شرح نهاية الحکمة

اشارة

سرشناسه : مومن، مهدی، شارح

عنوان و نام پديدآور : شرح نهایه الحکمه/ تالیف محمدحسین طباطبایی؛ شرح و تحقیق محمدمهدی المومن

مشخصات نشر : قم: موسسه المعارف الاسلامیه، 1422ق. = - 1380.

فروست : (موسسه المعارف الاسلامیه 124)

شابک : 964-6289-94-0(دوره) ؛ 964-6289-92-4(ج.1)

وضعیت فهرست نویسی : فهرستنویسی قبلی

يادداشت : عربی

عنوان دیگر : نهایه الحکمه. شرح

موضوع : طباطبایی، محمدحسین، 1360 - 1281. نهایه الحکمه -- نقد و تفسیر

موضوع : فلسفه اسلامی

شناسه افزوده : طباطبایی، محمدحسین، 1360 - 1281. نهایه الحکمه. شرح

شناسه افزوده : بنیاد معارف اسلامی

رده بندی کنگره : BBR1392/ن 903م 85 1380

رده بندی دیویی : 189/1

شماره کتابشناسی ملی : م 80-1814

ص:1

اشارة

مؤمن ، مهدي .

شرح نهاية الحکمة / تأليف محمد حسين طباطبائي ؛ شرح محمدمهدي المؤمن - قم :

مؤسسة المعارف الاسلاميه، 1622 ق.. 1380.

612ص،

عربّي، دوره .

(ج2) 2 - 93 - 6289 - 964 :ISBN

(ج 1) 4 - 92 - 6289 - 964 : ISBN

فهرست نويسي بر اساس اطلاعات فيبا .

1. طباطبايي، محمد حسين، 1281 - 1360. نهاية الحکمة - - نقد و تفسير . 2. فلسفه اسلامي الف . طباطبايي، محمد حسين، 1281 - 1360. نهاية الحکمة . شرح.ب.بنياد معارف اسلامي . ج . عنوان . د. عنوان : نهاية الحکمة ، شرح وم 93ن /1401B

189/1

م ش ان 379ط

کتابخانّه ملي ايران

1816 / 80 م

ولو

هويّة الکتاب : اسم الکتاب : .........

000000... شرح نهاية الحکمة - ج 1 تأليف : ............ ..... العلامة السيّد محمد حسين الطباطبائي شرح : .................

000. محمد مهدي المؤمن

نشر : ............

.... مؤسسة المعارف الإسلامية

الأولي 1622 ه. ق .

المطبعة : .......................................

000000000. عترت

العدد : ...............

و... 1000 نسخة

کافة الحقوق محفوظة ومسجّلة

المؤسسة المعارف الاسلامية قم - ص . ب 768- تلفون 7732009 - فاکس7743701

ص: 2

بسم الله الرحمان الرحيم

ص: 3

ص: 4

المقدمة

الحمد لله ربّ العالمين و أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم علي نبَّي الرحمة ومنقذ الأمّة سيّدنا محّمد؛ وعلي آله الطّيبّين الطاهرين سيّما بقيّة الله في الأرضين، واللعن الدائم علي أعدائهم إلي يوم الدين.

اللهمّ وصلّ علي وليَّ أمرک القائم المؤمّل والعدل المنتظر وحفّه بملائکتک

المقرّبين وأيّده بروح القدس يا ربّ العالمين».

لا يخفي علي إخواني من أهل الفضل والکمال أنني کنت شديد الشوق إلي تذييل کتابي شرح بداية الحکمة بخاتمة أو تصديره بمقدّمة تحتوي علي بيان نبذة من حياة المؤلّف قدّس سرّه و مطالب حول الفلسفة والحکمة الإلهيّة لا يستغني عنها طالب الفلسفة والحکمة لا سيما في الأعوام الأولي من دراسته الحوزويّة ، بل أقول جازماً انّه يکون بأمس الحاجة اليها ، ولابدّ له من الإلمام والاحاطة بها، لکن الظروف حالت دون کتابة ما کنت أرمي إليه ، وأعرضت عنها آملاً أن تواتيني الفرصة ويبتسم لي الحظُّ وتکتب لي السّعادة بشرف النيل بهذه الأمنية التي تکلّلت بالنجاح ونفث فيها الرّوح، فدمدمت فيها الحياة بتوفيق من الواجب تبارک و تعالي و تشويق من الاخوة الأفاضل طالبي الحکمة والفلسفة النظريّة وسالکي مدارجها العملية، حيث أنّهم شدّوا علي يدي وأخذوا بساعدي وملؤني شوقاً إلي کتابة شرح علي نهاية الحکمة، وان کنتُ قبل ذلک قد وفَرت جهدي وشحّذتُ همّتي وهممتُ إلي

ص: 5

کتابة شرح وافي علي منظومة السبزواري أعلي الله مقامه الشريف، غير انني نزولاً عند هذه الرغبة وتلبية لنداء اخوةٍ لي في الله تبارک وتعالي واستجابةً لحسن ظنّهم أعرضتُ عن تلک الغاية إلي هذه المنية فالشکر والثناء للواجب تعالي ولاولئک الذين اولوني حسن ظنّهم.

ثم انني لمّا بلغت مناي بحمد الله الواحد الأحد بتأليف هذا الشرح المفّصل المبسوط رأيت أن أصدّره بالمقدّمة التي حالت الظروف دون تدوينها واضافتها في شرح البداية وستأتي عن قريب ان شاء الله تعالي.

ملاحظات لا بأس بها

أولاً: قمت بکتابة هذا الشرح بعد انتهائي من تدريس متن الکتاب والتعليق

عليه أثناء التدريس.

ثانياّ: ما نقلت شيئاً عن جهابذة هذا الفن إلّا وذيّلته باسمه والمصدر الذي

عند نقلت الکلام، وذلک حفظاً للأمانة ورعاية لحقوق الآخرين.

ثالثاً: کلُّ ما نقلته عن جهابذة هذا الفن وأساطينه لم يأتِ إلا من باب الاستشهاد بأقوالهم أو زيادة بيان لرفع ما هو غامض أو لأزيد الطالب سعه في الاطلاع.

رابعاً: بذلت قصاري جهدي لتبسيط المطالب، وکون الشرح وافياً رافعاً لکل غموض غير تارک أمام طالبها وقارئها أي تعقيد وغموض وأتمني أن يکون کما وصفت.

خامساً: ثم ما کان منه صحيحاً مطابقاً للواقع والصواب فخذوه، وما کان مخالفاً لهما فردّوه الي ونبهوني عليه ، وما اشتبه أمره عليکم فذروه في سنبله ، وجلّ من لا يسهو، وخير اخواني من أهدي إليّ عيوبي .

ص: 6

سادساً حاولت في المراحل الأخيرة وفصولها أن أتوخي واراعي الايجاز

ما استطعت بعدما رأيت اطالة وحشواً زائداً في المراحل الأُولي من الکتاب.

سابعا: أضفت الي شرح الکتاب في بداية کل فصل موجزاً ملخصاً لذلک الفصل تحت عنوان «نقرأ في هذا الفصل»، عسي أن يکون عوناً للطّالب والاستاذ .

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

محمد مهدي المؤمن 23 رمضان عام 1420/ قم المقدّسة

ص: 7

قبسات من حياه الموءلّف(طالب ثراه)

اشارة

إذا کان الانسان في منطق الحکماء والفلاسفة «حيواناً ناطقاً و موجوداً عاقلاً قادراً علي التعقّل والتفکّر في حقائق الأشياء جزئتها وکلّيها واقتصروا علي هذا الجانب من شخصية الإنسان وحقيقته الذاتية حتي قال الشاعر الفارسي :

اي برادر توهمه انديشه اي ما بقي را استخوان وريشه اي ومعناه أيّها الانسان والأخ لست سوي التفکّر والتعقّل، وما عدا ذلک فأنت مجرد عظام وجذور.

أقول: إذا کان الحکماء والفلاسفة الإلهيون صوّروا الانسان هکذا واقتصروا

في بيان حقيقته علي هذا الجانب وهذه الذاتية من ذاتياته ، فإنّ علماء الأخلاق سبروا اغواره و غاصوا في أعماقه ليخرجوا دفائن ذاته وحقيقة سماته ، وذلک أتهم وجدوه في واقع الأمر ذا بعدين متقابلين يشکلان الجانب الأخلاقي فيه و تمام ذاته ، لأنه عاقل متفکر من جهة، وذو غرائز وشهوات من جهة أخري، فالحيوانيّة التي هي جنسه الأخير تمثّل بعده الغرائزي الشهواني ، وبعبارة أخري غرائزه وشهواته تمثّل جهة حيوانيته ، والناطقية التي هي فصله تمثل بعده العقلاني ، وهو في الواقع کما تبّين لا يختلف کثيراً عما اختاره الحکماء، غير أن حاجة الحکيم والفيلسوف تقتصر علي الجانب العقلاني من الانسان فهو مدار بحثهم، بخلاف الأخلاقي فإنّه يبحث عن کلا الجانبين ولا يستغني عن أحد البُعدين، لأن شأنه معرفة مصادر الخير والشرّ ومجاريها ثمّ التمييز بينها، والعمل علي نبذ الشر من جذوره واصوله

ص: 8

ص:9

قبل الاجابة عن هذا السؤال أقول مقدمةً: أن معرفة حياة العظماء والعلماء مسؤولية کلّ من يعيش في کنفهم وتحت ظلّهم الظّليل ويستذوق عذب ماء الحياة ببرکة وجودهم، وعظمة الأمّة رهينة بعظمة مؤسسيها وعلمائها وحکمائها وممهّدي سُبُلها، ولا شک أن عظمة الاسلام تکمن في عظمة صاحب الدعوة والرسالة أعني خاتم الأنبياء والرّسل سيّدنا ومولانا ونبيّنا محمد بن عبد الله صلّي الله عليه و آله ثم يتلوه أهل بيته الأطهار وخلفاؤه الأئمة الأبرار من ذريته عليه وعليهم آلاف التحية والثناء والصلاة والسلام، وبعد ذلک علماء هذه الأمّة وخيارها، فمعرفة عظماء الامة کمال في حد ذاتها، أضف إلي ذلک أن هذه المعرفة وهذا الإلمام خير سبيل لتهذيب النفوس وتزکيتها ونشر الفضائل للتأسّي بها (ولکم في رسول الله اسوة حسنة لمن کان يرجو الله واليوم الآخر وذکر الله کثيراً) .

فالغاية من هذه الأسطر أن أکون قد اضفت الجانب الأخلاقي والحکمة العملية إلي الجانب العلمي العقلاني وإلي الحکمة النظرية، وجمعت بين العقل النظري والعقل العملي، وأکون قد بينت لطالب الحکمة والفلسفة طريق التهذيب والکمال، بايراد السيرة العملية للمؤلف علي نحو الايجاز، فأکون بذلک قد نلت شرفا آخر، وجمعت فضيلة بسط العلم ونشره إلي جانب فضيلة أخري هي بسط الأخلاق والعرفان العمليين ونشرهما، وبهذا يضاف اسمي إلي صحيفة الذين حازوا مرتبة الشرف في نشر الکمالين والفضيلتين واشاعتهما. آمين.

ومَن أفضل مِن هؤلاء الجهابذة والعباقرة وأصحاب الکمالات وجامعي الفضائل ليکونوا اسوة يقتدي بهم سيما في هذه العصور التي طغت فيها المادة والمادّيات حتّي نشبت مخالبها في قلوب الناس ونشرت ظلامها علي النفوس فانبثق عنها اطفاء نور العقول ليعيش العالم جاهلية جهلاء سُمّيت بجاهلية القرن العشرين ويا لها من جاهلية لم يسبق لها نظير من قبل، ورغم ما أحاط بالعالم من

ص: 10

ظلمات وانحطاط في المعنويات والکمالات النفسية وظهور مکاتب مادية سوفسطائية - وان أطلقوا عليها عناوين فلسفية وخُيّل لهم أنها مبرهنة بالجزم واليقين - أقول رغم کل هذه الأباطيل والتلاعب بعقول الناس والأمم، وادّعاء ظهور فلسفات جديدة استفحلت کالسرطان في بواطن الشعوب وجرفت معها إلي الهاوية اعداد هائلة من الناس ، إلا أن الأرض کما أراد باريها جل جلاله لا ولن تخلو من الصالحين الذين أعرضوا عن الدنيا وزخارفها وترکوا الأهل والديار طلباً للعلم والمعرفة والتکامل والتهذيب وليتفقهوا في الدين وينالوا بذلک مرتبة النيابة العامة عن المعصوم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم فيکونوا حجةً علي العباد وهو حجة الله عليهم، وهؤلاء الحجج علي العباد حملوا راية هذا الدين وتحمّلوا مسؤولية اصلاح المجتمعات البشرية وقاموا علي مرّ التاريخ بهداية الناس ونشر الفضائل والعلوم والمعارف الإلهية التي وصلتهم من المعصوم عليه أفضل صلوات المصلين ، وعلي رأس هؤلاء النواب بالنيابة العامة والحجّة علي عامة الناس مولانا الامام الخميني قدّس الله نفسه الزکية الذي سيأتي بعض الکلام عن انظاره و آرائه الفلسفية بما يُناسب المقام - إن شاء الله تعالي -

العلّامة في سطور:

لا شک أنّه کان حکيماً الهياً وعالماً ربّانياً اسوة لأهل التقوي واليقين وکان تمثالاً من الزهد وبحراً غنياً من العلم والمعرفة، عدّه البعض من ذخائر الله في الأرض والحق انّه مفخرة قلّ مثيله من مفاخر الاسلام، عاش معرضاً عن الدنيا وزخارفها ولم يأخذ منها إلا ما يتوقف عليه العيش واقتصر علي الضروري منها فانجذب اليه کل قاص سمع به، وذاب فيه کل داين رآه وعاشره، وکان من مصاديق قول مولانا امير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين في خطبة المتقين وهي الخطبة رقم 193 «فالمتقون فيها هم أهل الفضائل ، منطقُمُ الصَّوابُ ،

ص: 11

ومَلَبسهُمُ الاقتصادُ، ومشيُهُم التواضعُ، غَضُّوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم ، ووقفوا أسماعهم علي العلم النافع لهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء کالّتي نزلت في الرّخاء ، ولولا الأجلُ الذي کُتب لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلي الثواب ، وخوفاً من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة کمن قد رآها فهم فيها منعّمون وهم والنار من قد رأها فهم فيها معذّبون ، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة ... إلي قوله عليه السلام : أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، واسرتهم فقدوا أنفسهم منها، أما الليل فصاقون أقدامهم تالين الأجزاء القرآن يرتلوته ترتيلا ... إلي قوله عليه السلام : فهم حانون علي أوساطهم، مفترشون لجباههم وأکفهم ورکبهم واطراف اقدامهم يطلبون إلي الله في فکاک رقابهم، واما النهار فحلماء علماء، أبرار أتقياء ، قد برأهم الخوف بري القداح ، ينظر اليهم الناظر فيحسبهم مرضي وما بالقوم من مرض ... لا يرضون من أعمالهم القليل، ولا يستکثرون الکثير ، فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون ...

فمن علامة أحدهم أنک تري له قوةً في دين ، وحزماً في لين ، وايماناً في يقين، وحرصاً في علماً، وعلمة في حلم و صبراً في شدّة ، وطلباً في حلال ونشاطاً في هُدي ، وتحرِجاً عن طمع، يعمل الاعمال الصالحة وهو علي وجل، يمسي وهمّه الشکر، ويصبح وهمَّه الذکر ... آن استصعبت عليه نفسه فيما تکره لم يعطها سؤّلها فيما تحبّ ، قرّة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقي ، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل ، تراه قريباً أمله ، قليلاً زلله، خاشعاً قلبه ، قانعة نفسه، منزوراً أکله ، سهلاً أمره ...... الخير منه مأمول والشرَّ منه مأمون، ان کان في الغافلين کتب في الذاکرين، وان کان في الذاکرين لم يکتب من الغافلين ، يعفو

ص: 12

عمّن ظلمه، ويعطي من حرمة، ويصل من قطعه، بعيداً فحشه، ليّناً قوله، غائباً منکره ، حاضراً معروفة، مقبلاً خيره، مدبراً شرُّه ... لا يحيف علي من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحبّ ، يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه ، ... ان صمت لم يغمّه صمته ، وان ضحک لم يعل صوته، وان بُغي عليه صبر حتي يکون الله هو الذي ينتقم له ، نفسه منه في عناء ، والناس منه في راحة .. الخ». .

هذه مقاطع مختارة من الخطبة الغراء التي يصف فيها المتقين . وهي دليل السالکي طريق التقوي واليقين ، و ميزان يوزن بها أهل التقوي ، وفرقان يفصل بين أهل الآخرة والدنيا ، أو بينهم وبين من خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً فلم يکونوا من هؤلاء ولا أولئک ، فعسي الله تعالي أن يغفر لهم.

ولقد کان العلامة قدّس سرّه أحد مصاديق هذه الخطبة مستجمعاً لما ورد فيها من الصفات والکمالات شهد له بذلک کل من عرفه أو عاشره وصاحبه قليلاً أو کثيراً ، واذ تجلّت فيه تلک الحقائق، وتصاعدت منه أنوار هذه الفضائل، وصبغته بصبغة ربّانية، أصبح علماً من أعلام الدين، وعارفاً يهدي إلي الحق واليقين ، ومشعاً ونبراساً يضيء الطريق لسالکي سُبُل الکمال، ومصباحاً في سماء حوزاتنا العلمية المبارکة من النجف الأشرف شرف الله قدرها بمولانا أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين ، وأعاد لها عزها قريبأ عاجلا ، إلي حوزة قم قدّسها الله تحت ظلّ کريمة أهل البيت عليها وعليهم افضل الصلوات وأتم التسليم، حيث عش آل محمد صلي الله عليه و اله وسلم ، فإنه أصبح اسوة لطالبي العلوم الدينية وسالکي طريق التزکية والتهذيب.

نسبه:

وقد رأيت بخطّه الکريم هذا النسب الشريف علي النحو التالي : هو محمد حسين بن محمد بن محمد حسين بن الحاج الآميرزا علي أصغر شيخ الاسلام بن

ص: 13

الآميرزا محمد تقي القاضي بن الآميرزا محمد القاضي بن الأميرزا محمد علي القاضي بن الأميرزا صدر الدين محمد بن الأميرزا يوسف نقيب الأشراف بن الأميرزا صدرالدين محمد بن مجد الدين بن السيّد اسماعيل بن الأمير علي اکبر الشهير بميرشاه بن سراج الدين الأمير عبدالوهاب بن الأمير عبدالغفار بن السيّد عماد الدين أمير الحاج بن فخرالدين حسن بن کمال الدين محمد بن السيّد حسن ابن شهاب الدين علي بن عماد الدين علي بن السيّد أحمد بن السيّد عماد الدين بن أبي المحسن علي الشهاب بن أبي المحسن محمد الشاعر بن أبي عبدالله أحمد الشاعر بن أبي جعفر محمد الأصغر بن أبي عبدالله أحمد بن ابراهيم طباطبا بن اسماعيل الديباج بن ابراهيم الغمر بن الحسن المثني بن الامام الحسن بن علي عليه السلام وابن فاطمة بنت الامام الحسين بن علي عليه السلام .

ألقابه:

الحسني والحسيني والطباطبائي .

فلقّب بالحسني لنسبته عن طريق الأب بالامام الحسن المجتبي عليه السلام ، ولقّب بالحسيني لنسبته عن طريق الام بالامام الحسين عليه السلام ، وقد لقب ب بالطباطبائي النسبته إلي السيّد ابراهيم طباطبا کما صرح بذلک المرحوم السيّد محسن الأمين في کتابه أعيان الشيعة، وابراهيم هذا علي ما جاء في کتاب «معجم الألقاب في معرفة الأسر والألقاب»، هوالجد الأکبر لطائفة بني طبا وبنو طبا طائفة کبيرة من الهاشميين لهم أصالتهم وشرفهم وأمجادهم ومناعة طبعهم وفضلهم وشهرتهم ووضوح نسلهم وأصلهم وهم من سلالة ابراهيم المشهور بطباطبا.

ثمّ أنّه قد وقع الخلاف في سبب توصيف ابراهيم هذا، بلقب طباطبا و تعدّدت الأقوال فذکر أبو نصر البخاري أن سبب ذلک لکنة کانت في لسانّه ينطق القاف طاءاً

ص: 14

وبينما کان والده ذات مرة صحبه إلي السوق وهو صبي وخيّره بين أن يشتري له قباءاً أو قميصاً، فاختار الصبي القباء وقال مرتين «طباطبا» وهو يريد أن يقول «قباقبا» فلقب من حينها بهذا اللقب . وذکره ابن خلّکان في وفيات الأعيان وجعل ذلک وجهاً لتسميته بطباطبا.

وقيل : سبب ذلک انّه رأي النبّي صلي الله عليه و اله وسلم في يقظته أو منامه عند قبره الشريف بالمدينة المنورة فأخبره عن نسبه انّه «طيباً طيباً» وهو في عرف الناس يتم اختصاره بلفظ طباطبا. وليس يؤيد هذا الادعاء شيء من المصادر المعتبرة بهذا الخصوص.

وذهبت طائفة إلي أن وجه تسميته وتوصيفه بذلک يرجع إلي کونه من

شجرتين طبيبتين الحسن والحسين عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وهذا يخالف الواقع حيث أن کثيرا من السادات والعلويين والهاشميين تعود نسبتهم إلي الأمامين الحسنين عليهما آلاف التحية والثناء ولم يلقبوا بذلک.

ومنهم من زعم أن الوجه فيها عائد إلي کونه متّصلاً في شجرته من جهة الأبوين بالإمام أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلين، وهذا واضح البطلان أيضاً کسابقه.

نعم، ذکر البيهقي في «لباب الأنساب» نقلاً عن «تهذيب الأنساب» للنيسابوري ان لفظ «طباطبا» أصله نبطيُّ يعني سيد السادات وبما أن ابراهيم کان يقطن في ضواحي مدينة الأنبار العراقية أيام خلافة المهدي العباسي لقبه أهل تلک الضواحي والمناطق بطباطبا لصلابته في الإيمان وجلالة قدره. وحسنه بل أکده السيّد محمد محيط الطباطبائي في مقال نشرته صحيفة ايرانية بهذا الخصوص وهکذا علي الأوسي في کتابه الذي يحقق فيه أسلوب العلامة قدّس سرّه في تفسير الميزان.

ص: 15

مولده ونشأته قدّس سرّه :

کانت ولادته قدّس سرّه بي في التاسع والعشرين من ذي الحجة عام 1321 هق في منزل والده بمدينة تبريز الايرانية الواقعة في شمال غربّ ايران وهي مدينة اشتهرت بحوزاتها العلمية الغنية بالعلماء وأهل الفضل والکمال منذ الايام الاولي من الحکم الصفوي حيث اتخذها الشاه اسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية عاصمة له، کما أنها مهد الشعراء والأبطال والمجاهدين وأحد أهم مراکز شيعة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام منذ مئات السنين، کانت ولادة المؤلف قدس سره ونشأته في هذه المدينة في اسرة عريقة اشتهرت بالعلم والفضل والکمال.

فَقَد أمَّه في الخامسة من عمره و فَقَدَ أباه في التاسعة من عمره، ليصبح يتيم

الأبوين ولم يبق إلّا أخ له يسمي محمد حسن الطباطبائي المعروف بالإلهي، وکيف کان فقد قام وصيُّ أبيهما برعايتهما وتکريمهما أحسن تکريم ، ومن ذلک انّه اعتني بتعليمهما وتربّيتهما فأرسلهما إلي الکتاتيب والمدارس القائمة حينذاک، لکي يتعلم القرآن الکريم تلاوة وحفظاً ثم يتعلم أو يحفظ کتباً قيمة من الأشعار و دواوين الشعراء والأخلاق والتاريخ والمباديء العربّية والحساب. والخط وما أشبه ، فاستغرقت سنة أعوام من حياته منذ التاسعة حتي الخامسة عشرة من عمره.

ثمّ التحق بمدرسة الطالبية في مدينة تبريز وتعلّم فيها الأدب العربّي من اللغة والنحو والصرف و المعاني والبيان والبديع والشعر والقريض والنثر والاملاء وما أشبه ذلک من العلوم العربّية ، والعلوم الاسلامية العقلية والنقلية والفقه والأصول واستطاع خلال ثمانية أعوام أن ينهي کلّاً من الکتب التالية، الأمثلة وصرف مير والتصريف والعوامل والانموذج والصمدية والسيوطي والجامي والمغني والمطول واللمعة الدمشقية ومکاسب الشيخ الأنصاري قدّس سرّه ، ومعالم الدين والقوانين ووسائل الشيخ الأعظم قدّس سرّه وکفاية الآخوند قدس سره و الرسالة الکبري وحاشية المولي عبدالله وشرح

ص: 16

الشمسية والاشارات للشيخ الرئيس ابن سينا قدّس سرّه و کشف المراد. وأهل العلم والفضل يعلمون مدي عمق هذا المنهج وما فيه من تعقيد مما يستغرق شطراً کبيراً من عمر

طالبيه ودارسيه وکثيراً ما ينتهي بصاحبه إلي فشل ذريع فيضطرُّ إلي ترک الاستمرار أو البقاء علي حاله من الجهل ، لکن المؤلف قدس سره تکللّت مساعيه بالنجاح وتفوق علي أقرانّه إذ أنهي دراسته لهذا المنهج الشاق المعقد خلال ثمانية أعوام، وهو أن دل علي شيء فخير دليل علي فطنته وذکائه وتوفيقه واجتهاده في طلب العلم. و من لطائف الأمور وأعجبها التي يأتي علي ذکرها المؤلف بنفسه وبخطه الکريم، أنه لم يکن في الأعوام الأربّعة الأولي من حياته الدراسية والحوزوية راغباً في طلب العلم ولهذا لم يتعلم ولم يستوعب شيئاً من دروسه قط وکان شديد الکراهية للتعليم وکاد أن ينقطع عن مواصلة التعليم إلّا أن العناية الإلهية شملته وأحاطت به من کل جانب فتغيرت مشاعره تجاه طلب العلم وحدث له اقبال شديد وقوة استيعاب وادراک جعلته يواصل مسيرته العلمية بجدَّ واجتهاد قل لهما من نظير طيلة سبعة عشر عاماً لم يشعر خلالها بکلل ولا ملل بل کله أمل و سباق مع الزمن وتحد لکلَّ المعوقات التي کانت تحول دون نجاحه واستمراره، حتّي أنهي تعلمه علي هذا المنوال وتفرّغ بعد ذلک للتدريس والتأليف في العلوم العقلية والنقلية .

والمؤلف قدّس سرّه يقول عن نفسه في تلک الفترة ماهذا مضمونه : شعرت شيئاً فشيئاً

بالرغبة في طلب العلم وازدادت هذه الرغبة يوما تلو يوم، وسرعان ما شعرت بأني أعشق طلب العلم وأهواه وأحبه حُبّاً جمّاً لا يوصف حتّي صار يشغل بالي کلّه ويملأ أحاسيسي ومشاعري، فمضيت بعون الله تعالي طيلة سبع عشرة سنة في طلب العلم معرضاً عن جميع ملذات الدُّنيا وزخارفها و ترکت صحبة غير أهل العلم وانکببت علي طلب العلم بکل أحاسيسي ومشاعري واکتفيت في اکلي وشربّي ونومي وسائر حوائج الحياة وضرورياتها بالأقلّ الأدني وروَّضتُ نفسي والبستها

ص: 17

ثوب القناعة والايثار ، فلم يشغلني شيء عن طلب العلم ليلاً أو نهاراً حتّي کنت أقضي بعض الليالي ساهراً إلي طلوع الشمس لا اشتغل بشيء سوي طلب العلم، ولم أحضر درساً إلّا وقد قمت بالتحضيراً له قبل حضوره، تحضيراً يغنيني عن الدرس إلّا لزيادة توکيد واطمئنان .

هجرته إلي النّجف الأشرف :

هاجر المؤلّف قدّس سرّه وأخوه إلي النجف الأشرف ملتحقاً بالحوزة العلمية المبارکة هناک واستقر هناک فترة عشرة أعوام اکتسب فيها علوماً جمّة وحضر دروس الأعلام والجهابذة والعباقرة في مختلف الميادين من العرفان والأخلاق والفقه والأصول والفلسفة والرياضيات وهلم جرا. فتتلمذ علي يد کبار الأساطين والعلماء کالمرحوم آية الله العظمي النائيني والمرحوم آية الله العظمي السيّد أبو الحسن الأصفهاني والمرحوم آية الله العظمي الشيخ محمد حسين الأصفهاني والمرحوم آية الله العظمي السيّد حسين بادکوبه اي والمرحوم آية الله العظمي السيّد أبو القاسم الخوانساري والمرحوم آية الله العظمي حُجت والمرحوم آية الله العظمي الحاج ميرزا علي القاضي الطباطبائي . وکان يلقب هناک بالحسني الحسيني الطباطبائي .

سلوک العلّامة للعرفان :

يقول العلامة قدّس سرّه : عندما کنت في النجف الأشرف مشتغلاً بتحصيل العلوم والمعارف الإلهية التقيت ذات يوم بالمرحوم آية الله العظمي الميرزا علي القاضي الطباطبائي فما کان ان توجه اليَّ بهذه النصيحة وبادرني بهذه الموعظة قائلاً: «ان کنت تريد الدنيا فعليک بصلاة الليل ، وإن کنت تريد الآخرة فعليک بصلاة الليل أيضاً وکان هذا اللقاء المفاجيء غير المرتقب سبباً لإتصالي به والتعرف علي شخصيته الفذة والتعلق به تعلقاً تامّاً حيث انفتحت علَّيَّ أبواب الرحمة وکان منشئاً لخيرات

ص: 18

و برکاتٍ غمرتني وعمّت جميع جوانب حياتي حيث انقطعت إلي نفسي وتزکيتها والتربّية والتهذيب تحت اشرافه واستفدت کثيراً من نفحات قدسه، فسقاني کؤوساً وافية في هذا الطريق لم يراودني الظمأ بعدها.

من ذلک أن العلامةقدّس سرّه تعلم من استاذه هذا طرق التزکية والتهذيب فانقطع کثيراً إلي العبادة لا سيما الاعتکاف بمسجد الکوفة و السّهلة والمداومة علي الذکر وحضور القلب وعدم الغفلة عن وساوس النفس والشيطان، ومجاهدة النفس وأهوائها بترويضها حتي أصبح هو الراکب لها وهي مرکوبته ودابته يقودها آخذأ بلجامها غير منقادٍ لها ولا مرکوب لشهواتها ونزواتها ، فلا يأکل ولا يشربّ ولا ينام الا عن حاجة ولا يغضب و يفرح ولا يکره ولا يحب إلا طبقاً للموازين الشرعية الإلهية فيغضب ويکره ويحب ويفرح لله وهکذا قس علي هذه ما شئت من سلوکياته وأخلاقه وأعماله فإنها أصبحت جميعاً رهينة أوامر الشارع المقدس ونواهيه رغم انّه لم يکن معصومة إذ العصمة منزلة خاصة ومرتبة محصورة لأهلها. وقد صرح قدس سره في بعض مجالسه أن «کلُّ ما عندي انّما هو من برکات و فيوضات المرحوم القاضي الطباطبائي أعلي الله مقامه الشريف»، ومن العجيب أن العلامة و استاذه العارف الکامل السيّد القاضي الطباطبائي قد تساوت فترة حياتهما وطول أعمارهما، حيث عاش کل منهما واحداً وثمانين عاماً. وکان من شدة تعلقه باستاذه انّه لم يستعمل الطيب والعطور طيلة عامين بعد وفاته، وقيل طيلة ثلاثين عاماً بعد وفاته. المؤلف والعلوم العقلية :

صرّح قدّس سرّه في بعض مکتوباته انّه أخذ الفلسفة من استاذه السيّد حسين بادکوبه اي وهو أحد أبرز علماء الفلسفة والحکمة المتعالية، فقرأ عنده منظومة

ص: 19

السبزواري والأسفار الأربّعة والمشاعر وکلاهما للمولي صدر المتألهين قدس سره، ودورة الشفاء للشيخ الرئيس ابن سينا قدس سره کاملة، وکتاب اثولوجيا وتمهيد القواعد لابن ترکه وهو من کتب العرفان ، وکتاب الأخلاق لابن مسکويه.

أضف إلي ذلک انّه تعلم الرياضيات والحساب والهندسة المسطحة والفضائية والجبر الاستدلالي عند المرحوم السيّد أبو القاسم الخوانساري وهو من خبراء هذا الفن.

الفقه والأصول :

حضر خارج الفقه والاصول دورة کاملة عند استاذ الفهقاء والأصوليين صاحب المعقول والمنقول الآية العظمي والفيلسوف الحکيم المرحوم الکمپاني الاصفهاني (قدس الله نفسه الزکية»، کما تلمذ في ذلک علي يد المرحوم آية الله العظمي النائيني (قدس الله نفسه الزکية» لفترات عديدة وسنوات مديدة حتي نال مرتبة الاستنباط وحاز علي اجازة الاجتهاد من هذا العالم النحرير والبحر الزاخر، الذي يعجز المرأ عن کمال وصفه وأداء حقه فقد کان المرحوم النائيني قدس سره من أبرز تلامذة المرحوم الآخوند الخراساني قدّس سرّه بل الأبرز علي نحو التصريح والتحقيق، وهکذا المرحوم الميرزا حسن الشيرازي قدس سره، والمرحوم السيّد محمد الفشارکي قدّس سرّه ، تربّع عرش المرجعية وتقلد زمام امور الطائفة وانحصر به کرسي الزعامة في الحوزات العلمية قاطبة بعد رحيل شيخ الشريعة الأصفهاني قدّس سرّه ، فاختص بهذا المقام وزانت به هذه المراتب فجاء بما لم يسبقه أحد في الفقه والأصول، وزين محافل التدريس ومجالسه بآراء في الفقه والاصول بهرت عقول الطلاب وادهشت عقول العلماء، لا سيما في علم الاصول حيث کان مبتکراً مجدداً، وقد خلّده التاريخ مجدّدا ًمغياًة محبياً بحراً مواجأ لا

ص: 20

ساحل له ومحيطاً لا تبلغ أعماقه، إذ أحدث تحولاً عظيماً في الفقه والأصول علي مذهب أهل البيت عليهم أفضل صلوات المصلين، واسس بنياناً واحدث نمطاً جديداً من الفقه الحکومتي علي أساس من السنة وروايات أهل البيت عليهم آلاف التحية والتسليم ولهذا أطلق عليه في بعض کتب التراجم عنوان مجّدد علم الأصول .

لقد صنّف (اعلي الله مقامه الشريف) أکمل وأفضل وأجمع کتاب وأرتبها في التحليل الاصولي و البرهنة الشرعية والاستدلال العقلي والعقلائي حول نظام الحکم في الاسلام علي مذهب أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ليکون دستوراً بديلا ًواسلوباً شرعياً يحّل محّل الأنظمة الفاسدة ويقوم مقام الأجهزة المستبدة الغاشمة ، وسمّاه «تنبيه الامة و تنزيه الملّة». فهو عالم مجّدد مجاهد شارک في ثورة العشرين وکان الساعد الأيمن للمرحوم الآخوند الخراساني قدس سره و في مواجهته وتصدّيه للاستبداد والطغيان الحاکم آنذاک في ايران ، فقد کان مسؤولاً عن کتابة رسائل المرحوم الآخوند و بيانباته الثورية والسياسية ، کما انّه کان أحد أعضاء اللجنة التي تم تشکيلها في الکاظمية بأمر من زعيم الحوزة وعلمائها للتصدي ومواجهة الاستبداد في ايران حينذاک ومحاربّة الاستعمار البريطاني المحتل للأراضي الايرانية.

ثمّ انّه ألف کثيراً في الفقه والاصول ، بَيدَ أنّه امتنع عن طباعتها ونشرها قبل الحرصه علي دقة التعبير والانشاء ولعله لتواضعه وکثرة اهتمامه بتزکية نفسه وتهذيبها وخوفا من الرياء والسمعة والله العالم، وهناک بعض تلاميذه الذين قرروا دروسه وحافظوا علي أفکاره المثيرة منهم المرحوم الکاظمي قدس سره والمرحوم آية الله العظمي السيّد أبو القاسم الخوئي قدس ره في کتاب أسماه «أجود التقريرات» وحقاً انّها أجود التقريرات فهنيئاً للمؤلف الکاتب والمکتوب له وجعل مثواهما الجثّة.

فکان رحمه الله کثير الاهتمام بالعبادة والتهجد و التهذيب والتزکية والمراقبات

ص: 21

الدائمة والمواظبة والاستقامة حتّي انّه کان يحرص بأشد مايمکن علي أن يکون جلّ أهتمام تلاميذه إلي التربّية والتهذيب قبل التعلم ومن ذلک اصراره علي ملازمة صلاة الليل والدوام عليها بنفسه والزام تلاميذه بالالتزام بها وبالنوافل کشرط أساسي لحضور در سه. فعلي يدي هذا الفحل العابد الزاهد المجاهد وعلي عينيه الکريميتين ترعرع ونشأ المؤلّف قدّس سرّه : (واصطنعتک لنفسي ولتُصنع علي عيني )(1)ويکفيه فخراً أنّه نال اجازة الاجتهاد من هذا العبقري المناضل وهو خير دليل علي مکانته العلمية في الفقه والأصول، وهو ثمرة واحدة من ثمار تلکم الجنّة التي کان ساقيها وراعيها وصانعها بطل أبطال ساحة الفقه والاصول، فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً

ثم انّ المؤلف قدس سره لم يکتفِ بحضور دروس الفقه لدي الآيتين الکمپاني الاصفهاني والنائيني قدس ره و بل انتهز فرصة تدريس المرحوم آية الله العظمي السيّد أبو الحسن الأصفهاني قدّس سرّه به وتلمّذ شطراً من عمره وعدة من سنيّه علي يديه المبارکتين وهو العالم العامل الفقيه الأصولي المحقق المجاهد الذي لاتسع هذه الوجيزة ولا يوفي هذا المختصر بتعريفه علي وجه التمام والکمال، اذ زهده وکماله وسمو أخلاقه ومناعة طبعه وجلالة قدره ورفعة منزلته وارتباطه الخاص بمولانا صاحب العصر والزمان عجّل الله فرجه الشريف وأرواحنا لتراب مقدمة الفداء وعليه آلاف التحية والثناء وأفضل صلوات المصلين والملائکة المقربّين، وعلوّ شأنه وغزارة علمه وکثرة عبادته وشدة تهجده وتعلقه بالآخرة أمور لا توصف.

والحاصل أن مؤلفنا المترجم له ههنا ، قد نشأ وترعرع، کمل واکتمل في هذه الروضة البهيّة ، وبين هذه الأزهار والرياحين وعلي أيدي هؤلاء الأساطين فهنيئاً له

ص: 22


1- مقتبس من سورة طه : 41و 39.

ولهم والسلام عليه وعليهم يوم ولدوا جميعاً ويوم ماتوا جميعاً ويوم يحشرون وينشرون جميعاً . عودة المؤلف إلي مدينته تبريز:

ذکر المترجم له في ترجمة حياته انّه عاد برفقة أخيه الذي کان يصغره - السيّد محمد حسن الإلهي - إلي مدينة تبريز بعد أن ضاقت بهما الدنيا واشتد بهما العسُر وحلّ بهما الفقر المالي الذي کان يسود العراق لا سيما النجف الأشرف والعتبات المقدسة يومئذ، وهذه الضائقة المالية والعسر الشديد أجبر اهما علي الرحيل من العراق والعودة إلي موطنهما ومسقط رأسهما حيث امتدت هذه الفترة أکثر من عشرة أعوام اضطرا خلالها أن يعملا في حراثة الأرض والفلاحة في البساتين لإمرار معاشهما، وقد اعتبر العلامة قدس سره بيع هذه الفترة من أشد فترات حياته وأتعسها وأشقها علي نفسه، لانشغاله بما لا يريد عما يريد ويهوي وابتعاده عن مجالس العلم والعلماء، وعدها خسارة لا تعوض کانت مبعث ألم نفساني وعذاب روحاني له قدس سره ، وان عاد بعد ذلک إلي مدينة قم المقدسة ومعه أهله وعياله، وما لبث ان شرع بتدريس خارج الفقه والأصول، لکنه بعد فترة لا بأس بها أعرض عن تدريس الفقه والاصول قائلا أن الحوزة العلمية غنية بأساتذة هذين العلمين وهي تموج بدروس الفقه والاصول ، لا حاجة لحوزاتنا إلي دروس أخري ولا إلي اساتذة آخرين في هذين العلمين، وانما المفقود في الحوزة العلمية وما اليه مسيس حاجة الطلاب لا سيما في أيامنا هذه حيث الغزو الفکري والعقائدي والفلسفي الذي يطرق أبوابنا بل حل ضيفا بغيضا واحتل بلادنا بنشب مخالبه في أجسامنا ونشر خيوطه الاجرامية وأفکاره الهدامة في جامعاتنا ومجتمعاتنا العلمية ، حتي أنهم أفسدوا بذلک عقول مثقفينا وشبابنا وطلبة جامعاتنا ومدارسنا محشين رؤوسهم وادمغتهم

ص: 23

بالأفکار الإلحادية والسلوکيات المنحرفة، أقول کانت الحاجة ماسة في تلک الظروف إلي بعض العلوم التي تصلح العقائد و تتصدي لدفع الأوهام والخرافات والسفسطات التي ألقتها وسائل الاعلام الغربّية الکافرة بين ظهرانينا، وأبرز علم يتکفّل بهذا الأمر ويرد المکائد الفکرية إلي أهلها هو الفلسفة والعلوم العقلية من

جهة والتفسير من جهة أخري، ورغم أن التفسير کان متروکاً في حوزاتنا العلمية الزعمهم أنّه لا حاجة اليه بل لا يعد علماً مستقلاً بذاته يستحق البحث والتنقيب، إلّا أن هذه الأعذار لم تکن لتثني المؤلف قدّس سرّه عن مباشرة تدريس کتاب الله الحکيم تحقيقاً و تفسيراً و تنقيباً وبحثاً وتدقيقاً، بل رغم أن باب الشهرة والزعامة الدينية والمرجعية الفقهية کانت مفتوحة أمامه بشطريها، لو کان يباشر تدريس الفقه والأصول ويستمر في التخصّص من أجلهما، إلا أنّه أعرض عن هذا کلّه وعمل بتکليفه لا تأخذه في ذلک لومة لائم، وظّل علي هذا الحال طيلة ثلاثين عاماً قضاها بمدينة قم حتّي واتنه المنيّة وانتقل إلي جوار ربّه الکريم تبارک وتعالي ، بعد أن قضي حياة مليئة بالعبر والعظات والسعادة والحرمان، و قدم إلي المذهب الحق الاثني عشري وإلي حوزاتنا العلمية، بل إلي کافة البشر سيّما أهل العلم والايمان، خدمة ليس لها نظير بقلمه ويده ولسانّه، فکتب وألف وقام بتربّية العلماء والفضلاء، نظرياً من خلال التدريس وعملياً بسلوکه الفذ وعمله الخالص، وکانت وفاته قدس سره با في شهر صفر من عام 1402 هق، المصادف1360/824 هش ، و 1981 ميلادي بمدينة قم المقدسة ودفن في حرم السيّدة فاطمة المعصومة کريمة أهل البيت عليها وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم، بعد أن أمضي 81 عاماً من عمره الشريف قضي منها ما يربّو علي سبعين عاما بين طلب العلم والتهذيب والتزکية والتعليم والتعلم وتربّية الطلاب والفضلاء والتأليف والتصنيف واعمال البر والخير ، رضوان الله تعالي عليه .

ا

ص: 24

أبرز تلاميذه :

کثر طلاب المؤلف وتلاميذه خلال الأعوام التي قضاها في التدريس والتربّية، وشق علي کتُاب التراجم احصاؤهم فلم أجد کتاباً عن حياة العلامة أو مقالا أو متکلماً محّدثا يدعي احصائهم جميعا بل علي العکس تماماً، ما قرأت شيئا منها ولا سمعت أحد إلا ويصرح بعجزه عن احصائهم علي وجه الدقة والتحقيق وکيف کان فإنا نکتفي بذکر ابرز تلاميذه:

ا- آية الله الشهيد الشيخ علي القدوسي صهره وزوج ابنته نجمة السادات

اع

الطباطبائي.

2 - آية الله الشهيد السيّد محمد الحسيني البهشتي قدّس سرّه

. 3 - آية الله الشهيد الشيخ مرتضي المطهري قدّس سرّه .

4 - آية الله الشهيد الدکتور محمد مفتّح قدس سره .

5 - آية الله الشيخ جعفر السبحاني (حفظه الله).

6 - آية الله الشيخ حسن زاده آملي (حفظه الله).

7- آية الله الشيخ جوادي آملي (حفظه الله).

8- آية الله السيّد محمد حسين الحسيني الطهراني . قدّس سرّه

9- آية الله الشيخ فقيه أحمدي (حفظه الله).

10 - الدکتور واعظ زاده الخراساني (حفظه الله) .

11 - الامام موسي الصدر المفقود أثره (فرج الله عنه) .

12 - آية الله الشيخ ابراهيم الأميني (حفظه الله).

13 - الاستاذ المحقق الشيخ محمد علي الکرامي (حفظه الله ) .

14 - آية الله الشيخ محمد محمدي الجيلاني (حفظه الله).

15 - آية الله العظمي الشيخ ناصر مکارم الشيرازي (دام ظله).

ص: 25

16 - العلامة الاستاذ الشيخ علي التواني (حفظه الله).

17 - آية الله الشيخ أحمدي الميانجي (حفظه الله).

وهؤلاء من مشاهير العلماء والفضلاء في حوزاتنا العلمية سيما حوزة قم

صانّها الله تعالي من الحدثان، لهم مجالس التدريس وتلامذة کثيرون وتأليفات کثيرة في مختلف العلوم والفنون وکان کل واحد منهم نجمة لامعة في سماء الفضيلة والکمال وما زال الأحياء منهم ماضون علي هذا المنوال لا تنقطع فيوضاتهم عن طالبي العلم، يرد شريعتهم مئات من عطاشي المعارف وعشاق الفضائل لينهلوا من عذب فراتهم ويملؤا کؤوسهم فيدفعوا بها ظمأ هم ويسدوا عطشهم، ويغدوا أرواحهم، أضف إلي ذلک أن سعيهم واجتهادهم في سبيل الکمال وبلوغ الفضائل ونيل المعالي علماً وعملاً لم يمنعهم عن خوض الحياة السياسة لإعلاء کلمة الاسلام و تعظيم شأنه، ولهذا فقد سجل کل واحد منهم أروع الأمثلة في النهوض بأعباء الثورة الاسلامية المظفرة وأداء دوره الرسالي في نصرة الدين تحت راية الامام الخميني قدس سره و والاستقامة والصمود في هذا الطريق دون کلل أو ملل، لا تهزّهم العواصف ولا تزعزع همتهم مزاعم المبطلين ومکائد المنافقين قبل انتصار الثورة الاسلامية وبعد انتصارها فرحم الله الأموات منهم وحفظ الله الأحياء تحت ظله الظليل ووفقهم لما فيه خير الدنيا وصلاح الآخرة.

مؤلَّفات العلامة قدس سره :

وهي کثيرة بين المطبوع وغير المطبوع وأهم المطبوع منها:

1- اصول الفلسفة

ذکر المؤلَّف أن غايته من تأليفه هو محاولة جادة للمقارنة بين الفلسفة الاسلامية القديمة والفلسفة الغربّية الحديثة وقال ان ما دعاه إلي هذه المقارنة وکان

ص: 26

دافعاً له إلي هذا القصد عزوف الشباب المثقف في ايران عن الفلسفة الاسلامية وأقبالهم علي الفلسفة الغربّية، وهو مطبوع في خمسة أجزاء ترجم قسما منها إلي العربّية تلميذه الفذ آية الله الشيخ جعفر السبحاني (دام عزّه) و هي تشتمل علي أربّعة عشر مقالا مع مقدمة وتعليقات قيمة لتلميذه الشهيد المطهري قدس سره نا، ذکر العلامة الشيخ آغا بزرک الطهراني قدس سره ب هذا الکتاب في طبقات أعلام الشيعة الجزء الأول الصفحة 156 وعده اثر نافعة وسفراً قيماً.

2- بداية الحکمة

وهو دورة مختصرة جداً في الفلسفة والحکمة ومن الکتب الدرسية في حوزاتنا العلمية وله عدة شروح باللغتين الفارسية والعربّية بعضها مترجم من الفارسية وقد وفقت لکتابة شرح له طبع في جزئين عام 1419 هق .

3- نهاية الحکمة

وهو أيضاً کسابقه عبارة عن دورة مختصرة في الفلسفة الاسلامية قام فيه وفي سابقه باجراء مقارنة عملية وعلمية بين فلسفة الاشراق وفلسفة المشاء وسعي جاهدأ. للتوفيق بينهما وايجاد وجه مشترک يجمع بين الفلسفتين ويقربّ انظار الفريقين وآرائهم، وقد منيت مساعيه بالتوفيق حين أثبت علي أساس الأخذ بالغايات وترک النقاش في المباديء «خذ الغايات ودع المباديء»، أن المذهبين والفريقين. يشترکان في النتيجة والغاية وان اختلفا في المباديء وطرق الوصول، حيث أن الاشراقي عن طريق التهذيب والاشراقات النفسانية يحصل علي نفس ما يحصل عليه المشائي عن طريق الدليل والبرهان، وقد سبقه بذلک المولي صدرا

رضوان الله عليه) في أسفاره.

وکيف کان فهذا الکتاب القيم أصبح منذ أن تمّ تأليفه وطبعه ونشره، من الکتب المدرسية الرسمية في حوزاتنا العلمية. وله بعض الشروح في الفارسية

ص: 27

وتعليقة قيّمة الاستاذنا العلامة الشيخ محمد تقي المصباح (دام ظلّه).

4 - رسالة القوة والفعل

وهي رسالة وافية عن النشاة الآخرة والخلق الجديد.

ه - حاشية الکفاية

وهي تعليقاته وآراؤه الأصولية التي ذيَّل بها کفاية المرحوم الآخوند (أعلي

الله مقامه الشريف) و هي خير دليل علي اجتهاده في هذا الفن ومدي تبحره فيه.

6- بحث حول المرجعية والروحانية . 7- رسالة في الخمر. 8- تعليقة علي بحار الأنوار .

وهي شرح لبعض أجزاء هذا الکتاب الشريف وما جاء فيه من أحاديث أهل البيت عليهم أفضل صلوات المصلين، وهذا الشرح يشمل سبعة أجزاء من البحار في ثمانية وثمانين موضوعا من ثلاثة کتب ، کتاب العقل والجهل وفضل العلم کتاب التوحيد، وکتاب العدل والمشيئة والإرادة والقضاء والقدر والمعاد والموت.

9- تعليقة علي أصول الکافي. 10- مقدمة علي وسائل الشيعة . 11 - الرسائل السبعة.

12 - الرسائل الثلاث «الانسان قبل الدنيا» و«الانسان في الدنيا» و «الانسان

بعد الدنيا» مطبوعة ضمن الرسائل التوحيدية.

13 - الرسائل التوحيدية.

وهي تشتمل علي «رسالة التوحيد» و«رسالة الأسماء» و«رسالة الأفعال»

و «رسالة الوسائط». .

14 - القرآن في الاسلام

او

ص: 28

ويبحث فيه عن أهمية القرآن الکريم وسرّ خلوده واعجازه، والتعريف بالقرآن الکريم وموقعه من الاسلام کما يصرح القرآن نفسه وعلي ضوء آياته لا کما يعتقده المسلمون ويفسّرون آياته طبقاً لمعتقداتهم وآرائهم.

10 - الميزان في تفسير القرآن

وهو من أفضل وأکمل کتب التفاسير وأشهرها جميعاً والمتداول بأيدي المسلمين سيما شيعة أهل بيت العصمة والطهارة عليهم أفضل الصلوات وأتمّ التسليم ، کتبه في عشرين جزءأ يحتوي علي شرح القرآن الکريم من أوله إلي آخره ومن مبدئه إلي منتهاه ، شرع في تأليفه عام 1347 ه ق وکانت خاتمته في ليلة القدر 23 رمضان من سنة 1392 هق.

قال عنه الشهيد مطهري قدس سره : اعتقد اعتقاداً جازماً أن کثيراً من مطالبه ومحتوياته ليست من تأملات ذهنه ورشحات فکره، بل هي من الإلهامات الغيبية التي فاض بها ربّ السماء علي قلب المؤلف ونفسه الزکية . لم تصادفني مشکلة في القضايا والشؤون الاسلامية والمسائل العقائدية الّا وجدت مفتاحها وحلّها في تفسير الميزان .

وقال عنه المرحوم العلامة الشيخ محمد جواد مغنية: اني لم ابارح هذا

الکتاب ولم يفارقني منذ أن وقع بيدي.

وقال عنه المرحوم العلامة المحقق الشيخ آغا بزرک الطهراني قدس سره في کتابه نقباء البشر في القرن الرابع عشر الجزء الثاني صفحه 645 و646 السيّد محمد حسين الطباطبائي التبريزي القمي عالم فاضل ... وصفه وصفا طويلا وأثني عليه وعلي تفسيره الميزان حتّي عدّه دائرة کبيرة للمعارف القرآنية يجمع بحوثاً في الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم الدراية ورواية الحديث وما أشبه.

فهو يفسّر القرآن بالقرآن والآيات بالآيات لاعتقاد المؤلّف قدّس سرّه أن القرآن الذي

ص: 29

يصرّح أنّه تبيان لکل شيء في قوله تعالي : (وأنزلنا عليک الکتاب تبياناً؛ لکل شيء)(1) حاشاه أن لا يکون تبيانا لنفسه، وهذا الأسلوب في التفسير مأخوذ من أئمتنا الأطهار الذّين هم عدل القرآن وقرينه في الدنيا والآخرة ، ويجتنب جداً عن تفسير القرآن برأيه أو بالآراء والنظريات الفلسفية والعرفانية وما أشبه کما صنع بعض المفسرين.

وقد ترجمه الاستاذ حجة الاسلام والمسلمين الموسوي الهمداني إلي

الفارسية في أربّعين جزءا، فشکر الله مساعيه.

والحاصل إن من أراد أن يطّلع علي النتاج الفکري والثمرات العلمية للعلامة قدّس سرّه ا ويطّلع أيضاً علي مخزن أسراره و معارفه ويشربّ من عذب مائه ويروي ظمأه من ينبوعه وعين فراته ويطعم فکره وعقله بلذائذ ثمار بستانّه فليداوم علي مطالعة تفسيره هذا ويواظب علي قراءة کل سطر من سطوره وکل حرف من أحرفه الوضاءة وهو البحر الذي لا ساحل له والعين التي لا تنضب ولا تجف ولا تزيده کثرة النزح إلي امتلاءاً وفيضاناً.

16 - الشيعة في الاسلام.

17 - المرأة نصف هيکل المجتمع.

18 - سنن النبيّ صلي الله عليه و اله وسلم .

والحاصل أن سيدنا العلامة قدّس سرّه جمع بين المعقول والمنقول من علوم الحوزة الاسلامية کما جمع بين العلوم الدينية وغيرها وبين علوم الحوزة والجامعات القديمة والمعاصرة الحديثة، جمع بين مختلف العلوم والفنون حتي بلغ درجة التخصُّص فيها وقام بتدريسها لأهلها واشتهر فيها شهرة لا يستهان بها، فکان إلي

ص: 30


1- النحل : 89.

جانب العلوم الحوزوية الدينية التقليدية، خبير بعلم الهيئة والفلک وعلم الجفر وعلم الرّمل - إلمامه بحروف الأبجد واستنتاجاتها واستخراجاتها وآثارها، وهکذا الأبجد الکبير والأبجد الصغير والأبجد الوسيط ومقدار أهمية کل منها وحسابها علي نحو الاجمال والتفصيل ... الخ - وعلم الأعداد وحساب الجمل، والجبر ومقابله والهندسة الفضائية و مسطحها والحساب الاستدلالي، وعلم الرياضيات وعلم معرفة المذاهب والأديان، کما انّه کان شاعراً بديعاً في شعره بارعاً في نظمه وله أشعار وقصائد مشهورة باللغة الفارسية، وکان خطاطاً فتاناً يجيد الرسم والکتابة بخطوط مختلفة وقد تقل عن الحکيم افلاطون «أن الخط هندسة روحانية ، ظهرت بالة جسمانية». .

فکان مصداقاً لقوله تعالي في الآيات التالية :

(يؤتي الحکمة من يشاء ومن يؤت الحکمة فقد أوتي خيراً کثيراً، وما

يذّکُر إلا أولوا الألباب) (1)

(واتقوا الله ويعلّمکمُ الله)(2).

(أن تتقوا الله يجعل لکم فرقاناً)(3)

(وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس)(4)

(من يتّق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)(5) (الّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلّنا) (6)

ص: 31


1- البقرة: 269
2- البقرة: 282.
3- الأنفال : 29.
4- الأنعام : 122.
5- الطلاق : 2.
6- العنکبوت : 96.

(انّ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمنُ وُدَّاً) (1)

ومن خصائصه أنه کان شديد التعلق بالقرآن الکريم علما وتلاوة و تأمّلاً وعملا وله في هذا الصدد باع طويل من التأليف والتدريس والتحقيق وکان يؤکّد إننا لا يمکن أن ندّعي بضرس قاطع ونجزم في شيء يخص المنطق القرآني والروائي ، ونقول هذا منطق القرآن وأهل البيت عليه السلام في الموضوع الکذائي، بمجّرد الاستناد إلي آية ورواية أو اثنتين أو ثلاث بل علينا أن نجري فحصاً کاملاً ونقوم باستقراء تام للکتاب والسنة - کتب الحديث - بحثاً عن الآيات والأحاديث التي تحکي عن ذلک الموضوع، ثم نعمل علي تقييد المطلقات بواسطة المقيّدات، وتخصيص العام منها بالخاص الوارد فيها ، ونسخ المنسوخ بالناسخ ، و تبيين المتشابهات بالمبينات، و تجمع القرائن المنفصلة والمتصلة کلها ويُوقّق بينها بالملاحظة وکثرة التدقيق والتحقيق، ثّم إذا بذلنا ما في وسعنا واجتهدنا في ذلک کله وجزمنا بأمر ما نقول علي وجه القطع واليقين أن هذا منطق القرآن والآل الأطهار عليهم آلاف التحية والثناء وهذا ديدنهم ومذهبهم فيما نحن بصدده، وکان يري أن هذا لا يحصل إلا باحاطة ولو سطحية بالقرآن الکريم کله من أوله إلي آخره حفظاً وتلاوةً و تفسيراً و تأويلاً.

وکان يري قدّس سرّه في تفسير الکتاب بالسنة، أن السنة وسائر العلوم التي لها مدخلية في فهم آيات القرآن وبيان معانيها کالعلوم اللغوية وما أشبه ماهي إلّا أسباب و عوامل لشرح الصدر وفتح الأبواب وتمهيد الذهن و تشحيذد والإعداد والاستعداد لمعرفة المراد الجدي للواجب تعالي و ميزه عن المراد الاستعمالي وسائر الشؤون الواردة في هذا المجال، وليست الأحاديث وتلک العلوم بحمل يحمله

ص: 32


1- مريم: 96.

. أحدنا علي منکبه أو ظهره ليحمّله القرآن الکريم فيما بعد ويحمّل القرآن ما لا يحتمل، بل هي في خدمتنا لمعرفة القرآن بالتدبر والتأمّل، ولنکون جميعاً في خدمة القرآن الکريم بمعرفة حقائقه و أسراره.

وکيف کان فقد أعرض عن کل شيء وترک الزعامة الدينية والعلوم التقليدية الحوزوية منکباً بکله علي التفسير حتي صار ضحية القرآن الکريم کما وصفه بذلک المرحوم زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف وأستاذ الفقهاء والمهجتهدين سماحة آية الله العظمي السيّد أبو القاسم الخوئي (أعلي الله مقامه الرفيع ) علي ما نقل عنه قدس سره في صحيفة جمهوري اسلامي الايرانية عدد الاثنين 1372/9/1 ه. ش.

. به } !لها

اجازاته في الاجتهاد والرواية :

حاز المؤلف العلامة (أعلي الله مقامه الشريف) علي اجازات الاجتهاد

والرواية من عدّة من فحول العلم والرواية من الفقهاء والمحدّثين هم :

1- آية الله العظمي الشيخ محمد حسين النائيني قدّس سرّه .

2 - آية الله الشيخ علي القمي . قدّس سرّه

3 - آية الله المحدث المؤرخ الشيخ عباس القمي . قدّس سرّه

4 - آية الله العظمي السيّد حسين البروجردي و . قدّس سرّه

5 - آية الله العظمي السيّد محمد حجت (الحجة) . قدّس سرّه

6- آية الله ميرزا علي أصغر الملکي با . قدّس سرّه

7- آية الله السيّد حسن الصدر .قدّس سرّه

وغيرهم من الأعلام والمشاهير .

أبرز ملامح العلّامة :

أولاً : حبّه ومودّته وتعظيمه الذي لا يوصف لأهل بيت العصمة والطهارة

ص: 33

سيّما لمولانا وسيّدنا أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليهما وعليهم أفضل صلوات المصلين من الأولين والآخرين بعدد نجوم السماء وذرات الفضاء وحبّات التراب والرمال وقطرات مياه البحار والأنهار وعدد ما أحصاه کتاب الله وأحاط به علمه.

وقد سأله ذات مرة بعض تلاميذه عن الحديث المروي عن الإمام جعفر الصادق صلوات الله وسلامه عليه ان «من عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرک ليلة القدر» کما روي في تفسير فرات الکوفي، فأجاب العلامة قدس سره ما المانع أن يتلقي الانسان حقائق بصورة انزالية دفعية، يتلقاها بعالم روحانيته وعصمته ولتعلقه بملکوت العالم يتلقي الآيات طبقا للوقت المناسب واقتضاء المصلحة فيصير تنزيلياً ؟

ثانياً: شدّة التوسل والتمسک بأهل بيت العصمة والطهارة عليهم الصلاة

والسلام

کتب في مقام الردّ علي شبهات الأعداء والمغرضين عندما وجّهوا سهام حقدهم وجهلهم وعنادهم إلي زيارة العتبات المقدسة والتوسل بالعترة الهادية عليهم صلوات الله والملائکة والناس أجمعين : أن زيارة هذه القبور والتوسل بأصحابها ، إلي الله ، ثابتة بالشرع واليقين وان الترغيب في ذلک ودعوة الناس وحضورهم عند هذه المراقد وتمسکهم بهذا الحبل المتين والعروة الوثقي من أشد القربّات إلي الله تبارک وتعالي ولها آثار معنوية روحانية عظيمة لا يدانيها في الأجر والثواب والفوائد الدينية والدنيوية شيء ولا عمل من الأعمال، وليس غرض الزائرين واللائذين والمتمسکين بهذه القبور. إلّا التقربّ إلي الله تبارک وتعالي وامتثال أوامره و تعظيم شعائره، لا يريدون بذلک أن يتخذوا صاحب القبر معبوداً من دون الله تعالي ولا شريکاّ في ملکه وملکوته وسلطانّه وخلقه و أمره کلا ، فإنّ زيارتهم لهذه القبور

ص: 34

تعظيم لشعائر الله تعالي وتقبيلهم للضريح والأضرحة والجدران والأبواب من لوازم محبتّهم لأولياء الله ومودتهم لهم، فکيف للمرء أن يري ويتلو ما صرح به القرآن الکريم من لزوم محبة أهل بيت الرسالة وموضع النبوة في قوله تعالي : (قل لا أسألکم عليه أجراً الّا المودة في القربّي)(1)

ثم لا يعمل بلوازم هذه المودة وهذه المحبة التي جعلها الله تعالي أجرأ لرسالة رسوله الکريم صلي الله عليه و اله وفريضة علي کل مسلم ومسلمة، وأن التوسل بهم وطلب الحوائج منهم لأنهم أبواب رحمة الله ووسائط برکاته وخبراته علي الخلائق(ولو أنهم اذ ظلموا أنفسهم جاؤک فاستغروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً)(2)

ورسول الله حيُّ «من زارني بعد مماتي کمن زارني في حياتي» واذا کان الشهداء أحياء عند ربّهم يرزقون شهداء علينا فالرسول وعترته صلي علي عليه و اله له أحياء بطريق أولي يسمعون کلامنا ويشهدون مقامنا ويردّون سلامنا، وهذا التوسل وطلب الحوائج إلي الله عين التوحيد لا شرک فيه ولا تشوبه شائبه.

ثالثاً : مواظبته الدائمة علي زيارة العترة الطاهرة عليهم آلاف التحية والثناء،

والارتباط المستمر بهم سيما في مواليدهم ووفياتهم، وعلي الخصوص في مصاب سيدة النساء وابنها المظلوم المقتول سيد الشهداء عليهما أفضل الصلاة وأتم التسليم. من ذلک أنّه لما قيل له أن توسعة حرم سيد الشهداء عليه السلام سيؤدي إلي هدم قبور بعض العلماء ومحوها، أجاب قدّس سرّه : لا بأس، فانّ الحرم الشريف لا بد أن يتسع ويتجّدد، إذ لم تتحقق کرامة ولا بلغ أحد مرتبة علمية أو معنوية ولم يصب أحد خيراً إلّا من هذا الحرم الشريف أو بالتوسل بصاحب هذا الحرم الشريف صلوات الله عليه . کان مواظباً علي حضور مجالس سيد الشهداء عليه الصلاة والسلام، لا ينقطع عنها،

ص: 35


1- الشوري: 23.
2- النساء : 64.

وينقل عن السيّد الرقعي ان العلّامة قدّس سرّه کان يواظب علي حضور مجلسهم السنوي الذي يُعقد من 10 - 13 محرم طيلة حياته ويتخذ لنفسه مکاناً متواضعاً من المجلس ، کما کان يقول قدس سره فيه أن اللافتات والأقمشة السوداء المعلقة في المجالس والحسينيات ستشفع لنا عند الله تعالي يوم الحساب . کان قدّس سرّه له شديد الحزن ودائم الکآبة وکثير البکاء والندبة علي مولانا سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليه حتي کان لفرط حزنه وعويله وبکائه لا يتمالک نفسه فترتعد فرائصه ويرتفع أنينه وضجيجه ويعلو صوته الذي کان خفيا في جميع الأحوال.

ثم أنّه لم يعطّل درساً ولا توقف عن مطالعة وکتابة و تأليف و بحث و تحقيق في العلوم والمعارف إلّا في مصابهم أو مواليدهم عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم . وکان من عادته أيضاً حضور مثل هذه المجالس التي کانت تنعقد أسبوعياً أيام الجمعة والتعطيل.

ينقل عن صهره و تلميذه آية الله الشهيد قدوسي أن العلّامة قدّس سرّه کان يواظب علي قراءة زيارة عاشوراء سيما في شهري محرم و صفر دون انقطاع وکان ذا اهتمام خاص بزيارة الجامعة الکبيرة لا يصّده عن المواظبة علي قراءتها شيء ولا يشغله عنها أمر من أمور الدنيا .

اذا ذکر عنده رسول الله صل الله عليه واله أو أحد أهل بيته الکرام عليهم الصلاة والسلام تغير لونه وظهرت علي سيماه آثار التواضع والأدب في المقام وشدة التعظيم والتکريم للائمة الأطهار عليهم أفضل الصلاة والسلام، لا سيما مولاتنا فاطمة الزهراء سيدة النساء عليها آلاف التحية والثناء و مولانا الحّجة المنتظر صاحب العصر والزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء وعجل الله تعالي فرجه الشريف ، وکان رحمه الله يري للصديقة الطاهرة مقاماً فوق تصور العقول ومدرکات الأفکار ومقاماً

ص: 36

و منزلة ملکوتية لا يُبلغ مداهما ولا تُدرک حقائقهما، وهکذا کان يري ويعتقد هذه المنازل والمقامات لهم جميعاً.

وکان محيطاً بسيرة النبّي صلّي الله عليه و آله الاطهار عليهم الصلاة والسلام ملمّاً بجزئياتها، مهتمّاً غاية الاهتمام بهذه السيرة العملية والعلمية منها، سيرتهم الفعلية والقولية والتقريرية، لاعتقاده الجازم آن سير تهم حجة علينا جميعاً وطريق إلي سعادتنا وکمالنا ورشادنا.

کان رحمه الله مجدّاً مداوماً في زيارة المراقد المشرفة، لا يمنعه عن زيارتها ولا يحوله دون الوصول اليها شغل من مشاغل الدنيا حتّي السُّقم والمرض. فلم يتوقف عن زيارة مولانا الامام الرضا صلوات الله وسلامه عليه في الفترة الأخيرة من عمره الشريف رغم کلّ ما حلّ به من أسقام وما أعياه من شدة المرض والضعف، ولم يکتف بذلک حّتي کان يشقّ صفوف الزائرين ليستلم الضريح المبارک بنفسه هذا في الوقت الذي کان قد نهاه الطبيب عن مثل هذه الأعمال، إلّا أنّه کان يقول قدس سره وهل هناک مکان يلوذ به المرء ليشفي عليله ويروي غليله سوي هذه البقاع ؟! وکانت زيارة السيّدة کريمة أهل البيت فاطمة المعصومة عليهم السلام من أعماله اليومية التي لا تکاد تتقطع حتي في أسوأ الظروف والحالات، خصوصاً في شهر رمضان المبارک حيث کان لا يفطر ولا يفکُّ صيامه إلّا بعد زيارة هذه الکريمة وتقبيل ضريحها المبارک. ثم انّه کان يستعين کثيرا في طلب العلم وحل المسائل والمعضلات العلمية والفلسفية بأرواح أهل بيت العصمة والطهارة عليهم أفضل صلوات المصلين، ويتوسل بهم إلي الله عزوجّل في قضاء کل حوائجه لا سيما حوائجه العلمية، وکان الواجب تبارک وتعالي يفتح له أبواب رحمته ، ويکشف عما خفي عليه وصعب عليه إدراکه من المسائل والقضايا العلمية التي کان قدّس سرّه له بصدد البحث عنها ورفع الغواشي عن مکنون حقائقها.

ص: 37

ولما سُئل الشهيد مطهري قدس سرّه عن سر حبّه الکبير لاستاذه العلامة وشدة تعلّقه بشخصه وتأثره بشخصيته ؟ أجاب لم يکن ذلک لغزارة علمه وعمق فلسفته ولا لأنه أستاذي ، بل لما رأيت منه من شدة تعظيم لمقام أهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعظيم تمسّکه بحبلهم المتين واللوذ بهم واللجوء اليهم .(1)

ص: 38


1- مصادر حياة المؤلف : 1- عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب، للطالبي الحسني. 2- طبقات النسابين، لأبي بکر زيد. 3- سر السلسلة العلوية ، لأبي نصر البخاري . 4 - مقاتل الطالبيين ، لأبي الفرج الأصفهاني . 5- لسان الميزان ، لابن حجر العسقلاني. 6- أعيان الشيعة، للسيد محسن الأمين .قدّس سرّه 7- شهداء الفضيلة، للعلامة الأميني 8- مهرتابان، للعلامة السيّد محمد الحسيني الطهراني تة (بالفارسية). قدّس سرّه 9- رياض الجنة ، للعلامة الزنوزي. 10- جرعه هاي جهانبخش، غلامرضاگلي زواره (بالفارسية). 11- شرح حال علامه طباطبائي ، بقلم العلامة قدس سره (بالفارسية). 12- نامه ها برنامه ها، للعلامة حسن زاده آملي (بالفارسية). 13 -نور وملکوت قرآن، للعلامة الطهراني قدس سره (بالفارسية). 14 - طبقات اعلام الشيعة، لآغا برزک الطهراني .قدّس سرّه . 15- تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي قدّس سرّه 16 - ومجموعة مقالات وکلمات للعلماء والأساتذة في الصحف والمجلات والمنتديات .

مقّدمه في الفلسفهو تاريخها

1- يعتقد المؤرخون أن أقدم المجموعات والقضايا الفلسفية الصّرفة أو الغالبة ظهرت في حوالي القرن السادس قبل الميلاد عند حکماء اليونان، ويذکرون أسماء للعلماء والفلاسفة والّذين بدأوا يبحثون عن الوجود وبدء العالم ومنتهاه ، والّذين قدموا تفاسير ونظريات مختلفة متعددة عن ظهور الموجودات وحالاتها.

2- علّلوا ظهور هذه الحرکة الفکرية والطفرة العلمية الفلسفية التي هي أصل کل العلوم وأساس انطلاقها و انفجارها وتطورها ، بوجود أجواء سياسية واجتماعية آمنة مستقرة ونوع من العدالة الاجتماعية الکفيلة بالحريات الفکرية نقضاً وابراماً وطرحاً ومطارحةً، وبحثاً وانتقاداً، التي مهدت بساطاًوثيراً وأرضيةً خصبةً لنمو تلک الأفکار وتطورها.

3- کما أنهم ذکروا في القرن الخامس قبل الميلاد ظهور مفکرين وعلماء وحکماء أنکروا وجود الثوابت والحقائق الثابتة بل منعوا امکان معرفة شيء علي نحو الجزم واليقين وأن کل ما حول الانسان ليس إلّا خيالاً في العقل الانساني ، وان لا شيء يوجد ولا حقيقة توجد وراء الفکر الانساني وخارج نطاق مخيلته وتصوراته الذهنية ، وأطلق علي هؤلاء فيما بعد تسمية تتناسب وشأنهم وهسي السوفسطائيون وسُمّيت فکر تهم هذه بالسفسطة ومذهبهم بالمذهب السوفسطائي . ثم ان هذه التسميات و المصطلحات وان کانت بمعني الحکماء والحکمة والحِکمي، إلّا أنهم استعملوها في غير ما وضعت له بل في ما يناقض المعني الحقيقي الموضع

ص: 39

له، واشتهروا بذلک علي مر القرون والأعصار.

4- حتّي ظهر افلاطون الحکيم اليوناني الشهير الذي لمع اسمه من بين الأسماء حتّي يومنا هذا، متصديا لهؤلاء المغالطين السوفسطائيين مسمّياً بفيلاسوفس أي محب الحکمة والفلسفة ومن هنا ظهرت کلمة الفلسفة وهي المعربّة من فيلاسوفس او غيلاسوفيا التي تقابلاً کلمة السفسطة والسوفسطائي ، نقاب؟ استعمالية لا وضعية وان أصبحتا فيما بعد حقيقة في معانيهما الحديثة لکثرة الاستعمال ، وذلک أنا نجد أن لفظ السفسطة لا يتبادر منها عند الاطلاق إلّا المغالطة خلافاً للفلسفة التي أصبح لا يتبادر منها إلي أذهاننا عند الاطلاق إلّا الحکمة والتعقل السليم من غير حاجة إلي القرينة أصلاً بل أصبح استعمالهما بمعناهما الموضوع لهما يحتاج إلي القرينة ، والأول دليل الحقيقة والثاني دليل المجاز.

5- ثم أتبعه تلميذه ارسطو، الذي لم يأل جهداً في تثبيت دعائم الفلسفة

ومبانيها، و ترتيب اسسها وتنظيمها والعناية ببسط حقائقها ونشرها.

- وعلي خطي استاذه افلاطون مضي العبقري اليوناني ارسطو بادلاً أقصي جهده في هذا السبيل وان خالف الاستاذ حتّي صار لکل منهما مذهب فلسفي خاص، وطريقة خاصة يعالج بها کل ما يتعلق بالوجود المطلق وما يتعلق بالموجود بما هو موجود و نظريات و آراء بعضها علي طرفي نقيض من صاحبه في تفسير العالم والکائنات.

7- لکن ارسطو هذا العبقري العظيم زاد علي استاذه و تقدم عليه في هذا المجال حيث بلغ بالفلسفة ذروتها، وذلک بوضع مقدمة لا غني عن الفلسفة والفيلسوف عنها بل تعتمد الفلسفة اعتمادا تاماً عليها، أعني قواعد لطريقة التفکير والاستدلال سميت بعلم المنطق الذي صار عمدة العلوم العقلية إلي يومنا هذا.

8 - الفلسفة بمعناها الأعم واطلاقها الذي ظهر في تلک الآونة والعصور

ص: 40

اطلاق عام شامل لکافة العلوم والفنون والصناعات الحقيقية کالطب والنجوم وعلم الفلک والهيئة والرياضيات والکيمياء والفيزياء والإلهيات .

9. وهذه العلوم الحقيقية اما علوم نظرية کالطبيعيات والرياضيات والإلهيات، وأما علوم عملية تطبيقية تجريبية ، کالأخلاق، وتدبير المنزل وسياسة المدن.

10 - ثم أن لکل علم من العلوم النظرية أقساماً علي حدة، فمثلا تشتمل الطبيعيات علي علم الحيوان والنبات والمعادن وعلم معرفة الکائنات والأکوان والأفلاک.

11 - وعلم الرياضيات ينقسم إلي الحساب والهندسة والموسيقي والهيئة .

12 - وعلم الإلهيات ينقسم إلي علم ما بعد الطبيعة وهو العلم الذي يبحث عن المباحث الکلية للوجود، والذي يبحث أيضاً عن واجب الوجود ومعرفة الصانع الحکيم والخالق العليم

13 - استمر هذا النشاط العلمي في اليونان بعد ارسطو واستاذه افلاطون،

وحافظ علي هذا التراث العلمي المبتکر المتأثر بالتراث العلمي والحضاري الشرقي في بعض جوانبه ، حافظ عليه اتباع هذين العَلَمين والعبّقرين ، بالبحث والتحقيق والتدريس والتأليف والبسط والنشر، لکنهم لم يؤسّسوا مذهباً جديداً، بل انحصرت جهودهم العلمية واجتهاداتهم الفکرية في اطار ما حدّده العلّمان افلاطون وأرسطو باسم المذهب الاشراقي الأفلاطوني والمذهب المشائي الارسطوئي.

14 - لکن هذه الحال لم تدم في بلاد اليونان مهد العلوم والعلماء والحضارات بل انتقل هذا الصَّرح الشامخ إلي مدينة الاسکندرية القديمة قبل ظهور سيدنا المسيح عليه السلام وقربّ مولده الميمون، حتّي صارت هذه المدينة مرکزاً علمياً هاماً تلتقي فيها حضارة الشرقاً والغربّ وتنبعت منها نور العلم لتملاً العالم شرقاً

ص: 41

وغربّاً حتّي القرن الرابع الميلادي - أي بعد مولد سيدنا المسيح عليه السلام -.

15 - لم تدم هذه النعمة کثيراً، حيث انتشرت المسيحية في القرن الرابع الميلادي، وبدأ القساوسة والرهبان ورجال الدين المسيحي يحاربّون الأفکار العلمية والنظريات الفلسفية ويعدونها امورة منافية للأديان السماوية ورسالات الأنبياء، لأنها تغزو الطبيعة وما ورائها بسلاح العقل الذي لا محّل له من الاعراب في هذه الأمور - علي حّد زعم رجال الکنيسة ورهبانّها - .

16 - في القرن الخامس الميلادي تم اغلاق الجامعات والمدارس والحوزات العلمية في أثينا والاسکندرية وتم تفريق العلماء والفلاسفة والمفکرين فهربّ من هربّ واعتقل من اعتقل وقتل من قتل منهم، وانتهت سيادة العلم وخمد مشعل النور في هذه البلاد وسائر البلاد ولم يجد أهل العلم موطئاً آمناً ولا مرکزاً، مطمئناً يضعون فيه رحلهم ويُروون به ظمئهم ويشفون من غليلهم يمّدون عبره جسور هم.

17 - وهکذا استمرت الأوضاع متردية، والجهل مستفحلاً، والظلام الدامس ناشراً خيوطه البغيضة في أرجاء المعمورة، وکانت الکتب العلمية والرسائل الفلسفية والتراث الذي ترکه الاعلام تنهال عليها التراب وتأکلها الديدان والحشرات بين أرفف المکتبات الخاصة السرية والمتاحف الأثرية والمخابيء والملاجيء والسراديب تحت الأرض وفوقها، حتّي رأت النور مرة اخري ببرکة الاسلام في العهد الأموي وبلغت قمتها في العهد العباسي.

18 - نعم لم يکن بنو أُمية ولا بنو العباس ممن يعتني بشؤون الدين ولا ممن يهتمون بالعلم والمعرفة ونشر الفضيلة والکمال بل قامت حکوماتهم علي القتل والظلم والأضطهاد، وکان عماد أنظمتهم محاربّة الدين وتمزيق الاسلام والمسلمين ، وکان ديدنهم الاطاحة بأئمة العدل والعلماء الصادقين والتنکيل بمن يدخل البيوت من أبوابها، ولمّا وجدواأن تلک الطرق والأساليب القسرية القهرية لم تأت ثمارها

ص: 42

بل أصقلت أهل الحقّ وفضحت أهل الباطل وسلاطين الجور وطغاة الأرض وما زادتهم إلا خيبةً وخسراناً، رأوا في بعض الاعصار والعهود ان يضيفوا إلي جرائمهم جريمة اخري ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب.

أعني أنهم وجدوا في علوم اليونان و فلسفتها سلاحاً جديداً يحاربّون به ائمة الهدي ومصابيح الدجي من أهل بيت رسولنا المکرم صلي الله عليه اله ، وفي الوقت ذاته يغطي تبعاتهم ويسدل علي شيء من جرائمهم.

19 - هذه الحرکة وان جاءت من العدو قاصداً بها العلماء الصادقين والأئمة المحقين الهادين المهديين إلّا أنها أثمرت خلاف ما قُصد منها ، اذ ما قصد لم يقع وما وقع لم يُقصد، مصداقا لقوله تعالي : (عسي أن تکرهوا شيئاً وهو خير لکم)(1) والمثل المعروف «جنت علي نفسها براغش» و«من حفر بئراً لأخيه وقع فيها» وهکذا، ذلک أن هذه الحرکة العدائية أصبحت سلاحاً بيد أهل الحق بحثاً وتحقيقاً وتنميةً وتطويراً وتدقيقاً، يبادرون إلي تخليتها من الزوائد والحواشي وما ليس بحق ، ثم تحليتها بما سقط في أيديهم من الحق الذي سقط من أقلام أولئک وفات أذهانّهم وأنظارهم، وأخيراً يقومون بتجليتها وتصقيلها وربّط القديم بالجديد و استنتاج ما هو اللازم.

20 - ولمّا بدأت الفلسفة تشکل خطراّ علي بعض حکام الجور حينذاک ، وأحس أصحاب المصالح الدنيئة بالخطر يداهم أجوائهم ويطرق أبوابهم، فکروا فيما ينقذهم من ورطتهم هذه فعمدوا إلي وعاظ السلاطين وفقهاء الضلال وعلماء البلاط الحاکم يستنجدونهم ويسألون العون لانقاذهم، ووجد هؤلاء في الاستشهاد بالکتاب والسنة والتوقف عند ظواهرها تارة و تفسير ظواهرها و تأويلها بتأويلات

ص: 43


1- البقرة : 216.

تؤمّن أغراضهم و تقضي بأهدافهم تارة اخري خير وسيلة للتصدي للحکماء والفلاسفة ودفع ما داهمهم من الخطر المحدق بهم من جراء نشر الفلسفة والحکمة الإلهية ، فرموا بالکفر من شاؤا وحاربّوا من حاربّوا وقتلوا من قتلوا، حتي باتت الفلسفة مقرونة بالکفر والزندقة، ومال من يميل اليها ويطلبها من مظانّها ويتعّلمها أو يعلمها القتل والحبس والتشريد. وسمّي هؤلاء بالمتکلمين وما ذهبوا اليه سمّي بعلم الکلام والعقائد الاسلامية.

21 - کان علم الکلام سلاحاً ثالثاً لمواجهة العلماء وأهل الحق، إلّا أن هذا السلاح انقلب علي صاحبه کما ينقلب السحر علي الساحر أحياناً، وکان حاله حال السلاحين السابقين، أعني ان من بين هذه الحرکة العلمية العقائدية ظهرت أفکار اسلامية قيّمة وبرز علماء في الحوزات والجامعات والمراکز العلمية الاسلامية صاروا فيما بعد وبالاً علي سلاطين الجور و فقهاء البلاط والعلماء المرتزقة ، بدقة أفکارهم ونظرياتهم الوضاءة وأنظارهم الرشيدة، فصار علماً الکلام علما قيّماً لمع نجمه في سماء العلوم والمعارف الاسلامية کفيلاً في کثير من الوجوه والجهات بحفظ العقائد والقيم الاسلامية.

22 - بدأنا بظهور الحضارة اليونانية وبروز الفلسفة والفلاسفة في اليونان،

ولکي لا يتصور القاريء العزيز ان هذه الفترة الزمنية لم تسبق بفترة زمنية تتجلي فيها مراتب عالية من العلم والفلسفة، وحتّي لا يظن أحد بأن الحضارة والعلوم والفلسفة منحصرة في مبدئها بهذه الفترة الزمنية وبهذه البقعة المکانية - أعني اليونان القديم - لابد أن نشير هنا ونصح ان هناک حضارات وظهور علوم ومنها الفلسفة والحکمة التي هي أُسُّ العلوم قبل هذه القرون والأعصار مرکزها بلاد فارس والهند وبعض البلاد والبقاع الأخري من هذه المعمورة، ولأنها کانت مسبوقة بحضارات أخري في الشرق والغربّ ذکرنا أن الفلسفة اليونانية قد تأثرت بهذه الحضارات

ص: 44

الفلسفات والعلوم

23 - لکننا لم نقدم شيئاً من تلک العلوم والفلسفات، وبدأنا تأريخ الفلسفة وجعلنا مبدأ ظهورها في هذه المقدمة الوجيزة هي فلسفة اليونان ومنذ القرن الخامس قبل الميلاد لأن المورخين لم يدوّنوا شيئاً من ذلک قبل هذا التاريخ، ولم تجد حسب استقصائنا واستقرائنا شيئاً مدوَّناً مرتباً في کتب التاريخ سوي ما ذکرناه ، نعم نعلم علماً اجمالياً لا يقبل التشکيک أنها مسبوقة بحضارات وفلسفات وصلتنا مشتتة ، ذکر قسماً منها العلامة قدس سره ا في بدايته وقد شرحناها هناک، کما سنتطرق إلي جملة من تلک النظريات والآراء في هذا الکتاب ، وأنت حين تصل إلي کتب الفلسفة المفضلة ستقرأ أکثر وأکثر عن هذه الفلسفات کما في کتب المنظومة للسبزواري قدس سره با والأسفار الأربّعة وغيرهما من کتب الفلسفة للمولي صدر المتألهين وابن سينا وهلمّ جرّا.

24 - بعد التقاء الأفکار الفلسفية لدي المسلمين بالفلسفات اليونانية والهندية واللاتينية والفارسية والسريانية والعبرية وتلاقحها وترجمة کتب هذه الأقوام والطوائف والمذاهب إلي العربّية ، شهدت المراکز العلمية في بلاد المسلمين نطورة ورقي لم يسبق له مثيل في تاريخ تلک البلاد تصديقاً لقوله صلي الله عليه و اله وسلم : « أعلم لناس من جمع علوم الناس إلي علمه» وظهر علماءُ أفذاذ وفلاسفة کبار کالفارابي وابن سينا وغيرهما حققوا هذه الآراء ونقحوها ونظفوها من الشوائب والأوهام، فأخذوا المعقول ونبذوا الموهوم، ثم قاموا بتصقيل المعقول وتجليته و تجديده و تقويمه.

20 - من أبرز الفلاسفة المسلمين ذکرنا ابن سينا و الفارابي ونضيف هنا حجة الاسلام محمد الغزالي الذي کان فقيها ثم متکلّماً ثم عارفاً ثم فيلسوفاً والفخر الرازي أمام المشککين والبغدادي ، و السهروردي مؤسس المدرسة الأشراعية في

ص: 45

الفلسفة الاسلامية علي غرار فلسفة افلاطون امام الاشراقيين اليونان(1)وهکذا خواجه نصيرالدين الطوسي والمير الداماد و تلميذه المولي صدر المتألهين الشيرازي صاحب الأسفار الذي أسس مذهباً جديداً ومدرسة ثالثة وفق فيها بين حکمة المشاء وحکمة الاشراق ونظريات العرفاء سماها بالحکمة المتعالية ، کما تقدم عليهما بعض من نقرأ هنا بعض آرائهم کالمحقق الدواني.

26 - والحاصل أن أول نظام فلسفي في العصر الإسلامي برز إلي منصة الظهور کان في عهد الفارابي وتم علي يديه ، وتکامل هذا النظام في عهد المولي صدر ، وان کان لابن سينا اليد الطولي والفضل الأکبر وحصة الأسد في تنمية هذا النظام وتصقيله وتجديده وتوسيعه.

27 - توقفت مسيرة التأسيس والتجديد والتحديث بوفاة المولي صدرا قدس سره وکل من جاء بعده من فلاسفة المسلمين کان تبعا له في مذهبه ولم يخرج إلي حيث نطاق أوسع، ولا جاء احد بمدرسة فلسفية جديدة تضاهي تلک المدارس الفلسفية الاشراقية والمشائية والحکمة المتعاليه ، بل لقيت الفلسفة في بعض الفترات اجحافاً لا تستحقه من المراکز والحوزات العلمية ، ولا نقصد الاتهام علي نحو الاطلاق اذ کان البعض محّقاً في تصّديه ، لکن حصل الظلم والاجحاف وعاد التکفير والتفسيق لأهل الفلسفة وطالبيها .

28 - واختلف الوضع في بلاد الغربّ حيث عادت اليها سيادة الکنيسة في

حوالي القرن الخامس الميلادي واستمرت طيلة عشرة قرون تقريباً - حوالي ألف عام - حتّي حوالي القرن الخامس عشر الميلادي، واقتضت سلطة الکنيسة اغلاق المراکز العلمية التي تخالف سياستها ومصالحها ومصالح الأنظمة الحاکمة وسلاطين

ص: 46


1- زعم شيخ الاشراق ان افلاطون کان سلوکياً يعتقد بالتزکية وتصفية الباطن والاشراقات النفسانية ولم يُثبت ذلک بالأدلة والبراهين .

الجور، فسميت بالقرون الوسطي.

29 - في أواسط القرن الخامس عشر سقطت سلطة الکنيسة ورجال الدين المسيحي وبدأ بذلک عهد جديد وحدثت بعض التغييرات الجذرية في الفلسفة ونظرتهم اليها، ونتج عن ذلک أولاً : زعزعة عقائد الناس الدينية وحدثت ردة فعل عنيفة تجاه رجال الکنيسة الذين مارسوا الظلم والاضطهاد بأبشع صوره تجاه العلماء والمفکرين، لم يترکوا لأهل الفکر حرية التفکير ولا لأهل البيان حرية التعبير . وثانياً : انّهم مالوا إلي العلوم الطبيعية والتجربّية بغضاً منهم للعلوم العقلية ، والحاصل أنهم شعوباً وعلماء مالوا عن الدين والفلسفة إلي المادة والتجربّة ونعني بذلک سقوط الدين والفلسفة في بلاد الغربّ، و ثالثاً : ظهر الشکّاکون وراج سوق فلسفة التشکيک .

30 دامت هذه الظاهرة طيلة قرنين حتّي ظهر في القرن السابع عشر الميلادي فيلسوف يسمي ديکارت الذي بذل جهداً حثيثاً حتّي استطاع أن يحيي الفلسفة ويخرجها من الجمود والسکون إلي الحرکة باثبات الحقائق وابطال مزاعم الشکاکين الذين شککوا في الحقائق الخارجية بأسرها وأحيوا هذا المذهب الباطل انکارا للحقائق واعتباراً للأشياء أموراً خيالية ليس لها وجود إلّا في اعتبار المعتبر لها وفي ذهن المتصور لها، فهم القائلون باعتبارية الموجودات قاطبة ونفي الحقائق قاطبة وهو السفسطة بعينها التي قال بها الأولون وأحياها هؤلاء الآخرون. ولقب ديکارت بزعيم ومؤسس المذهب الواقعي وبالرغم من مساعيه الطويلة الحثيثة عجز عن الوصول إلي الحقيقة فنفي أن يکون العقل النظري قادراً علي حلُّ مسائل ما وراء الطبيعة جميعاً وان العقل عاجز عن إدراکها الصحيح و ادراک حقائقها فهو وان جاء بفلسفة مقبولة نوعاً ما في تلک الأزمة لإحيائه القيم الأخلاقية حينذاک بيد أنه حطّم وزلزل أُسس الفلسفة الماوراء الطبيعية .

ص: 47

31- واستمرت المسيرة الفلسفية في الغربّ بين قائل بالتشکيک المطلق وقائل بنوع من التشکيک وقائل بالحقيقة المطلقة . وظهرت سفسطات ساقطة رخيصة لا صلة لها بالعلم والعلميات، بل العلوم والمعارف بريئة منها کالقول بأصالة الحس والتجربّة والذي نتج عنه فلسفة أصالة الحس والتجربّة الذي أسسها «ويليام أکامي» وأحياها «جان لاک» و «ديفيد هيوم» و «بارکلي» و هم بريطانيون جميعاً ، وکالقول بأصالة الفرد «اومانيسم» أو القول بأصالة المادة أو فلسفة «ماترياليسم» والقول بأصالة التاريخ «الديالکتيک» وهما من فلسفة کارل مارکس الانجليزي ومن قبله آثار الفلاسفة الماديين الداعين إلي الإلحاد، وما زال العالم متعطشاً إلي الحکمة المتعالية التي هي ختام الفلسفة والحکمة في قمة شموخها، وفيها يکمن السر الذي يبحث عنه عقلاء الغربّ والشرق وفلاسفتها، وفيها الاجابة الوافية عن حقيقة الوجود وما يتعلق بالوجود والموجود وما يبحث عنه الفيلسوف هنا وهناک .

32 - من المؤسف جدّاً ما ذهبت اليه بعض السفسطات الحديثة من تقابل المعارف العلمية والمعارف الفلسفية، حتّي ذهبوا إلي ان العلوم الفلسفية لا تستحق اطلاق العلم عليها ولهذا اطلقوا العلم علي العلوم والمعارف التجريبية فحسب علي نحو الحصر، وجعلوا الأصالة لهذه العلوم لأنها تقابل الفلسفة وليس لها الأصالة والحقيقة، وما يزيد المرء أسفا انتشار هذه الفکرة والتمسک بها في المجامع العلمية علي نحو الحقيقة والثبوت، وهي ما زالت کذلک لدي المثقفين العصريين، بعدما کانت الفلسفة مقارنة للعلم لا اختلاف بينهما في معناها الأعم قبل تخصيصها في العصور المتتالية ببعض العلوم والمعارف وحتّي في حالة التخصيص أيضا هناک تقارن موجود وملازمة بين المصطلحين

32 - أهم المذاهب الفلسفية قبل ظهور الاسلام هي مدرسة أفلاطون مؤسس المذهب الاشراقي و مدرسة أرسطو مؤسس المذهب المشائي، وأما بعد

ص: 48

الاسلام فإن مؤسس الاشراق الاسلامي والفلسفة الاشراقية علي ضوء المباني الاسلامية هو المرحوم الشيخ شهاب الدين السهروردي من فلاسفة القرن السادس الهجري القمري وان کان يتبع في أصول مبانيه مدرسة افلاطون لا يختلف عنها کثيرة، کما أن مؤسس المذهب المشائي في الاسلام والمشاء الاسلامي يعد المرحوم شيخ الرئيس ابن سينا وان کان يتبع أيضا في الأصل مدرسة ارسطو، وظهرت مدرسة جديدة ومسلک ومذهب جديدين في القرن الحادي عشر الهجري القمري هي مدرسة صدر المتألهين قدس سه وسميت بالحکمة المتعالية التي کان لها الحظ الأوفر في القرون الأخيرة في اقبال الحوزات والمراکز العلمية وحل المعضلات العلمية والعقائدية ، وهي خلاصة أربّعة مسالک للمعرفة وکشف حقائق عالم الوجود ونقطة التقاء بين هذه المسالک الأربّعة و ذلک بالجمع بين وجوه الفرق بينها والأخذ بما يصح منها ونبذ ما لا يصح، وهي مسلک الاشراق ومسلک المشاء القديم منها والحديث إضافة إلي مسلک العرفان الذي ظهر في الاسلام و مسلک المتکلمين الاسلاميين ، وهذان المسلکان مختصان بما بعد بسزوغ فجر الاسلام. فطرق الاستدلال قبل الاسلام تقتصر علي الاشراق والمشاء وبعده تزيد لتصبح اشراقاً اسلامياً ومشاء اسلامياً و عرفاناً اسلامياً وکلاماً اسلامياً وحکمة متعالية التي جمعت بينها جميعاً وأضافت اليها ما لابد منه.

34 - هناک فوارق عديدة بين المذهبين الاشراقي والمشائي اهم هذه الفوارق بل الفارق الجوهري بينهما ان الاشراقيين لا يرون للعقل قدرة مستقلة لمعرفة المسائل والقضايا الفلسفية ، وأن العقل عندهم قاصر بوحده عن بلوغ هذه الغايات ، بل لابد أن تضم إلي الاستدلال والتفکر العقلي مجموعة من السلوکيات القلبية والمجاهدات النفسانية حتّي يحصل لنا التوفيق والقدرة علي کشف الحقائق وحل المعضلات العلمية والفلسفية، خلافاً للمسلک المشائي الذي يکتفي بالاستدلال

ص: 49

والبرهان والتفکرات العقلانية المحضة ويري أصحابها ان العقل بوحده کفيل بکشف جميع الحقائق وحل کافة تلک المعضلات.

والحاصل أن فلسفة المشاء تعتمد علي التعقل والتفکر - العقل والبرهان - في حل المسائل وفک معضلات العلوم من غير اعتناء ولا اهتمام بالمذاهب والأديان والوحي السماوي، بينما تعتمد فلسفة الاشراق في بحثها وتحقيقها عن أحوال الموجودات و کشف خواصها وحل معضلات العلوم علي تزکية النفس والروح وذلک انّهم يعتقدون أن طريق التوصل إلي الحقائق يعتمد علي ذلک، اذ الروح الانسانية بمنزلة مرآة تعکس العلوم والمعارف و تدرک الحقائق وکلما کانت المرأة انظف وأصفي وأشد صيقلة وأکثر شفافية کانت القدرة علي جذب الأنوار والحقائق والصور النورية وانعکاسها أکبر ، وان بالتخلص من الموانع والشوائب والذنوب والآثام تزداد النفس تقربّ من منبع الفيض السماوي الإلهي وبالتالي تصبح قابلة لتلقي المعارف الحقة والحقائق المجردة.

36- أول من نسب افلاطون إلي مذهب الاشراق وعدّه مؤسساً لهذا المسلک الفلسفي هو شيخ الإشراق السهروردي في کتابه «حکمة الاشراق»، ولهذا تردد البعض في صحة هذا المدعي حتي أنکره بعض المتأخرين ونفي أن يکون افلاطون قائلا بالاشراق وسالکاً طريق المجاهدة ورياضة النفس والمشاهدات والاشراقات القلبية.

37 - هناک جمع غفير من الفلاسفة المسلمين الذين يتبعون مدرسة المشاء منهم الکندي والفارابي ، وابن سينا و الميرالداماد - استاذ صدر المتألهين - وابن رشد الاندلسي وخواجه نصير الدين الطوسي وممن سلک مذهب الاشراق بعد شيخ الاشراق السهروردي هو قطب الدين الشيرازي الذي يعد من أعاظم هذه المدرسة حقاً.

ص: 50

38 - يعتقد انصار واتباع ومؤسسوا مدرسة العرفان أن الغاية هي الوصول إلي الحقيقة لا مجرد کشف الحقيقة ، وهذه الغاية لا تتحقق إلّا بالتصوف الحقيقي و تصفية الباطن والسلوک إلي الله تعالي ، فلا مجال للاستعانة بالعقل أو الاتکال عليه ولهذا المسلک کثير من الاتباع کالحسين الحلاج وذو النون المصري وأبي يزيد البسطامي والشبلي وخواجه عبدالله الأنصاري ومحي الدين بن العربّي الأندلسي وابن الفارض والمولوي الرومي صاحب المشنوي المعروف.

39 - ويعتقد المتکلمون خلافاً للعُرفاء أن الحقائق لا تنکشف إلّا بالاستدلال العقلي والبرهان والتفکر القائم بالعقل ويختلفون عن المشائين والفلاسفة جميعاّ في مسألة الحسن والقبح، حيث خصها الفلاسفة بالجدليات وأخرجوها عن دائرة البرهان والاستدلال ، بينما هي من أصول الاستدلال عند المتکلمين.

.4 - انقسم المتکلمون إلي اشاعرة ومعتزلة، وکثر الخلاف بين الفريقين حتّي في مسألة الحسن والقبح ، فقالت الأشاعرة أن الحُسن والقبح شرعيان وقالت المعتزلة أنهما عقليان.

41- وجوه الاختلاف بين العارف والفيلسوف والمتکلم أن الفيلسوف لا يحّدد لنفسه هدف معينة ولايؤطر نفسه باطار مذهبي معين أو ديني ، ولا يقيد بحثه و تحقيقه بطريقة معينة ولا سلوک محدود، بل يبدأ عمله مطلق العنان، يبحث عن الحقيقة خارج الحدود والقيود ، خلافاّ للعارف والمتکلم فإنهما يشرعان في البحث والتحقيق مقيدين بقيود دينية ومذهبية، يبحثان عن الحق والحقيقة في تلک الدائرة، فالهدف عندهم محدّد تم تعيينه من قبل.

62 - ويختلف العارف عن الفيلسوف المشائي أيضاً باعتماد الأخير علي البرهان والعقل وامتناع الأول عنه، ورفضه للعقل والبرهان والاستدلال قاطبة. کما يختلف المتکلم عن الفيلسوف الاشراقي أيضاً بجمع الأخير بين الاستدلال

ص: 51

والبرهان والعقل مع الاشراقات النفسانية والرياضات الروحانية ، بينما يقتصر المتکلم علي الأول علي ضوء الکتاب والسنة. ويختلف العارف والمتکلم في اعتماد الأول علي محض الاشراق والثاني علي محض العقل والبرهان

43 - لعلم الکلام مذاهب ثلاثة : مذهب الأشاعرة والمعتزلة والشيعة ، فرئيس الأشاعرة ومؤسس هذا المذهب هو الشيخ أبو الحسن الأشعري، وله أتباع أشهرهم القاضي أبو بکر الباقلاني والغزالي والفخر الرازي والجويني. ومن أشهر متکلمي المعتزلة النظام والجاحظ والعلاف والزمخشري.

کما أن زعيم المتکلمين الشيعة ومؤسس الکلام الشيعي هو هشام بن الحکم - رضوان الله عليه - وأبرز قادة هذه المدرسة هم الشيخ المفيد والسيّد المرتضي و خواجه نصير الدين الطوسي - أعلي الله مقامهم الشريف - .

44 - جمع ابن سينا رحمه الله حکمة المشاء في تصانيف عديدة کالشفاء والنجاة والاشارات والمبدأ والمعاد وعيون الحکمة والتعليقات والمباحثات. کما أن أشهر کتب الاشراق هي حکمة الاشراق للسهروردي. وأشهر کتب العرفان الفتوحات المکية لابن العربّي والمثنوي للمولوي وهو ديوان شعر مفضل باللغة الفارسية و ديوان حافظ بالفارسية أيضاً وکتب أخري عديدة. ويعدُّ شرح التجريد للخواجه نصير الدين الطوسي من أرقي وأکمل الکتب الکلامية علي المذهب الشيعي کما أن کتب الجاحظ والنظام والزمخشري ابرز کتب المتکلمين من المعتزلة وکتب أبو الحسن الأشعري والباقلاني والغزالي والفخر الرازي من أشهر وأبرز کتب الأشاعرة.

45 - أما الحکمة المتعالية التي وضع أُسسها وجمع مسائلها وبني بنيانّها المولي صدرا الشيرازي - المتوفي عام 1050 للهجرة - فهي التي تدور حوله مباحث کتابنا هذا الموسوم بنهاية الحکمة وفي الحقيقة هذا الکتاب خلاصة لأفکار

ص: 52

المولي صدراً قدّس سرّه في أسفاره وسائر تصانيفه مع بحث و تحقيق و تنقيب واضافات من سيدنا العلامة - قدّس الله نفسه الزکية - ، وهذا السلوک أو المسلک الذي سمّاه صاحبه بالحکمة المتعالية اسم علي مسمي فهو حکمة متعالية حقاً، وأبرز ملامحه انّه اشراقي المسلک والطريقة - أعني يبتني علي الاستدلال والمکاشفة معاً - وان اختلف عنه في أصوله و مبانيه و طريقة الاستدلال والتبرهن والاستنتاج وتلاحظ هذا المدعي في کتبه الشهيرة بوضوح، کالأسفار الأربّعة، والعرشية ، والشواهد الربّوبية ، والمبدأ والمعاد وهکذا منظومة السبزواري قدس سره .

46 - الفلسفة والحکمة بمعناها العام أمّا حکمة استدلالية تعتمد علي القياس والبرهان وأما حکمة ذوقية اشراقية تجمع بين حکم العقل والمکاشفات النفسانية وأما حکمة تجريبية تعتمد علي الحس والتجربّة وأما حکمة جدلية تعتمد المشهورات أو المقبولات - علي نحو ما في کتب المنطق -.

67 - اقتصر الحکماء والفلاسفة في استدلالاتهم علي البديهيات الأولية

وقامت مقدمات استدلالهم علي البديهيات دون المشهورات والمقبولات، بخلاف المتکلمين الذين اعتمدوا علي المشهورات في استدلالاتهم ولهذا سمي الکلام حکمة جدلية، وقد نجح خواجه نصير الدين الطوسي (أعلي الله مقامه الشريف) في تنقيح الکلام واخراجه من إطار الحکمة الجدلية وجعله جزءا من الفلسفة الاستدلالية باضفاء صبغة الاستدلال بالبديهيات عليها، وأخرجها من کونها جدلية إلي کونها استدلالية برهانية بمقدمات بديهية ، وهذا يتضح جداً بمراجعة کتابه الشهير (تجريد العقائد).

ومن معايب الحکمة التجربّية أنها عاجزة عن حل جملة کبيرة من المسائل الأساسية المتعلقة بالحياة وهي لبُّ مسائل الوجود أعني مسائل ما وراء الطبيعة والميتافيزيقا کالمسائل المتعلقة بمبدأ الوجود والعالم ومنتهاه ، ومبدأ العلل، وکثيرة

ص: 53

هي المسائل العقلية البحتة، لخروجها من دائرة الحس والتجربّة.

68 - مرت الفلسفة في حوزاتنا العلمية بظروف لا تحسد، حيث أنها لقيت سوء فهم من البعض بلغ حدّ المواجهة الصريحة والتصدي الصارخ بالتحريم والتکفير أو الأعراض والصدود. وعلي النقيض من هؤلاء أفرط أنصار الفلسفة وطلابها بعض الحين في کيفية المواجهة والدفاع عن المسائل والقضايا المتعلقة بالفلسفة بل في الدفاع عن الفلسفة ذاتها، کاد أن يجعل أنظار الفلاسفة أساطير تبلغ حدّ العصمة من الزلل، ويجعل محتويات الکتب الفلسفية حقائق لا تقبل الطعن بل لا يجوز نقدها ونقضها والرد عليها رغم ما فيها من التناقضات والأخطاء الفاحشة أحياناً. ولولا بعض أساتذة الفلسفة في القرن الأخير لضاع أکثر العلوم أهمية وأعظمها مطلباً وأدقها مسائل ، بين افراط المحبين الغالين و تفريط المبغضين القالين ، فلهم الحظ الأوفر والسهم الأکبر في حفظ اللب اللباب من التلف والضياع.

49 - من أبرز الفلاسفة الغربّيين الذين لمع نجمهم في سماء المدارس الغربّية وجامعاتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين يمکن تسمية «کانت» وبعض أتباعه من ألمانيا التي اعتبرت حينذاک مهدا للعلوم الفلسفية مثل «فيخته» التلميذ المباشر لکانت، ومثل «شيلينغ» و «هيغل» وسميت فلسفتهم بالمثالية العينية بدأ بتأسيسها «کانت» وأکمل قواعدها وأُصولها حتي جعلها نظاماً فلسفياً متکاملاً يعتمد علي العقل وأحکامه. «آغوست کنت» من فرنسا الذي اشتهر باب علم الاجتماع» مؤسس الفلسفة التجربّية الخاصة التي بلغت حّد الافراط في إنکار کل المفاهيم والمعارف والعلوم والحقائق والقضايا والموجودات الماوراء الطبيعية بل عدها ألفاظا وأهية موهومة، وأنکر کل حکم للعقل، من أشهر أنصار هذا المذهب

يمکن تسمية «راسل» و «وينغنشتاين» و «کارناب». .

يمکن أن نعدّ من هؤلاء الفلاسفة البارزين علي نحو الاجمال والاکتفاء

ص: 54

مقدمة في الفلسفة وتاريخها .. بالاسماء رعاية للاختصار «کيغارد» الدانمارکي و«مارکس» اليهودي الالماني و «هوسرل» و «هايدغر» و «پاسپرس» من المانيا أيضاً و «ويليام جيمز» الأمريکي و «فوغت» و «بوخنر» و «ارنست هکل» و «انجلز» و «فويربّاخ» و «سارتر». .

50 - الفلسفة اسم عام کان يطلق علي العلوم الحقيقة مطلقاً وهي - أعني العلوم الحقيقية غير الاعتبارية وقد سميت بما قبل الطبيعة أو ما وراء الطبيعة والطبيعيات - تنقسم إلي علوم نظرية وعلوم عملية تطبيقية ، والنظرية عبارة عن الرياضيات والإلهيات و الطبيعيات، والعملية عبارة عن علم الاخلاق وعلم تدبير سياسة المدن وعلم تدبير المنزل ومنها علم النفس والاجتماع وما أشبه.

ثم ان الرياضيات عبارة عن الحساب والهندسة والموسيقي والهيئة، والإلهيات تنقسم إلي العلم بالأحکام الکلية للوجود، ومعرفة الصانع الحکيم والواجب تبارک وتعالي ، کماان الطبيعيات تبحث عن الأحکام الکلية للأجسام والمعادن والحيوانات والنباتات والأفلاک.

51 - کانت مباحث الطبيعة أو الطبيعيات تتصدر مباحث الکتب الفلسفية ، تتبعها المباحث الکلية للوجود وهي ما وراء الطبيعة أو الأمور العامة حسب ما ورد في کتب الفلاسفة الاسلاميين وهي من اطلاقات العصر الاسلامي وخصائصه ، حتي تم دمج المباحث الکلية للوجود - الامور العامة - بمباحث معرفة الواجب تعالي - الإلهيات بالمعني الاخص - ، ثم اطلقوا عبارة «الإلهيات بالمعني الاعم» علي مجموع الامور العامة والإلهيات بالمعني الأخص، أعني أن المباحث الکلية للوجود مع مباحث معرفة الواجب تعالي سميت بالالهيات بالمعني الأعم.

52 - کيف يتم تصنيف العلوم من حيث الشرف والمرتبة ، ما هو ملاک الاشرفية بين العلوم ؟ وکيف نعلم أن هذا العلم أشرف مقاماً من ذاک وأعلي مرتبة وأقدم رتبة منه ؟

ص: 55

لا شک أن أشرف العلوم أنفعها للإنسان مطلقاً، وأنفع العلوم ما کان يضمن سعادة أبدية لأهله بحيث يجمع سعادة الدنيا إلي جانب سعادة العقبي ، وبقرّب المرء من الحقائق التي تحيط به والحق المطلق الذي بيده المبدأ والمنتهي وما بينهما.

فقال البعض أن شرف العلم بشرف غايته وما يهدف اليه ، وقيل شرف العلم بشرف مباديه التصورية و التصديقية، وقال غيرهم شرف العلم بشرف موضوعه وهو الحق، فإن الموضوع الذي تتمحور علبه مباحث العلم يعدّ الملاک الأقوم لأشرفية العلم، کما أن الموضوع أفضل ملاک لمعرفة حقيقة العلم وللتمايز بين العلوم.

53 - وقد اتسع نطاق الفلسفة في القرون الوسطي حتّي اطلقت علي بعض العلوم الإعتبارية لا الحقيقية اللغة والأدب والمعاني والبيان. وأما في العصور المتأخرة بسبب تقدم العلوم التجريبية الحية في بلاد الغربّ قام الفلاسفة الماديون بتضييق دائرة الفلسفة حتّي اختصت بما وراء الطبيعة - الفلسفة الأولي - وتم رفضها رفضا قاطعا معتبرين اياها منافية للعلوم لا تستحق إطلاق العلم عليها واختصاص العلم بالحسبات والطبيعيات.

56 - اعتاد العلماء منذ القدم أن يبدأوا تصانيفهم وکتبهم ببيان امور اشتهرت بالرؤوس الثمانية أو المبادي الثمانية هي تعريف العلم وموضوع العلم وهدف العلم وغايته ومنفعة العلم وعناوين مفهرسة من أبواب العلم وفصوله، واسم المؤلف ، ومکانة العلم بالنسبة إلي سائر العلوم والانحاء التعليمية أعني التقسيم والتحليل والتحديد(1)

وقد بحثها المرحوم قطب الدين الشيرازي شارح حکمة الاشراق في کتابه دُرّة التاج لغرّة للباب والميرزا عليرضا في حاشيته علي کتاب الحاشية للمولي

ص: 56


1- راجع شرح منظومة السبزواري .

عبدالله في مقدمة الکتاب مفصلاً، وعلي کل حال لقيت المباديء الثمانية بحثاً بالنقض والابرام في کتب القوم لا حاجة إلي إيرادها هنا فضلاً عن أن ذلک لا يسعنا رعاية للايجاز والاختصار . وقد اقتصروا في الأزمنة الأخيرة علي بيان التعريف والموضوع والغاية وسنمضي علي هذا المنوال ان شاء الله تعالي.

55 - موضوع کل علم کما جاء في کثير من الکتب سيما کتب علم الاصول

والفلسفة «موضوع کل علم ما يُبحث فيه عن عوارضة الذاتية» المراد بالعوارض الذاتية الأحوال والآثار الذاتية بخلاف العوارض الغريبة.

فما هو تعريف الفلسفة وماهو موضوعها وما الغاية منها ؟ الحکمة والفلسفة الإلهية علم يبحث فيه عن أحوال الموجود بما هو هو أو من حيث هو موجود ، اذ الموجود نوعان من الأحکام ، نوع يتعلق به من حيث تکوينه و قالبه الخاص کما أن الخشب من جهة انّه ذو ماهية خاصّة تميّزه عن سائر الموجودات يتمتع بجملة خاصة من الأحکام فله وزن خاص، ودرجة خاصة للاحتراق، لون خاص شکل خاص رائحة خاصة وعشرات بل مئات الأحکام والآثار والأحوال تتعلق بکونه خشباً، ونوع آخر من الأحکام العامة التي لا تتعلق بهذا القالب التکويني الخاص تکون الخشب معلولاًحادثاً ممکناً منشأ أثر فاعلاً منفعلاً وما أشبه من الأحکام التي لا ترتبط بکونه خشب . والحکمة الإلهية تبحث عن القسم الثاني من الأحکام فقط. علم مما تقدم أن موضوع الحکمة الإلهية عبارة عن «الموجود المطلق» . وسيأتي الکلام عن غايتها بالتفصيل في شرح متن الکتاب أن شاء الله تعالي.

06 - موضوع علم الفلسفة - بمعناها العام - هو «الموجود بما هو موجود»

أو «الموجود المطلق» وقيل موضوعها «الوجود» والموجود أفضل لأنّه يناسب القول بأصالة الوجود والقول باصالة الماهية معاً، وأمّا إذا جعلنا الوجود موضوعاً للفلسفة نکون قد حدّدنا لأنفسنا مجالاً خاصاً في الفلسفة وأطرنا أنفسنا ضمن

ص: 57

القائلين بأصالة الوجود مقابل القائلين بأصالة الماهية، هذا أولاً، وثانياًنخرج القائلين بأصالة الماهية من دائرة البحث وکلا الأمرين باطلان، ذلک أن الفيلسوف وطالب الفلسفة ينبغي أن يکونا قبل الخوض في الفلسفة خاليين من کل غاية و فارغين من کل قيد، بل يکونان مطلقي العنان من هذه الجهة، کما أنه بناء علي هذا لا ينبغي لهما أن يخرجا أحدأ قبل بحث آرائه و أنظاره و تفنيدها بالنقض والحل والابرام.

57 - أهم المسائل الفلسفية ورؤوس مباحثها المتعلقة بالموجود المطلق الموجود بما هو موجود - عبارة عن مبحث الوجود والماهية وأصالتهما، ويأتي البحث عن العدم عرضاّ. ثم تقسيمات الوجود إلي الوجود العيني الخارجي والذهني الاعتباري تارة، وإلي الواجب والممکن والممتنع - بالعرض - تارة ثانية ، وإلي الحادث والقديم تارة ثالثة ، وإلي الثابت والمتغير تارة، وأخري إلي الواحد والکثير ، وإلي القوة والفعل تارة سادسة، وأخيراً إلي الجوهر والعرض وهي تقسيمات أولية

اللوجود.

ومنها ما يتعلق بالقوانين الکلية للوجود کمبحث العلية من قبيل لزوم السنخية بين العلة والمعلول وقانون اللزوم والتلازم والضرورة بينهما، ولزوم تقدم العلة علي المعلول بأحد أنواع التقدم الزماني أو الرتبي أو العقلي أو .......

ومنها ما يتعلق بعوالم الوجودالأربّعة کعالم الطبيعة أو الناسوت، وعالم المثال أو الملکوت، وعالم العقول أو الجبروت، وعالم الألوهية أو اللاهوت. ومنها ما يرتبط بعلاقة عالم الطبيعة والناسوت بالعوالم الثلاثة الأخر، کالبحث عن المبدأ والمعاد والحشر والنشر والقيامة والحساب والکتاب.

والحاصل أن الفلسفة لفظ يوناني أصله فيلسوفي بمعني محّت العلم والمعرفة ضد کلمة ميسوسوفي - ميسوسوفيا - بمعني عدّو المعرفة ، وقيل في تعريف الفلسفة

ص: 58

أنها عبارة عن البحث والتحقيق عن حقائق الأشياء وماهياتها بحسب ما في وسع الإنسان وطاقته»، کما جاء في بعض التعاريف أن الفلسفة عبارة عن «صيرورة الانسان عالمة عقلية مضاهية للعالم العيني في صورته وکماله»، وقيل في تعريفها أيضا «الفلسفة عبارة عن مجموعة مسائل مبنية علي أساس من البرهان والقياس العقلي ، التي تبحث عن مطلق الوجود وأحکامه وعوارضه» أي أنها تبحث عن وجود و عدم وجود الأشياء وأحکام مطلق الوجود، لا الأحکام والآثار الخاصة بموضوع واحد أو عدة موضوعات خاصة - راجع أصول الفلسفة للعلامة الطباطبائي قدس سره .

فهذه أشهر ثلاثة تعاريف وردت عن الفلسفة لابد من اتقانّها وفهمها والتوجه

إليها بإمعان .

وقال الشيخ الرئيس ابن سينا قدس سره في الفصل الثاني من الهيات الشفاء «و هو الفلسفة الأولي لأنه العلم بأول الأمور في الوجود، وهو العلة الأولي وأول الأمور في العموم». .

08 - لا بأس أن نوضح هنا أن موضوع الفلسفة بالمعني الأعم هو «مطلق الوجود»، وأما الفلسفة بالمعني الأخص فموضوعها «الموجود المطلق» والموجود بما هو موجود، والفلسفة بالمعني الأخص هو العلم الباحث عن أحوال کلي الوجود أي أحوال الموجود بما هو موجود. ثم أن موضوع الفلسفة الأولي بديهي لا يحتاج إلي تعريف وهو غني عن الإثبات مفهوماً و تحققاً - سواء من جهة أعتباره الذهني أو وجوده الخارجي - کما أن جميع المباديء التصديقية للفلسفة بديهيات أولية غنية عن التعريف والإثبات أيضاً.

59- هناک جملة من الأصول الموضوعة في الفلسفة التي يتم بحثها ان شاء

الله تعالي فما هي الأصول الموضوعة ؟

ص: 59

الأصول الموضوعة لعلم ما عبارة عن الأصول التي يتم إثباتها عادة في علم آخر، وهي تُعدُّ الجسر الذي يربّط بين علمين أو أکثر ، کالإرادة التي هي أصل موضوعي من أُصول علم الأخلاق لأن أثباتها لا يتم إلّا من خلال علم النفس الفلسفي.

60 - والحاصل أن الأديان السماوية والعقائد الدينية هي منبع فيض الأفکار الفلسفية ، وأن أقدم هذه الأفکار انبثقت من بين الأفکار المذهبية والعقائد الدينية ، وهذا لا يتنافي مع حقيقة الفلسفة التي هي دراسة تحقيقية دقيقة لحالات الموجود المطلق وما يتعلّق بالوجود وواجب الوجود وهلم جرّا من واقع العقل المحض بعيداً عن القيود والتعلقات، لأن المراد مما تقدم أن الأديان والمذاهب والمعتقدات السماوية حثت الانسان علي التعقل والتفکّر فيما حوله قاطبة «مطلق الوجود» أو

الوجود المطلق» وأنها اشعلت فيه نور البصيرة وأوقدت فيه نار تدعوه إلي التأمل فيما حوله خالياً عن کلّ رغبة و هوي و قيود و تعلقات خارجية أو داخلية. ملاحظة : أرجو من طالب الفلسفة وقاريء هذا الکتاب بذل عنايته الخاصة بقراءة هذه النقاط الستين بدقة وامعان قبل أن يخوض المتن والشرح، وان يجعل نصب عينيه أهمية هذه المقدمة بذاتها من جهة وارتباطها الوثيق بما سيأتي من مطالب الکتاب من جهة أخري (1)

ص: 60


1- مصادر المقدمة : ا- خلاصة الفلسفة . 2 - تاريخ فلسفة الغربّ . 3 - فلسفة ما بعد الطبيعة . 4 - تاريخ الفلسفة . ه - فلسفة التحقيق 6- المسائل والنظريات الفلسفية 7 - ما هي الفلسفة ؟ 8- تعليم الفلسفة . 9 - دروس الفلسفة .

اعرف هذا الکتاب

أ- هو الکتاب الذي يمثل أحد آثار حياة المؤلف رضي الله ، کتبه بعد قرابة خمسين عاما من التحقيق والتدريس أي في الأعوام الأخيرة من عمره الشريف، ولهذا فقد امتاز بالدقة حتّي أصبح من أفضل ما کتب في هذا المجال، واحتل مکانة علمية مرموقة في حوزاتنا العلمية ضمن المنهج الثابت لهذه الحوزات، منذ أن لاح في الافق نجمه وذاع في العالمين صيته وانتشر في الفلک الدّوار ضياؤه ونوره.

ب - لا شک انّه کتاب عميق بعمق مؤلّفه يتجاوز عمق البحار والمحيطات ، جمع فيه أُمّهات المسائل الفلسفية علي مذاهب الاشراق والمشاء والحکمة المتعالية.

ج - کما يمتاز أيضاّ بالدقة في نقل الآراء والأنظار والمسائل والقضايا، دقة

متناهية الأطراف من غير زيادة أو نقصان مراعياً فيها غاية الاتقان.

د- دأبه في کتابه رعاية الانصاف کما هو دأبه في حياته أجمع، لم يبارح

الانصاف مع خصومه و مخالفيه طرفة عين.

ه - الترم کعادته أن يکون استدلاله في کافة المسائل والمباحث مبتنياً علي أساس البراهين العقلية المسلمة، فهو برهاني محض لا يميل قطّ إلي وجوه الاستحسان أو القياسات الشعرية والخطابية والجدليات وما أشبه.

و - اعتمد في تأليف هذا الکتاب علي أُصول و مباني الحکمة المتعالية . ز - رعي في کتابه هذا غاية الترتيب والتنظيم، حتّي أصبح الطالب والاستاذ

ص: 61

يتلقيان النتائج واحدة تلو الأخري، من أصل المطلب دون حاجة إلي مزيد تکلف وبذل الجهود والعناء

ح - تختلف بعض آرائه هنا عما ورد في کتابه بداية الحکمة، وستجد ان ما

ذکره هنا أکثر نضجاً وعمقاً أحياناً مما ورد هناک .

ط. هناک تنسيق وارتباط وثيق بين مسائل الفلسفة کحلقات السلسلة المترابطة التي لا تقبل الانفکاک هذا من حسن ذوقه ونتيجة النظم والترتيب الذي بذل همته فيه.

ي - أصرَّ رحمه الله علي تلخيص البحث في نهاية کلّ فصل، وقد أحسن

التلخيص والايجاز.

ک - ترک في بيان المطالب التطويل الممل ، کما أعرض أيضا عن الايجاز

المخل؛ بل کان معتدلاً مقتصداً حقاً.

ال - کان رضي الله کعادته موفقاً ايما توفيق في حذف الزوائد والحواشي لا سيما

المسائل التي أکل الدهر عليها وشربّ ولم تعد ذا مکانة علمية تحقيقية لدي الفلاسفة، واکتفي بايراد ما يلزم ايراده وما لم تزل الفلسفة تستمد جذورها وحياتها منه.

م - وقد دأب رحمه الله علي اثبات دعوي قيام الحکمة الإلهية علي اسس

متينة من البرهان العقلي الذي لا يقبل زعزعة ولا طعناً.

ن - کما انّه رضي الله حرص أيضاً علي ايراد جملة من المسائل الحديثة التي تم اثباتها خارج حدود الفلسفة في سائر العلوم، والتي تعد من نتائج الأفکار العصرية المتطورة وتعد ثمارا علمية جديدة علي نحو الأصول الموضوعية.

س - وکيف ما کان حبيبي القاريء، فإن اسطورة الزهد والتقوي والعلم والفلسفة أعني سيدنا العلامة قدس الله روحه ونور الله مرقده الشريف ترکبين

ص: 62

أيدينا سفراً عظيماً جامعاً مانعاً ومائدة فيها ما تشتهيه نفس طالب الفلسفة وما تلده عيناه من نمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة ، جعل کل شيء في محله ومصفوفاً متراصّاً منظماً کنظم التالي، ثم سماه النهاية لا قاصدأ أنها نهاية ما يحتاج اليه طالب الفلسفة، ولا أنها نهاية أفکاره وآرائه الفلسفية ولا أن بها تختتم الفلسفة، کلا، بل عني بذلک أن الکتاب هذا يجمع بين دفتيه ويحوي بين جنبيه آخر ما تم التوصّل اليه في عالم الحکمة وآخر ما نطق به الحکماء

فلا ينبغي الإستهانة بمطالب هذا الکتاب ، بل يستحق أن يبذل المرء في

تعلمه غاية الاجتهاد.

ص: 63

ص: 64

الامام اتخميني قدّس سرّه فيلسوفاًو حکيماً

في الذکري المئوية لمولد المصلح الأعظم - في القرن العشرين الميلادي والقرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين - رأيت أنه لابّد من التبرک بذکره الشريف وذلک بإيراد نبذة ولو يسيره عابرة من حياة هذا البطل الضرغام في ميادين البطولة والجهاد والذود والدفاع عن حرم الدين وبيضة الاسلام، وهذا الفقيه الأصولي الکبير في ساحة العلم ومقام الافتاء وبيان أحکام الشريعة و احيائها والّذبّ عنها وصونها من عبث العابثين وسخافة عقول المتحجرين وبسط خيراتها ونشر برکاتها علي ارجاء المعمورة من مشارقها إلي مغاربّها ومن أقصاها إلي أدناها ، وهذا الفيلسوف والحکيم والعارف الکامل الذي بلغ کمالاً في ساحة المعرفة والتهذيب والجهاد الأکبر واصلاح الذات وجمع الفضائل ، جعلته مصداقاً تاماً بل أتم مصداق وأکمله لقول المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام «من کان من الفقهاء صائناً لنفسه مخالفا لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه وذلک لا يکون إلّا بعض فقهاء شيعتنا». .

اذن بلغ الامام المصلح أعلي الله مقامه الشريف مرتبة من الکمال والعلم والمعرفة تؤهله لمقاماً النيابة العامة لمولانا الامام الحجّة المنتظر صلوات الله وسلامه عليه، بل صنعت منه شخصية قلّ نظيرها في التاريخ بين العلماء والفقهاء، ليکون أحق الفقهاء بالنيابة العامة وأقربّهم مقاماً وأخصّهم منزلة وزلفي من الولي الأعظم - أرواحنا لتراب مقدمه الفدا - وانما خصصته بالذکر هنا - مع قلة بضاعتي علماً

ص: 65

واحاطة ومعرفة بجميع جوانب حياته وضعف مقدرتي علي بيان تلک الجوانب المشرقة من حياته المليئة بالعجائب والقضائل - أداء لشيء يسير من دينه الذي في عنقي وأعناق العالمين، وارتشافاً لقطرة من هذا النبع الصّافي الذي يحمل معه عين الحياة ، و ايماناً و اعتقاداً منّي بأن ما يکتب عن هذا النائب بالحق توخياً لنشر فضائله وأفکاره وآرائه ومعتقداته إنّما هو نشر للفضيلة ونصرة للدين وتوعية للأجيال و تحقيق الأهداف السامية وهو مما يرضي مولانا بقية الله الأعظم أرواحنا فداه ، بل من أفضل ما يقربّنا اليه زلفي ويشدّ القلوب إليه، لأنه عليه الصلاة والسلام حجة الله عليهم وهم حججه علينا.

ولکن کيف و أنّي يسوغ لنا أن نبرز شيئاً من حياة الامام حکيماً و فيلسوفاً ونحن لا نکاد نعثر علي کتاب للإمام الراحل رضي الله في هذا الخصوص، ورغم کثرة التأليف وجودة التصنيف التي اشتهر بها الامام الراحل رضي الله فإنه لم يکتب ولم يفرد تأليفاً خاصاً يضمّنه آراءه وأنظاره الفلسفية - فقد کتب في الفقه وفصّل وکتب في الاصول و فصّل وکتب في الأخلاق والعرفان والتفسير والحديث وما أشبه - ولهذا فإنني استخلصت هذه الوجيزة الآتية من خلال دراسة اجمالية في کتبه وأقواله عسي أن تکون نافعة لقرائها.

وجد الامام الراحل ضالّته عند العارف الحکيم المرحوم الشيخ محمد علي الشاه آبادي من تلامذة المرحوم الحاج ميرزا هاشم الخوانساري مؤلف کتاب مباني الاصول ، والحاج ميرزا حسن الاشتياني صاحب کتاب حاشية الرسائل والمرحوم ميرزا هاشم الکيلاني فيلسوف عصره والمرحوم ميرزا أبو الحسن جلوه الاصفهاني العارف الشهير والآخوند الخراساني صاحب کفاية الأصول والشريعة الاصفهاني والميرزا محمد تقي الشيرازي أعلي الله مقامهم الشريف جميعاً قدّس سرّه .

تتلمذ الامام الراحل علي يدي هذا العالم العارف الفيلسوف طيلة سبعة أعوام

ص: 66

متوالية فدرس عنده وقرأ علي يديه فصوص الحکمة ومفتاح الغيب ومنازل السائرين، کما أنّه تلمّذ علي يد المرحوم السيّد أبو الحسن القزويني من حکماء عصره وزمانّه . ثّم بدأ بتدريس المنظومة والاسفار في قم المقدسة فترة من الزمان حتّي نما و ترعرع علي يديه وفي ظل مساعيه وجهوده جملة من أساتذه الفلسفة وطلابها کالمرحوم الشهيد مرتضي المطهري و آية الله السيّد عزالدين الزنجاني و آية الله الشيخ جوادي آملي و آية الله الشيخ جعفر السبحاني، وآية الله السيّد محمد الحسيني البهشتي وجملة من علماء الفلسفة وأساتذتها ممن لا يسع هذه الوجيزة ذکر أسماتهم

للامام الخميني الله رحمه الله موقف معتدل تجاه فلسفة اليونان، فهو يقول في کشف الأسرار عن أرسطو «يّعد ارسطو بن نيقو ما خوس من أهالي اساطجرا أحد کبار فلاسفة العالم، وذلک أن التعليمات المنطقية وقواعد علم الميزان التي تعتبر أُسساً لجميع العلوم، رهينة جهود هذا الرجل العظيم وأتعابه، وقد اشتهر بالمعلم الأول لوضعه مباني التعاليم المنطقية ، حتّي أرغم عبقري الزمان شيخ الرئيس ابن سينا الذي انحني يقبّل الأرض تأدّباً أمام تعاليم هذا الرجل العظيم وصرّح قائلاً: لم يقدر أحد حتّي الآن علي توجيه الأشکال علي القواعد المنطقية التي وضع مبانيها ارسطو ، وما زالت آراؤه المتينة لم تطاولها أيدي النقض والابرام.

فقد اعتاد الامام الخميني أن بّر عن ارسطو بالرجل العظيم تارة ، و بالفيلسوف العظيم الشأن تارة أخري وبالحکيم العظيم تارة ثالثة ، کما أنه رحمه الله يعبر عن کتابه «اثولوجيا» بأنه اثر عظيم وکتاب شريف کما في آداب الصلاة صفحة 329 م.

ولم يکن افلاطون أقل حظّاً من صاحبه حيث أنه نال حظّاً وافراً من تمجيد الامام الراحل وثنائه حتّي قال في کشف الأسرار «له آراء متينة قيّمة في باب

ص: 67

الإلهيات قام الشيخ شهاب الدين الحکيم الاشراقي وصدر المتألهين الفيلسوف الاسلامي الشهير يجعل بعضها مبرهنة مدلّلة کقوله بالمثل الأفلاطونية والمثل المعلّقة».

ويقول رحمه الله عن جهود الفلاسفة المسلمين في صحيفة نور الجزء 17 صفحة 250 «مسألة البعثة - المبعث - أحدثت تحولاً علمياً عرفانياً في العالم جعلت من الفلسفات اليونانية الجامدة التي تحققت علي أيدي فلاسفة اليونان وهي قيمة بذاتها، جعلت منها عرفاناً عينياً وشهوداً واقعياً لأربّاب الشهود». وقال في الصفحة 251 أيضاً «لولا القرآن الکريم لبقيت أبواب المعرفة مغلقة إلي الأبد، وأما الفلسفة اليونانية فانّها باب آخر إلي المعرفة تستحق الثناء والتقدير ، لأنها تثبت الأشياء والحقائق عن طريق الاستدلال، لکنها لا تتکفل بحصول المعرفة للانسان». .

وکان رحمه الله شديد التعظيم لابن سينا حيث يقول عنه في کشف الأسرار «شيخ الرئيس أبو علي حسين بن عبدالله بن سينا من أهالي مدينة بخاري ، کان أبوه بلخيّاً، حياته وکيفية تحصيله للعلوم و تأليفاته مشحونة مليئة بأمورٍ عجيبة تحيّر العقول ، فلقد صنف کتاب القانون في السادسة عشرة من عمره کما روي ، ويقول أيضاً: حينما بلغت الرابعة والعشرين من عمري کنت أري نفسي ملمّاً بجميع العلوم وما من علم في العالم إلا وأعلمه. وقيل أنه صنف الإلهيات وطبيعيات الشفاء بمعدل خمسين صفحة في اليوم الواحد، دون أن يراجع في ذلک کتابا قطّ». .

وأيضاً من کلام رحمه الله له في صحيفة نور الجزء 18 صفحة 190 - 191 : «حتّي في المسائل الفلسفية حين تراجعون فلسفة ارسطو التي تعد أفضل الفلسفات قبل الاسلام ستجدون أن بين فلسفة ارسطو والفلسفة التي ظهرت بعد الاسلام ، بينهما ما بين السماء والأرض، رغم کون تلک الفلسفة نافعة جداً، ورغم الاطراء الذي اطراه شيخ الرئيس وما اثناه علي منطق ارسطو في قوله لم يقدر أحد حتّي الآن من ايراد

ص: 68

خدشة فيه أو اضافة شيء عليه ، رغم هذا وذاک فإننا بملاحظةالفلسفتين والمقارنة

بينهما نجد أن بينهما ما بين السماء والأرض». .

وفي کلام رحمه الله عن الحکمة المتعالية يقول في کشف الأسرار ما هذا ترجمته: «ان محمد بن ابراهيم الشيرازي أعظم الفلاسفة الإلهيين ومؤسّس القواعد الإلهية ومجدد حکمة ما بعد الطبيعة، هو أول من بني مسألة المبدأ والمعاد علي أصل عظيم لا يتزعزع، وأثبت المعاد الجسماني بالبرهان العقلي، وأوضح ما لدي الشيخ الرئيس من خلل في مسألة علم الباريء جلّ وعلا، وألف بين الشريعة المطهرة والحکمة الإلهية ، وبعد تحقيق کامل وجدنا أن الأقوال حوله کثيرة کل واحد قال شيئاً في حقه وعن شخصيته وان أقوالهم انما تدل علي قصورهم وعجزهم عن ادراک مطالبه الدقيقة، نعم خوض المطالب العالية المبنية علي أصول کثيرة ومباني متفرقة متشعبة يوجب إساءة الظنّ بأساطين الدين والحکمة، حتّي باتوا يحملون ردود المولي صدرا وطعناته علي الأشاعرة والمعتزلة ، علي أنّها هجوم علي الدين ومشايخ المذهب ، جهلاً منهم بمقاصده ومراداته ».

ولکن الفلسفة والحکمة المتعالية رغم علوّها حتّي علي ما ورد في کتب صدر المتألهين - الحکمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربّعة والشواهد الربّوبية والمشاعر والعرشية ومفاتيح الغيب وسائر رسائله - رغم ذلک فهي معرضة للأخطاء وحاملة بين مسائلها المخاطر العقائدية ولا يمکن الأخذ بها علي علّاتها بل ينبغي خوضها بقدرة النقض والابرام، کما أنها رغم ذلک لا تضمن ايصالاً إلي مقام الکشف والشهود وفي هذا يقول امامنا الراحل رحمه الله في تفسيره علي سورة الحمد حول أهمية الکشف والشهود: «ما تمت البرهنة عليه في الفلسفة المتعالية لا الفلسفات المتعارفة ، فهي تختلف اختلافاً کلياً عما کان يتوصل إليه الأولياء، وذلک انّهم تجاوزوا المنازل العرفانية بالسير والسلوک، وکانوا يشاهدون حقائق هذه المعارف».

ص: 69

فالحقائق البرهانية والمعارف الفلسفية مرحلة من معرفة الحقائق، وهناک مرحلة أعلي منها ألا وهي هبوط هذه المعارف من حيطة العقل و وقوعها علي قلب الإنسان وهو ما يسمي بالشهود.

کان الامام الراحل رحمه الله لالمامه بعلوم متعددة و تخصّصه في مجالات عديدة کالفقه وأصوله والعرفان والکلام والفلسفة والتفسير والحديث والرجال وما أشبه ، يمنح کل علم ما يستحقه من الأهمية ولا ينقص من شأن علم ولا يزيد علماً من الشأن والأهمية علي حساب علم آخر، فکان ينظر إلي العالم الخارجي من حوله کالفلاسفة من نافذة الفلسفة والفقهاء من نافذة علم الفقه وکالعرفاء من نافذة العرفان، بل کان فيلسوفاً عارفاً وعارفاً فقيهاً وفقيهاً أصولياً وأصولياً مفسراً، ويفکر في الفقه کالفقيه المتخصص وفي مجال الاصول کالأصولي المتبحّر وفي مجال الفلسفة والعرفان والکلام کالحکيم المتأله، وکان في السياسة سياسية حکيما، والحاصل أنه جمع الأضداد واجتمعت فيه أوصاف متناقضة حتّي سمّي بجامع الأضداد، وهذا مما لا يتحقق الا للألمعي من العلماء

وکان رحمه الله يري الفلسفة وسيلة لمعرفة حقائق الوجود وليس غاية تنتهي اليه وتقف عنده آمال الفيلسوف ، کما کان له يذم من يکتفي بالنظر إلي العالم بمنظار واحد و تفسير کل ما في العالم من خلال نافذة علم واحد لهذا يقول رحمه الله «کل من تعلم علما جعل کل الکمالات محصورة في دائرة ما أدرکه وتعلمه، فيخال للفقيه أن لا شيء في العالم سوي الفقه، ويظن العارف أن لا شيء في العالم سوي العرفان وهکذا الفيلسوف يتصور أن لا شيء سوي الفلسفة، ويظن المهندس أن لا شيء غير الهندسة ... إلي أن يقول رحمه الله انّه يري ما يعلمه علماً دون سواه، وهذا حجاب کبير لنا جميعاً، هناک حجب کثيرة لکن أغلظها وأشدها هو حجاب العلم هذا، فماکان يفترض ان يهتدي به إلي الصواب صار مانعاً له عن بلوغ الکمال ......الخ.

ص: 70

ويقول أيضاً في آداب الصلاة : «أحد الحجب الکبيرة هو حجاب العجب والأنانية ، وذلک أن يري المتعلم نفسه مستغنياً عن کل شيء بسبب هذا الحجاب ... إلي قوله قدس سره فيقنع أهل التجويد بما عندهم من علم جزئي ويصوره العجب امرة هائلا في أنظارهم دون غيره من العلوم حتي يحسبوا أنفسهم مصداقاً لحملة القرآن، ويُرضي أصحاب الأدب وعلماء اللغة بالصورة الظاهرة بعيداً عن اللب اللباب ، ويصور لهم جميع شؤون القرآن فيما لديهم فحسب ... إلي قول قدس سره حتّي أنه يحبس الفيلسوف والحکيم والعارف في حجاب غليظ من الاصطلاحات والمفاهيم و امثالها، بينما علي من يريد الاستفادة أن يخرق جميع هذه الحجب». .

ويري الامام الخميني رحمه الله - کما في دأب الصلاة - أن لا تعارض بين القرآن

الکريم والفلسفة ، وان موارد التفسير بالرأي يحتمل أن تختص بغير آيات المعارف والعلوم العقلية الموافقة للموازين البرهانية وکذلک الآيات التي تتحدث عن السلوک والاخلاق إذا کان للعقل دخل في تشخيصها ، ولهذا قال له : «يحتمل قوياً أن يختص التفسير بالرأي بآيات الأحکام التي لا دخل للآراء والعقول في معرفتها لکونها تعبدية محضة».

تقدم أن للفلسفة ثلاثة تعاريف شهيرة - راجع المقدمة 57 قولنا والحاصل» - فاعلم أن ثاني هذه التعاريف والذي ورد في کتاب آداب الصلاة للامام الخميني اه بتعريب وترجمة السيّد احمد الفهري - دام عزّه - بهذا النص «هي ضرورة الانسان عالمة عقلية مضاهبة للعالم العيني في صورته وکماله» يمثل اختيار الامام الراحل في معني الفلسفة وحقيقتها، وذلک بناء علي أصالة الوجود و اعتبارية الماهية. لکن التعريف الثالث والأخير لا يختلف کثيراً عن هذا التعريف بل هو توضيح وبيان للثاني ليس إلا فانظر إلي هذا التعريف الأخير وقارن بينه وبين الثاني «الفلسفة عبارة عن مجموعة مسائل مبتنيه علي أساس من البرهان والقياس

ص: 71

العقليين، التي تبحث عن مطلق الوجود وأحکامه وعوارضه». .

الامام الخميني رحمه الله يستدل علي اثبات وجود الباريء جلّ وعلا ببرهان الصديقين لابن سينا - راجع تفسير سورة الحمد - وذلک أن العقل يدرک بحسب الفطرة أن الممکن الذي قد يکون وقد لا يکون يستحيل أن يوجد جزافاً من غير علة واجبة تمنحه نعمة الوجود فالممکن بالذات لابد أن ينتهي إلي الواجب بالذات عقلاً وفطرةً.

وهناک مجموعة من الآراء الفلسفية وبيان للمسائل والقواعد الفلسفية جمعتها من جملة من کتب الامام الراحل رحمه الله سيأتي إيرادها في شرح متن الکتاب کل في محله وحسب مناسبة المطلب ان شاء الله تعالي (1)

ص: 72


1- مصادر - الإمام الخميني فيلسوفاً وحکيماً : 1- آداب الصلاة - للامام الخميني قدّس سرَه . 2- حياة الإمام الخميني برواية الإمام نفسه للسيد أحمد الخميني (بالفارسية). 3- مشايخ الامام الخميني - رضا الاستادي (بالفارسية). 4 - نهضة الامام الخميني - للسيد حميد الروحاني (بالفارسية). 5 - تفسير سورة الحمد - للامام الخميني . قدّس سرّه 6- الامام والحوزة والسياسة - للسيد أحمد الخميني - مجلة الحضور - (بالفارسية). 7- الدفاع عن الفلسفة - رضا داوري (بالفارسية). 8- کشف الأسرار - للامام الخميني. 9- صحيفة النور - للامام الخميني (بالفارسية). 10- قيام الاخباريين ضد الفلسفة - محمد ابراهيم الجناتي (بالفارسية). 11- غلبة الاجتهاد علي الاخبارية - محمد ابراهيم الجناتي (بالفارسية). 12- شرح دعاء السحر - للامام الخميني . 13 - الطلب والارادة للامام الخميني .

خلاصه الکلام

يتلخّص ممّا تقّدم أن للفلسفة والتفکر الفلسفي - في التمدن والحضارة

الاسلامية والعصر الاسلامي المزدهر بالتقدم العلمي والتنمية الفکرية - تاريخاّ عريقاً حافلاً بالأحداث المتناقضة ، من ولادة آراء وأفکار عظيمة زادت العلوم العقلية بهاءاً ونضارة ، ومن عراقيل وعثار قضت علي حياتها ونقصت العيش علي أهلها .

بدأت الفلسفة رحلتها في عصر الحضارة الاسلامية بترجمة کتب اليونان وعلومهم إلي العربّية، ثم أخذت لها مکاناً مرموقاً في المراکز العلمية للمسلمين،

حتّي ظهر فلاسفة مسلمون بآراء جديدة و نظريات متطورة حديثة لم يسبقهم إليها أحد من فلاسفة اليونان أو الصين أو الفرس وما أشبه ، وکان لهم الفضل الأکبر واليد الطولي فّي رقيّ الفلسفة و تطورها بين العلوم ، إبتداءاً من الکندي المعروف بفيلسوف العربّ إلي المعلم الثاني اعني أبي نصر الفارابي ومروراً بالشيخ الرئيس ابن سينا وانتهاء بابن رشد الأندلسي الذي بلغ بفلسفة المشاء قمّتها وأبلغها شأوها و ذروتها، وفي هذه الأثناء ظهرت طريقة جديدة في التفکر الفلسفي أخذت أصولها و استمدت جذورها من الفلسفة الأفلاطونية ثم نسبت نفسها إلي إفلاطون زوراً وبهتاناً وهي المدرسة الأشراقية التي اسّسها السهروردي شيخ الاشراق وظهرت آثار مهمة فيها مثل رشف النصائح للسهروردي ولکن الحرکة الفلسفية في العصر الإسلامي وضعت رحلها عند الحکمة المتعالية التي جادت بها قريحة المولي صدر المتألهين.

کما أن هناک جماعة من علماء الدين أبرزوا عداءاً صارخاً للعلوم الفلسفية

ص: 73

بل للعلوم العقلية مطلقاً وشئوا حربّاً ضارية علي أصحاب هذا العلم - الفلاسفة والحکماء - وألفوا کتباً في هذا الخصوص کالغزالي في کتابه «تهافت الفلاسفة»، وکابن تيمية المخالف للمنطق والقواعد العقلية الثابتة التي لا تقبل النقاش في کتابه

الردّ علي المنطقيين» لکنها محاولات بائت بالفشل الذريع ولم تطق الاستقامة في

وجه العقل السليم وأحکامه وقواعده الثابتة.

وقع خلاف شديد بين الفقهاء والفلاسفة لأسباب عديدة أهمّها عدم احاطة الفقهاء بالمسائل الفلسفية، لکن هذا الخلاف بدأ يرحل ويذبل شيئاً فشيئاً حتي أصبح في العصور المتأخرة أمراً منسياً، بل أخذ الکثير من الفقهاء يدرس الفلسفة ويتقنها ومنهم من جمع بين الفقه والفلسفة فکان فقيها فيلسوفاً له انظاره و آراؤه الفلسفية تماماً کما له آراؤه الفقهية ، وذلک بعد ما تعلّموا الفلسفة وأحاطوا به وعرفوا مسائله، ولا يخفي علي العارف اللبيب أن الفلسفة منذ زمن بعيد أصبحت من المواد الدراسية الضرورية والإلزامية أحياناً في حوزاتنا العلمية ، وبات الفقيه لا يکون فقيهاً إلّا إذا أتقن العلوم العقلية والفلسفة، نعم هذه الحالة کانت ولا تزال مشوبة بنوع من الحذر والتخوف عند فقهائنا، لما تحمله الآراء الفلسفية من أخطار علي عقائد طالبيها وأفکارهم الدينية.

لقد مرت الفلسفة في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين وذلک في عهد الشاه عباس الصفوي بظروف عصيبة للغاية حيث الأوضاع السياسية المتردية والشتات الاجتماعي من القتل والتشريد والانحطاط الفکري والعلمي والثقافي من إحراق للمکتبات العلمية وقتل وتشريد للعلماء وتدمير للمدارس والمراکز العلمية ، کل ذلک علي أيدي الأتراک الغزاة والمغول الجناة الذين تمکنوا من السيطرة علي بلاد المسلمين والفتک بهم ومحو الحضارة الاسلامية والقضاء علي کل ما حصل عليه المسلمون من تقدّم وارتقاء. وبين هذه الاشلاء وهذا الدمار ظهر جماعة

ص: 74

يخجل المرء أن يلقبهم بالفقهاء ولکنهم رغم ذلک نسبوا إلي الفقه ، کانت مهمتهم تضييق الخناق علي الفلاسفة والحکماء، فلم يسلم من شرهم وأذاهم المولي محمد باقر الاسترابادي - الميرداماد - صاحب کتاب القبسات ، ولا المولي صدر المتألهين الشيرازي، ولا المولي نظام الدين الدشتکي صاحب کتاب اثبات الواجب والامالي الفلسفية ولا المولي شمس الدين الکيلاني صاحب کتاب حدوث العالم ولا السيّد أبو القاسم الفندرسکي ولا الشيخ علي الکمره اي الشيرازي، ولا المولي فياض اللاهيجي صاحب کتاب شوارق الالهام ، ولا المولي آقا حسين بن محمد الخوانساري صاحب حاشية شرح الإشارات وإلهيات الشفاء ولا غيرهم من فلاسفة ذلک العصر رغم کثرة عددهم.

ولقد کان لظهور الفکر والمسلک الاخباري بين الشيعة والسنة خطر عظيم يهدد العلوم العقلية، اذ الاخبارية السنية - التي سميت فيما بعد بالوهابية نسبة إلي محييها ومحي معالمها الشيخ محمد بن عبدالوهاب - تعتقد بانحراف الکلاميين والفلاسفة وضلال کتبهم ومعتقداتهم لأنها - علي حد زعمهم - وليدة فکر البشر و خروج عن دائرة الکتاب والسنة النبوية الشريفة وخلاف لظواهر الآيات والأحاديث وکل تخط عن هذه الظواهر کفر و الحاد وضلال، وأما الإخبارية الشيعية - وقد اطلق علي أصحابها الأخباريون - کانوا يرون أيضاً أن لا مجال للعلوم العقلية وکل ماخالف ظواهر الکتاب والسنة وروايات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام فهو باطل وضلال، ظهرت هذه الأفکار وهذا المسلک في القرنين الثالث والرابع الهجريين فتصدي لأصحابها کبار علماء المذهب کالمرحوم الشيخ المفيد والسيّد المرتضي والشيخ الطوسي والمحقق الحلي والعلامة الحلي وغيرهم و هزموهم شر هزيمة، ثم ظهر ثانية في القرن الثاني عشر الهجري فتصدي لهم بطل ساحة العقل والبرهان الوحيد البهبهاني الملقب باستاذ الکل وتبعه بعض خيرة

ص: 75

تلامذته مثل المرحوم کاشف الغطاء والمرحوم بحر العلوم والمولي مهدي النراقي أعلي الله مقامهم الشريف، وألحقوا بهم کذلک شر هزيمة ونگسوا رايتهم إلي يومنا هذا، إلا أن الاخبارية السنية تجددت باسم الوهابية وهي مازالت تحاربّ العقل والبرهان ولا تري للعقل أي قدرة علي فهم الشريعة والدين وان الدين لا يدرک إلّا بالحديث النبوي والکتاب الکريم.

في هذه الظروف العصيبة ظهر المولي صدر المتألهين بفلسفة جديدة لم يسبق لها مثيل هي أعظم من الحکمة المطلقة تعتمد في حصول المعرفة علي طرق ثلاثة هي طريق البرهان، وطريق الکشف والاشراق، وأخيرا طريق الوحي السماوي بالاعتماد علي الکتاب والسنة، ورفض الکشف والاشراق إلا إذا کان مستنداً إلي الکتاب والسنة غير مخالف للبرهان اليقيني أيضاً، سماها بالحکمة المتعالية وهي في الحقيقة مزيج متکامل متطور من فلسفة افلاطون و ارسطو وفلوطين وفلسفة المشاء والاشراق والعرفان والکلام والتفسير والحديث.

لکن الظروف العصيبة والأزمة المتصاعدة سرعان ما أجبرته علي اختيار العزلة والانزواء، فقد اعتزل الناس طيلة خمسة عشر عاماً قضاها في قرية جبلية من ضواحي مدينة قم المقدمة تسمي قرية «کهک»، بعيداًعن الحياة الاجتماعية لا شک أنها کانت سبباً هاماً في ابداعات المولي صدرا و فتوحاته الفلسفية.

من أبرز الفلاسفة الذين ظهروا بعد المولي صدرا واتخذوا منهجه و مسلکه وطريقته وهي الحکمة المتعالية محوراً لبحوثهم ودراساتهم الفلسفية بل بات کتابه الأسفار الأربّعة هو المنهج بعينه ، من أشهر هؤلاء الفلاسفة المولي علي النوري الاصفهاني المتوفي عام 1246 هجري والمولي جعفر اللاهيجي والمولي مصطفي القمشه اي و الميرزا محمد رضا الأصفهاني والميرزا حسن النوري والمولي عبدالله الزنوزي التبريزي والحاج المولي هادي السبزواري، والشيخ احمد الاحسائي

ص: 76

مؤسس طريقة الشيخية في القرن الثالث عشر الهجري شارح المشاعر وحکمة العرشية من کتب المولي صدرا، والمولي محسن الفيض الکاشاني وأمّا في القرن الرابع عشر فقد ظهر الميرزا مهدي الاشتباني صاحب کتاب أساس التوحيد ، والسيّد جمال الدين الأسدآبادي - الأفغاني - و المولي محمد فاضل الايرواني والميرزا أبو الحسن الأصفهاني والميرزا محمد طاهر التنکابني والمدرس الزنوزي صاحب بدايع الحکم والميرزا محمد رضا القمشه اي و غيرهم إلي عصرنا الحاضر ، الذين برز من بينهم السيّد أبو الحسن الرفيعي القزويني و محيي الدين القمشه اي صاحب کتاب الحکمة الإلهية والحائري المازندراني والسيّد جلال الدين

الاشتياني.

ص: 77

ص: 78

بسم الله الرحمان الرحيم

کلام بمنزلة المدخل لهذه الصناعة

(1)

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسّلام علي سيّدنا محمد و آله الطاهرين .

ص: 79


1- أولاً : ينبغي معرفة المفهوم الصحيح لموضوع العلم الذي يتم البحث عنه. وهو من المباديء التصورية لذاک العلم. ثانياً: ينبغي اثبات وجود الموضوع في الخارج. وهو من المباديء التصديقية له. . ولو کان لذاک العلم اصول موضوعة مستقاة ومأخوذة من علم آخر، أو يجب اثباتها فيما بعد فلا بد من ايرادها في المقدمة. وأخيراً لابّد من بيان فائدة العلم وهو في الحقيقة العّلة الغائية لايجاد ذاک العلم. في مقدمة هذا الکتاب أورد المصنف (طابت نفسه) هذه المطالب أعني أنه ذکر ما يفيد کل ما ذکرناه آنفاً، وأدرج هذه النتائج ضمن بيانّه الذي سيأتي بعنوان المدخل لهذه الصناعة. للصناعة حکم المشترک اللفظي ، اذ الصناعة تارة في عرف العلوم مساوق للعلم، لا فرق أن نقول هذا العلم أو هذه الصناعة. وتارة معناها أخص من هذا کما يقال في علم المنطق الصناعات الخمس، فالمنطق بأکمله يعّد صناعة واحدة بلحاظ والبرهان صناعة بالمعني الأخص ، هکذا الفن ، اذ تارة يقال فن المنطق مثلاً، وتارة يقال بمعني خاص فيطلق علي أبعاد علم من العلوم فيقال فنون العلم الفلاني. الحاصل : ان کلمة العلم والصناعة والفن قد تستعمل جميعها مترادفة. و مراد المصنف رضي الله هنا من الصناعة هو علم الفلسفة الأولي أي العلم الکلي. کلمة الفلسفة أيضاً تارة تطلق علي جميع العلوم الحقيقية وکل من أبعادها المتعددة کالعلوم الطبيعية و الرياضيات وغيرهما کانت تسمي تسمية خاصة بها. والفلسفة المقصودة في هذا الکتاب أي الفلسفة الإلهية ما هي إلّا جزء من الفلسفة القديمة التي تسمّي بما بعد الطبيعة أو الفلسفة الإلهية أو العلم الکلي. ثمّ أن الفلاسفة اختلفوا في عدد العلوم النظرية فالمرحوم صدر المتألهين في حاشيته علي کتاب الشفاء لابن سينا يقول: أن القدماء (ويعني من تقدّموا علي ارسطو) کانوا يقسمون العلوم النظرية إلي ثلاثة أنواع هي : الطبيعية والرياضية والإلهية، أما ارسطو فإنّه قسمّها إلي أربّعة، هي الطبيعية وما بعد الطبيعة والرياضية والإلهية. يستفاد من کلام صدر المتألهين أعلي الله مقامه) أن في فلسفة أرسطو کان ما بعد الطبيعة علما مغايرة للعلم الإلهي، وإن العلم الإلهي کان مختصة بمعرفة الله تعالي، وأن ما بعد الطبيعة کان من الکليات التي لا تخص البحث عن الواجب تبارک وتعالي. أمّا ابن سينا فإنّه قسم الفلسفة النظرية إلي أقسام ثلاثة الطبيعية والرياضية والإلهية، وقسّم ما بعد الطبيعة إلي الفلسفة الإلهية، وما نقول به هنا من الفلسفة الإلهية قائم علي نفس التقسيم الذي قدمّه المرحوم ابن سينا، وعليه فالإلهيات بالمعني الأخصّ أيضاً منضمة إلي الفلسفة الاولي و مندرجة تحتها. فالفلسفة التي تقصدها وندرسها هنا تشمل الفلسفة بالمعني الأعم وبالمعني الأخص معاً. في هذه المقدمة يبدأ ببيان الموضوع ما هو ثم يشرع في اثباته وکيف يمکن اثباته. وهل يحتاج الي الاثبات أم لا؟ ونتيجة مقدمته أن موضوع الفلسفة الأولي أو الفلسفة الإلهية هو الموجود بقول مطلق. أمّا مفهوم الموجود فهو من البديهيات الغنية عن التعريف. وأما اثبات الموجود بالمصداق الخارجي أيضاً من البديهيات التي لا تقبل الانکار الّا من قبل السوفسطائيين والشکاکين ، وحتي من أنکره فإنّما توجه انکاره لفظية لا حقيقة، لأنهم بصورة أو بأخري اضطروا إلي اثباته. نقرأ في هذا المدخل : أ- أنّ الفلسفة أعم العلوم، لأن موضوعه أعم الموضوعات، فجميع العلوم في اثبات موضوعاتها تحتاج الي الفلسفة، بينما الفلسفة غنية في ذلک عن جميع العلوم لأن موضوعها - وهو الوجود - بديهي التصور والتصديق. ب - لما کان موضوع الفلسفة هو الوجود، لزم کون محمولات القضايا الفلسفية هي «الموجود»، وهذه المحمولات اما تساوي الوجود أو هي أخص منه، لکنها مع ما يقابلها يساويان الوجود. ج - ان القضايا الفلسفية ترد بطريقة عکس الحمل مثل الواجب موجود والممکن موجود، الوجود يکون واجبأ و يکون ممکناً. د- لا غاية للفلسفة لتکون الفلسفة آلة غائية لها، لأن موضوعها - وهو الوجود - أعم الموضوعات. ه- لما کان موضوع الفلسفة عبارة عن مطلق الوجود، فلم يکن معلولاً لعّلة أخري ، ولهذا فليست البراهين الفلسفية براهين لقية يسلک فيها من العلة إلي المعلول، ولا هي براهين إنية يسلک فيها من المعلول الي العلة ، وانما يستدل فيها عن طريق الملازمات العامة التي يستدل فيها من أحد المتلازمين علي الآخر.

إنّا معاشر الناس أشياءُ موجودةُ جدّاً، ومَعَنا أشياءُ أُخَر موجودةُ ربّما فعلَت

فينا أو انفعلت منّا، کما أنّا نفعل فيها أو ننقعل منها.

هناک هواء نستنشقه، وغذاء نتغدّي به، ومساکن نسکنها، وأرضُ نتقلّب عليها ، وشمسّ نستضيء بضيائها ، وکواکبُ نهتدي بها ، وحيوانُ ، ونباتُ، وغيرهما .

وهناک أُمورُ تصرها، وأُخري نسمعها، وأخري نشمّها ، وأخري تذوقها ،

وأُخري وأُخري.

ص: 80

مقدمة المؤلف

وهناک أمورُ تقصدها أو نهربّ منها، وأشياءُ تحبّها أو بُغضها، وأشياءُ

نرجوها أو نخافها، وأشياءُ تشتهيها طباعُنا أو تتنفّر منها ، و أشياءُ نُريدها لغرض الاستقرار في مکاني أو الانتقال من مکان أو إلي مکان أو الحصول علي لذّةٍ أو الاتّقاء من ألم أو التخلّص من مکرو أو لمآربّ أخري.(1)

يردعليه ،هو:

ص: 81


1- فما دليل هذه الدعاوي ؟ ما ذکره المؤلف قدّس سرّه في هذه الفقرة من وجود أشياء حقيقية حولنا ومن کوننا وجودات و موجودات خارجية حقيقية، ومن إننا نتأثر تارة بها ونؤثر فيها تارة أخري، علي نحو الاجمال والتفصيل، کل هذه من الامور البديهية لدي الناس جميعاً، بل هي من الأوليات التي لا تقبل الانکار، ولهذا نتساءل: فلماذا ذکرها العلامةقدس سره ا بتفاصيلها رغم أن بيانّها تحصيل للحاصل ؟! والجواب أن هناک جماعة کانوا وما زالوا من المفکرين ودعاة الفلسفة لا سيما في الغربّ ممن انکروا هذه الحقائق بل أنکروا کل وجود خارجي مطلقاً رغم بداهتها، وبلغ بهم الأمر حتّي انّهم أنکروا وجود أنفسهم، بل اعتبروا الاشياء کلها مجرد أمور ذهنية وجعلوها وليدة أذهان البشر وافکارهم ليس الا کالفيلسوف الغربّي المعاصر «بولي» والفيلسوف اليوناني القديم «بروتاغوراس»، لکنهم رغم انکارهم التام للحقائق في عالم الخارج واقتصارهم علي وجود الأشياء في عالم الذهن والخيال البشري إلا أنهم لم يقدروا علي انکار وجود فکرهم الذي يقول «أنا أشک في کل شيء» أو «أنکر وأرفض وجود حقائق خارجية» فاضطروا إلي اثبات هذه الفکرة وهذا المدعي. حتي جاء من يقول في مقام الاحتجاج عليهم أن هذه الفکرة إما أن تکون موجودة حقيقة أو أن لا يکون لها وجود حقيقي في الخارج، فعلي الثاني تعد هذه من الأوهام والخياليات وهي مجرد صورة ذهنية أيضاً فلا اعتبار للأوهام والصور الخيالية المحضة ما لم تتحقق في عالم الواقع والخارج، وعلي الأول فهي حقيقة خارجية وکل فکرة حقيقية لا جرم تحتاج الي مفکر في عالم الخارج والواقع حقيقي أيضأ وإذا جاز وجود شيء واحد حقيقة جاز بل وجب وجود أشياء وأشياء في عالم الحقيقة والخارج، لما بين الأشياء والموجودات من ارتباط وثيق لا يقبل الانفکاک ، کحلقات سلسلة واحدة، فاثبات الواحد منها يقتضي بل يستلزم اثبات عشرات بل مئات بل الوف بل ملائين الأشياء لأن بعضها يدل علي بعض والکل يدل علي الصانع الحکيم تبارک وتعالي. ثم جاء ديکارت بهذه المقوله بناء علي اعتراف القوم «أنا أفکر، فأنا موجود» وکانت هذه المقولة ضربّةً عنيفةً علي دماغ هذا المذهب السفسطي الذي نسب أصحابه أنفسهم الي الفلسفة زورا ًوبهتاناً. وسمي هذا المذهب حتي أواخر القرن الثامن عشر بالمذهب المثالي وذلک لقولهم بالمثل الأفلاطونية وان لکل نوع من الأنواع المادية ربّا يسمي بالمثال المجرد يباشر تدبير امور ذلک النوع، وهي أربّاب الأنواع، واطلق فيما بعد علي منکري الحقائق الخارجية مطلقاً، فأصبح الايدئاليسم أو المذهب المثالي اسمأ مرادفا للسفسطة والسوفسطائي مقابل الرياليسم أو المذهب الواقعي الذي يذهب الي اثبات کل الحقائق الخارجية. والحاصل أن هناک من يقول أو کان يقول بأن الحقيقة نسبية ولا حقيقة الا ما في ذهن البشر، فما انتقش علي صفحة ذهني من الأمور يُعدُّ حقيقة بالنسبة لي وما انتقش علي صفحة ذهنک يعد حقيقة بالنسبة لک وهکذا... فلا حقيقة ثابتة في الخارج، ودفعة لاحتمال وجود من يحمل مثل هذا النوع من التفکير بدأ المؤلف قدس سره ن کلامه بهذه البديهيات حتي لا يبقي عذر لمنکري الحقائق سواء من المثاليين أو الشکاکين، وذلک إن انکار المنکرين و تشکيک الشکاکين لا يضر بالحقيقة الثابتة، والحقائق الخارجية امور ثابتة لا يمکن أن تتأثر بانکار منکر ولا بتشکيک شاک ، بل الموجود المطلق الذي عبارة عن موضوع الفلسفة لا يحتاج الي اثبات لکونه من الأوليات التي لا تقبل النقاش وهکذا مفهوم الوجود بديهي غاية في البداهة . . اذن موضوع الفلسفة - الموجود المطلق لا نوع خاص من الوجود - غير قابل للشک والانکار، ولا يشکک في هذه الحقيقة أو ينکرها إلا من کان في قلبه مرض کالمعاند والمکابر أو من في خلايا عقله خلل کالمجنون وصاحب الوسواس . ولمزيد من الاطلاع علي مقولة السوفسطيين القائلين بالانکار أو التشکيک راجع الفصل الثامن من المقالة الأولي من الهيات الشفاء، أو الجزء الأول من الأسفار . تمّ الحديث في الفقرة السابقة عن بداهة موضوع الفلسفة، والکلام هنا عن امکان واحتمال وقوع الخطأ في الفکر البشري سواء في المقدمّات أو في النتائج وسواء فيما کان عقلياً محضاً أو حدسياً أو معتمداً علي الحس والأحاسيس والتجاربّ الحسية ، فالحسي - المحسوس - أو الحدسياً أو العقلي کلها معرضة للخطأ من قبل الانسان لا من جهة هذه الوجودات والحقائق الثابتة بل من جهة قابلية الانسان للخطأ وعدم کونه معصوماً - طبعاً يستثني من هذه القاعدة المعصومون عليهم الصلاة والسلام - فما أکثر الأحکام والقوانين الطبيعية وغير الطبيعية التي توصل اليها الانسان ثبت بطلانّها وکم من نظرية علمية کانت مورد اطمئنان بل يقين عند أهلها، ثم ثبت کونها سراباً وخيالاً باطلاً، فليست معرفتنا بالحقائق صحيحة دائماً ولا مطابقاً للواقع أبداً، فقد نجزم أحيانا بالأشياء علي خلاف ما هي عليه کأن نحسب ما ليس بموجوداً موجودة أو نحسب ما هو موجود ليس بموجود - فنعتبر المعدوم موجوداً والموجوداً معدومة - بالجهل المرکب. هذه الحقيقة التي لا نشک فيها من ضعف قوي الادراک لدي الانسان ووقوع الخطأ في قواه الادراکية - الحدسية والحسية، والعقلية والتجربّية - دفعته لأن يبحث عما يتکفل له تمييز ما هو الحق مما هو باطل وما هو موجود حقا مما هو محض أوهام و تخيلات، کما أن اللغويين والنحويين لصيانة اللسان من الخطأ في البيان انتهوا الي وضع قواعد النحو والصرف والمنطقيين لصيانة الفکر وحفظ الذهن من الخطأ في التفکير عمدوا الي وضع القواعد المنطقية. فسعي واجتهد بفضل الحجة الباطنة معتمداً علي عقله مستنداً اليه حتي توصل الي علم يتکفل ببيان أحوال الموجود بما هو موجود - أي الموجود المطلق - فارغ من جميع الخصائص النوعية والفردية، ألا وهو علم الفلسفة أي العلم الذي يستند في إدراک الحقائق علي البرهان والقياس البرهاني الموصل الي القطع واليقين ، واليقين طريق يهدي إلي الحق أو الطريق الأوحد المنتهي بصاحبه الي الحق. وهذه هي الغاية من علم الفلسفة، والمراد هنا بطبيعة الحال الفلسفة الاولي - أو ما بعد الطبيعة -. أقول: لا شک أن الفلسفة من العلوم المطلوبة بذاتها ولا يقتصر الحاجة اليها والغاية منها علي کونها رافعة للجهل المرکب بالبرهان اليقيني ولا شک أيضاً أن هناک مسائل لا يتکفل بالاجابة عنها سوي الفلسفة بل أن سائر العلوم تحتاج الي هذا العلم، لا شک في هذا، ولکون هذا الأمر بديهية لم يجد العلامة قدس سره ضرورة لذکرها واقتصر علي بيان الجانب الأکثر شيوعا والأشد أهمية، وبهذا يندفع اشکال شيخنا الأستاذ - دام ظله - في تعليقته علي النهاية وإذ قال رحمه الله في بداية الحکمة ما هذا نصه «وغايتد - تمييز الموجودات الحقيقية من غيرها، ومعرفة العلل العالية للوجود، وبالأخص العلة الاولي التي اليها تنتهي سلسلة الموجودات ، واسماؤه الحسني وصفاته العليا، وهو الله عز اسمه». فلا حصر للغاية عنده طاب ثراه. والفلسفة قائمة علي البرهان اليقيني أو القياس البرهاني الذي عده المنطقيون هو الوحيد الموصل للقطع واليقين المطابق للواقع، لا مطلق القطع واليقين - من أمثال الجهل المرکب - من بين انواع القياس الخمسة فلا مجال في الفلسفة الاولي للشعر والخطابة والمغالطة والجدل، لأن القياس البرهاني مصون من الطعن ولا تتطاوله أيدي التبديل والتغيير، عاصم لصاحبه عن الخطأ في النتيجة أن أحسن ترتيب المقدمات، وهي عملية عقلية محضة لا دخل للتجربّة والحس والأحاسيس فيها . فالقياس السليم هو القياس البرهاني والاعتقاد السليم هو الاعتقاد البرهاني. قوله (قّدس الله نفسه) : (ولکن البحث عن الجزئيات) في الفلسفة الاولي محال باطل لأن طريقة الاستدلال بالقياس البرهاني يفيد الکلية أولاً واليقين ثانية والکلية وافادة اليقين في الاستدلال من خصائص هذه الاقسية ، وذلک أن معرفة الأحکام الجزئية للموجود لا تتم علي وجه اليقين إلا بمعرفة الأحکام الکلية للموجود المطلق ، وبمعرفة القاعدة الصحيحة يتم معرفة المصاديق علي وجه الجزم واليقين وأما البحث عن الجزئيات وأحوالها وخصائصها وأحکامها أولا : (خارج عن وسعنا) لکثرتها وکونها غير متناهية بالنسبة لنا. وثانيا : (علي) أي علاوة علي ذلک ان البرهان لا يجري في الجزئي) والجزئي لا يکون کاسبة ولا مکتسبة لأن أحکام الجزئي محدودة لا تسري الي جزئي آخر، فمعرفة حکم أو أحکام جزئي من الجزئيات لا يکشف عن حکم جزئي آخر کما أن معرفة أحکام الجزئيات بالاستقراء التام أمر مستحيل، وبالاستقراء الناقص لا يفيد الجزم بحکم الکلي أو الحکم الکلي، فلا اعتبار للشخصية في العلوم. اذن لا يجري البرهان في الجزئي (بما هو) أي الجزئي (متغير زائل) لأن المصاديق والأفراد والأجزاء الخارجية في حالة من التغيير والتبدل الدائم وحرکة جوهرية مستمرة، لکن الکلي أمر ذهني ثابت لا يطرأ عليه التغيير وان تلفت الأذهان و تغيرت، ونحن في صدد تطبيق الکلي علي مصاديقه وأفراده، ولهذا لزم تحديد أحکام الکلي - أي الموجود المطلق والموجود بما هو موجود - وإذا تم ذلک سهل تمييز الموجود حقيقة عن غيره فلا يمکن للفلسفة أن تميز جميع الحقائق الجزئية بما أنها جزئية بل لابد من تمييزها من خلال تعيين معيار و قانون کلي ينطبق عليها جميعاً فيتم تشخيص الحقائق عن الأوهام. فهي تبحث عن الأحوال الکلية للموجود المطلق بلحاظ عدم اختصاصها بنوع معين من الموجودات أو بماهية خاصة من الماهيات خلاف لسائر العلوم قوله (طاب ثراه) : (ولما کان من المستحيل أن يتصف الموجود) بما هو موجود (بأحوال غير موجودة) بل معدومة لاستحالة وقوع المعدوم وصفاً للموجود عقلا، ولما کان من المستحيل ذلک (انحصرت الأحوال المذکورة) التي يصح البحث عنها في الفلسفة من أحوال الموجود المطلق علي قسمين من الأحوال فقط دون مطلق الأحکام والأحوال ، اذن انحصر الکلام أولأ: (في أحکام تساوي الموجود من حيث هو موجود) فکما أن الوجود موجود فان صفاته وأحواله موجودة أيضا لکن هذه الصفات قد تکون مساوية للوجود من جهة المصداق أعني انّها مساوية للموجود المطلق مصداقا وإن کانت مباينة له من جهة المفهوم کالخارجية المطلقة) أي العينية التي تکون منشأ أثر في الخارج أو في الذهن، فالخارجية المطلقة کون الشيء منشأ أثر مطلقة والخارجية بهذا المعني تساوي الموجودية اذ الموجود اما ذهني أو خارجي ، فالخارجية اذن حکم فلسفي يساوي الموجود المطلق، وليس المراد هنا الخارجية الخاصة التي تقابل الوجود الذهني. (و الوحدة العامة) مقابل الوحدة الخاصة التي لا تشمل إلا الواحد الحقيقي، لکن الوحدة العامة شاملة للواحد الحقيقي والواحد الاعتباري معين مثل أحمد وعلي فان کل واحد منهما واحد حقيقي واما الکلي مثل الرجال والنساء فواحد اعتباري . اذّن يشمل الواحد والکثير إذ الکثير من جهة انّه موجود بعد کثرة واحدة. فالوحدة العامة تساوي الموجود المطلقاً أي ذاک عين هذا، (و) مثل ( الفعلية الکلية) وهي الفعلية التي تشمل کل ما يکون بالفعل وکل ما يکون بالقوة أيضا، لأن القوة وإن عدت بالقوة بالنسبة لما تحمل من استعداد کالنطفة التي تعد بالقوة بالنسبة للإنسان أو النواة بالنسبة للنبات الا ان هذه القوة في قوتها فعلية. فالخارجية والوحدة والفعلية وإن کانت مغايرة للموجودية من جهة المفهوم، لکنها من جهة المصداق مساوية لها، فبينها وبين الموجودية المطلقة تباين مفهوماً و تساو مصداقاً. ثانياً : (أو تکون أحوالاً) للموجود (هي أخص من الموجود المطلق) من جهة المصداق وهي نفس الأمثلة السابقة لکن بمعناها المقيد أو الأخص أو الجزئي لا المطلق العام الکلي فالخارجي والواحد وبالفعل بهذا المعني أخص من الموجود المطلق الذي هو عبارة عن موضوع الفلسفة (لکنها) أي هذه الأحوال الخاصة (وما يقابلها جميعا) أي من حيث المجموع لا الانفراد ( تساوي الموجود المطلق) أي تساوي موضوع الفلسفة فحملها بوحدها علي الموجود المطلق يکون من باب حمل الخاص علي العام، وأما حملها بضميمه ما يقابلها معا يکون من باب حمل الشيء علي نفسه. قوله قدس سره: ( والمجموع من هذه الأبحاث). المراد من هذه العبارة ان البحث عن العوارض الذاتية للموجود المطلق أعني ما لا يحتاج في عروضه علي الموضوع إلي الواسطة في العروض عند المصنف (عليه الرحمة)، وإن کان الذاتي عند الخواجه نصيرالدين الطوسي قدس سره و عبارة عن أن يکون ترتب الموضوع علي المحمول وحمل المحمول علي الموضوع حاصاً بسبب اقتضاء ذات الموضوع وإن کان مفتقرة في ذلک إلي الواسطة في العروض - کما في منطق الاشارات - وکيف کان فان مجموع هذه المسائل التي موضوعها الموجود المطلق ومحمولها يساوي الموضوع بنفسه أو يساويه بضميمة ما يقابله من مفهوم، مجموع ذلک کله (هو الذي نسميه : الفلسفة)، والفلسفة الأولي والعلم الکلي والعلم الأعلي وما بعد الطبيعة وذلک أنه يبحث عن أحوال ما بعد الطبيعة وما وراء الطبيعة أو سمي بذلک کما قيل لأنهم لما رتبوا کتب ارسطو الفلسفية جعلوا القسم الذي يبحث عن الأحوال الکلية للوجود - أي ما نحن بصدد البحث عنه ههنا - متأخرة عن الطبيعيات ، فسميت ما وراء الطبيعة. وقد تبين بما تقدم) أمور هامة : أوّلاً : أن الفلسفة أعّم العلوم جميعاً، لأن موضوعها أعم الموضوعات) خلافاً لسائر العلوم فإن موضوعاتها رغم کليتها الا أن لکل منها موضوعا خاصا ويتناول کل منها موضوعا معينا يمثل جانبا من جوانب الحياة کالنحو الذي يتناول البحث عن أحوال الکلمة والکلام من جهة الاعراب والبناء، والطب الذي يتناول البحث عن جسم الانسان، والحساب - الرياضيات - الذي يتناول البحث عن العدد والهندسة التي تبحث عن المقدار المتصل وعلم الفقه الذي يبحث عن الأحکام الخمسة عن ادلتها والمنطق الذي يختص بالبحث عن المعرف والحجة وهلم جرّاً. فالعلوم جميعا تتوقف عليها) أي علي الفلسفة (في ثبوت موضوعاتها) وذلک أن هذه العلوم لا تتکفل بالبحث عن موضوعاتها نفياً واثباتاً أعني أنها معلومة الموضوع، متعينة موضوعاتها قبل الخوض فيها، ثابتة عند أهلها، موجودة لا تحتاج الي البحث في أصل وجودها، فهي تبحث عن موضوعاتها حالکون موضوعاتها ثابتة الوجود والماهية . اذن لما کانت الفلسفة أعم العلوم موضوعا، ولما کانت المنفعة منها تمييز ما هو موجود - حق - وما ليس بموجود بل موهوم - و باطل - هي التي تتکفل با ثبات موضوعات العلوم جميعا ، فتحکم بثبوت و وجود الموضوع الفلاني وکونه حقيقة، أو بعدم وجود الموضوع الفلاني - أعني نفيه - والحکم عليه بالموهومية، (وأمّا الفلسفة فلا تتوقف في ثبوت موضوعها علي شيء من العلوم لعدم وجود علم أعم منه يشتمل عليه ، هذا أولا، وثانيا لأن موضوع الفلسفة بديهي المعرفة تصور وتصديقا ، فلا يحتاج إلي المعرف في مقام التصور، ولا يحتاج الي الدليل والحجة في مقام التصديق ، لأن الموجودية) والتحقق والواقعية (نفسه) أي نفس موضوع الفلسفة، فاذا وصفنا موضوع الفلسفة بالوجود وحملنا الوجود عليه بقولنا : موضوع الفلسفة موجود أو ثابت أو حقيقة فکأنما حملنا الشيء علي نفسه وقلنا الوجود موجود أو الثابت ثابت ، وحمل الشيء علي نفسه من أبدد البديهيات ، وهذا کله راجع الي بساطة مفهوم الوجود، لأن الذي يقبل التعريف هو المفهوم المرکب - من الجنس والفصل . وأما البسيط فلا يقبل التعريف. أو کما قال الشيخ الرئيس : «لأنه مبدأ أول لکل شيء» أي أن کل شيء في تعريفه يحتاج الي الوجود، ولا شيء خارج الوجود حتي يصح أن يکون معرُفاً له. قوله رضي الله : (وثانية...) الي قوله (کقولنا ان کل موجود فإنه - من حيث هو موجود - ) لا من حيئية اخري لأن الموجودية حيثية عامة خالية من القيود الخاصة بالفرد أو النوع فان کل موجود أيا کان شخصه أو نوعه فإنه من جهة الموجودية (واحد) عام شامل للواحد الحقيقي والاعتباري مع (أو بالفعل) بمعني الفعلية الکلية التي تشمل الفعل والقوة معاّ. قوله رضي الله: (وثانيا ان موضوعها لما کان أعم الأشياء.. الخ). أقول: ظاهر هذه العبارة ان احتياج جميع العلوم الي الفلسفة يرجع إلي کون الفلسفة أعم من کل شيء، والحال أن المراد هو کون احتياج جميع العلوم الي الفلسفة يرجع الي ان مباديء سائر العلوم يتم اثباتها في علم سابق علي تلک العلوم، ولما کان اثبات مباديء تلک العلوم متوقفا علي الفلسفة ، کانت الفلسفة أعلي من تلک العلوم من جهة عدم توقف اثبات مسائلها علي شيء من تلک العلوم و توقف اثبات مسائل تلک العلوم علي مباديء يلزم اثباتها في الفلسفة، فالمراد أنه أعم الأشياء بهذا المعني لا المعني الحقيقي المتعارف. وأمثال هذه المسائل التي يکون فيها المحمول أخص من الموضوع (مع ما يقابلها ) کالقوة والفعل والواحد والکثير والعلة والمعلول حيث نقول أن الموجود أما بالقوة أو بالفعل و أما واحد أو کثير واما علة أو معلول فالفعل والواحد والعلة کلها بالمعني الخاص وتعتبر مع ما يقابلها مساوية للموجود المطلق، (تعود إلي قضايا مرددة المحمول) بل تستي قضايا مرددة المحمول وهي القضايا التي يکون المحمول مرددا بين أمرين أو أکثر بالنسبة الي موضوعه بحيث تتألف هذه القضايا من قضيتين موجبتين جزئيتين أو أکثر فقولنا الموجود أما بالقوة وأما بالفعل کالقول ان بعض الموجود بالقوة وبعضه بالفعل فهي أجزاء من القضايا المنفصلة، فالقوة والفعل والعلية والمعلولية والوحدة والکثرة وان کانت أخص من جهة المصداق من الموجود لأن بعض الموجود علة وبعضه معلول، بعض الموجود بالقوة وبعضه بالفعل ، بعض الموجود واحد وبعضه کثير ، إلا أنها معأ تعادل الموجود و تساويه .

وجميع هذه الأمور التي نشعر بها ، ولعل معها ما لا نشعر بها، ليست بسُديً، لا أنّها موجوده جّداً وثابتةً واقعاً. فلا يقصد شيءُشيئاً إلا لأنّه عينُ خارجّية

ص: 82

و موجودُ واقعيُّ أو منتبه إليه، ليس وهماً سرابيّاً . فلا يسعنا أنّ نرتاب في أنّ هناک وجوداً، ولا أن ننکر الواقعّية مطلقاً، إلّا أن نکابر الحقّ فننکره أو نُبدي الشک فيه ، وإن يکن شيءُ من ذلک فإنما هو في اللفظ فحسب.

فلا يزال الواحد منّا وکذلک کلّ موجوير يعيش بالعلم والشعور، يري نفسه موجودة واقعيا ذا آثار واقعيته. ولا يمّس شيئاً آخر غيره إلّا بما أن له نصيباً من الواقعية .

ص: 83

غير أنّا کما لا نشک في ذلک لا نرتاب أيضاً في أنّا ربّما نخطيء، فنحسب ما ليس بموجود موجوداً أو بالعکس ، کما أن الإنسان الأوّليّ کان يثبت اشياءً ويري آراء ننکرها نحن اليوم ونري ما يناقضها، وأحد النظرين خطّأً لا محالة. وهناک أغلاط نبتلي بها کلّ يوم، فنشبت الوجود لما ليس بموجوبي وننفيه عمّا هو موجودّ حقّاً. ثمّ ينکشف لنا أنّا أخطأنا في ما قضينا به. فمسّت الحاجة إلي البحث عن الأشياء الموجودة وتمييزها بخواصّ الموجوديّة المحصّلة ممّا ليس بموجود، بحثاً نافياً للشک منتجاً لليقين، فإّن هذا النوع من البحث هو الذي يهدينا إلي نفس الأشياء الواقعية بما هي واقعية . وبتعبير آخر: بحثاً نقتصر فيه علي استعمال البرهان، فإنّ القياس البرهانيّ هو المنتج للنتيجة اليقينية من بين الأقيسة ، کما أنّ اليقين هو الاعتقاد الکاشف عن وجه الواقع من بين الاعتقادات.

ص: 84

فإذا بحثنا هذا النوع من البحث أمکننا أن نستنتج به أن کذا موجودً وکذا ليس بموجود، ولکنّ البحث عن الجزئيات خارجُ من وُسعِنا، علي أن البرهان لا يجري في الجزئي بما هو متغير زائل ، ولذلک بعبنه ننعطف في هذا النوع من البحث الي البحث عن حال الموجود علي وجه کُلَّي، فنستعلم به أحوال الموجود المطلق بما انّه کلِّيَّ.

ص: 85

ولمّا کان من المستحيل أن يّتصف الموجود بأحوال غير موجودةٍ، إنحصرت الأحوال المذکورة في أحکام تُساوي الموجود من حيث هو موجودُ، کالخارجيّة المطلقة والوحدة العامة والفعليّة الکلّية المساوية للموجود المطلق، أو تکون أحولاً هي أخصّ من الموجود المطلق، لکنّها وما يقابلها جميعاً تُساوي الموجود المطلق ،

ص: 86

کقولنا: «الموجود إمّا خارجيُّ أو ذهنيُّ» و «الموجود إمّا واحدُ أو کثيرُ» و «الموجود إمّا بالفعل أو بالقوّة» والجميع - کما تري - أمورُ غير خارجة من الموجوديّة المطلقة ، والمجموع من هذه الأبحاث هو الذي نسمّيه : «الفلسفة».

وقد تبيّن بما تقدم : أوّلاً : أنّ الفلسفة أعمُّ العلوم جميعاً، لأنّ موضوعها أعمُّ الموضوعات، وهو

ص: 87

الموجود» الشّامل لکلُّ شيء. فالعلوم جميعاً تتوقّف عليها في ثبوت موضوعاتها. وأمّا الفلسفة فلا تتوقّف في ثبوت موضوعها علي شي من العلوم، فإنّ موضوعها الموجود العام الذي نتصوّره تصوّراً أوليّاً ونصدّق بوجوده کذلک ، لأنّ الموجودية نفسه.

وثانياً: أنّ موضوعها لمّا کان أعَّم الأشياء ولا ثبوتَ لأمرٍ خارج منه کانت المحمولات المثبتة فيها إمّا نفس الموضوع ، کقولنا : «إنّ کلّ موجود فإنّه - من حيث هو موجودّ - واحدُ أو بالفعل» ، فإنّ الواحد وإن غاير الموجود مفهوماً لکنّه عينه

ص: 88

مصداقاً، ولو کان غيرَه کان باطلَ الذات غيرَ ثابتٍ للموجود، کذلک ما بالفعل ؛ وإمّا ليست نفسَ الموضوع، بل هي أخصّ منه، لکنّها ليست غيره ، کقولنا: «إنّ العلّة موجودة» فإنّ العلّة وإن کانت أخصّ من الموجود لکنّ العلّيّة ليست حيثيةً خارجةً من الموجوّديّة العامة، وإلّا لبطلت.

وأمثال هذه المسائل مع ما يقابلها تعود إلي قضايا مردَّدَةِ المحمول تساوي أطراف الترديد فيها الموجودة العامة ، کقولنا: «کلُّ موجود إمّا بالفعل أو

ص: 89

بالقوّة». فأکثر المسائل في الفلسفة جاريةّ علي التقسيم، کتقسيم الموجود إلي واجب وممکن، وتقسيم الممکن إلي جوهر و عرض ، و تقسيم الجوهر إلي مجرّد

ان مسائل کل علم لابدّ من کونها من العوارض الذاتية لذاک العلم، وقد اشترطوا في تعريف الأعراض الذاتية بعدم کونها أخص من الموضوع والمصنف رضي الله له يقبل بهذا التعريف، وهو يقول هنا أننا حين نقول : الموجود واجب أو واجب الوجود موجود، وان کان هذا الواجب الوجود أخص من الموجود المطلق إلا أنه في الحقيقة مع ما يقابله وهو ممکن الوجود يصيران مع مساويين للموجود المطلق ثم يصبحان من الاعراض الذاتية ، فمجموعهما صار عرض واحداً.

وقوله : (فأکثر المسائل في الفلسفة جارية علي التقسيم) لأن المسائل التي يکون فيها المحمول نفس الموضوع لا تزيد عن خمس مسائل في الفلسفة وبقية مسائلها من القسم الثاني وهو ما يکون المحمول فيها أخص من الموضوع لکنها ليست غير الموضوع.

وکون المسائل الفلسفية أکثرها جارية علي التقسيم مبني علي کون الأعراض الذاتية للموضوعات مساوية للموجود والبحث في هذا المجال طويل للغاية من قبيل : ماهي الأعراض الذاتية ؟ ماهي تعريفاتها الحقيقية ؟ لماذا يلزم کون المحمولات من الأعراض الذاتية بالنسبة الي موضوعاتها ؟

والعرض الأخص ليس من الذاتيات لأن العرض الذاتي يراد به الشيء الذي يقتضيه ذات الموضوع واذا کان کذلک لزم وجود المحمول کلما وجد الموضوع ولا يفترقان في حال من الأحوال وکون العرض أخص من الموضوع دليل علي عدم اقتضاء الموضوع لهذا العرض الامکان حصول الموضوع في مکان آخر من غير وجود المحمول (العرض) معه، وحاشية المصنف رضي الله علي الأسفار في أوائل المجلد الأول منه في باب الأعراض الذاتية يذکر ذلک بالتفصيل حاصله کون العرض الذاتي مساوية للموضوع ولو رجعنا إلي العلوم لم نکد نحصل علي علم تکون جميع محمولات مسائله مساوية للموضوع الموضوعه) وهکذا في الفلسفة فإن المسائل التي تتساوي محمولاتها مع الموضوع لا تتعدي المسئلتين وإلا فهناک المئات من المسائل الفلسفية الجزئية التي لا تتساوي فيها محمولات المسائل مع موضوع الفلسفة . کأحکام العلة : العلة الفاعلية والغائية والمادية والصورية ... فإنها لا تتساوي مع الموجود المطلق. وهکذا الوجوب فان انواعه مثل الوجوب بالقياس و بالغير وبالذات وهکذا في الامکان.

فکيف نقول أن هذه المحمولات أعراض ذاتية للموضوع أي الوجود المطلق ؟ والغرض أننا نقبل کون العرض الذاتي مساوية للموضوع، وقد اختار المصنف رضي الله هذا

ص: 90

و مادّيّ ، وتقسيم المجرّد إلي عقل ونفس. وعلي هذا القياس .

الطريق والحل بأن نقول في هذه الموارد التي يکون العرض الذاتي أخص من الموضوع تعتبرها محمولا مع مقابلها وعديلها لا بوحدها.

لکن هذا الوجه لا يغير شيئا من الاشکال وذلک أننا في هذه الحالة ينبغي أن نقول جميع المسائل الفلسفية تقسيمات والحال أن المسائل الفلسفية لا تقتصر علي التقسيمات بل حين نقول أن العلة الفاعلية کذا وکذا ولها خواص کذا لا يعّد هذا تقسيماً، فالبحث عن أحوال العلة الفاعلية وهو من مسائل الفلسفة ليس تقسيما وان کان أصل وجود العلة الفاعلية يعود الي التقسيم بأن العلة اما فاعلية وأمّا غائية.

وهکذا صفات الواجب تعالي فإنها ليست من مسائل التقسيمات نعم نفس الواجب من المسائل التقسيمية مثل الواجب اما واجب وأما ممکن وهکذا کثير من المسائل التي تبحث العلم والقدرة وغيرها مما ليست بالمسائل التقسيمية. هذا اشکال أول وهو ارجاع مسائل الفلسفة الي مسائل مرددة المحمول لا ينفع إلّا في نفس التقسيمات أما في سائر خصوصيات الأقسام فلا ينفع.

قد يقول قدس سره علي کل حال ما يتم اثبانّه ليس الّا وجوداً وحين نقول العّلة الفاعلية لها هذه الخواص يعني هذا أن هذه الخواص موجودة، اذن نحن لا نزال نثبت وجودات لا جرم أنها أقسام للوجود المطلق وإن کان لسان المسألة ليس تقسيماً الّا أنها في الحقيقة نقسيم حين نقول للعلة الفاعلية خصوصية ما گذائية نعني وجود هذا القبيل وهو من أقسام الوجود.

ونجيبه : بأن هذه الحالة موجودة في جميع العلوم لا تختص بالفلسفة کما لو قلنا ترکيب العنصر الفلاني مع العنصر الفلاني يوجد الترکيب الکيمياوي الخاص المعين واذا صح ذلک لزم کون جميع العلوم من قسم الفلسفة وقد قال المرحوم الميرداماد وغيره : أن کل ما هو من الهلية البسيطة فهو من مسائل الفلسفة. أي کل قضية يکون محمولها الوجود فهو من مسائل

الفلسفة.

وهذا باطل يقيناً اذ ما أکثر المسائل الطبيعية والرياضية وغيرهما التي تبحث عن الوجود هل هي من الفلسفة" نعم أن اردتم الفلسفة بمعناها الأعم الشامل لهما فإنها خارجة عن مورد البحث لا تدخل فيما نحن فيه أعني الفلسفة الاولي وما بعد الطبيعة - .

الاشکال الثاني : أن هذه التقسيمات في الموجود، التي تصير مسائل فلسفية هل هي

التقسيمات الأولية فقط. أم أنها تشمل التقسيمات الثانية والثالثة ؟

أعني اننا حين نقسم الموجود الي متقابلين يعدّ من المسائل الفلسفية فقط ؟ أم أن کل قسم من الأقسام أيضا بعد تقسيمها وکل قسم منها أيضا بعد تقسيمها ثالثة ورابعة تعد أيضاً

ص: 91

وثالثاً: أنّ المسائل فيها مسوقة علي طريق عکس الحمل ، فقولنا : «الواجب موجوّد و الممکن موجودُ» في معني : «الوجود يکون واجباً ويکون ممکناً» ، وقولنا : الوجوب إمّا بالذات وإمّا بالغير» معناه : «أنّ الموجود الواجب ينقسم إلي واجب

من المسائل الفلسفية ؟

فان قصد تم التقسيمات الأولية فقط فإنها لا تتجاوز العشر مسائل . الموجود أما واجب أو ممکن والممکن أما جوهر أو عرض والجوهر أما مجرد أو مادي والمجرد اما عقل أو نفس .

فما حکم سائر المسائل الفلسفية حينئير هل هي استدلالية جميعاً؟

وان قلتم بل المراد ما يشمل التقسيمات الثانية والثالثة مثل تقسيم الموجود الي واجب وممکن و تقسيم الممکن الي جوهر و عرض هذا تقسيم ثاني وتقسيم الجوهر الي مجرد ومادي هذا تقسيم ثالث و تقسيم المجرد الي عقل ونفس هذا تقسيم رابع.

قلنا: ان التقسيمات لا تنحصر علي ما في الفلسفة فحسب، بل هناک تقسيمات اخري کقولنا: الموجود اما حي أو ميت وکذلک الموجودات الحية اما حيوانات أو نباتات والحيوان اما من الثدييات أو أنها تبيض وهکذا يمکن تقسيم کل موضوع إلي تقسيمات کثيرة مع أنها لا تعتبر جميعها من المسائل الفلسفية لاختصاص کثير منها بالعلوم الأخري.

فما هو الملاک اذاً؟

والظاهر أن هذا الکلام لا يحل الاشکال بل ينبغي أن نعرف حقيقة الأعراض الذاتية ، ونعرف لماذا يجب کون المحمولات فيها من عوارضها الذاتية (محمولات مسائل تلک الموضوعات ان تکون من عوارضها الذاتية لماذا ؟).

و ثالثاً) يتحصل مما تقدم في الأمر الثاني (أن المسائل فيها) أي في الفلسفة (مسوقة) مبينة (علي طريق خاص يتأخر فيه الموضوع عن المحمول في القضايا الحملية والمقدم عن التالي في القضايا الشرطية وذلک لتسهيل أمر التعليم والتعلم في الفلسفة، يسمي هذا الطريق الخاص ب «عکس الحمل» في المنطق حيث يفترض أن نقول في المسائل الفلسفية وقضاياها «الموجود واجب والموجود ممکن» و «الموجود اما علة أو معلول» وهلم جرا بتقديم الموجود لکونه الموضوع في الفلسفة غير اننا نقول عادة علي العکس من هذا أعني أن المتداول هو «الواجب موجود و الممکن موجود» (فقولنا: «الواجب موجود والممکن موجود» في معني : «الوجود يکون واجبا ويکون ممکن») أي في معني «الموجود واجب أو ممکن»، فهذا کما نجد عکس للحمل المتعارف أو الذي يفترض أن يکون وخلاف له اذ الحمل ينبغي فيه تقديم الموضوع وتأخير المحمول لا العکس .

ص: 92

لذاته وواجب لغيره».

ورابعاً : أن هذا الفنّ لمّا کان أعَّم الفنون موضوعاً ولا يشدَ عن موضوعه و محمولاتها الراجعة إليه شيء من الأشياء، لم يتصوّر هناک غايةُ خارجةُ منه يقصد

ورابعاً أن هذا الفن...) الي قوله رضي الله : (لم يتصور هناک غاية خارجة منه يقصد الفن أجلها) فالمسائل الفلسفية مطلوبة بالذات و راجحة ذاتا وغاية ذاتية ، واما علم الانسان بها فلا يخلو من غاية خارجة من الفلسفة تقصد الفلسفة لأجلها وهي عبارة عن الفوائد المترتبة علي تعليم الفلسفة من معرفة الحقائق عن الأوهام واثبات موضوعات العلوم ومعرفة علل ومباديء الوجود وهکذا فإن جميع القوانين الکلية يتم اثباتها صحة وسقأ في هذا الفن کقانون العلية والمعلولية و بطلان الدور والتسلسل والواحد لا يتعدد والکلي أکبر من جزئه والنقيضان لا يجتمعان والضدان لا يجتمعان ولا ير نفعان وعشرات القوانين الاخري التي لا يخلو علم من العلوم ولا فن من الفنون عن الحاجة اليها. وهذه في الحقيقة فوائد تترتب علي الفلسفة يمکن أن نعد غاية عند طالبي هذا الفن أو عند البعض منهم.

قوله : (لم يتصور غاية خارجة منه يقصد الفن لأجلها ... الخ) يريد المصنف رحمه الله أن لکل علم غاية ولا غاية للفلسفة لانّها غاية العلوم فلا غاية لها نعم کل ما فيها هي فوائد مترتبة عليها وليست غاية لها.

لکنه رضي الله في البداية قال : «و غاية الفلسفة اثبات وجود الواجب ... الخ» وهذا يتعارض مع

قوله هنا بعدم الغاية للفلسفة.

يمکن الجمع بينهما: بکون مراده رضي الله الي من الغاية المذکورة في البداية هو الفوائد المترتبة علي الفلسفة وأن يکون المراد من الغاية هنا عدم کون الفلسفة مقدمة لعلم آخر بل مطلوبيته ذاتية لأن بعض العلوم الية أي أنها آلة ومقدمة لعلم أو علوم أخري کالمنطق الذي هو آلة للفلسفة وعلم الاصول الذي هو آلة لعلم الفقه و مقدمة له. أما الفلسفة فليست الية هکذا فهي ليست مقدمة العلم آخر. هذا وجه الجمع بينهما.

إلّا أننا رغم ذلک لا نستطيع أن نقول : لأن الفلسفة أعم العلوم وموضوعها شامل لکل

شيء ولا شيء وراء الوجود فلا غاية لعلم الفلسفة .

نعم ان دلّ هذا علي شيء فإنه يدل علي أنه ليس لموضوع الفلسفة غاية أما أن نفس

علم الفلسفة لا غابة له بهذا الاستدلال فغير تام ولا هو ثابت.

وبعبارة أخري : نعم سلمنا بکون موضوع الفلسفة الذي هو الموجود المطلق، هو شامل لکل شيء، لکننا لا نقبله ولا نسلم به دليلا علي عدم الغاية لعلم الفلسفة. نعم يدل علي عدم وجود الغاية لموضوع الفلسفة ولکن هل يدل بعدمها لنفس علم الفلسفة فلا. وکذلک

ص: 93

الفنّ لأجلها. فالمعرفة بالفلسفة مقصودةُ لذاتها من غير أن تقصدَ لأجل غيرها و تکونَ آلة للتوصّل بها إلي أمر آخر کالفنون الآلية ، نعم هناک فوائد تترتّب عليها.

وخامساً: أنّ کون موضوعها أعمَّ الأشياء يوجب أن لا يکون معلولاً لشيءِ

خارج منه ، إذ لا خارج هناک، فلا علّة له. فالبراهين المستعملة فيها ليست ببراهين لِمّية . وأمّا برهان الان فقد تحقّق في کتاب البرهان من المنطق أن السلوک من

محصولات الفلسفة لنفترض أن لا غاية لها لأنها من سنخ الوجود - وإن کان فيه تأمل لامکان وجود الغاية الموجود المستقل، نعم لو قسمناها فلا غاية لها حينئذ - وکل هذا لا يدل علي عدم وجود الغاية لعلم الفلسفة، بل له غاية، ولا نريد اثبات الغاية للوجود الخارجي - أي الموضوع مثلا - بل نريد اثباتها للعلم والعلم ليس مساوية للموجود المطلق.

فنقبل ونسلم بعدم کون الفلسفة علما آلية ولکن ليس بهذا الدليل بل بدليل مطلوبيتها

الذاتية کما في سائر العلوم غير الآلية ، فافهم وتأمل.

وخامسا: أن کون موضوعها...) إلي قوله - طاب ثراه - : (فالبراهين المستعملة فيها) أي في الفلسفة ومسائلها (ليست ببراهين لمية) والبرهان اللمي عبارة عن السلوک من العلة الي المعلول والاستدلال علي وجود المعلول بوجود علته کما يستدل علي وجود الحرارة والاحراق بوجود النار ويستدل علي وجود الضياء بوجود الشمس وهذا رغم کونه برهانا يفيد الجزم واليقين إلا انّه غير داخل في اثبات موضوع الفلسفة لکونه لا علة له بل هو معلول لذاته فلا يمکن اثباته ببرهان اللم (واما برهان الإن) فهو علي قسمين: الأول هو السلوک من المعلول الي علته واثبات العلة بواسطة المعلول (فقد تحقق في کتاب البرهان من المنطق الأرسطوئي (ان السلوک من المعلول الي العلة) واثبات العلة بالمعلول کالاستدلال علي وجود المرض مثلا بوجود صفرة الوجه واثبات وجود النار بوجود الحرارة والاحراق، لأن المرض والنار علتان للصفرة والاحراق علي نحو العلة التامة والصفرة والاحراق معلولان لهما لا علي نحو الحصر والملازمة فقد يحصل الاحراق و تحمل الصفرة من سبب غير النار والمرض فهما دليلان ظنيان ولهذا سمي هذا النوع من الدليل ، دليلا، لا برهانة، لأن البرهان خاص بما يفيد القطع واليقين، بينما الدليل أعم منه ومما يفيد الظن وأنت تعلم «ان الظن لا يغني من الحق شيئا، وعليه فان هذا القسم (لا يفيد يقينا).

فلا يبقي للبحث الفلسفي الا برهان الإن) من القسم الثاني (الذي يعتمد فيه علي الملازمات العامة ) لا الخاصة لأن الاعتماد علي الملازمات الخاصة يختص بالبرهان اللتي ولهذا (فيسلک فيد) أي في هذا القسم من برهان الإن (من أحد المتلازمين العامين) لا

ص: 94

المعلول إلي العلّة لا يفيد يقيناً، فلا يبقي للبحث الفلسفي إلّا برهان الان الذي يعتمد فيه علي الملازمات العامة ، فيسلک فيه من أحد المتلازمين العامين إلي الآخر.

الخاصين ان هناک ملازمات خاصة ومتلازمان خاصان لکل واحد منهما علة خاصة، وهناک متلازمان عامان لکليهما علة واحدة کما في ملازمات الوجود - فهو عام شامل لکل أقسام الوجود ومراتبه - فيسلک فيه حينئ من أحد المتلازمين العامين (إلي) الملازم العام (الآخر) مثلا وجوب الواجب تعالي ملازم للوجود يستدل به علي قدمه تبارک وتعالي، ووحدة الوجود ملازم عام للوجود يستدل بها علي فعلية الوجود وهکذا.

قوله : ( وخامسا ، ان کون موضوعها اعم الاشياء يوجب أن لا يکون معلولا لشيء خارج منه ، اذ لا خارج هناک فلا علة له) يريد اثبات ان في الفلسفة لا مکان للبرهان اللمي وهو الوصول من العلة الي المعلول، وان جميع البراهين الواردة في الفلسفة من قبيل البرهان الإني وذلک أن موضوع الفلسفة حين کان الموجود المطلق فلا حاجة له الي علة حيث انّه لو کان له علة لزم کونها موجودة وإذا کانت موجود، فهي الموجود المطلق أذن لا علة للموجود المطلق خارجه فلا يمکن اثبات المسائل الفلسفية عن طريق العلة، لعودة المسائل الفلسفية جميعها إلي الوجود ولا علة خارج الوجود، فإنه لو کان لدينا شيء خاص وکان معلولا الشيء آخر وکنا نتوصل الي العلم بعلته ومن طريق العلم بالعلة کنا نعلم بالمعلول کان يستي

برهانة لميا. اما موضوع الفلسفة فهو الموجود المطلق وجميع الموضوعات ترجع الي الموجود المطلق فلا علة له، فالوجود الذي يدخل فيه حتي الباري تبارک وتعالي لا نتصور له علة ، وعليه فلا مدخلية للبراهين اللمية في المسائل الفلسفية واثباتها، لعل أحد يقول ان البراهين الإنية لا تفيد العلم، فنقول : أن البراهين الإنية علي قسمين اشار اليهما المصنف في الکتاب إشکال هنا تنتهي بصورة مجملة: أولا : قيل في برهان اللم أن الحد الأوسط يجب کونه علة لثبوت الأکبر للأصغر لا لثبوت الأکبر في نفسه، لأننا نريد حمل هذا المحمول علي هذا الموضوع، هذا الحمل يحتاج إلي العلة. أما المحمول في حد ذاته فلا يهمنا أن کان ذا علة أم غير ذي علة ، ملاک کون البرهان لما هو کون الحد الأوسط علة لثبوت الأکبر للأصغر لا لثبوت الأکبر في نفسه.

ثانيا : أنهم حين يطلقون العلة في هذه الموارد، بريدون بها الأعم من العلة الخارجية و العينية حيث انّهم يقولون بالعلية بين المعقولات الثانية أيضا مثلا يقولون : علة حاجة الممکن الي العلة امکانّه أي أن المعلول لانّه ممکن فهو محتاج الي العلة. هذا ليس من قبيل العلية الخارجية، أي ليس بمعني تحقق الامکان في الخارج ثم تأثيره في الحاجة، إذ الحاجة أمر عدمي فنقول ان الامکان وجد في الخارج ثم الإمکان أوجد الحاجة والحاجة

ص: 95

أوجدت ايجاب العلّة «فالماهية امکنت فاحتاجت فأوجدت فوُجِدتُ فأوجدت فوجدته المراحل المذکورة للوجود ومرادهم من هذه العبارة : أن الماهية ممکنة الوجود ولانّها ممکنة فهي تحتاج الي العلّة ولانّها محتاجة الي العلة فهي توجد ولأنها توجد يحصل لها الوجوب ولأنه يحصل لها الوجوب يحصل لها الإيجاد ولانّها توجد يحصل لها الوجوب.

لو أغمضنا عن سائر المراحل واکتفينا بالمرحلة الأولي وهو قولنا: لانّه ممکن فهو محتاج الي العلة، وهذه هي العلّة التامة ونفس هذا الامکان لو وقع حدة أوسط يفيد برهاناً الميا کأن نقول : الانسان: ممکن الوجود وکل ممکن الوجود يحتاج الي العلّة فالإنسان يحتاج الي العلّة. فالحد الأوسط هنا هو الامکان ونسبة الإمکان الي الحاجة الي العلّة کون أحدهما علّة والآخر معلولاَ، وقد يقال ان اصطلاحنا في البرهان اللمي غير هذا المعني بل نقصد کون العلة علة خارجية.

بناء علي هذين المطلبين وما لم نذکره اختصاراً وايجازاً للبحث لا يمکن استنتاج انّه

لما کان الموضوع لا علّة له فالبراهين التي ترد في الفلسفة لا علّة لها أيضاً.

لنفترض أن الوجود الخارجي بذاته لا علة له وکذلک المحمولات لأنها من سنخ الوجود الخارجي ، اما ثبوت المحمول للموضوع قد تکون له علة وسنقول أن هذه العلة أما الوجود أو العدم، فان کان هو الوجود فيصير هو الموجود، لکنها ليست بالموضوع نفسه لأن الموضوع مغاير لهذا مفهومة، نعم حقيقة الوحدة والوجود شيء واحد، لکننا نريد هنا اثبات المفهوم لا المصداق والحقيقة ، وعليه فقد توجد علة الثبودت هذا المفهوم لهذا الموضوع، کما أن الحاجة إلي العلة مفهوماً حين نريد اثباته لشيء يحتاج إلي العلة وعلنه الامکان وهذا البرهان التي ولهذا فان الشيخ رضي الله اعتبر برهان الصديقين برهاناً لمّياً وعبّر عنه بالبرهان اللتي، وقد تحير بعضهم من قول الشيخ الرئيس فقالوا: لا يکون الممکن علّة لوجود الواجب ، ولما کنا نريد اثبات وجود الواجب بطريق الامکان صار البرهان برهاناً انکارية أي برهان الإنکار وليس برهاناً لمّياً، وذلک أن الملحوظ استعمال الانکاراً في البرهان هنا. سر المطلب يکمن في أن المحمول هنا هو الحاجة الي الواجب والحد الأوسط هو الامکان والامکان علّة الاحتياج أذّن بواسطة العلّة وصلنا الي معرفة السعلول وهذا برهان لمّي فالبرهان اللتي جار في الفلسفة أيضاً طبقاً لاصطلاح القوم.

فان قيل : أن البرهان اللّمي لّا يستعمل الّا في العّلة الخارجية. قلنا بناءاً علي هذا يمکن القول بعدم جريان البرهان اللّميّ في بعض مسائل الفلسفة حينئذٍ لا في جميع مسائل الفلسفة إذ قد يجري هذا البرهان في بعضها الآخر حتي علي هذا القول ، مثلاً افعال الواجب معلولة

ص: 96

الصفات الواجب وذاته ، فاذا تم اثبات ذات الواجب ثم اقمنا البرهان علي الفعل من طريق الذات کان البرهان المّياً.

اذن عدم جريان البرهان اللّميّ في جميع مسائل الفلسفة غير صحيح بل يجري فيها

جميعاً علي القول الأول وفي بعضها حتمأ علي القول الثاني

قوله : (ان السلوک من المعلول إلي العلة لا يفيد يقيناً) قال القسم الأول من البرهان الإني وهو المذکور هنا لا يفيد يقينا وهو غير صحيح اذ السلوک من المعلول إلي العلة قد يفيد اليقين وقد لا يفيد، واما عدم افادته لليقين مطلقا فباطل حتما واما افادته لليقين کما في صورة وجود العلة المنحصرة فإن العلم بالمعلول يوجب العلم بالعلّة ، أما لو أحتملنا عدم انحصار العلة فلا يکون العلم بالمعلول موجبة للعلم بالعّلة أي لا يفيد هذا السلوک يقيناً.

ص: 97

ص: 98

المرحلة الأولي

في أحکام الوجود الکليّة

وفيها خمسة فصول

ص: 99

ص: 100

المرحلة الاولی في احکام الوجود الکلیة

الفصل الأوّل في أن الوجود مشترک معنويُّ

في أن الوجود مشترک معنويُّ

الوجود بمفهومه مشترکُ معنويُّ يُحمَل علي ما يحمل عليه بمعنيّ واحدٍ وهو ظاهرّ بالرجوع إلي الذّهن حينما نحمله علي أشياء أو نفيه عن أشياء، کقولنا:

نقرأ في هذا الفصل :

أ- الوجود مشترک معنوي.

ب - لو کان الوجود مشترکاً لفظياً وعند الحمل علي کل ماهية کان بنفس معني تلک الماهية، لم يکن طائل ولا فائدة في الهليات البسيطة لأنها تصبح حينئذ من باب حمل الشيء علي نفسه مثل قولنا الواجب موجود الذي يکون بمعني الواجب واجب.

ج - العلم ببعض الماهيات و الشک في وجودها والشک في بعض آخر من الماهيات

والعلم بوجودها، دليل قاطع علي تغاير الماهية والوجود.

د- لو کان الوجود مشترکة لفظية بين الواجب والممکن - کما ادعي البعض - نسئله هل مفهوم الوجود لدي حمله علي الواجب نفس مفهومه لدي حمله علي الممکن أم لا؟ بل مفهومه هناک نقيض مفهومه هنا؟ فان قال باتحاد المفهومين حصل المطلوب، وإن قال بتناقضهما لزم کون الواجب تعالي معدومة. والقول بالاشتراک اللفظي بين الواجب والممکن نابع من الخلط بين المفهوم والمصداق - مفهوم الوجود ومصاديقه.

لا شک أن مباحث الألفاظ عموماً - ومنها البحث عن مفهوم الوجود ومعناه - تختص بعلوم اللغة و تبحث هناک ولا علاقة ذاتية لها بهذا الکتاب ومحتوياته وانمامست الحاجة الي الاستعانة ببعض ما يتوقف بيان جملة من الأمور والمسائل الفلسفية عليه من المباحث الخاصة باللغة، وعلي سبيل المثال فيما نحن فيه يتوقف مبحث أصالة الوجود علي معرفة مفهوم الوجود أولاً، کما هو مشاع في جميع العلوم تقريبا فانّها عادة لا تستغني عن مباحث الألفاظ - علي نحو الجزئية الموجبة -، کما تحتاج بعض العلوم إلي غيرها من العلوم في بيان جملة من مسائلها أو شيء من أصولها من غير اختصاص بعلم اللغة. فالبحث عن مفهوم الوجود هنا ليس أصيلاً - کما في غيره من المفاهيم -.والبحث هنا عن مفهوم الوجود والموجود وأنهما بمعني واحد لأنهما مشترکان معنويان في مقابل من ادعي أنهما مشترکان لفظيان، والاشتراک اللفظي عبارة عن حکاية اللفظ الواحد للمعاني المتعددة کالعين التي تفيد أکثر من سبعين معني - کما قيل . وأما الاشتراک المعنوي عبارة عن کون اللفظ الواحد حاکيا عن معني واحد، لکنه مشترک بين عدة مصاديق مختلفة أي دال علي وحالي عن عدة مصاديق أو مراتب مختلفة من حقيقة واحدة کالنور الذي وضع لمعني واحد لکنه يفيد مصاديق عديدة ومراتب مشککة من نور الشمس الي نور المصابيح وهکذا حتي نور الشمعة أو دون ذلک فإنها جميعا أنوار مع اختلاف مراتبها ومصاديقها.

اما الفوائد التي تترتب علي کون مفهوم الوجود مفهومة واحدة وکونه مشترکة معنوية فهي:

أولا : لما ثبت أن للفلسفة موضوعة واحدة ، لزم وحدة العلم لوحدة موضوعه، ولوم حينئذ أن ترتکز مسائل هذا العلم حول محور واحد هو الوجود، ولو کان مفهوم الوجود مشترکة لفظية، لکان الموضوع متعددة و تعذر علينا تحديد موضوع واحد لجميع مباحث الفلسفة. |

ثانيا : أن المباحث الآتية مبنية علي هذا المبحث بنحو من الانحاء مثل مبحث أصالة

الوجود، و مباحث حقيقة الوجود بمعني اثبات وحدة حقيقة الوجود بوحدة مفهومه.

ولمعرفة هذا الموضوع واثبات آن مفهوم الوجود مشترک معنوي علينا بموارد استعمال لفظ الوجود هل تتحد المعاني في جميع موارد الاستعمال أم أن المعاني نتعدد بحسب تعدد الموارد ؟ وانت تعلم انّه من قبيل القسم الأول فأحد هذه المعاني وجود بالفعل والآخر وجود بالقوة وأحدها جوهر والآخر عرض وأحدها واجب والآخر ممکن وهلم جرا بتعدد

المصاديق واتحاد المفاهيم، أو اتحاد المفهوم رغم تعدد المصداق.

ص: 101

الإنسان موجود»، و«النبات موجود»، و «الشمس موجودة»، و «إجتماع النقيضين ليس بموجود»، و «إجتماع الضدين ليس بموجود». وقد أجاد صدر المتألّهين قدّس سرّه و ، حيث قال : «إنّ کون مفهوم الوجود مشترکاً بين الماهيّات قريبُ من الأوّليّات»(1)

فمن سخيف القول ما قال بعضهم: «إن الوجود مشترکُ لفظيّ، وهو في کلّ

ص: 102


1- في الأمثلة المتقدمة نلاحظ حمل الوجود - الموجود - علي مصاديق مختلفة وبما أنّ هناک اتحادة بين الوجود و موضوعاته فإن موارد استعمال الوجود اختلفت نفية واثبات في هذه الأمثلة ومع ذلک فان مفهوم الموجود لم يختلف من استعمال الي آخر تعددت المصاديق قوة وضعفا واتحد المفهوم فيها جميعا بالبداهة الأولية .

ماهيّة يُحمل عليها بمعني تلک الماهيّة»(1)

ويرُدُّه لزوم سقوط الفائدة في الهلات البسيطة مطلقاً، کقولنا: «الواجب

موجود» و «الممکن موجود» و «الجوهر موجود»، و «العرض موجود»(2)

ص: 103


1- (ما قال بعضهم) هو أبو الحسن الأشعري وأبو الحسين البصري من متکلمي الأشاعرة وأبناء العامة
2- إذ لو قلنا بذلک لکان لمفهوم الوجود في کل استعمال معنئ خا فيکون عند الحمل علي کل موضوع مستعملا بمعني موضوعه الخاص ولازم ذلک أن لا يکون لقضايا الهلية البسيطة اي معني، فلا معني حينئذ لقولنا: «الانسان انسان» لأنه حمل أولي لا يثبت لنا شيئأ وعليه فلا معني لقولنا: «الانسان موجود» اذا کان بهذا المعني لعدم الفرق حينئ بين قولنا: «الانسان انسان» وقولنا : «الانسان موجود». رغم أن المعني المستفاد من «الانسان موجود» يختلف عن المعني المستفاد من «الانسان انسان» اذ الاول حمل شايع لأنه يريد اثبات الوجود لهذه الماهية أو هذا المفهوم، أما الثاني فمن قبيل الهليات البسيطة. ثانياً : لو کان الوجود مع ما يحمل عليه من الماهية - أعني موضوعه - شيئاً واحداً، لزم العلم بالماهية عند العلم بالوجود ولزم العلم بالوجود عند العلم بالماهية ، والحال أنه ليس کذلک، لأننا قد نعلم بماهية ولا نعلم بوجودها ولا نعرف هل يصح حمل الوجود عليها أم لا؟ کمفهوم النفس أو الاتفاقاً أو الحظ فإنها مفاهيم واضحة لکن لا نعلم هل هي موجودة وقابلة للاتصاف بالوجود أم لا؟ ولو کان مفهوم الوجود عين المفهوم الذي کان يحمل عليه کان يلزم ثبوت مفهوم الوجود کلما ثبت مفهوم الموضوع، فکون الحظ حظاً أو النفس نفسا أو الاتفاق اتفاقأ يعد من البديهيات الاولية مع اننا لا ندري هل هي موجودة أم لا؟! وهکذا بالنسبة إلي الملک والجن نعلم أنهما حقيقتان، لکننا لا نعلم ما هي حقيقتها ولو کان مفهوم الوجود في کل ماهية يحمل عليها بنفس معني تلک الماهية، وکان مفهوم الوجود نفس مفهوم تلک الماهية، لاستحال حمل الوجود عليهما عند جهلنا بماهية الملک والجن . هذه بعض الشواهد علي عدم کون مفهوم الوجود بنفس معني مفهوم الماهية بل شواهد علي مغايرة مفهوم الوجود لمفهوم الماهية - أي المفهوم الذي وقع موضوعا للوجود .. فقوله رضي الله : ويرده) أن هذا خلاف البداهة بدليلين: الأول الزوم سقوط الفائدة في الهليات البسيطة مطلقاً) أولا ماهي الهلية البسيطة ؟ اعلم ان الهلية اما بسيطة أو مرکبة ومعني الهليات البسيطة تلک القضايا التي يکون السؤال فيها بهل الاستفهامية عن اصل وجود الموجود وعن موجودية موجود ما، لا عن شيء من أحواله وأحکامه وخصائصه أصلا، کقولنا: «الواجب موجود» في جواب هل الواجب موجود؟ وهکذا بقية الأمثلة. بخلاف الهليات المرکبة التي يکون السؤال فيها بهل الاستفهامية عن خصائص الموجود وأحواله وأحکامه وهي بطبيعة الحال ترد في رتبة متأخرة عن الهليات البسيطة اذ السؤال عن خصائص الشيء وحالاته وأحکامه لا يتسني الّا بعد السؤال عن اصل وجودّ الشيء وثبوته. وامّا وجه سقوط الفائدة في الهليات البسيطة ما ذکرناه آنفاً من عدم الفرق حينئير بين الهليات البسيطة - الحمل الأولي - وبين الجمل الشايع ولهذا قال الفخر الرازي في المباحث المشرقية : الکان قول القائل: «الجوهر موجود» مثل قوله : «الجوهر جوهر» وبالجملة لا يکون الحمل والوضع ههنا إلا في اللفظ ، ولما لم يکن کذلک علمنا أن الوجود مغاير اللجوهرية). اذ «الجوهر موجود» قضية من الهليات البسيطة والحمل الأولي و الجوهر جوهر» من الحمل الشايع الصناعي واذا اختلط هذا بهذا وانعدم الفرق بين الحمل الأولي والشايع صار لا فائدة من الهلية البسيطة کما تعلم، لعدم افادة لفظ الموجود حينئير معني دا علي وجود الأشياء وبعبارة أخري أن لفظ الموجود حينئير لا يعني الوجود، بل يعني ما برادف ماهية الأشياء، ويفيد معني مرادفا للماهية، فلا تفيد حينئذ الهلية البسيطة، وبعبارة أوضح لا يمکن حينئير الإجابة علي الهلية البسيطة بلفظ «موجود» وعليه فلا فائدة أصلا للهلية البسيطة - لا فائدة للسؤال بهل البسيطة اعني السؤال عن أصل الوجود، الذي يشکل جزءا هاما من المباحث الأصولية - وکذلک السؤال بها خطأ ولغولا جدوي منه. والحاصل أن في هذه القضايا وأمثالها من الهلية البسيطة يکون معني المحمول ومفاده نفس معني الموضوع ومفاده، فيکون مضمون القضية ومفادها حمل الشيء علي نفسه کقولنا : الواجب واجب وهذه القضايا کما تعلم لا تفيد معني جديدة وهوخلاف الهليات البسيطة لأنها لا بد أن تفيد مطلبة جديداً.

علي أنّ من الجائز أن يتردد بين وجود الشيء وعدمه مع العلم بماهيّته

ومعناه ، کقولنا: «هل الاتّفاق موجودُ أو لا؟»(1)

ص: 104


1- (علي أن أي علاوة علي ما تقدم هناک دليل آخر علي بطلان مدعي القوم وسخافته وذلک ان من الجائز أن يتردد) الإنسان (بين وجود الشيء وعدمه مع العلم بماهيته ومعناه) کما لو کان يعرف معني الاتفاق وماهيته لکنه لا يعلم هل الاتفاق موجود أم لا فيقول «هل الاتفاق موجود أو لا؟») ومعني ذلک إننا قد نشک في ماهية الشيء ومعناه - بعد قطعنا وعلمنا بوجوده - کما لوعلمنا بوجود شبح من بعيد لکننا نجهل ماهيته هل هو حيوان أم انسان أم شجر أم حجر أم غيرها، کما اننا قد نعلم ماهية شيء - علي العکس من السابق - نعلم مثلاً ما هو الاتفاق والحظ ، من غير أن نعلم هل هما موجودان حقيقة أم لا، أعني أننا نجهل وجودهما، والحاصل أن هذه الأمور وأمثالها تدل علي مغايرة المعلوم للمشکوک ومغايرة الماهية للوجود، خلافا لدعوي القائل بالاشتراک اللفظي الذي مفاده کون الوجود في کل قضية بمعني نفس الماهية والموضوع الذي يحمل عليه، ودليل علي بطلان هذه المزاعم.

وکذا التردّد في ماهّية الشيء مع الجزم بوجوده ، کقولنا: «هل النفس الإنسانية الموجودة جوهّر أو عرضُ؟» والتردّد في أحد شيئين مع الجزم بالآخر يقضي بمغاير تهما.

ونظيره في السخافة ما نُسب الي بعضهم : «أن مفهوم الوجود مشترک لفظيُّ

بين الواجب والممکن»(1)

ورُدّ بأنّا إمّا أن نقصد بالوجود الذي تحمله علي الواجب معني أو لا، والثاني يوجب التعطيل، وعلي الأّوّل إمّا أن نعني به المعني الذي نعنيه إذا حملناه علي: الممکنات، وإما أن نعني به نقيضه، وعلي الثاني يلزم نفي الوجود عنه عند إثبات الوجود له تعالي عن ذلک، وعلي الأول يثبت المطلوب، وهو کون مفهوم الوجود

مشترکاً معنوياً. (2)

ص: 105


1- ومعناه أن لمفهوم الوجود معنيين ، معني يشمل الممکنات جميعاً وهو المعني المشهور الذي يقابله العدم، ومعني آخر عند حمله علي الواجب ونسبته إليه فوجود الممکن يفيد معني ووجود الواجب يفيد معني آخر خاص به وعليه فالوجود مشترک لفظي بين الممکن والواجب. حملهم علي هذا القول دعوي لزوم التشابه بين الواجب تعالي والممکن أي بين الخالق والمخلوق، أعني انّهم قالوا لو حملنا الوجود في کلا الحملين والحالين علي معني واحد لزم التشبيه وهو باطل قطعة وهذا من سخيف القول أيضاً.
2- دليل سخافة هذا القول وبطلانّه من أوضح الأدلّة علي طريقة النفي والاثبات بما لا مجال للنقاش فيها ولهذا قال قدس سره (ورُدّ) بالبناء للمجهول حفظ للأمانة العلمية وبعيدة عن السرقات العلمية التي هو في غني عنها بل يترفع عنها ، والرد للمرحوم السبزواري في منظومند (بانا اما أن نقصد بالوجود الذي تحمله علي الواجب معني أو لا، والثاني يوجب التعطيل) أي لو قلنا : أن قضية «الواجب موجود» لا معني لها فقد قلنا بما يوجب ويستلزم تعطيل العقل وعجزه عن معرفة الواجب تبارک وتعالي هل موجود أم لا؛ فنجهل وجود الواجب تعالي ، (وعلي الأول) أي لوقلنا بأنا نقصد من الوجود المحمول علي الواجب معنئ وأنا ندرک وجوده جل شأنه وأن قضية «الواجب موجود» لا مفهوم و معني (أما ان نعني به) أي بالوجود المحمول علي الواجب نفس المعني الذي نعنيه اذا حملناه) أي لفظ الوجود علي الممکنات) من غير اختلاف بين معناه في الجملتين «الواجب موجود» و «الممکن موجود» أعني افادته نفس المعني المتعارف و المستعمل للممکنات والذي يقابل العدم (واما ان نعني به) أي بالوجود في جملة «الواجب موجود» (نقيضه) أي نقيض الوجود المتعارف والمقابل للعدم، ونقيض الوجود هو العدم وکيف يمکن إرادة معني العدم من لفظ الوجود؟ (وعلي الثاني) الذي هو إرادة العدم (يلزم نفي الوجود عنه) تبارک وتعالي (عند) أي حالکوننا نريد (اثبات الوجود له ، تعالي عن ذلک) فکيف يمکن أن يقال «الواجب موجود» أي «الواجب معدوم» لأنه خلف وعلي الأولي) وهو إرادة مفهوم الوجود المتعارف في قضية «الواجب موجود» (يثبت المطلوب ... الخ). قوله (طاب ثراه) : (واما ان نعني به نقيضه) لا يخلو من اشکال وذلک أنه لا يستلزم من عدم فهم مفهوم في مورد معين فهم نقيضه، والأفضل أن يقال عند عدم صدق مفهوم في مورد معين لابد من إرادة نقيضه أو ارادة شيء مصداق لنقيضه لکون النقيض قابلا للحمل عليه ، فقولنا : مفهوم الجن ليس کمفهوم الانسان وهو مغاير له لا يستلزم کون مفهوم الجن بمعني اللانسان أي کون مفهومه عدمياً نقرأ في هذا الفصل : أ- اشتراک الموجودات في الوجود حال کونها متمايزة مختلفة فيما بينها، لهو خير دليل علي تغاير الماهية والوجود. واذ کانت الوجودات ذات حقيقة مشترکة واحدة لزم القول بأصالة احدي الجيثيتين اما الوجود واما الماهية. ب- لما کانت ذات الماهية متساوية النسبة الي الوجود والعدم فالأصالة للوجود. ج- موجودية الوجود ذاتية لا تحتاج الي وجود زائد يمنحة الوجود حتي يستلزم التسلسل الباطل، خلافا للماهية التي تکون حيثية ذاتها مغايرة لحيثية وجودها، فتحتاج في موجوديتها إلي وجود زائد يمنحها الوجود. د- قولنا: «الوجود موجود بالذات» لا يستلزم وجوب الممکنات، لأن بالذات تعني أن الوجود في موجوديته لا يحتاج الي الواسطة في العروض، وان کان بحاجة الي الواسطة في الثبوت. ه- کون الماهية موجودة بالعرض، والوجود موجودة بالذات، لا يستلزم کون الموجود مشترکة لفظية، لأن مفهوم الوجود في الحالتين واحد، واما الاختلاف فواقع في المصاديق لا المفهوم، وهذا خلط بين المفهوم والمصداق. و- نرد علي الاشراقيين أن الماهية الاعتبارية التي تزعمون انّها عند امکان انتزاع الوجود منها تصبح أصيلة، ان مجرد الانتزاع وصرف انتزاع مفهوم اعتباري من الماهيه الاعتبارية لا يجعلها اصيلة والا وقع الانقلاب المحال ز. ونرد علي المحقق الدواني القائل بأصالة الوجود في الواجب واصالة الماهية في الماهية ، أن انتساب الممکنات الي الواجب ان کان يسبب عروض حقيقة عينية علي الماهيات الممکنة، فهو الوجود المطلوب، وان لم يحدث تغييرا في الماهيات ورغم ذلک يجعلها تتأصل ، فهو الانقلاب المحال. ويتفرع علي أصالة الوجود 1- أن الوجود اصالة تقييدية في کل حمل ما هوي فکل ما يحمل علي حيثية الماهية انما يکون بواسطة الوجود. 2- الوجود لا يتصف بشيء من أحکام الماهية ، فالوجود مساوق للشخصية . 3- ئيس الوجود جزءا لشيء. - ليست صفات الوجود و محمولاته خارجة عن ذاته. 5- الموجود ينقسم الي الوجود - أي الموجود بالذات - والماهية - أي الموجود بالعرض - 6 - الوجود عارض للماهية. 7- کل ثبوت فرضناه انما يبتني علي نحو من الوجود. 8- الشيئية مساوقة للوجود. و ليس لحقيقة الوجود سبب وراء ذات الوجود والبرهان اللمي غير جار في الفلسفة . 10- حقيقة الوجود عين ترتب الآثار، فلا صورة عقلية الحقيقة الوجود..

والحقّ - کما ذکره بعض المحققّين - أن القول بالإشتراک اللفظيّ من الخلط

بين المفهوم والمصداق، فحکم المغايرة إنما هو للمصداق دون المفهوم.(1)

ص: 106


1- أراد بعض المحققين المرحوم السبزواري وان ورد في الأسفار أيضاً (ان القول بالاشتراک اللفظي من الخلط) أي وقع بسبب الخلط الحاصل للقائل (بين المفهوم والمصداق) فظنوا أن الفرق الموجود بين الواجب والممکن من حيث الوجود نابع من الفرق بين مفهوم الوجود بحسب استعماله للواجب والممکن، بينما هذه المغايرة مصداقية لا مفهومية کضوء الشمس وضوء الشمعة فان الضوء بينهما متحد معني وان اختلف من جهة المصاديق فنور الشمعة لا يقاس بنور الشمس قوة وضعفاً. | والحاصل: انّ صدق مفهوم علي مصداقين لا يستلزم التشابه بين خصائص المصداقين ، فصدق مفهوم الانسان علي العالم والجاهل لا يستلزم تشابه العالم والجاهل في کل شيء حتي الخصائص والأحکام، ولا ربّط لخصائص المصداق بالمفهوم، وقبولنا لوحدة المفهوم لا يستلزم قبولنا لوحدة المصداق أيضأ.

الفصل الثاني في أصالة الوجود واعتباريّة الماهية

الوجود هو الأصيل دون الماهية ، أي إنه هو الحقيقة العينية التي نثبتها

بالضرورة.

إناّ بعد حسم أصل الشکّ والسفسطة وإثبات الأصيل الذي هو واقعيّة

ص: 107

الأشياء، أوّل ما نرجع إلي الأشياء، نجدها مختلفةً متمايزةً مسلوباً بعضُها عن بعضٍ في عين أنّها جميعاً متّحدةً في دفع ما کان يحتمله السوفسطيّ من بطلان الواقعيّة ، فنجد فيها مثلاً إنساناً موجوداً، وفرساًموجوداً، وشجراً موجوداً، وعنصراً موجوداً، وشمساً موجودةً، وهکذا فلها ماهيّاتُ محمولةُ عليها بها يبايِنَ بعضها بعضاً، ووجودُ محمولُ عليها مشترکُ المعني بينها. والماهيّة غير الوجود، لأن المختصَّ غيرُ المشترک وأيضاً الماهية لا تأبي في ذاتها أن يحمل عليها الوجود وأن يسلب عنها ، ولو کانت عين الوجود لم يجز أن تسلب عن نفسها لاستحالة سلب الشيء عن نفسه، فما نجده في الأشياء من حيثّية الماهيّة غير ما نجده فيها من حيثيّة الوجود(1)

ص: 108


1- قيل هذه من المسائل المستحدثة في عصر المولي صدر المتألهين ل وهو ليس کذلک لأننا نجد الحديث عنها في متون کتب بعض من سبقوه تارة علي نحو التصريح و تارة علي نحوالاشارة والکناية فکانوا يبحثون مسألة اصالة الوجود أو الماهية وکل يختار قولا من القولين وان کان الأغلب يذهبون الي اصالة الماهية وکان المشاؤون يقولون عادة بأصالة الوجود کما هو حال بهمينار تلميذ ابن سينا الشهير ، نعم لم تبحث هذه المسئلة علي نحو الاستقلال التام لکن هذا لا يدل علي کونها مستحدثة ، وقيل أن المولي صدرا کان من القائلين بأصالة الماهية خلافة الاستاذه السيّد الداماد ثم قال بأصالة الوجود. والحاصل أن الکلام هنا عن أن مصداق الوجود أولا وبالذات هو الحقائق الخارجية فالوجود هو الذي يملأ متن الخارج ويکون منشأ الآثار المختلفة والوجود هو الذي يوجد حقيقة ومن غير واسطة في الوجود واما الماهية فوجود عرضي وهي مصداق للوجود ثانية وبالعرض ليست منشأ للآثار وهي انما توجد بالوجود وبواسطته لا بنفسها. لکن هذا المدعي رغم کونه من المشاع الذي سلم به کل من جاء من فلاسفة المسلمين بعد المولي صدر المتألهين - إلا الشاذ النادر الذي لا يعبأ بقوله ولا يؤخذ برأيه لقلة بضاعته - يبقي رهين البرهان والدليل محتاجأ اليه ، وقبل الشروع بالاستدلال وجد المصنف ان لا محيص دون ذکر مقدمة تشتمل علي وجوه وفوائد أولها : اثبات مغايرة اصالة الوجود لأصالة الماهية بقوله : (انا بعد حسم أصل الشک والسفسطة) وابطالهما بالتفصيل المتقدم في محله - اعني المدخل - الي قوله : (نجدها ) أي نجد الأشياء الخارجية الواقعية اولا: (مختلفة متمايزة) يقال لکل منها موجود خارجي يختلف عن غيره مسلوبا بعضها عن بعض) فيقال هذا ليس بذاک وذاک ليس بهذا، فندرک معني لکل ماهية غير قابل للحمل علي ماهية اخري کما نقول هذا انسان فهو ليس بشجر وذاک شجر ليس بحيوان وهکذا... نجدها کذلک (في عين) اننا نجد أنها جميعا متحدة) فندرک لها معني عاما قابلا للحمل علي جميع الأشياء ونجدها متحدة (في دفع ما کان يحتمله) ويزعمه (السوفسطي من بطلان الواقعية ) فهناک مفهومان لکل موجود قابلان للحمل عليه احدهما مفهوم خاص بتلک الماهيات - أو الماهية - والثاني مفهوم عام قابل للنسبة الي کل الأشياء الحقيقية، ثم أن المفهوم الذي يقبل النسبة الي جميع الأشياء غير المفهوم الذي يقبل النسبة الي نوع خاص واحد من الموجودات، ولو کانت الحيثيتان أحداهما عين الأخري ، لزم صدق کل منهما عند صدق الأخري - کلما صدق الآخر - و بالعکس، بينما نجد الأمر علي خلاف ذلک فلا عينيه ولا تلازم ، فحيثية الانسان تصدق علي بعض الموجودات مع أن حيثية الشجر لا تصدق عليها، هذه من خصائص سنخ معين من هذه المفاهيم، أما مفهوم الوجود فليس کذلک ، اذ لا مانع أن يصدق علي غيره من الماهيات فمثلا مع وجود الانسان لا يمنع وجود الشجر والحجر وما أشبه ، فوجود ماهية لا والحاصل أن ثبوت الحقائق الواقعية يميزنا عن السوفسطيين وعليه فإننا نجد الأشياء مختلفة من حولنا لکل منها وجه امتياز و اختصاص يميزه عن غيره، و تتباين في الجنس أو النوع أو الفصل أو الأعراض والأحوال والأحکام، کما أننا نجد وجه اشتراک واتحاد بينها جميعا من جهة اخري، فانّها تتساوي في الوجود والموجودية، ولهذا تتم معرفتنا بالاشياء من جهتين جهة الماهية والخصوصية وجهة الوجود والعمومية، ولما کان الأمر المشترک مغايرة للأمر المختص، فالوجود والماهية متغايران مفهومة. و ثبت بذلک تغاير حيثية الوجود وحيثية الماهية، وقابلية حيثية الوجود للحمل علي جميع الأشياء الحقيقة ، أما حيثية الماهية فمختصة للانطباق علي ماهيات خاصة. فيحمل علي کل من الأشياء الحقيقية الخارجية نوعان من المفهوم احداها المفاهيم الماهوية هذا انسان وذاک فرس والثالث حجر والرابع نبات وهي ماهيات خاصة بکل منها، والأخري مفهوم الوجود الذي يعمها جميعا. (والماهية) أي حيثية الماهية (غير) حيثية (الوجود) وذلک أن حيئية الماهية تختص بنوع خاص من الأشياء، فبعض الأشياء انسان وبعضها فرس وبعضها شجر وبعضها جماد وهکذا، فکل ماهية لا تصدق الا علي نوع خاص وفئة خاصة من الحقائق وتحمل عليها، بينما حيثية الوجود مشترکة بين جميع الحقائق وتحمل عليها جميعا ، فکل ما له حقيقة خارجية يوصف بالوجود والموجود (لأن المختص) بنوع خاص وفئة خاصة من الحقائق الخارجية (غير المشترک الذي يحمل علي کل الحقائق بلا استثناء، والمختص هو الماهية والمشترک هو الوجود فهما متغايران هذا الدليل الاول علي ادعاء تغاير حيثية الوجود وحيثية الماهية اما الدليل الثاني فقوله : ( وأيضا) لأن (الماهية لا تأبي في ذاتها أن يحمل عليها الوجود) فتوصف بأنها موجودة و نقول ماهية الانسان موجودة بمعني الانسان موجود وماهية الفرس موجودة کذلک، کما لا تأبي الماهية أيضا أن يسلب عنها) الوجود فتوصف حينئذ بالعدم ونقول ماهية بحر من الزئبق وماهية شريک الباري معدومة أي البحر من الزئبق وشريک الباري معدومان ولهذا قالوا ان الماهية ممکنة بالذات متساوية النسبة الي الوجود والعدم يمنع وجود غيره من الماهيات.

ص: 109

وإذ ليس لکلُ واحدٍ من هذه الأشياء إلا واقعية واحدة ، کانت إحدي هاتين الحيثيّين - أعني الماهية والوجود - بحذاء ما له من الواقعيّة والحقيقة ، وهو المراد بالأصالة، والحيثيّة الأخري اعتباريّةً منتزعةً من الحيثّيّة الأصيلة، تُنسب إليها الواقعيّة بالعرض .(1)

ص: 110


1- المقدمة الثالثة قبل الخوض في أصل مبحث الفصل الثاني قوله : (واذ ليس لکل واحد... الخ) دفع دخل اذ قد يقال هل يمکن أن يکون للشيء الواحد لکل واحد من الأشياء - اکثر من حقيقة واحدة مثلا حقيقتان لتکون الماهية والوجود أصيلتين معا ؟ وکيف يمکن أن يکون للشيء الواحد حقيقتان و واقعيتان؟! ونحن نعلم أن کل شيء خارجي ليس له إلا حقيقة واحدة. فأجاب المؤلف (رحمه الله ) يقول ، ما هو الواقع في متن الخارج بالنسبة لهذه الأشياء شيء واحد ولکل شيء حقيقة واحدة ، نعم هذه الحقيقة يمکن أن يحمل عليها مفهومان وحيثان، لا حقيقتان ومفهومان أي يحمل علي کل منهما مفهوم خاص، فمثلا للانسان حقيقة واحدة في متن الخارج، نفس هذه الحقيقة توصف بالانسان والموجود في آن واحد ويحمل عليها کلا المفهومين ، واذ ليس لکل واحد من هذه الأشياء إلا واقعية واحدة ( کانت احدي هاتين الحيثيتين) وأحد المفهومين (أعني الماهية الحيثية المقيدة الخاصة والوجود) الحيئية المطلقة العامة (بحذاء) وبازاء (ماله) أي ما لکل واحد من هذه الأشياء من الواقعية والحقيقة الخارجية وهذا المعني (هو المراد بالاصالة) فالاصالة تعني کون احدي الحيثيتين حقيقة خارجية (والحيثية الاخري اعتبارية محضة غير مستقلة بذاتها بل (منتزعة من الحيثية الاصيلة) الواقعية الاولي أو وبالذات، و( تنسب الأصالة (اليها) أي الي الأخري الواقعية) ثانية (وبالعرض) و مجازة، فلا يمکن اصالتهما معا، لأنه يستلزم من ذلک المحال ، فليس هناک انسان علي حده و وجود علي حده - اي لکل منهما وجود مستقل عن الآخر - ثم نحمل الوجود علي الانسان مثلا کالبياض والجدار أو العلم والانسان أو المرأة والجمال، حتي يکون المعروض کالجدار مث مقدمة علي الوجود - تقدما رتبية - أو مؤخرة عنه ، حيث يستفاد منه ان هناک شيئين في متن الواقع في آني واحد - ذات ووجود - حتي يرد الاشکال الذي سيأتي في محلة أن شاء الله تعالي، کلا، واذ ليس کذلک فلا يمکن أن يکون في متن الواقع الا شيء واحد، ولو کانا اصيلين معا للزم کون المفروض حقيقة واحدة حقيقتين، ولزم کون الواحد اثنين في آن واحد، وهو محال ، ثم يتعقب هذا، محال آخر وهو أن يکون لکل من الحقيقتين وجود وماهية ، فهي اربّع حقائق والمفروض أنها حقيقة واحدة او حقيقتان، ثم انّه يلزم من ذلک أن يکون لکل من هذه الحقائق الأربّع وجود وماهية ... وهلم جرا، فلا اصالة إلا لأحدهما. حتي هنا ثبت وجود الحقائق الخارجية وأن في کل واحد من هذه الأشياء الحقيقية حيثيتين احداهما الوجود والاخري الماهية ، وان هاتين الحيثيتين مغايرتان، وان أحداهما أصيلة والاخري اعتبارية، فأي الحيثيتين أصيلة و أيتهما اعتبارية ؟ إذ لابد ان تکون احداهما الأصيلة، فاما ان تکون تلک الحقيقة العينية مصداقا للوجود بالذات واما ان تکون مصداق لماهية بالذات، فإن قلنا بأنها مصداق للوجود بالذات کانت الماهيات حاکية عن حدود ذلک الموجود الخاص من غير أن تکون حاکية عن الحقيقة، وان قلنا بأنها مصداق للماهية بالذات ، کانت الحقيقة لتلک الحدود، وأما مفهوم الوجود المحمول عليها مفهوم ذهني حينئذ اعتباري ليس له مصداق حقيقي وبالذات في المتن والخارج، وکل ما في الأمر هو اعتبارنا للوجود في الخارج

ص: 111

وإذ کان کلّ شيء أنّما ينال الواقعية إذا حُمِل عليه الوجود واتّصف به

فالوجود هو الذي يحاذي واقعية الأشياء. وأمّا الماهية فإذ کانت مع الإتصاف بالوجود ذاتَ واقعيّةٍ ومع سلبه باطلة الذات فهي في ذاتها غير أصيلة ، وإنّما تتأصّل بعرض الوجود(1)

ص: 112


1- بعد ما ثبت عدم امکان - اي استحالة - اصالة الوجود والماهية معاً، اذ موضع النزاع عدم امکان حقيقتين عينيتين للأشياء بل ضرورة وحدة الحقيقة فلابد من تحديد الأصيل عن غيره بالدليل والبرهان القاطع، وانت تعلم ان الاصالة للوجود، لکن لماذا ؟ لأن الذي يحمل أصالة وبالذات علي الحقيقة العينية هو مفهوم الوجود، وأما المفاهيم الماهوية فما هي الا أظلالاً للوجود، وهي حاکية عن الحدود الماهوية للوجود، وما هي الا وجودات ذهنية لا وجود لها في متن الخارج بذاتها بل وجودها بالوجود ولهذا قال (طيب الله ثراه) (واذ کان) بالتحقيق والتوکيد (کل شيء انما) للحصر اي لا (ينال الواقعية) الا (اذ محمل عليه الوجود) حم” أولية وبالذات (واتصف) الشيء (به) اي بالوجود وعلي هذا (فالوجود هو الذي يحاذي واقعية الأشياء) ويقع بازاء حقائقها ( وأما الماهية فإذ کانت...) الي قوله : ( وانما تتأصل بعرض الوجود) لا يقصد من هذا الجملة الاخيرة ان الماهية تصير احيلة، فتکون هناک أصالة ذاتية واصالة عرضية ، کلا، وإنما أراد أن الماهية تتصف بالوجود بعرض الوجود وتنال الحقيقة والواقعية - تصير حقيقة عينيه - بعرض الوجود، والحاصل أن الماهية قبل عروض الوجود لها أمر اعتباري محض و مفهوم ذهني خالص، واما بعد عروض الوجود لها واتصافها بالوجود الواقعي في الخارج فهي اصيلة ولکن لا بنحو أولي ذاتي بل بنحو ثانوي عرضين ولکن زعم بعض فلاسفة الغربّ ان الوجود لا قابلية له للحمل علي الأشياء وان ما تو همه من وجود قضايا الهلية البسيطة التي يکون محمولها الموجود، ما هي الّا أوهام لأنها اشکال القضية وان الوجود في الحقيقة ما هو إلّا رابط في القضايا، والحاصل أنّهم أنکروا الوجود المحمولي وزعموا أنّه مجرد وهم ليس إلا، وامّا فلاسفة المسلمين فقد ذکروا للوجود استعمالين أحدهما المعني الربّطي والحرفي في القضايا، والآخر هو المعني الاسمي بصورة محمول و مفهوم نفسي قابل للعمل علي الأشياء مطلقا. فالوجود المحمولي حقيقة ثابتة اذ ان تقسيم الوجود الي الوجود الرابط والوجود الحملي - المحمولي - تقسيم لمفهوم الوجود، ولا علاقة له بالحقائق العينية للوجود، اذ الحقائق العينية للوجود التي تنقسم تارة إلي الوجود المستقل وتارة إلي الوجود الرابط والرابطي شيء آخر غير مفهوم الوجود. والقول بأصالة الوجود هو الذي ذهب اليه فلاسفة المشاء واختاره من بعدهم الحکماء وعلي رأسهم مؤسسها المولي صدر المتألهين (طاب ثراه)، واما فلاسفة الاشراق فإنهم ذهبوا الي العکس من ذلک فقالوا بأصالة الماهية. ولکن ههنا تأملاً وذلک اننا لا ندري هل کان الاشراقبون عند قولهم بأصالة الماهية ، متوجهين الي هذا المعني الذي تسالم عليه القوم في انظارهم، أعني المعني المتعارف لدينا اليوم وفي العصور المتأخرة؟ أم أنّهم کانوا يفسرونها خلافاً للمتعارف لدينا ويرون لها وجهة غير ما نحن عليه اليوم، وذلک أننا نلاحظ أحياناً في کلمات بعض الاشراقيين واقوالهم ما يفيد القول بأصالة الوجود، لعلّ قسماً منهم کان يقول بها خلافاً للمشاع من مذهبهم، فاما هذا واما ذاک ، کما أن المرحوم السيّد الداماد والمرحوم صدر المتألهين «قدس سرهما» - في الشطر الأول من حياته العلمية - کانا من القائلين بأصالة الماهية، وکان الأخير (رحمه الله) شديد الذب عنها کما يصرح، وفي بعض عبارات المرحوم السيّد الداماد (رحمه الله) ما يفيد أيضا القول بأصالة الوجود، والله العالم.

فقد تحصّل : أنّ الوجود أصيلُ والماهيّة اعتباريّاً، کما قال به المشاؤون أي

أن الوجود موجودُ بذاته والماهيّة موجودةُ به (1)

وبذلک يندفع ما أوردَ علي أصالة الوجود من أنّ الوجود لو کان حاصلاً في الأعيان کان موجوداً لأن الحصول هو الوجود، فللوجود وجودّ، وننقل الکلام إليه وهلمُ جرّاً ، فيتسلسل (2)

ص: 113


1- (اي ان الوجود موجود بذاته) من غير واسطة في العروض (و) ان (الماهية موجودة به) أي بالوجود وبواسطة في العروض في الوجود.
2- (وبذلک) أي بما تقدّم من بيان أصالة الوجود والبرهان عليها (يندفع ما اورده) شيخ الاشراق من الاشکال في حکمة الاشراق والتلويحات (علي اصالة الوجود الخ...) هذه الشبهة الأولي وحاصلها اننا لو قلنا بأصالة الوجود الوجود لزم القول بکون الوجود أمرا متحققاً حاصلاً في الخارج، فکان الوجود موجودة، لأن الحصول هو الوجود بعينه، وکيف يمکن أن نقول «الوجود موجود» اذ يدل علي أن للوجود وجود آخر وننقل الکلام اليه - اي الي الوجود الآخر. فنقول : ان لهذا الوجود أيضاً وجوداً ، وعلي القول بأصالة الوجود نقل الکلام إلي الوجود الثاني بأن لهذا الوجود أيضاً وجود ، وهکذا يتسلسل، ولازمه - أي لازم هذا التسلسل - ان يکون لکل وجود وجود آخر الي ما لا نهاية، لکننا لو أخذنا مفهوم الوجود أمرا اعتباريا لانتفي التسلسل وسلمنا من هذه الشبهة، حيث اننا في الأمر الاعتباري لا يواجهنا هذا الاشکال وان حدث التسلسل، اذ الاعتباري متوقف علي اعتبار المعتبر - اعني کلما اعتبر الوجود تحقق الاعتبار - وينقطع الوجود بانقطاع الاعتبار وتوقفه اي بانتفاء المحمول او بانتفاء المعتبر - اي الموضوع -

وجه الإندفاع: أن الوجود موجودُ لکن بذاته لا بوجود زائد - أي إنّ الوجود

عينُ الموجوديّة - بخلاف الماهية التي حيثيةُ ذاتها غير حيثيّةِ وجودها (1)

وأمّا دعوي أنّ الموجود في عُرف اللغة إنّما يطلق علي ما له ذات معروضة

للوجود، ولازمه أنّ الوجود غير موجود؛ فهي علي تقدير صحّتها أمرُ راجع إلي الوضع اللغوي أو غلبة الإستعمال ، والحقائق لا تتبع استعمال الألفاظ، وللوجود۔ کما تقدّم - حقيقةً عينية نفسُها ثابتةُ لنفسها (2)

ص: 114


1- (وجه الاندفاع) حاصله اننا نقول : الوجود موجود بنفس ذاته في حاق الخارج ومتنه، لا بوجود زائير علي نفسه ، فلا يقع محذور التسلسل. بل يبطل ويندفع، بيان ذلک اننا عند تصور الموجود- اعني الحقائق الخارجية - ينسبق الي اذهاننا مفهوم الوجود و مفهوم الماهية معا، فالحقيقة الواحدة - جميع الحقائق - تنقسم في الذهن الي مفهومين ، - الوجود والماهية - أما في الخارج فلا تحقق إلا لأحدهما اعني ان الوجود والماهية يتحدان تماما ويکونان شيئاً واحداً في الخارج لا من قبيل البياض والجدار او العلم والانسان او الجمال والمرأة .
2- (واما دعوي ......الخ) جواب شبهة مبنية علي وجه الاندفاع، وخلاصتها، انکم حين تقولون بتحقق الوجود في الخارج واصالته، هل تحملون عليه کلمة الموجود فتقولون «الوجود موجود» ام لا؟ ولا محيص لکم دون اختيار الأول، وعليه يرد الأشکال التالي : ان الموجود کلمة مشتقة ، والمشتق يدل علي الذات التي ثبت لها المبدأ، والذات المتصفة بالموجود يفترض أنها الوجود، لينبغي ثبوت مبدأ لهذه الذات باعتبار هذا المبدأ و ثبوته لذلک الموصوف تحمل عليه عنوان المشتق، فقولنا «زيدُ ضاربّ» زيد ذات، ومبدأ ضاربّ - اعني الضربّ - تحقق في زيد، فباعتبار ثبوت هذا المبدأ لذات زيد ننتزع عنوان ضاربّ المشتق من الضربّ وتحمله علي زيد، وهکذا في مضروب لابد من تحقق الضربّ في زيد، وباعتبار تحقق مبدأ هذا المضروب الذي هو الضربّ في زيد، ننتزع عنوان المضروب ونحمله علي زيد. والموجود ذات ثبت لها المبدأ أعني مبدأ اشتقاق ذاک المشتق، فلزم ثبوت شيء آخر للوجود حتي نطلق عليه لفظ موجود باعتبار ذاک الشيء. ولهذا قال «قدس سره): (واما دعوي ان) لفظ (الموجود في عرف اللغة يطلق) ويحمل (علي ماله ذات معروضة للوجود) بحيث يکون الموجود محمولاً علي تلک الذات حمل العارض علي المعروض مثل حمل البياض علي الجدار (ولازمه) أي لازم هذا الاطلاق والحمل وکون معروض الموجود ذاتاً عرض لها الوجود (ان الوجود) لکونه فاقدة لذات عرض لها الوجود- معروض الوجود۔ فهو - اعني الوجود۔ (غير موجود) والحاصل : أن لفظ الموجود عند اللغويين يطلق علي ماهية عرض لها الوجود، ولما کان الوجود لا ماهية له حتي يصير معروضاً للموجود فلا يصح القول بأن الوجود موجود وهذه العبارة باطلة فالوجود غير موجود وما ليس بموجود يحتاج في وجوده الي أصيل وهو الماهية فالأصالة لها وليست له. (فهي) أي هذه المقولة اولاً أساس لها من الصحة لأن المستعمل عند اهل اللغة والعرف العام جميعاً خلاف ذلک، اذ يستعمل في غير هذا أيضاً ولا نقبل بهذا الحصر اذ اختلف القوم في نفس المشتق هل هو دال علي ذات ثبت لها المبدأ؟ أم هو أعم منه ومن غيره؟ وهل يجب کون مبدأ الاشتقاق خارجاً عن الذات أم لا؟ نترکها لمحلها. وعلي تقدير صحتها) والتسليم بها، فهذا أمر راجع الي الوضع اللغوي، او غلبة الاستعمال) کما هو معروف عند اهل اللغة بوضع بعض الالفاظ للدلالة علي بعض المعاني والأشياء، او بانتقالها من معني الي آخر او من معني حقيقي إلي معني مجازي بکثرة الاستعمال وغلبته هذه حدود اللغة ، اما تعيين أن هذا المعني اصيل او اعتباري فهو خارج عن حدود اللغة وليس من صلاحيات أهلها قطعاً، وتدخلهم هنا تجاوز عن حدود صلاحياتهم (و) ذلک (أن الحقائق لا تتبع استعمال اللغة و(الالفاظ)، واستعمال اللغة لهذا اللفظ - الموجود فيما له ماهية معروضة للوجود اي عرض لها الوجود، لا يستوجب أبداً حصر استعماله فيما حدده اللغويون بل هذا من خصائص علم الفلسفة حيث يبحث فيها عن الأحکام الکلية للوجود، فلا مانع من اطلاق لفظ الموجود علي الوجود واستعماله بمعناه وللوجود. کما تقدم ما في قوله : «ان الوجود موجود لکن بذاته»، (حقيقة عينية نفسها ثابتة لنفسها من غير حاجة الي من يمنحها الوجود، ولا يسلب منها الوجود والموجودية لأنه نفس الموجودية والتحقق ، ولهذا صح قولنا : «الوجود موجود» سواء کان هذا الاستعمال استعمالا مجازيا او حقيقية مطابقة للغة او غير مطابق لها . والمراد من الموجودية هنا کون الوجود امرأ عينيا متحققة ، کما أن قولنا : الوجود متحقق أيضاً لا نريد منه کون التحقق لشيء خارج عن ذاته ، بل هذا التعبير سببه ضيق القدرة علي الدقة في التعبير اذ الألفاظ لا تفي بالمعاني کيف والالفاظ مادية محدودة والمعاني مجردة مطلقة غير قابلة للتحديد.

ص: 115

قال بهمنيار في التحصيل : «وبالجملة فالوجود حقيقته أنه في الأعيان لا

غير ، وکيف لا يکون في الأعيان ما هذه حقيقته ؟» إنتهي (1)

ويندفع أيضاً ما أشکل عليه بأنّ کونَ الوجود موجودة بذاته يستتبع کون الوجودات الإمکانيّة واجبةً بالذات، لأن کون الوجود موجوداً بذاته يستلزم امتناعَ سلبِهِ عن ذاته ، إذ الشيء لا يسلب عن نفسه، ولا نعني بالواجب بالذات إلّا ما يمتنع عدمه لذاته(2)

ص: 116


1- (قال بهمنيار) وهو من اعيان فلاسفة المشاء بعد الاسلام، في الصفحة 281 من التحصيل : وبالجملة) اي الحاصل مما تقدم ليکون تلخيصا للتفصيل لا تلخيصة للاجمال، الي قوله وکيف لا يکون في الأعيان ما هذه حقيقته) أي ما حقيقته أنه في الأعيان، اذ لو لم يکن في الاعيان ما حقيقته أنه في الأعيان لاستلزم التناقض المحال والتهافت في الأقوال.
2- (ويندفع أيضأ ما أشکل عليه) لم اجد قائلاً لهذا الاشکال وان أورده صاحب الأسفار في الجزء الاول من المبحث ذاته ولعلّه أورده من باب الاحتمال، ومنشأ هذا الاشکال هو الخلط بين قولنا «وجود الواجب تعالي بذاته» وقولنا « الوجود موجود بذاته» أن الباء في الأولي تعني عدم احتياج ذاته تعالي الي الواسطة في الثبوت، وفي الثانية أن الوجود موجود بنحو الاطلاق سواء کان يحتاج الي الواسطة في الثبوت کما هو حال الممکن او لم يکن يحتاج الي تلک الواسطة کما هو حال الواجب تعالي، بيان ذلک وحاصله انا لو قلنا بأن الوجود موجود بذاته ونفسه من غير حاجة الي ما يمنحه الوجود من الخارج - اي من خارج ذاته . ولا حاجة له الي الواسطة في الثبوت - وهو ما توهمة المستشکل - ان هذا القول يقتضي بل يستلزم القول بوجوب الوجود مطلقا، ويستلزم نفي وجود الممکنات او القول بوجوب الممکن وکيف يمکن القول بوجوب الممکن وبين الوجوب والامکان تقابل، وهو في معني ان نقول : الممکن ليس بممکن، فالإشکال أما بنحو نفي الامکان المستلزم لنفي الممکن مطلقا. وهذا لم يشر اليه المؤلف ، او بنحو القول : الممکن ليس بممکن - الذي اشار اليه المؤلف (طاب ثراه)، وکلاهما باطل، أما الأول فلاقتضائه نفي احد مصداقي الوجود الثابت بالوجدان وهو الخلف، وأمّا الثاني فلاقتضائه التهافت والتضاد، لأنه يستلزم. کون وجود الممکنات واجب ولهذا قال : (بأن کون الوجود موجوداً بذاته) أي بلا واسطة في الثبوت وکون وجودها مسبة لذاتها اذ الباء هنا للسببية ( يستتبع کون الوجودات الامکانية) أي الممکنات (واجبة بالذات) ويقتضي أيضاً نفي حصر الواجب في ذات الصانع الحکيم و بطلان هذا اوضح من أخويه ، بيان ذلک : (لأن کون الوجود موجوداً بذاته يستلزم بالملازمة العقلية امتناع سلبه) أي سلب الوجود (عن ذاته) فان امکان سلب الوجود من الشيء يقتضي قابلية اتصافه بتساوي الوجود والعدم واما امتناع سلب الوجود من الموجود يستلزم اتصافه بالوجود، و عدم تساوي نسبته إلي الوجود والعدم، وسلب الموجودية من الوجود بعني سلب الشيء من نفسه (اذ الشيء لا يسلب عن نفسه ولا يصح أن يقال الواجب ليس بواجب او الممکن ليس بممکن او الموجود ليس بموجود وهذه العبارات مفاد القول بأن الوجود موجود بذاته (ولا نعني بالواجب بالذات الا ما يمتنع عدمه لذاته) وما کان کذلک فلا يصح أن يکون ممکناً وهذا يستلزم نفي الإمکان من أساسه، لأنه جعل الوجود منحصراً في الواجب .

وجه الإندفاع: أنّ الملاک في کون الشيء واجباً بالذات ليس هو کون وجوده نفسَ ذاته، بل کون وجوده مقتضي ذاته من غير أن يفتقر إلي غيره، وکلّ وجوير إمکاني فهو في عين أنّه موجودُ في ذاته مفتقرُ إلي غيره مفاضُ منه ، کالمعني الحرفيّ الذي نفسه نفسه، وهو مع ذلک لا يتمّ مفهوماً إلا بالقيام بغيره. وسيجيء مزيد توضيح له في الأبحاث الآتية (1)

ص: 117


1- يندفع هذا الّاشکال بما تقدم اما (وجه الاندفاع) کما جاء في الاسفار: ان هذا کما تقدم خلط بين بائين، باء بذاته في قولنا: «الواجب وجوده بذاته» وباء بذاته في قولنا : الوجود موجود بذاته» اذ الاول بمعني عدم حاجة الواجب في اتصافة بالوجود الي الواسطة في الثبوت بينما الثاني بمعني عدم حاجة الوجود الي الواسطة في العروض، وذلک أن موجودية الوجود في الواجب ليست لکونها عين الوجود، بل لکون الوجود عين اقتضاء ذات الواجب ، فالملاک في الواجب کون الوجود نابعاً من اقتضاء ذات الموجود، وذات الواجب تقتضي الوجود، لا أن ذاته عين الوجود، والفرق بينهما بيّنُ لأن ما کان وجوده وذاته و موجوديته عين الوجود يقتضي حصر الوجود فيه، فينحصر الوجود حينئذ في فرد واحد و مصداق واحد هو الواجب، وهذا المعني توهمه المستشکل، ولو صح لتحقق الاشکال ،ولکن المراد عبارة عن کون الواجب وجوده لاقتضاء ذاته ، من غير حاجة الي علة خارج ذاته ، خلافاً للممکنات التي ليس وجودها الاقتضاء ذاتها بل لعلّة خارجة من ذاتها وان کان موجوديتها عين وجودها ولهذا قال (رحمه الله) : (أن الملاک في کون الشيء واجباً بالذات اليس هو کون وجوده نفس ذاته) وعينها حتي يرد الاشکال (بل وجوده) اي الواجب بالذات تعالي (مقتضي ذاته) يعني أن ذاته علة مقتضيه لوجوده، وهذا التعبير منهن فيه تسامح لأن الذات في الواجب ليس علة لوجوده ، ومن هنا اشکل بعض فلاسفة الغربّ مثل سارتر بانّه يستحيل کون الشيء علة لوجود نفسه ، اذ توهموا من هذه العبارة اننا نقول بوجود نحو من العلية بين الوجود والذات في الواجب تعالي يکون الذات امراً مغايراً مستقلاً عن الوجود و نفس ذاته المقدسة علة لوجود نفسها - لوجودها - (من غير أن يفتقر الي غيرها مطلقا (و) اما کل وجود امکاني فهو في عين أنّه موجود في ذاته) ووجوده تنفس ذاته بمقتضي أصالة الوجود، لکنه (مفتقر الي غيره) وهو الواسطة في العروض وهذا الوجود الامکاني (مفاضُ منه) أي من علة وجوده فلا وجود له مستقل بذاته بل وجوده بغيره (کالمعني الحرفي الذي) في عين آن (نفسه نفسه) ووجوده نفس ذاته (وهو مع ذلک لا يتم مفهوماً) تاماً مفيداً لمعني خاص (الا بالقيام بغيره) وهو المبتدأ والخبر مثلاً، فلا فرق بين الوجودات الامکانية والمعاني الحرفية من هذه الجهة، روسيجي، مزيد توضيح له في الأبحاث الآتية) يعني في الفصل الأول والثاني من المرحلة الرابعة. والحاصل: ان لفظة «بالذات» مشترک لفظي وقولنا: «الشيء موجود بالذات» قد نقصد منه بسبب الذات - وحمل الباء علي معني السببية - اشارة الي نفي الواسطة في الثبوت والتحقق، کما تقول واجب الوجود بالذات، ونقول : الله تعالي موجود بالذات، أي غني عن العلة الموجبة والواسطة والفاعل الموجد، وقد نقصد منه نفي الواسطة في العروض لا نفيها في الثبوت اذ الوجود بعد تحققه اما ان يکون بالذات واما بالغير، کالممکنات، وبعد وجوده تکون الموجودية صفة لنفس الموجود ، وصفاً بحال نفسه لا بحال متعلقه ، فالباء في بالذات هنا نتقابل الباء في بالعرض، ترد لنفي الواسطة في العروض، بخلاف ما إذا تحققت الماهية فان صفة الموجودية تکون بالذات لوجودها، وانما تنسب الموجودية الي الماهية بالعرض، و بالدقة العقلية الفلسفية فان الموجودية تکون صفة للوجود بالأصالة، ونسبتها إلي الماهية وصف بحال متعلقها، لوجود الواسطة في العروض فيها.

قال صدر المتألّهين في الأسفار : «معني وجود الواجب بنفسه أنّه مقتضي ذاته من غير احتياج إلي فاعل و قابل ؛ ومعني تحقق الوجود بنفسه أنّه إذا حصل، إما بذاته کما في الواجب ، أو بفاعلٍ لم يفتقر تحقّقه إلي وجودٍ آخر يقوم به ، بخلاف

ص: 118

غير الوجود. إنتهي(1)

ويندفع عنه أيضاً ما أورد عليه أنّه لو کان الوِجودُ موجوداً بذاته والماهيّةُ موجودةً بغيرها- الذي هو الوجود- کان مفهومُ الوجود مشترکاً بين ما بنفسه وما بغيره، فلم يتمّ مفروض الحجّة من أن الوجود مشترکُ معنويّ بين الموجودات لا الفظيّ.

وجه الإندفاع: أنّ فيه خلطاً بين المفهوم والمصداق، والاختلاف المذکور

مصداقي لا مفهوميّ(2)

ص: 119


1- (قال صدر المتألهين في الأسفار الجزء الأول صفحة 40: (معني وجود الواجب بنفسه) حين نقول الواجب موجود بنفسه أو بذاته (أنه مقتضي ذاته من غير احتياج الي فاعل) من خارج ذاته (و) لا (قابل) من داخل ذاته تعالي لأن فاعلية الفاعل لا تتم الا بقابلية القابل، لعدم کفاية وجود المقتضي بل لزوم عدم المانع أيضاً وضمه اليه ، وحاصله أن الواجب تعالي غني في وجوده عن الواسطة في الثبوت، هذا اذا نسبنا « بنفسه» الي الواجب تعالي، واما معني تحقق الوجود بنفسه) حين نقول : «الوجود متحقق بنفسه» علي نحو الاطلاق لا خصوص فرد من أفراد الوجود و مصداق من مصاديقه، وهو المراد من أصالة الوجود، معني هذا القول (انّه) أي الوجود مطلقا (اذا حصل اما) ان يکون حصوله (بذاته کما في الواجب) تعالي وهو المصداق الغني عن الواسطة في الثبوت، (او) أن يکون حصوله (بفاعل) خارجي الم يفتقرا هذا الوجود المطلق - اي مطلق الوجود في (تحققه الي وجود آخر يقوم هذا الوجود (به) فالموجودية وصف بحال نفس ذاک الوجود لا وصف بحال متعلقه ، ولا يحتاج الوجود في وجوده الي الواسطة في العروض، ولا يحتاج تحقق الوجود الي ضم ضميمة خارجية اليه (بخلاف غير الوجود) اي الماهية . اذ لا ثالث لهما- وذلک أنها لا تتحقق في الخارج ولا تخرج من الوجود الذهني الي الوجود الخارجي الا بضم الوجود اليها، والوجود هو الذي يمنحها الوجود والتحقق ويفيض عليها به، وهما وان اتحدا في الخارج بالحمل الشائع لکنهما متعدد آن متغايران في الوجود الذهني بالحمل الأولي. هذا کلام المولي صدر المتألهين وقد (انتهي کلامه رفع مقامه..
2- اذ لا فرق في مفهوم الوجود وهو المقول بالتشکيک ، وانما الفرق في المصداق وذلک أن المصداق متعدد بمعني ان الموجود. وهو الوجود المتحقق في الخارج . قد يکون عين الوجود والتحقق والثبوت کما في الواجب تعالي، وقد يکون معروض الوجود اي عرض له الوجود - کما في الوجودات الامکانية، وحال الوجود هنا حال سائر الصفات فان صفة القدرة والعلم والبصر والسمع والحياة والارادة والکلام وسائر الصفات الذاتية قد تکون زائدة علي المتصف بها وقد تکون عين ذات المتصف بها وهذا لا يضر کون کل واحدة منها متحدة في المفهوم رغم اختلافها في المصداق.

من بما تقدّم فساد القول بأصالة الماهيّة ، کما نُسِبَ إلي الإشراقيّين فهي

لمة إذا کانت بحيث ينتزع عنها الوجود، وإن کانت في حدّ ذاتها إعتباريّةً

رد المنتزع عنها إعتباريّاً(1)

ويردُّهُ أن صيرورةَ الماهيّة الإعتباريّة بانتزاع مفهوم الوجود الإعتباري أصيلةً

ذات حقيقة عينية ، إٍنقلابُ ضروريّ الإستحالة(2)

ص: 120


1- بعدما انتهي من اثبات الاصالة للوجود بقي الرد علي دعاة اصالة الماهية ونقض ادلتهم بالبرهان القاطع، بيان ذلک أن القائلين بها لا يعتقدون بوجود الماهية مستقلة ولا بأصالة وجودها بل يدعون ان الماهية (اذا کانت بحيث ينتزع عنها مفهوم الوجود) فهي أصيلة مستقلة وان کانت الماهية (في حد ذاتها اعتبارية) فالماهية عندهم في حد نفسها اعتبارية، کما أن الوجود - کما عندهم أيضاً - امر اعتباري ولهذا قال : وکان (الوجود المنتزع عنها) أي عن الماهية (اعتبارياً) أيضاً ، وحاصل هذا الجواب : ان الماهية اصيلة لکن لا مطلقا بل اذا کانت بصورة يمکن انتزاع مفهوم الوجود عنها، وعليه فانّها في حد ذاتها اعتبارية محضة، کما أن الوجود اعتباري أيضاً، فاذا کانت بحيث متي شئنا استطعنا أن ننتزع منها - عنها - مفهوم الوجود الاعتباري - ثم نحمله عليها، تصير حينئذ أصيلة، فالأصيل عندهم هو الماهية بوصف الوحود اي الماهية الموجودة وبفرض کونها موجودة لا مطلق الماهية، وعليه کيف يمکن استناد ملاک الواقعية والحقيقة بهذا الامر الاعتباري حتي وان امکن اتصافها بالوجود وانتزاع الوجود عنها تحت شرائط و عوامل خاصة !!
2- (ويرده) اي هذا الادعاء الذي اورده شيخ الاشراق في حکمة الاشراق وأورده صاحب الأسفار في محله (ان صيرورة الماهية الاعتبارية بانتزاع مفهوم الوجود الاعتباري اصيلة) اي ان زعمکم بأنا حين نتنزع مفهوم الوجود الاعتباري من مفهوم الماهية، تصير الماهية أصيلة و(ذات حقيقة عينية) هذا الزعم باطل لأنه (انقلاب ضروري الاستحالة) اذ ان الماهية علي هذا غير متحققة في ذاتها وهذا المفهوم يصير أصيلاً فجأة من غير أن يحدث شيء جديد في تلک الذات بضم ضميمة اليها ولا بنقصان شيء منها، وهو الانقلاب المعال، وکيف يمکن للشيء الاعتباري الذهني الذي لا حقيقة له في الخارج أن يفيض علي امر آخر نعمة الثبوت والتحقق، اذ الاعتباري الذهني خال من الآثار الخارجية والتحقق والثبوت من آثار الحقائق الخارجية التي إذا انضمت الي غيرها من الامور الاعتبارية منحتها نعمة التحقق والثبوت، والاعتباري فاقد لهذه الآثار مطلقاً وفاقد الشيء لا يجوز له أن يکون معطية، وانضمام اللاشيء الي اللاشيء لا يحقق شيئاً، وضم الصفر الي الصفر لا يحقق رقما ، کما أن ضم المعدوم إلي المعدوم لا يحقق موجوداً، وضم الذهني الي الذهني کذلک لا يحقق امرة خارجية بل ضم آلاف وملايين الاصفار واللاشيئات والمعدومات - الاعدام - والامور الذهنية بعضها إلي بعض لا يمکن ان تحقق رقماً او شيئاً او موجوداً أو أمر خارجياً ، ودعوي القوم أشبه بدعوي من يقول ان انقلاباً حدث في ذات الماهية - الاعتبارية - وأفاض عليها بالاصالة أي قليها من الاعتبارية الي الاصالة من غير علة ولا سبب ولا يقول به احد من الفلاسفة الالهيين.اعتباري

وتبيّن أيضاً فساد القول بأصالة الوجود في الواجب وأصالة الماهيّة في الممکن ، کما قال به الدّواني وقَرَّه بأنّ الوجود علي ما يقتضيه ذوق المتألهين حقيقةُ عينيّةُ شخصيّةُ هي الواجب (تعالي)، وتتأصّل الماهيّات الممکنة بنوع من الانتساب إليه، فإطلاق الموجود عليه (تعالي) بمعني أنّه عين الوجود وعلي الماهيّات الممکنة بمعني أنها منتسبة إلي الوجود الذي هو الواجب (1)

ص: 121


1- وحاصل ما قال به الدواني کما نسب اليه في منظومة السبزواري (بأن الوجود علي ما يقتضيه ذوق المتألهين) وهم المتبحرون في علم الالهيات والمعارف والعرفان، هذا الوجود ذو مفهومين مستقلين تامين أحدهما (حقيقة عينية شخصية خارجية (هي الواجب تعالي) والآخر هو مفهوم الوجود الذي يقع وصفاً للماهيات والممکنات، ويحمل عليها، لکن الماهيات موجوده بهذا المعني لا حقيقة - أي لا بنحو الحقيقة العينية الشخصية ، فهي موجودة بالاصالة لکن لا الاصالة الحقيقية الذاتية (وانما تتأصل الماهيات الممکنة بنوع من الانتساب اليه تبارک وتعالي ، فهناک وجود واجب وهناک وجود ممکن والمفهومان متغايران لان الوجود الأول أصيل بالذات والآخر اصيل بالغير. وحاصله أن لا وجود للماهيات، وانما الوجود في الحقيقة للواجب تعالي وانما ينسب اليها الوجود وتتأصل بسبب الانتساب إلي الوجود (فاطلاق الموجود عليه تعالي ) في قولنا: «الله تعالي أو الواجب تعالي موجود» ليس الا (بمعني انّه) تعالي (عين الوجود ) واطلاق الموجود علي الماهيّات الممکنة) ليس الا بمعني أنها منتسبة إلي الوجود الذي هو الواجب ).

ويرُدُّه أن الانتساب المذکور إن استوجب عرض حقيقةٍ عينيّة علي الماهيّات کانت هي الوجود، إذ ليس للماهيّة المتأصّلة إلّا حيثيّنا الماهيّة والوجود، وإذا لم تضف الأصالة إلي الماهية فهي للوجود، وإن لم يستوجب شيئاً وکانت حال الماهية قبلَ الإنتساب وبعده سواء، کان تأصلها بالانتساب انقلاباً ، وهو محالُ (1)

ص: 122


1- (ويرده) صاحب الاسفار والعلامة هنا (ان الانتساب المذکور...الخ) بيان ذلک أن الماهية التي تزعمون أنها تتأصل في الممکنات بانتسابها إلي الواجب تعالي، ماذا تعنون بهذا الانتساب ؟ هل لأنّه يوجد في هذا الانتساب شيء خاص ام لأنه صرف اعتبار ولحاظ عقلي، فان کان الانتساب يوجد شيئاً خاصاً في الماهيّة ، فلابد هذا الشيء أن يکون هو الوجود، ولازمه أصالة الوجود الذي يفيضه الباري تعالي علي الماهيّة ، وان کان هذا الانتساب لصرف الاعتبار واللحاظ العقلي فما الفرق بين الماهية قبل الانتساب وبعده ، کما يستلزم أيضاً کون الوجود مشترکاً لفظياً يطلق علي موجودية الشيء حقيقة ، تارة، ويطلق علي المنتسب إلي الوجود، تارة أخري. وحاصله : کيف صارت الماهية الاعتبارية أصيلة فجأة؟ قال ليس هنا شيء فجائي وانما تأصّلت بانتسابها الي الوجود الواجب تعالي قلنا أن هذا الانتساب لا يخلو من وجهين اما ان يستوجب عرض حقيقة عينية علي الماهيات وأما ان لا يستوجب شيئاً فان استوجب عرض حقيقة عينية علي الماهيات الممکنة أي استوجب الانتساب واستلزم تحقق حقيقة واحدة عينية في الخارج عارضة للماهية ( کانت ) تلک الحقيقة العينية (هي الوجود) بعينه (اذ ليس للماهية المتأصلة الا حيثيتا الماهية والوجود) ولا ثالث لهما (واذ لم تضف الأصالة الي الماهية) کما هو عندنا وعند المحقق الدواني القائل بأصالة الوجود (فهي) اي الاصالة (للوجود) کما اعترف الخصم بنفسه ، سواء کان الخصم يسمي هذا الانتساب المستلزم لايجاد تغيير في حال الماهية ومنحها الأصالة ، بالوجود. کما ندعوا اليه - او امتنع عن اطلاق اسم الوجود عليه ، فهو نفس الوجود العارض علي الماهية والذي يمنحها التحقق والثبوت وعليه فالاصالة للوجود (وان لم يستوجب) الانتساب المزعوم (شيئاً) من التغيير والتحديث بالزيادة والنقصان (وکانت حال الماهية قبل الانتساب وبعده سواء) فلم يستلزم تحقق شيء واجراء تغيير بالزيادة أو النقصان علي الماهية کان تأصلها) أي الماهية الممکنة (بالانتساب انقلاباً ) کما تقدم في الرد السابق (وهو محال) النفس السبب المتقدم. فالقول بالفصل الذي ذهب اليه الدواني باطل لأن حقيقة الوجود واحدة سواء بالنسبة الي الواجب أو الممکن.

يتفرّع علي أصالة الوجود واعتبارية الماهية(1)

أوِّلاً : أنّ کلَّ ما يُحمل علي حيثيّة الماهيّة فإنّما هو بالوجود، وأنّ الوجود حيثيّةُ تقييديّةُ في کلَّ حملٍ ماهويًّ، لما أنّ الماهيّة في نفسها باطلةُ هالکةُ لا تملک

ص: 123


1- حاصل الفرع الأول : اننا بعدما سلمنا ببطلان الماهية في حد ذاتها وخلوّها حتي من الوجود، وأنها عدم محض ولا تصير موجودة بنفسها إلا باضافة الوجود اليها وحمله عليها ، وان موجودية الماهية وصف بحال متعلقها، وهو الوجود، ماهية الموجود أي الماهية التي وجودها موجود، فلا شيء للماهية من اللوازم، وانما اللوازم المنسوبة اليها تکون للوجود حقيقة وللماهية بتبع وجودها، کما لا يصح حمل شيء علي الماهية أيضاً إلا اذا ثبت لها وجود في وعاء الذهن مثلاً أو وعاء الخارج، أي الوجود الذهني او الخارجي، وما يحمل عليها انما هو محمول علي الوجود - وجودها - اولاً وبالذات ومحمول عليها ثانياً وبالعرض، اي الماهية المقيدة بقيد الوجود، حتي لو لم يذکر القيد صراحة، لضرورته علي کل حال، فقولنا «الانسان خيرُ من الحيوان» ليس حمل الخير - خيژ - علي الانسان حملاً له علي الانسان الاعتباري - الماهية خالية من قيد الوجود - وليس معناه أفضلية الماهية - ماهية الانسان - قبل وجوده مثلاً، صحيح أن الموضوع في هذه القضية هو الانسان والانسان ماهية، لکنها ماهية لا تخلو من الحيثية التقييدية اعني الانسان بما هو موجود لا مطلقاً ، وقد عم المؤلف هذا المطلب حتي بالنسبة الي ذاتيات نفس الماهية ، وحکم بشموله لها بقوله الانسان ناطق» أي الانسان الموجود ناطق لا الماهية الاعتبارية للانسان ، کما جعل (رحمه الله) اللوازم العينية ولوازم الوجود الذهني بل لوازم الوجودين ، من لوازم الوجود في الخارج، والحاصل أن ما ينسب الي الماهية لا يخلو من وجهين: إمّا أن يکون أمراً عرضياً يوجد تارة ولا يوجد تارة اخري مثل الانسان کاتب» فإن الکتابة امر عرضي لا تنسب اليه الا بعد وجوده، فالماهية هنا مقيدة بقيد الوجود اي الانسان الموجود کاتب، واما ان يکون امراً لازماً مثل « النار حارة» فالحرارة عرض والنار جوهر فهما أمران متغايران، وانما نسبت الحرارة إلي النار بقيد الوجود لا مطلقاً ولا يکفي أيضاً مطلق الوجود بل خصوص النار الموجودة في الخارج حارة، وقد يکون اللازم من لوازم الوجود الذهني لا الخارجي مثل الانسان کل» وبما أن الکلي ذهني محض فالانسان الموجود في الذهن - بوجوده الذهني - کلي لا مطلقاً ، وقد يکون المحمول علي الماهية أعم من الموجود الذهني أو الخارجي مثل : الاربّعة زوج» فالاربّعة زوج سواء کانت ذهنية اعتبارية أو خارجية حقيقية ، ويقال لها من لوازم الماهية ، يقول المؤلف و ان الحق هنا مع المحقق الدواني القائل بأن هذا الأخير من لوازم الوجودين .

شيئاً ، فثبوت ذاتها وذاتيا تها لذاتها بواسطة الوجود(1) فالماهيّة وإن کانت إذا اعتبرها العقل من حيث هي لم تکن إلّا هي، لا موجودة ولا معدومة، لکنّ ارتفاع الوجود عنها بحسب هذا الإعتبار - ومعناه أنّ الوجود غير مأخوذ في حدّها لا ينافي حملَه عليها خارجاً عن حدّها عارضاً لها ، فلها ثبوتُ مّا کيفما فرضت (2)

ص: 124


1- قوله : (في کل حمل ماهوي کل حمل يکون فيه موضوع القضية ماهيّة من الماهيات، إذا اريد ثبوت المحمول لذلک الموضوع - الماهية - فلابد من أضافة حيثية تقييدية إليه مثل بما هي موجودة» مثلاً: «الانسان کاتب بما هو موجود» وهکذا.
2- قوله : (فالماهية وان کانت اذا اعتبرها العقل من حيث هي مجردة عن کل شيء وملاحظتها ولحاظها في حد ذاتها بقطع النظر عن اي شيء آخر (لم تکن الا هي) فهي بهذا اللحاظ (لا موجودة ولا معدومة) ولکن بمجرد لحاظ العقل لها تصبح موجودة وأن لم يلاحظ وجودها (لکن ارتفاع الموجود عنها بهذا الاعتبار) اي حين نقول «لا موجودة» بنفي الوجود عنها (ومعناه ان الوجود غير مأخوذ في حدّها) و تعريفها أي حين نتصور الماهية ونلحظ حدودها المفهومية لا نجد فيها الوجود، فان هذا المعني (لا ينافي حمله) أي الوجود (عليها) أي الماهية، بمعني الشيء الذي يکون (خارجة عن حدها) وذاتها، وحدها الماهوي حال کونه (عارضاً لها) فللماهية ثبوت ما في الخارج علي کل حال غاية الأمر انا لا نلاحظ وجودها ولا نشعر به، ولو ثبت کون ذاتها - أي الماهية - وذاتيا تها ذات حيثية تقييدية - اي کون ثبوتها بالوجود، فلوازمها کذلک بطريق أولي (وکذا لوازم ذاتها) بطريق أولي (التي هي لوازم الماهية ... الخ). ولوازم الماهية کما هو عند الحکماء علي نوعين کالزوجية بالنسبة إلي الأربّع او الفردية للثلاث والحرارة للنار، ومثل مفهوم الماهية التي تحمل علي الماهية الخاصة کقولنا الانسان ماهية» مثلاً، فان هذه الماهية لا تقبل الانفکاک عن الانسان، وحمل عنوان الماهية علي الانسان والحيوان والشجر والحجر وغيرها من الأنواع يعدّ من لوازم هذه الأشياء، کل واحد منها ماهية بحد ذاته، لا يمکن سلب الماهية عنه ، نعم يمکن سلبها عن کل واحد منها من جهة أنه عارض لازم للماهية وليس جزءا للذات وجزءاً الذات إما جنس أو فصل - وجنس الاجناس - أو اعلي الأجناس هي المقولات العشر ، ولهذا فلا يصح ادخال لفظ الماهية في تعريف أي شيء لأن لفظ الماهية - او حقيقة الماهية - ليس جنساً ولا فصلاً لشيء من الأشياء ، فلا نقول في جواب ، ما هو الانسان؟ أنه ماهية أو ماهية کذائية کلا بل نقول هو جوهر ذو ابعاد ثلاثة - جسم - نام حساس متحرک بالارادة ناطق، وهو الحد التام، فلا مجال للماهية في حدود الأشياء، وهکذا الوجود، لا مکان له في الحدود والتعريفات، وحمل الماهيات علي الأشياء بالحمل الشايع حمل عرضي لا ذاتي (کمفهوم الماهية العارضة لکل ماهية) فان حملها حمل عرضي وليس حملا ذاتية، لأنها ليست جنسا ولا فصلا للماهيات و ذلک أن مفهوم الماهية من المعقولات الثانية الفلسفية فلا تدخل في حد شيء من الماهيات المنتزعة من الماهيات الخارجية أو الذهنية وحملها علي تلک الماهيات حمل عرضي منطقي - باب ايساغوجي - لا حمل ذاتي منطقي - من باب البرهان - وبعد انتزاع مفهوم الماهية من الماهيات الحقيقية أو الاعتبارية يتم حملها علي تلک الماهيات، بواسطة الوجود ، کما أن حمل العرض علي الأعراض التسعة حمل عرضي أيضا کقولنا «الکيف عرض» و«الکم عرض» وهکذا، مع أنه ليس لها جنس لأنها من الأجناس العالية، وحمل الماهية علي الجواهر والاعراض حمل عرضي أيضاً، فالماهية نصبح أحد أعراض الماهية الخاصة. (بذلک يظهر أن الوجود من لوازم الماهية الخارجة عن ذاتها) واللازم خارج عن الذات قطعاً لعدم کونه ذاتية من ذاتيات الماهية فليس هو جنس للماهيات مطلقاً ولا هو فصل ، واما ملازمة الوجود للماهية فهو من باب ملازمة الحرارة للنار لا يتحقق للماهية ذات الا بالوجود.

وکذا لوازم ذاتها - التي هي لوازم الماهيّة کمفهوم الماهية العارضة لکلّ

ماهيّة ، والزوجيّة العارضة لماهيّة الأربّعة - تثبت لها بالوجود لا لذاتها.

وبذلک يظهر أنّ لازِمَ الماهيّة بحسب الحقيقة لازم الوجودين الخارجيّ

والذهنّي کما ذهب إليه الدّواني.

وکذا لازِمُ الوجود الذهني کالنوعيّة للإنسان، ولازِمُ الوجود الخارجيّ

کالبرودة للثلج ، والمحمولات غير اللازمة کالکتابة للإنسان، کل ّذلک بالوجود.

وبذلک يظهر أن الوجود من لوازم الماهية الخارجة عن ذاتها.

وثانياً : أن الوجود لا يتَّصف بشي ءٍمن أحکام الماهيّة ، کالکلّيّة والجزئيّة ، وکالجنسيّة والنوعيّة والفصليّة والعرضيّة الخاصة والعامة، وکالجوهريّة والکميّة والکيفيّة وسائر المقولات العرضيّة ، فإنّ هذه جميعاً أحکام طارئةُ علي الماهيّة من

ص: 125

جهة صدقها وانطباقها علي شيءٍ کصدق الإنسان وانطباقه علي زيد وعمرو وسائر الأفراد أو من جهة اندراج شي ءٍتحتها کاندراج الأفراد تحت الأنواع والأنواع تحت الأجناس. والوجود الذي هو بذاته الحقيقة العينّية - لا يقبل انطباقاً علي شيءٍ ولا اندراجاً تحت شيء ولا صدقاً ولا حملاً ولا ما يشابه هذه المعاني، نعم مفهوم الوجود يقبل الصدق والإشتراک کسائر المفاهيم(1)

ص: 126


1- (وثانياً: أن الوجود) حقيقة عينية خارجية، ذو آثار خاصة به وهو عين التشخص والتعيّن غير منفک من ذاته ، ولا يحل في الذهن بحقيقته الخارجية بخلاف الماهية التي قد تکون ذهنية وقد تکون خارجية ولکل منهما حکم خاص به و آثار خاصه به ، وعليه في (لا يتصف) الوجود (بشيء من احکام الماهيّة ، کالکلية) فان الکلية او الکلي مفهوم قابل للانطباق علي الکثيرين (والجزئية) المقابل للکلي اذ الجزئي هنا بمعني المفهوم الذي لا يقبل الصدق الا علي فرد واحد ويمتنع فرض صدقه علي کثيرين (وکالجنسية) والجنس مفهوم کلي وأحد الاجزاء الذاتية لمصاديقه بل هو الجزء الأعم من أجزاء الذاتي (والنوعية) والنوع مفهوم کلي يمثل تمام ذاتيات أفراده (والفصلية) والفصل مفهوم کلي يمثل الجزء المساوي من أجزاء ذاتي مصاديقه (والعرضية الخاصة والعرض الخاص مفهوم کلي يمثل صفة خاصة خارجة عن ذاتي مصاديقها (و) العرضية (العامة) والعرض العام مفهوم کلي أيضاً لکنه يمثل وصفاً عاماً خارجاً عن الذات أي عن ذاتي مصاديقها (وکالجوهرية) والجوهر ماهية اذا وجدت وجدت في موضوع لقيامها بنفسها واستقلاليتها، (والکّميّة) الکمُّ واحد من الاعراض التسعة، وهو قسمان: کم متصل کما في الجسم والخط ، وکم منفصل کما في الاعداد، (والکيفية الکيف أيضاً من الاعراض کما انّه قسمان: کيف جسماني وکيف نفساني (وسائر) الأعراض والمقولات العرضية) وهي الأين والملک والجدة والاضافة و متي وان يفعل وان ينفعل، والاعراض مفاهيم کلية وهي ماهيات اذا وجدت وجدت في موضوع، وانما ذکرها عامة بعدما خص الکم والکيف بالذکر قبلها، للاتفاق فيها، والاختلاف في البواقي من جهة المدعي ، و تطلب تفاصيل کل ما ذکرناه من المفاهيم في محله، وکيف کان (فان هذه) الأحکام التي ذکرناها (جميعاً احکام طارئة علي الماهيّة) تتصف بها الماهية، وذلک من احدي جهتين : أمّا (من جهة صدقها وانطباقها) جميعاً (علي شيء، کصدق الانسان وانطباقه علي زيد وعمرو وسائر الأفراد) التي ينطبق عليها مفهوم الانسان، ان الانسان مفهوم کلي قابل للصدق علي کثيرين ، (او من جهة اندراج شيء تحتها) أي من جهة اندراجها جميعاً تحت شيء، إذ المفهوم ينطبق علي المصداق، والمصداق يندرج تحت المفهوم، فبعض هذه الأحکام مفاهيم کلية تنطبق علي الماهيات والأشياء، وبعضها مصاديق تندرج تحت ماهية من الماهيات ولهذا لزم کون الماهية هنا مفهوم کلي کما تجد في الأمثلة الآتية : (کاندراج الأفراد والمصاديق (تحت الانواع الکلية ، فان زيدة وعمروا وامثالهما يندرجون تحت النوع الانساني، وکل ماهية لابد أن تندرج تحت نوعها الخاص، وکاندراج (الأنواع تحت الأجناس القريبة، واندراج الأجناس القريبة تحت المتوسطة والمتوسطة تحت البعيدة وهکذا، فکل مفهوم کلي قابل للانطباق علي مصاديقه الجزئية، کما أن المصاديق تندرج تحت المفاهيم، بينما لا يتصف الوجود بشيء من هذه الأمور والاحکام، وذلک أن الماهيّة بما لها من حضورين، حضور في وعاء الذهن وحضور في وعاء الخارج - اي حضور ذهني وحضور خارجي - فهي تقبل الاتصاف بالکلية والجزئية والعرضية العامة والعرضية الخاصة ، اذ الماهية باعتبار صدقها علي افراد کثيرة تقبل الاتصاف بالکلية - اي تتصف بها فعلا - وباعتبار صدقها علي الفرد الواحد وعلي کل فرد من الأفراد تتصف بالجزئية، وهکذا باعتبار اشتراکها في انواع مختلفة تتصف بالجنسية، وباعتبار اختصاصها بنوع خاص من الانواع تتصف بالفصلية، وباعتبار عروضها لمصاديق جميع انواع جنس واحد تتصف بالعرضية العامة، وباعتبار عروضها لمصاديق نوع خاص من الجنس تتصف بالعرضية الخاصة ، فبعض هذه الأحکام تنطبق علي الأشياء والماهيات وهي تعد مصاديق لها، واما بعضها الآخر مثل الجوهرية والعرضية والکمية والکيفية وسائر الأعراض فانّها لا تنطبق علي الماهية بحضورها الذهني بل بعموم حضورها الذهني والخارجي، فالماهية بحضورها الذهني في جوهريتها جوهر وفي عرضيتها عرض وکذلک بحضورها الخارجي في جوهريتها جوهر وفي عرضيتها عرض وهذا لا يختص بوجودها الذهني ولهذا فان الماهية الخارجية بوجودها العيني صالحة للاندراج تحت عنوان الجوهرية أو العرضية واتصافها بها، لاندراجها تحت ماهية الجوهر أو العرض. ماهية جوهرية او ماهية عرضية -، والحاصل أن الفرد الخارجي اذا أصبح مصداقاً للجوهر او العرض، فإنه يندرج حينئذ تحت نوع جوهري او عرضي، فتتصف تلک الماهية بعنوان جوهري او عرضي رغم کونه فرداً في ظرف الخارج، (و) لکن الوجود - الذي هو بذاته الحقيقة العينية ) الخارجية، فإنّه لا يقبل انطباقاً علي شيء) لأنه ليس مفهوماً کلّيّاً ذهنياً بل ليس له حضور ذهني، والانطباق من شأن الکلي الاعتباري (ولا )يقبل (اندراجاً تحت شيء) لأن المندرج يغاير المندرج فيه، بينما الوجود عين الماهيات والحقائق وکيف يندرج تحت نفسه ؟! ولو قلت أن المفاهيم اعتبارية والوجود حقيقي فما المانع من اندراج هذا تحت تلک، قلت لامانع بل کل موجود يندرج تحت مفهوم لکن الوجود الذي هو الحقيقة العينية کيف يندرج تحت أمر اعتباري، فافهم، ولا يقبل أيضاً (صدقاً) علي شيء والصدق کالانطباق (ولا )يقبل الوجود (حملاً) علي شيء من الأشياء ولا يقبل (ما يشابه هذه المعاني) - والمراد من هذه المعاني قوله الانطباق الاندراج والصدق والحمل - وما شابهها کالاتصاف والاشتمال (نعم مفهوم الوجود يقبل الصدق) علي افراد أو عناوين متعددة کثيرة (و يقبل الاشتراک) المعنوي بين مراتب عديدة (کسائر المفاهيم) الکلية الاعتبارية، إلا أن الحديث هنا ليس عن مفهوم الوجود، بل عن حقيقته الخارجية ، فانتبه.

ص: 127

ومن هنا يظهر أنّ الوجود يساوق الشخصيّة (1)

ومن هنا يظهر أيضاً أنّ الوجود لا مثلَ له، لأنّ مثلَ الشيء ما يشارکه في

الماهيّة النوعيّة ولا ماهيّة نوعيّةً للوجود (2)

ويظهر أيضاً أنّ الوجود لا ضدَّ له لأنّ الضدين - کما سيأتي- أمران وجوديّان متعاقبان علي موضوع واحلي داخلان تحتَ جنسٍ قريبٍ بينهما غاية الخلاف، والوجود لا موضوع له ولا جنس له ولا له خلاف مع شي ءٍ.(3)

ص: 128


1- (ومن هنا يظهر) أوّلاً : (أن الوجود) مصداقاً وبالحمل الشائع (يساوق) ويعادل (الشخصية) فإن الوجود من حيث وجوده الخارجي العيني متشخّص، والشيء مالم يتشخّص لم يوجد والتشخّص يعني عدم القابلية للانطباق علي شيء، وهي حقيقة الوجود الخارجي کما تقدم، والتشخّص هو التعين، واما الوجود بالحمل الأولي - اي مفهوم الموجوده فلا يساوق الشخصية.
2- (ومن هنا يظهر أيضاً) ثانياً : (ان الوجود) بحقيقته الخارجية (لا مثل له) فلا تماثل بين فردين من الوجود تماثلاً تاماً عينياً (لأن مثل الشيء ما) اي هو الذي يشارکه) اي يشارک الشيء (في الماهية النوعية الکلية واندراجهما تحت مفهوم کلي (ولا ماهية نوعية للوجود) کما تقدم فإن النوعية کلية ومثلها لا ينطبق علي الوجود، وما کان منزهلاً عن انطباق الکلي الماهوي عليه فلا يصح التماثل بين افراده کما تعلم.
3- (ويظهر أيضاً) ثالثاً (ان الوجود لاضدّ له) لمزيد من التفاصيل راجع الجزء الأول من الأسفار (لأن الضدين - کما سيأتي سا في الفصل التاسع من المرحلة السابعة ان شاء الله تعالي، يشترط في صدق التضاد بينهما تحقق أربّعة شروط : أوّلا - أنهما (أمران وجوديان) اي فردان من الماهيّة الموجودة فلا تضاد بين الاعدام ولا بين وجودي وعدمي، ثانياً - أنهما متعاقبان) وعارضان (علي موضوع واحد) فلا تضاد بين فردين من ماهية واحدة إذا تعاقبا علي موضوعين مختلفين، ثالثاً : (داخلان تحت جنس قريب) فلا تضاد بين فردين من ماهية واحدة متعاقبين علي موضوع واحد إذا کانا داخلين تحت جنسين مختلفين ، رابعاً – ان بينهما غاية الخلاف) والبعد والعناد، وقد تقدم أن (الوجود) ليس فرداً من الماهية أصلاً و(لا موضوع له) يتعاقب ويحمل عليه (ولا جنس له) لأنّه بسيط غير مرکب من الجنس والفصل (و) أخيراً (لاله) أي ليس له (خلاف مع شيء) اذ لا شيء خارج الوجود حتي يکون ندّاً و شريکاً له يعانده ويخالفه .

وثالثاً : أنّ الوجود لا يکون جزءاً لشيءٍ، لأنّ الجزء الآخر والکلّ المرکّب منهما إن کانا هما الوجود بعينه فلا معني لکون الشيء جزءاً لنفسه، وإن کان أحدهما أو کلاهما غير الوجود کان باطل الذات، إذ لا أصيل غير الوجود، فلا ترکيب(1)

وبهذا البيان يثبت أن الوجود جزء له وتبين أيضاً أن الوجود بسيط في

ذاته .

ورابعاً : أنّ ما يلحق الوجود حقيقةً من الصفات والمحمولات أُمور غيث

خارجةٍ عن ذاته ، إذ لو کانت خارجةً کانت باطلةً(2)

ص: 129


1- (و ثالثاً ) : يتفرع علي أصالة الوجود (ان الوجود) و الحقيقة الخارجية (لا يکون جزءاًالشي) لأنه لا شيئية في الخارج عدا الوجود، ولا شيء خارج الوجود حتي يکون الوجود جزء له هذا أولا، ولأن الوجود بسيط بحقيقته وذاته ثانياً ، وأما ثالثاً : لأنا نسأل أيضاً ما هي حقيقة ذاک الجزء الآخر الذي يشارک الوجود في جزئيته للغير؟ (لأن الجزء الآخر الذي يشاطر الوجود في ترکيب الکل (والکل المرکب منهما) أي من الوجود والجزء الآخر، لايخلوان من وجهين : 1- (ان کانا) اي الجزء الآخر والکل المرکب من الوجود وهذا الجزء الآخر ان کانا (هما الوجود بعينه) کما هو الحق (فلا معني لکون الشيء) اي الوجود باعتباره جزءاً واحداً أو الجزئين معاً (جزءاً لنفسه) فثبت بطلان هذا الوجه، 2- (وان کان أحدهما) أي أحد الجزئين (أو کلاهما غير الوجود) بکون المرکب بجزئيه غير الوجود (کان) هذا المرکب (باطل الذات، اذ لا أصل غير الوجود) واذا کان کل ما في الخارج الوجود (فلا ترکيب) من العدم والوجود فضلا عن العدمين اذن هو بسيط غير مرکب اصلاً.
2- (ورابعاً : أن ما يلحق الوجود حقيقةً لا اعتباراً من الصفات ) کالقوة والفعل والقدم والحدوث والوجوب والامکان وما شابهها (والمحمولات الفلسفية) فهي کما تقدم اما آن تساوي موضوع الفلسفة - اي الوجود - أو أن تکون هي وما يقابلها معاً مساوية لموضوع الفلسفة، وعلي کل حال فالصفات والمحمولات - اعني محمولات المسائل الفلسفية - (غير خارجة عن ذاته) اي عن ذات الوجود، اذ لا شيء خارج الوجود، فکل ما يثبت للوجود الخارجي من صفة أو حمل واقعيين، لا ذهنيين اعتبار بين ، ليس ذلک الوصف أو المحمول خارجاً عن ذات الوجود أعني أنها عين الوجود.

وخامساً : أنّ للموجود من حيث اتّصافه بالوجود نحو انقسام إلي ما بالذات وما بالعرض، فالوجود موجودُ بالذات بمعني أنه عين نفسه، والماهية موجودةُ بالعرض، أي أنّها ليست (متصفةً) بالوجود بالنظر إلي نفس ذاتها وإن کانت موجودةُ بالوجود حقيقةً قبالَ ما ليس بموجوډ بالوجود(1)

ص: 130


1- (وخامساً : ان للموجود من حيث اتصافه بالوجود نحو انقسام) اي علي قسمين: 1- (الي ما بالذات ) اي الوجود الموجود بالذات والموجود المتصف بالوجود بالذات. 2- (وما) أي الوجود الذي يتصف بالوجود لا بالذات بل (بالعرض) وهو الوجود الموجود بالعرض فالوجود موجود بالذات) وهو القسم الأول (بمعني أنه) أي الوجود (عين نفسه) اي عين الموجودية فالصفة عين الموصوف (و) حين نقول (الماهية موجودة بالعرض) وهو القسم الثاني (اي انّها) اي الماهية ليست (متصفة بالوجود بالنظر الي نفس ذاتها) فان ذات الماهية لا اقتضاء فيها وجوداً و عدماً - اي لا تقتضي الوجود ولا العدم - التساوي نسبة الماهيات الامکانية الي الوجود والعدم (وان کانت الماهية (موجودة بالوجود حقيقة) وعياناً (قبال ما ليس بموجود بالوجود) ولم يتصف به أصلاً کالمعدوم. فزرقة السماء عرضية عارضة للسماء أما زرقة الأزرق ذاتية، ودسومة الطعام بالدهن واما دسومة الدهن من نفسه وتلک عارضة اما هذه فذاتية. ملاحظة هامة : تقدم أن الفروع والتفريعات التي نحن بصددها والمبتنية علي أصالة الوجود انما ترجع الي حقيقة الوجود لا مفهومه ، فما معني حقيقة الوجود؟ اعلم أن مصطلح حقيقة الوجود استعمله اهل المعقول - اعني الحکماء والعرفاء - بعدة معاني اولها أن يراد بحقيقة الوجود ذات الواجب تبارک وتعالي سيما عند أهل العرفان ، وقد استعملها أيضاً بعض الفلاسفة منهم صدر المتألهين (ره) واتباعه وحينئذ فيراد بها المرتبة العالية والکاملة للوجود، وهذا المعني يختص بمبحث الالهيات بالمعني الأخص ولا وجه له امه ههنا، وثانيها - أن يراد بها الطبيعة المرسلة للوجود وقد جاء ذلک في کلمات المرحوم السبزواري وغيره، فما هي الطبيعة المرسلة للوجود؟ اعلم أن من الماهيات ما هي ماهيات جنسية سارية بين الماهيات النوعية ، کمفهوم الحيوان الساري في الانسان والبقر والغنم والفرس، والمفهوم الجنسي هو الحالة غير المتأثرة المبهمة - الابهامية - السارية بين الماهيات النوعية - أي بين أنواع من الحيوانات - وهذا السريان، مفهومي، أعني أن جزءا من مفهوم الانسان عبارة عن مفهوم الحيوان، وان مفهوم الحيوان موجود ضمن مفهوم البقر والفرس وغيرهما . ثم بها تشبه حقيقة الوجود بأنها طبيعة مرسلة سارية في الوجودات الخاصة ، کل وجود خاص تسري فيه حقيقة الوجود، فکما ان المفهوم الجنسي يسري بين المفاهيم النوعية سرياناً ذهنياً فکذلک حقيقة الوجود يسري بين حقائق الوجودات الخاصة في عالم الحقيقة وهو السريان العيني ، هذا تعريف تقريبي للطبيعة المرسلة، لکن الحقيقة أن هذا خلط بين أحکام الماهية علي القول بأصالة الماهية وبين احکام الوجود علي القول بأصالته، فما معني قولهم : کل وجود خارجي تسري فيه حقيقة الوجود سرياناً عينياً ؟! وليس هنا محل هذا البحث بل يطلب المزيد من التفاصيل في کتب القوم المطولة، والحاصل أن المراد من حقيقة الوجود: 1- اما وجود الواجب تعالي، 2الوجود کله، 23 - الطبيعة المرسلة للوجود، 4۔ کل وجود عيني خاص، والمراد هنا والمطابق لما أورده المرحوم صدر المتألهين هو المعني الأخير، فالوجودات هويات بسيطة اي کل وجود عيني عبارة عن هوية بسيطة، ومعني البساطة عند الفلاسفة وهو ما يقابل الترکيب ، متعدد علي النحو التالي: ا- البسيط بمعني عدم الترکيب من الصورة والمادة وهو البسيط الخارجي ويقابله المرکب الخارجي، و يقصد عادة عند الفلاسفة، کالاجسام المرکبة من المادة والصورة والاعراض التي لا تترکب منهما، واذا اطلقنا لفظي المادة والصورة بنحو اللابشرط ، يکونان بمعني الجنس والفصل، فلکل ماهية صورة ومادة خارجية وجنس وفصل خارجيين. 2- وقد يراد بالبسيط معني اوسع من هذا، فيقال أن لهذا مثلاً جنساً وفصلاً عقليين ، وان لم توجد مادة وصورة عقليتين ، کما في المعني الأول، اذ قلنا أن الاعراض بسيطة لخلوها من المادة والصورة الخارجيتين، وطبقاً للمعني الثاني - أي ما نحن فيه - تکون الأعراض من المرکبات أيضاً ، لأنها وان لم تترکب في الخارج، الا أن العقل يفترض لها مادة وصورة ، وجنساً وفصلاً، وبهذا يمکن أن نعرف اقسام الاعراض بأجناسها، فنقول عن الکيف، هذا کيف محسوس، والمحسوس هنا بمنزلة الفصل فتصير ماهية مرکبة، فالکيف جنس مشترک بينها، وفصلها المحسوس، وعليه فکل ما في عالم الوجود - عالم الاجسام - من جواهر واعراض، مرکبة جميعاً. 3- وقد يراد بالمرکب ، المرکب من الأجزاء المقدارية من غير لحاظ الجنس والفصل والمادة والصورة، کقولهم الأشياء الخارجية اما ان يکون لها أجزاء خارجية وأما أن لا يکون کذلک، فان کانت من القسم الأول فهي مرکبة والا فهي بسيطة، ولهذا فکل الاجسام مرکبة لأنها ذوات اجزاء مقدارية کالطول، والاعداد مرکبة أيضاً لأنها مرکبة من الوحدات، وهکذا الکم لقبوله التقسيم من جهة ماهيته، لأن ما في العالم امّاکّم او معروض کمّ، فکل ما في عالم الاجسام والطبيعة مرکب أمّا بالذات وأما بالعرض. ولعلّ المراد من قوله : «ان الوجود بسيط في ذاته» في قوله : «ثالثاً» أي في التفريع الثالث هو المعني الأول والله العالم

ص: 131

وسادساً : أنّ الوجود عارضُ للماهية - بمعني أنّ للعقل أن يجرّد الماهيّة عن الوجود، فيعقلها وحدها من غير نظرٍ إلي وجودها، فليس الوجود عينها، ولا جزءاً لها. ومن الدليل علي ذلک جواز سلب الوجود عن الماهية ، و احتياج اتّصافهابه إلي الدليل، وکونها متساوية النسبة في نفسها إلي الوجود والعدم، ولو کان الوجود عينها أو جزءاً لها لما صحّ شيءُ من ذلک(1)

والمغايرة - کما عرفت - عقليّةُ، فلا تنافي إتِّحاد الماهيّة والوجود خارجاً وذهناً، فليس هناک إلّا حقيقة واحدة هي الوجود لمکان أصالته واعتباريّتها ،

ص: 132


1- (وسادساً :...) إلي قوله : (ومن الدليل علي ذلک أن الأدلة علي عروض الوجود للماهية ثلاثة : أولاً (جواز سلب الوجود عن الماهية) بالتحليل العقلي فيتصور العقل الوجود خالية عن الماهية وبالعکس، ثانياً : (و احتياج اتصافها) أي الماهية (به) أي بالوجود (إلي الدليل) وحمل الوجود عليها أيضاً يحتاج الي الدليل ، ثالثاً : (وکونها) أي الماهية ممکنة أي (متساوية النسبة في نفسها) أي بقطع النظر عن العوامل الخارجية متساوية النسبة الي الوجود والعدم) ولو کان الوجود عين الماهية أو جزئها لم يصح سلبه عنها لاستحالة سلب الشيء من نفسه او جزئه ، وکذلک لاستغني في حمله علي نفسه أو حمل أجزائه الذاتية عليه واتصافه بنفسه او بأجزائه الذاتية لاستغني في ذلک کله عن الدليل لأنه ضروري بديهي لا يحتاج الي الواسطة في الثبوت، وأيضاً لکانت نسبة الماهية الي الوجود والعدم غير متساوية بل لزوم کون نسبتها إلي العدم نسبة الامتناع والاستحالة، لأنه نقيض الوجود، فإن کان الوجود عين الماهية أو جزئه لوجب له الوجود وکان العدم له محالاً.

فالماهيّات المختلفة يختلف بها الوجود نحواً من الإختلاف من غير أن يزيد علي الوجود شيءُ: وهذا معني قولهم: «إنّ الماهيّات أنحاء الوجود». وإلي هذا

الإختلاف يؤول ما بين الماهيّات الموجودة من التميّز والبينونة واختلاف الآثار، هو معني قولهم: «إنّ الماهيّات حدود الوجود». فذات کلّ ماهيّةٍ موجودةٍ حدُّ لا يتعدّاه وجودها، ويلزمه سلوبُ بعدد الماهيّات الموجودة الخارجة عنها. فماهيّة الإنسان الموجودة - مثلاً - حدُّ لوجوده ، لا يتعدّاه وجودُه إلي غيره، فهو ليس بفرس وليس بقر وليس بشجر وليس بحجر ، إلي آخر الماهيات الموجودة المباينة للإنسان (1)

ص: 133


1- تقدم أن الاتحاد بين الوجود والماهية في الخارج بالحمل الشائع، بديهي، (و المغايرة کما عرفت - ) في الفرع الأول من هذا الفصل (عقلية) أي باعتبار العقل وفي ظرف الوجود الذهني، وأما المغايرة الاعتبارية الممکنة (فلا تنافي اتحاد الماهية والوجود خارجاً وذهناً) فهما متحدان في الخارج وفي الذهن لکنهما قابلان للانفکاک بالدقة العقلية ، وذلک أن الوجود زائد علي الماهية عقلاً، أي لا يدخل الوجود في حدّ الماهيّة ولا يحمل عليها الوجود بالحمل الأولي، وامّا اتحادهما يعني انتزاع کلا مفهومي الوجود والماهيّة من حقيقة واحدة ، هي مصداق الوجود بالذات و مصداق الماهيّة بالعرض ، (فليس هناک إلا حقيقة واحدة....الخ) واذا کان کذلک فما هذا الاختلاف الذي نجده في الخارج بين الأشياء والموجودات ؟ ردا علي هذا الاشکال قال : (فالماهيات المختلفة يختلف بها الوجود نحواً من الاختلاف) فکل اختلاف نجده بين الموجودات إنما جاء من جهة الماهيات، فهي التي تمايز بين الوجودات، وليس معني حمل الوجود علي الماهية إلّا فصل العقل بين الوجود والماهية وحمله عليها - اي کل هذه العملية عقلية محضة، (من غير أن يزيد علي الوجود شيء) بسبب اختلاف الماهيات الموجودة، وهذا النحو من الاختلاف راجع الي حظ الماهية من الوجود، والمرتبة التي تحظي بها کل ماهية ماهية، (وهذا معني قولهم «ان الماهيات انحاء الوجود») بيان ذلک أننا لو شبهنا الوجود مطلقاً بورقة، فهي لکونها قابلة أن تقص بأشکال مختلفة کالمربّع والمثلث و المستطيل وغيرها، فلو قصّت بتلک الأشکال أو بعضها، لم يضف الي اصلها شيء جديد، وتبقي هي هي وان تم قصها بأشکال مختلفة، لکن ينسب الي کل شکل من تلک الاشکال خاصّية معيّنة، فنقول عن المثلث أن مجموع زواياه يساوي زاويتين قائمتين، ونقول عن المربّع أن مجموع زواياه يساوي أربّع زوايا قائمة وهکذا تقدم لکل منها تعريفأ وحد يناسبه، وبالنتيجة فالأحکام محمولة علي أصل الورقة، ولا تعد تلک الاشکال - من المثلث والمربّع وغيرهما - زيادة شيء علي الورقة واضافة شيء إليه ، بلا فرق بين حقيقتها العينية الورقية، ونلاحظ أن هذه القصاصات حدود عدمية في الحقيقة فالورقة المثلثة تعني عدم وجود مثلث وراء هذه الأضلاع الثلاثة، والمربّعة تعني عدم وجود سطح وراء هذا السطح الخاص المحدود بالأضلاع الأربّعة المتساوية وهکذا.... والامور العدمية لا تضيف شيئاً إلي الوجود، فالوجود الواحد في الخارج ليس الا الوجود، والموجودات الخاصة کل منها نفس الوجود الذي لوحظ فيه قيد عدمي، کالانسان الذي تميزه عن غيره حدوده العدمية بأن تقول ليس بفرس ولا بقر ولا غنم ولا نبات ولا... الخ حتي تتم حدوده الانسانية بعد ما يتم طرد کل ما ليس بإنسان، ومن هذه الحدود العدمية التي للوجودات الخاصة تحصل الماهية ، لکن نفس هذه الماهية الحاکية عن الوجودات الخاصة ، لها أحکام خاصة بها توجب التمييز بين کل ماهية واخري ، وهذا لا يعني ان يکون لحقيقة الوجود انواع مختلفة نظير ما مثلناه من اشکال الورقة الواحدة، والحاصل أن عالم الوجود وحدة من الوجود ولا مغاير للوجود. وسمي المرحوم صدر المتألهين هذه الأنحاء الماهوية تارة بحدود الوجود و تارة بأنحاء الوجود، (و الي هذا الاختلاف الماهوي (يؤوّل ما بين الماهيات الموجودة من التميز والبينونة ) والانفکاک (واختلاف الآثار التي نشاهدها بين الماهيات المختلفة، فالاختلاف بالذات للماهية و تنسب إلي الوجود بالعرض، (وهو، أي نفس ما ذکرناه (معني قولهم : ) أي الفلاسفة لا سيما صدر المتألهين : «ان الماهيات حدود الوجود» ) وقد قدمنا عنه الحديث بالتفصيل، فافهم.

وسابعاً : أنّ ثبوت کلَّ شيءٍ - أيّ نحوٍ من الثبوت فُرِضُ - إنّما هو لوجودٍ هناک خارجيًّ يطرد العدم لذاته . فللتصديقات النفس الأمريّة - التي لا مطابَق لها في خارجٍ ولا في ذهنٍ – مطابقُ ثابت نحواً من الثبوت التبعي بتبع الموجودات

الحقيقيّة .

توضيح ذلک: أن من التصديقات الحقّة ما له مطابَقُ في الخارج، نحو الإنسان موجودُ» و «الانسان کاتبُ». ومنها ما له مطابَقُ في الذهن ، نحو «الإنسان نوعُ» و «الحيوان جنسُ» ومنها ما له مطابقُ يطابقه لکنّه غيرُ موجود في الخارج ولا في الذهن ، کما في قولنا: «عدم العلّة علّة لعدم المعلول» و «العدم باطلُ الذات»، إذ العدم لا تحقّق له في خارج ولا في ذهني، ولا لأحکامه وآثاره . وهذا النوع من

ص: 134

القضايا تعتبر مطابقته لنفس الأمر، فإنّ العقل إذا صدّق کونَ وجود العلّة علّةً لوجود المعلول اضطر الي تصديق انّه ينتفي إذا انتفت علته وهو کون عدمها علّة لعدمه، ولا مصداقُ محقّقُ للعدم في خارجٍ ولا في ذهني، إذ کلّ ما حَلَّ في واحدٍ منهما فله

وجود (1)

ص: 135


1- حاصل الأمر السابع آن فرض أي نحو من الثبوت لأي شيء لابد أن يحصل تحت ظل الوجود، حتي لو افترضنا ثبوت، ما لأمر عدمي فإنه لا يتحقق الا ببرکة الوجود الثابت وبتبع الثبوت والتحقق الثابت للوجود، وأراد بطرح هذا الفرع ان يقوم بحلّ احدي مسائل المعرفة وهي مسألة ملاک صدق القضايا، وحتي يتبين وجه ارتباط المسألتين اليکم هذه المقدمة : القضية الصادقة هي القضية التي تطابق المحکي عنها ، اذ کل قضية حاکية عن شيء و مخبرة عنه، عندما نقيس مفاد هذه القضية مع تلک الحقيقة التي تحکي عنها، فان کانت القضية مطابقة لتلک الحقيقة کانت صادقة والا فهي کاذبة . ثم ان القضايا الموجودة علي عدة اقسام: 1- القضايا الشخصية الخارجية التي مفاد القضية فيها حالي عن أمر عيني خارجي شخصي، فملاک صدق هذه القضايا وکذبها، قياسها الي الخارج مثل «زيد في الدار» و «عمرو نائم». . 2 - القضايا التي يحدث لنا الأشکال عندما نقيسها بمحکياتها: 1- القضايا الحقيقية مثل کل انسان ضاحک بالقوة» فإن التوصل الي معرفة صدقها وکذبها لابد من الاستقراء التام باختبار جميع أفراد الکلي وهو في غاية الصعوبة والاشکال ان لم نقل انّه معال، لعدم اختصاص الاستقراء بالموجودين بل الماضين والحاضرين والقادمين. فملاک صدق مثل هذه القضايا تسهيلاً للأمر عبارة عن مطابقتها لنفس الأمر، ولا يقال انّها مطابقة للخارج، وهو أحد موارد استعمال مصطلح « نفس الأمر» في صدق القضايا الحقيقية . 3- القضايا التي لا مصداق لها في الخارج أصلا، رغم کونها صادقة مثل «الانسان نوع» اي ماهيته ماهية نوعية، أو مثل «الانسان کلي» فمفهوم الانسان کلي ليس له مصداق خارجي، وملاک تشخيصها واثبات صدقها من کذبها کذلک النفس الأمرية . 4 - واما القضايا - المعقولات المنطقية الثانية مثل الانسان ممکن» ومثل «کل ممکن يحتاج الي العلة، فکيف تثبت صدقها وما ملاک صدقها؟ والحال أن الامکان ليس وصفاً عينياً في الخارج بل هو وصف عقلي ذهني وهکذا الاحتياج إلي العلة، فملاک صدقها أيضاً مطابقتها للواقع ونفس الأمر. 5- القضايا التي يکون موضوعها أو محمولها أو کلاهما من المفاهيم العدمية مثل «عدم العلة علة لعدم المعلول»، ما ملاک صدقها وکذبها؟ وهي کذلک قضايا نفس أمرية يثبت صدقها بمطابقتها لنفس الأمر. والحاصل: أن الأحکام الثابتة للأعدام تثبت بتبعية الأحکام الوجودية ، أعني ان اصل القضية اثبات حکم لوجود ما، والحکم هو العلية بين شيئين، فالعقل يقول ويحکم بوجود المعلول ما دامت العلة موجودة، ولازم توقف المعلول في وجوده علي العلة صدق عدم المعلول عند عدم العلة وهو تسامح في التعبير لعدم وجود علية بين العدم والعدم، لا أن يکون عدم العلة شيئا ، ثم يکون علة لعدم المعلول الذي هو شيء آخر، فهذا انعکاس لقاعدة حاجة المعلول الي العلة» فالملازمة في الحقيقة بين وجود العلة ووجود المعلول، وبتبعها يتم التصديق بالقضية الاعتبارية المرکبة من المفاهيم العدمية لأنها لازم تلک القضية، فعود الکلام إلي قضية ثبوتية «وجود العلة علة لوجود المعلول»، ولازمه الذهني «عدم العلة علة لعدم المعلول»، وهذا ثبوت تبعي لا بالأصالة، فمعني نفس الأمر هنا الثبوت التبعي لا الذاتي. (وسابعاً : ان ثبوت کل شيء - ايَّ نحو من الثبوت فرض - ) فثبوت الأشياء مهما کانت وبأي نحو کان الثبوت سواء کان ثبوتاً خارجياً أم ذهنياً ، (انما هو) أي هذا الثبوت يکون بالاصالة (لوجودٍ) آخر (هناک خارجي) عن الماهية، وهذا الوجود الخارجي (يطرد العدم لذاته) او بذاته عن ذاته لأن ذات الوجود يقتضي طرد العدم عن ذاته ، وذلک أن اصالة الوجود تقتضي حصر التحقق والثبوت في الوجود، وهو يقتضي أن يکون کل ما عدا الوجود ثابتة متحققاً ببرکة الوجود وتحت ظله، حتي لو افترضنا ثبوتاً، ما الأمر عدمي فإنه لا يصح ولا يتحقق الا ببرکة ثبوت الوجود وبتبعه (فللتصديقات) وهي القضايا النفس الامرية - التي لا مطابق لها في خارج حتي تقاس اليه ويکون الخارج ملاکاً لصدقها وکذبها (ولا) مطابق الها في ذهن) حتي تقاس الي ذلک الذهني ويکون الذهن ملاکاً لصدقها وکذبها - وان کانت هذه أيضاً نفس أمرية کما تقدم - فراجع وتأمل، فهي قضايا لا محکي لها في خارج ولا في ذهن، مثل «عدم العلة علة لعدم المعلول»، لهذه القضايا (مطابق ثابت) لکن ليس ثبوتها بالاصالة بل يکون لها (نحو اًمن الثبوت التبعي بتبع الموجودات الحقيقية ). قوله : (اذ کل ما حلّ في واحد منهما) أي من الخارج والذهن (فله وجود) اما خارجي ان کان له مطابق خارجي ، او ذهني ان کان له مطابق ذهني.

والذي ينبغي أن يقال بالنظر إلي الأبحاث السابقة أنّ الأصيل هو الوجود الحقيقيّ، وهو الوجود وله کلّ حکم حقيقي. ثمّ لمّا کانت الماهيات ظهوراتِ الوجود للأذهان توسّع العقل توسّعاً إضطراريّاً باعتبار الوجود لها وحمله عليها ،

ص: 136

وصار مفهوم الوجود والثبوت يحمل علي الوجود والماهية وأحکامهما جميماً. ثمّ توسّع العقل توسّعاً إضطراريّاً ثانياً بحمل مطلق الثبوت والتحقّق علي کلّ مفهومٍ يضطر إلي اعتباره بتبع الوجود أو الماهيّة کمفهوم العدم والماهيّة والقوّة والفعل ثمّ التصديق بأحکامها(1)

فالظرف الذي يفرضه العقل لمطلق الثبوت والتحقّق - بهذا المعني الأخير - هو الذي نسمّيه «نفسَ الأمر» ويسع الصوادق من القضايا الدهنيّة والخارجية وما

ص: 137


1- حتي الآن علمنا أن القضايا التي لا مطابق لها في ذهن ولا خارج فملاک صدقها وکذبها نفس آمريتها - مطابقتها للمواقع و نفس الامر-، ولکن لم نعرف ما معني نفس الأمر، فما هو المراد منه ؟ (والذي ينبغي أن يقال) حول نفس الامر (بالنظر الي الابحاث السابقة ....) إلي قوله (ثمّ لما کانت الماهيات ظهورات الوجود للأذهان) فتظهر الوجودات الخارجية الخاصة للأذهان في قالب الماهيات، ولولاها لم يحصل الوجود الذهني، ولم تحضر الأشياء للاذهان وبذلک ينعدم التصور، لما کان الأمر کذلک (توسّع العقل) في نظرته الي الوجود والثبوت والأصح أن يقال وسع العقل دائرة الثبوت والوجود (توسّعاًاضطراريّاً ) لا حقيقياً طبيعياً، وذلک باعتبار الوجود لها) أي للماهيات (وحمله) أي الوجود (عليها اي علي الماهيات (وصار مفهوم الوجود والثبوت يحمل علي الوجود والماهية ) فنقول : الانسان موجود و الحيوان موجود، وکلمه الماهية المنتزعة من الانسان والفرس والبقر وما اشبه توجد بتبع وجود کل من هذه الماهيات، والعقل يعتبرها موجوده ويقول: «الماهية موجودة» (و) هکذا صار يحمل المفهومان علي (احکامهما) الخاصة بکل منهما (جميعاً) فإن القوة والفعل اللذان من شؤون الوجود واحکامه يعتبر العقل لهما وجودة بتبع الوجود وهکذا، (ثمّ توسّع العقل ..... الخ) فيعتبر للامور السابقة احکاماً کأن يقول عن العدم مثلاً العدم يقابل الوجود وعن الماهية أن الوجود يحصل له نحو اختلاف باختلاف الماهيات، وعن القوة والفعل أن کل ما بالقوة فهو مادي ، وکل ما بالفعل أو کل فعلية في المادة مسبوقة بالقوة (ثم) بعد هذا الحمل الذي اعتبره العقل للماهية واحکامها وأحکام الوجود، يبادر الي (التصديق بأحکامها) اي احکام تلک المفاهيم المنتزعة، وذلک أن العقل عند قيامه بتحليل الحقائق الخارجية، يحصل علي مفاهيم جديدة يضطر الي اعتبار نحو من الثبوت والتحقق لها لاحتياجه إليها في مقام بيان الحقائق الخارجية ، وبعد ذلک عليه أن يصدق الأحکام الصادرة منها والمبتنية عليها.

يصدّقه العقل ولا مطابَقَ له في ذهنٍ أو خارج ، غير أنّ الأمور النفس الأمريّة لوازمُ عقليّةُ للماهيّات متقرّرةُ بتقرّرِها. وللکلام تتمّةُ ستمرّ بک إن شاء الله تعالي (1)

ص: 138


1- معني نفس الأمر کما أشار اليه المصنف هو الثبوت التبعي، ثم يذکر قولين في معني نفس الامر، أحدهما القول بأنه عبارة عن عالم العقول کالعقل الفعال ، قالوا کل حقيقة موجودة في عالم الأجسام و المادة فهي ثابتة في عالم العقول ، ويدرکها العقل الفعال، وبعبارة اخري : الصورة العقلية للموجودات المادية موجودة في عالم العقل، فمعني قولنا: کذا مطابق النفس الامر، انّه مطابق لعالم الأمر وهو عالم المجردات والعقول، وهو رحمه الله لم يقبل بهذا القول ، وذلک أن عالم العقل وجود بسيط وعلم حضوري خاص يتصور لعالم العقل والموجود العقلي. والثاني : ما ذهب إليه البعض من أن نفس الامر يعني نفس الشيء، من باب وضع الظاهر موضع الضمير ، فيقال نفس الأمر بدل أن يقال «نفسه» وبدل أن يقال «هذا کذا في نفسه» قالوا: «هذا کذا في نفس الأمر»، بمعني نفس الشيء، وهو مردود عند المؤلف و أيضا بأنه لو صدق في مورد، فلا يصدق في الاعدام، اذ لا نفسية للعدم حتي يقال نفسه ، کيف وهو بطلان محض واختار العلامة الثبوت التبعي ليکون معني نفس الأمر ولعل وجه تسمية الثبوت التبعي بنفس الأمر هو کون نفس الامر بمعني نفس الشيء مع لزوم حمل قوله «من عدم ثبوت العدم» بأن وجوده تبعي، وهو جمع بين الوجه الأول الذي اختاره (طاب ثراه) والوجه الأخير الذي رفضه، لعدم وجود المنافاة بينهما. (فالظرف الذي يفرضه العقل لمطلق الثبوت والتحقق - بهذا المعني الأخير -) وهو الذي قال عنه ؟ : ثم توسّع العقل توسّعاً اضطرارياً ثانياً ...الخ، (هو الذي نسمّيه «نفس الامر» و) هو الظرف الذي يسع الصوأدق...) إلي قوله : (غير أن ما يثير الاهتمام وبه يقوم العقل بتصديق هذه القضايا أن (الامور النفس الامرية ) أعني القسم الثالث من القضايا وهي عبارة عن (لوازم عقلية للماهيات متقرّرة بتقرُّها) وثابتة بثبوتها، فالثبوت والتقرر أولاً وبالذات للماهيّات و ثانياً وبالتبع للوازمها العقلية - اي القضايا النفس الامرية .. (وللکلام تتمة ستمر بک) في الفصل الأوّل من المرحلة الحادية عشرة (ان شاء الله تعالي). فنفس الامر عبارة عن ظرف الثبوت، أعم من الثبوت الحقيقي کثبوت الانسان في الخارج، والثبوت الذهني کثبوت الانسان في الذهن، والثبوت الاعتباري کثبوت مفهوم العدم، فليس يختص هذا الظرف النفس الأمري بالمفاهيم التي يفترض العقل لها نوع اعتبار اضطراري بل شامل لجميع القضايا الخارجية والذهنية ، ولما کان البحث هنا عن المفاهيم التبعية للوجود، فقد جاء نفس الأمر بمعني الظرف الاعتباري للمفاهيم التبعية. وأما الاصطلاح المتداول المعروف اعني الامور النفس الامرية فإنه حکم اللوازم العقلية للماهيات کالکلية والنوعية اللتان من اللوازم العقلية للماهية ، وتثبت بثبوت الماهيات، فهذا الاصطلاح يطلق بلحاظ المظروف لا الظرف، اعني أن نفس الأمر ظرف يحتوي علي الخارج والذهن وحتي الاعتبار وأما الأمور النفس الامرية فهي مظروف لهذا الظرف، خاصة باللوازم العقلية للماهيات والي هذا المعني اشار بقوله: (غير أن الأمور النفس الامرية..الخ).

وقيل : المراد بالأمر عالَمُ الأمر، وهو عقلُ کلِيُّ فيه صور المعقولات جميعاً .

والمراد بمطابقة القضيّة لنفس الأمر مطابقتها لما عنده من الصورة المعقولة (1)

وفيه : أنّ الکلام منقولُ إلي ما عنده من الصورة المعقولة ، وهي صورة معقولة

تقتضي مطابقاً فيما وراءها تُطابِقه(2)

وقيل : المراد بنفس الأمر نفس الشيء ، فهو من وَضع الظاهر موضعَ الضمير ،

فکون العدم - مثلاً - باطلَ الذات في نفس الأمر کونُهُ في نفسه کذلک.

ص: 139


1- (وقيل والقائل يبدو هو المرحوم خواجه نصير الدين الطوسي في کشف المراد ان المراد بالأمر في نفس الامر عالم الأمر) فما هو المراد من عالم الأمر؟ (وهو عقل) اي موجود کلي اثبته الفلاسفة وادعوا حُصُول جميع الحقائق بصورها - جميع حقائق عالم الوجود. لديه (کلي) شامل لجميع حقائق العالم وبعبارة أخري (فيه صور المعقولات جميعاً) والعلم عنده حصولي. (و) أما (المراد بمطابقة القضية لنفس الامر) بهذا المعني الثاني هو (مطابقتها) أي مطابقة تلک القضية الما عنده) أي عند العقل الکلي (من الصورة المعقولة) لجميع الحقائق الوجودية ، فلا تکون القضية صادقة إلا إذا طابقت تلک الصور العقلية، ولا يکون الشيء علماً الا اذا کان مطابقاً لها.
2- (وفيه) أي فيما قاله القوشجي في الصفحة 56 من شرح التجريد اشکال حاصله (ان الکلام منقول الي ما عنده) اي ما عند هذا العقل الکلي (من الصورة المعقولة) لحقائق الوجود (وهي) علي کل حال وکيفما تکون لا تخرج عن کونها (صورة معقولة تقتضي مطابقاً) أي ما تطابقه فيما وراءها) من حقائق عينية لا صور الحقائق حتي تُطابِقه) أي ذلک المطابق ، وأينما کان هذا المطابق فهو الظرف الذي يسمي بنفس الامر . والاشکال وارد لأن مراد القول من العقل الکلي حصول الصور عنده کما هو واضح من تصريحهم ، نعم لو کان مرادهم العلم الحضوري لا ندفع الاشکال إلا أنه کان يعود بالنتيجة الي ما دعا اليه العلامة نا وهو ظرف الحقائق لا ظرف صورها.

وفيه : أنّ ما لا مطابَقَ له في خارجٍ ولا في ذهنٍ لا نفسية له حتّي يطابقه هو

وأحکامه(1)

وثامناً : أنّ الشيئيّة مساوقةُ للوجود، فما لا وجود له لا شيئيةَ له ، فالمعدوم

من حيث هو معدوم ليس بشيءٍ.

و نُسِبَ إلي المعتزلة أنّ للماهيّات الممکنة المعدومة شيئيّةً في العدم، وأنّ بين الوجود و العدم واسطةً يسمّونها «الحال» ؛ وعرَّفوها بصفة الموجود التي ليست موجودةً ولا معدومةً کالضّاحکيّة والکاتبيّة للإنسان، لکنّهم ينفون الواسطة بين النفي والإثبات، فالمنفي هو المحال، والثابت هو الواجب والممکن الموجود والممکن المعدوم، والحال (هي) التي ليست بموجودة ولا معدومة.

وهذه دعاوٍ يدفعها صريح العقل، وهي بالإصطلاح أشبه منها بالنظرات

العلميّة ، فالصفح عن البحث فيها أولي (2)

ص: 140


1- (وفيه: أن مالا مطابق له في خارج ولا في ذهن) کالعدم (لا نفسية له) بمعني لا مطابق له ولا شيئية له (حتي يطابقه هو) اي العدم (وأحکامه) مثل قولنا «عدم العلة، علة لعدم المعلول» فبأي ملاک نعرف صدق هذه القضايا ؟!
2- (وثامناً : أن الشيئية مساوقة للوجود) ظهرت هذه المسألة - کما يقال في القرون الأولي من صدر الاسلام، حين بادر بعض المتکلمين المسلمين الي عرض المباحث العقلية ، رامين بذلک اثبات العقائد الاسلامية طبقا للمباني والأسس والاصول العقلية ، فکانت بداية لظهور علم الکلام في ثوبه العقلاني، واعتمادا علي المعقول بعدما کان حکرا علي المروي والمنقول، وقد وقعوا في اخطاء عديدة من جملتها مسألة علم الله تعالي بالاشياء قبل أن يخلقها، فانّهم قالوا ان الله تعالي عالم بکل الأشياء حتي قبل أن يخلقها اي عالم بالمعدوم، ثم وجدوا عند الفلاسفة أن العلم بالمعدوم محال، إذ لا يجوز العلم باللاشيء، ولو قالوا المعدوم حال کونه معدومة يعد شيئا ، فقد وقعوا في محذور الخلف اذ کيف يکون اللاشيء شيئا والمعدوم موجود وهو محال أيضا، ولهذا قالوا هذا الدي تعلق به علم الله تعالي۔ قبل أن يخلقه - ليس بشيء موجود، ولا بلاشيء، ولا بمعدوم ، فهو علم بشيء، لکن ما هو هذا الشيء وما هي حقيقته ؟ ثم واجهوا مشکلة اخري في خصوص الصفات والأحوال، وذلک أننا حين تقوم باثبات صفة او حالة لشيء ما کصفة الضحک للانسان نجد ان هناک انساناً وهناک ضحکاً ، والانسان موجود أصيل - جوهري - والضحک موجود بالعرض، ولکن ما هي صفة الضاحکية ؟! هل هناک شيء ثالث غير الانسان والضحک له وجود مستقل معهما سواء بالوجود الطولي أو العرضي - يسمي الضاحکية ؟ ، فمن جهة کانوا لا يقدرون علي اثبات وجود مستقل لها، ومن جهة أخري لم يقدروا علي نفيها، لأن القول بکونها من الاعدام يعرضهم لموانع و مشکلات آخري ، فقالوا: إنها صفة ثابتة للانسان غير موجودة وشيء غير موجود، وسموها الاحوال ، وان الضاحکية ليست عدماً محضاًولا موجودة کالجواهر والاعراض بل هي حالة غير موجودة ، فهي کسائر الأحوال ثابتة غير موجودة . وللخروج من هذا المأزق طرحوا هذه المسألة فقالوا: الشيئية غير الموجودية، بمعني أن هناک واسطة وحد وسط بين الوجود والعدم، بعدم المساوقة والمساواة بين الشيئية والوجود، وان الشيئية أعم من الموجودية ، يريدون بها أن الممکنات - علي حد زعمهم - تکون شيئاً حتي عند عدمها وقبل وجودها، فهي معدومة لا بمعني صرف العدم، بل ثابتة قبل أن توجد ، فالثبوت أيضاً عندهم أعم من الوجود، وعلمه تعالي تعلق بالثبوت - اي بالاشياء حال ثبوتها - وعليه فمعني الشيئية والثبوت أعم من الوجود - علي حد زعمهم - ثم ظهر الفلاسفة المسلمون وحکماؤهم وجاؤا بالنظريات والحقائق والحلول الصحيحة ونشروها واثبتوا بطلان هذه المزاعم، کما اثبتوا أن الشيئية والثبوت تساوق الوجود و تساويه ولا فرق بينهما الا في المفهوم اما من حيث المصداق فهي متساوية متحدة الحقيقة، وتعرضوا لهذه المسألة بالنقض والابرام وقدموا الحلول السليمة التامة لعلم الباري جل وعلا بالاشياء قبل أن يخلقها ويوجدها سيأتي بعض ذلک في محله ان شاء الله . فهذا تاريخ بروز هذه المسألة ومنشأ ظهورها. (الشيئية مساوقة للوجود) و مساوية للوجود وعين الوجود من حيث مصاديقهما، ومن جهة صدقهما، فکل شيء من جهة أنه شيء - من جهة شيئيته - موجود، وکل موجود من جهة وجوده - و موجوديته - شيء، فما لا وجود له لا شيئية له وما لا شيئية له لا وجود له . (و نُسب الي المعتزلة) ما حاصله أن المعلومات علي قسمين، 1۔ المعدومات الممکنة ب- المعدومات الممتنعة و (أن للماهيات الممکنه المعدومة شيئية في العدم) اي قبل ان تري الوجود، فهي أشياء غير موجودة، والضاحکية والکاتبية وما شابهها من صفات وأحوال انما هي من هذا القبيل ، والمعدوم الممتنع هو الذي لا شيئية له ولا وجود، (و) نسب اليهم أيضاً (ان بين الوجود والعدم ...) إلي قوله (لکنهم) أي المعتزلة رغم قولهم بوجود واسطة بين الوجود والعدم (ينفون الواسطة بين النفي والاثبات) أي يقولون بأنهما نقيضان اي کل واحد منهما نقيض للآخر وليس بين النقيضين حد وسط و واسطة، فذکر اللازم وأراد الملزوم إذ نفي الواسطة لازم النقيضين، فافهم، (فالمنقي) عندهم (هو) المعدوم (المحال) وجوده والثابت) عندهم (هو الواجب) وجوده، (والممکن الموجود والممکن المعدوم) أيضا من الأمور الثابتة، فالمنفي اخص مطلقاً من المعدوم، والمعدوم أعم مطلقاًمن المنفي، کما أن الثابت أعم مطلقاً من الموجود، والموجود اخص مطلقاً من الثابت، اذ المعدوم شامل للمعدوم المحال والمعدوم الممکن ، والمنفي هو المعدوم المحال فقط ، وأما الثابت فهو يشمل الواجب الوجود والممکن الموجود والممکن المعدوم جميعاً (و) هکذا يشمل (الحال) فإنها (هي) التي ليست موجودة ولا معدومة) أيضاً بل هي شيء ثابت، واما الموجود فلا يشمل إلا الواجب والممکن الموجود، والحاصل أن الأشياء عندهم أما ثابتة او منفية، فالتقسيمة ثنائية لکن لا کما عليه عامة الفلاسفة من التقسيم الي الموجود والمعدوم أو الوجود والعدم، بل الي الثابت والمنفي أو الثبوت والنفي، فتأمل جيداً. (وهذه) المزاعم (دعاوٍ) باطلة واهية لا دليل يعضدها بل (يدفعها صريح) حکم (العقل) والوجدان بأن الشيئية تساوق الوجود بالبداهة والضرورة، وليت شعري کيف يمکن فرض الواسطة بين النقيضين ؟! وکيف يکون المعدوم شيئاً ؟! وکيف يکون التقسيم الثنائي بين المنفي والثابت لا الموجود والمعدوم ؟! بل الأعجب کيف يمکن التفريق بين المنفي والمعدوم وبين الثابت والمعدوم ؟! وشبهات کثيرة ولهذا (هي) أي هذه الدعاوي (بالاصطلاح) المجعول (أنتبه منها بالنظرات) والأراء (العلمية اللائقة بالبحث والتحقيق.

ص: 141

و تاسعاً : أنّ حقيقة الوجود بما هي حقيقةُ الوجود لا سببَ لها وراءها - أي إن هويّتَه العينيّةً التي هي لذاتها أصيلةُ موجودةُ طاردةُ للعدم، لا تتوقُف في تحقّقها علي شيءٍ خارجٍ من هذه الحقيقة - سواءُ کان سبباً تاماً أو ناقصاً، وذلک لمکان أصالتها وبطلان ما وراءها. نعم لا بأس بتوقّف بعض مراتب هذه الحقيقة علي بعض ، کتوقّف الوجود الإمکانّي علي الوجود الواجبيّ و توقّف بعض الممکنات علي بعض.

ومن هنا يظهر أن لا مجري لبرهان اللِمَّ في الفلسفة الإلهية الباحثة عن

أحکام الموجود من حيث هو موجود(1)

ص: 142


1- (تاسعاً : أن حقيقة الوجود بما هي حقيقة الوجود لأسبب لها ورائها) أي وراء حقيقة الوجود. بيان ذلک انّه لا يمکن الادعاء بوجود علة وسبب الحقيقة الوجود الشاملة لجميع الموجودات، ولهذا تصعب الاجابة علي سؤال لماذا وکيف صارت حقيقة الوجود موجودة ؟ إذ لا يحتاج الوجود الي علة في وجوده ، کيف لا وهو شامل للواجب تبارک و تعالي الذي هو علة العلل وعلة الايجاد، ولو احتاج الوجود الي العلة لاحتاج الواجب تعالي الي العلة أيضاً ، فلا علة ولا سبب للوجود المطلق في وجوده ، نعم بين مراتب الوجود والوجودات الخاصة توجد مراتب وعلاقة السببيّة والمسبّبه ، وهکذا بين الواجب تعالي والممکنات مطلقاً . فحقيقة الوجود من جهة أنها حقيقة الوجود اعني من جهة شموليته لمطلق الوجود لا لمرتبة خاصة منه. ولما ثبت أن لا شيء وراء الوجود وان مقابله العدم ليس إلا، ولا مرتبة بينهما، استحال ان يکون له سبب وعلة مطلقة لا في اصل الوجود ولا في دوامه واستمراره وبقاءه . وکيف يکون اللاشيء علة للشيء ؟! (ومن هنا) اي بعد ثبوت عدم العلة للوجود المطلق ( يظهر أن لا مجري لبرهان الکّم في الفلسفة الإلهية .. الخ) لعدم امکان اقامة البرهان اللمي علي الوجود المطلق وذلک أن البرهان اللمي کما تقدم في المدخل عبارة عن اثبات المعلول بواسطة علته، فهو سير من العلة الي المعلول واذ انتفت العلة استحال اقامة البرهان اللمي کما فيما نحن فيه.

وعاشراً : أن حقيقة الوجود حيث کانت عينَ حيثَةِ ترتب الآثار کانت عينً الخارجيّة ، فيمتنع أن تحلّ الذهن فتتبدّل ذهنيّةً لا تترتّب عليها الآثار، لاستلزامه الانقلاب المحال . وأمّا الوجود الذهنيّ الذي سيأتي إثباته إن شاء الله - فهو من حيث کونه يطرد عن نفسه العدم وجودُ خارجيُ مترتّبُ عليه الآثار، وإنّما يُعَدَ ذهنيّاً لا تترتّب عليه الآثار بقياسه إلي المصداق الخارجي تذي بحذاءه.

فقد بان أن حقيقةُ الوجود لا صورة عقليّة لها کالماهيّات الموجودة في الخارج التي لها صورة عقليّة. وبان أيضاً أنّ نسبة مفهوم الوجود إلي الوجودات الخارجية ليست نسبةَ الماهيّة الکلّيّة إلي أفرادها الخارجيّة.

وتبيّن بما تقدّم أيضاً أن المفهوم إنّما تکون ماهية إذا کان لها فردُ خارجيّ

تُقوَّمه و تترتّب عليه آثارها (1)

ص: 143


1- (وعاشراً) آخر الفروع والتفريعات المبنية علي أصالة الوجود (ان حقيقة الوجود حيث کانت عين حيثية ترتب الآثار..الخ) لما نقول الحقيقة العينية للوجود أو حقيقة الوجود العينية ، لا مفهوم الوجود - بل عين الوجود تعني أن مفهوم الوجود ينتزع من حاق ذاته، واتصافه بالموجودية لم يکن بواسطة في العروض، فهل يمکن ان تحصل للوجود الذي هو عين الموجودية ، حيئية تغاير عين الموجودية ؟! أعني ان لازمه آن تعرض له صفة تتنافي مع مقتضي ذاته ؟ ولهذا فالحقيقة العينية للوجود لا يمکن أن تعود يوماً لتفقد الحيثية العينية والخارجية والتحقق ، هذا أولاً، وثانياً : فإننا حين نعلم بشيء علماً حصولياً، نکون قد أدرکنا ماهية ذلک الشيء بواسطة العقل ، والماهية المتصورة بالوجود الذهني ليس لها شيء من خواص الوجود العيني، بل ما هو الا مفهوم للوجود العيني، أي ماهية لا تترتب عليها الآثار الخارجية، لأنها تفقد آثارها حينئذ، فالنار الذهنية لا تحرق وخالية من خواص الاحراق وغيرها من الخواص الخارجية. وهکذا يتم ادراک کنه الأشياء، أعني بوجوداتها الخارجية وامکانية إدراکها الذهني، فهل للعقل أن يدرک کنه الوجود کما يدرک کنه الموجودات ؟؟ کلا لا يمکن ذلک إذ لازمه انصراف الوجود عن حيثيته العينية ولو حصل ذلک لم يکن الوجود وجودة وهذا خُلفُ و انقلاب، أعني لو صح هذا للزم أن يکون للوجود حقيقتان کالموجود حقيقة عينية خارجية لها آثارها الوجودية وحقيقة ذهنية خالية من الآثار الوجودية وما کان خالية من الآثار لا يصح أن يکون موجوداً عينياً ، وکيف يکون ما حقيقته واحدة هي العينية ، ذات حقيقة اخري غير عينية ؟!، وبناءاً عليه فليست لحقيقة الوجود صورة عقلانية ذهنية أي ليست لها ماهية، وانما العقل يدرک کنه الوجود وحقيقته بواسطة المعقولات الثانية، وهي المفاهيم التي يوجدها العقل ويجعلها وسيلة وسبباً للاشارة الي حقيقة الوجود والدلالة عليها. اذن لما کانت حقيقة الوجود عين حيئية ترتب الآثار، إذ حيثية الخارجية والعينية عين حيثية ترتب الآثار طبق النعل بالنعل، لما کانت حقيقة الوجود هکذا، کانت هذه الحقيقة (عين الخارجية) والعينية (فيمتنع) لحقيقة الوجود (ان تحلّ الذهن) و تتصف بالحيثية الذهنية التي هي حيثية عدم ترتب الآثار (فتتبدّل) من حقيقة خارجية الي حقيقة (ذهنية لا تترتب عليها الآثار) ولا يمکن هذا لأنه تبديل للحيثية الخارجية الي الحيثية الذهنية، وذلک (لاستلزامه) أي لاستلزام هذا التبدل (الانقلاب المحال والخلف أيضاً. (واما الوجود الذهني - الذي سيأتي اثباته ان شاء الله تعالي) - في المرحلة الثالثة فلا منافاة بينه وبين ما تقدم من نفي حلول الوجود في الذهن واستحالته ، (فهو) عائد الي الوجود الذهني (من حيث کونه ...الخ) ويندرج عندئذ تحت مقولة الکيف النفساني (مترتب عليه الآثار) الخارجية النفسانية - مثل الحزن والسرور والخوف والعلم وما أشبه (وانما يعد) وجود (ذهنية لا تترتب عليه الآثار) الخارجية (بقياسه الي المصداق الخارجي الذي بحذائه ) فان لمصداقه الخارجي آثارة کالاحراق للنار مثلاً أو الحرارة للشمس والضوء- الاضاءة - اللقمر ليلا، وهي غير موجودة للوجود الذهني. (فقد بان أن حقيقة الوجود لا صورة عقلية لها کالماهيات...الخ) وذلک أن الماهية اعتبارية فليست حيثيتها حيثية ترتب الآثار - کما في الوجود - فلا يمتنع وجودها الذهني بل وجودها الذهني - ومفهومها الذهني - من قبيل المعقولات الأولي الفلسفية کما لا يمتنع وجودها الخارجي. (وبان أيضاً أن نسبة مفهوم الوجود الي الوجودات الخارجية ليست) مثل (نسبة الماهية الکلية إلي أفرادها الخارجية) اذ نسبة الماهية الکلية الي أفرادها نسبة يمکن فيها للعقل ادراک الصورة العقلانية للفرد والمصداق، وبعبارة أخري في مسألة علاقة الفرد والماهية، يدرک العقل صورة الفرد العقلانية ، وليس لحقيقة الوجود - بل لحقائقه - صورة عقلانية قابله للادراک العقلي، فالمسألة سالبة بانتفاء الموضوع، وحقيقة الوجود خارجة بالتخصص مما نحن فيها لا التخصيص. (وتبين بما تقدم أيضاً أن )بعض المفاهيم ماهيات وبعضها ليست کذلک، إذن ليس کل المفاهيم تعد ماهية، بل (المفهوم إنما يکون ماهيّة إذا کان لها) اي للماهية والحق أن يقال «له» حتّي يعود الضمير الي المفهوم لأن الحديث عنه فلا ماهية للمفهوم الّا اذا کان للمفهوم (فرد خارجي تقومه) أي الماهية تقوم ذلک المصداق (و تترتب عليه) أي علي الفرد (آثارها) اي الماهية، ولهذا فان مفهوم الانسان والفرس والبقر والشجر وما شابهها، کلها ماهيات لوجود فرد حقيقي لها في الخارج قوامه بالماهية، بخلاف مفهومي العدم والوجود فانّهما اليسا من الماهيات لعدم وجود فرد حقيقي لهما قائم بالماهية حتي ينعکسا علي صفحة الذهن وفي ظرفه، وليس انطباقهما وصدقهما علي افرادهما من باب صدق الماهيات الکلية علي مصاديقها. اما علم الواجب تعالي بذاته التي في عين الوجود - عين وجوده - لم يأت بواسطة العقل وعن طريقه ولا عبر المفاهيم، بل علمه بذاته تعالي حضوري ، ومن کان ادراکه للاشياء حضوريا وعلمه بها کذلک فقد ادرک حقيقة الوجود وکنهه ، اذ نفس ذات الوجود بتمام ذاته يدرک ذاک المعلوم نقرأ في هذا الفصل : أ- الوجود حقيقة مشککة ذات مراتب عديدة، يرجع مابه الامتياز فيها الي مابه الاشتراک کالنور. ب- من ثمرات التشکيک: ان التمايز بين مراتب الوجود يکون بنفس الوجود. ج - ومن ثمراته : بين مراتب الوجود اطلاق و تقييد بحسب تناسبها الا المرتبة العليا فهي اطلاق محض لا تقييد لها. د- ومن ثمراته : أعلي مراتب الوجود بسيط ، خلافا لما دونه من المراتب فانّها مرکبة من الوجود والعدم، لدخول المعني العدمي في جميع مراتب الوجود ما عدا المرتبة العليا. د- کلما دنت واقتربّت المرتبة من أعلي مراتب الوجود قلت حدودها وقيودها حتي تصل إلي أعلي المراتب الخالية من جميع الحدود والقيود - مطلقة تماما .. و - فالوجود تشکيکي لأن له طرفين شديدة وضعيفة. ز- للوجود نحو تخصص، وله نحو تخصص بالنسبة إلي مراتبة البسيطة المختلفة ، وکذلک له نحو تخصص بعرض الماهيات، فالاول تخصص بالذات والثالث بالعرض، وانما تکون له تلک التخصصات لأنه حقيقة وسيعة منبسطة..

ص: 144

ص: 145

ص: 146

الفصل الثالث في أن الوجود حقيقة مشکّکة

(1)

لا ريب أنّ الهويّات العينيّة الخارجيّة تّتصف بالکثرة تارةً من جهة أنّ هذا إنسان وذاک فرس وذلک شجر ونحو ذلک ، وتارة أن هذا بالفعل وذاک بالقوّة وهذا

ص: 147


1- اعلم أنّ مسألة اصالة الوجود - التي سبق الحديث عنها - وهذه المسألة التي نحن بصدد البحث عنها أهم مسألتين في الحکمة المتعالية ، بل يمکن القول بصراحة ان الحکمة المتعالية متقومة بهما، وهما تشکلان القاعدة الأساسية والعمود الفقري للحکمة المتعالية، لأنهما قوام جميع المسائل، وعليهما تبتني مسائلها وأحکامها، حتي قيل : لو الغينا هاتين المسألتين من فلسفة المولي صدر المتألهين و لم يبق من فلسفته شيء، ولهذا فهما جديرتان ببذل غاية الاهتمام ومعرفة کل ما يتعلق بهما.

واحد وذاک کثير وهذا حادث وذاک قديم وهذا ممکن وذاک واجب وهکذا(1)

وقد ثبت بما أوردناه في الفصل السابق أنّ الکثرة من الجهة الأولي - وهي الکثرة الماهويّة - موجودةُ في الخارج بَعرضِ الوجود، وأنّ الوجود متّصفُ بها بعرضِ الماهية ، لمکان أصالة الوجود و اعتباريّة الماهيّة (2)

ص: 148


1- (لا ريب أن الهويات العينية الخارجية) أي الحقائق الخارجية ( تتصف بالکثرة) وهذا الأمر من الضروريات غير القابلة للنقاش، وما ادعاه الصوفيه والمتصوفة من وحدة الوجود وأن حقيقة الوجود واحدة أو الوجود حقيقة واحدة ليس له شيء من المراتب فهو باطل قطعة، إلا ان هذه الکثرة ومعناها الاختلاف والتمايز بين الحقائق الخارجية و تمتع کل منها بمرتبة خاصة من الوجود، وحظ معين من العينية والواقعية، أقول الا ان هذه الکثرة والتمايز الحاصلة بين الموجودات تقع من جهتين، لأنها تقع (تارة من جهة) ماهياتها - اعني من جهة الاختلاف الماهوي اي بين الماهيات. فيقال : (أن هذا انسان وذاک شجر) وذاک بقر والرابع فرس وهکذا (ونحو ذلک من الأمثلة، فإن ماهية الانسان تختلف عن ماهية الشجر والبقر والفرس، وماهية کل منها تختلف عن ماهية الآخر، ونلاحظ عنده أن هناک تمايز بين الأشياء والحقائق الخارجية من جهة اختلاف ماهيا تها ، وتقع الکثرة (تارة) لا من جهة الماهية بل من جهة الانقسامات الواردة علي ذات الوجود، وبعبارة أخري بسبب بعض الانقسامات الحاصلة لذات الوجود، تحصل لنا أنواع مختلفة من الوجود وهي الکثرة المعنية عندنا، فيقال : ( بأن هذا الوجود أو الموجود بالفعل، وذاک الوجود أو الموجود بالقوة ، وهذا الوجود أو الموجود (واحد، وذاک الوجود أو الوجود (کثير ... الخ).
2- (وقد ثبت بما أوردناه في الفصل السابق، أن الکثرة من الجهة الأولي - وهي الکثرة الماهوية خارجة عن محل البحث هنا لأن البحث عنها قد انتهي بتفاصيله ولأن الماهية والکثرة الماهوية موجودة في الخارج بعرض الوجود) وذلک أن الأصالة للوجود والماهية اعتبارية فلا يقع البحث عنها هنا اذ البحث عن مراتب الوجود والماهية تقابل الوجود مفهوماً و تتحقق به مصداقاً ، فالکثرة الماهوية لا تتحقق الا بعرض الوجود، (و) قد ثبت أيضاً (ان الوجود متصف بها) أي بالکثرة الماهوية (بعرض الماهية) فکل کثرة و تمايز بين الوجودات المختلفة نابع من الکثرة والتمايز بين الماهيات، فمثلا تکون الکثرة والاختلاف والتمايز والمغايرة بين ماهية الانسان وماهيّة الشجر وماهية البقر وماهية الفرس أولاً وبالذات ، ونفس هذه المغايرة تنسب إلي وجود الإنسان ووجود الشجر ووجود البقر ووجود الفرس ثانيا وبالعرض.

وأمّا الکثرة من الجهة الثانية فهي التي تعرض الوجود من جهة الإنقسامات الطارئة عليه نفسَه ، کانقسامه إلي الواجب والممکن وإلي الواحد والکثير وإلي ما بالفعل وما بالقوة ونحو ذلک ، وقد تقدّم في الفصل السابق أن الوجود بسيط وأنّه لا غير له. ويستنتج من ذلک أنّ هذه الکثرة مقومةُ للوجود- بمعني أنّها فيه غير خارجة منه - وإلّا کانت جزءاً منه، ولا جزء للوجود، أو حقيقةً خارجةً منه ولا خارجَ من الوجود(1)

ص: 149


1- (وأما الکثرة) المتحققة في الخارج من الجهة الثانية فهي التي تمثل محور البحث ههنا ، لأنها تعرض الوجود من جهة الانقسامات الطارئة عليه نفسه) لا من جهة الانقسامات الطارئة عليه من خارج ذاته، وهذه الانقسامات والکثرات تنسب إلي الوجود اولاً وبالذات وحقيقة لا عرضاً ولا مجازاً ، فالکثرة والتمايز هنا تقوم الوجود نفسه، ولکل وجود من هذه الوجودات خصائص هي عين الوجود، مقومة له، والوجود قائم بها، لأنها تمام حقيقة الوجود لاجزء حقيقته. (کانقسامه الي...)، (وقد تقدم) من جهة اخري (في الفصل السابق) اي في الفرع الثالث من فروع الفصل الثاني - وهي عشرة فصول - (ويستنتج من ذلک الفرع المتقدم (ان هذه الکثرة) ليست من قبيل الکثرة الماهوية التي تندرج فيها الانواع المختلفة تحت جنس واحد الکون الوجود بسيطاً لا جزء له، ولا من قبيل الکثرة المصداقية التي تعني کثرة أفراد النوع الواحد و تمايزهم الحاصلة من جهة عروض أمر خارج عن حقيقة ذلک النوع علي النوع، لأنه لاشيء خارج الوجود حتي يصح عروضه له وحدوث نوع من الکثرة له، لا هذا ولا ذاک بل (الکثرة مقومة للوجود) لأنها عين ذات الوجود (و بمعني انّها) أي هذه الکثرة المعنية هنا (فيه) أي في الوجود وواقعة في ذاته لا عارضة له کما أنّها (غير خارجة منه) أي من ذات الوجود (وإلا) لو لم يکن کذلک بأن کانت الکثرة من قبيل الکثرة النوعية الماهوية المکونه من جزء مشترک وجزء مختص - اعني الجنس والفصل، لو کانت الکثرة من هذا القبيل ال(کانت الکثرة هذه (جزء منه) أي من الوجود فيکون قوام الوجود به لأن المرکب قوامه بکل أجزائه (و) الحال أنّه (لا جزءاً للوجود) لأن قوامه بتمام ذاته البسيط (أو) عطف علي کانت وحاصله وإلا کانت جزءاً منه (أو) کانت هذه الکثرة الحاصله للوجود (حقيقة خارجة منه) أي من الوجود عارضة للوجود، بواسطه عروض أمر خارج من الوجود، کما ذکرنا قبل قليل من الکثرة الأفرادية والتمايز المصداقي الحاصلة لأفراد نوع واحد بسبب عروض أمر خارج عن حقيقة ذلک النوع، کيف يمکن القول بهذا القبيل من الکثرة (ولا خارج من الوجود)؟ اي مع عدم وجود شيء خارج الوجود يستحيل أن تکون الکثرة الحاصلة للوجود من قبيل الکثرة المصداقية.

فللوجود کثرةُ في نفسِهِ، فهل هناک جهةُ وحدۃٍ ترجع إليها هذه الکثرة من غير أن تبطل بالرجوع، فتکون حقيقةُ الوجود کثير في عين أنّها واحدةً، وواحدةً في عين أنّها کثيرةُ، وبتعبير آخر: حقيقةً مشککةً ذاتَ مراتبَ مختلفةٍ يعود ما به الإمتياز في کلّ مرتبة إلي ما به الإشتراک - کما نُسب إلي الفهلويّين - أو لا جهةَ وحدة فيها ، فيعود الوجود حقائقَ متباينةً بتمام الذات ، يتميز کلّ منها من غيره بتمام ذاته البسيطة لا بالجزء ولا بأمر خارجيًّ - کما نُسب إلي المشّائين ؟(1)

ص: 150


1- (فللوجود) بناءاً علي ما تقدم (کثرة في نفسه) لا من خارجه (فهل هناک) بقطع النظر عن جهة الکثرة التي في الوجود (جهة اخري علي العکس منها هي جهة (وحدة ترجع اليها) أي إلي تلک الجهة الواحدة (هذه الکثرة) بأن يعود ما به الامتياز الي مابه الاشتراک في الموجودات وذلک بأن تکون الکثرة کثرة تشکيکية (من غير أن تبطل الکثرة (بالرجوع الي الوحدة فتکون مقيدة بالوحدة والأصالة للوحدة وليس الکثرة إلا اعتبارا ، بل يکون الأمر علي خلاف هذا (فيکون حقيقة الوجود کثيرة في عين أنها واحدة ...) إلي قوله (- کما نسب الي الفهلويين .) وهم فلاسفة وحکماء فارس، کانوا قبل الاسلام بمئات السنين بل الوف السنين کما يبدو من بعض کتب التاريخ، وکانوا يقطنون مقاطعة خراسان العريقة الشهيرة بسعة حدودها وعظمة رجالها، وکانوا يسلکون مسلک الاشراق، ولم يصلنا عنهم إلا النزر اليسير بنوع من الاجمال، فلا نعلم تفاصيل کثيرة عن مذهبهم ومسلکهم الفلسفي ولم تصلنا کتب مستقلة عن آرائهم ولا حکمة مدونة تمثل أنظارهم بل نقلت عنهم ونسبت اليهم جملة من الآراء والأقوال کما في بعض کتب الشيخ الرئيس وفي الأسفار والمنظومة، ومن جملة ما وصلنا عنهم ما تقدم، ويدل بعض ما وصلنا من أنظارهم أنهم کانوا يتمتعون بمستويّ عالٍ من العلوم العقلية ، و تقدم جدير بالاهتمام في هذا المجال، فإما أن يکون الأمر علي هذا النحو (او) ان (لا) تکون (جهة وحدة فيها...الخ). والحاصل بعد ما ثبت أن للوجود في نفسه نوع کثرة، فلم يبق أمامنا سوي احتمالان احتمال اشراقي قال به الفهلويون - نسب اليهم - کما في المنظومة والاسفار وهو وجود جهة وحدة بين الوجودات المتکثرة المتغايرة، أي جهة اشتراک وجهة اختلاف، وما به الاختلاف يرجع إلي ما به الاشتراک ، والثاني هو الاحتمال المشائي القائل بعدم وجود جهة الاشتراک ، اعني الناغي لجهة الاشتراک بين الوجودات المتکثرة. اعلم أن هناک اقوا" اخري قد تصل الي ثمانية کل منها يختلف عن الآخر حول حقيقة الوجود، اعرض عنها المصنف لکونها خلاف البداهة والضرورة، فمنها ما نسب إلي الصوفية وهو القول بعدم وجود شيء اي لا يوجد في عالم الوجود سوي وجود واحد متشخص هو ذات الواجب تبارک و تعالي ولهذا بدأ المؤلف هذا الفصل بقوله: «لا ريب أن الهويات العينية الخارجية تتصف بالکثرة»، فَفَرضُ عدم وجود الکثرة في الوجود والموجود مخالف للبداهة، إلا إذا حملنا قولهم هذا علي ما قاله صدر المتألهين ي بأن المخلوقات وجودات رابطة بالواجب تعالي غير مستقلة بذاتها حدوثأ وبقاء، فهي من هذه الجهة ليست موجودة ولا تتصف بالوجود في مقابل الواجب تعالي. ومن هذه الأقوال المرفوضة قول المحقق الدواني بأن الوجود مختص بوجود الواجب تعالي ، اما الموجودات فهي کثيرة وهي عبارة عن الماهيات المتکثرة ويقصد أن الماهيات منسوبة إلي الوجود وتتصف الماهيات بالوجود أما حقيقة الوجود فما هي الا ذات الباري تعالي. اذن عنده أن الکثرة للموجود لا للوجود. ومنها قول الأشاعرة بأن الوجود مشترک لفظي ، وقد ثبت بطلانّها جميعاً بما تقدم

الحق أنّها حقيقةُ واحدةُ في عين أنّها کثيرة، لأنّا ننتزع من جميع مراتبها و مصاديقها مفهوم الوجود العامِ الواحدِ البديهيّ ، ومن الممتنع انتزاع مفهوم واحلي من مصاديق کثيرة بما هي کثيرة غير راجعةٍ إلي وحدۃٍ مّا(1)

ص: 151


1- (والحق) الحقيق من بين هذه الأقوال هو ما نسب إلي الفهلويين واختاره المولي صدر المتألهين (طاب ثراه) وهو (آنها) أي حقيقة الوجود (حقيقة واحدة في عين آنها کثيرة) فهاهنا دعويان : دعوي الکثرة في الوجود والموجود وهو بديهي ثابت بالوجدان، ودعوي أن هذه الوجودات أو الموجودات علي کثرتها ذات وحدة من صنف الوحدة المقولة في وحدة الماهيات کالوحدة العددية والماهوية والجنسية والنوعية وما اشبه، بل هي وحدة خاصة بها ، فاذا ثبت أن للموجودات والوجود في عين کثرتها وحدة، علمنا أنها حقيقة واحدة ذات مراتب يرجع فيها ما به الاشتراک إلي ما به الامتياز وما به الامتياز الي ما به الاشتراک وهذا يحتاج الي البرهان وليس من الامور الثابتة بالبداهة، فما دليل هذا المدعي؟ وقد استدل المرحوم العلامة بما اشتهر عند الحکماء وأورده صاحب الأسفار وشارح المنظومة وغيرهما، وحاصله انّه لا شک أن هذه الموجودات الکثيرة علي کثرتها ينتزع منها مفهوم واحد، هو المقول عنها جميعا بالوجود (لأنا ننتزع من جميع مراتبها) اي مراتب حقيقة الوجود (و مصاديقها مفهوم الوجود العام الواحد البديهي) القابل للتصديق والانطباق عليها جميعاً (ومن الممتنع انتزاع مفهوم واحد من مصاديق کثيرة بما هي کثيرة .. الخ) فلابد أن لها جميع جهة اشتراک واتحاد حتي يصح انتزاع مفهوم واحد منها يشترک بينها جميعاً ، اذ لو صح انتزاع مفهوم واحد من عدة أشياء مختلفة ليس بينها جهة اشتراک ووجه اتحاد، لم يبق هناک ملاک لانتزاع المفاهيم، ويحصل الفوضي والمغالطة والسفسطة في انتزاع المفاهيم، فوجه الاشتراک وجهة الاتحاد بينها جميعاً في الوجود لأنها تشترک جميعاً في کونها موجودة أي متصفة بالوجود، فالوجود علي هذا ذات حقيقة واحدة.

ويتبيّن به أنّ الوجود حقيقةُ مشککةُ ذاتُ مراتب مختلفةٍ ، کما مثّلوا له بحقيقة النور علي ما يتلقّاه الفهم الساذج أنّه حقيقةُ واحدةُ ذاتُ مراتب مختلفةٍ في الشدّة والضعف، فهناک نور قويّ ومتوسط وضعيف مثلاً، وليست المرتبة القوية نوراً و شيئاً زائداً علي النّوريّة ، ولا المرتبة الضعيفة تفقد من حقيقة النور شيئاً أو تختلط بالظلمة التي هي عدم النور، بل لا تزيد کل واحدة من مراتبه المختلفة علي حقيقة النور المشترکة شيئاً ، ولا تفقد منها شيئاً ، وإنّما هي النور في مرتبةٍ خاصّةِ بسيطة لم يتألف من أجزاء ولم ينضمّ اليها ضميمة، وتمتاز من غيرها بنفس ذاتها التي هي النورية المشترکة(1)

ص: 152


1- قوله : (کما مثلوا له بحقيقة النور ... الخ) اشارة الي ما وقع من الاختلاف في حقيقة النور قديماً وحديثاً، وذلک أن القدماء کانوا يعتبرون النور عرضاً، وللخروج من مأزق کيفية انتقال الضوء والنور من الشمس الي الاجسام الذي يستلزم انتقال العرض وهو محال، قالوا: أن مواجهة جسم نيّر بالذات يوجب الاستعداد في الجسم ليحلّ فيه عرض مشابُة له. وقال جماعة منهم أن النور جوهر کما هو الثابت في عصرنا هذا في علم الفيزياء، لکن الفيزيائيين لا يطلقون عليه الجوهر، لأن الجوهر ليس أمراً فيزيائياً بل هو مصطلح فلسفي ، لکن الخواص التي اثبتها علماء الفيزياء للنور هي نفس الخواص التي نثبتها للجوهر في الفلسفة، واعلم أيضاً أن تشبيه الوجود بالنور کما صنع المؤلف لا يصح إلا اذا افترضنا النور بسيطاً لما تقدم من بساطة الوجود ويلزم أيضاً ان نتلقي النور تلقياً عادياً ساذجاً کما قال المؤلف ، وألا يکون التشبيه مجازاً قائماً علي نوع من التسامح الواضح، واعتقد ان هذا التشبيه مجرد مجاز علي کل حال للفرق الواضح بين النور والوجود بالدقة العقلية . حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة ...) وکما کان يتلقاه القدماء لا کما يتلقاه العلماء الفيزيائيون وکما وصلت اليه النظريات العلمية من کون النور مرکبة من الذرات المختلفة أو من الأمواج أو انّه عبارة عن ذرات موجية أي لها خاصية الذرة والموج معا، لأن التشبيه علي هذا فيه کثير تسامح وهو لا ينفع إلا علي القول بأصالة الماهية فافهم. (فهناک نور) علي سبيل المثال (قوي) کنور الشمس (و) هناک نور (متوسط ) کنور المصابيح (و) هناک نور (ضعيف) کنور الشمعة ، فهي جميعاً في حقيقتها نور ليس الا (وليست المرتبة القوية نوراً وشيئاً آخر (زائداً علي النورية) اضيفت الي النورية فأحدثت نوراً قوياً (ولا المرتبة الضعيفة...) إلي قوله : (بل لا تزيد کل واحدة من مراتبه المختلفه) أي مراتب النور المختلفة (علي حقيقة النور المشترکة شيئاً) فکل مابه الامتياز يرجع إلي ما به الاشتراک (ولا تفقد منها) أي من حقيقة النورية (شيئاً ) في النور الضعيف لأن کل ما به الاشتراک يرجع إلي ما به الامتياز، إلي قوله : (وتمتاز) کل مرتبة (عن غيرها بنفس ذاتها التي هي النورية المشترکة) في جميع المراتب . فالوجود حقيقة مشککة وسميت مشککة لأن هذه الحقيقة تشکک الانسان فيظن انّها حقائق مختلفة وأن لکل مرتبة منها حقيقة خاصة متغايرة، وأن وجه الامتياز فيها شيء مغاير لوجه اشتراکها. ومثل النور أيضا يمکن الاستعانة بمثال الحرکة فهي أيضاً ذات مراتب مشککة قوة وضعفاً . والحاصل أن الوجود اصيل و بسيط وبين الوجودات انواع من التمايز والتغاير النابع من ذات الوجود کتقدم وجود العلة علي المعلول، وکون بعض الأشياء اقوي من غيرها في الوجود والعکس بالعکس أيضاً، مثلاً وجود العقول اقوي من وجود النفوس ووجود النفوس اقوي من وجود الاجسام وهکذا وبعض الوجودات فعلية وبعضها بالقوة وبعضها واجب وبعضها ممکن فهي مراتب مختلفة للوجود توجد في ذات حقيقة الوجود.

فالنور حقيقةُ واحدة بسيطةُ متکثّرةُ في عين وحدتها، ومتوحّدة في عسين کثرتها، کذلک الوجود حقيقةُ واحدةُ ذا مراتب مختلفة بالشدّةُ والضعف والتقدّم والتأخر والعُلوّ والدّنوّ وغيرها.

ويتفرّع علي ما تقدم أمور:

الأمر الأول : أنّ النتمايز بين مرتبةٍ من مراتب الوجود ومرتبة اخري انما هو بنفس ذاتها البسيطة التي ما به الاشتراک فيها عين ما به الامتياز، ولا ينافيه مع ذلک أن ينسب العقل والتمايز الوجودي الي جهة الکثرة في الوجود دون جهة الوحدة ،

ص: 153

ولا أن ينسب الاشتراک والتنخية إلي جهة الوحدة (1)

والأمر الثاني: أن بين مراتب الوجود اطلاقاً وتقييداً بقياس بعضها الي بعض ، لمکان ما فيها من الاختلاف بالشدة والضعف ونحو ذلک . وذلک أنا إذا فرضنا مرتبتين من الوجود ضعيفةً و شديدةً، وقع بينهما قياس وإضافة بالضرورة، وکان من شأن المرتبة الضعيفة أنها لا تشتمل علي بعضٍ ما للمرتبة الشديدة من الکمال، لکن ليس شيء من الکمال الذي في المرتبة الضعيفة إلّا والمرتبة الشديدة وأجسدة له، فالمرتبة الضعيفة کالمؤلّفة من وجدان وفقدان ، فذاتها مقيّدةُ بعدم بعض ما فسي المرتبة الشديدة من الکمال ، وان شئت فقل : «محدودةُ». وأمّا المرتبة الشديدة فذاتها مطلقةُ غيرُ محدودةٍ بالنسبة الي المرتبة الضعيفة .

واذا فرضنا مرتبةً أُخري فوق الشديدة ، کانت نسبةُ الشديدة الي هذه التي

ص: 154


1- خلاصة هذا الفرع أن کثرة الوجود وان کان يرجع الي وحدته ووحدته ترجع الي کثرته ، فکثرته عين وحدته ووحدته عين کثرته، إلا أن تعدد الاعتبارات في الوجود ملاک لتعدد الاحکام - تعدد اعتبارات الوجود ملاک لتعدد أحکامه ، فالوجود من جهة الکثرة ملاک لتمايز افراده ومن جهة وحدته تشترک جميع الوجودات في حقيقة الوجود، ولهذا قال : (ان التمايز) الحاصل بين مرتبة ... الخ) فحيثية الوحدة عين حيثية الکثرة ، وقد يتصور البعض ان هذا ينافي القول بالتمايز الوجودي ، اذ کيف يمکن تصور جهة امتياز وافتراق بين مراتب الوجود رغم القول بأن کثرته عين وحدته الذي يعني عدم التکثر والامتياز والافتراق ؟! وهذا ينافي ذاک، فأجاب : (ولا ينافيه) أي لا ينافي القول برجوع الکثرة إلي الوحدة و بالعکس، مع ذلک) أي مع کون الوجود ذا مراتب مختلفة متمايزة، لأن الوحدة هنا عبارة عن حقيقة الوجود ولا تنافي بين الحقيقة الخارجية وبين الامر الاعتباري اعني ان ينسب العقل التمايز الوجودي الي جهة الکثرة في الوجود دون جهة الوحدة، وهذا مجرد اعتبار عقلي خلافاً الوحدة الوجود الذي هو أمر حقيقي خارجي، فقد يلحظ العقل جهة وحدة وجهة کثرة في ذات الوجود، ثم ينسب التمايز الوجودي لمرتبة من المراتب عن غيرها، الي جهة الکثرة فحسب ولا ينافيه أيضاً (ان ينسب) العقل (الاشتراک والسنخية) بين مراتب الوجود (الي جهة الوحدة) التي هي عبارة عن حقيقة الوجود، وذلک أن هذا مجرد اعتبار عقلي، وإلا فان کلّ مرتبة من مراتب الوجود بسيطة لا يشوبها في ذاتها شيء زائد علي حقيقة الوجود.

فرضنا فوقها کنسبة التي دونها اليها ، وصارت الشديدة محدودةً بالنسبة الي ما فوقها کما کانت مطلقةً بالنسبة إلي ما دونها. وعلي هذا القياس في المراتب الذاهبة الي فوق حتي تقف في مرتبةُ ليست فوقها مرتبة، فهي المطلقة من غير أن تکون محدودة إلا بأنها لاحدّ لها.(1).

ص: 155


1- حاصل هذا الفرع اننا حين نقيس مرتبتين من مراتب الوجود الشديدة والضعيفة، يحدث بينهما الاطلاق والتقييد وران بين مراتب الوجود إطلاقا وتقييدة) بالمعني الخاص الذي سيأتي لا الاطلاق والتقييد المبحوثان في علم اصول الفقه ، وانما يحصل هذا الاطلاق والتقييد (بقياس بعضها) أي بعض مراتب الوجود (إلي بعض) وانما يحصل الاطلاق والتقييد بينها المکان ما فيها من الاختلاف بالشدة والضعف ونحو ذلک من مراتب الوجود، فالاطلاق والتقييد هنا يتعلقان بالوجود الخارجي للموجودات، فالموجود المطلق غير مقيد بکمالات الموجود المقيد بل له کل ما للضعيف المقيد والمطلق صفة للمرتبة الشديدة بالقياس الي ما هو أضعف منها من المراتب، وأما الموجود المقيد فإنه الموجود المقيد بخصائص ذاتية بالقياس إلي ما فوقه من الموجود، فهو مقيد بخصائصه فاقد لکمالات الموجود الذي فوقه، فهناک موجود مقيد من جميع الجهات اعني مقيد بالنسبة الي کل ما عداه من الموجودات وهناک المقيد بالقياس الي ما فوقه مطلق بالقياس إلي ما دونه وهناک الموجود المطلق من جميع الجهات وبالقياس الي جميع ما عداه ، والحاصل أن هناک اطلاقا و تقييدة في المفاهيم، و تقييد مفهوم عام يعني اضافة مفهوم عام آخر اليه، لتصير حدود المفهوم العام ضيقة ، فيقال في الفقه مثلا الرقبة والرقبة المؤمنة الأولي مطلقة والثانية مقيدة في قولنا اعتق رقبة أو اعتق رقبة مؤمنة، وهکذا في حقيقة الوجود قالوا بنوع من الاطلاق والتقييد لکن لا من سنخ الاطلاق والتقييد الجاريين في المفاهيم - کما هو عند الأصوليين - فنقول أن للمرتبة الأقوي والأعلي من مراتب الوجود دائرة أوسع وحدود أشمل بالقياس الي ما دونها. قوله : ( وذلک... الخ) بيان و توضيح و تفصيل لقوله السابق وحاصله أن هناک شيئا انضم الي هذا الوجود - أو الموجود . مما جعله مقيدة بهذه الحدود ومتأخرة بهذا الاطار الضيق، فما الذي تم انضمامه إلي حقيقة الوجود لکي نتقيد وتتحدد ؟ نعم هي القيود العدمية ، إذ بملاحظة الوجود نري انّه يشمل جميع الوجود مطلقا وليس هذا الاطلاق اطلاق مفهوميا ، فاذا قيدناه بقيود عدمية بأن قلنا مثلا الوجود الذي هناک أو الوجود الذي ليس له تلک الشدة فإنه يتقيد بالقياس مع ما ليس له مثل تلک القيود، فالقيود العدمية هي التي تحدد الوجود وتقيده ، والوجود المقيد عبارة عن نفس حقيقة الوجود بانضمام القيود العدمية إليه، ولکن ليست القيود العدمية هنا بمعني انضمام مفاهيم الي مفاهيم آخري. فالمرتبة الضعيفة کالمؤلفة) اي کالمرتبة المؤلفة (من وجدان) اي وجود والمرکبة من أمر وجودي أو أمور وجودية ، (و) المؤلفة المرکبة من (فقدان) أي عدم ومن أمر عدم أو امور عدمية (فذاتها) أي ذات المرتبة الضعيفة (مقيدة بعدم وجود (بعض ما في المرتبة الشديدة من الکمال) اذ کل امر وجودي يعد کمالا لصاحبه وکل امر علمي اي عدم ما ينبغي أن يکون موجودة يعد نقصا وقيدة ومحدودية لصاحبه، حتي أن اللدغة للحية کمال لها وعدمها نقصان، وقال المؤلفة بمعني کالمرکبة لأن الترکيب اعتباري لحاظي لا حقيقي عيني وذلک أن المرتبة الضعيفة ليست مرکبة من حيثيتين عينيتين ، إذ الفقدان عدم والعدم لا شيء و واللاشيء بطلان محض والباطل المحض لاحقيقة عينية له حتي ينضم الي المرتبة الضعيفة کجزء لها، کما أن حقيقة الوجود بسيطة فلا يقع الترکيب في الوجود، وانما العقل يعتبر الفقدان في مقابل الوجدان والعدم في مقابل الوجود، فيصور للمرتبة الضعيفة ترکيبة من الوجدان والفقدان، وهو مجرد اعتبار عقلي ليس الا ، فلو لاحظنا وجود العلة والمعلول مثلا، نجد أن وجود العلة أشد وأقوي من وجود المعلول قطعة ، واذا قسنا علة تلک العلة - لتصير علتنا في المثال السابق معلولة لغيرها . کانت علة العلة أقوي من تلک العلة ولو لاحظنا تلک العلة الثانية لکانت أقوي بالقياس الي علتنا وهلم جرا، وهکذا حتي نصل إلي علة العلل وهي ذات الواجب جلت قدرته التي هي الکمال المطلق وهي أشد من کل وجود و موجود و من جميع الجهات ولو اخذنا سير نزوليأ من مرتبة ضعيفة إلي أضعف منها ومن مقيدة الي أشد تقييدا وهلم جرا، حتي وصلنا الي أدني مراتب الوجود - وهي الهيولي او المادة الأولي - نجد انّها مقيدة من جميع الجهات وبالقياس الي کل ما عداها، والي هذا المعني اشار في قوله :والأمر بالعکس ممّا ذکر إذا أخذنا مرتبةً ضعيفةً واعتبرناها مقيسةً إلي ما هي أضعف منها وهکذا حتّي ننتهي إلي مرتبةٍ من الکمال والفعليّة ليس لها من الفعليّة الأفعليّة أن لا فعليّةَ لها والأمر بالعکس ممّا ذکر ..... الخ) وهو قوله: (ليس لها أي لتلک المرتبةً الدانية الضعيفة - اي المادة الأولي والهيولي - (من الفعليّة) والحقيقة العينية والثبوت الخارجي (الا فعلية) و ثبوتية وعينية (آن لافعلية) ولا عينية ولا ثبوتية (لها) فليس لها أي حظ من الفعلية و التعين إلا کونها قوة محضة ولا فعلية صرفة. فکلما زادت القيود ضعفت المرتبة الوجودية شدة وقوة، وکلماقلّت القيود ازدادت المرتبة الوجودية شدةً وقوة.

ص: 156

الأمر الثالث : تبيّن من جميع ما مرّ أن للمراتب المرتّبة من الوجود حدوداً غير أعلي المراتب، فإنّها محدود بأنها لاحدَّ لها. وظاهرُ أنّ هذه الحدود الملازمة للسلوب والأعدام والفقدانات التي نثبتها في مراتب الوجود، وهي أصيلة و بسيطة ، إنّما هي من ضيق التعبير، وإلّا فالعدم نقيضُ الوجود ومن المستحيل أن يتخلّل في مراتب نقيضة (1)

وهذا المعني - أعني دخول الأعدام في مراتب الوجود المحدودة وعدم

ص: 157


1- (تبين من جميع ما مر أن للمراتب المترتبة من الوجود حدوداً) ابتداءا من أدني مراتب الوجود اعني الهيولي وصعوداً الي المراتب العليا (غير أعلي المراتب) أعني الذات المقدسة للواجب تعالي، فانّها) أي اعلي المراتب وذاته المقدسة ( محدودة بأنها لاحدّ لها) خلافاً للهيولي التي لا فعلية لها الا عدم الفعلية ، ولکي يکون الشيء - الموجود - انساناًمثلاً يلزم أن لا يکون أشياءاً کثيرة ، اعني أن الحد الوجودي لأي شيء ملازم لعدم أشياء کثيرة ، فبعدد کلّ الماهيات المغايرة للانسان توجد اعدام وسلوب، يجب نفيها عن الانسان بما هو انسان علي سبيل المثال، فوجود الانسان مرکب من جملة حدود وجودية وحدود عدمية، الوجوديات لابد من ثبوتها حتي تتحقق الانسانية للانسان، کما أن العدميات يجب انعدامها حتي تتحقق له الانسانية کذلک ، (و) لکن (ظاهر انّ هذه الحدود والقيود العدمية (الملازمة للسلوب والاعدام والفقدانات) لجملة من الکمالات الموجودة في غيره و(التي نثبتها في مراتب الوجود، وهي) أي تلک الکمالات (أصيلة وبسيطة) بأصالة الوجود وبساطته (انما هي) أي اعتبار هذه الحدود العدمية السلوبية من حدود الشيء وقيوده او حدوداً و قيوداً مطلقاً لم يحصل الا (من ضيق التعبير) والمجاز والتسامح، فما قيل ويقال من أن لکل مرتبة من مراتب الوجود حدودأ عدمية وجودية أي مرکبة من مجموعها، ليس هذا القول إلّا من باب التسامح والمجاز وإلّا فالترکيب حقيقة اما ترکيب من الأجزاء الخارجية للشيء مثل ترکيبها من المادة والصورة، وأما ترکيب من الأجزاء العقلية مثل ترکيبها من الجنس والفصل وأما ترکيب من الأجزاء الوهمية (والا فالعدم نقيض الوجود) فهو باطل محض ولا شيء صرف وليس خارج الوجود إلا الوجود (ومن المستحيل أن يتخلل) العدم (في مراتب نقيضه) أي الوجود، فلا ترکيب حقيقي في هذه المرکبات، فالترکيب الوارد في التعبير بين وجود الشيء والاعدام الملازمة له ترکيب مجازي والتعبير بالترکيب تعبير تسامحي.

دخولها المؤدّي إلي الصرافة - نوعُ من البساطة والترکيب في الوجود، غيرُ البساطة والترکيب المصطلح عليها في موارد أُخري وهو البساطة والترکيب، من جهة

الأجزاء الخارجيّة أو العقليّة أو الوهميّة (1)

الأمر الرابع : أنّ المرتبة کلّما تنزّلت زادت حدودُها وضاق وجودُها، وکلّما عرجت وزادت قرباً من أعلي المراتب قلّت حدودُها واتّسع وجودُها حتّي يبلغ أعلي المراتب، فهي مشتملةُ علي کلُّ کمالٍ وجوديًّ من غير تحديدٍ، ومطلقةُ من غير نهاية.

الأمر الخامس : أنّ للوجود حاشيتَين من حيث الشدّة والضعف ، وهذا ما

ص: 158


1- (وهذا المعني - اعني دخول الاعدام.. الخ) لما ذکرنا من أن أعلي مراتب الوجود خالي من العدم وليس له حد عدم، بل وجود محض و مطلق صرف وکمال مطلق ، وما قلنا أن للمراتب الدانية حدودأ عدمية أي مرکبة من الوجود والعدم بالمسامحة والمجاز ، لذلک وقع نوع خاص من البساطة والترکيب في الوجود، اذ يلزم القول بنوعين من الوجود، رغم ما مر من بساطة الوجود، لکن مع هذه المسامحة يمکن القول بأن الوجود علي وجهين، الوجود البسيط وهو ذات الواجب تعالي الخالي من العدم، اما سائر مراتب الوجود فهي مرکبة من الوجود والعدم، وهذا الترکيب عائد الي المعني التسامحي، فبلحاظ المعني الحقيقي نقول حقيقة الوجود بسيطة في جميع مراتب الوجود، وبالمعني التسامحي نقول أعلي المراتب بسيط، وأما سائر المراتب فهي مرکبة من الوجود والعدم أي مرکبة من الوجود والحدود الوجودية - الحد الوجودي - (وهذا المعني. أعني دخول الاعدام في مراتب...) إلي قوله نوع من البساطة) التامة المطلقة کما في ذات الواجب تعالي، ونوع من الترکيب في الوجود) الشامل لکافة الوجودات الامکانية وجميع المعاليل، فالوجود عليه ينقسم الي الوجود البسيط والصرافة المحضة، والوجود المرکب، وهذه البساطة والترکيب (غير البساطة والترکيب المصطلح عليها) مثلاً (في) الأصول او المنطق او (موارد اخري) حيث ان المراد هناک يختلف عما عليه هنا، اذ المصطلح هناک شيء آخر (وهو البساطة والترکيب من جهة الأجزاء الخارجية) کالجسم المرکب من الماهية والصورة (أو العقلية) کالأعراض المرکبة من المادة والصورة العقليتين ، فهي بسيطة في الخارج غير أن العقل يفترض لها مادة وصورة (أو الوهمية) کالأجزاء المقدارية، اذ يطلق عليها أحياناً الأجزاء الوهمية وهي ترتبط بالکميات والمتکمّمات، إذ ما ليس له کمية ليس له أجزاء مقدارية.

يقضي به القول بکون الوجود حقيقةً مشکّکةً(1)

الأمر السادس : أنّ للوجود بما لحقيقته من السعة والإنبساط تخصص بحقيقته العينيّة البسيطة ، و تخصّصاً بمرتبة من مراتبه المختلفة البسيطة التي يرجع ما به الإمتياز فيها إلي ما به الإشتراک ، وتخصّصاً بالماهيّات المنبعثة عنه المحدَّدة له ؛ ومن المعلوم أنّ التخصّص بأحد الوجهين الأوّلين ممّا يلحقه بالذات، وبالوجه الثالث أمرُ يعرضه بعرض الماهيّات (2)

ص: 159


1- (ان للوجود حاشيتين...الخ) هذا من لوازم مراتب الوجود، اذ بعد اثبات المراتب للوجود لزم انتهاء طرفي وحاشية منه إلي ما لا حد ولا نهاية له وهو وجود الواجب تعالي، هذا من جهة السير التصاعدي، ولزم انتهاء الحاشية والمرتبة الأخري والطرف الآخر منه الي ما لا فعلية له إلّا أنه لا فعليّة له، وهذا من جهة السير التنازلي، وهاتان حاشيتان إحداهما في أعلي المراتب والأخري في أدني مراتب الوجود - وهي الهيولي والمادة الأولي، وهذا معني التشکيک أي کونه ذا حاشيتين بعد ثبوت المراتب له وهو أيضاً (ما يقضي به القول بکون الوجود حقيقةً مشککة ).
2- (ان للوجود بما لحقيقته من السعة والانبساط ... الخ) وقد تطرق الي هذا البحث المرحوم صدر المتألهين بعد اثبات الاصالة للوجود، وعقد له فصلاً تحت عنوان «في ان تخصّص الوجود بماذا؟»، وبيان ذلک يحتاج الي هذه المقدمة وهي أن المباحث الفلسفية منذ أقدم عصور الفلاسفة وظهور المذاهب الفلسفية وقبل أن يظهر مذهب المشائين حتّي العصور الاخيرة الي زمن المولي صدر المتألهين ، کانت تحتوي علي أثر غير بارز من القول بأصالة الماهية، ولهذا کانت الکثير من المسائل الفلسفية مبنية علي أصالة الماهية، وکانت نظرتهم إلي الوجود بمفهومه البديهي العام، ذاهبين الي ان هذا المفهوم العام يتخصّص بقيد - أعني لا بد من ضميمة مفهوم آخر اليه يخصّصه ، وکانوا تارة يعبرون عنه بالتقييد، ويقولون بأن الوجود أما مطلق أو مقيد ، وتارة يعبرون عنه بالتخصيص فيقولون الوجود إما عام أو خاص، وکان مرادهم من الوجود المقيد، مفاد کان الناقصة أي ثبوت شيء لشيء أو ثبوت صفة لذات. کما ان مرادهم من الوجود المطلق هو وجود الشيء وثبوته اعني مفاد الهليّة البسيطة ، فکان القول «الانسان موجود» يعد عندهم وجوداً مطلقاً ، وکان «الإنسان يوجد فيه القيام» مثلاً يعد عندهم وجوداً مقيداً لأنه مفاد کان الناقصة، وکان مرادهم من الوجود العام عبارة عن المفهوم العام للوجود الشامل لجميع الموجودات و مرادهم من الوجود الخاص کان اضافة الوجود الي ماهية خاصة مثلاً «وجود الإنسان» وجود خاص، وکانوا يقولون أيضاً بأن الوجود باضافته الي الماهيات يصير ذا حصص، کما قيل عن الماهية في الکلي الطبيعي أن کل حصة من الماهية موجودة في فرد، فقال بمثل هذا عن مفهوم الوجود، بأن کل حصة من حصص الوجود موجودة في مفهوم خاص، فيظهر مفهوم الحصص من هنا، أعني من اضافة المفهوم العام للوجود الي أية ماهية خاصة، فوجود الإنسان حصة من الوجود المطلق ، اذ الوجود المطلق يشمل کل شيء ووجود الإنسان حصة من ذاک المفهوم، وهذا کله بحث عن المفاهيم ، فمفهوم الوجود عام أو خاص و مفهوم الوجود مطلق ومقيد. ثم أنهم قالوا أن هذا الوجود الخاص الذي هو حصة من الوجود العام جاء تخصصه من اضافة مفهوم الوجود الي ماهية خاصة، فماهية الإنسان متعينه متخصصه بنفسها معزولة عن ماهية الحيوان ، اما مفهوم الوجود فهو علي حد سواء بالنسبة الي الانسان والحيوان ، فاذا اضفناه الي ماهية خاصة، تخصص بها، ونظير هذا الکلام الذي تطرق اليه المتکلمون، والقائلون بأصالة الماهية ، عن مفهوم الوجود، أوردوه عن حقيقة الوجود، وذلک أنهم تصوروا لحقيقة الوجود حقيقة کلية ، وان کل واحد من الوجودات الخاصة مصداق من مصاديق تلک الحقيقة الکلية ، وأن لحقيقة الوجود بما هي أحکاماً ، کما أن للماهية بما هي احکامة ، وهي احکام الماهية بقطع النظر عن الوجود وسائر الأمور، وذکروا الوحدة والبساطة من جملة أحکام حقيقة الوجود، وان للوجودات الخاصة أحکاماً أيضاً، أي لکل وجود خاص حکم خاص به کأن يکون هذا الوجود الخاص علة وذاک الوجود الخاص معلولاً. واذ ثبت أن حقيقة الوجود مطلقة غير مقيدة وعامة غير مخصصة، فَبِمَ يکون تخصصها؟ أما المتکلمون والقائلون بأصالة الماهية يقولون بانتساب الوجود واضافته إلي الماهية - ماهية خاصة - أما علي القول بأصالة الوجود فالمستفاد من کلمات صدر المتألهين و في اسفاره وهکذا المصنف هنا وفي غيره من الکتب أن هناک ثلاثة أقسام من التخصص الحقيقة الوجود: أولا: التخصص الذاتي بأن الحقيقة المطلقة للوجود تخصصها بعين ذاتها، أي ليس تعينها عن سائر الماهيات بشيء غير ذاتها أو خارج عن ذاتها، لعدم کونها مشترکة حتّي تحتاج الي قيد يفصلها عن الماهية. ثانياً : التخصص بالمراتب، وذلک بحسب خصائص کل مرتبة من مراتب الوجود ثالثاً : التخصص باختلاف الماهيات، فالاختلاف بين وجود البقر ووجود الإنسان مثلاً جاء بسبب الاختلاف والتمايز بين ماهيتي البقر والانسان، وهذا الاختلاف ماهوي في الحقيقة، ويختلف الوجود بالاختلاف الماهوي. فقوله : (ان للوجود بما لحقيقته ) إشارة الي الحقيقة الوسيعة للوجود، الشاملة لجميع مراتبه من غير رعاية تخصص ولا لحاظ خاص فيها (من السعة والانبساط تخصّصاً بحقيقته العينية البسيطة) أي أن حقيقتها البسيطة العينية هي الموجبة لتخصصها وهذا التخصّص ملحوظ في مقابل الماهية ، وهذا هو القسم الأول من التخصص، أما القسم الثاني من أقسام التخصص فهو قوله : (و تخصُّصاً بمرتبة من مراتبه المختلفة البسيطة التي يرجع ما به الامتياز فيها الي ما به الاشتراک)، وأما القسم الثالث والأخير من أقسام التخصص فهو قوله : ( وتخصّصاً بالماهيات المنبعثة عنه) أي عن الوجود المحددة له) أي للوجود (ومن المعلوم أن التخصص باحد الوجهين الأولين مما يلحقه بالذات) القسمان الأولان من أقسام التخصص، تخصصان ذاتيان، اذ الحقيقة الوسيعة للوجود متخصصة بنفس ذاتها، وکل مرتبة متخصصة أيضا بنفس تلک المرتبة اي بذات تلک المرتبة وهي أيضا تختص بالذات (و بالوجه الثالث أمر يعرضه بعرض الماهيات) أي لم يحصل تخصص للوجود في القسم الأخير إلا بعرض الماهيات فإن التخصص بالذات والاصالة للماهيات وبالعرض للوجود. والحاصل أن التخصص في کل شيء بذاته، لأنه يمتاز عن غيره بذاته وحقيقته ، وکذلک الوجود فإن تخصصا. يأتي من ذاته وحقيقته التي هي عبارة عن حيثيته الخارجية وبساطته . والمرحلة الثانية أو القسم الثاني من التخصص حاصل من جهة أن کل وجود بقع في مرتبة من مراتب الوجود التي تکون عين ذات ذلک الوجود وبعبارة أخري ان المرتبة التي يقع فيها الوجود تکون عين ذات الوجود لا تقبل الانفکاک عنه ، کالعلة والمعلول فإن لکل واحد مهما مرتبة من الوجود هي عين ذاته لا يمکن أن يستبدل بغيره، فالعلة سابقة أي في مرتبة سابقة من مراتب الوجود، بالنسبة للمرتبة التي وقع فيها المعلول، ويستحيل تبديل مراتبهما بجعل مرتبة المعلول سابقة علي مرتبة العلة مثلاً. والقسم الثالث من التخصص هو تخصص الوجود بواسطة عروض الماهيات وذلک أن لکل شيء ماهية تختلف عن سائر الماهيات وحدود الماهية - اي حدوده الماهوية - تميزه عما سواه نقرأ في هذا الفصل : أ- بما أن العدم بطلان محض، فلا تمايز بين الاعدام . ب. وما قيل من أن اعتبار «عدم العدم» عدمة مضافة ، فهو من جهة يکون نوعا من العدم، ويکون من جهة اخري رافعة للعدم المضاف إليه ، فهو إذن نقيض العدم، وکيف يمکن ان يکون العدم المضاف عدمة في عين کونه نقيضا للعدم؟ ونجيب بأن العدم المضاف من جهة کونه أخص من مطلق العدم، يعد نوعا من العدم، ومن جهة کون العدم المضاف اليه ذا نحو من الثبوت، فإن هذا العدم المضاف رافع لذاک العدم ويکون نقيضأ له، وعلي کل حال فإن العدم المضاف اليه ليس وجودة في الحقيقة، حتي يکون العدم المضاف نقيضه. ج- ان العدم المضاف في عدم العدم، في الحقيقة عدم بالحمل الأولي، ونقيض للعدم بالحمل الشائع الصناعي، فالجهتان مختلفتان.

ص: 160

ص: 161

ص: 162

الفصل الرابع في شطر من أحکام العدم

(1)

قد تقدّم أن العدم لا شيئية له ، فهو محضُ الهلاک والبطلان .

ص: 163


1- لا شک أن هذه المسألة أعني مسألة العدم والبحث عن العدم، مسألة تطفلية ومبحث تطفلي في مباحث الفلسفة والحکمة، وذلک أن موضوعها الوجود بالأصالة والذات، وموضوع کل مسألة ينبغي أن يندرج تحت موضوع العلم، وحين نريد اثبات حکم للعدم يصير العدم موضوعة للمسألة مع أن العدم غير مندرج تحت موضوع الفلسفة - الوجود-، فما الحاجة الي البحث عن العدم ههنا؟ ونرد في مقام الإجابة بأن البحث عن الوجود لا يتم الا بالبحث عن ضده إذ تعرف الاشياء بأضدادها «والضد يکشف حسنه الضد» ، فلا محيص دون البحث عن العدم ولو نطق، وبناء علي هذا طرحوا جملة من المسائل الباحثة عن العدم، منها: ان لا تمايز بين الاعدام، ومن الواضح أنا حين نقول لا شيئية للاعدام، لم نترک مجالاً للسؤال عن امکان التمايز بينها، ولهذا أقام المؤلف برهاناً علي اصل عدم التمايز بين الاعدام، وذلک أن التمايز بين شيئين لا يکون إلا بأحد امور ثلاثة.

ومما يتفرّع عليه أن لا تماير في العدم، إذ التمايز بين شيئين إمّا بتمام الذات

کالنوعين تحت مقولتين أو ببعض الذات النوعين تحت مقولة واحدة أو بما يعرض الذات کالفردين من نوع، ولا ذات للعدم (1)

نعم، ربّما يضاف العدم إلي الوجود، فيحصل له حظُّ من الوجود ويتبعه نوعُ من التمايز ، کعدم البصر الذي هو العمي، والمتميَّز من عدم السمع الذي هو الصَممَ، وکعدم زيد وعدم عمرو المتميَّز أحدُهما من الآخر (2)

ص: 164


1- (قد نقدم) في الفرع الثامن من الفروع المذکورة في الفصل الثاني (أن العدم لا شيئية له..الخ). ومما يتفرع عليه) أي علي القول بأن العدم لا شيئية له ( أن لا تمايز في العدم) هکذا جاء في المنظومة والاسفار، (اذ التمايز بين شيئين) لا يکون إلا بأحد وجود ثلاثة، أولاً : (اما بتمام الذات النوعين تحت مقولتين مختلفتين إذ لا يوجد بينهما وجه اشتراک قط کالإنسان الذي من مقولة الجوهر مع البياض الذي من مقولة الکيف ، أو کالخط الذي من مقولة الکم والخوف الذي من مقولة الکيف النفساني، بينهما تمايز بتمام الذات، ثانياً : (أو) التمايز بينهما ببعض الذات کالنوعين) المندرجن (تحت مقولة واحدة) اللذين يشترکان في الجنس ويجمعهما جنس واحد ويمتازان من جهة الفصل أي لکل منهما فصل خاص به، مثل الإنسان والفرس، والخط والعدد فان الخط من مقولة الکم المتصل أما العدد فمن مقولة الکم المنفصل ومثل السواد والبياض وهلمّ جرّا، ثالثاً : (أو) يکون الامتياز بينهما (بما يعرض الذات) أي بما هو خارج عن ذاتهما عارض لهما (کالفردين من نوع واحد، بحيث يشترکان بتمام الذات ، وإنما امتازا من جهة امور خارجة عن ذاتهما عارضة لذاتهما کالفرس الأبيض والفرس الأسود، وکالجواد الاصيل العربّي والجواد الغربّي، ومثل زيد وعمرو ومثل الرجل والمرأة ومثل العالم والجاهل، (ولا ذات للعدم) إذ لو کان له ذات لکان قابلاً للمتمايز باحد هذه الوجوه الثلاثة
2- بعد ما سلمنا بأن العدم بطلان محض ، فهل يمکن أن نفترض ونتصور مصداقاً للعدم؟ وهل يمکن افتراض مصداق للعدم المطلق، کما هو بالنسبة الي الوجود المطلق ليقابل الوجود المطلق ؟ کلا لا يمکن تصور مصداق للعدم المحض، مادام العالم، عالم الوجود، إذ لازم العدم المحض - لازم افتراض مصداق للعدم المحض - ان ينتفي الوجود مطلقاً ، وهو خلاف الحق والوجدان والبداهة، فلا مصداق للعدم المحض حتي المصداق الفرضي. (نعم) يمکن فرض المصداق لعدم شيء خاص وهو ما يسمي بالعدم المضاف، إذن (ربّما يضاف العدم الي الوجود...الخ) فالعدم يکتسب حظاً من الوجود إذا اضيف الي أمر وجودي کما لو أضيف العدم إلي السمع أو البصر فانّه يکتسب منهما حظاً من الوجود، وهو الوجود الذي يميز في الذهن عدماً عن عدم آخر.

وبهذا الطريق ينسب العقلُ إلي العدم العليّةَ والمعلوليّةَ حذاءَ ما للوجود من ذلک ، فيقال : «عدم العلّة علة لعدم المعلول» حيث يضيف العدم إلي العلّة والمعلول فيتميّز العدمان، ثم يبني عدم المعلول علي عدم العلّة کما کان يتوقف وجود المعلول علي وجود العلّة، وذلک نوعُ من التجوّز ، حقيقته الإشارة إلي ما بين الوجودين من التوقّف (1)

ص: 165


1- فالعدم ببرکة الانتساب والاضافة الي الوجود يحصل علي نوع من الثبوت، فيفرض له نحو ثبوت، ومصداق ثبوتي، مثلاً نفترض لعدم البصر - الذي هو العمي - نحو ثبوت بتبع ثبوته ووجوده، فانا نقول عمرو أعمي - لفقدان البصر - فإن وجود عمرو من جهة فقدانّه لکمال البصر يجعل ويفرض مصداقاً بالعرض لمفهوم العمي، فيحصل العمي علي نحو من الثبوت، بخلاف العدم المطلق الذي لا ثبوت له مطلقاً ويستحيل فرض مصداق له، ثم انّه بعد ما أثبتنا نوع ثبوت للعدم المضاف، يحصل نوع من التمايز بين الاعدام المضافة بتبع هذا الثبوت، فيتميز عدم البصر - أي العمي - عن عدم السمع - أي الصمم -، وهذا التمايز في الحقيقة منسوب الي السمع والبصر اولا وبالذات، وينسب الي العمي والصمم ثانية وبالعرض وهکذا قس علي هذا المثال ما شئت من المصاديق. وبهذا الطريق الذي قدمناه مفصلاً ( ينسب العقل الي العدم العلية والمعلولية) فيه تقديم و تأخير وبعبارة أوضح ينسب العقل العلية والمعلولية الي العدم (حذاء) وازاء (ما للوجود من ذلک) أي بازاء العلية والمعلولية القائمة بين الموجودات، فبعدما فرض نحو ثبوت للاعدام، واعتبر لها شيء من المصاديق، امکن نسبة مثل هذه الأحکام اليها ، فيقال : «عدم العلة علة لعدم المعلول» حيث يضيف) العقل (العدم الي العلة والمعلول) وببرکة هذه الاضافة - أي اضافة العدم الي العلة والمعلول - يحصل ويفرض للعلة والمعلول - أي لعدمهما - نحو ثبوت، وبتبع هذا الثبوت يتميز عدم العلة عن عدم المعلول (فيتميز العدمان، أحدهما عن الآخر (ثم يبني عدم المعلول علي عدم العلة) ويسند عدم المعلول إلي عدم العلة و يقال أن عدم المعلول مستند الي عدم علته وعدم المعلول مبني علي عدم العلة ونابع منه، وتابع له، (کما يتوقف وجود المعلول الي وجود العلة) علي ما في شوارق الالهام (وذلک) أي استناد عدم المعلول الي عدم العلة في الحقيقة (نوع من التجوز، والتسامح (حقيقته) أي حقيقة هذا الإسناد أو التجوز - الذي هو لازم الاسناد - عبارة عن (الاشارة الي ما بين الوجودين) أي وجود العلة ووجود المعلول (من التوقف فنفس التوقف الذي بين وجود العلّة والمعلول، بتوقف وجود المعلول علي وجود العلة، واسناد وجود الأول إلي وجود الثاني، صار منشئاً لحصول عدمهما علي نحو من الثبوت وصح استناد عدم الأول إلي عدم الثاني، وحصل ذلک بتبع وجودهما، فالحکم في الحقيقة لوجودهما وبتبع وجودهما نسب الي عدمهما، مثلاً قولنا: عدم النار سبب لعدم الدخان أو العکس بأن عدم الدخان مستند الي عدم النار و مسبب عنه ، هذا القول في الحقيقة تابع لقولنا: وجود النار علة لوجود الدخان أو وجود الدخان مستند إلي وجود النار و مستند اليه، لأن نسبة العلّيّة والمعلولية الي العدم نسبة مجازية، راجع الاسفار نفس المبحث في الجزء الاول.

ونظير العدمِ المضاف العدمُ المقيد بأيُّ قيدٍ يقيّده کالعدم الذاتي والعدم الزّماني والعدم الأزلي . ففي جميع ذلک يتصورّ مفهوم العدم ويفرض له مصداق علي حدّ سائر المفاهيم، ثم يقيّد المفهوم فيتميزّ المصداق، ثمّ يحکم علي المصداق علي ما له من الثبوت المفروض بما يقتضيه من الحکم، کاعتبار عدم العدم قبالَ العدم، نظير اعتبار العدم المقابل للوجود قبالَ الوجود (1)

ص: 166


1- هناک نوع آخر من التمايز للاعدام - بين الاعدام - يقع بالوصف کالعدم الزماني والعدم الدهري والعدم الذاتي، إذ يکون التشخص فيها بواسطة الأوصاف، لکن بملاحظتها نجد أن المضاف مقدر فيها أيضاً، کالعدم الزماني لشيء ما، لا أن العدم نفسه بواسطة الوصف صار يفترض له مصداق من غير اضافته إلي شيء خاص - فالمصداق الفردي للعدم لا يتم الا للعدم المضاف، وتعدد الجهات، ملاک لتعدد الاحکام، (و نظير العدم المضاف، العدم المقيد) أي العدم المقيد کالعدم المضاف( بأيّ قيد يقيده) فالعدم المقيد بأي نحو من أنحاء القيود وبأي نوع منها (کالعدم الذاتي، والعدم الزماني، والعدم الازلي. ففي جميع ذلک يتصور مفهوم العدم) أولاً، ثم يفرض له) أي للعدم (مصداق) وذلک (علي حد سائر المفاهيم الوجودية التي لها مصاديق خارجية، إلّا أن مصاديق المفاهيم الوجودية ، حقيقية ، مصاديق العدم اعتبارية (ثمّ يقيد المفهوم) فمثلاً حين نتصور مفهوم الإنسان لا يحصل به تمايز بين أفراده کزيد وعمرو وبکر، لکن حين نقول : الإنسان الأبيض ، نکون قد ميزناه عن الإنسان الأسود، وکذلک هنا، فإن العدم الزماني أو الذاتي يحصل لهما نحو تمايز ببرکة الوصف والقيد و تحت ظله (فيتميز المصداق) في کل منها (ثم يحکم علي المصداق علي ما له من الثبوت المفروض) أي ثم نثبت لمصداق العدم احکاماً وبطبيعة الحال تکون أحکاماً فرضية (بما يقتضيه من الحکم، کاعتبار عدم العدم قبال العدم) وهو اشارة الي أمر آخر هو اننا حين نفترض للعدم مصداقاً علي هذا الأساس، وهو بمقايسة وجودين محدودين مقيدين، ونقول أحدهما غير واجد للآخر، فملاکنا في فرض ثبوت للعدم هو وجود آخر يمکن أن يقع مصداقاً لذاک العدم المفروض، أعني مصداقاً بالعرض، أما مصداقاً بالذات فهو العدم الفرضي المنطبق علي وجودها، ولو لم يکن وجود أصلاً لم يمکن فرض مصداق للعدم الخاص، فنتصور عدم زيد مثلا، بهذه الصورة، ونفرض له مصداقاً، ينطبق هذا المصداق علي وجود عمرو بالعرض، وحين نفترض مصداقاً للعدم، يمکننا نفي هذا المصداق، إذ لکل شيء نحو ثبوت يمکن سلب هذا الثبوت منه، مثلاً انتزعنا عدم زيد من وجود عمرو، فقد افترضنا مصداقاً لعدم زيد، أعني أن لنا عدمة في الخارج ينطبق علي وجود عمرو وهو عدم زيد، نسلب هذا العدم بعد ان کنا قد فرضنا له ثبوت، في ظرف نفس الثبوت الذي اثبتناه ، لنا أن نسلب فنقول : سلب العدم وعدم العدم، إذ يمکن تصور سلب لکل شيء أعتباري بما يناسبه، ولکل شيء اعتباري يمکن تصور سلب مناسب له، وبملاحظة هذه الحقيقة تتحقق عندنا قضية عدم العدم عدم، وعدم العدم أيضا نوع من العدم، فهناک نوعان من العدم أو عدمان، أحدهما عدم الوجود والآخر عدم العدم، ثم نقول عدم العدم، موضوع قضيتنا هو عدم العدم المتألف من مضاف ومضاف إليه ، ومعني عدم العدم، سلب العدم، وسلب الشيء نقيضه، کما اننا حين نقول : عدم الوجود معناه سلب الوجود أي نقيض الوجود، کذلک عندما نقول : عدم العدم نعني به سلب العدم الذي هو نقيض العدم، فالعلاقة بين هذين العدمين والنسبة بينهما علاقة التناقض، فالعدم الذي هو موضوع قضيتنا نقيض للعدم لأنه سلب العدم، ومن جهة اخري تحمل العدم علي نفس هذا النقيض فنقول : عدم العدم عدم، ولازم الحمل هو الاتحاد، وينبغي اتحاد الموضوع والمحمول، لو کان الشيء نوعا من جنس ما، لزم اتحاد النوع والجنس، کالانسان الذي هو نوع من الحيوان فيصح حمل الحيوانية علي الإنسان، الوجود الاتحاد بينهما، والحال أن لازم الاضافة . وهو عدم العدم أي سلب العدم. هو التناقض والتقابل، ولا يجتمع المتقابلان لعدم اتحاد بينهما، فالسلب والايجاب لا يمکن أن يتحدا، ولا يقال : السلب إيجاب، أو الايجاب سلب، لأنهما نقيضان، غير إننا نجد عدم العدم، أعني نري حمل العدم علي العدم - رغم کون العدم نقيضا للعدم المضاف اليه - أعني أن هناک اجتماعا بين المتقابلين، فهو سلب للعدم ونفس العدم، فکيف يمکن أن يکون نقيض الشيء من مصاديق ذلک الشيء ؟! وقد أورد العلامة هذه المسألة بما حاصله : اننا قد افترضنا عدماً مضافاً لوجود ما، وافترضنا ثبوتاً لهذا العدم من جهة وجود محدود آخر يمکن أن يقع مصداقاً بالعرض لهذا العدم، هذا مصحَّح الفرض، ثم نسلب الثبوت المفترض للعدم، فنفترض سلبه، وهذا السلب يصبح نقيضا للثبوت الذي افترضناه للعدم، وحملنا العدم علي نفس هذا السلب الذي هو نقيض للعدم المفروض ، فنقول عدّم العدم، عدّم، أو نوع من العدم. والجواب أو الحل، اننا حين نجعل مفهوم العدم محمولاً فنقول عدم العدم، عدم، أو نوع من العدم، فالمحمول هنا مفهوم العدم، وفي قولنا : نوع من العدم، النوعية من العدم من المعاني المنطقية من المعقولات الثانية المنطقية التي تتحقق في الذهن، أما العدم الذي اخذناه موضوع هنا فالمراد منه مصداق العدم، والنقيضان يلحظان من جهة المصداق الخارجي لا المفهوم، فالانسان الخارجي نقيضه الانسان، وحين نقول بسلب الوجود من زيد، نعني به سلب وجوده الخارجي، فالتناقض بين المضاف والمضاف اليه بلحاظ المصداق الخارجي، والاتحاد المفروض بلحاظ المحمول، هو الاتحاد بلحاظ المهفوم الذهني ، فالتقابل مصداقي بينهما والاتحاد مفهومي، ولهذا فإن مصداق عدم العدم يحمل علي مفهوم العدم، وهذا لا ينافي صدق التقابل والتناقض بين العدم الذي في المضاف والعدم الذي في المضاف إليه، کالضدين فانّهما أمران وجوديان بينهما غاية الخلاف في الخارج ومن جهة المصداق، ورغم ذلک نقول الضدان متضايفان، والتضايف في الحقيقة بين مفهوم الضد والضد واما التضاد فهو بين مصداق الضد والضد، فالتصايف بين مفهومي الضدين، والتضاد بين مصداقيهما، کالسواد والبياض. فافهم وتأمل جيداً. وبعد أن افترضنا ثبوتاً للعدم، لنا أن نسلب هذا الثبوت المفروض، أي أن نحکم عليه بعدم العدم، کاعتبار عدم العدم في قبال العدم (نظير اعتبار العدم المقابل للوجود قبال الوجود) فافهم و تأمل. والحاصل أن المفاهيم الوجودية ذوات المصاديق الحقيقية تقيد العدم بأوصاف وجودية ، فتتميز مصاديق العدم، وبملاحظة الثبوت الاعتباري للعدم، تثبت احکاماً مناسبة لمصاديقه ، فيعتبر العقل عدم العدم في مقابل العدم کما يعتبر ويفترض عدم الوجود في مقابل الوجود، فبعد أن افترض نوع ثبوت للعدم، له أن يسلب هذا الثبوت عنه ، ويعبر عن هذا السلب ۔ سلب الثبوت عن العدم - بعدم العدم، کما يسلب الوجود أيضاً ويعبّر عنه بعدم الوجود.

ص: 167

وبذلک يندفع الاشکال في اعتبار عدم العدم بأن العدم المضاف إلي العدم نوعُ من العدم، وهو بما أنّه رافع للعدم المضاف إليه يقابله تقابلَ التناقض، والنوعيّة

ص: 168

والنقابل لا يجتمعان البَتّة (1)

وجه الإندفاع - کما أفاده صدر المتألّهين رحمه الله - أنّ الجهة مختلفة، فعدمُ العدم بما أنّه مفهومُ أخصّ من مطلق العدم مأخوذُ فيه العدم، نوعُ من العدم، وبما أن للعدم المضاف إليه ثبوتاً مفروضاً يرفعه العدم المضاف رفعَ النقيض للنقيض يقابله

العدمُ المضاف(2)

ص: 169


1- (وبذلک) الذي تقدم مفصلاً ( يندفع الاشکال الذي أورده صاحب الاسفار في الجزء الأول (في اعتبار عدم العدم) وجه الاشکال (بأن العدم المضاف إلي العدم نوع من العدم) وهو أن العدم المضاف الي العدم بنفسه يعد نوعا من العدم (وهو) أي العدم المضاف ( بما أنه رافع للعدم المضاف اليه يقابله) فإنه من جهة أخري فإن عدم العدم معناه رفع العدم، وموضوع قضيتنا يرفع العدم ويسلبه ، مقتضي هذا السلب أن يکون بينهما نوع من التناقض، وأن لا يکون بينهما مادة اجتماع ووجه اشتراک يلتقيان عنده ، ومن جهة أخري يرفع عدمُ المضاف إليه حين نقول عدم العدم، فهنا مضاف و مضاف اليه، وعده في قولنا «عدم العدم عدمُ»، فمن جهة اضافة العدم الي العدم وسلب العدم المضاف إليه، نري أن بين المضاف والمضاف اليه تناقضاً و تقابلاً إذ سلب الشيء نقيضه، ومن جهة حمل العدم عليه ينبغي اتحاد المضاف مع العدم في قولنا «عدم العدم، عدم» إذ لا يصح الحمل من غير اتحاد بين المحمول والموضوع والنوعية والتقابل لا يجتمعان البتّة) فهل يصح أن يقال سلب الإنسان نوع من الإنسان ؟! أو سلب الحيوان نوع من الحيوان ؟! کلا لعدم اندراج نقيض تحت نقيض آخر، بينما تقتضي النوعية اندراج النوع تحت جنسه، ومقتضي عدم العدم - بناءاًعلي ما تقدم - ان لا يندرج العدم المضاف تحت المضاف اليه، والحال أننا نقول عدم العدم، عدم، بحمل العدم علي العدم، وذلک أن الشيء اما ان يکون نقيضاً لغيره، أو أن يکون نوعاً منه، وکيف يمکن أن يکون نقيضأ له حال کونه نوعاً من انواعه ؟!
2- (وجه الاندفاع - کما افاده صدر المتألهين رحمه الله - أن الجهة مختلفة) وهي اننا حين نقول عدم العدم عدم نوع من العدم نعني بها قضية منطقية من المعقولات المنطقية الثانية، لأن النوع من المفاهيم المنطقية ، فوجودها ذهني واتصافها ذهني أيضاً ، بخلاف لحاظ التقابل الذي نقول فيه أن عدم العدم سلب العدم ونقيضه فهو باللحاظ الخارجي المصداقي، وليس بلحاظ کونها قضية خارجية بل بلحاظ کونها قضية ذهنية ، فوجه الاندفاع ان الجهة مختلفة ، إذ قولنا عدم العدم نقيض للعدم وسلب له، بلحاظ المصداق الخارجي، و أما قولنا عدم العدم، عدم بلحاظ آخر، (فعدم العدم بما أنه مفهوم أخص من مطلق العدم مأخوذ فيه العدم) فلمّا صار مطلقاً يکون المطلق مأخوذاً وملحوظاً ضمن المقيد ، فهو من هذا اللحاظ (نوع من العدم) أي لنا أن نقول - العدم علي قسمين: عدم للوجود، وعدم اللعدم، فيمح لحاظ مفهوم العدم بلحاظين، لحاظ عدم الوجود ولحاظ عدم العدم، (وبما أن للعدم المضاف اليه ثبوتاً مفروضاً) في الخارج المعبر عنه بعدم العدم بعد سلب الثبوت ( يرفعه العدم المضاف) أي العدم المضاف يرفع الثبوت الذي للعدم المضاف إليه (رفع النقيض للنقيض) أي کما يرفع النقيض نقيضه (يقابله العدم المضاف) أي أن العدم المضاف يقابل العدم المضاف إليه ، . وبينهما علاقة التقابل، فعدم العدم يقابل نفس العدم المضاف اليه - وهو مصداق العدم المفروض ، اما عدم العدم فلا يقابل مفهوم العدم، بل بينهما نسبة الاطلاق والتقييد. والحاصل أن الاشکال هو کون العدم المضاف الي العدم نقيضاً للعدم، حال کونه نوعاً من العدم أيضاً ، ولا تجتمع النوعية والتقابل ، إذ النوعية تقتضي الاندراج - أي اندراج النوع تحت جنس -، والتقابل يقتضي التباين وعدم الاندراج بين الشيئين، ونقيض الشيء لا يکون نوعاً منه، وقولنا : عدم العدم نوع من العدم، معناه أن نقيض العدم نوع من العدم، فما الحل وحاصل الجواب : أن لعدم العدم حيئيتين، حيثية مفهومية، وحيثية مصداقية ، فقولنا: عدم العدم سلب للعدم ونقيضه، بلحاظ المصداق لأن مصاديق المتناقضين لا تجتمع، والمتناقضان لا يجتمعان بلحاظ مصاديقهما، وقولنا عدم العدم، عدمُ، أو نوع من العدم، فإند کذلک بلحاظ المفهوم ، إذ مفهوم العدم نوع من العدم، إذ النوعية من المعقولات المنطقية الثانية و محلها وظرف تحققها الذهن

وبمثل ذلک يندفع ما أُورِد علي قولهم: «المعدوم المطلق لا يخبر عنه»، بأنّ القضية تناقض نفسها، فإنّها تدلّ علي عدم الاخبار عن المعدوم المطلق ، وهذا بعينه خبرُ عنه. ويندفع بأنّ المعدوم المطلق بما أنّه بطلان محضُ في الواقع لا خبرَ عنه ، وبما أن المفهومه ثبوتاً مّا ذهنيّاً يُخبَر عنه بأنّه لا يُخبَر عنه فالجهتان مختلفتان . وبتعبير آخر: المعدوم المطلق بالحمل الشائع لا يخبر عنه، وبالحمل الأوّليّ يُخبَر عنه بأنه لا يُخبَر عنه ((1)

ص: 170


1- (وبمثل ذلک) الذي تقدم ( يندفع ما أورد علي قولهم) أي من الجهة التي تمّ بها حل الاشکال المتقدم، وما لا حظناه من الخلط بين المفهوم والمصداق، ولمزيد من التفصيل راجع الأسفار الجزء الأول نفس الموضوع وشرح التجريد وشرح المنظومة فما أورده الکاتبي في حکمة العين علي قول الفلاسفة بأن (المعدوم المطلق لا يخبر عند) وإشکاله علي ويلزم من صدقها کذبها، أي لو ثبت انّها صادقه فلازم کونها صادقة أن تکون کاذبة فيما أخبرت عنه، إذ کيف يقال المعدوم المطلق لا خبر عنه ، في الوقت الذي تخبرون عن المعدوم المطلق، أليس هذه القضية فيها اخبار عن المعدوم المطلق ؟! فکيف تقولون أنه لا يخبر عنه ؟! (فانّها) أي هذه القضية (نزل) بالدلالة المطابقية أي بالتصريح لا بالتلميح (علي عدم الاخبار عن المعدوم المطلق ، وهذا الاخبار بعينه خبر عنه) و اخبار عن المعدوم المطلق. ويندفع) کما في نفس الجزء من الأسفار (بأن الجهة هنا مختلفة أيضأ کما في سابقتها، وان المعدوم المطلق ذو حيثيتين حيثية المفهوم وحيثية المصداق وذلک بأن المعدوم المطلق بما انّه بطلان محض في الخارج وفي متن الواقع لا خبر عنه....الخ).

وبمثل ما تقدّم أيضاً يندفع الشبهة عن عدة من القضاياتُوهِم التناقضَ ؛ کقولنا: «الجزئيّ جزئيُّ» وهو بعينه کلّيّ يصدق علي کثيرين. وقولنا : «إجتماع النفيضين ممتنعُ» وهو بعينه ممکن موجودُ في الذهن ، وقولنا: «الشيء إمّا ثابتُ في الذهن أو لا ثابت فيه» واللا ثابتُ في الذهن ثابت فيه، لأنّه معقولُ موجودُ بوجود ذهنيّ.

فالجزئيّ جزئيُ بالحمل الأوّليّ ، کلّي ُصادقُ علي کثيرين بالحمل الشائع ؛ وإجتماع النقيضين ممکنُ بالحمل الأوّليّ ، ممتنع ُبالحمل الشائع، واللا ثابتُ في الذهن لا ثابت فيه بالحمل الأوّليُ ، ثابتُ فيه بالحمل الشائع(1)

ص: 171


1- (وبمثل ما تقدم أيضأ يندفع الشبهة) التي ذکرها صدر المتألهين في الجزء الأول من اسفاره في تتمه نفس المبحث (عن عدة من القضايا) الفلسفية التي (توهم التناقض) ونسب التوهم الي المجهولين ولم نعثر عليهم ولعلهم المتکلمون، وهي قضايا لا علاقة لها بمبحث العدم وأحکامه إلا أنها تناسب المقام (کقولنا: الجزئي جزئي) الاشکال ان هذه القضية علي فرض صدقها، فهل کل جزئي جزئي؟ ولو کان الجواب بنعم وان هذه القضية صادقة ، لزم کون الجزئي کلية ، کما نقول کل انسان حيوان ، وکيف يکون الکلي جزئيا ؟ أعني کيف يکون الجزئي في عين جزئيته کلية ، إذ ان الموضوع هنا کلي، بينما قلنا في القضية الأولي «الجزئي جزئي»، ألا يلزم منه التناقض ؟ وکيف الحل لهذا التناقض الالتزامي؟ في قولنا «الجزئي جزئي»، (وهو بعينه کلي يصدق علي کثيرين) فإن موضوع قضيتنا وهو الجزئي ، مفهوم کلي في حد ذاته ، يصدق علي أفراد کثيرين ، وعليه فإن الجزئي جزئي من جهة، لأن کل شيء هوهو، ومن جهة فإن الجزئي بما انّه يمتنع صدقه علي کثيرين ليس جزئياً، لصدقه علي کثيرين ، وذلک أن زيدأ جزئي وعمروة جزئي وبکرا جزئي وهلم جرا، إذن مفهوم الجزئي کلي يصدق علي آلاف بل ملايين بل مليارات الأفراد بل اکثر بمالا يعد ولا يحصي، فالجزئي في عين کونه جزئية يکون کلية وهو التناقض بعينه . (و قولنا: «اجتماع النقيضين ممتنع») هذا من جهة ، وهو من جهة أخري (بعينه ممکن موجود في الذهن) وبعبارة أوضح فاجتماع النقيضين من جهة نقول انّه ممتنع ، ومن جهة اخري نجد انّه بلحاظ کونه مفهومة ذهنية ، موجود في الذهن، وهذا جمع بين الإمکان والامتناع نقول انّه ممتنع الوجود، ونلاحظه موجودة ممکنة في الذهن ، فرغم کون موضوع القضية ممکن يوجد في الذهن ، کيف يصح القول أن اجتماع النقيضين ممتنع ؟! ولولا وجود الموضوع في الذهن لم يصح جعله موضوعأ للقضية وأصدار حکم عليه. (و) أخيرة (قولنا: «الشيء إما ثابت في الذهن أو لا ثابت فيه» ) کيف نجمع بين هذه المقولة (و) بين ما نجده في الواقع من أن (اللاثابت في الذهن) والذي نفينا ثبوته في الذهن هو بعينه (ثابت فيه) أي في الذهن (لأنه معقول موجود بوجود ذهني، فاللانابت له وجود ذهني بلحاظ کونه مفهومة ذهنية، وهو علي ما في القضية المعهودة ليس ثابتا في الذهن، والحاصل أنه ثابت ولا ثابت، ولا ثابت حال کونه ثابتة ، إذ لما تصورنا عدم کونه ذا ثبوت ذهني ، فقد منحناه ثبوت ووجود ذهنية من حيث لا نريد، ويلزم من ذلک التناقض الصريح . جواب الإشکالات الثلاثة وحل هذه التناقضات : (فالجزئي جزئي) يراد منه اتحاد مفهومي الموضوع والمحمول، بمعني أن مفهوم الجزئي ، مفهوم جزئي أي بالحمل الأولي لکنه ( کلي صادق علي کثيرين بالحمل الشايع) ومعناه أن مفهوم الجزئي من مصاديق الکلي لاندراجه تحته. واجتماع التنقيضين مسکن) أي ان مفهوم اجتماع النقيضين ممکن لأنه ملاک للحمل الأولي فهو ممکن (بالحمل الأولي في الذهن، لکن حقيقة اجتماع النقيضين بالوجود الخارجي (ممتنع) لکونه ملاکا (بالحمل الشايع)، فمفهوم اجتماع النقيضين ممکن موجود، ومصداقه أو مصاديقه ممتنعة الوجود في الخارج. (و) قولنا (اللاثابت في الذهن لا ثابت فيد) أي في الذهن فمعناه أن مفهوم اللاثابت في الذهن هو بعينه مفهوم الثابت في الذهن - أي هوهو بعينه - أي لا ثابت فيه (بالحمل الأولي) لکنه - أي اللاثابت في الذهن - ( ثابت فيه) أي في الذهن (بالحمل الشايع) فهو غير ثابت بأفراده و مصاديقه لا بمفهومه الذهني. واعلم ان الحمل الأولي في قوله «الجزئي جزئي بالحمل الأولي» قيد للقضية نفسها، بمعني أن القضية بنفسها حمل اولي . وأما الحمل الأولي في قوله ي «أجتماع النقيضين ممکن بالحمل «ألا ولي» قيد للموضوع لا القضية ومعناه اجتماع النقيضين ممکن بالحمل الأولي، والحمل الأولي في القضية الثالثة قيد القضية أيضأ لا للموضوع واما الحمل الشايع هنا فهو قيد للموضوع، وذلک أن قولنا «بالحمل الأولي» قد يکون قيدا للموضوع وقد يکون قيدا للقضية وملاکه: أن الحمل الأولي يکون قيدا للقضية في القضايا التي يتحد فيها الموضوع والمحمول من حيث المفهوم، ويکون قيدة للموضوع في الموارد التي يختلف فيها الموضوع والمحمول مفهومة. خذ واغنتم. نقرأ في هذا الفصل لما ثبت سابقة أن الوجود مساوق للشخصية والوحدة، امتنع أن يکون للموجود الواحد وجودان، لاستلزامه کثرة الواحد وهو محال . کما انّه يستحيل وجود مثلين من جميع الجهات إذ لازم الاثنينية التمايز، ولازم المثلية عدم التمايز وهو محال أيضا. سواء کان التماثل ووجود المثلين في زمان واحد أو زمانين وبطلانّه في الثاني أوضح. ادلة امتناع اعادة المعدوم : 1- لو جاز اعادة المعدوم بعينه ، لزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه وهو محال . 2- لو جاز ذلک، لزم امکان ايجاد المعدوم بعينه ابتداءا من باب «حکم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد»، وهذا معناه امکان ايجاد مثلين في زمان واحد وهو محال . 3- لو جاز ذلک لزم کون المعاد عين المبتدأ وهو محال لأن حيئية الاعادة غير حيثية الابتداء 4- لو جاز ذلک، لا يمکن تحديد العود في عدد معين، إذ کل عود واعادة يکون عين الأول، فتعدد التکرار والاعادة جائز، ولا تمايز أيضا بين الأعداد المعادة، فسيکون العدد الثالث عودة ثالثة و عودة أولا وعودة ثانية وعودة رابعة وهکذا وهلم جرا في البقية لأنها جميعا مثماثلة متحدة عينية ، مع أن تعين العدد من لوازم الوجود المتشخص. وقد توهم بعض المتکلمين لاعتقادهم بالمعاد الجسماني أن المعاد عبارة عن اعادة المعدوم وان الموت اعدام لبني آدم، وقالوا ان امتناع اعادة المعدوم بعينه اما لماهية المعدوم أو للازم الماهية، ولو کان کذلک لزم امتناع وجوده ابتداء أ. واجيب عنه ان الامتناع هنا للوجود لا الماهية ولا لازمها ، هذا أولا، واما ثانيا : فإن المعاد لا يعني اعادة المعدوم بل انتقال من نشأة الي اخري والنشئتان وجوديتان، وليست الأخري ايجاد بعد اعدام .

ص: 172

ص: 173

ص: 174

الفصل الخامس في أنّه لا تکرُّرَ في الوجود

(1)

ص: 175


1- لقد اعتاد الفلاسفة أن يطرحوا هذا المبحث في کبتهم تحت عنوان: «في ان المعدوم لا يُعاد» ويعدّ جزءاً من الأحکام المثبتة للعدم أو المعدوم، وقد استبدل المصنف (رحمه الله) هذا العنوان بآخر کما تلاحظ لکون هذا العنوان الجدير أشد ملائمة للمطالب التي يتناولها الفيلسوف في هذا الباب، ثم أن أصل هذا المطلب يرجع الي ادعاء الفلاسفة أن الشيء إذا انعدم لا يمکن اعادته بعينه، أي لا يمکن اعادة المعدوم بعينه، نعم يمکن ايجاد شيء آخر يشبهه في أکثر خصائصه، ولکن لا يصح أن يقال هذا الوجود عين ذاک المعدوم، وهذا عين ذاک ، وخالفهم في ذلک بعض المتکلمين حيث أجازوا اعادة المعدوم بعينه. ثم أن کثيراً من الفلاسفة صرّحوا في کتبهم بهذا الأمر وهو عدم إمکان اعادة المعدوم واستحالة تکررّه من جديد، واعتبروه أمراً بديهياً في غاية البداهة والضرورة، حتّي أن امام المشکّکين الفخر الرازي - وهو ما لقبه به المرحوم صدر المتألهين لتشکيکه في جميع القواعد الفلسفية ، وألقي الشبهة في کل شيء . أقول اما الفخر الرازي امام المشککين لم يبرح حتي صرّح ببداهة هذا الأمر وعد الشاکّ فيها شاکاً في البديهيات. وإنما حمل جماعة من المتکلمين علي نفي هذا الأمر والقول بخلافه ، أعني القول بامکان اعادة المعدوم، آنهم تصوروا وظنوا أن لازم القول بعدم إمکان إعادة المعدوم هو نفي المعاد ، وان استحالة تکرر المعدوم يستلزم إنکار المعاد و الحشر والنشر الجسمانيين، وذلک أن المعاد الجسماني عبارة عن اعادة المعدوم بعينه، والحق کما سيأتي ان لا علاقة للمعاد بمسألة اعادة المعدوم، وذلک أن الموت ليس عدماً، والميت لا ينعدم، ولا ينعدم الإنسان بالموت بل ينتقل من نشأة الي اخري ومن دار الدنيا إلي دار الآخرة والعقبي وقد وردت في هذا المعني وهذه الحقيقة آيات و روايات يصعب حصرها فلتطلب من مظانّها، إذ حقيقة الإنسان هي روحه وروحه باقية خالدة ستعود الي الجسد من جديد يوم ينفخ في الصور نفخة ثانية. وحتّي يرتفع اللبس و تندفع الشبهة عن المتکلمين بادر الفلاسفة الي البحث عن هذا الأمر، وقد اورد المولي صدر المتألهين من مقدمة في أسفاره حول مسألة اعادة المعدوم وان اعادة المعدوم تعني اعادة الوجود و تکرره، وتکرر الوجود محال، ثم حمل في القول المأثور عن العرفاء وهو انّه «لا تکرار في التجلي» أو «ان الله تعالي لا يتجلّي في صورة مرتين» حمل هذا القول علي معني استحالة تکرر الوجود وهو ما نحن الآن بصدد البحث عنه ، ثم أن العلامة أخذ عنوان هذا الفصل من تلک المقدمة فسمّاه «ان لا تکرّر في الوجود»، واورد مطالب تلک المقدمة بنحو أوضح ممّا هي عليه هناک ، فيقول من بناء اًعلي ما تقدم من قاعدة « الوجود مساوق للتشخُص» لا وجود متشخصاً يحتاج في تشخصّه إلي شيء آخر غيره ، لأن الوجود متشخّصّ بذاته، وإنما الماهيات الکلية هي التي تتشخص في کنف الوجود، وبناء اًعلي هذه القاعدة کلما کان وجود کان تشخُّص، فاذا قلنا ان الموجود وجودان. أحدهما موجود في زمان حتي إذا انتهي هذا الوجود، جاء زمان آخر فظهر وجود جديد لذلک الموجود، مثل زيد موجود في هذا الزمن، ثم ينعدم، وبعد انقضاء هذه الفترة الزمنية يوجد زيد جديد في زمن آخر، وحتي لو افترضنا الوجودين في زمان واحد، لزم کون الموجود ذا وجودين، وهو يستلزم کونه ذا تشخصين، إذ کلما کان الوجود کان الشخص لا يقبلان الانفکاک ، ولو قلنا أن للشيء تشخصين أي انّه شخصان لا شخص واحد، وکونه شخصين اثنين يقتضي کونه موجودين اثنين - أي موجودين بوجودين منفصلين مستقلين - والحال أننا قد افترضناه موجوداً واحداً ذا وجودين، وهو يستلزم التناقض، والحاصل ثبت استحالة کون الموجود الواحد ذا وجودين، بهذا الدليل والبرهان. الدليل الثاني : أنّا لو قلنا أن وجودين اثنين متشابهان من جميع الجهات، لاستلزم من تشابههما من جميع الجهات عدم الامتياز بينهما، ولازم کونهما وجودين أن يکونا متسايرين ولو بواسطة أمر واحد أي يتميزان ولو من جهة واحدة، ولازم تمايزهما کون أحدهما ذا وصف أو خصوصية زائدة عن الآخر وهکذا العکس، ولازم کون کل منهما ذا وصف خاص، عدم کونهما متشابهين من جميع الجهات، ففرض کونهما وجودين متشابهين من جميع الجهات يستلزم التناقض أيضأ، فلا يکون الموجود الواحد ذا وجودين متشابهين من جميع الجهات. هذه مقدمة للفصل الخامس وهو عبارة عن مسألة اعادة المعدوم.

ص: 176

کلّ موجود في الأعيان فإنّ هويته العينّية وجودهُ علي ما تقدّم - من أصالة الوجود - والهويّة العينّية تأبي بذاته الصدق علي کثيرين، وهو التشخصّ، فالشخصيّة للوجود بذاته . فلو فرض لموجوډ وجودان کانت هوّيته العينية الواحدة کثيرةً وهي واحدة ، هذا محال (1)

ص: 177


1- ليس للموجود الواحد اکثر من وجود واحد، وذلک أن (کل موجود في الأعيان) الخارجية ، بناءاً علي أصالة الوجود (فإن هويته العينية عبارة عن وجوده في الخارج (علي ما تقدم) في الفصل الثاني من هذه المرحلة (من أصالة الوجود والهوية العينية تأبي بذاته الصدق علي کثيرين) فالشيء الواحد حقيقةً لا يمکن أن يصدق علي کثيرين، بل لا يقبل الصدق علي شيء، إذ الصدق من أوصاف المفاهيم والهوية العينية نقابل المفهوم، نعم المفهوم يقبل الصدق واما التشخص فلا، (و) عدم القابلية للصدق علي کثيرين وأبائه بذانّه الصدق کذلک (هو التشخص) فالتشخص هو الاباء الذاتي للصدق ولهذا (فالشخصية) والتشخص (للوجود بذاته) والتشخص للوجود ذاتاً ، أي ذاتي للوجود، وحيئية الوجود عين حسينية التشخص، فالتشخص بذاته للوجود، وکل شيء إنما يتشخص بالوجود، وبناءاً علي هذه المقدمة نقول : فلو فرض لموجود وجودان) بأن يکون الموجود متحققاً من جديد ومتکرراًبعد انعدامه، لو فرضنا هذا (کانت هويته العينية الواحدة کثيراً وهي واحدة) أي لازم هذا القول أن تکون الهوية العينية لهذا الواحد أو الهوية العينية الواحدة - کثيراً حال کونه واحداً - حال کونها واحداً- فيکون الشيء الواحد مع حفظ وحدته کثيرة، وهو عبارة عن کون الشيء الواحد حال کونه واحداً أن لا يکون واحداً بل اکثر من شيء، وهو تناقض واجتماع للنقيضين وهذا الاجتماع (محال).

وبمثل البيان يتبيّن استحالة وجود مثلَين من جميع الجهات، لأنّ لازِمَ فرض مثلَين اثنين التمايزُ بينهما بالضرورة، ولازِمَ فرض التماثل من کلَّ جهةٍ عدمُ التمايز بينهما، وفي ذلک أجتماع النقيضين ، هذا محالُ (1)

وبالجملة من الممتنع أن يوجَد موجودُ واحد بأکثر من وجودٍ واحدٍ، سواءُ کان الوجودان - مثلاً - واقعين في زمانٍ واحدٍد من غير تخلّل العدم بينهما أو منفصلين يتخلّل العدم بينهما. فالمحذور - و هو لزوم العينيّة مع فرض الإثنينّية في الصورتين - سواءُ (2)

ص: 178


1- (وبمثل البيان الذي تقدم عن استحالة صدق الهوية العينية علي کثيرين (يتبين استحالة وجود مثلين من جميع الجهات...الخ) وذلک أن التکثر فرع التمايز ، ومع انعدام التمايز يستحيل التکثر والتعدد بل مع عدم الميز يلزم الوحدة المحضة لا الکثرة (ولازم التماثل من کل جهة عدم التمايز بينهما) فيلزم وجود التمايز بينهما وعدم التمايز بينهما في آني وأحدٍ وفي ذلک القول بوجود الميز وعدم وجوده اللازمين للتشخص والصدق علي کثيرين اجتماع النقيضين) و (هذا الاجتماع (محال) بالضرورة.
2- (وبالجملة) يقابله في الجملة ومعني في الجملة کون المسألة اجمالية غير تحقيقية وغير ثابتة علي الدوام کما نقول اجمالاً، أما بالجملة فمعناه التحقيق علي کل حال وهي من القواعد الثابتة (من الممتنع أن يوجد موجود واحد بأکثر من وجود واحد، سواء کان الوجودان - مثلاً - واقعين في زمان واحد من غير تخلل العدم) الزماني (بينهما أو کانا منفصلين) بأن ( يتخلل العدم) الزماني (بينهما، فالمحذور) والفاء هنا للنتيجة، أي النتيجة واحدة علي کل حال، فالمحذور (- وهو لزوم العينية) والتشخص والوحدة (مع فرض الاثنينية في کلا الصور نين) - مع التخلل وعدمه (سواء ) لا فرق بين الصورتين . والحاصل أنه أراد تشبيه مسألة اعادة المعدوم بمسألة اجتماع المثلين وکما أن اجتماع المثلين محال لاقتضائه التناقض بلزوم عدم کون الواحد واحدة رغم وحدته وبعبارة أخري کون الواحد اثنين أو أکثر رغم وحدته، فإنّ اعادة المعدوم محال لنفس السبب والغرضالاثنينية في کلا الصور نين) - مع التخلل وعدمه (سواء ) لا فرق بين الصورتين . والحاصل أنه أراد تشبيه مسألة اعادة المعدوم بمسألة اجتماع المثلين وکما أن اجتماع المثلين محال لاقتضائه التناقض بلزوم عدم کون الواحد واحداً رغم وحدته وبعبارة أخري کون الواحد اثنين أو أکثر رغم وحدته، فإنّ اعادة المعدوم محال لنفس السبب والغرض

والقول ب « أنّ الوجود الثاني متميّزُ من الأوّل بأنّه مسبوقُ بالعدم بعدً الوجود بخلاف الأوّل ، وهذا کافٍ في تصحيح الإثنينيّة ، وغير مضرًّ بالعينّية لأنّه تُميّز بعدم». مردودُ بأنّ العدم بطلانُ محضُ لا کثرةً فيه ولا تميّزَ، وليس فيه ذات متّصفةُ بالعدم يلحقها وجودُ بعد ارتفاع وصفه. فقد تقدم أن ذلک کلّه اعتبارُ عقليُّ بمعونة الوهم الذي يضيف العدم إلي الملکة ، فيتعدد العدم ويتکثّر بتکثّر الملکات. وحقيقة کون الشيء مسبوقَ الوجود بعدمٍ وما ملحوقَ الوجود به - وبالجملة إحاطةُ العدم به من قبلُ ومن بعدُ اختصاصُ وجودِهِ بظرفي من ظروفي الواقع وقصوره عن الإنبساط علي سائر الظروف من الأعيان، لا أنّ للشيء وجوداً واقعّياً في ظرفٍ من ظروفِ الواقع وللعدم تقرّرُ واقع منبسطُ علي سائر الظروف ربّما ورد علي الوجود فدفعه عن مستقرّه واستقرّ هو فيه، فإنّ فيه إعطاء الأصالة للعدم واجتماع النقيضين(1)

ص: 179


1- حاول بعض المتکلمين انکار التشابه بين مسألتي اعادة المعدوم واجتماع المثلين وهو في الواقع نفيُ القاعدة عدم التکرُّر، وذلک هرباً من الوقوع في محذور أهم - علي حدّ زعمهم - وهو لزوم انکار المعاد الجسماني، فحاولوا توجيه ذلک بادّعاء التمايز بين القاعدتين والمسألتين وقالوا: لا مانع من فرض وجودين متشابهين من جميع الجهات رغم کونهما متمايزين في الوقت ذاته ، قالوا: انا نفترض ان وجوداً حصل في ظرف زماني معين ثم انعدم، هذا الوجود الأول مسبوق بعدم زماني، أي لم يکن ثم کان ووجد، لکن عدمه غير مسبوق بالعدم، فوجوده الأول کان موصوفاً بأنه مسبوق بالعدم فقط من غير أن يکون مسبوقاً بعدم، هذا العدم مسبوق بالعدم أيضاً، ثم تمضي فترة زمينة يکون الموجود فيه معدوماً، کما لو کان معدوماً يوم الجمعة، ثم وجد يوم السبت، وانعدم يوم الأحد، ثم عاد للوجود يوم الاثنين، فوجوده يوم الاثنين يختلف عن وجوده يوم السبت، إذ وجوده يوم السبت مسبوق بالعدم فقط، إما وجوده يوم الإثنين مسبوق بالعدم بعد الوجود، فالعدمان مختلفان، أحدهما عدم بعد الوجود والآخر ليس عدماً بعد الوجود، و نقول أن الفرق بين العد مين هو أن العدم الأول لم يکن مسبوقة بالوجود، لکن عدمه الثاني مسبوق بالوجود. وإنما ذهبوا الي هذا القول ليثبتوا أنّه رغم افتراضنا الوجود الواحد وجودين إلّا أننا في الوقت ذاته نجد عينية الوجود و تشخصه ووحدته محفوظة من غير تمايز و اختلاف، اما ما وقع بينهما من التمايز فهو يرجع الي عامل وأمر خارجي، وليس التمايز بذاتهما، إذ الوجود يوم السبت والوجود يوم الأحد، وجود واحد، وما بينهما من التمايز ليس نابعاً من ذاتهما، بل بسبب خارج عن ذاتهما وهو العدمان، فأعدامهما متمايزان مختلفان، إذ الوجود الأول عدمه غير مسبوق بالوجود، لکن الوجود الثاني عدمه مسبوق بوجود آخر، فالتمايز أصالة للأعدام، وإلا فلا فرق بين الوجودين، لأنهما مثلان من جميع الجهات، وبسبب الاختلاف الواقع بين العدمين يحصل تمايز بين الوجودين من غير أن تنثلم عينيتهما. والحاصل أن جواز اعادة المعدوم و تحقق موجود واحد في زمانين، أمر ممکن لا يحول دون وقوعه شيء وذلک أن الوجود الأول يختلف عن الوجود الثاني، فالوجودان متمايزان بعضهما عن بعض، وليس منشأ التمايز بينهما ذاتية هما، أي ليس نابعة من ذواتهما، بل منشأ . التمايز أمر خارجي، فلا منافاة بين تمايز الوجودين وبين عينيتهما وتشخصهما، فالتمايز عائد في الحقيقة الي العدمين أولاً وبالذات ويسري منهما إلي الوجود، فيتعدي العدم ليصل الي الوجود ويفرق ويميز بينهما- أعني بين الوجودين - فهو يميز الوجودين بعضهما عن بعض، فيميز الوجود الثاني عن الوجود الأول رغم کونه عين الوجود الأول، فهما متمايزان الا بالذات حال کونهما متحدين بالذات. واشار الي هذا بقوله ( طيب الله ثراه) : (والقول بأن الوجود الثاني متميز من الأول) والأفضل أن يقول «متميز عن الأول» حتي مع حمل «من» هنا بمعني «عن»، إذ هذا الاستعمال هنا غير مألوف عند أهل اللغة ، وقد أکثر (رحمه الله) من هذا الاستعمال في کتابه ، وهو علي کل حال غير مألوف فانتبه. هذا القول (مردودّ) والجواب عنه واضح بالرجوع إلي ما تقدم في مسألة تمايز الاعدام ، والتأمل فيه ، حيث قلنا أن العدم باطل بذاته هالک لا وجود ولا ثبوت ولا تشخص له ، إلا إذا اضيف إلي الوجود، وحينئذ بسبب ما يحصل له من الاضافة إلي الوجود، يتميز ، وهذا التمايز يکون للوجود بالاصالة وإنما ينسب إلي العدم تجوزاً، فإذا قايسنا عدمين، وقارناً بينهما لا نجد تمايزا بينهما بالأصالة والذات، وإنما يتمايزان من جهة إضافة أحدهما الي وجود ما، فإنه حينئذ يتمايز عن العدم المضاف الي وجود آخر، ثم إنکم افترضتم عدم التمايز بين الوجودين، وان التمايز للعدمين بالأصالة وأولاً وبالذات ، وإنما نسب إلي الوجودين بسبب العدمين لا بذات الوجودين - أي لا باقتضاء الوجودين - وقد أثبتنا کون تميز العدم بسبب الوجود لا العکس، وهذا تمايز وهمي أيضاً، لايصير سبباً لتمايز الوجود حقيقة بواسطة ما ينسب الي العدم، إذ لا ثبوت ولا شيئية للعدم، فکيف يمکن للوجود الحقيقي أن يتمايز بواسطة أمر اعتباري محض ؟؟ وجه المردودية (بأن العدم بطلان محض لاکثرة فيه ولا تميّز ) وکل کثرة و تمايز بلحظ فيهما، إنما تکون بواسطة الوجود لا بذات العدم فالتمايز للوجود أولاً وبالذات وينسب الي العدم ثانية وبالعرض، لکنهم توهموا أن للعدم نوع وجود و تشخص، وان للمعدوم ذاتا متصفة بالعدم، فيتم سلب صفة العدم من تلک الذات - أو نفقد تلک الذات صفة العدم - لتلبس ثوب الوجود و تتصف به في الايجاد الثاني وهکذا الثالث والرابع ...الخ (و) الحال أنه ليس فيه) أي في العدم (ذات متصفة بالعدم يلحقها وجود بعد ارتفاع وصفه) أي وصف العدم، فهو ليس عبارة عن شيء اسمه الذات وشيء آخر اسمه العدم، وقد اتصف الذات بذلک العدم، ثم فقد اتصافه بالعدمية، ليتصف بالوجود (فقد تقدم في الفصل السابق (ان ذلک) أي فرض الثبوت للعدم (کله اعتبار عقلي) محض (بمعونة الوهم الذي يضيف العدم الي الملکة) وذلک أن الوهم يضيف العدم الي آمور وجودية والي ذوات موجودة، فيعتبر العقل أن هذا الموجود معدوم فيتعدد العدم ويتکثر بتکثر الملکات والوجودات فيتصور العقل ويعتبر الموجود معدومة مرة بعد اخري فيتعدد العدم علي هذا الأساس ويتکثر بتکثر الوجودات المعتبرة بالعقل باستعانة من الوهم، وليس للاعتبار حد فلکل معتبر ان يعتبر ما يشاء، إذ فرض المحال ليس بمحال . وحقيقة کون الشيء مسبوق الوجود بعدم، وملحوق الوجود به) أي بعدم (وبالجملة) والحاصل أن (احاطة العدم به ) أي بوجود شيء (من قبل و من بعد) عبارة عن (اختصاص وجوده) أي وجود ذلک الشيء بزمن خاص (و بظرف زماني (من ظروف الواقع و) عبارة أيضا عن (قصوره) أي قصور ذلک الشيء - قصور وجود ذلک الشيء- (عن الانبساط علي سائر الظروف من الأعيان) فلا يسع لسائر الأزمنة وقادر عن بسط حدوده والاشتمال علي سائر الأزمنة فإن وجود شيء في مدة معينة وفترة محدوده ، مثل وجود زبد من عام 1000 ه الي عام 1080 ه، يعني أن وجوده محدود في دائرة هذه الاعوام الثمانين ومختص بها، وليس له انبساط أکبر من هذا الحد المعين ليتسع أکثر من هذه الفترة فلا يشمل قبل هذه الفترة ولا بعدها، (لا أن للشيء) الواحد (وجوداًواقعياً في ظرفٍ )زماني (من ظروف الواقع) وأيضاً (للعدم تقرُّر) و ثبوت (واقع منبسط علي سائر الظروف) فيکون لکل ذات وجود و عدم شامل لسائر الأزمنة (ربّما ورد) هذا العدم (علي الوجود فدفعه عن مستقره) و محلّه الخاص به (واستقرّ هو) أي العدم (فيه) أي في زمان استقراره، (فإن) والفاء للسببية أي السبب أن فيه) أي بناء علي هذا يرد اشکال هام وهو (اعطاء الاصالة) حينئذ (للعدم) وأن له نحو ثبوت (و) هو محال، لأنه (اجتماع النقيضين) إذ العدم والثبوت - الوجود - متناقضان فلا يمکن اجتماعهما في شيء واحد في آن واحد بکيفية واحدة.

ص: 180

ص: 181

والحاصل أن تميُّزُ الوجود الثاني تميز وهميُّ لايوجب تميّزاً حقيقيّاً. ولو

أوجَبَ ذلک أوجَبَ البينونة بين الوجودين وبطلت العينيّة(1)

والقولُ ب «انّه لِمَ لا يجوز أن يوجِد الموجد شيئاً ، ثمّ يعدم وله بشخصه صورةُ علميّةُ عنده أو عند بعض المباديء العالية، ثم يوجد ثانياً علي ما علم، فيستحفظ الوحدة والعينّية بين الوجودين بالصورة العلمية ؟» يدفعُه أنّ الوجود الثاني کيفما فُرِضَ وجودُ بعد وجودٍ، وغيريّته وبينونته للوجود الأول بما أنه بعدَه ضروريُّ، ولا تجتمع العينيّة والغيريّة البتّة (2)

ص: 182


1- (والحاصل) المستفاد (ان تميز الوجود الثاني) عن الوجود الأول بعد العدم (تميزُ وهمُي) يعتبره العقل ليس إلا و(لا يوجب هذا التميز الوهمي ( تميزاً حقيقياً) للوجود الثاني عن الوجود الاول کولو اوجب ذلک) بأن سلمنا وتنزلنا وقبلنا الدعوي بکون التميز الثاني حقيقياً لا اعتبارياً (أوجب البينونة) فإن هذا التميز الحقيقي يوجب الانفکاک والبينونة (بين الوجودين) الاول والثاني (وبطلت العينية) التي زعمها القوم، فلا يکون الوجود. الثاني عين الوجود الأول، والا وقع محذور اجتماع النقيضين أيضاً، فانتبه.
2- (والقول) وهو قول جماعة علي عکس القول الأول وذلک بملاحظة الاتنينية للوجود الأول والوجود الثاني بالذات و تبرير وحدتهما - اتحادهما بسبب عامل خارجي، وحاصله أن لکل منهما ذات و وجود مستقلٍ لکنهما يتحدان بسبب عامل خارجي، فالقول (بأنه لِمَ لا يجوز أن يوجد الموجد شيئاً ، ثم يعدم ... الخ) فأراد هؤلاء نفي القول السابق ونفي القاعدة واثبات المدعي لکن بوجه آخر، وذلک با ثبات اجتماع المثلين أو الوجودين بنحو آخر، إذ حاول أصحاب القول الأول اثبات المدعي بالاعتماد علي العينية وان للوجودين عينية واحدة وإنما التمايز بينهما بسبب أمر خارجي لابذاتهما والأمر الخارجي هو العدم الذي في کل منهما، واما اصحاب هذا القول فانّهم يحاولون اثبات نفس المدعي خلافاً لاولئک بافتراض تعدد الوجودين ، فقالوا: نعم هذا الوجود غير ذاک الوجود أي ان بينهما تمايزاً واثنينية بذاتهما، وإنما عينيتهما حاصلة بسبب أمر خارجي هو الصورة العلمية التي لهما عند ذات الباري تبارک وتعالي علي سبيل المثال في عالم من العوالم، فالوجود الذي وجد في زمان ما صورته العلمية موجودة لدي ذات الواجب جل وعلا، والواجب تعالي يوجد ذاک الموجود بنفسه طبقأ للصور العلمية التي عنده تعالي من ذلک الموجود في زمن آخر، فهو هو ليس إلا، أي نفس تلک الصورة العلمية تنطبق علي هذا الموجود الثاني أيضاً. وبعبارة أُخري : فإن الوجود الأول حين کونه موجوداً ، کانت له صورة علمية لدي الواجب تبارک وتعالي، وتلک الصورة کانت تعکس هذا الموجود بعينه، ثم أن الواجب تعالي طبقا لما لديه من الصورة العلمية لذاک الموجود ، خلق وأوجد موجوداً تنطبق عليه نفس تلک الصورة، وأرادوا بقولهم الوجودان متشابهان من جميع الجهات وان احدهما عين الآخر، أن لهما صورة علمية واحدة عند الواجب تعالي، وإنما يتحدان بسبب تلک الصورة العلميةِ . فلم لا يجوز أن يوجد الموجد وهو الواجب تبارک وتعالي شيئاً ، (ثم يعدم) ذلک الشيء وله) أي لذلک المعدوم (صورة علمية عنده) أي عند الواجب تعالي (أو عند بعض المباديء العالية) کاللوح المحفوظ أو علمه تبارک وتعالي (ثم يوجد ذلک المعدوم (ثانياً علي) نفس (ما علم) قبل إنعدامه وزواله (فيستحفظ الوحدة والعينية بين الوجودين بالصورة العلمية التي عند الواجب تبارک وتعالي. (يدفعه) أي يدفع هذا القول (أن الوجود الثاني... الخ) لأن الوحدة التي في الصورة العلمية صفة حقيقية لتلک الصورة العلمية، فالصورة العلمية واحدة وهي لا تصير سبباً لوحدة متعلقاتها التي تنطبق عليها هذه الصفة للصورة العلمية بالأصالة، ومجرد انطباق هذه الصورة العلمية علي شيئين مختلفين ، لا يکون سبباً لتمايز وجودهما، بأن يتحد وجودهما ، فيصبحان شيئاً واحداً، نعم يمکن فرض ماهية واحدة تطبق علي فردين مثلاً، کالإنسان الذي يصدق علي زيد وعمرو في آني واحد، فهذه صورة علمية عقلية، ولا يستلزم منها وحدة وجود زبد وعمرو، بل لازم ذلک إتحاد ماهيتهما بالوحدة الماهوية التي هي من سنخ الوحدة الکلية، والکلام ليس عن هذا، بل هو في اتحاد وجودين بوجود واحد. والحاصل أن الوجود الثاني کيفما فرض وجود تابع لوجود آخر ولاحق له ، ولما کان کذلک لزم کوند مغايرة له علي کل حال ولما کان مغاير له ، استحال أن يکون نفسه وعينه - ولا يکون هو بعينه - لأن الغيرية والعينية أمران متقابلان والمتقابلان لا يجتمعان.

وهذا الذي تقرّر - من استحالة تکرر الوجود لشيء مع تخلّل العدم - هو المراد بقولهم: «إنّ إعادة المعدوم بعينه ممتنعة». وقد عدّ الشيخ امتناع إعادة المعدوم

ص: 183

بعينه ضروريّاً(1).

وقد أقاموا علي ذلک حججاً هي تنبيهات بناءً علي ضروريّة المسألة :

ومنها : أنّه لو جاز للموجود في زمان أن ينعدم زماناً، ثمّ يوجَد بعينه في زمانٍ آخر، لَزَمَ تخلل العدم بين الشيء ونفسه، وهو محالّ، لاستلزامه وجود الشيء في زمانين بينهما عدمُ متخلّل (2)

ومنها : أنّه لو جازت إعادة الشيء بعينه بعد انعدامه جاز إيجاد ما يماثله من جميع الوجوه ابتداء ، وهو محالّ . أمّا الملازمة : فلأن الشيء المعاد بعينه وما يماثله من جميع الوجوه مثلان، وحکم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحدُ. فلو جاز إيجاده بعينه ثانياً بنحو الأعادة جاز إيجاد مسئله ابتداءً. وأمّا استحالة اللازم : فلاستلزام اجتماع المثلين في الوجود عدَمَ التميّز بينهما، وهما إثنان متمايزان (3).

ص: 184


1- (وهذا الذي تقرر) بالبرهان السابق (- من استحالة تکرر الوجود لشيء مع تخلل العدم -) وان وجود شيء واحد لا يقبل التکرار، فلا يمکن للشيء الواحد أن يکون ذا وجودين سواء مع تخلّل العدم أي في زمانين مختلفين، أو بدون تخلّله أعني في زمان واحد، هذا هو المراد بقولهم) أي الفلاسفة (ان اعادة المعدوم بعينه ممتنعة) فإن القصد من هذه القاعدة هو استحالة أن يکون للشيء الواحد وجودان في زمانين مختلفين - وحتي في زماني واحد۔ وهذه مسألة غاية في الوضوح لبداهتها (وقد عدّ الشيخ الرئيس المرحوم ابن سينا هذه المسألة وهي (امتناع اعادة المعدوم بعيند ضرورياً) من ضرورات العقل لا تحتاج الي الدليل والبرهان کما في الفصل الخامس من المقالة الأولي من الهيات الشفاء والحاصل أن الحکماء اجمعوا علي امتناع اعادة المعدوم بعينه واستحالة تکرر الوجود الشيء مع تخلل العدم، وتبعهم في ذلک بعض المتکلمين وبعض الکرامية وبعض المعتزلة دون مشايخهم، فإنهم کالأشاعرة في جواز اعادة المعدوم بعينه.
2- بعض الأدلة : قوله (ومنها: ...) إلي قوله (لاستلزامه وجود الشيء في زمانين بينهما عدم متخلّل) الذي يستلزم تقدم الشيء علي نفسه تقدماً زمانياً وهو محال لعدم الفرق بين نقدم الشيء علي نفسه زماناً وتقدمه علي نفسه ذات ، فالتقدم الذاتي والتقدم الزماني للشيء علي نفسه محال وعلي حدّ سواء.
3- وحاصل الدليل الثاني : (ومنها.........الخ) أي من الأدلة (أنه لو جازت اعادة الشيء بعينه بعد انعدامه) هذه المقدمة الأولي (جاز ايجاد ما يماثله من جميع الوجوه ابتداءاً ) وهذه المقدمة الثانية ، (وهو) أي ايجاد ما يماثله الخ... محال)، فما وجه الملازمة بين المقدمتين وبين المطلبين ؟ (اما الملازمة....الخ) وذلک أن المعاد والمماثل مثلان وهناک قاعدة تقول: (حکم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد... الخ) فکل ما يجوز لّأحدهما لزم أن يجوز للآخر، وکل ما أستحال لأحدهما لزم أن يستحيل للآخر، والحاصل أنه لو جاز ايجاد المعاد واعادة الشيء بعينه، جاز وامکن ايجاد مماثل الشيء ابتداءاً . لا إعادة – أيضاً، لعدم الفرق بين المعاد والمماثل حينئذ. لعل سالاً يسأل : وما المانع من ذلک کله ؟ أنا لا نمنع الأمرين بل نقول بامکانّهما، فکما يجوز اعادة المعدوم بعينه ، يجوز إيجاد مماثله ، ولا نري وجهاً لاستحالة إيجاد المماثل ولا مانعاً من ذلک، بل ايجاد المماثل إبتداءاً الذي هو لازم جواز اعادة المعدوم ممکن لا يمنع من وقوعه شيء، وإلا فما وجاء استحالة اللازم ؟ الجواب : ( وإما استحالة اللازم: فلاستلزام) جواز ايجاد الممائل و (اجتماع المثلين في الوجود) هذا الأمر يستلزم (عدم التميز بينهما) أي بين المثلين کيف يکونان اثنين مع عدم الميز بينهما، وکيف تجتمع الوحدة والاثنينية في آني واحد، کيف يکونان مثلين متشابهين من جميع الوجوه (وهما إثنان متمايزان) ؟! أليس هذا يستلزم إجتماع النقيضين أي التماثل والتمايز والوحدة والتعدد، والتشابه والاختلاف، بخلاف السابق الذي کان محذوره عبارة عن اجتماع المثلين ؟!

ومنها : أنّ إعادة المعدوم بعينه توجب کون المُعاد هو المبتدأ ، لأنّ فرض العينية يوجب کون المُعاد هو المبتدأ ذاتاً وفي جميع الخصوصّيات المشخصّة حتي الزمان ، فيعود المُعاد مبتدأً وحيثيّة الإعادة عين حيثية الابتداء (1)

ومنها: أنّه لو جازت الإعادة لم يکن عدد العَود بالغ حدّاً معيّناً يقف عليه ، إذ لا فرق بين العودة الُأولي والثانية والثالثة وهکذا إلي ما لا نهاية له. کما لم يکن فرق بين المُعاد و المبتدأ ، و تعيّن العدد من لوازم وجود الشيء المتشخصّ (2)

ص: 185


1- (ومنها.....الخ) وهو أشکال اعادة المعاد مبتدء وکونه هو هو بعينه ، ( فيعود المعاد مبتدءاً ) وبينهما تباين، (و) هکذا تعود (حيثية الإعادة عين حيثية الابتداء) والحال أن الحيثيتين متباينتان، وحيثية الابتداء تقابل حيثية الاعادة.
2- (ومنها...... الخ) وحاصله اننا بناء علي هذا لو وجدنا شيئاً معاداً لا نقدر علي تحديده و تعيين عدده أهو المعاد الأول أو الثاني أو الثالث أو العاشر أو الألف، وهکذا، لکونها متشابهة من جميع الوجوه، والشيء ما لم يتشخص لم يوجد، وکيف يکون متشخصاً، ما هو مبهمّ من جهة العدد؟! (و) الحال ان تعين العدد من لوازم وجود الشيء المتشخص).

وذهب جمعُ من المتکلّمين - نظراً إلي أنّ المَعاد الذي نطقَت به الشرائع الحقة إعادةُ للمعدوم - إلي جواز الإعادة. واستدلّوا عليه بأنه لو امتنَعت إعادة المعدوم بعينه لکان ذلک إما لماهيّته أو لأمر لازم لماهيته ، ولو کان کذلک لم يوجد ابتداءً ، أو الأمرٍ مفارق فيزول الامتناع بزواله (1).

ورُدَّ بأنّ الإمتناع لأمرٍ لازم لوجوده لا لماهيّته(2)

وأما ما نطقَت به الشرائع الحقّة فالحشر والمعاد إنتقالُ من نشأة إلي نشأة

أخري وليس إيجاداً بعد الإعدام.

ص: 186


1- (وذهب جمع غفير بل جمهور (من المتکلمين) کما في الجزء الأول من الأسفار ومنهم التفتازاني ، ذهبوا جميعا الي جواز إعادة المعدوم بعينه وذلک نظرا إلي أن المعاد... الخ)، واستدلوا عليه) أي علي حد زعمهم هذا، (بأنه لو امتنعت اعادة المعدوم بعينه لکان) هذا الامتناع منحصرة في اسباب ثلاثة لا رابع لها و(ذلک) الامتناع اما ان يکون الماهيّته) أي الماهية الممتنع وان ماهيته تقتضي الامتناع، (أو لأمر لازم لماهيّته) هذان سيبان ذاتيان (ولو کان کذلک ) أي لماهيته أو للازم ماهيته (لم يوجد ابتداء) لأن الماهية ولازمها غير قابلة للانفکاک عن الشيء، لکونهما ذا تبين للشيء، (او لأمر مفارق) خارج من ذاته منفک عنه وهو الأمر والسبب الثالث وهو غير ذاتي للشيء، فلو کان سبب امتناع اعادة الشيء أمراً خارجة عن ذات الشيء عارضاً له (فيزول الامتناع) الحاصل للاعادة (بزواله) أي بزوال المانع الخارجي، لأن المانع الخارجي عرضي قابل للزوال
2- (ورُد) هذا المدعي کما في الأسفار (بأن الامتناع الخ...) وحاصله ان حصر الموانع والاسباب التي بها يمتنع اعادة المعدوم، في الأمور والاسباب الثلاثة الآنفة ، باطل وخطاً محض لأن هناک سبباً رابعاً هو کون (الامتناع الأمر لازم لوجوده لا لماهيته) لمزيد من المعلومات انظر شرح التجريد، إذ مع اعادة الشيء، کان الوجود الثاني للمعاد عين وجوده الأول، فالمعاد عين المبتدأ، وکذلک کان المعاد مغايرة للمبتدأ، إذ الوجود الثاني غير الوجود الأول، وهو عبارة عن اجتماع النقيضين، فالوجود الثاني محال فضلا عن الوجودات الاکثر والأعلي، کالثالث والعاشر والألف وهکذا.نقرأ في هذا الفصل : 1- ينقسم الوجود الي المستقل والرابط . 2 - الوجود المستقل يسمي محمولية ونفسية أيضا. 3- الوجود المستقل هو الوجود في نفسه والثاني هو الوجود في غيره . 4- يلزم من صدق القضايا ومطابقتها للخارج أن يکون للربّط ما بازاء خارجي أيضا وهو المسمي بالوجود المرابطين 5- لما کان الوجود الرابط قائمة بالطرفين - بطرفيه - فلو کان طرفاه موجودين ذهنيين، کان ظرف تحقق الوجود الرابط هو الذهن. 6- ولو کان طرفاه موجودين في الخارج، کان ظرف وجود الرابط هو الخارج. 7- تحقق الوجود الرابط ، يوجب نحو اتحاد وجودي بين الطرفين. 8- لا رابط للقضايا الحملية بالحمل الأولي، ولا للهليات البسيطة لأنه لا معني لوجود الرابط و تحقق النسبة بين الشيء ونفسه. 9- لا معنا لتحقق الرابط العدمي، لأن العدم بطلان محض، ولا معني لقيام عدمي بعد مين أو قيامه بوجود و عدم 10- لا رابط للقضايا السالبة إلا باعتبار الذهن . 11- لا ماهية للوجودات الرابطة ، إذ ليس لها مفهوم مستقل ..

المرحلة الثانية

في الوجود المستقلّ والرابط

وفيها ثلاثة فصول

ص: 187

ص: 188

المرحلة الثانیة في الوجود المستقل و الرابط

الفصل الأول في انقسام الوجود إلي المستقل والرابط

(1)

ص: 189


1- هذا التقسيم تارة يکون عن حقيقة الوجود، وتارة أخري عن مفهوم الوجود، أما عن مفهوم الوجود، فإنا حين نقول انّه وجود رابط أو وجود محمولي، في الواقع هو تقسيم منطقي اللمفهوم، وهو ما يقال تارة أنه مفاد کان التامة ، ومفاد کان الناقصة، أو باصطلاح بعض المتکلمين انّه وجود مطلق، أو وجود مقيد ، الوجود المطلق هو مفاد کان التامة، والوجود المقيد مفاد کان الناقصة، وبعبارة أخري: هناک نوعان من القضايا الهلية ، هي الهلية البسيطة والهلية المرکبة ، فإن في الهلية البسيطة يکون المحمول هو الوجود فنقول مثلا «الإنسان موجود»، ونکون قد نسبنا الوجود الي الماهية نفسها ، بمعني أن ماهية الإنسان موجودة ، وتارة لا نقول هو موجود بل نريد اثبات شيء له، کأن نقول «الانسان ضاحک» فانا نريد اثبات الضحک للانسان، وهذه هي الهلية المرکبة، في الهلية المرکبة هناک مفهومان کل منهما يحکي عن شيء خارجي، فالانسان يحکي عن شيء خارجي، والضحک يحکي عن عرض خارجي ثم نتزع من الضحک مفهوماً انتزاعياً مشتقاً يحمل علي الإنسان بحمل هو هو، أو بنحو حمل ذو هو نقول الإنسان له الضحک، أو الإنسان ذو ضح، فالإنسان يحکي الإنسان الخارجي وضحکه حال عن ضحک خارجي، لکن هنا شيئاً آخر حا عن اتحاد المحمول مع الموضوع، أعني ان هذين المفهومين لهما مصداق خارجي برتبطان بأداة ربّط بين المحمول والموضوع بنوع من المفهوم، من غير أن يکون مفهوماً مستقلاً، بل هو مفهوم رابط من قبيل المعاني الحرفية، والاحرف والأفعال المساعدة في اللغة الانجليزية مثل (is) و (has) و (have) وما أشبه ، وقد يقال له وجود رابطي کما هو المتداول عند المتقدمين ، فإذا قلنا هذا الوجود اما رابطي - رابط - أو وجود محمولي ، انما نريد به أن الوجود قد يستعمل في القضية بوجهين، احدهما يدل علي الکون التام، مثل «الإنسان موجود» هذا الوجود وقع محمولاً أي له معني مستقل، ويمکن تصوره مستقلاً وادرا که باستقلال، والآخر هو الوجود الرابط بين مفهومين مستقلين ، وهو الکون الناقص، أو الوجود الرابط ، مثل «کان زيد ضاحکاً»، وقد قال المولي صدر المتألهين (قده) آن اطلاق الوجود علي هذين النوعين من الوجود بنحو من الاشتراک اللفظي أو الاشتراک العرفي، أي أن اطلاق الوجود عليهما لا يراد به الوجود بمعني واحد بل بمعني الوجود الرابط وهو المعني الحرفي، والمعني المحمولي في الهليات البسيطة، فهو ذو معني مستقل، ليس بين المستقل والرابط جهة مشترکاً لأنهما سنخان من المفاهيم، ثم ان المحشين علي کلام صدر المتألهين اختلفوا في توجيه کلام المولي صدرا واصراره هناک علي أن مفهوم الوجود مشترک معنوي لا لفظي ، وادعائه هنا بکونه مشترکاً لفظياً، والحق أنه أراد هناک الوجود المحمولي علي انّه مشترک معنوي ، والبحث عن الاشتراک اللفظي أو المعنوي للوجود محله الوجود المحمولي، واما استعمال الوجود أحيانا بمعني الرابط فهو اصطلاح منطقي خارج عن نطاق المباحث الفلسفية ، والحق مع المرحوم صدر المتألهين أن الاشتراک هنا لفظي. ومما وقع الخلط فيه بين المسائل الفلسفية والمنطقية هو قولهم ان الوجود الذي يقع في الهلية البسيطة بقولنا «الانسان موجود»، حا عن وجود خارجي، فالوجود الخارجي المحکي عن مفهوم «موجود» يکون وجود اًمحمولياً ، والحال أن الاصطلاح لا يناسبه، إذ الحقيقة لا تقع محمولاً، بل ينبغي التعبير عنها بالمستقل أو الوجود النفسي، وقد يستعمل اطلاق محمولي له وهو انّه المحکي عن المحمول الذي يستعمل في الهلية البسيطة ، وذاک الوجود، وجود محمولي في الهلية البسيطة باعتبار أنه مفهوم يقع في المحمول ، قالوا بما انّه يحکي ذاک، فإن وجوده محمولي، وهذا خلط بين الاصطلاح المنطقي والاصطلاح الفلسفي، والطامة أنهم أرادوا باثبات الوجود الرابط في القضية - وهو مفهوم حرفي -، اثبات وجود رابط في الخارج أيضاً ، ونفس هذا المطلب - أعني وجود الرابط في القضية - اعتبرود دليلا علي أن في متن الوجود الخارجي، نوع وجود هو الوجود الرابط وهو خلط بين المصطلحين ، ولو أدرکنا أن الوجود الرابطي المستعمل في القضية عبارة عن شيء آخر ، الانتقي هذا الزعم الباطل وارتفع اللبس، وحتي علي فرض ثبوت الوجود الرابط في الخارج فليس يصح الاستدلال عليه بهذا، ثم أن صدر المتألهين و عبّر عن رابط القضايا، بالرابط ، وعن الوجود الرابطي الخارجي، بالوجود الرابطي، وذلک لدفع وازالة هذا الخلط وإنما حمله علي ذلک توجيهات استاذه المرحوم المير الداماد في کتابه «الافق المبين». . إذن هناک ثلاثة أنواع من الوجودات الرابطية، أحدها الرابط في القضايا، والثاني الوجود الرابطي المصطلح لدي کافة الفلاسفة کوجود الأعراض بالنسبة الي الجواهر، وقد يقال له الوجود الناعت أيضاً وهو الوجود للغير، وأطلق عليه الوجود الرابطي، ويطلق علي الرابط في القضايا بالوجود الرابط بالاصطلاح المنطقي، وهناک وجود رابط بالاصطلاح الفلسفي، هو وجود المعلول بالنسبة الي علته المفيضة، فهناک ثلاثة أنواع من الوجود الرابط أو الرابطي، اطلق علي نوعين منها الوجود الرابط أحدهما الرابط في القضايا والآخر وجود العلة بالنسبة الي المعلول الذي اعتبروه رابطاً ، والثالث هو الوجود الرابطي الذي للغير کوجود الاعراض للجواهر وما أورده المصنّف : هنا بمقتضي المقام ينبغي أن يکون عن حقيقة الوجود، حيث اننا نريد أن نقسم الوجود الخارجي إلي الوجود المستقل والوجود الرابط ، فما المراد من الوجود الرابط ؟ المراد من الوجود الرابط ، الوجود الذي لا استقلالية له بذاته بل متقوم بعلته، ويستثني من ذلک وجود الواجب تبارک وتعالي، لأنه غير معلول لشيء فهو مستقل بتمام الذات والمعني، بل کل الأشياء بالنسبة اليه رابطة من غير أن يکون رابطا بالنسبة الي شيء - سبحانّه و تعالي علواً کبيراً -

ص: 190

ينقسم الموجود إلي ما وجوده في نفسه ونسمّيه : «الوجود المستقلّ والمحموليّ» أو «النفسي»، وما وجوده في غيره ونسمّية : «الوجود الرابط». وذلک أنّ هناک قضايا خارجيّةً تنطبق بموضوعاتها ومحمولاتها علي الخارج، کقولنا :

ص: 191

«زيد قائم» و «الإنسان ضاحک» مثلاً ، وأيضاً مرکّبات تقييديّةً مأخوذة من هذه القضايا ، کقيام زيد وضحک الإنسان، نجد فيها بين أطرافها - من الأمر الذي نسميه نسبه وربّطة - ما لا نجده في الموضوع وحده ولا في المحمول وحده ولا بين الموضوع وغير المحمول ولا بين المحمول وغير الموضوع، فهناک أمر موجود وراءَ الموضوع والمحمول(1)

وليس منفصلَ الات عن الطرفَين بحيث يکون ثالثَهما ومفارقاً لهما کمفارقة أحدهما الآخر، وإلا احتاج إلي رابطٍ يربطه بالموضوع ورابط آخر يربّطه بالمحمول، فکان المفروضُ ثلاثة خمسةً، واحتاج الخمسة إلي أربّعة روابط أخَر وصارت تسعةً وهلمّ جرّاً ، فتسلسل أجزاء القضية أو المرکّب إلي غير النهاية ، وهي محصورة بين حاصَرين، هذا محالُ. فهو إذن موجودُ في الطرفَين قائمُ بهما، بمعني ما ليس بخارج منهما من غير أن يکون عينَهما أو جزء َهما أو عينَ أحدهما أو جزءه، ولا أن ينفصل منهما ؛ والطرفان اللذان وجوده فيهما هما بخلافه. فثبت أنّ من الموجود ما وجوده في نفسه وهو «المستقلّ»، ومنه ما وجوده في غيره وهو

الرابط » (2)

ص: 192


1- قوله . (وذلک) أي الدليل علي هذه التقسيمة الثنائية أو الثلاثية للوجود بهذا الاعتبار ان هناک قضايا خارجية تنطبق بموضوعاتها ومحمولاتها علي الخارج) أي أن الموضوعاتها و محمولاتها مصاديق خارجية. قوله : (کقيام زيد وضحک الإنسان) فانّها تحتوي علي الموضوع والمحمول والمضاف والمضافي إليه ، واضف الي ذلک أنا (نجد فيها) أي في هذه القضايا والمرکبات الخارجية المأخوذة والمنتزعة من القضايا الخارجية، فنجد فيها و(بين أطرافها - من الأمر الذي نسميه نسبةً وربّطاً - ما لا نجده....... الخ) وهذا الأمر الموجود وراء الموضوع والمحمول، مثلاً في قولنا: «زيد قائم» هناک شيء آخر وراء زيد وقائم، وهو ربّط القيام بزيد، قائم بالموضوع وهو زيد وبالقيام وهو المحمول.
2- (و) رغم وجود هذا الرابط مع الموضوع والمحمول وفي کنفهما وبهما نجده اليس منفصل الذات عن الطرفين بحيث يکون شيئاً آخر اجنبياً مستقلاً الي جانبهما ويعد ( ثالثهما ومفارقاً لهما کمفارقة أحدهما) أي أحد الموضوع والمحمول (الآخر) فإن المحمول مستقل عن الموضوع وهکذا العکس لکل منهما وجود بذاته (والا) إذا کان وجود، ثالثا مستقلاً مفارقاً للموضوع والمحمول (احتاج الي رابط يربّطه بالموضوع و رابط آخر يربّطه بالمحمول، فکان المفروض) کونه ( ثلاثة) اعني مکوناً و مؤلفاً من الموضوع والمحمول والرابط ، أصبح بهذا الاعتبار (خمسة) ولو کان کذلک حيث أعتبر الرابط وجوداً مستقلاً، کان الخمسة وهي الموضوع والمحمول والرابط ، و رابط ثاني يربّط بين الرابط الاول و الموضوع ورابط ثالث يربّط بين الأول والمحمول، حصل لدينا خمسة وجودات مستقلة ، وهي بحاجة الي أدوات ربّط تربّط بينها (واحتاج الخمسة الي أربّعة روابط أخُر) تربّط بين الموضوع والرابط الثاني، والموضوع والرابط الثالث - کما تربّط بين المحمول والرابط الثاني والمحمول والرابط الثالث فرأبط ربّط بين الموضوع والربّط الثاني و رابط ربّط بين الموضوع والرابط الثالث و رابط ربّط بين المحمول والرابط الثاني، ورابط ربّط بين المحمول والرابط الثالث، ولما کان الرابط مستقلا فهذه اربّع وجودات مستقلة إلي جانب خمسة کانت من قبل (وصارت) من حيث المجموع (تسعةً، وهلمّ جرّا) إذ تسعة وجودات مستقلة تحتاج إلي سبعة روابط وهکذا يستمر الأمر إلي ما لا نهاية. والحاصل أنا لو افترضنا للرابط مفهوماً مستقلاً صارت لدينا ثلاثة مفاهيم مستقلة هي الإنسان والضاحک والرابط ، والقضية لا تتألف الا من الموضوع والمحمول والرابط بينهما، يکون واسطة بينها، فاذا کان الرابط مفهوماً مستقلاً لا يمکن تأليف قضية منها الا بواسطة رابطين يربّط بين الموضوع والرابط من جهة وبين المحمول والرابط من جهة أخري، ولو کانت الوسائط مفاهيم مستقلة أيضاً، صار المجموع خمسة مفاهيم مستقلة، لا يمکن تأليف القضية منها الا بروابط ووسائط اربّعة ، ولو کانت هذه الوسائط والروابط مستقلة أيضاً کما في الفرض، جري فيها الکلام کما في سابقتها، وهکذا الي ما لا نهاية. تحصل من ذلک أن کل مفهومين لکي تتألف منهما قضية واحدة، لابد من وجود رابط غير مستقل مندک فيهما قائم بهما، يربّط بينهما، وإلا فتحتاج الي روابط إلي ما لا نهاية (فيتسلسل) بذلک (اجزاء القضية أو المرکب الي غير النهاية) ويلزم منه التسلسل في أجزاء القضية، والتسلسل ممتنع محال، بينما يجب أن تکون اجزاء القضية محصورة محدودة ، وکيف لا نهاية لها (وهي) أي اجزاء القضية يجب أن تکون (محصورة بين حاصرين) و محدودة بين حدين حد الابتداء وحد الانتهاء، فإن هذا الادعاء وهو التسلسل في أجزاءالقضية أمر ممتنع (محال).

ص: 193

وقد ظهر ممّا تقدم أنّ معني توسط النسبة بين الطرفَين کونُ وجودِها قائماً

بالطرفين رابطاً بينهما.

ويتفرّع عليه أُمور:

الأوّل : أن الوعاء الذي يتحقّق فيه الوجود الرابط هو الوعاء الذي يتحقّق فيه وجود طرفَيه ، سواءُ کان الوعاء المذکور هو الخارج أو الذهن ؛ وذلک لما في طباع الوجود الرابط من کونه غير خارج من وجود طرفَيه ؛ فوعاء وجود کلّ منهما هو بعينه وعاء وجوده ، فالنسبة الخارجيّة إنّما تتحقّق بين طرفَين خارجييَّن، والنسبة الذهنّية إنّما بين طرفَين ذهنَّيين . والضابط أن وجود الطرفَين مسانخ لوجود النسبة الدائرة بينهما وبالعکس (1)

الثاني: أنّ تحقُّقَ الوجود الرابط بين الطرفين يوجب نحواً من الاتّحاد

ص: 194


1- (ويتفرع عليه) أي علي انقسام الوجود الي المستقل والرابط وان معني توسط النسبة بينهما کون وجودها قائمة بهما رابطة بينهما (أمور): (الأول) وحاصله انّه لو کانت هذه القضية حاکية عن ثبوت أمر ذهني لأمر ذهني آخر، الزم کون الرابط فيها ذهنية أيضا، وان کانت حاکية عن محمول خارجي لموضوع خارجي، فالرابط يحکي عن الرابطة والعلقة الخارجية بينهما، وأما قوله : (والضابط) والقاعدة الکلية ان وجود الطرفين) أي الموضوع والمحمول (مسانخ) ومماثل (لوجود النسبة الدائرة بينهما) أي لوجود الرابط الذي بين الموضوع والمحمول (و) هکذا (بالعکس) فإن وجود النسبة مسانخ أيضاً لوجود طرفيها، أعني أن وجود الرابط مسانخ لوجود الموضوع والمحمول أيضاً ، فالملازمة من الطرفين، بحيث کون الموضوع والمحمول من سنخ الوجود الذهني الذي وعاؤه الذهن يستلزم کون الرابط ذهنياً، وکون الرابط من سنخ الوجود الذهني يستلزم کون الموضوع والمحمول ذهنيين أيضاً ، کما أن کون الموضوع والمحمول من سنخ الوحود الخارجي يستلزم کون الرابط خارجياً، وکون الرابط من سنخ الوجود الخارجي يستلزم کون الموضوع والمحمول خارجيين. فانّهم .

الوجوديّ بينهما ؛ وذلک لِما أنّه متحقّقّ فيهما غيرُ متميّزِ الذّات منهما، ولا خارج منهما . فوحدته الشخصّية تقضي بنحو من الاتّحاد بينهما، سواءُ کان هناک حمل کما في القضايا أو لم يکن کغيرها من المرکبات ؛ فجميع هذه الموارد لا يخلو من ضربٍ من الإتّحاد(1)

الثالث : أنّ القضايا المشتملة علي الحمل الأوّليّ ، کقولنا: «الإنسان إنسان» ، لا رابط فيها إلّا بحسب الاعتبار الذهني فقط. وکذا الهليّات البسيطة، کقولنا: الإنسان موجود»، إذ لا معني لتحقّقِ النسبةِ الرابطةِ بين الشيء ونفسه (2)

ص: 195


1- «الثاني» قوله : (وذلک) دليل وجود نحو من الاتحاد بين الموضوع والمحمول (لما أنه) أي بسبب ان الرابط وجوده غيري لا نفسي (متحقق فيهما) أي في الموضوع والمحمول قائم بهما (غير متميز الذات منهما) أي ليس الرابط خارجاً عن ذات الموضوع والمحمول بل أمر مندک فيهما، فهو وجود واحد متحقق في طرفيه أي ذو وحدة شخصية (فوحدته الشخصية) هذه (تقضي بنحو من الاتحاد بينهما) أي بين الموضوع والمحمول، لاستحالة تحقق الشيء في أمرين مختلفين من جميع الوجوه و منفصلين عن بعضهما بتمام الذات (سواء کان هناک حمل کما في القضايا) مثل «زيد قائم» و «عمرو ضاحک»، (أو لم يکن هناک حمل بين الموضوع والمحمول (کغيرها) اي کغير القضايا من المرکبات الخالية من الحمل مثل «قيام زبد» و «ضحک الإنسان» و «جلوس عمرو».
2- استنتج المصنف من هذه المبحث مطلباً آخر، نبدؤه بهذه المقدمة : وقع الخلاف في عدد أجزاء القضية فقال المنطقيون أن أجزائها ثلاثة أو أربّعة، من غير فرق بين القضايا، وقالت الفلاسفة بالتفصيل حيث قالوا: ان بعض القضايا تتألف من أربّعة أجزاء وبعضها يتألف من ثلاثة، أو بعضها من ثلاثة أجزاء وبعضها من جزئين، من جملة ذلک في الهلية البسيطة ، قالوا أن القضية تتألف من الموضوع والمحمول فقط من دون الرابط بينهما، وقالوا عن القضايا السالبة أن فيها سلب النسبة لا إثبات النسبة السلبية ، وکيف کان فالقضية بما انّها من الأمور المنطقية لا معني لها بدون النسبة ولا يمکن تصورها من دونها، إذ لو جمعنا ألفا بل آلافاً من المفاهيم المستقلة ورتبناها جنباً إلي جنب لا تعطينا قضية منطقية واحدة ، إلا إذا أتينا بالرابط ، فإنه الکفيل بتأليف القضايا من الموضوعات والمحمولات المستقلة ، وان کان الرابط في حد ذاته مجرد إعتبار ذهني ليس إلا. الثالث : أن القضايا المشتملة علي الحمل الأولي) و تدل علي اتحاد الموضوع والمحمول مفهوماً لا نسبة شيء آخر الي الموضوع خارج عن حقيقة الموضوع (کقولنا :) في قضية («الانسان انسان») فانّها قضايا (لا رابط فيها الا بحسب الاعتبار الذهني فقط . (وکذا) الحکم في (الهليات البسيطة) وهي القضايا التي تشير الي اصل تحقق الشيء ووجوده، وتدل عليه، (کقولنا: «الانسان موجود») فانّها من سنخ القضايا التي لا رابط لها او فيها (إذ) طرفا القضية أعني الموضوع والمحمول فيها شيء واحد ولا معني لتحقق النسبة بين الشيء و نفسه). حقيقة وإلا بحسب الاعتبار الذهني يمکن تصور النسبة بين الشيء ونفسه بنحو من الأنحاء.

الرابع : أنّ العدم لا يتحقّق منه رابطُ ، إذ لا شيئّةَ له ولا تميُّزَ فيه. ولازِمُهُ أنّ القضايا الموجبة التي أحد طرفَيها أو کلاهما العدم کقولنا: «زيد معدوم» و «شريک الباريء معدوم» لا عدمَ رابطاً فيها ، إذ لا معني لقيام عدم بعدمَين أو بوجودٍ وعدمٍ ، ولا شيئّة له ولا تميز فيه ، اللهمّ إلّا بحسب الاعتبار الذهنيّ.

ونظيرتها القضايا السالبة ، کقولنا: «ليس الإنسان بحجر»، فلا عدَم رابطاً فيها

إلا بحسب الاعتبار الذهني.

الخامس : أنّ الوجودات الرابطة لا ماهيّةَ لها، لأن الماهيات هي المقولة في جواب ما هو، فهي مستقلّة بالمفهوميّة، والوجودات الرابطة لا مفهوم لها مستقلّاً بالمفهوميّة (1)

ص: 196


1- (الخامس... الخ) وحاصله ان الماهية لا تتحقق إلا لشيء يمکن تصوره مستقلاً لقيامه بنفسه ، ثم السؤال عن ماهيته، وحمل مفهوم حاک عن ماهيته، عليه ، وهذا لا يتم إلا إذا کان للشيء مفهوم مستقل، فالوجودات الرابطة لا ماهية لها.نقرأ في هذا الفصل : 1- ليس اختلاف الوجود الرابط والمستقل اختلاف نوعية بحيث لا يقبل المفهوم غير المستقل التبديل إلي مفهوم مستقل. 2- استقلال او عدم استقلال مفهوم ما، تابع للوجود الذي يکون منشأ انتزاع ذلک المفهوم. 3- وجود الرابط المعلولي قائم بطرف واحد. 4- وجودات النسب والاضافات قائمة بطرفين . 5- ينحصر الوجود المستقل في وجود الواجب - تبارک وتعالي - وما عداه وجودات رابطية ليس الا.

الفصل الثاني في کيفية اختلاف الوجود الرابط والمستقلّ

(1)

ص: 197


1- اعلم أن هناک نوعين من مفاهيم الوجود، أحدهما المفهوم المستقل للوجود، والآخر هو المفهوم غير المستقل - الرابط ، أما المرحوم العلامة فقد أورد ذلک حول حقيقة الوجود بقوله الوجود علي قسمين: الوجود الرابط ، والوجود المستقل، قاصدا أن الوجود العيني علي قسمين أي أن هناک وجوداً خارجيّاً مستقلاً، ووجوداً خارجياً غير مستقل - أو رابط - کالنّسب والاضافات القائم وجودها بطرفي النسبة والأضافة، وبناءاً علي ذلک يطرح سؤالاً حول الاختلاف الواقع بين هذين الوجودين - أو هذين القسمين من الوجود العيني ، هل هو اختلاف نوعي أم لا؟، والمراد من الاختلاف النوعي، کون وجود الرابط مثلاً هي النَّسب والاضافات أو وجود المعلول بالنسبة الي علته المفيضة ؟ ثم أن هذا النوع من الوجود يعد مع الوجودات المستقلة سنخاً واحداً من الوجود؟ ام انّهما مختلفان ؟ أن قلنا بأنهما نوعان مختلفان، لا نستطيع أن نبدل أي وجود رابط بنحو من الانحاء الي وجود مستقل، أو تنظر اليه نظرة استقلالية ، إذ کلما لاحظنا وجود الرابط لزم ادرا که بعنوان الرابط، ولا يقبل التبديل إلي وجود استقلالي، وان کان ذلک بلحاظ العقل واعتباره . واما ان قلنا باتحادهما نوعا ، فللعقل أن ينظر الي کل وجود رابطٍ نظرة استقلالية وقادر علي ادرا که باستقلال، وبناءاً علي ارادة هذا المفهوم الخاص يمکن الاجابة عن هذا السؤال بوجهين : 1أن نقول بأن الوجودات الرابطة لا يمکن لحاظها بصورة مستقلة.2- أو القول بامکان لحاظها مستقلة ، والمرحوم المؤلف أختار القول الثاني، وهو ان کل وجود رابط في الخارج يمکن لحاظه لحاظاً إستقلالياً وادرا که مستقلاً، ويسمّي بتبدل وجود الرابط الي الوجود المستقل، بدليل أن کل وجود معلول في الخارج لاشک إنه رابط بالنسبة الي العلة - علته - لکن هذه الوجودات الرابطة - المعلولة - للعقل أن يدرکها ويلحظها مستقلة عن علتها - عللها - وينتزع منها ماهية، فإن لم يقدر العقل علي لحاظ تلک الوجودات المعلولة باستقلالها عن عللها، وعجز عن لحاظها مستقلة ، بل اضطر الي لحاظها رابطة ، لم ينتزع منها أية ماهية وذلک أن الوجود الرابط لا ماهية له - علي ما تقدم في الفصل السابق - والوجودات المعلولة جميعها وجودات رابطة في الخارج بالنسبة إلي الواجب تبارک وتعالي، فينبغي أن لا يکون لها ماهيات واجاب بما مضمونه وحاصله : نعم آن لاحظناها بعنوان کونها رابطة فلا ماهية لها، لکن العقل قادر علي لحاظها - أي لحاظ کل واحد من هذه الوجودات الرابطة - مستقلة، وان ينتزع منها ماهية ، إذ لا شک اننا نقدر علي لحاظ المعني الحرفي مثلاً، لحاظاً استقلالياً - باستقلال - فحين نقول (من) للابتداء، فإن معناه الابتداء، وهو معني اسمي جعلناه تفسيراً المعني (من)، وهو دال علي اننا لا حظناها مستقلة، وعليه فکما يمکن لحاظ المعاني الحرفية باللحاظ الاستقلالي، کذلک يمکن لحاظ الوجودات الحرفية الرابطة باللحاظ الاستقلالي، وادراکها مستقلة عن عللها وحيئية العلاقة بينها وبين عللها، وذلک أننا حين ندرک الإنسان لا نجد ارتباطأ بالعلة في مفهوم الإنسان، وهو دليل علي امکان ادراک وجود الإنسان مستقلاً عن حيثية ارتباطه بالعلة، إذ وجوده الخارجي عين الربّط بالعلة، وإذا أدرک ذاک الوجود حقيقة ، فانّه يدرک بصورة الربّط بالعلة، کما هو متصور في العلم الحضوري ، فللعقل أن يدرک وجود الرابط بصورة وجود مستقل، وفي هذا اللحاظ ينتزع الماهية من ذاک الوجود المستقل.

هل الإختلاف بين الوجود المستقلّ والرابط إختلافُ نوعي أو لا؟ بمعني أنّ الوجود الرابط وهو ذو معنيً تعلقيًّ هل يجوز أن ينسلخ عن هذا الشأن فيعود معنيً مستقلّاً بتوجيه الالتفات إليه مستقلّاً بعد ما کان ذا معنيً حرفيًّ أولا يجوز ؟(1)

ص: 198


1- (هل الاختلاف بين الوجود المستقل والوجود الرابط اختلاف نوعي ؟) وقد قدمنا أن المؤلف اراد من الوجود المستقل والرابطة الوجود الحقيقي، لا المفهوم الذي تطرق اليه صدر المتألهين ليا ، فالمراد هو الوجود العيني الرابط لا مفهومهما. فهل يجوز للوجود الرابط الذي هو في الحقيقة ذو معني ارتباطي و تعلقي بطرفيه ، أعني الموضوع والمحمول، أن ينسلخ عن هذا الشأن، وهو المعني التعلقي (فيعود معني مستقلاً يمکن لحاظه مستقلاً دون حاجة الي الأول : أن المفهوم في استقلاله بالمفهومية وعدم استقلاله تابع لوجوده الذي ينتزع منه، وليس له من نفسه إلا الإبهام . فحدود الجواهر والأعراض ماهيات ارتباطه بعلته ، وذلک بتوجيه الالتفات إليه) بأفکارنا وعقولنا (مستقلاً) عن علته (بعد ما کان هذا الوجود الرابط (ذا معنيً حرفيًّ) هل يجوز هذا (اولا يجوز؟).

الحقّ هو الثاني، لما سيأتي في أبحاث العلّة والمعلول(1)أن حاجةَ المعلول إلي العلّة مستقرة في ذاته ؛ ولازِمُ ذلک أن يکون عينَ الحاجة وقائم الذات بوجود العلّة لا استقلالَ له دونها بوج؛ ؛ ومقتضي ذلک أن يکون وجود کلّ معلول - سواء کان جوهراًأو عرضاً - موجوداً في نفسه رابطاً بالنظر إلي علّته ، وإن کان بالنظر إلي

نفسه وبمقايسة بعضه إلي بعض جوهراً أو عرضاً موجوداً في نفسه.

فتقرّر أنّ اختلاف الوجود الرابط والمستقلّ ليس اختلافاً نوعيّاً بأن لا يقبل المفهومُ غيرُ المستقلّ الذي ينتزع من الرابط المتبدَّلَ إلي المفهوم المستقلّ المنتزع من المستقلّ (2)

ويتفرع علي ما تقدّم أُمور:

الاوّ:ل انّ المفهوم في استقلاله بالمفهوميّة وعدم استقلاله تابعّ لوجوده الذي ينتزع منه ليس له من نفسه الّا الابهام فحدود الجواهر والأعراض، ماهيّاتّ

ص: 199


1- (والحق هو الثاني) اي عدم الجواز ، فلا يجوز أن ينسلخ عن معناه التعلقي المحض الي معني استقلالي (لما سيأتي في ابحاث العلة والمعلول) في الفصل الخامس من المرحلة الثامنة (أن حاجة المعلول....الخ). والحاصل أن المعلول يفتقر إلي علته افتقاراً ذاتياً ، غير قابل للانفکاک عنها، قائم بها وجوداً واستمراراً، ووجوده وجود ربّطي تعلقي بالنسبة إلي وجود علته، ولهذا فإن جميع الموجودات معلولة للعلة التامة وهي علة العلل أعني الواجب تبارک وتعالي، ووجودها جميعا وجود رابطي بالنسبة إلي خالقها جل وعلا، إلا أن ذلک لا يمنع من امکان تصورها ولحاظها في حد ذاتها لحاظاً استقلالياً من غير التفات إلي علتها عزوجل ويمکن بذلک انتزاع مفهوم مستقل منها.
2- (فتقرر) مما تقدّم (أن اختلاف الوجود الرابط والمستقل ليس اختلافاً نوعياً) إذ لو کان اختلافاً نوعياً ، لکان معناه (بأن لا يقبل المفهوم غير المستقل الذي ينتزع من الرابط...الخ...).

جوهريّةُ وعرضيِّةُ بقياس بعضها إلي بعض وبالنظر إلي أنفسها، وروابط وجوديّةُ بقياسها إلي المبدأ الأوّل (تبارک و تعالي)؛ وهي في أنفسها مع قطع النظر عن وجودها لا مستقلّة ولا رابطة (1).

ص: 200


1- (ويتفرع علي ما تقدم امور :) (الاول) : اننا بعد ما قلنا أن المفهوم المستقل و الرابط المنتزعان من الوجود الرابط ، فيهما قابلية التبدل - أعني تبدل المفهوم الرابط الي مفهوم مستقل بملاحظته استقلالاً، فنفس المفهوم عند لحاظه مطلقاً ، خالياً من خصوصية الاستقلال وخصوصية الربّط، لا يکون هذا المفهوم المطلق - مفهوماً مستقلاً ولا رابطاً ، بل يتوقف علي المصداق الذي انتزعنا منه هذا المفهوم، هل لاحظناه استقلالاً ومستقلاً؟ وعليه فالمفهوم المنتزع منه مفهوم استقلالي، أم لاحظناه - أي ذاک المصداق المنتزع من المفهوم - باعتبار کونه رابطاً؟ والحق کونه رابطاً في الواقع ، فالمفهوم المنتزع منه مفهوم رابط أيضاً، اما بقطع النظر عن هذين المفهومين ، فالمفهوم بنفسه وفي حد ذاته ليس رابطاً ولا مستقلاً، وحين نقول أن الوجود اما مستقل. أو رابط ، نريد أن لدينا مقسمة ذا قسمين، والمقسم فيهما الوجود، فيلحظ المقسم بالنسبة الي اقسامه لا بشرط، إذ لم يلحظ في نفس المقسم حيثية هذا القسم ولا حيئية ذاک القسم، وإنما ينقسم المقسم اليهما بضميمة خصوصية ما، فمثلا للانسان وجود، انتزعنا من هذا الوجود مفهومة، هذا المفهوم تارة يلاحظ بصورة قد استقل العقل في لحاظ ذاک الموجود الخارجي، لأنه لاحظه مستقلاً، فقد انتزعنا منه مفهوماً مستقلاً، ونقول الإنسان جوهر ذو ماهية خاصة ، وان لم نلحظه مستقلاً، فإن المفهوم الوحيد الذي يمکن انتزاعه منه هو مفهوم الرابط لا غير، ولا يمکن انتزاع معني مستقل منه، فالوجود المحمول عليهما يستبع لحاظنا للمصداق الخارجي باعتباره لحاظأ مستقلاً او رابطاً، فإن لاحظنا المصداق مستقلاً، فإن المفهوم المنتزع منه مفهوم مستقل، وأن لا حظنا الوجود بالمعني الحرفي والرابطي، فإن المفهوم المنتزع منه مفهوم رابطي، والا فإن المفهوم في حد ذاته - بقطع النظر عن لحاظنا واعتبارنا۔ لا يکون مستقلاً ولا رابطاً. ان المفهوم في استقلاله بالمفهومية وعدم استقلاله) بالمفهومية (تابع لوجوده الذي ينتزع منه) واما المفهوم في حد ذاته فليس بمستقل في المفهومية ولا غير مستقل فيها، (و) ذلک أن المفهوم (ليس له من نفسه الا الابهام). فلو نظرنا إلي الوجود الذي ينتزع منه المفهوم نظرة استقلالية ، کان المفهوم الذي يحصل منه وينتزع منه مفهوماً مستقلاً، وإذا نظرنا اليه نظرة رابطية - غير استقلالية - کان المفهوم المنتزع منه غير مستقل أيضاً. (فحدود الجواهر والأعراض، ماهيات جوهرية) أي حدود الجواهر ماهيات جوهرية (وعرضية) أي حدود الاعراض ماهيات عرضية ، وکل ماهية سواء جوهرية او عرضية فانّها مستقلة قائمة بنفسها او بغيرها وذلک بقياس بعضها بعض الجواهر الي بعض، وقياس بعض الأعراض الي بعض) فإن لها وجودات استقلالية ينتزع منها مفاهيم استقلالية - مستقلة -، وکذلک بالنظر إلي أنفسها) دون لحاظ رابطيتها (و) لکن نفس هذه الحدود (روابط وجودية) جوهرية أو عرضية بقياسها) أي تلک الوجودات الجوهرية والعرضية، (الي المبدأ الأول (تبارک و تعالي)...........الخ).

الثاني : أنّ من الوجودات الرابطة ما يقوم بطرفي واحډ کوجود المعلول بالقياس إلي علّته، کما أنّ منها ما يقوم بطرفَين کوجودات سائر النسب والإضافات (1)

الثالث : أن نشأة الوجود لا تتضمّن إلّا وجوداً واحداًمستقلاً هو الواجب

(عَزَّ إسمه)، والباقي روابطُ ونسبُ وإضافاتُ (2)

ص: 201


1- (الثاني: أن من الوجودات الرابطة ما يقوم بطرف واحد) کل ما تقدم کان عن الوجود الرابطي القائم بالطرفين ، کالرابط في القضايا، ولکن هناک وجودات رابطية قائمة بطرف واحد، هو وجود المعلول بالنسبة الي علته المفيضة، فالوجود الرابط علي نوعين : الرابط القائم بطرف والقائم بطرفين
2- (الثالث..الخ) بعدما تقدم أن کل وجود معلول، ربّط النسبة الي علته المفيضة، فإن الکون والکائنات بأجمعها عين الربّط بالنسبة الي الواجب تبارک و تعالي ، وإنما هناک وجود واحد ليس ربّطا بالنسبة إلي غيره مطلقاً ، وهو مستقل مطلق، لا يمکن لحاظه باللحاظ الربّطي إذ حقيقته عين الاستقلال، وکل ما عداه - تعالي - رابط بالنسبة اليه نقرأ في هذا الفصل : 1- ينقسم الموجود في نفسه الي الموجود لنفسه والموجود لغيره . 2- والموجود لغيره هو الوجود في نفسه الذي يطرد العدم عن ماهيته ويطرد عدم آخر عن غيره أيضا، کالعلم الذي يطرد العدم عن ماهيته وفي الوقت ذاته يطرد الجهل عن الجاهل أيضا 3- وجودات الأعراض والصور النوعية المنطبعة في المادة ، وجودات في نفسها لکنها الغيرها . أي وجودات نفسيه للغير - به وجود الاعراض من مراتب وجود الجواهر. ۔ لا ماهية الموجودات الناعتية بما انّها وجودات ناعتية، لأنها لا تطرد العدم عن ماهيتها ولا تطرده عن ماهية موضوعاتها. 6- الوجودات الناعتية تطرد العدم عن صفة من صفات موضوعاتها..

ص: 202

الفصل الثالث في إنقسام الوجود في نفسه

إلي ما لنفسه وما لغيره

(1)

ص: 203


1- بعد ما ثبت أن الوجود الخارجي علي قسمين ما في نفسه، وما في غيره، أي الوجود الذي هو عين الربّط ، والوجود المستقل - ثم تقسيم المستقل الي المستقل بالذات الذي يکون عين الاستقلال والمستقل الذي ليس کذلک بل يمکن لحاظه واعتباره مستقلاً -، وبعدما علمنا أن الوجود في غيره أيضاً قابل للّحاظ الاستقلالي، وفي هذا اللّحاظ تنتزع الماهيات من .. الوجودات، والحاصل أن الوجود في نفسه ينقسم إلي ما وجوده لنفسه وما وجوده لغيره، واما الوجود في غيره فلا قسمة له. اعلم أن الوجودات التي تنتزع منها صفة من الأوصاف ثم تُنسب الي شيء ما، تسمي بالوجود للغير، ومن أبرز مصاديقه، وجود الاعراض بالنسبة إلي الجواهر ، کما عند المشائين والاشراقيين جميعاً، وهو أن وجود الأعراض وجود رابطي، بمعني ان کل عرض يتحقق في جوهر ما، يشتق منه مفهوم في قالب الصفة - أي قالب وصفي - تنسب الي الموضوع الذي تحقق فيه ذاک العرض، کانتزاع مفهوم الأبيض من البياض وجعله صفة للجسم المعين فيقال هذا إنسان أبيض. هذا ما أجمعت عليه الفلاسفة من أن وجود الأعراض وجود رابطي، الا أن المشائين ذکروا مصداقاً ثانية للوجود المرابطي، هو الصور الجوهرية المنطبعة في المبدأ، والصور الجوهرية عند المشائين عبارة عن جواهر، فصورة الإنسان جوهر، وصورة النبات جوهر وهکذا، وسيأتي الحديث عنه في باب الماهيات ان شاء الله تعالي، ثم أن هذه الصورة عندهم منطبعة في المبدأ، أي صورة الجسم لا تتحقق إلا ضمن المادة التي تحل فيها، والصورة بدون المادة غير قابلة للتحقق ، عبروا عنه بالانطباع، قالوا هذه الصورة الجوهرية منطبعة في هذه المادة، والصورة النباتية منطبعة في مادة النبات وهکذا... ثم ان هذه الصور بعد تحققها تستي المادة التي انطبعت فيها تلک الصور، صورة أيضاً، فمثلاً، الصورة الحيوانية بعد تحققها ضمن المادة، تکون الصورة الحيوانية بنفسها حيّة - أي لها حياة - والمادة التي انطبعت فيها هذه الصورة تصير حية - توصف بالحياة - أيضاً، فإن هذه الصورة حية وتلک المادة حية - أي موصوفة بالحي -، وفي النبات تکون الصورة نباتيه والجسم ناميا، مع أن المادة وهو الجسم کان قبل حلول الصورة فيه جامداً لا حياة له، هذه الأنواع من الصور المنطبعة في المادة تکون من قبيل الوجودات الرابطة، فبملاحظة تحقق هذه الوجودات من الأعراض والصور المنطبعة في المادة ، نعرف أن في العالم الخارجي، وجودة آخر يمنح الوصف لوجود آخر غيره، بمعني أنه يطرد عنه عدماً، فالجسم مثلاً لم يکن أبيض قبل حلول الصورة في المادة، ولکن بعد حلول الصورة فيها. وهي البياض - اتصف الجسم بالأبيض، وتم طرد عدم الأبيض عنه ، وهکذا سائر الأوصاف بحسب الوصف المنتزع من تلک الصورة، فالوصف تحقق من جهة تحقق البياض في هذا الجسم، وتحقق عرض في هذا الجوهر. ثم ان هذا الوصف الذي ظهر في المادة هل يطرد ماهية العدم من الجسم؟ بمعني أن الجسم لم يکن جسماً من قبل، ولم يکن هناک ما يسمي بماهية الجسم، فلما تحقق البياض في الجسم - للجسم - هل تتحقق ماهية الجسم، وتصير ماهية الجسم موجودة - متصفة بالوجود؟! بينما کانت ماهية الجسم موجودة قبل حلول وصف البياض فيها، وقبل تحققه لها، وکان وجودها الخاص طاردة للعدم عنها ؟! أم أن ماهية وصف الأبيض تطرد العدم عن ماهية البياض ؟ فما شأن صفة الأبيض هنا؟ وما هي الماهية التي توجدها و تحققها؟ الجواب : أنه لا شيء من الماهيات، بل هي مفهوم انتزاعي، تمنح المحل صفة انتزاعية وطردها للعدم إنما هو طرد لوصف انتزاعي معدوم، فاللا أبيض يصير أبيض واللا أبيض ليس بماهية، إذ الجسم هو الماهية ، والنبات هو الماهية، والجسم ماهية جوهرية والنبات ماهية عرضية ، وليس هناک ماهية أخري تسمّي الأسود، بل الأسود وصف انتزاعي. فالوجودات الرابطة أولاً: تسلب العدم عن ماهياتها، فتتصف ماهياتها بالوجود، وتکون موجودة، لکنها لا تسلب عن ماهياتها محالّها ، فماهية المحلّ وجدت بوجودها، والوجود الجوهري هو الذي يسلب العده عن ماهية الجوهر، هذه الأوصاف أيضاً لا تسلب العده عن ماهيات العرض ، فللعرض جوهر ، ووجود العرض هو الطارد للعدم عن ماهية العرض، لکن مع تحقق العرض في الجوهر يوجد وصف انتزاعي، ينسب إلي الموجود أن يوجد ماهية وليس هذا الوصف سوي وصف انتزاعي

ص: 204

ينقسم الموجود في نفسه إلي ما وجوده لنفسه وما وجوده لغيره . والمراد بکون وجود الشيء لغيره أن يکون وجوده في نفسه - وهو الوجود الذي يطرد عن ماهيّتِهِ العدمَ - هو بعينه طاردة للعدم عن شيءٍ آخر، لا لعدم ماهيّة ذلک الشيءٍ الآخر وذاته ، وإلا کانت الموجود واحد ماهيّتان، وهو محال ، بل لعدم زائد علي ماهيته وذاته ، له نوع من المقارنة له کالعلم الذي يطرد بوجوده العدمَ عن ماهيّتة نفسه، وهو بعينه يطرد الجهلَ الذي هو عدمُ مّا عن موضوعه (1)

ص: 205


1- (والمراد بکون وجود الشيء لغيره أن يکون وجوده في نفسه) إذا قلنا الشيء الکذائي وجوده لغيره، معناه أن وجوده في نفسه (- وهو الوجود الذي يطرد عن ماهيّته العدم -) وبالنتيجة في الحقيقة وجوده في نفسه، يلحظ لحاظاً استقلالياً لکنه رغم کون وجوده مستقلاً فإن وجوده لغيره، ثم أن وجوده في نفسه هو بعينه) يکون (طارداً للعدم عن شيء آخر) فمثلاً وجود «الف» يطرد العدم عن ماهية الف، وهو بعينه أي وجود الف بعينه يطرد العدم عن ماهية باء، أي الشيء الآخر لکن (لا) بمعني کونه طارداً (لعدم ماهية ذلک الشيء الآخر وذاته) ليس المراد هذا، (وإلا لو کان المراد هذا المعني (کانت الموجود واحد ماهيتان) هما ماهية هذا وماهية ذاک مثل ماهية الف وماهية باء معاً ، إذ الوجود الواحد علي هذا يکون وجود هذا وأيضاً وجود ذاک في آني واحد (وهو) أي کون الموجود الواحد ذا ماهيتين ماهية هذا وماهية ذاک، المقتضي لکونه ذا وجودين - إذ لابد لکل ماهية من وجود خاص به . أمر (محال) لا يمکن تحققه لاستلزامه اجتماع النقيضين وهو کون الشيء الواحد اثنين حال وحدته وکونه واحدة ولا واحدة، سؤال : لو کان الأمر کذلک، أعني کون الشيء طاردة للعدم عن شيء آخر، لا لعدم ماهية ذلک الشيء الآخر وذاته ، فلم يطرد العدم عن ماهية ذلک الشيء الآخر؟ والجواب : انّه نعم لا لعدم ماهيته وذاته بل لعدم زائر علي ماهيته وذاته) أي ماهية ذلک الشيء الآخر وذاته، وهذا العدم (له نوع من المقارنة له) أي لذلک الشيء الآخر. (کالعلم الذي يطرد بوجوده العدم عن ماهية نفسه) فالعلم يطرد العدم عن ماهيته وذاته ويمنع نفسه الوجود والتحقق (وهو) أي العلم ( يطرد الجهل الذي هو عدمّ ماعن موضوعه) والمراد أن العلم يطرد أيضاً صفة الجهل - وهو من الأوصاف العدمية - عن موضوعه المتصف به.

والحجّة علي تحقّق هذا القسم - أعني الوجود لغيره - وجودات الأعراض،

فإنّ کلّاً منها کما يطرد عن ماهيّة نفسه العدمَ يطرد عن موضوعه عدماً ما زائداً علي ذاته . وکذلک الصور النوعيّة المنطبعة، فإنّ لها نوعَ حصول لموادّها تطرد به عن موادها، لا عدمَ ذاتها، بل نقصاً جوهريّاً تکمل بطرده ، وهو المراد بکون وجود الشيء لغيره وناعتاً (1)

ص: 206


1- (والحجة علي تحقق هذا القسم - أعني الوجود لغيره ) ان الوجود لنفسه واضح کالحيوان والإنسان والبقر فانّها وجودات لنفسها، لا تطرد العدم عن شيء آخر، وان کانت تطرد العدم عن ماهياتها وذواتها، ولکن ما الدليل علي وجود «الوجود للغير» مثل (وجودات الاعراض) فانّها موجودة في الخارج لها خصائص ثلاث هي (فإن کلاُّ منها کما يطرد عن ماهية نفسه العدم) بعد ما يوجد، واضافة الي طرد العدم عن ماهيته فانّه (بطرد عن موضوعه عدماً ما) لکن لا يطرد عدم ماهية الموضوع بل عدماً (زائداًعلي ذاته) هذا اول مصداق الوجودات للغير الذي اتفق عليه المشائون والاشراقيون ، اما المصداق الثاني، الذي قال به المشاؤون وهکذا صدر المتألهين و واتباعه فهو (وکذلک الصور النوعية المنطبعة ، فإن لها نوع حصول الموادها) أي تحصل في المادة وصور الحصول للغير وبواسطة حالها من حصول للمادة تطرد به عن موادها) أي عن مواد الحصول ووجودها (لا عدم ذاتها، إذ عدم المادة طرد بواسطة نفس المادة وحصولها، فلا تطرد عدم ذاتها (بل) تطرد (نقصاً جوهرياً تکمل بطرده) فإن للمادة نقصاً جوهرياً ينطرد عند ظهور الصورة والمادة تکمل وتکتمل بطرد ذلک النقص الجوهري (وهو المراد بکون وجود الشيء لغيره وناعتاً). بأن يکون وجود الشيء بحيث يطرد العدم عن ذاته ، وکذلک يطرد العدم عن غيره، فهذا هو المقصود من الوجود لغيره والناعت للغير. والحاصل أن الدليل علي تحقق هذا القسم من الوجود باختصار: أولاً: ان وجود کل من هذه الأعراض کما يدفع عن ماهيّته العدم ويطرده ، کذلک يطرد عدماً آخر عن موضوعه، هو عدم زائد علي ذاته .ثانياً : وکذلک وجود الصور النوعية المنطبعة في المادة الصورة الحيوانية والصورة النباتية وما أشبه، فإن لها نوع حصول الموادها، وبواسطة هذا الحصول تطرد نوعاً من العدم عن موادها، وهذا العدم عبارة عن نقص جوهري في المادة، تکمل المادة بطرد ذلک النقص ، فالصورة النباتية مثلاً عندما تحلّ في مادة جامدة خالية من النّمو تمنحها النمو وتجعلها نامية، فتصير تلک المادة بما حصل لها من النّمو کاملة.

ويقابله ما کان وجوده طارداً للعدم عن ماهية نفسه فحسب، وهو الموجود

لنفسه، کالأنواع التامّة الجوهريّة کالإنسان والفرس وغيرهما.

فتقرّر أن الوجود في نفسه ينقسم إلي ما وجوده لنفسه وما وجوده لغيره .

وذلک هو المطلوب.

ويتبيّن بما مرّ أنّ وجود الأعراض من شؤون وجود الجواهر التي هي

موضوعاتها ، وکذلک وجود الصور المنطبعة غيرُ مباينٍ لوجود موادّها(1)

ويتبين به أيضا أن المفاهيم المنتزعة عن الوجودات التاعتة التي هي أوصاف

ص: 207


1- (ويتبين بما مرّ) يريد المؤلف ي أن يستنتج مما تقدم المطلب التالي: أن وجود العرض بعد تحققه يطرد عدماً عن موضوعه، ويمنحه وصفاً، وذکر احياناً ان الصور النوعية عند تحققها في المادة تطرد نقصاً جوهرياً من تلک المادة ، فتبين من ذلک أن الأعراض من شؤون الجواهر - أي وجود الجواهر، وان وجودها رابطي بالنسبة الي الجواهر، ولها نوع تعلق بوجود الجوهر، وقد قال به صدر المتألهين کما سيأتي - ان شاء الله تعالي - فأراد المؤلف اثباته هنا، وهو لا يفي باثبات ذلک، فتأمل، (وکذلک وجود الصور المنطبعة غير مباينة لوجود موادها) أراد أنه تبيّن بما مرّ أيضاً أن وجود الصورة المنطبعة غير مباينة بالنسبة للمادة ، وبينهما ضربّ من الاتحاد، وهذا أيضاً إعداد البحث آخر، هو أن ترکيب المادة والصورة ترکيب اتحادي لا ترکيب انضمامي، بينهما رابطة وجودية ، فکانت للموضوع مادة نقص تبدل النقص إلي نوع من الکمال ، فوجوده تکامل ومن ذلک تبيّن أن وجودهما متحد. ثم إننا قد اثبتنا نوعين من الوجود الرابطي في الوجود للغير، أحدهما: وجود الأعراض والثاني وجود الصور المنطبعة في المادة، ثم قال عن الأعراض انّها من شؤون الجواهر وان وجود الصور المنطبعة) في المادة (غير مباين لوجود موادها) التي انطبعت فيها. هذا ماتم اثباته حتي الآن وهو کل ما ذهب إليه المؤلف ب واستنتجة، الا ان فيه نظراً ينکشف بأدني تأمل.

الموضوعاتها ليست بماهيّات لها ولا لموضوعاتها ؛ وذلک لأنّ المفهوم المنترَع عن وجودٍ إنّما يکون ماهيّةً له إذا کان الوجود المنتزَع عنه يطرد عن نفسه العدم والوجود الناعت يطرد العدم لا عن نفس المفهوم المنتزَع عنه، مثلاً وجود السواد في نفسه يطرد العدَم عن نفسي السواد ، فالسواد ماهيّنه ، وأمّا هذا الوجود من حيث جعلِهِ الجسمَ أسودَ فليس يطرد عدماً، لا عن السواد في نفسه ولا عن ماهيّة الجسم المنعوت به، بل عن صفيةٍ يتّصف بها الجسم خارجةٍ عن ذاته (1)

ص: 208


1- (ويتبين به) أي بما مر (أيضاً أن المفاهيم المنتزعة عن الوجودات الناعته...الخ) أن المفاهيم العرضية لا مفهوم العرض، وهي المشتقات المنتزعة من الوجودات کالبياض الذي يشتق منه مفهوم الأبيض بعد حلوله في الجسم حيث يقع الأبيض وصفاً لذاک الجسم، هذا الأبيض يسمي مفهوماً عرضياً، ونفس البياض عرض من الأعراض، هذا الأبيض وهو المفهوم العرضي ليس مفهومأ ماهوياً، إذ الماهيات إما ماهية الجوهر - ماهيات جوهرية - أو ماهية العرض - ماهيات عرضية -، وليس هناک ماهية ثالثة تسمّي ماهية الأبيض - أي الماهية العرضية -، وماهية الجوهر هو الجسم، وماهية العرض هو الأبيض - البياض - مثلاً فإن تلک الماهيات المنتزعة کالابيض ليست بماهيات لنفسها ولا لموضوعاتها. (و) الحاصل أنه ( تبين أيضاً أن المفاهيم المنتزعة عن الوجودات الناعتة) کالقادر والعالم والأبيض والأسود وما اشبه من هذه الأوصاف والمفاهيم المشتقة المنتزعة عن الوجودات الناعته (التي هي المفاهيم المنتزعة هذه (أوصاف لموضوعاتها) ليست بمفاهيم ماهوية أعني أنها ليست بماهيات لها) أي لنفس الوجودات الناعتة التي انتزعت منها (ولا) بماهيات الموضوعاتها) أي موضوعات تلک الوجودات الناعتية ، فمفهوم الأبيض مثلاً المنتزع من وجود البياض ومفهوم العالم المنتزع من وجود العلم وقعت وصفا للجسم ولزيد. وليسا ماهيتين لوجود البياض والعلم، ولا ماهية لوجود الجسم و زيد، و