المعجم الإقتصادي في نهج البلاغة

هوية الکتاب

مصدر الفهرٓسه: IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda .رقم تصنیفُ LC : BP38.01 .M3 2017 .

المولف الشخصی :ً المشهدي، سحر ناَج فاضل.

العنوان:ٌ النعجم الاقتصادي فی نهج البلاغه

بیان المووسلیة: سحر ناجی فاضل المشهدی ، تقدیم سید نبیل الحسنی الکربلائی.

بیانات الطبعة: الطبعة الاولی.

بیانات النشر : کربلاء: العتبة الحسینیة المقدسة - موسسة علوم نهج البلاغة.1438 ه = 2017 م .

الوصف المادی:536 صفحه

سلسلة النشر : سلسلة الرسائل الجامعیة / العراق - وحدة علوم اللغة العربیة - موسسة علوم نهج البلاغة.

تبصرة عامة : الکتاب فی الاصل اطروحة دکتوراه.

تبصرة ببیلو غرافیه: الکتاب یتضمن هوامش - لائمة المصادر(الصفحات 513 - 529)

موضوع شخصی: علی بن ابی طالب (علیه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 هجریا - نظریة حول

موضوع شخصی: علی بن ابی طالب (علیه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 هجریا - خطب - احاد

موضوع شخصی: علی بن ابی طالب (علیه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40 هجریا - کلمات قصار

مصطلح موضوعی: الاقتصاد الاسلامی - الفاظ - معاجم.

مصطلح موضوعی: النباتات - معاجم.

مصطلح موضوعی: الاسلام فی الاقتصاد.

مولف اضافی: الشریف الرضی، محمدبن الحسین ،359 - 406 هجریاً.نهج البلاعة.

مولف اضافی:الحسین الکربلایی ، نبیل قدوری ، 1965-، مقدم.

عنوان اضافی: نهج البلاغه - معاجم.

تمت الفهرسة قبل النشر فی مکتبة العتبة الحسینیة المقدسة

ص: 1

اشارة

ص: 2

سلسلة الرسائل الجامعیة - العراق (16)

وحدة علوم اللغة العربیة

المعجم الإقتصادي في نهج البلاغة

دراسة و تحلیل

تالیف

د. سحر ناجی فاضل المشهدی

اصدار

موسسة علوم نهج البلاغة فی العتبة الحسینیة المقدسة

ص: 3

جميع الحقوق محفوظة للعتبة الحسينية المقدسة الطبعة الأولى 1438 ه 2017 م العراق: كربلاء المقدسة - شارع السدرة

- مجاور مقام علي الاكبر(عليه السلام) ل مؤسسة علوم نهج البلاغة هاتف: 07728243600

07815016633

الموقع ا الكتروني: www.inahj.org

الإيميل: Info@Inahj.org

تنويه:

إن الأفكار والآراء المذكورة في هذا الكتاب تعبر عن وجهة نظر كاتبها، و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسينية المقدسة

ص: 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿رِجَالٌ لَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللِّه وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْابْصَارُ﴾

صدق الله العلي العظيم النور / الآية 37

ص: 5

الاهداء

إلى: مَن علَّمني أن العلمَ سر الخلود

وسقاني كأس الحياة، فشربته عذباً زلالا في ظل وجوده

و مرا علقما في غيابه

الحاضر في قلبي، والغائب عن عيني

والدي (رحمه الله) - حباً، ووفاء وبِرَّاً

إلى: نَبِعي الصَّافي، شجرتي التي لاتَذبُل

ظِلَّ الذي آوي إليه في كل حينٍ

مَن أسكنتني فؤادها، ولمْ تنسنَي من دُعَائِها

لطول صَبرها، وأداءً لبعضِ حَقِّها.

والدتي الحبيبة

- إليكما أقدمُ هذا الجهد المتواضع

- راجية حُسْن القبول

سَحَر

ص: 6

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤسسة

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بام ألهم والثناء بام قدم من عموم نعم ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:

فإن كان جامع النهج الشريف الرضي زاده الله شرفاً بما جاد به يراعه جمعاً قد ابتغى البلاغة فيما روي عن سيدها وأميرها الإمام علي (عليه السلام) فخطها للنهج عنواناً إلّا أنه وإن لم يصرح بالغاية المكنونة التي تكشفت من خلال

(القصد والقبول) المتعلقان ب(الملقي والمتلقي) أو (منتج النص ومستفيده)، أو(المتكلم والمتلقي معاً) قد نجح بذلك العنوان للولوج الى فكر الآخر بعد سنين عجاف منع فيها حتى التسمي ب(علي)، فكيف بفكره (عليه السلام) وعلومه التي اكتنزتها قوالب الألفاظ، ومكنون المفردات ومعطيات الدلالات، ومن ثم لم يرتجِ الشريف الرضي البلاغة وفنونها وهل ما خرج من فم علی (عليه السلام) ليس ببليغ وكلماته فقأت عین الحكمة.

وعليه:

فمثلام لعلوم اللغة حظٌ في نهج البلاغة كذلك بقية العلوم، فقد طفحت بها ضفتا النهج وهي طالما تردد على أسامع الباحثين صدى قول أمير المؤمنين (عليه السلام):

ص: 7

«إنّ هاهنا - وأشار بيده إلى صدره - لعلماً جماً لو أصبت له حملة».

والدراسة التي بین أيدينا وهي اطروحة دكتوراه موسومة ب(المعجم الاقتصادي في نهج البلاغة) للباحثة سحر ناجي فاضل المشهدي ما هي إلا باب رحب أمام جملة من الحقول المعرفية التي تضمنتها فصول الدراسة وجمعتها الحياة الاقتصادية في نهج البلاغة.

ومن ثم:

يتوقف الوصول الى تلك العلوم والحقول المعرفية على أمرين:

الأول: احرازالتوفيق للتشرف بخدمة الإمام أمير المؤمنین (عليه السلام) وحصول الإذن الشريف لتلقيه جذوة من نورعلمه فيكون واحداً من أولئك الحملة.

والآخر: اغتنام التخصص وتوظيفه في خدمة النص الشريف وبه يصدق عنوان استخراج هذه العلوم العلوية.

فجزى الله الباحثة كل خير فقد بذلت جهدها وعلى الله أجرها.

والحمد لله رب العالمين

السيد نبيل الحسني الكربلائي

رئيس مؤسسة علوم نهج البلاغة

ص: 8

المُقَدّمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ قَالَ رَبِّ اشْرحْ لِی صَدْرِي ۞ وَيَسرِّ لیِ أَمْرِي ۞ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِی۞ يَفْقَهُوا قَوْلِ ۞ ﴾(1) .

صدق الله العلي العظيم

الحمدُّ لله الأول قبل الإنشاء، والآخر بعد فناء الأشياء، أحمده استتماماً لنعمته، واستعصاماً من معصيته، والصَّلاة وأتمُّ التسليم على من اصطفى من الخلق أجمعين سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.

وبعد:

فإنَّ التمعنَ في نهج البلاغة، ودراسة نصوصه هو توفيق رباني يُنعِم به اللّه على من يشاء من عباده اللُّهم فلك الحمدُ لما أنعمت عليَّ به من النظر فيه، والتفكر بمعانيه، فهو الكتاب الذي تستريح في ظلال أفنانه النفوس، وهو النور العلوي الذي مابرح واقعنا في مثل هذا اليوم بحاجة ماسة اليه. وهو الشعلة المتأججة التي تنقل في كل العصور، وإن كان صادراً عن علٍی الإمام إلاّ أنَّه فوق كلام المخلوقين، ودون كلام الخالق ؛ لأنّه صنعُ الحق وصياغة الصِّدق، فيجد فيه كل إنسان مبتغاه مهما

ص: 9


1- طه / 25 - 28

بلغت ثقافته، وعلمه، ومركزه الاجتماعي، فهو للسياسييين منهج عن الأنانيات، وللاقتصاديين دافع وواعز، وهو للتجار تربية وتوجيه، وللزارعين تعليم وتنوير، وهو نهج لأهل الدين، وأهل الدنيا، قال الجاحظ (ت 255 ه) وهو يعلق على مقولة أمير المؤمنين (عليه السلام) الشهيرة: «قيمةُ كلُّ امرىءٍ مايُسَن»: «لو لم نقفْ من هذا الكتاب إلاّ على هذه الكلمة لوجدناها شافية كافية، ومجزأة مغنية ؛ بل لوجدناها فاضلة عن الكفاية، وغير مُقصرِّة عن الغاية. وأحسنُ الكلام ماكان قليله يغنيك عن كثيره، ومعناه في ظاهر لفظه، وكان عزَّ وجَّل قد ألبسه من الجلالة، وغشاه مننورالحكمةِ على حسب نية صاحبه وتقوى قائله»(1) .

وقد قال جبران خليل جبران ويشبه قربه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم): «تلك النسخة المفردة العملاق من ذِياك الاصل، النسخة التي لم يرَ مثلها الشرق ولا الغرب صورة طبق الأصل لاقديامً ولاحديثاً»(2) .

وقد استهوى العقول والقلوب، وجامعه هو الشريف الرضي (أبو الحسن محمد بن الحسين (ت 406 ه))، وعن علة تسميته يقول الشيخ محمد عبده: «وسماه بهذا الاسم» نهج البلاغة» ولا أعلم اسما أليق بالدلالة على معناه، وليس في وسعي أن أصف هذا الكتاب بأزيد مما دلَّ عليه اسمه، ولا أن آتي بشيء في بيان مزيته فوق ما أتى به صاحب الإختيار»(3) .

لقد اخترت هذه الدراسة (ألفظ الحياة الاقتصادية في نهج البلاغة (دراسة ومعجم)، وهو موضوع يقف العقل متأملاً بين أحضان هذه الدوحة المثمرة، فتتبعت

ص: 10


1- البيان والتبيين: / 87
2- علي والحاكمون: محمد الصادقي: 8
3- شرح نهج البلاغة: مقدمة الشيخ محمد عبدة: 7

نصوص وخطب نهج البلاغة، وقرأتها بدقة، فشرعت بوضع خطة تعتمد كشف المعنى السياقي وفقا للمفردة اللغوية، فأحصيت الالفاظ الاقتصادية، وصنفت الالفاظ وفقا للترتيب الالفبائي، ثم انتظم كل لفظ تحت مبحث يجمع جزئياته، وفقا لنظرية الحقول الدلالية.

وقد تطلب البحث في الألفاظ الاقتصادية في أغلب الأحيان - اجتزاء النَص من دون إعادة تركيبه مع مستوياته الأخرى، مِّما شكَّل صعوبة تُضَاف الى البحث ؛ لسعة الألفاظ الاقتصادية في نهج البلاغة، زيادة على قلة الدراسات التطبيقية التي تشابه دراسة البحث، فأسرار نصوصه بليغة ؛ لذا اعتمدت المعنى الوظيفي الذي توخَّى مناسبة النّص وأثره الجاملي، ووصفه.

وقد اقتضت طبيعة الدراسة أن تكون في أربعة فصول يتقدمها تمهيد، وتختتمها خاتمة تبرز أهم ماتوصلت اليه الدراسة من نتائج، أما منهج البحث الداخلی، فقد اتبعت فيه منهج كتب الأمالي، إذ بدأت باللفظ الذي يتم بحثه وعدد مرات وروده، مكتفية بذكر لفظ واحد أو اثنين من الألفاظ التي تتعدد اشتقاقاتها، وصور ورود اللفظ ومعناه الحقيقي والمجازي، ثم بيان المعنى المعجمي لكل لفظ، وآراء اللغويين فيها، ودراسة وظيفة المفردة اللغوية داخل السياق العلوي، ثم مادونته كتب اللغة وما ورد من شواهد لدى العرب حول اللفظ.

فجاء الفصل الأول بعنوان (ألفاظ التِّجارة ومايتعلق بها في نهج البلاغة) وضمَّ أربعة مباحث، تناول المبحث الاول: ألفاظ البيع والشراء ومايتعلق بها وهي الألفاظ التي احتلت نصيبا وافرا من الدراسة، فشكلت الميدان الأكثر وروداً في النهج، والمبحث الثاني: ألفاظ المقادير والمكاييل والأوزان، والثالث: ألفاظ إيرادات الدولة ومايتعلق بها في النهج، وتناول المبحث الرابع ألفاظ المَّال والعملات ومايتعلق بها،

ص: 11

ولما كانت الزراعة تحتل الموضع الثاني بعد التجارة فقد أسمَّيت الفصل الثاني ب(ألفاظ الزراعة وما يتعلق بها في نهج البلاغة) فكان المبحث الأول بعنوان

(ألفاظ الأرض وتضاريسها ومايتعلق بها)، والثاني (الألفاظ التي تدلُّ على الأعامل الزراعية ومايتعلق بها في النهج)، ونظرا لسعة المبحث الثالث الذي عنوانه (ألفاظ النباتات ومايتعلق بها في نهج البلاغة فقد قُسِّم على مبحثين، الأول منه (ألفاظ البذور والحبوب ومايتعلق بها) والثاني (ألفاظ الأشجار والثِّامر والأزهار)، وكان المبحث الرابع تحت عنوان (ألفاظ وحدات قياس الأرض)، وجاء الخامس منه بعنوان (ألفاظ الطعام والغذاءومايتعلق بها في النهج).

واستكمالأ للاقتصاد الإسلامي حمل الفصل الثالث عنوان (ألفاظ الصِّناعة ومايتعلق بها في نهج البلاغة) حمل المبحث الاول تسمية: ألفاظُ المصنوع التي تُستَخدم في البيت، وأشتمل الثاني على ألفاظ المشروب والمصنوع، والثالث الفاظُ المعادنِ والحِلی والزِّينة والمجوهرات، والرابع ألفاظ عِدَّة الحرب وما يتعلق بها في النَّهْجِ.

أما الفصل الرابع وهو (الفروق اللغوية لألفاظ الاقتصاد في نهج البلاغة)، فكان مجيئه استنتاجاً واستنباطاً للتشابه بين الألفاظ الواردة في الفصول جميعها، فطبيعة دراستنا اقتضت الكشف عن العلاقات الدلالية بين هذه الألفاظ من ترادفٍ، أو عمومٍ وخصوصٍ.

واختتمت ذلك كله بخاتمة توضح أبرزُ نتائج الدِّراسة، وأردفتها بمعجم للألفاظِ الاقتصادية التي وردت في الدِّراسة مرتباً على حسب النظام الألفبائي، ومن ثم انتقلت الى المصادر والمراجع التي تصدرتها كتب المعاجم، واللغة ابتداء من معجم العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 176 ه)، وتهذيب اللغة للأزهري (ت 370)

ص: 12

ه)، ومقاييس اللغة لأحمد بن فارس (ت 395 ه)، وتاج العروس للزبيدي (ت 1205 ه)، وكتب الحديث ك(النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير(ت 606 ه)، وشروح نهج البلاغة ؛ ومنها شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد (ت 656 ه)، والبحراني (ت 679 ه)، والديباج الوضي في الكشف عن كلام الوصي (ليحيى بن حمزة الحسيني(ت 749 ه)، ومنهاج البراعة للخوئي (ت 13 24 ه)، وشرح الشيخ محمد عبده.

وجاءت الدراسة برموز منها (خ) لخطب نهج البلاغة، و(ك) للكتب.

وختاما، فإني لم أدخر وسعا في وضع هذه الاطروحة ومافيها من خلل أو زلل فإنني أعترف بالتقصير أمامه، وألتمس من إمامي وسيدي أمير المؤمنين العفو والصفح عما أبديته من تقصير وهوانٍ ؛ لكن شفيعي حسن القصد، ونيل المطلب، وخدمة لغتنا العربية وإمامها البليغ، ومن المؤكد أن أساتذتي سيجودون علّی بعلمهم لما غفل عني أو أخطأت فيه. وآخر دعوانا أنَّ الحمد لله رب العالمين والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

الباحثة

ص: 13

ص: 14

التمهيد: ملامح من الاقتصاد الإسلامي:

وجد الاقتصاديون الاسلاميون في نهج البلاغة كثيرا من الالفاظ التي تغني الاقتصاد برمته عن النظريات الاقتصادية، وبالأخْصّ كتاب الامام علی بن أبي طالب (عليه السلام) الى الصحابي مالك الأشتر (رضوان الله عليه)، إذ جمع بين طياته الوظائف الحكومية للدَّولة في الاقتصاد من (جباية الخَراج، إستصلاح الأراضي، وعمران البلاد) - وهذا ماسنراه في بحثنا هذا، ولم يقتصر الإمام

(عليه السلام) على ذلك ؛ بل قدّم لنا اقتصاداً أخلاقياً واقعياً، ينظر الى العامل النفسي والذَّاتي للعاملين عليه من (مساواة في الأخذ (فيأخذ من الغني لإشباع الفقير)، وإعفاء من الضَّريبة للمستحقين، وتعامل بالرِّفق واللّيِن، وعدم التجاوز إذا ماأبوا العَطاء(1) .

وبناءً على ذلك يتحقق مبدأ التكافل العام ؛ لأن هذه الطريقة لاتعني إستعمال القوةِ في جبايةِ المَّال من الأغنياء لكفالة الفقير ؛ وإنما أُشبع الفقير لسدِّ احتياجاته، من أجل تحقيق هذا المبدأ جاء الاقتصاد الاسلامي ؛ ليحقق رضا الله والتقرب منه(2) .

وكان الإمام (عليه السلام) أول اشتراكي في العالم، فقال لمّا عوتب على تصييره الناس أسوة في العَطاء من غيرِ تفضيلٍ إلى السَّابقات والشرَّف مردداً:

«أَتَأْمُرُونِّی أَنْ أَطْلُبَ النَّصرْ بِالَجوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ ! وَاللهِ لاَ أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَميرٌ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ

ص: 15


1- ظ: الفكر الاقتصادي في نهج البلاغة: هاشم حسين: 96
2- ظ: اقتصادنا: محمد باقر الصدر: 334

فِی السَّماَءِ نَجْماً ! لَوْ كَانَ الَمالُ لي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّماَ الَمالُ مَالُ اللهِ لَهمْ». ثمّ قال (عليه السلام): « أَلاَ وَإِنَّ إِعْطَاءَ الَمالِ فِی غَيرْ حَقِّهَ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِی الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِی الاخِرَةِ، وَيُكْرِمُهُ فِی النَّاسِ وَيُهينُهُ عِنْدَ اللهِ، وَلَم يَضَعِ امْرُؤٌ مَالَهُ فِی غَيرْ حَقِّهِ وَعِنْدَ غَيرْ أهَلِهِ إلِا حَرَمَهُ الله شُكْرَهُمْ وَكَانَ لغِيرْهِ وَدُّهُمْ، فَإنِ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ يَوْماً فَاحْتَاجَ إِلى مَعُونَتِهِمْ فَشرَ خَلِيل وَأَلاْمُ خَدِين !»(1) .

فالمَّالُ هو مال اللهِ، والناسُ عِيالٌ عليه، إلاّ ما اكتُسِبَ من كَدِّ اليمين، وعَرق الجبين، أو ورثه أحد عن أهله، وفي هذا المعنى يتحدث عباس محمود العقّاد قائلاً: «لم يعرف أحد من الخلفاء أزهد منه في لذة دنيا أو سبب دولة، وكان هو أمير المؤمنين يأكلُ الشَّعير وتطحنه إمرأته بيديها، فيقول: لا أحبُّ أن يدخلَ بطني ما لا أعلم»(2) ، فالإمام (عليه السلام) في هذا مستنير بموقف الإسلام الذي يرفض الاستغلال والمستغلين، وينصفُ الفقراءَ، فيجعلهم شركاء للأغنياء في الأموالِ.

قال تعالى: ﴿ إِنَّ الُمتَّقِينَ فِی جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۞ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهمْ إِنَّهمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحسِنِينَ ۞ كَانُوا قَلِيلا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهجَعُونَ ۞ وَبِالْسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ۞ وَفِی أَمْوَالِهمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالَمحْرُومِ۞ ﴾(3).

وفسَّرها الإمام (عليه السلام) بقوله: «فاَم جَاعَ فقيرٌ إلاَّ بِاَم مُتِّع بهِ غَنِي»(4) .

والمعنى منه: الغني الذي منع الحق عن أهله هو نفسه مَنْ سلبَ لقمة الجائع، واغتصبَ مأوى من لا مأوى له، وهو السبب المُوجب لكلِّ جريمةٍ في شرقِ الأرضِ

ص: 16


1- نهج البلاغة: خ 126 ، 130
2- عبقرية الإمام (عليه السلام): عباس محمود العقاد: 2/ 26
3- الذاريات / 15 - 19
4- نهج البلاغة: الحكم القصار: 328 ، 402

وغربها ويحدثُ بسبب البؤس والعوز، ومن هنا جاء عذاب الذين يكنزون الأموال أن تكوى بها جباههم»(1) .

أوصى الإمام (عليه السلام) بأن يعمل الإنسان في ماله، فيجعل فيه وصية بعد موته، وقال طه حسين: «كان الطامعون يجدون عنده - معاوية - مايريدون، وكان الزاهدون يجدون عند علی مايحبون»(2)..

ويرى د. محمد عمارة: « إنَّ قرار علي في العدول عن تمييز الناس في العطاء والعودة الى نظام المساواة من أخطر قراراته الثورية لأنه كان يعني إنقلاباً اجتماعياً بكلِّ ما تعنيه هذه الكلمة من دلالات كما كان ردة فعل الاغنياء وفي مقدمتهم ملا قريش وأبناؤهم - ضدَّ علی وقراره هو بداية الثورة المضادة ضد حكمه»(3) .

فكان لسياسته الاقتصادية العادلة أثرها في الجانب السياسي، وهذه السياسة الاقتصادية موضع نقد من قبل بعض الباحثين، فقال أحد الناقدين: «كان على علي أن يشتري من يستطيع شراءهم وكان عليه أن يستخدم السلطة التي حصل عليها لتوزيع بعض المكاسب والمغانم على ذوي النفوذ الذين بإمكانهم أن يدعموه في صراعه ضد معاوية. وبعد أن تستقر له الأمور وبعد فراغه من تصفيتهم، يستطيع سحب الإمتيازات والمكاسب التي منحها إليهم أثناء حاجته له»(4) . ونحن نرجح موقف الإمام في سياسته تلك ؛ لأنَّ الامام تنبأ بأنَّ هذا موضع نقد له مستقبلا.

ص: 17


1- ظ: ملامح من عبقرية الإمام (عليه السلام): مهدي محبوبة: 83
2- الفتنة الكبرى: 59
3- الفكر الاجتماعي لعلي بن ابي طالب: 22
4- المثالية والسلطة: حسنين كروم: 8

والاقتصاد على ثلاثة أنواع: (الاقتصاد الرأسمالي (ملكيته خاصة)، الاقتصاد الإشتراكي(ملكيته عامة)، والاقتصاد الإسلامي (ملكيته مزدوجة): فمن يملك حُريةُ التصرف بمالهِ يملكُ (الحرية الاقتصادية)، وهذا ما أكده الامام (عليه السلام)، فأعطى الحقَّ في التصرَّف بالمَّال ضمن الإطار الشامل، ويتميزُ الاقتصادُ الإسلامي في هيكله العام بثلاثةِ أركانٍ تميزه عن المذاهب الاقتصادية الأخرى: مبدأ الملكية المزدوجة، الحرية الاقتصادية في نطاق محدود، العدالة الاجتماعية)(1) .

إنَّ مايهمنا في بحثنا هو الاقتصاد الإسلامي ؛ لأنَّه مستمد من الشريعة الإسلامية التي سار في ضوئها الإمام (عليه السلام)، وذلك واضح في الألفاظ الاقتصادية في نهج البلاغة من تحريمه للرِّبا أو التملك الخاص، وأخذ الغنيمة (2) ، ويتفق الاقتصاد الإسلامي مع كلِّ المذاهب الاقتصادية الأخرى في ضرورة الاهتمام بالإنتاج، وتحسينه، وتمكيُن الإنسان الخليفة على الأرض من السَّيطرةِ على المزيد من نِعَم البلاد وخيراتِا ؛ لكنَّه يختلف عن المذاهب الآخر في أنه يطرحُ تنمية الإنتاج فيسعى الى تحقيقها اجتماعياً ويضعها في إطارها الحضاري، وهذا يختلف عن المذاهب الإجتماعية المادِّية في التقويم والمنهج، فالنظام الرأسمالي يسعى الى تجميع الثروة بينما الإسلام يسعى الى إيجاد وسيلة الرَّخاء، والرَفاه، وتمك ني العدالة الإجتماعية(3) ؛ ونتيجة لتوزيع الثّروة

ص: 18


1- ظ: اقتصادنا: 322
2- كثرت الآراء حول الاقتصاد الإسامي، فهناك من رأى أنه ليس في الإسام إقتصاد، والردُّ عليه: أنَّ الاسام سبق المفكرين الغربين (آدم سميث وريكاردو) في الإبداع العلمي للإقتصاد السياسي، فهؤلاء لم يفرقوا بن المذهب والعلم، فإن فرَّقوا أو عَرَّفوا الاقتصاد السياسي سيعلمون أن الاقتصاد الإسامي مذهبا وليس علا، فيشمل كل نظرية تفر واقعا من الحياة الاقتصادية بصورة منفصلة عنفكرة مسبقة او مثل أعلى للعدالة، فالعدالة هي الحد الفاصل بن (العلم والمذهب) ظ: اقتصادنا:26
3- ظ: الاسلام يقود الحياة: محمد باقر الصدر: 93

والإنتاج كان للمجتمعاتِ الرأسماليةِ حالاتُ التضَخم المُصطَنع ؛ لأنَّ الإنتاجَ يتحركُ وفقاً لمبدأي العَرض والطلب، والطلبُ لايكونُ للمستهلكِ الحقيقي بل للمُشتري، وهو أحدُ الوسطاء الذين يتفنن المُجتمع الرأسمالي في صُنعِهم ؛ لذَّا يتراكمُ الإنتاجُ وتحدثُ الأزمات، ويضطرُّ الرأسماليون الى الحفاظِ على النسبة المتساوية بين العَرض والطلبِ، أمَّا الاقتصادُ الإسلامي: فلا وجود لهذا الخَلل فيه ؛ لأنَّه يسعى الى نبذِ أدوارِ هؤلاءِ الوسطاء، ويوازنُ بين العَرض والطلب، فينجوالمنتج والمستهلك، أو القائم بأمرِ الدَّولة من حلول الأزمات أو المشاكل، فيعملُ على خلقِ علاقة بينهام (المُنتِج والمُستَهلِك)، وهذا مافعله الإمام (عليه السلام)، ففرضَ على الدَّولة مراقبةُ العملية الاقتصاديةِ، ولاسيَّما موقفه الرَّافض للغشِّ، فراقبَ الأسواق، وتجولَ بين البَّاعةِ وأوصاهم بتقوى الله في المعاملات ومقولته: «وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً:بِمَوَازِينِ عَدْل، وَأَسْعَار لاَ تُجحِفُ بِالْفَرِيقَینِ مِنَ الْبَائِعِ وَالُمبْتَاعِ»(1) فيها جانب من المراقبة الاقتصادية تلك.

والقَصْد: «استقامةُ الطريقةِ، وقَصَد يَقْصِدُ قَصْداً فهو قاصد.والقَصْدُ في المعيشةِ:ألاّ تُسرِفَ ولاتُقَترِّ»(2) .

ف « القاف والصاد والدال أصولٌ ثلاثة، يدلُّ أحدها على إتيانِ شيء وأمِّه، والآخرعلى اكتنازٍ في الشيء. فالأصل: قَضَدته قَصْداً ومَقْصَداً. ومن الباب: أقْصَدَه السَّهمُ، إذا أصابه فقُتِل مَكانه، وكأنّه قيلَ ذلك لأنّه لم يَحد عنه»(3) . وتشير معاني الاقتصاد الى أنه حالة تتوسط بين الإفراط والتقتير. ويفرِّق أبو هلال العسكري (ت

ص: 19


1- نهج البلاغة: ك 53 ، 32
2- العين (مادة قصد): 3 / 393
3- مقاييس اللغة: احمد بن فارس: 5 / 95

395 ه) بين القناعة والاقتصاد بقوله: « القصد هو ترك الإسراف والتقتير جميعاً، والقناعة الاقتصار على القليل والتقتير، ألا ترى أنه لايقال: هو قنوع إلا إذا استعمل دون مايحتاج إليه، ومقتصد لمن لا يتجاوز الحاجة، ولايقصر دونها، وترك الاقتصاد مع الغنى ذم، وترك القناعة معه ليس بذم، وذلك أن نقيض الاقتصاد الإسراف، وقيل الاقتصاد من أعمال الجوارح، لأنه نقيض الإسراف، وهو من أعامل الجوارح، والقناعة من أعمال القلوب»(1) .

فيما قسِّم الرّاغب الاصفهاني (ت 502 ه) الاقتصاد على ضربين: أحدهما:

محمودٌ على الإطلاقِ وذلك فيما له طَرفان إفراطٌ وتفريط كالجُّودِ فإنّه بين الإسرافِ والبُخلِ وكالشّجاعة فإنّا بين التهور والجُبْنِ، ونحو ذلك، وانقصد الرّمح: انكسر وتقصد تكّشر وناقة قصيد مكتنزة ممتلئة باللحم، والثاني: يُكَّنى به عما يتردد بين محمود ومذموم كالواقع بين العدل والجور والقريب والبعيد وعلى ذلك قوله:

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِم لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالَخيرْاتِ بِإِذْنِ اللِّه ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾(2) ، والقَصْد:

الاعتماد والأمُّ. وهو اتيان الشيء، تقول قصدته وقصدت له وقصدت اليه(3) .

وإلى هذا النحو من الااقتصاد أشار بقوله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَم يُسْرفُوا وَلَم يَقْترُوا وَكَانَ بَينْ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾(4) .

ص: 20


1- ظ: الفروق اللغوية: 300
2- فاطر/ 32
3- ظ: المفردات في غريب القرآن: 2 / 523 . علمًا أن الآية الواردة هي سورة فاطر / 32
4- الفرقان / 67

ومن المجازِ أن يقال: قَصَد في معيشته واقتصدَ. وقصدَ في الأمرِ: إذا لم يُجاوز فيه الحدّ ورضي بالتوسُّط، وسَهم قاصِدٌ وسِهام قواصدُ: مستوية نحو الرمِيَّة(1) .

وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِ مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْصْوَاتِ لَصَوْتُ الَحمِيرِ ﴾(2) .

وأصل» ق ص د» ومواقعها في كلام العرب الاعتزام والتوجه والنُّهود والنهوض نحو الشيء، على اعتدال كان ذلك أو جور، هذا أصله في الحقيقة، وإن كان قد يخص في بعض المواضع بقصد الاستقامة دون الميل، ويقال: القنا قِصَدٌ ؛ ورمح قَصِدٌ(3) .

والاقتصاد خلق محمود يتولد من خلقين عدل وحكمة، فبالعدل في المنع والبذل وبالحكمة يضع كل واحد منهام موضعه الذي يليق به فيتولد من بينهام الاقتصاد وهو وسط بين طرفين مذمومين كقوله تعالى: ﴿وَلا تَجعَلْ يَدَكَ مَغْلُولةَ إلِی عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحسُورًا ﴾(4) فهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وله طرفان هما ضدان له تقصير ومجاوزة، فالمقتصد اخذ بالوسط وعدل عن الطرفين. والدين كله بين هذين الطرفين، وقد تكرر لفظ الاقتصاد أربعاً وثلاثين مرةً في النَّهْج، وجاء على المعنيين الآتيين:

1) المعنى الحقيقي: ويدلٌّ على معنى الإصابةِ والإعتامد والأمُّ، فقد جاءَ الفعل الماضي منه المبني للمجهول في قوله في وصف الصَّادقين والمُحَافظين: « وَقَدْ كَانَ

ص: 21


1- ظ: أساس البلاغة: الزمخشري: 2 / 81
2- لقمان / 19
3- ظ: لسان العرب (مادة قصد): 5 / 3642
4- الإسراء / 29

يَكُونُ مِنْ رَسُول اللهِ (صلى الله عليه وآله) الْكَلاَمُ لَهُ وَجْهَانِ: فَكَلاَمٌ خَاصٌّ، وَكَلاَمٌ عَامٌّ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لاَ يَعْرِفُ مَا عَنَى اللهُ بِهِ، وَلاَ مَا عَنَى بِهِ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ، وَيُوَجِّهُهُ عَلىَ غَيرْ مَعْرِفَة بِمَعْنَاهُ، وَمَا قُصِدَ بِهِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ»(1) ، فالعلة مقتضية لصدور الكلام منه (صلّ الله عليه وآله وسلّم) وكذا الحال والمقام الذي صدر فيه(2) ، ومنه قول الإمام (عليه السلام) في فضل الإسلام: « فَهُوَ دَعَائِمُ أَسَاخَ فِی الَحقِّ أَسْنَاخَهَا، وَثَبَّتَ لَها آسَاسَهَا، وَيَنَابِيعُ غَزُرَتْ عُيُونُها، وَمَصَابِيحُ شَبَّتْ نِيرَانُها، وَمَنَارٌ اقْتَدَى بِها سُفَّارُهَا، وَأَعلاَمٌ قُصِدَ بِها فِجَاجُهَا، وَمَنَاهِلُ رَوِيَ بِها وُرَّادُهَا»(3) .

فالغرض هنا تشبيهه الإسلام والدِّين بالبيت، فإثبات الدعائم على طريقة الإستعارة المكنية التخييلية، وهذا لايتنافى مع أن الإسلام دعائم للعبودية.

وهنالك رأي آخر أنَّ المراد بالدَعائم التي يأتي تفصيلها منه في باب المختار من حكمه او العبادات الخمس (الصَّلاة، الصَّوم، الزكاة، الحَج، والوِلاية)، فمعنى:

ينابيع غزرت عيونها: تشبيه بليغ، لأنَّ الإسلامَ بما تضمنه من أحكامٍ بمنزلةِ ينابيع، ووجه الشبَّه بينهام أنَّ الينابيعَ منبع مادةُ حياةُ الأبدانِ، والأحكام الإسلامية منشأ مادة حياةِ الأرواح، ووصف المشبه به إشارة الى ملاحظة ذلك الوصف والمصابيح تشبيه بليغ، أيضا فالإسلامُ بطاعاتهِ كالمَصابيح المتوقدة النيران في غايةِ الإضاءةِ، ووجهُ الشَّبه أنَّ المصابيحَ التي وصفها ذلك كأنها ترفع الظلام المحسوس وإضافة السُّفار الى ضمير المنار من التوسع.

ص: 22


1- نهج البلاغة: خ 210 ، 239
2- ظ: منهاج البراعة: الخوئي: 14 / 32
3- نهج البلاغة: خ 198 ، 231

والأعلام التي قصد بها فجاجها أي مثل أعلام قصد بنصب تلك الاعلام إهداء المسافرين في تلك الفجاج(1) .

وجاء المصدرفي قوله: « طَعْناً فِی عُيُونِكُم، وَحَزّاً فِی حُلُوقِكُمْ، وَدَقّاً لِمناخِرِكُمْ، وَقَصْداً لِمقَاتِلِكُمْ»(2) . فقصدوا قصداً لمحالّ قتلكم تحريضاً على القتل(3) .

وجاء الفعل المزيد منه على زنة (أفْعَلَ) وذلك في قوله تنفيراً من الدنيا: « وَسِنَادٌ مَائِلٌ، حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا، وَاطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا، وَقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا، وَأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا»(4) . فأقصدت بأسهمها: قتلت مكانها من غير تأخير

2) المعنى المجازي: ويعني الاقتصاد وعدم الإسراف، وجاءَ الفعلُ المزيد منه على زنَّة (افتعل) قال (عليه السلام): «مَا عَالَ امرؤٌ اقْتَصَدَ»(5) . ومعنى: عال:

افتقر، فقد عللَ في الحكم اذا جاز فيه، وعلل اذا كثرعوله، وان مال، وأراد: ماكثر عول من اقتصد في معيشته(6)

قال الإمام (عليه السلام) لهماَّم(7) في صفة المتقين: « فَالُمتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ

ص: 23


1- ظ: منهاج البراعة: 12 / 261
2- نهج البلاغة: خ 192 ، 209
3- ظ: منهاج البراعة: 11 / 244
4- نهج البلاغة: خ 83 ، 71
5- الحكم القصار 140 ، 374
6- ظ: الديباج الوضي: يحيى بن حمزة: 5 / 2837
7- همام بن شريح بن يزيد بن مرة ينتهي نسبه الى سعد العشرة، رجل عابد سئل الامام عن صفات المتقین، وقيل (صفات الشيعة)، فتحفظ الامام بادئ الامر ثم شرحها ؛ لأنه كان يعلم أنه من أهل الموعظة والنصح، وشعوره مرهف، فصعق على أثر هذه الخطبة صعقة فارق على أثرها الحياة الدنيا

الْفَضَائِلِ: مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاقتصاد، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ. عَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَماَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْاَمعَهُمْ عَلَ الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهمْ»(1) . فلباسهم متواضعُ ليسَ بالثمينِ جداً كلباسِ المترفين، ولابالحقيرِجدا كلباس المبتذلین، فهو متوسط بين الإفراطِ والفريطِ.

وقال (عليه السلام): «كُنْ سَمَحاً وَلاَ تَكُنْ مُبَذِّراً، وَكُنْ مُقَدِّراً وَلاَ تَكُنْ مُقَتِّراً»(2) . فسياسةُ الإمامِ (عليه السلام) الاقتصادية تهدفُ الى ربطِ الحاضرِ بالماضي، وتعدُّ العِدَّة في الظروف الإستثنائيةِ في المستقبلِ، فالهدفُ من جلبِ الخَراج ؛ وضعُ العِدَّة لنوائبِ المستقبلِ، فإن لم تحتاط الدَّولة سيتبقى لها فائض من اعتمادها المَّالي فستضايقها الأزمات(3) .

وأوصى الدَّولة، أو مَن يقوم بأمرها الى أن تسعى الى عدمِ استنزاف رؤوس الأموالِ، والإهتامم بمستصلحيِّ الأرضِ والمزارعين ؛ فهم ذخرٌ للدَّولةِ، وعَنى بأمر الخَراج، وعدَّ الخَراج ركناً للإصلاح، وهدفه توزيع الأموال وإنفاقها بين المجتمع الإسلامي فأوصى عماله بإستجلاب الخَراج، اما إن شكوا ثقلاً منه، ك(العِلة أو إنقطاعِ المياه) وصايته بالتخفيفِ عليِّهم، فقدَّم (نظرية الخَراج المُعدَّل) مِقدارُ الخَراجِ المفروض على الأراضي الخَراجية يعتمدُ على تكاليفِ الإنتاجِ، والظروفُ المُحيطة بالزِّراعةِ والمُزارِعِ ؛ أي انَّ نسبةَ الخَراجِ المُستَخرجة تبقى ثابتة طالمَّا كانتْ تلكَ

ص: 24


1- نهج البلاغة: خ 193 ، 220 . وفي هذه الخطبة صفات المتقین التي تتضمن أخاق فردية واجتماعية وهي صفات الشيعة
2- الحكم القصار 33، 359
3- ظ: منهاج البراعة: 18 / 290

الظروف والتكاليف ثابتة، وتغيرُّها مع تغيرِهما، في زيادةِ التكاليفِ المُنتِجة(1) .

والزَّكاة في معناها الحقيقي تعني النّماء، تطورَ معناها عند مجيء الإسلامِ، وصارتْ تعني الفريضة المَّالية العِبادية المُتعارفة، فأصبحَ فيها إنتقال مجازي عن معناها الحقيقي، إذ تُؤخَذ من أموال المسلمين الأغنياء الموسرين التي وصلت الى قدرمحدد، ونمت خلال السنة بشروط معينة منها (البلوغ والعقل والحرية) من الأموال والأنعام والغلات والنقدين(2) .

بدأ الإمام (عليه السلام) حين مجيئه الى الكوفة بتخصيص جزء من برنامجه اليومي بتفقد شؤون المسلمين، ففيها يختلط أهل الكتاب بالمسلمين، ونهر الفرات الذي عُدَّ مكسباً للكثير من الأفراد، فتحَتَم عليه أن يتحرك بإتجاه السُّوق ليرشد الناس الى الأحكام الشرعية، وضبط المعاملات الجارية على الميزان الشرعي(3) .

ناهياً عن الاحتكار، الادِّخار، الرِّبا، الغَلاء، والأسعار المجحفة، وداعياً الى جباية واردات الدولة من (جزيةٍ، خَراجٍ، خُسٍ، زكاةٍ، غنائمٍ، وفيءٍ) ؛ لكنَّ جبايتها وِفقاً لِخلاقياتِ الشريعة السَمْحة(4) .

و (السُّوق) موضع اجتامع الناس نهاراً، فأشرفَ بنفسهِ على أمورِ البَيعِ والشِّراءِ، فنلاحظُ أنَّ الإمامَ (عليه السلام)، ولم تردْ في القران لفظةُ بيع الآخرةِ بالدُّنيا، وانما استفادها الإمام (عليه السلام) في لفظة (يَشروُن) التي تردُّ كثيرًا في هذا المعنى.

ص: 25


1- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 462 ، وظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 7 / 164
2- ظ: اوضاع الكوفة الاقتصادية في عهد الإمام (عليه السلام) علي: هاشم حسین ناصر: 55 - 56 وظ: السياسة المالية في عهد الإمام (عليه السلام): رضا صاحب أبوحمد: 101 - 104
3- ظ: التطور الدلالي بين لغة القرآن ولغة الشعر الجاهلي: عودة خليل ابو عودة: 211
4- ظ: الإمام علي (عليه السلام) في أسواق الكوفة: رسول كاظم عبد السادة: 12

والأصلُ في الزِّراعةِ تنميةُ الشيَّءِ وهو اسمٌ لِما نبتَ(1) .

استعملهُ الإمامُ (عليه السلام) للأعمالِ سَواء أكانتْ خيراً أم شراً، فشَبَّه العملُ بالزَّرعِ.

فقد كنَّى الإمام (عليه السلام) عن الخلافة بالماء الآجن فأشار بصفات مشتركة (التغير والتحول) في الطعم والمنظر، ومنه قوله: « زَرَعُوا الفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الغُرُورَ،وَحَصَدُوا الثُّبُورَ»(2) .

فجعلَ عملَ الفجورِ زَرْعاً، والألفاظ التي تتعلقُ بالأعمالِ الزراعيةِ جميعها جاءَتْ لتدلَّ على المعنى المجازي ؛ فلفظ (الحَرْث) منه قوله (عليه السلام): « إِنَّ المَالَ وَالبَنِيَن حَرْثُ الدُّنْيَا، والعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الاْخِرَةِ، وَقَدْ يَجمَعُهُاَم اللهُ لِاقْوَام، فَاحْذَرُوا مِنَ اللهِ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ»(3) ، فجعلَ حرثَ الدُّنيا (مادي) وهو المَّال والبَنُون، وقابَلهُ بحَرثِ الآخرةِ (المجازي) وهو العملُ الصَّالح، ولفظ الغَرْس، والسَّقي، والحَصَّاد، ومن الألفاظ الزِّراعية التي استعملها الإمام (عليه السلام) إستعمالا مجازيا لفظتا (العَظْلم والعَلْقم)، أمَّا (العَظلَم) فهو على زنة (فِعْلَل) وهو عِصَارةُ شَجَّر أخْضرَ(4) ، وهي صبغة معروفة أراد بها الإمام (عليه السَّلامُ) بيانُ تلونُ وُجوه أبناء أخيه عقيل بن أبي طالبٍ (عليه السلام) لِشدَة فَقرِهم، وفيه درسٌ تربويٌ للزُّهد كحياةِ الأنبياءِ والصالحينِ في قوله: « وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أمْلَقَ حَتَّى اسْتماحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ [ الشُّعُورِ، غُبرْ] الاْلْوَانِ، مِنْ

ص: 26


1- ظ: مقاييس اللغة: 3 / 50
2- نهج البلاغة: خ 2، 13
3- خ 23 ، 28
4- ظ: العين (مادة عظلم): 2 / 342

فَقْرِهِمْ، كَأَنَّماَ سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ»(1) .

وأمَّا (العَلْقَم): على زنة (فَعْلَل) فهو الحَنظل، وهو شجر شديد المرورة(2) . فقد استعاره الإمام (عليه السلام) لكلِّ أمرٍ مكروهٍ للحربٍ أو الظلم أو كظمِ الغيظِ أو الإنتقام، منها قوله في وصف العرب قبل البعثة: «وَأَغْضَيْتُ عَلىَ القَذَى، وَشَربْتُ عَلىَ الشَّجَا، وَصَبرَتُ عَلىَ أَخْذِ الكَظَمِ، وَعَلىْ أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ العَلْقَمِ»(3) ، وقوله في ذكر الملاحم: « حَتَّى تَقُومَ الَحرْبُ بِكُمْ عَلىَ سَاق، بَادِياً نَوَاجِذُهَا، ممْلُوءَةً أَخْلاَفُهَا،حُلْواً رَضَاعُهَا، عَلْقَامً عَاقِبَتُهَا»(4) .

ومَن ألفاظ الصناعة (الرَّحى) ؛ جاءنا الإمام (عليه السلام) بالمعنى الحقيقي (المادي) لها ؛ كقوله في وصفه إكراهه لأمرالخلافة وصبره عليها ثم مبايعة الناس: «أَمَا وَالله لَقَدْ تَقَمَّصَها فُلانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحِلَی مِنهَا مَحلُّی القُطْبِ مِنَ الرَّحَا»(5) .

اذ شبّه الإمام (عليه السلام) نفسه بقطب الرَّحى، وهو تشبيه بليغ، المراد منه بيان موضع الخلافة، فكام أنَّ القطب مركز الرَّحى، كموضع الإمام (عليه السلام) من الخلافة، وفيه جمع ثلاثة من أنواع التشبيه (المعقول بالمعقول، والمحسوس بالمحسوس، والمعقول بالمحسوس)(6) ، (فالمعقول بالمعقول: تشبيه محله بمحل قطب الرحا في التنظيم في الخلافة والولاية والهداية والتبليغ)، و(المحسوس بالمحسوس:

ص: 27


1- نهج البلاغة: خ 224 ، 254
2- ظ: لسان العرب (مادة علقم): 4 / 3077
3- نهج البلاغة: خ 26 ، 3
4- خ 138 ، 139
5- خ 3، 14 . وقطب الرَّحا: مسمارها الذي تدور عليه، وتسمى هذه الخطبة بالشقشقية
6- على نحو ماأشرنا إليه في الفصل الثالت: 189

تشبيه نفسه بالقطب)، و(المعقول بالمحسوس: تشبيه الخلافة بالرحى)(1) .

ولم يعثر في شروح النَّهْج من شبه أو أشار الى تشبيه يكون فيه المشبه محسوسا والمشبه به معقولا، لأن هذا النوع يحتاج الى اعمال فكر وتأويل للمتلقي.

ولفظُ (المائدةِ) جِيء به ؛ ليحملَ معنى مجازياً آخراً، وهي الدُّنيا فشبَّه الدُّنيا بالمائدة، ووجه الشبه بينهام (الشَبَع فيها قصير، وغير دائمٍ زائل بزوالِ الحياة، والجُوعُ الحقيقي فيها طويلٌ) وذلك في قوله يعظ بالسلوك الواضح: « أَيُّها النَّاسُ، لاَ تَسْتَوْحِشُوا فِی طَرِيقِ الْهدَىُ لِقِلَّةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلىَ مَائِدَة شِبَعُهَا قَصِيرٌ، وَجُوعُهَا طَوِيلٌ»(2) .

وألفاظُ المَشروبِ والمصَّنوعِ ك(الخَمر، الدَّواء، السَّم، والعَسَل) استعارها الإمام (عليه السلام) لتحقيق المعنى المجازي، فالدَّواء جاء للتقوى، والصَّدقة لداء القلوب، والسُّم الناقع جاء تشبيهاً للدُّنيا» سُلْطَانُها دُوَّلٌ، وَعَيْشُهَا رَنِقٌ، وَعَذْبُها أُجَاجٌ، وَحُلْوُهَا صَبرِ، وَغِذَاؤُهَا سِماَمٌ، وَأَسْبَابُها رِمَامٌ ! حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْت، وَصَحِيحُهَا بَعَرَضِ سُقْم! »(3) .

والعَسَّل جاء وصفاً لطعامِ أهلِ الجنةِ، ليشيرَ الى أهنأ العيش وأطيبه، وجاء وصفه في القرآن الكريم طعاما لأهلِ الجنةِ، ومنه قول الإمام (عليه السلام): « وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ، إِلَ مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ»(4) .

ص: 28


1- ظ: التأويل البياني عند شارحي نهج البلاغة حتى نهاية القرن السابع للهجرة: بحث ورد في مجلة كلية الآداب / جامعة الكوفة، أ. د. حاكم حبيب الكريطي ومحمد مهدي حسن: 62 ومابعدها
2- نهج البلاغة: خ 201 ، 233
3- خ 111، 117
4- ك 45 ، 313

أمَّا (ألفاظُ المعادنِ والحِّ يل والجَّواهر) فقد زخرَ بها النَّهْج، فاستعمال الإمام

(عليه السلام) لها مطلقاً عاماً ومقيدا خاصًا، كالمعادن مثل (الأصْدَاف، الدُّر، العُقيان، الذَّهب، التبر، الفِضَّة، اللجين، اللؤلؤ، والمرجان) والحلی ك(الأساور، التيجان، الجواهر، الحِجل، الحِلي، والقلائد) والزينة ك(الخِضَاب، الصُّبغ، الكُحل، والوسمة)(1) .

ص: 29


1- ظ: الفصل الثالث: ألفاظ الصناعة ومايتعلق بها في النَّهْج، المبحث الثالث ألفاظ المعادن والحي والزينة والمجوهرات: 202

ص: 30

أوَّلاً: الدِّراسة

الفصل الأول :ألفاظ التجارة ومايتعلق بها في نهج البلاغة

المبحث الأول: ألفاظ المقادير والمكاييل والأوزان ومايتعلق بها في نهج البلاغة.

المبحث الثاني: ألفاظ البيع والشراء ومايتعلق بها في نهج البلاغة.

المبحث الثالث: ألفاظ المال والعملات ومايتعلق بها في نهج البلاغة.

المبحث الرابع: ألفاظ ايرادات الدولة ومايتعلق بها في نهج البلاغة.

ص: 31

ص: 32

الفصل الاول :ألفاظ التجارة و مايتعلق بها في نهج البلاغة

مدخل:

تولَّ الإمامُ علُی بن أبي طالبٍ (عليه السلام) الخِلافة في عام (35 ه)، فوجدَ نفسَّه أمامَ مجتمعٍ قائمٍ على التفاوت بين الطَّبقات الاجتماعية، طبقة غنية ثرية تملك المَّال والأرض، والتِّجارة، وهم الكثرة الكاثرة من الأمويين، وطبقة وهم الأكثر يعيشون الفقر، ولاينالون من أموال الدَّولة إلاَّ النَزر اليسير.

أتى (عليه السلام) بفسلفةٍ جديدةٍ أساسها المَحبة والعَدالة والحُرية وإنصافُ المظلومين، فأوجدَ تخطيطاً اقتصاديا منظامً يقومُ على المساواة فيام أفاءَ اللهُ به على المسلمين (فالخُمسُ، الزَّكاة، الصَّدقات، والإرث) حقوقٌ معلومةٌ لابدَّ من العَدالة فيها، وأدركَ الإمامُ (عليه السلام) انَّ الحلَ الوحيد لجميع المشكلاتِ الاقتصاديةِ يكونُ في تطبيقِ أحكام الدِّين ؛ لأنَّه الطَّاقة الرُّوحية التي تُعوِضُ الإنسانَ ؛ لذلك قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الَجنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيرْ حِسَابٍ﴾(1) .

فتميزَ موقفه بالشِّدة والصَّرامة على مَن نهبَ البلاد، وأخذَ أموالً المسلمين بغيرِ ص: 33


1- المؤمن / 40

وجهِ حقٍ، فخيراتُ البلادِ تعودُ للدَّولةِ، وجميعُ مَن يقيمُ على البلادِ الإسلاميةِ.

ومِن مميزاتِ النظامِ الاقتصادي الإسلامي الذي راّه الإمام (عليه السلام)(1) .

1 - إنَّه يرتبط بالعقيدة، وهي مصدر التموين الروحي.

2 - يرتبط بمفاهيم الاسلام عن الكون والحياة ك(المفهوم الإسلامي عن الملكية الخاصة والربح لما للملكية من حق رعاية يتضمن المسؤولية

3 - مايثبته الإسلام من عواطف وأحاسيس تؤدي وظيفة مهمة في تكييف الحياة الاقتصادية

4 - الغاء رأس المال الرَبوي واعتماد التوازن الاجتماعي

5 - ترتيب أحكام الملكية الخاصة في الاقتصاد الاسلامي

6 - الارتباط بين الاقتصاد والتشريع الجنائي الإسلامي(2) .

ويعد الاقتصاد المحرك لأنشطة الحياة ؛ لذا اتسم عهد الإمام علی بن ابي طالب (عليه السلام) بالمثالية والدِّقة في التقويم العملی وفقا لمعايير صارمة وبالخصوص بالنسبة لطبقة أصحاب رؤوس الأموال(3) .

فنظامُ المَسَّاواة في العطاءِ بين الناسِ هو النظام المُتبع ؛ لأنَّ عدمَ تطبيق هذا النظام يؤدي الى ظهور تمايزٍ طبقيٍ، ويقصدُ بالعَطاءِ (نظامُ قِسمة الأموال العامة جنودًا

ص: 34


1- ظ: علم الاقتصاد في نهج البلاغة: 18
2- ظ: اقتصادنا: 296 ومابعدها
3- ظ: السياسة المالية في عهد الإمام علي (عليه السلام): 37

كانوا أم عامة(1) .

وقد شملت الأوضاع الاقتصادية في عهد الإمام (عليه السلام) مايأتي:

1 - الاستثمار: يحتاج إلى تخطيط مسبق من (تنبؤ وخطط وإسهام ورؤوس أموالمتوافرة).

2 - الاستهلاك: فهنالك فرق بين الإستهلاك والتبذير، والإسراف والبخل والتقتير، فالإستهلاك وترشيده يتم بوعي، فلا يدخل ضمن التقتير أو البخل، وبذلك فإن ترك الإسراف سيؤدي بالنتيجة الى الاقتصاد.

3 - المنافسة والاحتكار: ويتب ني ذلك بكتابه للصحابي الجليل كميل بن زياد (رضوان الله عليه) قائلاً: « يَا كُمَيْل بْن زِياد، هَلَكَ خُزَّانُ الاْمْوَالِ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالْعَلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ: أَعْيَانُهمْ مَفْقُودَةٌ، أَمْثَالُهمْ فِی الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ»(2) . ومعنى هلاكهم الاختلال في الإسلوب الإدِّخاري المُتَبَع لديهم.

4 - الإشباع: من مسببات المشكلة الاقتصادية وعدم التوازن. فظهور التضخم أو العجز ينعكس على المجتمع ويتضح ذلك في قوله (عليه السلام): « منهومان لايشبعان: طالب علم وطالب دنيا»(3) .

لقد عالج الإمام (عليه السلام) بفكره الثاقب مشاكل الاقتصاد في نهج البلاغة، ومشكلة التمايز الطبقي التي كانت سائدة في عهد عمر وعثامن، ولاسيما في عهده الى الوالي الصحابي مالك الأشتر (رضوان الله عليه) فالثورة التي أحدثها الإمام

ص: 35


1- ظ: المصدر نفسه
2- نهج البلاغة: الحكم القصار: 147 ، 375
3- الحكم القصار: 457 ، 418

(عليه السلام) لم يستوعبها غيره، فكان المنطلق الأول لجميع مبادئها، وذلك حين ولاَّه مصر، وتوزيع الإعانات لذوي الدخل المحدود من بيت مال المسلمين الذين أوصى بهم خيرا إذ قال: « ثُمَّ اللهَ اللهَ فِی الطَّبَقَةِ السُّفْلَ مِنَ الَّذِينَ لاَ حِيلَةَ لَهمْ وَالَمسَاكِين وَالْمُحْتَاجِينَ وَأَهْلِ الْبُؤْسَى وَالزَّمْنَى، فإِنَّ فِی هذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَمُعْترَّاً، وَاحْفَظْ للهمَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، وَاجْعَلْ لَهمْ قِساْمً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ، وَقِسامً مِنْ غَلاَّتِ صَوَافِ الاْسْلاَمِ فِی كُلِّ بَلَد، فإِنَّ لِلاْقْصىَ مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي لِلاْدْنَى،...»(1) .

وسيكون حديثنا في الفصل الأول (التجارة والألفاظ التي تتعلق بها في نهج البلاغة، إذ كثرت المصطلحات الاقتصادية في عهد الإمام (عليه السلام) التي تدُّل على التجارة ؛ لكننَّا في البدء سنعرض لمعنى التِّجارة (لغةً واصطلاحاً)، ومفهومها عند الإمام (عليه السلام).

ص: 36


1- ك 53 ، 324

الفصل الاول :ألفاظ التَّجِارة و مايتعلق بها في نهج البلاغة.

التِّجَارَة

تكرر لفظ التجارة في سبعة عشر موضعا من النَّهْج، وهو مبين في الجدول الآتي(1) :

اللفظ مرات تكراره وزنه

اتَّجرَ مرة افْتَعَلَ

تاجِروا مرة فاعَلوا

تِجارَة 4مرات فِعَالة

مَتْجَر،المتجر مرتان، مرتان مَفْعَل، المفعل

تاجِر مرتان فاعِل

التٌجَّار 4 مرات الفُعَّال

تُّجارَا مرة فٌعَّالا

يُستَعار لفظ التِّجارة لمعنى الاكتساب والرَّاحة في مقابل الصَبر، ويرشح بلفظ الرِّبح، فقوله (عليه السلام): « لاتجارةَ كالعَملِ الصَّالحِ ولاربحَ كالثّوابِ»(2)

هي تجارةٌ حقة لا تكسد، وكونها مُربِحة بوصفِ قصرالمدة على المكاره، وطول مدة الرّاحة، فالتّجارة هنا إنزاحت عن المعنى المركزي الى معنى مجازي لايراد بها المعاملات السُّوقية ؛ بل الفائدة، وعدم الخُ رسان، أي: الإثابة، وتحقيق صالح الأعامل.

ص: 37


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 582
2- نهج البلاغة: الحكم القصار: 113، 369

وقال الفراهيدي (ت 175 ه): « التًجْرُ والتِّجار جماعة التاجر، وقد تجر تجارة وأرْضٌ مَتْجَرة: يُتْجَرُ اليها»(1) .

وقال سيبويه (ت 180 ه): « وقالوا التجارة، والخياطة، والقصابة، وإنَّما أرادوا أن يخبروا بالصنعة التي يليها فصار بمنزلة الوكالة وكذلك السعاية، وانما أخبر بولايته كأنه جعله الأمر الذي يقوم به»(2) .

فيما عرَّف أصول حروفها أحمد بن فارس (ت 395 ه) قائلا: « التاء والجيم والراء، التجارة معروفة ويقال تاجر وتَجرٌ كما يقال صاحب وصحب»(3) . وعرفها الرَّاغب بقوله: «هي تقليب المَّال بالبيع والشرِّاء، وذلك طلبا للرِّبح»(4) ، وذهب الزمخشري (ت 538 ه) الى أنًها حرفة التاجر لانه يبيع ويشتري السلع لغرض الربح والكسب(5) .

و من المجاز قولهم: خسرت تجارته وربحت، وتجارة خاسرة ورابحة(6) .

أمَّا ابن الاثير (ت 606 ه) فنجده في معرض تفسيره للحديث النبوي الشريف:

« من يتجر فيقوم فيص يل معه» يقول: « هكذا يرويه بعضهم، وهو يفتعل من التٍجارة ؛ لأنَّه يشترى بعمله الثواب، ولايكون من الاجر على هذه الرواية، لان الهمزة

ص: 38


1- العين (مادة تجر): 6 / 91
2- الكتاب: 4 / 11
3- مقاييس اللغة: 1/ 341
4- المفردات في غريب القران: 94
5- ظ: أساس البلاغة: 1 / 246
6- ظ: الكشاف: 1 / 188

لاتدغم في التاء ؛ وانما يقال فيه يأتجر»(1) .

وعرَّفها القرطبي (ت 671 ه) قائلا: « التجارة نوعان تقلب المال في الحضر، من غير نقاة ولاسفر. وهذا تربص واحتكار، وقد رغب فيه اولوا الاقدار، وقد زهد فيه ذوو الاحظار»(2) .

و ابن منظور (ت 711 ه) وصفها على زنة (فِعَالة) صيغة مصدرية لاحظ العلماء دلالتها على الحرفة والصنعة، والتجارة: هي طلب الربح من خلال شراء السلع والامتعة وبيعها أي هي عملية تبادل الاموال بالسلع(3) .

وقال الطريحي (ت 1085 ه): « التجارة بالكشر هي انتقال شيء مملوك من شخص الى اخر بعوض مقدر»(4) .

أما التهانوي (ت 11 91 ه) فوصفها بمبادلة مال بمال مثل ثمن وجب بالشراء أو باستحقاق المبيع بعد التسليم للمشتري، وهي التصرف في رأس المال طلبا للربح يقال: تجَر يَتْجُرُ وتاجر وتَجر(5) .

وقد وردت في كلام الإمام (عليه السلام) للدّلالة على نوعين من أنواع التّجارة:

1) المعنى الحقيقي: هي عملية البيع والشِّراء المعروفة. فجاءت في كلام الإمام (عليه السلام) مفردة (اتَّجرَ)، فجاء على زنة (افْتعَلَ) الدالة على الكَسْب والاجتهاد والعمل

ص: 39


1- النهاية في غريب الحديث والأثر: 104
2- الجامع لاحكام القران: 5 / 151
3- ظ: لسان العرب (مادة تجر): 1 / 420
4- مجمع البحرين: الطريحي: 3 / 144
5- ظ: كشاف اصطلاحات الفنون: 381

في التّجارة، وذلك في قوله (عليه السلام): «مَنِ اتَّجرَ بِغَيْر فِقْه ارْتَطَمَ فِی الرِّبَا»(1) .

و التِّجارة والتَّجر بمعنى واحد، لأنّ مسائل الرِّبا مشتبهة بمسائل البَيع، ولايفرق بينهما إلاّ الفقيه، حتى العظماء من الفقهاء اشتبه عليهم الأمر(2) .

وجاء اسم الفاعل من (تَجر) معَّرفا ب(ال) وهو: التّاّجر، إذ ورد قوله في الكتاب السابق نفسه: « وَلِكُلِّ أَمْر عَاقِبَةٌ، سَوْفَ يَأْتيِكَ مَا قُدِّرَ لَكَ، التَّاجِرُ مُخاطِرٌ»(3) .

إذ خصّ الإمام (عليه السلام) هنا التّاجر بالذِّكر، ولم يجعل الصيغة منّكرة لتدلّ على العموم ؛ لأنّه يتعجل بإخراج الثّمن ولايعلم أيعود أم لا ؟ فهو مخاطر لايأمن أن يكون بعض تلك السيئات تحبط أعماله الصالحة، ولايأمن أن يكون بعض أعماله الصالحة يكفر تلك السيئات، ومبتغى الكلام أنه لايجوز للمكلف أن يفعل إلاّ الطّاّعة أو المباح(4) .

لذا نجد الإمام (عليه السلام) قد عرَّف هذه الصيغة ب(ال)، إذ خصّ مجموعة معينة من التجار.

وجاءَ الجمع منه على زنة (فُعَّال) جمع كثرة من اسم الفاعل (تاجر) معرًفا ب(ال)، وهذا الوزن دلً على التكثير والمبالغة في التجارة، إذ لم يطلق هذا الجمع على من تاجروا بتجارة واحدة ؛ بل لمن كًثُر منهم ذلك، فصّارت التِّجارة حرفة لهم، لأنّ

ص: 40


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 447 ، 417
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 20 / 86
3- نهج البلاغة: ك 31، 300
4- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 16 / 81

هذا الجمع يُطلَق لتكثير القيام بالفعل لا لتكثير العدد(1)

وقال في خطابه إلى الصحابي مالك الأشْترَ (عليهام السلام): « وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ لاَ يَصْلُحُ بَعْضُهَا إلاَّ بِبَعْض، وَلاَ غِنَى بِبَعْضِهَا عَنْ بَعْض: فَمِنْهَا جُنُودُ اللهِ، مِنْهَا كُتَّابُ الْعَامَّةِ وَالْخاصَّةِ، وَمِنْهَا قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَمِنهَا عُمَّلُ الاْنْصَافِ وَالرِّفْقِ، وَمِنْهَا أَهْلُ الِجزْيَةِ وَالْخراجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ»(2) ، فقسَّم الرَّعية على طبقاتٍ منهم: الجنود، والكتَّاب، والقُضَاة، والعُاَّمل، وأربابُ الجِّزية من أهلِ الذِّمة، وأربابُ الخّراج من المسلمين، ومنهم التّجار، ومنهم أرباب الصِّناعات، وذوو الحَاجة والمسكنة، والخَراج الذي يُصرَف للجُندِ والقُضاة والعُمَّل والكُّتاب ولابدَّ لهؤلاءِ جميعاً من التّجار ؛ لأنّ البيع والشراء لاغناءَ عنه(3) .

وقال: « وَلاَ قِوَامَ لَهمْ جَميعاً إِلاَّ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، فِيَام يَجتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ مَرَافِقِهِمْ، وَيُقِيمُونَهُ مِنْ أَسْوَاقِهِمْ، وَيَكْفُونَهمْ مِنَ التَّرفُّقِ بِأَيْدِيهِمْ ممّا لاَ يَبْلُغُهُ رِفْقُ غَيْرهِمْ»(4) ، ويعني ب(ولا قوام لهم جميعاً) أي: (الجنود والقضاة والرعية)، ثم استوصى بهم قائلاً (يامالك): « ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهمْ خَيرْاً: الُمقِيمِ مِنْهُمْ، وَالُمضْطَرِبِ بِمَالِهِ، وَالُمتَرفِّقِ بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهمْ مَوَادُّ الَمنَافِعِ، وَأَسْبَابُ الَمرَافِقِ، وَجُلاَّبُها مِنَ الَمباعِدِ وَالَمطَارِحِ، فِی بَرِّكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ...»(5) ، فأوصَّ بهم ؛ لأنَّم دعامة من دعائم الاقتصادِ.

ص: 41


1- ظ: معاني الابنية في العربية: فاضل صالح السامرائي: 130
2- نهج البلاغة: ك 53 ، 324
3- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 17 / 40
4- نهج البلاغة: ك 53 ، 324
5- المصدر نفسه

وجاءَ المصدرُ على زنة (فِعَالة) وهذه الصِّيغة تدلُّ على حرفةِ وصنعة التِّجارة،وقد جاءتْ مُنَّكرة في الآية التي استشهد بها: « رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ(1) ، فأدرَكوا أنّ الدُّنيا إلى زوالٍ، وأنّ الآخرة لِمن قدمتْ يداه من الخيرِ، فسَعَوا سَعيه لاتلهيهم عنه تجارة ولا بيع(2) .

2) المعنى المجازي: لا يُرَاد بها التعاملات التجارية في السوق ك(الرِّبح والخَسارة) ؛ بل المراد بها الرّبح المجازي المتحصل بالثواب، والأعمال الصالحة سواء أكانت الدنيوية منها أم الأخروية. فجاء الفعل الماضي المزيد

(تَاجَرَ) على زنة (فَاعَل) متصلاً بواو الجماعة، وتدلُّ صيغته على المتجارة الحادثة والمستمرة للدلالة الفعلية ؛ لأنّ الصيغة الفعلية تدلُّ على الحدوث والتجدد، وقد وردت مرة واحدة في قول الإمام (عليه السلام): «إِذَا أَمْلَقْتُمْ فَتَاجرِوا اللهَ بِالصَّدَقَةِ»(3) . تعدى الفعل (تاجروا) الى لفظ الجلالة من دون واسطة لقصد السرعة والمبادرة في التجارة مع الله. والمراد: تصّدَقوا، فانَّ اللهَ يخلق لكم أضعافاً من ذلك بام يزيل عنكم الإملاق(4) . فالإنسان طوّاع لشهوته فهو عبد الدنيا وتاجر الغرور لامحالة، ولمّا كانت المنايا تطالبه بالرَّحيل عن هذه الدار كان غريما له يقتضيه ما لابد له من أدائه(5) . فتجارتهُ لها غرورٍ، وغفلةٍ عن المكاسب الحقيقية الباقية، واستعارَ لفظ (التَّاجر) بوظيفة بذله لماله وأعماله في شر الدنيا على وهم انها هي المطالب الحقة المربحة(6) .

ص: 42


1- النور / 37 ونهج البلاغة: خ 222 ، 251
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 4 / 460
3- نهج البلاغة: الحكم القصار: 258 ، 387
4- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: ك 11، 43
5- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 5 / 5
6- ظ: نهج البلاغة: خ 1، 12

وجاء اسم المكان على زنة (مَفْعل) مُعَرَّفا ب (ال)، وهو مَتْجِر وردَ ليدلَ علىمكانِ فعلِ التِّجارة: وهو مكانُ لخزنِ البضائعِ، يُقال: أرْضٌ مُتْجَرَة: يتجر منها، وقد وردَ في النَّهْج في أربعة مواضعٍ منها قوله (عليه السلام) في ذكرِ الحَجِ: «يُحرِزُونَ الاْرْبَاحَ فِی مَتْجَرِعِبَادَتِهِ، وَيَتَبَادَرُونَ عِنْدَهُ مَوْعِدَ مَغْفِرَتِهِ»(1) ، ف(الأرباحُ) هنا هي الثواب، فقيامهم بالعبادةِ في هذه المواقفِ الشريفةِ تجارةٌ للآخرةِ ولامحالةَ هي مشتملة على المنفعةِ والرِّبح فلا ينبغي أن يفوتَا العاقلُ(2) .

ومنها حديثه عن جَور الزَّمان إذ قسَّمَ الناس على أربعة أصنافٍ ذكر المسيئين منهم قائلاً: «فَالنَّاسُ عَلَ أَرْبَعَةِ أَصْنَاف مِنْهُمْ مَنْ لاَ يَمْنَعُهُ الفَسَادَ في الاْرْضِ إِلاَّ مَهَانَةُ نَفْسِهِ، وَكَلَالَةُ حَدِّه... وَلَبِئْسَ المَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِّما لَكَ عِنْدَ اللهِ عِوَضا»(3) .

وقد ذمَّ الإمامُ (عليه السلام) هنا الدُّنيا، وإن كانَتْ مَتجَر خيرٍ فهو يمدحها، كما في قوله في حديثه عن (الدُّنيا) « إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْق لِمنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَة لِمنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنىً لِمنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَة لِمنْ اتَّعَظَ بِها، مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللهِ، وَمُصَلىَّ مَلاَئِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ الله، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ الله، اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الَجنَّة»(4) .

ومن مدحِه لها قال الإمام (عليه السَّلام) في وصفِ (المتق ني والدُّنيا): « ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الُمبَلِّغِ، وَالَمتْجَرِ الرَّابِحِ»(5) .

ص: 43


1- ظ: منهاج البراعة: 2 / 201
2- ظ: الديباج الوضي: 1 / 382
3- نهج البلاغة: الحكم القصار: 131، 373
4- ك 27 ، 285
5- خ 108 ، 110

وجاءَ الجمعُ من مادة (أتجَرَ) مجموعاً جمع تكسير ؛ ليدلّ على الكَثرة على زنة (فُعَّال) مُنكَّراً مرة واحدة في النَّهْج، وذلك في قوله في خطب الملاحمِ، إذ تحدثَ عن فتنةِ بني أميةٍ قائلاً: «مَا لي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلاَ أَرْوَاح، وَأَرْوَاحاً بِلاَ أَشْبَاح، وَنُسَّاكاً بِلاَ صَلاَح، وَتُّجاراً بِلاَ أَرْبَاح»(1) . وكلامه (عليه السلام) منفياً هنا ب(لا) المعترضة ؛ لِيدلَّ على قساوةِ هؤلاء، وخلوهِم من كلِّ خلقٍ يَمُتُّ للإنسانيةِ بشيءٍ. ومنها قوله: (عليه السلام): «إِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ رَهْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَإِنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللهَ شُكْراً فَتِلْكَ عِبَادَةُ الاْحْرَارِ»(2)

فقد قسَّم (عليه السلام) العِباد على ثلاثةِ أقسامٍ، قسمٌ للرَّغبة في الحصولِ على منفعةٍ، وهذه عبادة تشبه حالةُ التَّاجر الذي يبتغي الرِّبح في تجارةٍ، وآخرون يعبدونَ خوفاً، ولو لم يخافوا لَما عبدوه، وحالتهم هذهِ كحالةِ العبد الذي يخافُ من سيِّدهِ فيطيعه، أمَّا العبادة الحقيقية فهي العبادةُ المبنية على أنَّ الله (سبحانه وتعالى) يستحقُ العبادةِ سواءٌ أنعمَ أم لم يُنعِم.

وفي قوله (عليه السلام) في وصفه للمتقين: «صَبِروا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرهَا لَهمْ رَبُّهم»(3) .

وفي إعراب (تجارة) وجهان: الرّفع على أنَّها خبر لمبتدأ محذوفٍ تقديره (تجارتُم تجارةٌ مربحة)، أو النصب على المصدرية: أي اتجروا تجارةً، والمُربِحة ذاتُ الرّبح(4) . ويرجِحُّ البحثُ الوجهُ الأولِ.

ص: 44


1- الحكم القصار: 237 ، 385
2- المصدر نفسه
3- نهج البلاغة: خ 193 ، 221
4- ظ: الديباج الوضي: 4 / 1579

المبحثُ الأول: ألفاظ المقادير والمكاييل والأوزان ومايتعلق بها في نهج البلاغة

1) الثِّقَل:

تكرر هذا اللفظ في تسعٍ وثلاثين موضعاً من النَّهْج، وهو موضح في الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

ثَقُلَ مرة فَعُل

ثَقُلَت 3مرات فَعُلَت

تثاقلتم مرة تَفَاعَلْتُم

يَثْقُلُ مرتان يَفْعُلُ

يَثْقُلْنَ مرة يَفْعُلْنَ

يثقلا مرة يفعلا

تَثْقِلهم مرة تَفْعِلهم

تثاقلوا مرة تفاعلوا

الثقل 8 مرات الفعل

ثِقْلاً مرة فِعْلاً

ثقله مرة فعله

تثاقل مرة تفاعل

ص: 45


1- المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1509

استثقال مرة استفعال

استثقالا مرة استفعالا

الاثقال مرتان الأفعال

الثقال مرة الفعال

الثقيل 5 مرات الفعيل

المثقل مرتان المفعل

المستثقل مرة المستفعل

أثقل 3 مرات أفعل

مثقال مرة مفعال

ليدل على:

1) الثِقَلُ الحقيقي (المادي): ويعني المَتاع الثقيل، كقوله في الخطب المشتملة على الملاحم: «لَكَأَنِّ أَنْظُرُ إِلَی ضِلِّيل قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ، وَفَحَصَ بِرَايَاتِهَ فِی ضَوَاحِي كُوفَانَ، فإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ، وَثَقُلَتْ فِی الاْرْضِ وَطْأَتُهُ، عَضَّتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِها، وَمَاجَتِ الَحرْبُ بِأَمْوَاجِهَا، وَبَدَا مِنَ الاْيامِ كُلُوحُهَا، وَمِنَ اللَّيَالِ كُدُوحُهَا»(1) .

فشبه معاوية وقيل الفتنة وقيل عبد الملك بن مروان بحيوان يعض بأنيابه، والفتنة لاتعض وهو كناية عن (شدة الجور والظلم) أي ضجت من عنفه وجبروته(2) .

وقيل أن الضليل: هو السفياني الدّجال، وثقل الوطأة كناية عن شدة بأسه في

ص: 46


1- نهج البلاغة: خ 101 ، 102
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 390

الأرض على الناس(1) .

وجاء (مِثْقال) على زنة (مِفْعال) الآلة التي يُقاس بها، في قوله لما أراده الناس على البيعة عند مقتل عثمان: »عَالِم السِّر مِنْ ضَماَئِرِ الُمضْمِرِينَ، وَنَجْوَى الُمتَخَافِتِينَ،....وَحِسِّ كُلِّ حَرَكَة، وَرَجْعِ كُلِّ كَلِمَة، وَتَحرِيكِ كُلِّ شَفَة، وَمُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَة، وَمِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّة»(2) .

قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيرْا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَّرا يَرَهُ﴾(3)

ومما يخطئ فيه العامة قولهم للدِّينار: مِثقاَل، وإنَّما المِثْقال وزن كلِّ شيءٍ(4) .

والمِثْقال في الأصل مقدارٌ من الوزن أي شيء كان قليلاًأم كثيراً، وتجمع المصادرعلى أنَّ المِثقَالَ هو وزن الدِّينار الذَهبي الذي كان عربُ الجاهلية والعصر النبوي يتداولونه(5) .

وجاء الجمع على زنة (أفْعَال) وهو وزن جمع القلة في ذكر المَلاحِم قائلاً:

«أَيُّها النَّاسُ، أَلْقُوا هذِهِ الاْزِمَّةَ الَّتِي تَحمِلُ ظُهُورُهَا الاَثْقَالَ مِنْ أيْدِيكُمْ»(6) .

قال المجلسی (رحمه الله): أي القوا من ايديكم أزمة الاراء الفاسدة والأعامل

ص: 47


1- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 11 - 12
2- نهج البلاغة: خ 91 ، 94
3- الزلزلة / 7 - 8
4- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 7 / 25
5- ظ: ألفاظ المقادير في العربية: 12 ، 68
6- نهج البلاغة: خ 187 ، 200

الكاسدة التي هي كالنُّوق والمراكب في محل التبعات» وهي أثقال الذنوب والخطايا.ويعني ب(الأزمة) الفتنة، والأثْقال: كناية عن النهي عن إرتكاب القبح ومايوجب الإثم والعقاب(1) .

وشَبَّه الفتن بالإبل ؛ فالظهور (الإبل)، والقاء الأزمة ترك أعامل القبيح، ووجه الشبه بينهما (الثقل الذي كان عليه أصحابه من غدرٍ ومخامرةِ عدوٍ عليه).

والثًقَلُ: رجحان الثقيل. والثًقَل: مَتَاع المسافر وحشمه، وجمعه: أثْقَال.

والأثقال: الآثام، والمِثقال: وزن معلوم قدره. ومِثقَال الشيَّء: ميزانه مِن مِثله(2) .

وتدلُّ هذه المادة على مِقدارٍ من الوزن، أي شيء كان من قليل أو كثير، فمعنى مثقالُ ذرةٍ: وزن ذرةٍ. والنَّاس يطلقونه في العُرْفِ على الدِّينار خاصة، وليس كذلك.ومثقالُ الشيَّء في اللغة: ميزانه من مثله، وجمعه مثاقيل، ويُطْلَق على الذَّهب الذي صار زنةه بالمَثاقيِل، وقيل: المثقال وزن قدَره دِرْهَمٌ وثلاثة أسْبَاع الدِّرهم(3) .

والثًقَلُ: نقيض الخفًة. الثًقَلُ: مصدر الثًقيل، تقول: ثقل الشيء ثِقَلا وثقالة، فهو ثقيل، والثِّقْلُ: الحِمْل الثقيل وجمعه أثقال(4) .

قال الرَّاغب: « الثٍقَلُ والخِفًةَ متقابلان فكل ما يترجح به أو يُقَدًر به يُقَال هو ثقيل وأصله في الأجسام ثم يقال في المعاني نحو: أثقله الغُرْم والوزر(5) .

ص: 48


1- ظ: منهاج البراعة: 10 / 123
2- ظ: العين (مادة ثقل): 5 / 136
3- ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 125
4- ظ: لسان العرب (مادة ثقل): 1 / 493
5- المفردات في غريب القران: 1 / 103

وثَقلُ الشيَّء ثِقلا، وثقل الحمل على ظهره، وأثقله الحَمْلُ، ورَجُلٌ مُثقَل، حَمل فوقَ طاقتهِ، وحَملتْ الدَّابة ثقلها، والدَّوَاب أثقالها أي أحمالها(1) .

2) الصَّاع:

ورد هذا اللفظ مرتين في النَّهْج(2) ، وهو موضح في الجدول الآتي:

اللفظ مرات وروده وزنه

صَاعاً مرة فعَلاً

صَاعها مرة فعلها

ليدلُّ على المعنى الحقيقي وهو مقدار من الوزن معَّین، ولم يرد حاملاً للمعنى المجازي. وأصله صَوْعَ، لِتَحَرُك الواو وإنفتاح ماقبلها قُلبت الواو ألفا: ص َ / وَ / ع قلبت الواو الفا ص َ-/ ع َ- إعلال بالقلب، منها قوله (عليه السلام) في كلام يتبرأ فيه من الظلم ويصِّف العَدالة: «والله لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أمْلَقَ حَتَّى اسْتماحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً»(3) ، ومعنى إستماحني: إستعطاني، والصَّاع: مقدارمن الحنطة. وفيه بيان لعدالة الإمام (عليه السلام) ونفي الظلم عنه. وجاءت (صاعا) مفعولا به وتقدمت شبه الجملة جوازا ؛ للتوكيد، و(من بركم) عليه والأصل

(حتى استماحني صاعا من بركم)، وقد أضاف الصَّاع اليهم ؛ لأنَّه حقٌ لهم، والمُراد به (الزَّكاة وسائرالأموال المُحَرم أخذها على بني هاشم كالصَّدَقَات، والكَفَّارات، من

ص: 49


1- ظ: أساس البلاغة: 1 / 110 - 111
2- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1051
3- نهج البلاغة: خ 224 ، 254

الأموال المصْروفة في الفقراءِ(1) ، ومراده التنبيه على غاية توخي الإمام (عليه السلام) للعدل للمحافظة على بيت مال المسلمين.

ومنها قوله في خطبة الملاحم في وصف فتنة بني أمية: «رَايَةُ ضَلاَلة قَدْ قَامَتْ عَلَی قُطْبِهَا، وَتَفرَّقَتْ بِشُعَبِهَا، تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا، وَتَخبِطُكُمْ بِبَاعِهَا»(2) .

ف(راية ضلالة: خبر لمبتدأ محذوف، وتعرككم جملة فعلية صفة أوحال من

(قامت) لراية(3) . فالشبه بین (فتنة بني أمية) و(راية ضلال) ووجه الشبه بينهما

(الإستيلاء والإحاطة).

والصَّاع مكيالٌ يأخذ أربعة أمدادٍ، وهي من بنات الواو(4) .

قال ابن فارس: « الصاد والواو والع ني اصل صحيح، وله بابان: احدهما يدل على تفرق وتصدع، والاخر اناء،.....الصاع والصٌواع، وهو إناء يرشب به. وقد يكونُ مكيال من المكاييل صَاعَا، وهو من ذات الواو، وسُمِّى صَاعا لأنَّه يدور بالمَكَيِل»(5) .

قال تعالى: ﴿ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الَملِكِ وَلِمن جَاء بِهِ حِملُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾(6) ،ويبدو أن الواو فيه جاء لمناسبة الضمة على الصاد.

ص: 50


1- ظ: الديباج الوضي: 4 / 1812
2- نهج البلاغة: خ 108 ، 110
3- ظ: منهاج البراعة: 7 / 244
4- ظ: العين (مادة صوع): 2 / 199
5- مقاييس اللغة: 3 / 321
6- يوسف / 72

و صاع الشجاع أقرانه والرَّاعي ماشيته يصوع: جاءهم من نواحيهم، والرَّاعي يصوع إبله إذا فرقها في المَرعى، وإنصاع القوم ذهبوا سراعا، والصَّاع: مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد، يذكر ويؤنث، وأصواع جمع مثل أثواب، وإن شئت ابدلت من الواو المُضمومة همزة وأصواع وصِيعان. والصٌواع كالصَّاع(1) .

فالصَاع والصِّواع، بالكسروالضم الذي يُكَال به وتدور عليه أحكام المسلمين، وقريء بهن، (ويؤنث، وهوأربعة أمداد، كلُّ مُدٍ رطل وثلث، فالصَّاع ثمانية أرطال. وقيل الصَّاع المُطمَئِن من الأرض. وصِعْتُه، أصْوُعه صَوْعا: كِلتُه بالصَّاع، يقال: هذا طعام يُصَاع: أي يُكَال. وصِعْتُ الشيءَ: فرقته(2) .

وجمع الصَّاع أصوع، وإن شئت همزته والصَواع لغة فيه، ويقال: هو إناء يشرب فيه(3) .

3) الكَيْلُ:

وردت هذه الصيغة مرتین في كلام الإمام (عليه السلام)(4) ، ولم تأتِ للدَّلالة على المعنى الحقيقي ؛ بل المجازي، قصّد به الإمام (عليه السلام) الذَّم. ويبدو في تعريف الكَيْل أنَّه يدلُّ على عملية الإكتيال المأخوذة بشيءٍ مع ني قد يكون مِكْيالا أو مايشبهه.

ص: 51


1- ظ: القاموس المحيط: 3 / 59
2- ظ: لسان العرب (مادة صوع): 4 / 2526
3- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 11 / 189
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1391

اللفظ مرات وروده وزنه

تَكِيلُكُم مرة تَفْعَلُكم

كَيْلاً مرة فَعْلَا

إستعمل الإمام (عليه السلام) مفردة (الكيل) للدلالة على الذم سواء عند أهل العراق أو عند بني امية، أي أنَّه لم يرد عملية الإكتيال المعروفة، أو الإناء الذي يُحمَل فيه الطَّعام ؛ لذا قلَّستعماله لهذه المفردة وذلك واضح في موضعين فقط، إذ جاء الفعل المضارعمتصلاً بجماعة الغائب ني في قوله (عليه السلام) وذلك في حديثه عن فتنة بني أمية قائلا: » رَايَةُ ضَلاَلة قَدْ قَامَتْ عَلىَ قُطْبِهَا، وَتَفرَّقَتْ بِشُعَبِهَا، تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا، وَتَخبِطُكُمْ بِبَاعِهَا»(1) .

ف(تكيلُ) بصيغة المضارع جرياً على الأصل ؛ لكون المُخْبرِ به من الأمور المستقبلية، وهوإستعارة بالكناية، ومراده أنَّا تأخذكم للإهلاك زمرةً زمرة، كالكَّيال يأخذ مايكيلُ جملةً جملةً، أو يقهركم أربابها على الدخول في أمرهم، ويتلاعبون بكم ككَّيالُ البرُّ به إذا كاله بصَّاعِه، أو تكيلُ لكم بصاعِها على حذف اللام(2) . وجملة (تخبطكم بباعها) معطوفة على جملة (تكيلكم بصاعها).

وجاء المصدر (كَيْلاً) في خطبة له في ذم أهل العراق والتعجب من حالهم قائلاً: « كَلاَّ وَاللهِ، ولكِنَّهَا لَهجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا، وَلَم تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَيْلُمِّهِ، كَيْلاً بِغَيْر

ص: 52


1- نهج البلاغة: خ 108 ، 110
2- ظ: منهاج البراعة: 7 / 244 وظ: الديباج الوضي: 2 / 860

ثَمَن ! لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِین»(1) .

تعجب بالصيغة غير القياسية، وكَيْلا: يعني مَكَيلا ؛ وأنتصب على كونه تمييزاً. إذ أقسم أمير المؤمنین أنَّه لم يأتِإليهم اختيارا، لكنَّ المقادير ساقته إليهم سَوْقا، وإضطرارا. وصدق الإمام (عليه السلام) ؛ لأنَّه لولا يوم الجمل لم يحتج إلى الخروج من المدينة إلى العراق، وإنَّما إستنجد بأهل الكوفة على أهل البصرة إضطرارا إليَّهم؛ لأنَّه لم يكن جيشه الحجازي(2) ، فالضمير في (أمِّه) يرجع فيه إلى المكذب له فيكون تعجباً من: قوة جهلهم ؛ إستعدادا لمقاتلتهم، أو إدِّعاءً عليهم: أي عذّبه الله، وقاتله، أو إنه راجع الى نفس العلم، فيكون وارداً مقام الإستجادة، والإستعظام، فإنِّ أكيلُ العلم لهم كَيلا بلاثمنٍ لو وجدتُ حَامِلا له(3) . والويل للتعجب، وقيل: ويل مفردة، ولأمه مفردة كلمة توجع وتفجع، فحذفت الهمزة من (أمه) وألقيت حركتها على اللام فقيل (ويلْمه) ونصب مابعدها على التمييز.

و المِكْيال: مايُكَال به واكتلت من فلان، واكتلت عليه(4) .

والكيلُ في الأصلِ مصدرٌ يُشربُ فيه معنى المِكْيال أيضا مُباَلغَة، ومصدر كال الطعام كًيْلا وتِكاَلا ومَكيلا، واكتاله بمعنى. والاسم الكِيلة(5) .

قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ۞ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلىَ النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۞وَإِذَا

ص: 53


1- نهج البلاغة: خ 71 ، 59
2- ظ: الديباج الوضي: 2 / 533 وظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 6 / 101
3- ظ: منهاج البراعة: 5 / 151
4- ظ: لسان العرب: مادة (كيل): 5 / 3968
5- ظ: العين (مادة كيل): 5 / 406

كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخسرِونَ﴾(1) ، فيحثُّ فيه على تحري العدل في كلِّ ماوقع فيهمن أخذٍ وعطاءٍ. وقال تعالى:﴿ وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾(2) ، مقدار حمل بعير، والكَيل أيضا: الظرف الذي يُكتال به، وبمعناه المكيال والمِكيل والمكيلة(3) .

4) الوزن:

تكررت هذه المادة عشرمرات النَّهْج، كما هو موضح في الجدول الآتي:(4)

اللفظ مرات وروده وزنه

وَزَنَ مرة فَعَل

تَزِنُوا مرة تَفِعلوا

مِيزَان مرتان مِفْعال

مَيزَاناً مرتان مِفْعالاً

مَوازِين مرة مَفَاعَيل

مَوَازِينه مرة مَفَاعَيله

مُتَوازنين مرة مُتفَاعلين

متوازيين مرة متفاعلين

ص: 54


1- المطففين / 1 - 3
2- يوسف / 65
3- ظ: بصائر ذوي التمييز في لطائف كتاب الله العزيز: الدامغاني: 4 / 404
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1575 - 1576

وقد ورد المصدر (وزن) في كلام الإمام (عليه السلام) ليدلُّ على معنيين:

1) المعنى الحقيقي (المادي): جاء مرةً واحدة في عهده للصحابي مالك الأشتر (رضوان الله عليه)، لمَّا وَلَّه مصر قائلا له: «وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينَ عَدْل،وَأَسْعَار لاَ تُجحِفُ بِالْفَرِيقَینْ مِنَ الْبَائِعِ وَالُمبْتَاعِ»(1) ، (بموازين عدلً) جار ومجرور متعلق ب(بيْعَاً)، وعطف (أسعار) على (موازين) ومِن: بيانية، فلا بدَّ من تعي ني السِّعر العادل ؛ لئلاّ يكون السّوق تحت سيطرة أرباب رؤوس الأموال واحتكاراتهم الرأسمالية(2) .

2) المعنى المجازي: وتعني العدالة تكرر في كلام الإمام (عليه السلام) وخطبه في اكثر من موضع ويعني به ميزان الأعامل أو القيمة أوالقدرأو العدل، فمجيء الفعل الماضي من مادة (وزن) مبنيا للمجهول مرة واحدة في النَّهْج.

فوزن على زنة (فَعَلَ) ومضارعه (يَزِن) أصله يَوزَن، على زنة (يَفْعل) وقعت الواو بیین ياءٍ مفتوحة وك رسة، فحذفت ي َ و/ زِ / ن ُ (يَفْعِلُ) تحذف الواو ي َ / ز ِ / ن ُ إعلال بالحذف، ويعني به هنا حذف حرف العلة: يَزِنُ: مضارع زنة: فالأصلُ فيه يَوزِن على زنة (يَفْعِلُ)، إذ جاءت الواو بعد ياء المضارع، فحذفت للتخفيف، فصار (يَزِنُ) على زنة (يَعِلُ) يَ وُ زِ ن: يَ فُ عِ ل، فوقعت الواو وهي فاء الكلمة بعد ياء المضارعة المفتوحة وعينه مكسورة ؛ لذا حذفت. يَ زِ ن (يَعِل).

ووردت في خطبة للإمام (عليه السلام) بعد إنصرافه من صِفِینِّ بَيَّن فيها حال الناس قبل البعثة وصفة آل النبي فقال: « أحْمدُهُ اسْتِتْماماً لِنِعْمَتِهِ، وَاسْتِسْلاَماً لِعِزَّتِهِ،

ص: 55


1- نهج البلاغة: ك 53 ، 329
2- ظ: منهاج البراعة: 20 / 231

واسْتِعْصَاماً مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَسْتَعِينُهُ فَاقَةً إِلى كِفَايَتِهِ، إِنَّهُ لاَ يَضِلُّ مَنْ هَدَاهُ، وَلا يَئِلُمَنْ عَادَاهُ، وَلا يَفْتَقِرُ مَنْ كَفَاهُ ; فَإِنَّهُ أَرْجَحُ ما وزن، وَأَفْضَلُ مَا خُزِنَ»(1) ، ف(أرجح وأفضل) كلاهما إسما تفضيلٍ، وجاء الترصيع بالسجع بين (نعمته، عزته، معصيته، كفايته)، (هداه، عاداه، كفاه) و(وزن، خُزِنَ). وقد اسند الفعل

(وزن) الى ضميرمستتر والحكم من إستتاره الجواز، من الأعامل الصالحة في ميزان الخيرات. أي أفضل ما خبأه الانسان ليوم حاجته. والضمير راجع الى الحمد المستفاد من احمده او الى الله سبحانه فيكون معناه: أرجح ماوزن بميزان الأعامل، وأفضل ماخُزِن وادَّخر ليوم الجزاء ؛ لعظم فوائده وكثرة ثمراته، أو يرجع إلى الله. والمعنى: أنَّه أرجح ماوزن بميزان العقول وأفضل ماخُزِن بخِزانةِ القلوب، وهذا أقرب لفظا، ف(الوزن والخزن) من صفات الأجسام، وذاته مقدسة عن ذلك، وعليه ؛ فالمراد رجحان عرفانه في ميزان العقل ؛ إذ لايُزنة عرفانه عرفان ماعداه، بل لا يخطر ببال العارف عند الاخلاص سواه حتى يصدق هناك موازنته يقال فيها أرجح(2) ، وكلمة (تَزِنُ) حدث فيها إبدال فاء الافتعال تاءً: اذا وقعت فاء الإفتعال واو كما في (اتًزَن) ابدلت الواو تاء، وادغمت في تاء الافتعال، فالأصل (إوتزن): وقعت تاء الافتعال واواً فأبدلت تاءً وادغمت في تاء الإفتعال.

وفي خطبة له (عليه السلام) تشتمل على قدم الخالق وعظم مخلوقاته قائلا:

«عِبَادَ اللهِ، زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزنوا، وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحاسَبُوا»(3) ف(تُوزنوا واتُحاسَبُوا) أسندا إلى الف الإثن ني ويريد: راقبوا أنفسكم بالمحافظة في

ص: 56


1- نهج البلاغة: خ 2، 12
2- ظ: منهاج البراعة: 8 / 215
3- نهج البلاغة: خ 90 ، 81

الأعمال، والقيام بالواجبات في الدُّنيا محافظة الوزن قبل أن تُوزن أعمالكم في القيامة، والمُراد بالوزن في الدنيا إعتبارالأعامل وضبطها بميزان العَدل، وأما الوزن في الآخرة فهو العَدل(1) .

وجاء (ميزان) على زنة (مِفْعال) وهو إسم للآلة، وهذه الصيغة بحثها العلماءعند تعرضهم للإعلال ك(ميراث وميقات وميعاد)، إذ قلبت الواو ياء قال سيبويه:«فمن ذلك قولهم: المِيزان، والمِيعاد ؛ وإنَّما كرهوا ذلك كما كرهوا الواو مع الياء في ليًة، وسيد ونحوهما، وترك الواو في مِوْزان أثقل»(2) .

وقد عَلَلَّ سيبويه قلب الواو الساكنة ياءً ؛ إذا انكسر ماقبلها بالكراهة أيضا قائلاً: «وإنّما كرهوا الواو مع الياء في ليَّة وسيِّد ونحوهما وكام يكرهون الضمة بعد الكسرة حتى أنَّه ليس في الكلام أن يكسروا أول حرف ويضموا الثاني نحو فِعٌل»(3)

وحَملَ قلب الياء واوا على هذا، قائِلاً: « فان اسكنتها وقلبها ضمة قلبتها واوا كما قلبت الواو ياء في ميزان»(4) ، وقد رفض المحدثون ماقاله سيبويه، فالأصل في (ميزان وميعاد) مِوْزَان ومِوْعَاد(5) .

مِيزان: على زنة (مِفْعال) أصله (مِوْزان) قلبت الواو ياءا ؛ لسكونها وإنكسار ماقبلها حدث فيها إعلال بالقلب (م ِ و/ زَ- ن) تقلب الواو ياءً(م ِِ / زََ ن) وقد

ص: 57


1- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 6 / 307
2- الكتاب: 4 / 335
3- المصدر نفسه
4- المصدر نفسه
5- الإعلال والإبدال بين النظرية والتطبيق: 260

عارض أبو علی الفارسي (ت 377 ه) ماذهب إليه سيبويه بقوله: «:» الياء وهي تبدل من الواو إذا كانت فاءا أو عينا أو لاما، فابدالها من الواو فاءا نحو ميقات وميعاد وهو من الوقت والوعد » أي انه يرى ماحدث في مِيزان من قبيل الإبدال»(1) ..

وهذا ما يرفضه الدرس الصوتي الحديث لأنَّ العربَ لا تلفظ الكسرة وبعدها ضمة أو واو، فام حدث في ميزان هو إعلال بالقلب.

ويصرح المحدثون ومنهم د. سمية المنصور أنَّ هذا التغير الذي طرأ جاء على وفق قانون المماثلة ؛ لتجاور الأصوات مع بعضها(2) .

قال (عليه السلام) في خطبته التي بين فيها مواعظا للناس قائلا فيها: «وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَريكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، شَهَادَتَيْن تُصْعِدَانِ الْقَوْلَ، وَتَرْفَعَانِ الْعَمَلَ، لاَيَخفُّ مِيزَانٌ تُوضَعَانِ فِيهِ، وَلاَ يَثْقُلُ مِيزَانٌ تُرْفَعَانِ مِنُهُ»(3) .

فالثِّقل هنا: قول الشهادتين والعمل الصالح، وكونهما صادرتين من صميم القلب واليقین فحينئذ تصعدان الكلمات الطيبات، فلهما أثرهما في ثقل الميزان ورفعه(4) .

فالميزان هنا لايراد منه الآلة المعروفة، وإنَّما قصد منه معنى العدل، والإنصاف، والإستقامة(5) ، وجاء الجمع على زِنَة (مَفَاعيل) وهي من صيغ منتهى الجموع(6) .

ص: 58


1- التكملة: تح: كاظم بحر المرجان: 571
2- ظ: الإعلال والإبدال في الكلمة العربية: شعبان صلاح: 15 ، 26
3- نهج البلاغة: خ 114 ، 119
4- ظ: منهاج البراعة: 8 / 50
5- ظ: البنية المصدرية في نهج البلاغة (رسالة ماجستير): وسام جمعة لفتة: 129
6- ظ: جامع الدروس العربية: مصطفى الغلاييني: 2 / 36

وبهذا فإنَّ هذه الصيغة دَلَت على المبالغة وتعدد الميزان لأنَّ لكلِّ فردٍ موازين كثيرة.

و الوزن: «ثقل شئ بشئ مثله، كأوزان الدًراهم، ويقال: وزن الشيء اذا قدره، وزنة ثمر النخل اذا خرصه». ووزنت الشيء فاتّزن (وزن يَزِن وزنا). والمِيْزَان ما وزنت به»(1) .

أو هو «ثقل شيء بشيء مثله كأوزان الدراهم، وزن الشَّء وزناً وزِنَة»(2) .

أو روز الثقل والخفة، والمثقال جمعه: أوزان، فالزنة هو المثقال وجمعه: أوزان(3) .

ص: 59


1- ظ: العين (مادة وزن): 7 / 386
2- لسان العرب (مادة وزن): 6 / 4828
3- ظ: القاموس المحيط: 4 / 243

المبحث الثاني:ألفاظُ البَيعِ والشِّراء ومايتعلقُّ بها في نهجِ البلاغةِ

1) الإحْتِكَارُ:

ورد هذا اللفظ ثلاث مرات في النهج، كما هو مبين في الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

حُكْرَة مرة فُعْلَة

الإحْتِكاَر مرة الإفْتِعَال

احْتِكاَرَا مرة افْتِعَالا

ليدلَّ على المعنى الحقيقي وهو حبس السِّلعة الى حین غلائها، فتحذيرُ الإمام

(عليه السلام) من الاحتكارِ نابع من الجانب العم يل فهو إذ يحذِّر ولاته، وأركان دولته من هذا المَرض فيوصي بعهدهِ المعروف إلى الصحابي الأشتر النخعي (رضوان الله عليه) قائلاً: « وَاعْلَمْ مَعَ ذلِكَ أَنَّ فِی كَثِير مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً، وَشُحّاً قَبِيحاً، وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ، وَتَحكُّامً فِی الْبِيَاعَاتِ، وَذلِكَ بَابُ مَضرَة لِلْعَامَّةِ، وَعَيْبٌ عَلىَ الْوُلاَةِ، فَامْنَعْ مِنَ الاْحْتِكَارِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) مَنَعَ مِنْهُ. وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينِ عَدْل، وَأَسْعَار لاَ تُجحِفُ بِالْفَرِيقَ نْيِ مِنَ الْبَائِعِ وَالُمبْتَاعِ،

ص: 60


1- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 709

فَمَنْ قَارَفَ حُكْرَةً بَعْدَ نَهيِكَ إِيَّاهُ فَنَكِّلْ وَعَاقِبْ فِی غَيرْ إِسْراف»(1) .

بدأ الإمام (عليه السلام) كلامه بالمديح والثناء على التُّجار، ثم استأنفَ كلامه بفعل الأمر (اعْلَم) وبعدها اعتراضاً ب(مع ذلك)، وجاءَ بأوصافٍ تُعَدُّ بابَم رضةٍ وعيبٍ على الوِلاةِ (الضيقُ الفاحشُ، الشحُّ القبيحُ، إحتكارُ المنافعِ، تحكمُ البياعاتِ)، أمَّا (احتكاراً) جاء معطوفا على إسم (أنَّ) والتقدير: (أنً ضيقاً فاحشاً، وشحَّاً قبيحا، وإحتكاراً للمنافع في كثيرٍ منهم) وتقدم خبر (انً) في كثيرٍ منهم على اسمها ضيقاً فاحشاً جوازاً، والغرضُ من التقديم التوكيد، و(حُكْرةً) مصدرا للمَرَّة على زنة (فُعْلَة) مفعولا به منصوبا وعامله الفعل (قارفَ)، كما وردت مجرورة بحرف الجر (مِنْ) معرفة ب(ال)، ومسبوقة بفعل الأمر(امنع) في قوله: (فامنع من الاحتكار) ؛ لتدلَّ على منع الإحتكار سواء أكان قليلاً أم كثيراً في كل الحالات منعاً باتاً، فتحدث إلى واليه عن التٌجار ودورهم في الاقتصاد، وأوصاه بهم، وهذا المنع الحاسم من الإمام (عليه السلام) للاحتكار يعني حرص الإسلام على تحصيل الرِّبحِ الذي يقوم على الثَّمن المصطنع تخلقه ظروفاً للاحتكار الرأسمالي(2) .

و(قارف حُكْرة): واقعها، وأمره أن يؤدي ذلك من غير اسراف، وذلك أنه دون المعاصي التي تُوجب الحدود، فغاية أمره من التعزيز الإهانة والمنع، فالاحْتِكار مُحرَّمٌ نَصَّا وإجماعا، إذ تحدث إلى واليه عن التٌجار ودورهم في الاقتصاد، وأوصاه بهم ولايختص بنوع معین ؛ بل يعمُّ كلّ مايضْطَرُ إليه الناس، والحاَكِمُ يُجبرِ المُحْتَكِر أن يعرض السِّلعة في الأسواق(3) .

ص: 61


1- نهج البلاغة: ك 53 ، 329
2- ظ: الاسلام يقود الحياة: 105
3- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 17 / 66

ولايحلّ له التَّسعير إلاً لضرورة المجتمع ومصلحته، وللوقاية من استغلال البًائع وجشعه، ويعني الحرص على تحصيل الرِّبح الذي يقوم على الثًمن المحلل، والمَنع من الثًمن المصطنع الذي تخلقه ظروف الاحتكار الرأسمالي.

و الحَكْرُ: «الظلم في النقص وسوء المعاشرة. وفلان يحكِرُ فلانا: أدخلَ عليه مشقة ومضرة في معاشرته ومعايشته. وفلان يَحكِرُ فلانا حَكْرا. والحكر: ما احتكرت من طعام ونحوه مما يؤكل، ومعناه: الجمع، والفعل: احتكر وصاحبه محتكر ينتظر باحتباسه، الغلاء»(1) .

قال ابن فارس: «الحاء والكاف والراء أصلُ واحد، وهو الحَبْس»(2) .

والَحكْرُ: ادَّخار الطَّعام للتَربُصِ، وصاحِبُه مُحتَكر، وحَبْسَ الشيَّء وادًخره، ويقال: احْتَكر الشيَّء إذا حَبَسَه إلى حین غَلائِهِ(3) .

وصَّرحَ ابنُ سيده بأنً الاحتكار جمع الطعام ونحوه ممّا يُؤكل وإحتباسه انتظارا لوقت الغلاء به(4) . ومن الناحية الفقهية هو: «حبسُ السِّلعةِ والامتناع عن بيعِها لانتظار زيادة القيمة مع حاجة المسلمين إليِّها، وعدم وجود الباذلِ لها»(5)

أو اشتراءُ قوتُ البشر، والبهائم، وغير ذلك من السلع، ثم حبسها للمتاجرة

ص: 62


1- ظ: العين (مادة حكر): 3 / 61 - 62
2- مقاييس اللغة: 2 / 92
3- ظ: لسان العرب (مادة شرى): 2 / 949
4- ظ: المحكم والمحيط الاعظم: ابن سيدة: 2 / 59
5- منهاج الصالحين: ابو القاسم الخوئي: 2 / 3

بها وقت الغلاء(1) .

وعرف ابن ابي الحديد (الاحتكار) بأنه: » إبتياع الغلات في أيَّامِ رخصها، وادِّخارها في المخازن إلى أيام الغلاء والقحط»(2).

ويُعَد من الأمراض الاقتصادية والإجتماعية الخطرة التي لها انعكاساتها السيئة على المجتمع ؛ لذا شرع الاسلام منعه وتحريمه وبشدة على كافة الاصعدة النظرية والعملية الدنيوية والاخروية.

2) الادِّخَار:

ورد هذا اللفظ خمسَ مرات في النَّهْج، كما يتضح في الجدول الآتي(3) .

اللفظ مرات وروده وزنه

ادَّخَرَ مرة افْتَعَلَ

ادَّخَرْت مرة إفْتَعَلْتُ

تَدَّخِروا مرة تَفَّتعِلوا

نَدَّخِرُها مرة نفَّتَعِلها

الادِّخار مرة الافتعال

ودلَّ على معنيين:

1) المعنى الحقيقي (المادي): ورد في كلام الإمام (عليه السلام) على زنة

(إفْتَعَلَ)

ص: 63


1- ظ: معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء: 38
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 17 / 66
3- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 788

هذه الصِّيغة تدلُّ على طلب الشيَّء بالجهد والعمل، والمعاناة، والمبالغة في إحداث الفعل، والتحايل في إيقاعه، وعليه فالفعل (إدَّخَرّ) فيه مبالغة، وإخفاء الأمر عین أعین الناس، وولاة الأمور، وإعامل الجهد في الإكثار من المادة المُدَخَرة، فضلاً عن دلالة صوت الخاء الذي يدلّ على الإمتلاء والكَثرة، فلفظة (ادَّخَر) فيها كثرة، وجهد، وتحايل، وإخفاء للأمر، ودلالة الخاء، ودلالة التشْدِيد في (إدّخَر)، ومافيه من زيادة على الحدث.

وقد جاء الفعل الماضي من مادة (دَخَر) مرة واحدة، وذلك في كتاب الإمام

(عليه السلام) للقاضي شريح قائلاً له: «وَمَنْ بَنَى وَشَيَّدَ، وَزَخْرَفَ وَنَجَّدَ، وَادَّخَرَ واعْتَقَد»(1) .

والمراد بالإعتقاد إدِّخار المَّال لمجرد الكنز والتكديس، فكلّ مَن بنى جِدارًا من حرام، واكتسب دِرْهَما من غير حلٍ، قام حجاباً بينه وبین الموت(2). وعلى وفق قانون (المماثلة الرجعية التقدمية) (3) ف(ادِّخَار) حدث فيها تغير. فالأصل فيه

(ذّخّرّ) على زنة (فَعَلَ)، واذْتَخرَ على زنة (إفْتَعَلَ).

ص: 64


1- نهج البلاغة: ك 3، 271
2- ظ: في ظال نهج البلاغة: 5 / 34 ، وظ: شرح المفصَّل: ابن يعيش: 10 / 392 ، وظ: شذا العرف في فن الرف: الحماوي: 193
3- المماثلة: نوع من أنواع الإدغام، وفيه تحول الفونيات المخالفة الى متماثلة جزئياً أو كليِّأ عند تجاور الأصوات في كلمة تطرأ عليها تعديات تكيفية ليزداد مع مجاورتها قربها في الصفات والمخارج ؛ لتحقيق الإنسجام الصوتي، فان أثر الاول في الثاني فهو (تأثر مقبل تقدمي) وان أثر الثاني في الاول فهو (تأثر مدبر رجعي). فسلكت هذه اللفظة أكثر من مرحلة في تغيرها الصوتي، لأنه عند اجتاع صوتان متجاوران اولها مجهور والثاني مهموس، يتأثر ثانيها بأولها، وفقا لقانون المماثل المتقدم. ظ الاصوات اللغوية: ابراهيم انيس: 181

اذتخار (افتعال) اذدخار ذ + ت ذ + د مجهور مهموس (مماثلة رجعية) / مجهور مجهور اذتخار ادِّخار قلبت فاء (إفْتَعَلَ) ذال فأثرت الدال في الذال وهي مماثلة مدبرة رجعية ذ (رخو) + د (شديد) د (شديد) + د (شديد) والمصدر منه معَرَّفا ب(ال) ورد معطوفاً على الجمع مجرورا: « أَلاَ لاَ ذَا وَلاَ ذَاكَ ! أَوْ مَنْهُوماً بِالَّلذَّةِ، سَلِسَ الْقِيَادِ للشَّهْوَةِ، أَوْ مُغْرَماً بِالَجمْعِ وَالاْدِّخَارِ»(1) .

فللشهوات تأثيرها السلبي في الاقتصاد في ضوء سبل الإنفاق المنحرف.

و صيغة الفعل الماضي المتصل بتاء الفاعل وردت مرة واحدة في قوله: « فَوَاللهِمَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تبرْاً، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِ ثَوْبِ طمِرا»(2).

فهو قادرعلى جمع المَّال، والذي بین يديه يوزعه على المحتاجین، ولا ادَّخر منه لنفسی وأه يل قليلا ولا كثيرا(3) .

2) المعنى المجازي: ورد في كلام الإمام (عليه السلام) الفعل المضارع المتصل بواو الجماعة، مرة واحدة، وذلك في كتاب الإمام (عليه السلام) إلى عماله على الخَراج

ص: 65


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 147 ، 375
2- نهج البلاغة: ك 45 ، 312
3- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 5 / 317

قائلاً: « وَلاَ تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً »(1) ، تناصحوا بالحق، وتواصوا بالتقوى(2) .

وجاء الفعل المضارع (ندَّخرُ) مسندا الى جماعة الغائبین ورد مرة واحدة في قوله (عليه السلام): « وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، شَهَادَةً مُمتَحَناً إِخْلاَصُهَا، مُعْتَقَداً مُصَاصُهَا، نَتَمَسَّكُ بها أَبَداً ما أَبْقانَا، وَنَدَّخِرُهَا لِاهَاوِيلِ مَا يَلْقَانَا»(3) .

لكنَّ (إدّخَرَ) أقوى في الاستعمال من (إذَّخَر) وهذا مانجده في النَّهْج، وهذا ماإختاره العربي فقد إستعمل الدَّال ولم يستعمل الذال ؛ لقرب مخرج الدَّال من الخاء، في حین أنَّ الذال أبعد مخرجًا من الخاء، وهذا مادعا لسان العرب الى النطق بأقصر قفزة، فصعوبة الخاء باجتماعها مع الذال، أمَّا الدَّال أسهل منه.

ومن الملاحظ في المعجامت اللغوية أنّ معنى اللفظة (الذّل)، إذْ يقول ابن فارس: « الدَّال والخاء والراء أصلٌ يدلٌ على الذٌل. يُقال دَخَر الرًجل، وهو داخر، ذا ذَلً. وأدْخرَه غيره: أذلًه»(4) .

ويقال: مَرّ صَاغِرا داخِرا. وأدخره الله. وتقول: الأوّل فاخر والآخر داخِر(5) .

3) الانْفَاق:ورد في كلام الإمام (عليه السلام) عشرة مرات في النّ

ص: 66


1- نهج البلاغة: ك 51 ، 319
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 5 / 317
3- نهج البلاغة: خ 2، 12
4- مقاييس اللغة: 2 / 333
5- ظ: أساس البلاغة: 1 / 281

اللفظ مرات وروده وزنه

أنْفقَه مرة أفْعَله

يُنْفِقُ مرتان يُفْعِلُ

يُنْفِقُوا مرة يُفْعِلوا

أنْفِقُوا مرة افْعِلوا

نفقةً، النفقة مرتان فعلةً

الإنْفاق مرة الإفْعال

أنفقَ مرتان أفْعلَ

ليدُلُّ على معنيين:

1) المعنى الحقيقي: عكس الكساد أي الرواج ولم يرد في النهج.

2) المعنى المجازي: إذ جاء الفعل الماضي متصلاً بجماعة الغائب ني مرة واحدة، وذلك في قوله (عليه السلام): «طُوبَى لِمنْ ذَلَّ فِی نَفْسِهِ، وَطَابَ كَسْبُهُ، وَصَلَحَتْ سَريرَتُهُ، وَحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ، وَأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِه»(1) وفيه مدح لمن أنفق بماله، ودلالته الزمنية على الماضي.

وجاء متصلاً بهاء الغائب قال(عليه السلام): « إِنَّ أَعْظَمَ الَحسرَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسرْةُ رَجُل كَسَبَ مَالاً فِی غَيرْ طَاعَةِ اللهِ، فَوَرَّثَهُ رَجُلاً فَأنْفَقَهُ فِی طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ، فَدَخَلَ بِهِ الَجنَّةَ، وَدَخَلَ الاْوَّلُ بِهِ النَّارَ.»(2) فاتصل الفعل بالفاء العاطفة التي تفيد

ص: 67


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 123 ، 371
2- الحكم القصار: 429 ، 415

التعقيب وتدلُّ على السرعة، لتشير الى قصر عمر الانسان، أي كسب المال لرجل معین في غير الطاعة يعقبه تحصيل الإرث من قبل رجل آخر، ثم إنفاقه في سبيل الله فالمنفق سيدخل الجنة.

وورد الفعل المضارع منه مجرداً على زنة (يُفعل)، وذلك في قوله: « فَإِنَّهُ يَقُومُ بِذلِكَ الَحسنُ بْنُ علّی، يأْكُلُ مِنْهُ بِالْعْروفِ، وَيُنْفِقُ مِنْهُ فِی المَعْروفِ، فَإِنْ حَدَثَ بِحَسَن حَدَثٌ وَحُسَینْ حَيٌّ، قَامَ بِالاْمْرِ بَعْدَهُ، وَأَصْدَرَهُ مَصْدَرَهُ....»(1) . على ذوي الحاجات بما يسدها من غير تجاوز(2) .

واتصل بواو الجماعة في قوله: « قَدْ أَعَدُّوا لِكُلِّ حَقٍّ بَاطِلاً، وَلِكُلِّ قَائِم مَائِلاً، وَلِكُلِّ حَيّ قَاتِلاً، وَلِكُلِّ بَاب مِفْتَاحاً، وَلِكُلِّ لَيْل مِصْبَاحا يَتَوَصَّلُونَ إِلَ الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ، وَيُنَفِّقوا بِهِ أَعْلاَقَهُم»(3)

فيتوسلون الى الحياة الدنيا وزينتها باظهار الزهد فيها، واليأس منها، والرغبة في الاخرة وحدها كذبا ورياء. وورد المصدر (نَفَقَة) على زنة (فَعَلَة) وهو مصدر المرة مرتین ؛ تارةً مُعَرًفًاً ب(ال) ومُنًكَرًاً تارة اخرى، وذلك في وصفه (اهل الدنيا) قائلاً: « وَلاَ يَرَوْنَ نَفَقَةً مَغْرَماً، وَلاَ شَیءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِّما قَرَّبَهمْ مِنْ مَنْزِلِهمْ»(4) .

فإستعمل الإمام (عليه السلام) (التمثيل) لبيان حال من عرف الدنيا وخبرَّ صروفها، فعمل للآخرة كان من يسافر من منزل لآخر خصيب لايهمه مايلقى من

ص: 68


1- ك 24 ، 282
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 4 / 271
3- نهج البلاغة: خ 194 ، 224
4- ك 31، 296

مشقة، فعبرَّ بالمنزل الجديب عن الدُّنيا، والمنزل الخصيب عن الآخرة مجازا، بوصف علاقة الملازمة ؛ لأنً من شأن الدُّنيا الإنقضاء والآخرة الخَصْبُ والنًماَء(1) .

وجاء المصدر منه على زنة (إفْعال) مُعَرَّفَاً ب(ال) قال (عليه السلام): « يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيرْ مِنَ الَمالِ: الْعِلْمُ يَحرُسُكَ وَأَنْتَ تَحرُسُ المَالَ، وَالَمالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُوعَلىَ الاْنْفَاقِ»(2) .

و صيغة اسم التفضيل على زنة (أفْعَلَ)، التي تدلُّ على شيئين إشتركا في صفةٍ واحدةٍ، وزاد أحدهما على الآخر فيها، قال (عليه السلام): « لَيْسَ فِيهمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الكِتَابِ إِذَا تُلَی حَقَّ تِلاَوَتِهِ، وَلاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً وَلاَ أَغْلىَ ثَمَناً مِنَ الكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ»(3) .

فجاء (أبور وأنفق واغْلى) على زنة (أفْعَل) وهي اسامء تفضيل، وسُبِقَ أغلى بلا النافية الزائدة. ويدلُّ على أنً (السًلعة والكتاب) إشتركا في البيع والأكثر والأوفر بيعاً هوالكتاب إذا كان به تحريفاً فهم يُعْرَضُون عند تلاوة الكتاب، وإظهار أحكامه، ويؤّولون بتأويلات وأكاذيب والتخييلات الباطلة مِمَّن يوافق اّراءَهم وقلوبَم، فالدين عنهم هو المصلحة(4) .

فالأصل في المعنى أن يُقال: نَفَقَت الدَّابًةُ تنفٌقٌ نٌفٌوقا، ماتًتْ، ونفق السِّعْر يَنْفُقُ

ص: 69


1- ظ: الأثر القراني في نهج البلاغة: عباس الفحام: 153
2- نهج البلاغة: الحكم القصار 147 ، 375
3- خ 17 ، 25 وخ 147 ، 145
4- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 321

نَفاقا: غذا كَثُر مُشترَوه. والنًفَقَة: ماانفَقْتَ واستَنْفَقْتَ على العِيال ونَفْسَك(1) .

ف «النون والفاء والقاف أصلان صحيحان، يدلُّ أحدهما على انقطاع شيء وذهابه، والآخر على إخفاء شيء وإغماضه، ومتى حصل الكلام فيهما تقاربا.

فالاول: نفقت الدابة نفوقا: ماتت. ونفق السِّعر نفاقاً، وذلك أنه يمضي فلا يكسد ولايقف. وانفقوا: نفقت سوقهم. والنفقة لأنها تمضى لوجهها،... وأنفق الرجل:

افتقر، أي ذهب ماعنده»(2) .

ونفق البيع نفاقا: راج. ونفقت السلعة تنفق نَفاقا، بالفتح: غَلَت ورغب فيها، وأنفقها هو ونَفًقها(3) .

ونَفَقَ الشيَّء مضىَ ونفدَ، يُنْفَقُ إمَّا بالبيع نحو: نفق البيع نفاقا، ومنه نفاق الأيم، ونفق القوم إذا نفق سوقهم، وإمّا بالموت نحو: نفقت الدّابة نفوقا، وإمّا بالفناء، نحو: نفقت الدَّراهم تنفق وأنْفقتُها، والإنفاق قد يكون في المّال وفي غيره. وقد يكون واجبا او تطوعا(4) .

والانفاق اسم إسلامي، لم تعرفه العرب بمعناه المخصوص، وهو الذي يستر كفره ويُظْهِر إيمانه، يقال: نافق ينافق منافقة ونفاقا، وفي الحديث: « المُنْفِقُ سلعته بالحلف كَاذِب » المنّفًق بالتشديد: من النفاق هو ضد الكَسَاد(5) .

ص: 70


1- ظ: العين (مادة نفق): 5 / 179
2- مقاييس اللغة: 5 / 454
3- ظ: لسان العرب: (مادة نفق): 6 / 4507
4- ظ: المفردات في غريب القرآن: 2 / 650
5- ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 934

4) البِضَاعَة:

ورد هذا اللفظ ثلاث مرات في النَّهْج، كما هو مبين في الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

بَضْعَة مرتان فَعْلَة

بَضَائِع مرة فَعَائِل

لتدل على المعنى المجازي، فلم ترد حاملة لمعنى البِضَاعَة الحقيقية، فقد جاء الجمع منه على زنة (فَعَائِل) وهي صيغة منتهى الجموع، في وصية قائلا: « وَإِيَّاكَ وَالاتِّكَالَ عَلىَ الُمنَى، فَإِنَّها بَضَائِعُ النَّوْكَى»(2) .

والمُنْيَة: ما يتمناه الشخص لنفسه ويعلل نفسه، باحتامل الوصول إليه والبضَائِع:

خبر (إنً) مضافة إلى (النّوكَى)، شبَّه الاتّكال على المنى ببضائع النوكى، ووجه الشبه بينهام عدم الفائدة، إستعارالإمام (عليه السلام) لفظ البضائع للمنى ؛ لأنّ الأحمق يحصل منها على لذة خيالية من أموره المتمناة، كما يحصل عن البضائع الرّبح.

والبَضْعَةُ: القُطْعَة، وهي الهَ رْبَة، والبِضَاعَة: ماأبضعت للبيع كائنا ماكان، ومنه الإبضاع والابتضاع(3) .

قال ابن فارس: « الباء والضاد والعین أصول ثلاثة: الأول الطائفة من الشيء عضوا او غيره، والثاني بقعة، والثالث ان يشفى شيء بكلام او غيره،.... ومما

ص: 71


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 529
2- نهج البلاغة: ك 31، 300
3- ظ: العين (مادة بضع): 1 / 285

هو محمول على القياس الأول بضاعة التّاجر من ماله طائفة منه.،.. ومنه قولهم:

(كمستبضع التمر إلى هجر) يُضرْب مثلا لمن ينقل الشيء إلى من هو أعرف به وأقدر عليه، وجمع البِضاعة بضَاعات وبَضَائِع»(1) .

قال تعال ﴿وَلَّما فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَكَيْلٌ يَسِيرٌ﴾(2)

و أبضعته: إذا جعلته بضاعة له، واستبضعت إذا جعلته بضاعة لك(3) .

والبِضَاعَة: طائفة من مالك تبعثها للتّجارة، وأبضعه البضاعة: أعطاه اياها.

والبِضَاعة قطعة وافرة من المال تُقتَنى للتّجارة يقال: أبضع بضاعة وابتضعها(4) .

5) البَيِع:

ورد هذا اللفظ في سبعة وعشرين موضعا من النَّهْج ؛ وهو مبین في الجدول الآتي:(5)

اللفظ مرات وروده وزنه

بَاعَ 3 مرات فَعلَ

ص: 72


1- مقاييس اللغة: 5 / 454
2- يوسف / 65
3- ظ: اساس البلاغة: 1 / 64
4- ظ: المفردات في غريب القرآن: 64
5- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 955

بَاعُوا مرة فَعلُوا

ابْتعَت مرتان افتعت

يَبيَع مرتان يَفعَل

يَبِيعُك مرة يفعلك

تَبِعْ مرة تفلْ

تَبيعَنَّ مرة تفعلن

تَبيعُوها مرة تفعُوها

أبِيعَه مرة افِعلَه

تَبتَاع مرة تَفتعَل

بَايع مرة فاَعِل

ابْتاعوا مرة إفْتعلوا

البيع 5 مرات الفَعْل

بَيْعَاً مرتان فَعِلا

بيعها مرة فعلها

البِياعَات مرة الفِعَالات

المُبْتاَع مرتان المُفْتعَل

ودلُّ على نوعين من البيع:

1) البيع الحقيقي (المادي): وهو ماتكون أطرافه مادية حسية ملموسة، فيتمّ بین أمرَين مُدْرَكَین، فإنً الإمام (عليه السلام) فرض على الدولة المراقبة الاقتصادية؛ إذ كان يتجول بین البَّاعة ويراقب السوق ويوصي التٌجار بتقوى الله ويأمرهم

ص: 73

بالاستقامة، ويسأل عن الأسْعَار(1)، وجاء المصدر (البَيْع) خمسَ مراتٍ في النَّهْج، منهاكلام قاله عند دفن سيدة نساء العالم ني فاطمة الزهراء (عليها السلام): « وَقَدْ عَرَفَ حَقَّهَا رِجَالٌ مِنَ الُمؤْمِنِین الَّذِينَ لاَ تَشْغَلُهُمْ عنْهَا زِينَةُ مَتَاع، وَلاَ قُرَّةُ عَینْ مِنْ وَلَد وَلاَ مَال، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾(2) .

فهو في الأصلِ مبادلةُ مال بمالٍ، إذ خَصَّ البيع بالذّكر وعطفه على التّجارة العامة ؛ لأنه أدخل في الإلهاء، فالرّبح في البَيْع بالكَسبِ معلومٌ، والرّبح في الشرِّاء مَظْنون(3) ، ولم يقلْ سبحانه » لابيعَ ولاشراءَ »، لأنَّ البيعَ أحبُّ من الشراء عندَ الناسِ، فهو مظنة الرِّبح والمنفعة.

ختمَ الإمام (عليه السلام) كلامه بآية قرآنية، ومن الصِّيغ الأخرى التي تحملُ معنى البيع الحقيقي مجيءُ الفعل المضارع مُؤكّداً بنون التوكيدِ الثقيلة جوازاً ؛ لسبقه بلا الناهية الجازمة، على زنة (تَفْععَلُنَّ)، وذلك في كتابه إلى عمّاله على الخَراج قائلاً لهم: « وَلاَ تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِ الْخرَاجِ كِسْوَةَ شِتَاء وَلاَ صَيْف، وَلاَ دَابَّةً يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا»(4) .

إذ رُفِعَ الفعل ؛ لأن (واو الجماعة) فصلت بین الفعل (تبيع) و(نون التوكيد الثقيلة) والأصل فيه (تبيعون) + (نًّ) فحُذِفَت النون الاولى لتوالي الامثال، فألتقى ساكنان وهما واو الجماعة والنون الاولى من نوني التوكيد لالتقاء الساكنين، فحُذِفَت

ص: 74


1- ظ: الامام علي في أسواق الكوفة: 22
2- نهج البلاغة: خ 199 ، 232 ، علمًا أنَّ الآية الواردة هي سورة النور / 37
3- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 10 / 160 وظ: في ظلال نهج البلاغة: 4 / 322
4- نهج البلاغة: ك 51 ، 319

الواو، ورسمت ضَّمة قبل النون.

فنهى مؤكداً عمَّله عن عدمِ بيع أرباب الخَراج ماهو من ضرورياتهم كثيابِ أبدانهم، وكالدَّابة التي يعتملون عليها، فهذه يضطَّرون إليها ؛ لأنَّا كسوتهم ودابتهم التي ينتفعون بها في العمل نحو بقر الفلاحة لزرعهم وحمل أثقالهم(1) .

وجاء المضارع على زنة (تَفْتَعل) مرة واحدة وذلك في كتاب الإمام (عليه السلام) إلى بعض عمَّله: « أَيّها الَمعْدُودُ كَانَ عِنْدَنَا مِنْ ذَوِي الاْلْبَابَ، كَيْفَ تُسِيغُ شَراباً وَطَعَاماً، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَأْكُلُ حَرَاماً، وَتَشرْبُ حَرَاماً، وَتَبْتَاعُ الاْمَاءَ»(2) .

وتَبْتَاع بمعنى (تشتري) مولدات مكة والمدينة والطائف، تختارهن على عينك، وتعطي فيهن مال غيرك(3) .

ووردَ جمع (البيعِ) معرفا ب(ال) لتفيد العموم، والبِيَاعَات تعني الأشياء التي يُتبايَع بها للتِّجارة. فجعلَ ثمرة الضِّيق الفاحش والشُّح القبيح احتكاراً للمنافع(4) .

ووردت هذه الصيغة مرة واحدة في النَّهْج، وذلك من كتاب له (عليه السلام)

الى الصحابي مالك الاشتر (رضوان الله عليه) في أثناء حديثه عن التجار، فجاءَ (تحكماً في البياعاتِ) عطف على قوله (احتكارًا للمنافع) قال (عليه السلام): « وَاعْلَمْ - مَعَ ذلِكَ - أَنَّ فِی كَثِير مِنْهُمْ ضِيقاً فَاحِشاً، وَشُحّاً قَبِيحاً، وَاحْتِكَاراً لِلْمَنَافِعِ، وَتَحكُّامً

ص: 75


1- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 5 / 36
2- نهج البلاغة: ك 41 ، 309
3- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 17 / 19
4- ظ: المصدر نفسه: 16 / 132

فِی الْبِيَاعَاتِ»(1) فالإشارة هنا الى التّجار، وما يلحقه الغالب منهم من حيف في البياعات عن طريق الإحتكار.

فالمشتري يقلب السّلعة كثيرا، وينظر فيها أهي سليمة أم فاسدة، ثم يساومه على الثّمن طويلا، ومن معاني هذه الصيغة هنا المبالغة في إحداث الحَدَث فجاءت مناسبة لوصف المشتري بها. وجاء المصدر (بَيْعَاً) مرتین في النَّهْج، ليكون الكلام شاملاً لجميع البيوع على اختلاف أنواعها وألوانها وأزمانها، وأمكنتها، وذلك في كلامه إلى عامله الصحابي مالك الاشتر (رضوان الله عليه) قائلا له: « وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينِ عَدْل، وَأَسْعَار لاَ تُجحِفُ بِالْفَرِيقَینْ مِنَ الْبَائِعِ وَالُمبْتَاعِ »(2) ، والمُبْتَاع: هو المشتري والمصدر من (باع) « وليكن البيع بيعا سمحا » فيه تسهيل بالثمن (بموازين عدل) لاينتقص من باع، ولايتزيد من اشترى (وأسْعَار لاتُجحَف بالفِريقین من البائع والمبتاع) لاسلطان مطلقا للانسان حتى على نفسه وماله، «فمن قارف حكرة بعد نهيك اياه فنكل به، وعاقبه » الاحتكار ذنب كبير. وجاء اسم المفعول من(باع) وهو (مَبِيْعٌ) المفترض كونه (مَبْيوْع) اذا التقى ساكنان، يحذف أحدهما فلو حذفناالواو قلبنا الضمة كسرة لتناسب الياء لئلا تقلب الياء واوا، (مَبِيعٌ) على زنة(مَفِعْل).

وجاء المصدر (بَيْع) متصلا بضمير الغائب مرة واحدة في كلام الإمام (عليه السلام) في خطبة له في بيان عظمة الله: « وإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوودَ صَاحِبِ الَمزَامِيرِ، وقَارِىءِ أَهْلِ الَجنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الْحوص بِيَدِهِ، وَيَقُولُ جِلَسَائِهِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا ! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا»(3) .

ص: 76


1- نهج البلاغة: ك 53 ، 332
2- نهج البلاغة: ك 53 ، 332
3- نهج البلاغة: خ 160 ، 161

2) البيع المجازي: ومنه معنى الإستبدال أي الطّاعة والولاء لله (سبحانه وتعالى) والإمام علی (عليه السلام)، أو المبايعة، فولاة الأمور يعطون للناس الأمان والنصح والرَّاتب والرِّزق، والرَّعية تعطي الخضوع لهم والامتثال لأمرهم، فكأن الموضوع بيع وشراء لذلك سميت البَيْعَة، وهذه الصيغة تدلُّ على المشاركة بين طرف ني وهما ركنان لابد منهام، فالبيعة تعني: « الصّفقة على إيجاب البيع وجمعها (بَيْعات) بالسكون وتحرك في لغة هذيل، وتطلق أيضا على المبايعة، والطَّاعة، ومنه (إيامن البيعة) وهي التي رتَّبها الحجاج»(1) .

وجاء على صيغة الفعل الماضي (بَايعَ): على زنة (فاعَل) وهذه الصيغة تدلُّ على المفاعلة والمشاركة(2) ؛ لأنّا تحدث بين طرفین أو أكثر.

قال (عليه السلام) في مبايعة الناس له بالخلافة: « باع اليقین بشِّكِهِ والعَزيمة بوهْنِهِ»(3) .

فقد جاء الفعل الماضي (باعَ) عن حادثة مضت فربط (باع) باليقین فحقق معنى مجازيا، فالبيع هنا بمعنى المبادلة، فأبدل آدم (عليه السلام) ماعنده من يقین بما جاءإليه الشَّيطان من شكٍ، فاستبْدَلَ عزمه الرَّاسخ بوهنهِ الشَّاك، وجاءتْ الفاصلتان (شكه ووهنه) متشابهتين في الحرف الأخير، فموسيقى الفواصل حققت التناغم في الوزن والإيقاع » إتفاقاً في الزنة الإيقاعي مع إتفاقهام في الحرف الأخير، مِّما أتاح للكلام ركيزة نغمية محدثة توازناً موسيقياً»(4) .

ص: 77


1- المصباح المنير: 69
2- ظ: شرح شافية ابن الحاجب: الاستراباذي: 1 / 96
3- نهج البلاغة: خ 8، 14
4- الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية: مجيد عبد الحميد ناجي: 69

قابلَ الإمام (عليه السلام) بین اليَد والقلبِ مقابلة لغوية في كلامه عن حال الزُّبير، فقال: « بايعت بيدي لابقلبي، وكان يدعي أنَّه أكره، وأنه ورى في البيعة تورية أي انه اضمر خلاف ما اظهره(1) .

في هذا النص إشارة واضحة إلى أنَّ الزبير لم يبايع الإمام (عليه السلام) قط وأظهر خلاف ماأضمره للإمام، حتى أنّ الإمام (عليه السلام) نفسه كان شاكا في بيعته، والمقابلة اللغوية هنا بین اليد والقلب. واستعمل الإمام (عليه السلام)الكناية بالتشَبيه، والتشبيه تمثيلی في قوله: « فَأَقْبَلْتُمْ إِلَّی إِقْبَالَ الْعُوذِ الَمطَافِيلِ عَلىَ أَوْلاَدِهَا، تَقُولُونَ: الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ ! قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوهَا»(2) إذ صوّر حاله وحالهم حین إمتنع عن قبول البَيْعة بالخلافة، فأصّروا على مبايعته، فقبض كفه، لكنهم بسطوها ليبايعوه، وشبههم بالنوق المطافيل، وخصها الإمام (عليه السلام) ؛ لأنّها تُقْبِل في شوق وحنان وسرعة على أولادها ؛ لتحضنها وتحميها وترضعها. فإقامة للحجة عليهم.

و يتضح لنا أنّ الأصل في فكرة البيع والشراء باقية مستقاة من المعنى القرآني؛ لكنَّ الإمام (عليه السلام) أضاف على هذا المعنى الموقف الفني للعَرض، فهو حين يشرعفي التزهيد من الدُّنيا يوظف (فكرة البيع والشراء) القرآنية في عرض قلة مابقي من الدنيا ووصف هذه القلة بالغَناء، ومن ثم المقابلة بالصَّفقة الرَّابحة وهي (التجارة) ؛ لذا جاءت التِّجارة رابحة حقا، وهي تجارة الأخيار..

و بِعْتُ الشيَّء بمعنى اشتريته. ولاتَبِعْ بمعنى لاتَشْتَرِ. وبَعْتُه فابْتَاع أي

ص: 78


1- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 1 / 217
2- نهج البلاغة: خ 13 7 ، 138، والعوذ المطافيل هي النوق حديثة النتاج

اشْتَرَى(1) .

قالَ ابنُ فارسٍ: « الباء والياء والعین اصل واحد، وهو بيع الشيء، وربما سُمِّي ال رِشى بَيْعَا ، والمعنى واحد »(2) . والبَيْع : مصدر بَاع: يبيع، « والبَيْع ضِدً الشِّراء، وهو من الأضْداد، وبِعْتُ الشَّیء شَريْتُه، أبِيْعُه بَيْعَاً ومَبِيْعَا، وهو شاذ وقياسه مُبَاعَا والابتيِاع: الإشتراء. وفي الحديث: لايخطبُ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أخيه ولايَبِعْ على بَيِع أخِيه »(3) ، ويبدو أنَّها صارت من الأضْداد ؛ لأنً البَيِعَ كان بِضَاعَةٌ بأخرى فالبَائِع يُعْطِي سلعة للمشتري، والمشتري يُعْطِيه سلعة بدلها، فكلّ بائعٍ مُشْتَرِ وكُلُّ مُشْتَرٍ بَائِع في الوقت نفسه.

وعرَّفه الراغب بقوله: « البيع إعطاء المثمن وأخذ الثمن، والشراء إعطاء الثمن وأخذ المثمن، ويقال للبيع الشراء وللشراء البيع وذلك بحسب مايتصور من الثمن والمثمن»(4) .

أمّا الفيومي (ت 770 ه) عرفه قائلا: « مبادلة مال بامل لقولهم (بَيْع) رابح و(بَيْع) خاسر وذلك حقيقة في وصف الاعيان لكنه اطلق على العقد مجازا لانه سبب التمليك والتملك»(5) . فالبيع شبيه باسلوب المقايضة.

6) الخَسارَة:

ص: 79


1- ظ: العين (مادة بيع): 2 / 265
2- مقاييس اللغة: 1 / 327
3- ظ: لسان العرب (مادة بيع): 1 / 401 وظ: القاموس المحيط: الفيروز ابادي: 3 / 9 - 10
4- المفردات في غريب القران: 86
5- المصباح المنير: 69

ورد هذا اللفظ في كلام الإمام (عليه السلام) في سبعة عشر موضعا من النَّهْج، كما يبينه الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

خَسِر 4 مرات فَعِلَ

خَسِرتَ مرة فَعِلْتَ

أخْسَر مرة أفْعَلَ

يَخسَر مرة يَفْعَلُ

خاسِر مرتان فاعِل

الخاسِون مرتان الفاعِلون

الخاسرين مرة الفاعلين

أخْسَر مرتان أفْعَلُ

الاخسرين مرة الأفعلين

خُسْ مرة فَعْل

الخُسْان مرة الفُعْلان

لتدل على:

1) الخسارة الحقيقية (المادية): جاء هذا النوع من الخسارة في كتاب الإمام

(عليه السلام) لشريح القاضي حین عاتبه على ابتياعه الدار قائلا: « فَانْظُرْ يَا شُريْحُ لاَ تَكُونُ ابْتَعْتَ هذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيرْ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الَّثمَنَ مِنْ غَيرْ حَلاَلِكَ ! فَإِذَا أَنْتَقدْ خَسرِتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الاْخِرَةِ!»(2) ، قابل بین (عمل وقصر) و(نفع، خسر) و(لم

ص: 90


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 750
2- نهج البلاغة: ك 3، 270

يضرر، ضره)، فخسارته للدار في الدنيا شي حقيقي، أمّا خسارة الدار الآخرة فهي خسارة مجازية للأعمال.

2) الخسارة المجازية: هذا النّوع من الخسارة هو الغالب في نهج البلاغة، الفعل الماضي من مادة (خسر) أربع مرات في النَّهْج، وذلك في قوله (عليه السلام): « أَلاَ وَإنِّمكُمْ في أيَّامِ أمَل مِنْ وَرَائهِ أجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ في أيَّامِ أمَلهِ قَبلْ حُضُورِ أجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَم يَضرُرْهُ أَجَلُهُ ؛ وَمَنْ قَصرَّ في أيَّهامِ أمَلِهِ قَبلْ حُضُورِ أجَلهِ، فَقَدْ خَرِسَ عَمَلَهُ، وَضَّرهُ أَجَلُهُ، أَلاَ فَاعْمَلُوا فِی الرَّغْبَةِ كَماَ تَعْمَلُونَ فِی الرَّهْبَةِ»(1) ، فلو كان الكلام يأخذ بالاعناق إلى الزهد في الدّنيا، ويضْطّر إلى عمل الاخرة لكان هذا الكلام، وقادحا زناد الاتّعاظ والازدجار(2) .

وجاء اسم التفضيل مفردا ومجموعا، ومقترن ب(ال) واسم التفضيل المقترن ب(ال) يدلُّ على المفاضلة أقوى من المجرد منها، فهذه الصيغة تستلزم أن يكون الموصوف بها في أعلى درجات المفاضلة(3) .

وجاء إسم التفضيل (أخْسرَ) مرة واحدة، منها قوله (عليه السلام): « وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ بِهِ عَلىَ أَنْفُسِكْمْ فِی دُنْيَاكُمْ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِی آخِرَتِكُمْ وَمَا أخْسرَ الَمشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الامَانُ مِنَ النَّارِ ! »(4) ، إذ جاء التعجب القياسي على صيغة (ما أفعل).

ص: 81


1- خ 28 ، 34
2- ظ: شرح نهج البلاغة: محمد عبدة: 1 / 68
3- ظ: معاني النحو: فاضل السامرائي: 4 / 320
4- نهج البلاغة: الحكم القصار: 37 ، 360

و قابل الإمام (عليه السلام) بین اسم الفاعل (رابح وخاسر) في قوله: « فَكَمْ مِنْ مَنْقُوص رَابح وَمَزِيد خَاسِر! »(1) . و(كَم) خبرية فما بعدها جاء مجرورا ب (من).

والمقابلة بین: منقوص، مزيد، وقصد الإمام (عليه السلام) كم من منقوص في دينه هو رابح في آخرته، وكم من مزيد في دنياه هو خاسر في آخرته، الذي أمرتم به اوسع ممّا حرم عليكم(2) .

وقوله في خطبة ذكر الموازين والمكاييل: « عِبَادَ اللهِ، إِنَّكُمْ وَمَا تَأْمُلُونَ مِنْ هذِهِ الدُّنْيَا - أَثْوِيَاءُ مُؤَجَّلُونَ، وَمَدِينُونَ مُقْتَضَوْنَ: أَجَلٌ مَنْقُوصٌ، وَعَمَلٌ مَحفُوظٌ، فَرُبَّ دَائِب مُضَيَّعٌ، وَرُبَّ كَادِح خَاسِر »(3) قابل بین (دائب، كادح)، و(مضيع، خاسر) فقد استعمل الإمام (عليه السلام) لفظة (خُسْرٍ) لعموم الخَسارة، وهي مطلقة سواء أكانت قليلة أم كثيرة، من كتاب كتبه (عليه السلام) إلى معاوية قائلا: « فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ ! فَقَدْ بَینَّ اللهُ لَكَ سَبِيلَكَ، وَحَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ، فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَ غَايَةِ خُسرْ»(4) ، و(خُسرِ) عموم الخسارة، فكل إنسان هو في خُسرٍ قليل اوكثير، فكل مؤمن يرى أنّه خسر شيئا كان ممكن أن يستزيد منه.

وجاء الإمام (عليه السلام) ب(خُسرْان) ؛ ليدلّ على قوة المصدر والمبالغة فيه.

ويدلّ على أكبر الخُسرْانِ وأعظمه(5) .

ص: 82


1- خ 11 4 ، 120
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 7 / 202
3- نهج البلاغة: خ 129 ، 132
4- ك 30 ، 291
5- ظ: التحرير والتنوير: ابن عاشور: 23 / 361

وذلك في قوله: « مَعَاشِر النَّاسِ، اتَّقُوا اللهَ، فَكَمْ مِنْ مُؤَمِّل مَا لاَ يَبْلُغُهُ، وَبَان مَا لاَ يَسْكُنُهُ، وَجَامِع مَا سَوْفَ يَتْركُهُ، وَلَعَلَّهُ مِنْ بَاطِل جَمعهُ، وَمِنْ حَقٍّ مَنَعَهُ، أَصَابَهُ حَرَاماً، وَاحْتَمَلَ بِهِ آثَاماً، فَبَاءَ بِوِزْرهِ، وَقَدِمَ عَلىَ رَبِّهِ، آسِفاً لاَهِفاً، قَدْ (خَسر الدُّنْيَا وَالاْخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخسرْانُ الُمبِین)»(1) . فالُخسران: أعظم الخسارة وأكثرها، ولمّا كانت زيادة المباني دليل على زيادة المعاني، زاد الألف والنون في المصدر لزيادة حجم الخسارة، وكأنها خسارة مرتین، من ذلك يتضح لنا أنّ (الخُسرْ) مطلق وهو البداية، والخَسرْان أعظم الخسارة. فالخُسرْ: النقصان، والخسران نقصان اكثر، والفعل: خَسرِ يَخسرَ خُسْانا، والخَاسِر: الذي وُضِع في تجارته او غبن، ومصدره:الخسارة والخُسرْ، ومنه صفقة خاسرة: أي غير مربحة.. قال تعالى: ﴿ وَالْعَصرْ۞ إنِّ الْانسَانَ لَفِي خُسرْ﴾(2) .

والخُسْر: مصدر يطلق على النقص الكلي في مقابل الربح(3) .

قال احمد بن فارس: « الخاء والسین والراء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على النَّقْص. فمن ذلك الخُسْر والخُسرْان، كالكُفر والكُفرَان والفُرق والفُرقان. ويقال خَسرَتُ المِيزانً وأخْسَتُه، إذا نقَصتَه»(4) .

ويعني النَّقْص فيما شأنه النَّماء، وهي بانتقاص رأس المال، وعلى ذلك يقال:

پخَسِر فُلان في تِجَارَتِه خَساَرَة وخُسرْا وخُسْرانَا ؛ أي نقص رأس ماله(5) . ويقال:

ص: 83


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 344 ، 403 ، الحج / 11
2- العصر / 1 - 2
3- ظ: القاموس المحيط: 2 / 68
4- مقاييس اللغة: 2 / 182
5- ظ: المفردات في غريب القران: 1 / 23

خَسرِت تِجارَته ورَبِحَت، وتِجارَة خَاسِة ورَابِحَة، ومَنْ لم يُطِعْ الله فهو خاسر، فهومن المجاز. وتنسب الخسارة للإنسان فيقال: خَسر فلان، وللفِعل، فيُقال: خَسِتْرتِجارَته(1) .

7) الدَّيْن:

وردت هذه اللفظة ثماني مرات في كلام الإمام (عليه السلام)، وهو موضح في الجدول الآتي:(2)

اللفظ مرات وروده وزنه

دانَ مرة فعَلَ

يُدَان مرة يُفْعَل

تُدَان مرة تُفَعَل

تَديِن مرة تَفعِل

الدَّيان مرة الفَّعَال

مَدينُون 3 مرات مَفِعلون

لتدلُّ على المعنى المجازي، فاستعار لفظ (الدَيْن) للأمور المجازية، الديانة والعلم والخضوع. ودَانَ: أخذ الدين، أصله (دَيَنَ) تحركت الياء وفتح ما قبلها فقلبت ألِفَاً، صارت (دَانَ) وكذلك المضارع منه يَدين على زنة (يَفعِل) فيه إعلال بالتسكين، اسْتُثقلت الكسرة على الياء وقبلها ساكن فنقلت الكسرة إلى الساكن الذي قبلها فأصبحت (يَدْيِن) دَ / ي َ/ ن َ قلبت الياء الفا د ِ / ن َ إعلال

ص: 84


1- ظ: أساس البلاغة: 1 / 306
2- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 817

با لقلب

فجاء الفعل المضارع مبنيا للمجهول (يُدان): « يَا كُمَيْل بْن زِيَاد، مَعْرِفَةُ الَعِلْمِ دِينٌ يُدَانُ بِهِ، بِهِ يَكْسِبُ الاْنْسَانُ الطَّاعَةَ فِ حَيَاتِهِ، وَجَميلَ الاْحْدُوثَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ»(1) ،جعل العلم يُدَان به.

وجاء جمع (مَدِين)، الذي يبيع بدَين، في قوله (عليه السلام): « عِبَادٌ مَخلُوقُونَ اقْتِدَاراً، وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً، وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً، وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً، وَمَدِينُون جَزَاءً، وَمُميَّزُونَ حِسَاباً »(2) . وجزاء مفعول مطلق ؛ لأنَّ (مدينون) بمعنى مجازين، وقال بعض الشارحين: إنَّ حسابا مفعول مطلق، وردَّ عليهم الشارح محمد جواد مغنية بقوله: « بل هو منصوب بنزع الخافض والصحيح أنَّه مفعول من أجله، أي انتم مميزون عدا من أجل الحساب(3) .

و قال في العِظة بالتقوى: « فَإِنَّكُمْ مُرْتَهنُونَ بِمَا أَسْلَفْتُمْ، وَمَدِينُونَ بِماَ قدَّمْتُمْ، وَكَأَنْ قَدْ نَزَلَ بِكُمُ الْمَخُوفُ، فَلاَ رَجْعَةً تَنَالُونَ»(4).

ومعنى مدينون مجزيون به إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فلفظ (المُرتَهن) مستعار للنفوس الآثمة بسبب تقيدها بالسيئة وإطلاقها بالحسنة، كتقيد الرَّهن المتعارف بما عليه من المَّال وإمتكانه بأدائه(5) .

ص: 85


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 147 ، 375
2- نهج البلاغة: خ 83 ، 68
3- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 149
4- ظ: العين (مادة دين): 8 / 72
5- مقاييس اللغة: 2 / 391

والدَّيِنْ: جَمعُهُ: دُيُون، وكلٌ شيءٍ لم يكُنْ حَاضِاً فهو دَيْنٌ. وأدَنْتُ فلانَا أدينَهُ، أي أعطيته دَيْنَا. ورَجُلُ مَدْيون: قد رَكِبَه دَيْنٌ، ومَدِيْنٌ أجْودُ. ورَجُلٌ دائِنٌ: عليه دَيْن ، وقد إسْتَدَانَ وتَدَّيَن وأدَّان بمعنى واحد(1) .

قال ابن فارس: « الدال والياء والنون اصل واحد اليه يرجع فروعه كلها. وهو جنس من الانقياد والذل. فالّدَّين: الطاعة،..ومن هذا الباب الدًيْن. يقال: دَايَنْتُ فُلانَا، إذا عاملته دَيْنَا، أمَّا أخذا وأمَّا إعطاء»(2) .

و دِنْت الرًجل: أقرضته فهو مَدِيْن ومَدْيُون. وقيل دِنْتُه أقْرَضْتُه، وأدَنْتُهُ اسْتَقْرَضْتُه مِنْه. ودان هو: أخذ الدًين(3) .

وأدَنْتُه: جعلته دَائِنا ؛ وذلك بأن تُعْطِيه دَيْناً، قال أبو عبيدة: دِنْته أقْرَضْتُهُ، ورَجُلٌ مَدِين، ومَدْيُوُن، ودِنْتُه اسْتَقْرَضْتُ منه والتّدَايُن والمُدَايَنَة دفعُ الدَّيْنِ(4) .

8) الرِّبا:

الفعل رَبَا: فأصله (رَبَو) لِتَحرك الواو وانفتاح ماقبلها قلبت ألفا، والمضارع منه (يرْبُوُ) قلبت الضمة إلى سكون لاستثقالها على الواو الواقعة طرفا. ففيها إعلال بالتسكين

رَ / ب َ / وُ قلبت الواو الفا رَ / ب َ إعلال بالقلب

ص: 86


1- ظ: المفردات في غريب القران: 1 / 233
2- ظ: لسان العرب (مادة دان): 2 / 1468
3- نهج البلاغة: الحكم القصار: 62 ، 262
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 848

ي َ ر / ب ُ / وُ قلب الضمة الى سكون ت َ ر / ب ُ و إعلال بالقلب

استعمل الإمام (عليه السلام) هذا اللفظ دلالة على الزِّيادة والنَّماء، فتكرر اربع مرات(1) .

اللفظ مرات وروده وزنه

ربُّوا مرة فُعول

يُربِ مرة يُفْعِل

الرِّبا مرتان الفّعل

ليدلَّ على:

1) الرِبا الحقيقي: الزيادة والنَامء كزيادة الصدقة ونمائها، جاءت صيغة الفعل المضارع منه على زنة (يُفعِل) ليدل على الاستمرارية في إيقاع الحدث ولتكون عادة يتخلق بها الناس في قوله: (عليه السلام): « إِذَا حُيِّيْتَ بِتَحِيَّة فَحَيِّ بِأَحْسَنَ مِنْهَا، وإِذَا أُسْدِيَتْ إِلَيْكَ يَدٌ فَكَافِئْهَا بِماَ يُرْبِ عَلَيْهَا، وَالْفَضْلُ مَعَ ذلِكَ لِلْبَادِىءِ»(2) ، ويُربِی:يزيد .

2) الرِبا المجازي: ويدلُّ على (البيع المُحّرَّم) قال (عليه السلام) في بيان حال أهل القبور في القيامة » يَا عَلُّی، إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِمْ، وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِم عَلىَ رَبِّهمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمتَهُ، وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ، وَالاْهْوَاءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الْخمْرَ بِالنَّبِيذِ، وَالسُّحْتَ بِالْهدِيَّةِ، وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ»(3)،

ص: 87


1- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 848
2- نهج البلاغة: الحكم القصار 62 ، 362
3- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 9 / 157

واستُعمِل في هذا النص إسلوب المساواة في الإستبدال ف(النبيذ عِوَضَا عن الخمر)، (الهَدِّية عِوْضَا عن السُّحت) و(البَيع عِوَضَا عن الرِّبا)

وهذا ماأشار اليه الرسول (صلىَّ الله عليه وآله) قائلا: « إنّ الله كتب عليك جهاد المفتونین كما كتب علی جهاد المشركین، فسأله الإمام (عليه السلام): وماهذه الفتنة ؟ قال: فتنة قوم يشهدون أن لااله إلاّ الله وأني رسول الله وهم مخالفون للسنة، فسأل الإمام (عليه السلام) عن سبب مقاتلتهم وهم يشهدون، فقال: على الأحداث في الدين ومخالفة الأمر، فأما فتنتهم بتأويل القرآن واستحلال الخمر بالنبيذ والسّحت بالهدية، والرّبا بالبيع، وتحريف الكتاب، فالسّحت: الحرام، وكلّ ما لايحل كسبه، قد اسحت الرجل في تجارته: اكتسب السّحت»(1) .

وقال (عليه السلام): « مَنِ اتّجَرَ بِغَيرْ فِقْه فقد ارْتَطَمَ فِی الرِّبَا»(2)، إذ استعار لفظ إرتطم لغير الفقيه، لأخذه الرِّبح الفاحش فلا يتمكن من الخلاص من الرِّبا ؛ لكثرة اشتباه مسائل الرّبا بمسائل البيع ولايفرق بينهام إلاّ الفقهاء مع وقوع الخلاف بينهم فيها. فهنالك متطلبات اقتصادية في الرِّبح والخسارة ؛ فالتّاجر الصادق عليه واجبات يسمو بها الى درجة التكريم، ورَبَا الجُرحُ والأرض والمال وكلّ شيءٍ يَربُو رَبْوَا، إذا زاد، والرَّابِيَة: ما أرْتَفَعَ من الأرضِ، ورَبَا المالُ يَربُو في الرِّبا، أي: يزداد، وصاحبه: مُرْبٍ(3) .

ف «الراء والباء والحرف المعتل وكذلك المهموز منه يدل على أصل واحد، وهو الزيادة والنمامء والعِلو، تقول من ذلك: رَبَا الشيّء يربو، إذا زاد. وربا الرابية يربوها،

ص: 88


1- ظ: منهاج البراعة: 9 / 263
2- نهج البلاغة: الحكم القصار 447 ، 417
3- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 3 / 335

إذا علاها».

وهو مصدر يدل على الزّيادة والنّماء من أصل المال(1) . رَبَا المالُ يَربُو: زاد.

وأرْبَاه الله تعالى، وأربَتِ الحنطة: أّراعت(2) .

يقال: رَبَا المال يَرْبو رَبْوا: إذا زاد وأرتفع، والإسم الرِّبا - مقصور، وهو في الشرَّع: الزيادة على أصل المال من غيرِ عقدِ تبايعٍ،... ومنه الحديث: « من أجبى فقد أربى »(3) .

9) الرِّبح:

تكرر هذا اللفظ في أحد عشر موضعا، وهو مبين في الجدول الآتي:(4) .

اللفظ مرات وروده وزنه

رَبِحَ مرة فَعِلَ

رَبِحوا مرة فَعِلوا

أرْبَح مرة أفْعَل

رِبْح مرة فِعْل

الرَّابِح، رابح مرتان، مرتان الفَّاعِل

ص: 89


1- ظ: أساس البلاغة: 1 / 334
2- ظ: لسان العرب (مادة ربو): 3 / 1573
3- ظ: التعريفات: الجرجاني: 95 . وظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 344
4- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 846

مُرْبِحَة مرة مُفْعِلَة

الأرْباح مرتان الأفْعَال

و جاء الربح في النَّهْج للدَلالة على مَعْنَييِ هما:

1) الرِّبح الحقيقي (المادي): لم يستعمل الإمام (عليه السلام) هذا المعنى في الرِّبح، وإنَّما كان تأكيده في جميع خطبه الرِّبح المجازي بوصفه الرِّبح الخالد للإنسان.

2) الرّبح المجازي: هذا النوع من الربح هو ماأكده الإمام (عليه السلام) فكان اهتمامه بالرّبح المجازي، فجاء الفعل الماضي منه على زنة (فَعِلَ) في قوله

(عليه السلام): « مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ رَبِحَ، وَمَنْ غَفَلَ عَنْهَا خَسرِ»(1) ، فالفواصل

رَبِح، خَسرِ(كلاهما جاء على زنة (فَعِلَ)، وقد قابل بین (حاسَبَ، ربح) وبین

(غفل، خسرِ) ؛ ليؤكد أنَّ الرابح المحاسب لنفسه، والخاسر الغافل.

جاء الماضي منه مبنيا على الضم مسندا إلى واو الجماعة (رَبِحُوا) في مدحه للدنيا قائلا: «إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْق لِمنْ صَدَقَهَا، وَدَارُعَافِيَة لِمنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنىً لِمنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَة لِمنْ اتَّعَظَ بِها، مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللهِ، وَمُصَلَّی مَلاَئِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحْيِاللهِ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللهِ، اكْتَسَبُوا فِيهَاالرَّحْمةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الَجنَّةَ»(2) .

فرِبحُ الجَنّةِ ربحٌ معنوي، وقد أكَدَّ الإمام (عليه السلام) ذلك، فجاء الفعل (رَبِح) متعديا، إذ نَصَبَ (الجّنَة) مفعولاً به ل(رَبِحَ) والأصل: رَبِحُوا الجَنّة فيها، فكان التقديم بشبه الجملة جوازا ؛ والغرض منه التوكيد. وبأن الربح فيها لا في

ص: 90


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 208 ، 381
2- الحكم القصار: 131، 373

غيرها، ويقال رَبِحَ فُلان رِبْحَا، إذا كَسَب، وهي الزّيادة الحاصلة على رأس المال، واستعمله الإمام ليدلّ على الكَسب والنَّامء، قال (عليه السلام): «لاَ مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ، وَلاَ وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ، وَلاَ عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلاَ كَرَمَ كَالتَّقْوَى، وَلاَ قَرِينَ كَحُسْنِ الْخلْقِ، وَلاَ مِيرَاثَ كَالاْدَبِ، وَلاَ قَائِدَ كَالتَّوْفِيقِ، وَلاَ تِجارَةَ كَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَلاَ رِبْحَ كَالثَّوَابِ»(1) .

فالعمل الصالح ربحه الثواب، وسبق ربح ب(لا) النافية الزائدة، لأنّ الكلام منفي في بدايته ب(لا) النافية للجنس والنفي بها مُؤَكدا، فجاءت زيادتها مع الرِّبح، لغرض التأكيد. وجاء اسم الفاعل من (رَبِحَ) مُعَرّفَاً ب(أل)

، ومعنى رَابِح: هو ذو ربح، وقيل بمعنى مفعول: أي مَربُوح فيه، وهي الصّيغة الأكثر إستعمالا لهذه المادة، ومن كلامه (عليه السلام): « وَاعْلَمُوا أَنّمَاَ نَقَصَ مِنَ الدُّنْيَا وَزَادَ في الاْخِرَةِ خَيرْ مِّما نَقَصَ مِنَ الاْخِرَةِ وَزَادَ فِی الدُّنْيَا: فَكَمْ مِنْ مَنْقُوص رَابح وَمَزِيد خَاسِر! »(2) .

ف(كم) خبرية، ومحلها الرّفع بالابتداء، ورابح: خبر لمبتدأ محذوف، أي: هو رَابِح، والجملة خبر(كم)، ومثله خَاسِر. والمعنى كم من منقوص في الدنيا هو رابح في الاخرة، ومن مزيد في الدنيا هو خاسر في الاخرة، فما يزاد للآخرة باق دائم ومايزاد للدُّنيا زائل(3) .

وجاءت صيغة اسم المفعول (مُربِحَة) مسندة إلى المؤنث، يقال من باب المجاز(تجارةٌ رابحةُ) وقد ربحت تجارتك(4) .

ص: 91


1- الحكم القصار: 113، 369
2- نهج البلاغة: خ 11 4 ، 120
3- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 519 وظ: منهاج البراعة: 8 / 54
4- ظ: أساس البلاغة: 1 / 328

و منه قوله (عليه السلام) في خطبة له يصف المتقين «صَبرَوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرهَا لَهمْ رَبُّهم»(1) .

والتّجارة المُربِحَة التي تحرز الرِّبح، والمراد هنا أنّ (التجارة الرابحة) هي الأعمال الصالحة ومايتعلق بها(2) .

فالرّبح لإيراد منه الزيادة على رأس المال، وإنّما المرادُ به تحقيق المعنى المجازي، الإثابة وصالح الاعامل. فالإمام (عليه السلام) لم يستعمل الربح للشيء المادي، وإنّما استعمله للشيء المجازي ؛ لأنّ الرّبح المادي زائل بالتأكيد، أمّا الربح الحقيقي فهو الباقي.

تقول العرب: « رَبِحَت تِارتُه اذا رَبحَ صاحبُها فيها »(3) . ومنه قوله تعالى:

﴿ُولَئِكَ الَّذِينَ اشْترَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالُهدَى وَالْعَذَابَ بِالَمغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرهُمْ عَلىَ النَّارِ﴾(4) .

والرِّبح والرَّبح والرِّباح: النَّماء في التجارة(5) .

وعرَّفه الرَّاغب بقوله: « الزِّيادةُ الحاصلةُ في المُبَايعة، ثمَّ يُتَّجَوز به في كلِّ مايعود من ثمرةِ عملٍ، ويُنسَبُ الرِّبحُ تارةً الى صاحبِ السِّلعةِ، وتارةٌ الى السِّلعة نفسها«(6) .

ص: 92


1- نهج البلاغة: خ 193 ، 221
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 4 / 190
3- ظ: العين (مادة ربح): 3 / 217
4- البقرة / 16
5- ظ: لسان العرب (مادة ربح): 3 / 1553
6- المفردات في غريب القران: 388

10) الرُّخُصُ:

تكررت هذا اللفظ في النَّهْج ست مرات، كما في الجدول الآتي:(1) .

اللفظ مرات وروده وزنه

رَخُصَ مرة واحدة فَعَلَ

تُرْخِص مرة واحدة تَفْعِل

تُرَخِصُوا مرة واحدة تَفْعِلُوا

رُخْصًة مرة واحدة فُعْلَة

رُخَصَه مرة واحدة فُعَلَه

مُرَخًصٍ مرة واحدة مُفَعَل

ويدلُّ على هبوط قيمة الشّء وضِدّه الغَلاء، وهو على نوعين:

1) الرّخص الحقيقي (المادي): ويعني هبوط قيمة الشَّیء، وضِدُّه الغَلاء، جاء الفعل المضارع مرة واحدة وذلك في خطبة له في الإستسقاء: «وَاسْقِنَا سُقْيَا نَافِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً، تُنْبِتُ بِها مَا قَدْ فَاتَ، وَتُحيِي بِها مَا قَدْ مَاتَ، نَافِعَةَ الَحيَا، كَثِيرَةَ الْمُجْتَنَى، تُرْوِي بِها الْقِيعَانَ، وَتُسِيلُ الْبُطْنَانَ، وَتَسْتَوْرِقُ الأشجار، وَتُرْخِصُ الاْسْعَارَ، إِنَّكَ عَلى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ»(2) .

أتى الإمام (عليه السلام) بالصيغ الفعلية المضارعة (تنبت، تحيي، تروي، تسيل)، أمّا (تستورق، تُرخِص) على زنة (تستفعل وتُفعِل) تعني تغيير الشيء من

ص: 93


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 860
2- نهج البلاغة: خ 143 ، 143

حالة إلى أخرى ؛ والصيغ الفعلية تدلّ على الحدوث والتجدد، وترخيص الأسعار ؛ لكثرة الحبوب وسعتها من كثرة المطر.

2) الرّخص المجازي: وهو ترخيص الله للعباد فيما يخففه عليهم، أو التسهيل(1) ، ومنه ورود الفعل الماضي على زنة (فَعّل) ويدلُّ على التكثير، وذلك في خطبة له للعبرة بالماضین: « فَلَوْ رَخَّصَ اللهُ فِی الْكِبرِ لِاحَد مِنْ عِبَادِهِ لَرَخَّصَ فِيهِ لَخاصَّةِ أَنبِيَائِهِ ]وَأَولِيائِهِ]، وَلكِنَّهُ سُبْحَانَهُ كَرَّهَ إِلَيْهِمُ التَّكَابُرَ»(2) .

سُبِقَ فعل ال رشط ب(لو) الشرطية، وجاء جواب الشرط ايضا متصدرا بالفعل نفسه وسُبِقَ ب(اللام الواقعة في جواب الشرط، ووجه الملازمة أنّ الترخيص فيه إنّما يكون مع إشتماله على المصلحة وخلوه عن المفسدة ولو كان كذلك لرَخَصَّ فيه الأنبياء والأولياء ومن يخطرهم من فوائده ومنافعه ؛ لمكانتهم لديه وقرّبهم إليه والإلزام(3) .

فالرٌخْصُ: الناعم من كل شيء. ومن المرأة بشرتها ورقتها، ورخاصة أناملها:

لينها،.... وثوب رخيص: ناعم. رخص في الأشياء: بيع رخيص(4) .

قال احمد بن فارس: « الراء والخاء والصاد أصل يدل على لين وخلاف شدة. من ذلك اللّحم الرًخص، هو الناعم. ومن ذلك الرٌخْص: خلاف الغَلاء»(5) .

و « الرُّخُص بالضّم: ضِدّ الغَلاء. واسترخصته: وجدته رخيصا، وأرخصته

ص: 94


1- ظ: أساس البلاغة: 1/ 345 ، وظ: القاموس المحيط: 2 / 412
2- نهج البلاغة: خ 192 ، 211
3- ظ: منهاج البراعة: 10 / 266
4- ظ: العين (مادة رخص): 4 / 184 - 185
5- مقاييس اللغة: 2 / 500

جعلته رَخيصا، وأرتخصته إشتريته رَخيصا(1) .

11) الرِّزْق:

تكرر في ثلاثة وخمسين موضعاً من النَّهْج، وهو موضح في الجدول الآتي:(2) اللفظ مرات وروده وزنه

رَزَقَك مرة فَعَلَك

رزَقها مرة فعَلها

رُزِقْتَ مرة فُعِلْتَ

يَرْزِق مرة يَفْعِل

يَرْزُقَه مرة يَفْعِلَه

يَرْزُقهم مرتان يَفْعَلهم

أسْتَرزقَ مرة أسْتَفْعَلَ

ارْزُقْنا مرة افْعَلْنا

الرٍزْقَ 19 مرة الفعْل

رِزْقا مرة فِعْلاً

رِزْقَكَ 5 مرات فِعْلَكَ

رِزْقُهُ 5 مرات فِعْلَهُ

رِزْقِها مرتان فِعْلِها

ص: 96


1- ظ: المصباح المنير: 223 ، وظ: المعجم الاقتصادي الإسلامي: 191
2- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 863

الأرْزاق 3 مرات

الأفْعال أرْزاقِها مرتان أفْعالِا

ارْزاقَهُم مرتان افْعالهُم

رازقه مرة فاعله

مَرزُوق مرتان مَفعُول

مرزوقة مرة مفعولة

و دلَّ على:

1) الرِزق الحقيقي (المادي): العطاء الجاري من طعام أو نصيب ونحوه.

2) الرزق المجازي: وهو الدَّخْلُ أو مايفرض من بيتِ المَّال للجُند، وغيرهم من العاملین في الدَّولة.إذ جاء الفعل الماضي متصلاً بضميرالغائبة التي تعود إلى

(الأموال) مرة واحدة في توبِيخه لللبُخَلاء بالمالِ والنفسِ قائلاً: » فَلاَ أَمْوَالَ بَذَلْتموهَا لِلَّذِي رَزَقَهَا...»(1) ، فلم تبذلوا أموالكم في رضا من رزقكم إيّاها، ولم تخاطروا بإنفسكم في رضا الخالق، والأولى بكم أن تبذلوا المال في رضا رازقه، والنفس في رضا خالقها؛ لأنّه ليس أحد أحق منه بالمال والنفس وبذلها في رضاه(2) .

وجاء مبنيا للمجهول ؛ ليكون عاما في كل رزق ومسندا إلى الجماعة ؛ ليشمل العقلاء خاصة، وذلك في حديثه عن الزاهدين: « ويكثر مقتهم أنفسهم وإن اغتبطوا بما رُزِقوا»(3) ، فجاء الفعل مسبوقاً ب(ما) المصدرية، والمصدر المُؤول منهما ب(رِزْقِهم)

ص: 96


1- نهج البلاغة: خ 117 ، 124
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 7 / 220
3- نهج البلاغة: خ 113، 119 ، واغتبطوا: غبطهم غيرهم بما آتاهم الله من الرزق

المسبوق ب(إن) الشرطية، وقد حذف الفاعل لكون الرازق معلوماً وهو الله

(سبحانه وتعالى)، وصوغ الجملة وصبِّها على أقل مايمكن طلبا للإيجاز. فهم يخافون ويتهمون أنفسهم بكونها لاتبدي نشاطا في طاعة الله(1) .

وجاء المضارع منه على زنة (يَفْعِل) منفياً ب (لا) النافية غير العاملة في حديثه متعجباً عن ابن آدم قائلاً: » مَا لِابْنِ آدَمَ وَالْفَخْرِ: أَوَّلُهُ نُطْفَةٌ، وَآخِرُهُ جِيفَةٌ، وَلاَ يَرْزُقُ نَفْسَهُ، وَلاَ يَدفَعُ حَتْفَهُ» .

وجاء على زنة (إسْتَفْعِل) طلب الرزق، قال (عليه السلام): « اللَّهُمَّ صُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ، وَلاَتَبْذُلْ جَاهِيَ بِالاْقْتَارِ، فَأَسْترَزِقَ طَالِبِي رِزْقِكَ»(2) ، ف(استرزق): أطلب الرزق، وبدأ الدعاء لنفسه بصيانة وجهه باليسار، ولكن طلبه للرزق جعله عاما له ولغيره حبا منه خلق الله، لكن الإمام (عليه السلام) لايسترزق ولايستعطف أحدا، مهام كانت الظروف، ولايمدح أحدا لايستحق المدح ؛ بل أراد التعريض بمن يمدح على حساب المنفعة، والمصلحة الشخصية وهذا الدعاء ورد في الصحيفة السجادية، وهو: « اللهم صٌنْ وجهي باليسار ولاتبذل جاهي بالإقتار فاسترزق طالبي رزقك، واستعطف شرار خلقك، وابتلى بحمد من أعطاني، وافتن بذم من منعني، وأنت من وراء ذلك كلّه ولي الإعطاء والمنع إنَّك على كل شيءٍ قدير»(3) .

وتكررالاسم منه معَرَّفا ب(ال) منها قوله يبين وصايا شتى: » وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ، أَنَّ

ص: 97


1- ظ: في ظلال نهج البلاغة / 2 / 505
2- نهج البلاغة: الحكم القصار: 454 ، 418
3- خ 225 ، 255 صيانة الوجه: حفظه من التعرض للسؤال، واليسار: الغنى، الإقتار: الفقر

الرِّزْقَ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإِنْ أَنْتَ لَم تَأْتِهِ أَتَاكَ»(1) .

ف (رِزْق) بدل مفصل من مجمل، والمبدل منه رزقان ف (رزق تطلبه): بتجارة او صناعة او فلاحة او خدمة، وهذا الرزق قضاء كأي شيء يحدث في الكون ابى سبحانه الا ان يربط الاسباب بمسبباتها. والنتائج بمقدماتها حتى نعيم الاخرة، و(رزق يطلبك) بإرث أو هدية أو صيد غال وثمین لايكلفك سوى خطوات...فالكلام عن الرزق تعبير مجرد عن واقع الحال بصرف النظر عن فلسفة الرزق(2) .

قال عروة بن أذينة:

لقد علمتُ وما الإسراف من خلقي *** أنً الذي هو رزقي سوف يأتيني

أسْعَى له فَيُعِّنيني تطَّلبُهُ *** ولو قعْدتُتَ أتاني لايُعِّنيني(3) .

فتتكون لدينا المعادلة الآتية: الرزق (الدخل) = رزق تطلبه + رزق يطلبك فالدَّخل يتضمن ماهو مخطط، وغير مخطط له. والدَّخل المنظور وغير المنظور، والمعلوم والمتغير، ويمكن إدخال تفاصيل واسعة لهذه المعادلة لتشمل دخل الفرد والدخل الوطني أو القومي والعالمي الموازن وحتى أكبر ميزانية للدَّولة(4) .

ص: 98


1- نهج البلاغة: خ 11 4 ، 120
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 7 / 202
3- ظ: شعر عروة بن أذينة: 49 وهو من شعراء صدر الاسام ومن الفقهاء ايضا، شاعر غزل من أهل المدينة
4- ظ: علم الاقتصاد في نهج البلاغة: هاشم حسين: 34

وقوله: «فَرَضَ اللهُ الاْيماَنَ تَطْهِيراً مِنَ الشرِّكِ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبرْ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ »(1) ، ف(تطهيراً، تنزيهاً، تسبيباً) كلها مفاعيل لأجله ؛ ففرض الإيمان تطهير للشرك، وفرض الصلاة تنزيه عن الكبر، ففيها يتساوى العظيم والصغير في صف واحد، يتذللون ويتضرعون ؛ بل ربما تقدم الصغير في الصف والكبير خلفه والكل راضٍ بموقفه، وفرض الزَّكاة ؛ سببا في الرزق، ويخلق لهم أضعافا.

وقوله (عليه السلام) وهو يبين مواعظ للناس: « فَذَرُوا مَا قَلَّ لِما كَثُرَ، وَمَا ضَاقَ لِما اتَّسَعَ. قَدْ تُكُفِّلَ لِكُمْ بِالرِّزْقِ، وَأُمِرْتُمْ بَالْعَمَلِ، فَی الَ يَكُونَنَّ الَمضْمُونُ لَكُمْ طَلَبُهُ َوْلَ بِكُمْ مِنَ الَمفْرُوضِ عَلَيْكُمْ عَمَلُهُ»(2) ، فقد أمر بالعمل ونهى عن الحرص على طلب الرزق، فقال: إنَّكم أُمِرتم بالعَمل، وضَمّن لكم الرِّزق فلا تجعلوا المضمونحصوله هو المخصوص بالحرص، وجاء التوشيع في قوله

(عليه السلام): « الرِّزْقُ رِزْقَانِ: رِزْقٌ تَطْلُبُهُ، وَرِزْقٌ يَطْلُبُكَ، فَإنِ لَم تَأتْهِ أتَاكَ، فَلا تْحمِلْ هَمَّ سَنتَكِ عَلَی هَمِّ يَوْمِكَ»(3) .

والتوشيع هو ضرب بديعي جاء به الإمام (عليه السلام) فأتى بإسم مثنى

(رزقان) ثم فی رّسه بإسمين مفردين، ثانيهام (رزق يطلبك) معطوف على أولهام (رزق تطلبه). فلكلِّ شيءٍ سبب، رزقاً كان أم غيره، والفرق بین الرِّزق وغيره يعود إلى أنّ غيرَ الرِّزق يمكن ضبطه وتحديده من خلال العلم بأسبابه: أمّا الرِّزق فلايمكن ضبطه وتحديده بحال حتى من خلال العلم بأسبابه: هذا الفرق لاما قاله الشارحون: إنَّ الرزقَ بيدِ اللهِ وحده وبلا سبب على الإطلاق. فلا رزق إلا بسبب

ص: 99


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 252 ، 386
2- خ 114 ، 120
3- الحكم القصار: 379 ، 409

مع توفيق الله وعنايته سوى أنّه لايقدر بسببه، أمّا غيره فيمكن تقديره بسببه الموجب له. (الرزق الذي تطلبه) الذي صممت عليه وسعيت اليه وجعلته نصب عينيك، (ورزق يطلبك) الذي لم يكن في الحساب(1) ، والجملة إخبارية، والرزقان: اسم مثنى، جاء بعده بإسمين مفردين: طالب، ومطلوب.

وورد الاسم متصلاً بالغائبة التي تدلُّ على النَملة، قال (عليه السلام) في وصفها: « انْظُرُوا إِلَی الَّنمْلَةِ فِی صِغَرِ جُثَّتِهَا، وَلَطَافَةِ هَيْئَتِهَا، لاَ تَكَادُ تُنَالُ بِلَحْظِ الْبَصرَ، وَلاَ بمِسْتَدْرَكِ الْفِكَرِ، كَيْفَ دَبَّتْ عَلَ أَرْضِهَا، وَصَبَتْ عَلَ رِزْقِهَا، تَنقْلُ الَحبَّةَ إلِی جُحْرِهَا، وَتُعِدُّهَا فِی مُسْتَقَرِّهَا تُجمَعُ فِی حَرِّهَا لِبَردِهَا، وَفِی وُرُودِهَا لِصَدَرِهَا، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا »(2) ، فهذه النملة على صغر حجمها وتفاهة وزنها تكدُّ وتعمل من أجل الرّزق وتجمع قوتها في الصَّيف لتخزنه الى الشتاء، وتٌعَلِمٌ الإنسان الإدّخار،فالإمام (عليه السلام) لايريد أن يحكي حكايات عن عالم الحيوان فيم أل الفراغ ؛ بل يضرب المثل بها للدرس والإتّعاظ(3) .

ص: 100


1- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 5 / 245 ، وظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 19 / 263
2- ج البلاغة: خ 185 ، 197
3- ظ: الفكر الاقتصادي في نهج البلاغة: 26 و، ظ: عبقرية الإمام (عليه السلام) في علم الحيوان: عادل محمد عي الشيخ: بحث ورد في موسوعة الموسم: 274 - 275 ، إذ تتخذ النَّملة قُرىٍ تحت الأرضِ، ومخازن للحبوبِ، وتمتلك حاسة شم قوية، والعُاَّل على نوعن: منهم من يعتني بدور الحاضنة، وهي مُرَبِيات والنَوع الآخر: يحرس العُش او المُسْتَعْمرة، يقوم كلاهما بجمع المَّال، وينقل أجساما أكر من جسمها، وسلوكها غريب إذ أنّ بعض البذور كالقمح أوالارزق تنبت اذا تركت في جوف الارض ؛ لذا فهي تقسِّم الحَبَة قسمين، إلاّ حبّة الكزبرة فتقسِّمها عى أربعة اقسام، وتخرج الحّب إلى سطح الارض لتعريضه إلى الهواء وأشعة الشمس لئاّ يتعفن، وإذا أحسً بظهور الغيوم أعاد الحب إلى مكانه خوفا من المطر، ومن العجيب أنه يجلب الغذاء الى المستعمرة، فا يضيع الطريق أو المستعمرة، ولاتفشل او تظل طريقها

وضرب المثل ب(الخَفَّاش) فهو يسعى في الليل ويرتاح في النهار ليضمن قوته ؛ كالنّملة فهي تسعى في الصيف لتدخر قوتها في الشتاء. كام ورد اسم المفعول مرة واحدة مسندا إلى ضمير الغائب وذلك في قوله: « انْظُرُوا إِلَی الَّنمْلَةِ فِی صِغَرِ جُثَّتِهَا...تَجمَعُ فِی حَرِّهَا لِبَردِهَا، وَفِی وُرُودِهَا لِصَدَرِهَا، مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا»(1) .

ورَزَق اللهُ يَرزُقُ العباد رِزقا: اعتمدوا عليه، وهو الاسم أخرج على المصدر وقيل: رَزْقِ. واذا أخذ الجند أرزاقهم، قيل: ارتزقوا رَزْقة واحدة، أي مَرًة(2) .

فالرَّاء والزاء والقاف أصل واحد يدلُّ على عطاء لوقتٍ. فالرِّزق: عطاء اللِّه جلَّ ثناؤه. ويقال رَزقه اللُّه رِزْقاً، والإسم الرِّزق. وهو الشُّكر(3) .

ومنه قوله جلّ ثناؤه: ﴿ وَتَجعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾(4) . وفعلت ذلك لمًا رزقتني، أي لمّا شكرتني. قال الله تعالى: ﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنيُطْعِمُونِ﴾(5) ؛ يقول: بل انا رازقهم، وماخلقتهم إلّا ليعبدونِ.

والرًزْقُ: ما يُنتفَع به، وجمعه الأرزاق(6) ، وهوإسم لِما يَسُوقه الله الى الحيوان للتغذي ؛ أي ما به قوام الجسم ونماؤه. والجمع أرْزَاق(7) .

ص: 101


1- نهج البلاغة: خ 185 ، 196
2- ظ: العين (مادة رزق): 5 / 89
3- ظ: مقاييس اللغة: 2 / 388
4- الواقعة / 82
5- الذاريات / 57
6- ظ: لسان العرب (مادة رزق): 3 / 1636
7- ظ: معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء: 229

ويُقَال للعَطاء الجاري تارة دنيوياً كان أم أخرويا، وللنّصيب تارة، ولمَا يصلُ إلى الجوف ويتغذى به تارة(1) ، فإن فعل الفعل وقتا بعد وقت قيل: فَعَّال مثل: عَلّام وصَبّار(2).

وجاء في المقتضب: « هذا باب مايبنى عليه الإسم لمعنى الصناعة لتدل من النسب على ماتدل عليه الياء) « وذلك قولك لصاحب الثياب: ثوَّاب، ولصاحب الثياب:ثوَّاب، ولصاحب العطر: عطّار، ولصاحب البَزِّ بَزَّاز. وإنّام أصل هذا لتكرير الفعل كقولك: هذا رجل ضرّاب، ورجل قتاّل، أي: يكثر منه مثل: بزّاز وعطّار»(3) .

ويرى د. فاضل السامرائي أن صيغة (فَعّال) في المبالغة هو النقل من شيء الى آخر فتحصل عند ذاك المبالغة؛ لأنَّ صيغة (فَعَّال) في الأصل مثل نجَّار، وقيست عليها صفات المبالغة(4) ، كأنَّا لكثرتها قد صارت حرفة عند معطيها.

12) الرَّهْنُ:

جاء هذا اللفظ في تسعة عشر موضعاً من النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي:(5)

اللفظ مرات وروده وزنه

ارتهن مرة افْتَعَل

ارتهنكم مرة افتَعَلكم

ص: 102


1- ظ: المفردات في غريب القرآن: 1 / 257
2- ظ: الفروق اللغوية: 12
3- المقتضب: 3 / 161
4- ظ: معاني الأبنية في العربية: 95
5- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 963

رهن مرتان فَعْل

رهونه مرة فُعُولُه

رهاتها مرة فِعَالها

مرتهن مرة مُفْتَعَل

مرتهنون مرتان مُفْتَعَلون

مرتهنة مرة مُفْتَعَلة

رهينا مرة فَعَيْلَ

رهينته مرة فَعِيْلَته

رهينة 4 مرات فَعيلَة

رهائن مرتان فَعَائِل

رهائنها مرة فَعائِلها

ليدلَّ على: الرهن المجازي: فلم يرد الرَّهْن بالمعنى الحقيقي (المادي) وهو الحَبْسُ ؛ بل جاء الرَّهْن بالمعنى المجازي، فعَ رِّب به الإمام (عليه السلام) عن (الأرواح، الأنفس، الحَبْس في القبورِ، التقوى، الودائع، ومرة واحدة كناية عن سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وجاء الفعل الماضي المزيد

(ارْتَهن)على زنة (إفْتَعَل) مرة واحدة في النَّهْج، للدّلالة على معنى الإتّاذ، وذلك في قوله في فضل القرآن: « فَالْقُرآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ، وَصَامِتٌ نَاطِقٌ، حُجَّةُ اللهِ عَلىَ خَلْقِهِ، أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقَهُ، وَارْتَهنَ عَلَيْهِ أَنْفُسَهُمْ »(1) ، فأرواح العباد كلٌّها في قبضته رهينة على الوفاء بحقه تعالى، ولمّا كانت ذمم المكلفين مشغولة بام تضمنه القران من التكاليف والأحكام كان اللازم عليهم الخروج عن عهدة التكاليف، فقد شبهّهم بالعین

ص: 103


1- نهج البلاغة: خ 183 ، 192

المرهونة لدَين المٌرتَهن، ففك رهانها موقوف على أداء حق صاحب الدَّين فكذا فك رهانة هؤلاء موقوف على عملهم بالتكاليف الشرعية، والأوامر المطلوبة(1) .

والمصدر(رَهْنُ) على زنة (فَعْلٌ) ورد مرتین، للدلالة على معنى المَنع والحبس، منها خطبته في صفة من يتصدى للحكم بین الامة: « إِنَّ أَبْغَضَ الخَلائِقِ إِلَ اللهِ تعالى رَجُلانِ: رَجُلٌ وَكَلَهُ اللهُ إِلَ نَفْسِهِ، فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، مَشْغُوفٌ بِكَلاَمِ بدِعَة، وَدُعَاءِ ضَلالَة، فَهُوَ فتِنْةٌ لَمنِ افْتتَنَ بهِ، ضَالٌّ عَنْ هَدْي مَنْ كَانَ قَبلْهُ، مُضِلُّ لمنَ اقْتَدَى بِهِ في حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، حَّمالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ، رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ»(2) ، فلا فكاك لهذا الرهن، ولاثمن عذاب الحريق، ف(رَهْنٌ بخَطِيئته) قيل: لأنه إن كان ضالً في دعوته مضلاً لمن اتبعه، فحمل خطاياه وخطايا غيره لأنّه رهن بخطيئتين معاً(3) .

وجاء متصلاً بضمير الغائبة (ها) على زنة (فِعَال) جمع تكسير من أوزان الكثرة، وهو يدلُّ على المشاركة، الفرق بین الرَهْنِ والرِّهَان ؛ في الصِيغة والدِّلالة ف(الرَّهن) زنة (فَّعل) و(الرِّهاَن) زِنَة (فِعَال) الأول عام والثاني خاص يقتصر على رِهان الخيل مثلاً، وقوله فيام يجري مجرى الخطبة: « وَمَضَيْتُ بِنُورِ اللهِ حِین وَقَفُوا، وَكُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً، وَأَعْلاَهُمْ فَوْتاً، فَطِرْتُ بِعِنَانِها، وَاسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِها»(4) ، فرِهانها: الجعل الذي وقع عليه التراهن، ويقصد به مايرهن ويستبق عليه للمبالغةمن رهان الخيل، وهو كناية عن سرعة السير وتقدمه نحو الفضائل قبل الكل(5) ،

ص: 104


1- ظ: منهاج البراعة: 10 / 305
2- نهج البلاغة: خ 17 ، 24
3- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 31 4 وظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 1 / 264
4- نهج البلاغة: خ 37 ، 42
5- ظ: منهاج البراعة: 4 / 410

فالباء للإلصاق كأنّ الرِّهان التصق به وعشقه فلم يبرحه الى غيره.

وجاء اسم المفعول من الفعل (يَرْتَن) أي من غير الثلاثي على زنة (مُفْتَعَل) في قوله (عليه السلام) في ذم أهل البصرة: « كُنْتُمْ جُنْدَ الَمرْأَةِ، وَأَتْبَاعَ البَهِيمَة، رَغَا فَأَجَبْتُم، وَعُقِرَ فَهَرَبْتُم، أَخْلاَقُكُمْ دِقَاقٌ وَعَهْدُكُمْ شِقَاقٌ، وَدِيْنُكُمْ نِفَاقٌ، وَمَاؤُكُمْ زُعَا قالمُقِيمُ بَينْ أَظْهُرِكُمْ مُرْتَهن بذَنْبِهِ، وَالشَّاخِصُ عَنْكُمْ مُتَدَارَكٌ بِرَحْة مِنْ رَبِّهِ»(1) .

المٌرْتَهن: من الارتهان والمراد المُؤاخذة، أي أنّه وصف المُقيم بین أظهرهم

(مُرتَهَن بذنبهِ) ؛ لأنه بإقامته بينهم إمّا أن يشاركهم في الذنوب فلا ينكرها، ومذهبنا لاتجوز الإقامة بدارالفسق او الكفر، فالإمام (عليه السلام) هنا استعمل الكناية ؛ ليوبخهم ويقرعهم بعد واقعة الجمل، وممَّا يعمق دلالة الوصف السالب لأهل البصرة، فيجعل فعل الخطيب يتعدَّى من السَّلب الى الإقذاع والهِجاء هو أنهم كانوا جُنداً لعائشة وضمير المخاطبین (كم) في (أظهركم) يخصُّ أهل البصرة، والمرأة عائشة والبَهيمة: الجمل، الذي سميت الواقعة بإسمه، استعمل الإمام (عليه السلام) هنا الزمن بإنواعه الثلاثة ؛ جاء الماضي في (كنتم، رغا (صوته) وعُقِر أي ذبح او جرح او ضربت قوائمه)(2) .

وجاء الزمن الحاضر منه في (أخلاقكم، عهدكم، دينكم، ماؤكم) وهي جمل إسمية دالة على الثبات والدَّوام. ف(أخلاقهم، عهدهم، دينهم، ماؤهم) وُصِفَتبصفات سلبية (دِقاق (دنيئة)، شِقاق، نِفاق، زعاق (مالح))، ولمّا كان عمل أهل البصرة سالباً في كلٍّ من الزمانین الماضي والحاضر، وصف الإمام (عليه السلام) مستقبل البصرة في صورة عذاب يُصَبُّ عليهم فيفرقهم بالماء بقوله

(المُقيم بین

ص: 105


1- نهج البلاغة: خ 13، 21
2- ظ: اسلوب علي بن ابي طالب في خطبه الحربية: 339 - 342

أظهركم مُرتَن بذنبه) أي: مُؤاخَذٌ ؛ وإتَسًم الكلام بنفَسٍ تصاعدي حادٍ يظهر في طريقته في عرض الصُّور؛ ليشدّ انتباه الجمهور، إلا أنّ القسم الذي وردت فيه مفردة (مُرْتَهن) خلا من أية صورة. وهو الزمن الثاني (الحاضر)، وهي جمل إسمية تدلُّ على الدّوام والثَبات.

وقال في العِظَة بالتّقوى جاء اسم المفعول مجموعا جمع مذكّر سالم: » فَارْعَوْا عِبَادَ اللهِ مَا بِرِعَايَتِهِ يَفُوزُ فَائِزُكُمْ، وَبِإضَاعَتِهِ يَخسرَ مُبْطِلُكُمْ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بأَعْمَالِكُمْ، فَإِنَّكُمْ مُرْتَهنُونَ بِماَ أَسْلَفْتُمْ»(1) ، ف(مُرْتَهنٌون) خبر (إنَّ) مرفوع، بالذنوب محتاجون الى فك رهانها، ولفظ (المرتهن) مستعار للنفوس الاثمة باعتبار تقيدها كتقيد الرّهن المُتَعَارف بما عليه من المال وإمتكانه بأدائه(2) .

وجاء المؤنث من اسم المفعول مُرْتَهنَةعلى زنة (مُفْتَعَلة) ملحقا به التاء الدالة على المبالغة والكثرة ؛ لأن المفرد عندما يكون خبرا أو صفة أو تمييزا يدل على الكثرة، فالجِبال العالية أكثر من الجبال العاليات قائلاً: « وَالاْرْوَاحُ مُرْتَهنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا»(3) .

والمُراد ب(المُرْتَهنَة): المَقْبُوضَة، بثّقل أعمالها وأحمالها لأنّ الإنسان روح، وبدن، والبَدَن بعد الموت للعفونات، والحشرات، أمّا الرّوح فلهول الحِسَاب عن الأعمال، وماحملت من الأثقال(4) . وورد (رَهَین) على زنة (فَعَيِل) صفة مشبهة في التذكير بضروب النِّعم: « وَقَدْ غُودِرَ فِی مَحلَّةِ الاْمُوَاتِ رَهِيناً»(5) .

ص: 106


1- نهج البلاغة: خ 190 ، 204
2- ظ: منهاج البراعة: 10 ، 181
3- نهج البلاغة: خ 83 ، 70
4- ظ: منهاج البراعة: 6 / 12 ، وظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 160
5- نهج البلاغة: خ 83 ، 70

حال من غُودِر أي حَبَيسَا في لْحدِهِإ الى يوم يُبْعَثُون(1)

وجاءت لفظة (رَهِيْنَة) على زنة (فَعِيْلَة) أربع مرات في النَّهْج، ثلاثا منها مُنَكرة ومرة واحدة معرفة ب(ال) التعريف، وهي قوله (عليه السلام) مخاطبا رسول الله عند دفنه لفاطمة الزهراء: « إنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَلَقَدِ اسْترُجِعَتِ الْوَدِيعَةُ، وَأُخِذَتِ الرَّهِينَة». فهي وديعة رسول الله التي أودعها علياً (عليه السلام)، وهنا فن المماثلة، ترديد الألفاظ المتماثلة على المعنى الواحد لتوكيده، وهي (الوديعة والرهينة)(2) .

وقد عُرِفَّت ب(ال) ؛ لأنَّا معروفة. أمّا المراد ب(رهينة الايام) فبلحاظ أنَّ وجوده مرتبط بالأوقات وداخل في حكمها كأرتباط الرَّهن بيد المرتهن(3) .

و «رَهنْتُ الشيء فلاناً رَهْناً. فالشيَّءُ مَرْهُون. وأرْهَنْتُ فُلانَا ثَوبَاً. إذا دفَعته إليه لِيرهَنه. وارْتَهنه فلان. إذا أخذه رَهْنا. والرُّهون. والرِّهان والرٌهُن : جمع الرَّهن.

والمُراهنة والرِّهان: أن يُراهِنُ القومَ على سباقِ الخَيلِ وغيره. وأرْهَنْتُ الميَّتَ قَبرْا:ضَمَّنتّه إياه. وكلِّ أمرٍ يُحتبَس به شيءٌ فهو رَهْنُهُ. ومرتهنه. كام أنَّ الإنسان رهین عمله»(4) .

قال احمد بن فارس: « الرَّاء والهاء والنون أصل يدلُّ على ثبات شيء يمسك بحق أو غيره. من ذلك الرًهن: الشيَّء يترْهن. تقول رَهْنتُ الشيَّء رَهْناً ؛ ولايقال

ص: 107


1- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 160
2- نهج البلاغة: خ 83 ، 70
3- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 5 / 5
4- ظ: منهاج البراعة: 5 / 331

أرهنت. والشيّء الرَّاهن الثابت الدَّائم. ورهن لك الشيء: اقام وارهنته لك: اقمته، وقال ابو زيد: أرْهَنْتُ في السِّلْعَة إرْهَانا: غاَلَيْتُ فيها. وهو من الغَلاء خاصةً.

ماوضع عند الإنسان مِّما ينوبُ مَناب ماأُخذ منه. يقال: رَهَنْتُ فُلانا دارا رَهننا، وارْتَهنهُ إذا أخذه رَهْنا، والجمعُ رُهُون ورِهَان ورُهُن.، وأرهن بالسِّلْعَة: غَالى بِها، وبَذل فيها مَالَه حَتَّى أدْرَكَها»(1) .

والرًهْن في الشرَّعِ: « حَبْسُ الشيَّء بحقٍ يُمْكِنُ أخْذَهُ مِنْه كالدَّيْنِ، ويُطلَقُ على المَرهُون تسميةً للمفعولِ بإسم المَصْدَر»(2) .

وعرّف الرَّاغب الرَهْن بقولهِ: « مايُوضَعُ وثيقةً للدَّيْنِ، والرِّهان مثله، لكنَّ

يُختَصُ بِما يُوْضَع في الخطار وأصله مصدر، يُقال رَهَنتُ الرَّهْنُ ورَاهَنْتُه رِهاَنا فهو رَهِين ومَرهُون،....لمَّا كان الرَّهنُ يُتصَورُ منه أنَّه أستعير ذلك لِحبْسِ أيِّ شيءٍ كان»(3) .

13) الِّسلْعَة :

وردت هذه اللفظة ثلاث مرات في كلام الإمام (عليه السلام)، وهو موضح في الجدول الآتي:(4)

اللفظ مرات وروده وزنه

سِلْعَة 3 مرات فِعْلَةٌ

ص: 108


1- مقاييس اللغة: 2 / 452
2- التعريفات: 98
3- ظ: المفردات في غريب القرآن: 270 ، وظ: المصباح المنير: 242
4- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 948

لتدل على السلعة المجازية، فلم ترد حاملة لمعنى السلعة الحقيقية، فقد إستعمل الإمام (عليه السلام) هذا النَّوع، إذ جاءت في النَّهْج تحمل المعنى المجازي ؛ ولم تأتِ هذه اللفظة لتحمل المعنى الحقيقي (المادي). قال أمير المؤمنین (عليه السلام) في كلام له في صفة من يتصدى للحكم بین الأمة: «إِلَ اللهِ أَشْكُو مِنْ مَعْشَ يَعِيشُونَ جُهَّالاً، وَيَمُوتُونَ ضُللاً، لَيْسَ فِيهمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الكِتَابِ إِذَا تُلَی حَقَّ تِلاَوَتِهِ، وَلاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً وَلاَ أَغْلىَ ثَمَناً مِنَ الكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ»(1) .

وتقدم شبه الجملة (فيهم) جوازا، والغرض منه التوكيد، أي أنَّ الأمر فيهم وحدهم لافي غيرهم، وأبورعلى زنة (أفْعل) من البَوُر: الفاسد، بار الشيء، أي، فسد، وبَارَتْ السِّلعة: كسدت ولم تنفق، وهو المراد هاهنا، وأصله الفساد(2) ، و(سِلْعَة) الثانية مسبوقة ب(لا) الزائدة.

وجاءت الجملة الفعلية تحمل صيغة النفي ؛ لتعطي مابدأ به النص من إثبات، ثباتا أكثر؛ لأنّ موضوع النص القرآن (الكتاب) ولمَا يحمله من أهمية قصوى في حياة المسلمين فهو دستورهم المقدس، فالشَّكوى على لسان الإمام (عليه السلام) تمثل شكوى الحرص على مصلحة الجماعة لا الفرد. ووقعت (سلعة) اسم ليس في حديثه عن الزَّمان المُقْبِل: «وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلَی حَقَّ تِلاَوَتِهِ»(3) . تقدمت الجملة الظرفية (عند أهل ذلك الزّمان) على إسم ليس (سلعة) وأصلُّ الجملة (ليس سلعة أبور عند أهل ذلك الزّمان) وأبور بمعنى: أفسد، وهي

ص: 109


1- نهج البلاغة: خ 17 ، 25
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 1 / 264
3- نهج البلاغة: خ 147 ، 145

خبر ليس، من بار الشيء، أي هلك، ويقصد بالسِّلعة هنا: المتاع(1) .

والسَّلع: نبات يقال: هو السُم. وتجمع السِّلْعة على سِلَع وهي ماكانت متجورابه من رغيف وغيره(2) قال ابن فارس: « السين واللام والعين أصل يدل على انصداع الشيّء وانفتاحه. من ذلك السّلع، وهو شَقُ في الجبل كهيئة الصدع والجمع سُلُوع. ويقال تسلع عقبه، إذا تشقق وتزلع. ويقال سلع رأسه، إذا فلقه، والسّلعة: الشيءٌ المَبَيع، وذلك أنّا ليست بقنية تٌمسَك، فالأمر فيها واسع»(3) .

وسميت بذلك ؛ لأنّا تقطع من غيرها أي تُسلع منه. ويراد بها المَتاع الذي يُتّجر به، ويُقَال: هذه سِلْعَةٌ مُربِحَة، وهي من أربَح السّلع وهي المَتاع المٌتَجَوزٌ فيه، تقول: ماهذه سِلْعَه إنماَّ هي سِلْعه(4) .

و » السّلعة ما تُجرَبه، وأيضا العلق، والمتاع، وجمعها السِّلع. والمُسْلِعُ: صاحب السِّلْعة»(5) .

14) السُوُق:

ورد هذا اللفظ ثلاث مرات في النَّهْج، كما هو موضح في الجدول الآتي(6) .

ص: 110


1- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد: 9 / 75
2- ظ: العين (مادة سلع): 1 / 335
3- مقاييس اللغة: 3 / 95
4- ظ: اساس البلاغة: 1 / 468
5- لسان العرب (مادة سلع): 3 / 2066
6- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 971

اللفظ مرات وروده وزنه

الأسْواق مرة الأفْعَال

أسْوَاقهم مرتان أفْعَالهم

1) المعنى الحقيقي (المادي): المَوْضِعُ الذي تُجلَبُ إليِه البَضَائِع للبَيعِ، فجاء جمعا معرفا ب(ال) مرة واحدة في كلام الإمام (عليه السلام) على زنة (أفعال) وهو جمع قلة ؛ لِيدلّ على الموضع الذي تُجلَب إليه البضائع لِتُباع وذلك في قوله (عليه السلام)في كتابه الى الحارث الهمذاني: »وَإِيَّاكَ وَمَقَاعِدَ الاْسْوَاقِ، فَإِنّها مَعاضِ الشَّيْطَانِ وَمَعَارِيضُ الْفِتَنِ»(1) ، ف(الأسْوَاقِ) مضاف إليه مجروربالمضاف (مقاعد) سُبِقَ بإسلوب تحذير، وفيه حذف، والتقديرف(إيًاك) مفعول به لفعل محذوف، والأصل احذرك، أو (إيّاك وتحذير الإمام (عليه السلام) هنا والنهي عن الجلوس في الاسواق فيه هدف اجتماعي، إذ أنّ فيها سمسرات ومساومات ورِبا وخصومات وعِدَاءَات على اليسير والحقير من مَتاع الدُّنيا(2) . وجاء متصلاً بالضمير (هم) مرتین في النَّهْج وذلك (في بيان حال المنافقين) « يَتَوَصَّلُونَ إِلَی الطَّمَعِ بِالْيَأْسِ لِيُقيمُوا بِهِ أَسْوَاقَهُمْ، وَيُنَفِّعُوا بِهِ أَعْلاَقَهُمْ»(3) ، والإقامة في الأسْواق تعني: إنفاق السّلع ؛ إذ يتوسلون إلى الحياة الدنيا بإظهارالزهد فيها واليأس منها، والرّغبة في الآخرة كَذِبا لديهم ورياء، وقد إستعار الإمام (عليه السلام) الأسْوَاق لأحوالهم في المعاملة مع الخلق من أخذ وعَطاء فإنّ

ص: 111


1- الحارث الهمذاني: يلقب بالحارث الأعور (ت 65 ه) وهو من قبيلة همذان نزلت بالكوفة قادمة من اليمن، وهو من أولياء الامام، ومحل عنايته، واهتمامه من فقهائه وعلاء عره، ومن القرَّاء أيضاً
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 10 / 13 2 و 18 / 152
3- نهج البلاغة: ك 53 ، 325

فعلهم ذلك يقيمها بین الناس ويروجها، وكذا الحال مع أعْلاقِهم (الشيَّء النفيس)؛ إذ أنه مُستعار لِا يزعمون بأنه نفيس من آرائهم وحركاتهم الخارجة عن أوامر الله(1) .

2) المعنى المجازي: جاء هذا المعنى، وهو يدل على الاتباع والانقياد، وهو يدلُّ على الإتِّباع والإنقياد(2) ،

قال ابن فارس: « السین والواو والقاف أصل واحد، وهو حدو الشيء. يقال ساقه يسوقه سوقا. والسيقة: مااستيق من الدَّواب، ويقال سقت إلى امرأتي صداقها، واسقته، والسٌوق مشتقة من هذا لما يساق اليها من كل شيء، والجمع أسْوَاق»(3) .

وسَوقُ الإبل جلبها وطردها، يقال سِقْته فانساق، والسيقة مايساق من الدَّواب والسوق الموضع الذي يجلب اليه المتاع للبيع(4) .

قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِ فِی الْاَسْوَاقِ لَوْلَ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾(5) ، وجمعه أسواق، موضع البياعات ؛ المكان الذي يجتمع فيه الناس للبيع والشراء(6) .

15) الّشِرَاء:

إنَّ الفعل (إشترى) الألف فيه منقلبة عن ياء لأنَّ الفعل المضارع (يَشرْي) ثقل

ص: 112


1- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 402 وظ: في ظلال نهج البلاغة: 4 / 271
2- لم نبحثه لأنه بعيد عن تخصصنا
3- مقاييس اللغة: 3 / 117
4- ظ: المفردات في غريب القرآن: 329
5- الفرقان / 7
6- ظ: معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء: 61

فيه إجتماع الياء مع فتح العین واللام ؛ فقلبت الياء إلى الفا ؛ لخفة الالف.

ف(شرى) من الأضداد ومعناه: باع، واشْترَى بمعنى دفع الثمن وأخذ السِّلْعَة، ويُسَمَّى الفعلُ (شَرى) ناقصا ؛ لأنَّ لامَ الفعلِ حرفُ علةٍ، وقد ذكرُه الإمام (عليه السلام) عشرمرات، كاَّم يبينهُ الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

اشْتَری 4 مرات إفْتَعل

اشْتَيْرت مرة افتعلت

اشْتَروه مرة افتعوه

يَشْتَرون مرتان يَفْتَعُون

شِرائِها مرة فِعَالِا

المُشْتَري مرة المفتعل

وهو على نوعين:

1) الشراء الحقيقي (المادي): أخذ السِّلْعَة ودفع الثَّمَن، وقد وردت هذه الصيغة الإسمية متصلة بضمير الغائبة مرة واحدة في كلام الإمام (عليه السلام). وذلك في خطبته التي ذكر فيها أصحاب الجمل قائلا: « فَخَرَجُوا يَجرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) كَمَ تُجرُّ الاْمَةُ عِنْدَ شِرائِهَا»(2) .

شبَّه الإمام (عليه السلام) عائشة بالأمة ووجه الشبه بينهما تعاملهم معها من خضوع وذل ولامبالاة. الفعل (شَّى): أصله شَري، لتحرك الياء بعد فتح قلبت الفا.

ص: 113


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 996
2- نهج البلاغة: خ 172 ، 178

ش -َ / ر-َ / ي -َ تقلب الياء الفا ش -َ / ر -َ إعلال بالقلب إْشْتَرى: (إفْتَعَل) أصله إشْتَري لتحرك الياء بعد فتح قلبت الفا اِ - ش / ت -َ/ ر -َ / ي -َ تقلب الياء الفا اِ ش / ت َ / رَ-َ إعلال بالقلب.

أمَّا المصدر(شِراء) فأصله (شِاي) قلبت الياء همزة ؛ لوقوعها طرفاً بعد الألف الزائدة.

ش ِ / رَ-ً ي قلب الياء همزة ش ِ / رَ-ً ءإعلال بالقلب. إنَّ الشرِاء مع هذا المعنى تكون فيه السّلع مادية (حسية) من الذين يرغبون في تملكها.

2) الشراء المجازي: من ذلك قوله: « اشْترَى هذَا الُمغْتَّر بِالاْمَلِ، مِنْ هذَا الُمزْعَجِ بِالاْجَلِ، هذِهِ الدَّارَ بِالُخرُوجِ مِنْ عِزِّ الْقَنَاعَةِ، وَالدُّخُولِ فِی ذُلِّ الطَّلَبِ وَالضَّراعَةِ، فَماَ أَدْرَكَ هذَا الُمشْترَي فِيَما اشْترَى مِنْ دَرَك»(1) ، فموقف الإمام

(عليه السلام) هنا داعياً إلى الزّهد، وجَسَّده في سيرته العملية، فأوضح موقفه من الملكية إنسجاما مع الشريعة الاسلامية ؛ لِما في الملكية من نزاعٍ وعداءٍ في المجتمع ويقول بهذا الصدد:«وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الاْقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِماَ تَحتَ أَفْلاَكِهَا، عَلىَ أَنْ أَعْصيِ اللهَ فِی نَمْلَة أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَة مَا فَعَلْتُهُ»(2) . وهذا النوع من الشراء جاءعلى صيغة إسم المفعول (الذي وقع عليه فعل الشراء) ؛ إذ ورد اسم الفاعل من مادة (إشْترَى) على زنة (مُفْتَعِل)، لكونه غير ثلاثيا وذلك في خطابه للتابعي القاضي شريح(3) (رحمه الله) قائلاً: «فَماَ

ص: 114


1- نهج البلاغة: ك 3، 270
2- خ 224 ، 255
3- شريح بن قيس بن الجهم الكندي قاضي الكوفة لستين سنة، وأسلم قبل وفاة الرسول بخمس سنوات، كان عازماً ان يزوره ؛ لكنه انشغل حتى فاته ذلك وجاءه خر وفاته، قال فيه الامام » هو أقى العرب » وعاش 108 سنين، وتوفي عام (78 ه)

أَدْرَكَ هذَا الُمشْترَي فِيَما اشْترَى مِنْ دَرَك»(1) ، فكلّ مَنْ بَنَى جِدارا من حرام، او إكتسب دِرهما من غيرحلال، أقام حجابا بينه وبین الله، ثم يجيء الموت فيجرده من كل شيء، فيسوقه عريانا إلى العرض على الله للحساب والجزاء تماما كما فعل من قبل ويفعل من بعد بالجبابرة والقياصرة(2) .

3) الشرِّاء المجازي (بمعنى الإستبدال): جاء هذا المعنى على صيغة الفعل الماضي متصلاًبجماعة الغائبین، مرة واحدة في كلام أمير المؤمنین (عليه السلام) وذلك في قوله لِمراء الجُنْدِ: « أمَّا بعد، فإنّمَا أهلك من كان قبلكم أنَّم منعوا الناس الحق فاشتروه، وأخذوا الباطل فاقتدوه»(3) . أي انهم اشتروا الحق، فالحق لايُشْترَى ولايُبَاع، الشَّاري هو البائع، وهو المُشترَي أيضا، فشَيتُ بمعنى بِعْتُ، وشَريْتُ بمعنى إشترَيتُ. ويقول الأزهري: « وللعرب في شروا واشتروا مذهبان، فالأكثر منهام أن يكون: باعوا، واشتروا: ابتاعوا، وربما جعلوهما بمعنى باعوا»(4) .

شرى يشري شرىً وشِاءً وهو شار. اذا باع(5).

قال ابن فارس: « الشین والراء والحرف المعتل أصول ثلاثة: أحدها يدلُّ علىتعارض من الإثنین في أمرين أخذا وإعطاءا...... فالأوّل قولهم: شَيْتُ الشيّء واشْترَيْتُه إذا أخذته من صاحبه بثمنه»(6) .

ص: 115


1- ك 31، 270
2- نهج البلاغة: خ 172 ، 178
3- ك 4، 271
4- تهذيب اللغة: 11 / 40
5- ظ: العين (مادة شري): 6 / 282
6- مقاييس اللغة: 3 / 266

قال تعالى: ﴿وَشَروْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾(1) فباعوه بِثَمَنٍ قليلٍ.

قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِی سَبِيلِ اللِّه الَّذِينَ يَشرْونَ الَحيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِی سَبِيلِ اللِّه فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً﴾(2) ، يبيعون الدُّنيا مقابل الأجر والثواب والجَنّة، ويجوز فيه ال رّشاء والإشْترِاء، والشَاري: البائع، والشَاري: المُشْترَي، فشَيتٌ بمعنى بِعْتٌ، وشَيت: إشْترَيتُ.

16) الصرف:

تكررهذا اللفظ في أربعة وثلاثين موضعا من النَّهْج. كما يشير إليه الجدول الآتي(3)

اللفظ مرات وروده وزنه

صُرفَ مرتان فُعِل

انْصَرف مرة انْفَعِل

انْصَرفوا مرة انْفَعِلوا

صَرفُ 4 مرات فَعْل

صُروف مرة فُعُول

تَصْريفَها مرتان تَفْعيلَها

تَصَرفِ 3 مرات تَفَعُلِ

ص: 116


1- يوسف / 20
2- النساء / 74
3- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1034

إنْصِر اف مرة إنْفِعال

صِريِفُ مرة فَعِيلُ

مُصَرفا مرة مُفَعِلا

مُصَرفَة مرة مُفَعِلَة

مُنْصَرفُ مرة مُنْفَعَلُ

مُتَصَرفَةُ مرة مُتَفَعِلَة

مصارِف مرة مفاعِل

ليدلَ على معنيين:

1) الصرف الحقيقي (المادي): ويعني الدَّفع والرَّد، جاء في كلام الإمام (عليه السلام)؛ ليدلُّ على معنى صَرفُ الدَّراهم: تبديل عملة بأخرى، ومنه قوله (عليه السلام): « أَيُّها الشَّاهِدةُ أَبْدَانُهمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، المُبْتَلَی بِمْ أُمَرَاؤُهُمْ، صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصيِ اللهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ، لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَني بِكُمْ صَرفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ»(1) ، ف(أن معاوية صارفني) جواب للقسم المتقدم، لو فعل الإمام (عليه السلام) ذلك لَكَان العراقيون في طاعته كأهل الشام إذ كانوا أكثر تمردا من أهل العراق، لأنّ سياسة معاوية كانت تقوم على الرِشّوة وشِاء الذمم ؛ فالمال مُقلِب القلوبِ لايملكمعه أحد إلاَّ السّمع والطاعة. أقسم أنّه ليود ان يصارفه معاوية بهم صرف الدينار بالدِّرهم، فمقصد الإمام (عليه السلام) تشبيه (تبديل العملة بالعملة)، هوالتحقير، إذ جعل أهل الشام بمنزلة الذَّهب وجعل أصحابه بمنزلة الفضّة، ورجّح واحدا

ص: 117


1- نهج البلاغة: خ 97 ، 99

منهم على ع رشة من أصحابه حيث ودّ مبادلتهم به(1) .

2)الصرَّف المجازي: بمعنى الدَّفع ل ألذى، والشر، والرذائل. ومنه قوله في كتابه إلى العامل الذين يطأ عملهم الجيش: «وَقَدْ أَوْصَيْتُهُمْ بمِاَ يَجبُ لله عَلَيْهِمْ مِنْ كَفِّ الاْذَى، وَصَرفِ الشَّذَى»(2) ، والشَذَّى: الأذى، وحاصل الكلام إعلام من على طريق الجيش من الجباة وعامل البلاد بمسيره عليهم ؛ لينتبهوا و تريحزوا منه، ووصية للجيش بما ينبغي عليهم من كف الأذى عمَّن يمرون به ؛ ليعرفوا عدله، ويتأدبوا بآدابه(3) .

قال ابن فارس: « الصاد والراء والفاء معظم بابه يدل على رجع الشيء. من ذلك صَفْتُ القوم صَرفا وانصرفوا، اذا رجعتهم فرجعوا..ومعنى الصرًف عندنا أنه شيء صُرف الى شيء، كأن الدينار صُرف الى الدراهم، أي رُجِع إليها، إذا أخذت بدله..وتصريف الدراهم في البياعات كلُّها: إنفاقها»(4) ، وهو ردٌ الشًیء عن وجهه، صَرفَهُ يَصْرفُهُ صَرفا فانْصرَفَ. وصارف نفسه عن السيء: صرفها عنه(5) .

صرَّف الدَّراهِم: باعها بدراهمٍ ودنانيرٍ، وأصطرفها: إشتراها، والصَّيف هو الحليب الحار ساعة يصرف عن الضرَع، ومن المجاز: لهذا على هذا صَرفٌ وفلان لايُحسِن صَرف الكلام: فضلُّ بعضُه على بعضٍ، وفُلان لايُحسِنُ صَرف الكلام.فضلُّ بعضه على بعضٍ، وصُرفَ عن عمله: عُزِل، وإنًه لَيتصرًفُ: يحتال، وفُلان

ص: 118


1- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 261
2- نهج البلاغة: ك 60 ، 338
3- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 5 / 187
4- مقاييس اللغة: 3 / 343
5- ظ: لسان العرب (مادة صرف): 4 / 2435

يَصْطَرِف لِعِيالِه: يَكْتَسِب(1) .

بيعُ ثَمَنٍ بثَمَنٍ، والصَف في اللغة الدّفعُ والرَدُ، وفي الشَيعة: بيعُ الأثمان بعضها ببعض، وصَرفُ النّقود تغييرها. والمَصرْف: مكانُ صرفُ النقودِ. والذّي يقوم بالصرّف يُقَال له: صَّراف، وصَيرَف، وصَيرَفِی. والصرّاف والصّيرف والصّيرفِی:النَقّاد، والجمعُ صَيَارِفَة(2) .

17) الصفَقَة:

ورد هذا اللفظ سبع مرات في النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي:(3)

اللفظ مرات وروده وزنه

تَصْطَفِق مرة تَفْتَعِل

صِفَاق مرة فِعَال

صفقة مرة فعلة

تصفيق مرة تفعيل

إصطفاق مرة افتعال

صافق مرة فاعل

المصفقة مرة المفعلة

لتدلُّ على معنيين:

ص: 119


1- ظ: اساس البلاغة: 1 / 545
2- ظ: المعجم الاقتصادي الاسلامي: احمد الشرباصي: 253
3- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 1038

1) الصفقة الحقيقية (المادية): لم يأتِ هذا النوع في النَّهْج ؛ وإنّما جاء المعنى المجازي.

2) الصفقة المجازية: وهذا النوع من الصفقات هو ماقصده الإمام (عليه السلام)، فوردت مفردة (صَفَقَة) على زنة (فَعْلَة) في قوله (عليه السلام): « إنِّ أَخْسرَ النَّاسِ صَفْقَةً، وَأَخْيَبَهُمْ سَعْياً، رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِی طَلَبِ آمَالِهِ، وَلَم تُسَاعِدْهُ الَی قَادِيرُ عَلىَ إِرَادَتِهِ»(1) .

ف(أخْسر وأخيب) صيغتا إسم تفضيل وتدلان على أكبر الخسران وأخيب السَعي، ومعنى الصَفَقَة: البَيْعَة، أي أخسرالناس بيعا، يقول شارح النَّهْج: «هذه صورة أكثر الناس، وذلك لأنّ أكثرهم يكدُّ بدنه ونفسه في بلوغ الآمال الدنيوية، والقليل منهم من تساعده المقادير على إرادته، وإن ساعدته على شيء منها بقي في نفسه ما لا يبلغه»(2) .

والصّفْقَةُ تعني: ضربُ اليدِ على اليدِ في البيعِ والبَيْعَة(3) . عند الاتفاق على شيء، فهي إعلان بصوتها وهي تحية بملامسة الأيدي بعضها ببعض.

قال احمد بن فارس: « الصاد والفاء والقاف اصل صحيح يدل على ملاقاة شيء ذي صفحة لشيء مثله بقوة. من ذلك صفقت الشيء بيدي، اذا ضربته بباطن يدك بقوة..... والصفقة: ضرب اليد على اليد في البيع والبيعة، وتلك عادة جارية

ص: 120


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 430 ، 415
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 20 / 65
3- ظ: العين (صفق): 5 / 66

للمتبايعین»(1) .

ومنه صَفْقَة مباركة: وهي ضربُ اليد على اليَدِ في البَيْع والبَيْعَة ، ومنه اصفقوا على أمرٍ واحدٍ: إجتمعوا عليه(2) .

والصَّفْقُ: الضرَّب الذي يُسْمَع له صوت، وكذلك التَصّفيق. صفًّقَ بيديه وصفًح سواء، ويقال: رَبِحَتْ صفقتك، للشرِّاء، وصَفْقَةٌ رَابِحَة، وصَفْقَة خاسرة، وتصافقوا: تبايعوا(3) .

و(صَفَقْتُ) له بالبيعةِ (صفقا)،وضَربتُ بيدي على يدهِ وكانت العربُ إذا وجبَ البيعُ ضربَ أحدهما يدهُ على يدِ صاحَبه فاستعملت (الصًفقة) في العَقد، يقال: بارك الله لك في (صفقة) يمينك.(4) .

18) عُكاظ:

وردت هذه اللفظة مَرَّة واحدة في كلام الإمام (عليه السلام)؛ لِتدلَّ على معنى واحد وهو اسم سُّوق مزدحم، لأنَّ العكظ بمعنى الازدحام، ومثله في الدلالة على الازدحام «مكة، بكة» فبكة ومكة أي زاحمة، ومنه جاء اسم بيت الله الحرام ؛ جاء هذا اللفظ في خطبته في حديثه عن ذكرِ الكوفةِ ؛ قائلا: «كَأَنّیَ بِكِ يَاكُوفَةُ تُمدِّينَ مَدَّ الاْدَيمِ الْعُكَاظِيِّ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ، وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلاَزِلِ...»(5) .

ص: 121


1- مقاييس اللغة: 3 / 290
2- ظ: اساس البلاغة: 1 / 550
3- ظ: لسان العرب (مادة صفق): 4 / 2464
4- أساس البلاغة: 1 / 545
5- نهج البلاغة: خ 47 ، 47

وخطابُ الإمام (عليه السلام) للكُوفةِ، أخبر به عن المغيبات بین فيه حال الكوفة وحال أهلها وتسلط الظالمین عليها، وتشبيهه للكوفة ب(الأديم العكاظي) من باب جمعهما لوجه الشبه (مايقع بأهلها من ظلم، كالأديم العكاظي المستحكم الدّباغ شديد المدّ(1) .

و «عُكاَظ: إسم سوق للعرب بناحية مكة، إذ يجتمعون فيها في كلِّ سنةٍ يقيمون ويتبايعون ويتناشدون الشعرشهرا»(2) .

ويقال: أديم عُكاظي، منسوب إلى عُكاظ، وسمى به لأن العرب كانت تجتمع كل سنة فيعكظ بعضها بعضا بالمفاخرة والتناشد، أي: يدعك ويعرك(3) ، ويقال: عَكِظَهُ: يَعْكِظُه: حَبَسَه، وعَرِكه، وقَهَره، وردَّ عليه فخْرَهُ. وكغرابٍ: سوقٌ بصحراءٍ بین نَخْلَةٍ والطَّائِفُ، كانتْ تقومُ هلالُ ذي القعدةِ، وتستمرُ عشرين يوماً، تجتمع قبائلُ العربِ فيتعاكظون، أي: يتفاخرون ويتناشدون، ومنه الأدَيم العكاظي(4) ، وهو موضع بقرب مَكَّة، كانت تُقَام به في الجاهلية سوق يقيمون فيه أيّاما(5) .

19) الغَلاء:

ورد هذا اللفظ في النَّهْج في ستة مواضع، كما يبينه الجدول الآتي:(6)

ص: 122


1- المصباح المنير: 347
2- ظ: شرح نهج البلاغة: 3 / 154 ، وظ: منهاج البراعة: 4 / 218
3- ظ: منهاج البراعة: 4 / 218 وظ: الديباج الوضي: 1 / 447
4- ظ: العين: تح: عبد الحميد هنداوي: 3 / 209
5- ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 635
6- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 13

اللفظة مرات وروده وزنه

غَالٍ مرتان فَاعٍ

الغَالي مرتان الفاعل

أغْلى مرة واحدة أفْعَل

غَلا مرة واحدة فًعَلَ

دالاً على معنيين:

1) المعنى الحقيقي (المادي): ويعني الارتفاع ومجاوزة الحد، جاء مرة واحدة على زنة إسم التفضيل من (غلا) مسبوقا ب(لا) النافية في قوله (عليه السلام): «لَيْسَ فِيهمْ سِلْعَةٌ أَبْوَرُ مِنَ الكِتَابِ إِذَا تُ يِلَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ، وَلاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقُ بَيْعاً وَلاَ أَغْلَی ثَمَناً مِنَ الكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ»(1) ، وسِلْعَة: إسم ليس، و(أبْوَر) صفة ل(سِلْعَة)، وبيعا: تمييز، وثمنا مثله، والمراد ب(التلاوة) الفهم السليم، والتفسير القويم للقران، فهؤلاء المعاشر إذا فسر القران بالحق أعرضوا عنه، وعائدوه، واول بما يشتهون، فالدّين عندهم المصلحة وكفىفأكثر ثَمَنا، يُقَال: أغلاه الله، إذا جعله غاليا. والأصل في أغْلى: (أغلَو) ؛ لوقوع الواو طرفا وهي رابعة قلبت ياءا، فأصبحت (أغْلی)، تحركت الواو وأنفتح ماقبلها فقلبت الياء إلى ألفا (ءَ غ / ل َ و) والقاعدة الصرفية تقول» كلّ واو أو ياء تطرفت وقبلها مفتوح قُلِبَت إلى ياء» (ء َ غ / ل َ/ ي ُ) تقلب الياء إلى ألف (ء َ غ / ل َ إعلال بالقلب).

2) المعنى المجازي: ويدلُّ على الغلو ؛ أي المبالغ الذي يجاوز الحد بالإفراط،

ص: 123


1- نهج البلاغة: خ 17 ، 25

كقوله: « هلكَ في رجلان: محب غالٍ ومبغض قالٍ»(1) ، ويعني به المؤاخذ، والأصل فيه (غَلَو)، لِتحرك الواو وإنفتاح ماقبلها، قُلِبَت ألفاغ َ / ل َ و قلبت الواو الفا غ َ / ل َ إعلال بالقَلب

قال ابن فارس: «الغین واللام والحرف المعتل أصل صحيح في الأمر يدلُّ على إرتفاع ومجاوزة قدر، يقال: غلا السِعرُ يغلو غلاءً، وذلك إرتفاعه، وغلا الرجل في الأمر غلواً، إذا جاوز حده»(2) ، والغَلاء: ضِدَّ الرُخُص، غلا السِعر يغلو غَلاءً ممدود، فهو غالٍ وغلى، يقال: أغلاه الله: جعله غالياً، وغالى بالشيَّء: إشْترَاه(3) .

وأصلُ الغَلاء: «الإرتفاع ومجاوزة القدر في كلِّ شَیءٍ، يقال غاليت الشَیء بالشيء، وغلوت فيه أغلو، اذا جاوزت فيه الحد، والمعروف عند الناس أنَّ الغلاء هو إرتفاع الأسعار»(4) .

20) الغِنَى:

ورد هذا اللفظ في ست وسبعين موضعاً من النهج، وهو موضح في الجدول الآتي(5) .

ص: 124


1- الحكم القصار: 117 ، 370 ، و 469 ، 420
2- مقاييس اللغة: 4 / 317
3- ظ: لسان العرب (مادة غلا): 5 / 3290
4- ظ: المفردات في غريب القران: 2 / 472
5- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 1229 - 1231

اللفظ مرات وروده وزنه

غَني مرة فعل

أغنى مرة أفعل

أغناك مرة افعلك

أغناهم مرة أفعلهم

استغنى 4 مرات استفعل

يغني مرتان يفعل

يغنيك مرة يفعلك

يستغني 3 مرات يستفعل

يستغنون مرة يستفعون

تغنى، يغنى مرة تفعل، يفعل

اغننا مرة أفعنا

استغن مرة استفع

الغنى، غنى 29 مرة الفعل، فعل

غناك مرتان فعاك

غناه مرة فعاه

غناء مرة فعاء

غنائهم مرة فعائهم

الاستغناء مرة الاستفعال

غنّي، الغني 5 مرات فعّل

ص: 125

غَنيّا 4 مرات فعيلا

غنيها مرة فعلها

غنيهم مرتان فعلهم

الاغنياء 6 مرات الافعلاء

مُغْنٍ مرة مفعٍ

المُغنِي مرة المُفْعِل

أغْنى 3 مرات أفْعل

ودلَّ على معنيين:

1) الغنى الحقيقي (المادي): ويعني الكفاية من كلِّ شيء وكَثُر وروده في كلامه (عليه السلام) ؛ كاَّم يتضِّح في خطبة له يصِّف فيها (المُتقِني) قائلاً: « فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِی دِين، وَحَزْماً فِی لِین، وَإِيمَاناً فِی يَقِین وَحِرْصاً فِی عِلْم، وَعِلْامً فِی حِلْم، وَقَصْداً فِی غِنىً»(1) ف(قَصْدَا في غِنَى) حرف الجر متعَلق بمحذوفٍ:هو مقتصد مع كونه غنيا، ولايجوز أن يكون متعلقا بالظَّاهر، فلا معنى لأقتصد ؛ إنَّما يقال: اقتصد في النفقة، فذّلك الاقتصاد موصوف بأنَّه مقارن للغنى ومجامع له(2) .

وقال (عليه السلام): « الْغِنَى فِی الْغُرْبَةِ وَطَنٌ، وَالْفَقْرُ فِی الْوَطَنِ غُرْبَةٌ»(3) . فالمقابلة بین الإسمين (الغنى والفقر)، و(وطن وغربة)، وبین شبه الجملة (في الغربة) و(في الوطن)، وكلمة (الوَطَن) توحي بالقوة، والأهل، وجمع الشمل،

ص: 126


1- نهج البلاغة: خ 193 ، 221
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 10 / 118
3- نهج البلاغة: الحكم القصار: 56 ، 362

وبالمتعة والرّاحة والطمأنينة، والغني الواجد تتوافر له هذه الصفات، فالمال قوة ومتعة وبه ترتاح النفوس وتتودد الى صاحبه، أمَّا الغربة فتوحي بالضعف والوحدة والألم والخوف والضياع والمعنى أنَّ الغني وطن بذاته سواء أكان في بلاده أم غيرها، والفقر وحشة وتشريد حتى وإن كان في مسقط رأسه(1) .

وجاء الإسم منه متصلاً بضمير الغائبة في قوله (عليه السلام): «وَقَدَّرَ الاْرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَقَلَّلَهَا، وَقَسَّمَهَا عَلىَ الضِّيقِ والسَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَاد بَمَيْسُورِهَا وَمَعْسُورِهَا، وَلِيَخْتَبرِ بِذلِكَ الشُّكْرَ والصَّبر مِنْ غَنِيِّهَا وَفَقِيرِهَا»(2) .

ونلاحظ استعمال الإمام (عليه السلام) للتقابل بالفعل (كثَّرها وقللّها)، کما جاء بالإسم (الضيق والسِعَة) و(ميسورها ومعسورها) و(غنيها فقيرها) وكلُّها مسبوقة بأفعال (قدّر، قسَّم) مُعَلِلاَّ سبب ذلك بأفعال سُبِقَت ب(لام التعليل) في لِيبت يل، ولِيخت رب( وفيها بيان لإعجاز الخالق (سبحانه وتعالى).

وورد الإسم (غَنِي) متصلا بضمير الغائب منها قوله في فساد الزَّمان:

«لايُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَلاَ يَعُولُ غَنيِيُّهُمْ فَقِيرَهُم»(3) .

إذ جعل له من أموال الأغنياء حقا للفقراء، فلا فرق بین أن يمسك الغني هذاالحق عن الفقير، أو يسلبه ثوبه وقوته، هذا إذا كان الغني قد إكتسب أمواله من حل أمَّا إذا اكتسبها من حرام فالمَّال كلُّه للفقراء، وفي سبيل الله(4) .

ص: 127


1- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 550
2- نهج البلاغة: خ 91 ، 92
3- خ 233 ، 262
4- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 4 / 423

فالمقابلة الإسمية بین (صغيرهم، كبيرهم وغنيها، فقيرها) وجاء (غَنِي) مُعَرَّفا ب(ال) على زنة (أفْعلاء)، وأصله (أغنياي)، لتطرف الياء ووقوعها لاما، وماقبلها ألف زائدة انفتح ماقبلها، فقلِبَت الياء إلى همزة.

ء َ غ / ن ِ / ي َ ي تقلب الياء الى همزة ءَ غ / ن ِ / ي َ ء إعلال بالقلب.

ومنها قوله في العصبية: «وَأَمَّا الاْغْنِيَاءُ مِنْ مُتْرفَةِ الاْمَمِ، فَتَعَصَّبُوا لِاثَارِ مَوَاقِعِ النِّعَمِ، فَ» قَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ»(1) .

وتَرَف الرَّجل إذا تَنَعَّم، وأتْرَفه المَالُ أبطره وأفسده، ولاشيءَ أدَّل على فسادهم وإفسادهم من أنهَّم لايفكرون إلاَّ من خلال المَّال، ولايستمعون للكَسْبِ والرِّبحِ وقد أنكر مترفوا قريش نبوة محمد (صلىّ اللهُ عليه وآله وسَلَم)؛ لأنه لايَملِكُ كَنْزا ولاجنة يأكلُ منها(2) .

1) الغِنى المجازي: إذ يَسْتَعْمِل الغِنَى في وصف القرآن، العقل، الماء، أو الاكتفاء عن الحاجة، وقد جاء هذا المعنى، في قوله (عليه السلام): « يَا أيّهُا النَّاسُ، مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَامٌ مُوبِىءٌ فتَجَنَّبُوا مَرْعَاهُ ! قُلْعَتُهَأَ أحْظى مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا، وَبُلْغَتُهَا أَزْكى مِنَ ثَرْوَتِها، حُكِمَ عَلىَ مُكْثِر مِنْهَا بِالْفَاقَةِ وَأُعينِ مَنْ غَنِيَ عَنْهَا بِالرَّاحَة، مَنْ رَاقَهُ زِبْرِجُهَا أَعْقَبَتْ نَاظِرَيْهِ كَمَهاً»(3) .

وجاء إسم التفضيل (أغْنَى) في قوله (عليه السلام) لإبنه الحسن (عليه السلام):

ص: 128


1- نهج البلاغة: خ 192 ، 215
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 4 / 179
3- نهج البلاغة: الحكم القصار: 367 ، 406

«يَا بُنَيَّ، احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَأَرْبَعاً، لاَ يَضُّركَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ إِنَّ أَغْنَى الْغِنَىُ الْعَقْلُ، وَأَكْبرَ الْفَقْرِ الُحمْقُ»(1) .

والأصل في أغْنى: أصله (اغْنَي)؛ لِتَحَرُك الياء ووقوعها بعد فتح قلبت الفا التفضيل أغنى على زنة (أفْعَل)، وأصله (اغْنَي) ؛ ولتحرك الياء ووقوعها بعد فتح قُلِبَت الف

(ء َ غ / نَ / ي َ قلبت الياء الفا ء َ غ / ن َ) إعلال بالقلب

ومن كلام له لابي ذر (رحمه الله) « يَاأبَا ذَرٍّ، إنِّكَ غَضِبتْ لله،ِ فَارْجُ مَنْ غَضِبتْ لهَ، إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلىَ دُنْيَاهُمْ، وَخِفْتَهُمْ عَلىَ دِينِكَ، فَاتْرُكْ فِی أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْهِ، وَاهْرُبْ مِنهُمْ بِماَ خِفْتَهُمْ عَلَيْهِ؛ فَماَ أَحْوَجَهُمْ إِلَی مَا مَنَعْتَهُمْ، وأَغْنَاكَ عَماَّ مَنَعُوكَ!»(2) .

فثورةُ أبي ذر في وجه معاوية وعثمان، هي ثَورة على الفقر والظلم، رفض مهادنة الطُّغاة، وحاول معاوية أن يشتريه بالمَّال ؛ كما حاول عثمان لكنّه أبى وعمل بطَّاعة اللهِ ووصية رسولهِ ويكفيه فَخْرَا أنَّ الرسولَ قال فيه: « ما أقلت الغبرَاء ولاأضَلَتْ الخَضرْاء أصدق لهجة من أبي ذر»(3) .

ولفظ اسْتَغْنى: الأصل فيه استَغْنَي، على زنة (إسْتَفْعَل)، ويعني التحول من حالة الفقر إلى الغِنى، إذ تحركت الياء وقبلها مفتوح، فقُلِبَتْ ألف منها قوله في بيان قدرة الله: « تَزْعَمُ أَنَّكَ تَهدِي إِلَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرفَ عَنْهُ السُّوءُ ؟ وَ...،

ص: 129


1- الحكم القصار: 38 ، 360
2- خ 130 ، 134
3- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 3 / 102

وَاسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِاللهِ عزّوجلّ فِی نَيْلِ الْحْبُوبِ وَدَفْعِ الَمكْرُوهِ»(1) .

وورد هذا المصدر مُعَرَّفا ب (ال)؛ لتخصيص وتقييد معنى الغنى، ووردَ مُنَكَرا ليدلُّ على الشمول والعموم في كلِّ أنواع الغِنَى في قوله من خطبة له يذكر فضائل أهل البيت: « فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عَمَل نَبَاتٌ، وَكُلَّ نَبَات لاَ غِنَى بِهِ عَنِ الَماءِ، وَالِميَاهُ مُختَلِفَةٌ، فَماَ طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ»(2) .

قال أحمد بن فارس: « الغین والنون والحرف المعتل أصلان صحيحان، أحدهما يدل على الكفاية، والآخر صوت. فالأول الغِنَى في المال. يقال: غَنى يُغْنِى غنىٍ. والغَناء بفتح الغ ني مع المد: الكفاية. يقال: لايغنى فلان غناء فلان، أي لايكفي كفايته. وغنى عن كذا فهو غان»(3) .

وجاء في المعجامت: غَنَاه الله تعالى، وأغناه، والإسم الغُنية، بالضّم والكِسر، والغُنوة والغُنيان مضمومتان(4) .

قال تعالى: ﴿ لَهُ مَا فِی السَّمَوَاتِ وَمَا فی الْارْضِ وَإِنَّ اللَّه لَهوَ الْغَنِيُّ الَحمِيدُ ﴾(5)

و من أسماء الله الحسنى: الغَني. وقال أبن الاثير: هو الذي لايحتاج إلى أحد في شيء، وكل أحد محتاج اليه، وهذا هو الغنى المطلق، ولايشارك الله تعالى فيه غيره.

ص: 130


1- نهج البلاغة: خ 79 ، 63
2- خ 154 ، 153
3- مقاييس اللغة: 4 / 317
4- ظ: لسان العرب (مادة غنى): 5 / 3308
5- الحج / 22

ومن أسامئه المغني سبحانه وتعالى. وهو الذي يغنى من يشاء من عباده، وهو ضدّالفقر(1) .

21) القَبْضٌ:

ورد هذا اللفظ في عشرين موضعا من النَّهْج، كما موضح في الجدول الآتي:(2)

اللفظ مرات وروده وزنه

قبض 3 مرات فعل

قُبِضَ 3 مرات فُعِلَ

قَبَضَه 3 مرات فَعَلَه

قُبِضَت مرة فُعِلَت

قَبَضْت مرة فَعَلْت

قبَضْثها مرة فَعَلْتها

يقبضها مرة يَفْعَلُها

تَقبض مرة تَفْعِلُ

اقبضها مرة افعلها

اقبض مرة افعل

القابض، يقبضها مرة الفاعل، يفعلها

مقبوضة مرة مفعولة

المقبوضون مرة المفعولون

قبضته مرة فعلته

ص: 131


1- النهاية في غريب الحديث والأثر: 681
2- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 1280 - 1281

وهو على نوعين:

1) القبضُ الحقيقي (المادي): ويعني حيازة الشيء وجمعه في الكف من مالٍأو غنيمة، جاء هذا النوع في صيغة الأمر(اقْبِض) في قولهِ إلى عامله على الصَدَقات «فاقبض حق الله منه فان استقالك فأقله»(1) ، واتصل بتاء الفاعل، وذلك في» تَقُولُونَ: «الْبَيْعَةَ الْبَيْعَةَ ! قَبَضْتُ كَفِّي فَبَسَطْتُمُوهَا، وَنَازَعَتْكُمْ يَدِي فَجَاذَبْتُمُوه»(2) . وجاء الفعل (تقبض) ليدلُّ على خلقة الجرادةفي قوله (عليه السلام): «وَجَعَلَ لَها السَّمْعَ الَخفِيَّ، وَفَتَحَ لَها الْفَمَ السَّوِيَّ، وَجَعَلَ لَها الِحسَّ الْقَوِيَّ، وَنَابَيْن بِهماَ تَقْرِضُ، وَمِنْجَلَينْ بِهماَ تَقْبِضُ، يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِی زَرْعِهمْ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّها»(3) .

2) القبضُ المجازي: ورد في خطب الإمام (عليه السلام) قاطبةً، عدا صيغة فعل الأمر(اقبض)، إذ إنزاح المعنى الحقيقي إلى المجازي. وأسنِد الفعل (أقبِضُ) إليه في قوله: «مَا هِيَ إِلاَّ الكُوفَةُ، أقْبِضُهَا وَأَبْسُطُهَا، إنْ لَم تَكُوني إِلاَّ أَنْتِ، تَهبُّ أَعَاصِيرُك»(4) . والاستثناء هنا مفرغ وفيه توكيد باسلوب النفي والاستثناء، فقد قصر المدن والممالك او الأقطارعلى الكوفة، ومعنى (أقبضها وأبسطها) أتَصرَفُ فيها، ف(ما) نافية وهي: ضميرالقصة مبتدأ، والكوفة: خبر، وجملة أقبضُها خبر لمبتدأ محذوف انا أقبضها، والمرجع لكلمة (هي) هو المملكة، والمعنى: مامملكتي إلاَّ الكوفة. وجاءت المقابلة اللغوية بین الفعل المضارع المسند إلى المتكلم المفرد بمثله (أقْبِضُهَا، أبْسُطُها)، وكانت اكثر الاقطار الاسلامية في تصرف الإمام (عليه السلام)

ص: 132


1- نهج البلاغة: ك 25 ، 283
2- خ 137 ، 139
3- خ 25 ، 30
4- نهج البلاغة: خ 23 ، 29

ماعدا الشام ثم إنتزعها الخصوم، وبقي فيما بقي الكوفة، فحقَّرها الإمام (عليه السلام): «ماهي الا الكوفة» أي ليست بشيء إلى غيرها ؛ ففيها غار ابو مريم في جيش المرتزقة، فأرسل الإمام (عليه السلام) جنوده لحربه فهزمهم، واضطَّر الإمام(عليه السلام) أن يخرج اليه بنفسه فقتله ومن معه، ف(أقبضها وأبسطها) كنايتان عن وجوه التصرف فيهما، فوجوه التصرف حقير بالنسبة الى سائر البلاد عدم التمكن التام منها(1) .

و القَبْضُ: جمعُ الكَفِّ على الشيَّءِ، وهو ماجُمعَ من الغنائم فأُقي في قَبَضِه أي مُجتَمَعِه(2) .

قال ابنُ فارس: « القاف والباء والضاد أصل واحد صحيح يدلّ على شيء مأخوذ، وتجمع في شَیء تقول: «قَبَضْتُ الشيَّء من المالِ وغيره قَبْضَا»(3) .

ويعني: أخذ الشيء بجميع الكَفِّ، وقبضه عن الشيء جمعه قبل تناوله وهذا إمساك عنه(4) ، وهوحيازةُ الشيَّء والتمكنُ من التصرَّفِ فيه، سواء أكان مما يمكن تناوله باليد ام لم يمكن(5) .

ص: 133


1- ظ: اسلوب علي بن ابي طالب في خطبه الحربية: 192
2- ظ: العين (مادة قبض): 5 / 53
3- مقاييس اللغة: 5 / 50
4- ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 728
5- ظ: معجم المصطلخات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء: 358

22) القَرْض:

جاء هذا اللفظ في عشرة مواضع من النَّهْج، وهو موضح في الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

قرضوا، قرضا مرة فعلوا، فعلا

قرضت مرة فعلت

اقرضه مرة افعله

استقرضك مرة استفعلك

استقرضكم مرة استفعلكم

يُقْرِض مرة يُفْعِل

تقرض مرة تفعل

يتقارضون مرة يتفاعلون

يستقرضكم مرة يستقعلكم

قرضا 3 مرات فَعْلاً

قراضة مرة فِعالة

قَرظ مرة فعل

القَرظ مرة الفَعْل

ليدل على نوعين:

1) القرض الحقيقي (المادي): ويعني دفع المال، وقد ورد في كلام الإمام (عليه السلام) في مواضع عدة منها وروده على صيغة (استَفْعَل) الدّالة على الطلب، متصلاً بالمخاطِب في كتابه إلى ولده الحسن (عليهما السلام): « وَاغْتَنِمْ مَنِ اسْتَقْرَضَكَ في حَالِ

ص: 134


1- المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 1306

غِنَاكَ، لِيَجْعَلَ قَضَاءَهُ لَكَ في يَوْمِ عُسْرتِكَ»(1) ، فيأخذ منك الفقير في الدنيا ماأنت في غنى عنه، ويجعله الله يوم القيامة أضعافا وأنت في أشدّ الحاجة إلى بعضه(2) .

وجاء في خطبة له في الوصية بالتقوى: «فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ ﴿إِنْ تَنْصُروا اللهَ يَنْصُركُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أجَرٌ كَرِيم﴾، فَلَمْ يَسْتنَصْركُمْ مِنْ ذُلٍّ، وَلَ يَسْتقَرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ، اسْتنَصْركُمْ وَلهَ جُنوُدُ السَّماوَاتِ وَالاْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الُحكِيمُ، وَاسْتَقْرَضَكُمْ وَلَهُ خَزَائِنُ السَّماوَاتِ وَالاْرْضِ وَهُوَ الْغَنِيُّ الَحمِيدُ، وَإِنَّماَ أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»(3) .

والملاحظ أنَّ كلَّ فاصلة أتت في موضعها المناسب، فالإمام هنا ختم قوله ب(العزيزالحكيم) ف(العزيز: الذي لايُغْلَب) وأعقبه ب(الحكيم): الذي يُدَّبر الأمر بحكمته، ثم أعقبه بفاصلة (الغَنِي الحَمَيد) فهو ليس بحاجةٍ إلى أن يستقرضكم ؛ ففي الأولى نصر وجنود، وفي الثانية مُلْكٌ وغِنَى.

2) القرض المجازي: وجاء القَرْض دالاً على المعاني المجازية، إذ ورد على صيغة الفعل الماضي مسندا إلى واو الجماعة مرة واحدة وذلك في ندائه نوف البكالي: « قال: يَا نَوْفُ، طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِی الدُّنْيَا، الرَّاغِبِينَ فِی الاْخِرَةِ، أُولئِكَ قَوْمٌ اتَّخذُوا الاْرْضَ بِسَاطاً، وَتُرَابَها فِرَاشاً، وَمَاءَهَا طِيباً، وَالْقُرْآنَ شِعَاراً، وَالدُّعَاءَ دِثَاراً، ثُمَّ قَرَضوا الدُّنْيَا قَرْضاً عَلَ مِنْهَاجِ الَمسِيحِ»(4) .

ص: 135


1- نهج البلاغة: ك 31، 269
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 5 / 216
3- نهج البلاغة: ك 31، 269
4- الحكم القصار: 104 ، 367

فالفرق بين القَرْضِ والخَضْمِ، أنَّ القرضَ أكل بأطراف الأسنان، والخَضْم: أكل بالفَم كلَّه فالزَّاهدين أخذوا من الدَّنيا قوت من لايموت. وسُمِّي الإنفاق قَرضَا ؛ للتلطف في الدعاء وتأكيدا للجزاء عليه، فإنَّ القرضَ يُوجِب الجَّزاء(1) .

ووردت هذه اللفظة مرة واحدة وذلك في بيان خلقة الجرادة: « وَنَابَينْ بِهماَ تَقْرِضُ، وَمِنْجَلَينْ بِهماَ تَقْبِضُ»(2) .

و(المنجلین) رجلا الجَرادة ؛ لإعوجاجهما، وضربَ المَثَلبهِا؛ لأنَّا تُحيرِّ الألباب بسمِعِها، وبصَرها، وفمِها، ونابيها، ورجِليها، وإلهامها، يخافها الزارعون على زرعهم، ولو اجتمعوا وتألبوا بجمعهم لايستطيعون ردعها، فتوجهَتْ بزحفِها الى بقعةٍ وهجمتْ على الحقول دمرتها، فلا يستطيع أحد دفعها، مع أنَّ حجمَها لايَبلغُ الإصبعُ(3) .

وصف الإمام (عليه السلام) لهذه الحَ رَشَة ماتلحقه من أضرار جسيمة سيئة وآفات، وتُشَكِل خَطَرا اقتصاديا سيئا فهي تخيفُ كلِّ الفلاحین، تخرج جيش جرار يكتسح في طريقه مايصادفه من أخ رض ويابس فتؤدي إلى كوارثٍ عظيمةٍ بكافة المزروعات وبالأخصِّ مزارع الحنطة والشعير، وقد قدَّر العلماء ماتحدثه في الولايات المتحدة وحدها من أضرارٍ مبلغ ( 250 ) مليون دولار سنوياً(4) .

قال ابن فارس: « القاف والراء والضاد أصل صحيح، وهو يدلُّ على القَطْعِ

ص: 136


1- ظ: منهاج البراعة: 6 / 230
2- نهج البلاغة: خ 185 ، 196
3- ظ: الفكر الاقتصادي في نهج البلاغة: 14
4- ظ: المصدر نفسه

يُقَال: قرضت الشيَّءَ بالمِقْرَاضِ. والقَرْض: ماتعطيه الإنسان من مالكٍ لتقضاه، وكأنه شَیءٌ قد قطَّعْته من مالكَ. والِقراض في التجارة ، هو من هذا، وكأنَّ صاحبَ المالِ قد قطَعَ من مالهِ طائفة وأعطاها مقارضة ليُتْجَر فيها»(1)

قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّماَلِ وَهُمْ فِی فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللِّه مَن يَهدِ اللُّه فَهُوَ الُمهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾(2) .

ويطلق على الجزء المقطوع من المَّال بالإعطاء، على أن يُرَد بعينه، أو برد مثله بدلاً منه والقَرْض: ماتعطيه غيرك من المال لتقضاه، والجمع قُرُوُض، وهو إسم من أقرضته المال إقراضاً، واسْتَقرَضَ طلب القَرْض، واقْتَرضَ أخذه. والقَرض:دفعُ المالِ للغيرِ(3).

إن الإسلام بفرضه مبدأ القرض ب ني المسلمين أوجد أرضية صالحة للإستثمار، وبالأخص ممن لايمتلكون من الأموال المقدار الذي يستثمرونه، وسيؤدي زيادة القدرة الشرائية لطبقة الفقراء ويحسن الحالة الاقتصادية.

ص: 137


1- مقاييس اللغة: 5 / 72
2- الكهف / 17
3- ظ: المعجم الاقتصادي الاسلامي: 356

المبحث الثالث: ألفاظُ المَّال والعُمُلات وما يتعلقُّ بها في نهج البلاغة

اشارة

تميزت الحركة الاقتصادية في عهد الامام عليُ بنُ أبي طالب (عليه السِّلام) بعملية التبادل التجاري، فهناكَ طرق وأساليب متعددة للتدوال والشرِّاء، وقد استعملت الأسواق العربية الإسلامية نظام (المقايضة) الذي يتمُّ عن طريق العملة المتداولة والمتمثلة ب(الدِّينار والدِّرهم والفَلس، والمَعادن المختلفة من الذَّهب والفِضَّة والنحاس)، أو يكون البيع والشراء عن طريق أحد السِّلع ك(الحِنطة والشَّعير) ويكون بالأوزان والمكاييل. استعملتها الحضارة العربية الإسلامية ماتقدم ذكره من الطرق التبادلية، وحتى السفتجة(1) مع وجود الإئتمان التجاري في أسواقها وبين تجَّارها، وكان الصَّيارفة الذين يعدون النقود الطيبة، واللينة هي نقود صحيحة، أمَّا الزائفة فهي النقود الصَلبة(2) .

وظهر الإسلام وانتشر، وأجاز الرَّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إستعمال المسكوكات البيزنطية والساسانية، وقبول الأموال (الزَّكاة) بالمسكوكات غير العربية، على الرغم من حملها شعارات تتعارض مع الإسلام ؛ فكلُّ عشرينَ درهما من تلك المسكوكات بنصف دينار(3) .

وقد تداولت المسكوكات الأجنبية حتى خلافة عمر بن الخطاب إذ أحدث

ص: 138


1- السَفْتَجَة: ورقة تجارية محررة وفقاً للشكل القانوني يأمر بمقتضاها شخص(الساحب) شخصا آخرا، وهو المسحوب عليه فيدفع ثالثا يسمى (المستفيد) أو شخص يعينه الأخر مبلغا معينا في وقت محدد
2- ظ: المسكوكات: ناهض عبد الرزاق: 30
3- ظ: في الفكر الاقتصادي العربي الاسلامي: محسن خليل: 64 - 65

بعض التغييرات على المسكوكات، وكتب عليها عبارات باللغة العربية، مثلا (بسم الله) و(جيد) وفي خلافة عثامن بن عفان (بسم الله) و(بسم الله ربي) و(محمد) و(بسم الله الملك) و(بركة) و(لله)، أمَّا في خلافة الإمام علی بن ابي طالب (عليه السلام) فكان مضروبا عليها (وليُّ الله)(1) ، ولابدَّ من الإشارة الى أنَّ ضرب النقد باللغة العربية الإسلامية وإستقلالها أسهم في التنمية الاقتصادية وأنشطتها المختلفة، إذ حققَ التخفيف من الضَغط الخارجي، ومما دعم هذا الإنتاج، والمشاريع المختلفة للدولة الإسلامية، ومما جعل للدولة الإسلامية قوة إضافية مستقلة كانت من عوامل التطور، والإستقرارية في أسعار الصرَف والتبادل والإئتمان(2) . وقد وضع الإمام (عليه السلام) سياسة تقوم على مبدأ المَّال من الشعبِإلى الشعبِ، وما الحكومة إلاَّ خُزَّان له تدفعه الى الأمة بحسب إحتياجها، إذ إنَّه ضَيبة المجتمع على الفرد، لم، ولن نرَ حكومة أو حاكم أعطى هذه الحقوق لشعبه، فالثروات العامة هي ملك للشعب.

ومن أهم ألفاظ المَّال والعُمُلات:(3)

1) الأجْرُ:

ورد هذا اللفظ في اثنين وعشرين موضعا من النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي:

اللفظ مرات وروده وزنه

أجِرَ مرة فَعِل

أجرُ 10 مرات فعلُ

ص: 139


1- ظ: أوضاع الكوفة الاقتصادية في عهد امير المؤمنين الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام): 52
2- ظ: المصدر نفسه
3- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 435

أجْرا 3 مرات فَعْلَا

أجْرك مرة فَعْلَك

أجْره 3 مرات فَعْلَه

أجُور مرة فعول

أجورهم مرة فعولهم

مَأجُور مرة مفعول

مَأجُورون مرة مفعولون

وجاء الأجر في كلام الإمام (عليه السلام) ليدل على معنيين:

1) الأجرُ الحقيقي (المادي): جاء الأجر الحقيقي المادي مرة واحدة مصدرا منصوبا مفعولا به في كتاب الامام (عليه السلام) لقثُّم بن العباس وهو عامله على مكة: « وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلاَّ يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِن أَجْراً، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَاد‚ فَالْعَاكِفُ: الُمقيِمُ بِهِ، وَالْبَادِي: الَّذِي يَحجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيرْ أَهْلِه»(1) .

وهو - كما نرى - نكرة، وتنكيره يدل على أنَّه أجر غير معین نوعه، ولا مقداره فقد يكون كثيرا، وقد يكون قليلاً، بحسب نوع المسكن ونظافته والخدمات المقدمة للسَّاكن فيه، وقد يكون بالعملة او بغيرها مأكلاً أو ملبساً أو ماشابه ذلك. ومن الملاحظ أنَّ الفعل (مُرَّ) فعل الأمر من (أمر) فقد جاء عن العرب تقديمهم الواو أو الفاء عليه (وأمر) بالهمز؛ لكنَّ الإمام (عليه السلام) هنا استعملها مخففة بدون همزة (ومُر)؛ وتفسير ذلك: إنَّ مايتركه الأثر الصَّوتي، فالنبر في الهمزة أثره كبير له

ص: 140


1- قُثَّم بن العباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي كان أشبه الناس برسول الله، توَّلى نيابة المدينة في أيام الامام علي (عليه السلام) وشهد فتح سمرقند فاستشهد ودُفِن فيها ومازال ضرسيحه قائاً فيها

ثقل وشدة ويوحي بضرورة التمسك والإلتزام والأمر بالمعروف، أمَّا في هذا الكتاب لانجد ذلك ؛ بل نجد خطابه لأهل مكة فيه لین وتراخي ؛ للحصول على إستجابة منهم بألاَّ يأخذوا أجرًا من الساكنين(1) ، وفي هذا دلالة على أنَّ الإمام (عليه السلام) كان يميل الى التخفيف في الهمز.

1) الأجر المجازي: مايدل على الأجرالمجازي، ويعني به الجزاء على العمل فإن كان صالحا فهو ثوابا وهو الاكثر في النهج، وإن كان غير صالح فهو الإثم، ورد (مصدراً واسما للمفعول)، ومعروفا مقداره ك(أجر المتواضعین) وغير معروف ك(اجرك) واستعمل معه الإمام (عليه السلام) ثلاثة أفعال هي: جاء الفعل الماضي من مادة (أجرَ) ذلك في حديثه قائلا: «..، فَأنَكَرَهُ بقِلْبهِ فَقَدْ سَلمِ وَبَرِىءَ، وَمَنْ أنَكَرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ أُجِر»(2) . وجاء مسبوقاً باسم التفضيل مجرورًا بلام الإستحقاق ومضافا لكاف الخطاب في قوله لعماله الجباة على الخراج في بيان تعليله للآداب التي وصَّاهم بها عند تحصيلهم له قائلاً: « لِنَقْسِمَهَا عَلىَ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (عليه السلام) فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ لِاجْرِكَ، وَأَقْرَبُ لِرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ»(3) (أعظم لأجرك) صيغة محولة من(أعظم أجرا لك) وعُدِل اليها ؛ لأنَّها أكثر تأثيرًا في النَفس من أن تقال مجهولة (أجرا) ثم تردها على المخاطب ب (لك). واستعمل معه الفعل (أعطى) الذي يتعدى لمفعولین في كتابه لزياد بن ابيه: « أَتَرْجُوا أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ أَجْرَ الُمتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الُمتَكَبِّرين!»(4) ، وهو استفهام إنكاري، أراد به التهكم، فالمفعول الأول (الكاف)

ص: 141


1- ظ: رسائل الإمام علي (عليه السلام): (اطروحة دكتوراه): رملة خضير: 29
2- نهج البلاغة: الحكم القصار: 373 ، 409
3- ك 25 ، 284
4- نهج البلاغة: ك 21 ، 281

والثاني (أجرَ) مضافاً الى المتواضعین، ويعني: ثواب المتواضعين، ومن وصيته لولده الحسن في بعض اسباب تأخير الاجابة «وَرُبَّماَ أُخِّرَتْ عَنْكَ الاْجَابَةُ، لِيَكُونَ ذلِكَ أَعْظمَ لِاجْرِ السَّائِلِ، وَأَجْزَلَ لِعَطَاءِ الاْمِلِ»(1) .

أي: لإثابة السائل ؛ لأنَّ المصلحة توجب التأخير، فوصَّ الإمام (عليه السلام) الحسن (عليه السلام) بالصَّبر وعدم اليأس ؛ بل الإزدياد من الدُّعاء، لأنَّ اللهَ يستجيب في الوقت المناسب(2) ، وجاء المصدر (أجراً) مُنَكَّراً، وذلك في قوله من خطبة له في ذكر الملاحم قائلاً: « ذاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَربَةُ السَّيْفِ عَلَ الُمؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّه ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ المُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الُمعْطِي!»(3) .

وذلك إن كان المال حراما، ولايعطى على الوجه المأمور به ؛ بل للأغراض الفاسدة، والرياء، والسمعة، أمَّا المحسن إليه فيأخذ المال ليسدَّ حاجته، ولايلزمه البحثرعن المَّال وحليته، فكان أعظم أجرا من السائل. وخالف شرَّاحُ النَّهْج (ابن ابي الحديد والبحراني)(4)، فقالوا: إنَّ فيه معنى آخر وهو إنَّ صاحبَ المالُ الحرامِ يصْرفُه في أكثر الأحوال في الفَساد، فأخذُ الفقيرِ منه على وجه الصَدَّقة فوت عليه صرفه في القبائح(5) .

وجاء جمعه على زنة (فُعُول) مضافاً إلى الضمير(هم) وهو جمع الكثرة في قوله: «مَا ضَّر إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ - بِصِفِّينَ - أَلاَّ يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً ؟

ص: 142


1- ك 31، 297
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 5 / 221
3- نهج البلاغة: خ 187 ، 200
4- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 13 / 97
5- ظ: منهاج البراعة: 10 / 123

يُسِيغُونَ الْغُصَصَ، وَيَشْربُونَ الرَّنْقَ! قَدْ - وَاللهِ - لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الاْمْنِ بَعْدَ خَوْفِهمْ»(1) ، جاء الإمام (عليه السلام) بالقسم جامعاً بين (قد ولفظالجلالة) وهو اسلوب إنفرد به.

قال تعالى: ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَماَ سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلىَ اللِّه وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الُمسْلِمِينَ﴾(2) ، وورد اسم المفعول مفرداً في قول الإمام (عليه السلام) وقد عزى فيه الأشعث بن قيس عن ابن له قائلا: « يَا أَشْعَثُ، إِنْ صَبرَتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْجُورٌ، وَإِنْ جَزِعْتَ جَرَى عَلَيْكَ الْقَدَرُ وَأَنْتَ مَأْزُورٌ»(3) .

وردت المقابلة بین (صَبرَت، جَزَعْت) و(أنتَ مأجور، أنتَ مأزور)، والمعنى:أنت مثاب، فحكم الله سينفذ شئت أم أبيت، فإن رضيت على بلائه كان لك الأجر والثواب. وبین (مأجور) و(مأزور) سجع متوازٍ وطباقٍ وجناسٍ غير تام، وتتجلى من خلالهام الدَعوة في الصَبر على المُصيبة. المقابلة بین (مأجورون على صلتها) و(مأزورون على قطيعتها) تتحقق الموازنة ايقاعا اساسه التناظر الموسيقي، لتضفي عليه روعة وبهاء.

ومن خلال الطباق بین (الأجر) و(الوزر) وبین (الصلة) (والقطيعة) أكد رغبته في مواصلتهم ومداراتهم ؛ لتكون صلة الرحم مستلزمة للأجر في الآخرة(4)

وجاء اسم المفعول مجموعا جمعا مذكرا سالما وردت مرة واحدة في النَّهْج، وذلك

ص: 143


1- نهج البلاغة: خ 182 ، 191
2- يونس / 72
3- نهج البلاغة: الحكم القصار: 291 ، 398 ، والأشعث بن قيس رأس المنافقن في عهد الامام أحد ملوك كندة، ومن أصحاب النبي (صى الله عليه وآله وسلم)
4- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 6 / 178

في كتابه الى عبد الله بن عباس عامله بالبصرة قائلا في سياق حديثه عن بني تميم: «وَإِنَّ لَهمْ بِنَا رَحِاً مَاسَّةً، وَقَرَابَةً خَاصَّةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلىَ صِلَتِهَا، وَمَأزُورُونَ عَلىَ قَطِيعَتِهَا»(1) .

نجد التوازن قد وقع بین لفظتي (مأجورون ومأزورون) التي أصلها موزورون من (الوزر) ؛ اذ تحقق التوازن الصوتي بين اللفظين كلاهما، وبین (صلتها وقطيعتها)، فالأجر: جزاء العمل.. أجر يأجٌرُ، والمفعول مأجور. والأجير: المستأجر. والإجارة: «ما اعطيت من أجر في عملٍ. وأجرت مملوكي إيجارا فهو مُؤجر»(2) .

قال ابن فارس: « الهمزة والجيم والراء اصلان يمكن الجمع بينهما بالمعنى، فالاول الكراء على العمل، والثاني جبر العظم الكسير. فاما الكراء فالاجر والأجرة.وكان الخليل يقول: الاجْر جزاء العمل، والفعل أجر يَأجُرُ أجرا، والمفعول مأجور.والأجير: المستأجر»(3) ، ويقال: آجرك الله على مافعلت وانت مأجورعليه(4) .

وهو: « الجزاء على العمل، والجمع أجور. والإجارة: من أجر يأجِرُ، وهو مااعطيت من أجر في عمل. والأجرُ: الثًواب ؛...واجر الرجل: تصدق وطلب الأجر»(5) .

والأجر: مايعود من ثواب العمل دنيويا كان او أخرويا، قال تعالى ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ

ص: 144


1- نهج البلاغة: ك 18 ، 279
2- العين (مادة أجر): 6 / 173
3- مقاييس اللغة: 1 / 62
4- ظ: أساس البلاغة: 1 / 7
5- لسان العرب (مادة أجر): 1 / 31

فَماَ سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلىَ اللِّه وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الُمسْلِمِينَ﴾(1) ، والأجرة في الثواب الدنيوي، وجمعه أجور.

ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّم يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الُمحْصَنَاتِ الُمْؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الُمؤْمِنَاتِ وَاللُّه أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالَمعْرُوفِ مُحصَنَاتٍ غَيرْ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْن بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَاعَلىَ الُمحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمنْ خَشيِ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرواْ خَيرْ لَّكُمْ وَاللُّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾(2) .

وقد يُكَّنى عن المُهور(3) .

ويختلف الثَّواب عن الأجْرِ في الإصطلاح الإسلامي، فالثواب: الجزاء عن كل عمل ولكن يغلب عليه في الخير، أمَّا الأجر هو جزاء العمل الصالح فقط في الدُّنيا والآخرة(4) .

2) الثَّراء:

ورد أربع مرات في كلام الإمام (عليه السلام)، كما هو مبين في الجدول الآتي:(5)

ص: 145


1- يونس / 72
2- النساء / 25
3- ظ: المفردات في غريب القران: 1 / 12 وظ: المصباح المنير: 5
4- ظ: التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القران: عودة خليل: 388
5- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 594

اللفظ مرات وروده وزنه

أثْرَى مرة أفْعَل

ثَرْوَة مرة فَعْلَة

ثَرْوَتُا مرة فَعْلَتَها

مَثْرَاة مرة مَفْعَلَة

ليدل على الثراءالمجازي، فلم يرد الثراء المادي في النَّهْج، وجاء في كلام الامام دالاعلى الثروة وصلة الرحم، فوردعلى زنة (فَعْلَة) قال (عليه السلام): «وَالْعَجْزُ آفَةٌ، وَالصَّبرْ شَجَاعَةٌ، وَالزُّهْدُ ثَرْوَةٌ، وَالْوَرَعُ جُنَّةٌ»(1) .

والثروة: كثرة المال، ومراد الإمام (عليه السلام) هنا ان النفوس قانعة مطمئنةاليها، ونفوس اصحاب الاموال قانعة بالثروة وساكنة اليها: لهذا قال: الزهد ثروة:ويريد من كثر زهده في اللذات الدنيوية عظم ثراؤه في المَّال وكثر، لقلة الإنفاق فيها(2) .

وجاء الإسم متصلا بهاء الغائبة، قال (عليه السلام): «يَا أيُّا النَّاسُ، مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَامٌ مُوبِىءٌ فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاهُ ! قُلْعَتُهَا أَحْظَى مِنْ طُمَأْنِينَتِهَا، وَبُلْغَتُهَا أَزْكَى مِنَ ثَرْوَتِها، حُكِمَ عَلىَ مُكْثِر مِنْهَا بِالْفَاقَةِ»(3) .

و مَثرَاة: على زنة (مَفْعَلَة) أصله (مَثْرَوَة) تحركت الواو وماقبلها مفتوح وهو الرَّاء فقلبت الفا

ص: 146


1- نهج البلاغة: الحكم القصار 4، 355
2- ظ: الديباج الوضي: 5 / 2728
3- نهج البلاغة: الحكم القصار: 367 ، 406

م َ ث / ر َ / وَ ة قلبت الواو ألفا م َ ث / رََ ة إعلال بالقلب

وردت في خطبة له (عليه السلام): « إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الُمتَوَسِّلُونَ إِلَی اللهِ سُبْحَانَهُ: الاْيماَنُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالِجهادُ فِی سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الاْسْلَامِ،... وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّها مَثْرَاةٌ فِ الَمالِ وَمَنْسَأَةٌ في الأجل»(1) .

تدلُّ هذه المادة على كثرة المال، قالت العرب: « شهر ثري وشهر تري وشهر مَرعِي» أي تكون الأرض ندية أولا، ثم ترى مخصرة، ثم يطول النبات حتى يصلح للرَّاعية، ومن المجاز: أثرى الرجل نحو أترب أي صار ذا ثرى وذا تُراب، والمراد كثرة المال(2) ، ويقال أثرى: كثُر ماله(3) .

قال احمد بن فارس: «الثاء والراء والحرف المعتل اصل واحد وهو الكثرة، وخلاف اليبس قال الأصمعي: ثرا القوم يثرون، إذا كثروا ونموا، وأثرى القوم إذا كثرت أموالهم»(4) .

و الثَّروة «كثرة العدد من النَّاس والمَّال، وليلة يلتقي القمر والثُريا، وهذا مثَراة للاَّمل: مكثرة، وثرى القوم ثراء: كثروا ونموا، والمَّال كذلك وبنو فلان بني فلان:كانوا أكثر منهم مالاً»(5) .

أثْرى: على زنة (أفْعَل) تدلُّ على الزيادة والتكثير، واصله أثْرَو، تحركت الواو وفتح ما قبلها فقلبت الفا ء َ ث / ر َ وُ قلبت الواو الى الف ء َ ث / ر إعلال

ص: 147


1- خ 110 ، 115
2- اساس البلاغة: 1 / 106
3- ظ: لسان العرب (مادة ثرى): 1 / 27
4- مقاييس اللغة: 1 / 374
5- القاموس المحيط: 4 / 284

بالقلب.

3) الثَّمَن:

ورد الثمن تسع مرات في النَّهْج، كما هو مبين في الجدول الآتي:(1)

اللفظة مرات ورودها وزنه

الثمن 4 مرات الفَّعل

ثمنها مرة فعلها

ثمنا 4 مرات فعَلاً

ليدلَّ على:

1) الثمن الحقيقي: ويعني به مايكون نقدا: ومنها كتابه لشريح القاضي قائلا:

«فَانْظُرْ يَا شُريْحُ لاَ تَكُونُ ابْتَعْتَ هذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيرْ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الَّثمَنَ مِنْ غَيْر حَلاَلِكَ!»(2) ، وقوله مبينا لحال عمرو بن العاص: « وَلْم يُبَايعْ حَتَّى شَرطَ أَنْ يُؤْتِيَهِ عَلىَ البَيْعَةِ ثَمَناً، فَلاَ ظَفِرَتْ يَدُ المبايِعِ، وخَزِيَتْ أَمَانَةُ المُبْتَاعِ»(3) ، ف(ثمناُ) تمييز ومثله (بَيْعَا)، وفيه تشبيه لحال معشر، كحطام الدُّنيا فهو لايدوم في اليَد ولايبقى(4) ،وجاء متصلابضمير الغائبة في خطبة له قائلاً: « وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوودَ صَاحِبِ الَمزَامِيرِ، وقَارِىءِ أَهْلِ الَجنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الُخوصِ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجلَسَائِهِ:

ص: 148


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 598
2- نهج البلاغة: ك 3، 270
3- خ 26 ، 31
4- ظ: الديباج الوضي: 1 / 344 شرح نهج البلاغة: البحراني: 2 / 256

أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا ! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا»(1) .

وضرب المثل هنا زهدا في الدنيا، ورغبة عنها وتقربا الى الله تعالى ليأكل من كدِّ يدِّه(2) .

2) الثمن المجازي: وقد ورد في كلام الإمام (عليه السلام) إذ جاء اسما ل(ليس) في قوله: « ألا حُرٌّ يَدَعُ هذه اللُّمَاظَة لأهلهَا ؟ إنَّه ليسَ لأنفُسِكُم ثَمَنٌإلاَّ الجَنَّة فلا تَبيِعوها إلاَّ بها»(3) ، واللُماظة: بضم اللام، ماتبقى في الفم من الطعام، أراد بها الدنيا»(4) .، وقال في ذم أهل العراق: «كَلاَّ وَاللهِ، ولكِنَّهَا لَهجَةٌ غِبْتُمْ عَنْهَا، وَلَم تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهَا، وَيْلُ امِّهِ، كَيْلاً بِغَيرْ ثَمَن ! لَوْ كَانَ لَهُ وِعَاءٌ،(وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِین)»(5) ، وقد ختم قوله بآية قرآنية. قال ابن فارس: «الثاء والميم والنون أصلان احدهما عوض مايباع، والآخر جزء من ثمانية. فالأول قولهم بعت كذا وأخذت ثمنه»(6) .

فالثَّمن من كلِّ شيءٍ قيمته، يقال: شيءٌ ثمین، أي: مرتفع الثمن. والثمن في اللغة: القيمة والعَوَض، قال الرَّاغب: «الثَّمَن إسم لمَا يأخذه البائع في مقابلة المبيع،.عينا كان أو سلعة، وكلُّ مايحصل عِوَضا عن شيءِ فهو ثمنه»(7) .

و ثمنُ كلُّ شيءٍ قيمته، وقيل: الثّمن ما استحق به الشَّیء. ويقال الثَّمن للأشياء

ص: 149


1- نهج البلاغة: خ 160 ، 161
2- ظ: الديباج الوضي: 2 / 1299
3- الحكم القصار: 456 ، 418
4- ظ: الديباج الوضي: 5 / 1370 وظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 4 / 428
5- نهج البلاغة: خ 71 ، 59
6- مقاييس اللغة: 1 / 386
7- ظ: أساس البلاغة: 1 / 116

المادية، ويجمع على أثمان والثَّمن هو ما يلزم بالبيع، وإن لم يقمْ به. وقيل: هو ما يقدِّره المتعاقدان بكونه عِوَضا للمبيع في عقد البيع، وقد يكون ناقصا عنها، والثَّمن إذا اطلق يراد به الدَّراهم والدَنانير(1) .

4) الحِساب:

وردت هذه المادة في ستٍ وعشرين مَوضِعا من النَّهْج، كما يبينه الجدول الآتي:.(2)

اللفظ مرات وروده وزنه

حَسَبَ مرتان فَعَلَ

حاَسَبَ مرة فَاعَلَ

حُوْسِبُوا مرة فُوْعِلُوا

حاسِبُوهَا مرة فاعِلُوها

الحِسَاب 14 مرة الفِعَال

حِسَاباً مرة فِعَالاً

حِسَابك مرة فِعَالك

حِسابَه مرة فِعَاله

المُحَاسَبَة مرة المُفَاعَلَة

الإحْتِسَاب مرة الإفْتِعَال

مُحاسَبُون مرتان مُفَاعَلُون

لتدُّل على:

ص: 150


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 686
2- ظ: المفردات في غريب القران: 106 وظ: المعجم الاقتصادي الإسلامي: 87

1) المعنى الحقيقي (المادي): ويعني عَدُّ الأشياء وحسابها، ومنه الحِساب الدٌنيوي، ومنه (الحِسْبة(، وقد ورد في كلام الإمام (عليه السلام)، إذ جاء على زنة (فِعَال)، وذلك في قوله يحثُّ النَّاس على التَّقوى «أَلاَ فَماَ يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلاخِرَةِ ! وَمَا يَصْنَعُ بِالَمالِ مَنْ عَماَّ قَلِيل يُسْلَبُهُ، وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَحِسَابُهُ!»(1)

2) المعنى المجازي: يراد به حِسَاب النَفسِ، أو هو الحِساب الآخروي، أوعدُّ الشرف والمفاخر، ورد على زنة الفعل الماضي المزيد (فَاعَل) وهو مأخوذ من المُحَاسَبة، يُراد به مُاسَبة الآخرين على الصرَّف، كما يدل على محاسبة النفس. فجاء الإسم منه الحِسَاب على زِنَة (فِعَال): ويعني عَدُّ الشيَّء وإحصائه، كإحصاء المَّال، والحساب يعد من وسائل ضبط الجباية، ويدلُّ على قيمة الشيَّء، وفي الإصطلاح: العمل الذي يحتاج إليه في ضبط المَّال الذي يجمعه الجُبَاة، ومعرفة مورده، ومصرفه. وصيغة (مُاسَبَة)

على زنة (مُفَاعَلَة) التي تَدُلُّ على المشاركة، جاءت في حديثه عن أهل الذِّكر: «وفرغوا لمحاسبة انفسهم على كل صغيرة وكبيرة»(2) ، وهو حساب الآخرة، ولما كان هذا الحساب له أمد معلوم، فقد اثر السياق صيغة فعال، أمَّا المحاسبة فيلحظ فيها التكرار، والإستمرار والدَوام والإستدامة والمشاركة ؛ لذا استعملت في مايدلُّ على محاسبة المتقین لأنفسهم بصورة مستمرة.

أمَّا فعل الأمر حاسِبْ جاء في قوله: « فحاسب نفسك لنفسك فان غيرها من الانفس لها حسيب غيرك»(3) ، الغرض من التنبيه هاهنا إنَّ أعظم ما على الإنسان وأضَّر مايكون عليه نفسه، فقوله: (حاسب نفسك) جمع فيه حسن البلاغة مع بليغ

ص: 151


1- نهج البلاغة: خ 157 ، 157
2- خ 222 ، 252
3- نهج البلاغة: خ 222 ، 252

الوعظ وأحسنه.

قال ابن فارس: « الحاء والسین والباء أصول أربعة: فالاول: العد. تقول:

حَسَبتُ الشيء أحْسُبُه حَسْبا وحُسْبانا قال الله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾ فيتحرك بموازين دقيقة جدا، ومن قياس الباب الحِسْبانُ الظنُ، وذلك أنًه فرق بينه وبین العد بتغيير الحركة والتصريف، والمعنى واحد، لأنه إذا قال حسِبته كذا فكأنًه قال: هو في الذي أعُدٌه من الامور الكائنة،..... والحسْبة: احتسابك الاجر»(1) .

قال الرَّاغب: « الحساب إستعمال العَدد، يقال: حسبت أحسب حسابا وحُسْبانا وقيل: لايعلم حسبانه الا الله»(2) .

قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾(3) .

و في اسماء الله - تعالى: «الحسيب »، هو الكافي، فعيل بمعنى مفعل. ومنه في الحديث: «الحَسب المال، والكَرم التًقْوى»(4) ، وسمي بذلك ؛ لأنهم يعدون مفاخرهم أي يحسبونها

فالحَسْبُ في الأصلِ، الشرف بالآباء وما يعده الناس من مفاخرهم. والحِسَاب:العَدُّ، والحُسْبَان أي: العَد الدقيق. يقال: حَسِبْتُ المَّال حَسْبا من باب قتل وحُسْبَانَاً

ص: 152


1- مقاييس اللغة: 2 / 60 ، علمًا أنَّ الآية الواردة، سورة الرحمن / 4 - 5
2- المفردات في غريب القران: 1 / 153
3- الانعام / 96
4- ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 206

بالضَّم. وقيل: الحِسَابُ استعمالُ العَدد والحَسَيب: المُحَاسِب(1) . الذي يمتهن المحاسبة، وصيغة (فعيل) تدل على الكثرة ؛ لذا سمي بها من كانت مهنته الحساب لكثرة قيامه بها

5) الدِّرْهَم:

ورد هذا اللفظ في كلام الإمام (عليه السلام) في اربعة مواضع من النَّهْج، كما في الجدول الآتي:(2)

اللفظ مرات وروده وزنه

دِرْهَم مرتان فِعْلَل

الدِّرْهَم مرتان الفِعْلَل

ليدُل على:

1) المعنى الحقيقي: ويعني به العملة النقدية، وقد تعرَّض له الإمام (عليه السلام) في موضعین هما: في خطبة له (عليه السلام): « أمَا إنِّكَ لَوْ كُنتْ أتَيتْنَي عِندْ شِرائِكَ مَا اشْترَيْتَ لَكَتَبْتُ لَكَ كِتاباً عَلَ هذِهِ النُّسْخَةِ، فَلَمْ تَرْغَبْ فِی شِراءِ هذِهِ الدَّارِ بِدِرْهَم فَمَا فَوْقُ»(3) .

و من كتاب له الى عماله على الخراج: «وَلاَ تَضْربُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمكَانِ دِرْهَم»(4) .

أي الرفق في تحصيل المال، فلا تجوز القسوة لاضربا ولاشتما ولاشيئاً يسيء.

ص: 153


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 686
2- المعجم الاقتصادي الاسلامي: 114
3- نهج البلاغة: ك 3، 270
4- ك 51 ، 319

2) المعنى المجازي: جاءت ألفاظ النَّهْج حاملة لهذا النوع من المال، ألاَّ إنَّالمقصود في سياقها الذَّم وليس المعنى المادي، منها قوله (عليه السلام): في أصحابه وأصحابُ رسولِ الله: « لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَني بِكُمْ صَرفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَأَخَذَ مِنِّي عَشرَةً مِنْكُمْ وَأَعْطَانِ رَجُلاً مِنْهُمْ !»(1) .

الكلام فيه تأكيد ب(القسم وإنَّ واللام)، والكلام فيه تحقير فجعل أهل الشام بمنزلة الذهب وأصحابه بمنزلة الفضة ورجح واحدا على عشرة من أصحابه، فود مبادلتهم به(2) .

ف «الدِّرهَم والدِّرهِم بكسر الهاء وفتحها لغتان. ورجل مُدَرهم: كثير الدَّراهم وادْرهَمَّ الشيخ ادْرِهمَاماً، أي كَبِر»(3) .

وهو عملة نقدية مصنوعة من الفضة، وهو لفظ معرب من الفارسية، والمدرهم: « الساقط من الكبر، وجمع درهم دراهم ؛ وذهب ابن سيده الى ان تكسيره الدًراهيم(4) . ويبدو أن بحور الشعر قد تقت يض هذا الوزن أي الدراهيم. ويعد الدِّرهم من أنواع النقود التي تستعمل وسيلةً للتعامل التجاري، وتختلف أنواعه، وأوزانه بإختلاف البلاد، وقيل: الدِّرهم: قطعة من الفِضَّة تزن ستة دوانق. والدَّانق من الأوزان، وقيل داناق وهو سُدُس الدَّرهم. ﴿وَشَروْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾(5) .

ص: 154


1- خ 97 ، 99
2- ظ: منهاج البراعة: 7 / 103
3- ظ: العين (مادة درهم): 4 / 125
4- ظ: لسان العرب (مادة درهم): 2 / 1370
5- يوسف / 20

قال الرَّاغب: «الدِّرْهَم: الفضة المطبوعة المتعامل بها»(1) ، وهو من الألفاظ اليونانية، دراخمت باليونانية، وهو معتبر بأربعة وعشرين قيراطا وقدر بست عشرةحبة من حب الخروب، فتكون كل خروبتین ثمن درهم، وهي اربعة حبات من حب البر المعتدل، والدرهم من الدينار نصف وخمسه، فيكون كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم، وهو وزن كانت قريش تزن به الفضة، وتزن الذهب بوزن تسميه دينارا، وقد تكلمت به العرب قديما، فلم يعرفوا غيره(2) .

6) الدِّينار:

استعمل الإمام (عليه السلام) هذا اللفظ مرتین فقط، كما يوضحه الجدول الآتي:(3)

اللفظ مرات وروده وزنه

الدِّينَار مرة الفِّيعال

دِيناَرا مرة فيعَالاً

ليدل على:

1) المعنى الحقيقي (المادي): جاءت لفظة (دينار) معرفة ب(ال) مرة واحدة في كلام الإمام (عليه السلام) في خطبة له في أصحابه وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قائلا: «لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَني بِكُمْ صَرفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ،

ص: 155


1- ظ: المفردات في غريب القران: 1 / 224
2- ظ: المعرب: الجواليقي: 196 ، وظ: المعجم الاقتصادي الاسلامي: 163
3- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 804

فَأَخَذَ مِنِّي عَشرَةً مِنْكُمْ وَأَعْطَانِ رَجُلاً مِنْهُمْ !»(1) .

2) المعنى المجازي: وردت لفظة (دينار) منكرة مرة واحدة وذلك في قوله (عليه السلام): «في كتابه لشريح القاضي: « بَلَغَنِي أَنَّكَ ابْتَعْتَ دَاراً بِثَمانِينَ دِينَاراً، وَكَتَبْتَ لَما كِتَاباً، وَأَشْهَدْتَ فِيهِ شُهُوداً»(2) . والدِّيْنار فارسي مُعَرَّب، وأصله دِنَّار بالتشديد، مثل قيراط، بدليل الجمع (دنانير وقراريط)، فإذا كان هنالك صوتان متماثلان تمامافي كلمة يتغير أحدهما إلى صوت من أصوات العلة الطويلة في الغالب، أو الى صوت مائع، فأبدلت النون الأولى ياءً(3) .

وهو من الألفاظ المُعَرَبة فأصله يوناني، ديناريوس: أبدلت النون الأولى الى ياء وكثيرا ما يحول الحرف المُشدد في العربية إلى حرف سهل في اللفظ فأصله (دِنَّار)، على زنة (فِعًال) أبدلت الياء فيه من إحدى النونین ؛ لِثِقل اللفظ بالنون المُشددة بدليل الجمع (دَنَانِير) دِ ن / ن َ ر إبدال الألف من النون الأولى د ِ / ن َ ر إبدال بالقلب، وتصغيره (دُنَيْنير)(4) .

قال ابن فارس: «الدال والنون والراء كلمة واحدة، وهي الدينار. ويقولون:

دنًر وجه فلان، اذا تلألأ واشرق ومن المجاز: ثوب مُدًنر: وشيه كالدينار، نحو مسهم ومرحل، فدَّنر وجهه: اذا أشرق»(5) .

ص: 156


1- نهج البلاغة: خ 97 ، 99 . وقد وردت في ص 94
2- ك 3، 270
3- ظ: التطور النحوي: برجشتراسر: 45 - 46
4- ك 3، 270
5- مقاييس اللغة: 2 / 305

قال تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذَلِكَ بِأَنَّهمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِی الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلىَ اللِّه الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(1)

و أصله دِنًار فأبدل من إحدى النونین ياء، لئلا يلتبس بالمصدر الذي يجيء على زنة (فِعال)، وقيل أصله بالفارسية دينٌ ار، أي الشريعة جاءت به وهو وإن كان معربا فلم تعرف له العرب اسما غير الدينار، فصار كالعربي، وذكره الله تعالى في كتابه، لأنه خاطبهم بما عرفوا واشتقوا منه فعلا قالوا: رجل مُدَّنَر: كثير الدَّنانير، وقيل: وهو زنة إحدى وسبعين شعيرة ونصف شعيرة تقريبا، بناءً على أنَّ الدَّانقثامني حبات، فالدينار ثامن وستون واربعة أسباع حبة، وهو المثقال(2).

7) الِّسعْر:

وردت هذه المفردة مرتين في النَّهْج، كما هو موضح في الجدول الآتي:(3) اللفظ مرات وروده وزنه

الأسْعَار مرتان الأفْعَال

ودلَّ في كلام الإمام (عليه السلام) على معنى حقيقي (مادي)؛ إذ ورد لفظ (الأسْعار) مرتین في النَّهْج مجموعا جمع القلة على زنة (أفْعَال) وهي جمع (سِعْر):

ويعني تقدير أثمان الأشياء، والسِّلَع، وإرتفاعه غلاء، وإنحطاطه رخص، وقيل:

ص: 157


1- آل عمران / 75
2- ظ: المعرب: 187 ، وظ: المعجم الاقتصادي الاسلامي: 188
3- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 938

تقدير مايُباع به طعاماً كان أو غيره، ويَغلى ويَرخص على حسب الزيادة على المقدار(1) .

للدَّلالة على ثمن الأشياء، منها قوله في الإستسقاء وفيه تنبيه العباد الى وجوب استغاثة رحمة الله اذا حبس عنهم رحمة المطر(2) .

قال (عليه السلام): « وَاسْقِنَا سُقْيَا نَافِعَةً مُرْوِيَةً مُعْشِبَةً، تُنْبِتُ بِها مَا قَدْ فَاتَ، وَتُحيِي بِها مَا قَدْ مَاتَ، نَافِعَةَ الَحيَا، كَثِيرَةَ الْمُجْتَنَى، تُرْوِي بِها الْقِيعَانَ، وَتُسِيلُ الْبُطْنَانَ، وَتَسْتَوْرِقُ الأشجار، وَتُرْخِصُ الاْسْعَارَ»(3) .

وقوله (عليه السَّلام) ناهياً عن الإحتكار: « فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) مَنَعَ مِنْهُ. وَلْيَكُنِ الْبَيْعُ بَيْعاً سَمْحاً: بِمَوَازِينِ عَدْل، وَأَسْعَار لاَ تُجحِفُ بِالْفَرِيقَيْن مِنَ الْبَائِعِ وَالُمبْتَاعِ»(4) .

جاء السِّعر مجموعاً مُنَّكرا، مما يدلُّ على الإطلاق والعُموم والشُّمول، وفيه وصية الى التُّجار بأن يمنعوا الإحتكار، إذ لم يحدد قيمة هذا السِّعر ولم يعرفه، ومجروراً عطفا على شبه الجملة التي سبقته» بموازين عدل» فللأسعارِ أثركبيرفي النظام الاقتصادي؛ لأنها السبب المباشر للركود والفقر والتفاوت الطبقي، ولما كانت تخضع لميزان العرض والطلب فهي تبقى مضطربة مسببة للتقلبات الاقتصادية في سوق المستهلكين والتجار.

ويتضح من قول الإمام (عليه السلام): « وليكن البيع بيعا سمحا» أي ليسامح

ص: 158


1- ظ: منهاج البراعة: 9 / 7
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 17 / 66
3- نهج البلاغة: خ 143 ، 143
4- ك 53 ، 329

البائع المشتري في الرِّبح، ومعيار التسعيرة هو ميزان العدل، وهو ما يحدده الوضع العام للسوق وقانوني (العرض والطلب).

إذ نهى (عليه السلام) عن الإحتكار هنا ؛ والتطفيف وزيادة الأسعار وهو نهي ورد في نص القرآن الكريم. في قوله تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَ النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾(1) .

قال احمد بن فارس: « السین والعين والراء اصل واحد يدل على استثقال الشيء، واتقاده وارتفاعه، فاما سعر الطعام، فهو من هذا ايضا ؛ لانه يرتفع ويعلو»(2) .

والسِّعر: مايقوم عليه الثَّمن، وجمعه: أسعار، وقد أسعروا وسعًروا بمعنى واحد: اتفقوا على سعْر، والتسعير: تقدير السِّعر(3) .

8) المَّال:

ورد هذا اللفظ في مائة وعشر موضعاً من النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي:(4)

اللفظ مرات وروده وزنه

مالاً 4 مرات فَعْلاً

المَال 58 مرات الفَعل

مِالك 5 مرات فعلك

مِاله 12 مرة فعله

ص: 159


1- المطففين / 1 - 2
2- مقاييس اللغة: 3 / 75
3- ظ: لسان العرب (مادة سعر): 3 / 2050 وظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 437
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 938

مالها مرة فعلها

الأمْوَال 12 مرة الأفْعَال

أمْوَالاً مرتين أفْعَالاً

أمْوَالكم 7 مرات أفْعالكم

أمْوالهَا مرة أفْعالها

أمْوالَم 8 مرات أفْعالَم

ليدل على:

1) المعنى الحقيقي (المادي): لقد أبرز الإمام (عليه السلام) مفاهيما جديدة منها: (مالُ الله، مالُ المسلمين) سعياُ منه لتوثيق حقوق الأمَّة الإسلامية، وهذه السياسة هي فلسفة ضِدَّ الحُكَّام الذينعدَّوه حقاً خاصاً لهم، وإن أعطوا منه أعطوه على سبيل التفضل والمَّن على الرَّعية، أمَّا الإمام (عليه السلام) في رشح لولاته أنَّه حقٌ من حقوق الشَّعب. والأمْوَال: جمع مال. جاء به الإمام (عليه السلام)؛ ليدلَّ على مايملكه الإنسان. وهذا البيان الاقتصادي الذي وضعه يحمل دلالات ومعانٍ مهمة، بعيدة الغور، فقد ذهب إلى الفضل الدِّيني الذي لايجب أن ينعكس بصورة دنيوية، فالمَّال ليس للسلطة الحاكمة ؛ بل هو مال الله للأمَّة، لنتأمل قول الإمام (عليه السلام) لمَّا عُوتِب على التسوية: « مَا أَمَّ نَجْمٌ فِی السَّماَءِ نَجْماً ! لَوْ كَانَ الَمالُ لي لَسَوَّيْتُبَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَإِنَّماَ الَمالُ مَالُ اللهِ لَهمْ. !»(1)

إذ ساوى الإمام (عليه السلام) في العطاء، وكان قراره في العدول عن تمييز الناس بالعطاء من أخطر قراراته الثورية ؛ فقد أحدث إنقلابا إجتماعيا، فكان رد

ص: 160


1- نهج البلاغة: خ 126 ، 130

فعل الأغنياء منهم - وفي مقدمتهم قريش وأبناءهم - ضد علی وقراره هذا بداية الثورة ضد حكمه(1) .، فقدأدرك الإمام (عليه السلام) إن ماأحدثه من مساواة في العطاء سيُوجِد أعداءاً كُثُراًله، فرَد أموال الشعب كان المُثارالأول للخلاف معه، وأنْتَقَدَ بعض الناقدين سياسته المتمثلة بالأخذ من الأغنياء والإعطاء للفقراء(2) .

لكن هيهات هذا ما تأباه الرؤية الإسلامية والأخلاقية والمبدئية العلوية التي مثلها الإمام (عليه السلام)، ومن البديهي إنَّ الإمام (عليه السلام) لم يملك أموالا يُفَاضِل بها، وهذا ليس من مبادئه.

وأصل المَّال (مَوَل) فالألف منقلبة عن واو، لِوقُوعِ الواو مُحرَّكة، وما قبلها مفتوح قُلبت ألفا (إعلال بالقلب) م َ / وَ / ل َ تقلب الواو الفا م َ ل إعلال بالقلب

إنَّ الإمام (عليه السلام) دافع عن مُلكية الأمَّة بالعديدِ من الوسائلِ، وبرزت عنده مفاهيم من مثل (مَالُ اللهِ، مالُ المسلمينِ)، وماهذه المفاهيم إلاَّ لترسيخِ حقوق الأمَّة المَّالية في ضمير أبنائها ضد فلسفة بعض الحُكَّام ممن عَدُّوا المالَ حقاً لهم، وإن أعطوا لشعوبهم، فبصيغة المَّن والتفضُّل على الشُّعوبِ، وقد ورد مصطلح (المَّال) مُعَرَّفا بأداة التعريف (ال) ومُنَكَّرا في ثمانية وخمسین موضعا من النَّهْج(3) .

2) المعنى المجازي: ومنها قوله في الخطبة الشقشقية ترجيحاً للصَّبر: «الَی أَنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ، نَافِجَاً حِضْنَيْهِ بَینْ نَثِيلهِ وَمُعْتَلَفِهِ، وَقَامَ مَعَهُ بَنُو أَبِيهِ يَخْضَمُونَ مَالَ اللهِ

ص: 161


1- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 353
2- ظ: الفكر الإجتماعي لعلي بن أبي طالب: محمد عمارة: 7
3- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 353

خَضْمَ الاْبِل نِبْتَةَ الرَّبِيعِ»(1) .

ف(الخِضَّم) على زنة (فِعَل) قصره اللغويون على كلِّ عمل قام به الفَّم.

و(يَخضِمُون) منصوب المحل على الحَالية، وهو كناية عن كثرة توسعهم بمالِ المسلمين وشدة أكلهم. وقد إتفق شرَّاح النَّهْج مع اللغويین على أنَّ الخِضَّمَ الأكل بجميع الفم، ويقابله القَضْم الأكل بأطراف الأسنان، وقيل: الخِضَم أكلُّ الشيَّءِ الرَّطبِ، والقِضَم: أكلُ الشيَّءِ اليابس، والمراد على التفسيرين لايختلف وهو أنَّم على قدم عظيمةٍ من النَّهم وشدة الأكل وإمتلاء الأفواه(2) .

فخضم الإبل ؛ لما فيها من الطِيب والرِّقة، وأكلها يعظم فيها ؛ لذا شبَّه حالهم بأكل الإبل لها، ثم أقام على هذه الصفة، وكناية عن كثرة توسيعهم في أكل مال المسلمين المال من غير مبالاة لهم فيه(3) .

وخطبة له قال فيها: «فإذا رَأَى أَحَدُكُمْ لِاخِيهِ غَفِيرَةً في أَهْل أَوْ مَال أَوْ نَفْس فَلاَ تَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً»(4) .

والغفيرة: الزيادة، وهي كثرة الاولاد والاعوان، والعمر الطويل في النفس، والجاه والصحة في الأهل، والمال يلتمس مافي أيديهم، ومعناه أنَّ الطيب الصالح يغض البصر عام في أيدي الناس، ويترفع عن الحسد(5) .

ص: 162


1- نهج البلاغة: خ 3، 15
2- ظ: منهاج البراعة: 3 / 84 وظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 1 / 191
3- ظ: منهاج البراعة: 2 / 84 - 85
4- نهج البلاغة: خ 23 ، 28
5- ظ: الديباج الوضي: / 320

وقوله: «لامَالَ أعْوَدُ مِن العَقْلِ»(1) .

الجملة فيها مُتَدة، ووزنها مُطلق لايَقعُ على مُعَين، وقائمة ب(لا) وإسمها وخبرها.

وقد تكررت (لا) النافية للجنس كثيرا مع إسمها المفرد النكرة المبني ؛ لتكون عامة شاملة لجميع مابعدها، ك(لاوحدة ، لاعقلَ، لاكرمَ، لاقرينَ، لاميراثَ، لاقائدَ، لاتجارةَ، لازرعَ، لاورعَ، لازهدَ، لاعلمَ، لاعبادةَ، لاإيامنَ، لاشرفَ، لاعزَّ)، ف(لامالَ، لاوحدةَ) بعدهما اسم تفضيل (أعود، أوحش) وخبر (لا) بعدهما مسبوق بحرف جر(الكاف) الذي يفيد التشبيه وعطف على كل الجمل بالواو.

وقد كتب مصطفى صادق الرافعي مقالا بعنوان «الدِّينار والدِّرهم» قائلا:

«الفقيه الذي يتعلق بالمال هو فقيه فاسد، يفسد الحقيقة التي يتكلم بها. فلقد رأيت فقهاء يعظون الناس في اللحل ونصوص الكتاب والسنة. وتسخر منهم الحقيقة بذات الاسلوب الذي يسخر به لِصَّا آخراً»(2) .

إنَّ الاشتراكيين ردَّوا على الرأسامليين بفتح الطَّريق للأغنياء للسيطرة على رجال الدَّولة والحكم وخضوع السياسة لمصالحهم، وإلاّ فمحاربتهم بالمَّال، فالملكية ذات أثر سلبي في سلوك الفرد. وتحدث د.عباس محمود العقاد فرأى أنَّه لم يعرف أحد من الخلفاء أزهد من الإمام (عليه السلام) في لذة دنيا أو سبب دولة، وكان هو أمير المؤمنین يأكل الشعير وتطحنه امرأته بيديها، وكان يختم على الجراب الذي فيه دقيق الشعير فيقول: لا احبُّأن يدخل بطني ما لاأعلم(3) ذ.

ص: 163


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 234 ، 384
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 6 / 99
3- عبقرية الإمام علي (عليه السلام): 2 / 26

إلاَّ أننا نجد أنَّ الإمام (عليه السلام) برغم ماأثاره فهي مسألة غير مجدية وفقا للرُّؤية الإسلامية إذ كيف يعطي الأموال والثروات للرؤساء، ومن ناحية أخرى الإمام (عليه السلام) لايملك أموالا ليفاضل بها، إلاَّ أن يأخذ من الفقراء ليقدمها إلى الأغنياء. فلو ثبت على ما كان لأخذنا منه ماتيسر وصبرنا فيما تعسر حتى يفي بالوعد. وقال (عليه السلام): « فلا أموالَ بَذَلتُمُوهَا للذَّي رَزَقَها»(1) .

ويُفسرَّ قوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّماَ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّه عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾(2)

فالله (سبحانه وتعالى) يختبرهم بهام ليتبین الساخط من الراضي بقسمه «ومعنى ذلك أنَّه سبحانه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبين الساخط لرزقه والراضي بقسمه وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب لأنَّ بعضهم يحب تثمير الأموال ويكره إنثلام الحال»(3) .

وقد تعددت التعريفات للاَّمل فأصبح يُطلق على معانِ عدة، إذ خصصه بعض اللغويین بالمعنى الضيق بما يملك من ذهبٍ أو فضة أو بكونه الثياب والمتاع والعروض(4) .

و الأصل في حروفه أنَّ» الميم والواو واللام كلمة واحدة، هي تموَّل الرَّجلُ:

ص: 164


1- نهج البلاغة: خ 11 7 ، 124
2- الأنفال / 28
3- المال المثلي والمال القيمي في الفقه الاسلامي: 28
4- اختلف في تعريف المال بین اللغويین والفقهاء ؛ تبعا لاختلافهم وجهات نظرهم في صفته ووظيفته، فقد توسعت بعض التعريفات له، فأصبح يطلق عى مايملكه الإنسان من ذهب، فضة، حيوان، نبات، وأرضٍ. أمَّا مالايملكه وعرفه الفقهاء بأنَّه النقد والعروض. ظ: العین (مادة مول): 8 / 344

«إتَّخذَ مالاً. ومالَ يُمال: كثر ماله»(1) .

و هو مشتق من مادة (مول)، يذكر ويؤنث ؛ فيقال: هو المَّال وهي المَّال، كلماتمول، ويدلُّ على كل مايملكه المرء من متاع، أوعروض تجارة، او عقار، او نقود، والأصل فيه الذَّهب والفضة، ثم أطلق على سائر ما يُملك، وعند أهل البادية النِعَم.

9) النَّقْد:

ورد هذا اللفظ مرتين في النَّهْج، كما يبينه الجدول الآتي:(2)

اللفظ مرات وروده وزنه

نَقَدْتَ مرة فَعَلتَ

نَقْدا مرة فَعْلَا

و هو على نوعين:

1) النقد الحقيقي (المادي): ورد في كلام الإمام (عليه السلام) مرة واحدة، وذلك في خطبته لشريح القاضي قائلا له: « فَانْظُرْ يَا شُريْحُ لاَ تَكُونُ ابْتَعْتَ هذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيرْ مَالِكَ، أَوْ نَقَدْتَ الَّثمَنَ مِنْ غَيرْ حَلاَلِكَ!»(3)

ص: 165


1- مقاييس اللغة: 5 / 285
2- ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 4 / 114
3- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1509

«خَافُ أَنْ تَكُونَ فِی رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً ؟ أَوْ تَكُونَ لاَ تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً ؟ وَكَذلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لاَ يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً»(1) ، و(نقدا حالا معجلا) انه يخاف عبدا مثله اكثر مما يخاف الله. والحق ان اكثر الناس يحبون العاجلة ويذرون الاخرة ويخافون المؤجل والذي عناه الإمام (عليه السلام) هنا ان حب الدنيا، والاندفاع وراء الشهوات لايجتمع بحال مع الخوف من الله حقاً وصدقاً(2) .

النًقْد: تمييز الدراهم واعطاؤكها انسانا واخذها(3) .

قال ابن فارس: » النون والقاف والدال اصل صحيح يدل على ابراز شيء وبروزه.... ومن الباب: نقد الدراهم، وهو تمييزها والكشف عن حالها في جودتها أو زيفها»(4) .

و(النقد) من الألفاظ التي لحق بها تطور معنوي، فكانت في الجاهلية تدل على فحص النقود ؛ للتعرف على الجيد والزائف منها، ولم يعد هذا اللفظ مختصا بهذه النقود، بل صار يشمل نقد كل شيء(5) .

ص: 166


1- خ 160 ، 160
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 3 / 368
3- العين (مادة نقد): 4 / 255
4- مقاييس اللغة: 5 / 67
5- ظ: التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن الكريم: 21

المبحث الرابع: ألفاظ إيرادات الدولة ومايتعلق بها في نهج البلاغة:

1) الجِّزْيَةُ:

ما يفهم من كلام الإمام (عليه السلام) أنَّ الغرض من الجِّزية هو توفيرُ بَدل الحماية من العدُّو الخارجي ؛ لعدم فرض الجهاد الإسلامي على غيرالمسلمين، وهي إسهام مالي ؛ لتوفيروتيسيير واردات الدَّولة إضافةً إلى الواردات الأخرى ك(الخَراج والزَّكاة والعُشور والخُمس...الخ). وقد وردت هذه اللفظة مرة واحدة فيي نهج البلاغة(1) .

جاءت هذه اللفظة في كلام الإمام (عليه السلام) لِتَدُّل على المعنى المجازي: وهو أخذ المَّال، ويُبررُ الإمام (عليه السلام) أخذها بقوله: « إنَّما بذلوا الجِّزيَة لتكون دماؤهم كدمائِنا وأموالهم كأموالنا» وتعدُّ بَدَلاً عن توفير الحِماية لغير المُسلِمين منالعدّو الخارجي، أو أيّ اعتداءٍ يُشَكِلُ خَطَرا لهم، وتقابل الزَّكاة، والخُمْس، وغيرها من الضَّائبِ التي تؤخذ من المُسْلِمين. أمَّا الشروط الواجب توافرها فيمن تؤخذ منهم، فتؤخذ من المتمكنین إقتصاديا، ومِّنهم قادرون على حَملِ السلاح بین(15 - 45)عما، وتتفاوت وفقا لإمكانياتهم المادية، والاقتصادية. إذ تتراوح بین اثني عشر درهماً للفقراء وثمانية وأربعین درهماً للأغنياء وأوساطهم أربعة وعشون درهمُا(2) .

وقد حرص الإمام (عليه السلام) على أخذها، وإن كانت على شكل أمتعة

ص: 167


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 618
2- ظ: حقوق الانسان عند الإمام علي (عليه السلام): غسان السعد: 134

وعروض، كما فعل الرسول من قبله إذ أخذ الجزية متمثلة بالمنتوجات من الإبر والمُسال والحِبال، ولم تؤخذ من المسكين، ولا الأعمى، ولا الذمي الذي يتصَّدق عليه، ولا مُقعَد إذا لم يكن له مردود من المَّال(1) . وفي هذا يقول (عليه السلام):

«وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّعِيَّةَ طَبَقَاتٌ،... وَمِنْهَا أَهْلُ الِجزْيَةِ وَالَخراجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ، وَمِنْهَا التُّجَّارُ وَأَهْلُ الصِّنَاعَاتِ»(2) . فجاءت مجرورة ؛ لإضافتها الى (أهل) مع أنها توحي بالقرب والوطن، وأهل الجزية هم طبقة من طبقات المجتمع السائد آنذاك، و(من) بيانية لتوضح أن (أهل الجزية والخراج) هم من (أهل الذمة ومسلمة الناس). وقد وردت فريضة الجزية في القران الكريم لقوله تعالى: ﴿ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللِّ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللُّه وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الَحقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الِجزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾(3) .

فتقسيمه للرَّعية على طبقاتٍ وفئاتٍ يومئ فيه إلى حمايةً الحقوق من الإعتساف والإعتداء، والتشريع في الاسلام لله وحده، (فأهل الجزية... من أهل الذمة) هم أهل الكتاب الذين يقبلون شروط المسلمين(4)

وجَزَى يَجزِي جَزَاء، أي: كافأ بالإحسان وبالإساءة، وفلان ذو غِناء وجَزاءٍ،وتَجازيتُ دَيْني: تقاضيته(5) .

فأصوله» الجيم والزاء والياء: قيام الشيَّء مقام غيره ومكافأته إياه. يقال جزيت

ص: 168


1- ظ: كتاب الخراج: ابو يوسف: 129
2- نهج البلاغة: ك 53 ، 324
3- التوبة / 29
4- ظ: العين (مادة جزي): 6/ 164
5- ظ: في ظلال نهج البلاغة. 5 / 397

فلانا أجزيه جزاءً، وهذا رَجُلٌ جازيك من رجلٍ أي حسبك. ومعناه أنَّه ينوب مناب كلَّحدٍ، كما تقول كافيك وناهيك»(1) .

و الجَّزاء: المكافأة على الشيَءِ، جزاه به وعليه جزاء وجازاه مجازاة وجزاء(2) ، وفي الدعاء (جزاه الله خيرا) أي قضاه له وإثابه عليه، و(الله يجزيك عني ويجازيك)، وكما تجازي تجازى، وقد يستعمل (أجزأ) بالالف والهمز بمعنى واحد، وجازيته بذنبه:عاقبته عليه، وجزيت الدًين: قضيته(3) .

وهي مشتقة من الجزاء والمجازاة، هي الخراج المجعول على أهل الذِّمة(4) .

وتُعَد فريضة مالية، تُفرَض جبرا على الرؤوس ممن يدخل في ذمة المسلمين من أهل الكتاب وما في حكمهم، مقابل توفير الحماية والأمن لهم، وتؤخذ مع بقائهم على دينهم، وتسقط بالدخول في الإسلام، وتفرض على الرِّجال الأحرار العقلاء، يعفى منها الصبيان والنساء والشيوخ والمرضى والمؤمنون(5) .

والفرق بين الجِّزية والخَراج هو ان: «الجزية بمنزلة مال الخراج»(6) .

قال الماوردي: الجِزْيَة والخَراج حقان أوصى الله تعالى المسلمين اليهما من المشركين يجتمعان من ثلاثة أوجه، ويفترقان من ثلاثة أوجه، فأوجه إجتماعهما، فكلُّ واحدٍ

ص: 169


1- مقاييس اللغة: 1 / 456
2- ظ: لسان العرب (مادة جزى): 1 / 620
3- ظ: أساس البلاغة: 1 / 138
4- معجم المصطلحات المالية والاقتصادية: 164
5- النظم الإسلامية: حسن الحكيم: 134
6- كتاب الخراج: ابو يوسف: 68

منهما مأخوذ من مشرك صغارا له، ويُصْرفان في أهل الفيء، ويوجبان مع حلول الحَوْل، وأفتراقهما بينهام فالجِزيَة نَصٌ، والخَراج إجتهاد، وأقلُّ الجِزية مُقَدَّر بالشَرع وأكثرها بالإجتهاد والخَراج قليله وكثيره مُقَدر بالإجتهاد، والجِزيَة تؤخذ مع بقاء الكفر وتسقط بالدخول في الإسلام، أمَّا الخَراج فيؤخذ مع الكفر والإسلام(1) .

وقد إشتق العربُ الجِزيَة من الجَزَاء، وجمعها جِزَىٍ. والجِزيَةُ في الإسلام هي ما يؤخذ من أهل الذِّمة. أي المَّال الذي يعقد الكتابي عليه الذِمة. وهي فِعْلَة من الجَزاء كأنما جزت عن قتله، وهي ضريبة مادِية قليلة فهي مقابل ضريبة الدَّم التي يدفعها المسلم لحماية أهل الذمة الذين أرتضوا أن يعيشوا في كنف المسلمين(2) ، وتؤخذ من غير المسلمين في الدَّولة الإسلامية.

2) الخَراج:

تكررهذا اللفظ في عشرة مواضع من النَّهْج، كما موضح في الجدول الآتي(3)

اللفظ مرات وروده وزنه

الخَراج 9 مرات الفَعال

خراجها مرة فعالها

والفرق بین الخِرْجِ والخَرَاج هو أنَّ الخَرْجَ: ماتبرعت به،أمَّا الخَراج: مالزمك أداؤه، قال بعضهم: الخرج من (الرؤوس) والخَراج من الأرض، وهذا يعني أنّ

ص: 170


1- ظ: الجزية وأحكامها: الكلانتري: 1 / 18 - 20 وظ: الأحكام السلطانية والولايات الدينية: الماوردي: 153
2- ظ: التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن: 384
3- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 748

الخَرجَ مبلغ غير منتظم، وغيرمتكرر يُدفَع إلى شخص مُعَینَّ مقابل تقديم خدمة عليه. قال تعالى: « قالو ياذا القرنین إنَّ يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خَرْجاً»(1) . أمَّا الَخراج فهو مبلغ معلوم يُدفَع بصورة منتظمة، ومتكررة في نهاية كلِّ حولٍ أو محصولٍ من قبل مستثمري الأرض إلى الدولة(2) .

ويُعَدُّ الخراج أحد واردات الدولة الإسلامية وهو» الضَيبة التي كانت تُدفَع لخزينة الدَولة عن الأراضي التي احتلها المسلمون حتى لو أسلم صاحبها. ويَتَلفُ مقدار الخَراج بحسب نوعية الأرض وطريقة ريعها وإستغلالها ونوعية المحصول. وكانت هذه الضَّيبة عادةً تُفرَض على محاصيل الحبوبِ والأشجار المُثمِرة. وكانت تُدفَعُ سَنَويا بعدَ المَوسِم»(3) .

استعمله الإمام (عليه السلام) للدَّلالة على (خَراجِ الأرضِ)، قائلاً في كتابه السابق إلى الصحابي الأشتر النَخَعَي (عليهام السلام): «وَمِنْهَا أَهْلُ الِجزْيَةِ وَالَخراجِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمُسْلِمَةِ النَّاسِ»(4)

فصَّل الإمام (عليه السلام) هنا الناس إلى طبقات: وذكر أرباب الخَراج من المسلمين، وخصً بصرف الخراج الجُنْد والقُضَاة والعُاَّمل والكُتَّاب ؛ لما يحكمونه من المَعاقد، ويجمعونه من المنافع، ولابدَّ لهم جميعا من التُّجار لأجل البَيْع والشرِّاء الذي لاغناء عنه(5) .

ص: 171


1- الكهف / 94
2- ظ: الاسلام والاقتصاد: 50
3- المرجع في الحضارة العربية الاسلامية: ابراهيم سلمان وعبد التواب شرف الدين: 128
4- نهج البلاغة: ك 53 ، 324
5- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 17 / 56 - 57

وقال: «ثُمَّ لاَ قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِماَ يُخرِجُ اللهُ لَهمْ مِنَ الَخرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ فِی جِهَادِ...... وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِی عِماَرَةِ الاْرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِی اسْتِجْلاَبِ الَخرَاجِ، لِانَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بَالْعِماَرَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الَخرَاجَ بِغَيرْ عِماَرَة أَخْرَبَ الْبِلالَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَم يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلًا»(1) .

فضَّل باسم التفضيل (أبلغ) عمارة الارض على استجلاب الخراج.

إذ لاحياةَ للدَّولة ولا الجنود أو أية هيئةٍ أو فردٍ إلاَّ بالنفقة الكافية لسدِّ الحاجات، ومن البديهي أنَّه لاموارد للدولة إلاَّبفرض الضَّائب وجبايتها وقد أقر الإنكليزي الاقتصادي (آدم سمث) شروطاًأربعة للضِائب: فتفرض على النَّاس بنسبة قدرتهم على تحملها، وتنطبق على (فريضة الخُمْس والزَّكاة والجِزيَة) في الإسلام وأن تكون معينة، وأن تُجبَى بدون إزعاج وتُنتَظم بحيث لاتُكلِف الشَّعب إلاَّ الضرَوري لخزينة الدَّولة(2) .

دعوة الإمام (عليه السلام) للصحابي مالكٍ (رضوان الله عليه) حین ولَّه إدارة شؤون مصر الإهتامم بأرباب الخراج (وهم المستثمرون الزراعيون) ؛ لأن الاراضي التي عليها الخَراج أراضٍ واسعة تتميز بالخصوبة وزراعة المحاصيل المهمة ك(الحِنطة والشَعير والتَّمر والزَبيب) وسُميت ب(أرض السَواد) وهي أراضِ العراق، مصر، بلاد الشام، بلاد فارس، وخبير. إذ يتحقق للدَّولة فيها مورداً كبيراً، لذا أكد الإمام (عليه السلام) أهمية تفقد أمر الخَراج(3).

ص: 172


1- نهج البلاغة: ك 53 ، 324
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 5 / 400 -401
3- ظ: السياسة المالية في عهد الإمام علي (عليه السلام): 91

فالإمام (عليه السلام) يقرأ المستقبل إذ يبصرنهاية الأحداث قبل بدايتها فالنتيجة ستكون خراب البلاد أو صلاحها، وأوصى الإمام (عليه السلام) بعامرة الأرض أكثر من إستجلاب الخراج. وهو عهد من الرَّاعي إلى رعيته فالأمَّة عيال على الخراج، فأعطى للخَراج قيمته، وطريقة صرفه فإن إهتمّ بالأرض وعمارتها تيسرَّ الرِّبح، وانتقل هنا من سياق حديثه عن العُاَّمل إلى ذكر أرباب الخراج، فقال: تفقد أمرهم، لأنَّ الناس عيال عليهم، وكان يقول: استوصوا بأهل الخَراج ؛ فإنَّكم لاتزالون سامنا ماسمنوا. ورُفِعَ إلى انوشروان أنَّ عامل الأهواز قد حمل من مال الخراج مايزيد على العادة ؛ وربما يكون ذلك قد أجحف بالرَّعية، فوقع: يرد هذا المال على من قد استوفي منه ؛ فإنَّه تكثير الملك ماله بأموال رعيته بمنزلة من يحصن سطوحه بما يقتلعه من قواعد بنيانه. وروي: «استحلاب الخراج» بالحاء. ثم قال: «فان شكوا ثقلا» أي: ثقل طسق. وهو شبه الخراج له مقدار معلوم ؛ وليس بعربي خالص، ويعني الخراج الم رضوب عليهم، أو ثقل وطأة العامل وارتفاع نسبة الخراج. قال: « أوعِلة» كإصابة الغلة آفة كالجراد أوال ربق أو ال ربد أوإنقطاع شربٍ: نقص المياه في الأنهار، أو مطرٍأو إحالة الأرض أو اتلفت بالعطش أو بالة، قلة مياه الأمطار، فإنْ لحَقَها ذلك فأمرهم بالتخفيف، وهو بمنزلة التِجَارة التي لابدَّ فيها من إخراج رأس المَّال وإنتظار عوده ورِبْحِهِ(1) .

فإن شكوا (ثقلاً): إرتفاعا في نسبة الخراج إلى حجم الإنتاج، أو (عِلَّةً):

الأمراض التي تصيب المحاصيل الزراعية، والظروف الجوية والمناخية التي تُميتُ المحاصيل، أو إنقطاعاً في المياه المتأتية من الأنهار، أو بالة: نقصاً في مياه السَّقي من الأمطار؛ لقلتها، أو تلفاً في المحاصيل بفعل الأمطار الغزيرة، أو (عطشًا) بسبب

ص: 173


1- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 17 / 56

الجفاف، فإنَّ نسبةَ الخراج ستقل إلى الحَد الذي يُغَطي التكاليف والخَسائر، فمعظم الجباية إنَّما هي من الفلاحین والتُّجار، فإن إنقبضَ الفلاحون عن الفِلاحة، وقعدَ التُجَّارعن التِجارة ذهبت جملةً، والدَّولة هي السُّوق الأعظم للعالم، ومعظم السَواد، ونفقاتهم أكثرأ مادة للاسواق، وتضاعف الأرباح في المتاجر، فيقل الخراج لذلك، لأنَّ الخراج والجباية في الإعتامد، والمعاملات عائد بالطبع على الدَولة بالنقص ؛ لقِلتِه عند السَّلطان بقلةِ الخَراج(1) .

وأوصى الإمام (عليه السلام) العاملین على جباية الخَراج والصَدَّقات بآداب عامة تتضح في قوله: « إنطلقْ الى تقوى اللهِ وحده لاشريكَ له، ولاتروعَنَّ مُسلِماً، ولاتجتازَنَّ عليه كارِهاً، ولاتأخذَنَّ منه أكثر من حقِّ اللهِ في مالهِ، فإذا قدمْتَ على الحَيِّ فانزْل بمائِهم من غير أن تخالطَ أبياتهم، ثم أمضِ إليِّهم بالسَّكينةِ والوقارِ حتى تقومَ بينهم فتسلمْ عليهم، ولاتخدجْ بالتحيةِ لهم، ثم تقول، عبادُ الله أرسلني إليكم وليُّ الله وخليفته لآخذَ منكم حقُّ الله في اموالكم، فهل لله في أموالكم حق فتؤدوه الى وليه. فان قال قائل، لا، فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه، فلا تخيفه، او توعده، او تعسفه، أو ترهقه فخذْ ما أعطاك من ذهبٍ أو فضةٍ فاذا كان له ماشية او ابل فلا تدخلها إلا بإذنه»(2)فوصف الإسلام حق الله مافرضه الشرع للمجتمع من ضرائب وهي لبيت المال تُوزع على الرَّعية بالعدل، فخاطب عامله آمرا له بالإنطلاق على بركة الله حتى يحسن في التصرف مع أهل الخَراج، وألاَّ يسیء إليهم بالترويع والتهديد والتخويف، أو بالتسلط عليهم وإكراههم على دفع حقوق الله والإعتداء بأخذ الأكثر من المقرر، ثم فصَّل ذلك قائلا: بأن عليه ألاّ يسكن في بيوتهم ؛ بل

ص: 174


1- ظ: السياسة المالية في عهد الإمام علي (عليه السلام): 101 - 104
2- نهج البلاغة: ك 60 ، 339

ينزل في مائِهم (خارج بيوتهم) للسلامة له من أية إشاعة أو قول يُساء إليه، إذ أنَّ السَّكَن بین البيوت يُعَرِّضه إلى التعرف على الأمور والأسرار التي لا يرغب سُكان الحَيِّأن يفشوها الى الغرباء، فذلك مِّما يُعَزِّز مكانة المسؤولين (الجُبَاة) ويجعل لهم هيبة في عيون الناس والخليفة، ومثال على ذلك رفض الإمام (عليه السلام) التصرَّف الذي قام به عثامن بنُ حنيف وهو عامله على البصرة ؛ إذ دُعي من قبل أهالي البصرة على وليمة فقبلها، ومما لاشكَ فيه أنَّ هنالكَ أموراً ترتبت على قبول هذه الدَّعوة(1) .

فالخَرْجُ والخَراج: « مايخرج من المَّال في السَّنة بقدرٍ معلومٍ»(2) .

قال ابن فارس: «الخاء والراء والجيم اصلان، وقد يمكن الجمع بينهما، إلاَّ أنا سلكنا الطريق الواضح. فالاول: النفاذ عن الشيء. والثاني: اختلاف لونين. فأما الأوّل فقولنا خرج يخرج خروجا. والخرَاج بالجسد. والخراج والخَرْج: الإتاوة ؛ لأنه مال يخرجه المعطي»(3) .

الخَرْج والخَرَاج، واحد عند بعض اللغويین: وهو شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم. قال الزجاج: الخرج المصدر، والرعية تؤدى الخرج الى الولاة، والخَرْج والخراج: الإتاوة: «وهي هديةُ المَلَلِك» وفي علم المالية الحديث: » هي مبلغ من المال يفرض ج ربا على مالك العقار بنسبة المنفعة التي عادت إليه من الأعامل العامة التي قامت بها الدولة أو الهيئات المحلية، ولفظ الأتاوة غير مستعمل عند الفقهاء ؛ بل المستعمل عندهم: الكلف السلطانية، النوائب، المكوس، المغارم،

ص: 175


1- ظ: منهاج البراعة: 20 / 310
2- العين (مادة خرج): 4 / 158
3- مقاييس اللغة: 2 / 175

الضرائب(1) .

و فَسرَّ ابن الأثير» الخَراج بالضَماَّن» قائلاً: « يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدا كان او امة او ملكا، وذلك أن يشتريه فيستغله زماناً، ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعْه البائع عليه، او لم يعرفه فله رد العين المبيعة واخذ الثمن ؛ ويكون للمشتري ما استغله، لان المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء»(2) .

ويجمع على أخراج واخاريج وأخرجة. وفي التنزيل: « ﴿ أَمْ تَسْأَلُهمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيرْ وَهُوَ خَيرْ الرَّازِقِينَ﴾(3) ، قال الزجاج: الخراج الفيء، والخرج الضريبة والجزية، وقريء: ام تسألهم خراجا، قال الفراء: ام تسألهم اجراً على ما جئت به، فأجر ربك وثوابه خير(4) . والخرج أعمُّ من الَخراجوجعل الَخرْج بإزاء الدَّخل. قال تعالى: ﴿ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَينْ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِی الْارْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلىَ أَن تَجعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾(5) . وقيل: العبد يؤدى خرجه أي غلته والرعية تؤدى الى الامير الخراج. وفي الإصطلاح الفقهي: حقوق تؤدى عنها الى بيت المال، ذلك ان الفلاحین الذين يعملون فيها قد اكتروها بغلة معلومة(6) .

ص: 176


1- معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء: 16
2- النهاية في غريب الحديث والأثر: 258
3- المؤمنون / 72
4- ظ: معاني القرآن: الفراء: 10 / 204
5- الكهف / 94
6- ظ: المفردات في غريب القران: 193

3) الخُمُس:

وردت لفظة الخُمْس مرة واحدة في كلام الإمام (عليه السلام) لبيان دفع قسط من المَّال، أي: تخميسه ورد في سؤال الخليفة عمر بن الخطاب للإمام (عليه السلام)فقال له: « إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلىَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله) وَالاْمْوَالُ أَرْبَعَةٌ: أَمْوَالُ الُمسْلِمِينَ فَقَسَّمَهَا بَينْ الْوَرَثَةِ فِی الْفَرَائِضِ، وَالْفَيْءُ فَقَسَّمَهُ عَلىَ مُسْتَحِقِّيهِ، وَالُخمُسُ فَوَضَعَهُ اللهُ حَيْثُ وَضَعَهُ، وَالصَّدَقَاتُ فَجَعَلَهَا اللهُ حَيْثُ جَعَلَهَا. وَكَانَ حَليْ الْكَعْبَةِ فِيهَا يَوْمَئِذ، فَتَركَهُ اللهُ عَلىَ حَالِهِ، وَلَم يَتْركْهُ نِسْيَاناً، وَلَم يَخفَ عَلَيْهِ مَكَاناً، فَأَقِرَّهُ حَيْثُ أَقَرَّهُ اللهُ وَرَسُولُه»(1) ، وفيه بيان تقسيم الأموال على المستحقين» فحلی الكعبة أقَرَّه الله على حاله ورسوله من غير نسيان له، ولاجهل بمكانه مع تعرضه لجميع الأموال، وتقدير الكبرى: وكلّام أقره الله ورسوله على حالهِ وجب الإقتداء بهام في إقراره.

والحُ يِل: مايتزين به ويتخلص دليل الإمام (عليه السلام) بأن مصدر الحلال والحرام كتاب الله والسنة: ماثبت عن رسول الله من قوله وفعله وتقريره لما رأى من أفعال النّاس(2) .

قال ابن فارس: «الخاء والميم والسين أصل واحد، وهو في العدد. فالخَمسة معروفة. والخُمْس: واحد من خمسةٍ. يُقال خمست القوم: أخذت خمس أموالهم أخمسهم»(3) .

وخَمسْتَ القوم: أخذت خمس أموالهم وكنت لهم خامسا، وخمست مالهم:

ص: 177


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 270 ، 395
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 5 / 354
3- ظ: مقاييس اللغة: 2 / 217

أخذت خمسه. وثوب مخموس: طوله خمسة أذرع(1) .

والخُمْسُ جزء من خمسةٍ، يطرد ذلك في جميع هذه الكسور عند بعضهم، والجمع أخماس، وكان الامير في الجاهلية يأخذ الربع من الغنيمة فلما جاء الاسلام جعله الخمس، وجعل له مصارف(2) . وخمست القوم أخذت خُس أموالهم، وخمسّتهم أخَمسّهم كنت لهم خامِسَا(3) .

قال ابوعبيد: « وأمَّا الخُمس: فخمس غنائم اهل الحرب، والرِّكاز العادي،ومايكون من غوص أو معدنٍ: فهو الذي أختلف فيه أهل العلم. فقال بعضهم: هو للأصناف الخمسة المسلمين في الكتاب... وقال بعضهم: سبيل الخمس سبيل الفيء، يكون حكمه إلى الإمام (عليه السلام): ان رأى أن يجعله فيمن سمى الله جعله، وان رأى ان افضل للمسلمين وأرد عليهم أن يصرفه إلى غيرهم صرفه»(4) ويؤخذ من الفَيء والغنيمةِ، وقد كان في عهد الرَّسول على خمسة أسهم (لله وللرسولِ سهم، ولذي القربى سهم، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم). ثم قسَّمه أبو بكر وعمر وعثمان على ثلاثة أسهم، وسقط سهم الرَّسول وذي القُربى.

4) الزَّكاة:

تكرر هذا اللفظ في اثنين وعشرين موضعا من النَّهْج، وهو مبين في الجدول الآتي(5) :

ص: 178


1- ظ: أساس البلاغة: 1 / 266
2- ظ: لسان العرب (مادة خمس): 2 / 126
3- ظ: المفردات في غريب القران: 212
4- الأموال: 86
5- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 901

اللفظ مرات وروده وزنه

زُكٍى مرة فُعِلَ

يَزْكو مرتان يَفْعل

يُزًكيه مرة يُفَّعله

الزًكاة 11 مرة الفّعاة

الزكوات مرة الفعوات

تزكية مرة تَفْعِلَة

زاكي مرة فاعل

زاكياً مرة فاعلا

زاكية مرتان فاعلة

أزكى مرة أفعَل

وجاءت الزَّكاة في النَّهْج لتدُّل على:

1) المعنى الحقيقي: وتعني طَهارةُ النَفسِ وترفُعِها عن فِعْل المُنْكَر، وتربيتها على الأعمال الصالحة، وطاعة الله ومخافته، والأخذ بنواهي الله (سبحانه وتعالى) وإمتثال أوامره، وإجتناب نواهيه، فجاء الفعل المبني للمجهول على زنة (فُعِلَ)في بيان صفة المتَّقين: « إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهْمْ خَافَ مِّما يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِ مِنْ غَيْري، وَرَبِّ أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسی ! اللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِ بِماَ يَقُولُونَ»(1) .

وجاء الفعل المضارع على زنة (يفعل) مسبوقا ب(لا) النافية، وذلك في: (بيان صفة الكعبة) قائلاً: « ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الاْرْضِ حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً،

ص: 179


1- هج البلاغة: خ 193 ، 221

وَأَضْيَقِ بُطُونِ الاْوْدِيَةِ قُطْراً، بَينْ جِبَال خَشِنَة، وَرِمَال دَمِثَة، وَعُيُون وَشِلَة، وَقُرىً مُنْقَطِعَة، لا يَزْكُو بِها خُفٌّ وَلاَ حَافِرٌ وَلاَ ظِلْف»(1) ، ومعنى لايزكو: لايَنْمُو والُخفُّ للجَمَل.

وجاء اسم التفضيل مرة واحدة وذلك في قوله: « ياأيُّا الناس مَتَاع الدُّنيا حِطام..... قلعتها أحظى من طمأنِينتِها وبلغتها أزكى من ثَروَتها»(2) ، فنرى تأكيد الإمام (عليه السلام) على تأدية الزَّكاة له من الأهمية ماله ؛ لِها يتيحه هذا الرُّكن من فرصةٍ لتحقيق التكافل الإجتماعي بین الطبقات، علاوةً على مردوداته المجازية والنفسية، إذ وصفها الإمام (عليه السلام) كفَّارة لمحو السيئات والذنوب وحجاباً عن جهنم، وتحقيقاً لمبدأ التساوي في العَطاء.

2) المعنى المجازي: وهي الفريضة العبادية التي يؤديها أغنياء المسلمين إلى الفقراء، وتعني دفعُ قسطٍ من المَّال إذا بلغ النِصَّاب فريضة من الله كلَّ عام، على سبيل العِبادة، أو هي إعطاء جزء من المَّال إلى مستحقه، وهي اسم مصدر على زنة (فَعَلة) أصلها (الزًكَوَة) لتحرك الواو بعد فتح قلبت الفً(3) ء َ ز / زَ / ك َ / وَ ة قُلِبَت الواو ألِفا ء َ ز / زَ / ك َ ة إعلال بالقلب.

غالبا ما أقترن ذكر الزّكاة بالصَّلاة في القرآن الكريم، وهذا حال مجيئها في كلام الإمام (عليه السلام)، فالصَّلاة من وجهة إجتماعية سلوكية، والزَّكاة من وجهة

ص: 180


1- خ 192 ، 213
2- الحكم القصار: 367 ، 406
3- ظ: تيسر الإعال والإبدال: 104 وظ: الكلات الإسامية في الحقل القرآني: عبد العال سالم مكرم: 96

إقتصادية يشكلان دعامتین أساسيتين في بناء المجتمع(1) .

وتمثل ذلك في قوله (عليه السلام) في بيان أركان الدِّين: «إنِّ أفَضَلَ مَا تَوَسَّلَ بهِ الُمتَوَسِّلُونَ إِلَ اللهِ سُبْحَانَهُ: الاْيماَنُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالِجهادُ فِی سَبِيلِهِ فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الإسْلَامِ، وَكَلِمَةُ الإخْ الَصِ فَإِنَّها الْفِطْرَةُ، وَإِقَامُ الْصَّ الَةِ فَإِنَّها الِملَّةُ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّها فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ»(2) .

وهنا ذكر لثمانية أشياء كلٌّ منها واجب، وخامسها الزَّكاة، فلمَأخَّرها الإمام عن الصَّلاة ؟ أخرَّها ؛ لأن الصلاة آكد إفتراضاً منها، ولأنها عمود الدِّين تُقام في اليوم خمسَ مرات، ولأن في الصَّلاة شيء من الزَّكاة، إذ يقطع المصلی شيئاً من وقته الذي يمكن أن يستثمره في الاقتصاد الذي تؤخذ منه الزَّكاة... وكتبت هي والصَّلاة بالواو تفخيما لهما في النطق دلالة على التعظيم، وإنّما قالفي الزَّكاة » فإنَّها فريضة واجبة » لأنَّ الفريضة لقبٌ يطلق على الجزء المُعَّین المُقدَّر في السائمة، بإعتبار غير الذي يُطلَق بهعلى صلاة الظُّهر لفظ الفريضة، والإعتبار الأول من القَطع، والثاني من الوجوب، وقال: فإنَّا فريضة واجبة، مثل أن يقولَ: فإنَّها شيءٌ مقتطع من المَّال مَوصوف بالوجوب(3) .

ونجد ماقدمناه أوضح في قوله (عليه السَّلام): «ثُمَّ إِنَّ الزَّكَاةَ جُعِلَتْ مَعَ الصَّلاَةِ قُرْبَاناً لِاهْلِ الاْسْلَامِ، فَمَنْ أَعْطَاهَا طَيِّبَ النَّفْسِ بِها، فإِنَّها تُجعَلُ لَهُ كَفَّارَةً»(4) .

ص: 181


1- ظ: التطور الدلالي بين لغة القرآن ولغة الشعر الجاهلي: 213
2- نهج البلاغة: خ 110 ، 115
3- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 7 / 174
4- نهج البلاغة: خ 199 ، 232

وجاء الفعل الماضي (جعل) مبنيا للمجهول، وأسْنِد الى الضمير المستتر (هي) نائباً للفاعل ضميرًا مستترًا ؛ لِما فيها من علمٍ وعدمُ جهلِ أيّ شخصٍ بمشرَّع الزَّكاة، فالحذف للعلم به، وقُرِنت الزَّكاة مع الصَّلاة، والصَّلاة أفضلُ الأعمال الواجبة، وتُعطى بطيب نفسٍ؛ لأنَّا وقاية للإنسان من العذاب الدُّنيوي والآخروي، فتوزع من قبل الأغنياء الى ذوي الحَاجة والمَسْكنة. لذا كانت الزَّكاة «كثرة الطِيبة والطَّهارة، أو كثرة الخیر وزيادته يعني كثرة أي شيء يمثل جانب الخیر في هذا الكون»(1) قال تعالى: ﴿ جَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللِّه وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْابْصَارُ﴾(2) . قال الإمام (عليه السلام): « فَرَضَ اللهُ الاْيماَنَ تَطْهِيراً مِنَ الشرِّكِ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهاً عَنِ الْكِبرْ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيباً لِلرِّزْقِ، وَالصِّيَامَ ابْتِلاَءً لِاخْلاَصِ الْخلْقِ»(3) .

ف(تطهيرًا، تنزيهًا، تسبيباً، إبتلاءً) مفعول لأجله، والعامل (فرض) فالمفعول لأجله نكرة تكرر أكثر من مرة، وهي جملة إمتدادية، لولا وجود المفعول لأجله لم يكن هنالك فائدة من النَص ؛ لأنَّ أغلب الأحكام الواردة يعرفها المسلم أمَّا العللفهي مجهولة.

وزكاة المَّال تَطْهيرُه، وصلاحه وزكا يزّكَي تزكيةً وزكا الزَّرعُ يَزكُو زَكَاءً: إزداد ونَما، وكلُّ شيءٍ إزداد ونام فهو يزكو زكاءً(4) .

ص: 182


1- فقه الأخلاق: محمد محمد صادق الصدر: (باب الزكاة): 2 / 3
2- النور / 37
3- نهج البلاغة: الحكم القصار: 252 ، 386
4- ظ: العين (مادة زكا): 2 / 189

قال ابن فارس: « الزاء والكاف والحرف المعتل أصل يدلُّ على نماء وزيادة.

ويقال الطَّهارة زكاة المال. قال بعضهم: سميت بذلك لأنها مما يرجى به زكاء المال، وهو زيادته ونماؤه. وقال بعضهم: سُمِيت زكاة لأنها طهارة»(1) .

قال تعالى: « ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِماَ لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَی الَمدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّها أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾(2) . إشارة إلى ما يكون حلالا ويستوخم عقباه، ومنه يقال: الزَّكاة لما يخرجه الانسان من حق الله تعالى للفقراء لما يكون فيه رجاء البركة وتزكية النفس بالخيرات، فتارة تنسب الى العبد وتارة الى الله تعالى(3) .

قال الفيومي: « الزًكاءُ: بالمَّد النًماء والزيادة يقال (زكا) الزًرع والارض (تزكو) (زكوا) من باب قعد و(ازكى) بالالف مثله وسمى القدر المُخرج من المال (زكاة) لأنه سبب يرجى به الزكاء وزكى الرجل ماله بالتشديد (تزكية)«(4) .

وفي الشرع: هي » ايجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالك مخصوص »، والزَيادة والصلاح وتطلق في الشرع على الحصة المُقدرة من المَّال التي فرضها الله للمستحقين.

ص: 183


1- مقاييس اللغة: 3 / 17
2- الكهف / 19
3- المفردات في غريب القران: 1 / 282 ، وظ: النهاية في غريب الحديث والأثر في غريب الحديث والأثر: 400
4- المصباح المنير: 254

قال النسفي: « وسُمِيت الزَّكاةُ زكاة لأنَّه يزكو بها المَّال بالبَكة، ويطهر بها المرء بالمغفرة(1) .

وشروطها المعينة في الأخذ (البلوغ، العقل، والحرية)، من الأموال المختلفة في الأنعام والغلات والنقدين، والزكاة على زنة فَعْلة مثل صدقة ولما تحركت الواو وأنفتح ماقبلها قُلِبَت ألفا فصارت زَّكاة. إذ أطلقت في الجاهلية على الزيادة في كل شيء، وبعد مجيء الإسلام اصبحت تطلق على فريضة يخرجها المسلم كل عام اذا بلغ النصاب الشرعي(2) .

يتضح لنا أنَّ الزَّكاة في الأصل بمعنى النُمو الحاصل عن بركة الله تعالى، ويعدُّ ذلك بالأمور الدُّنيوية والآخروية، أما بعد مجيء الإسلام تمثلت بالفريضة العبادية، لذا يقال: زكا الزَرْعُ يَزْكو إذا حصل منه على نموٍ وبركةٍ(3) .

5) الصدَقة:

ورد هذا اللفظ اثنتي عشرة مرة في كلام الإمام (عليه السلام)، وهو موضح في الجدول الآتي:(4)

ص: 184


1- ظ: معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء: 238
2- ظ: المصدر نفسه
3- التطور الدلالي بين لغة القرآن ولغة الشعر الجاهلي: 211
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1032

اللفظ مرات وروده وزنه

المُتَصَدقين مرة المُتَفَعلين

الصَّدَقة 10 مرات الفَّعَلة

الصَّدَقات مرة مرة الفعلات

ودل على المعنى الحقيقي وهو (الصدق في العطاء دون مراءاة) فجاء الإسم مجموعا جمعا مذكرا سالما، دالاً على الذين يمنحون الصَّدقَة، وقد وردت في(كتابه الى زياد): « أَتَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ أَجْرَ الُمتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الُمتَكَبِّينَ ! وَتَطْمَعُ وَأَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِی النَّعِيمِ، تَمنَعُهُ الضَّعِيفَ والاْرْمَلَةَ أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ الْتَصَدِّقِينَ؟»(1) .

وجاء الإسم مفردا معرفّا ب(ال) منها قوله: « وَصَدَقَةُ السرِّ فَإِنَّها تُكَفِّرُ الَمطِيئَةَ، وَصَدَقَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّها تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ»(2) ، فالصَّدقة على نوعین (صدقة السر التي تطفي غضب الرب وخصها بالذكر لكونها أبعد من الرّياء وخلوصها وتقربها اليه، وصدقة العلانية: التي تدفع السوء كالغرق والحرق. فحسنات صدَّقة السرّ تتغلب على السيئاتمن الخطايا والذنوب، أما صَدَّقةُ العلانية: كمَن ينهار عليه نفق فيموت خنقاً او تلتهب فيه النيران فيهلك حرقاً أو يغرق فتأكله(3) .

جاء هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله ﴿ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِماَّ هِيَ وَإِن تُخفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْر لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللُّه بِمَ تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(4) .

ص: 185


1- نهج البلاغة: ك 21 ، 281
2- خ 110 ، 115
3- ظ: منهاج البراعة: 7 / 351 وظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 481
4- البقرة / 271

و في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهمْ فِی سَبِيلِ اللِّه ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ أَذًى لُّهمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحزَنُونَ ﴾(1) .

وقال (عليه السلام): « اسْتَنْزِلُوا الرِّزْقَ بِالصَّدَقَةِ، ومَنْ أَيْقَنَ بِالْخلَفِ جَادَ بالِعْطَيِّة»(2)

فجعلَ الإحسانَ والمساعدةَ عقيدة دينية يقوى بها المجتمع، وتعود عليه خيراتها وثمراتها، فإن قلً رزق أحدكم فليتصدق ؛ لأنها سبب في إنزال الِّرزق وقسمته.

وقال (عليه السلام): « سُوسُوا إِيمَانَكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَادْفَعُوا أَمْواجَ الْبَلَاءِ بِالدُّعَاءِ»(3) .

فسوَّس: قام ودبر، فأداء الزكاة موجب لاستغناء الفقراء وعفافهم عن مد أيديهم الى أموال اصحاب الزكاة، ويحصن المال بحفظه، والمعنى أنه لاإيامن يجدي بلا بذل كام لابذلَ ينفع بلا إيامن، وأراد الإمام (عليه السلام) هنا أنَّ الصَّدقة هي نهاية تقريرقواعد الإيمان وإثباتها(4) .

فالصِّدقُ: نقيضُ الكذب، والصِّداق والصُّدقَةُ والصّدْقُة: المَهْرُ، والمُتصَّدق:

المُعطِى للصَّدقة(5) .

ص: 186


1- البقرة / 274
2- نهج البلاغة: الحكم القصار: 137 ، 374
3- نهج البلاغة: الحكم القصار 146 ، 374
4- ظ: منهاج البراعة 21 ، 246 وظ: في ظال نهج البلاغة: 6 / 319 وظ: الديباج الوضي: 5 / 2837
5- ظ: العين (مادة صدق): 5 / 56 - 57

وأصدقَ: أخذ الصَّدقات من الغنم، وفيها لمحة الى أنَّه صادق في عطائه غير مرائي فيه. وهو مايُتَصَّدق به المرء عن نفسه(1) .

وأعطاها الصَّداق والصَّداق والصَّدقة، وتصَدَّق بماله عليه، وأخذ المُصدًق الفريضة(2) .

وهي العَطَية التي يبتغى بها المَثُوبة من الله سبحانه. وفي الإصطلاح الشرعي:

هي تمليك في الحياة بغير عوضٍ على وجه القُربة إلى الله تعالى(3) ، وروي في حديث الزَّكاة: » لايُؤخَذُ في الصَدَّقة هَرمَة ولاتَيْس إلاَّأن يشاءَ المُصَدِّق». قال تعالى:

﴿إِنَّماَ الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالَمسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالُمؤَلَّفَةِ قُلُوبُهمْ وَفِی الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِی سَبِيلِ اللِّه وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللِّه وَاللُّه عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(4) .

تعاقب حرف الجر (في) واللام، فاقتران لام الملك بالأربعة الأُّول دليل على تمليكهم نصيبهم من الصَدَّقات، ومجيء (في) الظرفية مع الأربعة الباقية تعبير عن كونهم لايملكون وإنَّام تصرف في شؤونهم، بدفع مال لمالك الرقبة لعتقها، وللدائن لخلاص الغارم، وتصرف في سبيل الله، وابن السبيل، وكررت مع (سبيل الله) تأكيدًا

ص: 187


1- ظ: مقاييس اللغة: 3 / 340
2- ظ: لسان العرب مادة (صدق): 1 / 542
3- ظ: التعريفات: 113
4- النهاية في غريب الحديث والأثر: 511 (رواه ابو عبيد بفتح الدال والتشديد، يريد صاحب الماشية؛ أي: الذي اخذت صدقة ماله، فيا خالفه الرواة عامتهم اذ قالوا: بكر الدال: عامل الزكاة الذي يستوفيها من اربابها، قال ابو موسى الرواية بتشديد الصاد والدال معا أي: صاحب المال، أي المتصدق فادغمت التاء في الصاد، والاستثناء في التيس خاصة، فالهرمة وذات العوار لايجوز اخذهما في الصدقة

لأهمية الصرَّف(1) .

قال الزمخ رشي: « وعدل عن اللام التي في في الأربعة الأخيرة للإيذان بأنهم أرسخ في إستحقاق التصديق عليهم مما سبق ذكره، لأنَّ (في) للوعاء فنَبَّه على أنَّمأحقاء بأن تُوضَع فيهم الصَدَّقات، ويجعلوا مظنة لها ومصبا»(2) .

ولأن الاربعة الأول ني تعطى لهم الأموال أمَّا الباقون فتصرف في سبيلهم.

ومن الجدير بالذكر أن القرآن الكريم إستعمل آيتین متشابهتين هما: قوله تعالى: «

﴿وَالَّذِينَ فِی أَمْوَالِهمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾(3) مرة، وقال: ﴿وَفِی أَمْوَالِهمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالَمحْرُومِ﴾(4) . مرةً أخرى، فالأولى «معلوم» في الزكاة، وفي غيرها في الصَّدقات، فالزَّكاة معلومة، والصَّدقة غير محددة أو غير معلومة، وتتوقف على كرم المُتصَّدِق، ويبدو أن استعمال القرآن الكريم لكلمة الصِدق يُشبِه إستعمال العرب لها. ونَظَرَاً للإرتباط الشديد بین الزَّكاة والصَّدَقة وبالأخص في القرآن الكريم ؛ إذ ذكرت الزَّكاة بلفظ الصَّدَقات جمع صَدقَة، ولايعني هذا أنَّ الزكاة والصّدَقة مترادفتان ؛ بل إنَّ الزَّكاة بعض الصّدَقة، فكلُّ زكاةٍ صَدقة، وليس كلُّ صدقةٍ زكاة، فللزكاة شروط وأحكام خاصة بها.

6) الضرَيْبَة:

تكرر هذا اللفظ مرتين في النهج(5) ، ولم يأتِ هذا اللفظ في النَّهْج بمعناه الاقتصادي

ص: 188


1- ظ: مباحث في لغة القرآن الكريم وبلاغته: عائد كريم علوان: 50
2- الكشاف: 2 / 97
3- المعارج / 4
4- الذاريات / 19
5- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1059

؛ لأنَّ الناس إصطلحوه عليه في عصور متأخرة معنى الجِباية، وإنَّما جاء بمعنى حدُّ السَيف، قال (عليه السلام) الى أهل مصر، لمَّا وَلَّ الصحابي مالكٍ الأشتر(رضوان الله عليه) قائلا: « فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ، لاَ كَلِيلُ الظُّبَةِ وَلاَ نَابِ الضَّريبَةِ «(1) ،وضَارِبُ الضَّيبة: حَدُّ السَّيف، والضَّيبة: الشَّیء المضروب بالسَّيف(2) .

فالضرًب: يقع على جميع الأعمال ضرب في التجارة، وفي الأرض، وفي سبيل الله، يصفُ ذهابَم وأخذهم فيه، وضرب على يدِ فلانٍ: حبس عليه أمرا أخذ فيه وأراده، ومعناه حجرعليه(3) . ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّها الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهمْ إِذَا ضَربُواْ فِی الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾(4) .

والضَّريبة: ماضربته بالسَّيف. والضًريبة: المضروب بالسيف، وانما دخلته الهاء، وان كان بمعنى مفعول، فمَن لايدفعها يُ رضَبُ ب(الضريبة) حدُّ السيف، تغريراً له وصارت عداد الأسما ‘لأنَه صار في عداد الأسماء كالنطيحة، والضَّريبة: واحدةُ الضَّائب التي تُؤخَذ في الأرصاد والجِزية ونحوها ؛ ومنه ضريبة العبد، وهي غِلَتُّه، وما يؤدي العبد إلى سيده من الخَراج المُقرَر عليه ‘ وهي فعيلة بمعنى مفعولة، وتُمَع على ضرائِب(5) .

و جمعُ الضَّيبة ضَائِب »وهي إتاوة أو وظيفة يأخذها الملك ممن دونه أو مايؤد

ص: 189


1- نهج البلاغة: ك 38 ، 307
2- ظ: نهج البلاغة: تح: فارس الحسون: 666
3- ظ: العين (مادة ضرب): 7 / 30
4- آل عمران / 156
5- ظ: لسان العرب (مادة ضرب): 3 / 2569

بالعبد الى سيده من الخراج المقرر عليه، وهي فعيلة بمعنى مفعولة»(1) .

أو هي «مبالغ نقدية تحصل عليها الدولة من الأفراد جبراً وبدون مقابل بهدف تمويل نفقاتها العامة وتحقيق الأهداف النابعة من مضمون فلسفتها السياسية»(2) . وبعبارة أوضح هي: « الفريضة النقدية المتوجب دفعها جبرا من الشخص الحقيقي أو المجازي بحسب نظام ضريبي تضعه الدَّولة للجِباية من الجهات المعنيةبدون مقابل، للإستعانة به في مواجهة النفقات العامة للدَّولة، وهو أهم مصدر للسيادة في الإيرادات»(3) .

7) العِشور:

ورد هذا اللفظ مرتین في النَّهْج، ليدل على معنى مجازي جاء على زنة (فعَّالاً) الدالة على المبالغة في الشيء، فلم يُرِد الإمام (عليه السلام) به معنى العدد المعروف ؛ بل الضريبة التي تُؤخَذ جاء ذلك في قوله: « يَا نَوْفُ، إِنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَامَ فِی مِثْلِ هذِهِ السَّاعَةِ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: إِنَّها سَاعَةٌ لاَ يَدْعُو فِيهَا عَبْدٌ إِلاَّ اسْتُجِيبَ لَهُ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ

ص: 190


1- المعجم الاقتصادي الاسامي: 264 ومن الملاحظ أنَّ مصطلح (ضريبة) قليل الاستعمال في كلام الفقهاء، ومن مرادفاته هي »الكلف السلطانية والنوائب والخراج والمغارم والمكوس
2- اقتصاديات المالية العامة: عادل فليح العلي وطلال محمود كداوي: 39
3- علم الاقتصاد في نهج البلاغة: 257 وظ: لسان العرب (مادة ضرب): 3 / 2569

عَشَّاراً أَوْ عَرِيفاً أَوْ شُرطِيّاً»(1) ، أراد ب(العشار) من يأخذ عشر مال المارة في الطريق (المَكّاس)، أو يأخذ في البلاد عشر مال الطارئ(2) .

ف» العین والشین والراء أصلان صحيحان: أحدهما في عدد معلوم ثم يحمل عليه غيره، والآخر يدلُّ على مداخلة ومخالطة. فالأول العشرة، والعشر في المؤنث.

وتقول: عشرت القوم أعشرهم، إذا صرت عاشرهم(3) ، والعُشُور: جمع عُشْ ؛ وهو أحد اجزاء العشرة. وقد صار علام لما ياخذ العاشر والعاشر: هو من نصَّبه الإمام (عليه السلام) على الطريق ليأخذَ الصَدَّقات من التُّجار بما يمرًون عليه عند إجتماع شرائط الوجوب، والعِشُور في إصطلاح الفقهاء نوعان ؛ أحدهما: عشور الزَّكاة، وهي ما يؤخذ في زكاة الزُرُوع والثِمار، والثاني ما يُفرض على الكُفار في أموالهم المُعَدة للتِجارة إذا إنتقلوا بها من بلد إلى بلدٍ في دار الإسلام المأخوذ عُشرْا، أو مضافا إلى العُشرْ، كنصف العشر، ومع أنَّ العشور والجزية تشتركان في الوجوب على أهل الذِّمة، والمستأمنين من أهل الحرب، وتُصْرفان في مصارف الفيء، إلاَّأنّ بينهما فرقا مهما، وهو أنَّ الجزيةَ توضع على الرؤوس، وهي مقدار معلوم لايتفاوت بحسب الشخص، أمَّا العشور فتوضع على المَّالِ وتتفاوت بحسبه(4) .

وهي ضرائب فُرِضَت على تجارة أهلِ الذِّمة وأهل الحربِ الذين يدخلون الأرض العربية الإسلامية(5) .

ص: 191


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 104 ، 368
2- ظ: الديباج الوضي: 5 / 2793
3- مقاييس اللغة: 4 / 224
4- ظ: معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء: 317
5- ظ: الخراج: ابو يوسف: 120 ، وظ: تطور الأوضاع الاقتصادية في عر الرسالة والراشدين:نجمان ياسين: 210

8) الغَنَائِم:

تكررت في النَّهْج إثنتا عشرة مرة ؛ كما يوضحه الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

غَنِم مرة فَعِلَ

اغْتنَمَ مرة افْتَعَلَ

تغتنم مرة تفتعل

اغْتَنِم مرة افتعل

اغْتَنِمْهُ مرة افتعله

الغنيمة مرتان الفعيلة

غنائمها مرة فعائلها

غُنْم مرتان فُعْل

المغنم مرة المفعل

المغانم مرة المفاعل

لتدلٌ على معنيين:

1) المعنى الحقيقي: ويعني به المَّال، أو مايظفر به في الحرب، ومافي حكمه كالشَّاة، وجمعها غنائم قال الإمام (عليه السلام): « فَوَاللهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْراً، وَلاَ ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْراً، وَلاَ أَعْدَدْتُ لِبَالِ ثَوْبِ طِمْراً»(2) ، فلفظ (كنزت،

ص: 192


1- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 1229
2- نهج البلاغة: ك 45 ، 312

إدّخرت، أعددت) توحي بالجمع والاستعداد للمستقبل، والغَنائِم على زنة (فَعائِل) أصلها (غنايم) جاءت الياء ساكنة بعد الف الجمع فقلبت الى همزة، ثم تحركت لالتقاء الساكنين.

غ َ / ن َ / ي ِ م قلبت الياء الى همزة غ َ / ن َ / ء ِ م إعلال بالقلب.

وجاء الجمع منه على زنة (مفاعِل) وهو صيغة منتهى الجموع في قوله: « لاينبغي أن يكون الوالي على الفُروجِ والدِّماءِ والمَغَانمِ والأحكامِ»(1) .

وجاء لفظ (مَغْنَم) على زنة (مَفْعَل) معَرَّفاً ب(ال) في قوله: « فَإِنَّ المَرْءَ المُسْلِمَ مَا لَم يَغْشَ دَنَاءَةً تَظْهَرُ فَيَخْشَعُ لَها إِذَا ذُكِرَتْ، وَيُغْرَى بهَا لِئَامُ النَّاسِ، كانَ كَالفَالِجِ اليَاسِ الَّذِي يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَة مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ المَغْنَمَ»(2) ، فالمَغْنَم: المنفعة، والمَغْرَم:

المضرة، و(المغنم) صفة للفوز، ويرتفع اما بالبناء على الفاعل وفيه ضمير مستترراجع الى الفالج، والمغرم منصوب على المفعولية او بالبناء على المفعول، و(المَغرمُ) مرفوع على النيابة عن الفاعل(3) .

2) المعنى المجازي: ويعني الفوز بالشيَّء أو الظفرأوالرَّبح والفائدة، وكانت تتحقق بفعل الفتوحات الإسلامية من عهد الرَّسول وحتى عمر، ففي خلافة الإمام (عليه السلام) توقفت الفتوحات لأسبابٍ مختلفةٍ، إذ إنشغل بالقضاء على المتمردين والخوارج والعصاة، وكان مصدر هذه الغنائم الحروب كالجمل وصِفِّ ني وحروب ص: 193


1- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 6 / 403 وظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 19 / 199
2- نهج البلاغة: خ 23 ، 28
3- ظ: منهاج البراعة: 2 / 279

الخوارج(1) .

فجاء الفعل الماضي من (غَنِم) في قول الإمام (عليه السلام) وهو يذكر فضله في قوله: « أَلاَ وَإِنَّ شَرائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ، وَسُبُلَهُ قَاصِدَةٌ، مَنْ أَخَذَ بِها لِحقَ وَغَنِمَ، وَمَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَنَدِمَ»(2) .

فالفائز بهذه الفضيلة فهو الرَّابح الناجح دنيا وآخرة، وألاَّ يكن من الخاسرين، وإن ملك الجَاه والمَّال(3) .

وجاء الفعل المضارع المزيد في قوله (يامالك) « وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهمْ، وَاللُّطْفَ بِهمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ»(4) ، وهنا تحذير من الإمام (عليه السلام) للصحابي مالك الاشتر(رضوان الله عليه) ألاَّ يكون جريئًا على الإفتراس كالسَبِّع ؛ لأنَّ محبة الحاكم ضرورية، فعليه أن يلزم نفسه بالمحبة، والعدل ويجعل من رعيته أصدقاء، وأحبة له حتى وإن كانوا على غير دِيْنٍ. والفعل المزيد (إغْتَنِم) متصلاً بهاء الغائب: «وَإذِا وَجَدْتَ مِنْ أهَلِ الفْاقَةِ مَنْ يْحمِلُ لَكَ زَادَكَإِلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَيُوَافِيكَ بِهِ غَداً حَيْثُ تَحتَاجُ إِلَيْهِ، فَاغْتَنِمْهُ وَحَّملْهُ إِيَّاهُ»(5) .

والغَنيمةُ مفرد وجمعه غَنَم ، ومفرده شاة. والغُنْمُ: الفوز بالشَّیء في غير مشقةٍ.

والغَنيمة: الفَيْءُ(6) قال ابن فارس: » الغین والنون والميم أصل صحيح واحد يدل

ص: 194


1- ظ: أوضاع الكوفة الاقتصادية في عهد امير المؤمنين علي بن ابي طالب: 65
2- نهج البلاغة: خ 120 ،، 125
3- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 2 / 555
4- نهج البلاغة: ك 53 ، 321
5- نهج البلاغة: ك 31، 296
6- ظ: العين (مادة غنم): 4 / 426

على افادة شيء لم يملك من قبل، ثم يختص به مااخذ من مال المشركين بقهر وغلبة(1) قال تعالى ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّماَ غَنِمْتُم مِّن شَیءٍ فَأَنَّ لِله خُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالَمسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللِّه وَمَا أَنزَلْنَا عَلىَ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الَجمْعَانِ وَاللُّه عَلىَ كُلِّ شَیءٍ قَدِيرٌ﴾(2)

ويقال: لفلان غنامن أي قطيعان من الغنم، وغَنًمه الله: نَفًله، والمَغْنَم: مايغنم وجمعه مغانم(3) .

الغنيمة: اسم لما يؤخذ من اموال الكفرة بقوة الغزاة وقهر الكفرة على وجه يكون فيه إعلاءَ كلمة الله تعالى(4) .

والغُنْم: الرِّبح والفَضْل والفائدةُ.

ص: 195


1- مقاييس اللغة: 4 / 397
2- الانفال / 41
3- ظ: التعريفات: 136
4- المفردات في غريب القرآن: 2 / 474

9) الفيءُ:

ورد هذا اللفظ مرتين في النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

أفاءَ مرة أفْعَلَ

فيئكم مرة فَعْلِكم ليدل على:

1) المعنى الحقيقي: ويعني الرجوع، ومنه قوله (عليه السلام) يبین مواعظ للناس: « فسبحان الله ماأعز سرورها وأظمأ ريها وأضحى فيئها لاجاء يرد ولاماض يرتد فسبحان الله»(2) ومعنى الفيء هنا (الظل بعد الزوال) و لفظ (أفاء): أصله (أفْيَأ)؛ لاستثقال الفتحة على الياء نُقِلَت الى الساكن الذي قبلها فأصبحت (أفيَأ) ثم قلبت الفا، وقلبت الياء الى همزة (أفاي) اعلال بالقلب ؛ لتحرك الياء ووقوعها طرفا بعد الالف الساكنة المفتوح ماقبلها قلبت همزة، ء َ ف / ي َ ء نقلت فتحة الياء الى الفاء ثم قلبت الفاء.

َءَ ف / ي َ ء تنقل فتحة الياء إلى الساكن الذي قبلها للإستثقال ء َ / ف َ / يء تقلب الياء الى همزة ءَ / ف َ-َ ء قلبت الياء الف. وهوإعلال بالقلب

2) المعنى المجازي: ويعني به ما أخذ من أموال الغنائم، جاء اللفظ في كتاب للإمام إلى بعض عمَّله: « وَتَبْتَاعُ الإمَاءَ وَتَنْكِحُ النِّسَاءَ مِنْ مَالِ الْيَتَامَى وَالَمسَاكِينِ

ص: 196


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1276 - 1277
2- نهج البلاغة: خ 114 ، 120

وَالُمؤْمِنِینَ وَالْمُجَاهِدِينَ، الَّذِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْهِمْ هذِهِ الاْمْوَالَ، وَأَحْرَزَ بِهمْ هذِهِ الْبِلاَدَ»؟(1) (أفاء المالُ عليهم: جعله غنيمةً لهم)(2) ، وجاء الإسم منه مُعَرّفاً ب(ال) في قوله: » فَإِنَّهُ لاَبُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِير بَرّ أَوْ فَاجِر، يَعْمَلُ فِی إِمْرَتِهِ الُمؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللهُ فِيهَا الاْجَلَ، وَيُجمَعُ بِهِ الْفَيءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ»(3) .

وجاء مضافا الى (ضمير الجماعة المخاطبین) « أيُّها النَّاسُ ! إِنَّ لِی عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَليَّ حَقٌّ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَليَّ: فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُم عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْ ال تَجهَلُوا»(4) ، والفيءُ بيتُ مال المسلمين، وفيه حرص على بيتِ مال المسلمين، وتنميته وسدّ ذوي الحاجة، أي ترغيبكم على ما فيه حُسن الثواب في المَعاش والمآب، وتفريقه فيكم بالقسِّط والعدْل من دونِ حيفٍأو ميلٍ(5) . فالأصل اللغوي للفيء:

الظِل ، والفيء الغنيمة. قال تعالى: ﴿ مَّا أَفَاء اللُّه عَلَی رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالَمسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْن الْاغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(6) .

قال ابن فارس: « الفاء والهمزة مع معتل بينهما، كلمات تدلّ على الرجوع:

ص: 197


1- ك 41 ، 309
2- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 5 / 298
3- نهج البلاغة: خ 34 ، 41
4- خ 34 ، 41
5- ظ: منهاج البراعة: 4 / 65 وظ: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 4
6- الأنفال / 1

يقال فاء الفيء اذا رجع الظل من جانب المغرب الى جانب ا شلمرق، وكلّ رجوعٍ فيء والفيء غنائم تؤخذ من الشرلمكين افاءها الله تعالى عليهم»(1) ، والفيءُ ماردً الله تعالى على أهل دينه من أموال من خالف دينه، بلا قتال، أمَّا بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها للمسلمين، أو يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، ومالٍ غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم(2) .

وفي الإصطلاح الفقهي: ماأخذ من أموال أهل الحرب صلحا من غير قتال، أوبعد أن تضع الحرب أوزارها كالخراج والجزية ونحو ذلك. وقد سُمِّي فيئا ؛ لأنَّ اللهَ أفاء به على المسلمين(3) .

قال أبو عبيد: « وأمَّا مالُ الفيءِ: فما أجتبي من أموال أهل الذِّمة مما صولحوا عليه من جزية رؤوسهم التي بها حقنت دماؤهم وحرمت أموالهم، ومنه خراج الأرض التي افتتحت عنوة، ثم اقرها الإمام (عليه السلام) في ايدي اهل الذمة على طبق يؤدونه، ووظيفة الصلح التي منعها اهلها حتى صولحوا على خراج مسمى، ومايأخذه العاشر من أموال أهل الذِّمة ومنه مايؤخذ من أهل الحرب إذا دخلوا بلاد الإسلام للتجارات(4) . وهو مايرده الله تعالى على أهل دينه من أموال من خالف دينه بلا قتال. أمَّا بأن يجلوا عن أوطانهم ويخلوها، أو يصالحوا على جزية يؤدونها عن رؤوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفك دمائهم، والفيء: الغنيمة

ص: 198


1- مقاييس اللغة: 4 / 436
2- ظ: لسان العرب (مادة فيأ): 5 / 3495
3- ظ: المصباح المنير: 2 / 545
4- ظ: معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء: 356

والخراج. وماحصل للمسلمين من احوال الكفار من غير حرب ولاجهاد(1) .

10) النَفَل:

ورد هذا اللفظ مجموعا على صيغة منتهى الجموع (فواعل) وهي صيغة قياسية في المفردات: زنة فاعلة إسام كان أو وصفا، اي (النوافل) ثلاث مرات في النَّهْج(2) .

فالأنفال جمع نفل، وهي الغنيمة، والهبة، والزيادة، والنوافل جمع نافلة، وهي الزيادة أوالعبادة غير الواجبة. وقد جاء مجرورًا بحرف الجر (الباء) في قوله (عليه السلام): «لاَ قُرْبَةَ بِالنَّوَافِل إِذَا أَضَّرتْ بِالْفَرَائِضِ»(3) . ومسبوقا بحرف الجر (على)في قوله: «إِنَّ لِلْقُلُوبِ إقْبَالاً وَإِدْبَاراً، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْملُوهَا عَلىَ النَّوَافِلِ، وَإذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصرِوا بِها عَلىَ الْفَرَائِضِ»(4) .

فالنَفَل: الغَنْمُ، والجميع: الأنفال. ونفلتُ فلانا: أعطيته نَفْلا وغنام. والإمام (عليه السلام) ينقل الجند، إذا جعل لهم ماغنموا. والنافِلة: العَطَية يعطيها تَطُوعاً بعد الفريضة من صَدَقةٍ أو صلاح أو عملِ خير.

ف «النون والفاء واللام اصل صحيح يدل على عطاء وإعطاء منه النافلة:

عطيًة الطًوع من حيث لاتَجب، والنوفل: الرجل الكثير العطاء، ومن الباب النَّفل:

الغَنم. والجمع أنفال، وذلك أنَّ الإمام (عليه السلام) ينقل المحاربین أي يعطيهم

ص: 199


1- ظ: المصدر نفسه
2- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1509
3- نهج البلاغة: الحكم القصار: 39 ، 360
4- الحكم القصار: 312 ، 400

ماغنموه»(1) .

قال تعالى ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِله وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّه وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّه وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾(2) .

والنوافل: جمع نافلة وهي الغنيمة، والنافلة ماكان زيادة على الأصل، سميت الغنائم أنفالا ؛ لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الامم الذين لم تحل لهم الغنائم.، والنًفَل - بسكون الفاء وقد تحرك - الزيادة (3)، وجاءت على سورة كاملة من سور القرآن الكريم بهذا الاسم «الأنفال».

فالنافلة في اللغة الزيادة، وفي ال رشع: العبادة التي ليست بفرض ولا واجب.

إنَّ النًفَلَ هو الغنيمة بعينها ؛ لكن إختلفت العبارة عنه لإختلاف الإعتبار، فإنَّه إذا أعتبر بكونه مظفورا به يُقَال له غَنَيمَة، وإذا أعت رب بكونه منحةً من اللهِ إبتداءً منغيرِ وجوبٍ يُقَال له نَفْل، ومنهم من فَرَّقَ بينهما من حيث العُموم والخُصوص، فقال: الغنيمة ماحصل مُسْتَغْنَمَ بتعبٍ كان أو غير تعب، وبإستحقاق كان أو غير أستحقاقٍ(4) .

وهذا يدلُّ على أنَّ مفردها نَافِلة وليست نَفْل.قال سيبويه: « ومما يجري مجرى فاعل من أسماء الفاعلین (فواعل) أجروها مجرى (فاعِلة) حيث كان جمعه، وكَسَّوه

ص: 200


1- مقاييس اللغة: 5 / 456
2- الأنفال / 1
3- ظ: لسان العرب (مادة نفل): 6 / 4510 وظ: المعجم الاقتصادي الإسلامي: 465
4- ظ: المفردات في غريب القران: 2 / 650 وظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 934

عليهِ » يريد أنَّ جمع (فاعلة) يعمل في المفعول كعمل(فاعلة)(1) ، وجاء في قرارات مجمع اللغة العربية أنَّه » لامانع من جمع فاعل - لمذكر عاقل - على فواعل، نحو باسل وبواسل، وذلك لما ورد من امثلته الكثيرة في فصيح الكلام»(2) وذهب د. مصطفى جواد قائلا: «وإن كان (فاعل) لغير الآدميين كُسِ على (فَوَاعِل) وإن كان لمذكرٍأيضا، لأنّه لايجوز فيه ما جاز في الآدميین من الواو والنون، فضارع المؤنث ولم يقوَ قوة الآدميین، وذلك قولك: جمال بوازل وجمال عواضة»(3).

وجمع د. أمین علی السيد ثمانية وثلاثین لفظة على (فواعل) مفرد (فاعل)، وأوصلها المرحوم الدكتور. هاشم طه شلاش الى اثنین واربعین لفظة.

ص: 201


1- شرح أبيات سيبويه: السيرافي: 1 / 217
2- ظ: من قرارات مجمع اللغة العربية: 2
3- قل ولاتقل: 2 / 142

ص: 202

الفصل الثاني :ألفاظُ الزِّراعةِ وما يتعلقُ بها في نهجِ البلاغةِ

المبحث الاول: ألفاظُ الأرضِ وتضاريسها وما يتعلقُ بها في نهجِ البلاغةِ

المبحث الثاني: الألفاظُ التي تدلُّ على الأعمالِ الزراعيةِ ومايتعلقُ بها في نهجِ البلاغةِ

المبحث الثالث:ألفاظُ النباتات ومايتعلقُ بها في نهج البلاغة

المبحث الرابع:ألفاظ وحدات قياس الارض ومايتعلق بها في نهجِ البلاغةِ

المبحث الخامس: ألفاظُ الطَّعام والغِذَّاء ومايتعلقُ بها في نهجِ البلاغةِ.

ص: 203

ص: 204

مدخل:

الزِّراعةُ عمادُ الحياة، والوقوف على أصالتهِا يتطلبُ البحث في عمقها الفكري الاقتصادي عند العرب والمسلمين ؛ إذ إنَّ لها نظامً وأسُسَّا يُعتمَد عليها ؛ لأنَّها تمثل عقدا بین الزُّراع والزَرع، وفي هذا الفصل سوف نسلطُّ الضَّوء على هذا الجانب من جوانب الحياة الاقتصادية في عهد الإمام علی (عليه السلام)، فبعد بلوغ الفتوحات الإسلامية ذروتها وإختيار الإمام لعددٍ من المُدن مستقراً للجيوش الإسلامية، أو معسكرات لهم وضع الإمام (عليه السلام) خططا لها.

وتحدث البلاذري (1) عن إيرادات العراق التي إمتازت ببساتينها الواسعة وأزهارها، إذ كان ينمو في أراضيها الزهور، وتعددت المحاصيل الزراعية: كالنَّخيل والحنطة والشعير واشجار الفاكهة(2) .

ص: 205


1- (ابو الحسن وقيل ابو بكر احمد بن يحيى بن جابر بن داود الباذري مؤرخ وراوية نسَّابة وشاعرعمل في باط الخلفاء العباسيين توفي في أواخر ايام المعتمد)
2- ظ: تخطيط مدينة الكوفة: كاظم الجنابي: 52 وظ: دراسات في تاريخ الاقتصاد العربي الاسامي:عواد مجيد: 26

أبدى الامام (عليه السلام) أهميته الكبيرة في إحياء الأراضي، والتشجيع على إعمارها واقامة المشاريع الاروائية في أراض السواد، وكان يقول لمن يصلح أرضا: «كل هنيئا فانت مصلح غير مفسد، ومعمر غير مخرب » وقال أيضاً: « الزارعون كنوز الله في أرضه، وما في الأعمال شيء أحب إلى الله من الزراعة، ومابعث الله نبياً إلاّ زرّاعاً إلاّ إدريس فإنَّه كان خياطاً»(1) .

وسبب اهتمامه في الزراعة ؛ كونها العامل الأكثر إيرادا للدولة الإسلامية، وهيأهم وأبرز من جمع الماَّل والخراج، وشهد النشاط الزراعي في العهد الإسلامي تقدماً كبيراً، وسنقف على اغلب النصوص التي استشهد بها الإمام تشجيعا لاحيائها وانمائها وقد ادرك الإمام (عليه السلام) أنَّ النشاط الزراعي له خصائص تختلف عن النشاطات الاخرى كالصناعة والتجارة ومن أبرز مميزات النشاط الزراعي(2) د:

1) شدة الطلب على كثير من الإنتاج الزراعي والحيواني.

2) يخضع النشاط الزراعي إلى الظروف الطبيعية والمناخية أكثر من غيره من النشاطات الأخرى، وهذا يجعل المخاطرة فيه غير مؤكدة.

3) يتطلب الإنتاج النباتي والحيواني أطول مدة لازمة بالقياس مع الإنتاج الصناعي فبعض المنتجات الزراعية تتطلب شهوراً ثلاثةً، أو ستة للإنتهاء من إنتاجها، وبعضها دوري، كالفواكه ينضج في بعض الفصول ويختفي في الأخرى، فمن شأن هذه المدةأن تبعد بمستويات الأسعار وإستجابات المنتج لها، فنزول المنتوج الى الأسواق قد يكون مع موعد لم تعد فيه الأسعار مشجعة قياسا مع المنشأة الصناعية، التي

ص: 206


1- ظ: وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة: الحر العاملي: 17 / 41
2- ظ: السياسة المالية في عهد الإمام علي (عليه السلام): 100 - 104

تستطيع بدورها أن تبدل إنتاجها بمدة أسرع إستجابة لأوضاع السُّوق.

4) قد تتعرض المحاصيل الزراعية الى إنخفاض شديد في أسعارها بمواسمها، لزيادة عرضها في السوق ؛ فنزولها الى الأسواق في مواعيد معينة وشحتها في مواسم أخرى يزيد من أهميتها كلام كانت الكلفة كبيرة لخزنها او إنتاجها في مواسم أخرى.

@@الزِّراعة:

تكررت هذه المادة ثلاث عشرة مرة. وكما هو موضح في الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

زَرَعُوا مرة فَعَلُوا

يزرعوها مرة يَفْعَلوها

تزَرَعَ مرة تفْعَل

زَرَع مرة فَعل

زَرْع مرتان فَعْل

زَرْعه مرة فَعْلَه

زرعهم مرة فعلهم

الزّراع مرة الفعّال

زُرُوع مرة فُعُول

زروعا مرة فعولاً

زارع مرتان فاعِل

ص: 207


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 89

جاءت ألفاظ الزراعة في كلام الإمام علي (عليه السلام) لتدل على:

1) المعنى الحقيقي (المادي): وهو المعنى المادي الذي يدلُّ على زراعة الأرض بمختلف المحاصيل وجنيها للإستفادة منها، ورد المصدر مضافا الى ضمير الغائب (الهاء) مرة واحدة في كلام الإمام (عليه السلام)، وذلك قوله في إحدى الخطب المشتملة على الملاحم: « عَضَّتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِها، وَمَاجَتِ الَحرْبُ بِأَمْوَاجِهَا، وَبَدَا مِنَ الاْيَّامِ كُلُوحُهَا، وَمِنَ اللَّيَالِ كُدُوحُهَا. فَإِذَا يَنَعَ زَرْعُهُ، وَقَامَ عَلىَ يَنْعِهِ، وَهَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ، وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ، عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الُمعْضِلَةِ»(1) .

ف(أينعَ الزَّرعُ): أدرك ونضج، وهو اليَنْع واليُنع، بالفتح والضم ك(النًضج والنٌضج)، ويجوز ينع الزرع بغير الهمز، ومعنى قوله (قام على ينعه) أن يكون (ينع) هاهنا جمع يانع ك(صاحب وصحب) أي قام على صفة وحالة نضجه وإدراكه(2) .

وجاء الجمع على زنة (فُعُول) وهو جمع للكثرة في قوله (عليه السلام) في خطبتة القاصعة: « وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الَحرَامَ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَينْ جَنَّات وَأَنْهار، وَسَهْل وَقَرَار، جَمَّ الأشجار، دَانِ الِّثمارِ، مُلْتَفَّ الْبُنَى، مُتَّصِلَ الْقُرَى، بَيْن بُرَّة سَمْرَاءَ، وَرَوْضَة خَضرْاءَ، وَأَرْيَاف مُحدِقَة، وَعِرَاص مُغْدِقَة، وَزُرُوع نَاضِرة»(3) .

وجاء الجمع منه نكرة مطلقا، وذلك في قوله في خطبة له (عليه السلام): «وَجَعَلْتَ فِيهَا مَأْدُبَةً: مَشْرباً وَمَطْعَماً، وَأَزْوَاجاً وَخَدَماً، وَقُصُوراً، وَأَنْهاراً، وَزُرُوعاً،

ص: 208


1- نهج البلاغة: خ 101 ، 103
2- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 7 / 78
3- نهج البلاغة: خ 192 ، 214

وَثِماَراً..»(1) ، ويعني ب(الدَّار) الجَنَّة، وشرح البحراني كونها (الإسلام)، ونرجح كونها الجَّنة التي هيأت للمتقین، فدعي عباد الله المتقين لها، بدليل (مشربا مطعام، أزواجاً خدماً، قصوراً أنهاراً، زروعاً أنهاراً، وثماراً). و(زروعاً): غروسا من الشجر، يُقَالُ: زرعْتُ الشَّجَرُ، كما يقال: زرعْتُ البر والشعير ويجوزأن يقال: الزروع جمع زرع وهو الإثبات، يقال: زرعَه اللهُ: أنبته. وحديثٌ الإمام (عليه السلام) عن نعيم الجنة، وهذا كله بيانأً لقدرة الله تعالى في خلقه.

وجاء اسم الفاعل من مادة (زرع) ويدلُّ على من قام بعملية الزِّراعة، منها قوله في خلقة السماء والكون: « فَالوَيْلُ لِمنْ جَحَدَ الُمقَدِّرَ، وَأَنْكَرَ الُمدَبِّرَ ! زَعَمُوا أَنَّهمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهمْ زَارعٌ، وَلاَ لِاخْتِ الَفِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ»(2) ، فلعن الدهريون وشبَّههم بالنابت في الصحاري والجبال ووجه الشبه بينهام (إنعدام الزارع والمدّبِر)، وذكره للصورتین ؛ لكونه أوضح دلالة على الصانع، فقد قاسوا أنفسهم على النبات، فجعلوا لامقَدِّر له بل ينبت وحده(3) .

وقال في النهي عن الفتنة: « أَفْلَحَ مَنْ نَهضَ بِجَنَاح، أوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ، مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَصُّ بِها آكِلُهَا، وَمُجتَنِي الَّثمَرَةِ لِغَيْر وَقْتِ إِينَاعِهَا كالزَّارعِ بِغَيْر أرضهِ»(4) . واستعمل الإمام الاساليب المجازية: كالاستعارة، الكناية، والتشبيه للعدول عن الصيغ الإعتيادية في التعبير، فقد كَنَّى عن الخِلافة التي عُرِضت عليه البَيْعة عليها، بالماء الآجن وحین يستعمل الماء الآجن ليُكَنِي به عن الخلافة فهو يريد

ص: 209


1- نهج البلاغة: خ 109 ، 112
2- خ 185 ، 196
3- ظ: منهاج البراعة: 11 / 22
4- نهج البلاغة: خ 5، 18

الإشارة الى القاسم المشترك بينهام (التغير والتحول في الطَعْم واللون) بالنسبة للماء عندما يكون آجنا، والتحول، والتغير الطبيعین في نفوس النَّاس وقناعاتهم بمرور الأيام بما لايرضون الخلافة. فتوليها يشبه شرب الماء الآجن، فمَن إجتنى ثمرة قبل أن تُدرَك لاينتفع بها كما لاينتفع الزّارع بغير أرضه من زرعه لعدم قدرته على الإقامة في موضع الزراعة وإنعدام تمكنه من إصلاحها بالسقي والحراسة والجباية، و(ماء آجن) خبرب للمبتدأ (هذا) والتقدير (هذا الأمر أو أمر الخلافة)، والعطف هذا يوحي بأن الجملتین مكملتان لبعضهام ومرتبطتان بمهمة تأدية معنى واحد. فهذا الوقت ليس صالحاً لطلب الأمر، لإنعدام الناصر فلا يفي بالغرض(1) .

ويُقدِّم مثالاً آخراً في رفض الأمر وهو جَنِي الثِّمار في غير مواسم جنيها، وشبهَّه بأمر من يزرع في أرض لايملكها فيذهب زرعه الى غيره بدون فائدة، والتشبيه بحرف الكاف بین طرفین هما مجتني الثمرة في غير آوانها، وبین الزَارع بغيرِ أرضه، فأضفى على الجملتین طاقة شعرية تُفْسِح مجال التأمل ولاسيما أنَّ كلاً منهام يحمل معنى سلبيا لوحده، فكان تشبيه السَّالب بالسَّالب يُعْكِس تركيزاً واضحاً على ما أراد أن يوصله الإمام، فأستعمل (عليه السلام) هنا إستعارة تقوم على التشبيه المؤكد، وكالزَّارع إستعمل حرف التشبيه الكاف، كما حققه إسلوب الشرَط من حيوية وحركية(2) .

فالخطيب هنا أنشأ معنى الحَرَّكة في المقابلة بین (المُجْتَنِي والزَّارِع) ؛ لأنَّ كلُّ زرعٍ يُعْقِبُه جَنِي.

وجاء المصدر منه مُعَرَّفا ب(ال)، وفيه دعوة الإمام إلى ترك المنازعة، فيقول:

ص: 210


1- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 123
2- ظ: المستويات الجمالية في نهج البلاغة: نوفل ابو رغيف: 214

مُجتَني الثَمَّرة قبل أن تدرك لاينتفع بما إجتناه، كمن زرع في غير أرضه ولاينتفع بذلك الزَّرع، فهو ليس وقته؛ بل الوقت الذي يُسَّوِغ لي فيه طلب الأمر، كالزَارع: خبر ل(مجتني) وإنَّ الظروفَ غير مواتيةٍ في طلبِها فهي بالنسبة إليه خصوصا بعد وفاة الرَّسول ؛ كالماء لايستساغ شربه، واللقمة التي يغص بها، والثَمَرة المقطوفة قبل نضجها فهي لاينتفع بها، كما يزرع الإنسان في غير أرضه فلا ينتفع بزرعه، فيما إحتمل الشيخ محمد عبدة إنَّه يريد بيعة السَقيفة وذهب ابن ابي الحديد الى أنَّه قصدالوقتَ فهو ليس مناسباً فيه طلب الأمر(1) .

2) المعنى المجازي: إستعملَ الإمام (عليه السلام) لفظ الزراعة إستعمالا مجازيا، إذ نجده يقول في صفة الناس بعد إنصرافه من صفِّین: « زَرَعُوا الفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الغُرُورَ، وَحَصَدُوا الثُّبُورَ»(2) .

فما فعلوه من قبائح كزرع زرعوه وماسكنت إليه نفوسهم من الإمهال واغترارهم كالسَّقي ؛ لأنَّ الغرور يبعث على ملازمة القبيح والزيادة فيه(3) . والفجور لاتزرع، والغرور لايسقى، والثبور لاتحصد.

وعنى بهم الفئة التي حاربت الامام في صفين بقيادة معاوية(4) .

ص: 211


1- شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 1 / 205 وظ: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 262
2- نهج البلاغة: خ 2، 13
3- ظ: شرح نهج البلاغة: محمد عبدة: 1 / 33
4- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 155

ومن كتاب له الى الصحابي كميل بن زياد النخعي (رضوان الله عليه) قائلا:

« اللَّهُمَّ بَلىَ ! لاَ تَخلُو الأرض مِنْ قَائِم لله بِحُجَّة، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، أوْ خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ. وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ أُولئِكَ ؟ أُولئِكَ - وَاللَّه - الاقَلُّونَ عَدَداً، وَالاْعْظَمُونَ قَدْراً، يَحفَظُ اللهُ بِهمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُوهَا فِی قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ»(1) .

فشبَّه العلم بالزَرع، فجعل العلم هنا بمثابة الزَّرع الذي يروى وينمى، وكذلك حال العلماء يودعون العلم الى أبناءهم وطلابهم ممن يأتي بعدهم.

إسلوب تحذير من قبل الإمام (عليه السلام)، وضرب مثلین مشهورين عند العرب لمن يفعل فعلا ولابد من جزاء به (كام تدين تدان وكام تزرع تحصد).

وجاء المصدر(زَرْع) في قوله في خطبة له لما بويع في المدينة إذ يقسمهم على أقسام قائلا: « وَكَفَى بِالَمرْءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ، لاَيَهلِكُ عَلىَ التَّقْوَى سِنْخُ أَصْل، وَلاَ يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْم»(2) .

والسَّنخ المثبت يُقال ثبتت السن في سنخها: أي منبتها، والأصل أنَّ لكلِّ شيءٍ قاعدة فاصل فالجبل قاعدته أسفله، وأصل النبات جذره المنبت، وهلاك السَنَخ:

فساده أي لايثبت فيه أصول ولاينمو غرس فيه فكما أنَّ التقوى سنخ لأصول الأعمال ص: 212


1- نهج البلاغة: خ 153 ، 152
2- نهج البلاغة: خ 16 ، 24

فكذلك تستمد منه الأعمال غذاءها، ماءها، وجدير بزرعٍ يُسقَى بماءِ التقوى أن لايَظمأ و(على) بمعنى (مع)(1) .

والزًرْعُ: نباتُ البر والشعير، يحرثه النَّاسُ ويزرعه الله ؛ فينميه حتى يبلغ غايته وتمامه، والمُزَارِعُ: الزارع الذي يزرع أرضه(2) .

ف» الزاء والراء والعین أصل يدلً على تنمية الشيء. فالزًرع معروف، ومكانه المُزدرع، وقال الخليل: اصل الزرع التنمية. وكان بعضهم يقول: الزًرع طرح البَذر في الأرض. والزًرع اسم لمانبت. والاصل في ذلك كله واحد»(3)

قال تعالى: ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾(4) .

زرع الحب يزرعه زرعا وزراعة: بذره، والاسم الزًرْع، وقد غلب على البر والشعير، وجمعه زروع، وقيل: الزًرْع نبات كل شيء يُحرث ؛ وقيل: الزًرع طرْح البذْر(5) .

وزرع العبد: يُحرث، والله يزرع: يُنبِتُ ويُنَّمي، ومن المجاز: زرع الله ولدك للخير(6) .

ص: 213


1- ظ: شرح نهج البلاغة: محمد عبدة: 1 / 50
2- ظ: العين (مادة زرع): 1 / 353
3- مقاييس اللغة: 3 / 50
4- الرحمن / 64
5- ظ: أساس البلاغة: 1 / 413
6- ظ: لسان العرب (مادة زرع): 3 / 1826

المبحث الأول: ألفاظ الأرض وتضاريسها ومايتعلق بها في نهج البلاغة:

1) الأرض

(1) :

المبدأ العام في الأرض هو الملكية العامة، والى جانبه يوجد حقُّ الإحياء، وهذا الحقُّ يتّمتع بموجبه المُحيي الحَق الأول في الأرض من غيره، وتعدُّ ملكية الأرض من القضايا الإجتماعية المهمة التي قامت بدورمهمفي التفكير البشري ؛ لأهميتها بوصفها ظاهرة عاشت مع حياة الإنسان منذ الآف السنين. وقد ولدت هذه الظاهرة في تاريخ الإسلام، وإعتامده في حياته عليها، إذ وجد الإنسان المزارع نفسه بحاجة الى الإستقرار في أرض خاصة مدة من الزمن ؛ لما يتطلبه هذا الإنتاج من وقت. فكان

ص: 214


1- أنواع الأراضي: وردت مصطلحات (أرض الخراج، أرض العر، وأرض العنوة)، وبحسب الضريبة التي فرضت عليها فهي (خراجية وعشرية) وبحسب أصل حيازتها على (أرض سلم وأرض صلح) فأرض السلم: التي صولح أهلها عليها، وأرض الصلح: التي فتحت عنوة، التي جا عنها أهلها. أرض الخراج: وهي الأراضي التي فرض عليها الخراج؛ سواء كانت جزءا شائعا في حاصلها كالخمس، او شيئا مقدرا في ذمة من هي في يده، وصارت فيئا لهم، وأرجعوها الى أهلها ثم اضافوا عليها وظيفة أرض العر: التي أسلم أهلها عليها، سواء أكانت لعرب أم غيرهم. أرض المَوَات: التي لايُعْرَف لها مالك، وأحياها المسلمون، فا خراج عليها، بل الزكاة عى زروعها، وتتفق مع أرض الخراج بعدم خضوعها للملكية الخاصة. أرض السَوَاد: ماأفتتحه المسلمون في عهد عمر بن الخطاب من أرض العراق. الأرض السَبْخَة: الرديئة التربة التي لاتنبت أرض الفيء: مالم يتعن حق مسلم معن بها. أرض العَنْوَة: التي قُوتِل الكفَّار عليها وأخذت منهم قهرا. أرض الحَرْب: أراضي دار الكفر التي تكون في حالة حرب واقعة مع دار الإسلام. أرض الحَوَز: اراضي عجز أصابها عن زراعتها وتأدية خراجها. أرض القطيعة: التي أقطعها الإمام لقومٍ وخصهم بها. ظ: إقتصادنا: 421 الخراج: ابو يوسف: 69 ، تحرير الأحكام في تدبر أهل الإسام: 105 الإستخراج لأحكام الخراج: 188

من الطبيعي أن يرتبط بمساحة معينة من الأرض، ويمارس فيها عمله، ويقيم له فيها مأوى ومسكنا يسكنه قريبا من زرعه ؛ ليكون قادرا على مراقبته والمحافظة عليه، وفي النهاية وجد الإنسان المزارع نفسه مشدودا الى مساحة من الأرض ومرتبطا بها روابط تنبع كلها أخيرا من عمله الذي انفقه على الأرض(1) .

والأرض هي هبة الله تعالى ليست ملكاً أو حقاً لأيِّ فردٍ من الأفراد ؛ وإنَّما هي ملك الإمام - بوصف المنصب لا الشَّخص (يعني الدَّولة)، ولاتزول بموجب النظرية الاقتصادية للإسلام عن الأرض - ملكية الإمام لها - ولاتُصْبِح ملكاً لفردٍ بالعنف والإستيلاء وحتى الإحياء، فالإحياء يعد مصدرا من مصادر حق الفرد في الأرض، فإن برز شخص بصورة مشروعة الى إحياء مساحة منها أنفق فيها جهده، من الظلم أن يُسَاوى في الحقوق بينه وبين سائر الأفراد الذين لم يمنحوا تلك الأرض شيئاً من جهودهم ؛ بل وجب وصفه أولى من غيره بالأرض والإنتفاع بها، فالإسلام يمنح العامل في الأرض حقا يجعله من غيره، ويسمح من الناحية النظرية للإمام(عليه السلام) بفرض الضَيبة أوالطسق عليها(2) ؛ لتساهم الإنسانية كلهَّا في الإفادة من الأرض عن طريق الإنتفاع به.

وشأن الأرض وملكية الإنسان لها جاء في الحديث: « إنَّ الأرض لله تعالى جعلها وقفاً على عباده، فمن عطَّل أرضا ثلاثَ سنينٍ متوالية لغير ما علة أخِذَت من يدِّه، ودُفِعَت إلى غيره»(3) .

فالمفاهيم الإسلامية تقوم بدور الإشعاع على النصوص التشريعية العامة، أو

ص: 215


1- ظ: اقتصادنا: 464
2- ظ: المصدر نفسه. * والطسق: مكيال معروف، مايوضع من الخراج المقررعلى الارض أو الجربان
3- ظ: وسائل الشيعة الى تحصيل مسائل الشريعة: 17 / 345 : الحديث: 32274

بدور تموين الدولة بنوعية التشريعات الاقتصادية التي يجب أن تَملا منطقة الفراغ، أما الملكية العامة التي تخص المسلمين لايمكن أن تعطى إلاَّ برضاهم ؛ لذا نجد الإمام (عليه السلام) يقول لأناس قدموا من البحرين: « الأرض فيء للمسلمين ماخرج منها فهو بينهم سواء، ولوا رضوا كلُّهم اعطيتكموه، ولكن يحلال لي أن اعطيكم ما لااملك»(1) ، وقد وردتْ الأرض في مائة وثلاثة وعشرين موضعا من النَّهْج، كما هو موضح في الجدول الآتي:(2)

اللفظ مرات وروده وزنه

الأرض، أرض 90 مرة فَعْلٌ

أرضا مرتان فَعْلا

أرضكَ 3 مرات فَعْلكَ

أرضكُم مرة فَعْلَكُم

أرضنا مرة فَعْلَنا

أرضهِ 9 مرات فَعْلِهِأ

رضها 4 مرات فَعْلِها

أرضهِم 3 مرات فَعْلِهِم

الأرضونَ مرة الفعلون

الأرضين 9 مرات الفعلين

لتدل على المعنى الحقيقي، فقد جاء لفظ (الأرض) في تسعين موضعاً ؛ منها ثلاث ص: 216


1- ظ: في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي: محسن خليل: 250
2- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 457

وثمانون موضعاً مُعَرَّفاً: تارة بأداة التعريف (ال) ك(تخوم الأرض، كبس الأرض، سكنت الأرض، تنبت الأرض)، وتارةً بالإضافة، أو مسندة إلى الضمائر ك(أرضكَ، أرضكم، أرضنا، أرضهِ، أرضها، أرضهِم، أهل الأرض)، وقد كثر في خطب الإمام (عليه السلام) تشخيص الأرض إذ جعل لها أطرافا وظَهْراً، وجعل لها صفة الأكل، قال الإمام (عليه السلام) في صفة الأرض: « كَبَسَ الأرض عَلى مَوْرِ أَمْوَاج مُسْتَفْحِلَة، وَلَججِ بِحَار زَاخِرَة، تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أمْواجِهَا وَتَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِها، وَتَرْغُوزَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا، فَخَضَعَ جِماحُ الَماءِ الُمتَلاَطِمِ لِثِقَلِ حَملِهَا، وَسَكَنَ هَيْجُ ارْتِمائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا، وَذَلَّ مُسْتَخْذِياً»(1) .

وجاء التقابل الدلالي بينها وبين السماء في أكثر من موضع، كقوله (عليه السلام) في صفة الملائكة: «يُجاهِدُهُمْ فِ اللهِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الُمتَكَبِّرينَ، فِی الأرض مَجهُولُونَ، وَفِ السَّماءِ مَعْرُوفُونَ»(2) .

وهنا وصف مقاتلی الزنج، فانهم ليسوا من ابناء الدنيا المشهورين بنعيمها، ومعروفین في السماء: إشارة الى كونهم من أهل العلم والإيمان يعرفهم ربهم بطاعتهم، وتعرفهم الملائكة بعبادة ربهم(3) .

وقوله في أولياء الله «أَلاَ بِأَبِ وَأُمِّي، هُمْ مِنْ عِدَّة أَسْماَؤُهُمْ فِی السَّماءِ مَعْرُوفَةٌ وَفِالأرضِ مَجهُولَةٌ»(4) .

ص: 217


1- نهج البلاغة: خ 91 ، 89
2- خ 102 ، 104
3- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 140
4- نهج البلاغة: خ 187 ، 200

قال الإمام في (حال الناس قبل البعثة): « نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بأرض عَالِمها مُلْجَمٌ، وَجَأهلها مُكْرَمٌ»(1) ، ف(بأرض): بدل من خير دار، أو متعلق بما تعلق به، وقال عليه السلام: «ووتد بالصخور ميدان أرضه» اقتباسا من قوله تعالى ﴿ أَلَم نَجْعَلِ الْارْضَ مِهَادًا.وَالِجبَالَ أَوْتَادًا﴾(2) .

والمَيدَان: بفتح الياء الحَرَكة بتمايل، والامام (عليه السلام) يشير الى أنَّ الأرض كانت مائدة مضطربة قبل جمودها، فرسخ الصخور الجامدة في أديمها(3) .

يقدم الأرض على السماء كما في القرآن الكريم إذا كان السياق تحذير وتهديد للبشر، وإعلامهم إنَّ الله عالم بأحوالهم، كما في قوله عن صفة (أهل البصرة) « أرضكُمْ قَرِيبَةٌ مِنَ المَاءِ، بَعِيدَةٌ مِنَ السَّماءِ، خَفَّتْ عُقُولُكُمْ، وَسَفِهَتْ حُلُومُكُمْ، فَأَنْتُمْ غَرَضٌ لِنَابِل، وَأُكْلَةٌ لِاكِل، وَفَرِيسَةٌ لِصائِد»(4)

والخطاب هنا لأهل البصرة، وفيه ذمُهم بإسلوب تقريعٍ وتوبيخٍ، ووصفهم بصفات سلبية في خطبة سبقت هذه الخطبة، وجاء وصفه بالصيغة الفعلية (خفت، سفهت) الفعل الماضي بصيغة الدعاء عليهم، الدَّالة على الحِدوث والتجدد في كلِّ زمانٍ، فأرضهم قريبة من الماء لانها على الشاطئ وبعيدة عن رحمة الله، ونقل ابن ابي الحديد عن علماء الهيئة إنَّ أبعدَ موضع في المعمورة عن دائرة معدل النهار هو الابلة، وهي قصبة البصرة، وهذا من خصائص الإمام (عليه السلام) ؛ لأنه أخبر عن أمر لا تعرفه العرب مختص بالمدققین وهو من أسراره وغرائبه.

ص: 218


1- نهج البلاغة: خ 2، 13
2- النبأ / 6 - 7
3- ظ: شرح نهج البلاغة: محمد عبدة: 1 / 22
4- نهج البلاغة: خ 14 ، 22

ويقدم السَّموات على الأرضین إتِّباعا لما جاء في القران الكريم، وبهذا يقول ابن القيم: « وأمَّا تقديم السماء على الأرض ففيه معنى وهو أنَّ السموات والأرض تذكر غالباً في سياق آيات الرب الدالة على وحدانيته وربوبيته ومعلوم أنَّ الآيات في السموات أعظم منها في الأرض ؛ لسعتها وعظمها، ومافيها من كواكبها، وشمسها، وقمرها، وبروجها»(1) .

« وَعِلْمُهُ بِماَ فِ السماوَاتِ الْعُلىَ كَعِلْمِهِ بِماَ فِ الأرضينَ السُّفْلَی»(2) ، التقابل بین

(السموات العلى والأرضين السفلى) إشارة الى أنَّ علمه غير مستفاد من غيره ولايلحقه تغير وتجدد فلا يتجدد له علم لم يكن ؛ بل علمه تعالى أزلي أبدي تام لايلحقه نقص ونسبة جميع الممكنات إليه(3) .

إستعمل الإمام (عليه السلام) إسلوب المساواة بین طرفي التشبيه، وهما المشبه (علمه بما في السموات العلى) والمُشَبَّه به (علمه بمافي الأرضین السُّفلى) والأداة هي (الكاف) فلا يخفى عليه شيء، فقدمَّ طيورُ السَّماء على وحوش الأرضین ؛ لكنه جاء بطير السَّامء مفردة، وبوحوش الأرضين مجموعة: « وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ بأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهمْ كُنُوزَ الْذِّهْبَانِ، وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ، وَمَغَارِسَ الِجنَانِ، وَأَنْ يَحشرُ مَعَهُمْ طَيرْ السَّماءِ وَوُحُوشَ الأرضينَ لَفَعَلَ»(4) .

فإسلوب الشرط معلق بمشيئته، فقدم ماهو موجود في السَّماء من الحيوانات وهي الطيورعلى زنة (فعول) وهو جمع كثرة، ثم أردفه ب(وحوش) على زنة

ص: 219


1- بدائع الفوائد: 1 / 82
2- نهج البلاغة: خ 163 ، 166
3- ظ: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 290 وظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 1 / 268
4- نهج البلاغة: خ 199 ، 232

(فعول) أيضاً، فالإهتمام كان بطيور السماء أكثر ؛ لذا قدمت طَّيورالسماء على وحوشُ الأرضين.

كما قدم السموات وذلك في حديثه عن الأمانة «ثُمَّ أَدَاءَ الاْمَانَةِ، فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أهلهَا، إِنَّها عُرِضَتْ عَلىَ السَّماوَاتِ الَمبْنِيَّةِ، وَالأرضينَ الَمدْحُوَّةِ»(1) . وفيه بيان لعظمة قدرته ؛ فعرض الأمانة على السَّموات الموصوفة بصفة هيئتها كبرالبناء، والأرضین الموصوفة بصفة الدَّحو (البسط).

فالإمام (عليه السلام) قدَّم الأفضل إتِّباعَا للأثر القرآني، وهذا إسلوب مُطَرِّد في نهج البلاغة(2)

2) الإخدود:

تكرر هذا اللفظ في كلام الإمام (عليه السلام) في ثلاثة مواضع من النَّهْج، كما في الجدول الآتي:(3)

اللفظ مرات وروده وزنه

خَدً مرة فَعْلَ

أخاديد، أخاديدها مرتان افاعيل، أفاعيلها

فمن مجيئه جمعا ورد على زنة (أفاعيل) أخاديد، وهي صيغة من صيغ منتهى الجموع في قوله: « في بيان خلقة الطيور، إذ قال: «وَمَا ذَرَأَ مِنْ مُختَلِفِ صُوَرِ الاْطْيَارِ

ص: 220


1- خ 165 ، 168
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 287
3- نهج البلاغة: خ 90 ، 81

الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الأرض، وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا، وَرَوَاسِ أعْلاَمِهَا»(1) .

ف(الأخاديد: شقوق الأرض وشِعابِا) ومراده التعجب من خلقة الطيور، فالطيور التي أسكنها أخاديد الأرض، كالقطاة والصدى، التي أسكنها خروق فجاجها، كالقبج التي أسكنها رؤوس الجبال كالعقبان والصقور(2) ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّماَء ذَاتِ الْبرُبُوجِ ۞ وَالْيَوْمِ الَموْعُودِ ۞ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُود ۞ قُتِلَ أَصْحَابُ الْاخْدُودِ ۞﴾(3) ، فالإخدود شقُّ في الأرض مستطيل غائص وجمع إخدود وأخاديد، وأصل ذلك من خَدَّى الإنسان، وهما ما اكتنفا الأنف عن اليمين والشمال. ويستعار للألرض ولغيرها كإستعارة الوجه(4) .

3) الأدَيم:

تكرر هذا اللفظ في كلام الامام عليه السلام في أربعة وعشرين موضعا من النَّهْج، وهو موضح في الجدول الآتي:(5)

اللفظ مرات وروده وزنه

آدَمُ، الأدمَ 17 مرة فَاعَلٌ، الفاعل

الآدميين مرة الفاعليين

إدَامُهُ مرة فعاله

ص: 221


1- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 2 / 383
2- ظ: المصدر نفسه
3- البروج / 4
4- ظ: المفردات في غريب القرآن: 1 / 190
5- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 453

الأديم 3 مرات الفعيل

أدِيمهَا مرة افعلها

مأدوماً مرة مفعولا

ليدل على معنى حقيقي، فجاء الأدَيم مفردا مُعَرَّفا ب (ال) في ثلاثة مواضع من النَّهْج منها قوله: «كَأَنَّ بِكِ يَاكُوفَةُ تُمدِّينَ مَدَّ الاْدَيمِ الْعُكَاظِيِّ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ، وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلاَزِلِ»(1) .

وأديم عكاظي: منسوب الى الكوفة ؛ لكثرة ماكان يُباع منه بها، وخطابه لشاهد حال الكوفة و(بك) هو خبر كأنً و(تمدين، تعركین، تركبین) في موضع النصب من الحال، وتقديرالخطاب (كأني حاضر بك، ومشاهد لحالك المستقبلة حال تجاذب أيدي الظالمین لأهلك بأنواع الظلم وهو المُكَّنى عنه بمَدِّها. وشبَّه ذلك بمدِّ الأديم، ووجه الشَبَه شدة مايقع بهم من الظلم والبلاء، كام أنَّ الأديم مستحكم الدباغ يكون شديد المُد(2) . وقال في فتنة بني أمية أيضاً: « نَحْنُ أهل الْبِيْتِ مِنْهَا بمنجاة، وَلَسْنَا فِيهَا بِدُعَاة، ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللهُ عَنْكُمْ كَتَفْرِيجِ الاْدِيمِ»(3) ، وهنا إستعار الإمام (عليه السلام) لفظ العَرَك ؛ لتقليب الفتن ورميهم وتذليلهم بها ؛ كما يذلل ويلین الأديم، وإستعار لفظ الدَوْس ؛ لإهانتهم لهم وشدة إمتهانهم إياهم باليلاء وشبَّه ذلك بدَوس الحَصيد من

ص: 222


1- نهج البلاغة: خ 47 ، 47
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 2 / 125
3- نهج البلاغة: خ 108 ، 110

حنطةٍ وغيرها وهو ظاهر(1) .

و «أديمُ كُلِّ شيء: ظاهر جلده، وأدمَة الأرض: وجهها، وقيل: سمي آدم - عليه السلام - لأنه خُلِق من أدَمة الأرض، وقيل: بل من أدَمةٍ جعلت فيه. والإدام والأُدْمُ: ما يؤتدم به مع الخبز، وأدَمت الخبز أدْماً : جعلت فيه الأُدُم والسَّمن واللَّحمُ واللّبنُ كلُّه أُدْمٌ»(2) .

فالهمزة والدال والميم أصل واحد، وهو الموافقة والملاءمة، فإن قال قائل: فعل أي شيء تحمل الأدمة وهي باطنُ الجلد ؟ قيل له: الأدمة أحسن ملاءمة للحم من البشرة، ولذلك سُمي آدم عليه السلام ؛ لأنَّه أخذ من أدمة الأرض. ويقال هي الطبقة الرَابعة.

والعربُ تقول مُؤْدم مبشرَ، أي قد جمع لین الأدمة وخشونة البشرة. فأما اللون الاّدم فلأنه الأغلب على بني اّدم. وناس تقول: أديم الأرض وأدَمَتُها وجهها(3) .

4) التُراب:

تكرر في كلام الإمام (عليه السلام) ثلاث عشرة مرة، كما هو موضح في الجدول الآتي:(4)

اللفظ مرات وروده وزنه

تَرِبَت مرة فَعِلَت

ص: 223


1- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 44
2- العين (مادة ادم): 8 / 88
3- ظ: مقاييس اللغة: 1 / 72
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 583

التٌراب 6 مرات الفٌعال

تُرابَها مرة فَعالَا

تُرْبَة 5 مرات فَعْلَة

ليدل على:

1) المعنى الحقيقي: ورد هذا اللفظ في توجيه خطاب الإمام (عليه السلام) الى الموتى، وقد اشرف على القبور بظاهر الكوفة قائلاً: « يَا أهل التُّربَةِ، يَا أهل الْغُرْبَةِ، يَا أهل الْوَحْدَةِ، يَا أهل الْوَحْشَةِ، أَنْتُمْ لَنَا فَرَطٌ سَابِقٌ، وَنَحْنُ لَكُمْ تَبَعٌ لاَحِق»(1) .

فقوي المعنى بنسبة الموتى الى التراب، فقد استعمل الإمام (عليه السلام) النداءللصفات بالاداة (يا) وفيها نداء للبعيد. والصفات هي (أهل الديار الموحشة، أهل التربة، أهل الغربة) ويعني: أنتم أهل الديار وأنتم أهل التربة) وهنا إنتقل الإسلوب من الإنشاء الى الخبر، وبَینَّ حدودا رسمها الخالق (الدُّور والأزواج والأموال) فالإنسان لابد له أن يتركها وراؤه، وأراد ب(الديار الموحشة) التي أخلوها وأرتحلوا منها، والمحال المقفرة: سكنوا غيرها وأهملوها ورائهم، والقبور المظلمة: بتراكم الترُّب عليها، ووضعوها في لحودهم، وبأهل التربة: المُغْبَة أجسادهم بالترُّاب(2) .

يقول د. حسین العمري: « هنا لابدَّ من الإشارة الى هذه الصبغة الفنية التي توَشَّح بها النَّص، حيث السجع والتفصيل في إيضاح المطالب في النص الذي ضغطه الى أقصر مايمكن على الرَّغم من أنَّه تعرض الى موضوعات عدة، إلاَّأنَّه استطاع بقدرته الفذة على أعنة الكلام أن يحول خطابه الإنطباعي هذا الى قطعة فنية تنسرب

ص: 224


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: 13 0 ، 372
2- ظ: الديباج الوضي: 6 / 2822

من بین أحرفها لوعة مكبوتة وأسى دفین، ولاسيما بعد أن استعمل النِداء في أول النص»(1) .

ومنها قوله في التذكير بعاقبة الناس، ومصيرهم. وقال عليه السلام: « ثُمَّ جَمعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الأرض وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِها وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ»(2) . فقد أشار الى صورة خلق الإنسان، فأسند الجمع اليه تعالى من باب التوسع في الإسناد، ووقع الإعتراض في قوله (من حزن الأرض وسهلها، وعذبها وسبخها) بین الفعل والفاعل من جهة

(جمع) الفعل والمفعول به (تربة) من جهة ثانية فوظيفة الإعتراض إيضاحية يكتمل بها المعنى، ويتحقق في الدَّلالة إشباع يبین نوع ماجمع من تربة مما هو مختلف ويشكل ثنائية متضادة ترتبط بها طبيعة الإنسان على إختلاف ما يتصل بها وما يصدر عنها من أفعال وسلوكيات.فأراد الإمام (عليه السلام) أن يقدم الأصل التكويني للتربة قبل إكتمال هويتها، مع ملاحظة أنَّ هذا الجمع تمَّ من مناطق متعددة إنطلاقا من إختلاف أنواعها فلاتكون التربة المجموعة من الله سبحانه وتعالى من موضع واحد، ممَّا يساعد على تضييق المعنى، وهو جعل الفكرة تصل بشكل عام، والإختلاف كان مقدما على أصل التراب وهو أصل الإنسان والمكون له، لذا بادر المتكلم الى تقديم الإختلاف التكويني قبل اكتامل الجملة التي بها تمام المعنى، فالمبدع قدم ماهو أولى بالعناية والتقديم، وهناك أفق تأوي يل آخر، إذ نجد ماهو أخفُّ أثراً وأكثرُ رشاقةً(3) .

2) المعنى المجازي، فلفظ (تَرِبَ) وهو يحمل معنى الدُّعاء بالذَّم مسندا الى تاء

ص: 225


1- الخطاب في نهج البلاغة: 20
2- نهج البلاغة: خ 1، 9
3- ظ: المستويات الجمالية في نهج البلاغة: 142 ، وظ: منهاج البراعة: 2 / 35

الفاعلة الدَّالة على الأيدي ورد مرة واحدة وذلك في قوله: « يَاأهل الْكُوفَةِ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاث وَاثنَتَينْ: صُمٌّ ذَوُوأَسْماَع، وَبُكُمٌ ذَوُوكَلاَم، وَعُمْيٌ ذَوُوأَبْصَار، لاَ أَحْرَارُ صِدْق عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلاَ إِخْوَانُ ثِقَة عِنْدَ الْبَلَاءِ! تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ ! يَا أَشْبَاهَ الاْبِلِ غَابَ عَنْهَا رُعَاتُها ! كُلَّماَ جُمعَتْ مِنْ جَانِب تَفَرَّقَتْ مِنْ آخَرَ»(1) .

فإسلوب النداء واضح لأهل الكوفة واستعمل النداء للبعيد، فتربت أيديكم:

كأنك تقول: لَصِقَت أيديكم بالتراب، كلمة مجازية، تعني أماتهم الله حتّى لَصِّقوا بالترُّاب، أوأفقرهم حتّى لَصِّقوا بالترُّاب، وشبههم بالإبل ؛ لِما فيهم من الجفاء والغلط عند فقد من يرعاها ؛ فهي أكثر المواشي شرودا. ولعل الإمام (عليه السلام) أراد باستعماله نداء البعيد التهكم فيهم والسخرية منهم. وجاء هذا اللفظ على صيغة الإسم (التراب) وهو اسم جنس، ست مرات في النَّهْج، منها قوله في الأمم الماضية والتحذير من الدنيا قال: « وَأُنْزِلُوا الاْجْدَاثَ فَی الَ يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً، وَجُعِلَ لَهمْ مِنَ الصَّفِيحِ أَجْنَانٌ، وَمِنَ الترُّابِ أَكْفَانٌ، وَمِنَ الرُّفَاتِ جِيرَانٌ، فَهُمْ جِيرَةٌ لاَ يُجيبُونَ دَاعِيا»(2) ، وفيها تعريف للزاهدين: يتخذون الأرض بساطا والتراب فراشا والماء طيبا، وهذه الأشياء من لوازم زهدهم في متاعها وتركها عن طيب نفس. التٌاب والترٌبُ واحد، وإذا انثوا قالوا: تُرْبَةٌ، وأرض طيبة التٌبة أي خلقة ترابها، فاذا أردت طاقة واحدة قلت: تُرابة واحدة، ومنه حديث علی (عليه السلام): « لَئِن وَليت بني أمية لَنفضنًهم نفض القصاب الوزام التًربة»، وأترب: استغنى(3) .

يقول ابن فارس: « التاء والراء والباء اصلان: أحدهما التراب وما يشتق منه،

ص: 226


1- نهج البلاغة: خ 97 ، 99
2- خ 111، 118
3- ظ: العين (مادة ترب): 8 / 115

والآخرتساوي الشيئين. فالاول الترٌاب، وهو التًيرْب والتًوْراب. ويقال ترب الرجل إذا افتقركأنه لصق بالتراب، وأترب اذا استغنى، كأنه صار له من المَّال بقدر الترٌاب»(1) .

الترِب والتِبة جائزة في المؤنث ويجمع ب(الأتراب): استغنى وكَثُر مالُهُ ؛ فصار كالترُّاب(2) .

وكُنِي الإمام علی (عليه السلام) بأبي تراب، كنَّاه بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكانت أحبُّ الكِنى إليه، وكان إذا نودي بها يُسرَ لأمور منها ؛ كونه يجد فيها نوعا من التواضع والتذلل لله، وكانت تذكره بملاطفة النبي معه في غزوة ذات العُشيرة، فكان يتوسد التراب بصحبة عمار بن ياسر(3) أنت ابو تراب(4) .

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الَمرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾(5) .

5) الجِبَال:

تكرر هذا اللفظ ثلاثين مرة في النَّهْج، كما هو موضح في الجدول الآتي:(6)

ص: 227


1- مقاييس اللغة: 1 / 346
2- ظ: معاني القرآن: الأخفش: 2 / 532
3- ظ: موسوعة الإمام علي في الكتاب والسنة والتاريخ: 1 / 82
4- تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر: 42 / 18
5- النبأ / 40
6- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 604

اللفظ مرات وروده وزنه

جَبَل، الجَبَل 7 مرات فَعَل

جَبَلاً مرة فَعَلاً

جَبَلَك مرة فَعَلك

جَبَلَها مرة فَعَلَها

الجِبَال 15 مرة الفِعَال

جِبَالَنا مرة فِعَالنا

جِبَالَا مرتان فِعَالها

جِبِلَته مرة فعلته

جابِل مرة فاعِل

1) المعنى الحقيقي: فالإمام (عليه السلام) في بعض المواضع يقدم الجبال ؛ لأنَّ تسخيرها أعجب واولُّ في القدرة وأدخل في الإعجاز، وفي مواضع اخرى يؤخرها، وجاء (الجبل) مضافا الى كاف الخطاب: « ثُمَّ اسْتَوْصِ بِالتُّجَّارِ وَذَوِي الصِّنَاعَاتِ، وَأَوْصِ بِهمْ خَيرْاً: الُمقِيمِ مِنْهُمْ، وَالُمضْطَرِبِ بِمَلِهِ، وَالُمتَرفِّقِ بِبَدَنِهِ، فَإِنَّهمْ مَوَادُّ الَمنَافِعِ، وَأَسْبَابُ الَمرَافِقِ، وَجُلاَّبُها مِنَ الَمباعِدِ وَالَمطَارِحِ، فِی بَرِّكَ وَبَحْرِكَ، وَسَهْلِكَ وَجَبَلِكَ،...»(1) . وفيه دلالة على ملكه العظيم في البر والبحر والسهل والجبل.

وقال في وصف بيته الحرام: « ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الأرض حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الاْوْدِيَةِ قُطْراً، بَينْ جِبَال خَشِنَة، وَرِمَال دَمِثَة»(2) .

ص: 228


1- نهج البلاغة: الحكم القصار: خ 11، 20
2- نهج البلاغة: خ 192 ، 213

فالبِقَاع: مثل جِبَال: قطعة من الأرض على غيرهيئة من يجانبها، وضع الله بيته بأصعب قطع الحجر، وأغلظها، وأقل البلدان ترابا ومدرا، فلا تصلح للزراعة، ووصف الجبال بصفة الغلظ، والرمال بصفة الليونة، والمراد بكلا الوصفين (بعدهما من الإنبات)؛ فالرمل كلاَّم كان ألين وأسهل بَعُد عن الإنبات(1) ، وقوله عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية يوم الجمل: «تَزُولُ الجِبَالُ وَلاَ تَزُلْ ! عَضَّ عَلىَ نَاجِذِكَ أَعِرِ اللهَ جُجُمَتَكَ، تِدفي الأرض قَدَمَكَ..»(2) .

قابل بین ضِدِّين (تزول، لا تَزَل) وهو جناس ناقص، ف(تزل) مفتقدة لحرف المَّد الواو، ومن صفات هذا الصَّوت الوضوح في السَّمع، فزوال الجِبَال يحتاج لزمن أطول، وكذلك حرف الواو، وحذف الفاعل ل(تزل) وكلاهما وفَّرَ تركيبا بلاغيا جميلا للمثل فأحدث تركيبا نحويا مصاغا بدقة فيه جوانب فنية.

وحُذِف حرف الشرط (لو)، فتقدير الكلام (لو تزول الجبال لاتزل أنت) ففي هذا الحذف قيمة جمالية تحققت من خلال مراعاة الإيقاع المتمثل في الجناس فأثارالإنتباه، وجلب إهتامم السَّامع(3) .

وكنَّى عن صفة الرِّسوخ والثبات بقوله (تزول الجبال) وتشبيه الإمام ولده محمد الفارس الشجاع بالجبال، وكَنَّى عن الحِمْيَة بالعَّض على الأسنان فمن عادة الإنسان إذا حمي على عدوه يعضُّ على أسنانه و(تد في الأرض قدمك) كناية عن الشَّجاعة والاقدام(4) .

ص: 229


1- ظ: منهاج البراعة: خ 11، 20
2- نهج البراعة: خ 11، 20
3- ظ: المثل في نهج البلاغة: عبد الهادي عبد الرحمن: 153
4- ظ: اسلوب علي بن ابي طالب في خطبه الحربية: 199

و الجَبَل اسم لكل وتدٍ من أوتاد الأرض اذا عظم وطال من الأعلام والأطوار والشناخيب والأنضاد. فاذا صغر من الاكام والقيران. وجِبْلَةُ الجبل: تأسيس خلقته التي جُبِل عليها. وجِبْلَةُ الأرض: صِلابها.، والجَبَل: الشجر اليابس، وجمعه أجْبال وجِبال(1) .

«الجيم والباء واللام اصل يطرد ويقاس، وهو تجمع الشيء في ارتفاع. فالجبل معروف، والجبل: الجماعة العظيمة الكثيرة»(2) .

وهو اسم لكل وَتِد من أوتاد الأرض اذا عظم وطال من الأعلام والأطواد والشناخيب والأنضاد وجبلة الأرض: صِلابها، والجِبِّلُّ: الخَلْقٌ، جَبَلهم الله، والجمع أجْبُل وأجْبال وجِبال، وأجبل القوم: صاروا في الجبال وتجبلوا أي دخلوها(3)

قال تعالى ﴿ أَلَم نَجْعَلِ الْارْضَ مِهَادًا ۞ وَالِجْبَالَ أَوْتَادً﴾(4)

واستعيرت معانيه فأشتق منه بحسبه فقيل فلانٌ جبل لايتزحزح تصورا لمعنى الثبات فيه، وجبله الله على كذا إشارة الى مارُكِب فيه من الطبع الذي يأبى على الناقل نقله(5) .

6) الحَزَن:

تكرر في كلام الإمام (عليه السلام) مرتین، ليدل على معنى حقيقي، وذلك

ص: 230


1- ظ: العين (مادة جبل): 6 / 136 - 137
2- مقاييس اللغة: 1 / 502
3- ظ: لسان العرب (مادة جبل): 2 / 537
4- ظ: المفردات في غريب القرآن: 1 / 113
5- النبأ / 6 - 7

في قوله: « ثُمَّ جَمعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الأرض وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِها وَسَبَخِهَ، تُرْبَةً سَنَّهَا بالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ»(1) ، إستعمل طباق الإيجاب الذي يقوم على اللفظ وضدِّه، وهي مقدمة طويلة المبينة لإختلاف الأجزاء التي جبل منها الإنسان (حزن الأرض وسهلها) (عذبها وسبخها). فالحَزن من الأرض: ماغَلُظَ منها واشتدَّ، كالجبل، والسَّهل: مالان، وعذبها: ماطاب منها واستعد للنبات والزَرع، والسبخ: ماملح منها، والمسنون: الطِّین الرَطب.جاءت (ثم) للتراخي في الزَمن، وللإشارة الى المدة التي يتحول فيها الجنين من حال الى آخر، وفي هذه الخطبة بيان لخلق السموات والأرض والملائكة وآدم في زمن غير معلوم، واستعماله لمفردات (لاطها، لزبت) في نسق تعبيري واحد و(تربة سنها بالماء حتى خلصت) إشارة الى الكيفية التي ستكون فيما بعد بتراتبية واشارت

(حتى) الى غائية الفعل التي تمثل المنحى التصويري الأول على وجه الأرض(2) .

وقال في (علة اختلاف الناس): « إِنَّماَ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِىءُ طِينِهِمْ، وَذلِكَ أَنَّهمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أرض وَعَذْبِها، وَحَزْنِ تُرْبَة وَسَهْلِهَا، فَهُمْ عَلىَ حَسَبِ قُرْبِ أرضهِمْ يَتَقَارَبُونَ، وَعَلىَ قَدْرِ اخْتِلاَفِهَا يَتَفَاوَتُونَ»(3) .

الحُزْن والحَزَن، لغتان (إذا أثقلوا فتحوا، وإذا ضَمُوا خففوا، يقال: أصابه حَزن شديد، وحزن شديد)، ويقال: حزنني الأمر يحزنني فأنا محزون وأحزنني فأنا مُحزَنٌ، وهو مُحزِنُ، لغتان أيضا، ولا يقال: حَازِن(4) .

ص: 231


1- نهج البلاغة: خ 1، 9
2- ظ: الخطاب في نهج البلاغة: خ 234 ، 262
3- نهج البلاغة: خ 234 ، 262
4- ظ: العين (مادة حزن): 3 / 160

فالحاء والزاء والنون أصل واحد، وهو خِشُونة وشِدة فيه، ومن ذلك الحَزْن،وهو ماغلُظ من الأرض وحُزَانتك: أهلك ومن تتَحزَّن له(1) .

والحَزْن: ماغلظ من الأرض، والجمع حُزُون وفيها حزونة ؛ وقوله: الحَزْنُ باباً والعَقور كَللباً، أجرى فيه الإسم مجرى الصِّفة، قال ابن شميل: أول حُزون الأرض قفافها وجبالها وقواقيها وخشنها ورضمها، ولاتعد أرض طيبة ،ٌ وان جلدت حَزناً(2) .

فالحُزْنُ والحَزَنُ خشونة في الأرض وخشونة في النفس ؛ لِما يحصلُ فيه من الغَم(3) .

7) الَّدَّحَو:

ورد في كلام الإمام (عليه السلام) في أربعة مواضع من النَّهْج، وهو موضح في الجدول الآتي:(4)

اللفظ مرات وروده وزنه

دَاحِي مرة فَاعِي

مَدْحُوًة مرتان مَفَّعُلَة

المَدْحُوًات مرة المفَّعوات

ليدل على:

ص: 232


1- ظ: مقاييس اللغة: 2 / 54
2- ظ: لسان العرب (مادة دحو): 2 / 861
3- ظ: المفردات في غريب القرآن: 1 / 152
4- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 788

1) المعنى الحقيقي، فجاءت مفردة الدَّحو إسما للمفعول، وذلك في قوله:

«سكنت الأرض مُدْحُوًة في لجة تياره»(1) ، فسبحانه خلق الماء قبل الأرض ثم دحاها فيه وسكن بها مستفحل أمواجه، وهذا شهد به البرهان العق يل فالماء لمَّا كان حاويا لأكثر الأرض كان سطحه الباطن المماس لسطحه الظاهر مكانا له، وواضح إنَّ اللفظَيعطي تقدم خلق الماء على خلق الأرض تقدما زمانيا(2) .

وقال الإمام (عليه السَّلام) في بيان صفة الأمانة فقد قابل الامام بين (السموات المبنية) و(الأرضین المدحوة).قائلاً: «ثُمَّ أَدَاءَ الاْمَانَةِ، فَقَدْ خَابَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أهلهَا، إِنَّها عُرِضَتْ عَلىَ السَّماوَاتِ الَمبْنِيَّةِ، وَالأرضينَ الَمدْحُوَّةِ، وَالِجبَالِ ذَاتِ الطُّولِ الَمنْصُوبَةِ»(3) .

وفيه نلحظ مخاطبة للجامد لبعض بلسان أحوالها ف(المبنية والمدحوة) صفات مفردة للسموات والأرضین على الرغم من كون السموات والأرض مجموعة، وربما ناسب المقام هنا ؛ لأنَّ الأمانةَ مفردة مؤنث وكذا المَبنِية والمَدحُوَة، وفيه تشبيه لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْامَانَةَ عَلىَ السَّماَوَاتِ وَالْارْضِ وَالِابَالِ فَأَبَينْ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَملَهَا الْانسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾(4) .

كون السماوات مبنية والأرضین مدحوة والجبال بأطوالها، وعروضها، وعلوها، وعظمتها فيها تنبيه وتعجب للإنسان على جرأته، وتضييع أمانته، إذ أهل لها وحملها.

ص: 233


1- نهج البلاغة: خ 91 ، 89 ، وقد ورد في الخبر ان الارض دحيت من تحت الكعبة وهو يوم 25 من ذي القعدة
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 2 / 384
3- نهج البلاغة: خ 199 ، 232
4- الأحزاب / 72

يقول البحراني: « فكأنه يقول: اذا كانت هذه الاجرام العلوية التي لااعظم منها قد امتنعت من حمل هذه الامانة حين عرضت عليها فكيف حملها من هو اضعف منها»(1) ،وكان امتناعهن عن حمل الامانة ليس لعظمة اجساد ولااستكبار عن الطاعة بل عن ضعف واشفاق من خشية الله فالامتناع والاشفاق والاباء مجازا اطلاقا لاسم السبب على المسبب(2) .

وورد اسم الفاعل (داحي) دالا على أنَّ الفاعل الذي قام بصفة الدحو هو الله (سبحانه وتعالى)، كما وردت مجموعة جمعا مؤنثا سالما (المدحوات): « اللَّهُمَّ دَاحَيَ الَمدْحُوَّاتِ، وَدَاعِمَ الَمسْمُوكَاتِ، وَجَابِلَ الْقُلُوبِ عَلَ فِطْرَتِها: شَقِيِّهَا وَسَعِيدِهَا»(3) .

فلفظ الجلالة منادى أصله (يا + الله) وبعده صفته تعالى (داحي المدحوات) أي: باسط الأرضین السبع، ووصفها بصدق البسط على جملة الأرض مع أنَّها كرة وشهادة قوله: « والأرض بعد ذلك دحاها بذلك، وقوله: والأرض مددناها. فباعتبار طبقاتها. وقد يصدق عليها البسط بإعتبار سطحها البارز من الماء الذي يتصرف عليه الحيوان فانه في الأوهام سطح مبسوط وإن كان عند الإعتبار العقلي محدَّبا، وأشار اليه بقوله تعالى ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّماَء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّماَء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجعَلُواْ لِکم أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(4) .

فالدَّال والحاء والواو أصلٌ واحد يدلُّ على بسطٍ وتمهيدٍ. يقال دحا اللهُ الأرضَ يدحوها دَحْواً، اذا بسطها. ويقال: دحا المطر الحصى عمَّ وجهُ الأرضِ. وهذا لأنه

ص: 234


1- شرح نهج البلاغة: 3 / 437
2- ظ: المصدر نفسه
3- نهج البلاغة: خ 72 ، 59
4- البقرة / 22

إذا كان كذا فقد مهدَّ الأرض(1) . قال الله تعالى: ﴿وَالَارْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾(2) ، وهنا إستدلال بخلق الأرض ؛ لأنَّ الأرض أقرب الى المشاهدة فقدم الأرض على الفعل والفاعل وانتصب على طريقة الإشتغال، وفي الإشتغال تأكيد باعتبار الفعل المقدر العامل(3) .

8) الرَّابية:

جاء هذا اللفظ مرتین في النَّهْج، ليدل على معنى حقيقي، مرةً على زنة (فَعْلَة)وهي رَبْوَة، إذ قال الإمام (عليه السلام): « وَلاَ يُضرْبُ لَهُ أَمَدٌ» بِحَتَّى»، الظَّاهِرُ لاَ يُقالُ: «مِمَّ»؟وَالْبَاطِنُ لاَ يُقَالُ:«فِيمَ»؟، لاَ شَبَحٌ فَيُتَقَصىَّ، وَلاَ مَحجُوبٌ فَيُحْوَى، لَا يَقْرُبْ مِنَ الاْشْيَاءِ بِالْتِصَاق، وَلَم يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْترِاق، وَلاَ يَخفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لْحَظَة، وَلاَ كُرُورُلَفْظَة، وَلاَ ازْدِلاَفُ رَبْوَة»(4) ، وازدلاف الرَّبوة: تقدمها وأراد الرَبوة المتقدمة: أي في النظر والبادية عند مدِّ العین فإنَّ الرُبَى أولُّ مايقع في العین من الأرض(5) .

وجاءت مجموعة على زنة (فواعل) وهي صيغة منتهى الجموع وذلك في قوله عليه السلام: رَوَابِيهَا: « ثُمَّ لَم يَدَعْ جُرُزَ الأرض الَّتي تَقْصرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا، وَلاَ تَجدُ جَدَاوِلُ الاْنْهارِ ذَرِيعَةً إِلى بُلُوغِهَا»(6) .

ص: 235


1- ظ: مقاييس اللغة: 2 / 333
2- النازعات / 30
3- ظ: التحرير والتنوير: محمد الطاهر (ابن عاشور): 31 / 86
4- نهج البلاغة: خ 63 ، 65
5- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 279
6- نهج البلاغة: خ 91 ، 90

ورَبا المالُ يربو في الرِّبا، أي: يزداد، وصاحبه: مُربٍ. والرِّبا في كتاب الله (عزَّ وجلَّ) حرام(1) .

قال ذو الرُّمَة:(2)

بأوًل ما هاجت لك الشًوْق دِمْنةٌ *** بأجْرَعَ مِقْفارِ مَرَبٍ مَُلًلِ.

قال ابن فارس: « الرَّاء والباء والحرف المعتل وكذلك المهموز منه يدل على أصل واحد، وهو الزِيادة والنَّماء والعُلُو. تقول من ذلك: ربا الشيًء يربُو، إذا زاد. ورَبا الرًابية يَربوها، إذا علاها... والرِّبوة بمعنى الرًبْوة ايضاً. ويقال رَبًيتُهُ وتربًيتُه، اذاغذَوته. وهذا مما يكون على معنيين: احدهما من الذي ذكرناه، لأنه إذا رُبٍى نما وزكا وزاد. والمعنى الاخر من ربًيته من التًبيب»(3) . ومنه قوله تعالى ﴿ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَربُوَ فِی أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِندَ اللِّه وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللِّه فَأُوْلَئِكَ هُمُ الُمضْعِفُونَ﴾(4) ، قال الفراء: « لِيْربُو قرأها عاصم والاعمش ويحيى بن وثاب بالياء ونصب الواو. وقرأها أهل الحجاز (لِتَربُوَ) أنتم. وكل صواب ومن قرأ (ليَربوَ) كان الفعل للرِّبا. ومن قال (لتُربُوا) فالفعل للقوم الذين خُوطِبوا. دلَ على نصبه سقوط النون ومعناه يقول: وماأعطيتم من شيء لتأخذوا اكثر منه فليس ذلك بزاك عند الله (ومااتيتم من زكاة تريدون) بها (وجه الله) فتلك تربو للتضعيف»(5)

ص: 236


1- ظ: العين (مادة ربو): 8 / 283
2- ظ: ديوانه: 3 / 1453
3- مقاييس اللغة: 2 / 483
4- الروم / 39
5- معاني القرآن: الفراء: 2 / 325 وظ: لسان العرب (مادة سهل): 3 / 1572

9) السَّهل:

جاء هذا اللفظ ثماني مرات في النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

سَهْلٍ 3 مرات فَعْلٍ

سهلك مرة فعلك

سهلها مرتان فعلها

سهول مرة فعول

سهولها مرة فعولها

ليدل على:

1) المعنى الحقيقي: فجاء على زنة (فَعْل): « وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الَحرَامَ،وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ، بَينْ جَنَّات وَأَنْهار، وَسَهْل وَقَرَار، جَمَّ الأشجار، دَانِی الِّثمارِ، مُلْتَفَّ الْبُنَى، مُتَّصِلَ الْقُرَى»(2) . فلو أراد أن يضع بيته بین هذه الأمكنة الحسنة ذات بهجة ونضارة لكان قادراً، لكنه خلاف الوجه الأصلح للأختبار والبلوى(3) .

10) الصَّعيد:

ورد هذا اللفظ مرة واحدة، ليدل على معنى حقيقي، مجموعاً جمعاً مؤنثاً سالما، وذلك في قوله عليه السلام في خطبة ينصح أصحابه قائلاً: « وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ ص: 237


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 966
2- نهج البلاغة: خ 192 ، 213
3- ظ: منهاج البراعة: 11 / 290

مِّما طُوِيَ عَنْكُمْ غَيْبُهُ، إِذاً لَخرَجْتُمْ إِلَی الصُّعُدَاتِ، تَبْكُونَ عَلىَ أَعْمَالِكُمْ، وَتَلْتَدِمُونَ عَلىَ أَنْفُسِكُمْ»(1) . وهو وجهُ الأرض قلً أو كثر. الأرض، وتيمَمَ الصًعيد، مستوية.

وقال زائدة: الصًعدة الأتان، والجمع صِعاد وصَعَدات(2) .

الصاد والعین والدال أصل صحيح يدلُّ على إرتفاع ومَشَقة. من ذلك الصٌعود خلاف الحِدور. ويقال: صَعِد يَصْعَد. والإصعاد: مقابلة الحدور من مكان أرفع.

والصًعود: العقبة الكؤود، والمشقة من الأمر، وأما الصٌعُدات فهي الطُرق، والواحد صَعِيد، ويقال: صَعِيد وصُعُد وصُعُدات، وهو جمع الجمع(3) .

وقال الرَّسول (صلى الله عليه وآله وسلَّم): « إياكم والقعود بالصًعدات إلا من أدى حَقًها»(4) .

الصُعُد بضمتین: جمع صَعُود وهو خلاف الهبوط وهو بفتحتين خلاف الصًبب، والصًعِيدُ: الأرض المرتفعة من الأرض المنخفظة، وقيل: مالم يخالطه رمل ولاسبخة، وقيل: وجه الأرض، لقوله تعالى: ﴿ فَعَسَى رَبِّ أَن يُؤْتيِن خَيْرا مِّن جَنتَّكِ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّماَء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾(5) .

وقيل: هي الأرض الطيبة، أو كلُّ ترابٍ طيبٍ، قال تعالى﴿ يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي

ص: 238


1- نهج البلاغة: خ 11 6 ، 123 ، والصُعُدات بضمتين جمع صعيد بمعنى:الطريق
2- ظ: منهاج البراعة: 8 / 78
3- ظ: مقاييس اللغة: 3 / 287
4- ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 516
5- الكهف / 40

سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَ أَوْ عَلَ سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّه كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾(1) .

. قال الشافعي: لايقع اسم صعيد إلاَّ على تراب ذي غبار، فأما البطحاء الغليظة والرقيقة والكثيب الغليظ فلا يقع عليه اسم صعيد، وإن خالطه تراب أو صعيد أو مَدَر يكون له غبار كان الذي خالطه الصًعيد»(2) .

11) الصِّلْصَّال:

ورد هذا الاسم في كلام الامام علي عليه السلام مرتين، ليدل على:

1) المعنى الحقيقي، وذلك في قوله في صفة خلق ادم: « وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهمْ، في الاْذْعَانِ بالسُّجُودِ لَهُ، وَالخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ، فَقَالَ عزَّمِن قائِل: اسْجُدُوا لِادَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ وَقَبِيلَهُ، اعْتَرتْهمُ الحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ، وَتَعَزَّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنُوا خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ تَعالَ النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ»(3) .

استحقاقا: مفعول لاجله نكرة وعامله الفعل أعطى.

وجاء الفعل (صَلْصَّلَت) في قوله: « ثُمَّ جَمعَ سُبْحَانَهُ مِنْ حَزْنِ الأرض وَسَهْلِهَا، وَعَذْبِها وَسَبَخِهَا، تُرْبَةً سَنَّهَا بالمَاءِ حَتَّى خَلَصَتْ، وَلاَطَهَا بِالبَلَّةِ حَتَّى لَزَبَتْ فَجَبَلَ مِنْها صُورَةً ذَاتَ أَحْنَاء وَوُصُول، وَأَعْضَاء وَفُصُول: أَجْمدَهَا حَتَّى اسْتَمْسَكَتْ،

ص: 239


1- نهج البلاغة: خ 1، 10
2- النساء / 43 والمائدة / 8
3- ظ: لسان العرب (مادة صلَّ): 4 / 2446

وَأَصْلَدَهَا حَتَّى صَلْصَلَتْ»(1) .

فجعلها جامدة بعد ما كانت رطبة لينة فصارت لها إستمساك وقوام، فجعلها متينة فصارت صلصالاً يابساً يسمع صوتها في النقر كصلصلة الحديد، فحصول الصّلصالية بعد الصلود فالنتن يرتفع بحصول الجمود(2) .

وقيل: الصّلصَّال هو المُنْتَن من قولهم صَلَّ اللحم وأصله إذا أنتن. وقيل هو الطَّین اليابس الذي يُصلصَل وهو غير مطبوخ، واذا طبخ فهو فخار، وقيل اذا توهمت في صوته مداً فهو صليل، واذا توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة، ولاطها بالبلة أي خلطها بالرطوبة ومزجها بها(3) .

12) الطِّين:

تكرر هذا اللفظ في خمسة مواضع من النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي:(4) .

اللفظ مرات وروده وزنه

طينِة مَرة فِعْلَة

طينِ مٍرتان فعلٍ

طينِهمِ مرة فِعِلِهِم

طينيُ مرة فعِلُ

ص: 240


1- خ 1، 10
2- ظ: منهاج البراعة: 2 / 33
3- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 1 / 216
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1098

ليدل على معنى حقيقي، ورد المفرد منه على زنة (فِعلَة) منها في بيان صفة آدم:

« وَمَعْرِفَة يَفْرُقُ بِها بَينْ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، والاَذْوَاقِ والَمشَامِّ، وَالاْلوَانِ وَالاْجْنَاس، مَعْجُوناً بطِينَةِ الاْلوَانِ الُخْتَلِفَةِ، وَالاَشْبَاهِ المُؤْتَلِفَةِ، وَالاْضْدَادِ المُتَعَادِيَةِ، والاْخْلاطِ المُتَبَايِنَةِ»(1) .

ومراد الإمام (عليه السلام) بيان إختلاف أجزاء الإنسان ؛ فبعها أبيض، كالعظام وبعضه أحمر كالدَّم، وبعضه أسود كالشَّعر، ومثَّل إختلاف أجزائه كإختلاف أفراد نوعه، فمنهم الشَّقي والسَّعيد والخبيث والطَّيِّب(2) .

الطاء والياء والنون كلمة واحدة، وهو الطَّ ني، وهو معروف. ويقال: طيًنت البَيت، وطِنْت الكتاب. ويقال طانه الله تعالى على الخير، أي جبَله. وكأنً معناه من طِنت الكتاب، أي ختمته ؛ كأنه طبعه على الخير وختم أمره به(3) .

والواحدة منه طِينَة، وهو من الجواهر الموصوف بها، قال سيبويه في (باب ماينتصب لأنه قبيح أن يكون صفة) « فررت الى الرفع في قولك: بصحيفةِ طین خاتَمها ؛ لأن الطین اسم وليس مما يوصَف به، ولكنه جوهر يضاف إليه ماكان منه«(4) .

جعله صفة ؛ لأنه في معنى الفعل، كأنه قال لین خاتمها، وهذا قبيح أجري على غير صفته.

ص: 241


1- نهج البلاغة: خ 1، 10
2- ظ: منهاج البراعة: 2/ 43
3- ظ: مقاييس اللغة: 3 / 437
4- ظ: الكتاب: 2 / 117

قال تعالى: ﴿ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّزِبٍ﴾(1)

والطین هو التراب والماء المختلط وقد يسمى بذلك وإن زال عنه قوة الماء، ويقال:

طِنْتُ كذا وطَيًنْتُهُ(2) .

13) المَدَر:

تكرر في خمسة مواضع من النَّهْج، كما في الجدول الآتي:(3)

اللفظ مرات وروده وزنه

مَدَرُ،المَدَرُ 3 مرات فَعَل

مَدَرَاً مرة فَعَلاً

المَدْرَة مرة الفَعْلَة

ليدل على معنى حقيقي، منها قوله في شدة ظلم بني امية: « وَاللهِ لاَ يَزَالُونَ حَتَّى لاَ يَدَعُوا للهِ مُحرَّماً إِلاَّ اسْتَحَلُّوهُ، وَلاَ عَقْداً إِلاَّ حَلُّوهُ، حَتَّى لاَ يَبْقَى بَيْتُ مَدَر وَلاَ وَبَرإِلاَّ دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَنَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ»(4) تصدَّر الكلام بالقسم للتحقيق والتصديق، وبيت المَدر: مايعمل من الطین والجص في القرى والبلدان، وبيت الوَبَر: الخيم

ص: 242


1- الصافات / 11
2- ظ: لسان العرب (مادة طين): 4 / 2739 وظ: المفردات في غريب القران: 2 / 408
3- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1424
4- نهج البلاغة: خ 98 ، 100

والخباء المتخذ من الشعر والصوف والوبر في البوادي(1) ، فظلمهم شامل للجميع.

وقال (عليه السلام): « وَاللهِ لَوْ تَظَاهَرَتِ الْعَرَبُ عَلىَ قِتَالِ لَما وَلَّيْتُ عَنْهَا، وَلَوْ أَمْكَنَتِ الْفُرَصُ مِنْ رِقَابِهَا لَسَارَعْتُ إِلَيْهَا، سَأَجْهَدُ فِ أَنْ أُطَهِّرَ الأرض مِنْ هذَا الشَّخْصِ الَمعْكُوسِ، وَالِجسْمِ الَمرْكُوسِ، حَتَّى تَخرُجَ الَمدَرَةُ مِنْ بَيْن حَبِّ الَحصِيدِ»(2) ، فأشار الى وجود معاوية بین المسلمين كوجود المدرة بين حب الحصيد يوجب الفساد ويضل العباد. والمَدْرَة: قطعة الطِّین.

قطَع طین يابس، الواحدة مَدَرة والمَدْرُ: تطيينك وجه الحوض بالطین الحر لئلا ينشف الماء. والممْدرة: موضع فيه طین حر يستعد لذلك. والمِدْرار: المطر الغزير الدِّيمة(3) .

الميم والدال والراء أصل صحيح يدلُّ على طین متحبب، ثم يشبه به. فالمدر معروف، والواحدة مَدَرَة، وربما قالوا: سميت البلدة مَدَرَة(4) ، ومَدَرَة الرجل:

بيته، وبنو مَدْراء: أهل الح رض، وقول عامر للنبي (صلى الله عليه واله وسلم):

« لنا الوبر، ولكم المدر، إنما عنى به المدن او الحضر، لأن مبانيها إنما هي بالمدر، وعنى بالوبر الأخبية، لأن ابنية البادية بالوبر(5) .

وسمَّى ابن جني في كتاب الخصائص باب (ترك الأخذ عن أهل المدر كام أخذ

ص: 243


1- ظ: منهاج البراعة: 7 / 110
2- نهج البلاغة: ك 45 ، 314
3- ظ: العين (مادة مدر): 4 / 127
4- ظ: مقاييس اللغة: 5 / 305
5- ظ: لسان العرب (مادة مدر): 6 / 4159 وظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 862

عن أهل الوبر)، لما عرض لهم من الاختلال والفساد واللحن ؛ فيقول: «علة امتناع ذلك ماعرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الإختلال والفساد والخطل. ولو علم أنَّ أهل مدينة باقون على فصاحتهم ولم يعترض شيء من الفساد لغتهم لوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر»(1) .

14 ) المِهَاد:

ورد في كلام الامام علی عليه السلام اثنتا عشرة مرة، وهو واضح في الجدول الآتي:(2)

اللفظ مرات وروده وزنه

مَهَدَ مرة فَعَلَ

يَمْهَدُوا مرة يَفْعَلُوا

يَمًهًد مرة يَفْعَل

إمْهَدْ مرة إفْعَلْ

إمْهَدُوا مرة إفْعَلُوا

الِهَاد، مِهَاد اربع مرات الفِعَال

مِهَادَاً مرة فِعَالاً

مَماهِدِ مرة مَفاعِل

المُمَهًدَةِ مرة المُفَعًلَةِ

ص: 244


1- الخصائص: 2 / 7
2- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1446

ويدل على:

1 المعنى المجازي، فجاء الفعل الماضي من مادة مهد على زنة (فَعَلَ) مرة واحدة وذلك في قوله عليه السلام: « فَلَماَّ مَهَدَ أرضهُ، وَأَنْفَذَ أَمْرَهُ، اخْتَارَ آدَمَ(عليه السلام)، خِيرَةً مِنْ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُ أَوّلَ جِبِلَّتِهِ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وَأَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ، وَأَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيَما نَهاهُ عَنْهُ...»(1)

ف(مَهَدً) جعلها مهاداً، فلَّما خلقها بحيث يسهل على العباد التصرف فيها بالقعود والقيام بالزِّراعة وسائر جهات المنفعة أنفذ أمره في خلق آدم، أو جعلها مَهْداً: فالمَهْد إستعارة للأرض؛ لتشبيهها بمَهْد الصَّبي في كونه محلاًللرَّاحة والنَّوم.(2) .

وجاء الإسم (مِهَاد) على زنة (فِعَال) أربع مرات منها قوله: « الَحمْدُ للهِ الَمعْرُوفِ مِنْ غَيرْ رُؤْيَة، الَخالِقِ مِنْ غَيرْ رَوِيَّة، الَّذِي لَم يَزَلْ قَائِماً دَائِماً ; إِذْ لاَ سَماَءٌ ذَاتُ أَبْرَاج، وَلاَ حُجُبٌ ذَاتُ إِرْتَاج، وَلاَ لَيْلٌ دَاج، وَلاَ بَحْرٌ سَاج، وَلاَ جَبَلٌ ذُوفِجَاج، وَلاَ فَجٌّ ذُواعْوِجَاج، وَلاَ أرض ذَاتُ مِهَاد»(3) إشارة الى خلق الأرض وجعلها مِهَادا لمَّا خلقمن الحيوان(4) .

و الجمع مَمَاهِد على زنة (مَفَاعِل) ورد مرة واحدة في: « مُسْتقَرُّهُ خَيْر مُسْتقَرٍّ، وَمَنْبِتُهُ أَشْرفُ مَنْبِت، فِی مَعَادِنِ الْكَرَامَةِ، وَمَماهِدِ السَّلَامَةِ»(5) .

ص: 245


1- نهج البلاغة: خ 91 ، 91
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 2 / 391
3- نهج البلاغة: خ 90 ، 81
4- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 280
5- نهج البلاغة: خ 96 ، 98

والمَهْدُ: موضع يُهيَأ لينام فيه الصَّبي. لذلك وضع الله الأرض مِهادا للعباد(1) .

الممهدة: الامم الماضية»: وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً، فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الُمشَيَّدَةِ، وَالنَّمارِقِ الُممَهَّدَةِ، الصُّخُورَ وَالاْحْجَارَ الُمسَنَّدَةَ»(2) ، والمُمَّهَدة: المفروشة

و» الميم والهاء والدال كلمة تدلٌ على توطئة وتسهيل للشيء. ومنه المَهْد.

ومهًدْتُ الامرَ: وطًأته. وتَهًد: تَوطًأ والمِهاد: الوِطاء من كل شيْ»(3) .

النَجْد:

تكرر هذا اللفظ ثلاث مرات في النَّهْج، وهو موضح في الجدول الآتي:(4)

اللفظ مرات وروده وزنه

نَجْدَهُ مرة فَعْلَة

النٍجَاد مرة الفِعال

نِجَادُنا مرة فِعَالُنا

ودلَّ على:

1) المعنى الحقيقي، فجاء (نجد) متصلاً بضمير الغائب (الهاء) في قوله: « وَنَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصرِ أَمَدَهُ، وَيَعْرِفُ غَوْرَهُ وَنَجْدَهُ. دَاع دَعَا، وَرَاع رَعَى، فَاسْتَجِيبُوا

ص: 246


1- ظ: العين (مادة مهد): 4 / 30
2- نهج البلاغة: خ 226 ، 256
3- مقاييس اللغة: 5 / 280
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1462

لِلدَّاعِي، وَاتَّبِعُوا الرَّاعِيَ»(1)

أتى الامام بالمتضادات (غوره، نجده) منخفضه ومرتفعه، ويعني به طريقا الخير والشر، ويعني به النازلین دركات الجحيم من النجد. و(داعٍ، راع) والدَّاعي هو الرسول (صَلىَّ الله عليه وآله وسلم)، والرَاعي هوالإمام (عليه السّلام)، فامر بالاستجابة للاول والاتباع للثاني (دعا، رعى).

وقوله عليه السلام: « الَحمْدُ لله خَالِقِ الْعِبَادِ، وَسَاطِحِ الِوهَادِ، وَمُسِيلِ الْوِهَادِ، وَمُخصِبِ النِّجَادِ»(2) الساطح: الباسط، المهاد: الأرض، والوهاد: المكان المطمئن، النجاد: جمع نجد المكان المرتفع فلفظ (العباد): مشتمل على من في السموات والأرض، والمهاد: خلق الأرض ومخصب النِجاد ايجاده لسائر ماينتفع به الخلق في الدنيا ومخصب النجاد: اشارة الى ايجاده سائر ماينتفع به الخلق في الدنيا(3)

والخصب بعكس القحط. نلاحظ ايراد الامام (عليه السلام) للفواصل أو السجع بكلمات انتهت بحرف الدال (العباد، المهاد، الوهاد، النجاد) وسبقت كلها بصيغة اسم الفاعل (خالق، ساطح، مسيل، مخصب) وتعود اليه (عز وجل).

وجاء الإمام بصيغة المصدر الدال على طلب الدعاء (سقيا) في خطبة الاستسقاء قائلاً: » اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِها نِجَادُنَا، وَتَجرِي بِها وِهَادُنَا، وَيُخصِبُ بِها جَنَابُنَا وَتُقْبِلُ بِها ثِمَرُنَا»(4) .

ص: 247


1- نهج البلاغة: خ 154 ، 153
2- خ 163 ، 165
3- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 278
4- نهج البلاغة: خ 115 ، 121

والنجاد: ماارتفع من الأرض، والوِهاد: ماانخفض من الأرض، والجناب الناحية وكلها اتصلت بضمير المتكلمین (نا)، والمعنى اللهم (اسقنا سقياً منك)، فحذف الفعل لدلالة الكلام عليه، ثم علل هذه السقيا بالجملة الفعلية (تعشب به نجادنا، وتجري به وهادنا، ويخصب به جنابنا، وتقبل به ثمارنا) ؛ فجواب الأمر جاء بالفعل(تُعْشِب)، وهو فعل مضارع يدل على الحال والحدوث والتجدد.

النًجْدُ: ماخالف الغور. وأنجد القوم صاروا ببلاد نجد. وكل شرف من الأرض استوى ظهره فهو نجد، ويجمع على أنجاد، وأنجد والجماعة النجادُ، والنِّجادُ في مثل هذه الصفة أرض فيها ارتفاع وصلابة(1).

فالنون والجيم والدال أصل واحد يدلُّ على اعتلاء وقوة وإشراف. ومنه النًجْد:

الرجل الشجاع. وهو ماعلا من الأرض(2) .

وهي قفاف الأرض وصلابتها وماغلظ منها وماأشرف وأرتفع وأستوى، ولايكون النِّجاد إلا قُفاً او صلابة من الأرض في إرتفاع، وقال الأخفش: نُجُدٌ لغة هذيل خاصة يريدون: نَجْداً ويروى النُجٌد جمع نَجْدَاً على نُجْدٍ، جعل كل جزء منه نَجْدَاً(3) .

ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾(4) .

واختلف في (النَجْدِين) ؛ فقيل: هما طريقا الخير والشر،الطريقین الواضحین،

ص: 248


1- ظ: العين (مادة نجد): 6 / 83 - 84
2- ظ: مقاييس اللغة: 5 / 392
3- ظ: لسان العرب (مادة نجد): 6 / 4345
4- البلد / 10

والنجد المرتفع من الأرض(1) .

وقيل: هما ثديا الأم بدليل قوله السابق للآية: ﴿ أَلَم نَجْعَل لَّهُ عَينْيَن ۞ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْن﴾(2)

ورجح استاذنا د. عائد كريم الحريزي هذا الرأي قائلا: « يرى جمهورالمفسرين أن النجدين هما (طريقا الخير والشر) وهو مايدرسونه في المدارس عامة، وحتى الجامعات، ويذهب بعضهم على استحياء - أنهما ثديا الام، وأنا اميل الى هذا الرأي، وأرجحه بل وأجزم به»(3) .

والعرب تقسم وتقول:: ونَجدَّي أمّي.

ثم يذكر اسباب هذا الترجيح منها سياق الآيات السابقة عن الولادة وبداياته ولاسيما زمن الرضاعة، وقد ذكر اللسان والشفتين، وكلاهما يستعملهما الطفل في الرضاعة ولايستعملهما في السير، فضلاًعن ان الله لا يهدي الى الشر بل ينهى عنه(4) .

ص: 249


1- ظ: معاني القرآن: الفرّاء: 3 / 264 وظ: معاني القرآن: الزجّاج: 4 / 329
2- البلد / 8 - 9
3- من لطائف القرآن الكريم: 88 - 91
4- ظ: من لطائف القرآن الكريم: 88 - 91

16) الوادي:

تكرر هذا اللفظ في ثماني مواضع من النَّهْج، وهو موضح في الجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

واد مرتان فاعٍ

الأودية مرتان الأفعلة

أوديته مرة أفعلته

أوديتها مرتان أفعلتها

وَدِيًة مرة فعية

ودلَّ على معنى حقيقي فورد مفرداً (وادٍ) في ذكر الموت قائلاً: « نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ، وَأُخْرَى مُهْمَلَةٌ، قَدْ أَضَلَّتْ عُقُولَها، رَكِبَتْ مَجهُولَها، سُروحُ عَاهَة بِوَاد وَعْث، لَيْسَ لَها رَاع يُقيِمُهَا، وَلاَ مُسِيمٌ يُسِيمُهَا»(2) فالوَعْث: الرخو: يصعب السير فيه(3) ، ولكونه اسم منقوص حذفت منه الياء وهو في حالة الجر. وجمعا على زنة (الأفعلة)، وهو جمع قلة في صفات بيته الحرام: « ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الأرض حَجَراً، وَأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَرَاً، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الاْوْدِيَةِ قُطْراً، بَيْن جِبَال خَشِنَة، وَرِمَال دَمِثَة»(4) .

ووردت لفظة الوادي مضافا الى الضمائر (هِ،) وتعود الى الله او للسيل ؛وذلك في قوله (عليه السلام): في فتنة بني امية: « وَلَ تَثبْتْ عَلَيهْ أكَمَةٌ، وَلَم يَرُدَّ سَننَهَ رَصُّ طَوْد،

ص: 250


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1569
2- نهج البلاغة: ك 31، 298
3- ظ: نهج البلاغة: تح: فارس الحسون: 644
4- خ 192 ، 231

وَلاَ حِدَابُأرض، يُذعْذِعُهُمُ اللهُ فِی بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ»(1) .

ف(بطون الأودية): كناية عن مسالك الإختفاء. فإنَّ اللهَ ينزل من السماء ماءاً فيكنه في أعماق الأرض فيظهره ينابيع على سطحها، كذلك حال هؤلاء القوم يفرقهم الله في بطون الأودية وغوامض الأرض، ثم يظهرهم بعد الإختفاء، فيأخذ بهم من قوم حقوق آخرين، ومصداق هذا الخبر أمر الشيعة الهاشمية واجتماعها على إزالة ملك بني أمية ممن كان منهم ثابتا على ولاية الإمام ومن حادَ عنها(2) . والوادي: كل مفرج بین جبال واكام وتلال، يكون مسلكاً للسيل او منفذاً، والجميع الأودية، على تقدير فاعل وافعلة، وانما جاءت هذه العلة لإعتلال آخره، وكذلك نادٍ وأندية(3).

ص: 251


1- خ 166 ، 173
2- ظ: منهاج البراعة: 10 / 85
3- ظ: العين (مادة ودى): 8 / 99

المبحث الثاني:الألفاظُ التي تدلُّ على الأعمال الزراعية ومايتعلق بها في نهجِ البلاغةِ

1) الحَرْثُ:

ورد هذا اللفظ اثنتي عشرة مرة في النَّهْج، وهو موضح في الجدول الآتي(1) :

اللفظ مرات وروده وزنه

حَرْثٌ 3 مرات فَعْل

حَرْثِهِ مرة فَعْلِةِ

حارث 6 مرات فاعل

حَرثَةِ مرة فَعلةِ

حَرَثَتِهِ مرة فَعَلَتِهِ

ليدل على:

1) الحَرْث الحقيقي (المادي): ويعني تهيئة الارض لزراعتها، ورد مرة واحدة في كلام الامام: في بيان خلقة الجرادة: « يَرْهَبُهَا الزُّرَّاعُ فِی زَرْعِهمْ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ذَبَّها، وَلَوْ أَجْلَبُوا بِجَمْعِهِم، حَتَّى تَرِدَ الَحرْثَ فِی نَزَوَاتِها،وَتَقْضيِ مِنْهُ شَهَوَاتِها، وَخَلْقُهَا كُلُّهُ

ص: 252


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 678

لاَ يُكَوِّنُ إِصْبَعاً مُسْتَدِقَّةً»(1) ، ف(حتى) بمعنى: الى ان، الى ان ترد الزرع في وثباتها مبادرة اليه

2) الحَرْث المجازي: العمل للدُّنيا والآخرة، جاء الحًرْث في كلام الإمام علی (عليه السَّلام) ليدل على المَّال والبنین والعمل الصالح، مايصنع لينتفع به، فجاء (مرفوعا على كونه خبرا، ومجرورا، واسم فاعل، واسما منادى) فجاء المصدر منه مفردا معرفا بالاضافة نحو» حرث الدنيا» و» حرث الاخرة» واسما علما ك» عبيدة بن الحارث» مالك بن الحارث ؛ ومنادى ك» ياحارث»، فالمصدر منه وقع

1. أ) خبرا مرفوعا ل(إنً) المشبهة بالفعل مضافا الى الدنيا والآخرة: قال في معرض حديثه في تهذيب الفقراء: « إِنَّ المَالَ وَالبَنِین حَرْثُ الدُّنْيَا، والعَمَلَ الصَّالِحَ حَرْثُ الاْخِرَةِ»(2) ، ونجد التقابل الدلالي بین حرث الدنيا (المادي) وهو هنا المال والبنون، وحرث الآخرة (المجازي) وهو العمل الصالح.

1. ب) اسما مجرورا مسبوقا بحرف الجر (الى) الذي يدل على إنتهاء الغاية المكانية، وكلاهما مسبوقا بالفعل المبني للمجهول (دُعِيَ) مما يدل على كون الدعوة عامة شاملة غيرمحددة لعالَ معین، قال في حديثه عن صفة العالِم: « ان دُعِيَ الى حَرْثِ الدٌنيا عَمِل، وان دُعِيَ الى حَرْثِ الاخرة كَسِل ! كأنً ماعَمِل له واجب عليه، وكأنً ماوَنَى فيه ساقِط عنه»(3) .

قابل تقابلا ضديا بين معانٍ: (حرث الدنيا وحرث الآخرة، عمل وكسل، ماعمل وماونى) وهما صورتان مختلفتان، قال د. أحمد مطلوب: « إنَّ في مقابلة الأضداد يبرز

ص: 253


1- نهج البلاغة: خ 185 ، 197
2- خ 23 ، 28
3- خ 103 ، 104

المعنى وقد قيل والضد يظهر حسنة الضد»(1) .

فاستعار لفظ الحَرْث لأعمال الدنيا وأعمال الآخرة، ووجه المشابهة كونها مستلزمة للمكاسب الآخروية والدنيوية كما أنَّ الحرث كذلك، ثم شبًه ماعمل له من حرث الدنيا بالواجب عليه في مبادرته اليه ومواظبته عليه، وشبه ماقصر عنه من حرث الاخرة بالساقط عنه فرضه في تكاسله وقعوده عنه مع ان الامر منه ينبغي ان يكون بالعكس(2) .

ورد اسم الفاعل (حارث) الذي يدل على من قام بصفة الحرث، منكرا مجروراً مسبوقا ب(كل) وهي من الأسماء الملازمة للاضافة التي دلت على عموم وشمول كل من مارس صفة الحرث (للزراعة) ؛ لكنه استثنى بالاسم (غير) حرثة القران، لنتأمل قوله في فضل القران: « ألا إنً كُلً حَارثٍ مُبْتَلى في حَرْثِهِ وعاقبةِ عملِهِ، غيرَ حَرَثَةِ القرانِ، فكونوا من حَرَثَتِهِ وأتْبَاعِهِ»(3) . ف(حارث) اسم فاعل سبق ب(كل) الملازمة للإضافة، ويعني بالحَرث هنا الكَسْب، فحَرَثة على زنة (فَعْلَة) جمع كثرة، وهو اسم معرفة ويقصد به العاملین به أو المتاجرين به، وأهل درسه، والمسهرين لياليهم في تلاوته فلا تلحقهم البلوى والإمتحانات، بل هم في أمان(4) .

و(حَرَثَة) على زنة (فَعَلَةِ) جمع قلة ل(حارث) مضاف مجرورسُبِق ب(غير) الإستثنائية، والحَرَثة هم مستثيروا دفائنه وكنوزه، والإستثناء تام متصل موجب، والإبتلاء: الإمتحان أو ما يلحق النفس على الأعامل وعواقبها من الخروج من

ص: 254


1- بحوث بلاغية: 138
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 20
3- نهج البلاغة: خ 176 ، 182
4- ظ: الديباج الوضي: 4 / 1496

العذاب بقدر الخروج فيها عن طاعة الله، وظاهر أنَّ حَرْثُ القرآن والبحث عن مقاصده لغاية الإستكمال به بريء من لواحق العقوبات، وقد حثهم على أن يكونوا من حرثته وأتباعه ويتخذوه دليلا قائدا إلى ربهم(1) .

الإحتراث من الزًرع، ومن كَسْب المال، والحَرْث: قذفك الحَبً في الأرض، والإحْراث: هُزْل الخَيْل، يقال: أحرثنا الخيل وحرثناها(2) .

ف» الحاء والراء والثاء اصلان متفاوتان: احدهما الجمع والكَسْب، والاخر أن يُهزَل الشيء فالاول الحَرْث، وهو الكَسْب والجمع، وبه سمي الرجل حارثا. وفي الحديث: « احرث لدنياك كأنك تعيش ابدا، واعمل لاخرتك كأنك تموت غدا».

ومن هذا الباب حرث الزًرع. والمرأة حرث الزًوج»(3) .

والحَرْث والحِراثَة: العمل في الأرض زرعا كان أو غرسا، وبه فسر الزجًاج قوله تعالى ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِی هِذِهِ الَديَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِّر أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللُّه وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾(4) .

وفي الحديث» إعمل لدُّنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، فخالف بین اللفظین، فيما فسر ابن الأثير ذلك قائلا: « والظاهر من لفظ هذا الحديث:أمَّا في الدنيا فللحث على عمارتها، وبقاء الناس فيها ؛ حتى يسكن فيها وينتفع بها من يجيء بعدك، كام انتفعت انت بعمل من كان قبلك وسكنت فيما عمره، فان الانسان

ص: 255


1- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 331
2- ظ: العين (مادة حرث): 3 / 205
3- مقاييس اللغة: 2 / 49
4- ظ: لسان العرب (مادة حرث): 2 / 820 علمًا أن الآية الكريمة الواردة آل عمران / 117

اذا علم انه يطول عمره أحكم ما يعمله وحرص على ما يكسبه،

وأمَّا في جانب الآخرة فانه حث على إخلاص العمل، وحضور النِّية والقلب في العبادات والطَّاعات، والإكثار منها، فإنَّ مَنْ يعلم أنَّه يموت غداً يكثر من عبادته ويخلص في طاعته»(1) .

2) الحَصْدُ:

تكرر هذا اللفظ في عشرة مواضع من النَّهْج، وهوموضح في الجدول الآتي(2) :

اللفظ مرات وروده وزنه

حَصَدوا مرة فعلوا

احْتصَد مرتان افتَعل

يحُصَد مرة يُفعَل

تَحْصُدُ مرة تَفْعُلُ

احصدِ مرة افعلِ

الحصيد 3 مرات الفعيل

محصودة مرة مفعولة

وهو على نوعين:

1) الحصاد الحقيقي (المادي): قال في (فتنة بني امية): « تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الاْدِيمِ،

ص: 256


1- النهاية في غريب الحديث والأثر: 196
2- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 694

وَتَدُوسُكُمْ دَوْسَ الَحصَيدِ»(1) ، ف(الأدِيم، الحَصِيد) على زنة فَعِيل، و(تَعرُك، تَدوُس) على زنة (تَفْعُل) وهما يدُّلان على القسوة والإهانة والتحقير ؛ فاستعار لفظ الدَّوس ؛ لاهانتهم له، وشبهه بدوس الحصَّيد، وأشار الى استقصاء أهل تلك الضلالة عن المؤمن ني. فتدقهم دق الزرع المحصود المقطوع، وهو منتهى ذلتهم(2) .

2) الحصاد المجازي: تكرر في كلام الإمام (عليه السلام) في مواضعٍ. منها ورود الفعل الماضي متصلا بجماعة الغائبين في قوله: « زَرَعُوا الفُجُورَ، وَسَقَوْهُ الغُرُورَ، وَحَصَدُوا الثُّبُورَ»(3) ، ويعني ب(الغرور: الغفلة، وبالثبور: الهلاك) والقياس نسبة الشيَّء الى الشيَّء وإلحاقه به في الحكم(4) .

وجاء المضارع منه على زنة (يُفْعَلُ) المبني للمجهول في قوله (عليه السلام): « وَعَنْ قَلِيل تَلْتَفُّ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ، وَيُحصَدُ الْقَائِمُ، وَيُحطَمُ الْمَحْصُودُ»(5) .

فيُحْصَدُ القائِمُ: ما بقي من الصلاح قائامً يُحصَد، ويُحطَمُ المَحْصُودُ: ما كان قد حُصِد يحطم ويهشم. والتفاف القرون كنى به الإمام (عليه السلام) عن اشتباك قوادالفتنة وأهل الحق كأشتباك الكباش بالقرون عند النطاح كنى بالتفاف بعضهم ببعض عن اجتماعهم في بطن الأرض، واستعار لهم لفظ الحَصْد والحطم لمشابهتهم الزرع يحصد قائمه ويحطم محصوده فكنى بحصدهم عن موتهم ومحصودهم عن فنائهم

ص: 257


1- نهج البلاغة: خ 108 ، 110
2- ظ: منهاج البراعة: 7 / 244
3- نهج البلاغة: خ 2، 13
4- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 327
5- نهج البلاغة: خ 101 ، 103

وتفرق أوصالهم في التراب(1) ، والكناية هنا عن قتل الأمراء من بني أمية في الحرب المأسورين منهم صبرا، فحصد القائم قتل المحاربة، وحطم الحصيد: القتل صبرًا، وقال «سَأَجْهَدُ فِی أَنْ أُطَهِّرَ الأرض مِنْ هذَا الشَّخْصِ الَمعْكُوسِ، وَالِجسْمِ الَمرْكُوسِ، حَتَّى تَخرُجَ الَمدَرَةُ مِنْ بَینْ حَبِّ الَحصِيدِ»(2) .

فيطهرُ المؤمنین من المخالفین فقداستعارالإمام لفظة (حصيد) لصغار اللؤلؤ لشبهه بما يحصد من الحنطة وغيرها وهي من الإستعارات القرآنية، واستعارة لفظ الضحك للأصداف، ووجه الشبه بينهما انفتاح الصَّدفتن وإسفارهما عن اللؤلؤ الشبيه بدوره بأسنان الإنسان حال الضحك، فهو مخلص المؤمنين من وجود معاوية بينهم ليزكو إيمانهم ويستقيم دينهم، فوجوده فيهم سببا لفساد عقائدهم. والامام في معرض المدح له تعالى تنبيها على كامل قدرته(3) .

ويطلق الحَصْدُ على جَزٌ البرُ ونحوه. وقتل الناس ايضا حَصْدٌ. والحصيدة:

المزرعة اذا حُصِدت كلها، والجميع الحصائد(4) .

ص: 258


1- ظ: منهاج البراعة: 7 / 140 اختلف شراح النَّهْج فيه وفيه اشارة الى عموم الباء (حصد القائم) كناية عن قتل القوى (وحطم المحصود) كناية عن استئصال الضعيف، ذهب البحراني الى القول بأنّه:كنى بالتفاف بعضهم عن اجتماعهم في بطن الأرض وكنى بحصدهم عن قتلهم او موتهم، وبحطم محصودهم فنائهم وتفرق أوصالهم في الراب، ذهب ابن ابي الحديد الى أنه: كناية عن الدولة العباسية التي ظهرت عى بني امية، وهو كناية عن قتل الأمراء منهم في الحرب، فحصد القائم قتل المحاربة، وحطم الحصيد قتلهم صراً، والتفافهم كناية عن جمعهم في موقف الحساب أو طلب بعصهم المظالم من بعض، وحصدهم: إزالتهم عن قيامهم وسوقهم الى النار
2- نهج البلاغة: ك 45 ، 314
3- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 5 / 107
4- ظ: العين (مادة حصد): 3 / 112

ف » الحاء والصاد والدال اصلان: احدهما قطع الشيء، والآخر إحكامه. وهما متفاوتان. فالأول حصدت الزًرع وغيره حَصْدا. وهذا زمن الحَصاد والحِصاد،....والحصائد جمع حصيدة، وهو كل شيء قيل في الناس باللسان وقُطِع به عليهم»(1) .

وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّماَء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الَحصِيدِ﴾(2) أي: ألقوا حَبُ البرُ المحصود. وأحصدَ البرُ: اذا أنى حصاده أي: حان وقت جزازه، والحِصاد: اسم البرُ المحصود وبعدما يُحصَد(3) ، وحصد واحتصد بمعنى واحد، والزًرْع محصود وحصيد وحصيدة وحَصَد، وحصاد كل شجرة: ثمرتها، والحصيد: المحصود فعيل بمعنى مفعول، والحَصِيد: أسافل الزًرع التي تبقى لايتمكن منها المنجل. وأحصد الزرع بالالف، و(استحصد) اذا حان حصاده فهو(مُحصِدٌ) و(مُسْتَحْصِدٌ) بالكسراسم فاعل و(الحَصِيدة) موضع الحصاد(4) .

3) الرَّعِي:

(5)

ورد هذا اللفظ في اثنين وسبعين موضعاً من النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي:

اللفظ مرات وروده وزنه

رَعَا مرة فَعَل

ص: 259


1- مقاييس اللغة: 2 / 71
2- ق / 9
3- ظ: لسان العرب (مادة حصد): 2 / 894
4- ظ: المصباح المنير: 138
5- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 873

رَعَيت مرة فَعَلت

أرْعى مرة أفْعل

اسْتَعَيت مرة اسْتَفعَلت

يُراعِي مرة يُفاعل

ارعِ مرة افعِ

ارعوا مرة افعلوا

رعيها مرة فعلها

رَعيهم مرة فَعلهم

رَعِيَّة مرة فَعِيَّة

رِعَاية 3 مرات فعالة

رعايته مرة فعالته

راع 3 مرات فاع

الرَّاعي مرة الفَّاعي

راعيها مرة فاعلها

رُعَاة مرة فُعَاة

رعاته مرتان فعاته

رعاته 4 مرات فعاته

المرعي مرة المفعل

المرعية مرة المفعلة

مُستَعى مرة مُستَفعل

ص: 260

الرَّعية 25 مرة الفعية

رَعِيتك 8 مرات فعيتك

رعيته 3 مرات فعيته

المَرعَى مرتان المفعل

مَرعَاه مرتان مفعله

رعيتي، رعاتها مرتان فعلتي، فعلتها

الرعايا، رعاتها مرة الفعايا، فعاتها

ليدل على:

1) معنى حقيقي، ومنه قوله (عليه السلام): « يَاأهل الْكُوفَةِ، مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلاَث وَاثنَتَینْ: صُمٌّ ذَوُوأَسْماَع، وَبُكُمٌ ذَوُو كَلاَم، وَعُمْيٌ ذَوُوأَبْصَار، لاَ أَحْرَارُ صِدْق عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلاَ إِخْوَانُ ثِقَة عِنْدَ الْبَلاَءِ ! تَرِبَتْ أَيْدِيكُمْ ! يَا أَشْبَاهَ الاْبِلِا غَابَ عَنْهَا رُعَاتُها !...»(1) ، وهو تشبيه تمثيل وهو تمثيل سلبي فقد تباطأ أهل الكوفة عن نصرة الحق فشبههم في تفرقهم ونفارهم واضطرابهم بالإبل التي غاب عنها رعاتها فلا من مهدٍ يهديها ولاحارس يرعاها، ووصفه هنا في غاية التقريع والتوبيخ بل ويتعدى الى الإقذاع الذي يصل الى الهجاء، فوصفهم بالابل تحقير لهم، وقد حطم الامام كل فرصة لهم في النجاة(2) ، والأصل في الجملة (غاب رعاتها عنها)، الا انه قدم الجار والمجرور للتأكيد.

وقال (عليه السلام) في أمر البيعة: « فَتَدَاكُّواعَليَّ تَدَاكَّ الاْبِلِ الهيمِ يَوْمَ وِرْدِهَا،

ص: 261


1- نهج البلاغة: خ 91 ، 93
2- ظ: اسلوب علي بن ابي طالب في خطبه الحربية: 322

قَدْ أَرْسَلَهَا رَاعِيهَا، وَخُلِعَتْ مَثَانِيهَا»(1) ، فصوَّر منظرهم وهم مقبلون عليه سراعا في جموعهم المتلاحقة والمتزاحمة بدون قائد او مرشد بمنظر قطيع ابل عطاش انطلقت يوم شربها الى مورد مائها بعد ان تركها راعيها(2) .

والرَعِّى في الأصل حِفْظُ الحيوان إما بغذائه الحافظ لحياته، وإما بذب العدو عنه. يقال: رَعَيتُه أي حِفِظته وارعيته جعلت له ما يرعى. والرٍعْى ما يرعاه والمَرعى موضع الرًعى، وقد جعل الرًعى والرٍعاء للحفظ والسياسة(3) .

وقوله: « يَا أيُّا النَّاسُ، مَتَاعُ الدُّنْيَا حُطَامٌ مُوبِىءٌ فَتَجَنَّبُوا مَرْعَاهُ !»(4) ، فشبَّه متاع الدنيا بالحطام ومعناه (المتكسر من الحشيش واليبس)، ووجه الشّبه حقارته، ومَرْعَاة: بقعة تُرعَى، كقولك مأسدة فيها الأسد.

وقال (عليه السّلام) في الموعظة وبيان قربه من الرسول (صلى الله عليه واله وسلم): «مَالي أَرَاكُمْ عَنِ اللهِ ذَاهِبِينَ، وَإِلَ غَيرْهِ رَاغِبِينَ ! كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِها سَائِمٌ إلَی مَرْعىً وبيّ»(5) . فالسَائم هو الراعي ومرعى اسم مكان على زنة (مَفْعَل) والوبي محل الوباء، والدوي محل الداء، وشبه بينهم وبین الأنعام لغفلتهم ونفوسهم الأمَّارة بالسُّوء القائدة الى المعاصي فهم كالرَّاعي القائد الى المرعى الوبي ولذّات الدنيا ومشتهياتها وهي محل الآثام التي هي مظنة الهلاك الآخروي(6) .

ص: 262


1- نهج البلاغة: خ 54 ، 50
2- ظ: بلاغة الامام علي: احمد محمد الحوفي: 109
3- المفردات في غريب القران: 1 / 26
4- نهج البلاغة: الحكم القصار: 367 ، 406 ، والوبي: الردي الذي يجلب الوباء
5- خ 175 ، 180
6- ظ: منهاج البراعة: 10 / 153

والمصدر منه رَعْيا. والرًعي: الكَلأ. والرًاعي يَرْعاها رعاية إذا ساسها وسرحها.

وكلُّ من وَلِ من قومٍ أمراً فهو راعيهم. والقوم رَعيًته.والرًاعي: السًائس، والمَرعِي:المَسوس. والجميع: الرِّعاء مهموز على فِعال رواية عن العرب، ويجوز على قياس أمثاله: راعٍ ورُعاة مثل داعٍ ودُعاة(1) .

فالراء والعین والحرف المعتل اصلان: احدهما المراقبة والحفظ، والاخر:

الرجوع. فالاول رَعيت الشيًء:: رَقَبتُه ؛ ورَعَيْته، اذا لاحَظْته. والراعي: الوالي، والجميع الرٍعاء، وهو جمع على فِعال نادر، ورُعاة ايضا، وراعيت الامر: نظرت إلام يصير(2) .

والرًعْيُ: مصدر رَعْى الكلأ ونحوه يرعى رَعْيا. والرًاعي يَرْعى الماشية أي يحوطها ويحفظها. والماشية تَرْعى: أي ترتفع وتأكل، وراعي الماشية: حافظها، صفة غالبة غلبة الاسم، والجمع رُعاة مثل قاض وقضاة، والرًعِيًة: الماشية الرًاعية او المرعِيًة، وفي التنزيل: « حتى يُصْدِرَ الرٍعاءُ » جمع الراعي، قال الازهري: واكثر ما يقال رُعاة للولاة، والرٌعْيان لراعي الغنم(3) ، ومنه قوله تعالى: ﴿ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِی ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّاوْلِی النُّهَى﴾(4) ، فقدم (سبحانه وتعالى) الأنفس على الرعاية ؛ لأنَّ الأزواج من النبات أعمُّ من الزرع، وكثير منه يصلح للإنسان في أول ظهوره مع أنَّ الخطاب لهم فناسب أن يقدموا، وهي الآية الوحيدة التي تقدمت فيها الأنعام على الأنفس، قدَّم الأنعام لأن انتفاعها مقصور على النبات، ولأن أكلها منه

ص: 263


1- ظ: العين (مادة رعى): 2 / 240
2- ظ: مقاييس اللغة: 2 / 408
3- ظ: لسان العرب (مادة رعى): 3 / 1677
4- طه / 54

مقدم، لأنها تأكله قبل أن يثمر، ويخرج سنبله(1) .

4) السَقْي:

ورد هذا اللفظ في كلام الامام علی (عليه السلام) أربع عشرة مرة، وهو واضح في الجدول الآتي(2) :

اللفظ مرات وروده وزنه

سقى مرة فعل

سَقَيْتُ مرة فَعَلْتُ

سُقُوا مرة فعوا

سَقَوه مرة فعوه

يَسْقي مرة يَفْعل

اسقنا 3 مرات افعنا

سُقْياً 3 مرات فُعْيَّا

سَقْيُهُ مرتان فعله

السًقَاء مرة الفَّعال

ودل على:

1) السقي المجازي: فلم يرد حاملا للمعنى الحقيقي، فوردت صيغة (السَقًاء) على زنة (فَعَّال) مثل: كِسَاء مايوضع فيه الماء واللبن من جلد الغنم ليخرج زبدة، في

ص: 264


1- ظ: فتح البيان: صديق حسن خان: 11 / 35
2- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 943

قوله (عليه السلام) في بيان خلق العالم: « ثُمَّ أَنْشَأَ سُبْحَانَهُ رِيحاً اعْتَقَمَ مَهَبَّهَا، وَأَدَامَ مُرَبَّها، وَأَعْصَفَ مَجرَاها، وَأَبْعَدَ مَنْشَاهَا، فَأَمَرَها بِتَصْفِيقِ المَاءِ الزَّخَّارِ، وَإِثَارَةِ مَوْجِ البِحَارِ، فَمَخَضَتْهُ مَخضَ السِّقَاءِ»(1) تشبيه أشار فيه الى شدة التحريك، وبيان لقدرة الله فهو قادر على تحريك الرياح وتصفيقها مع الماء.

وجاء فعل الأمر دالاً على طلب الدعاء: « اللَّهُمَّ فَاسْقِنَا غَيْثَكَ، وَلاَ تَجعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، وَلاَ تُهلِكْنَا بِالسِّنِينَ»(2) . والغَيثُ هوالمَطرُ النافعُ، وقد اختار الامام لفظ

(الغيث).

ف » السین والقاف والحرف المعتل أصل واحد، وهو إشراب الشيء الماء ومااشبهه.

تقول: سقيته أسقيه سَقيا، وأسْقيته، اذا جعلت له سِقيا. والسًقْي: المصدر. وكم سقِي أرضك، أي حظٌها من الشرب»(3) .

ويقال في الدعاء: سَقْياً لَهُ ورَعْياً، وسَقَّاه ورَعَّاه، وسَقَّيْتُ فُلاناً وأسْقَيْتُهُ، إذا قلت له: سَقَاك الله(4) .

السًقْى والسٌقيا أن يعطيه ما يشرب، والإسْقاء أن يجعل له ذلك حتى يتناوله كيف شاء فالاسقاء أبلغ من السًقي لأن الإسقاء هو أن تجعل له ما يُسْقى منه ويشرْب، ومنه قوله تعالى: ﴿ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْر وَإِسْتَبْرقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ

ص: 265


1- نهج البلاغة: خ 1، 8
2- خ 143 ، 142
3- مقاييس اللغة: 3 / 85
4- ظ: لسان العرب (مادة سقى): 3 / 2042

وَسَقَاهُمْ رَبُّهمْ شَرابًا طَهُورًا﴾(1) .

ويقال للنصيب من السًقْى: سَقْى ، وللأرض التي تسقى سِقىٌ لكونهما مفعولين كالنقض، والاستسقاء طلب السًقي أو الإسقاء(2) ، ويقال: تساقوا كأس الموت، وساقيته اياها من المجاز، كقولك مشرب الدم حمرة(3) .

5) الغَرْس:تكرر هذا اللفظ سبع مرات في النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي:

اللفظ مرات وروده وزنه

غُرِسُوا مرة فُعِلُوا

غَرْسَه مرتان فَعْلَه

غِراساً مرة فِعالاً

مَغْرَس مرة مَفْعَل

مَغْرِساً مرة مَفْعِلاً

مَغَارِس مرة مَفاعِل

ودلَّ على:

1) المعنى الحقيقي، فجاء على زنة (فِعَالاً) زمنُ الغَرس أو فسيل النخل، جاء

ص: 266


1- الانسان / 21
2- ظ: المفردات في غريب القران: 1 / 311
3- ظ: أساس البلاغة: 2 / 464

في قوله لِها يُعمَل في أمواله بعد انصرافه من صِفِّین: « وَيَشْترَطُ عَلىَ الَّذِي يَجعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَترْكَ الَمالَ عَلىَ أُصُولِهِ، وَيُنْقفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَهُدِيَ لَهُ،أَلاَّ يَبِيعَ مِنْ أَوْلاَدِ نَخِيلَ هذِهِ الْقُرَى وَدِيَّةً حَتَّى تُشْكِلَ أرضهَا غِرَاساً»(1) . ينبغي ألَّيباع من فسيلها شيء لتكمل غِراساً. فالنخلة قبل ان يشكل أرضها غير مستحكمة الجذع ولامشتدة لو قلع فسيلها ضعف جدا فلاتنتج، وإن قويت لم يكن عليها بقلع فسيلها كثير مضرة وذلك حین يشكل أرضها ويتكامل غراسها وتلتبي على الناظر(2) .

2) المعنى المجازي: فجاء على صيغة الفعل الماضي المبني للمجهول لكونهم معروفین وهم (بنو هاشمٍ) متصلاً بواو الجماعة في قوله: «بِنَا يُسْتَعْطَى الُهدَى، وَبِنَايُسْتَجْلَ الْعَمَى. إِنَّ الاْئِمَّةَ مِنْ قُرَيش غُرِسُوا فِی هذَا الْبَطْنِ مِنْ هَاشِم، لاَ تَصْلُحُ عَلَ سِوَاهُمْ، وَلاَ تَصْلُحُ الْوُلاَةُ مِنْ غَيْرهم»(3) ، والمراد بالبطن: بنو هاشم فكلُّ منهم يحمل هذا الكلام على من اعتقد امامته ولايصلح على سواهم، فلايكون الصَّلاح على يدِّ من سواهم(4) . فقد تصدر النص ب(إنَّ) التوكيدية المباشرة وأبناء هاشم هم من يصلحوا للخلافة والإمامة، وغرسوا معناه خرجوا من صلبه، واستعماله للفعل (غرسوا) ؛ لإحتمالية التصديق التي تمثل الفكرة.

والمصدر منه غَرسَاً وغِراسَاً، ف(غَرْسَا) على زنة (فَعْلاً وفِعَالاً) متصلاً بضمير الغائب في قوله: « فَماَ طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ

ص: 267


1- نهج البلاغة: ك 24 ، 282
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 4 / 360
3- نهج البلاغة: خ 144 ، 143
4- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 177

غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ»(1) ، فقد قابل بین (طابَ وخَبُثَ) و(حلت وأمرت) فكلُّ سقيٍ يتبعه غَرس ثمَّ ثَمَرٌ، استعار لفظ الغرس لزيادة الاعمال ونموها، ورشح الإستعارة بذكر الماء. فكنَّى به عن المادة القلبية والنيات بحركة النمو للنبات إنَّام تكون بالماء، فإختلاف المياه في الحلاوة والملوحة سبب لإختلاف استعداد النبات لطيب المغارس والثامر فام طاب سقيه: أي نصيبه من الماء طيب ثمارها، وأنواع لذَّاتها بحسب طيب مادتها من الإخلاص لله، وخبثها بخبث مادتها من الرِّياء وحبُّ الشهرة وتكون ثمرتها أمرُّ الثِّمار. اذ لا أمَّر مذاقاً من عذاب النار(2) .

وجاء اسما للمكان على زنة (مَفعَل) مفردا في قوله: « وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَصرْةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ، فَحَادِثْ أهلهَا بِالاْحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَاحْلُلْ عُقْدَةَ الَخوْفِ عَنْ قُلُوبِهمْ»(3) .

فقد إستعار الإمام لفظ (المَغْرِس) للبصرة، بوصفها محلا لنشوء الفتن الكثيرة، كمغرس الشَّجر من الأرض بوصفها محلا تنشأ فيه الفتن الكثيرة كمغرس الشَّجر من الأرض محل لنشوئه ونمائه(4) ، وزنة (مَفْعِل) في قوله في رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: « حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَ مُحمَّد (صلى الله عليه وآله)، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الَمعَادِنِ مَنْبِتاً، وَأَعَزِّ الاْرُومَاتِمغْرِساً، مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَجَبَمِنْهَا أُمَنَاءَه»(5) ، اذ وقع تمييزا وسبق باسمي التفضيل

(افضل) للمنبت

ص: 268


1- نهج البلاغة: خ 154 ، 153
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 237
3- نهج البلاغة: ك 18 ، 279
4- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 4 / 348
5- نهج البلاغة: خ 94 ، 97

و(أعز) للمغرس، واستعار لفظ المغرس لطينة النبوة ووجه الاستعارة ان تلك المادة منشأ لمثله كما أنَّ الأرض مغرس الشجر الطَّيب(1) .

و ورد الجمع من (مَغْرس) (مَغَارِس) على زنة (مَفَاعِل)، وهي صيغة منتهى الجموع في قوله(عليه السلام): « وَلَوْ أَرَادَ اللهُ سُبْحَانَهُ بأَنْبِيَائِهِ حَيْثُ بَعَثَهُمْ أَنْ يَفْتَحَ لَهمْ كُنُوزَ الْذِّهْبَانِ، وَمَعَادِنَ الْعِقْيَانِ، وَمَغَارِسَ الِجنَانِ، وَأَنْ يَحشرُ مَعَهُمْ طَيْر السَّماءِ وَوُحُوشَ الأرضينَ لَفَعَلَ»(2) .

و الغِراس: وقت الغرس، والمَغْرس موضعه، والغِراس: فسيل النًخل، والغَرْس: الشجر الذي يُغْرَس وجمعه أغْراس، والغِرس: جليدة رقيقة تخرج على رأس الولد اذا حُسًت افثاثت(3) .

«الغين والراء والسين اصل صحيح قريب من الذي قبله يقال: غرست الشجر غرسا، وهذا زمن الغراس. ويقال إن الغريسة: النخلة اول ماتنبت»(4) .

و الغَرْسُ: غرسك الشجر والغِراس: زمن الغَرْس، والفعل الغَرْس، والغِرَاس:مايغرس من الشجر والقضيب الذي يُنزع من الحبة ثم يُغْرَس، والنواة التي تزرع، والفسيلة ساعة توضع في الأرض حتى تعلق وجمعه غَرائِس وغِرَاس(5) .

ص: 269


1- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 2 / 412
2- خ 192 ، 212
3- ظ: العين (مادة غرس): 4 / 376
4- مقاييس اللغة: 4 / 417
5- ظ: لسان العرب (مادة غرس): 5 / 3240

6) الماء

جاء هذا الاسم أربعين مرة في النَّهْج، كما هو موضح في الجدول الآتي:

اللفظ مرات وروده وزنه

الماء، ماء 31 مرة فال

ماءً مرة فعلً

ماؤكم مرة فعلكم

مائِه مرة فعلِه

ماءَها مرة فعلَها

مائِها مرة فعلِها

مائِهِم مرة فعلِهم

المياه مرتان الفع

مياهها مرة فعالها

ومنها قوله في عجيب صنعة الكون اذ ورد مضافاً الى (ها) قائلا: « فَسُبْحَانَ مَنْ أَمْسَكَهَا بعَدَ مَوَجَانِ مِيَاهِهَا، وَأَجْمدَهَا بَعْدَ رُطُوبَةِ أَكْنَافِهَا، فَجَعَلَهَا لِخلْقِهِ مِهَاداً، وَبَسَطَهَا لَهمْ فِرَاشاً!»(1) .

وفي بعض الأحيان يحذف الماء ويبقى صفته (الآجن) الفاسد، و(ارتوى منآجن) في صفة من يتصدى للحكم وهو ليس أهلاً، فلا آجن إلاّ الماء فأضفى صفة

ص: 270


1- نهج البلاغة: خ 211 ، 240

العمومية نفي هذا المثال تنبيه الى طباع النفس البشرية بميلها الى طباع النفس البشرية التي تومض ولاتتجلى ذكر الصفة، وحذف الموصوف، ولفظ (آجن) عبرَّ مجازاً عمَّن يتصدى للحكم ولم يرتوِ من نبع صافٍ ؛ لذا تفسد حكومته(1) .

والماء: مدَّته في الأصل زيادة، وإنما هي خلف من » هاء » محذوفة. م -َ / و -َ/ هَ، وبيان ذلك أنه في التصغير مُوَيه، وفي الجمع: مياه. والنسبة اليه ماهِيٌّ. وماهت السفينة تموه وتماه ان دخل فيها الماء(2) .

قال طرفة:

وعينان كالماويًتين استكنتا *** بكهفي حجاجى صخرةٍ قَلْتِ موردِ(3)

قال ابن فارس: « الميم والواو والهاء أصل صحيح واحد، ومنه يتفرع كلمه، وهي الموه اصل بناء الماء، وتصغيره مويه ظن قالوا: وهذا دليل على ان الهمزة في الماء بدل من هاء، ويقال: موًهت الشيء، كأنك سقيته الماء»(4) .

وقد جُعِلَت الهمزة مبدلة من الهاء: فالجمع فيه أمواء، الهمزة مبدلة من هاء

(أمواه)، وأصل الماء ماهُ، واحدته ماهةٌ وماءةٌ، وقال الليث: الماء مدته في الأصل زائدة، وإنما هي خلف من هاء محذوفة ظن وبيان ذلك أن تصغيره مُوَيه(5) .

ص: 271


1- ظ: منهاج البراعة: 14 / 72
2- ظ: العين (مادة موه): 4 / 101
3- ظ: ديوانه: 18 ، فقد شبه عينيها بالماويتن لصفائها، وهما غار العین، والقلت: ثغرة الجبل يستنقع منها الماء فصفاء عينيها كصفاء ماء القلت. ظ: شرح المعلقات التسع لابي عمرو الشيباني: 1/ 53
4- مقاييس اللغة: 5 / 286
5- ظ: سر صناعة الإعراب: 100

وصرح ابن الاثير بأن: « أصل الماء: موه، ويجمع على أمواه ومياه، وقد جاء أمواء....»(1) .

وقد خلط ابو علی الفارسي هنا بين الإبدال القياسي واللهجي ؛ فان ماء أصلها ماه أوموه بدليل جمعها على مياه أو مواه ؛ ففي الجمع والتصغير ترد الأصول، فقلبت الواو الى همزة وهذا ليس قياسيا إذ جاء في مفردة واحدة، وعد ابو علی الفارسي كلمة الماء من ضمن الابدال القياسي ؛ اذ قال: « فمن حروف البدل الهمزة تبدل من الواو،... وأبدلت من الهاء في قولهم: ماءٌ »(2) .

ص: 272


1- النهاية: 888
2- التكملة: 570

المبحث الثالث:الفاظ النباتات ومايتعلق بها في نهج البلاغة:

اشارة

أ) الفاظ البذور والحبوب والبقول

1) ألبَذْرُ:

ورد هذا اللفظ في كلام الامام (عليه السلام) مرتین(1) ؛ ليدلّ على المعنى المجازي، فجاء في بيانه لصفة العلماء قائلاً: « فَكَانُوا كَتَفَاضُلِ الْبَذْرِ يُنْتَقَى، فَيُوْخَذُ مِنْهُ وَيُلْقَى، قَد مَيَّزَهُ التَّخْلِيصُ»(2) ، جاء لفظة (بَذْر) على زنة (فَعْل)، والصُّورة البلاغية التي رسمها الإمام هنا هي التشبيه المرشح المجرد، تشبيه المعقول بالمعقول، وهو تشبيه العلماء بالبَذْر، ووجه الشبه بينهما الإنتقاء والإلقاء فهما من خواص المسند به، والتخليص والتمحيصتجريد لأنهما من ملائمات المشبه، فأول مايعزل من البّذْر للزراعة الجيد بترك الرديء، كالعلماء في فضلهم بالقياس الى الناس، فهم خلاصةالناس ونقاوتهم(3) .

وبَذَرْتُ الشيَّءَ والحَبً بَذْرا، بمعنى نَشرَت، يقال للنًسْل: البَذْر، يقال: هؤلاء

ص: 273


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 518
2- نهج البلاغة: خ 214 ، 242
3- ظ: منهاج البراعة: 14 / 106 وظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 4 / 32

بَذْرُ سُوءٍ. والبَذْرُ: اسم جامع لما بَذرْتَ من الحَبٍ، ورجل بذير وبَذُور: مِذياع، وقوم بُذُرٌ: مذاييع، والفعل والمصدر في القياس بَذُرَ بَذارةَ(1) .

قال ابن فارس: « الباء والذال والراء اصل واحد، وهو نَثْر الشيء وتفريقه. يقال بذرْتُ البَذْرَ بذْرا، وبذًرت المالَ أبَذًرُه تبذيرا. قال الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالِمسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۞ إِنَّ الُمبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾(2) .

وهو أوّل مايخرج من الزًرع والبَقْل والنبات لايزال ذلك اسمه مادام على ورقتين، وقيل: هو ما عزل من الحبوب للزرع والزراعة، وقيل: البذْرُ جميع النبات اذا طلع من الأرض فنجم، وقيل: هو ان يتلون بلون او تعرف وجوهه، والجمع بُذور وبِذار.

والبَذرُ: مصدر بَذَرْتُ، وهو على معنى قولك نثرت الحَبً(3) ، والتبذير: التًفريق واصله إلقاء البَذْر وطرحه فاستعير لكل مضيع لماله، فتبذير البذر تضييع في الظاهر لمن لم يعرف مأل مايلقيه(4) ، ويقال: بَذَرت الحَبً من باب قتل اذا القيته في الأرض للزراعة و(البَذْرُ) المبذور، قال بعضهم: البَذْرُ في الحبوب كالحنطة والشعير و(البَزْرُ) في الرياحين والبُقُول(5) .

ص: 274


1- ظ: العين (مادة بذر): 8 / 82
2- مقاييس اللغة: 1 / 2، علما أنَّ الآية الواردة من سورة الإسراء / 26 - 27
3- ظ: لسان العرب (مادة بذر): 1 / 237
4- ظ: المفردات في غريب القران: 1 / 5
5- ظ: المصباح المنير: 40

2) البُر:

تكرر هذا اللفظ في كلام الامام عليه السلام في موضعین(1) ، ليدل على معنر حقيقي، وهي الحنطة المعروفة، فورد في الموضع الأول مفرداً في قول الامام (عليه السلام): « وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْتَهُ الَحرَامَ، بَينْ جَنَّات وَأَنْهار، وَسَهْل وَقَرَار،..بَينْ بُرَّة سَمْرَاءَ ورَوْضَة خَضرْاء...»(2)

وتدلُّ هذه المفردة على الخير والنّماء والعَطاء ؛ لأنَّه (عليه السلام) استعملها في علة وضع بيته، وإضافة الوصف (سمراء) أعطاها دلالة الحِنطة الجيدة أو لونها الحَسِن، وقد قابل الإمام (عليه السّلام) ووازن بین (برةٍ سَمْراء وروضةٍ خَضْاء)، وكِلا الوصفین على زنة (فَعْلاء) المخصص للألوان، فضلاً عن كونه صالحا للزِّراعة؛ لكنَّ عِلَّة ذلك هو الثواب، وزيادة الجزاء.

والبُر: الحِنطة. والبربور: الجشيش من البُّر(3) .

ف » الباء والراء في المضاعف اربعة اصول: الصدق، وحكاية صوت، وخلاف البحر، ونبت. فأما الصدق... وأما النبت فمنه البرُ، وهي الحنطة، الواحدة بُرًة. قال الاصمعي: أبَرًت الأرض اذا كثر بُرٌها»(4) . والبرٌ أفصح من قولهم القمح والحنطة.

ص: 275


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 521
2- نهج البلاغة: خ 192 ، 213 والموضع الثاني جاء: » وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِياً وَقَدْ أمْلَقَحَتَّى اسْتماحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً
3- ظ: العين (مادة بر): 8 / 260
4- مقاييس اللغة: 1 / 77

قال المتنخل الهذلي(1) : لا دَرَّ دَرِّىَ إن أطْعَمتُ نازِلَكُم قِرفَ الحَتىِّ وعندي البُّرُمكنوزُ

وأشار سيبويه الى أنه لايقال لصاحبه برًار على ما يغلب في هذا النحو ؛ لأن هذا الضرب إنما هو سماعي لا إطرَّادي.

3) البَقْلُ:

وردت مفردة (بَقْلَة) مرة واحدة على زنة (فَعْلَة) في كلام الامام علی (عليه السلام)، ليدل على معنى حقيقي، وهو أول النبت في النبات، وذلك في وصفه لنبي الله موسى (عليه السلام) قائلا: « وَالله،ِ مَا سَألَهَ إلِا خُبْزا يَأكْلُهُ، لاِنَّهُ كَانَ يَأكْلُ بَقْلَةَ الأرض»(2) ، فبقلة الأرض: حشائشها، فلهذا كان مشتهيا لاكل الطعام(3) .

وفرق ما بین البَقْل ودِق الشًجر أنً البَقل اذا رُعى لم يبق له ساق، والشًجر تبقى له سُوق وان دقت وابتقل القوم اذا رعوا البقل والإبل تَبْتَقِل وتَتَبَقًل. وابقلت الأرض فهي مُبْقِلة أي انبتت البقل(4) .

ف » الباء والقاف واللام اصل واحد، وهو من النبات، واليه ترجع فروع الباب كله»(5) .

ص: 276


1- نهج البلاغة: خ 160 ، 161
2- ظ: الديباج الوضي: 3 / 1298
3- ظ: العين (مادة بقل): 5 / 169
4- مقاييس اللغة: 1 / 275
5- ظ: وهو مالك بن عويمر، ديوان الهذلين: القسم الثالث: 15 ، لارزقت الدر، كأنه قال لنفسه كالهازئ

قال ابن سيده: « البَقْل من النبات ماليس بشجر دق ولا جل، وحقيقة رسمه أنه ما لم تبق له ارومة على الشتاء بعدما يُرعى، وقال ابو حنيفة: ماكان منه ينبت في بزره ولاينبت في ارومة ثابتة فاسمه البَقْل، وقيل: كل نابتة في اول ماتنبت فهوالبقل، واحدته بقلة، وفرق مابین البقْل ودِق الشًجر أن البقل اذا رعى لم يبق له ساق، والشجر تبقى له سوق وإن دقت. وفي المثل: لاتنبت البقلة الا الحَقْلة ؛ والحَقْلة: القَراح الطيبة من الأرض. وابقلت: انبتت البقل ؛ فهي مُبْقِلة(1) قال ابن جني: مكان مُبْقِل هو القياس والاكثر في السماع بأقل(2) .

قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبرِ عَلىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخرِجْ لَنَا مِّما تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾(3) .

4) الحَبً:

تكرر لفظ (الحَبً) ثمانِ مرات في النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي(4) :

اللفظ مرات وروده وزنه

الحَبَّ مرتان الفعل

الحَبَّة 6 مرات الفعلة

ليدلَّ على:

1)المعنى الحقيقي، ومنه قوله في (فتنة بني امية) «.. وَتَسْتَخْلِصُ الُمؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ

ص: 277


1- ظ: لسان العرب (مادة بقل): 1 / 328
2- ظ: الخصائص: 1 / 98
3- البقرة / 61
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 660 - 662

اسْتَخْلاصَ الطَّيرْ الَحبَّةَ الْبَطِينَةَ»(1) ، فعندما تفعل بكم تلك الفتن وراية الضلال ما تفعل قد اخذ الباطل مأخذه: أي استحكم وثبت واخذ مقاره، وكذلك يركب الجأهل مراكبه(2) ، فشبه فتنة بني امية التي سوف تستخلص المؤمن استخلاص الطير للحبة السمينة الممتلئة دون هزيل الحب (3) ووجه الشبه بينهما (الانتقاء والاستخلاص).

وقد أقسم سبحانه وتعالى بفلق الحبة (فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة) وهذاالقَسَم لايزال أمير المؤمنین (عليه السّلام) يقسم به وهو من مبتكراته.

قال تعالى ﴿ إِنَّ اللَّه فَالِقُ الَحبِّ وَالنَّوَى يُخهرِجُ الَحيَّ مِنَ الَميِّتِ وَمُخرِجُ الَميِّتِ مِنَ الَحيِّ ذَلِكُمُ اللُّ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾(4)

،فأقسم في أربعة مواضع، وفلق الحبة: شقها وأخرج منها الورق الأخضر(5) .

إنَّ استعمال الإمام (عليه السلام) لإسلوب القسم وهو إسلوب يكثر في نهجه وبالخصوص في كتبه، أراد منه إنشداد السامع وانتباهه لما بعد القسم، وقد جاء

ص: 278


1- نهج البلاغة: خ 108 ، 110
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 46
3- وجاء مضافا الى (الحصيد) « سَأَجْهَدُ فِی أَنْ أُطَهِّرَ الأرض مِنْ هذَا الشَّخْصِ الَمعكُوسِ، وَالِجسْمِ الَمرْكُوس، حَتَّى تَخرُجَ الَمدَرَةُ مِنْ بَینْ حَبِّ الَحصِيدِ» أي حب النباتات المحصودة من قمح وغره والمراد: بخروج المدرة من حب الحصيد: يطهر المؤمنین من المخالفن، وفيه اشعار لفظ المدرة لمعاوية وحب الحصيد للمؤمنن، ووجه المشابهة انه مخلص المؤمنن من وجود معاوية بينهم ليزكوا ايمانهم ويستقيم دينهم، اذ كان وجوده فيهم سببا عظيا لفساد عقائدهم، وهاك دينهم، كا ان الزراع يجتهدون في اخراج المدر والحجر والشوك ونحوه من بن الزرع كيا يفسد منابته فيفسد ثمرته. لانه لامعنى لاخراج الطین من الزرع فلفظ حب الحصيد لايفهم منه ذلك
4- هود / 81
5- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 1 / 328

القسم مسبوقاً بواو القسم وفاء القسم. وهو قسم عظيم باضافتین، وإنما خصَّ الحَبَّة والنَسْمَة بالتعظيم بالنسبة الى الله ؛ لما يشتملان عليه من لطف الخلقة وصغر الحجم من أسرار الحكمة، واختلف في تفسيره: ففالق الحبة كقوله فطر الخلائق بقدرته، وقيل فلق الحبة هو الشَّق الذي في وسطها والحَبَّة من الحنطة مثلا غايتها أن تكون شجرة مثمرة ينتفع بها الحيوان جعل الله في وسطها ذلك الشَّق حتى إذا وقعت على الأرض الَّرطبة ثم مرت مدة جعل الله في طرفها الأعلى مبدأ لخروج الشجرةالصاعدة وفي طرفها الأسفل عروق هابطة الى الأرض. وهو من بديع صنعه(1) .

ف » الحاء والباء اصول ثلاثة، احدها اللزوم والثبات، والاخر الحَبًة من الشيء ذي الحَبً، والثالث وصف القصر. فالاول الحَبُ، معروف من الحنطة والشعير، فاما الحِبٌ بالكسر فبروز الرياحین، الواحد حِبًة»(2) .

والحِبًةُ: بزور البقول والرياحین، واحدها حَبٌ، وقيل اذا كانت الحبوب مختلفة من كل شيء شيء فهي حِبًةٌ، وقيل الحِبًة بالكسر: بزور الصحراء، مما ليس بقوت، والحَبًةُ: بزر كل نبات ينبت وحده من غير ان يبذر، وكل ما بُذٍر، فبزره حَبًة، بالفتح(3) ، والحبة: وحدة للزنة وللمساحة ايضا، فللزنة مصطلح عليها في البلاد العربية والاسلامية، وتعادل شعيرتين، وتجمع على حَبًات وحبوب وحُبًان، وتطلق على جميع بذور النباتات(4) .

ص: 279


1- ظ: العين (مادة حب): 3 / 31
2- مقاييس اللغة: 1 / 26
3- ظ: لسان العرب (مادة حب): 2 / 745
4- ظ: ألفاظ المقادير في العربية: 11، 47 تقدر 1 / 60 من المثقال والدرهم: سدس ثمن الدرهم، بحدود 0،50 غرام 2، وللمساحة في مر وتعادل 1 / 72 من الفدان المري، واستقرت على 85034491 م 2. ظ: ألفاظ المقادير في العربية: 11 و 47

5) الَّشعَير:

ورد هذا اللفظ مرتین في النَّهْج(1) ، ليدل على: المعنى الحقيقي: وهو جنس من الحبوب معروف، فجاء منصوباً في الموضع الأول على زنة (فًعيل) ؛ ووقع اسما للجنس مضافا اليه مجرورا في حديثه عن سيدنا داود (عليه السلام) قائلا: «وَإنِ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوودَ صَاحِبِ الَمزَامِيرِ، وقَارِىءِ أهل الَجنَّةِ، فَلَقَدْ كَانَ يَعْمَلُ سَفَائِفَ الُخوصِ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ لِجلَسَائِهِ: أَيُّكُمْ يَكْفِينِي بَيْعَهَا ! وَيَأْكُلُ قُرْصَ الشَّعِيرِ مِنْ ثَمَنِهَا»(2) .

ودلالة الشَّعير على الحب الذي يستعمل في الرَّغيف، وروي: انه ماشبع آل محمد من لحم قط، وإنَّ سيدتنا فاطمة الزهراء وبعلها (عليهم السلام) كانوا يصومون على أقراص من الشَّعير يعدونها لإفطارهم(3) . وهو درس في الزُّهد والتربية

وجاء مفردا مجرورا على زنة ((فَعِيلة) في قوله: « وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الاْقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِماَ تَحتَ أَفْلاَكِهَا، عَلىَ أَنْ أَعْصيِ اللهَ فِی نَمْلَة أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَة مَا فَعَلْتُهُ»(4) .

يقسم الإمام هنا بالله انه لن يعصيه ولو في نملة يسلبها قشر حبة ليس له، فمن الممكن أن يُعطى الإمام الأقاليم السبعة بالذي فيها من خيرات واسعة في مقابل أن يسلب نملة قشرة تقتات عليها.

وقصد إمتناعه من الظلم لأيِّ مخلوقٍ، وإن كان صغيرا كالنَّملة فهولايسلب

ص: 280


1- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 998
2- نهج البلاغة: خ 160 ، 161
3- ظ: شرح نهج البلاغة: 3 / 267
4- نهج البلاغة: خ 224 ، 255

جلب الشَّعيرة منها (الغشاء الرقيق) الذي يغطي حبتها بالرغم من قلة شأنه وعدم قيمته(1) .

والشعير: جنس من الحبوب معروف، واحدته شَعِيرة، وبائعه شَعِيرى. قال سيبويه: وليس مما بُنِى على فاعل ولا فعًال كما يغلب في هذا النحو. وأمًا قول بعضهم شِعِير وبِعِير ورِغيف وما اشبه ذلك، لتقريب الصوت من الصوت، فلا يكون هذا الا مع حروف الحلق(2) .

والشًعيرة: تطلق على زنة ستة خرادل و(الشعيرة) نبات عشبي بري وزراعي، استخدمت كوحدة للطول والزنة، وتعاملوا بها في البلاد العربية والاسلامية، وتساوي 0.04737 غرام(3) .

6) القَمْحُ:ورد مصطلح (القمح) مرة واحدة معرًفا ب(ال) وهو اسم جنس على زنة (فَعْل) اذ قال (عليه السلام): « وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ، إِلَی مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ»(4) .

فالقمح: الحنطة، وجملة (لُباب هذا القمح) معطوفة على جملة (مصفى هذا العسل) وكلتاهما مسبوقتان بجملة فعلية فعلها (اهتديت) مسبوقا باللام الواقعة

ص: 281


1- ظ: الديباج الوضي: 4 / 1817
2- ظ: العين (مادة شعر): 2 / 338
3- ظ: الفاظ المقادير في العربية: 40
4- نهج البلاغة: ك 45 ، 313

الواقعة في جواب الشرط. فاللُّب خلاصته ونقاوته وقيل أنَّه مُخ الحنطة(1) .

وأقْمَحَ البرُ: جرى الدقيق في السنبل... والإقتامح: ما تقتمحه من راحتك في فيك. والإسم: القُمْحة كاللقمة والأكلة(2) .

« القاف والميم والحاء اصيل يدل على صفة تكون عند شرب الماء من الشارب، وهو رفعه رأسه. من ذلك القامح، وهو الرَّافع رأسه من الإبل عند الشرب إمتناعاً منه»(3) .

قال بشر بن ابي خازم(4):

ونَحْنُ عَلى جَوانِبهَا قُعُودٌ *** نَغُضٌ الطًرْفَ كالإبلِ القِمَاحِ.

واختلف في تفسيره، فقيل: هو البرُ حین يجري الدقيق في السنبل ؛ وقيل: من لَدُن الإنضاج الى الاكتناز ؛ وقد اقمح السٌنبل، وهو لغة شامية، وأهل الحجاز قد تكلموا بها. وفي الحديث: فرض رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم) زكاةُ الفطر صاعاً من بُرٍ أو صاعاً من قمح ؛ البرُ والقَمْحُ: هما الحنطة، والقمح لغة شامية تكلم بها الحجازيون واستعملوها في كلامهم(5) .

ص: 282


1- ظ: الديباج الوضي: 5 / 5949
2- العين (مادة قمح): 3 / 55
3- مقاييس اللغة: 5 / 24
4- ظ: ديوانه: 47 ، وهو شاعر جاهي من بني اسد عاش في عر النعمان بن المنذر ملك الحیرة، وصف نفسه على متن السفينة، رافعا لبره خوفا، كالإبل التي ترد الماء وتظل رافعة لرؤوسها، فالقماح: الإبل التي ترفع رأسها فلا تشرب
5- ظ: لسان العرب (مادة برر): 5 / 3734

ب) الفاظ الأشجار والثمار والأزهار في نهج البلاغة:

1) الأغصان:

ورد هذا اللفظ سبع مرات في النَّهْج، كما هو موضح في الجدول الآتي(1) :

اللفظ مرات وروده وزنه

غُصْن مرة فُعْل

غُصْنِها مرة فُعْلِها

الأغْصَان مرة الأفْعال

أغْصَانَهُ مرة أفْعَاله

أغْصَانُا مرتان أفْعَالُا

غُصُونُهُ مرة فُعُولُهُ

ليدل على (المعنى المجازي) فورد مفردا مرة واحدة على زنة (فُعْل) في صفة بني أمية قائلا: « افْتَرقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ، وَتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ، فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْن أَيْنَما مَالَ مَالَ مَعَهُ»(2) ، وهنا حذف، إذ قال الشارح البحراني: « يكون منهم من يتمسك بمن أخلفه بعدي من ذرية الرسول صلى الله عليه واله وسلم اينما سلك سلك معه كالشيعة، وتقدير الكلام: ومنهم من ليس كذلك. إلاَّ أنَّه استغنى بالقسم الأول لدلالته على الثاني»(3) . وتمثيله رصین لاختياره للغصن فهو المواجه للريح.

ص: 283


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1221
2- نهج البلاغة: خ 166 ، 173
3- شرح نهج البلاغة: 3 / 294

وجاء هذا اللفظ مجموعأً على زنة (أفْعَال) و(فُعُول)، فمن وروده على صيغة الجمع الأولى (أفْعَال): وهي صيغة جمع قلة اذ وردت في اربعة مواضع ؛ منها قوله قبل موته: « إِنْ تَثْبُتِ الْوَطْأَةُ فِ هذِهِ الَمزَلَّةِ فَذَاكَ، وَإِنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ فَإِنَّا كُنَّا فِی أَفْيَاء أَغْصَان، وَمَهَابِّ رِيَاح»(1) .

وكنَّى بالأمور المذكورة عن أحوال الدُّنيا وملذاتها وبقائه فيها ومتاعه بها، وذهب البحراني الى وجود إستعارة تمثيلية، فاستعار لفظ (الأغصان) للأركان الأربعة من العناصر، ولفظ (الأفياء) لما تستريح فيه النفوس من تركيبها في هذا العالم، أمَّا وجه الإستعارة الأولى أنَّ الأركان في مادتها كالأغصان للشَّجرة والثانية الأفياء محلا للإستراحة واللذة كما ان الكون في هذا البدن حين صحة التركيب وإعتدال المزاج من هذه الأركان كذلك(2) .

ومن وروده على صيغة الجمع الثانية وهي (فعول) متصلاً بهاء الغيبة، وهي صيغة جمع الكثرة ؛ اذ وردت مرة واحدة في النَّهْج، وذلك في قوله مبينا لفضل أهل البيت (عليهم السَّلام): «وَإِنَّا لاُمَرَاءُ الْكَلاَمِ، وَفِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَعَلَيْنَا تَهدَّلَت غُصوُنُه»(3) ، فقد إستعار لفظ الغُصُّون لما أمكنهم من تناوله، ورشَّح بذكر التهدًل من شأن الغُصِّن ذلك. ثم عقب بذكر الغصن ذلك(4) .

فتقديم شبه الجملة الجار والمجرور(فينا، علينا) على الفعل والفاعل؛ للتوكيد والإهتمام، فالأصل فيهما: تنشبت عروقه فينا، وتهدلت غصونه علينا. إن ورود لفظة

ص: 284


1- نهج البلاغة: خ 149 ، 147 ، أفياء أغصانٍ: الظلُّ الذي ينسخ ضوء الشمس عن بعض الأمكنة
2- ظ: شرح نهج البلاغة: 3 / 198
3- نهج البلاغة: خ 233 ، 261
4- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 102

(الأغصان والغصون) لها دلالات نفسية، فهي نادرة في حياة العرب، وهي محط أمانيهم ؛ لذلك خاطبهم بما يحبون أن يجدوه وما يتمنون وقوعه، فكأنّه عرف مافي نفوسهم، فأذكى شعورهم بذلك القول.

والغُصنُ ماتشعب من ساق الشجرة دِقٌها وغِلاظُها، وجمعه: غُصُون ، ويجمع الغُصْن على غِصنَة وأغصاناً، واحدته غُصْنةٌ والجميع غُصُن(1) .

قال ابن فارس: « الغين والصاد والنون كلمة واحدة، وهي غصن الشجرة، والجمع غصون وأغصان. ويقال: غصنت الغصن: قطعته»(2) .

وفي المحكم: الغصن ما تشعب عن ساق الشجرة دقاقها وغِلاظها، والغُصْنَة:

الشعبة الصغيرة منه(3)

2) الأفنان:

ورد هذا اللفظ ثلاث مرات في النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي(4) :

اللفظ مرات وروده وزنه

الأفْنان مرة الأفْعَال

أفْنانها مرة أفْعالها

أفانين مرة أفاعيل

ص: 285


1- ظ: العين (مادة غصن): 4 / 373
2- مقاييس اللغة: 4 / 426
3- ظ: لسان العرب (مادة غصن): 5 / 3262
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1221

ليدلَّ على معنى حقيقي، فجاء مجموعا على زنة (أفْعال) وهو جمع قلة ؛ وذلك في قوله (عليه السلام) في خطبة الأشباح قائلاً: « عَالِم السِّر مِنْ الضَماَئِرِ الُمضْمِرِينَ، وَنَجْوَى الُمتَخَافِتِينَ وَخَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ،.....ومُختَبَاَ الْبَعُوضِ بَينْ سُوقِ الأشجاروَأَلِحيَتِهَا، وَمَغْرِزِ الاْوْرَاقِ مِنَ الاْفْنَان»(1) ولحاء الشجرة قشرها، والأفنان هي الغصون.

وقال في وصف اشجار الجنة: « فَلَوْ رَمَيْتَ ببِصَر قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لكَ مِنهْا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَعَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَی الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِها وَلَذَّاتِها، وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِی اصْطِفَاقِ أَشْجَارغُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِ كُثْبَان الِمسْكِ عَلىَ سَوَاحِلِ أَنْهارِهَا، وَفِی تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِ عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِها»(2) . فقد رسم الإمام هنا صورة ذهنية عن الجَّنة، والعساليج: هي الغصون، والأفنان: جمع فَنَن، وهي استعارة لطيفة فلو نظرت بعين بصيرتك وفكرت في معنى ما وصف لك من متاع الجنة لم تجد لشيء من بدائع مااخرج الى الدنيا متاعها الا نسبة وهمية، وتغيب بفكرها في إصطفاق الأشجار وتمايل أغصانها، وهذه هي الجنة المحسوسة، يقول البحراني: أشجار الجنة إستعارة للملائكة السماوية والإصطفاق ترشيح تلك الإستعارة، وكثبان المسك إستعارة للمعارف والكمالات التي لهم»(3) .

فالوصف هنا تصورا قلبيا، في حركة مليئة بالألوان، وهذه الحركة تقترب من حركة الإنسان للذين يطوفون على سكان الجنة بتقديم أفخر أنواع الشراب

(العسل المصَّفى والخمر المُروق) وهي صورة ذهنية تعرض في عالم انساني يميل بأنفعالاته نحو الشهوات والغرائز. فكانت بلورة الخطاب تكون رؤية تتناسب وأهمية الصورة

ص: 286


1- نهج البلاغة: خ 91 ، 93
2- خ 165 ، 172
3- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 291

المشار اليها. يقول د. حسین العمري عن هذه الرؤيا: « تجمع بين الادراك

الحسی والرؤيا العقلية والبعد الجمالی وهي تعتمد على ماتتيحه اللغة من إمكانات يتجول فيهاالذِّهن للإمساك بما يمكن تسميته بالعلاقة بين الواقع واللاواقع ؛ لأنَّ العلاقة القائمة بين الإنسان وبين العالم نفسه علاقة شعرية على أنها علاقة معرفية، فالصورة والرسم والصوت أول مصادر التعبيرعن العلاقة بين الانسان والعالم»(1) .

والفَنٌ: الحال، والفُنُون: الضرٌوب، يقال: رعينا فنونَ النًبات، وأصبنا فنون الأموال، ويجمع على أفنان ايضاً(2) .

«الفاء والنون اصلان صحيحان، يدل احدهما على تعنية، والاخر على ضرب من الضروب في الاشياء كلها.. ومنه الفنن، وهو الغصن، وجمعه أفنان، ويقال:

شجرة فَنْواء، قال ابو عبيد: كأن تقديره فنًاء»(3) .

وصرَّح ابن منظور بأن الفَنن جمعه أفنان، ثم الأفانین، وشجرة فنواء: طويلة الأفنان، على غير قياس(4) ؛ لذا قال تعالى: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ ۞ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُماَ تُكَذِّبَانِ﴾(5) أي: ذواتا أغصان(6) والفنن الغصن المورق المستقيم.

ص: 287


1- الخطاب في نهج البلاغة: 106
2- ظ: العين (مادة فن): 8 / 371
3- مقاييس اللغة: 4 / 435
4- ظ: لسان العرب (مادة فنن): 5 / 3476
5- الرحمن / 47 - 48
6- ظ: مجاز القرآن: ابو عبيدة: 2 / 245

3) الإقْحُوَان:

ورد مرة واحدة في كلام الامام (عليه السلام)(1) ، ليدل على معنى حقيقي وهو نبات معروف على زنة (أفْعُلانِ)، وذلك في وصفه لخلق (الطاووس) قائلاً: « إلاَّ أنَّهُ يُخيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ، وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ، أَنَّ الُخضرةَ النَّاضِرةَ مُمتَزِجَةٌ بِهِ، وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِی لَوْنِ الاْقْحُوَانِ، أَبْيَضُ يَقَقٌ، فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِی سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأتْلِقُ»(2) ، شبَّه الخط الأبيض عند محل سمعه بخط القلم الدقيق في دقته واستوائه، وفي بياضه بلون الأقحوان ؛ لكونه شجر طيِّب الرَّائحة مشتمل على لونین، الظاهرمنه ورق أبيض شديد البياض، ووسطه أصفر شديد الصفرة، يغلو في التشبيه به الشعراء في لونيه، وأراد به ورقه الظاهر. فصفات الطاووس المذكورة تكشف عن عظمة وقدرة الله فجمع بین الحسن والجمال وعُدَّ أنموذجاً لأنواع الجمال يدل دلالة قاطعة على وجود خالقٍ بديعٍ(3) .

القَحْوُ: تأسيس الاقحوان، وهو في التقدير: أُفْعُلان، وهو من نبات الربيع، مُفَرًض الورق، صغير، دقيق العيدان، طيب الريح والنسيم، له نور ابيض منظوم حول برعومته، كأنه ثغر جارية، واحدته أقْحوانة(4) .

فالقاف والحاء والواو كلمة واحدة. يقولون: القَحْو تأسيس الاقحوان، وتقديره أُفْعُلاَن، ولو جعل في دواء لقيل مَقْحُو، وجمعه الأقاحِي، والاقحوانة

ص: 288


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 465
2- نهج البلاغة: 165 ، 171
3- ظ: منهاج البراعة: 10 / 43 وظ: شرح نهج البلاغة: ناصر مكارم الشيرازي: 268
4- ظ: العين (مادة قحو): 3 / 255

موضع بالبادية(1) .

و هو من نبات الربيع مُفَرًض الورق دقيق العيدان له نور ابيض كأنه ثغر جارية حَدَثة السن لارائحة له وهو البابونج عند الفرس، في تقدير (أفْعُوانٍ) والواحدة منه أقحوانة. ويجمع على أقاحٍ واقاحي بحذف الالف والنون، أقاحٍ(2) .

ومن المجاز: افترَت عن نور الأقحوان والأقاحي، وبدا أُقحوان الشَّيب، ويقال:

بدا ثَغام الشيب(3) والثغام نبات إذا جف صار أبيض. قال الإمام علي (عليه السَّلام) في القصيدة الزينبية:

نَشَت ذوائبها التي تزهو بها *** سودا ورأسك كالثغامة أشيبُ

4) الأكمام:

وقوله في صفة الجنة: « وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِی اصْطِفَاقِ أَشْجَارغُيِّبَتْ عُرُوقُهَا...، وَفِی تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِی عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِها وَطُلُوعِ تِلْكَ الِّثامرِ مُختَلِفَةً فِی

ص: 289


1- ظ: مقاييس اللغة: 5 / 62
2- ظ: لسان العرب (مادة قحو): 5 / 3540 وظ: المصباح المنير: 491
3- ظ: أساس البلاغة: 2 / 55

غُلُفِ أَكْمَمِهَا،...»(1) ، والإستعارة لطيفة هنا بوصف متاع الجنة، وأستعار أشجار الجنَّة للملائكة السَّماوية والإصطفاق ترشيح تلك الإستعارة، وكثبان المسك إستعارة للمعارف والكمالات التي تهم من واهب الجود وهم مغمورون فيها، وقد وجدوا ذلك، وكما تنبت الأشجار في الكثبان، ولفظ الأنهار إستعارة للملائكة المجردين عن التَّعلق بالأجرام الفلكية ؛ كالأنهار مبادئ ممدة لحياة الأشجار ووجودها، واللؤلؤ الرَّطب والثِّامر إستعارة، لما يفيض من تلك الأرواح من العلوم والكاملات على النفوس القابلة لها من غير بخل ولامنع، فثمارها على منية مجتنيها بحسب إستعداده لكل منها وكذلك العسل والخمر إستعارة للإفاضات المشتهاة الملذَة للنفس، فلو رأيت ذلك لمتَّ شوقا إليها ورحلت مشتاقا الى مجاورة أهل القبور(2) .

و » الكُمٌ: الطًلْعُ. لكلِّ شجرة كُمٌ وهو بُرعُومُته. وقد كُمًت النخلة كماَّ وكُمُوماً...»(3) .

قال الله جل وعز: ﴿وَالْارْضَ وَضَعَهَا لِلْانَامِ ۞ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْاكْماَمِ﴾(4) .

فالكاف والميم أصل واحد يدلُّ على غشاء وغطاء. من ذلك الكمة، وهي القلنسوة، وتكمم الرجل، وتكمكم. والكُمُّ: كمُّ القميص... والكِمُّ وعاء الطَلع، وجمعه أكمام(5) .

ص: 290


1- خ 165 ، 172
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 293
3- ظ: العين (مادة كم): 5 / 286
4- الرحمن / 10 - 11
5- ظ: مقاييس اللغة: 5 / 123

قال أبو حنيفة: كمُّ الكبائس يكمها كما وكمًمها جعلها في أغطية تكنها، كجعل العناقيد في الأغطية الى حین صرامها، واسم ذلك الغطاء الكِمام، والكُمٌ للطًلع، وجمعه أكمام وأكاميم، وهو الكِمام، وجمعه أكِمًةٌ(1) .

وفي الحديث: « حتى ييبس في أكمامه » جمع كِم - بالكسر، وهو: غلافُ الثًمر والحب قبل ان يظهر، والكِمُ: مايغطي الثمرة وجمعه أكامم(2) .

5) الأوْرَاقُ:

ورد هذا اللفظ في خمسة عشر موضعا من النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي(3) :

اللفظ مرات وروده وزنه

يُورِقُ مرة يُفعِل

تَستَورِق مرة تَستَفعِل

الوَرَق مرتان الفَعَل

وَرِقك مرتان فَعِلك

وَرَقِها مرتان فَعَلها

وَرَقة 3 مرات فَعَلة

الأوْرَاق 4 مرات الأفْعَال

وردت هذه اللفظة لتدل على المعنى الحقيقي لورقة الشجرة المعروفة، فجاءت مفردة على صيغة مصدر المرة (ورقة) على زنة (فعَلَة)، وذلك في قوله: « دُنْيَاكُمْ

ص: 291


1- ظ: لسان العرب (مادة كمم): 5 / 3931
2- ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 813
3- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1573

عِنْدِي لاَهْوَنُ مِنْ وَرَقَة فِی فَمِ جَرَادَة تَقْضَمُهَا»(1) ، والدلالة هنا على تحقير الدُّنيا، فما احقر من ورقة في فم جرادة قد استهلكتها قضماً بفيها، وهذا يدل على ان الورقة يابسة، فالقضم للشيء اليابس، والخضم للشيء الرطب.

وجاء هذا اللفظ على الصيغة الفعلية الحالية (يُورق): « تَوَقَّوا الْبرَدَ فِی أَوَّلِهِ، وَتَلَقَّوْهُ فِی آخِرِهِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِی الاْبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِی الأشجار، أَوَّلُهُ يُحرِقُ وَآخِرُهُ يُورقُ»(2) ، وفيه يحذر الامام من البرد فيأمرنا بالحفاظ على النفس من أذاه ؛ فيصف بداية الربيع ونهايته، فال ربد في آخره (الخريف) يمسُّ الأبدان بعد تعودها، فيكون أخفُّ عليها.وفيه بيان لبداية حلول الشتاء، وهو فصل الخريف، ويقال: ورًقت الشجرة توريقا وأورقت إيراقاً: أخرجت ورقها. والوَراق: وقت خروج الورق(3) .

فالواو والرَّاء والقاف: أصلان يدلُّحدهما على خير ومال، وأصله وَرَق الشًجر، والآخر على لون من الألوان، فالأول الورق ورق الشجر. وهو المَّال، من قياس ورَق الشجر، لأن الشجرة اذا تحات ورقها انجردت كالرَّجل الفقير...(4)

قال تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغْيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلِا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِی البرْ وَالبْحَرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلِا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِی ظُلُماَتِ الأرَضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلِا فِی كِتَابٍ مُّبيِنٍ﴾(5) .

ص: 292


1- نهج البلاغة: خ 224 ، 255
2- الحكم القصار: 123 ، 372
3- العين (مادة ورق): 5 / 209
4- ظ: مقاييس اللغة: 6 / 101 - 102
5- الانعام / 59

والوارقة: الشجرة الخضراء الورق الحسنة، وعام أوْرَق لامطر له، والوَرِقُ بالكسر الدًراهم(1) .

6) التَّمرُ:

جاءت هذا اللفظ بصيغة الجمع مرة واحدة في النَّهْج.(2) ؛ ليدل على المعنى الحقيقي وهو اسم جنس لثمار شجرة النخيل. وهذا الموضع جاء في سياق ردّ الإمام (عليه السّلام) على معاوية قائلاً: « أَمَّا بَعْدُ،... فَلَقَدْ خَبَّأَ لَنَا الدَّهْرُ مِنْكَ عَجَباً، إِذْ طَفِقْتَ خْبِرنَا بِبَلَاءِ اللهِ عِنْدَنَا، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِی نَبِيِّنَا، فَكُنْتَ فِی ذلكِ كَنَاقِلِ الَّتمْرِ إِلَی هَجَرَ... »(3) .

وهنا تشبيه تمثيلی، مستبضع التمر: ناقله، والمراد: التَّمر المعروف الذي تنتجه النخيل. فشبَّه معاوية بمن ينقل التمر الى هجر المشهورة بالنخيل، ويعني إفساد بضاعته، وهو من الأمثال الواردة عند العرب(4) . وتشبيهه لعدم الانتفاع مما ينقله ك(ناقل التمر).

وهو حمل النخل، وهو اسم جنس واحدته تمرة(5) .

ص: 293


1- ظ: لسان العرب (مادة ورق): 6 / 4815 وظ: المفردات في غريب القران: 2 / 674
2- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 588
3- نهج البلاغة: ك 28 ، 286
4- ظ: مجمع الامثال: 2 / 152 ، وأصل المثل ان رجا قدم من هجر الى البرة بال اشترى به شيئا للربح فلم يجد فيها اكسد من التمر فاشتراه وحمل به الى هجر وادخره لينتظر به غلائه فلم يزيد الارخصا فسد جميعه وتلف، فضرب مثا لمن يحمل اليء الى معدنه لينتفع به ووجهه ان معاوية حمل الخبر بما اخبر به الى معدنه الذي هو اولى به كحامل التمر الى معدنه، وهجر معروفة بكثرة تمرها
5- ظ: العين (مادة تمر): 8 / 119

فالتاء والميم والراء كلمة واحدة، ثم يشتق منها، وهي التمر المأكول. ويقال للذي عنده التًمر تامر، وللذي يطعمه ايضا تامر، يقال تَمَرْتُهم أتْمرهم، اذا اطعمتهم والمتْمِرُ الكثير التًمر، يقال أتْمر كما يقال ألْبَنَ اذا كثر لبنه(1) .

قال الحطيئة: وغَرَرْتني وزَعمت أ *** نًك لابِنٌ بالصًيْف تامِرْ(2) .

وتَمر القوم يتمُرهم تمرا، وأتمرهم أطعمهم التَّمر(3) .

7) الثًمَر:

تكرر هذا اللفظ في ثلاثة وعشرين موضعاَ من النَّهْج، كام يوضحه الجدول الآتي:(4) اللفظ مرات وروده وزنه

ثَمَرُ مرتان فَعَلُ

ثَمَرِهِ مرة فَعَلِهِ

ثَمَرِها مرتان فَعَلِها

الثًمَرَة 5 مرات (5) الفًعَلة

ص: 294


1- ظ: مقاييس اللغة: 1 / 354 - 355
2- ظ: ديوانه: 17
3- ظ: لسان العرب (مادة تمر): 1 / 446
4- ظ: المعجم المفهرس لالفاظ نهج البلاغة: 598
5- جاءت مفردة (ثمرة) خمس مرات وليس ستا كما ذكر في المعجم المفهرس » في ثلاثة مواضع معرفا ب(ال) وفي موضعن مجردا منها: ثمرة التفريط الندامة وثمرة الحزم السامة: الحكم القصار: 181، وجاء في المعجم المفهرس في خ 94 مانصه » لها فروع طوال وثمرة لاينال » والصحيح » ثمر لاينال » بدليل ان الثمرة مؤنثة. ظ: المعجم المفهرس: 598

ثَمَرَتٌهٌ مرتان فَعلته

الثِّمَارٌ 4 مرات الفِّعَال

ثِماَرا مرة فِعَالا

ثِمَارٌها مرة فِعَالُا

ثِمَارنا مرة فِعَالنا

الثًمَرات مرتان الفعلات

ثامِرا مرة فاعلا

تَثْمير مرة تَفْعِيل

ليدلَّ على المعنى الحقيقي ؛ فمن وروده مفرداً (ثمرة)، ومنها مجيئه جمعا على زنة (فعل) في قوله (عليه السلام): « وَأُسْرتُهُ خَيرْ الاْسَر، وَشَجَرَتُهُ خَيرْ الشَّجَرِ; نَبَتَتْ فِی حَرَم، وَبَسَقَتْ فِی كَرَم، لَها فُرُوعٌ طِوَالٌ، وَثَمَرٌ لاَيُنَالُ»(1) . فاستعار لفظ الشجرة للأنبياء، ووجه الإستعارة هو ماكنَّى بالإنصداع عنه من تفرع أشخاص الأنبياء عن صنفهم كتفرع أغصان الشَّجرة منها، واختلف في المقصود بالشَّجر، فقيل: سيدنا ابراهيم (عليه السلام)، وهو بعيد لكونه نفي لظهوره في مكة، وقيل:سيدنا اسماعيل (عليه السلام)، وقيل أراد هاشما وولده (عليه السلام) بقرينة: نبتت في حرم وأراد مكة، ورشَّح تلك الإستعارة بوصف الإنبات والبسق، وكنَّى بالفروع عن أهله وذريته وسائر النجباء من بني هاشم، ورشح للإستعارة بالثَّمر، فكنَّى به عن العلوم والأخلاق(2) .

وكنَّى بالثمرة عن علوم الأنبياء والأئمة. ونحن نرجح كون الشَّجرة

ص: 295


1- نهج البلاغة: خ 94 ، 97
2- ظ: منهاج البراعة: 7 / 87 ، وظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 2 / 415

الرَّسول(صلّ الله عليه وآله وسَلَّم)، وفروعها علی، وأغصانها فاطمة، وثمرها أولادها، وورقتها شيعة أمير المؤمنین (عليهم السلام أجمعین)(1) .

وجاء لفظ (ثمرة) على زنة (فَعَلة) مفرداً في قوله (عليه السلام): «ثَمَرَةُ التَّفْرِيطِ النَّدَامَةُ، وَثَمَرَةُ الَحزْمِ السَّلَامَةُ»(2) .

نجد التقابل الدلالي بین المتضادات، اذ قابل الإمام بین (التفريط والحزم) و(الندامة والسلامة) أخبر ب(ثمرة) وهي مبتدأ والتقابل هنا بالجملة الاسمية، فالحزم: تقديم العمل للحوادث الممكنة المستقبلة بما هو أقرب الى السلامة والتفريط في العمل لما يستقبل من الحوادث مظنة الوقوع.

وهو حملُّ الشَّجر(3) . والثًمَر: أنواعُ المَّال، والوَلَد ثمَرةُ القلبِ، وأثمرت الشَّجرةُ.

قال ابن فارس: « الثاء والميم والراء أصل واحد، وهو شيء يتولد عن شيء متجمعا، ثم يحمل عليه غيره استعارة. فالثمر معروف. يقال ثَمَرَة وثَمَرٌ وثِمارٌ وثُمُر الشجر الثامر: الذي بلغ اوان يُثْمرُ. والمُثْمِر: الذي فيه الثًمَر»(4) .

والثًمَرُ: أنواع المال، وجمع الثَمَر ثِمار، وثَمُرُ جمع الجمع، وقد يجوز ان يكون الثٌمُرُ جمع ثَمَرة ك(رهن ورهان) قال ابن سيده: اعني ان جمع الجمع قليل في كلامهم،

ص: 296


1- ظ: منهاج البلاغة: 7 / 87 وظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 2 / 415
2- نهج البلاغة: الحكم القصار: 181 ، 379
3- ظ: العين (مادة ثمر): 8 / 223 - 224
4- مقاييس اللغة: 1 / 388

وحكى سيبويه في الثمر ثمرة، وأثْمَرَ الشًجَرُ: خرج ثَمَرُهُ(1) .

والثًمَرُ: اسم لكل ما يُتطعًم من أعمال الشًجر، الواحدة ثَمرَة والجمع ثماروثمرات(2) .

الوصف بالمفرد يدل على الكثرة، والوصف بالجمع يدل على القلة فقولنا (اشجار مثمرات) يدل على ان عدد الشجرات قليل بخلاف (أشجار مثمرة) يدلُّ على أنَّ الأشجار كثيرة(3)

قال تعالى ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّماَء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّماَء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجعَلُواْ لِله أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(4)

ويقال: شجر مُثمِرٌ: اذا اخرج الثمر فاستعمل فيه (أثمر) متعدياً، واتفق أهل اللغة أنه لازم بمعنى صار ذا ثمر، واستعمله بعض الفصحاء متعديافقوله أثمر الدُّر لايستقيم في النحو، لأنه لايقال: أثمرت النَّخلة الثَّمر، إنَّما أثمَرت ثَمَراً بغير ألف ولام، بمعنى أثمرت بالثمر»(5) .

8) الزَّهَر:

ورد هذا اللفظ في خمسة مواضع من النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي(6) :

ص: 297


1- ظ: لسان العرب: 1 / 504
2- ظ: المفردات في غريب القران: 1 / 105
3- ظ: التعبير القرآني: 3
4- البقرة / 22
5- ظ: درة الغواص في أوهام الخواص: الحريري: 246
6- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 906

اللفظ مرات وروده وزنه

زَهَر مرة فَعَل

زُهْرَةِ مرتان فُعْلَةِ

الأزاهِير مرة الأفاعي

لأزَاهيرهَا مرة أفَاعيلها

ليدل على:

1) المعنى الحقيقي وهو الزَّهر، فجاء مفردا على زنة (فُعْلَة) مصدرا للمرة منها قوله في بيان خلقة الطاووس قائلاً: «فَإنْ شَبَّهْتَهُ بِماَ أَنْبَتَتِ الأرض قُلْتَ: جَنِىٌّ جُنِىَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيع، وَإنْ ضَاهَيْتَهُ بِالمْلابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِىِّ الُحلَلِ»(1) .

2) المعنى المجازي: ورد مجموعا على زنة (فَعَل) زَهَر جمع كثرة في قوله: « عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِ اللهِ إِلَيْهِ عَبْداً أَعَانَهُ اللهُ عَلىَ نَفْسِهِ، فَاسْتَشْعَرَ الُحزْنَ، وَتَجلْبَبَ الخوْفَ، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الُهدَى فِی قَلْبِهِ»(2) .

وجاء مجموعاً على زنة (أفاعيل) جمع وهي صيغة منتهى الجموع واصفاً للطاووس « وَبَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ، فَهُوَ كَالاْزَاهِيرِ الَمبْثُوثَةِ، لَم تُرَبِّها أَمْطَارُ رَبِيع، وَلاَ شُمُوسُ قَيْظ»(3) ، فقد شبَّه الطاووس بالأزاهير المبثوثة، ونبَّه الى كمال قدرة صانعها بأنها مع ذلك لم تربها أمطار الربيع: أي لم تعدها لتلك الألوان أمطار ربيع، ولاشموس قيظ ؛ لأنه لمَّا خيل أنّهَا أزاهير، وكان من شأنها ألا تتكون إلاَّ في الرَّبيع

ص: 298


1- نهج البلاغة: خ، 165 ، 170
2- خ 87 ، 77
3- خ 165 ، 171

بأمطاره، وحرارة شمسه المعدة لتنويره، أراد ان يبین عظمة صانعها بانها مع كونها أزاهير خلقها بلا مطر ولاشمس(1) .

وجاء(أزاهير) مضافا الى ضمير الغيبةالعائد على الأرض في قوله: « فَلَماَّ أَلْقَتِ السَّحابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا، وَبَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا، أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هَوَامِدِ الأرض النَّبَاتَ، وَمِنْ زُعْر الِجبَالِ الاْعْشابَ، فَهِيَ تَبْهَجُ بزِينَةِ رِيَاضِهَا، وَتَزْدَهِي بِماَ أُلْبِسَتْهُ مِنْ رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا»(2) .

بيان لطلاقة قدرة الخالق والموعظة والاختبار، لترسيخ الإيمان في نفس المؤمن أوهداية المنكر المشرك. وقد أخطأ من جمع (زهرعلى زهور)، وهذا مانبهنا إليه الإمام (عليه السَّلام) فأورد الجمع منه (أزهار) على زنة (أفْعَال).

وهو ما ذكره محمد العدناني قائلاً: « إنَّ الصواب هو: أنَّ زّهْر شِبْهُ جَمعٍ، ويقال له اسم جنسِ جمعي وواحده زَهْرَة وزَهَرَة. وجمع (زَهْر) هو: (أزْهار)، وجمع (أزهار) هو (أزاهِير)»(3) .

والزًهْرةُ: نَوْرُ كلٍ نبات. وزَهرةُ الدنيا: حُسْنُها وبَهْجَتُها. وشَجَرَةٌ مُزهِرةٌ.

والزُهُورُ: تلألؤ السرٍاجِ الزًاهر، وزَهَر السراب زُهورا، أي تلألؤاً. والزٌهَرَةُ اسم كوكب(4) .

ف » الزاء والهاء والراء اصل واحديدل على حسن وضياء وصفاء. من ذلك

ص: 299


1- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 289
2- نهج البلاغة: خ 91 ، 91
3- معجم الأخطاء اللغوية: 113
4- ظ: العين (مادة زهر): 4 / 13

الزهرة: النَّجم، ومنه الزًهْر، وهو نور كل نبات ؛ يقال أزهر النًبات. وكان بعضهم يقول النور الأبيض، والزهر الأصفر، وزهرة الدُّنيا: حسنها(1) .

والزًهْرَةُ: نور كل نبات، والجمع زَهْرٌ، وخَصً بعضهم به الابيض. وزَهْرُ النبت: نوره، وكذلك الزًهَرَةُ، بالتحريك. قال: والزٌهْرَةُ البياض، وزَهْرَةَ الدنيا وزَهَرَتها: حُسنها وبهجتها وغضارتها قال تعالى:﴿ لاَ تَمدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَی مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(2) .

9) الِّسدر:

ورد مرة واحدة في كلام الامام (عليه السلام) معَرفًاً ب(ال) وموصوفا بصفة الخضد، إتِّباعاً لما جاء في القران الكريم، قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَاأَصْحَابُ الْيَمِينِ ۞ فِ سِدْرٍ مّْخضُود ۞ وَطَلْحٍ مَّنضُود﴾(3) ، وقال (عليه السلام) في وصف بني امية: « فَماَ احْلَوْلَتْ الدُّنْيَا لَكُمْ فِی لَذَّتِها، وَلاَ تَمكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلاَفِهَا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا، قَلِقاً وَضِينُهَا، قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَام بِمَنْزِلَةِ السِّدْر الْمَخْضُودِ»(4) .

فشبَّه الحرام بالسِّدر المخضود ؛لكثرة أكلهم له ورغبتهم فيه ان كان المخضود بمعنى المعطوف من كثرة الحمل، وان كان بمعنى مقطوع الشّوك، ووجه الشَبَّه أن نواهي الله على فعل الحرام تجري مجرى الشوك للسِّدر، ووجه الشَبَّه: كونها مانعة ص: 300


1- ظ: مقاييس اللغة: 2 / 498
2- يونس / 24
3- الواقعة / 26 - 29
4- نهج البلاغة: خ 105 ، 106

منه زاجرة عنه كإمتناع الشوك عن إجتناء ثمرة السدّر، فهؤلاء القوم لم يبالوا صار السِّدر الناعم الأملس في سهولة تناولهم، والمخضود: الذي لاشوك فيه. فنواهي الله ووعيده على فعل المحرمات تجري مجرى الشوك للسدر، والسِّدْرُ: شجر حمله النبق، والواحدة بالهاء، وورقه غَسول. وسِدرة المنتهى في السَّماء السَّابعة لايجاوزها ملك ولانبي، قد أظلت السَّاموات والجنة. والسِّدر: اسمدرار البصَّ، وسدر يبصره سدراً اذا لم يكد يبصر الشيء حسنا، فهو سدِر وعينه سِدرة(1) .

وهو شَجَّر حمله النبق، واحدته بالهاء، وورقه غسول، وسدرة المنتهى في السماء السابعة أظلت السماوات والجنة(2) .

ويطلق عليها شَجَرَة النًبْقِ والجمع (سِدَرٌ) ثم يجمع (سِدَرَات) أي جمع الجمع، قال ابن السراج: وقد يقولون(سَدْرٌ) ويريدون الأقل ؛ لقلة استعمالهم التاء في هذا الباب، وأطلق في الغَسْلِ ويعنون به الوَرَق المطحون، وقال الحجَّة في التفسير:والسِّدْر نوعان أحدهما ينبت في الأرياف فينتفع بورقه في الغَسْل وثمرته طيبة والآخر ينبت في البرَ ولاينتفع بورقه في الغَسْل وثمرته عفصة(3) .

10) السعدان:

ورد في كلام الإمام (عليه السلام) في موضع واحد من النَّهْج.(4) ، ليدل على نوع من أنواع النبات قال (عليه السلام): « وَاللهِ لاَنْ أَبِيتَ عَلَی حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً،

ص: 301


1- ظ: منهاج البراعة: 7 / 180
2- ظ: العين (مادة سدر): 7 / 224
3- ظ: لسان العرب (مادة سدر): 3 / 972
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 938

أَوْ أُجَرَّ فِی الاْغْلَالِ مُصَفَّداً، أَحَبُّ إِلَّی مِنْ أَنْ أَلْقَى اللهَ وَرَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِاً لِبَعْضِ الْعِبَادِ»(1) ، والحَسَك: نبات له ثمرة خشنة تتعلق بأصواف الغنم، واحدته حَسَكة(2)

و السِّعدان نبات شوكي ترعاه الإبل، يصفُّ المبيت على الشَّوك، أو سحب القيود والأغلال أحبُّ من الظلم والتعدي على الآخرين، لاعذاب الدُّنيا يزول والآخرة دائم(3)

و(مسهدا، مصفدا، ظالما) كلها أحوال ف(مسهًداً) حال من الفاعل، وهو الضمير المستترفي أبيت. ويعني حاله ممنوعا من النوم، واقَسَّمه ظاهر في الكلام (الله) لفظ الجلالة وواو القسم، وبعدها اللام الموطئة للقسم المتصلة بأن المصدرية الناصبة، وبعدها جملة معطوفة بواسطة(اوالتخييرية)، جواب القسم (أحبُّ إليَّ) سعد وترجيحه للبيات على الأشواك والجر في الأغلال عليه، ولفظ (أحبُّ) أراد به المعنى الوضعي نظير صيغة المبالغة ؛ لاالتفضيل.

وهو نبات له شوك كحسك القُطْب غير أنه غليظ مُفَرْطَح كالفَلْكَة، ونباته سمى الحَلَمَةَ، وهو من افضل المراعى وهو من أحرار البقول. وتقول العرب إذا قاسترجلاً برجلٍ لا يشبهه: مرعىً ولا كالسِّعدان، وماء ولا كصدًاء(4) .

وذهب ابو حنيفة الدينوري (ت 282 ه) الى كونه شوك النخل، وقيل أنه بَقلة،

ص: 302


1- نهج البلاغة: خ 224 ، 254
2- ظ: العين (مادة حسك): 3 / 59
3- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 2 / 47 وظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 4 / 76
4- ظ: العين (مادة سعد): 1 / 323

وهو من أفضل المَراعي، واحدته سَعْدَانة(1) ، وأصول حروفه» السین والعين والدال اصل يدل على خير وسرور، خلاف النحس. فالسًعْد: اليمن في الامر. والسًعْدان:

نبات من افضل المرعى. يقولون في امثالهم: «مرعى ولا كالسًعدان»(2) .

وهو شوك النخل، وقيل: هو بقلة، وهو نبت ذو شوك كأنه فلكه يستلقى فتنظر الى شوكه كالحا اذا يبس، ومنبته سهول الأرض، وهو من أطيب مراعى الإبل مادام رطبا، والعرب تقول: أطيب الإبل لبنا ماأكل السًعدان والحُربث(3) .

اللفظ مرات وروده وزنه

الشًجَرِ 3 مرات الفعل

الشًجَرَة 11 مرة الفعًلة

شَجَرَته 3 مرات فعلته

الأشجار 6 مرات الافعال

11)الًشجَر:

وردت هذه اللفظة ثلاثا وعشرين مرة في النَّهْج، وهو مبين في الجدول الآتي(4) :

ورد لفظ (شَجَّر) ليدل على معنيين:

1) المعنى الحقيقي: وهو الشَّجر المتعارف عليه، ورد قوله في صفة (أصحاب

ص: 303


1- ظ: كتاب النبات: أبو حنيفة الدينوري: 28
2- مقاييس اللغة: 3 / 75
3- ظ: لسان العرب (مادة سعد): 3 / 2013
4- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 983

رسول الله صلىّ الله عليه وآله وسلَّم): » وَمَادُوا كَمَ يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ، خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ»(1) ، فقد شبههم بالشَّجرالمتمايل في الرِّيح العاصف. فاذا ذكر الله مادوا كالشَّجر بالريح العاصف خوفاً من عقاب ربهم فتارة يكون ميدانهم وقاقهم عن خوف الله وتارة عن ارتياح واشتياق الى ماعنده من عظيم(2) .

وقال في بيان خلقة السَّماء والكون: « فَانْظُرْ إِلَی الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالنَّبَاتِ وَالشَّجَرِ، وَالَماءِ وَالَحجَرِ، وَاخْتِلاَفِ هذَا اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ»(3) ، فقد قدَّم الشَّمس للإهتمام على القمر، ففيها مافيها من طلوع وغروب لإقامة الليل والنهار، وقدَّم النبات على الشَّجر: ففي النبات ثمار للغذَّاء والأتبان للعلف والخشب للوقود، واللُّحاء والورق والأصول والعروق والصموغ ؛ لضروب من المنافع(4) .

وجاء الجمع (الأشجار) على زنة (أفعال) معرفا ب(ال) جمعا للقلة ست مرات معَّرفا ب(ال)، الا في موضع واحد نكرة، مخصصة بالوصف بواسطة الجملة الفعلية:

(غيبت عروقها في كثبان المسك) في قوله: (صفة الجنة): » وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِی اصْطِفَاقِ أَشْجَارغُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِی كُثْبَانِ الِمسْكِ عَلىَ سَوَاحِلِ أَنْهارِهَا»(5) .

وفي هذا دلالة على ان أمير المؤمنین (عليه السلام) في درجة متوسطة فمعرفة حال هذه الجنة فهو من جهة يعرف أوصافها من خلال القران الكريم والأحاديث

ص: 304


1- نهج البلاغة: خ 97 ، 100
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 2 / 426
3- نهج البلاغة: خ 185 ، 196
4- ظ: بهج الصباغة: 7 / 113
5- نهج البلاغة: خ 162 ، 172

الشريفة ومن جهة اخرى يخفى عليه اكثر أحوالها.

2) المعنى المجازي: أطلقه الإمام ليقصد به معانٍ مجازية منها (أنَ لكلِّ إنسان شجرة، او وصفاً للإسلام، أو لبيان صنف الأنبياء) فجاء مجموعاً على زنة (فَعَل) معرَفا ب(ال) منها قوله في آل محمد (صلىَّ الله عليه وآله وسَلَّم) قائِلاً: «عِتْرتُهُ خَيْر الْعِترَ، وَأُسْرتُهُ خَيرْ الاْسَر، وَشَجَرَتُهُ خَيرْ الشَّجَرِ» نَبَتَتْ فِی حَرَم، وَبَسَقَتْ فِی كَرَم، لَها فُرُوعٌ طِوَالٌ، وَثَمَرٌ لاَيُنَال»(1) .

نجد المقابلة بین الإسمين (الأسر والشَّجَر) ؛ لمَا فيهما من تقارب وتشابك، فالتقابل الدِّلالي حصل بالجملة الإسمية (أسرته خيرالأسر)، وفيه مفاضلة باسم التفضيل

(خير)، وبين (شجرته خيرُالشَّجر) مفاضلةعلى سائر الشَّجر، والتعريف دلَّ على كون هذا الشَّجر معروفا مميزاً، وأراد بهم بني هاشم، لمَا حصل فيها من البَّكة؛ لذا وُضِعَتْ النبوةُ والإمامةُ فيهم. فالجمل (إستودعهم. مستودع، أقرَّهم.. مستقر، عترته...العتر، شجرته...الشَّجر، أسرته....الأسر) جناس اشتقاقي ناقص، وظاهرة التكرارعزَّزت فاعلية المجانسة بتكرار جنس الكلمة مع ماألحقه من تغيير، فسَجلت هذه الأبعاد نقطة حسَّاسة تتمثل في تسليط الضوء على العبارات، ففي التراكيب الثلاثة الأول (عترته خير العُترَّ، أسرته خير الأسر، شجَّرته خير الشَّجر) اعتمدت على ثلاثة أجزاء تكررت بنفس البُنية التركيبية، ونظام صوتي ذو نهاية واحدة، فاختلف المعنى، واتفقت الصيغ الصرفية، هذه المنظومة السجعية التي جاءت في سياق وصف الإمام للأنبياء وظفت خدمتها للكلام، فالمتحدث في معرض الثناء والمدح والفخر والوصف للموصوفین، وهذا الجو يبعث على الاستقرار النفسي مع

ص: 305


1- نهج البلاغة: خ 94 ، 97 وخ 161 ، 163

مناخ تنغيمي مُرَصَّع بالسَّجع(1) .

والمَشْجَرَة: أرض تُنْبِتُ الشًجَرَ الكثير، والأرض شجيرة. وهذه أشجر من هذه:

أي اكثر شجرا والشجر اصناف، فأما جلٌ الشًجَر فعِظامه وما بقى على الشتاء، وأما دقٌ الشجر فصنفان: أحدهما تبقى له أرومة في الأرض في الشتاء، وينبت في الربيع، وما ينبت من الحب كما ينبت من البقل، وفرق مابین الشجر والبقل، ان الشجر يبقى له ارومة على الشتاء ولايبقى للبقل شيء(2) .

ف » الشین والجيم والراء اصلان متداخلان، يقرب بعضهما من بعض، ولايخلو معناهما من تداخل الشيء بعضه في بعض، ومن علو في شيء وارتفاع.

فالشَجر معروف، الواحدة شجَرة، وهي لاتخلو من ارتفاع وتداخل أغصان. ووادٍ شَجِرٍ. والشًجَر: كلٌ نبتٍ له ساق»(3) .

قال تعالى ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ۞ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾(4)

والشجرة الواحدة تجمع على الشجر والشجرات والأشجار، والمجتمع الكثير منه: شَجْرَاءُ. والشًجَرُ من النبات ؛ ماقام على ساق، وابدلوا الشین من الجيم فقالوا: شِيرَة، ولايقال للنخلة شَجَرة(5)

ص: 306


1- ظ: المستويات الجمالية في نهج البلاغة: 106
2- ظ: العين (مادة شجر): 6 / 30 - 31
3- ظ: مقاييس اللغة: 3 / 246
4- الرحمن / 5 - 6
5- ظ: لسان العرب (مادة شجر): 4 / 2198

12) العُشبُ:

تكرر في كلام الامام عليه السلام في خمسة مواضع من النَّهْج. كما هو مذكور فيالجدول الآتي:(1)

اللفظ مرات وروده وزنه

تُعْشِب مرة تُفْعِل

عُشْبِهَا مرة فُعْلِها

مُعْشِبَة مرة مُفْعِلَة

الأعْشاب مرتان الأفْعال

اذ ورد الفعل المضارع منه على زنة (تُفعِل) للمخاطب، وهي صيغة (تُعشِب)، مرة واحدة في قوله: « اللَّهُمَّ سُقْيَا مِنْكَ تُعْشِبُ بِها نِجَادُنَا، وَتَجرِي بِها وِهَادُنَا...»(2) . سقياً مغيثاً: ديمة مدراراً، واسقنا الغيث واكفاً مغزاراً وبركة من الوابل نافعة، ممرعة آثارها زاكياً نبتها(3) .

وجاء مضافاً الى ضمير الغائب (ها) في حديثه عم الدُّنيا قائلاً: « وتشبع الربيضة من عشبها فتربض»(4) ، فقد حَذّر من الإشتغال بأكل الطيبات بذكر مايلزم المشتغل

ص: 307


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 983
2- نهج البلاغة: خ 115 ، 121
3- ظ: منهاج البراعة: 8 / 71
4- نهج البلاغة: ك 45 ، 315

بذلك من مشابهة البهيمة، ووجه الشَّبه بينهما (همها علفها)(1) .

فالكلأ الرطب. وهو سرعان الكلأ، أي: أوَّله في البيع ثم يهيج فلا بقاء له ولا يقال: عَشِبت الأرض، ولكن اعشبت وهو القياس(2) .

العین والشین والباء اصل واحد صحيح يدل على يبس في شيء وقُحول وما اشبه ذلك. من ذلك العشب، قالوا: هو سرعان الكلأ في الربيع، ثم يهيج ولابقاء له.

وأرض عَشِبَة: مُعْشِبة، واعشبت اذا كثر عشبها»(3) ، والعُشْبُ: الكلأ الرطب،واحدته عُشبَة، وهو سرعان الكلأ في الربيع، يهيج ولايبقى، وجمع العُشْبِ: أعْشابٌ.

والكلأ عند العرب، يقع على العشب وغيره، والرطب من البقول البرية، ينبت في الربيع(4) ، وفي حديث خزيمة: «واعشوشب ما حولها» ؛ أي نبت فيه العشب الكثير، وافعوعل من ابنية المبالغة، والعُشْبُ: الكلأ ما دام رطبا»(5) .

13) العَظْلَمُ:

ورد مرة واحدة في النَّهْج معرفا ب(ال) ومسبوقا بالباء ذلك في قوله: « وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَقِيلاً وَقَدْ أمْلَقَ حَتَّى اسْتماحَنِي مِنْ بُرِّكُمْ صَاعاً، وَرَأَيْتُ صِبْيَانَهُ شُعْثَ الشُّعُورِ، غُبرْ الاْلْوَانِ، مِنْ فَقْرِهِمْ، كَأَنّمَاَ سُوِّدَتْ وُجُوهُهُمْ بِالْعِظْلِمِ»(6) وعقيل

ص: 308


1- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 105
2- ظ: العين (مادة عشب): 1 / 262
3- مقاييس اللغة: 4 / 323
4- ظ: لسان العرب (مادة كلأ): 4 / 2951
5- ظ: النهاية في غريب الحديث والأثر: 616
6- نهج البلاغة: خ 224 ، 254

هو أخو الإمام يكبره بعشرين عاماً، وقد افتقر فطلب من الامام أن يمنحه أو يعطيه من القمح، مايقرب زنة 4 كيلو غرام، حتى أن أولاده من شدة الفقر أوصافهم كانت (شعث الشعور: مغبرين ومتلبدين، غبر الألوان: صار لونهم كالغبار)(1) .

فوظف الفاظ الطبيعة من النباتات البرية في بيان حال ابناء اخيه عقيل (رضي الله عنه). أقسم الإمام بلفظ الجلالة (الله) وواو القسم، ثم اتبعها باللام و(قد) تفيد التحقيق، للتوكيد وتفصيله للحكاية هنا أتى بتشكيل لفظي سرد فيه حكاية منظومة بصورة بلاغية كثفت المعنى بأيحائية ظاهرة (والمفهوم هنا زهدي تربوي يتنافس عليه الأنبياء مقابل حياة مترفة يحياها الطغاة والجبابرة)(2) .

وهوعصارة شَجر لونه أخضر إلى الكُدْرة(3) ، وهي شجيرة من الرِبة. تنبت أخيرا، وتدوم خضرتها، وقيل: شجرة ترتفع على ساق نحو الذراع وهي تحز الشيب وعصارتها اذا جفت هي النيلج(4) .

وقال الازهري: عصارة شجر لونه كالنيل اخضر الى الكدرة. والعِظْلِمُ: صِبغ احمر، وقيل: هو الوَسْمة. قال ابو حنيفة: العِظْلِم شجيرة من الرِّبة تنبت أخيرا وتدوم خضرتها(5) .

وهو عصارة شجرة ترتفع على ساق نحو الذراع ولها فروع في اطرافها كنور

ص: 309


1- ظ: شرح نهج البلاغة: ابن ابي الحديد: 2 / 220
2- ظ: الخطاب في نهج البلاغة: 83
3- ظ: العين (مادة علقم): 2 / 342
4- ظ: كتاب النبات: ابو حنيفة الدينوري: 143
5- ظ: لسان العرب (مادة عظلم): 4 / 3004

الكزبرة وهي شجرة غ رباء، وهو نبت بالعربية النيل، وقيل: نبت اخر يصبغ به(1) .

14) العَلَف:

ورد في كلام الامام (عليه السلام) اربع مرات، كما بيبينه الجدول الآتي(2) :

اللفظ مرات وروده وزنه

عَلَفُها مرة فَعَلها

المَعْلُوفة مرة المَفْعولة

مُعْتَلَفه مرة مُفْتَعَله

أعْلافِها مرة أفْعالها

ليدل على:

المعنى الحقيقي: فورد الاسم (علف) متصلاً بضمير الغائبة في قوله: « أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسی بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُالُمؤْمِنِین، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِ مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهمْ فِی جُشُوبَةِ الْعَيْشِ! فَماَ خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الَمرْبُوطَةِ هَّمهَا عَلَفُهَا، أَوِ الُمرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْترَشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا»(3) ، ف(تكترش من أعلافها) تملا كرشها من العلف، والكرش للشاة بمنزلة المعدة، وهمها علفها: جملة حالية عن (البهيمة)(4) .

ص: 310


1- ظ: تاج العروس: الزبيدي: 1 / 7822
2- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1170
3- نهج البلاغة: ك 45 ، 313
4- ظ: منهاج البراعة: 20 / 107

وجاء اسم المفعول مؤنثا معَّرفا ب(ال) على زنة (مفعولة) ورد مرة واحدة في قوله (عليه السلام): « أَيُّها الغَافِلُونَ غَيرْ الَمغْفُولِ عَنْهُمْ، وَالتَّارِكُونَ الَمأْخُوذُ مِنْهُمْ، مَالي أَرَاكُمْ عَنِ اللهِ ذَاهِبِین، وَإِلَ غَيرْهِ رَاغِبِین! كَأَنَّكُمْ نَعَم أَرَاحَ بِها سَائِمٌ إلَ مَرْعىً وبي وَمَشرْب دَوِيّ وَإنَّماَ هِيَ كَالَمعْلُوفَةِ لِلْمُدَى الاَ تَعْرِفُ مَاذَا يُرَادُ بِها ! إذَا أُحْسِنَ إلَيْهَا تَحسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا، وَشِبَعَهَا أَمْرَهَا»(1) .

بدأ الكلام بالنداء للبعيد (ايها) ثم شبههَّم بالأنعام والأداة (كأنً) واستفهم ب(ما)؛ لكنه استعمل زنة (فعل) الدَّال على الكثرة، فهم نعم سائمة: متروكة بغير راعِ، ووصف هذا المرعى ب(وبي، ومشربهم ب(دوي)، ووجه الشبَّه بین الغافلین والنِعم (الغفلة، والنفس الأمَّارة بالسُّوء) كالرَّاعي القائد الى لذَّات الدُّنيا، وهي الآثام، والتشبيه الآخر بمعلوفة النِّعم، ووجه الشبه (عنايتهم بلذَّات الدُّنيا من المطاعم والمشارب كالنِّعم المُعتنى بعلفها.

وعَلفْتْ الدَّابةُ أعْلِفُها عَلفا، اي اطعمتها العلَف , والمِعْلَف: موضع العلف(2) .

«فالعین واللام والفاء ليس بأصل كثير. ويقال للغنم التي تُعْلَفُ: عَلُوفة والعٌلًف: ثمر الطًلح»(3) .

العَلَفُ للدًوابٍ، والجمع عِلافٌ، مثل جَبَل وجِبَال. وفي الحديث: « وتأكلوا عِلافهَا » هو جمع عَلَفٍ، وهو ما تأكله الماشية، وسقيتها ماءً، والمِعْلَف: موضع

ص: 311


1- نهج البلاغة: خ 175 ، 181
2- ظ: العين (مادة علف): 2 / 144
3- مقاييس اللغة: 4 / 125

العلف، والدَّابة تعتلف: تأكل وجمعها عُلفٌ وعَلائِفُ(1) .

15) العَلْقَمُ:

ورد هذا اللفظ أربع مرات في النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي:(2)

اللفظ مرات وروده وزنه

العَلْقَم 3 مرات الفعلل

عَلْقَمَ مرة فعللا

دالاًعلى المعنى المجازي بوصفه الحرب والظلم فيصف طعم المرورة فيها، ويشبهه بالعلقم فيستعيره للمشابهة بينهام في المرارة الحسية والعقلية، وتمثل في قوله (عليه السلام): » وَصَرَبْتُ مِنْ كَظْمِ الغَيْظِ عَلى أَمَرَّ مِنَ العَلْقَمِ، وَآلَم لِلْقَلْبِ مِنْ خَزِّ الشِّفَارِ»(3) تشبيها لمرارة الظلم.

وجاء على زنة (أمَرً) فقال في دولة بني أمية: « وَسَيَنْتَقِمُ اللهُ مِّمنْ ظَلَمَ، مَأْكَلاً بِمَأْكَل، وَمَشْرباً بِمَ رْشَب، مِنْ مَطَاعِمِ الْعَلْقَمِ، وَمَشَارِبِ الصَّبرِ وَالَمقِرِ، وَلِبَاسِ شِعَارِ الْخوْفِ، وَدِثَارِ السَّيْفِ»(4) .

وقد استعمل الامام اسلوب المساواة (مأكلاً = مأكل) (مشرباً = مشرب) وكلاهما على زنة (مَفْعَل) وهو اسم مكان، ومطاعم العلقم: الأشجار التي طعمها مر،

ص: 312


1- ظ: لسان العرب: (مادة علف): 4 / 3070
2- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1171
3- نهج البلاغة: خ 26 ، 3 وخ 217 ، 245
4- خ 158 ، 159

فالمأكل هو العلقم والمشرب هو الصبر، فكظ الغيظ كطعم العلقم. وجملة: سيبدل الله مآكلهم اللذيذة الشهية بامكل مريرة علقمية، ف(مأكلا منصوبا بفعل تقديره:

يأكلون مأكلا، ويشربون مشربا، والباء هنا للمجازاة الدَّالة على الصلة.

وجاء منكرا في قوله مشيراً الى الملاحم: « حَتَّى تَقُومَ الَحرْبُ بِكُمْ عَلَ سَاق، بَادِياً نَوَاجِذُهَا، ممْلُوءَةً أَخْلاَفُهَا، حُلْواً رَضَاعُهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا «(1) .

استعارة تمثيلية، اذ صور الحرب وهم يشتاقون اليها املين نفعها لكنهم غافلون عاقبتها، كالنوق القوية التي لم يرد ذكرها بل اكتفى بذكر لوازمها وهي الفاغرة افواهها، وفي ضروعها لبن غزير شهي ولكن في شربه هلاك(2) ، ووجه الإستعارة بأوصاف الدابة والنوق ؛ لمرارة الحرب وشدة وقعها وطول مدة لبثها.

والعلقم: نبت فيه مرارة عظيمة، وعاقبتها مرفوعة على الابتداء وهو خبرها، واراد أن عاقبة الحرب وخيمة. وهو شجر الحَنْظَلِ، والقطعة منه عَلْقَمَة(3) .

وكلٌ مُرٍ عَلْقَم، وقيل: هو الحَنْظَلٌ بعينه، أعني ثمرته، والواحدة منها عَلْقَمَة، ويقال لكل شيء فيه مرارة شديدة: كأنه العَلْقَم، وشجَّر الحَنْظَلِ، والقطعة منه عَلْقَمَة(4) .

ص: 313


1- خ 138 ، 139
2- ظ: بلاغة الامام علي: 113
3- ظ: الديباج الوضي: 3 / 1284
4- ظ: العين (مادة علقم): 2 / 126 ، وظ: لسان العرب (مادة علقم): 4 / 3077

16) الفَرْع:

تكرر هذا اللفظ ثماني مرات في النَّهْج، كما يوضحه الجدول الآتي(1) :

اللفظ مرات وروده وزنه

يَفْرَعَهُ مرة يَفْعَلَهُ

فَرْعٍ 3 مرات فَعْل

فَرْعُهَا مرة فَعْلُها

الْفُرُوع مرة الْفُعُول

فُرُوعُها مرة فُعُولهُا

فُرًوعِهِ مرة فُعُولِهِ

ليدل على معنيين:

1) المعنى الحقيقي: جاء في قوله (عليه السَّلام): «يَابْنَ اللَّعِین الاْبْتَر، وَالشَّجَرَةِ الَّتي لاَ أَصْلَ لَها وَلاَ فَرْعَ»(2) .

إستعار لفظ الشجرة اشارة لحقارته ودنائته، فالشجرة التي لاأصل لها ولافرع ساقطة عن درجة الاعتبار حقيرة في الأنظار، ويحتمل أنّه أراد بالوصفین نفي صفة الكمال فيلاحظ في المستعار له عدم ثبوت أصله للطعن في نسبه(3) .

2) المعنى المجازي: جاء الجمع مضافا الى هاء الغائبة في قوله في فناء الدنيا:

ص: 314


1- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1251
2- نهج البلاغة: خ 135 ، 137
3- ظ: منهاج البراعة: 8 / 29

« وَقَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا، فمَاَ بَقَاءُ فَرْع بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ ! »(1) ، ويعني ب(وقد مضت أصول): الآباء ويعني ب(نحن فروعها) والإشارة اليه على صيغة الجمع للضمير المنفصل (نحن)، ثم استفهم على سبيل التعجب عن بقاء الفرع بعدذهاب أصله(2) .

والفَرْعُ: أوًل نتاج الغنم أو الابل. وأفْرَع القومُ اذا نُتِجوا في أول النِتاج. ويقال:

الفَرَعُ: أوًل نتاج الإبل يُسلخ جلده فَيُلْبَسُ فصيلا اخر ثم تعطف عليه ناقة سوى امه فتحلب عليه(3) .

فالفاء والرَّاء والعین أصل صحيح يدل على علو وإرتفاع وسمو وسبوغ. من ذلك الفَرْع، وهو أعلى الشيَّء. والفرع: مصدر فَرْعتُ الشيء فَرعا، إذا علوته.

ويقال: أفرَعَ بنو فلان، اذا انتجعوا في اوًل الناس. والفَرَع: المال الطائل المعَدُ.(4) .

17) الفكه:

ورد هذا الجذر في النَّهْج مرتین(5) ، ليدل على المعنى الحقيقي: بمعنى الطِّيب، الفَرح، والرِّضا، العيش النعيم. فجاء على زنة (فَعِلِین)، وذلك في صفة الماضين أو حال الناس بمجيء الإسلام: « فَأَصْبَحُوا فِی نِعْمَتِهَا غَرِقِین، وَفِی خُضرْةِ عَيْشِهَا فَكِهِین، قَدْ تَرَبَّعَتِ الاْمُورُ بِهمْ، فِی ظِلِّ سُلْطَان قَاهِر، وَآوَتْهمُ الَحالُ إِلَ كَنَفِ عِزّ

ص: 315


1- نهج البلاغة: خ 145 ، 144
2- ظ: شرح نهج البلاغة: البحراني: 3 / 181
3- ظ: العين (مادة فرع): 3 / 315
4- ظ: مقاييس اللغة: 4 / 492
5- ظ: المعجم المفهرس لألفاظ نهج البلاغة: 1269

غَالِب، وَتَعَطَّفَتِ الاْمُورُ عَلَيْهِمْ فِ ذُرَى مُلْك ثَابِت»(1) ، وذهب ابن ابي الحديد الى كون عن متعلقة بمحذوف تقديره » فأصبحوا فاكهین فاكهة صادرة عن خضرة عيش النِّعمة سبب لصدور الفكاهة والمزاح، فيما عارضه الخوئي معللاً عدم الحاجة الى تقدير المحذوف لجواز تعلقها بقوله فاكهین بمعنى النشوية، فقد شبّه حياة الناس بمجيء الإسلام بالنِّعم التي فتحت أجنحتها لتضمّ الحنان والدفء، وشببه بالماءالعذب الذي ينحدر نحو الحقول ؛ ليجعلها خضراء نضِّرة، فأصبحوا في سعة المعاش ناعمین مازحین من خضرة العيش(2) .، ويرجح البحث قول الخوئي.

وجاءت هذه اللفظة في كلام الإمام (عليه السّلام) مضافة الى ضمير الغيبة

(الهاء)، وذلك في صفة عيسى (عليه السلام) لبيان زهده: » وَإِنْ شِئْتَ قُلْتُ فِی عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (عليه السلام)، فَلَقَدْ كَانَ يَتَوَسَّدُ الَحجَرَ، وَيَلْبَسُ الْخشِنَ، وَكَانَ إِدَامُهُ الُجوعَ، وَسِراجُهُ بَاللَّيْلِ الْقَمَرَ، وَظِلاَلُهُ في الشِّتَاءِ مَشَارِقَ الأرض وَمَغَارِبَها، وَفَاكِهَتُهُ وَرَيْحانُهُ مَا تُنْبِتُ الأرض لِلْبَهَائِمِ »(3) ، فالمسيح ظهرفي نعيم بني اسرائيل، قصورهم فخمة، وأطعمتهم مختلفة تنقل إليهم الأطايب فأختار هذه الحياة ؛ ليحذرهم من التكالب على الدُّنيا(4) .

وقد اختلف في معنى الفاكهه، فقال بعض العلماء: كلُّ شيءٍ قد سمي في القرآن من الثِّمار، نحو العنب، والرُّمان فانًا لانسميه فاكهة، ولو حلف أن لايأكل فاكهة وأكل عنبا، ورمانا لم يكن حانثا وقال آخرون: كل الثمار فاكهة، وانما كرر في القرآن،

ص: 316


1- نهج ال