المنهج القویم: في اثبات الامامة من الذکر الحکیم

هوية الکتاب

بطاقة تعريف:الرَّجٰائي، السّیدِ مُحمَّدِ، 1310-1400.

عنوان واسم المؤلف: المنهج القویم في اثبات الامامة من الذکر الحکیم: اول کتاب في بابه یعني تدراسه.../ تالیف السّیدِ مُحمَّدِ الرَّجٰائي.

تفاصيل المنشور: إصفهان: بهار قلوب، 1420ق.= 1378.

مواصفات المظهر: 255ص.

ISBN : 964-92392-4-3

ملاحظة : العربیة.

ملاحظة: الببليوغرافيا مترجمة.

عنوان : علي بن أبي طالب (علیه السلام)، امام اول، 23 قبل الهجرة - 40 ه_ - إثبات الخلافة

عنوان :الإمامة

الإمامة - الجوانب القرآنية

ترتيب الكونجرس: BP223/ر3م 8 1378

تصنيف ديوي: 297/45

رقم الببليوغرافيا الوطنية: م 79-1654

في اِثبٰاتِا لامَامَۃ مِنَ الذّکٚرِ الحَکیمِ

أوّل كتاب في بابه یُعْني بدراسة مسألة الإمامة

حكماً وموضوعاً ويُبيّن خصائص الإمام وصفاته على

ضوء مُعْطيات الآيات القرآنية فحسب

الجزء الأول والثاني

تَأليفُ

السّیدِ مُحمَّدِ الرَّجٰائي

ص: 1

اشارة

الطبعة الثانية مزيدة ومنقّحة

جميع حقوق الطبع محفوظة ومسجّلة للناشر

الكتاب......................................... المنهج القويم

الموٴلف............................... السيّد محمّد الرجائي

الناشر ................ مؤسسة عاشوراء - قم المقدسة

الطبعة ...................... الأولى للناشر/ 627ھ 2009م

المطبعة ..................................................... کوثر

عدد المطبوع ................................. «1000» نسخه

الترقيم الدولي 7 - 12 - 7293 - 996

ص: 2

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله علىٰ أشرف الخلائقأجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين محمّد وعلىٰ آله الطاهرين، ولعنة الله علىٰ أعدائهم أجمعين إلىٰ يوم الدين .

وبعد، فهذه فصول تتضمّن آيات من الكتاب الكريم تدلّ علىٰ الشرائط المعتبرة في من يستحقّ الخلافة عن النبي صلّی الله علیه وآله .

الجزء الاول

مقدمة

إنّ القرآن الكريم يدلّ علىٰ أنّ نبينا سیّد المرسلين، وأشرف الخلائق أجمعين أبا القاسم محمّداً صلّی الله علیه وآله هو معصوم من السهو والخطأ، وعالم بالكتاب الذي هو تبيان لكلّ شيء، أجرى الله تعالىٰ علىٰ يده المعجزات الدالّة علىٰ رسالته منه تعالىٰ، و من أكبر تلك المعجزات القرآن الكريم .

كما أنّ له معجزات اُخرى لمن لم يقنع بمعجزة القرآن من تسبيح الحصىٰ، وشقّ القمر، وغيرهما، وقد أرسله الله تعالىٰ إلى الإنس والجنّ، كما قال عز وجلّ: ( وإذ صرفنا إليك نفراً من الجنّ يستمعون القرآن فلمّا حضروه قالوا انصتوا فلمّا قضيولّوا إلىٰ قومهم منذرین) .

(1)

ص: 3


1- الأحقاف : 29.

ولمّا توفّاه الله تعالىٰ اختلفت اُمّته في خليفته، فقالت طائفة: إنّ خليفته علىٰ جميع الإنس والجنّ هو بمنزلته علماً وعملاً وعصمةً، عالم بالكتاب الذي هو تبیان لكلّ شيء، عارف بجميع اللغات.

فكما أنّ له الرئاسة في اُمور دين الإنس ودنياهم، كذلك الأمر بالنسبة إلى الجنّ، فهو يعرف ألسنتهم ويلتقيهم، ويجيب مسائلهم، ويبيّن لهم أحكامهم.

ولابدّ أن يعيّنه الله تعالىٰ ورسوله، وإنّ الذي عيّنه الله ونصبه خليفة للنبي صلّی الله علیه وآله بلا فصل، هو علي بن أبي طالب علیه السّلام، الذي هو نفس النبي صلّی الله علیه وآله وبمنزلته في جميع خصاله إلاّ النبوّة وخصائصه الشخصية، وساقوا الخلافة في ذرّيته الأحد عشر المعصومين علیهم السّلامُ ، وتسمّىٰ هذه الطائفة الشيعة الإثناعشرية.

وقالت طائفة: إنّ النبي صلّی الله علیه وآله لم ينصب خليفة ولا حاجة إليه، وإنّما الحاجة إلى الأمير، فالخلافة عندهم هي الإمارة، وهذا الاختلاف هو المنشأ للاختلاف في الاُصول الاعتقادية والفروع العملية، حتّىٰ قالت الشيعة: إنّ أعمال غيرهم باطلة، واعتقادهم لا يوجب السعادة الاُخروية .

ومن نظر من المسلمين إلىٰ هذا الاختلاف بریٰ نفسه بين الجنّة والنار، وعقله السليم يحكم بأنّه ليس معذوراً في ترك النظر في أدلّة الطرفين بلا تعصّب ولا تقليد للآباء، وقد استوفىٰ علماء الشيعة من قديم الأيّام في كتبهم الأدلّة القاطعة المقنعة علىٰ إثبات عقيدتهم، فجزاهم الله عن الإسلام خيراً .

وليعلم أنّ النجاة من النار لا تدور مدار التسمية، بل كلّ إنسان مسؤول عن نفسه، ويجب عليه تحصيل العلم بصحّة معتقده، وصحة عمله، فصحيحهما يوجب

ص: 4

السعادة والفوز بالجنّة، قال الله تعالىٰ: ( يا أيّها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبّئكم بما کنتم تعملون) (1).

ولا ينبغي للعاقل أن يتعصّب بغير حقّ لطائفة خاصّة ويعادي طائفة اُخرىٰ، فتكون عداوته لها موجبة لخذلانه، كما قال شعیب علیه السّلام: (ویا قوم لا يجرمنّكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد) (2).

بل ينبغي له التثبّت والبحث عن الحقيقة من دون تعصّب، حتّىٰ لا يكون ممّن قال الله تعالىٰ: (قل هل ننبّئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً) (3) .

والاعتقاد الصحيح هو الاعتقاد بوحدانيّة الله تبارك وتعالىٰ، وسلب صفات الممكن والمخلوق وكلّ صفة ناقصة عنه، وإثبات جميع الصفات الكمالية له .

والاعتراف بالأنبياء، والتصديق بنبينا صلّی الله علیه وآله وأنّه خاتم الأنبياء، وشريعته ناسخة الشرائع من قبله، وأنّ القرآن كتابه، وأنّ خليفته بلا فصل علي بن أبي طالب علیه السّلام وأولاده الأحد عشر المعصومون علیهم السّلام، وأن يتولّىٰ أولياء الله ويحبّهم ويتبرّأ من أعداء الله ويبغضهم، ويعتقد بجميع ما اُنزل على النبي صلّی الله علیه وآله .

والعمل الصحيح هو العمل الموافق للقرآن نصّه وظاهره، وللأخبار الصادرة عن

ص: 5


1- المائدة : 15
2- هود : 89
3- الكهف : 103 - 104

النبي صلّی الله علیه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السّلام .

وإنّي اُقدّم هذه الفصول لمن يريد النظر في الأدلّة الموجبة للعلم بصحّة معتقدالشيعة، فإنّه لا يكفي في الاُصول الاعتقادية التقليد ولا الظنّ، بل لابدّ من القطع الحاصل من الأسباب العقلائية والبراهين القاطعة .

ولا حجّة أقوى وأتقن من أخذ المسلم بما اتّفقت عليه جميع فرق المسلمين، وهي نصوص القرآن الكريم (1)، والأخبار المتواترة عن سيّد المرسلین صلّی الله علیه وآله (2) ، وقد قال الله سبحانه وتعالىٰ: ( يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن کنتم تؤمنون

ص: 6


1- روى الكليني في الكافي (7: 1) مرسلاً، قال علیه السّلام: من أخذ دينه من كتاب الله وسنّة نبيّه صلوات الله عليه وآله زالت الجبال قبل أن يزول، ومن أخذ دينه من أفواه الرجال ردّته الرجال. وقال علیه السّلام : من لم يعرف أمرنا من القرآن لم يتنكّب الفتن . وروىٰ في البحار (23: 103) عن بشارة المصطفىٰ بإسناده، عن محمّد الحلبي، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السّلام : إنّه من عرف دینه من كتاب الله عزّوجلّ زالت الجبال قبل أن يزول، ومن دخل في أمر بجهل خرج منه بجهل، قلت: وما هو في كتاب الله عزّوجلّ؟ قال: قوله تعالى الحديث
2- كحديث الثقلين، وقد رواه الفريقين بأسانید مختلفة وطرق متشتّتة، رواه السيّد ابن طاووس في كتابه الطرائف (ص 113 - 117) عن أعلام العامّة عن مصادر هم المعتبرة عندهم، وراجع مقدّمة كتاب جامع الأحاديث، حيث عقد مقدّمة وجيزة في بدء الحديث وسيره، وفي وجوب التمسّك بكتاب الله الكريم والعترة الطاهرة المعصومين عليهم السلام علىٰ كافّة المسلمين بعد النبي صلّی الله علیه وآله

بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) (1) والردّ إليه سبحانه يكون بالردّ إلىٰ كتابه الكريم، والأخذ بمحكماته .

ونحن في هذا العرض إنّما نستفيد من القرآن الكريم ونستند إليه، ولا ريب أنّ المسلم المنصف – الذي آمن بالقرآن الكريم ولم يكن ممّن قال الله سبحانه: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) (2)- لو تدبّر في آياته الكريمة،لهداه إلىٰ موافقة ما يذهب إليه الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، من أنّ النبي صلّی الله علیه وآله قد عيّن خلفاءه الذين يخلفونه بعد وفاته، ولا تخلو الأرض منهم في كلّ عصر من الأعصار والأجيال، وهم الأئمّة المعصومون علیهم السّلام الذين هم بمنزلة النبي صلّی الله علیه وآله في جمیع خصاله إلاّ النبوّة وخصائصه الشخصية (3) .

وهم إثناعشر، أوّلهم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام ، وآخرهم الموجود في زماننا الغائب عن أنظارنا، وهو الإمام الحجّة الثاني عشر عجّل الله تعالی فرجه .

ص: 7


1- النساء : 59.
2- البقرة : 85.
3- روى الكليني في الكافي (1: 270 ح 7) بإسناده عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبدالله عليه السّلام يقول: الأئمّة بمنزلة رسول الله صلّی الله علیه وآله إلاّ أنّهم ليسوا بأنبياء، ولا يحلّ لهم من النساء ما يحلّ للنبي صلّی الله علیه وآله فأمّا ما خلا ذلك، فهم فيه بمنزلة رسول الله صلّی الله علیه وآله. وعقد العلاّمة المجلسي في البحار (25: 352) باباً سمّاه: باب أنّه جرىٰ لهم من الفضل والطاعة مثل ما جرىٰ لرسول الله صلّی الله علیه وآله وأنّهم في الفضل سواء، ثمّ أورد أحاديث في الباب . أقول: إنّ النبي صلّی الله علیه وآله أفضل، وبعده علي علیه السّلام أفضل من سائر الأئمّة علیهم السّلام .

وهنا تجدر الإشارة إلىٰ أنّ هذا الموضوع يتمّ علىٰ مرحلتين :المرحلة الاُولىٰ: المرحلة النظرية، وهي إثبات أوصاف الإمام وخليفة النبي صلّی الله علیه وآله ومناقبه من القرآن الكريم، كما قدّمنا.

وهذه محاولة جادّة استنطقت فيها الآيات القرآنية التي تتكفّل بإثبات هذه العقيدة، بعد التدّبر التامّ من دون حاجة إلى الاستشهاد بخبر من طرق الشيعة ، أوآخر من طرق العامّة، مع كثرة الأخبار المتواترة علىٰ هذا المعنىٰ من الفريقين، وإن كانت هذه الكيفية من الاستدلال بالقرآن الكريم لها شواهد كثيرة، يرشد إليها كثير من الأخبار التي بأيدينا، علىٰ أنّنا سنشير إلىٰ بعض الروايات الواردة في تفسير هذه الآيات .

والتي يمكن لنا - إضافةً إلىٰ ذلك – التوصّل بها إلىٰ مطلب آخر، وهو إثبات فضائل الأئمّة المعصومین علیهم السّلام ومناقبهم من القرآن الكريم، والأخبار الصحيحة الدالّة عليها، بحيث يرتفع التشكيك في صحّة بعض الروايات الواردة في فضائلهم في كتاب الكافي الشريف لمحمّد بن يعقوب الكليني رحمه الله، حيث إنّه اشتمل علىٰ روايات في فضائلهم ربما يناقش البعض فيها، في حين أنّ أكثرها مطابق للروايات الصحيحة والقرآن الكريم .

وهنا يأتي دور المرحلة الثانية، وهي المرحلة التطبيقية، ولا ريب أنّ هذه المرحلة شائكة جدّاً، حيث لا يؤمن فيها من توسّط العاطفة، الأمر الذي يسبّب انحراف الخطّ الطبيعي عن مساره الأصيل .

ولأجل أن نتدارك الموقف بحزمً وإنصاف، نرجع إلى المصادر التاريخية

ص: 8

الموثوقة المتّفق عليها، لتجلّى لنا الشخصيات التي تمثّلت فيها تلك الصفات، حيثتنطبق عليها الآيات القرآنية انطباقاً طبيعياً،ونكون بذلك أكثر حيادية .

نسأل الله تعالىٰ أن يوفّقنا لنكون ممّن يستعمون القول فيتّبعون أحسنه، إنّه ولي ذلك .

ص: 9

الفصل الأوّل

في الآيات الدالّة على لزوم التدبّر في الكتاب والعمل بنصوصه وظواهره إعلم أنّ حجّية القرآن الكريم، ووجوب اتّباعه، والعمل به، أمر بديهي لا ريب فيها، وقد حثّ القرآن نفسه على التدبّر في آياته، والتفكّر في معانيه، والنبي صلّ الله علیه وآله قد أمر بالتمسّك به في الخبر المتواتر بين الفريقين .

كما تمسّك أئمّة أهل البيت عليهم السّلام بالقرآن في أحكامهم وغيرها، وأرجعوا إليه في أخبار متواترة عنهم (1).

ونذكر بعض الآيات الدالّة علىٰ ذلك ، وهي :الاُولىٰ : ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتّبعوه واتّقوا لعلّكم ترحمون * أن تقولوا إنّما اُنزل الكتاب علىٰ طائفتين من قبلنا وإن كنّا عن دراستهم لغافلين* أو تقولوا لو أنّا اُنزل علينا الكتاب لكنّا أهدىٰ منهم فقد جاءكم بيّنة من ربّكم وهدىً ورحمة فمن أظلم ممّن كذّب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آیاتنا

ص: 10


1- راجع جامع أحادیث الشيعة 1: 155 باب حجّية ظواهر الكتاب بعد الفحص عن المخصّص أو المقيّد أو المبيّن أو المفسر أو الناسخ

سوء العذاب بما كانوا يصدفون (1).

الثانية: (إتّبعوا ما اُنزل إليكم من ربّكم ولا تتّبعوا من دونه أولياء قليلاً مّا تذكرون (2) .

الثالثة: ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه وهدىً ورحمةً القوم يؤمنون) (3).

الرابعة: (ولقد صرّفنا في هذا القرآن ليذّكّروا وما يزيدهم إلاّ نفوراً) (4) .

الخامسة: ولقد صرّفنا للناس في هذا القرآن من كلّ مثل فأبيٰ أكثر الناس إلاّ کفوراً) (5) .

السادسة: وكذلك أنزلناه قرآناً عربيّاً وصرّفنا فيه من الوعيد لعلّهم يتّقون أو يحدث لهم ذكراً) (6).

السابعة: (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آیات بیّنات لعلّكم تذكّرون) (7).

الثامنة: (ولقد أنزلنا إليكم آیات مبیّنات و مثلاً من الذين خلوا من قبلك

ص: 11


1- الأنعام : 105 - 157 .
2- الأنعام : 105 - 157
3- النحل : 64
4- (4) الإسراء : 41 .
5- الإسراء : 89
6- طه : 113
7- النور : 1

وموعظة للمتّقين) (1).

التاسعة: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كلّ مثل ولئن جئتهم بآية ليقولنّ الذين كفروا إن أنتم إلاّ مبطلون) (2).

العاشرة: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبّروا آياته وليتذكّر اُولوا الألباب) (3).

الحادية عشرة: (الله نزّل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانيَ تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربّهم ثمّ تلین جلودهم وقلوبهم إلىٰ ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فماله من هاد) (4) .

الثانية عشرة: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كلّ مثلً لعلهم يتذكّرون) (5).

الثالثة عشرة: (كتاب فصّلت آياته قرآناً عربيّاً لقومٍ يعلمون (6) .

الرابعة عشرة: (حم * والكتاب المبين * إنّا جعلناه قرآناً عربيّاً لعلّكم تعقلون) (7).

ص: 12


1- النور : 34 .
2- الروم : 58
3- ص : 29
4- الزمر : 23
5- الزمر : 27
6- (6) فصّلت : 3.
7- الزخرف : 1 - 3.

الخامسة عشرة: (هذا بصائر للناس وهدىً ورحمة لقومٍ يوقنون) (1) .

السادسة عشرة: ( ومن قبله کتاب موسىٰ إماماً ورحمةً وهذا كتاب مصدّقٌ لساناً عربيّاً لينذر الذين ظلموا وبشرىٰ للمحسنین) (2).

السابعة عشرة: (أفلا يتدبّرون القرآن أم علىٰ قلوبٍ أقفالها (3) .

الثامنة عشرة: (ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل من مدّكر) (4).

التاسعة عشرة: وما هو إلّا ذكر للعالمين (ه).

العشرون: (أفلا يتدبّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثير (5).

وهذه الآيات الشريفة وغيرها تدلّ بوضوح علىٰ أنّ الكتاب جعل عربياً ليتدبّر الذين بعث النبي صلّی الله علیه وآله فيهم آياته ويعقلوه، ويتّبعوا محكماته ونصوصه، ويأخذوا بأوامره ونواهيه، ويتّعظوا بمواعظه.

ثمّ إنّ دلالة آياته علىٰ أصناف :منها: ما هو نصّ في معناه، أو كالنصّ فيه بعد ملاحظة جميع الآيات المناسبة المعناه، كالآيات الدالّة على التوحيد، ونبوّة الأنبياء، ويوم القيامة،والثواب

ص: 13


1- الجاثية : 20.
2- الأحقاف : 12.
3- محمد صلّی االه علیه وآله: 24 .
4- القمر : 17 و 22.
5- النساء : 82.

والعقاب، ووجوب الصلاة والصيام ونحوها.

ويستفيد من هذا الصنف من يعرف اللغة العربية وفنونها، فعليهم أن يتدّبروا في هذه الآيات، وهذا الصنف حجّة موجب للعلم يجب اتّباعه.

ومنها: ما هو متشابه، ولعلّ المراد به ما يحتمل المعاني المتعدّدة، وقد ذمّ القرآن الكريم على اتّباعه في قوله سبحانه (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آیات محکمات هنّ اُمّ الكتاب واُخر متشابهات فأمّا الذين في قلوبهم زيغٌ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنّا به ) (1) .

إنّ هذه الآية نصّ في المنع عن اتّباع الآيات المتشابهة، ولزوم الوقوف عندها، ويجب على المسلمين العمل بها، وهو يتوقّف علىٰ معرفة المتشابه، ولا يتحقّق معرفته إلاّ إذا خلا الإنسان عن العصبيّة الجاهليّة، وهجر متابعة الهوىٰ وتقليد الآباء .

ومنها: ما هو ظاهر في معناه، فإن كان ظاهراً عند المخاطبين ولو بمعونة القرائن الحالية ولم يكن من العامّ الذي اُخّر بیان خاصّه، أو المطلق الذي اُخّر بیان مقيّده علىٰ لسان النبي صلّی الله علیه وآله، أو من أودعه علمه، فهو حجّة ويكون من المحكمات.

وإن كان ظاهراً في معناه، لكن وقع بيان خلاف ظاهره من التخصيص والتقيية والتبيين في كلام النبي صلّی الله علیه وآله، أو من أودعه علمه، فلا يكون الظاهر حجّة إلاّ بعد ملاحظة البيان المخالف له .

ص: 14


1- آل عمران : 7.

وأمّا ما يستظهره كلّ ذي سليقة خاصّة بحسب تفكيره و تقليده لمعاشريه من أرحامه وأصدقائه وأهل بلده، فلا دليل علىٰ حجّيته، كمن يستظهر حركة الأرض من بعض الآيات، كقوله تعالىٰ: ( الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً)(1)بزعم أنّ المراد به أنّها کمهد الطفل يتحرّك ويدور حول نفسه.

وكحسن الاعتقاد بجميع صحابة النبي صلّی الله علیه وآله، يستظهر حسنهم من قوله تعالىٰ (محمّد رسول الله والذين معه أشدّاء على الكفّار) (2)الآية، ويدّعي أنّه تعالىٰ مدح جميع من معه صلّی الله علیه وآله .

وإنّ الله سبحانه وتعالىٰ أنعم على الإنسان بالعقل، فينبغي له أن يستفيد من هذه النعمة، والعقل يحكم بأنّه لابدّ من تصحيح الاعتقاد بتطبيقه على القرآن لابحمل الاعتقاد عليه.

بل إنّ القرآن الكريم قد منع عن هذه الاستظهارات التي لا توجب العلم في آيات كثيرة نهىٰ فيها عن اتّباع غير العلم، كقوله سبحانه (ولا تقف ما ليس لك به علم) (3) .

ومنها: ما ليس نصّاً ولا ظاهراً في معناه بحيث يفهمه كلّ أحد، بل يحتاج فهم المراد منه إلىٰ بيان من هو قوله حجّة، وهو المعصوم أو من أرجع المعصوم إليه،كمفهوم الصلاة والحجّ والزكاة والصوم، وأمثال ذلك، ولا إشكال في حجّية قول

ص: 15


1- طه : 53.
2- الفتح : 29.
3- الإسراء : 36 .

المعصوم، وأمّا آراء غيره فليست حكم الله تعالىٰ، والشيعة الإمامية ترجع في أمثال ذلك إلى المعصوم أو إلىٰ من أرجع إليه المعصوم ونحن في هذا العرض بصدد استنطاق القرآن الكريم لتعيين خليفة النبي صلّی الله علیه وآله وأوصافه، ولذا نتّبع الآيات المحكمات من نصوص الكتاب، أو ظواهره التي لا يعتريها احتمال الخلاف بعد تأیید بعضها ببعض، ورفع إجمال المجمل منهابمبيّنها، ونستفيد مطلوبنا منها، فنحن إذاً مصداق قوله تعالىٰ (والذين يمسّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنّا لا نضيع أجر المصلحین (1).

وهذه الكيفية من الاستفادة من هذه الآيات الشريفة هي نعمة من نعم الله سبحانه أنعم بها علىٰ من يريد أن يعرف معاني الآيات الشريفة لو كان يعقل ، ولا يجرّه التعصّب لمتابعة الآباء إلىٰ طمس الحقائق - كما قال سبحانه وتعالىٰ في شأن بعضهم: (وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) (2) هذا وإنّ احتجاجات أئمّتنا المعصومين علیهم السّلام بهذه الآيات مذكورة في كتب علماء الإمامية (3) .

ص: 16


1- الأعراف : 170.
2- البقرة : 170.
3- روى الكليني بإسناده عن مسعدة بن صدقة، قال: دخل سفيان الثوري علیٰ أبي عبدالله عليه السّلام فرأىٰ عليه ثياب بيض كانّها غرقىء البيض، فقال له: إنّ هذا اللباس ليس من الباسك فقال له: إسمع منّي وع ما أقول لك، فإنّه خير لك عاجلاً وآجلاً، إن أنت متّ على السنّة والحقّ ولم تمت علىٰ بدعة، اُخبرك أنّ رسول الله صلّی الله علیه وآله كان في زمان مقفر جدب، فأمّا إذا

(1)

ص: 17


1- أقبلت الدنيا، فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لاكفّارها، فما أنكرت یا ثوري فوالله إنّني لمع ما تریٰ ما أتىٰ عليّ مذ عقلت صباح و مساء والله في مالي حقّ أمرني أن أضعه موضعاً إلاّ وضعته . قال: فأتاه قوم ممّن يظهرون الزهد ویدعون الناس أن يكونوا معهم علىٰ مثل الذي هم عليه من التقشّف، فقالوا له: إنّ صاحبنا حصر عن كلامك ولم تحضره حججه، فقال لهم: فهاتوا حججكم، فقالوا له: إنّ حجّتنا من كتاب الله، فقال لهم: فأدلوا بها، فإنّها أحق ما اتّبع وعمل به. فقالوا: يقول الله تبارك وتعالى مخبراً عن قوم من أصحاب النبي صلّی الله علیه وآله : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فاُولئك هم المفلحون) فمدح فعلهم. وقال في موضع آخر: (ويطعمون الطعام علىٰ حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) فنحن نكتفي بهذا. فقال رجل من الجلساء: إنّا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيّبة، ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتّىٰ تمتّعوا أنتم منها . فقال أبو عبد الله علیه السّلام : دعوا عنكم ما لا تنتفعون به، أخبروني أيّها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه الذي في مثله ضلّ من ضلّ وهلك من هلك من هذه الاُمّة؟ فقالوا له: أو بعضه فأمّا كلّه فلا. فقال لهم: فمن هنا اُتيتم، وكذلك أحاديث رسول الله صلّی الله علیه وآله . فأمّا ما ذكرتم من إخبار الله عزّوجلّ إيّانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم، فقد كان مباحاً جائزاً ولم يكونوا نهوا عنه، وثوابهم منه على الله عزّوجلّ، وذلك أنّ الله جلّ وتقدّس أمر بخلاف ما عملوا به، فصار أمره ناسخاً لفعلهم، وكان نهي الله تبارك وتعالىٰ رحمة منه للمؤمنين ونظراً لكيلا يضرّوا بأنفسهم وعیالاتهم، منهم الضعفة الصغار والولدان والشيخ الفاني والعجوز الكبيرة الذين لا يصبرون على الجوع، فإن تصدّقت برغيفي ولا رغيف لي غيره ضاعوا وهلكوا جوعاً .

(1)

ص: 18


1- فمن ثَمّ قال رسول الله صلّی الله علیه وآله : خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير أو دراهم يملكها الانسان وهو يريد أن يمضيها، فأفضلها ما أنفقه الانسان علىٰ والديه، ثمّ الثانية علىٰ نفسه وعياله، ثمّ الثالثة علىٰ قرابته الفقراء، ثمّ الرابعة علىٰ جيرانه الفقراء، ثمّ الخامسة في سبيل الله وهو أخسّها أجراً. وقال رسول الله صلّی الله علیه وآله لأنصاري حين أعتق عند موته خمسة أو ستّة من الرقيق ولم يكن يملك غيرهم وله أولاد صغار: لو أعلمتوني أمره ما تركتكم تدفنوه المسلمين يترك صبيه صغاراً يتكفّفون الناس. ثمّ قال: حدّثني أبي أنّ رسول الله صلّی الله علیه وآله قال: إبدأ بمن تعول الأدنىٰ فالأدنيٰ . ثمّ هذا ما نطق به الكتاب ردّاً لقولكم ونهياً عنه مفروضاً من الله العزيز الحكيم، قال: ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) أفلا ترون أنّ الله تبارك وتعالىٰ قال غير ما أراكم تدعون الناس إليه من الأثرة علىٰ أنفسهم، وسمّىٰ من فعل ما تدعون الناس إليه مسرفاً. وفي غير آية من كتاب الله يقول: (إنّه لا يحبّ المسرفین) کو فنهاهم عن الاسراف، ونهاهم عن التقتير، ولكن أمر بين أمرين لا يعطي جميع ما عنده، ثمّ يدعو الله أن يرزقه فلا يستجيب له . للحديث الذي جاء عن النبي صلّی الله علیه وآله : إنّ أصنافاً من اُمّتي لا يستجاب لهم دعاؤهم : رجل يدعو علىٰ والديه. ورجل يدعو علىٰ غريم ذهب له بمال، فلم يكتب عليه ولم يشهد عليه . ورجل يدعو علىٰٚ إمرأته، وقد جعل الله عزّوجلّ تخلية سبيلها بيده . ورجل يقعد في بيته ويقول: ربّ ارزقني ولا يخرج ولا يطلب، فيقول الله عزّوجلّ له: عبدي ألم أجعل لك السبيل إلى الطلب والضرب في الأرض بجوارح صحيحة، فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتّباع أمري، ولكيلا تكون كلاًّ علىٰ أهلك، فإن شئت رزقتك، وإن شئت قرتّت عليك وأنتغیر معذور عندي .

(1)

ص: 19


1- ورجل رزقه الله مالاً كثيراً فأنفقه، ثمّ أقبل يدعو یا ربّ ارزقني، فيقول الله عزّوجلّ: ألم أرزقك رزقاً واسعاً فهلاّ اقتصدت فيه كما أمرتك ولم تسرف وقد نهيتك عن الاسراف . ورجل يدعو في قطيعة رحم . ثمّ علّم الله عزّوجلّ نبيّه صلّی الله علیه وآله كيف ينفق، وذلك أنّه كانت عنده أوقية من الذهب، فکره أن يبيت عنده، فتصدّق بها، فأصبح وليس عنده شيء، وجاءه من يسأله، فلم يكن عنده ما يعطيه، فلامه السائل، واغتمّ هو حيث لم يكن عنده ما يعطيه، وكان رحيماً رقيقاً، فأدّب الله تعالىٰ نبيّه صلّی الله علیه وآله بأمره، فقال: (ولا تجعل يدك مغلولة إلىٰ عنقك ولا تبسطها كلّ البسط فتقعد ملوماً محسوراً) يقول: إنّ الناس قد يسألونك ولا يعذرونك، فإذا أعطيت جميع ما عندك من المال كنت قد حسرت من المال . فهذه أحاديث رسول الله صلّی الله علیه وآله يصدّقها الكتاب، والكتاب يصدّقه أهله من المؤمنین . وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوص، فقال: اُوصي بالخمس والخمس كثير، فإنّ الله تعالىٰ قد رضي بالخمس، فأوصىٰ بالخمس، وقد جعل الله عزّوجلّ له الثلث عند موته، ولو علم أنّ الثلث خير له أوصىٰ به . ثمّ من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبوذرّ رضي الله عنهما . فأمّا سلمان، فكان إذا أخذ عطاه رفع منه قوته لسنته حتّىٰ يحضر عطاؤه من قابل، فقيل له: يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غداً، فكان جوابه أن قال: مالكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء، أما علمتم یا جهلة أنّ النفس قد تلتاث علىٰ صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معیشتها إطمأنّت. وأمّا أبوذرّ، فكانت له نویقات وشويهات يحلبها، ويذبح منها إذا اشتهىٰ أهله اللحم، أو نزل به ضيف، أو رأىٰ بأهل الماء الذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشياه علىٰ قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم، فيقسّمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم، ومن أزهد من هؤلاء؟ وقد قال فيهم رسول الله صلّی الله علیه وآله ما قال، ولم يبلغ من

(1)

ص: 20


1- أمرهما أن صارا لا يملكان شيئاً ألبتّة، كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به علىٰ أنفسهم وعیالاتهم. واعلموا أيّها النفر أنّي سمعت أبي يروي عن آبائه عليهم السّلام أنّ رسول الله صلّی الله علیه وآله قال يوماً: ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن إنّه إن قرّض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له، وكلّ ما يصنع الله عزّوجلّ به فهو خير له. فليت شعري هل يحيق فيكم ما قد شرحت لكم منذ اليوم أم أزيدكم؟. أما علمتم أنّ الله عزّوجلّ قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين ليس له أن يولّي وجهه عنهم، ومن ولاّهم يومئذ دبره فقد تبوّأ مقعده من النار . ثم حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفاً من الله عزّوجلّ للمؤمنين، فنسخ الرجلان العشرة . وأخبروني أيضاً عن القضاة أجورة هم حيث يقضون على الرجل منكم نفقة إمرأته إذا قال: إنّي زاهد وإنّي لا شيء لي، فإن قلتم: جورة ظلّمكم أهل الإسلام، وإن قلتم: بلعدول خصمتم أنفسكم، وحيث تردّون صدقة من تصدّق على المساكين عند الموت بأكثر من الثلث. أخبروني لو كان الناس كلّهم كالذين تريدون زهّاداً لا حاجة لهم في متاع غیرهم، فعلىٰ من كان يتصدّق بكقّارات الأيمان والنذور والصدقات من فرض الزكاة من الذهب والفضّة والتمر والزبيب، وسائر ما وجب فيه الزكاة من الإبل والبقر والغنم وغير ذلك، إذا كان الأمر كما تقولون: لا ينبغي لأحد أن يحبس شيئاً من عرض الدنيا إلاّ قدّمه وإن كان به خصاصة. فبئسما ذهبتم اليه، وحملتم الناس عليه من الجهل بكتاب الله عزّوجلّ وسنّة نبيه صلّی الله علیه وآله وأحاديثه التي يصدّقها الكتاب المنزل، وردّكم إيّاها بجهالتكم، وترككم النظر في غرائب

وأمّا من خالف الشيعة في عقائدهم، فإنّهم لا يتبعون هذه الكيفية، ولا يمكنهم إثبات مطلوبهم من الآيات المحكمات، بل إنّهم يحتجّون بما يبدو لأوّل وهلة من ظاهر بعض الآيات.

مثلاً يحتجّون بقوله سبحانه (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منکم) (1) علىٰ وجوب إطاعة كلّ من يلي أمر المسلمين ويتسلّط عليهم، وإن كان من أكبر الظلمة والفاسقين .

(2)

ص: 21


1- النساء : 59.
2- القرآن من التفسير بالناسخ من المنسوخ والمحكم والمتشابه والأمر والنهي . وأخبروني أين أنتم عن سليمان بن داود علیه السّلام حيث سأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه الله جلّ اسمه، وكان يقول الحقّ ويعمل به، ثمّ لم نجد الله عزّوجلّ عاب عليه ذلك ولا أحداً من المؤمنين، وداود النبي علیه السّلام قبله في ملکه وشدّة سلطانه، ثمّ يوسف النبي علیه السّلام حيث قال لملك مصر: (إجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم ) فكان من أمره الذي كان أن اختار مملكة الملك وما حولها إلى اليمن، وكانوا يمتارون الطعام من عنده لمجاعة أصابتهم، وكان يقول الحقّ ويعمل به، فلم نجد أحداً عاب ذلك عليه . ثمّ ذو القرنين عبد أحبّ الله فأحبّه الله وطوىٰ له الأسباب، وملّکه مشارق الأرض ومغاربها، وكان يقول الحقّ ويعمل به، ثمّ لم نجد أحداً عاب ذلك عليه. فتأدّبوا أيّها النفر بآداب الله عزّوجلّ للمؤمنين، واقتصروا علىٰ أمر الله ونهيه، ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم ممّا لا علم لكم به، وردّوا العلم إلىٰ أهله توجروا،وتعذّوا عند الله تبارك وتعالىٰ، وكونوا في طلب علم ناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهة، وما أحلّ الله فيه ممّا حرّم، فإنّه أقرب لكم من الله، وأبعد لكم من الجهل . ودعوا الجهالة لأهلها، فإنّ أهل الجهل كثير، وأهل العلم قليل، وقد قال الله عزّوجلّ: (وفوق كل ذي علم عليم) . فروع الكافي 5: 65 _ 70 ح 1 .

مع أنّه سبحانه وتعالىٰ بيّن في عدّة من آيات القرآن الكريم شرائط الحاكم: فمنها : أن لا يكون ظالماً، قال تعالىٰ: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّکم النار (1)ولعن الظالمين والفاسقين في عدّة آيات.

ومنها : أن يكون عالماً، فقد قال سبحانه: (أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهِدّي إلاّ أن يهدیٰ) (2) والهداية إلى الحقّ موقوفة على العلم به والعصمة عن الخطأ، لأنّ المخطيء جاهل، وقال سبحانه: ( قل إنّما حرّم ربّي الفواحش _ إلىٰ قوله - وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) (3).

إلىٰ غير ذلك من الآيات التي تكون دلالة مجموعها – علىٰ ما يعتبر في اُولي الأمر الذين يجب إطاعتهم واتّباعهم - من المحكمات، وتدلّ علىٰ أنّ اُولى الأمر بمنزلة النبي صلّ الله علیه وآله في استمرار خط النبوّة، وليست الإمامة مجرّد إمارة .

واستدلّ بعض العامّة علىٰ عدم ذكر مسألة الإمامة في القرآن، بأنّ من ثبت عنده أنّ محمّداً صلّی الله علیه وآله رسول الله وطاعته واجبة واجتهد في طاعته. فإن قيل: إنّه يدخل الجنّة، فقد استغنىٰ عن مسألة الامامة. وإن قيل: لا يدخل الجنّة، كان هذا خلاف نصوص القرآن، فإنّه سبحانه أوجب الجنّة لمن أطاع الله ورسوله في غير موضع، كقوله تعالىٰ (ومن يطع الله والرسول فاُولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن اُولئك رفيقاً) (4) .

ص: 22


1- هود: 113 .
2- يونس : 35
3- الأعراف : 33
4- النساء : 69

وقوله تعالىٰ (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظیم ) (1) .

أقول: إنّ الله سبحانه أوجب إطاعة اُولي الأمر أيضاً في قوله سبحانه (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منکم) (2)فمن لم يطع اُولي الأمر لم يطع الله تعالىٰ، لأنّه أمر بإطاعتهم، ولابدّ أن يعرف من هم اُولوا الأمر، فيقیّد به إطلاق الآيتين المذكورتين لو كان لهما إطلاق.

هذا لو سلّم أنّ الرسول لم يأمر بإطاعة الإمام ولم ينصبه ولم ينصّ عليه، وإلاّ فإطاعة الرسول لا تتحقّق إلاّ مع إطاعة الإمام؛ لأنّ الرسول أمر بها .

وتجدر الإشارة إلىٰ بعض نصوص الكتاب الصريحة في المراد، فإنّها تفيدنا في تنسيق هذا التأليف لإثبات المعتقد الصحيح في الإمامة وما يتفرّع عليها : الأوّل: أنّ مجرّد مصاحبة الأنبياء علیهم السّلام ليست فضيلة، لقوله تعالىٰ (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوحٍ وامرأة لوطٍ كانتا تحت عبدین من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (3).

الثاني: أنّه كان حول النبي صلّی الله علیه وآله منافقون، لقوله تعالىٰ: (وممّن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذّبهم مرّتين ثمّ يردّون إلىٰ عذاب عظيم ) (4).

ص: 23


1- النساء : 13
2- النساء : 59.
3- التحريم : 10
4- التوبة 101

الثالث: أنّ الله تعالىٰ يُطلع بعض عباده على الغيب، قال الله تعالىٰ: وذلك من أنباء الغيب نوحي إليك( (1) وفي قصّة موسىٰ مع العالم الذي قتل الغلام مخبراً عن الغيب، قال الله تعالىٰ: (وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً) (2).

الرابع : أنّ بعض العلم ليس بالتعلّم وحده، بل ربما يكون بإفاضة الله تعالىٰ، كما أفاض علىٰ من لا يقدر على التعلّم، فجعل الصبي في المهد عالماً كعيسىٰ، قال الله تعالى: (فأشارت إليه قالوا كيف نكلّم من كان في المهد صبيّاً * قال إنّي عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيّا) (3)أو في حال الصبىٰ كيحييٰ، قال الله تعالىٰ: (یا يحييٰ خذ الكتاب بقوّة وآتيناه الحكم صبيّاً) (4). وعلّم الإنسان منطق الطیر کسليمان، قال الله تعالى: (وورث سلیمان داود وقال يا أيّها الناس علّمنا منطق الطير واُوتينا من كلّ شيء إنّ هذا لهو الفضل المبين) (5).

الخامس: أنّ الله تعالىٰ قادر علىٰ إحياء الموتى وإعاشتهم بين الناس، ومنهم عزیر، قال الله تعالى: (أو كالذي مرّ علىٰ قرية وهي خاوية علىٰ عروشها قال أنّی يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثمّ بعثه) (6) الآية.

ص: 24


1- آل عمران : 44.
2- الكهف : 80
3- مریم : 29 30.
4- مریم : 12.
5- النمل : 16
6- البقرة : 259

السادس: أنّ الله تعالىٰ قادر علىٰ إبقاء الإنسان حيّاً، لقوله تعالىٰ: (فلولا أنّه كان من المسبّحين * للبث في بطنه إلىٰ يوم يبعثون) (1) .

أو إبقاء جسده، كقصّة أصحاب الكهف ، لقوله تعالىٰ (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود ونقلّبهم ذات اليمين وذات الشمال) (2) الآية.

أو إبقاء طعامه وشرابه، لقوله تعالىٰ (فانظر إلىٰ طعامك وشرابك لم يتسنّه) (3).

وأخبر تعالىٰ عن نوح عليه السّلام أنّه لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين. فدلّ علىٰ أنّه يمكن بقاء البشر حيّاً مرزوقاً في مدّة طويلة.

السابع: أنّ التقيّة مشروعة، لقوله تعالىٰ (إلاّ من اُكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان) (4) .

الثامن : أنّه لابدّ من الاعتقاد بالبداء، لقوله تعالىٰ (يمحو الله ما يشاء ويثبت (5) .

التاسع: أنّ من كان عنده علم الكتاب أو بعضه، فهو قادر على التصرّف في الكون، لقوله تعالىٰ (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك (6) .

ص: 25


1- الصافات : 143 - 144.
2- الكهف : 18
3- البقرة : 259
4- النحل : 106
5- الرعد : 39
6- النمل : 40

الفصل الثاني

في بعض الآيات التي تدلّ على احتياج المكلّفين إلى الحجّة وأنّ النبوّة والإمامة باختيار الله سبحانه لا باختيار الناس وهی آیات دالّة على احتياج المكلّفين من الإنس والجنّ إلىٰ حجّة بينهم وبين الله تبارك وتعالىٰ، و آيات اُخر دالّة علىٰ أنّ الله تعالىٰ هو يختار الحجّة، ليس للمكلّفين في ذلك خيرة.

الآية الاُولى: قوله تعالىٰ: ( وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون) (1) وهو دالّ علىٰ أنّ الغرض من خلقتهما هي عبادة الله تعالىٰ، وعبادته لا تتحقّق إلاّ بمعرفته تعالىٰ، ومعرفة كيفية العبادة اللائقة بحضرته تعالىٰ .

ولا تتحقّق المعرفة بها إلاّ من ناحيته تعالىٰ بالوحي إلىٰ من يكون هو المعلّم للمكلّفين كيفية عبادتهم، وهو الحجّة بين الله وبين خلقه، وهو نبي، أو خلیفته ووصيه المتلقّي منه ما يحتاج إليه المكلّفون بعد وفاة النبي صلّی الله علیه وآله؛ لأنّ النبي صلّی الله علیه وآله لم يبيّن لجميع اُمّته كلّ ما يحتاجون إليه في جميع الأزمان، فلابدّ أن يكون علّم ذلك

ص: 26


1- الذاريات : 56

خليفته حتّىٰ يبيّن للناس، كما يأتي بيانه .

ثمّ كما تتوقّف كيفية عبادتهم علىٰ وجود نبيّ أو وصيه، كذلك تتوقّف عبادتهم علىٰ حياتهم المادّية، المتوقّفة بدورها علىٰ تنظيم أمر معاشهم في الملبوس والمأكول وغيرهما، المحتاجة إلى التجارات والصناعات وغيرهما ممّا لا يتمّ إلاّ بسنّ قوانين والقيام علىٰ تبليغها وإجرائها فيهم، ولا يعرف ذلك إلاّ من أوحى الله تعالىٰ إليه، حتّىٰ يبيّن ذلك للناس ويقيمه بينهم، فلذا يكون النبي رئيساً في أمر الدنيا والدين، وبعد وفاته يكون لخليفته الرئاسة في أمر الدنيا والدين أيضاً.

ثمّ إنّه يمكن أن يستفاد من هذه الآية بضميمة قوله تعالىٰ (الأرض وضعها للأنام) (1) الآية، وقوله تعالىٰ (خلق لكم ما في الأرض جميعاً)(2) وغيرهما من الآيات، أنّ الأرض وما يحتاج إليه في إدامة الحياة من حرارة الشمس والهواء والمطر والزرع وغيرها خلقت للمكلّفين، وهم خلقوا للعبادة، وعبادتهم تتوقّف علىٰ وجود الحجّة، فالأرض تتوقّف علىٰ وجود الحجّة، كما ورد في أخبار أهل البيت (3)

ص: 27


1- الرحمن : 10
2- البقرة : 29
3- روى الكليني في الكافي (1: 179) بإسناده عن أبي حمزة، قال: قلت لأبي عبدالله عليه السّلام : أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت بغير إمام لساخت . وروىٰ أيضاً بإسناده عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضاعلیه السّلام قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قلت: فإنّا نروي عن أبي عبدالله علیه السّلام أنّها لا تبقىٰ بغیر إمام إلاّ أن يسخط الله تعالىٰ علىٰ أهل الأرض أو على العباد، فقال: لا، لا تبقىٰ، إذاً

الآية الثانية: قوله تعالىٰ: (وقالوا لولا اُنزل هذا القرآن علىٰ رجلٍ من القريتين عظیم أهم يقسمون رحمة ربّك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضاً سُخریّاً ورحمة ربّك خيرٌ ممّا يجمعون) (1).

قوله تعالىٰ (عظيم ) يعني أنّه عظيم من حيث المال والجاه .

وقوله تعالىٰ (رحمة ربّك) لعلّ المراد به مايشمل القرآن، فإنّه رحمة، وسيأتي في أوصافه أنّه كذلك، فهذه الرحمة ليست بيد الناس حتّىٰ يقسّموها فيما بينهم، بل هي فضل الله يؤتيه من يشاء، كما آتاها النبي صلّی الله علیه وآله .

وسيأتي أنّ الأئمّة المعصومین علیهم السلام كانت نفوسهم المقدّسة مرتبة من القرآن، فهم المختصّون بالرحمة التي لا ينالها إلاّ النبي والإمام المعصوم، كما قال عیسی بن مریم: (آتاني الكتاب) (2) فمنصب الرسالة عن الله تعالىٰ بالمعنی الأعم الشامل للأوصياء لا يكون إلاّ لمن شملته الرحمة المذكورة، فالله سبحانه (3)

ص: 28


1- الزخرف : 32
2- مریم : 30
3- الساخت. وروىٰ أيضاً بإسناده عن أبي هراسة، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: لو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله . وروىٰ أيضاً بإسناده عن الوشّاء، قال: سألت الرضا علیه السّلام هل تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قلت: إنّا نروي أنّها لا تبقىٰ إلاّ أن يسخط الله عزوجلّ على العباد، قال: لا تبقىٰ، إذاً الساخت .

يعطي منصب الرسالة والإمامة، وليس للخلق في ذلك اختيار .

ثمّ إنّه تعالىٰ كأنّه استدلّ علىٰ ذلك بقوله (نحن قسمنا بينهم معيشتهم) يعني: أنّه إذا كانت معيشة الدنيا باختيار الله تعالىٰ وتقسيمه، فكيف لا يكون باختياره تعالىٰ ما هو أهمّ منها؟ وهو مقام النبوّة والخلافة لها .

وقوله تعالىٰ (ورفعنا بعضهم فوق بعض) يعني: في الدنيا ليكون بعضهم مسخّرین لبعض.

وأمّا قوله تعالىٰ (ورحمة ربّك) فيعني بها النعمة المعنوية، التي أكبرها وأعظمها مقام النبوّة والإمامة فهي (خيرٌ ممّا يجمعون) من الاُمور الفانية .

الآية الثالثة: قوله تعالىٰ: (وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة)(1). قوله تعالىٰ (و يختار) أي: بعد أن يخلق يختار بعض المخلوقين ويصطفيه لمقام الرسالة والإمامة.

وقوله تعالىٰ (ما كان لهم الخيرة) يحتمل أنّ تكون لفظة «ما» موصولة، أي:يختار لهم الشيء الذي يكون خيرةً، فهو يختار لهم الإمام؛ لأنّه تعالىٰ هو العالم بما كان لهم الخيرة فيه. ويحتمل أن تكون نافية، أي: ليس لهم الخيرة في خصوص انتخاب الرسول والإمام، أو في كلّ ما لا يكون من أفعالهم وأعمالهم، فيشمل مقام الرسالة والإمامة علىٰ ما سيتبيّن من أنّهما ليسا من شؤون المخلوقين (2) .

ص: 29


1- القصص : 68
2- روى الصدوق رحمه الله في كمال الدين (ص 461) في حديث عن سعد بن عبدالله وسؤاله مولانا الإمام المهدي عجّل الله تعالیٰ فرجه الشريف عن مسائل، إلىٰ أن قال: قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم، قال: مصلح أ

الفصل الثالث

اشارة

في الآيات الدالّة علىٰ أنّ الله تعالىٰ جعل في كلّ زمان حجّة للمكلّفين نبيّاً أو خلفاءه الذين هم بمنزلته (1)

ص: 30


1- مفسد؟ قلت: مصلح، قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟ قلت: بلىٰ، قال: فهي العلّة. وأوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله تعالىٰ وأنزل عليهم الكتاب وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الاُمم، وأهديٰ إلى الإختيار منهم، مثل موسىٰ وعيسیٰ علیهما السّلام هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن يقع خیر تهما على المنافق وهما يظنّان أنّه مؤمن؟ قلت: لا. فقال: هذا موسیٰ کلیم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلاً ممّن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم، فوقعت خیرته على المنافقين، قال الله تعالىٰ: (واختار موسىٰ قومه سبعین رجلاً لميقاتنا - إلىٰ قوله - لن نؤمن لك حتّىٰ نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم) فلمّا وجدنا اختیار من قد اصطفاه الله للنبوّة واقعاً على الأفسد دون الأصلح ، وهو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلاّ لمن يعلم ما تخفي الصدور وما تکنّ الضمائر و تتصرّف عليه السرائر، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء علىٰ ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصلاح.

بعد أن تحقّق في الفصل السابق أنّ المكلفين محتاجون إلىٰ وجود الحجّة، نبيّن في هذا الفصل أنّ الله تعالىٰ جعل لهم حجّة من نبي أو خليفته، وهو الإمام المعصوم، وذلك من خلال عدّة من الآيات .

الآية الأولى

قوله تعالىٰ (وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة) (1) فإنّه يدلّ علىٰ أنّه مادامت الأرض مسكونة من المكلّفين ففيها خليفة الله؛ لعدم الفرق من حيث الأزمنة، ولا من حيث ما هو المناط في الجعل المذكور،وفي اعتراض الملائكة عليه، فلا وجه لاختصاص جعل الخليفة مدّة حياة آدم عليه السّلام .

مع أنّ الله تعالىٰ قال: (يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض) (2) فلم ینقطع خلافة الله بموت آدم علیه السّلام .

والخليفة من يخلف غيره في ما يرجع إلى المستخلِف - بالكسر - وخليفة الله في الأرض من يتلقّىٰ ما استخلف فيه من الله تعالىٰ، فلابدّ إذن من أن يكون عالماً معصوماً حتّىٰ يحكم بالحقّ ولا يخطىء؛ لأنّ المخطيء جاهل.

قوله تعالىٰ (في الأرض) هل هو مكان الخليفة، بأن يكون آدم عليه السّلام خليفة الله علىٰ من في الأرض و غيرها مكانه الأرض، أو أنّه محلّ الخلافة .

ثمّ إنّه ذكر في معنى الخليفة وجوه : قال الشيخ الطوسي رحمة الله : قال قوم: سمّى الله تعالىٰ آدم خليفة؛ لأنّه جعل آدم

ص: 31


1- البقرة : 30
2- ص : 26

وذرّيّته خلفاء الملائكة؛ لأنّ الملائكة كانوا سكّان الأرض.

وقال ابن عبّاس: إنّه كان في الأرض الجنّ، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، فاُهلكوا، فجعل الله آدم وذرّيّته بدلهم .

وقال الحسن البصري: إنّما أراد بذلك قوماً يخلف بعضهم بعضاً من ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم في إقامة الحقّ وعمارة الأرض.

وقال ابن مسعود: أراد أنّي جاعل في الأرض خليفة يخلفني في الحكم بين الخلق وهو آدم ومن قام مقامه من ولده .

وقيل: إنّه يخلفني في إنبات الزرع، وإخراج الثمار، وشقّ الأنهار (1).

أقول: هذه الوجوه توجب إجمال المراد، ولا دليل علىٰ جميعها. ومقتضىٰ قوله تعالىٰ (والجانّ خلقناه من قبل من نار السموم) (2) أنّهم كانوا موجودين في الأرض، فجعل الله تعالىٰ آدم خليفته عليهم وعلىٰ ذرّيته، كما في بعض أخبارنا .

الآية الثانية

قوله سبحانه (ويقول الذين كفروا لولا اُنزل عليه آيةٌ من ربّه إنّما أنت منذر ولكلّ قومٍ هاد) (3).

قوله تعالىٰ (ويقول) : لعلّهم لم يعتدّوا بالآيات المنزلة علىٰ رسول الله صلۀی الله علیه وآله فاقترحوا نحو آیات موسىٰ وعيسىٰ عليهما السلام من انقلاب العصا حيّةً وإحياء الموتىٰ، فقال سبحانه: إنّما اُرسلت منذراً ومخوّفاً، وصحّة ذلك حاصلة بأيّة آية

ص: 32


1- التبیان 1: 131
2- سورة الحجر: 27
3- الرعد:7

كانت .

قوله سبحانه (ولكلّ قومٍ هاد) قيل: في المراد بالهادي وجوه :أحدها: أنّه النبي صلّی الله علیه وآله فهو خبرٌ بعد خبرٍ قدّم عليه الظرف، أي: إنّما أنت منذر وهاد لكلّ قوم.

قال الشيخ الطوسي رحمة الله في التبيان: قال الحسن وقتادة في رواية وأبوالضحىٰ وعكرمة: إنّه محمّد صلّی الله علیه وآله، وهو اختيار الجبائي (1).

أقول أوّلاً: هذا الاحتمال خلاف ظاهر قوله تعالىٰ (ولكلّ قوم) فإنّه ظاهر في وجود أقوام وهداة، وأنّ كلّ قوم لهم هادٍ غير المادي الذي لقوم آخرین، والنبي صلّی الله علیه وآله هادٍ لقومه في حياته. وأمّا بعد وفاته، فلا يكون هادياً للأقوام الذين يوجدون بعد وفاته. ولو كان المراد أنّه هادٍ لجميع الناس، لقيل: ولكلّ الناس أو لكلّ الأقوام هادٍ.

وثانياً: أنّه سبحانه أخبر عن أنّ النبي صلّی الله علیه وآله هادٍ بقوله سبحانه (وإنك لتهدي إلىٰ صراط مستقیم) (2) وأخبر عن أنّه ليس بهادٍ لبعض الناس بقوله سبحانه (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) (3) .

فهدایته تختلف عن إنذاره، فإنّ إنذاره يكون لجميع الناس، كما قال تعالىٰ: (تبارك الذي نزّل الفرقان علىٰ عبده ليكون للعالمين نذیراً ) (4) وقوله تعالى

ص: 33


1- التبيان 6: 223
2- الشوری : 52
3- النمل : 81
4- الفرقان : 1

وما أرسلناك إلاّ كافّة للناس بشيراً ونذيراً) (1) وهدايته تكون لبعضهم، فيكون ذلك قرينةً على أنّ قوله (ولكلّ قوم) ليس ظرفاً للإنذار والهداية، بل هو ظرف للهداية فقط، والحال أنّه لو كان «هاد»خبراً ثانياً لكان الظرف لهما جميعاً.

ثانيها: أن يكون هو الله سبحانه، وهذا الوجه کسابقه، فإنّه لو اُريد ذلك لكان المناسب أن يقال: إنّه هادٍ للمؤمنين، نظير قوله سبحانه (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدی للمتّقین) (2) وأمّا التعبير بكلّ قوم، فإنّه يقتضي تعدد الهداة .

ثالثها: أن يكون المراد الأنبياء، أي: لكلّ قوم نبي يهديهم، وهذا الوجه كسابقيه.

مع أنّه يقتضي أن يكون الأنبياء هداة فقط، أي: إنّما أنت منذر ولكلّ قوم نبي يهديهم ليسوا منذرين، وهو مناف لقوله تعالىٰ ( إنّا أرسلناك بالحقّ بشيراً ونذيراً وإن من اُمّة إلاّ خلا فيها نذير) (3) .

رابعها: أن يكون في كلّ زمان هادٍ حيّ، فالنبي صلّی الله علیه وآله منذر لجميع الناس إلىٰ يوم القيامة وهادٍ لهم في زمان حياته، ويكون بعد وفاته هادٍ حيّ هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وبعده أولاده المعصومون عليهم السّلام ، كلّ واحد هادٍ لعصره (4)، لأنّهم

ص: 34


1- سبأ : 28
2- البقرة : 2
3- فاطر : 24
4- روى الصدوق رحمه الله في كمال الدين (ص 667) بإسناده عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبدالله علیه السّلام في قول الله عزّوجلّ (إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد) فقال:كلّ إمام هاد لكلّ قوم في زمانهم. وروىٰ أيضاً بإسناده عن برید بن معاوية العجلي، قال: قلت لأبي جعفر علیه السّلام: ما معنىٰ

اللائقون للهداية، كما نبيّن .

وبعد وفاة الإمام الحسن بن علي العسكري علیهما السّلام يكون الهادي ابنه الحجّة المهدي المنتظر الغائب عن الأنظار، إلىٰ أن يظهر من ستار الغيبة، ولعلّنا نتعرّض لكيفية هدايته للناس في حال غيبته عنهم عجّل الله تعالیٰ فرجه .

ثمّ إنّ المراد من قوله سبحانه (ولكلّ قوم هاد) الهداية إلى الدين، هداية قيادة، كهداية الله بالتوفيق، كما قال الله سبحانه: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) (1) .

أو الأعمّ منها ومن سائر أقسام الهداية، فإنّ الهداية لغةً هي: التوجيه نحو شيء، وتتحقّق بوجوه :الأوّل: الهداية بالبيان اللفظي وما يساويه من الكتابة والإشارة ونحوهما، وقد هدى الله سبحانه الناس كذلك بإرسال الأنبياء وإنزال الكتب، قال سبحانه: (شهر رمضان الذي اُنزل فيه القرآن هدىً للناس) (2) وقال تعالىٰ شأنه: (وأنزل التوراة (إنّما أنت منذر ولكلّ قوم هاد) فقال: المنذر رسول الله صلّی الله علیه وآله وعلي الهادي، وفي كلّ وقت و زمان إمام منّا يهديهم إلىٰ ما جاء به الرسول .

وروى الطبري بإسناده عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت وضع رسول الله صلّی الله علیه وآله يده علىٰ صدره، وقال: أنا المنذر ولكلّ قوم هادٍ، وأومأ بيده إلىٰ منكب علي عليه السّلام، فقال: أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون. التبيان 6: 227.

ص: 35


1- الأنعام : 125
2- البقرة : 185

والإنجيل من قبل هدىً للناس)(1)وقال سبحانه: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسیٰ نور وهدىً للناس) (2) وقال سبحانه: (وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمىٰ على الهدیٰ) (3) وهذه الهداية قد تحقّقت من النبي صلّی الله علیه وآله .

ثانيها: الهداية بالتوفيق، وهو الذي يعطيه الله سبحانه المؤمن بعد إيمانه، قال سبحانه: (وما أصاب من مصيبة إلاّ بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه) (4)وقال تعالىٰ: (يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام) (5).

وقوله تعالىٰ (الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) پ(6) وقوله تعالىٰ(إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربّهم بإيمانهم) (7) وقوله تعالىٰ (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلىٰ صراط مستقیم) (8) وقوله تعالىٰ (ويزيد الله الذين اهتدوا هدىً) (9) وقوله تعالىٰ (والذين اهتدوا زادهم هدیً وآتاهم تقواهم (10) ولعلّ منه قوله تعالىٰ (إهدنا الصراط المستقیم).

ص: 36


1- آل عمران : 4
2- الأنعام : 91
3- فصلت : 17
4- التغابن : 11
5- المائدة : 16
6- الشوری : 13
7- يونس : 9
8- آل عمران : 101
9- مریم: 76
10- محمّد صلّی الله علیه وآله : 17

فإنّ العبد وإن بلغ أعلىٰ مراتب التقوىٰ، كالنبي صلّی الله علیه وآله والإمام المعصوم، لكنّه يحتاج في كلّ آنٍ إلىٰ أن يوفّقه الله تعالىٰ لمرضاته، ولا يكله إلىٰ نفسه، قال الله تعالىٰ: (ولولا أن ثبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً) (1).

ولعلّ بعض مراتب الهداية في قوله تعالىٰ (هدىً للمتّقين) (2) هي الهداية الحاصلة من القرآن للمتّقين عقيب تحصيل التقوىٰ والسعي في تكميلها، فيناسب أن يكون الهداية الحقيقية الباطنية بقدر مراتب التقوىٰ، كلّما ازداد تقویٰ إزدادت هداية القرآن إيّاه .

الثالث: الهداية بأن يتقدّم شخص ويقود شخصاً.

قال في المقاییس : «ھ دی» أصلان: أحدهما التقدّم للإرشاد ... قولهم هديته الطريق هدايةً تقدّمته لأرشده، وكلّ متقدّم لذلك هاد ... وينشعب هذا فيقال: الهدیٰ خلاف الضلالة .. والهادية: العصا، لأنّها تتقدّم ممسكها كأنها ترشد (3) إنتهى .

وإطلاق الهادي في قوله تعالىٰ (لكلّ قومٍ هاد) يقتضي أن يكون هادياً بالمراتب الثلاث إلى الدين .

ثمّ إنّ الهادي إلى الدين لا يكون هادياً إليه إلاّ إذا كان عالماً بجميع الدين اُصوط وفروعاً، ولا يكون كذلك إلاّ إذا كان متّصلاً بالوحي ومعصوماً لا يخطىء کالنبی صلّی الله علیه وآله ،أو آخذاً علمه عن النبي كذلك وكان معصوماً لا يخطىء؛ لأنّ

ص: 37


1- الإسراء : 74
2- البقرة : 2
3- مقاييس اللغة 6: 42

المخطيء جاهل.

وأيضاً لا يكون هادياً بجميع مراتب الهداية إلاّ إذا كان متّصفاً بأعلىٰ مراتب التقوي؛ لأنّ بعض مراتب الهداية لا تحصل إلاّ بعد الإيمان والعمل الصالح، كما تقدّم .

ثمّ إنّ من قبل هذه الهداية فهو المهتدي؛ لأنّ إهتدىٰ مطاوع هدي، أي: قبل هداية الهادي، وأطاعه في جميع ما يأمر وينهىٰ، فيكون معترفاً بولاية الهادي وأنّه واجب الاطاعة.

ومن ذلك يظهر صحّة الروايات المفسّرة للاهتداء (1) بالاهتداء إلى الولاية، أي: ولاية الإمام المعصوم.

ثمّ إنّ الانتفاع بهداية الإمام المعصوم علیه السّلام يحصل أيضاً من جهة اتّصال نفس المهتدي به علیه السّلام، وذلك بتكميلها بأوصاف التشيّع الكاملة المذكورة في أخبار أهل البيت طلا ، فبذلك يستمدّ منه، وكلّما حصلت له حقيقة الاقتداء به علماً وعلماً وأوصافاً ظهرت معرفته عليه السّلام في قلبه .

فبقدر حصول الارتباط المعنوي به و ظهور مقامات ولايته الباطنية على النفس المتّصلة به يحصل له الهداية، حتّىٰ يكون تصديقه بإمامته کالعيان .

وإنّ الشيعة الإماميّة الاثنا عشرية تستوي عندهم غيبة إمام العصر وحضوره في الاعتقاد به، وحصول الهداية لهم من قيادته (2).

ص: 38


1- في قوله تعالىٰ ( وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدیٰ) طه: 82
2- روى الصدوق قدس سرّه في كمال الدين (ص 339) بإسناده عن المفضّل بن عمر، عن

(1)

ومن ثَمّ ترى الشيعة الإماميّة دائماً في نموّ وازدیاد علىٰ عكس ما كان يتّفق في الاُمم الماضية في أزمنة الفترة، بل قد ارتفع من بينهم في زمن الغيبة أكثر العقائد الشنيعة والمذاهب الفاسدة المبتدعة، التي كانت شايعة منتشرة بينهم في زمان حضور الأئمّة المعصومين علیهم السّلام ، وهذا إنّما يدلّ علىٰ كمال عنايته علیه السّلام بهم ورعايته لهم وتسديد خطاهم، وإن كان غائباً عن أنظارهم، عجل الله تعالیٰ فرجه الشريف .

وقد ظهر بالبيان المذكور اندفاع مناقشات بعض المخالفين على الآية الشريفة والأخبار الدالّة علىٰ أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام هو الهادي، ولا بأس بالاشارة إلىٰ بعض شبههم والاجابة عنها: فمن تلك المناقشات: أنّه يقتضي حصر الهادي في غير النبي صلّی الله علیه وآله مع أنّه كان هادياً، كما قال سبحانه: ( وإنّك لتهدي إلىٰ صراط مستقیم) (2).

والجواب: أنّه صلّی الله علیه وآله كان هادياً في زمان حياته، والأئمّة المعصومون علیهم السّلام هداة كلّ واحد في عصره .

ص: 39


1- أبي عبد الله علیه السّلام قال: أقرب ما يكون العباد من الله عزّوجلّ وأرضىٰ ما يكون عنهم إذا فقدوا حجّة الله، فلم يظهر لهم ولم يعلموا بمكانه، وهم في ذلك يعلمون أنّه لم تبطل حجج الله عزّوجلّ ولا بيّناته، فعندها فتوقّعوا الفرج صباحاً ومساءً، وإنّ أشدّ ما يكون غضب الله علىٰ أعدائه إذا افتقدوا حجّته فلم يظهر لهم، وقد علم أنّ أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنّهم پرتابون ما غيّب عنهم حجّته طرفة عين، ولا يكون ذلك إلاّ علىٰ رأس شرار الناس . ورویٰ نحوه أيضاً بإسناده عن محمّد بن النعمان .
2- الشوری : 52

ومنها: أنّ الهادي لا ينحصر في النبي والإمام المعصوم؛ لأنّ غيرهما کسلمان وأبي ذرّ وأضرابهما كانوا هداةً.

والجواب: أنّ الهداية إلىٰ جميع الدین خاصة بالمعصوم، نعم لغيره الهداية في الجملة .

ومنها: أنّ کون شخصٍ مّا هادياً لا يقتضي أن يكون إماماً معصوماً.

والجواب : أنّ جعله تعالىٰ شخصاً ما هادياً إلىٰ دينه بجميع مراتب الهداية هو عبارة عن جعله واجب الاطاعة، حتّىٰ يكون تابعوه المطيعون له هم المهتدين،ووجوب الإطاعة لا يكون إلاّ للنبي صلّی الله علیه وآله أو الإمام المعصوم؛ لأنّ غير المعصوم ربّما يخطىء، والمخطىء لا يكون هادياً مطلقاً، بل قد يكون مضلاًّ.

ومنها: أنّه لا دلالة علىٰ تطبيقه علىٰ أميرالمؤمنين علي وأولاده المعصومین علیهم السّلام .

والجواب: أنّا إذا نظرنا بعد وفاة النبي صلّی الله علیه وآله إلى الأئمّة الاثني عشر ومن عاصرهم ممّن ادّعى الإمامة، بالتاريخ الصحيح الخالي عن العصبية ومتابعة الأهواء، لرأينا تقدّمهم علیهم السّلام علىٰ معاصريهم في العلم والتقوىٰ والورع، وغير ذلك من الصفات المعتبرة في الهادي على ما بيّناه .

الآية الثالثة

قوله تعالىٰ (يوم ندعو كلّ اُناس بإمامهم فمن اُوتي كتابه بيمينه فاُولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا * ومن كان في هذه أعمىٰ فهو في الآخرة أعمىٰ وأضلّ سبيلاً) (1) .

ص: 40


1- الإسراء : 71 - 72

قوله تعالىٰ «بامامهم» ظاهر في شخص يأتمّون به، وهو شخص واحد في كلّ زمان لجميع الناس المعاصرين له، أو أشخاص لكلّ طائفة من الناس .

والمعنىٰ: انّ كلّ اُناس من الأوّلين والآخرين من أتباع الأنبياء وأوصيائهم وأتباع غيرهم من أئمّة الضلالة يتقدّمهم إمامهم فيدعون به .

مثلاً یدعىٰ فرعون مع قومه وأتباعه، ويستأنس لهذا المعنىٰ بقوله تعالىٰ (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ) (1) وقوله تعالىٰ (وسيق الذين كفروا إلىٰ جهنّم زمراً) (2) واُناس جمع إنس: البشر .

والباء في «بإمامهم» للمصاحبة، أي: نحضرهم مع إمامهم .

وتدلّ الآية علىٰ أنّ كلّ اُناس لهم إمام حيّ في الحياة الدنيا؛ لأنّ الميّت ليس مقدّماً خارجاً يأتمّون به. نعم يمكن بقاء طريقته بعد موته، لكن يقدمهم بها شخص حيّ.

ولمّا كان دين الإسلام باقياً إلى انقضاء زمان التكليف، كان التدّين به باقياً، فلابدّ أن يكون للمتدّین به إمام يأتمّ به .

وعلىٰ هذا فالنبي صلّی الله علیه وآله إمام الناس، فإذا توفّاه الله تعالىٰ، فلابدّ أن يكون الإمام موجوداً، بعده بلا فصل؛ لئلّا يكون اُناس ليس لهم إمام، وممّا يدلّ علىٰ ما ذكرنا إفراد الإمام وجمع الإنس، فانّ كلّ جماعة لهم قائد واحد.

ص: 41


1- هود : 98
2- الزمر : 71

ثمّ إنّ ابن کثیر ذكر في تفسيره في الآية احتمالات ليسقط دلالتها علىٰ ما قلناه.

الأوّل: قال مجاهد وقتادة: إما مهم نبيّهم، وهذا كقوله تعالىٰ (ولكلّ اُمّة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط ) (1) .

أقول: وعلىٰ هذا يدعىٰ اُمّة موسىٰ، فيقال لهم: يا اُمّة موسىٰ، وهم جميع الناس الموجودين في زمانه إلىٰ زمان عیسیٰ علیه السّلام. وهكذا يدعىٰ الناس الذين كانوا في زمان عیسئ عليه السّلام إلى زمان نبیّنا علیه السّلام .

وفيه أنّ لازمه أن يدعیٰ من لم يؤمن بموسیٰ علیه السّلام في زمانه باسم موسىٰ، وهذا خلاف ظاهر الآية، فإنّ ظاهرها أنّ كلّ اُناس يصاحبون إمامهم ويأتون معه ويدخلون مدخله، فمن اتّبع الإمام الحقّ، فهو معه في الجنان، ومن اتّبع الإمام الضالّ، فهو معه في النار .

وأمّا قوله تعالىٰ (لكلّ اُمّة رسول فإذا جاء رسولهم) ففيه احتمالان : أحدهما: أنّ كلّ اُمّة قد قدّر الله لها رسولاً في الدنيا يرسله إليهم، فإذا جاءهم رسولهم قضي بينهم بالقسط، بأن يقضي من اتّبعه ما يستحقّه من الأجر والثواب، ولمن عصاه ما يستحقّه من الخزي والعذاب .

ثانيهما: مجيء رسلهم يوم القيامة، فإنّه إذا جاء رسولهم يوم القيامة قضي بينهم بالقسط، فمن اتّبعه يثاب ومن عصاه يعاقب، وعلىٰ أيّ تقدير ليس معنى الآيتين متّحداً.

الثاني: إمامهم کتابهم .

ص: 42


1- يونس : 47

وفيه ما تقدّم، مع أنّه ينبغي أن يدعوا بما يعرفون، فالكفّار المنكرون للصانع رأس، أو الجاحدون بكتاب الله كيف يدعون بالقرآن، بأن يقال لهم: يا أهل القرآن.

الثالث: إمامهم کتاب عملهم، بقرينة قوله تعالىٰ بعد ذلك (فمن اُوتي كتابه بیمینه) .

وفيه أنّه خلاف الظاهر بغیر قرينة ولا حجّة ولا برهان .

الرابع: إمامهم ما كان يعبده وكان تابعاً له .

وفيه أنّه خلاف الظاهر، فإنّ الإمام لغة المقدّم الذي يتبعه التابعون، وقوله تعالىٰ(و إنهما لبإمام مبین) (1) لعلّ المراد وجوب اتّباع ذلك بما يقتضيه ويدلّ عليه .

الآية الرابعة

قوله تعالىٰ (قل فللّه الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين)(2) . قوله تعالىٰ (الحجّة البالغة) يعني: البلوغ إلى المكلّفين من الجنّ والإنس ممّن كان في زمان النبي صلّی الله علیه وآله، أو يكون بعده إلىٰ آخر زمان التكليف، ولا تتمّ الحجة إلاّ بإزاحة العلّة، ولا تزاح العلّة إلاّ بوجود امام معصوم عالم لا يخطىء، قادر على المعجزة، مستمرّ علىٰ خطّ الرسالة الإلٰهية .

ويحتمل أن يكون المعنىٰ الحجّة البالغة أقصىٰ مرتبة الوضوح؛ لأنّ مراتب الحجّة تختلف وضوحاً وخفاءً. فالحجّة البالغة هي التي تبلغ قطع عذر المحجوج، وتزيل كلّ لبس وشبهة عمّن نظر فيها .

ص: 43


1- الحجر : 79
2- الأنعام : 149

قوله تعالىٰ (فلو شاء لهداكم) قيل: أي هداية إكراه، أو خلقكم بحيث تهتدون بغیر اختیار ولا تحمّل تكليف .

الآية الخامسة

قوله تعالىٰ (وما كان الله ليضلۀ قوماً بعد إذ هداهم حتّىٰ يبيّن لهم ما يتّقون) (1) وهو دلّ علىٰ أنّ كلّ قوم هداهم الله سبحانه لا يضلّهم حتّىٰ يبيّن لهم ما يرضيه وما يسخطه، ليعملوا بما يرضاه، ويجتنبوا عمّا يسخطه .

وحيث إنّ الله سبحانه لم يبيّن جميع ذلك في الكتاب بيان يعرفه كلّ من رجع إليه، ولا النبي صلّی الله علیه وآله فعل كذلك، فلا يتحقّق بيان ذلك كلّه إلاّ بتعيين إمام عالم معصوم عن الخطأ يخلف النبي صلّی الله علیه وآله ويبيّن عنه عن الله سبحانه لكلّ قوم ما يتّقون .

وأيضاً إنّ الناس بعد وفاة النبي صلّی الله علیه وآله قد اختلفوا اختلافا شديداً في الاُصولالاعتقادية والفروع العملية. وزاد الاختلاف فيهما إلىٰ زماننا، كما هو واضح للمطّلع علىٰ مذهب الفريقين في الاُصول والفروع.

ومنشأه الاختلاف في خليفة الرسول صلّی الله علیه وآله، والله سبحانه وتعالىٰ لا يضلّ عباده حتّىٰ يبيّن لهم ما يتّقون، فإن ضلّوا بعد البيان كان من قبل أنفسهم. فإمّا أن يقال: إنّه تعالى ورسوله صلّی الله علیه وآله لم يبيّنا لهم من يخلف الرسول ومن يرجعون اليه ليبيّن لهم ما يتّقون، فهذا مخالف للقرآن. وإمّا أن يقال: بيّن لهم أنّ خلفاءه الأئمّة المعصومون، فهو الذي نقول إنّ الآيات والأخبار دلّت عليه، وأمّا غير الأئمّة المعصومين، فلا يعرفون الأحكام النازلة من عند الله سبحانه حتّىٰ يبيّنوا للناس ما يتّقون، ولذا عملوا بالقياس والاستحسان والآراء، فضلّت بهم السبل .

ص: 44


1- التوبة : 115

الفصل الرابع

اشارة

في الآيات الدالّة علىٰ أنّ الله سبحانه وتعالىٰ قد عيّن في حياة نبيّنا خاتم الأنبياء صلّی الله علیه وآله خلفاءه تقدّم في الفصل الثالث أنّ الله تعالىٰ جعل في كلّ زمان حجّة للمكلّفين، وفي هذا الفصل نبيّن الآيات الدالّة علىٰ أنّ الله تعالىٰ قد عيّن في زمان نبيّنا صلّی اللهُ علیه وآله خليفته بعده، وليس للناس أن يعيّنوا له خليفة بعد وفاته من عند أنفسهم.

فنقول: لا يخفىٰ أنّ خليفة النبي صلّی اللهُ علیه وآله حسب الأوصاف التي يعتبرها القرآن الكريم _ علىٰ ما سنبيّنه _ يكون مثل النبي صلّی اللهُ علیه وآله في جميع خصاله إلاّ النبوّة وخصائصه الشخصية، بل الحاجة إلى النبي صلّی اللهُ علیه وآله هي بعينها الحاجة إلىٰ خليفته، فكما لا يمكن تعيين النبي صلّی اللهُ علیه وآله إلاّ بتعيين الله، فكذلك خليفته، ونشير إلىٰ بعض الآيات الدالّة علىٰ تعيين الخليفة في زمان حياة النبي صلّی اللهُ علیه وآله ، وعدم الحاجة إلىٰ تعیینه بعد وفاته .

الآية الاُولىٰ

قوله تعالیٰ (إنّما ولیّکم الله ورسوله والذین آمنوا الذین يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (1) .

ص: 45


1- المائدة : 55

الخطاب متوجّه إلى المشافهين ويشترك معهم غيرهم، أو إلى الأعمّ.

ويدلّ علىٰ حصر الولاية في الله تعالى ورسوله والمؤمنين الذين يزكّون في حال رکوع الصلاة، فالولاية المذكورة خاصّة بالمؤمنين المذكورين .

جعل الله تعالىٰ الولاية لرسوله والمؤمنين الموصوفين بما ذكر، فلابدّ أن يكون المراد من المؤمنين المذكورين من توفّرت فيهم الشروط الثلاثة المتقدّمة، وهي منحصرة بعلي أمير المؤمنين علیه السّلام وتابعيه، لما تقدّم بيانه. وهذه الولاية من سنخ ولاية الرسول صلّی اللهُ علیه وآله لا تكون لسلمان وأبي ذرّ وأضرابهما، فتكون لعلي علیه السّلام .

هذا، مع أنّه لم ينقل في التاريخ الموثوق به أنّ واحداً منهم غير أمير المؤمنین علیه السّلام تصدّق في ركوع صلاته، فنفس الآية تدلّ علىٰ ثبوت ولاية سنخ ولاية الرسول صلّی اللهُ علیه وآله لعلي علیه السّلام ،وحيث إنّه لا يكون نبياً، فلابدّ أن يكون إماماً،فما ثبت للرسول صلّی اللهُ علیه وآله من فرض الطاعة ثابت له، وهو المطلوب .

وبما ذکر اندفع الشبهات التي ذكروها لإخفاء الدلالة الظاهرة للآية : الأوّل: أنّ «إنّما» لا تدلّ على الحصر ، كما في قوله تعالىٰ (إنّما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) (1) الآية. فإنّ مثل الدنيا لا ينحصر بما ذكر في الآية .

وفيه أنّ المفهوم عرفاً في جميع اللغات من «إنّما» هو الحصر، فإذا قيل: إنّما أكلت الخبز، فهم الناس منه الحصر، وكذا المفهوم من «إنّما» في الآية؛ لأنّ الممثّل له هي الحياة الدنيا من حيث إنّها مشوبة باللذّات التي يتخيّل الإنسانبقاءها، فإذا

ص: 46


1- يونس: 24

هي قد ذهبت وذهب معها الشباب وأقبل الشيب والعجز وأقبلت معه الغصص والأحزان. والمثل الذي ينطبق عليها من جميع هذه الجهات منحصر بما ذكر في الآية .

الثاني: أنّ الولاية المذكورة في الآية ليست الولاية المستلزمة لوجوب الطاعة، بل بمعنى المحبّة والنصرة؛ لأنّ سياق الآيات التي قبلها يدلّ علىٰ ذلك .

وفيه أنّه لا دلالة لسياق الآيات علىٰ كون الولاية بمعنى المحبّة، بل إنّه لمّا كانت الولاية المستفادة من الآية محصورة في بعض خاصّ من المؤمنين كما بيّنا، كانت ولاية خاصّة، وهي رئاسة الدين والدنيا، وذلك أنّ سائر ولايات المؤمنين لا تختصّ ببعضهم دون بعض، فالولاية المذكورة في قوله تعالىٰ (والمؤمنون بعضهم أولياء بعض) المراد بها ولاية النصرة والمحبّة والتكافل لأجل امتثال أوامر الله تعاليٰ ونواهيه، فالآية تعطي ولاية المؤمنين بعضهم علىٰ بعض في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي ليس لأحد منهم الاعتراض علىٰ ممارسة الآخر لها، ومن هنا فهي لا تختصّ بطائفة خاصّة.

الثالث: أنّ قوله تعالىٰ (الذين آمنوا) صيغة جمع، فلا يصدق علىٰ علي عليه السّلام وحده .

أجاب عنه الشيخ الطوسي رحمة اللُ قال: قد يعبّر عن الواحد بلفظ الجمع إذا كان معظماً عالي الذكر، قال الله تعالىٰ (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون) وقال: (ربّ ارجعون) وقال: ولو شئنا لآتينا كلّ نفس هداها) ونظائر ذلك كثيرة.

وقال: (الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم) ولا خلاف في أنّ المراد

ص: 47

به واحد، وهو نعیم بن مسعود الأشجعي، وقال: (أفيضوا من حيث أفاض الناس) والمراد رسول الله صلّی الله علیه وآله ، وقال: (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا) نزلت في عبدالله بن أبي سلول(1).

الرابع: لو كان إعطاء الزكاة في الركوع شرطاً في الموالاة لوجب أن لا يتولّى الناس إلاّ على علیه السّلام ، فلا يتولّى الحسن ولا الحسين عليهما السّلام ولا سائر الأئمّة عليه السّلام .

وفيه أنّ الآية لا تدلّ على الاشتراط، بل تدلّ على الإشارة إلى المراد بالموصوف، كما يقال: جاء الذي رأيته بالأمس، أو جاء الذي سافرنا معه في السفر الفلاني مثلاً، وإذا دلّت الآية علىٰ أنّ الولاية أي الإمامة بعد الرسول صلّی اللهُ علیه وآله العلي علیه السّلام ، فيثبت ولاية أولاده المعصومين علیهم السّلام بنصّه عليها .

الخامس: أنّ علياً علیه السّلام لم يكن له مال حال عليه الحول حتّىٰ يجب عليه أن یزکّیه .

وفيه أن المراد بالزكاة مطلق التصدّق؛ لأنّ الزكاة قد قرنت بالصلاة في الآيات النازلة بمكّة، فلعلّ المراد بها الإنفاق المالي. وأمّا الزكاة الواجبة، فقد وجبت بالمدينة في السنوات الأخيرة.

قوله تعالىٰ (يقيمون الصلاة) يعني: الصلاة الصحيحة لا التي يقيمها المنافقون، وانطباقها علىٰ صلاة علي وأبنائه المعصومین علیهم السّلام قطعي، وعلىٰ صلاة من عارضهم قطعي العدم، وعلى المشكوك حاله مشكوك .

قوله تعالىٰ (وهم راكعون) حال من الضمير في «یؤتون» أي: يؤتونها في

ص: 48


1- التبيان 3: 562

حال ركوع الصلاة، وليس حالاً ممّن يقيمون الصلاة؛ لأنّها مشتملة على الركوع، فلا وجه لذكره ثانياً، وليس رکوعاً مستقلاًّ، فإنّه لم يعهد مشروعية ركوع ابتدائي، وليس معناه الخضوع والخشوع، لأنّ الركوع ظاهر في الانحناء.

والحاصل أنّ سياق الآية لمن تأمّلها يدلّ دلالة واضحة علىٰ أنّ قوله تعالىٰ (وهم راكعون) هو ركوع الصلاة. فالمستفاد من مجموع الآية أنّ الولاية منحصرة في الذين آمنوا ويؤتون الزكاة في حال ركوع الصلاة، وهذه الخصوصيّة لا يتّصف بها جميع المؤمنين. وقد ثبت اتّصاف أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام بها .

فإذا لوحظ أنّ المؤمنين كلّ واحد منهم ولي المؤمن الآخر، يظهر أنّ هذه الولاية غير تلك الولاية.

علىٰ أنّه قد ورد أنّ المراد بقوله تعالىٰ (الذين آمنوا) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، ونزل في شأنه هل أتىٰ، و آية النجویٰ .

قال الشيخ المفيد رحمه اللهُ : كما اشتهرت صدقة أمير المؤمنین علیه السّلام بخاتمه وهو في الركوع حتّىٰ علم به الخاصّ والعامّ، وشاعت نفقته بالليل والنهار والسرّ والإعلان، ونزل بها محكم القرآن ، ولم تخفَ صدقته التي قدّمها بين يدي نجواه، وصدقته الثالثة حتّىٰ جمع بين المسكين واليتيم والأسير، وورد الخبر به مفصّلاً في هل أتیٰ على الانسان (1) إنتهیٰ .

ذكر الشيخ الطوسي رحمة الله إشكالاً وجواباً، قال في التبيان: فإن قيل: لو كانت الآية

ص: 49


1- الإفصاح ص 133

تفيد الإمامة لوجب أن يكون ذلك إماماً في الحال، ولجاز له أن يأمر وينهى ويقوم بما يقوم به الأئمّة.

قلنا: من أصحابنا من قال، إلى أن قال: إنّ الآية دلّت علىٰ فرض طاعته واستحقاقه للإمامة، وهذا كان حاصلاً له. وأمّا التصرّف فموقوف علىٰ ما بعد الوفاة، كما يثبت استحقاق الأمر لولي العهد في حياة الإمام الذي قبله، وإن لم يجز له التصرّف في حياته، وكذلك يثبت استحقاق الوصيّة للوصي وإن منع من التصّرف وجود الموصي (1) .

الآية الثانيه

قوله تعالىٰ (قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربیٰ ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إنّ الله غفور شکور) (2) .

بیانه: أنّ قوله تعالىٰ (عليه) أي: علىٰ ما اتعاطاه من تبليغ الرسالة وبشارة المؤمنين، ومرجع الضمير وإن لم يكن مذكوراً صريحاً، لكنّه مستفاد ممّا قبل الآية ومن قوله بعدها (أم يقولون افترىٰ على الله كذباً فإن يشأ الله يختم علىٰ قلبك ويمح الله الباطل ويحقّ الحقّ بكلماته إنّه عليم بذات الصدور) .

والمعنىٰ: أنّي اُريد بتبليغي رسالتي من الله تعالىٰ أن أنفعكم بأن تسعدوا وتدخلوا الجنّة، ولا أطلب منكم أجراً علىٰ تبليغي من مال أو شيء آخر، إلاّ أجراً واحدة وهو مودّة قرابتي، فهي واجبة لأنّ رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله طلبها وجعلها أجر رسالته ويجب إطاعته، فاذا وجبت مودّة قرابته، فمقتضاه وجوب إطاعتهم؛ لأنّ

ص: 50


1- التبيان 3: 563
2- الشوری : 23

مخالفتهم وتكذيبهم ينافي المودّة .

ولا ريب في أنّ أمير المؤمنين عليّاً وفاطمة وأولادهما المعصومين عليهم السّلامُ من قرابته صلّی اللهُ علیه وآله ، كما لا ريب في أنّ عليّاً وأولاده المعصومين عليهم السّلام قالوا إنّا خلفاء الرسول صلّی اللهُ علیه وآله بلا فصل، فلابدّ من متابعتهم، وإنّ فاطمة علیه السّلام كانت غاضبة على الغاصبين منصب الخلافة، وإنّها دعت إلىٰ بعلها على علیه السّلام ، فلابدّ من إطاعتها .

قوله تعالىٰ (ومن يقترف حسنة) يشمل مودّة ذي القربى، فإنّها حسنة بلا ريب .

وقوله تعالىٰ (نزد له فيها حسناً) موافق لقوله تعالىٰ (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون) (1) وضدّ مودّتهم يكون سيّئة، فيكون مصداق قوله تعالىٰ (ومن جاء بالسيّئة فكبّت وجوههم في النار هل تجزون إلاّ ما کنتم تعملون) (2).

ثم إنّهم ذكروا في هذه الآية احتمالات أرادوا بها أن يسقطوا دلالتها، فلا بأس بذكرها والجواب عنها : الأوّل: أنّه خطاب لأهل مكّة، ويؤيّده ما كتب في عنوان السورة أنّها مكّية، والمعنىٰ: أنّي لا أسألكم علىٰ هذا الإبلاغ والنصح لكم مالاً تعطونيه، وإنّما أطلب منكم أن تكفّوا شرّ کم عنّي وتذروني أبلغ رسالات ربّي، فإن لم تنصروني، فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة، بل تودّوني في قرابتي منكم .

ص: 51


1- النمل : 89
2- النمل : 90

وفيه أنّه ليس في الآية أن تكفّوا شرّكم، بل طلب منهم المودّة، فإن كان المخاطبون أهل مكّة مع بقائهم على الكفر، فإنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله لا يطلب مودّة الكافر.

وإن كان بعد إسلامهم، فإنّ المسلم يحترم الرئيس المطاع أكثر من أن يودّه مودّة القرابة، فعلىٰ كلّ لا يطلب النبي صلّی اللهُ علیه وآله منهم أن يودّوه لقرابته .

الثاني: أن يكون الخطاب لأهل مكّة، والاستثناء منقطع، والمعنىٰ: أنّي لا أسألكم علىٰ ما أدعوكم إليه من الهدى الذي يوجب سعادتكم شيئاً، لكن حبّي لكم بسبب قرابتكم منّي دفعني إلىٰ ذلك، فهو نظير قوله تعالىٰ (وأنذر عشيرتك الأقربين) (1).

وفيه أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله يحبّ سعادة جميع الناس، حيث إنّه رحمة للعالمين، ولا يحبّ الكافر وإن كان من قرابته، فليس الدافع له علىٰ دعوتهم إلى الإسلام حبّ القرابة، وإنّما النبي صلّی اللهُ علیه وآله حبّه وبغضه في الله .

الثالث: أنّه خطاب للأنصار، بأن تكون الآية مدنية وإن كانت السورة مكّية، أي: لا أسألكم أيّها الأنصار أجراً إلاّ أن تحفظوا قرابتي منكم من جهة أخوال اُمّه آمنة علىٰ ما قيل، فتحبّوني وتنصروني، أو أنّ قرابتي لكم دفعتني إلىٰ أن أدعوكم إلى الهدی .

وفيه أنّ حبّ الأنصار للنبي صلّی اللهُ و علیه وآله وإيواءهم له ونصره ممّا لا يحتاج معه إلى السؤال، وأنّ دعوته عامّة لا تختصّ بقرابته من أمّه، مع ما تقدّم من أنّ النبي صلّی الله علیه وآله لا يحبّ الكافر لقرابته بل هو رحمة للعالمين .

ص: 52


1- الشعراء : 214

الرابع: أنّه خطاب للناس، ويكون المراد من المودّة في القربي حبّ التقرّب إلى الله بالطاعة له، ويكون الاستثناء منقطعاً، والمعنىٰ لا أسألكم أجراً لكن أسألكم أن تعملوا بالطاعة التي تقرّبكم عند الله زلفىٰ، فتوادّوا الله و تتقرّبوا إليه بالطاعة .

وفيه أنّ القربیٰ کما في لسان العرب: الدنوّ في النسب والقربيٰ في الرحم (1) .

مع أنّه إذا أمكن التحفّظ على الاستثناء المتّصل، فلماذا يصار إلى الاستثناء المنقطع؟ .

الخامس: أن يكون الخطاب لمن واجههم النبي صلّی اللُ علیه وآله بالخطاب، لكن لا بما هم أشخاص مخصوصون من حيث كونهم من أهل مكّة أو من أقربائه، بل من حيث إنّهم بعض الناس الذين اُرسل إليهم، فيكون الغرض من خطابهم شموله للناس جميعهم، ويكون المراد بالمودّة في القربىٰ مودّة ذي القرابة في النسب بأحد وجهين :الأوّل: أقرباء الناس، أي: لا أسألكم على دعائي إلى الإسلام أجراً إلاّ أن تودّوا أقرباءكم، وفيه مضافاً إلىٰ أنّ مودّتهم مخصوصة بما إذا لم يحادّوا الله ورسوله، أنّه لا يناسب أن تكون أجر الرسالة، كما هو واضح .

الثاني: أقرباء النبي صلّی اللهُ علیه وآله وهو الظاهر المؤيّد بسائر الموارد الواردة في التوصية لذي القربیٰ، فاذا سأل النبي صلّی اللهُ علیه وآله أجراً للرسالة وجب إطاعته؛ لقوله تعالىٰ (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فيجب مودّة القربىٰ وهي حبّتهم، كما يحبّ الإنسان أقاربه ولا يغضبهم .

فإن كان المراد بالقربیٰ خصوص علي وفاطمة والأئمّة المعصومین علیهم السّلامُ ،

ص: 53


1- لسان العرب 1: 665

اقتضیٰ وجوب المودّة إمامتهم؛ لأنّهم ادّعوا الإمامة وقالوا: إنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله عيّن خلفاءه وأصرّ علىٰ ذلك في مواطن كثيرة، وعيّنهم في الأئمّة الاثني عشر علیهم السّلامُ ،فمن لم يقبل منهم ذلك، فقد أسخطهم وأغضبهم ولم يودّهم؛ لأن مودّتهم لا تتحقّق مع ردّ قولهم ومغاضبتهم.

وإن كان المراد عموم أقربائه، وجب مودّة جميع أقرباء النبي صلّی اللهُ علیه وآله إلاّ من ثبت عدم وجوب مودّته، ويدّل أيضاً علىٰ إمامة المعصومين علیهم السّلام ؛ لأنّه لم يدّع أحد من أقربائه الإمامة بحقّ إلاّ الأئمّة المعصومون علیهم السّلامُ . وأمّا من ادّعى الإمامة من غير المعصومین، کعبد الله الأفطح و نظرائه، فقد دلّت الأدلّة القاطعة علىٰ بطلانه .

ثمّ إنّ الاستثناء إن كان متّصلاً، أي: لا أسألكم علىٰ تبليغ الرسالة شيئاً من الأجر إلاّ أجراً واحداً، وهو أن تودّوا أقربائي، فمودّة ذي القربىٰ واجبة من أجل أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله جعلها أجر رسالته وسألهم أجره. وإن كان منقطعاً، أي: لا أسألكم علىٰ تبليغ الرسالة أجراً، لكن أسألكم مودّة ذي القربىٰ، كانت مودّتهم واجبة من أجل أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله سألهم ذلك ابتداءً لا أجراً.

وأمّا قوله تعالىٰ (قل ما أسألكم عليه من أجر إلاّ من شاء أن يتّخذ إلىٰ ربّه سبيلاً) (1) وقوله تعالىٰ (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلاّ على الله وهو علىٰ كلّ شيء شهید) (2) فلا ينافيان طلبه مودّة ذي القربىٰ أجراً علىٰ رسالته؛ لأنّ لإبلاغ الأنبياء علیهم السّلامُ رسالتهم جهتين :

ص: 54


1- الفرقان : 57
2- سبأ : 47

إحداهما: من حيث إنّهم عملوا بما أوجب الله عليهم من التبليغ، وأجر علىٰ ذلك على الله تعالىٰ، فمن هذه الحيثية لا يطلبون من الناس أجراً .

ثانيتهما: انتفاع الناس واهتداؤهم بما بلّغهم الأنبياء، وصيرورتهم ممّن أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان، ومن هذه الحيثية يجب على الناس شكرهم؛ لأنّ شكر وليّ النعمة واجب عقلاً، ومن لم یشکر المخلوق لم یشکر الخالق، وشكرهم هو تحصیل مرضاتهم، فإن أدّوا بإزاء انتفاعهم بالهداية شيئاً، صحّ أن يعبّر عنه بالأجر .

و نبیّنا صلّی اللهُ علیه وآله جعل أجر تبليغه الذي يستحقّه من الناس عقلاً مودّة قرباه، وحيث إنّ نبيّنا صلّی اللهُ علیه وآله أفضل الأنبياء، ورسالته أفضل الرسالات، فلا عمل أعظم من تبليغه الرسالة في انتفاع الناس، ولابدّ أن يكون أجره معادلاً ومساوياً له، فيكون مودّة ذي القربيٰ من أعظم الفرائض، فعلى المسلمين الاهتمام لأداء هذه الفريضة التي يرجع نفعها إليهم، ويكون سبب نجاتهم وفوزهم. وبهذا البيان يمكن الجمع بين هذه الآيات.

أما الآية الاُولىٰ، فالمراد من جعل مودّة القربیٰ أجراً، هو الأجر الذي يعمله الناس قبال تبليغ الرسالة .

والمراد بالآية الثانية أنّ الأجر هو اتّخاذ السبيل إلى الربّ، وهو التديّن بما جاء به النبي صلّی اللهُ علیه وآله والعمل به، ومودّة القربيٰ وإطاعة أئمّة المعصومین علیهم السّلامُ من جملة ما جاء به، بل انّ السبيل قد فسّر بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام .

وقوله تعالىٰ (من شاء) و لا يدلّ علىٰ عدم الوجوب، بل المراد من شاء نجاة

ص: 55

نفسه، نظير قوله سبحانه (لا إكراه في الدين) (1) مع أنّ الالتزام به واجب .

والمراد بالآية الثالثة أنّ الأجر الذي يكون من الناس يرجع نفعه إليهم، فإنّ مودّة ذي القربىٰ وإطاعتهم يرجع نفعها إليهم، وهي _ أي: مودّة ذي القربيٰ _من الحسنات التي من يقترفها يزد الله له فيها حسناً، وأجر الرسالة هو الذي يعطيه الله نبیّه .

وقد تبيّن أنّه إذا وجبت مودّة ذوي القربىٰ، فهي تتحقّق بامتثال أوامرهم. وأمّا مخالفتهم ومعصيتهم، فإنّها تنافي المودّة : تعصى الإلٰه وأنت تظهر حبّه هذا لعمرك في الفعال قبيح لوكان حبّك صادقاً لأطعته إنّ المحبّ لمن يحب مطيع ثمّ إنّ الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السّلام دعت الناس إلىٰ متابعة عليه السّلام ، فإطاعتها في ذلك تكون مودّتها، والحسنان عليهما السّلام لم يدعوا إلىٰ أنفسهما في زمان حياة أمير المؤمين علي بن أبي طالب عليه السّلام ، بل دعيا إلىٰ متابعة علي علیه السّلام ، فكلّ إمام من الأئمّة المعصومین علیهم السّلام يجب إطاعته؛ لأنّ مودّته إطاعته ومخالفته ترك للمودّة.

هذا.

والبعض العامّة مناقشات علىٰ دلالة الآية لا بأس بذكرها والإجابة عنها :منها : أنّ الآية الاُولىٰ في سورة الشورى وهي مّكية، ومن المعلوم أنّ عليّاً علیه السّلام تزوّج فاطمة علیها السّلام بالمدينة، فلا تشمل الآية _ حين نزولها _ الحسن والحسين علیها السّلام فضلاً عن غيرهما .

ص: 56


1- البقرة : 256

والجواب أولاً: أنّ هذه الآية بخصوصها مدنية علىٰ ما في المصحف وأسباب التنزيل.

وثانياً: أنّ الحكم عامّ شامل للموجودين ولمن يوجد بعد .

ومنها: أنّه لو أراد ذلك لقال المودّة لذي القربىٰ، فإنّ جميع ما في القرآن من التوجيه بحقوق ذوي قربى النبي صلّی اللهُ علیه وآله وذوي قربي الناس إنّما قيل فيها لذي القربىٰ، فلمّا ذكر هنا المصدر دون الاسم دلّ علىٰ أنّه لم يرد ذوي قرباه .

ومنها: أنّه لو أراد المودّة لهم، لقال للقربىٰ ولم يقل في القربيٰ، فلا يقال أسألك المودة في فلان، بل يقال: أسألك المودّة لفلان .

والجواب عنهما: ما ذكره في الكشّاف، حيث قال: جعلوا مكاناً للمودّة ومقرّاً لها، كقولك لي في آل فلان مودّة، ولي فيهم هویً وحبّ شدید، ترید اُحبّهم وهم مكان حبّي و محلّه، وليست «في» بصلة للمودّة كاللام إذا قلت إلاّ المودّة للقربىٰ، إنّما هي متعلّقة بمحذوف تعلّق الظرف به في قولك المال في الكيس، و تقديره: إلاّ المودّة ثابتة في القربيٰ ومتمكّنة فيها(1). إنتهىٰ .

أقول: ولا يخفىٰ أنّه أبلغ في إفادة طلب مرتبة خاصّة من المودّة الثابتة المستقرّة لهم، لا مطلق المودّة لذي القربيٰ .

ومنها : أنّ الأنبياء لا يسألون أجراً .

والجواب: قد ظهر ممّا بيّناه .

ومنها : أنّ القربیٰ معرّفة باللام، فلابدّ أن يكون معروفاً عند المخاطبين .

ص: 57


1- الكشاف 3 : 467

والجواب: أنّ اللام فيها ليس للعهد بل هي للجنس .

ومنها: أنّ المودّة إن أوجبت الطاعة - وكلّما وجبت الطاعة كان المطاع إماماً_ فيجب أن تكون فاطمة الزهراء علیها السّلام إماماً .

والجواب: أنّها لو أمرت باتبّاعها وجب إطاعتها، لكنّها أمرت باتبّاع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام .

ومنها: أنّ المودّة لا توجب الإطاعة، بدليل أنّ مودّة الحسن والحسین علیها السّلام واجبة في زمن النبي صلّی اللهُ علیه وآله وبعده قبل أن يصيرا إمامین .

والجواب: أنّهما كانا يأمران بإطاعة النبي صلّی اللهُ علیه وآله وأميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، ولم يأمرا بإطاعة أنفسهما .

الآية الثالثة

(يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن کنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) (1) .

وبيانه: أنّ الخطاب في قوله تعالىٰ (يا أيها الذين) عامّ لجميع المؤمنين المشافهين والغائبين، والموجودين ومن يوجد، فيجب على الجميع إطاعته تعالىٰ وإطاعة الرسول صلّی اللهُ علیه وآله وإطاعة اُولي الأمر في جميع الأزمنة مالم يكونوا منصوبين الزمان خاصّ أو مکان خاصّ، وإلاّ فيجب إطاعتهم فيما نصبوا فيه .

قوله تعالىٰ (أطيعوا الرسول) إطاعة الرسول _ إن أخبر عن الله بما أوحىٰ إليه _ترجع إلىٰ إطاعة الله سبحانه، وإذا كلّفهم بما يراه مصلحة فقد أمضاه الله، كما

ص: 58


1- النساء : 59

ورد أنّ الله حرّم الخمر، وحرّم رسول الله صلّی اللهُ علیه و المسكر من كلّ شيء، وما ورد من أن الله فرض الصلاة ركعتين، وزاد رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله فيهما ركعة في المغرب، وركعتين في العشاء والظهرين، واذا أمرهم بما هو حاكم على المسلمين وواليهم وسائس العباد وجب إطاعته؛ لأنّ الله أمر بإطاعته .

قوله تعالىٰ (اُولي الأمر) أي: أصحاب الأمر، وحيث إنّ إطاعة اُولي الأمر موقوفة علىٰ معرفتهم، فنقول: إنّ الأمر يحتمل فيه إرادة الأمر الانشائی، كقوله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة) (1).

ويحتمل فيه إرادة الأمر التكويني، كقوله تعالىٰ (تنزّل الملائكة والروح فيهابإذن ربّهم من كلّ أمر) (2).

أمّا الأوّل، فاُولوا الأمر والنهي هم الذين يأمرون الناس بما يرجع إلىٰ وظائفهم الفردية والاجتماعية والسياسية، فإذا كان أمرهم عامّاً لجميع الأزمنة وجميع الأشخاص، فهم اُولوا الأمر بالنسبة إلى الجميع، في جميع الأزمنة والأمكنة ويجب إطاعتهم، ومن إطاعتهم إطاعة المنصوبين من قبلهم، کالاُمراء المنصوبين من قبل النبي صلّی اللهُ علیه وآله وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، كمالك الأشتر وأضرابه.

وقد بيّن الله تعالىٰ شروط من يجب طاعته، فيكون الواجدون لهذه الشروط اُولي الأمر.

فمنها: العلم؛ لأنّ عموم الطاعة له يقتضي أن يكون عالماً بجميع ما يأمر وينهى؛

ص: 59


1- النور : 63
2- القدر : 4

لأنّه لو كان جاهلاً في بعضها ووجب إطاعته فيه لزم وجوب متابعة الجهل، وقد قال سبحانه: (ولا تقف ما ليس لك به علم) (1) وقال:( أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدیٰ) (2) .

ومنها : أن يكون معصوماً؛ لأنّه لو كان مخطئاً لزم وجوب متابعة الجاهل؛ لأنّ الخطأ جهل مرکّب.

ومنها : أن يكون غير ظالم؛ لقوله سبحانه (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار) (3) .

ومنها: أن لا يكون كافراً، لقوله سبحانه (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) (4) والمرتدّ عن الإسلام _وهو المنكر للضروري الذي يرجع إلى انکار الرسالة _ كافر .

ثمّ إنّ الأئمّة المعصومين الاثني عشر علیهم السّلام واجدون لشروط اُولي الأمر الذين يجب إطاعتهم في كلّ زمان وكلّ مكان (5)، فإنّهم العالمون بالكتاب المعصومون

ص: 60


1- الإسراء :36
2- يونس : 35
3- هود : 113
4- النساء : 141
5- روى الكليني قدس سرة في الكافي [1: 192] بإسناده عن عبد الرحمٰن بن کثیر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول: نحن ولاة أمر الله، وخزنة علم الله، وعيبة علم الله. (ح 1). وأيضاً بإسناده عن سدير، عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: قلت له: جعلت فداك ما أنتم؟ قال: نحن خزّان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجّة البالغة علىٰ ما دون السماء ومن فوق الأرض. (ح3)

الهادون المهديون.

وقد أمروا الناس ونهوهم في أخبار كثيرة وصلت إلينا، فكلّ إمام علیه السّلام بيّن أحكاماً وقال: إنّ هذه الأحكام يجب العمل بها علىٰ جميع المكلّفين، فيجب اتّباع أوامر الأئمّة الاثني عشر علیهم السّلامُ ونواهيهم؛ لأنّهم أونو، الأمر الواجدون للشروط، ويكون مخالفوهم و المتقدّمون عليهم من الظالمين المرتدّین .

(1)

ص: 61


1- وأيضاً بإسناده عن أبي حمزة، قال: سمعت أبا جعفر علیه السّلام يقول: قال رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله :قال الله تبارك وتعالی: استكمال حجّتي على الأشقياء من اُمّتك من ترك ولاية علي والأوصياء من بعدك، فإنّ فيهم سنّتك وسنّة الأنبياء من قبلك، وهم خزّاني علىٰ علمي من بعدك. الحديث. (ح 4). وأيضاً بإسناده عن عبدالله بن يعفور، قال: قال أبو عبدالله علیه السّلام: يابن أبي يعفور إنّ الله واحد متوحّد بالوحدانية، متفرّد بأمره، فخلق خلقاً فقدّرهم لذلك الأمر، فنحن هم یابن أبي يعفور، فنحن حجج الله في عباده، و خزّانه علىٰ علمه، والقائمون بذلك. (ح 5) . وروىٰ أيضاً في الكافي [1: 193] بإسناده عن الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن الرضاعلیه السّلام يقول: الأئمّة خلفاء الله عزّوجلّ في أرضه. (ح 1). وأيضاً بإسناده عن أبي بصير، قال: قال أبو عبدالله عليه السّلام: الأوصياء هم أبواب الله عزّوجلّ التي يؤتى منها، ولولاهم ما عرف الله عزّوجلّ، وبهم احتجّ الله تبارك وتعالىٰ علىٰ خلقه. (ح 2). وروىٰ أيضاً في الكافي {1 : 206} بإسناده عن بريد العجلي، عن أبي جعفر علیه السّلام في قول الله تبارك و تعالىٰ (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً) قال: جعل منهم الرسل والأنبياء والأئمّة، فكيف يقرّون في آل إبراهيم عليه السّلام وينكرون في آل محمّد صلّی اللهُ علیه وآله؟ قال: قلت: وآتيناهم ملكاً عظيماً، قال: الملك العظيم أن جعل فيهم أئمّة، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله، فهو الملك العظيم. (ح 5) .

ثمّ إنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السّلام نصبوا أشخاصاً وأمروا بطاعتهم، فلهم إمارة في خصوص ما نصبوهم فيه .

ولا يشترط في الإمارة الخاصّة إلاّ المصالح التي يراها النبي صلّی اللهُ علیه وآله أو الإمام المعصوم عليه السّلام في الذي يولّيه من قبله، كالولاة الذين بعثهم النبي صلّی اللهُ علیه وآله وأمير المؤمنين عليه السّلام على البلاد، فإنّه لا يعتبر فيهم ما يعتبر في الإمارة العامّة؛ لأنّ زمان إمارتهم ومكانها محدودان، وإن صدر منهم خلاف، فالنبي صلّی اللهُ علیه وآله والإمام المعصوم عليه السّلام مشرفان عليهم يعز لانهم .

وأمّا الثاني وهو الأمر التكويني، فاُولوا الأمر هم الذين ينزل إليهم الأمر التكويني من الآجال والأرزاق وغيرهما. ولعلّه المراد بالأمر في قوله سبحانه (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنّا كنّا منذرين * فيها يفرق كلّ أمر حكيم * أمراً من عندنا إنّا كنّا مرسلین) (1) و قوله تعالىٰ (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمره (2).

وإذا كانت ليلة القدر باقية مدى الأيام والدهور، فلابد من بقاء من تنزل فيها الاُمور إليه، وهو الإمام الثاني عشر عجّل الله تعالیٰ فرجه .

قوله (وإن تنازعتم) خطاب إلى المؤمنين الذين يجب عليهم إطاعة الرسول واُولي الأمر، بمعنىٰ تنازع المؤمنين فيما بينهم؛ لأنّه لا معنى لمنازعة اُولي الأمر الذين يحب إطاعتهم .

ص: 62


1- الدخان : 3 -5
2- القدر : 4

لكن قال في الكشّاف: المراد إن اختلفتم أنتم واُولوا الأمر منكم في شيء من أمور الدين، فردّوه إلى الله ورسوله، أي : ارجعوا إلى الكتاب والسنّة (1) إنتهیٰ .

ولا يخفىٰ أنّ هذا هو التفسير بالرأي وخلاف الظاهر، فإنّ من قرنه الله بنفسه وبرسوله في وجوب الإطاعة كيف يجوز الاختلاف معه؟ وأمّا قوله تعالی (فردّوه إلى الله وإلى الرسول) فيحتمل أن يكون المعنىٰ وإلىٰ اُولي الأمر، من باب حذف ما يعلم، نظير قوله تعالىٰ (والله ورسوله أحقّ أن برضوه) (2) ويؤيّده الإرجاع إلىٰ اُولي الأمر في قوله تعالىٰ (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى اُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه) (3) .

ثمّ إنّ الاُمّة قد تنازعت في خليفة الرسول صلّی اللهُ علیه وآله، فيجب عليهم ردّ ذلك إلى الله، والردّ إليه هو الردّ إلىٰ كتابه، وقد بيّن الله سبحانه وتعالىٰ في كتابه شروط من يجب إطاعته، وتلك الشروط تنطبق علىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام وأولاده المعصومین علیهم السّلام .

الردّ إلىٰ رسوله بعد وفاته هو الردّ إلىٰ سنّته، وقد ثبت عنه متواتراً أنّه أوصىٰ بعترته، وقال الله صلّی اللهُ علیه وآله : فاطمة بضعة منّي من أغضبها فقد أغضبني (4).

وهي سلام الله عليها بعد وفاة أبيها غضبت علىٰ من غصب حقّها وحقّ بعلها، وكانت ساخطة علىٰ أبي بكر وعمر، ويشهد لذلك أنّها أوصت فدفنت سرّاً.

ص: 63


1- الكشاف 1: 535
2- التوبة : 62
3- النساء : 83
4- صحيح البخاري : 5: 21 و 29

ثمّ لا يخفىٰ أنّ غير المتعصّب إذا تأمّل وحقّق، فلا أقلّ أنّه يشكّ في أمر القوم بعد وفاة الرسول صلّی اللهُ علیه وآله ، لكن لا يشكّ في أنّ عليّاً وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام هم مصادیق قوله تعالىٰ (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) (1) فلا ينبغي العدول عنهم إلىٰ غيرهم (2).

ص: 64


1- الأحزاب : 33
2- روى الكليني في الكافي [1: 286ح 1} بإسناده عن أبي بصير، قال: سألت أباعبدالله علیه السّلام عن قول الله عزّوجلّ (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منکم) فقال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السّلام ، فقلت له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليّاً وأهل بيته عليهم السّلامُ في كتاب الله عزّوجلّ ؟ قال: فقال: قولوا لهم: إنّ رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله ثلاثاً ولا أربعاً، حتّىٰ كان رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كلّ أربعين درهماً درهم، حتّىٰ كان رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله هو الذي فسّر ذلك لهم، ونزل الحجّ فلم يقل لهم: طوفوا اُسبوعاً، حتّىٰ كان رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله هو الذي فسّر ذلك لهم. ونزلت (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منکم) ونزلت في علي والحسن والحسين علیهم السّلامُ ، فقال رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله في علي علیه السّلام : من کنت مولاه فعلي مولاه، وقال صلّی اللهُ علیه وآله: اُوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإنّي سألت الله عزّوجلّ أن لا يفرّق بينهما حتّىٰ يوردهما عليّ الحوض، فأعطاني ذلك، وقال: لا تعلّموهم فهم أعلم منكم، وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هديٰ، ولن يدخلوكم في باب ضلالة . فلو سكت رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله فلم يبيّن من أهل بيته لادّعاها آل فلان و آل فلان، لكن الله عزّوجلّ أنزله في كتابه تصديقاً لنبيّه صلّی اللهُ علیه وآله (إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً) فكان علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السّلام فأدخلهم رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله تحت الكساء في بيت اُمّ سلمة، ثمّ قال: اللهمّ إنّ لكلّ نبيّ أهلاً وثقلاً، وهؤلاء أهل بيتي وثقلي الحديث

ثمّ إنّ مقتضىٰ إطلاق وجوب طاعة الرسول، أنّه لو أمر بإحضار الماء ليشرب مثلاً وجب إطاعته، فينبغي أن يكون ذلك لاُولي الأمر أيضاً، وهذا لا يمكن الالتزام به في غير المعصوم .

وذكر الشيخ الطوسي رحمة الله في التبيان عن المفسّرين تأويلين لاُولي الأمر: أحدهما: قال أبو هريرة وفي رواية عن ابن عبّاس و میمون بن مهران والسدي والجبائي والبلخي والطبري: إنّهم الاُمراء. ثانيهما: قال جابر بن عبدالله وفي رواية عن ابن عبّاس ومجاهد والحسن وعطاء وأبي العالية: إنّهم العلماء، ثمّ ناقش فيهما. فراجع (1) .

أقول: وكلاهما غير صحيح؛ لأنّ الله سبحانه لا يأمر بإطاعة الاُمراء، ولا يقال للعلماء اُولوا الأمر؛ لأنّهم ليسوا ممّن له الأمر، بل يستفاد من قوله تعالىٰ ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلىٰ اُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (2) انّ اُولي الأمر معصومون .

قال في التبيان في تفسير الآية الأخيرة: عن أبي جعفر علیه السّلام : «هم الأئمّة المعصومون» لأنّه تعالىٰ بيّن أنّهم متىٰ ردّوه إلىٰ اُولي العلم علموه، والرّد إلىٰ من ليس بمعصوم لا يوجب العلم لجواز الخطأ بلا خلاف، سواء كانوا اُمراء السرايا أو العلماء (3).

ص: 65


1- التبيان 3: 235
2- النساء : 83
3- التبيان 3: 273

ثم إنّه يقال للمخالفين للشيعة: إنّه ما المراد بأُولي الأمر؟ فإن كان كلّ من يتسلّط على المسلمين من الظلمة والفسّاق، فيكون شمر _ لعنه الله _ معذوراً في قتل سیّد الشهداء أبي عبدالله الحسین علیه السّلام .

رويٰ في لسان الميزان بإسناده عن أبي إسحاق، قال: کان شمر يصلّي معنا، ثمّ يقول: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي شريف فاغفر لي، قلت: كيف يغفر الله لك وقد أعنت علىٰ قتل ابن بنت رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله؟ قال: ويحك فكيف نصنع، إنّ اُمراءنا هؤلاء أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنّا شرّاً من هذه الحمر الشقاء، قلت: إنّ هذا العذر قبيح، فإنّما الطاعة في المعروف (1).

أقول: اعترف أنّ يزيد أمير واجب الاطاعة، لكن يطاع في المعروف، مع أنّالمأمور لا يعرف المعروف من غيره، وأين هذا الاعتقاد من قولنا بأنّ اُولي الأمر هم المعصومون عليهم السّلام.

الآية الرابعة

قوله تعالىٰ (اليوم أكملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) (2) دلّت الآية الشريفة علىٰ أنّ إكمال الدين قد تمّ في

ص: 66


1- لسان المیزان 3: 185
2- المائدة: 3. أقول: نزلت هذه الآية الشريفة في ولاية علي علیه السّلام، روى الكليني في الكافي (1: 289 ح 4) في صحيح الفضلاء عن أبي جعفر عليه السّلام، قال: أمر الله عزّوجلّ رسوله بولاية علي علیه السّلام وأنزل عليه (إنّما ولیّکم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمّدً صلّی اللهُ علیه وآله أن يفسّر لهم الولاية، كما فسّر لهم الصلاة والزكاة والصوم والحجّ، فلمّا أتاه ذلك من الله، ضاق بذلك صدر رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله وتخوّف أن يرتدّوا عن دينهم وأن يكذّبوه، فضاق صدره وراجع ربّه عزّوجلّ

حیاة النبی صلّی اللهُ علیه وآله (1) .

(2)

ص: 67


1- في بعض الأخبار أنّ هذه الآية نزلت في عرفة في حجّة الوداع، فيمكن أن تكون هذه الفريضة _ أي: ولاية علي عليیه السّلام _ آخر الفرائض، وكمل الدين بنزولها، لكن النبي صلّی اللهُ علیه وآله لم يكن مأموراً بإبلاغها إلىٰ أن رجع من الحجّ ووصل إلىٰ غدیر خمّ، فنزل قوله تعالىٰ (يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك) . روى الكليني في الكافي [1: 290 ح 6] بإسناده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السّلام قال : سمعت أبا جعفر علیه السّلام يقول: فرض الله عزّوجلّ على العباد خمساً، أخذوا أربعاً وتركوا واحداً، قلت: أتسمّيهنّ لي جعلت فداك ؟ فقال: الصلاة وكان الناس لا يدرون كيف يصلّون، فنزل جبرئیل علیه السّلام فقال: يا محمّد أخبرهم بمواقيت صلاتهم، ثمّ نزلت الزكاة، فقال: يا محمّد أخبرهم منزكاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم، ثمّ نزل الصوم، فكان رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله إذا كان يوم عاشورا بعث إلىٰ ما حوله من القرىٰ، فصاموا ذلك اليوم، فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوّال، ثمّ نزل الحجّ ، فنزل جبرئیل علیه السّلام فقال: أخبرهم من حجّهم ما أخبرتهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم. ثمّ نزلت الولاية، وإنّما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة، أنزل الله عزّوجلّ (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت علیکم نعمتي) وكان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب علیه السّلام ،فقال عند ذلك رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله : اُمّتي حدیثوا عهد بالجاهلية، ومتىٰ أخبرتهم بهذا في ابن
2- فأوحى الله عزّوجلّ إليه (يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس) فصدع بأمر الله تعالىٰ ذكره، فقام بولاية علي علیه السّلام يوم غدیر خمّ، فنادیٰ الصلاة جامعة، وأمر الناس أن يبلّغ الشاهد الغائب . قال عمر بن اُذينة: قالوا جميعاً غير أبي الجارود: وقال أبو جعفر صلّی اللهُ علیه وآله: وكانت الفريضة تنزل بعد الاُخرىٰ، وكانت الولاية آخر الفرائض، فأنزل الله عزّوجلّ (اليوم أكملت لكم دینکم وأتممت علیکم نعمتي) قال أبو جعفر علیه السّلام : يقول الله عزّوجلّ: لا اُنزل عليكم بعد هذه فريضة، قد أكملت لكم الفرائض وروىٰ أيضاً نحوه في حديث عن أبي الجارود، عن أبي جعفر علیه السّلام.

وبيانه: أنّ قوله تعالىٰ (اليوم) يمكن أن يقال: إنّ ظاهره يوم معيّن ، وهو يوم نزول ولاية علي علیه السّلام ، وهو يوم تثبيت الدين والإسلام، لأنّ الظاهر أنّ المراد من اليوم هو اليوم المذكور في قوله سبحانه (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون) (1) وهو كان في أواخر أيّام النبي صلّی اللهُ علیه وآله ، فإنّ الكفّار كانوا يرجون إبطال الدين واضمحلاله، وارتداد المسلمين عن دينهم، كما قال سبحانه (ولا يزالون يقاتلوكم حتّىٰ یردّوکم عن دینکم إن استطاعوا) (2) .

لكنّهم بعد فتح مكّة وقوّة الإسلام يئسوا من إبطال الدين، وعلموا أنّه استقرّ و ثبت، وأنّه لا يزول وإن قتلوا النبي صلّی اللهُ علیه وآله ، فيئسوا من معارضة المسلمين وارتدادهم عن دينهم ، فالمراد من اليوم يوم معيّن .

ولكن قال في الكشّاف: اليوم لم يرد به يوماً بعينه، وانّما أراد به الزمان الحاضر(3)

ص: 68


1- المائدة : 3
2- البقرة : 217
3- عمّي يقول قائل ويقول قائل، فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني،فأتتني عزيمة من الله عزّوجلّ بتلة أوعدني إن لم اُبلّغ أن يعذّبني، فنزلت (يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين . فأخذ رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله بيد علي علیه السّلام ،فقال: أيّها الناس إنّه لم يكن نبي من الأنبياء ممّن كان قبلي إلاّ وقد عمّره الله، ثمّ دعاه فأجابه، فاُوشك أن اُدعىٰ فاُجيب، وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت، وأدّيت ما عليك، فجزاك الله أفضل جزاء المرسلین، فقال: اللّهمّ اشهد - ثلاث مرّات - ثمّ قال: يا معشر المسلمين هذا وليّكم من بعدي، فليبلّغ الشاهد منكم الغائب. الحديث .

وما يتّصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، إلىٰ أن قال: وقيل: اُريد يوم نزولها وقد نزلت يوم الجمعة، وكان يوم عرفة بعد العصر في حجّة الوداع إلىٰ آخر كلامه (1).

أقول : لا وجه لتأويل ظاهره، وهو اليوم المعيّن إلىٰ ما ذكره .

قوله تعالىٰ (أكملت لكم) إكمال الشيء هو البلوغ إلىٰ نهايته وإتمام نقصه، ولا يتحقّق إكمال الدين إلاّ بعد أن يبيّن الله سبحانه لجميع المكلّفين ما يحتاجون إليه من الدين،والخطاب متوجّه إلى جميع المكلّفين، ولا اختصاص بالمشافهين؛ لأنّ الدين لا يختصّ بهم.

قوله (دینکم) الدين هو الاُصول الاعتقادية من توحيد الله سبحانه، ومعرفة صفاته، ومعرفة الأنبياء، وأوصيائهم والمعاد. والفروع من العبادات، والمعاملات، والسياسات. وبعضها أعمال فردية، وبعضها اجتماعية، كإقامة الجمعة، وإجراء الحدود، وإدارة المجتمع الإسلامي.

ثمّ إنّ إكمال الدين في زمان النبي صلّی اللهُ علیه وآله إنّما يكون إذا عيّن خليفته؛ لاحتياج الدين إلىٰ وجود النبي صلّی اللهُ علیه وآله أو خليفته الذي هو مثله في جميع خصاله إلاّ النبوّة وخصائصه الشخصية لوجهين: أحدهما: أنّ إجراء بعض الأحكام لا يكون إلاّ بیده؛ لأنّ الأحكام الاجتماعية والسياسية لا تتحقّق بدونه .

ثانيهما: أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله قد أودع الأحكام الشرعية جميعاً حتّىٰ أرش الخدش عنده ليبيّنها للناس عند حاجتهم إليها، فقوله سبحانه (أكملت لکم دینکم) إخبار

ص: 69


1- الكشاف 1:593

عن نصب خليفة النبي صالذي يكون بمنزلته علما وعملا وعصمه، وهو يتصدیٰ الجميع ما كان يتصدّىٰ له النبي صلّی اللهُ علییه وآله، وهذا ما يعتقده الشيعة .

وأمّا ما يقوله غير الشيعة في مسألة خليفة النبي صلّی اللهُ علیه وآله والأحكام التي تقوّلها المتصدّون للخلافة بعد النبي صلّی اللهُ علیه وآله ، فيرد عليهم أنّه: إن لم يكن وجود الخليفة والأحكام المستحدثة بعد النبي صلّی اللهُ علیه وآله من الدين، فلا حاجة عند الناس إليها؛ لأنّ الدين قد اُکمل في زمان النبی صلّی اللهُ علیه وآله .

وإن كانت من الدين، فإن زعموا أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله لم يبيّنها، لزم عدم إكمال الدين في زمانه، وإن زعموا أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله بيّن لجميع أصحابه جميع ما يحتاج إليه الاُمّة إلىٰ يوم القيامة، فغير صحيح لوجوه :

الأوّل: أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله مبعوث إلى الإنس والجنّ، فإنّه يرى الجنّ ويستمع إلىٰ كلامهم، ويجيب عن مسائلهم، ثمّ إنّه لم يتمكّن من بیان جميع ما يحتاج إليه الاُمّة، ومن نظر إلىٰ تاريخ حياته مع أصحابه، يعترف بأنّه لم يبيّن جميع ما يحتاج إليه الإنس والجنّ إلى يوم القيامة لجميع أصحابه .

وقد أجاد في بيان ذلك الشيخ أسد الله التستري رحمه الله، حيث قال في کشف القناع: ولمّا بعث الله نبيّنا صلّ اللهُ علیه وآله إلى الناس کاففّة، كانوا كلّهم أهل شرك وعبادة لغير الله سبحانه، إلاّ بقايا من أهل الكتاب، فكانوا علىٰ ملل أنبيائهم المغيّرة وكتبهم المحرّفة، عدا ما لا يخلو الأرض منه عند الفترة، أو مع أوحديّ من أتباعه خاصّة، فلم يكن له همّ أوّلاً إلاّ دعوة الناس إلى الإقرار بالشهادتين، وترك أديانهم ومللهم السابقة .

ص: 70

وقد بقي علىٰ ذلك سنين كثيرة معروفة مدّة مكثه بمكّة بعد البعثة لا يأمرهم إلاّ بذلك وبقليل من الفروع والأحكام، بحسب ما اقتضته المصالح والحكم، وتحمّلته طباع أهل ذلك الزمن، فأسلم قليل منهم علىٰ عجز وخيفة وضعف بصيرة وقلّة معرفة بحقائق الشريعة المنيرة، إلاّ نفراً منهم هداهم الله لدينه لم يشكّوا ولم يزلّواء، ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ولم يضرّهم خذلان خاذل، وكانت التكاليف تتبع الأعمّ الأغلب، ولا سيّما في بدو الشرع.

فلمّا كان من أمر النبي صلّی اللهُ علیه وآله مع قریش ما كان وهاجر من مكّة إلى المدينة، وقوي الإسلام وكثر أهل الإيمان، زادت تكاليفهم تدريجاً، إلىٰ أن نزل القرآن بتمامه نجوماً، واستقرّت الشريعة، وكمل الدين وتمّت النعمة، وذلك قبل وفاته بمدّة قليلة.

ثمّ إنّ المسلمين مع قرب عهدهم بالجاهلية، وقصر مدّة إسلامهم وتعلّمهم للشريعة، وكثرة المنافقين بينهم والمستضعفين والجهّال والكذّابة، كانوا في شدّة عظيمة من جهة الكفّار والأوباش، وضيق شديد من جهة المعاش، فكان أكثر أوقاتهم مصروفاً في الجهاد والاكتساب ولوازمهما، کتهيئة السلاح وعدّة السفر، وتعلّم السبق والرمي، ومعالجة الجروح ومزاولة الجرحىٰ، والاشتغال باُمور القتلىٰ، والخروج إلى الأسواق وإلى البساتين لإصلاح الأشجار وقطع الثمار، وإلى البلاد النائية والبراري والقفار للاكتساب والاتّجار،وكانوا مشغولين أيضاًبغير ذلك من لوازم الطبيعة البشرية وسائر الأفعال والأعمال الدنيوية والدينية .

فما كانوا ليحضروا عند النبي صلّی اللهُ علیه وآله لاستماع المواعظ وتعلّم المسائل، إلاّ عند

ص: 71

فراغهم من هذه العوائق والشواغل.

وربما كان يحضر بعضهم عند مسألة يسأل عنها، أو حكم يحكم به، أو فعل يصدر منه أو أمر أو نهي ويغيب عنه آخر، ولم يكن كلّهم يسألون ويفهمون أو يستفهمونه؛ لأنّ الله تعالىٰ كما روي عن أمير المؤمنین علیه السّلام نهاهم عن السؤال، حيث يقول: (يا أيّها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزّل القرآن تبد لكم)(1) الآية.

فامتنعوا من السؤال، وربما لم يهتدوا إلىٰ طريقه ووجهه عند عروض الحاجة الباعثة عليه، وقضاء الضرورة الملجئة إليه، وقد كانوا لأجل ذا وذلك ربما يحبّون ويتمنّون أن يجيء الأعرابي والطاري، فيسأل النبي صلّی اللهُ علیه وآله عن شيء حتّىٰ يسمعوا.

فلم يعرف معظمهم من الشريعة إلاّ ما كان ظاهراً مشهوراً من الأعمال التي كانوا يواظبون عليها غالباً أو مكرّراً، والتروك التي كانوا يتجنّبونها دائماً أو كثيراً، أو غير ذلك ممّا كانوا يحتاجون إليه ويتّفق لهم العلم به نادراً .

وهذه ربما خفي وجه بعضها عليهم، فلم يعلموا هل المأمور به واجب أو مندوب، والمنهي عنه محرّم أو مكروه؛ لعدم توقّف الامتثال علىٰ معرفة ذلك، فلم يكن يهتمّ بشأنه كثيراً مع العزم على الإطاعة مطلقاً.

وربما وقع منهم الخطأ العظيم فيما جعل النبي صلّی اللهُ علیه وآله أمره إليهم، وذلك كما في قصّة ماعز بن مالك لمّا أقرّ علىٰ نفسه بالزنا، وأمر النبي صلّی اللهُ علیه وآله برجمه، فهرب من الحفيرة، فلحقه الزبير ورماه بساق بعير، فسقط فلحقه الناس فقتلوه، ثمّ اُخبر

ص: 72


1- المائدة : 101

النبي صلّی اللهُ علیه وآله بذلك، فقال لهم : هلاّ تركتموه إذا هرب، فإنّما هو الذي أقرّ على نفسه، وقال أيضاً: أما لو كان علي حاضراً معكم لما ضللتم، ثمّ وداه من بيت مال المسلمين .

وقد أخطأ عمّار في كيفية التيمّم إلىٰ أن وبّخه النبي صلّی اللهُ علیه وآله وعلّمه كما هو معروف، فكيف حال سائر الصحابة ؟.

وربما وقع الاختلاف بينهم في زمانه كما وقع بين جماعة منهم، حيث تحاكم إليهم النبي صلّی اللهُ علیه وآله مع الأعرابي في القضيّة المعروفة المتّحدة أو المتعدّدة، فلم يحكم منهم بالحقّ إلاّ أمير المؤمنین علیه السّلام حتّىٰ صنع بالأعرابي ما صنع، وكما وقع بين أبي ذرّ وعثمان في زكاة مال التجارة إلىٰ أن رجعا إلى النبي صلّی اللهُ علیه وآله، فقال: القول ما قال أبوذرّ(1). إنتهىٰ موضع الحاجة من كلامه، وليرجع إلىٰ بقيته من أحبّ .

فقد تبيّن أنّه لم يكمل الدين في زمان حياة النبي صلّی اللهُ علیه وآله بتعليمه صلّی اللهُ علیه وآله الأحكام والكتاب جميع الناس الذين عاصروه، إلاّ ما يحتاجون إليه في اُصول دينهم وفروعه، فضلاً عن الذين يأتون بعده، وما يحدث من الفروع في الأعصار التالية .

فيتعيّن أن يكون تحقّق إكمال الدين بنصب خليفة النبي صلّی اللهُ علیه وآله الذي هو بمنزلته، وهو الذي علّمه النبي صلّی اللهُ علیه وآله الكتاب وأودعه علمه، فيكون الخليفة امتداداً لخطّ النبوّة، ولا يكون ذلك الشخص إلاّ أمیرالمؤمنين علياً علیه السّلام ، وأولاده المعصومين علیهم السّلام ، الذين يعلمون الكتاب الذي فيه ما يحتاج إليه الإنس والجنّ، المشتمل علىٰ جميع المعارف، وقد اجتمعت فيهم جميع الصفات التي دلّ القرآن

ص: 73


1- کشف القناع ص 61 - 62

الكريم على اعتبارها في خليفة النبي صلّی اللهُ علیه وآله ، ولم تجتمع في غيرهم (1) .

الوجه الثاني: أنّ من الطبيعي أن تحدث بعد وفاته صلّی اللهُ علیه وآله وقائع لم تكن قد وقعت في زمانه صلّی اللهُ علیه وآله ولم يبيّن حكمها، ولا يستفاد من الكتاب ولا من النصوص الثابتة عنه، ولذا احتاج العامّة إلىٰ تخريجها بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة التي رأوها، وقد اعترف بذلك ابن رشد في مقدّمة بداية المجتهد .

فعلىٰ مذهب غير الشيعة لم يكمل الدين، وأمّا علىٰ مذهبهم من وجود معصوم عالم بجميع الأحكام الجزئية والكلّية للوقائع المتجدّدة وغيرها، آخذ علمه من النبي صلّی اللهُ علیه وآله ، فيودعه عند معصوم آخر بعده يقوم مقامه، فقد اُكمل الدين .

الوجه الثالث: أنّ الدين الذي أكمله الله سبحانه لعباده لا اختلاف فيه؛ لأنّ حكم الله لا اختلاف فيه، فقد قال سبحانه و تعالىٰ : (ولو كان من عند غير الله

ص: 74


1- وقد ثبت عنهم ووصل إلى المكلّفين بعض الأخبار الدالّة على الأحكام الشرعية غير الموجودة في الكتاب ولا في الأخبار المنقولة عن النبي صلّی اللهُ علیه وآله في كتب الحديث . وبهذا البيان يتّضح معنىٰ ما ورد في موثّق أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر علیه السّلام ، قال: خطب رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله في حجّة الوداع، فقال: يا أيّها الناس ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلاّ وقد أمرتكم به، وما من شيء يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنّة إلاّ وقد نهيتكم عنه. الحديث. وسائل الشيعة كتاب التجارة ب 12 من أبواب مقدّمات التجارة ح 2. فإنّ ما احتاج المعاصرون له إلىٰ بيانه قد بيّنه لهم، ومنه خلافة عليه السّلام ، وغيرهم يعرفون ما يحتاجون بالرجوع إلىٰ علي وأولاده المعصومين عليهم السّلام، وليس معنیٰ كلامه صلّی اللهُ علیه وآله أنّه بيّن جميع الأحكام لأصحابه، من الشكوك الواقعة في الصلاة وغيرها، كما هو ظاهر لغير المتعصّب .

لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) (1).

وأيضاً أنّ الله سبحانه لم يجعل حكمه تبعاً للأهواء والآراء، فقال سبحانه مخاطباً لنبيّه: ( إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنین خصیماً) (2) وقال عزّوجلّ: ( قل إنّي علىٰ بيّنة من ربّي وكذّبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلاّ لله يقصّ الحقّ وهو خير الفاصلين) (3) وقال تعالىٰ: ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ لتبيّن لهم الذي اختلفوا فيه وهدىً ورحمة لقوم يؤمنون) (4).

وقال تعالىٰ : ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) (5) وقال تعالىٰ: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتّبعوه واتّقوا لعلّكم ترحمون * أن تقولوا إنّما اُنزل الكتاب علىٰ طائفتين من قبلنا وإن كنّا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنّا اُنزل علينا الكتاب لكنّا أهدیٰ منهم فقد جاءكم بيّنة من ربّكم وهدىً ورحمة فمن أظلم ممّن كذّب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصد فون عن آیاتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون) (6) .

وقال تعالىٰ: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم واحذرهم أن

ص: 75


1- النساء: 82
2- النساء : 105
3- الأنعام : 57
4- النحل : 64
5- الشوری : 10
6- الأنعام : 155_ 157

يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولّوا فاعلم أنّما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإنّ كثيراً من الناس لفاسقون * أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون )(1).

وبعد ذلك نقول: إنّ اختلاف العامّة في الاُصول والفروع ومذاهب أئمّتهم الأربعة أمر لا ينكر. فإن كان جميعها صحيحاً، لزم عدم إكمال الدين، كما يلزم أن يكون حكم الله سبحانه تابعاً للأهواء والآراء .

الوجه الرابع: لو سلّم أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله بيّن جميع الأحكام، فمن يبلّغها إلىٰ اُمّته بعد وفاته إلىٰ يوم القيامة؟ فإن قالوا: إنّ اُمّته المعاصرين له يحفظونها ويبلّغونها إلىٰ من بعدهم، ففيه أنّهم قد اختلفوا في الفروع أشدّ الاختلاف، ألا ترىٰ أنّهم لم يحفظوا كيفية الأذان الذي كان يؤذّن في زمانه صلّی اللهَ علیه وآله خمس مرّات في اليوم والليلة .

قال محمّد بن أحمد بن رشد القرطبي المتوفّىٰ سنة (595) في بداية المجتهد ونهاية المقتصد: اختلف العلماء في الأذان علىٰ أربع صفات مشهورة : إحداها: تثنية التكبير فيه وتربيع الشهادتين وباقيه مثنىٰ، وهو مذهب أهلالمدينة مالك وغيره، واختار المتأخّرون من أصحاب مالك الترجيع، وهو أن يثني الشهادتين أوّلاً خفياً، ثم يثنّيهما مرّة ثانية مرفوع الصوت.

والصفة الثانية: أذان المكّيين، وبه قال الشافعي، وهو تربيع التكبير الأوّل والشهادتين، وتثنية باقي الأذان . والصفة الثالثة: أذان الكوفيين، وهو تربيع التكبير الأوّل، وتثنية باقي الأذان،

ص: 76


1- المائدة : 49_ 50

قال أبو حنيفة .

والصفة الرابعة: أذان البصريين، وهو تربيع التكبير الأوّل، وتثليث الشهادتين، وحيّ على الصلاة، وحيّ على الفلاح، يبدأ بأشهد أن لا إلٰه إلاّ الله، حتّىٰ يصل حيّ على الفلاح، ثمّ يعيد كذلك مرّة ثانية، أعني الأربع کلمات تبعاً، ثمّ يعيدهنّ ثالثة وبه قال الحسن البصري وابن سیرین (1).

الوجه الخامس: أنّ المراد من إكمال الدين هو إكماله بالنسبة إلى الناس جميعاً ولا يكون الدین کاملاً إلاّ إذا كان بحيث تتمّ الحجّة على الناس، والدین لا يختصّ بالعرب، بل يعمّ الناس أجمعين، فلابدّ وأن يكون له حافظ يمكنه بیان أحقّية الدين ورفع الشبهات عن الناس، وذلك بأن يكون له معجزة تدلّ علىٰ أحقّية الدين، كما كان الأئمّة المعصومون علیهم السّلام متمكّنين من الإعجاز، وقد ملئت كتب الشيعة من ذكر معجزاتهم، فأثبتوا بها أنّ الإسلام دين إلٰهي، ولا يكفي إعجاز القرآن لجميع الناس؛ لأنّ غير العربي ربما لا يفهم إعجازه.

وما ذكرناه من تفسير الآية هو ما يقتضيه ظاهرها، ولكن صاحب الكشّاف تمحّل في تفسيرها، فقال: «اليوم أكملت لکم دینکم» كفيتكم أمر عدوّكم، وجعلت اليد العليا لكم، كما تقول الملوك: اليوم كمل لنا الملك، وكمل لنا ما نريد، إذا كفوا من ينازعهم الملك، ووصلوا إلىٰ أغراضهم ومباغيهم، أو أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم، من تعليم الحلال والحرام، والتوقيف على الشرائع، وقوانين

ص: 77


1- بداية المجتهد 1: 108

القياس واُصول الاجتهاد(1) انتهىٰ .

أقول: أمّا المعنى الأوّل، فليس مطابقاً لمدلول الآية؛ لأنّ الدين هو الإسلام، وهو عبارة عن عقائد و أحكام ولا ربط له بالملك، فلا يقال كمل العقائد والأحكام لأنّ العدوّ صار مقهوراً .

وأمّا المعنى الثاني، فقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّه لم يعلم جميع اُمّته جميع الحلال والحرام.

وأمّا قوله «و قوانين القياس واُصول الاجتهاد» فبطلانها من الواضحات لمن راجع ما كتبه علماء الشيعة في بطلانها، وقد منع الله رسوله عن ذلك وقال: «ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين) (2) .

ولا سبيل إلى العلم بملاكات الأحكام إلاّ للمعصومين الذين يتّخذون علومهم من الله، وكيف يدرك الفرق مثلاً بين جعل عتق الرقبة عد لإطعام عشرة مساكين في قوله تعالىٰ (فكفّارته طعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو کسوتهم أو تحرير رقبة ) (3) وبين جعله عدلاً لإطعام ستّين مسكيناً في قوله تعالىٰ (والذين يظاهرون من نسائهم ثمّ يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسّا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متابعين من قبل أن يتماسّا فمن لم يستطع فإطعام ستّين مسكيناً) الآية (4) .

ص: 78


1- الكشاف 1: 593
2- الحاقّة : 44 - 45
3- المائدة : 89
4- المجادلة : 3 - 4

وحكى الشيخ الطوسي رحمة اللهُ في التبيان في تأويل قوله تعالىٰ (أكملت لكم دینکم) أقوالاً، أحدها: قال ابن عبّاس والسدي وأكثر المفسّرين: إنّ معناه أكملت لكم فرائضي وحدودي وأمري ونهيي وحلالي وحرامي بتنزیلي ما أنزلت و تبياني ما بيّنت لكم، فلا زيادة في ذلك ولا نقصان منه بالنسخ بعد هذا اليوم، وكان ذلك اليوم عام حجّة الوداع. إلىٰ أن قال: وهو اختيار الجبائي والبلخي .

الثاني: قال الحكم وسعيد بن جبير وقتادة: معناه أكملت لكم حجّكم، وأفردتكم بالبلد الحرام تحجّون دون المشركين، ولا يخالطكم مشرك، وهو الذي اختاره الطبري .

الثالث: قال الزجّاج : معنىٰ أكملت لكم الدين، كفيتكم خوف عدّوكم وأظهرتكم عليهم، كما تقول: الآن كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد، أي: كفينا ما كنّا نخافه .

الرابع: ما روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله علیها السّلام أنّ الآية نزلت بعد أن نصب النبي صلّی اللهُ علیه وآله علماً للاُمّة يوم غدیر خمّ منصرفه عن حجّة الورداع.

أقول: ظهر مامّ بيناه بطلان الوجوه الثلاثة، وأنّ ظاهر الآية موافق للقول الرابع المروي عن المعصومين علیهم السّلام .

ومعنىٰ قوله تعالیٰ (و أتممت علیکم نعمتي) أي : النعمة الدنیویة .الاُخرویة قد أتممتها علیکم، فلا نقص في النعمة علیکم .

وقد استعمل في القرآن الکریم إتمام النعمة في النعمتین» نعمة الدین بجعل الأحکام، ونعمة بما فیها من الخیرات والبرکات، فقال الله تعالیٰ : (هو الذي

ص: 79

ألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً) (1) ( أي: نعمة الدين أزالت عنكم الحسد والكبر وغيرهما، وقال الله تعالىٰ : (والله جعل لكم ممّا خلق ظلالاً وجعل لكم من الجبال أكناناً وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرّ وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتمّ نعمته عليكم لعلّكم تسلمون) (2).

وجعل الله تعالىٰ علّة وضع بعض الأحكام : أنّه إنّما يريد ليتمّ نعمته عليكم، مثل قوله بعد تشريع التيمّم (ولكن يريد ليطّهركم وليتمّ نعمته عليكم لعلّكم تشکرون) (3) فأخبر تعالىٰ بأنّه يريد إتمام النعمة بجعل هذا الحكم.

فلمّا جعل تمام الأحكام أخبر تبارك وتعالىٰ بأنّه قد أتمّ النعمة، ولم تبق بعد ذلك نعمة الدين ناقصة، بل صارت تامّة، وإذا تمّت نعمة الدين تتمّ نعمة الدنيا .

ولعلّ المراد با تمام النعمة ما هو أعمّ من الماديّة والمعنوية، لكن القوم بعد وفاة النبي صلّی اللهُ علیه وآله كفروا بأنعم الله، فأذاقهم الله ما ابتلوا به، وكان ما كان من الحوادث التي وقعت بعد وفاته صلّی اللهُ علیه وآله .

وإتمام النعمة كذلك إنّما يكون إذا أمنت البلاد، ووصل إلىٰ كلّ ذي حقّ حقّه، وتمتّع كلّ إنسان بعيشه، واكتسب السعادة الاُخروية، وهذا لا يتحقّق إلاّ إذا حكم العباد قائد سائس غير مخطيء، أي: معصوم عالم قوي، وهذا لا يكون إلاّ إذا تصدّىٰ للخلافة علي وأبناؤه الطاهرون علیهم السّلام .

ص: 80


1- آل عمران : 103
2- النحل: 81
3- المائدة : 6

وأمّا قوله تعالىٰ (ورضيت لكم الإسلام ديناً)، فالإسلام هو الدين، لّکنه إنّما رضیه لهم ديناً بعد الإكمال والإتمام، و تعیین خليفة النبي الذي يكون ضامناً لبقاء الدين .

وقد ظهر بالبيان المتقدّم أنّ إخباره تعالىٰ عن إكمال الدين إخبار عن نصب خليفة النبي صلّی اللهُ علیه وآله في زمان حياته، وهو بمنزلته علماً و عملاً وعصمةً، وقد بيّن الله سبحانه في كتابه شروط الخليفة، وهي متوفّرة في علي وأولاده المعصومين علیهم السّلام لا في غيرهم، ومن جانب الاعتساف واطّلع على التاريخ الصحيح يستفيد من هذه الآية الشريفة اُموراً : منها : أنّ من حضر السقيفة لتعيين خليفة النبي صلّی اللهُ علیه وآله، قد خالف القرآن؛ لأنّ الدين الذي أكمله الله عزّوجلّ لا يكون إكماله إلاّ بتعيين الله سبحانه خليفة النبي صلّی اللهُ علیه وآله .

ومنها : أنّ من استعمل الرأي والاستحسان والقياس في أحكام الله سبحانه، قد خالف القرآن؛ لأنّ الأحكام إن كانت من الدين، فقد أكملها الله وبيّنها لنبيه. وإن لم تكن من الدين،فلا حاجة عند الناس إليها.

ومنها : أنّ الخبر المنسوب إلى النبي صلّی اللهُ علیه وآله _ أنّه لمّا وجّه معاذ بن جبل إلى اليمن قاضياً، وسأله عمّا يحكم به إذا لم يجد في كتاب الله وسنّة نبيّه صلّی اللهُ علیه وآله، فقال: أجتهد رأيي لا آلو، قال: فضرب رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله علىٰ صدره، وقال: الحمد لله الذي وقّق رسول رسول الله لما يحبّ _ مجعول؛ لأنّه مخالف للقرآن؛لأنّه سبحانه أكمل الدين، و آراء الناس ليست أحكام الله تعالىٰ، ولم يجعل أحكامه تبعاً لآراء الناس،

ص: 81

حتّىٰ أنّه قال لنبيه صلّی اللهُ علیه وآله: (لتحكم بين الناس بما أراك الله ) .

ومنها: أنّ عموم الخبر المنسوب إلى النبي صلّی اللهُ علیه وآله_ أنّه قال: أصحابي كالنجوم بأیّهم اقتدیتم اهتديتم. لو اُريد منه كلّ من صحب النبي صلّی اللهُ علیه وآله؛ مجعول؛ لأنه مخالف للقرآن، ولأنّه قد وقع بينهم الاختلاف في أحكام الدين .

هذا وقد زعم بعض العامّة عدم دلالة الآية الشريفة علىٰ خلافة على علیه السّلام، فقال : إنّ هذه الآية لا دلالة فيها علىٰ علي عليه السّلام، ولا علىٰ إمامته، بل فيها إخبار الله بإكمال الدين وإتمام النعمة على المؤمنين ورضاه بالإسلام ديناً.

أقول: قد عرفت أنّ إكماله متوقّف علىٰ تعيين الخليفة، ولم يعيّن النبي صلّی اللهُ علیه وآله خليفةً إلاّ في من تمثّلت فيه الصفات المذكورة في القرآن، وهي لا توجد إلاّ في علي علیه السّلام .

الآیة الخامسة

قوله تعالىٰ (يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربك وإن لمتفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين) (1) لا شكّ في أنّ الرسول صلّی اللهي علیه وآله قد قبضت روحه المقدّسة مؤدّياً رسالته مرضياً عند ربّه .

وسياق الآية يدلّ على أنّها واردة في واقعة خاصّة؛ لأنّ الرسول صلّی اللهُ علیه وآله كان مأموراً بتبليغ رسالته من أوّل بعثته، فأمره بتبليغ الرسالة ولاسيّما في أواخر حياته (2)(2) ، أو بعد قدومه إلى المدينة _ كما يقوله بعض العامّة - لا يكون إلاّ لواقعة

ص: 82


1- المائدة : 67
2- قال ابن كثير في تفسيره [2: 79] : هذه الآية من أواخر ما نزل بها، والله أعلم

مهمّة .

وأيضاً سياق الآية يدلّ علىٰ أنّ ما اُمر بتبليغه أمر بالغ الأهمّية كان الرسول صلّی اللهُ علیه وآله يحذر من تبليغه، ويخاف من امتناع الناس عليه، وهو صلّی اللهُ علیه وآله كان قد بلّغ ما اُنزل إليه في الحلال والحرام، ولم يتداخله خوف في بيانهما، بل ولم يكن ينبغي أن يتداخله خوف في بيانهما، فسياق الآية يدلّ علىٰ أن الأمر خطير .

ولاسيّما في أواخر حياته، أو بعد دخوله المدينة، وقد قوي الإسلام وكثر الأتباع من المهاجرين والأنصار، إذن لم يكن ذلك الأمر حكماً راجعاً إلى الدماء من القتل ونحوه، أو الأعراض من النكاح والطلاق، أوالمال، ولا كان هو صلّی اللهُ علیه وآله ليخاف من تبلیغ مثل هذه الأحكام حتّىٰ يحتاج إلىٰ أن يعصمه الله منالناس، فدلّ خوفه صلّی اللهُ علیه وآله على أهميّة هذا الأمر الخطير .

وأيضاً إنّ قوله سبحانه (وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته) يدلّ علىٰ أنّ ما بلّغه من الأحكام قبل ذلك لن يعدّ تبليغاً ما لم يبلّغ هذا الذي اُنزل إليه؛ لأنّه عماد الجميع ورکنه، وممّا يتوقّف عليه توقّف الشيء على الجزء الرئيسي، كالرقبة في الإنسان، فهو حكم واحد قد اُمر بتبليغه، وعدم تبليغه يساوي سلب التبليغ عمّا کان بلّغه قبل ذلك .

ومن ذلك يظهر أنّه ينبغي أن يكون آخر الأحكام، أو قريباً منه؛ لأنّه في أوّل بعثته لم يبلّغ أصلاً ، فلو كانت الآية نازلة فيه _أي: في أوّل بعثته _ لم يكن للكلام معنی صحیح، فإنّه نظير أن يقال لمن لم يأكل الخبز: كل الخبز وإلاّ فما أكلت الخبز.

وكذا لا معنى له إن كان في وسط بعثته، فإنّه لا يقال بلّغ ما اُنزل إليك قبلاً، وإلاّ

ص: 83

فما بلّغت ما مضىٰ ممّا بلّغته، أو بلّغ ما ينزل إليك بعد ذلك وإلاّ فما بلّغت ما مضىٰ .

فالأمر بالتبليغ في هذه الآية أمر بتبليغ حکم واحد في آخر عمره، وعدم تبليغه يساوي عدم تبلیغ جميع ما بلّغه. وأنّ الذي اُمر بتبليغه کالرسالة، فإن لم يبلّغه فكأنّه لم يصنع شيئاً ولا قام بالرسالة، وهذا شاهد علىٰ أنّ الأمر الذي اُمر بتبليغه يجري مجرىٰ نفسه الشريفة التي لا عوض عنها، وهذه صفة من يكون قائماً مقامه في العباد والبلاد، وحافظاً لكلّ ما دعا إليه ودلّ عليه إلىٰ يوم المعاد .

فهذه الاُمور التي ذكرناها تدلّنا بوضوح لا يخالجه ريب أنّ ما أنزل إليه ممّا اُمر بتبليغه بهذه الشدّة، وأنّه تعالىٰ يعصمه لأجله من الناس، هو أهمّ الواجبات الذي يتوقّف عليه إجراء سائر الأحكام، وهو تبلیغ أمر الخلافة من بعده في من عيّنه الله سبحانه وتعالىٰ ليكون خليفة النبي صلّی اللهُ علیه وآله في جميع ما كان يتصدّىٰ لهمن تعليم الكتاب وبيان الأحكام وسياسة العباد .

وانّ ذلك لممّا يحكم به بديهة العقل، وهو أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله إن لم يعيّن خليفته فستكون الاُمّة بعد وفاته حیاریٰ، وسيضمحلّ الإسلام وأحكامه تدریجاً بسبب تلاعب من سيتصدّىٰ للأمر كما رأينا، ولذلك عیّن النبي صلّی اللهُ علیه وآله خليفته من بعده، ولم يعيّن إلاّ المعصوم، وهو علي علیه السّلام وبنوه المعصومون علیهم السّلام .

وقد ورد في أخبار أهل البيت علیهم السّلام أنّ الآية نزلت في شأن خلافة علي علیه السّلام.

هذا، ولكن بعض مفسّري العامّة قد فسّر الآية الشريفة بما لا يمكن تصديقه. قال القاضي عبدالجبّار: ربما قيل في قوله تعالىٰ ب(لّغ ما اُنزل إليك ) الآية،

ص: 84

معلوم أنّه إذا لم يبلّغ الرسالة (1) فما فائدة التكرار ؟ وجوابنا: أنّ المراد بقوله «بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك» هو القرآن، وبيّن أنّه إن لم يبلّغ القرآن لا يكون قد بلّغ الرسالة أجمع، فليس ذلك بتكرار، بل هو تنبيه علىٰ أنّ في جملة ما حمل من الرسالة ما لا ينطق القرآن به، ومتىٰ لم يبلغ القرآن لم يتمّ إبلاغ الرسالة أجمع إلىٰ آخر كلامه (2) .

أقول: إنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله كان يبلّغ ما ينزل عليه من القرآن ولم يكن يخاف من أحد.

وقال في الكشّاف: «بلّغ ما اُنزل إليك» جميع ما اُنزل إليك وأيّ شيء أنزل إليك، غير مراقب في تبليغه أحداً، ولا خائف أن ينالك مکروه «وإن لم تفعل» وإن لم تبلّغ جميعه كما أمرتك «فما بلّغت رسالته» وقرىء رسالاته، فلم تبلّغ إذاً ما كلّفت من أداء الرسالات، ولم تؤدّ منها شيئاً قطّ، وذلك أنّ بعضها ليس بأولیٰ بالأداء من بعض، وإن لم تؤدّ بعضها فكأنّك أغفلت أداءها جميعها إلخ (3) .

أقول: إن أراد أنّ المراد ما اُنزل إليك جميع ما اُنزل إليك، فهو تفسیر بالرأي؛ لأنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله قد بلّغ ما اُنزل إليه من أوّل بعثته إلىٰ ما قبل نزول هذه الآية، فلابدّ أن يكون المعنىٰ بلّغ هذا المقدار الذي اُنزل إليك قبل نزول هذه الآية، وحينئذ إن كان هذا البعض كسائر ما اُنزل إليه ولم يكن له أهمّية توجب عدم جدوىٰ ما بلّغه قبل ذلك، كان نظير أن يكون الشخص مأموراً بأكل قرص خبز جميعه، فأكله وبقي

ص: 85


1- كذا في الأصل، ولعلّ الصحيح أن يقال: معلوم أنّه إذا لم يبلّغ الرسالة فما بلّغها الخ
2- تنزيه القرآن للقاضي عبد الجبّار ص 121
3- الكاف 1: 630

منه جزء لم يأكله، فيقال له: كل هذا البعض وإن لم تأكل ما أكلت جميع القرص، وهو من توضيح الواضحات.

قال الشيخ الطوسي رحمة اللهُ في التبيان: قال ابن عبّاس: معناه إن كتمت آية ممّا اُنزل إليك فما بلّغت رسالته، والمعنىٰ أنّ جريمته کجريمته لولم يبلّغ شيئاً ممّا أُنزل إليه في أنّه يستحقّ به العقوبة من ربِّه (1).

أقول: ما ذكره ليس مطابقاً للواقع، وما ذكرناه هو الظاهر من الآية الموافق لما حكاه الشيخ في التبيان عن أبي جعفر وأبي عبدالله علیهما السّلام: إنّ الله تعالىٰ لمّا أوحىٰ إلى النبي صلّی اللهُ علیه وآله أن يستخلف علياً علیه االسّلام كان يخاف أن يشقّ ذلك على جماعة من أصحابه، فأنزل الله تعالىٰ هذه الآية تشجيعاً له على القيام بما أمره بأدائه.انتهىٰ .

وأمّا قوله تعالىٰ (إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين) فلعلّه يدلّ علىٰ أن من لا یقبل منك ما اُمرت بتبلیغه من أمر خلافة علي علیه السّلام فهو من الکافرین ولیس علیكهداهم. ویحتمل أن یکون النبي صلّی اللهُ علیه وآله خائفاً من أن لا تقبل اُمّنه ذلك، فیصیروا مرتدّین، مع أنّه کان حریصاً علیٰ هدایتهم، فقال الله تبارك وتعالیٰ : إنّ الکافرین لا یهتدون .

الآیة السادسة

قوله تعالیٰ( ولتکن منکم اُمّة یدعون إلی الخیر ویأمرون بالمعروف وینهون عن المنکر واُولئك هم المفلحون * ولا تکونوا کالذین تفرّقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البیّنات واُولئك لهم عذال هطیم) (2) أوجب الله

ص: 86


1- التبیان 3: 588
2- آل عمران: 104_ 105

تعالیٰ أن تکون اُمّة من جمیع المکلّفین یفعلون ما ذکر في الآیة من الدعوة إلی الخیر والأمر بالمعروف والنهي عن المنکر، فإنّ الخطاب متوجّه إلیٰ عامّةالمکلّفین ، مسائر الخطابات القرآنیّة، فیدلّ علیٰ لزوم أن یکون في کلّ زمان من أزمنة التکلیف بعد هذا الخطاب من یدعوا إلی الخیر، ویأمر بالمعروف وینهیٰ عن المنکر .

والمراد باخیر والمعروف والمنکر الواقعي منها ممّا یحتاج إلیه المکلّفون، ولا یتحقّق العلم به إلاّ لمن یتلقّیٰ من الله تعالیٰ بالوحي وغیره ، أو یتلقّیٰ ممّن یوحی إلیه، وهو لا یکون إلاّ العالم بجمیع ذلك المعصوم عن الخطأ؛ لأنّ المخطیء جاهل. فإذا وجب وجود من یکون منّصفاً بذلك، وجب إطاعتهم علی الجمیع،وإلاّ کان وجوب دعوتهم لغواً، فیستفاد منه وجوب احتفاف الناس حول من یفعل في کلّ زمان، وهو الإمام المعصوم، وهذا یقتضي توحید الناس أجمع علیٰ ویستفاد ذلك أیضاً من قوله تعالیٰ (ولا تکونوا کالذین تفرّقوا) الآیة، ولنا أن نتسائل هل عملت هذه الآمّة بعد نبیّها بهذه الآیة، أو تفرّقت کما نریٰ، ففرقة بالمعروف وناهیاً عن المنکر، کما تعتقد أنّ أولاده الإحدیٰ عشر کذلك، وأنّ فاطمة الزهرا هلیها السّلام التي یرضی الله لرضاها و یغضب لغضبها_ کما صرّحت نصوص الفریقین_قد ماتت وهة غاضبة علیٰ أبي بکر وعمر، .هي في الفرقة التي تعتقد إمامة بعلها علي ابن أبی طالب علیه السّلام . وفرقة تعتقد خلاف ذلك .

ولا ریب ولا شكّ أنّ أهل البیت علیهم السّلام في الفرقة الناجیة ، إذن غیرهم هم الذین تفرّقوا من بعد ما جاءتهم البینات .

ص: 87

الفصل الخامس

اشارة

في الآیات الدالّة علی الصفات التی یعتبر توفّرها في النبي صلّی اللهُ علیه وآله وخلیفته تقدّم في الفصل السابق الآیات الدالّة علیٰ أنّ الذین قد اُکمل في زمان حیاة النبي صلّی اللهُ علیه وآله،الذي لابدّ أن یکون متصفاً بجمیع صفات النبي إلاّ النبوّة، ونذکر في هذا الفصل الآیات الدالّة علیٰ صفاتهما لنطبقها علیٰ من اتّصف بها .

العصمة

الأوّل: أن یکونا کافرین بالله تعالیٰ في عمرهما ولو في لحظة ، بل لابدّ أن یکونا موحّدین مؤمنین معصومین من أوّل حیاتهما إلیٰ وفاتهما؛لقوله تعالیٰ (وإذ ابتلیٰ إبراهیم ربّه بکلمات فأتمّهنّ قال إنّي جاهلک للناس إماماً قال ومن ذرّیتي قال لا ینال عهدي الظلالمین ) (1) .

وبیانه: أنّ معنی الابتلاء في قوله سبحانه (ابتلیٰ) لعلّه بمعنیٰ وصول نقمة أونعمة إلیٰ شخص المبتلیٰ، یصیر بها ما فیه بالقوّة من الإیمان أو الشقاوة فعلیّاً،

ص: 88


1- البقرة : 124

وينكشف بسببها حاله لنفسه أو لغيره في اختياره ما يريد الله سبحانه، أو اختياره ما تشتهيه نفسه .

قوله تعالى (بكلمات) قيل فيها وجوه : أحدها: ما تعبّد به من السنن الحنفية .

ثانيها: الأوامر والنواهي المتعلّقة بذبح الولد والهجرة وغيرهما .

ثالثها: أنّ الكلمات قوله تعالىٰ (إنّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيتي) بأن يكون قوله تعالىٰ (إنّي جاعلك للناس إماماً) بمنزلة البيان للكلمات، وقوله تعالىٰ (قال ومن ذرّيتي) بمنزلة البيان لقوله تعالىٰ (فأتمّهنّ) ولعلّه أنسب من المعنيين الأوّلين .

رابعها: أنّ الكلمات هي التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، وهي التي لا تنفد وإن نفد البحر، كما أشارت إليها آية اُخرىٰ.

قوله تعالى (فأتمهنّ) قيل فيه وجوه: أحدها: أن التكاليف أو السنن وما شرع له قد قام بها كلها، كما قال تعالى وإبراهيم الذي وقى)(1).

ثانيها: أنّه أتمّ_ أي: إبراهيم عليه السّلام _ الإمامة التي قد نالها بأن طلبها لذرّيته ، فأتمّها إلى الثاني عشر عجّل الله تعالىٰ فرجه .

ثالثها: أنّ الله سبحانه أتمّ الإمامة في ذرّيته .

قوله تعالىٰ (قال إنّي جاعلك) يحتمل وجهين :

ص: 89


1- النجم : 37

أحدهما: أنّه بيان لقوله (وإذ ابتلىٰ) فإنّه مجمل يفسّره قوله (إنّي جاعلك) إلى آخره، أي: إنّ الله تعالیٰ ابتلى ابراهيم بالكلمات التي هي الإمامة، فأكرمه بها.

ثانيهما: أنّه ابتلي بالكلمات وأتمّهنّ، ثمّ جعله إماماً (1).

قوله تعالىٰ (للناس إماماً) الإمام هو المتقدّم الذي يقتدىٰ به ويتّبع ويطاع في أوامره ونواهيه، وهو يقتضي عموم العلم والعصمة، فإنّ الله تعالىٰ لا يجعل الجاهل إمام واجب الاتّباع، بعد أن نهيٰ عن اتّباع الجهل في قوله تعالىٰ (ولا تقف ما ليس لك به علم) (2) وغيرها من الآيات، وغير المعصوم مخطىء والمخطىء جاهل .

ثمّ إنّ إبراهيم علیه السّلام كان نبيّاً قبل أن يصير إماماً، كما في بعض الأخبار .

والدليل على كونه نبيّاً قبل ذلك أنّ ذبح إسماعيل علیه السّلام كان من جملة ما ابتلاه الله به، وإسماعيل علیه السّلام قد ولد له في آخر أيّامه؛ لقوله تعالىٰ (في الحمد لله الذي وهب الي على الكبر إسماعيل ) (3) .

ص: 90


1- روى الصدوق في كمال الدین ص {204_205} بإسناده عن المفضّل بن عمر، عن الصادق جعفر بن محمّد عليها السّلام ، قال: سألته عن قول الله عّزوجلّ (وإذ ابتلىٰ إبراهيم ربّه بكلمات فأتمّهنّ) ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، وهو أنّه قال: أسألك بحقّ محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليّ، فتاب الله عليه، إنّه هو التوّاب الرحيم . قلت له: يابن رسول الله فما يعني عزّوجلّ بقوله (وفأتمّهنّ) قال: يعني فأتمّهنّ إلى القائم علیه السّلام إثنا عشر إماماً، تسعة من ولد الحسين الحديث. ورواه في البحار 24: 177 ح 8
2- الإسراء : 36
3- إبراهيم : 39

وأيضاً إنّ قوله «ومن ذرّيّتي» يدلّ علىٰ وجود الذرّية له، وقد سأل الله تعالىٰ أن يجعل فيهم الإمامة، فتدلّ الآية علىٰ أنّ الإمامة لها مراتب، وقد نال مرتبة منها بالنبوّة، ثمّ بلغ أعلىٰ مرتبة بعد ذلك ، ولعلّها مرتبة اُولي العزم .

فإذا ثبت تحقّق هذه المرتبة في ذرّيته، فللآية دلالة علىٰ أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله من اُولي العزم، وأنّ مرتبة الأئمّة المعصومين علیهم السّلام مرتبة اُولي العزم؛ لأنّ الله تعالىٰ يقول: (ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم وجعلنا في ذرّيّتهما النبوّة والكتاب) (1) وقال سبحانه: (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه وأهله من الكربالعظيم * وجعلنا ذرّيته هم الباقين) (2) ولا ريب في أنّ الذرية الباقية من نوع هو إبراهيم عليهما السّلام ، وأنّ الأئمّة المعصومین علیهم السّلام من ذرّية إبراهيم علیه السّلام .

ومعنىٰ قوله تعالىٰ (ومن ذرّيّتي) أي: إجعل من ذرّيتي إماماً، وقد استجاب الله دعاءه، حيث قال سبحانه: ( وجعلنا في ذرّيته النبوّة والكتاب) (3). وسيأتي أنّ الأئمّة المعصومين عليهم السّلام الواجدون للكتاب، فإذا كانوا كذلك، فهم الأئمّة الذين قال إبراهيم عليه السّلام : ( ومن ذرّيتي) .

ثمّ إنّ الإمامة هي الرئاسة الدينية، وهي لا تكون للكافر والمشرك والعاصي حال الإمامة ، مؤمناً كان قبل ذلك أو كافراً، ومن الطبيعي أنّ إبراهيم علیه السّلام لا يطلب من الله سبحانه أن يجعل منصب الإمامة للعاصي حال كونه عاصياً، لأنّ من شرط

ص: 91


1- الحدید : 26
2- الصافّات : 75_77
3- العنكبوت : 27

الإمام كونه مؤمناً متّقياً حال الإمامة .

فطلبه الإمامة لبعض ذرّیته: إمّا أن يكون مخصوصاً بمن كان معصوماً في تمام عمره، أو للأعمّ منه وممّن كان كافراً في بعض أيّام عمره، وصار مؤمناً حال وصول منصب الإمامة إليه، فأخبره الله سبحانه بأنّ منصب الإمامة لا ينالها الظالم ولو في بعض أيّام عمره، بل يختصّ بمن يولد موحّداً مؤمناً، كما قال عيسى عليه السّلام في المهد (إنّي عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيّاً) (1) علىٰ ما تقدّم بيانه .

والمراد من قوله تعالىٰ (عهدي) هو الإمامة حتّىٰ يطابق الجواب السؤال (2) ،

ص: 92


1- مریم : 30
2- روی الكليني قدس سرة في الكافي [1: 174] بإسناده عن هشام بن سالم، قال: قال أبوعبدالله علیه السّلام : الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبي منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبي يرىٰ في النوم ويسمع الصوت ولا يعاینه في اليقظة، ولم يبعث إلىٰ أحد وعليه إمام مثل ما كان إبراهيم علىٰ لوط عليهما السّلام ، ونبي يرىٰ في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك، وقد اُرسلوا إلىٰ طائفة قلّوا أو كثروا، کیونس قال الله ليونس: (وأرسلناه إلىٰ مائة ألف أو یزیدون) قال: يزيدون ثلاثين ألفاً وعليه إمام. والذي يرىٰ في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة، وهو إمام مثل اُولي العزم، وقد كان إبراهيم علیه السّلام نبيّاً وليس بإمام، حتّىٰ قال الله: (إنّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيتي) فقال الله : ولا ينال عهدي الظالمين )من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً. (ح 1). وأيضاً بإسناده عن زيد الشحّام، قال: سمعت أباعبدالله علیه السّلام يقول: إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذه إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمّا جمع له الأشياء، قال: (إنّي جاعلك للناس إماماً) قال: فمن عظمها في عين إبراهيم قال: (ومن ذرّيتي قال لا ينال عهدي الظالمين) قال: لا يكون السفيه إمام التقي. (ح 2)

(1)

ص: 93


1- وأيضاً بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عللیه السّلام، قال: سمعته يقول: إنّ الله اتّريالخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، واتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، واتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، واتّخذه خليلاً قبل أن يتّخذه إماماً، فلمّا جمع له هذه الأشياء _ وقبض يده _ قال له: يا إبراهيم إنّي جاعلك للناس إماماً، فمن عظمها في عين ابراهیم علیه السّلام قال: يا ربّ ومن ذرّيتي، قال: لا ينال عهدي الظالمين. (ح 4). وروى أيضاً في الكافي 1: 198 ح 1 ] بإسناد مرفوع، عن عبد العزيز بن مسلم، قال: کنّا مع الرضاعلیه السّلام بمرو، فاجتمعنا في الجامع في بدء مقدمنا، فأداروا أمر الإمامة، وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت علىٰ سيّدي علیه السّلام فأعلمته خوض الناس فيه، فتبسّم صلّی اللهُ علیه وآله ثم قال: يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم، إن الله عزّوجلّ لم يقبض نبیّه صلّی اللهُ علیه وآله حتّىٰ أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كلّ شيء، بيّن فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام، وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً، فقال عزّوجلّ (ما فرّطنا في الكتاب من شيء) وأنزل في حجّة الوداع وهي آخر عمره صلّی اللهُ علیه وآله (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت علیکم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وأمر الإمامة من تمام الدين . ولم يمض رسول الله صلّی اللهُ علیه وآله حتّىٰ بين لاُمّته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم علىٰ سبيل القصد، وأقام لهم عليّاً علیه السّلام علماً وإماماً، وما ترك لهم شيئاً يحتاج إليه الاُمّة إلاّ بيّنه، فمن زعم أنّ الله عزّوجلّ لم يكمل دينه، فقد ردّ كتاب الله، ومن ردّ كتاب الله فهو كافر به . هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الاُمّة فيجوز فيها اختيارهم؟ إنّ الإمامة أجلّ قدراً وأعظم شأناً وأعلا مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم، إنّ الامامة خصّ الله عزّوجلّ بها إبراهيم الخليل علیه السّلام بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال (إنّي جاعلك للناس إماماً) فقال الخليل علیه السّلام سروراً بها (ومن ذرّيتي ) قال الله تبارك وتعالى (لا

واحتمل بعضهم إرادة الدين ، أي : لا ينال دیني الظالمين. أو إطاعة الله، أي: لا ينال طاعتي عدوّي .

وهذه الاحتمالات بعيدة عن ظاهر الكلام. وأبعد من الجميع إرادة عهد النبوّة،وذلك لأنّ إبراهيم عليه السّلام كان نبيّاً، ثمّ بلغ مقام الإمامة، فسأل هذا المقام لبعض ذرّيته.

ومعنىٰ قوله تعالى (الظالمين) الظالمين في بعض أيّام عمرهم؛ لأنّ المسؤول جعل الإمامة للعادل وله فردان:

أحدهما: العادل في جميع عمره .

ثانيهما: الظالم في بعض أيّام عمره، العادل حال الإمامة، فأخبر سبحانه بأنّ الظالم في بعض أيّام عمره لا يناله عهد الإمامة حتّىٰ حال عدالته؛ لصدق كونه ظالماً ولو لكونه كذلك في بعض أيّام عمره .

وفيه إشارة إلىٰ أنّ الإمامة باختيار الله تعالىٰ دون العباد؛ لأنّهم إنّما يختارون على ظاهر الحال، ولعلّ باطن من يختارونه فاسد بالظلم وسوء الأعمال، فإذا كان (1)

ص: 94


1- ينال عهدي الظالمين) فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلىٰ يوم القيامة وصارت في الصفوة. الحديث . وروىٰ أيضاً فيه [1: 321 ح3] بإسناده عن خيثمة، قال: قال لي أبو عبدالله عل: يا خيثمة نحن شجرة النبوّة، وبيت الرحمة، ومفاتیح الحكمة، و معدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وموضع سرّ الله، ونحن وديعة الله في عباده، ونحن حرم الله الأكبر، ونحن ذمّة الله، ونحن عهد الله، فمن وفا بعدنا فقد وفا بعهد الله، ومن خفرها فقد خفر ذمّة الله وعهده .

الظالم مطلقاً ممنوعاً من عهد الله تعالىٰ وإمامته، فلم يبق طريق إلىٰ معرفة من يناله العهد إلاّ لمن يطّلع علىٰ سريرته، وهو الله تبارك وتعالىٰ .

ثمّ إنّ الظلم هو التعدّي عن الحدّ الشرعي أو العقلي، سواء كان عن تعمّد أو خطأ، فمن قتل غيره خطئاً كان ظالماً وإن لم يعاقب، فغير الظالم بهذا المعنىٰ هو المعصوم، واستعمل الظلم في القرآن الكريم في موارد لعلّه يجمعها الظلم للنفس، حتّى أنّ إيقاع الظلم بالغير متضمّن لظلم النفس؛ لأنّ جميع المعاصي ظلم لها . فمن تلك الموارد الشرك والكفر، قال سبحانه: ( يا بنيّ لا تشرك بالله إنّ الشرك لظلم عظیم) (1) وقال سبحانه: (والكافرون هم الظالمون (2).

ومنها: المعاصي، قال سبحانه: ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) (3) .

ومنها: ما يوجب الوقوع في المشقّة، ولعلّ منه قوله تعالىٰ (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) (4) وقوله تعالىٰ (قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين) (5)(5) فلعلّ المراد وقوعهما في مشقّة الدنيا، فإنّهما كانا قبل ظلمهما في الجنّة وكانا في راحة، لكنّهما خالفا الله في الأمر الإرشادي واُطلق علىٰ هذه المخالفة الغواية والعصيان. وقيل: إنّه من ترك الأولىٰ.

ص: 95


1- لقمان : 13
2- البقرة : 254
3- آل عمران : 135
4- البقرة: 35
5- الأعراف : 23

وعلى كلّ لم يشر کا طرفة عين.

وقوله تعالىٰ (قال ربّ إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنّه هو الغفور الرحیم (1) لعلّ المراد منه أيضاً أنّه أوقع نفسه في مشقّة؛ لأنّه لمّا دخل المدينة وقتل القبطي طلبه فرعون ليقتله (فغفر له) و أي: ستر عليه ونجّاه .

وقيل: إنّه من ترك الأولىٰ، أو قاله انقطاعاً إلى الله.

والدليل علىٰ أنّه ليس المراد بالظلم هنا هو العصيان قوله (وفخرج منها خائفاً يترقّب قال ربّ نجني من القوم الظالمين) (2) فإنّه دالّ علىٰ أنّ قتله القبطي لم يكن ذنباً، وإلاّ لم يكونوا ظالمين بطلب القود. فالقوم كانوا ظالمين بأحد المعنيين الأوّلين، وظلم موسیٰ علیه السّلام لنفسه بالمعنى الثالث؛ لأنّ الأنبياء كانوا أئمّة للناس .

وحاصل ما استفيد من الآية الشريفة أنّ الإمامة لا تصلح لمن كان كافراً مشركاً عابداً للوثن في بعض أيّام عمره، وأنّ دعاء إبراهيم عليه السّلام أن يجعل الله سبحانه من ذرّیته إماماً مخصوص بمن كان مؤمناً في تمام عمره. وقد استجاب الله سبحانه دعاءه، وجریٰ ذلك في أولاده إسماعيل وموسىٰ وعيسىٰ وغيرهم علیهم السّلام إلىٰ أن انتهىٰ إلىٰ نبيّنا صلّی اللهُ علیه وآله وعلي علیه السّلام وأولاده المعصومين علیهم السّلام ، ولا يكون في غير علي علیه السّلام ممّن كان كافراً ولو في بعض أيّام عمره .

و ببيان أوضح إنّ الأقسام المنصوّرة أربعة : الأوّل: الكافر أو العاصي في جميع أيّام عمره من أوّله إلىٰ آخره .

ص: 96


1- القصص : 16
2- القصص : 21

الثاني: المؤمن المطيع الله سبحانه وتعالىٰ من أوّل عمره إلىٰ آخره.

الثالث: الكافر أو العاصي في أوّل عمره، الذي صار مؤمناً مطيعاً في آخره .

الرابع: عکس الثالث .

ويتصوّر إمامة الثالث والرابع في حالين : إحداهما: حال الكفر والعصيان .

ثانيتهما: حال الإيمان والاطاعة لله سبحانه .

وإنّ إبراهيم عليه السّلام الذي وصل إلىٰ منصب الإمامة بعد أن ابتلاه الله بالكلمات وأتمّها، وكان في أرقىٰ مرتبة الإيمان بالله والتوحيد له، لا يطلب الإمامة للقسم الأوّل، وهو واضح، ولا يطلبها للثالث والرابع حال کفرهما وعصيانهما، بل إنّما يطلب: إمّا للثاني فقط، أوله وللثالث والرابع حال الإيمان والإطاعة لله سبحانه .

وحينئذٍ إن فرض أنّ طلب إبراهيم عليه السّلام الإمامة يشمل الثالث والرابع حال الإيمان والإطاعة، لم يناسبه قوله تعالىٰ في الجواب (لا ينال عهدي الظالمين) فجوابه تعالى قرينة على اختصاص طلبها بالقسم الثاني .

وبما ذكرنا اتّضح أنّ ما ذكره الرازي في الجواب عن استدلال الشيعة بالآية الشريفة على اعتبار العصمة في الإمام بقوله: كلّ ما ذكرتموه معارض بأنّه لو حلف لا يسلم علىٰ كافر، فسلّم علىٰ إنسان مؤمن في الحال إلاّ أنّه كان كافراً قبل بسنين متطاولة، فإنّه لا يحنث، فدلّ على ما قلناه، ولأنّ النائب عن الكفر لا يسمّیٰ کافراً، والنائب عن المعصية لا يسمّى عاصياً، فكذا القول في نظائره (1) .

ص: 97


1- التفسير الكبير 4 : 42

في غير محلّه؛ لأنّ قياس المورد بالمثال المذكور غير صحيح، حيث إنّ إبراهيم عليه السّلام لا يطلب الإمامة للظالم حال تلبّسه بالظلم ، بل يطلبها: إمّا للمؤمن في تمام عمره، أو للمؤمن حال إيمانه وإن كان قبله ظالماً، فلا يناسب الجواب بأنّ الإمامة لا تنال الظالم حال کونه ظالما، فتعين أن يكون المراد أنها لا تنال من كان ظالماً ولو قبل إيمانه .

فقد ظهر من هذا البيان أنّ الآية الكريمة تنفي خلافة الثلاثة المتقدّمين علىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام؛ لأنّهم كانوا كافرين قبل أن يسلموا. وتدلّ علىٰ ثبوت الإمامة لعلي علیه السّلام؛ لأنّه لولم يكن ينالها أحد لا الظالم ولا غيره، لأجاب الله تعالىٰ إبراهيم عليه السّلام أنّه لا ينال عهدي أحداً لا خصوص الظالمين .

ثمّ إنّه قد تبيّن ممّا ذكرنا أن الأخبار التي رواها العامّة من طرقهم وزعموا دلالتها علىٰ خلافة الغاصبين منصب الخلافة، مخالفة للقرآن، فهي مفتعلة مكذوبة إن كان المراد بها أن تصل إليهم الإمامة الشرعية التي هي رئاسة الدين والدنيا، واستمرار خطّ النبوّة الذي دلّت الآيات الشريفة المذكورة في الفصل المتقدّم علىٰ ثبوتها من زمان آدم عليه السّلام إلى انقضاء التكليف، نعم إن كان المراد بها وصول الإمارة العصبية إليهم فهو لا ينكر .

الشهادة

الثاني: من صفات خليفة النبي صلّی اللهُ علیه وآله أنّه يشهد يوم القيامة عند الله علىٰ من عاصره من الإنس والجنّ علىٰ أعمالهم الخفية والجلية، كما يشهد النبي صلّی اللهُ علیه وآله عليها.

والشهيد علىٰ كلّ فرد من الإنس والجنّ لابدّ أن تتوفّر فيه اُمور ثلاثة :

ص: 98

الأوّل: أن يكون عدلاً عند الله تعالىٰ حتّىٰ يقبل شهادته عنده .

الثاني: أن يكون عالماً بجميع الأحكام، اُصولها وفروعها، معصوماً لا يخطىء؛ لأنّ المخطيء جاهل ولا تقبل شهادة الجاهل.

الثالث: أن يكون مطّلعاً علىٰ معتقدات الإنس والجنّ في شرق الأرض وغربها وملكاتهم وأحوالهم وأعمالهم الصغيرة والكبيرة حتّىٰ يتحمّل الشهادة، وهذا ما يعتقده الشيعة من أنّ خليفة النبي صلّی اللهُ علیه وآله علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين عليه السّلام شهداء كذلك، كالنبي صلّی اللهُ علیه وآله كل علىٰ أهل عصره. وأمّا غير الشيعة فلا أئمّتهم كذلك، ولا هم يعتقدون فيهم ذلك .

وينبغي هنا ذكر بعض الآيات الدالّة علىٰ ما نحن بصدده : فمنها: قوله تعالىٰ (فكيف إذا جئنا من كلّ اُمّة بشهيد وجئنا بك علىٰ هؤلاء شهيدا) (1) ومنها: قوله سبحانه (ویوم نبعث في كلّ اُمّة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكلّ شيء) (2) و آیات مشتملة علىٰ ذلك، كقوله تعالىٰ (إنّا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً) .

تدلّ هذه الآيات علىٰ أنّ لكلّ اُمّة شهيداً واحداً يشهد لهم وعليهم غير الشهداء الاُخر، فإنّهم ليسوا مطّلعين علىٰ جميع الأعمال الجوارحية والقلبية .

ص: 99


1- النساء : 41
2- النحل : 89

بیان: قوله تعالى (إذا جئناه)أي: يوم القيامة، بقرينة قوله تعالى (وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون) (1) وقوله تعالى (كل أمة)يشمل جميع الإنس والجن.

وأما قوله تعالى(بشهید) فالشهودوالشهادة:الحضورعندالشيء مع العلم به، والمشاهدة له بالبصرأوالبصيرة بتنزيلها منزلةالبصر،أوالأعلى من البصر والبصيرة، كشهود الله سبحانه الأشياء.

والشاهد هو الحاضر المعاين للشيء، وكذلك الشهيد. ولعل الفرق بينهما أنه لوحظ في الثاني حيثية الاتصاف بالشهود.

ثم إن الحضور يكون بوجوه: أحدها: حضور الأشياء جميعها عنده سبحانه حضور المخلوق عند خالقه،وممكن الوجود المتوقف وجوده على وجود الواجب، قال سبحانه وتعالى: (إن الله كان على كل شي شهيدا) (2).

ثانيها: حضور موجود عند موجود آخر، يبصره بعينه أو ببصيرته من دون أنيطلع على جميع أعماله الجلية والخفية مما يضمره في قلبه من الإيمان ومراتبه أو النفاق، وسائر الصفات الحسنة والرذيلة ثالثها: إحاطة مخلوق بجميع ما يعمله الإنس والجن وإن لم يكن حاضر عنده حسا، ويصدق الشاهد والشهيد على مثله.

ص: 100


1- الزمر: 69
2- النساء : 33.

ثم إنه ليس المراد بالشهيد الملائكة؛ لقوله تعالى في الآية الثانية(من أنفسهم) بل المراد به أحد احتمالين: الأول: أن يكون المراد به نبي كل أمة حتى بعد وفاته إلى أن يأتي نبي آخر؛ لأن الأنبياء علیهم السلام أحياء عند الله تعالى، فإنهم من حيث النبوة أفضل من الشهداء الذينهم أحياء عند ربهم یرزقون، لكن ربما ينافي هذا الاحتمال ما ورد في قوله تعالى حكاية عن عيسى علیهم السلام (وكنت عليهم شهيدة مادمت فيهم فلما توقيتي كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهید) (1). فإنه نفي كونه شهيدا عليهم بعد أنتوقاه الله من بينهم .

الثاني: أن يكون المراد به عدلا حيا موجودا في كل زمان .

قال في التبيان في تفسير الآية الشريفة: الثانية وفي ذلك دلالة على أن كل عصر لا يخلو ممن يكون قوله حجة على أهل عصره عدل عند الله، وهو قول الجبائي و أكثر أهل العدل، وهو قولنا، وإن خالفناهم في من هو ذلك العدل والحجة (2) ثم إن الشهادة المذكورة تتوقف على العلم بجميع أعمال المشهود له وعليه، وهو يحصل بالعلم بالكتاب الذي هو تبيان لكل شيء، ولعله الوجه في تذييل الآية الثانية المذكورة بقوله سبحانه ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء).

ويدل عليه أيضأ قوله تعالى (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم

ص: 101


1- المائدة : 117.
2- التبيان 6: 417.

الكتاب ) (1).حيث جعل الشاهد الله و من يعلم الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء، وقد أثبتنا أن الذين عندهم علم الكتاب هم النبي صلی الله علیه و الله و الأئمة المعصومون علیهم السلامفهم الشهداء كل في زمانه (2). وهم المرادون من المؤمنين في قوله تعالى ( وقل

ص: 102


1- الرعد : 63.
2- روى الكليني قدس سره في الكافي [1: 190] بإسناده عن سماعة، قال: قال أبوعبدالله علیه السلام في قول الله عزوجل (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) قال: نزلت في أمة محمد صلی الله علیه و اله في كل قرن منهم إمام منا شاهد عليهم،ومحمد صلی الله علیه واله شاهد علينا. (ح 1). وروى أيضا بإسناده عن بريد العجلي، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عزوجل (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) قال: نحن الأمة الوسطى ونحن شهداء الله على خلقه، وحججه في أرضه، قلت: قول الله عزوجل (ملةأبيكم إبراهيم) قال: إيانا عن خاصة ( هو سماكم المسلمين من قبل) في الكتب التي مضت (وفي هذا) القرآن (ليكون الرسول عليكم شهيدا) فرسول الله صلی الله علیه و اله الشهيد علينا بما بلغنا عن الله عزوجل، ونحن الشهداء على الناس، فمن صدق صدقناه يوم القيامة، ومن كذب كذبناه يوم القيامة. (ح 2). و روى أيضا بإسناده عن معلی بن محمد، عن أحمد بن عمر الحلال، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله عزوجل (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه). فقال: أمیرالمؤمنین صلوات الله عليه الشاهد على رسول الله صلی الله علیه وآله، ورسول الله صلی الله علیه واله علىبينة من ربه. (ح 3) . وروى أيضا بإسناده عن بريد العجلي، قال: قلت لأبي جعفر علیه السلام: قول الله تبارك وتعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) قال: نحن الأمة الوسط، ونحن شهداء الله تبارك وتعالى على خلقه، وحججه في أرضه، قلت: قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير

(1)

اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) (2)

فإن العمل يشمل الخفي والجلي، وإذا اطلعوا عليه فيشهدون .

وقد ظهر مما بينا أن المستفاد من الآيات الشريفة أمور: أحدها: أن الشهيد عالم بجميع أعمال العباد خيرها وشرها، وهو موقوف على العلم بجميع أحكام الدين أصولا وفروعآ، بلا فرق بين الأحكام الفردية والاجتماعية، والسياسية والأخلاقية و غيرها، معصوم عن الخطأ، لأن المخطىءجاهل .

ثانيها: عصمته؛ لأن قبول شهادته في كل شيء يتوقف على عدم خطئه، فيكون معصومة.

ثالثها: أن ظرف تحمل الشهادة هي الحياة المادية الدنيوية؛ لقوله تعالى حكاية عن عيسی عليه السلام( وكنت عليهم شهیدآ ما دمت فيهم فلما توقيتني كنت أنت الرقيب

ص: 103


1- لعلكم تفلحون * (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم) قال: إيانا عنئ ونحن المجتبون، ولم يجعل الله تبارك وتعالى في الدين من حرج، فالحرج أشد من الضيق (ملة أبيكم إبراهيمه) إيانا عنئ خاصة ( وساكم المسلمين) الله سمانا المسلمين (من قبل) في الكتب التي مضت (وفي هذا ) القرآن (ليكون الرسول علیکم شهیدآ و تكونوا شهداء على الناس) فرسول الله (صلی الله عليه واله) الشهيد علينا بما بلغنا عن الله تبارك وتعالى، ونحن الشهداء على الناس، فمن صدق يوم القيامة صدقناه، ومن كذب كذبناه. (ح 4). وروى أيضا بإسناده عن سلیم بن قیس الهلالي، عن أمير المؤمنین صلوات الله عليه قال: إن الله تبارك و تعالى طهرنا وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه،وحجته في أرضه، وجعلنا مع القرآن، وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا. (ح5 ).
2- سورة التوبة: 105.

عليهم وأنت على كل شيء شهید) (1) وهو من أولي العزم، فلعل سائر الأنبياء كذلك، نعم إن نبينا( صلی الله علیه و اله) شاهد بعد وفاته أيضا، كما يدل عليه الأخبار.

ولا ينافيه قوله تعالى (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهیدا) (2) لأنه كما يحتمل رجوع ضمیر موته إلى أهل الكتاب يعني اليهود، كذلك يحتمل رجوعه إلى عيسئ(علیه السلام)، أي: إن اليهود يؤمنون بعیسئ بعد نزوله من السماء في زمان الحجة عجل الله فرجه .

وجميع ما ذكر لا يتم إلا على ما يعتقده الشيعة الإمامية من أن النبي( صلی الله علیه واله)، شهید على جميع العباد فی زمان حياته، وأن أمير المؤمنين علياپآ (علیه السلام) بعد وفاة النبي الله (صلی الله علیه واله)، وهكذا أولاده المعصومون ( علیهم السلام)،من بعده شهداء كلهم في زمانهم، وبعد وفاة الإمام الحسن العسكري ( علیه السلام)، يكون الشهيد الحجة الثاني عشر ( علیه السلام)، الموجودالغائب عن الأنظار وسيظهر ويملأ الأرض عدلا وقسطآ.

نعم إن أخبارنا تدل على أن النبي ( صلی الله علیه واله)، وخلفاءه الأئمة المعصومين ( علیه السلام)، شهداء في جميع الأزمنة، وربما يساعد عليه قوله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبكم بما كنتم تعملون) (3) .

والعمل يشمل العمل الجوارحي والعمل القلبي، من الإيمان والكفر والحسد

ص: 104


1- المائدة : 117.
2- النساء : 109.
3- سورة التوبة: 105.

والكبر وغيرها، فلابد أن يكون من يرى العمل مطلعآ على جميع ذلك. و مما يدل على أن المراد من المؤمنين طائفة خاصة منهم أن الخطاب في عملكم: إما متوجه إلى خصوص المشافهين، أو عام لجميع المكلفين إلى يوم الدين. وعلى كلا التقديرين لابد أن يكون الراؤون غير المرئيين .

ومنها: قوله سبحانه ( وكذلك جعلناكم أمة و سطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهیدآ) (1).

ومعنى قوله تعالى (وكذلك) ؛ أي: وهكذا (جعلناكم) أي: جعلآ تكوينيآ؛ لأنه المناسب للتعليل في قوله تعالى ( لتكونوا شهداء) فإن الوسط من يكون وسطآ عملآ، لا من كان مكلفآ بأحكام وسط .

وضمير المخاطبين «کم»: إما عام استغراقي لكل فرد فرد من أسلم لسانآ، واما خاص بالمؤمن العادل، وإما خاص بالأئمة المعصومين (علیهم السلام) .

والمعنى الأول غير صحيح؛ لأن المنافقين ورؤساء الضلال والمرتدين ليسوا وسطآ.

وكذا المعنى الثاني: أما أولا، فلا الوسط هو العدل واقعآ من جميع الجهات في الاعتقاد والحال والأعمال الاجتماعية والفردية، وكونه كذلك موقوف على العلم بجميع تلك الجهات غير مخطىء فيها؛ لأن المخطىء منحرف عن الوسط وإن كان معذورآ، فلا يتحقق الوسط بقول مطلق إلا في المعصوم وثانية: أن الشهادة تقتضي العلم بفعل المشهود له أو عليه، والمؤمن العادل لا

ص: 105


1- البقرة : 163.

يعلم حال الناس في خلواتهم ولا ما في نفوسهم من الإيمان والنفاق .

فيتعين المعنى الثالث .

وأما لفظ «الناس» في قوله تعالى (على الناس) فهو إسم جمع على ما قيل، واللام يفيد العموم، أي: جميع الجماعات من الإنسان. والمحتمل فيه أمور :

أحدها: جميع الناس ممن آمن برسول الله والله ( صلی الله علیه و اله)، ومن لم يؤمن، فلابد أن يكون الشاهد فردآ خاصا لئلآ يلزم اتحاد الشاهد والمشهود عليه .

ثانيها: اليهود والنصارى وغيرهم ممن لم يؤمن برسول الله ، قاله ابن کثیر .

ثالثها: المكذبون للأنبياء، فإن المصدقين للأنبياء من أممهم يشهدون لهم على المكذبين لهم بأنهم قد بلغوا رسالاتهم. ومقتضى إطلاق الناس لجميع الناس هو المعنى الأول .

وأما قوله تعالى ( ويكون الرسول عليكم شهيدآ) فيحتمل أن يكون المخاطب أحد ثلاثه :

الأول: الشهداء، أي: يكون الرسول شهيدآ على الشهداء، وهم الأمة الوسط .

الثاني: جميع الناس ، فيكون الرسول شهيدا على جميع الناس في جميع الأعصار .

الثالث: المشافهون بالخطاب، وهم المعاصرون للرسول ( صلی الله علیه و اله).

ومنها: قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل علیکم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا

ص: 106

ليكون الرسول شهيد عليكم وتكونوا شهداء على الناس) (1).

فالخطاب في قوله تعالى (يا أيها الذين ) عام، ولكن يمكن تقييده ببعض المؤمنين، إن كانت الخطابات المذكورة بعد ذلك متحدة مع هذا الخطاب. ويمكن إبقاؤه على العموم،وتخصيص الخطاب في قوله تعالى ( هو اجتباكم) ببعض المؤمنين .

قوله تعالى ( وجاهدوا في الله حق جهاده) لعل هذا الخطاب خاصبالمعصومین؛ لأن تكليف غيرهم بالجهاد في الله حق جهاده غیر مقدور لهم،والتكليف بغير المقدور لا يقع من الله تعالى .

قوله تعالى (هو اجتباكم) و الاجتباء لغة: الاختيار، كما في لسان العرب عن ابن سيده: واجتبي الشيء اختاره، إلى أن قال: وقوله تعالى (وكذلك يجتبيك ربك ) (2) قال الزجاج : معناه وكذلك يختارك ويصطفيك، وهو مشتق من جبيت الشيء إذا خلصته لنفسك، ومنه جبیت الماء في الحوض، قال الأزهري: وجباية الخراج جمعه و تحصیله مأخوذ من هذا (3)إنتهی .

واستعمل في القرآن في شأن الأنبياء، كقوله تعالى في وصف إبراهيم (عليه السلام)،(شاكرة لأنعمه اجتباه) (4)

وقوله تعالى في آدم (عليه السلام)،لا ثم اجتباه ربه فتاب

ص: 107


1- الحج : 77 - 78.
2- سورة يوسف: 6.
3- لسان العرب 2: 175 ط بيروت .
4- النحل : 121.

علیه) (1) و قوله تعالى في يونس ( علیه السلام)، الا صاحب الحوت (فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ) (2) وقوله تعالى ( ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ) (3) وقوله تعالى في يوسف (عليه السلام)، ( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك ) (4) وقوله تعالى في الأنبياء ( علیه السلام)، ( ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم) (5)وقوله تعالی ( ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل ومتن هدینا واجتبينا) (6).

وبملاحظة هذه الآيات يظهر أن الاجتباء يختص ببعض المؤمنين، وهم الأئمة المعصومون ( عليهم السلام)، فالاجتباء بحقيقة معناه يساوق جعل العبد مخلصا مخصوصآ بالله لا نصيب لغيره تعالى فيه، وهذه صفة لا توجد إلا في المعصومين .

ومعنى قوله تعالى (ما جعل عليكم) أن الأحكام المجعولة عليكم لا حرج فيها، فمن وطن نفسه على العمل بها لم يكن عليه حرج، أو أنه لم يجعل عليكم حكمة حرجية، فلو فرض صيرورة بعض الأحكام بالنسبة إلى بعض المكلفين حرجيآ سقط عنه، لكن الاحتمال الأول غير بعيد .

وأما قوله تعالى (ملة أبيكم ) فإن كان المراد به الأب الروحي، أمكن شمول الخطاب لجميع المؤمنين. وأما إن كان المراد الأب الجسمي ، فإنه يختص بذريته.

ص: 108


1- طه : 122.
2- القلم : 50.
3- آل عمران : 179.
4- يوسف : 6.
5- الأنعام : 87.
6- مریم : 58

ولعل المراد ذريته من إسماعيل ( علیه السلام)، بقرينة اتحاد المخاطبين في أبيكم وسماكم .

قوله تعالى (هو سماكم المسلمين ) لعله إشارة إلى قوله تعالى فيما حكاه عن إبراهيم ( علیه السلام)، ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لكم) (1)فإنهما طلبا من الله أن يجعل من ذريتهما أمة مسلمة، فهو دليل على أن إبراهيم (علیه السلام)،سماهم المسلمين. ويحتمل أن يكون المعنى الله سماكم المسلمين من قبل نزول القرآن وفي هذا القرآن .

والمراد من الإسلام ما قاله نوح (علیه السلام)، (وأمرت أن أكون من المسلمين ) (2) لا ما قيل للأعراب حيث قالت آما، وهو قوله تعالى (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) (3) ومعنى قوله تعالى (ليكون الرسول شهيد عليكم) أي: على الذين اجتباهم الله، وهم المعصومون( علیه السلام)، بالبيان المتقدم .

ومنها: قوله تعالى ( والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ) (4) .

فإن قوله تعالى والشهداء و إن كان المراد بهم الشهيد من كل أمة، فهم الأئمة المعصومون ( علیهم السلام) ، وإن كان المراد المؤمنین حقا، فهم شهداء عند الله سبحانه على

ص: 109


1- البقرة : 127.
2- النمل : 91.
3- الحجرات : 14.
4- الحدید : 19.

أن الدین حق قد بلغه الإمام المعصوم ( علیه السلام) (1) ويحتمل إرادة أن المؤمنين يشهد بعضهم على بعض بالإيمان .

الاعلمیة

الثالث: أن يكونوا أعلم الناس (2)؛ لقوله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون (3)ولعل المعنى عدم استواء العلم والجهل، فإن العلم مقدم على الجهل في كل ما ينبغي التقدم فيه، والعالم يتقدم لعلمه، فتقديم الجاهل على العالم وصيرورته متبوعة مطاع قبيح منکر عند العقل والعقلاء.

ص: 110


1- روى الكليني (قدس سره)،في الكافي [1: 181 ح 5 ] بإسناده عن ذريح، قال: سألت أبا عبد الله( عليه السلام)، عن الأئمة بعد النبي( صلی الله علیه و اله)، فقال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام)، إمامة، ثم كان الحسن( عليه السلام)، إماما، ثم كان الحسين( عليه السلام)، إماما، ثم كان علي بن الحسين( علیه السلام)، إماما، ثم كان محمد بن علي( عليه السلام)، إماما، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة رسوله واله ( صلی الله علیه و اله)، ثم قال: قلت: ثم أنت جعلت فداك، فأعدتها عليه ثلاث مرات، فقال لي: إني إنما حدثتك لتكون من شهداء الله تبارك و تعالى في أرضه .
2- روى العلامة المجلسي( قدس سره)، في البحار [26: 119 - 122] عن بصائر الدرجات،بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر ( علیه السلام)، في قول الله عزوجل ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب ) فقال: نحن الذين نعلم وعدونا الذين لا يعلمون، وشيعتنا أولوا الألباب. ثم أورد عدة أخبار في هذا المعنى في الباب، ثم قال: إعلم أن هذه الآية من أعظم الحجج على إمامة أئمتناع ( علیهم السلام)، للاتفاق على كونهم أعلم أهل زمانهم، لاسيما بالنسبة إلى الخلفاء المعاصرين لهم .
3- الزمر: 9.

الفصل السادس

اشارة

في الآيات الدالة على أن النبي صلی الله علیه واله والأئمة المعصومين علیه السلام لا هم الواجدون لكتاب الله بالوجود العيني فهم متصفون بجميع أوصاف الكتاب وهذا الفصل داخل في الفصل المتقدم؛ لأن ذلك من الأوصاف التي اعتبرها الكتاب فيهم، لكن أفردناه لعظم شأنه، وهي عدة آيات :

الآیة الاُولی

قوله تعالى ( وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون * وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون *بل هو آیات بینات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ) (1).

قد أخبر سبحانه وتعالى عن أن الكتاب المنزل على النبي (صلی الله علیه و اله)، بما له من الصفات من كونه تبيان لكل شيء ونورة وذكر وغيرها من الصفات، له وجود عيني علمي في صدور الذين أوتوا العلم، ولم يخصه بصدر النبي ( صلی الله عليه والله) .

وإثبات ذلك يتوقف على بيان المراد من هذه الآيات:

ص: 111


1- العنكبوت : 47 - 49.

وتوضيح ذلك: قوله سبحانه (أنزلنا إليك الكتاب ) الكتاب هو الجمع بين الشيئين .

قال في الجمهرة: وقد كتب الكتاب يكتبه كتبا إذا جمع حروفه، وأصل الكتب ضمك الشيء إلى الشيء) (1).

وقال في تهذيب اللغة: وقال شمر: الكتب جمعك بين الشيئين (2) وقال في المقاییس: يدل على جمع شيء إلى شيء من ذلك الكتاب والكتابة (3) أقول: ولعل المعنى الجامع هو جمع أمور في محل على ما يلائمها، ولا يختص بالمنقوش في القرطاس ونحوه، قال سبحانه وتعالى: ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ) (4)وقال سبحانه: ( كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) (5).

ولعل المعنئ كتب على الشيطان على نحو يناسب ذلك، والتعبير بالكتابة للدلالة على الثبوت والتحقق، وإذا أريد التوق من شيء كتب، فلعل استفادة اللزوم من الكتابة في أمثال قوله تعالى (كتب عليكم الصيام) (6) من هذه الجهة،

ص: 112


1- جمهرة اللغة 1: 199.
2- تهذيب اللغة 10 : 150.
3- مقاییس اللغة 5 : 108.
4- المجادلة : 22.
5- الحج: 4.
6- البقرة : 183

لا لوضع الكتابة لمعنى الوجوب واللزوم.

ويحتمل أن يكون المعنى أن ذات الشيطان هي كتابة ذلك، كما قيل: إن الكتابة هي إثبات المكتوب في رقه اللائق به و إظهاره في ذلك، فالصورة تكتب في المرآة لأنها تنقش فيها، وصورة العمل بخصوصيات المكان والزمان والفاعل تنقش في خیال من رآها، والقلم قد كتب بمداد من صفتك وعملك، والمكان والزمان صورة العمل في اللوح المحفوظ، فلا يضمحل من الوجود، والنجار قد كتب السرير بمداد الخشب والهيئة الخاصة ، فالسرير کتاب .

أقول: وورق الأشجار کتاب، والإنسان كتاب ، ينسب إلى أمير المومنین ( علیه السلام)، أنه قال : وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر وأنت الكتاب المبين الذي بأحرفه يظهر المضمر (1) وأما قوله سبحانه (فالذين آتيناهم الكتاب) فقد قيل: في المراد بهم وجوه :

الأول: أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

الثاني: المسلمون .

الثالث: محمد و آله ( علیهم السلام) (2) ويؤيده قوله تعالى ( الذين آتيناهم الكتاب يتلونه

ص: 113


1- ديوان الامام علي( علیه السلام)،ص 175.
2- روى في البحار [23: 188ح 1] عن أبي الجارود، عن أبي جعفر( علیه السلام).في قوله عزوجل (فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به) قال: هم آل محمد. وروی نحوه عن أبي الورد عن أبي جعفر( علیه السلام).

حق تلاوته) المؤول بالأئمة (عليه السلام) (1)؛ لأن حق تلاوة القرآن موقوف على فهم غوامضه والعمل بمضامينه، وهو مختص بالأئمة ( علیهم السلام).

قوله تعالى ( يؤمنون به) أي: بالكتاب، أو بالنبي ( صلی الله علیه و اله).

قوله تعالى ( ومن هؤلاء) فيه احتمالان :الأول: كقار مكة.

الثاني: أهل الكتاب .

وأما قوله تعالى (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك ) فمعناه: أنك ما كنت تفعل القراءة والكتابة، لا أنك ما كنت تعرف أن تقرأ ولا أن تخط، بل كان يعرف ذلك، لكنه لم يفعل حتى يكون القرآن من مثله معجزة خالدة له .

قوله تعالى (بل هو آيات) أي: الكتاب المتصف بالأوصاف التي يأتي بيانها في الفصل الآتي له وجود عيني خارجي في صدور الذين أوتوا العلم، وهذا الوجود العيني مختص بالنبي ومن يتلوه علما وعملا وعصمة؛ لأن سائر وجوداته ليست متصفة بالصفات التي يأتي ذكرها، فإن وجود المنقوش في القراطيس ونحوها يعرفه كل من عرف الخط، مسلما كان أو كافرة، عربية أو عجمآ .

و وجوده المقروء يعرفه كل من عرف القراءة، حتى الأطفال يقرؤون القرآن كما يقرؤون غيره من الكتب، ووجوده الحفظي متير لكل من أراد حفظه: إما

ص: 114


1- روي في الكافي [1: 210 ح 4] عن أبي ولاد، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قوله (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) قال: هم الأئمة (عليهم السلام) . ورواه في البحار 23: 189 - 190 ح 6.

بالقراءة من الخط المنقوش، أو من متابعة قار يقرأه، والأطفال يقرؤون القرآن عن ظهر القلب في حين أنهم لا يعرفون الخط.

وله وجود في قلوب المؤمنين المتقين العالمين به، لكن ليس له الأوصاف التي يأتي بيانها، فإن من أوصافه ما ذكره الله تعالى في قوله (ولو أن قرآن، سیرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتی ) (1) أي: لكان هذا القرآن، وإن هذه الصفة وغيرها لا توجد في المؤمنين المتقين .

قوله تعالى (في صدور) يدل على صدور جماعة لا صدر واحد، فإنه لا شك في أن صدر نبینا ( صلی الله علیه و اله)، مشتمل على حقيقة الكتاب مع تمام أوصافه، والصدور الأخر التي تشتمل عليه لابد أن تكون كصدر النبي ( صلی الله علیه و اله) علما وعملا وعصمة،و هي صدور أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومین (علیهم السلام) .

هذا وللعامة أقوال في الآية لا بأس بالإشارة إلى مواضع الخلل فيها :الأول: أن الكتاب ليس عبارة عن المقروء، ولا عن النقش في القرطاس ونحوه الذي هو الخط، بل أنه آیات ودلالات واضحات في صدور العلماء، وهم النبي ( صلی الله علیه و اله)، والمؤمنون؛ لأنهم حفظوه ورعوه ورسخ معناه في قلوبهم .

قال ابن كثير: إن هذا القرآن آيات بينة واضحة الدلالة على الحق أمر ونهيآ وخبرآ يحفظه العلماء، يسره الله عليهم حفظ وتلاوة و تفسير، كما قال تعالى :( ولقد یسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر) (2)

ص: 115


1- الرعد : 31.
2- تفسیر ابن کثیر

أقول: هذا التفسير لا يعضده ظاهر الآية؛ لأن قوله «بل» إضراب عن سابقه، وهو أن يكون الكتاب عبارة عن المقروء من القرطاس المحفوظ عن ظهر القلب بالسماع من قار يقرأه، أو من الخط المنقوش، أوكونه راسخا في قلوب المؤمنين، فإن جميع ذلك لا يجعل الكتاب آية وعلامة على وجود الله تعالى، مع أن الآية الشريفة تدل على أن الكتاب علامات على وجود الله ومحلها صدر النبي ) صلی الله علیه و اله)،والأئمة المعصومين (عليه السلام) .

الثاني: أن معنی کون الكتاب في صدور الذين أوتوا العلم، أنه أعطيت هذه الأمة الحفظ، ومن كان قبلها ما كانوا يقرؤون الكتاب إلا من الخط، فإذا طبقوه لم يحفظوا ما فيه إلآ اليسير .

قال في الكشاف: بل القرآن آيات بينات في صدور العلماء به وحقاظه، وهما من خصائص القرآن کون آیا ته بنات الإعجاز، وكونه محفوظا في الصدور يتلوه أكثر الأمة ظاهرآ، بخلاف سائر الكتب، فإنها لم تكن معجزات وما كانت تقرأ إلا من المصاحف (1).

وحاصل کلامه أن القرآن معجزة في فصاحته ويحفظ في الصدور، وليس له شأن آخر.

وفيه أن الحفظ عن ظهر القلب لا يكون من خصائص العلماء، فإن الأطفال الصغار ومن لا يفهم اللغة العربية يحفظون القرآن، مع أن دعوی اختصاص القرآن بكونه محفوظآ و مقروء عن ظهر القلب دون سائر الكتب مما يكذبه الوجدان، لأن

ص: 116


1- الكشاف 3: 458

أشعار العرب محفوظة وتقرأ عن ظهر القلب .

الثالث: أن يكون الضمير في قوله «بل هو» راجعة إلى النبي ( صلی الله علیه و اله) أي: كونه أميآ لا يقرأ ولا يكتب، هو آيات بينات في صدور العلماء من أهل الكتاب؛ لأنه منعوت بهذه الصفة في كتبهم.

قال ابن كثير: العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابا ولا تخطه بيمينك آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب (1).

وقال الشيخ الطوسي في التبيان: قيل: معناه بل هي آیات واضحات في صدور العلماء بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب على صفته في التوراة والإنجيل في قول ابن عباس (2).

قلت: كان الأنسب على هذا المعنى أن يفرد قوله «آیات» لأن كون النبي( صلی الله علیه و اله)،أميآ آية واحدة لا آیات، ولو جعل مرجع الضمير «العلم» بأنه لا يقرأ ولا يكتب فكذلك آية بينة لا آیات .

وقد تبين أن هذه المعاني التي ذكروها غير صحيحة، بل الصحيح ما ذكرناه،أي: ليس الكتاب من المقروء، ولا من الخط المكتوب في القرطاس، ولا ما رسخ في قلوب المؤمنين مما يعملون به، بل الكتاب له وجود عيني، وهو آيات في صدور الذين أوتوا العلم، فمرتبة منه عند الذي عنده علم من الكتاب، ومرتبة أعلى من ذلك عند الأنبياء (عليهم السلام)، وعند نبينا محمد( صلی الله علیه و اله)، جميع مراتبه، وكذا عند

ص: 117


1- تفسیر ابن کثیر 3. 417
2- التبيان 8:216

الأئمة المعصومين ( علیه السلام)، بجميع مراتب الهداية التي لا تحصل إلا بعد العلم بالكتاب.

ثم إن ظاهر الآية أنه بعد نزوله يكون كذلك، فلا يشمل الأنبياء الماضين، بل يختص بالنبي (صلی الله علیه و اله)، والأئمة الهداة المعصومين (عليه السلام).

إن قلت: إن الآية الشريفة تدل على وجود آيات الكتاب في صدور جمع ولم يبين المراد بهم، والنبي ( صلی الله علیه و اله)، ممن علم إرادته، وأما غيره فلا دلالة عليه.

قلت: تبين ما ذكرناه وما سنذكره أن الكتاب له أوصاف كثيرة، وهذه لأوصاف غير موجودة في غير أمير المؤمنين علي وأولاده المعصومين( علیهم السلام) . فإن لم تكن موجودة فيهم، لزم أن لا تكون في أحد، هذا مع أنه يعلم بوجود هذه الأوصاف فيهم من لاحظ أحوالهم وتاريخهم.

وقوله تعالى ( وما يجحد بآیاتنا) يدل على أن المنكر للآيات - التي هي في صدور الذين أوتوا العلم - من الظالمين، وتشمله الآيات الواردة في ذم الظالمين .

ثم إن الكتاب الذي في صدور الذين أوتوا العلم ليس بعربي ولا غيره، ولعله يدل عليه قوله سبحانه (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (1) أي: جعلنا الكتاب عربي ليعقله الناس الذين بعث فيهم النبي( صلی الله علیه و اله) .

وقد ورد في بعض الأخبار أن الكتاب الذي يكون مع الأنبياء هو الاسم الأكبر الذي يعلم به علم كل شيء.

الآیة الثانیة

الآية الثانية: التي تدل على اتحادهم مع الكتاب قوله سبحانه (والذي

ص: 118


1- الزخرف : 3.

أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصیر *ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير * جنات عدن يدخلونها ) (1) الآيات (2)

وهذه الآية الشريفة دلت على أن الكتاب الذي نزل على النبي( صلی الله علیه و اله)، المشتمل على علم ما كان وما يكون الموصوف بصفات الهادي والنور والرحمة وغيرها مماذكرت له، قد أورثه الله عباده المصطفين، وليس هو المنقوش بين الدقتين،فإنه وصل إلى غير المصطفين بل غير المسلمين .

وبيان ذلك: أن قوله تعالى (ثم) يدل على التراخي، ومقتضاه أن يكون الكتاب الذي أوحي إلى النبي ( صلی الله علیه و اله)والمذكور في الآية السابقة منتقلا إلى العباد المصطفين الذين يكونون بعد وفاة النبي( صلی الله علیه و اله)، كما كان عند النبي الله، وأما

ص: 119


1- فاطر : 31 - 33.
2- روى الكليني ( قدس سره)، تي في الكافي [1: 216] بإسناده عن سالم، قال: سألت أبا جعفر( علیه السلام). عن قول الله عزوجل (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) قال: السابق بالخيرات الإمام، والمقتصد العارف للإمام، والظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام. (ح 1). وروی نحوه عدة أخبار في هذا المعنى . وروى أيضا بإسناده في حديث طويل عن أبي الحسن ( علیه السلام)، إلى أن قال: (ثم قال : و ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) فنحن الذين اصطفانا الله عزوجل وأورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شيء. (1: 229). وأورد العلامة المجلسي ( قدس سره)، قا في البحار (23: 212) عدة أخبار في هذا المعنى .

الأنبياء (عليهم السلام)، فقد آتاهم الله الكتاب .

قوله تعالى (أورثنا الكتاب ) الإرث هو انتقال شيء بعد موت صاحبه إلى غيره، وهذا المعنى لا ينطبق على الكتاب؛ لأنهم تلقوه عن النبي( صلی الله علیه و اله)، في حياته، فكيف يرثون ما حصل لهم في حياة الموروث ؟

أقول: يمكن أن يقال: إن الإرث هو انتقال شيء من أحد إلى غيره بحيث يبقى بعده بغير العقود المتعارفة، فيصح أن يقال: إن زيد ورث أخلاق أبيه، مع أنه انتقلت إليه في أيام حياته .

وأجاب عنه الشيخ الطوسي( مرحمه الله)، في التبيان، قال: ومعنى الإرث انتهاء الحكم إليه ومصيره لهم، كما قال تعالى (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ) (1) وقيل: المراد أورثناهم الإيمان بالكتب السالفة، وكان الميراث انتقال الشيء من قوم إلى قوم، والأول أصح (2). وأما معنى إيراث الكتاب، ففيه احتمالان :الأول: أن المراد إيراث حقيقة الكتاب لا الموجود بین دقتي المصحف، فإنه لا يختص بالعباد المصطفين، لأنه وصل إلى أيدي الكفار والمنافقين، ولاالموجود اللفظي منه المقروء من النقوش، أو عن ظهر القلب؛ لأن الكفار والمنافقين قادرون على القراءة كذلك، ولا الموجود من معانيه التصورية، أو بعض معانيه التصديقية، لأن من كان مطلعا على اللغة العربية يعرفها وإن لم يكن مسلمآ.

بل الوجود العيني منه بمراتبه، فمرتبته العليا أورثها العباد المصطفون، وهي

ص: 120


1- (1) الزخرف: 72.
2- التبيان 8: 629.

التي أعطيها الأنبياء وأوصياؤ هم(علیه السلام) .

والذي يدل على أن الكتاب ليس هو المقروء والخط المنقوش قوله سبحانه حكاية عن مریم (فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة - إلى قوله سبحانه -فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبیآ) (1) فإن هذا القول منه( علیه السلام)، في المهد يدل على أن نفسه المقدسة كتاب، ولعل هذا القول هو المراد من تکليمه الناس في قوله سبحانه (إذ قال الله يا عیسی بن مریم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيد تك بروح القدس تكلم الناس في المهد وکهلآ وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة و الإنجيل ) (2).

ص: 121


1- مریم : 23 - 30.
2- المائدة: 110. روى الكليني( قدس سره)، تي في الكافي [1: 382] بإسناده عن يزيد الكناسي،قال: سألت أبا جعفر(علیه السلام)، أكان عیسی بن مریم(علیه السلام)، عل حين تكلم في المهد حجة الله على أهل زمانه؟ فقال: كان يومئذ نبيا حجة لله غير مرسل، أما تسمع لقوله حين قال: ( إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبي وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيآ) قلت: فكان يومئذ حجة الله على زكريا في تلك الحال وهو في المهد ؟ فقال: كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من الله لمريم حين تكلم، فعبر عنها وكان نبيا حجة على من سمع كلامه في تلك الحال، ثم صمت فلم يتكلم حتى مضت له سنتان، وكان زكريا الحجة لله عزوجل على الناس بعدصمت عیسئ بسنتين، ثم مات زکریا، فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي، أما تسمع لقوله عزوجل (يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيآ) . فلما بلغ عیسی( علیه السلام)، سبع سنين تكلم بالنبوة والرسالة حين أوحى الله تعالى إليه،

(1)

وظاهر الآيتين أنه قال وهو في المهد آتاني الكتاب، وهو متحد مع نفسه المقدسة، ويدل عليه أيضأ قوله تعالى بعد ذكر إبراهيم (ووهبنا له إسحاق ويعقوب کلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذریته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيئ وعیسی وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاعوك؟ فضلنا على العالمين * ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقیم * ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون * أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة) الآية (2) فإن بعض المذكورين لم يذكر له کتاب خارج.

كما يدل عليه قوله تعالى ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرین ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه)

ص: 122


1- فكان عيسى الحجة على يحيى وعلى الناس أجمعين. وليس تبقى الأرض يا أباخالد يوما واحدا بغیر حجة لله على الناس منذ خلق الله آدم (علیه السلام)، وأسكنه الأرض. فقلت: جعلت فداك أكان علي( علیه السلام)، الا حجة من الله ورسوله على هذه الأمة في حياة رسول الله( صلی الله علیه واله) ؟ فقال: نعم يوم أقامه للناس ونصبه علما ودعاهم إلى ولايته وأمرهم بطاعته. قلت: وكان طاعة علي( علیه السلام)، لا واجبة على الناس في حياة رسول الله(صلی الله علیه و اله)، وبعد وفاته؟ فقال: نعم ولكنه صمت فلم يتكلم مع رسول الله(صلی الله علیه واله)، وكانت الطاعة لرسول الله( صلی الله علیه و اله)، على أمته وعلى علي(علیه السلام)، في حياة رسول الله( صلی الله علیه و اله)،، وكانت الطاعة من الله ومن رسوله على الناس كلهم لعلي( علیه السلام)، الا بعد وفاة رسول الله (صلی الله علیه و اله)،، وكان علی( علیه السلام)، حكيمآ عليمآ .
2- الأنعام: 86 - 89

الآية (1). ولعل قوله تعالى ( يا يحيئ خذ الكتاب بقوة ) (2) برید به ذلك .

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد إيراث الكتاب بمراتبه من المرتبة الأولى وهي العلم بقراءته إلى المرتبة العليا المتحدة مع نفوس الأنبياء والأئمة المعصومین( علیهم السلام)، ، ثم إنه يصدق إيراث الكتاب بإیراث علمه، فإن عمل به کان ممدوحآ، وإلا كان مذموما، كما قال الله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدني) (3) وقال تعالى: (إن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شق منه مريب ) (4).

وعلى كلا الاحتمالين، فالآية تدل على أن الكتاب بما له من الصفات والمراتب قد أورثه الله تعالى هذه الأمة، ولا يليق بالمرتبة العالية إلا السابق بالخيرات .

قوله تعالى (الذين اصطفينا )في معنى الاصطفاء والمراد به احتمالان : الأول: اختيارهم للمرتبة العالية المساوقة لمرتبة النبوة والإمامة، ويمكن أن يعرف معنى المصطفين من الآيات التي ذكر فيها الاصطفاء، وهي قوله تعالى (إن الله اصطفى لكم الدین) (5) لأن الغرض من خلقة الإنسان هو تدينه بالدين، فالدين من أحسن ما اصطفي له .

ص: 123


1- البقرة : 213.
2- مریم : 12.
3- الأعراف : 199.
4- الشوری : 14.
5- البقرة : 132.

وقوله تعالى ( إن الله اصطفى آدم ونوح و آل إبراهيم ) (1)وقوله تعالى(وقل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفی ) (2) وقوله تعالى (يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) (3) وقوله تعالى ( إن الله اصطفاه) (4)وقوله تعالى ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) (5) وقوله تعالى ( ولقد اصطفيناه في الدنيا ) (6) وقوله تعالى (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) (7)وقوله تعالى ( و إنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) (8).

والمستفاد من هذه الآيات أن الاصطفاء هو اختيار الله عبد من عباده وجعله خالصة مخلصة لله تعالى، كالأنبياء( علیهم السلام)، والأولياء.

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد بالاصطفاء اختيارهم على سائر الناس بجهة اختصوا بها، أي: إن الله اصطفى هذه الأمة مثلا على سائر الأمم، نظير قوله تعالى (یا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتکم علی

ص: 124


1- آل عمران : 33.
2- النمل : 59.
3- آل عمران : 62.
4- البقرة: 267.
5- الأعراف : 144.
6- البقرة : 130.
7- الحج : 75.
8- (8) ص : 67

العالمين ) (1) أي: بالآيات التي نزلت عليهم والنعم التي أنعمها عليهم، كما قال تعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين * وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبین ) (2)ولم يكن بنو إسرائيل كلهم من المصطفين الأخيار، بل إن بعضهم آذوا موسی (علیه السلام).

وكذا قيل في اصطفاء مريم في قوله تعالى ( إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) (3) أي : من حيث إنها أنجبت بدون بعل، وكان رزقها يأتيها في محرابها، فلا ينافي أفضلية سيدة النساء فاطمة الزهراء (عليه السلام)، وإن لم تكن لها هذه الخصوصية .

قوله تعالى ( فمنهم) في مرجع الضمير احتمالات : الأول: أن يرجع إلى «عبادنا» لا إلى «الذین» نظير قوله تعالى (ولقد أرسلنا نوح وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) (4) أي : من ذريتهما ، فمع أنه قد جعل في ذريتهما النبوة والكتاب، إلا أن من الذرية أيضأ مهتد وكثير منهم فاسقون.

الثاني: أن يرجع إلى «الذين اصطفينا» ويكون المراد أنه ولد من الذين اصطفينا من عبادنا من هو ظالم لنفسه إلى آخر الآية.

الثالث: أن يكون المرجع «الذين اصطفينا» أيضا، لكن يكون المراد من

ص: 125


1- البقرة : 67 و 122.
2- الدخان: 32 - 33.
3- آل عمران : 62.
4- الحدید : 29.

الاصطفاء الاحتمال الثاني، بأن يكون الظالم لنفسه ممن اصطفاه الله حيث جعله من هذه الأمة، لكن لم يعرف حق الكتاب وانحرف عنه وكان من المنافقين .

قوله تعالى (ظالم لنفسه ) للظلم مراتب: فظلم للنفس يوجب استحقاق العقاب، وآخر يوجب استحقاق العتاب، وثالث يوجب الوقوع في المشقة.

وقد استعمل الظلم في القرآن في معاني متعددة كما تقدم قوله تعالى (و منهم مقتصد )أي: معتدل في أمور دينه متن ليس بظالم لنفسه، ولم يصل إلى حد السابقين بالخيرات .

قوله تعالى (ومنهم سابق بالخيرات) متحد مع قوله تعالى (والسابقون السابقون * أولئك المقربون) (1) أو مع قوله تعالى (والسابقون الأولون) (2) قوله تعالى (ذلك هو الفضل الكبير) ففيه احتمالان :الأول: أن يرجع إلى المقتصد والسابق .

الثاني: أن يرجع إلى الجميع، ويكون قرينة على أن المراد بالظالم من تاب وكان من أهل النجاة، وهو خصوص من كان من الذرية، أو الأعم منه .

وحاصل المعنى: أن الكتاب الذي أوحي إلى النبي بمراتبه باق بعده في من اصطفاه الله، الذين هم السابقون بالخيرات، وبعد ملاحظة سائر الآيات، وملاحظة أوصاف الكتاب والمتصفین بها، لا يبقى ريب ولا شك في أن المراد بإیراث الكتاب بمرتبته العالية هو إيراثه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده

ص: 126


1- الواقعة : 10 - 11.
2- التوبة : 100

المعصومين( علیهم السلام) و لبعض المحققين بيان في اتحاد الكتاب الناطق مع الصامت .

حيث قال: ولا يخفى عليك أن الكتاب كتابان: کتاب صامت، وكتاب ناطق مشتمل على ما اشتمل عليه الصامت، كما أن الصامت مبين لما اشتمل عليه الناطق کمضاهاة مكتوب القرآن لملفوظه، فهماكالسبابتين .

وكل منهما دال على الآخر، كالمرآتين المتقابلتين اللتين يظهر في كل منهما الآخر بما انعكس فيها، فإن كل ما اشتمل عليه القرآن من معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله وآثاره، ومعرفةحقائق الأشياء في المبدأ والبرزخ والمعاد و وجوه الحكمة فيها، وبيان صفات المواليد الثلاثة، وأحوال الانسان وشقاوته وسعادته، وما يؤدي إلى كل منهما، وبيان ما وقع وما يقع وأحكام الله سبحانه وغيرها مما يدل عليها دلالة لفظية موجودة في نفس الإمام (عليه السلام)، منقوشة بالوجود العلمي الذي هو أعلى مرتبة من الوجود اللفظي والكتبي .

وكل ما يحكي عنه القرآن بجميع أنواعه حكاية لفظية وضعية، يدل عليه علوم الإمام( عليه السلام)، دلالة علمية مرآتية، فكما أن المطلع على ألفاظ القرآن ينتقل منها إلى تلك المعاني، كذلك المطلع على علومه ينتقل إليها، وكل أثر يوجده الأول من التقريب والتعريف والتعليم والبشارة والإنذار والتكميل والترقي إلى عالم القدس والنصح والدعاء إلى الله سبحانه بأنواع المقربات يترتب على الثاني أيضا، بل الموجود في الثاني المعاني والألفاظ قوالب لها تحكي عنها، فإن الإمام( علیه السلام)، هو الذي عنده علم الكتاب، وكل شيء أحصى الله سبحانه في الإمام المبين بالوجود

ص: 127

العلمي وفي الكتاب الكريم بالوجود اللفظي .

وفرق ظاهر بین کتاب العلم ونفس العالم المتقش فيها العلوم، فالإمام (عليه السلام)، بهذا الاعتبار کتاب ناطق كتب الله سبحانه في لوحه معاني القرآن وألفاظه و تجلی فيه بصفاته وآياته وأفعاله مع استجماعه لسائر الشؤون من تخلقه بما يستحقه القرآن من الأخلاق و علمه بما يرغب إليه من الأفعال وامتثاله لأحكامه في جميع المقامات، فهو كتاب إلهي وانقياد وعمل بمقتضاه، فهو الداعي إلى الله على نحو دعاء القرآن مع زيادة القبول والدعاء بالفعل، فإن أخلاقه وأعماله تدعو العارف بها إلى التشبه بها خصوصا مع المناسبة الظاهرية في هيكل البشرية .

فهما من حيث الحكاية متشاركان في جميع المقامات، وإن ازداد الثاني على الأول بأمور أخر، وكل منهما يدل على صاحبه، ويشهد بحقيقته ويبينه؛ إذ جميع صفات الإمام( علیه السلام)، لا مسطور في الكتاب، ويشهد له بذلك، وإلا لم يكن تبيانا لكل شيء، كما أن جميع صفات القرآن لفظا ومعنى وغيرهما تحصى في الإمام( علیه السلام) ،ويشهد له بالحقيقة تفصيلا علم ولفظ وتخلقة، وهو على صورة القرآن تمام مع إجابته وقبوله .

فإن قلت: فعلى هذا الثقل الأكبر هو الإمام (علیه السلام)، دون الكتاب، والخبر مصرح بخلافه .

قلت: إذا لاحظنا سائر مراتب القرآن ومقاماته دون مقام اللفظ والكتب والنقش، فمن جملة مقاماته مقام قلب النبي( صلی الله علیه و اله)، والإمام إذ هو آیات بینات. إنتهى

ص: 128

أقول: ويحتمل أن يكون الخبر المذكور واردة على ما يوافق فهم المستمعين (1).

ص: 129

الآیة الثالثة

(2)قوله تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آیاته و يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ) (3).

وتعليم الكتاب في قوله تعالى هو (ويعلمهم الكتابه )على أنحاء : الأول: قراءته عليهم، فإنه بلسان عربي مبين، وهم أهل اللسان يفهمون معانيه، ويبين لهم ما لا يفهمونه،كمفهوم الصلاة والصوم والحج ونحوها، فإنها أسماء

ص: 130


1- أقول: بعض هذه الأخبار اشتمل على أن أحدهما أكبر ولم يذكر أيهما أكبر، وهو: روى العلامة المجلسي( قدس سره)، في البحار [ 23: 106 ح 7] عن الطرائف: روي عن أحمد بن حنبل في مسنده بإسناده إلى أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ( صلی الله علیه واله) : إني قد ترکت فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وأحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض . وروى عنه أيضا قال: ومن ذلك في المعنى من كتاب الجمع بين الصحاح الستة من الجزء الثالث من أجزاء أربعة من صحيح أبي داود وهو كتاب السنن، ومن صحيح الترمذي بإسنادهما عن رسول الله( صلی الله علیه و اله)، قال: إني تارك فيكم ثقلین، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا پبعدي، أحدهما أعظم من الآخر الحديث (ح 11). وبعضها لم يذكر الأكبرية، وهو: ما رواه في البحار [23: 107 ح 9] عن الطرائف،
2- قال: ومن ذلك ما رواه أيضا أحمد بن حنبل في مسنده بإسناده إلى زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله( صلی الله عليه واله ): إني تارك فيكم الثقلين خلیفتین: کتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى یردا على الحوض . وروى عنه أيضا عن صحیح مسلم، إلى أن قال: ثم قال: أما بعد أيها الناس أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه النور،فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله تعالى ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي (ح 10). وروي عنه أيضا، عن مناقب ابن المغازلي بإسناده، قال: إن رسول الله( صلی الله عليه واله)، قال: إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن یفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا ماذا تخلفوني فيهما (ح 12) وكذا (ح 13) و (ح 14) نحو ما مر. وبعضها ذكر أن الكتاب أكبر، وهو: ما رواه في البحار [23: 109 ح 10] عن الطرائف،قال: ومن ذلك بإسناده أيضا، قال: قال رسول الله قال : إني فرطکم على الحوض،فأسألكم حين تلقوني عن الثقلین کیف لفتموني فيهما؟ فاعتل علينا لا ندري ما الثقلان، حتى قام رجل من المهاجرين، فقال : يا نبي الله بأبي أنت وأمي ما الثقلان؟ قال:الأكبر منهما كتاب الله، طرف بيد الله تعالىو طرف بأيدكم فتمسكوا به ولا تزلوا و تضلوا، والأصغر منهما عترتي الحديث . وبعضها: ذكر أن الأفضل هو علي بن أبي طالب، وهو: ما رواه في تفسير البرهان [1:14 ح 32] عن زید بن ثابت، قال: قال رسول الله (صلی الله عليه واله) : إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعلي بن أبي طالب، وعلي أفضل لكم من كتاب الله لأنه مترجم لكم عن كتاب الله . ويمكن الجمع بين هذه الأخبار لو صحت أسانيدها بأن لكتاب الله مقامات، منها مقام قلب النبي( صلی الله علیه واله)، ولما كان أفضل من جميع ما سوى الله، فيكون أفضل من سائر مقامات الكتاب، وكذا علي بن أبي طالب (علیه السلام)، فإنه نفس رسول الله ( صلی الله علیه واله)، وأولاده المعصومون (علیهم السلام)، بمنزلته، ويحمل ما دل على أن الكتاب أفضل على أنه إن نظر إلى حيثيةالكتاب وحيثية العترة بما هم مؤمنون بالكتاب، فالكتاب أفضل، فتدبر . وقد يقال بأن من مراتب القرآن ومقاماته قلب النبي (صلی الله عليه واله)، فهو في رتبته، وهو أفضل من الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، ، فيكون القرآن من هذه الجهة أفضل من العترة . قلت: ما ذكره صحیح لولا ظهور الخبر في أنه( صلی الله علیه و اله)، لا يخلف بعد وفاته في أمته كتاب الله وهو أكبر .
3- الجمعة : 2.

الأعمال اخترعها الشارع وبينها في أخبار، وهذا نظير مخترع الطيارة فإنه يعلم جميع ما يكون به وجودها. وإن أراد تعليم ما وضع له لفظها بين جميع ما يتحقق به وجودها.

الثاني: قراءته عليهم وتعليمهم مفاهيم الألفاظ المخترعة، وتعليم إشاراته ولوازم الكلام، ويختص بهذا التعليم بعض الأمة.

الثالث: تعليم حقیقته بانتقاله إلى المتعلم، بحيث يكون صدر المتعلم وجودآ عينية للقرآن متصف بصفاته، ولعله لذا ذكر التعليم بعد التزكية؛ لأن علم الكتاب لايحصل إلا في قلب زكي نقي طاهر مطهر، فإن علم الكتاب يعطي العالم قدرة التصرف في التكوينيات.

كما حكى الله تعالى في القرآن بقوله (قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) (1) فإنه علم بعض الكتاب، كما هو ظاهر كلمة «من» وإذا كان هذا يعطي قدرة التصرف المذكور، فكيف بمن علم الكتاب كله، ولم يزك أحد كتزكية علي وفاطمة وابنائهما المعصومین صلوات الله عليهم أجمعين، فهم اللايقون لتعلم حقيقة الكتاب .

وأيضا إن رسول الله( صلی الله علیه و اله)، آدی رسالته بتزكية أمته وتعليمهم الكتاب والحكمة، ولا يتم ذلك إلا بتعليمه واحدا من أمته جميع مراتب القرآن يبقى بعد وفاته یزکي أمته ويعلمهم الكتاب، ولا ينقطع ذلك بل يأتي آخر، وهكذا إلى آخر زمان التكليف، ولم يكن أحد لايقة لذلك إلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده

ص: 131


1- النمل: 40.

المعصومون (عليهم السلام) ، والأخبار في كونهم مع القرآن كثيرة (1).

ص: 132


1- روى الكليني( قدس سره)، في الكافي [1: 191 ح 5] بإسناده عن سلیم بن قیس الهلالي، عن أمير المؤمنین صلوات الله عليه، قال: إن الله تبارك وتعالى طهرنا وعصمنا وجعلنا شهداء على خلقه، وحجته في أرضه، وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا

الفصل السابع

اشارة

في أوصاف الكتاب وهي موجودة في النبي(صلی الله علیه واله) والأئمة المعصومين ( علیه السلام).

تقدم في الفصلين السابقين أن النبي (صلی الله علیه واله ) وخلفاءه متصفون بصفات الكتاب، ولكي يتضح الأمر بصورة كاملة لابد أن نذكر في هذا الفصل أوصاف الكتاب،وهي كثيرة

أحسن الحدیث

الأول: أحسن الحديث، قال الله سبحانه: (الله نزل أحسن الحديث كتابآ متشابهة مثاني) (1) ومما لا شك فيه أن الإنسان العاقل مال بطبعه إلى طلب الكمال، وساع الی إلىمعرفة أسباب الوصول إليه، مضافة إلى نزعته ورغبته في الاطلاع على ما مضى من الحوادث وما يأتي، وللاستماع إلى الحديث عنها .

وأحسن الحديث هو الخبر المطابق للواقع، المبين طریق نيل الإنسان إلى الكمال ، فالكتاب هو أحسن الحديث، لأنه يحدث عن المبدأ والمعاد وما مضى

ص: 133


1- الزمر : 23.

ويأتي، وعن طريق سعادة الإنسان في الدارين، وما يؤول إليه أمر الانسان من الجنة والنار وأوصافهما .

وعليه فإن النبي والإمام الواجدين للكتاب هما أحسن الحدیث، تحكي أقوالهما وأحوالهما وأعمالهما وأخلاقهما، عن الكمال المطلق الذي يميل إليه الإنسان العاقل .

الآیات

الثاني: الآيات، قال الله سبحانه وتعالى: (بل هو آيات بينات في صدورالذين أوتوا العلم) (1) وقال تعالى: ( هو الذي ينزل على عبده آیات بینات) (2)

وقال تعالى: (کتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) (3) والنبي (صلی الله علیه و اله)، والأئمة المعصومون( علیهم السلام)، الذين لهم مرتبة من الكتاب آیات

بینات (4)، فإتهم علامات جليلة واضحة لعظمة الله وقدرته وهم خزنة علم الله،

ص: 134


1- العنكبوت: 49.
2- الحدید : 9.
3- فصلت : 3.
4- روى الكليني(قدس سره)، قلي في الكافي [1: 207 ح 1 بإسناده عن داود الرقي، قال: سألت أباعبدالله (علیه السلام)، عن قول الله تبارك و تعالى (و ما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)،قال: الآيات هم الأئمة، والنذر هم الأنبياء (عليهم السلام). وأيضا روئ بإسناده عن يونس بن يعقوب رفعه، عن أبي جعفر( علیه السلام)، في قول الله عزوجل ( كذبوا بآياتنا كلها ) يعني الأوصياء. (ح 2). وأيضا روئ بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (علیه السلام)، قال: قلت له: جعلت فداك إن الشيعة يسألونك عن تفسير هذه الآية (عم يتساءلون عن النبأ العظيم ) قال: ذلك إلي

(1)

فهم أكبر آيات الله.

وبذلك يظهر أن المعرضين عنهم من مصادیق المعرضين عن آيات الله، قال الله سبحانه: ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقیم) (2) و سنبين أن الصراط المستقيم هو صراط النبي( صلی الله علیه و اله)، والأئمة المعصومین (علیه السلام) فمن كان على صراطهم، فهو الذي صدق بآيات الله ولم يكذب بها، ومن كذبهم وخالفهم وأعرض عنهم ولم يعتقد إمامتهم، فهو المكذب بآيات الله، كما قال الله تعالى: ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها) (3) و قال سبحانه: (ألم تكن آیاتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون - إلى قوله تعالى - فاتخذتموهم سخرية حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون ) (4) وقال سبحانه: (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها) (5)وقال سبحانه: ( وإذا تتلى عليهم

ص: 135


1- إن شئت أخبرتهم وإن شئت لم أخبرهم، ثم قال: لكتي أخبرك بتفسيرها، قلت: عم يتساءلون؟ قال: فقال: هي في أميرالمؤمنین صلوات الله عليه، كان أمیرالمؤمنین صلوات الله عليه يقول: ما لله عزوجل آية هي أكبر مني، ولا لله نبأ أعظم مني. (ح3). وأورد العلامة المجلسي قلي في البحار [23: 209] في باب أنهم (علیه السلام)، آيات الله وبناته وكتابه، أخبار كثيرة، فراجع.
2- الأنعام: 39.
3- السجدة : 22.
4- المؤمنون : 105 - 110.
5- (4) طه : 129. روى في الكافي [1: 30 ح 92] بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبدالله( علیه السلام)، في قول الله عزوجل (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاه يعني: ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، قلت: ( ونحشره يوم القيامة أعمى ) يعني: أعمى البصر في الآخرة أعمى القلب في الدنيا عن ولاية أمير المؤمنین (علیه السلام)، قال: وهو متحير في القيامة يقول: (ولم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها ) قال:الآيات الأئمة (عليهم السلام)، الحديث .)

آیاتنا ولی مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرأ فبشره بعذاب أليم (1).

البشیر النذیر

الثالث: البشير النذير، قال سبحانه: (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقین و تنذر به قوما لدا) (2) وقال سبحانه: ( مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين) (3) و قال سبحانه: ( تبيانا لكل شيء وهدى ورحمه وبشرى للمسلمين ) (4) و قال سبحانه: (لینذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنین ) (5).

اللغة: البشارة هي وعد وصول الخير والثواب الموجب للسرور الذي يظهر في بشرة الوجه والبشرة ظاهر جلد الإنسان، والبشارة بالخير والنذارة بغيره .

والقرآن مبشر يبشر بالثواب على الخيرات، ومنذر يخوف من الموبقات، والإنسان بطبيعته البشرية يميل إلى الدنيا وما فيها، ويغفل عن الآخرة، فيحتاج دائما إلى ترغیب وترهيب ليجتهد في كسب الخيرات، ويتقي من ضرر المهلكات فالنبي( صلی الله علیه و اله)، والإمام( علیه السلاتم)، الواجدان للكتاب يكونان كذلك، يرغبان في ثواب

ص: 136


1- لقمان: 7.
2- مریم : 97.
3- البقرة : 97.
4- النحل : 89.
5- الأحقاف : 12

الآخرة بأقوالهما وأعمالهما وأحوالهما.

بصائر

الرابع: بصائر، قال الله تعالى: (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ) (1)وقال سبحانه: (هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) (2) وقال سبحانه: (بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرونه ) (3) .

قال في الصحاح: البصر حاسة الرؤية، وأبصرت الشيء رأيته ، قال : وبصرت بالشيء علمته ، والبصير العالم ، والتبصر التأمل والتعرف، قال: والبصيرة الحجة والاستبصار في الشيء (4) وقال في المقاييس: العلم بالشيء، يقال: هو بصیر به ومن هذه البصيرة، قال: والبصيرةالبرهان، وأصل ذلك كله وضوح الشيء (5).

أقول: البصائر جمع البصيرة، فإن أدرك الشيء كما يدرك بالبصر وهو حاسة الرؤية، بأن يكون وضوحه کوضوح الشيء المرئي بالعين، أطلق على المبصر أنه بصیر وإن لم يكن بالة، فإطلاق البصير عليه سبحانه وتعالى يكون إطلاقة حقيقية والبصائر هي الأمور التي توضح الشيء وضوحا، كما إذا رئي بالعين مشاهدة .

وآيات الكتاب المجيد كذلك، فهي تكون تبيانا لما خفي من العلوم والمعارف

ص: 137


1- الأنعام : 106.
2- الأعراف: 203.
3- القصص : 43.
4- صحاح اللغة 2: 091.
5- معجم مقاييس اللغة 1: 253 - 254

والمدركات الباطنية، وبها ترتفع الغشاوة والعشاوة عنالبصيرة الباطنية، فيصير الإنسان بصيرة بعد أن كان أعمى .

فالنبي والله ( صلی الله علیه و اله)، والأئمة المعصومون (علیه السلام)، بصائر للناس، فمن اتصل بهم وغرف من علومهم أبصر داء نفسه ودواءها، وعرف الأصول الاعتقادية والأحكام الفرعية،وأبصر منافع دنياه وما يوجب سعادته وشقاوته .

البینات

الخامس: البينات، قال الله سبحانه وتعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البنات والهدئ من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ) (1).

البينة: ما يبين به الشيء، ويطلق على الحجة؛ لأنها تبين حقية ما قامت عليه، فهي مأخوذة من البيان، وإذا كان القرآن بينة، فالنبي (صلی الله علیه و اله)، والأئمة المعصومون

الواجدون للكتاب بينات.

برهان

السادس: برهان، قال الله سبحانه: (يا أيها الناس قد جاءکم برهان من ربكم ) (2) والقرآن برهان يبرهن به ويستدل به؛ لإعجازه واشتماله على المعارف الحقة، وإخباره عما وقع وعما يقع، يدفع به شبهات شياطين الإنس والجن، ويظفر به على من خالف الحق، فالنبي (صلی الله علیه و اله)، والإمام المعصوم لئلا برهانان .

مبارک

مبارك :

ص: 138


1- البقرة : 109.
2- النساء : 174.

السابع : لعلكم ترحمون) (1) وقال سبحانه: (وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منکرون ) (2) وقال سبحانه: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آيات) (3).

قال الخليل: البركة من الزيادة والنمو.

أقول: بركات السماء المطر تحيا به الأرض، وبرکات الأرض ثمرات الأشجار والزروع. والكتاب المبارك هو الكتاب الذي له برکات وخیرات: والكفر والأخلاق الرذيلة، وهوى النفس وميلها إلى المعاصي والنيات السيئة، ترتفع ببركة قراءته وتبيانه ومواعظه وزواجره ودلالاته، وغيرها من سائر بركاته، وبه يطلب إقالة العثرات باستجلاب حال التوبة الماحية للعثرات، ويستشفئ به من الأمراض الباطنية لترتفع ببركته.

فالقرآن يهطل على أهله بركات كثيرة، ظاهرية وباطنية، سماوية وأرضية.

والنبي(صلی الله علیه واله)، والإمام المعصوم (علیه السلام)، لهما برکات تهطل على من اتصل بهم واتبعهم .

تبیان

الثامن: تبيان لكل شيء، قال الله سبحانه: (ونزلنا عليك الكتاب تبیانا لكل شيء) (4) وتدل الآية الشريفة على أن الكتاب النازل إلى النبي(صلی الله علیه و اله)، والله مبين لكل شيء من المبدأ والمعاد وما كان وما یکون، وإذا كان النبي(صلی الله علیه و اله)، الله والأئمة

ص: 139


1- الأنعام : 150.
2- الأنبياء : 50.
3- ص : 29.
4- النحل : 89.

المعصومون(علیهم السلام)، واجدين للكتاب، فهم عالمون بكل شيء.

قوله تعالى ( ونزلناه) كيفية نزول الكتاب وإن كانت مجهولة عندنا، إلا أنه لابد من الاعتراف بها على ما هو الواقع .

قوله سبحانه (الكتاب) که تقدم أن مادة كتب تدل على مجموعة أمور على طبق ما يلائمها، وتقدم احتمال أن يكون المراد من الكتاب هو ما اشتمل على الاسم الأعظم، وأنه متحد مع هذا القرآن النازل على النبي (صلی الله علیه واله ).

ومعنى قوله تعالى (تبيانا) أي: مبینا، وكيفية تبيينه الأشياء على أنحاء لا يعرفها إلا من أنزل عليه، وهو النبي (صلی الله علیه و اله)، ومن كان مثله، وهم الأئمة المعصومون( علیه السلام) .

وأما قوله تعالى (لكل شيء) فهو عام لجميع الأشياء من صفات الله سبحانه على أكمل وجه، والاسم الأعظم، وبدء الخلق، وما هو كائن وما يكون من العرش والكرسي والسماوات والأرضين وما فيها، والشرائع والأحكام، وكل ما فرض آنه شيء.

فالواجد للكتاب العالم به يعرف كل شيء، ويعرف الاسم الأعظم، ويقدر على كل شيء بإذن الله سبحانه، وقد حكى الله سبحانه قصة سليمان( علیه السلام)، حيث قال:( أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك واني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ) (1)فأحضر عرش المرأة من سبأ - ولعلها

ص: 140


1- النمل : 38 - 40

في اليمن - إلى سليمان (عليه السلام)، في الشامات قبل أن تطرف عينه، مع أنه كان عنده علم بعض الكتاب على ما يقتضيه كلمة (من الكتاب) ، فكيف بمن عنده علم

الكتاب كله.

فالنبي( صلی الله علیه و اله)، والأئمة المعصومون( علیهم السلام)، عالمون بكل شيء، حيث إنهم واجدون كل الكتاب، وقد أقر مخالفوا الشيعة باشتمال الكتاب على كل شيء.

فقال النيشابوري في تفسيره: وكيف لا وفيه - أي : في القرآن - نبأ الأولين وخبر الآخرين وحكم ما بين الخلائق أجمعین (1).

وقال ابن كثير في تفسيره: قال ابن مسعود: قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء. وقال مجاهد: كل حلال وحرام. وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن قد اشتمل على كل علم نافع، من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي، وكل حلال وحرام، وما الناس محتاجون في أمر دنياهم ودينهم و معاشهم ومعادهم (2) إنتهى .

أقول: ويؤيد كونه أعم وأشمل ما دل من الآيات على وجود کتاب مشتمل على كل شيء، وهو قوله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء) (3) وقوله سبحانه (ولا رطب ولا يابس إلآ في كتاب مبين ) (4)، وقوله تعالى (وكل شيء أحصيناه کتابآ) (5).

ص: 141


1- تفسير النيشابوري 1: في المطبوع على هامش تفسير الطبري .
2- تفسیر ابن کثیر 2: 582
3- الأنعام : 38
4- الأنعام: 59.
5- النبأ : 29.

وما دل على أن ما في السماء والأرض في كتاب مبين، وهو قوله تعالى( وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين) (1) وقوله سبحانه (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبین) (2) وقوله سبحانه (عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) (3) .

فهذه الآيات تدل على وجود کتاب فيه كل شيء، فإذا ضممنا إليها ما دل على أن آيات هذا القرآن هي آيات الكتاب المبين، وهو قوله تعالى (تلك آيات الكتاب المبين) (4).

وقوله سبحانه (تلك آيات الكتاب وقرآن مبین ) (5) وقوله تعالى (وطس تلك آیات القرآن وكتاب مبين) (6).

وقوله تعالى (حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيآ) (7) وقوله تعالى (حم *والكتاب المبين * إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) (8)

ص: 142


1- النحل : 75.
2- هود : 1.
3- سبأ : 3.
4- يوسف : 1، الشعراء: 2، القصص: 2.
5- الحجر : 1.
6- النمل : 1.
7- الزخرف : 1 - 3.
8- الدخان : 1- 3.

كان المستفاد من مجموع هذه الآيات وغيرها أن الكتاب المنزل على النبي(صلی الله عليه و اله)، هو الكتاب المبين المشتمل على كل شيء.

وإذا كان تبيان لكل شيء، وهو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، أي: النبي (صلی الله عليه و اله) والأئمة المعصومون( علیهم السلام) . و لعلهم المراد بقوله تعالى (وكل شيء أحصيناه في إمام مبین ) (1).

وعلم أنهم العالمون بكل شيء، ومنه ما كان يعلمه آدم( عليه السلام)، الذي علمه الله الأسماء كلها، وجميع ما كان يعلمه سائر الأنبياء، فهم ورثة علومهم، والتفاضل يكون بالعلم والتقوى، كما مدح الله سبحانه العلم في كتابه (يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجاته (2).

وبذلك يظهر أن نبينا (صلی الله عليه و اله) والأئمة الطاهرین( علیهم السلام)، أفضل من جميع الأنبياء؛ لأنهم أعلم منهم، وكذا من الملائكة، لقوله تعالى 0وعلم آدم الأسماء ) (3) الآية .

ثم إن علينا أن نؤمن بأن الكتاب تبيان لكل شيء، ويعرف أهله منه كل شيء، وإن كان غيرهم لا يعرفون إلا النصوص والظواهر .

والعجب من صاحب الكشاف حيث قال: فإن قلت: كيف كان القرآن تبیانا لكل شيء؟ قلت: المعنى أنه بين كل شيء من أمور الدين، حيث كان نضا على بعضها وإحالة على السنة، حيث أمر فيه باتباع رسول الله(صلی الله عليه و اله) وطاعته، وقيل: - ما ينطق

ص: 143


1- يس : 12.
2- المجادلة : 11.
3- البقرة : 31.

عن الهوى - وحتآ على الإجماع في قوله (ويتبع غير سبيل المؤمنين) وقد رضي رسول الله (صلی الله علیه و اله) لأمته اتباع أصحابه والاقتداء بآثارهم في قوله «أصحابي کالنجوم بأتهم اقتدیتم اهتديتم» وقد اجتهدوا وقاسوا ووطأوا طرق القياس والاجتهاد، فكانت السنة والإجماع والقياس والاجتهاد مستندة إلى تبیان الكتاب، فمن ثم كان تبيان لكل شيء (1) إنتهى .

أقول: أما يخاف الله تعالى من هذا التفسير بالرأي، وهل كانت الأحكام ناقصة حتى جاء أبو حنيفة وقاس الأحكام بعضها على بعض ؟!

تتمیم

وردت في القرآن الكريم عدّة آيات بعضها يدلّ على اختصاص علم الغيب بالله سبحانه، وبعضها علىٰ نفي النبي صلّی اللهُ علیه وآله علم الغيب عن نفسه، وبعضها علىٰ نفي علمه ببعض الأشياء، وبعضها علىٰ أنّ علم النبي صلّی اللهُ علیه وآله قابل للازدياد ، فقد يتوهّم التنافي بين هذه وبين ما تقدّم من أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله واجد لكتاب الله تعالىٰ بجميع صفاته، عالم بجميع ما فيه، وهو تبيان كلّ شيء، فلا بأس بذكر هذه الآيات والجواب عنها بما يرفع التنافي، فنقول هي أقسام.

الأوّل: ما دلّ على اختصاص الغيب بالله تعالىٰ، وهو قوله تعالىٰ (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو) (2) وقوله تعالىٰ (فقل إنّما الغيب لله) به (3) وقوله

ص: 144


1- (1) الكشاف 2: 626.
2- الأنعام : 60
3- يونس : 20

تعالىٰ (ولله غيب السماوات والأرض) (1) وقوله تعالىٰ (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلاّ الله) (2) وقوله تعالىٰ (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا اُجبتم قالوا لا علم لنا إنّك أنت علاّم الغيوب) (3).

الثاني: ما دلّ علىٰ أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله لا يعلم الغيب، وهو قوله تعالىٰ (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنّي ملك إن أتّبع إلاّ ما يوحيٰ إليّ) (4) وقوله تعالىٰ (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء) (5) ويجمع بين هذين القسمين من الآيات بأن يقال : إنّ علم الغيب خاصّ بمن يعلم الغيب من ذاته لا بعلم مستفاد من غيره .

وتوضيحه: أنّ الغيب ما غاب عن الحواسّ، وليس شيء بغيب عند الله، فإنّ كلّ شيء عنده شهادة. والغيب المطلق ما غاب عن جميع الخلق ولا يعلمه إلاّ الله (6).

ص: 145


1- النحل : 79
2- النحل : 66
3- المائدة : 109
4- الأنعام : 50
5- الأعراف : 188
6- رويٰ في البحار [25: 266ح 9] عن الاحتجاج، قال: وممّا خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه ردّاً على الغلاة منالتوقيع جواباً لكتاب كتب إليه علىٰ يد محمّد ابن علي بن هلال الكرخي: يا محمّد بن علي تعالى الله عزّوجلّ عمّا يصفون، ليس نحن شركاء في علمه ولا في قدرته. بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تبارك و تعالىٰ (قل لا يعلم من في

(1)

وأمّا الأنبياء وأوصياؤهم، فإنّهم يعلمون بعض ما غاب عن الناس أو كلّه، وليس ذلك بغيب؛ لأنّهم لا يعلمون شيئاً إلاّ بتعليم الله، فيكون ذلك مدركاً بحواّسهم، وما كان مدركاً بالحواسّ بتعليم الغير يكون شهوداً، وإن كان غيباً بالنسبة إلىٰ غيره .

وقد أشار أمير المؤمنین علیه السّلام إلىٰ ذلك في نهج البلاغة، حيث قال علیه السّلام في جواب من قال إنّك تعلم الغيب: يا أخا كلب ليس هو بعلم غیب، وإنّما هو تعلّم من ذي علم، وإنّما علم الغيب علم الساعة، وما عدّده الله سبحانه بقوله (إنّ الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأيّ أرض تموت) الآية، فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذكر واُنثى، وقبيح أو جمیل، وسخي أو بخيل، وشقي أو سعيد، ومن يكون في النار حطباً أو في الجنان للنبيين مرافقاً .

فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلاّ الله، وما سوىٰ ذلك فعلم علّمه الله نبّيه فعلّمنيه، ودعا لي بأن يعيه صدري، وتضطمّ عليه جوارحي (2).

واتّضح بما ذكرنا أنّ قوله تعالىٰ حكاية عن نبيّه صلّی اللهُ علیه وآله (لو كنت أعلم الغيب) معناه أنّه لو كان عالماً بالغيب بذاته ولم يكن متعلّماً عن غيره لاستكثر من الخير

ص: 146


1- السماوات والأرض الغيب إلاّ الله) وأنا وجميع آبائي من الأوّلين آدم ونوح وإبراهيم و موسیٰ وغيرهم من النبيّين ومن الآخرين محمّد رسول الله وعلي بن أبي طالب والحسن والحسين وغيرهم ممّن مضىٰ من الأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين إلىٰ مبلغ أياّمي ومنتهیٰ عصري عبيد الله عزّوجلّ الحديث .
2- نهج البلاغة ص 186 رقم الكلام : 128

ولم يمسّه السوء، فإنّ الغني بالذات خیر محض ولا يمسّه سوء ونقص، فنفي علم الغيب عنه صادق على الحقيقة .

ثمّ إنّ بعض الآيات التي تدلّ علىٰ نفي علم الغيب عن غير الله مطلق يمكن تقییده بأنّه لا يعلم الغيب إلاّ الله، أو من ارتضاه من رسول، لقوله تعالىٰ (وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) (1) وقوله تعالىٰ (عالم الغيب فلا يظهر علىٰ غيبه أحداً * إلاّ من ارتضیٰ من رسول فإنّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) (2) .

الثالث: ما دلّ على انحصار العلم بخمسة أشياء بالله تعالىٰ؛ وهو قوله تعالىٰ (إنّ الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأيّ أرض تموت إنّ الله عليم خبير) (3) وقوله تعالى (يسألونك عن الساعة أيّان مرساها قل إنّما علمها عند ربّي) (4) وقوله تعالىٰ ( ويقولون متىٰ هذا الوعد إن كنتم صادقين * قل إنّما العلم عند الله) (5) .

والجواب: أنّه لو سلّم دلالة هذه الآيات على انحصار العلم بالساعة بالله تعالىٰ لكانت مخصّصة لسائر ما دلّ على أنّ غير الله تعالىٰ يعلم كلّ شيء بوحي ونحوه، لكن يمكن أن يقال: إنّ المراد من قوله تعالىٰ «ما توعدون» في آية (قل إن أدري

ص: 147


1- آل عمران : 179
2- الجن : 26_ 27
3- لقمان : 34
4- الأعراف : 187
5- النمل : 71 - 72

أقريب ما توعدون أم يجعل له ربّي أمداً* عالم الغيب فلا يظهر علىٰ غيبه أحداً *إلاّ من ارتضیٰ من رسول) (1) هو وقوع الساعة، فيكون داخلاً في قوله «عالم الغيب» إمّا لأنّ اللام فيه للجنس فيشمله، أو للعهد الذكري، ّبه، ويكون حاصل المعنىٰ: قل ما أدري أقريب أم بعيد موعد عذابكم إلاّ أن يطلعني الله على الغيب مطلقا، أو علىٰ خصوص غيب الساعة .

وأمّا الأربعة الباقية، فيمكن منع دلالة الآية على انحصار العلم بها بالله .

والآية الدالّة علىٰ أنّ الله سبحانه يظهر علىٰ غيبه من ارتضیٰ من رسول أظهر من هذه الآية، فيمكن تقييدها بأنّه لا يعلم هذه الأربعة إلاّ من ارتضىٰ الله من رسول، أو لايعلم جميعها. وما ذكرناه احتمال والعلم عند الله تعالیٰ.

الرابع: ما دلّ علىٰ عدم علم النبي صلّی اللهُ علیه وآله ببعض الاُمور، وهو قوله تعالىٰ (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) (2) وقوله تعالىٰ (قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتّبع إلاّ ما يوحىٰ إليّ) (3) وقوله تعالىٰ ( وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون) (4) وقوله تعالىٰ (والذين من بعدهم لا يعلمهم إلاّ الله) (5) .

فأمّا الجواب عن الآية الاُولىٰ، فأوّلاً: أنّه يمكن أن يكون الخطاب لغير

ص: 148


1- الجنّ: 25 - 27
2- التوبة : 101
3- الأحقاف : 9
4- الأنبياء : 109
5- إبراهيم: 9

النبي صلّی اللهُ علیه وآله كما يحتمل في صدر الآية (وممّن حولكم من الأعراب منافقون لكنّه بعيد .

وثانياً: أنّ العلم لعلّه بمعنى المعرفة؛ لأنّه قد تعدّىٰ إلىٰ مفعول واحد، أي: لا تعرفهم، ويقال عرفاً علىٰ من يعرف شيئاً ولا يرتّب الأثر عليه أنّه لا يعرفه، فالمعنىٰ لا تعرفهم، أي: لا ترتّب الأثر علىٰ معرفتك .

وثالثاً: يراد بذلك لا تعلمهم من عند نفسك، وإن كنت تعلمهم من جهة تعليم اللهتعالیٰ .

وقيل: المعنىٰ لا تعلمهم بالأمارات والحواس الظاهرية، مع فطنتك وصدق فراستك وعلمك الباطني بهم، وذلك لشدّة مهارتهم في النفاق، وتحفّظهم بإظهار الوفاق الدالّ عليه السياق بقوله « مردوا على النفاق» أي: تمهّروا وتمرّنوا.

ولعلّ النكتة في إظهار أنّه لا يعلمهم أنّه أبقىٰ للإسلام، فإنّ المنافقين لو علموا أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله والله يعلم أحوالهم لتفرّقوا عنه مخافة أن يدلّ الناس عليهم، وفي اجتماعهم حوله شوكة للإسلام ظاهراً، وفي تفرّقهم ضرر عليه بقاءً .

هذا مع أنّه لو علم عامّة الناس أنّه يعلم الغيب لتوهّموا فيه الاُلوهية، فاقتضت المصلحة الإلٰهية أن لا يظهر من النبي صلّی اللهُ علیه وآله ما يوهم خلاف بشريته إلاّ في مواطن الحاجة إلى الإعجاز .

وأمّا الجواب عن الآية الثانية، فهو أنّ المعنىٰ أنّي لا أدري ما يفعل بي لولا الوحي إليّ، ولكنّي أتّبع القرآن، ولا يحصل اتّباع القرآن إلاّ بعد الوحي به، فإذا كان عالماً بالقرآن وفيه تبيان كلّ شيء، فهو عالم بعد الوحي بكلّ شيء.

ص: 149

وأمّا الجواب عن الآية الثالثة، فهو ّعلم الساعة أي العلم بزمان وقوعها تحقيقاً لعلّه من العلم بالغيب الذي لم يظهره الله علىٰ أحد من خلقه .

وأمّا الجواب عن الآية الرابعة، فهو أنّ الحصر إضافي فيها، فإنّ الملائكة الحافظين لهم والشيطان ولعلّ بعض الجنّ كانوا يعلمونهم، هذا مع أنّه حكاية لقول موسى علیه السّلام ، كما يظهر من الآيات السابقة فلاحظ .

الخامس: ما دلّ علىٰ أنّ علمه صلّی اللهُ علیه وآله قابل للزيادة، وهو قوله تعالىٰ ( وقل ربّزدنی علماً) (1).

وهذه الآية ليست صريحاً في أنّه لم يكن يعلم ما كان، ولعلّ المراد ازدیاد علمه بالله وصفاته سبحانه وتعالىٰ، فلا تنافي بين ذلك وبين قوله تعالىٰ (تبياناً لكلّ شيءٍ) (2) لأنّ صفاته تعالىٰ لا نهاية لها، كما أنّ القرب إليه لا نهاية له، فيزداد علمه بالله، مع أنّه يعلم ما كان وما يكون من المخلوقات والحوادث(3) .

ص: 150


1- طه : 114
2- النحل: 89
3- روئ في البحار [26: 20 ح 7] عن بصائر الدرجات، بإسناده عن حمران بن أعين، قال: قلت لأبي عبدالله علیه السّلام: عندكم التوراة والإنجيل والزبور وما في الصحف الاُولىٰ صحف إبراهيم وموسىٰ؟ قال: نعم، قلت: إنّ هذا لهو العلم الأكبر، قال: يا حمران لولم يكن غير ما كان ولكن ما يحدث بالليل والنهار علمه عندنا أعظم. وروىٰ عنه بإسناده عن بکر بن کرب، قال: كنّا عند أبي عبدالله عليه السّلام فسمعناه يقول: أما والله إنّ عندنا ما لا نحتاج إلى الناس، وإنّ الناس ليحتاجون إلينا، إنّ عندنا الصحيفة سبعون ذراعاً بخطّ علي وإملاء رسول الله صلى الله عليهما وعلىٰ أولادهما، فيها من كلّ حلال وحرام، إنّكم لتأتون فتدخلون علينا، فنعرف خیارکم من شراركم. (ح 8)

ولعلّه يستفاد من قوله تعالىٰ (وقل ربّ زدني علماً) أنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله والأئمّة المعصومین علهیم السّلام في ازدياد دائم؛ لأنّ الله سبحانه جعل الزيادة في الدرجات

بالأعمال، وأنّهم عليهم السّلام لا تنقطع عنهم الزيادة بعد وفاتهم؛ لأنّ من سنّ سنّة حسنة فله أجر من عمل بها، فلا تستبعد زيادة درجاتهم بالصلاة عليهم، أو النيابة عنهم في أفعال الخير .

السادس: ما دلّ علىٰ عدم علمه صلّی اللهُ علیه وآله بالأجل المحتوم، وأنّ العلم به مخصوص بالله تعالىٰ، وهو قوله سبحانه (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده اُمّ الكتاب) وقوله تعالىٰ (قضىٰ أجلاً وأجل مسمّىً عنده) فإنّهما يدلاّن علىٰ أنّ علم المحتوم يختص بالله سبحانه، فكيف يقال إنّ النبي صلّی اللهُ علیه وآله والأئمّة المعصومين عليهم السّلام يعلمون ما كان وما یکون ؟.

والجواب: أنّ إطلاق الآية يمكن أن يفسّره قوله تعالىٰ (إلاّ من ارتضىٰ من رسول) ثمّ إنّ صریح القرآن أنّ غير الله كان يعلم الغيب بتعليم الله، فلاحظ قصّة صاحب موسیٰ علیه السّلام الذي قتل الغلام وخرق السفينة وأقام الجدار، ولاحظ إخبار عیسیٰ علیه السّلام قومه بما يدّخرون في بيوتهم.

المثانی

التاسع: المثاني، قال الله سبحانه وتعالى: (الله نزل أحسن الحدیث کتابآ

ص: 151

متشابآ مثاني تقشعر منه جلود) الآية (1)، وقال سبحانه: ( ولقد آتيناك سبعآ منالمثاني والقرآن العظيم ) (2).

والمثاني جمع مثنی، وهي تكرير الكلام المشتمل على الحكم والمواعظ، ليتقرر ويثبت في نفس الإنسان، و تکریره یوجب ارتعاد فرائص الانسان، وانقراع سمعه بكلام عظيم، ليوحشه عن هذه النشأة ويخرجه عنها، ويؤنسه إلى ذكر الله، ويلين قلبه القاسي، وهو الذي يقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلین جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.

ولا يخفى أن المثاني في الآية الأولى وصف لتمام الكتاب، ولكن في الآية الثانية يحتمل أن تكون «من» للتبعيض، أي: سبعة وهي الفاتحة، وهو بعض الكتاب الذي هو المثاني كما روي، وأن تكون للبيان، أي: سبعة هي المثاني وهي الفاتحة؛ لأنها تثنى في الركعتين. ويحتمل كلاهما من باب الاستعمال في أكثر من معنی، فلاحظ .

وإذا كان الكتاب مثاني، فالأئمة المعصومون علیهم السلام أيضا مثاني يتكرر من كل واحد منهم الحكم والمواعظ.

وأيضا كل واحد منهم عاش في زمان بين أناس وتختلف ظروفه عن الآخر، حتى يكون مثالا للدين في زمانه وأسوة يقتدى به، كما أن الأنبياء كانوا كذلك، فكان يوسف عليه السلام أسوة للعقة، وأيوب عليه السلام أسوة للصبر على البلاء، وهكذا .

ص: 152


1- الزمر : 23.
2- الحجر : 87

ثم إنه يحتمل أن تكون المثاني مأخوذة من الثناء، وعليه فكل واحد منهم يثني على الله عملا، فإنهم بأعمالهم ثناء لله و تمجيد له؛ لأن الأثر الكامل يكون ثناء عملية لذي الأثر، كما أن الكتاب المتقن المتين ثناء لصاحبه .

حبل الله

العاشر: حبل الله، قال الله سبحانه وتعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوان وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) (1) قوله تعالى (اعتصموا) أي: استمسكوا، فإن العصم هو الإمساك، والاعتصام الاستمساك.

قوله تعالى (بحبل ) لعل الحبل هو الشيء الممتد يشد به، ويوصل به شيء بقوة صوريا كان أو معنويآ.

وقد حمله بعضهم على معنى آخر، كما في مفردات الراغب، حيث قال: واستعير للوصل ولكل ما يتوصل به إلى شيء، قال الله عز وجل: (واعتصموا بحبل الله جميعآ)، فحبله هو الذي معه التوصل به إليه من القرآن والعقل، وغير ذلك مما إذا اعتصمت به أداك إلى جواره، ويقال للعهد حبل (2) إنتهى .

ص: 153


1- آل عمران : 103.
2- مفردات الراغب ص 107 ط طهران .

أقول: وعلى ما ذكره فاستعمال الحبل يكون مجاز، لكن لا يبعد أن يكون استعماله في المعنى المذكور حقيقية، لأن لكل شيء عوالم ونشآت وأنحاء من الوجود، واللفظ موضوع للدلالة عليها. مثلا قيل: الرزق لغة ما ينتفع به، والمتبادر منه عند العرف الطعام والشراب، لكن يمكن أن يقال: إن رزق كل مخلوق ما به قوام وجوده وكماله اللايق به، فالطعام رزق للبدن، والعلم رزق للروح.

ثم إنه لا ريب أن القرآن حبل الله، يجب على جميع المكلفين أن يعملوا به ويتبعوه، وهو الاعتصام به. وضد الاعتصام التفرق في الدين، وقد نهاهم الله تعالى عنه، وبين لهم أن تفرقهم كان ناشئا من عدم اعتقادهم بالدين، فإنهم حينما كانواكقارا كانوا أعداء، تنشأ عداوتهم عن تكالبهم على الدنيا وشهواتها؛ لأنهم لميعتقدوا باليوم الآخر حتى يخافوا سوء الحساب .

فكل واحد منهم يسعى إلى إشباع شهوات نفسه في هذه الدنيا، فيعادي من يزاحمه في ذلك، ولكن ببركة الدين - أي: الإيمان بالله وبالرسول وباليوم الآخر - الذي أنعم الله عليهم به قد ألف بين قلوبهم، فنهاهم الله عن التفرق في الدين، وأمرهم بالاعتصام به .

وذم الله سبحانه الذين تفرقوا في دينهم، فقال سبحانه و تعالى: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) (1) وقال سبحانه: ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعآ الست منهم في شيء ) (2) وقال سبحانه: ( ولا تكونوا من المشركين * من الذين

ص: 154


1- الشوری : 13 .
2- الأنعام: 159.

فرقوا دينهم وكانوا شيعا) (1) وقال سبحانه: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) (2) فالاعتصام بحبل الله يكون بالاعتصام بالقرآن، وهو السبيل إلى الله، وقد قال سبحانه: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بکم عن سبيله ) (3) وسبيل الله تعالی و صراطه هو الدين، كما في قوله تعالى ( قل إني هداني ربي إلى صراط مستقیم دینا قیما ) (4) والقرآن يهدي إلى الصراط المستقيم، قال سبحانه: (وقد جاءکم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقیم ) (5).

فمن تمسك بالقرآن الذي هو حبل الله وعمل به واتبعه، أنجاه من المهالك ووصله بعالم القدس، وجذب روحه إليه، وعصمه من أمواج الفتن، وهداه الصراط المستقيم.

والنبي (صلی الله علیه و اله)، والأئمة المعصومون علیهم السلام) الذين هم مرتبة من الكتاب مصادیق حبل الله (6)، قد أوجب الله الاعتصام بهم، فولاية أمير المؤمنين علي علیه السلام وأولاده

ص: 155


1- الروم : 31 - 32.
2- آل عمران : 105.
3- الأنعام : 103.
4- الأنعام : 191.
5- المائدة : 10 - 19.
6- (6) أورد العلامة المجلسي قفي البحار [26: 82) في باب انهم علیه السلام حبل الله المتين والعروة الوثقى عدة أخبار، منها: عن الأمالي بإسناده، عن أبي عبدالله علیه السلام ما في قوله ( واعتصموا بحبل الله جميعا ) نحن الحبل . ومنها: عن تفسير العياشي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: آل محمد عليهم السلام، هم حبل الله الذي أمر بالاعتصام به، فقال: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وغيرهما .

المعصومین علیه السلام هي من الدين، وعدم قبول ولايتهم يكون من التفرق في الدين،وترك العمل بالقرآن الكريم.

ولا يخفى أن مراتب الدین متفاوتة، ويجب الاعتصام بجميع مراتبه، ومنهاترتیب آثار الإسلام على مظهر الشهادتين، وإن لم يكن معتقد بولاية الأئمة المعصومین علیهم السلام من العامة غير الناصبين لهم، وهو حكم ثانوي، وإلا فالذي أمر الله سبحانه به هو الاعتصام بالقرآن، وهو يهدي إلى إمامة الأئمة الإثني عشر علیهم السلام.

ثم إن الآية الشريفة دلت على أن خلاف الاعتصام بحبل الله - أي: دينه - هو التفرق في الدين، وهذه الأمة قد تفرقت في دينها بعد النبي صلی الله علیه و اله.

ودين الحق لا يخلو: إما أن يكون في جانب علي بن أبي طالب عليه السلام وفاطمة الزهراء عليه السلام وأهل بيته علیهم السلام، وإما أن يكون في جانب مخالفيهم .

لكن لما ثبت بالآيات المادحة لعلي وأهل بيته عليهم السلام الواردة فيهم قطعا أن الحق معهم وأنهم مع الحق، علم أن من خالفهم هو الذي تفرق في دينه، وذلك ظاهر بالأدلة المتقدمة .

ويدل على ذلك أيضا أمره سبحانه وتعالى بتذكر نعمته، وسيأتي أن أظهر مصادیقها هي نعمة الولاية لعلي وأهل بيته علیهم السلام .

ص: 156

ويدل عليه أيضا الغاية المذكورة بقوله تعالى (لعلكم تهتدون) وسيأتي أن الاهتداء هو قبول الهداية التي هي هداية المتقين، وهم الذين اتبعوا الأئمة الهداة إلى الحق، والذين هم علي وأولاده المعصومون علیهم السلام .

الحکیم

الحادي عشر: الحكيم، قال الله سبحانه: ( ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ) (1) وقال سبحانه:( تلك آيات الكتاب الحكيم) (2) وقال عزوجل: ( والقرآن الحکیم) (3) وقال سبحانه: (كتاب أحكمت آیاته ثم فضلت ) (4) وقال سبحانه: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آیات محکمات هن أم الكتاب ) (5) وقال سبحانه: (كذلك أنزلناه حكما عربيا) (6) وقال سبحانه:(حكمة بالغة فما تغن النذر) (7) قال في المقاییس: حكم - الحاء والكاف والميم - أصل واحد، وهو المنع وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها ..... والحكمة هذا

ص: 157


1- آل عمران : 58.
2- يونس : 1.
3- يس : 2.
4- هود : 1.
5- آل عمران : 7.
6- الرعد: 37.
7- القمر : 5.

قياسها، لأنها تمنع من الجهل (1) وقال في الصحاح: الحكم مصدر قولك حكم بينهم يحكم، أي: قضئ وحكم له وحكم عليه، والحكم أيضا الحكمة من العلم، والحكيم العالم، وصاحب الحكمة والحكيم المتقن للأمور (2)والكتاب الحكيم المشتمل على جميع العلوم وما كان وما يكون يعطي المطالب الصحيحة المطابقة للواقع وليس فيه شيء لا حكمة فيه ، فإذا كان الكتاب حکیمآ و محکم و متقنآ، فالنبي صلی الله علیه و اله والإمام علي علیه السلام حكیمان محکمان في أفعالهما وتروكهما، فلا ينسب إليهما أمر ليس مطابقة للحكمة، فيكونان معصومین .

وإلا -أي: إن صدر عنهما فعل خطئا أو جهلا بمبدئه أو عاقبته أو لهوی نفساني لا يطابق العقل السليم أو لظلم أو بخل أو غير ذلك - فلا يكونان حکیمين على الإطلاق، وقد فرضنا أنهما واجدين للكتاب المشتمل على جميع العلوم، فهما حکیمان على الإطلاق في طول عمرهما .

ولا يبعد أن يكون مفهوم الحكم الجامع لجميع موارد استعماله هو كون الفعل الصادر متقنة ومتينة على أساس قوي وحقيقة واقعية .

فالحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، والحكيم من كان فعله أو تركه مصيبة للحق والواقع مطابقة للعقل السليم، ولا يشوبه خلاف الواقع لجهل أو لداع نفساني ونحوهما .

ص: 158


1- معجم مقاییس اللغة 2: 91.
2- صحاح اللغة

والله سبحانه حکيم، أي: أن جميع أفعاله من الخلق والرزق والرحمة والعذاب وغيرها فعلا وتركا متقن وصواب، ومطابق للواقع الذي لا يمكن أن يكون وراءه واقع أصح منه، ولا يصدر منه فعل لا يطابق الحكمة؛ لأنه: إما لجهل،أو بخل، أو خوف، أو سائر الدواعي الفاسدة، والله تعالى منه عن ذلك كله .

والفرق بينه وبين العليم أن العلم مبدأ الحكمة، والحكم بين الناس هو إتقان الأمر الذي اختلفوا فيه ، والإحكام الإتقان، وكتاب محكم، أي: متقنة المطالب قوية المفاهيم .

ثم إن الحكمة في جميع الأفعال والتروك تستدعي العلم بالمصالح العامة لجميع الناس، والعلم بالمفاسد العامة لهم، والعلم بالمصالح والمفاسد الشخصية الراجعة إلى نفسه، فهو يعلم الخير كله والشر كله .

وهذا المقام لا يصل إليه إلا من هو متصل بالوحي، أو بمن اتصل بالوحي، ولا يدعيه أحد من الأمة في حق غير علي علیه السلام وبنيه المعصومين عليهم السلام .

وفي القرآن المجيد إيماء إلى أن منصب الحكم من الله ليس بالاكتساب، ولذا قد يكون الصبي حكيمة؛ لأن الله أعطاه الحكم، قال الله سبحانه: (وآتيناه الحكم صبيا ) (1) وقال سبحانه: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) (2) فقد ظهر أن المصداق الظاهر لقوله تعالى وومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرآ

ص: 159


1- مریم : 12.
2- النساء : 105.

كثيرآ) هو النبي صلی الله علیه و اله والأئمة المعصومون عليهم السلام، فمعرفة الإمام المعصوم والاستضاءة من نوره هما من الحكمة، فمن أوتي ذلك فقد أوتي خيرا كثيرا (1).

الذکر

الثاني عشر: الذكر والذكرى والتذكرة، قال سبحانه: ( إن هو إلا ذكر وقرآن مبین) (2) وقال سبحانه: ( وإنه لذكر لك ولقومك ) (3) وقال سبحانه: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى* إلآ تذكرة لمن يخشی ) (4) وقال سبحانه: (كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به و ذكرى للمؤمنين ) (5).

قال في الصحاح: الذكر والذكرى خلاف النسيان، والذكر الصيت والثناء، والتذكرة ما يستذكر به الحاجة (6) .

وقال في المقاییس: ذكرت الشيء خلاف نسيته، ثم حمل عليه الذكر باللسان، ويقولون: اجعله منك على ذكر بالضم، أي: لا تنسه (7) إنتهئ .

ولعل المعنى الجامع هو الاستحضار في مقابل النسيان وعدم التوجه، فذكر

ص: 160


1- روى في الكافي [1: 185 ح 11] بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله علیه السلام فی قول الله عزوجل (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) فقال: طاعة الله ومعرفة الإمام .
2- يس : 69.
3- الزخرف : 4.
4- طه : 2 - 3.
5- الأعراف : 2.
6- صحاح اللغة 2: 996.
7- معجم مقاييس اللغة 2: 358.

بالقلب، وذكر باللسان، وذكر عن نسیان، وذكر بمعنى إدامة الحفظ .

والفرق بين الذكر والهداية أن الهداية هي التوجيه نحو شيء، والذكر هو استحضار الشيء. وذكر الله عبده هو لطفه ورحمته الخاصة في مقابل ترکه، وإلا فكل موجود محتاج في وجوده إليه سبحانه .

والقرآن حضور للمعارف المتعلقة بالمبدأ والمعاد وما بينهما لاشتماله عليها،فالإرتباط به تلاوة ومطالعة وغيرهما يكون موجبة للتذكر، قال سبحانه: (فذكر بالقرآن من يخاف وعید ) (1) وقال سبحانه: ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مکر) (2) والقرآن يذكر العبد بربه، و منسي نعمته وما نسي من عهده الأول، ويرفع غشاوة الغفلة والنسيان عن قلبه، ولما كان القرآن تبیانا لكل شيء لا خطأ فيه، فهو ذكر لا خطأ فيه .

والكتاب ذكر في جميع مراتبه، ومنها مرتبة وجوده العلمي ومرتبة وجوده الذي هو قلب النبي صلی الله علیه والله والإمام المعصوم علیه السلام، فهما ذکر ان معصومان لا خطأ فيهما .

وقد أطلق الذكر على الرسول في قوله تعالى (قد أنزل الله إليكم ذكرآ * رسولآ يتلو عليكم آيات الله مبینات) (3) بناء على أن يكون «رسولا» بدلا عن «

ص: 161


1- ق : 45.
2- القمر : 17 و 22.
3- الطلاق : 10- 11.

ذکرآ» واحتمل کونه مفعول ذکرآ.

ثم إن كون القرآن ذكر إما مبالغة نظير زيد عدل، أو أنه ذكر بالمعنى الفاعلي .

وقد ظهر بالبيان المذكور صحة الأخبار المفسرة للذكر والتذكرة ومايشتق منهما بالنبي صلی الله علیه و اله والإمام المعصوم عليه السلام (1)، وكذا صحة الأخبار المفسرة لمتبعى

ص: 162


1- روى الكليني قدس سره في الكافي [1: 210] بإسناده عن عبدالله بن عجلان، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) قال رسول الله صلی الله علیه و اله الذكر أنا والأئمة أهل الذكر، وقوله عزوجل و وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) قال أبو جعفر عليه السلام: نحن قومه ونحن المسؤولون. (ح 1). وروى أيضا بإسناده عن عبدالرحمن بن كثير، قال: قلت لأبي عبدالله علیه السلام (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) قال: الذكر محمد صلی الله عليه واله ونحن أهله المسؤولون، قال: قلت: قوله ( وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) قال: إيانا عني ونحن أهل الذكر ونحنالمسؤولون. (ح 2). وأيضا بإسناده عن الوشاء، قال: سألت الرضا علیه السلام، فقلت له: جعلت فداك (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )؟ فقال: نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون الحديث . وأيضا بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبدالله علیه السلام في قول الله عزوجل (وإنه لذكر لكو لقومك وسوف تسألون) فرسول الله صلی الله علیه و اله الذكر وأهل بيته علىهم السلام المسؤولون وهم أهل الذكر. (ح 3). وأيضا بإسناده عن الفضيل ، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله تبارك و تعالى ( وإنه الذكر لك ولقومك وسوف تسألون ) الذكر القرآن ونحن قومه ونحن المسؤولون. (ح 4) وغيرها من الأحاديث المذكورة في الباب . وأورد العلامة المجلسي قدس سره في البحار [23: 172] في باب أنهم علیهم السلام الذكر وأهل الذكر، وأنهم المسؤولون، وأنه فرض على شيعتهم المسألة ولم يفرض عليهم الجواب،عدة أخبار كثيرة في هذا المعنى، فمنها: ما في المناقب في قوله تعالى (فاسألوا أهل

(1)

الذكر بشيعتهم، وللمعرضين عن الذكر بمعانديهم .

تتمیم

ونذكر فيه تطبيق بعض الآيات المشتملة على كلمة الذكر .

منها: قوله تعالى (ما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) (2) تقدم أن الذكر لغة هو إحضار الواقع على ما هو عليه، وأهل الذكر من كان كلامه مطابقة للواقع، ويحصل من كلامه العلم، وهو الاعتقاد بالشيء على ما هو عليه، ويدل على اعتبار کون کلامه موجب للعلم مفهوم قوله تعالى (إن کنتم لا تعلمون ). ولأهل الذكر الواقعي الذي يحصل من قوله العلم مصادیق : منها: علماء اليهود والنصارى الذين عندهم جميع التوراة والإنجيل الصحيح لا المحترفين، أو بعضهما غير المحترف المشتمل على أوصاف الأنبياء علیهم السلام، وقدكان في زمان النبي صلی الله علیه و اله جماعة من علمائهم عرفوا صحة نبؤة نبينا بما عندهم من التوراة والإنجيل، فيمكن شمول أهل الذكر لهم.

ومن مصادیقه کل معصوم عالم بشيء، مثل نبينا صلی الله علیه واله والأئمة المعصومين علیهم السلام ، فإنهم أهل الذكر؛ لأنهم يحملون الذكر في نفوسهم الشريفة، كما يقال للعلماء أهل العلم، ويصح إطلاق الذكر عليهم أيضا، كما تقدم إطلاقه على

ص: 163


1- الذكر ) قال الباقر عليه السلام: نحن أهل الذكر . ومنها: ما عن البصائر بإسناده، عن أبي جعفر علیه السلام في قول الله (فاسألوا أهل الذكر إن کنتم لا تعلمون ) قال: رسول الله صلی الله عليه واله وأهل بيته هم أهل الذكر،وهم الأئمة. وغيرهما .
2- الأنبياء : 7.

الرسول، والأئمة المعصومون أهل رسول الله صلی الله علیه و اله ما وهو ذکر، فهم أهل الذكر .

وبما ذكر ظهر أنه ليس المراد بأهل الذكر أهل التوراة والإنجيل المحترفين؛ لأن الله تعالى لا يأمر بسؤالهم، ولا من كان محكوم بالعدالة ظاهرة، بل ولا من كان عادلا واقعة؛ لأنه يحتمل فيه الخطأ، ولا يحصل العلم من خبره، ولا المجتهد ؛ لعدم حصول العلم من إخباره عن الحلال والحرام لاحتمال خطئه .

والمراد بالمسؤول من يحصل من قوله العلم، أي: الاعتقاد بالشيء على ما هو عليه في الواقع، لأنه أوجب السؤال على من لا يعلم، والمراد به السؤال لتحصيل العلم، ولا يحصل العلم إلآ من إخبار المعصوم ونحوه.

ومنها: قوله سبحانه (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) (1) وهو إما من إضافة الذكر إلى الفاعل، أي: ذكر الله عبده يوجب اطمئنان القلب، أو من إضافته إلى المفعول، أي: ذكر العبد ربه يوجب اطمئنان القلب، ولعلهما متلازمان؛ لقوله تعالى (فاذكروني أذكركم ) (2).

ولعل المراد بذكر الله التوجه إليه، وهو لا يكون إلا إذا كان العبد مطيعة له، فمن كان عالما بالله تعالى وبصفاته، وعالم بما أحبه وبما أبغضه وبما يريده، وكان في نياته وأحواله وأعماله متوجها إلى الله تعالى ولم يحب إلا ما أحبه الله تعالى، ولم يبغض إلا ما أبغضه الله تعالى، ولم يرد إلا ما أراده، ولم يرض إلا بما يرضاه، فهو ذکر بعنوان مطلق .

ص: 164


1- الرعدت 28.
2- البقرة : 152.

والنبي صلی الله علیه و اله والأئمة المعصومون علیهم السلام الذين في صدورهم كتاب الله هم ذکر الله بقول مطلق، فهم أرباب القلوب المطمئنة، ومصادیق قوله تعالى (يا أيتها

النفس المطمئنة* ارجعي إلى ربك راضية مرضية ) ومن عرفهم واتبعهم حصل له اطمئنان القلب بقدر اتباعه لهم (1).

ومنها: قوله تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (2) والذكر في هذه الآية يحتمل أمورة:

أحدها: خصوص الرسول، نظير قوله تعالى (ذكرآ رسولا) (3) ويمكن أن يقال: إن قوله تعالى قبله (يا أيها الذي نزل عليه الذكر) (4) يبعده .

ثانيها: الذكر بجميع مراتبه حتى مرتبة وجوده العلمي التي هي صدور النبي صلی الله علیه و اله والأئمة المعصومین علیهم السلام، وحفظه في هذه المرتبة هو بقاء وجوده العيني .

ثالثها: مابين الدفتين والمقروء.

ص: 165


1- روى في البحار [23: 180 ح 54] عن تفسير القمي، قال:(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) قال: الذين آمنوا الشيعة، وذكر الله أمير المؤمنين والأئمة علیهم السلام، ثم قال: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) . وروي أيضا عن تفسير العياشي، عن خالد بن نجيح، عن جعفر بن محمد علیه السلام في قوله تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) قال: بمحمد صلی الله علیه واله تطمئن القلوب، وهو ذكر الله وحجابه.(ح 92).
2- الحجر: 9.
3- الطلاق : 10 -11 .
4- الحجر: 6.

والضمير في قوله تعالى ( وإنا له) يرجع إلى الذكر، وعن الفراء يجوز أن الهاء في «له» كناية عن النبي صلی الله علیه و اله، ولعل مراده الذي نزل عليه الذكر، وهو بعيد .

قوله تعالى (لحافظون) يحتمل وجوها .

أحدها: الحفظ إلى آخر الدهر، فلا ينسخه کتاب .

ثانيها: الحفظ عن الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير، ومثله قوله تعالى (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) (1) فالقرآن ليس كالتوراة والإنجيل، بل هو محفوظ عن كيد المشرکین .

ثالثها: حفظه في جميع مراتبه، فالمكتوب من المحو والتمزيق، والمقروء من الغلط في الإعراب ومخارج الحروف، والمحفوظ عن ظهر القلب من النسيان، ووجوده المتحقق في وعائه عن التغيير والتبديل والزيادة والنقيصة، ووجوده الخارجي الذي هو قلب النبي صلی الله عليه واله والأئمة المعصومین علیهم السلام عن الموت، فوجوده الخارجي محفوظ بإمام معصوم حي باق .

ومنها: قوله تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) (2)ونظائره من الآيات الذاتية للمكذبين بالذكر والتذكرة والذكر، والمعرضين عنها، وهذه الآيات تنطبق على المعرضين عن مرتبة وجودها العيني الذي هو صدور النبي صلی الله علیه و اله والأئمة المعصومين عليهم السلام .

ص: 166


1- فصلت : 42.
2- طه : 126.

رحمة للمؤمنین

الثالث عشر: رحمة للمؤمنين، قال عز من قائل: (هذا بصائر من ربکم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) (1) وقال: ( ونزلنا عليك الكتاب تبیانا لكل شيء وهدى ورحمه وبشرى للمسلمين ) (2) وقال: ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) (3) قال في الصحاح: الرحمة الرقة والتعطف (4).

وقال في المقاييس: أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة (5) .

وقال في القاموس: الرقة والمغفرة والتعطف کالمرحمة (6) وفي مفردات الراغب: رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم (7) .

وفي أقرب الموارد: رقة القلب و انعطاف يقتضي التفضل والإحسان والمغفرة (8) أقول: الرحمة مذكورة مع الرأفة، قال عز من قائل: و(بالمؤمنين رؤوف

ص: 167


1- الأعراف : 203.
2- النحل : 89.
3- الاسراء : 82.
4- صحاح اللغة 5: 1929.
5- معجم مقاییس اللغة 2: 698.
6- القاموس 4: 117.
7- مفردات الراغب ص 191 طهران .
8- أقرب الموارد 1: 399 .

رحیم (1). مذكورة مع المغفرة، قال سبحانه: ( غفورا رحيما) (2) فلعلها مغايرة لهما مفهومة، كما أن الرقة خلاف الغلظة، فلا يبعد أن تكون الرحمة ضد الشدة والعذاب، قال سبحانه: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) (3) وقال سبحانه:(يعذب من يشاء ويرحم من يشاء) (4) .

والرحمة هي العطف الحاصل للراحم نحو المرحوم، المنبعث عن ملاحظةحاجته وضره، المقتضي لإصلاح شأنه وجبر كسره، و تطلق على الخير الواصل إلى المرحوم، وهي قد تكون عامة، كالوجود والرزق ودفع المكاره وإعطاء المنافع وإصلاح الشأن، وقد وسعت رحمته كل شيء من مؤمن وكافر وجماد ونبات وحيوان وغيرها .

وقد تكون خاصة بطائفة، كالقرب إلى الله سبحانه وإلى نعيم الجنان، فإنها خاصة بالمؤمنين المتقين، فمن أراد أن تشمله هذه الرحمة ، فليكن منهم، وقد فاز بهذه الرحمة السعداء على تفاوت درجاتهم في السعادة، وحرم منها الأشقياء على تفاوت درجاتهم في الشقاوة .

والقرآن الكريم رحمة خاصة بالمؤمنين، فهم بتخلقهم بخلقه وعملهم بما فيه على اختلاف مراتبهم في ذلك يفوزون بالسعادات .

وأما الظالمون أنفسهم بالمعاصي والشرك برب العالمين، فإنهم بمعزل عن

ص: 168


1- التوبة : 128.
2- النساء : 99.
3- الفتح : 29.
4- العنكبوت : 21.

التخلق والعمل بما في القرآن، وأبعد عن الفوز بهذه الرحمة، وقد قال سبحانه: (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ) (1) فإذا كان الكتاب رحمة، فهو بجميع مراتبه رحمة، فالنبي صلی الله علیه و اله والأئمة المعصومون علیهم السلام مصادیق رحمة الله، وقد قال الله سبحانه في النبي صلی الله علیه و اله (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ) (2).

الروح

الرابع عشر: الروح، قال الله تبارك وتعالى: ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نور نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقیم ) (3) وقال تعالى: (يلقي الروح منأمره على من يشاء من عباده لینذر يوم التلاق) (4).

قوله تعالى (وكذلك ) أي : كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك .

قوله تعالى (أوحينا) ذكر الراغب في المفردات أن أصل الوحي الإشارة السريعة.

أقول: ومنه إلقاء أمر في ذي روح إلقاء خفية وإن لم يكن إنسانا، كما قال سبحانه: ( وأوحى ربك إلى النحل ) (5) ولعل الوحي يصدق على الإلقاء بواسطة

ص: 169


1- الأنعام : 105.
2- التوبة : 11.
3- الشوری : 52.
4- غافر: 15.
5- النحل : 17.

خفية، فالإلهام على هذا وحي، فإذا كان المراد من الروح المذكور في الآية ملكا صدق الوحي بإرساله إلى النبي؛ لأنه خفي وإلقاؤه إليه خفي أيضا.

والمراد من قوله تعالى ( إليك) هو أي: في حال كونك بشر ذا جسم عنصري، فلا ينافي ذلك مقام روحه الذي هو نور، وهو أول ما خلق الله، كما في الخبر .

قوله تعالى (روحا من أمرنا) يحتمل أمورة: أحدها: القرآن ولعله لكونه سبب لحياة الأرواح، كما أن بالروح حياة الأبدان،فالإنسان ميت معنى، وإن كان حي صورة، إلا أن يحين بالعلم، والقرآن روح یحیی به حياة باقية حقيقية، ويؤيده الضمير في قوله تعالى ( جعلناه ) أي: جعلنا الروح نورا، والنور قد أطلق على القرآن في سائر الآيات.

ويؤيده أيضا قوله (ما الكتاب) إذ يمكن أن يقال: إنه يفيد أنك لم تكن تدري الكتاب، فعلمته بعد ما أوحيناه إليك، فهو الروح الذي أوحيناه .

ثانيها: روح القدس المودع في الرسل (1)، وهو المقام الرفيع الملازم للرسالة

ص: 170


1- (1) روى الكليني قدس سره في الكافي [!: 271 ح 1] بإسناده عن جابر الجعفي، قال: قال أبو عبدالله عليه السلام : يا جابر إن الله تبارك وتعالى خلق الخلق ثلاثة أصناف، وهو قول الله عزوجل (وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة* وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة * والسابقون السابقون * أولئك المقربون) فالسابقون هم رسل الله علیهم السلام وخاصة الله من خلقه، جعل فيهم خمسة أرواح، أيدهم بروح القدس، قبه عرفوا الأشياء، وأيدهم بروح الإيمان، فبه خافوا الله عزوجل. الحديث . وروى أيضا بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن علم العالم، فقال لي: يا جابر إن في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح: روح القدس، وروح الإيمان، وروح الحياة، وروح القوة، وروح الشهوة، فبروح القدس يا جابر عرفوا ما تحت العرش إلى ما

(1)

والإمامة والعصمة، وهو نور لمن كان معه، لأنه مقام نوري لا ظلمة معه .

ثالثها: ملك أعظم من جبرئیل و میکائیل علیهم السلام (2)، ويؤيده قوله تعالى (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) (3) وقوله تعالى(يوم يقوم الروح والملائكة صقا) (4) ويمكن إرادة جميع المعاني المذكورة منكلمة الروح، وسيأتي بيانه .

قوله تعالى (ما كنت تدري ما الكتاب ) يحتمل أن يكون المراد من الكتاب الاسم الأعظم الذي يكون عند الأنبياء، (5) ولعل المراد بقول عیسی علیه السلام (آتاني الكتاب) (6) هو ذلك، فإن كان ملازما للنبوة، فالمعنى انك ما کنت تدري الاسم

ص: 171


1- تحت الثرى، ثم قال: يا جابر إن هذه الأربعة يصيبها الحدثان، إلا روح القدس فإنها لا تلهو ولا تلعب. (ح 2) ونحوه . وروى أيضا بإسناده عن أسباط بن سالم، قال: سأله رجل من أهل هيت وأنا حاضر عن قول الله عزوجل ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) فقال: منذ أنزل الله عزوجل ذلك الروح على محمد صلی الله علیه و اله ما صعد إلى السماء وإنه لفينا (1: 273ح 2).
2- روى الكليني قدس سره في الكافي [1: 273 ح 3]بإسناده عن أبي بصير، قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن قول الله عزوجل (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) قال: خلق أعظم من جبرئیل و میکائیل، كان مع رسول الله صلی الله علیه واله و هو مع الأئمة وهو من الملكوت. ونحوه (ح 4) وأورد العلامة المجلسي مرحمه الله في البحار (25: 47) في باب الأرواح التي فيهم وأنهم مؤيدون بروح القدس، أخبار كثيرة، فراجع
3- (2) المعارج : 4.
4- النبأ : 38 .
5- راجع : أصول الكافي 1: 293 ح 3.
6- مریم : 30.

الأعظم قبل أن يوحى إليك وقبل نبوتك .

ويحتمل أن يكون المراد به الكتاب الذي أنزل إليك، والمعنى أنك لم تكن تدري ما الكتاب بالتفصيل حتى نزل عليك به جبرئيل. ويحتمل أن يراد ما کنت تعلمت الكتابة .

قوله تعالى (ولا الإيمان) أي: المرتبة الكاملة منه الملازمة للنبوة والإمامة لا أصل الإيمان؛ كيف لا وقد كان مؤمنا قبل نزول الوحي، ومعصومة لم يشرك بالله طرفة عين بالضرورة، فيتعين أن يكون المراد به ما ذكر، وهو الذي يدل عليه بعض الأخبار (1).

قوله تعالى (من نشاء ) المراد به الناس إن أريد من الروح القرآن، وإن فسر الروح بأحد المعنيين الأخيرين كان المراد به الرسل والأئمة المعصومین علیهم السلام.

ويمكن أن يقال: إن معنى قوله تعالى (وكذلك أوحينا إليك روحا) كقوله تعالى (يلقي الروح من أمره) (2) الآية، هو إعطاؤه العقل الكامل الذي هو روح القدس، وهو خلق من الملكوت أعظم من جبرئیل و میکائیل علیهما السلام ، كما في الخبر،

ص: 172


1- روئ في الكافي [1: 293ح 2] بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر علیه السلام قال: سمعته يقول: لما أن قضى محمد نبوته، واستكمل أيامه، أوحى الله تعالى إليه: أن یا محمد قد قضيت نبتك، واستكملت أيامك، فاجعل العلم الذي عندك والايمان والاسم الأكبر و میراث العلم و آثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي بن أبي طالب، فإني لن أقطع العلم والإيمان والاسم الأكبر و میراث العلم و آثار علم النبوة من العقب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء .
2- (2) غافر: 15.

ولعله لتجرده عن المادة العنصرية، وهو الوجود العيني للكتاب، ما كنت تعلم من قبل وجودك البشري ذلك العلم، ولا الإيمان الكامل الذي يحصل بعد العلم؛ لأنه كلما كثر العلم ازداد الإيمان، فهو نظير قوله تعالى ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى الی) (1) والنبي صلی الله علیه واله، له وجود بشري مثل سائر البشر، وإن كان يمتاز عنهم، والفرق بينه وبين غيره إنما هو في الروح الموجود معه الذي جعله الله نورا يهدي به من يشاء .

الشفا

الخامس عشر: شفاء لما في الصدور، قال الله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) (2) وقوله تعالى (قد جاءكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور) (3) وقوله تعالى (قل هو للذينآمنوا هدى وشفاء) (4).

فإنه يشفي الأمراض الباطنية الروحية من الجهل والكفر والأخلاق الذميمة والعادات السيئة التي تؤدي إلى موت روحاني، فترتفع ببركته، ويستدل به لرفع الشكوك والشبهات؛ لأنه تبيان لما خفي من العلوم والمدركات الباطنية، ويهدي إلى الطريق الموصل إلى المطلوب من نعم الآخرة والأولى ومصالحهما، ويرتفع ببركته الغشاوة عن البصيرة الباطنية، فيصير الإنسان بصيرة بعد ما كان أعمى .

ص: 173


1- الكهف : 110.
2- الإسراء : 82.
3- يونس : 57.
4- فصلت : 44.

كما يشفي الأمراض الجسمانية، وقد وردت الأخبار بالاستشفاء به عموماوبخصوص بعض الآيات لبعض الأمراض.

ثم إنه شفاء لمن استنصحه. وأما من نظر فيه بأهوائه، فلا يزيده إلآ ضلالة وخسارة، كنظر مخالفي الشيعة فيه، واستدلالهم به على عدالة جميع الصحابة، فإنهم لما عدلوا عن وصي النبي صلی الله علیه و اله وخليفته الذي نص الله على لسان رسوله أنه علي بن أبي طالب علیه السلام ، فقد تعدوا حدود الله، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون، فلا تستبعد عدم هدايتهم بالقرآن، مع أنهم يقرءونه بأحسن صوت .

ولهم تفاسير قد أتعبوا فيها نفوسهم في تفسير كلماته وإعرابه ومعانيه، لكنهم لم يصلوا إلى هداية القرآن، فإنه يهدي للتي هي أقوم، وهي ولاية علي علي علیه السلام وأولاده المعصومین علیه السلام .

فإذا كان الكتاب بجميع مراتبه شفاء، فالنبي صلی الله علیه و اله والأئمة المعصومون علیهم السلام يشفون جميع الأمراض الروحية والجسمية. وقد كان عيسى علیه السلام يبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، ونبينا صلی الله علیه و اله أفضل منه وهو وارث الأنبياء، كما في الأخبار (1).

ص: 174


1- روى الكليني قدس سره، في الكافي [1: 470 ح 3] بإسناده عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ، فقلت له: رسول الله، صلی الله علیه و اله، وارث الأنبياء علم كل ما علموا؟ قال لي:نعم، قلت: فأنتم تقدرون على أن تحيوا الموتی وتبرؤا الأكمه والأبرص؟ قال: نعم بإذن الله، ثم قال لي: ادن مني يا أبا محمد، فدنوت منه، فمسح على وجهي وعلى عيني، فأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شيء في البلد، ثم قال لي: أتحب أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة أو تعود كما كنت ولك الجنة

(1)

ثم إن هذا يقتضي عموم العلم والعصمة؛ لأن شفاء الأمراض الروحية إنما يكون بعد الإحاطة بجميعها والعلم بعلاجها، فلابد أن يكون الشافي عالما بجميع ما يوجب البعد والهوان، وعالمة بجميع ما يوجب القرب إلى الله ليشفيه من مرض الروح، وهو البعد والهوان، ويجعله من المقربين من دون خطأ فيه، لأن المخطىء جاهل، وربما زاد مرضاً على مرض.

تنبیه

لا يجوز أن يتطرق إلى وهم أحد أن الاستشفاء بالقرآن الكريم والنبي والإمام علیهما السلام، شرك؛ لأن الشرك هو استناد ما يقع إلى غير الله سبحانه.

وأما الاستناد إليه بواسطة الأسباب، فليس بشرك ألبتة، بل قيل: أبي الله أن يجري الأمور إلا بأسبابها، فكما أن شرب الدواء نافع للمريض؛ لأن الله قد جعل فيه هذه الخاصية، كذلك القرآن الكريم ألفاظه ونقوشه شفاء للأمراض، كما أن الاتصال بالنبي صلی الله علیه و اله، والإمام علیه السلام، كذلك .

والأخبار(2) بالاستشفاء بهما كثيرة، هذا مع أنهما ربما يسألان الله شفاء الأمراض .

ص: 175


1- خالصاً؟ قلت: أعود كما كنت، فمسح على عيني فعدت كما كنت، قال: فحدثت ابن أبي عمير بهذا، فقال : أشهد أن هذا حق، كما أن النهار حق. روي في البحار [29: 227 ح 2] عن المحاسن، بإسناده عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنین علیه السلام: ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب، وحبنا رضا الرب تبارك وتعالى .
2- روي في البحار [29: 227 ح 2] عن المحاسن، بإسناده عن أبي عبدالله علي، قال: قال أمير المؤمنین علا: ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب، وحبنا رضا الرب تبارك وتعالى .

الصدق و الحق

السادس عشر: الصدق والحق، قال الله سبحانه: ( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق)( (1) وقال سبحانه وتعالى: (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا ) (2) وقال سبحانه: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه ) (3).

وإذا كان الكتاب صدقة، فجميع مراتبه صدق، فالنبي صلی الله علیه و اله والأئمة المعصومون علیهم السلام صادقون؛ لاتحادهم مع الكتاب، فهم مصادیق قوله سبحانه ( یا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقین) (4) وإطلاق الكون مع الصادقین في جميع أفعالهم وأقوالهم يقتضي إمامتهم وعصمتهم .

وتوضيحه: أن قوله سبحانه ( يا أيها الذين خطاب إلى جميع المؤمنين في جميع الأزمنة. وقوله سبحانه (كونوا مع) ليس المراد من المعية المأمور بها المعية في المكان أو الصقع، بل مناسبة المقام تقتضي أن يكون المراد المعية معهم فيالصدق في جميع مصادیقه، من الصدق في النيات والملكات والحالات والأقوال والأفعال .

قوله سبحانه (الصادقين ) قد ذكر في المقاييس أن «ص د ق» يدل على قوة في الشيء قولا وغيره، من ذلك الصدق خلاف الكذب، ستي لقوته في نفسه،

ص: 176


1- فاطر : 31.
2- آل عمران : 95.
3- الزمر : 32.
4- التوبة : 119

ولأن الكذب لا قوة له هو باطل، وأصل هذا من قولهم «شيء صدق» أي: صلب ورمح صدق، ويقال: صدقوهم القتال، وفي خلاف ذلك كذبوهم(1) إنتهى .

وقال الراغب في المفردات: وقد يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق ويحصل في الاعتقاد، نحو صدق ظني وكذب، ويستعملان في أفعال الجوارح،قال تعالى: ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) (2) أي: حققوا العهد بما أظهروه من أفعالهم. وقوله تعالى (ليسأل الصادقين عن صدقهم) (3) أي: يسأل من صدق بلسانه عن صدق فعله، وقوله تعالى (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق) (4) فهذا صدق بالفعل، أي: حقق رؤيته.

وعلى ذلك قوله ( والذي جاء بالصدق وصدق به ) (5) أي: حقق ما أورده قولآ بما تحراه فعلا، ويعبر عن كل فعل فاضل ظاهرا وباطنا بالصدق، فيضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به، نحو قوله (في مقعد صدق عند مليك مقتدر)(6) وعلى هذا أن لهم قدم صدق عند ربهم، وقوله (أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ) (7) إلى آخر ما ذكره (8)

ص: 177


1- معجم مقاییس اللغة 3: 339.
2- الأحزاب : 23 .
3- الأحزاب : 8.
4- الفتح : 27 .
5- الزمر : 33.
6- القمر : 55.
7- الاسرا: 80.
8- مفردات الراغب ص 285.

ويمكن أن يقال: إن الكون مع الصادق واقع لا يتحقق إلا إذا علم كونه صادقا والعلم بكونه صادقة في أقواله وأعماله وأفعاله لا يحصل إلا إذا كان معصومآ: لأن خبر غير المعصوم وفعله وعمله يحتمل فيه الخطأ، ومن احتمل فيه ذلك لا يعلم کونه صادقا.

ولبعض العامة شبهات في معنى الآية لا بأس بذكر بعضها والجواب عنها : منها : أن المراد کونوا معهم في الصدق وتوابعه، فاصدقوا كما يصدق الصادقون ولا تكونوا كاذبین .

والجواب: أنه لو قال اصدقوا مع الصادقین، كما قال في موضع آخر:اركعوا مع الراكعين، لما كان دل إلا على أن المطلوب أن يصدقوا كما يصدق الصادقون. لكنه قال كونوا مع الصادقين، ومعناه طلب الكون معهم مطلقا بدون الاختصاص بالكون معهم في الصدق، وهو يقتضي الكون معهم في جميع الأحوال بالمتابعة لهم، وهذا هو معنى الإمامة .

ومنها: أن الأمر بالكون مع الصادقین نظير قوله سبحانه (وأشهدوا ذوي عدل منكم ) (1) ولم يقل من علم أنهم ذوو عدل منكم، ونحن علينا الاجتهاد بحسب الإمكان في معرفة الصدق والعدالة .

والجواب: أن الألفاظ موضوعة لمعانيها الواقعية، والعادل من يكون عادلآ واقعآ، والصادق من يكون صادقة واقعة، ولو ستم وجود دليل على كفاية الاجتهاد

ص: 178


1- الطلاق : 2

بحسب الإمكان في معرفة العادل، فلا دليل عليها في معرفة الصادق الذي يجب الكون معه .

ثم إن النبي صلی الله علیه واله والأئمة المعصومین علیهم السلام مصاديق للصدق المذكور في آيات أخر، وهي : الأولى: قوله تعالى (ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين و آتی المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتي الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) (1).

فإن النبي صلی الله علیه واله والأئمة المعصومين عليهم السلام أتم مصاديقه، ولا يعلم موف بجميع عهوده وملتزم بجميع ما ذكر في الآية غير المعصوم ومن يتلوه مرتبة .

الثانية: قوله سبحانه (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله علیه ) (2) فإنهم أكمل من صدقوا وحققوا ما عاهدوا الله عليه .

الثالثة: قوله سبحانه ( والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون* لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين * ليكقر الله عنهم أسوء الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون) (3) .

ص: 179


1- البقرة : 177.
2- الأحزاب : 23 .
3- الزمر : 33 - 35.

فإن ظاهر قوله تعالى (وصدق) أن المصدق هو الذي جاء بالصدق، فمن حقق ما أورده قو بما تحراه فعلا فهو مصداق للآية، لكن مصادیقه التامة هم النبي صلی الله علیه واله والأئمة المعصومون عليهم السلام، فإنهم جاؤوا بالصدق وحققوه عملآ"، ومن مصاديق الصدق القرآن، فمن قرأ القرآن فقد جاء بالصدق قوة، فإن عمل بجميع ما فيه فقد صدق به وحققه فعلا.

وفي بعض الأخبار أن الذي جاء بالصدق النبي صلی الله علیه و اله والذي صدق به علي أمير المؤمنین علیه السلام .

ولعل المراد بالموصول الجنس الشامل للرسول صلی الله علیه و اله و أمير المؤمنين علي عليه السلام ، وإنما خص الرسول بالجزء الأول من الصلة لكونه فيه أظهر وأقوى، وكذا خص

الجزء الثاني بأمير المؤمنین علیه السلام؛ لأنه فيه أحوج إلى البيان .

وأما قوله (ليكقر الله) به على ما ذكرنا من أن صدر الآية عام للجميع، فالتكفير يكون عن الذين عملوا السوء، وأما على الاختصاص بعلي عليه السلام، على ما روي، فقد يقال: بأن المراد أسواؤه عند قومه، فإن الله سبحانه يكرها، أي: يغطيها عندهم بنصره على الكافرين وإحسانه إليهم، وإظهار شرفه وفضله، ولذا قال في الآية التي بعدها (أليس الله بكاف عبده ) (1).

ثم إذا صح كون النبي صلی الله علیه و اله، والإمام المعصوم علیه السلام، كتابآ، فالتصديق بهما هو اتباعهما، فمن لم يتبعهما لم يصدق بهما، بل يكون مصداقا لقوله سبحانه (فمن

ص: 180


1- الزمر: 36.

أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه)(1).

الرابعة: قوله سبحانه (والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ) (2).

وعموم قوله تعالى (والذين آمنوا) شامل لجميع من آمن بالله والرسول وإن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، بل وإن لم يعمل الصالحات، إذا كان مؤمنا بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله، ومنه ولاية الأئمة المعصومین علیهم السلام ، لكن وصفهم بأنهم الصديقون ربما يقتضي التقييد ببعض المؤمنين .

وأما قوله تعالى (الصديقون) فقد قال الراغب في المفردات: والصديق من كثر منه الصدق، وقيل: بل يقال لمن لا يكذب قط، وقيل: بل لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق، وقيل: بل لمن صدق بقوله و اعتقاده وحقق صدقه بفعله قال: ( واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقة نبيا) (3)وقال: (وأمه صديقه) (4) وقال:(من النبيين والصديقين والشهداء ) (5) فالصديقون هم قوم دوين الأنبياء في الفضيلة على ما بنت في الذريعة إلى مكارم الشريعة (6) إنتهى .

أقول: الصديق مبالغة في الصدق، ولا يحصل بمجرد الإيمان بالله والرسل، بل

ص: 181


1- الزمر : 32.
2- الحدید: 19.
3- مریم: 41.
4- المائدة: 75.
5- النساء: 69.
6- مفردات الراغب ص 285.

يتوقف حصوله على كونه كثير الصدق، فهو مخصوص ببعض المؤمنين، ولعل قوله سبحانه و تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين )(1) يدل على أن الصديقين طائفة خاصة.

الخامسة: قوله سبحانه حكاية عن إبراهيم علیه السلام، (واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) (2) قوله سبحانه (لسان صدق) لعله أراد به شخصا ذا لسان صدق؛ لأنه سأله فيالآخرين، وهو زمان لا يكون إبراهيم عليه السلام، موجودآ فيه، فلا معنى لأن يسأل أن يجعل لسانه لسان صدق، فإذا أريد الشخص تعین کونه صادقة من أول عمره إلى آخره - وهو منحصر في المعصومين علیهم السلام، من أول عمرهم إلى آخره، کالنبي صلی الله عليه و اله والأئمة المعصومین علیهم السلام - لأن إرادة شخص ذي لسان صدق في بعض الأحواللا يحتاج إلى الدعاء، فإن لكل شخص لسان صدق في بعض الأحوال، ولا يوجدمن يكذب من أول عمره إلى آخره.

ثم إنه قد تبين من هذه الآيات أن الصادقين هم المعصو مون، فإن الصدق في قراءة سورة الحمد في كل يوم عشر مرات في قوله ( إياك نعبد وإياك نستعين) لايتيسر إلا للمعصوم ومن يتلوه کما مر.

قال في البحار أقول: الصادق هو من لا يكذب في قوله ولا فعله، والصدق في

ص: 182


1- النساء: 19.
2- الشعراء : 84.

قراءة سورة الحمد يوجب العصمة؛ لأنه يقول كل يوم عشر مرات أو أكثر ( إياك نعبد) وقد سمى الله طاعة الشيطان عبادة في مواضع، وكل معصية طاعة للشيطان.

وقس على ذلك قوله (إياك نستعين) وسائر ما يقول الإنسان ويدعيه من الإيمان بالله واليوم الآخر، وحب الله تعالى والإخلاص له والتوكل عليه و غير ذلك، وأخبار الخاصة والعامة مشحونة بذلك، فظهر أن الصادق حقيقة هو المعصوم (1) إنتهی .

الصراط المستقیم

السابع عشر: الصراط المستقيم، قال سبحانه: (وهذا صراطي مستقيمآ فاتبعو) (2) ولعل المراد به القرآن، ويؤيده قوله تعالى (إنما تنذر من اتبع الذكر) (3) وقوله سبحانه (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه) (4) و قوله سبحانه (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربکم ) (5) لاتحاد الأمر باتباع الصراط واتباع الذكر، واتباع النور الذي أنزل مع النبي صلی الله علیه واله واتباع ما أنزل إليه صلی الله علیه واله.

والصراط في قوله تعالى (صراطي) الجادة كما قيل؛ لأنه يسترط السابلة، أي: يبتلع أبناء السبيل على اختلافهم، وقيل: لأنهم يسترطون الطريق .

ص: 183


1- بحار الأنوار 35: 428
2- الأنعام : 152.
3- يس : 11.
4- الأعراف : 157.
5- الأعراف : 3.

ثم إن الصراط - أي: الطريق - يكون في كل شيء بحسبه، فطريق تحصیل الغني التجارة، وطريق تحصيل الصحة للمريض شرب الدواء .

والصراط إلى الله، وإلى رضوانه وكرامته، وإلى مقام أوليائه عنده، وإلى إفاضاته المعنوية والبركات الباطنية، وإلى ثوابه ونعمته في البرزخ والقيامة الكبرى والخلود في الجنان، هو الدين أصولا وفروع، قال سبحانه وتعالى: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقیم دینا قيما) (1).

والقرآن هو الدين، والواجدون له أصوط وفروعا وأخلاق وأعمالا اجتماعية وفردية، هم وجود الدين في الخارج، وهم النبي صلی الله علیه و اله ، وأميرالمؤمنين وأولاده المعصومون علیهم السلام (2).

لأنهم في كل مقام منه قد استجمعوا جميع أنحائه، ففي مقام معرفة الله سبحانه وصفاته ومراتب الإيمان هم كل المعرفة والإيمان، وفي مقام كل صفة حسنة من العقل وجنوده هم الكاملون فيه، وفي مقام العمل هم الذين يطابق عملهم ما هو

ص: 184


1- الأنعام : 191.
2- روى الكليني قدس سره، في الكافي [1: 417 ح 24] بإسناده عن أبي جعفر علیه السلام، قال: أوحى الله إلى نبيه صلی الله علیه و اله،( فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقیم) قال: إنك على ولاية علي، وعلي هو الصراط المستقیم. وبإسناده أيضا عن عبدالرحمن بن کثیر، عن أبي عبدالله عليه السلام، في قوله تعالى ( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد) قال: ذاك حمزة وجعفر وعبيدة وسلمان وأبوذر والمقداد بن الأسود وعمار هدوا إلى أمير المؤمنين علیه السلام.الحديث (ح 71). وأورد العلامة المجلسين قدس سره، في البحار [26: 9] في باب أنهم علیهم السلام، لا السبيل والصراط وشيعتهم المستقيمون عليها، أخبارا كثيرة في هذا المعنى، فراجع.

المطلوب في الدين، بحيث لا يخرج شيء من صفاتهم وعملهم عن الدين، بل كل ما كان زائدة على ما وجد فيهم، فهو الخارج عن الدين وليس جزء منه .

وليس للدين شأن خارج عن شؤونهم، فهم أرباب الدین بقول مطلق،ومعرفتهم كذلك معرفة الدين، ومعرفة الدين معرفة الصراط المستقيم، والاقتداء بهم هو العمل بالدين، وهو عبادته تعالى كما يستحقه، قال سبحانه: ( إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقیم) (1) وقال: ( وإنه لعلم للساعة فلا تمترين بها واتبعون هذا صراط مستقیم )(2).

وحاصل الكلام: أن الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه إلى السعادات هو الدين، والدین لو كان قالب ح يا وجسمة مرئية، لكان النبي صلی الله علیه و اله، والأئمة المعصومين عليهم السلام ، فهم الصراط المستقیم و سبيل الله، وصراط العزيز الحميد .

ويصح أن يقال: إنهم على صراط مستقيم؛ لأن أجسامهم تتحمل الدين، فهم على الدين القيم الذي لا عوج فيه، كما مر نظيره في الذكر من أنهم ذكر وأهل الذكر.

ومن عرفهم كذلك فقد عرف الدين، فإن اقتدى بهم وتبعهم، فقد سلك الصراط المستقيم، وإن خالفهم وعاندهم، فقد تنكب عن الصراط المستقیم .

العزیز

الثامن عشر: العزيز، قال الله سبحانه: ( إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم

ص: 185


1- آل عمران : 51.
2- الزخرف: 61.

وإنه لكتاب عزیز) (1).

قال في المقاييس: «ع ز زه يدل على شدة وقوة وما ضاهاهما من غلبة وقهر .

قال الخليل: العزة لله جل ثناؤه وهو العزيز، ويقال عز الشيء حتى يكاد لا يوجد.

قال بعد حکايته عن الخليل: الأحسن أن يقال لا يكاد يقدر عليه (2) إنتهى .

يعني: لندرته لا تصل إليه الأيدي، فالعزة لله تعالى، والقرآن عزيز لا يوجد مثله، غالب قاهر في علومه و معارفه وحججه، دافع للشكوك والأباطيل .

فالنبي صلی الله علیه و اله،والأئمة المعصومون علیهم السلام، الواجدون للكتاب أعزاء لا عزيز أعز منهم، ومن اتصل بالقرآن بجميع مراتبه، وانقطع إليه وتخلق به، غلب ودفع كل آفة

وسوء في الدارين، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين الذين آمنوا حقيقة وعملوا بمقتضى إيمانهم .

العظیم

التاسع عشر : العظیم ،قال الله تعالیٰ (ولقد آتیناك سبعاً من المثاني والقرآن العظیم) (3) .

قال في المقاییس: «ع ظ م» یدلّ علیٰ کبر وقوّة، فالعظم مصدر الشيء العظیم (4) إنتهیٰ .

وقال الخلیل في العین: یقال عظّمه تعظیماً أي کبّره، . سمعت خبراً فأعظمته

ص: 186


1- فصلت : 41.
2- معجم مقاييس اللغة : 38.
3- الحجر : 87
4- معجم مقاییس اللغة 4 : 355

أی: عظم في عیني، إلیٰ أن قال: والعظمة من التعظیم والزهو والنحو إنتهیٰ .

والقرآن عظیم یکبر علیٰ ما سواه، ومن کات صدره الکتاب قهو عظیم، لیس في المخلوقین من هو أکبر منه، ومن اتّصل به یجبر هونه وذلّه في الدنیا والآخرة .

الفرقان

العشرون: الفرقان، قال الله تعالى: ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ) (1).

والقرآن فرقان يفرق للعالمين بين الحق والباطل في ظلمة هذه الدار التي هي مزرعة الآخرة، ويلتبس فيها الحق بالباطل على كثير من الناس؛ للجهل بمصالحهم، وللعصبية الباطلة، والتقاليد الزائفة، والعادات السيئة .

وقد بين القرآن ما يوجب سعادة الناس فحتهم عليه، وما يوجب شقاوتهم فحذرهم عنه، وبين الأصول الاعتقادية والفروع العملية، وبين من يستحق الإمامة ومن لا يستحق، وذكر قصص الأنبياء وأمهم وما جرى عليهم في مخالفتهمالأنبيائهم.

ولكونه فرقان كذلك أمرنا بعرض الأخبار التي لا طريق إلى إثبات حجيتها وصدورها عن المعصومين عليهم السلام، علیه، و الأخذ بما وافقه وترك ما خالفه، وفرقانيته كذلك عامة للعالمين .

ولعل له فرقانية خاصة تحصل للمتقين بسبب اتباعهم له، فيحصل لهم بالسير

ص: 187


1- الفرقان : 1.

العملي والسلوك الخارجي حالة يفرقون بها بين الحق والباطل، ولعله المراد بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانآ) (1) .

وإذا كان القرآن فرقان فالنبي صلی الله علیه و اله، والإمام المعصوم علیه السلام، اللذان في صدورهما القرآن فرقانان يفترقان بين الحق والباطل بأقوالهما وأفعالهما وأحوالهما،

و سيرهما العملي في العبادات والمعاملات والاجتماعيات، بحيث يكون التعدي عن ذلك موجبة للسقوط إلى أحد طرفي التفريط أو الافراط المذمومين، بل إن فرقانية القرآن محتاجة إلى بيانهم.

ثم إن القرآن فرقان واقعي لجميع ما يحتاج إليه العباد معصوم عن الخطأ، فيكون النبي صلی الله علیه و اله، والإمام علیه السلام، فرقانین (2) لجميع ما يحتاج إليه العباد، معصومینعن الخطأ، لأن المخطيء يزعم أنه فرق بين الحق والباطل، مع أنه لم يفرق لأنه جاهل .

وليس المراد بالفرقان تفرق آیاته في النزول كما هو ظاهر، وإن كان قد فرقتآیا ته ولم ينزل دفعة واحدة ليتهيأ الناس لتلقيه، كما قال تعالى (وقرآنا فرقناه التقرأه على الناس على مكث ونلناه تنزيلا) (3).

ص: 188


1- الأنفال : 29.
2- روى الكليني قدس سره، في الكافي [1: 199ح 1 بإسناده عن أبي عبدالله علیه السلام، فی حدیث قال: وكان أميرالمؤمنين علیه السلام، كثيرا ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا الفاروق الأعظم، وأنا صاحب العصا والميسم. الحديث. ونحوه (ح 2) و (3) .
3- الإسراء : 106

القول الفصل

الحادي والعشرون: القول الفصل، قال الله تعالى: ( إنه لقول فصل * وما هو بالهزل) (1). الفصل لغة كما في المقاییس: يدل على تمييز الشيء وإيانته عنه،يقال: فصلت الشيء فصلا والفيصل الحاكم إلى آخر کلامه (2) .

والقول الفصل مضمون الكلام الذي ينتهي إليه في الصحة والموافقة للواقع،ويفصل به الحق عن الباطل من كل شيء، والنبي صلی الله علیه و اله، و الإمام المعصوم علیه السلام،

يفصلان بين الحق والباطل؛ لكونهما مرتبة الوجود العيني للكتاب . والفاصل بين الحق والباطل لابد أن يكون عالما بهما، والعلم بهما يقتضي عدم الخطأ، فإن المخطيء جاهل، فلا يكون فاصلا بينهما إلا إذا كان معصوماً.

القیم

الثاني والعشرون: القيم، قال الله سبحانه: ( ولم يجعل له عوجا قيمة لينذر بأسآ شديدة من لدنه) (3) وقال سبحانه: ( رسول من الله يتلو صحفة مطهرة * فيها كتب قيمة ) (4) .

والكتاب القيم الذي لا عوج فيه يقام به ويعدل به جميع الأمور التي ترد على الإنسان من داخل وخارج، لكن بشرط أن يعرف الانسان كيفية عرضها على الكتاب؛ لأنها متوقفة على فهمه، ولذا ورد عرض الأخبار عليه والأخذ بما وافقه

ص: 189


1- الطارق : 13 – 14.
2- معجم مقاییس اللغة 4: 505.
3- الكهف : 2.
4- البينة : 2 - 3

وطرح ما خالفه .

وإذا كان الكتاب في صدر النبي صلی الله علیه و اله، والإمام المعصوم عليهم السلام،، فهما قيمان يقام بهما ويعدل بهما جميع الأشياء، فالحق ما رضياه، والباطل ما رداه، فكل نية أو خاطر أو حال أو عمل أو علم أو شيء من الأشياء وافق رضاهما فهو الحق، وما خالفه فهو الباطل .

الکریم

الثالث والعشرون: الكريم، قال الله سبحانه: ( إنه لقرآن کریم * في كتاب مکنون ) (1).

وكرم في اللغة كما في المقاييس: شرف في الشيء في نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق، إلى أن قال: وكرم السحاب أتى بالغيث، وأرض مكرمة للنبات إذاكانت جيدة النبات، والكرم في الخلق يقال هو الصفح عن ذنبالمذنب (2) إنتهى .

ولا يبعد أن يكون مقتضى شرافة الشيء ونفاسته في كل شيء بحسبه، فإذا أعطى الكريم كان عطاؤه جيدا على قدر کرمه، والعطاء الجيد أن يكون مالأ حسنآ أو كثيرآ.

وهكذا القرآن کریم يكرم عليك بما تحتاج إليه، ويدر عليك الأرزاق المادية والمعنوية، ويعطيك المواهب الجسمانية والروحانية، وهو كريم على الله سبحانه .

وإذا كان القرآن في صدر النبي صلی الله علیه واله و الإمام المعصوم علیه السلام، لا فهما کریمان

ص: 190


1- الواقعة : 77 - 78.
2- معجم مقاییس اللغة ه: 172.

يكرمان على من سواهم، فبوجودهما أقام الله الأرض والسماء وما فيهما، وهما کریمان على الله تعالى .

الکلمة

الرابع والعشرون: الكلمة، قال الله سبحانه: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدآ) (1).

ولعل معنى الكلمة هو كل ما يدل على معنی، سواء كان صوتا أو إخطارا في النفس، كما يخطر المريض الذي لا يقدر على التكلم في ذهنه قراءة الحمد مثلا فإن هذا الاخطار كلام له معنى، أو كما يفعل الأخرس فعلا قائم مقام اللفظ کالاشارة، فإنه يتحقق التكلم بها، والكتابة، كما يشهد بذلك أنهم إذا حكوا في كتبهم كلاما عن غيرهم يقولون بعد انتهائه: إنه كلمته أو كلامه .

ولعل للكلمة وجودات أخرى بحسب العوالم. ولا يعتبر کون الكلام صادرآ من مقطع الفم، كما قال سبحانه: ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم )(2).

وليس مطلق الدلالة على الشيء كلاما أو كلمة، مثلا الدخان يدل على وجود النار ولا يقال له كلمة .

وكتاب الله كلماته التي لا مبدل لها، ووجوده العيني قلب النبي صلی الله علیه و اله، والإمام المعصوم علیه السلام .(3)

ص: 191


1- الكهف : 27.
2- يس : 65.
3- عنون العلامة المجلسي قدس سره، في البحار (26: 173) أنهم عليهم السلام،كلمات الله و ولايتهم الكلم الطيب، وأورد فيه أخبار كثيرة موافقة لما بيناه من أن القرآن كلمات الله، ووجوده

(1)

ثم إن كثرة الكلمات تابعة لكثرة المعاني، ولما كانت صفاتهم من العلم والكرم والزهد والتقوى كثيرة، فالكلمات الدالة عليها كثيرة، كما أنه لا نهاية لصفات الله تعالى الجمالية والجلالية، ولا يحيط بها إلا هو، ولذا كانت الكلمات الدالة عليها لا نهاية لها، كما قال تبارك وتعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله ) (2) وليس ذلك مبالغة، بل هو إخبارمن الله تعالى عن حقيقة .

ولا بأس في التعرض لبعض الآيات المشتملة على الكلمة : فمنها: قوله تعالى (إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسیح عیسی بن مریم )(3) قوله سبحانه (بكلمة منه) ؛ أي: من الله تعالى، كما في قوله تعالى ( إنما المسيح عیسی بن مریم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم) (4) وكون عیسئ علیه السلام،كلمة يحتمل وجوهآ : أحدها: أنه كلمة من حيث دلالته على معنى، وهو قدرة الله تعالى على إيجاد بشر من أم بلا أب .

وإنما أطلق عليه الكلمة مع أن كل مخلوق کلمة يدل على صانعه تبارك وتعالى؛

ص: 192


1- العيني قلب النبي صلی الله علیه و اله، والأئمة المعصومين عليهم السلام. وقد ذكرنا أنه يمكن تطبيق الأخبار الواردة في فضائلهم عليهم على القرآن بهذا البيان .
2- لقمان : 27.
3- آل عمران : 45.
4- النساء : 171.

لأن دلالتها أقوى من غيرها، لكن على هذا يكون إطلاق الكلمة عليه مجازيآ على حسب ما نفهم من معنى الكلمة من أنها لفظ أو نحوه تدل على معنى، و على المعنى الذي ذكرناه يمكن أن يكون حقيقة .

ويمكن أن يقال: بأن الصورة الإنسانية تدل على الإنسانية، وهي أشرف مخلوقات الله تعالى. لأن الأنبياء على هذه الصورة، وهي صورة آدم علیه السلام، فهو كلمة الله تعالى .

وهذه الصورة قد انسلخت عن حقيقتها في غير المؤمنين، من الكفار والمنافقين وأعداء محمد و آله الطاهرین صلوات الله عليهم أجمعين، ومن يرى باطنهم يراهم كلابآ وخنازير،ولعله المراد بقوله تعالى (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا )(1).

ثانيها: أنه ليس كلمة حقيقة، بل هو موجد بكلمة «کن» المذكورة في قوله تعالى،(إن مثل عيسئ عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له کن فیکون) (2)

فأطلق عليه الكلمة مجازآ.

ثالثها: أنه مثل كلمة الله تعالى يترتب عليه ما يترتب على كلام الله تعالى، فكما أن الناس يهتدون بكلام الله كذلك يهتدون به .

ومنها: قوله تعالى (وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى

ص: 193


1- الفرقان : 44.
2- آل عمران : 59.

وكلمة الله هي العليا) (1) .

ويحتمل أن يكون المراد من الكلمة في الموضعين: دعوة الكفار إلى الكفر، ودعوة الله إلى الإسلام وكلمة التوحيد .

ومنها: قوله سبحانه (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا) (2). وفي قوله تعالى (كلمة ربك) وجوه :

أحدها: أن معنی تمامية الكلمة أنها بلغت الغاية التي أرسل رسوله لها، من أخباره وأحكامه ومواعیده صدق وعد، فيكون إشارة إلى قوله تعالى (اليومأكملت لکم دینکم) (3) ونته بذلك على أن الشريعة لا تنسخ .

ثانيها: أن يكون المراد كلمة العذاب على من لا يهتدي، وكلمة دخول المؤمنين الجنة .

ثالثها: أنه القرآن، فهو يحفظ بحفظ الله تعالى .

أقول: ويحتمل أن يكون الكلمة هي كلمة «کن» التي بها إيجاده تعالى لشيء، فيعبر عنه بها، وأما واقعه فالله تعالى عالم به، ومعنى تمامها أن الموجود بها تام، والموجود التام هو الموجود الذي لا يشذ عنه فضيلة، المشتمل على جميع صفات الكمال في جسده وروحه وعقله وديانته وعلمه وفضله وتقواه، العادل في جميع أطواره وأعماله و شؤونه، والموجود التام في جميع الفضائل هو التام في الصدق

ص: 194


1- التوبة : 40.
2- الأنعام : 115.
3- المائدة : 3.

والعدل، ومصداقه النبي صلی الله علیه و اله، والإمام المعصوم عليه السلام .

وفي أخبارنا أن الإمام إذا ولد یکتب ملك بين عينيه هذه الآية (1)، لأن صورة الإنسان تدل على إنسانية حامل الصورة ، فإن كانت الدلالة تامة ومطابقة للواقع،فصورته كلمة دالة على الإنسانية، والكلمات التامات هم النبي صلی الله علیه و. اله، والأئمة المعصومون علیهم السلام .

وأما دلالة صورة غيرهم على الإنسانية الكاملة، فليست تامة؛ لعدم وجود الانسان الكامل غير المعصومین، نعم تختلف دلالة الصورة باختلاف مراتب الناس.

وأما إذا لم تكن الصورة الإنسانية مطابقة لواقعها كالكقار والمنافقين، فليست كلمة تامة.

ومنها: قوله سبحانه ووجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) (2) والفاعل في قوله سبحانه (وجعلها ) إما هو الله سبحانه وإنا إبراهيم عليه السلام.

والضمير راجع إلى البراءة المستفادة من قوله سبحانه قبل ذلك (وإذ قال

ص: 195


1- روى الكليني قدس سره، في الكافي [1: 387 ح 2] بإسناده عن الحسن بن راشد، قال:سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: إن الله تبارك و تعالى إذا أحب أن يخلق الإمام أمر ملكا فأخذ شربة من ماء تحت العرش، فيسقيها أباه، فمن ذلك يخلق الإمام، فيمكث أربعين يوما وليلة في بطن أمه لا يسمع الصوت، ثم يسمع بعد ذلك الكلام، فإذا ولد بعث ذلك الملك، فیکتب بین عینیه ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم)فإذا مضى الإمام الذي كان قبله رفع لهذا منار من نور ينظر به أعمال الخلائق، فبهذا يحتج الله على خلقه. ونحوه (ح 3) و (ح 8) و (ح ) .
2- الزخرف : 28.

إبراهيم لأبيه وقومه إني براء مما تعبدون) والبراءة من عبادة غير الله تعالى هيتوحيد الله والعبادة له خالصآ.

و جعل الله هذه البراءة في عقبه أي في ذريته، يكون إشارة إلى الإمامة؛ لأنها قد جعلت ملازمة لمن لم يعبد صنم"، كما مر بيانه في قوله سبحانه (لا ينال عهدي الظالمين) فيختص بالمعصومین علیهم السلام، فهذه الكلمة - أي: البراءة من الشرك - قولا و عملا في عقبه إلى يوم القيامة .

ومنها: قوله سبحانه (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها) (1) وفي قوله تعالى (كلمة التقوي) وجوه :أحدها: الإيمان، وهو الشهادتان . ثانيها: كلمة بسم الله الرحمن الرحيم، وإضافتها إلى التقوى لأنها سبب لها و أساسها.

ثالثها: أن تكون الإضافة بيانية، أي: وألزمهم التقوى، فالنبي صلی الله علیه و اله، والمؤمنون هم المتقون .

المهیمن

الخامس والعشرون: المهيمن، قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق

ص: 196


1- الفتح : 26.

مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنة عليه) (1).

قيل: المهيمن هو المشتمل على الشيء الحافظ عليه.

والكتاب مصدق صحة ما في الكتب السابقة النازلة على الأنبياء، وحافظ لما فيها باشتماله على ما فيها وزيادة حتى يكتفى به عنها، ويعرف به التحريف في الموجود منها في أيدي اليهود والنصارى، فإنه ليس هو النازل على الأنبياء،ولولا ما في القرآن مما قاله موسى وعيسئ علیهما السلام، الظن أنهما قالا ما هو المحترف الموجود بين أيديهم .

والنبي صلی الله علیه واله، و الإمام المعصوم عليه السلام، لكونهما واجدين للكتاب مهيمنان علی الكتب النازلة، عالمان بما فيها، معصومان عن الخطأ والنسيان، وهذا المقام ليس الأحد إلا للنبي صلی الله علیه و اله والأئمة المعصومين علیهم السلام .

المجید

السادس والعشرون: المجيد، قال الله تعالى:( ق والقرآن المجيد).

قال في المقاييس: مجد يدل على بلوغ النهاية، ولا يكون إلا في محمود منه، المجد بلوغ النهاية في الكرم، والله الماجد والمجيد لا كرم فوق كرمه، وتقول العرب: ماجد فلان فلانا فاخره، ويقولون: في كل شجر نار، واستمجدا المرخ (2)

والعفار (3)، أي: استكثرا من النار وأخذا منها ما هو حسبهما، فهما قد تناهيا في

ص: 197


1- المائدة : 48.
2- المرخ:شجر رقیق سريع الورى يقتدح به .
3- العقار: شجر يتخذ منه الزناد، الواحدة عفارة.

ذلك حتى أنه يقتبس منهما (1) إنتهی .

فإذا كان صدر النبي صلی الله علیه و اله، والإمام المعصوم عليه السلام، كتابة مجيدة، فقد تناهيا فيما يحمد وفي الكرم.

النعمة

السابع والعشرون: النعمة، قال سبحانه: ( واذكروا نعمة الله عليكم و ما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ) (2) بناء على أن يكون الواو في قوله (و ما أنزل) للتفسير ونحوه، أي: أذكروا نعمة الله التي هي الكتاب، ويحتمل إرادة الأعم من الكتاب وغيره، ويستفاد كونه نعمة من المقابلة للباطل في قوله سبحانه (أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون) (3) فالإيمان بالباطل المستلزم الترك الإيمان بالکتاب کفران نعمة الله تعالى .

وأيضا الكتاب دين، وقد جعل الله سبحانه إتمام النعمة مع إكمال الدين في قوله سبحانه (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت علیکم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (4) و إكمال الدین ملازم لإتمام النعمة.

وأيضا الكتاب صراط مستقیم، وان الله سبحانه قد أنعم على النبيين بأن جعلهم على الصراط المستقيم، فقال سبحانه: (إهدنا الصراط المستقیم صراط الذين أنعمت عليهم).

ص: 198


1- معجم مقاییس اللغة 5: 297 .
2- البقرة : 231.
3- النحل : 72.
4- المائدة : 3.

والنبي صلی الله علیه و اله، والأئمة المعصومون عليهم السلام، الواجدون للكتاب من أعظم نعم الله سبحانه (1)، ولقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم.

ولعظم هذه النعم قال سبحانه: ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) (2) فإن مقتضى إطلاقه آنهم يسألون عن كل نعمة من أكل وشرب وغيرهما، لكن فشر في بعض أخبارنا بأنه يسألهم عن نعمة واحدة من أدى شكرها لم يسأل عن غيرها و هي نعمة الدين، الذي ركنه ولاية الأئمة المعصومین علیهم السلام ، فمن لم يتولهم سئل عن كل نعمة، ولو منعنا وجود آية أطلقت النعمة على الكتاب، فلا ريب في كونه من أعظم النعم.

وبهذا البيان يظهر انطباق الآيات الذاتية لكفران النعمة على مخالفيهم و معانديهم، كقوله سبحانه (ألم تر إلى الذين بذلوا نعمة الله كفرآ وأحلوا قومهم دار البوار) (3) و قوله سبحانه ( يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و أكثرهم

ص: 199


1- روى الصدوق قدس سره، في كمال الدين [ص 368 ح 6] بإسناده عن موسی بن جعفر عليه السلام، في قول الله عزوجل ( وأسبغ علیکم نعمه ظاهرة وباطنة ) فقال: النعمة الظاهرة الإمام الظاهر، والباطنة الإمام الغائب الحديث .
2- التكاثر : 8.
3- إبراهيم : 28 . روى الكليني قدس سره، في الكافي [1: 217ح 1] بإسناده عن الأصبغ بن نباتة، قال: قال أمير المؤمنين علیه السلام : ما بال أقوام غیر وا ستة رسول الله صلی الله علیه و اله، وعدلوا عن وصیه؟ لا يتخوفون أن ينزل بهم العذاب، ثم تلا هذه الآية ( ألم تر إلى الذين بذلوا نعمة الله کفرآ وأحتوا قومهم دار البوار) ثم قال: نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده، وبنا يفوز من فاز يوم القيامة. وروى في البحار [24: 48] أخبارآ كثيرة دالة على هذا المعنى، منها: عن تفسير القمّي،

(1)

الكافرون) (2) وقوله تعالی (فبأي آلاء ربکما تکذبان) .

النور

الثامن والعشرون: النور، قال تعاليٰ: ( فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي ٱنزل معه أولئك هم المفلحون) (3) وقال تعالىٰ:( فآمنوا بالله و رسوله والنور الذي أنزلنا)(4) والنور خلاف الظلمة، والفرق بينه وبين الهداية أنّ الهداية هي الدلالة والإرشاد، فيمكن فرض تحقّق الهداية وإن لم يكن نور، كما في هداية الحيوانات إلى ما يلائمها.

والفرق بينه وبين العلم أنّ العلم ربما ينفكّ عن النورانية كعلم الشيطان، لكن لا بتحقّق النور إلاّ مع الإيمان، وكلّما كمل الإيمان والتقوىٰ كان النور أقوىٰ.

وكما أنّ الظلمة حسّية مرئية وباطنية يراها في هذا العالم الأنبياء والأوصياء وتنكشف بعد الموت النفس الإنسان ولأهل ذلك العالم تمام الانكشاف، وتبقىٰ أبداً إلىٰ أن تنتهي إلىٰ ظلمة جهنّم.

كذلك النور حسّي مرئي بواسطة الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وله مراتب في الشدّة والضعف، وباطني له مراتب في الشدّة والضعف أيضاً، وينکشف تمام

ص: 200


1- قال: نعمة الله هم الأئمة علیهم السلام، والدليل على أن الأئمة نعمة الله قول الله ( ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) قال الصادق علیه السلام : نحن والله نعمة الله التي أنعم الله بها على عباده، وبنا فاز من فاز. وغيرها .
2- النحل : 83.
3- الأعراف : 107
4- التغابن : 8

الانكشاف بعد الموت .

وحيث كان النور خلاف الظلمة، فإطلاقه على الحسّي والباطني حقيقي؛ والقرآن نور به يظهر العلوم والمعارف وسائر الأمور المتعلّقة بالنشأتين، ويوجب بصيرة الباطن، فهو نور في أعلىٰ مراتبه .

والنبي الله (صلی الله علیه وآله وسلم)والإمام المعصوم علیه السّلام الواجدان للكتاب نوران لاظلمة فیهما أصلاً، معصومان عن الذنب والخطأ، فإنّ الخطأ هو الجهل وهو ظلمة، وهما أكمل وأتمّ مظهر لله سبحانه بما أودع فيهما من المقامات ، فهما نور الله تعالىٰ، ونور الله لا يطفأ.

والمؤمن المقتدي بالقرآن - أي: التابع للنبي صلی الله علیه و آله و سلم والإمام المعصوم علیه السّلام ؟ -يحصل له النور بمقدار القرب إليهما، كما يكون الشخص في الظلمة علىٰ حسب بعده عنهما إلىٰ أن يبلغ آخر درجاتها، كالمعاند لهم والغاصب لحقوقهم، وبذلك يظهر صحّة الأخبار المفسّرة للنور بالإمام، والظلمة بعدوّه (1).

ص: 201


1- روى الكليني في الكافي [1: 180 ح 13] بإسناده عن برید، قال: سمعت أباجعفرعلیه السّلام لا يقول في قول الله تبارك وتعالىٰ ( أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس) فقال: میّت لا يعرف شيئاً و (نوراً يمشي به في الناس) إماما يؤتمّ به (كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) قال: الذي لا يعرف الإمام . وروىٰ أيضا روايات كثيرة في باب أنّ الأئمّة علیه السّلام نور الله عزوجلّ. وروى أيضا في البحار [23: 306] في باب أنّهم أنوار الله، وتأویل آیات النور فيهم علیه السّلام فراجع .

الهادي

التاسع والعشرون: الهادي، قال الله عزّوجلّ: و ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين (1) وقال تعالىٰ شأنه: و مصدّقاً لما بين يديه وهدىً وبشرىٰ للمؤمنين ) (2) وقال سبحانه: (هذا بيان للناس وهدىً وموعظة للمتّقين ) (3) وقال سبحانه: (تلك آيات الكتاب الحكيم هدىً ورحمة للمحسنین) (4) وقال سبحانه: (يهدي به الله من اتّبع رضوانه سبل السلام )(5) وقال سبحانه:وإنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) (6) وقال سبحانه :(ويرى الذين أوتوا العلم الذي ٱنزل إليك من ربّك هو الحق ّ ويهدي إلى صراط العزيز الحميد) (7) وقال سبحانه: (إنّا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنّا به) (8) وقال سبحانه: ( قالوا يا قومنا إنّا سمعنا كتاباً ٱنزل من بعد موسىٰ مصدّقاً لما بين يديه يهدي إلى الحقّ وإلىٰ طريق مستقیم )(9) وقد دلّت هذه الآيات الشريفة على أمور :

ص:202


1- البقرة : 2
2- البقرة : 97
3- آل عمران : 138
4- لقمان : 2-3
5- المائدة : 16
6- الإسراء : 9
7- سبأ : 6
8- الجن : 1 - 2
9- الأحقاف : 30

منها : أنّ الكتاب هادٍ إلىٰ صراط العزيز الحميد في ظلمة هذه الدنيا وفتنهاالتي هي الجهالات والشبهات الباطلة والاعتقادات الفاسدة وما شاكلها، كالأخبار الكاذبة، وبدع المبتدعين، وتسويلات الشياطين، والتعصّب لمتابعة الآباء، ورؤية كلّ شيء بخلاف ما هو عليه .

والهداية إلىٰ صراط العزيز الحميد تكون بالهداية إلى الله وما وصف به نفسه من صفاته الجمالية و الجلالية، وإلىٰ معرفة أنبيائه وأوصيائهم المعصومين، وإلىٰ ما يقرب إلىٰ رضوانه ويبعّد عن غضبه .

والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والإمام المعصوم علیه السّلام أيضاً يكونان كذلك يهديان إلى جميع أنواع الهداية (1) (1).

ومنها: أنّ هداية الكتاب إلى جميع ذلك هداية واقعية لا خطأ فيها، وإلاّ لم يكن هادياً بجميع مراتب الهداية، والنبي (صل الله علیه و آله و سلم) والإمام علیه السلام هادیان كذلك، فيكونان معصومین عن الخطأ والسهو .

ومنها: أنّ الكتاب لمّا كان هادياً إلىٰ جميع ما يحتاج إليه المتقون والمؤمنون، فمن أهمّ مظاهر الهداية وأعظمها حاجةً هي الهداية إلى خليفة النبي، فإن لم يهد إليه لم يكن هدىً للمتقين، وهدايته إليه بما بيّنه في الآيات التي تعرّضنا لها من

ص:203


1- روى الكليني قدسّ سرّه في الكافي [1: 414] بإسناده عن علي بن عبدالله، قال: سأله رجل عن قوله تعالى (فمن اتّبع هداي فلا يضلّ ولا يشقىٰ )قال: من قال بالأئمة واتّبع أمرهم ولم يجز طاعتهم. (ح 10). وأيضاً بإسناده عن عبدالله بن سنان، قال: سألت أبا عبدالله علیه السّلام عن قول الله عزّوجل ّ(و ممّن خلقنا ٱمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون) قال: هم الأئمة. (ح13). وغيرها

أوصاف الإمام علیه السّلام وخصائصه، مثل أنّ الإمام هادٍ، وأنّه يعلم الكتاب الذي هو تبیان كلّ شيء، وغير ذلك وسيأتي ما يدل على ذلك،و لم تجتمع هذه الصفات إلاّ في أمير المؤمنين علي عليه السلام وأولاده المعصومين علیه السّلام.

ومنها : أنّ الاهتداء هو قبول الهداية، فمن قبل هداية القرآن المتّحدة مع هداية النبي صل الله علیه و آله و سلم والإمام المعصوم علیه السّلام يكون مهتدياً، فهو مصداق قوله سبحانه ( وإنّي الغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدیٰ) (1) أي: أطاع الإمام المعصوم علیه السّلام واعتقد إمامته وولايته.

ومنه يظهر أنّه يمكن الاستدلال به على اشتراط صحّة الأعمال بالاعتقاد بولاية الإمام، فإنّه الاهتداء المذكور في الآية الشريفة (2).

و بهذا البيان ظهر صحّة الأخبار التي تدلّ علىٰ تطبيق آیات الهداية في القرآن على الأئمّة المعصومين علیه السّلام ، وذلك لاتّحادهم مع القرآن، فهم الهداة .

وكذا الأخبار الدالّة على ذمّ من أعرض عن الهداة، فإنّها مطابقة للآيات الذامّه لمن أعرض عن الهداة، كقوله تعالىٰ( ومن أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدیً من

ص:204


1- طه : 82
2- روئ في الكافي [1: 392ح 3] بإسناده عن سدير، قال: سمعت أبا جعفر علي وهو داخل وأنا خارج وأخذ بيدي، ثم استقبل البيت، فقال: يا سدير إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيعلمونا ولا يتهم لنا، وهو قول الله ( وإني لغقار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدئ ثم أومأ بيده إلى الصدر إلى ولايتنا. الحديث . وأورد في البحار [27: 199] في باب أنه لا تقبل الأعمال إلا بالولاية، أخبار كثيرة في هذا المعنى، فراجع

الله ) (1)(1) فإنّ كتاب الله هدیً من الله بجميع مراتبه، فمن اتبع غير النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم والأئمّة المعصومين علیه السّلام فقد اتّبع هواه بغير هدیً من الله.

فالهدیٰ هو الكتاب بمراتبه، ومنها النبي صلّ الله علیه و آله و سلّم والأئمة المعصومون علیه السّلام.

ومنها: أنّ الكتاب حيث إنّه هادٍ بجميع مراتب انهدايه المعنوية، فهو مظهر لاسم الله الهادي، فقد تجلّىٰ الله جلّ وعلا في كتابه باسم الهادي، فالنبي صلّ الله علیه و آله وسلّم والإمام المعصوم عليه السّلام مظهران لاسم الهادي، وبذلك يظهر معنى الخبر: نحن الأسماء الحسنيٰ.

وهم مصداق الٱمّة المذكورة في قوله تعالىّ (وممّن خلقنا ٱمّة يهدون بالحقّ و به یعدلون) (2) فإنّ قوله تعالىٰ ( يهدون) معناه الهداية إلىٰ جميع موارد الحقّ، وهي موقوفة على العلم والعصمة، والمصادیق الواضحة لمن يهدي كذلك هم النبي صلّ الله علیه و آله و سلّم والأئمة المعصومون علیه السّلام، بل الهداية كذلك منحصرة فيهم .

تتميم

للقرآن أوصاف أخر: الأول: أنّ من أوصاف القرآن أنّه لا يمكن الإحاطة بكنهه وحقيقته، فلذا لا یقدر أحد علىٰ أن يأتي بمثله، كما قال الله تعالىٰ (قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ علىٰ أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثلهم) (3) وإذا كان صدر

ص: 205


1- القصص : 50
2- الأعراف : 181
3- الإسراء : 88

النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم والإمام المعصوم علیه اسّلام قرآناً، فلا يقدر أحد أن يبلغ إلى معرفة حقيقتهما.

الثاني: أنّه لا يفهم حقيقة القرآن إلا المطهّرون، قال الله تعالىٰ: {إنّه لقرآن کریم* في كتاب مكنون *لا يمسّه إلاّ المطهّرون} (1).

ولعل المعنىٰ أنّ القرآن الذي هو في كتاب مكنون - أي: مستور - لا يمسّه إلاّ المطهّرون، وهو غير ما يقرؤه الناس، وغير المنقوش على القرطاس، فإنّهما ليسا في كتاب مكنون .

ومعنیٰ عدم مسّه عدم إدراكه، ويمكن جعله للأعمّ من المسّ المعنوي والمسّ الحسّي، ولذا لا يمسّه المحدث، ولعلّه لذلك تمسّك في بعض الروايات بقوله {لا يمسّه إلاّ المطّهرون} علىٰ عدم جواز مس المحدث لكتابة القرآن على القراطيس والألواح وغيرها، أو هو من باب الاستعمال في أكثر من معنى، ومسّ المطّهرين القرآن الذي هو في كتاب مكنون هو وجوده العلمي في صدورهم المقدّسة .

وقد اتّفق المسلمون ونصّت الآيات وشهدت الأخبار أنّ النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم من المطّهرين، وكذا علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، وكذا المعصومون من ولد الحسين علیهم السّلام، وسيأتي بيان مفاد الآية.

ومن ذلك يظهر أنّ في صدر فاطمة الزهراء سلام الله عليها حقيقة القرآن الذي ذكرنا أوصافه، فإنّها المعصومة المطّهرة، وعلى هذا فهي سلام الله عليها أفضل من

ص:206


1- الواقعة : 77 - 79

مریم علیها السّلام الثالث: قال الله تعالى {لو أنزلنا هذا القرآن علىٰ جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله }(1).

قال في التبيان: يقول الله تعالىٰ معظّماً لشأن القرآن الذي أنزله مكبراً لحاله في جلالة موقعه، بأنّه لو ٱنزل القرآن علىٰ جبل لرئي الجبل خاشعاً، والمراد به المثل، وتقديره: لو كان الجبل ممّا ينزل عليه القرآن ولو شعر به مع غلظه وجفاء طبعه وكبر جسمه لخشع لمنزلته تعظيماً لشأنه، ولتصدّع من خشيته، فالإنسان أحقّ بهذا لو عقل الأحكام التي فيه (2)، إنتهىٰ .

قلت: إذا كان صدر النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم والإمام المعصوم علیه الّسلام قرآناً، فله هذه الجلالة والعظمة، ولذا ينبغي الخشوع والخضوع لهما لهذا المقام الذي أعطاهما الله تعالىٰ،قال الله تعالىٰ: {يا أيّها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقوله } (3) وقال تعالىٰ: { إن الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقويٰ} (4) وذلك لأنّ المتّقي لمّا عرف جلالتهما خاضع بقلبه لهما .

الرابع: قال الله تعالىٰ : { ولو أنّ قرآناً، سیّرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو

ص: 207


1- الحشر : 21
2- التبيان 2: 572
3- الحجرات : 2
4- الحجرات : 3

کلّم به الموتی} (1).

قيل: إنّ جواب «لو» محذوف، أي: كان هذا القرآن. فإذا كان صدر النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم والإمام المعصوم علیه السّلام قرآناً، فهما قادران علىٰ تسيير الجبال وتكليم الموتىٰ

وتقطيع الأرض.

ويحتمل أن تكون القدرة على المذكورات بعض ما يكون من الآثار للقرآن، ويكون المراد القدرة علىٰ كلّ تصرف في الكون، فإذا كان صدر النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم والإمام المعصوم علیه السّلام قرآناً كذلك، فلهم التصّرف كذلك (2)، ويسمّىٰ

ص: 208


1- الرعد : 31
2- رویٰ في الكافي [1: 229 ح 7] بإسناده عن أبي الحسن الأوّل علیه السّلام ، قال: قلت له: جعلت فداك أخبرني عن النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم ورث النبيين كلّهم؟ قال: نعم، قلت: من لدن آدم حتّیانتهىٰ إلى نفسه؟ قال: ما بعث الله نبيّاً إلاّ ومحمّد صلّ الله علیه و آله و سلّم أعلم منه، قال: قلت: إنّ عیسی بن مریم کان يحيي الموتىٰ باذن الله، قال: صدقت و سلیمان بن داود كان يفهم منطق الطیر، وكان رسول الله صلّ الله علیه و آله وسلّم يقدر علىٰ هذه المنازل . قال: فقال: إنّ سلیمان بن داود قال للهدهد حين فقده وشكّ في أمره { فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} حين فقده، فغضب عليه، فقال: {لا عذّبنّه عذاباً شديداً أو لأذبحنّه أو ليأتينّي بسلطان مبین } . وإنّما غضب لأنّه كان يدله على الماء، فهذا وهو طائر قد ٱعطي مالم يعط سليمان، وقد كانت الريح والنمل والإنس والجنّ والشياطين والمردة له طائعين، ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء، وكان الطير يعرفه، وإن الله يقول في كتابه { ولو أنّ قرآناً سیّرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كلّم به الموتیٰ} . وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تیسّر به الجبال و تقطّع به البلدان، و تحیی به الموتىٰ، ونحن نعرف الماء تحت الهواء، وإنّ في كتاب الله لآيات ما يراد بها أمر إلاّ أن یأذن الله به مع ما قد يأذن الله ما كتبه الماضون، جعله اللهلنا في أمّ الكتاب، إن الله يقول

(1)

ذلك بالولاية التكوينية، والنبي صلّ الله علیه و آله وسلّم يقدر على الإتيان بالمعجزات، من ردّ الشمس وشقّ القمر علىٰ ما روي، وغيرهما .

على أنّه قد ورد في القرآن ذكر بعض من له شيء من الولاية التكوينية، قال عزّمن قائل { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتدّ إليك طرفك فلمّا رآه مستقرّاً عنده }(2) الآيات، حيث أحضر عرش المرأة التي حكی الله تعالىٰ عنها في كتابه، وكان عنده علم بعض الكتاب علىٰ ما يقتضيه كلمة «من» فكيف بمن كان عنده علم الكتاب كلّه، وفي آية ٱخرىٰ قال عيسئ علیه السّلام : وأبريء الأكمه والأبرص وأحيي الموتیٰ} (3).

وقيل: إنّ «لو» للامتناع، فلا دلالة في الآية على الوقوع؛ لأنّ المعنى انّه لو كان قرآن سیّرت به الجبال، أو قطّعت به الأرض، أو كلّم به الموتىٰ، لكان هذا القرآن، فيمكن أن يقال: إنّه لا يوجد قرآن كذلك. نعم لو وجد لكان هذا القرآن، بل يحتملأن يكون الجواب لما آمن الكفّار به .

أقول: لعلّ الكتاب المبين كلّه هذا القرآن، فإذا كان من عنده علم من الكتاب قادراً علىٰ أن يقطع الأرض، فكيف بمن عنده علم الكتاب كلّه .

ص: 209


1- وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبین} ثمّ قال: { ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} فنحن الذين اصطفانا الله عزّوجلّ وأورثنا هذا الذي فيه تبیان كلّ شيء.
2- النمل: 40
3- آل عمران: 69

الفصل الثامن

اشارة

في بعض الآيات الدالّة بمعونة التدبّر فيها علىٰ مدح أهل البيت علیهم السّلام وبعض الآيات الدالّة علىٰ ذمّ مخالفيهم وأعدائهم لا يخفىٰ أنّ الآيات القرآنية مدحت أشخاصاً بخصوصهم كالأنبياء عليهم السّلام وذمّت أشخاصاً كذلك، کالكفّار والمنافقين الذين ظهر نفاقهم .

والمسلمون يعرفون الفريقين، يتولّون ويحبّون الأنبياء علیهم السّلام والمؤمنین حقّاً ويجتنبون المعروفين بالكفر والنفاق، ويبتعدون عنهم.

كما أنّ القرآن قد مدح طائفة، وذمّ طائفة ٱخرىٰ، ولم يصرّح بالمراد منهم، فكان بنا أعظم الحاجة إلىٰ تمييز الممدو حين عن المذمومين لنعرف من مدحهم وأمر باتّباعهم ومحبّتهم لنتأسي بهم، ومن ذمّهم وأمر بمخالفتهم لنجتنب سیر تهم .

فقال الله سبحانه في الطائفة الٱولىٰ: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير ٱولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وکلاً وعد الله الحسنىٰ وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرة عظيما* درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله

ص: 210

غفور رحيما) (1) .

وقال تعالىٰ شأنه: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجاتوالله بما تعملون خبيرم ) (2) وقال سبحانه: ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذكّر أولوا الألباب ) (3) وقال سبحانه: ( أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدیٰ فما لكم كيف تحكمون ) (4) إلىٰ غير ذلك من الآيات .

وقال تعالىٰ في الطائفة الثانية:( ومن الناس من يقول آمنّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين *يخادعون الله والذين آمنوا) إلىٰ قوله تعالىٰ( صمّ بكم عمي فهم لا يرجعون )(5) وقال سبحانه: ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتّبع كلّ شيطان مريد) (6) .

وقال تعالىٰ: ( ومن الناس من يتّخذ من دون الله أنداداً )(7) وقال تعالى:( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } (8) وقال تعالى: ( وممّن حولكم

ص: 211


1- النساء : 95_96
2- المجادلة : 11
3- الزمر : 9
4- يونس : 35
5- البقرة : 8 - 18
6- الحج : 3
7- البقرة :165
8- البقرة : 204

من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) (1).

إلى غير ذلك من الآيات الذامّة لعنوان کلي لابد لنا من تمییز هم حتّىٰ لا نكون مصداق قوله تعالىٰ {إذ تبرّأ الذين اتّبعوا من الذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب * وقال الذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّة فنتبرّأ منهم كما تبرّأوا منّا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من الناره) (2) فلابدّ لنا من استعلام الطائفتين استعلاماً لا يشوبه شکّ ونكون علىٰ علم، و أعني به الاعتقاد بالشيء علىٰ ما هو عليه .

والآيات القرآنية تدلّنا علىٰ مدح أهل البيت علي بن أبي طالب وفاطمة وأولادهما المعصومين عليهم السّلام، وذمّ مخالفيهم وغاصبي حقوقهم ومناصبهم.

وقد تقدّم في الفصول السابقة صفات الخليفة، ونبيّن في هذا الفصل الآيات الدالّة علىٰ أنّ الخليفة في أهل بيت النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم لا في مخالفيهم، فهذا الفصل يدلّنا علىٰ تعيين ما اختلف المسلمون فيه، وهو خليفة النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم بلا فصل، هل هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام أو غيره؟ وذلك مع قطع النظر عمّا هو مسلّم بين الفريقين أنّ عليّاً علیه السّلام واجد للصفات المعتبرة في الخليفة والتي دلّت آیات القرآن على اعتبارها فيه.

ولذلك أقول: قد وردت آيات في مدح أهل البيت باتّفاق المفسرین، کآية

ص: 212


1- التوبة : 101
2- البقرة :166_167

التطهير ونحوها، ووردت آيات تنطبق عليهم من باب أحد المصادیق انطباقاً ظاهراً، ووردت آيات يمكن انطباقها عليهم بعد تجرید معاني الألفاظ عن الخصوصيات التي ليست دخيلة في الحكم علىٰ موضوعه، فهنا مقامات ثلاثة : الأول: في الآيات المادحة لهم باتّفاق المفسّرین .

الثاني: الآيات التي تنطبق عليهم (علیهم السّلام) أو علىٰ مخالفيهم من حيث إنّهم أظهر مصاديقها .

الثالث: الآيات التي تنطبق عليهم (علیهم السّلام) أو علىٰ مخالفيهم بعد تجرید معنى الآية عن الملازمات التي لا خصوصية لها في ترتّب الأثر على المعنىٰ بعد التأمّل وضمّ الآيات بعضها إلىٰ بعض لتبيّن المراد منها، والاستعانة في فهم بعضها من البعض الآخر.

ولابد قبل ذلك من ذکر مقدّمة، وهي: أنّ القرآن كما في الخبر: يجري كما تجري الشمس والقمر (1). وقد ضرب الله سبحانه فيه الأمثال، قال الله سبحانه وتعالىٰ: {ولقد صرّفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } (2) وقال سبحانه: {ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كلّ مثل} (3) وقال سبحانه: {ولقد أنزلنا إليكم آيات مبیّنات و مثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتّقين } (4) وقال

ص:213


1- بحار الأنوار23: 197 ح 27
2- الإسراء : 89
3- الروم : 58
4- النور : 34

سبحانه: {ولقد كان في قصصهم عبرة } (1) .

وينتقل من المثل المضروب إلىٰ ما يماثله، ولذا ينتقل من القضية الجزئية إلىٰ كلّيها، وليس الانتقال من اللفظ إلى المعنىٰ واستفادة المطلب من الكلام، منحصراً في ما استعمل فيه اللفظ ابتداءً، بل يكون من وجوه ٱخر : أحدها: ما جرت طريقة العقلاء عليه من بيان الأمور الكلّية في ضمن الأمثلة الجزئية للانتقال إلىٰ علّة الحكم التي توجب كلّية الحكم.

وتوضيحه: أنّ لكلّ مطلب من المطالب المذكورة في القرآن معانی محدودة جزئية ترتبط بذلك المطلب الخاصّ، وله أيضاً حقائق كلّية لا تختصّ بموارد الآيات، تستحصل من تجريد الجزئيات عن الخصوصيات التي لا دخل لها في نفس تلك الحقيقة، فمثلاً أنّ من نزلت فيهم آية لهم خصوصیات لیست دخيلة في الحكم المذكور فيها، وإنّما مناط الحكم القدر المشترك الحاصل فيهم وفي من كان مثلهم فيما هو الملحوظ في مورد الآية من أعمالهم وأوصافهم.

فالجزئيات ومنها مورد الآية مثلاً داخلة تحت كلّي يعمّ الأفراد الماضية والآتية، فكلّ خبر أو إنشاء تعلّق بموضوع جزئي حقيقي، فإنما يتعلّق به من حيث العنوان الكلّى الذي هو المناط في تعلّقه .

قال بعض المحقّقين: إنّ المؤمن الذي ذكر في قوله تعالىٰ في سورة يس (وجاء من أقصى المدينة رجل) (2) شخص خاصّ قيل له ٱدخل الجنّة، قال: یا

ص: 214


1- يوسف : 111
2- يس : 20

ليت قومي يعلمون .

لكن الذي يرتبط بوقوع هذا الخطاب عليه من خصوصياته هو إيمانه، وأعماله الصالحة من دعوة قومه، وتحمل الأذىٰ في جنب الله سبحانه مثلاً، دون شكله ولونه ونسبه واسمه .

فتنزيل الآية هو ذلك الشخص بعينه، ويجري في من كان عمله مثل عمله،فمفاده قضية كلّية، هو أنّ كلّ من آمن وعمل كذا مثلاً يقال له ٱدخل الجنّة ممّن مضیٰ وممّن يأتي كلّما كان شخص بصفة كذا وقع عليه الحكم المذكور.

أقول: وهي طريقة العقلاء في بيان الأمور الكلّية في ضمن الأمثلة الجزئية للانتقال إلى علّة الحكم كما أشرت؛ لأنّ كلِّ ما يقع على شيء لابدّ له من علّة يختصّ بها ذلك الشيء من حيث إنّها موجبة للأثر الخاصّ، وإلاّ كان كلّ شيء علّة لكلّ شيء، وكان كلّ شيء يترتّب علىٰ كل شيء، فعلّة الحكم هي التي توجب كلّية الحكم وجزئيته .

ثانيها: أن يكون من قبيل الكناية، فتارة يكون المعنى المقصود بالإفادة من الكلام خارجاً عن مفاد الكلام، وٱخرىٰ يكون المقصود إفادة مضمون الكلام والمعنى الخارج عنه معاً،كقولهم فلان مهزول الفصيل إذا كان لبيان أنًه جواد فقط، أو لبيان هزال فصيله، منضمّاً إلىٰ أنّه جواد .

ولعلّ من ذلك كثير من القصص والحكايات التي وضعها الحكماء والعقلاء الإفادة معان مغايرة لها لينتقل منها إليها من كان ذا لبّ وبصيرة، كما يؤمیء إليه مطابقة جملة منها لمواعظ شافية، أو مطالب عالية، فلا مانع من أن يكون لآيات

ص: 215

القرآن العزيز مدالیل کنائية ومثالية .

وتكون الحكمة في القصص المذكورة في القرآن ممّا جرىٰ على الأنبياء وأممهم وغيرهم أنّها سیقت لبيان إفادتها والانتقال منها إلىٰ ما يشابهها في هذه الٱمّة، ونحوه ممّا يوجب تقوية العقول، والتنبّه بإرشادهم إلىٰ نتائج أعمالهم، وغيرذلك من الفوائد .

ثالثها: أن يذكر ما جرىٰ علىٰ موضوع شخصي بعنوان کلّي للإشارة إلىٰ جریان الحكم المذكور في نظائره، مثل قوله تعالىٰ {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا } (1) فإنّه حكم كلّي وإن كان مورده موضوعاً شخصياً .

رابعها: أن يحكي المتكلّم شيئاً ویسکت عن ردّه في مقام لو كان كذباً لكان عليه ردّه، فيستفاد من الكلام صحّته .

خامسها: أن يكون اللفظ له معاني ومصادیق بحسب العوالم المختلفة، يعرفها من نزل الوحي عليهم وفي بيتهم، کالرزق فإنّ العلم مصداقه، وهو رزق الأرواح،كما أنّ المأكول والمشروب رزق الأبدان .

فيهذه الوجوه وغيرها (2) يمكن أن يكون للآيات القرآنية مداليل قد عرفها

2: 216


1- الحجرات : 6
2- مثل ما عن البصائر عن نصر بن قابوس، قال: سألت أبا عبدالله عليه السّلام عن قول الله عزّوجلّ و وظلّ ممدود * وماء مسكوب * وفاكهة كثيرة* لا مقطوعة ولا ممنوعة} قال: یا نصر إنّه ليس حيث يذهب الناس، إنما هو العالم وما يخرج منه . قال العلامة المجلسي رحمة الله : لعلّ المعنىٰ ليس حيث يذهب الناس من انحصار جتّة المؤمنين في الجنّة الصورية الأخروية، بل لهم في الدنيا أيضاً ببركة أئمّتهم عليهم السّلام جنّات

(1)

أئمة أهل البيت علیهم السّلام ، وبذلك يمكن تصحيح أكثر الروايات المشتملة علىٰ فضائل النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم والأئمة المعصومين عليهم السّلام المذكورة في الكافي وبصائر الدرجات، وغيرهما والتي جمع أكثرها في كتاب بحار الأنوار بالوجوه المذكورة، فإنّها موافقة للقرآن، بل للأخبار الصحيحة.

وبذلك يظهر مكانة الرواة، وإنّ رميهم بالضعف أو الغلوّ ربما يكون ناشئاً عن عدم التوجّه إلىٰ ما ذكرنا من موافقة مضمون رواياتهم للآيات القرآنية .

وبهذا البيان يتّضح إمكان تصحيح الأخبار المفسّرة للآيات الواردة في مدائح المؤمنين - عامّة أو خاصّة - بالنبي صلّ الله علیه و آله وسلّم والأئمة المعصومین علیهم السّلام، فإنّ الملاك إنكان هو الإيمان، فهم أجلى مصادیقه وأكمل أفراده .

وكذا صحّة الروايات المفسّرة للآيات الواردة في ذمّ الكفّار والمنافقين - عامّة أو خاصّة كفرعون وأضرابه - بأعدائهم، فإنّ فرعون إنّما ذمّ لتكبٍّره على الله وادّعائه مالم يكن فيه من الربوبية، لا للونه وشكله ونسبه، فكلّ من كان علىٰ

ص:217


1- روحانية من ظلّ حمايتهم ولطفهم الممدود في الدنيا والآخرة، وماء مسكوب من علومهم الحقّة التي بها تحيي النفوس والأرواح، وفواكه كثيرة من أنواع معارفهم التي لا تنقطع عن شیعتهم، ولا يمنعون منها، وفرش مرفوعة ممّا يتلذّذون بها من حكمهم و آدابهم، بل لا يلتذّ المقرّبون في الآخرة أيضا في الجنان الصورية إلاّ بتلك الملاذ المعنوية التي كانوا يتنعّمون بها في الدنيا، كما يشهد به الأخبار إنتهیٰ . قال في مرآة الأنوار (ص 11): ولا تغفل عن جریان مثله في سائر نعم الجنّة، مثل أنهار الخمر وأمثالها .

صفته، فهو مستحقّ للمذمة التي ذمّ بها فرعون (1) وإتماماً لما ذكر نشير إلىٰ أمرين : الأمر الأوّل: قد يكون إرادة المعاني المختلفة من باب استعمال اللفظ وإرادة أكثر من معنىٰ واحد، وجوازه محلّ الخلاف، فبعضهم أحاله زاعماً أنّ اللفظ فانٍ في المعنىٰ، ولا يمكن إفناء شيء واحد في شيئين في زمان واحد، وبعضهم نفیٰ وقوعه وإن أجازه.

ولكن لا يبعد جوازه عقلاً ووقوعه، نعم لابدّ من قرينة على الاستعمال.

أمّا جوازه عقلاً، فلأنّ المحال إفناء جسم واحد في جسمين، وباب الاستعمال ليس من ذلك؛ لأنّ المعنىٰ أمر اعتباري فيمكن أن يلحظ إفناء اللفظ في المعنيين .

ويدلّ عليه أنّه لو كان اللفظ مشتركاً بين معنيين في لغتين، بأن كان لفظ واحد له معنیٰ بالفارسية وله معنيٰ بالعربية، وكان للمولىٰ عبدان فارسي وعربي، ثمّ خاطبهما بإحضار ما یرید بهذا اللفظ، فكلّ منهما يحضر له ما يفهمه من اللفظ، هذا بناءً علىٰ أنّ اللفظ فانٍ في المعنىٰ، ولكن لا يبعد أن يكون اللفظ علامة للمعنىٰ.

وأمّا الوقوع، فربما يدلّ عليه بعض الأبيات .

الأمر الثاني: في الفرق بين تنزيل القرآن و تأويله. فأمّا تنزيل القرآن، فهو متنه الذي أنزله جبرئیل علیه السّلام ، ويمكن إطلاق التنزيل علىٰ ما ينزله جبرئیل علیه اسّلام مع

ص: 218


1- روى الكليني رحمة الله في الكافي [8: 36ح 8] بسنده عن أبي بصير، قال: قال الصادق علیه السّلام : يا أبا محمّد ما من آية تقود إلى الجنّة و لا يذكر أهلها بخير إلاّ وهي فينا، وما من آية نزلت يذكر أهلها بشرّ و تسوق إلى النار إلاّ وهي في عدوّنا ومن خالفنا .

القرآن بیاناً للمراد من الآية، وقد فهمه جبرئیل علیه السّلام بقرينة لفظية أو حالية ونحو ذلك .

مثلاً ورد في خبر أبي الجارود، عن أبي جعفر علیه السّلام إلى أن قال: فنزلت { يا أيّها الرسول بلّغ ما ٱنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل} الحديث (1). ولم يذكر فيه كلمة «في علي» .

وورد في الخبر المروي في روضة الواعظين والاحتجاج عن أبي جعفر عليه السّلام إلىٰ أن قال: فقال: { يا أيّها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربّك - في علي - وإن لم تفعل و الحديث (2). فذكر فيه أنّ كلمة «في علي» قد نزلت، فيمكن أن يقال: إنّ جملة «في علي» لم تكن في متن القرآن، لكن نزلت مع الآية أنزلها جبرئیل علیه السّلام لدلالة قرينة مقالية أو حالية علىٰ أن المراد ممّا أنزل ما ٱنزل في حق عليه السّلام .

وأمّا التأويل، فهو ما تؤول إليه الآية، ويكون من مصاديقها، أو ما يكون الملاك التامّ في مورد الآية، وبه يتعدّىٰ من موردها إلى نظيره، مثلاً لفرعون وهامان نظیران من جميع الجهات في ما به الفرعونية، التي هي ملاك الذمّ في آياته، وهو العتوّ على الله تعالىٰ ، وذلك بعد إلغاء خصوصية لون فرعون وجسده ونسبه، و غير ذلك ممّا لا دخل له في هذا الملاك، فيتعدّى في حكم فرعون وهامان إلىٰ نظيريهما.

وبهذا البيان يظهر أنّ الأخبار المذكورة في الكافي المشتملة علىٰ بعض

ص: 219


1- البرهان 1: 488 ح 1
2- البرهان 1: 438

الخصوصيات غير الموجودة في القرآن وذكر فيها أنّه تنزيل محمولة علىٰ ذلك (1) إذا عرفت ذلك فلنشرع في ذكر المقامات الثلاثة، فنقول :

المقام الأوّل

اشارة

في بعض الآيات المادحة لأهل البيت والأئمّة المعصومين علیهم السّلام باتفاق المفسّرين و غيرهم و هي آیات :

آیه التطهير

الآية الأولى: قال الله تعالىٰ: ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراه) (2) وقد يقال: إنّها نزلت على الرسول صلّ الله علیه و آله وسلّم، وهو معصوم مطهّر من كلّ رجس، فيكون خارجاً عن المخاطبين. لكن الأظهر شمولها له صلّ الله علیه و آله وسلّم أيضاً؛ لأنّ المراد من إذهاب الرجس أنّهم مطهّرون من أوّل وجودهم لا إذهابه من حين نزول الخطاب.

والاحتمالات فيها ثلاثه : الأول: أن يكون المخاطبون خصوص أزواج النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم : لوقوع الآية في سياق الآيات الواردة فيهّن. نظیر توجّه الخطاب ب«أهل البيت» إلىٰ زوجة إبراهيم علیه السّلام في قوله تعالىٰ{ قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنّه

ص: 220


1- منها: خبر أبي بصير، عن أبي عبدالله علیه السّلام في قول الله عزّوجلّ { ومن يطع الله ورسوله - في ولاية علي وولاية الأئمّة من بعده – فقد فاز فوزاً عظيماً ) هكذا نزلت . أصول الكافي 1: 414 ح 8.
2- الأحزاب : 33

حمید مجید ) (1) ويدفع هذا الاحتمال أوّلاً: أنّ الآية متوسطة بين آيتين هما خطابان إلىٰ خصوص أزواج النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم، فلو كان المراد بها خصوصهّن لكان اللازم تأنيث الضمير کالآيتين المذكورتين، وأمّا ما ذكر من آية سورة هود فالخطاب فيها لإبراهيم عليه السّلام وزوجته وليس مختصّاً بها .

وثانياً: أنّ إذهاب الرجس يقتضي العصمة، ولم تكن الأزواج معصومات، ولذا لا يصحّ أن يراد بالخطاب النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم وأزواجه؛ لأنّهنّ لم يكنِّ معصومات.

الثاني أن يكون المخاطبون النبي الله وأزواجه وعلي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين علیهم السّلام .

ويدفعه: أنّه لو ٱريد منها الارادة التكوينية لاقتضت العصمة، ولا ريب أنّ أزواج النبي صلّ الله علیه و آله وسلّم وسائر أقربائه غير علي وفاطمة والحسن الحسين علیهم السّلام لم يكونوا معصومین. ولا يخفىٰ أنّه على هذا الاحتمال - لو صحّ - تكون الآية شاملة لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام قطعاً .

الثالث: أنّ يكون المخاطب خصوص علي وفاطمة والحسن والحسين علیهم السّلام وهو الذي يناسبه تذكير الضمير، وهناك قرائن ٱخر تقتضي الاختصاص بهم.

ولا يخفىٰ أنّ هذا التشقيق إنّما هو بالنظر إلىٰ نفس الآية. وأمّا مع ملاحظة الأخبار الواردة من الفريقين في تفسير الآية وشأن نزولها، فلا شكّ في اختصاصها بهم.

هذا قال الشيخ المفيد رحمة الله في الفصول المختارة: لا خلاف بين الأمّة أن الآية من

ص: 221


1- هود: 73

القرآن قد يأتي أوّلها في شيء، وآخرها في غيره، ووسطها في معنىٰ، و أوّلها في سواه، وليس طريق الاتّفاق في معنى إحاطة وصف الكلام بالآي.

وقد نقل المخالف والموافق أنّ هذه الآية نزلت في بيت ٱمّ سلمة - رضي الله تعالیٰ عنها - ورسول الله صلّ الله علیه و آله وسلّم في البيت ومعه علي وفاطمة والحسن والحسين علیهم السّلام وقد جلّلهم بعباءة خيبرية، وقال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي، فأنزل الله عزّوجلّ ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهرّكم تطهيراً )فتلاها رسول الله صلّ الله علیه و آله و سلّم ، فقالت أمّ سلمة رضي الله عنها: یا رسول الله ألست من أهل بيتك ؟ فقال لها: إنّك إلىٰ خير، ولم يقل إنّك من أهل بيتي .

حتّىٰ روىٰ أصحاب الحديث أنّ عمر سئل عن هذه الآية، فقال: سلوا عنها عائشة، فقالت عائشة: إنّها نزلت في بيت أختي أمّ سلمة فاسألوها عنها، فإنّها أعلم بها منّي، فلم يختلف أصحاب الحديث من الناصبة و لا أصحاب الحديث من الشيعة في خصوصها في من عدّدناه، وحمل القرآن في التأويل علىٰ ما جاء به الأثر أولىٰ من حمله على الظنّ والترجيم (1) (2).

ص: 222


1- الفصول المختارة ص 53_54
2- أقول: ظاهر كلامه رحمة الله أنّ الآية نزلت كذلك، ويحتمل أن تكون الآية نزلت مستقلّة ثمّ أمر رسول الله (صلّ الله علیه و آله وسلّم) أن توضع في هذا الموضع. قال في الكشّاف (1: 323) في ذيل قوله تعالى { واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثمّ توفّىٰ كلّ نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} عن ابن عبّاس أنّها آخر آية نزل بها جبرئیل (علیه السّلام) علا وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة، وعاش رسول الله ( صلّ الله علیه و آله وسلّم)بعدها أحد وعشرين يوماً .

(1)

وينبغي توضيح معنى الآية، فنقول : قوله تعالىٰ ( إنّما) كلمة حصر تقتضي حصر إرادة الله تعالىٰ في إذهابالرجس عن أهل البيت (علیهم السّلام) ،وهو متحقّق حين نزول الآية، وإذهاب جنس الرجس بحيث لا يكون فيهم رجس أصلاً يقتضي العصمة عن کلّ ذنب وخطأ،فتكون «إنّما» ابتداء الكلام ولا ترتبط بسابقها .

وزعم الزمخشري أنّ كلمة «إنّما» تعليل لصدر الآية وسابقتها، قال: ثمّ بين أنّه

ص: 223


1- وقيل: أحد وثمانين . وقيل: سبعة أيّام. وقيل: ثلاث ساعات . وحكى السيوطي في الاتقان في مسألة جمع القرآن عن غير واحد الاجماع على أنّ ترتيب الآيات توقيفي من النبي (صلّ الله علیه و آله)، ثمّ روی جملة من أخبارهم الدالّة علىٰ ذلکتصريحاً أو إشارة. منها: ما رواه عن ابن حنبل وأبي داود وغيرهما، عن ابن عبّاس، قال: قلت لعثمان: ما حملكم علىٰ أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينها سطر «بسم الله الرحمن الرحیم» ووضعتموها في السبع الطوال، فقال عثمان: كان رسول الله (صلّ الله علیه و آله): تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا ٱنزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها، فظننت أنّها منها، فقبض( صلّ الله علیه و آله) ولم يبّين لنا أنّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم انتهیٰ . ونحن متعبّدون من قبل أئمّتنا( علیهم السّلام) بأنّ نقرأ القرآن في الصلاة وغيرها علىٰ هذا النحو الموجود بين الدفّتين، وما ذكرناه في آية التطهير يأتي في قوله تعالىٰ( اليوم أكملت لكم دینکم که الآية، وفي قوله ولا أسألكم عليه أجراً الاّ المودّة في القربیٰ) .

إنّما نهاهنّ وأمرهنّ ووعظهنّ لئلاّ يقارف اهل بیت رسول الله (صلّ الله علیه و آله) المآثم،وليتصوّنوا عنها بالتقوىٰ، واستعار للذنوب الرجس وللتقوىٰ الطهر؛ لأنّ عرض المقترف للمقبحات يتلوّث بها ويتدنّس، كما يتلوث بدنه بالأرجاس.

وأمّا المحسنات، فالعرض معها نقيّ مصون كالثوب الطاهر، وفي هذه الاستعارة ما ينفرأولي الألباب عمّا كرهه الله لعباده ونهاهم عنه، ويرغّبهم فيما رضيه لهم وأمرهم به (1) إنتهىٰ .

وفيه أنّ تذکیر ضمیر «عنکم» ينافي ذلك، والعجب أنّه من أهل الأدب فكيف تغافل عن ذلك ؟!.

ثمّ إنّه إن كانت «إنّما» تعليلاًّ، فينبغي أن يتأخّر عن الآية اللاحقة، وهي قوله تعالىٰ{ واذکرن ما يتلىٰ في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً }.

إن قلت: هب أنّه غفل عن ذلك، لكن يقال : إنّ المراد الأعمّ من أزواج النبي صلّ الله علیه و آله وسائر أقربائه، فغلب جانب الذكور.

قلت: إنّ الأحكام السابقة التي جعلت كلمة «إنّما» تعليلاً لها قد خو طب في بعضها نساء النبي خاصّة، وهي قوله {يا نساء النبي لستنّ كأحد من النساء إن اتّقیتنّ فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً * وقرن في بيوتكنّ ولا تبرّجن تبرّج الجاهليّة الأولىٰ وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله} وليس لسائر أقرباء النبي( صلّ الله علیه و آله) أحكام خاصّة مذكورة في الآيات

ص: 224


1- الكشاف 3: 538

حتّىٰ تعلّل بكلمة «إنّما» .

فلابدّ ٰعلیٰ فرض إرادة العموم أن تكون كلمة «إنّما» تعليلاً لقوله «وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله» وهو غير مستقيم؛ لأنّ هذه الأمور ل تختصّ بأهل البيت وأقرباء النبي (صلّ الله علیه و آله) ، بل هي واجبة على جميع المسلمين، فلا وجه لتخصيص أهل البيت بالذكر حينئذ .

قوله تعالى {يريد} يحتمل أمرين : الأوّل: الإرادة التكوينية التي يتعقّبها المراد لا محالة، فإن كان إخباراً عن تحقّقها ووقوعها، فقد ثبتت عصمتهم. وإن كان إخباراً عن أنها ستتحقّق، فلا محالة قد تحقّقت؛ لأنّ الله لا يخلف الميعاد .

ولعلّ الإتيان بالفعل المضارع للدلالة علىٰ أنّ الممكن يحتاج إلى الواجب في كلّ آنٍ، فلابدّ في وجوده من إعطاء الوجود له، فإذهاب الرجس لابدّ أن يستمرّ، ولا يكفي الأذهاب في زمان، والفعل المضارع يدلّ علىٰ ذلك.

الثاني: الإرادة التشريعية، بمعنى أنّه تعالىٰ أمركم بأشياء ونهاكم عن أشياء، كي تمتثلوا أوامره ونواهيه، لعلّة أن يذهب عنكم الرجس ويطهّركم تطهيرا، نظير قوله تعالىٰ ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم ) (1) وبناءً علىٰ هذا الاحتمال لا دلالة علىٰ وقوع إذهاب الرجس عنهم، لأنّ الإرادة التشريعية لا تقتضي وقوع المراد؛ لتخلّفها عنه في من لم يمتثل أوامره ونواهيه، وظاهر کلام الزمخشري المتقدّم آنفاً أنّ المراد بالإرادة هي التشريعية .

ص: 225


1- المائدة : 6

أقول فيه أوّلاً : أنّ الإرادة التشريعية لا تناسب كلمة الحصر؛ لأنّها ثابتة في حقّ غير أهل البيت، فإنّ الله قد أراد وكلّف جميع الناس بالصلاة وغيرها. نعم يحتمل أن يكون ما توجّه إلى المعصومين من التكاليف بالإرادة التشريعية منحصراً فيهم لعدم قابليّة غيرهم له.

وثانيا: أنّه لو لم يمتثل أوامر الله سبحانه ونواهيه أحد، فلا شكّ في أنّ النبي (صلّ الله علیه و آله) وعلياً وفاطمة والحسن والحسين ( علیهم السّلام) يفعلون ذلك وقد فعلوا، فيلزمه

ترتّب الغاية لهم من الإرادة التشريعية، وهو إذهاب الرجس وتطهيرهم تطهيرا.

وعلى كلّ تقدير فالآية تدلّ علىٰ تحقّق الغاية في حقّهم.

قوله تعالىٰ {ليذهب عنكم الرجس} الإذهاب يصدق في الأعمّ من رفع ما هو موجود، ودفع تحقّق ما كانت له قابلية الوجود، وإذا خلق الله أرواحهم أنواراً لا ظلمة فيها، فقد أذهب عنهم الظلمة بأن جعلهم من أوِّل الأمر أنواراً، و لا يعتبر في صدق الإذهاب وجود الشيء حتّىٰ يقال: أذهبه عنهم، بل يكفي في الصدق إمكان وجوده، فلا يقال أذهب الرجس عن الجدار؛ لعدم الشأنية فيه .

وقال الشيخ المفيد( رحمة الله )في المسائل العكبرية: والإذهاب عبارة عن الصرف،وقد يصرف عن الإنسان ما لم يعتره، كما يصرف ما اعتراه، ألا ترىٰ أنّه يقال في الدعاء: صرف الله عنك السوء، فيقصد إلى المسألة منه تعالىٰ عصمته من السوء دون أن يراد بذلك الخبر عن سوء به، والمسألة في صرفه عنه (1) .

ولا بأس بذکر کلام اللغويين في معنى الرجس :

ص: 226


1- المسائل العكبرية ص 27

قال الراغب: الرجس الشيء القذر، والرجس يكون علىٰ أربعة أوجه: إمّا من حيث الطبع، وإمّا من جهة العقل، وإمّا من جهة الشرع، وإمّا من كلّ ذلك (1).

أقول: هذا تطبيق منه علىٰ موارد الاستعمال .

قال في تهذيب اللغة: قال الزجّاج : الرجس في اللغة اسم لكلّ ما استقذر من عمل ... و قال ابن السكّيت : .... والرجس الشيء القذر ... وقال الليث : والرجس في القرآن العذاب کالرجز وكلّ قذر رجس (2) .

وقال في المقاييس: الرجس أصل يدلّ على اختلاط، يقال: هم في مرجوسة من أمرهم أي اختلاط ... و من الباب الرجس القذر لأنّه لطخ وخلط (3).

أقول: لعلّ معنى الرجس هو المستقذر الذي ينبغي التنزّه عنه، ففي بعض الأشياء يكون مساوقاً لنجاسته، وفي بعضها لبعده عن النورانية، قال الله تعالىٰ: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنّما يصّعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} (4) ثمّ إنّ للايمان مراتب، فمقابله أيضاً كذلك، فإذهاب الرجس بتمامه لازم تحقّ الإيمان الكامل، وإلاّ فبمقدار الإيمان، وكذا في مقابله وهو الكفر يختلف الرجس باختلاف مراتبه. قال تعالىٰ: { وإذا ما ٱنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته

ص: 227


1- مفردات الراغب ص 188
2- تهذيب اللغة 10: 580
3- معجم مقاییس اللغة 2: 409
4- الأنعام : 125

هذه إيماناً فأمّا الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلیٰ رجسهم وماتوا وهم كافرون } (1).

وهو يفيد أنّ الرجس ضدّ الإيمان، وأنّه يزداد كما يزداد الإيمان، فإذا بلغ الإيمان المبثوث على الجوارح والجوانح إلىٰ كماله، فقد ذهب الرجس بتمامه .

تنبيه

إنّ الكذب على الله وعلىٰ رسوله بل مطلقا، والغضب على المؤمنين لإطاعتهم ربّ العالمين، من الرجس وقد أذهب الله ذلك عنهم (علیهم السّلام)، وإنّا نعلم قطعاً أنّ علياً (علیه السّلام) قال: إنّي خليفة رسول الله (صلّ الله علیه و آله) بالنصّ عليّ من الله ومن رسوله، وهو لا يكذب؛ لأنّ الكذب من الرجس، وإنّه غضب علىٰ أبي بكر وعمر وأتباعهما، وهو من الرجس إن لم يكن بحقّ، وإنّ فاطمة علیها السّلام قد أقرّت بإمامة علي علیه السّلام ، لأنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، فكيف لا تقرّ بها وهي المعصومة،وهي سلام الله عليها ماتت غاضبة على الغاصبين منصبه، ولا تغضب لغير رضا الله سبحانه؛ لأنّ الغضب كذلك من الرجس .

وإذا ثبت بهذه الآية الشريفة أنّ فاطمة عليها السّلام معصومة لا تكذب ولا تخطيء،ولم تمت ميتة جاهلة، فاعتقادها بإمامة بعلها يدلّ علىٰ أنّه خليفة رسول الله صلّ الله علیه و آله

وغضبها على الغاصبين يدلّ علىٰ بعدهم عن رحمة الله، وأيضاً قولها يفيد العلم لجميع المسلمين، وإذا حصل من قولها العلم لجميع المسلمين، فلا مجال لمطالبتها بالبيّنة .

ص: 228


1- التوبة: 124_125

فاذا طلبت إرثها من المتسلّطين على إرث أبيها عدواناً، فإنّها لا تكذب، بل هي تعلم أنّها ترث، فيكون الخبر الذي اختلقه الغاصب ووضعه من أنّ النبي (صلّ الله علیه و آله ) قال: «ما تركناه صدقة» كذباً وزوراً، ولذا جادلتهم بالقرآن الكريم، وأظهرت أنّ زوجها أعلم منهم بعموم القرآن وخصوصه، فإنّ من طهّره الله، فهو من المطهّرین المذكورين في قوله تعالىٰ { لا يمسّه إلا المطهّرون} وقد تقدم أنّ المراد من المسّ درك حقيقة القرآن واتّحاد أنفسهم المقدّسة به، فهم أعرف بالقرآن من غيرهم.

أضف إلىٰ ذلك أنّ النبي( صلّ الله علیه و آله) لو كان لا يورث المال، لوجب عليه أن يبلّغ هذاالحكم إلى ابنته وبعلها، وإلاّ فلم يبلّغ أحكام الله كاملة، ولم يكن له عذر في ذلك،فمن ذلك يعلم ضرورة أنّ هذا الحكم المزعوم لم يكن، وأنّ الأنبياء كغير هم تورث أموالهم علىٰ كتاب الله .

آية المباهلة

الآية الثانية: قال الله تبارك وتعالى: (فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثمّ نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (1) .

والبهل في اللغة: التلاعن، قال في المصباح المنیر: باهله مباهلة من باب قاتل لعن كلّ منهما الآخر، وابتهل إلى الله تعالىٰ ضرع إليه (2) إنتهىٰ .

وعدّ في المقاييس من معانيه التضرّع في الدعاء ، فإن المتباهلين يدعو کلّ

ص: 229


1- آل عمران : 61
2- المصباح المنير ص 64

واحد منهما علىٰ صاحبه (1) إنتهیٰ قال في التبيان: من معانيه الدعاء بهلاك الكاذب، قال: كاللعن وهو المباعدة من رحمة الله عقاباً علىٰ معصيته، فلذلك لا يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيمة أو نحو ذلك (2) إنتهىٰ .

أقول: إنّ موضوع المباهلة إرادة تمييز المحقّ من المبطل، وذلك لا يصحّ أن يفعل إلاّ بمن هو مأمون الباطن، مقطوع علىٰ صحّة عقيدته، فلذا كان ينبغي علىٰ كلّ واحد منهما أن يأتي بأعزّ الأنفس عليه، ليظهر أنّه على الحقّ؛ إذ لا إنسان پرید هلاك أعزّ الأنفس أعني نفسه و نفس من يحبّه، وإنّما يأتي بهم لعلمه بأنّه لا يصيبهم عذاب، وقد عرف النصارىٰ ذلك، فلذا انصرفوا عن المباهلة .

ويفهم من قوله ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين) و أنّ الذين أتىٰ بهم النبي ( صلّ الله علیه و آله) ليسوا كاذبين ولو بكذبة واحدة، وهذا مدح بليغ لهم. فتأمّل .

قوله تعالى ( أنفسنا) وفي المراد به ثلاثة احتمالات : الأوّل: أنّه نفس النبي (صلّ الله علیه و آله)وشخصه .

ویرده أولا: أن النبي (صلّ الله علیه و آله) داخل في قوله تعالىٰ «ندعو» فيلزم کون الداعي والمدعو واحداً، أو فقل دعوة الشخص نفسه، وهو كما ترىٰ .

وثانياً: أنّ لازمه إهمال ذكر علي علیه السّلام في الآية، مع أنّه ذكر فيها جميع من كان مع النبي(صلّ الله علیه و آله)من فاطمة وولديها علیهم السّلام ولا يعلم له وجه .

ص: 230


1- معجم مقاييس اللغة 1: 311
2- التبيان 2: 484

الثاني: أنّ المراد به الجماعة المتّحدة في جهة، وهو هنا بمعنی جماعتنا الشاملة النفس النبي وعلي وفاطمة والحسنین صلوات الله عليهم أجمعين. نظير قوله تعالىٰ (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فیهم رسولاً من أنفسهم ) وقوله تعالىٰ (فاقتلوا أنفسكم) .

ویرده أولاً : ما تقدّم في الجواب الأوّل على الاحتمال الأوّل؛ إذ يلزم دعوة النبي (صلّ الله علیه و آله) نفسه في ضمن الجماعة.

وثانياً: أنّه لا يبقىٰ معه وجه لإفراد الأبناء والنساء بالذكر، فإنّهما داخلان في «أنفسنا» على هذا المعنىٰ .

الثالث: أن يراد به من هو بمنزلة النبي (صلّ الله علیه و آله) في جميع خصاله وفضائله سوی النبوّة، وهذا هو المتيقّن بعد بطلان سابقيه، ويعضده أنّه تعالى ذكر جميع من كان مع

النبی ( صلّ الله علیه و آله) كلاً بانفراده، فعني بالنساء فاطمة علیها السّلام وبالأبناء الحسنین علیهما السّلام فيبقىٰ علي علیه السّلام فينطبق «أنفسنا» عليه، ويدلّ علىٰ أنّ فيه خصال النبي (صلّ الله علیه و آله) جميعها إلاّالنبوّة، فيدلّ على أنّه أفضل من كلّ من كان النبي (صلّ الله علیه و آله) أفضل منه، وأيضاً أنّ النبي (صلّ الله علیه و آله) يحبّ نفسه لأنّها محبوبة لله، وعلي علیه السّلام محبوب عنده کنفسه، وحبّ النبي(صلّ الله علیه و آله) وبغضه لا يكونان إلاّ في الله، فيكون حبّ النبي لعلي علیهما السّلام من أجل أنّه أفضل العباد بعده .

فإذا كان أمير المؤمنين علي عليه السّلام نفس النبي (صلّ الله علیه و آله) في علمه وزهده وورعه، وكونه رحمة للعالمين، وشجاعته، فأيّ عاقل يرضى بأن لا يكون هو المقدّم علىٰ غيره، وهل هناك ظلم أكبر من حرمان المسلمين، بل الناس من تأميره علیه السّلام

ص: 231

والاهتداء بهداه.

المقام الثاني

في بعض الآيات المادحة للنبي (صلّ الله علیه و آله) والأئمة المعصومين علیهم السّلام بالانطباق عليهم لكونهم أظهر الأفراد منها: قوله تعالى ( إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) (1) وقال تعالى: ( إنّ الأبرار لفي نعيم) (2).

والأبرار جمع برّ صفة مشبهة، من برّ يبرّ بكسر الباء وفتحها برّاً بكسر الباء ومبرّة، فهو برّ بفتح الباء .

وقد بيّن الله سبحانه البّر في قوله (ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنّ البرّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيّين و آتی المال علىٰ حبّه ذوي القربىٰ واليتامىٰ والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في

ص: 232


1- الإنسان : 5
2- الانفطار : 13 . روىٰ في البحار [26: 2ح 5] عن كنز الفوائد بإسناده عن أبي حمزة،عن أبي جعفر علیه السّلام في قوله عزّوجلّ ( إنّ الأبرار لفي نعيم * وإن الفجّار لفي جحيم) قال:الأبرار نحن هم، والفجّار هم عدوّنا . ورويٰ أيضاً عن المناقب بإسناده عن محمّد ابن الحنفية، عن الحسن بن علي علیهما السّلام قال: كلّ ما في كتاب الله عزّوجلّ ( إنّ الأبراره) فوالله ما أراد إلاّ علي بن أبي طالب وفاطمة وأنا والحسين؛ لأنّا نحن أبرار بابائنا وأمّهاتنا، وقلوبنا علت بالطاعات والبرّ،وتبرّأت من الدنيا وحبّها، وأطعنا الله في جميع فرائضه، وآمنّا بوحدانيته، وصدّقنا برسوله. (ح 9)

البأساء والضرّاء وحين البأس ٱولئك الذين صدقوا وٱولئك هم المتّقون ) (1).

وقال تعاليٰ: (ليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البرّ من اتّقىٰ وأتوا البيوت من أبوابها) (2) وقال تعالىٰ: ( لن تنالوا البرّ حتّىٰ تنفقوا ممّا تحبّون) (3) .

وهذه الأوصاف المذكورة موجودة في النبي (صلّ الله علیه و آله) والأئمة المعصومین علیهم السّلام فإنّهم مؤمنون حقيقة، وقد بذلوا طعامهم علىٰ حبّ الله وفي سبيله، كما بيّن حالهم في سورة هل أتيٰ، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة و أوفوا بعهودهم، وصبروا في البأساء والضرّاء وهم من الصادقين، فهم أظهر مصاديق الأبرار .

ومنها: قوله تعالىٰ ( والسابقون السابقون * أولئك المقرّبون ) (4) أي:

ص: 233


1- البقرة : 177
2- البقرة : 189
3- آل عمران : 92
4- الواقعة : 10- 11. روىٰ في البحار [ 3:24ح 7] عن كنز الفوائد بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر علیه السّلام عن أبيه علي بن الحسين عيلهما السّلام ، عن جابر بن عبدلله رضی الله عنه عن النبي (صلّ الله علیه و آله) ، قال: قوله عزّوجلّ (ومزاجه من تسنیم) قال: هو أشرف شراب في الجنّة يشربه محمّد وآل محمّد، وهم المقرّبون السابقون: رسول الله (صلّ الله علیه و آله) وعلي بن أبي طالب والأئمة وفاطمة وخديجة صلوات الله عليهم وذرّيتهم الذين اتّبعوهم بإيمان، يتسنّم عليهم من أعالي دورهم . ورويٰ عن المناقب، عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالىٰ( والسابقون السابقون * أولئك المقرّبون) قال: نحن السابقون، ونحن الآخرون. (ح 11). وعن ابن عبّاس، قال: سألت رسول الله (صلّ الله علیه و آله) عن قول الله عزّوجلّ ( والسابقون السابقون * أولئك المقرّبون) فقال: قال لي جبرئیل: ذاك علي وشیعته هم السابقون إلى الجنية المقرّبون من الله بكرامته لهم. (ح 13) وغيرها

السابقون إلى الإيمان في كلّ زمان، فإنّ المؤمنين سبقوا غيرهم من أهل عصرهم إلى الإيمان، إذ إنّ معنى السبق هو تقدّم البعض على البعض، كما في قوله تعالىٰ( وفاستبقوا الخيرات ) (1).

فإن قيل: إنّ المراد أن يتسابق اثنان ويسبق أحدهما الآخر، فيمكن أن يقال: إنّ المؤمنين في كلّ زمان إن جاهد أحدهم حتّىٰ بلغ الإيمان الكامل بدرجاته المبثوثة في الجوارح والجوانح، فقد سبق سائر المؤمنين وهو من السابقين .

قلنا: إنّ من المحتمل أن يكون المراد السابق من ابقين، فيختصّ بالمؤمنين السابقين المذكورين في قوله تعالىٰ ( والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار) (2)(2) إلا أنّ ظاهر التقييد بكونهم الأوّلين من المهاجرين والأنصار وجود سابقين من غيرهم .

فلعلّ المراد بهم من ذكرهم الله تعالىٰ في قوله (إنّ الذين هم من خشية ربّهم مشفقون * والذين هم بآيات ربّهم يؤمنون * والذين هم بربّهم لا يشركون * والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنّهم إلىٰ ربّهم راجعون : أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون) (3)(3) .

أو المراد بهم السابقون في التقوىٰ على المتسابقين إليها وهم المقّربون، وهؤلاء ينبغي أن يكونوا في مرتبة راقية كمرتبة النبوّة؛ لأنّ الله تعالىٰ قال في حقّ

ص: 234


1- المائدة : 48
2- التوبة : 100
3- المؤمنون : 57_61

عیسی عليه السّلام : ( وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين ) (1) ولا ريب في أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام من السابقين المقرّبين .

ومنها: قوله تعالىٰ ( إنّما يخشى الله من عباده العلماء) (2) فإن النبي ( صلّ الله علیه و آله) والأئمّة المعصومین علهیم السّلام من أجلیٰ مصاديق العلماء؛ لأنّهم يعلمون الكتاب المشتمل علىٰ علم ما كان وما يكون، فهم مصادیق قوله تعالىٰ ( إن في ذلك لآيات للعالمين ) (3) وقوله تعالىٰ (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (4) . وقد وردت أخبار كثيرة في الكافي والبحار وغيرهما في تطبيق ما جاء في القرآن الكريم من المدح للمؤمنين والمتّقين والمتوكّلين والصابرین وسائر الفضائل على الأئمّة المعصومین علیهم السّلام ، فليرجع إليها من أراد .

وهم أجلىٰ وأتمّ مصاديق أولي النهىٰ، والعلماء، وعباد الرحمٰن، والشجرة الطيّبة، والذين قالوا ربّنا الله ثمّ استقاموا.

المقام الثالث

في بعض الآيات التي تنطبق على الأئمة المعصومين ععلیهم السّلام أو علىٰ مخالفيهم بعد تجريد معانيها عن الخصوصيات التي لا دخل لها في ترتّب الحكم، أو تدلّ على مدح الأئمة المعصومين عليهم السّلام أو ذمّ أعدائهم بعد إرجاعها إلىٰ بعض الآيات الٱخر

ص: 235


1- آل عمران : 45
2- فاطر : 28
3- الروم : 22
4- الزمر : 9

منها: قوله تعالىٰ (وهدوا إلى الطيّب من القول وهدوا إلىٰ صراط الحميد) (1) فإنّه قد تبيّن ممّا ذكرناه في أوصاف الكتاب أنّ من أوصافه أنّه صراط مستقیم وصراط حميد، وذكرنا اتّحاد الأئمّة المعصومين عليهم السّلام مع الكتاب، فهم الصراط الحميد، وعليه فالمؤمنون هدوا إلىٰ أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (2).

ومثله قوله تعالىٰ (فاستمسك بالذي ٱوحي إليك إنّك علىٰ صراط مستقیم) (3) أي: إنّك علىٰ ولاية علي علیه السّلام،و علي عليه السّلام هو الصراط المستقيم (4) .

وكونه ( صلّی الله علیه و آله) علىٰ ولاية علي علیه السّلام معناه أنّه على الاعتقاد بها وعلى الطريقة اللازمة لها، لا أنّ لعلي علیه السّلام و لاية علىٰ رسول الله صلّی الله علیه و آله) ، وهذا واضح.

ومنها: قوله تعالىٰ (ولكنّ الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) (5) فإنّه بعد ما تقدّم ظهر أنّ الإيمان لو تجسّد، لكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام .

كما قال النبي (صلّی الله علیه و آله)حين برز علي علیه السّلام إلىٰ عمرو بن عبدودّ: برز الإيمان كلّه

ص: 236


1- الحجّ : 24
2- روىٰ فی الکافی [1 : 426 ح 71] بإسناده عن عبد الرحمٰن بن کثیر، عن أبي عبدالله علیه السّلام في قوله تعالىٰ ( وهدوا إلى الطيّب من القول وهدوا إلىٰ صراط الحميد ) قال: ذاك حمزة وجعفر وعبيدة وسلمان وأبوذرّ والمقداد بن الأسود وعمّار، هدوا إلىٰ أمير المؤمنین علیه السّلام
3- الزخرف : 42
4- أصول الكافي 1: 417 ح 24
5- الحجرات : 7

إلى الكفر كلّه .

وعلىٰ هذا فيمكن أن يقال: إنّ المعنىٰ حبّب إليكم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، وهكذا العكس بالنسبة إلىٰ قوله ( كرّه إليكم الكفره ) (1) .

ومنها: قوله تعالىٰ (لا يملكون الشفاعة إلاّ من اتّخذ عند الرحمٰن عهدا ) (2) فإنّه يدلّ علىٰ أنّ عليّاً علیه السّلام لا يشفع؛ لأنّ من مصادیق العهد (3) الإمامة؛ لما تقدّم من الآيات أنّ إبراهيم عليه السّلام سأل ربّه الإمامة لذرّيته، فقال سبحانه ( ولا ينال عهدي الظالمين) (4) ومعناه أنّه ينال غير الظالمين من ذرّيته، وإلاّ كان حقّه أن يطلق القول: لا ينال عهدي ذرّيتك، فجعل العهد - أي الإمامة - إلىٰ من كان من ذرّيته موحّداً من أوّل عمره إلىٰ آخره.

وقد سبق تطبيقه علىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام،فهو يملك الشفاعة بحسب هذه الآية. فإنّه مأذون (5) له من قبل الله في الشفاعة، فيكون مصداقاً لقوله

ص: 237


1- رویٰ في الكافي [1 : 426 ح71] في حديث عن أبي عبدالله عليه السّلام، قال: وقوله (حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم) يعني أمير المؤمنين عليه السّلام (و كرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان) الأوّل والثاني والثالث
2- مریم : 87
3- روى الكليني رحمة الله في الكافي [1: 431ح 89] بإسناده عن سماعة، عن أبي عبدالله عليه السّلام في قول الله عزّوجلّ (و أوفوا بعهدي) قال: بولاية أمير المؤمنين علیه السّلام ( أوف بعهدكم) ٱوف لكم بالجنّة
4- البقرة : 124
5- روئ في البحار [24: 257ح 1] عن المناقب، عن الكاظم علیه السّلام في قوله تعالىٰ ( إلاّ من أذن له الرحمن) الآية، قال: نحن والله المأذون لهم يوم القيامة والقائلون صواباً

تعالىٰ ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلاّ من أذن له الرحمن ) (1).

ومنها: قوله تعالىٰ (و يوم يعضّ الظالم علىٰ يديه يقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلاً) (2) فإنّه يدلّ علىٰ أنّ السبيل هو علي عليه السّلام، فإنّ السبيل متّحد مع

الصراط المستقیم .

وقد سبق أنّ الأئمّة المعصومين عليهم السّلام هم الصراط المستقيم؛ إذ بيّنا أنّ الكتاب صراط مستقيم، وأنّه في صدورهم، وهم متّحدون معه.

فعلىٰ هذا يكون معنىٰ الآية تمنّي الظالم لو أنّه يكون قد اتّخذ مع الرسول شخصاً آخر وهو السبيل، وإن كان يحتمل أنّ المراد ما يظهر منه من أن يتّخذ سبيل الرسول سبيلاً، أي: يكون مع الرسول، لكن علىٰ ما ذكرنا يكون له معنىٰ آخر.

ومنها: قوله تعالىٰ ( وأشرقت الأرض بنور ربّها ) (3) فإنّه يمكن تطبيقه على النبي صلّی الله علیه و آله والأئمة المعصومین علهم السّلام، بأن يكون المراد من قوله «ربّها» أي: ربّ الأرض، وهو الله سبحانه، ونور الله ينطبق على (صلّی الله علیه و آله ) والأئمةالمعصومین علیه السّلام : لأنّهم واجدون لكتاب الله الذي هو نور، أي: نور الله، فيكونون نور الله، والدنيا وإن أشرقت بنور ربّها المنبعث من الشمس وغيرها، لكن يوم القيامة لا شمس ولا قمر ولا نجوم، فله نور آخر (4) .

ص: 238


1- طه : 109
2- الفرقان : 27
3- الزمر : 69
4- رویٰ علي بن إبراهيم في تفسيره [2: 253] بإسناده عن المفضّل بن عمر أنّه سمع أباعبد الله علیه السّلام يقول في قوله (وأشرقت الأرض بنور ربّها) قال: ربّ الأرض يعني إمام

ختام

(1)

ونكتفي بهذاالمقدار في هذا المقام، ويمكن بما ذكرنا تصحيح أكثر الأخبار الواردة في تأويل الآيات بالنبي صلّی الله علیه و آله والإمام المعصوم علیه السّلام المذكورة في الكافيومجلّدات الإمامة من البحار، فلاحظ .

ص: 239


1- الأرض ،فقلت: إذا خرج يكون ماذا؟ قال: إذاً يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر، ويجتزّون بنور الإمام.

الفصل التاسع

في أنّ مصداق الآيات المذكورة في الفصول المتقدّمة في هذا الزمان هو الإمام الثاني عشر الحجّة بن الحسن عجّل الله فرجه تقدّم في الفصول السابقة ذكر الآيات القرآنية الدالّة علىٰ وجود الإمام المعصوم، المتّصف بصفات الكتاب الكريم من حين وفاة النبي (صلّی الله علیه و آله) إلى آخر زمان وجود المكلّفين، وإلىٰ ما شاء الله تبارك وتعالىٰ .

وأمّا مصادیق الآيات المذكورة، فهم أئمة أهل البيت علیه السّلام، و أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، فإنّ الصفات التي اعتبر القرآن الكريم توفّرها في الإمام كانت فيه، ولا يحتمل وجودها في غيره؛ لأنّ جماعة ممّن صحب النبي( صلّی الله علیه و آله ) كانوا كفّاراً فأسلموا، فلذا لا يستحقّون الإمامة، وجماعة منهم نشأوا في الإسلام لكن ليست لهم تلك الصفات .

وهذا واضح لمن عرف مقام الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام ، وعرف سائر أصحاب النبي (صلّی الله علیه و آله) ولا مجال لإنكاره لمن لم يعاند ولم يتعصّب .

ثمّ بعده لا يكون الواجد لتلك الصفات إلاّ ريحانتي رسول الله (صلّی الله علیه و آله)فالإمام هو

ص: 240

الحسن بن علي عليهما السّلام ، ثم الحسين بن علی علیها السّلام ، وهكذا لا تجد بتلك الصفات إلاّ أولاد الحسين المعصومين علیهم السّلام واحداً بعد واحدٍ إلى الإمام الحسن بن علي العسكري علیهما السّلام .

وبعد وفاته يكون الإمام ولده الحجّة المهدي - عجّل الله تعالیٰ فرجه - فإنّه لا يوجد من يجمع تلك الصفات غيره، فإن لم يكن هو الإمام لزم عدم دلالة الآيات القرآنية علىٰ ذلك، وهو خلف لما أثبتناه، فهو المتعّين لمصداق الآيات.

و وجود الإمام المهدي - عجّل الله تعالیٰ فرجه - وكونه ولداً للإمام الحسن بن علي العسكري علیه السّلام المولود عام (255)ھ وغيبته وظهوره هي من الضروريات عند الشيعة الإمامية الإثني عشرية، وقد ثبت ذلك بالأخبار المتواترة عن النبي( صلّی الله علیه و آله) ، والأئمة المعصومین علیهم السّلام، وعلماء الشيعة من زمان الإمام الحسن بن علي العسكري علیهما السّلام إلىٰ زماننا قد أثبتوا ذلك وأظهروا الحقّ واعتقدوه، وهم في العلم والتحقيق والتدقيق لا يشقّ لهم غبار، وفي الزهد والتقوىٰ والورع والعبادة قد بلغوا الغاية، وهم جماعة كبيرة يبلغون الآلاف جيلاً بعد جيل في جميع الأعصار .

وقد كان للإمام المهدي - عجّل الله تعالیٰ فرجه - خمس سنين حين وفاة أبيه على ما جاء في الروايات، ونصّ عليه المؤرّخون، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون غائباً عن الأبصار، كالشمس التي غيّبها السحاب، وأنّه يظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً ، وقد أبقاه الله تعالىٰ بقدرته الكاملة التي أخبر عنها في النبي يونس عليه السّلام ، حيث قال تعالى شأنه: ( فلو لا أنّه كان من

ص: 241

المسبّحين *للبث في بطنه إلىٰ يوم يبعثون) (1) أي: لبث حياً إلىٰ يوم البعث، وهو عذاب لروحه، وأمّا الجسد الميّت فلا فرق بين بقائه في بطن الحوت أو بطن الأرض.

وليس الغرض من عقد هذا الفصل بیان أحواله وشؤونه - عجّل الله تعالىٰ فرجه - فإنّ كتب علماء الشيعة في ذلك قد تكفّلت بالتفصيل والتحقيق فيه، وشمّر العلماء ساعد الجدّ في الدفاع عن هذا المعتقد الحقّ خلفاً عن سلف، حتّىٰ بلغت هذه العقيدة من الوضوح والصدق والثبوت والإثبات حيث لا ينكرها إلاّ جاهل أو معاند .

وقد خلّفوا من الآثار والكتب المؤلّفة في هذا المجال ما انتشر في الآفاق، وإنّما غرضنا الإشارة إلى أنّ تلك الصفات المذكورة في الآيات السابقة تنطبق على الإمام الثاني عشر عجّل الله تعالیٰ فرجه کانطباقها علىٰ آبائه المعصومين علىهم السّلام، علیٰ ما قدّمنا بيانه في الفصول السابقة .

فنقول: هو الذي بوجوده ثبتت الأرض، و لولاه لساخت بأهلها، و بوجوده تنزل السماء قطرها، وتخرج الأرض بركاتها، وبه حياة من يمشي على الأرض، علىٰ ما تقدّم بيانه في الفصل الأوّل .

وهو الذي اختاره الله تعالىٰ للإمامة، كما اختار آباءه الطاهرين علیهم السّلام للإمامة، وليس للناس الخيرة في تعيين الإمام، وهو خليفة الله في أرضه، وهذه الخلافة استمرار لخلافة آدم، فإنّه أوّل خليفة لله في أرضه، ثم بعده الأوصياء والأنبياء إلىٰ

ص: 242


1- الصافات : 143_144

أن انتهت خلافة الله إلىٰ نبيّنا أفضل الأنبياء وأشرفهم محمّد(صلّی الله علیه و آله) ، وأمّا بعد وفاته فخليفة الله في أرضه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام ، إلى أن انتهت إليه عجّل الله فرجه .

وهو الهادي للمكلّفين من الإنس والجنّ هداية واقعية لا خطأ فيها؛ لأنّه المعصوم عن الخطأ، وهو وإن حجب عن الأبصار، إلاّ أنّ بصائر المؤمنین تستضيء بنوره و تهتدي بهداه، وهو حجّة الله البالغة على العباد .

وهو من الأئمة المعصومين عليهم السّلام الذين أكمل الله تعالىٰ الدين بهم، وأتمّ على المكلّفين نعمته بولايتهم، ورضي لهم الإسلام ديناً .

وهو من القربي الذين أوجب الله تعالىٰ مودّتهم، وجعل الرسول (صلّی الله علیه و آله) مودّتهم أجراً لرسالته، وولايته وولاية أجداده هي ما ٱنزل على الرسول وأمر بتبليغه، ولو لم يبلّغها لهم لما كان بلّغ شيئاً؛ لأنّ الغرض من رسالته لا يتحقّق بدون تبليغها .

وهو من ذرّية إبراهيم الذين استجاب الله تعالیٰ دعوته فيهم، وجعلهم من الذين نالهم عهد الإمامة الذين نال إبراهيم بعد ما ابتلاه الله، فهو المعصوم من كلّ خطأ لم يلبس إيمانه بظلم، فقد ولد مؤمناً بالله لم يعبد صنماً ولا وثناً، ولم يرتكب معصيةصغيرة ولا كبيرة.

وهو الشاهد علىٰ أعمال العباد خفيها وجليها خيرها وشرّها قليلها وكثيرها، المطّلع عليها وعلىٰ أعمالهم القلبية، لأنّه عين الله الناظرة.

وهو الوجود العيني للكتاب، وإنّ في صدره الشريف آيات الكتاب البيّنات.

وهو من الذين اصطفاهم الله تعالىٰ من عباده الذين سبقوا إلى الخيرات، فأورثه الله

ص: 243

حقيقة الكتاب كآبائه الأطهار .

وهو الكتاب الناطق، له جميع صفات الكتاب المجيد، فهو من آيات القرآن التي قال الله تعالىٰ فيها (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) (1) فهو الآية بعد وفاة أبيه الإمام الحسن بن علي العسكري عليهما السّلام .

وهو البشير الذي يبشّر المتّقين بالجنّة، والنذير الذي ينذر العاصين بعذاب النار.

وهو من البصائر للناس لعلّهم يتذكّرون .

وهو الحكيم الذي لا يصدر منه غير الحكمة، وله منصب الحكم الذي كان للأنبياء، كما قال الله تعالىٰ في داود علیه السّلام: (یا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحقّ ولا تتّبع الهويٰ) (2) .

وهو الذكر المحفوظ الذي قال الله تعالىٰ: (إنّا له لحافظون) (3) يحفظه عن كلّ خطر وحادثة وكيد .

وهو رحمة للمؤمنين .

وهو الروح الذي به حياة الأرواح ومعه روح القدس .

وهو الشافي الذي جعله الله شافياً للأمراض الباطنية الروحية من الجهل والشرك، كما يستشفىٰ به من الأمراض الجسمية .

وهو الصادق الصدّيق في نيّاته وأحواله وأعماله .

ص: 244


1- البقرة : 106
2- ص : 26
3- الحجر: 9

وهو الصراط المستقيم، وسبيل الله الوحيد الذي فيه نجاة التابعين له.

وهو العظيم الذي عظّمه الله .

وهو الفرقان، وهو القول الفصل يفرق ويفصل بين الحقّ والباطل بسيره العملي والقولي .

وهو الكريم في كلّ شيء.

وهو كلمة الله التامّة التي تمّت صدقاً وعدلاً .

وهو الحافظ لجميع الكتب السماوية، والعالم بها، والمهيمن عليها .

وهو أكبر نعمة أنعم الله به على العباد، حيث أنعم الله عليهم بوجوده ووجود آبائه الطاهرين علیه السّلام .

وهو نور الله الذي ينوّر القلوب، ويخرج متّبعيه من الظلمات إلى النور، وهو من الرفعة والمقام العالي حيث لا يعرف مقامه ومقام آبائه إلاّ الله ورسوله وأوصياؤه عليهم السّلام .

وهو ممّن مسّ حقيقة القرآن؛ لأنّه الوجود العيني له، فهو من المطهّرين الذين أذهب الله عنهم الرجس والجهل والشكّ .

وهو من الذين عندهم القرآن الذي سيّرت به الجبال وقطّعت به الأرض، فله التصرّف التكويني، وكلّ شيء طوع أمره .

وما ذكرناه في هذا الفصل هو مضامین الآيات المذكورة في الفصول السابقة الدالّة علىٰ أنّ القرآن ذکر محفوظ بمراتبه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو باق أبداً، فحقيقته ووجوده في صدور الذين ٱوتوا العلم باقٍ كذلك،

ص: 245

وإنّما اقتصرنا علىٰ تکرار مضمونها، لأنّنا قد بيّناها فيما تقدّم.

فوجود الحجّة المهدي ابن الحسن - أرواح العالمين فداه - باقٍ من حين ولادته إلىٰ زماننا وإلىٰ ما شاء الله .

ثمّ إنّ في القرآن آیات لا يصحّ معنىٰ ظاهرها إلاّ بأن يأتي زمان يظهر فيه الحقّ، ويسيطر الدين الحقّ على العالم، وينتصر للمستضعفين، وهو لا ينطبق إلاّ علىٰ ما يعتقده الشيعة من ظهور الحجّة الثاني عشر الإمام المهدي - عجّل الله تعالی فرجه الشريف - الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً ، ويرجع آباؤه الأطهار وجماعة من المؤمنين إلى الدنيا، ولا بأس في أن نذكر بعضها : فمنها: قوله تعالى ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لیستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضیٰ لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) (1) وهذا الوعد من الله تعالىٰ لم يتحقّق منذ أن بعث الله نبيّه محمد (صلّی الله علیه و آله) إلىٰ يومنا هذا، وإذا كان له من تحقّق في الخارج، فإنّما هو في زمان ظهور الحجة (2).

ص: 246


1- النور: 55
2- جاء في مجمع البيان ( 4: 125) وروى العيّاشي بإسناده عن علي بن الحسين عليه السّلام أنه قرأ الآية وقال: هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل الله ذلك بهم علىٰ يدي رجل مناّ وهو مهدي هذه الٱمّة، وهو الذي قال رسول الله (صّلي الله علیه وآله) : لو لم يبق إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّىٰ يلي رجل من عترتي اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً

(1)

ومنها: قوله تعالىٰ ( إعلموا أنّ الله يحيي الأرض بعد موتها قد بيّنا لكم الآيات لعلّكم تعقلون) (2) ولعلّ المراد بقرينة قوله تعالىٰ ( قد بيّنا لكم الآيات لعلّكم تعقلون) هو إحياء الأرض بإحياء أهلها وتربيتهم بتعاليم الدين و آدابه، وإراء تهم طريق الهداية والرشاد؛ لأنّ حياة الأرض بالنبات بعد موتها أمر يعرفه الأطفال المميّزون، فلا يناسب الخطاب بقوله تعالىٰ (إعلموا) وقوله تعالىٰ ( لعلّكم تعقلون) ومقتضىٰ إطلاق الآية إحياء جميع الأرض لا بعضها، ولم يتحقّق ذلك إلىٰ زماننا، وإنّما هو في زمان ظهور الحجّة وبعده (3) .

ومنها: قوله تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدىٰ ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون) (4) والمراد هو جعل الدین غالباً علىٰ جميع الأديان بإعزازه ونصرته.

وذكر الشيخ المفيد رحمة اللهُ في الافصاح من الآيات الدالّة على ذلك قوله تعالىٰ (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون) (5) وقال

ص: 247


1- وجوراً وروي مثل ذلك عن أبي جعفر وأبي عبدالله علیهما السّلام .
2- الحدید : 17
3- رویٰ في الكافي (1: 198 - 203) بسنده عن عبدالعزيز بن مسلم في حديث طويل عن الرضا علیه السّلام: الإمام الماء العذب على الظمأ، والدالّ على الهدىٰ، والمنجي من الردیٰ . وفي كمال الدين (ص 668)بسنده عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السّلام في قول الله عزّوجلّ ( إعلموا أنّ الله يحيي الأرض بعد موتها ) قال: يحييها الله عزّوجلّ بالقائم بعد موتها، يعني بموتها كفر أهلها، والكافر میّت
4- التوبة : 33
5- آل عمران: 83

تعالىٰ: (وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهیداً )(1) وكلّ هذه أمور منتظرة غير ماضية ولا موجودة في الحال .

ومثلهم فيما بشّرهم الله تعالىٰ به من ذلك ما تضمّنه قوله تعالىٰ ( ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين * ونمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) (2) وقوله تعالىٰ في بني إسرائيل ( ثمّ رددنا لكم الكرّة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) (3) .

وممّا أنزله فيهم سوى المثل لهم علیه السّلام قوله تعالىٰ( الذين إن مکّنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأموره (4)

ويحقّق ذلك ما روي عن النبي (صلّی الله علىه و آله) علی الاتّفاق من قوله «لن تنقضي الأيّام والليالي حتّىٰ يبعث الله رجلاً من أهل بيتي يواطيء اسمه اسمي، يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً» (5) .

وغير خفي أنّ ذلك لم يتحقّق بعد، فلم يظهر الإسلام علىٰ جميع الأديان لا في زمان النبي (صلّی الله علیه و آله)ولا في الأزمنة التالية له، وإلى يومنا هذا، ولا زال الإسلام بحسب

ص: 248


1- النساء: 159
2- القصص: 5_6
3- الإسراء: 6
4- الحجّ :41
5- الافصاح ص 101 - 102

الظاهر ضعيفاً، وإن كان فيه من الحجج والدلالات والبراهين ما لا تثبت أمامه حجّة أو برهان، فإنّه الدين الحقّ الذي ارتضاه الله لعباده ولا يقبل منهم سواه.

والحاصل أنّ الآية تتضمّن الوعد بظهور الدين على جميع الأديان (1).

ومنها: قوله تعالىٰ (و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون) (2) وتدلّ الآية الكريمة علىٰ أنّه يأتي على الأرض زمان تختصّ فيه بالعباد الصالحين، ولم يتحقّق ذلك إلى زماننا، فيكون في زمان ظهور الحجّة.

وقد وضح و ظهر ممّا بينا أنّ الامام المعصوم الذي دلّت الآيات الشريفة علىٰ وجوده في زماننا هو الامام الثاني عشر الحجّة بن الحسن عجّل الله تعالیٰ فرجه، وهو الإمام الذي دلّت الأخبار علىٰ أنّ من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وهو عدل الكتاب الذي قال النبي (صلّی اله علیه و آله): إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي،وإنّهما لن يفترقا حتّىٰ یردا عليّ الحوض. فكما أنّ الكتاب موجود من زمان نزوله إلىٰ ما شاء الله، فكذلك عدله باقٍ .

ص: 249


1- روى الصدوق في كمال الدين( ص670) بإسناده عن أبي بصير، قال: قال أبوعبدالله علیه السّلام في قوله عزّوجلّ (هو الذي أرسل رسوله بالهدىٰ ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون) فقال: والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتّىٰ يخرج القائم عليه السّلام، فإذا خرج لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلاّ كره خروجه . وفيه أيضاً (ص 317) بإسناده إلى عبدالرحمن بن سليط، قال: قال الحسين بن علي بن أبي طالب علیهما السّلام : منّا إثنا عشر مهدياً أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الامام القائم بالحقّ، يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به الدين الحقّ على الدين كلّه ولو كره المشركون
2- الأنبياء : 105

وليعلم أن سنّة الله تعالىٰ جرت علىٰ أن يفتتن الناس حتّىٰ يصير مافي ضمائرهم من الإيمان والكفر متحقّقاً في الخارج، قال الله تعالىٰ : (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون * ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين) (1) والناس قد افتتنوا بعد وفاة النبي صلّی الله علیه و آله ، وكذا في كلّ زمان، وكذا بعد وفاة الامام الحادي عشر الحسن العسكري عليه السّلام، والإيمان الحقيقي الذي أمر الله تعالىٰ به هو الإيمان بأنّ أمير المؤمنين علياً هو الامام والخليفة بلا فصل لرسول الله (صلّی الله علیه و آله) إلى الأمام الثاني عشر، وهو الإمام من عند وفاة الامام الحسن العسكري علیه السّلام إلى زماننا وإلىٰ ما شاء الله تعالىٰ .

وعلىٰ هذا فينقطع السؤال عن أنّه لِم اختفي ولادته؟ ولماذا غاب؟ ولماذا طال عمره؟ ولماذا لا يظهر لخواصّ شيعته ولا يراه أحد؟ كلّ ذلك امتحان للمؤمنين حتّىٰ يثبت على الاعتقاد به المؤمن حقّاً، ولا نستند في إثبات وجوده علیه السّلام إلىٰ قاعدة اللطف، ولا علىٰ غيرها من الٱمور العقلية (2) .

ص: 250


1- العنکبوت: 2-3
2- روى الصدوق رحمة الله بإسناده عن عبدالله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد عليهما السّلام يقول: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابدّ منها يرتاب فيها كلِّ مبطل،فقلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ فقال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج الله تعالىٰ ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره، كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر علیه السّلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، لموسیٰ علیه السّلام إلاّ وقت افتراقهما، یابن الفضل إنّ هذا الأمر أمر من أمر الله، وسرّ من سرّ الله، وغيب من غیب الله، ومتىٰ علمنا أنّه عزّوجلّ حكيم، صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها

(1)

ونقتصر علىٰ هذا المقدار في هذا الفصل، لأنّ وجود الحجّة بن الحسن - عجّل الله تعالی فرجه الشريف - وغيبته وظهوره من الواضحات البديهية الضرورية عند الشيعة الاثنا عشرية.

وختاماً نذكر بعض الأبيات من قصيدة في بيان أوصاف الحجّة بن الحسن - عجّل الله تعالیٰ فرجه - واستنهاضه لفخر الشيعة العالم بمختلف العلوم الشيخ محمّد العاملي المشتهر بالشيخ البهائي قدّس سرّه ،حيث يقول : خليفة ربّ العالمين وظلّه علىٰ ساكن الغبراء من كلّ دیّار هو العروة الوثقى الذي من بذيله تمسّك لا يخشىٰ من عظائم أوزار إمام هدى لاذ الزمان بظلّه وألقىٰ إليه الدهر مقود خوّار ومقتدر لو كلّف الصمّ نطقها بأجذارها فاهت إليه بأجذار علوم الورىٰ في جنب أبحر علمه كغرفة كفّ أو كغمسة منقار إمام الوریٰ طود النهیٰ منبع الهدىٰ وصاحب سرّ الله في هذه الدار

ص: 251


1- غير منکشف لنا. بحار الأنوار 52 : 91 ح 4. وبإسناده إلىٰ إسحاق بن يعقوب أنّه ورد عليه من الناحية المقدّسة علىٰ يد محمّد بن عثمان: وأمّا علّة ما وقع من الغيبة، فإنّ الله عزّوجلّ يقول: ( يا أيّها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) إنّه لم يكن أحد من آبائي إلاّ وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي، وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض، كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، فاغلقوا أبواب السؤال عمّا لا يعنيكم، ولاتتكلّفوا علىٰ ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنّ ذلك فرجكم، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلىٰ من اتّبع الهدیٰ. بحار الأنوار 52: 92 ح 7.

أيا حجّة الله الذي ليس جارياً بغير الذي يرضاه سابق أقدار ويا من مقاليد الزمان بكفّه وناهيك من مجد به خصّه الباري أغث حوزة الإيمان واعمر ربوعه فلم يبق فيها غير دارس آثار وأنقذ كتاب الله من يد عصبة عصوا وتمادوا في عتوّ وإصرار يحيدون عن آياته لرواية رواها أبو شعيون عن كعب أحبار وفي الدين قد قاسوا وعاثوا وخبّطوا بآرائهم تخبيط عشواء معثار وأنعش قلوباً في انتظارك قرّحت وأضجرها الأعداء أيّة إضجار وخلّص عباد الله من كلّ غاشم وطهّر بلاد الله من كلّ كفّار وعجّل فداك العالمون أسرهم وبادر على اسم الله من غير إنظار (1) والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله علىٰ سيّدنا محمّد و آله الطاهرین.

ص: 252


1- الكشكول للشيخ البهائي 1: 231 - 234

الجزء الثاني

اشارة

المنهج القويم في إثبات الإمامة من الذكر الحكيم تألیف السيّد محمّد الرجائي الجزء الثاني

ص: 253

ص:254

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله علىٰ أشرف الخلائق أجمعين، وخاتم الأنبياء والمرسلین، محمّد وعلىٰ آله الطاهرين، ولعنة الله علىٰ أعدائهم أجمعين إلىٰ يوم الدين .

وبعد، فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا يتضمّن عدّة فصول ٱخر ترتبط بالمقام .

الفصل العاشر

اشارة

في عدالة أصحاب النبي (صلّی الله علیه و آله) الحديث حول عدالة الصحابة حسّاس للغاية، وربما ارتبط به مصير الٱمّة ،استقامة وانحرافاً، قوّة وضعفاً، صموداً وانهياراً، تقدّماً وتقهقراً، وحيث يمتدّ الحديث عنه إثباتاً ونفياً، حتّىٰ ولو كان حديثاً نزيهاً جدّاً، يبدأ القلق في نفوس البعض، وتخفق القلوب خوفاً، حتّىٰ ليخيّل إلى الباحث بأنّه مقدم علىٰ نقض عری الإسلام عروة فعروة .

كلّ ذلك إنّما هو بوهم قوّة الحافز الديني، والوازع العقائدي، وبزعم الحفاظ علىٰ صفاء الإسلام ونضارته ونقائه، فكأنّما البحث الموضوعي انحراف، والتثبّت في الأحكام تطرّف، وطلب الحقّ ضلالة، والوصول إلىٰ الواقع خروج عن الدين .

وربما يتوهّم بعض أنّ ذلك لا يثمر إلاّ كشف عورات الصحابة، وتتبّع عثراتهم،

ص: 255

والدلالة علىٰ سقطاتهم، وذلك مقصد اتّضع سبقه، ورخصت غايته، وقد فاته أن ليس المقصد من ذلك إلاّ أن ترتدّ للإسلام أنفاسه المخنوقة، وحيويّته المكدودة، وإزالة ما علق به من الخرافات والخيالات، التي اصطاد تحت نقابها المغرضون،وعشعشت في نسائج أوكارها أماني المنافقين، واهتبلها لتشويه الإسلام الحانقون.

فإذا كان بحث هو من صلب الدين - من واجباته أو مندوباته - يعتبر إساءة للصحابة، فنحن نربأ بالصلحاء منهم أن يستاؤوا من ذلك؛ لأنّهم - رضي الله عنهم- ضحوا بأنفسهم دونه، فكيف لا يحبّون ظهوره في أصالته الأصلية، ونقائه الطهور، وإعطاء صورته الصافية ووجهه الحسن، ذلك لا يخالجنا فيه أدنىٰ ريب .

وإنّ أصحاب رسول الله (صلّی الله علیه و آله)كانوا علىٰ مراتب لا يجوز أن يرفع أحد منهم فوق مرتبته، أو يحطّ عنها، أو يوصف بغیر فعله، فإذا كان أقوام تجاوزوا بهم مراتبهم، ورفعوا بعضهم فوقها، وحطّوا آخرین عن مراتبهم، صار بنا إلىٰ تمييزهم أعظم الحاجة، لنعلم من الذي قوله حجّة، ويجب علينا متابعة سيرته، ولذلك نحن مقدمون علىٰ هذا البحث بحسب ما يتّسع له الكتاب في خطّه الذي رسمناه علىٰ قاعدة الاستفادة من القرآن الكريم.

الصحابة كلّهم عدول عند العامّة :قال في الاستیعاب: ونحن وإن كان الصحابة قد كفينا البحث عن أحوالهم؛ الإجماع أهل الحقّ من المسلمين، وهم أهل السنّة والجماعة، علىٰ أنّهم كلّهم

ص: 256

عدول (1) .

وقال في الإصابة: اتّفق أهل السنّة علىٰ أنّ الجميع عدول. ثمّ نقل عن الخطيب أنّ عدالة الصحابة ثابتة معلومة. ونقل عن ابن حزم أنّ الصحابة كلّهم من أهل الجنّة قطعاً (2)، إلىٰ غير ذلك من كلماتهم، فلتلاحظ كتبهم .

واستدلّوا علىٰ عدالة الصحابة بأحاديث من طرقهم، ذكروها في فضلهم، أو فضل بعضهم، والبحث عنها خارج عن موضوع بحثنا، وهو الاستفادة من القرآن الكريم؛ لأنّ حجّية الأحاديث مشروطة بشروط، أهمّها أن لا يكونالراوي فاسقاً:لأنّ الله سبحانه منع عن قبول خبره بقوله تعالى (إن جاءكم فاسق بنبأ (3) .

ومن الفسق الخروج عن الدين الحقّ الذي رضيه الله تعالىٰ ورسوله (صلّی الله علیه و آله)للناس، فلابدّ من أن يعرف الدين الحقّ حتّىٰ يعرف الخارج منه .

وأن لا يكون مضمونها مخالفة للقرآن الكريم؛ لأنّ القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلابدّ أن يكون الحديث المخالف للقرآن باطلا ً؛ لأنّه لوكان مضمونه صحيحاً مع ضرورة صحّة مضمون القرآن الكريم، لزم اجتماع الضدّين المحال (4)

ص: 257


1- الاستيعاب 1: 9
2- الإصابة 1: 9_10
3- سورة الحجرات: 6
4- رویٰ في الكافي [1: 96] في حديث إلىٰ أن قال: فقال أبوقّرة: فتكذّب بالروايات؟ فقال أبو الحسن عليه اسّلام : إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبتها . وروى الفريقان عن النبي (صلّی الله علیه و آله) أنّه قال: ستكثر عليّ القالة. وذكر الأميني رحمة الله في كتاب

(1)

وبذلك يظهر أنّه لا حجّية الإجماع العامّة علىٰ عدالة جميع صحابة النبي (صلّی الله علیه و آله)، وكذا لا حجّية للأخبار الواردة من طرقهم علىٰ عدالة جميعهم؛ لمخالفتهما للقرآن المجيد .

أمّا أوّلاً. فلدلالته علىٰ أنّ مجرّد مصاحبة الأنبياء لا يغني شيئاً، كما لم تغن مصاحبة نوح و لوط عليهما السّلام عن زوجتيهما من الله شيئاً.

وأما ثانياً: فلدلالته علىٰ وجود منافقین - وهم في أسفل درك من النار - في أصحاب النبي(صلّی الله علیه و آله) .

وأمّا ثالثاً: فلدلالته على اعتبار شرائط في خليفة النبي (صلّی الله علیه و آله) هي متوفّرة حصراً،كما تقدّم في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومین علیهم السّلام، فتوجب كونهم خلفاء الرسول حقّاً، وأنّ من خالفهم فهو ضالّ.

ثمّ إنّ أصحاب النبي (صلبی الله علیه و آله) الذين فعلوا ما فعلوا بعده من تأخير من قدّمه الله تعالىٰ وهو علي بن أبي طالب علیه السّلام، وغصب حقّه، كانوا بحاجة إلىٰ دليل يتمسّكون به علىٰ مشروعية فعلهم، فلو كان في القرآن ما يدلّ علىٰ عدالتهم ومشروعية فعلهم لتمسّكوا به، لكن حيث لم يكن فيه آية واحدة تدلّ عليها لم يستدلّوا بشيء منه، كما أنّ عائشة لم تستند في شرعية فعلها يوم الجمل و غیره بآية التطهير؛ لعلمها وعلم من كان معها بعدم نزولها في شأنها .

لكن المتأخّرين عن عصر الصحابة التابعين لهم تمسّکوا واستدلّوا بآيات علىٰ مدح جميع من صحب النبي)صلّی الله علیه وآله) ، أوعلىٰ مشروعية خلافة من تقمّصها بعد

ص: 258


1- الغدير سلسلة من الأخبار الموضوعة، لاحظ الغدير 5: 208 .

وفاته(صلّی الله علیه و آله) ، وقد أجاب عنها أجلّة علماء الشيعة ، كالشيخ المفيدة رحمة الله وغيره، ومع ذلك فقد ذكر تلك الآيات متأخّروهم، ومنهم رحمة الله الهندي الدهلوي صاحب کتاب إظهار الحقّ.

قال: الفصل الرابع: في دفع شبهات القسّيسين الواردة على الأحاديث، وهي خمس شبهات: الشبهة الٱولىٰ: أنّ رواة الحديث أزواج محمّد (صلّی الله علیه و آله) وأقربائه وأصحابه، ولا اعتبار لشهادتهم في حقّه .

والجواب: أنّ هذه الشبهة ترد عليهم بأدنىٰ تغيير. إلىٰ أن قال: والجواب عنه إلزاماً و تحقیقاً هكذا. أمّا إلزاماً. إلىٰ أن قال: وأمّا الجواب عنه تحقيقاً فلأنّ القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإمامية الإثنا عشرية محفوظ عن التغيّر والتبديل، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه، فقوله مردود غير مقبول عندهم.

قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه الذي هو من أعظم علماء الاماميّة الإثنا عشرية في رسالته الاعتقادية: إعتقادنا في القرآن أنّ القرآن الذي أنزل الله تعالىٰ على نبيّه هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة، وعندنا «والضحىٰ» و «ألم نشرح» سورة واحدة، ولإيلاف» و «ألم تر كيف» سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب إنتهىٰ .

وفي تفسير مجمع البيان الذي هو تفسير معتبر عند الشيعة: ذكر السيد الأجلّ المرتضیٰ علم الهدیٰ ذوالمجد أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي أنّ القرآن كان على عهد رسول الله(صلّی الله علیه وآله) مجموعاً مؤلّفاً علىٰ ما هو الآن، واستدلّ علىٰ ذلك بأنّ

ص: 259

القرآن كان يدرّس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتّىٰ عيّن علىٰ جماعة من الصحابة في حفظهم، وإنّه كان يعرض على النبي (صلّی الله علیه و آله) ويتلىٰ عليه، وإنّ جماعة من الصحابة كعبدالله بن مسعود وٱبيّ بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي (صلِّی الله علیه و آله)عدّة ختمات.

وكلّ ذلك بأدنىٰ تأمّل يدل علىٰ أنّه كان مجموعاً مرتّباً غير منشور ولا مبثوث .

وذكر أنّ من خالف من الإمامية والحشوية لا يعتدّ بخلافهم، فإنّ الخلاف مضاف إلىٰ قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحّتها لا يرج بمثلها عن المعلوم المقطوع علىٰ صحّته إنتهیٰ .

وقال السيّد المرتضىٰ أيضاً : إنّ العلم ّبصحّة القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والوقائع العظام المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توفّرت علىٰ نقله، وبلغت إلىٰ حدّ لم تبلغه فيما ذكرناه؛ لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وعنايته الغاية، حتّىٰ عرفوا كلّ شيء فيه من إعرابه وقراءته وحروفه و آیاته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد إنتهیٰ .

وقال القاضي نور الله الشوشتري الذي هو من علمائهم المشهورين في كتابه المسمّىٰ بمصائب النواصب: ما نسب إلى الشيعة الإمامية بوقوع التغيّر في القرآن ليس ممّا قال به جمهور الإمامية، إنّما قال به شرذمة قليلة منهم، لا اعتداد بهم فيما بينهم إنتهیٰ .

ص: 260

و قال الملاّ صادق في شرح الكليني: يظهر القرآن بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر به إنتهیٰ .

و قال محمّد بن الحسن الحرّ العاملي الذي هو من كبار المحدّثين في الفرقة الإمامية في رسالة كتبها في ردّ بعض معاصریه: هر کسی که تتبّع أخبار و تفحّص تواریخ و آثار نموده بعلم يقينی می داند که قرآن در غايه وأعلا درجه تواتر بوده،و آلاف صحابه حفظ ونقل می کردند آن را، و در عهد رسول خدا (صلّی الله علیه و آله)مجموع ومؤلّف بود إنتهىٰ .

فظهر أنّ المذهب المحقّق عند علماء الفرقة الإمامية الإثنا عشرية أنّ القرآن الذي أنزله الله علىٰ نبيّه هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، وأنّه كان مجموعاً مؤلفاً في عهد رسول الله(صلّی الله علیه و آله) وحفظه ونقله ٱلوف من الصحابة، وجماعة من الصحابة كعبدالله بن مسعود وٱبي بن كعب وغيرهما، ختموا القرآن علىٰ النبي عدّة ختمات، ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الامام الثاني عشر رضي الله عنه، والشرذمة القليلة التي قالت بوقوع التغيّر، فقولهم مردود ولا اعتداد بهم فيما بينهم، وبعض الأخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع علىٰ صحّته وهو حقّ؛ لأنّ خبر الواحد إذا اقتضیٰ علماً ولم يوجد في الأدلة القاطعة ما يدلّ عليه وجب ردّه، علىٰ ما صرّح ابن المطهّر الحلّي في كتابه المسمّىٰ بمبادىء الوصول إلىٰ علم الٱصول، وقد قال الله تعالىٰ ( إناّ نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظونه) .

وفي تفسير الصراط المستقيم الذي هو تفسیر معتبر عند علماء الشيعة: أي إنّا

ص: 261

الحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان .

وإذا عرفت هذا فأقول: إنّ القرآن ناطق بأنّ الصحابة الكبار لم يصدر عنهم شيء يوجب الكفر ويخرجهم عن الايمان إنتهىٰ (1).

أقول: يدلّ كلامه علىٰ أن العامّة قائلون بالتحريف، وتمسّك بقول الشيعة بعدم التحريف؛ لأنّه في مقام ردّ شبهة النصارىٰ على المسلمين، بأنّ مذهبكم انتشر من أصحاب النبي(صلِّی الله علیه و آله) ، فإن أجاب بأنّ القرآن مدحهم، أجابوا بأنّه سقط منه ما دلّ على ذمّهم، فلذا ذكر أنّ القرآن غير محرّف عند الشيعة .

ولا يخفىٰ أنّ من لاحظ كتب الشيعة في الفقه وغيره، يرى أنّ علماءهم يتمسّكون لمعتقداتهم في الٱصول والأحكام العملية في الفروع بالقرآن المجید الموجود بين الدفّتين علىٰ ما هو عليه، فيستدلّون علىٰ معتقدهم بأنّ أمير المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السّلام خليفة الرسول (صلّی الله علیه و آله)بلا فصل، ثمّ أولاده المعصومون علیهم السّلام بالقرآن، وأنّ الغاصبين منصبهم يستحقّون العذاب.

ويثبتون بالقرآن عصمة الأئمة عایهم السّلام، والتقية، والبداء، والمهدوية، والغيبة والظهور، والرجعة، ووجوب مودّة ذي قربي الرسول (صلّی الله علیه و آله) ، ووجوب التبرّي منأعدائهم وظالميهم، كما يستدلّون بالقرآن في أحكام العبادات والمعاملات والأخلاق وغيرها، وكأنّ بعض العامّة زعم توقّف ذلك على القول بالتحريف فرماهم بالقول به، مع أنّ الأمر ليس كذلك، إذ هم يستدلّون بهذا القرآن الموجود على الأمور المذكورة، وتقدّم في الفصول السابقة إثبات بعض ما ذكر من القرآن،

ص: 262


1- إظهار الحقّ للدهلوي 2: 85_ 90

وسيأتي إثبات بعضها الآخر من القرآن أيضاً.

وممّا ينبغي للباحث الذي يريد تصحيح عقيدته التي هي سبب لنجاته من عذاب جهنّم، وفوزه بنعيم الجنّة، أن يتوجّه إلىٰ جميع آيات القرآن المجيد، ويستفيد من جميعها بعد الاستشهاد للمراد من بعضها علىٰ البعض الآخر، ولا يأخذ بالعامّ من دون ملاحظة الخاصّ، ولا بالمجمل من دون مراعاة المبيّن، بل يأخذ بالمحكم، وأمّا المتشابه فيدعه، وكذا ما لا يعرفه من الناسخ والمنسوخ، والعامّ والخاصّ، وكلّ ما كان علمه مودعاً عند من أودع النبي(صلّی الله علیه وآله) علمه عنده، وهو علي بن أبي طالب (صلّی الله علیه وآله).هذا .

ونحن نجيب عن الآيات الشريفة التي استدلّوا بها إجمالاً وتفصيلاً :أمّا إجمالاً، فنقول: إنّ المعاصرين للنبي(صلّی الله علیه وآله) كانوا فرقاً : الفرقة الٱولىٰ: الكفّار والمشركون واليهود والنصارىٰ، وهؤلاء كلّهم كانوا منحازين عن رسول الله(صلّی الله علیهوآله) ، وبعضهم كان محارباً له(صلّی الله علیه وآله) ، وبعض آخر كان في ذمّة ويؤدّي الجزية، والآيات الدالّة علىٰ ذلك كثيرة لا حاجة إلى التعرّض لها .

الفرقة الثانية: المنافقون الذين ظهر نفاقهم، قال الله تعالىٰ : (إنّما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يتردّدون) (1)

وقال عزّ من قائل: (ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم علىٰ قبره إنّهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) (2) وقال سبحانه: ( و منهم الذين يؤذون

ص: 263


1- سورة التوبة: 45
2- سورة التوبة: 84

النبي ويقولون هو ٱذن قل ٱذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين و رحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (1) وقال تعالىٰ شأنه: (الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله علىٰ رسوله والله عليم حکیم) (2) .

وقال الله سبحانه: (بشّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً * الذين يتّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أ يبتغون عندهم العزة فإنّ العزّة لله جميعاً) (3) وآيات ٱخر تدلّ على وجود المنافقين الذين ظهر نفاقهم وعرفهم الناس بذلك .

الفرقة الثالثة: المنافقون الذين أسلموا لساناً وأبطنوا الكفر، ولم يظهر نفاقهم إلاّ لبعض المؤمنين، وهؤلاء عوملوا معاملة المسلمين، وٱجريت عليهم أحكامهم .

والآيات الدالّة علىٰ وجودهم حول النبي(صلّی الله علیه وآله) كثيرة، نشير إلىٰ بعضها : قال سبحانه وتعالىٰ: (ومن الناس من يقول آمنّا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنین - إلىٰ قوله تعالىٰ - صمّ بكم عمي فهم لا يرجعون) (4).

وقال تعالى شأنه: (إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا کسالیٰ براؤون الناس ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً ) (5) .

وقال تعالىٰ شأنه: (وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلاّ أنّهم كفروا بالله وبرسوله

ص: 264


1- سورة التوبة: 61
2- سورة التوبة: 97
3- سورة النساء: 138 - 139
4- سورة البقرة: 8 - 18
5- سورة النساء: 142

ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم كسالى ولا ينفقون إلآ وهم کارهون) (1) .

وقال سبحانه: ( ويقول الذين آمنوا لو لا نزّلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشيّ عليه من الموت فأولیٰ لهم) (2).

وقال تعالى: ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفّتهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم) (3) .

وقال سبحانه: (و ممّن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ) (4).

وقال سبحانه: (يحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة تنبّهم بما في قلوبهم ) (5) .

فكان هؤلاء المنافقون حول النبي(صلّی الله علیه وآله) يحضرون الصلاة معه ویراؤون، وهم مع ذلك خائفون من أن يظهر ما في قلوبهم .

ثمّ إنّ الإيمان له مراتب، منها الإقرار باللسان، وقد سمّاه الله تعالى إيماناً وناديٰ أهله به؛ لقوله تعالىٰ (يا أيّها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثباتاً أو

ص: 265


1- سورة التوبة: 54
2- سورة محمّد: 20
3- سورة محمد: 29 - 30
4- سورة التوبة: 101
5- سورة التوبة: 64

انفروا جميعاً * وإنّ منكم لمن ليبطّئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهیداً * ولئن أصابكم فضل من الله ليقولنّ كأن لم تكن بينكم وبينه مودّة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً) (1) فيمكن إطلاق المؤمن على المؤمن لساناً، وذلك لا يدلّ علىٰ كونه من أهل النجاة.

ويظهر للمتدبّر في هذه الآيات أنّ أصحاب النبي (صلّی الله علیه وآله)كانوا طائفتين: مؤمنون حقاً، ومنافقون .

الفرقة الرابعة: المؤمنون لساناً وقلباً، وهم أهل النجاة إذا توفّرت فيهم أمور ثلاثة دلّت آيات القرآن المجيد عليها، وكما سبق وقلنا نعود ونذكر أنّه لا يتمسّك بإطلاق آية واحدة، بل يلاحظ جميع آيات القرآن المجيد، وهذه الأمور هي :

الأوّل: أن يؤمنوا بالله وبجميع ما أنزله، ويصدّقوا رسوله (صلّی الله علیه وآله)في جميع ما يخبر عن الله تعالىٰ، ولا يوادّوا من حادّ الله ورسوله. قال الله سبحانه: قولوا آمنّا بالله وما ٱنزل إلينا وما ٱنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي النبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) (2) .

وقال تعالىٰ شأنه: ( فلا وربّك لا يؤمنون حتّىٰ يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت ويسلّموا تسلیماً) (3) وقال سبحانه: (لا تجد

ص: 266


1- سورة النساء: 71 - 73
2- سورة البقرة: 136 - 137
3- سورة النساء: 65

قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله) (1).

وقال جلّ جلاله: (أفمن يعلم أنّما ٱنزل إليك من ربّك الحقّ كمن هو أعمىٰ) الآیة (2) .

ثم إنّ الشيعة الإمامية تقول: إن خلافة علي وأولاده المعصومين عليهم السّلام ممّا أنزله الله سبحانه علىٰ نبيّه وقد بينه للناس، وقد ذكرنا الآيات الشريفة الدالّة عليه، فمن لم يؤمن بذلك ولم يعتقد خلافتهم بلا فصل بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله) يكون خارجاً عن المؤمنين المذكورين في الآية الشريفة، فإنّه لم يؤمن بما أنزل الله. وكذا من كان في نفسه حرج ممّا فعله رسول الله (صلّی الله علیه وآله)من الوصية بعترته، و تعيينه علياً علیه السّلام خلیفته بلا فصل.

الثاني: التقوىٰ والعمل الصالح، فالإيمان المجرّد عن العمل الصالح لا يوجب الفوز بالسعادة والنجاة من النار، إلاّ أن يتدارك بتوبة أو شفاعة، قال الله سبحانه: (وإن منكم إلاّ واردها كان علىٰ ربّك حتماً مقضيّاً* ثم ننجّي الذين اتّقوا ونذر الظالمين فيها جثيّاً (3) .

وقال سبحانه: (إنّما يتقبّل الله من المتّقين )(4) وقال تعالىٰ: (وينجّي الله الذين اتّقوا بمفازتهم لا يمسّهم السوء ولا هم يحزنون) (5) وقال تعالىٰ: ومن

ص: 267


1- سورة المجادلة: 22
2- سورة الرعد: 19
3- سورة مريم: 71 - 72
4- سورة المائدة : 27
5- سورة الزمر: 61

أحسن قولاً ممّن دعا إلى الله و عمل صالحاً وقال إنّني من المسلمین) (1) فجعل العمل الصالح ممّا يتوقّف عليه القول بالإسلام .

وقد حدّد الإيمان والتقوىٰ في آيات، قال سبحانه: (ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكنّ البرّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبّيين وآتي المال علىٰ حبّه ذوي القربىٰ واليتامٰى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضرّاء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتّقون) (2).

والأعمال الصالحة، كالصلاة والزكاة والحجّ وغيرها، لها أجزاء وشرائط، لا تكون أعمالاً صالحة إلا مع وجودها، وأمّا مع فقد بعضها فلا تكون كذلك .

وقد اختلف الشيعة وغيرهم في أجزائها وشرائطها، فالشيعة الإمامية يعتقدون مثلاً وجوب المسح على الرجلين في الوضوء، وبطلانه إذا غسلت الرجلان بدل المسح، وذلك تبعاً للنبي (صلّی الله علیه وآله) ولأئمّتهم المعصومین علیهم السّلام .

فإنّه قد تواتر عن الإمام أبي جعفر محمّد بن علي علیهما السّلام أنّه كان يمسح على الرجلين، وحكىٰ أنّ رسول الله (صلّی الله علیه وآله) كان يمسح على رجليه، وقد أدرك جدّه

الحسين علیه السّلام ، وهو أدرك جدّه رسول الله (صلّی الله علیه وآله)، وهم صادقون بلا ریب. حتّىٰ صار المسح على الرجلين علامة كون الماسح من أتباع أهل البيت، قد ثبت ذلك في

ص: 268


1- سورة فصّلت: 33
2- سورة البقرة: 177

التاريخ، وتواترت عليه الأخبار من زمان المعصومين عليهم السّلام ، فلا يمكن المناقشة في كونه كذلك.

فإذا بطل الوضوء بطلت الصلاة، ومن لم يصلّ لم يكن من المتّقين. ومثل المسح على الرجلين السجود على الأرض أو ما أنبتته الذي تعتبره الشيعة في صلاتها، فتبطل صلاة من لا يسجد على الأرض أو ما أنبتته .

وقد بيّنا في الفصول المتقدّمة دلالة الآيات القرآنية علىٰ لزوم متابعة المعصومین علیهم السّلام ، والعمل بأقوالهم والأخذ بسيرتهم، والبراءة من عمل مخالفيهم ومعانديهم.

الثالث: أن يتوفّىٰ مؤمناً، فلو ارتدّ ومات مرتدّاً لم ينفعه إيمانه السابق وحبطت أعماله، قال الله سبحانه: (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فٱولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وٱولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (1) وقال سبحانه: (ومن يتبدّل الكفر بالإيمان فقد ضلّ سواء السبيل (2).

وقال عزّ من قائل: (إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم ثمّ ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وٱولئك هم الضالّون (3) وقال تعالىٰ: (وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم علىٰ أعقابكم ومن ينقلب علىٰ عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاکرین )(4) .

ص: 269


1- سورة البقرة: 217
2- سورة البقرة: 108
3- سورة آل عمران: 90
4- سورة آل عمران: 144

وقال سبحانه: (إنّ الذين آمنوا ثمّ كفروا ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلاً ) (1).

والعجب من بعض العامّة حيث تمسك بقوله تعالىٰ (فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً یره) علىٰ عدم إحباط الأعمال الصالحة، وزعم أنّ لأصحاب النبي(صلّی الله علیه وآله) أعمالاً صالحة، وهذا هو الذي أشرنا إليه مرات من أنّه لابدّ من ملاحظة جميع آيات القرآن المجيد التي منها هذه الآيات التي تصرّح بإحباط عمل المرتدّ .

ثمّ إنّ قوله تعالىٰ ( وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثمّ اهتدی) (2) يدلّ على اشتراط شمول مغفرة الله للعبد بأمور أربعة: التوبة، والإيمان، والعمل الصالح، والاهتداء، وهو قبول الهداية من الهادي الذي قد ظهر ممّا بيّناه أنّه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومون الهداة صلوات الله عليهم (3) وقد تحصّل ممّا قدّمناه أمور :

الأوّل: أنّ مصاحبة النبي (صلّی الله علیه وآله) ليست بنفسها - مجرّدة عن الأمور الثلاثة المتقدّمة - ممّا توجب الفضيلة والقرب إلى الله تعالىٰ، بل القول بأنّ مصاحبة النبي(صلِی الله علیه وآله) توجب القرب إلى الله تعالىٰ يدفعه صریح الآيات النازلة لضرب المثل في امرأتي نوح ولوط، والمثل يجري في غيرهما ممّن يشبههما .

قال سبحانه وتعالىٰ: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا

ص: 270


1- سورة النساء: 137
2- سورة طه: 82
3- راجع: بحار الأنوار 23: 81ح 19 و ح 27، وأصول الكافي 1: 139 ح 6

تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (1) كما أنّه مخالف لقوله تعالىٰ (إنّ أكرمكم عند الله

أتقاكم) (2) حيث جعل مناط القرب عند الله التقوىٰ لا مصاحبة النبي (صلّی الله علیه وآله) ، ولقوله تعالىٰ (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ٱوتوا العلم درجاته ) (3) حيث جعل میزان رفع الدرجات العلم.

وقد ذمّ الله تعالىٰ أصحاب الأنبياء، فلاحظ الآيات الواردة في أصحاب موسىٰ علیه السّلام ، وأصحاب عيسى علیه السّلام ، وذمّ أصحاب نبيّنا صلّی الله علیه وآله .

قال الشيخ المفيدة رحمة الله في شأن أصحاب النبي (صلّی الله علیه وآله): وهؤلاء الصحابة الذين رويتَ ما رويتَ فيهم من الأخبار، وغرّك منهم التسمية بصحبة النبي(صلّی الله علیه وآله) ، وكان أكابرهم وأفاضلهم أهل بدر الذين زعمت أنّ الله قطع لهم المغفرة والرضوان، هم الذين نطق القرآن بكراهتهم للجهاد، ومجادلتهم للنبي(صلّی الله علیه وآله) في تركه، وضنّهم بأنفسهم من نصره، ورغبتهم في الدنيا، وزهدهم في الثواب .

فقال جلّ اسمه: (كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ وإنّ فريقاً من المؤمنین الكارهون * يجادلونك في الحقّ بعد ما تبيّن كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون * وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنّها لكم وتودّون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحقّ الحقّ بكلماته ويقطع دابر الكافرين* ليحقّ الحقّ

ص: 271


1- سورة التحریم: 10
2- سورة الحجرات: 13
3- سورة المجادلة: 11

ويبطل الباطل ولو كره المجرمونه) (1).

ثمّ زجرهم الله تعالىٰ عن نفاق نبيّهم(صلّی الله علیه وآله) لما علم من خبث نيّاتهم، وأمرهم بالطاعة له والإخلاص، وضرب لهم فيما أنبأ به من بواطن أخبارهم وسرائرهم الأمثال، وحذّرهم من الفتنة بارتكابهم قبائح الأعمال، وعدّد عليهم نعمه ليشكروه ويطيعوه فيما دعاهم إليه من الأعمال .

وأنذرهم العقاب من الخيانة لله جلّت عظمته ولرسوله(صلّی الله علیه وآله) ، فقال تعالىٰ: «يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تولّوا عنه وأنتم تسمعون * ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون * إنّ شرّ الدوابّ عند الله الصمّ البكم الذين لا يعقلون * ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون * يا أيّها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما یحییکم واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه وأنّه إليه تحشرون * واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة واعلموا أن الله شديد العقاب * واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطّفكم الناس فآواكم وأيّدكم بنصره ورزقكم من الطيّبات لعلّكم تشكرون* يا أيّها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون * واعلموا أنّما أموالكم وأولادكم فتنة وأنّ الله عنده أجر عظیم) (2) .

ومن قبيل هذا ما أكّده عليهم من فرض الصبر في الجهاد، وتوعّدهم بالغضب

ص: 272


1- سورة الأنفال: 5_8
2- سورة الأنفال: 20 - 28

على الهزيمة، لما علم من ضعف بصائرهم، فلم يلتفتوا إلىٰ وعيده، وأسلموا نبیّه (صلّی الله علیع وآله) إلىٰ عدوّه في مقام بعد مقام.

فقال سبحانه: (يا أيّها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلّكم تفلحون) (1) وقال تعالىٰ: (يا أيّها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار ومن يولّهم يومئذ دبره إلاّ منحرّفاً لقتال أو متحيّزاً إلىٰ فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصيره) (2) .

هذا وقد أخبر جلّ اسمه عن عامّة من حضر بدراً من القوم ومحبّتهم للحياة وخوفهم من الممات، وحضورهم ذلك المكان طمعاً في الغنائم والأموال، وأنّهم لم يكن لهم نيّة في نصرة الإسلام.

فقال تعالىٰ: (إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوىٰ والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيیٰ من حيّ عن بيّنة وإن الله لسميع عليم * إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكنّ الله سلّم إنّه عليم بذات الصدوره )(3)(3) .

وقال في القوم بأعيانهم وقد أمرهم نبيه(صلّی الله علیه وآله) بالخروج إلىٰ بدر، فتثاقلوا عنه واحتجّوا عليه ودافعوا عن الخروج معه: (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم

ص: 273


1- سورة الأنفال: 45
2- سورة الأنفال: 15
3- سورة الأنفال: 42_43

وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلمّا كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس کخشية الله أو أشدّ خشية وقالوا ربّنا لم كتبت علينا القتال لولا أخّرتنا إلىٰ أجل قریب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتّقىٰ ولا تظلمون فتيلاً * أينما تكونوا يدرككم الموت ولو کنتم في بروج مشيّدة ) (1) الآية .

وقال تعالىٰ فيهم وقد كان لهم في الأسرىٰ من الرأي: (ما كان النبي أن يكون له أسرىٰ حتّىٰ يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حکیم * لولا كتاب من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) (2) فأخبر سبحانه بالنصّ الذي لا يحتمل التأويل أنّهم أرادوا الدنيا دون الآخرة و آثروا العاجلة على الآجلة،وتعمّدوا العصيان ولولا سابق علم الله وكتابه لعجل لهم العقاب .

وقال تعالىٰ فيما قصّ من نبأهم في يوم ٱحد، وهزيمتهم من المشركين، وتسليم النبي(صلّی الله علیه وآله) : وإذ تصعدون ولا تلوون علىٰ أحد والرسول يدعوكم في ٱخراكم فأثابكم غمّاً بغمّ لكيلا تحزنوا علىٰ ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون) (3) وقال جلّ اسمه في قصّتهم بحنين وقد ولّوا الأدبار ولم يبق مع النبي(صلّی الله علیه وآله) غير أمير المؤمنين علیه السّلام ، والعبّاس بن عبدالمطّلب رضی الله عنه ، وسبعة من بني هاشم لیس

ص: 274


1- سورة النساء: 77 - 78
2- سورة الأنفال: 67_68
3- سورة آل عمران: 153

معهم غيرهم من الناس: (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّیتم مدبرین* ثمّ أنزل الله سكينته علىٰ رسوله وعلى المؤمنين) (1) يعني: أمیرالمؤمنین علیه السّلام والصابرين معه من بني هاشم دون المنهزمين.

وقال سبحانه في نكثهم عهود النبي (صلّی الله علیه وآله)وهو حيّ بين أظهرهم موجود: (و لقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولّون الأدبار وكان عهد الله مسؤولاً (2) .

وقد سمع كلّ من سمع من الأخبار ما كان يصنعه كثير منهم، والنبي(صلّی الله علیه وآله) حيّ بين أظهرهم، والوحي ينزل عليه بالتوبيخ لهم والتعنيف والإبعاد، ولا يزجرهم ذلك

عن أمثال ما ارتكبوه من الآثام.

فمن ذلك ما روي أنّ النبي (صلّی الله علیه وآله)كان يخطب على المنبر في يوم الجمعة، إذ جاءت عبر لقريش قد أقبلت من الشام ومعها من يضرب بالدفّ ويستعمل ما حظره الإسلام، فتركوا النبي(صلّی الله علیه وآله) قائماً على المنبر وانفضّوا عنه إلى اللهو واللعب رغبة فيه وزهداً في سماع موعظة النبي(صلّی الله علیه وآله) وما يتلوه عليهم من القرآن، فأنزل الله عزّوجلّ فيهم (و إذا رأوا تجارة أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين) (3).

ثمّ إنّ الشيخ المفيد رحمة الله ذكر ٱموراً من ذمومهم، إلىٰ أن قال: فأمّا من كان منهم

ص: 275


1- سورة التوبة: 20 - 26
2- سورة الأحزاب: 15
3- سورة الجمعة: 11

يظاهر النبي (صلّی الله علیه وآله)ممّن يقيم معه الصلاة ويؤتي الزكاة، وينفق في سبيل الله، ويحضرالجهاد، ويباطنه بالكفر والعدوان، فقد نطق بذكره القرآن، كما نطق بذكر من ظهر منه النفاق، قال الله تعالىٰ: (إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا کسالیٰ پراؤون الناس ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً) (1).

إلىٰ أن قال: وقال جلّ وعزّ فيهم وقد أحاطوا بالنبي (صلّی الله علیه وآله) ، وجعلوا مجالسهم منه عن يمينه وشماله ليلبسوا بذلك على المؤمنين: (فما للذين كفروا قبلك مهطعين*عن اليمين وعن الشمال عزین * أيطمع كلّ امرىء منهم أن يدخل جنّة نعيم* كلاّ إنّا خلقناهم ممّا يعلمون ) (2) .

ثمّ دلّ نبيّه(صلّی الله علیه وآله) علىٰ جماعة منهم، وأمره بتألّفهم والإغضاء عمّن ظاهره النفاق منهم، فقال: «سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنّهم رجس ومأواهم جهنّم جزاءً بما كانوا يكسبون) (3) وقال: (خذ العفو وأمربالعرف وأعرض عن الجاهلين) (4) وقال: (إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم * وما يلقّاها إلاّ الذين صبروا وما يلقّاها إلاّ ذو حظّ عظیم) (5) .

وجعل لهم في الصدقة سهماً منصوصاً، وفي الغنائم جزءً مفروضاً، وكان من

ص: 276


1- سورة النساء: 142
2- سورة المعارج: 36_39
3- سورة التوبة: 95
4- سورة الأعراف: 199
5- سورة فصلت: 34 - 35

عددناه وتلونا فيه القرآن، وروينا في أحواله الأخبار، قد كانوا من جملة الصحابة،وممّن شملهم اسم الصحية، ويتحقّق الاعتزاء إلى النبي(صلّی الله علیه وآله) علىٰ طبقاتهم في الخطأ والعمد والضلال والنفاق بحسب ما شرحناه، فهل يتعلّق عاقل بعد هذا بذكر الصحبة ومشاهدة النبي (صلّی الله علیه وآله)في القطع علىٰ فعل الصواب، وهل يوجب بذلك العصمة والتأييد إلاّ بأنّه مخذول مصدود عن البيان. (1).

الثاني: أنّ المنافقين الذين أبطنوا الكفر ولم يظهروانفاقهم كانوا حول النبي(صلّی الله علیه وآله) علىٰ ما دلّت عليه الآيات المذكورة، ووجودهم حوله يوجب الشكّ في كلّ واحد من صحابته؛ لاحتمال كونه من المنافقين إلاّ من ٱحرز وعلم أنّه ليس منافقاً، كما علم جميع الٱمّة أنّ الإمام عليّاً علیه السّلام لم يشرك بالله طرفة عين.

وزعم بعض العامّة أنّ المنافقين قبل وفاة النبي(صلّی الله علیه وآله) كانوا مغمورين أذلاّء لاسيّما في آخر أيّام النبي(صلّی الله علیه وآله) ، لأنّ من المنافقين من تاب عن نفاقه وانتهىٰ عنه، وهو الغالب بدليل قوله تعالىٰ (ولئن لم ينته المنافقون) (2) الآية إلىٰ آخر ما ذكره.

وهذا الذي زعمه باطل، فإنّه لو سلّم قلّة المنافقين الذين ظهر نفاقهم، فلا نسلّم قلّة من أخفىٰ نفاقه وكفره وأظهر الإسلام.

وقد قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: وقد كان في أيّام الرسول( صلّى الله عليه وآله) منافقون وبقوا بعده (3) .

ص: 277


1- الإفصاح في الإمامة ص 54- 63
2- سورة الأحزاب: 60
3- شرح نهج البلاغة 11: 41

ومن راجع التاريخ الموثوق به يرىٰ أنّ المنافقين في زمان النبي(صلّی الله علیه وآله) أثاروا الفتن و آذوا الرسول(صلّی الله علیه وآله) ، لكن بمجرّد وفاته هدأت نفوسهم، وليس ذلك إلاّ الوصولهم إلىٰ ما أرادوه.

الثالث : أنّ ثبوت کون شخص معيّن من الصحابة مؤمناً في حياة النبي (صلّی الله علیه وآله)لا ينفع في الحكم بإيمانه، إلاّ إذا علم بقاؤه على الإيمان بعد وفاة النبي(صلّی الله علیه وآله) ، وأنّه لم ينقلب علىٰ عقبيه، ولم يمت مرتدّاً عن الإسلام، وقد علم أنّ الإمام عليّاً* كان في أعلىٰ درجات الإيمان إلىٰ أن استشهد في شهر رمضان في مسجد الكوفة (1) .

ص: 278


1- وقد وردت أخبار في ارتداد بعض الصحابة، قال الشيخ المفيد: فمنها: ما روي عن النبي(صلّی الله علیه وآله) أنّه قال: لتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتّىٰ لو دخلوا في جحر ضبّ تّبعتموهم، فقالوا: يا رسول الله اليهود والنصارىٰ، قال: فمن إذن وقال(صلّی الله علیه وآله) به في مرضه الذي توفّي فيه: أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شرّ من الٱولىٰ . وقال (صلّی الله علیه وآله) في حجّة الوداع لأصحابه: ألا وإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم علیکم حرام، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب، ألا الأعرفنّكم ترتدّون بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا إنّي قد شهدت وغبتم. وقال (صلّی الله علیه وآله)لأصحابه أيضاً: إنّكم محشورون إلى الله تعالىٰ يوم القيامة حفاة عراة، وإنّه سيجاء برجال من ٱمّتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا ربّ أصحابي؟ فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنّهم لا يزالون مرتدّين علىٰ أعقابهم منذ فارقتهم. صحیح مسلم 4 : 2195 . وقال (صلّی الله علیه وآله): أيّها الناس بينا أنا على الحوض إذ مرّ بكم زمراً، فتفرق بکم الطرق، فٱناديكم ألا هلموّا إلى الطريق، فيناديني مناد من ورائي: إنّهم بدّلوا بعدك، فأقول: ألا سحقاً ألا سحقاً. صحيح البخاري 7: 208، وصحیح مسلم 4: 1793

(1)

ص: 279


1- وقال (صلّی الله علیه وآله) : ما بال أقوام يقولون: رسول الله لا ينفع يوم القيامة، بلىٰ والله إنّ رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإنّي أيّها الناس فرطکم على الحوض، فإذا جئتم قال الرجل منكم: یا رسول الله أنا فلان بن فلان، وقال الآخر: أنا فلان بن فلان، فأقول: أمّا النسب فقد عرفته، ولكنّكم أحدثتم بعدي فارتددتم القهقریٰ . وقال(صلّی الله علیه وآله) وقد ذكر عنده الدجّال: أنا لفتنة بعضكم أخوف منّي لفتنة الدجّال . وقال(صلّی الله علیه وآله) : إنّ من أصحابي من لا يراني بعد أن يفارقني . وعن أنس بن مالك، قال: إنّ النبي(صلّی الله علیه وآله) قال: ليردنّ عليّ الحوض رجال ممّن صاحبني حتّىٰ إذا رأيتهم ورفعوا إلىّ اختلجوا دوني، فلأقولنّ: أي ربّ أصحابي أصحابي، فليقالنّ لي: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. صحيح البخاري 7: 207، وصحیح مسلم 4: 1800 . وعن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي (صلّی الله علیه وآله)يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليعرضنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثمّ يحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا ٱحدّثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلاً يقول؟ قال: فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد علىٰ أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول: إنّهم ٱمّتي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي وغيّر. صحيح البخاري 7: 208، وصحیح مسلم 4: 1793. وعن عبدالله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله): أنا فرطکم على الحوض، وليرفعنّ إليّ رجال منكم، حتّىٰ إذا أهويت إليهم لٱناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي ربّ أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك. مسند أحمد 1: 253 و 258. في أحاديث من هذا الجنس يطول شرحها، وأمرها في الكتب عند أصحاب الحديث أشهر من أن يحتاج إلىٰ برهان، علىٰ أنّ كتاب الله شاهد بما ذكرناه، ولو لم يأت حديث فيه الكفیٰ في بيان ما وصفناه . قال سبحانه: وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم علىٰ أعقابكم ومن ينقلب علىٰ عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاکرین) فأخبر

وقد أخبر الله تعالىٰ عن ردة بعض الصحابة، على ما ذكره الشيخ المفيد رحمة الله ، حيث قال: إنّ قوله تعالىٰ (أفإن مات أو قتل انقلبتم علىٰ أعقابكم) (1) إخبار عن ردّتهم بعد نبيّهم على القطع والثبات (2) إنتهىٰ .

قلت: فإن أنكر منكر ظهور هذه الآية في الإخبار عن انقلاب أصحاب النبي(صلّی الله علیه وآله) ، فليس له أن ينكر دلالتها على إمكان انقلابهم، فإنّه لو لم يكن ولم يحتمل انقلابهم لم يكن وجه لذكره، فمن يمكن في حقّه الانقلاب؟ هل هو علي وفاطمة عليههما السّلام وأتباعهما أم هم المتقدّمون علىٰ علي ؟ وقول بعض العامّة إنّ عليّاً علیه السّلام وافق القوم يستلزم عدم إمكان تحقّق الانقلاب، وهو خلاف الآية لدلالتها لا أقّل علىٰ إمكانه، فتبصّر.

الرابع : المراد من الآيات الشريفة التي أثنت على المؤمنين أو الٱمّة، أو أتباع النبي(صلّی الله علیه وآله) ، هم المؤمنون حسب الشرائط المتقدّمة الذين يكونون من أهل السعادة (3)

ص: 280


1- سورة آل عمران: 144
2- الإفصاح في الامامة ص 52
3- الله تعالىٰ عن ردّتهم بعد نبيّه (صلّی الله علیه وآله)على القطع والثبات . وقال تعالى شأنه: (واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة واعلموا أنّ الله شديد العقاب) فأنذرهم سبحانه و تعالىٰ من الفتنة في الدين، وأعلمهم أنّها تشملهم على العموم، إلاّ من خرج بعصمة الله من الذنوب. وقال سبحانه: (الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون* ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيّئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون) وهذا صريح في الخبر عن فتنتهم بعد النبي (صلّی الله علیه وآله)بالاختبار وتمييزهم بالأعمال .

والفائزين بدخول الجنّة، فهذا ما نرومه من هذا البحث .

وليس المراد منها من أظهر الإيمان وإن أبطن الكفر وكان منافقاً؛ لأنّه مناف للآيات الذامّة للمنافقين، كقوله تعالىٰ (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفّار نار جهنّم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم) (1) وقوله تعالىٰ (إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار»(2) .

بل لو سلّم شمول المؤمنين أو الٱمّة أو أتباع النبي(صلّی الله علیه وآله) للمنافقين، وجب تخصيصها بغير المنافقين، فإنّ من القواعد المسلّمة بين أهل المحاورة أنّه يرجع کلام المتكلّم الواحد بعضه إلىٰ بعض، فيتعيّن أن يكون المراد بالٱمّة أو المؤمنين خصوص المؤمن حقّاً بشرائطه المتقدّمة.

الخامس : أنّ الخبر الدالّ علىٰ مدح جميع صحابة النبي(صلّی الله علیه وآله) مخالف لهذه الآيات الدالّة علىٰ وجود المنافقين حول النبي(صلّی الله علیع وآله) ، مثل ما رواه العامّة عن النبي(صلّی الله علیه وآله) أنّه قال: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتدیتم اهتديتم» فإنّه لو كان المراد بقوله «أصحابي» كلّ من صحب النبي(صلّی الله علیه وآله) وإن كان ممّن أظهر الإسلام وأبطن الكفر، كان مخالفاً للقرآن الكريم. وإن كان المراد المؤمن حقّاً حسب الشرائط المتقدّمة، فهم منحصرون في علي أمير المؤمنين علیه السّلام* وتابعيه.

وكذا كلّ رواية وردت في مدح عموم الصحابة، مثل ما رويٰ في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّی الله علیه وآله) : لا تسبّوا أحداً من أصحابي، فإنّ

ص: 281


1- سورة التوبة: 18
2- سورة النساء: 145

أحدكم لو أنفق مثل ٱحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه (1).

وكذا لو ورد خبر في مدح واحد ممّن صحب النبي (صلّی الله علیه وآله) وخالف أمير المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السّلام الذي نطق القرآن بإمامته، فإنّ الخبر يكون مخالفاً للقرآن،مثل ما رواه العامة عن النبي (صلّی الله علیه وآله)أنّه قال: «اقتدوا باللذين من (2) وكذا الخبر الوارد في كتب العامّة في عشرة من أصحاب النبي(صلّی الله علیه وآله) أنّهم في الجنّة (3)، مع أنّ في هذه الأخبار مع قطع النظر عن مخالفتها للقرآن مناقضات مذكورة في كتب الإمامية، لاحظ كتاب الإفصاح في الإمامة للشيخ المفيد رحمة الله ، وكذا غير هذه الأخبار ممّا يدلّ علىٰ أنّ جميع أصحاب الرسول(صلّی الله علیه وآله) صادقون .

وممّا ذكرنا ظهر أنّ الصحابي بما هو صحابي لا اعتبار بقوله في تفسير القرآن وغيره، لا في درايته ولا في روايته، إلاّ إذا كان ثقة ضابطاً في نقل الخبر، فيقبل منه على الشرائط المذكورة في علم الٱصول، وأمّا درايته فليست حجّة .

وقد تبيّن ممّا ذكر عدم تمامية ما استدلّوا به من الآيات علىٰ عدالة جميع الصحابة، أو علىٰ خلافة الثلاثة.

وذلك لأنّ المراد بها غير المنافقين والمرتدّین بعد النبي(صلّی الله علیه وآله) المنقلبين علىٰ أعقابهم، فإنّ هؤلاء قد ذمّهم الله تعالىٰ في سائر الآيات، وأوجب لهم دخول النار، فيحمل المطلق علىٰ ما عدا الفرد المذموم. مع أنّ تلك الآيات مقرونة بقرائن تدلّ

ص: 282


1- صحیح مسلم4 : 1967_1968 برقم: 2541
2- مسند الحميدي 1: 214
3- سنن أبي داود 49: 211، سنن الترمذي 5: 648

علىٰ عدم إرادة عموم منأظهر الإسلام وإن کان منافقاً، وسنبيّن تلك القرائن . إلىٰ هنا كان الجواب إجمالاً عن الآيات التي استدلّوا بها علىٰ عدالة الصحابة.

وأمّا الجواب عنها تفصيلاً، فنقول : الآيات التي استدلّوا بها علىٰ عدالة الصحابة والجواب عنها

الآیة الأولی

(کنتم خیر اُمّة اُخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) (1)(1)

قال الدهلوي بعد ذكر الآية: فمدح الله الصحابة بثلاثة أوصاف: الأوّل أنّهم خير أمّة. والثاني: أنّهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. والثالث: أنّهم كانوا مؤمنين بالله (2)(2) وهذه الأوصاف تلازم العدالة؛ لأنّ العاصي لا يكون خيراً من غيره، وقد استدلوا بها على حجّية الإجماع أيضاً، لأنّها إذا اجتمعت علىٰ خلاف الواقع لم تكن خير أمّة، ولم يكونوا آمرين بالمعروف ولا ناهين عن المنكر .

والجواب: أنّ الاستدلال بشمول إطلاق الأمّة لجميع الصحابة ممنوع.

أمّا أوّلاً. فلأنّ الخطاب في «كنتم» إمّا خاصّ بالمشافهين، أو عامّ لهم ولغيرهم، وعلىٰ كلا التقديرين لا يراد بالٱمّة غير المؤمنين بالله وبجميع ما ٱنزل علىٰ نبيّه إيماناً حسب الشرائط المتقدّمة، لما عرفت من وجوب إرجاع بيان إطلاق بعض

ص: 283


1- سورة آل عمران: 110
2- إظهار الحقّ للدهلوي 2: 94

الآيات إلىٰ بعضها الآخر المقيد له والمبيّن له .

وعلىٰ ذلك فالمنافقون الذين كانوا حول النبي(صلّی الله علیه وآله) خارجون، وتطبيق الآية علىٰ مورد مشكوك بلا دلیل تخرّص وعمیً.

وقد اتّفق الفريقان علىٰ أنّ عليّاً علیه السّلام لا مصداق ظاهر لهذه الآية .

وثانياً: أنّ نفس الآية مع غضّ النظر عن الآيات الٱخر الذامّة للمنافقين وصفت الٱمّة بأنّهم الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والأمر بالمعروف والناهي عن المنكر مؤمن بالله عادة، ومع ذلك وصفهم بأنّهم يؤمنون بالله، فلعلّ المراد بقاءهم على الإيمان بالله، فهم خير ٱمّة ماداموا مؤمنين بالله وبرسوله، فإذا ارتدّوا لم يكونوا مؤمنين بالله، فمن أنكر ما قاله رسول الله(صلّی الله علیه وآله) فقد أنكر رسالته وخرج من ٱمّته، وكان كسائر الكفّار واليهود والنصاریٰ، ولايشكّ في ارتداد بعض القوم بعد وفاة رسول الله (صلّی الله علیه وآله)، كما دلّ عليه قوله تعالىٰ (أفإن مات أو قتل انقلبتم علىٰ أعقابكم) (1)(1) ولا شكّ ولا ريب في أنّ علياً * وتابعيه لم يرتدّوا، وبهذا البيان يمكن أن يقال: إنّ ٱمّة رسول الله(صلّی الله علیه وآله) الممدوحین هم المؤمنون الواجدون للشروط الثلاثة المتقدّمة. نعم يصحّ إطلاق أمّة الرسول علىٰ كلّ من أظهر الاسلام وإن أبطن الكفر، لكنّهم ليسوا ٱمّته الممدوحة.

ومن هذا البيان يظهر عدم صحّة الاستدلال علىٰ مشروعية ما فعله القوم بعد النبي(صلّی الله علیه وآله) من الاجتماع في السقيفة بما روي عن النبي(صلّی الله علیه وآله) أنّه قال: «لا تجتمع

ص: 284


1- سورة آل عمران: 144

ٱمّتي (1)(1) على ضلال» (2)(2) فإنّه مضافاً إلىٰ أنّه لم يكن إجماع لعدم دخول علي علیه السّلام ومن تبعه فيه، أنّ ٱمّته(صلّی الله علیه وآله) الممدوحین بأنّهم لا يجمعون علىٰ ضلال، هم الذين يؤمنون بالله حقيقة ولا ينافقون، ويؤمنون بالرسول (صلّی الله علیه وآله) ولاينكرون رسالته وما أُنزل إليه من ربّه، فإنّ من أنكر ما بلّغه إيّاه الرسول يكون مرتدّاً کافراً خارجاً عن ٱمّته.

وعلىٰ هذا فالذين اجتمعوا علىٰ غير خلافة علي علیه السّلام ما لا يعلم أنّهم من ٱمّته؛ لأنّ الشيعة تقول: إنّ ممّا أنزل الله علىٰ رسوله هي خلافة علي علیه السّلام بعده بلا فصل، ومن أنكر ذلك عالماً خرج عن ربقة الإسلام وجماعة المسلمين.

بل يمكن أن يستدلّ علىٰ أنّهم ليسوا من ٱمّته - بناءً على أنّ الحديث لا يدلّ

ص: 285


1- في الإفصاح ص 47: ما كان الله ليجمع ٱمّتي على ضلال
2- روى الكليني عن ابن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، قال: قلت لأبي جعفر علیه السّلام: إنّ العامّة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضاً الله جلّ ذكره، وما كان الله ليفتن ٱمّة محمّد (صلّی الله علیه وآله) من بعده؟ فقال أبو جعفر علیه السّلام : أوما يقرؤون کتاب الله؟ أو ليس الله يقول: (وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم علىٰ أعقابكم ومن ينقلب علىٰ عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاکرین) قال: فقلت له: إنّهم يفسّرون علىٰ وجه آخر، فقال: أو ليس قد أخبر الله عزّوجلّ عن الذين من قبلهم من الٱمم انّهم قد اختلفوا من بعد ما جاء تهم البيّنات، حيث قال: (وآتينا عیسی بن مريم البيّنات وأیّدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ماجاء تهم البيّنات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكنّ الله يفعل ما يريد) وفي هذا ما يستدلّ به علىٰ أنّ أصحاب محمّد (صلّی الله علیه وآله)قد اختلفوا من بعده، فمنهم من آمن ومنهم من كفر. روضة الكافي 8 :270 برقم: 398

على اعتبار اجتماع كلّ الٱمّة بل يكفي اجتماع جماعة من أهل الرأي منهم - أنّه إذا اجتمعت جماعتان من الٱمّة كلّ منهما علىٰ أمر، فإنّ ظاهر الحال وإن كان من الشبهة، باعتبار إمكان أن يقال: إنّ هذه الجماعة المجتمعة علىٰ أمر هي المحقّة، كما يمكن أن يقال ذلك في حقّ الجماعة الٱخرىٰ، إلاّ أنّه إذا علم أنّ إحدى الجماعتين هي من الٱمّة يقيناً كانت هي المصداق للجماعة التي لا تجتمع علىٰ ضلال، وكانت الجماعة الٱخریٰ المجتمعة علىٰ خلافها خارجة عن الٱمّة.

ومن الواضح أنّه كانت بعد رسول الله(صلّی الله علیه وآله) جماعتان، وفي إحداهما من يعلم يقيناً أنّه من ٱمّته(صلّی الله علیه وآله) باتفاق المسلمين، کسيّدة النساء فاطمة عليها السّلام وبني هاشم وسلمان وأبي ذرّ والمقداد وعمّار و نظرائهم، وقد اجتمعوا علىٰ خلافة علي علیه السّلام، فيكون اجتماعهم علىٰ حقّ، ويكون اجتماع غیرهم المخالفين لهم علىٰ ضلال، وهو ممّا يوجب خروج هؤلاء عن الٱمّة، فتأمّل.

و ثالثاً: أنّ ظاهر هذه الآية إخبار عن كونهم خير ٱمّة لأمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر وإيمانهم بالله، لأنّ قوله «کنتم» بصيغة الماضي، وهي تدلّ علىٰ وقوع الفعل خارجاً، وحينئذ ربما ينافيه قوله تعالىٰ قبل هذه الآية (ولتكن منكم ٱمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وٱولئك هم المفلحون) (1)(1) لأنّه أمر بایجاد ما لم يكن ولم يقع بعد .

ويمكن الجمع بأنّ المراد من الأمر في قوله تعالىٰ «ولتكن» أنّه لابدّ أن تكون ٱمّة كذلك، أي: توجد ٱمّة كذلك، وهم أئمّة أهل البيت علیهم السّلام علیٰ ما تقدّم تطبيق الآية

ص: 286


1- سورة آل عمران: 104

عليهم في الفصل الرابع حول الآية السادسة، ثمّ أخبر الله سبحانه وتعالىٰ بقوله كنتم خير ٱمّة» بأنّ تلك الٱمّة التي لابدّ من وجودها هم أنتم أهل البيت، فالمراد من الٱمّة خصوص الأئمة المعصومین علیهم السّلام.

ومثل هذه الآية قوله تعالىٰ (وكذلك جعلناكم ٱمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول علیکم شهیداً) (1)(1) .

فقد استدلّوا بقوله « وسطاً» علىٰ عدالتهم، فإنّ الوسط هو العدل، ولا تكون هذه حالهم إلاّ وهم خیار، لأنّ الوسط من كلّ شيء هو المعتدل، وأيضاً فإنّه جعلهم كذلك ليكونوا شهداء على الناس، كما أنّ النبي (صلّی الله علیه وآله) شهيد عليهم، فكما أنّه لا يكون شهيداً إلاّ وقوله حقّ، فكذلك القول فيهم .

والجواب ما مرّ في الآية السابقة .

ثمّ إنّه لا يمكن أن يتوهّم أنه لا يجوز تخصيص الٱمّة بطائفة خاصّة هم الأئمّة المعصومون علیهم السّلام، وذلك لأنّه ورد قوله تعالىٰ (إنّ إبراهيم كان ٱمّة واحدة) فٱطلقت الٱمّة علىٰ واحد.

الآیة الثاني

(الذین آمنوا و هاجروا و جاهدوا في سبیل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وٱولئك هم الفائزون * يبشّرهم ربّهم برحمة منه ورضوان وجنّات لهم فيها نعيم مقيم ) (2) .

والجواب: أنّ المراد ب« الذين آمنوا» هم المؤمنون حسب الشرائط المتقدّمة .

ص: 287


1- سورة البقرة: 143
2- سورة التوبة: 20 - 21

وقوله سبحانه (في سبيل الله) لعلّه راجع إلى قوله (هاجروا وجاهدوا) كما قيّد المهاجرة بكونها في سبيل الله في آيات ٱخر: قال الله سبحانه: (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوّئنّهم في الدنيا حسنة ) (1) وقال تعالى ٰشأنه: (والذين هاجروا في سبيل الله ثمّ قتلوا أو ماتوا ليرزقنّهم الله رزقاً حسناً) (2) وقال سبحانه: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعةً) (3) وقال تعالىٰ: (ولا يأتل ٱولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا اُولي القربىٰ والمساكين والمهاجرين في سبيل الله )(4) .

والآية الشريفة لا تتكقّل لبيان موضوعها، وهو المؤمن المهاجر المجاهد متقرّباً إلى الله تعالىٰ، ولا طريق لنا إلىٰ إحراز كيفية نيّة الناس حتّىٰ نعلم أنّ هجرته وجهاده في سبيل الله تعالىٰ .

وقد ثبت قطعاً عند الفريقين أنّ الإمام عليّاً علیه السّلام لا مصداق لهذه الآية الشريفة، وهذا البيان يجري في جميع الآيات التي اشتملت علىٰ مدح المؤمن، فإنّ المراد به المؤمن حسب الشرائط الثلاثة المتقدّمة.

مثل قوله تعالىٰ (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم واُولئك لهم الخيرات) (5) وقوله تعالىٰ (إنّ الله اشتریٰ من المؤمنين أنفسهم

ص: 288


1- سورة النحل: 41
2- سورة الحج: 58
3- سورة النساء: 100
4- سورة النور: 22
5- سورة التوبة: 88

وأموالهم بأنّ لهم الجنّة) (1) مع أنّ هذه الآية الأخيرة اشتلمت علىٰ قوله تعالىٰ والحافظون لحدود الله) (2) وهو يقتضي العصمة أو ما يتلوها؛ لأنّ حفظ جميع حدود الله يتوقّف على العلم بها ثمّ العمل بها، ومعلوم أنّ عليّاً أمير المؤمنین علیه السّلام مصداق لذلك .

وقوله تعالىٰ (إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله اُولئك يرجون رحمة الله )(3) وقوله تعالى (إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا اُولئك هم المؤمنون حقّاً (4).

وقوله تعالىٰ (يوم لا يخزي الله النبيّ والذين آمنوا معه )(5)(وقوله تعالىٰ (وجاهدوا في الله حقّ جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج )(6) وقوله تعالىٰ (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميّة حميّة الجاهليّة فأنزل الله سكينته علىٰ رسوله وعلى المؤمنين ) (7) .

ص: 289


1- سورة التوبة: 111
2- سورة التوبة: 112
3- سورة البقرة: 218
4- سورة الأنفال: 76
5- سورة التحریم: 8
6- سورة الحج: 78
7- سورة الفتح: 26

وقوله تعالىٰ (ولكنّ الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم)(1) وقوله تعالى (للفقراء المهاجرون الذين اُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله و رضواناً - إلىٰ قوله تعالىٰ – إنّك رؤوف رحيم) (2).

فهذه الآيات المشتملة علىٰ مدح المؤمنين اُريد منها المؤمنون حسب الشرائط المتقدّمة، لا مطلق من آمن بلسانه وأبطن الكفر، ولا يصحّ تطبيقها علىٰ جميع من صحب النبي(صلّی الله علیه وآله) ، لما تقدّم من وجود منافقین حوله، ولا يصحّ تطبيقها على موضوع مشكوك، ولا ريب في أنّ عليّاً أمير المؤمنین علیه السّلام مؤمن حقّاً حسب الشرائط المتقدّمة .

الآیة الثالثة

والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين ات-بعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنّات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظیم) (3)(3) .

وجه الدلالة علىٰ عدالتهم أنّه تعالىٰ أخبر بصيغة الماضي الدالّة على الوقوع عن رضوانه عنهم وعن متابعيهم وخلودهم في الجنان، وهو عالم بما يصدر منهم من التقدّم علىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام، فلا يكون تقدّمهم عليه معصية موجبة لعدم الدخول في الجنان .

والجواب: ّقوله تعالىٰ (والسابقونه) إمّا يراد به السابقون إلى الهجرة

ص: 290


1- سورة الحجرات: 7
2- سورة الحشر: 8 - 10
3- سورة التوبة: 100

والنصرة، وإمّا يراد به السابقون إلى الإيمان، ولا يصحّ أن يشمل إطلاقه للمنافقين الذین سبقوا إلى الهجرة والنصرة، أو سبقوا إلى الإيمان لساناً، فلابدّ من تخصيصه بمن لم یکن منافقاً، بل كان مؤمناً _حسب الشرائط الثلاثة المتقدّمة _ للآيات الدالّة علىٰ ذلك.

وفي نفس الآية قرينتان علیه : إحداهما: قوله تعالىٰ (من المهاجرين) فإنّه ظاهر في التبعيض لا التبيين، ولو كان الإطلاق مراداً لقال: والسابقون الأوّلون المهاجرون .

وعليه فمن المحتمل أنّ المراد من بعض المهاجرين: علي علیه السّلام، وجعفر بن أبي طالب، وحمزة بن عبدالمطّلب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطّلب، وعمّار، وأبوذرّ ،والمقداد، وزید بن حارثة، ونظراؤهم.

والمراد من بعض الأنصار: أبو أيّوب، وسَعد بن معاذ، وأبو الهيثم بن التيّهان، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ونظراؤهم .

ثانيتهما: قوله تعالىٰ (والذين اتّبعوهم بإحسان) فإنّه يدلّ على التبعيّة لهم في الإحسان، فلابدّ وأن يكون المتبوعون - أي السابقون الأوّلون محسنین _والمنافق لا يكون محسناً، فلابدّ أن يكونوا مؤمنين حسب الشرائط المتقدّمة .

لأنّه إذا لوحظت الآيات الذامّة للمنافقين، ومن انقلب علىٰ عقبيه بعد وفاة النبي(صلّی الله علیه وآله) ، ومن كتم ما أُنزل إلى الرسول، اتّضح كمال الوضوح أنّ المراد هو السبق إلى الإيمان بالله وبالرسول وبجميع ما أُنزل إليه حسب الشرائط الثلاثة المتقدّمة .

ثمّ إنّ الآية المباركة لا تدلّ علىٰ مصداقها، وإنّما تنطبق علىٰ مصاديقها الواقعية، ونعلم باتّفاق الفريقين أنّ مصاديقها الواقعية علي علیه السّلام ومن ذكرناهم. وأمّا

ص: 291

من عداهم فلا اتّفاق علىٰ أنّهم من مصاديقها، فلا ينفع العامّة استدلالهم بها .

وقوله تعالىٰ (والأوّلون) يحتمل في المراد منه أمران : الأوّل: أن يكون تأكيداً لمعنى السبق، كما يقال: فلان سابق في الفضل أوّل، وسابق إلى الخيرات سابق، كقوله تعالىٰ (والسابقون السابقون) (1) أي: المتقدّمون في فعل الطاعات الحائزون الرتبة الاُولىٰ.

الثاني: أن يكون تقييداً للسابقين، فإنّ السبق إلى الإيمان يشمل كلّ من سبق إليه من الأوّلين والآخرين، كالسبق إلى الخيرات وغيرها، كما قال الله تعالىٰ (فاستبقوا الخيرات) (2)(2) لكن للأوّلين منهم المدائح المذكورة، فهم طائفة خاصّة من المؤمنين، وأمّا الذين يأتون من بعدهم، فإن كانوا مثلهم كانوا داخلين في قوله تعالى (والذين اتّبعوهم بإحسان) (3) .

قال الشيخ المفيد رحمة الله في الافصاح: مع أنّ الوعد من الله تعالىٰ بالرضوان إنّما توجّه إلى السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، دون أن يكون متوجّهاً إلى التالين الأوّلين، والذين سمّيتهم من المتقدّمين علىٰ أميرالمؤمنين علية السّلام، ومن ضممت إليهم في الذكر لم يكونوا من الأوّلين في السبق، وإنّما كانوا من التالین للأوّلين، والتسالين للتالين، والسابقون الأوّلون من المهاجرين هم:أمير المؤمنین علیه السّلام ، وجعفر بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطّلب، وخبّاب، وزيد بن

ص: 292


1- سورة الواقعة: 10
2- سورة البقرة: 168، المائدة: 48
3- سورة التوبة: 100

حارثة، وعمّار، وطبقتهم، ومن الأنصار النقباء المعروفون، كأبي أيّوب، وسعد بن معاذ، وأبي الهيثم بن التيّهان، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، ومن كان في طبقتهم من الأنصار(1).

والحاصل ممّا ذكرنا أنّ الإطلاق في هذه الآية كالإطلاق في المؤمنین والمؤمنات والصادقين والصابرين في قوله تعالىٰ (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيّبة في جنّات عدن) (2) .

وقوله عزّ شأنه (هذا يوم ينفع الصادقین صدقهم لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظیم)(3) .

وقوله تعالىٰ (وبشّر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون * اُولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة واُولئك هم المهتدون) (4) وبعضها اشتمل علىٰ رضا الله عنهم ورضاهم عن الله .

وغيرها من الآيات التي يوهم ظاهرها المدح مطلقا، فهل يمكن ادّعاء شمول هذه الآيات لمن استحقّ اسم الإيمان في حال من الأحوال وإن لم يجتمع فيه الشرائط الثلاثة المتقدّمة، أو من صدق في مقاله وإن ضمّ إلىٰ فعله قبائح الأعمال، أو مطلق من صبر علىٰ مصاب فاسترجع له؟ وهل كان له الأمان من العذاب وإن کان مخالفاً في الاعتقاد بل مخالفاً للإسلام؟ بل المراد بهذه الآيات المؤمن

ص: 293


1- الإفصاح ص 78
2- سورة التوبة: 72
3- سورة المائدة: 119
4- سورة البقرة: 155_157

والصادق والصابر حسب الشرائط المتقدمة المستفادة من سائر الآيات .

وبعد تقييد السابقين الأوّلين بكون إيمانهم علىٰ حسب الشرائط الثلاثة المتقدّمة، يرتفع الإشكال عن خروج بعض من كان حول النبي(صلّی الله علیه وآله) ممّن ذکره الشيخ المفيد في الإفصاح، حيث قال : ما ذكرناه من أمر طلحة والزبير وقتالهما لأمير المؤمنین علیه السّلام وهما عند المخالفين من السابقين الأوّلين. ويضمّ إليه ما كان من سعد بن عبادة، وهو سیّد الأنصار ومن السابقين الأوّلين، ونقباء رسول الله(صلّی الله علیه وآله) في السقيفة، ترشّح للخلافة ودعا أصحابه إليه، وما راموه من البيعة له على الإمامة حتّىٰ غلبهم المهاجرون على الأمر، فلم يزل مخالفاً لأبي بكر وعمر ممتنعاً عن بيعتهما في أهل بيته وولده وأشياعه، إلىٰ أن قتل بالشام علىٰ خلافهما ومباينتهما .

وإذا جاز من بعض السابقين دفع الحقّ في الإمامة واعتقاد الباطل فيها، وجاز من بعضهم استحلال الدم على الضلال والخروج من الدنيا علىٰ غير توبة ظاهرة للأنام، فما تنكر من وقوع مثل ذلك من المتقدّمين علىٰ أمير المؤمنين وإن كانوا من السابقين الأوّلين، وما الذي يعصمهم ممّا وقع من شركائهم في السبق والهجرة وغير ذلك ممّا تعدّونه لهم في الصفات، وهذا ما لا سبيل إلىٰ دفعه (1) إنتهی .

وقوله تعالىٰ (بإحسان) إمّا راجع إلىٰ اتّباع التابعين، وأنّه يكون في الإحسان الموجود في المتبوعين، فيدلّ علىٰ وجود الإحسان في السابقين الأوّلين، أي: والسابقون الأوّلون المحسنون، وحينئذ لابدّ من معرفة المحسن منهم من غيره .

ص: 294


1- الإفصاح في الإمامة ص 84

وإمّا راجع إلى التابعين، وكأنّه حذف من الجملة السابقة اختصاراً ، نظير قوله تعالىٰ (والله ورسوله أحقّ أن يرضوه) (1) أي: الله أحقّ أن يرضوه ورسوله أحقّ أن يرضوه. وقوله تعالىٰ (والذین یکنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها )(2) أي: لا ينفقون الذهب ولا ينفقون الفضّة، فيكون المراد السابقين الأوّلين المصاحبين للإحسان، وقد بيّن الله تعالىٰ معنى الإحسان في سائر الآيات الشريفة، وإنّه لا يتحقّق إلاّ في المؤمن حسب الشرائط المتقدّمة.

واحتفاف الكلام بجملة أو كلمة يحتمل رجوعها إلى الجملة السابقة يوجب الإجمال، فإذا احتمل رجوع قوله تعالىٰ «بإحسان» إلى السابقين لم يجز التمسّك بإطلاقه لكلّ من سبق إلى الإيمان ظاهراً .

الآیة الرابعة

(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لیستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّنّ لهم دينهم الذي ارتضیٰ لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فاُولئك هم الفاسقون) (3).

قال الشيخ الطوسي رحمة الله في التبيان: استدلّ الجبائي ومن تابعه علىٰ إمامة الخلفاء الأربعة بهذه الآية، بأن قال: الاستخلاف المذكور في الآية لم يكن إلاّ لهؤلاء؛ لأنّ التمكّن المذكور في الآية إنّما حصل في أيّام أبي بكر وعمر؛ لأنّ الفتوح كانت في

ص: 295


1- سورة التوبة: 62
2- سورة التوبة: 34
3- سورة النور: 55

أيّامهم، فأبوبكر فتح بلاد العرب وطرفاً من بلاد العجم، وعمر فتح مدائن كسرىٰ وإلىٰ حدّ خراسان وإلىٰ سجستان وغيرها. وإذا كان التمكين والاستخلاف هاهنا ليس هو إلاّ لهؤلاء الأئمّة الأربعة وأصحابهم علمنا أنّهم محقّون .

فأجاب الشيخ الطوسي رحمة الله بأنّ الاستخلاف هاهنا ليس هو الإمارة والخلافة، بل المعنىٰ هو إبقاؤهم في إثر من مضىٰ من القرون إلىٰ آخر ما ذكره (1) .

وكان ينبغي للمتأخّرين من العامّة أن يجيبوا عن كلام الشيخ الطوسي رحمة الله، لكتّهم یكرّرون شبها تهم؛ لأنّه ليس مقصودهم الوصول إلىٰ حقيقة الأمر.

و ممّن کرّر ذلك من المتأخّرين من العامّة رحمة الله الدهلوي، في كتابه إظهار الحقّ، قال بعد أن ذكر الآية: ولفظ «من» في قوله « منكم» للتبعيض، و «كم» ضمير الخطاب، فيدلاّن علىٰ أنّ المراد بهذا الخطاب بعض المؤمنين الموجودين في زمان نزول هذه الآية لا الكلّ، ولفظ الاستخلاف يدلّ علىٰ أن حصول ذلك الوعديكون بعد الرسول(صلّی الله علیه وآله) ، ومعلوم أنّه لا نبي بعده؛ لأنّه خاتم الأنبياء، فالمراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة، والضمائر الراجعة إليهم في قوله «لیستخلفنّهم» إلىٰ قوله «لا يشركون» وقعت كلّها علىٰ صيغة الجمع، والجمع حقيقة لا يكون محمولاً علىٰ أقلّ من ثلاثة، فتدلّ علىٰ أنّ هؤلاء الأئمّة الموعود لهم لا يكونون أقلّ من ثلاثة.

وقوله «لیمكّننّ لهم» إلىٰ آخره وعد لهم بحصول القوّة والشوكة والنفاذ في العالم، فيدلّ علىٰ أنّهم يكونون أقوياء ذوي شوكة نافذاً أمرهم في العالم .

ص: 296


1- التبيان 7: 456

وقوله «دینهم الذي ارتضىٰ لهم» يدلّ علىٰ أنّ الدين الذي يظهر في عهدهم يكون هو الدين المرضي لله.

وقوله «لیبدّلتهم من بعد خوفهم أمناً» يدلّ علىٰ أنّهم في عهد خلافتهم يكونون آمنين غير خائفين ولا يكونون في الخوف والتقيّة .

وقوله تعالىٰ «يعبدونني لا يشركون بي شيئاً» يدلّ علىٰ أنّهم في عهد خلافتهم أيضاً يكونون مؤمنين لا مشرکین، فدلّت الآية علىٰ صحّة إمامة الأئمّة الأربعة سيّما الخلفاء الثلاثة؛ لأنّ الفتوحات العظيمة والتمكين التام وظهور الدين والأمن الذي كان في عهدهم لم يكن في عهد أميرالمؤمنين علي علیه السّلام لاشتغاله بمحاربة أهل الصلاة في عهده الشريف (1).

والجواب: أنّ تفسير القرآن لا يؤخذ فيه بالرأي، ولا يحمل علىٰ طبق اعتقادات الرجال، ولا يكون تبعاً للأهواء، فليس كلّ ما في التفاسير حجّة، ولا يكون رأي الأشخاص غيرالمعصومین علیهم السّلام حجّة في تفسير القرآن، إلاّ أن يدعم بإسناد الثقات العدول المتّصلة إلى النبي(صلّی الله علیه وآله) ، أو من نصبهم وهم الأئمّة المعصومون علیهم السّلام، ولابدّ من ملاحظة جميع آيات القرآن، ففيها عامّ و خاصّ ومطلق ومقیّد و مجمل ومبيّن، فكما إذا تكلّم متكلّم بكلام لا يؤخذ بعامه إلاّ بعد تخصیصه بخاصّه، وكذا لا يؤخذ بمطلقه إلاّ بعد تقييده بمقيّده، وكذا لا يؤخذ بمجمله إلاّ بعد تبيينه بمیّنه، كذلك القرآن .

وعليه فهذا الاستدلال ممنوع أمّا أوّلاً : فلأنّ الموعودين بالاستخلاف في الآية

ص: 297


1- إظهار الحقّ 2: 93

الشريفة هم «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» وقد تقدّم أنّ المراد بالإيمان المذكور في هذه الآيات المادحة للمؤمنين هو الإيمان الظاهري والباطني المقرون بالتسليم بجميع ما أُنزل على النبي(صلّی الله علیه وآله) حسب الشرائط الثلاثة المتقدّمة، وهذا المعنىٰ لم يكن ثابتاً لجميع الصحابة لوجود المنافقين حول النبي(صلّی الله علیه وآله) ، ولا يصحّ تطبيقه علىٰ موضوع مشكوك.

والمراد بالعمل الصالح ما يراه الشارع المقدّس - أعني: النبي(صلّی الله علیه وآله) والأئمّة المعصومين عليهم السّلام - عملاً صحيحاً، والطريق إليه التواتر أو اخبار الثقات العدول عن المعصومین علیهم السّلام. وقد ثبت عن الشارع المقدّس أجزاء وشرائط في العبادات وغيرها لم يراعها جميع أصحاب النبي(صلّی الله علیه وآله) ، ولا ريب في أنّ أعمال أمير المؤمنین علي بن أبي طالب علیه السّلام ومن تبعه كانت صالحات، وأما غيرهم فليسوا كذلك .

وثانياً: ليس المراد بالاستخلاف هي الخلافة عن النبي(صلِّی الله علیه وآله) ، بل توريث الأرض والديار والنعمة لأهل الإيمان بعد هلاك الظالمين؛ لأنّ الله تعالىٰ قد جعل ما وعد به مماثلاً لما فعله قبله بالمؤمنين وبالأنبياء، حيث قال: «كما استخلف الذين من قبلهم».

قال سبحانه: (قال موسىٰ لقومه استعينوا بالله واصبروا إنّ الأرض الله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين* قالوا اُوذينا من قبل أن تأتينا و من بعد ما جئتنا قال عسىٰ ربّكم أن يهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرض) (1) فبشّرهم أنّهم بصبرهم علىٰ أذى الكافرين يرثون أرضهم، ويملكون ديارهم

ص: 298


1- سورة الأعراف : 128_129

من بعدهم،ويستخلفون علىٰ نعمتهم، ولم يرد بشيء من ذلك أن يبوّئهم مقام النبوّة أو الإمامة .

وقال تعالىٰ: (و ربّك الغنيّ ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرّيّة قوم آخرين) (1)، وقال سبحانه: (ثمّ جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) (2) وقال سبحانه: (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا ممّا جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر کبیر) (3) .

وقد وفي الله تعالىٰ بوعده لأصحاب نبیّه (صلّی الله علیه وآله) في حياته وبعد وفاته، ففتح لهم البلاد، وأغدق عليهم الأموال، قال سبحانه: (و أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤها) (4)(4) وكانوا آمنين من شرّ الكفّار في حياة النبي(صلّی الله علیه وآله) ، فليس المراد به الخلافة عن النبي(صلّی الله علیه وآله) ليختصّ بما بعد وفاته .

ففي كتاب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام إلىٰ شيعته، بعد منصرفه من النهروان، قال: وأنتم معاشر العرب علىٰ شرّ حال، يغدو أحدكم كلبه، ويقتل ولده، ويغير علىٰ غيره، فيرجع وقد ٱغير عليه، تأكلون العلهز والهبيدة والميتة والدم، منیخون علىٰ أحجار خشن، وأوثان مضلّة، تأكلون الطعام الجشب، و تشربون الماء الآجن، تسافكون دماءكم، ويسبي بعضكم بعضاً.

وقد خصّ الله تعالیٰ قریشاً بثلاث آيات، وعمّ العرب باية.

ص: 299


1- سورة الأنعام: 133
2- سورة يونس: 14
3- سورة الحديد: 7
4- سورة الأحزاب: 27

فأمّا الآيات اللواتي في قريش، فهو قوله تعالىٰ (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطّفكم الناس فآواكم وأيّدكم بنصره ورزقكم من الطيّبات لعلّكم تشكرون ) (1).

والثانية (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لیستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضىٰ لهم وليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فاُولئك هم الفاسقون) (2) .

والثالثة قول قریش لنبي الله تعالىٰ حين دعاهم إلى الإسلام والهجرة، فقالوا: (إن نتّبع الهدیٰ معك نتخطّف من أرضنا) فقال الله تعالىٰ: (أو لم نمكّن لهم حرماً آمناً يجبىٰ إليه ثمرات كلّ شيء رزقاً من لدنّا ولكنّ أكثرهم لا يعلمون) (3) .

وأمّا الآية التي عمّ بها العرب، فهو قوله تعالىٰ (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً وكنتم علىٰ شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبّين الله لكم آياته لعلّكم تهتدون) (4) فيالها نعمة ما أعظمها إن لم تخرجوا منها إلىٰ غيرها، ويالها من مصيبة ما أعظمها إن لم تؤمنوا بها وترغبوا عنها إلى آخر كلامه علیه السّلام (5) .

ص: 300


1- سورة الأنفال: 26
2- سورة النور: 55
3- سورة القصص: 57
4- سورة آل عمران: 103
5- کشف المحجة ص 173 الفصل 155

وممّا يؤيّد أن يكون المراد من الاستخلاف ذلك هو عموم الوعد بالاستخلاف للمؤمنين الذين عملوا الصالحات من أصحاب النبي صلّی الله علیه وآله علىٰ ما اختصّوا به من الصفات، فالعموم الشامل لكلّ مؤمن من أصحابه يقتضي أن يكون المعنىٰ ذلك لا الخلافة عن النبي صلّی الله علیه وآله ، فإنّ التخصيص بها ينافي عموم الخطاب إلىٰ جميع المؤمنين حتّىٰ لو قلنا باختصاص الخطاب بالمشافهين.

وثالثاً: أنّ قوله تعالىٰ (من بعد خوفهم) يقتضي أن يكون مورد الآية الشريفة هم الذين عاشوا أشدّ الخوف، وتجرّعوا أصناف الأذي من المشركين، كعلي علیه السّلام وعمّار وأمّه وأبيه والمعذّبين بمكّة، ومن أخرجهم النبي صلِّی الله علیه وآله مع جعفر بن أبي طالب إلىٰ بلاد الحبشة، لما نالهم من الفتنة والأذیٰ، وقد كان حول النبي صلى الله عليه وسلم منافقون لم يلحقهم خوف ولم يكن الخطاب متوجّهاً إليهم.

والآية الشريفة لا تتكفّل بیان مصداقها ومن شکّ في حاله واختلف فيه، فلا دليل علىٰ كونه مصداقاً لها. وممّن يعلم قطعاً أنّه من مصادیقها واتّفق عليه الفريقان هو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام .

وقد ذكر الشيخ المفيد في الإفصاح أنّ الثلاثة المتقدّمين علىٰ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لا لم يكونوا خائفين .

قال: ويقال لهم: ما تنكرون أن يكون خروج أبي بكر وعمر وعثمان من الخوف في أيّام النبي صلّی الله علیه وآله يخرجهم عن الوعد بالاستخلاف؛ لأنّه إنّما توجّه إلى من كان يلحقه الخوف من أذى المشركين، وليس له مانع منهم كأمير المؤمنين علیه السّلام وما مني به مع النبي صلّی الله علیه وآله وعمّار واُمّه وأبيه، والمعذّبين بمكّة ومن أخرجهم النبي صلى الله عليه و آله مع

ص: 301

جعفر بن أبي طالب إلىٰ بلاد الحبشة لما كان ينالهم من الفتنة والأذىٰ في الدين .

فأمّا أبو بكر، فإنّ الشيعة تذكر أنّه لم يكن خائفاً في حياة النبي صلّی الله علیه وآله لأسباب نحن أغنياء عن شرحها، وأنتم تزعمون أنّ الخوف مرتفع عنه لعزّته في قريش ومكانه منهم، وكثرة ماله، واتّساع جاهه، وإعظام القوم له لسنّه وتقدّمه، حتّىٰ أنّه كان يجير ولا يجار عليه، ويؤمّن ولا يحتاج إلىٰ أمان، وزعمتم أنّه اشترىٰ تسعة نفر من العذاب .

وانّ عمر بن الخطّاب لم يخف قطّ ، ولا هاب أحداً من الأعداء، وإنّه جرّد سیفه عند إسلامه، وقال: لا يعبد الله اليوم سرّاً ثقة بنفسه وطمأنينة إلىٰ سلامته، وأمناً من الغوائل، وإنّه لم يقدم عليه أحد بسوء لعظم رهبة الناس منه وإجلالهم لمكانه .

وانّ عثمان بن عفّان كان آمناً ببني اُميّة، وهم ملاّك الأمر إذ ذاك، فكيف يصحّ لكم مع هذا القول أن تستدلّوا بالآية علىٰ صحّة خلافتهم، ودخولهم تحت الوعد بالاستخلاف، وهم من الوصف المنافي لصفات الموعودين بالاستخلاف على ما (1)

ص: 302


1- وقد تمكّن خالد بن الوليد مع سريته من قتل عمر يوم كان وحده فلم يقتله، إذ جاء عن خالد: رأيت عمر بن الخطّاب حين جالوا وانهزموا يوم اُحُد وما معه من أحّد وإنّي لفي كتيبة خشناء، فما عرفه منهم أحد غيري، فنکبت عنه وخشيتُ إن أغريتُ به من معي أن يصمدوا له. مغازي الواقدي 1: 237. وتمكّن ضرار من قتل عمر في معركة اُحد فلم يقتله. السيرة الحلبيّة 2: 321. وفي معرکة الخندق تمکّن بن ضرار بن الخطّاب من قتل عمر بن الخطّاب فلم يقتله، إذ جاء وحمل ضرار بن الخطّاب الفهري علىٰ عمر بن الخطّاب بالرمح، حتّىٰ إذا وجد عمر مسّ الرمح رفعه عنه وقال: هذه نعمة مشكورة، فاحفظها يا ابن الخطّاب.مغازي الواقدي 2: 471.

ذكرناه لولا أنّكم تخبطون فيما تذهبون إليه خبط عشواء (1) .

ورابعاً: أنّ معاوية من الصحابة ممّن أسلم لساناً وادّعى الخلافة أيضاً، وكان له الأمر والنهي، وقد عارض عليّاً علیه السّلام الذي كان خليفة النبي صلّی الله علیه وآله باتّفاق الفريقين، بل ملك الرقاب وانقادت له الدنيا بأزمّتها بعد مقتل علي علیه السّلام وصلح الحسن علیه السّلام حتّىٰ أصبح لا يضاهي تمكّنه في كرسي الحكم تمكّن الخلفاء جميعهم، فهل يمكن دعوىٰ شمول الآية له؟!

وخامساً: ما ذكره السيّد ابن طاووس في سعد السعود، فإنّه بعد ما ذكر أنّ عثمان غیر داخل في الآية، عّلل ذلك بقوله: وقد عرف كلّ مطّلع علىٰ أحوال الإسلام أنّ عثمان بن عفّان بالعكس؛ لأنّه اُبدل من بعد أمنه خوفاً، وحصر في داره واًخيف خوفاً، وقتل مجاهرة باتّفاق من حضر من الآفاق من زهّاد المسلمين، و باتّفاق من أعان من حضر المدينة والتابعين وخذلان الباقين (2) .

وقال في موضع آخر: وكيف يكون علىٰ قولهم مولانا علي بن أبي طالب علیه السّلام داخلاً في الآية ؟ كما زعم الجبائي؛ لأنّ إمامته كانت أقرب إلى الخوف بعد الأمن، وكيف يكون عمر داخلاً فيها؟ وكان عاقبة أمره الخوف والقتل، وكيف تكون هذه الآية دالّة على ما ذكره الجبائي؟ وقد اتّصلت الفتن والمخاوف من بعد عمر وعثمان و مولانا علي علیه السّلام وكانت مستمرّة مدّة زمن معاوية ويزيد وبعدهما في ابتداء دولة مروان وولده عبد الملك وعبدالله بن الزبير وعبد الرحمٰن بن الأشعث،

ص: 303


1- الإفصاح في الامامة ص 98
2- سعد السعود ص 169

والأزارقة والخوارج، ودولة مروان بن محمّد، وفي انقضاء ملكهم في ابتداء دولة بني العبّاس إلىٰ أن مات المنصور.

ثمّ ما خلصت دولة للبقاء من جبن وخوف وقتل وحرب إلاّ أن يكون شاذّاًّ، وكان انقضاء دولة بني العبّاس على الخوف بعد الأمن وما لم يجر مثله في الإسلام.

وهل لهذه الآية تأويل في تحصيل الأمان التامّ بعد الخوف الشديد في البلاد والعباد إلاّ في دولة المهدي علیه السّلام ، كما ذكره الطوسي عن أهل البيت، التي تأتي بأمان مستمرّ إلى يوم القيامة لا يتعقّبه المخافات، وينتظم أمر النبوّة والرسالة إلىٰ آخر الدنيا بإقرار الآيات والمعجزات (1).

قلت: قد ظهر من القرائن الموجودة في الآية الشريفة صحّة التأويل المذكور؛ لأنّ الإيمان الصحيح هو الإيمان بالله وبالنبي صلّی الله علیه وآله وبجميع ما اُنزل إليه .

وممّا اُنزل إليه خلافة الأئمّة من عترة النبي صلّی الله علیه وآله .

والاستخلاف في الأرض کاستخلاف الذين من قبلهم هو التمكين من البلاد بلا مزاحم، والتمكين من الدين يراد به الدين الذي قد اُكمل لهم بولاية الأئمّة المعصومین علهیم السّلام .

وتبديل الخوف بالأمن إنّما يكون فيما إذا وصل حقّ كلّ ذي حقّ إليه، وأمن من شرّ كلّ كافر، وكانت عبادته لله تعالىٰ عبادة صحيحة واقعية غير مشوبة بتقية، وإنّما تكون كذلك فيما إذا كانت کیفیتها مأخوذة من المعصوم علیه السّلام، وعدم إشراكهم في العبادة إنّما يكون إذا لم ينصبوا إماماً شریكاً لمن نصبه الله تعالى فيطاع من

ص: 304


1- سعد السعود ص 173

دونه، فإنّه شرك في العبادة، ولم يتحقّق هذا المضمون من وفاة النبي صلِّی الله علیه وآله إلى الآن، ولا يخلف الله وعده .

وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا يصحّ الاستدلال بالآية الشريفة علىٰ مشروعية خلافة الخلفاء؛ لأنّه لو فرض أنّ المقصود من الاستخلاف هي الخلافة عن النبي صلی الله علیه واله ، فموضوعها من أمن بعد الخوف، وهذا بالعكس في الخلفاء، فإنّهم خافوا بعد الأمن، فقتل الثاني وقتل الثالث أفظع قتلة، فأيّ أمن بعد الخوف هذا ؟!.

وسادساً: لو سلّمنا أنّ المراد بالاستخلاف الإمامة، علىٰ ما ذكره الجبائي والدهلوي وغيرهما من أنّ المراد به خصوص الخلفاء الأربعة، للزم أن يكونوا منصوص عليهم، وهذا له توالي فاسدة : أحدها: أنّ الله تعالىٰ أراد استخلاف الأربعة، وكتمه عن نبيه، والاعتقاد بذلك خروج عن الإسلام.

ثانيها: أن يدّعيٰ أنّ رسول الله صلّی الله علیه وآله عرف ذلك و ستره عن صحابته حتّىٰ أوقعهم في خطر مخالفته و تقبیح ذکر رسالته، فهو طعن في النبوّة والصحابة الذين منهم علي بن أبي طالب علیه السّلام.

ثالثها: أن يدّعيٰ أنّ الصحابة عرفوا من هذه الآية استخلاف الأربعة وما عملوا بها و تركوا الاعتماد عليها، ورجعوا إلى الاختيار، فهو طعن في الصحابة والقرابة.

رابعها: أنّ يزعم أنّ الصحابة ما عرفوا تأويل الآية، وعرفها الجبائي وغيره، كالدهلوي من العامّة، فهي شهادة في معرفتهم تأويل القرآن، و أنّهم أعرف من الصحابة بتأويلها .

ص: 305

والحاصل أنّه لو كان الصحابة قد فهموا أنّ المراد بهذه الآية الاستخلاف لكانوا عقیب وفاة النبي صلّی الله علیه وآله قد تعلّقوا جميعهم بها، أو قالوا: إنّ هذا وعد لنا بالخلافة؛ لأنّنا قد آمنّا وعملنا عملاً صالحاً. ولو كان معنىٰ هذه الآية استخلاف هؤلاء لكان النبي صلّی الله علیه وآله قد عرّف الخلفاء الأربعة ذلك، وما أحوجهم إلى اختيار بعضهم لبعض، ولا إلىٰ تعيين ستّة في الشورىٰ.

وسابعاً: قوله تعالىٰ في آخر الآية (ومن كفر بعد ذلك فاُولئك هم الفاسقون) يدلّ علىٰ إمكان الكفر من الصحابة، فلابدّ في الحكم بايمان كلّ واحد أردنا إثبات إيمانه من العلم بأنّه ليس داخلاً في ذيل الآية، وقد علم جميع المسلمين أنّ عليا علیه السّلام و سلمان وأباذر ّوعمّاراً ونظراءهم ممّن ذكر ليسوا داخلين فيه، وأمّا غيرهم ممّن لم يعلم عدم دخوله فيه، فاحتمال الكفر في حقّه موجود.

وثامناً: ما ذكره السيّد ابن طاووس في سعد السعود، قال: إنّه يقال للجبائي: ما تقول للإمامية إن قالت لك: إذا كان هذه الآية دالّة على الخلافة عندك وعند الفرق المخالفة، فنحن نحاكمكم إلىٰ عقولكم إنصافها، ونقول: هذه الآية تدلّ علىٰ بطلان خلافة الذين تقدّموا علىٰ مولانا علي بن أبي طالب علیه السّلام.

وبيان ذلك: أنّ الله تعالىٰ قال فيها - أي في الآية - أن يكون لمن يستخلفه من هذه الاُمّة كما كان استخلافه لمن مضىٰ قبلها بلفظة «کما» التي هي حقيقة للتشبيه، وقد وقفنا نحن وأنتم علىٰ أخبار من تقدّمنا من بني إسرائيل وغيرهم الذين يحتمل التشبيه بهم، فلم نجدهم يحملون الأنبياء ولا الأوصياء ولا خلفاء الأنبياء باختيار من يختارهم من الاُمّة، وما وجدنا أحداً منهم تركوا نبيّهم علىٰ فراش

ص: 306

الموت، وتوصّلوا قبل الاشتغال بغسله والصلاة عليه ودفنه بغیر مشاورة لأهله ولا حضورهم بايعوا بعضهم بعضاً، ولا وجدناهم عيّنوا في ولايتهم ستّة كما جرىٰ في الشورىٰ، ولا عرفنا أنّ مثل هذا علىٰ صفة جریٰ لمن تقدّم، وما وجدناهم عاملين إلاّ على اختيار الله ونصّه علىٰ من يقوم بخلافتهم (1) .

و تاسعاً: أنّ الآية الشريفة ظاهرة في إزالة الخوف واستمرار الأمن بعد ذلك، وما ذكره الدهلوي من أنّها خاصّة بزمان خاصّ، وهو مدّة خمس وعشرين سنة _لأنّ عليّاً علیه السّلام لا كان مشغولاً بحرب أهل الصلاة، ولو أدخل فيها مدّة خلافته علیه السّلام كان ذلك ثلاثين سنة - خلاف المفهوم من الآية، مع أنّ المدّة القليلة لا تستحقّ إخبارالله تعالىٰ عنها بما يكون كالبشارة للمؤمنين .

وعاشراً: أنّ الخطاب في قوله تعالىٰ (منکم) عامّ إلىٰ جميع المؤمنين لا خصوص المشافهين .

ولو سلّمنا إرادة خصوصهم، فالخطاب عامّ لكلّ من آمن منهم، وقد كان سلمان و أبوذرّ منهم، مع أنّ أباذرّ كان خائفاً لم يحصل له الأمن.

فبمقتضى العموم لابدّ أن يكون لأبي ذرّ زمان يذهب منه الخوف، ولم يحصل ذلك له، ولن يحصل إلاّ إذا قلنا بما يعتقده الشيعة من أنّ أمثال أبي ذرّ يرجعون إلى الدنيا في دولة الإمام المهدي علیه السّلام .

كما أنّ الدين الذي ارتضي لهم هو ما قاله تعالىٰ (اليوم أكملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) وذكرنا في محلّه أنّ إكمال

ص: 307


1- سعد السعود ص 166

الدين لا يتحقّق في زمان النبي ، إلاّ بعد نصب خليفة النبي الذي يكون مجتمعاً فيه جميع خصال النبي صلّی الله علیه وآله إلاّ النبوّة والخصال الشخصية للنبي صلّی الله علیه وآله، وهو ما يعتقده الشيعة، والحاصل أنّه لم يحصل لهم الأمن ولا التمكّن في جميع أعمالهم وعباداتهم من حجّ وغيره، فلا يكون إلاّ في زمان ظهور الإمام المهدي علیه السّلام .

و حادي عشر: ما ذكره الشيخ المفيد في الإفصاح، من اختصاص الآية بخصوص الأئمّة المعصومين عليهم السّلام، حيث قال: ويقال لهم: ليس يمكنكم إضافة ما تلو تموه من هذه الآية في أئمّتكم إلىٰ صادق عن الله فيجب العمل به، وإنّما أسندتم قولكم فيه إلىٰ ضرب من الرأي والاعتبار الفاسد بما أوضحناه .

وقد ورد عن تراجمة القرآن من آل محمّد علیهم السّلام في تأويلها ما هو أشبه من تأویلكم وأولىٰ بالصواب، فقالوا: إنّها نزلت في عترة النبي صلّی الله علیه وآله وذرّيته الأئمّة الأطهار علیهم السّلام ، وقد تضمّنت البشارة لهم بالاستخلاف والتمكّن في البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي علیه السّلام منهم، فكانوا هم المؤمنين العاملين الصالحين عصمهم الله من الزلاّت، وهم أحقّ بالاستخلاف على الأنام ممّن عداهم لفضلهم علىٰ سائر الناس، وهم المدالون علىٰ أعدائهم في آخر الزمان حتّىٰ يتمكّنوا في البلاد، ويظهر دين الله تعالىٰ بهم ظهوراً لا يستخفي أحد علىٰ أحد من العباد يأمنون بعد طول خوفهم من الظالمين المرتكبين في أذاهم الفساد.

وقد دلّ القرآن علىٰ ذلك، وجاءت به الأخبار، قال الله عّزوجلّ: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون)(1)(1) وقال تعالى :

ص: 308


1- سورة الأنبياء: 105

(وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا ًوكرهاً وإليه يرجعون) (1) وقال تعالى: (و إن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهیداً ) (2).

و كلّ هذه أمور منتظرة غير ماضية، ولا موجودة في الحال، ومثلهم فيما بشّرهم الله تعالىٰ به من ذلك ما تضمّنه قوله تعالىٰ (و نريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمّة ونجعلهم الوارثين *ونمكّن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) (3) وقوله تعالىٰ في بني إسرائيل (ثمّ رددنا لكم الكرّة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثرنفيراً) (4) وممّا أنزله فيهم سوى المثل لهم قوله تعالىٰ (الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الاُمور ) (5) فصار معاني جميع ما تلوناه راجعاً إلى الإشارة إليهم علیهم السّلام بما ذكرناه .

ويحقّقّ ذلك ما روي عن النبي صلّی الله علیه وآله على الاتّفاق من قوله «لن تنقضي الأيّام والليالي حتّىٰ يبعث الله رجلاً من أهل بیتی یواطیء اسمه اسمي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً و جوراً».

وأمّا ما تعلّقوا به من كاف المواجهة، فإنّه لا يخل بما شرحناه في التأويل من

ص: 309


1- سورة آل عمران: 83
2- سورة النساء: 159
3- سورة القصص: 5_6
4- سورة الإسراء:6
5- سورة الحج: 41

آل محمّد علیهم السّلام؛ لأنّ القائم من آل محمّد والموجود من أهل بيته في حياته، هو من المواجهين في الحقيقة والنسب والحسب وإن لم يكن من أعيانهم، فإذا كان منهم بما وصفناه فقد دخل تحت الخطاب، وبطل ما توهّم أهل الخلاف (1) إنتهیٰ .

أقول: حاصل ما ذكره أخيراً أنّه يجوز خطاب الموجودين حال الخطاب من الحيثية التي موجودة في من يأتي بعدهم، فكأنّ الخطاب شامل أيضاً لمن يأتي بعدهم.

وثاني عشر: أنّ المراد من قوله تعالىٰ «في ا .لأرض» إن كان بعضها وهي بلاد الإسلام، فلا حاجة إلىٰ ذكر الأرض؛ لأنّ الاستخلاف لابدّ وأن يكون في بعضها،فيكون ذكرها دالاًّ علىٰ تمام الأرض، أي: المسكونة وغيرها من أراضي الإسلام والكفّار.

وهذا لم يتحقّق إلى الآن، كما أنّ المراد تمام الأرض في قوله تعالىٰ (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون) (2) وكذاقوله تعالىٰ (وله أسلم من في السماوات والأرض) (3) فلاحظ وتدبّر، فإنّ ما ذكرنا هو نتيجة التدبّر في القرآن الذي أمرنا الله تعالىٰ به بقوله (أفلا يتدبّرون القرآن أم علىٰ قلوب أقفالها) (4)(4) لا التفسير بالباطن (5) .

ص: 310


1- الإفصاح في الإمامة ص 100 - 102
2- سورة الأنبياء: 105
3- سورة آل عمران: 83
4- سورة محمد «ص»:
5- وفي ضمن رواية طويلة مرويّة عن أبي عبدالله جعفر بن محمّدعلیها السّلام المفضّل: فقلت: یابن رسول الله انّ النواصب تزعم أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان

تنبيه: ما ذكره الدهلوي من أنّ الأمن كان في زمان الخلفاء الثلاثة؛ لأنّ علياً علیه السّلام كان مشغولاً بحرب أهل الصلاة، يدلّ علىٰ نصبه وعداوته وعناده وجهله، ألم يعلم أنّ أمير المؤمنين عليّاً علیه السّلام معصوم؟ وأنّه أعلم الناس وأزهدهم؟ وأنّه جاهد الناكثين والمارقين والقاسطين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وأيّ قيمة لصورة الصلاة التي يصلّيها معاوية وأتباعه ممّن حاربهم أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب علیه السّلام .

ومن لم يشدّ علىٰ عينيه عصابة العصبيّة يرىٰ أنّ ذلك نتيجة غصب الثلاثة المتقدّمين علىٰ أمير المؤمنين علیه السّلام ، ونتيجة فتوحاتهم، والإسلام المشوّه الذي نشروه، ما أدّىٰ إلىٰ تربية اُناس يتسمّون مسلمين ويقتلون ريحانة الرسول صلّ الله علیه وآله،ولولم يغصبوا منصب الخلافة لما انتهى الأمر إلى استشهاد سيّدة النساء فاطمة الزهراء ولا أمير المؤمنين ولا سيّدي شباب أهل الجنّة علیهم السّلام .

الآیة الخامسة

(1)

(لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً * ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً )(2) دلّت علىٰ أنّ الله تعالىٰ قد رضي عن أصحاب الرسول صلّی الله علیه وآله ، ولا يرضى الله عمّن يكون مؤمناً لساناً، أو ارتدّ بعد إيمانه،

ص: 311


1- وعلي علیه السّلام، قال: لا يهدي الله قلوب الناصبة، متىٰ كان الدين الذي ارتضاه الله ورسوله متمكّناً بانتشار الأمن في الاُمّة، وذهاب الخوف من قلوبها، وارتفاع الشكّ من صدورها في عهد أحد هؤلاء، وفي عهد علي علیه السّلام مع ارتداد المسلمين، والفتن التي كانت تثور في أيّامهم، والحروب التي كانت تشبّ بين الكفّار وبينهم. بحار الأنوار 51: 222 ح 9 عن كمال الدين للشيخ الصدوق .
2- سورة الفتح: 18 - 19

أو يرتدّ بعد نزول الآية .

والاستدلال بها علىٰ ما راموه ممنوع. أمّا أوّلاً : فلأنّ موضوعها المؤمنون،والمراد بهم المؤمنون حقّاً حسب الشرائط الثلاثة المتقدّمة؛ لما مرّ من أنّه تعالىٰ لا يرضىٰ عن المنافقين والظالمين والمرتدّين علىٰ أعقابهم.

وثانياً: لم يذكر في الآية علىٰ أيّ شيء بايعوا، وهم كانوا جميعاً مسلمین بنبوّة النبي صلّی الله علیه وآله ، فلابدّ أن يكونوا قد بايعوا علىٰ شيء آخر هو من لوازم تسليمهم بالنبوّة أن يطيعوه صلّی الله دعلیه وآله فيه ولا يعصوه، قيل: بايعوه علىٰ أن لا يفرّوا، ولسنا نعلم وفاء جميعهم بهذا الأمر.

بل يمكن أن يقال: إنّ الله تعالىٰ اشترط عليهم أن لا ينكروا بعد ذلك علىٰ رسول الله صلّی الله علیه وآله شيئاً يفعله، ولا يخالفوه في شيء يأمرهم به، فقال الله عزّ وجلّ: وإنّ الذين يبايعونك إنّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نکث فإنّما ینکث علىٰ نفسه ومن أوفىٰ بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً) وإنّما رضي عنهم بهذا الشرط أن يفوا بع ذلك بعهد الله وميثاقه، ولا ينقضوا عهده وعقده، فبهذا العقد رضي عنهم، فإنّ هذه الآية عامّة لكلّ مبايعة (1).

وثالثاً: أنّ قوله (فعلم ما في قلوبهم) يدلّ علىٰ أنّه تعالىٰ علم من كان مؤمناً حقّاً، فلذا أنزل السكينة عليهم وأثابهم الفتح القريب، ولقد علمنا بعد ذلك علىٰ ما ثبت في التواريخ أنّ الذي كان علىٰ يده الفتح المذكور هو علي

ص: 312


1- بحار الأنوار 20: 354

أمير المؤمنين علیه السّلام (1) .

قال الشيخ الطوسي رحمة الله : وقد بايع النبي ع جماعة من المنافقين بلا خلاف،فلابدّ من تخصيص الآية علىٰ كلّ حال علىٰ أنّه تعالىٰ وصف من بايع تحت الشجرة بأوصاف قد علمنا أنّها لم تحصل في جميع المبايعين، فوجب أن يختصّ الرضا بمن جمع الصفات؛ لأنّه قال : (وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة) .

ولا خلاف بين أهل النقل أنّ الفتح الذي كان بعد بيعة الرضوان بلا فصل هو فتح خیبر، وأنّ رسول الله صلّی الله علیه وآله ، عند ذلك قال: لأ عطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله کرّاراً غير فرّار لا يرجع حتّىٰ يفتح الله علىٰ يده، فدعا عليّاً علیه السّلام فأعطاه الراية، وكان الفتح علىٰ يده، فوجب أن يكون هو المخصوص بحكم الآية، ومن كان معه في ذلك الفتح لتكامل الصفات فيهم، علىٰ أنّ ممّن بایع بيعة الرضوان طلحة والزبير وقد وقع منهما من قتال علي علیه السّلام ما خرجا به عن الإيمان، فما الذي يمنع من مثل ذلك في غيرهما(2) إنتهىٰ ملخّصاً .

ورابعاً : أنّ الآية تدلّ علىٰ أنّ الله تعالىٰ رضي عنهم لبيعتهم في ذلك الوقت،ولا دلالة لها علىٰ أنّه رضي عنهم إلىٰ آخر عمرهم، وقد يرضي الله عن قوم ثمّ يغضب عليهم، قال سبحانه: (فعموا وصمّوا ثمّ تاب الله عليهم ثمّ عموا وصمّوا کثیر منهم )(3) وقال سبحانه (فمن نكث فإنّما ينكث علىٰ نفسه ومن أوفىٰ بما عاهد

ص: 313


1- لاحظ تلخيص الشافی 1: 204
2- التبيان 9: 328
3- سورة المائدة: 71

عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً) (1) فإنّه يدلّ علىٰ أنّه رضي عنهم قبل أن ينكثوا، وغضب عليهم بعد أن نكثوا.

تنبيه: إنّ الآيات المشتملة على نزول السكينة طائفتان : الطائفة الاُولىٰ: الآيات المشتملة علىٰ نزول السكينة على المؤمنين، وهي الآية المتقدّمة، وقوله تعالىٰ (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) (2) و قوله تعالىٰ (فأنزل الله سكينته علىٰ رسوله وعلى المؤمنين) (3) وقوله تعالىٰ (ثمّ أنزل الله سكينته علىٰ رسوله و على المؤمنین) (4) .

والمراد بالمؤمنين في هذه الآيات لعلّه من كان مؤمناً حقّاً، لا المؤمن ظاهراً وإن كان منافقاً، ويؤيّده قوله تعالىٰ بعد الآية الاُولىٰ (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الأنهار - إلىٰ قوله تعالىٰ - ويعذّب المنافقين والمنافقات) الآية. فإنّ ذكر المنافقين يدلّ علىٰ خروجهم من المؤمني والمؤمنات .

الطائفة الثانية: قوله تعالىٰ (إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم

ص: 314


1- سورة الفتح: 10
2- سورة الفتح: 4
3- سورة الفتح: 26
4- سورة التوبة: 26

تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفليٰ) (1) .

وقد أفرد الضمير في «علیه» وهو: إمّا راجع إلىٰ صاحبه، وهو غير صحيح؛ لأنّ الله قد أنزل السكينة علىٰ رسوله، فيما إذا ذكر الرسول وذکر نزول السكينة.

وأيضاً ضمير «أيّده» راجع إلى الرسول، والظاهر اتّحاده مع ضمیر «علیه »فيتعيّن رجوع ضمير «عليه» إلى الرسول، ويكون وجه تخصیص الرسول بنزول السكينة عليه مع احتياج صاحبه - لاضطرابه - إلىٰ نزول السكينة اختصاص السكينة بالمؤمنين، فيستفاد خروج صاحبه عن المؤمنين.

وقد يقال: بأنّ المراد نزول السكينة على الرسول وصاحبه؛ لأنّ الرسول صلّی الله علیه وآله قال لصاحبه: «إنّ الله معنا» والمراد به معيّة عناية ورعاية، وكان صاحبه تابعاَ مطيعاً للرسول صلّی الله علیه وآله، فكلّ ما حصل للمتبوع في هذه الحال من سكينة و تأیید فهو حاصل للتابع أيضاً .

والجواب: أنّ السكينة تنزل على القلوب، وكلّ قلب تنزل عليه سكينة غير السكينة النازلة على الآخر، فكان ينبغي التنبيه عليه، كأن يقول: فأنزل الله سكينته علىٰ رسوله وعلىٰ صاحبه، أو عليهما، كما نصّ في الآيتين السابقتين علىٰ إنزال السكينة علىٰ رسوله وعلى المؤمنین .

وأمّا معيّة الله سبحانه لهما باللطف والرعاية والعناية - لو سلّمت - فهي لحفظهما عن كفّار قريش وقد حفظهما، وهذا لا يدلّ علىٰ فضل في صاحبه .

ثمّ إنه لا يتوهّم أن آية الغار تدلّ علىٰ مدح لغير النبي صلّی الله علیه وآله ، فإنّ قوله تعالىٰ

ص: 315


1- سورة التوبة: 40

(ثاني اثنين) فليس فيه أكثر من إخبار عن عدد، وقد يكون ثانياً لغيره من لايشاركه في إيمان ولا فضل .

وقوله تعالىٰ (لصاحبه) لا يوجب فضلاً في التسمية به، كقوله مخبراً عن مؤمن وكافر تصاحبا (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب) (1).

وقوله تعالىٰ (لا تحزن) لولم يدلّ على الذمّ فلا يدلّ على المدح.

وكذا قوله تعالىٰ (إنّ الله معنا) فإنّ الله مع كلّ شيء، كما قال تعالىٰ: (ولا أدنيٰ من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا) (2) وقال تعالى: (وهو معكم أينما کنتم(3) ولو كان المراد معيّة العناية والرعاية احتمل أن يكون المراد بها النبي وحده، من باب استعمال المتكلّم لفظ الجمع وإرادة المفرد، كقوله تعالىٰ (انّا نحن نزّلنا الذكر) (4) .

ولو سلّم إرادة أنّه معهما يحفظهما من أيدي الكفّار - وقد فعل - فهذا لا يوجب مدحاً؛ وذلك لأنّ الحكمة الإلٰهية اقتضت أن يكون أبوبكر معه حتّىٰ لا يتوهّم أحد منهم أنّ النبي صلّی الله علیه وآله ساحر ق