصة، كما لا يشركون بعبادته أحداً، فقال (علیه السلام) :

((خلقَ اللهُ الخلقَ في ظلمةٍ، ثمَّ رشَّ عليهِ نوراً من نورهِ تعالى، فمنْ أصابهُ من ذلكَ النورِ بشيءٍ فقدْ اهتدى، ومنْ أخطأهُ فقدْ ضلَّ ضلالاً مبيناً.

ص: 326

وإنَّ اللهَ عزّ وجلّ حينَ شاءَ تقديرَ الخليقةِ، وذرءَ البسيطةِ، وابداعَ المبدعاتِ، ضربَ الخلقَ في صورٍ كالبهاءِ قبلَ وجودِ الأرضِ والسماءِ، وهوَ سبحانهُ في انفرادِ ملكوتهِ، وتوحّدِ جبروتهِ، فأشاعَ نوراً من نورهِ فلمعَ، وقبساً من ضياءِهِ فسطعَ، ثمَّ اجتمعَ ذلكَ النورُ في وسطِ تلكَ الصورةِ الخفيّةِ، فوافقَ نورَ نبيّنا محمّدٍ (صلی الله علیه و آله) ، فقالَ اللهُ عندئذٍ: أيْ محمّدُ أنتَ المختارُ المنتخبُ، عندكَ يا محمّدُ ثابت نوري وكنوز هدايتي، ثمَّ أخفى الخليقةَ في غيبهِ، وكتمها في مكنونِ علمِهِ، ثمَّ وسطَ العالمَ وبسطَ الزمانَ وأثارَ الزبدَ وأهاجَ الريحَ فطغى عرشهُ على الماءِ، ثمَّ سطحّ الأرضَ على الماءِ، ثمَّ أنشأَ الملائكةَ من أنوارٍ ابتدعها وعوالمٍ اخترعها، ثمَّ قرنَ بتوحيدهِ تعالى نبوّةَ محمّدٍ (صلی الله علیه و آله) ، فهوَ أبو الأرواحِ ويعسوبها، كما كانَ آدمُ أبا الأجسادِ ومنشأها، ثمَّ انتقلَ النورُ في جميعِ العوالمِ عالمٍ بعدَ عالمٍ، وطبقٍ بعدَ طبقٍ، وقرنٍ بعدَ قرنٍ، إلى أن ظهرَ نورُ محمّدٍ (صلی الله علیه و آله) بالصورةِ والمعنى في آخرِ الزمانِ هذا، وإنَّ لمحمّد بالخفاءِ روحانيةً تستمدُّ الفيضَ الأقدسَ، ثمَّ هوَ (صلی الله علیه و آله) يمدُّ العوالمَ كلّها بتلكَ الروحانيّةِ الخفيّةِ)).

أقول: هنيئاً لك يا عمَّ رسول الله وكافله، حيث كان نورك ينتقل مع نور رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فطاف العوالم كلها، ثم صار يمدها بالفيض والروحانية، ثم شاءت لك إرادة الله سبحانه أن تكون صائناً لذلك النور محافظاً عليه، ما أن استطعت إلى ذلك سبيلاً.

وجاء في مستدرك الصحيحين 4 / 73 بطريقه إلى عبد الله بن عمر أنّه قال: بينما نحن جلوس بفناء دار رسول الله (صلی الله علیه و آله) إذ مرّت علينا امرأة، فقال رجل من الجالسين: هذه بنت محمد، فقال أبو سفيان: إن مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط تبن، فسمعت

ص: 327

المرأة هذا الكلام فأسرعت في مشيها، فدخلت على رسول الله فأخبرته بمقالة أبي سفيان، فبينما نحن جلوس إذ خرج علينا رسول الله مغضباً يلوح الغضب على وجهه الكريم، فأمر أن ينادى في الناس جامعة، فاجتمع الناس في المسجد يهرعون، فصعد النبيّ (صلی الله علیه و آله) المنبر فقال فيما قال:

((ما بالُ أقوامٍ تبلغني عنهم مقالةٌ، إعلموا أيّها الناسُ لأنَّ اللهَ تباركَ وتعالى لمّا خلقَ السماواتِ والأرضَ قدْ اختارَ العليا منها فأسكنها منْ شاءَ من خلقِهِ، ثمَّ خلقَ الخلقَ فاختارَ منهم بني آدمَ، واختارَ منهمْ العربَ، ثمَّ اختارَ منهم مضراُ، ثمَّ اختارَ منهم قريشاً، واختارَ منهم بني هاشمَ، ثمَّ اختارني من بني هاشمَ، فأنا من بني هاشمَ منْ خيارِ الخيارِ، فمنْ أحبَّ العربَ فبحبّي أحبّهم، ومنْ أبغضَ العربَ فببغضي أبغضهم))، ثم نزل (صلی الله علیه و آله) من المنبر فاعتذر إلى حضرته المؤمنون.

***

أقول: ومما لا يشوبه الشكّ ولا يعترضه الريب والوهم أن أبا طالب عمّ الرسول (صلی الله علیه و آله) وناصره هو أجلّ سادات العرب وأكبر شخصياتهم، فمن أحبّه أحبّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، ومن أبغضه أبغض النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، على أساس حديث ابن عمر هذا، ومن أبغض النبيّ (صلی الله علیه و آله) فهو كافر بإجماع المسلمين.

كما يستحيل على الله الحكيم أن يودع أنواره وأسراره في أصلاب وأرحام قد انطوت على الجحود بربوبيته، أو أشركت معه غيره في العبادة.

ص: 328

كما يستحيل على رسول الله (صلی الله علیه و آله) أن يشيد ويفخر بشجرة كافرة، أو يمجد ويعظم أسرة مشركة،

وذكر السيد الموسوي في الحجة فقال: قال العباس بن علي بن الحسين بن علي بن عبد الله بن العباس بن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) أبياتاً يفتخر بها على غيره من الأشراف، باعتبار أنّه نتاج أسرة مخضت عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) :

أنّى و نحن رسول الله يجمعنا *** أب وأمّ وجدّ غير موصوم ِ

جاءت به وبنا من بين أسرته *** غرّاء من نسل عمران بن مخزوم

حزنا بها إن من يسعى ليدركها *** قرابة من حواها غير مسهوم

رزقاً من الله أعطانا فضيلته *** والناس ما بين مرزوق ومحروم

وقال أيضاً:

إن عليّ بن أبي طالب *** جدّا رسول الله جدّاهُ

أبو عليٍّ وأبو المصطفى *** من طينة طيّبها اللهُ

وبالمناسبة أقول: قد عثرت على مقارنة ومفاخرة بين الهاشميين والأمويين ذكرها ابن أبي الحديد في شرح النهج تبتدئ من 3/ 467 وتنتهي ب- 499، فكان المنتصرون للأمويين يأتون إلى التفضيل من طريق عاتكة بنت يزيد بن أبي سفيان، حيث هي ملكة بنت ملك وحفيدة ملك، وكلما تكثر الملوك في بيت هو أفضل من غيره.

ص: 329

أمّا المنتصرون للهاشميين فقد حذوا حذوهم فانتصروا على التفضيل من طريق فاطمة (علیها السلام) بنت محمد (صلی الله علیه و آله) .

لذا قالوا: إن كان الفخر والفضل بعاتكة لأنها إبنة الملوك فإنّا نذكر فاطمة بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله) ،فإنها بنت سيد الملوك، وسيد البشر من الأولين والآخرين، والتي قال فيها النبيّ (صلی الله علیه و آله) : ((فاطمةُ سيدةُ نساءِ العالمينَ)).

هذا مضافاً إلى أن أمّ فاطمة (علیها السلام) خديجة الكبرى التي واست رسول الله (صلی الله علیه و آله) في السراء والضراء، وبذلت جميع ما تملكه من الثروة الطائلة في سبيله ومصالح الإسلام، بالإضافة إلى أن السيدة فاطمة (علیها السلام) هي أمّ السبطين الإمامين الحسن والحسين (علیهما السلام) ، وحليلة عليٍّ (علیه السلام) أمير المؤمنين وسيد الخلق بعد الرسول الأمين (صلی الله علیه و آله) .

وناهيك من امرأة أبوها رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، بعلها عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ، أمّها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، أخواها الطيب والطاهر أبناء رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ابن عمّها الآخر جعفر الطيار ذو الجناحين، عمّها أبو طالب العظيم، أبو طالب الزعيم الذي كان أشد الناس شكيمة، وأجودهم رأياً، وأشهمهم نفساً، وأمنعهم جانباً، وأحوطهم على الإسلام، وأكثرهم خدمة لرسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وهو سادن الكعبة، بليغ أديب شاعر فصيح عالم جليل خطيب عظيم، عمُّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) وكافله ومربيه ومؤازره.

ص: 330

فهل يا ترى بالمستطاع لأيّ إنسان أن يفاخر أبا طالب عمّ الزهراء؟!، أو يفاخر أناساً ولدهم هاشم عمرو العلى؟! فبنو هاشم أبداً لا يبارون، فهم فوق عظمة العظماء وسيادة السادة والزعماء.

أمّا الأمويون فلا يُعرف فيهم خير قطّ، لا في جاهلية ولا في إسلام، بل لعلهم ومن غير مبالغة في القول إن إجرامهم ومناكيرهم في الدور الإسلامي أكبر وأكثر مما كانوا عليه في الزمن الجاهلي، فهم أجلاف وأراذل قد ضربت عليهم الذلّة جاهلية وإسلاماً.

فهم الذين كانوا قد أقدموا على أول عمل منحطّ كريه تقشعر من فضاعته أبدان العقلاء حتى في الجاهلية، وحين لا دين ولا كتاب ولا شريعة ولا نبوة، نعم أقدموا على نكاح نساء الآباء.

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 3/ 469، قال أبو عثمان: قد صنع أمية بن عبد شمس شيئاً لم يقدم عليه أحد لا من الأولين ولا من الآخرين، لقد زوّج امرأته من ابنه عمرو في حياته، فأولدها أبا معيط بن أبي عمرو بن أمية، وصارت سُنّة في عقبه.

أمّا أبو طالب -بل الأسرة الهاشمية ما عدا أبي لهب – فإنهم كانوا مؤمنين بالله نابذين لكل ما عداه، فقد حرّموا على أنفسهم كافة المنافيات للإنسانية، وحرّموا عليهم جميع الملاذ غير المشروعة من الزنا والخمور والربا والقمار والكذب، إلى غير ذلك من المخازي والموبقات.

قال جعفر بن أبي طالب ذات يوم للرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، إني ما كذبت كذبة قطّ لا في جاهلية ولا إسلام منذ علمت أن الكذب منقصة ورذيلة، وما شربت

ص: 331

الخمر قطّ منذ علمت أنّه يزيل العقل ويخمره، وما زنيت قطّ منذ علمت متى ما فعلت فُعل بي، فاسترَّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، ودعا له بالخير والبركة.

أقول: ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج 4 / 48 كتاباً من عليٍّ (علیه السلام) لمعاوية بن أبي سفيان يعرّفه فيه بيته ومكانته، كما يصف فيه مجد الهاشميين ومكارمهم، وها نحن نذكره تنويراً للرأي العام، وإظهاراً للواقع الذي ما ربّما يخفى على البسطاء من الناس، فيتخيلون أن هناك مجداً وسيادة وكرامة وزعامة لبني أمية.

وإلى القارئ الكريم نصّ الكتاب الذي كانت مناسبته كتاب من معاوية قد وصل إلى الإمام (علیه السلام) ، وهذا كتاب معاوية أولاً، وقد ذكره ابن أبي الحديد أيضاً في نفس الصفحة والجزء:

(من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب:

أمّا بعد، فإن الله تعالى جده قد اصطفى محمداً (علیه السلام) لرسالته، واختصه بوحيه وتأديته لشريعته، فأنقذ به من العماية وهدى به من الغواية، ثم قبضه الله إليه رشيداً حميداً، قد بلغ الشرع ومحق الشرك وأخمد نار الإفك، فأحسن الله جزاءه، وضاعف عليه نعماءه وآلاءه.

ثم إن الله سبحانه اختصّ محمداً بأصحاب أيّدوه وآزروه ونصروه، وكانوا كما قال الله تعالى فيهم﴿:أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29)، فكان أفضلهم مرتبة وأعلاهم درجة الخليفة الأول الذي جمع الكلمة ولمَّ الدعوة وقاتل أهل الردّة، ثم الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح ومصّر الأمصار وأذلّ رقاب المشركين، ثم الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملّة وطبق الآفاق بالكلمة الحنيفية، فلمّا استوثق الإسلام وضرب بجرانه عدوت عليه وبغيت

ص: 332

الغوائل ونصبت له المكائد وضربت له بطن الأمر وظهره ودسست عليه وأغريت به وقعدت حيث استنصرك عن نصره وسألك أن تدركه قبل أن يمزق فما أدركته، فما يوم المسلمين منك بواحد، لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه ورمت إفساد أمره وقعدت في بيتك واستغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته، ثم كرهت بيعة عمر وحسدته واستطلت عليه مدّته وسررت بقتله وأظهرت الشماتة بمصابه حتى أنّك حاولت قتل ولده لأنّه قتل قاتل أبيه، ثم لم تكن أشد منك لابن عمّك عثمان، فقد نشرت قبائحه وطويت محاسنه وطعنت في فقهه ودينه ثم في سيرته وعقله، وأغريت به السفهاء من أصحابك وشيعتك حتى قتلوه بمحضر منك، لا تدفع عنه بلسان ولا يد، وما من هؤلاء إلّا بغيت عليه وتلكأت في بيعته حتى حملت إليه قهراً بحزائم الإقتسار كما يساق الفحل المغشوش، ثم نهضت تطلب الخلافة وقتلة عثمان من خلصائك والمحدقين بك، وتلك من أماني النفوس وضلالات الأهواء.

فدع اللجاج والعبث جانباً، وادفع إلينا قتلة عثمان، وأعد الأمر شورى بين المسلمين ليقفوا على من هو لله فيه رضا، فلا بيعة لك في أعناقنا، ولا طاعة لك علينا، ولا عتبى لك عندنا، وليس لأصحابك عندي إلّا السيف، فو الذي لا إله إلّا هو لأطلبن بدم عثمان وألاحق قتلته أين ما كانوا وحيث ما وجدوا فأقتلهم أو أموت في هذا السبيل.

وأمّا ما تزال تمنّ به من سابقتك وجهادك فإني وجدت الله يقول: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (الحجرات:17) ولو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشد الأنفس امتناناً على الله بعملها، وإذا كان الإمتنان على السائل يبطل أجر الصدقة، فالإمتنان على الله بالجهاد يجعله ك-﴿صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ

ص: 333

فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾(البقرة: 264) )).

أقول: وإنّه لكتاب صلف وقح ينمّ عن عداء معاوية لعليٍّ (علیه السلام) وبغض لا يضاهيه أيّ بغض، وكيف لا يكون كذلك وهو يعلم حقّاً أن عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) قد ضرب خراطيم آبائه بالسيف حتى قالوا: ((لا إله إلّا الله))، وأن عليّاً (علیه السلام) هو الذي قتل أخاه وعمّه وخاله، وأن عليّاً (علیه السلام) وحده هو الذي قرضته السماء وفرضت ولايته على الخلق عامّة، وهو الذي حلّق بذكره المجيد في الآفاق، ونصبه رسول الله (صلی الله علیه و آله) إماماً للمسلمين وعلماً للأمّة، وهو الذي جاءه أبو سفيان بعد وفاة الرسول (صلی الله علیه و آله) وقال له: مدّ يدك يا عليُّ أبايعك، فصادف منه الإباء والإنكار وعدم الرضا من عمليته، لما يعلمه (علیه السلام) من خبثه وانطوائه على النفاق، وأنّه لا يبتغي من فذلكته تلك إلّا أن يتصيد في الماء العكر ويلعب لعبته برأس عليٍّ (علیه السلام) ، ظنّاً منه أن ستنطلي عليه أحابيله وأباطيله، ولكن أمير المؤمنين (علیه السلام) المسدد بعناية الله والناظر بنوره سبحانه عرف نواياه، فجابهه بالرد والإنكار ولم يقبل بما عرضه كما لم يعتن برأيه.

وعلى كل حال، لنطلق العنان إلى القلم ليصور لنا جواب أمير البلغاء وأستاذ الفصحاء وإمام الخلق أجمعين وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ، وإليك قارئي الكريم النصّ الكامل:

((بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان.

ص: 334

أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ اصْطِفَاءَ اللهِ تعالى مُحَمَّداً (صلی الله علیه و آله) لِدِينِهِ، وَتَأْيِيدَهُ إِيَّاهُ بِمَنْ أَيَّدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً، إِذْ طَفِقْتَ تُخْبِرُنَا بِبَلاَءِ اللهِ عِنْدَنَا، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا، فَكُنْتَ فِي ذلكِ كَنَاقِلِ الَّتمْرِ إِلَى هَجَرَ، أَوْ دَاعِي مُسَدِّدِهِ إِلَى النِّضَالِ.

وَزَعَمْتَ أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ فِي الاْسْلاَمِ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَذَكَرْتَ أَمْراً إِنْ تَمَّ اعْتَزَلَكَ كُلُّهُ، وَإِنْ نَقَصَ لَمْ يَلْحَقْكَ ثَلْمُهُ، وَمَا أَنْتَ وَالْفَاضِلَ وَالْمَفْضُولَ، وَالسَّائِسَ وَالْمَسُوسَ! وَمَا لِلطُّلَقَاءِ وَأَبْنَاءِ الطُّلَقَاءِ، وَالتَّمْييزَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ والأنصار، وَتَرْتِيبَ دَرَجَاتِهِمْ، وَتَعْرِيفَ طَبَقَاتِهِمْ! هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا!

أَلاَ تَرْبَعُ أَيُّهَا الاِْنْسَانُ عَلَى ظَلْعِكَ، وَتَعْرِفُ قُصُورَ ذَرْعِكَ، وَتَتَأَخَّرُ حَيْثُ أَخَّرَكَ الْقَدَرُ! فَمَا عَلَيْكَ غَلَبَةُ الْمَغْلُوبِ، وَلاَ لَكَ ظَفَرُ الظَّافِرِ! وَإِنَّكَ لَذَهّابٌ فِي التِّيهِ، رَوَّاغٌ عَنِ الْقَصْدِ.

أَلاَ تَرَى - غَيْرَ مُخْبِر لَكَ، لكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أُحَدِّثُ - أَنَّ قَوْماً اسْتُشْهِدُوا في سَبِيلِ اللهِ مِنَ الْمُهاجِرينَ، لِكُلٍّ فَضْلٌ، حَتَّى إِذَا اسْتُشْهِدَ شَهِيدُنَا قِيلَ: سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ، وَخَصَّهُ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله) بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً عِنْدَ صَلاَتِهِ عَلَيْهِ!

أَوَلاَ تَرَى أَنَّ قَوْماً قُطِّعَتْ أَيْديِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَلِكُلّ فَضْلٌ - حَتَّى إذَا فُعِلَ بِوَاحِدِنَا كمَا فُعِلَ بِوَاحِدِهِمْ، قِيلَ: الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ وَذُو الْجَنَاحَيْنِ!

وَلَوْ لاَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِنْ تَزْكِيَةِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ، لَذَكَرَ ذَاكِرٌ فَضَائِلَ جَمَّةً، تَعْرِفُهَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ تَمُجُّهَا آذَانُ السَّامِعِينَ.

ص: 335

فَدَعْ عَنْكَ مَنْ مَالَتْ بِه الرَّمِيَّةُ، فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا.

لَمْ يَمْنَعْنَا قَدِيمُ عِزِّنَا وَلاَ عَادِيُّ طَوْلِنَا عَلَى قَوْمِكَ أَنْ خَلَطْنَاكُمْ بَأَنفُسِنَا، فَنَكَحْنَا وَأَنْكَحْنا، فِعْلَ الاَْكْفَاءِ، وَلَسْتُمْ هُنَاكَ! وَأَنَّى يَكُونُ ذلِكَ كَذَلِكَ وَمِنَّا النبيّ وَمِنْكُمُ الْمُكَذِّبُ، وَمِنَّا أَسَدُ اللهِ وَمِنْكُمْ أَسَدُ الاَْحْلاَفِ، وَمِنَّا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمِنْكُمْ صِبْيَةُ النَّارِ، وَمِنَّا خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينِ وَمِنْكُمْ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ، فِي كَثِير مِمَّا لَنَا وَعَلَيْكُمْ!

فَإِسْلاَمُنَا مَا قَدْ سُمِعَ، وَجَاهِلِيَّتُنَا لاَ تُدْفَعُ، وَكِتَابُ اللهِ يَجْمَعُ لَنَا مَا شَذَّ عَنَّا، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأُولُو الاْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ﴾ (الأنفال: 75)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النبيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤمِنِينَ﴾ (آل عمران: 68)، فَنَحْنُ مَرَّةً أوْلَى بِالْقَرَابَةِ، وَتَارَةً أَوْلَى بِالطَّاعَةِ.

وَلَمَّا احْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الأنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ بِرَسُولِ الله (صلی الله علیه و آله) فَلَجُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ يَكُنِ الْفَلَجُ بِهِ فَالْحَقُّ لَنَا دُونَكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِهِ فَالاْنْصَارُ عَلَى دَعْوَاهُمْ.

وَزَعَمْتَ أَنِّي لِكُلِّ الْخُلَفَاءِ حَسَدْتُ، وَعَلَى كُلِّهِمْ بَغَيْتُ، فَإِنْ يَكُ ذلِكَ كَذلِكَ فَلَيْسَ الْجِنَايَةُ عَلَيْكَ، فَيَكُونَ الْعُذْرُ إِلَيْكَ.

وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا

ص: 336

وَقُلْتَ: إِنِّي كُنْتُ أُقَادُ كَمَا يُقَادُ الْجَمَلُ الْمَغشُوشُ حَتَّى أُبَايِعَ، وَلَعَمْرُ اللهِ لَقَدْ أَرَدْتَ أَنْ تَذُمَّ فَمَدَحْتَ، وَأَنْ تَفْضَحَ فَافْتَضَحْتَ! وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَضَاضَة فِي أَنْ يَكُونَ مَظْلُوماً مَا لَمْ يَكُنْ شَاكّاً فِي دِينِهِ، وَلاَ مُرْتَاباً بِيَقِينِهِ!

وَهذِهِ حُجَّتِي إِلَى غَيْرِكَ قَصْدُهَا، وَلكِنِّي أَطْلَقْتُ لَكَ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا سَنَحَ مِنْ ذِكْرِهَا.

ثُمَّ ذَكَرْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي وَأَمْرِ عُثْمانَ، فَلَكَ أ َنْ تُجَابَ عَنْ هذِهِ لِرَحِمِكَ منْهُ، فَأَيُّنَا كَانَ أَعْدَى لَهُ، أَهْدَى إِلَى مَقَاتِلِهِ! أَمْ مَنْ بَذَلَ لَهُ نُصْرَتَهُ فَاسْتَقْعَدَهُ وَاسْتَكَفَّهُ، أَمْ مَنِ اسْتَنْصَرَهُ فَتَرَاَخى عَنْهُ بَثَّ الْمَنُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى أَتَى قَدَرُهُ عَلَيْهِ، كَلاَّ وَاللهِ لَقَد عَلِمَ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأَتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَليلاً.

وَمَا كُنْتُ لاِعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً، فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ، فَرُبَّ مَلُوم لاَ ذَنْبَ لَهُ.

وَقَدْ يَسْتَفِيدُ الظِّنَّةَ الْمُتَنَصِّحُ، وَمَا أَرَدْتُ ﴿إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88)

وَذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلاَ لاِصْحَابِي عِنْدَكَ إِلاَّ السَّيْفُ، فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَار! مَتَى أُلْفِيَتْ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الاْعْدَاءِ نَاكِلِينَ، وبِالسُّيُوفِ مُخَوَّفِينَ؟!

فَالَبِّثْ قَلِيلاً يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلْ

ص: 337

فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ، وَيَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ، وَأَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَل مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالاَْنْصَارِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَان، شَدِيد زِحَامُهُمْ، سَاطِع قَتَامُهُمْ، مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ، أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ، قَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ، وَسُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ، قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَخَالِكَ وَجَدِّكَ وَأَهْلِكَ، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيد﴾(هود: 83))).

أقول: ونترك المقارنة والتمييز بين الطائفتين لذوق القارئ الكريم، ثم ليقطع ويحكم بما يريد.

وأقول أيضاً كما قال جدّنا أمير المؤمنين (علیه السلام) : ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود: 88).

وبالجواب منه (علیه السلام) كفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد، ولكنّا نذكر ما رواه ابن أبي الحديد بالصفحات نفسها من انتصار الخليفة المعتضد العباسي للهاشميين وتفضيلهم على من سواهم، كما نفى مجال المقارنة والمقايسة والتمايز بكتاب عمّه على جميع البلاد الإسلامية وأمر بقراءته على الناس في كل مكان، بالرغم من معارضة العباسيين في ذلك وممانعتهم إياه عن نشر الكتاب، إلّا أنّه أصرّ وأصرّ إلّا أن ينشر ويقرأ في النوادي الحكومية والشعبية والمجتمعات العامة أيام الجمعات والأعياد، وهذا نصّ الكتاب:

أمّا بعدُ: فقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه العامة من شبهة دخلتهم في دينهم، وفساد لحقهم في عقائدهم، وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم، ونطقت لها السنتهم التابعة إلى أهوائهم المبتدعة قلدوا فيها قادة الضلال بلا رويّة ولا بصيرة، كما خالفوا فيها السُنّة

ص: 338

الواجبة الإتباع، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: 50)، خروجاً منهم على الطاعة، ومسارعة إلى الفتنة، وإيثاراً للفرقة، وتشكيكاً في الأمر، وتشتيتاً للكلمة، وإظهاراً لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، وبتر منه العصمة، وأخرجه عن الملّة، وأوجب عليه اللعنة، كما صغّر قدره وحقّه، وأوهن أمره، وأضعف ركنه من بني أميّة الشجرة الملعونة في القرآن الكريم.

كل ذلك مخالفة صريحة لمن استنقذهم الله به من الهلكة، وبواسطته أسبغ عليهم النعمة من أهل بيت البركة والرحمة، ﴿وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (البقرة: 105).

فأعظم أمير المؤمنين الأمر وما انتهى إليه الوضع، فرأى ترك إنكاره المنكر خروجاً عن الدين، وفساداً لمن قلده الله أمره من المسلمين، وإهمالاً لما أوجبه الله من تقويم المخالفين وإصلاح المعاندين، فأمير المؤمنين يخبركم معاشر المسلمين أن الله عزّ وجلّ لمّا بعث محمداً (صلی الله علیه و آله) بدينه، وأمره أن يصدع بأمره بدأ بأهله وعشيرته، فدعاهم إلى ربّه، فأنذرهم وبشّرهم ونصح لهم وأرشدهم، فكان من استجاب إليه وصدّق قوله واتبع أمره نفر يسير من بني أبيه، يدفعون عنه من نابذه، ويقهرون من تظاهر عليه وعانده، ويتوثقون له ممن كاشفه وعاضده، ويبايعون له من سمح له بنصرته، ويتجسسون له أخبار أعدائه، حتى إذا بلغ المدى وحان وقت الإهتداء دخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله، ثم الإيمان به بثابت بصر وأحسن هدى ورغبة، فجعلهم الله أهل بيت الرحمة وأهل بيت الدين، أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فهم ورثة النبوة ومعدن الحكمة وموضع الخلافة، لذا

ص: 339

أوجب الله لهم الفضيلة وألزم العباد لهم الطاعة، فكان ممن كذّبه وعانده وحاربه من عشيرته العدد الكثير والسواد الأعظم، يتلقونه بالضرب والتثريب، ويقصدونه بالأذى والتخويف، وينالون من اتبعه بالتعذيب.

وكان أشدهم في ذلك عداوة، وأعظمهم مخالفة، وأولهم في كل حرب ومناصبة، ورأسهم في كل إجلاب وفتنة، لا ترفع على الإسلام راية إلّا كان صاحبها وقائدها أبا سفيان بن حرب صاحب أُحُد والخندق وغيرهما، معه أشياعه من بني أمية الملعونين في كتاب الله، ثم على لسان رسول الله (صلی الله علیه و آله) في مواضع عديدة، لسابق علم الله فيهم وماضي حكمه فيهم وفي كفرهم ونفاقهم، ولم يزل أبو سفيان لعنه الله يحارب الله ورسوله، مجاهداً يدافع عن الأوثان مكائداً حتى قهره السيف وعلا أمر الله وهم كارهون، فتعوذ بالإسلام غير منطوٍ عليه وأسرّ الكفر غير مقلع عنه، فقبله رسول الله (صلی الله علیه و آله) وقبل ولده على علم منه بحاله وحالهم، ثم أنزل الله تعالى كتاباً فيما أنزله على رسوله يذكر فيه شأنهم، وهو قوله: ﴿والشَجَرةَ الملعوْنَةَ فِيْ القُرْآنِ﴾، ولا خلاف بين أحد من أنّه تعالى وتبارك أراد بالشجرة الملعونة بني أمية، ومما ورد مطابقاً للقرآن من السُنّة النبوية المروية عن الثقات عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) في أبي سفيان فكثير وكثير جدّاً:

منها-أنّه (صلی الله علیه و آله) قد رأى يوماً أبا سفيان مقبلاً على حمار يقوده معاوية ويزيد يسوقه، فقال النبيّ (صلی الله علیه و آله) : ((لعنَ اللهُ الراكبَ والقائدَ والسائقَ)).

ص: 340

ومنها-ما نقلوا عن أبي سفيان من قوله يوم بويع عثمان: تلقفوها يا بني عبد شمس تلقف الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من جنّة ولا نار.

وهذا هو الكفر الصريح بعينه، الكفر الذي يلحقه اللعنة من الله كما لحقت الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.

ومنها-وقوفه على ثنية أُحُد بعد ذهاب بصره، وقوله لقائده: ههنا رمينا محمداً وقتلنا أصحابه.

ومنها-الكلمة التي قالها للعباس بن عبد المطلب يوم فتح مكة المكرمة، وقد عرضت عليه جنود الله: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً يا عباس،

ومنها-قوله يوم الفتح أيضاً حين سمع بلال الحبشي يؤذن على ظهر الكعبة إلى أن قال: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، تمنى الموت ولم يكن يسمع ما سمع من أذان بلال، وقال: لقد سعد عتبة بن أبي ربيعة حيث لم يشهد هذا المشهد ولم يسمع ما قد سمعت.

ومنها-الرؤيا التي رآها رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وكان قد رأى كأن نفراً من بني أمية ينزون على منبره نزو القردة.

ومنها-طرد رسول الله (صلی الله علیه و آله) الحكم بن العاص لمحاكاته له في المشي، فألحقه الله بدعوته آفة باقية مدى عمره.

ص: 341

هذا بالإضافة إلى ما كان من أمر مروان ابنه من افتتاحه أول فتنة في الإسلام، واحتقابه فيها كل دم حرام سفك أو أريق بعدها.

ومنها-ما أنزله الله تعالى على نبيّه ليلة القدر خير من ألف شهر، قال المفسرون: إن الآية تعني أن ليلة القدر خير من ألف شهر، أي خير من ملك بني أمية الذي كانت مدته ألف شهر.

ومنها-أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) دعا معاوية يوماً فدافع بأمره واعتل بطعامه ثلاث مرات، فعندها قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((لا أشبعَ اللهُ بطنَهُ))، فبقي لا يشبع أبداً، كما كان يردد: ما شبعت شبعاً ولكن أتركه إعياءً ومللاً.

ومنها-أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: ((سيطلعُ منْ هذا الفجِّ رجلٌ يزعمُ أنّهُ منْ أُمّتي يُحشرُ علىْ غيرِ مِلّتي))، وعلى الأثر طلع من المكان الذي أشار إليه النبيّ (صلی الله علیه و آله) معاوية بن أبي سفيان.

ومنها-أن الرسول (صلی الله علیه و آله) قال: ((إنَّ معاويةَ فيْ تابوتٍ منْ نارٍ فيْ أسفلِ دركٍ منْ جَهنّمَ يستغيثُ فيُقالُ لهُ: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: 91).

ومنها-أنّه (صلی الله علیه و آله) قال: إّذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه.

ومنها-اقترافه المحاربة لأفضل المسلمين في الإسلام مكاناً، وأقدمهم إلى الدين سبقاً، وأحسنهم فيه ذكراً وأثراً، ذاك أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) ، وقد نازعه حقّه بباطله، وجاهد أنصاره بضلاله وأعوانه، وحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولان من إطفاء نور الله وجحود دينه، ﴿وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32).

ص: 342

ومنها-أنّه (صلی الله علیه و آله) قال لعمّار بن ياسر: ((تقتلُكَ الفئةُ الباغيةُ، لأنّكَ تدعوهمْ إلى الجنّةِ وهمْ يدعونكَ إلى النارِ))، ولا شكَّ ولا ريبَ في أنَّ الفئةَ الباغيةَ التي قتلت عمّار هي فئة معاوية.

وكان معاوية مؤثراً للعاجلة، كافراً بالآجلة، خارجاً عن ربقة الإسلام، مستحلّاً للدم الحرام، حتى سفك في فتنته وفي سبيل غوايته وضلالته ما لا يحصى عدده من خيار المسلمين الذّابين عن دين الله والناصرين لحقّه، عداوة منه لله، مجتهداً في أن يعصى الله فلا يطاع، ويبطل أحكامه فلا تقام، ويخالف دينه فلا يدان به... ولكن كلمة الله هي العليا، ودينه هو المنصور، وحكمه هو النافذ، وأمره هو الغالب، وكيد من عاداه وحادّه هو المغلوب الداحض.

فاحتمل معاوية أوزار تلك الحروب وتوابعها، وتطوق تلك الدماء البريئة وما سفك بعدها إلى يوم القيامة.

كما إنّه قد سنَّ سنن الفساد، فعليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم الدين، وقد أباح المحارم لمن ارتكبها ومنع الحقوق أهلها؛ لأنّه قد غرّته الآمال واستدرجه الإمهال، فكان مما أوجب الله به عليه اللعنة وسوء العذاب،

ثم قتله من قُتل صبراً من أخيار الصحابة والتابعين، وأهل الفضل والدين، مثل حُجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي إلى كثير من هذا اللون ممن قتلهم ظلماً وعدواناً.

ثم ادعاؤه زياداً ونسبته إلى أبيه أبي سفيان، والله سبحانه يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ (الأحزاب: 5)، وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((ملعونٌ ملعونٌ مَنْ ادّعيَ لغيرِ أبيهِ وانتمى إلى غيرِ مواليهِ))، كما قال: ((الولدُ للفراشِ وللعاهرِ الحجرُ)).

ص: 343

فخالف معاوية في ذلك حكم الله ورسوله جهاراً، فأحلّ بأعماله هذه من محارم الله ورسوله في أمّ حبيبة وغيرها من النساء من شعور ووجوه قد حرمها الله، وأثبت بها من قربى أبعدها الله عزّ وجلّ – إلى كثير مما أدخله من الخلل في الدين ما لم يتله خلل مثله، وغيّر وبدّل في الإسلام ما لم ينل الإسلام تبديل وتغيير يشبهه،

فمن ذلك إيثاره لخلافة الله ومقام رسول الله (صلی الله علیه و آله) ابنه السكير الخمّير صاحب الديكة والقرود والفهود، فأخذ له البيعة من خيار المسلمين بالقهر والسلطة والتوعد والإخافة، وهو يعلم سفهه وطيشه، ويعلم رهقه ونزقه، ويشاهد كفره وعتوه وفجوره وطغيانه، ومحاربته لله ورسوله بلا اختشاء ولا تستر، ولما تكن الخلافة إلى يزيد لعنه الله طلب متحفزاً يطلب بثأر المشركين من المسلمين؛ فأوقع بأهل المدينة وقعة الحرّة، الوقعة التي لم تمر على البشرية مثلها، ولا على المسلمين أفظع وأبشع منها، فشفى عند نفسه غليله، وظنّ أنّه انتقم لأشياخه من أولياء الله، وبلغ الثأر لأعداء الله والرسول (صلی الله علیه و آله) ، فقال مردداً غير هياب مظهراً كفره وعناده وشركه وإلحاده:

ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسلْ

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً *** ثم قالوا يا يزيد لا تُشل

لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحيٌّ نزل

قول من لا يرجع إلى دين، ولا يؤمن بالله العظيم.

ص: 344

ثم أن أغلظ ما انتهك وأعظم ما اجترم سفكه لدم الحسين بن علي (علیهما السلام) ، مع علمه بموقعه من رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وسماعه منه أنّه قال: ((الحَسَنُ والُحسينُ ريحانتايَ من الدُنيا، الحَسَنُ والُحسينُ سيّدا شبابِ أهلِ الجّنّةِ))، اجتراءً منه على الله ورسوله، وعداوة منه لهما، فما خاف في عمله ذلك من الله نقمة، ولا راقبه في معصية.

هذا مضافاً إلى ما كان من بني مروان من تبديل كتاب الله وتعطيل سننه وأحكامه، واتخاذ مال الله بينهم دولاً، ثم هدمهم لبيت الله، واستحلالهم حرمه، ونصبهم المجانيق عليه، ورميهم إيّاه بالنار يألون له إحراقاً وتخريباً، ولما قد حرّم الله منه استباحة وانتهاكاً، ولمن لجأ إليه قتلاً وتنكيلاً، ولمن آمنه الله فيه إخافة وتشريداً، حتى إذا حقت عليهم كلمة العذاب واستحقوا من الله الإنتقام بعد أن ملأوا الأرض بالجور والظلم وعمّوا عباد الله بالعداء والقهر والإذلال، فحلّت عليهم السخطة ونزلت بهم من الله السطوة، وقطع الله دابر الذين ظلموا وكانوا يعتدون، والحمد لله ربّ العالمين.

أيّها الناس إن الله تعالى أمر ليطاع، فقال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ (الأحزاب: 64)، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة: 159)، فالعنوا أيها المسلمون من لعنه الله ورسوله، وفارقوا من لن تنالوا القربة من الله إلّا بمفارقته.

اللهمّ العن أبا سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وولده وولد ولده إلى يوم القيامة.

ص: 345

اللهمّ العن أئمة الكفر والضلال، وقادة الشرك والفساد، وأعداء الدين ومعاندي الرسول (صلی الله علیه و آله) ، ومعطلي الأحكام، ومحرفي الكتاب، ومنتهكي الدم الحرام.

اللهمّ إنّا نبرأ إليك من موالاة أعدائك، ومن الإغماض لأهل معصيتك، كما قلت تباركت وتعاليت: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (المجادلة: 22).

أيها الناس إعرفوا الحقّ تعرفوا أهله، وتأملوا سبل الضلال تعرفوا سابلها، فقفوا عند ما أوقفكم الله عليه، وأنفذوا ما أمركم الله به.

***

أقول: وليس ابن أبي الحديد وحده الذي ذكر كتاب الخليفة المعتضد هذا بل ذكره كثير من المحدثين والمؤرخين، ومنهم العلّامة الطبري في تأريخه، والمجلسي في بحاره، والأميني في غديره، ولعمري إنّه لكتاب ضخم وكتاب جليل وعظيم يصدر عن أعظم شخصية من خلفاء بني العباس، فإن المعتضد قد قرأ بنفسه ووقف بذاته على قبائح الأمويين قديماً وحديثاً، وعرف تطاولهم على آل البيت والهاشميين في حال أنهم – أعني الأمويين – بعيدون كأبعد ما بين السماء والأرض عن كل فضيلة، قريبون كل القرب إلى كل رذيلة، بعيدون كل البعد عن القيم الإنسانية.

أحياؤهم عار على أمواتهم *** والميّتون مسبّة للغابر ِ

ص: 346

فأين هم من الهاشميين؟ وأين أبو سفيان من أبي طالب؟ وأين معاوية من عليٍّ (علیه السلام) ؟

قال ابن أبي الحديد من أبيات يصف بها أبا طالب وابنه عليَّ بن أبي طالب:

فلولا أبو طالب وابنه *** لما مثل الدين شخصاً فقاما

فذاك بمكّة آوى وحامى *** وهذا بيثرب خاض الحِماما

وأين يزيد الفهود والقرود من الحسن والحسين (علیهما السلام) سيدي شباب أهل الجنة؟ وأين آل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً من آل مروان طرداء رسول الله (صلی الله علیه و آله) ؟

نقل ابن أبي الحديد 2/ 458 عن الزبير عن محمد بن الحسن عن محمد بن طلحة عن عثمان بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عباس أنّه قال: والله ما شدّت قريش الرحال ولا أناخت الجمال بفناء أحد إلّا بفناء هاشم بن عبد مناف وعبد المطلب بن هاشم وأبي طالب بن عبد المطلب، والله إن أول من سقى الماء العذب وقام برفادة الحاج، وأول من جعل باب الكعبة ذهباً من ماله الخاص شيبة الحمد عبد المطلب، وكانت قريش تتجر ولكن لا تتعدى تجارتهم الحجاز ليس إلّا حتى رحل هاشم بن عبد مناف فنزل ضيفاً على قيصر ملك الشام آنذاك، فاحترمه وعظمه وكان كل يوم يولم له الولائم وينحر الذبائح ويدعو الزعماء والوجهاء وأرباب الدولة على شرف هاشم وزعامته العربية، فلمّا استأذن هاشم من الملك ليعود إلى بلاده فقدم له الهدايا والتحف وطلب إليه أن يفضي بمهامه وحوائجه، فقال هاشم: لا حاجة لي تخصني، بل الشيء الذي أريده الحرية لتجارة قريش وفسح المجال أمامها لتتجه إلى أي بلاد من بلدان العرب.

ص: 347

فأجابه إلى ذلك، وعلى الأثر صارت تجارة قريش تجوب اليمن ولبنان والخليج العربي والعراق، لا تعارض في شيء ببركة جدّ الرسول الأعلى الزعيم العربي هاشم بن عبد مناف.

قال المسعودي في مروج الذهب: وكان هاشم يقوم في اليوم الأول من شهر ذي الحجة من كل عام، فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء الباب فيخطب الناس ويقول فيما يقول:

((يا معشرَ قريشٍ، أنتم سادةُ العَرَبِ، وأَحْسَنُها وُجُوهًا، وَأَعْظَمُها حلمًا، وأَجلّها نسبًا وحَسَباً، وأنتم جِيرانُ بيتِ اللهِ، أكرمَكم بِوِلايَتِهِ، وَخَصَّكم بِجِوَارِه دونِ بني إسماعيلَ، وحَفِظَ منكم أحسنَ ما حَفِظَ جارٌ مِن جارِهِ، فَأَكْرِمُوا ضَيْوفَهُ، واحترموا زُوَّارَه؛ فإِنَّهم يأتونَكم شُعْثًا غُبْرًا مِن كلِّ بَلَدٍ، فَوَرَبِّ هذه البُنِيَّةِ لو كان لي مالٌ يَحْمِلُ ذلك لَكَفَيْتُكُمُوه.

ألا وإِنِّي مُخْرِجٌ مِن طَيِّبِ أموالي وحلالِه ما لم يُقْطَعْ فيه رَحِمٌ، ولم يُؤْخَذْ بِظُلْمٍ وغصبٍ، ولم يَدْخُلْ فيه حَرَامٌ، فَوَاضِعُهُ لِخدمةِ الزوّارِ والحُجّاجِ.

ألا فَمَنْ أرادَ منكم أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذلك فليفعلْ، ولكنّي أَسْأَلُكم بِحُرْمَةِ هذا البيتِ أَلاَّ يُخْرِجَ رجلٌ منكم مِن مالِه لِكِرَامَةِ زُوَارِ بيتِ اللهِ ومَعُونَتِهم إِلاَّ طَيِّبًا منَ الحلالِ الزاكي منَ الأموالِ، لم يُؤْخَذْ ظُلْمًا، ولم يُقْطَعْ فيه رَحِمٌ، ولم يُغْتَصَبْ)).

وكان الطيبون من قريش ترضخ لإرشادات الزعيم العدناني، وتتقبل نصائحه بترحاب وسرور.

ص: 348

ثم قام من بعد وفاته بكل ما يرجع إلى خدمة البيت الحرام والقيام بشؤون زواره ووفوده شيبة الحمد عبد المطلب، فأجاد الخدمة وأحسن الرفادة.

ثم قام من بعده ولده أبو طالب، فأضاف إلى ذلك كله خدمة رسول الله (صلی الله علیه و آله) وتربيته ونصره على أعدائه، ثم تأييده في شريعته ودينه.

ونقل ابن أبي الحديد بطريقه إلى الزبير بن بكار في كتابه النسب: وقد قيل في عبد المطلب وابنه أبي طالب بعد وفاة الزعيم هاشم العظيم هذه الأبيات:

كهولهمُ خير الكهول ونسلهم *** كنسل ملوك لا يبور ولا يحري

ملوك وأبناء الملوك وسادة *** تفلق عنهم بيضة الطائر الصقرِ

متى تلق منهم طامحاً في عنانه *** تجده على إجراء والده يجري

همُ ملكوا البطحاء مجداً وسؤدداً *** وهم ردعوا عنها غواة بني بكر

وهم يغفرون الذنب ينقم مثله *** وهم تركوا رأي السفاهة والهجر

وها أنّا ذا فيهم أقول ولا أزل *** لهم شاكراً حتى أغيّب في القبر ِ

أقول: وأيم الله كلما يتأمل الإنسان ويمعن النظر بدقة وتدبر ويقرأ تأريخ أسرة النبيّ (صلی الله علیه و آله) العظيمة ولحمته الكريمة وشجرته الطيبة يتضح له بجلاء شرف هذه الأسرة وكبير مقامها وسامي مجدها وعزّها، فيجدها ترفل في شمم وتمشي في كرم، يتوارثه الخلف عن السلف،

ص: 349

فمن عبد مناف إلى هاشم عمرو العلى الذي هشم الثريد لقومه وأهل مكة مسنتون عجاف يكاد أن يقضي عليهم الفقر وتهلكهم الحاجة، إلى عبد المطلب، إلى أبي طالب.. إلى محمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) وعليٍّ أمير المؤمنين (علیه السلام) وزير رسول الله ووصيه، فكانوا كما قال القائل:

كلّما غاب نجم بدا كوكب تأوي إليه كواكبهُ

فكلهم يهدفون هدفاً واحداً، ويستقون من ينبوع واحد، فوصية عمّ الر سول العظيم أبي طالب إذا ما قورنت بوصية هاشم وإذا ما قيست بوصية عبد المطلب تجد الجميع تركز على توحيد الله ونفي الشركاء عنه، ثم خدمة بيت الله والاعتناء بوفوده وزواره.

يحدثنا السيد قطب الدين البرزنجي في المختصر، والسيد زيني دحلان في أسنى المطالب، والقاضي النقدي في المواهب: أن الزعيم الهاشمي أبا طالب كان من المتألهين الذين كان الله عزّ وجلّ يجري الخير والكرامة على أيديهم، وقد استسقى أبو طالب للناس مراراً فاستجاب الله دعاءه ولبّى نداءه فأغاث الناس وأمطرهم ببركة دعائه.

قال صاحب المناقب ومثله صاحب المواهب: وكان من جملة طلبات أبي طالب من الله تعالى طلبته منه تقدست أسماؤه أن يلقنه اسماً لابنه عليٍّ حينما ولد (علیه السلام) فقال:

يا ربّ ذا الغسق الدجيّ *** والقمر المبتلج المضيّ

بين لنا من حكمك المقضيّ *** ما ذا ترى في اسم ذا الصبيّ

وإذا بلوح أخضر يسقط عليه وفي حجره من واجهة السماء، فإذا باللوح مكتوب فيه:

ص: 350

خصصتما بالولد الزكيّ *** والطاهر المنتجب المرضيّ

فإسمه من شامخ عليّ *** عليٌّ اشتقّ من العليّ

فكان الرسول (صلی الله علیه و آله) أشد الناس والأقرباء فرحاً بما تفضل به الله على عمّه أبي طالب وابن عمّه عليّ (علیه السلام) ، ثم أبو طالب قد أمر أن يعلق اللوح في جوف الكعبة، ولم يزل كذلك إلى أيام ملوكية هشام بن عبد الملك، فأمر بإنزاله بعد أن تفهم قصته وتعرف واقعته.

وقد تقدم ما يؤيد هذا من أن النبيّ (صلی الله علیه و آله) قال في الحديث المعروف بحديث النور، الحديث المروي بطرق الخاصة والعامة، والحديث طويل، والغاية هي قوله (صلی الله علیه و آله) : ((ولمْ يزلْ ذلكَ النورُ ينتقلُ منَ الأصلابِ الزكيةِ إلى الأرحامِ الزكيةِ، حتّى إذا صارَ فيْ صلبِ جَدّي عبدِ المطّلبِ قسمهُ اللهُ إلى شطرينِ، فأودعَ شطراً منهُ في صُلبِ عبدِ اللهِ أبيْ، وأودعَ الشطرَ الثانيَ فيْ صُلبِ عمّيْ أبيْ طالبَ، فكنتُ أنا النبوّةَ وكانَ عليٌّ الوصيّةَ والفروسيّةَ، وقدْ اشتقَّ الله لَنا إسْمينِ منْ أسمائِهِ، فاللهُ تعالىْ المحمودُ وأنا مُحَمّدٌ، وهوَ تعالىْ الأعلىْ وهذاْ عليٌّ))، وأشار (صلی الله علیه و آله) إلى عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) .

إذاً فالتسمية من الله سبحانه مقررة من عالم الذر وكائنة في اللوح المحفوظ، إلّا أن إظهار ذلك وإعلانه كان بمناسبة مولد عليٍّ (علیه السلام) ورجاء أبيه أن يلهم اسماً لوليده المبارك، فكانت قصة اللوح الأخضر.

وتحدث الإمام أحمد بن حنبل في مسنده 1 / 309 بطريقه إلى ابن عباس عن النبيّ (صلی الله علیه و آله) أنّه قال: ((لمّا كانتْ ليلةُ المعراجِ ليلةَ عُرجَ بي إلى السماءِ، وكنتُ منْ ربّيْ قابَ قوسينِ أو

ص: 351

أدنىْ، وكانَ عروجيْ بعدَ صلاةِ العشاءِ، وطيفَ بيْ في السَماواتِ كلِّها وأصبحتُ بمكّةَ فضقتُ بذلكَ ذرعاً، وصارَ في نَفسيَ إنْ حدّثتُ بالواقعةِ لا أُصَدّقُ، فجلستُ مجلساً منعزلاً عنْ النّاسِ مفكراً فيْ أمرِي حائراً في قضيّتي، فينما أنا كذلكَ إذْ مرَّ بيْ أبوْ جهلٍ فانتهزَ وَحدتي وانعزاليْ فرصةً، فجاءَ فجلسَ حوليْ فقالَ: وجدتُكَ وحدَكَ يا محمدُ كأنَّ شيئاً نزلَ عليكَ منَ السماءِ تفكّرُ فيهِ، فقلتُ: لا يا أبا جهلَ لمْ ينزلْ الوحيُ عليَّ فيْ هذهِ الساعةِ)).

أبو جهل: إذاً ماذا يلوحُ بخاطركَ ويجولُ في فكركَ؟

رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((عُرجَ بي ليلةَ البارحةِ، فطيفَ بي في السماواتِ، وأصبحتُ بينَ ظهرانيكمْ)).

أبو جهل: أي محمد إذا دعوت لك قومك أكنت تحدثهم بما جرى لك في عروجك؟

رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((نعمْ أُحدّثُهم بكلِّ ما رأيتُهُ وشاهدتُهُ)).

أبو جهل يغيب قليلاً، ثم يعود بجماعة من شياطينه ويقول: حدّث يا محمد.

رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((عُرجَ بيْ إلى السماءِ، فشاهدتُ الملكوتَ الأعلىْ، فرأيتُ العظمةَ الإلهيّةَ وبديعَ الصُنعِ، حتّى صِرتُ منْ ربّيْ كقابِ قَوسينِ أوْ أدنىْ)).

أبو جهل يضحك مليّاً، كما ضحك أصحابه عالياً، ثم صاروا إلى إيذائه وإيلامه.

رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ((بلغَ ذلكَ عَمّيَ أبا طالبٍ فأسرعَ إلى إِنقاذيْ منْ أيديْ الظَلَمَةِ الطُغاةِ، فجزاهُ اللهُ خيرَ جزاءِ المُحسنينَ)).

ص: 352

وتحدث الحلبي في سيرته 2/ 32 وابن هشام في سيرته 1/ 634 أن أبا جهل كان من أشدّ المشركين إيذاءً وعداءً لرسول الله، كان يتتبعه ويتربص به الفرص، ولم يمنعه أي مانع منه إلّا أبو طالب، فهو بالمرصاد له ولأمثاله من المجرمين، كما هو الصاعقة المحرقة على رأس أبي جهل ومن حذا حذوه من الكفرة الآثمين.

قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة: إن قريشاً قد زعّمت أبا جهل وسوّدته من قبل أن يختطّ شاربه، كل ذلك لعلمهم بعدائه لأبي طالب ومحمد بن عبد الله، فجعلته ذا رأي وقول، يُسمع إذا قال ويُتبع إذا رأى، لا حبّاً منهم إليه ولا رغبة منهم في أبي جهل، ولكن إنّما كان ذلك استدراراً لعواطفهم وانتهازاً لعدائه المستأصل واستجلاباً لأسرته بني مخزوم.

ثم قال ابن حنبل: قيل ذات يوم لأبي جهل، وكان القائل الأخنس بن شريق، وقد مرَّ في يوم من الأيام على النبيّ وهو يقرأ شيئاً من القرآن، فقال: رأيت اليوم عجباً يا أبا الحكم، لقد سمعت محمداً في هذه الساعة يتلو شيئاً لا هو يشبه الشعر، كما لم يكن يشبه كلام الآدميين، الأمر الذي حيرني وأبهرني.

قال أبو جهل: وما تريد مني أن أقول فيه؟ تبارينا نحن وبنو عبد المطلب، أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا وجادوا فجدنا، وسعوا إلى قضاء حوائج الناس فسعينا، وكدنا أن نكون كفرسي رهان، قالوا: منّا نبيُّ هذه الأمّة يأتيه الوحي من السماء، والأقرح لقلوبنا مساندة عمّه أبي طالب له ومؤازرته إيّاه على إلعوبته وأسطورته، فمتى إذاً ندركهم ونلحقهم، فو اللات والعزّى لا نؤمن بمحمد ولا نصدقه ولا نهدأ حتى نقتله ونلحق به عمّه.

ص: 353

ولم يزل كذلك، إلّا أنّه لم يجرأ على قتل أبي طالب، كما لم يجرأ على رسول الله (صلی الله علیه و آله) بواسطة أبي طالب، ولكنّه صار إلى التنكيل بأنصار النبيّ (صلی الله علیه و آله) وتعذيبهم، فيما إذا استضعف واحداً أو استوحده، فهو الذي قتل ياسر وسميّة والدي عمّار، وهو الذي أعان أبا سفيان على تدبير حركة بدر الكبرى، كما كان هو أحد ضحاياها؛ فقتله الله شر قتلة وأخزاها، ولعذاب الآخرة أشدّ وأعظم.

أقول: لقد تكلم الحلبي وابن هشام بالصواب، ونطقا بالحقّ وصرّحا بالواقع، حيث ذهبا إلى أن عمّ النبيّ الكريم هو وحده كان يقف في طريق المتمردين، ويصدّ عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) عادية المعتدين أمثال أبي جهل.

فأبو طالب وحده قد شمّر لشلّ حركة الكفر، كما أقدم على الحدّ من نفوذ الشرك وتحرشات الوثنية، فهو بالمرصاد لكل باغ أثيم وطاغ معتد لئيم من عرب ويهود مجرمين.

قال السيد الموسوي في الحجّة، والقاضي النقدي في المواهب: لولا ملازمة أبي طالب للرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ومعاضدته إيّاه لكان نسياً منسيّاً وكان من الهالكين، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ﴾ (الأنفال: 72)، فالذي آوى النبيّ (صلی الله علیه و آله) ونصره وآمن به وكفله هو أبو طالب (رضی الله عنه) .

وقالا أيضاً: قال كثير من المفسرين: إن قوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ (الحج: 40) وارد في فضل أبي طالب؛ لنصرته وكفالته للنبيّ (صلی الله علیه و آله) .

ص: 354

وقال القاضي نور الله في مناقبه، والنقدي في مواهبه ص 66: قد وقع بين أبي طالب وبين بعض من زعماء اليهود القذرين مشادة وغلظة، فعيّرَ اليهود أبا طالب بمحمد حين كان طفلاً عند حليمة السعدية، فقالوا فيما قالوا: بماذا تتطاول علينا وابن أخيك محمد يستجدي الناس ويسألهم إلحافا؟!.

فعندها غضب أبو طالب وهشم أنف اليهودي بعصاه، ولولا أن يخلصوه منه لقضى عليه، ثم قال: أيفعل محمد ذلك وهو ابن سيد العرب؟ ثم ترك السفر وتوجّه إلى المكان الذي تسكنه حليمة ورسول الله (صلی الله علیه و آله) فأخذه منها وجاء به إلى داره.

أقول: أراد اليهودي المجرم بحديثه ذاك التنديد بأبي طالب ورسول الله (صلی الله علیه و آله) معاً، وإلّا من المستحيل أن يصدر مثل ذلك العمل من شخصية اختارها الله واجتباها للرسالة والنبوّة.

هذا أولاً، وثانياً إن الله عزّ وجلّ قد أسبغ على حليمة وآل حليمة نعمه وبركاته، وقد استشعروا ذلك، وأنّه ببركته (صلی الله علیه و آله) ، الأمر الذي يلزمهم معه أن يقوموا بكل متطلباته وشؤونه.

وثالثاً إن أبا طالب في كل حين وآخر يرسل إلى حليمة بكل ما تحتاج إليه من أموال وملابس إلى غير ذلك من اللوازم البيتية، فهل من الممكن إذاً أن تترك النبيّ (صلی الله علیه و آله) يضطر إلى ما لفّقه اليهود الطغاة؟؟

ومع هذا كله بادر أبو طالب إلى محل حليمة (رضی الله عنها) اشتياقاً إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) أولاً، وثانياً إن مدة رضاعه (صلی الله علیه و آله) قد انتهت؛ فلا مبرر إذاً لبقائه عند حليمة، وإلّا فأبو طالب يعتقد كذب خبر اليهودي وأنّه افتراء وزور، وما القصد منه إلّا الإيذاء فقط.

ص: 355

وعلى أي حال وصل أبو طالب إلى المنطقة التي فيها النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، فوجد أطفالاً يلعبون في الطريق، ورأى رسول الله (صلی الله علیه و آله) متّكأً على الحائط ينظر إلى الأطفال، وهو (صلی الله علیه و آله) في منتهى النظافة والأناقة والنزاكة والترف، فوقع عليه عمّه يشمّه ويقبله، فأخرج إليه ملابس فاخرة كان قد صحبها معه إليه، فأصرّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) على أن لا يقبل ذلك، وأصرّ أبو طالب يلاطفه ويكلمه بحنان وعطف ويقول له: يا بنيَّ أنا أبوك، وأخيراً تركه وأسرع في مشيه، ورجع إلى أمّه ومرضعته، فنقل لها ما فعله معه الرجل الذي لم يعرف أنّه عمّه، فقالت له: يا بنيَّ لعله أبوك قد اشتاق إليك وجاء إلينا ليراك.

وبينما هما كذلك إذ دخل عليها أبو طالب، فرحبت به وعظّمته حليمة وفرشت له الفرش اللائقة بمقامه الكريم، ثم التفتت إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) : ألم أقل لك أن الرجل الذي تنقل عنه هو أبوك، فهو أبوك حقّاً، قم الآن واجلس في حجره.

فقام (صلی الله علیه و آله) فجلس في حجر عمّه، وأبو طالب صار يبكي من شدة الفرح به، ثم بقي هناك ثلاثة أيام عاد بعدها بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) إلى داره.

ألا قاتل الله اليهود الجبناء، فقد حملوا مشعل العداء للرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ، ورفعوا رايات الحرب والمقاومة، كما نصبوا له الشِباك وحاكوا عليه المؤامرات منذ طفولته ومنذ نعومة أظفاره، بل حين علمهم بولادته (صلی الله علیه و آله) ، فما من حركة يقوم بها المشركون ضد رسول الله (صلی الله علیه و آله) وضد دينه إلّا ولليهود ظلع فيها ويد طولى في تدبيرها.

ص: 356

لقد دسّوا إليه سمّاً قاتلاً في أكثر من مرة، ولكن عناية الله به هي التي ترعاه وتسلمه من مكايدهم ومناويهم القذرة.

إذاً والحال هذه لا يستغرب منهم كما لا يستكثر عليهم كل عمل إجرامي وكل شرّ ذميم، فهم والمشركون تجمعهم المصيبة الواحدة: أن أظهر الله عليهم رسوله محمداً (صلی الله علیه و آله) ، فلا يدع من الكافرين على الأرض ديّاراً، كما لا يترك لليهود عيناً ولا أثراً.

فإذاً العدو المشترك هو محمد (صلی الله علیه و آله) وعمّه أبو طالب من ورائه يسنده ويعضده؛ لذا جهدوا كل الجهد وعملوا كل حيلة ووسيلة للقضاء على رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأبي طالب، والله يأبى إلّا أن يتم نوره وإن كره الكافرون.

ونقل السيد الموسوي في الحجّة، والقاضي في المواهب ص 83، بطريقهما إلى الأصبغ بن نباتة، وأنّه كان يتحدث عن عليٍّ أمير المؤمنين (علیه السلام) ، من أنّه كان يقول: والله لقد كان أبو طالب جادّاً مجتهداً وساهراً مشمّراً لصالح الرسول الأكرم (صلی الله علیه و آله) ، وقد كفله كفالة لم يتحدث قطّ بمثلها، ولم يحدّث التأريخ أبداً عن نظير لها في دنيا التأريخ، كما قد أحبه حبّاً جمّاً، بل لقد ألقى الله عزّ وجلّ حبّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) وموالاته في روعه وقلبه، فكان عنده أقدم من نفسه، وأهمّ من سمعه وبصره، وأعزّ عليه من ولده وأهله، كما كان يكفّ عنه دسائس الكفر وأذى الشرك، ويحرص كل الحرص على راحته وإبعاد كل منغص ومكدر عنه، فيرى ذات يوم رسول الله (صلی الله علیه و آله) وهو ضيق الصدر مفكراً وعلى غير حالته الطبيعية، فيستفهمه عن ذلك فيدافع (صلی الله علیه و آله) عن البيان وسرد الدوافع، ولكنه يلحف عليه بالسؤال حتى اضطره إلى كشف

ص: 357

الحقيقة وشرح الأسباب التي أدت إلى سلب راحته وارتياحه، فقال: يا عمّ مررت بجماعة من قريش وهم ينحرون جزوراً لآلهتهم ومقدساتهم، فلم أسلّم عليهم وقد واصلت سيري ولم أعتن بهم، فكبر عليهم مقامي الأمر الذي أوجب أن يقول بعضهم لبعض: ما أوقح محمداً وما أصلفه! يمرّ علينا ولم يعتنِ بنا، كما لم يكلمنا فيتكبر علينا وهو يتيم أبي طالب، وبالتالي تبعوني إلى المكان الذي أنعزل فيه للصلاة فانهالوا عليّ ضرباً بالأحجار ورمياً بالحصى حتى أفسدوا عليّ صلاتي، وما سلّمني إلّا ربّي منهم.

فعندها ثار أبو طالب وكأنما نشط من عقال، فتقلد سيفه وقال: أين يكون هؤلاء يابن أخي؟ فقال (صلی الله علیه و آله) : يا عم إنهم كانوا قريباً من الأبطح.

فأخذ بيد النبيّ (صلی الله علیه و آله) وخرج به إلى المكان الذي وصفه، فوجد القوم منشغلين بذبائحهم، ولمّا نظروا إلى أبي طالب ورسول الله (صلی الله علیه و آله) وأبو طالب بحالة من الغضب والإستئساد وهو يقول: يابن أخي من الذي تجرأ عليك وتعرض لك بسوء؟ فدلّه النبيّ (صلی الله علیه و آله) على أشخاص من الزعماء، فاستقدمهم أبو طالب إليه فتقدموا أذلاء صاغرين حتى إذا صاروا بين يديه أهوى عليهم ضرباً ولطماً على وجوههم وآنافهم حتى أدماهم، ولم يزل بهم حتى رقَّ عليهم رحمة محمد (صلی الله علیه و آله) فكفَّ عمّه عنهم والتمسه أن يتركهم فالذي صنعه كافٍ في حقهم، فكفَّ عنهم وعفا عنهم.

ثم أخذ بعضد رسول الله (صلی الله علیه و آله) وجاء به إلى الدار موفور الكرامة مرفوع الرأس مستبشراً، حيث قد أخذ له عمّه بثأره من الأوباش المجرمين، وعلى إثر هذه الحادثة نزل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ (الأنعام: 25) و(الإسراء:46).

ص: 358

وقال الموسوي والقاضي: وقد رويت هذه القصة بصورة أخرى وعلى شكل آخر، وحاصل ذلك أن النبيّ (صلی الله علیه و آله) لمّا صنعوا به ما صنعوا عاد إلى البيت والدماء تسيل من بدنه المبارك وساقيه الكريمتين، فرأته الزهراء (علیها السلام) بتلك الحالة فتألمت لأليم الحادث وبكت للحالة، ثم نهضت فأماطت عن الرسول (صلی الله علیه و آله) ثيابه الملطخة بالدم، وغسلت ما على بدنه من جامد الدماء، ثم خرجت مسرعة إلى عمّها أبي طالب والكآبة والحزن باديان عليها، فلمّا بصرها قام إعظاماً وإجلالاً لشأنها وقال: ما الذي حدث عندكم يا فاطمة؟ فقالت: يا عم ما حسب أبي فيكم؟ فتقزز أبو طالب من الكلمة وقال: وما ذاك يا بنية؟ فنقلت له ما شاهدته من وضع رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فقال: يا فاطمة أمّا حسب أبيك فهو السيد المطاع والسيد الكريم العزيز، فهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وسوف ترين حسب أبيك فينا.

ثم خرج مبادراً إلى القوم وفعل فعلته فيهم، وقد وصل الخبر إلى السيدة فاطمة (علیها السلام) وأن عمّها قد أخذ بثأر أبيها من وجوه القوم وكبارهم، فهدأت وفرحت وطابت نفسها واطمأنت.

وعلى إثر هذه الحادثة أنشأ أبو طالب أبياتاً قرأها على القوم أشاد فيها بنبوة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وأعلن عن حضوره لنشرها وبثّ معالمها مهما كلفه الأمر، فكان من تلك الأبيات قوله:

ألا إن أحمد قد جاءنا *** بحقٍّ ولم يأتنا بالكذبْ

فقال اليهود المجرمون: إن محمدا هذا لم يكن النبيّ الذي نوهت عنه الكتب ووعدت به التوراة، وإن محمداً هذا هو ساحر كذّاب وشاعر كاهن، والنبيّ الموعود لا يولد الآن، بل يولد في آخر الزمان وفي المستقبل البعيد، واسمه أحمد لا محمد، إذاً لا يصحّ أن يعبر عنه

ص: 359

بأحمد، فإطلاق هذا الإسم عليه زور وبهتان تعمده أبو طالب بلا دليل يستند عليه ولا برهان يعضد مقالته.

***

أقول: لقد حاول اليهود من دعواهم تلك وابتغوا من وراء زعمهم الباطل تكذيب القرآن الكريم، حيث يقول في سورة الصف حاكياً عن عيسى بن مريم (علیه السلام) حيث يبشر قومه والأجيال المتعاقبة من بعد زمنه بالنبيّ (صلی الله علیه و آله) : ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ (الصف: 6).

ومما لا ريب فيه أن أحد أسماء رسول الله (صلی الله علیه و آله) التي سمّاه بها القرآن أحمد كما سمّاه بمحمد، ولعل اليهود أنفسهم يعرفون ذلك أيضاً ولكنهم يغالطون الواقع والحقّ، وما يخدعون إلّا أنفسهم من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون، قاتلهم الله أنّى يؤفكون.

وإذا ما رجعنا إلى تأريخهم الأسود القديم نجدهم وقد كافحوا كثيراً من رسل الله وأنبيائه وقتلوهم وشردوهم وقعدوا لهم بكل مرصد، وأغروا منافقيهم على قتل المسيح عيس بن مريم (علیه السلام) ، وقاوموا وناهضوا رسول الله محمداً (صلی الله علیه و آله) بكل معنى المناهضة والمعارضة، وهم أكثر عداءً له (صلی الله علیه و آله) من المشركين، لذا قد جعلتهم الآية الكريمة في الدرجة الأولى بغضاً وعداءً وتربصاً برسول الله (صلی الله علیه و آله) .

ص: 360

وقد حاولوا قتله في واقعة خيبر وهو في مخيمه، وبعد أن اكتشفوا موقعه رموه بالنبال والسهام ليلاً، والمسلمون كانوا نائمين قد أضناهم التعب وأضرَّ بهم الجهاد، ولولا أن يحسَّ بهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) لقتلوا النبيّ (صلی الله علیه و آله) في مخيمه، ولكنه (علیه السلام) قد استشعر بهم فنهض إليهم فتتبع الجهة التي كان ينطلق منها النبل والسهام، فعثر على بعضهم فقتلهم وفرَّ الباقون.

على أنّه (علیه السلام) تتبع المنهزمين وتبعهم، ولكنه بالنظر لانشغاله بمن قاتلهم منهم فلاذ أولئك بالحصون والقلاع، فنجوا من بأس ابن أبي طالب وسيفه البتار.

ولمّا رجع عليٌّ (علیه السلام) إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) حكى له القصة، ورجّح له وللمسلمين أن يغيروا موضع المخيم، فصادف رأيه الاستحسان والتأييد من الجميع، وأخيراً جعلوه في وسط المعسكر وأحاطوه من جميع جهاته بالمخيمات.

وهكذا كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقاسي الأمرّين ويتجرع الغصص والاضطهاد المرير من اليهود العتاة، ولا سيما بعد وفاة الزعيم أبي طالب، وكان من آخر الأنباء أن توفي رسول الله (صلی الله علیه و آله) مسموماً على يد يهودية قذرة قدمت على عملها المجرم بحثٍّ من جماعتها الأوباش الطغاة.

وليس ابن هشام والحلبي هما فقط قد اختصا بالسؤال المتقدم الرامي إلى أن الوضع ما كان يستقيم للرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) ، كما أن المؤامرات الكافرة ما كانت تنكشف وتتحطم لولا معاضدة أبي طالب ومواقفه ودفاعه، فهو المحامي الثاني له بعد الله عزّ وجلّ، بل قال

ص: 361

بمقالتهما خلق كثير وجمع كبير من المؤرخين والمحدثين الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم، مثل ابن أبي الحديد وابن الجوزي والزمخشري وغيرهم.

ومن هنا تتجه مقالة القائلين بأن حبّ أبي طالب رضوان الله عليه إيمان وبغضه كفر ونفاق، المقالة التي تحدث عنها السيد البرزنجي في المختصر وزيني دحلان في أسنى المطالب، وما ذلك إلّا أنّه أحبّ الله ورسوله فأحبّه الله ورسوله، فنصر الدين والنبيّ (صلی الله علیه و آله) لحبّه إياهما واعتقاده بهما، لذا استحق تقريض رسول الله (صلی الله علیه و آله) بأن كان حبّه إيمان وبغضه الكفر والنفاق بعينه.

نقل البخاري في صحيحه في باب حبّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) بطريقه إلى أنس بن مالك عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنّه قال: ((لا يؤمنُ أحدُكمْ حتّى تكونَ أسرتيْ وأهلُ بيتيْ أحبَّ إليهِ من أسرتِهِ وأهلِ بيتهِ)).

أقول: ومما لا يخالجه الشك ولا يخالطه الوهم أن زعيم الهاشميين أبا طالب كان في وقته شيخ أسرة النبيّ (صلی الله علیه و آله) وسيدهم المطاع فيهم، كما كان حاميه ومربيه وكافله والمقتفي أثره في كل أدواره وأحواله، فحقَّ إذاً أن يكون حبّه علامة للإيمان وبغضه علامة على الكفر والنفاق.

وفي صحيح البخاري في نفس الباب والصفحة وعن الراوي نفسه نقلاً عن الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) أنّه قال: ((ثلاثُ خصالٍ مَنْ كُنَّ فيهِ وجدَ حلاوةَ الإيمانِ: أولاً-أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبُّ إلىْ الإنسانِ ممنْ سواهما.

الثاني-أنْ يحبَّ الإنسانُ فيْ اللهِ وللهِ تعالىْ.

ص: 362

ثالثاً-أنْ يبغضَ الإنسانُ ويغضبَ فيْ اللهِ، وللهِ سبحانهُ)).

أقول: قد تكرر هذا الحديث في كتب التاريخ والحديث، ومرجعه ومؤداه هو لزوم كون الإنسان إذا أحبَّ أن يحبَّ من أحبَّ الله ورسوله وأحبّه الله ورسوله، ويبتعد عمّن أبغض الله ورسوله وأبغضه الله ورسوله، ولمّا كان عمّ النبيّ الكريم أبو طالب قد نصر الله فسحق الأوثان وأطاح بالأصنام كما أعلى كلمة الله وجاهد في سبيلها ودحر عبّاد الوثنية وسخف إطاعة الأصنام، ثم انكفأ إلى ملازمة رسول الله (صلی الله علیه و آله) ومساندته وكفّ الأذى عنه، وأعلن مراراً عن تمسكه بنبوته وشريعته وحاول تركيزهما ونشرهما، كما توفق إلى ذلك.

وكل هذا دليل قطعي على أنّه (رضی الله عنه) أحبّ الله وأحبّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) في الله ولله، ولازمه أن يكون الله عزّ وجلّ قد أحبّ أبا طالب، لذا قد أمر النبيّ (صلی الله علیه و آله) أن يظهر للناس أن حبّ أبي طالب إيمان وبغضه كفر ونفاق، وما حبّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) لعمّه أبي طالب إلّا من تلك الناحية لا غير.

وعلى فرض نسبة الممات على الكفر إليه يقتضي أن لا يكون محبوباً لله، بل يقتضي أن يكون بعيداً عن الله كأبعد ما بين السماء والأرض، وعليه يستحيل على رسول الله (صلی الله علیه و آله) أن يحبّ المبغوض إلى الله أو يحبّ عدو الله تعالى، فمن حبّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) المحقق لعمّه يستكشف حبّ الله له، وهو الحقّ، والحقُّ أحقُّ أن يتبع.

ويحدثنا الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء 4/42 بسنده إلى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن جدّه وهب أنّه قال: كان في بني إسرائيل رجل قد عصى الله مائتي سنة ثم مات، فأخذ الناس برجله فرموه على المزبلة في البلد إهانة له واحتقاراً لأعماله الإجرامية، فعند ذلك

ص: 363

أمر الله نبيَّ ذلك الزمن – وهو موسى بن عمران – أن يخرج إلى ذلك الإنسان فينقله عن المزبلة ويغسله ويكفنه ويصلي عليه ويشيعه ثم يدفنه.

فقال موسى: يا ربّ إن بني إسرائيل يشهدون أنّه عصاك قرابة المائتي سنة وأعرض عنك وعن عبادتك، وتأمرني الآن أن أقوم له بذلك التكريم وتلك الحفاوة.

فقال تعالى: نعم إنّه كان كما يقولون، إلّا أنّه كانت فيه خصلة لأجلها أمرتك أن تفعل به ما بيّنته لك.

قال موسى: يا ربّ وما الخصلة؟

قال: هي أنّه كلّما نشر التوراة ووقع نظره على اسم محمد المكتوب فيها يقبّله بلهفة ويضعه على رأسه، ثم يمرّه على عينيه، ويصلّي عليه وآله، فشكرت له ذلك وغفرت له ذنوبه كرامة لاسم محمد.

وتحدث مسلم في مسنده في كتاب الإيمان في باب وجوب محبة النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، بسنده إلى أنس بن مالك عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أنّه قال: ((لا يؤمنُ العبدُ حتّى أكونَ أنا وأهلي أحبُّ إليهِ منَ نفسِهِ وأهلِهِ ومالِهِ وولدِهِ ومنَ النّاسِ أجمعينَ)).

***

أقول: إذا كان عصيان الله مائتي سنة يغفره الله كرامة لمن يتبرك باسم محمد ويقبّله – كما هو منطوق حديث البخاري آنف الذكر – كيف يا ترى يكون الحال بالنسبة إلى من أفنى عمره الطويل في حبّ محمد، ومن واساه في السرّاء والضرّاء، وكان محمد عنده ريحانته

ص: 364

من الدنيا، فيطبع على جبينه القبلات بلا حساب؟ وأخيراً حماه من عدوه واستمات في سبيل الحفاظ عليه، ذلك هو أبو طالب، أبو طالب الذي لم يعصِ الله طرفة عين ولم يشرك بعبادة ربّه أحداً، فماذا يستحق إذاً من تكريم الله وتوقيره يوم القيامة؟

نعم والله يستحق كل كرامة، يستحق مجاورة رسول الله (صلی الله علیه و آله) في الفردوس الأعلى، وهنالك يفرح المؤمنون.

وذكر السيد زيني دحلان في أسنى المطالب فقال: لقد تواترت الأخبار أن أبا طالب كان يحبّ النبيّ (صلی الله علیه و آله) حبّاً جمّاً، وكان يحوطه ويؤازره ويعينه على تبليغ رسالته، كما كان يصدّقه فيما يقوله، ويمتدحه بشعره ونثره بما يدلّ على ذلك، كما أمر ولديه عليّاً وجعفراً (علیهما السلام) بالدين ولزوم خدمته واتباعه في كل أموره.

وقال القاضي في المواهب ص 70: إن أبا طالب (رضی الله عنه) كان شديد الحبّ إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، بحيث لا يحلو له إلّا التحدث بذكره العطر، كما لا يحلو له إلّا التحدث بفضائله ومفاخره (صلی الله علیه و آله) ، وقد عرف عنه أنّه كان يروي عنه مناقبه وكراماته، فكان من ذلك أنّه كان يقول: خرجت مع ابن أخي محمد إلى خارج مكة حيث طلب إليّ ذلك لغاية التروح والتنزه، إذ مرّ بنا راهب، وما أن وقع نظره على ابن أخي حتى توقف عن المشي فجأة وخانته رجلاه، فما استطاع أن ينقلهما أبداً من مكانهما.

ثم أخذ يحدّ النظر من محمد ويمعنه في وصفه وجسمه، ثم انطلق قائلاً: ألست أيها الغلام أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب؟

ص: 365

قال محمد: نعم أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.

الراهب: عندي مسائل أرغب أن أوجهها لك لتجيبني عليها، فأقسم عليك باللات والعزّى إلّا ما أجبت.

النبيّ: إن كنت تقسم عليّ بهذا القسم النحس فلا تسألني عن شيء واذهب عنّي، فو الله ما أبغض عليّ منه.

أبو طالب: أيها الراهب إن كان كلّا ولا بدّ مساءلة محمد أقسم عليه بالله فإنّه يجيبك.

الراهب: إني أقسم عليك بالله يا محمد إلّا ما أجبتني.

النبيّ: أمّا الآن فاسأل عمّا بدا لك.

الراهب يسأل والنبيّ يجيب، وهو يقول: صدقت يا محمد.

إلى أن قال: بقي في نفسي شيء واحد أريد لأن أقف عليه والتأكد منه.

النبيّ: وما ذاك أيها الراهب؟

الراهب: أريد أن تكشف لي عمّا بين كتفيك.

النبيّ قد رفع له ثوبه حتّى ظهر ما بين كتفيه (صلی الله علیه و آله) .

الراهب يرى خاتم النبوة المنطبع بين كتفيه، فيهوي عليه لثماً وتقبيلاً وتبركاً.

ص: 366

أبو طالب يقول: لقد حاذرت على ابن أخي من الراهب، فأخذت الحيطة، وصرت أتحرى حركات الراهب وسكناته.

الراهب يستشعر ذلك من أبي طالب، فيقول له: لا تخف مني على ابن أخيك، فإني أرقبه وأعلم أنّه النبيّ الذي وعد الله به هذه الأمّة، وإن له يا أبا طالب شأناً عظيماً.

أبو طالب: وأنا أعرف ذلك أيضاً وأرقبه منذ زمن.

الراهب: احتفظ بابن أخيك من كل الناس، ولا سيما من اليهود، فإنهم إن استظهروا منه ما قد استظهرته أنا لا يولون عنه حتى يلحقوا به الأذى أو يغتالوه.

أبو طالب: نعم أيها الراهب، الأمر كما تظن وتتكهن، وأنا أيضاً يقظٌ حذر تمام الحذر واليقظة.

قال السيد زيني دحلان في أسنى المطالب: لمّا عرفت اليهود المجرمون صفات النبوة – وقد توفرت في محمد بن عبد الله – قامت قيامتهم وجنّ جنونهم ودعوا بالويل والثبور، وأخيراً صمموا على قتله والاستراحة منه، لولا أن يحميه الله بعمّه أبي طالب.

وقال الطبري في تأريخه والبلاذري وابن شهر آشوب في المناقب والنقدي في المواهب: إن الله عزّ وجلّ قد حمى نبيه محمداً من كيد العدو ودسّ المجرمين اليهود ومحاولاتهم بعمّه أبي طالب، فهو أول من بذل الجهد لدين محمد وشريعته، وهو أول من كانت له المساعي المشكورة في الإسلام، ولمّا نزل قوله تعالى يخاطب نبيّه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الحجر: 94)، صدع رسول الله (صلی الله علیه و آله) بالدين الحنيف وامتثل أمر ربّه، فنادى في قومه بالإسلام فبشّر وأنذر وصار إلى بثّ رسالته، فالتفَّ حوله جمع من الناس حتى إذا نزل

ص: 367

قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ (الأنبياء: 98)، أجمعوا على تكذيبه وعقدوا المؤامرات عليه، ورموه بالسحر والشعوذة، وقالوا: يريد محمد أن يجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب.

وكان في مقدمة هؤلاء اليهود القذرون، وفي مقدمة قريش عتبة وشيبة والوليد وأبو جهل المخزومي وأمثالهم.

ولمّا انحاز أبو طالب إلى جانب رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وصار إلى مساندته ومعاضدته ودفع الأذى عنه تقرحت جفون المشركين وقلوبهم، وتحققوا خسران المعركة.

ونقل الطبري والبلاذري وابن شهر آشوب والقاضي في المواهب بطريقهم إلى السدّي، كما قال ابن بابويه القمّي في مؤلفه النبوة، بطريقه إلى الإمام عليٍّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (علیهم السلام) أنّه قال: اجتمعت قريش بمعونة اليهود، فجاءوا إلى أبي طالب – والنبيّ كان حاضراً عنده – ولمّا استقر المجلس بالقوم قال بعض زعمائهم: يا أبا طالب نسألك النصف من محمد.

قال أبو طالب: وما تعنون بالنصف يا قوم؟

قالوا: نريد منك أن تمنع محمداً عنّا فيكفّ عنّا ونكفّ عنه، فلا يكلمنا ولا نكلمه، ولا يقاتلنا ولا نقاتله، وبذلك تندفع جميع المحاذير والعواقب السيئة.

ولمّا مخض أبو طالب الحديث وفهم ما يريدون وقرأ الغاية التي من أجلها قصدوه، رغب أن يكون جوابهم على لسان رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فقال: أتسمع ما يقول هؤلاء يابن أخي؟

ص: 368

فقال (صلی الله علیه و آله) : نعم قد سمعت، ولكنهم غير صادقين في دعواهم النصف، ولو كانوا صادقين لأنصفوني من أنفسهم وأجابوا دعوتي وقبلوا نصحي، فإني لا أدلّهم إلّا على خير ولا أهديهم إلّا سبيل الرشاد، فإن الله عزّ وجلّ قد أمرني أن أدعو إلى توحيده وأن أصدع بدينه دين الحقّ والهدى، دين الحنيفية ملّة أبينا إبراهيم الخليل، فمن أجابني منهم على دعوتي كان له عند الله سبحانه الرضوان والخلود في الجنان، ومن عصاني منهم أقاتله حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.

فقال أبو طالب للقوم: هذا جوابكم.

قالوا: إذاً قل له فليكفّ عن شتم آلهتنا وسبّها ولا يتعرض لها بسوء، إذ يقرأ عليهم النبيّ (صلی الله علیه و آله) : ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ (الزمر: 64).

فسكتوا مليّاً وأطرقوا برؤوسهم إلى الأرض هنينة، ثم رفعوا رؤوسهم وقالوا: يا أبا طالب قل لابن أخيك ليخبرنا عمّن يؤمن منّا به وعمّن لم يؤمن، فإن وجدناه صادقاً آمنّا به.

وعلى إثر مقالتهم هذه نزل على رسول الله (صلی الله علیه و آله) قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 179).

قالوا: واللات والعزّى لنشتمنّك وأهلك، فنزل قوله سبحانه: ﴿وَانطَلَقَ الْمَلَأُ﴾ (ص: 6).

ثم قالوا: يا أبا طالب قل لابن أخيك أن يعبد ما نعبده نحن مدة، ونعبد ما يعبده مدة، فنزل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (الكافرون: 1-6).

ص: 369

قالوا: قل له يا أبا طالب: أرسله ربّه إلينا خاصة أم إلى الناس كافّة؟

فقال (صلی الله علیه و آله) : يا عم إني بعثت للناس كافة، بعثت إلى الأسود والأبيض، ولمن في رؤوس الجبال ولمن في لجج البحار، ولأستولينّ عمّا قريب على الروم والفرس.. يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً.

فلمّا سمعوا منه ذلك قالوا: لو سمع الروم والفرس هذا من محمد لاختطفونا من أرضنا ولأزالونا عن مواضعنا، ثم لقلعوا الكعبة حجراً حجراً، فنزل على إثر هذه المقالة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ (الفيل: 1-5).

ثم تكلم مطعم بن عدي – وهو أحد شخصيات القوم – فقال: يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا أن يتخلصوا منك ويبتعدوا عمّا تكرهه، فما أراك أن تقبل منهم شيئاً.

قال أبو طالب: والله يا مطعم ما أنصفني قومي ولا أنصفتني أنت، ولكنك قد اجتمعت مع القوم على خذلاني ومظاهرتهم عليّ، فاصنع ما أنت صانع.

ثم انفضّ القوم وأصرّوا وصمموا على مقاومة أبي طالب ورسول الله (صلی الله علیه و آله) ، وصاروا إلى تعذيب من في طوائفهم من أفراد المسلمين.

ولمّا تحسس أبو طالب منهم ذلك جمع كافة آل المطلب وبني هاشم، فأخبرهم بتدبير الشرك والكفر واليهود، وأمرهم أن لا ينفصلوا عن محمد أبداً، وأن يلازموه في كل أحواله،

ص: 370

ويحفظوه من أعدائه، وأن يقتصوا من كل أحد يحاول التقرب إليه بأذى مهما كان من العظمة والسيادة؛ فأجاب الجميع إلى ذلك وانصرفوا ممتثلين.

وقال السيد زيني دحلان في أسنى المطالب: أنظر واعتبر أيها الواقف على أحوال أبي طالب وخدماته للنبيّ، وكيف قد وطّن نفسه على شدّ أزره والدفاع عنه بنفسه وولده وأسرته.

كما أريد منك قارئي الكريم أن تتصور بدقة وتفكير عميق، وتمعن النظر في وصية عمّ الرسول العظيم أبي طالب، وتقف دارساً لمعطياتها وجليل معناها ومغزاها، تجدها مفعمة بالدين الواقعي والولاء الصادق لله ورسوله ثم الاستماتة في سبيلهما، كما أجدك لا تخرج منها إلّا وأنت مكبر في أبي طالب روح الإيمان والإعتراف بالنبوة، ثم الجهاد الخالد والمساعي المشكورة المتواصلة حتى آخر لحظة من لحظاته وآخر ساعة من ساعات الدنيا.

يحدثنا ابن بابويه في (أماليه) بطريقه إلى محمد بن سنان عن عمرو بن ثابت أنّه قال: دخل رسول الله (صلی الله علیه و آله) على عمّه ابي طالب وهو مريض مسجّى، فبكى رسول الله (صلی الله علیه و آله) لحالته وقال: ((يا عم جزاكَ اللهُ خيراً، فقدْ كفلتَ يتيماً وربّيتَ صغيراً وآزرتَ كبيراً، واللهُ لا يضيعُ عندهُ أجرُ المحسنينَ)).

وحدّث المجلسي في (البحار) والشيخ المفيد في (الإرشاد) والقاضي في (المواهب) ص 138 بطرقهم إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) أنّه قال عند مجيء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (علیه السلام) يخبره عن وفاة أبيه: ((لا حولَ ولا قوّةَ إلّا باللهِ العليِّ العظيمِ، إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعونَ، إمضِ يا عليُّ فتولََّ أمرَ تجهيزِهِ وتشييعِهِ رحمَهُ اللهُ، ثمَّ أعلمنيْ بعدَ أنْ يتمَّ ذلكَ)).

ص: 371

فقام عليٌّ (علیه السلام) بأمر النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، حتى إذا ما أشرف على النهاية أرسل إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) من يعلمه الحال، فحضر التشييع والحزن والأسى باديان على وجهه الكريم، وهو يردد قوله: ((وصلتَ رَحِماً يا عمّ، جزاكَ اللهُ خيراً يا عمّ))، وأراد أن ينزل عمّه بيده إلى حفرته، ولكن عليّاً (علیه السلام) أبى إلّا أن يقوم هو بدلاً عنه محافظة على النبيّ (صلی الله علیه و آله) .

وبعد أن تمت مراسيم الدفن قام رسول الله (صلی الله علیه و آله) على القبر الشريف مؤبناً عمّه العظيم، فكان مما قاله: ((واللهِ يا عمّ لأشفعنَّ فيكَ شفاعةً يَعجبُ منها الثَقَلانِ)).

وروى أبو الحسن البكري في كتابه (مولد عليٍّ)، والقاضي في (المواهب) ص 135 قالا: قال أبو مخنف: لمّا حضرت أبا طالب الوفاة دعا أولاده وعشيرته من بني هاشم وبني عبد مناف، فأمرهم بالمحافظة على النبيّ (صلی الله علیه و آله) واتباعه فيما يقول ثم المحاماة والدفاع عنه بكل غالٍ ونفيس، ثم استدعى رسول الله (صلی الله علیه و آله) وعليّاً (علیه السلام) فضمهما إلى صدره وأخذ يشمهما ويقبلهما ويبكي لفراقهما، وهو يقول: يعزّ عليّ والله فراقكما، ولكن أمر الله لا بدّ منه، كما لا بدّ من ملاقاة الله عزّ وجلّ وملاقاة أمره بالقبول والرضا، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ثم التفت إلى ولديه عقيل وجعفر فأوصاهما بصورة خاصة بابن عمّهما النبيّ (صلی الله علیه و آله) ، ثم أدار عينيه في أهل بيته عامّة وقال: أستودعكم الله، الله خليفتي عليكم وكفى به خليفة.

ثم غمض عينيه وأسبل يديه ورجليه، وصار إلى روح الله وريحانه، والنبيّ (صلی الله علیه و آله) يقول: ((رفقاً يا ملائكةَ ربّيْ بِعمّيْ)).

ص: 372

ثم صار النبيّ (صلی الله علیه و آله) وعليٌّ (علیه السلام) يغسلانه، فكان النبيّ (صلی الله علیه و آله) هو يغسله وعليٌّ (علیه السلام) يصب الماء، فكان تغسيله بالسدر والكافور الذي جاء به جبرئيل (علیه السلام) من الجنة كهدية للنبيِّ (صلی الله علیه و آله) .

وبعد الانتهاء أدرجاه بأكفانه، ثم شُيّعَ بأفضل تشييع، وكانت مكة ضجة واحدة، فما ترى إلّا باكياً وباكية، النساء قد شققن الجيوب ونشرن الشعور، وهن بهتاف مستمر: وداعاً وداعاً لك يا عم رسول الله الحبيب، حتى أوصلوه إلى مقره الأخير فأنزلوه في حفرته ثم أهالوا عليه التراب.

فجلس رسول الله (صلی الله علیه و آله) على القبر وأخذ يردد: ((وا أبتاهُ وا عمّاهُ وا أبا طالباهُ واحزناهُ عليكَ يا عمُّ، آهٍ آهٍ لفراقكَ يا عمّ، كيفَ أسلوْ عنكَ أمْ كيفَ أنساكَ؟ يا منْ ربّيتنيْ صغيراً وأحببتنيْ كثيراً ونصرتنيْ ووازرتنيْ كبيراً، وحافظتَ عليَّ وحميتنيْ منْ عدوّيْ، وكنتُ عندَكَ بمنزلةِ العينِ منَ الحدقةِ والروحِ من الجسدِ، رحمكَ اللهُ يا عم وجُزيتَ عنّيْ خيراً، واللهِ لأشفعنَّ فيكَ شفاعةً يعجبُ لها الثَقَلانِ)).

ثم أقبل الناس يهرعون إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) يسلّونه ويخففون عليه المصاب، وهو آخذ في البكاء والنحيب، وهو يقول: ((ما أسرعَ ما فقدتُكَ يا عم، إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجعونَ))، ثم التفّ حوله بنو هاشم فأقاموه من القبر وجاءوا به إلى البيت.

ونقل أبو الفداء في (تأريخه) بطريقه إلى ابن عباس وأبي بكر بن أبي قحافة أنهما وقفا على قبر أبي طالب وأبّناه بما يستحق من التعظيم والتكريم، وكان من جملة حديثهما: إنّا نشهد يا عمّ رسول الله أنّك جاهدت في سبيل الله ونصرت رسول الله، ومضيت مؤمناً بالله مصدقاً

ص: 373

لرسول الله، فعشت سعيداً ومتّ حميداً مجيداً، فرضي الله عنك وأرضاك وأعطاك من جنانه ورضوانه ما تقرّ به عيناك.

ثم قال أبو الفداء: مات أبو طالب في السنة العاشرة من البعثة.

ونقل في (أسنى المطالب) بسنده إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) أنّه كان يقول: ((ما نالتْ منّيْ قريشٌ منَ الأذىْ حتّى ماتَ عمّي أبوْ طالبَ)).

ونقل القاضي في (المواهب) بطرق متعددة كلها تستند إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله) من أنّه كان يقول بعد موت عمّه أبي طالب: ((لقدْ نالتْ منّي قريشٌ منَ الإضطهادِ والأذىْ ما لمْ تكنْ تطمعُ بهِ أبداً فيْ حياةِ عمّيْ أبيْ طالبَ)).

وتحدث الإمام أبو الحسن البكري في مؤلفه (الأنوار في مولد النبيّ محمد) ص 132 بسنده إلى عمر الشيباني وجماعة من أصحاب الحديث وجملة من أرباب السير أنّه من جملة نِعَم الله على أبي طالب أن جعله ملاذاً لرسوله، وحصناً منيعاً يقف دون كل من يحاول السوء والشرّ به، كما أنّه قد وقف نفسه ونذرها للمحاماة والدفاع عنه من حين ولادته (صلی الله علیه و آله) وحتى آخر لحظة من لحظاته، نزولاً منه عند وصايا أبيه عبد المطلب المتكثرة بمحمد أولاً، وعلماً منه بما سيؤول إليه أمر محمد من البعثة والتنبوء ثانياً، وما موقفه هذا الموقف الكريم الذي عبّر فيه عن شعوره نحو النبيّ (صلی الله علیه و آله) وأحاسيسه بفضائله ومفاخره المرتقبة.

وإليك أيها القارئ الكريم هذا الموضوع، ومنه تعرف ما لأبي طالب من المفاداة والتضحية في سبيل الله ومحمد رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، فاعلم:

ص: 374

لقد احتضن العالم الجاهلي عالمين كبيرين وكاهنين عظمين كانا قد فاقا أهل ذلك الزمان ذكاءً وفطنة واضطلاعاً بأخبار الماضين وآثار الأمم السالفة.

أمّا العالم الأول فهو ربيعة بن مازن المعروف بسطيح، وأمّا الثاني فهو وشق بن واهلة بن زيد اليماني.

أمّا سطيح فقد خلقه الله قطعة لحم لا عظم فيها ولا عصب فيطوى وينشر كما يطوى الثوب، لا ينام من الليل إلّا شطره، يقلب طرفه في السماء ويقصر نظره في النجوم والكواكب، فيستفيد من سيرها وحركاتها علماً جمّاً، وعليه صار يُقصد من كافة أرجاء العالم يسألونه عمّا يهمّهم وعن الأسرار التي يخونهم التعرف عليها وفهم حقائقها، وغالباً ما يصيب في أخباره ومعلوماته.

فبينما هو يفكر في الكواكب إذ لمعت في الأفق لمعة وبرقت في السماء برقة، فلاحت له شمائل مكة ونظر إلى نور ينزل من عنان السماء فيغمرها، ثم منه قد استضاء العالم، ثم رأى بعض الكواكب تتساقط وبعضها الآخر يضرب بعضه ببعض فيخرج بعد ذلك دخان عظيم، الأمر الذي أدى إلى ارتباكه واضطرابه وتشتت آرائه وتفكيره.

ثم قال: كواكب تظهر بالنهار، وبرق يلمع بالأنوار، إن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على عجائب وأخبار.

وظل يومه يفكر فيما عاينه وقرأه، حتى انقضى النهار فأمر غلمانه أن يصعدوه على قمة جبل عالٍ كان بالقرب منه، فحملوه إليه ثم صار يقلب طرفه في السماء فشاهد أشياءً ثم قال:

ص: 375

أنزلوني أنزلوني فقد حار لبّي وطار عقلي ممّا رأيت، وظنّي لقد قرب خروج الهاشمي، وإذا ما خرج فعلى الوطن السلام.

ثم كتب إلى زميله وشق بن واهلة بالأمر وأطلعه على ما رأى، وأنّه قلق للحادث، وقد لازمه السهاد وشرد عنه الرقاد.

فأجابه ابن واهلة: إن النور الذي ذكرته ورأيته والأحداث التي نوهت عنها هي رموز وأسرار لا أستطيع حلّها والكشف عن غوامضها، فأملي إعفائي عن البتّ فيها، فراجع بها غيري.

وبعد هذا كتب إلى الزرقاء – زرقاء اليمامة – يعرفها القصة ويحكي لها مشاهداته ومعايناته، ثم طوى الكتاب وأعطاه لرجل من قومه اسمه صبيح، وأمره أن يجدّ السير حتى يوصل الكتاب.

وكانت الزرقاء بعيدة النظر تنظر من مسيرة ثلاثة أيام، وكانت جالسة في مقصورتها فنظرت فعرفت رسول سطيح ورأت كتابه وقد وضعه في طيات العمامة، فتشأمت من الوضع وبقيت ترقب وصول الرسول والكتاب، حتى إذا وصل فطرق عليها الباب فقامت إلى فتحه فدفع إليها الكتاب، فلمّا قرأته وعرفت ما فيه قالت: خبر قبيح أتى به صبيح، من كاهن اليمن سطيح، عن أنوار ساطعة وضياء لامع، ذلك وربّ الكعبة من دلائل مخرب الأوطان وميتم الأطفال ومحطم الأوثان والأصنام من بني عبد مناف محمد بن عبد الله بلا خلاف.

ص: 376

ثم كتبت الجواب: من الزرقاء إلى سيد الكهان وشيخ بني غسان المعروف بسطيح، صاحب القول الفصيح والعلم الرجيح، أمّا بعد: فقد وردني كتابك وقدم عليّ رسولك، وذكرت لي أشياء قد رأيتها فهي إن دلت على شيء فإنما تدلّ على علامات وآيات ظهور الهاشمي، فأيقظ نفسك واحذر من الغفلة والتقصير، وبادر إلى المسير إلى مكة فإني مزمعة إليها لأعرّف أهلها على الحقيقة، فلعلنا نتعاون على الحيلة للقضاء على هذا المولود الذي ينذر تولده بالأخطار العظام، فنخمد ناره ونوره قبل إشراقهما.

ثم ختمت الكتاب ودفعته إلى الرسول وأمرته بأن يبادر في إيصاله إلى سطيح.

ولمّا وصل بالكتاب إليه ففضه وقرأه، ثم صار يبكي بكاءً عظيماً وأنشأ:

لا صبر لا صبر أضحى بعد منزلة *** تدعو الجلادة كالمستضعف الوهنِ

إن كان حقّاً خروج الهاشمي دنا *** فارحل بنفسك لا تأسف على اليمن

ثم اجعل القفر أوطاناً تسير بها *** وارحل عن الأهل ثم الدار والوطن

فالعيش في مهمهٍ من غير ما جزع *** أهنى من العيش في ذلٍّ وفي حزنِ

ثم أخذ في أهبة السفر إلى مكة، وقال لقومه: إني سائر إلى نار تأججت، فإذا أدركت إخمادها رجعت، وإن كانت الأخرى فالسلام عليكم، وإني لاحق بالشام لا أخرج منها حتى أموت.

ص: 377

وبعد أن وصل إلى مكة واستقرت به الدار تسامعت به قريش، فجاءوا إليه زرافات ووحداناً يرحبون به ويسلمون عليه، وظنّ أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) معهم وأنّه قد ولد، ولكنه (صلی الله علیه و آله) بعد لم يولد بل هو حمل في بطن أمّه.

وكان من جملة من زاره من شخصيات قريش أبو جهل بن هشام وأبو البحتري وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والعاص بن وائل، فقالوا: يا سطيح ما الذي أقدمك علينا، أ فهل من حاجة فتقضى؟

فقال سطيح: بورك فيكم، ما لي إليكم من حاجة، قالوا: أتمضي معنا إلى منازلنا؟ قال: لا بل أنزل على من إليهم قصدت وبفنائهم أنخت، وقد علمتم فضلي، ولكني جئتكم أخبركم بما كان أو يكون بإلهام أُلهمته، فأين المقدمين بالعهد ومن لهم السابقة بالمجد والحمد؟ أعني أفضل قريش من بني عبد المطلب، جئت أبشرهم بالبشير النذير والسراج المنير، وقد قرب ظهوره.

ثم نادى برفيع صوته: أين عبد المطلب وسلالة الأشبال من هاشم؟

فعظم الأمر على أبي جهل وجماعته، وقد اربدوا واسودت وجوههم وأخذهم مثل الإفكل، ثم تفرقوا عنه منذهلين لهول الخبر فزعين من الحادث، فاتصل الخبر إلى بني هاشم؛ فجمع أبو طالب إخوته وأسرته فخطب فيهم وقال: إعلموا أن هذا القادم عليكم هو كاهن اليمن وسيدها، وكان قد قدم على أبيكم من قبل عبد المطلب فأخبره بالوليد الذي يخرج من ظهره، مبارك في عمره يملك الأقطار ويدعو إلى عبادة الواحد القهار، وها هو قد قدم إلينا فهيّا بنا ننطلق إليه لندعوه إلى منازلنا، ولنأخذ الأمر على حقيقته منه، فإن كان صادقاً فقد استوجب

ص: 378

الإحسان، وإن كان كاذباً حصل على الذلّ والهوان، والذي أراه أن نخفي عليه نسبنا وحسبنا إلى أن يتمّ لنا ما نريده ونحاوله.

فقالوا جميعاً: سرْ بنا إن شئت يا شيخ الأبطح فإنّا ممتثلون لا نعصي لك أمراً أبداً.

فساروا حتى دخلوا على سطيح وكان جالساً في ظل الكعبة والناس من حوله، ولمّا نظره أبو طالب نزع سيفه ورمحه وأعطاهما لغلام سطيح وقال: إنهما هدية مني لك، ثم قصد أبو طالب سطيح فقال: حييت بالكرامة وخلدت النعم إلى يوم القيامة، فإنّا قد أتيناك زائرين وبواجب حقّك معترفين.

فقال له: جللت بالسلام وأتحفت بالإنعام، فمن أيّ العرب أنت وجماعتك؟

فأراد أبو طالب أن يقف على مقدار علم سطيح قال: نحن من بني حجج الكرام أهل المفاخر العظام.

فقال له سطيح: أدن مني أيها الشيخ، وضع يدك على وجهي، فإن لي إليك حاجة.

فدنا منه أبو طالب ووضع يده على وجهه، وعنده أخذ سطيح يتكلم: وحقِّ عالم الأسرار، المحتجب عن الأبصار، غافر الخطيئة، وكاشف البلية، إنّك صاحب الذمم المرضية، والأخلاق العلية، المعطي لغلامي الهدية، قناة خطية وصفحة هندية، وإنّكم لأشرف البرية، وإن لك ولأخيك أشرف الذريّة، يلقى معاديكم الرزية، وإنكم ومن معكم من سلالة هاشم الأخيار، وإنّك من غير شكّ عمُّ النبيّ المختار، المنعوت في الكتب والأخبار، فلا تكتموا عليَّ نسبكم فإني عارف بكم.

ص: 379

فتعجب أبو طالب من حديثه وقراءته وقال: صدقت يا سطيح في المقال وأحسنت الخصال، وإنّا نريد منك أن تخبرنا بما يكون في زماننا وما يجري علينا.

فقال: والدائم الأبد، ورافع السماء بلا عمد، الواحد الأحد، الفرد الصمد، ليبعثنّ من هذا – وأشار إلى عبد الله بن عبد المطلب – نبيُّ هذه الأمّة عمّا قريب، يهدي إلى الرشاد، ويهدم كل صنم، ويهلك عبّاد الأوثان، يعينه على ذلك ابن عمٍّ له، له صولات عظام، وضربات جسام، أبوه بلا شكٍّ أبو طالب، وهو أنت أيها الشيخ.

فقال أبو طالب: يا سطيح نحبّ أن تصف لنا هذا النبيّ وتبين لنا فضله.

فقال: نعم اسمعوا مني كلاماً فصيحاً، سيظهر منكم عن قليل رجل نبيل، رسول الملك الجليل، وإن لسان سطيح عن وصفه لكليل، هو رجل لا بالطويل الشاهق، ولا بالقصير اللاصق، حسن القامة، مدور الهامة، بين كتفيه علامة، على رأسه غمامة، تقوم له الدعامة، إلى يوم القيامة، ذاك والله سيد بني تهامة، يزهر وجهه في الدجى، إذا ابتسم أحسن من نشا، وأكرم من مشى، حلو الكلام، طلق اللسان، قويّ الجنان، زاهد عابد راكع ساجد، لا متكبر ولا متجبر، إن نطق أصاب، وإن سئل أجاب، طاهر الميلاد، بريء من الفساد، رحيم بالعباد، بالمؤمنين رؤوف رحيم، وبالنور محفوف، وعلى أصحابه عطوف، إسمه في التوراة والإنجيل معروف، يجير الملهوف، وبالكرامة موصوف، إسمه في السماء أحمد، وفي الأرض محمد، وفي الجنة أبو القاسم.

ثمّ سكت سطيح فقال أبو طالب: نرغب إذا لم يكن في ذلك صعوبة عليك أن تبين لنا صفة الإنسان الذي يعاونه ويقوم معه ويؤازره على أداء مهمته.

ص: 380

قال سطيح: هو غلام همام، وليث ضرغام، وقائد مقدام، وقشعم جزام، كثير الإنتقام، يسقي أعداءه كؤوس الحِمام، عظيم الجولة، شديد الصولة، إسمه في التوراة إيليا، وفي الإنجيل طابريا، وفي الزبور سيّداً برّياً، وفي كتاب المصطفى عليّاً.

ثم أمسك عن الكلام وسكت ملياً والناس تنظر إليه وتنتظر أن يكون مستمراً في الحديث، ثم انفجر وكأنما نشط من عقال أو انتبه عن غفوة وسبات عميق وقال: يا أبا طالب ضع يدك على وجهي مرة أخرى.

فقام ووضع يده على وجهه، فتنفس الصعداء، وأنَّ أنيناً متزايداً، وقال: يا شيخ الأبطح، خذ بيد أخيك عبد الله، فقد ظهر مجدكما، وأبشرا بعلو منزلتكما في هذه الدنيا، ورفيع مقامكما في الآخرة، فالغصنان من شجرتكما، فمحمد لأخيك وعليٌّ لك.

فبهت أبو طالب من حديثه، وشاع الخبر في أرجاء مكة، فامتلأ الأبطح بالناس يعلوهم الوجوم ويسودهم التفكير في الموضوع، ولم يسع أبا جهل إلّا أن يقول: يا معاشر العرب ويا جحافل قريش ما هذه الحادثة التي نزلت بنا من بني هاشم؟ فليس الصبر من شيمنا، ولا الإمهال من عادتنا، وقد سمعتم نبأ سطيح يخبر غير رجيح، ويوعد بضيق الفسيح، وظهور غلامين يخرجان من عبد الله وأبي طالب تكون على أيديهما نهايتنا وقتل أبطالنا ونهب أموالنا وسبي نسائنا، ثم تردي أحوال آلهتنا ومقدساتنا، للولدين نار تحرق وصاعقة تطبق.

ثم قهقه في ضحكة عالية استخفافاً وهزوُاً، وبينما هم كذلك إذ أقبل عليهم عمُّ النبيّ الزعيم أبو طالب، فوقف بين الجماهير فعرف كل شيء، فنادى بالناس فقال: يا معشر قريش

ص: 381

اصرفوا عن قلوبكم الزيغ والطيش، ولا تتنكروا لما سمعتم ووعيتم من حديث سطيح، فهو محقق وواقع لا محالة إن شاء الله.

ثم اعلموا أنّا أولى بخدمة الكعبة، ونحن أولى بدفع الأذى عن حرم الله، وعلى أيدينا نبعت زمزم، فو الله الذي لا إله سواه ما سطيح بكاذب وإنّه في كلامه لصائب، وما نطق بكلمة قطّ إلّا وظهر برهانها.

أو ليس هو المخبر لكم أن سيطلع إلى أرضكم هذه رايات الجيش، وتلوح لكم سيوف العساكر، وأخيراً ما مضت إلّا قلائل من الأيام حتى رأيتم بأمِّ أعينكم جيوش أبرهة الحبشي، الجيوش الجرارة؟؟

او ليس هو الذي أخبركم عن توجّه سيف بن ذي يزن؟ وبالتالي وفي اليوم نفسه تحققتم صدق خبره وتبينتم صحة حديثه؟!

والآن يا قوم يخبركم عن قرب مولد النبيّ الموعود، وأنّه من أحفاد عبد المطلب، فلماذا لا تصدقوه؟! فو الله يا قوم إنّه لصادق أمين، وحكيم موفق، وعن قريب سيظهر الله نبيه ورسوله على رغم الحاسدين والملحدين، كما ستخمد نار المنافقين والمعاندين.

ثم أمر أبو طالب بأن يحمل بنو هاشم سطيح إلى منزل أبي طالب، ولمّا أوصلوه رفع مقامه وعظّم مجلسه وأكرم مثواه، وخلع عليه الخلع الثمينة وأهدى إليه الهدايا العظيمة، ثم صار إلى توفير أسباب الراحة والهدوء له.

ص: 382

وباتت مكة على أشدّ ما يكون من الوجل والاضطراب، فكانت تموج بأهلها حقداً على البيت الهاشمي وحنقاً على سطيح حيث بشّر بمولد النبيّ العظيم.

ولمّا برق الصباح وبزغت الشمس كان أول من وصل الأبطح أبو جهل، ثم صار يرسل رسله إلى الزعماء والشيوخ والوجهاء، حتى إذا اكتضَّ المكان بالناس قام أبو جهل بينهم خطيباً والتذمر والانفعال باديان على ملامحه، فقال فيما قال: يا آل غالب، يا ذوي العلا والمراتب، أترضون لأنفسكم أن ترموا بالمناكب، كما ذكره أبو طالب؟! إن هذا من العجائب، فو اللات والعزّى لننقل جلاميد الحصى إلى البحر الأقصى أهون مما ذكره سطيح من أن سيظهر عليكم رجل من بني عبد مناف، يرميكم بالبوار والتنكيل، ويوعدكم بالذلِّ الطويل، فتبّاً لكم إن كانت أنفسكم بما ذكره راضية، وإلى ما أخبر وحدّث عنه داعية.

وعليه إن رضيتم بهذه النهاية السيئة والمصير المظلم فمن الساعة عليكم مني السلام ما بدت الأيام، فها أنا راحل عنكم وخارج عن أرضكم، فمجاورة الوحوش أحبّ إليَّ من المقام بهذه الدار التي سيحل بها الهوان والإذلال والصغار.

ثم تركهم ومضى إلى منزله ليتهيّأ للسفر، ولكنه أحدث ضوضاء وبلبلة في البلد، كما أحدثت حركته هذه ضجة وتغيراً في الوضع الجاهلي الكافر، الأمر الذي لزمهم على أثره التجمع والتصميم على الاجتماع بأبي جهل ومنعه عمّا اعتزمه وصمم عليه، وأخيراً مضوا إليه وقالوا له: يا أبا الحكم ما هذا الأمر الذي حاولته والحال الذي عزمت عليه؟! فأنت السيد فينا والمقدم علينا، فأمرْنا بأمرك وانهنا بنهيك تجدنا عند ذلك ولا نحيد عمّا تريد قيد شعرة.

قال: إذاً الرأي أن تقوموا معي إلى نادي أبي طالب، فترجونه أن لا يعطي مجالاً لهذا الكاهن

ص: 383

الذي قد آواه وأكرمه فعظّمه وأنعم عليه، فإمّا أن يسلمه إليكم أو يخرجه عن أرضنا، وإلّا كان السيف أقضى والموت أمضى.

وقبل أن يصلوا إلى أبي طالب بلغه الخبر أرسل فوراً على كافة بني هاشم وأمرهم بحمل السلاح الكافي، ولمّا جاءوه قصد بهم إلى الأبطح، وعند وصولهم شخصت إلى أبي طالب الأبصار ومُدت الأعناق وكمّت الأفواه وخرس لسان كل فصيح، فجلس كل قائم واستوى كل نائم هيبة من أبي طالب وفزعاً من شأنه وسطوته وخوفاً من بأسه وثورته، ثم تخطى القبائل وتجاوز المحافل حتى توسط المجتمع، ثم رفع صوته وقال: يا سكان الأبطح والصفا وزمزم ومنى وأبي قبيس، أيّكم الثالب لبني عبد المطلب أهل المكرمات والمراتب، حتى أحلَّ به الويل والثبور والحزن الطويل؟ أما أنا لا أعرفه، ولو كنت أعرفه لنال مني مصيره الأسود، ولكني أنكره وأجحده كائناً من كان، وإني أحذركم أجمعين من يوم عبوس، تطير فيه الأيدي والرؤوس، ويكون على أيدينا هلاك النفوس، وإني قائل لكم: وحقِّ إله الحرم وبارئ النسم إني لأعلم عمّا قليل سيظهر الموت في التوراة والإنجيل، والموصوف بالكرم والتفضيل، والذي ليس له في عصرنا أيّ مثيل، والذي قد تواترت به الأخبار، وأنّه يبعث في هذه الأعصار، وأنّه رسول الملك الجبار، المتوج بالأنوار، المؤيد بالسكينة والوقار.

ثم قصد أبو طالب إلى الكعبة، فتبعه الناس إلّا أبو جهل، فإنّه قد بقي في مكانه وحده يتخبط بالشنار ويتعثر بالمذلة والعار، ولمّا دنا أبو طالب من الكعبة أخذ يقول: اللهمّ ربّ هذه الكعبة العلية، والسماء المبنية، والأرض المدحية، والجبال المرسيّة، إن كان قد سبق في علمك وغامض مشيئتك أن تزيدنا شرفاً إلى شرفنا وعزّاً مضافاً إلى عزّنا بالنبيّ المشفّع والنور

ص: 384

المستودع بشّر به تُبّع فأظهرْ لنا يا ربّنا بيانه وبرهانه، عجل لنا يا إلهنا بزوغه وتبيانه، واصرف عنا بغي الحاسدين والحاقدين يا أرحم الراحمين.

ثم جلس وأحدق به الناس من كل جهة وجانب، ولم يستطع أي واحد أن ينطق ولا بكلمة واحدة.

وأخيراً وبعد صمت طويل قد ابتدر إلى الكلام منبه بن الحجاج – وكان ذا قوة وجسارة – فقال: يا أبا طالب قد ظهرت عزتك وأنارت طلعتك وابتهج شكرك وذكرك بالكرم السني والشرف العلي، وقد علمت رؤساء القبائل وأهل النهى والمحافل أنكم أهل الشرف العظيم والفضل الجسيم من حاضر وقاصي، وأنت يا أبا طالب السيد المطاع الطاهر الحبيب، فلا ينبغي لمثلك أن يسمع إلى ما ينطق به الكهّان والمشعوذون، وأنت تعلم أنهم أوعية الشيطان يأتون بالكذب والبهتان، فلغلك تصير سطيح إلينا لنتبين مدى صدقه، فإن النبوة التي قد عرف عنها وذكرها في أكثر من مرة لها دلائل وآثار لا تخفى على العقلاء كما لا تنزوي عن النبلاء.

ولمّا فرغ منبه من حديثه أمر أبو طالب أن يحضروا سطيحاً بفناء الكعبة، فأحضروه وبمجرد أن وقع بصره على الناس عرف ما يدور فيما بينهم إذ ينفجر قائلاً رافعاً صوته: يا معاشر قريش لقد أكثرتم الإختلاف، ودبى في قلوبكم الإرتجاف، ومددتم ألسنتكم إلى بني عبد مناف، تكذبونهم فيما به صدقوا، وكذبتموهم بما نطقوا، وأرسلتم إليَّ تسألوني عن الحال الظاهر وأمر النبيّ الطاهر، صاحب البرهان وقاصم الأوثان ومذلل الكهّان، وأيم الله ما فرحنا بظهوره لأن الكهانة عند مولده تزول، وأثر الدلائل عند مولده إلى أفول، وإذا كان ذلك كذلك

ص: 385

فلا خير في حياة سطيح، فالموت خير له من الحياة، ولكن الحق لا بدّ أن يسمو وأن يظهر، ومولد النبيّ حقّ وإنّه سيكون عمّا قريب، وإن كنتم في شكٍّ وريب ممّا أقول فأتوني بنسائكم وأمهاتكم وبناتكم لترون مني العجب العجاب، لترون مني ما يبهركم وترون شيئاً لا يدخله الكذب ولا يدنو منه التردد والريب، وأوقفكم بالفعل على المقصود، وأعرفكم بالساعة نفسها على أمّ المولود الحاملة به، المولود الذي يدعو إلى الواحد الأحد.

فانتدب إليه رجال من قريش فقالوا: إدّعيت يا سطيح أنّك تعلم الغيب وتخبر عن المجهول!

فقال: لا، لا أقول أنّي أعلم الغيب ولكني أسيطر على قسم من الجنِّ فهو يسترق السمع ويتجسس الأحداث، فيأتيني فيخبرني بما عاين وتحسس، فالنبيّ لا بدّ من أن يظهر، وهو من بني عبد مناف.

وأخيراً تداول الناس وتراجعوا فيما بينهم، وبالتالي ترجح لديهم أن يأتوه بالأمهات والبنات والنساء، وانفضوا على هذا الرأي.

أمّا أبو طالب فقد منع أمّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) عن الخروج، كما منع زوجته فاطمة بنت أسد من الخروج أيضاً.

وعلى الموعد حضرت النساء والرجال بصورة عامّة، ولمّا اجتمعوا وهم في ترقب وانتظار وتلهف واستطلاع، فرمق سطيح النساء بطرفه وأخذ ينظرهن يميناً وشملاً، ثم قال: إعزلوا الرجال عن النساء، فانتحى الرجال ناحية وبعدوا عن النساء، فأطال سطيح النظر إليهن، ولمّا أعياهن التعب والوقوف قلن له: يا سطيح أخرس لسانك وخاب ظنك.

ص: 386

قال: والله ما خرس لساني ولا كلَّ بياني وما خاب ظني.

ثم رفع رأسه إلى السماء بعد أن قرّب إليه أبا طالب وبعض أشخاص من قريش وقال: وحقّ الحرمين لقد تركتم من نسائكم اثنتين، إحداهن الحامل بهذا المولود الداعي إلى خير معبود محمد، والثانية ستحمل بعد حين من الزمن ولداً أميناً قويّاً مكيناً يدعى أمير المؤمنين وسيد الوصيين ووارث علم النبيّين.

فبهت الناس وأطرقوا برؤوسهم فكأنما على رؤوسهم الطير، فكانوا حيارى سكارى قد خالطهم الهلع والجزع وأصابهم الخوف من كل مكان.

أمّا أبو طالب فقد انطلق بعد حديث سطيح هذا، فجاء بزوجته وزوجة عبد الله أخيه، فجلسن مع النساء، وما أن وقع بصر سطيح عليهما حتى صاح قائلاً: يا ذوي الشرف الرفيع والمفاخر الرضية، يا آمنة يا بنت وهب أنت والله الحاملة بسيد الأنبياء والمرسلين، ألستِ حاملة فعلاً؟ قالت: نعم إني حامل لثلاثة أشهر.

فالتفت سطيح إلى الناس وقال: الآن شهد قلبي وثبت لبّي وأصدقني صاحبي، يا معشر قريش اعلموا أن آمنة بنت وهب هذه سيدة نساء العرب والعجم، وهي الحامل بأفضل الأمم المدمر لكل وثن وصنم.

يا معاشر قريش قد دنا ظهور محمد الأمين رسول ربّ العالمين، وكأني أرى من يخالفه قتيلاً وعلى الأرض جديلاً، وكأني أرى عزّكم يحول وشرفكم يزول إن أنتم لم تلتزموا جانب محمد

ص: 387

وتقتفوا أثره، فطوبى لمن آمن به وصدّقه، وطوبى ثم طوبى لمن تبعه ونصره، فمن تبعه على الحقّ الذي يجيء به من ربّه فقد استمسك بالركن الوثيق ونجا من كل حرج وضيق.

ثم قال سطيح: وأنت يا بنت أسد يا فاطمة اعلمي، وليعلم كل من حضر، أنت أمُّ السيد الإمام الذي يكسر الأصنام ويبيد الأوثان ويحطم الجاهلية بلا استثناء، وهو الإمام المبين الذي لا يعترض عقله الخلل والطيش، مخرب الأطلال وميتم الأطفال، سيفه على رقاب الكفرة والمشركين غير مردود، قاتل الشجعان ومردي الأبطال والأقران، الفارس الكمي والضيغم الجري المسمى بعلي ابن عمّ النبيّ، ثم قال: آهٍ آهٍ.

ولمّا سمعت قريش منه ذلك تحفزوا عليه ووثبوا ليقتلوه، فانتدب أبو طالب وبنو هاشم فمنعوه وحاموه ودفعوا عنه كيد المعتدين.

هذا، وأبو جهل يصرخ: إفسحوا المجال يا بني هاشم لنصل إلى هذا الكاهن المجرم، فنسقي سيوفنا ونشفي غليلنا وصدورنا من دمه، وإلّا لنحل بكم الدمار ونوردكم البوار.

فقال أبو طالب: ويحك يا أخسّ العرب وأرذلها، ما أراك إلّا أنك تحبّ الفرقة بين العشيرة الواحدة، وتريد أن تلقي البغضاء في الأسرة الواحدة، ومثلك لا يتكلم بما تكلمت فأنت أخسّ اللئام.

ثم همَّ به لولا أن يخلصه من يده بعض زعماء قريش بعد أن أصابته ذبالة السيف فشجت رأسه وسال الدم على وجهه، وصار يهتف بجماعته المشركة الكافرة: يا معشر قريش يا

ص: 388

أهل المحافل ويا رؤساء القبائل والفضائل أترضون لأنفسكم تحمّل العار وتتقبلون الخزي والدمار؟! فدونكم سطيح وآمنة بنت وهب وفاطمة بنت أسد فاقتلوهم وأريحونا منهم.

ثم جُردت السيوف وشرعت الرماح من قريش وبني هاشم، فثار الغبار وطار الشرار وارتجت الأرض بطولها والعرض.

قالت آمنة: وحين رأيت الموقف وشاهدت لمعان السيوف وبرق أسنّة الرماح، والملأ يريد قتلي ذهلت وأسقط في يدي، وبقيت لا ألوي على شيء، وبينما أنا كذلك إذ اضطرب الجنين الذي في بطني واخترق سمعي صوت يماثل الأنين، وإذا بالقوم وقد صاح بهم صائح وهتف بهم هاتف وصرخ بهم من السماء صارخ، ذهبت الصرخة بالعقول والألباب وصار الناس يضرب بعضهم بعضاً من حيث لا يشعرون، وأخذوا يتساقطون على الأرض بلا حراك كأنهم أموات.

قالت آمنة: ورفعت بصري إلى السماء فرأيت أبواب السماء وقد فتحت، وإذا أنا بشيخ قد نزل من السماء وبيده حربة من نار وهو يقول: أيها الطغاة لا سبيل لكم اليوم على رسول الملك الجليل وأنا أخوه جبرئيل، اخمدوا جميعاً عن خاتم النبيّين.

قالت آمنة: فعند ذلك سكن قلبي ورجع إليَّ لبّي واطمأننت على نفسي وجنيني، وتحققت دلائل النبوة من ولدي، والكرامة التي أراني الله تعالى لها.

ثم أخذ أبو طالب بيد أخيه عبد الله وجاء بنا إلى المنزل، وتركنا القوم صرعى تحسبهم سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.

ص: 389

كل هذه الكرامات والفضائل والقوم ما زالوا مصرين على عنادهم، فهم في طغيانهم يعمهون.

وبعد أيام ممّا سمعوه ووعوه جاء بعضهم إلى أبي طالب يقدمهم منبه بن الحجاج، وبعد أن استقر بهم المجلس قال: يا شيخ الأبطح يا أبا طالب يامن لم تزل عالياً في المراتب ولمن عاداك غالباً، نريد منك أن تصرف عن بلادنا هذا الكاهن الكاذب، فإن جميع ما وقع بيننا من بغض وعداء وصطدام وشحناء هو من أثر كهانته وشعوذته، ونحن يا شيخ الأبطح غير متحققين صدقه، ولو كنا قد تحققناه لكنت أنا أول من يعاضده ويسنده على أحاديثه تلك ثم أنشأ:

أبا طالب إنّا إليك عصابة *** لنرجوك فارحم من أتى لك راجيا

ونحن فجيران لكم ومعاضد *** على كل من أضحى وأمسى معاديا

فإن كان ربّ العرش أرسل منكم *** رسولاً إلينا وهو للحق داعيا

فنحن لنرجو أحمداً في زماننا *** نجاهد عنه بالسيوف المواضيا

أبا طالب إصرف سطيحاً فإنه *** أتى منه آتٍ بالأذى والدواهيا

فدع عنك حرب الأهل والطفْ تكرماً *** ولا تتركن الدم في الأرض جاريا

فلما سمع أبو طالب الأبيات فكأنه رقَّ للحالة وأخذته الرأفة على الأطفال والنساء من إثارة الحرب والمقاومة المسلحة، أجابهم إلى تسفير سطيح والترجيح له بمغادرة مكة.

ص: 390

ثم قال: يا منبه إن جميع ما قاله سطيح ليس فيه شك أبداً، وستجدون نتيجة جميع حديثه وتكهنه عمّا قريب.

ثم أمر بعض بني هاشم أن يحملوا إليه سطيحاً؛ فأحضروه بين يديه، فقال له أبو طالب: أتدري لأي شيءٍ أحضرناك؟ قال: نعم تسألوني الخروج من مكانكم والارتجاع عن بلادكم، فأنا على ما أردتم عازم وبالخروج جازم، يا أبا طالب إذا ظهر فيكم البشير النذير فاقرأه مني السلام الكثير، وقولوا له: إن سطيحاً أخبرنا بخبرك فكذبناه وطردناه.. يا معاشر قريش سيأتيكم بشر آخر أكثر مني دقة وصحة وأوفر مني حديثاً ومعرفة، فهو إمّا قد دخل بلادكم هذه أو يدخل عمّا قريب.

ثم قال: يا أبا طالب يا عمَّ رسول الله هيءْ راحلتي فإني قد عزمت على السفر.

فقام له أبو طالب بهدايا ضخمة وأموال فخمة، وسيّره مع نفر من غلمانه معززاً مكرماً.

ولكن قريشاً لم ترتح تماماً كما لم تهدأ لسفر سطيح باعتبار أنه شوشهم بتوجه من هو أكثر منه كهانة ومعرفة إلى بلادهم، الأمر الذي من أجله لعبوا لعبتهم من طلب تسفير سطيح؛ فظلوا قلقين مرتبكين، الآلام تحزّ في نفوسهم والأوهام تأخذ منهم مأخذاً عظيماً.

فبينما هم على هذا الحال ونحوه فاجتمعوا ذات يوم في النادي إذ يرون راكباً من بعيد ترقل به ناقته، فتطاولت إليه الأعناق ومدت نحوه الأبصار، فحققوا النظر وإذا بالراكب على الناقة امرأة، فصاروا ينتظرون مجيئها حتى إذا قربت أسرع إلى ملاقاتها أبو قحافة عمر بن عامر، وهو أول ما بادر إليها فعرفها، ثم رجع إلى جماعته ينادي بالويل والثبور، وهو يقول: يا

ص: 391

أهل الأبطح لا مقام لكم به، لقد أتتكم الداهية الدهماء والطامة العظمى، هذه المرأة القادمة هي الزرقاء كاهنة اليمامة.

وما شعروا إلّا وهي في وسطهم، وكأنها عرفت كل شيء عندهم، وإذا بها تهتف عالياً: يا معاشر قريش حبيتم بالعيش والإبكار، وعمرت بكم الديار، فإني قد فارقت أهلي ووطني وقصدت بلدكم هذا لأحوال قد أتت وأشياء قد دنت، وإني مخبرة لكم عمّا يخرج عن دياركم من العجب العجيب، فإن أذنتم لي بالنزول نزلت، وإن أحببتم الرجوع رجعت من حيث أتيت، ثم أنشأت:

إني لأعلم ما يأتي من العجب ِ *** بأرضكم هذه يا معشر العرب ِ

لقد دنا وقت مولود لأمته *** محمد المصططفى المنعوت في الكتب

فعن قليل سيأتي وقت مولده *** يرمي معانده بالذل والحرب

وقد أتيت لأخبركم ببينة *** لما رأيت من الأنوار والشهب

عمّا قليل ترى الأنوار زاهرة ***

ص: 392

ببطن مكة ترمي الجمع بالشهب

فإن أردتم وإلّا رحت راجعة *** وتندمون إذا ما جاء بالعطبِ

وآخر بذباب السيف يعضده *** قرن يدانيه بالإحسان والنسب

ولمّا سمعوا منها ذلك أمروها بالنزول والجلوس معهم لغاية الوقوف على ما عندها من غوامض وأسرار ومعارف وتكهنات، وهل هي تنحو منحى سطيح أو تختلف عنه.

فنزلت وجلست في وسطهم، وبعد أن استقرت تقدم إليها عتبة بن ربيعة قائلاً: أهل راعك أحد يا سيدة اليمامة؟ وهل لك حاجة فتقضى أو ملمّة فتمضى؟

فقالت: ما أنا بفقيرة الحال ولا أنا قليلة المال، ولكني جئتكم لأبشركم وأحذركم، وليست البشارة تعود لي بل هي عليَّ وعليكم، إذ فيها هلاكي وهلاككم.

فقال عتبة: أراك توعدين نفسك وإيانا بالدمار.

قالت: يا أبا الوليد وساطح البلاد ومن هو عالم بالمرصاد، ليخرجن من هذا الوادي نبيٌّ يدعو إلى الرشاد وينهى عن الفساد، نوره يتجدد واسمه محمّد، وكأني به عن قريب سيولد، ويساعده على ذلك مساعده ويقارنه في الحسب ويدانيه في النسب، يبيد الأقران ويدمر

ص: 393

الشجعان، أسد ضرغام وسيف حسام، جسور في الغمرات هزبر في الغارات، له ساعد قوي وقلب جريء اسمه عليٌّ.

ثم قالت: آهٍ آهٍ يوم ألقاه، وا عظيم مصيبتاه، ولو أني أدركته لكانت لي معه قصة عجيبة ومصيبة عظيمة، ولو أردت النجاة لسارعت إلى الإجابة وتركت ما أنا عليه من المكيدة، ولكني أرى خوض البحار ونقل الأحجار والتلوح على النار وقطع الأشجار أهون علي من الذل والصغار، فلا أنا مشترية بعزّي ذلّاً ولا بعلمي جهلاً، ثم أنشدت:

ذرى القبائل والسادات ويحكمُ *** إني أقول مقالاً كالجلاميد ِ

لو كنت من هاشم أو عبد مطلب *** أو عبد شمس ذوي الفخر الصناديد

أو من لؤي سراة الناس كلهم *** أهل السماحة والتفضيل والجود

أو من بني نوفل أو من بني أسد *** أو من بني زهرة الغرّ الأماجيد

لكنت أول من يحظى بصاحبكم *** إذا جرى ماؤه في يابس العود

لكنما أجلي قد حان موعده *** لما دنا مولد يا خير مولود

ثم قالت: وخالق الشمس والقمر، ومن تصير إليه كافة البشر، لقد صدقكم سطيح الخبر.

فلما سمعوا كلامها حارت عقولهم، وتجددت عليهم المصائب والأحزان.

ثم إن الزرقاء أدارت ببصرها نحو الحشد الكبير، فنظرت أبا طالب فأطالت النظر إليه، وكان معه أخوه عبد الله بن عبد المطلب، وكانت تعرف عبد الله من قبل؛ لأنه قد سافر مع أبيه عبد

ص: 394

المطلب إلى اليمامة وبقيا هناك أياماً، وكانت السفرة من قبل أن يتزوج عبد الله بآمنة بنت وهب، وكانا قد نزلا في قصر مجاور إلى قصرها.

فلما نظرت إلى عبد الله والأنوار تسطع من غرته والمهابة والوقار يعلوانه أحبته وأكرمت مقامه، وعرفت أن النبيّ الموعود والذي يبعث في مثل تلك الظروف فهو من صلبه، فهو عبد الله وابن عبد المطلب، فخرج عبد المطلب ذات يوم من القصر فانتهزت خروجه فرصة لأنه ترك عبد الله وحده، فأسرعت إلى القصر وبيدها كيساً مملوءً من الورق، فدخلت عليه وقالت: حييت بالسلامة واتحفت بالنعمة والكرامة، فمن أيّ العرب أنت؟ فما رأيت أجمل منك وجهاً.

فقال: أنا عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف سيد الأشراف ومطعم الأضياف، أنا من قوم هم سادات الحرم، ومن لهم السابقة والقدم.

قالت: صدقت لأنك أنبل وأفضل وأكمل مما ذكرت، وهل لك من فرحتين عاجلتين؟

قال: وما هما؟ قالت: أبذل لك مائة من الإبل وناقة محملة تمراً وسمناً وهذا الكيس مملوء ورقاً ونقوداً.

قال: على أيّ شيء؟ قالت: أن أضطجع معك فأونسك.

فلما سمع منها هذا الكلام وفهم منها ما تريد غضب وتألم وظهر منه الإستياء وقال لها بإزعاج: إليك عني فما أشرّ غرّتك وما أقبح طلعتك! أما علمت أننا قوم لا نرتكب المعاصي ولا نقترب من الفجور والآثام، اذهبي عني يا ويلك وإلّا قمت إليك بالسيف.

ص: 395

وكلما حاول أن تخرج عنه فيتخلص من شرورها لم يستطع، فما هي إلّا جادة في رأيها، وأخذت تضاعف له المال وتطمعه في الثروة الطائلة، وأخيراً قام إليها بالسيف، فلما عرفت صدقه وأنه يقتلها إن هي لم تخرج من القصر لاذت بالهزيمة وتمنعت بالفرار وعادت إلى قصرها خائبة خاسرة، وأخذ عبد الله مكانه وهو على حالته من الحدة والغضب، وجعل سيفه على فخذيه، وبينما هو كذلك إذ دخل عليه أبوه، فوجده على تلك الحالة المؤلمة، وبمجرد أن وقع نظره على أبيه بكى وأنشأ:

أنرتكب الحرام بغير حلٍّ *** ونحن ذوي المفاخر في الأنام ِ

أنركن للحرام ونحن قوم *** جوارحنا تصان عن الحرام ِ

معاذ الله إنّا من أناس *** أماجيد جحاجحة كرام

فقال له: ما الذي دهاك وما جرى عليك من بعدي؟ فنقل له القصة ووصف له المرأة التي راودته عن نفسه، فعرفها عبد المطلب وقال: يا بني هذه هي الزرقاء كاهنة اليمامة، فقد نظرت النور الذي يسطع في جبينك وطلعتك البهية، فعلمت أنه الشرف الأكيد والعزّ الذي لا يبيد، فأرادت أن تسلبه منك، فالحمد لله الذي عصمك منها.

ثم بادر إلى الرحيل فرجع إلى وطنه بولده، فزوجه من آمنة بنت وهب.

فلما رأته مع أخيه أبي طالب عرفته وتذكرت قصتها معه، كما علمت أنه قد تزوج بآمنة، فقالت له: ألست بصاحبي في اليمامة؟ فقال لها عبد الله: نعم لا أهلاً ولا سهلاً بك يا قبيحة.

فقالت: ما فعل بالنور الذي كان يسطع من وجهك؟

ص: 396

فقال: إن أبي زوجني من آمنة بنت وهب فانتقل النور من جبيني إلى جبينها.

قالت: صدقت ولا شكّ فيما ذكرت.

ثم صرخت هاتفة في الجمع: يا أهل العزّ والمراتب والمفاخر إن الوقت لمتقارب وإن الأمر لواقع ما له من رادٍّ ولا دافع، فتفرقوا فلقد دنا المساء وأتوني غداً لتسمعوا مني الأخبار وتقفوا على الحقيقة والآثار.

وحينئذ تفرقوا عنها وذهب كلٌّ على شاكلته، حتى إذا ذهب من الليل شطره التحقت بسطيح على مراحل من مكة، وبعد أن اجتمعت به قالت: يا سطيح ما الذي تراه من الرأي؟

قال: أرى العجب العجاب، وأن الوقت قريب، وأخبرها بما جرى له من أوله إلى آخره.

قالت: وما أنت صانع؟ قال: إني قد كبر سنّي وخمد ذكري، ولو لا مخافة العار لعجلت على نفسي بالفناء والدمار، وأمرت من يجرعني كؤوس الردى والبوار، وقد عزمت يا زرقاء الهجرة إلى الشام حتى يأتيني الحِمام، فإن المولود الجديد منصور ومن عاداه لا محالة مقهور.

قالت: يا سطيح أين أصحابك وأعوانك لمَ لا يساعدوك على خنق هذا الأمر ما دام في المهد ومن قبل أن تلد آمنة فتقتلوها، وإذا قتلتموها قتلتم الجنين الذي في بطنها.

فقال: ويلك ومن الذي يقدر على قتلها ويقوى على اغتيالها والحافظ لها الله سبحانه، ثم أبو طالب يرعاها ويحميها، وهو العليم بحال جنينها وما سيؤل إليه أمره من العظمة والسؤدد، فدعيني واذهبي عني فإني مشرف على الموت فإني أرقبه فهو مني قريب.

ص: 397

ولما أيست من معاونته كرّت راجعة إلى محلها من مكة، ولما أصبح الصباح اجتمع الناس وكلهم تطلع إلى أخبارها وأحاديثها، ثم أقبلت فأخذت مجلسها من الندوة ثم سألت عن أبي طالب والهاشميين، فقيل لها: ههنا كلهم حضور، فعينت مكانهم، فقامت تمشي حتى وقفت على رؤوسهم فقالت:

أنعم الله لكم الصباح، وأشرقت بكم البطاح، وأنارت بكم المحافل، وعلوتم القبائل، ويزداد شرفكم علواً ورقيّاً، إذا ظهر فيكم المنعوت في التوراة الموصوف بالإنجيل، فالويل لمن عاداه وطوبى لمن تبعه.

واعلموا يا بني هاشم ما قصدت بلادكم هذه إلّا لأن أبشركم بالبشارة التي هي أعظم البشائر وأجملها.

فقال لها أبو طالب: جزيت خيراً يا زرقاء، وقد وجب حقك علينا فهل لك من حاجة فتقضى وملمة فتمضى؟