ابنية المبالغة وانماطها في نهج البلاغة

اشارة

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق - وزارة الثقافة العراقية لسنة 2013 : 2113 9789933489885 :ISBN الرقم الدولي الشيباني، حيدر هادي خلخال أبنية المبالغة وأنماطها في نهج البلاغة: دراسة صرفية نحوية دلالية / حيدر هادي خلخال الشيباني؛ [مقدمة اللجنة العلمية. محمد علي الحلو]. - الطبعة الأولى. - كربلاء: العتبة الحسينية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية والثقافية. - مؤسسة علوم نهج البلاغة 1435 ق. = 2014 م.

(ص 384. - (مؤسسة علوم نهج البلاغة؛ 1).

المصادر: ص 339 - 375؛ وكذلك في الحاشية.

1. علي بن أبي طالب (علیه السلام)، الإمام الأول، 23 ق. ه. 40 ه. خطب. 2. علي بن أبي طالب (علیه السلام)، الإمام الأول، 23 ق. ه - 40 ه. - كلمات قصار. 3. اللغة العربية - النحو. 4. اللغة العربية - الصرف. 5. اللغة العربية - تأثير علي بن أبي طالب (علیه السلام). نهج البلاغة. 6. علم الدلالة. ألف. الحلو، محمد علي، 1957 - ، مقدم.

ب. علي بن أبي طالب (علیه السلام)، الإمام الأول، 23 ق. ه - 40 ه. - نهج البلاغة - مباحث لغوية - شرح. ج. العنوان.

د. العنوان: نهج البلاغة. مباحث لغوية. شرح.

PB 193. 1. A2. N4374 2013 تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية المقدسة

ص: 1

اشارة

ص: 2

ابنية المبالغة وانماطها في نهج البلاغة حیدر هادی خلخال الشیبانی اصدار مؤسسة علوم نهج البلاغة فی العتبة الحسینیة المقدسة

ص: 3

جمیع الحقوق محفوظة للعتبة الحسینیة المقدسة الطبعة الأولی 1435 ه - 2014 م العراق: كربلاء المقدسة - العتبة الحسينية المقدسة مؤسسة علوم نهج البلاغة www.inahj.org E-mail: inahj@gmail.com

ص: 4

الإهداء

إلی:

أمیرالکلام الإمام علیِّ بن أبی طالب وإلی: االلذینِ أمرنی ربی بطاعتِهما بِرًّا و إحسانًا والدیَّ الکریمین.

وإلی: من شدَّ أزری ووقف معی وساندنی إخوتی و أخواتی وأصدقانی.

أهدی لهم جمیعاً هذا الجهد حیدر

ص: 5

مقدمة اللجنة العلمیة

لم يستطع الزمن أن يختزل (علياً) في خطبة، ولم يقدر صدر أن يضم فكره، وأنى لكتابٍ أن يسطّر فضله، فه والكتاب المفتوح في عالم التكوين، وهو الفكر المخزون في آفاق النفس من غير تدوين، ولعل ما ضم نهج البلاغة من نتف البيان، وما أرخاه المؤرخون على فضائله من حُجب التقييم كافياً على عظمة شخصيته في كل جوانب العظمة وهو دليل على أن لهذا العلم المقهور بين إخفاء الرواة وتعسّف المؤرخين حقيق على الباحث أن يعيد النظر لما خلّفه هذا الحرمان من انتكاسه الفكر الإنساني ليحيل علياً إلى راوٍ لخطبه دون أن يكون لهذا الخزين الفكري الثر حضوره في حياتنا الثقافية أو في حضارتنا العامة، ولعل ذلك ناتج عن أسباب التضييع لأعظم تراثٍ يشهده الفكر الإنساني منذ نشوئه وهو تراث علي المدخورين خطبة أو موعظٍ أو حكمة يعالج بها أمراً من أمور الحياة أو شأناً من شؤون الإنسان فتجده حاضراً في صياغة العقل الإنساني، وموجوداً ضمن الترتيب الثقافي الذي يجمع شتات الفكرة ويدفع في نسق الثقافة أن تنتظم في

ص: 6

منظومةٍ عملية لا يُستثنى عنها، من هنا نجد ضرورة البحث في هذا الكم الهائل من الفكر الذي تجاوز القراءة العابرة ما لم يكن هناك بحث لا على سبيل المقطوعة بل حتى على أساس معالجة المفردة التي تناولها عليٌ في حضوره الثقافي وتعاطيه الفكري.

فصيغة المبالغة - مثلاً - تُعطي بعداً آخر في استخدام المفردة، وصياغة الفكرة عند علي الخطيب، وفي حديث علي الحكيم، فالمبالغة ببنائها الصرفي أو تركيبها النحوي يقدمها الإمام مفردة بناء فكري تسهم في انساق الحكمة، ومهارات الفن، ودواعي الإبداع .. هكذا هو عليٌ الإمام تستظل الحكمة بظل كلماته، وتستوفي ا لبراعة بكمالاته حتى يأخذ بتلابيب الفصاحة فيقودها خطيباً وتنقاد له عاجزة.

من هنا نجد أن دراسة الأستاذ حيدر هادي خلخال الشيباني الموسومة ب (أبنية المبالغة وأنماطها في نهج البلاغة) تأتي ضمن هذه السياقات الفنية والحاجة العلمية التي سعت في تقديم روائع البحوث الصرفية والدلالية، فقد بذل الوسع في تحقيق بحث يحتاجه الباحثون في تسليط الضوء على إبداعات نهج البلاغة التي حجبت لترى النور لأي من جهدٍ جهيد يستحق الثناء وجدير بالتقدير.

عن اللجنة العلمية السيد محمد علي الحلو

ص: 7

المُقدّمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلُاة والسلُام على المبعوث رحًمة للعالَمين، سيدِنا محُمدٍ النبيِّ الأمَين، وعلى آلهِ الطيبين الطاهرين، وصحبهِ الغُرِّ الميامين، أمّا بعدُ:

فإنَّ كتابَ (نهج البلاغة) رافدٌ ثرٌّ للغة العربية وعلومها، فهو معينٌ للفصاحة والبيان، والبلاغة والإتقان، يتلو القرآن الكريم والسُّنة النبوية، وهو من وحيهما؛ لأنَّه ضمَّ فرائد الكلم، وروائع الإبداع النظمي الذي عليه العربية، وفيه تجلَّت لغة القرآن الكريم، وإعجازه وبيانه.

ما مرَّ دفعني إلى أنْ أتَّخذ من (نهج البلاغة) ميدانًا تطبيقيًا لدراستي هذه، فاستقر الرأي بعد استشارة الأستاذ المشرف على أنْ يكون موضوع البحث هو (أبنية المبالغة وأنماطها في نهج البلاغة "دراسةٌ صرفيَّةٌ نحويَّةٌ دلاليَّةٌ") فشرعتُ أَجمع مادة البحث، معتمدًا على شرح ابن أبي الحديد في توثيق النصوص، بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، إلا في بعض النصوص المستندة إلى رواية أكثر تداولًا بين شروح النهج.

ص: 8

وكان هذا البحث صرفيًّا نحویًّا دلالیًّا؛ لأنَّه يتناول أبنية المبالغة وأنماطها وما يترتب على هذه الأبَنية، وتلك الأنماط، من إشارات تثري المعاني الدلالية، فلا تقف الدلالة عند البناء الصرفي أو النمط النحوي، بل تتعداهما لتكسب المعاني بلاغة خاصة.

ويهدف هذا البحث إلى استقصاء صور المبالغة وأنماطها في اللغة العربية، في الصرف والنحو، مع تطبيقات تلك الصور من نهج البلاغة.

أما أهمية هذا الموضوع - ولا أقول هذه الرسالة - فتأتي من جانبين؛ أحدهما: ندرة هذا الموضوع وجدته، إذ لم يكتب فيه - فيما أعلم - بحث مستقلّ يجمع شتاته ويبسط القول فيه، والآخر: عظمة النص المدروس، فهو كلام يتلو في بلاغته وإتقانه، وإعجازه وأسراره كتابَ الله تعالى المنَزل على خير رُسُله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

فالبحث - إذًا - يقع في شِقَّين رئيسين؛ أَحدهما: المبالغة بالمفردة أَو البناء الصرفي، والآخر: المبالغة بالتركيب النحوي.

وقد اقتضت طبيعة البحث أنْ يقسَّم على مقدِّمةٍ، وتمهيدٍ، وأربعةِ فصول، وخاتمة بنتائج البحث.

بيَّنتُ في المقدِّمة سبب اختيار موضوع البحث، وعرضت فيها مجملًا لفصوله وما يلحق بها.

ص: 9

أَمّا التمهيد فقد تناولتُ فيه (المبالغةَ عند اللغويين والبلاغيين والمفسرين)، فعرَّفتُ فيه المبالغة في اللغة، ثم عرضتُ لمعناها، وأَهمِّ صورها عند اللغويين والبلاغيين والمفسرين، ثم أَلحقتُ ذلك بأَهمِّ الألَفاظ المرادفة للمبالغة.

وأَمّا الفصلُ الأَول فقد كان بعنوان (أَبنية المبالغة)، وقد ضمَّ مبحثين، تناولتُ في الأوَل منهما الأبَنية المعدولة عن اسم الفاعل، وذكرتُ في الآخر الأبَنية المعدولة عن اسم المفعول.

وَأّما الفصل الثاني فقد كان مخصَّصًا ل (المبالغة بالأبَنية الاسمية)، وجاء في ثلاثة مباحث؛ الأَول: (المبالغة بأَسماء الأفعال)، والثاني: (المبالغة بالجموع) والثالث: (المبالغة "بأَبنية وأَساليب" أُخر).

وأَمّا الفصل الثالث فقد درستُ فيه (المبالغةَ بالأبَنية الفعلية، وما فيها معنى الفعلية)، وقد قسَّمتُه على أَربعة مباحث؛ تناولتُ في الأَول منها (المبالغة بالأبَنية الفعلية المجرَّدة)، وعرضتُ في الثاني ل (المبالغة بالأبَنية الفعلية المزيدة)، ودرستُ في الثالث (المبالغة بعدم التصرُّف)، واشتملَ المبحث الرابع على (المبالغة بمصادر أُخر).

أما الفصل الرابع (الأخير) فقد كان لدراسة المجال النحوي، فتناولتُ فيه (أنماط المبالغة النحوية)، فذكرتُ فيه أَربعةَ عشَر نمطًا نحویًّا دالًّا على المبالغة.

وأَلحقتُ هذه الفصول بخاتمة - بيَّنتُ فيها أَهمَّ نتائج البحث - وجاء في

ص: 10

آخر البحث قائمة بروافده ضمَّت كتب اللغة والنحو والصرف - قديمَها وحديثَها - والمعجمات اللغوية، وكتب البلاغة، وكتب علوم القرآن، وتفاسيره وإعِجازه وقراءاته فضلًا عن شروح نهج البلاغة، والدراسات والبحوث المتعلقة به.

وكان منهجي في هذه الدراسة قائمًا على ذكر البناء الصرفي، أَو النمط النحوي أَولًا، ثم أَتلوهما بأَمثلة وشواهد من القرآن الكريم، أَو السنة النبوية، أَو الشعر أَو النثر. وكان إيِراد النص القرآني، أَو نص الحديث النبوي لبيان أَثرهما في النص العَلَوي، وأَنَّه من وحيهما، أَما إِيراد النص الشعري، أَو النثري فقد كان لبيان ورود نظم معين، أَو دلالة معينة في لغة العرب وشعرهم، كي أُمهِّد بذلك للشاهد المدروس من نهج البلاغة، ثم أَشرعُ أحلل الشاهد العَلَوي، موازنًا إيِاه بما يناظره أَو يقاربه من تلك الأمثلة والشواهد، معضِّداً دلالة البناء الصرفي، أَو التركيب النحوي على المبالغة بدلالة السياق والقرائن الأخُرى عليها، وقمتُ مع ذلك بشرح ما يحتاج إلى بيان من نصوص النهج معتمدًا في ذلك على شروح نهج البلاغة، وأهمها: (شرح نهج البلاغة) لابن أَبي الحديد، و(نهج البلاغة) بشرح الشيخ محمد عبده، وعلى المعجمات اللغوية، وأبرزها: (لسان العرب) لابن منظور و (تاج العروس) للزَّبيدي، و (المعجم الوسيط) الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة.

ص: 11

ويمكن الإِشارة إلى مسائل:

اقتضتْ طبيعة المادة المدروسة أنْ يطول الفصلان الأوَل والثالث موازنةً بالفصلين الثاني والرابع؛ لكثرة أَبنية المبالغة الواردة في نهج البلاغة في الفصل الأَول، وكثرة الأبَنية الفعلية وما فيها معنى الفعلية في الفصل الثالث.

اقتضتْ ضرورة البحث تكرار عدد من أَقوال الإمام (عليه السلام) في غير موضع من الرسالة، لاشتمال ذلك القول على أَكثر من شاهد.

ذكرتُ الحادثة التي قيل فيها النص المستشهَد به؛ لماِ لها من أَثرٍ في تحليل الشاهد وشرحِه.

آثرتُ اختصار أسماء المصادر المطوَّلة، من مثل: المحتسب لابن جني، والكشاف للزمخشري، والأبَنية الصرفية في ديوان امرئ القيس، للدكتور صباح السالم، وما شاكلها، مدلًّا على العنوان بقرينة تبيِّن المراد.

لأَنَّ إنجازَ الرسالة محكومٌ بوقت وحجم محددينِ اجتزأتُ بمثالٍ واحد لكلِّ حالة وأَحلتُ على الشواهد المماثلة في الهامش مراعيًا الاستشهاد الوافي، والإيجاز غير المخل.

اعتمدتُ في ترتيب أَغلب أَبنية المبالغة وأنماطها على شهرة البناء الصرفي أو النمط النحوي في الدلالة على المبالغة، ومقصودي من هذه الشهرة هو كثرة ورود البناء أَو النمط في كتب اللغة والنحو والصرف.

ص: 12

اعتادت أَغلب البحوث التي درست الأَبنية الصرفية على الاكتفاء باستخراج البناء الصرفي من النص المدروس من دون تحليله في ضوء القرائن المحيطة بالنص، غير أنَّ هذه الدراسة اعتمدت على تحليل البناء في ضوء القرائن؛ لِما لتلك القرائن من أَثر في دلالة ذلك البناء، ولاسيما أنَّ هذه الدراسة قد اتخذت من نهج البلاغة ميدانًا لها، وهو نصٌّ حيٌّ قيل في سياقات وظروف مختلفة.

وتجدر الإشارة - هنا - إلى أنَّ البحث لم يكن ليجعل من الجرد الإِحصائي لعدد مرات ورود الصورة الواحدة من صور المبالغة - سواء أَكانت في المفرد والبنية، أَو في التركيب - هدفًا يسعى إلى تحقيقه كي لا يكون الجرد الإِحصائي نفسُه غالبًا على الغاية الرئيسة للبحث وهي التحليل الدلالي في ضوء البنية والتركيب، واستجلاء الجوانب البلاغية في كلِّ موضع جرى الاستشهاد به، ولما كانت دراستي شاملة نص (نهج البلاغة)، وكنت أَجد أنَّ من الشواهد على استعمال معين ما يمكن تحديده في أَثناء العمل من دون أنْ يكون العدُّ والجرد همًّا برأْسه، لذا كنتُ أَذكر عدد مرات ورود بعض الاستعمالات بسبب تكامل الرؤية الإحصائية عنها، فلا بأس بذكرها، وفي هذا دلالة على قلة الاستعمال له بموازنة الاستعمالات الأخُر وإِنْ كنتُ أرى أنَّ الشاهد الواحد من نص نهج البلاغة يكفي ليكون دليلا لغویًّا.

وأَخيرًا ... أرجو أَنْ أكون قد وُفقت فيما عزمتُ عليه، وحسبي أنهَّا خلاصة

ص: 13

جهد جهيد، وحصيلة عناء طويل، فإِنْ أَصبتُ فذلك من توفيق الله تعالى وكرمِه وإِنْ كانت الأخُرى فالكمال لله وحده وهو وليُّ التوفيق.

لا تُلمنی إِن خانَنِی التعبیرُ *** فمتی یحتوی الکبیرَ الصَّغیرُ(1) وآخرُ دعوانا أَنِ الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمين وصلواتُهُ وسلامُهُ على نبيِّنا مُحمَّدٍ وآلهِ الطاهرين.

حيدر النجف الأشرف شوّال 1433 ه

ص: 14


1- البيت من الخفيف وهو للشيخ أحمد الوائلي (رحمه الله): ديوانه: 73

التمهید

1- المبالغة في اللغة:

لتبيان معنى المبالغة في اللغة لابد من الوقوف على بعض المعاني التي وردت في المعجمات اللغوية للجذر اللغوي (بلغ).

قال الخليل(ت 175): «والمبالغة أْن تبلُغ من العمل جُهدَك»(1).

وذكر الراغب (ت 425 ه) أنَّ «البُلوغ والبلاغ: الانتهاء إلى أقصى المَقصد والمنُتهى مكانًا كان أو زمانًا، أو أمرًا من الأمور المقدّرة»(2).

وقال ابن منظور (ت 711 ه): «بلغَ الشيء يبلُغ بُلوغًا وبلاغًا: وصل وانتهى»(3).

ص: 15


1- العين، تح: د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي: 4 / 421 (بلغ)، وينظر: تهذيب اللغة، الأزهري، تح: مجموعة من الأساتيذ: 8 / 138 (بلغ)
2- مفردات ألفاظ القرآن، تح: صفوان عدنان: 144 (بلغ)، وينظر: تاج العروس من جواهر القاموس، الزَّبيدي، تح: مجموعة من الأساتيذ: 22 / 445 (بلغ)
3- لسان العرب: 8 / 419 (بلغ)

ومن هذه الدلالات صحَّ أن تُطلق المبالغة وصفًا لمن يبذل أقصى الغاية من جهده، وطاقته في الأمر، فالمبالغةُ ومادتُها مؤشرُ نهايةِ الأمر، وعلى ذلك قول الزمخشري (ت 538 ه) «وتَبالَغ فيه المرضُ والهمُّ: إذا تناهى»(1).

وخلاصة ما تقدم أنَّ المبالغة في اللغة تعني الوصول إلى الغاية والكفاية والاجتهاد في الانتهاء إلى أقصى الَمقصد والمنتهى مكانًا كان أو زمانًا أو وصفًا، فهي - إذًا - مقصودة لدواعٍ تتعلق بالمتكلم أو بالمخاطَب، أو بظروف المَقال.

2- المبالغة في اصطلاح اللغويين والبلاغيين والمفسرين:

لا يخفى على مطَّلع أنَّ (اللغة) و (البلاغة) و (التفسير) هي الميادين التي تستدعي في محددات تتصل ب (المتكلم) أو (المخاطَب)، أو (ظروف المقال) ما يُبالَغ فيه قصدًا لهدف بعينه لا يتحقق إلّا بسبيل تلك المبالغة، ولا يتحصَّل المراد عند المستمع أو القارئ إلا بّها.

ومحور الدراسة التحليلية في كلٍّ من: (اللغة) و (البلاغة) و (التفسير) لاسيما التفسير القائم على بيان بلاغة الكلمة أو التركيب، هو تلك الإيحاءات الدلالية التي تشرق بها الكلمة المفردة، أو التركيب على ذهن المتلقي، وهو يتأمل محلِّلاً.

وسأوجز القول في هذه الفقرة بما يفي دفعًا للإطالة، وإزاحةً لماِ يحسن تركه، مقتصرًا على ذكر رؤية كلٍّ من (اللغويين) و (البلاغيين) و (المفسرين) المعتمدين

ص: 16


1- أساس البلاغة، تح: محمد باسل عيون السود: 1 / 75

منهج (التفسير اللغوي الدلالي) ل (المبالغة) في عرفه، متمثلًا بذوي السَّبق في ميدانه العلمي.

أ- في اصطلاح اللغويين:

تكاد كتب اللغة تُجمِع على أنَّ اسم الفاعل يُحوَّل إلى أبنية أُخرى، نحو (فَعّال، وفَعيل، ومِفْعال...) للمبالغة والتكثير(1).

غير أنَّ المبالغة في الأبنية المعدولة عن اسم الفاعل تعدُّ وسيلةً من الوسائل اللغوية للمبالغة.

فالمبالغة في أداء الفعل عند سيبويه (ت 180 ه) مرادفة لأدائه بكثرة، إذ يقول في باب دخول (فعَّلت) على (فعَلت) لايشركه في ذلك (أفْعلتُ): «تقول:

كسَرتها وقطَعتُها، فإذا أردت كثرة العمل، قلت: كسَّرْتُه وقطَّعْتُه ومزَّقْتُه...

وقالوا: يُجَوِّل، أي: يُكثرِ الجَولان»(2)، ويلحق بهذا ما ذكره في «باب افعوعلتُ وما هو على مثاله»(3).

وأشار سيبويه أيضًا إلى أنَّ المصدر قد يُبنى على غير بنائه المعهود لإفادة

ص: 17


1- ينظر: كتاب سيبويه، تح: عبد السلام هارون: 1 / 110، والمقتضب، المبرّد، تح: محمد عبد الخالق عُضيمة: 2 / 112
2- كتاب سيبويه: 4 / 64
3- السابق: 4 / 75

معنى التكثير والمبالغة، نحو: (التهَّذار) في (الهذر)، و (التَّلعاب) في (اللعب)(1).

وفضلاً عمّا ذكره سيبويه عن المبالغة وأَبنيتها - سواء ما كان منها بصِيغَ المبالغة المعروفة لدى اللغويين، أَو بزيادة مَبنى الفعل بالتضعيف، أَو بنائه على مبنى مختلف، أو بصَوغ المصدر على غير بنائه المعهود - فإنَّه التفت إلى مسائل أُخرى للمبالغة تقوم عنده على الحذف واتّساع الكلام(2).

وآيةُ ذلك ما ذكره في (باب وقوع الأسماء ظروفًا، وتصحيح اللفظ على المعنى) بقوله: «وتقول: سيرَ عليه الليلُ، تعني ليلَ ليلتكِ، وتجري على الأصل، كما تقول في الدهر: سير عليه الدهرُ، وإنما تعني بعضَ الدهر، ولكنه يكثَّر، كما يقول الرجل: جاءني أهل الدنيا، وعسى أنْ لا يكونَ جاءه إلا خمسة فاستكثرهم»(3).

ومن المسائل أَيضًا ما نقله سيبويه عن أُستاذه الخليل بقوله: «وسألته عن قولهم: موتٌ مائتٌ، وشغلٌ شاغلٌ، وشِعرٌ شاعرٌ، فقال: إنما يريدون المبالغة والإجادة»(4).

أمّا ابنُ جنّي (ت 392 ه) صاحب الجهود الكبيرة في الدراسات اللغوية،

ص: 18


1- ينظر: السابق: 4 / 84
2- ينظر: الأُصول البلاغية في كتاب سيبويه وأَثرها في البحث البلاغي، د. احمد سعيد محمد: 350
3- كتاب سيبويه: 1 / 218
4- السابق: 3 / 385

وبيان أسرارها فقد حظيت المبالغة منه بعناية واضحة كما يظهر ذلك في كتابيَه (الخصائص) و (المحتسب)، إذ عرض للمبالغة في اللفظة المفردة، وفي التراكيب.

ويمكن تلخيص صور المبالغة عند ابن جني على النحو الآتي:

في اللفظة المفردة نرى المبالغة في الصور الآتية:

زيادة المبَنى كما في: (افتعل)(1)، و(فعَّل)(2)، و(فَعّال)(3)، و(تفاعَل)(4)، و(افعوعل)(5).

العدول عن حال اللفظ للمبالغة، كما في: (فُعَال) معدول عن (فَعيل)(6).

زيادة هاء آخر اللفظ للمبالغة، نحو: (علّامة)، و (راوية)(7).

بناء (مَفْعَلة) للدلالة على كثرة الشيء الجامد بالمكان، نحو: (أرضٌ مَسْبعَة) أي كثيرة السباع(8).

ص: 19


1- ينظر: الخصائص، تح: محمد علي النجار: 3 / 264
2- ينظر: السابق: 2 / 155
3- ينظر: المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، تح: علي النجدي وآخرينِ: 2 / 6
4- ينظر: السابق: 2 / 134
5- ينظر: السابق نفسه والصحيفة نفسها
6- ينظر: الخصائص: 3 / 267
7- ينظر: السابق: 2 / 201
8- ينظر: المحتسب: 2 / 136

بناء (فعُل) يفيد القوة والمبالغة، نحو: (قضُو، وبهُت، وشعُر)(1).

وتجدر الإشارة إلى أنَّ ابن جني قد استمدَّ أصول فكرة (زيادة المبنى للمبالغة) من الخليل وسيبويه كما ذكرتُ قبل قليل، وعن أَبي العباس المبرّد (ت 285 ه) كما صرَّح بذلك في خصائصه(2).

أما في التراكيب فتأتي المبالغة عند ابن جني في الصور الآتية:

المجاز، فهو عند ابن جني أقوى من الحقيقة، إذ يُعدل عن الحقيقة إلى المجاز لضرب من الاتساع والتوكيد والمبالغة(3).

التشبيه المقلوب(4).

الوصف بالمصدر للمبالغة، نحو: (رجٌل صَوْم)(5).

وصف اللفظة بما يُشتق منها للمبالغة والتوكيد، نحو: (شِعرٌ شاعرٌ)(6).

ومن الجدير بالذكر أنَّ ابنَ جني يستعمل أحيانًا كلمة (أبلغ) ويريد بها أكثر مبالغةً، ويظهر ذلك من قوله: «وذلك (فُعَال) في معنى (فَعيل)، نحو: (طُوَال)

ص: 20


1- ينظر: الخصائص: 2 / 225 و 348
2- ينظر: السابق: 3 / 264 - 265
3- ينظر: الخصائص: 2 / 442 - 444
4- ينظر: السابق: 1 / 300
5- ينظر: المحتسب: 2 / 46 و 107
6- ينظر: السابق: 2 / 93

فهو أبلغ معنى من (طَويل »)(1)، فهو لا يمكن أنْ يريد هنا أكثر بلاغة، إذ لا يمكننا المفاضلة بين كلمةٍ وأُخرى خارج السياق(2).

ب- في اصطلاح البلاغيين:

لقد تناول القدماء من البلاغيين المبالغة، وعرَّفوها بتعريفات كثيرة، وقد انصبَّ جهدهم في معالجتها على المبالغة في الشعر بعامة، وفي التشبيه بخاصة، فلم يكن لمبالغة اللفظة المفردة مكانٌ في جلِّ دراساتهم إلّا في بعض إشارات قليلة، وقد عرض لها كلٌّ من زاويته الخاصة.

فالمبالغة عند قدامة بن جعفر (ت 337 ه): «هي أنْ يذكر الشاعر حالًا من الأحوال في شعر لو وقف عليها لأجزأه ذلك في الغرض الذي قصده، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره من تلك الحال ما يكون أبلغ فيما قصد له»(3).

أمّا أبو هلال العسكري (ت 395 ه) فقد توسَّعَ في موضوع درسه، وحاول أنْ يجمع له من الشواهد مالا نجده عند غيره، حتى صار كتابه (الصناعتينِ) مَعلمًا جديدًا لجهود من قبله، ومؤثرًا فيمن بعده(4) فالمبالغة عنده «أنْ تبلغ بالمعنى أقصى غاياته، وأبعد نهاياته، ولا تقتصر في العبارة عنه على أدنى منازله، وأقرب مراتبه،

ص: 21


1- الخصائص: 3 / 267
2- ينظر: المبالغة في البلاغة العربية تاريخها وصورها، عالي سرحان: 55
3- نقد الشعر: 50
4- ينظر: البديع تأصيل وتجديد، د. منير سلطان: 136

ومثاله من القرآن قول الله تعالى: «يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى» [الحج / من الآية: 2]، ولو قال: تذهل كلُّ امرأةٍ عن ولدها لكان بيانًا حسنًا، وبلاغةً كاملةً، وإنما خصَّ المرضعة للمبالغة؛ لأنَّ المرضعةَ أشفقُ على وَلدِها لمعرفتها بحاجتهِ إليها»(1).

أما عبدُ القاهر الجرجاني (ت 471 ه) فللمبالغة عنده حديث آخر، فهو على الرغم من أنَّه لم يُفرد لها بابًا خاصًّا؛ قد تحدَّث عنها في أثناء تحليله للنصوص اللغوية(2)، فربط بينها وبين الغرض من التشبيه، والاستعارة(3)، والمجاز الحكمي(4).

وأشار الجرجاني أيضًا إلى إفادة بعض صور القصر للمبالغة(5)، وإفادة بعض

ص: 22


1- كتاب الصناعتين: الكتابة والشعر، تح: علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم: 365
2- ينظر: البديع تأصيل وتجديد: 141
3- ينظر: أسرار البلاغة: 223 و 249
4- ينظر: دلائل الإعجاز، تح: محمود محمد شاكر: 1 / 293 - 294. المجاز الحكمي: ويسمى أيضًا مجازًا عقليًا، وإسنادا مجازيًا، وهو إسناد الفعل أو معناه إلى ملابس غير ما هو له بتأوّل، يعني غير الفاعل فيما بُني للفاعل، وغير المفعول به فيما بُني للمفعول. ينظر: كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم، محمد علي التهانوي، تح: علي دحروج، تقديم وإشراف ومراجعة: د. رفيق العجم، ترجمة: د. عبد الله الخالدي: 2 / 1456
5- ينظر: دلائل الإعجاز: 1 / 332

طرائق التقديم للمبالغة(1).

اتَّضح مما تقدم أنَّ مفهوم المبالغة يدور في تراثنا البلاغي - على الرغم من تغايُر مصطلحاته وتفاوت العبارة عنه - حولَ الوصول بالمعنى إلى أقصى غاياتهِ(2).

وللبلاغيين والنُّقّاد ثلاثة مذاهب في المبالغة(3):

الأول: أنهَّا غير معدودة من محاسن الكلام، ولا من جملة فضائله، وحجتُهم على هذا هي أنَّ خيرَ الكلام ما خرج مخرج الحق من غير إفراط ولا تفريط، قال ابن حجة الحَمَويّ (ت 837 ه): «وعند أهل هذا المذهب أنَّ المبالغة لم تُسفر عن غير التهويل على السامع، ولم يفر الناظم إلى التخييم عليها إلّا لعجزه، وقصور همتهِ عن اختراع المعاني المبتكَرة؛ لأنهَّا في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر إذ أعياه إيراد المعاني الغريبة، فيشغل الأسماع بما هو محُال وتهويل»(4).

الثاني: أنَّها من أجَلِّ المقاصد في الفصاحة والبيان؛ لقول ابن الأثير (ت 637 ه): «فإنَّ أحسنَ الشعر أكذبُه، بل أصدقه أكذبه»(5).

ص: 23


1- ينظر: السابق: 1 / 132
2- ينظر: الأصول البلاغية في كتاب سيبويه: 348
3- أخذت هذا التقسيم من: الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، العلوي: 3 117 - 119
4- خزانة الأدب وغاية الإرب، تح: عصام شقيو: 2 / 8
5- المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تح: أحمد الحوفي، وبدوي طبانة: 3 / 191

الثالث: أنهَّا فنٌ من فنون الكلام، ونوعٌ من محاسنه، ومتى كانت جارية على جهة الإغراق والغلو فهي مذمومة، قال ابن رشيق (ت 456 ه): «فأما الغُلُو فهو الذي ينكره من ينكر المبالغة من سائر أنواعها، ويقع فيه الاختلاف لا ما سواه مما بينت ولو بطلت المبالغة كلُّها وعيبت لبطل التشبيه وعيبت الاستعارة، إلى كثير من محاسن الكلام»(1).

وقال العَلوي (ت 745 ه): «أّما من عاب المبالغة فقد أخطأ، فإنَّ المبالغة فضيلةٌ عظيمة لا يمكن دفعها وإنكارها، ولولا أنَّها في أعلى مراتب عِلم البيان لمَا جاء القرآن ملاحظًا لها في أكثر أحواله»(2).

ومن هنا لا يمكن رفض المبالغة لاقترانها بالكذب، فهي ليست كذبًا، فغايتها زيادة المعنى وتقويته وتوكيده(3).

ت- المبالغة في اصطلاح المفسرين:

شغلت المبالغة وطرائقها حيِّزًا كبيرًا في الدلالات القرآنية منذ البدايات الأوُلى للتفسير القرآني، إذ لو تتبعنا ذلك لتبين لنا أنَّها من المصطلحات المنصوص عليها منذ المراحل الأولى لتفسير مفردات القرآن، وتبيين دلالاتها.

ص: 24


1- العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد: 2 / 55
2- الطراز: 3 / 119
3- ينظر: إعجاز القرآن، الباقلاني، تح: السيد احمد صقر: 91، والبديع تأصيل وتجديد: 176

فلم يُصرح ابن عباس (ت 68 ه) في شرحه لقوله تعالى «وَاللهُ غَنِيٌّ حَليِمٌ» [البقرة / من الآية: 263] بمصطلح المبالغة، ولا بمفهومه عن المبالغة. إنما شرح معناها بما يدخل في معنى المبالغة بأدق تعبير وهو (بلوغ الغاية والكمال في الأمر)، (إذ قال: (الغني): الذي كمُل في غناه، و (الحليم): الذي كمُل في حلمه(1)، و (الكمال) هو الذروة، وأعلى ما يشتمل على محاسن الخصال، فهو، إذًا، الأبلغ والأكثر.

والمبالغة عند الزجَّاج (ت 311 ه) تعني تمام القدرة واستحكامها، ففي قوله تعالى: «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ» [البقرة: 107] قال: «ومعنى الملك في اللغة تمام القدرة واستحكامها فما كان مما يقال فيه مَلِكٌ سمي المُلْك، وما نالته القدرة مما يقال فيه مالك فهو مِلْك...، وأصل هذا من قولهم: (ملكت العجين أملكُه)، إذا بالغتُ في عَجْنهِ»(2).

والمبالغة عند الزمخشري بلوغ الغاية في المعنى، ففي قوله تعالى: «وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا» [الفرقان: 21] قال: «وعَتَوا وتجاوزوا الحدَّ في

ص: 25


1- ينظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري، تح: صدقي جميل العطار: 3 / 89، والدُّر المنثور في التفسير بالمأثور، السيوطي: 2 / 43، والبديع تأصيل وتجديد: 123
2- معاني القران وإعرابه، تح: عبد الجليل عبده شلبي: 1 / 191

الظلم...، وقد وصف العُتُو بالكبير، فبالغ في إفراطه، يعني أنهَّم لم يجسروا على هذا القول العظيم، إلا لّأنهَّم بلغوا غاية الاستكبار، وأقصى العُتُوّ»(1).

والمبالغة عند الزمخشري تُنبئ بقوة وقوع الحدث، ففي قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا» [الحج/ من الآية: 38] قال: «ومن قرأ (يدافع) فمعناه:

يبالغ في الدفع عنهم، كما يبالغ من يغالب فيه؛ لأنَّ فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ»(2).

ومما يجب التنبيه عليه هنا أنَّ الزمخشري يستعمل في كثير من الأحيان كلمة (أبلغ) بمعنى أكثر مبالغة، والدليل على ذلك قوله في قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَیْءٌ» [الشورى / من الآية: 11] «قالوا مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية؛ لأنهَّم إذا نفوه عمن يسّد مسّده، وعمّن هو على أخص أوصافه فقد نفوه عنه، ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك: أنت لا تخفر»(3).

وقد كانت استدلالات الزمخشري على المبالغة كثيرةً بسب كثرة الآيات

ص: 26


1- الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: 3 / 88، وينظر: التفسير الكبير ومفاتيح الغيب، الرازي: 24 / 70
2- الكشاف: 3 / 15
3- الكشاف: 3 / 462 - 463

القرآنية، والأساليبِ الفصيحة التي يستشهد بها في تفسيره المتسقةِ مع مفهوم المبالغة عنده(1).

ومن صور المبالغة التي ذكرها المبالغة في الاستفهام(2) في قوله تعالى: «فَهَلْ أَنْتُم مُّنْتَهُون» [المائدة / من الآية: 91]، والمبالغة في المجاز الحكمي(3) في قوله تعالى: «تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا» [ التوبة / من الآية: 92].

وارتبطت المبالغة عند الزمخشري أيضًا بالنداء(4) في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ» [البقرة/ من الآية: 21 ] وبالأمر(5) في قوله تعالى: «لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» [العنكبوت: 66]، إلى غير ذلك من صور المبالغة عنده.

ومن كلِّ ما سبق نستطيع أَنْ نتبيَّن اتجاهين رئيسين للمبالغة عند القدماء؛ أَحدهما: المبالغة في اللفظ أَو الصيغة، والآخر: المبالغة في الوصف ويعني عدم الاكتفاء بالصفة التي توصل المعنى المحدد إلى السامع أو القارئ، بل تتجاوزه

ص: 27


1- ينظر: المبالغة في البلاغة العربية: 132
2- ينظر: الكشاف: 1 642، ونظم الدرر في تناسب الآيات والسور، البقاعي: 6 / 294 - 295
3- ينظر: الكشاف: 2 / 208
4- ينظر: الكشاف: 1 / 226، والإتقان في علوم القران، السيوطي، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم: 3 / 283
5- ينظر: الكشاف: 3 / 213

لإكساب دلالات أُخرى يتطلبها المعنى المراد إيصاله.

ومما يجدر ذكره - إتمامًا للفائدة - أنَّ أهمَّ الألفاظ المرادفة للمبالغة هي:

التوكيد(1)، والقوة(2)، والشدة(3)، والتكثير(4)، والاتساع(5)، والتفخيم(6).

وقد يشير هذا الترادف إلى غياب تحديد مصطلح المبالغة عند اللغويين، إلا أنه على الرغم من فقدان هذا التحديد ممكن أن نعدَّ المعاني المرادفة للمبالغة أشبه بالروافد أو الوسائل اللغوية التي تؤدي إلى المعنى الشامل وهو المبالغة؛ فتضعيف (عين) البناء يمنحه معنى المبالغة، وشدة اللفظة أو التركيب يسهم في مبالغتهما، وكذا الحال في التوكيد وغيره من طرائق المبالغة اللغوية.

ص: 28


1- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 110 و 4 / 75 والخصائص: 2 / 446، وإعجاز القران للباقلاني: 91
2- ينظر: الخصائص: 2 / 155، والمحتسب: 1 / 207
3- ينظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده، تح: عبد الحميد هنداوي: 5 / 536، والأبنية الصرفية في ديوان امرئ القيس، د. صباح السالم (أُطروحة دكتوراه مخطوطة): 323
4- ينظر: كتاب سيبويه 1 217 و 225، والخصائص: 3 / 264
5- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 216 - 217، والخصائص: 2 / 449
6- ينظر: دلائل الإعجاز: 1 294، والطراز: 3 / 122 - 123

الفصل الأول : أَبنیة المبالغة

اشارة

المبحث الأَول: الأَبنیة المعدولة عن اسم الفاعل المبحث الثانی: الأَبنیة المعدولة عن اسم المفعول

ص: 29

ص: 30

مدخل

تؤدي المشتقات في اللغة العربية دلالات مختلفة، وقد اختصت خمسة منها بالدلالة على الصفات، وهي تتفاوت في عدد الأبنية التي يتمثل بها كل منها، كما تتفاوت فيما هو قياسي وغير قياسي من أبنيتها.

وقد انمازت أبنية المبالغة عن غيرها من المشتقات بتعدد أبنيتها، إذ إنَّ دلالة الزيادة والتكثير التي عُرفت بها لا تقتصر على الأبنية التي حددها سيبويه بخمسة أبنية - كما سنرى - وإنما تتجاوز ذلك بكثير، إذ قد أوردت المعجمات اللغوية كثيرًا من أبنية المبالغة، التي من الممكن أنْ نلمح دلالة المبالغة فيها من صورة البناء، أو مما يفسر به من مفردات رادفت المبالغة، كالتكثير، والشدة، والقوة، ونحوها، أو مما يقرن بتلك الأبنية من أبنية المبالغة.

ومما يتصل بكثرة أبنية المبالغة اختلاف دلالاتها، إذ إَّن كَّل عدول عن بناء

ص: 31

إلى آخر لابد من أنْ يصحبه عدول عن معنى إلى آخر، وللسياق والقرائن الأخُرى أثر مهم في الكشف عن اختلاف الدلالة.

ولم تقتصر دلالة المبالغة على الأبنية المعدولة عن (اسم الفاعل)، بل هناك أبنية معدولة عن (اسم المفعول) أيضًا، وهي لا تختلف بدلالتها على القوة والمبالغة عن الأبنية المعدولة عن (اسم الفاعل).

فهذا الفصل - إذًا - سيُعنى بدراسة أبنية المبالغة المعدولة عن (اسم الفاعل) والمعدولة عن (اسم المفعول)، وقد جاء في مبحثين:

المبحث الأول: الأبنية المعدولة عن (اسم الفاعل).

المبحث الثاني: الأبنية المعدولة عن (اسم المفعول).

ص: 32

المبحث الأول: الأبنية المعدولة عن اسم الفاعل

اشارة

بدءًا أودُّ الإشارة إلى أنَّ اللفظةَ المفردة كانت أكثر عنايةً من لدن اللغويين في اتّخاذ اسم يدل على المبالغة منها في وقتٍ مبكرٍ نسبيًا عنه في المبالغة في التراكيب على يد الخليل وسيبويه(1)، وهذا ما سيتبيَّن أكثر في الفصل الرابع إن شاء الله تعالى.

وعلى الرغم من ذلك - زيادةً على «توارد مصطلح المبالغة بلفظهِ ومفهومِه المرادِف لمعنى الكثرة والإجادة والتكثير والتشديد في عمل الفعل»(2) عند سيبويه - لم نلحظْ فيما نُقِل عن اللغويين القدماء أنَّهم وضعوا حدًّا لأبنية المبالغة في كلامهم(3)، إنَّما الذي ذكروه هو أَنَّه إذا أُريد باسم الفاعل أن يدلَّ على التكثير والمبالغة، حُوِّلَ إلى صيغٍ معينة في الكلام، وفي ذلك يقول سيبويه: «وأَجروا اسم

ص: 33


1- ينظر: المبالغة في البلاغة العربية: 25
2- الأصول البلاغية في كتاب سيبويه: 249
3- ينظر: المصادر والمشتقات في معجم لسان العرب، خديجة زبَار، (أُطروحة دكتوراه مخطوطة): 133

الفاعل إذا أرادوا أَنْ يُبالغوا في الأمر مجُراه، إذا كان على بناء (فاعل)؛ لأنه يريد به ما أراد ب (فاعل) من إيقاع الفعل، إلّا أنَّه يريد أن يُحدِّث عن المبالغة، فما هو الأصل الذي عليه أكثر هذا المعنى: (فَعُول، وفَعّال، ومِفْعال، وفَعِل)، وقد جاءَ:

فَعيل كرحيم»(1).

يتَّضح من قول سيبويه أَنَّ الغرض من أبنية المبالغة هو الزيادة في المعنى، مع إيقاع الحدث الذي في بناء اسم الفاعل، وتبعَه على هذا جمعٌ من العلماء: كالمبرِّد، وابنِ السَّرَّاج (ت 316 ه)، وابنِ عقيل (ت 769 ه)(2).

فدلالةُ بناء (فاعل) من الثلاثي المجرَّد دلالةٌ تجمع الاحتمالينِ: الكثرة والقلة ما لم تقُم قرينة تعيِّن أحدهما(3).

وقد يدل بناء (فاعل) على الكثرة والمبالغة، مثل: رجل جاملٌ وظارف، أي:

جميل وظريف(4).

يظهر مما سبق إيحاء المبالغة في بناء (فاعل) من الثلاثي المجرَّد بدلالته المطلقة

ص: 34


1- كتاب سيبويه: 1 / 110
2- ينظر: المقتضَب: 2 / 112، والأصول في النحو، تح: د. عبد الحسين الفتلي: 1 / 123، وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، ابن عقيل، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد: 2 / 111
3- ينظر: المقتضب: 2 / 112، والنحو الوافي، د. عباس حسن: 3 / 258، واللغة العربية معناها ومبناها، د. تماّم حسّان: 163
4- ينظر: ليس في كلام العرب، ابن خالويه، تح: أحمد عبد الغفور عطار: 129

من دون تعيين، بناءً على أنَّ الزيادة في المبنى كثيرًا ما تصحبها زيادة في المعنى(1)، وهذا أمرٌ غيرُ مقصورٍ على المشتقات فقط، بل يشمل- فضلًا عنها - الفعلَ والمصدرَ، فقد رأى ابنُ الأثير أنَّه لا يوجد ذلك - أي: التوكيد والمبالغة وزيادة المعنى لزيادة المبنى - إلّا فيما فيه معنى الفعلية؛ كاسم الفاعل والمفعول، وكالفعل نفسه(2).

ومن المحدَثين من عرَّف أبنية المبالغة بأنهَّا «أبنيةٌ متعددة محوَّلة عن اسم الفاعل المشتق من أفعال ثلاثية متعدية أو لازمة، للدلالة على المبالغة والكثرة»(3).

وهي تُشتق في الغالب من الفعل الثلاثي المجرَّد، وقد جاءت مأخوذةً من غيره، نحو: دَرّاك، وسآرّ، من: أدركَ، وأسأر: إذا أبقى في الكأسِ بقيَّة(4) ومِعْطاء، ومِهْوان، من: أعطى، وأهان، وسميع ونذير، من: أسمعَ، وأنذرَ، وزهوق من: أزهقَ(5).

ص: 35


1- ينظر: الخصائص: 3 / 264 - 269، وشرح المفصّل، ابن يعيش: 7 / 154، وشرح شافية ابن الحاجب، رضي الدين الأسترابادي، تح: محمد نور الحسن وآخرينِ: 1 / 83، والأشباه والنظائر في النحو، السيوطي، تح: د. عبد العال سالم مكرم: 1 / 348، وشذا العرف في فن الصرف، الشيخ أحمد الحملاوي: 45، والمهذب في علم التصريف، د. هاشم طه شلاش، ود. صلاح الفرطوسي: 76
2- ينظر: المثل السائر: 2 / 198
3- تيسيرات لغوية، د. شوقي ضيف: 93، وينظر: المهذب: 238
4- ينظر: الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، الجوهري، تح: أحمد عبد الغفور عطار: 2 / 675 (سأر)
5- ينظر: المفتاح في الصرف، عبد القاهر الجرجاني، تح: د. علي توفيق الحمد: 58، وشرح المراح في التصريف، العيني، تح: عبد الستار جواد: 126، وهمع الهوامع في شرح جمع الجوامع، السيوطي، تح: د. عبد العال سالم: 6 / 60، والأبنية الصرفية (السالم): 167

وذهب ابن السَّرّاج، وابن عُصفور (ت 669 ه) إلى أنَّ أبنية المبالغة واقعةٌ موقع (مُفعِّل) بتضعيف العين(1)، والتضعيف - غالبًا - ما يكون للتكثير والمبالغة.

ويرى العَينيّ (ت 855 ه) أَّن عّلة مجيئِها من المزيد هي إفادة المعنى المشتق منه ذلك الفعل مع لحاظ المبالغة(2).

أما الأساس الدلالي الذي بُنيت عليه أبنية المبالغة فهو الزيادة والعدول، وقد أومأَ إلى هذه الزيادة سيبويه بقولهِ «قالوا: خشُنَ، وقالوا: اخشوْشَن، وسألتُ الخليل فقال: كأنهَّم أرادوا المبالغة والتوكيد»(3).

ويقرُب من ذلك ما ذهب إليه سيبويه أيضًا في (باب دخول فعَّلتُ على فعَلتُ لا يشركه في ذلك (أفعلت) بقوله: «تقول: كسَرتها وقطَعتها، فإذا أردت كثرة العمل، قلت: كسَّرتُه وقطَّعتُه و مزَّقتُه،... وقالوا: يُجَوِّل، أي يُكثرِ الجَوَلان، وَيطِّوف، أي: يُكثرِ التطويف، واعلم أَنَّ التخفيف في هذا جائز كلُّه عربي، إلّا أنَّ (فَعّلت) إدخالها ههنا لتبيين الكثير:(4) الذي أفادته زيادة مبنى الفعل بالتضعيف.

وفيما تقدَّم إشارة واضحة من سيبويه إلى قاعدةٍ تؤسسُ إلى أنَّ (زيادة المبنى

ص: 36


1- ينظر: الأصول في النحو: 1 / 123، والمقرّب، تح: أحمد الجواري، وعبد الله الجبوري: 1 / 128
2- ينظر: شرح المراح في التصريف: 126
3- كتاب سيبويه: 4 / 75
4- السابق: 4 / 64

تؤدي إلى زيادة المعنى)، التي عبَّر عنها ابن جنّي ب «قوة اللفظ لقوة المعنى»(1).

أما الأساس الآخر وهو العدول فقد وضَّحه ابن جني قائلًا: «وذلك أنَّك في المبالغة لابد أن تترك موضعًا إلى موضع، إما لفظًا إلى لفظ، وإمّا جنسًا إلى جنس فاللفظُ، كقولكِ: عُرَاض، فهذا قد تركت فيه لفظ عَريض، فعُراض - إذًا - أبلغ من عريض»(2).

وقد جمع ابن جني أساسَي الزيادة والعدول إذا أُريدت المبالغة بقوله: «فإذا كانت الألفاظ أدلةَ المعاني، ثم زيدَ فيها شيء أوجبت القسمة له زيادة المعنى به، وكذلك إنِ انحُرفَ به عن سَمتهِ وهَدْيتهِ كان ذلك دليلًا على حادث متجدد له»(3).

وذكر ابن يعيش (ت 643 ه) أَنَّ صيغَ المبالغة المعروفة إنما هي من قبيل العدل؛ عدلوا بها عن اسم الفاعل للتكثير والمبالغة(4).

فالعدول - إذًا - لا يُشتَرط فيه تشابه الصِّيَغ كما رأى ذلك بعض المحدَثين(5)، بل هو على العكس من ذلك في الغالب، إذ يعني ترك البناء الصرفي المعدول عنه إلى بناءٍ آخرَ تحصل المبالغة فيه، كما أشار إلى ذلك ابن جني بقوله:

ص: 37


1- الخصائص: 3 / 263
2- السابق: 3 / 46، وينظر: الإعجاز الصرفي في القرآن الكريم، د. عبد الحميد هنداوي: 165
3- الخصائص: 3 / 268
4- ينظر: شرح المفصل: 6 / 71 - 73
5- ينظر: معاني الأبنية في العربية، د. فاضل السامرائي: 108 - 110

«عُراض فهذا قد تركتَ فيه لفظ عريض»(1)، أي: تركنا بناء (فَعيل) إلى بناء (فُعال) فحصلت المبالغة في (فُعَال)، وللباحث في هذه المسألة نقاش مُفصَّل سيأتي في محلِّه إن شاء الله تعالى(2).

ورُبَّ سائل يسأل: ماذا لو عُدِل عن صيغةٍ إلى أُخرى أقلَّ منها حروفًا أو مثلها فهل تحصل مبالغة؟ أقول: فيما سبق من أقوال لم يتضح أَنَّ ابن جنّي وابنَ يعيش قد اشترطا الانتقال إلى صيغةٍ أعلى لحصول المبالغة، وقد تقول: فما جدوى السؤال الذي طرحت؟ أقول: إنما طرحتُه لأنني وجدت أنَّ ابن الأثير قد اشترط ذلك، فقال:

«وذلك أنَّ قوةَ اللفظ لقوة المعنى لا تستقيم إلا في نقل صيغةٍ إلى صيغة أكثر منها»(3).

لذا شذَّ الصواب عمّن شذَّ عنه في لفظيِن متساوييِن في الحروف وأحدهما أبلغ من الآخر، مثل: عالم وعليم، وضارب وضَروب، وصادق وصَدوق، فإنَّ جمهور العلماء يذهبون إلى أنَّ (عليمًا) أبلغ من (عالمِ) وكذلك الباقي(4).

ص: 38


1- الخصائص: 3 / 46
2- ينظر: الصفحة (30 - 31) من هذا البحث
3- المثل السائر: 2 / 201
4- ينظر: من مباحث البلاغة والنقد بين ابن الأثير والعلوي، دراسة في التأثير وتجاوزات الفهم، د. نزيه عبد الحميد: 64

وقد بيَّن الدكتور عبد الأمير الورد (ت 2007 م) هذا الأمر بقوله: «الجنوح عن صيغةٍ إلى صيغةٍ أُخرى يعني رغبةً في توكيد المعنى، ولفت الانتباه إليه، وإلا [لَما] كان لذلك من أثرٍ أيّ أثر»(1).

وهو أُسلوب مُتَّبَع وشائعٌ في العربية أشار إليه الرضي (ت 686 ه) في توجيهه قولَ لبيد(2): [من الطويل] وکلُّ أُناسٍ سوفَ تدخلُ بینهم *** دُوَیهیَةٌ تَصفَرُّ منها الأناملُ فقد استعمل لبيد التصغير للدلالة على التعظيم وتهويل أمر هذه الداهية(3).

ومن الجدير بالذكر أنَّ تصغير التعظيم هذا إنما أثبته الكوفيون، وأنكره البصريون(4)، «فكأنَّ دلالة المبالغة في العدل إنما تتأتّى من كون الموصوف قد اتَّصف بالصفة على نحوٍ من التكثير والإفراط، بحيث يكونُ وصُفهُ بما يُوَصف به الآخَرون الذين هم دونه في مقدار الصفة ما ينطوي على الإخلال والقصور، فيُؤتى حينئذٍ بصيغةٍ محتفظةٍ بحروف الأصل للدلالة عليه، مخالفة لصيغةِ الوصف المألوفة، تنبيهًا لمخالفة الموصوف في المألوف من الاتصاف بها على سبيل المبالغة

ص: 39


1- ما خالف معناه مبناه، مجلة المورد، المجلد العاشر، العددان 3 - 4: 13 ومابين القوسين خطأ والصواب: فما
2- ديوان لبيد، شرح الطوسي: 145
3- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 1 / 191
4- ينظر: شرح المفصل: 5 / 114 - 115، وشرح الرضي على الشافية: 4 / 86

والتكثير»(1).

وهذه التحوُّلات إنما تستند إلى ما يؤديه ما يُعرف في الدراسات الأجنبية الحديثة ب (المورفيمات) من معانٍ جديدة للصيغ الصرفية، وهي مزيةٌ أدركها علماء العربية ولاسيما ابن جني الذي لَحظ فروقًا في دلالة الصيغ الصرفية بسبب زيادة (المورفيمات)(2)، سابقًا بذلك علمَ اللغة الحديث الذي أكدَ ذلك بظاهرة سمّاها ظاهرة التحويل الصرفية، وهي سمة خاصة باللغة العربية من دون غيرها من اللغات(3)؛ لأنَّ اللغة العربية لغة اشتقاقية.

وكلُّ هذه التحولات إنما تنطلقُ أولا مًن بناء الصيغة نفسِها؛ من حيث الأحرفُ الأصول لها، ومن الحركات التي تتوزع على هذه الأحرف، لذلك إنَّ علاقة الصوامت بالصوائت هي ما تحدد نوع الصيغة(4) «لأنَّ معرفةَ ذات الشيء الثابتة ينبغي أنْ يكون أصلًا لمعرفة حاله المتنقلة»(5)؛ لأنَّ هذا الأصل أطوعُ الأصول احتمالًا للتضعيف، كما سنرى في أبنية المبالغة، فتغيُّر مواقع النَّبر في

ص: 40


1- سنن العربية في الدلالة على المبالغة والتكثير، د. خليل بنيان: 107
2- ينظر: الدلالة الصوتية والدلالة الصرفية عند ابن جني، د. عبد الكريم مجاهد (بحث): 82 - 83
3- ينظر: التحول الداخلي في الصيغ الصرفية، مصطفى النحّاس، مجلة اللسان العربي، المجلد الثامن عشر: 42
4- ينظر: المعنى في تفسير الكشاف للزمخشري، نجاح فاهم (أُطروحة دكتوراه مخطوطة): 57
5- المنصِف، ابن جني، تح: إبراهيم مصطفى وعبد الله أمين: 1 / 4

مقاطع المفردة يؤدي إلى تغيُّر معناها مما يُسهم في كثرة عدد أبنية المبالغة موازنةً بغيرها من المشتقات ويؤدي إلى اختلاف دلالاتها «فمُحالٌ أن يختلفَ اللفظان والمعنى واحد»(1).

ويرى الدكتور فاضل السامرائي أنَّ أبنية المبالغة على ضربين: منها ما يختلف بناؤه عن الآخر لتأدية معنى جديد، نحو: الضَّحّاك والضُّحَكة، فالأول مدح، والآخر ذم، ومنها ما تدل صيغتُه على معنى في المبالغة يختلف عن الصيغة الأخُرى، فمعنى (فَعَّال) يختلف عن (فَعُول) في المبالغة(2).

واختلف العلماء في أبنية المبالغة من حيث السماعُ والقياس، فسيبويه لم يقسمْها على قياسية وسماعية، وإنَّما ذكرَ أنَّ الأصل الذي عليه أَكثر معنى المبالغة هو: «فَعُول، و مِفْعال، وفَعّال، و فَعِل، وقد جاء: فَعِيل»(3).

إلا أنَّه من الممكن أنْ نجدَ عند سيبويه ما يشير إلى سماعيتها، في ضوء قوله:

«وتقول لمَنِ كان شيء من هذه الأشياء صنعتَه: لبّان، وتماّر، ونبّال، وليس في كلِّ شيءٍ من هذا قيل هذا، ألا ترى أنك لا تقول لصاحب البُر: بَرّار، ولا لصاحب الفاكهة: فَكّاه، ولا لصاحب الشعير: شَعّار، ولا لصاحب الدقيق: دَقّاق»(4).

ص: 41


1- الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري: 12
2- ينظر: معاني الأبنية: 106 - 107
3- كتاب سيبويه: 1 / 110
4- السابق: 3 / 382، وينظر: المخصص، ابن سيده: 15 / 69

فهذه إشارة واضحة إلى سماعيتها، وليس كما رأت الدكتورة خديجة الحديثي من أنَّ سيبويه لم يذهب إلى سماعيتها(1).

لذا ليس «لنا في أبنية المبالغة أنْ نقيس، فلا نقول في شاكر، وغافر: شكير وغفير»(2)، وإلى هذا ذهب كثير من المحدَثين(3)، ورأى بعضهم أنَّه يجوز القياس عليها للحاجة اللغوية(4).

وخلاصة ما تقدَّم أنَّ أبنية المبالغة سماعية؛ ويقوِّي هذا الاستنتاج ما ورد في المعجمات اللغوية من صيغٍ لبعضِ المواد اللغوية من دون الأخُرى، وأنَّ ما يُذكر منها يقتصر على المروي المسموع، بل إنَّ منها ما تُوَثَّق نسبته إلى قائلهِ أو راويه، ومن المعروف أنَّ الحمل على النظير هو أظهر أنواع القياس، مما يُظهر شِدَّة التقيدُّ بالسماع في هذا الشأن(5)، من ذلك ما جاء في تاج العروس: «رَكوب ورَكّاب الأول عن ثعلب»(6)، وفيه أيضًا: «وجُؤولا كقُعود، وهذه عن ابن سيده»(7).

ص: 42


1- ينظر: أبنية الصرف في كتاب سيبويه: 186
2- شرح الرضي على الكافية، الرضي الأسترابادي، تح: يوسف حسن عمر: 3 / 108
3- ينظر: المهذب: 240، وأبنية الصرف (الحديثي): 186، وسنن العربية في الدلالة على المبالغة: 10 - 12
4- ينظر: التطبيق الصرفي، د. عبدُه الراجحي: 75
5- ينظر: سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 12 - 13
6- تاج العروس: 2 / 522 (رکب)
7- السابق: 28 / 247 (جول)

ومما يؤيد سماعيتها أيضًا كثرة أبنيتها موازنة بغيرها من المشتقات، إذ أحصى أَحد الباحثين (ثمانين)(1) بناءً لها في معجم لسان العرب، وأحصى لها آخر في معجم التكملة والذيل والصلة (مئةً وتسعة وثلاثين)(2) بناءً، أمّا في نهج البلاغة فقد أحصيتُ (ستةَ عشرَ) بناءً دالًّا على المبالغة، ولا بد من الإشارة هنا إلى أنَّ بعض هذه الأبنية لم ترد في المظان على أنهَّا أبنية للمبالغة، لذا اعتمدتُ في دلالة البناء على المبالغة على صورة البناء نفسِه، أو على مشابهته بناءً آخر، أو على وصف مدلوله بالكثير أو الشديد أو الواسع أو غيرها من مرادفات المبالغة(3).

وسأعرض ما جاء منها في نهج البلاغة من غير تقسيم على أساس السماع والقياس، بل سأُورد كلَّ بناءٍ على انفراد، مبتدئًا بالأشهر، وعلى النحو الآتي:

أولًا: فَعّال (بفتح الفاء وتشدید العین)

من أبنية المبالغة الكثيرة الورود في اللغة، أشار إليه سيبويه(4)، ومن تبعه من العلماء(5)، ومع كثرته فإنَّ سيبويه لا يعدُّه قياسيًا، إذ قال: «وتقول لمن كان شيء من

ص: 43


1- ينظر: المصادر والمشتقات في معجم لسان العرب: 144
2- ينظر: جهود الصغاني التصريفية في كتابه التكملة والذيل والصلة على صحاح الجوهري، مريم علي (رسالة ماجستير مخطوطة): 123
3- ينظر: سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 12 - 14
4- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 110 و 3 / 382، والتطبيق الصرفي: 75
5- ينظر: المقتضب: 2 / 112 و 3 / 161، وشرح المفصل: 6 / 70، وشرح الرضي على الشافية: 2 / 85

هذه الأشياء صنعتَه: لَبّان، وتمَاّر، ونَبّال. وليس في كلِّ شيءٍ من هذا قيل هذا ألا ترى أنَّك لا تقول لصاحب البُر: بَرّار، ولا لصاحب الفاكهة: فَكّاه»(1) وعلى الرغم من ذلك قرَّر مجمع اللغة العربية قياسيته(2).

وهو بناء معدولٌ عن (فاعل) ومزيد بالتضعيف، وللتضعيف أثرٌ في إعطاء الصيغة قوتها؛ لأنَّ التضعيف غالبًا ما يكون للتكثير والقوة والمبالغة.

وفي بناء (فَعّال) أمران:

أحدهما: أنَّ (فَعّالاً) أصلٌ في المبالغة، وعُدِل عنه للصنعة أو الحرفة(3).

والآخر: أنَّ (فعّالاً) أصلٌ في الصَّنعة، وعُدِل عنه للمبالغة(4)، وإلى هذا ذهب الدكتور فاضل السامرائي(5).

وهذان الأمران كرَّرهما أغلب الباحثين الذين درسوا أبنية المبالغة(6) -

ص: 44


1- كتاب سيبويه: 3 / 382، وينظر: المخصص: 15 / 69
2- ينظر: القرارات النحوية والتصريفية لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، جمعًا ودراسة وتقويمًا، خالد بن سعود العصيمي: 456، وأبنية الصرف (الحديثي): 187
3- ينظر: المقتضب: 3 / 161، وشرح المفصل: 6 / 13
4- ينظر: همع الهوامع: 5 / 88
5- معاني الأبنية: 107
6- ينظر: معاني الأبنية الصرفية في مجمع البيان، نسرين عبد الله (رسالة ماجستير مخطوطة): 48، والأبنية الدالة على اسم الفاعل في القرآن الكريم، دراسة دلالية، أفراح عبد علي (أُطروحة دكتوراه مخطوطة): 57 - 59

ولاسيما بناء (فَعّال) - من غير تمحيص أو تدقيق لقضية مهمة، أرى أنَّه من الضروري والمفيد التنبيه عليها، أعرضها في محورين:

أحدهما: يتضمن أدلة من ذهب إلى أصالة بناء (فَعّال) في المبالغة أو في الصنعة وأهمها:

1. تشابه البناء والمعنى، فالذي دفعَ القائلين بتلك الأصالة هو تشابه البناء والمعنى، فكلاهما - أي: الصنعة والمبالغة - بزنة (فَعّال) ويدلان على التكثير.

2. استشهد أصحاب هذا الرأي بآراء علماء ظنوا أنَّها دليل على ما قالوه، كقول المبرد: «ورجلٌ قتّال، أي: يكثر هذا منه،... فلمّا كانت الصناعة كثيرة المعاناة للصِّنْف فعلوا به ذلك»(1)، وقول ابنِ يعيش: والباب فيما كان صنعة ومعالجةً على (فَعّال)؛ لأن (فَعّالاً) لتكثير الفعل(2).

3. استدل أغلب مَن درس هذه المسألة - ولاسيما الدكتور فاضل السامرائي(3) - بقول ابن جني: «وذلك أنَّك في المبالغة لا بد أن تترك موضعًا إلى موضع، إمّا لفظًا إلى لفظ، وإمّا جنسًا إلى جنس، فاللفظ، كقولك: عُراض، فهذا قد تركت فيه لفظ عريض»(4).

ص: 45


1- المقتضب: 3 / 161
2- ينظر: شرح المفصل: 6 / 13
3- ينظر: معاني الأبنية: 108
4- الخصائص: 3 / 46

هذه أهمُّ الأدلة التي عرضها مَن ذهبَ إلى أصالة بناء (فَعّال) في الصَّنعة أو في المبالغة، أمّا المحور الآخر فيتضمن رُدودًا على تلك الأدلة، يمكن إيجازها بحسب ترتيب الأدلة، وهي:

1. إنَّ تشابه البناء لفظًا ومعنىً ليس شرطًا غالبًا للعدول، إذ لو كان صحيحًا كيف نُفسِّر ما جاء من قولهم: «يا مَلأمان، يريدون: يا لئيم، فعدلوا عن (فعيل) إلى (مَفْعَلان) للمبالغة في لؤمهِ»(1) فهل يمكن القول: إنَّ (فَعيًلا) أصلٌ ل (مفعلان) أو العكس؟ لم يقُل أحدٌ بذلك في حدود علمي، لذا يقف تشابه اللفظين بالضد من العدول غالبًا؛ لأنَّ «العربَ مما يبنون الأشياءَ إذا تقاربت على بناء واحد»(2).

2. أمّا الآراء التي طُرحت دليلًا على القول بالأصالة فلم يُفهم منها - من وجهة نظري - أنَّ أصحابَها أرادوا أصالةَ بناءٍ لآخر، إذ إنَّ بعض قائليها - ولاسيما الذين عُدّوا أنصارًا للقول بالأصالة - ذهبوا إلى أنَّ (فَعّالًا) معدولٌ عن (فاعل)، كالمبرّد الذي يقول: «اعلم أنَّ الاسم من (فَعَل) على (فاعل) نحو قولك: ضَربَ فهو ضارِب... فإنْ أردت أنْ تُكثِّر الفعل كان للتكثير أبنيةٌ: فمن ذلك (فَعّال»)(3)، والحال نفسُه ينطبق على رأي ابن يعيش، إذ يقول: «لأنَّ (فاعلًا)

ص: 46


1- أمالي ابن الشجري، هبة الله بن علي، تح: محمود محمد الطناحي: 2 / 338
2- كتاب سيبويه: 4 / 12
3- المقتضب: 2 / 112

هو الأصل، وإنَّما يُعدل عنه إلى (فعّال) للمبالغة»(1).

وهذا الرأي ليس بدِعًا، بل قال به قبلهما سيبويه - وإنّما أَخَّرتُه لأنهَّم لم يعدوه نصيرًا للقول بالأصالة - فقد ذهب إلى أنَّ أبنية المبالغة محوَّلة عن (فاعل) لإرادة التكثير والمبالغة(2)، ورأى في موضعٍ آخر من كتابه أنَّ (فَعّالاً) يُستعمل في الصنعة(3)، فهل يُعدُّ هذا تناقضاً؟ لا؛ بل هو الرأي الأصوب؛ فالكثرة تؤدي إلى الصنعة، قال ابن جني: إنَّ «البَزّاز، والعَطّار، والقَصّار، ونحو ذلك إنّما هي لكثرة تعاطي هذه الأشياء»(4)، وقال ابن سيده (ت 458 ه ): «والباب فيما كان صنعةً ومعالجة أنْ يجيء على (فَعّال)؛ لأن (فَعّالاً) لتكثير الفعل، وصاحب الصنعة مداوِمٌ لصنعتهِ، فجُعِلَ له البناء الدال على التكثير، كالبزّاز، والعطّار، وغير ذلك»(5).

لذا إنَّ مَن يقول - من اللغويين - بدلالة بناء (فَعّال) على الحرفة أو الصنعة لا يعني أنَّه يذهب إلى أصالته فيها، وإنّما هو تشابهٌ في البناء والمعنى، وهو كثيرٌ في اللغة.

ص: 47


1- شرح المفصل: 6 / 13
2- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 110
3- ينظر: السابق: 3 / 382
4- الخصائص: 3 / 267
5- المخصص: 15 / 69

3. إنَّ رأي ابن جني في العدول يقف بالضِّد مما ذهبوا إليه، فهو لم يشترط تشابهًا بين البناء المعدول عنه، والمعدول إليه؛ لأنَّ قوله: «وذلك أنك في المبالغة لا بد أن تترك موضعًا إلى موضع، إمّا لفظاً إلى لفظ، وإمّا جنسًا إلى جنس، فاللفظ كقولك: (عُرَاض) فهذا قد تركت فيه لفظ (عريض)، فعراض - إذًا - أبلغ من (عريض»)(1) لا ينطبق على بناء (فَعّال)؛ لأنَّه بناءٌ واحد في الصنعة والمبالغة، ولم يُترك فيه بناءٌ آخر، والمعنى واحدٌ أيضًا وهو التكثير.

والخلاصة أنَّ (فعّالاً) بناء معدول عن (فاعل) للمبالغة والتكثير، وهذا يدعم مبدأ العدول؛ فهما مختلفان مبنىً ومعنىً، فالمبنى واضح الاختلاف، أمّا المعنى فبناء (فاعل) ذو معنًى مُطلَق، ويُعدَل عنه إلى (فَعّال) لإرادة المبالغة، وهذا ما وجدناه عند سيبويه والمبرد، هذا فضلاً عمّا أكدته إحدى الدراسات الصرفية الحديثة من «أنَّ اسم الفاعل واسم المفعول كانا أقدمَ ظهورًا في اللغات من اسم والآلة»(2)، الآلة أداة صاحب الصنعة والحِرَفي.

وأمثلة هذا البناء كثيرة في نهج البلاغة، منها قولُ الإمام علي (عليه السلام) ردًّا على كتابٍ لمعُاوية، وكان معاوية قد خاض في ذكر اصطفاء الله تعالى محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) لدينه وتأييده إياه بمن أيَّده من الصَّحابة ثم ذكر

ص: 48


1- الخصائص: 3 / 46
2- اللسان والإنسان، مدخل إلى معرفة اللغة، د. حسن ظاظا: 114

درجات الصَّحابة، وبیان مراتبهم: «فإنَّك لذَّهّاب في التِّيه، رَوّاغٌ عن القصد»(1).

ورد في النص بناءان بزنة (فَعّال) هما: (ذَهّاب، ورَوّاغ) مشتقان من الفعلين: (ذهب، وراغ)، والرَّوْغ: «المَيْل على سبيل الاحتيال، ومنه: راغ الثعلبُ يروغُ رَوغانًا، وطريق رائغ، إذا لم يكن مستقيمًا»(2).

يخاطب الإمام علي (عليه السلام) معاويةَ موبِّخًا إيّاه؛ لأنَّه «خرج عن زيِّهِ، ودخل فيما لا يعنيه، وتكلم فوقَ قدرِه»(3)، لذا وصفه بأنَّه «ذَهّاب في التيه، روّاغٌ عن القصد»، «أي: كثير الذهاب، والتوغل في الضلال عن معرفة الحق، كثير العدول عن العدل، والصراط المستقيم في حقِّنا»(4).

والنص عبارة عن صورتين متقابلتين لحال معاوية، مثَّلت الأولى شدة ضلالتهِ عن معرفة الحق، ومما لاءَم شدة ضلالتهِ تلك أنَّ الإمام (عليه السلام) عَدَّى الذهاب بحرف الجر (في) لا ب (إلى)، في إشارة إلى توغل معاوية في الضلالة، وكأنّه هو الضلال نفسُه، وصوَّرت لنا الجملة الأُخرى عدول معاويةَ عن طريق الحق.

ص: 49


1- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم: 15 / 181، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 1 / 283، 3 / 197، 6 / 363، 7 / 226، 17 / 33، 18 / 71
2- مفردات ألفاظ القرآن: 373 (روغ)
3- منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، حبيب الله الخوئي: 19 / 112
4- شرح نهج البلاغة، ميثم البحراني: 4 / 438

فاستعمال (ذَهّاب، ورَوّاغ) جاء منسجمًا مع جو النص وما فيه من شدة التوبيخ من جهة، ومع حال معاوية وشدة ضلاله، وكثرة انحرافه عن طريق الحق من جهة أُخرى.

ثانیًا: فَعِیل (بفتح الفاء و کسر العین)

بناءٌ يدلُّ على المبالغة(1)، قيل فيه: إنَّه يُستعمل، «لمن صار له كالطبيعة»(2)، لذلك رأى أحد الباحثين أنَّه منقول من الصفة المشبَّهة(3).

وقد يكون سبب ذلك هو التداخل الحاصل بين الصفة المشبهة وأبنية المبالغة، لذلك ذهب أحد الباحثين إلى اعتماد أساسينِ للتفريق بينهما:

1. التعدي واللزوم، فما جاءَ من اللازم الأَوْلى عدُّهُ صفةً مشبهةً، وما جاء من المتعدي يُنسَبُ إلى أبنية المبالغة.

2. معنى البناء، فما ورد دالاً على الثبوت فهو صفةٌ مشبهةٌ، وما جاء حاملاً معنى كثرة وقوع الحدث فهو بناءُ مبالغةٍ(4).

أمّا الأساس الأول فمردود؛ لأنَّ أبنية المبالغة جاءت من المتعدي واللازم،

ص: 50


1- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 110، والمنصف: 1 / 240 - 241
2- همع الهوامع: 5 / 88
3- ينظر: معاني الأبنية: 118
4- ينظر:أسماء الله الحسنى، دراسة في البنية والدلالة، د. احمد مختار: 97

وأمّا الآخر فيعني أنَّ البناء بنفسهِ لا يدل إلّا على الحدث، وأنَّ القرائن الأخُرى هي التي تحدد الثبوت والتغيير(1).

ويرى الباحث أنَّ بناء (فَعيل) يدل على المبالغة فضلًا عن دلالته على الثبوت التي تحددها القرائن، ويتضح ذلك في صفات الله تعالى، نحو: السميع، والعليم، والبصير؛ «فالعامل الديني يُوجِب ثبوتها...، بغضِّ النظر عن الصيغة الصرفية التي صِيغَت عليها»(2).

وتجدر الإشارة إلى أنَّ اللغة وتحليل اللغويين والصرفيين للألفاظ وزعم أصل لها وتطورها وتركيبها وتجزئتها، وما يتبع ذلك لا يمكن أن يقَبل - بحالٍ - إجراؤه على أسماء الله تعالى الحسُنى، ومن غير اللائق - بمكان - أن نجدَ تحليلاً جريئا للفظ الجلالة (الله) من: (ألهِ) أو من (ولهِ)، فالله سبحانه وتعالى هو مُوجِدُ الخلائق والعلوم ولا يجري على لفظ الجلالة ولا على أسماء الله الحسنى ما يجري مما أجراه اللغويون على سوى ذلك من ألفاظٍ لغويةٍ(3).

وتنبغي الإشارة إلى ما قاله الدكتور فاضل السامرائي من أنَّ (فَعيًلا) في المبالغة يدلُّ على معاناة الأمر وتكراره حتى أصبح كأنَّه خِلقةً في صاحبِه، كعليم

ص: 51


1- ينظر: الأبنية الصرفية (السالم): 144
2- أسماء الله الحسنى (احمد مختار): 98
3- ينظر: دلالة الاكتفاء في الجملة القرآنية. د. علي عبد الفتاح (أطروحة دكتوراه مخطوطة): 145 - 146

أيّ: هو لكثرة نظرهِ في العلم، وتبحرِه فيه أصبح العلمُ سجيَّةً له(1).

والرأي مقبول إنْ لم يُقصد به صفات الله تعالى؛ لأنّه عزَّ وجلَّ لا يُناظَر بمخلوقاته؛ لأنه «لَیْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» [الشورى / من الآية: 11]، فضلاً عن أنَّه تعالى لا يُعاني في أمر العِلم، لقول الإمام علي (عليه السلام) عنه سبحانه وتعالى:

«العالِمُ بلا اكتساب»(2).

ورد بناء (فَعيل) في مواضعَ كثيرةٍ في نهج البلاغة، منها ما جاء في كتاب له (عليه السلام) إلى بعض عُمّاله، قال فيه: «أمّا بعد، فإنّكَ ممنَّ أستظهرُ به على إقامة الدِّين، وأقمعُ به نخوةَ الأثيم»(3).

الأثيم: بناءُ مبالغةٍ بزنة (فَعيل) مشتقٌ من الفعل (أَثم)، وأصلُ الإثم: البطء والتأخر؛ لأنّ ذا الإثم بطيءٌ عن الخير متأخرٌ عنه، يُقال: رجلٌ أثيم وأثوم، إذا أكثر من الذنوب(4).

فالأثيم - إذًا - هو المبُالغِ في الإثم، المُصرُّ على اقترافه، لذلك جاء - بقرينة السياق - وصفًا للمُرابي، قال تعالى: «يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثيِمٍ» [البقرة: 276]

ص: 52


1- ينظر: معاني الأبنية: 117
2- شرح (ابن أبي الحديد): 11 / 62
3- السابق: 17 / 3، وجاء هذا البناء في مواضعَ أُخر: 10 / 64، 19 / 313، 17 / 91
4- ينظر: معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، تح: عبد السلام هارون: 1 / 60 (أثم)

والأثيم: من تنزل عليه الشياطين وما ذلك إلا لكَثرة ارتكابه المعاصيَ والذنوب، قال تعالى: «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ» [الشعراء: 221 - 222] ولو عدنا إلى النص العَلَوي لوجدنا أنَّ المعاني القرآنية حاضرةٌ في عباراتهِ، فالإمام (عليه السلام) يُوعزُ إلى عاملهِ بأنْ يقمعَ نخوةَ الأثيم، و (نخوة الأثيم): تَكبُّر العاصي وما يعيشه من الانحراف والتمرُّد، يقصد الإمام بذلك الخوارج؛ لأنَّهم خرجوا على محمد بن أبي بكر(1)، فبعثَ (عليه السلام) إلى مالك الأشتر كي يُقيمَ العدل، ويُسعِدَ الرَّعيَّة، ويُنقذَها من ظُلم الخوارج، واعتدائها على الدِّين(2).

فكلُّ المعاني المذكورة آنفًا دعت الإمام (عليه السلام) إلى استعمال بناء (فَعيل) لمَاِ يعطيه من معنى الكثرة والدوام، لملاءمته كثرةَ تطاول الخوارج على الدِّين والشريعة، وأيُّ إثمٍ أعظم من ذلك؟! لكنَّه (عليه السلام) حين انتفت الحاجة إلى الشدة والكثرة عاد إلى استعمال

ص: 53


1- هو محمد بن عبد الله (أبي بكر) بن عثمان بن عامر التميمي القرشي، أمير مصر، ابن الخليفة أبي بكر، كان يُدعى (عابد قريش)، وُلدِ بين المدينة ومكة في حجة الوداع، ونشا بالمدينة في حجر الإمام علي (عليه السلام)، وشهد مع الإمام وقعتَي الجمل وصفين، وولّاه مصر بعد موت مالك الأشتر، فدخلها سنة 37 ه، قتله معاوية بن حديج سنة 38 ه. ينظر: الأعلام، الزركَلي: 6 / 219 - 220
2- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 74، وشرح نهج البلاغة، السيد عباس الموسوي: 4 / 484

اسم الفاعل (آثمًا)، إذ قال (عليه السلام) في كتابٍ له إلى مالك الأشتر حينما ولّاه مصر: «مِمنَّ لم يُعاوِنْ ظالًما على ظُلمِه، ولا آثمًا على إثمِه، أُولئك أخفُّ عليك مؤونةً، وأحسنُ لك معونةً»(1).

واختلافُ السياقينِ واضحٌ، فهو (عليه السلام) يريد إقامة الدِّين، وكسر تمرُّد كلِّ أثيم استمرَّ منه الإثم وطغى، أمّا من كان (آثمًا) ففيه دلالة لطيفة وهي - والله العالم - أنَّه يصف له من يستحق الاستفادة منه، وهو من لم يعاون ظالمًا ولا آثمًا ولو ظلم أو أثم مرةً واحدة، ومَن حالُه كذلك أَولى ممن لم يعاون ظلّاما أو أثيمًا بالمبالغة؛ لأنَّ من لا يعاون الظالم والآثم حريٌ به ألا يّعاون الظلّام والأثيم.

ثالثًا: فَعُول (بفتح الفاء وضم العین)

من أبنية المبالغة التي ذكرها اللغويون والصرفيون(2)، قيل في دلالتهِ: إنَّه لمنِ دام منه الفعل(3)، أو إنَّه يدلُّ على التكثير والتكرار(4)، ويرى بعضُهم أنَّه لمِن كان قويًّا على الفعل(5).

ص: 54


1- شرح (ابن أبي الحديد): 17 / 42
2- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 110، 3 / 384، والمقتضب: 2 / 116، والمنصف: 3 / 52، والصرف الواضح، د. عبد الجبار النايلة: 159 - 160
3- ينظر: ديوان الأدب، الفارابي، تح: د. أحمد مختار و د. إبراهيم أنيس: 1 / 85
4- ينظر: المقتضب: 2 / 116، والمنصف: 3 / 52، وهمع الهوامع: 5 / 88
5- ينظر: الفروق اللغوية: 12

ف (فَعول) يدل على الديمومة والكثرة والقوة، وهذه الألفاظ مترادفة تُعطي كلُّها معنى المبالغة.

وذهب الدكتور فاضل السامرائي إلى أنَّ بناء (فَعُول) ليس أصيلًا في المبالغة بل مستعارًا من أسماء الذَّوات، كالوَضوء والسَّحور والغَسول(1).

وسبق أن بيَّنتُ عدم صحة هذا الرأي لتنافيه مع مبدأ العدول(2)، لذا هو بناء معدول عن (فاعل) للمبالغة. مِن خصائصه أنَّ المذكر والمؤنث فيه سواء، فنقول:

امرأة صبور، ورجلٌ صبور، إلا إذا حُذف الموصوف فيجب المطابقة(3)، وهذا يُقّوي مبدأ العدول.

وقد ورد هذا البناء في مواضع كثيرة في نهج البلاغة منها قولُه (عليه السلام) في التحذير من الدنيا: «فاحذروا الدنيا، فإنَّها غَدّارةٌ غَرّارةٌ خَدوع»(4).

خَدوع: بناء مبالغة بزنة (فَعول) مشتق من الفعل (خدع) و «خدعَهُ يخدعُه خَدْعًا وخِداعاً أيضًا،... أي: خَتَلَهُ وأراد به المكروه من حيث لا يعلم»(5).

ص: 55


1- ينظر: معاني الأبنية: 115
2- ينظر: الصفحة (30 - 31) من هذا البحث
3- ينظر: تصريف الأسماء والأفعال، د. فخر الدين قباوة: 115
4- شرح (ابن أبي الحديد): 13 / 6، وجاء هذا البناء في مواضعَ أُخر: 11 / 245، 13 / 116، 16 / 66، 20 / 119
5- الصحاح: 3 / 1201 (خدع)

يحذرنا الإمام (عليه السلام) في هذا النص من الدنيا؛ لأنهَّا كثيرة المكر والخديعة، أي: أنَّها تخدع أهلها فتُظهِرُ لهم خلافَ ما تُبطِن؛ تُظهر لهم لينها وحلاوتها وشهواتها فيغترون بها، وتُبطِنُ لهم قساوتَها ومرارتَها؛ لأنَّ هذا البريق وتلك الحلاوة لا تدوم، وسرعان ما تنتهي، فالإمام (عليه السلام) يرى خداعَ الدنيا في حلو ظاهرها المحفوف بالشهوات، فهي محبَّبةٌ للنفوس، لكونها ماثلةً للعَيان ملموسة، غير أنَّ نعيمها إلى زوال، وسرورَها إلى انقطاع، فليس هناك من شخص بمنأى عن مشاكلها وفجائعها(1)، والى هذا أشار القرآن الكريم بقوله تعالى: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إلِا مَتاعُ الْغُرُورِ» [آل عمران / من الآية: 185].

وفي النص العَلَوي نكته لطيفة لا بد من الإشارة إليها، وهي أنَّ الإمام (عليه السلام) قال: (خَدوع) بزنة (فَعول)، في حين استعمل (غدّارة و غرّارة) بزنة (فَعّالة) فما دلالةُ ذلك؟ أقول: قد يكون سببُ ذلك هو أنَّ بناء (فَعول) يأتي لمن كان قویًّا علی الفعل(2)، وكأنَّ الإمام (عليه السلام) يُومئ إلى أنَّ الخداع طبيعةٌ متمكنة في الدنيا،

ص: 56


1- ينظر: شرح (السيد عباس): 4 81، وتوضيح نهج البلاغة، السيد محمد الشيرازي: 3 / 402، ونفحات الولاية، شرح عصري جامع لنهج البلاغة، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: 5 / 5 - 10
2- ينظر: الفروق اللغوية: 12

لا تنفك عنها، مهما حاول الإنسان الابتعاد عنها، لذلك ورد في الرواية: «أنَّ حبَّ الدنيا رأس كل خطيئة»(1)، وآيةُ قوة خداع الدنيا أنَّها تستدرج إليها حتى العُبّاد والزُّهّاد، لقوله (عليه السلام: «حتى إذا أنسِ نافرُها، واطمأنَّ ناكرُها، قمَصَتْ بأرجلها، وقنَصَتْ بأحبُلهِا»(2).

ولو أنعمنا النظر في بناء (فَعول) في القرآن الكريم لوجدنا أنَّه جاءَ دالًّا على الصفات المتمكنة في صاحبها، أو على الصفات الدائمة، نحو: (جَهول)، و (ظَلوم) في قوله تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا» [الأحزاب: 72]، وربَّما جاء بناء (فَعول) في سياق يدلُّ على أنَّ هذا الوصف مما جُبِلَ وفُطِرَ عليه صاحبُه، نحو قوله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا» [المعارج: 19 - 21] والمعنى: أنَّ الإنسان لإيثاره الجزعَ والمنع وتمكنهما منه ورسوخهما فيه كأنَّه مجَبول عليهما مطبوع، وكأنَّهما - أي الجزع والمنع - من الصفات الخَلْقية الفطرية، وغير الاختيارية(3).

ص: 57


1- ينظر: الكافي، الشيخ الكُلَيني، تح: علي أكبر الغفاري: 2 / 315
2- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 246، قمصت: من: قمص الفرس وغيره: أي يرفع يديه ويطرحهما معًا، قنصت: اصطادت وأوقعت في شباكها من اغترَّ بها
3- ينظر: الكشاف: 4 / 158، وتفسير جوامع الجامع، الطبرسي: 3 / 636

رابعًا: فَعِل (بفتح الفاء و کسر العین)

بناءٌ درسَه أغلب علماء العربية في الصفة المشبهة تارةً، وفي أبنية المبالغة أُخرى(1).

والمعاني التي ذكرها علماء العربية لبناء (فَعِل) لا تدل على لزوم الوصف، بل على الحدوث والتغيُّر سريع الزوال، فمن معانيه: أنَّه جاء دالًّا على الأوجاع والهَيْج والخفة والحركة، نحو: (وَجِع، وأرِج، وبَطِر، وفَرِح، وغَلقِ، وأَشِر)(2).

فبناء (فَعِل) يدلُّ غالبًا على الصفات العارضة غير المستقرة أو الراسخة(3) التي تحصل وتزول بسرعة(4)، لذا هو بناء معدول عن (فاعِل) لإرادة الكثرة والمبالغة في المعاني التي ذكرتُها قبل قليل(5).

ولابد من إيضاح أنَّ أبنية المبالغة كلَّها مزيدة إلّا بناء (فَعِل)، لذا يمكن القول: إنَّ المبالغة فيه ترجِع إلى خروجه عن الأصل، والخروج عن الأصل يكون بالزيادة والنقص(6).

ص: 58


1- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 110 و 4 / 17 - 20، وشذا العرف: 74 و 76، وأبنية الصرف (الحديثي): 188 و 192، والمهذی: 238 و 255
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 17 - 20، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 143 - 144
3- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 1 / 72
4- ينظر: شذا العرف: 77
5- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 110، والمقتضب: 2 / 112
6- ينظر: الدلالة الصرفية عند ابن جني، رافد حميد (أُطروحة دكتوراه مخطوطة): 17

وشواهد هذا البناء قليلة في نهج البلاغة منها ما جاء في خطبةٍ له (عليه السلام) في الدهر وأهله، ووصف صنفٍ من الناس، قال فيها: «وبقي رجال غضَّ أبصارَهم ذكرُ المرجِع، وأراقَ دموعَهم خوفُ المحشر...، أفواهُهم ضامِزةٌ، وقلوبُهم قَرِحة، قد وَعظوا حتى مَلُّوا»(1).

في النص بناءُ مبالغة بزنة (فَعِل) هو (قَرِحة) مشتق من الفعل (قرحَ) و «القُرح: أثرها من الجراحة من شيٍء يُصيبهُ من خارج، والقَرح: الأثرها من داخل»(2)، والقرِحة: كثيرة القروح، أو شديدة القروح.

بعد أن قسَّمَ الإمام (عليه السلام) الناسَ شَرع بذكر قسمٍ آخر «وهم أولياء الله وجنودُ الحق، وأخيار الأمة الذين أُقصوا عن المجتمع، وعادوا غرباء فيه، بفعل تسلُّمِ زمام الأمور من قِبَل الأصناف الأربعة المذكورة»(3).

ومن اللافت للنظر أنَّ الإمام (عليه السلام) لم يجعلهم قسمًا آخر للأصناف الأربعة، بل صنفًا قائمًا بنفسه؛ لأنَّه يرى فيهم محور المجتمع لذلك لفت الانتباه إلى عظمتهم وعُلوِّ شأنهم بقوله: (رجال) في حين استعمل للأصناف الأربعة لفظة

ص: 59


1- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 175، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 6 / 260، 270، 10 / 148، 13 / 177، 16 / 138
2- مفردات ألفاظ القرآن: 665 (قرح)
3- نفحات الولاية: 2 / 179

(الناس)(1)، بقوله (عليه السلام): «الناس على أربعة أصناف»(2).

أمَّا قوله (عليه السلام): «أفواههم ضامِزة، وقلوبهم قَرِحة» فيشير إلى سكوتهم وقلة كلامهم تقيَّةً، ولكفِّ أفواههم بالقوة من قِبل مَن تسلَّمَ زمام الأمُور من المفسدين والظالمين والمنافقين، لذلك تقرَّحت قلوبهم لِمَا رأوه من الفساد الذي لا يستطيعون دفعَه، والقضاء عليه، ليس ضعفًا منهم؛ بل لأنهَّم قُهِروا وذُلّوا، فضلًا عن فقدان الناصر والمعين(3).

والصورة التي رسمها الإمام (عليه السلام) في هذا النص مستوحاةٌ من القرآن الكريم، قال تعالى: «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ، هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» [آل عمران: 137 - 140].

وقوله (عليه السلام): «أفواههم ضامزة، وقلوبُهم قَرِحة» يدلُّ على استعمال دقيق للألفاظ، فالإمام استعمل (قَرِحة) بزنة (فَعِلة) في حين قال: (ضامزة) بزنة (فاعلة) فما توجيه ذلك؟

ص: 60


1- ينظر: السابق نفسه والصفحة نفسها، ومن بلاغة الإمام علي في نهج البلاغة، عادل حسن: 195
2- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 174
3- ينظر: نفحات الولاية: 2 / 180 - 181

أَغلب الظن أنَّ الداعي إلى ذلك هو بناء (فَعِل) الذي يدل - فيما يدل عليه - على الأدواء والعيوب الباطنية(1)، لهذا لاءم معنى التقرُّح الذي يحدث في القلوب؛ والقلوب باطنية، هذا فضلًا عن دلالته على شِدَّة الألم واللوعة من رؤية الفساد وعدم القدرة على تغييره.

أمّا (ضامزة) من (الضَّمْز) بمعنى السُّكوت(2) فهو لا يناسب بناء (فَعِل) الموضوع للدلالة على الأدواء الباطنية؛ لأنَّ (الضامزة) هنا صفةٌ للفظة (أفواههم) والفم عضو خارجي، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فإنَّ سكوتهم لم يكن لعيبٍ خَلْقي فيهم، بل تقيةً من بطش الظالمين المتسلِّطين، فهم متكلمون، يدلك على ذلك قوله (عليه السلام): «قد وَعظوا حتى ملّوا».

فاستعمال الإمام (عليه السلام) لفظة (قَرِحة) كان للمبالغة في بيان مدى تأثر أولياء الله تعالى لِمَا رأوه من فساد عمَّ المجتمع آنذاك، مع عدم قدرتهم على تغييره.

خامسًا: مِفعال (بکسر المیم و سکون الفاء)

من أبنية المبالغة التي تدل على تكرار وقوع الحدث، والمداومة على الشيء، بحيث يصبح عادةً في صاحبه(3).

ص: 61


1- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 1 / 143 - 144
2- ينظر: العين: 7 / 21 (ضمز)
3- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 110 و 3 / 384، والمقتضب: 2 / 113، والمنصف: 3 / 17، وديوان الأدب: 1/ 308، والتطبيق الصرفي: 75، والصرف الواضح: 159

ويرى بعضهم أنَّ بناء (مِفْعال): «لمن صار له كالآلة»(1)، واستُدِلَّ بذلك على أنه منقول من اسم الآلة إلى أبنية المبالغة(2)؛ لأنّه لا يؤنث ولا يُجمع جمع مذكر سالمًا، بل جمع آلة، نحو: مِهذار ومهاذير، إلا في ضرورة الشعر(3)، وما جمعُه على (مفاعيل) إلا لمحٌ لأصله في الآلة؛ لأن اسم الآلة، نحو: (مفتاح) يجُمع على (مفاتيح)(4).

أمّا أنَّه منقول من اسم الآلة إلى أبنية المبالغة فقد أثبتُّ عدم صحة هذا الرأي لمخالفته أساس العدول(5)، فضلًا عن أنَّ عدم تأنيثه ليس بصواب؛ إذ ورد مؤنثًا في قولهم: «امرأة مِفْضالة في قومها»(6)، وحَمل بعضُهم التأنيث على الشذوذ(7).

أمّا جُمعه جَمع آلة لمحًا لأصله ففيه نظر؛ لأنَّ الرضي الذي ذهب إلى هذا لم يُشِر إلى أصالته في الآلة، هذا فضلًا عن أنَّ كثيرًا من الألفاظ المؤنثة، نحو: (عِزة، وعِضَة، وثُبَة، وأرض) قد جمُعت جمع مذكرٍ سالمًا: (عِزين، وعِضين، وثُبين، وأرضين).

ص: 62


1- همع الهوامع: 5 / 88
2- ینظر: معانی الأبنیة: 112
3- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 2 / 179 - 180
4- ينظر: معاني الأبنية: 112
5- ينظر: الصفحة (29 - 31) من هذا البحث
6- ديوان الأدب: 1 / 313
7- ينظر: تصريف الأسماء (قباوة): 154

فهل يمكن القول: إنَّ أصل هذه المفردات مذكرٌ؟ لم يقُل أحد بذلك في حدود علمي، والحال نفسه يقال في اسم المفعول من الثلاثي، نحو: ملعون، ومشؤوم، فيُجمعان على: ملاعين، ومشائيم، فهل أصل اسم المفعول اسم آلة؟ لذلك لا وجه لنقل بناء (مِفْعال) من الآلة، بل هو تشابه في الأبنية - في ألفاظها ومعانيها - أشار إليه سيبويه بقوله: «والعرب مما يبنون الأشياء إذا تقاربت على بناءٍ واحد»(1)، هذا فضلًا عن أنَّ (فِعَال) وزن لاسم الآلة أقدم من (مِفْعال)(2).

فبناء (مِفْعال) - إذًا - يدل على المبالغة لعدولهِ عن (فاعل) أو (مُفعِل) نحو: (مِطْعان) من: طاعن، و(مِتْفال) من: مُتفِل، تشفع لنا في هذا إحدى الدراسات الصرفية الموازنة من أنَّ اسم الفاعل أقدم ظهورًا من اسم الآلة(3)، هذا فضلاً عن ورود هذا البناء بمعنى المبالغة في شعر امرئ القيس(4).

ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في كتاب له (عليه السلام) إلى عثمان بن حُنَيفْ الأنصاريّ(5)، وهو عامله على البصرة، وقد بلغ الإمام (عليه

ص: 63


1- كتاب سيبويه: 4 / 12
2- ينظر: التطور النحوي للغة العربية، برجشتراسر: 100
3- ينظر: اللسان والإنسان: 114
4- ينظر: الأبنية الصرفية (السالم): 171
5- عثمان بن حنيف بن وهب الأنصاري الأوسي، والٍ، من الصحابة، شهد أُحدا وما بعدها، ولمّا نشبت حرب الجمل التحق بالإمام علي (عليه السلام) ثم سكن الكوفة، وحضر معه الواقعة، توفي زمن معاوية بعد سنة 41 ه. ينظر: الإصابة في معرفة الصحابة، ابن حجر، تح: عادل عبد الموجود وعلي معوض: 4 / 371، والأعلام: 4 / 205

السلام) أنَّه دُعِيَ إلى مأدبة قومٍ من أهلها فمضى إليها!، فقال (عليه السلام):

«ولكن هيهاتَ أنْ يغلبَني هواي...، أو أبيتَ مِبْطانًا وحولي بطونٌ غَرْثى، وأكبادٌ حَرَّى»(1).

مِبْطان: بناء مبالغة بزنة (مِفْعال) مشتق من الفعل (بطن)، والبِطْنة: امتلاء البطن من الطعام، ورجلٌ مِبْطان، إذا كان لا يزال ضَخْم البطن، يأكل أكلا شديدًا دون أصحابه(2).

وقوله (عليه السلام): «أو أبيتَ مِبطانًا...» سبق أنْ نظمه الأعشى في هجاء عَلقمة(3): [من الطويل] تبیتونَ فی المشتی ملاءً بطونُکم *** وجاراتُکم غرثی یَبِتنَ خمائصًا والنص العَلَوي الشريف صورة لمد حرص الإمام (عليه السلام) ومسؤوليته تجاه رعيته، فلمّا كان الناس على صنفين: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخَلق، وجدْنا أنَّ المسلم الحقيقي الذي يشعر بالمسؤولية لا ينامُ

ص: 64


1- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 286، بطون غرثى: جائعة، وأكباد حرّى: عطشى. وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 3 / 200، 7 / 110، 262، 277
2- ينظر: العين: 7 / 441، ولسان العرب: 13 / 52 - 53 (بطن)
3- ديوان الأعشى الكبير، ميمون بن قيس، تح: د. محمد حسين: 149

وجارهُ جائع، ولخطورة هذه القضية، ولأثرها البالغ في حياة الفرد والمجتمع كرَّرها الإمام (عليه السلام) في أكثر من موضع، إذ قال: «أَأقنعُ من نفسي بأنْ يُقال هذا أمير المؤمنين، ولا أُشاركهم في مكارهِ الدَّهر»(1)، وفي تلك الصور جسَّدَ الإمام (عليه السلام) منهاجًا لكلِّ مسؤول - أيّ مسؤول - في التعامل مع رعيته.

فشدة الموقف وأثرُه في نفس الإمام (عليه السلام) دعته إلى استعمال ما يناسب ذلك الموقف من الألفاظ القوية المؤثرة في إيقاعها، وهذا يدلل على براعته (عليه السلام) في استعمال الصيغ الصرفية المناسبة لكل حادثة أو موقف.

واستعمال الإمام (عليه السلام) كلمة (مِبْطان) التي تدل على المبالغة في كثرة الأكل له أثره في التعبير عن زهدِه وعفَّة نفسِه، فضلًا عن تركيز التوبيخ للمخاطَب، وهذا المعنى كشف عنه السياقينظر: خصائص الجملة العربية في نهج البلاغة، سمير داوود سلمان (أُطروحة دكتوراه مخطوطة): 42، فالسياق صرفَ معنى بناء (مِبْطان) من المبالغة في كثرة الأكل إلى المبالغة في الزُّهْد وعفَّة النفس، والمبالغة في الحالين راجعة إلى بناء (مِفْعال) نفسِه، غير أنَّ معنى المبالغة تغيَّر بحسب السياق.

ص: 65


1- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 287

سادسًا: مِفعِیل (بکسر المیم و العین و سکون الفاء)

بناءُ مبالغةٍ يكون لمن دام منه الفعل(1)، يستوي فيه المذكر والمؤنث غالبًا، فنقول: رجلٌ مِعطير ومحضير ومِئشير، وكذلك امرأة(2). وقلتُ: (غالبًا) لوروده مؤنثًا بقلّة، نحو: امرأة مسكينة، وحُمِلَ ذلك تشبيهًا لها بفقيرة(3).

ويرى الدكتور مصطفى جواد (ت 1969 م) أنَّ بناء (مِفْعيل) أصله (مِفْعال) أُميلت ألفه إمالة تامة نحو الياء(4) وهو رأي سديد ومقبول، غير أنَّه لا يطَّرد في ألفاظ البناء كلِّها؛ إذ لم يرد في الألفاظ: (مسكين ومنطيق ومسكير):

(مسكان(5) ومنطاق ومسكار)، ولاسيما في المصادر التي عُنيِت بإيراد الأبنية، ك (ديوان الأدب) مثلًا(6).

لذلك يرى الباحث أنَّ (مِفْعيلاً) بناء معدول عن (فاعل) ومزيد فيه بالميم والياء، ف (مِسْكين ومِحضْير ومِعْطير ومِسْكير) معدولة على التوالي عن: (ساكن

ص: 66


1- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 83، والمهذب: 238
2- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 314، وشرح الرضي على الشافية: 2 / 179، وشرح المراح: 125 - 126 وتصريف الأسماء (قباوة): 155، المحضير: الكثير الحُضْر (بضم فسكون)، والمئشير: مبالغة من الأشر: البطر أو أشده
3- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 314
4- ينظر: دراسات في فلسفة النحو و الصرف واللغة والرسم: 182
5- ورد (المُسكان) بضم الميم، ويعني: العربون، ينظر: لسان العرب: 13 / 218 (سکن)
6- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 314

وحاضر وعاطر وساكر) للمبالغة.

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في قوله (عليه السلام) في قِصار الحكم والمواعظ: «مسكين ابنُ آدم! مكتومُ الأجل، مكنونُ العِلل، محفوظُ العَمل، تُؤلمُه البقَّة،وتقتُله الشَّرْقة، وتُنْتِنُه العَرْقة»(1).

مِسكين: بناءُ مبالغة بزنة (مِفعيل) مشتق من الفعل (سكن)، والسكون:

ثبوت الشيء بعد تحرُّك، والمسكين: مَنْ لا شيءَ له(2).

وأشار الزمخشري إلى أنَّ (المسِكين) هو «الدائمُ السُّكون إلى الناس؛ لأنه لا شيء له، كالمسِكير للدائم السُّكر»(3) وهو لفظ واردٌ في القرآن الكريم، قال تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا» [الإنسان: 8].

ولو عدنا إلى النص العلوي الشريف لوجدنا أنَّ الإمام (عليه السلام) قد ساق لنا ست صفات، كافية لكسر النفوس، وتهذيبها من التكبُّر والعُجب، والغرور وأمثالها من الرذائل.

ص: 67


1- شرح (ابن أبي الحديد): 20 / 62، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 15 / 158، 16 / 167، 17 / 85، 19 / 210
2- ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 417. (سكن)
3- الكشاف: 1 / 330، وينظر: جوامع الجامع: 1 / 178، وكنز الدقائق وبحر الغرائب، محمد المشهدي، تح: مجتبى العراقي: 1 / 411

سابعًا: فَعلان (بفتح الفاء وسکون العین)

بناءٌ عدَّه أكثر الصرفيين صفةً مشبهةً(1)، ورأى بعضُهم أنَّه بناءٌ مشترك بين الصفة المشبهة وأبنية المبالغة(2).

وهذا التداخل ليس مقصورًا على هذا البناء فقط، بل يشمل كثيرًا من أبنية الصفة المشبهة، ولمعرفة سبب اشتراك بناء (فَعْلان) بين الصفة المشبهة وأبنية المبالغة ينبغي الوقوف على أهم دلالاته، فهو يأتي وصفًا دالاً على الامتلاء والخُلوّ وحرارة الباطن، نحو: (رَيّان، وعَطشان، وغَضبان)(3)، ويرد أيضًا دالًّا على الشيء الطارئ الذي لا يثبت، قال الحملاوي (ت 1932 م): إنَّ من الصفات «ما هو في أمور تحصل وتزول،لكنها بطيئة الزوال، كالري والعطش والجوع والشبع»(4).

فدلالة هذا البناء على الجوع والعطش والشبع والخُلوِّ والامتلاء جعلته يفترق عمّا يُماثلُه من أبنية الصفة المشبهة الدالة على لزوم الوصف ودوامه لصاحبه؛ لأن بناء (فَعْلان) يدل على الحدوث أو الصفة الطارئة غير الثابتة.

ص: 68


1- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 1 / 144، وشرح المراح: 119، وشذا العرف: 76، والتطبيق الصرفي: 76، والصرف الواضح: 181
2- ينظر: التنبيه على شرح مشكلات الحماسة، ابن جني، دراسة وتحقيق: عبد المحسن خلوصي (رسالة ماجستير مخطوطة): 609
3- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 1 / 146
4- شذا العرف: 77

لذلك أسهمت هذه المعاني في خروجه من باب الصفة المشبهة، ليلتحق بأبنية المبالغة؛ لأن الاتِّصاف بهذه الأوصاف يصل إلى الحد الأقصى من الامتلاء ك (الغَضْبان) وهو الممتلئ غضبًا(1)، «والعطشان هو الممتلئ عطشًا، والولهان هو الممتلئ ولها، أي: بلغ الحد الأعلى في الوَلَه»(2).

ومعنى المبالغة إنما جاء في بناء (فَعْلان)؛ لأنَّه معدول عن (فاعل) ومزيدٌ فيه بالألف والنون «وكلُّ ما كان من الأوصاف أبعد من بنية الفعل فهو أبلغ»(3).

وخلاصة ما تقدَّم أنَّ (فَعْلان) بناء معدول عن (فاعِل) ومزيد فيه بالألف والنون للمبالغة في الوصف، وهذا ما أكدته الدراسات الصرفية الموازنة من أنَّ بناء (فَعْلان) من أوزان المبالغة في الجزريات(4). ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في تحذيره (عليه السلام) من فِتَن الزمان، إذ قال: «يأتي على الناس زمانٌ لا يبقى فيهم من القرآن إلا رّسمُه، ومن الإسلام إلا اّسمُه،... يقول الله سبحانه: فبي حلفتُ، لأبعثَنَّ على أُولئك فتنة أترك الحليمَ فيها حَيْران، وقد فعل»(5).

ص: 69


1- ينظر: الكشاف: 1 / 41، ومجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي: 1 / 242
2- معاني الأبنية: 92
3- الصاحبي في فقه اللغة العربية وسنن العرب في كلامها، ابن فارس، تح: السيد أحمد صقر: 96
4- ينظر: المشتقات نظرة مقارنة، إسماعيل عمايرة، مجلة مجمع اللغة العربية الأردني، العدد السادس والخمسون: 60
5- شرح (ابن أبي الحديد): 19 / 299، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 1 / 133، 136، 2 / 175

حَيْران: بناء مبالغة بزنة (فَعْلان) مشتق من الفعل (حارَ) بمعنى «التردد في الشيء»(1)، والحَيْران: وصف مشتق يدلُّ على من تلبَّدَ في الأمر، وتردَّدَ فيه(2)، قال تعالى: «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ» [الأنعام / من الآية: 71].

ولو أنعمنا النظر في النص العَلَوي الشريف لكشفنا عن جوانب دلالية لطيفة، فالنص يتحدث أساسًا عن صفة التردد وعدم الاستقرار التي تُصيب الناس حال وقوع الفتن؛ لأن «الفتنَ إذا أقبلت شبَّهت»(3)، وقد يكون الإمام (عليه السلام) قصد بالفتنة فتنة بني أُميَّة، إذ أشار في مواضعَ أُخرَ من نهجهِ إلى خطرها، متنبئًا بذلك قبل حدوثها قائلاً: «ألا وإنَّ أَخوَف الفِتَنِ عندي عليكم، فتنةُ بني أُميَّة، فإنهَّا فتنة عمياء مظلمة»(4).

وهي (عمياء) لأنهَّا تتجاوز الأشخاص كافة، حتى الحليم - فهو مع حلمِه وتأنِّيه في الإدراك والفهم - لا يجد خلاصًا من الوقوع فيها، وإنّما استعمل الإمام (عليه السلام) لفظ (الحليم) - هنا -؛ لأنَّ الجُهّال من عديمي المسؤولية لا يحارون في الفتن بل نراهم - غالبًا - ما يجُذبون إليها ويقعون فيها.

ص: 70


1- معجم مقاييس اللغة: 2 / 123 (حیر)
2- ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 263 (حير)
3- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 44
4- السابق نفسه والصفحة نفسها

فالسياق بدلالته على التردد وعدم الاستقرار قد لاءم دلالة بناء (حَيْران) على التردد والتلبد حال وقوع الفتن، هذا فضلًا عن دلالته على الكثرة والمبالغة في تلك المعاني، لذا كان استعماله من دون (حائر) مناسبًا للسياق الذي ورد فيه.

والمعنى العَلَوي محاكٍ لِما ورد في قوله تعالى: «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ» [الأنعام: 71].

فالمخاطَبُ في النصين القرآني والعَلوي واقعٌ بين أمرين عظيمين؛ بين الضلالة المتمثلة في استهواء الشياطين له، ودعوة الهدى، وهذا هو التِّيه والحَيْرة أنفسهما، لذلك وُصِف بأنَّه (حَيْران) للمبالغة.

ثامنًا: فِعیل (بکسر الفاء و العین وتشدیدها)

من أبنية المبالغة الكثيرة الاستعمال في اللغة، يُستعملُ لمن يداوِم على الشيء وُيولُع به(1)، يستوي فيه المذكر والمؤنث، فيُقال: «رجلٌ فِسِّيق، وامرأة فِسِّيقة»(2).

وتضعيف العين في هذا البناء إنما هو لتوكيد المعنى وتقويته والمبالغة فيه(3).

ص: 71


1- ينظر: إصلاح المنطق، ابن السكِّيت، تح: أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون: 219، وديوان الأدب: 1 / 339 - 340، والخصائص: 3 /267، وشرح المراح: 125، والصرف الواضح: 161
2- شرح المراح: 125
3- ينظر: المخصص: 8 / 164، والتنبيه على شرح مشكلات الحماسة: 582

فبناء (فِعِّيل) - إذًا - معدولٌ عن (فاعل) ومزيدٌ فيه بالتضعيف، ف (شِرِّيب، وصِدِّيق) معدولان عن (شارب وصادق) للمبالغة والكثرة في الشُّرب والصِّدق.

وبناء (فِعِّيل) مكسور الفاء دائمًا لا يُفتُح منه شيء(1)، وقد يكون كسر أوله من خصائص العربية التي انمازت بها من غيرها من اللغات، إذ ورد هذا البناء في كلٍّ من الآرامية والسريانية (قَ ش ي ش ا) وفي المندائية (قَ ا ش ا)(2)، وربما يكون كسر فائه في اللغة العربية بفعل قانون انسجام الحركات المتجاورة(3).

ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما ورد في خطبة له (عليه السلام) ذكر فيها معجزات النبيِّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان شاهدًا عليها، وقد كذَّبها الملأ من قريش، قال فيها: «... وإنِّي لمن قومٍ لا تأخذُهم في الله لومةُ لائم، سيماهُم سيما الصِّدِّيقين، وكلامُهم كلامُ الأبرار»(4).

الصِّدِّيقين: جمع (صِدِّيق) بناءُ مبالغةٍ بزنة (فِعِّيل) مشتق من الفعل (صدق) و (الصِّدِّيق): المُداوم على التصديق بما يوجبُه الحق، وقيل: مَن لا يكذب قطُّ،

ص: 72


1- ينظر: أدب الكاتب، ابن قتيبة، تح: محمد الدالي: 330
2- ينظر: القاموس المقارن لألفاظ القرآن الكريم، د. خالد إسماعيل: 429 (قسس)
3- ينظر: الأصوات اللغوية، د. إبراهيم أنيس: 171
4- شرح (ابن أبي الحديد): 13 / 213، وجاء هذا البناء في موضع آخر: 20 / 153

وكان صادقًا في قوله واعتقاده، محقِقًا صدقَه بفعلهِ(1)، قال تعالى: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا» [النساء: 69].

ولو عدنا إلى النص العلوي المبارك لكشفنا عن لمسة بيانية لطيفة، وهي أنَّ الإمام (عليه السلام) قد جعلَ نفسه من جملة القوم الذين لم تأخذهم في الله لومة لائم وذلك بقوله: «إنِّي لمن قوم...» ولم يقل مثلًا: لم تأخذني في الله لومة لائم... والسرُّ في ذلك يرجع إلى أنَّ التعبير الأول أبلغ وأقوى، فقولك:

فلانُ من العلماء أبلغ من قولك: فلان عالم؛ لأنك تشهد بأنه مُساهِم لهم في العِلم(2).

فالإمام (عليه السلام) أراد من نسبة نفسه إلى الذين لم تأخذهم في الله لومةُ لائم أنَّ المجتمع يعرفهِ كثيرًا، فهو علي بن أبي طالب نفسُ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عالي القدر، سامي المكانة، قريب من مهبِط الوحي، فضلًا عن هذا فإنَّ هذا التعبير يعكس خُلُق الإمام (عليه السلام) الرفيع، فهو مع تلك المرتبة السامية نراه متواضعًا.

ص: 73


1- ينظر: مجمع البيان: 3 / 124، ومجمع البحرين، الشيخ فخر الدين الطُريْحي، تح: السيد أحمد الحسيني: 2 / 595 (صدق)
2- ينظر: الكشاف: 3 / 125، وجوامع الجامع: 2 / 687، وتفسير الرازي: 24 / 161، ومدارك التنزيل وحقائق التأويل، النسفي: 3 / 195

تاسعًا: فُعَّل (بضم الفاء وتشدید العین المفتوحة)

من أبنية المبالغة والكثرة(1)، وهو كثير في الدلالة على الجمع، قليلٌ في وصف المفرد(2).

ودلالتُه على المبالغة إنّما جاءت من تضعيف عينه، نحو: الزُّمَّل، فإنّما كُرِرت عينه لقوة الحاجة إلى أنْ يكون تابعًا وزميلاً(3).

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في خطبةٍ له (عليه السلام) في الوفاء والصدق، قال فيها: «ما لهم، قاتَلَهم الله! قد يرى الحُوَّل القُلَّب وجْهَ الحيلة ودونها مانعٌ من أمرِ الله ونَهیِیِ، فيَدعُها رأيَ عَينٍ بعدَ القُدرة عليها، ويَنتهز فرصَتَها مَن لا حَريجة له في الدِّين»(4).

في النص المتقدم بناءان للمبالغة والتكثير بزنة (فُعَّل) هما (الحُوَّل) و (القُلَّب) «والحُوَّل القُلَّب: الذي قد تحوَّل وتقلَّب في الأمور وجَرَّب، وَحنَكْتهُ الخطوب والحوادث»(5).

ص: 74


1- ينظر: الخصائص: 3 / 267، والمزهر في علوم اللغة وأنواعها، السيوطي، تح: محمد جاد المولى وآخرينِ: 2 / 13
2- ينظر: ليس في كلام العرب: 287
3- ينظر: الخصائص: 3 / 267
4- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 312، والحرَيجة: التحرُّج من الآثام
5- السابق: 2 / 313، وينظر: تاج العروس: 4 / 75 (قلب)

يشير الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من الخطبة إلى سياسته في التعامل مع الأحداث، فطريقته (عليه السلام) قائمة على أساس القِيَم والمُثُل، ورفْض الحِيَل لا لأنَّه (عليه السلام) لا عِلمَ له بأمور السياسة وتدبيرها، بل لأنَّه كثير التحوُّل والتقلُّب في استنباط الآراء الصالحة، فإنَّ فطنتَه (عليه السلام) في ذلك أتمُّ الفِطن، لكن محافظته على حدود الله تعالى تحجزه عن كثير من التصرُّف، فيتركَ رأي عينهِ خوفًا من الله سبحانه، ولأنَّ الغدر والخديعة لا يُفتخر بهما(1).

عاشرًا: فُعَلَة (بضم الفاء وفتح العین)

من أبنية المبالغة التي زِيدَت على ما ذكره سيبويه(2)، يدل على صفة من كثُر منه الفعل، وصار له كالعادة، نحو: (ضُحَكة، وهُمَزة، ولُمَزة) للكثير الضحك والهمَز واللَّمز(3).

يستوي فيه المذكر والمؤنث، نحو: رجلٌ هُمَزة وامرأة هُمَزة(4)، قال تعالى:

«وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» [الهمزة: 1] «فالهُمَزة: الكثير الطعن على غيرهِ بغير حق،

ص: 75


1- ينظر: اختيار مصباح السالكين، ميثم البحراني، تح: د. محمد هادي الأميني: 150، ومنهاج البراعة (الخوئي) 4 / 193
2- ينظر: أبنية الصرف (الحديثي): 188
3- ينظر: إصلاح المنطق: 428، وديوان الأدب: 1 / 255، والمنصف: 3 / 57، وتصريف الأسماء (قباوة): 155، والمهذب: 238
4- والمهذب: 238

العائب له بما ليس فيه عيب لجهله وسفهه، وشدة إقدامه على مكاره غيره»(1).

جاء هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في قوله (عليه السلام) في ذكر فتِن آخر الزمان: «وذلك زمانٌ لا ينجو فيه إلّا كلُّ مؤمنٍ نُوَمَة، إنْ شهِد لم يُعَرف، وإنْ غاب لم يفَتَقْد، أُولئك مصابيحُ الهدى، وأعلام السُّرى»(2).

في النص العَلَوي بناءُ مبالغةٍ بزنة (فُعَلة) هو (نُوَمة) مشتق من الفعل (نام) و (نُوَمة) من غريب الحديث(3)، وتكمن غرابة هذه اللفظة في أنَّ معناها في المعجمات: الرجل الكثير النوم(4)، وهذا معنى يدل على الذم، لا يتلاءم مع صفات المدح والثناء التي تلته، لذلك حاول شُرّاح النهج تفسير هذه الغرابة، فذهبوا إلى أنَّ (النُوَمة) تعني: «الخامل الذكر، القليل الشر»(5)، لكن الإمام (عليه السلام ) «لا يطلب منهم أن يكونوا خاملِي ذِكر؛ لأَّنه لا يريد لأّي مؤمن أْن يصبح هَملًا، أو من

ص: 76


1- التبيان في تفسير القرآن، الشيخ الطوسي، تح: أحمد حبيب العاملي: 10 / 406 - 407، وينظر: مجمع البيان: 10 / 438، والميزان في تفسير القرآن، السيد الطباطبائي: 20 / 358
2- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 109 - 110
3- ينظر: غريب الحديث، ابن سلّام، تح: د. محمد عبد المعيد: 3 / 463 - 464، والفائق في غريب الحديث، الزمخشري: 3 / 336، والنهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، تح: طاهر أحمد الزاوي، ومحمود الطناحي: 5 / 131
4- ينظر: مختار الصحاح، الرازي: 686، ولسان العرب: 12 / 596 (نوم)
5- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 110، وينظر: شرح (السيد عباس): 2 / 181

سقط المتاع»(1).

فلم يبقَ معنى ل (النُّوَمة) ينسجم مع ظروف النص إلا: الساكنُ في الفتنة، اللازمُ لبيته، وهذا ما أجاب به الإمامُ (عليه السلام) نفسُه عن سؤالٍ لعبد الله بن عباس (رضي الله عنه) عن معنى (النُوَمة)، فقال (عليه السلام): «الذي يسكنُ في الفتنة فلا يبدو منه شيء»(2)، والإنسان إذا قعد في بيته خمل ذكرُه، وهذا ما ذكرته المعجمات من أنّ (النُوَمة): هو الخاملُ الذِّكْرينظر: لسان العرب: 12 596، والمعجم الوسيط، إبراهيم مصطفى وآخرين: 2 / 965 (نوم)، ولعل هذا ما عنَاه الإمام (عليه السلام) بقوله: «قد أَخملتهُمُ التقيَّة»(3) في إشارة إلى صنف من مُصلحي المجتمع لم يستطيعوا تغيير الفساد بسبب تسلُّط غيرهم على مجريات الأمور والأحداث(4) فلفظة (نُوَمة) في النص العَلَوِّي قد حُدِّدت تحديد المدح بملازمة الموصوف بها (مؤمن) فضلًا عن السياق، فعُدِل بدلالتها من إرادة الذم إلى إرادة المدح، ومدارُ الأمر هو الكناية عن عدم المشاركة في مجُريات ذلك الزمان المفتنِ، تقيةً أو خوفًا ممنَّ بيده زمام الأمور، ولا يتبادر إلى بعض الأذهان أنَّ الإمام (عليه السلام) قد دعا إلى عدم التدخل وقت الفتن، نعم؛ هذا إذا لم يكن الفرد قادرًا على مواجهتها.

ص: 77


1- غريب نهج البلاغة، د. عبد الكريم السعداوي: 174
2- الفائق في غريب الحديث: 3 / 336
3- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 175
4- ينظر: الصفحة (41) من هذا البحث

حادی عشر» فُعُّول (بضم الفاء والعین وتشدیدها)

من أبنية المبالغة القليلة الورود في اللغة(1)، إذ لم يذكر اللغويون من هذا البناء سوى لفظين وَرَدا صفتينِ لله تعالى هما (سُبُّوح، وقُدُّوس) بضم الفاء، وسائر كلام العرب بفتح الفاء، نحو: كَلُّوب، وسَحُّور(2).

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في خطبة له (عليه السلام) خالية من الألف.

قال فيها: «فهو وليُّ مسألتي، ومُنجِحُ طلبتي، فمَن زُحزحَ عن تعذيبِ ربِّه، جُعِلَ في جَنته بقُربِه، وُخِّلَد في قصورٍ مُشيدة... أُسكِنَ في حظيرة قُدُّوس»(3).

قُدُّوس: بناءُ مبالغةٍ بزنة (فُعُّول) مشتق من الفعل (قدس)، وهو اسم من أسماء الله الحُسنى.

قال تعالى: «يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» [الجمعة: 1] والقُدُّوس: من (القُدس) وهو الطُّهر، ومعناه: المُنزَّه عن النقائص

ص: 78


1- ينظر: لسان العرب: 6 / 168 (قدس)
2- ينظر: جمهرة اللغة، ابن دريد: 3 / 463، وديوان الأدب: 1 / 332 - 333، وليس في كلام العرب: 250 - 251
3- شرح (ابن أبي الحديد): 19 / 142

والعيوب، واُلمعظَّم بتطهيرِ صفاته(1)، والتطهير - هنا - لا يعني إزالة النجاسة المحسوسة، بل يعني التطهير المُشار إليه بقوله تعالى: «وَيُطَّهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» [الأحزاب / من الآية: 33](2).

واللافت في تعبير الإمام (عليه السلام) إضافتُه (الحظيرة) إلى اسم الله تعالى (قُدوس)، في حين أنَّ المعجمات التي ذكرت هذه العبارة أضافت (الحظيرة) إلى (القدس)(3).

وتعبير الإمام (عليه السلام) أقوى وأبلغ، إذ إَّن كَّل شيء أضافَه الله تعالى إلى نفسِه فقد عظُمَ شأنه، وفُخِّم أمره، وقد فعل ذلك بالنار، فقال سبحانه: «نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ» [الهمزة / 6]، وهذا مناسب لسياق الخطبة القائم على بيان حال المؤمنين، وذكر منزلتهم عند الله سبحانه(4).

فدلَّ لفظ (القُدُّوس) بحكم بنائه الصرفي - فضلا عن المضاف - على المبالغة في قُرب أولياء الله تعالى منه، وحقيق أنَّ هذا القربَ معنويٌّ.

ص: 79


1- ينظر: معجم مقاييس اللغة: 5 / 63 (قدس)، والتبيان: 10 / 3 - 4، ومجمع البيان: 9 / 441، ولسان العرب: 6 / 168 (قدس)
2- ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 660 (قدس)
3- ينظر: الصحاح: 3 / 960 (قدس)، والنهاية في غريب الحديث: 1 / 404، ولسان العرب: 4 / 204 (حظر)
4- ينظر: كتاب الحيوان، الجاحظ: 5 / 53، وفقه اللغة وسر العربية، الثعالبي، تح: مصطفى السقا وآخرينِ: 369، والتبيان: 8 / 359

ثانی عشر: فَیعُول (بفتح الفاء وسکون الیاء وضم العین)

بناءُ مبالغةٍ، نحو: دَيمُوم وقَيُّوم(1).

والقَيُّوم: وردَ صفةً لله عزَّ وجلَّ في قوله تعالى: «اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ» [البقرة / من الآية: 255] ومعناه: الدائم الوجود، والقائم بتدبير خَلقِه، ومُدبِّر العالمَ في جميع أحوالهِ(2).

وقد ورد بناء (فَيْعُول) دالًّا على الشِدَّة في أقوال اللغويين، والشدة من معاني المبالغة، نحو: السَّيْهُوج: من الرياح: الشديدة، ويوم صَیْيخُود، أي: شديد الحر، وجوع دَيْقُوع: شديد(3)، وجاء دالًّا على التكثير أيضًا، نحو: «مطٌر صَیُّوب مثال تنُّور، وأصله فَيْعُول، أي: كثيرُ الانسكاب»(4).

فالمبالغة واضحةٌ في هذا البناء، إلّا أنَّ أغلب الصرفيين المحدَثين لم يُشيروا إليه(5).

ص: 80


1- ينظر: لسان العرب: 12 / 504 (قوم)، واللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، تح: عادل احمد عبد الموجود وعلي محمد معوض: 4 / 315، والتحرير والتنوير (تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)، ابن عاشور: 3 / 18
2- ينظر: التبيان: 2 / 307 - 308، والنهاية في غريب الحديث: 4 / 134، ولسان العرب: 12 / 504 (قوم)
3- ينظر: ديوان الأدب: 2 / 61
4- التكملة والذيل والصلة لكتاب تاج اللغة وصحاح العربية، الصغاني، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، وإبراهيم الإبياري، وعبد العليم الطحاوي: 1 / 186
5- ينظر: شذا العرف: 74، والتطبيق الصرفي: 75 - 76، والمهذب: 238 - 240

نَخلُصُ مما تقدَّم أنَّ بناء (فَيْعُول) معدولٌ عن (فاعل) ومزيد فيه بالياء للمبالغة والتكثير، يستوي فيه المذكر والمؤنث، فنقول: رياح سَيهُوج، ويومٌ صَيخُود(1).

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في خطبة له (عليه السلام) في تعظيم الله سبحانه، والحثِّ على الاقتداء بالأنبياء، قال فيها: «اللهُمَّ لك الحمد على ما تأخذ وتُعطي،... حَمدًا يكون أرضى الحَمدِ لك،... حَمدًا لا ينقطع عددُه، ولا يَفنى مدَدُه فلسنا نعلمُ كُنْهَ عظمتكِ، إلا أنّا نعلمُ أنّك حيٌّ قَيُّوم، لا تأخذك سِنَةٌ ولا نوم»(2).

في النص لفظ (قَيّوم) وهو بناء مبالغة بزنة (فَيْعُول) مُشتَق من الفعل (قام)، ويعني: «القَيّام بأُمور الخَلْق، وتدبير العالمَ في جميع أحوالهِ»(3)، والإمام (عليه السلام) اقتبسَه من قولهِ تعالى: «اللهُ لا إلِهَ إلِا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوُم لا تْأخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ» [البقرة / من الآية: 255].

بأسلوب تعبيري متنوع وجميل خرج النص العَلَوي زاخرًا باقتباسات قرآنية أسهمت في جماليَّة تراكيبه، فالمتلقي حين يقرأ هذه الخطبة يشعر بأنَّه يخاطبُ اللهَ

ص: 81


1- ينظر: ديوان الأدب: 2 / 61
2- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 222
3- لسان العرب: 12 / 504 (قوم)

سبحانَه؛ لأنَّ الإمامَ (عليه السلام) عَدل عن الغيبة إلى الخِطاب، وقد يكون سبب ذلك أنَّ الخطبة افتُتحت بالدعاء(1).

ولا غروَ من ذلك؛ فنهج البلاغة من وحي القرآن الكريم، والحديث الشريف، وهو امتداد لهما.

ثالث عشر: فُعلِیل (بکسر الفاء واللام وسکون العین)

بناءٌ ورد كثيرًا في المعجمات دالًّا على الكثرة والمبالغة وما يرادفهما، من ذلك:

رجلٌ سِكِّيت وسِكْتيِت: كثير السكوت(2)، وناقة سِحْليِل، أي: عظيمة الضَّرْع ليس في الإبل مثلها(3)، فهو بناء يستوي فيه المذكر والمؤنث.

وعلاقةُ اللفظ بمعناه واضحةٌ فيما يخص هذا البناء؛ فدلالة القوة والشدة والمبالغة والكثرة قد قابلت بناء (فِعْليِل) المزيد بتكرار (اللام)، والمعدول عن (فاعل) ثم (فِعْليل)، وكلُّ ما كان من الأبنية أشد عدولاً كان أشدَّ مبالغةً(4)، لذا كان: سِکْتِيت أبلغ من: ساكت وسِكِّيت.

ولكثرة الألفاظ الواردة بزنة (فِعْليِل) يرى الباحث ضرورة إلحاقه بأبنية

ص: 82


1- ينظر: الاقتباس والتضمين في نهج البلاغة، كاظم عبد فريح (أطروحة دكتوراه مخطوطة): 49
2- ينظر: لسان العرب: 2 / 43، وتاج العروس: 4 / 558 (سکت)
3- ينظر: لسان العرب: 11 / 331 (سحل)
4- ينظر: الفروق اللغوية: 160 - 161

المبالغة، إذ لم يُشِر إليه أغلب الصرفيين المحدَثين والمعاصرين(1)، وذكرهُ بعضهم(2).

جاء هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في خطبة له (عليه السلام) في تمجيد الله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال فيها: «وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، اُلمجْتَبى من خلائقِه.... والَمجلُوُّ به غِرْبيِبُ العَمَى»(3).

غِرْبيِب: بناءُ مبالغةٍ بزنة (فِعْليِل) مشتقٌ من الفعل (غرب)، ومعناه: شديد السَّواد(4)، قال تعالى: «وَغَرابيِبُ سُودٌ» [فاطر/ من الآية: 27].

يبيِّن لنا الإمام (عليه السلام) وقْعَ الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في إنقاذ الأمُّة من الجهَالة والضلالة إلى صراط الله تعالى المستقيم، فبسبب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كُشِفَ أشد أنواع العمى ضلالةً، وهُديَ الناسُ إلى واضح الطريق، لذلك استعارَ الإمام (عليه السلام) لفظ (الغربيب) لشدة ظلمة الجهل ولفظ الجلاء لزوال تلك الظلم(5)، فضلاً عن إضافة (العمى)

ص: 83


1- ينظر: شذا العرف: 74، والتطبيق الصرفي: 75 - 76، والصرف الواضح: 161 - 162
2- ينظر: سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 24
3- شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 58
4- ينظر: الصحاح: 1 / 192 (غرب)، ومجمع البحرين: 3 / 300 (غریب)، واللغة واللون، د. أحمد مختار: 61
5- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 371

إلى (الغربيب) وهي من باب إضافة الشيء إلى مرادفه(1) مبالغةً في شدة الجهل والظلم الذي كان سائدًا في المجتمع آنذاك، وتعظيمًا لشأن الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في كَشف تلك الظلمة المعُتمِة.

رابع عشر: فَعلال (بفتح الفاء وسکون العین)

بناءٌ يدلُّ على الكثرة والشدة والمبالغة، نحو: رجٌل بَقْباق وَثرْثار، أي: كثيرُ الكلام(2)، وسَير حَقْحاق، أي: شديد(3)، «وامرأة ضَكضاكة: مُكتنزِة اللحم»(4).

والبناء لا يستوي فيه المذكر والمؤنث، فنقول: «ورجٌل ثَرثار وامرأة ثرثارة»(5).

وهو بناء كثير الورود في المضعَّف(6)، لذا حاول ابنُ جني الربطَ بين البناء ومعناه، فذهب إلى أن تَكرار اللفظ يُنبئ بتكرار المعنى وزيادته(7).

وورد هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في خطبة له (عليه السلام)

ص: 84


1- ينظر: الجملة العربية والمعنى، د. فاضل السامرائي: 190
2- ينظر: العين: 5 / 30 (بق)، 8 / 212 (ثر)
3- ينظر: لسان العرب: 10 58 (حقق)
4- الصحاح: 4 / 1598 (ضکك)
5- العين: 8 / 212 (ثر)
6- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 294، وديوان الأدب: 2 / 59، والمزهر: 2 / 52
7- ينظر: الخصائص: 2 / 155

في تعظيم الله تعالى، ووصف خَلْق الأرض، قال فيها: «وكانَ من اقْتدارِ جَبَروتهِ، وبَديعِ لطائفِ صَنعتهِ، أنْ جعلَ من ماءِ البَحر الزَّاخر المُتراكمِ المتقاصِف، يَبَسًا جامدًا، ثم فَطَرَ منه أطباقًا، فَفتقَها سَبعَ سَموات بعد ارْتتِاقهِا، فاسْتَمْمسكْت بأمرِه، وقامتْ على حَدِّهِ يَحملُها الأخضر المُثَعنْجِ ر، والقَمْقاُم المُسَخَّر»(1).

القَمْقام: بناءُ مبالغةٍ بزنة (فَعْلال) مشتقٌ من الفعل (قمم)، ومعناه:

البحر، سُمِّيَ به لأنَّه مجتمع الماء، وَقْمقَم الله عَصبَه، أي جمعَه، والقمقام: العدد الكثير(2).

وكلامُه (عليه السلام) يشير إلى أنَّ الأرض كانت موضوعةً على ماء البَحر، وأنَّ هذا البحر حاملٌ لها بقدرة الله تعالى، إذ إنَّ الماء محيطٌ بالأرض كلِّها إلّا ما برز منها(3)، فاستعمال لفظ (القمقام) بهذا البناء الدال على القوة والشدة جاء منسجماً مع سياق الخطبة الدال على التفخيم والتعظيم في أكثر من تعبير، من ذلك أنَّ الإمام (عليه السلام) استعمل المصدر (اقتدار) وهو أبلغ في المعنى من: (قدرة) ثم قال: «من اقتدار جبروته» بدلاً من: (اقتداره) تعظيمًا وتفخيمًا(4). كلُّ ذلك للمبالغة في بيان عَظمة الخالقِ في خَلْق الأرض.

ص: 85


1- شرح (ابن أبي الحديد): 11 / 51، المتقاصف: شديد الصوت، المثعنجر: معظم الماء
2- ينظر: معجم مقاييس اللغة: 5 / 4 (قمّ)
3- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 11 / 53 - 54
4- ينظر: السابق: 11 / 52

خامس عشر: فُعلُول (بضم الفاء واللام وسکون العین)

بناءٌ كثُر استعماله في اللغة(1)، من أظهر معانيه: الشدة والقوة والكثرة، من ذلك: (الحُلْكُوك): شديد السواد(2)، و(الدُّهْشُوش) من النُّوق: الغزيرة، و(العُلْجُوم): الماء الكثير، و(العُلْكُوم) من النُّوق:الضخمة(3).

وهو بناءٌ يستوي فيه المذكر والمؤنث، معدولٌ عن (فاعل) ومزيدٌ فيه بالتكرار، للمبالغة والتكثير، ف (حُلكُوك) - مثلًا - معدولٌ عن حالك ثم حَلِك ثم حُلكُوك، وكلُّ ما بعُد من الأوصاف عن بنية الفعل كان أشدَّ مبالغةً(4).

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في وصيته للإمام الحسن (عليهما السلام) بعد انصرافه من صِفِّين، قال فيها: «... فمتى شِئتَ استَفتحتَ بالدُّعاء أبوابَ نعمتهِ، واسْتَمْطرتَ شآبيبَ رَحمتهِ، فلا يُقْنطِنَّك إبطاءُ إجابته، فإنَّ العطيَّة على قدْر النِّیَّة»(5).

في النص كلمة (شآبيب) جمع (شُؤبُوب) بزنة (فُعْلُول) مشتق من الفعل (شَأَب)، والشُّؤبوب: الدفعة القوية من المطر تُصيب مكانًا وتُخطئ آخر(6).

ص: 86


1- ينظر: المزهر: 2 / 57
2- ينظر: العين: 3 / 63، ولسان العرب: 10 / 415 (حلك)
3- ينظر: ديوان الأدب: 2 / 62 - 68
4- ينظر: الصاحبي: 96، والفروق اللغوية: 160 - 161
5- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 87
6- ينظر: كتاب المطر، أبو زيد الأنصاري: 8، ولسان العرب: 1 / 479 (شأب)

في كلامه (عليه السلام) دلالةٌ على أثر الدعاء في إنزال رحمة الباري عزَّ وجل، فهو يوصي ابنه الحسن (عليه السلام) بلزوم المواظبة على الدعاء، وعدم القنوط من رحمة الله تعالى، لقوله عزوجل: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» [غافر / من الآية: 60] لأنَّه سبحانه: «يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهُوَ اْلَوِليُّ الْحَمِيدُ» [الشورى / من الآية: 28].

ثمة ربط بين (الشآبيب) والدعاء من الإنسان مفاده - كما بيَّنه الإمام (عليه السلام) - أنَّ الإنسان لا يلجأ إلى الدعاء إلّا عند الضيق، فهو ذو دعاء عريض عند وقوعه في كرب وشدة، يصدر منه الدعاء دفعة واحدة، حتى إذا نجا من كربه وشدتهِ، وذهب ضيقه أعرض عن الدعاء، فهو تارة يدعو، وتارةً يعزف وينسى ويطيش، كما أنَّ (الشآبيب) دفعة تارةً هنا، وتارةً لا تكون، وفي ذلك كلِّه إشارةٌ إلى ضرورة الاستمرار بالدعاء وعدم القنوط من رحمة الباري عزَّ وجل، فقد ورد في الحئیث: «إنَّ الله يحبُّ المُلِحِّين في الدعاء»(1).

سادس عشر: فَعلَل (بفتح الفاء واللام وسکون العین)

بناءٌ يدل على القوّة والشدة والكثرة في الغالب، سواءٌ أمزيدًا كان أم مضعَّفًا، فمن المزيد: (الزَغرَب: الماء الكثير)، و (الجَلعَد من النُّوق: الشديد)، و (السَحبَل من الإبل: العظيم)، و(الصَهتَم من الرجال: الشديد)، و (الجَلمَد: الإبل الكثيرة

ص: 87


1- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، العلّامة المجلسي، تح: مجموعة من العلماء: 90 / 300

العظيمة)، و (الضَّمزَر من النساء: الغليظة)، و (العَبهَر: العظيم الضخم الخَلْق)(1).

أمّا المضعَّف منه فيرى سيبويه أنَّه لم يرد صفةً(2)، لكنَّه وردَ قليلًا، من ذلك:

«أرضٌ هَجهَج: جَدْبٌة لا نَبْتَ فيها»(3)، وموضعٌ فْدَفد: فيه غلظ وارتفاع(4)، وأرٌض صَحَصح: جرداء ذات حصى(5).

وتكرار اللفظ يدلُّ على تكرار المعنى وزيادته في كثير من الألفاظ، نحو:

الزَّعزَعة، والقلقلة، والجَرجَرة(6)، بناءً على أنَّ الزيادة في المبنى تؤدي إلى زيادة في المعنى في الغالب، لهذا دلَّبناءُ (فَعْلَل) على المبالغة؛ لتكرار (اللام) فيه.

وجاء هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ فيما ذكره (عليه السلام) حين انتهى إليه قومٌ من قيس، فخطب فيهم، فقال: أين أُمراؤكم؟ فقال الخطيبُ:

أصيبوا تحت نظار الجَمَل، ثم أخذَ في خطبته، فقال (عليه السلام): «هذا الخَطيبُ الشَّحْشَحُ»(7).

ص: 88


1- ينظر: ديوان الأدب: 2 / 22 - 30
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 277
3- تهذيب اللغة: 5 / 345 (هج)، وينظر: لسان العرب: 2 / 387 (هجج)
4- ينظر: النهاية في غريب الحديث: 3 / 420، ولسان العرب: 3 / 330 (فدفد)
5- ينظر: لسان العرب: 2 / 508 (صحح)
6- ينظر: الخصائص: 2 / 155
7- شرح (ابن أبي الحديد): 19 / 106، والخطيب هو صعَصعة بن صَوحان العبدي، أبو عمر أو أبو طلحة، كان مسلمًا في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يرَه، من أهل الكوفة، شهد مع الإمام علي (عليه السلام) صفين أميرًا على كردوس، وكان خطيبًا فصيحًا، تُوفي في حدود سنة ستين من الهجرة. ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب، القرطبي، تح: علي البجاوي: 2 / 717 و الأعلام 3 / 205

الشَّحشَح: بناءُ مبالغةٍ بزنة (َفْعَلل) مشقتٌ من الفعل (شحح)، وهو من غريب كلام الإمام (عليه السلام) الذي ذكره الشريف الرضي (ت 406 ه) مبيِّنًا معناه بقوله: «الماهر بالخطبة، الماضي فيها، وكلُّ ماضٍ في كلامٍ أو سَيْر فهو شَحشَح، والشحشح في غير هذا الموضع: البخيل المُمْسِك»(1).

وهذا المعنى لا يتلاءم مع الأصل المشتق منه وهو (الشُّح) ومعناه: البخل مع حرص(2)، قال تعالى: «فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ» [الأحزاب / من الآية: 19]، وهذا ما سوَّغ للدكتور عبد الكريم السعداوي دراسة هذه اللفظة ضمن (غريب نهج البلاغة) منتهيًا إلى أنَّ أصلَ (شحح) هو القلة والمنع والحرص، لكن التطورَ الدلالي اللغوي نقل هذا المعنى إلى ضدِّه، وهو الوفرة والسَّعة، ثم انتقل إلى السرعة، لذلك جاء وصفًا للقطا السريع(3)، ومنه أُخِذَت سرعةُ الخطَيب؛ لأنَّ الخطيب مواظِبٌ على خطبته، جاد فيها، مؤثر بكلماتها الفصيحة في السامعين، لهذا أطلق الإمامُ (عليه السلام) عليه

ص: 89


1- شرح (ابن أبي الحديد): 19 / 106، وينظر: لسان العرب: 2 / 496 (شحح)
2- ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 446 (شح)
3- «من قولهم: قطاة شَحَشح، وناقة شَحَشحة، أي: سريعة» النهاية في غريب الحديث: 2 / 449

صفةَ (الشَّحشَح)(1).

ولمّا كان من المعلوم عند الصرفيين أنَّ زيادة المبنى تؤدي إلى زيادة المعنى قلتُ بدلالة (الشحشح) على المبالغة في سرعة الخطيب وإجادته «فزيادة حرف الشين بين [حائي] (شحَحَ) يقتضي زيادة معناها»(2)؛ لأنَّ تكرار اللفظ يُنبئ بتكرار المعنى وزيادته(3).

ص: 90


1- ينظر: غريب نهج البلاغة: 132
2- غريب نهج البلاغة: 130. ومابين القوسين خطأ، والصواب: حاءَي
3- ينظر: الخصائص: 2 / 155

المبحث الثانی: الأبنیةُ المعدولةُ عن اسم المفعول

اشارة

اسم المفعول: وصفٌ يدلُّ على ما وقع عليه الفعل، أو مَن وقع عليه الفعل، يُشتق من الفعل المضارع المبني للمجهول(1).

والمبالغة فيه تتحقق في نوعين من الأبنية:

أحدهما: الأبنية المزيدة، نحو: (مُفعَّل، ومُفاعَل، ومُفعَل، ومُفتعَل، ومتفعَّل، ومُستفعَل،...) والمبالغة في هذه الأبنية ترجِع إلى قاعدة أن زيادة المبنى تؤدي إلى زيادة المعنى، قال ابنُ الأثير: ولا يوجد ذلك - أي: التوكيد والمبالغة وزيادة المعنى لزيادة المبنى - إلا فيما فيه معنى الفعلية؛ كاسم الفاعل والمفعول، وكالفعل نفسه(2) لهذا أرجأتُ الحديث عمّا جاء من أبنية اسم المفعول المزيدة إلى الفصل الثالث، إذ درستُ هناك (المبالغة بالأبنية الفعلية وما فيها معنى الفعلية)، فتناولتُ

ص: 91


1- ينظر: شرح المفصل: 6 / 80، وشرح الرضي على الشافية: 2 / 143، وشرح الرضي على الکافية: 3 / 427، والأبنية الصرفية (السالم): 172
2- ينظر: المثل السائر: 2 / 198

تحتَ عنوان (ما فيها معنى الفعلية): الأبنية المزيدة من اسم الفاعل، واسم المفعول، والمصادر المرتبطة بأفعالها من جهة البناء.

والآخر: الأبنية المعدولة عن (مفعول)، وهي أبنية سماعية غير قياسية، يُقتصر فيها على السماع، يُستفاد في كثير منها الشدة والمبالغة في المفعوليَّة، بناءً على ظاهرة العدول التي أشرتُ إليها في أبنية المبالغة المعدولة عن اسم الفاعل(1)؛ لأنَّ المبالغة تركُ لفظٍ إلى لفظ(2).

وسيقتصر الحديث في هذا المبحث على ذِكر الأبنية المعدول إليها، ويمكن إيراد ما جاء من هذه الأبنية في نهج البلاغة مُرتبةً بحسب شُهرتها في الدلالة على المبالغة، وعلى النحو الآتي:

أولاً: فَعِیل (بفتح الفاء وکسر العین)

نحو: جَريح وقَتيل، بمعنى: مجَروح ومَقتول(3)، ولكثرة ورود هذا البناء في اللغة ذكرَ ابن عقيل أنَّ بعضَهم زعم أنَّ (فعيلاً) مقيسٌ في كلِّ فعلٍ ليس له (فَعيل) بمعنى (فاعِل)، فإنْ كان له لم ينُب قياسًا كعليم(4).

ص: 92


1- ينظر: معاني الأبنية: 73، والصفحة (24 - 25) من هذا البحث
2- ينظر: الخصائص: 3 / 46، ومغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام، تح: د. مازن المبارك، ومحمد علي حمد الله: 287
3- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 647، والصرف الوافي، د. هادي نهر: 94
4- ينظر: شرح ابن عقيل: 2 / 138

ويرى أُستاذنا الدكتور صباح السالم أنَّ (فَعِيلاً) صيغةٌ أَصيلة احتفظت بها العربية من الميراث السامي(1).

ويدلُّ هذا البناء «على أنَّ الوصفَ قد وقعَ على صاحبه، بحيث أصبح سجيَّةً له أو كالسجيَّة، ثابتًا أو كالثابت، فتقول: (هو محمود)، و(هو حميد)، ف (حميد) أبلغ من (محمود)؛ لأنَّ (حميدًا) يدل على أنَّ صفة الحمد له ثابتة»(2).

وأمثلة هذا البناء في نهج البلاغة كثيرة، منها ما جاء في وصيته لابنه الحسن (عليهما السلام) بعد انصرافه من صِفِّين، قال فيها: «واعلمْ يا بُنيَّ، أنَّك إنمّا خُلِقتَ للآخرة لا للدُّنيا، وللفَناء لا للبَقاء... وأنَّك طَريدُ الَموْت الذي لا يَنْجو هاربُه»(3).

في النص السابق بناءٌ بزنة (فَعيل) هو (طَريد) بمعنى (مطارَد) من «الطَّرَد:

مطارَدةُ الصَّيد»(4)، والطَّريدة: ما يُطارَد من صيدٍ وغيره(5)، وطريدُ الموت: صيدُهُ(6).

ص: 93


1- ينظر: الأبنية الصرفية (السالم): 173
2- معاني الأبنية: 61
3- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 89، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 10 / 188، 13 / 197، 15 / 104، 16 / 9، 18 / 346، 19 / 156
4- العين: 7 / 410 (طرد)
5- ينظر: لسان العرب: 3 / 267، وتاج العروس: 8 / 319 (طرد)
6- ينظر: بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، محمد تقي التستري: 11 / 392

يُوصي الإمام ابنه الحسن (عليهما السلام) بأنَّ الدنيا محلٌّ زائل، وأنَّ الإنسان خُلقَ من أجل الآخرة والخلود فيها، لا من أجل الدنيا والتعلُّق بها،ثم لفت (عليه السلام) الأنظار إلى أنَّ الإنسان في هذه الدنيا طريدُ الموت، فالموتُ يطاردُه ولا بدَّ أنَّه مدركُه، مُشبِّهًا الموتَ بالصَّياد، والإنسانَ بالصَّیْد الذي يتعقبه الصَّياد ويطارده حتى ينقضَّ عليه(1).

يمكن أنْ يستعمل الإمام (عليه السلام) كلمة (مطارَد) لو أرادها بدلالتها، ولكنَّه - والله أعلم - عَبَّر بما فيه النُّفور من طرفين:

1. الحسنُ (عليه السلام) أو أي إنسان آخر لا يريد مفارقة الدنيا خشيةَ عدم رضا الله تعالى، أو لقلَّة حَسَناتهِ، أو لعدم التكفير عن سيئاتهِ.

2. الموت نفسُه يطرد الإنسان من الدنيا.

والمعنى العَلَوّي محاكٍ لقوله تعالى: «أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ» [النساء / من الآية: 78] ولو عرضنا النص العَلَوي على النص القرآني لخلصنا إلى أنَّ الإمام (عليه السلام) استطاع بما يمتلكُه من بلاغة الأخذ من معنى النص القرآني بعبارة قصيرة مكوَّنة من مبتدأ وخبر «أنك طريد الموت»، فاستعمال كلمة (طريد) أسهم في تكثيف دلالة النص العَلَوي، وكان ملائمًا لدلالة الكثرة المستفادة من كثرة تعقّب

ص: 94


1- ينظر: توضيح نهج البلاغة: 4 / 20

الموت للإنسان، والإدراك - بدلالته - إنما يكون لِما هو غاية يجب أنْ تُدرَك، أو لِمَا هو صيد مُطارَد يجب أنْ يُحكَم القبض عليه، فالنص القرآني والنص العَلَوي بمحور واحد هو أنَّ الموت لا حاجبَ عنه، والإنسان ذائقه، مع توكيد الميز بين النصَّين القرآني والعَلَوي؛ فنصُّ المخلوق لا يرقى إلى نصِّ الخالق وإنْ كان من وَحيهِ.

ثانیًا: فَعِیلة (بفتح الفاء وکسر العین)

نحو: ذَبيحة ونَطيحة، بمعنى: مَذبوحة ومَنطوحة(1)، وتختلف (فَعيلة) عن (فَعيل) «في ناحيتين:

1. إنَّ (فعيلة) تدل على الاسم لا الوصف، إذ إنَّ (تاء) التأنيث حوَّلت (فعيلاً) من الوصفية إلى الاسمية.

2. إنَّ (فعيلاً) يُطلق على ما اتصف به صاحبه، وأمّا (فعيلة) فتُطلق على ما اتُخِذَ، لذلك فالذبيح يُطلق على ما ذُبحِ، والذبيحة لِمَا اتُخذ لذلك»(2).

ومن مواضع هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في خطبةٍ له (عليه السلام) في جور الزمان، قال فيها: «فلْتكن الدنيا في أعينكم أصغرَ من حُثالة القَرَظ...

ص: 95


1- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 647، وشرح الرضي على الشافية: 2 / 142 - 143، ولسان العرب، 2 / 436 (ذبح)
2- معاني الأبنية: 65

واَّتعِظوا بمن كان قبَلكم، قبل أنْ يتَّعظَ بكم من بَعدكم، وارفضوها ذَميمةً، فإنهَّا قد رَفَضْت مَن كان أشغفَ بها منكم»(1).

في النص بناء بزنة (فَعيلة) هو (ذَميمة) استعمله الإمام (عليه السلام) في مخاطبة صنفٍ من الناس، وهم أولياءُ الله وجنودُه، وأخيار الأمة الذي أُقصوا عن المجتمع وعادوا غرباءَ فيه، فدعا الإمام (عليه السلام) هؤلاء ألّا يتعلقوا بهذه الدنيا، إذ التعلُّق بها مصدرُ الشر والفساد(2).

وقولُه (عليه السلام): «وارفضوها ذميمةً» أي: ارفضوها «حال كونها مذمومة فلستم ترفضون شيئاً ممدوحًا، بل شيئًا مذمومًا»(3)؛ لأنَّ «مُراد الإمام (عليه السلام) بهذه الدنيا المذمومة هي الدنيا التي تقود صاحبها إلى الظلم والطغيان والهوى والفساد، لا الدنيا التي تُشكل الجسرَ لعبور أولياء الله إلى الآخرة»(4).

فالدنيا ليست كلُّها مذمومة، بل حالٌ من أحوالها، لذلك جاء مناسبًا وقوع (ذميمة) حالاً في تعبير الإمام (عليه السلام)؛ والحالُ صفةٌ منتقلة(5)، هذا فضلاً

ص: 96


1- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 175، وحُثالة القَرَظ: ما يسقط من ورق السِّلَم وهو ورق يُدبغ به. وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 1 / 272، 13 / 88، 16 / 9
2- ينظر: نفحات الولاية: 2 / 179
3- توضيح نهج البلاغة: 1 / 174
4- نفحات الولاية: 2 / 184
5- ينظر: شرح ابن عقيل: 1 / 626

عن إيثاره (عليه السلام) (ذميمة) على (مذمومة)؛ لأنَّ (فعيلة) تُطلق على ما أُعِدَّ للشيء، لا ما اتّصفت به(1)، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا زهده في الدنيا، وفقَّهه في الدِّين، وبصَّره عيوبها، ومَن أُوتيَهُنَّ فقد أُوتيَ خير الدنيا والآخرة»(2).

ففي الدنيا التي أرادها الله تعالى لخَلقِهِ كي يسعدوا فيها ويعملوا الصالحات خيرٌ كثير، وسعادة غامرة تستدعي الشكر لله تعالى عليها، فلا ذمَّ لهذه الدنيا.

فاستعمال كلمة (ذميمة) وما يوحيه بناؤها من دلالة الكثرة والمبالغة كان مناسبًا لسياق الخطبة القائم على التحذير من الدنيا، وكثرة خداعها وغرورها.

ثالثًا: فَعل (بفتح الفاء وسکون العین)

نحو: (الخلَق، والنَهْب، وضَرْب الأمير) بمعنى: المخلوق والمنهوب ومضروب الأمير، وهو مصدرٌ دُلَّ به على اسم المفعول(3).

ورد هذا البناء في مواضع متفرقة في نهج البلاغة، منها ما جاء في الخطبة المعروفة بالشقشقية، إذ قال (عليه السلام): «أرى تُراثي نهَبْا»(4).

ص: 97


1- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 2 / 142 - 143، ومعاني الأبنية: 65
2- الكافي: 2 / 130
3- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 43، والمحتسب: 1 / 343
4- شرح (ابن أبي الحديد): 1 / 151، وجاء هذا البناء في مواضعَ أُخر: 1 / 78، 6 / 138، 392، 423، 13 / 116

نهَبْ: بناءٌ بزنة (فَعْل) بمعنى مَنهوب، والنَهْب: السَلبُ والغنيمة(1).

وكلامُه (عليه السلام) يشير إلى أنّه أراد بتراثه ما خلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لابنته الزهراء (عليها السلام)، كفَدَك، والنَهْب: إشارة إلى منع الزهراء (عليها السلام) فَدكًا بالخبر الذي رواه الخليفة أبو بكر: نحن معاشرَ الأنبياء لا نُوَرِّث ما تركناه صدقة(2)، وقيل: أراد منصب الخلافة، ويَصدق عليه لفظ (الإرث) كما صدق في قوله تعالى حكاية عن زكريا (عليه السلام): «يَرِثُنيِ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ» [مريم / من الآية: 6](3).

ولو أنعمنا النظرَ في هذه الخطبة لوقفنا على جوانب مهمة؛ منها: أنها تمُثل حديثًا في (الخلافة) التي وعى الإمام (عليه السلام) ماهيتَها، وأمورَها، وألمَ إلمامًا كافيًا بالإشكاليات التي مرَّت بها، ومع هذا نجدُ أنَّ الإمام (عليه السلام) لم يأتِ على ذكرها بلفظها، إعراضًا عنها، واحتقارًا لها. وعدم ذكر الأشياء والأسماء بألفاظها الصريحة، إما تعظيمًا لشأنها لشهرتها، أو احتقارًا لها لكونها لا تستحق أنْ تُذكر، وهذا هو شأن الخطبة في كثير من ألفاظها(4).

ص: 98


1- ينظر: لسان العرب: 1 / 773 (نهب)
2- ينظر: سنن الترمذي، للإمام الحافظ أبي عيسى الترمذي، تح: عبد الوهاب عبد اللطيف، وعبد الرحمن محمد عثمان: 3 / 82
3- ينظر: شرح (البحراني): 1 / 256
4- ينظر: المحظورات والمحسّنات اللغوية التركيبية في نهج البلاغة، د. هادي نهر (بحث): 132 - 135

ولشدة ما مرَّ به الإمام (عليه السلام) في تلك الظروف استعمل اسم المفعول (نَهْبًا) وهو مصدرٌ بمعنى المفعول؛ لأنَّ التعبير بالمصدر أقوى وأبلغ(1).

رابعًا: فِعال (بکسر الفاء)

نحو: كتِاب ولبِاس، بمعنى مَكتوب ومَلبوس(2)، وذكر الرضي أنَّ هذا البناء يأتي للآلة أيضًا، نحو: الخِياط، والنِّظام(3).

ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في خطبة له (عليه السلام) في الحثِّ على الجهاد، وذمِّ القاعدين عنه، قال فيها: «أمّا بعد، فإنّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنة، فتحَه الله لخاصّة أوليائه، وهو لبِاسُ التَّقوى، ودرعُ الله الحَصينة، وجُنَّتُه الوثيقة»(4).

لبِاس: بناءٌ بزنة (فعِال) بمعنى (ملبوس)، «(ولباسُ التَّقوى): من اللبس، أي: السَّتر، وأصلُ اللبس: سترُ الشيء»(5).

وكلام الإمام (عليه السلام) في الترغيب إلى الجهاد، والحثِّ عليه؛ لأنَّه ركنٌ

ص: 99


1- ينظر: الخصائص: 2 / 202
2- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 454، 460
3- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 1 / 188
4- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 74، وجاء هذا البناء في مواضعَ أُخر: 2 / 185، 7 / 114، 10 / 113، 202
5- مفردات ألفاظ القرآن: 735 (لبس)

من أركان الإسلام، وبابٌ إلى رضا الله سبحانه وتعالى. وكونُه لباسًا ودرعًا وجُنَّةً من باب الاستعارة، ووجه المشابهة أنَّ الإنسان يتقي شر العدو أو سوء العذاب يوم القيامة كما يتَّقي بثوبه ما يؤذيه من حرٍ أو برد، وبدرعِه الحصينة ما يخشاه من عدوِّه(1).

فاستعمال لفظ (لباس) وما يحمله من دلالة المبالغة جاء منسجمًا مع غيره من ألفاظ الخطبة، نحو: الحصينة، والوثيقة، وهما أبلغ من: (المحصنة والموثقة)، هذا فضلاً عن أنَّ تشبيهَه التقوى باللباس تشبيهٌ قويُّ الدَّلالة معبِّرٌ جدًا؛ فكما يحمي اللباس البدن من الحر والقر، فإنَّه يقي الجسم عن الكثير من الأخطار، ويستر العيوب الجسمانية، وهو أيضًا زينةٌ للإنسان، ومصدرُ جمَال، وهو روحُ التقوى، فإنَّه فضلاً عن ستره عيوبَ الإنسان، ووقايته من الكثير من الأخطار الفردية والاجتماعية، يعدّ زينةً كُبرى له، زينةً لافتةً للنظر، تزيد إلى شخصيته رِفعةً وسُموًّا وجلالا وبهاءً(2)، ولا شك في أنَّ الجهاد واحدٌ من أهم السُّبُل التي شرَّعها الله سبحانه وتعالى لتحقيق تلك السعادات الفردية أو الاجتماعية، سواءٌ أصغرَ كان هذا الجهاد يتمثل في قتال الأعداء، أم أكبرَ يتمثلُ في جهاد النَّفس، إذ رُويَ أن النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث بسريةٍ من الجيش إلى القتال فلمَّا رجعوا،

ص: 100


1- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 34
2- ينظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزّل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: 5 / 6

قال: «مرحبًا بقومٍ قضوا الجهاد الأصغر، وبَقي الجهادُ الأكبر، قيل يا رسولَ الله:

وما الجهاد الأكبر؟ قال:جهادُ النَّفْس»(1).

خامسًا: فَعُول (بفتح الفاء وضم العین)

نحو: رَسول وجَزور، بمعنى: مُرَسل ومجزور، والثَّقوب: من الحَطَب: ما تُثقَب به النار، والفَطور: ما يُفطَر عليه(2).

ومن شواهد هذا البناء في نهج البلاغة ما ورد في خطبة له (عليه السلام) عند مسير أصحاب الجَمل إلى البصرة، قال فيها: «إنَّ الله بعثَ رسولا هاديًا بكتابٍ ناطقٍ»(3).

حملَ المفسرون واللغويون لفظ (الرسول) على معنى (المرسَل)(4) على الرغم من أنَّه مشتقٌ من الفعل الرباعي المبني للمفعول (أرُسل)، في حين تجد أنَّ بين (فُعِل) و (أفُعِل) اختلافًا في المعنى؛ لأنَّ الهمزة هنا للتعدية، بَيْدَ أَّننا لا نجد في الثلاثي (رسل) معنى التعدية، وإنْ لم يُسمَع عن العرب من (الرسل) فعلٌ(5).

ص: 101


1- الكافي: 5 / 12
2- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 387 - 395، والصرف الوافي: 94
3- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 295، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 6 / 138، 7 / 13، 173 / 177
4- ينظر: الكشاف: 3 / 108، ومجمع البيان: 3 / 381، ولسان العرب: 11 / 283، وتاج العروس: 29 / 73 (رسل)
5- ينظر: دقائق الفروق اللغوية في البيان القرآني، محمد ياس خضر (أُطروحة دكتوراه مخطوطة): 276

والذي نخلص إليه أنَّ (الرسول) غير (المرسَل) لاختلاف بناءيهما، فالمرُسَل يقتضي إطلاق غيره له، والرسول يقتضي إطلاق لسانه بالرسالة»(1)، فالرسول يُطلق على «الذي أمره المرسِل بأداء الرسالة بالتسليم أو بالقبض»(2)، وهو مأخوذٌ من (الَّرسَل) أي: المتابعة، فيكون (الرَّسول) في اللغة هو الذي يتابع أخبار الذي بعثَه(3).

والرسول هو المرسَلُ برسالة خاصة زائدة على أصل إنباء النبوَّة، كما يُشعر به أمثال قوله تعالى: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ» [يونس: 47]، وقوله تعالى: «وَما كُنَّا مُعَذِّبيَن حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً» [الإسراء / من الآية: 15]، والرسول هو الحامل لرسالة خاصة مشتملة على إتمام حجة يستتبعُ مخالفته هلاكًا أو عذابًا ونحو ذلك، قال تعالى: «لِئَلَّا يَكُونَ للِنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بعْدَ الُّرسُلِ» [النساء / من الآية: 165]، وللرسول شرفُ الوساطة بين الله تعالى وبين عباده(4).

ففي لفظة (الرسول) دلالةُ مَن هو رسول بنفسِه يتحلَّى بما هو أمان بالغ في الرسالة التي يحملها، فكأنّه هو صاحب الهمِّ لإبلاغ الرسالة، وهو الآمرُ والمأمور

ص: 102


1- الفروق اللغوية: 223
2- التعريفات، الشريف الجرجاني: 113 - 114
3- ينظر: لسان العرب: 11 / 284 (رسل)
4- ينظر: الميزان: 2 / 140

بها في الوقت نفسِه، أمّا المرسَلُ فإنّه مأمورٌ، نعم؛ إنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مُرَسل من الله تعالى، ولكنَّه لعِظم شأنه، واختياره واصطفائهِ لماِ به من خصال استحق هو ومن سواه من الرُّسُل أنْ يُوصَفوا بما يُوحي بأنهم آمرون ومأمورون.

ولو عدنا إلى القرآن الكريم لوجدنا أنَّ ذلك التفريق حاضرٌ فيه؛ فالمرسَلُ جاء لمطلق الإرسال، فالرياح مرَسلات، قال تعالى: «وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا» [المرسلات: 1]، والحاصِب مرَسٌل، قال تعالى: «فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنا عَلَیْه حاصِبًا» [العنكبوت / من الآية: 40]، في حين أنَّ (الرسول) لا يخرج عن معناه الخاص في تبليغ الرسالة(1)، من ذلك قوله تعالى: «مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ. أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» [الفتح / من الآية: 29].

سادسًا: فَعَل (بفتح الفاء و العین)

نحو: خَبَط وحَلَب وسَلَب، بمعنى: مخَبوط ومحَلوب ومَسلوب، وهو مصدرٌ دُلَّ به على اسم المفعول(2).

ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في خطبة له (عليه السلام) في

ص: 103


1- ينظر: دقائق الفروق اللغوية: 277
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 43، والمفتاح في الصرف: 59، والنهاية في غريب الحديث: 2 / 7، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 162

ذكْر يوم القيامة، وأحوال الناس المقُبلِة، قال فيها: «فتِنٌ كقِطَعِ الليل المظُلمِ،...

تأتيكم مزمومةً مرحولةً،... أهلُها قومٌ شديدٌكَلَبُهم، قليلٌ سَلَبُهم»(1) السَلَب: «هو ما يأخذه أحدُ القِرنين في الحرب من قِرْنِه، مما يكون عليه ومعه من سلاح و ثياب ودابة وغيرها، وهو (فَعَل) بمعنى (مفعول) أي:

مسلوب»(2). ومنه قولُ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم )«من قتل قتيلاً فله سَلَبُه» وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يتورَّع عن ذلك، ولم يتْبع مُنهزًما...»(3).

يُشير النص العَلوي الشريف إلى إخبار الإمام علي (عليه السلام) بملحمةٍ تجري آخر الزمان(4)، وهي فتنة أتباع صاحب الزِّنْج، وقد شبَّه (عليه السلام) تلك الفتن بقِطع الليل المُظلمِ لشدتها؛ لأنَّ أهلَها «قليلٌ سلبُهم» أي: همهُم القتلُ لا السَّلَب؛ لأنهَّم أصحاب حربٍ وعدَّةٍ وخيلٍ يقتحمون المَيدان بكامل العِدَّة والعدد(5).

ص: 104


1- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 102 - 103، مزمومة مرحولة: تامة الأدوات، كالناقة التي عليها زمامها قد استعدت لأنْ تُركب، والكَلَب، الشدة من البرد وغيره. وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 1 / 116، 10 / 170، 16، 202 / 93
2- النهاية في غريب الحديث: 2 / 387، وينظر: لسان العرب: 1 / 471 (سلب)
3- بحار الأنوار: 41 / 73
4- ينظر: (شرح ابن أبي الحديد): 7 / 104
5- ينظر: السابق نفسه والصفحة نفسها، وشرح (البحراني): 3 / 14، ونفحات الولاية: 4 / 258

ولأنَّ جوَّ النص مشحونٌ بالشدة آثر الإمام (عليه السلام) استعمال لفظ (سَلَبهم) على (مسلوبهم)؛ لأنه مصدرٌ، والتعبير بالمصدر أقوى وأبلغ(1)، ولعل للفاصلة أثرًا في ذلك.

سابعًا: فُعل (بضم الفاء وسکون العین)

نحو: الخُبْز بمعنى المَخْبوز، والطُعْم بمعنى المطَعوم، وشيءٌ نُكْر، أي: مُنكَر، قال تعالى: «لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْرًا» [الكهف / من الآية: 74]، وأرض غُفل: لا عَلَم فيها، وناقة عُبْر أسفار: تَعبر عليها الأسفار(2).

ومن مواضع هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في عهده (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، قال فيه: «ثمَّ الصقْ بذوي المُروءات والأحساب، وأهلِ البُيوتات الصَّالحة والسَّوابقِ الَحسَنة، ثمَّ أهلِ النجَّدةِ والشَّجاعة، والسَّخاء والسَّماحة، فإنَّهم جمِاعٌ من الكَرم، وشُعَبٌ من العُرْف»(3).

قال اللغويون: إنَّ « العُرْف: ضد النُّكْر، يقال: أولاهُ عُرفًا، أي: معروفًا»(4)، فالعُرف جاء مبالغةً لاسم المفعول(5).

ص: 105


1- ينظر: الخصائص: 2 / 202
2- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 151 - 158
3- شرح: (ابن أبي الحديد): 17 / 51، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 10 / 16، 11 / 267، 16 / 205
4- الصحاح: 4 / 1401 (عرف)، وينظر: لسان العرب: 9 / 239 (عرف)
5- ينظر: معاني الأبنية: 73

يشير النص إلى بندٍ من بنود عهد الإمام (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضوان الله عليه)، مفاده: الاتصال بالأشراف والصالحين، وتقريبهم والإفادة منهم؛ لأنهَّم «شُعَبٌ من العُرْف»، «والعُرْف: هو ما يعرفه عُقلاء المجتمع من السُّنن والسِّيَر الجميلة الجارية بينهم، بخلاف ما ينكره المجتمع، وينكره العقل الاجتماعي من الأعمال النادرة الشاذة»(1).

ولمّا كان أمرُ الإمام تقريب الأشراف والصالحين، ومن استجمعَ محاسن الأخلاق وفضائلها، جاء مناسبًا استعمال لفظ (العُرْف)؛ لأنَّه مصدر، والتعبير بالمصدر أقوى وأبلغ.

ثامنًا: فُعلة (بضم الفاء وسکون العین)

نحو: لُعْنة وسُبَّة، بمعنى: ملعون ومسبوب للذي يلَعن وُيسَبُّ كثيرًا(2).

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في وصيَّةٍ له لولده الحسن (عليهما السلام) كتبها إليه بعد انصرافه من صِفِّين، قال فيها: «واعلمْ يابُنيَّ أنَّك إنَّما خُلِقَت للآخرة لا الدُّنيا...، وللمَوت لا الحَياة، وأنَّك في مَنزلِ قُلْعةٍ»(3).

ص: 106


1- الميزان: 8 / 380، وينظر: الأمثل: 5 / 340
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 43، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 162، ولسان العرب: 13 / 388 (لعن)
3- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 89، وجاء هذا البناء في مواضعَ أُخر: 1 / 267، 7 / 246، 10 / 92، 16 / 205

قُلْعة: بناء بزنة (فُعْلة) «يقال: مجلسُ قُلْعةٍ: إذا كان صاحبه يحتاج إلى أنْ يقومَ مرةً بعد مرة»(1) ويقال: القومُ على قُلْعة، أي: على رِحْلة(2).

يؤكِّد الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من الخطبة أنَّ الدنيا ليست محلًا للاستيطان والإقامة، بل هي منزلُ عبور لا يُدرى متى التحوُّل والارتحال والمُضيُّ والانتقال عنها(3)، أليس في هذا درسٌ عظيم لترك التعلُّق بالدنيا؟! فمقام النص وما صوَّره لنا من تقلُّبات الدنيا وعدم استقرارها بأهلها اقتضى اختيار لفظة (قلْعة) بهذه الصيغة، لماِ فيها من الكثرة والمبالغة في عدم الثبات والاستقرار.

تاسعًا: فِعلة (بکسر الفاء وسکون العین)

نحو: ثوبٌ بِذْلة، لما يُبتذل من الثياب، والمحِنة: ما امتُحِنَ به الإنسان من بَليَّة(4).

ومن شواهد هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية، قال فيه: «فَسُبحانَ الله! ما أشدَّ لزومَك للأهواء المبُتدَعة، والحَيْرة

ص: 107


1- ديوان الأدب: 1 / 170
2- ينظر: أساس البلاغة: 2 / 98 (قلع)
3- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 39، ومنهاج البراعة (الخوئي): 8 / 43
4- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 199 - 201

المتَّبَعة، مع تضييع الحقائق، واطِّراح الوثائق التي هي لله تعالى طِلْبَة، وعلى عباده حجَّة»(1).

في النص المتقدِّم بناءٌ بزنة (فِعْلة) هو (طِلْبة) بمعنى (مطلوبة)، قال الخليل:

«والطِّلْبة: ما كان لك عند آخر من حقٍ تطالبُه به»(2).

يشير النص إلى تعجُّب الإمام (عليه السلام) من شِدَّة لزوم معاوية للأهواء التي هو مبتدعُها، والتحيُّرِ فيها عن قصد الحق، وطرحِه كلَّ عهدٍ من عهود الإسلام والإيمان «التي هي لله طِلْبة» أي: أنَّ الله تعالى يطلب تلك العهود التي عَهدَ بها إلى البشر(3).

فاستعمال كلمة (طِلْبة) يصوِّر «سَعة الدلالة والمبالغة في ضرورة الالتزام بأوامر الله صغيرةً وكبيرة»(4) من جهةٍ، ومن أخرى يصوِّر مبالغةَ معاوية في تضييع الحق وعدم الاعتناء به واطِّراحه، ومما ناسب ذلك أنَّ الإمام (عليه السلام) ابتدأ كلامه بالتعجب، فضلاً عن اختياره ما يدل من المصادر على الشدة والمبالغة، ذلك في قوله (عليه السلام): (تضييع، واطّراح) من (ضيَّع، واطَّرح) المضعَّفين.

ص: 108


1- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 153، وجاء هذا البناء في مواضعَ أُخر: 1 / 123، 11 / 267، 17 / 107
2- العين: 7 / 430 (طلب)، وينظر: لسان العرب: 1 / 559 (طلب)
3- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 81، وتوضيح نهج البلاغة: 4 / 94
4- رسائل الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة، دراسة لغوية، رملة خضير: 227

عاشرًا: فَعِلة (بفتح الفاء و کسر العین)

نحو: الطَّلِبة بمعنى: ما طلبتَه من شيء(1).

ومن أمثلته في نهج البلاغة ما ورد في خطبة له (عليه السلام) في تمجيد الله تعالى وتعظيمه، وحثِّ الناس على التقوى، قال فيها: «أمّا بعدُ، فإنِّي أُوصيكم بتقوى الله الذي ابتدأ خَلقَكم، وإليه يكون مَعادُكم، وبه نجاحُ طَلِبتِكم»(2).

في النص بناءٌ بزنة (فَعِلة) هو (طَلِبة) بمعنى (مطلوبة).

يوصي الإمام (عليه السلام) الناس بلزوم تقوى الله عزَّ وجل، ثم يقرن تلك الوصيّة باعتبارات من صفاته تعالى توجب الفزع إليه، وهي كونه سبحانه مبدأً لخلقهم، ومنتهى لمعادهم الحسيِّ والعقلي، كقوله تعالى: «وَهُوَ خَلَقَكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [فصّلت / من الآية: 21]، وقد نبّهنا عليه مرارًا، وأنّ به نجاح طلباتهم(3)، ولأنَّ مطالب البشر كثيرة، ومنها ما هو صعب وشديد استعمل الإمام (عليه السلام) بناءً يدلُّ على الكثرة والشدة، هو بناء (فَعِلة)، ومما لاءم ذلك أنَّ الله سبحانه هو المحيط وحده بخفايا تلك الطلبات وأسرارها، وهو القادر وحده على تسهيل ما صعُب منها واشتد.

ص: 109


1- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 250
2- شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 188
3- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 447

ولابد من الإشارة هنا إلى أنَّ الإمام (عليه السلام) استعمل بناء (فَعِلة) و (فِعْلة) في اللفظة نفسها، فقال: (طَلبِتكم) و (طِلْبة)، فما الفرق بينهما دلاليًا؟ أقول: إنَّ البناءين يدلان على الشدَّة والمبالغة، إلا أنَّ بناء (فَعِلة) أشد مبالغةً، وقد يكون سبب ذلك أنَّ هذا البناء من أبنية المبالغة في الصفة المشبهة كما مرّ بنا في المبحث الأول(1)، واستعماله هنا شبيه - إلى حدٍّ ما - بما ورد هناك، واختلاف الأبنية والمعنى واحد واردٌ في اللغة(2).

والنصوص التي وردت في نهج البلاغة تؤكد ذلك، منها قوله (عليه السلام): «اجعلوا ما افترضَ اللهُ عليكم من طَلِبَتِكم»(3) والمعنى «أنْ يجعلوا فرائض الله عليهم من جملة ما يطلبونه منه، والغرض أنْ تصيَر محبوبةً لهم كمحبتهم لما يسألونه من مالٍ وغيره فيواظبوا على العمل بها»(4)، وأنْ يجعلوا مُفتَرضات الله تعالى كمطلوبات أنفسهم التي يجدّون في تحصيلها(5)، وكأنهَّا - أي:

المطلوبات - نابعة مما يعتقدون به في بواطنهم، وهذا المعنى قريب من بناء (فَعِل) في المبالغة، فهو يدلُّ على الأدواء الباطنية، وما هو قريب من ذلك(6)، فلمّا صارت

ص: 110


1- ينظر: الصفحة (39) من هذا البحث
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 14
3- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 246
4- شرح (البحراني): 3 / 94
5- ينظر: بهج الصباغة: 11 487 - 488
6- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 1 / 143 - 144

هذه الأشياء غير محبوبة عندهم أو مكروهة صارت بمنزلة الأوجاع، وصار بناء. (فَعِلة) بمنزلة ما رُموا به من الأدواء(1).

ومما يؤكد تلك الدلالة أيضًا أنَّ الإمام (عليه السلام) جعلَ التقوى ورضا الله سبحانه سببًا في تحقيق ما يطلبه الإنسان، إذ قال (عليه السلام): «فاجعلوا طاعةَ الله شِعارًا دون دثِاركم، ودخيلاً دون شِعاركم، ولطيفًا بين أضلاعكم، وأميرًا فوق أموركم، ومَنهْلاً لحين وُرودكِم، وشفيعًا لدَرَك طَلِبتِكم»(2).

أي: أنَّ المتقين عند ملاحظة غايتهم من نفوسهم يسهل عليهم كلُّ صَعْب وشديد من أمور الدنيا مما يشتد على غيرهم كالفقر والمرض وكلِّ شديد، وكذلك يَسهل عليهم كلُّ صعب من مطالب الآخرة بعد إتعاب تلك المطالب لهم(3).

فلعِظم التَّقوى عند الله سبحانه يسهُل كلُّ ما يطلبهُ الإنسان مهما اشتد وصَعُب، فبسبب التقوى التي امتلكها أنبياء الله تعالى فإنهَّم كانوا يقومون بأعمال عظيمة، كالنبي عيسى (عليه السلام) بإحيائه الموتى - بأذن الله تعالى -، وأيُّ عملٍ أعظم من ذلك؟! واستعمالُ بناء (فعِل) فيما تعقَّد ولم يسهل مشهورٌ في اللغة، نحو: عسِر، وشكسِ، ونكدِ(4).

ص: 111


1- ينظر: أدب الكاتب: 577، والمخصص: 14 / 140، ومعاني الأبنية: 80
2- شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 189، الدثار: ما يلي الجلد، وهو ألصق ثياب الجسد
3- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 450
4- ينظر: أدب الكاتب: 577

وبناءً على ما سبق يرى الباحث أنَّ بناءَ (فَعِلة) أشد وأبلغ في المعنى من (فِعْلة).

حادی عشر: فُعال (بضم الفاء)

بناءٌ يُستعمل لماِ كان مُرفَّضًا أو مُقتَطعًا من شيء كالرُّفات والحطُام والفُتات(1).

ومن مواضع هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في خطبةٍ له (عليه السلام) في بعثة الأنبياء، ووصف بني هاشم، قال فيها: «أينَ العقول المسُتصبحِة بمصابيح الهُدى، والأبصارُ اللامحِةُ إلى منازل التَّقوى، أين القلوبُ التي وُهِبت لله، وعُوقدَت على طاعةِ الله، ازدَحَموا على الحُطام، وتشاحُّوا على الحَرام»(2).

الحُطام: بناء بزنة (فُعال) ومعناه: ما تكسّر من اليَبس، قال تعالى: «ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا» [الحديد/ من الآية: 20](3).

يشير الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من الخطبة إلى «فئتین: فئة عاقلة ومتقية ومطيعة للحق، وأخرى تكالبت على حطام الدنيا، وتسابقت مع بعضها من

ص: 112


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 13، والأصول في النحو: 3 / 89، وديوان الأدب: 1 / 85، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 155
2- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 88، تشاحوا: تضايقوا. وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 6 / 252، 8 / 263، 11 / 245، 19 / 285
3- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 445، ومفردات ألفاظ القرآن: 243 (حطم)

أجل نيل الأموال الحرام»(1) وقد ابتدأ (عليه السلام) بالسؤال عن الطائفة الأولى، وكأنَّه يبحث عنها ليجدَها(2) على سبيل التفجُّع، وإشارة إلى قلتها بالنسبة إلى الطائفة الأخرى التي ازدحمت على حطام الدنيا، وقد استعار (عليه السلام) «لفظ الحطام لمقتنيات الدنيا، ووجه الاستعارة سرعة فنائها وفسادها كما يسرع فساد النبت اليابس وتكسيره»(3). كلُّ ذلك للمبالغة في احتقار الدنيا، وذمِّ المتكالبين عليها وتوبيخهم(4)،ومن أجل تنفير الإنسان من أنْ تكون الدنيا منتهى غايته ومبلغ همِّه.

ثانی عشر: فُعالة (بضم الفاء)

بناء مبالغة يُستعملُ «للشيء القليل المفصول من الشيء الكثير، كالقُلامة، والقُراضة»(5).

ومن شواهد هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في خطبةٍ له (عليه السلام) في الدهر وأهله، وفي ذِكْر أصناف الناس، قال فيها: «فَلْتكنِ الدنيا في أعينكِم أصغرَ من حُثالة القَرَظ، وقُراضَة الَجلَم»(6).

ص: 113


1- نفحات الولاية: 5 / 403
2- ينظر: السابق نفسه والصفحة نفسها
3- شرح (البحراني): 3 / 190
4- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 19 / 285، وشرح (البحراني): 3 / 190
5- شرح الرضي على الشافية: 1 / 155
6- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 175، وجاء هذا البناء في مواضعَ أُخر: 2 / 318، 6 / 402، 7 / 188

في النص بناءان بزنة (فُعالة)، أحدهما: الحثُالة، ويعني الرديء من كلِّ شيء(1)، والآخر: القُراضة: وهو ما سقط عن القرض(2)، و «القَرَظ: وَرَق السَّلمَ يُدبُع به، وحُثالتُه: ما يسقط منه»(3)، و: «الجَلَم:َ المقِصّ تُجزُّ به أوبار الإبل وقراضتُه: ما يقع من قرضهِ وقطعهِ»(4).

يخاطبُ الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من الخطبة الشريفة المتقين الذين «أراقَ دموعَهم خوفُ المحشر»(5)، داعيًا إياهم إلى استصغار هذه الدنيا «واحتقارها إلى حدٍّ لا يكون في أعينهم ما هو أَحقر منها، فإنَّ حُثالة القرظ، وقُراضة الجَلَم في غاية الحقارة، والمُراد من هذا الأمر وغايته: التركُ لها، فإنَّ استحقار الشيء واستصغاره يستتبع تركه والإعراض عنه»(6).

فاستعمال لفظتي (حُثالة، وقُراضة) بهذا البناء الدال على معنى المبالغة جاء منسجمًا مع دلالات النص وما فيه من شدة التحذير من التعلُّق بالدنيا، والاغترار

ص: 114


1- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 450
2- ينظر: السابق: 1 / 449
3- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 177
4- السابق نفسه والصفحة نفسها
5- السابق: 2 / 175
6- شرح (البحراني): 2 / 71، وينظر: منهاج البراعة (الخوئي): 4 / 57

ثالث عشر: فِعل (بکسر الفاء وسکون العین)

كقولهم: شيء بِدْع،أي مُبتدَع(1)، ورجل نِكْل: لمن يُنَكِّل به أعداؤه(2).

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في دعاءٍ له (عليه السلام) قال فيه: «اللهُمَّ إنْ فَهِهْتُ عن مَسألتي، أو عَمِيتُ عن طِلْبتي، فدُلَّني على مَصالحي، وخُذ بقلبي إلى مَراشدي، فليس ذلك بنُكْرٍ من هِداياتكِ، ولا بِبِدْعٍ من كفِاياتكِ»(3).

في النص بناء بزنة (فِعْل) هو (بِدْع) أي: مُبتَدع، «وفلان بدِعٌ في هذا الأمر، أي: أول لم يسبقه أحد»(4).

الإمام (عليه السلام) متوجهٌ بالدعاء إلى الله سبحانه لأْن يُدلَّه على خير الأعمال وصالحها، وقوله: «فليس ذلك بِبِدْع...» «استعطاف بما في العادة أن يستعطفَ به أهل العواطف والرحمة من الكلام، أي: أنَّ هداياتك لخلقك إلى وجود مصالحهم وكفاياتك لهم ما يحتاجون إليه، أمورٌ متعارفة جرت عادتك بها، وألفِها منك عبادك»(5).

ص: 115


1- ينظر: ديوان الأدب: 1 / 187
2- ينظر: السابق: 1 / 193
3- شرح (ابن أبي الحديد): 11 / 267، فههت: عييت
4- لسان العرب: 8 / 6 (بدع)
5- شرح (البحراني): 4 / 96

ولمّا كان غرضُ النص هو الدعاء، والدعاء إلى الله سبحانه يتطلب تأدُّبًا واستعطافًا من الداعي، آثرَ الإمام (عليه السلام) استعمال (بدِع) على (مُبتدَع) لمَاِ في اللفظ الثاني من قوة وشدة؛ لأنَّه بزنة (مفتعَل)، ف (ابتدع) أقوى في المعنى من (أبدع) وأشد لزيادة (الهمزة، والتاء) فيه، والمقام لا يتطلَّب تلك الشدّة؛ لأنه دعاء، والدعاء يحتاج من الداعي الرقة والتذلل والخضوع والخشوع، ولعل هذا ما توحي به لفظة (بِدْع). كلُّ ذلك للمبالغة في التأدُّب؛ لأنَّ (بِدْعًا) مصدرٌ، والتعبير بالمصدر أبلغ(1)، وقد يكون إيثار (بدِع) على (مبتدَع) مقابلةً ل (نُكر).

ص: 116


1- ينظر: الخصائص: 2 / 202

الفصل الثانی : المبالغة بالأبنیة الاسمیَّة

اشارة

المبحث الأول: المبالغة بأسماء الأفعال المبحث الثانی: المبالغة بالجموع المبحث الثالث: المبالغة ب"أبنیة وأسالیب" أُخر

ص: 117

ص: 118

مدخل

للمبالغة في اللغة العربية صورٌ كثيرة، ووسائل مختلفة، فلم تقتصر اللغة على أبنية المبالغة للدلالة على الزيادة والتكثير، أو القوة في الصفة، وإنما نجد أنها استنت طرائق أُخر للدلالة على هذه المعاني، وإن كانت تلك الطرائق لا تخرج بمجملها عن أساسَي المبالغة: العدول والزيادة.

فمن وسائل المبالغة اللغوية التي نصَّ عليها اللغويون، المبالغة بالأبنية الاسمية، ومنها: (أسماء الأفعال)، و (جمع الجمع)، و (جموع أُخر)، والمبالغة (باسم المكان)، وغير ذلك مما سيتكفل بذكره هذا الفصل مقسَّما على النحو الآتي:

المبحث الأول: المبالغة بأسماء الأفعال.

المبحث الثاني: المبالغة بالجموع.

المبحث الثالث: المبالغة بأبنية وأساليب أُخر.

ص: 119

المبحث الأول: المبالغة بأسماء الأفعال

اشارة

في البدء لا بد من الإشارة إلى أنَّ أسماء الأفعال من الموضوعات اللغوية التي شغلت عناية الكثيرين من علماء العربية؛ قدماء ومحدَثين ومعاصرين، إذ لم يخلُ كتابٌ في العربية قديمٌ من ذكرها(1).

أمّا المحدَثون فقد تناولوها بنحوٍ مستقل في دراساتهم، منهم: الدكتور محمد عبد الله جبر(2)، والباحث أحمد محمد عويش(3)، هذا فضلاً عن البحوث والمقالات وما تضمنتهُ كتُب اللغة والنحو(4).

ص: 120


1- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 249، 250، والمقتضب: 3 / 25، والخصائص 3 / 34 - 51، وشرح المفصل: 25 - 74، وشرح الرضي على الكافية: 3 / 83 - 11
2- ينظر: أسماء الأفعال وأسماء الأصوات في اللغة العربية
3- ينظر: أسماء الأفعال في اللغة والنحو، (رسالة ماجستير مخطوطة)
4- يُنظر: اللغة العربية معناها ومبناها: 113، والنحو الوافي: 4 / 140 - 161، ومعاني النحو، د. فاضل السامرائي: 4 / 34 - 41

مماّ مرَّ أردتُ أنْ أُبيِّن أنَّ موضوع أسماء الأفعال قد أُشبعَ بحثًا ودراسةً، لذا سأقتصر في هذا المبحث على طرفٍ مما ذكرته البحوث والدراسات، وهو تعريفها وذكر دلالتها مما له صلة بموضوع البحث، تاركًا مسائل الخلاف فيها؛ فهذا ما وضحته الدراسات السابقة، وأجد أنَّه من الإطالة وعدم الفائدة إعادته هنا.

المُراد بأسماء الأفعال أنَّها ألفاظ «وُضِعت لتدل على صيغ الأفعال، كما تدلُّ الأسماء على مسمياتها»(1).

أمّا دلالتُها فقد ذكر كثير من اللغويين أنَّها تفيد المبالغة، فضلاً عن إفادتها الاتِّساع والاختصار، قال ابن السَّرَّاج: «فجميع هذه الأسماء التي سُمَي بها الفعل إنما أُريد بها المبالغة، ولولا ذلك لكانت الأفعال قد كفَت عنها»(2)، وأكد ذلك ابن جني مفسِّرًا، فقال: «وذلك أنك في المبالغة لا بد أن تترك موضعًا إلى موضع، إمّا لفظًا إلى لفظ، وإمّا جنسًا إلى جنس»(3)، وإلى هذا ذهب ابن يعيش(4)، والرضي الاسترابادي(5).

والقصدُ فيما سبق هو العدول عن استعمال الفعل إلى اسم الفعل، لدلالة

ص: 121


1- شرح المفصل: 4 / 25
2- الأصول في النحو: 2 / 134
3- الخصائص: 3 / 46
4- ينظر: شرح المفصل: 4 / 25
5- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 89

الأخير على المبالغة، فمثلاً (صه) و (مَه) و (شتان) أبلغ من (اسكتْ) و (اكففْ) و (افترقَ) على التوالي، ونظير هذه الفكرة ما درستُه تطبيقًا في أبنية المبالغة(1).

غير أنَّ العدول هناك كان اللفظان فيه - المعدول عنه والمعدول إليه - ينتميان إلى أصلٍ اشتقاقي واحد، والحال مختلف هنا في أسماء الأفعال - عدا صيغة (فَعالِ) - ف (صَه) و (مَه) مثلاً غير (اسكتْ) و (اكففْ) من حيث بعدُهما عن أصل مادة فعليهما.

ووضَّح ذلك ابن جني قائلاً: «فلمّا اجتمع في تسمية هذه الأفعال ما ذكرناه من الاتساع ومن الإيجاز ومن المبالغة، عدلوا إليها بما ذكرنا من حالها، ومعَ ذلك فإنَّهم أبعدوا أحوالها من أحوال الفعل المسمَّى بها، وتناسَوا تصريفه، لتناسيهم حروفه»(2).

ف (صَه) مثلًا «لفظٌ قد انصُرِف إليه عن لفظ الفعل الذي هو (اسكتْ) وتُرك له ورُفِضَ من أجله، فلو ذهبت تعاوده وتتصوره، أو تتصور مصدره لكانت تلك معاودة له، ورجوعًا إليه بعد الإبعاد عنه»(3).

والذي يتضح مما تقدَّم أنَّ أسماء الأفعال عبارة عن صِيَغ مسكوكة، لا تتغير

ص: 122


1- ينظر: الصفحة (24 - 25) من هذا البحث)
2- الخصائص: 3 / 47، وينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 87
3- الخصائص: 3 / 48

صورُها تجري مجُرى الأمثال(1)، فهي «لا تدل على الفعل وزمنه بصيغتها، وإنَّما بما تواضع عليه الناس من معنى الفعل الذي يفسر كلاً منها، وعلى هذا فإنَّ دلالة هذه الأسماء على ما يفسرها من الأفعال إنما هي دلالة مطلقة غير محددة، وبذا تتأتّى دلالتها على المبالغة»(2)، لذا هي تُستعمل في أساليبَ إفصاحيَّة للتعبير عن مواقف انفعالية(3).

وإذا كان الأمر كذلك فمن غير الصواب نسبة الزمن إليها بصيَغِها، وتقسيمها على زمن أفعالها؛ لأنَّ الزمن في هذه الأفعال إنما هو وظيفة في السياق تدل عليه القرائن، وهو ما يعرف ب (الزمن النحوي)(4).

وتأكيدًا لمِا تقدم من أنَّ أسماءَ الأفعال لا تحمل ببنيتها زمنًا معيّنًا، ولأنَّ دراستنا في هذا الفصل صرفية(5) تتعلق بالأبنية فإنني سأُوردُ ما جاء منها في نهج البلاغة مرِّتًبا إيَّاه بحسب حروفها الهجائية من دون الإشارة إلى زمن أفعالها، وعلى النحو الآتي:

ص: 123


1- ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها: 115 و 117
2- سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 39 - 40
3- ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها: 113، واللسان والإنسان: 33
4- ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها: 240 و 248، والفعل والزمن، د. عصام نور الدين: 46
5- فإنْ قيل: أليس الصرف غير معني بدراسة اللفظ الجامد؟ أقول: بلى، لكن غرضي هو أنها مفردات تدل على المبالغة بصيغها

أولاً: أُفّ

اسم فعل بمعنى (تضجَّرت) منقولٌ من صوت(1)، وقيل: هو صوت(2) أمّا أصله فقد جاء في اللغة: «أصل الأُفِّ: كلُّ مستقذر من وسخٍ وقلامة ظفرٍ وما يجري مجراها، ويُقال ذلك لكل مُستخف به استقذارًا له، نحو: «أُفٍّ لَّكُمْ وَلمِا تَعْبُدُدونَ مِنْ دُونِ اللهِ» [الأنبياء / من الآية: 67] وقد أفَّفْتَ لكذا، إذا قلتَ ذلك استقذارًا له ومنه قيل للضجر من استقذار شيء: أفّفَ فلان»(3).

و(أُفٍّ) بالتنوين أبلغُ في التعبير من غير المنوَّن؛ إذ هو يُعبِّر عن ضجرٍ بلغ في نفس صاحبه درجةً يحتاج للترفيه عنها، لطول صوته(4).

وبحسب قوله تعالى: «فلا تَقُل لهَمُا أُفٍّ» [الإسراء / من الآية: 23]، فإنَّه أدنى حالات الضجر؛ لأنَّ المراد في الآية الكريمة - والله أعلم - هو لفظ (أُفٍّ) المؤلَّف من (الهمزة) و (الفاء) المشددة، الذي يمكن أنْ يصدر من فم الابن وهو يتضجر من طلب أحد والديه من القيام بعملٍ ما، أو عند توجيهه بشيءٍ ما، وهي كلمة مؤلَّفة من هذين الصوتين تدل على رفض لافظها ما يُراد منه، أو استنكاره لما

ص: 124


1- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 83 و 85 و 97
2- ينظر: الكشاف: 3 / 523
3- مفردات ألفاظ القرآن: 79 (أف)
4- ينظر: اسم الفعل دراسة وطريقة تيسير، د. سيلم النعيمي، مجلة المجمع العلمي العراقي، المجلد السادس عشر: 68

طُلب منه أو سخريته مما طلب منه، وأعتقد أنَّه لو وُجدَت كلمةُ تضجُّرٍ أدنى منها دلالةً لُذكرت ونهُي عنها، فالمُراد ترك أدنى صور الضجر والرفض لمطلب الأبوين.

ورد هذا البناء في خطبةٍ له (عليه السلام) في استنفار الناس إلى أهل الشام، بعد أنْ لم يستجيبوا له، ولم يمتثلوا أمره، قال فيها: «أُفٍّ لكم، لقد سَئمِتُ عتابَكم»(1).

فيما مرَّ (أُفٍّ) وهو اسم فعل بمعنى التضجر. يشير النص إلى أنَّ الإمام (عليه السلام) أراد استنفار أهل الكوفة لملاقاة أهل الشام الذين كانوا كثيرًا ما يشنُّون الغارة تلو الغارة على المناطق الإسلامية، ويسفكون دماء المسلمين، وينهبون ثرواتهم، غير أنَّ أهل الكوفة لم يستجيبوا للإمام وكانوا كثيرًا ما يتثاقلون عن دعوته(2)، لذا قابَلَهم بالتأنيب والتضجُّر بما لا يرتضيه من أفعالهم(3)، ولم يحصل هذا - بالطبع - إلا بعد أنْ سَئِم الإمام عتابهم، والسأم «المَلالة مما يكثرُ لبثه»(4)، وهذا شأن أسماء الأفعال؛ فهي تأتي للكشف والإفصاح عن مواقف انفعاليَّة.

ص: 125


1- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 189، وجاء هذا البناء في موضع آخر: 8/ 104
2- ينظر: نفحات الولاية: 2 / 205
3- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 78
4- مفردات ألفاظ القرآن: 438 (سأم)

وصورة تمرُّد أهل الكوفة على الإمام (عليه السلام) وتضجُّره الشديد من أفعالهم شبيهة إلى حد كبير بقصة النبي إبراهيم (عليه السلام) التي عرضها لنا القرآن الكريم في قوله تعالى: «قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ، أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» [الأنبياء: 66 - 67] فقوله تعالى: «أُفٍّ لكَّم» يصوِّر لنا تضجُّر النبي إبراهيم (عليه السلام) لمَاِ رأى من قومه من إصرار وثبات على عبادة الأصنام، بعد انقطاع العذر ووضوح الحق(1).

ثانیًا: إلیك

اسم فعل منقول من الجار والمجرور، فمعنى: إليَّ: أتنحّى، وإليكَ: تنحَّ، يقال لمن يؤمر به: إليك: أي: تنحَّ، فيقول: إليَّ، أي: أتنحّى(2).

وذهب الرضي إلى أنَّ تأويل (إليَّ) بمعنى (أتنحّى) خبر شاذ «إذ قياس الظروف وشبهها أن تكون أوامر»(3).

وهو دالٌّ على التوكيد والمبالغة لماِ فيه من الاختصار، إذ إنَّ قولنا: إليك عني

ص: 126


1- ينظر: الكشاف: 2 / 577، وروح المعاني في تفسير القران العظيم والسبع المثاني، الآلوسي: 17 / 67
2- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 249 - 250، والمقتضب: 3 / 205، والخصائص: 3 / 43، والنحو الوافي: 4 / 148
3- شرح الرضي على الكافية: 3 / 106

يعني: ضمَّ رحلك وثقلك إليك واذهبْ عنِّي(1).

ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما ورد في خطبةٍ له (عليه السلام) في خبر ضرار بن ضمرة الضابيّ(2)، عند دخوله على معاوية، وسؤاله إيَّاه عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: أشهد لقد رأيتُه في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدولَه، وهو قائم يُصلي في المحراب، قابضٌ على لحيته، يَتَملمَلُ تَملمُل السليم ويبكي بكاء الحزين، ويقول: «يا دنيا يا دنيا، إليكِ عنيّ، أبي تعرَّضتِ؟ أم إليَّ تشوَّفتِ؟ لا حانَ حينكُ... قد طلقتُك ثلاثًا لا رجعة فيها»(3).

ورد في النص (إليكِ) وهو اسم فعل بمعنى (تنحّي أو ابتعدي). والنص يشير إلى زهادة الإمام (عليه السلام) في الدنيا، وابتعاده عنها، وكراهيته لها، وينبغي ألا يُّتصور أنَّ الزهد في الدنيا يعني التخلي التام عنها،... والحال لا ينسجم هذا المعنى والروحَ الاجتماعية للإسلام، والحقُّ أنَّ للزهد معنىً آخر، هو ترك التعلق المفرط بالدنيا، وعدم الوقوع أسيرًا في قبضة زخارفها ومفاتنها(4)، إذ ورد

ص: 127


1- ينظر: السابق: 3 / 89، ومعاني النحو: 4 / 39
2- هو ضرار بن ضمرة الضبابي أو الكناني، من خُلَّص أصحاب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حسن الحال، فصيح المقال، طَلقِ اللسان. ينظر: خصائص الأئمة، الشريف الرضي، تح: د. محمد هادي الأميني: 71
3- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 224، وجاء هذا البناء في موضع آخر: 16 / 293، تشوَّفتِ: تزيَّنت
4- ينظر: نفحات الولاية: 4 / 265 - 266

في الحديث أنَّ «حب الدنيا رأسُ كلِّ خطيئة»(1).

فالدنيا ليست سيئةً إذا اتخذها الإنسان مضمارًا لرضا الله تعالى، قال الإمام علي (عليه السلام): «إنَّ الدنيا دارُ صدقٍ لمن صَدَقها،... ودارُ موعظةٍ لمن اتَّعظَ بها، مسجدُ أحِبّاء الله، ومصلّى ملائكة الله، ومَهبِطُ وحيِ الله، وَمتَجُر أولياء الله»(2).

ولو عدنا إلى النصِّ العَلَوي الأول لوجدنا أنَّه عبارة عن صورة حيةَّ جسَّدت بالتخييل والتجسيد والحوار غرور الدنيا وخداعها، فالإمام (عليه السلام) يخاطب الدنيا بصورة امرأة تزيَّنت، وتعرَّضت لوصوله إليها مع كونها مكروهة إليه(3) خطاًبا مكَّررًا، تأكيدًا وتنبيهًا على ابتعاده عنها، وقد ناسب هذا التأكيد استفهامه (عليه السلام) مستنكرًا ومحتقرًا تعرُّضَها به.

فالمقام وما فيه من شدة الزجر، وقوة الانفعالات اقتضى اختيار اسم الفعل (إليكِ) لمَاِ فيه من قوة وشدة في الأمر بخلاف الفعل (تنحّي أو ابتعدي)، ويمكن أنْ نلمح في (كاف) الخطاب الخاص بالدنيا طرفًا من التخصيص المبرَّز، بدلالة أنَّ الأمر منتهٍ إلى الدنيا لا إلى سواها، والخطاب إنما هو لها لا لغيرها.

ص: 128


1- الكافي: 2 / 131
2- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 325
3- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 276 - 277

ثالثًا: آه

اسم فعل بمعنى (توجَّعتُ) الإنشائي لا (أتوجَّعُ) الخبري(1)، فالفرق واضحٌ بين (آه) والفعل (أتوجع)، فلو أنَّكَ أحسسْتَ بألم مُفاجئ، فقلتَ: (آه) لحقّ على الناس أنْ يسرعوا إلى نجدتك، ولكنَّك لو قلت في هذا الموقف نفسه:

(أتوجع) لسألك السامع: مِمَّ تتوجع؟(2).

والحق أنَّ (آه) غير (أتوجَّع) و (توجَّعت)؛ إذ هو اسم صوت نُقِلَ إلى أسماء الأفعال، يُشار به إلى أحداث معينة، فالمتكلم حين يُصدر هذا الصوت يرمز به إلى حدث متعارَف عليه، سواءٌ أمتوجعًا كان أم متعجِبًا(3)، وهو إذ ينوَّن يكون أبلغ لزيادة صوته(4).

ومن شواهد هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في خطبة له (عليه السلام) قائلاً لكميل بن زياد(5) (رضوان الله عليه): «يا كُمَيْلَ بنَ زياد، هلك خُزّان الأموالِ

ص: 129


1- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 83 و 105، وشرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، ابن هشام، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد: 417
2- ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها: 116
3- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 83 - 84، ومعاني النحو: 4 / 39 - 42
4- ينظر: اسم الفعل دراسة وطريقة تيسير: 68
5- هو كميل بن زياد النخعي، تابعي ثقة، من أصحاب الإمام علي (عليه السلام)، كان شريفًا مطاعًا في قومه، شهد صفين مع الإمام علي (عليه السلام)، سكن الكوفة، وروى الحديث، قتله الحجّاج صبرًا سنة (82 ه). ينظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد، تح: محمد عبد القادر عطا: 6 / 217، والأعلام: 5 / 234

وهم أحياءٌ، والعلماءُ باقون ما بَقِيَ الدَّهرُ، أعيانهُم مفقودةٌ، وأمثالهُم في القلوبِ مَوجودةٌ،... اللهُمَّ بلى! لا تخلو الأرضُ من قائمٍ لله بحُجَّة، إمّا ظاهرًا مَشهورًا، وإمّا خائفًا مَغمورًا،... أُولئك خلفاء الله في أرضِه،... آِه آِه شوًقا إلى رؤيتهِم»(1).

ورد في النص (آه) وهو اسم فعل يدل على التوجُّع.

يخاطب الإمام (عليه السلام) صاحبَه الجليل كُميل (رضوان الله عليه) فيخبره عن منزلة العلماء العظيمة عند الله تعالى، فهم خلفاءُ اللهِ عزَّ وجل في أرضه، والدُّعاة إلى دينهِ، وأوصافُهم هذه قد هيَّجت في نفْس الإمام شوقًا إلى رؤيتهم، لهذا كرَّر الإمام التأوُّهَ بقوله: (آه آه) تأكيدًا منه على توجعه، وشوقًا إلى رؤيتهم؛ لأنَّه (عليه السلام) أحقُّ الناس برؤيتهم؛ لأنَّه شيخ العارفين وسيدهم، والشيء يشتاق إلى ما هو من سِنخِهِ وطبيعته(2).

وفي النص أكثر من نكتة، منها أنَّ الإمام (عليه السلام) أخَّر التأوُّه بعد ذكر صفات أولياء الله تعالى، وفي ذلك إيحاء إلى أنَّ تشوُّقَه إليهم ليس بدافع عاطفي، بل للصفات التي تحلّوا بها، فالإمام (عليه السلام) لا يُحب ولا يُبغض إلا في الله تعالى، وفي هذا درس تربوي أرشدنا إليه الإمام في الحثِّ على ذكر محاسن الموتى ومآثرهم لا اغتيابهم وذكر مثالبهم وعيوبهم.

.224/ 347 ، وجاء هذا البناء في موضع آخر:

ص: 130


1- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 346 - 347، وجاء هذا البناء في موضع آخر: 18 / 224
2- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 352

وقد يُقال: لماذا لم ينوِّن الإمام لفظ (آه) وقد ذكره مكَّرًرا، في حين أنَّ المنوَّن يكون أبلغ كما ذكرت؟ ألا يُعدّ ذلك تناقضًا بين القولينِ؟ أقول: لا تناقض بين القولين، فالمنوَّن أبلغ من غير المنوَّن (الساكن)؛ لأنَّه أطول صوتًا، والمُحرَّك بالكسر أبلغ من المنوّن لطول صوتِه أيضًا، إذ إنَّ التنوين نونٌ ساكنة كما هو معلوم، والكسرة أطول من السكون، وكأنَّ طول الكسرة - موازنةً بالسكون - قد ناسب استمرار شوق الإمام (عليه السلام) وتوجُّعه على رفقائه أولياءِ الله تعالى، وممِاّ يَعضد هذا أنَّ الإمام قد قال (شوقًا) بالتنكير، والنكرة تدلُّ على الشمول والعموم، والله أعلم.

رابعًا: إیهٍ

اسم فعل معناه: زدْ من الحديث أو الفعل(1)، منقول من اسم صوت(2)، وهو إذ ينَّون فللتنكير(3)، وقيل: للوصل(4)، ولعلَّ الأقرب إلى طبيعة استعماله أنَّ التنوين فيه يزيد من مبالغته موازنةً بغير المنوَّن(5).

ص: 131


1- ينظر: العين: 4 / 103 (إیه)، وإصلاح المنطق: 291، والمقتضب: 3 / 25، والأصول في النحو: 2 / 130، وشرح المفصل: 4 / 31
2- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 302، وشرح الرضي على الكافية: 3 / 84 - 85
3- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 302
4- ينظر: السابق: 3 / 302، وإصلاح المنطق: 292
5- ينظر: اسم الفعل دراسة وطريقة تيسير: 68

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في خطبة له (عليه السلام) في تعظيم ما حُجِبَ عن الناس، وكُشِفَ له، والإخبار بما سيكون من أمر الحَجّاج قال فيها: «أمَا واللهِ ليُسلَّطَنَّ عليكم غلامُ ثقيفٍ، الذَّيّالُ، المَيّالُ، يأكُل خَضِرتَكم، ويُذيب شَحمتكَم، إيهٍ أبا وَذَحة!»(1).

في النص (إيه) وهو اسم فعل بمعنى: زدْ من الحديث أو العمل.

وقوله (عليه السلام): (أبا وَذَحة) يُريد الحجاج، وأبو وَذَحة: كُنيتُه، ومن عادة العرب - إذا أرادت أْن تُحقِّرَ إنسانًا وتغضَّ منه - كنَّتْهُ بما يُستحقَر ويُستهان به ولمَاّ كان الإمام يعلم من حال الحجاج نجاسته بالمعاصي والذنوب التي يقترفها مما شوهد بالبصر كانت بمنزلة البعر الملتصق بشَعر الشاء كنَّاه أبا وَذَحة(2).

ومعنى: «إيهٍ أبا وَذَحة» أي: ضاعِفْ يا حَجّاج من ضغوطكِ على الأفراد الذين لم يتَّعظوا وينتصحوا من إمامهم العادل، كنايةً عن استحقاقهم ما يحل بهم من عذاب إلهي، ولا يعني رضا الإمام بذلك(3)، وقريب من هذا المعنى قوله (عليه السلام): «والله إنّ امرءًا يُمَكِّنُ عدوَّه من نفسِه، يعرُق لحمَه، ويَهشِم عُظمَه،

ص: 132


1- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 277، الذيّال: التائه، الميّال: الظالم، الوذَحة: الخنفساء أو ما يلتصق من البَعر بشَعر الشاء
2- ينظر: السابق: 7 / 280 - 281
3- ينظر: نفحات الولاية: 5 / 102

ويَفري جلدَه، لعظيمٌ عجزُه»(1).

ولو عدنا إلى النص العَلوي محلِّ الشاهد لوجدنا أنَّه زاخرٌ بالصور البيانية والبلاغية؛ منها أنَّ الإمام اختار موقعًا دقيقًا ل (إيه) يلائم معناه، وكأنَّه بعد أنْ عدد صفات الحجّاج وما سيفعله بالناس من قتلٍ ونهبٍ واضطهاد، قال له: زد من ذلك، ولو قدَّم (عليه السلام) (إيه) على الصفات لاختلَّ المعنى وفسد، وقيل:

مِمَّ يزيد الحجاج؟! ومن اللمسات البيانية أيضًا أنَّ الإمام (عليه السلام) أَخَّر كنية الحجاج (أبا وَذَحة) إيحاءً منه إلى عدم إطلاق الصفات جُزافًا ما لم تكن هناك حقائق تسوغها أو وقائع تؤسس لها.

خامسًا: دُونَكَ

اسم فعل منقول من ظرف، بمعنى: (خُذْ)، قال سيبويه: «ودُونَكَ: بمنزلة (خُذْ»)(2).

وقولُنا: دونَك زيدًا، معناه: خُذْه فقد أمكنكَ، فاختُصِرَ هذا الكلام الطويل لغرض حصول الفراغ منه بسرعة، ليُبادر المأمور إلى الامتثال قبل أنْ يتباعدَ عنه لهذا دلَّ (دُونك) على المبالغة والتوكيد(3).

ص: 133


1- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 189. يعرُق لحمه: يأكل لحمَه حتى لا يبقى منه شيء على العظم
2- كتاب سيبويه: 1 / 252، وينظر: الخصائص: 3 / 35
3- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 89، والنحو العربي نقد وتوجيه، د. مهدي المخزومي: 204 وأساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين، د. قيس الأوسي: 182

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ فيما حكاه عنه الإمام الباقر (عليهما السلام)، إذ قال: «كان في الأرض أمانان من عذاب الله، وقد رُفِعِ أحدُهما، فدونكمُ الآخرَ فتَمسَّكوا به، أمّا الأمانُ الذي رُفع فهو رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمّا الأمانُ الباقي فالاستغفار»(1).

فيما مرَّ (دونكم) وهو اسم فعل بمعنى: ألزموا أو خذوا.

كلام الإمام (عليه السلام) يشير إلى سبيلين لدفع العذاب الإلهي؛ أحدهما:

رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فوجوده بين الأمة سببٌ في نزول رحمة الباري عز وجل، ورجوعُه إلى الرفيق الأعلى سببٌ في نزول عذابه(2)، لقوله تعالى:

«وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» [الأنفال / من الآية: 33]، أمّا السبيل الآخر فهو الاستغفار، وهو وسيلة لدفع البلاء، ونزول الرحمة الإلهية، ينبغي للمؤمن الإفادة منها، لقوله تعالى: «وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يسْتَغْفِرُونَ» [الأنفال / من الآية: 33]. وفي إيثاره (عليه السلام) اسم الفعل (دونكم) على الفعل الذي بمعناه إشارةٌ إلى أنّ الطلب يستلزم سرعة امتثال المخاطَب، ولا يمكن تأخيره، استثمارًا لنعمة الاستغفار، لا لَّأنه سُيمنُع عن العِباد، فهو باقٍ كما قال الإمام، بل لأنَّ في ذلك حًّثا على الإسراع في التوجُّه إلى الله تعالى، والتوبة من المعاصي

ص: 134


1- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 240
2- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 284

والذنوب، وفي ذلك رضا الله سبحانه، والعكس صحيحٌ أيضًا، وهذا ما صرَّح به القرآن الكريم بقوله تعالى: «سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» [الحديد/ من الآية: 21].

والمراد: سابِقوا إلى سائر ما كُلِّفتم به؛ لأنَّ المغفرة والجنة لا يُنالان إلا بالانتهاء عن جميع المعاصي والذنوب، والاشتغال بكلِّ الطاعات(1)، ووجهُ الشبه واضح بين النصّين القرآنّي والعَلويّ.

ومما يَعضد دلالة اسم الفعل (دونكم) على سرعة الطلب تقديمُ عبارة «فدونكم الآخر فتمسَّكوا به» على ما تعنيه لفظة (الآخر).

سادسًا: شَتّانَ

اسمُ فعلٍ معناه: البعدُ المفرط(2)، أي: «ما اشدّ الافتراق»(3)، مأخوذ من الشَّت: وهو الافتراق والتباعد بين شيئين(4)، تقول: شتاّن زيدُ وعمرو(5)، ولا يجوز عند الأصمعي (ت 216 ه): شتّان ما بين زيد وعمرو، وجوَّزه غيرُه(6).

ص: 135


1- ينظر: تفسير الرازي: 29 / 234
2- ينظر: الأُصول في النحو: 2 / 133، والنحو الوافي: 4 / 142
3- شرح الرضي على الكافية: 3 / 90
4- ينظر: شرح المفصل: 4 / 37
5- ينظر: السابق: 4 / 37 - 38
6- ينظر: السابق: 4 / 38، وشرح شذور الذهب (ابن هشام): 413

وذهب الأستاذ عباس حسن (ت 1978 م) إلى أنَّ «الصحيح الفصيح في (شتان) أنْ يكون الافتراق خاصًّا بالأمور المعنوية، كالعِلم، والفهم، والصلاح»(1) وهذا الكلام مردود بما جاء في نهج البلاغة، إذ استعمله الإمام (عليه السلام) في موضع واحد في التفريق بين عملينِ، والأعمال ليست معنوية خاصة؛ بل منها المعنوية ومنها الحسيَّة، فقال (عليه السلام) في كلماته القصار:

«شتّان ما بين عملينِ: عملٍ تذهبُ لذتُه، وتبقى تَبِعَتُه، وعملٍ تذهب مؤونتُه ويبقى أجرُه»(2).

أراد الإمام (عليه السلام) بالعملين: العمل للدنيا، والعمل للآخرة، وهما شديدا الافتراق؛ لأنَّ العمل للدنيا - أي: من أجل الدنيا - لا يدوم فهو زائل بزوال هذه الدنيا وفنائها، غير أنَّ ما يتبعه من الشقاوة الأخُروية، والعذاب الإلهي باقٍ، أمّا العمل لله تعالى - وإنْ يلحقه جهد وجهاد - ففيه أجرٌ عظيم عند الله تعالى يوم القيامة، وغرض النص الترغيب في العمل الصالح، وعدم التعلقُّ بالدنيا، وقد يكون في دلالة الافتراق إشارة إلى أنَّه ليس بإمكان الإنسان الجمع بين حبِّ الدنيا وحبِّ الآخرة، وفي هذا إيحاءٌ لرفض ازدواجية السلوك الإنساني، لذا كان استعمال اسم الفعل (شتّان) في مقامٍ يقتضيه.

ص: 136


1- النحو الوافي: 4 / 146
2- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 310

سابعًا: عَلیكً

اسمُ فعلٍ منقول من الجار والمجرور، قال سيبويه: «وإذا قال: عليك زيدًا، فكأنَّه قال له: ائتِ زيدًا»(1)، وعليك نفسَك، أي: ألزمها(2).

وأصل (عليك زيدًا): وجَب عليك أخذُ زيدٍ(3)، فالأصل في الظرف والجار والمجرور أنَّه كان يُستعمل مع متعلقِه، أو جزءًا من جملة، وبكثرة الاستعمال حُذف متعلقُه أو الجزء الآخر، وأصبح الاكتفاء به يدل على معنى الفعل(4)، لهذا دلَّ (عليك) على المبالغة والتوكيد لماِ فيه من الاختصار والسرعة(5).

ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في خطبةٍ له (عليه السلام) يوصي بالتقوى.

قال فيها: «فَعَليكم بالجِدِّ والاجتهاد، والتأهُّب والاستعداد والتزوُّد في منزل الزاد»(6).

ص: 137


1- كتاب سيبويه: 1 / 250 - 251، وينظر: المقتضب: 3 / 205
2- ينظر: جامع الدروس العربية، الشيخ مصطفى الغلاييني: 1 / 109
3- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 89
4- ينظر: معاني النحو: 4 / 39
5- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 89، والنحو العربي نقد وتوجيه: 204، وأساليب الطلب عندالنحويين والبلاغيين: 182، والجملة العربية والمعنى: 179
6- شرح (ابن أبي الحديد): 13 / 5، وجاء في موضعين آخرين: 9 / 203، 18 / 373

في النص اسم فعل هو (عليكم) ومعناه: الزموا.

خطاب الإمام (عليه السلام) يشير إلى ضرورة العمل والجد، والتأهُّب من الأهُبة، أي: العدة(1).

والمُراد هنا: ما يدَّخره الإنسان من أعمال صالحة استعدادًا لنزول الموت، وطبيعي أنَّ التزود من هذه الأعمال إنما يكون في (دار الزاد)، أي: دار الدنيا، لقوله تعالى: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى» [البقرة / من الآية: 197].

فمقام النص العَلَوي وما ورد فيه من ذِكر الموت وما يرافقُه من شدة سكراتهِ وأليم إزهاقه، وشدَّة إيلامه، وفجأة إتيانه اقتضى اختيار لفظة تتناسب في شدة أمرها وقوته مع تلك المواقف الشديدة والصعبة، وذلك هو اسم الفعل (عليكم)، هذا فضًلا عن أنَّ دلالةَ الإسراع التي فيه جاءت ملائمة لحث الإنسان على الإسراع في عمل الصالحات هي - أصلًا - طلبٌ قرآني، لقوله تعالى:

«وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ» [آل عمران: 133]، ول (على) دلالة الفوقية والاستعلائية، فكُلُّ شيءٍ يأتي من جهة عُليا يكون سريعًا، ماديًا كان أو معنويًا، ويكون محترًما منفَّذًا على جهة الإسراع الحقيقي.

ص: 138


1- ينظر: العين: 4 / 99 (أهب)

ثامنًا: هَلُمَّ

اسمُ فعلٍ ذكرَه سيبويه فقال: «هَلُمَّ زيدًا، إنما تريد: هاتِ زيدًا»(1)، وقال أيضًا: «هَلُمَّ لي، بمنزلة هاتِ لي»(2) وقيل: بمعنى إيت أو تعال(3)، وما جاء متعديًا منه ب (إلى) فهو بمعنى (أقبِلْ) كقوله تعالى: «هَلُمَّ إِلَيْنا» [الأحزاب / من الآية:

18] وبمعنى (أحضِرْه) كقوله تعالى: «هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ» [الأنعام / من الآية: 150](4).

واختلف اللغويون أيضًا في استعمال (هلُمَّ)(5)، فهو عند الحجازيين بلفظ واحد،أمّا بنو تميم فيصرفونه بحسب المخاطَب(6).

وأيًا كان أصلُه ومعنى الفعل الذي يُفسَّر به، فهو لفظ بمعنى الدعاء إلى الشيء(7)، نُقِلَ إلى أسماء الأفعال لماِ فيه من القوة والمبالغة.

جاء هذا البناء في نهج البلاغة في كلام له (عليه السلام) لبعض أصحابه،

ص: 139


1- كتاب سيبويه: 1 / 241، وينظر: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين: 171 و 174
2- كتاب سيبويه: 1 / 246
3- ينظر: الخصائص: 3 / 35، وشرح المفصل: 4 / 41 - 42
4- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 100
5- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 332، والخصائص: 3 / 35، وشرح الرضي على الكافية: 3 / 100
6- ينظر: المقتضب: 3 / 203، وشرح المفصل: 4 / 41 - 42
7- ينظر: العين: 4 / 56، ومفردات ألفاظ القرآن: 844 - 845 (هلم)

وقد سأله: كيف دفعكم قومُكم عن هذا المقام - يقصد الخلافة - وأنتم أحق به، فقال (عليه السلام): «... وَدَعْ عنك نَهْبًا صِيحَ في حَجَراتهِ...، وهَلُمَّ الَخطبَ في ابن أبي سفيانَ»(1).

في كلام الإمام (هَلُمَّ) وهو اسم فعل معناه: هات. ولا بد من بيان الشطر الأول من عبارة الإمام لأثرها في إيضاح محل الشاهد، فقوله (عليه السلام): «دَعْ عنك نَهْبًا صِيحَ في حجَراته» تضمين لصدر بيت امرئ القيس(2):

[من الطويل] دَع عنك نَهبًا صِیحَ فی حَجَراته *** ولکن حدیثًا ما حدیثُ الرواحلِ ومعنى البيت بإيجاز: أنَّ امرأ القيس يخاطبُ خالدًا وكان قد نزل عنده، وقد نَهَبَ قومٌ إبلَه، فلمّا سمع خالدٌ بذلك أخذَ رواحلَ امرئ القيس وتتبَّع الناهبين، غير أنَّه لم يُرجْع إبلَه ولا رواحلَ امرئ القيس(3)، ووجه مشابهته لمَاِ فيه الإمام (عليه السلام) أنَّ الإمام يخاطبُ السائلَ وكأنَّه يقول: إنَّ السابقين من الخلفاء - وإنْ كان لهم موقف في الخلافة - فحديثُهم مفهوم، إذ لهم الاحتجاج بالقدمة في الإسلام والهجرة، وقُرْب المنزلة من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكونهم

ص: 140


1- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 241، النهب: الغنيمة، حجراته: نواحيه، وجاء هذا البناء في موضع آخر: 15 / 183
2- ديوان امرئ القيس، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم: 94
3- ينظر: ديوان امرئ القيس: 94، وشرح (ابن أبي الحديد): 9 / 244 - 245

من قريش، فَدَعْ ذِكرَهم(1)، ولكن «هَلُمَّ الخطب...» أي: هات ما نحن فيه الآن من خطْب معاوية، والخطب: الأمر العظيم، يريد (عليه السلام): الأحوال التي أدت إلى أنْ صارَ معاوية الطليق ابن الطليق منازِعًا في الرياسة، مع بعْدِه عنها، حتى صار قائمًا عند كثير من الناس مقامه(2).

فالتعبير ب (هلُمَّ) اقتضاه مقام النص المشحون بالشدة والانفعال جرَّاء فتن معاوية ونزاعه على الرياسة وهو بعيد عنها، هذا فضلاً عن أنَّ اختيار (هلُمَّ) جاء منسجمًا مع تردد السائل وشكِّه، وعدم ثباته في عقلهِ وأمورِه، إذ وصفه الإمام في أول الخطبة قائلاً له: «إنك لقلقِ الوَضين»، والوضين: بطان القتب، وحزام السرج أراد الإمام من ذلك: اضطرابه؛ لأنه يُرسلُ في غير سَدَد - كما عبَّر (عليه السلام) -أي: يتكلم في غير استقامة(3).

ولو عدنا إلى القرآن الكريم لوجدْنا أنَّ (هلُمَّ) استُعمِل في موضع الشك والتردد وعدم العِلم، قال تعالى: «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ، قُل

ص: 141


1- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 295
2- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 246، وشرح (البحراني): 3 / 295
3- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 242، وشرح (البحراني): 3 / 293

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا» [الأنعام: 148 - 150].

فقوله تعالى: «قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ» يشير إلى أنَّ القائلين بهذا القول يتَّبعون ظنونهم؛ لأنَّهم لا يمتلكون عِلمًا ولا حجة(1)، لذا جيء ب (هلُمَّ) لشدته في الدلالة على الأمر، لمِا فيه من التوكيد والمبالغة، وانسجامًا مع تردُّد المخاطَبين وجهلهم.

وخلاصة ما تقدم أنَّه لمّا كانت أسماء الأفعال «أبلغ وآكد من معاني الأفعال»(2) التي بمعناها، والتوكيد يُستعمَل حيث يراد «تقوية المؤكَّد وتمكينه في ذهن السامع وقلبه»(3) جيء باسم الفعل (هلُمَّ) في نصوص يحمل مخاطَبُها صفةَ التردد والشك والجهل، وهذا ما رأيناه في النصَّين القرآنّي والعَلَويّ.

تاسعًا: هَیهات

اسمُ فعلٍ ذكره سيبويه في باب الظروف المُبهَمة غير المتمكنة الشبيهة بالأصوات(4)، وأكد ذلك المبرّد(5).

ص: 142


1- ينظر: التبيان: 4 / 309
2- شرح الرضي على الكافية: 3 / 89
3- معاني النحو: 4 / 112
4- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 285 و 291 - 292 و 302
5- ينظر: المقتضب: 3 / 182

أمّا ابن جني - صاحب الإبداع في علم الصَّرف - فقد حاول تفسير دلالته على الصوت، فرأى أن أصل (هيهات) هو (هَيْهَيَة) بزنة (فَعْلَلَة)، قُلبت ياؤه الأخيرة ألفًا لانفتاحها وانفتاح ما قبلها، كما أنَّ أصل: الزوزاة، والدوداة:

الَزْوَزَوة، والدَوْدَوَة(1) أي: أنَّ (هيهات) مصدرٌ نُقِل إلى أسماء الأفعال؛ لأنَّ بناء (فَعْللة) عند ابن جني مصدرٌ يدل على التكرار، إذ قال: «وذلك أنَّك تجد المصادر الرباعية المضعَّفة تأتي للتكرير، نحو: الزعزعة، والقلقلة،...»(2)، فكُرِّر اللفظ لتكرار المعنى(3).

وابن جنّي قريب في تحليله من استعمال (هيهات) في التبعيد، لو أنَّه وضح لنا علاقة تكرار الصوت بمعنى البُعد. ولو جاز لنا الاستدلال بما نستعملُه اليوم من قولنِا: (هُوهُوه) في التبعيد والتعجيز لكان قريبًا من دلالة اسم الفعل (هيهات) على البعد، وإنْ كان كلُّ ذلك وهمًا وتخمينًا كما رأى الرضي(4)، ومما زاد معرفة أصله تعقيدًا أنه خاص بالعربية من دون اللغات الأخُر(5).

ص: 143


1- ينظر: الخصائص: 3 / 41، والزوزاة: مصدر زوزى الرجل، نصب ظهره وقارب الخطو، والدوداة: أثر الأرجوحة
2- السابق: 2 / 153
3- ينظر: السابق: 2 / 202
4- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 3 / 102
5- ينظر: القاموس المقارن لألفاظ القرآن: 566 (هيهات)

ومن شواهد هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في كتاب له (عليه السلام) بعثه إلى معاوية جوابًا، قال فيه: «.. وما للطُّلَقاءِ وأبناءِ الطُّلقاء، والتمييزَ بين المهاجرين الأوَّلين، وترتيبَ درجاتهِم، وتعريف طبقاتهم؟ هَيْهاتَ! لقد حَّن قِدْحٌ ليس منها، وطَفِقَ يحكم فيها من عليه الحُكم لها»(1).

فيما مرّ (هَيهات) وهو اسم فعل بمعنى: (بَعُدَ).

يُشير النص إلى إنكار الإمام (عليه السلام) على معاوية تعرضَه بالمفاضلة بين أعلام المهاجرين(2)؛ لأنَّ معاوية ليس أهلاً لمثل هذا الحكم؛ لصِغَر شأنه وحقارته في مثل هذه الأمور الكبار، إذ هو طليق وابن طليق(3)، والطلقاء: هم الذين أُسروا في الحرب ثم أُطلقوا، وكان منهم أبو سفيان ومعاوية(4).

ولخطورة ما قام به معاوية من عملٍ ابتدأ الإمام (عليه السلام) النصَّ بالاستفهام الاستنكاري، مستعملاً صفات الذمِّ والتحقير، وقوله: (هَيْهات) يعزِّز هذا الاستحقار، في إشارة إلى استبعاد معاوية لمثل هذا الحكم(5)، ومما زاد هذا الاستبعاد تضمينُه (عليه السلام) عبارة: «حَّن قِدْحٌ...» والقِدْح: أحد قدِاح

ص: 144


1- شرح (ابن أبي الحديد): 15 / 181، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 1 / 203، 213، 8 / 244
2- ينظر: السابق: 15 / 191
3- ينظر: شرح (البحراني): 4 / 437
4- ينظر: نهج البلاغة، شرح الشيخ محمد عبده: 3 / 415
5- ينظر: شرح (البحراني): 4 / 437

الميسر، والمعنى: أنَّه إذا كان القداح من غير جوهر إخوته، ثم أجاله المفيض خرج له صوت يخالف أصواتها؛ لأنَّه ليس من جملة القِداح، وهو مثل يُضرُب لمن يمدح قومًا ويطريهم ويفتخر بهم مع أنه ليس منهم(1)، وقد استعمله (عليه السلام) تمكيناً للمعنى وتثبيتاً له في نفس المخاطَب(2)، لأن للمثل تأثيرًا عجيبًا في قلوب السامعين للمعنى الذي يتركه في نفس المتلقي(3).

ص: 145


1- ينظر: مجمع الأمثال، الميداني، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد: 1 / 191 (المثل: 1018)
2- ينظر: الجملة العربية والمعنى: 135
3- ينظر: أمثال القرآن، ابن القيم الجوزية، تح: د. موسى علوان: 11

المبحث الثانی: المبالغة بالمجموع

اشارة

ومعنى المبالغة في الجمع لا يختلف عما ذكرناه من قبل؛ لأنَّه يعني الكثرة، سواءٌ أكانت تلك الكثرة في الفعل أم كانت في العدد، وتأتي هذه الدلالة - في الغالب - من أبنية متعددة، يمكن تقسيمها على النحو الآتي:

أولاً: أبنیة جمع الجمع

المراد بجمع الجمع: أنْ تُجمعَ بعض الجموع للمبالغة في الدلالة على التكثير مثل (أقوال) جمع، وقد جُمعَ على (أقاويل)، قال سيبويه: «وإنما قلت: أقاويل، فبنيتَ هذا البناء حين أردتَ أْن تُكِّثر وتُبالغ في ذلك، كما تقول: قطَّعه وكسَّره حين تُكثِّر عملَه»(1)، أي: أنَّ التضعيف في (فعَّل) أفاد الكثرة والمبالغة؛ فكذلك جمعُ الجمع يفيد الكثرة أيضًا، وهو سماعي لا يُقاس عليه(2).

ص: 146


1- كتاب سيبويه: 3 / 623، وينظر: أبنية الصرف (الحديثي): 227، والمهذب: 187، وتصريف الأسماء (قباوة): 223
2- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 619، وشرح الرضي على الشافية: 2 / 208، وتصريف الأسماء (قباوة): 223

وللعرب طريقتان في جمع الجمع؛ إحداهما: أنْ يُكسَّر بناء الجمع على مثال ما يشابهه من أبنية المفرد وذلك في (أفعال) جمع (فَعْل) يُجمع على (أفاعيل) نحو:

(أقوال) على (أقاويل) تشبيهًا له ب (أفعال) المفرد في عدد الحروف والحركة والسكون، دونما مطابقة كاملة لحركات الوزن، نحو: إعصار وأعاصير.

والأخُرى: أنْ يُجمعَ بناء الجمع جمعَ مؤنثٍ، نحو: جمِال وجمالات، وبيوت وبيوتات(1).

ويمكن ذكر ما جاء من أبنية جمع الجمع في نهج البلاغة على النحو الآتي:

1. أفاعِل: جَمْعُ (أفْعِلة) نحو: أسقية وأساقٍ، و (أفعُل) نحو: أيدٍ وأياد وأوطُب وأواطبِ، و (أفعال) نحو: أنضاء وأناضٍ(2).

جاء هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في خطبةٍ له (عليه السلام) في توبيخ أهل الكوفة، لتمرُّدهم على أوامره، بمجابهة أهل الشام، قال فيها: «...

وأحثُّكم على جهادِ أهل البَغْي، فما آتي على آخرِ قولي، حتى أراكم متفرِّقين أياديَ سَبَا»(3).

ص: 147


1- ينظر: الأبنية الصرفية (السالم): 236، والتطبيق الصرفي: 114
2- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 618، وأبنية الصرف (الحديثي): 227، الوطب: سِقاء اللبن، أنضاء: جمع (نضِو): البعير المهزول
3- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 70

في النص المتقدِّم بناءٌ بزنة (أفاعل) هو (أيادي) جمع (أيدٍ) وهو جمع (يَد) و (أيادي سبأ) مثلٌ يُضرب في شدة التفرق، ضربه الإمام (عليه السلام) لتفرق أهل الكوفة عن مجالس الوعظ والإرشاد والنصح والذكر(1)، وسبأ: قبيلة من أولاد سبأ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان(2)، وجاء المثل في قصة هؤلاء حين تفرقوا بعد انهيار سد مأرب وسقوطه، فتفرقوا في البلاد(3).

وقوله (عليه السلام): «حتى أراكم متفرِّقين...»، أي: مثلُ تفرُّقِ أيادي سبأ، وهو تشبيه بليغ محذوف الأداة، يحمل بين طياته استعارة تصريحية للقوة(4)، وقصة الَمثل حكاها قولُه تعالى: «وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ» [سبأ / من الآية: 19](5).

لهذا إنَّ لفظ (أيادي) ببنائه الدال على الكثرة والمبالغة استدعاه مقام النصوما فيه من صور معاناة الإمام (عليه السلام) من شدَّة تفرق أهل الكوفة عن طريق الحق، ومما يَعضد هذا أنَّ الإمام عدل عن (أيدي) في أصل المثَل إلى (أيادي) لماِ قلناه.

2. أفاعِلة: هو جمعُ (أفْعِلة) نحو: أسْوِرة وأساوِرة(6).

ص: 148


1- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 405
2- ينظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي: 3 / 181 (سبأ)
3- ينظر: مجمع الأمثال: 1 / 275، ورواية المثل هنا (أيدي سبأ)، (المثل: 1454)
4- ينظر: البيان والتبيين، الجاحظ، تح: عبد السلام هارون: 4 / 55
5- ينظر: الأمثال والحكم المستخرجة من نهج البلاغة، محمد الغروي: 75
6- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 619، وأبنية الصرف (الحديثي): 227

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ فيما جاء في الخطبة المسمّاة ب (القاصعة) وهي في ذمِّ الكِبَر، إذ قال (عليه السلام): «ولقد دخلَ موسى بنُ عِمرانَ ومعه أخوه هارونُ (صلى الله عليهما) على فرعونَ، وعليهما مَدارع الصُّوف وبأيديهما العِصِيُّ، فشرطا له - إنْ أسلمَ - بقاءَ مُلكهِ، ودوامَ عزِّه، فقال: ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوامَ العِزِّ... وهما بما ترَون من حالِ الفَقر والذُّل، فهلّا أُلقيَ عليهما أساوِرةٌ من ذَهب»(1).

في النص بناءٌ بزنة (أفاعِلة) هو (أساوِرة) جمع (أسْورة) وهو جمع (سوار) وهو محَكيٌّ بنص الإمام (عليه السلام) على لسان فرعون.

ولمّا كان «مدارُ هذه الخطبة على النهي عن الكِبَر والتوبيخ عليه، وعلى ما يلزمه من الحميَّة والعصبيَّة لغير الله تعالى ليكون الناس على ضدِّ ذلك من التواضع والرفق»(2) اقتضى التعبير بما يلائم تلك المعاني من حيث الشدة، فاستعمل الإمام بناء (أساورة) المفيد للكثرة والمبالغة في إشارة إلى استنكار فرعون للشرطين اللذين عرضهما موسى وهارون (عليهما السلام) من قبيل بقاء المُلك، ودوام العز، واحتقاره لهما لمِا رأى عليهما من زيِّ الفقر والذل، وليس عليهما من آثار الغنى، هو التحلي بأساورة الذهب؛ لأنَّ الفراعنة يومذاك كانوا يعتقدون أنَّ

ص: 149


1- شرح (ابن أبي الحديد): 13 / 152
2- شرح (البحراني): 4 / 234 - 235

الرؤساء يجب أنْ يزيِّنوا أنفسهم بالأساور والقلائد الذهبية(1)، وهي هيأة من شغف بحطام الدنيا وزخرفها.

ومما ناسبَ شدة التوبيخ أنَّ العبارة بدأت ب (هلّا)، في حين أنَّ القرآن الكريم استعمل (لولا) في قوله تعالى: «فلولا أُلقيَ عليه أسوِرة مِّن ذهب» [الزخرف / من الآية: 53] و (هلّا) أشد في التوبيخ من (لولا) لما فيه من التشديد فلكلِّ نصٍ مناسبتُه، ولكلِّ نظم دلالته التي تقتضيه ويقتضيها، ومن الجدير بالذكر أنَّ (أسْوِرة) في الآية المباركة قرأها الجمهور (أساورة)(2).

3- أفاعيل: جمعُ (أفْعال) نحو: أنْعام وأناعيم، وأقوال وأقاويل(3).

ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في خطبةٍ له (عليه السلام) في النهي عن التسرّع بسوء الظن، قال فيها: «أيُّها الناس، مَن عَرَفَ من أخيهِ وثيقة ديِن، وَسدادَ طريق، فلا يسمَعَنَّ فيه أقاويلَ الرجال»(4).

أقاويل: جمع (أقوال) وهو جمع (قَوْل).

ص: 150


1- ينظر: شرح (البحراني): 4 / 273، والأمثل: 16 / 73
2- ينظر: السبعة في القراءات، ابن مجاهد، تح: د. شوقي ضيف: 587، ومجمع البيان: 9 / 85، وتفسير البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، تح: عادل أحمد، وعلي محمد معوض: 8 / 24، ومعجم القراءات، د. عبد اللطيف الخطيب: 8 / 385
3- ينظر: أبنية الصرف (الحديثي): 227
4- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 72، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 6 / 263، 9 / 40، 14 / 47

النص يشير إلى نهي الإمام (عليه السلام) عن التسرُّع في تصديق ما يُقال من العيب والقدح في حق الإنسان المستور الظاهر، المشتهر بالصلاح والخير، وهو خلاصة قوله سبحانه: «إِنْ جاءَكُمْ فاسِق بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنوُا أَنْ تُصِيبُوا قوما بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» [الحجرات / من الآية: 6](1)، إذ ليس من الحكمة التصديق بكلِّ ما يُقال أو يُسمع؛ لأنَّ مِن الرجال مَن شأنه المبالغة في الكلام، وتحريف ما يقول.

فاستعمال كلمة (أقاويل) بهذا البناء يوحي لنا بكثرتها، فضلاً عن تباينها واختلافها؛ فمنها أقوال صادقة، وأخرى كاذبة(2).

4- فُعُولات: وجمُعَ عليه (فُعول) نحو: بَيت بُيوت بُيوتات(3).

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في عَهْده (عليه السلام) إلى مالك الأشتر (رضوان الله عليه)، إذ قال: «ثم انظرْ في أُمور عُمّالك،... وتوَخَّ منهم أهلَ التَّجربةِ والحياء؛ من أهل البُيوتات الصالحة»(4).

البيوتات: جمعُ جمعٍ ل (بُيوت) للمبالغة والتوكيد(5).

ص: 151


1- ينظر: السابق: 9 / 72
2- ينظر: دلالات جموع التكسير في نهج البلاغة، د. فيصل اللامي، و م. عباس إسماعيل (بحث): 135
3- ينظر: أبنية الصرف (الحديثي): 227
4- شرح (ابن أبي الحديد): 17 / 68
5- ينظر: حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة، الكيذري، تح: الشيخ عزيز الله العطاردي: 2 / 544

الإمام (عليه السلام) يطلب من عامله أن يتحرَّى ويقصد أهل البيوتات الصالحة أي: الأُصَلاء في الشَّرف، والعُرَفاء في الصَّلاح؛ لأنهَّم أهل دراية في إدارة شؤون المجتمع، ولعلَّهم لّما كانوا فُرادى يُشار إليهم بالبَنان عبَّر عنهم بجمع الجمع لتمجيدهم وتعظيمهم.

5- فُعُلات: وجُمِعَ عليه (فُعُل) نحو: طُرُق وطُرُقات(1).

ومن شواهد هذا البناء في نهج البلاغة ما ورد في خطبة له (عليه السلام) في تعظيم ما حُجِبَ عن الناس، وكُشِفَ له، قال فيها: «ولو تعلمون ما أعلم مماّ طُوِيَ عنكم غَيبُه، إًذا لَخرجُتم إلى الصُّعُداتِ، تَبكُون على أعمالكِم، وَتلَتدمون على أنفسِكم»(2).

الصُّعُدات: جمع (صُعُد) وهو جمع (صَعِيد)، والصعيد: وجه الأرض، قال تعالى: «فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا» [النساء / من الآية: 43](3).

يحذِّر الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من الخطبة الناسَ الذين يُبدُونَ الضعف في مجاهدة العدو؛ في أنَّ الآفاق الُمعتِمة إنما تكمن أمامكم، والمستقبل المظلم ينتظركم، يريد بذلك ما سيحلُّ بالأمة من فِتَن الحَجّاج وجرائمِه، إذ لو

ص: 152


1- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 619، وأبنية الصرف (الحديثي): 227
2- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 277، تلتدمون: من الالتدام، وهو ضرب الوجه ونحوه. وجاء هذا البناء في موضع آخر: 7 / 181
3- ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 484 (صعد)

عَلِم الناس بهذا، وهو مما غاب عنهم علمُه، وعَلِمَه هو من طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لهاموا على وجه الأرض باكين من تقصيرِهم في أعمالهم من شدة الخوف(1).

ومما يؤكد أنَّ الإمام (عليه السلام) قد عَلِم هذا من طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّنا نجد المعنى نفسَه في السُّنّة النبويَّة الشريفة، إذ ورد عن أبي ذر(2) (رضوان الله عليه): «قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ) حتى ختمها، ثم قال: إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون...

والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا،... ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله عز وجل»(3).

فاستعمال لفظ (الصُّعُدات) ببنائه الصرفي الدال على الكثرة والمبالغة جاء مناسًبا لّجو النص المليء بالشدة والخوف؛ لأنَّ الشخص الذي يُبتلى بمصائبَ عظيمةٍ بحيث ينسى كلَّ شيءٍ إلا إنقاذ نفسِه يخرج هائمًا في الفلوات من شدة

ص: 153


1- ينظر: شرح (البحراني): 3 107 - 108، ونفحات الولاية: 5 / 97 - 98
2- هو جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد، من بني غفار، من كنانة بن خزيمة، أبو ذر، صحابي جليل، من كبارهم، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة وكان خامسًا، يُضرب به المثل في الصدق، مات في الربذة زمن عثمان سنة ( 32 ه)، ينظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب: 1 / 252، والأعلام: 2 / 140
3- المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، تح: مصطفى عبد القادر عطا: 2 / 554، وينظر: بحار الأنوار: 55 / 107، وروح المعاني: 29 / 168، تجأرون: تفزعون وترجعون

الذعر والخوف(1).

6- فَوَاعِلات: وجمُعَ عليه (فَواعِل) نحو: مَوالٍ ومَواليِات(2).

وردَ هذا البناء في نهج البلاغة في موضع واحد؛ في وصيةٍ له (عليه السلام) كتبها لمن يستعمله على الصدقات، قال فيها: «... ثمَّ احدُرْ إلينا ما اجتمعَ عندك، نُصيِّرْه حيث أمرَ اللهُ، فإذا أخذَها أمينكُ فأوعِزْ إليه ألّا يَحولَ بين ناقةٍ وبين فَصيلها، ولا يمْصُرْ لَبَنَها فيَضُرَّ ذلك بوَلدِها، ولا يجهدنَّها رُكوبًا، وَلْيعدِل بين صَواحِباتِهِا في ذلك وبينها»(3).

صَوَاحبات: جمع (صَواحِب) وهو جمع (صاحبة).

يبيِّن الإمام (عليه السلام) في هذا النص الآداب التي يجب أنْ يلتزمها آخذو الصدقات والزكاة. منها كيفية التعامل مع الحيوانات، فَلحِرصه الشديد على إقامة العدل بين الحيوانات، ورفقِه بها عبَّر (عليه السلام) عنها ب (صواحبات) رأفةً بها إذ لا ينبغي إذلالها، أو المبالغة في إجهادها، وألّا يُقتصر على مجموعة منها في العمل أو الركوب من دون باقي المجموعات(4).

ص: 154


1- ينظر: توضيح نهج البلاغة: 2 / 230
2- ينظر: أبنية الصرف (الحديثي): 228
3- شرح (ابن أبي الحديد): 15 / 152، ولا يمصُر: المَصْر: حلب ما في الضرع جميعه
4- ينظر: دلالات جموع التكسير: 143 / 144

وبهذا المعنى أيضًا صرَّح الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ قال:

«للدابة على صاحبها خصال ست: يبدأ بعلفها إذا نزل، ويعرض عليها الماء إذا مرّ به، ولا يضرب وجهها، فإنهّا تُسبِّح بحمد ربِّها،... ولا يُحمّلها فوق طاقتها، ولا يُكلّفها من المشي ما لا تطيق»(1).

وبهذه النماذج من حقوق الحيوان في الشريعة المقدسة يكون الإسلام قد سبق كلَّ الدساتير والقوانين الوضعية التي كفلت ذلك.

ثانیًا: أبنیةٌ أخر للجمع

تأتي المبالغة من أبنية أُخر، شأنها شأن استحصالها من أبنية جمع الجمع، ويمكن إيرادها على النحو الآتي:

1. فُعَلاء وأَفْعِلاء وإنما جمعتهما لأنهما بناء واحد كما سيتضح. أمّا (فُعَلاء) فهو بناءٌ يطَّرد جمعًا ل (فَعِيل) وصف مذكر عاقل، غير مُضَعَّفٍ ولا مُعتل اللام، بمعنى (فاعِل، أو مُفْعِل، أو مُفاعِل) نحو: (كريم وكُرَماء)، و (سميع وسُمَعاء)، و (نديم ونُدَماء)(2).

ص: 155


1- بحار الأنوار: 61 / 201
2- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 634، وشرح الرضي على الشافية: 2 / 157 - 157، وشذا العرف: 104 - 105، ومعاني الأبنية: 165

ويأتي هذا البناء أيضًا جمعًا لوصف على (فاعل) و (فُعال) إذا دلّا على سجية مدح أو ذم، نحو: (عالم وعُلماء)، و (جاهل وجُهلاء)، و (شجاع وشُجعاء)(1).

وإنّما دلَّ هذا البناء على السجايا والغرائز؛ لأنَّه جمع (فعيل)، و (فعيل) بناء يدل على المبالغة في الوصف؛ لأنَّه يدل على السَّجايا والطِّباع، ويدخل في هذا البناء من (فاعل) أو غيره ما يدل على ذلك(2). ونظير (فُعَلاء) في المُضعَّف اللام (أفْعِلاء)، قال سيبويه: «باب ما بُني على (أفعِلاء) وأصلُه (فُعَلاء) وذلك: (سَرِيٌّ وأسرياء، وأغنياء، وأشقياء)، وإنما صرفوها عن سُرَواء وغُنَياء؛ لأنهم يكرهون تحريك الياء والواو وقبلهما الفتحة، إلّا أن يخافوا التباسًا في (رَمَيا) و (غَزَوا) ونحوهما... فلمّا كانت الحركة تُكره وقبلها الفتحة، وكانت (أفعِلاء) قد يُجمعُ بها (فعيل)، فرُّوا إليها كما فرُّوا إليها في التضعيف في (أشداء) كراهية التضعيف»(3).

وإلى هذا ذهب المُبرّد وابن جني والرضي وابن عقيل والحملاوي، ود.

فاضل السامرائي(4).

ص: 156


1- ينظر: المقتضب: 2 / 217 - 218، والخصائص: 1 / 382
2- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 632، وشرح ابن عقيل: 2 / 468، والمنهج الصوتي للبنية العربية، د. عبد الصبور شاهين: 140
3- كتاب سيبويه: 4 / 392 - 393
4- ينظر: المقتضب: 2 / 207 - 208، والمحتسب: 2 / 276، وشرح الرضي على الشافية: 2 / 137، وشرح ابن عقيل: 2 / 468، وشذا العرف: 104 - 105، ومعاني الأبنية: 165

وشذَّ (أفعِلاء) في الصحيح، نحو: صديق وأصدقاء(1).

ولّما كان البناء واحدًا دلَّ على معنى واحد أيضًا، وهو السجايا والغرائز، وكلُّ ذلك على المبالغة في تمكُّن الصفة من الموصوف.

فالفرق بين (فُعَلاء) و (أفعِلاء) - إذًا - أنَّ (فُعَلاء) في الصحيح غير المضُعَّف ولا معتل اللام، و(أفْعِلاء) فيهما.

وقد ورد بناء (فُعَلاء) في نهج البلاغة في خطبةٍ له (عليه السلام) في ذكر صفات الملائكة،إذ قال: «فهم أُسَراءُ إيمانٍ، لم يَفُكَّهُم مِن رِبْقَتهِ زيغٌ ولا عُدولٌ»(2).

أُسَراء: جمع (أسير) من «الأسْر: الشد بالقيد، من قولهم: أسرتُ القتب وسُمِي الأسير بذلك، ثم قيل لكلِّ مأخوذٍ ومُقيَّد وإنْ لم يكن مشدودًا: ذلك»(3).

تحدَّث الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع عن صفات الملائكة، وكأنَّه (عليه السلام) يوصي الناسَ بأنكم إذا أردتم أن تُصبحوا كالملائكةِ، وتسلِكوا سُبُلَ التقرب إلى الله تعالى، فما عليكم إلا التحلّي بهذه الصفات(4) التي منها أنهَّم «أُسَراء إيمان» أي: أنهَّم يعيشون في ظل الإيمان بالله سبحانه، قد استحكمت

ص: 157


1- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 636، والمهذب: 180
2- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 425، الرِبقة: الحلقة من الحبل، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 1 / 91، 9 / 229، 10 / 133
3- مفردات ألفاظ القرآن: 76 (اسر)
4- ينظر: نفحات الولاية: 4 / 75

العقيدة من نفوسهم، بحيث لا يمكن أن يطرأَ عليهم شيءٌ من العوارض التي تمرُّ على البشرِ فيُخرِجهم عن إيمانهم، فلا يحرفهم عن طريق الإيمان جَوْرٌ، ولا عدول عن الحقِ كما هو حال البشر وطبيعتهم(1).

فلفظ (أُسَراء) بحكم بنائه الصرفي قد بيَّن مدى استحكام إيمان الملائكة، وكأنَّ الإيمان سجيَّة في نفوسهم، أو طبيعةٌ راسخة فيهم، لا يمكن أنْ تزول عنهم، كالأسير الذي شُدَّ بالقيد، ولو قال (عليه السلام): (أسيرو إيمان) لمَا كان مناسبًا لمرتبة إيمان الملائكة وتقواهم.

أمّا بناء (أفْعِلاء) فقد وَرَد في خطبة له (عليه السلام) في صفة المتقين، قال فيها: «وأمّا النهارَ فَحُلَماءُ عُلماءُ، أبرارٌ أتقياءُ، قد بَراهمُ الخوفُ بَري القِدَاح، ينظرُ إليهم الناظرُ فيحسبُهم مَرضى، وما بالقوم من مَرض»(2).

في النص (أتقياء) جمع (تَقِيّ) «والتقوى:جَعْلُ النفس في وقايةٍ مما يخاف هذا تحقيقه، ثم يُسمّى الخوف تارةً تقوًى، والتقوى خوفًا، حسب تسمية مقتضى الشيء بمقتضيه والمقتضي بمقتضاه»(3).

لمّا فرغ الإمام (عليه السلام) من ذِكْر صفات المتَّقين في الليل شرع في ذكر

ص: 158


1- ينظر: شرح (السيد عباس): 2 / 92
2- شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 133، وينظر هذا البناء أيضًا: 2 / 11، 298 / 150، 18 / 325
3- مفردات ألفاظ القرآن: 881 (وقى)

صفاتهم في النهار، ومنها التقوى، ومعناها هنا: الخوف من الله، بل أشد درجات الخوف(1) ولشدة خوفهم من الله تعالى شبههم الإمام (عليه السلام) ببري القداح، أي: السهام، ووجه التشبيه شدَّة النَّحافة(2)، إذ يصل الأمر بهم أنَّ من يراهم يحسبهم مرضى وما هم بمرضى.

ومما ناسب شدة التعبير تلك أنَّ الإمام (عليه السلام) قال: «وأما النهَّار» ولم يقُل مثلًا: وأمّا في النهار، إيحاءً منه إلى استمرار تلك الصفات منهم. كلُّ ذلك يدلُّ على المبالغة في المدح والثناء.

2. فُعّال (بضم الفاء وتشديد العين) بناء يطَّردُ في جمع (فاعل) وصف صحيح اللام، نحو: راكب ورُكّاب، وغائب وغُيّاب، وندر مجيؤه جمعًا ل(فاعلة)، نحو: صادة وصُدّاد، وندر في اُلمعتِّل أيضًا نحو: غازٍ وغُزّاء(3).

ويدلُّ هذا البناء على التكثير والمبالغة؛ لأنه مشدّد العين، والتشديد يدل على.

التكثير والمبالغة غالبًا، ولو لم يُرَد هذا المعنى لَجُمِعَ بالواو والنون(4).

ص: 159


1- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 418
2- ينظر: السابق نفسه والصفحة نفسها
3- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 631، والمقرّب: 2 / 122، وارتشاف الضرب من لسان العرب، أبو حيان، تح: د. رجب عثمان: 1 / 440، وشذا العرف: 103
4- ينظر: معاني الأبنية: 148 - 149

والتكثير في هذا البناء إنما هو للقيام بالفعل، لا لتكثير العدد؛ لأنه وصف، والوصف أقربُ إلى الفعل من الاسم(1).

ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة ما جاء في خطبةٍ له (عليه السلام) في صفة من يتصدّى للحكم بين الأمة، وهو ليس لذلك بأهل، قال فيها: «... إلى الله من مَعْشٍر يعيشون جُهّالا،ً ويموتون ضُلّالاً»(2).

جُهّال: جمع (جاهل) والجهل خُلوُّ النفْس من العِلم، أو فعل الشيء بخلاف ما حُّقه أنْ يُفعل(3)، وضُلّال: جمع (ضال) و «الضَّلال: العدول عن الطريق المستقيم»(4).

بعد أنْ استهلَّ الإمام (عليه السلام) هذه الخطبة بتعداد صفات من يتصدَّى للحكم والقضاء اختتم كلامه بالشكوى إلى الله تعالى ممن «يعيشون جُهّالاً» أی:

جاهلين بالأحكام والسُّنّة أشد الجهل، وممن «يموتون ضُلّالاً» أي: أنهم ضالّون إلى حين مماتهم، لا يهتدون إلى سواء السبيل(5).

ص: 160


1- ينظر: السابق نفسه والصحيفتين نفسيهما
2- شرح (ابن أبي الحديد): 1 / 284، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 1 / 283، 6 / 13، 372 / 116، 17 / 19، 18 / 346
3- ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 209 (جهل)
4- السابق: ع 509 (ضل)
5- ينظر: توضيح نهج البلاغة: 1 / 113

فالنص يصوِّر لنا صعوبة ما مرَّ به الإمام (عليه السلام)،إذ عاشر أُناسًا أخذ منهم الجهل مأخذه، وتفشَّى فيهم؛ أُناسًا غاصوا في طريق الضلالة، فلم يتركوا طريقًا من طرقها إلا سلكوها، ولو قال (عليه السلام): (جَهَلَة، ضَلَلة)، لمَا دلّا على تلك الكثرة والمبالغة في الجهالة والضَّلالة(1)، ولَما كان مناسبًا أيضًا مع دلالة الفعلين المتقابلين (يعيشون، ويموتون) على استمرار الحدث.

4. فُعَّل (بضم الفاء وتشديد العين المفتوحة) بناء يطَّرد جمعًا لوصفٍ على (فاعل) و (فاعِلة)، نحو: ضُرَّب في: ضارب وضاربة(2).

ويدل هذا البناء - كسابقِه - على التكثير والمبالغة في الفعل، فهو لا يختلف عن بناء (فُعّال) إلا في طول فتحة العين(3)، لهذا ذهب الدكتور فاضل السامرائي إلى أن قصر المَدة أسهم في إضفاء دلالة الحركة والسرعة على بناء (فُعَّل) مع بقاء دلالته على التكثير والمبالغة؛ لأنَّه مضعَّف العين، وتضعيف العين يدل على التكثير غالبًا(4).

ص: 161


1- ينظر: دلالات جموع التكسير: 135
2- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 631، والتطبيق الصرفي: 107
3- ينظر: المنهج الصوتي للبنية العربية: 137
4- ينظر: معاني الأبنية: 152 - 153

من شواهد هذا البناء في نهج البلاغة ما ورد في خطبةٍ له (عليه السلام) في الملاحم،قال فيها: «مالي أراكم أشباحًا بلا أرواح... وأيقاظًا نُوَّمًا!»(1).

نُوَّم: جمع (نائم)، من «نام الرجل ينام نومًا فهو نائم: إذا رقد»(2).

المقطع الذي ذكرتُه من خطبة قالها الإمام (عليه السلام) موبخًا الأفراد الذين ليس لهم أي عمل تجاه ما يجري من الحوادث، فهم (أيقاظ نُوَّم) أي: هم أيقاظ، لكن لعدم انتفاعهم بيقظتهم فهم نائمون، يرون حركة الحياة وما يجري فيها من حوادث سيئة، لكنهم لا يحركون ساكنًا، ولا يدفعون ضيمًا؛ نيِام عن مواجهة ما يجري حولهم(3).

فاستعمال الجمع (نُوَّم) بهذا البناء اقتضاه مقام النص وما فيه من وصف حال الأفراد الذين لا تأثير لهم في المجتمع. كلُّ ذلك للمبالغة في الذمِّ، ومما ناسب هذا أنَّ الإمام (عليه السلام) افتتح كلامه بقوله: «مالي أراكم...» مبالغةً في التعجب من أحوال هذه الأصناف من البشر(4).

ص: 162


1- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 187، وينظر هذا البناء أيضًا في: 6 / 424، 7، 437 / 187
2- العين: 8 / 386 (نوم)
3- ينظر: شرح (السيد عباس): 2 / 217
4- ينظر: منهاج البراعة (الخوئي): 1 / 151

المبحث الثالث: المبالغة ب (أبنیة وأسالیب) أُخر

مَفعَلة (بفتح المیم والعین)

من سُنن العرب في الدلالة على التكثير أنَّهم صاغوا من الثلاثي اللفظ أو الأصل بناءً بزنة (مَفْعَلة) للدلالة على كثرة الشيء الجامد بالمكان، نحو قولهم:

أرض مَسْبَعة ومَأسَدة ومَذأَبة، أي: كثيرة السباع والأسود والذئاب(1).

قال ابن جني في توجيهه قراءة (مَبصْرة) بفتح الميم(2) في قوله تعالى: «فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُّبيِنٌ» [النمل: 13]: «هو كقولك: هدًى ونورًا، وقد كثرت (المَفعَلة) بمعنى الشياع والكثرة في الجواهر والأحداث جميعًا،

ص: 163


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 94، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 188، وشذا العرف: 83، والمهذب: 270، ومعاني الأبنية: 45
2- وهي قراءة الإمام السجاد (عليه السلام) وقتادة، ينظر: المحتسب: 2 / 136، والكشاف: 3 / 139، ومجمع البيان 7 / 366، وتفسير الرازي: 24 / 184

وذلك كقولهم: أرض مَضَبَّة: كثيرة الضِّباب، ومَثْعلة: كثيرة الثعالى.. وأما الأحداث فَكقولك: البِطْنة مْوَسنة، وأكل الرطَب مْوَردة»(1)، و (آياتنا مَبصرة) بفتح الميم «أي: مكانًا يكثُرُ فيه التبصُّر»(2).

و(المفْعَلة) تأتي أيضًا للدلالة على سبب كثرة الشيء(3)، كقول النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «الولد مَجْبَنةَ مَبْخلَة مَحْزَنة»(4)، أي: سبب لكثرة الجبن والبخل والحزن(5).

وهو مع كثرتهِ ليس قياسًا مطّردًا(6)، ورأى مجمع اللغة العربية قياسيته من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثُر فيه الأعيان سواءٌ أكانت من الحيوان أم كانت من النبات والجماد(7).

وأرجع ابن جني دلالة (مَفْعَلة) على الكثرة إلى سببين:

ص: 164


1- المحتسب: 2 / 136، وينظر: مجمع البيان: 7 / 366، موسنة: من الوسن: النعاس، وموردة: محمة، من وردته الحمى: أخذته لوقت
2- الكشاف: 3 / 139، وينظر: تفسير الرازي: 24 / / 184، والبحر المحيط: 7 / 57
3- ينظر: ارتشاف الضرب: 2 / 505 - 506
4- بحار الأنوار: 101 / 97
5- ينظر: روح المعاني: 19 / 168
6- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 94، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 188
7- ينظر: مجمع اللغة العربية في ثلاثين عامًا 1932 - 1962، إبراهيم مدكور: 31، والقرارات النحوية والتصريفية: 417

أحدهما: لماِ فيه من المصدرية، والمصدر يدلُّ على الشِّياع والعموم والسَّعة.

والآخر: لماِ فيه من (التاء)، وهي لمثل ذلك، كرجل راوية، وعلّامة، ولذلك كثرت (المفعلة) في الدلالة على المبالغة(1).

اتضح مما تقدّم أنَّ (التاء) في بناء (مَفْعلة) خرجت عن بابها في التأنيث، ثم أدّت إلى عدوله عن بناء (مَفعَل)، وهو مصدر ميمي خالٍ من معنى الكثرة والمبالغة إلى (مَفعلة) الدال عليهما، وقد وَرَد هذا البناء كثيرًا في نهج البلاغة، حتى إنَّ ابن أبي الحديد (ت 656 ه) لحظ ذلك، وقال: إنَّ «أمير المؤمنين (عليه السلام) كثير الاستعمال ل (مفعل) و (مفعلة»)(2) لمِا من ظروف المَقال من دواعٍ لدلالات هذين البناءين.

ومن تلك المواضع ما ورد في خطبةٍ له (عليه السلام) في الوعظ، قال فيها:

«ومُجالسة أهل الهوى مَنسْاةٌ للإيمان، ومَحْضَرةٌ للشيطان»(3).

في النص كلمتان بزنة (مَفعَلة) هما (مَنْساة، ومحضرة) مشتقتان من الفعلين (نسي، وحضر).

ذكر شُرّاح النهج أنَّ «منْسَاة للإيمان: موضع لنسيانه وداعية للذهول عنه

ص: 165


1- ينظر: المحتسب: 2 / 136 - 137
2- شرح (ابن أبي الحديد): 13 / 151
3- السابق: 6 / 354، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 1 / 133، 7 / 221، 13 / 151، 163

ومَحْضَرة للشيطان: مكانٌ لحضوره وداعٍ له»(1).

النص يُشير إلى نهي الإمام (عليه السلام) عن مجالسة أهل الهوى، وهم الفُسَّاق المنقادون لدواعي الشيطان إلى الشهوات الخارجة عن حدود الله تعالى، ونفَّر عن مجالستهم؛ لأنهَّا مظنة وسبب في نسيان ذكر الله تعالى؛ لأنَّ هؤلاء الفُسّاق أبدًا مشغولون بذكر ما هم فيه من لعب ولهو، خائضون في أصناف الباطل وأنواعه ولا شك في أَّن كَّل محلٍ عُصِیَ فيه الله تعالى كان مَحْضرًا للشياطين، وسببًا في اقتراف المعاصي والذنوب(2)، وصورة النص العَلَوي هذه إنما هي من وحي قوله تعالى: «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ» [المجادلة: 19]، ومن قول النبيِّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ): «المرءُ على دينِ خليلهِ وقرينهِ»(3).

فالمناسبة بين (منساة) وشدّة نسيان الحق والعمل الصالح، وبين (محضرة) وسرعة حضور الأبالسة وحزب الشيطان وجنوده لاءمت الدلالة العامة للنص التي تدعو إلى ترك مجالسة أهل الهوى، ونبذ مرافقتهم، فأيّ مهلكة للإنسان من مصاحبة مَن هو أهل للفسق والطيش وترك التعقُّل والحكمة؟!.

ص: 166


1- نهج البلاغة (عبده): 1 / 134، وينظر: شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للمجلسي، علي أنصاريان: 1 / 469
2- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 285
3- الكافي: 2 / 375

المبالغة بزیادة (یاء) مشدَّدة

من أساليب العرب في الدلالة على المبالغة إلحاقُهم (ياءً) مشدَّدة في آخر الصفات للدلالة على قوة الصفة وتمكنها في الموصوف، قال سيبويه: «فمن ذلك قولهم في الطويل الجُّمّة: جُمَّانيٌّ، وفي الطويل اللِّحْية: (اللِّحْيانيِّ)، وفي الغليظ الرَّقَبة: (الرَّقَبانيِّ)، فإنْ سميت برقبة أو جُمّة أو لحِية قلت: رَقَبِيٌّ ولَحِيٌّ وجُمِّيٌّ ولِحَوِويٌّ، وذلك لأن المعنى قد تحوَّل، إنما أردت حيث قلت (جمانيٌّ) الطويل الجُمّة وحيث قلت (اللِّحيانيّ) الطويل اللحية، فلمّا لم تعنِ ذلك أُجرِيَ مجرى نظائره التي ليس فيها ذلك المعنى»(1).

وأكد ذلك المبّرد في باب من كتابه سمَّاه «ما يقع في النسب بزيادةٍ لِما فيه من المعنى الزائد على معنى النسب»(2).

وقال ابن جني: إنَّ هذه (الياء) من باب «الاحتياط في إشباع معنى الصفة»(3).

والذي يبدو لي مما تقدَّم أنَّ هذه (الياء) قد دلَّت على النسب، فضلاً عن دلالتها على قوة الصفة وتمكنها في الموصوف، وهذا مما يمكن عدُّه من صور العدول للمبالغة، ووجه العدول فيه أنه لم يأتِ على الصورة المعروفة للنسب، وهي: الرَّقبّي

ص: 167


1- كتاب سيبويه: 3 / 380، وينظر: الأصول في النحو: 3 / 82
2- المقتضب: 3 / 144
3- الخصائص: 3 / 104

والجُمّي واللِّحيّ(1) «والغرض من هذا الضرب من التحوّل إنما هو العدول عن إرادة النسب إلى قصد المبالغة»(2) وهذا ما عبَّر عنه سيبويه بتحوُّل المعنى(3).

غير أنَّ هذه (الياء) عند ابن يعيش والرضي والزَّبيدي (ت 1205 ه) أفادت معنى التوكيد والمبالغة من دون إفادتها معنى النسب(4).

ولعلَّ الأقرب إلى دلالة هذه (الياء) ما ذكره المبرّد من أنَّ معناها في هذه الصفات يزيد على معناها في النسب(5)، وأكد ذلك ابن منظور بقوله: «ويروى:

حُوَّليا قُلَّبيا... بياء النسبة للمبالغة»(6)، وكأنَّ «الموصوف بها قد اتخذ من الصفة نسًبا ووشيجًة وُلحمًة، وفي ذلك ما فيه من الدلالة على المبالغة»(7).

وذهب جمعٌ من المفسرين إلى أنَّ (الياء) في كلمة (سخريا) في قوله تعالى:

«فَاتَّخَخذْتُموُهُمْ سِخْرِيًّا» [المؤمنون / من الآية: 110] أفادت النسب، فضلاً عن

ص: 168


1- ينظر: سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 111
2- السابق: 111 - 112
3- ينظر: كتاب سيبويه: 3 / 380
4- ينظر: شرح المفصل: 3 / 139، وشرح الرضي على الشافية: 2 / 4، وتاج العروس: 6 / 510 - 511 (شنح)، 19 / 342 - 343 (سرط)
5- ينظر: المقتضب: 3 / 144
6- لسان العرب: 11 / 186 (حول)
7- سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 93

زيادة قوة لماِ في الفعل(1).

وشاهد هذا البناء في نهج البلاغة ورد في موضعين؛ فيما جاء في قوله (عليه السلام) لأصحابه في الحرب: «واذمُروا أنفسَكم على الطَّعنِ الدَّعْسيِّ، والضَّربِ الطِّلَحْفِيِّ»(2).

الدَّعسي: من: «الدعس بالفتح: الأثر، يقال: رأيت طريقًا دَعْسًا، أي: كثير الآثار،... والدَّعْس: الطعن،... ودعستُ الوعاء: حشوته»(3)، والطعن الدعسيّ:

الشديد الذي يحُشى به أجواف الأعداء(4).

وعلى تفسير معنى (الدعس) ب (الطعن) تكون عبارة الإمام (عليه السلام) من باب وصف الشيء بمُرادفه للمبالغة(5).

أمّا «الضرب الطِّلَحْفي» فمعناه: أشد الضرب(6)، فالياء في اللفظين (الدعسي، والطلحفي) أفادت القوة والمبالغة(7).

ص: 169


1- ينظر: الكشاف: 3 / 44، وجوامع الجامع: 2 / 600، والبحر المحيط: 6 / 389
2- شرح (ابن أبي الحديد): 15 / 114، واذمروا بوزن (اكتبوا): أي: احرصوا
3- الصحاح: 3 / 929 (دعس)
4- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 15 / 114
5- ينظر: الجملة العربية والمعنى: 190
6- ینظر: العین: 3 / 334، ولسان العرب: 9 / 223 (طلحت)، وشرح (السید عباس): 4 / 177
7- ينظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، الراوندي، تح: السيد عبد اللطيف الكوهكمري: 3 / 46، وشرح (البحراني): 4 / 387، وتوضيح نهج البلاغة: 3 / 456

ولمّا كانت ظروف النص ظروفَ حرب تستلزم القوة والشدة في التعامل مع الأعداء، أمر الإمام (عليه السلام) أصحابه بأن يشتدوا في ضرب العدو ضربًا يُظهر أثره في قتلاهم، وطعنًا بالرماح من أشد الطعن(1)، مُدِلًّا على ذلك بمفتتح أمره (واذمروا) إرادةً للحرص على إيقاع الطلب، والاعتناء بتنفيذه وضبطهِ، ومتابعة توازن إيقاعه على نحو الشدَّة.

ومما يقرب من ذلك البناء أيضًا كلمة (رَبَّانيّ) في قوله (عليه السلام) لكميل (رضوان الله عليه): «الناسُ ثلاثةٌ: فعالمِ ربّانيٌّ، ومُتَعلِّمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رِعاعٌ أتباع كلِّ ناعِق، يميلون مع كلِّ ريح»(2).

رَبانيّ: منسوب إلى الربِّ تعالى على غيرِ قياس، بزيادة الألف والنون للمبالغة ومعناه: العارف بالله تعالى، والعالمِ الراسخ في العِلم والدِّين الذي أمر به الله تعالى والذي يطلب بعلمِه وجه الله تعالى ورضاه، وقيل: من الرب بمعنى التربية فكانوا يُرّبون المتعلمين بصغار العلوم قبلَ كبارها، وقيل: العالم العامل المعلِّم(3)، قال تعالى:

«كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ» [آل عمران / من الآية: 79].

ص: 170


1- ينظر: شرح (السيد عباس): 4 / 177
2- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 346، الهمج: الحمقى من الناس، والرعاع: الأحداث الطغام الذين لا منزلة لهم بين الناس
3- ينظر: الزاهر في معاني كلمات الناس، أبو بكر ابن الأنباري، تح: د. حاتم صاح الضامن: 1 / 178، والفائق في غريب الحديث: 2 / 10، والنهاية في غريب الحديث: 2 / 181، وشرح (البحراني): 5 / 323

الفصل الثالث : المبالغة بالأبنیة الفعلیَّة وما فیها معنی الفعلیة

اشارة

المبحث الأول: المبالغة بالأبنیة الفعلیة المجرَّدة المبحث الثانی: المبالغة بالأبنیة الفعلیة المزیدة المبحث الثالث: المبالغة بعدم التصرُّف المبحث الرابع: المبالغة بمصادر أُخر

ص: 171

ص: 172

مدخل

للأبنية الفعلية في اللغة العربية معانٍ متعددة، نحو: التعدية في (أفعَل)، والمشاركة في (فاعَل)، والطلب في (استفعل) ونحو ذلك.

ومن تلك الدلالات الكثرة والمبالغة، وإذا كانت الأفعال تُقسم على (مجرَّدة) و (مزيدة)، فإنَّ دلالة الكثرة والمبالغة قد جاءت كثيرًا من الأبنية الفعلية المزيدة، وقد وردت من الأبنية المجرَّدة بقلَّة، والسبب في ذلك يعود إلى أنَّ دلالة الأبنية المجردة لفظيةٌ معجميةٌ تمثل اللفظَ نفسَه «فالفعلان (قطَع وكسَرَ) يدلان على القطع والكسر وهي دلالة اللفظ نفسه، لكننا لو قلنا: (قطَّع وكسَّر) بالتشديد، فإنَّ صورة اللفظ تنتج لنا دلالة التكثير، وهي دلالة البناء»(1).

فالأبنية المزيدة - إذًا - ذات دلالةٍ صرفية؛ لأنها تحملُ معنى زائدًا يرافق دلالة الكلمة، وقد سمّاها ابن جني (الدلالة الصناعية)، وهي تلي عنده الدلالة اللفظية المعجمية من حيث القوة، إذ قال: «وإنما كانت الدلالة الصناعية أقوى من

ص: 173


1- الدلالة الصرفية عند ابن جني: 4

المعنوية من قِبَل أنَّها وإنْ لم تكن لفظًا، فإنَّها صورةٌ يحملها اللفظ، ويخرج عليها»(1)، وهذه القوة في الدلالة هي التي وصفها بعض الباحثين ب «الترَقي في الدلالة من المعجمية إلى الصرفية»(2). فمعنى اللفظ نفسه يختلف عن معنى البناء؛ «لأنَّ في معنى الوزن زيادة لم تكن موجودة في اللفظة نفسها»(3).

فالزيادة التي تدخل على الأبنية إنّما تقيِّدها بمعانٍ خاصة؛ بعدما كانت تحمل دلالات عامة، وإنْ حاول بعض علماء العربية حصرَ معاني الفعل الثلاثي المجرَّد(4) إلا أنهَّا دلالات للفظ نفسه لا للوزن، منها الدلالة على الدفع، نحو: (درأ وردع، وعتل)، والعطاء، نحو: (منح، ووهب، وبذل)، والمنع، نحو: (حصر، وحبس، وسجن) ونحو ذلك.

ولابد من الإشارة هنا إلى أنَّ الصرفيين قد نسبوا المعاني الصرفية إلى البناء مرةً، وإلى الزوائد مرةً أُخرى؛ فالهمزة - مثلاً - تدل على الصيرورة أو التعريض، وبناء (استفعل) يدل على الطلب(5).

ص: 174


1- الخصائص: 3 / 98
2- الدلالة الصرفية عند ابن جني: 4
3- أوزان الفعل ومعانيها، د. هاشم طه شلاش: 42، وينظر: علم الدلالة، د. أحمد مختار: 13
4- ينظر: شرح التسهيل، ابن مالك، تح: د. عبد الرحمن السيد ود. محمد بدوي: 3 / 442 - 444، ودروس التصريف في المقدمات وتصريف الأفعال، محمد محيي الدين عبد الحميد: 61
5- ينظر: المنصِف: 1 / 77، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 83، وشذا العرف: 39 - 45، والصرف الواضح: 99 - 107

وذهب الدكتور تماّم حّسان (ت 2011 م) إلى أنَّ إسناد المعنى إلى الزوائد يُخرجها عن طابع الزيادة إلى طابع الإلصاق، لذا رأى أنَّ المنهج السليم هو نسبة المعنى الصرفي إلى البناء؛ لأن استخلاص الزائد وعزله - إنْ كان مقبولاً في (السين) و (تاء) الافتعال - فليس مقبولًا في التضعيف والتكرار(1).

فنسبة المعنى الصرفي للبناء أولى من نسبته إلى الحرف الزائد(2)؛ لأنَّ الحرف الزائد عندما يقع في البناء السابق يصير جزءًا من البناء الجديد، فالمعنى يتحصل من البناء كلِّه، لا من الحرف وحده؛ لأنَّ دلالة الحرف اعتباطية عند المشهور من اللغويين(3)، إذْ لو زدنا حرفًا على بناء (فعَل) لتكوَّن بناءٌ جديد يحمل دلالة صرفية مختلفة عن دلالته المعجمية، نحو: (قاتَلَ) فبناؤه يدل على المشاركة.

ومما يؤكد نسبة المعاني الصرفية إلى البناء أيضًا أنَّ بناء (فَعَل) المجرَّد قد يدل على معانٍ صرفية، على الرغم من كونه خلوًا من أيِّ حرف زائد، نحو: «ضنأت المرأة...، إذا كثُر ولدها»(4) و (قد زغَفَتْ البئر أي: كثر ماؤها)(5) و «أذَجَ: إذا أكثر من الشراب»(6).

ص: 175


1- ينظر: اللغة العربية معناها ومبناها: 161
2- ينظر: الدلالة الصرفية عند ابن جني: 5
3- ينظر: كتاب المورد (دراسات فياللغة): 63
4- ديوان الأدب: 4 / 213
5- ينظر: التكملة والذيل والصلة: 4 / 486، وتاج العروس: 23 / 390 (زعف)
6- لسان العرب: 2 / 207 (أذج)

وكما أتت الكثرة والمبالغة من الأبنية الفعلية المزيدة بناءً على أنَّ الزيادة في المبنى تؤدي إلى زيادة في المعنى، فإنهَّا - أي: المبالغة - تجيء أيضًا من أبنية فيها معنى الفعل، كاسم الفاعل، واسم المفعول، والمصدر، لقول ابن الأثير: ولا يوجد ذلك، أي: التوكيد والمبالغة وزيادة المعنى لزيادة المبنى إلّا فيما فيه معنى الفعلية، كاسم الفاعل، والمفعول، وكالفعل نفسه(1).

ولِمَا تقدم فإنني جمعتُ الأبنية الفعلية وما فيها معنى الفعل في حيِّزٍ واحد تجنبًا لتكرار البناء الواحد، ودفعًا لتشتيته على مواضع متفرّقة من البحث، وهو مما يمكن أنْ يُجمع تحت نطاق واحد، إذ إنَّ الأبنية (افتعل، ومفتعِل، ومفتعَل، وافتعال) - مثلًا - ترجع جميعها إلى معنى بناء (افتعل)، فإذا كان الفعلُ المنتمي إلى هذا البناء دالاً على المبالغة، فمن الوارد بلا ندرة أنْ يدل اسم الفاعل واسم المفعول والمصدر من المادة نفسها على المبالغة أيضًا؛ لأنَّ قاعدة الزيادة تنطبق عليها.

وقد يُعترض على ذلك بأنَّ أبنية المبالغة، واسم الفعل، مما يمكن أنْ يُدرسا تحت عنوان ما فيه معنى الفعلية، فلماذا أُفردا في موضعينِ آخرين؟ أقول: صحيحٌ أنَّ أبنية المبالغة فيها معنى الفعلية(2)، غير أنهَّا ليست مشتقةً من الفعل المزيد، قال المبرّد: «اعلم أنَّ الاسم من (فعَل) على (فاعل)، نحو .14/2 ،103/ 198 ، وشرح الرضي على

ص: 176


1- ينظر: المثل السائر: 2 / 198، وشرح الرضي على الكافية: 1 / 103، 2 / 14
2- ينظر: كتاب سيبويه: 1 / 110، والمقتضب: 2 / 112

قولك: ضرب فهو ضارب... فإنْ أردت أنْ تكثِّر الفعل كان للتكثير أبنيةٌ، فمن ذلك (فَعّال»)(1)، لذا هي لا تدخل ضمن تلك الأبنية في حال؛ لأنهَّا مرتبطة بأصل بناء مجرَّد، فقولنا: (غَفّار، وغَفور) - مثلاً - يرجع إلى الأصل (غفر) وهو مجرَّد، لذلك قيل: إنَّ «صيغ المبالغة [لا تجري على حركات وسكنات، وعدد حروف الفعل المضارع]، لذلك لا تُحمل عليه في العمل»(2).

والأمر مختلفٌ تمامًا في هذا الفصل؛ فقولنا: (استغفر، واستغفار، ومستغفِر ومستغفَر) يشير إلى ارتباط هذه الأبنية ببناءٍ واحد مزيد هو (استغفرَ)، ومما هو قريب من هذا التعليل أنّني ذكرت أبنية المصادر الدالة على الكثرة والمبالغة من نحو (تَفعال، وفَعَلان، وفَعَلوت،...) في مبحث مستقل بها، لعدم ارتباطها بأفعالها من جهة البناء، والحديثُ في الأبنية التي تحمل معنى الفعل مختلفٌ؛ لأنَّ تلك الأبنية متشابهة في بنائها المزيد ومعناه.

أمّا أسماء الأفعال فإنها هي الأخُرى التي لا يمكن إدراجها في هذا الفصل - وإنْ كانت تحمل معنى الفعل أيضًا - لأنَّ العربَ «أبعدوا أحوالها من أحوال الفعل المسُمَّى بها، وتناسوا تصريفه؛ لتناسيهم حروفه»(3)، ف (صَه) - مثلًا - «لفظ قد . 112 ، وينظر: المهذب: 238 / 1) ) 89 . ومابين القوسين خطأ والصواب (...لا تجري على حركات الفعل المضارع، - 2) .

ص: 177


1- المقتضب: 2 / 112، وينظر: المهذب: 238
2- الصرف الوافي: 88 - 89. ومابين القوسين خطأ والصواب (... لا تجري على حركات الفعل المضارع، ولا على سكناته وعدد حروفه...)
3- الخصائص: 3 / 47

انصُرفَ إليه عن لفظ الفعل الذي هو (اسكت) وتُرك له، ورُفض من أجله، فلو ذهبت تعاوده، وتتصوره، أو تتصور مصدره، لكانت تلك معاودة له، ورجوعًا إليه بعد الإبعاد عنه»(1)، ولو سلَّمنا - جدلاً - بارتباطها بأفعالها، فالارتباط قائم بالمعنى لا بالبناء، والكلام هنا عن أبنية مرتبطة بالبناء والمعنى كما أشرتُ، فالبون شاسعٌ وواضح بين تلك الأبنية وأسماء الأفعال، إلّا أنَّ الذي دفعنا إلى هذا الإيضاح هو ارتباطها باصطلاح (معنى الفعلية)، فلو عرضنا أسماء الأفعال على دلالة الفعل الذي (هو الحدث المرتبط بزمن)، وعلى بنيته وهي متصرِّفة ب (فَعَل) و (فَعِل) و (فَعُل) وسواها، لتحصَّل لنا الفرق الدقيق بين الفعل واسم الفعل، ولبقِيَ بينهما تلك الدلالة المشتركة بأصل المعنى، المتباينة بالفرق الدلالي الدقيق؛ ف (اسكتْ) طلبُ الكفِّ عن الكلام بزجر، و (صَه) طلبُ الكفِّ عن الكلام بزجر وتقريع وإهانة.

والخلاصة أنَّ هذا الفصل يبحث في جزءٍ منه في الأبنية المزيدة في الغالب، فضلاً عن المجرَّدة، لذلك استبعدتُ منه أبنيةَ المبالغة - المعدولة عن (فاعل أو مفعول) - وأسماء الأفعال؛ لأنَّ أبنية المبالغة مشتقة من المجرَّد لا من المزيد، وأسماء الأفعال - عدا فَعالِ - بعيدة كل البعد عن أبنية أفعالها كما بينَّتُ، ولولا قاعدة الزيادة لدخل تحت عنوان (معنى الفعلية) كثيرٌ من الألفاظ، إذ «لا يُستنكر أنْ يكون في الأسماء غير الجارية على الأفعال معاني الأفعال، من ذلك قولهم:

ص: 178


1- السابق: 3 / 48

مفتاح، ومِنسَج... ونحو ذلك، تجد في كلِّ واحد منها معنى الفعل، وإنْ لم تكن جارية عليه، فمفتاح من: الفتح، ومِنسَج من: النسج»(1).

ومن سُبل المبالغة في الأفعال أيضًا (عدمُ التصرُّف)، وكان لهذا مبحث ذكرتُ فيه (نِعْم وبِئْس) وما يلحق بهما، وصيغتي التعجب (ما أفعَلَه، وأفعِلْ به).

ولا يفوتني التنبيه على الأمور الآتية:

1. إنَّ منهج هذا البحث في ذكر الأبنية التي تحمل معنى الفعل كان في المباحث الخاصة بالأفعال المزيدة فقط من دون المجرَّدة، إلّا بناء (فَعلَل) الرباعي المجرَّد، فدلالة التكرار في بنائه أضفت على معناه دلالة القوة والمبالغة كما سيأتي.

2. إنَّ تقسيم الزيادة في المباحث المعنية بذكر ما فيه معنى الفعل كان بالنظر إلى البناء الفعلي.

3. اعتمدتُ في ترتيب الأبنية داخل كلِّ مبحث على شهرة البناء في الدلالة على التكثير والمبالغة، والوارد في نهج البلاغة فقط.

أما تقسيم الفصل فكان على النحو الآتي:

المبحث الأول: المبالغة بالأبنية الفعلية المجرَّدة.

المبحث الثاني: المبالغة بالأبنية الفعلية المزيدة.

المبحث الثالث: المبالغة بعدم التصرُّف.

المبحث الرابع: المبالغة بمصادرَ أُخر.

ص: 179


1- الخصائص: 1 / 120، وينظر: المثل السائر: 2 / 199

المبحث الأول: المبالغة بالأبنية الفعلية المجرَّدة

أولًا: الثلاثی المجرّد

1. فعُل (بضم العين) ذكر علماء العربية أنَّ هذا البناء يدل على الغرائز وشبهها من الصفات الخِلقية أو التي لها مكث، سواءٌ أكانت تلك الصفات حِليةً أم كانت عيبًا، نحو:

(حسُنَ، وقبُحَ، وكُرمَ، ولؤُم، وجرُؤ، وكبُر، وصغُر، وسهُل).

وقد تُحوَّل بعض الأفعال الثلاثية إلى هذا البناء للدلالة على أنَّ الفعل صار كالطبيعة الملازمة للفاعل، أو كالغريزة له من دون إرادة الحدث(1).

وذهب الطيب البكوش إلى أنَّ (فَعُل) ليس فعلاً بأتَمِّ معنى الكلمة، وإنما

ص: 180


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 28، والخصائص: 1 / 382، والمفصّل في علم العربية، الزمخشري: 278 - 279، وشرح المفصل: 7 / 157، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 74، وشذا العرف: 31، ودروس التصريف: 55، والصرف الواضح: 95، والأبنية الصرفية (السالم): 295

يدل على الاتصاف بصفة(1)؛ لأنَّه يخلو من الدلالة على زمن معين(2).

ولّما كان هذا البناء على حد تعبير أهل اللغة قد وُضِع مختصا بالغرائز، أو الهيأة التي يكون عليها الإنسان، أفاد ابن درستويه (ت 347 ه) من تلك المعاني معنى المبالغة، مستدلاً بفاعل هذا البناء الذي يرد بزنة (فَعيل) الدال على لزوم الوصف في صاحبه على سبيل المبالغة(3)، إذ قال: «لأن هذا البناء يدخل على كلِّ فعل أُريدت المبالغة فيه... إذا جيء بفاعلهما (فَعيل) مثل: ظريف وكريم»(4).

ولابن جني رأيان في توجيه دلالة (فَعُل) على المبالغة، وافق في أحدهما قول ابن درستويه المذكور آنفًا(5)، وذهب في الآخر إلى أنَّ دلالته على المبالغة راجعة إلى عدم تصرُّفهِ، فقولهم: «هَيُؤ الرجل من الهيئة، فوجهُهُ أنَّه خرج مخرج المبالغة، فلحق بباب قولهم: (قَضُو الرجل) إذا (جاد قضاؤه)... وعلتهما جميعًا أنَّ هذا بناء لا يتصرَّف؛ لمضارعته - بما فيه من المبالغة -لباب التعجب، ولنعِم وبئس»(6).

وقد عدَّ الدكتور هاشم طه شلاش (ت 2010 م) معنى الكثرة والمبالغة من

ص: 181


1- ينظر: التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث، د. الطيب البكوش: 86
2- ينظر: الفعل زمانه وأبنيته، د. إبراهيم السامرائي: 30
3- ينظر: الصحيفة (34) من هذا البحث
4- تصحيح الفصيح، تح: د. عبد الله الجبوري: 114
5- ينظر: الخصائص: 2 / 225
6- الخصائص: 2 / 348

المعاني المستدرَكة على بناء (فعُل)(1) مستندًا بذلك إلى ما ورد في المعجمات اللغوية من نحو: «كبُر الأمر، أي عظُم»(2)، و (طمُع الرجل): كثُر طمعُه، و (خرُجت المرأة فلانة)، إذا كانت كثيرة الخروج(3)، و (جرُم)، إذا عظم جرمُه(4)، و (لحُم الرجل):

كثر لحم بدنه(5).

ورأى جملة من المفسرين أنَّ من قرأ (درُسَ) بضم الراء(6) في قوله تعالى:

«وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» [الأنعام / من الآية: 105] أراد المبالغة في (درَست)، أي: اشتدَّ دروسُ هذه الأقوال(7).

ورد هذا البناء في خطبة له (عليه السلام) في وصف الداعي، وذكْر لزوم العمل بالعلم، قال فيها: «واعلم أَنَّ لكلِّ ظاهرٍ باطناً على مثالهِ، فما طابَ ظاهرُه، طابَ باطنهُ، وما خبُث ظاهره، خبُث باطنِه»(8).

ص: 182


1- ينظر: أوزان الفعل ومعانيها: 294
2- ديوان الأدب: 2 / 273
3- ينظر: لسان العرب: 8 / 240 (طمع)
4- ينظر: السابق: 12 / 91، وتاج العروس: 31 / 394 - 395 (جرم)
5- ينظر: المخصص: 2 / 82
6- وهي قراءة الحسن وأُبيّ، ينظر: معجم القراءات: 2 / 513
7- ينظر: الكشاف: 2 / 42، والبحر المحيط: 4 / 200، وتفسير الرازي: 13 / 135، وتفسير أبي السعود المسمى إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، أبو السعود: 3 / 171
8- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 178، ومن نظائره: 18 / 264، 10 / 202، 9 / 226

خبُث: فعلٌ ثلاثي مجرّد بزنة (فعُل) و «الخبيث: ضد الطيِّب، وقد خبثُ الشيء خباثةً، وخبُث الرجل خبثًا، فهو خبيث»(1)، ويأتي (الخبيث) نعتًا لكلِّ شيء فاسد، يقال: هو خبيث الطعم، واللون، والفعل(2).

ظاهر كلام الإمام (عليه السلام) يشير إلى «أنَّ حُسْن ظاهر الإنسان دليلُ حُسنِ عناية الله تعالى، وحبه له. ومِن صِدْق العناية والمحبَّة أنْ يجعل باطنه موافقًا لظاهره، ويفيض عليه لطفه بتوفيقه للعمل الذي يحبه، والاجتناب عما يبغضه من الأعمال»(3)، وإلى هذا أشار الإمام (عليه السلام) بقوله: «من أصلحَ سريرتَه أصلح الله عَلانيتَه»(4).

وقول الإمام (عليه السلام) المسُتشهَد به مصداقٌ لقوله تعالى: «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا» [الأعراف / من الآية: 58].

فاستعمال الفعل (خبُث) جاء ليبيِّن أنَّ صفة (الخبُث) - إنْ تمكنت في صاحبها ولزمت - فإنَّها ستظهر جليَّةً في أفعاله، ومعلوم أنَّ التمكن واللزوم من سُبُل المبالغة.

ص: 183


1- الصحاح: 1 / 281 (خبث)
2- ينظر: تاج العروس: 5 / 236 (خبث)
3- أعلام نهج البلاغة، السرخسي، تح: عزيز الله العطاردي: 147
4- شرح (ابن أبي الحديد): 20 / 68

2. فَعِل (بكسر العين) ورد هذا البناء دالاً على الصفات الملازِمة في الفرح والأدواء وما شابههما نحو: (فرِحَ، ورجِع، وحزِن)، وفي الشبع والامتلاء وضدهما، نحو: (شَبعِ، وظَمِئ، وسَكِر)، والألوان والحلية والعيوب، نحو: (سَوِدَ، وحَوِر، وشَتِر)(1).

والغالب في هذا البناء استعماله في الدلالة على النعوت الملازِمة، والأعراض وكبر الأعضاء(2)، ومن هنا استدرك الدكتور هاشم طه شلاش (رحمه الله تعالى) معنى الكثرة والمبالغة فيه(3)، معتمدًا بذلك على ما ذكره اللغويون من نحو: «مَجِر بالماء: إذا أكثر منه فلم يرَو»(4)، و (قمِل رأسُه): كثُر قملُ رأسِه(5)، و(عجِزت المرأة): عظُمت عجيزتُها(6). وذهب الطوسي (ت 460 ه) والطبرسي (ت 548 ه) والآلوسي (ت 1270 ه) إلى أنَّ الفعل (نكِر) في قوله تعالى: «نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً» [هود / من الآية: 70] دلَّ على المبالغة(7).

ص: 184


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 17، والمفصّل: 278، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 72، وشذا العرف: 30 - 31
2- ينظر: دروس التصريف: 57
3- ينظر: أوزان الفعل ومعانيها: 289 - 290
4- ديوان الأدب: 2 / 234
5- ينظر: أساس البلاغة: 2 / 102، ولسان العرب: 11 / 568، وتاج العروس: 30 / 283 (قمل)
6- ينظر: ديوان الأدب: 2 / 236، والصحاح: 3 / 884، ولسان العرب: 5 / 371، وتاج العروس: 15 /210 (عجز)
7- ينظر: التبيان: 6 / 28، ومجمع البيان: 5 / 303، وروح المعاني: 12 / 95، ومعاني الأبنية الصرفية في مجمع البيان: 101

ومن أمثلة هذا البناء في نهج البلاغة قوله (عليه السلام) في ضرورة الاعتبار بحال الأمُم السالفة: «عبادَ الله، أين الذين عُمِّروا فنَعِموا»(1).

فيما مرَّ بناء بزنة (فعِل) هو (نَعِموا) من «النِّعمة: الحالةُ الحسنةُ»(2).

يخاطب الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من الخطبة الشريفة العباد كافة يدعوهم إلى التأمل في حياة الأمم السالفة، وما حلَّ بها، مستفهمًا على سبيل التذكير والتنبيه والتقريع على كفرانهم جملةً من نِعَم الله تعالى التي يجب أنْ تُقابل بالشكر، فقوبلت بالإساءة؛ فمن تلك النِّعَم أنْ طالت أعمارهم في الدنيا، وامتدت كثيرًا وكانوا في سَعة من العيش، ورغد من الحياة، وتقلُّب كثير في المَلَذَّات(3).

وصورة النص العَلوّي هذه كأنَّها مستوحاة من قوله تعالى في آل فرعون:

«كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ» [الدخان: 25 - 28]، فقد استحضر الإمام (عليه السلام) معاني الكثرة الموجودة في النص القرآني، وعبَّر عنها في فعلينِ يدلان على الكثرة والمبالغة؛ أحدهما: (عُمِّروا) والآخر: (نعِموا).

ص: 185


1- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 275، وله نظيران آخران: 16 / 293، 18 / 179
2- مفردات ألفاظ القرآن: 814 (نعم)
3- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 268، وفي ظلال نهج البلاغة، الشيخ محمد جواد مغنية: 1 / 412، وشرح (السيد عباس): 1 / 506، ونفحات الولاية: 3 / 269

ثانیًا: الرباعی المجرَّد (فَعلَل)

فَعَلل: بناءٌ رباعي مجرَّد(1)، المصدر منه على (فَعْلَلة)، أو (فعلال) بفتح الفاء أو بكسرها(2)، و (مفعلل) بضم أوله وكسر ما قبل آخره اسم الفاعل منه، وبفتح ما قبل آخره اسم المفعول منه(3).

وهو بناءٌ يدل على قوة المعنى وزيادته والمبالغة فيه، قال ابن جني: «فلمّا كانت الأفعال دليلة المعاني كرَّروا أقواها، وجعلوه دليلاً على قوة المعنى المحدث به وهو تكرير الفعل، كما جعلوا تقطيعه في نحو: صَرَصر، وَحقَحق دليلاً على تقطيعه»(4).

وفي تفسير قوله تعالى: «الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ» [يوسف / من الآية: 51] قال جمعٌ من المفسرين: إنَّ (حصحص) دالٌّ على التوكيد والمبالغة في ثبات الحق واستقراره(5)، وبهذا المعنى استعمله شعراء أسد ست مرات منها: كَفكَف، وَقعَقع، وَكرَكر(6).

ص: 186


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 299، وأبنية الصرف (الحديثي): 261
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 85، وشذا العرف: 72
3- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 282، وأبنية الصرف (الحديثي): 185 و 194
4- الخصائص: 2 / 155، وينظر: شرح الرضي على الكافية: 4 / 221، والفعل زمانه وأبنيته: 195
5- ينظر: التبيان: 6 / 153 - 154، ومجمع البيان: 5 / 413، وفتح القدير الجامع بن فنَّي الرواية والدراية من علم التفسير، الشوكاني: 3 / 34، ومعاني الأبنية الصرفية في مجمع البيان: 103 - 104
6- ينظر: الأبنية الصرفية عند شعراء أسد في العصر الجاهلي، حسن عبد المجيد (أُطروحة دكتوراه مخطوطة): 406

ومن أفعال هذا البناء قوله (عليه السلام) فيصفة خَلق آدم (عليه السلام):

«... فجبَل منها صورةً ذات أحناءٍ ووُصول وأعضاء، وفصول أجمدَها حتى اْستْمسكت، وأصْلَدَها حتى صَلصَلتْ لوقتٍ معدود، وأجلٍ معلوم»(1).

وأصل كلامِه (عليه السلام) قولهُ تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» [ الحِجر: 26].

ومعنى (صَلْصَلَتْ): جفَّت وصوَّتت، ومنه (الصَّلصال) والأصل في معناه: ذهاب ورجوع، أو تردد صوت في الأجسام الصلبة، إذا هبت عليها الريح، ثم أُطلقت هذه الكلمة على الطين اليابس؛ لأنه يصِّوت ويُصلصِل، وكلُّ ذي صلابة يُصلصل، والصلصلة أشدُّ من الصليل(2).

وقيل: إنَّ (الصلصال) بمعنى المُنْتَن، من صلَّ اللحم إذا انتنَّ(3)، وهذا التأويل ينقضه قوله تعالى: «خَلَقَ الِإنْسانَ مْن صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ» [الرحمن: 14]، فشبَّه سبحانه وتعالى (الصلصال) بالفخار، وما يبس كالفخار ليس بمُنتَن(4).

ص: 187


1- شرح (ابن أبي الحديد): 1 / 96، الأحناء: جمع حِنو: الجانب. ومن نظائر هذا البناء: 1 / 272، 2 / 284، 2 / 300، 5 / 168، 16 / 295
2- ينظر: العين: 7 / 84، ومعجم مقاييس اللغة: 3 / 277 (صل)، وأعلام نهج البلاغة: 41، وشرح (ابن أبي الحديد): 1 / 97، والأمثل: 17 / 382
3- ينظر: معجم مقاييس اللغة: 3 / 277 (صل)
4- ينظر: تفسير الطبري: 14 / 38، ومعاني القرآن الكريم، النحّاس، تح: الشيخ محمد علي الصابوني: 6 / 23، والتبيان: 6 / 330 - 331

وكلام الإمام (عليه السلام) يشير إلى مرحلة من مراحل خلق الصورة الإنسانية «فالإجماد لغاية الاستمساك راجعٌ إلى بعضها كاللحم والأعصاب والعروق وأشباهها، والإصلاد لغايته راجعٌ إلى بعضٍ آخر كالعظام والأسنان»1، وبذلك قد أعدَّ الله سبحانه الإنسان إعدادًا تامًّا بحيث يسير إلى الغاية المرسومة له2؛ «لوقت معدود وأجل معلوم»، إذ رُوي عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنَّ هذه الحالة دامت أربعين سنة، فكان جسم آدم (عليه السلام) مُلقًى والملائكة تُّمر به، وتقول له: لأيِّ أمرٍ خُلِقتَ؟3.

والذي يبدو لي مما سبق أنَّ استعمال الفعل (صَلصَل) الدال على القوة والشدة جاء منسجمًا مع قوَّة أعضاء الإنسان وصلابتها، ومما لاءم هذا أيضًا وأكَّده أنَّ الفعل (صلصل) جاء متقابلاً في دلالته على القوة والمبالغة مع الفعل (استمسك) الدال على قوة أجزاء الصورة الإنسانية، وتماسكها وترابطها بعضها ببعض.

ومن مصادر بناء (فعلل) التي بزنة (فَعْلَلَة) في نهج البلاغة قوله (عليه السلام) في حال نفسه، وأوصاف الإمام: «أظأرُكم على الحَق وأنتم تَنفرون عنه نفورَ المعزى من وَعَوَعة الأسَد»(1).

ص: 188


1- شرح (ابن أبي الحديد): 8 / 263، أظأركم: أعطفكم، ومن نظائره: 1 / 272، 2 / 300، 15 / 89

«وعوعة الأسد»: صوتُه(1)، وهو مصدرٌ مشتق من الفعل الرباعي المجرَّد (وَعوَع) الذي فيه «شيء من حكاية لصوت ما، وفيه أيضًا تتضح الصلة بين الصوت والمدلول وهو ما يُدعى ب (onomatopie) ونستطيع أن نرُدَّ إلى هذا جميع الكلمات التي تعرب عن الأصوات التي ألصقها العرب بالمصادر التي تخرج منها هذه الأصوات»(2).

ولأنَّ التضعيف في الكلمة يكسبها القوة والمبالغة لمحَ العربُ فيه طريقةً حسنة لحكاية الأصوات(3)، وهذا ما وجدناه في خطاب الإمام (عليه السلام) لأصحابه الذين سلك بهم كلَّ السُّبُل التي تحملهم للسير نحو الحق، والدفاع عنه، لكنَّهم ينفرون عنه نفور المعزى من صوت الأسد، وهو تشبيه رائع يدلُّ على أنَّ الإمام (عليه السلام) آيسٌ من رجوعهم إلى طريق الحق(4)، فاستعمل المصدر الدال على ديمومة الحدث وتكراره، من دون الارتباط بزمن محدد، وهذه من دلالات المصدر (فَعلَلَة).

وفي النص العَلَوي نكتة وهي أنَّه (عليه السلام) لم يقُل (من الأسد) بل

ص: 189


1- ينظر: النهاية في غريب الحديث: 5 / 207، ولسان العرب: 8 / 402، وتاج العروس: 22 / 349 (وعع)
2- الفعل زمانه وأبنيته: 195
3- ينظر: السابق نفسه والصحيفة نفسها
4- ينظر: شرح (السيد عباس): 2 / 382

قال: «من وعوعة الأسد» والمعنى: أنَّ هذا الحيوان - أي المعزى - على درجة من الجُبن والخوف بحيث لا ينظر إلى أطرافه ليرى أأسد هو أم لا؟ بل يهرب لمجرد سماعه الصوت(1)، ومما يؤكد ذلك الجبن استعمال لفظة (وعوعة) التي تُطلق على أصوات الكلاب وبنات آوى أكثر من غيرها(2)، في إيحاءٍ منه (عليه السلام) إلى هروبهم من الصوت من دون معرفة مصدره، ووجه التشبيه بين حال المعزى وحال أصحابه شدة نفارهم عن الحق(3)، دونما اتصال بمصدره وصاحبه للتيقُّن منه، والاتصال به والأخذ عنه، وهو مثل يُضرب لغاية النفور والفرار، بمحض الصوت من دون وقوع الواقعة(4)، ومما أكد شدة نفارهم تعدية الفعل (نفر) بحرف الجر (عن) الدال على المجاوزة، في حين أن القرآن الكريم عدّى الفعل نفسه بحرف الجر (من)، قال تعالى: «فَلَولا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ...» [التوبة: 122].

أما المصدر الآخر لبناء (فَعَلل) وهو (فعلال) فقد ورد مرَّةً واحدةً في خطبة له (عليه السلام) في وصف حال الناس عند البعثة، فقال: «... حَيارَى في زلزال من الأمَر»(5).

ص: 190


1- ينظر: نفحات الولاية: 5 / 266
2- ينظر: العين: 2 / 273 (وعي)، والمخصص: 8 / 68
3- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 148
4- ينظر: الأمثال والحكم المستخرَجة من نهج البلاغة: 530
5- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 66

زلزال: مصدر بزنة (فعلال)(1) «والتزلزل: الاضطراب، وتكرير حروف لفظهِ تنبيهٌ على تكرير معنى الزلل فيه»(2).

ومعنى النص يشير إلى أنَّ الله سبحانه وتعالى عندما بعث نبيَّه محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الناس كانوا في انحراف وتيه وضلال لا يهتدون السبيل، فهم في حيرة واضطراب شديد من شؤونهم، لا يملكون رؤية واضحة يهتدون بها إلى الحق، فالمصدر (زلزال) - بحكم بنائه الصرفي - أضفى معنى التكرار والشدة على معناه المعجمي، فضلاً عن دلالة القوة والمبالغة، وهذا ملائم لسياق الكلام الذي ورد فيه(3).

وجاء اسم الفاعل من بناء (فعلل) في موضع واحد؛ في كتابٍ له لشُريح بن الحارث قاضيه(4)، وكان قد اشترى بيتًا بثمانين دينارًا فاستدعاه الإمام (عليه السلام) وقال له: «فعلى «مُبَلْبِلِ أجسام الملوك، وسالبِ نفوس الجَبابرِة...

ص: 191


1- ينظر: معاني القرآن، الفرّاء، تح: أحمد يوسف النجاتي وآخرينِ: 3 / 283
2- مفردات ألفاظ القرآن: 382 (زل)
3- ينظر: أبنية المصادر في نهج البلاغة، فائزة عبد الأمير (رسالة ماجستير مخطوطة): 246
4- هو شُريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، أبو أمية، من أشهر القضاة الفقهاء في صدر الإسلام، أصله من اليمن، وليَ قضاء الكوفة زمن الإمام علي (عليه السلام)، واستعفى في أيام الحجّاج فأعفاه سنة 77 ه، كان ثقة في الحديث، مأمونًا في القضاء، مات بالكوفة سنة 78 ه. ينظر: الاستيعاب: 2 / 701، والأعلام: 3 / 161

إشخاصُهم جميعًا إلى مَوقف العرْض والحساب»(1).

(مُبلبلِ) اسم فاعل مشتق من الفعل الرباعي المجرَّد (بَلْبَلَ)، والَبلَبلة:

وسواس الهموم في الصدر(2)، وتبلبلت الإبل الكلأ: إذا تتبعته فلم تدعْ منه شيئًا(3)، وَبْلَبل القوم بلبلة وبلبالاً: هيَّجهم وحرَّكهم(4).

ودلالة الحركة والتكرار واضحة في هذا البناء، سواءٌ أمعنوية كانت تلك الحركة أم مادية محسوسة، وإلى هذا أشار ابن جني بقوله: «فلمّا كانت الأفعال دليلة المعاني كرَّروا أقواها، وجعلوه دليلاً على قوة المعنى المحدث به، وهو تكرير الفعل»(5)، فالتضعيف في هذا البناء أكسبه القوة والمبالغة(6).

اختلف شُرّاح النهج في توجيهاتهم لمعنى (مبلبل)، فتوزعت آراؤهم فيه على ثلاثة أقوال:

ص: 192


1- شرح (ابن أبي الحديد): 14 / 28، الدرك: التبعة
2- ينظر: العين: 8 / 320، وتهذيب اللغة: 15 / 342، ومعجم مقاييس اللغة: 1 / 190، وتاج العروس: 28 / 114 (بل)
3- ينظر: الصحاح: 4 / 1640، والقاموس المحيط، الفيروزآبادي: 3 / 327، وتاج العروس: 28 / 117 (بلل)
4- ينظر: لسان العرب: 11 / 69، وتاج العروس: 28 / 114 (بلل)
5- الخصائص: 2 / 155
6- ينظر: الفعل زمانه وأبنيته: 195

1. ذهب قسمٌ منهم كالراوندي (ت 573 ه) والكيذري (ت بعد 610 ه)، والتسُتري (ت 1415 ه) إلى أنَّ معنى (مبلبل أجسام الملوك):

مستأصلها، أي: يتَتَبعها فلا يدعْ منها شيئًا، من: تَبَلْبَلَت الإبل الكلأ(1).

2. رأى الشيخ محمد عبدُه (ت 1323 ه)، والشيخ محمد جواد مغنيه (ت 1400 ه)، والأستاذ علي أنصاريان أنَّ معنى (مبلبل أجسام الملوك): المهيِّج والمثير لأدوائها المُهلِكة لها(2).

3. جمعَ الدلالتيِن معًا الشيخ الخوئي (ت 1324 ه)، والسيد عباس الموسوي بالقول: إنَّ معنى (مبلبل أجسام الملوك) مهيِّجها ومُوقعها في الهم، ووسواس الصدر، من: بَلْبَل القوم بلبلة وبلبالاً: إذا حرَّكهم وهيَّجهم(3).

ويبدو لي أنَّ القولين الثاني والثالث أقرب إلى دلالة التكرار والحركة المستفادة من بناء (فَعلَل).

وورد اسم المفعول من بناء (فَعْلل) في موضع واحد؛ في كتاب له (عليه السلام) إلى زياد بن أبيه، وقد بلغه أن معاوية يريد استلحاقه به، فقال (عليه السلام: «والُمتعلِّق بها كالواغل المُدَّفع، والنَّوْط المُذَبذَب»(4).

ص: 193


1- ينظر: منهاج البراعة (الراوندي): 3 / 16، وحدائق الحقائق: 2 / 383، وبهج البلاغة: 11 / 303
2- ينظر: نهج البلاغة (عبده): 3 / 393، وفي ظلال نهج البلاغة: 3 / 382، وشرح (المجلسي): 3 / 15
3- ينظر: منهاج البراعة (الخوئي): 17 / 116، وشرح (السيد عباس): 4 / 127
4- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 177، نزغة: كلمة فاسدة، الواغل: من يشرب ممّا ليس له

قال الخليل: «رجل مُذَبْذَب ومُتَذبذِب، أي: مُتردد بين أمرينِ، وبين رجلين لا يثبت على صحابته لأحد»1(1)، ومنه قوله تعالى في صفة المنافقين: «مُّذَبْذَبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء» [النساء / من الآية: 143].

وقال الشريف الرضي: «النَّوْط المُذَبذَب»: «هو ما يُناط برحل الراكب من قَعْب أو قدح أو ما أشبه ذلك، فهو أبدًا يتقلقل إذا حث ظهره واستعجل سيره»(2)، وقد عنى الإمام (عليه السلام) بذلك أنَّ «زيادًا لو أُلصِقَ بأبي سفيان يصير مجهولَ النسب، لا يُعرف له أصل، ومذبذبًا بين عُبيد وأبي سفيان»(3)، ووجهُ التشبيه بين ما يُناط برحل الراكب من قدح وما أشبه، وبين حال زياد لو أُلحق بمعاوية اضطرابُ أمره، وعدم لحوقه بنسب معين، وعدم استقراره، كما يضطرب النوط ولا يستقر(4).

فدلَّ اسم المفعول (مُذبذَب) - بحكم بنائه الصرفي - على المبالغة في الحركة والاضطراب، وهذه هي دلالة (فَعلَل).

ص: 194


1- العين: 8 / 178 (ذب)، وينظر: لسان العرب: 1 / 384 (ذبب)
2- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 177
3- في ظلال نهج البلاغة: 4 / 9
4- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 98، وتوضيح نهج البلاغة: 4 / 110، وشرح (السيد عباس): 4 / 462

المبحث الثانی: المبالغة بالأبنیة الفعلیة المزیدة

أولًا: الثلاثی المزید بحرف

1. فَعَّل بناءٌ ثلاثي مزيد بالتضعيف(1)، وهي زيادة من داخل البناء(2)، و (تفعيل) مصدر صحيح اللام منه، نحو: كسَّرته تكسيرًا(3)، و (تَفعِلة) مصدر معتل اللام منه، نحو: زكّى تزكية(4)، واسم الفاعل منه بزنة (مفعِّل) بضم أوله وكسر ما قبل آخره، وبفتح ما قبل آخره اسم المفعول منه(5).

اختلف العلماء في أي الصوتين هو الزائد في بناء (فعَّل)، فرأى الخليل أنَّ

ص: 195


1- ينظر: المنصف: 1 / 91، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 92، وشذا العرف: 37
2- ينظر: المنهج الصوتي للبنية العربية: 70
3- ينظر: كتاب سيبويه 4 / 79، والتطبيق الصرفي: 68
4- ينظر: شذا العرف: 71
5- ينظر: أبنية الأسماء والأفعال والمصادر، ابن القطّاع، تح: د. أحمد محمد عبد الدايم: 335

الزائد هو الأول، وقال آخرون: إنَّ الزيادة بالآخر(1)، أما سيبويه فقد ذهب إلى أنَّ «كلا الوجهين صواب ومذهب»(2).

ولو أنعمنا النظر في حقيقة الصوت المضعَّف في عين البناء من الناحية الصوتية لوجدنا أنَّ إطالة مُدة النطق في عين الفعل من مخرجها، حتى كأنَّه - أي:

الصوت المضعَّف - صامت طويل، فهو بذلك يشبه الحركة الطويلة التي تساوي ضعف الحركة القصيرة(3)، ومعنى هذا أنَّ للتضعيف أثرًا في دلالة بناء (فعَّل) على التكثير والمبالغة(4).

لذلك حاول ابن جني الربط بين بناء الفعل ودلالته على التكثير، فقال:

«ومن ذلك أنَّهم جعلوا تكرير العين في المثال دليلاً على تكرير الفعل، فقالوا:

كسَّر، وقطَّع، وفتَّح، وغلَّق، وذلك أنَّهم لمّا جعلوا الألفاظ دليلة المعاني، فأقوى اللفظ ينبغي أن يُقابل به قوة الفعل، والعين أقوى من الفاء واللام»(5).

ص: 196


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 329، وأوزان الفعل ومعانيها: 74
2- كتاب سيبويه: 4 / 329
3- ينظر: المنهج الصوتي للبنية العربية: 70 و 207، والتشكيل الصوتي في اللغة العربية فونولوجيا العربية، د. سلمان العاني: 119
4- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 64، والمبدع في التصريف، أبو حيّان، تح: د. عبد الحميد السيد طلب: 112، والمغني في تصريف الأفعال، محمد عبد الخالق عضيمة: 131
5- الخصائص: 2 / 155

ومما ينتج عن ذلك التكرار «أنّ هذا فعلٌ وقع منك شيئًا بعد شيء على تطاول الزمان»(1)، إذ إنَّ «من مقتضيات التكثير والمبالغة في الحدث استغراق وقت أطول، وأنَّه يفيد تلبثًا ومكثًا، ف (قطَّع) يفيد استغراق وقت أطول من (قطَع»)(2).

وقد يرد بناء (فعَّل) بمعنى المجرَّد، نحو: (صبَّح، وكلَّم)(3)، فلا تكثير ولا إطالة للزمن فيه.

وأفعال هذا البناء كثيرة في نهج البلاغة، منها ما جاء في خطبة له (عليه السلام) ذكر فيها تغلُّبَه على فتنة الخوارج، إذ قال: «ولو قد فقدتموني(4)، ونزلت بكم كرائه الأمُور...، لأطرقَ كثيرٌ من السائلين، وفشل كثيرٌ من المسؤولين، وذلك إذا قَلَّصتْ حَرُبكم، وشمَّرتْ عن ساق»(5).

قال الخليل: «قلَص الشيء يقلِصُ قُلوصًا، أي: انضمَّ إلى أصله، وفَرس

ص: 197


1- المنصف: 1 / 91
2- بلاغة الكلمة في التعبير القرآني، د
3- ينظر: المنصف: 1 / 91، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 96
4- قوله (عليه السلام ): «لو قد فقدتموني...» تركيبٌ لغوي نادر؛ لأنَّ النحويين منعوا اقتران فعل الشرط ب (قد) في سياق (لو) ينظر: شرح التسهيل: 4 / 74، وارتشاف الضرب: 4 / 1869، والجملة الخبرية في نهج البلاغة "دراسة نحوية"، د. علي عبد الفتاح: 346 - 347 (وقد أثبت خطأ هذه القاعدة النحوية لأنها بنيت بسبب نقص الاستقراء)
5- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 44، وجاء هذا البناء في مواضع أُخر: 1 / 57، 303، 7 / 217، 10 / 30، 14 / 28

مُقلِّص: طويلُ القوائم، مُنضمُّ البطن....، وقلَّصتِ الإبل تقليصًا: استمرَّت في مضيِّها»(1).

وقال ابن أبي الحديد: «قلَّصت حربُكم» بالتشديد: انضمت واجتمعت، وهو أشد وأصعب من أنْ تتفرق الجيوش في مواطن متباعدة، إذ إنهَّا إذا اجتمعت كلُّها، واصطدم الفيلقان كان الأمر أصعب وأفظع من أن تكون كلُّ كتيبة تحارب أخرى في بلاد متفرقة متباعدة(2)، وقد استعار (عليه السلام) «لفظ التقليص والتشمير عن ساق الحرب، ووجه الاستعارة تشبيهها بالمُجدِّ في الأمر، الساعي فيه، وكما أنّه إذا أراد أنْ يتوجه قلّص ثيابه وشمّرها عن ساقه لئلّا تعوقه، وتهيأ وأجمع عليه، كذلك الحرب في كونها مجتمعة عن النزول بهم، واللحوق لهم»(3) يشير الإمام (عليه السلام) بذلك إلى الأزمات والخطوب المرتقبة، فإذا تمادت الحرب بين الطرفين، وكانت على أشدها، فالمبُتلَى يرى الزمن بطيئًا لا يتحرك حتى يأذن الله تعالى بالفرج(4).

فاستعمال الفعل (قلَّص) المضعَّف العين وما فيه من دلالة المبالغة والكثرة كان مناسباً لمقام الخطبة.

ص: 198


1- العين: 5 / 62 (قلص)
2- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 52
3- شرح (البحراني): 2 / 391
4- ينظر: شرح (السيد عباس): 2 / 125، ونفحات الولاية: 4 / 139

ومن مصادر هذا البناء التي بزنة (تفعيل) قولُه (عليه السلام) في عجيب خَلْق الطاووس: «ونضَّد ألوانَه في أحسن تَنضيد»(1).

جاء في اللغة: «نَضَد متاعه ينضِده بالكسر نَضْدًا، أي: وضعَ بعضَه على بعض، والتنضيد مثله، شدد للمبالغة في وضعه متراصفًا»(2)، ومنه قوله تعالى:

«وَالنَّخْلَ باسِقاٍت لهَّا طَلْعٌ نَّضِيدٌ» [ق: 10].

وقد استعمل الإمام (عليه السلام) المصدر (تنضيد) بزنة (تفعيل) للمبالغة في بيان التداخل الجميل لألوان الطاووس بعضها ببعض، وهذا مناسب لمقام الخطبة القائم على وصف جمال الطاووس.

أما المصدر الآخر وهو (تَفعِلة) فقد جاء في موضع واحد؛ في خطبة له (عليه السلام) في صفة الإنسان، وحاله في قبره، قال فيها: «وأعظمُ ما هنالك بليَّةً نُزُل الحميم، وتَصليةُالجحيم»(3).

وأصلُ كلامه (عليه السلام) هذا قولُه تعالى: «وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ، فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ، وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ» [الواقعة: 92 - 94].

تَصلِية: مصدرٌ بزنة (تفعِلة) فعلُه (صلَّى) المضعَّف، و «صَلَيتُ الرجل نارًا

ص: 199


1- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 268، ومن نظائره: 11 / 39، 239، 13 / 19، 163 / 30
2- الصحاح: 2 / 544 (نضد)، وينظر: لسان العرب: 3 / 423 (نضد)
3- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 270

إذا أدخلته النار، وجعلته يصْلاها، فإنْ ألقيته فيها إلقاءً كأنَّك تريد إحراقه قلت:

أصْلَيتُه بالألف، وصلَّيُته تَصْليِةً»(1)، فالزيادة أفادت المبالغة والتوكيد، ومن ذلك قراءة: «ويَصْلى سَعِيْرًا» [الانشقاق: 12] بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام(2)، من التصلية، أي: دوام العذاب وكثرته مرةً بعد مرة(3).

يشير الإمام (عليه السلام) بكلامه المتقدم إلى الحوادث التي يشهدها العاصون في عالم البرزخ، وهو العالم الفاصل بين عالم الدنيا وعالم القيامة، والحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام): «القبرُ روضةٌ من رياض الجَنة، أو حُفرة من حُفَر النيران»(4) إنما قصد هذا المعنى؛ فمن الحوادث المهولة التي يلاقيها الإنسان هناك تصليةُ الجحيم، أي: إدخاله مرة بعد مرة فيها، والثابت بالأدلة أنَّ ذلك العذاب لا يشمل البشرَ كلَّهم، بل العاصين منهم(5).

ص: 200


1- الصحاح: 6 / 2403 (صلا)
2- وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر. ينظر: السبعة في القراءات: 677، ومعجم القراءات: 10 / 359
3- ينظر: الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه، تح: د. عبد العال سالم مكرم: 366، والكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي، تح: أبي محمد ابن عاشور: 3 / 264، والجامع لأحكام القرآن، القرطبي، تح: أحمد عبد العليم البردوي، وإبراهيم أطفيش: 5 / 53 - 54
4- ينظر: الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي: 1 / 172، وذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، الشهيد الأول: 2 / 88، وبحار الأنوار: 6 / 214
5- ينظر: نفحات الولاية: 3 / 265 - 266

اتضح مما سبق أنَّ استعمال المصدر (تصلية) بهذا البناء كان ملائمًا للتعبير عن شديد الألم، والعذاب الذي ينتظر العاصين وأصحاب الكبائر.

ومن أمثلة اسم الفاعل من هذا البناء قولُه (عليه السلام) في تمجيد الله تعالى وحمده: «تعالى الله عما يقوله المشُبِّهون به، والجاحدون له عُلُوًّا كبيرًا»(1).

المشبِّهون: جمع (مشبِّه) اسم فاعل من «شبهَّه إياه، وشبَّهه به: مثَّله،...

والتشبيه: التمثيل»(2)، وقد عبَّر الإمام (عليه السلام) بالتضعيف للمبالغة والتكثير في تشبيه هؤلاء الجاحدين الذاتَ المقدسة بالمخلوقات، وهذا ما أراد (عليه السلام) نفيَه عن الله تعالى، ومما زاد التركيب قوّة ومبالغة في التنزيه عن ذلك وصف العلوِّ بالكبر(3). كلُّ ذلك لتنزيه الذات الإلهية المقدسة عن مزاعم الملحدين، والمشبِّهة التي تشبِّه الله تعالى بالمخلوقات.

وورد اسم المفعول من هذا البناء في خطبة له (عليه السلام) في تهويل الظلم وتبرئهِ منه، قال فيها: «والله لأنْ أبيتَ على حَسَك السَّعْدان مُسَهَّدًا، أو أُجرَّ في الأغَلال مُصفدًا، أحبُّ إلي من أنْ ألقى الله ورَسولَه يوم القيامة ظالماً لبعض العِباد»(4).

ص: 201


1- شرح (ابن أبي الحديد): 3 / 216، ومن نظائره: 3 / 200، 7 / 276، 8 / 244
2- لسان العرب: 13 / 503 (شبه)
3- ينظر: الكشاف: 2 / 451، وتفسير النسفي: 2 / 288، وفتح القدير: 3 / 230
4- شرح (ابن أبي الحديد): 11 / 245، السَّعدان: نبات ذو شوك. ومن نظائره 6 / 413، 9 / 91، 10 / 89، 11 / 51

مُسهَّد: اسم مفعول من «سِهد الرجل بالكسر يَسَهد سَهدًا، والسُّهُد بضم السين والهاء: القليل من النوم... وسَّهدتهُ أنا فهو مُسَهَّد»(1).

ومنه قول الأعشى(2) يمدح الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) [من الطويل] ألم تَغتَمِض عیناكَ لیلةً أرمَدا *** وعادَك ما عاد السَّلیمَ المُسَهَّدا ومُصَفَّد: اسم مفعول أيضًا من «صَفَده يَصِفدُه صَفْدًا، أي: شدَّه وأوثقه، وكذلك التَّصفيد»(3)، ومنه قوله تعالى: «وَتَرَى الْمُجْرِمِيَن يَوْمَئِذٍ مقَرَّنيِنَ فِي الأَصْفادِ» [إبراهيم: 49].

وغرضُ كلامه (عليه السلام) التبرؤ من الظلم، وهو بيانٌ لمقدار نفرته من الظلم. وعلةُ ترجيحه، أو اختياره لأحد الأمرين المذكورين على الظلم مع ما يستلزمانه من التألم والعذاب، أنَّ ما يستلزمه الظلم من عذاب الله تعالى أشد(4).

فالتعبير باسمي المفعول (مُسهَّد، ومُصفَّد) المضعَّفين العين كان للمبالغة في تَحمُّله (عليه السلام) أشدَّ أنواع التألم في سبيل ألّا يظلم أحدًا، وهذه هي الصورة المُثلى للحلم الذي عليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنَّه لم يكن يفكر أنْ يبطش بمن خالفه وناوأه، وسلبَ حقه، بل كان يزجي لهم النصائح والمواعظ.

ص: 202


1- الصحاح: 2 / 495 (سهد)، وينظر: مجمع البحرين: 2 / 439 (سهد)
2- ديوان الأعشى: 135، السليم: الذي لدغته الحيّة
3- الصحاح: 2 / 498 (صفد)، وينظر: مجمع البحرين: 2 / 614 (صفد)
4- ينظر: شرح (البحراني): 4 / 84 - 85

2. أفْعَل بناءٌ ثلاثي مزيد بالهمزة في أوله(1)، وهي زيادة من خارج البناء(2) و (إفعال) مصدرُه(3)، و (مفعل) بضم أوله وكسر ما قبل آخره اسم الفاعل منه، وبفتح ما قبل آخره اسم المفعول منه(4).

وتأتي المبالغة من بناء (أفعل) فيما إذا كان مجرده ومزيدُه بمعنى واحد، أو كأنهَّما بمعنى واحد، بناءً على أنه لا بد للزيادة من معنى، نحو: شرَقت، وأشرقت ف (أشرقت) أبلغ من (شرَقت)؛ لأنَّ (شَرقت: بَدَت)، و (أشرقت: أضاءت وصفت)(5) و (أسقيتُه أبلغ من: سقيته)(6)، و (أوفى) أبلغ من (وفى)، لأن «وفى بعهدِه يفي وفاءً وأوفى إذا تممّ العهد، ولم ينقض حفظه»(7).

لذلك لا يمكن أنْ يُقبل أنَّ معنى (فعل) و (أفعل) واحدٌ - وإنْ كثرت مؤلفات العلماء في هذا الباب -(8)، وما ورد من أنَّ «(أقال) بمعنى (قال) فذلك

ص: 203


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 235، وشرح المفصّل: 9 / 144، وشذا العرف: 36
2- ينظر: المنهج الصوتي للبنية العربية: 70
3- ينظر: كتاب سيبويه 4 / 78، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 163
4- ينظر: أبنية الأسماء (ابن القطاع): 335
5- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 56، والمحتسب: 2 / 239 - 240
6- ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 415 (سقى)، وتصريف الأسماء (قباوة): 113
7- مفردات ألفاظ القرآن: 878 (وفى)، وينظر: تصريف الأسماء (قباوة): 113
8- ألَّف في ذلك: الفرّاء، وأبو عبيدة، والأصمعي وغيرهم

منهم تسامح في العبارة، وذلك على نحو ما يُقال: إن (الباء) في (كفى بالله) و (من) في (ما من إله) زائدتان لمّا لم تفيدا فائدة زائدة في الكلام سوى تقرير المعنى الحاصل وتأكيده، فكذا لا بد في الهمزة في (أقالني) من التأكيد والمبالغة»(1)1.

وقد يكون التقارب بين المجرَّد والمزيد راجعًا إلى اختلاف اللهجات(2). من ذلك ما عزاه اللحياني من أنَّ تميمًا «تقول: خلا فلان على اللَّبن، وعلى اللحم، إذا لم يأكل معه شيئًا، ولا خلطَه به.... وكنانةُ وقيسٌ يقولون: أخلى»(3).

ومن أفعال هذا البناء في نهج البلاغة ما ورد في كلامٍ له (عليه السلام) لمّا أراد الناس مبايعته بعد قتل الخليفة عثمان، إذ قال: «... وإنَّ الآفاقَ قد أغامتْ، والَمحَّجة قد تَنكَّرْت»(4).

لم يُفرِّق أغلب اللغويين بين غامت السماء وأغامت وأغيمت وتغيَّمت، فكلُّه لديهم بمعنى واحد(5).

ص: 204


1- شرح الرضي على الشافية: 1 / 83، وينظر: المغني في تصريف الأفعال: 131، واللهجات العربية في التراث، د. أحمد علم الدين الجندي:القسم الثاني 621 - 622
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 61، وأبنية الأفعال، دراسة لغوية قرآنية، د. نجاة عبد العظيم الكوفي: 197، واللهجات العربية في التراث: القسم الثاني 620 - 621
3- لسان العرب: 14 / 238 (خلا)
4- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 33، ومن مواضعه أيضًا: 1 / 162، 6 / 423،، 201، 9 / 95
5- ينظر: الصحاح: 5 / 1999، ولسان العرب: 2 / 446، وتاج العروس: 33 / 192 (غیم)

والذي يبدو لي أنَّ بين تلك الأبنية فروقًا في الدلالة؛ لأنَّه محال أنْ يختلف اللفظان والمعنى واحد(1)، فالفعل (أغام) فيه من القوة والمبالغة ما ليس في (غام) لزيادة مبناه، لذا استعمله الإمام (عليه السلام) في سياق يستلزم تلك القوة والمبالغة، فاستعار «لفظ الغيم لمِا غشي آفاق البلاد، وأقطار القلوب المتغيرِّة العازمة على الفساد من ظلمات الظلم والجهل، ووجه المشابهة ما تستلزمه هذه الظلمات من توقُّع نزول الشرور منها، كما يتوقع نزول المطر والصواعق من الغيم»(2).

فإيثار الفعل (أغام) المزيد بالهمزة على (غام) المجرَّد، لمِا يحمله من معنى القوة والمبالغة؛ ف (غام) يُراد به الخفاء والظلام، و (أغام) الشدة الكبرى في ذلك.

ومن مصادر هذا البناء ما ورد في عهده (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، قال فيه: «وإنما يُؤتى خرابُ الأرض من إعوازِ أهلها، وإنما يُعوِز أهلُها لإشراف أنفُس الوُلاة على الجمع»(3).

إعواز: مصدر بزنة (إفعال) من «عِوَز الرجل وأْعوَز، أي: افتقر، وأعوزَهُ الدهرُ، أي: أْحوَجُه»(4)، فالمجرد والمزيد بمعنى - كما يقول اللغويون ويرفضه

ص: 205


1- ينظر: الفروق اللغوية: 12
2- شرح (البحراني): 2 / 386
3- شرح (ابن أبي الحديد): 17 / 71، وينظر هذا البناء أيضًا: 1 / 331، 18 / 52
4- الصحاح: 3 / 888 (عوز)

الباحث(1) - فالزيادة - إذًا - للمبالغة والتوكيد.

النص من جملة كلامه (عليه السلام) إلى واليه مالك الأشتر (رضوان الله عليه) بتفقد أمر الخَراج، وقوله (عليه السلام): «إنما يُؤتى...» «أي: إنما تُدهى من إعواز أهلها، أي: من فقرهم... والموجبُ لإعوازهم طمعُ ولاتهم في الجباية، وجمع الأموال لأنفسهم وسلطانهم»(2)، وإذا كان الأمر كذلك استلزم خراب أرضهم وتعطيل عمارتها(3).

فانتقاء الإمام (عليه السلام) المصدر (إعواز) لا (عوز) كان ملائمًا للسياق، إذ إنَّ من يصبر على العوز ويبقى في أرضه لا يمكنه ذلك إذا اشتد فقره، لهذا يهجر أرضه مما يؤدي إلى خرابها.

وجاء اسم الفاعل من هذا البناء في موضع واحد؛ في وصية له (عليه السلام) لعسكره قبل لقاء العدو بصِفِّين، قال فيها: «فإذا كانتْ الهزيمةُ بإذن الله فلا تقتلوا مُدبِرًا»(4).

مُدبِرًا: اسم فاعل من (أدبر)، والدُّبْر والدُّبُر: الظهر، قال تعالى: «سَیُهزمُ

ص: 206


1- ما سيرد أثناء البحث من أن كلا البناءين بمعنى واحد عائد إلى ما يقرُّه أغلب اللغويين، وهذا ما لا يؤيده الباحث؛ لأن الزيادة لا بد من أن تكون لمعنى
2- شرح (ابن أبي الحديد): 17 / 73
3- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 167
4- شرح (ابن أبي الحديد): 15 / 104

الجمُع وَيولُّون الدُّبر» [القمر: 45]، ودبرَ النهار وأدبر بمعنى(1)، فالزيادة أفادت القوة والمبالغة.

تتجلى في النص العَلَوِّي وظيفة أخلاقية تتمثل في التزام القِيَم، والأخلاق الحميدة التي أمر بها الإسلام حتى مع الأعداء، فالإمام (عليه السلام) يوصي أصحابه بألّا يقتلوا مُدبِرًا هاربًا خائفًا من الموت حتى وإنْ أمكنتهم الفرصة منه(2).

فلمّا كانت أجواء الوصية أجواءَ حرب استعمل الإمام (عليه السلام) ألفاظًا تنسجم وتلك الظروف،فاستعمل (مدبِرًا) لماِ فيه من القوة والمبالغة.

وورد اسم المفعول في موضع واحد؛ في قوله (عليه السلام) في تنزيه الله تعالى وتقديسه: «ولا ولجَتْ عليه شُبْهةٌ فيما قضى وقدَّر، بل قضاءٌ مُتقَنٌ،... وأمرٌ مُبَرٌم»(3).

فيما مر (مُبرَم) وهو اسم مفعول من (أبرم) «وأبرمَ الأمرَ وبَرمَه: أحكمَه»(4) فالمجرَّد والمزيد بمعنى، فالزيادة للتوكيد والمبالغة.

وكلامُه (عليه السلام) يشير إلى قدر الله تعالى الذي هو تفصيل قضائه

ص: 207


1- ينظر: الصحاح: 3 / 654 (دبر)
2- ينظر: شرح (البحراني): 4 / 384
3- شرح (ابن أبي الحديد): 5 / 153
4- لسان العرب: 12 / 43 (برم)

المحكم وظاهرٌ أنَّ تفصيل المحكم لا يكون إلا محكمًا(1)، فما قضاه وأوجده في مكانه كان يسير على وفق ما رَسم له من مهمة وحركة في دقة ونظام وحكمة، بل الأمور لديه سبحانه متكشفة، وهو خالقها في أمر محكم متقن لا نقصَ فيه، ولا خلل يعتريه(2).

فانتقاء اسم المفعول (مبرَم) وما يحمله من دلالة القوة والمبالغة من جهة مادتِه وبنائه اقتضاه مقام النص القائم على تعظيم الله تعالى وتقديسه.

3. فاعَل بناءٌ ثلاثي مزيد بالألف بين فائه وعينه(3)، وهي زيادة ناتجة من تطويل حركة فائهِ(4)، المصدر منه على (مُفاعلة، وفعِال)(5)، و (مُفاعِل) بضم أوله وكسر ما قبل آخره اسم الفاعل منه، وبفتح ما قبل آخره اسم المفعول منه(6).

وتأتي الكثرة والمبالغة من بناء (فاعَل) إذا كان حاملاً معنيين؛ أحدهما: معنى (فعَّل) الدال على التكثير، نحو: ضاعفت وضعَّفت، وناعمت ونعَّمت، وكاثرت

ص: 208


1- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 177
2- ينظر: شرح (السيد عباس): 1 / 396
3- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 68، وشذا العرف: 36
4- ينظر: المنهج الصوتي للبنية العربية: 70
5- ينظر: كتاب سيبويه 4 / 80، وأبنية الأسماء (ابن القطّاع): 378
6- ينظر: أبنية الأسماء (ابن القطّاع): 335

وكثَّرت، وصعَّر خدَّه وصاعَره(1)، ومثلها الفعل (شايَع) في قول الهُذلي(2): [من الوافر] تُشایعُ وسطَ ذودِك مُقبئِنًّا *** لتُحسَبَ سیِّدا، ضبُعًا تبولُ «فشايعَ وشيَّع بمعنى واحد وهو: دعا، ودلالة (شيَّع) على التكثير شائعة»(3).

أمّا الآخر فيرد بمعنى المجرَّد، نحو: سافَر، وجاوَز، ودافَع، وهاجَر، وناوَل(4)، إذ لا بد للزيادة من معنى، قال الرضي: «ولا بد في (سافرت) من المبالغة... وكذا (ناولته الشيء) أي: نُلته إياه»(5).

والشواهد القرآنية كثيرة في هذا المعنى، منها قراءة (يخادعون)(6) في قوله

ص: 209


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 68، وإصلاح المنطق: 144، وديوان الأدب: 2 / 394، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 99، والمغني في تصريف الأفعال: 136، وأبنية الصرف (الحديثي): 264، والصرف الواضح: 102
2- هو حبيب الأعلم، والبيت من قصيدة يهجو فيها رجلاً اسمه عبد الله. وشايع: من المشايعة: دعاء الإبل، المقبئن: المنتصب، والذود ما بين الثلاثة إلى العشرة من الإبل. ينظر: ديوان الهذليين: 2 / 86
3- دلالة المبالغة (وجهة نظر صرفية) حسن عبد المجيد، مجلة بابل للعلوم الإنسانية، شباط، 2004: 82
4- ينظر: كتاب سيبويه 4 / 68، وإصلاح المنطق: 144، وديوان الأدب: 2 / 349، وشذا العرف: 41، والمغني في تصريف الأفعال: 136، وأوزان الفعل ومعانيها: 133
5- شرح الرضي على الشافية: 1 / 99، وينظر: تصريف الأسماء (قباوة): 115 والصرف الواضح: 102
6- وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، ينظر: السبعة في القراءات: 139

تعالى: «وَما يَخْخدَعُوَن إّلَّا أَنْفُفَسُهْم» [البقرة / من الآية: 9]، قيل فيها: فجيء به على لفظ (يُفاعلون) للمبالغة»(1).

ومنه قوله تعالى: «فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ والَّذِينَ آمَنوُا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بجِاُلوَت وجُنُودِهِ» [البقرة / من الآية: 249]، وجاوز: فاعَل بمعنى فعل، أي:

جاز(2).

ومن أفعال هذا البناء في نهج البلاغة قولُه (عليه السلام) في الحثِّ على قتال الخوارج: «ولَعَمري ما عَليَّ من قِتال مَن خالفَ الحَّقَ، وخابَطَ الغيَّ، من إدْهان ولا إيهان»(3).

خابَط: فعلٌ بزنة (فاعل) من الخَبط، وهو «الضرب على غير استواء»(4) وكأن الإمام (عليه السلام) جعل من يخبط الغي - هو والغي - متخابطينِ «يخبط أحدهما الآخر، وذلك أشد مبالغة من أن يقول: خبطَ في الغيّ؛ لأن من يخبط ويخبطه غيره يكون أشد اضطرابًا ممن يخبط ولا يخبطه غيره»(5)، وفي ذكره (عليه

ص: 210


1- الكشاف: 1 / 174، وينظر: جوامع الجامع: 1 / 72
2- ينظر: البحر المحيط: 2 / 276
3- شرح (ابن أبي الحديد): 1 / 331، الإدهان: المصانعة، الإيهان: الدخول في الوهن وهو الضعف. ومن مواضع هذا البناء: 6 / 127، 10 / 67، 16 / 142
4- مفردات ألفاظ القرآن: 273 (خبط)
5- شرح (ابن أبي الحديد): 1 / 331، وينظر: نهج البلاغة (عبده): 1 / 60، وشرح (المجلسي): 1 / 444

السلام) لهم بهذه الصفة تنبيهٌ للسامعين، واستدراج لهم لقيام عذره في قتالهم، فإذا كانت مقاتلة من هذه صفتُه واجبةً فلا يمكن إنكار وقوعها منه(1).

فالفعل (خابَط) - بحكم بنائه الصرفي، فضلاً عن مادته اللغوية - جاء لبيان مدى تمكن الغيِّ والضَّلال في نفوس الخوارج وعقولهم، لذلك كان هذا مسوغًا لقتالهم من الإمام (عليه السلام). كلُّ ذلك للمبالغة في شدة تهديده (عليه السلام) مخالفيه، وعزمه الراسخ في التصدي لهم وقتالهم2(2).

وورد المصدر (مفاعَلة) في موضع واحد؛ في خطبةٍ له (عليه السلام) بصِفِّين قال فيها: «ولكَّنه سُبحانَه جَعَل حَّقه على العِباد أن يُطيعوه، وجعلَ جزاءَهم عليه مُضاعفَة الثَّواب تَفضُّلًا منه وتَوسُّعًا بمِا هو من المزيد أهُله»(3).

مُضاعَفة: مصدر بزنة (مُفاعَلة) من «ضاعفتُ الشيء، أي: كثَّرت أضعافه كضعَّفته»(4).

يريد الإمام (عليه السلام) من كلامه المتقدم تنبيهَ المخاطَبين على أنَّ الحق الذي أوجبه الله تعالى على نفسه أعظم مما أوجب لها مع أنه ليس بحق وجب عليه،

ص: 211


1- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 14
2- ينظر: نفحات الولاية: 2 / 45
3- شرح (ابن أبي الحديد): 11 / 88، ولم يرد المصدر الآخر (فعِال) دالاً على التكثير والمبالغة في نهج البلاغة، ينظر: أبنية المصادر في نهج البلاغة: 273- 276
4- شرح الرضي على الشافية: 1 / 99

بل بفضل منه عليهم، ليتخلقوا بأخلاق الله في أداء ما وجب عليهم من الحق بأفضل وجوهه، ويقابلوا ذلك التفضل بمزيد من الشكر، وتلك هي المضاعفة، كما في قوله تعالى: «مَن جَاءَ بالَحسَنةِ فَلهُ عَشرُ أمثالها» [الأنعام / من الآية:

[160](1).

ودلالة المصدر (مضاعفة) على التكثير واضحة.

وجاء اسم الفاعل من هذا البناء في موضع واحد؛ في كلام له (عليه السلام) في تنزيه الله سبحانه وتعالى، إذ قال: «قريبٌ من الأشياء غير مُلامِس»(2).

مُلامِس: اسم فاعل من الفعل (لامسَ)، و «اللَّمسُ: الجسُّ، وقيل اللمس:

المسُّ باليد، لَمسَه يلمِسه ويلمُسه لْمسًا ولامُسه»(3).

فالمجرد والمزيد بمعنى، فالزيادة أفادت المبالغة، لذلك (لامس) أبلغ من (لمس)، نحو: جاوزت الشيء وجزته(4).

كلامه (عليه السلام) تنزيه لله سبحانه وتعالى عن القرب المادي للأشياء؛ لأنه ليس بجسم «ولّما كان المفهوم من القرب الُمطلق الملامسة والالتصاق، وهما

ص: 212


1- ينظر: شرح (البحراني): 4 / 42
2- شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 64
3- لسان العرب: 6 / 209 (لمس)
4- ينظر: البحر المحيط: 3 / 269، والمغني في تصريف الأفعال: 136 - 137

من عوارض الجسمية، نزَّه قربه تعالى عنها، فقال: «غير ملامس»، فأخرجت هذه القرينة ذلك اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وهو اتصاله بالأشياء، وقربه منها بعلمه المحيط، وقدرته التامة»(1). كلُّ ذلك للمبالغة في تنزيه الباري عزَّ وجل عن القرب المادي من الأشياء، وقريب منه قوله (عليه السلام: «لم يحْلُلْ في الأشياء فيُقال:

هو فيها كائن، ولم ينأَ عنها فيُقال: هو منها بائن»(2).

ولم يرد اسم المفعول في نهج البلاغة دالاًّ على التكثير والمبالغة.

ثانیًا: الثلاثی المزید بحرفین

1. افْعَلَّ بناءٌ ثلاثي مزيد بهمزة وصل، وتضعيف اللام(3)، المصدر منه على (افعِلال)(4)، و (مُفعَلّ) اسم فاعل ومفعول(5)،والفيصل في تبيين كلٍّ منهما هو السياق(6).

ومعنى بناء (اْفَعَّل) المبالغة والقوة في المعنى زيادة على أصله، ويكون في اللون أو العيب الحسي اللازم أو العارض (ابْيضَّ واسْودَّ واعْورَّ)، وقد يرد في غير

ص: 213


1- شرح (البحراني): 3 / 374
2- شرح (ابن أبي الحديد): 5 / 153
3- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 76، وأبنية الصرف (الحديثي): 267
4- ينظر: المقتضب: 2 / 100، وأبنية الصرف: (الحديثي): 152
5- ينظر: أبنية الصرف (الحديثي): 184 و 194
6- ينظر: المنهج الصوتي للبنية العربية: 115

الألوان والعيوب، نحو: (ارعوى، واقتوى، وارقدَّ بمعنى: أسرع)(1).

ومن أفعال هذا البناء في نهج البلاغة قولُه (عليه السلام) في غريب كلامه المحتاج إلى التفسير: «كُنَّا إذا احمرَّ البأسُ اتَّقينا برِسول الله، فلم يكن أحٌد مّنا أقرب إلى العدوِّ منه»(2).

قال الخليل: «احمرَّ الشيء احمرِارًا، إذا لَزِم لونه فلم يتغير من حال إلى حال»(3).

وقال الشريف الرضي: «قوله: (إذا احمرَّ البأس) كناية عن اشتداد الأمر، وقد قيل في ذلك أقوال؛ أحسنها: أنَّه شبَّه حَمْي الحرب بالنار التي تجمع الحرارة والحمرة بفعلها ولونها، ومما يقِّوي ذلك قولُ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد رأى مجُتلَد الناس يوم حُنين وهي حرب هوازن: (الآن حميِ الوطيس)، والوطيس: مستوقد النار، فشبه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما استحرَّ من جلاد القوم باحتدام النار، وشدة التهابها»(4)، وذهب بعض شُرّاح نهج البلاغة

ص: 214


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 76، 26، وشرح المفصل: 7 / 161، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 112، وشذا العرف: 43، وأبنية الصرف (الحديثي): 267، وتصريف الأسماء (قباوة): 120، والصرف الوافي: 203، والأبنية الصرفية (السالم): 328
2- شرح (ابن أبي الحديد): 19 / 116، ومن نظائره: 7 / 291، 9 / 203، 14 / 47، 16 / 293، 17 / 16
3- العين: 3 / 226 - 227، (حمر)، وينظر: لسان العرب: 4 / 208 (حمر)
4- شرح (ابن أبي الحديد): 19 / 116

إلى أنَّ هذا الكلام فيه «حذف مضاف تقديره: إذا احمرَّ موضع البأس، وهو الأرض التي عليها معركة القوم. واحمرارها لمِا يسيل عليها من الدم»(1)، أو أنَّه (عليه السلام) «استعار وصف احمرار البأس لشدتهِ ملاحظةً لشبهه بالنار الموقدة»(2)، والأقوى أنَّ التعبير على المجاز، والمجاز إنما يُعدَل إليه للمبالغة والتوكيد(3).

فالمبالغة قد تحققت ببناء الفعل (احمرَّ) الدال على القوة والمبالغة من جهة، وبالتعبير المجازي من جهة أخرى، وهذا مناسب لمقام كلامه (عليه السلام).

ومن مصادر هذا البناء قولُه (عليه السلام) في حال الناس قبل البعثة:

«والدُّنيا كاسفةُ النور، ظاهرةُ الغرور، على حين اصْفِرارٍ من وَرَقِها»(4).

اصفرار: مصدر بزنة (افعِلال) وفعلُه (اصْفرَّ) المزيد بالهمزة والتضعيف للمبالغة في صُفرة ألوان أوراق الشجر.

وكلامُه (عليه السلام) بيانٌ لحال الدنيا التافهة التي اغترَّ بها الإنسان، وكيف كانت عند بعثة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد شبهها

ص: 215


1- السابق: 19 / 116 - 117
2- شرح (البحراني): 5 / 376
3- ينظر: الخصائص: 2 / 442 - 444
4- شرح (ابن أبي الحديد) 6 / 387، ومن نظائرة: 6 / 387، 392، 7 / 298، 8 / 263، 10 / 55

بشجرة اصْفرَّ ورقُها، وامتنعت عن حمل الثمار، حتى يئِس الناس منها، فهي شجرة انقطع الأمل منها؛ فلا منظر يبهج الناظر، ولا فائدة تنفع البشر، فالدنيا كانت على العرب صعبة شديدة(1)، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة لهم وللخلائق جميعًا، قال الإمام علي (عليه السلام): «إن الله تعالى بعث محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) نذيرًا للعالمين، وأميناً على التنزيل، وأنتم معشر العرب على شر دين، وفي شر دار، منيخون بين حجارة خُشن، وحيات صُمٍّ، تشربون الكدِر، وتأكلون الجشِب، وتسفكون دماءكم...»(2).

فانتقاء المصدر (اصفرار) بهذا البناء الصرفي كان للمبالغة في بيان سوء حال الدنيا، وبؤسها قبل البعثة النبويَّة، ولو قيل (صفرة) ما كان مناسباً للمقام.

ولم يرد اسم الفاعل، ولا اسم المفعول، من هذا البناء في نهج البلاغة في ضوء الدراسات اللغوية السابقة التي اتخذت (نهج البلاغة) ميدانًا لها(3)، وفي ضوء الاستطلاع البحثي الذي أجريتُه أنا في دراستي هذه.

ص: 216


1- ينظر: شرح (السيد عباس): 2 / 45
2- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 19. الجشب: الطعام الغليظ الخشن
3- ينظر: أبنية المشتقات في نهج البلاغة، دراسة دلالية، ميثاق علي عبد الزهرة (رسالة ماجستير مخطوطة): 22 - 27، والمبني للمجهول في نهج البلاغة، دراسة نحوية، فراس عبد الكاظم (رسالة ماجستير مخطوطة): 52 - 53

2. افْتعَل بناءٌ ثلاثي مزيد بحرفين هما (الهمزة والتاء)(1)، المصدر منه على (افتعال)(2)، و (مفتعل) بضم أوله وكسر ما قبل آخره اسم الفاعل منه، وبفتح ما قبل آخره اسم المفعول منه(3).

ويدل بناء (افتعل) على الكثرة والمبالغة فيما إذا جاء بمعنى المجرَّد، نحو:

(خطف واختطف)، و (كحل واكتحل)، و (قرأ واقترأ)، و (كسب واكتسب)(4)، أشار إلى ذلك ابن جني في توجيهه قراءة (يدَّرسونها) بتشديد الدال مفتوحة، وبكسر الراء(5)، في قوله تعالى: »وَما آتَيْناهُم مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسونَها» [ سبأ / من الآية: 44] فقال: هذا (يَفتعلون) من الدرس، وهو أقوى معنى من (يَدْرسونها) وذلك أنَّ (افتعل) لزيادة التاء فيه أقوى معنى من (فَعَل)،ألَا ترى إلى قول الله تعالى: «أَخْذَ عَزِيٍزٍ مُّقْتَدِرٍ»؟ [القمر / من الآية: 42] فهو أبلغ معنى من (قادر)... وفيه أيضًا معنى الكثرة؛ لأنَّه في معنى يتدارسونها... ومثل (يَدَّرسونها)

ص: 217


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 283، وأوزان الفعل ومعانيها: 89
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 78، وشذا العرف: 71
3- ينظر: أبنية الأسماء (ابن القطاع): 336
4- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 74، والمنصف: 1 / 75، وفقه اللغة وسر العربية: 372، وشرح المفصل: 7 / 160، والمغني في تصريف الأفعال: 147
5- وهي قراءة أبي حيوة، ينظر: المحتسب: 2 / 195، والبحر المحيط: 7 / 275

قولهم: قرأت القرآن، واقترأته»(1).

وأكد هذا المعنى جملة من المفسرين، فرأوا أنَّ الفعل (يختانون) في قوله تعالى: «وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهْم» [النساء / من الآية: 107] أشدُّ مبالغةً من (يخونون) لأنَّ (الاختيان) أبلغ معنى من (الخيانة) كالاكتساب من:

الكسب(2).

اختلطت دلالة المبالغة في بناء (افتعل) بدلالة التصرف والاجتهاد والاعتمال بمنزلة الاضطراب(3)، لذا أضحى الاكتفاء بمصطلح (المبالغة) للتعبير عن تلك الدلالات - كما فعل الأستاذان عبده الراجحي وهاشم طه شلاش(4) - أصح وأدق وأشمل، لسببين:

1. إنَّ الدلالات المذكورة آنفًا لا تنطبق إلا على أفعال المخلوقات، فلا تنطبق على الذات الإلهية، كقوله تعالى: «وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ» [البقرة / من الآية: 124]، وكقوله تعالى: «وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ» [البقرة / من

ص: 218


1- المحتسب: 2 / 195 - 196، وينظر: الخصائص: 3 / 265
2- ينظر: الكشاف: 1 / 338، وتفسير الرازي: 5 / 117، وتفسير النسفي: 1 / 91، وكنز الدقائق: 1 / 440
3- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 74، وديوان الأدب: 2 / 420، وشرح المفصل: 7 / 160، والإيضاح في شرح المفصل، ابن الحاجب، تح: موسى بناي: 2 / 132، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 110
4- ينظر: التطبيق الصرفي: 41، وأوزان الفعل ومعانيها: 90

الآية 105]، وكقوله تعالى: «وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» [البقرة / من الآية: 126]، فمن غير الممكن القول: إنَّ المعنى الصرفي للأفعال (ابتلى، واختص، واضطر) في تلك الآيات هو الاجتهاد أو التصرف أو الاعتمال أو الاضطراب، بل معناها جميعًا هو (المبالغة) لقوة تلك الأفعال موازنةً بالمجرَّدة منها.

2. إنَّ تلك المصطلحات قد تُفهم بمعانيها اللغوية لا الاصطلاحية، فيحصل الخلط بينها وبين التكلُّف، إذ إنَّ المعنى اللغوي للتكلف والاجتهاد يكاد يكون واحدًا وهو بذل الجهد والمشقّة في التحصيل(1)، لكنَّهما في الاصطلاح مختلفان، فمعنى (اكتسبَ) أبلغ من معنى (تكسَّبَ)، وليس في (اكتسب) ما يدل على التكلف والمعاناة والمشقة في تحصيل الكسب، بخلاف (تكسَّب) الدال على التكلُّف، وهذا لا يعني أنَّ (المكتسب) لا يعاني في تحصيل الكسب، بل المقصود أنَّ دلالة الفعل (اكتسب) هي المبالغة لا التكلف، وهذا الأمر ليس مقصورًا على هذا الفعل فقط، إذ إنَّ كثيرًا من الأفعال المجرَّدة قد تدل على التكلُّف، نحو:

(زحف، وصام، وصعد، وركض....) فهذه الأفعال تدل على التكلف والمعاناة من دون صوغها على بناء معين، فالفعل (اكتسب) يدل ببنائه على المبالغة، وبمادته على المعاناة والتكلف والاجتهاد، والفعل (زحف) يدل بمادته على التكلف

ص: 219


1- ينظر: لسان العرب: 3 / 133 (جهد)، 9 / 307 (کلف)

والمعاناة لا ببنائه(1).

اتضح مما تقدم أنَّ التفريق بين مصطلح المبالغة والمصطلحات الأخُر من نحو: (الاجتهاد والاضطراب...) لا يحصل إلا بالاقتصار على مصطلح المبالغة؛ لماِ بين تلك المصطلحات والتكلف من تداخل يصل إلى حد التشابه كما ظهر.

ومن أفعال بناء (افتعل) في نهج البلاغة ما ورد في خطبة له (عليه السلام) في تخويف أهل النهروان، قال فيها: «قد طّوحَتْ بكم الدارُ، واحتبَلكم المقدارُ»(2).

احتبل: فعل بزنة (افتعل) من: حبلت الصيد واحتبلته: أخذته(3) «واحْتبلَه، أي: اصطاده بالحِبالة»(4)، جاء في المثل: «هو على حَبل ذراعك، أي الأمر فيه إليك، يُضرب في قرب المُتناوَل،... وحَبلُ الذراع: عِرقٌ في اليد»(5)، فالمجرَّد والمزيد بمعنى، فالزيادة للمبالغة والتوكيد.

وقوله (عليه السلام): «واحتبلكم المقدار» استعارة حسنة لإحاطة المقدار النازل عن قضاء الله تعالى بهم، فهو كحبالة الصائد التي لا يخرج الطائر منها إذا

ص: 220


1- ينظر: معاني صيغة (استفعل) عند المفسرين، رضا هادي حسون (رسالة ماجستير مخطوطة): 14 - 15
2- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 265، طوّحت بكم الدار، صرتم في متاهة، ومن نظائره: 1 / 83، 283، 9 / 95، 103، 10 / 191، 13 / 5
3- ينظر: العين: 3 / 236 (حبل)
4- الصحاح: 4 / 1665 (حبل)
5- مجمع الأمثال: 2 / 388 (المثل: 4508)

نزلت به(1). كلُّ ذلك على المبالغة في إحاطة أقدار الله تعالى بهم.

ومن مصادر هذا البناء ما ورد في كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية، قال فيه: «فأرادَ قومُنا قتلَ نَبيِّ نا، واجْتيِاحَ أصلنِا»(2).

اجتياح: مصدر بزنة (افتعال) ويعني: الاستئصال، جاء في اللغة: «الجوح:

الاستئصال، جُحتُ الشيء أجوحُه، ومنه الجائحة، وهي الشدة التي تجتاح المال من سَنةٍ أو فتنة، يقال: جاحَتْهم الجائحة واجتاحتهم، وجاحَ الله مالَه وأجاحَه بمعنى، أي: أهلكه بالجائحة»(3)، فالجوح والاجتياح كلاهما بمعنى، فالزيادة - إذًا - دلت على الشدة والقوة والمبالغة، وبهذا المعنى وردت في كلام الإمام (عليه السلام) المتقدم، وهو ردٌّ على «رسالة لمعاوية كان قد أرسلها إليه يطلب فيها زورًا وبُهتانًا تسليم قَتَلة عثمان إليه، وقد ذكرَ الإمامُ خلالها أعمال الهاشميين وجهادهم وبعض مناقبهم. وما مرّ عليهم من القهر والاضطهاد في ابتداء الدعوة يذكر الإمام أنَّ قريشًا أرادت قتل النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، والتقت بكلِّ قبائلها على التخلص منه، والانتهاء كليًّا من الهاشميين الذين وقفوا إلى جانبه»(4).

فالمصدر (اجتياح) قد دلَّ بلفظه وبنائه على المبالغة في القوة والقسوة التي

ص: 221


1- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 91 - 92
2- شرح (ابن أبي الحديد): 14 / 47، ومن نظائره: 6 / 276، 11 / 62، 13 / 80، 87
3- الصحاح: 1 / 360 (جوح)
4- شرح (السيد عباس): 4 / 147 - 148

مارستها قريش على النبيِّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أول البعثة.

وجاء اسم الفاعل من هذا البناء في خطبة له (عليه السلام) في الاستسقاء، قال فيها: «اللهُمَّ خَرجْنا إليكَ حين اعتكرتْ علينا حَدابُير السِّنين... فكنتَ الرجاءَ للمُبْتئسِ»(1).

المبُتئسِ: «مفتعِل من البأس الذي هو الشدة»(2)، ومنه قوله تعالى إلى نوح (عليه السلام): «فَلا تَبْتَئِسْ بمِا كانُوا يَفْعَلُونَ» [هود / من الآية: 36] «أي: فلا يشتدَّن عليك البؤس والحزن واحتمال المكاره»(3).

فالمبتئس - إذًا - هو المبالِغ في البؤس، وبهذا المعنى استعمله الإمام (عليه السلام) في النص السابق، فهو يبتهل «إلى الله سبحانه وتعالى في: أنك الأمل والرجاء، لكل بائس، وحلّال مشاكل كل طالب حاجة، وقد سيطر اليأس على الناس، وقد منعت السماءُ بركاتهِا، والغيومُ مياهَها»(4).

وورد اسم المفعول في خطبةٍ له (عليه السلام) في التوحيد، قال فيها: «لا يُقال كان بعد أنْ لم يكن، فتجري عليه الصفاتُ المحُدَثاتُ... ويتكافأ المبُتدَع

ص: 222


1- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 262، ومن نظائره: 6 / 252، 10 / 58، 17 / 111، حدابير: جمع (حدبار): الجمل الذي تبين عظام سنامه من شدة الضعف
2- تاج العروس: 15 / 434 (بأس)
3- تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، السيد محمد رشيد رضا: 12 / 73
4- نفحات الولاية: 5 / 83

والبديع»(1).

المبُتدَع: اسم مفعول من «بدَع الشيء يبدُعه بَدْعًا وابتدعَه: أنشأه وبدأه»(2) ولماّ كان المجرَّد والمزيد بمعنى واحد قلت بدلالة (مبتدع) على المبالغة والتوكيد، وهذا مناسب لمِا أراد الإمام (عليه السلام) بكلامه هذا الذي يشير إلى أنَّ الله تعالى لو كان محدَثًا لجرتْ عليه صفاتُ الأجسام المحدَثة، فلم يكن بينه وبين تلك الأجسام فرق، فيتكافأ هو سبحانه وما ابتدعه، وهذا محُالٌ(3).

3. تفَعِّل بناءٌ ثلاثي مزيد بالتاء والتضعيف(4)، المصدر منه على (تفعُّل)(5) و (متفعل) بضم أوله وكسر ما قبل آخره اسم الفاعل منه، وبفتح ما قبل آخره اسم المفعول منه(6).

وتأتي الكثرة والمبالغة في بناء (تفعَّل) إذا جاء متضمنًا معنى (تفاعَل) نحو:

(تعهَّد وتعاهد)، و (تَعَطَّى وتعاطى)، و (تذأّبت الريح وتذاءبت)، قال سيبويه:

ص: 223


1- شرح (ابن أبي الحديد): 13 / 87، وينظر هذا البناء أيضًا: 7 / 80، 10 / 58
2- المحكم والمحيط الأعظم: 2 / 33 (بدع)
3- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 13 / 83
4- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 282، وأوزان الفعل ومعانيها: 94
5- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 79، والصرف الواضح: 129
6- ينظر: أبنية الأسماء (ابن القطّاع): 336، والتطبيق الصرفي: 74

«تعاطينا وتعطَّينا، فتعاطينا من اثنين، وتعطَّينا بمنزلة غلّقتُ الأبواب، أراد أنْ يكثُر العمل»(1).

وذهب ابن جني إلى أنَّ (تفعَّل) أبلغ معنى من (تفاعَل)، جاء ذلك في توجيهه قراءة (متجنف) بلا ألف(2) في قوله تعالى: «غَیْرَ مُتَجانِفٍ لإِثْمٍ» [المائدة / من الآية: 3]، إذ قال: «كأنّ متجنِّفًا أبلغ وأقوى معنى من: متجانفِ، وذلك لتشديد العين، وموضوعها لقوة المعنى بها، نحو: تصوَّن وهو أبلغ من:

تصاوَن»(3).

وكلامُ ابن جني في مسألة أبلغيَّة بناء على آخر مشهورٌ في اللغة، إلا أنَّه من غير الممكن قبوله في القرآن الكريم، فهو كلام الله تعالى، وهو الأبلغ والأنسب للمضمون والمعنى والدلالة، هذا فضلاً عن أنَّ تلك القراءة لم يثبتها المصحف الشريف، وربَّما قصد ابن جني من (أبلغ) أكثر مبالغة. وأكد المبالغةَ في بناء (تفعَّل) جمعٌ من المفسرين(4).

ص: 224


1- كتاب سيبويه: 4 / 69، وينظر: ديوان الأدب: 2 / 473، والمخصص: 14 / 181
2- وهي قراءة يحيى وإبراهيم، ينظر: المحتسب: 1 / 207، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية، تح: عبد السلام عبد الشافي: 2 / 155، ومجمع البيان: 3 / 268
3- المحتسب: 1 / 207
4- ينظر: المحرر الوجيز: 2 / 155، ومجمع البيان: 3 / 268، وتفسير القرطبي: 6 / 64، والبحر المحيط: 3 / 442

ويدلُّ بناء (تفعَّل) على المبالغة أيضًا إذا جاء بمعنى المجرَّد(1)؛ لأنَّه لا بد للزيادة من معنى، نحو: «فَصُح الرجل وتفصَّح إذا كان عربي اللسان فازداد فصاحةً»(2) و (التنصُّح المصدر معناه: كثرة النصح)(3)، و (تضوَّج الوادي: إذا كثُرت أضواجُه،أي منعطفاتُه)(4)، و «توهَّق الحَصَى: اشتد حرُّه»(5).

ولا بد من الإشارة إلى التداخل بين معنى المبالغة ومعنى التكلُّف في بناء (تفعَّل)، ولتعيين إحدى الدلالتينِ ينبغي الاحتكام إلى السياق، هذا ما أشار إليه السيد محمد رشيد (ت 1354 ه) عند تفسيره قولَه تعالى: «َحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» [البقرة / من الآية: 273]، إذ قال: «وقد فسَّر أهل اللغة التعفّف بالعفَّة وبالصبر وبالنزاهة عن الشيء، وجعله المفسرون هنا للتكلُّف، ولكن صيغة (تفعَّل) تأتي لتكلف الشيء وللمبالغة فيه، والثاني أظهر هنا؛ لأنَّ من يتكلف العَّفة قلّما يخفى حاله على رائيه، وأما الُمبالغِ في العِفَّة فهو الذي لا يكاد يظهر عليه أثر الحاجة، فهو المتبادر هنا، والمقام مقام المدح، والمبالغِ في الفضيلة أحقّ به من متكلِّفها»(6).

ص: 225


1- ينظر: أوزان الفعل ومعانيها: 340 - 341
2- لسان العرب: 2 / 544 (فصح)
3- ينظر: السابق: 2 / 616 (فصح)
4- ينظر: التكملة والذيل والصلة: 1 / 462 (ضوج)
5- السابق: 5 / 169 (وهق)
6- تفسير المنار: 3 / 88

ومن أفعال هذا البناء في نهج البلاغة ما ورد في كتاب له (عليه السلام) إلى الحارث الهمداني(1)، قال فيه: «وَتَمسَّكْ بحَبلِ القرآن وانتصحْه»(2).

جاء في اللغة: «أمسكتُ الشيء، وتمسَّكتُ به، واستمْسكتُ به، وامْتسكتُ به. كلُّه بمعنى اعتصمتُ به»(3)، فالمجرَّد والمزيد بمعنى، فالزيادة أفادت معنى المبالغة والتوكيد.

فانتقاء الفعل (تمسَّك) بزنة (تفَعَّل) فيه دلالة على الشِدة والقوة في أمره (عليه السلام) بلزوم العمل بالقرآن الكريم، والاعتصام بحبله المتين، وهو الدين القويم العاصم لمن تمسَّك به(4).

ومن مصادر هذا البناء قولُه (عليه السلام) في ذكر من انحرف عن القرآن الكريم: «وإنما هلكَ مَن كان قبلكم بطول آمالهم، وتغيُّب آجالهم»(5).

ص: 226


1- ويُلقب ب (الحارث الأعور) وهو العلّامة الإمام أبو زهير، الحارث بن عبد الله بن كعب بن أسد الهمداني الكوفي، صاحب الإمام علي (عليه السلام) وابن مسعود، كان فقيهًا كثير العلم، توفي سنة 65 ه، بالكوفة. ينظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، تح: مجموعة من العلماء بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط: 4 / 152 - 155
2- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 41، ومن نظائره: 7 / 221، 13 / 12، 19 / 306
3- الصحاح: 4 / 1608 (مسك)، وينظر: مجمع البحرين: 4 / 203 (مسك)
4- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 427
5- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 105، ومن نظائره: 5 / 153، 6 / 413، 17 / 113

تغيُّب: مصدر بزنة (تفَعُّل) من «غاب الرجل غَيْبًا ومَغيبًا، وتغيَّب:

سافر»(1)، والغيْب: مثل التغيُّب(2)، فالمجرد والمزيد بمعنى، فالزيادة تفيد التوكيد والمبالغة.

كلامُه (عليه السلام) «تنبيهٌ على وجوب تقصير الآمال في الدنيا؛ لاستلزام طلبها الهلاك الأخُروي، وأشار إلى القرون الماضية من قبل، وأراد الهلاك الأخُرويّ، وجعل سبب هلاكهم طول آمالهم في الدنيا الموجب للاستغراق في لذاتها المبعِّدة عن الله تعالى مع تغيُّب آجالهم عنهم، أي: غفلتهم عنها، وقلة فكرهم فيها وعدم علمهم بتعيينها، فإنَّ استشعار الأجل موجب للإقلاع عن الانهماك في اللذات الحاضرة»(3)، وإلى هذا المعنى أشار النبيُّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «وأمّا طولُ الأمل فيُنسي الآخرة»(4).

اتضح مما تقدم أنَّ استعمال المصدر (تغيُّب) بهذا البناء الصرفي كان للدلالة على مبالغة الناس في عدم التفكير بآجالهم.

وجاء اسم الفاعل في خطبة له (عليه السلام) في ذمِّ المتقاعدين عن القتال، قال فيها: «أقوم فيكم مُستصرِخًا، وأُناديكم متغوِّثًا، فلا تسمعون لي قولًا، ولا

ص: 227


1- لسان العرب: 1 / 654 (غيب
2- ينظر: تاج العروس: 3 / 498 (غيب)
3- شرح (البحراني): 3 / 202
4- الكافي: 2 / 336، وينظر: بحار الأنوار: 74 / 117

تُطيعون لي أمرًا»(1).

مُتغوِّث: اسم فاعل من: (تغوَّث) «وغوَّث الرجل واستغاث: صاحَ واغوثاه»(2)، ولم يُشِر أغلب اللغويين إلى الفعل (تغوَّث) ومشتقاته(3).

تشير المصادر إلى أنّ الإمام (عليه السلام) إنما خطب هذه الخطبة حين بعث معاوية أحد قادتهِ ليُرعب أهل العراق، ويُضعف معنوياتهم(4)، لهذا تبيَّن أنَّ ذكرَ حاله (عليه السلام) واستصراخه فيهم واستغاثته بهم مع ذكر حالهم في مقابلة ذلك من تثاقلهم عن ندائه، وعدم طاعتهم له، مما ينبئهم على خطئِهم وتقصيرهم(5).

فاستنهاضُ الناس لمواجهة الأخطار هو الذي دعا الإمام (عليه السلام) إلى انتقاء اسم الفاعل (متغوِّث) بزنة (متفعِّل)، إذ إنَّ هذا البناء فيه دلالة على طلب الشيء بكثرة مع شدة وعناء(6)، وهذا يناسب المقام؛ لأنَّه (عليه السلام) طلبَ النصرة والعون من أصحابه مرة بعد أُخرى، لكنَّه لم يجد من يستمع إليه؛ لأنهَّم

ص: 228


1- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 300، ومن نظائره: 7 / 221، 8 / 244، 9 / 232، 15 / 183، 19 / 306
2- لسان العرب: 2 / 174 (غوث)
3- ينظر: الصحاح: 1 / 289، ولسان العرب: 2 / 174، وتاج العروس: 5 / 313 (غوث)
4- ينظر: شرح(ابن أبي الحديد): 2 / 303
5- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 301
6- ينظر: أبنية المشتقات في نهج البلاغة: 26

صمّوا عن السمع، وشغلهم التعلُّق بالدنيا عن ذكر الآخرة.

ولم يرد اسم المفعول من هذا البناء في نهج البلاغة دالاً على المبالغة(1).

4. تفاعَل بناءٌ ثلاثي مزيد بالتاء والألف(2)، المصدر منه على (تفاعُل)(3) بضم (العين) وبكسرها إذا كانت (ياءً)(4)، و (متفاعل) بضم أوله وكسر ما قبل آخره اسم الفاعل منه، وبفتح ما قبل آخره اسم المفعول منه(5).

ومن دلالات (تفاعَل) التكثير والمبالغة، قال ابن جني في الفعل (تبارَك):

«هو تفاعَل من البركة، وهو توكيد لمعنى البركة كقولك: تعالى الله فهو أبلغ من:

علا... وذلك لكثرة الحروف»(6).

وإلى هذا ذهب الشيخ الطوسي عند تفسيره قوله تعالى: «وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ» [البقرة / من الآية: 282]، إذ قال: «وإنما قيل: يُضارّ، والفعل من

ص: 229


1- ينظر: المبني للمجهول في نهج البلاغة: 53
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 282، وأوزان الفعل ومعانيها: 101
3- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 81، والتطبيق الصرفي: 68 - 69
4- ينظر: شذا العرف: 72
5- ينظر: أبنية الأسماء (ابن القطّاع): 335
6- المحتسب: 2 / 134، وينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم، محمد عبد الخالق عضيمة: القسم الثاني 1 / 628 - 629

واحد لأنَّه لمّا كان معناه المبالغة كان بمنزلته من اثنين، وذلك لأنَّه يضره إنْ رجع عليه»(1).

وذكر أبو حامد الغزالي (ت 505 ه) تلك الدلالة عند تفسيره (المتعالي) الذي هو من أسماء الله الحسنى، فقال: هو «بمعنى العَلي مع نوع من المبالغة»(2).

ورأى الرضي أنَّ بناء (تفاعَل) إذا جاء بمعنى (فَعَل)، نحو: توانى وتجاوز فهو للمبالغة(3).

وأَشار أستاذنا الدكتور صباح السالم (سلَّمه الله) إلى أنَّ امرأ القيس استخدم بناء (تفاعَل) دالاًّ على تكثير الفعل والمبالغة فيه سبع مرات منها: (تمايَل، وتحامَى، وتطاوَل، وتقادَم)(4).

والذي يظهر مما سبق أنَّ دلالة بناء (تفاعَل) على التكثير والمبالغة قد صرَّح بها الصرفيون والمفسرون، ولهذا لا وجه لرأي من ذهب إلى أنَّ الصرفيين لم يشيروا إلى دلالة (تفاعَل) على المبالغة(5)، أو أنَّ الراغب الأصفهاني هو مَن صرَّح بتلك

ص: 230


1- التبيان: 2 / 258، وينظر: مجمع البيان: 2 / 114
2- المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، تح: بسّام عبد الوهاب الجابي: 142
3- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 1 / 103، وتصريف الأسماء (قباوة): 117
4- ينظر: الأبنية الصرفية (السالم): 323
5- ينظر: السابق نفسه والصحيفة نفسها، والدلالة الصرفية عند ابن جني: 76

الدلالة فقط(1).

ومن أفعال هذا البناء في النهج ما ورد في خطبةٍ له (عليه السلام) في تعظيم الله تعالى وتمجيده،قال فيها: «فتبارَكَ الله الذي لا يبلُغُه بُعدُ الهِمَم»(2).

قال ابن جني: تبارك: «هو تفاعل من البركة، وهو توكيد لمعنى البركة، كقولك: تعالى الله، فهو أبلغ من: علا،... وذلك لكثرة الحروف»(3)، وقيل: إنَّ كلَّ شيءٍ ثبت وأقام فقد برك، والبركة: النماء والزيادة(4).

وذهب الشيخ الطوسي إلى أنَّ معنى (تبارك الله): «استحق التعظيم بأنَّه قديم لم يزَلْ، ولا يزال، وهو مأخوذ من البروك، وهو الثبوت»(5).

واحتمل البحراني (ت 689 ه) في قوله (عليه السلام): «فتَبارَك الله» معنيين، فقال: «تبارك، قيل: مشتق من البروك المستلزم للمقام في موضع واحد، والثبات فيه، وقيل: من البركة، وهو الزيادة، وبالاعتبار الأول يكون إشارة إلى عظمته باعتبار دوام بقائهِ، واستحقاِقه قدَم الوجود لذاته. وبقاء وجوده لا عن استفتاح، ولا عن انقطاع، وبالاعتبار الثاني إشارة إلى فضله وإحسانه ولطفه

ص: 231


1- ينظر: معاني صيغة (استفعل): 86
2- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 61، ومن نظائره: 6 / 387، 11 / 151، 13 / 44
3- المحتسب: 2 / 134
4- ينظر: الصحاح: 4 / 1574 - 1575 (برک)
5- التبيان: 7 / 354

وهدايته، ووجوه الثناء عليه»(1).

وأيًّا كان الأرجح من هذين المعنيين فالفعل (تبارك) يدلُّ على توكيد معنى البركة والمبالغة فيها، لذلك اختص الله تعالى بالمزايا المذكورة معه(2)، وهذا يؤكد معنى المبالغة.

ومن مصادر هذا البناء قولُه (عليه السلام): «عند تَناهِي الشِّدة تكون الفَرْجة»(3).

تناهي: مصدر بزنة (تفاعِل) بكسر العين؛ لأنهَّا (ياء) من «نهيته عن كذا، فانتهى عنه وتناهى، أي: كفَّ،... والإنهاء: الإبلاغ، وأنهيت إليه الخبر، فانتهى وتناهى، أي: بلغ»(4)، فالزيادة - إذًا - دلت على التوكيد والمبالغة، فضلاً عن المشاركة.

وكلامه (عليه السلام) يشير إلى أنَّ «تناهي الشدة مستلزم للخلاص منها، وهو المراد بالفرج»(5)، وهذا ما صرَّح به القرآن الكريم بقوله تعالى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» [الشرح: 5 - 6]، وكأنَّ الإمام (عليه السلام)

ص: 232


1- شرح (البحراني): 2 / 394
2- ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 120، والقاموس المحيط: 3 / 285 (برك)
3- شرح (ابن أبي الحديد): 19 / 267، ومن نظائره: 11 / 150، 177، 15 / 92، 19 / 267
4- الصحاح: 6 / 2517 - 2518 (نهي)، وينظر، لسان العرب: 15 / 345 (نهی)
5- شرح (البحراني): 5 / 415

اختزلَ معنى النص القرآني بدلالة المصدر (تناهي) على المبالغة.

وفي المثل: تشَدَّددي تَنْفرجي، أي: عند تناهي الداهية في العِظم والشدة تذهب وتنفرج، يُضرب عند اشتداد الأمر(1).

وجاء اسم الفاعل من هذا البناء في خطبة له (عليه السلام) يوصي بالزُّهد، قال فيها: «الحَمدُ لله الفاشي في الخَلْق حَمدُه، والغالبِ جندُه، والمُتعالي جدُّه»(2).

المتُعالي: اسم فاعل من (تعالى) الذي هو أبلغ من (علا)(3)، «وتخصيص لفظ التفاعل لمبالغة ذلك منه لا على سبيل التكلف كما يكون من البشر»(4)، وهو اسم من أسماء الله الحسنى، قال تعالى: «عالِم الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ» [الرعد: 9]، قيل في معناه: هو بمعنى العَلي مع نوع من المبالغة(5).

فاستعمال اسم الفاعل (المُتَعالي) بهذا البناء الصرفي جاء للدلالة على المبالغة في تعظيم الله تعالى وتمجيده.

وورد اسم المفعول من هذا البناء في موضع واحد؛ في قوله (عليه السلام)

ص: 233


1- ينظر: مجمع الأمثال: 1 / 124 (المثل: 626)
2- شرح (ابن أبي الحديد): 13 / 115، ومن نظائره: 6 / 438، 9 / 209، 11 / 38، 15 / 79
3- ينظر: المحتسب: 2 / 134، وتصريف الأسماء (قباوة): 117
4- مفردات ألفاظ القرآن: 583 (علا)
5- ينظر: المقصد الأسنى: 142، والمواقف، الإيجي، تح: عبد الرحمن عميرة: 3 / 324، وأسماء الله الحسنى (أحمد مختار): 87

في ذمِّ أهل البصرة: «والشاخُص عنكم مُتدَارَك برحمةٍ من ربِّه»(1).

مُتدارَك: اسم مفعول بزنة (مُتفاعَل) من قولنا: «أدرك الشيء وأدركتُه، وتدارك القومُ وادَّاركوا وادَّركوا، إذا أدركَ بعضهم بعضًا، ويقال: تداركته وادّاركته وادَّركته»(2)، فالزيادة دلت على التوكيد والمبالغة، فضلاً عن المشاركة.

إنما أطلق الإمام (عليه السلام) قولَه: «الشاخص...» «وذلك لإعانة الله له بالخروج ليَسلم من الذنوب التي يكتسبها المقُيم بينهم، وتلك رحمة من الله، وأيَّة رحمة! وكلُّ ذلك في معرض التنفير عنهم»(3).

لذلك كان اسم المفعول (متدارَك) - بحكم بنائهِ الصرفي - دالاًّ على سعة رحمة الله تعالى في إنقاذ مَن تركَ مجالسة أهل البصرة الذين فرَّقوا صفوف المسلمين حين أسلسوا قيادهم لطلحة والزبير. كلُّ ذلك للمبالغة في شدة التنفير عن هؤلاء، وبالطبع، أنَّ كلامه (عليه السلام) لا يشمل أهلَ البصرة جميعهم لأنَّ في تلك المدينة من هُم من الأخيار والصالحين، إذ وصفهم الإمامُ نفُسه بقوله: إنَّ قُّراَءهم أفضلُ القُّراء، وزُهّادهم أفضلُ الزُّهّاد، وعُبّادهم أفضلُ العُباّد، ونساءَهم خيرُ النساء(4).

ص: 234


1- شرح (ابن أبي الحديد): 1 / 251، الشاخص: الراحل
2- لسان العرب: 10 / 421 (درک)
3- شرح (البحراني): 1 / 291 - 292
4- ينظر: بحار الأنوار: 32 / 256

ثالثًا: الثلاثی المزید بثلاثة أحرف

1. افْعَوعَل بناء ثلاثي مزيد بالهمزة والواو وتكرار العين(1)، ويأتي المصدر منه على (افعِيعال)(2)، و (مفعوعل) بضم أوله وكسر ما قبل آخره اسم الفاعل منه، وبفتح.

ما قبل آخره اسم المفعول منه(3).

و (افعوعل) بناء موضوع للقوة والكثرة والمبالغة، قال سيبويه: إنَّ العرب «قالوا: خشُن، وقالوا: اخشوشن، وسألت الخليل فقال: كأنهم أرادوا المبالغة والتوكيد كما أنَّه إذا قال: اعشوشبت الأرض، فإنما يريد أنْ يجعل ذلك كثيرًا عامًّا قد بالغ وكذلك احلولى»(4).

ودلالته على ذلك إنما جاءت من تكرار العين فيه، قال ابن جني: «فمعنى خشُن دون معنى اخشوشن؛ لِما فيه من تكرير العين وزيادة الواو»(5).

ص: 235


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 285، والتطبيق الصرفي: 43
2- ينظر: المقتضب: 2 / 100، وأبنية الصرف (الحديثي): 152
3- ينظر: أبنية الأسماء (ابن القطّاع): 170
4- كتاب سيبويه: 4 / 75، وينظر: الخصائص: 3 / 264، والإيضاح في شرح المفصل: 2 / 134، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 112، وشذا العرف: 45، والمغني في تصريف الأفعال: 155، والصرف الواضح: 109
5- الخصائص: 3 / 264

وأفعال هذا البناء قليلة في نهج البلاغة، منها ما جاء في خطبة له (عليه السلام) يُومئ فيها إلى الملاحم، قال فيها: «حتى إذا اخْلَوْلَقَ الأجلُ، واسْتَراح قومٌ إلى الفِتَن... لم يمُنُّوا على الله بالصَّبر»(1).

اخلولق: بناءُ مبالغةٍ(2)، «واخلولق السحاب، أي: استوى، ويُقال: صار خليقًا للمطر، واخلولق الرسم، أي: استوى بالأرض»(3).

وقوله (عليه السلام): «اخلولق الأجل» معناه: قاربَ أمر القوم المخاطَبين الانقضاء(4)، «أي صار خلقًا، وهو كناية عن بلوغ غاية مدتهم المكتوبة بقلم القضاء الإلهي في اللوح المحفوظ»(5).

فالفعل (اخلولق) - بهذا البناء الصرفي - دلَّ على المبالغة في توكيد الأجل وقربهِ، وهذا ما يتَّسِق مع معنى النص وظروف القول فيه؛ لأنَّ الإمام (عليه السلام) كان في وصف فئة ضالّة امتدت أيامها طويلاً، وعمَّرت في الملك كثيرًا من أجل أنْ تبلغ الدرجة العليا في المهانة والمذلَّة، حتى إذا قَرُب موعد انتهاء حُكمِهم، وزوال ملكهم، وقد استراح الناس، واستسلموا للفتن تقيةً منهم أَنهض

ص: 236


1- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 129 - 130، ومن نظائره: 7 / 117، 226، 10 / 189
2- ينظر: الخصائص: 3 / 264، ولسان العرب: 10 / 92 (خلق)
3- الصحاح: 4 / 1472 (خلق)
4- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 130
5- شرح (البحراني): 3 / 216

الله تعالى العارفين الذين خصَّهم بحكمته، وأطْلعَهم على أَسرار العلوم فنهضوا، ولم يمنّوا على الله سبحانه بالصبر في طاعته(1).

ولم يرد في نهج البلاغة من هذا البناء المصدر(2)، ولا اسم الفاعل(3)، ولا اسم المفعول(4)، وقد يكون السبب في هذا هو ثقلُه؛ لتكرار العين فيه.

2. استفعَل بناء ثلاثي مزيد بالهمزة والسين والتاء في أَوله(5)، المصدر منه على (استفعال)(6)، و(مستفعل) بضمِّ أولهِ وكسر ما قبل آخره اسم الفاعل منه، وبفتح ما قبل آخره اسم المفعول منه(7).

اكتفى أَغلب علماء العربية القدماء والمحدَثين والمعاصرين بالقول: إنَّ بناء (استفعل) يرد متضمنًا معنى الثلاثي المجرَّد (فعَل) أو (فعِل)، نحو: (قرَّ 217 ، وشرح (السيد عباس): -216/ 131 ، وشرح (البحراني): 3 / 1)

ص: 237


1- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 131، وشرح (البحراني): 3 / 216 - 217، وشرح (السيد عباس): 2 / 464
2- ينظر: أبنية المصادر في نهج البلاغة: 322 - 330
3- ينظر: أبنية المشتقات في نهج البلاغة: 15 - 27
4- ينظر: المبني للمجهول في نهج البلاغة: 53
5- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 283، وأوزان الفعل ومعانيها: 106
6- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 79، وشذا العرف: 71
7- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 282، وأبنية الصرف (الحديثي): 184 و 194

واستقرَّ)، و (علا قرنه واستعلاه)، و (يئِس واستيأس)، إذ يُراد ب (فعل واستفعل) معنى واحد(1).

غير أنَّ الرضي من الصرفيين ذهبَ إلى أَنَّ بناء (استفعل) - وإنْ كان بمعنى (فعل)، نحو: قرَّ واستقرَّ - إلا أنَّه لا بد في (استقرَّ) من المبالغة(2)، لزيادة مبناه.

وذهب جمعٌ من المفسرين إلى أَنَّ الفعل (يستسخرون) في قوله تعالى: «وَإذِا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ» [الصافات: 14] يعني المبالغة في السُّخرية(3)، ورأوا أيضًا أنَّ الفعل (استيأس) في قوله تعالى: «فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِیًّا» [يوسف / من الآية: 80] بمعنى (يئِسِ) وزيدت الهمزة والسين والتاء للمبالغة(4).

ومن أفعال هذا البناء في نهج البلاغة ما ورد في خطبة له (عليه السلام) وقد

ص: 238


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 70، وديوان الأدب: 2 / 436، وكتاب التكملة، أبو علي الفارسي، تحقيق ودراسة: د. كاظم بحر المرجان: 529 - 530، والمنصف: 1 / 77، والمفصل: 282، ودروس التصريف: 83، والصرف الواضح: 109
2- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 1 / 111، وتصريف الأسماء (قباوة): 119
3- ينظر: الكشاف: 3 / 337، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل، البيضاوي، تح: محمد عبد الرحمن المرعشلي: 5 / 8، وتفسير النسفي: 4 / 18، وتفسير الصافي، الفيض الكاشاني: 4 / 265، وفتح القدير: 4 / 398، وروح المعاني: 23 / 77
4- ينظر: تفسير الطبري: 13 / 43، والكشاف: 2 / 336، وتفسير الرازي: 18 / 187، وتفسير البيضاوي: 3 / 303، وتفسير النسفي: 2 / 200، والبحر المحيط: 5 / 330، ولمسات بيانية في نصوص من التنزيل، د. فاضل السامرائي: 373

جمع الناس، وحثّهم على الجهاد، فسكتوا مليًّا، وقالوا: إنْ سرتَ سرنا معك، فقال (عليه السلام): «وإنما أنا قُطب الرَّحَى، تدور عليَّ وأنا بمكاني، فإذا فارقته استحار مدارها، واضطرب ثفِالها»(1).

استحارَ: فعل مزيد بزنة (استفعل) من (حار) ومعناه: التردُّد في الشيء(2) وحار الرجل واستحار: لم يهتدِ لسبيله(3)، ف (استحار) أقوى وأبلغ في المعنى من (حار) لزيادة مبناه.

يشير الإمام (عليه السلام) بكلامه المتقدم إلى أنَّ وظيفة الإمام ليست في أنْ يدفع بشخصِه لإخماد أيِّ تمرُّد، وترك مركز الحكومة الإسلامية، والتخلّي عن مختلف وظائفه، فالإمام أو زعيم الأمة لا بد مِن أَنْ يقوم بهذا العمل في الأحداث المهمة التي تتطلب حضورَه، وهذا ما رفضه أهل الكوفة(4)، لهذا استعار (عليه السلام) «لنفسه لفظ (القطب) ملاحظةً لدوران الإسلام ومصالحه عليه؛ كما تدور الرحى على قطبها، وذلك هو وجه الاستعارة»(5)، لذا آثر الإمام (عليه

ص: 239


1- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 285، الثفال: جلد يوضع تحت الرحى ليسقط عليه الدقيق. ومن نظائره: 1 / 96، 2 / 189، 7 / 114، 9 / 38
2- ينظر: معجم مقاييس اللغة: 2 / 123 (حیر)
3- ينظر: لسان العرب: 4 / 222 (حیر)
4- ينظر: نفحات الولاية: 5 / 115
5- شرح (البحراني): 3 / 112

السلام) بناء (استحار) على (حار) لمِا في الأول من المبالغة في شدة اضطرابهم وترددهم حال غيابه (عليه السلام) عن مركز الدولة، وهذا ما ليس في (حار).

ومن أمثلة مصادر هذا البناء ما جاء في عهده (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، إذ قال: «واعلم أنَّه ليس شيءٌ بأدْعى إلى حُسن ظنِّ والٍ برعيته من إحسانه إليهم، وتخفيف المؤونات عليهم، وترك استكراهِه إياهم على ما ليس له قِبَلهم»(1).

يوصي الإمام (عليه السلام) واليه بأنْ لا يُكره رعيتَه على الإتيان بشيء، إذ لا يحقُّ له ذلك، كأنْ يُكرههم على حضور مجلسه دومًا وما شابه ذلك من أُمور لا يرغبون فيها2(2).

فالمصدر (استكراه) - بحكم بنائه الصرفي الدال على المبالغة - جاء ملائمًا لمضمون كلامه (عليه السلام)، فهو يريد من واليه ألا يبالغ في إكراه الناس؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى نفورهم وابتعادهم عنه.

وجاء اسم الفاعل في قوله (عليه السلام) في الأمَر بالمعروف والنهي عن المنكَر: «فمنهم الُمنكرِ للمنكَر بيدِه ولسانهِ وقلبهِ، فذلك المُسْتكِملُ لِخصال الخير»(3).

ص: 240


1- شرح (ابن أبي الحديد): 17 / 46، ومن نظائره: 1 / 132، 7 / 188، 200، 17 / 30، 69
2- ينظر: توضيح نهج البلاغة: 4 / 155
3- شرح (ابن أبي الحديد): 19 / 306، ومن نظائره: 2 / 300، 6 / 419، 13 / 152، 19 / 96

المسُتكمِل: اسم فاعل بزنة (مُستفعِل) من «الكمال: التمام...، وأكملَه هو واستكملَه وكمّله: أتمَّه وجَمَله»(1)1، فلمّا كان المجرَّد والمزيد بمعنى قلتُ بدلالة اسم الفاعل (المسُتكمِل) على المبالغة في الكمال لزيادة مبناه، فضلاً عن دلالته على الطلب.

أَراد الإمام (عليه السلام) من كلامه المتقدم بيان ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأشار إلى سبلهما فيما يخصُّ جوارح الإنسان، فذكَر اليد واللسان والقلب، ولمّا كانت هذه الأنواع الثلاثة من إنكار المنكر فضائِل تحت فضيلة العدل وجبَ أنْ يكون المُنكِرُ للمنكَر مطلقًا مستكمِلاً لجميع خصال الخير على سبيل المبالغة في المدح.

وورد اسم المفعول في خطبةٍ له (عليه السلام) في تعظيم الله تعالى، قال فيها:

«الحمدُ لله غيَر مَقنوطٍ من رحمتهِ،... ولا مُستَنْكَف عن عبادتهِ»(2).

مُستنكَف: اسم مفعول بزنة (مُستفعَل) من «نَكِف من الأمر واستنكف إذا أنفِ منه»(3)، فالزيادة للمبالغة.

نبَّه الإمام (عليه السلام) على استحقاق الله تعالى للحمد ودوامه بلحاظ

ص: 241


1- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 429 - 430
2- شرح (ابن أبي الحديد): 3 / 152، وينظر هذا البناء أيضًا: 6 / 257، 9 / 295
3- معجم مقاييس اللغة: 5 / 479 (نكف)، وينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 824 (نكف)

أُمور منها: أنَّه تعالى لا مستنكَف عن عبادته تقريرًا لقوله تعالى: «لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ» [الأنبياء / من الآية: 19]، وقوله تعالى: «لَّن يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ» [النساء / من الآية:

172]، وكونُه تعالى غيرَ مُستنكَف عن عبادته فشاهدٌ عظيمٌ على كمال عظمته، وأنَّه المستحِق للعبادة من دون ما عداه، إذ هو المجتمع للكمال، فلا جهة نقصان فيه يشار إليها، فتكون سببًا للاستنكاف والاستكبار(1).

فدلَّ التعبير باسم المفعول (مستنكَف) على المبالغة في بيان استحقاق الله تعالى للعبادة والتعظيم والتقديس؛ لأنَّه الكمال الذي لا يُمكن الإِعراض عنه.

رابعًا: الفعل الرباعی المزید بحرف (تَفَعلَلَ)

للفعل الرُّباعي المزيد بحرف بناءٌ واحدٌ هو (تَفَعْلَلَ)(2)، المصدر منه على (تفعلُل)(3)، و (متفعلل) بضمِّ أولهِ وكسر ما قبل آخره اسم الفاعل منه، وبفتح ما قبل آخره اسم المفعول منه(4).

ودلالةُ هذا البناء على المطاوعة هي الأشَهر من دلالاته الأخرى،

ص: 242


1- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 118 - 119
2- ينظر: شذا العرف: 38، والمغني في تصريف الأفعال: 158
3- ينظر: المقتضب: 2 / 106، والصرف الواضح: 133
4- ينظر: أبنية الصرف (الحديثي): 185 و 194

نحو: دحرجُته فتَدحرج، وبعثرتُه فتبعثر(1)، إلا أنَّ ذلك لا يمنع من وجود معنى المبالغة في بعض أفعال هذا البناء، وذلك إذا كانت مُضعَّفة، نحو: (تَقلقَل، وتَبلبَل، وتَزعزَع)؛ لأنَّ التضعيف في هذه الأفعال ونحوها إنما يدل على القوة، والتكرير الدلالي(2).

وتأتي المبالغة من بناء (تفعلل) المضعَّف أَيضًا إذا كان بمعنى المجرَّد، نحو:

(تَجمجَم، وتحَمحَم، وتَغمغَم(3).

ومن أفعال هذا البناء في نهج البلاغة قولُه (عليه السلام) في الحثِّ على الجهاد: «ولا ينبغي لي أنْ أدعَ الجُندَ والمِصْرَ.... ثم أخرجَ في كتيبةٍ اتبعُ أُخرى، أتقلقلُ تقلقُلَ القِدح في الجفير الفارغ»(4).

فيما مرَّ (أتقلقل) وهو فعلٌ رباعيٌّ مزيد بحرف، والقلقلة والتقلقل: قلّة الثبوت في المكان، وشِدَّة اضطراب الشيء وتحرُّكهِ(5).

ص: 243


1- ينظر: شرح المفصل: 7 / 158، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 113، والمغني في تصريف الأفعال: 158
2- ينظر: الخصائص: 2 / 153
3- ينظر: تصريف الأسماء (قباوة): 120
4- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 285، الجفير: الكنانة، وقيل: وعاء للسهام أوسع من الكنانة، وينظر هذا البناء أيضًا: 6 / 373، 10 / 86
5- ينظر: العين: 5 / 26، والصحاح: 5 / 1805 (قل)

يُشبهِّ الإمام (عليه السلام) «نفسَه في اضطراب الحال والانفصال عن الجنُد والأعوان بالقدح (السهم) الذي لا يكون حوله قداح تمنعه من الاستقرار»(1)، ووجه الشبه في ذلك أنَّه كان قد نفذ الجيش قبل ذلك وأراد أنْ يجهز من بقي من الناس، فشبَّه نفسَه في خروجه بتلك الكتيبة وحده مع تقدم أكابر جماعته وشجعانها بالقدح في الجفير الفارغ في كونه يتقلقل ويضطرب(2).

فدلَّ الفعل (اتقلقل) - بحكم بنائه الصرفي - على المبالغة في شدة اضطراب الناس وتحركهم بعد انفصال قائدهم عنهم.

ومن مصادر هذا البناء ما جاء في خطبة له (عليه السلام) في صفة الأرض ودَحْوِها على الماء، قال فيها: «... وتَغلغُلهِا متَسَرِّبةً في جَوبات خياشيمها»(3).

تَغلغُل: مصدر بزنة (تَفعلُل) من «الَغْلَغلة: دخول الشيء في الشيء حتى يخالطه. تغلغلَ الماءُ في الشجر، إذا دخل في أغصانهِ»(4).

ص: 244


1- شرح (السيد عباس): 2 / 319
2- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 112، وشرح (السيد عباس): 2 / 319
3- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 437، جوبات: جمع جوبة: الفُرجة في جبل أو غيره. وورد هذا البناء في موضع آخر: 7 / 285
4- كتاب جمهرة اللغة: 1 / 161 (غلغل)، وينظر: النهاية في غريب الحديث: 3 / 378، ولسان العرب: 11 / 503 (غلل)

وكلام الإمام (عليه السلام) وصفٌ للأرض، بيَّن فيه عظمة الله تعالى وقدرته في خَلقها بعد أنْ هدأتْ «واستقرت ولم تعد تضطرب في فوضى، وعدم اتزان بسبب وضع هذه الجبال التي تثبتها وتمنعها عن الاضطراب، فإنَّ هذه الجبال لم تكن عشوائية الوقوع في أماكنها، وإنما كانت لحكمة رفع اضطراب الأرَض، وهذا ما يستدعي أنْ تكون غائرةً في عمق الأرض، داخلةً في رفق ولين إلى الأماكن المفتوحة منها»(1).

فلكثرة غَوْر الجبال في أَعماق الأرض، واختلاطها فيها آثرَ الإمام (عليه السلام) المصدر (تغلغُل) على غيره من المصادر لِما فيه من معنى «المبالغة في الدخول»(2)، فضلاً عن دلالته على المطاوعة؛ فالتغلغل لا يحدث إلا بتقدير الله تعالى(3).

ولم يرد في نهج البلاغة اسم الفاعل من هذا البناء دالًّا على المبالغة(4)، ولا اسم المفعول أيضًا(5).

ص: 245


1- شرح (السيد عباس): 2 / 105
2- نهج البلاغة (عبده): 1 / 153، وينظر: توضيح نهج البلاغة: 2 / 74، وشرح (السيد عباس): 2 / 98
3- ينظر: أبنية المصادر في نهج البلاغة: 334
4- ينظر: أبنية المشتقات في نهج البلاغة: 22 - 27
5- ينظر: المبني للمجهول في نهج البلاغة: 54

خامسًا: الفعل الرباعی المزید بحرفین

للرباعي المزيد بحرفين بناءان هما (افْعَنْلَلَ، وافعَلَلَّ)(1)، ولم يرد البناء الأول في نهج البلاغة(2)، وإنْ ورد فهو لا يدلُّ على المبالغة(3).

و (اْفعَلَّل) بناء مزيد بالهمزة وتضعيف اللام الثانية، نحو: (اقشعَرَّ)(4)، المصدر منه على (افعِلّال) نحو: اطمئنان واقشعرار(5)، و(مُفْعللّ) بضمِّ أوله وكسر ما قبل آخره اسم الفاعل منه، وبفتح ما قبل آخره اسم المفعول منه نحو:

(مُقشعَر)(6).

ويفيد بناء (افْعَلَلَّ) المبالغة والتوكيد كما يفيدُها (افْعلَّ) في الثلاثي(7).

ومن أفعال هذا البناء في نهج البلاغة ما ورد في خطبة له (عليه السلام) عند خروجه لقتال أهل البصرة، قال فيها: «إنَّ الله سبحانه بَعث محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس أحدٌ من العرب يقرأ كتابًا، ولا يدَّعي نبوَّة، فساقَ الناسَ حتى

ص: 246


1- ينظر: شذا العرف: 38
2- ينظر: الفعل في نهج البلاغة، دراسة صرفية، جبار هليّل زغيّر (رسالة ماجستير مخطوطة): 172
3- ينظر: المغني في تصريف الأفعال: 158، وأوزان الفعل ومعانيها: 114
4- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 300، وأبنية الصرف (الحديثي): 269
5- ينظر: أبنية الصرف (الحديثي): 153
6- ينظر: السابق: 185 و 194
7- ينظر: شرح المفصل: 7 / 162، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 113، والمغني في تصريف الأفعال: 158، والأبنية الصرفية (السالم): 337

بوَّأَهم محلَّتهم، وبلَّغهم مَنجْاتَهم، فاستقامْت قناتُهم، واطمأنَّت صفاتُهم»(1).

في النص المتقدم فعل رباعي مزيد بحرفين هو (اطمأنَّ)، و «اطمأنَّ الرجل، واطمأنَّ قلبُه، واطمأنَّت نفسُه: إذا سكن واستأنس»(2).

وقوله (عليه السلام): «واطمأنَّت صفاتُهم» أي: «كانت متقلقلةً متزلزلةً فاطمأنّت واستقرت»(3)، وهو استعارة للفظ الصفات لحالهم التي كانوا عليها، ووجه المشابهة أنهَّم كانوا قبل الإسلام في مواطنهم، وعلى أحوالهم متزلزلين، لا يقرُّ بعضهم بعضًا في موطن، ولا على حال، بل كانوا أبدًا في الغارة، والنَّهْب والجلاء، فكانوا كالواقف على حجر أملس مضطرب، فاطمأنَّت أحوالهم، وسكنوا في مواطنهم. كلُّ ذلك بسبب مَقدم النبيِّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم)(4).

فالفعل (اطمأنَّ) - بحكم بنائه الصرفي - جاء للمبالغة في ثبوت صفة الاطمئنان وتمكُّنهِا من نفوس العرب عند مَقدم النبيِّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولم يرد في نهج البلاغة المصدر (افعِلّال)(5)، ولا اسم المفعول (مفعللّ)

ص: 247


1- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 185، ومن نظائره: 9 / 116، 210، 13 / 111، 152
2- العين: 7 / 442 (طمن)، وينظر: الصحاح: 6 / 2158 (طمن)
3- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 186
4- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 74
5- ينظر: أبنية المصادر في نهج البلاغة: 333

أيضًا(1).

أما اسم الفاعل فقد ورد في موضع واحد؛ في خطبة له (عليه السلام) في تنزيه الله تعالى، وذكر آثار قدرته، قال فيها: «... بل إنْ كنتَ صادقًا أيُّها المتكلِّف لوصفِ ربِّك، فصِفْ جبريلَ وميكائيل، وجنودَ الملائكة المقرَّبين؛ في حُجرات القدس مُرجحِنِّين»(2).

مرجحِنِّين: جمعُ (مُرجحِنّ) اسم فاعل بزنة (مُفعَللِّ) من: ارجحَنَّ الشيء:

إذا مالَ من ثقله وتحرَّك، وارجحَنَّ: إذا وقع بمرَّة(3).

وقوله (عليه السلام): (مُرجحنِّين) أي: مائلين إلى جهة تحت خضوعًا لجلال الباري سبحانه، من: ارجحنَّ الحجر إذا مال هاويًا(4).

واحتمل أحد شُرّاح النهج أنْ تكون كلمة (مُرجحنِّين) «كنايةً عن عظمة شأنهم، ورزانة قدرهم، أو نزولهم وقتاً بعد وقت بأمره تعالى»(5).

أراد الإمام (عليه السلام) من ذلك «تعجيز من أراد أن يصف ربَّه، وأنَّ هذا المتكلِّف والُمتعسِّف وصفَ الله بدل ذلك فَليصفْ مخلوقًا من مخلوقات الله، فإنَّه

ص: 248


1- ينظر: المبني للمجهول في نهج البلاغة: 53 - 54
2- شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 88 - 89
3- ينظر: الصحاح: 5 / 2121 (رجحن)
4- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 91، وشرح (البحراني): 3 / 384، وشرح (المجلسي): 2 / 191
5- شرح (المجلسي): 2 / 191

يعجز عن وصف مخلوق مثله، فكيف يصف الخالق، وإذا كان قادرًا على وصف الله فليصف جبريل كبير الملائكة، أو ميكائيل أو جنود الملائكة المقرَّبين الذين يسكنون بيوت الطهارة والتقوى خاضعين لهيبة الله وجلاله، متحيِّرة عقولهم، متشتتة أفكارهم لا تستطيع أن تدرك الله رب العالمين»(1).

فاستعمال اسم الفاعل (مرجحنِّين) - بهذا البناء الصرفي - إنما جاء للدلالة على المبالغة في خضوع الملائكة لله تعالى. أمّا من جهة مادته اللغوية فقد يكون في إيثار الإمام (عليه السلام) مادة (رجح) على غيرها من معاني الخضوع والخشوع دلالةً على أنَّ خضوع الملائكة وخشوعهم لله تعالى ناتجٌ عن إدراك ورجاحة عقل؛ لأنَّ الأصل في معنى مادة (رجح) هو الرزانة والزيادة(2)، وهذا يناسب المقام.

ص: 249


1- شرح (السيد عباس): 3 / 187
2- ينظر: معجم مقاييس اللغة: 2 / 489 (رجح)، والفائق في غريب الحديث: 2 / 12

المبحث الثالث: المبالغة بعدم التصرُّف

اشارة

من سُبُل المبالغة في الأبنية الفعلية النقل والتغيير من حالٍ إلى حال، أو الخروج بالأفعال عن مُعتاد حالها، قال ابن جني: «إذا أُريد بالفعل المبالغة في معناه أُخرج عن مُعتاد حاله من التصرّف فمنعِه، وذلك (نِعْم وبئس) وفعل التعجب»(1)؛ لأنَّ «الشيء متى خرج بالمبالغة عن نظائره جعلوا له تأثيرًا في اللفظ؛ ولأنَّ المقصودَ من التصُّرف وقوعُ ذلك المعنى في زمن مختص، وهذان مقصوران على الماضي، صالحان للحال في المعنى، فلا يختصان بزمن»(2).

وضمَّ الدكتور تماّم حسّان - إلى جانب (نعِم وبئس) - صيغتيّ التعجب (ما أفعلَه) و (أفعِلْ به) بمسمّى واحد هو (الخوالف) مشيرًا إلى أنَّ تلك الكلمات «تُستعمل في أساليب إفصاحية، أيّ في الأساليب التي تُستعمل للكشف عن

ص: 250


1- الخصائص: 3 / 46
2- البديع في علم العربية، مجد الدين ابن الأثير، تحقيق ودراسة: د. فتحي أحمد علي الدين، ود. صالح حسين العايد: 2 / 487، وينظر: النحو الوافي: 3 / 369

موقف انفعالي ما، والافصاح عنه، فهي من حيث استعمالهُا قريبة الشبه [بما] يسمونه في اللغة الإنجليزية (Exclamation)(1).

وللتبيين أكثر يمكن تقسيم هذا المبحث على قسمين:

القِسمُ الأول: (نِعم وبئس) وما یلحق بهما:

من الأفعال التي يستعملها العرب في إنشاء المدح والذم: (نِعْم وبِئْس)، قال سيبويه: «وأصل (نِعْم وبِئْس): (نَعِمَ وبَئِسَ)، وهما الأصلان اللذان وُضعا في الرداءة والصلاح، ولا يكون منهما فعلٌ لغير هذا المعنى»(2)، أي: أنَّ (نِعْم وبِئس) وُضِعا للمدح العام، والذم العام(3).

ومن الجدير بالذكر أنَّ في (نعم وبئس) خلافًا بين البصريين والكوفيين من حيث كونهما اسمين أو فعلين، قال الأنباري (ت 577): «هذهب الكوفيون إلى أنّ (نِعْم، بِئْس) اسمان مبتدآن، وذهب البصريون إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرَّفان، وإليه ذهب علي بن حمزة الكسائي من الكوفيين»(4)، ثم عرض أدلة كل فريق(5).

ص: 251


1- اللغة العربية معناها ومبناها: 113. وما بينالقوسين خطأ، والصواب: ممّا
2- كتاب سيبويه: 2 / 179
3- ينظر: المفصل: 272
4- الإنصاف في مسائل الخلاف، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد: 1 / 97 - 104 (المسألة: 14)
5- ينظر: السابق (أدلة البصريين): 1 / 104 - 113 (المسألة: 14)، (أدلة الكوفيين): 1 / 97 - 104 (المسألة: 14)

وانتهى الأنباري بعد أنْ عرض أدلة كلٍّ من الفريقين إلى القول بمذهب البصريين(1)؛ لأنَّ أدلتهم « أقوى وأشد أسرًا»(2).

ول(نِعْم وبِئْس) استعمالان:

1. أنْ يجريا مُجرى سائر الأفعال في التصرف؛ فيكون لهما مضارع وأمر واسم فاعل وغيرها، وهما إذ ذاك للإخبار بالنعمة والبؤس، تقول: (نَعِمَ زيدٌ بكذا)، يَنْعَمُ به، و(بَئِسَ يَبْأسُ بكذا).

2. أنْ يُستعملا لإنشاء المدح والذم، وهما في هذا الاستعمال لا يتصرَّفان؛ لخروجهما عن أصل معاني الأفعال من الدلالة على الحدث والزمان، فأشبها الحرف لذلك(3).

والذي يعني هذا البحث الاستعمال الثاني، فهما غير متصرِّفينِ للزومهما إنشاء المدح والذم على سبيل المبالغة(4)، «والإنشاء من المعاني التي حقّها أن تُؤدَى بالحروف، والحروف لا تتصرف، فهذا علّة جمودهما»(5).

ص: 252


1- ينظر: السابق: 1 / 126
2- الأساليب الإنشائية في النحو العربي، عبد السلام هارون: 100
3- ينظر: المقاصد الشافية في شرح الخلاصة الكافية، الشاطبي، تح: مجموعة من الأساتيذ: 4 / 506، وحاشية الصبّان على شح الأشموني، الصبان، تح: طه عبد الرؤوف: 3 / 38
4- ينظر: اللمع في العربية، ابن جني، تح: فائز فارس: 140، والبديع في علم العربية: 2 / 487، والطراز: 2 / 143، والمدح والذم في القرآن الكريم، د. معن توفيق: 18
5- الأساليب الإنشائية في النحو العربي: 100

وقد أفاد الدكتور خليل عمايرة من المنهج التحويلي في اللغة حين عدَّ (نِعْم وبِئْس) عنصرين يفيدان توكيد الجملة الاسمية؛ لأنهَّما «من الأدوات التي [تضاف إلى] الجملة التوليدية الاسمية»(1) فالمتكلم يستعمل (نِعْم) حينما يريد مزيدًا من المدح والثناء، أو التعظيم أو الإشادة بالمتحدَث عنه في موضوع ما، فيُدخل عنصرًا جديدًا من عناصر التحويل وهو الأداة (نعِم) وهو عنصر تحويل بالزيادة(2).

«فقولنا: (نِعْمَ القائدُ خالدٌ) جملة اسمية تحويلية قد مرَّت بالمراحل الآتية: (خالدٌ قائدٌ) - (خالدٌ القائدُ)، ف (أل) التعريف أفادت هنا التفخيم والتعظيم، لا قَصْرَ (القيادة) على (خالد)، وحصرها فيه، ثم جرى على الجملة التحويل الآتي: القائدُ خالدٌ، إذ قُدِم الخبر في سياق التعظيم والعناية، ثم جرى عليها التحويل الآتي:

(نِعْم القائدُ خالدٌ)، فهي جملة تحويلية اسمية مؤكَّدة بمؤكِّدينِ (نِعْم)، و (أل»)(3).

وبهذا دلَّ (نِعْمَ) على التوكيد، ومعلومٌ أنَّ «المبالغةَ نوعٌ من التوكيد وتقوية المعنى»(4)، وعلى الرغم من أنَّ الدكتور خليل عمايرة قد سلك نهج القدماء في وضعِ أصلٍ للنظم جرت عليه تغييرات لفظية دلالية؛ أدَّت إلى النَّظم الأخير المستعمَل، إنَّنا «بهذا النَّمط من التحليل لجملة المدح نتخلص من الجدل الدائر بين

ص: 253


1- في نحو اللغة العربية وتراكيبها (منهج وتطبيق): 110، وما بين القوسين خطأ، والصواب: تُزاد على
2- ينظر: السابق: 113
3- مناهج البحث اللغوي بين التراث والمعاصرة، د. نعمة العزاوي: 202
4- الوجيز في فقه اللغة، د. محمد الأنطاكي: 321

النحاة حول اسمية (نعم) و (بئس) أو فعليتهما، فالقول بكونهما اسمين أو فعلين لا سبيل إلى إثباته»(1).

وما يجري مجرى (نِعْم) و(بئْس) في المعنى (حَبَّذا) و (لاحبذا) فتقول إذا أردتَ المدح: (حبذا زيدٌ)، وإذا أردت الذمَّ: (لا حبذا زيدٌ)(2)، إذ لا صلة «لهما بمعنى مشتقات مادة (ح ب ب)، وإنما يقوم التعبير بهذه الخوالف الأربع جميعًا مقام التعبيرات المسكوكة»(3).

فمنعُهما من التصرّف أسهم في دلالتهما على المبالغة، قال ابن يعيش: (حَبَّ) فعلٌ متصرفٌ لقولنا منه: حَّب يحُّب، ولمّا نُقل إلى (فعُل) من أجل المبالغة بالمدح مُنع من التصرف لمضارعته - بما فيه من المبالغة والمدح - باب التعجب. و (حَبَّذا) يلزم طريقةً واحدةً وهي الماضي، وفاعله (ذا) اسم إشارة(4)، لذلك قيل: إنَّ (حبذا) تجري مجرى الأمثال؛ والأمثالُ لا تتغير(5).

والفرق بين (حبذا) و (نِعْمَ) أنَّ الممدوح ب (حبذا) يكون قريبًا من القلب،

ص: 254


1- مناهج البحث اللغوي بين التراث والمعاصرة: 202
2- ينظر: المقرّب: 1 / 69، واللغة العربية معناها ومبناها: 115
3- اللغة العربية معناها ومبناها: 115، وينظر: الجملة العربية تأليفها وأقسامها. د. فاضل السامرائي: 112
4- ينظر: شرح المفصل: 7 / 139
5- ينظر: أسرار العربية، أبو البركات الأنباري، تح: محمد حسين شمس الدين: 75

قال ابن جني: «(حبذا) معناها المدح وتقريب المذكور بعدها من القلب»(1).

ومسألة قُرب الممدوح من القلب تتبدَّى من المعنى اللغوي ل (حبَّ) فتكون الدلالة معه مركَّبةً من المدح والمحبَّة، ومن قرينة الحضور لاسم الإشارة (ذا)؛ لأنَّ الممدوح حاضر دلالةً في القلب(2).

جاء (نِعْم) في نهج البلاغة في كتاب له (عليه السلام) إلى عثمان بن حُنيف ذكر فيه فَدَك، فقال: « ونِعْمَ الحَكَمُ الله»(3).

نِعْمَ: فعلٌ موضوع للمبالغة في المدح(4).

يشير كلامه (عليه السلام) إلى حكاية حاله على سبيل المبالغة في التشكي والتظلم ممن أخذ فدك منهم إلى الله سبحانه وتعالى، وتسليم الأمر له، والرضا بكونه حَكمًا عدلاً(5) و؛ «الشكوى إلى الله عزّ وعلا لا تُسمى جزعًا»(6)؛ لأن الشكوى إليه سبحانه، والاستعانة به من دون أحد من الخلق هو عين الصبر على البلوى

ص: 255


1- اللمع في العربية: 142، وينظر: شرح المفصل: 7 / 138
2- ينظر: أساليب المدح والذم والتعجب والمحورية، د. عبد الفتاح الحموز: 49
3- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 208، ومن نظائره: 16 / 64، 18 / 90، 19 / 341
4- ينظر: اللمع في العربية: 140، والبديع في علم العربية: 2 / 487، وشرح التصريح على التوضيح: خالد الأزهري، تح: محمد باسل عيون السود: 2 / 75
5- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 104
6- الكشاف: 3 / 377، وينظر: البحر المحيط: 7 / 385

حتى يأذن الله تعالى بإزالة أسباب الشكوى، ورد الحقوق إلى أصحابها(1). ومن الشكوى إلى الله تعالى قول النبي يعقوب (عليه السلام): «إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ» [يوسف / من الآية: 86].

فدلالة عبارة «نِعْم الحَكَمُ الله» على المبالغة في التشَكِّي والتظلُّم إلى الله سبحانه هي الأقرب من الدلالة على شدة التهديد والوعيد للمخاطَب كما ذهب إلى ذلك أحد الدارسين(2).

وجاء (بئس) في وصيته للإمام الحسن (عليهما السلام)،إذ قال: «قارِنْ أهل الخير تكُنْ منهم، وبايِنْ أهل الشَّر تَبِنْ عنهم. بِئْسَ الطعامُ الحرامُ»(3).

بِئْس: فعل وُضِع للمبالغة في الذم(4).

يوصي الإمام ابنَه الحسن (عليهما السلام) منبِّهًا إيَّاه «على قُبح أكل الحرام لغاية اجتنابه بذمِّه»(5)؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُحرِّم شيئًا «إلا لضرره وفساده وإذا كان الحرام مرفوضًا في الإسلام إذا وقع على [الغير] فهو إذا وقع على النفس

ص: 256


1- ينظر: رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين، السيد على خان مدني: 59
2- ينظر: أساليب الإنشاء في كلام السيدة الزهراء (عليها السلام)، دراسة نحوية بلاغية، عامر سعيد نجم: 317
3- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 97، ومن نظائره: 2 / 189، 8 / 104، 15 / 117
4- ينظر: اللمع في العربية: 140
5- شرح (البحراني): 5 / 49

يكون أشد سوءًا، أو أقوى ضررًا»(1).

فاستعمال (بِئْس) في هذا المقام أضفى على العبارة قوةً وشدة في التنبيه على قُبح أكل الحرام، ومما زاد تلك الشدة أنَّ العبارة جاءت على الَقطْع واستئناف الكلام للفت النظر، وإثارة الانتباه على خطورة الإقدام على مثل هذا العمل(2).

أمّا (حَبَّذا) فلم يرد في نهج البلاغة إلا في موضع واحد، وهو قوله (عليه السلام) في باب الحِكم: «حبذا نومُ الأكياس وإفطارهم»(3).

الأكياس: جمع (كيِّس) وهم العقلاء العارفون(4)، وإنما مدح الإمام (عليه السلام) «نومَ الأكياس، لأنَّ الكيِّس هو الذي يستعمل ذكاءَه وفطنته في طرق الخير وعلى الوجه المرضيّ للشارع، ويضع كلَّ شيءٍ موضعه، ومن كان كذلك كان نومُه وإفطاره، وجميعُ تصرفاته في عباداته مُوضعةً موضعها من رضا الله ومحبته»(5)، أي: أنَّ «نوم العالم العامل أفضل من عبادة القاعد الجاهل»(6)، وقريب من ذلك قوله (عليه السلام: «نومٌ على يقين خيرٌ من صلاة على شك»(7).

ص: 257


1- شرح (السيد عباس): 4 / 356، وما بين القوسين خطأ، والصواب: الآخر
2- ينظر: الكشاف: 1 / 181، ومعاني النحو: 3 / 167
3- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 344
4- ينظر: السابق نفسه والصحيفة نفسها، وتاج العروس: 16 / 465 (کیس)
5- شرح (البحراني): 5 / 320
6- في ظلال نهج البلاغة: 4 / 310
7- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 253

فالإمام (عليه السلام) مدحَ النوم إذا كان سبيلاً لطاعة الله تعالى ورضاه، لا مطلَق النوم، وهذا المعنى مستفاد من المضاف إليه (الأكياس).

فدلَّ (حَبَّذا) على المبالغة في مدح العُقَلاء العارفين، وهذا يلتقي مع ما ذهب إليه اللغويون من أنَّ (حبذا) يُستعمل في مدح مَن هو قريب من القلب.

القسم الثانی: صیغتا التعجُّب (ما أفعَله) و (أفعِل به)

وهاتان الصيغتان هما المشهورتان للتعجب، اللتان بوَّب لهما النحويون(1)، «ففعلُ التعجب في اصطلاح النحاة هو ما يكون على صيغة (ما أْفَعَله) أو (أفعِلْ به)، دالًّا على هذا المعنى، وليس كل فعل أفاد هذا المعنى يُسمى عندهم فعل التعجب»(2).

وهما صيغتان جامدتان، ويُرجِع العلماء سبب جمودهما إلى تضمنهما ما ليس لهما في الأصل، وهو الدلالة على معنى زائد على الفعل وهو التعجب، قال المبرّد:

«ومنها فعل التعجب وهو غير متصرِّف؛ لأنه وقع لمعنى، فمتى صُرف زال المعنى، وكذلك كلُّ شيء دخله معنى من غير أصله على لفظ، فهو يَلزم ذلك اللفظ لذلك المعنى»(3).

ص: 258


1- ينظر: شرح شذور الذهب، الجوجري، دراسة وتحقيق: د. نوّاف الحارثي: 2 / 729، وشرح التصريح: 2 / 57 - 58
2- شرح الرضي على الكافية: 4 / 228
3- المقتضب: 3 / 190

ولجمودهما وعدم تصرفهما أفادتا معنى المبالغة، قال ابن جني: «إذا أُريد بالفعل المبالغة في معناه أُخرج عن معتاد حالهِ من التصرف فمنعِه، وذلك نعم وبئس وفعل التعجب»(1).

ووضَّح ابن جني خروج فعل التعجب عن معتاد حالهِ قائلاً: «نعتقد... في الفعل المبني منه فعل التعجب أنَّه قد نُقِلَ عن (فعَل وفعِل) إلى (فعُل) حتى صارت له صفة التمكن والتقدم، ثم بُني منه الفعل، فقيل: (ما أْفَعَله)، نحو: ما أشعَره، إنما هو من (شعُر»)(2)، ثم صارت هاتان الصيغتان كالمثل لا يقبل التغيير(3)، مجردتين عن الزمن؛ «لأنَّ الجملة التعجبية كلَّها إنشائيةٌ محضةٌ، الغرض منها إنشاء التعجب، فتركت الدلالة الزمنية، وانسلخت منها، واقتصرت على تحقيق الغرض الذي أُنشِئَت من أجله، وهو الإنشاء غير الطلبي، المقصود منه إعلان التعجب»(4).

ولو أُريد تقييد هاتين الصيغتين بزمن معين لجيء بقرينة لفظية، نحو: (كان) للمضي، و (الآن) وما بمعناها للحال، و (يكون) ونحوه للدلالة على الاستقبال

ص: 259


1- الخصائص: 3 / 46
2- السابق: 2 / 225
3- ينظر: شرح الرضي على الكافية: 4 / 228، واللغة العربية معناها ومبناها: 114
4- النحو الوافي: 3 / 361

وبغير التقييد تتجرَّد الجملة التعجبية من الزمن(1).

ويرى الدكتور عبد الفتاح الحمَّوز «أنَّ دلالة هذا الفعل في هذا الأسلوب على الأزمان الثلاثة تعزز محورية المتعجَب منه فيه؛ لأنَّ هذا التعجب حصل في الماضي، واستمر في الحال والاستقبال، وهي مسألة تُنبئ أيضًا عن المبالغة في هذا التعجب، وتُعزِّر كون هذا الفعل في هذا الأسلوب غير متصرِّف؛ لأنَّ أكثر الأفعال غير المتصرفة لا تنبئ عن الزمن، كما في (ليس، ونعم، وبئس»)(2).

وجاءت صيغة (ما أْفَعَله) في نهج البلاغة في كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية، قال فيه: «ما أشدَّ لُزومَك للأهواء المُبتدَعة، والحَيرة المتَّبَعة»(3).

على الرغم من أنَّ الفعل (لزم) مستوفٍ للشروط الواجب توافرها في الفعل المتعجَب منه(4) أتى الإمام (عليه السلام) ب (أشد) وهو وجه جائز(5)؛ «لأن التعجب إنما هو بلوغ النهاية في معنى لم يبلغ إليه غير المتعجَب منه، وهو الذي

ص: 260


1- ينظر: السابق نفسه والصحيفة نفسها
2- أساليب المدح والذم والتعجب: 99
3- شرح (ابن أبي الحديد): 16 / 153، ومن نظائرها: 7 / 194، 251، 13 / 171
4- لا يُبنى على صيغتي التعجب (ما أفْعَلَه، وافعِلْ به) إلا ما اجتمعت فيه ثمانية شروط هي: أن يكون فعلاً، وثلاثيًا، ومتصرفًا، وقابلاً للمفاضلة، وتامًا، ومثبتًا، وألا يكون مبنيًا للمفعول، وألا يكون الوصف منه على (أفعل فَعلاء). ينظر: شرح ابن عقيل: 2 / 154
5- ينظر: شرح التصريح: 2 / 74، والنحو الوافي: 3 / 355

يعطيه (أشد) ونحوه»1(1) وهذا مناسب للمقام؛ لأنَّ الإمام (عليه السلام) لم يتعجب من لزوم معاوية للأهواء المبتدَعة، وإنما تعجب «من شدة لزومه للأهواء التي مبتدعها، والتحير فيها عن قصد الحق، وذلك أنه في كل وقت يوقع شبهةً، ويبتدع رأيًا يغوي به أصحابه»(2)، لهذا دلَّت صيغة (ما أْفَعَله) على المبالغة في التعجب مما ابتدعه معاوية.

أمّا صيغة (أفعِلْ به) فقد وردت في موضع واحد؛ في كلام له (عليه السلام) في ذم العاصين من أصحابه، قال فيه: «وأقرِبْ بقومٍ من الجَهل بالله قائدُهم معاوية، ومؤدِّبُهم ابنُ الناَّبغة»(3).

أقرِبْ بقوم: أي: ما أقربَهم من الجهل، كقوله تعالى: «أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ» [مريم / من الآية: 38]، أي: ما أسمعَهم وأبصرَهم(4).

يشير الإمام (عليه السلام) بكلامه إلى ذمِّ أهل الشام، وقيادتهم الفاسدة الضالة، وأنَّ من كان قائدهم في الطريق معاوية، وُمسِّير أمورهم، وموجه سياستهم ومن كان ابن النابغة - أي: عمرو بن العاص وهو رئيسهم - رئيس المنافقين، وأهل الغدر والخداع، فليس هناك أشد منهم قربًا من الجهل بالله تعالى،

ص: 261


1- المقاصد الشافية: 4 / 483
2- شرح (البحراني): 5 / 81، وينظر: شرح (السيد عباس): 4 / 436
3- شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 68، النابغة: أم عمرو بن العاص سميت بذلك لشهرتها بالفجور
4- ينظر: السابق: 10 / 73

والبعد عن ساحته(1).

فصيغة (أفعلْ به) - بلحاظ القرينة الحالية والسياقية - قد دلَّت على المبالغة في التعجب من شدة قرب هؤلاء القوم من الجهل بالله تعالى(2). كلُّ ذلك للذمِّ والتحقير.

ومما ناسب ذلك الذمَّ عدوله (عليه السلام) عن ذكر اسم عمرو بن العاص صريحًا إلى ذكر أُمِّه تحقيرًا له، وتذكيرًا بنجاستهِ ودناءته، وتلك من عادة العرب في الذم والتحقير، فإن قيل: لماذا صرَّح الإمام (عليه السلام) باسم معاوية؟ أقول: إنَّ لفظة (مؤدبكم) التي قُرنت بابن النابغة تُجيب عن ذلك، وكأنه (عليه السلام) يقول: إنَّ من يُنصِّب نفسه مؤِّدًبا لغيره، فعليه بتأديب نفسِه، وتخليصها من الرذائل، لهذا قال (عليه السلام): «من نَصَب نفسَه للناس إمامًا، فعليه أنْ يبدأ بتعليم نفسِه قبلَ تعليم غيره، ولْيكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانهِ.

ومعلِّمُ نفسه ومؤدبُها أحقُّ بالإجلال من معلِّم الناس ومؤدبهم»(3)، فالقائم بتأديب الناس عليه قبل ذلك أنْ يؤدِّب نفسَه، ولماّ كان عمرو بن العاص ليس كذلك كنَّاه الإمام (عليه السلام) بابن النابغة. كلُّ ذلك للذم والتحقير.

ص: 262


1- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 378، وشرح (السيد عباس): 3 / 169
2- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 378
3- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 220

المبحث الرابع: المبالغة بمصادر أُخر

اشارة

قال الخليل: «الصَّدرُ: أعلى مقدَّم كلِّ شيء، وصدر القناة أعلاها، وصدر الأمر: أوله... والمصدر: أصل الكلمة الذي تصدر عنه الأفعال»(1) هذا في اللغة.

أمّا في الاصطلاح فإنَّ ابن جني هو أول من وضع حدًّا له(2)، إذ قال:

«المصدر كلُّ اسم دلَّ على حدث وزمان مجهول، وهو وفعله من لفظ واحد، والفعل مشتق من المصدر»(3).

وللمصادر تقسيمات متعددة، منها: السماعي والقياسي، والمجرَّد والمزيد وقسمها أستاذنا الدكتور صباح السالم على قسمين:

1. مصادر مرتبطة بأفعالها، فلكل فعلٍ بناء مصدره الخاص به، لا يشركه فيه غيره من الأفعال، نقول: (ذهب ذهابًا)، و (فتح فتحًا).

ص: 263


1- العين: 7 / 94 - 96 (صدر)
2- ينظر: الدلالة الصرفية عند ابن جني: 98
3- اللمع في العربية: 48

2. مصادر تدل على معانٍ محددة يُعبَّر عن كلٍّ منها ببناءٍ معلوم، تشترك فيه أفعال مختلفة، ذات أبواب متعددة، نحو: (فَعَلان) فهو يأتي من: (فعَل يفعُل)، و (فعَل يفعِل)، و (فعِل يفعَل)(1).

أمّا الطائفة الأولى فقد درستُ المزيدة منها في المبحث الخاص بها، والأخرى سيتكفل هذا المبحث بعرض ما جاء منها حاملاً معنى المبالغة بحسب الأشهر، وعلى النحو الآتي:

أولًا: تفعال (بفتح التاء وکسرها)

أمَا مفتوح التاء فهو مصدرٌ اختلف علماء العربية في الفعل الذي يرتبط به، فذهب سيبويه إلى أنَّه مصدرٌ يدل على الكثرة، مبنيٌ من الفعل الثلاثي المجرَّد (فعل)، كما بُني (فعّلت) من (فَعَلت) لإرادة التكثير(2).

ويرى الكوفيون أنَّه بمنزلة (التفعيل)، فهو مرتبطٌ بالفعل (فعّل) مشدَّد العين، والألف عوض من الياء، ودلالة التكثير موجودة في الفعل أيضًا(3)؛ لأنَّنا «لا نجد للتفعال فعلاً موافقًا غير (فعَّل) المُضعَّف، والجامع بينهما الدلالة على المبالغة»(4).

ص: 264


1- ينظر: الأبنية الصرفية (السالم): 81
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 83 - 84، والمخصص: 14 / 189 - 190
3- ينظر: شرح المفصل: 6 / 56، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 167
4- سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 42

وقد يقال: إنَّ (تفعالاً) مصدرٌ آخر ل (فعَّل) المضعَّف، ويظهر ذلك حين «يأتي رديفًا للتفعيل، نحو: (الترديد والتَّرداد)، و(التكرير والتَّكرار)... وإنْ كان (التفعيل) يأتي من (فعَّل) قياسا مطردًا، في حين أنَّ (التفعال) ليس كذلك، إذ هو مرهونٌ بالسَّماع»(1).

ويرى الدكتور صباح السالم أنَّه لا قيمة دلالية للخلاف البصري الكوفي؛ لأنَّ «كلتا الصيغتين تفيد تكثير الحدث، وليس بينهما كبير خلاف في البناء الصرفي. فما اختلافهما إلّا في حرف اللين الذي هو الياء في (التفعيل) والألف في (التفعال)، ولو لجأنا إلى اختلاف اللهجات في تفسير نشوء الصيغتين فربَّما كنا موفقين في ذلك»(2).

أمّا (التفعال) - مكسور التاء - فقد ورد منه مصدران هما (التبيان، والتلقاء)، قال سيبويه: «وأما (التبيان) فليس على شيء من الفعل لحقته الزيادة، ولكنه بُنيِ هذا البناء فلحقته الزيادة؛ كما لحقت الرِّئْمان وهو من الثلاثة، وليس من باب (التقتال) ولو كان أصلها من ذلك فتحوا (التاء)، فإنما هي من: بيَّنت...، ونظيرها (التِّلقاء)، وإنما يريدون (اللقيان»)(3).

ص: 265


1- السابق: 43
2- الأبنية الصرفية (السالم): 124
3- كتاب سيبويه: 4 / 84. الرئمان: من: رَئمِت الناقة ولدَها، أي: عطفت عليه ولزمته

وثمة صرفيون تابعوا قول سيبويه المتقدم في أنَّ (تفِعال) بكسر (التاء) ليس مصدرًا، واستثنوا من أمثلته (التبيان، والتلقاء)(1).

وذكر اللغويون أيضًا أنَّ (التبيان) مصدرٌ نادر لا نظير له إلا (التلقاء)(2).

أما دلالة المصدر (تفِعال) على المبالغة فقد صرّح بها الزمخشري، إذ قال:

«تبيانًا: بيانًا بليغًا، ونظير تبيان (تلقاء) في كسر أوله»(3).

ومن أمثلة بناء (تَفعال) بفتح التاء في نهج البلاغة قوله (عليه السلام) في الحثِّ على الجهاد وذمِّ القاعدين عنه: «وجرَّعتموني نغُب التَّهمام أنفاسًا»(4).

التَّهمام: مصدرٌ بزنة (تَفعال)، وهو الهمُّ(5) ومعناه «الحزن، والهمُّ مصدر همّ الشحم يهمُّه إذا أذابه، والهمُّ: مصدر هممْتُ بالشيء همًّا»(6).

والتهمام مصدٌر نادرٌ للفعل (همَّ)، إذ لم تذكره أغلب المعجمات(7) على الرغم

ص: 266


1- ينظر: ليس في كلام العرب: 308، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 167، والمزهر: 2 / 92
2- ينظر: لسان العرب: 13 / 68، وتاج العروس: 34 / 299 (بین)
3- الكشاف: 2 / 424، وينظر: روح المعاني: 14 / 215
4- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 75، النُغب: جمع نغبة: جرعة، وينظر هذا البناء أيضًا: 16 / 148
5- ينظر: السابق: 2 / 80
6- لسان العرب: 12 / 621 (هم)
7- ينظر: العين: 3 / 357 - 358، والصحاح: 5 / 2061 - 2062، ولسان العرب: 12 / 621، والمعجم الوسيط: 2 / 995 - 996 (هم)

من وروده في كلام الإمام (عليه السلام) المتقدم، وفي شعر امرئ القيس، إذ قال:(1) [من الطويل] أعِنِّی علی التَّهمام والذِّکَراتِ *** یَبِتنَ علی ذی الهمِّ مُعتکِراتِ وفي شعر أبي داوود الإيادي(2)،إذ قال:(3) [من الخفيف] منعَ النومَ ماویَ التَّهمامُ *** وجدیرٌ بالهمِّ مَن لا ینامُ يصوِّر الإمام (عليه السلام) في هذا الخطاب بلوغَه الغاية في التألمُّ الحاصل من شدة الاهتمام بأمرهم مع تقصيرهم، وعدم طاعتهم لأوامره، فلشدة ما عانى (عليه السلام) من هؤلاء قال: «جَرَّعتموني نُغَب التَّهمام» أي: جلبتم لي الهمَّ وقتًا بعد وقت - وهو مجاز -؛ لأن التجريع عبارة عن إدخال الماء أو نحوه في الحلق، وطريان الهمِّ على نفسه، وما يلزم الهمَّ من الآلام البدنية على بدنه، وتكرار ذلك منهم يشبه طرَيان المشروب وتجرُّعَه(4).

ص: 267


1- ديوان امرئ القيس: 78، وينظر: الأبنية الصرفية (السالم): 124
2- هو جارية بن الحجاج، وقيل: هو حنظلة بن الشرقي، شاعر قديم من الجاهلية، هو أحد وصّاف الخيل المحسنين. ينظر: كتاب الأغاني، أبو الفرج الأصبهاني: 15 / 91، وخزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، البغدادي، تحقيق وشرح: عبد السلام هارون: 9 / 590، والأعلام: 2 / 106
3- الأصمعيات، الأصمعي، تح: أحمد محمد شاكر وعبد السلام هارون: 185
4- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 38 - 39

لهذا آثر (عليه السلام) المصدر (التَّهمام) على (الهم) لماِ فيه من الدلالة على كثرة الهموم التي تجرَّعها جرعة بعد جرعة؛ لأنَّ بناء (تفعال) موضوعٌ للكثرة والمبالغة في الشيء، وهذا يناسب المقام.

أما بناء (تفِعال) - بكسر التاء - فقد ورد في خطبة له (عليه السلام) في تعظيم القرآن الكريم.

قال فيها: «ثم أنزلَ عليه الكتاب نورًا لا تُطفأ مصابيحُه.... وتبِيانًا لا تهُدم أركانُه»(1).

وأصل قوله (عليه السلام) هذا قولُه تعالى: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ» [النحل / من الآية: 89].

قد استعمله (عليه السلام) من دون المصدر (بيان)؛ لأنَّه أكثر إفادة من (البيان)، ف (البيان) هو الفصاحة واللسن(2)، أنَّ (التبيان) يعني: البيان البليغ(3) وهذا مناسب لمقام القرآن الكريم؛ إذ قد بُيِّن فيه كلُّ ما تحتاج إليه الأُمة من أمر الدِّين(4).

ص: 268


1- شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 194، وينظر هذا البناء أيضًا: 1 / 288
2- ينظر: لسان العرب: 13 / 68 (بین)
3- ينظر: الكشاف: 2 / 424
4- ينظر: لسان العرب: 13 / 68، وتاج العروس: 34 / 299 (بین)

ثانیًا: فَعَلان (بفتح الفاء والعین)

وهو مصدرٌ قياسي لكلِّ فعلٍ ثلاثي يدل على حركة واضطراب(1). ودلالته على المبالغة ذكرها الزمخشري عند تفسيره قوله تعالى: «وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ» [العنكبوت / من الآية: 64]، إذ قال: «وفي بناء (الحيَوَان) زيادة معنى ليس في بناء (الحياة) وهي ما في بناء (فَعَلان) من معنى الحركة والاضطراب ك (النزَوان) و (النغَصان) و (اللهَبان)، وما أشبه ذلك، والحياة: حركة، كما أنَّ الموت سكون، فمجيؤه على بناء دال على معنى الحركة، مبالغة في معنى (الحياة)، ولذلك اختيرت على (الحياة) في هذا الموضع المقتضي للمبالغة»(2)، وأكد ذلك النسفي (ت 710 ه)، والفيض الكاشاني (ت 1091 ه)(3).

ومن أمثلته في نهج البلاغة قوله (عليه السلام) في ذكر ابتداء خَلْق السموات والأرض: «فطَرَ الخلائقَ بقدرتهِ، ونشَرَ الرِّياحَ برحمتهِ، ووتَّد بالصخورِ مَيَدانَ أرضِه»(4).

مَيَدان:مصدر بزنة (فَعَلان) من: ماد الشيء مَيْدًا ومَيَدانًا، تحرَّك بشِدة. ومنه

ص: 269


1- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 14 - 15، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 156
2- الكشاف: 3 / 211 - 212
3- ينظر: تفسير النسفي: 3 / 265، والأصفى في تفسير القرآن، تح: محمد حسين نعمتي، ومحمدرضا نعمتي: 2 / 951
4- شرح (ابن أبي الحديد): 1 / 57، وينظر هذا البناء أيضًا: 1 / 207، 11 / 51

قوله تعالى: »وَأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَن تَميِدَ بِكُمْ» [النحل / من الآية: 15]، أي: تضطرب بكم الأرض وتحرككم حركة شديدة(1)، وبهذا المعنى استعمله الإمام (عليه السلام)، إذ أراد أنَّ الله تعالى جعل الجبالَ الضخمة أَوتادًا للأرض كي تثبُت مكانهَا فلا تضطرب، أو تهتز هزّات شديدة تمتنعُ الحياةُ معها، وإلى هذا المعنى أشار القرآن الكريم بقوله تعالى: «والجبالَ أوتادًا» [النبأ: 7](2).

وقد جاءت الدراسات الجيولوجية الحديثة بما أكده القرآن الكريم، ونهج البلاغة سابقًا، إذ دلَّت هذه الدراسات على أنَّ لكل جبل وتدًا راسيًا في أعماق الأرض، ومن النوادر وجود جبل في الأردن اسمه (السلط) ليس له وتد، لذلك ينزلق كلَّ سنةٍ بمقدار محسوس(3).

فالمصدر (ميَدان) - بحكم بنائه الصرفي - إنما جاء للدلالة على المبالغة في شدة حركة الأرض واضطرابها، ولو قال الإمام (عليه السلام) (مَيْد) لَما دلَّ على هذا المعنى، ولَما كان مناسبًا لموضوع الخطبة وسياقها، ومما أكد تلك الشدة في الحركة والاضطراب أنَّ الإمام (عليه السلام) عبَّر بالمصدر (مَيَدان) ولم يقُل: وتَّد بالصخور أرضَه المائدة، وإنما جعل التوتيد للميَدان نفسِه مبالغةً في الحدث.

ص: 270


1- ينظر: تاج العروس: 9 / 193 - 194 (مید)
2- ينظر: شرح (السيد عباس): 1 / 18
3- ينظر: إضاءات علمية في القرآن الكريم، د. عبد الجبار ثجيل: 141

ثالثًا: فُعَلاء (بضم الفاء وفتح العین)

وهو من المصادر النادرة في المعجمات اللغوية أفادت الزيادة فيه معنى المبالغة في الشيء(1).

وجاء منه في نهج البلاغة مثالٌ واحد في قوله (عليه السلام) في صفة الأرض ودَحْوِها على الماء: «وردَّت من نَخوة بَأْوِه واعتلائهِ، وشموخِ أنفِه، وسُمُوِّ غُلَوائِه»(2).

غُلَواء: مصدر بزنة (فُعَلاء) من «غلا في الدِّين والأمر يغلو غُلُوًا: جاوز حدَّه»(3).

وقوله (عليه السلام): «وسُموّ غلوائه» أي: غُلُو الماء وتجاوزُه الحد(4) يشير إلى مرحلة من مراحل خَلْق الأرض، إذ سكنت بعد شدة حركتها واضطرابها، فاستعار (عليه السلام) لبيان تلك الشدة لفظ (البأو)، و (شموخ الأنف)، و (الغلواء)(5). كلُّ ذلك للمبالغة في بيان شدة حركة الأرض واضطرابها، وهو مناسبٌ لمقام الخطبة.

ص: 271


1- ينظر: أبنية المصادر في نهج البلاغة: 239
2- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 437، البأو: الكبر، والضمير عائد على الماء
3- لسان العرب: 15 / 132 (غلا)
4- ينظر: شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 440
5- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 371

رابعًا: فَعَلُوت (بفتح الفاء والعین وضم اللام)

وهو من المصادر السماعية المستدرَكة على ما ذكره سيبويه(1)، إذ ذكره في أبنية الأسماء، ولم يشر إلى أنَّه مصدر دالٌّ على المبالغة(2).

إلا أنَّ زيادة مبناه دفعت بابن جني إلى عدِّه مصدرًا دالًّا على المبالغة؛ لأنَّه مزيد ب (الواو) و (التاء)، نحو: (المَلَكوت، ويعني: الأمر العظيم)، وهو مختص بملك الله تعالى، ومثله: (الرَّهَبوت) و (الرَّحمَوت)(3).

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن بناء (فَعلوت) يرد مصدرًا كما مثَّلتُ، ويرد وصفًا أيضًا، نحو: (رجلٌ خَلَبوت: أي غدَّار خدَّاع)(4)، والفيصلُ في تبيين كلٍّ منهما هو السياق وقصدُ المتكلم.

ومن أمثلته في نهج البلاغة قوله (عليه السلام) في قدرة الله تعالى في تدبير عالم الخِلقة: «وأرانا من مَلَكُوِت قُدرتهِ»(5).

مَلَكُوت: مصدر بزنة (فَعَلُوت) وأصلُه من الملك، قال الخليل: «والملكوت:

ص: 272


1- ينظر: أبنية الصرف (الحديثي): 163
2- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 272، وشرح الرضي على الشافية: 1 / 152
3- ينظر: المحتسب: 2 / 218، والمنصف: 3 / 21، ومفردات ألفاظ القرآن: 775 (ملك)
4- ينظر: كتاب سيبويه: 4 / 272، وديوان الأدب: 2 / 79
5- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 410، ومن نظائره: 6 / 7، 423، 407 / 194، 9 / 181، 11 / 51، 17 / 33

ملك الله، وملكوت الله: سلطانه»(1) وهو مصدر خاص بملك الله تعالى، لقوله سبحانه: «فَسُبْحانَ الَّذِي بِیَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [يس: 83](2).

وكلامه (عليه السلام) إشارة إلى أنَّ الله تعالى هو مالك قدرته، وإنما نسبها إلى القدرة؛ لأنهَّا مبدأ الوجود كله، فهي مبدأ المالكية(3)، فدلَّ المصدر (المَلَكُوت) - بحكم بنائه الصرفي - على المبالغة في تعظيم ملك الله تعالى.

خامسًا: فَعالة (بفتح الفاء)

وهو مصدرٌ لكلِّ فعلٍ بزنة (فَعُل)، نحو: (فصُح فصاحةً)، و (ضخُم ضخامة)(4).

ودلالته على المبالغة ذكرها المبرّد، إذ قال: «والمصادر التي تقع على (فَعالة) للمبالغة، يقال: (عزَّ عزًّا وعزازة)، كما يقال: الشَّراسة، والصَّرامة، قال الله تعالى:

«قال يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ) [الأعراف / من الآية: 67] وفي موضع آخر: «لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ» [الأعراف / من الآية: 61]»(5)، فجاء قوله تعالى على لسان النبيِّ هود

ص: 273


1- العين: 5 / 380 (ملك)
2- ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 775 (ملك)
3- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 338، ومنهاج البراعة (الخوئي): 6 / 317
4- ينظر: شرح الرضي على الشافية: 1 / 156، وشرح ابن عقيل: 2 / 126، وأبنية الصرف (الحديثي): 150
5- الكامل في اللغة والأدب، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم: 1 / 136

(عليه السلام): «يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالةٌ» ردًّا علی اتهامهم إیّاه بالضلال المبین فی قوله تعالى: «إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُّبيِنٍ) [الأعراف / من الآية: 60]، فبالغَ النبيُّ هود (عليه السلام) في النفي كما بالغوا في الإثبات(1)؛ لأنَّ الضَّلالة «أعمُّ من الضلال، فنفيُها أبلغ من نفيهِ»(2)، فهو (عليه السلام) لم ينِف المصدَر نفَسه وصفته، بل استعاض عنهما بالمبالغة المغنية عنهما(3).

ورد هذا البناء في نهج البلاغة في خطبة له (عليه السلام) في ذكر من انحرف عن القرآن الكريم، قال فيها: «فالكتابُ وأهله في ذلك الزَّمان في الناَّسِ، ولَيْسا فيهم، ومعهم وليسا مَعهم؛ لأنَّ الضَّلالةَ لا توافق الهُدى وإن اجتمعا»(4).

الضَّلالة: مصدر بزنة (فَعالة) ومعناه «العدول عن الطريق المستقيم ويُضادُّه الهداية»(5).

يشير الإمام (عليه السلام) إلى وضع القرآن الكريم وأصحابه في آخر الزمان المتمثل بابتعادهم عنه، فهم يتلون القرآن في دورهم، ويقبلونه ويتبرَّكون

ص: 274


1- ينظر: تفسير البيضاوي: 3 / 30، وتفسير الصافي: 2 / 208
2- تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي: 202
3- ينظر: سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 41، والإعجاز الصرفي: 169 ينظر: سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 41، والإعجاز الصرفي: 169
4- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 104، ومن نظائره: 9 / 49، 137، 10 / 265، 14 / 28، 18 / 97
5- مفردات ألفاظ القران: 509 (ضل)

به، أنَّه ليس هناك أدنى أثر لتعاليمه ومفاهيمه في حياتهم الفردية والاجتماعية، فالضَّالون في أودية، والهدى في وادٍ آخر، وإنْ كانوا معًا في الظاهر(1).

لهذا استعمل (عليه السلام) المصدر (ضَلالة) بهذا البناء الصرفي إيحاءً منه إلى كثرة ضلال الناس مقابل طريق الهدى الواحد وهو القرآن الكريم، وهذا المعنى قريب من قوله تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ» [البقرة / من الآية: 257]، فجمعَ (الظلمات) وأفرد (النور)؛ لأنَّ طريقَ الحق واحدٌ، أما الباطل فطرقُه متشعِّبة وكثيرة(2).

ص: 275


1- ينظر: نفحات الولاية: 5 / 432 - 433
2- ينظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم: 4 / 12، وروح المعاني: 3 / 14، والميزان: 5 / 246، والإعجاز الصرفي: 177

ص: 276

الفصل الرابع : أنماط المبالغة النحویَّة

اشارة

ص: 277

ص: 278

مدخل

اشارة

لقد حظيت دراسة المفردات والأبنية الصرفية بالنصيب الوافر من جهد اللغويين فغدت كتبُ اللغة ومصنفاتها زاخرة بدراسة أبنية العربية، ومنها أبنية المبالغة والتكثير فلا يكاد يخلو كتاب من كتب اللغة العربية من ذكرها، وهذا ما بينته الفصول السابقة من هذه الرسالة.

غير أنَّ هذا الكلام لا يمنع من أنْ نجد لدى هؤلاء اللغويين عناية بدراسة الجملة والتركيب النحوي، فنصوا على أغلب صور التراكيب اللغوية، وهذا ما أتاح لعلماء العربية المحدثين دراسة تلك التراكيب وتصنيفها وتبويبها، ففي الوقت الذي تناول فيه الدكتور هادي نهر أغلب تراكيب العربية وأساليبها، كتراكيب الاستفهام(1) والتعليل(2)، والتفضيل(3)، وغيرها، لم يعرض لدراسة

ص: 279


1- ينظر: التراكيب اللغوية في العربية، دراسة وصفية تطبيقية: 9 - 30
2- ينظر: السابق: 45 - 80
3- ينظر: السابق: 81 - 97

تراكيب المبالغة وأساليبها، وعلى هذا النهج سارت الرسائل الجامعية التي درست تراكيب العربية، ولاسيما في القرآن الكريم(1).

ولعلَّه من هنا تنبَّه الدكتور منير سلطان، والدكتور عالي سرحان إلى جمع صور المبالغة في البلاغة العربية، فاستعرضا جهود علماء البلاغة في دراسة المبالغة، ثم ذكرا أشهر أساليبها في البلاغة العربية(2).

أما في مجال صور المبالغة في التركيب النحوي فكانت دراسة الدكتور فاضل السامرائي، التي ذكر فيها كثيرًا من التراكيب الدالة على المبالغة، مشيرًا إلى أنَّ للمبالغة في الجمل صورًا أخرى(3).

فالمبالغة في التركيب النحوي من الموضوعات القديمة والجديدة في آن معًا، أما كونه قديمًا فلأن أغلب اللغويين القدماء قد نصّوا على كثيرٍ من صور المبالغة اللغوية، فعرض لها سيبويه والمبرد وابن جني والرضي الاسترابادي وغيرهم، فضلًا عن المفسرين كما بيَّنتُ بعض ذلك في التمهيد، وكما سأعرض فيما يقدم، أما جِدَّته فلأن الباحثين المحدَثين لم يتناولوا تراكيب المبالغة بدراسة تطبيقية، فيما أعلم.

ص: 280


1- ينظر: أنماط التركيب القرآني (دراسة في سور آل حم) علي ميران جبار (رسالة ماجستير مخطوطة)
2- ينظر: البديع تأصيل وتجديد: 166 - 175، والمبالغة في البلاغة العربية: 210 - 163
3- ينظر: الجملة العربية والمعنى: 181 - 190

لِما مرَّ رأيت من الأهمية بمكان أنَّ ادرس المبالغة في التراكيب النحوية كما درستها في الأبنية الصرفية كي تكون الرسالة شاملة لموضوعها، معتمدًا بذلك على ما أشار إليه الدكتور فاضل السامرائي من صور المبالغة في التراكيب النحوية، فضلا عمّا جد لي ممّا لم يذكره الأستاذ السامرائي من أنماط نحوية دالة على المبالغة نصَّ عليها اللغويون والمفسرون.

وأحترس منذ البدء بأنني لا أدَّعي أنَّ ما عرضته من تلك الأنماط كان جامعًا شاملًا لتراكيب المبالغة جميعها، وإنما ما جاء منها في نهج البلاغة، لعلَّ في ذلك محاولة للفت نظر الباحثين.

وقد اتبعتُ من أجل هذا منهجًا قائمًا على وصف التركيب بإيجاز، واستقصاء الشواهد بفرزها من القرآن الكريم وكتب اللغة والنحو والتفسير، ثم استشهدتُ لكل تركيب بشاهد واحد من نهج البلاغة - تجنُّبًا للإطالة - محللًا إياه في ضوء ما ذكرت تلك الكتب، فضلا عن شروح نهج البلاغة.

ولا يفوتني أنْ أذكر أنَّ للتوكيد وطرائقه نصيبًا وافرًا من الدلالة على المبالغة، إلا أنني لم اذكره اكتفاءً بدراستينِ استوفت كل منهما موضوع التوكيد ودلالاته(1).

ص: 281


1- ينظر: الجملة الخبرية في نهج البلاغة: 289 - 415، وأساليب التأكيد في نهج البلاغة، دراسة دلالية، أصيل محمد (رسالة ماجستير مخطوطة)

أما ذكر ترتيب تلك الأنماط فكان بحسب شهرتها في الدلالة على المبالغة، وعلى النحو الآتي:

أولاً: الوصف والإخبار بالمصدر عن الذات للمبالغة

من أساليب العرب في الدلالة على المبالغة الوصف والإخبار بالمصدر عن الذات؛ بجعل العين هو الحدث نفسُه، قال ابن جني: «مَن وَ بَالمصدر فقال:

هذا رجل زَوْر، وصَوْم، ونحو ذلك، فإنما ساغ ذلك له؛ لأنَّه أراد المبالغة وأنْ يجعله هو [نفس الحدث] لكثرة ذلك منه»(1).

وقال ابن يعيش: «فهذه المصادر كلُّها مما وُصِف بها للمبالغة؛ كأنَّهم جعلوا الموصوف ذلك المعنى لكثرة حصوله منه، وقالوا: (رجل عدل ورضى وفضل) كأنَّه لكثرة عدله والرضى عنه وفضله جعلوه نفس العدل والرضى والفضل»(2).

وأكد ذلك الرضي بقوله: «والأَوْلى أنْ يُقال: أُطلقِ اسم الحدث على الفاعل

ص: 282


1- الخصائص: 3 / 189. يذهب أكثر الباحثين إلى أنَّ ما بين القوسين خطأ، لاستعمال (النفس) في غير التوكيد؛ لذلك يقولون: الشيء نفسه، غير أنَّه لا مانع من ذلك في اللغة والنحو، قال سيبويه: «وتجري هذه الأشياء التي هي على ما يستخفُّون بمنزلة ما يحذفون من نفس الكلام» 1 / 266، وقال أيضًا: «وذلك قولك: نزلت بنفس الجبل» 2 / 379. وينظر: كتاب الحيوان: 1 / 54، وكناشة النوادر - القسم الأول، عبد السلام هارون: 114 - 115
2- شرح المفصل: 3 / 50

والمفعول مبالغةً؛ كأنهَّما من كثرة الفعل تجَسَّما منه»(1).

ولا يبعد فهم المحدثين عن فهم علماء العربية القدماء، فقال الدكتور فاضل السامرائي: «والذي يدل على ذلك أنَّ العرب لا تقول ذلك إلّا فيمن يُكثِرِ دون مَن لم يُكثرِ، فلا تقول لمن صام يومًا واحدًا: (هو صَوْم) ولا لمن زار مرةً واحدةً:

(هو زَوْر»)(2).

وذكر ابن جني أنَّ سبب ذلك أمران، أحدهما: صناعي، والآخر: معنوي «أما الصناعي فليزيدك أُنسًا بشَبَه المصدر للصفة التي أوقعته موقعها، كما أُوقعت الصفة موقع المصدر في نحو قولك: أقائمًا والناس قعود (أي: تقوم قياما والناس قعود، ونحو ذلك) وأما المعنوي فلأنَّه إذا وُصِف بالمصدر صار الموصوف كأنَّه في الحقيقة مخلوقٌ من ذلك الفعل، وذلك لكثرة تعاطيه له، واعتياده إياه. ويدل على أنَّ هذا معنى لهم، ومتصوَّر في نفوسهم قولُه - فيما أنشدناه - [من الطويل] أَلا أصبحت أسماءُ جاذِمةَ الحَبل *** وضَنّت عَلَینا والضّنین من البُخل أي: كأنه مخلوق من البخل؛ لكثرة ما يأتی به منه»(3).

والمصدر في هذا التركيب واحد في التذكير والتأنيث، والإفراد والتثنية

ص: 283


1- شرح الرضي على الكافية: 2 / 295
2- معاني النحو: 3 / 164
3- الخصائص: 3 / 295، والبيت الشعري بلا نسبة فيه، وعزاه ابن منظور إلى البَعِيث. ينظر: لسان العرب: 13 / 261 (ضنن)

والجمع، فنقول: رجل عدل وامرأة عدل، ورجال عدل ونساء عدل(1)، «وسبب اجتماعهما هنا في هذه الصفة أنَّ التذكير إنما أتاها من قِبَل المصدرية، فإذا قيل:

رجل عدل، فكأنَّه وُصف بجميع الجنس مبالغة»(2).

ومن الوصف بالمصدر قوله تعالى: «وَجاءُو عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ» [یوسف / من الآیة: 18]، قال الزمخشری: هو «وصفٌ بالمصدر مبالغة كأنَّه نفسُ الكذب وعينُه كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه، والزور بذاته»(3).

وأَجمع المفسرون على أنَّ قوله تعالى في ابن نوح (عليه السلام): «إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحِ» [هود /من الآية: 46] من باب الإخبار عن الذات بالمصدر، فجعلَ ذاتَه عملًا غير صالح مبالغة في ذمِّه(4).

أقول بعد كلِّ هذه الشواهد: إنَّ النحويين لم يعدوه قياسيًا، فرأى البصريون

ص: 284


1- ينظر: الخصائص: 2 / 202، وشرح التصريح: 2 / 118
2- الخصائص: 2 / 202
3- الكشاف: 2 / 308، وينظر: جوامع الجامع: 2 / 208، وتفسير الرازي: 18 / 102، وروح المعاني: 12 / 200، ومعطيات التوكيد الدلالية دراسة تحليلية في سورة يوسف، د. علي عبد الفتاح: 26
4- ينظر: الكشاف: 2 / 273، والمحرر الوجيز: 3 / 177، وتفسير البيضاوي: 3 / 237، تفسير النسفي: 2 / 157 - 158 والبحر المحيط: 5 / 229، والجواهر الحسان في تفسير القرآن، الثعالبي، تح: عادل أحمد، وعلي معوض: 3 / 286، والميزان: 10 / 235

أنَّ قولنا: (زيدٌ عدل) على تقدير مضاف، أي: (ذو عدل)، وذهب الكوفيون إلى أنَّ المصدر على التأويل بالمشتق، أي: (عادل)(1).

ومن شواهد وقوع المصدر حالًا قولُه تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ» [الأنفال: 15]، وقوله: «ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا» [البقرة / من الآية: 260]، وقوله: «وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً) [ الفرقان / من الآية: 63]، أي هينِّين، فوُضع المصدرُ موضع الصفة مبالغةً(2))؛ لأنَّ «المصدر هو الحدث المجرَّد؛ فلا يصح أنْ يقع خبرًا، ولا نعتًا، ولا حالًا عن الذات إلّا على ضرب من التجوُّز»(3).

فمعنى قوله تعالى: «يَأْتِيِنَكَ سَعْيًا» أي: تجسَّدْن واتَّصفْن بالإتيان والإسراع إليك(4)، وكأنهن «يتحولْن إلى حَدثٍ مجرد ليس فيهن شيء من عنصر الذات»(5) وهو ليس بمقيس عند النحويين على كثرته(6)، وعند المبرّد هو مقيس فيما كانت الحال فيه نوعًا من عاملها، فإنْ قلت: (أقبلَ زيدٌ ركضًا) جاز؛ لأنَّ

ص: 285


1- ينظر: شرح التصريح: 2 / 118، ومعاني النحو: 3 / 164
2- ينظر: الكشاف: 3 / 99، وجوامع الجامع: 2 / 660 - 661، وتفسيرالرازي: 24 / 107
3- الجملة العربية والمعنى: 183
4- ينظر: الميزان: 2 / 377
5- الجملة العربية والمعنى: 183
6- ينظر: شرح المفصل: 2 / 59، وشرح ابن عقيل: 1 / 632

(الركض) نوعٌ من الإقبال، ولو قلت: جاء بُكاءً وضحكًا، لم يجُز؛ لأنَّ (البكاء والضحك) ليسا نوعًا من المجيء(1).

ويؤيد الباحث ما رآه الدكتور فاضل السامرائي من أنَّ رأي المبرّد أسوغ لكثرة الشواهد في هذه المسألة، والكثرة تخوِّل القياس عليها(2).

ومن الوصف بالمصدر في نهج البلاغة ما ورد في خطبةٍ له (عليه السلام) في ذكر النبيِّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال فيها: «جعلَه اللهُ سبحانَه بلاغًا لرسالتهِ»(3).

بعد أنْ ذكر الإمام (عليه السلام) المدّة المتقدمة على بعثة رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وما جرى فيها من قبائح ومفاسد، عاد (عليه السلام) إلى ذِكر النبيِّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) ليَدُلَّ على مدى عظمته وكرامته، وكيفية تقدير الناس لجهوده العظيمة في إنقاذهم من الضلالة إلى الهدى، فقد جعله الله سبحانه هو البلاغ لرسالته(4)؛ لقوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّرسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكَ» [المائدة / من الآية: 67].

ص: 286


1- ينظر: المقتضب: 3 / 234
2- ينظر: معاني النحو: 2 / 248
3- شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 194، ومن نظائر هذا التركيب: 9 / 137، 10 / 11، 55 / 151
4- ينظر: شرح (السيد عباس): 3 / 412

ومما يجدر ذكره أن (الجعل) في قول الإمام (عليه السلام) متضمنٌ معنى (الخلَق) لا معنى التحويل والتصيير، وهو نظير قوله تعالى «وَجَعَلْنا مِنَ الماْءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» [الأنبياء من الآية: 30]، لذلك يرى الباحث أن (بلاغًا) في الشاهد العَلوي وصفٌ للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

فعدلَ (عليه السلام) عن اسم الفاعل (مُبلِّغ) إلى المصدر (بلاغ) لِمَا في المصدر من قوة ومبالغة في التعبير، في إشارة منه (عليه السلام) إلى أنَّ النبيَّ محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بلَّغ رسالتَه على أحسن وجه، وكأنَّ بلاغ تلك الرسالة السماوية قد تجسَّد به (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ هذا فضلًا عن أنَّ اختيار المصدر (بلاغ) فيه إيحاء إلى أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو صاحب الهمِّ لإبلاغ الرسالة، وهو الآمر والمأمور بها، في حين أنَّ (المبلِّغ) يعني المأمور بالإبلاغ فقط.

ومن الإخبار بالمصدر قوله (عليه السلام) في خطبة له في الاستسقاء: «اللهُمَّ خرجْنا إليكَ حين اعتكرت علينا حَدابيرُ السنين...، فكنتَ الرجاءَ للمُبْتئسِ»(1).

قوله (عليه السلام): «فكنتَ الرجاء» «يعني المرُتَجى، إلاّ أنَّه جعلَه نفس الرجاء للمبالغة»(2).

ص: 287


1- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 262، ومن نظائر هذا التركيب: 1 / 116، 57، 7 / 62
2- أعلام نهج البلاغة: 116

إنَّ دقة العبارات التي استعملها الإمام (عليه السلام) في هذا الدعاء تشير إلى مدى حرقته (عليه السلام) من جانب، ومن جانب آخر تستبطن تصويرًا عميقًا لحالة الجفاف المتواصل، لهذا ابتهل (عليه السلام) إلى الباري سبحانه في أنك: الرجاء والأمل لكل بائس اشتد بأسُه، وقد سيطر اليأسُ على الناس، ومنعت السماءُ بركاتهِا، والغيومُ مياهَها(1).

فلشدة الحالة التي مرَّ بها الناس آنذاك استعمل الإمام (عليه السلام) ما يوازي تلك الشدة من الألفاظ نحو (الرجاء)، فهو مصدر أقوى وأبلغ من اسم المفعول (المرتجى)، و (المبتئس) وهو المُبالغِ في البؤُس.

ومن وقوع المصدر حالًا قوله (عليه السلام) للخوارج: «ألم تْقولوا عند رفْعِهمُ المصاحفَ حيلةً وغيلةً ومكرًا وخديعةً: إخوانُنا وأهلُ دعوتنا؟»(2).

فأُولئك الذين رفعوا المصاحف كأنهم الحيلة نفسها، والغيلة نفسها، والمكر نفسه، والخديعة بعينها؛ لأنَّ الإمام (عليه السلام) استعمل المصدر، وهو أبلغ في المعنى من أنْ يقول: محتالين وغائلين وماكرين وخادعين، إذ هم برفعهم المصاحفَ لم يكن لهم أمل في أنفسهم إلّا تلك الحيلة، وتلك الغيلة، فهي الوسيلة، وهي الغاية(3).

ص: 288


1- ينظر: نفحات الولاية: 5 / 82 - 83
2- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 297، الغيلة: الاغتيال، قُتل فلان غيلة، أي: خدعة
3- ينظر: التقييد في نهج البلاغة، دراسة نحوية، عباس إسماعيل (رسالة ماجستير مخطوطة): 146

والشواهد على ما تقدم كثيرة منها قوله (عليه السلام): «أمَا والله ما أتيتكم اختيارًا ولكن جئتُ إليكم سوقًا»(1).

وقوله (عليه السلام) في وصف الغَمَام: «أرسله سَحًّا مُتدارِكا قد أسَفَّ هَيدبُه»(2).

وقوله (عليه السلام) في الجهاد. «فمَن تركه رغبةً عنه ألَبسُه اللهُ ثوبَ الذُّل»(3).

وكثرة هذه الأمثلة تقف مسوغًا لمجيء الحال (مصدرًا) ولا داعيَ لتأويله بمشتق؛ لأنَّه لو كان الحال الواقع (مصدرًا) محظورًا ما ورد في كلام فصيح وبكثرة، لهذا صواب الأمر أنَّ كلَّ ما دلَّ على هيأة، أي: صفة، سواء أكان الدال مشتقًا أم كان جامدًا صحَّ أنْ يقع حالًا من غير أنْ يُؤوَل الجامد بالمشتق، وهذا ردٌّ على جمهور النحويين - عدا المبرَّد - حين اشترطوا اشتقاق الحال، وتكلَّفوا تأويل الجامد بالمشتق(4).

ص: 289


1- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 127
2- السابق: 6 / 438، سحًّا متداركا: صبًّا شديدًا. أسفَّ: دنا. الهيدب: المتدلي من هدب العين، أي: مطره دنا بتدلٍ على الأرض
3- السابق: 2 / 74
4- ينظر: الفوائد الضيائية، شرح كافية ابن الحاجب، نور الدين الجامي، دراسة وتحقيق: د. طه الرفاعي: 1 / 390 - 391، والقرارات النحوية والتصريفية: 162

ثانیًا: الوصف بالأسماء الجامدة للدلالة علی الکمال

وهو من الأساليب التي نصَّ عليها علماء العربية في الدلالة على المبالغة، قال سيبويه: «أنت الرجلُ كلُّ الرجل، و مررت بالرجل كلِّ الرجل، فإنْ قلت:

هذا عبد الله كلُّ الرجل، أو هذا أخوك كلُّ الرجل، فليس في الحُسن كالألف واللام؛ لأنكَّ إنما أردت بهذا الكلام هذا الرجل المبُالغِ في الكمال... ومثل ذلك قولك: هذا العالِمِ، وهذا العالِمِ كلُّ العالِمِ، إنما أراد أنَّه للمبالغة في العِلم»(1).

وقال الرضي: «ومعنى (كل الرجل): أنه اجتمع فيه من خلال الخير ما تفرَّق في جميع الرجال»(2)، والمقصود من ذلك كلِّه المبالغةُ في الكمال(3).

ومن أمثلة هذا التركيب في نهج البلاغة قوله (عليه السلام): «الفقيهُ كلُّ الفقيه مَن لم يُقنِّط الناس من رحمة الله، ولم يُؤيسهُم من رَوح الله، ولم يؤمنهْم من مَكر الله»(4).

كنّى الإمام (عليه السلام) بقوله: «كل الفقيه» عن تمامه، أي: الكامل في الفقه، وذلك أنَّ من فقه وضع الكتاب العزيز علمَ أنَّ غرضه الأول جذبُ الناس

ص: 290


1- كتاب سيبويه: 2 / 12، وينظر: معاني القرآن وإعرابه: 5 / 118
2- شرح الرضي على الكافية: 2 / 292
3- ينظر: الجملة العربية والمعنى: 183
4- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 243، ولهذا التركيب نظير آخر: 17 / 106

إلى الله في سُبُل مخصوصة، بوجوه الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، فمن ضرورته - إذًا - أنْ لا يقنط الناس من رحمة الله بآيات وعيده ونذارته، ولا يؤسهم بذلك من رَوحه، وأنْ لا يؤمنهم من مكر الله بالجزم بآيات وعده وبشارته لِمَا يستلزم السكون إلى ذلك، والاعتماد عليه من الانهماك في المعاصي والذنوب(1).

كلُّ ذلك للمبالغة في الفقاهة والعِلم، كأنَّه كلُّ الفقهاء عِلمًا وفقهًا، إذ يعرف كلَّ ما يعرفه الفقهاء(2).

ثالثًا: المبالغة بالتمییز المحوَّل عن فاعل أو مفعول

النقل أو التحويل يكاد يكون السمة البارزة في الدلالة على المبالغة، سواء أبالمفردة كانت تلك المبالغة أم في التركيب، ومن ذلك تحويل نسبة الإسناد في التمييز، نحو: طاب محمدٌ نفسًا، ف (نفسًا) تمييز محوَّل عن فاعل، والأصل: طابتْ نفسُ محمدٍ، وغرستُ الأرضَ شجرًا، ف (شجرًا) تمييز محوَّل عن مفعول، والأصل: غرست شجرًا لأرضِ، والغرض من ذلك التحويل هو المبالغة.

قال ابن يعيش: «فإذا قلت: طاب زيدٌ نفسًا، فتقديره طابت نفسُ زيدٍ، وإذا قلت: تصبَّبَ عرقًا، فتقديره: تصببَ عرقُه... وإنما غيرت بأن ينقل الفعل عن الثاني إلى الأول، فارتفع بالفعل المنقول إليه، وصار فاعلًا في اللفظ، واستغنى

ص: 291


1- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 285 - 286
2- ينظر: توضيح نهج البلاغة: 4 / 299

الفعل به فانتصب ما كان فاعلا على التشبيه بالمفعول إذا كان له به تعلُّق... وإنما أُسند إليه مبالغةً وتأكيدًا. ومعنى المبالغة أنَّ الفعل كان مُسندًا إلى جزء منه فصار مسندًا إلى الجميع، وهو أبلغ في المعنى. والتأكيد أنَّه لماّ كان يُفهم منه الإسناد إلى ما هو منتصِببه ثم أُسند في اللفظ إلى زيد تمكَّن المعنى»(1).

وذهب الرضي إلى أنَّ الأصل في: (طاب زيدٌ نفسًا): «لِزيد نفسٌ طابتْ، وإنما خولف بها لغرض الإبهام أولًا، ليكون أوقع في النفْس؛ لأنَّه تتشوق النفس إلى معرفة ما أُبهم عليها، وأيضًا إذا فسَّرته بعد الإبهام فقد ذكرته إجمالاً وتفصيلاً»(2).

ورأى جملة من المفسرين أنَّ قوله تعالى: «وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا» [ القمر / من الآية: 12] معناه: فجَّرنا عيونَ الأرض، أي: جعلنا الأرض كلَّها كأنهَّا عيونٌ متفجِّرة، فغُيِّر الإسناد للمبالغة(3).

ومن المحُوَّل عن فاعل في نهج البلاغة ما جاء في خطبة له (عليه السلام) في جَور الزمان،قال فيها: «أيُّها الناس إنّا قد أصبحنا في دهرٍ عَنود، وزمنٍ شديد، يُعَدُّ

ص: 292


1- شرح المفصل: 2 / 75، وينظر: شرح الأشُموني، الاشموني: 2 / 52، وحاشية الصبان: 2 / 298
2- شرح الرضي على الكافية: 2 / 72، وينظر: حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، الخضري: 1 / 223
3- ينظر: الكشاف: 4 / 37، وتفسير الرازي: 29 / 37، وتفسير البيضاوي: 5 / 265، والبحر المحيط: 8 / 175، وتفسير الصافي: 5 / 101

فيه المُحسِنُ مسيئًا، ويَزدادُ الظالم فُيه عُتُوًّا»(1).

العُتّو: «التجبُّر والتكبُّر»(2)، وهو «تمييز محُوَّل عن فاعل؛ لأنَّ المعنى: يزداد عتوُّ الظالم»(3).

كلامه (عليه السلام) ذمٌّ للزمان بأوصاف الجور والشدة، ومن أوصافه تلك أنَّ الظالم يزداد فيه عتوًّ «ذلك أنَّ منشأ الظلم هو النفس الأمّارة بالسوء، وهي في زمان العدل تكون مقهورة دائمًا أو في أكثر الأحوال. وثورانها في ذلك الوقت طالبة للظلم يكون فلتة و انتهاز فرصة؛ فالظالم في زمان العدل - إنْ ظلمَ أو تجاوز حدَّه - فكالسارق الذي لا يأمن في كل لحظة أنْ يقع به مكروه، فكذلك الظالم في زمن العدل مقموع بحرسة الشريعة، مرصود بعيون طلائعها، أما في زمان ضعف الشريعة فالظالم فيه كالناهب معطي لقوته سؤلهَا، غير ملتفت إلى وازع الدين فلا جَرم كان عتوّه فيه أزيد»(4).

فتغيُّر الإسناد في هذا التركيب أدى إلى المبالغة في ازدياد ظلم الحاكم وفساده وتجبُّره وتكبُّره، فضلًا عن كونه أثبت، وأوقع في النفس؛ لأنَّ النفس تتشوق لمعرفة ما أُبهم عنها.

ص: 293


1- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 174، ولهذا التركيب نظيران آخران: 6 / 7، 404 / 201
2- النهاية في غريب الحديث: 3 / 181
3- في ظلال نهج البلاغة: 1 / 212
4- شرح (البحراني): 2 / 65

وجاء المحوَّل عن المفعول به في موضع واحد، هو قوله (عليه السلام) في الخطبة الغرَّاء: «أُوصيكم عبادَ الله بتقوى الله الذي ضربَ لكمُ الأمثال، ...

وأنذرَكم بالحُجَج البَوالغِ، فأحصاكُم عددًا»(1).

قيل هنا: إنَّ (عددًا) «تمييز محوَّل عن مفعول، والأصل: أحصى عددكم، مثل: «وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا» أي: عيونَ الأرض»(2).

الواضح أنَّ هذا النظم اللغوي ذا الدلالة على المبالغة يجري فيما هو بيان لقدرة الخالق عز وجل وعظمته، وملكيَّتَه عبادَه وخلائقَه جميعًا، إذ أحصى سبحانه كلَّ عددٍ عنهم سواء أفي تحركاتهم وأعمارهم وأعمالهم كان الإحصاء أم كان في غير ذلك، ولو قيل على أصل التعبير: (أحصى عددَكم) لتُصوِّرت معرفة عدتهم فقط(3)، وما ذلك إلّا للمبالغة في تعظيم الخالق وتقديسه.

رابعًا: حذفُ الأجوبة للمبالغة

الحذف ظاهرة موجودة في اللغة العربية، شاخصة للعيان، سمّاها ابن جني شجاعة العربية(4)، ويرى علماء العربية أنَّ الحذف أبلغ من الذكر، ومن أنواع هذا الحذف حذفُ الأجوبة، قال الرماني (384 ه): «ومنه حذف اُلأجوبة، وهو

ص: 294


1- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 244
2- في ظلال نهج البلاغة: 1 / 382، و ينظر: منهاج البراعة (الخوئي): 5 / 351
3- ينظر: التقييد في نهجالبلاغة: 150
4- ينظر: الخصائص: 2 / 360

أبلغ من الذكر، وما جاء منه في القرآن كثير، كقوله جل ثناؤه: «وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى» [الرعد / من الآية: 31]، كأنَّه قيل: لكانَ هذا القرآن، ومنه: «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا» [الزمر / من الآية: 73] كأنَّه قيل: حصلوا على النعيم المقيم الذي لا يشوبُه التنغيص والتكدير، وإنما صار الحذف في مثل هذا أبلغ من الذكر؛ لأنَّ النفس تذهب فيه كلَّ مذهب، ولو ذُكر الجواب لقُصِر على الوجه الذي تضمَّنه البيان، فحذف اُلجواب في قولك: لو رأيت عليًا بين الصَّفَّين، أبلغُ من الذكر لِمَا بيَّناه»(1).

ومنه قوله تعالى: «وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ» [الأنعام / من الآية: 27]، وقوله: «ص وَالْقُرْآنِ ذيِ الذِّكْرِ» [ص: 1].

وقولك: (والله لئن فعلت) فتسكت فلا تذكر الجواب مبالغةً في التهديد والوعيد، فيبقى ذهنُ المخاطب مشتتًا ماذا يفعل، قال ابن يعيش: «وقال أصحابنا: إنَّ حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره ألا تَرى أنَّك إذا قلت لعبدك: (والله لئن قمت إليك) وسكتَّ عن الجواب ذهب فكرُه إلى أشياء من أنواع المكروه فلم يدرِ أيها يُبقي، ولو قلت: (لأضربنَّك) فأتيت

ص: 295


1- ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، للرماني والخطَّابي وعبد القاهر الجرجاني، تح: د. محمد خلف الله، ود. محمد زغلول 76 - 77

بالجواب لم تُبقِ شيئا غير الضرب»(1)، وأكَّد ذلك الرضي قائلًا: «حَذفُ الجزاء لتفخيم الأمر»(2).

وقال الزركشي (ت 794 ه): «وحَذفُ الجواب يقع في مواقع التفخيم والتعظيم، ويجوز حذفه لعلم المخاطَب به، و إنما يحُذف لقصد المبالغة؛ لأنَّ السامع مع أقصى تخيُّله يذهب منه الذهن كلَّ مذهب، ولو صرح بالجواب لوقف الذهن عند المصُرَّح به فلا يكون له ذلك الوقْع»(3).

ففي قوله تعالى: «وَلَلوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى الناَّرِ» [الأنعام / من الآية: 27] ذهب المفسرون إلى أنَّ حذف الجواب للمبالغة في الوعيد؛ لأنَّ خاطر المخاطَب سيذهب إلى كلِّ ضَربٍ من الوعيد، فيكون خوفُه أشد مماّ لو صُرِح بذلك الوعيد(4).

والرواندي شارح نهج البلاغة ذهب إلى تلك الدلالة، ففي قوله (عليه السلام): «فلو مثَّلتهم بعقلكِ»(5) قال: «وحُذفَ جواب (لو مثلتهم) لتفخيم الشأن، كما يُقال: لو رأيت عليًا بصفِّين وبيده ذو الفقار، ولا يذكر له جوابًا

ص: 296


1- شرح المفصل: 9 / 9
2- شرح الرضي على الكافية: 3 / 193
3- البرهان: 3 / 183
4- ينظر: التبيان: 2 / 64، ومجمع البيان: 1 / 461، وتفسير الرازي: 12 / 190، ومعاني النحو: 4 / 107
5- شرح (ابن أبي الحديد): 11 / 151

تفخيمًا»(1).

أقول: توجيه الشارح صحيح لو لم يرد جواب (لو)، لكنَّه ورد، إذ قال (عليه السلام): «فلو مثَّلتهم بعقلكِ... لرأيت أشجانَ قلوب، و أقذاءَ عيون»(2).

لهذا الشاهد على حذف جواب (لو) هو ما جاء في كلام له (عليه السلام) لكميل (رضوان الله عليه)، إذ قال: «ها إنّ ها هنا لعلمًا جما - و أشار إلى صدرِه - .لو أصبْتُله حَمَلة»(3).

قيل هنا: إنَّ «جواب (لو) محذوف، أي: لأظهرتُه أو لبذلتُه له»(4).

يُسهم المخاطَب في تبيان دلالة الحذف عبر تمثله المعنى الذي ينبعث من النصِّ الشريف، فضلًا عن مشاركة بعض القرائن التي يشير إليها المقام، التي يدل فيها المذكور: «لو أصبتُ له حَمَلَة» على المحذوف (لأظهرته) لغرض دلالي يظهر في التفخيم والتعظيم لحقيقة العلم الكامن في صدر الإمام (عليه السلام) الذي لا يستطيع أحدٌ حملَه(5)، قال ابن أبي الحديد: «ومن الذي يطيق حملَه، بل من الذي

ص: 297


1- منهاج البراعة (الراوندي) 2 / 385
2- شرح (ابن أبي الحديد): 11 / 151
3- السابق: 18 / 346، وينظر هذا الحذف أيضًا: 6 / 255، 19 / 12
4- شرح (المجلسي): 3 / 395
5- ينظر: الحذف صوره ودلالاته في كتاب نهج البلاغة، هادي شندوخ (رسالة ماجستير مخطوطة): 103

يطيق فهمَه فضلاً عن حملهِ»(1)، ومن هنا تكمن بلاغة هذا الحذف التي تجعل ذهنَ السامع يجول في تحديد ذلك المحذوف(2).

ومن حذف جواب القسم في نهج البلاغة ما جاء في كلامه (عليه السلام):

«ولقد بَلَغني أنَّكم تقولون: عليٌّ يَكذِب، قاتلَكم الله تعالى!، فعلى مَن أكذبُ، أعَلى اللهِ؟ فأنا أوَّلُ من آمنَ به، أم على نبيِّه؟ فأنا أول من صدَّقَ به، كلّا واللهِ لكنهَّا لهَجةٌ غِبتُم عنها»(3).

كلام الإمام (عليه السلام) إنما صدر منه بعد معركة صِفِّين، بعد أنْ شارفوا النصر على أهل الشام، لولا حيلة معاوية وعمرو بن العاص، وتخاذلهما إلى التحكيم، ومقصوده فيه توبيخهم على تركهم القتال، وعلى ما بلغه (عليه السلام) من تكذيبهم له(4).

وقوله (عليه السلام): «كلّا واللهِ...»: «ردٌّ لصدق دعواهم بعد الحجة...

يريد به بيان منشأ دعواهم الفاسدة لتكذيبه، وذلك كون ما يقوله، ويخبر به من الأمور المستقبلة ونحوها، طورًا وراء عقولهم الضعيفة، التي هي بمنزلة أوهام سائر الحيوان، وليسوا لفهم أسرارها بأهل. وأشار باللهجة إلى تلك الأقوال

ص: 298


1- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 350
2- ينظر: الحذف صوره ودلالاته: 103
3- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 127، ومن نظائره: 2 / 18، 111 / 347، 20 / 184
4- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 192، ونفحات الولاية: 3 / 95

وأسرارها، وبغيبتهم عنها، إلى غيبة عقولهم عن إدراكها، ومعرفة إمكانها في حق مِثلهِ»(1).

وإلى هذا المعنى أشار النبيُّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما رُوي عنه:

«إنَّ حديثَ آلِ محمدٍ صعبٌ مُستصعَبٌ لا يؤمن به إلا مَلَك مُقرَّب، أو نبيٌّ مرسَل، أوعبدٌ امتحن اللهُ قلبَه للإيمان»(2).

وقال ابن أبي الحديد عن الإمام علي (عليه السلام): «وهذا الكلام منه كلام عارف عالم، بأنَّ في الناس من لا يصدُّقه فيما يقول، وهذا الأمر مركوز في الجبلة البشرية، وهو استبعاد الأمور الغريبة، وتكذيب الإخبار بها، وإذا تأملت أحواله في خلافته كلِّها، وجدتها هي مختصرة من أحوال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته، كأنهَّا نسخة منتسخة منها في حربه وسِلْمه وسيرته وأخلاقه»(3).

ونعود إلى النص العَلَوي - محل الشاهد - ففيه تبرز القيمة الدلالية لحذف جواب القسم، إذ تكمن في إطلاق الذم لهم؛ لأنَّ إخباره (عليه السلام) عن هذه الأمور إنما هو عن الله تعالى عن رسوله (صلى الله عليه وآله) فضلاً عن بعض مقوِّمات السياق التي أثْرَت الدلالة المذكورة، كالردع والزجر ب (كلاّ)، والقسم

ص: 299


1- شرح (البحراني): 2 / 194
2- الكافي: 1 / 401
3- شرح (أبن أبي الحديد): 6 / 129

بلفظ الجلالة، وبهذا تبرز قيمة هذا الحذف(1)، «لأنَّ النفسَ تذهب فيه كلَّ مذهب ولو ذُكر الجواب لقُصِر على الوجه الذي تضمَّنه البيان»(2).

وإلى هذا أشار السيد الطباطبائي(ت 1402 ه) في قوله تعالى: «وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ، هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ» [الفجر 3 - 5] إذ ذهب إلى أنَّ حذف اَلجواب والإشارة إليه على طريق التكنية أبلغُ وآكد في باب الإنذار والتبشير(3).

خامسًا: الألفاظ التی جیء بها توکیدًا مشتقةً من السم المؤکّد

كقولهم: ليلةٌ ليلاءُ، وجاهليةٌ جَهلاءُ، وظلمةٌ ظلماءُ، وموتٌ مائِتٌ، وشيبٌ شائِبٌ. كلُّ ذلك للمبالغة في الوصف بالقوة والشدة.

قال سيبويه: وسألتُ الخليل «عن قولهم: موتٌ مائتٌ، وشغلٌ شاغلٌ، وشِعرٌ شاعِرٌ، فقال: إنما يريدون المبالغة والإجادة»(4).

وقال الفارابي (ت 350 ه): «ويقال كان ذاك في الجاهلية الجَهْلاء وهو توكيد للأول، يُشتق له من اسمه ما يؤكَّد به، كما يُقال: وتِدٌ واتِدٌ، ووَبْلٌ وابل»(5).

ص: 300


1- ينظر: الحذف صوره ودلالاته: 110 - 111
2- ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: 77
3- ينظر: الميزان: 20 / 280
4- كتاب سيبويه: 3 / 385، وينظر: ليس في كلام العرب: 311، وشرح الرضي على الشافية: 2 / 87
5- ديوان الأدب: 2 / 10 - 11، وينظر: المزهر: 2 / 246، الوبل: المطر الشديد الضخم القطر

ومن ذلك قوله تعالى: «خالِدِينَ فيِها أَبَداً لَهُمْ فيِها أَزْواجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَليِلاً» [النساء / من الآية: 57]، ف (ظليلا) صفة مشتقة من لفظ الظل لتأكيد معناه، كما يقال: ليلٌ أليل، ويومٌ أيوم(1).

وقال ابن منظور: «وصدقٌ صادقٌ كقولهم: شعرٌ شاعرٌ يريدون المبالغة»(2)، وقال أيضًا: «وشيبٌ شائبٌ: أرادوا به المبالغة على حدِّ قولهم:شِعرٌ شاعر»(3).

وقال الزَّبيدي: «وقالوا: خَبْلٌ خابِلٌ، يذهبون إلى المبالغة»(4).

ومما يُستدعى ذكرُه أنَّ دلالة المبالغة في هذا التركيب إنما تأتي من اجتماع المصدر وتابعِه بلفظه، وليس من اسم الفاعل وحدَه، كما رأى احد الباحثين حين عدَّ بناء (فاعل) من أبنية المبالغة(5)، إذ قال: «وقد جاءت صيغة (فاعل) للمبالغة في قولهم: موتٌ مائِتٌ، وشُغلٌ شاغلٌ، وشِعرٌ شاعِرٌ، كما يرى الخليل»(6).

فالخليل (رحمه الله) لم يقُل في النص الذي أثبته سيبويه: إن بناء (فاعل) جاء

ص: 301


1- ينظر: الكشاف: 1 / 535، و تفسير النسفي: 1 / 228، و البحر المحيط: 3 / 268، وتفسير أبي السعود: 2 / 192، و روح المعاني: 5 / 60
2- لسان العرب: 10 / 193 (صدق)
3- السابق: 1 / 513 (شیب)
4- تاج العروس: 28 / 391 (خبل)
5- ينظر: سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 45
6- أبنية الصرف (الحديثي): 188، وينظر: الدلالة الصرفية عند ابن جني: 167

للمبالغة، إنما الذي أراده أنَّ هذا التركيب بشطريه دلَّ على المبالغة؛ فليس المصدر منفردًا دالًا عليها، ولا اسم الفاعل وحده دالًا عليها، واسم الفاعل في هذا نظير المصدر المؤكِّد، إذ إنَّه لا يكون مؤكِّدا إلا إذا سبقه فعله، نحو قولنا: (فهمت المسالة فهمًا)، فلا دلالة على المبالغة في (شاعر، ومائت، وشاغل)؛ إذ المبالغة تأتي من اجتماعهما - المصدر واسم الفاعل - في هذا النحو من التركيب(1).

ومما يؤكد ذلك أيضا أنَّ هذا التركيب قد جاء فيه الاسم الأول جامدًا متبوعًا بمشتق ليس اسم فاعل، قال ابن سيده: «وعامٌ أعومُ، على المبالغة»(2).

وقد يأتي الاسمان في نظائر هذا التركيب جامدينِ، من ذلك قولهم: «وعُقابٌ عَقَنْباة ... ذلك على المبالغة، كما قالوا: أسدٌ أسِدٌ»(3).

وتأسيسًا على ما مرَّ فإنَّ على مَن عدَّ اسم الفاعل دالًّا على المبالغة في (شِعرٌ شاعرٌ) و (جهدٌ جاهدٌ) و (شغلٌ شاغلٌ) ونحوه، أنْ يعدَّ (عَقَنباة) من أبنية المبالغة والتكثير(4).

ومن أمثلة هذا التركيب في نهج البلاغة ما جاء في خطبة له (عليه السلام) في التحذير من الفتن وذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال فيها:

ص: 302


1- ينظر: سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 45
2- المحكم والمحيط الأعظم: 2 / 380 (عوم)
3- تاج العروس: 3 / 416 - 417 (عقب)
4- ينظر: سنن العربية في الدلالة على المبالغة: 46

«وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ... أضاءتْ به البلادُ بعد الضَّلالة المظُلمِة...

والجَفوةِ الجافية»(1).

قال البحراني: «والجفوة الجافية: يريد غلظة العرب وما كانوا عليه من قساوة القلوب، وسفك الدماء، ووصفها بما اشتق منها مبالغة وتأكيدًا لها، وأراد:

الجفوة القوية»(2). فبالنبيِّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) أضاءت البلاد، وتحوَّل المجتمع من الشدة والغلظة والقسوة إلى رحمةٍ وعطفٍ وتسامحٍ، وتحوَّل الفساد والفتنة وسفك الدماء إلى أخوّة وحب وتوادّ وكرم وإيثار(3).

ومما يقرُب من هذا وصفُ اللفظ بما يرادفه للمبالغة والتوكيد، كقوله (عليه السلام) في كتابٍ له إلى معاوية: «أمّا بعد، فقد آنَ لك أنْ تنتفعَ باللَّمح الباصِر من عِيان الأمور، فلقد سلكتَ مَدارج أسلافِك بادِّعائكِال أباطيل»(4).

جاء في اللغة أنَّ قولهم: «لأُرِيَنَّك لَمْحًا باصرًا، أي: أمرًا واضحًا»(5)، وما ورد من: «قولهم: أرَيتُه لمْحًا باصرًا، أي: نظرًا بتحديقٍ شديدٍ»(6).

ص: 303


1- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 137، ولهذا التركيب نظائر أُخر: 1 / 7، 57 / 291، 66
2- شرح (البحراني): 3 / 222، وينظر: شرح (المجلسي): 2 / 67، ومنهاج البراعة (الخوئي): 9 / 162
3- ينظر: القرآن والعقلية العربية،الشيخ نعمة الساعدي: 199
4- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 22، ومن نظائر هذا التركيب: 1 / 9، 151 / 181، 205، 10 / 58
5- الصحاح: 1 / 402 (لمح) وينظر: نهج البلاغة (عبده): 3 / 489
6- الصحاح: 2 / 592 (بصر)

وكلامُه (عليه السلام) تنبيهٌ لمعاوية على وجوب الاتِّعاظ والانزجار عن دعوى ما ليس له والمراد: أنَّه قد حضر وقت انتفاعك من عيان الأمور، ومشاهدتها بلمحك الباصر، ولفظُ اللمح مستعارٌ لدرك الأمور النافعة بخفة وسرعة، وقد وصفه بالباصر مبالغة في الإبصار، كقولهم: ليل أليل، وموتٌ مائتٌ(1).

سادسًا: عطفُ أحد المترادفین علی الآخر للمبالغة

أجاز النحويون عطفَ الشيء على مُرادفهِ، نحو قوله تعالى: «إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ» [يوسف / من الآية: 86]، وقوله: «لا تَرى فيِها عِوَجاً وَلا أَمْتاً» [طه: 107](2).

وأشار الزركشي إلى أنَّ هذا التعبير يفيد التوكيد، وهو يكثُر في المفردات نحو قوله تعالى: «فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْماً» [طه / من الآية: 112]، وقوله «ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ» [المدثر: 22]، ويقلُّ في الجُمَل(3).

وإلى هذا ذهب الدكتور فاضل السامرائي؛ إذ رأى أنَّ هذا التركيب يفيد قوة

ص: 304


1- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 213، وشرح (المجلسي): 3 / 296
2- ينظر: مغني اللبيب: 467، وشرح التصريح: 2 / 158، وحاشية الصبان: 3 / 135، والنحو الوافي: 3 / 565
3- ينظر: البرهان: 2 / 472 - 473

ومبالغة في الحكُم، نحو: (هذا زيغٌ وضَلال) و (هذا ظلمٌ وافتراء)(1)، فالمبالغة في هذا التركيب إنما تأتي من اجتماع المتعاطفينِ معًا.

ومنه قوله (عليه السلام) في كتاب له إلى معاوية: «واقتحامِك غرورَ المَيْن والأكاذيب»(2).

بيَّنت المعجمات اللغوية أنَّ (المَيْن) هو (الكَذِب)(3)، «وعطفٌ اُلأكاذيب للتأكيد»(4).

وعبارة الإمام (عليه السلام) من جملة رسائل بعث بها إلى معاوية جوابًا عمّا كان قد بعث بها إليه، ومعناها: أنَّ معاوية لا يخاف الله تعالى، أو يخشاه، بل يُبادر إلى الكذب والدجل، ويختلق من الأمور ما لا واقع له ولا أصل، ويحيك المؤامرات من دون وازع أو ضمير. كلُّ ذلك من أجل التأثير في أذهان العامة من الناس(5).

وإنما قصدَ الإمام (عليه السلام) عطفَ المترادفينِ لإثبات ذلك من معاوية وتقريره في ذهن المخاطَب. كلُّ ذلك للمبالغة في الذمِّ والتحقير.

ص: 305


1- ينظر: الجملة العربية والمعنى: 190، ومعاني النحو: 3 / 231
2- شرح (ابن أبي الحديد): 18 / 22، وينظر هذا التركيب أيضًا في: 1 / 15، 83 / 137
3- ينظر: العين: 8 / 388، والصحاح: 6 / 2210، ولسان العرب: 13 / 425 (مَيْن)
4- نهج البلاغة (عبده): 3 / 489
5- ينظر: شرح (السيد عباس): 5 / 151 - 152

وهذا الأسلوب وارد في اللغة، قال الشاعر عدي بن زيد العبادي:(1) [من الوافر] وقدَّمتِ الأدیمَ لِرَاهِشَیهِ *** وألفی قولَها کذِباً ومَینًا فكرَّر الشاعرُ المعنى بلفظينِ مختلفينِ لقصد التوكيد والمبالغة(2).

وممِا يقرب من هذا أيضًا ما جاء في خطبة له (عليه السلام) لأصحابه في الحرب، قال فيها: «واذمُروا أنفسَكم على الطَّعنِ الدَّعْسيِّ، والضَّربِ الطِّلَحْفيِّ»(3).

(الطعن الدعسي): الشديد الذي يحُشى به أجواف الأعداء(4) (والضرب الطلحفي): أشد الضرب(5)، وقد ورد (الضرب الطلحفي) معطوفًا ب (الواو) على (الطعن الدعسي). هذا الكلام من جملة أوامره (عليه السلام) لأصحابه في الحرب، ومعناه مترادف،إذ المراد به الشدة في الطعن والضرب، وإنما كرَّر (عليه السلام) المفردَ ونعتهَ بالعطف لتقوية مضمون ما حثَّهم عليه، وهو الضرب الشديد لأعدائه، وهذا يستلزم استعدادًا لمقاومتهم، والتمكُّن من ضربهم وطعنهم أشد الضرب والطعن.

ص: 306


1- ديوان عدي بن زيد العبادي، تح: محمد جبار المعيبد: 183، الأديم: النطع وهو ما يتخذ من الأدم، الراهشان: عِرقان في باطن الذراعين
2- ينظر: تفسير القرطبي: 1 / 399، ومغني اللبيب: 467
3- شرح (ابن أبي الحديد): 15 / 114، وقد مرَّ ذكر هذا الشاهد في الصحيفة 131) من هذا البحث
4- ينظر: السابق نفسه والصحيفة نفسها
5- ينظر: العين: 3 / 334، ولسان العرب: 9 / 223 (طلحف)، وشرح (السيد عباس): 4 / 177

سابعًا: المبالغة بالنداء

النداءُ: هو تنبيه المدعوِّ بأحرف موضوعة لذلك(1)، والتنبيه من أجل إقباله، قال ابن السرَّاج: «النداء: تنبيه المدعوِّ ليُقبِلَ عليك»(2).

فإنْ قيل: ما الفائدة في نداء ما لا يُقبل ولا يجُيب، كنداء الحسرة بقوله تعالى:

«يا حَسْرَةً عَلَى الْعِباد» [يس / من الآية: 30]، ونداء العَجب بقولنا: ياعَجبًا؟ قال سيبويه: إنك إذا قلت: ياعَجبًا، فكأنَّك قلت: تعالَ يا عَجبُ فإنَّ هذا من أيامك وزمانك(3).

ومن كلام سيبويه المتقدم أفاد الزجَّاج معنى المبالغة، فرأى أنَّ العرب إذا اجتهدت في المبالغة في الإخبار عن أمر عظيم جعلته نداءً، إذ قال: «ما الفائدة في مناداة الحسرة، والحسرة مما لا يُجيب، فالفائدة في مناداتها كالفائدة في مناداة ما لا يعقل؛ لأنَّ النداء باب تنبيه، ... ألَا ترى أنَّك تقول لمن هو مقبلٌ عليك: (يا زيد ما أحْسَنَ ما صنعتَ)، ولو قلت له: (ما أحسن ما صنعت) كنت قد بلغت في الفائدة ما أفهمت به، غير أنَّ قولك: (يا زيد) أوكد في الكلام وأبلغ في الإفهام،... ولو قلت: (واعجباه مما فعلت)، و (ياعجباه أتفعل كذا وكذا) كان دعاؤك العجب

ص: 307


1- ينظر: كتاب سيبويه: 2 / 229
2- الأصول في النحو: 1 / 329، و ينظر: الإيضاح في شرح المفصل: 1 / 249
3- ينظر: الكتاب: 2 / 217

أبلغ في الفائدة، والمعنى: (يا عجبُ أقبِلْ) فإنَّه من أوقاتك، وإنما نداء العجب تنبيه لتمكُّن عِلم المخاطَب بالتعجب من فعلهِ»(1).

ومنه قول امرئ القيس:(2) [من الطويل] ویوم عقرتُ للعَذاری مَطیّتی *** فیا عجبًا من رَحلِها المُتحمَّلِ وإلى هذا ذهب أبو جعفر النحّاس (ت 338 ه)(3).

فنداء الحسرة - إذًا - في قوله تعالى: «يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ» [يس / من الآية: 30] وقوله تعالى: «يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللهِ» [الزمر / من الآية: 56] «أبلغ من أنْ يقول: أنا أتحسر على العباد، وأبلغ من أن يقول: الحسرة علينا في تفريطنا»(4)، وقول القائل: يا حسرةً، مثل قوله: يا عجبًا، والعرب تقول هذا على طريق المبالغة، فقوله: (ياعجبًا) أبلغ من قوله: أنا أتعجب من كذا، وحقيقة المعنى: أنَّ هذا الزمان زمان الحسرة والتعجب(5).

والذي يبدو لي مما سبق أنَّ دلالة هذا التركيب على المبالغة إنما جاءت

ص: 308


1- معاني القرآن وإعرابه: 4 / 284، وينظر: البرهان: 3 / 353
2- ديوان امرئ القيس: 11
3- ينظر: معاني القرآن الكريم: 2 / 414 - 415، وشرح القصائد التسع المشهورات، النحّاس، تح: أحمد خطّاب: 1 / 113
4- التبيان: 4 / 115، وينظر: مجمع البيان: 4 / 39، والميزان: 17 / 80
5- ينظر: تفسير السمعاني، السمعاني، تح: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس: 4 / 375

لخروجه عن أصل باب النداء، وهو نداء ما يُقبل ويُجيب؛ لأنَّ المبالغة خروج عن الأصل، سواء أكان ذلك الخروج في المفردة أم في التركيب.

ورد هذا التركيب في قوله (عليه السلام) في ذمِّ القاعدين عن الجهاد: «فيا عَجبًا عَجباً والله يُميتُ القلب، ويَجلب الهمَّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهِم»(1).

فقوله (عليه السلام): «فيا عجبًا»، أي: احضرْ يا عجبُ فهذا أوانُك(2).

تناول الإمام (عليه السلام) في هذا المقطع من الخطبة الشريفة العواملَ التي أدَّت إلى تقهقر أهل الكوفة، وتفرقهم عن حقهم مع علمهم بأحقيتهم، وحال إجماعهم على باطلهم، لذلك تعجَّب الإمام (عليه السلام) أشد العجب من ذلك(3)، «فنادى العَجب من حالهم مُنكَّرا ليحضرَ له كأنَّه غير متعيِّن في حال ندائه، ثم تعيَّنَ بندائه وحضر فكرَّره ليَصفه بالشِّدة»(4).

فإيثار الإمام (عليه السلام) نداءَ العَجَب على قوله: (أنا أتعجب) مثلاً كان ملائمًا لسياق الخطبة وموضوعها.

ص: 309


1- شرح (ابن أبي الحديد): 2 / 74، ولهذا التركيب نظائر أُخر: 1 / 162، 303، 6 / 384، 14 / 47، 18 / 416
2- ينظر: في ظلال نهج البلاغة: 1 / 190، ومنهاج البراعة (الخوئي): 3 / 49
3- ينظر: شرح (البحراني): 2 / 36، و نفحات الولاية: 2 / 105
4- شرح (البحراني): 2 / 36

ومن الجدير بالذكر أنَّ الإمام (عليه السلام) كثير الاستعمال لهذا التركيب وهذا يعكس تألَمُّه الشديد من الزمان الذي عاش فيه، فهو زمان يثير العَجبَ كلَّ العَجب، لذا لم يقب للإمام (عليه السلام) إلا مناداة العَجب ودعوته لأنْ يحضر ويرى ما حلَّ بالناس،على سبيل المبالغة.

ثامنًا: إضافة الشیء إلی مُرادفه للمبالغة

من سنن العربية في الدلالة على قوة التركيب ومبالغته إضافة اللفظ إلى مرادفه، قال الفرّاء (ت 207 ه) في قوله تعالى: «إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ» [الواقعة: 95]: «والحق هو اليقين... يُضاف الشيء إلى نفسِه إذا اختلف لفظه؛ كما اختلف الحق واليقين»(1).

وأكد ذلك الرضي قائلا: «والإنصاف أنَّ مثله كثير لا يمكن دفعه، كما في نهج البلاغة: (لنسخَ الرجاءُ منهم شفقاتِ وَجَلهِم)، وقوله: (رخاء الدعة وسكائك الهواء»)(2).

وذهب جمع من المفسرين إلى أنَّ قوله تعالى: «حَقُّ الْيَقِينِ: [الواقعة / من الآية: 95] هو من إضافة المترادفينِ على سبيل المبالغة والتوكيد(3).

ص: 310


1- معاني القرآن: 1 / 330، و ينظر: الصاحبي: 408
2- شرح الرضي على الكافية: 2 / 245 - 246، وينظر: الجملة العربية والمعنى: 190
3- ينظر: المحرر الوجيز: 5 / 254، ومجمع البيان: 9 / 380، والبحر المحيط: 8 / 215، والميزان: 19 / 140

ومن شواهد هذا التركيب في نهج البلاغة قوله (عليه السلام) في منزلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهُمَّ اجمعْ بيننا وبينه في بَرْد العيش... ورَخاء الدَّعة»(1).

لم يؤكِّد ما قاله الرضي الاسترابادي من شُرّاح النهج إلا اّلشيخ الخوئي، فذهب إلى أنَّ قوله: (عليه السلام): (رخاء الدعة) من إضافة الشيء إلىمرادفه(2).

قال السيد الشيرازي: «(ورخاء الدعة)، الدعة: سكون النفس، واطمئنانها بالخير، وفي ذلك رخاء لا ضيق له، ولا ضنك فيه»(3).

سأل الإمامُ (عليه السلام) الله تعالى أنْ يجمع بينه وبين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمور منها: «رخاء الدعة» فالرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يتمتع بهذه وبغيرها من النعم التي لا يبلغها الإحصاء فهو في سكون وهدوء، واطمئنان في غاية الاطمئنان، حيث السلامة من كلِّ آفة وعاهة وعيب، مع الإكرام بنفائس الكرامة في دار المقام، حيث لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطرَ على قلب أحد(4).

ص: 311


1- شرح (ابن أبي الحديد): 6 / 138، ولهذا التركيب نظيران آخران: 1 / 6، 83 / 425
2- ينظر: منهاج البراعة (الخوئي): 11 / 195
3- توضيح نهج البلاغة: 1 / 284
4- ينظر: شرح (السيد عباس): 1 / 426

فمن أوصاف أهل الجنة في القرآن الكريم قولُه تعالى: «لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» [مريم: 62]، وقوله: «إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ، هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ، لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ» [يس: 55 - 57] وغیرها الکثیر.

ولمَّا كان حال أهل الجنة كذلك استعمل الإمام (عليه السلام) هذا التركيب لِمَا فيه من القوة والمبالغة في الوصف.

تاسعًا: التعبیر باسم المفعول للمبالغة

وازنَ كثير من المفسرين بين دلالة الفعل ودلالة اسم المفعول، فرأوا أنَّ اسم المفعول أكثر توكيدًا للمعنى وإثباتًا له وتقريرًا.

جاء ذلك عند تفسيرهم قوله تعالى: «يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ» [هود / من الآية: 103] فبيَّن الزمخشري ذلك الإيثار بقوله: «فإنْ قلت: لأيِّ فائدة أُوثر اسم المفعول على فعله؟ قلت: لِمَا في اسم المفعول من دلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنَّه يومٌ لابد من أنْ يكون ميعادًا مضروبًا لجمع الناس له»(1)، وهو أبلغ من قوله تعالى: «يَوْمَ يَجمُعُكْم لِيَوْمِ الجَمْعِ» [التغابن / من الآية: 9]. وأكد هذا المعنى جملة من المفسرين(2).

ص: 312


1- الكشاف: 2 / 292
2- ينظر: تفسير البيضاوي: 3 / 261، والتسهيل لعلوم التنزيل، الغرناطي: 2 / 112، والبحر المحيط: 5 / 261، والبرهان: 3 / 376، وتفسير أبي السعود: 4 / 240، وروح المعاني: 12 / 138، والميزان: 11 / 7، والبلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري وأثرها في الدراسات البلاغية، د. محمد حسنين أبو موسی: 237

ومن هذا في نهج البلاغة قوله (عليه السلام) عن النبيِّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم): «... والمَجلُوُّ به غِرْبيبُ العَمَى»(1).

تشير عبارة الإمام (عليه السلام) إلى جهاد النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأثره في إزالة ظلمات الضلالة عن مجتمع الجاهلية، وهدايتهم إلى طريق الحق، والى الصراط المستقيم، فاستعار (عليه السلام) لفظة (الغربيب) لشدة ظلمة الجهل، ولفظ الجلاء لزوال تلك الظُّلَم بأنوار النبوة(2).

فالتعبير باسم المفعول (مجلو) - بلحاظ السياق - فيه إيحاء إلى تحقُّق جلاء ظلمات الضلالة وكشفها بسبب الدور العظيم للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو أبلغ وأقوى في المعنى مماّ لو قيل: (جُلِي به غربيب العمى)؛ لأنَّ الوصف يدل على الثبوت في موصوفه أكثر من الفعل.

هذا، وقد لاءمت قوة التعبير باسم المفعول (مجلوّ) شدةَ الضلالة المستفادة من عبارة «غِرْبيِب العَمى»؛ لأنهَّا من قبيل إضافة المترادفينِ للمبالغة.

ص: 313


1- شرح (ابن أبي الحديد): 10 / 58، و من نظائر هذا التركيب: 1 / 298، 3 / 152، 5 / 145
2- ينظر: شرح (البحراني): 3 / 371، وتوضيح نهج البلاغة: 3 / 78

عاشرًا: المبالغة بترادف الصفات

ترادف الصفات: تتابعها، قال الخليل: «الرِّدف: ما تبع شيئًا فهو رِدفُه، وإذا تتابع شيء خلف شيء فهو الترادف»(1).

ويُقصد بترادف الصفات: «أنْ تُرادف الصفات وتكون متكرِّرة لإعظام حال الموصوف، ورفع شأنه، ومن أجل قصد التهويل في المعنى المقصود، وإشارة أمره من مدح أو ذم، كقوله تعالى: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ» [النور / من الآية: 35] فانظر إلى تعديد هذه الجمل، ومجيئها من غير حرف عطف، كيف أفادت المبالغة في حال الموصوف، وأشادت من قدره، ورفعت من حاله، وأبانت المقصود على أحسن هيئة»(2).

ومنه قوله تعالى: «أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا» [النور / من الآية: 40] فنلحظ في هذه الأوصاففي نعت النور والظلمة، كيف زيدت صفة الظلمة

ص: 314


1- العين: 8 / 22 (ردف)
2- الطراز: 3 / 122 - 123

وتعالت حتى بلغت النهاية في الوصف(1).

ومن ذلك ما جاء في نهج البلاغة في خطبة له (عليه السلام) في تمجيد الله تعالى وتعظيمه، قال فيها: «الحمدُ لله العليِّ عن شَبَه المخلوقين، الغالبِ لمقَال الواصفين، الظاهرِ بعَجائب تدبيره للناظرين، والباطن بجَلال عزَّتهِ عن فِكْر المتوهمِّين، العالمِ بلا اكتساب ولا ازدياد، ولا علمٍ مُستفادٍ، المقدِّر لجميع الأمور بلا رَويَّة ولا ضمير، الذي لا تغشاه الظُّلَم، ولا يستضيء بالأنوار، و لا يرهقُه ليل و لا يجري عليه نهار، ليس إدراكُه بالإبصار، ولا علمُه بالإخبار»(2).

الإمام (عليه السلام) في معرض حمد الله تعالى؛ لأنَّه «العليّ ...»، وتعاليه سبحانه عن شبه المخلوقين كونه قديمًا واجب الوجود، وكلُّ مخلوقٍ محدَث ممكن الوجود، ولأنَّه «الغالب لمقال الواصفين» أي: أنَّ كنْهَ جلاله وعظمته لا يستطيع الواصفون وصفه - وإنْ أطنبوا وأسهبوا - فهو كالغالب لأقوالهم عن إيضاحه وبلوغ مُنتهاه، في إشارة إلى تعاليه سبحانه عن إحاطة الأوصاف به، ثم وصف (عليه السلام) عِلمه تعالى بأنَّه غير مكتسَب كما يكتسبُ الواحد منّا علومَه بالاستدلال والنظر، ولا هو علم يَزداد إلى علومه الأولى كما تزيد علوم الواحد منّا ومعارفه، فهو سبحانه العالم المنزَّه في كيفية علمه عن اكتساب له بعد جهل، أو

ص: 315


1- ينظر: العمدة في محاسن الشعر: 2 / 55، والبرهان: 3 / 413، والمبالغة في البلاغة العربية: 160
2- شرح (ابن أبي الحديد): 11 / 62، ولهذا التركيب نظيران آخران: 10 /64، 13 / 6

ازدياد له بعد نقصان أو استفادة عن غير كما عليه عِلم المخلوقين، ثم ذكر (عليه السلام) أنَّه تعالى قدر الأمور كلَّها بغير روية - أي: بغير فكر ولا ضمير - ثم وصفه تعالى بأنه لا يغشاه ظلام؛ لأنَّه ليس بجسم، ولا يستضيء بالأنوار كالأجسام ذوات البصر(1).

يلحظ المتُلقي في النص العَلوي الشريف كيف عدَّد الإمام (عليه السلام) هذه الجمل، وساقها من غير حرف عطف. كلُّ ذلك للمبالغة في تعظيم حالال موصوف، والإشادة من قدره، والمبالغة بالنسبة لله تعالى تعني بلوغ الغاية في الوصف(2).

حادی عشر: خروج الفعل عن ظاهره للمبالغة

كأن يُعبَر بلفظ الخبر عن الطلب نحو قوله تعالى: «وَالْوالدِاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدُهَّن حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ» [البقرة / من الآية: 233]، فالفعل (يُرضعن) خبرٌ في. معنى الأمر للمبالغة في الإيجاب، وكأنَّ المخاطَب قد امتثل الأمر، فيخُبِر عنه(3).

أو قد يرد الخبر بمعنى النهي، نحو قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنيِ

ص: 316


1- ينظر: السابق: 11 / 62 - 63، وشرح (البحراني): 4 / 28 - 30
2- ينظر: المبالغة في البلاغة العربية: 161
3- ينظر: تفسير الرازي: 18 / 150، وتفسير البيضاوي: 1 / 513، وتفسير القرآن الكريم، السيد عبد الله شبر: 74

إِسْرائيِلَ لا تَعْبُدُدونَ إلِا اَّلله» [البقرة / من الآية: 83]، قال الزمخشري: «لا تعبدون: إخبار في معنى النهي، كما تقول: تذهب إلى فلان تقول له هذا تريد الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي؛ لأنه كأنَّه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخُبرعنه»(1). وأكد هذا المعنى جملة من المفسِّرين(2).

ولابد من الإشارة هنا إلى أنَّ دلالة الفعل على ما سبق ليست مفهومة من الفعل وحده، بل من القرائن والسياق.

ومن مجيء الأمر بصورة الخبر في نهج البلاغة ما ورد في خطبة له (عليه السلام) في وصف الدنيا، قال فيها: «أُوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم وإنْ لم تُحبُّوا تركَها»(3).

يخاطب الإمام (عليه السلام) الناس موصياً إياهم على سبيل النصح والإرشاد برفض الدنيا، فنفَّر عنها (عليه السلام) بذكر عيوبها، ومنها «تركها لهم على كلِّ حال - وان لم يحُبوا تركها - ومن أكبر المصالح ترك محبوب لابدَّ من

ص: 317


1- الكشاف: 1 / 292 - 293
2- ينظر: جوامع الجامع: 1 / 121، وتفسر البيضاوي: 1 / 352 - 353، والبحر المحيط: 1 / 451، والبرهان: 3 / 352، والإتقان في علوم القرآن: 3 / 132، وكنز الدقائق: 1 / 285 وروح المعاني: 1 / 307، والجملة العربية والمعنى: 189
3- شرح (ابن أبي الحديد): 7 / 80، ومن نظائر هذا التعبير: 6 / 244، 9 / 59، 13 / 99، 16 / 62، 18 / 232

مفارقته تركًا باستدراج النفس واستغفالها، كي لا يقدحها مفارقتها دفعة مع تمكُّن محبته عن جوهرها. فيبقى كمن نُقل من معشوقِه إلى موضع ظلمانيِّ شديد الظلمة»(1).

وتعبير الإمام (عليه السلام) أبلغ في النصح والإرشاد مما لو قال: (ارفضوا هذه الدنيا)، فلو قيل لإنسان أخطأ بفكره واعتقاده، فتعلَّق بشيء ما، أو بفكرة معينة أو حبَّ عملًا ما حبًّا جمًّا: (انتهِ عن هذا العمل)، لزاد تعلُّقًا به، وإصرارًا عليه؛ لأنَّ الإنسان حريصٌ على ما مُنعِ، وهذا بخلاف لو كان الأمر ينطوي على اللين في النصح والإرشاد، والدلائل على خطأ ما يذهب إليه، فإنَّه يكون أسرع استجابةً للناصح، وأكثر امتثالا و تقبُّلا لماِ يقول.

ومن ورود النهي بصورة الخبر في نهج البلاغة قوله (عليه السلام) للخليفة عثمان: «وإنِّي أنشدك الله أنْ تكونَ إمامَ هذه الأمَّة المقتولَ»(2).

خاطب الإمام الخليفة عثمان وناشده الله تعالى، وأقسم عليه به ألاّ يكون إمام الأمة المقتول، وكأنَّ الإمام (عليه السلام) قد أدرك بحسب الظروف والقرائن، وما عليه الناس، وما يصدر منهم من أقوال، أدرك أنَّ الخليفة عثمان سيُقتل إنْ بقيَ على موقفِه(3)، ولهذا نهاه الإمام (عليه السلام) بصورة الخبر، لعلمه

ص: 318


1- شرح (البحراني): 3 / 3 - 4
2- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 262
3- ينظر: شرح (السيد عباس): 3 / 73

بتحقق وقوع هذا الأمر لا محالة، فجعله بصورة الخبر، وكأنَّه وقع وانتهى، هذا بالنسبة للقائل - وهو الإمام (عليه السلام) -، أما بالنسبة للمخاطَب - وهو الخليفة عثمان - فنهيُه بصورة الخبر جاء ملائما لحالِه، وكأنَّه سارعَ للانتهاء والامتثال؛ لأنَّ خبر الإمام (عليه السلام) يستلزم ذلك منه، إذ أخبره بقتلهِ.

ومن مجيء الخبر بمعنى الشرط قوله (عليه السلام) لابنهِ محمد بن الحَنَفية لمّا أعطاه الراية يوم الجمَل: «تزولُ الجبالُ ولا تزُلْ»(1).

أَجمع شُرّاح نهج البلاغة على أنَّ قول الإمام المتقدم خبر فيه معنى الشرط، تقديره: إنْ زالت الجبال فلا تزُل أنت، والمراد المبالغة في النهي(2).

قال البحراني: «واعلم أنَّه (عليه السلام) أشار في هذا الفصل إلى أنواع آداب الحرب، وكيفية القتال، فنهاهُ أولًا عن الزوال، وأكد عليه ذلك بقوله:

(تزول الجبال ولا تزل)، والكلام في صورة شرطية متَّصلة محرَّفة، تقديرها: لو زالت الجبال لا تزُل، وهو نهيٌّ عن الزوال مطلقًا؛ لأنَّ النهيَ عنه على تقدير زوال الجبال مستلزمٌ للنهي عنه على تقدير آخر بطريق الأَوْلى؛ إذ القصد به المبالغة في النهي»(3).

ص: 319


1- شرح (ابن أبي الحديد): 1 / 241
2- ينظر: السابق نفسه والصحيفة نفسها، وشرح (البحراني): 1 / 287، وشرح (المجلسي): 1 / 89، ومنهاج البراعة (الخوئي): 3 / 165، ومن بلاغة الإمام علي: 129
3- شرح (البحراني): 1 / 287

ومما يتصل بهذا استعمال الظرف (أبدًا) في الماضي إجراءً له مجرى المستقبل؛ لأنَّ الأصل فيه أنْ يُستعمل في المستقبل، نحو قوله تعالى: «سَنُدْخِلُهُمْ جَناَّتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنَهْارُ خالِدِينَ فيِها أَبَداً» [النساء / من الآية: 57] وقولنِا: ما أصحبك أبدًا ولا يقال: ما صحبتُك أبدًا(1). فإنْ وردَ استعماله في الماضي حمُلِ على المبالغة، قال ابن حجر العسقلاني (ت 852 ه) فيما جاء عن السيدة عائشة، أنهَّا قالت: «صلَّى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العِشاء، ثم صلى ثمانِي ركعات، وركعتين جالسًا، وركعتين بين النِّداءين، ولم يكن يدعْهُما أبدًا»(2).

«قوله (أبدًا) تقرَّر في كتب العربية أنهَّا تستعمل للمستقبل، وأما الماضي فيؤكَّد ب (قط) ويجُاب عن الحديث المذكور بأنها ذُكرت على سبيل المبالغة إجراء للماضي مجرى المستقبل، كأنَّ ذلك دأبه لا يتركه»(3).

وأكد ذلك السيوطي (ت 911 ه) قائلا: «(لم يكن يدعْهما أبدًا) فيه استعمال (أبدًا) في الماضي إجراءً له مجُرى المستقبل مبالغةً؛ لأنَّ ذلك كان دأبه لا يتركه»(4)، وقد جرى القَسْطلاني (ت 923 ه) على مثل هذا أيضًا(5).

ص: 320


1- ينظر: ارتشاف الضرب: 3 / 1427
2- صحيح البخاري، البخاري: 2 / 50
3- فتح الباري شرح صحيح البخاري: 3 / 43
4- التوشيح على الجامع الصحيح (صحيح البخاري)، تح: علاء إبراهيم الأزهري: 2 / 116
5- ينظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: 2 / 331

ومن ذلك قوله (عليه السلام) وقد استشاره الخليفة عُمَر في الشخوص لقتال الفُرس بنفسِه: «ومكانُ القيِّم بالأمر مكانُ النظِّام من الخرَز، يجمعُه و يضمُّه، فإنِ انقطعَ النظامُ تفرَّقّ وذهب، ثم لم يجتمعْ بحَذافيرِه أبدًا»(1).

محل الشاهد هو قوله (عليه السلام): «لم يجتمع بحذافيره أبدًا» إذ جاء الظرف (أبدًا) الدال على المستقبل في تعبير دالٍّ على الماضي، مفهوم من (لم يجتمعْ)، أراد الإمام (عليه السلام) من ذلك الإخبار بتحقُّقِ تشتُّت الناس وتفرقهم بعد قتل قائدهم أو إمامهم «وذلك أنهَّم عند فساد نظامهم بقتل الإمام مثلًا يقع بهم طمع العدو وظفره، فيكون ذلك سبب استئصالهم»(2).

وقدشبَّه (عليه السلام) القائم بالأمر، والمتولي لأمور المسلمين بالخَيْط الذي يجمع حباَّت الخرز في العِقد، فإذا انقطع الخيط تبعثرت الحبَّات، ولم تعد واحدة تجتمع أو تلتقي مع الأخرى، وكذلك القيِّم بالأمر إذا ذهب ومات أو غاب تبعثر المسلمون و تشتتوا(3).

فدلَّ استعمال (أبدًا) - بلحاظ القرينة السياقية - على المبالغة في تحقق وقوع التشتت والتبعثر في صفوف الأمُة بعد ذهاب قائدها.

ص: 321


1- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 95، الحذافير: جمع حذفار: أعالي الشيء ونواحيه
2- شرح (البحراني): 3 / 196
3- ينظر: شرح (السيد عباس): 2 / 440

ثانی عشر: المبالغة بأفعل التفضیل المضاف

تأتي المبالغة من أفعل التفضيل إذا كان مضافًا إلى الجمع المحلّى ب (أل) المفيدة للاستغراق، وهي من الحالات التي ذكرها النحويون لإضافة (أَفعل) التفضيل، نحو: (زيدُ أفضل الرجال)(1)، غير أنهَّم لم يشيروا إلى دلالة تلك الإضافة على المبالغة والتوكيد وأشار إليها أحد شُرّاح نهج البلاغة كما سيأتي، ومن الممكن أنْ نلمح تلك الدلالة فيما قاله برجشتراسر (ت 1933 م) «فإضافة الوصف إلى مفرد منكَّر ك (أفضل رجل) خاصة بالعربية فنكَّروا المضاف إليه بدل تعريفه، فأشاروا بذلك إلى أنَّ الرجل ليس بالأفضل الذي لا أفضل منه بين الرجال البتة، بل واحد من الأفاضل، وأفردوا المضاف إليه بدل جمعه؛ لأنهَّم لو قالوا: (أفضل رجال) لكان المعنى: الأفضل الذي لا أفضل منه بين بعض الناس، وهذا غير المراد»(2)، وقد يُراد به: الأفضل الذي لا أفضل منه بين الناس جمعيهم، فيدلُّ التعبير حينئذٍ على المبالغة.

لهذا عبارة (الأفضل الذي لا أفضل منه...) ممكن أنْ يُستفاد منها «أنَّ قولك: (محمد أفضل الرجال) يُقصد به تفضيل (محمد) على جميع الرجال، أي هو الرجل الذي لا أفضل منه»(3)، وبالطبع، أنَّ هذا المعنى على سبيل المبالغة لا

ص: 322


1- ينظر: شرح التصريح: 2 / 102، ومعاني النحو: 4 / 272
2- التطور النحوي: 154
3- معاني النحو: 4 / 274

الحقيقة؛ لأنَّ (أل) في المضاف إليه للاستغراق.

جاء هذا التركيب في كلام له (عليه السلام) في صفة من يتصدى للحكم بين الأمة وليس لذلك بأهل، إذ قال: «إنَّ أبغضَ الخَلائقِ إلى الله تعالى رجلان:

رجلٌ وَكلَه الله إلى نفسِه، فهو جائرٌ عن قَصْد السَّبيل،... ورجلٌ قَمَشَ جهلاً مُوضِعٌ في جُهّال الأمة»(1).

قوله (عليه السلام) «أبغض الخلائق» من باب «إيراد أفعل التفضيل مضافًا إلى الجمع المُحلَّى باللام المفيد للاستغراق، ليفيدا المبالغة والتأكّد»(2).

كلام الإمام (عليه السلام) المتقدم فيمن يتصدى للحكم وهو ليس له بأهل، وهما رجلان قد بلغا المقام الأول في بغض الله لهما؛ لأنهَّما بلحاظ أوصافهما وما فيهما من السيئات انتهى بهما الأمر أن كانا أبغض ما خلق الله إلى الله. وبغض الله لأحد ليس على مستوى ما نعهده من تأثر النفس واشمئزازها، بل هو إبعاده عن رحمته، وطرده عن القرب منه المتمثل بالتخلي عنه، وتركه وشأنه يسترسل في غيّه، ويتحرك في ضلاله، وهذان الرجلان لأثرهما على المجتمع وما يخلفان من ضرر كان هذا البغض وهذا الإبعاد(3)، ومن هنا تبيَّن هدف الإمام (عليه السلام)

ص: 323


1- شرح (ابن أبي الحديد): 1 / 283، ومن نظائر هذا التركيب: 7 / 9، 107، 44 / 222، قَمشَ: جمعَ
2- شرح نهج البلاغة، شارح من القرن الثامن، تح: عزيز الله العطاردي: 223، وينظر: من بلاغة الإمام علي: 144
3- ينظر: شرح (السيد عباس): 1 / 165 - 166

من إضافة أفعل التفضيل إلى الجمع المعرَّف ب (أل) المفيدة للاستغراق(1).

ثالث عشر: المبالغة فی تصویر الفعل وتفخیم أثره

ويتحقق هذا بإسناد الفعل إلى غير فاعله على سبيل المجاز، قال سيبويه:

«هذا باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى، لاتّساعهم في الكلام والإيجاز والاختصار، ... ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى جدّه: «وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ» [يوسف / من الآية: 82] إنما يُريد أهل القرية، فاختصَرَ وعمل الفعل في القرية كما كان عاملاً في الأهل»(2).

والذي يبدو لي أنَّ التعبير على المجاز، لا على الحذف، وإلى هذا ذهب ابن جني، إذ رأى أنَّ العدول عن الحقيقة إلى المجاز إنما يكون للاتّساع، والتوكيد والمبالغة، نحو قوله تعالى: «وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» [الأنبياء: 75] وهو دالٌّ على التوكيد؛ لأنَّه «أخبرَ عن العَرَض بما يُخبَر به عن الجوهر، وهذا تعالٍ بالغرض، وتفخيم منه،إذ صُيِّر إلى حيِّز ما يُشاهَد ويُلمَس ويُعاين»(3).

ومنه قول الشاعر:(4) [من الوافر]

ص: 324


1- ينظر: القول الفصل في حقيقة (أل)، الدكتور سعدون احمد علي: 232
2- كتاب سيبويه: 1 / 211 - 212
3- الخصائص: 2 / 443
4- هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، ينظر: كتاب الأغاني: 8 / 88 - 94 (فباديه مع الخافي يسير) أي: فباديه مضموم إلى خافيه يسير

تَغلغلَ حبُّ عَثمة فی فؤادی *** فبادیهِ مع الخافی فی یسیرُ فوصفَ بَالتغلغل ما ليس في أصل اللغة أْن يُوَصف به، على سبيل المبالغة والتوكيد؛ لأنَّه أخرجه عن ضعف العرضية إلى قوة الجوهرية، ألا ترى أنَّ التغلغل في الشيء لابد من أنْ يتجاوز مكانًا إلى آخر، وذلك تفريغ مكان، وشَغْل مكان، وهذه أوصاف في الحقيقة تخصُّ الأعيان لا الأحداث(1).

وقال الجرجاني: إنَّ طريق المجاز والاتساع هو أنَّك «ذكرتَ الكلمة الأولى وأنت لا تريد معناها، ولكن تريد معنى ما هو ردْف له أو شبيه، فتجوّزت بذلك في ذات الكلمة، وفي اللفظ نفسه»(2).

وهو طريق من شأنه تفخيم المعنى(3)، ومنه قوله تعالى: «فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ» [البقرة / من الآية: 16] «ومن ذا الذي يخفى عليه مكان » العُلُوّ وموضع المزية وصورة الفرقان بين قوله تعالى: «فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ» وبين أنْ يُقال: «فما ربحوا في تجارتهم؟»)(4).

وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين، ففي قوله تعالى: «إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا» [الفرقان: 12] علَّل الشيخ الطوسي إسناد الرؤية

ص: 325


1- ينظر: الخصائص: 2 / 444، ولسان العرب: 8 / 341 (معع)
2- دلائل الإعجاز: 1 / 293
3- ينظر: السابق: 1 / 294
4- السابق: 1 / 295

إلى النار، فقال: «ونسب الرؤية إلى النار - وإنما هم يرونها -؛ لأنَّ ذلك أبلغ كأنها تراهم رؤية الغضبان الذي يزفر غيظًا، فهم يرونها على تلك الصفة ويسمعون منها تلك الحال الهائلة، ... وهذا عدول عن ظاهر الكلام مع حسن ظاهره وبلاغته من غير حاجة داعية، ولا دلالة صارفة، وإنما شبهت النار بمن له تلك الحال، وذلك في نهاية البلاغة»(1).

وذكر أبو حيان الأندلسي (ت 745 ه) في قوله تعالى: «وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ» [البقرة / من الآية: 93]: أنَّ إسناد الإشراب إلى العِجل يدلُّ على المبالغة، وكأنَّه بصورتهِ أُشربوه(2).

ومن ذلك في نهج البلاغة قوله (عليه السلام) في صفة من يتصدى للحكم والقضاء، وليس لذلك بأهل: «وإنْ أظلمَ عليه أمرٌ اكْتَتمَ به، ... تَصرُخ من جور قضائه الدِّماءُ، وتَعَجُّ منه المواريثُ إلى الله»(3).

كلامه (عليه السلام) فيمن نصب نفسه قاضيًا في دماء الناس وأموالهم، وهو ليس له بأهل، إذ أراق الدماء في الحدود والدِّيّات بغير حق، وحكمَ بالأموال والمواريث بالباطل، لذا تصرخ تلك الدِّماء إلى الله سبحانه، وهذه كناية عن بطلان

ص: 326


1- التبيان: 7 / 475، وينظر: مجمع البيان: 7 / 285
2- ينظر: البحر المحيط: 1 / 476
3- شرح (ابن أبي الحديد): 1 / 283 - 284، و من نظائر هذا التركيب: 7 / 11، 250 / 13، 150 / 116

أحكامه في الدماء، وتمثيل لحِدَّة الظلم، وشدة الجور(1)؛ لأنَّه من «قبيل المجاز في الإسناد، على نحو: صام نهاره، مبالغةً على سبيل التمثيل والتخييل بتشبيه الدماء والمواريث بالإنسان الباكي من جهة الظلم والجور، وإثبات الصُّراخ والعجيج لهما»(2).

وغير خافٍ على المتلقي مدى القوة والمبالغة في عبارة «تصرُخ من جور قضائه الدِّماء» بخلاف لو قدَّرنا مُضافًا بقولنا: (تصرخ من جور قضائه أولياء الدماء)؛ لأنَّ العبارة الأولى مجاز، والمجاز أبلغ في المعنى من الحقيقة كما رأينا ذلك عند ابن جني والجرجاني وجمعٍ من المفسرين كما تقدَّم.

رابع عشر: المبالغة بالاستفهام

الاستفهام لغةً: طلب الفهم(3)، وكذا هو في اصطلاح النحويين: الاستفهام:

طلب الفهم(4)، وقد تأتي بعض صوره دالة على المبالغة في التعظيم والتهويل، إذ ذهب المفسرون إلى أنَّ قوله تعالى: «الْقارِعَةُ، مَا الْقارِعَةُ» [القارعة: 1 - 2] استفهامٌ للمبالغة في تعظيم شأن القارعة وتفخيم أمرها، وتهويل شِدَّتها(5).

ص: 327


1- ينظر: نهج البلاغة (عبده): 1 / 52
2- منهاج البراعة (الخوئي): 3 / 260
3- ينظر: الصاحبي: 292، والمعجم الوسيط: 2 / 70 (فهم)
4- ينظر: شرح المفصل: 8 / 150، ومغني اللبيب: 17
5- ينظر: التبيان: 10 / 398، ومجمع البيان: 10 / 428، والأصفى: 2 / 1470، والميزان: 20 / 348

وهو كثير في القرآن الكريم، منه قوله تعالى: «الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ» [الحاقة: 1 - 3] وقوله: «وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ» [القدر: 2] ودلالة هذا الضرب من الاستفهام على المبالغة إنما جاءت لعدوله عن أصل باب الاستفهام، وهو طلب الفهم، فالاستفهام في مثل هذه الصور لا يُراد به طلب الفهم؛ لأنَّ المسؤولَ عنه معلومٌ ومفهومٌ لدى السائل، لكنَّه يسأل عنه على سبيل التعظيم والتفخيم.

ومن ذلك قوله (عليه السلام) وقد جاءه نعيُ مالك الأشتر (رحمه الله):

«مالكٌ وما مالكٌ؟ واللهِ لو كان جبلاً لكان فنِدًا»(1).

مالك الأشتر من صحابة الإمام (عليه السلام) الخلُّص، لذلك أثَّر خبر وفاته في نفس الإمام أيَّما تأثير، فاستفهم متعجِبًا من حال مالك وقوتهِ في الدِّين على جهة التهويل والإفخام في شأنه، كأن حاله بلغ مبلغًا لا يعلمه أحدٌ فهو يستفهم عنه(2)، فضلا عن تكرار اللفظ (مالك) للتفخيم والتعظيم؛ لأنَّ الإمام (عليه السلام) في معرض مدحه، وتعظيم أمره(3)، وهو مستحق لذلك، إذ قال

ص: 328


1- شرح (ابن أبي الحديد): 20 / 93، الفِند: الجبل العظيم. (الرواية المنقولة بإثبات "وما مالك" هي الأشهر والأكثر تداولًا في كتب شرح نهج البلاغة، وانفرد ابن أبي الحديد في شرحه بعدم إيرادها أو إثباتها في هذا الموضع، وأوردها في موضع آخر بإثبات "ما" (6 / 77) ولم يعلق المحقق محمد أبو الفضل إبراهيم على الأمر، ولذا اعتمدت على ذكر الرواية الأكثر شهرةً وتداولًا)
2- ينظر: شرح (البحراني): 5 / 455، ومن بلاغة الإمام علي: 626
3- ينظر: الخصائص: 3 / 54

(عليه السلام) فيه «يرحم الله مالكاً فلقد كان لي كما كنتُ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم»)(1).

وقد ورد الاستفهام دالًّا على المبالغة في نهج البلاغة في مواضع أُخر، لكنَّه محكوم بالقرائن والسياق، من ذلك قوله (عليه السلام) في عجيب خَلق الطاووس: «فكيف تصلُ إلى صِفة هذا عمائِقُ الفِطَن»(2).

بعد أنْ وَصف الإمام (عليه السلام) الطاووس وصفًا بليغًا «عقَّب ذلك الوصف البليغ باستبعاد وصول الفطن العميقة إلى صفة هذا، وأراد العجز عن وصف علل هذه الألوان، واختلافها واختصاص كلٍّ من مواضعها بلون غير الآخر»(3)، لذلك دلَّ استفهامُه (عليه السلام) على المبالغة في تعظيم الخالق سبحانه(4).

ص: 329


1- بحار الأنوار: 42 / 176
2- شرح (ابن أبي الحديد): 9 / 275
3- شرح (البحراني): 3 / 311
4- ينظر: منهاج البراعة (الخوئي): 1 / 15

ص: 330

الخاتمة

اشارة

ص: 331

ص: 332

بعد هذه الصحبة الطويلة لكلام الإمام علي (عليه السلام) في نهج البلاغة، ومصادر اللغة والصرف والنحو والتفسير، في رحلة علمية شائقة، لا بد من وقفة نسجل فيها نتائج البحث وثماره، وأهمها:

. دارَ مفهوم المبالغة في تراثنا اللغوي العربي - برغم تنوع مصطلحاته أو ترادفها - حول الوصول بالمعنى إلى أقصى غاياته وأبعد نهاياته، وما ورد عن بعض العلماء من أن المبالغة تعني (الكذب) ليس بصواب، فغايتها تقوية المعنى وتوكيده، لهذا كثرت في نهج البلاغة (موضوع الدراسة) والقرآن الكريم، لماِ لظروف القول فيهما من استدعاء لذلك التوكيد، وتلك القوة، ويتحقق ذلك الهدف - في الغالب - بأساليب متعددة، وأهمها:

. العدول أو الخروج عن الأصل، سواء أكان ذلك الخروج بالبناء الصرفي أم كان بالتركيب النحوي، فالبناء نحو (فُعال) معدول عن (فَعيل) للمبالغة أما التركيب فمنه خروج النداء عن أصله بنداء ما لا يُقبلِ ويجُيب، نحو: نداء الحسرة والعجب ونحوهما أدى إلى المبالغة في ذلك التركيب، والحال نفسه بالنسبة إلى بعض صور الاستفهام.

ص: 333

. زيادة المبنى، فأبنية الأفعال والمصادر وأسماء الفاعل والمفعول المزيدة أبلغ في المعنى من المجرَّدة.

. عدم التصُّرف أو خلوُّ الزمن ضْربٌ آخر من أضرب الدلالة على المبالغة، فصلاحيَّة البناء الصرفي أو التركيب النحوي للأزمنة المختلفة يؤدي إلى مبالغة ذلك البناء أو التركيب، نحو: المصدر الواقع خبرًا أو صفة أو حالًا، و(نعم، وبئس) وصيغتي التعجب.

. ردَّ البحث بالأدلة على ما رآه الدكتور فاضل السامرائي من أن بعض أبنية المبالغة ليس أصيلا فيها، بل مستعارٌ أو منقولٌ من الصنعة، أو أسماء الذوات، نحو(فَعّال)، و(فَعول) وغيرهما، لذلك إنَّ أبنية المبالغة معدولة عن (فاعل) للمبالغة والتكثير.

. بيَّن البحث طائفةً من مرادفات المبالغة، وأهمها: التكثير، والقوة، والشدة، والاتساع، والتفخيم والتعظيم. وقد يكون في هذا الترادف إشارة إلى غياب تحديد مصطلح المبالغة عند اللغويين. وقد تكون تلك المرادفات وسائل لغوية تؤدي إلى المعنى الشامل وهو المبالغة.

. اتضح في ضوء البحث كثرة أبنية المبالغة موازنة بالمشتقات الأخرى، ففي نهج البلاغة ورد تسع وعشرون بناءً دالا على المبالغة من الفاعل والمفعول.

. أثبت البحث أنَّ أبنية المبالغة سماعيةٌ لا قياسية.

ص: 334

. رأى سيبويه أنَّ بناء (َفعَلل) لم يرد صفةً، غير أنَّ البحث أثبت استعمال أربعة ألفاظ من هذا البناء، وهي (فَدفَد، وهَجهَج، وصَحصَح، وشَحشَح).

. كشف البحث عن أثر السياق في دلالة البناء الصرفي، نحو (نُوَمة) وهو بناء مبالغة يدل على المبالغة في كثرة النوم، وهو معنى ذم، إلا أنَّ الإمام (عليه السلام) استعمله - بقرينة السياق - في مدح صفة من الناس المؤمنين، ومثله أيضًا (مِبْطان)، لهذا لا يمكن أن يُدرس البناء الصرفي بمعزِل عن السياق والقرائن الأخُرى لماِ لها من أثر في إيضاح معنى البناء.

. أظهر البحث أن الإمام (عليه السلام) كان يستعمل أشد الأبنية مبالغة وأقواهن أثرًا في المواضع والأحداث التي تستلزم ذلك، كخطب الحرب والحث على الجهاد، أو في رسائله وكتبه إلى معاوية، غير أن استعماله هذا، أو إيثاره لفظًا على لفظ لم يكن بتكلف منه أو تصنّع، لأنه (عليه السلام) ينتمي إلى عصر السليقة اللغوية.

. تبيّن من البحث أنَّ بناء (فعْلان) من أوزان المبالغة في اللغات الجزرية.

. رفد كلامُ الإمام (عليه السلام) في ضوء ما توصَّل إليه هذا البحث اللغةَ العربية بكثير من الألفاظ التي لم تذكرها المعجمات اللغوية، من ذلك: (التَّهمام) مصدر الفعل (همَّ). و (متغوِّث) اسم فاعل من الفعل (تغوَّث).

. أثبت البحث بكثير من الشواهد أنه لابد للزيادة من معنى، لهذا لا يمكن

ص: 335

القول: إنِّ معنى المجرَّد والمزيد واحد، إلا في اختلاف اللهجات.

. حوى نهج البلاغة كثيرًا من الأبنية النادرة، منها: (قُلْعة) بناء مبالغة معدول عن اسم المفعول، و (الشآبيب)، وغيرهما.

. استطاع البحث أن يُبرز في كثير من المواضع بعض الفروق الدلالية بين الأبنية. من ذلك: الفرق بين (طِلْبة) بزنة (فعِلْة)، وبين (طَلِبة) بزنة (فَعِلة). وبين (الرسول) و (المرسَل).

. أظهر البحث أنَّ بناء (تفاعَل) وارد بمعنى المبالغة عند الرضي الأسترابادي، وعند كثير من المفسرين أيضًا، وبهذا نستدل لتصحيح الرأي القائل: إن الصرفيين لم يشيروا إلى دلالة بناء (تفاعل) على المبالغة، أو إنَّ الراغب الأصفهاني هو من صرَّح بتلك الدلالة فقط.

. تبيَّن في البحث أنَّ التركيب النحوي أسلوبٌ آخر في الدلالة على المبالغة قد نصَّ القدماء وبعض المحدثين على كثير من صوره، فالمبالغة - إذًا - ليست مقتصرة على الأبنية الصرفية، إذ جاء في (نهج البلاغة) أربعة عشر تركيبًا دالا على المبالغة.

. ظهر في البحث أنَّ الاقتصار على مصطلح المبالغة في ما يخص أفعال بناء (افتعل) و (تفعَّل) أفضل من استعمال مصطلحات أخر، نحو التكلف والاجتهاد والاضطراب لمِا بين هذه المصطلحات وبين المبالغة من تداخل، فضلًا عن عدم

ص: 336

إمكانية إطلاق بعض هذه المصطلحات على الذات الإلهية المقدسة.

. جاءت المبالغة من أبنية مجرَّدة بقلة، نحو: بناء (فَعلَل)، فدلالة التكرار في بنائه أضفت على معناه دلالة القوة والمبالغة.

. إنَّ رأي المبرّد فيما يخص وقوع المصدر حالًا أسوغ؛ لكثرة الشواهد في هذه المسالة، والكثرة تخول القياس عليها.

. ردَّ البحث على ما ذهب إليه الدكتور عباس حسن من أنَّ (شتان) يستعمل في التفريق بين الأمور المعنوية خاصة، بشاهد من نهج البلاغة ورد فيه (شتان) في التفريق بين الأعمال؛ والأعمال ليست معنوية خاصة بل منها المعنوية ومنها الحسيّة.

. أسماء الأفعال أبلغ من معاني الأفعال التي بمعناها، إلا أنَّ - فضلًا عن إفادتها المبالغة - في بعضها دلالاتٍ أخرى كشف عنها البحث في ضوء الاستعمال، من ذلك (هَلُمَّ) فقد استُعمل في موضع الشك والتردد في القرآن الكريم ونهج البلاغة، و (دونك) فقد دلَّ على طلب يستلزم سرعة امتثال المخاطَب.

. لا يمكن تقسيم أسماء الأفعال بحسب زمن أفعالها؛ لأنَّ الزمن في تلك الأفعال محكوم بالقرائن والسياق وهو ما يعرف ب (الزمن النحوي)، لذلك اختطَّ هذا البحث منهجًا قائمًا على ترتيب أسماء الأفعال بحسب أوائل حروفها الهجائية.

ص: 337

. كشف البحث عن أثر القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في كلام الإمام (عليه السلام)، ولاغرو من ذلك فهو من مدرسة القرآن والسُّنّة، وكلامه (عليه السلام) امتداد لهما.

. إنَّ الرحلة مع نص نهج البلاغة وشروحه وما اكتنفته من شواهد جمَّة والاطلاع على ما اكتنفه الجانب النظري في البحث من مصنفات جليلة وكتب قيِّمة في اللغة بعامة والنحو والصرف بخاصة، والتدبر فيما وضعه اللغويون من مجمع ثريٍّ بالقواعد وما تفرعت إليه كل قاعدة، لهو بحق نتيجة كبيرة أغنتني وأفدت منها أيّما فائدة، والله أسأل أن أُمكِّن غيري من الإفادة منها، إنَّه وليُّ التوفيق.

ص: 338

روافد البحث

أولاً: الکتب المطبوعة

القرآن الكريم.

- أ - 1. أبنية الأسماء والأفعال والمصادر، ابن القطّاع الصقلي (ت 515 ه)، تحقيق ودراسة: د. أحمد محمد عبد الدايم، دار الكتب - القاهرة، 1999 م.

2. أبنية الأفعال دراسة لغوية قرآنية، د. نجاة عبد العظيم الكوفي، دار الثقافة - القاهرة، 1989 م.

3. أبنية الصرف في كتاب سيبويه معجم ودراسة، د. خديجة الحديثي، بيروت، ط 1، 2003 م.

4. الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي (ت 911 ه)، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيأة المصرية العامة للكتاب، 1974 م.

ص: 339

5. اختيار مصباح السالكين شرح نهج البلاغة الوسيط، ميثم البحراني (ت 689 ه)، تح: د. محمد هادي الأميني، مجمع البحوث الإسلامية، إيران - مشهد، ط 1، 1408 ه.

6. أدب الكاتب، ابن قتيبة (ت 276 ه)، تح: محمد الدالي، مؤسسة الرسالة - بيروت (د. ت).

7. ارتشاف الضرب من لسان العرب، أبو حيان الأندلسي (ت 745 ه)، تحقيق وشرح ودراسة: د. رجب عثمان محمد، مراجعة: د. رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي - القاهرة، ط 1، 1998 م.

8. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري، أحمد بن محمد القسطلاني (ت 923 ه)، دار إحياء التراث العربي - بيروت (د. ت).

9. أساس البلاغة، الزمخشري (ت 538 ه)، تح: محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1، 1998 م.

10. أساليب الإنشاء في كلام السيدة الزهراء (عليها السلام) دراسة نحوية بلاغية، عامر سعيد نجم، العتبة العلويَّة المقدسة - النجف الأشرف، 2011 م.

11. الأساليب الإنشائية في النحو العربي، عبد السلام محمد هارون (ت 1988 م)، مكتبة الخانجي - القاهرة، ط 5، 2001 م.

ص: 340

12. أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين، د. قيس إسماعيل الأوسي، بيت الحكمة - بغداد، 1988 م.

13.أساليب المدح والذم والتعجب والمحورية، د. عبد الفتَّاح الحمَّوز، دار عمّار - الأردن، ط 1، 2009 م.

14. الاستيعاب في معرفة الأصحاب، أبو عمر يوسف بن عاصم القرطبي (ت 463 ه)، تح: علي محمد البجاوي، دار الجيل - بيروت، ط 1، 1992 م.

15. أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني (ت 471 ه)، قرأه وعلق عليه: محمود محمد شاكر، مطبع المدني بالقاهرة، دار المدني بجدة (د. ت).

16. أسرار العربية، أبو البركات الأنباري (ت 577 ه)، دراسة وتحقيق: محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1997، 1 م.

17. أسماء الأفعال وأسماء الأصوات في اللغة العربية، د. محمد عبد الله جبر، دار المعارف - القاهرة 1980 م.

18. أسماء الله الحسنى دراسة في البنية والدلالة، د. أحمد مختار عمر، عالم الكتب - القاهرة، ط 1997 م.

19. الأشباه والنظائر في النحو، السيوطي، تح: د. عبد العال سالم مكرّم، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط 1، 1985 م.

ص: 341

20. الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر العسقلاني (ت 852 ه)، تح: عادل أحمد ، عبد الموجود، وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1، 1415 ه.

21. الأصفى في تفسير القرآن، محمد محسن الفيض الكاشاني (ت 1091 ه)، تح:

محمد حسين درايتي، ومحمد رضا نعمتي، إيران - قم، ط 1، 1418 ه.

22. إصلاح المنطق، ابن السِّكِّيت (ت 244 ه)، شرح وتحقيق: أحمد محمد شاكر وعبد السلام محمد هارون، دار المعارف - القاهرة، ط 4 (د. ت).

23. الأصمعيات، عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت 216 ه)، تح: أحمد محمد شاكر، وعبد السلام محمد هارون، دار المعارف - القاهرة، ط 7، 1993 م.

24. الأصوات اللغوية، د. إبراهيم أنيس (ت 1977 م)، مكتبة الانجلو المصرية، ط 4، 2007 م.

25. الأصول البلاغية في كتاب سيبويه وأثرها في البحث البلاغي، د. أحمد سعيد محمد، مكتبة كلية الآداب - القاهرة، ط 2، 2009 م.

26. الأصول في النحو،