تفسير فاتحة الکتاب

اشارة

تفسير

فاتحة الکتاب

تأليف

العلّامة المفسّر آية الله السيّد حسين البروجردي قدس سره

تحقيق

الشيخ غلام رضا بن علي أکبر مولانا البروجردي

مؤسسة المعارف الاسلامية

ص:1

اشارة

هوية الکتاب: اسم الکتاب : ................. ............ تفسير فاتحة الکتاب .

تأليف : .............. العلّامة المفسّر آية الله السيّد حسين البروجردي ۔ قدس سره

تحقيق : ............... الشيخ غلام رضا بن علي أکبر مولانا البروجردي .

نشر : ...................... مؤسّسة المعارف الإسلامية .

الطبعة : ......................... الأولي 1423 ه. ق.

المطبعة :............ عترت .

العدد : ............ 500 نسخة.

شابک

964-7777-33-7

......................................ISBN

964 - 7777 - 33 .7 ...

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة المؤسسة المعارف الإسلاميّة

ايران - قم المقدّسة ص . ب37185/768 تلفون 7732009 - فاکس 7743701

E - mail : m_islamic@ayna.com

ص: 2

بسم الله الرحمان لرحيم

ص: 3

ص: 4

ترجمة المؤلف

العالم العامل ، والفاضل الکامل السيّد الجليل آية الله السيّد حسين البروجردي ابن السيّد محمد رضا ، ينتهي نسبه الشريف بستّ وعشرين واسطة إلي العالم الزاهد العابد المجاهد الشهيد زيد بن علي بن الحسين السجّاد عليه السلام .

والده السيّد محمّد رضا هو العالم العامل ، والفاضل الکامل من أکابر عصره وکان مجازاً من المحدّث الخبير ، والفقيه البصير السّيد عبد الله الشبر المتوفي سنة (1242 ه ) ، کما قال المؤلّف في «منظومته الرجالية»:

وابن الرضا الشبر ذو المحامد صّنف مکثراً أجاز والدي

ميلاده لسبع ليال بقين من شوال سنة (1238) کما في حواشي «نخبة المقال» للعّلامة النسّابة وشيخنا المجيز الفهّامة آية الله العظمي المرعشي قدس سره وصّرح به المترجم في منظومته حيث قال :

وابن الرضا مصنّف الکتاب أرشده الله إلي الصواب ومولدي (أخير في شوال) فاختم لي اللهمَّ بالکمال

ولا يخفي أنّ جملة (أخير من شوال) تنطبق من حيث العدد مع (1238) فعلي هذا ترديد صاحب «الأعيان» في ج26 ص 57 في ميلاده بين سنة (1228) و (1238) وقول صاحب «معجم المؤلّفين»: أنّ ميلاده في (1228) ليسا في محلّه،

ص: 5

وهکذا قول العلّامة آية الله المرعشي : إنّ ميلاده کان في رجب سنة (1228) کلّها خلاف ما صرّح به المترجم نفسه ، وخلاف ما قال المرعشي نفسه في مقام آخر کما تقدّم أنّ ميلاده کان لسبع ليال بقين من شوال المکرّم .

مشايخه وأساتذته

تلمذ علي جمع من أکابر علماء عصره في بروجرد ، والنجف الأشرف واستفاض من بحار علومهم إلي أنّ بلغ النهاية وإرتقي من حضيض التقليد إلي درجة سامية من الإجتهاد ، منهم :

ا- العلامة المحقّق الحاج مولي أسد البروجردي الشهير بحجّة الاسلام،

کان من أعاظم فضلاء عصره، ماهراً في الفقه والأصول، مصنّفاً فيهما، قرأ علي صاحب «القوانين» وتزوّج بابنته ورزق منها أولادأ فضلاء، توفي سنة (1271ھ)، ترجمت أحواله بالتفصيل في (تاريخ بروجرد ج2/ 318- 344).

2 - السيّد السند والحبر المعتمد، منبع الأسرار، ومطلع الأنّوار، کشّاف الآيات والأخبار السّيد جعفر الدارابي الکشفي البروجردي، کان من أعاظم علماء الإمامية متبحراً محقّقاًومفسراً مدقّقاً، جامعٍاً بين العلم والايمان، والذوق والعرفان، توفي

سنة (1267ه ) في بروجرد ودفن بها وقبره مزار الخاص والعام.

ترجمته بالتفصيل في (تاريخ بروجرد ج2 /272-306) . قال تلميذه المؤلّف في «منظومته الرجالية» في حرف الجيم : سيدنا الأصفي الجليل جعفر ابن أبي إسحاق المفسّر قد کان بدراً السماء العلم وبعد لمح (غاب نجم العلم) ٣ - العالم الرفيع، ذو الفضل والمقام المنيع ، آية الله الحاج السّيد محمد شفيع

ص: 6

البروجردي، کان في عصره من أکابر المجتهدين في الفروع والأصول، ومن أعاظم الجامعين للمعقول والمنقول، توفي سنة (1280 ه )، ترجمته في (تاريخ بروجرد ج2 /402 - 427) .

4 - العلامة الفقيه الشيخ حسن بن الشيخ جعفر کاشف الغطاء، کان من أجلّاء عصره، توفي بالعراق سنة (1262ه) ، وقد صّرح المترجم في منظومته الرجالية يتتلمذه عليه حيث قال :

وشيخنا ابن الشيخ جعفر حسن منه استفدنا برهةً من الزمن

ه - الفقيه الأصولي المحقّق المدقّق، الشيخ محمد حسين صاحب «الفصول»

توفي سنة (1261ه).

قال المترجم في «منظومته الرجالية»: أخو التقّي قدوة الفحول مصنّف «الفصول» في الأصول

6- رئيس الشيعة المحقّة، وحامي الشريعة الحقّة، إمام الفقهاء والمجتهدين، صاحب «الجواهر» الشيخ محمد حسن الذي انتهت اليه رئاسة المذهب الجعفرية في العرب والعجم، توفي سنة (1266ه)، وقد صّرح المترجم في «منظومته الرجالية» بتعلّمه لديه، حيث قال :

ثم محمد حسن بن الباقر شيخ جليل صاحب «الجواهر» منه استفدنا برهة مما سلف کان وفاته (علا أرض النجف)

کلمات العلماء في حقّه

قال معاصره العلّامة الفقيه الرجالي الحاج السيّد علي أصغر الجابلقي

البروجردي في «الطرائف» ج 1 / 44 ط ، قم:

ص: 7

السّيد حسين بن السيّد البروجردي کان عالماً جليلاً، وفقيهاً نبيلاً، مجتهداً في الأصول والفقه والرجال، بل التفسير، وغيرها من العلوم، في غاية الزهد من أحد تلامذة الوالد، وله منه إجازة له تصنيفات، إلا أنّ ما خرج هو المنظومة في الرجال .

وقال في ج 2 في الخاتمة / 693 في ضمن أسماء المؤلفين في الرجال:

ومنهم: السيّد السند، والرکن المعتمد، المولي المسدد، الأخ الروحاني والمحقق الصمداني، المؤيد بالتأييدات، مجمع الکمالات، ومنبع السعادات السيًّد حسين بن السيّد رضا الحسيني الهاشمي جعل الله الجنّة مثواه .

وهذا السيّد کان فاضلاً جليلاً، وعالماً نبيلاً ورعاً، کثير الاشتغال، متحرزاً عن الاشغال، مرجعاً للطلاب، ومتبوعاً لأولي الألباب، مطاعاً لغالب الأصحاب في بلدة بروجرد، مجتهداً صرفا، مع إطلاعه بالقواعد الرياضية والهيئة، وعلم الحساب وعلم التفسير، وعلوم الآداب جامعاً للفنون و حافظاً للرجال والدراية.

قد تلمذ عند الوالد الأستاذ العلّامة الفقه والأصول والرجال والدراية، فترقي من حضيض التقليد الي مراتب الاستنباط والاجتهاد، فاستجاز من الوالد طاب ثراه، فأجازه اجتهاداً ورواية کما هو دأب المشايخ والأساتيد حفظاً لاتصال الأسانيد وصوناً عن الإرسال والانقطاع.

وقد قرأ عند الفاضل المدقق والفقيه المحقق (1) کثيراً من المسائل الفقهية.

وعند السيّد السديد والعالم الرشيد سيد السادة وقدوة القادة ، بحر العلوم الزاخرة ، ذو الکرامات الباهرة ، المنقطع عن الدنيا الفانية ، المتوجه إلي الديار

الباقية (2)

ص:8


1- لعلّ المراد به المولي حجّة الاسلام الحاج ملّا أسد الله البروجردي
2- الظاهر أنّ المراد به هو السيّد السند والحبر المعتمد السيّد جعفر الکشفي البروجردي.

قال المدرس الميرزا محمد علي في «ريحانة الأدب» ج 1/ 252: ما تعريبه:

«البروجردي»: السيّد حسين بن السيّد رضا، فقيه کامل، عالم عامل، جليل نبيل، محدّث، مفسّر، أصولي رجالي، شاعر ماهر، من أکابر علماء الدين في القرن الثالث عشر، کان في الأصول والرجال من تلامذة الحاج السيّد محمد شفيع الجابلقي، وفي الحديث والتفسير ممّن أخذ عن السيّد جعفر الکشفي الدارابي، وإستفاض الفقه الجعفري من صاحب «الجواهر» والشيخ حسن کاشف الغطاء

وکان في عصره معدوداً من أکابر الفقهاء

ومن تأليفاته: «المستطرفات» في الکني والنسب والألقاب، و«نخبة المقال في علم الرجال» وهي منظومة في ذلک الفنّ الشريف مع وجازة اللفظ وإيجاز العبارات کانت في نهاية الفصاحة حاوية لتراجم جمع کثير من معاريف العلماء الديّنية، مضافا علي تراجم الرواة المشاهير.

وقال العلّامة المحدث الخبير والمؤرّخ البصير الحاج الشيخ عباس القمي رحمة الله عليه في «الفوائد الرضوية» ص 155: الحسين بن محمد رضا الحسيني البروجردي سيد جليل، عالم نبيل، شاعر فاضل مفسر ماهر، له في مدح أمير المؤمنين عليه السلام :

يا اصف المرتضي قد صرتّ في تيه هيهات هيهات ممّا قد تمنّيه هو الذي کان بيت الله مولّده وصاحب البيت أدري بالذي فيه

وفاته

في تاريخ وفاته إختلاف بين سنة (1276) کما ذکر کحّالة في «معجم المؤّلفين» ، وسنة (1277) کما قال المرعشي ، وسنة (1284ه) کما عن دهخدا

ص: 9

في «لغت نامه» ، وقيل في تاريخ وفاته :

بدر سماء العلم والرجال

و(نجم العلم غايب في الحال)

آثاره العلميّة

له آثار علمّية قيّمة ومؤلّفات ثمينة، منها:

1- «نخبة المقال في علم الرجال» منظومة رجالية وأُرجوزة عدّة أبياتها

1313 فرغ منها سنة (1260ه ) وقال في تاريخ وعدد أبياته:

عدّته (زُيَّنً بالغرايب) تاريخه (باسم الإمام الغايب)

(1313) (1260 )

طبعت في سنة (1313) بطهران، وطبع جزء منها مع توضيحات لآية الله

العظمي المرعشي قدس سرًّه سنة (1378) في قم.

ترک الناظم في «منظومته» المجاهيل، وجملة من العلماء المتأخرين، فتممها المولي علي بن عبد الله بن محمد بن محبّ الله بن محمد جعفر القراجه داغي التبريزي المتوفي سنة (1327 ه ) بمنظومة سمّاها «منتهي المقال في تتمة زبدة المقال» ثم شرح الأصل والتتمة بشرح سماه «بهجة الآمال في شرح زبدة المقال ومنتهي الآمال في علم الرجال» في خمس مجلدات، ثلاث منها في شرح منظومة السّيد، ومجلّدان في شرح التتمة وفرغ من الخامس في سنة (1318).

2 - المستطرفات في الکني والألقاب ومصطلحات المجلسي والفيض في

«البحار» و«الوافي» ، طبعت بضميمة «نخبة المقال»..

٣- تفسير سورة الأعلي، قرب 1300 بيت .

4 - تفسير آية النور.

ص: 10

5 - تعليقات علي قواعد استاذه السيد شفيع في الأصول.

6- ديوان شعر.

7- رسالة أصولّية في أنّ الأمر بشيء هل يقتضي النهي عن ضدّه أم لا؟

8- تعليقات تفسيرية علي تفسير البيضاوي.

9- مقياس الدراية في أحکام الولاية.

10 - اللّوامع

11- شرح «خلاصة الحساب» للشيخ بهاء الدين العاملي، کما صرّح به في الصراط المستقيم» عند تعريف علم الحساب وموضوعه، وهل الواحد من الأعداد أو لا، قال: وتمام البحث في هذا الباب يطلب من شرحنا علي «خلاصة الحساب»..

12 - الصراط المستقيم في تفسير الکتاب الکريم.

کلمة حول الصراط المستقيم

قال شيخنا المجيز العلّامة الخبير آية الله الشيخ آغا بزرک الطهراني رحمة الله

عليه في «الذريعة» ج 15/ 35:

الصراط المستقيم» في تفسير الکتاب الکريم للسيد حسين بن رضا

الحسيني الفاطمي العلوي البروجردي خرج منه ثلاث مجلدات ضخمات:

المجلد الأول في المقدمات المهمة التي مهّدها قبل الشروع في التفسير وهي

أربع عشر مقدمة.

والمجلد الثاني تفسير سورة الفاتحة شرع فيه في (15) من ذي القعدة سنة

(1271 ه) وانتهي الي الفرق المغضوب عليهم في مجلد ضخم

والمجلد الثالث في تفسير سورة البقرة، بدأ فيه في جمادي الثانية سنة

ص: 11

(1275 ه) وإنتهي إلي تفسير آية الکرسي ولم يتجاوز عنها .

أولاده

من اخلافه العالم العامل، والفاضل الکامل الحاج السّيد نور الدين، کان بعد

أبيه مورداً لتعظيم الناس وتکريمهم.

قال المحدث الخبير الحاج شيخ عباس القمي في الفوائد الرضوية ص 155: السيّد الزاهد المتقي الصالح الحاج السيد نور الدين بن السيد الجليل، العالم النبيل، المفسّر الماهر السيّد حسين بن محمد رضا الحسيني البروجردي توفي بالمدينة بعد مراجعته من مکة المکرمة.

خلّف السيد نور الدين السيد عبد الحسين النوري، کان عالماً عاملاً، وفاضاً

کاملاً ولد في سنة 128٦ ه وأخذ المباديء في بروجرد ورحل الي النجف للتحميل في الخمس والثلاثين من عمره، وتلمذ علي علماء النجف سيمّا آية الله العظمي الآخوند المولي کاظم الخراساني، وآية الله الکبري السيّد کاظم اليزدي قدس سره هما ثم رجع إلي بلده واشتغل بالتدريس، واستفاد من السراج الوهّاج، والبحر المواج آية الله العظمي البروجردي قدس سره . توفي عصر التاسع من المحرم سنة 1372 ه وخلف أحد عشر ولداً: ثلاثة أبناء وثماني بنات.

من أبنائه السيّد الجليل، والعالم النبيل السيّد محمد حسن النوري البروجردي تلمذ بالنجف علي علمائها الأفاضل واستفاض من بحار علومهم ثّم رجع الي ايران وأقام في طهران واشتغل بالإفاضة وفّقه الله لمراضيه.

والسيّد السند المتولّي المعتمد السيّد محمد النوري الّذي منًّ عليّ بجعل

التفسير في اختياري وطلب منّي تحقيقه وطبعه .

وثالتهم: السيّد الجليل السيّد حسين المهندس النوري وفقّهم الله جميعاً

المرضاته.

ص: 12

تمّت المقدّمة علي يد الحقير الفقير غلام رضا مولانا البروجردي في

جمادي الثانية سنة 1414 ه.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام علي سيّدنا محمد

وآله الطيبين الطاهرين

سورة الفاتحة

السورة في الأصل منقولة من سور المدينة، إلّا أنّها تجمع علي سُور بالسکون، وسورة القرآن علي سور بالفتح ، سميت لإحاطتها بطائفة من القرآن

إحاطة سور المدينة بها ، کذا قيل (1)

لکن لا يخفي أنّ السورة إسم لتلک الطائفة لا للمحيط بها.

فالوجه أنّ يقال : إنها أحاطت بجملة من الحقائق والمعارف واللطائف

إحاطة سور المدينة علي ما فيها بحيث يحفظها ويسترها ويکشف عنها.

أو من السورة التي هي الرتبة ، لترتبها وضعاً شرعياً أو جعلياً أو لترقي القاريء لها فيها أو بها إلي جزيل الثواب وحسن المآب، وتدرج المتخلق بها إلي مدارج القدس ومعارج الأنّس.

هذا کله إذا جعلت واوها أصلية، وإن جعلت مبدلةً من الهمزة فمن السؤر التي هي الفضلة والبقيّة والقطعة من الشيءٍ لأنّها إقتطعت من القرآن

ص: 13


1- قال الزبيدي في «تاج العروس» ج12/ 102ط الکويت : قال المصنف «صاحب القاموس» في «البصائر»: وقيل سميت سورة القرآن تشبيهاً بسور المدينة، لکونها محيطة بآيات وأحکام ، إحاطة السور بالمدينة .

الفوائد نشير إليها ، بل هي حقايق متأصلة ممتازة في أنّفسها مقطع کل منها عما سويها.

السورة في الإصطلاح

وعلي کل حال فالمراد بها شرعاً، لا متشرعاً، ولا عرفاً عاماً علي الأظهر ،

طائفة من القرآن مصدرة فيه بالبسملة أو براءة .

و نقض طرده بصدور السور، فزِيدَ : متصل آخرها فيه بإحديهما، فنقض عکسه بالسورة الأخيرة من القرآن، لعدم إتصالها بغيرها، فزيد: أو غير متصل فيه بشيء منه.

واعترض عليه شيخنا البهائي قدس سره (1)بانتفاض طرده ببعض سورة النمل

وبسورتين فصاعداً.

وقيل : إنها طائفة منه ذات ترجمة أي مسمّاة باسم مخصوص کسورة

الفاتحة وسورة الإخلاص ونحوهما.

و نقض طرده بآية الکرسي وآية السخرة ، ونحوهما .

وأجيب بأنّه مجرد إضافة لم يصل إلي حد التسمية والتغليب .

وفيه منع، نعم، ربما يراد بالترجمة ما يکتب في العنوان من إسم السورة

وعدد آيها اللذين جرت العادة بإثباتهما في المصاحف فيسلم الطرد.

قيل : ولا يظن انتقاض العکس حينئذ بالسورة قبل اعتياد الرسم إذ يکفي

صدق الرسم الآن علي ما قبل الرسم ؟..(2)

ص: 14


1- العروة الوثقي في تفسير الفاتحة للشيخ البهائي ، ص 3 .
2- قال الشيخ بهاء الدين في «العروة الوثقي» : وما يترائي من فساد العکس لعدم صدق الرسم حينئذ علي شيء من السور قبل اعتياد رسم الأمور المذکورة في المصاحف فمما لا يخفي وجه التفصي عنه

وربما يقيد الحّد المذکور بکون أقلها ثلاث آيات . ولعلّه للتنبيه علي خروج البسملة إشارة إلي الکوثر . وبالجملة فشيء مما ذکروه في المقام لا يخلو من شيء.

ومما يرد علي الجميع صدق کل منها علي کل من الضحي، وألم نشرح، وکل من الفيل، ولإيلاف، مع أنّ الأولين کالآخرين سورة واحدة ، کما ورد به الخبر عن أصحاب العصمة والطهارة، فيجري عليهما حکم الوحدة في الصلاة وفي النذر وغيرهما.

ولذا حملوا قول الصادق عليه السلام :

«لا تجمع بين سورتين في رکعة واحدة إلا الضحي و الم نشرح، وألم تر

کيف ، ولايلاف قريش(1)، علي کون الاستثناء منقطعاً أو الحمل علي التقية .

ومع کل ذلک فلا أدّعي إلي تحديدها بحيث يسلم طرداً وعکساً.

وإن کان ولابد فلعل الأولي تعريفه بما يجزي قرائته في المکتوبة بعد

الفاتحة للقادر المختار لولا اشتماله علي العزيمة(2) والقيد الأخير لدفع النقض بالعزائم .

أسماء السورة المبارکة

إعلم أنّ لهذه السورة الشريفة أسماء منيفة :

منها : «الفاتحة» مجرّدة ومضافة إلي الکتاب ، وفاتحة الشيء إسم لأوله

کالخاتمة لآخره.

ص: 15


1- رواه في «الوسائل، ج 2 کتاب الصلاة ب 10، ح 5، عن مجمع البيان ج 10، ص 544.
2- ولکن يبقي إشکال دخول السور الأربعة المذکورة إلا أنّ نقول بوحدة السورتين .

وهي في الأصل إما مصدر بمعني الفتح ک «الکاذبة» في الآية(1) بمعني الکذب ، والباقية في قوله( فهل تري لهم من باقية)(2) بمعني البقاء، والعافاة بمعني المعافاة، والعاقبة بمعني العقب، نقلت إلي أول ما يفتتح به إطلاقاً للمصدر

علي المفعول، لأنّه أوّل المفتوح من الشيء(3)

وإما صفة والتاء للمبالغة کما في راوية وعلّامة سمّيت بها لأنّها کالباعثة علي فتحه، أو للنقل من الوصفية إلي الإسمية کالنطيحة، فإن الصفات إذا لم تذکر معها موصوفاتها تغلب عليها الإسمية فتلحقها التاء لتدلّ علي غلبة الإسمية وعدم احتياجها إلي الموصوف.

وإمّا إسم آلة کالسّامعة والباصرة لأنّها آلة الفتح، وهذا الإحتمال ذکره بعض

الأعلام، ولا يخفي ما فيه وفي جعل ما ذکر من المثالين من الآلة.

وربما يرجّح کونها وصفاًبقلة مجيء المصادر عليها ، بل قد ينکر ذلک رأساً ، ويأول کلما جاء عليها إلي الأوصاف، حتي الکاذبة والباقية في الآيتين وفيه تعسف.

نعم، لا بأس بترجيح الوصفية کما لا بأس بترجيح کون التاء للنقل في المقام

إذا لم يقصد بها المبالغة .

ثم إنها قد تطلق مجردة عن الإضافة، إمّا لکونها علماً بالغلبة کالمضاف إلي الکتاب ، فتلزم اللام، أو إختصاراً لعدم الإلتباس، واللام للمح الوصفية الأصلية

ص: 16


1- سورة الواقعة : 2.
2- سورة الحاقة : 8.
3- قال أبو البقاء الکفوي المتوفي (1094) ه بعد نقل الفاتحة بمعني الفتح : رد بأنّ (فاعلة) في المصادر قليلة ، ولکن الزمخشري في الکشاف قال : الفاعل والفاعلة في المصادر غير عزيزة کالخارج والقاعد والعافية والکاذبة .. الکليات ص 694.

وليکون کالخلف عن الإضافة .

قيل : ونظيره في الإختصار قوله صلي علي عليه واله :

من أراد أنّ يسمع القرآن غضاً طرياً کما أنّزل فليسمع من إبن أم عبد» (1).

أي عبدالله بن مسعود(2)

وقد تطلق بل کثيرا مضافة إلي الکتاب الذي هو مصدر لکتب بمعني خط أو جمع أو ثبت ، وإضافة السورة إليها لامية کيوم الجمعة وعلم التفسير کما صرحوا به وإن کان فيه بعض التأمل .

وکذا إضافة الفاتحة إلي الکتاب لکون المضاف إليه مبايناً للمضاف ، إذ المراد

بالکتاب الکلّ لا المفهوم الصادق علي الکل والبعض حتي الآية کما في يد زيد.

وکان ينبغي من حيث القياس أنّ يصدق علي أول آية بل کلمة أو کلام من

الکتاب ، لکنها جعلت عاما لهذه السورة .

نعم، ربما يجعل الإضافة بمعني من نظرا إلي أنّ کل ما هو جزء من الشيء

ص: 17


1- قال ابن عبدالبر القرطبي المتوفي (463) ه في الاستيعاب في معرفة الأصحاب المطبوع بهامش الإصابة 319/2 : قال رسول الله صلي علي عليه و اله : من أحب أنّ يسمع القرآن غضأ فليسمعه من ابن أم عبد». وبعضهم يرويه : «من أراد أنّ يقرأ القرآن غضأ کما أنّزل فليقرأه علي قراءة إبن أم عبد» وحدث عن سعيد ، عن قاسم، عن وضاح ، عن ابن أبي شيبة ، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة ، عن عاصم ، عن زر، عن عبد الله أنّه أتي رسول الله صلي علي عليه و الهان وکان عبد الله يصلي فقال صلي علي عليه و اله: من أحب أنّ يقرأ القرآن غضا کما أنّزل فليقرأه علي قراءة ابن أم عبد». وروي الذهبي المتوفي (748) هد في «سير النبلاء، ج 500/1بإسناده عن النبي صلي علي عليه و اله أنّه قال : « من سره أنّ يقرأ القرآن رطبا کما أنّزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد».
2- ابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي ، أبو عبد الرحمن ، من أکابر الصحابة ، وکان من أهل مکة ومن السابقين إلي الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمکة ، کان قصيرا جدا يکاد الجلوس يوارونه ، ويحب الإکثار من الطيب ، روي القوم عنه (848) حديثا، توفي بالمدينة سنة (32) ه عن نحو ستين عاما الأعلام، ج 4/280

فإضافته إليه بمعني من، وکأنّ منشأ التوهم هو الخلط بين الجزء والجزئي، فإن الإضافة في الثاني بمعني من دون الأول، ولذا اشترطوا في الإضافة بمعني من کون المضاف إليه جنساً للمضاف وصادقاً عليه کخاتم فضة.

نعم، ربما يوجه ذلک بأنّ المراد حاصل المعني ، فإنها وان کانت بمعني اللام

لکن مؤادها مؤدي «من» التبعيضية ، أو أنّ الکتاب القرآن يطلق علي البعض کالکل، فالفاتحة جزئي له لا جزء منه ، فتکون الإضافة کخاتم فضة، لکنه لا يخلو من تکلف ، بل قد يقال : إن «من» التبعيضية لا تکون للإضافة أصلاً فتأمل.

وعلي کل حال فإنما سميت بها لأنّه يفتتح بها المصحف، والتعليم، والقراءة

في الصلاة ، بل قيل : إنها أول کل کتاب أنّزل.

والاختصاص المستفاد من قوله تعالي :(ولقد آتيناک سبعاً من المثاني) (1)

محمول علي المجموع لا کل من الآيات ، وقد ورد في الخبر :

أنّه ما نزل کتاب من السماء إلا أوله بسم الله الرحمن الرحيم»(2).

ص:18


1- سورةالحجر:87.
2- البحار : ج 92/ 234، ح 17.

الکتاب التدويني والتکويني

ثم إعلم أنّ الکتاب کتابان: تدويني و تکويني.

فالکتاب التدويني هو هذا القرآن الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حکيم حميد ) (1)وهو الحاوي لجميع الحقايق الکلية والجزئية ، والمهيمن علي جميع الکتب الإلهية، و(تبيان کل شيء)(2)، وتفصيل کل حقيقة (ولا رطب و يابس إلا في کتاب مبين )(3)

والکتاب التکويني هو تمام عالم الوجود من الدُرّة (4).إلي الذَرّة فجميع العالم بأجزائها المترتبة صعودا ونزولا کتاب واحد کتبه الله تعالي بيده وأحصاه بعلمه وأمسکه بقدرته وجعل فاتحة هذا الکتاب مشيته الکلية، وهو الوجود المطلق والقلم الأعلي ، والاسم الأعظم، والحجاب الأقدم، والتجلي الأول، والنور الذي أشرق من صبح الأزل ، وهو نور نبينا محمد .

ولذا ورد : «أول ما خلق الله نوري (5)، أول ما خلق الله روحي (6) خلق الله

ص: 19


1- سورة فصلت : 42.
2- إقتباس من آية 89 في سورة النحل :( ونزلنا عليک القرآن تبيانا لکل شيء) .
3- سورة الأنّعام: 59.
4- الدرة (بضم الدال المهلة تشديد الراء) العقل في مصطلح العرفاء وتوصف بالبيضاءتارة ويقال : (الدرة البيضاء) والمراد بها العقل الأول
5- بحار الأنّوار : ج 1 / 97، ج 7، عن غوالي اللآلي ، وج 15/ 24، ح 44 وج 22/24،ح 38، وج 57 /170 7ح 117.
6- لم أظفر علي هذا الحديث بعينه ولکن يمکن أنّ يستفاد معناه من أحاديث أخر منها: ما رواه في البحار ج 57 / 193، ح140، عن الکافي ج 440/1 ، عن الصادق عليه السلام قال : قال الله تبارک وتعالي : يا محمد إني خلقتک وعلياً نوراً - يعني روحاً لا بدن - قبل أنّ أخلق سماواتي وأرضي وعرشي و بحري .. الخ» .

المشية بنفسها، ثم خلق الأشياء بالمشية(1)وهو نور محمد وأوصيائه الطيبين ، خلقهم الله تعالي نوراً واحداً قبل الخلق، وجعلهم أعضاداً وأشهاداً وحفظة ورُوّاداً

کما ورد في الدعاء الرجبية» (2)

وعن کتاب «المعراج» للصدوق بالإسناد عن ابن عباس قال : سمعت

رسول الله صلي علي عليه واله؟ يخاطب علياً عليه السلام :

«يا علي إن الله تبارک وتعالي کان ولا شيء معه، فخلقني وخلقک روحين من نور جلاله فکنا أمام عرش رب العالمين ، نسبح الله وتقدسه ونحمده ونهلله، وذلک قبل أنّ يخلق السموات والأرضين» (3)

وفي «رياض الجنان»(4) بإسناده عن جابر الجعفي ، عن أبي جعفرعليه السلام؟ قال :

«يا جابر ! کان الله ولا شيء غيره لا معلوم ولا مجهول، فأول ما إبتدأ من خلق

ص: 20


1- البحار : ج145/4، ح 19 عن توحيد الصدوق وفيه : قال أبو عبدالله عليه السلام : خلق الله المشية قبل الأشياء ثم خلق الاشياء بالمشية». . وفي ح20: «خلق الله المشيئة بنفسها ، ثم خلق الأشياء بالمشيئة».. وقال المجلسي قدس سره و بعد ذکر الحديثين : بيان : هذا الخبر الذي هو من غوامض الأخبار يحتمل وجوها من التأويل :، ثم ذکر خمسة وجوه أعرضنا عن ذکرها للاختصار ومن أراد الإطلاع عليها فليرجع إلي ج 4 / 145.
2- لمفاتيح للقمي : 130.
3- بحار الأنّوار : ج 25 ص 3، ح 5.
4- قال شيخنا العلامة المجيز آقا بزرگ الطهراني قدس سره : «رياض الجنان» فيه أخبار غريبة في المناقب ينقل عنه في البحار، للشيخ المحدث فضل الله بن محمود الفارسي تلميذ الشيخ المتقدم أبي عبدالله جعفر بن محمد بن أحمد بن العباس بن الفاخر العبسي الدوريستي المعاصر للشيخ الطوسي)، ينقل عنه في «فضائل السادات» الذي فرغ منه مؤلفه سنة (1103) ه، ولعله الذي ينقل عنه الکاشفي (المتوفي سنة 910 ه) في جواهر التفسير - الذريعة ج 421/11.

خلقه أنّ خلق محمداً وخلقنا أهل البيت معه من نور عظمته، فأوقفنا أظّله خضراء بين يديه ، حيث لا سماء، ولا أرض، ولا زمان ، ولا مکان ، ولا ليل ، ولا نهار، ولا شمس ، ولا قمر، يفصل نورنا من نور ربنا کشعاع الشمس من الشمس ، نسبح الله ونقدسه، ونحمده ونعبده حق عبادته» (1)

وفي «الکافي» عن محمد بن سنان ، قال : کنت عند أبي جعفر الثاني،

فأجريت إختلاف الشيعة فقال :

يا محمد! إن الله تبارک وتعالي لم يزل متفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً وعلياً وفاطمة فمکثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجري طاعتهم عليها وفوض أمورها إليهم فهم يحلّون ما يشاءون ويحرّمون ما يشاءون ، ولن يشاؤوا إلي أنّ يشاء الله تبارک وتعالي. .

ثم قال : يا محمد! هذه الديانة التي من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق،

ومن لزمها لحق، خذها إليک يا محمد»(2)

فکما أنّ الکتاب التکويني طبق الکتاب التشريعي ، (فيه تبيان کل شيء)(3)، فکذلک النسبة بين فاتحتهما، ولذا فضّلت الفاتحة علي جميع السور، وخصّت بها الصلاة التي هي إنسان العبادات، لاشتمالها علي العبادة القولية والفعلية، والحالية والبالية، والذکرية والفکرية، وغيرها من الحقائق التي سنشير إليها إن شاء الله .

ولذا قال: «لا صلاة إلا بفاتحة الکتاب»(4)، ولعل من بطونها أنّ لا وصول إلي الله لأحد من الأنّبياء والأولياء، من الأولين والآخرين، ومن الملائکة المقربين ، إلا

ص: 21


1- البحار : ج 25 ص 17، ح 31 عن رياض الجنان .
2- الکافي : ج 1، ب 169 ص 441، ح 5.
3- إقتباس من آية 89 في سورة النحل :(ونزلنا عليک الکتاب تبيانا لکل شيء) .
4- مستدرک الوسائل : ج 4، ص 158، ح 5، رقم : 4365.

بواسطة التوسل بنبينا وآله صلي الله عليهم أجمعين، والإستشفاع بهم(1)، فإنه وذريته فاتحة کتاب الوجود (2)والوسيلة لاهتداء العابد إلي المعبود، والحجر الذي ينفجر منه عيون الفيض والجود.

ومنها : «أم الکتاب» و «أم القرآن». .

فإن أم الشيء في الأصل أصله، وهذه السورة أهل القرآن کلّه ، فإنّها حقيقته الإجمالية التي لم ينبسط بعد في عالم التفصيل وقد سمعت سابقاً أنّ نسبته في القرآن کنسبة خاتم الأنّبياءصلي علي عليه و اله في الأکوان، وکما أنّه دُحيت وانبسطت من سورته

ص: 22


1- أورد المجلسي قدس سره روايات دالة علي ما ذکر، منها ما عن الصادق ال : آتي يهودي النبي صلي علي عليه و اله ، فقام بين يديه يحد النظر إليه ، فقال : يا يهودي ما حاجتک ؟ قال : أنّت أفضل أم موسي بن عمران النبي صلي علي عليه و اله الذي کلمه الله وأنّزل عليه التوراة ، والعصا، وفلق له البحر ، وأظله بالغمام فقال له النبي قال : إنه يکره للعبد أنّ يزکي نفسه ، ولکني أقول : إن آدم لما أصاب الخطيتة کانت توبته أنّ قال : اللهم إني أسئلک بحق محمد و آل محمد لما غفرت لي فغفرها الله له ، وأنّ نوحا لما رکب في السفينة وخاف الغرق قال : اللهم إني أسألک بحق محمد و آل محمد لما أنّجيتني من الغرق فنجاه الله عنه ، وأنّ ابراهيم لما ألقي في النار قال : اللهم إني أسألک بحق محمد و آل محمد لما أتجيتني منها فجعلها الله بردا وسلاما ، وأنّ موسي لما ألقي عصاه وأوجس في نفسه خيفة ، قال : اللهم إني أسألک بحق محمد و آل محمد لما آمنتني ، فقال الله جل جلاله : لا تخف إنک أنّت الأعلي. يا يهودي ! إن موسي لو أدرکني ثم لم يؤمن بي وبنبوتي ما نفعه إيمانه شيئا، ولا نفعته النبوة ، يا يهودي ! ومن ذريتي المهدي إذا خرج نزل عيسي بن مريم ا لنصرته، فيقدمه ويصلي خلفه». البحار: 26، ص 319.
2- کما قال نابغة الدهر وفيلسوف الزمن وفقيه الأمة الشيخ محمد حسين الأصفهاني ني : فاتحة الوجود خاتم الرسل جل عن الثناء ما شئت فقل کل وجود هو من وجوده فکل موجود رهين جوده وعالم الإبداع من ظهوره ونشأة التکوين ظل نوره الأنّوار القدسية لمحمد حسين الأصفهاني قدس سره ، ط مؤسسة الوفاء بيروت 1402ه.

البلدية المکانية وهي أم القري جميع الأراضي والبلدان ، کذلک تفصل وتحصل من سورته القرآنية جميع سور القرآن

وکذا ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : «أنّ جميع ما في القرآن فهو في فاتحة

الکتاب»(1)

وقد قيل : إن العرب تسمّي کل جامع أمر أو متقدم لأمر إذا کانت له توابع تتبعه أما ، فيقولون : أم الرأسل للجلدة التي تجمع الدماغ، وأم القري لمکة لأنّ الأرض دحيت من تحتها .

وقيل : سميّت لأنّ سور القرآن تتبعها کما يتبع الجيش أمّه وهي الراية .

وقد وقعت تسميتها بأم الکتاب في قوله : ( وإنه في أم الکتاب لدينا لعلي

حکيم ) (2) والضمير للکتاب المبين، وهو أمير المؤمنين علي عليه السلام، کما ورد عن الکاظم عليه السلام في جواب النصراني حيث سئل عن تفسيره في الباطن (3)

ومن اللطايف مطابقتهما في العدد فلاحظ(4)

وفي «المعاني» عن الإمام الصادق عليه السلام في قول الله عزّ وجل : (وإهدنا

الصراط المستقيم ):

ص: 23


1- في ملحقات الإحقاق ج608/7عن «ينابيع المودة» ص 69 وص408، ط إسلامبول ، وفي الدر النظيم»: إعلم أنّ جميع أسرار الکتب السماوية في القرآن ، وجميع ما في القرآن في الفاتحة ، وجميع ما في الفاتحة بالبسملة ، وجميع ما في البسملة في باء البسملة ، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي تحت الباء ، قال الإمام کرم الله وجهه : «أنّا النقطة التي تحت الباء).
2- الزخرف : 4.
3- الکافي : ج 479/1، ح4، کتاب الحجة ، الباب 178.
4- عدد کل من (الکتاب المبين) و( أمير المؤمنين علي) يساوي (587) ولکن بشرط أنّ لا يحسب (1) في المؤمنين کما لا يلفظ بها في التلفظ .

هو أمير المؤمنين ومعرفته ، والدليل علي أنّه أميرالمؤمنين عليه السلام قوله عزّوجل : (وإنه في أمّ الکتاب لدينا لعلي حکيم) وهو أمير المؤمنين عليه السلام في أم الکتاب في قوله: «إهدنا الصراط المستقيم »(1)

وهنا مسلک آخر وهو أنّ هذه السورة لإشتمالها علي الحقائق الکلية المتأصلة التي لا تزول ولا تزال أبداً، فهي بمنزلة اللوح المحفوظ الذي لا يتطرق إليه المحو أصلاً، إذ التغيرات الجزئية لا يظهر أثرها في الکلي، ولذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : «أفز من قضاء الله إلي قدره»(2)

قال الله تعالي : ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الکتاب ) (3)

والوعيد، لتضمنها تعليم حمده ، والاستغاثة به ، والمقاصد الکلية منحصرة في الثلاثة ، فإنه لما کان التحقق بالسعادة العظمي التي هي المعرفة العيانية للواهب الحق جل ذکره شهودا عينيا في هذه الدار وفي دار القرار متفاوتا حسب تفاوت مراتب أصناف المقربين ودرجات الأبرار ، والاتصاف بالأخلاق الربانية المعبر عنه بالتخلي والتحلي موقوفا علي تمييز مقام العبودية من الربوبية، ثم التوجه نحو من بيده الخير کله بالکلية، وکان الکتاب الکريم کافلا للمتمسک به أنّ ينال من هذه السعادة الحظ الأوفي والشرب الأصفي لزم أنّ ينحصر مقاصدة في الثلاثة المذکورة، فالثناء عليه بما هو أهله يتضمن معرفة الرب جل جلاله بصفات الجلال والإکرام ، مع الإعتراف بأنّ العبد وما هو متقلب فيه قطرة من بحر جوده ويدخل فيه الإيمان بالله تعالي وصفاته وأفعاله، والتعبد بأوامره ونواهيه يتضمن معرفة أنّه عبد مربوب مکلف لابد

ص: 24


1- بحار الأنّوار : ج 12/24، ح 4، کتاب الإمامة ، الباب (24)، عن معاني الأخبار للصدوق :32، ح 3.
2- توحيد الصدوق : 369 ح 8، والبحار ج97/5، ح 24 و ص 114، ح 41 عن التوحيد.
3- سورة الرعد : 39.

له من اللجاء إلي مولاه حسب ما استدعاه بعده أو أدناه ، ولا يخفي تأخره عن الأول، إذ لولا الاعتراف السابق لم يلزم طلب کيفية التوجه.

وذلک لأنّ التعبد في الحقيقة راجع إلي طلب الکمال من مفيضه علي الوجه الذي يؤدي إلي المطلوب ويدخل في الايمان بالنبوات والولايات والملائکة والکتب والعبادات القلبية والقالبية.

والإتيان بالوعد والوعيد يتضمن التنبيه علي السعادة المذکورة، وعلي ما يقابلها من الشقاوة، وإختلاف درجاتهما وهما الکمال المطلوب بالتعبد، والنقصان المهروب عنه بالتجرد، ولولا ذلک لم يتميز الطلب عن التوجه العبثي فبالثلاثة تمت الکفالة ، ومن رضي بها کافلا فطوبي له.

ولبعض أرباب الطريقة مسلک آخر وهو أنّ هذه السورة مشتملة علي مراتب

الربوبية، ومراتب العبودية والأمور الدنيوية والأخروية.

مراتب الربوبية عشرة: أولها : مرتبة الإسم بأنّ الله تعالي له إسم، والثاني :

الذات ، والثالث : الصفات ، فهذه المراتب الثلاثة حاصلة في بسم الله الرحمن الرحيم، والرابع : الثناء، والخامس : الشکر ، وهما حاصلان في الحمد، والسادس : الألوهية بمعني الخالقية ، وهي الحاصلة في الله تعالي، والسابع : الملکية بالمالکية ، وهي حاصلة في مالک، والثامن : الربوبية بالوحدانية في الخالقية، وهي الحاصلة في رب العالمين، والتاسع : المعبودية بالألوهية والوحدانية، وهي حاصله في إياک تعبد، والعاشر : الهداية بالحق والإنعام من الأزل إلي الأبد، وهي حاصله من أهدنا الصراط المستقيم.

وکذلک مراتب العبودية عشرة، أولها: معرفة الله تعالي بهذه المراتب، والثاني : الإقرار بالربوبية لله تعالي ، والثالث : معرفة النفس وخلوها عن مراتب الربوبية بعبودية نفسه ، والرابع : العلم بإحتياجه إلي الله واستغنائه عنه، الخامس :

ص: 25

عبادة الله تعالي علي ما هو أهله بأمره، والسادس : الاستعانة بالله في العبودية للتوفيق والقدرة والتعليم والإخلاص، والسابع : الدعاء بالخضوع والخشوع والمحبة ، فإنه خلق لهذا کما قال الله تعالي : (قل ما يعبؤ بکم ربي لولا دعائکم) (1)والثامن : الطلب بوجدان صفاته ونعمه، وهو المقصد الأعلي والمنية القصوي، والتاسع : الإهتداء عنه ليهتدي به إليه ، وينعم عليه بإرشاد طريق الهداية ، والعاشر: الاستدعاء منه بأنّ يحسن إليه ويديم نعمته عليه ولا يغضب عليه فيرده إلي الضلالة والغواية.

وهذه المراتب کلها حاصلة في إياک نعبد إلي آخر السورة، ومن هنا قال عليه السلام ؟ :

يقول الله تعالي :

قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، يقول الله تعالي : حمدني عبدي ، وإذا قال العبد : الرحمن الرحيم ، يقول الله تعالي : أثني علي عبدي ، وإذا قال العبد : مالک يوم الدين ، يقول الله تعالي : مجدني عبدني، وإذا قال العبد : إياک نعبد وإياک نستعين ، يقول الله تعالي : هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل» (2)

و مراتب الأمور الدنيوية أربعة، المِلک، والمُلک، والتصرف فيهما بالمالکية والملکية، ومراتب الأمور الأخروية أربعة : العبادة لله تعالي، والاسترشاد به والاستعانة به في جميع ذلک وحسن الخاتمة بدوام النعمة وعدم الضلالة والنقمة ،

ص: 26


1- الفرقان : 77.
2- المسند لابن حنبل ج 2 / 460، وکنز العمال 7/ 288، ح 18920، وصحيح مسلم ، کتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة رقم 395، وللحديث بقية في أوله وفي آخره . ورواه الطبرسي في مجمع البيان عن صحيح مسلم ، ورواه الصدوق في العيون ج 1 / 234، ح 59، وفي الأمالي : 147، ح 1 ، ورواه في البحار عنهما ج226/92 ، ح 3 مع اختلاف .

وفاتحة الکتاب مشتملة علي جميع هذه المراتب کلها.

لکنک تري أنّ هذه کلها جعليات لا تخلو من تکلفات، نعم هذه السورة الشريفة مشتمل علي أصول العقائد التي لا يتطرق إليها النسخ أصلاً کما لا يخفي ، ولذا سميت أم الکتاب ، أي أصله الذي لا يتغير أصلاً ، بل هو أحد الوجوه أيضاً في قوله : (منه آيات بينات هن أم الکتاب )(1)

ومنها : «السبع المثاني» بل ظاهر «المجمع» إطلاق کل من الکلمتين

عليها (2)

وإنما سميت بها لأنّها سبع آيات اتفاقاً منا ومن أهل الخلاف، وإن ذهب

بعض هؤلاء إلي عد( أنّعمت عليهم )آية دون البسملة.

نعم، لبعضهم أقوال أخر شاذة جدة : کالقول بکونها ستاً بإسقاط البسملة (3)

وثماني بعدّ (إياک نعبد ) وحدها آية (4) وتسع آيات بعد کل من منه ومن (أنّعمت

ص: 27


1- آل عمران : 7.
2- قال في «مجمع البيان»: من أسمائها: «السبع» سميت بذلک لأنّها سبع آيات لا خلاف في جملتها . و«المثاني» سميت بذلک لأنّها تثني بقرائتها في کل صلاة فرض و نقل . وقيل : لأنّهانزلت مر تين .
3- والقائل به الحسين بن علي بن الوليد الجعفي الحافظ المقري الکوفي ، قرأ القرآن علي حمزة الزيات وأتقنه ، وأخذ الحروف عن أبي عمرو بن العلاء ، ولد سنة (119) هو توفي سنة (203) ه- سير أعلام النبلاء ج 397/9، رقم 129.
4- القائل به هو عمرو بن عبيد بن باب أبو عثمان البصري المعتزلي ، کان من تلامذة الحسن البصري ولکن يکذب عليه ، وهو مطرود الفريقين ، أنّظر : تنقيح ج 335/2 ، رقم 8749،قال ما ملخصه : هو معاند للحق من رؤوس الضلال. وانظر أيضا : ميزان الاعتدال ج 3/ 273، رقم 6404 في ترجمة عمرو بن عبيد : قال : قال أبن معين : لا يکتب حديثه ، وقال النسائي : متروک الحديث ، وقال الدار قطني وغيره : ضعيف .وترجمة الخطيب البغدادي في بغداد ج 186/12 وقال : مات عمر و سنة (143) ه.

عليهم ) آية (1) وسميت مثاني لأنّها تثنّي في رکعتي الصلاة کما روي الصدوق في العيون عن مولانا الصادق عليه السيلام عن أمير المؤمنين عليه السلام ؟ قال :

بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الکتاب ، وهي سبع آيات تمامها بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله صلي علي عليه و اله يقول : إن الله تبارک وتعالي قال : يا محمد، ولقد آتيناک سبعة من المثاني والقرآن العظيم (2)، فأفرد الإمتنان عليّ بفاتحة الکتاب ، وجعلها بأزاء القرآن العظيم(3)

وفي تفسير العياشي عن الصادق عليه السلام :

«إنما سميت المثاني لأنّها تثني في الرکعتي (4)وفيه : عن أحدهما قال : لأنّ

فاتحة الکتاب يثني فيها القول »(5)

وقيل : إنه مثني من حيث النزول ، فإنها نزلت بمکة مرة وبمدينة أخري . وقيل : مثني باعتبار أنّ نصفها ثناء العبد للرب، ونصفها عطاء الرب للعبد ،

ص: 28


1- قال أبو عبدالله القرطبي محمد بن أحمد الأنّصاري المتوفي (671) ه في تفسيره ج1/ 114 : أجمعت الأمة علي أنّ فاتحة الکتاب سبع آيات إلا ما روي عن حسين الجعفي أنّها ست وهذا شاذ، وإلا ما روي عن عمرو بن عبيد أنّه جعل (اياک نعبد) و آية ، وهي علي عدة ثماني آيات و هذا شاذ ، وقوله تعالي : (لقد آتيناک سبعة من الثاني والقرآن العظيم) الحجر : 87) وقوله تعالي في الحديث القدسي : قسمت الصلاة ... ) يرد هذين القولين . وقال المفسر الجليل السيّد الشهيد آية الله السيّد مصطفي الخميني قدس سره في تفسيره ج 1 / 25: عدد آيها با جماع أهل الفن سبعة إجماعة مرکبة لاختلافهم في البسملة أنّها من السورة أم هي من القرآن أو ليست منها ، و من أخرجها منها إعتبر الآية الأخيرة آيتين : صراط الذين أنّعمت عليهم آية ، وهو غير المغضوب عليهم ولا الضالينه آية أخري
2- سورة الحجر : 87.
3- عيون الأخبار : ج 301/1 ، ح 60، والأمالي :106 ، وعنهما البحار ج 227/92 ، ح 5.
4- تفسير العياشي ج 19/1 ، ح 3، وعنه البحار : ج235/18 ، وج 235/92ح23.
5- تفسير العياشي ج 249/2 ، ح 34، وعنه البحار : ج235/92 ، ح 24.

کما قال : قسمت الصلاة أو فاتحة الکتاب بيني وبين عبدي نصفين (1)إلي آخر مر .

وقيل : إن المثاني من الثناء فإن العبد يثني فيها ربه أو الرب يثني بها . .

وقيل : لأنّ آياتها سبع بعدد أبواب النيران التي هي مطابقة للقوي الخمس الحاسة بإضافة النفس والبدن ، إذا ينفتح بکل منها باب إلي الجحيم، وباب إلي الجنة، والجنة باب ثامن ليس بازائها باب إلي النار، وهو الباب المفتح من العقل ، ولذا صارت أبواب الجنان ثمانية إذ ليس للعقل خروج من طاعة الله، فإن العقل علي ما عرفه الإمام عليه السلام هو ما عبد به الرحمن واکتسب به الجنان (2) وأما النکراء التي هي الشيطنة فهي من جنود الجهل ومن قوي الشيطان .

ص: 29


1- قال الرازي المتوفي (606) ه في مفاتيح الغيب ج 207/19 في ذيل «سبعاً من المثاني» في سورة الحجر : للناس فيه أقوال : الأول قول أکثر المفسرين وهو أنّه فاتحة الکتاب وهي سبع آيات و تسميتها بالمثاني لوجوه : الأول : أنّها تثني في کل صلاة ، والثاني : لأنّها يثني بعدها ما يقرء معها ، الثالث : لأنّها قسمت قسمين لما روي عن النبي صلي علي عليه و اله الا أنّه قال : قال الله سبحانه : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي» الحديث مشهور. والرابع : لأنّها قسمان : ثناء ودعاء، وأيضا النصف الأول منها حق الربوبية وهو الثناء، والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء، والخامس لأنّ کلماتها مثناة ، مثل الرحمن الرحيم ، إياک نعبد وإياک نستعين ، إهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنّعمت عليهم
2- معاني الأخبار : 239 ح 1 ، وفي المحاسن : 195 ح 15 وعنهما البحار ج 16/1 ، ح 8ورواه الکليني في الکافي ج 11/1 ، ح 3، ومتن الحديث هکذا: عن بعض أصحابنا رفعه إلي أبي عبد الله عليه السلام علي قال : قلت له : ما العقل ؟ قال : ما عبد به الرحمن واکتسب به الجنان ، قال : قلت : والذي کان في معاوية ؟ قال : تلک النکراء و تلک الشيطنة وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل . وقال المجلسي في بيان الحديث : النکراء : الدهاء والفطنة ، وجودة الرأي وإذا استعمل في مشتهيات جنود الجهل يقال له : الشيطنة ، ولذا فسرهعليه السلام عل بها ، وهذه إما قوة أخري غير العقل أو القوة العقلية ، وإذا استعملت في هذه الأمور الباطلة وکملت في ذلک تسمي بالشيطنة ولا تسمي بالعقل في عرف الشرع.

وروي أنّ جبرئيل علي نبينا وآله وعليه السلام قال للنبي : کنت أخشي العذاب علي أمتک ، فلما نزلت الفاتحة أمنت ، قال صلي علي عليه واله : لم يا جبرئيل ؟ قال : لأنّ الله تعالي قال : (وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لکل باب منهم جزء

مقسوم) (1) وآيات الفاتحة سبع ، من قرءها صارت کل آية طبقاً علي باب من أبواب جهنم، فيمر أمتک عليها سالمين.

بل ربما يقال : لهذا أثبت فيها جميع حروف التهجي إلا السبع التي هي أوائل ألفاظ دالة علي نوع مما يعذب به، وهي جهنم، والثبور، والخزي، والشهيق، والزفير، والظلمة ، والفراق.

ويمکن أنّ يقال إن المثاني هي القرآن کما قال الله تعالي :(الله نزّل أحسن

الحديث کتاباً متشابهاً مثاني) (2)لتکرر قراءته أو قصصه ومواعظه أو وجوه .

إعجازه وبلاغته، أو لکونه کتاباً تدوينياً مطابقاً للکتاب التکويني، أو

لإشتماله علي الثناء علي الله بما هو أهله ومستحقه ، فإن غيره لا يطيق الثناء

عليه ، کما قال أکمل المخلوقات وأفضلهم:

سبحانک لا أحصي ثناء عليک أنّت کما أثنيت علي نفسک» (3) فالسبع سبع آيات منها وهي السورة أو سبع سور، وهي الطول سابعها الأنّفال، أو مع التوبة ، فإنهما في حکم سورة واحدة ولذا لم يفصل بينهما بالبسملة.

ثم إنه قد روي في «التوحيد» و«تفسير العياشي» و«القمي» و«فرات»

و«البصائر» عن الأئمة الصادقين عليهم السلام بأسانيد عديدة أنّهم قالوا:

ص: 30


1- سورة الحجر: 44.
2- سورة الزمر : 23.
3- بحار الأنّوار : ج 16 /253، ح 35، و ج 23/71 ، و ج 85 / 170، ح 7، و ج 93 /159، ح 33.

نحن والله السبع المثاني ونحن المثاني التي أعطاها الله نبينا»(1)

والمراد بالسبع في هذه الأخبار إما السورة بناء علي شيء من الوجوه

المتقدمة، ويکون المراد بتلک الأخبار أنّ الله إنما امتنّ بهذه السورة علي النبي صلي الله عليه واله وسلم في مقابلة القرآن العظيم لاشتمالها علي وصف الأئمة عليهم السلام ومدح طريقتهم وذم

أعدائهم(2)

، وإما سبعة من الأئمة عليهم السلام لأنّ أکثر انتشار العلوم منهم ولذا خصهم به ، وإما کلهم فإن أسمائهم سبعة بعد إسقاط المکرر(3)، وعلي هذه الوجوه فالمثاني من الثناء لأنّهم الذين أثني الله تعالي عليهم في کتابه التدويني بل التکويني، أو هم الذين يثنون عليه تعالي حق ثنائه ويعلمون يثنون عليه تعالي حق ثنائه ويعلّمون غيرهم تسبيحه وتهليله، حتي الأنّبياء والملائکة وجميع من دونهم من أهل العالم، کما يستفاد من أخبار مستفيضة بل متواترة(4) أو من التثنية لأنّهم ذوجهتين : جهة عالية لاهوتية وجهة سافلة ناسوتية، أو لثنيهم مع النبي صلي الله عليه واله وسلم أو مع القرآن ، کما أشار إليه الصدوق (5) أو يکون المراد کما هو الأظهر بل أولي من جميع ما مر المعصومون جميعا ، لکون السبع باعتبار تثنيته أربعة عشر ، وهذا العدد الشريف هو عدد قوي يد الله الباسطة، وتجليات أنّوار وجهه النيرة الساطعة، ولذا طابقهما العدد الذي هو الأربعة عشر .

ثم إن اشتهيت أنّ تسمع نمطا آخر من الکلام فاعلم أنّ الله تعالي خلق

ص: 31


1- رواه عن المصادر المذکورة البحار: ج 114/24، ح 1 و114ح 3 و /96ح 22 وفي ج5/25، ح 7.
2- البحار : ج 24/ 115،في ذيل الحديث الأول المنقول عن تفسير علي بن ابراهيم.
3- البحار: ج 24/ 115 في ذيل الحديث ، باب أنّهم صلي علي عليه واله عن السبع المثاني.
4- راجع : البحار: ج 25/ 1، ح 2، عن الاختصاص، وص3، ح 3، عن فضائل الشيخ الصدوق : 7- 8، ص 17، ح 31، عن کمال الدين .
5- البحار : ج 116/24، عن توحيد الصدوق : 150، ح 6.

المشية بنفسها، من غير سبق مادة، ولا هيولي، ولاصورة ولا کم، ولا کيف ، ولا جهة، ثم خلق الاشياء بالمشية .

والمشية مشيتان : إمکانية وکونية ، فبالمشية الإمکانية خلق إمکانات الأشياء بلا مد ولا نهاية ولا تناه، وإن شئت فقل بحدود ونهايات غير متناهية ، فلکل شيء إمکان کل شيء ومن هنا قبل کل شيء فيه معني کل شيء، فتفطن ، واصرف الذهن إلي کثرة لا تتناهي عددا.

وبالمشيّة الکونية خلق الأکوان، وهي عالم الحدود والنهايات والتناهي، ولکل من المشيتين سبعة مراتب هي أسباب الفعل ومقتضياته ومتمماته، بحيث لا يوجد شيء من الموجودات الإمکانية والکونية إلا بها کما في الکافي في خير حريز وإبن مسکان عن أبي عبد الله عليه السلام ؟ قال :

«لا يکون شيء في الأرض ولا في السماء إلا بهذه الخصال السبع : بمشيئة ، وإرادة وقدر، وقضاء، وإذن، وکتاب ، وأجل، فمن زعم أنّه يقدر علي نقض (1) واحدة فقد کفره (2)

وفيه عن زکريا بن عمران عن الکاظم عليه السلام ؟ قال :

«لا يکون شيء في السموات ولا في الأرض إلا بسبع : بقضاء وقدر، وإرادة ،

ومشية وکتاب، وأجل، وإذن، فمن زعم (3)غير هذا فقد کذب علي الله أو ردّ علي الله»(4)

ص: 32


1- في البحار عن المحاسن : علي نقص (بالصاد المهملة).
2- الکافي : ج 3، باب «في أنّه لا يکون شيء في السماء ولا في الأرض إلا سبعة» ح 1.والبحار ج 121/5 ، ح 65، عن المحاسن ص 244.
3- في البحار : فمن قال غير هذا فقد کذب علي الله ...
4- الکافي: ج 3، باب «في أنّه لا يکون شيء» ح 2. والبحار : ج 5 /88، ح 7، عن الخصال ص 350، ح 36.

إلي غير ذلک من الأخبار، والمراد بالمشية المذکورة فيها معناها الخاص، وإن کان الکل يجمعها اسم المشية کما يأتي الکلام فيها وفي تفصيل مراتبها في موضع أليق إن شاء الله ، وحيث إنک قد سمعت أنّ فاتحة الکتاب هي المشية الکلية للکتاب التدويني کما أنّ المشية الکلية هي فاتحة الکتاب للکتاب التمکيني والتکويني وأنّ المشية إمکانية وکونية ، ففاتحة الکتاب هي السبع المثاني والنور الشعشعاني والبشر الأول والثاني ورتبة البيان والمعاني فافهم لحن المقال ولا تکثر السؤال فإن العلم نقطة کثرها الجهال.

ومنها : «الشفاء» و «الشافية» لأنّها شفاء من کل داء فعن العياشي في تفسيره عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم :«إنها شفاء(1) من کل داء إلا السام، والسام الموت» (2)

وقضية العموم شموله للأمراض الروحانية والجسمانية ، إذ کما أنّ للأبدان أمراضا يرجع في رفعها وعلاجها إلي أطباء الأبدان ، کذلک للقلوب أمراض وآلام يجب الرجوع في علاجها إلي أطباء النفوس والقلوب المطلعين علي خفايا العيوب والذنوب ، بل الاهتمام بدفع هذا الداء أکثر، فإن بقاءه أضر.

وهذه السورة کما أنّها تدفع الأمراض الجسمانية بالرقية والتعويذ مع الاعتقاد الصحيح والتوسل الصريح، فکذلک تدفع الأمراض الروحانية والأسقام القلبية بالتحقق بحقائقها والتخلق بمراتبها ، إذ به يتحقق العبد في مقام العبودية ويتخلق بالأخلاق القدسية، ويحصل له الإنقطاع إلي الله بالکلية، فيتمکن من محلة الأمن والأمان والاطمئنان، ويندحر عنه جنود الجهل وأعوان الشيطان بزواجر خطاب ،

ص: 33


1- في المصدر : هي شفاء
2- تفسير العياشي: ج 1، ص 3، ح 9.

(إن عبادي ليس لک عليهم سلطان) (1)

ومنها : «الأساس»، لأنّها أصل القرآن وأساسه علي ما مر فيما مر، ولما في مجمع البيان» عن ابن عباس: «إن لکل شيء أساسا وأساس القرآن الفاتحة وأساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم» (2). ولأنّها أساس اذ لا صلاة الّا بها (3)

ومنها : «الکافية»، اذ هي تکفي عما سويها، ولا يکفي عنها ما سويها في خصوص الصلوة ، أو مطلقأ علي بعض الوجوه المتقدمة، ويويده النبوي المروي في «المجمع» عن عبادة بن الصامت ، عن النبي أنّه قال : «ام القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها عوضأ عنها»(4)

ومنها : «الصلوة» لقول النبي صلي الله عليه و اله و سلم: «قال الله تعالي : قسمت الصلوة بيني

وبين عبد نصفينُّ» إلي آخر ما مر في تسميتها بأمّ الکتاب (5) والمراد بها «الفاتحة» کما يظهر من تمام الخبر، وان احتمل ايضاً ارادة «الصلوة» باعتبار اشتمالها علي الفاتحة» ولان منزلتها في القرآن منزلة الصلوة في العبادات الجامعيتها واشتمالها

ص: 34


1- سورة الحجر: 42.
2- مجمع البيان : ج 1، ص 17، ط صيدا.
3- في تفسير القرطبي113/1 : شکا رجل الي الشعبي وجع الخاصرة ، فقال : عليک بأساس القرآن فاتحة الکتاب ، سمعت ابن عباس يقول : لکل شيء اساس ؛ واساس الدنيا مکة، لأنّها منها دحيت ، واساس السموات عريبا وهي السماء السابعة ، واساس الارض عجيبة وهي الارض السابعة السفلي ، واساس الجنان جنة عدن وهي سرة الجنان عليها أسست الجنة ، واساس النار جهنم وهي الدرکة السابعة السفلي عليها اسست الدرکات ، واساس الخلق آدم ، واساس الانبياء نوح ، و اساس بني اسرائيل يعقوب ، واساس الکتب القرآن ، واساس القرآن الفاتحة واساس الفاتحة بسم الله الرحمن الرحيم، فاذا اعتللت أو شتکيت فعليک بالفاتحة تشفي .
4- مجمع البيان 17/1.
5- في ص 21 من کتب الفريقين

علي ما يشتمل عليه غيرهما.

ومنها : «الکنز» لما روي في العلوي «انّها نزلت من کنز تحت العرش »(1)

ومنها غير ذلک من الأسماء الکثيرة التي قيل باطلاقها عليها ولم نر لها کبعض ما مرّ أثراً في أخبارنا، وان أمکن التقريب فيها ببعض الوجوه کالوافية والشکر والدعاء والتعليم والقرآن العظيم، فانّه مقام الاجمال کما أنّ الفرقان مقام التفصيل والنور والرقية وسورة المناجاة وسورة التفويض وسورة السؤال وسورة الحمد وسورة الحمد الأولي وسورة الحمد القصري بالراء والواو وسورة التمحيص والتخليص وسورة التقسيم لقوله تعالي: «قسمت» الي آخر، وسورة النبي صلي الله عليه و اله وسلم لما سمعت وسورة تعليم المسألة وسورة اميرالمؤمنين لطلب الهداية الي الصراط المستقيم المفسّر بولايته عليه السلام .

ص: 35


1- لم أظفر علي مصدر له - وفي البحار ج85 ص 21 عن تفسير العياشي ج 1 ص 22: قال رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم : إن الله تعالي منّ عليّ بفاتحة الکتاب من کنز الجنّة.... الخبر .

عدد آياتها وکلماتها

سيع آيات، وهي مکية أمّا کونها سبع آيات فکأنّه لا خلاف فيه بين من خالفنا فضلاً عما بيننا، ولذا نسب إلي الشذوذ ما يحکي عن الجعفي (1) منهم من عدم عدّ شيء من التسمية، و(صراط الذين أنّعمت عليهم ) آية مستقلة نظراً إلي أنّها ستة، وأشذ منه ما يحکي عن عمرو بن عبيد (2) من کونهما آيتين ذهاباً إلي أنّها ثمانية، وأشد منهما ما عن ثالث من کون ( أنّعمت عليهم) آية ثامنة فالتاسعة ما بعدها إلي غير ذلک من الأقوال الشاذة التي لا ينبغي التعرض لها فضلاً عما لها وما عليها.

نعم، قد طال التشاجر بينهم في أنّها آية أو بعض آية فيها أو في غيرها من

السور، وستسمع تمام الکلام عند التعرض لتفسير البسملة.

وأما کونها مکية فقد حکاها في «المجمع» عن ابن عباس وقتادة(3) وحکي

عن مجاهد (4)کونها مدنية، وعن بعضهم أنّها نزلت مرتين: مرة بمکة ومرة بالمدينة .

روي الفخر الرازي في تفسيره عن الثعلبي (5)بإسناده عن مولانا

ص: 36


1- الجعفي : الحسين بن علي بن الوليد المتوفي (203) ه، تقدمت ترجمته .
2- هو عمرو بن عبيد بن باب البصري المعتزلي المتوفي (143)ه تقدمت ترجمته.
3- هو قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز أبو الخطاب الدوسي البصري الضرير الأکمه ، کان من المفسرين الحفاظ والرؤساء في العربية ومفردات اللغة وأيام العرب والنسب ، ولد سنة (61) ه ومات بواسط في الطاعون سنة (118) ه- تذکرة الحفاظ : ج 1 /115.
4- هو مجاهد بن جبر ، أبو الحجاج المکي مولي بني مخزوم کان من المفسرين أخذ التفسيرعن ابن عباس ، قرأه عليه ثلاث مرات يقف عند کل آية يسأله : فيم نزلت و کيف کانت ؟ ولد سنة (21) ه و توفي سنة (104) أو قبلها - الأعلام : ج 161/6.
5- هو أحمد بن محمد بن ابراهيم أبو اسحاق الثعلبي النيسابوري ، مفسر من کتبه «الکشف والبيان» يعرف بتفسير الثعلبي ، توفي «27

أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال :

«نزلت فاتحة الکتاب بمکة من کنز تحت العرش»(1) وعنه بإسناده عن عمرو (2)بن شرحبيل أنّه قال :

أول ما نزل من القرآن الحمد لله رب العالمين وذلک أنّ رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم ان أسرّ إلي خديجة رضي الله عنها ، فقال : لقد خشيت أنّ يکون خالطني شيء، فقالت: ما ذاک ؟ قال : إني إذا خلوت سمعت النداء : إقرأ، ثم ذهب إلي ورقة (3)بن نوفل واسأله من تلک الواقعة ، فقال له ورقة : إذا أتاک فاثبت له، فأتاه جبرئيل عليه السلام؟ فقال : قل : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين»(4)

وقد يستدل له أيضاً بالاتفاق علي کون سورة الحجر مکية مع أنّ من آياتها قوله : (ولقد آتيناک سبعاً من المثاني)(5) الآية ... الدالة علي أنّه تعالي آتاه فيما تقدم السبع المثاني المفسر بالفاتحة بالأخبار المستفيضة (6)وغيرها، وبأنّه يبعد أنّ

ص: 37


1- مفاتيح الغيب : ج 1 / 177
2- هو عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة الهمداني الکوفي تابعي جليل ، شهد صفين مع أمير المؤمنين عليه السلام، توفي في أيام عبيدالله بن زياد ، وصلي عليه شريح القاضي
3- هو ورقة بن نوفل بن أسد القرشي، حکيم إعتزل الأوثان قبل الإسلام ، توفي سنة (12).
4- مفاتيح الغيب : ج 1 / 177.
5- الحجر : 87.
6- في تفسير الصافي : العياشي عن الصادق عليه السلام أنّه سئل عن هذه الآية فقال : هي سورة الحمد ، و هي سبع ايات منها بسم الله الرحمن الرحيم ، إنما سميت بالمثاني لأنّها يثني في الرکعتين». . وعن أحدهما صلي علي عليه و اله علي أنّه سئل عنها فقال : «فاتحة الکتاب يثني فيها القول».| وکذا في المجالس» عن السجاد عليه السلام ، وفي «المجمع» عن علي عليه السلام وهکذا عن الباقر و الصادق عليه السلام و في الاحتجاج عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث زادالله محمداً صلي الله عليه و اله وسلم السبع الطول و فاتحه الکتاب و هي السبع المثاني .... الخ .

يقال : إنه صلي الله عليه و اله وسلم أقام بمکة بضع وعشر سنين وصلي هو وأصحابه من دون فاتحة الکتاب مع أنّه ورد عنه صلي الله عليه و اله وسلم : أنّه لا صلاة إلا بها(1)

وأما کلماتها فتسع وعشرون کلمة مع البسملة، وربما يقال بخلاف ذلک علي زيادة أو نقيصة لاختلاف الإعتبارات في عدّ الکلمات، فإنهم لم يعدّوا مثل الواو والفاء والباء وساير الحروف المفردة بل الألف واللام کلمة مستقلة ، مع أنّها کلمات من الحروف، والخطب سهل فيه، وکذا في اختلافهم في اعتبار الحروف وأنّ المعدود منها هل هو الحروف الملفوظة أو المکتوبة أو کل منهما، وإن لم أجد في ذلک کلاماً محرّراً لهم ولا لعلماء الحروف والأعداد .

نعم، ذکر الشهيد الثاني (2) في «الروضة» في شرح قول الشهيد(3)رحمة الله عليه : «فإن لم يحسن يعني المصلي شيئاً من الفاتحة قرء من غيرها بقدرها» قال : أي بقدر الحمد حروفا فإن حروفها مائة وخمسة وخمسين حرفا بالبسملة إلا لمن

قرء (مالک) فإنها يزيد حرفا) (4)

واعترضه جمال المحققين (5) بأنّه إما أنّ يعتبر الحروف الملفوظة أو المکتوبة

فعلي الأول غاية مبلغ الحروف مائة وتسعة وثلاثون حرفا. وذلک علي تقدير الوقف علي الرحيم، والعالمين، ونستعين ، وعدّ المد حرفا، والمشدد حرفين ، وإلا فينقص

.

ص: 38


1- تقدم عن المستدرک : ج 4 / 158، ح 5، عن عوالي اللئالي ج196/1ح2.
2- هو زين الدين بن نور الدين العاملي الشامي المولود سنة (911ھ) واستشهد سنة (966) .
3- هو محمد بن مکي العاملي الفقيه المحقّق المولود سنة (734) واستشهد بالسيف والصلب والرجم والإحراق بدمشق سنة (786ه).
4- شرح اللمعة الدمشقية : کتاب الصلاة، الفصل الثالث.
5- هو محمد جمال المحققين بن الآقا حسين الخوانساري الأصفهاني المتوفي سنة (1121).

منه أيضا، وعلي الثانية أصل الحروف مائة وإثنان وأربعون، وإذا أضيف التشديدات الأربعة عشر فيصير مائة و ستة وخمسون، ولو اعتبر المد أيضا حرفا کما هو الظاهر فيزيد حرفا آخر، وعلي التقادير لا يستقيم ما ذکره الشهيد، اللهم إلا أنّ يقال : إنه إعتبر المکتوبة وأضاف إلي الحروف الأصول التشديدات التي لم يکتب معها الحروف المدغمة دون البواقي، فإنه بعد اعتبار المدغم والمدغم فيه علي حرفين لا جه لاعتبار التشديد معهما حرفا، إذ لا يزيد المدغم والمدغم فيه علي حرفين لو لم ينقصا منه، والتشديدات المذکورة خمسة فيصير المجموع مائة وسبعة وأربعين ، ولو أعتبر المد أيضأ حرفا کما هو الظاهر فيزيد حرفا آخر، وعلي التقادير لا يستقيم ما ذکره الشهيد، اللهم إلا أنّ يقال : إنه إعتبر المکتوبة وأضاف إلي الحروف الأصول التشديدات التي لم يکتب معها الحروف المدغمة دون البواقي، فإنه بعد أعتبار المدغم والمدغم فيه علي حرفين لا وجه لاعتبار التشديد معهما حرفا، إذ لا يزيد المدغم والمدغم فيه علي حرفين لو لم ينقصا منه ، والتشديدات المذکورة خمسة فيصير المجموع مائة وسبعة وأربعين، واعتبر المد أيضا، وکذا اعتبرت همزة الاسم، فإنه لا تترک في الکتابة إلا في خصوص البسملة لکثرة

الاستعمال فاعتبر الأصل ، وکذا الفي (الله ) وکذا (الرحمن) ، فإن القاعدة تقتضي کتبه مثلهما، وإنما شاع ترکهما في خصوصهما، فإنه اعتبر فيهما أيضا الأصل وکذا اللام والهمزة من( الله) فإن الأصل فيه کما قيل أنّ يکتب لِألله لکنهم نقصوا الهمزة الالتباسه بالنفي فصار الله فاستکرهوا اجتماع ثلاث لامات ، فحذفوا إحديها فصار الله ، وإذا اعتبر جميع ما ذکرناه بلغ إلي ما ذکرناه ، لکن إعتبار الحروف المکتوبة بعيد جدا، والظاهر أنّ الاعتبار هنا بالحروف الملفوظة ويحتمل أنّ يکون الشهيد أيضا اعتبر الملفوظة لکن ملفوظة کل کلمة علي تقدير التلفظ بها منفردة بالابتداء بها والوقف عليه ، وهو يوافق ما ذکرناه من اعتبار المکتوبة ، فإن القاعدة في کتابه کل

ص: 39

کلمة هو کتابة ما يتلفظ به منه علي ذلک التقدير إلا أنّه خولف ذلک في بعض المواضع لنکتة، فإذا اعتبر المکتوبة علي القاعدة بتوافي المکتوبة علي ذلک الوجه ضم التشديدات الخمسة وحرف المد يبلغ ما ذکره، لکن اعتبار الملفوظة علي ذلک الوجه أيضا کأنّه بعيد.

أقول : وهذا کلّه کما تري تکلّف في تکلّف، ولا يبعد اختلاف الاعتبارات باختلاف المقامات فيعتبر الملفوظة في باب القراءة، والمکتوبة في نحو

الکتابة.

الاستعاذة

الاستعاذة : استفعال من عاذ يعوذ عوذاً وعياذاً ومعاذاًومعاذةً :

اذا التجأ واستجار به وامتنع ، فالمستعيذ طالب العون والالتجاء الي رحمته وعصمته، بخلاف العائذ فانّه الملتجي ، قيل : ويستعمل بمعني الالتصاق ايضاً، فمعناه حينئذ الصق نفسي بفضل الله ورحمته .

حکم الاستعاذة

ولا خلاف بيننا في استحباب الإستعاذة قبل القراءة بلا فرق بين کون المقروء تمام السورة او بعضها، مفتتحاً بالبسملة أو لا، حتي بعض الآية، وبالجملة کل ما يصدق عليه القرآن، لقوله تعالي : (فاذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم )(1)

وفي «تفسير العياشي» عن الصادق عليه السلام ، قال : سئلته عن التعوذّ من الشيطان

ص: 40


1- سورة النحل : 98.

عند کل سورة نفتحها ؟ قال : نعم، فتعوذّ بالله من الشيطان الرجيم(1)

ويحمل الأمر في الآية عليه ، وإن کان ظاهراً في الوجوب ، بل يمکن أنّ يقال بعد تسليم ذلک في موضعه : ليس الأمر في الآية ظاهرأ فيه لکون المطلوب فيه غيرياً، فلا يتجاوز مطلوبيته مطلوبية ذلک الغير، وهي علي وجه الاستحباب من حيث الذات، وأما العوارض فلا عبرة بها.

ومن جميع ما مر مضافاً إلي الأصل والاستصحاب وعدم مزية المقدمة علي ذيها، يظهر ضعف ما حکاه في «الذکري» عن أبي علي(2) ابن الشيخ رحمة الله عليه من القول بوجوبها في خصوص الصلاة ، لکونه مردوداً بما سمعت ، بل مسبوقاً بالإجماع حسب ما ادعاه والده شيخ الطائفة (3)

مضافاً إلي ما رواه الصدوق (4) قال : کان رسول الله أي أتم الناس صلاة وأوجزهم، کان إذا دخل في صلاته قال : الله أکبر بسم الله الرحمن الرحيم (5)

وما يحکي عن بعض العامة کعطاء (6)بن أبي رباح، والرازي، وداود(7)

ص: 41


1- تفسير العياشي 270/2 ح 68 الحلبي عن ابي عبدالله عليه السلام ؟ قال : سئلته ...الخ - وعنه البحار 54/19.
2- شيخ الطائفة علي الاطلاق هو أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي تلمذ علي الشيخ المفيد والسيّد المرتضي وغيرهما، وکان فضلاء تلامذته المجتهدون يزيدون علي ثلاثمائة من الخاصة ومن العامة ما لا تحصي . توفي بالنجف الأشرف سنة (460) ه .
3- هو الشيخ الأجل أبو جعفر محمد بن علي ابن بابويه القمي المتوفي بالري سنة (381) ه .
4- هو الشيخ الأجل أبو جعفر محمد بن علي ابن بابويه القمي المتوفي بالري سنة
5- من لا يحضره الفقيه : ج 306/1
6- عطاء بن أبي رباح الفقيه التابعي المولود سنة (27 ه) والمتوفي سنة (114 ه).
7- هو داود بن علي الضاهري الاصبهاني المولود (201) ه والمتوفي ستة(270)ه.

وأصحابه وغيرهم من القول بوجوبها، مطلقاًنظراً إلي ظاهر الآية، بل عن داود

وأصحابه بطلان الصلاة بترکها، وعن ابن سيرين(1) وجوب التعوذ في العمر مرة واحدة نظراًإلي حصول الإمتثال به ، کضعف ما حکاه العلّامة (2) في «المنتهي» عن

محمد بن سيرين من أنّه کان يتعوذ بعد القراءة (3)، بل ربما يحکي عن النخعي(4)و داود الأصفهاني أيضأ، لکونها شرط المطلوبية في ظاهر الآية وهو متقدم علي المشروط.

وفيه أنّ المراد إرادة القراءة فوضعوا الفعل مقام إرادته والتهيؤ له، علي حد قوله :(إذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا وجوهکم )(5) وإذا لقيت العدو فخذ سلاحک، ويعضده تظافر الروايات من الخاصة والعامة علي تقديمه، کالمروي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم أنّه کان يقول قبل القراءة : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»(6).

بل في تفسير العسکري عليه السلام وغيره ما يدلّ علي تفسير الآية بهذا الوجه أيضاً ، قال : وأما قوله الذي ندبک الله وأمرک به عند قراءة القرآن: أعوذ بالله ،

الخبر بطوله (7).

فلا إشکال في ضعف القول بتأخيره بعد استقرار المذهب منا ومن العامة

ص: 42


1- هو محمد بن سيرين البصري المعبّر المولود سنة (33) ه والمتوفي سنة (110) ه .
2- هو الحسن بن يوسف المعروف بالعلامة الحلي ، المولود سنة (648) ه ، والمتوفي سنة(726) ه .
3- منتهي المطلب ج 1 ص 296.
4- هو ابراهيم بن يزيد النخعي الکوفي ، المولود سنة (46) ه، والمتوفي سنة (96) ه
5- سورة المائدة : 6.
6- نيل الأوطار ، ج 213/2 .
7- التفسير المنسوب إلي الإمام العسکري عليه السلام : ص 18.

علي خلافه (1)، مضافاً إلي ما قيل : من أنّ المقصود من الاستعاذة نفي وسوسة الشيطان عند القراءة ، قال الله تعالي :

(وما أرسلنا من قبلک من رسول ولا نبي إلا إذا تمني ألقي الشيطان في

أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان )(2)

ولذا أمر الله تعالي بتقديمها.

بل ولا في ضعف ما حکاه الرازي قولاً ثالثاً، وهو قرائتها قبل القراءة للخبر، وبعدها للقرآن جمعاً بين الدليلين حسب الإمکان (3)، إذ فيه المنع من التعارض، والأخبار للبيان، وحسن الاحتياط ممنوع في مثل المقام بعد وضوح الحکم، بل قد يؤدّي إلي التشريع لو قصد المشروعية.

محل الاستعاذة في الصلاة

کما أنّه لا إشکال في أنّه في خصوص الصلاة يتعوذ في أول رکعة منها

خاصة، ثم لا يتعوذ في کل رکعة.

ص: 43


1- قال الرازي في «مفاتيح الغيب» ج114/20، في تفسير آية الاستعاذة من سورة النحل : الفاء في قوله تعالي : وفاستعذه للتعقيب ، فظاهر هذه الآية يدل علي أنّ الاستعاذة بعد قراءة القرآن وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ، قالوا: والفائدة فيه أنّه إذا قرأ القرآن استحق به ثوابا عظيما ، فإن لم يأت بالاستعاذة وقعت الوسوسة في قلبه وتحبط بها ثواب القراءة ، أما إذا استعاذ بعد القراءة اندفعت الوساوس وبقي الثواب مصونة عن الاحباط. أما الأکثرون من علماء الصحابة والتابعين فقد اتفقوا علي أنّ الاستعاذة مقدمة علي القراءة وقالوا : معني الآية إذا أردت أنّ تقرأ القرآن فاستعذ ، ونظيره قوله تعالي : وإذا قمتم إلي الصلاة فاغسلوا ... أي إذا أردتم القيام إلي الصلاة .
2- سورة الحج : 52.
3- مفاتيح الغيب : ج 60/1 .

قال في «المنتهي»(1) : وهو مذهب علماءنا وهو قول عطاء والحسن (2) والنخعي والثوري (3)، لأنّ القصد هو التعوذ من الوسوسة، وهو حاصل في أول الرکعة.

ولأنّ الصلاة کالفعل الواحد ، فيکفي الاستعاذة الواحدة کالتوجه .

هذا مضافاً إلي استمرار الطريقة عليه، وکونه المعهود من فعل النبي صلي الله عليه و اله وسلم ؛ والائمة عليهم السلام بعد کون العبادات توقيفية يلزم أخذها من صاحب الشريعة سيما بعد قوله : «صلّوا کما رأيتموني أصلّي»(4) و «خذوا عنّي مناسککم» (5)، مع دلالة بعض الأخبار عليه، وقيام الإجماع به نقلاً بل تحصيلاً، فلا يلتفت إلي ما يحکي عن الشافعي في أحد قوليه وعن ابن سيرين من استحباب التعوذ في کل رکعة، نظراً إلي صدق القراءة في کل منها، وهو علي فرضه يجب الخروج عنه لما سمعت ، مضافاً إلي ما روي من طريق الجمهور عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم أنّه کان إذا نهض من الرکعة الثانية استفتح بقراءة الحمد (6).

ثم إنه قد اختلف أهل العلم في کيفيتها وفي أنّ المندوب هل هو الجهر بها أو

الإخفات.

فالمشهور بين الأصحاب بل بين المخالفين أيضاً أنّ صورتها «أعوذ بالله من

الشيطان الرجيم». .

قال في «التذکرة»: وبه قال أبو حنيفة ، والشافعي لأنّه لفظ القرآن .

ص: 44


1- منتهي المطلب : ج 1 /270.
2- هو الحسن بن يسار البصري المولود بالمدينة سنة (21) ه والمتوفي بالبصرة سنة (110).
3- هو سفيان بن سعيد الثوري ، المولود بالکوفة سنة (97) ه والمتوفي بالبصرة سنة (161) ه.
4- صحيح البخاري : ج 111/2، ح 631.
5- السنن الکبري للبيهقي : ج 5 / 125. المستدرک للحاکم : ج 1 /215.
6- المستدرک للحاکم : ج 5 / 125.

وقال الثوري ، وابن سيرين : يزيد بعد ذلک : إن الله هو السميع العليم .

وقال أحمد (1) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقال الحسن (2) بن صالح بن حي: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم .

واحتجوا بقوله : ( وإما يتر غنک من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع

العليم) (3)

والأخير ليس بداخل في الأمر بالاستعاذة، بل خبر بعده ، وألأمر

قبله (4)

وفي «التيسير»: أنّ المستعمل عند الحذّاق من أهل الأداء في لفظها «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» دون غيره لموافقه الآية ولما رواه نافع(5)بن جبير بن مطعم ، عن رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم أنّه استعاذ بهذا اللفظ بعينه(6)

ص: 44


1- هو أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني إمام المذهب الحنبلي ، ولد ببغداد سنة(164) ه و توفي سنة (241) ه... الأعلام : ج 1 / 192
2- الحسن بن صالح بن حي الهمداني الثوري الکوفي من زعماء الفرقة البترية من الزيدية ،ولد سنة (100) ه و توفي بالکوفة سنة (168) ه. تهذيب التهذيب : ج 2/ 285.
3- سورة فصلت : 36.
4- تذکرة الفقهاء : ج 1 /114.
5- نافع بن جبير بن مطعم أبو عبدالله التابعي ، و ثقه العجلي وأبو زرعة وابن خراش ، روي عن أبيه ، والزبير بن العوام ، والعباس بن عبد المطلب وعثمان بن أبي العاص ، وعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وآخرين، توفي سنة (99) ه، ووالده جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أبو محمد المدني أسلم قبل حنين أو يوم الفتح، وله ستون حديثا وتوفي بالمدينة سنة (59) ه تهذيب التهذيب : ج 404/10 ، وخلاصة تهذيب الکمال : ج 161/1.
6- التيسير في القراءات السبع لأبي عمرو عثمان بن سعيد المدني ص 17، ط إستانبول، ومارواه عن نافع أخرجه أحمد بن حنبل في «المسند»: ج 4 / 80، والحاکم في «المستدرک» : ج 1 / 235، ولکنه ليس بعين اللفظ ، بل لفظه هکذا: «اللهم إني أعوذ بک من الشيطان الرجيم» .

بل في «شرح الشاطبية» عن ابن مسعود أنّه قرأ علي النبي صلي الله عليه و اله وسلم : أعوذ بالله

السميع العليم، فقال صلي الله عليه و اله وسلم: «قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»(1)

ثم قال : ولا أعلم خلافا بين أهل الأداء في الجهر بها عند افتتاح القرآن وعند الإبتداء برؤوس الأجزاء، وغيرها في مذهب الجماعة إتباعاً للنص واقتداءا بالسنة.

ثم حکي عن نافع (2) أنّه کان يخفيها في جميع القرآن، وعن حمزة (3)أنّه کان يجهر بها في أول أم القرآن خاصة، ويخفيها بعد ذلک في سائر

القرآن.

وفي «التذکرة» يستحب الإسرار بها ولو في الصلاة الجهرية، ثم حکي عن أحد قولي الشافعية الجهر بها في الجهرية تمسّکاً بعمل أبي

هريرة (4)-(5)

ثم قال : وعمل الأئمة عليهم السلام أولي(6)، وظاهره نسبة الإسرار إليهم عليهم السلام .

ص: 46


1- عوالي اللئالي : ج 2/ 47، ح 126.
2- هو نافع بن عبدالرحيم بن أبي نعيم الليثي بالولاء المدني، أحد القراء السبعة المشهورين ، أصله من إصبهان ، إشتهر في المدينة وأقرأ الناس نيفا وسبعين سنة وتوفي بها سنة (169) ه . غاية النهاية : ج 320/ 2 .
3- هو حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات القاري أحد القراء السبعة ولد سنة (80) ه و توفي بحلوان سنة (156) ه - الأعلام : ج 308/ 2 .
4- أبو هريرة : عبدالرحمن بن صخر الدوسي الصحابي ، ولد سنة (21) قبل الهجرة وقد المدينة وأسلم سنة(7)ه، وروي عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم(5374) حديثا نقلها عن أبي هريرة أکثر من (800) رجل ، وولي إمرة المدينة مدة واستعمله عمر علي البحرين ثم عزله ، مات بالمدينة سنة (59) ه.. الأعلام : ج 4 / 80.
5- سنن البيهقي : ج 36/2
6- تذکرة الفقهاء : ج 1 /114.

وفي «مجمع البيان» عن ابن کثير(1)، وعاصم (2)، وأبي عمرو (3): «أعوذ بالله

من الشيطان الرجيم». .

وعن نافع ، وابن عامر(4)، والکسائي (5) زيادة «إن الله هو السميع العليم» .

عن حمزة: «نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم». .

وعن أبي حاتم (6)

: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» (7)

وعند العامة أقوال أخر في کيفيتها کقولهم: «اللهم إني أعوذ بک من الشيطان

الرجيم» (8)

و« أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم» (9) . و«أعوذ بالله العظيم السميع العليم من الشيطان الرجيم» (10)

إلي غير ذلک مما لا طائل تحت حکايته، إذ العبرة بما يستفاد من أخبار أهل

البيت عليهم الصلاة والسلام.

ص: 47


1- هو عبدالله بن کثير الداري المکي أحد القراء السبعة ، ولد بمکة المکرمة سنة (45) ه وتوفي بها سنة (120) ه.- وفيات الأعيان : ج 1 /350.
2- عاصم بن أبي النجود بهدلة الکوفي أحد القراء أسبعة، توفي بالکوفة سنة (127) ه. الأعلام : ج 12/4.
3- أبو عمرو : زبان بن عمار العلاء المازني البصري أحد القراء السبعة ، ولد بمکة المکرمة سنة (70) ه و توفي بالکوفة سنة (154) ه.- الأعلام : ج 3/ 72.
4- الکسائي : علي بن حمزة الکوفي اللغوي النحوي القاري المتوفي (118) ه.
5- هو عبد الله بن عامر بن يزيد أبو عمران الشامي أحد القراء السبعة ، ولي قضاء دمشق في خلافة الوليد بن عبد الملک ، وتوفي بها سنة (189) ه.
6- هو أبو حاتم محمد بن إدريس بن المنذر بن داود الرازي المتوفي (277) ه.
7- مجمع البيان : ج 18/1 .
8- تقدم الحديث عن مسند ابن حنبل ج 4/ 80 ومستدرک الحاکم ج 1 /235.
9- خلاف الشيخ : ج 1 / 325 عن سفيان الثوري وحلية العلماء : ج 83/2 .
10- هذا قول أحمد رواه ابن قدامة في المغني : ج 1 / 554.

فالمشهور في الأخبار بل عند الأصحاب «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»،

وهو الأوفق بلفظ الآية.

بل ورد ذلک في خطبة عيد الفطر لأميرالمؤمنين (1) وکذا في خطبته لصلاة يوم الجمعة(2) وعيد الأضحي، وأرسل الشهيد في «الذکري» عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم أنّه کان يقول قبل القراءة :

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»(3)

وفي «العوالي اللالي» بالإسناد إلي ابن مسعود قال : قرأت علي رسول

الله صلي الله عليه و اله وسلم

فقلت : أعوذ بالله السميع العليم، فقالي لي:

«يا بن أم عبد! قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هکذا أقرأنّيه

جبرئيل» (4)

وفي بعض خطب أمير المؤمنين عليه السلام : «أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم» (5).

ومثله في معتبرة سماعة(6) عن الصادق عليه السلام بزيادة «إن الله هو السميع

العليم(7).

ص: 48


1- بحار الأنّوار : ج 31/91 ، ح 5، عن المصباح ص 458.
2- البحار: ج 89/ 234 ح 67، عن مصباح المتهجد ص 342.
3- الذکري : ج 1 / 190.
4- عوالي اللآلي ک ج 47/2، ح124 تقدم.
5- الکافي : ج 153/8
6- هو سماعة بن مهران بن عبدالرحمن الحضرمي ، قال المامقاني في «تنقيح المقال» ج 2/ 67: إن في سماعة قولين : أحدهما أنّه واقفي کما صرح به الشيخ وجماعة من فقهاء الأواخر ولکن مع اعترافهم بوقفه عملوا بروايا ته . وثانيهما أنّه اثنا عشري کما قال به النجاشي ووثقه مرتين، ووجد في بعض الکتب أنّه مات سنة (145) ه في حياة الصادق علي
7- تهذيب الشيخ : ج 1 / 177.

وروي العياشي عنه عليه السلام قال :

تقول : أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»(1)

ومن هنا يظهر ضعف ما عن بعض العامة من عدم صحة «أستعيذ» نظراً إلي

أنّ المستعيذ طالب العوذ بخلاف العائذ ، وفرق بين الفاعل وطالب الفعل.

وفيه أنّه علي فرض الطلب يکون المطلوب هو الحاصل بالمصدر وطلب الحاصل نفس مباشرة الفعل، إذا الطلب فعلي والقول حکاية حسب ما تسمع، علي أنّ کثيراً من أهل اللغة عدّهما بمعني

قال في القاموس : العود: الإلتجاء کالعياد، والمعاذ، والمعاذة، والتعوذ،

والإستعاذة.

مضافاً إلي ما سمعت عن الصادق وعن جده أمير المؤمنين عليهما الصلاة

والسلام، وقولهما هو الحجة.

وفي بعض الأخبار: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم»(2). وهو المذکور في «الفقيه» (3) و«المقنع» للصدوق (4) و«المقنعة» للمفيد (5) وروي الشهيد الثاني في «شرح النفلية» عن الصادق عليه السلام :

«أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله أنّ يحضرون إن

الله هو السميع العليم»(6)

ص:49


1- تفسير العياشي: ج 2 ص 270 ح 67. .
2- تقدم عن «مجمع البيان»: ج18/1
3- من لا يحضره الفقيه : ج 304/1 .
4- الموسوعة الفقهية ، المقنع للصدوق : ج 1 /53.
5- الموسوعة الفقهية ، المقنعة للمفيد : ج 101/1 .
6- الحدائق : ج 164/8 عن النفلية ص 81.

وفي «قرب الإسناد عن حنان (1)بن سدير قال : صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام المغرب، فتعوذ بإجهار: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بالله أنّ يحضرون(2)

وفي «الذکري»: عن البزنطي (3) عن الصادق عليه السلام :

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» (4)

ومثله في رواية الحسن (5)بن راشد عن الصادق عليه السلام وهو المذکور في تفسير

الإمام عليه السلام قال :

وهو القول الذي ندبک الله إليه وأمرک به عند قراءة القرآن»(6) ورواه في دعائم الإسلام (7) عن الصادق عليه السلام ، ولذا ربما يرجح هذا القول علي

ص:50


1- حنان بن سدير الصيرفي ، ثقة ، واقفي روي عن الصادق والکاظم عليه السلام ، کان معمرة ، وروي عنه إبن عمير ، وابن محبوب ، وإسماعيل بن مهران . قال في «التنقيح»: إن في الرجل أقوالا: أحدها أنّه ثقة وهو صريح «الفهرست» ويؤيده رواية الحسن بن محبوب المجمع علي تصحيح ما يصح عنه وغيره من الأجلاء عنه ، وکونه کثير الرواية وسديد الراوي ، ومقبول الرواية. وثانيهما أنّه موثق ... وثالثهما أنّه ضعيف وهو صريح «التنقيح» حيث قال : حنان ضعيف ...تنقيح المقال : ج 381/1.
2- قرب الإسناد : ص 58 - 59 // الوسائل : ج 4 / 800، ح 5، عن قرب الإسناد .
3- هو أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي الکوفي ، کان من أصحاب الرضا والجواد عليه السلام ، عظيم المنزلة عندهما توفي سنة (221) ه و - طرائف المقال : ج 1 / 279.
4- الوسائل : ج801/4 ، ح 7 عن «الذکري».
5- الحسن بن راشد مول بني العباس کوفي من أصحاب الصادق عليه السلام ، ضعفوه ولکن کتابه معتمد عليه عند العلماء .- تنقيح المقال : ج 1 / 277.
6- تقدم عن تفسير الإمام عليه السلام ص18. ولا يخفي أنّ المصنف نقله بالمعني، وإلا فلفظ الحديث هکذا: «أما قوله الذي ندبک الله إليه وأمرک به عند قراءة القرآن : أعوذ الله السميع العليم من الشيطان الرجيم» .
7- دعائم الاسلام ج 1 ص 159 ح 458 وعنه البحار ج 85 ص 48 ح 42.

سائر الأقوال.

لکن المستفاد من إختلاف هذه الأخبار، بعد ملاحظة إطلاق الآية، وجملة من المعتبرة، وعدم دليل من إجماع أو نص تعيين صيغة خاصة ، جواز الإتيان بکل من هذه الصيغ وغيرها حتي في الصلاة.

وإن کان الأحوط فيها الاقتصار علي الصيغة المروية، بل خصوص المشهور، إلا أنّ الأقوي جواز غيرها أيضا، والنبوي المروي في «العوالي» عامي، ولذا لا يصلح للتقييد مضافا إلي عدم صراحته في التعيين، بل يکفي في مثله الأولوية .

نعم في «شرح النفلية» لثاني الشهيدين أنّ المعني في أعوذ وأستعيذ واحد، قال الجوهري(1) عذت بفلان، واستعذت به : أي لجأت إليه، وفي أستعيذ موافقة اللفظ القرآن، إلا أنّ أعوذ في هذا المقام أدخل في المعني، وأوفق لامتثال الأمر الوارد بقوله: «فاستعذ» لنکتة دقيقة، وهي أنّ السين والتاء شأنّهما الدلالة علي الطلب فوردتا في الأمر، إيذانا بطلب التعوذ فمعني «استعذ» إي أطلب منه أنّ يعيذک فامتثال الأمر أنّ يقول: أعوذ بالله ، أي ألتجيء إليه، لأنّ قائله متعوذ قد عاد والتجأ، وقائل أستعيذ ليس بعائذ، إنما هو طالب العياذ به ، کما تقول : أستخير بالله ، أي أطلب منه الخيرة وأستغفر أي أطلب مغفرته .

لکنهما(2)دخلتا هنا في فعل الأمر بخلاف الاستعاذة، وبذلک يظهر الفرق بين الامتثال بقوله «إستغفر الله»، دون إستعذ بالله ، لأنّ المغفرة إنما تکون من الله فيحسن

ص: 51


1- الجوهري : إسماعيل بن حماد الجوهري أبو نصر کان من أئمة اللغة وخطه پذکر مع خط ابن مقلة ، أشهر کتبه «الصحاح» وهو أول من حاول الطيران ومات في سبيله ، صنع جناحين من خشب وربطهما بحبل وصعد سطح داره ونادي في الناس : لقد صنعت ما لم أسبق غليه وسأطير الساعة ، فازدحم أهل نيسابور ينظرون إليه ، فتأبط الجناحين ونهض بهما، فخانه اختراعه فسقط إلي الأرض قتيلا .. الأعلام : ج 309/1
2- أي السين والتاء.

طلبها، والالتجاء يکون من العبد فلا يحسن طلبه.

ثم اعترض علي کلام الجوهري، وحکي عن جماعة من المحققين ردّه

واعترضه بعض(1) المحققين في تلک النکتة بأنّه اذا کان معني استعذ اطلب منه ما يعيذک فامتثال الأمر بقوله: استعيذ ظاهر، اذ معناه اطلب من الله أنّ يعيذني، وامّا الامتثال بقوله : اعوذ بالله فغير ظاهر، الا أنّ يجعل هذه الجملة مرادأ بها الطلب والدعاء، وأما الإخبار بالالتجاء فلا يتحقق الامتثال به وبالجملة فالقائل بکل من اللفظين أراد طلب الإعانة منه سبحانه ، لکن دلالة اللفظ الثاني عليه ظاهرة لقضية السين والتاء، وأما الأول فمبني علي إرادة الإنشاء لا الإخبار.

وحيث قد عرفت سهولة الخطب في لفظها فلا ينبغي تطويل الکلام فيه، بل المهم في المقام فهم معناها ومؤديها ليتمکن المستعيذ من التحقق بحقيقتها، والوصول إلي کبرياء القدس وحريم حرم الأنّس، وذلک ببيان المراد من المستعيذ والمستعاذ منه والمستعاذ به ، وکيفية الاستعاذة .

فهنا مباحث:

الأول : في المستعيذ وهو وإن کان القاريء نفسه ، لکن لا بنفسه بل بحول الله وقوته وتوفيقه وعصمته، فإنه عبد ذليل لا يملک لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يستطيع خيراً ولا شراًولذا قال مولانا سيد الشهداء روحي له الفداء وعليه آلاف التحية والثناء:

«أم کيف أترجم لک بمقالي وهو منک برز إليک»(2)

ص: 52


1- المراد به کما قال في الهامش هو الشيخ سليمان بن عبدالله بن علي بن عمار الماحوزي من أهل الماحوز (من قري البحرين ) کان من فقهاء عصره ، والمحدثين البارعين ومن الخطباء الشعراء ، ولد سنة (1075) وتوفي سنة (1121) ه، له تصانيف منها «الفرائد النجفية» وفيه الإعتراض .. أعيان الشيعة : ج 35/ 377.
2- بحار الأنّوار: ج225/98 ، ح 3.

وفي دعاء أبي حمزة(1) عن السجاد عليه السلام :

«من أين لي الخير يا رب ولا يوجد إلا من عندک، ومن أين لي النجاة ولا

تستطاع إلا بک» (2)

ولا تتوهم أنّه مجبور في أفعاله وأقواله، أو أنّه مسلوب الإختيار في أفعاله وفيما يخطر بباله ، بل التوفيق من الله والفضل من عنده والأمر کله له : (ما أصابک من حسنة فمن الله وما أصابک من سيئة فمن نفسک ) (3)

وستسمع الکلام في فساد القول بکلا الطرفين، وإن الصحيح هو المنزلة بين

المنزلتين.

ولکن ينبغي أنّ تستحضر في نفسک حال الاستعاذة أنّ الله قد وفقک وألهمک ، وقذف في قلبک إرادة التوجه إليه ، والالتجاء به من عدوه، وأنّت تعلم أنّ حصن الله حصين ، وکهفه حريز متين وأنّ عدوه مترصد لک حتي يختلسک ويختطفک بمکائده ومصائده، فاشکر الله تعالي علي ما ألهمک من التحصن بحصنه قبل أنّ يکون منک طلب، وإن کان نفس هذا الطلب منک بتوفيقه، فيکون الشکر موجباً لمزيد النعمة ودفع النقمة ومستدراً للتوفيقات السيالة الباعثة علي التشمر عن ساق الجد للدخول في باب اللجأ إليه والتوکل عليه، قبل أنّ يسبق إليک نزغات الشيطان، أو يحول بينک وبين الرحمن حجاب الغفلة وسواد العصيان .

قال بعض العارفين : إن الشيطان قاسم أباک وأمک أنّه (لهما لمن

أنّه کان

ص: 53


1- هو ثابت بن دينار المعروف بابي حمزة الثمالي الکوفي ، نقل عن الإمام الرضا عليه السلام يقول : «أبو حمزة لقمان زمانه» . توفي سنة (150) ه.- الأعلام : ج 81/2.
2- البحار : ج 82/98 ، دعاء أبي حمزة الثمالي
3- النساء : 79.

الناصحين ) (1) وقد رأيت ما فعل بهما، وأما أنّت فقد أقسم علي غوايتک کما حکي الله سبحانه عنه (فبعزتک لأغوينهم أجمعين ) (2) فماذا تري يصنع بک، فتشمر عن ساق الخوف والحذر منه ومن کيده وخديعته .

المستعاذ منه

الثاني: المستعاذ منه وهو الشيطان، ووزنه إما فيعال من الشطن وهو البعد، ومنه بئر شطون أي بعيدة القعر، سمي لبعده عن الله ، أو عن رحمته ، أو عن صراطه السوي، أو عن الخير، وإن کان مرجع الجل أو الکل إلي واحد.

أو أنّه علم شخصي أو إسم لکل عات متمّرد من جن أو إنس، ومنه

( شياطين الإنس والجن) (3)

أو فعلان من الشيط أي الإحتراق، والهلاک، والبطلان، لاحتراقه بشهب السماء، أو بشهب قلوب المؤمنين، وهي الأنّوار المحرقة للنيران، أو بنفسه حنقاً وغيظاً، إذا رآي متقرباً يتقرب إلي ربه ، ولأنّه هالک في نفسه باطل في ذاته ، مبطل في دعواه ولمصالحه و مصالح من يتبعه.

وکيف کان ، فلا خلاف بين المسلمين، بل بين کافة المتشرعين، ولو بالشرايع السالفة في وجود الشياطين ، بل عليه إجماع جميع الأنّبياء والأولياء، کما يکشف عنه اتفاق أممهم في جميع الأعصار والأمصار، مضافاً إلي تواتر أخبارهم بتمثله لهم، والأمر بالتعوذ منه، ومکالمته مع غير واحد من الأنّبياء وغير ذلک مما يتعلق

ص: 54


1- إشارة إلي آية 21 من سورة الأعراف وهي : وقاسمهما أنّي لکما لمن الناصحين)
2- سورة ص : 82.
3- الأنّعام : 112.

بوجوده، بل ينبغي أنّ يعد التصديق بوجوده من ضروريات المذهب بل الدين المبين، فيکون منکره خارجاً عن زمرة المسلمين.

هذا کله مع الغض عن الآيات القرآنية کلية الاستعاذة(1)وآيتي النزع بل

آياته (2) کقوله:

(أنّ نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)(3)

وقوله:

( واتبعوا ما تتلوا الشياطين علي ملک سليمان) (4)

( والشياطين کل بناء وغواص (5) و آخرين مقرنين في الأصفاد ) (6)

(وحفظاً من کل شيطان مارد) (7)

(وما يعدهم الشيطان إلا غروراً) (8)

(إن کيد الشيطان کان ضعيفاً) (9)

(انهم اتخذوا الشياطين أولياء ) (10)

(ولا تتبعوا خطوات الشيطان)(11)

ص: 55


1- سورة النحل : 98.
2- يوسف : 100، الإسراء : 53، الأعراف : 200، فصلت : 36.
3- يوسف : 100.
4- سورة البقرة : 102.
5- سورة ص : 37.
6- سورة ص : 38.
7- سورة الصافات : 7.
8- سورة النساء : 120.
9- سورة النساء : 76.
10- سورة الأعراف : 30.
11- سورة البقرة : 168.

إلي غير ذلک من الآيات الکثيرة بل الأخبار المتواترة التي يقطع المتأمّل فيها بفساد قول من أنّکرها رأساً ، وأولها بالنفوس الشريرة الإنسانية کبعض الزنادقة من أتباع الفلاسفة المحجوبين عن کشف الملکوت(1)کما يقطع المتأمّل في أدلتهم بفسادها إذا غاية ما إستدلوا به أنّها لو کانت موجودة فإن کانت أجسامة غليظة کثيفة الرآها کل سليم الحس ، وتجويز عدم رؤيتها حينئذ سفسطة محضة، کتجويز أنّ

يکون بحضرتنا جبال شاهقة ويحار غامرة لا نراها.

وإن کانت لطيفة لتلاشت وتمزقت بأدني قوة فضلاً من أنّ تقاوم المصادمات

القوية، أو تقدر علي الأعمال الشاقة التي ينسبها إليها مثبتوها.

وأنّ وجودهم مع ما نسب إليهم يرفع الوثوق بالمعجزات لجواز استناد کل

ص: 56


1- قال الرازي : إختلف الناس قديما وحديثاً في ثبوت الجن ونفيه ، فالنقل الظاهر من اکثر الفلاسفة إنکاره، قال أبو علي سيناء في رسالته في حدود الأشياء» : الجن حيوان هوائي متشکل بأشکال مختلفة ، ثم قال : وهذا شرح الإسم. فقوله : هذا شرح الاسم يدل علي أنّ هذا الحد شرح للمراد من هذا اللفظ ، وليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج، وأما جمهور أرباب الملل والمصدقين للأنّبياء فقد إعترفوا بوجود الجن ، واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة وأصحاب الروحانيات ويسمونها بالأرواح السفلية . - مفاتيح الغيب : ج 148/30 . وقال إمام الحرمين عبدالملک بن عبدالله الجويني المتوفي سنة (478) ه في کتابه «الشامل» في أصول الدين : إن کثيرا من الفلاسفة وجماهير القدرية وکافة الزنادقة أنّکروا الشياطين والجن رأسا ، ولا يبعد لو أنّکر ذلک من لا يتدبر ولا يتثبت بالشريفة ، وإنما العجب من إنکار القدرية مع نصوص القرآن وتواتر الأخبار واستفاضة الآثار. وقال أبو القاسم الأنّصاري سليمان بن ناصر الفقيه الشافعي المتوفي سنة (512) ه في کتابه شرح الإرشاد» في أصول الدين : قد أنّکرهم معظم المعتزلة ، ودل إنکارهم إياهم علي قلة مبالاتهم ورکاکة دياناتهم ، فليس في إثباتهم مستحيل عقلي وقد دلت نصوص الکتاب والسنة علي إثباتهم ، وحق علي اللبيب المعتصم بحبل الدين أنّ يثبت ما في العقل بجوازه ونص الشرع علي ثبوته .. عن آکام المرجان في إثبات وجود الجان : ص 15، تأليف : بدر الدين محمد الشبلي الحنفي المتوفي (769) ه.

من المعجزات إليهم ، سيّما مع إيحائهم إلي أوليائهم ، وانفتاح باب الکهانة.

وأنّ کثيراً ممن ادعي علم العزائم ومشاهدة الروحانيين بعد أنّ تابوا کذّبوا

أنّفسهم فيما نسبوا إليهم.

وأنّ الآثار المنسوبة إلي الجن والشيطان إذا تأملتها وجدتها راجعة إلي مجرّد الدعوي والکذب، أو إلي تمثل المتخيل وتوهمه موجودة في الخارج، لاستيلاء الوهم أو لقوة النفس وضعفها، أو إلي بعض النفوس الخيّرة أو الشريرة.

وأنّهم لو خالطوا البشر لحصل بينهم بسبب طول المدة وکثرة المخالطة صداقة

أو عداوة موجبة لبعض الآثار من المسار والمضار، وليس فليس.

وأنّ الطريق إلي إثباتها إما الدليل العقلي والمعلوم إنتفاؤه، أو الحسي

والمشاهدة فکذلک.

وأمّا من يدّعي مشاهدتهم فإمّا من الکّذابين المقترحين أو من المرورين والمجانين وغيرهم من المرضي والضعفة الذي يتخيلون أشياء لا حقيقة لها بسبب فساد أمزجتهم.

وأما إثباتها من طريق أخبار الأنّبياء فلا يتم إذ قد عرفت أنّ في إثباتها إبطال

النبوة(1)

فهذه وجوه ستة مشترکة في الضعف ، إذ الجواب عن الأول أنّها أجسام لطيفة مادية أو مثالية هورقلياوية(2)أو أرواح مجردة ، وأما وجوب تلاشيها بأدني قّوة فلا دليل عليه، وقياسها علي بعض الأجسام المخصوصة قاصر عن إثباته، وحسبک في ذلک ملاحظة کونها أجساماً نارية مختارة متمردة ، کما قال :

ص: 57


1- مفاتيح الغيب : ج 1 /76، مع اختلاف في الألفاظ .
2- هورقليا (بضم الهاء وفتح القاف ) مأخوذة من العبري ويقل اصطلاح علي العالم العلوي

(خلقتني من نار وخلقته من طين )(1)

وقال :(والجانّ خلقناه من قبل من نار السموم )(2)

ومن البيّن أنّ النار الجامدة تفعل الأفاعيل العجيبة القوية السريعة مع أنّها

ألطف من الهواء بمراتب بل ألطف من جميع العناصر.

وأما ما يتوهم من إستبعاد تعلق الحياة بالنار مع کونها مفرقة للمزاج غير قابلة لتعلقه بها فمما لا ينبغي الإصغاء إليه، بعد دلالة الآيات والأخبار، وملاحظة حصول الحياة من الحرارة الغريزية، بل ربما يقال : إن کرة النار مملوة من الروحانيات.

وعن الثاني : أنّ المعجزة تفارق السحر في سبقها بالدعوة والتحدي والطلب ، ولا يجري معه السحر لقضية اللطف، وفي کونها بلا آلات وأدوات و مرور زمان يمکن فيه تلک الأعمال بخلاف السحر، فإنه لا يمکن إلا بعد استعمال تلک الأمور ومرور الزمان إلي غير ذلک من الفروق الواضحة عند أهله.

ولذا قال شيخنا البهائي رحمة الله عليه : إنّه لو کان خروج الماء من بين أصابع النبي صلي الله عليه و اله وسلم مع قبض يده وضم أصابعه إلي کفّه کان يحتمل السحر وأما مع بسط الأصابع وتفريجها فلا يحتمل السحر، وذلک واضح عند من له درية في صناعة السحر.

ومن الثالث بالمنع من ذلک وأين يقع تکذيب هؤلاء من تصديق الأنّبياء

والأوصياء والأولياء بعد دلالة کتاب الله حسب ما سمعت.

وعن الرابع : أنّ صدور الکذب عن بعض وتمثل المتخيل عن آخر

يد

ص: 58


1- سورة الأعراف : 12، وسورة ص: 76.
2- سورة الحجر : 27 .

العرض أو مرض لا يقدح في صدق نسبة الآثار الصادرة من الروحانيين إليها.

ولعمري أنّ هؤلاء الذي قصرت أبصارهم بالنظر إلي المحسوسات وأنّکروا ما سوي المشاهدات ، قد أقدموا علي إنکار أکثر العالم، فإن المحسوس المشاهد منه وهو العناصر وما ترکب عنها أقل قليل من أجزاء العالم بل الهواء والنار من جملة العناصر أيضا ليسا بمشاهدين.

ومن الخامس : أنّ عدم التجانس، وعدم المزاحمة في الحوائج واختلافها في کثير من الأمور، واحتجاب کل منهما عن ملاقاة الآخر والإنکشاف له کلما شاء، وغير ذلک من الأمور التي اقتضتها العناية الربانية ، إقتضت سد أبواب الصداقة والعداوة بينهما إلا لبعض العوارض التي لا يقتضي المقام شرحها، نعم، من جملتها ما أوجب تسخيرها لسليمان علي نبينا وآله وعليه السلام ، وصرف نفر من الجن إلي نبينا صلي الله عليه و اله وسلم (1)، وإسلام شيطانه علي

ص: 59


1- إشارة إلي الآية (29) من سورة الأحقاف وهي : ( وإذ صرفنا إليک نفرة من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنّصتوا فلما قضي ولوا إلي قومهم منذرين) . قال الفيض في «الصافي» : سبب نزول هذه الآية أنّ رسول الله صلي علي عليه و اله ان خرج من مکة إلي سوق عکاظة ومعه زيد بن حارثة يدعو الناس إلي الإسلام فلم يجبه أحد ولم يجد أحد يقبله ، ثم رجع إلي مکة فلما بلغ موضع يقال له : وادي مجنة تهجد بالقرآن في جوف الليل فمر به نفر من الجن فلما سمعوا قراءته قال بعضهم لبعض : أنّصتوا ! - يعني أسکتوا - فلما قضي أي فرغ رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم من القراءة ولوا إلي قومهم منذرين ... فجاءوا إلي رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم ، وأسلموا و آمنوا وعلمهم رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم لي شرايع الإسلام، فأنّزل الله عز وجل علي نبيه (قل أوحي إلي أنّه استمع نفر من الجن ... )فحکي الله عز وجل قولهم، وولي عليهم رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم منهم وکانوا يعودون إلي رسول الله صلي علي عليه و اله في کل وقت فأمر رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم يا أمير المؤمنين عليه السلام أنّ يعلمهم ويفقههم ، فمنهم مؤمنون وکافرون وناصبون و يهود و نصاري و مجوس . ورواه أيضا في نور الثقلين : ج 5 /18، ح30 وص20، ص 32.

يديه، (1)وإيمان هام بن هيم (2)، وإيمان کثير من الجن علي يد أمير المؤمنين عليه السلام (3) ومکالمة الشيطان مع يحيي (4)وعيسي (5) ونوح(6) وغيرهم (7)من الأنّبياء والأولياء علي محمد و آله وعل ، بل مکاشفة کثير من الروحانية السفلية لبعض المؤمنين عليه السلام ، ولأرباب التسخير وغيرهم حسب ما شاهدوها في رياضاتهم الشرعية وغيرها، علي وجه لا ريب فيه ولا شک يعترية.

ومما يظهر الجواب عن السادس أيضاً ، نعم ربما يظهر من بعض (8)أتباع

ص: 60


1- روي مسلم عن ابن مسعود أنّ النبي قال : ما منکم من أحد إلا وکل له قرينه من الجن ، قالوا: وإياک يا رسول الله ؟ قال : وإياي إلا أنّ الله أعانني عليه فأسلم، فلا يامرني إلا بخير .. صحيح مسلم : ج 2162/4، ح 69.
2- هام بن هيم : قصة لقائه الرسول مروية في البحار: ج 83/63 ، ح 39، ورواه ابن حجر في «لسان الميزان»: ج 356/1، عن عمر ، قال : بينا نحن قعود مع النبي علي جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ وفي يده عصا فسلم علي النبي اي فرد وقال : أنّت من ؟ قال : أنّا هامة بن الهيم بن لاقيس بن ابليس ، قال : وليس بينک وبين ابليس إلا أبوان ؟ قال ک نعم، قال ان فکم أتي لک من الدهر ؟ قال : قد أفنيت الدنيا عمرها غلا قليلاً، ليالي قتل قابيل هابيل کنت أنّا غلام ابن أعوام ، أفهم الکلام وأمر بالآکام، وآمر بإفساد الطعام وقطيعة الأرحام ، فقال رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم : بئس عمل الشيخ المتوسم أو الشاب المتلوم ، قال : ذرني من التعذار فإني تائب إلي الله إني کنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه علي قومه حتي بکي عليهم وأبکاني ... إلي أنّ قال : فعلمه رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم سورة المرسلات ، وعم يتساءلون ، وإذا الشمس کورت ، والمعوذتين وقل هو الله أحد .. الخ.
3- أنّظر البحار: ج 86/18 ، ح 4، وج 168/39 ، ح 9، و ج90/63 ، ح 45 عن عيون المعجزات للشيخ حسين بن عبدالوهاب المعاصر للسيد المرتضي ص 43- 46.
4- أنّظر البحار : ج223/63 ، ح 70 عن مجالس ابن الشيخ : ج348/1، ح 3.
5- ابحار: ج 13 / 239، ح 83 عن مجالس الصدوق ص 171 ح 1.
6- البحار: ج 250/63 ، ح 111 و 112 و 113.
7- أنّظر مکالمة الشيطان مع موسي بن عمران في البحار: ج 63/ 251.
8- المراد به هو الفخر الرازي المتوفي (606) ه في «مفاتيح الغيب» : ج 1 في المقدمةالسادسة من المسألة العاشرة .

الفلاسفة نفي الوسوسة المنسوبة إليه، نظراً إلي ما ثبت لديهم من أنّ المصدر القريب للأفاعيل الحيوانية هو هذه القوي المحرکة المرکوزة في العضلات، بعد انضمام الميل والإرادة التي هي من لوازم حصول العلم بکون ذلک الشيء لذيذاًأو مکروهاً ، وأنّ ذلک الشعور لابد أنّ يکون بخلق الله إبتداءاًأکما عن بعضهم، أو بواسطة مراتب کما عن آخرين، وحينئذ فالکلام في کل من تلک المراتب في أستلزام ما بعده علي الوجه الذي قرر، فترتب کل من هذه المراتب علي ما قبله حتم لازم لزوماً ذاتياً واجباً، ألا تري أنّه ربما يقع صورة الشيء في النفس ابتداءاً من غير إرادة واختيار وصنع، ولا بواسطة الإنتقال من المحسوس إليه، فإذا حصلت وعرف کونه مطلوباً ملائماً مال إليه ، وتحرکت القوي المحرّکة القريبة إلي الطلب فيحصل الفعل بعد هذه المراتب لا محالة، سواء حصل الشيطان أم لم يحصل، فلا يبقي فعل يستند إليه، بل هذه المراتب إن اتفق حصولهما في الطرف النافع فالهام، أو الضار فوسوسة، وهو مجرد التسمية، ومبدء الفعل ما عرفت (1)

وربما يجاب عنه بأنّه حقّ وصدق ولکن قد يکون الإنسان غافلا فيذکره الشيطان ، فيترتب عليه الميل ثم الفعل، فليس من الشيطان إلا ذلک التذکير، وهو المراد بقوله:

(وما کان لي عليکم من سلطان إلا أنّ دعوتکم فاستجبتم لي) (2)

- (3)

أقول: وکأنّ هذا القائل قد غفل أنّ تغافل عن المطاردة الواقعة بين الملائکة والشياطين، فإنّ الإنسان وإن کان فاعلا مختارا في جميع شؤونه، إلا أنّه إذا بدا له أمر من الخيرات أو الشرور، وکان متمکنا من اختيار کل منهما علي الآخر بقصده وإرادته يقع التجاذب والمطاردة بين حزب الله وهُم الملائکة الموکّلون علي يمين

ص: 61


1- مفاتيح الغيب : ج86/1.
2- مفاتيح الغيب : ج 87/1 .
3- سورة ابراهيم : 22.

القلب وهم جنود العقل وبين الشياطين وهم الموکّلون علي يسار القلب وهم جنود الجهل.

وجملة الکلام في المقام مع الإشارة إلي أسباب الوسوسة والإلهام أنّ الإنسان مجبول في بدو خلقته وأصل طبيعته علي حب الکمال، واقتناء الخيرات وإجتناب الشرور، وهو صبغة الله التي لا أحسن منها وفطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو المراد بالنبوي:

کل مولود يولد علي فطرة الإسلام وأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه(1) -

ثم إن الإنسان لما کان مخلوقاً من العوالم السبعة التي هي الفؤاد، والعقل، والنفس، والطبيعة، والمزاج، والمثال، والأجسام المادية، وکان فيه قبضة من کل هذه العوالم فإنه أنّموذج ما في العالم الکبير، وإليه الإشارة يقول أمير المؤمنين عليه السلام :

أتزعم(2) أنّک جرم صغير وفيک انطوي العالم الأکبر

فله من کل هذه العوالم شوب وأثر وحکم، ومن جملتها عالم النفس التي من جملة قواها الوهم والخيال ، ولما کان الإنسان في هذا العالم بعد کونه مخلوقاً في أحسن تقويم، مردودة إلي أسفل السافلين، وهو هذا العالم الجسماني الظلماني الهيولاني العنصري، ومن هذا العالم يأخذ في الصعود والتدرج إلي أعلي عليين

ص: 62


1- البحار: ج281/3 ، ح 22 عن عوالي اللئالي : ج 1 / 35، ح 18 . ورواه السيّد المرتضي في «أماليه» في الجزء الرابع مرسلا عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم. ورواه أبو يعلي في «مسنده» والطبراني في «الکبير» والبيهقي في «السنن» عن الأسود بن سريع واللفظ هکذا: «کل مولود يولد علي الفطرة حتي يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه ..... الخ». . قاله السيوطي في «الجامع الصغير : ج 2/ 94، ورواه البخاري في «الصحيح»: ج 2/ 125، وابن حنبل في «المسند»: ج 2/ 233 و 275 و 282 و 393 و 410و 481 وج 353/3 .
2- في نسخة من الديوان : أتحسب أنّک ..... الخ

وفيه يتأهل لمجاورة أولياء الله المقربين.

فأول ما يفاض عليه في النشأة الرحمة الصغروية والکبروية هي النامية النباتية ، ثم يفاض عليه القّوة البهيمية، فيعرف الأکل والشرب ويلتّذ بهما ويشتاق إليهما، ثم يفاض عليه القوة السبعياً والشهوية الفرجية، فلا يزال مشغوفاً مشتغلاً؟ بتحصيل أسبابها، وقضاء وطره منها، مستعملاً لجميع القوي والحوّاس الظاهرة والباطنة في التنعم بها وتمهيد ما يؤدي إليها، والاحتيال بدفع من يزاحمه فيها من بني نوعه أو غيره، فتصير جنود الجهل والشيطان مستولية علي مملکة البدن، مستعملة لجميع قواها وأدواتها في حظوظها العاجلة ومقاصدها الدائرة الفانية، ثم يدخل عند البلوغ أو قبله سلطان العقل مملکة البدن، علي حين غفلة من أهلها، ويسعي في إصلاحها وتسخير أهلها ويؤيده الله تعالي بألوف من الملائکة مردفين ومسومين ، ويستمد الجهل من الشيطان بألوف من الشياطين فلا يزال يزيّن له العقل طريق الخير والهدي والجهلُ سبيلَ الغي والردي، و تذکرة العقل باليقين الشهودي ، إذ

قد عرفت أنّ الله تعالي خلق الإنسان علي هيکل التوحيد ، فإنه يحب الخير ويبغض الشر مع قطع النظر عن الدواعي الشهوانية والأغراض النفسانية التي هي في الحقيقة أمراض کسبية وأسقام إعتمالية، ويذکره أيضا بالمواعيد الحقة الإلهية، والتخويفات السماوية، وبما هو محسوس مشاهد لکافة الأنّام من فناء اللذات وبقاء الآثام، ولا يزال يؤيَّد بملائکة الله الصافين والحافين عن يمين قلبه بإذن ربه.

وأما الشيطان فلمجانسة النفس الأمارة بالسوء وللجهل وجنوده وأحزابه قد تقرب إليه وأستشرف عليه من کوة الجهل وأيد بجنوده جنود الجهل، فإن له سبعين جنداً، کما أنّ للعقل أيضاً سبعين جندة، فلا يزال يقرب له الهوي، ويزيّن له حب الدنيا، ويأمره بالحوبة، ويسوّف له التوبة، ويرجّح عنده الشهوات العاجلة الفانية علي السعادات الآجلة الباقية کما قال الله سبحانه :( زيّن للناس حب الشهوات من

ص: 63

النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنّعام والحرث ذلک متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب )(1)

والمزيّن لها هو الشيطان.

وأما قوله :

(إنا جعلنا ما علي الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً) (2)

فلا ينافيه إذ جعله زينة للأرض الفانية الظلمانية لا يستلزم جعله زينة للناس، سلّمنا لکن لا محذور في نسبة التزيين إليه أيضاً ، ولو لکونه خالقا لما يترتب علي وجوده إبتلاء العباد واختبارهم، ولذا علّله بقوله : (لنبلوهم ).

وبالجملة فلا يزال التطارد والتدافع بين الحزبين والجنود المتقابلة من الطرفين، کما في «الکافي» عن الصادق عليه السلام قال : «ما من قلب إلا وله أذنان، علي إحديهما ملک مرشد وعلي الأخري شيطان مفتن، هذا يأمره، وهذا يزجره، الشيطان يأمره بالمعاصي والملک يزجره عنها، وذلک قوله الله : (عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)(3)-(4)

قال رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم: ما من مؤمن إلا ولقلبه في صدره أذنان : أذن ينفث فيها الملک، وأذن ينفث فيها الوسواس الخناس ، فيؤيد الله المؤمن بالملک ، وهو قول الله : (وأيده بجنود لم تروها )(5)(وأيدهم بروح منه )(6)- (7)

ص: 64


1- آل عمران : 14.
2- الکهف : 7.
3- سورة ق : 17 - 18.
4- أصول الکافي : ج 226/2، ح 1، والبحار: ج 205/63 ، ح 34 وج274/68، ح 30.
5- سورة التوبة : 40.
6- سورة المجادلة : 22
7- البحار: ج 194/63عن تفسير العياشي .

ويعد هذا فأفراد الإنسان من حيث إطاعتهم للرحمن أو الشيطان علي ثلاثة

أصناف:

الصنف الأول : «من سبقت لهم من الله الحسني»(1)وتکشف لديهم عن معايبها الدنيا ، فميزوا اليسري عن اليمن، وهم المتقون «اللذين إذا مسهم طائف من الشيطان تذکروا فإذا هم مبصرون»(2)، فإن التقوي لباس قد أنّزله الله تعالي سترة للسوءة الإمکانية والعورة الهيولانية، کما قال سبحانه :

(يا بني آدم قد أنّزلنا عليکم لباسا يواري سوآتکم وريشاً و لباس التقوي

ذلک خير) (3)

وهؤلاء المتقون باقون علي فطرتهم الأصلية، وصورتهم الإنسانية، فلا يصدر منهم فعلاً قولاً وحالاً وخيالاً وفطرة إلا الخير المحض، فکل إناء بالّذي فيه ينضح:

(والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه)(4).

(الطيبات للطيبين ) (5)

وفي الإنجيل : إن اللسان يتکلم بزوائد القلب فيستولي البياض والنور علي وجه قلبه وينمحي السواد والظلمة بالکلية، ويصير قلب الإنسان مستوي الرحمن وهذا قوله :

(الرحمن علي العرش استوي) (6)

ص: 65


1- إقتباس من آية (101) في سورة الأنّبياء .
2- إقتباس من آية (201) في سورة الأعراف
3- الأعراف : 26.
4- سورة الأعراف : 58.
5- النور: 26.
6- طه : 5.

فإنه في الإنسان الذي هو العالم الصغير مثال للعرش العظيم في العالم الکبير ،

ولذا ورد في الحديث القدسي:

«لن تسعني أرضي ولا سمائي ولکن يسعني قلب عبدي الموُمن»(1)

ولا تحوم الشياطين حول هذه القلوب النورانية الإلهية ( إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين) (2) وهذه الشهب شهب نورانية مطفئة للنار، فإن النار لا تنطفي بالنار بل بالنور، ولذا تقول جهئم للمؤمن حين يمر عليها : جز عني سريعاً فإن نورک أطفأ ناري (3)

الصنف الثاني : (نسوا الله فأنّساهم أنّفسهم )(4) وهم الذين اختاروا دواعي الشر علي دواعي الخير، ونصروا جنود الشيطان حتي فارقتهم ملائکة الرحمن، ولم يزالوا کذلک حتي فارقهم نور الإيمان بالکلية، وأستولت الظلمة والقسوة والجفوة والسواد علي قلوبهم حتي إنمحي النور والبياض بالکلية، وانسدّت مشاعر عقولهم

فهم ( في طغيانهم يعمهون) (5)(صم بکم عمي فهم لا يرجعون )(6) ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون، (کلا بل ران علي قلوبهم ما کانوا يکسبون)(7) (کلا

ص: 66


1- البحار : ج 39/58، وفيه : في الحديث القدسي: «لم يسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن» .
2- سورة الحجر : 18.
3- البحار: ج 8/ 249وفيه : عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم ؟ قال : «يقل النار للمؤمنين يوم القيامة : جز يا مؤمن فقد أطفأ نورک لهبي». في ج 258/92 ، ح 52 عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم الان : «إذا مر المؤمن علي الصراط طفئت نهب النيران ويقول : جز يا مؤمن فإن نورک قد أطفأ نهبي»
4- سورة الحشر : 19.
5- البقرة : 15. الأنّعام : 110. الأعراف : 189 . يونس: 11. المؤمنون : 75.
6- سورة البقرة : 18.
7- المطففين : 14.

إنهم يومئذ عن ربهم لمحجوبون) (1)، فتغيرت خلقتهم وتبدلّت طبيعتهم ومُسخت حقيقتهم، فهم بين بهيمية وسبعية وشيطانية، فهو متجاذب بين خنزير وکلب وشيطان، فيأمره الأول بأفعال البهائم من عبودية البطن والفرج والحرص علي الأکل والجماع، والثاني بأفعال السباع من الغضب والبغضاء والتوثب علي الناس بأنّواع الأذي ، والثالث : باستنباط الحيلة والمکر والخديعة والتوصل إلي الأغراض الشهوانية والعصبية والشيطنة بأنّواع الحيل والخدع وإنما المطيع لهذه الثلاثة المتبع الشهواتها کالواقف بين أيديها في خدمتها، يأمره الکلب مرة ، والخنزير أخري، وهو مشتر عن ساق الجد للخدمة والإطاعة وامتثال الأمر والنهي، لا يبغي عن خدمتها حولاً ولعمري إنه بئس للظالمين بدلا.

الصنف الثالث : أرباب النفوس اللوامة، وهم الذين يقدمون علي الطاعة مرة وعلي المعصية أخري (مذبذبين بين ذلک ... )(2)و غير مستقرّين علي شيء مما هنالک، وهؤلاء فطرتهم الأصلية بعد باقية، ولذا يلومون أنّفسهم باقتراف السيئات ويستبشرون باقتناص الفضائل والطاعات، والمطاردة بين جنود العقل والجهل باقية دائمة في أراضي صدورهم، وکيفية هذه المطاردة في معرکة القلب المعنوي للإنسان علي ما ذکره بعض أهل العلم، أنّ خاطر الهوي مثلا يبتدأ أولا فيدعوه إلي الشر، فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلي الخير، فتنبعث النفس بشهواتها إلي نصرة خاطر الشر فيقوي الشهوة، ويحسّن التمتع والتنعم، فيبعث العقل إلي خاطر العقل ، ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلي الجهل، ويشبّهها بالبهيمية والسبع في تهجمها علي الشر وقلة إکترائها بالعواقب، ويميل النفس إلي نصح

إيم

ص: 67


1- المطففين:15.
2- النساء: 143.

العقل ، فيحمل الشيطان حملة علي العقل ويقوّي داعي الهوي، فيقول : ماهذا الزهد البارد؟ ولم تمنع عن هواک فتؤذي نفسک، وهل تري أحدا من أهل عصرک يخالف هواه أو ترک عزيمته أفتترک ملاذ الدنيا لهم يستمتعون منها وتحجر علي نفسک حتي تبقي محروما مطعونا يضحک عليک أهل الزمان ، تريد أنّ يزيد منصبک علي فلان وفلان وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمتنعوا، ما نري العالم الفلاني ليس يحترز عن مثل ذلک الفعل، ولو کان شرا لا متنع منه ، مع (أنّ الله تواب حکيم) (1) و غفور رحيم )(2) قد فتح لعباده باب التوبة والإنابة ، ووعد علي نفسه الرحمة والعفو والمغفرة، وورد : إن الله يحب المفتن التواب ، فارتکب هذه المعصية، ثم تب إلي الله في يومک أو في آخر يوم من أيام عمرک ليجتمع لک التلذذ باللذات العاجلة الدنيوية والتنعم بالنعم الباقية الأخروية، فحينئذ تميل النفس إلي الشيطان وتقلب إليه، فيحمل الملک حملة علي الشيطان، ويقول: هل هلک إلا من اتبع لذة الحال ونسي العاقبة، أفتقنع بلذة يسيرة وتترک الجنة ونعيمها أبد الآباد، أو تستثقل ألم الصبر عن شهوة ولا تستثقل ألم النار، أنّغتر بغفلة الناس عن أنّفسهم وأتباعهم هواهم ومساعدتهم للشيطان مع أنّ عذاب النار لا يخفف بمعصية غيرک، أتسّوف التوبة ، وتقع في الحوبة ولعل الأجل يدرکک في حال المعصية، أو في النوم، أو في شيء من آناء الليل والنهار، وأنّت غافل عن التوبة مشتغل القلب بالوحشة والدهشة، ألم تسمع الله تعالي يقول:

(وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتي إذا حضر أحدهم الموت قال

إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم کفار أولئک أعتدنا لهم عذاباً أليماً) (3).

ص: 68


1- النور : 10.
2- البقرة : 173، 182، 193، 199، 218، 225.
3- سورة النساء :18.

ألم تر أنّ فرعون لما أدرکه الغرق قال : (آمنت أنّه لا إله إلا الذي آمنت به

بنو اسرائيل وأنّا من المسلمين) (1)

فضرب جبرئيل علي فمه بالوحل وقيل له: (والآن وقد عصيت قبل وکنت من المفسدين) (2) ألم تسمع الله يقول: (فلم يک ينفعهم إيمانهم لمّا رأوا

بأسنا )(3)

أتدفع السيئة العاجلة بالتوبة الآجلة؟ ألم تر أنّ کثيراً ممن تقحم الشهوات واجترح السيئات قد تبدلت فطرتهم وتغيرت خلقتهم، کما أشير إليه بقوله :

( فليغيرنّ خلق الله)(4) فلم يلتفتوا بعد ذلک إلي التوبة، ولم يخطر ببالهم قبح الخطيئة ، فلما صرف الله قلوبهم وعميت أبصارهم فلم يبصروا عيوبهم، فهل کان ذلک التغير إلا من ملازمة الشهوات، وهل تأمن أنّ تکون مثلهم بعد تکرر الفعل الموجب لحصول الملکة، وعند ذلک يميل القلب إلي قول الملک ، فلا يزال يردّد بين الجندين متجاذباً إلي أنّ يغلب علي القلب ما هو أولي به ، فإن کانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية غلب الشيطان، ومال القلب إلي حزب من أحزابه معرضاً عن حزب الله وأولياءه ، فيکله الله تعالي إلي نفسه في حال المعصية ، ويفارقه روح الإيمان، کما ورد «ولا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن»(5)

أو مطلقاً. نعوذ بالله من ذلک، فيعود إلي الصنف الثاني ويفارقه العقل الذي به

ص: 69


1- سورة يونس : 90.
2- سورة يونس :91.
3- سورة غافر: 85.
4- النساء: 119.
5- عوالي الليالي : ج 40/1، ح42و ص 167، ح 184 ورواه النوري في «مستدرک الوسائل» کتاب الحدود والتعزيرات ، الباب (1)من أبواب حد السرقة.

يطاع الرحمن ويکتسب الجنان (أولئک الذين طبع الله علي قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئک هم الغافلون لا جرم أنّهم في الآخرة هم الخاسرون)(1)

وإن کان الغالب علي القلب الصفات الملکية لم يثق القلب إلي إغواء الشيطان وتحريصه إياه علي العاجلة وتهوينه أمر الآجلة، بل يميل إلي حزب الله وتظهر الطاعة علي جوارحه بموجب ما سبق من القضاء، و«قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» (2). أي متجاذب بين هذين الحزبين أو يقلبه الله حسب إرادته کما يشاء، فهو کالميت بين يدي الغسال.

ثم إن بعض القلوب عاکف في مقام الترديد بالنسبة إلي جميع الشهوات وبعضها بالقياس إلي بعض الشهوات دون بعض، کالذي يتورع عن بعض الأشياء ولکن إذا تمکن من مال حرام لا يملک نفسه فيه ، أو فيما فيه الکبر والرئاسة والجاه إلي غير ذلک، فإن للجهل جنودأ بعدة جنود العقل وهي سبعون علي ما رواه في أول الکافي عن سماعة بن مهران قال : کنت عند أبي عبدالله عليه السلام ؟ وعنده جماعة من مواليه فجري ذکر العقل والجهل، فقال أبو عبدالله عليهالسلام : «إعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا»، قال سماعة : فقلت: جعلت فداک ! لا نعرف إلا ما عرفتنا، فقال أبو عبدالله عليه السلام : إن الله جل ثناؤه خلق العقل وهو أول خلق خلقه من الروحانيين عن

ص: 70


1- سورة النحل : 108 - 109.
2- عوالي اللغالي ک ج 1 / 48، ح 69، وسنن الترمذي کتاب الدعوات في الباب (90) ح 3522 ولفظه : قال صلي الله عليه و آله و سلم : « يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله». . اختلفوا فيما هو المراد من الحديث ، قال بعض : هو مثل قوله تعالي : والسماوات مطويات بيمينه ه فکما لا يصح أنّ يقال : اليمين في الأية بمعني الجارحة ، کذلک لا يصح أنّ يقال : الأصبع في الحديث مثل أصابعنا ، بل نؤمن بذلک کله ، ولا نحمله علي الحقائق المعلومة عندنا بل يجب حمله علي معان أخري.

يمين العرش من نوره فقال : أقبل! فأقبل، ثم قال له : أدبر ! فأدبر، فقال الله تبارک وتعالي : خلقتک خلقاً عظيماً وکرمتک علي جميع خلقي ، قال : ثم خلق الجهل من البحر الأجاج الظلماني، فقال له: أدبر ! فأدبر، ثم قال له : أقبل ! قلم يقبل، ثم قال له : إستکبرت فلعنه، ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً، فلما رآي الجهل ما أکرم الله به العقل وما أعطاء أضمر له العداوة ، فقال الجهل : يا رب! هذا خلق مثلي خلقته وکرمته وقوّيته وأنّا ضده ولا قوة لي به، فأعطني من الجند ما أعطيته ، فقال : نعم، فإن عصيتني بعد ذلک أخرجتک وجندک من رحمتي ، قال : قد رضيت، فاُعطاه

خمسة وسبعين جنداً (1)

أقول : وهذا الخبر لا شتماله علي علوم عزيزة المنال بعيدة عن عقول الرجال لا يناسب شرحه في هذا المقال ، وإنما المراد الإشارة إلي کثرة جنود الجهل وأنّ عالمي الروحانيين متطابقان متساوقان وأنّ بإزاء کل حق باطلاً وفي الخروج عن کل إستقامة إنحرافاً بل إنحرافات غير متناهية، ولذا قال هرمس (2) الهرامسة في دعائه: «اللهم أنّقذِني من بدن الطبيعة إليک علي خط مستقيم ، فإن المعوج لا نهاية له». .

بناءاً علي أحد الوجهين في مفادة ، وإلي الإشارة بقوله تعالي : (وأنّ هذا

صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتبعوا السُبُلَ فتفرَق بکم عن سبيله )(3)

فانظر کيف جمع السبل ووحد الصراط و السبيل ولذا خطّ النبيّ صلي الله عليه و اله وسلم

عند

ص: 71


1- الکافي : ج 1 /20، ح 14.
2- المراد به إدريس النبي علي نبينا وآله وعليه السلام ، قيل له بالبونانية : أرميس وعرب بهر مس
3- سورة الأنّعام : 153.

نزوله خطاً مستقيماً علي الأرض وخطوطاً عن أطرافه(1)

وبالجملة جنود الشيطان متکثرة منتشرة في العالم متشمرة لإضلال بني آدم،

فإن الله تعالي جعل له بإزاء کل شيء شيئاً .

ففي النبوي:

«إنّ إبليس قال لربه: يا رب ! قد أهبط آدم وقد علمت أنّه سيکون کتب ورسل، فما کتبهم ورسلهم ، قال : رسلهم الملائکة والنبيون وکتبهم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، قال : فما کتابي ؟ قال : کتابک الوشم، وقرائتک الشعر، ورسلک الکهنة، وطعامک ما لم يذکر اسم الله عليه ، وشرابک کل مسکر، وصدقک الکذب، وبيتک الحمام، ومصائدک النساء، مؤذنک المزمار، ومسجدک الأسواق (2)

فکل ما يصدک عن سبيل الخير أو يأمرک ويقرب لک ويوقعک في نهج الضر والضير، فهو من أعوان الشيطان وجنوده وأحزابه وهو المشار إليه بقوله : ( واستفزز من استطعت منهم بصوتک وأجلب عليهم بخيلک ورجلک وشارکهم في الأموال والأولاد و عدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً) (3)

وقوله: (وکذلک جعلنا لکل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم

إلي بعض زخرف القول غروراً)(4)

وفي «الکافي» عن الباقر عليه السلام : «إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم، وإن أحدکم إذا غضب احمرت عيناه وانتفخت أوداجه، ودخل

ص: 72


1- أخرج الحاکم في المستدرک» : ج 318/2 : عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم أنّه خط خطا ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطا، ثم قال : هذا سبيل الله ، وهذه السبل علي کل سبيل منها شيطان يدعو إليه وأنّ هذا صراط مستقيما ... الخ.
2- البحار : ج 281/63، ح 173.
3- سورة الإسراء : 64.
4- سورة الأنّعام : 12.

الشيطان فيه ، فإذا خاف أحدکم من نفسه فليلزم الأرض فإن رجز الشيطان ليذهب عنه عن ذلک»(1)

وفي «المتهجد» في العودة التي کتبها أبو الحسن الثاني لابنه عليه السلام الان :

«أمتنع من شياطين الإنس والجن، ومن رجلهم وخيلهم ورکضهم وعطفهم، ورجعتهم، وکيدهم، وشرهم ومن شر الدناهش (2) والحس واللمس واللبسومن عين الجن والإنس، ومن شر کل صورة وخيال، أو بياض أو سواد أو مثال، أو معاه أو غير معاهد، ممن يسکن الهواء والسحاب والظلمات والنور، والظل والحرور، والبر والبحور، والسهل والوعور، والخراب والعمران ، والآکام والآجام، والمغائض (3) والکنايس والنواويس (4) والفلوات والجبانات.. الدعاء (5)

عن الصادق عليه السلام : «إن لإبليس عونة يقال له «تمريح» إذا جاء الليل ملأ ما بين

الخافقين» (6)

وروي أنّ الله تعالي قال لإبليس: «لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لک مثلها

فليس أحد من ولد آدم إلا وله شيطان قد قرن به»(7)

وفي تفسير الإمام لال عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم:

ص: 73


1- الکافي : ج 304/2 ، وعنه البحار : 265/63، ح 149.
2- المعايض جمع المغيضية وهي الأجمة أي منبت الشجر والقصب .
3- الموجود في المصدر : (اللمس) فقط ، وجعل اللبس في هامش الکتاب بدلا منه
4- النواويس : مقابر النصاري .
5- مصباح المتهجد: 340، وعنه البحار : ج 266/63، ح 151.
6- روضة الکافي : 234 وعنه البحار: ج 263/63 ، ح 145.
7- البحار: ج 306/63.

«تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم ، فإن من تعوذ بالله أعاده الله، وتعوذوا من

همزاته ونفخاته ونفثاته ، أتدرون ما هي؟

أما همزاته : فما يلقيه في قلوبکم من بغضنا أهل البيت ، قالوا: يا رسول الله ! وکيف نبغضکم بعد ما عرفنا محلکم من الله ومترلتکم، قال : بأنّ تبغضوا أوليائنا وتحبوا أعدائنا (1)

وأما نفخاته : فهي ما ينفخون به عند الغضب في الإنسان الذي يحملونه علي

هلاکه في دينه ودنياه ، وقد ينفخون في غير حال الغضب بما يهلکون به.

أتدرون ما أشد ما ينفخون به ؟ هو ما ينفخون بأنّ يوهموه أنّ أحداً من هذه

الأمة فاضل علينا، أو عدل لنا أهل البيت (2)

وأما نفثاته : فإن يري أحدکم أنّ شيئاً بعد القرآن أشفي له من ذکرنا أهل البيت ومن الصلاة علينا، وأنّ الله عزّ وجل جعل ذکرنا أهل البيت شفاء للصدور، وجعل الصلوات علينا ماحية للأوزار والذنوب، ومطهرة من العيوب ومضاعفة للحسنات »(3)

تبصرة عرفانية

قد تبين لک من تضاعيف ما تلونا عليک وألقينا إليک أنّ الشيطان شيطان لفعله وصورته وإغوائه وصده عن سبيل الله ، فکل ما يصرفک عن المنهج القويم ويصدک

ص: 74


1- تفسير الإمام عليه السلام: ص 584، ح 347، وعنه البحار: ج 6/27، ح 20.
2- في المصدر : أو عدل لنا أهل البيت ، کلا - والله - بل جعل الله تعالي محمد اً صلي الله عليه و اله وسلم، ثم آل , محمد عليهم السلام فوق جميع هذه الأمة ، کما جعل الله تعالي السماء فوق الأرض ، وکما زاد نور الشمس والقمر علي السهي.
3- تفسير الإمام عليه السلام : ص585، ح 348.

عن الصراط المستقيم فإنما هو شيطانک، وإن کان في أصله وحقيقته رحمة لک ونعمة عليک.

ألا تري أنّ کلاً من أدواتک وجوارحک ومشاعرک الظاهرة والباطنة إذا کانت سليمة فهي نعمة ليس لها قيمة، وأنّت تقتدر بقدرتک وإرادتک بعد الاستمداد من فضل الله ورحمته أنّ تکتسب بها الجنان وتطفيء بها النيران، وأنّ تصل بها إلي مجاورة أولياء الرحمن، فلا تنبت حينئذ في أرض نفسک الطيبة إلا الخطرات الإيمانية واللمعات النورانية والنفخات الربانية، فيترشح علي الأعضاء والجوارح من طفاحة (1)الأنّوار القلبية والفيوض الرحمانية.

وإليه الإشارة بقوله في الدعاء الذي يقرء ليلة الجمعة: «اللهم اجعل لي نوراً في قلبي ، ونوراً في قبري، ونوراًبين يدي ، ونوراً تحتي، ونوراً فوقي ، ونوراً في سمعي ، ونوراً في بصري، ونوراً في شعري ، ونوراً في بشري، ونوراً في لحمي ونوراً في دمي ، ونوراً في عظامي»(2)

وأما إذا أمّرتَ علي مملکة البدن النفسَ الأمارة التي هي سفير الشيطان ووزيره فيبتدء بتسخير الآلات والأدوات والأعضاء والمشاعر ثم يسعي في هدم الأرض الأقدس والبيت المقدس وهو بيت الإيمان والعرش الذي هو مستوي الرحمن، وإليه الإشارة بقوله:

(وإذا أردنا أنّ نهلک قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول

فدمرناها تدميراً)(3). والأمر أمر تکويني .

ص: 75


1- الطفاحة - بضم الطاء - ما طفح فوق الإناء کزبد القدر إذا غلا.
2- جمال الاسبوع : ص 133 ، ومصباح المتهجد : ص 187، وعنه البحار : ج 293/89 ، ح 5.
3- سورة الإسراء : 16.

وفي قراءة أمير المؤمنين عليه السلام (1) [أمرنا ]بالتشديد أي جعلناهم أمراء، فلما سخرت النفس قرية البدن وإستخدمت قواها واستعملت مشاعرها ووطأتها سنابک الشيطان وفارقتها ملائکة الرحمن وساسر الأعوان يبقي العقل وحيداًفريداً ضيق الصدر، مجهول القدر ، منبوذ الأمر، فينادي ربه بلسان الخشوع والاستکانة : (ربنا ؛ أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنک وليا واجعل لنا من لّدنک نصيراً) (2)

وهو قوله : (فأخرجنا من کان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت

من المسلمين )(3)

فلما فارقه العقل يصير القلب مقلوباً منکوساً ينسدً بابه إلي الملکوت والعليين، وينفتح منه باب إلي سجين ، فينطبع فيه صور الباطل، ولا يخطر بباله شيء من الحق، فإن القلب لادراک الحقائق والمعقولات وانطباعها فيه کالمرآة للمحسوسات، فإذا کان صافياً نقياً من کدورة الشهوات وظلمة الخطيئات حاذي بوجهه جانب الملکوت، فينطبع فيه صور الحقائق المرکوزة في الألواح السماوية والخزائن الغيبية، وأما إذا إنسدّ بابه الأعلي إلي عليين وانفتح له باب أسفل إلي سجين إنطبع فيه صور الأباطيل والانحرافات والعکوس الظلمانية والخيالات

ص: 76


1- سهي المؤلف قدس سره في نسبة هذه القراءة إلي أمير المؤمنين عليه السلام ، فإن القراءة المنسوبة إليه هي بمد الهمزة ، کما قال الطبرسي في «مجمع البيان»: ج 6 / 405، في ذيل الآية ، هذه عبارته : القراءة العامة [أمرنا] بالتخفيف غير ممدود ، وقرأ يعقوب [أمرنا] بالمد ، وهو قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام والحسن ، وأبي العالية ، وقتادة ، وجماعة ، وقرأ [أمرنا ]بتشديد الميم ابن عثمان ، وأبو عثمان النهدي ، وأبو جعفر محمد بن علي بخلاف ، وقرأ [أمرنا] بکسر الميم الحسن ، ويحيي بن يعمر .
2- سورة النساء : 75.
3- سورة الذاريات :35-36.

الشهوانية ، فلا ينطبع في مرآة قلبه إلا المکر والخديعة وطلب الشهوات وغيرها مما هو من نسخ الظلمات، فإن القلب سريع التقلب والتحول، ولذا قيل: قد سُمّي القلب قلباً من تقلّبه فاحذر علي القلب من قلب و تحويل

وإليه الإشارة بقوله : ( و نقلّب أفئدتهم و أبصارهم کما لم يؤمنوا به أوّل مرة

ونذرهم في طغيانهم يعمهون) (1)

ومبادي هذه الأحوال إختيار الشرور والمعاصي عند الترديد ، ثم المعاشرة مع الفسّاق والظلمة وأعوان الشياطين، ثم التولّي والتودد لشياطين الإنس والجن کما قال : (إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ) (2)

وأما قوله : ( إنا جعلنا الشياطين أولياء الذين لا يؤمنون )(3)

فالجعل تکويني بعد الأختيار إذ (لا إکراه في الدين) (4) (أفأنّت تکره الناس حتي يکونوا مؤمنين )(5)،( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) (6) ، (نسوا الله فأنّساهم أنّفسهم ) (7)

فإذا استحکم عقد الولاء بينهم تترلوا في الدرکات إلي مقام الإيحاء:

(وإن الشياطين ليوحون إلي أوليائهم )(8) (وکذلک جعلنا لکل نبي عدواً

شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلي بعض زخرف القول غروراً)(9) .

ص: 77


1- سورة الأنّعام : 110.
2- سورة الأعراف: 30.
3- سورة الأعراف : 27.
4- سورة البقرة : 256.
5- سورة يونس : 99.
6- سورة الصف : 5.
7- سورة الحشر : 19.
8- سورة الأنّعام : 121.
9- سورة الأنّعام : 113.

فيدخلون في حزب الشيطان ويسلب عنهم اسم الإنسان، إذ الإنسان بقلبه لا بقالبه، والشيطان شيطان بمکره وخديعته وتمرده وعصيانه لا بصورته ، هؤلاء هم

الذين:(استحوذ عليهم الشيطان فأنّساهم ذکر الله أولئک حزب الشيطان إلا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) (1)

المبحث الثالث: في المستعاذ به، وهو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لکل شيء علمأ وصنعاً وتربية ، ولذا علق الاستعاذة باسم الذات المستجمع للصفات الکمالية في الآيات الثلاثة المتقدمة، وفي قوله : (ففروا إلي الله).(2)

إذ بيده ملکوتُ السموات والأرض وهو يجير ولا يجار عليه ، فلا ملجأ ولا

منجي ولا مهرب ولا مناص ولا مفرّ عنه ومن غيره إلا إليه، لکنّ الله تعالي جعل لنفسه أبواباً وسبلاًووسائل وشفعاء، وجعلهم أحسن أسمائه ومظاهر نعوته وصفاته، وأمرنا بأنّ نأتي البيوت من أبوابها، وأنّ نتوصل إلي الغايات بأسبابها فجعل محمد و آل محمد صلي الله عليهم أجمعين أبوابه وأسبابه .

ففي الزيارة الجامعة : «من أراد الله بدأ بکم، ومن وحّده قبل عنکم، ومن

قصده توجه إليکم» (3)

وفيها: «مستجير بکم، زائر لکم، لائذ بقبورکم، مستشفع إلي الله عزّ وجل بکم، متقرب بکم إليه، ومقدمکم إمام طلبتي وحوائجي وإرادتي في کل أحوالي

وأموري»(4).

وعن الصادق عليه السلام ؟ قال : قال رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم : يا علي ! والذي بعثني بالنبوة واصطفاني علي جميع البرية، لو أنّ عبدا عبدالله ألف عام ما قبل الله ذلک منه إلا

ص: 78


1- سورة المجادلة : 19.
2- سورة الذاريات: 50.
3- البحار: ج 131/102 ، ح ، وفيه : «و من قصده توجه بکم» .
4- البحار ج 131/102، ح 4، وهذه الجملات متقدمة علي الفقرات المذکورة من قبل

بولايتک وولاية الأئمة من ولدک ، أخبرني بذلک جبرئيل، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليکفر»(1)

وفي تفسير الإمام عليه الصلاة والسلام قال :

قال رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم: ألا فاذکروا يا أمة محمد محمدا وآله عند نوائبکم وشدائدکم لينصر الله بهم ملائکتکم علي الشياطين الذي يقصدونکم، فإن کل واحد منکم معه ملک عن يمينه يکتب حسناته، وملک عن يساره يکتب سيئاته، ومعه شيطانان من عند إبليس يغويانه ، فإذا وسوسا في قلبه ذکر الله تعالي وقال : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلي الله علي محمد وآله، حبس الشيطانان ثم صارا (2)إلي إبليس فشکواه وقالا: قد أعيانا أمره فأمددنا بالمردة ، فلا يزال يمدهما حتي يمدهما بألف مارد فيأتونه فکلما راموه ذکر الله وصلي علي محمد و آله الطيبين لم يجدوا إليه طريقاً ولا منفذاً ، قالوا لإبليس : ليس له غيرک تباشره بجنودک فتغلبه وتغويه، فيقصده إبليس بجنوده ألا فقاتلوه ، فيقاتلهم بإزاء کل شيطان رجيم منهم مائة ألف ملک وهم علي أفراس من نار، بأيديهم سيوف من نار ورماح من نار وقسي ونشاشيب وسکاکين من نار، فلا يزالون يخرجونهم ويقتلونهم بها ويأسرون إبليس فيضعون عليه تلک الأسلحة ، فيقول : يا رب ! وعدک وعدک قد أجلّتني إلي يوم الوقت المعلوم، فيقول الله تعالي لملائکة: وعدته ألا أميته ، ولم أعده أنّ لا أسلّط عليه السلاح والعذاب ، إشتفوا منه ضربا بأسلحتکم فإني لا أميته فيشخنونه بالجراحات، ثم يدعونه، فلا يزال سخين العين علي نفسه وأولاده المقتولين المقتلين ، ولا يندمل شيء من جراحاته إلا بسماعه أصوات المشرکين بکفرهم، فإن بقي هذا المؤمن علي طاعة الله وذکره والصلاة علي محمد

ص: 79


1- البحار : ج 27 / 63، ح 22، و ص 199، ح 66عن کنز الکراجکي ص 185.
2- في البحار : سارا

وآله، بقي إبليس علي تلک الجراحات، وإن زال العبد عن ذلک وانهمک في مخالفة الله عزّوجل ومعاصيه، إندملت جراحات إيليس، ثم قوي علي ذلک العبد حتي يلجمه فيسرج علي ظهره ويرکبه، ثم ينزل عنه، ويرکب ظهره شيطانا من شياطينه، ويقول لأصحابه : أما تذکرون ما أصابنا من شأنّ هذا من الذل وإنقاد لنا الآن حتي صار هذا، ثم قال رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم: فإن أردتم أنّ تديموا علي إبليس سخنة عينيه وألم جراحاته، فداوموا علي طاعة الله وذکره والصلاة علي محمد و آله ، وإن زلتم عن ذلک کنتم أسراء فيرکب أقفيتکم بعض مردته» (1)

فيستفاد من الأخبار المتقدمة وغيرها أنّ التوسل والاستشفاع بهم موجب

للنجاة وأنّه لا يمکن الوصول إلي الله تعالي إلا بولايتهم ومحبتهم.

ولذا ورد في الدعاء المهدوية الرجبية علي منشئه ألف صلاة وسلام وتحية :

«أعضاد وأشهاد وحفظة ورواّد» (2)

وفي الزيارة الجامعة انهم الذادة الحماة ((3)

والذادة جمع الذايد من الذود وهو الدفع والحماة جمع الحامي وهو الحافظ، فإنهم عليهم السلام يحفظون شيعتهم ويدفعون عنهم في الدنيا والآخرة أعدائهم من الجن والإنس والشياطين وجزيهم الظالمين ، فإن من توسل بهم يجعلونه في حفظهم وعنايتهم وصيانتهم وحرزهم وکهفهم.

وفي عوذة يوم الخميس: «أعيذ نفسي بقدرة الله، وعزة الله، وعظمة الله ،

وسلطان الله ، وجلال الله ، وکمال الله ، وبجمع الله ، وبرسول الله صلي الله عليه و اله وسلم ولاة أمر الله من

ص: 80


1- التفسير المنسوب إلي الإمام العسکري عليه السلام ط الجديد : 398، ح 270، وعنه البحار :ج 271/98 - 272
2- بحار الأنّوار: ج 393/98، ح 1.
3- البحار: ج 102 / 128، ح 4.

شر ما أخاف وأحذر» (1)

والمراد بقوله : «قدرة الله» مع روافدها إنما هو إذ مقدور مع ما يتبعه، إذ لا تعدد في بحت الذات لا حقيقة ولا مفهوما ولا خارجا ولا إعتبارا ، ولذا قال أمير المؤمنين روحي له الفداء وعليه آلاف التحية والثناء

کمال التوحيد نفي الصفات عنه»(2)

فلا يحمل علي إذ لا مقدور، وذواتهم نفس الفعل، لأنّها المشية الکلّية

والقدرة الإلهية والعزة الربانية والعظمة الصمدانية، کما قالوا:

«نحن أسماء الله الحسني، وأمثاله العليا» (3)

أو أنّهم مظاهر الصفات الفعلية والشؤون الربانية ، والترديد هو إنما هو باعتبار

اختلاف مراتبهم.

وأيضا قد ورد: أنّهم الأعراف الذي لا يعرف الله إلا بسبيل ولايتهم وأنّهم

وجه الله الذي يؤتي منه.

ففي «البصائر» عن الصادق عليه السلام في قوله في( کل شيء هالک إلا وجهه )(4)

قال : «دينه وکان رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم لي وأميرالمؤمنين عليه السلام عليه دين الله ووجهه وعينه في عباده ولسانه الذي ينطق به ونحن وجه الله الذي يؤتي منه»(5)

وفي زيارة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : «السلام علي إسم الله الرضي ووجهه المضيء وجنبه العلي...إلي قوله : وأشهد أنّک جنب الله ووجهه الذي يؤتي منه وأنّک سبيل الله ...»(6)

ص: 81


1- البحار: ج 215/90 ، ح 40.
2- نهج البلاغة : الخطبة الأولي .
3- بحار الأنّوار : ج 5/25، ح 7.
4- سورة القصص: 88.
5- أورده الصدوق «التوحيد»: 151، ح 7 وعنه البحار : ج 197/24، ح 23.
6- البحار : ج 306/100 .

وأيضاً قد قال الله تعالي : (ومن يعش عن ذکر الرحمن نقيّض له شيطانا فهو

له قرين وانهم ليصدّونهم عن السبيل ويحسبون أنّهم مهتدون)(1)

والذکر هو النبي کما قال : (ذکرا رسولا يتلوا عليکم آيات الله) (2)

أو الوصي، وهو المراد بالسبيل أيضاً، والترديد باعتبار الجهات والحيثيات

والمراتب وإلا فما أمرنا إلا واحدة.

عباراتنا شتّي وحسنک واحد وکلُّ الي ذاک الجمال يشير

ومن هنا يتّضح وجه ما في الأدعية المعصوميّة تعليما لنا وعبودية لله سبحانه من الإستعاذة بکلمات الله التي هي أسماؤهم الشريفة وحقايقهم الکلية الإلهية کما ورد في تفسير قوله:

(فتلقي آدم من ربه کلمات ) (3)،(وإذا ابتلي إبراهيم ربه بکلمات) (4)

(ما نفدت کلمات الله ) (5) وغير ذلک.

بل بغيرها مما هو بمعناها ، ففي «المتهجد» في الدعاء الخاص عقيب الثامنة

من صلاة الليل:

«أعوذ بنور وجهک الکريم الذي أشرقت له الظلمات وأصلحت عليه أمر

الأولين والآخرين»(6)

وفي عوذة يوم الخميس : «أعيذ نفسي بقدرة الله وعزة الله(7) إلي آخر ما مر.

ص: 82


1- سورة الزخرف :36- 37 .
2- سورة الطلاق : 10- 11.
3- سورة البقرة : 37.
4- سورة البقرة : 124.
5- سورة لقمان : 27.
6- مصباح المتهجد، في نافلة الليل : ص 148، رقم الدعاء : 238 / 34.
7- مصباح المتهجد: ص 490، رقم الدعاء : 577 / 32.

ومثله ما في عقيب الفجر،(1) والکل إشارة إلي وجهه الباقي بعد فناء کل شيء ، کما في الأخبار المفسرة للآية وهو وجهه الذي ملأ نوره کل شيء وهو حيث لا يدرکه شيء(2)، کما في عوذة ليلة الجمعة في المتهجد(3) فالتوجه إليهم توجه إلي الله والاستعاذة بهم إستعاذة بالله، لأنّ الله تعالي جعلهم أبوابه وصراطه ونوره وسبيله، فهم السبيل الأعظم والصراط الأقوم وشهداء دار الفناء، وشفعاء دار البقاء والرحمة الموصولة ، من أراد الله بدأ بهم، ومن قصده توجه إليهم صلوات الله عليهم وعلي أنّوارهم وعلي أرواحهم وعلي أجسادهم وعلي أجسامهم وعلي ظاهرهم وعلي باطنهم وعلي أولهم وعلي آخرهم ورحمة الله وبرکاته .

[المبحث الرابع : في الکشف عن حقيقة الاستعاذة وکيفيتها]

إعلم أنّ لا يمکن أنّ يتحقق العبد في مقام الاستعاذة والالتجاء والإنقطاع إلا

بعد العلم بأمور ثلاثة:

أحدها : أنّ له عدوّاً قوياً قاصدأ له مترصّدأ لإيصال الضرر إليه في نفسه

ودينه وعياله وماله بحيث يعجز العبد عن مقاومته ّ ضرره عن نفسه.

ثانيا: أنّ الملجأ الذي يهرب إليه ويتّوسل به قويّ قاهر قادر علي قهر ذلک

العدوّ وإذلالِه، ودفع شره عنه ، والحيلولة بينه وبينه بحيث لا يمته شره أصلا.

ثالثها: أنّ هذا الملجأ ناصح مشفق بر لطيف رؤوف رحيم، قد وعد علي نفسه أنّ يجيرَ من استجاره وأنّ يعيذ من إستعاذ به، وکلما کانت العلوم المتعلقة بهذه المقاصد الثلاثة أقوي وأصفي وأجلي، کان التحقق بمقام الاستعاذة والالتجاء أتمّ وأدوم وأکمل سيما إذا إنضم إليه العلم بانحصار الملجأ به دون غيره، وهذه العلوم الثلاثة بل الأربعة حاصلة في المقام، وإن کان في شيء منها ضعف فمن الشک في

ص: 83


1- مصباح المتهجد : ص 204، رقم الدعاء : 296/ 34.
2- في المصدر : حيث لا يراه شيء.
3- مصباح المتهجد: ص490،رقم الدعاء : 578/33.

الدين، أو من ضعف اليقين، وإلّا فينبغي أنّ ينتهي هذه العلوم من مرتبة علم اليقين إلي عين اليقين، بل حق اليقين.

أمّا العدوّ القويّ المترصّد فهو الشيطان اللعين بالضرورة من الدين بل بالشهود والعيان واليقين، مضافا إلي الآيات الکثيرة التي نبه الله فيها عباده بعداوة هذا العدو وأمرهم بالتجنب والتحرز عنه کقوله : ( يا بني آدم لا يفتننکم الشيطان کما أخرج أبويکم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما، إنه يراکم هو

وقبيله من حيث لا ترونهم) (1)

وقوله : (إنّ الشيطان لکم عدو فاتخذوه عدوا ، إنما يدعوا حزبه ليکونوا

من أصحاب السعير) (2)

وقوله : (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لکم عدوّ ، بئس للظالمين

بدلا)(3)

(ولا يصدنّکم الشيطان ّ لکم عدوّ مبين) (4)

(ألم أعهد إليکم يا بني آدم أنّ لا تعبدوا الشيطان إنّه لکم عدِّو مبين ، وأنّ

اعبدوني هذا صراط مستقيم ) (5)

هذا کلّه مضافا إلي ملاحظة منشأ عداوته لبني آدم وإنه صار مطرودا مدحورا بترک سجدة آدم، فأضمر العداوة له ولذريته حتي أقسم علي إيصال الضرر إليهم في أشرف ما لديهم وهو دينهم الذي هو حياتهم، وبه بقاؤهم ونجاتهم، فقال :

(وفبعزّتک لأغوينهم أجمعين إلّا عبادک منهم المخلصين ) (6)

ص: 84


1- سورة الأعراف : 27 .
2- سورة فاطر: 6.
3- سورة الکهف : 50.
4- سورة الزخرف : 62.
5- سورة يس : 60 - 61.
6- سورة ص : 82- 83.

(وقال ربّ بما أغويتني لأزينّ لهم في الأرض ولأغوينّهم أجمعين) (1)

بل أمره الله تعالي أمرا تهديديا إمهاليا بقوله:

(واستفزز من استطعت منهم بصوتک وأجلب عليهم بخيلک ورجلک

وشارکهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلّا غرورا)(2)

وذلک لأنّه عبد الله تعالي في الجانّ إثني عشر ألف سنة فلما أهلک الله الجانّ،

شکي إلي الله الوحدة، فعرج به إلي السماء الدنيا فعبد الله تعالي فيها إثني عشر ألف سنة أخري في جملة الملائکة، کما رواه الصدوق في «العلل» و «المجالس» (3)بل في «نهج البلاغة» في خطبة علي أميرالمؤمنين علي أنّه عبد الله تعالي ستة آلاف سنة لا يدري أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة (4)

وإن کان المستفاد من بعض الأخبار أنّ عبادته في تلک المدة لم تکن له تعالي بل لطلب زخارف الدنيا، کما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام الصلاة والسلام في جواب الزنديق علي ما في «الإحتجاج»:

«إنه سجد سجّدةً واحدة أربعة آلاف عام لم يُرِد بها غيرَ زخرف الدنيا،

والتمکين من النظرة»(5)

وکيف کان فالطريق صعب ذو خطر، والعدو قويّ مترصّد لإيصال الضرر، وبعد ذلک لابدّ للعبد من استشعار ضعفه وعجزه عن جلب شيء من المنافع أو دفع شيء من المضار إلا بحول الله وقوته في المقامات العلمية والعملية، وإن کان الأول هو الأصل للثاني، فالإنسان فيه في غاية العجز ولذا کثيرا ما يهلک من حيث لا

بي نهج البلاغة» فنيا أم من سني الاجر ان عبادته في

ص: 85


1- سورة الحجر: 39-40.
2- سورة الإسراء : 64.
3- علل الشرايع : ج 136/1- 137 ، المجالس للصدوق : 209.
4- نهج البلاغة : ج 396/1 ۔ 399 في الخطبة القاصعة .
5- الإحتجاج : ج 1 / 368.

يشعر ولا يلتفت ، فيقع في العقائد الباطلة والشبهات والشکوک والوساوس الشيطانية المفضية به إلي إنکار الحق بل الإلحاد والزندقة وهو بزعمه باقي علي إستقامة الفطرة وحسن السليقة، ولعل الجاهل مغرور باستعمال القواعد الميزانية، مبتهج بإصابته في عقايده ولا يدري أنّ حال من خالفه في هذه العقيدة أو في سائر العقائد إنما هو کحاله في زعمه في حق نفسه وابتهاجه بإصابته، ولعل غيره أولي بالإصابة منه لقوة نظره ونفوذ بصيرته واستقامة سليقته، ولهذا تري أهل العالم بل المتسمين بالعلم منهم مختلفين في العقائد، بل في الأديان، وکل فرقة منهم تزعم النجاة لنفسه ويستدل له في زعمه بالبراهين القطعية مع إعمال القوانين المنطقية ، فکل منهم يدفع الخطاً عن نفسه إلي خصمه مع أنّهما متساويان في کفتي ميزان الإصابة والبطلان، بل ربما يصيب الأعمي رشده ويخطيء البصير قصده، وقد يوفق الغبي للدليل، وينحرف الفطن عن قصد السبيل، بل رأينا کثيرا من العلماء المشهورين بالعلم والمعرفة قد اخطأوا في بعض العقائد طول عمرهم أو بقوا في شبهة واحدة أيام دهرهم، وظنوا الباطل حقا، والکذب صدقا، ثم المستبان بنور الهداية والکشف خلاف ما فهموه ، بل کثيرا ما يقع الرجوع والعدول عن بعض العقائد ويحصل لهم صورة ادراکية مشبه ما کان سابقا في طرف الضد، وحيث إن الأمر کذلک فلا خلاص من هذه الظلمات إلا بإعانة إله الأرض والسموات، فما أشد احتياج الإنسان بالإستعاذة إلي واهب الحکمة والعرفان ومسدد العقول والأذهان، ومن بيده ناصية الإنس والجن من الشيطان، ولذا أمر نبيه بالاستعاذة تعليما للعباد

بقوله : ( وقل رب أعوذ بک من همزات الشياطين) (1)

قيل : وهذه الاستعاذة مطلقة غير مقيدة بحالة مخصوصة .

ص: 86


1- المؤمنون: 97.

وأما قوله تعالي : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله )(1).

فهي إستعاذة مخصوصاً، حيث إن لکلّ أحد، وفي کل حالة ومقام شيطاناً

مخصوصاً يجب الإستعاذة منه.

وأمّا الملجأ والمنجي والمعاذ فهو الله الحي القيوم القادر القاهر المقتدر الذي قد وعد عباده بحفظهم من شر الشيطان، وضرّه ووسوسته بمجرد الدخول في حصن عبوديته، ولذا قال :(إن عبادي ليس لک عليهم سلطان ... ) (2)

وقال بعد الأمر بالاستعاذة به منه : (إنه ليس له سلطان علي الذين آمنوا وعلي ربهم يتوکلون ، إنّما سلطانه علي الذين يتولونه والذين هم به مشرکون) (3)

وفي هذه الآية إنفصام لظهور أرباب العصيان، لدلالتها علي انتفاء الإيمان بمجرد إطاعة الشيطان، وإنه ليس له سلطان إلا علي المشرک بالرحمن، وذلک للأخبار المستفيضة الدالة علي أنّ «من أصغي إلي ناطق فقد عبده فإن کان الناطق ينطق عن الله فقد عبدالله ، وإن کان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان» (4).

و«أنّ من أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده أو فقد أشرک» (5)

کما قال الله تعالي : (إتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) (6)

فعن الصادق عليه السلام : «أما والله ما دعوهم إلي عبادة أنّفسهم، ولو دعوهم إلي عبادة أنّفسهم لما أجابوهم، ولکن أحلّوا لهم حراما، وحرّموا عليهم حلالا،

ص: 87


1- النحل : 98.
2- الاسراء : 68.
3- النحل : 100-99.
4- بحار الأنّوار : ج 264/72، وفيه : وإن کان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس .
5- بحار الأنّوار : ج 94/72 ، عن تفسير علي بن ابراهيم عن الصادق عليه السلام .
6- التوبة : 31.

فعبدوهم من حيث لا يشعرون»(1)

بل يستفاد من قوله تعالي، خطابا للمجرمين الممتازين:(ألم أعهد إليکم يا بني آدم أنّ لا تعبدوا الشيطان إنّه کان لکم عدو مبين ، وأنّ اعبدوني هذا صراط

مستقيم ) (2)

بعد ملاحظة عموم الخطاب لأهل العصيان ، وفقد من يزعم ربوبية الشيطان، لأنّ من أطاع الشيطان، بل من خالف الله تعالي في أمر أو نهي فقد عبد الشيطان،

بقرينة المقابلة، ولذا قال تعالي :(وما يؤمن أکثرهم بالله إلا وهم مشرکون)(3)

وقال سبحانه: (أفرأيت من اتخذ ألهه هواه ... )(4) .

وفي النبوي: «أبغض إله عبد في الأرض، الهوي». .

ولعل هذا هو المشار إليه بقوله صلي الله عليه و اله وسلم : «إن الشرک أخفي في أمتي من دبيب

النملة السوداء علي الصخرة الصماء في الليلة الظلماء»(5).

وحينئذ فحيث تجد نفسک ضعيفة عن مقاومة هذا العدو، إذ الإنسان قد خلق ضعيفا، ولذا ورد في الدعاء: «اللهمّ لا تکلني إلي نفسي طرفة عين أبدا، ولا أقل من ذلک ولا أکثر، فإنک إن تکلني فإن نفسي هالکة أو تعصمها»(6)

ص: 88


1- الکافي : ج 398/2.
2- يس : 61-60.
3- يوسف :160.
4- الجاثية : 23.
5- مضمون الحديث مرويّ بعبارات مختلفة عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم والأئمة الطاهرين عليهم اسلام طلب منها : مارواه الطبرسي في مجمع البيان ج 4 ص 359 عن الصادق عليه السلام أنّه سئل عن قول النبي صلي الله عليه و اله وسلم : إن الشرک أخفي من دبيب النمل علي صفوانة سوداء في ليلة ظلماء ...... الخبر ورواه عنه البحار ج 18 ص158.
6- بحار الأنّوار ج 14 ص 387 عن الکافي ج 2 ص 581 إلي : ( ولا اکثر).

فخذ حذرک، وشدد أزرک ، واعرف قدرک، وفوّض أمرک.

فإن التجأت بربک الرؤوف اللطيف، فاعلم أنّ کيد الشيطان هيّن ضعيف، وإنّ احتجبت بحجابه الذي يحتجب به، وتوجهت إلي بابه الذي يؤتي منه، وأنّت من غيره راجع تائب، فقد نلت أقصي المطالب، ومنتهي المأرب.

وإن قصدک الشيطان أتبعه شهاب ثاقب، لأنّک حينئذ قد اعتصمت بذمام الله المنيع الذي لا يطاول ولا يحاول، وهذا الأمام ولايتهم عليهم الصلاة والسلام، ولذا ورد في دعاء الصباح علي ما في «المتهجد»:

أصبحت الهم معتصما بذمامک المنيع، الذي لا يطاول ولا يحاول، من کل غاشم وطارق، من سائر من خلقت وما خلقت من خلقک الصامت والناطق، في جنة من کل مخوف بلباس سابغة، ويأهل بيت نبيک (وفي بعض النسخ) : سابغة ولاء أهل بيت نبيک، محتجبا من کل قاصد لي بأذية بجدار حصين الإخلاص في الإعتراف بحقهم، والتمسک بحبلهم، موقنا أنّ الحق لهم ومعهم وفيهم وبهم، أوالي من والوا وأجانب من جانبوا، فأعذني اللهم بهم من شر ما أتقيه........الدعاء» (1)

ومجمل الإشارة في المقام إلي الاعتصام بذلک الذمام الذي هو ولايتهم عليه السلام أنّ يتأدب بالآداب الشرعية ويستقيم علي الوظائف الدينية، ولا ينحرف عنهم في شيء من الأفعال والأقوال والأحوال والخطرات والنبات والقصود والمقاصد، فإذا فعل ذلک فهو من شيعتهم الذي خلقوا من فاضل طينتهم، وسقوا بماء ولايتهم.

ولذا قال مولانا الرضا عليه التحية والثناء: «شيعتنا المسلّمون لأمرنا،

الآخذون بقولنا، المخالفون لأعدائنا، فمن لم يکن کذلک فليس منا» (2)

ص: 89


1- مصباح الشيخ ص148 وعنه البحار ج 86 ص 148 ح 31.
2- صفات الشيعة للصدوق : ص 164، وعنه بحار الأنّوار : ج 167/68، ح 24.

وقال الصادق عليه السلام : «ليس شيعتنا من قال بلسانه ، وخالفنا في أعمالنا و آثارنا ، ولکن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، وأتبع آثارنا، وعمل بأعمالنا، أولئک شيعتنا» (1)

وفي «إرشاد المفيد» و«الأمالي» و«صفات الشيعة»: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام خرج ذات ليلة من المسجد، وکانت ليلة قمراء فأم الجبانة ولحقه جماعة يقفون

أثره، فوقف عليهم، ثم قال : من أنّتم؟

قالوا: شيعتک يا أمير المؤمنين . فتفرس في وجوههم ثم قال : فمالي لا أري عليکم سيماء الشيعة ؟ قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟

فقال عليه لسلام : «صُفر الوجوه من السهر، عُمش العيون من البکاء،حُدب الظهر من القيام، خُمص البطون من الصيام، ذُبل الشفاه من الدعاء، عليهم غبرة الخاشعين»(2)

وروي العياشي عن الصادق عليه السلام قال: «نحن أهل بيت الرحمة، وبيت النعمة، وبيت البرکة، ونحن في الأرض بنيان، وشيعتنا عُري الإسلام، وما کانت دعوة ابراهيم إلّا لنا ولشيعتنا، ولقد استثني الله إلي يوم القيامة علي إبليس، فقال : (إن عبادي ليس لک عليهم سلطان)(3) »(4)

وفي رواية أخري: «والله ما أراد الله بهذا إلا الأئمة وشيعتهم» (5)

ص: 90


1- بحار الأنّوار : ج68 /164، ح 13.
2- إرشاد المفيد : ص114، وأمالي الطوسي : ج 219/1 . وعنهما بحارالأنّوار ج150/68-151، ح 4.
3- الحجر : 42.
4- تفسير العياشي : ج 243/2 ، وعنه البحار: ج 68م 35.
5- تفسير الفرات : ص83، وعنه البحار: ج 68 / 57، وفيه : والله ما أراد بها إلا الأئمة وشيعتهم .

فهذا الصنف من الشيعة ليس للشيطان عليهم سلطان ، کيف وهم في ظّل ولايتهم يعيشون، وفي جوار الرحمن يتنعمون، ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وأمّا محبّوهم ومواليهم الذين ليسوا من مخلصي شيعتهم لاقترافهم بعض الخطيئات، وانهماکهم في عاجل اللذات، فلا ريب أنّ الإستعاذة والإلتجاء بهم والإعتصام بحبلهم من شر شياطين الجن والإنس، والنفس الأمارة الشهوانية والبهيمية والسبعية، ومن خيلها ورجلها وفتنتها ووسوستها توبة لهم ورجوع إليهم فيوفقون بها لقلة التربص وحسن التخلص، مع أنّهم عليه السلام قد ضمنوا لشيعتهم ذنوبهم، وأصلحوا لهم عيوبهم.

فعن النبي صلي الله عليه و اله وسلم في تفسير قوله تعالي : (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم)(1)قال : «إذا کان يوم القيامة ولّينا حسابَ شيعتنا، فمن کان مظلمته فيما بينه وبين الله عزّوجل حکمنا فيها فأجابنا ، ومن کانت مظلمته فيما بينه وبين الناس إستوهبناها فوهبت لنا، ومن کانت مظلمته فيما بينه وبيننا کنا أحق من عفا وصفح» (2)

وعن رضي الدين بن طاوس أنّه قال : سمعت القائم عجل الله فرجه بسر من رأي يدعوا من وراء الحائط وأنّا أسمعه ولا أراه وهو يقول: «اللهم إنّ شيعتنا مناء خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتکالا علي حبنا وولائنا يوم القيامة ، ولا تؤاخذهم بما إقترفوه من السيئات، إکراما لنا، ولا تقاصهم يوم القيامة مقابل أعدائنا، وإن خفّت موازينهم فثقّلِها بفاضل حسناتنا» (3).

ص: 91


1- الغاشية : 25.
2- عيون أخبار الرضاعليه السلام : ج 2/ 57، وعنه البحار: ج 68/98 .
3- بحار الأنّوار: ج 302/53 و 303، وفيه هذه الحکاية بعبارتين مختلفتين .

تنبيه

يمکن إبطال القول بالجبر بصحة الاستعاذة کما استدلّ به، نظرا إلي أنّه اعتراف يکون العبد فاعلا لتلک الإستعاذة، ولو کان الفعل من الله کذب العبد، وإن الله إذا خلق فعلا في العبد إمتنع لکل أحد دفعه، وإذا لم يخلقه إمتنع تحصيله، وإن الإستعانة بالله إنما يحسن إذا لم يکن خالقا للأمور التي يستعاذ منها، ومع کونه خالقا لها يلزم الإستعانة به منه ، فالوسوسة حينئذ ليست فعلا للشيطان فکيف يستعاذ منه.

ولله در ابن (1) الحجاج حيث قال : المجبرون يجادلون بباطل وخلاف ما يجدون في القرآن کلّ مقالته: الإله أضلّني وأراد بي ما کان عنه نهاني أيقول ربک للخلايق آمِنوا جهرا ويجبرهم علي العصيان إن صحّ ذا فتعوذّوا من ربکم وذروا تعوّذَکم من الشيطان

وقال بعض الأجلّاء: إن قريشا کانت في الجاهلية علي الجبر، وقد نزل الکتاب بإيطاله، لکن أحياه بنو أمية، فنسبوا شقاوتهم إلي الله، ولذا قيل : العدل والتوحيد علويّان، والجبر والتشبيه أمويان.

والحق أنّ بطلان القول بالجبر مما يقضي به بعد الکتاب والسنة ضرورة

وجدان الإختبار في کل ما يصدر منا من الأفعال .

مضافا إلي أنّ فيه انهدام أساس الشرايع والسياسات والأحکام، بل المعاد

وما فيه من الثواب والعقاب.

ص: 92


1- هو أبو عبدالله الحسين بن أحمد بن الحجاج الأديب الشاعر الشيعي البغدادي المتوفي(391) ه. - العبر: ج 50/3.

فلا يصغي إلي ما ربما يقال مرة: إنه تعالي عالم بجميع المعلومات، ووقوع

الشيء علي خلاف علمه يقتضي إنقلاب علمه جهلا، وذلک محال والمؤدّي إلي المحال محال.

وأخري أنّ قدرة العبد إن کانت معيّنة لأحد الطرفين فالجبر لازم وإن کانت حاصلة لهما فمع المرجّح إن کان من العبد عاد التقسيم فيه ويتسلسل، أو الله فيلزم عليکم ما ألزمتمونا، ومع عدمه لا يمکن حصول الفعل، مع أنّ الرجحان حينئذ إتفاقي، فيعود الجبر.

إذ الوجهان في غاية الضعف وإن استصعبهما بعض الأعلام، للمنع من کون العلم علة للمعلوم أو مؤثرا فيه بوجه سيّما في العلم الذاتي الذي لا تعلق فيه أصلا ، وقدرة العبد صالحة للطرفين بالضرورة الوجدانية، والإختيار هو المرجّح لأحدهما، والعبد إنما يفعل بالإرادة ويحدثها بنفسها لا بإرادة حادثة قبلها حتي يلزم التسلسل أو الإنتهاء إلي الواجب حسب ما تسمع تمام الکلام في الموضع اللائق به إن شاء الله .

نعم، من بعض أهل التشکيک في مقام الاستعاذة شکوک واهية :

منها : أنّ المطلوب من قولک: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، إنما أنّ يمنع

الله الشيطان من عمل الوسوسة بالنهي والتحذير، أو علي سبيل القهر والجبر.

أما الأول فهو حاصل منه وتحصيله بالطلب محال لأنّه تحصيل للحاصل،

والثاني باطل لأنّه ينافي التکليف الذي دل الدليل علي ثبوته، ولو بالنسبة إلي الشياطين.

ومنها : أنّ الله تعالي إن أراد إصلاح حال العبد فالشيطان غير قادر علي

إغوائه وإلّا فلا يفيد الإعتصام أيضا.

ومنها : أنّ صدور الوسوسة من الشيطان إن کان بواسطة شيطان آخر لزم

ص: 93

التسلسل، وإلا فلم لا يجوز مثله في البشر، ولم اختص الشيطان بالإستعاذة منه .

والجواب من الأول : أنّ المسؤول هو - التوفيق للتحقق في مقام العبودية التي ينکشف معها فساد وساوس الشيطان، ولذا قال سبحانه : (إن عبادي ليس لک

عليهم سلطان)(1)

فإنهم دخلوا في حزب الرحمن، فلا يؤثر فيهم تلک الوساوس، فالمطلوب

هو العصمة الحاصلة بالاعتصام والالتجاء إليه سبحانه .

ومن الثاني : أنّه يريد ذلک إرادة عزمية لا حتمية، ولذا صح عندنا تکليف

الکفار.

ومن الثالث : أنّ المراد بالشيطان هو کل ما يدعو إلي غيره سبحانه من الجن

والإنس، ولذا جعل عبادته في مقابلة عبادته سبحانه في قوله:

(ألم أعهد إليکم يا بني آدم أنّ لا تعبدوا الشيطان إنه لکم عدو مبين ، وأنّ

اعبدوني هذا صراط مستقيم)(2).

مع أنّک لا تکاد تري أحدا يزعم أنّه يعبد الشيطان، لأنّ جميع الأمم يتبرؤون

منه ، فدواعي الشرور من کل موجود منتهية إليه إنتهاءاً فطرياً أو فعلياً.

ص: 94


1- الحجر: 42.
2- يس : 60.

(بسم الله الرحمن الرحيم)

لا خلاف في أنّ البسملة بعض آية في سورة النمل. ولا في أنّ بعضها بعضها في هود، ولا في أنّها ليست بآية ولا بعضها في برائة، إما لأنّها سورة السيف، ونزلت لرفع الأمان، وبسم الله أمان، أو لأنّها مع الأنّفال سورة واحدة ، ولذا عدّتا معا سابعة السبع الطول.

وإنما الخلاف في أنّها جزء من سائر السور أم لا؟

فالشيعة الإمامية علي أنّها جزء من الفاتحة وغيرها من السور ، يجب قرائتها معها، وهو مذهب أهل البيت روحي لهم الفداء وعليهم آلاف التحية والثناء، وتبعهم بعض فقهاء العامة کأحمد، وإسحاق (1)، وأبي ثو(2)وأبي عبيدة (3)، وعطاء والزهري (4)وعبدالله بن المبارک (5)

وهو مذهب ابن عباس، وأهل مکة، وأهل الکوفة کعاصم، والکسائي ،

وغيرهما، سوي حمزة، وغالب أصحاب الشافعي.

وقال بعض الشافعية وحمزة: إنها جزء في الفاتحة فقط دون بقية السور. لکن حکي العلامة في «المنتهي» عن الشافعي : أنّها بعض آية من أول الحمد بلا خلاف، وفي کونها آية من کل سورة قولان :

ص: 95


1- هو إسحاق بن ابراهيم المروزي المعروف بابن راهويه المتوفي سنة (237) ه .
2- هو ابراهيم بن خالد صاحب الشافعي أبو ثور الکلبي المتوفي (240) أو (246) ه .
3- هو أبو عبيدة معمر بن المثني البصري المتوفي (210) ه .
4- هو محمد بن مسلم المدني الزهري المتوفي (124) ه .
5- عبدالله بن المبارک الفقيه المروزي المتوفي (181) ه .

أحدهما: أنّها أية من کل سورة . والآخر: أنّها بعض آية من أول کل سورة وتتم بما بعدها آية .

وعن أبي حنيفة، ومالک (1)، والأوزاعي(2)، وداود (3) : أنّها ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وهو المشهور بين المتأخرين من الحنفية ، بل من أهل المدينة، والشام والبصرة.

نعم، ذکر البيضاوي(4) أنّ أبا حنيفة لم ينص بشيء، فظُنَّ أنّها ليست من

السورة عنده والظان صاحب (5) الکشاف وأتباعه.

وعن مالک وتالييه (6): يکره أنّ يقرءها في الصلاة ، وربما يجعل محل الخلاف أنّها آية واحدة غير متعلقة بشيء من السور، أو مائة وثلاث عشر آية من مائة وثلاث عشر سورة کالآيات المکررة في بعض السور ، مثل (فبأي آلاء ربکما تکذبان) .

وعلي کل حال، فالذي ينبغي القطع به آنها آية من کل سورة من الفاتحة

وغيرها لإجماع الإمامية ، بل وإجماع أهل البيت عليه السلام من الذي هو الحجة عند المخالف فضلا عن المؤالف لآية التطهير وأخبار الفريقين، وغير ذلک مما حرر في الأصول، والأخبار المستفيضة لو لم تکن متواترة کخبر معاوية(7)بن عمار عن الصادق عليه السلام

ص: 96


1- هو مالک بن أنّس الأصبحي المدني المتوفي (179) ه . - العبر : ج 1 / 272.
2- هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الفقيد الشامي المتوفي (157) ه. - العبر: ج 1 / 227
3- هو داود بن علي الأصبهاني الظاهري المتوفي (270) ه، تقدم ذکره.
4- البيضاوي : القاضي ناصر الدين عبدالله بن عمر الشافعي المتوفي (685) ه. - سفينةالبحار : ج 1 /435.
5- هو أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المتوفي (538 )ه.
6- هما الشافعي وأحمد بن محمد بن حنبل .
7- معاوية بن عمار بن أبي معاوية خباب بن عبدالله الکوفي ، کان من ثقات أصحاب الصادق والکاظم عليه السلام .

قال : قلت له : إذا قمت للصلاة اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الکتاب ؟

قال : نعم، قلت: فإذا قرأت فاتحة الکتاب أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع

السورة ؟ قال : نعم (1)

وصحيح محمد (2) بن مسلم قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن السبع المثاني

والقرآن العظيم أهي الفاتحة ؟ قال : نعم هي أفضلهن» (3)

وخبر يحيي (4)بن أبي عمران الهمداني قال : کتبت إلي أبي جعفر عليه السلام : جعلت فداک ! ما تقول في رجل ابتدأ يبسم الله الرحمن الرحيم في صلاته في أم الکتاب وحده ، فلما صار إلي غير أم الکتاب من السورة ترکها؟

فقال العياشي : ليس بذلک بأس، فکتب عليه السلام بخطه : يعيدها مرتين علي رغم

أنّفه (5)يعني العياشي -

والمراد إعادة الصلاة لا البسملة والحمل علي ترکها سهوا مع بقاء المحل بعيد

من السياق.

وذکر بعض المحدثين أنّ العياشي إن حمل علي الرجل المشهور صاحب التفسير فينبغي تخصيصه بکون ذلک في أول عمره، فإنه کان من فضلاء العامة ثم استبصر ورجع إلي مذهب الشيعة، فالحمل عليه غير بعيد (6)، ويحتمل غيره.

قلت : لکن الموجود في بعض نسخ الوسائل وغيره «العباسي» بالموحدة

ص: 97


1- وسائل الشيعة : ج746/2، ح 5 عن فروع الکافي: ج 86/1.
2- محمد بن مسلم بن رباح الطحان الکوفي الفقيه الوجية المتوفي (150) ه. رجال النجاشي 323:
3- الوسائل : ج 745/2 عن التهذيب : ج 218/1.
4- يحيي بن أبي عمران الهمداني من أصحاب الرضاعليه السلام و ثقه أرباب الرجال .
5- الوسائل : ج 746/2، ح عن فروع الکافي : ج 86/1.
6- الحمل عليه بعيد جدا لأنّه کان معاصرة للکليني ، وتوفي علي ما في معجم المؤلفين :ج 12 / 30 سنة ( 320) ه، ولعله لم يولد في عصر الإمام الجواد عليه السلام .

والمهملة، وعليه فالمراد بعض العباسيين أو بعض فقهائهم(1)

وعن أميرالمؤمنين روحي له الفداء عليه آلاف التحية والثناء أنّه بلغه أنّ أنّاسا يترعون و (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال عليه السلام

: «هي آية من کتاب الله أنّساهم إياها الشيطان» (2)

وفي «العيون» بالإسناد إنه قيل لأمير المؤمنين عليه السلام أخبرنا عن (بسم الله الرحمن الرحيم) أهي من فاتحة الکتاب ؟ فقال : «نعم، فإن رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم ان کان يقرؤها ويعدّها آية» (3)

وعن الصادق عليه السلام : «ما لهم قاتلهم الله عمدوا إلي أعظم آية في کتاب الله

فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها ، وهي ( بسم الله الرحمن الرحيم ) (4)

إلي غير ذلک من الأخبار الکثيرة المتستفيضة المعتضدة بالشهرة العظيمة بل

بإجماع الطائفة المحقة.

ومن هنا يظهر أنّ ما دل علي خلافه کصحيحة محمد بن مسلم عن الصادق عليه السلام في الرجل يکون إماما فيستفتح الحمد ولا يقرء ( بسم الله الرحمن الرحيم )، فقال : «لا يضره ولا بأس»(5)

وموثق مسمع (6) ، قال : صليت مع أبي عبد الله عليه سلام ، فقرأ : (بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين )، ثم قرأ السورة التي بعد الحمد ولم يقرأ (بسم

ص: 98


1- الظاهر أنّه هشام بن ابراهيم العباسي الذي قالوا في ترجمته : إنه کان مؤمنا في أول أمره وصار زنديقا في آخره، راجع : معجم رجال الحديث ، رقم 15388.
2- تفسير العياشي: ج 21/1، ح 12.
3- عيون الأخبار : ص 181، وعنه الوسائل : ج747/2، ح 10.
4- مستدرک الوسائل : ج 166/4 ،عن تفسير العياشي : ج 1 /21.
5- الوسائل: ج749/2 ، ح 5 عن التهذيب : ج 1 /153.
6- هو مسمع بن عبد الملک بن مسمع بن مالک أبو سيار کردن الکوفي البصري ، کان من أصحاب الباقر والصادق والکاظم عليه السلام ، و ثقه الشيخ

الله الرحمن الرحيم) ثم قام في الثانية فقرأ الحمد ولم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)(1)

وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : سألته عن الرجل يفتتح القراءة في الصلاة أيقرأ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ؟ قال : «نعم، إذا افتتح الصلاة فليقلها في أول ما يفتتح ثم يکفيه ما بعد ذلک» (2)

ينبغي حملها علي التقية أو علي عدم الإجهار بها . أو علي عدم وجوبها في السورة أو کون الصلاة نافلة، أو غيرها، وإن کان الأظهر حملها علي الأول کما يظهر من سباق بعضها، وإلا فيتعين طرحها لندرتها وشذوذها ومخالفتها لما مر کشذوذ ما يحکي عن ابن الجنيد (3)من أنّها في الفاتحة بعضها، وفي غيرها إفتتاح

وبالجملة فأصحابنا کأکثر المخالفين علي عدّها آية من جميع السور، ولذا أثبتوها في المصاحف بخط القرآن مع شدة اهتمامهم بعدم کتابة غيره بخطه، ولذا کتبوا تراجم السورة والأجزاء وأنّصافها والأحزاب ورکوعاتها بالتغير، مضافا إلي الأخبار الکثيرة الواردة من طرق العامة أيضا.

بل حکي شيخنا البهائي عن صريح بعض محدثيهم أنّها تجاوز العشرة (4).

نعم، للقراء تفصيل في البسملة، وهو أنّها تأتي في ثلاثة مواضع : إذا ابتدأ

سورة أو موضعاً منها أو بين السورتين.

ص: 99


1- الوسائل : ج 2/ 748، ح ، عن التهذيب : ج 1 / 218.
2- الوسائل : ج 2 /748، ح ، عن التهذيب : ج 1 /153.
3- ابن الجنيد : محمد بن أحمد بن الجنيد أبو علي الکاتب من أکابر علماء الإمامية ومن أفاضل قدمائهم وأکثرهم علما و فقها وأدبا وتصنيفا ، وثقه النجاشي وروي عنه المفيد ، قيل : توفي بالري سنة (381) ه . سفينة البحار ک ج 666/1 .
4- لم أظفر علي هذه الحکاية عن الشيخ بهاء الدين قدس سره لا في «العروة الوثقي» ولا في الحبل المتين» .

ففي الأول : أجمعوا علي البسملة کما حکاه في «شرح طيبة النشر في القراءات العشر»، نعم، استثنوا منها سورة التوبة، لکونها من الأنّفال کما حکوه عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، أو لنزولها بالسيف ورفع الأمان.

وفي الثاني وهو أوساط السور، قالوا: القاري فيه مخيّر بين الإتيان بالبسملة فيه بعد الاستعاذة ، وبين الاقتصار علي الاستعاذة ، وربما يرجح البسملة إذا کان مفتتح الآية شيئاً من أسماء الله تعالي ، والاستعاذة إذا کان إسم الشيطان، وذلک کله في سوي برائة ، فإنه يحتمل التخيير فيها کغيرها، ويحتمل المنع من البسملة.

قلت : أما التخيير فيمکن استفادته من الإطلاقات الآمرة بالإستعاذة من الکتاب والسنة بضميمة ما رواه في «الکافي» عن فرات(1) بسن أحنف عن أبي

جعفر عليه السلام ، قال : سمعته يقول :

أوّل کل کتاب نزل من السماء بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا قرأت بسم الله الرحمن الرحيم فلا تبالي أنّ لا تستعيذ، وإذا قرأت بسم الله الرحمن الرحيم سترتک فيما بين السماء والأرض» (2)

وهذا المعني يستفاد من غيره من الأخبار أيضأً تصريحاً وتلويحاً .

مضافاً إلي ما سمعت من أنّ حقيقة الإستعاذة هي الإلتجاء والتفويض والتوکل، والتسمية مشتملة علي تلک المقامات حسب ما تسمع إن شاء الله ، ولذا قال مولانا الرضا عليه آلاف التحية والثناء

«بسم الله يعني اسم نفسي بسمة من سمات الله، وهي العبادة ، قيل : وما

ص: 100


1- فرات بن الأحنف العبد الهلالي أبو محمد ، روي عن السجاد والباقر والصادق عليه السلام ، ضعفه أرباب التراجم وقالوا : يرمي بالغلو.
2- الوسائل : ج 746/2 ، ح 8، عن فروع الکافي : ج 86/1.

السمة؟ قال : العلامة» (1)

بل التحقيق أنّ التسمية والإستعاذة بمنزلة التولي والتبري الذين إذا اجتمعا إفترقا، وإذا افترقا اجتمعا کغيرهما من الألفاظ التي حالها کذلک کالفقراء والمساکين.

إلا أنّه لا يخفي أنّ هذا کله لا يدفع أستحباب الاستعاذة عينة بعد تعلق الأمر

به في ظاهر الکتاب ، وتعليقه علي الشرط المفيد للعموم حسب تحقق الشرط.

مضافاً إلي أنّ البسملة أيضاً من القرآن الذي أمرنا الله سبحانه عند إرادة قرائته بالإستعاذة، وغاية ما يدل عليه خبر فرات مع الغض عن ضعفه ، وقصوره عن تخصيص ظاهر الکتاب إنما هو حصول الغاية التي هي حجب الشيطان وطرده کما هو الظاهر من مساقه، وأين هذا من سقوط الحکم الندبي الثابت بظاهر الآية.

وقد ظهر من جميع ما مر أنّ الأولي هو الجمع بين الإستعاذة والبسملة مطلقاً في مفتتح السور وأوساطها، وأما أوساط سورة برائة فلا وجه الاستثنائها أو الترديد فيها مطلقا ، نعم، قد سمعت أنّ البسملة ليست جزءاً منها وأين هذا من عدم استحباب البسملة أو المنع منها في قراءة بعض آياتها.

وأما في الثالث : وهو البسملة بين السورتين فاختلفوا علي أقوال ثلاثة :

البسملة بينهما، والوصل، أي وصل أخر الأولي بأول الثانية من دون وقف ولا سکت ولا بسملة، والسکت وهو عبارة عن قطع الصوت زمناً دون زمن التوقف عادة من غير تنفس، وقد اختلف عبارتهم في التأدية عنه من حيث طول زمن السکت وقصره.

ص: 101


1- عيون الأخبار : ج 260/1 ، ح 19، وعنه کنز الدقائق : ج42/1 ،ط مؤسسة النشر الإسلامي - قم

قالوا: والمشافهة أصدق حاکم به، وعلي کل حال فأصحاب البسملة قالون(1) وعاصم (2) وابن کثير، وأبو جعفر (3)، والکسائي بغير خلاف من أحد منهم، وکذا الإصفهاني (4)، عن ورش (5)

وأما الوصل فهو المحکي عن حمزة، وأما أصحاب السکت فورش، وأبو

عمرو(6) وابن عامر.

وعن ابن مجاهد (7) کل من الوصل والسکت کما حکاه عنه في «التيسير»،

لکن في «طيبة النشر» عن ابن عامر، وأبي عمرو، ويعقوب (8)وورش من طريق الأزرق (9) الأوجه الثلاثة وهي : السکت، والوصل، والبسملة.

لکن إختار أصحاب الوصل في (وَيلَين) وفي (لا أسِمَين) السکت،

وأصحاب السکت في الاربعة البسملة، لکن الحق ما سمعت أوّلاً فلا داعي للتعرض لنقل کلامهم إلّا الإفصاح عن فساد مرامهم.

ص: 102


1- هو أبو موسي عيسي بن مينا الزهري مولاهم المدني ، صاحب نافع وکان قاريء أهل المدينة توفي سنة (220) ه - العبر ج 1 / 381.
2- هو عاصم بن أبي النجود (بهدلة) الأسدي الکوفي ، أحد القراء السبعة، توفي سنة (127) ه.
3- أبو جعفر المقري: يزيد بن القعقاع المدني أحد العشرة، قرأ علي مولاه عبدالله بن عياش، مات حدود سنة (130) ه. - التمهيد : ج 196/2 .
4- هو محمد بن عبد الرحيم المقريء الأصفهاني ، توفي ببغداد سنة (296) ه.
5- هو عثمان بن سعيد المصري المقريء الملقب ب (ورش) لشدة بياضه ، توفي سنة(197 ه. )، التمهيد : ج203/2.
6- هو : أبو عمرو بن العلاء المازني المقريء البصري واسمه زبان ، کان أحد السبعة، روي عن الإمام الصادق عليه السلام ، توفي سنة (154) ه
7- ابن مجاهد : أحمد بن موسي بن العباس البغدادي المقريء، توفي (324) .
8- هو يعقوب بن اسحاق الحضرمي القاري البصري المتوفي (205) ه.
9- هو أبو يعقوب الأزرق يوسف بن عمرو المدني المصري ، لزم ورشا مدة طويلة ، مات حدود سنة (240) ه

نعم، بقي الإشکال في الفصل بين (الضحي) و (ألم نشرح) و کذا بين (الفيل) و الإيلاف) بالبسملة وعدمها، حيث إنک قد سمعت أنّ الأوليين سورة واحدة کالأخريين، ففي «مجمع البيان» عن أبي بن کعب أنّه لم يفصل بينهما بالبسملة في مصحفه.

وقال الشيخ في «الاستبصار» أنّ هاتين السورتين سورة واحدة عند آل محمد صلي الله عليهم أجمعين، وينبغي أنّ يقرئهما موضعاً واحداً، ولا يفصل بينهما

(بسم الله الرحمن الرحيم) في الفرائض (1).

وفي «الفقه الرضوي» عنه عليه السلام قال:

ولا تقرأ في صلاة الفريض (والضحي)، و(ألم نشرح)، و(ألم تر کيف)، والإيلاف)، لأنّه روي أنّ (والضحي) و(ألم نشرح) سورة واحدة، وکذا (ألم تر کيف)، و(إيلاف) سورة واحدة، إلي أنّ قال : فإذا أردت قراءة بعض هذه السور فاقرأ : (والضحي) و(ألم نشرح) ولا تفصل بينهما، وکذلک (ألم تر کيف) والإيلاف) (2)

لکن المحکي عن العلامة وغيره البسملة بينهما للإثبات في المصاحف، وعدم منافاة ذلک لوحدة السورة کما في سورة النمل، کما أنّه لا ملازمة بين ترکها والوحدة کما في سورة برائة، بل ربما يقال : إن في صحيح زيد (3) الشحام : قال : صلي بنا أبو عبد الله عليه السلام مال فقرأ (والضحي) و(ألم نشرح) في رکعة (4)، دلالة عليه ، إذ لو

ص: 103


1- الاستبصار : ج 317/1 ، في ذيل الحديث الرابع .
2- فقه الرضا: ص9، وعنه مستدرک الوسائل : ج 4 / 164، ح 4384.
3- هو زيد بن محمد بن يونس أبو أسامة الشحام الکوفي ، من أصحاب الباقر والصادق والکاظم عليه السلام ، وثقه النجاشي في رجاله : ص 175.
4- وسائل الشيعة : ج 743/2، الباب 10 من أبواب القراءة في الصلاة ، عن التهذيب : ج 225/1.

ترک عليه السلام البسملة لذکره الراوي أيضاً کما ذکر الجمع، ولذا قيل : إن البسملة أحوط، والأحوط منها ترکهما في الفريضة رأساً ، وتمام الکلام في مقام آخر، وقد سمعت بعض الکلام في المقدمات.

وعلي کل حال فحيث قد ثبت کون البسملة جزءأ من السور، بل آية برأسها، بل ستسمع اشتمالها علي جميع ما في القرآن من الأمور التشريعية والتکوينية مما کان أو يکون فلنشر بعض حقايقها في فصول:

ص: 104

الفصل الاَوّل :الباء

في الباء والبحث فيها مرة في الأحکام اللفظية، وأخري في الحقائق العلمية .

أمّا الأحکام اللفظية فاعلم أنّ الباء من الحروف المفردة المعانية التي لها معني حرفي لا المبانية التي يترکب منها الکلام، ومن حقّها أنّ تفتح فإنهم لما بالغوا في تخفيفها بوضعها في الأصل علي حرف واحد، وکانت مبنّية، والأصل في البناء السکون، وتعذر الابتداء بالساکن بنوها علي الفتح، لأنّه أخفّ الحرکات لکنهم قالوا: إنها لما اختصت من بين الحروف بلزوم الحرفية، والجر المقتضي لزوم کل منهما لمناسبة الکسر مناسبة ضعيفة لاقتضاء الحرفية عدم الحرکة والکسر يناسب العدم لقلته، بل لعدمه في الفعل، واقتضاء الجر موافقة حرکتها لأثرها، فلذلک کسروها، کما کسروا لام الجارّة ، ولام الأمر دفعاً لإلتباسهما بلام الإبتداء، ولذا فتحوا الداخلة علي المضمر سوي ياء المتکلم المکسورة للمناسبة ، إذا الليس مرتفع بجوهر المدخول عليه ، بخلاف الداخلة علي المظهر.

والفرق بالإعراب لا يجدي في المبني وما قدر إعرابه أو وقف عليه ، ولم يعکسوا بأنّ يُجرو الجارة علي الأصل الذي هو الفتح دون الإبتدائية لملاحظة توافق العامل وأثره .

وأمّا الداخلة علي المستغاث فإنما فتحت لتتّميز من المستغاث له مع أنّه في

موضع ضمير أدعوک، فکأنّها داخلة علي المضمر.

ص: 105

وسميت بحروف الجارّة لأنّها وضعت کأخواتها لأنّ تجرّ معني الفعل إلي الإسم ولذا سميت أيضاً حروف الإضافة والحروف المفضية لقضية الإضافة والإفضاء.

ومن هنا قال الزمخشري : حروف الجر کلها تسمي حروف الإضافة لأنّها تضيف معاني الأفعال إلي الأسماء، فإنک إذا قلت مررت بزيد لا يصل معني المرور إلي زيد إلا بواسطة الباء التي هي للتعدية.

ومعانيها وإن کانت کثيرة، بل أنّهاها بعضهم إلي أربعة عشر، وأخر إلي أزيد،

لکن أم معانيها والأصل فيها هي الإلصاق، ولذا قيل : إنه معني لا يفارقها، وبه عُلِلّ اقتصار سيبويه عليه، لکن الحق أنّها معان متغايرة تحمل في کل موضع علي ما هو الأنّسب بها ، وإن کان غير الإلصاق، ولذا اختلفوا في المقام بعد القطع بعدم کونها له في أنّها للمصاحبة أو للإستعانة علي قولين :

فعن البعض الأول وإختاره الزمخشري وأتباعه، ورجّح بأنّ التبرک بإسمه

تعالي أدخل في الأدب من جعله ألة، لتبعية الآلة وابتذالها.

وبأنّ باء المصاحبة في نفسها أکثر استعمالاً من باء الاستعانة، لا سيما في

المعاني وما يجري مجراها.

وبأنّ جعله آلة يشعر بأنّه غير مقصود لذاته .

وبأنّ ابتداء المشرکين باسم آلهتهم کان علي وجه التبرک ، فقصد التبرک أدخل

في الرد عليهم.

وبأنّ باء المصاحبة أدلّ علي ملابسة أجزاء الفعل لإسم الله تعالي من باء

الآلة والاستعانة.

وبأنّ کون اسم الله تعالي آلة للفعل ليس إلا - باعتبار أنّه يتوصل إليه ببرکته،

فقد رجع إلي معني التبرک به فليقل به أولاً.

ص: 106

ويضعف الأوّل بأنّ الإستعانة غير منحصرة في الآلات التي لا يصلح إستناد الفعل إليها لضعفها، وإنّما الوسائط بين الفاعل وفعله بالإستعانة بمعني طلب العون والقوة، ولذا يکون کثيرا بالقوي السديد، والإيواء إلي رکن شديد.

وفي کلام أمير المؤمنين روحي له الفداء في وصيته لابنه الحسن عليه السلام :

«واستعن بالذي خلقک ورزقک» (1)

ولعل ما ذکرناه هو المراد بما قيل من أنّ للآلة جهتين : جهة تبعية وابتذال

وجهة توقف وأحتياج، وهذه الثانية هي الملحوظة في المقام.

والثاني بأنّ مجرّد کثرة الاستعمال علي فرضها إنما يصلح مرجحاً لأحد المعنيين علي فرض تساوي نسبة اللفظ إليهما وعدم رجحان أحدهما في نفسه، ولعل للمانع دعوي رجحان الاستعانة في المقام بالنظر إلي المعني ، بل دعوي الغلبة النوعية المقدمة علي الغلبة الجنسية .

والثالث : بمامر في الأول .

والرابع : بأنّ الاستمداد والاستعانة أقرب إلي التبرک به لاشتماله مضافاً اليه علي ما هو کالحجة والبرهان علي أنّه ينبغي التبرک به لا بغيره، وستعرف أنّه لا مانع من إرادتهما معا في المقام، مع أنّ کون المراد خصوص ردّ المشرکين ممنوع.

والخامس : بالمنع من عدم دلالة باء الاستعانة علي ملابسة جميع أجزاء

الفعل لما هو ظاهر من أنّ الاستعانة في الکل إستعانة في الأجزاء

مع أنّه يمکن أنّ يقال: إن کون الباء للمصاحبة أقرب إلي توهم الشرک

ومقابلة فعل العبد لفعل الله تعالي عن ذلک علواً کبيراً، وباء الاستعانة أدلّ علي

ص: 107


1- في نهج البلاغة : الکتاب (31) و تحف العقول : ص 49: فاعتصم بالذي خلقک ...

التوحيد والتفريد ، کما قال الله تعالي : (ما أصابک من حسنة فمن الله )(1)

وقوله تعالي : (قل کل من عند الله )(2).

وقوله سبحانه علي ما أخبر به عنه رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم : «يا ابن آدم ! بمشيتي کنت أنّت الذي تشاء لنفسک ما تشاء، وبإرادتي کنت أنّت الذي تريد لنفسک ما تريد، ويفضل نعمتي عليک قويت علي معصيتي، وبعصمتي وعفوي وعافيتي أدّيت إلي فرائضي، فأنّا أولي بحسناتک منک، وأنّت أولي بذنبک مني» الخبر (3)

والسادس : بأنّ المصاحبة والاستعانة مشترکتان في معني التبرک، إلا أنّک قد

سمعت الفرق بينهما بأنّ الأولي أقرب إلي الشرک ، والثانية أدل علي التوحيد.

ومن جميع ما سمعت يظهر وجوه أخر لترجيح کونها للاستعانة علي ما ذهب إليه کثير من المتأخرين، مضافا إلي إشعاره علي کونه تعالي هو المفيض للقوي والآلات والأدوات التي بها يتمکن العبد ويقتدر علي فعل الطاعات والمعاصي، بل جميع الأفعال، وأنّه هو الملهم الموفق لاختيار الحسنات واجتناب السيئات بعد صلوح الآلات والأدوات للأمرين ومعرفته للنجدين، کما اُشير إليه في الحوقلة لا حول من المعاصي، ولا قوة علي شيء من الطاعات، بل الأفعال إلا باعانة الله تعالي ، وفي بعض الإنتقالات الصلواتّية : بحول الله وقوته أقوم وأقعد، وأنّه تعالي هو القيوم الحق، والفياض المطلق ، فکلّ شيء سواه قام بأمره، کما في الخطبة العلويّة بلا فرق بين الذوات و الصفات والأفعال ، واليه الإشارة بقوله تعالي : (ومِن آياتِه أنّ تَقُوم السماوات والأرض بأمره) (4) وأنّ ذکر الإسم الکريم عند إبتداء الفعل، بل

ص: 108


1- النساء : 89.
2- النساء : 88.
3- عيون أخبار الرضاعليه السلام : ج 144/1 - 145، مع تفاوت في العبارات .
4- الروم : 25.

للتوسّل في الأفعال سيّما الخيرات بالأسماء اللفظّية فضلاً عن الحقيقيّة الّتي هي السُبُل والوسائل والشفعاء عند الله باذنه تعالي وسيلة إلي اتمام الفعل ووقوعه علي الوجه الأکمل الأفضل الأسهل حتي کأنّه لا يتأتّي له ذلک بل لا يوجد أصلاً إلّا بذلک.

وأمّا ما ذکره ثاني الشهيدين في شرح اللمعة : من أنّ کونها للملابسة أدخل في التعظيم، وللإستعانة لتمام الإنقطاع الاشعاره بأنّ الفعل لايتّم بدون إسمه تعالي.

ففيه أنّ المفّضل عليه في الأوّل ليس هو المفضّل في الثاني وإن جمعهما الإستعانة فإنه أحدهما أولا علي وجه الآليّة والابتذال ، وأخيراً علي معني العون والقوة فلا تغفل.

ثم إنّ هذه الوجوه وإن دلّت علي إرادة الإستعانة منها إلّا أنّها لا تمنع من إرادة غيرها أيضاً فانّ المصاحبة علي بعض الوجوه اللائقة بالمقام ملازمة للاستعانة.

وتوهم أنّه من قبيل استعمال اللفظ في المعني الحقيقي والمجازي، أو المشترک في معنييه، وإن کلا منهما غير جايز، بعيد عن الصواب بمراحل، فإنه مع الغض عما في الحکم بعدم الجواز علي بعض الوجوه حسبما قرر في محله لا يخفي أنّ الأصل في معاني الباء وأمها وأسها علي ما يظهر من إشارات کلماتهم هو الإلصاق، وغيره من المعاني راجعة إليه بإضافة بعض الخصوصيات التي يقتضيها خصوص الموارد، فحقيقة الاستعانة هو الإلتصاق والإتصال الحسي أو المعنوي بالمعين أو بالآلة، ومعني المصاحبة هو المعية الوجودية أو الفعلية أو الانفعالية حسية کانت أو معنوية ومرجعها إلي نحو من الإلصاق مغاير للمعني المتقدم .

وللسببية التي هي إلصاق المسبب بسببه لقضية السببية ، إلي غير ذلک من معانيها التي مرجعها إلي الإلصاق، وإن کان إرجاع بعضها إليه لا يخلو من تکلف،

ص: 109

ولذا أشرنا سابقا إلي أنّها معان مختلفة متغايرة.

وأما متعلق الباء ففيه وجوه ثمانية، فإنه إمّا فعل، أو إسم يشبهه وعلي

الوجهين إما عام أو خاص مؤخر عن الظرف أو مقدم عليه.

لکن قد يقال : إن الأولي هو الأوّل وهو الخاص الفعلي المؤخر.

أما الخصوص فلأنّ العام کمطلق إلابتداء يوهم بظاهره قصر الاستعانة علي

ابتداء الفعل فيفوت شمولها لجملته .

أقول : ويؤيده أنّ المناسبة في کل فعل أنّ يقدر ذلک الفعل، فتکون الاستعانة سارية في جميع أجزاء الفعل، علي أنّ القصد وهو العمدة في المقام متوجه نحو التوسل والاستمداد في خصوص ما يباشره من الفعل ولذا ينبغي لکل فاعل أنّ يضمر ما يجعل التسمية مبدءا له، فالداخل يضمر «بسم الله أدخل والخارج يضمر

بسم الله أخرج» والمتکلم يضمر «بسم الله أتکلم»، والقاريء يضمر «بسم الله أقرأ»

وهکذا.

وإنّما حذف المتعلق لدلالة المقام وسياق الکلام عليه.

ويدل عليه أيضاً ما روي في «تفسير الإمام عليه السلام »، وفي «التوحيد» عن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام قال : «بسم الله يعني بهذا الإسم أقرأ أو أعمل هذا العمل» (1)

نعم، في رواية أخري عنه عليه السلام قال : «بسم الله أي أستعين علي أموري کلها

بالله الذي لا تحق العبادة إلا له، المغيث إذا استغيث ،والمجيب إذا دعي» (2)

ولعل المراد التعبير عن معني الباء، أو أنّ الجمع باعتبار الموارد، لبيان خصوص المتعلق، فلا يکون منافيا لما مر، بل فيه دلالة علي کون الباء للاستعانة کما مر.

ص: 110


1- تفسير الصافي : ج 1 في تفسير سورة الفاتحة : ص 50 عن التوحيد ، وتفسير الإمام عليه السلام .
2- نفس المصدر .

نعم هاهنا مقام آخر، وهو أنّ العارف ربما يکون في مقام الانبساط الجمعي فلا يخصص شيئا من الأفعال بالاستعانة فيه وإن کان مشتغلابه ، وقد يکون أيضاً ملتفتا إلي شؤونه الجزئية المتکثرة التي لا تحصي فيجمل الجميع بالذکر باعتبار الجمع، مع أنّه ربما يکون في التخصيص الإيهام بعدم الحاجة إلي الإستعانة في غيره، وإن کان قد يکون لزيادة الاهتمام فيه بالخصوص.

وفي «العيون» و«المعاني» عن الرضا عليه السلام قال : «بسم الله يعني أسم نفسي

بسمة من سمات الله وهي العبادة ، قيل له : ما السمة ؟ قال : العلامة»(1)

وهو مبنيّ علي أنّ الإسم من الوسم بمعني العلامة، يعني أعلم نفسي بعلامة الله وهي العبادة التي جعلها علامة وسمة لعباده بها يمتازون عن غيره، فالمتعلق حينئذ ما يشتق منه.

وأما الفعلية فلأنّها لدلالتها علي التجدد والحدوث أقرب إلي التوسل والتذلل ودوام الانقياد والاستمداد من منبع الفيض والجود وسيلان الاستفاضة من تجليات شمس الوجود.

هذا مضافاً إلي إحتوائه علي رکني الکلام الذين هما المسند والمسند إليه، مع

أنّ إضمار المسند إليه يوجب تعلق الباء بغيره .

ثم إنه قد ذکر ثاني الشهيدين وبعض من تأخّر عنه أنّ الباء إن کانت للملابسة فالظرف مستقرّ حال من ضمير أبتدء الکتاب کما في دخلت عليه بثياب السفر، وإن کانت للاستعانة فالظرف لغو کما في کتبت بالقلم، وفيه نظر، إذ کما يمکن استفادة الاستعانة من الباء في الثاني مع تعلقها بالکتابة ، کذلک يمکن في الثاني استفادة

ص: 111


1- عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 260/1-261 ، ح 19.

التلبس منها مع تعلقها بالدخول، فيحتمل الأمرين کما نبّه عليه نجم الأئمة (1) وغيره.

وأما التأخر فلدلالته علي حصر المستعان به في اسم الله تعالي .

وقد يؤيد أيضاً بأنّه سبحانه لقدمه سابق في الوجود فيستحق اسمه السبق في الذکر مع کونه أدخل في التعظيم وأنّسب بقوله : (إياک نعبد)(2)وأقرب إلي قوله : «ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله» (3)

ولعل الخطب في ذلک کله سهل، سيّما بعد وروده في القرآن علي الوجهين

کقوله تعالي : (بسم الله مجريها) (4)

وقوله : ( إقرأ باسم ربک ) (5) بل قد سمعت ورود الخبرين المتقدمين علي الوجهين .

وقد تبيّن مما ذکرنا أنّ موضع المجرور منصوب علي المفعولية ، وقيل : إنه مرفوع علي تقدير مبتدأ، وهو إبتدائي، أو قرائتي، علي أنّ يکون المقروء ما يلي البسملة، وأما إذا أردتها به فعلي الحکاية.

وأما الحقائق العلمية فاعلم أنّ الباء هي الحجاب الأعظم والباب الأقدم، والنقطة الجوالة، والرحمة السيالة، وباکورة الجنان، ونفس الرحمن، وسر الخليقة ، ومفتاح الحقيقة، والاستقامة علي الطريقة، ومظهر الوجود، وامتياز الشاهد من

ص: 112


1- نجم الأئمة : الشيخ رضي الدين محمد بن الحسن الاسترآبادي النحوي شاره الکافية والشافية ، توفي سنة (686) ه . - سفينة البحار: ج 3/ 373.
2- الفاتحة : 4.
3- مرصاد العباد : ص 305 وفيه : ما نظرت في شيء وقائله محمد بن واسع الزاهد البصري المتوفي سنة (123)ه
4- هود: 41.
5- العلق : 1.

المشهود، والعابد من المعبود، والقاصد من المقصود

فروي الشيخ الجليل البرسي(1) في «مشارق الأنّوار» عن مولانا

أمير المؤمنين روحي وروح العالمين له الفداء وعليه وعلي أخيه وذريته آلاف التحية والثنا أنّه قال : «ظهرت الموجودات من باء بسم الله وأنّا النقطة التي تحت الباء» (2)

وقال عليه السلام: «من الباء ظهر الوجود، ومن النقطة تميّز العابد من المعبود» (3).

وقال عليه السلام : «بالباء عرفه العارفون، وما من شيء إلّا والباء مکتوبة عليه، وهي

الحجاب » (4)

وقال عليه السلامعال کما في «أسرار الصلاة» وغيره: «لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من

تفسير باء بسم الله»(5)

وعن ابن عباس عنه عليه السلام : «آن کل ما في العالم في القرآن وکل ما في القرآن

بأجمعه في فاتحة الکتاب ، وکل ما في الفاتحة في البسملة، وکل ما في البسملة في الباء، وأنّا النقطة تحت الباء» (6)

قال الشيخ الجليل محمد (7)بن أبي جمهور في «المجلي»: إعلم أنّ قائل «أنّا

ص: 113


1- الحافظ الشيخ رجب البرسي ، فاضل، محدث ، شاعر، اديب من علماء الإمامية في أواخر القرن الثامن وفرغ من کتابه «المشارق» سنة (774) ه تقريبا ولا يعتمد المتأخرون علي ما تفرد بنقله
2- مشارق الأنّوار : ص 21 و 38.
3- مشارق الأنّوار : ص 38، وفيه : وبالنقطة تبين العابد عن المعبود .
4- نفس المصدر : ص 38.
5- عوالي التالي : ج102/4 ، ح150. المناقب لابن شهر آشوب : ج 43/2. ورواه في منهج الصادقين : ج 1 / 23 وفيه : سبعين بعيرا في تفسير فاتحة الکتاب .
6- ي شرح توحيد الصدوق للقاضي سعيد القمي ص 32 ما في معناه بتفاوت يسير
7- هو أبو جعفر محمد بن علي بن ابراهيم بن أبي جمهور الأحسائي الهجري المتوفي (960) ه. - الردود والنقود لآية الله المرعشي ص1.

النقطة تحت الباء» هو علي عليه السلام يلا دون غيره من الکُمل، نقله عنه أکابر الصحابة

کسلمان، وأبي ذرّ، وکميل بن زياد، وغيرهم، وأولاده عليه السلام»(1)

ورووا عنه ذلک في الخطبة الطويلة الافتخارية التي قال فيها ما هو أعظم من

هذا، حتي قال فيها:

«أنّا وجه الله ، أنّا جنب الله، أنّا يدالله، أنّا عين الله، أنّا القرآن الناطق، أنّا البرهان الصادق، أنّا اللوح المحفوظ، أنّا القلم الأعلي، أنّا ألم ذلک الکتاب، أنّا کهيعص، أنّا طه، أنّا جاء الحواميم، أنّا طاء الطواسين ، أنّا الممدوح في هل أتي، أنّا النقطة التي تحت الباء» (2)

وروي فيه في موضع آخر: عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم أنّه قال : «ظهرت الموجودات من

باء بسم الله الرحمن الرحيم»(3)

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : «لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من باء بسم الله

الرحمن الرحيم» (4)

قال : وتکلم فيه لابن عباس من أول الليل إلي آخره وقال : يا بن عباس ! لو

طال الليل لطلنالک.

وورد عن الکمّل : بالباء ظهر الوجود، وبالنقطة تميز العابد من المعبود(5). قال شيخنا التقي (6) المجلسي رحمة الله عليه في «روضة المتقين»: في

ص: 114


1- المجلي لابن أبي جمهور الاحسائي : ص 409.
2- راجع مشارق الأنّوار : ص 160- 172، فإنه نقل خطبا عنه عليه السلام في تعريف ذاته .
3- المشارق : ص 21 و 38.
4- عوالي اللئالي : ج 102/4. وفي لطائف المنن : ج 171/1 : لو شئت لأوقرت لکم ثمانين بعيرا من معني الباء
5- مشارق الأنّوار : ص 38 وفيه : وبالنقطة تبين العابد عن المعبود . .
6- هو المولي محمد نقي بن علي المجلسي المولود (1003) ه والمتوفي (1070) ه

المشهور بين الخاصة والعامة عن عبدالله بن عباس أنّه قال : کنت ليلة عند أمير المؤمنين عليه السلاموسألت عن تفسير الحمد، فشرع في تفسير بسم الله وقاله حتي أصبحنا فقلت له : يا أمير المؤمنين طلع الصبح ولم يتم تفسير بسم الله ، فقال عليه السلام : لو أردت بيانها لأوقرت سبعين جملا من تفسيرها(1)

ثم قال المجلسي رحمه الله : وذکر العالم الرباني، والفاضل الصمداني السيّد حيدر الآملي (2) «إنه صلوات الله عليه تکلم علي قدر فهم الخلايق، وإلا فأنّا عبد من عبيده و استفضت من أنّواره صلوات الله عليه قادر علي أکثر من ذلک.

أقول : ومجمل الإشارة إلي بعض اسرار النقطة أنّ الکتاب التدويني طباق ووفاق للکتاب التکويني، وقد قوبل به فما زاد منه ولا نقص بحرف من الحروف، ولذا قد وضع لکل حقيقة من الحقايق ولکل سر من الأسرار، ونور من الأنّوار عبارة من العبارات ، وکلمة من الکلمات وحرف من الحروف.

نعم، لو لم يکن الإذن في إظهاره يقفل باب البيان واللسان والجنان بقفل غيبي ملکوتي لا يهتدي صاحبه إلي مفتاحه سبيلا إلّا بعد حصول الإذن، وإلا فجميع الحقائق والمراتب والعوالم والمقامات المترتبة في السلسلة العرضية والطولية في قوسي الهبوط، والصعود مندرجة متترّلة في کسوة الحروف والألفاظ في کتاب الله المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تتريل من حکيم حميد ، کما قال عز من قائل:

( نزلنا عليک الکتاب تبيانا لکل شيء)(3)و(ولا ولکن تصديق الذي بين

ص: 115


1- روضة المتقين : ج 313/2 ، باب وصف الصلاة
2- هو السيّد حيدر بن علي حيدر الحسيني الآملي الصوفي کان حيا في سنة (781) ه وفي تلک السنة صنف في تأويل القرآن في سبع مجلدات .. أعلام الشيعة ج 66/3
3- النحل : 89.

يديه و تفصيل کل شيء )(1)و(لا رطب ولا يابس إلا في کتاب مبين) (2)و (وکل شيء أحصيناه في إمام مبين ) (3)

والأخبار في هذا المعني متظافرة متکاثرة، بل متواترة، فبسائط الکلمات

وهي الحروف محتوية علي بسائط العالم وحقائقها.

ولذا قال مولانا الرضا عليه السلام في خبر عمران الصابي: «إعلم أنّ الإبداع والمشية

والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة، وکان أول إبداعه ومشيته وإرادته الحروف التي جعلها أصلا لکل شيء، ودليلا عليکل مدرک، وفاصلا لکل مشکل، وبتلک الحروف تفريق کل شيء من اسم حق أو باطل أو فعل، أو مفعول، أو معني، أو غير معني، وعليها اجتمعت الأمور کلها، ولم يجعل للحروف في إيداعه لها معني غير أنّفسها يتناهي ولا وجود لها، لأنّها مبدعة بالإبداع، والنور في هذا الموضع أول فعل الله الذي هو نور السماوات والأرض، والحروف هي المفعول بذلک الفعل، وهي الحروف التي عليها الکلام والعبارات » (4)

فالحروف باعتبار انبساط النقطة فيها واحتوائها عليها تسمي فعلا، کما عبر به الإمام عليه السلام أولا، وباعتبار تميزها عن النقطة وتحتلها منها تسمي مفعولا کما أشار إليه ثانيا. فعلي هذا فالفعل الذي هو المشية والإرادة والإبداع هو النقطة التي خلقها الله تعالي بنفسها وخلق الحروف بها

کما روي في «الکافي» عن أبي عبدالله عليه السلام ؟ قال : «خلق الله المشيئة بنفسها،

ثم خلق الأشياء بالمشيئة» (5)

ص: 116


1- يوسف : 111.
2- الأنّعام: 59.
3- يس : 12.
4- بحار الأنّوار : ج 314/10 ، عن توحيد الصدوق وعيون الأخبار .
5- بحار الأنّوار : ج 145/4، ح20 عن «التوحيد» للصدوق.

وهذه هي المشيئة التدوينية التي تطابق المشيئة التکوينية ، بل هي هي بعينها، نزلت من جبروت الحقيقة إلي ناسوت الحروف ، فهي مادة المواد، وحقيقة الحقائق، والواحد البسيط في الممکنات والموجودات واسطقس الأسطقسات ومنها ظهرت الموجودات کما في الخبر النبوي المتقدم

وهي القطب الذي تدور رحي الکائنات ، وإليه الإشارة في الخطبة الشقشقية

بقوله : «وإنّه ليعلم أنّ محلي منها محل القطب من الرحي».

أي من الخلافة المطلقة الکلية التکوينية والتشريعية، ولذا عقبه بقوله :

ينحدر عني السيل ولا يرقي إلي الطير» (1) فهي القطب الأعظم والعماد الأقوم، وإليها الإشارة بقوله تعالي :

(وکذلک جعلناکم أمة وسطا لتکونوا شهداء علي الناس ويکون الرسول

عليکم شهيدا) (2)

ولله در من قال :

قد طاشت النقطة في الدائرة ولم تزل في ذاتها حائرة محجوبة الإدراک عنها بها منها لها جارحة ناظرة سمت علي الأسماء حتي لقد قومت الدنيا علي الآخرة

ومما مر ظهر سر ما في الخبر من ظهور الموجودات بها ومنها، فإن المشية

الکلية هي الوجود المطلق المفاض من الوجود الحق، فإن الوجود ثلاثة :

الوجود الحق. والوجود المطلق.

ص: 117


1- نهج البلاغة : الخطبة الثالثة
2- البقرة : 143.

والوجود المقيد .

والأول: هو المجهول المطلق الذي لا سبيل إلي معرفته بوجه من الوجوه، من إسم أو رسم، أو نعت، أو وصف، أو إضافة، أو جهة، أو غير ذلک من السبحات والإضافات، فإن إلي ربک المنتهي، وفي النبوي: «إذا انتهي الکلام إلي الله فأمسکوا»(1)

وعن الباقر عليه السلام: «کل ما ميزتموه بأوهامکم في أدقّ معانيه فهو مخلوق

مثلکم مردود إليکم...» الخبر(2)

والوجود المطلق هو المحبة الکلية، والمشيئة الإلهية، والإبداع الأول والنور

الذي أشرق من صبح الأزل.

إلي غير ذلک من ألقابه الشريفة، وهو المعبر عنه في المقام بالنقطة، وباء بسم

الله، والحجاب الأعظم.

ولذا قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ؟ : «بالباء عرفه العارفون، وما من شيء إلا

والباء مکتوبة عليه، وهي الحجاب(3)

أمّا إنّ العارفين عرفوه بها فلأنّ المشيئة الکلية لها جهتان :

جهة بسيطة واحدة متوجهة نحو المبدأ الفياض، وله المقام الإقبالي الاستفاضي. وجهاً متعددة بتعدد الموجودات، وله المقام الإدباري الإفاضي، فإن لکل موجود من الموجودات وجها من المشية يعّريالبر عنه بالمشية الجزئية ، وهي ذاته

ص: 118


1- بحار الأنّوار : ج 246/3، ح 22، عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام.
2- شرح مسألة العلم لنصير الدين الطوسي : مسألة 15/، ص 43، وجامع الاسرار للسيد حيدر الآملي : ص 142، نقلا عنه ، والقبسات للمحقق الداماد ک ص 343 نقلا عن الطوسي أيضا
3- مشارق أنّوار اليقين : ص 38.

وحقيقته وکنهه الذي يبقي بعد کشف جميع الصفات والسبحات والاعتبارات وهي کنه الذات، وسر الارتباط کما لوحّ النبي صلي الله عليه و اله وسلم إليه الإشارة بقوله في العقل :

«إنه ملک وله رؤوس بعدد الخلائق أجمعين من خلق ومن يخلق إلي يوم

القيامة ، ولکل رأس وجه، ولکل آدمي رأس من رؤوس العقل...» الخبر(1)

فالعارف إذا قرع بابَ المعرفة، وأراد الصعود إلي سُرادق القدس، وحريم حرم الأنّس فليس له سبيل وطريق إلي الصعود إلا من الطريق الذي نزل منه وذلک يکشف سبحات الجلال، والتجرد والانخلاع عن غواشي جهات الأوصاف والأحوال، بشرط اضمحلال الإنانية، وهو المراد بسلب الإشارة في قوله:

«کشف سبحات الجلال من غير إشارة». . وإليه أشار القائل بقوله: بيني وبينک (إنّي) ينازعني فارفع بلطفک (إنّي) من البين

فإذا ارتفعت الإنية واضمحلت الهويّة، ولم تبق سوي المشية الجزئية المتصلة بالکلية، بل المنتهية إليها، بل المتبدلة بها لا بحقيقة التبدّل، بل بمعني أنّه لم يبق سواها، لأنّ الجزئي إذا ألقي جلباب المشخصات و تجرّد عن التقيد بالخصوصيات فهو الکلي بعينه لا من حيث إنه کلي، بل من حيث هو هو، فتجلّي الحق سبحانه له به فيه ، کما قال مولانا علي بن موسي الرضا عليهما آلاف التحبّة والثناء.

بها تجلي صانعها للعقول» (2)وقال الشاعر: إذا رام عاشقها ن ظرة ولم يستطعها فمن لطفها أعارته طرفا رآهابه فکان البصير بها طرفها

ص: 119


1- بحار الأنّوار : ج 99/1، ح 14.
2- البحار ج 4 ص 230 من التوحيد، والعيون .

وأمّا کتابة الباء علي کل شيء فلأنّ شمس المشيئة الکلية أشرقت علي کل

شيء فظهر بها کل شيء، ولولاها لم يظهر شيء.

فکل جميل حسنه من جمالها معار له بل حسن کل مليحة

وهذه الکتابة کتابة تکوينية إمکانية أو کونية بها ظهر کل ما دخل في صقع الإمکان أو الأکوان، وهذه الکتابة أدل علي المعني المراد من مجرد النقش الذي هو من نهايات مراتب الوجود، بل هي عين المکتوب والمکتوب فيه بلا مغايرة أصلا.

ثم اعلم أنّ من القواعد المصونة المکنونة في علم الحروف أنّ لکل کلمة من الکلمات وجها وقلبا ، فوجه الکلمة هو الحرف الأول وقلبها هو الحرف الوسط وعلي هذا المطلب دلالات وإشارات من الکتاب والسنة، ولذا ورد في تفسير

( بسم الله ):الباء بهاء الله ، والسين سناء الله ، والميم مجد الله(1)

وعن الکاظم عليه السلام : «أما حم فهو محمدصلي الله عليه و اله وسلم وهو في کتاب هود الذي أنّزل

عليه ، وهو کتاب منقوص الحروف»(2)

وعن الحجة عجل الله فرجه الشريف في تفسير(کهيعص ): أنّ الکاف إسم کربلاء، والهاء هلاک العترة، والباء يزيد لعنه الله ، والعين عطش الحسين عليه السلام وعترته ، والصاد صبره»(3)

إلي غير ذلک من الأخبار الکثيرة الواردة في تفسير فواتح السور وغيرها، بل

وقع ذلک کثيرا في رموز الحکماء وإشارات العلماء.

قال الشيخ الرئيس ابن سيناء (4)في قصيدته الروحية التي مطلعها:

ص: 120


1- الکافي : ج 114/1، ح1.
2- بحار الأنّوار : ج 87/14 ، ح 2.
3- بحار الأنّوار : ج 377/92 ، ح 8 عن «إکمال الدين»
4- هو الحسين بن عبدالله بن الحسن الفيلسوف الطبيب المتوفي (٤27) ه .

هبطت اليک من المحلّ الأرفع ورقاء ذات تعزّز وتمنع إلي أنّ قال : حتي إذا اتصلت بهاء هبوطها عن ميم مرکزها بذات الأجرع علقت بهاء ثاء الثقيل فأصبحت بين المعالم والطلوع الخضع الأبيات.... ولذا يعبرون عن علم الکيما بعلم الکاف.

وسمعت عن بعض الأعلام : أنّ مجنون ليلي، وزيد المجنون، أو بهلول العاقل لمّا اشتدً عليهما أمر التقنية کتبا إلي بعض الأئمة، ولعله أبو محمد العسکري عليه السلام يسألانه بيان کيفية التخلص من کيد المخالفين، فکتب عليه السلام علي ظهر کتاب مجنون ليلي حرف العين هکذا: (ع) يشير به إلي العشق، وعلي ظهر کتاب زيد المجنون حرف الجيم هکذا :(ج) إشارة إلي الأمر بالجنون، فأظهر الأول الأول والثاني الثاني، فاشتهرا بالأمرين، حتي صارا أعجوبة للأعيان وأضحوکة للصبيان.

وکان رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم يقول لابن عباس:

کيف إذا ظلمت العيون العين ؟ فقال له : يا مولاي کلمتني بهذا مرارا ولم أعلم معناه . فقال صلي الله عليه و اله وسلم في جوابه ما حاصله

إنّ العين هو علي بن أبي طالب وعترته:، والعيون هم الذين يعادونه، وصرّح

بأسماء بعضهم(1)

ص: 121


1- في معاني الأخبار : ص 387، ح 21 مسندا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلي الله عليه و اله : إذا ظلمت العيون العين کان قتل العين علي يد الرابع من العيون فإذا کان ذلک استحق الخاذل له لعنة الله والملائکة والناس أجمعين ، فقيل له : يا رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم ! ما العين وما العيون ؟ فقال صلي الله عليه و اله وسلم ان أما العين فأخي علي بن أبي طالب ، وأما العيون فأعداؤه ، رابعهم قاتله ظلما وعدوانا .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الباء إشارة إلي باب مدينة العلم والحکمة، کما قال

النبي صلي الله عليه و اله وسلم : «أنّا مدينة العلم وعلي بابها»(1)

وفي بعض الأخبار : «أنّا مدينة الحکمة وعلي بابها ، فمن أراد الحکمة فليأتها

من بابها» (2)

وإليه الإشارة بقوله تعالي : ( ولکن البر من اتقي وأتوا البيوت من

أبوابها )(3)

وقوله تعالي : (يوم يقول المنافقون والمنافقات ) (4)

في حب أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام حيث أظهروا الولاية، وأضمروا العداوة ، لذا وصفهم برذيلة النفاق للذين آمنوا بألسنتهم وقلوبهم وعقائدهم

وجوارحهم، (أنّظرونا نقتبس من نورکم )(5) فنسعي معکم بنو الولاية ويشملنا مواهب العناية والهداية (قيل ارجعوا ورائکم)(6) أي إلي الدنيا فإنها هي دار الزراعة والتجارة، وموطن تحصيل المحبة والولاية، ولذا أمروا سخرية واستهزاء بالرجوع إلي الدنيا لالتماس نور الولاية (فضرب بينهم بسور)(7) مدينة العلم والحکمة، وهو حقيقة النبوة التي ما رعوها حق رعايتها، وما أجابوها حق إجابتها، ولهذا السور باب وهو باب مدينة العلم، وهو باب الأبواب وفصل الخطاب، وصاحب المبدأ والمآب، ومن عنده علم الکتاب وهو الذي إليه الإياب، وعليه الحساب، الملقب بأبي تراب، باطنه لمحبيه الرحمة، وظاهره لمبغضيه من قبله العذاب ، ولذا قال النبي صلي الله و آله في تفسير الآية : «أنّا السور وعليّ الباب» (8)

ص: 122


1- بحار الأنّوار : ج 306/40 .
2- البحار : ج 81/69.
3- سورة البقرة : 189.
4- سورة الحديد : 13.
5- سورة الحديد : 13.
6- سورة الحديد : 13.
7- سورة الحديد : 13.
8- بحار الأنّوار : ج 227/7،ح148.

ثم إن مقتضي البابية هو التصرف والوساطة والولاية المطلقة في جميع الأمور التکوينية والتشريعية، وفي جميع الفيوض والظاهرية بحيث لا يصل إلي ذرة من ذرات وجود الشيء من الفيوض الإيجادية والإبقائية، وعدد من الإمدادات الذاتية والصفاتية إلا بولايته ووساطته وإحاطته، وهذا هو الذي أشير إليه في الحديث القدسي علي ما قيل أنّه من تتمة الخبر : «لولاک لما خلقت الأفلاک، ولولا علي لما خلقتک» (1)أي لو لا علي لم يکن لمدينة علمک وحکمتک التي ينتفع بها جميع العالم حتي آدم ومن دونه باب ينتفع به منها.

ولذا قال صلي الله عليه و اله وسلم: «أنّا صاحب اللواء وفي تحتها آدم ومن دونه من الأنّبياء،

وعلي حاملها»(2)

وإلي هذه الإحاطة والوساطة أشار الحجة عجل الله فرجه الشريف في

الدعاء الرجبية بقوله: «أعضاء، وأشهاد، ومناة ، وأزواد، وحفظة ، وروّاد» (3)

وفي «الکافي» عن محمد بن سنان قال : کنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت إختلاف الشيعة، فقال عليه السلام : «يا محمد إن الله تبارک وتعالي لم يزل متفردة بوحدانيته ، ثم خلق محمداًوعلياً وفاطمة، فمکثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجري طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون، ولن يشاؤا إلا أنّ يشاء الله تبارک وتعالي .

ثم قال : يا محمد! هذه الديانة التي من تقدمها مرق ومن تخلف عنها محق،

ومن لزمها لحق خذها إليک يا محمد» (4)

ص: 123


1- في بحار الأنّوار : ج28/15«لولاک لما خلقت الأفلاک» وفي ينابيع المودة : ج 1 /24 «لولاک لما خلقت الأفلاک» ، والجملة الثانية غير مذکورة فيهما.
2- ينابيع المودة : ج 2 / 263، ح 737 و «علي حاملها» غير موجود فيه .
3- مصباح الکفعمي : ص524.
4- بحار الأنّوار : ج19/15 ، ح 29 عن اصول الکافي : ج 441/1.

فالباء إشارة إلي باب مدينة العلم وبيت الحکمة وهو أول بيت وضع للناس،

ومن دخله کان آمناً.

ولذا قال الرضا عليه آلاف التحية والثناء: «إن الله سبحانه وتعالي يقول: لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني وجبت له الجنة ، ثم قال عليه السلام : بشرطها وشروطها وأنّا من شروطها»(1)

وإنما لم يکتف عليه السلام بذکر الشروط من الشرط مع وضوح شمول الجمع للمفرد، للإشارة إلي ترتب المراتب، وصيانة للأدب مع جده رسول الله صلي الله عليه و اله ان فإن الشرط إشارة إلي التصديق بنبوة النبي صلي الله عليه و اله وسلم ، والشرائط إشارة إلي الإيمان بأوصيائه وکافة شريعته ولذا عد نفسه الشريفة من جملة الشروط لا الشرط.

وحيث إن الباء في «بسم الله - الباب الذي هو أمير المؤمنين عليه السلام ،فالسين هو سيد المرسلين صلوات الله عليه وآله أجمعين ، کما قال [يس] علي أنّ الياء للنداء» .

وقال : سبحانه : (سلام علي أل ياسين ) (2)

وذلک لما نتهت عليه في موضع آخر من أنّ السين من الحروف النورانية وهي نظير الألف في الترتيب الأبجدي، والألف إشارة إلي الصادر الأوّل الذي هو مقام الفعل أي المشيئة الکلية، أو المفعول المطلق، أي العقل الکلي، وهو علي الوجهين نور محمد صلي الله عليه و اله وسلم ، وهذا من جهة البساطة والوجه الإقبالي والإستفاضي الجبروتي فيتجلي في عالم الناسوت، وفي الوجه الإدباري الإفاضي بصورة السين التي زيرها مطابق لبيتها تنبيها علي أنّه لا يشغله شان الإستفاضة عن شأنّ الإفاضة، وأنّه في غاية الکمال والاستواء فيهما وأنّه مظهر العدل الذي به قامت السماوات والأرض وهو أمر الله الفعلي الذي اشير إليه بقوله : (ومن آياته أنّ تقوم

ص: 124


1- شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني : ج 1 / 238 في شرح خطبة (2) .
2- الصافات: 130.

السماء والأرض بأمره) (1)والمراد به نبينا صلي الله عليه و اله وسلم کما ورد في تفسير قوله تعالي : (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربي حقه وينهي عن الفحشاء والمنکر والبغي ) (2).

إن العدل هو النبي صلي الله عليه و اله وسلم ، والإحسان أمير المؤمنين ، والثلاثة الثلاثة أبو

الدواهي وأبو الشرور والملاهي.

ومن ذاق من لذائذ ثمار أسرار الحروف يعلم أنّ بينة (عدل) موافق لبيّنة

(محمد) صلي الله عليه و اله وسلم إذ کل منهما إثنان وثلاثون ومائة. هکذا: بيّنة (عدل) ي ن -ا- ل -ا-م

و5010 301 401وبينة (محمد) ي م - ا -ي - م - ا -ل

14010 14010 30

وأنّ زبر (إحسان) موافق لزير (عليّ) بتشديد الياء ، إذ کل منهما مطابق لعدد

120.

وفي التعبير عن الأول بالبيّنة، وعن الثاني بالزبر مع الإشارة إلي التقديم

والترتيب في قوله تعالي :(بالبينات والزبر) (3) سرّ لطيف :

فإنه صلي الله عليه و اله وسلم مدينة العلم وعلي بابها، والنبيصلي الله عليه و اله وسلم في مقام الإجمال والبطون،

والوصي عليه السلام في مقام التفصيل والظهور، وإليه الإشارة بما تقدم من قوله تعالي :

(فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله

العذاب )ه (4) أي من تقابله وعداوته.

ص: 125


1- الروم:25.
2- النحل : 90.
3- آل عمران : 184، والنحل: 44، وفاطر: 25.
4- سورة الحديد: 13.

ومن هنا يظهر سر ما رواه في «الکافي» عن الصادق عليه السلام قال: «أکتب بسم الله

الرحمن الرحيم، من أجود کتابتک، ولا تمد الباء حتي ترفع السين»(1)

أي لا تعد ولا تبسط ظل حقيقة الولاية ورحمة الفتوة علي سرادق الأکوان في العالمين إلا بعد رفع السين الذي هو مقام النبوة المطلقة وباطن الولاية الکلية ، فإن الولي يشمل من النبي الذي هو رفيع الدرجات، والولي متمم القابليات.

وإليه الإشارة بقوله عليه السلام : «الباء بهاء الله ، والسين سناء الله»(2)

والبهاء هو النور، والسناء الضياء، والضياء أرفع من النور، لأنّ النور يستمد

منه، (هو الذي جعل الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا) (3)

فاعلم أنّه روي الشيخ أبو جعفر ابن بابويه في کتاب التوحيد» بإسناده عن الصادق عليه السلام أنّه سئل عن تفسير (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال : «الباء بهاء الله ، والسين سناء الله ، والميم ملک الله.

قال السائل : الله ، فقال : الألف: آلاء الله علي خلقه والمنعم بولايتنا، واللام

إلزام خلقه ولايتنا..

قال : قلت : فالهاء ؟ قال : هوان لمن خالف محمد و آل محمد، قال : قلت : الرحمن ؟ قال : بجميع العالم ، قال : قلت : الرحيم ؟ قال : بالمؤمنين، وهم شيعة آل محمد خاصة»(4)

أقول: والمراد بهاء الله ، جلاله الذي هو مقام القهر والغلبة والاستيلاء والتمنع، والمراد بسناء الله جماله الذي هو مقام المحبة والمشاهدة والأنّس وکل من

ص: 126


1- الکافي ج 276/2 ، ح 2.
2- الکافي ج 114/1، ح 1.
3- سورة يونس : 5.
4- التوحيد ص 230 وعنه کنز الدقايق ج 1 ص 38.

إليها ، والسناء وإن کان کثيرا ما يطلق في الأخبار علي ما يعم الآخر کالجمال والجلال، لکنهما إذا اجتمعا افترقا، ولما کان قلب الجمال محتويا علي قلب محمد صلي الله عليه و اله وسلم اين دل علي الأنّس والإتلاف بالميم التي هي کمال الأربعة الحاکية عن الشکل المربع المقروت بالاتحاد والائتلاف.

کما أنّ قلب الجلال لاحتوائه علي قلب علي عليه السلام يدل علي القهر والغلبة باللام التي هي کمال الثلاثة الحالية عن الشکل المثلث ، وهو الشکل التفريق والتضاد والعناد

ولله در ابن (1) ابي الحديد المعتزلي حيث قال خطاباً لمولاي ومولي العالمين

أمير المؤمنين روحي له الفداء وعليه آلاف التحية والثناء

صدمت قريشا والرماح شواجر فقطعت من أرحامها ما تشجرا فلولا أنّاة في ابن عمک جعجعت بعضبک أجري من دم القوم أبحرا ولکن سرّ الله شطران فيکما فکنت لتسطو ثم کان ليغفرا

ولحفظ أدب البابية قدم السطوة علي المغفرة ، کما قدم الباء علي السين في البسملة، هذا في القوس الصعودي وبالنسبة إلينا، وأما في القوس النزولي فالنبوة مقدمة علي الولاية بثمانين ألف سنة، فإن النبي صلي الله عليه و اله وسلم ان مظهر جلال القدرة، وکان يطوف حول جلال العظمة، والولي مظهر العظمة وکان يطوف حول جلال القدرة .

کما روي عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم ر ما رواه في «البحار» عن جابر بن عبدالله الأنّصاري أنّه سأله عن أول ما خلق الله ؟ فقال صلي الله عليه و اله وسلم : أول ما خلق الله نور بينک يا جابر کان يطوف حول جلال القدرة ثمانين ألف سنة فلمّا وصل إلي جلال العظمة

ص: 127


1- هو عبد الحميد بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني توفي ببغداد سنة (655) ه وهو معتزلي و من تصانيفه شرحه علي نهج البلاغة .

خلق فيه نور علي عليه السلام ، فکان نوري يطوف حول جلال العظمة ونور علي يطوف حول جلال القدرة ...» الخبر (1)

وذلک لأنّ القدرة مقدمة علي العظمة، فإنّ أول ما يظهر من القادر هو قدرته التي يصدر بها جميع أفاعيله وآثاره وشؤونه ولذا کانت لها الإستطالة علي کل شيء کما أشير إليه بقوله في دعاء السحر وغيره: «اللهم إني أسئلک من قدرتک بالقدرة التي إستطلت بها علي کل شيء وکل قدرتک مستطيلة». .

وهذه هي الولاية المطلقة التي هي باطن النبوة لا الولاية التي تقابلها، وهي الکلمة التي إنزجر بها العمق الأکبر يعني الإمکان فضلا عن الأکوان، وهي اليد التي في قبضتها السموات والأرض وملکوت کل شيء الآخذة بناصية کل دابة بل کل

شيء.

وأما العظمة فهي مقام الکثرة والظهور، وهي تحت القدرة إذ القدرة مقام الإجمال، والعظمة مقام التفصيل، والقدرة الأصل القديم والعظمة الفرع الکريم، والعظمة م ظهر الإرادة ولذا يعبر عن الأولي بالکاف وعن الثانية بالنون، واستدارته صلي الله عليه و اله وسلم حول جلال القدرة إستدارة ذاتية افتقارية استمدادية استفاضية علي التوالي، وهذه هو القدم الذي أشير إليه في الخطبة العلوية بقوله: و «وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، استخلصه في القدم علي سائر الأمم علي علم منه، إنفرد عن التشاکل والتماثل من أبناء الجنس، وإنتجبه آمرا وناهيا عنه... الخ» (2)

ولم يزل متحرکا بالحرکة المتوالية السريعة إلي أنّ قطع المنازل الثمانية التي

ص: 128


1- بحار الأنّوار : ج 57 / 117 وج 22/25، ح 38.
2- بحار الأنّوار : ج113/97 ، ح 8.

هي الاستعداد والتمکن من الأسفار الأربعة في الغيب والشهادة ، وهي السفر من الخلق إلي الحق، والسفر في الحق بالحق، والسفر من الحق إلي الخلق ، والسفر في الخلق بالحق ، والمراد بالخلق نفسه لا غيره، وإلا فهو بعد لم ينزل إلي مقام غيره، فهذه الأسفار الأربعة في مرتبتي الغيب والشهادة ثمانية تنتهي بکمال العدد وترقيه إلي ثمانين، ولما کان مقامه صلي الله عليه و اله وسلم حينئذ مقام الربوبية إذ لا مربوب عينا لا ذکرة، رجعت المراتب إلي الأيام الربوبية، إذ (وإنّ يوماً عند ربک کألف سنة مما تعدون)(1)، فلذلک کان صلي الله عليه و اله وسلم يطوف حول جلال القدرة ثمانين ألف سنة، فلمّا خطه سبحانه بمزيد الالطاف ، وتم ميقات هذا الطواف إنتهي إلي أدني درجات حجاب القدرة وهو أعلي مقامات حجاب العظمة، فخلق منه نور علي عليه السلام ، کما قال عليه السلام : «أنّا من محمد کالضوء من الضوء» (2) وقال طلا : «أنّا عبد من عبيد محمد صلي الله عليه و اله وسلم » (3)

فطواف رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم و حرکة إدبارية علي خلاف التوالي للإفاضة والتربية وطواف أمير المؤمنين حول جلال القدرة حرکة إقبالية علي التوالي للاستفاضة، فظهرت القدرة بالعظمة وظهرت العظمة بالملک المشار إليه بالميم في و (بسم الله ) ، ولذا کانت أئمتنا صلوات الله عليهم أجمعين شهداء علي الناس ، وکان الرسول صلي الله عليه و اله شهيدا عليهم ، کما قال تعالي فيهم:(وکذلک جعلناکم أمة وسطا لتکونوا شهداء علي الناس ويکون الرسول عليکم شهيدا)(4)

ها

را

:ها ماجد

ص: 129


1- الحج : 47.
2- جملة من کتابه عيه السم ليلا إلي عثمان بن حنيف وفيه : أنّا من رسول الله کالصنو عن الصنو - رقم 45 من الکتب في نهج البلاغة .
3- لم أظفر علي مصدر له .
4- البقرة: 143.

وفي قراءة الأئمة عليهما السلام :(1)

أئمة وسطا

والناس يشمل جميع الأنّام، بل في تفسير الباطن يشمل کافة الموجودات ، وعامة الکائنات، وجميع الذرات من الجمادات والنباتات، والحيوانات، والأمم السالفة مع أنّبيائهم، بل الملائکة المقربين والکروبيين، والملائکة العالين.

وهذه الجملة مع تظافر الأخبار عليها مستفادة أيضا من بعض الآيات کقوله تعالي: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالکم) (2)

وقوله : (إن من أمة إلا خلا فيها نذير) (3)

وقوله تعالي : (إذا جئنا من کل أمة بشهيد وجئنا بک علي هؤلاء

شهيدا)(4)

وهذه الشهادة هي الشهادة المستفادة إثباتا لا نفيا من قوله:

(ما أشهد تهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنّفسهم وما کنت متخذ

المضلين عضدا) (5)

ولذا وصفهم الحجة عجل الله فرجه في الدعاء الرجبية بقوله: «أشهاد

وأعضاد».

فرسول الله صلي الله عليه و اله وسلم لا هو الحجة الشاهد المفيض عليهم، وهم المستفيضون منه المستضيئون بنوره المفيضون علي الخلائق

ص: 130


1- لم اأظفر علي هذه القراء نعم في المقام روايات عشر فرت الائمة عليهما السلام راجع تفسير البرهان ج:159/1و ص 160و تفسير نور ثقلين ج 134/1و135.
2- الأنّعام : 38.
3- فاطر: 24.
4- النساء: 41.
5- الکهف:51.

قد سمعت أنّ الباء إشارة إلي مقام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، فهي الباب، والحجاب ، والمبدأ والمآب، وطريق الصواب، ولب الألباب، والشمس الساطعة من وراء السحاب، ولها شؤون ربانية، وقوي ملکوتية.

فهي للاستعانة لما مر من الخبر الدال علي طوف مولانا أمير المؤمنين روحي له الفداء حول سرادق القدرة التي بها کان ما کان، ووجد الأکوان والأعيان، وهو الإنسان علمه البيان، فهو السبيل الأعظم، والمنهج الأقوم، به يفوز الفائزون ، وينجو الصالحون، ويصل الواصلون، وبه تمت الکلمة، وعظمت النعمة، وائتلفت الفرقة.

وهي للإلصاق لإيصال الفيوض الإلهية إلي الأرواح الملکوتية والأشباح الناسوتية، فيعطي بإذن الله کل ذي حق حقه، ويسوق إلي کل مخلوق رزقه، ولأيصال الخلق إلي الله بحبل ولايته، وعروة وثقي محبته، وجذية إحاطته وتصرفه، فهو حبل الله المتين وجنبه المکين.

قال الله تعالي : ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)(1)

وقال : (وأنّ تقول نفس يا حسرتا علي ما فرطت في جنب الله )(2).

وللمصاحبة مع الله تعالي کما قالواعليهم السلام : «إن قلوبنا أوعية لمشية الله، فإذا

شئنا شاء الله»(3)

وقال عليه السلام: «ظاهري إمامة وباطني غيب لا يدرک».

ولمصاحبته مع الخلق کما قالوا: «إن لنا مع کل ولي لنا أذن سامعة وعين

ناظرة».

ص: 131


1- آل عمران : 103
2- الزمر: 56.
3- غيبة الشيخ الطوسي : ص 160 عن الإمام الحسن العسکري في جواب المفوضة ، وفيه : کذبوا ، بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله فإذا شاء شئنا والله يقول : (وما تشاؤون إلا أنّ يشاء الله ) .

وللتعدية إذ به يصل الواصلون ويفوز الفائزون فإنّ کل ذرة من ذرات الوجود لا تصل وصولا فعلية إلي حقيقتها الکمالية الإمکانية إلا بنور الهداية وشرف الولاية ، فتتعدي اللوازم إلي إظهار مستجنات (1)الإمکان في عالم العيان في الأکوان والأعيان.

وللسببية، فإنهم عليهم السلام ما أسباب کينونات العباد، ووجوداتهم، وهدايتهم إلي مصالح المعاش والمعاد، ونزول البرکات الدينية والدنيوية عليهم، کما يستفاد ذلک کله من تضاعيف الأخبار المتواترة الدالة علي بدو أنّوارهم وأرواحهم، وأنّ کل ما سواهم من الذوات والأنّوار والخيرات والسعادات والبرکات إنما خلقت من أشعة أنّوارهم، بهم فتح الله وبهم يختم، وبهم ينزل الغيث ويهم يمسک السماء أنّ تقع علي الأرض إلا بإذنه ، وبهم ينفس الهم ويکشف الضر، وبهم علّمنا الله معالم ديننا وأصلح ما کان فسد من دنيانا.

وفي «التوحيد» عن الصادق عليه السلام قال : «إن الله خلقنا فأحسن خلقنا، وصوّرنا فأحسن صورنا، وجعلنا عينه في عباده ، ولسانه الناطق في خلقه، ويده المبسوطة علي عبادة بالرأفة والرحمة، ووجهه الذي يؤتي منه، وبابه الذي يدل عليه، وخُزاّنه في سمائه وأرضه، بنا أثمرت الأشجار، وأينعت الثمار، وجرت الأنّهار، وبنا نزل غيث السماء، ونبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبد الله ، ولولا نحن ما عبدالله»(2)

والأخبار بهذا المضمون کثيرة لا تحصي مذکورة في «البحار» وغيره.

قال مولانا محمد صالح المازندراني طاب ثراه في شرح قوله عليه السلام : «بنا

أثمرت الأشجار»: أي بوجودنا وبرکتنا أو بأمرنا صارت الأشجار مثمرة .

ص: 132


1- مشارق الأنّوار : 167.
2- توحيد الصدوق : ص 140-141 وعنه بحار الأنّوار : ج 197/24 .

أما الأول : فلأنّ وجودهم سبب لبقاء نظام العالم، فلو لم يکن وجودهم لم

يکن عالم ولا نظام ولا أشجار ولا أثمار.

واما الثاني : فلأنّهم المدبّرون في هذا العالم بإذن ربهم.

أقول : ولعل الأولي ترک التقييد بهذا العالم في کلامه الأخير لما ورد من انهم

الحجج لله سبحانه علي خلقه في جميع العوالم التي ورد في بعض الأخبار أنّها ألف ألف عالم علي ما يأتي في تفسير قوله تعالي (رب العالمين ).

وبالجملة فهم المقصود في جميع النشئات والعوالم، ولذا خوطب النبي صلي الله عليه و اله وسلم

بقوله: «لولاک لما خلقت الأفلاک»(1)

وبقوله: «خلقتک لأجلي وخلقت الأشياء لأجلک» .

وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه المذکورة في «نهج البلاغة»: نحن «صنايع الله والخلق بعد صنايع لنا أو صنايع الله لنا» (2). وإن کانت العبارة أيضأ صالحة للإشارة إلي کونهم العلة الفاعلية .

وفي الخبر المذکور في کتاب «الأنّوار» علي ما حکاه في البحار عن مولانا أمير المؤمنين روحي له الفداء : «إنّ نور نبينا محمد صلي الله عليه و اله وسلم بقي الف عام بين يدي الله عزّوجل واقفا يسّبحه ويحمده والحق تبارک وتعالي ينظر إليه ويقول : يا عبدي أنّت المراد والمريد وأنّت خيرتي من خلقي، وعزتي وجلالي لولاک لما خلقت الأفلاک» (3)

ص: 133


1- بحار الأنّوار : ج 28/15 و ج199/57 وفيه «لولاک ما خلقت الأفلاک» من غير اللام .
2- هج البلاغة : الکتاب 28، وفيه : فإنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا. وفي البحار ج 35 ص 178 عن الاحتجاج من توقيع الامام عجل الله تعالي فرجه الشريف : وفخر صنايع ربنا والخلق بعد صنائعنا.
3- بحار الأنّوار : ج 15 / 28، وفيه : «لولاک ما خلقت الأفلاک» من غير اللام .

وما ذکرناه من معاني حرف الباء أنّموذج يظهر لک باقي معانيها

وأميرالمؤمنين عليه السلام هو غيب ذلک کله وحقيقته ومبدؤه وأصله ومنشاؤه.

وإليه الإشارة بقوله: «أنّا النقطة تحت الباء» أي غيبها وسرها المستتر المقنع بالسر وحقيقتها المحجوبة في ذاتها المتترلة إلي عالم الناسوت، إذ ليس المراد هو النقطة الواقعة تحت حرف الباء بالمداد والسواد بحيث نميز الباء عن التاء والثاء والياء ، فإنها حدود عرضية وصفات خارجية وعلامات مميزة لا دخل لها في جوهر الذات، بل المراد أنّ الوحدة إما وحدة حقية لا تعرف بکم ولا کيف ولا جهة ولا إضافة ولا ذات ولا وصف ولا نعت ولا حقيقة ولا اعتبار، بل هو الواجب الحق والمجهول المطلق من حيث الذات لا من حيث الآثار، ولذا ينبغي قطع الطمع عن التکلم فيه تعالي الله عما يقول الظالمون علواً کبيراً.

وإمّا وحدة خلقية ولها تجليات ومظاهر في جميع العوالم المترتبة في السلسلة الطولية من الدرة إلي الذَرة ففي عالم الجبروت هي الوحدة وهي المشية الکلية ، ونور محمد وعلي عليه السلام ، وهذه الوحدة لا تزال تترل من عالم إلي عالم حتي تظهر في عالم الحروف الکتبية المنقوشة في الألواح والسطور بالنقطة التي هي أصل کل الحروف.

فإن أوّل ما يقع القلم في اللوح تظهر النقطة ولو قبل الجريان، فتظهر هي بنفسها وتتجلي ساير الحروف بها فهي آية تقنية ناسوتية المشية الکلية الإلهية ، کما قال عليه السلام : «خلق الله المشية بنفسها، ثم خلق الأشياء بالمشية» (1)

ثم اعلم أنّ الحروف تنقسم إلي حروف کتبية ولفظية ونفسية، فالباء مثلاً لها صورة کتبية منقوشة بالأقلام علي الألواح، وصورة لفظية حاصلة من تقطيع الهواء

ص: 134


1- بحار الأنّوار : ج145/4، عن توحيد الصدوق عن الصادق عليه السلام .

الخارجة بالاستنشاق عند مخرج ذلک الحرف المرکب من مادة وصورة فمادته هي الهواء الخارج وصورته اعتماده وتقطيعه عند خصوص مخرجه.

ولا ريب أنّ الباء المعّبر بها عن الباب الأقدم والحجاب الأعظم مخرجها باب الفم وهو الشفه لأنّ الله تعالي اخترعها بالخطاب الفَوَهاني الشفاهي بل لا يمکن التکلم إلا بعد انطباق الفم، لأنّه النور الفاتق لظلمة العدم.

( أو لم ير الذين کفروا (بولاية أمير المؤمنين) أنّ السموات (سموات العقول والمجردات )والأرض (أرض النفوس والماديات) کانتا رتقاً ففتقناهما) (1)بنور المشية الذي هو الفيض الأول، والنور الذي أشرق من صبح الأزل وهو الماء المطهر النافذ في العمق الأکبر ولذا قال :

(وجعلنا من الماء کل شيء حي)(2)

(أو لم يروا أنّا نسوق الماء إلي الأرض الجرز (وهي أرض الإمکان)

فتخرج به زرعاً تأکل منه أنّعامهم وأنّفسهم أفلا يبصرون) (3)

ص: 135


1- الأنّبياء : 30.
2- الأنّبياء : 30.
3- السجدة : 27.

ص: 136

الفصل الثاني :في الإسم

اعلم أنّ الناس إختلفوا في اشتقاق الإسم :

فعن الکوفيين : أنّ أصله (وسم) حذفت الواو وعوّضت عنها همزة الوصل ليقل إعلاله ، إذ بزيادة الهمزة ينجبر النقصان إذ الحذف يوجب مع انعدام خصوصية الحرف نقصان کمية ما ترکبت منه وبالتعويض ينجبر الثاني.

وردّ بأنّ الهمزة لم تعهد داخلة علي ما حذف صدره في کلامهم المطرد فيه تعويض الهاء في الآخر کما في (وعد) إذ لم يقولوا (اعد) بل قالوا (عدة)، کما أنّ المطرد فيما حذف عجزه تعويض الهمزة ، کما في (ابن وأخواتها).

وفيه بعد تسليم اطراد القاعدة في المقامين أنّ قضيتها في المقام (سمة) وقد استعملت أيضاً کما في الخبر عن الرضاعليه السلام في تفسير بسم الله قال «أسم نفسي بسمة من سمات الله»(1)

غاية الأمر أنّه استعمل في المقام علي وجه آخر أيضاً استعمالاً شايعاً ، کما أنّه استعمل بدون العوض أيضاً، إذ ذکروا أنّ من لغاته (سِم وسُم) بالکسر والضم،

کقول رؤبة (2)

ص: 137


1- نور الثقلين ج 11/1 ، ح 31 عن عيون الأخبار .
2- هو رؤبة بن عبدالله بن الحجاج بن رؤبة التميمي من الفصحاء المشهورين ومن مخضرمي الدولتين : الأموية والعباسية، توفي سنة (145) ه الأعلام : ج 62/3.

باسم الذي في کل سورة سِمه أرسل فيها باذلاً يقرمه

وقيل : إنه لا حذف ولا تعويض وإنما قلبت الواو همزة کإعاء وإشاح، ثم کره

استعماله فجعل همزته همزة وصل فوزنه (فعل) لا (إعل).

وعن البصريين : أنّه من( السمو) لأنّه رفعة للمسمي وشعار له ، فأصله (سمو)

بسکون العين مع کسر الفاء أو ضمه لا فتحه، لأنّه لا يجمع حينئذ علي أفعال.

قالوا: وهي من الأسماء العشرة التي حذفت أعجازها لکثرة الاستعمال وهي (إسم و إست وإبن وإبنه وإنم، وإثنان، وإثنتان، وإمرأ، وإمرأة، وأيمن) قسماً فبنيت أوائلها علي السکون، فتوصلوا إلي الابتداء بها بهمزة الوصل حذرة من الابتداء بالسکن المستحيل عند بعضهم المستنکر عند آخرين، وربما استشهدوا بشيوع استعماله في جمعة الأسماء والأسامي.

لکن عن «الصحاح» و«القاموس» أنّ الثاني جمع الجمع وفي تصغيره سُمَي وفي إسناد الفعل الضمير الحاضر سميت، ومجيء شمي کهدي لغة فيه کما أنّشدوا :

والله أسماک سُما مبارکاً آئرک الله به تبارکا

وإن قيل إنّه لا حجة في هذا الأخير لاحتمال أنّه علي لغة من قال (سم)

ونصبه لوقوعه مفعولاً.

وبالجملة قضية التصاريف المتقدمة کونه مأخوذاً من (السمو) إذ لو کان معتَّل الأول کما قال الکوفيون لقالوا في جمعه (أوسام) وفي تصغيره (وسيم) وفي الإسناد

وسمت) وتوهم حصول القلب المکاني فيها بأنّ يقال : أصل (أسماء أوسام).

وهکذا البواقي مع بعده لکونه خلاف الأصل مردود بأنّه غير مطرد في ساير

صيغ الاشتقاق ومن هنا يتجه أنّ الأشبه بقواعد الاشتقاق هو الثاني .

ص: 138

وأما الرضوي (1) المتقدم فکأنّه مبني علي الاشتقاق المعنوي لا الفظي . ثم إن فيه سبع لغات قد نظمها بعضهم بقوله: في الاسم سبعُ لغاتٍ کلها سُمِعت وإنّني قد جمعت الکلَّ مرتجلا إسم بکسر وضم مع سم بهما وفي سما بثلاث حيثما نقلا

ونظمها آخر مقتصراً علي الستّة:

اسم

بفتح أول والکسر مع همزة وحذفها والقصر ثم اعلم أنّ اسم الشيء ما يدل عليه دلالة لا يشارک مسمّاه في مرتبة دلالته شيء، فاللفظ الذي تکثّر معناه يدل علي کل من مسمياته دلالة لا يشارک مسماه غيره في مرتبة تلک الدلالة الجزئية، وذلک لقضية تعدد الوضع، ولا ينافيه دلالته علي مسماه الآخر أيضاً، إذ ذلک أيضاً بوضع وحداني مختص به لا يشارکه فيه غيره.

ولذلک يحصل التردد إذا استعمل اللفظ المشترک من دون قرينة معينّة. ومن هنا قال الأصوليون :

«إن عدم صحة سلب المعني عن المورد دليل علي مجازية اللفظ في غيره بالنسبة إليه، وکذا العکس، ومثل اللفظ المشترک الأوصاف المشترکة التي هي من الأسماء المعنوية، فإن دلالة کل منهما علي موضوعه من حيث عروضه لا يشارکه فيها غيره.

وبالجملة : قد سمعت أنّ الإسم مشتق من (الوسم) الذي هو العلامة اشتقاقاً لفظية أو معنوياً ، فکل ما کان علامةً لشيء من الأشياء، فهو من هذه الحيثية إسمه وذلک مسماه.

ص: 139


1- نور الثقلين : ج 11/1، ح 31 عن عيون الأخبار .

ومن هنا لا غرو أنّ يکونَ کلُ من الفعل والفاعل والمفعول، وکلَّ من الأثر والمؤثر، وکل ُمن العلة والمعلول، وکلُ من اللازم والملزوم إسماً للآخر، فکلُ منها إسم باعتبار ومسمّي باعتبار.

ومن هنا يظهر أنّ أسمائه سبحانه تنقسم إلي أقسام أربعة : ذاتيّة وفعليّة

ومعنوّية ولفظّية.

فالذاتية: هي المعاني التي يعّبر عنها بالذات وعن الذات بها، بل هي الذات حقيقة بلا مغايرة حقيقية أو اعتبارية ، ولذا لا فرق بينها وبين اطلاق المبادي والمشتقات العلم والقدرة والحياة ، فهو علم وعالم، قدرة وقادر، حي وحياة .|

کما قال الصادق عليه السلام : «هو نور لا ظلمة فيه، وحياة لا موت فيه، وعلم لا

جهل فيه، وحق لا باطل فيه»(1)

والفعلية : نفس فعله تعالي المعبر عنها بالإرادة والمشية والإبداع . کما قال الرضا عليه السلام : «إن أسمائها ثلاثة ومعناها واحد» (2) وهذا الإسم أقدم الأسماء وأعظمها، وأکرمها، وأتمها، وأحسنها، وأشرفها .

وهو الإسم العظيم الأعظم، الأجل الأکرم الذي وضعه الله علي النهار فأضاء

وعلي الليل فأظلم(3)

فإنه المشية التي دان لها العالمون ولها انقادت السموات والأرضون (4) . وأما الأسماء المعنوية: فهي الحقائق المخلوقة الجعلية من الکلية والجزئية

ص: 140


1- بحار الأنّوار : ج 70/4 ، ح 16 عن توحيد الصدوق.
2- البحار: ج 50/57 ، ح 27 ، وفيه : واعلم أنّ الإبداع والمشية والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة ...
3- اشارة إلي ما في الدعاء الرجبية الخارجة من الإمام عليه السلام علي يد أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد ، رواها المجلسي قدس سره في البحار: ج 393/98.
4- اشارة إلي ما في دعاء السمات المروية في البحار : ج 97/90.

والمادية والمجردة، الملکوتية والناسوتية، والبسيطة والمرکبة، والعلوية والسفلية، فإن کلا منها إسم من الأسماء الإلهية ، وهي المشار إليها في دعاء الکميل بقوله : وبأسمائک التي ملأت أرکان کل شيء ، وبنور وجهک الذي أضاء له کل شيء» (1)

وفي دعاء شهر رمضان : «اللهم إني أسألک باسمک الذي دان له کل

شيء»(2)

وبالجملة فکل حقيقة من الحقائق أو ذات من الذوات، أو وصف من الأوصاف ، أو عرض من الأعراض، اسم من أسماء الله ، وأعظمها أعظمها، وأکبرها أکبرها، وکل أسمائه عظيمة کبيرة، کما في دعاء السحر: «اللهم إني أسألک من أسمائک بأکبرها، وکل أسمائک کبيرة» (3)

وذلک لانتسابه إليه.

فشرافة الإسم بشراقة المسمي وعظمته وکبريائه ، فلذلک استأنّف الدعاء بقوله : «اللهم إني أسألک بأسمائک کلها»، حيث أنّها بأجمعها تدل علي العظمة والکبرياء

ومن هنا قيل: إن قوله تعالي : ( والتين والزيتون) أو (والشمس وضحاها) وقوله : (والضحي والليل إذا سجي) وغيرهما مما أقسم الله تعالي به من قليل وجليل وصغير وکبير أنّما هو بمنزلة قوله : «وعزتي وجلالي وکبريائي وقدرتي وجبروتي» إلي غير ذلک من الصفات الجمالية والجلالية، فإن کل شيء من الأشياء مظهر لتلک الصفات الذاتية والفعليّة.

ففي کل شيء له آية تدّل علي أنّه واحد

ص: 141


1- البحار: ج 326/86 .
2- بحار الأنّوار : ج 341/97 .
3- بحار الأنّوار : ج 370/97.

وفي الزيارة يسبح الله بأسمائه جميع خلقه (1). وقال مولانا الرضا عليه السلام : «الإسم صفة لموصوف» (2)

فکل صفة من صفاته الفعلية أو الذاتية إسم من أسمائه ، وکذا مظاهرها،

وآثارها، وأسبابها وعلايقها، ولوازمها، وهي الأسماء التي علمها الله أبانا آدم علي محمد وآله وعليه السلام کما في قوله : (وعلم آدم الأسماء کلها)(3)

فإن الله تعالي خلقه من صفر جميع العالم، وأودع فيه قبضة من جميع

العوالم، فآدم مجمع قوي العالم، کما قال مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام :

أتزعم أنّک جرم صغير وفيک انطوي العالم الأکبر

وسيجييء الإشارة إلي هذا في تفسير الآية إن شاء الله تعالي.

وأما الأسماء اللفظية : فهي الألفاظ المؤلفة من الحروف الموضوعة للاقسام الأول لغرض التفهيم والتعليم والتعبير، کما قال أبو الحسن الرضا عليه السلام في خطبة : «فأسماؤه تعبير وصفاته تفهيم»(4)

وهذه في الحقيقة أسماء أسمائه، بل بأزيد من واسطة، فإن المعاني بعضها عنوان للآخر، فالإسم بهذه المعاني کلها غير المسمي، وليس المعبود الحق هذه الأسماء اللفظية الوضعية ، ولا معانيها المرتسمة منها في الأذهان، ولا الحقايق الکلية التي وضعت هذه الألفاظ بإزائها مع قطع النظر عن تحققها في الذهن أو في الخارج، فإن هذه کلها أسماء وصفات ، والمسّمي الحق وراء ذلک کله.

ص: 142


1- بحار الأنّوار : ج 89/ 303، ح 3.
2- البحار : ج 159/4 ، ح 3، عن التوحيد والمعاني والعيون .
3- البقرة: 31.
4- بحار الأنّوار : ج 4 / 228، ح 3، عن «التوحيد» و «العيون» عن أبي الحسن علي بن موسي الرضا عليه السلام وفيه : «فأسماؤه تعبير وافعاله تفهيم».

کما عن مولانا الصادق عليه السلام ؟ قال : «من عبد ربه بالتوهم فقد کفر، ومن عبد الإسم دون المعني فقد کفر((1)، ومن عبد الإسم والمعني فقد أشرک، ومن عبد المعني بإيقاع الأسماء عليه بصفاته التي وصف بها نفسه فعقد عليه قلبه ونطق به لسانه في سر امره وعلانيته فأولئک أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام حقاً». .

وفي خبر آخر: «أولئک هم المؤمنون حقأ» (2)

فالعبادة بالتوهم أنّ يعبد الحقيقة المعقولة المتصورة في الذهن ، فإن من يعبد ما في الأذهان کمن يعبد الأوثان وهم الذي يعبدون ما ينحتونه بأذهانهم والله خلقهم وما يعملون

ولذا قال مولانا الباقر عليه السلام : «کل ما ميزتموه بأوهامکم في أدق معانيه فهو

مخلوق مثلکم، مردود إليکم»(3)

[في أنّ الاسم هل هو عين المسمّي أو غيره ]

ومما ذکرنا يظهر ما هو الحق في المسألة المعروفة وهي أنّ الإسم هل هو

عين المسّمي أو غيره.

وقد طال التشاجر فيه بين المتکلمين ، فجلّ الأشاعرة بل کلّهم علي الأوّل ،

وأصحابنا الإمامية والمعتزلة علي الثاني.

وقد وردت بذلک جملة من الروايات عن الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين کقول الصادق عليه السلام في خبر هشام: «والإسم غير المسمي، فمن

ص: 143


1- في البحار : ومن عبد الإسم ولم يعبد المعني فقد کفر» .
2- بحار الأنّوار : ج 166/4 ، ح 7 عن «التوحيد».
3- البحار : ج 292/69 .

عبدالإسم دون المعني فقد کفر ولم يعبد شيئاً ، ومن عبد الإسم والمعني فقد کفر، وعبد اثنين، ومن عبدالمعني دون الإسم فذلک التوحيد، أفهمت يا هشام؟

قال : فقلت : زدني جعلت فداک.

قال : إن الله تعالي تسعة وتسعين اسماً ، فلو کان الإسم هو المسمي لکان کل اسم منها إلهاً، ولکن الله معني يدل عليه بهذه الأسماء، وکلها غيره يا هشام، الخبز إسم للمأکول، والماء اسم للمشروب، والثوب اسم للملبوس، والنار اسم للمحرق»(1)

وغير ذلک من الأخبار وکان هذا الخلاف في زمن الأئمة عليهم السلام باب أيضاً ولذا ورد

السؤال عنه في بعض الأخبار.

ففي «الاحتجاج» عن ابي هاشم الجعفري وقال : کنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام في فسأله رجل، فقال : أخبرني عن الرب تبارک وتعالي أله أسماء وصفات في کتابه ؟ وهل أسماؤه وصفاته هي هو؟ فقال أبو جعفر عليه السلام :

«إن لهذا الکلام وجهين : إن کنت تقول : هي هو أنّه ذو عدد وکثرة، فتعالي الله عن ذلک، وإن کنت تقول : هذه الأسماء والصفات لم تزل فإنّ لم تزل تحتمل معنيين، فإن قلت : لم تزل عنده في علمه وهو يستحقها(2) فنعم، وإن کنت تقول: لم تزل تصويرها (3)

وهجاؤها وتقطيع حروفها، فمعاذ الله أنّ يکون معه شيء غيره، بل کان الله تعالي ذکره ولا خلق، ثم خلقها وسيلة بينه وبين خلقه، يتضرعون إليه ويعبدونه وهي ذکره، وکان الله سبحانه ولا ذکر، والمذکور بالذکر هو الله القديم

ص: 144


1- بحار الأنّوار : ج 157/4 - 158، ح 2، عن «التوحيد» و «الاحتجاج» .
2- في الکافي والتوحيد : وهو مستحقها
3- في البحار نقلاً عن «الاحتجاج» : لم يزل صورها وهجاؤها .

الذي لم يزل، والأسماء والصفات مخلوقات(1)- (2)الخبر.

ثم إن المتأخّرين لمّا رأو شناعة مقالة الأشعرية حيث ذهبوا إلي أنّ الإسم عين المسمي وأنّ العبارة التي يعبر بها عن المسمي تسميته تحيروا في تحرير محل البحث علي نحو يکون حريّاً لهذا التشاجر، فعن بعضهم حمل کلامهم علي ظاهره والحکم بسخافته.

ولذا قال الرازي في تفسيره: «إن هذا البحث يجري مجري العبث» (3)

وقال بعضهم: «إنّ الإسم إن أريد به اللفظ فغير المسمي، لأنّه يتألّف من أصوات مقطّعة غير قارة، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار ويتعدد تارة کألفاظ مترادفة ويتحد أخري، والمسمي لا يکون کذلک، وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمي ولکنه لم يشتهر بهذا المعني، وإن أريد به الصفة کما هو رأي الشيخ أبي (4)الحسن الأشعري، انقسم انقسام الصفة عنده إلي ما هو نفس المسمي وإلي ما هو غيره، وإلي ما ليس هو نفسه ولا غيره، فإنّ الصفة عنده منها عين الموصوف کالوجود ومنها غيره، وهي ما يمکن مفارقتها کالخلق والرزق، ومنها لا هو ولا غيره، وهي ما يمتنع انفکاکها کالقدرة والعلم.

وعن بعض الصوفية : إنّ الإسم هو الذات المتعيّنة بصفة، فتعين ذاته المقدسة

بصفة العلم اسمه العليم وبصفة القدرة هو القدير .

ص: 145


1- في التوحيد : «والصفات مخلوقة المعاني». وفي الکافي : «والأسماء والصفات مخلوقات والمعاني». .
2- بحار الأنّوار : ج 153/4، ح 1، عن «الاحتجاج». .
3- مفاتيح الغيب : ج 109/1 .
4- أبو الحسن علي بن اسماعيل بن ابي بشر المتکلم البصري ، توفي سنة (324) ه . . العبر : ج 208/2 .

قال القيصري(1) في شرح الفصوص»:

الذات مع صفة معيّنة واعتبار تجلّ من تجلياته تستي بالاسم، فإن الرحمن ذات لها الرحمة، والقهار ذات لها القهر، وهذه الأسماء الملفوظة هي أسماء الأسماء.

ومن هنا يعلم أنّ المراد بأنّ الإسم عين المسمي ما هو»(2)

قلت : وفيه، أنّه إن أراد بالصفة الصفات الذاتية التي لا مغايرة لها مع الذات الأحدية لا حقيقة ولا اعتبارا انتفي التعدّد، وإنّ أراد الفعلية أو الأعم إنتفت العينية .

وفي الکلمة الشعيبية من «الفصوص» أنّ الأسماء الإلهية عين المسّمي من

حيث الوجود وأحدية الذات، وإن کانت غيراً باعتبار کثرتها (3)

وبعض الأعلام جعل النزاع في المقام في أنّ المفهوم من اسم الله مثلا هل هو

عين المفهوم من الله أم لا؟

وعلي کل حال فاستّدل القائلون بالاتحاد بقوله تعالي :

(ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها ... ) (4). وهم إنما عبدوا الذات لا العبارة.

وأيضاً التسمية إنما يکون للذات لا العبارة.

وبقوله : (سبح اسم ربک الأعلي )فإنه أمر بالتسبيح، وهو التنزيه الذي يکون للذات القديم المنزه عن النقصان، لا للعبارة التي هو في حيز الحدوث والإمکان.

ص: 146


1- هو داود بن محمود بن محمد القيصري الرومي ، المتوفي سنة (751) ه
2- شرح فصوص الحکم: ص 13.
3- شرح الفصوص : ص 271.
4- سورة النجم: 23.

وبالبسملة فإن المستعان به هو الله الحي القيوم . وبقوله : ( تبارک اسم ربک ) (1)

وأجيب عن الجميع بأنّ المراد بالإسم في الآيات اللفظ لأنّه کما يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها من الرفث وسوء الأدب.

وبأنّ الإسم فيه مقحم کما في قول لبيد (2) يخاطب ابنتيه وقت وفاته : إلي الحول - ثم اسم السلام عليکما ومن يبک حولاً کاملاً فقد اعتذر

وبأنّ معني قوله (سّبح اسم ربک ) سبّحه، وهي ما يسبّح به ومثله قوله:

(فسبح باسم ربک العظيم) (3)أي سبح ربک باسمه.

وبأنّ من جملة صنوف التعظيم أنّ لا يصرّح بمن يراد تعظيمه، بل يذکر ما يتعلق به الحضرة والجناب کما يقول : السلام علي الحضرة العالية والسدة السنية والجناب الرفيع.

ثم بعد تسليم إطلاق الإسم و إرادة المسمي لا يلزم منه کون أحدهما عين

الآخر، بل کما في سائر المجازات.

واحتج من ذهب إلي المغايرة بقوله: (ولله الأسماء الحسني فادعوه بها )(4)

وبقوله : (وقل ادعوا الله وادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسني) (5)

وبالأخبار الکثيرة التي مرت إلي بعضها الإشارة، سيما مع اشتمالها علي

ص: 147


1- الرحمن : 78.
2- هو لبيد بن ربيعة العامري من مشاهير الشعراء ومن المعمرين ، قيل : توفي في إمرة عثمان بالکوفة ، وقيل : في سنة (41) ه عن مائة وخمسين سنة . - العبر : ج 1 / 50.
3- الواقعة : 74 و96.
4- الأعراف :180.
5- الإسراء :110.

بعض الأدلة القوية کقوله :

إن لله تسعة تسعين اسماً فلو کان الإسم هو المسمي لکان کل اسم منها

الهاً»(1)

وقوله: «الخبز اسم للمأکول» (2)

فإنه إشارة إلي بيان الفرق بين الاتحاد في المفهوم والاتحاد في المصداق، فإن مسمي الخبز مصداق المأکول ، ومفهوم المأکول لا يتصف بما يتصف به مصداقه ، فإن معني المأکول غير مأکول، ومعني المشروب غير مشروب، إنما المأکول والمشروب شيء آخر غير المعنيين، وهما الخبز والماء، فمجرد صدق الأسماء علي الله لا يدل علي اتحادهما في أنّفسهما، ولا علي عينيتها له سبحانه .

وبأنّه لو کان الإسم عين المسمي لصح عن يقال : (عبدت اسم الله) وارزقني اسم الله) و(أکلت اسم الخبز) و (شربت اسم الماء) وهذا مما ينسب قائله إلي الجهل.

وبانه إذا سئل عن إسم شخص يقال في جوابه اللفظ الموضوع له ، ولا يشار

إلي عينه.

هذا حاصل ما ذکروه في المقام مع زيادة تحرير وتحبير.

وقد تبيّن من جميع ما مرّ أنّ الإسم بأي معني من المعاني، وفي کل مرتبة من المراتب غير المسمي في تلک المرتبة، لأنّه قضية التسمية، فإن الواجب تعالي هو الوجود الحق الذي ليس فيه إطلاق، ولا تقييد، ولا عموم، ولا خصوص، ولا مهية أخري غير الوجود، بل إنته مهيته ، ومهيته إنيّته، فجميع الأسماء والصفات بألفاظها ومعانيها ومفاهيمها خارجة عنه مغايرة له، نعم، إنما خلقها الله تعالي ليدعوه بها

ص: 148


1- بحار الأنّوار : ج 4 / 158، ح 2، عن «الاحتجاج»
2- نفس المصدر .

عباده، وإنما المراد بها کلها هو المعبود الحق.

قال الصادق عليه السلام في خبر الزنديق:

«إنه هو الرب وهو المعبود، وهو الله، وليس قولي الله اثبات هذه الحروف: ألف ولام، وهاء لکني أرجع إلي معني هو شيء خالق الأشياء وصانعها، وقعت عليه هذه الحروف وهو المعني يسمي به الله، والرحمن، والرحيم وأشباه ذلک من أسمائه ، وهو المعبود جل جلاله (1)

ثم لا يخفي عليک أنّ ما ذکرناه من المغايرة إنما هو في غير الصفات الذاتية التي هي عينه بلا مغايرة حقيقية أو اعتبارية کالعلم الذاتي والقدرة والحياة والوجود.

فإن هذه الصفات الذاتية عين ذاته تعالي بلا مغايرة أصلاً، حتي أنّه لا فرق بين اتصافه بتلک المبادي أو بما اشتق منه کالعالم والقادر، بل علمه عين قدرته، وقدرته عين علمه، لاتحاد کل منهما مع الذات .

ففي «التوحيد» عن الصادق عليه السلام :

«لم يزل الله جل وعز ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع،

والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور»(2)

وفيه عن هشام بن سالم قال : دخلت علي أبي عبد الله عليه السلام ، فقال لي:

«أتنعت الله تعالي ؟ قلت: نعم، قال : هات ! فقلت: هو السميع البصير، قال : هذه صفة يشترک فيها المخلوقون ، قلت : وکيف تنعته ؟ فقال : هو نور لا ظلمة فيه ، وحياة لا موت فيه، وعلم لا جهل فيه، وحق لا باطل فيه»(3)

ص: 149


1- بحار الأنّوار : ج 196/10 ، ح 3 عن «التوحيد»
2- بحار الأنّوار : ج 4 /71، ح 18 عن «التوحيد
3- بحار الأنّوار : ج70/4 ، ح 16 عن «التوحيد» .

استبصار

روي ثقة الإسلام في «الکافي» والصدوق في «التوحيد» مسنداً عن الصادق عليه السلام قال: «إن الله تبارک وتعالي خلق أسماً بالحروف غير مصوت (1)وباللفظ غير منطق، وبالشخص غير مجسد، وبالتشبيه غير موصوف ، وباللون غير مصبوغ، منفي عنه الأقطار، مبعد عن الحدود، محجوب عنه حس کل متوهم، مستتر غير مستور، فجعله کلمة تامة علي أربعة أجزاء معا ليس منها واحد قبل الآخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء الفاقة الخلق إليها وحجب واحداً منها، وهو الإسم المکنون المخزون، فهذه الأسماء الثلاثة التي ظهرت، فالظاهر هو الله تبارک وتعالي، وسخّر سبحانه لکل إسم من هذه الأسماء أربعة أرکان ، فذلک اثني عشر رکنا، ثم خلق لکل رکن منها ثلاثين اسماً فعلاً منسوباً إليها فهو الرحمن الرحيم، الملک، القدوس، الخالق، الباريء، المصور، الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، العليم، الخبير، السميع البصير، الحکيم، العزيز، الجبار، المتکبر، العلي العظيم ، المقتدر، القادر، السلام، المؤمن، المهيمن، الباريء(2) المنشيء، البديع، الرفيع ، الجليل، الکريم، الرزاق (3)، المحيي المميت، الباعث، الوارث.

فهذه الاسماء وما کان من الأسماء الحسني حتي تتم ثلاثمائة وستون اسماً،

فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة.

وهذه الأسماء الثلاثة أسماء (4)وحجب للاسم الواحد المکنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، وذلک قوله عز وجل :( وقل ادعو الله أو ادعوا الرحمن ، أيا ما

ص: 150


1- في الکافي : « غير متصوت» ، وفي التوحيد «غير منعوت».
2- مکرر ، ولعله من النساخ.
3- في البحار : الرازق .
4- في البحار : وهذه الأسماء الثلاثة أرکان .

تدعوا له الأسماء الحسني) (1)-(2)

أقول: والمراد بهذا الاسم والله أعلم وقد علمه معادن علمه، هو الصادر الأول عن الواجب، وهو الوجود المطلق، والنفس الرحماني، والنور الشعشعاني، والبشر الأول بل الثاني، والسبع المثاني ، ومقام البيان والمعاني ، والغيب الأول، والنور الذي أشرق من صبح الأزل، وفلک الولاية المطلقة والکاف المستديرة علي نفسها ، والمشية الکلية، والمحبة الحقيقية، والحضرة الواحدية، والحقيقة المحمدية، والولاية العلوية، والسر المستتر، والسر المقنع بالسر، ومبدأ الأسماء والصفات، وأول مقام شؤون الذات، والشمس الطالعة في أفق لم يزل، ووجه الله عزّوجلّ، والقديم الأول، إذ الحق تعالي هو القديم المطلق الذي لا ثاني له، وإليه الإشارة في الخطبة الأميرية الغديرية علي منشئها آلاف الثناء والتحية بقوله: «استخلصه الله في القدم علي سائر الأمم، أقامه في سائر عوالمه مقامه في الأداء، إذ کان لا تدرکه الأبصار ولا تحويه خواطر الأفکار» (3)

وهذا الاسم هو قطب الاقطاب، وباب الأبواب، وحقيقة أم الکتاب، ومنه المبدأ، وإليه المآب، وبحر الإمکان والأکوان، والمقامات التي لا تعطيل لها في کل مکان وصاغورة الجنان، وباکورة نفس الرحمان، والانسان الذي علمه البيان وباء البسملة وسر الحوقلة، ومظهر الحمدلة، وحقيقة السمعلة، إلي غير ذلک من الأسماء الشريفة والألقاب المنيفة.

وهذا الاسم بالحروف غير مصوت، لأنّ الصوت من الأعراض الضعيفة والأوصاف السخيفة، وحروف هذا الاسم عالية لامعة، وکلماتها متعالية جامعة

ص: 151


1- الاسراء : 110.
2- بحار الأنّوار: ج 166/4 ، ح 8، عن توحيد الصدوق.
3- بحار الأنّوار : ج 97/ 113، عن مصباح الزائر .

وهي المشار إليها بقول مولانا الرضا عليه السلام وروحي وروح العالمين له الفداء وعليه وعلي آبائه وأبنائه آلاف التحية والثناء في خبر عمران الصابي حيث قال :

واعلم أنّ الإبداع والمشية والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة، وکان أول إبداعه وأرادته ومشيته الحروف التي جعلها أصلاًلکل شيء ودليلاً علي کلَّ مدرک وفاصلاً لکل مشکل، وبتلک الحروف تفريق کل شيء من أسم حق او باطل ، أو فعل أو مفعول، أو معني أو غير معني، وعليها اجتمعت الأمور کلها» (1)

لکن الحروف في هذا الخبر هو الرکن الرابع من هذا الإسم کما ستعرف.

وباللفظ غير منطق، لما سمعت ، بل نطق به الله سبحانه من غير لفظ، يقول

ولا يلفظ ، ويري ولا يلحظ.

ففي «تأويل الآيات» بالإسناد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال :

«قال أمير المؤمنين عليه السلام : إن الله تبارک وتعالي أحد واحد تفرد في وحدانيته ، ثم تکلّم بکلمة فصارت نوراً ، ثم خلق من ذلک النور محمداًصلي الله عليه و اله وسلم ، وخلقني وذريتي، ثم تکلّم بکلمة فصارت روحاً فأسکنه الله في ذلک النور، وأسکنه في أبداننا، فنحن روح الله وکلماته، وبنا احتجب من خلقه» (2(2)

وفي «مصباح الأنّوار» أنّه سَئَل العباسُ : کيف کان بدو خلقکم يا رسول الله ؟ فقال: «يا عم ! لما أراد الله تعالي أنّ يخلقنا تکلم بکلمة خلق منها نوراً ، ثم تکلم بکلمة أخري فخلق منها روحا، ثم خلط النور بالروح فخلقني وخلق علياً وفاطمة والحسن والحسين»(3)

وبالشخص غير مجسد لتقدس ذاته عن الاتصاف بعوارض الماديات من

ص: 152


1- بحار الأنّوار : ج 10/314، ح 1.
2- بحار الأنّوار : ج 10/15 ، ح10.
3- بحار الأنّوار: ج 193/57 .

التجسّد والتجسّم والتجزية والتفکيک والتحليل.

وبالتشبيه غير موصوف ، فإنه ليس کمثله شيء بناءً علي أنّ الکاف للتشبيه وليست زائدة ، لأنّ المثل بکسر الميم وسکون المثلثة والمَثَل بالفتحتين عندنا بمعني واحد والمراد به الصفة، فإن صفة الشيء مثله ، بل لا يعرف الشيء إلا بصفته التي هي مثله ، ولله المثل الأعلي في السموات والأرض.

وفي الأدعية : «أسئلک بأسمائک الحسني وأمثالک العليا» . وفي الجامعة الکبيرة : «انهم المثل الأعلي». .

وذلک لأنّهم الآيات التي يستدل بها عليه سبحانه، فهم مثله أي مثل صفته

التي تدل عليه کما قال مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام :

صفة استدلال عليه، لا صفة تکشفٍ له»..

فصح بذلک ثبوت المثل واتضح نفي المثل، ولا يستلزم ذلک نفي الذات کما

توهم لأنّ الموصوف لا يصح أنّ يکون صفة لصفته.

وباللون غير مصبوغ لا بالألوان بل بصبغة الله التي هي حکاية فعله ، وتجوهر

أنّوار قدسه «ومن أحسن من الله صبغة» (1)

منفي عنه الأقطار لبساطته المطلقة التي لا أبسط منه في أفق الأکوان

والوجود، فلا يتصف بشيء من الأقطار والحدود.

محجوب عنه حس کل متوهم لأنّه عال متعال من أنّ تناله الأوهام أو تدرکه الأفهام، وذلک لأنّه إنما تحد الأدوات أنّفسها، وتشير الآلات إلي نظائرها، وتوهّم کل متوهم إنما هو من سنخ رتبته لا يجاوز طوره ومقامه، فالمحجوب إنما هو حسّ المتوهم لقصوره في ذاته وانحجابه بنفسه، لا ذلک الاسم، فإنه ظاهر مکشوف باهر

ص: 153


1- سورة البقرة : 138.

معروف، هذا کاحتجاب الشمس عن أعين الخفافيش.

نعم، في تعليق الحکم علي الموصوف إيماء إلي أنّه يمکن إدراکه بنور الفؤاد الذي هو أعلي مشاعر الإنسان ، وذلک لأنّه المشية الجزئية ، والکلية الإلهية ، وذلک، بعد محو الموهوم، وصحو المعلوم، لتنکشف سبحات الجلال من غير إشارة ، إذ مع الإشارة إلي الکشف والمکشوف يکون الحجاب نفس الإشارة ، فانهم الإشارة مع قصور العبارة.

مستتر غيرمستور، فإنّ الاستتار والاحتجاب من المشاعر يکون علي وجوه

ثلاثة : ضعف الشيء في نفسه، وحيلولة الحجاب بينه وبين المدرک، وضعف المدرک وقصوره عن إدراکه والإحاطة عليه، لاضمحلال نوره، وتلاشي ظهوره، بمجرد إشراق شمس وجوده عليه.

بل هاهنا وجه رابع : وذلک أنّ يکون الشيء في نهاية الاستغراق والشمول وفي غاية الإطلاق والعموم بحيث لا يشذ عن ظهوره ذرة من ملکوت السموات والأرض، وقد أحاط بسلطانه وهيمنته وإشراقه وأشعته علي جميع الکائنات من الدرة إلي الذرة فصار ظهوره سبب خفائه.

ولا غرو في ذلک، فإن الأشياء تستبان باضدادها (1) وما عمّ وجوده حتي لا ضد له عسر إدراکه ومثاله کما قيل : نور الشمس المشرق علي الأرض، فإنا نعلم أنّه عرض من الأعراض يحدث في الأرض ويزول عند غيبة الشمس، فلو کانت

ضد را از ضد توان ديد أي فتي

ص: 154


1- قال الرومي: بد نداني تانداني نيک را وقال الشبستري: ظهور جمله اشيا بضد است اگر خورشيد بر يک حال بودي ندانستي کسي کاين پر تو اوست ولي حق را نه مانند ونه ند است شعاع او بيک منوال بودي نبودي هيچ فرق از مغز تا پوست

الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها لکنا نظن أنّ لا هيئة في الأجسام إلا ألوآنها وهي السواد والبياض وغيرهما، فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد، وفي الأبيض إلا البياض وهکذا.

وأما الضوء فلا ندرکه وحده، ولکن لمّا غابت الشمس واظلمت المواضع أدرکنا التفرقة بين الحالتين، فعلمنا أنّ الأجسام کانت قد استضاءت بضوء، وأتصفت بصفة فارقتها عند الغروب، فعرفنا وجود النور بعدمه، وما کنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد، وذلک لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور.

هذا مع أنّ النور أظهر المحسوسات فهو الظاهر بنفسه المظهر لغيره، وقد

خفي أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضده.

فالوجود المطلق فضلاً عن الحق حريّ بالاختفاء لفرط ظهوره وشدة

نوره (1)

فجعله بالجعل الإبداعي التکويني کلمة تامة لتمامية المتکلّم به وکماله في

صفتي الجلال والجمال علي أربعة أجزاء فإن للمشية الکلية أربعة مقامات:

الأول : مقام اسم الفاعل ومثاله القايم من زيد فإن زيدأ لمّا ظهر بصفة القيام قيل له : القائم، ففعله قيامه، وهو القائم لکن لا بذاته، ولذا لو قعد لم يکن قائماً ، بل بفعله، فهو اسم الفاعل من حيث هو فاعل، وهو الذي خلقه الله بنفسه وأمسکه بظلّه، فإنه تعالي لا ظل له يمسکه، وهو يمسک الأشياء بأظلّتها، وهو المشار إليه

الظاهر الباطن في ظهوره

ص: 155


1- قال الحکيم المتأله السبزواري : يا من هو أختفي لفرط نوره وقال الشبستري: جهان جمله فروغ نور حق دان حق اندروي زبيدائي است پنهان

في الدعاء الرجبية المهدوية عجل الله فرجه بقوله:

و مقاماتک التي لا تعطيل لها في کل مکان يعرفک بها من عرفک، لا فرق

بينک وبينها إلا أنّهم عبادک وخلقک»(1)

الثاني : مقام الفعل الذي قال الرضا عليه السلام : «أسماؤه ثلاثة ومعناه واحد، وهي

الإبداع والإرادة والمشية ..» (2)

الثالث : مقام المفعول المطلق وهو الوجود المنبسط والظل الممدود .

الرابع : مقام المفعول الأول وهو التعين الأول، والنور الذي أشرق من صبح الأزل، وصبح الأزل هو المشية، وهذا النور هو النور المحمدي صلي الله عليه و اله وسلم وهو أول فايض عن الفعل، ومن أشعته خلق الله سبحانه کل شيء المؤمن من نفس الشعاع، والکافر من عکس الشعاع.

وهذه الأربعة لها معية وحدانية، ليس منها واحد قبل الآخر، وإنما التفکيک والتحليل بينها في التريل الفؤادي ، وإلا فهي واحدة وما أمرنا إلا واحدة (3)وهي المشار إليها بقوله: «خلق الله المشية بنفسها» (4)

فأظهر منها الثلاثة الأخير لفاقة الخلق وحجب منها : الأول، فإنه المکنون

المخزون، حارت دونه الأفکار وکلت عن رؤيته الأبصار.

ثم إنه لما کانت هذه المراتب والمقامات حادثة ما استغنت کل مرتبة منها من أربعة أرکان: الخلق والحياة والرزق والموت، وهي الأرکان الأربعة للعرش الإلهي في الدنيا المشار إليها بقوله : (الله الذي خلقکم ثم رزقکم ثم يميتکم ثم

ص: 156


1- بحار الأنّوار: ج 393/98.
2- بحار الأنّوار : ج 10 /314، ح 1.
3- سورة البقرة : 50.
4- بحار الأنّوار : 145/4، ح20 عن توحيد الصدوق.

يحييکم )(1)

فإن من جملة إطلاقات العرش هو المشية الکلية ، بل هو أول إطلاقانه ،

وأعلي مقاماته، وهي المشار إليها بقوله في الجامعة الکبيرة :

«خلقکم الله تعالي أنّواراً فجعلکم بعرشه محدقين» (2)

وهو العرش الأعظم الذي استوي عليه الرحمن برحمانيته، الجامع للمقامات الأربعة المتقدمة، فإذا اعتبرت الأرکان الأربعة في العوالم الثلاثة کان المجموع اثني عشر.

ثم إن الله تعالي لما نزّلها من علوّ قدسها سمّو مکانها، ومقامها سار بکل مرتبة من تلک المراتب في ثلاثين عالماً، وأظهرها في جميع هذه العوالم، فتّمت کلمته، وعظمت نعمته، وبلغت حجّته، وکملت عطيّته فسار بکلّ منها في عالم الوجود المقيّد، ثمّ في عالم العقل، ثمّ في عالم الروح، ثم في عالم النفس، ثم في عالم الطبيعة، ثم في عالم الهيولي، وهي المادة ثم في عالم الصورة، ثم في عالم المثال، ثم في عالم العناصر الجسمانّية، ثم في عالم الأعراض، ولکلّ منها ثلاث مراتب: الأعلي، والأوسط، والأسفل، فتمام الأدواد والأطوار والمراتب تنتهي الي ثلاثمائة وستّين.

لکن لا يخفي أنّ هذا العدد إنّما هو باعتبار ما عندنا، وإلّا (وإنّ يوماً عند ربک کألف سنة مما تعدون) (3) ولّما کان العرش الأعظم من عالم الربوبية، کان عدد أرکان ثلاثمائة وستون ألفاً کما رواه مولانا أبو محمد العسکري روحي له الفداء وعلي ابنه و آبائه آلاف التحية والثناء في تفسيره ، قال :

ص: 157


1- سورة الروم : 40.
2- الجامعة الکبيرة المروية عن الامام الهادي عليه السلام
3- الحج: 47.

قال رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم : إنّ الله لما خلق العرش خلق له ثلاثمائة وستين ألف رکن، وخلق عند کل رکسن ثلاثمائة ألف وستين ألف ملک، لو أذن الله تعالي الأصغرهم فالتقم السموات السبع والأرضين السبع ما کان ذلک بين لهواته إلا کالرملة في المفازة الفضفاضة (1) فقال لهم الله : يا عبادي احتملوا عرشي هذا، فتعاطوه، فلم يطيقوا حمله ولا تحريکه، فخلق الله عزّوجل مع کل واحد منهم واحدة فلم يقدروا أنّ يزعزعوه، فخلق الله مع کل واحد منهم عشرة فلم يقدروا أنّ يحّرکوه فخلق الله بعدد کل واحد منهم مثل جماعتهم فلم يقدروا أنّ يحرّکوه ، فقال الله عزوجّل لجميعهم : خلوه علي أمسکه بقدرتي، فخلّوه فأمسکه الله عزّوجل بقدرته، ثم قال لثمانية منهم: إحملوه أنّتم، فقالوا: يا ربنا لم نطقه نحن وهذا الخلق الکثير والجم الغفير فکيف نطيقه الآن دونهم؟ فقال الله عزّوجل : لأنّي أنّا الله المقرّب للبعيد، والمخفّف للشديد والمسهّل للعسير، أفعل ما أشاء وأحکم ما أريد، أعلّمکم کلماتٍ تقولونها يخفّف بها عليکم، قالوا: وما هي ؟ قال : تقولون : بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلي الله علي محمد وآله الطيبين، فقالوها، فحملوه وخفّ علي کواهلهم کشعرة نابتة علي کاهل رجل جلد قوي.

فقال الله عزّوجل لسائر تلک الأملاک : «خلّوا علي هوُلاء الثمانية عرشي ليحملوه وطوفوا أنّتم حوله وسبحوني، ومجدوني ، وقدّسوني، فأنّا الله القادر علي ما رأيتم وعلي کل شيء قدير» (2)

وأمّا بيان أنّ حملة العرش في الدنيا أربعة، وفي يوم القيامة يحمله ثمانية ،

ص: 158


1- الفضفاضة : الواسعة .
2- بحار الأنّوار : ج 27 / 97، ح 60 عن التفسير المنسوب إلي الأمام العسکري عليه السلام .

فسيأتي الإشارة إليه في موضع آخر.

وهذا بيان الخبر علّي ما أفيض

والسلام (1)

علي من برکات أئمة الأنّام عليهم الصلاة

تنبيه نبيه

ربمّا علّل الافتتاح بالاسم في البسملة بکونه مقحما کما مرّ خروجا للکلام من صورة اليمين إلي التيمّن، أو لإجراء الکلام موافقا للعرف وعادات الناس الذين کانوا من عَبَدة الأصنام، حيث إنهم کانوا يقولون باسم اللات والعزي، أو لإستصغاء القلوب عن العلايق، واستخلاص الأسرار من غواشي العوائق، قبل التلفظ باسم الخالق ، کي يحصل التوسّل به بعد التخلي عن الأغيار والتحلي بالأسرار، وصفاء الأنّوار، أو لغرض التوصل إلي التبرّک والاستعانة بذکر اسمه تعالي ، حيث إنّه يحصل بالتلبس بالآلة نحو کتبت بالقلم، ومن البين أنّه بالإسم لا بالذات، ولو قال بالله لأوهم التلبس بالذات، أو لئلا يخص التبرک باسم دون إسم.

فالاستعانة بذکر اسمه يشمل جميع أسمائه، لأنّ إضافة اسم الجنس إلي المعرفة تفيد العموم، يحصل الإستعانة بجميع أسمائه التي منها لفظة (الله) لا بلفظة

(الله) فقط.

أو لأنّ الابتداء باسم الله تعالي أشدّ وفاقا لحديث الابتداء وهو النبوي :

کل أمر ذي بال لا يبدء فيه باسم الله فهو أبتر»(2)

ص: 159


1- وفي بيان الخبر توضيحات أخر مذکورة في مرآة العقول ج 2 ص 38۔ 39 عن المجلسيين الأول والثاني ، وفي شرح الکافي لملا صدرا الشيرازي ص 284.
2- مفاتيح الغيب : ج196/1 .

إلي غير ذلک مما لا يخلو بعضها من تأمل.

لکن الذي ينبغي أنّ يقال في المقام : أنّک قد سمعت أنّ الله سبحانه خلق لنفسه أسماء أظهرها لعباده کي يدعوه بها، فقال عز من قائل: (ولله الأسماء الحسني فادعوه بها ) (1)

وورد في الأخبار المستفيضة عن الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم

أجمعين : «نحن أسماء الله الحسني» (2)

وعن أبي جعفر عليه السلام (3) «إنه جعل محمدا وآل محمد الأبواب التي يؤتي

منها». .

وذلک قوله : (ليس البر أنّ تأتوا البيوت من ظهورها ولکن البر من اتقي

واتوا البيوت من أبوابها )(4)

وعن الصادقعليه السلام : «نحن والله الأسماء الحسني التي لا يقبل الله من العباد

عملا إلا بمعرفتنا» (5).

فهم الأسماء الفعلية الأولية الإبداعية الذين جعلهم الله أبوابا لعباده، ووسائل

إلي مرضاته .

وقد قال الله سبحانه : (وأتوا البيوت من أبوابها)(6)

وقال : (وابتغوا إليه الوسيلة )(7)

ص: 160


1- الأعراف : 180.
2- بحار الأنّوار : ج 5/25، ح 7، وفيه : نحن الأسماء الحسني التي لا يقبل الله من العباد عملا إلا بمعرفتنا.
3- بحار الأنّوار : ج 8/ 336، ح 5.
4- البقرة : 189.
5- الکافي : ج 1 /143 - 144.
6- البقرة : 189.
7- المائدة : 35.

وقال : (واعتصموا بحبل الله جميعاً) (1)

وفي کثير من الأدعية : «اللهم إني أسألک باسمک العظيم الأعظم» أو «باسمک

الذي» أو «بأسمائک الحسني وأمثالک العليا». .

وبالجملة قد علّمنا الله سبحانه في مفتتح کتابه الجامع التدويني الذي جعله مصدّقا لما بين يديه من الکتاب ، ومهيمنا عليه کيفية التوسل إليه والتقرب لديه بالاستعانة بأبوابه وحجابه وشفائه ، وهم أسماؤه الحسني ، وأمثاله العليا ، فبهم تاب الله علي من تاب ، وتوجه علي من أنّاب، بعد الدخول من الباب، والوصول إلي الحجاب.

قال الله تعالي : (فتلقي آدم من ربه کلمات) (2). والمراد بها أسماؤهم الشريفة کما في الأخبار الکثيرة.

وفي الجامعة الکبيرة : «من أراد الله بدء بکم ومَنّ وحّده قبل عنکم ومَن

قصده توجه إليکم(3)

فافتتح کتابه باسمهم بل بهم، وعلّمنا الإستعانة بهم، فهم المستعانون بهم لکن بإذن ربّهم، فإنّهم (عباد مکرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون )(4)

وعلي هذا فإضافة الإسم إلي الله لامية لا بيانية ، فإنهم الإسم الله، لا الإسم

الذي هو الله.

ثم إنّ الف الإسم وإن کان للوصل يسقط في الدرج لکنه يثبت في الرسم

ص: 161


1- آل عمران : 103.
2- البقرة : 37.
3- حار الأنّوار : ج 131/102 ، ح 4.
4- الأنّبياء: 26 - 27.

والکتابة کقوله :( فسبح باسم ربک )(1) ( إقرأ باسم ربک)(2) وإنما أسقطوه في البسملة لکثرة الاستعمال.

وعن الخليل (3) التعليل بأنّ الهمزة إنّما أدخلت في بسم الله بسبب تعذر الابتداء بالساکن، وهو السين، فلما دخلت الباء علي الإسم نابت عن الألف، فسقطت في الخط، ولم تسقط من قوله : (إقرأ باسم ربک) لأنّ الباء لا تتوب منه فيه دون البسملة.

وهو کما تري ، قيل : وطولّت الباء عوضا عنه .

وقيل : لأنّها مبدء کتاب الله فابتدؤه بصورة التفخيم تعظيما له، وأطرد ذلک في

بقية السور.

ثم الحذف مختص عند الفراء(4)بالله، وبالباء، فلا تحذف في غيره کاسم

ربک، ولا في غير الباء من حروف الجر نحو ليس اسم کاسم الله.

وعن الأخفش (5)أنّه لا يختص باسم الله بل يجري في غيره کبسم الرحمن

وبسم الخالق.

لکن الجمهور علي خلافه وکذا نقصوا الألف من اسم الله والرحمن مطلقا

سواء کان في البسملة أو لا لکثرتهما في الکلام.

ص: 162


1- الواقعة : 96. الحاقة : 52.
2- العلق: 1.
3- هو الخليل بن أحمد الأزدي البصري العروضي ، توفي سنة (175) ه أو قبلها أو بعدها . -العبر : ج 1 / 268.
4- هو يحيي بن زياد الأسلمي الکوفي النحوي ، توفي سنة (307) د. العبر : ج 1 / 354.
5- هو سعيد بن مسعدة البلخي البصري المعروف بالأخفش الأوسط، توفي سنة (215) ه. الأعلام : ج 3/ 154.

إشارة لأهل البشارة

إعلم أنّ الألف أوّل الحروف ظهورا ووجودا، وله حکم السريان والانبساط في سائر الحروف ، بل قيل مجموع هذه الحروف في سرّ العقل کان ألفا واحدا، وأما في سرّ الروح فهو شکل ضلعين من أضلاع المثلّث متساوي الأضلاع، ضلع قائم، وآخر مبسوط، والقائم ضلع الألف، والمبسوط ضلع الباء، فهما ألفان: ألف قائم والف مبسوط.

علي أنّ الأول حامل الأسرار الوحدة، والثاني کافل لمراتب الکثرة، والأول هو المحبوب المحجوب ، والثاني هو الباب والحجاب، ولذا قالوا : إن الألف يشار به إلي الذات الأحدية.

وذلک لما أفيض عليه من خلع الکرامة ما استحق بها للقيام في عالم الحروف مقامه الأولية المطلقة السارية في جميع الأطوار والأدوار کما في ترتيب أبجد وأيقغ، وابتث، وأهطم، وغيرها من الدوائر السبع ، أو العشر، أو السبعين، ولتجرده من القيود وإضافات النقاط والحرکات.

ولقيوميته المطلقة التي اختص بها من بين الحروف لقيامه بنفسه وقيام غيره

به، ولانفصاله عن الحروف. فلا يتصل بشيء منها إبتداءاً اصلا.

ولا فتقار جميع الحروف إليه افتقارا أوليا کالباء والحاء والواو، أو ثانويا

کالجيم والسين والميم لتمامية الياء به.

وهو أول الحروف وآخرها لانتهائها إليه من حيث البيّنة وظاهرها، کمالا يخفي وباطنها کما سمعت، فهو من جملة الآيات التدوينية في عالم الحروف، وهو الظاهر بنفسه المحتجب بخلقه .

ص: 163

کما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : «خلقة الله الخلق حجاب بينه وبينهم»(1)وقال مولانا الصادق عليه السلام الشيءانه المُشَيِيء ونحن الشيء، وهو الخالق ونحن المخلوق، وهو الرب ونحن المربوب ، وهو المعني ونحن أسماؤه، وهو المحتجب ونحن حجبه»(2)

فکان کما قلت شعرا: ففي أزل الآزال قبل الخليقة ت جلي له فيه بسرّ الهوية فلمّا تجلّي نوره بأشعّة ربوبية کانت بنفس المشية بدا ظاهرا للکل بعد احتجابه بکل ففي الأشياء أسرار وحدة

فانهم الإشارة بسر العبارة تغفلها القلوب اللاهية وتعيها أذن واعية.

وربما يقال : إنّ من جملة أسرار افتتاح الکتاب التدويني بالباء واختامه بالسين أنّه کفي بهذا النور اللامع والضياء الساطع والکتاب الجامع، إذ المؤلف من الحرفين کلمة (بس) يقال : بسک، أي حسبک، کما في القاموس» وغيره، فکأنّه يشير فيما أضمر : حسبک من الکونين ما أعطيناک بين الحرفين لتقر به العين.

وإليه أشار الحکيم الغزنوي فيما أنّشده بالفارسية: أول و آخر قرآن زچه با آمد وسين يعني اندر ره دين رهبر تو قرآن بس

ويقال : إن الباء في بسم کشف البقاء لأهل الفناء، والسين کشف سناء القدس

لأهل الأنّس ، والميم کشف الملکوت لأهل النعوت.

وإن الباء برّه للعموم، والسين سرّه للخصوص، والميم ملک الولاية . وروي عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم «أنّ الباء بهاؤه، والسين سناؤه، والميم مجده» (3)

وفيهما عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام

ص: 164


1- بحار الأنّوار : ج 228/4 ، ح 3 عن التوحيد والعيون . وفيه عن الامام علي بن موسي الرضا علييه السلام .
2- لم أظفر علي مصدر له.
3- الکافي : ج 1 /114، والتوحيد : ص 230 ،

وقيل : إن البهاء بمعني الضياء الذي هو الأصل ، والسناء هو النور و الشعاع

الذي هو الفرع.

وذلک لقضية التقديم والترتيب الوجودي الجاري علي حکمة الاختراع

والابتداع ويؤيده قوله :( يکاد سنا برقه يذهب بالأبصار )(1)

فإن البرق هو حامل النور الذي حملته الکرة الأثيرية بواسطة الشمس،

فالبرق تابع للشمس في الوجود والاقتضاء والتحقق والتذوت..

لکنک قد سمعت سابقا أنّ الباء إشارة إلي الباب الأقدم والحجاب الأعظم، وهو سر الولاية ومقام الحجابة والسقاية ومظهر السر والوقاية، ومجلي العناية والکفاية.

وهو مقام مولانا ومولي العالمين أمير المؤمنين عليه السلام

والسين إشارة إلي السيادة الکبري، والرياسة العظمي، والغاية القصوي والنذير العريان من النذر الأولي وهو سيدنا وسيد العالمين خاتم النبيين صلي الله عليه و آله أجمعين.

ومنه يظهر أنّ تقديم الباء علي السين ليس تقديم شرف وعلو رتبة، بل تقديم

بابية وحجابية.

ولذا قال النبي صلي الله عليه و اله وسلم «أنّا مدينة الحکمة وعلي بابها ، فمن أراد الحکمة

فليأتها من بابها»(2).

وقال الله تعالي : ( واتوا البيوت من أبوابها )(3). وکذلک تقديم السين علي الله تقديم للفعل علي الفاعل، وللجعل علي

ص: 165


1- يونس: 5.
2- الجامع الصغير للسيوطي : ج 1 / 108، حرف الهمزة.
3- البقرة : 189.

الجاعل، وللقمر علي الضياء، ولليهاء علي السنا، بل للضياء علي الشمس.

(وله المثل الأعلي في السموات والأرض وهو العزيز الحکيم )(1)

(ولقد جاءکم رسول من أنّفسکم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليکم

بالمؤمنين رؤوف رحيم ) (2)

فافهم اکلام وعلي من يفهمه السلام.

وروي الثعلبي (3)في «العرايس» عن الإمام الهمام کهف الأنّام علي بن موسي ، عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عليه الصلاة والسلام، أنّه قال في( بسم الله ): «الباء بقاؤه، والسين أسماؤه، والميم ملکه، قال : فإيمان المؤمن ذکره ببقائه، وخدمة المريد ذکره بأسمائه، واستغناء العارف عن المملکة بالمالک».

قلت : ولعل الخبر إشارة إلي أقسام الوجود الثلاثة .

فبقائه إشارة إلي الوجود الحق الذي هو المجهول المطلق، وهو الأحدية

المحضة، والوحدة الصرفة، والهوية الغيبية، والذات الأزلية.

وأسماؤه إشارة إلي مقام الواحدية، وتجلي الربوبية وظهور الجلال في مرآة الجمال، وتجلي الجمال في قدس الجلال، وهو الوجود المطلق، ومظهر الحق والمشيئة الکلية والمحبة الحقيقية وحجاب الغيب وسر ّ للاريب .

وأما الملک فهو الوجودات المقيّدة ، والمفاعيل المطلقة من المجردات ، والملکوتيات، والناسوتيات، وبالجملة من الدُّرة إلي الذرة، ومن العقل الکلي

ص: 166


1- الروم : 27.
2- التوبة : 128.
3- هو أبو اسحاق احمد بن محمد بن ابراهيم النيسابوري ، المتوفي : (427) ه .

إلي الجهل الکلي.

وفي خبر مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام يهودي علي ما رواه في «التوحيد» و«المعاني» قال : «ما من حرف إلا وهو اسم من أسماء الله عزّوجل»(1)

ثم فسر الألف بالله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، والباء ببقائه بعد فناء

خلقه، والسين بالسميع البصير، والميم بمالک الملک .

وفي خبر آخر مروي عنه في الکتابين وفي «العيون» و «الأمالي» ، قال :

«إن أوّل ما خلق الله عزّوجل ليعرف به خلقه الکتابة حروف

المعجم» (2)

إلي أنّ قال: «الألف آلاء الله والباء بهجة الله والسين سناء الله والميم ملک الله

يوم لا مالک غيره».

فيقول عزّوجل : ولمن الملک اليوم(3)

ثم ينطق أرواح أنّبياءه ورسله وحججه فيقولون : (الله الواحد القهار)(4)فيقول جل جلاله : (اليوم تجزي کل نفس ما کسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب )(5)

ثم إن لبعضهم في الإفتتاح بالباء إشارات أخر مثل ما يقال : إنه ورد أنّ کل ما في الکتب المنزلة فهو مندرج في القرآن، وکل ما في القرآن ففي الفاتحة، وکل ما

ص: 167


1- بحار الأنّوار : ج 320/2 ، ح 4 عن التوحيد والمعاني .
2- البحار : ج 318/2 ، عن المعاني ، والعيون ، والأمالي ، والتوحيد .
3- سورة غافر : 16.
4- سورة غافر : 17.
5- سورة المؤمن : 17.

في الفاتحة ففي البسملة، وکل ما في البسملة ففي الباء(1) المفيدة للإلصاق الدالة علي أنّ المقصود من إرسال الرسل وإنزال الکتب إنما هو القرب والوصال ودوام الاتصال.

بل المقصود من جميع ذلک هو الوصل والإيصال، وهو باطن النبوة وسر

الولاية .

ص: 168


1- قال القاضي سعيد في «شرح التوحيد» ص 132: صدر عن مولانا علي بن أبي طالب علي : أنّ حقائق القرآن مند رجة في الفاتحة ، وجميع معارف الفاتحة في البسملة ، وعلوم البسملة في بانها ، ثم قال : وأنّا النقطة تحت الباء وفي ذيل الکتاب : قال ابن أبي جمهور في المجلي ص409 : القائل هو علي لي دون غيره ، نقله عنه أکابر الصحابة کسلمان وأبي ذر وکميل .... ولصدر المتألهين الشيرازي بيان مفيد في شرح هذا الکلام في الأسفار : ج32/7- 34.

الفصل الثالث في المباحث المتعلقة بلفظة الله

إعلم أنّه کما عجزت العقولُ عن إدراک کن جماله، وانحسرت البصائرُ والأبصارُ دون النظر إلي سُبُحات وجهه وعزّ جلاله، لاحتجابه بأنّوار العظمة والکبرياء وأشعة سرادق البهاء والسناء

کذلک تحيّروا أيضاً في لفظة (الله) کأنّه إنعکس إليه من تلک الأنّوار أشعة بهرت أعين المستبصرين، ولذا تحيّر فيه أفکارُ الناظرين، فاختلفوا فيه أنّه سرياني ، أو عبراني، إسم، أو صفة، مشتقّ، ومم اشتقاقه، أو غير مشتق، علم أو غير علم.

وحاصل الأقوال فيه أربعة :

أحدها : أنّه ليس بعربي ، بل هو معرب، أصله (لاها) بالسريانية ، وقيل بالعبرانية، فعرب بحذف الألف الأخيرة، وإدخال الألف واللام عليه ، ورُدّ بأنّ فيه إثبات العجمة بغير دليل.

مضافا إلي ما ستسمع من الشواهد الدالة علي اشتقاقه من الأخبار وغيرها . ثانيها : أنّه اسم عربي علم غير مشتق، بل مرتجل.

قيل : وعليه الأکثر وهو المحکي عن الخليل - وأتباعه من أکثر الأصوليين

والفقهاء، واختاره الرازي، ونسبه إلي سيبويه(1)أيضاً.

ص: 169


1- سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان البصري، توفي سنة (180) ه - العبر : ج 1 / 278 .

واحتجوا بأنّه لو کان مشتقا لکان معناه کليا لا يمنع نفس مفهومه من وقوع

الشرکة فيه، فلا يفيد کلمة التوحيد التوحيد المحض، ولا الکافر يدخل بها في الإسلام، کما لا يدخل فيه بقولنا : لا إله إلا المعبود أو الملک أو العالم ونحوها بالاتفاق.

ويقوله: (هل تعلم له سميا)(1)

وليس المراد الصفة، وإلا لزم خلاف الواقع للاشتراک في أسماء الصفات

وعدم الحظر في الإطلاق، فالمراد اسم العلم، وليس إلا الله.

وبأنّه يوصف بسائر الأسماء ولا توصف به، ولذا قدّم علي الجميع مع الإجتماع فتقول : الله الرحمن الرحيم العليم الحکيم، کما تقول : زيد العالم الشجاع السخي ولا يجوز العکس فيهما ، ولذا جعلوا في قوله : (إلي صراط العزيز الحميد ، (الله) )(2) علي قراءة الجر عطف بيان للعزيز لا نعتا

وبأنّه سبحانه يوصف بصفات مخصوصة، فلابدّ له من إسم خاصّ يجري عليه تلک الصفات، لأنّ الموصوف إمّا أخص أو مساو للصفة، ولا يصلح له من الأسماء التي يطلق عليه سواه.

وبأنّ کل شيء يتوجه الأذهان إليه ، ويحتاج إلي التعبير عنه قد وضع له إسم توقيفي أو إصطلاحي فکيف يهمل خالق الأشياء ومبدعها ولم يوضع له إسم يجري عليه ما يعزي إليه.

والجواب عن الأول : أنّه يجوز أنّ يکون أصله الوصفية، إلّا أنّه نقل إلي العلمية، وغلب عليه سبحانه کما قيل : إنه لم يطلق علي غيره سبحانه، لا في الجاهلية ولا في الإسلام، فلثبوت اختصاصه به سبحانه وعدم إطلاقه علي غيره

ص: 170


1- مريم : 65.
2- سبأ: 6.

أستفيد من کلمته.

هذا مضافا إلي جواز الاختصاص من نفس المفهوم لا من الغلبة، ککونه المعبود الحق، أو المفزع لجميع الموجودات، أو المحتجب بلوامع الأنّوار عن البصائر والأبصار فلا يکون لعنوانه مصداق غيره سبحانه.

وربما يجاب أيضا بالمعارضة بأنّه لو کان علما لفرد معين من ذلک المفهوم -

لم يکن(قل هو الله أحد )مفيدا للتوحيد، لجواز أنّ يکون لذلک المفهوم فردان أو أکثر في نفس الأمر، ويکون لفظة الجلالة علما لأحدهما، مع أنّهم جعلوا السورة المبارکة من الأدلّة السمعية علي التوحيد.

وردّ بأنّ أول هذه السورة يدل علي الأحدية الذاتية التي هي عدم قبول

القسمة بأنّحائها.

وأما الواحدية بمعني نفي الشريک، فمستفاد من آخر السورة.

وعن الثاني أنّ المراد کماله الذي لا يشارکه فيه غيره، وهو ربوبيته الکبري ورحمته الواسعة کما يومي إليه صدر الآية : (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) (1)

ولذا قيل فيه : أي مثلا ونظيرا، وإنما قيل للمثل سمّي لأنّ کل متشابهين

يسمي کلّ منهما سمياً لصاحبه.

وعن الثالث أنّه إنما يدلّ علي نفي الوصفية، لا علي ثبوت العلّمية ، إذ أسماء الأجناس، ولفظ الشيء أيضاً کذلک، وبأنّ الصفات الغالبة تعامل معاملة الأعلام في

کثير من الأحکام.

وبأنّه منقوض بلفظ (هو)، فإنه إسم من أسمائه تعالي يوصف ولا يوصف به . وفي الأخير نظر، إذ مع أنّ الکلام ليس في مثله، لا توصف الضماير، ولا بها .

ص: 171


1- مريم: 65.

وعن الرابع أنّ کثيرا من صفاته التي يتصف بها ذاته تقع علي الذات من حيث

هي، من دون اعتبار مغايرة حقيقية أو اعتبارية ذهنية أو خارجية. انّ مضافا إلي ما قيل : من أنّه مغالطة من باب الاشتباه بين أحکام اللفظ وأحکام المعني، إذ الإتصاف بالأوصاف يوجب المساواة أو الأخصية بالقياس إلي معني الصفة لا وقوع لفظ مخصوص بأزاء الذات.

علي أنّه بعد التسليم لا يلزم کونه علي وجه العلمية، بل يکفي غلبة الوصفية

ومنه يظهر الجواب عن الخامس أيضا.

ثالثها : أنّه علم مشتق غالب.

رابعها : أنّه صفة مشتقة غالبة، قيل : والفرق بينهما أنّ الاشتقاق في الأول

عارضي، وفي الأخير أصلي، إذ اعتبار المعني في التسمية علي ثلاثة أنّواع:

أحدها : أنّ يکون المعني باعثا علي تعيين الإسم خارجا عن الموضوع له،

کأحمر علما لما فيه حمرة.

والثاني: أنّ يکون داخلا في الموضوع له، ومفهومه مرکبّ من ذات ومعني

معين ، کاسم الآلة والزمان والمکان.

والثالث : أنّ يکون داخلا في الموضوع له ، ومفهومه مرکب من ذات مبهمة ومعني معين کقائم، وخالق ، وهذا يسمي صفة ، والأولان من الأسماء يوصفان ، ولا يوصف بهما، عکس الصفة، ولفظ (الله) إن قلنا إنّه صفة لکنه لا يوصف به.

وفيه ، أنّ الصفات المشتقة أيضاً لا يوصف بها إلا مع لمح الوصفية لا

العلمية.

ثم إنّ هذا کلّه علي فرض کون الواضع هو البشر، ولکن الخطب أسهل فيه لو قلنا بأنّه هو الله تعالي في جميع الألفاظ کما يستفاد من بعض الأخبار وعليه جمع من علمائنا الأخيار .

ص: 172

وقد أشار الإمام لا في تفسير قوله : (وعلّم آدم الأسماء کلها )(1) قال : «علّمه أسماءَ کلِّ شيء» (2)

وفي صحف النبي إدريس علي نبينا وآله وعليه السلام: «إن الله أنّزل علي آدم کتابا بالسريانية وقطع الحروف في إحدي وعشرين ورقة، وهو أول کتاب أنّزل الله تعالي في الدينا وأنّزل الله عليه الألسن کلها، فکان فيه ألف ألف لسان لا يفهم فيه أهل لسان من أهل لسان حرفاً واحداً بغير تعليم»(3)

أو في بعض الأسماء التي منها خصوص أسماء الله تعالي، ولذا قيل : إنّها توقيفية لا يجوز إطلاقها إلا بعد الوصول من صاحب الشريعة، کما قال مولانا الرضاعليه السلام : «إن الله تبارک وتعالي قديم، والقدم صفة دلت العاقل علي أنّه لا شيء قبله ولا شيء معه في ديمومته، ثم وصف نفسه تبارک وتعالي بأسماء دعا الخلق إذ خلقهم وتعبدهم وابتلاهم إلي أنّ يدعوه بها ، فسمي نفسه سميعا بصيرا قادرا حيا قيوما» (4)

وسأل محمّد بن سنان أبا الحسن الرضا عليه السلام، هل کان الله عارفا بنفسه قبل أنّ

يخلق الخلق ؟ قال :

و «نعم» إلي أنّ قال : «فليس يحتاج إلي أنّ يُسمّي نفسةَ ولکنّه إختار لنفسه

أسماء لغيره يدعوه بها، لأنّه إذا لم يدع باسمه لم يعرف.

فأوّل ما اختاره لنفسه العليّ العظيم، لأنّه أعلي الأسماء کلها، فمعناه الله،

وإسمه العلي العظيم» (5)

ص: 173


1- البقرة : 31
2- بصائر الدرجات ص 438.
3- بحار الأنّوار : ج 11 / 257، ح 3 عن سعد السعود ص 37.
4- البحار : ج 176/4 ، عن التوحيد والعيون .
5- بحار الأنّوار : ج 88/4 ، عن التوحيد والمعاني والعيون .

تجديد للکلام وعود للمرام

وحيث قد سمعتَ ضعفَ أدلّةِ الفريقين القائلين بالعَلَمية وبالاشتقاق، فاعلم

أنّ الحقّ الذي لا محيصَ عنه هو القول بالاشتقاق لجريان قواعد الإشتقاق فيه علي حسب غيره من الألفاظ المشتقّة التي لا تحتاج إلي تجشّم الإستدلال علي اشتقاقها غير ملاحظة اتحاده مع اصله الذي هو مادته في جوهر الحروف، وحقيقة المعني حسبما تسمع الکلام فيه إن شاء الله تعالي.

وللأخبار الکثيرة الدالة علي ذلک، ففي «الکافي» و«التوحيد» و«الاحتجاج» عن هشام بن الحکم قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أسماء الله واشتقاقها ، فقلت : الله ممّا هو مشتق ؟ فقال : «يا هشام ! الله مشتق من إله وإله يقتضي مألوهاً، والاسم غير المسمي، فمن عبدالإسم دون المعني فقد کفر» (1)

وفي «التوحيد» عن أبي جعفر عليه السلام قال :

قال أمير المؤمنين عليه السلام : «معني الله الذي يأله فيه الخلق ويؤله إليه، و«الله» هو

المستور عن درک الأبصار، المحجوب عن الأوهام والخطرات». .

ثم قال أبو جعفرعليه السلام : «الله معناه المعبود الذي أله الخلق عن درک مائيته والإحاطة بکيفيته وتقول العرب : اله الرجل إذا تحير في الشيء، فلم يحط به علما، ووله إذا فزع إلي شيء مما يحذره ويخافه ، فالإله هو المستور عن حواسّ الخلق» إلي أنّ قال: «فمعني قول «الله أحد» أي المعبود الذي يأله الخلق عن إدراکه والإحاطة بکيفية»(2)

وفي تفسير الإمام الهمام عليه وعلي ابنه الحجّة وعلي آبائه الکرام آلاف

ص: 174


1- البحار: ج 4 / 157، ح 2، عن الاحتجاج .
2- بحار الأنّوار: ج 3/ 222 - 223، ح 12، عن التوحيد .

التحية والسلام :

الله هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد کل مخلوق وعند انقطاع الّرجاء من کل من دونه ، وتقطّعِ الأسباب من جميع من سواه، تقول بسم الله ، أي أستعين علي أموري کلها بالله الذي لا يحق العبادة إلا له، المغيث إذا استغيث ، والمجيب إذا دعي» إلي أنّ قال : «قال جدي أمير المؤمنين عليه السلام : الله أعظم اسم من أسماء الله تعالي ، وهو الاسم الذي لا ينبغي أنّ يسمّي به غير الله، ولن يسمّ به مخلوق» قيل : فما تفسيره؟

قال عليه السلام: «هو الذي يتأله إليه عند الحوائج» (1) إلي آخر ما مر عنه عليه السلام. وفي الخطبة الرضوية : «رب إذ لا مربوب، إله إذ لا مألوه» (2)

ودلالة الأخبار علي الإشتقاق واضحة من حيث التصريح به، والتعبير عن الإسم الشريف بالمعبود، وغيره من المعاني الوصفية ، کالفزع إليه، والتحير فيه ، والعجز من إدراکه.

ويؤيده الوجوه المتقدمة لإثبات الاشتقاق وإبطال العلمية وإن أشرنا إلي

بطلان جملة منها.

وعلي کل حال ، فالقائلون باشتقاقه إختلفوا في المبدأ، فقيل : إنه من الإلهة کالعبادة وزنا ومعني، ويؤيّده قراءةُ مولانا أميرالمؤمنين عليه الصلاة والسلام : (ويذرک وإلهتکَ ) (3) أي عبادتک (4)

ص: 175


1- بحار الأنّوار : ج 232/92، عن التوحيد ص 163
2- البحار: ج 4 /285، عن التوحيد.
3- الأعراف : 132.
4- المختصر في شواذ القرآن : ص 45، لابن خالويه الحسين بن أحمد المتوفي سنة ( 370)أو (371) ه.

ورواه الجمهور عن ابن عباس ، وحکي عنه أنّه قال : «أصل هذا الإسم (إله) علي فعال بمعني مفعول ، لأنّه مألوه أي معبود کقولنا : (إمام) فعال بمعني مفعول لأنّه مؤتم به».

کذا في «الصحاح» ثم أدخلت عليه الألف واللام فصار (ألإله) ثم خفّفت الهمزة بأنّ ألقيت حرکتها علي اللام الساکنة قبلها وحذفت فصار (أللاه)، ثم أجريت الحرکة العارضة مجري الحرکة اللازمة فأدغمت اللام الأولي في الثانية بعد أنّ سکنت حرکتها فقيل : (الله).

قالوا: وليست الألف واللام عوضين عن الهمزة المحذوفة وإلا اجتمعا مع

المعوض عنه في قولهم (ألإله).

ولکن قال الجوهري (1) «سمعت أبا علي (2)

النحوي يقول: إنهما عوض عنها، قال : ويدل علي ذلک استجازتهم لقطع الهمزة الموصولة الداخلة علي لام التعريف في القسم والنداء، وذلک قولهم : أفألله ليفعلن، ويا الله إغفر لي، الأتري أنّه لو کانت غير عوض لم تثبت کما لم تثبت في غير هذا الإسم . قال : ولا يجوز أنّ يکون للزوم الحرف لأنّ ذلک يوجب أنّ تقطع هنرة الذي واللتي قال : ولا يجوز أيضا أنّ يکون لآنّها همزة مفتوحة وإن کانت موصولة ، کما لم يجز في أيم الله وأيمن الله التي هي همزة وصل فإنها مفتوحة.

قال : ولا يجوز أنّ يکون ذلک أيضا لکثرة الاستعمال لأنّ ذلک يوجب أنّ

تقطع الهمزة أيضا في غير هذا مما يکثر استعمالهم له، فعلمنا أنّ ذلک لمعني

ص: 176


1- الجوهري : إسماعيل بن حماد أبو نصر الأديب اللغوي ، إختلفوا في تاريخ وفاته بين (333، 353، 396، 398، و 400) - ريحانة الأدب : ج 1 / 438.
2- أبو علي الفارسي : الحسن بن أحمد بن عبدالغفار النحوي المتوفي (377) ه. - العير :ج 4/3.

أختصّت به ليس في غيرها ولا شيء أولي بذلک المعني من أنّ يکون المعوّض من الحرف المحذوف الذي هو الفاء»(1)انتهي ما حکاه في الصحاح.

وقيل : إنها من الألمانية علي وزن الرهبانية بمعني العبادة أيضا، کما في

الخبر : «إذا وقع العبد في ألمانية الرب...» (2)

أو من ألهت إلي فلان، أي سکنت، فإن النفوس لا تسکن إلا إليه، والعقول لا

تقف إلا لديه، لأنّه المقصود المطلوب (ألا بذکر الله تطمئن القلوب )(3)

أو من أله الرجل يأله إذا تحير في الشيء، لتحير الأوهام من إدراک کنه

جلاله، وذهول الأفهام دون النظر إلي سبحات وجهه.

ولذا ورد النهي عن التفکر في الله، وإليه الإشارة بقوله: «وأنّ إلي ربک

المنتهي(4)

وقول النبي صلي الله عليه و اله وسلم : «إذا انتهي الکلام إلي الله فأمسکوا»(5)ولبعض المتحيرين: قد تحيّرتُ فيک خذ بيدي يا دليلا لمن تحيّر فيکا ويؤيده ما مر عن «التوحيد» عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام معني الله المعبود

ص: 177


1- الصحاح : ج 6 / 2223، باب الهاء ، ط بيروت.
2- قال ابن منظور الافريقي في لسان العرب ج 13 حرف الهاء ، فصل الهمزة : الألهانية ، في حديث وهيَب بن الورد : اذا وقع العبد في ألهانيّة الرب .مهيمنيّة الصدّيقين ، ورهبانّية الأبرار لم يجد أحداً يأخذ بقلبه. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 11 ص 150 رقم 7811: وهيب بن الورد بن ابي الورد القرشي ... کان من العباد المتجر دين لترک الدنيا مات سنة (153) .
3- الرعد : 28.
4- النجم : 42.
5- في بحار الأنّوار: ج 3/ 259، ح وص246، ح 22 عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام .

الذي ياله فيه الخلق ويؤله إليه(1)

فقوله: (يأله فيه)، أي يتحيّر فيه ، ويؤله إليه، أي يسکن إليه.

أو من أله الرجل بالکسر فيه کسابقه يأله إذا فزع من أمر نزل به، فالهه بمد الألف وفتح اللام وهمزته للسلب، أي أجاره، فإنه المجير لکل الخلايق من کل المضار وهو الذي بيده (بيده ملکوت کل شيء ، وهو يجير ولا يجار عليه )(2)

أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه، لأنّ العباد في البليات يتضرعون إليه، وفي

المهمات يتوکلون عليه ( وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه) (3)

أو من لاه پلوه إذا احتجب لاحتجاب نوره بکمال ظهوره، ولأنّ خلق الله حجاب بينه وبينهم، کما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : «والله هو المستور عن درک الأبصار، المحجوب عن الأوهام والخطرات» (4)

أو من لاه بمعني ظهر فهو من الأضداد لظهوره لمخلوقاته .

(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنّفسهم حتي يتبين لهم أنّه الحق) (5)

أو من لاه بمعني إرتفع لارتفاعه عن مشابهة الممکنات، وعن إحاطة العقول

والإدراک .

أو أنّه علي هذين الوجهين أصله لاه، مصدر لاه پلوه ليها بالکسر ولاها بالفتح، إذا احتجب وارتفع، لاحتجابه عن إدراک البصائر والأبصار، وارتفاعه عما

تدرکه العقول والأفکار (لا تدرکه الأبصار وهو يدرک الأبصار)(6)

ص: 178


1- بحار الأنّوار: ج 3/ 222، ح 12.
2- المؤمنون: 88.
3- الروم : 33.
4- بحار الأنّوار : ج 3/ 222، ح 12، عن التوحيد .
5- فصلت : 53.
6- الأنّعام : 103.

ومما يؤمي إلي ذلک الخبر الآتي في بحث الاشتقاق المروي عن الکاظم عليه السلام قال : «إن الله تبارک وتعالي خلق نور محمد من إختراعه - من نور عظمته وجلاله، وهو نور لاهوتيته الذي تبدّي»(1)من لاه، أي من الهيته.

أو انه من وله إذا تحير وتخبط عقله، وأصله ولاه، فقلبوا الواو همزة الاستثقال الکسرة عليها استثقال الضم في وجوه، فقيل: إلاه، کما قيل: إعاء، وإشاح، وأصلهما وعاء ووشاح.

قيل : ويرده الجمع علي ( آلهة) دون (أولهة)، فإن جمع الکثرة کالتصغير يرد

الأشياء إلي أصولها، کما جمع إعاء وإشاح علي أوعية وأوشحة.

وربما يدفع بانه لما أبدلت الواو همزة في جميع تصاريف (اله) عوملت

معاملة الأصلية.

ويؤيده کلام الجوهري : «أله يأله ألها واصله وله يوله ولها» .

وعلي کل حال فالأقوال في اشتقاقه کثيرة جدّاً، وإن أمکن إرجاع بعضها إلي

بعض.

بل قال في «القاموس» : «أله إلهة وألوهة وألوهية عبد عبادة ، ومنه لفظ الجلالة ، واختلف فيه علي عشرين قولا ذکرتها في المباسيط، وأصحها أنّه علم غير مشتق، أو أصله إله کفعال، بمعني مألوه، وکل ما أتخذ معبودا إله عند متخذه بين الإلاهة بالکسر ، والاهة بالضم، والألمانية کرُهبانية.

وقال في لاه يليه ليها بمعني تستر : أنّه جوز سيبويه اشتقاق لفظ الجلالة

منها » انتهي.

لکن قد سمعتَ أنّ الأظهر الأقوي فيه الاشتقاق للمعتبرة المستفيضة عن أئمة

ص: 179


1- بحار الأنّوار : ج 35 / 28، ح 24، عن کنز الدقائق .

تفسير فاتحة الکتاب

الدين عليهم السلام الذين هم أعلم الخلق بالله ، وبصفاته العليا، وأسمائه الحسني، سيما بعد تحقق شرايط الاشتقاق فيه ، ومناسبة لما اشتق منه مادة وصورة.

نعم، يمکن الإشکال فيها من حيث اختلافها في نفسها لتضمن بعضها اشتقاقه

من وله بمعني فزع، أو من أله بمعني تحر أو عبد أو احتجب ، أو غير ذلک.

لکن مع ذلک لا ينبغي التأمل في أصل الإشتقاق للأخبار التي يستفاد منها کون هذا البحث مطرحا للأنّظار في عصر الأئمة الأطهارعليهم السلام ، بل يمکن دفع الإشکال أيضا بعد إمکان إرجاع الجميع إلي مادة واحدة لو لم يرجع إلي معني واحد.

مضافا إلي إعمال حکم الترجيح بينها حسب ما هو قضية التعارض بعد جواز اشتقاقه عن کل منها، واشتراک الکل في عدم دلالته علي الذات المقدسة من حيث هي لدلالتها علي الشؤون والسبحات التي هي فزع المخلوقين إليه أو تحيرهم فيه أو عبادتهم إلي غير ذلک.

بل ربما يقال بجواز اشتقاق هذه المواد بتلک المعاني عن ذلک الإسم المقدس، سيما علي مذهب بعض أصحاب العربية، بل قطع الشيخ الأحسائي(1)طاب ثراه، حيث قال في «شرح التبصرة» بعد حکاية جملة من الأقوال : «إن هذه الأقوال کماتري، لأنّ إستعمال المشتق ّمن شيء مسبوق باستعمال ذلک الشيء ولا کذلک هذا، بل الحقّ أنّها کلها مشتقة منه وفائضة عنه.

ص: 180


1- تقدم أنّه الشيخ أحمد بن زين الدين بن ابراهيم الاحسائي المتوفي بالمدينة المنورة سنة (1242) ه أو بعدها ، وقيل في تاريخ وفاته : الشيخ أحمد بن زين الدين ذوالعلم والشهود واليقين فوارة النور جليل أمجد بعد (دعاء) رحم الشيخ أحمد ولا يخفي أنّ العلماء في عصره وبعده مختلفون في حقه بين مثن عليه وقادح فيه ، والله تعالي هو العالم .

ولعل ما ذکره قدس سره بالنسبة إلي الإشتقاق المعنوي، وإلا فهو بالنسبة إلي

الإشتقاق اللفظي ضعيف کما لا يخفي .

وعلي کلّ حال فالحقّ جواز اشتقاقه من کل منها، بل الجميع علي فرض التغاير بناء علي عموم المجاز، او استعمال المشترک في أکثر من معني واحد.

ومن هنا ذکر بعض الأجلّة أنّ التحقيق علي ما يظهر من جملة الأخبار هو أنّ في اشتقاق اللفظة المقدسة لوحظ جميع هذه المعاني ليذهب الذهن منه إلي کل مذهب، وهذا من خواص ذلک الاسم الشريف.

ذکر في «مجمع البيان»: «أنّ معني (الله) (الإله) الذي تحق له العبادة، وإنما تحق له العبادة لأنّه قادر علي خلق الأجسام وإحيائها والإنعام عليها بما يستحق به العبادة، وهو تعالي إله للحيوان والجماد، لأنّه قادر علي أنّ ينعم علي کل منهما بما معه يستحق العبادة.

فأما من قال : معني الإله هو المستحق للعبادة فيلزمه أنّ لا يکون إلها في

الأزل، لأنّه لم يفعل الإنعام الذي يستحق به العبادة وهذا خطأ (1)

أقول : والظاهر أنّه أراد أنّ إطلاق الألوهية إنما هو باعتبار القدرة التي هي من صفات الذات ، سواء تعلقت بابتداء الخلق أو بالإنعام علي المخلوق، لکنه لا يخفي أنّ الفرق غير (2) ظاهر بين من تحقّ له العبادة وبين المستحقّ للعبادة، حيث اثبت الأول ونفي الثاني.

اللهم إلا أنّ يقال : إنه باعتبار التعبير بالثاني من الصفات الفعلية وهي الربوبية

ص: 181


1- مجمع البيان ج 1 ص 21.
2- الفرق ظاهر لأنّ الأوّل مَن له الحق سواء طلب حقّه ام لا وأمّا الثاني فهو مَن له الحقّ وطلب حقّه فإنّه من باب الإستفعال .

إذ مربوب، وبالأول من الصفات الذاتية وهي الربوبية إذ لا مربوب .

إلّا أنّ العبارة لا تساعده ، بل لعلّ اقتصاره علي ما ذکره متعلقا للقدرة لتوهّم أنّ غيره غير محتاج في بقائه إلي الفيوض الإلهية والإمدادات الغيبية، وهو غريب جّداً وکون التعرض له علي وجه المثال يرته التفکيک في العبارة.

وما أشبه هذا الکلام بالکلام المحکي عن السيّد المرتضي (1) الدالّ علي أنّ المرکبّات محتاجة في بقائها إلي المدد، والجوهر الفرد والأعراض غير محتاجة إليها، حيث قال ما عبارته المحکية : ويوصف بإله بمعني أنّ العبادة تحق له، وإنما تحق له العبادة لأنّه القادر علي خلق الأجسام وإحيائها والإنعام عليها بالنعم التي يستحق بها العبادة عليها ، وهو تعالي کذلک فيما لم يزل.

ولا يجوز أنّ يکون إلها للأعراض ولا الجوهر الأحد لاستحالة أنّ ينعم عليها بما يستحق به العبادة وإنما هو إله للأجسام الحيوان منها والجماد، لأنّه تعالي قادر علي أنّ ينعم علي کل جسم بما معه يستحق العبادة إلي آخر ما ذکره.

إيراد مقال لدفع إشکال

استشکل بعض الأجلة(2)فيما يعزي إلي الأکثر من اشتقاق هذا الإسم من أنّه بالفتح کعبد وزنا ومعني إلهة کعبادة بأنّ الظاهر من الأخبار بل صريحها

خلافه .

ففي الخطبة الرضوية المذکورة في «توحيد الصدوق» له معني الربوبية إذ لا

ص: 182


1- الشريف المرتضي علي بن الحسين الموسوي نقيب الطالبيين بالعراق ورئيس الإمامية في عصره ، توفي سنة (436) وله (81) سنة . - العبر: ج 186/3 .
2- هو علي ما حکي عن المصنف القاضي سعيد القمي المتوفي (1107 )ه. ذکر الإشکال في أربعينة.

مربوب ، ومعني الإلهية (1)إذلا مألوه، ومعني العالم إذ لا معلوم (2)، ومعني الخالق إذا لا مخلوق (3) وتأويل السمع إذ لا مسموع (4)-(5)

وهو صريح في أنّ المألوه بمعني العابد لا بمعني المعبود، کما في أخواتها . وفي «الکافي» في خبر هشام: «الله مشتق من إله والإله يقتضي مألوها(6)

والإله لما کان بمعني المعبود، والعبادة من الأمور النسبية التي لا بد معها من المنتسبين، فالمعبود يقتضي عابدا، فيکون المألوه بمعني العابد، ويؤيده قوله بعد ذلک : «فمن عبد الإسم دون المعني فقد کفر» (7)

وأجيب بوجوه: أحدها ما ذکره الصدر الأجل الشيرازي من أنّ الإله

مصدر بمعني المفعول أي المألوه وهو الحق.

وقوله : الاله يقتضي مألوها معناه أنّ هذا المفهوم المصدري يقتضي أنّ يکون في الخارج موجود هو ذات المعبود الحقيقي، ليدلّ علي أنّ مفهوم الاسم غير المسمّي، ولذا عقّبه بقوله : والاسم غير المسمّي.

وتبعه في ذلک صهره المحدّثُ الکاشاني واعترض بانّ حاصل المعني حينئذ

هو أنّ المألوه يقتضي مألوها، ومثل هذا الکلام لا يصدر عن مثل الإمام عليه السلام.

ثمّ علي تسليم أنّ المراد بالمألوه في الأوّل الإسم، وفي الثّاني الذّات، فللخصم أنّ يقول : لا نسلم ذلک الاقتضاء، فإن کثيراً من الأسماء المتداولة بين

ص: 183


1- في البحار : وحقيقة الإلهية .
2- في البحار : ولا معلوم
3- في البحار : ولا مخلوق.
4- في البحار : ولا مسموع.
5- بحار الأنّوار : ج 229/4 ، ح 3 عن التوحيد والعيون .
6- بحار الأنّوار : ج 157/4، عن الاحتجاج .
7- بحار الأنّوار : ج 4 / 157، عن الاحتجاج .

تفسير فاتحة الکتاب

الجمهور لا ذات لمسمّاها، ولا تحقّق لمعناها کعنقاء المُغرَب وأمثاله .

وفيه أنّ التّغاير المشار إليه في الجواب من حيث المفهوم والمصداق کافي في انسياق الکلام له، بل الظّاهر من مساق الخبر بيان مغايرة اللّفظ للمعني، وأنّ الأوّل يدلّ علي الثّاني، حيث قال: «فمن عبدالاسم دون المعني فقد کفر، ومن عبد الإسم والمعني فقد عبد اثنين ، ومن عبدالمعني دون الإسم فذلک التوحيد»(1)

ثم استدلّ عليه السلام بان لله تسعة وتسعين إسماً فلو کان الاسم هو المسمّي لکان کلّ اسم منها إلهاً، ولکنّ لله معني يُدَلُ عليه بهذه الأسماء، وکلّها غيره، ثم تمثل لذلک بانّ الخبز اسم للمأکول ، والماء أسم للمشروب، والثّوب اسم للملبوس، والنّار اسم للمحرق.

ومن البيّن أنّ ظاهر صدر الخبر فضلاً عمّا ذيلّه به من الدليل والتّمثيل بيان مغايرة اللفظ للمعني، والاسم للمسمّي، ردّاً عَلي مَن توهّم الاتّحادَ فيهما علي ما مرّت الاشارة إلي الکلام في أصل المسألة.

ومن هنا يضعّف ما ذکره شيخنا البهائي في کشکوله من أنّ أصحاب القلوب علي أنّ الاسم هو الذات مع صفة معيّنة وتجلّي خاص، وهذا الاسم هو الذي وقع فيه التّشاجر أنّه هل هو عين المسمّي أو غيره وليس التّشاجر في مجرّد اللفظ کما

ظنّه المتکلّمون فَسَوَّدُوا قراطيسهم وأفنوا کرابيسهم بما لا يجدي بطائل ولا يفوق العالم به علي الجاهل.

اذ فيه أنّه مخالف لظاهر الخبر وغيره علي ما مرّ بل قد سمعتَ حکايته عن القيصري أيضاً ولقد أجاد الفاضل المازندراني حيث قال في شرح قوله : وإله يقتضي مألوهاً أنّ متحيرّاً مدهوشأ في أمره أو متعبّداً له أو مطمئنّاً بذکره أو معبوداً

ص: 184


1- بحار الانوار : 4/ 157.

وهو الأنّسب بقوله في الاسم غير المسمّي.

ثانيها : ما ذکره صهره المحدّث الفيض رحمه الله من احتمال جعله بفتح الالف وسکون اللّام مصدر آله بالفتح الها بالسّکون بمعني العبادة ، ثمّ قال : إنَّ العبادة يقتضي أنّ يکون في الموجودات ذاتُ معبود، ولا يکفي فيه مجرّد الإسم من دون أنّ يکون له مسمّي.

حکاه عنه تلميذه القاضي سعيد القمي واعترضه أوّلاً بانّه لم يجييء في اللغة أله بفتح الألف وسکون اللام مصدر أله بمعني عبد، وما نقل هو من الصّحاح من قوله اله بالفتح الهَة أي عبد عبادة فائما هي إلهة بکسر الهمزة وفتح اللام مع الألف کما صرّح به شيخنا البهائي وصاحب مجمل اللّغة واکثر أئمّة اللغة نعم إنّما جاء بفتح الألف واسکان اللام مصدر اله بمعني تحيّر.

وثانياً : بانّه لمانع أنّ يمنع ذلک الاقتضاء إن أراد أنّ العبادة أي وقوعها يقتضي

معبود حقيقياً، وإن أراد مطلق المعبود فلا مانع من الإقتضاء ولا يجدي نفعاً .

قلت : يمکن دفع الثاني علي تکلف لکن لا وجه لالتزامه، کما لا وجه التکلف جعله بفتح الهمزة وسکون اللام، ولو علي فرض جوازه لشذوذه ، بل الظّاهر

کونه بکسر الهمزة وفتح اللام بعدها ألف ومنه قراءة مولينا أمير المؤمنين عليه السلام : ويذرک واِلهتَکَ اَي عبادتک حسبما مرَّ فخذفت منها التّاء

ثالثها ما ذکره القاضي الماضي ذکره انه ممّا ألهمني الله معتضداً بالعقل الصّريح والوجدان الصحيح وهو أنّ الاله فعال مشتقّ من أله بالفتح بمعني عُبِدَ علي صيغة المجهول، کوُلع بمعني أولع ، وامثال ذلک کثيرة کما هو غير خاف علي من له تدرب في العلوم الأدبيّة، ولا ريب أنّ صيغة المفعول للفعل الّذي معلومه بمعني مجهول فعل آخر يکون ذلک المفعول بمعني صيغة الفاعل من هذا الفعل الاخر، لأنّ اسم الفاعل بمنزلة الفعل المعلوم واسم المفعول بمنزلة الفعل المجهول، وأيضاً إذا

ص: 185

کان الفعل المعلوم بمعني فعل مجهول متعدّ معلوم ذلک المجهول إلي مفعول واحد فيجيب بالضَّرورة أنّ يکون الفعل المعلوم الأول لازماً، ولا شکّ أنّ اسم الفاعل والمفعول في الأفعال اللّازمة يکونان بمعني واحد ولهذا اکتفوا في تلک الأفعال اللّازمة بواحد من إسمي الفاعل والمفعول حسبما اقتضاء ذلک الفعل ، ففي مثل اليافع والمائت إجتزوا باسم الفاعل، وهو بمعني المفعول حقيقة وفي نحو المشعوف والمنهوم إکتفوا باسم المفعول أنّ ذو الشّعف والنّهمة او الّذي أظهر الشّعف والحرص علي الشّيء، ومن الّدليل علي أنّ اله بمعني عُبد علي صيغة المجهول أنّ مصادرها مقابلة لمصادر عبد بصيغة المعلوم کالألوهية والألوهة والإلهة بضمّ الهمزة في الأوليين وکسرها في الأخيرة وفي قراءة ابن عباس ويذرک وإلهتکَ، اَي الوهيّتک.

وبالجملة علي ما حقّقنا يکون الإله فعالاً بمعني المعبود، وأمّا المألوه فهو

بمعني الذي له الأله فيکون بمعني العابد .

وقال ابن العربي في النصوص : لولا مألوهيّتنا لم يکن إلهاً يعني لولا عابديّتنا لم يکن معبوداً بالفعل، کما أنّه لولا مرزوقيّتنا لم يکن رازقاً بالفعل، إذ الألوهيّة معني نسبّي لا يتحقّق إلّا بالمنتسبين کما مرَّ في الخبر المتقدّم في قوله والإله يقتضي مألوهاً ثم قال فاحتفظ بذلک فانّه من الإلهامات ولم ينل إليه أيدي الطّلبات .

أقول لا يخفي أنّ الاشتقاق من الأفعال المجهولة لکونه علي خلاف الأصل والقياس مقصور علي السَّماع المفقود في مثل المقام، بل الظاهر اختصاصه بالأفعال الّتي تستعمل مجهولاً دائما أو غالباً .

قال في القاموس عُني بالضّم عناية وکرضي قليل فهو به عنٍ، الخ.

علي أنّ إشتقاق الوصفين معاً من مثل هذا الفعل غير معهود کي يکون المفعول من المجهول بمعني الفاعل من المعلوم، سيّما في هذه المادّة الّتي اشتقّوا ما اشتقّوا من معلومها .

ص: 186

وبالجملة لا داعي للالتزام بمثل هذا التکلّف في الجواب بعد وضوح الجواب من الخبرين، إمّا من قوله له معني الألوهيّة إذ لامألوه، فلانّ المراد بالمألوه مَن له الأله کما صرّح به المجلس في البحار (1) بل هذا الفاضل في کلامه المتقدّم

وأما من الخبر الثاني فلما أشرنا إليه في الجواب الأول.

کما أنّه لا داعي لما تکلّفه القيصري في توجيه ما ذکره ابن العربي في الفصوص من أنّ الألوهيّة تطلب المألوه والرّبوبيّة تطلب المربرب حيث قال : إن الشيخ يستعمل المألوه في جميع کتبه ويريد به العالَم واللّغة يقتضي أنّ يطلق علي الحقّ إلّا في بعض معانيه لاشتقاقه من اله إلهةً بمعني العبادة والفزع والالتجاء والثّبات والسکون والتحيّر، ولا ريب أنّ المعبود والمفزع والمسکون إليه هو الحق والمتحيّر والمثبت هو العالَم، ثم قال ويمکن أنّ يستعمل لغة في معان اخر تليق

بالعالم

أقول وبما ذکرنا في توجيه الخبر المتقدم يظهر وجه کلام شيخه بحيث لا حاجة إلي التزام استعمال اللّفظ في المعاني الشّاذة الّتي لا يکاد ينساق إلي الذهن

إلّا بعد نصب القرينة المفقودة في المقام.

تنبيه

ربما يقال إنّ هذا الاسم العظيم هو الاسم الأعظم لاختصاصه بمزايا خواص لا توجد في غيره ، ولتقدمه علي جميع الأسماء الکريمة الواردة في الکتب الإلهيّة وعلي ألسنة الرّسل، ولذا يوصف بالجميع ويقدّم عليها، ولا يوصف شيء منها به.

ولدلالته علي الذّات المستجمع لصفات الکمال بحيث لا يخرج من تحت

ص: 187


1- بحار الأنّوار : 4/ 159 في ذيل ح 2.

حيطته شيء من الصفات الجمالية والجلالية ، ولذا يشار بغيره من الأسماء إلي شيء منها.

ولاشتهاره بلفظه بين جميع الأمم والطّوائف والملل مع اختلاف ألسنتهم

وأديانهم (ولئن سئلتهم من خلق السموات والأرض ليقولّن الله ) (1)

ولتکرّره في کتاب الله المجيد المهيمن علي غيره من الکتب اکثر من غيره من الأسماء حتّي قيل : إن عدده فيه مع ما في البسملة ألفان وثمان مائة وأربع عشر، وليس لغيره من الأسماء هذا العدد في کتاب الله.

ولإناطة التوحيد عليه في کلمتي الشّهادة لا اله الا الله محمَّد رسول الله .

ولانتساب أشرف الأنّام إليه في أشرف أسمائه وهو عبد الله ولذا قدّمه علي

الرّسالة في التّشهّد : وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله.

ولما يستانس له من بعض الأدعية الدّالة عليه کقوله عليه السلام في دعاء سحر و ايام شهر رمضان اللهم إنّي أسئلک بما تجيبني به حين أسئلک به فاجبني يا الله، وفي بعضها نعم دعوتک يا الله إلي غير ذلک من التّقريبات الّتي لا تحقيق معها لأصل القصد الذي هو أنّ الاسم أعظم هل هو من سنخ الألفاظ ومن عالم الحروف والکلمات کما هو ظاهرُ الأکثر بل صريح غير واحدُ من المحقّقين أو أنّه من عالم المعاني والمراتب الکونيّة کما يظهر من البعض ، بل لعلّه الظّاهر ممّن ينفي الأعظّمية في الأسماء کالطريحي وغيره ولذا قد ينزّل عليه ما ورد من أنّه تعالي خلق إسماً بالحروف غير مصوت(2) ، وباللّفظ غير منطق، وبالشّخص غير مجسّد، وبالتّشبيه غير موصوف، وباللّون غير مصبوغ منفّي عنه الأقطار، مبعّد عنه الحدود،

ص: 188


1- الزمر : 38 .
2- في البحار عن التوحيد : بالحروف غير منعوت .

ومحجوب عنه حسّ کلّ متوهّم، مستتر غير مستور، الخ (1)

وذلک لما قد يقال من أنّ کلَّ ما خلقه الله تعالي فائما هو من أسمائه بما توسّم به من آثار الصّنع ودلائل التّربية وکلّها من حيث انتسابها إلي الله العظيم عظيمة کما إليه الإشارة في بعض الآيات والأخبار والأدعية سيّما في جميع فقرات دعاء سحر شهر رمضان وذلک لأنّ الله سبحانه عظيمُ لا يصدر عن العظيم الّا العظيم فکلّ شيء خلقه الله تعالي وجعله لنفسه إسماً ودليلاً وآية إنما خلقه علي وجه العظمة لا غير، فليس معني الدّعوة بالإسم الأعظم أنّ الإسم علي قسمين أعظم وغير أعظم، بل المراد أنّ دعوة الدّاعي بالاسم تکون علي قسمين : قسم يصرف الداعي هذا الاسم الذي يدعو به علي ما هو عليه من العظمة والجلالة ورتبته من الوجود بل يتحقّق بحقيقته الّتي خلقه الله تعالي عليها ، وقسم يضلّ فيه ولا يهتدي اليه ولا يعرفه علي ما هو عليه من الجلالة والعظمة.

أقول الظّاهر أنّه لا مجال إلي إنکار الإسم الأعظم من حيث اللّفظ لدلالة ظواهر کثير من الأخبار عليه واشتهاره بين الأصحاب، بحيث قد يدّعي قيامُ ضرورة المذهب بل الدّين عليه ، نعم قد سمعت انقسام الأسماء إلي الاقسام الأربعة ، والظاهر اشتمال کلّ منها علي العظيمة وغيرها فمحمّدصلي الله عليه و اله وسلم وأوصيائه الطّيبّون عليه السلام هم أعظم الأسماء الالهية، ولذا ورد أنّهم الأسماء الحسني والأمثال العليا کما في الجامعة الکبيرة وکثير من الأدعية ، ولهذا ينکشف بعض الاستتار عن وجوه بعض الأخبار .

ففي البصائر عن مولينا أبي جعفر عليه السلام قال : إن اسم الله الأعظم علي ثلاثة وتسعين حرفاً وانّما عند آصف منها حرف واحد فتکلّم به فخسف بالأرض ما بينه

ص: 189


1- بحار الأنّوار : 166/4ح 8 عن التوحيد .

وبين سرير بلقيس ، ثمّ تناول السرّير بيده، ثمّ عادت الأرض کما کانت أسرع من طرفة عين ، وعندنا نحن من الإسم إثنان وسبعون حرفاً ، وحرف عندالله إستأثر به في علم الغيب عنده ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم(1)

وفيه عن الصّادق عليه السلام قال : إن الله عزّوجل جعل إسمه الأعظم علي ثلاثة وسبعين حرفاً فأعطي آدم منها ستة وعشرين حرفاً ، وأعطي نوحاً منها خمسة وعشرين حرفاً، وأعطي منها ابراهيم ثمانية أحرف، وأعطي موسي منها أربعة أحرف، وأعطي عيسي منها حرفين، وکان يُحيي بهما الموتي، ويبري بهما الأکمه والابرص، وأعطي محمّداًصلي الله عليه و اله وسلم اثنين وسبعين حرفا واحتجب حرفا لئلّا يُعلَم ما في نفسه، ويعلم ما في نفس العباد» (2)

وظاهر هذه الأخبار هو الإسم اللفظي، وإن قيل بجواز حمله علي الکوني أيضا، ويدل علي ما ذکرناه مضافا إلي ذلک، الأخبار المختلفة في تعيين الإسم الأعظم.

فعن الصادق عليه السلام قال : «بسم الله الرحمن الرحيم أقرب إلي اسم الله الأعظم من

ناظر العين إلي بياضها»(3)

وعن الرضا عليه السلام: «إنه أقرب إلي الإسم الأعظم من بياض (4) إلي سوادها»(5)

وعن مولانا الباقرعليه السلام : «حدثني أبي عن جده أميرالمؤمنين أنّه قال :

رأيتُ الخضر في المنام قبل بدر بليلة ، فقلت له: علمِّني شيئا أنّتصر به علي

ص: 190


1- بحار الأنّوار: ج210/4عن البصائر
2- بحار الأنّوار : ج 4 / 211، ح 5، عن البصائر .
3- البحار: ج 78/ 371، ح 6.
4- في البحار : من سواد العين إلي بياضها .
5- البحار: ج223/93.

الأعداء، فقال : قل: يا هو يا من لا هو إلا هو، فلما أصبحتُ قصصتُ ذلک علي رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم ، فقال : يا علي عُلمِتَ الاسمَ الأعظم فکان علي لساني يوم بدر، وکان يقول ذلک يوم صفين وهو يطارد ، فقال له عمار بن ياسر: يا أمير المؤمنين ما هذه الکنايات ؟ قال : إسم الله الأعظم» الخبر (1)

وفي «المشارق» أنّه لمّا دخل مولانا الصادق عليه السلام داود قاتل المعلّي بن

خنيس فقال :

يا داود! قتلتَ مولائي ووکيلي ، وما کفاک القتل حتي صلبتَه، والله لأدعونّ

عليک فيقتلک الله کما قتلتَه». .

فقال داود: أتهدّدني بدعائک ؟ أدع الله فإذا استجاب لک فادعه عليّ، فخرج

أبو عبد الله عليه السلام مغضبا، فلما جنّ الليل إغتسل واستقبل القبلة ثم قال :

يا ذا يا ذي يا ذوات إرم داود بسهم من سهام قهرک تقلقل به قلبه» ثم قال الغلامه: «أخرج واسمع الصائح»، فجاء الخبر أنّ داود قد هلک، فخر الإمام عليه السلام ساجدا وقال :

«لقد دعوتُ بثلاث کلمات لو قُسِمَت علي أهل الأرض تزلزلت بمن

عليها» (2)

قلت : ولعلّ ذا إشارة إلي الله سبحانه الحاضر القريب الذي لا أقرب منه من حيث حضوره وظهوره وتجلّيه في کل شيء بفعله وصنعه ونوره، وذي إشارة إليه من طريق التنفس التي هي أعظم آية وأقرب لها إليه، إذ ليس شيء أقرب ولا أدلّ من نفس الشيء عليه.

ص: 191


1- بحار الأنّوار: ج 93/ 232، ح 3، عن التوحيد
2- مشارق الأنّوار : ص 92- 93.

تفسير فاتحة الکتاب

والذوات إشارة إليه من طريق جميع الذوات التي هو سبحانه مذوتّها(فأينما

تولّوا فثمّ وجه الله )(1)

وعلي کلّ حال فليکن هذا الإجمال علي ذُکر منک حتي نفصّل الکلام إن شاء الله تعالي في تحقيق الإسم الأعظم ومعني أعظميته وأنّ الإستجابة به مشروطة بشرط أم لا في موضع أليق علي وجه أتم.

نعم، مما ينبغي التعرض له في المقام إختصاص هذا الإسم الشريف وهو

(الله) بمزايا لا توجد في غيرها وقد أشار إلي بعضها بعض المحققين .

منها : أنّ جميع أسماء الحق تنسب إليه، ولا ينسب إلي شيء منها کما نسب سبحانه في قوله : (وله الأسماء الحسني) (2) جميع الأسماء إليه، فکأنّه عنوان ولو في الجملة لغير من الأسماء.

ومنها : أنّه لم يسمّ به أحد من الخلق لا تسمية ولا توصيفاًلقوله : ( هل تعلم

له سمياً) وقد مرّ تمام البحث فيه.

ومنها تعويض الألف واللام فيه من الهمزة المحذوفة عند من يري أنّ أصله

إله کما هو الحق المستفاد من الأخبار المتقدمة، ولم يعوض في غيره أداة التعريف عن المحذوف.

قال في «المجمع» حکاية عن أحد قولي سيبويه أنّ اصله إله فحذفت الفاء التي هي الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً عنها، بدلالة استجازتهم قطع هذه الهمزة الموصولة الداخلة علي لام التعريف في القسم والنداء نحو قولهم : أفألله لتفعلن، ويا الله اغفر لي ، ولو کانت غير عوض لم تثبت الهمزة في الوصل (3)

ص: 192


1- البقرة : 115.
2- الأعراف: 180.
3- مجمع البيان : ج 1 /19، في تفسير البسملة .

ومنها : أنّهم جمعوا فيه بين أداة التعريف وحرف النداء عند کونه منادياً ، ولم

يرد ذلک في غيره إلا شاذأ في ضرورة الشعر کقوله:

فيا الغلامان اللذان فرّا إيّاکما أنّ تکسبانا شرا(1)

ولذا قيل : إن من قال : إن لفظة الجلالة من الأعلام الواقعة علي سبيل الارتجال من غير أنّ يؤخذ من أصل آخر وأنّ الألف واللام فيه جزء اللفظ لم يرد عليه الإعتراض بنداء ما فيه الألف واللام.

وأما من يقول: بأنّ الألف واللام فيه للتعريف فقد أجابوا عن الاعتراض بأنّ

اللام فيه بمنزلة الأصل، للزومها وکونها عوضا عن الهمزة التي هي فاء.

أو لأنّ النداء فيه أکثر من غيره فخففّت بحذف الوصلة بدخول کلمة (أل) ولم

يخفف بانتزاع اللام لأنّه يفضي إلي تغيّر الإسم وزوال ما قصد به التعظيم

أو لأنّهم کرهوا بأنّ يأتوا باسم مبهم يطلقونه علي الله عز اسمه.

أو لأنّ إطلاق الأسماء عليه توقيفية ولم يرد الإذن بمثل (يا أيها الله)، کي لا

يحصل الفصل بين حرفي التعريف بالإسم المبهم

ومنها : امتناع دخول کلمة أي والهاء للتنبيه عليه مع حرف النداء بخلاف غيره من الأسماء والأوصاف کقوله : ( يا أيها النبي )، ولعله يرجع إلي ما مر، فإن أيّ جُعِلَت وصلة إلي نداء المعرّف باللام نظرا إلي امتناع دخول اللام عليه لتعذر الجمع بين حرفي التعريف، فإنّ حرف النداء لتعريف المنادي .

ولذا قيل في الضابطة : إن مدخول لام التعريف إمّا أنّ يکون علما أو غير علم، فإن کان غير علم فلا يخلو إما أنّ يصحّ نزع اللام منه أو لا، فإن لم يصح نزع

ص: 193


1- لم يسم قائله ولکن استشهد النحويون کالسيوطي والجامي به في باب المنادي . وفي شرح ابن عقيل : إياکما أنّ تعقبانا شر

اللام منه کالصعق والثريا لا يصح نداؤه ، إذ لا ينزع منه اللام، ومعها لا يدخله حرف النداء، فالطريق في ندائه أنّ يؤتي بمن فيقال (يا من هو الصعق)، وإن کان علما يصح نزع اللام منه کالحارث والعباس فقيل : إنه ينادي بنزع اللام ، وقيل : لا يجوز نداؤه لا مع اللام لامتناع الجمع، ولا بدونها لاستلزامه تغيير صورة العلم.

وفيه : أنّه إن کان علما بدونها فلا محذور في حذفها، أو معها فهي کالجزء،

کما لو سمي بمرکب، بل بجملة فعلية کيا تأبط شراء أو إسمية کيا الرجل منطلق .

وأمّا المعرف باللام الذي ليس علما فلا يباشره حرف النداء ولکن يؤتي بأيها أو ذا، أو أيهذا، أو هذا، فيقال : يا أيها الرجل، أو يا ذا الرجل، أو يا أيهذا الرجل، أو يا هذا الرجل.

کأنّهم کرهوا أنّ يجمعوا بين حرفي التعريف وحرف النداء، کما کرهوا حذف اللام فيه ، لما فيه من الانتقال من التعريف الأقوي إلي التعريف الأضعف، فأتوا باسم مبهم مجرد عن حرف التعريف جعلوه المنادي في اللفظ وأجروا عليه حکم المعرّف باللام المقصود بالنداء

ومنها : تعويض الميم المشددة في آخره عن حرف النداء، ولذا لا يجتمعان إلا شاذا وشدد لکونها عوضا عن حرفين، وهذا هو المشهور، وقيل : اصله يا الله أما بخير، فخفّف لکثرة الاستعمال بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته.

وهذا أيضا من خواصّ هذا الإسم بل فيه الإشارة إلي کثرة التوسل بهذا الإسم

في الدعوات کي استحق مثل هذا التخفيف.

ومنها : ما قد يقال : إنه قد يسقط الألف واللام أيضا مع إلحاق الميم المشددة

ويقال لاهم .

ص: 194

قال أبو خراش(1)في الشوط الخامس : لا همّ هذا خامس إن تمّا . ومنها اختصاصه بناء القسم، فلا تستعمل التاء مع غيره.

ومنها : إختصاصه بلفظ أيمن الموضوع للقسم، فيقال : أيمن الله ، وکذا سائر لغاته ، وهي ثمان وعشرون لغة، أشار إليها في «القاموس» قال: «وأيمن الله، وأيم الله ، وبکسر أولهما، وأيمن الله بفتح الميم والهمزة وتکسر، وإيم الله بکسر الهمزة والميم ، وقيل : ألفه ألف الوصل، وهَيمُ الله بفتح الهاء، وضم الميم، وأم الله مثلثة الميم، وإم الله بکسر الهمزة وضم الميم وفتحها، ومن الله مثلثة الميم والنون، وم الله مثلثة، وليم الله، وليمن الله : إسم وضع للقسم، والتقدير أيمن الله قسمي»(2) انتهي بعبارته.

ومنها : أنّهم کتبوه بلامين في الخط مع حذف الألف ووصل الهاء، أما کتابته

باللامين فلعله الأصل في مثله کما في اللعب واللمم واللحم ونحوها.

إلا أنّهم کتبوا (الذي) بلام واحدة مع تساويهما في کثرة الدوران ولزوم

التعريف لنقصانه الناشي من بنائه فأدخلوا فيه النقصان في الخط أيضا، فإذا ثني ضعفت مشابهته بالحرف حيث إنه لا يثني فيکتب بلامين.

وعلي هذا فإثبات التشديد في غير الذي علي خلاف القياس ، ولعله علامة لفظية لا للنيابة الخطية، وأما الحذف والإيصال فلکثرة الاستعمال علي انّ الثاني مع فرض الأول علي القياس.

ومنها : أنّه لا يغيّر بتثنية أو جمع أو تصغير أو تکسير .

ص: 195


1- هو أبو خراش خويلد بن مرة ، شاعر فحل من شعراء هذيل ، مخضرم أدرک الجاهليةوالإسلام فأسلم ومات سنة (15) ه في خلافة عمر بن الخطاب ، نهشته أفعي فمات. - الأغاني : ج 205/21 .
2- القاموس المحيط للفيروز آبادي :4/279.

ومنها : أنّه بعد حذف الجار قد يبقي في القسم مجرورا نحو الله - لأفعلن.

بل قيل : قد يحذف مع ذلک أيضا الألف واللام، فيقال : لاه لأفعلن، حکاه أبو

حاتم.

ومنها : تفخيم لامه إذا کان ما قبله مفتوحا أو مضموما.

قال في «شرح طيبة النشر»: «وأما اسم الله تبارک وتعالي فکل القراء علي تفخيمه إذا وقع بعد فتح نحو: قال الله ، وشهد الله ، وکذا إذا ابتدي به نحو: الله لطيف

بعباده (1)، وکذا إذا وقع بعد ضم ، نحو رسل الله (2) ، وإذ قالوا اللهم»(3)

وما حکاه الأهوازي (4) عن السوسي (5) من الترقيق فيه فهو شاذ لا يؤخذ به

ولا يصح تلاوته .

نعم، إختلفوا في ترقيقه وتفخيمه إذا وقع بعد حرف ممال وذلک في موضعين: (نري الله) »(6)(و سيري الله )(7)في رواية السوسي، قالوا: والوجهان صحيحان.

قلت : بل عن أبي البقاء عن بعضهم تفخيم لامه مطلقا ولو بعد الکسر، إلا أنّ

هذا القول مناف لنقل جمع الاتفاق علي أنّه لا يفخم عند الکسر.

قال الرازي: «أطبق القراء علي ترک تغليظ اللام في قوله ( بسم الله ) وفي

ص: 196


1- الشوري : 19.
2- الأنّعام : 124.
3- الأنّفال : 32.
4- الأهوازي : أبو علي الحسن بن علي بن ابراهيم الأستاذ في القراءة وکان بدمشق، توفي سنة (446) ه.- النشر في القراءات العشر : ج 1 / ص 35.
5- السوسي : أبو شعيب صالح بن زياد المتوفي (261) ه . - النشر : ج 1 / 134.
6- البقرة : 55.
7- التوبة :94.

قوله ( الحمد لله )والسبب فيه أنّ الانتقال من الکسرة إلي للام المفخمة ثقيل». ثم حکي عنهم في ضابط التفخيم ما لا يخلو من نظر واضح فلاحظ.

نعم، حکي عنهم أنّ المقصود من هذا التفخيم أمور کالفرق بينه وبين لفظ اللات في الذکر، وأنّ التفخيم مشعر بالتعظيم، وهذه اللفظة تستحق المبالغة فيه، والمرققة تذکر بطرف اللسان، والمغلظة بکله، فأوجب لزيادة القصد والعمل فيه کثرة الثواب، مع أنّ ذکره بکل اللسان يشعر بذکره بکل القلب، فيکون امتثالا لما عن «التوراة»: «يا موسي! أجب ربک بکل ذکر». .

أقول: ولعل الأولي من کل ذلک الاستناد إلي قراءة العرب الذين هم من أهل اللسان، وإن کان لا يعلل عندهم أيضا بشيء يصغي إليه ، فإن ذلک يرجع إلي الحرف وکيفية أدائه، لا إلي جوهره ومادته.

ومن هنا يظهر الجواب عما استشکله الرازي من أنّ نسبة اللام الرقيقة إلي اللام الغليظة کنسبة الدال إلي الطاء ، وکنسبة السين إلي الصاد، وحيث اعتبروا التغاير بين کل من الحرفين فليعتبر أيضا بين هاتين .

ووجه وحدة النسبة علي ما صرح به أنّ الرقيقة کالتاء يؤدي بطرف اللسان

والمغلظة کالطاء بکله. .

وفيه أنّ العمدة ما سمعت من أنّ إمتياز الحروف إنما هو بجواهرها وموادها لا مجرد الاختلاف في المخارج، مع تحقق المغايرة، هذا مع أنّ الإجماع حاصل علي عد الرقيقة والمغلظة حرفة واحدة، وعلي عد الدال والطاء وکذا السين والصاد حرفين ، واعتبار المغايرة مبني علي فرض التغاير المفقود في المقام.

والحق علي ما هو المقرر في محله أنّ لکل حرف من الحروف مخرجاً علي حدة، ولو باعتبار اختلاف کيفية الإعتماد وتحريک العضلات والأعصاب اللسانية وغيرها، علي ما يشهد به الوجدان .

ص: 197

ومنها : ما قيل: من أنّه إذا ألقيت من هذا الإسم الألف بقي (الله)، (لله الأمر من قبل ومن بعد)(1)وإن تُرکت اللامُ الأولي بقيت البقية علي صورة (له)، وله ما في السموات وما في الارض )(2)( وإن تُرکت اللامُ الثانية أيضا بقي الهاء المضمومة من هو، (لا إله إلا هو)(3)والواو زائدة حاصلة من الإشباع، ولذا يسقط في (هما) و(هم) إلي غير ذلک من الخواص التي يختص بها هذا الإسم.

واعلم أنّ أصل هذا الإسم وأسه وأساسه هو الهاء التي تدلّ عليه مجردا عن سائر حروف الإسم ولو مشبعا بالواو ، أو مع سائر الأدوات الجارة، وهي النقطة الجوّالة، والدائرة السيّالة، وعددها خمسة، وهي قوي الباب، وفصل الخطاب ومنه المبدأ، وإليه المآب .

مع أنّ في هذا العدد خصوصيةً في ظهوره في المظاهر، وعدم احتجابه بالسواتر، ولذا سمّاه أرباب الارثماطيقي(4)بالعدد الدائر، فإنه إذا ضُرب في نفسه کان بعينه محفوظا في الحاصل، وکذا إذا ضُرب في الحاصل، أو الحاصل في الحاصل، وهکذا متصاعدا إلي ما لا نهاية له، فتکون الخمسة محفوظة في المال والکعب ، ومال المال ، ومال الکعب، وکعب الکعب، وهکذا، ولذا کنّوا وأشاروا به إلي الواحد البخت الحق الظاهر بصنعه وآثاره في کل شيء کما قال سيد الشهداء عليه السلام: «أنّت الذي تعرّفتَ إليّ في کل شيء فرأيتک ظاهراًفي کل شيء، فأنّت الظاهر لکل شيء» (5)«متي غبت حتي تحتاج إلي دليل يدلّ عليک، ومتي

ص: 198


1- الروم : 4.
2- النساء: 171.
3- البقرة : 163.
4- الارثماطيقي (ARITMETIC) هو علم الحساب النظري .
5- بحار الأنّوار: ج98/ 228

بعدتَ حتي تکون الآثار هي التي توصل إليک»(1)

مع ما فيه من الإشارة إلي کليات الجواهر الخمسة، والعوالم الخمسة الکلية :

وهي : الأزل سبحانه وتعالي.

وعالم السرمد، وهو عالم الرجحان والأمر، والمشية الکلية، والفعل،

والإبداع.

وعالم الجبروت، أي العقول والمعاني المجردة عن المادة والمدّة والصورة

وعالم الملکوت، أي النفوس والصور المجردة البرزخية والجوهرية.

وعالم الملک، أي الأجسام التي أعلاها محدّد الجهات، وهو المساوق في الوجود للزمان والمکان ، بحيث لا يسبق شيء من هذه الثلاثة الآخرين في الغيب والشهادة ، بل لا يفضل شيء منها عن أخويه ولا ينقص عنه.

وإلي الخمسة العبائية (الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا) (2)وهو أول المخمّسات البسيطة، وأول أعداد المربعات النارية، وليس في الأفراد ما يدل علي ترکيب ما هو أوله سواه .

وهذا الحرف هو الإسم الأعظم والنور المعظم، والحرف المقدم عند کثير من أرباب التحقيق، بل هو في الحقيقة اسم الله العظيم جل جلاله، والألف واللام للتعريف، واللام والألف لنفي الغير ، فهو إشارة إلي الهوية المجردة الغيبية الإلهية.

بل قيل : إنه الذکر الجاري علي الدوام في أنّفاس الحيوانات في حرکتها

وسکونها، ونومها ويقظتها، واختيارها واضطرارها.

بل قيل : إنّ الحکماء الإلهيين وضعوا الأرقام التسعة المشهورة التي هي

ص: 199


1- بحار الأنّوار : ج 226/98
2- اقتباس من آية التطهير في سورة الأحزاب (33) .

أصول الأعداد الباقية، وکذا الحروف المفردة التي يحاذي الأعداد التسعة بحساب الجمل بأزاء الأصول التسعة الموجودات وهي (الباري عزّ شأنّه، و(العقل)، و(النفس)، و( الطبيعة) و(الهيولي).

والأربعة الأول لمّا کانت من الفواعل فاعتبارها من حيث ذواتها غير مضافة

إلي ما بعدها، ثم من حيث تأثيرها في معلولاتها يحصل ثمانية ومع الهيولي تسعة وهي أصول الموجودات.

فقالوا: الألف إنما يدلّ بها علي الأحدية الصرفة تعالي شأنّه من غير اعتبار الإضافة، والباء للعقل کذلک ، والجيم للنفس کذلک، والدال للطبيعة کذلک، ثم الهاء للباري تعالي باعتبار إضافتها إلي ما تحتها وهي مرتبة الألوهيّة والواو للعقل کذلک، والزاي للنفس کذلک، والحاء للطبيعة کذلک.

ثم الطاء للهيولي لأنّها في أخيرة المراتب ، وليس لها إلا حيثية واحدة .

وهذه الوجوه وإن کانت في الظاهر مناسبات اعتبارية، إلا أنّها حاکية عن حقايق متأصلة أشرقت عليها بتجلي ظهورها وفاضل نورها، فکانت مرآة لها ودليلا عليها.

نعم في بعض ما في عباراتهم من الإضافة إلي الباري وعدّه من جملة

المراتب وغيرهما بعض المسامحات.

ثم إنه إذا أشبع بعد ضمه وتوجهه إلي مبدأه ظهر بظاهره وباطنه ، وهو ستة عدد قوي الواو الذي هو أيضا من الأعداد الدائرة الکرية التي تظهر بنفسها و بصورتها في جميع مربعاتها ومکعباتها ومضروباتها، وذلک أنّ العدد الدائر ليس بعد الواحد إلا الخمسة والستة، ويقال له الکري أيضا.

وقد اجتمعا في کلمة (هو) وهو الإشارة إلي الهوية الثانية الأحدية . ولذا قال مولانا الباقرعليه السلام في قوله ( قل هو الله أحد) قال :

ص: 200

«قل أي أظهر ما أوحينا إليک ونتأ ناک به بتأليف الحروف التي قرأنّاها لک اليهتدي بها من ألقي السمع وهو شهيد، وهو اسم مشار ومکنّي إلي غائب، فالهاء تنبيه عن معني ثابت، والواو إشارة إلي الغائب عن الحواس، کما أنّ قولک : هذا إشارة إلي الشاهد عند الحواس ، وذلک أنّ الکفار نبّهوا عن آلهتهم بحرف إشارة الشاهد المدرک، فقالوا: هذه آلهتنا المحسوسة المدرکة بالأبصار فأشِر أنّت يا محمد إلي إلهک الذي تدعو إليه، حتي نراه وندرکه، فأنّزل الله تبارک وتعالي (قل هو الله أحد )قالهاء تثبيت للثابت، والواو إشارة إلي الغائب عن درک الأبصار ولمس الحواس». .

ثم إنّه بقواه العددية يساوي قوي حرف النداء الذي يتوصل به إلي نداء البعيد

والقريب فإنه أقرب من کل قريب وأبعد من کل بعيد.

فإذا استنطقته في مقام الانبساط والتفصيل ظهر إسم مولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام فإنه الحجاب والباب وأمّ الکتاب وفصل الخطاب ، فينتهي الأحد عشر بعد بسط الآحاد بالعشرات إلي مائة وعشرة.

بل يستفاد من تضاعيف الأحاديث المأثورة من أهل البيت عليهم السلام أنّه انطوي إسمه الأعظم علي أسمائهم، وعلي ولايتهم، ولذا قال مولانا الصادق عليه السلام ما مر في «توحيد الصدوق» في تفسير لفظة (الله): «إن الألف آلاء الله علي خلقه من النعيم بولايتنا، واللام إلزام الله خلقه علي ولايتنا، والهاء هوان لمن خالف محمّداً و آل محمد صلوات الله عليهم(1)

فهم مظاهر الإسم، بل هو الاسم الأعظم، والنور الاقدم ثم إنک قد سمعت أنّ الألف إشارة إلي الذات الأحدية الحقة، والهاء دالّة علي

ص: 201


1- بحار الأنّوار : ج 231/92، ح 12، عن التوحيد والمعاني .

مرتبة الألوهية التي هي الذات المستجمعة لصفات الکمال والجلال، وهي مدلولة هذا الإسم الشريف فيصير الباقي بعد وضع الطرفين (لا) وفيه إشارة إلي أنّه هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنّ لا شيء في الوجود بحقيقة الشيئية إلا هو سبحانه ، فکلمة لا إله إلا الله هي تفصيل ما أجمل في هذه اللفظة لدلالتها علي نفي الاعتبار، وإثبات الواحد القهار، وهذا بحسب المعني، بل هي کذلک بحسب اللفظ أيضا، فإن حروف الکلمة هي تکرار حروف اللفظة من غير زيادة .

أيقاظ واستيفاق في تحقيق الاشتقاق

قد مرّ الکلام في اشتقاق لفظ الجلالة، وبقي الکلام في أقسام الإشتقاق، وأحکامه ولا علينا أنّ نشير إلي نبذة يسيرة من القول فيه ، تکون أصلا لما يأتي فنقول : الاشتقاق علي قسمين: لفظي ومعنوي، فاللفظي إقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه علي حروف ذلک الأصل لولا المقتضي لتغير بعضها بحذف أو نقل أو قلب ، وأقسامه خمسة عشر قسما : فإنه إمّا بزيادة أو بالنقصان أو بهما معا، وکل من الأوّلين، إما في الحرف، أو في الحرکة، أو فيهما معا / فهذه ستّة ويحصل من الثالث تسعة أقسام : لأنّ الزيادة مع النقصان إما أنّ يقعا في الحرکة فقط، أو في الحرف فقط، أو فيهما معا.

فالذي في الحرکة نقصانها مع زيادتها ، نقصانها مع زيادة الحرف ، نقصانها مع

زيادة الحرکة والحرف.

والذي في الحرف نقصانه مع زيادته، نقصانه مع زيادة الحرکة، نقصانه مع

زيادتهما.

والذي فيهما معا نقصانهما مع زيادتهما معا، نقصانهما معا مع زيادة الحرکة،

ص: 202

نقصانهما مع زيادة الحرف.

فهذه تسعة، ومع الستة الأولي خمسة عشر قسما، فتأمّل فإن الخطب فيه سهل کسهولة الخطب فيما اختلفوا فيه من إشتقاق الفعل من المصدر کما عن البصريين أو العکس کما عن الکوفيين.

وإن ذهب الجمهور إلي الأول، نظرا إلي أنّ المصدر جزء من الفعل الذي مدلوله الحدث والزمان، إذ مدلول المصدر هو الحدث خاصة، فيقدم عليه تقدم الجزء علي الکل، فلو اشتقّ المصدر من الفعل لتأخّر عنه، لکنه متقدم عليه فيدور.

وفيه : أنّ التقدم الرتبي المعنوي علي فرضه لا يقضي بالاشتقاق اللفظي، سيما مع کون المعني المصدري من المعاني النسبية الربطية التي لا تحقق لها إلا باستناد الفعل إلي الفاعل.

اللهمّ إلّا أنّ يقال : إنهم لما رأوا المصدر کالأصل المحفوظ بجوهره ومادته مع اعتوار الصور المختلفة عليه باعتبار اختلاف الحرکات والسکنات وزيادة الحروف ونقصانها لتحصيل معان مختلفة بالاعتبارات والجهات.

وإن کان کلها تدور علي ذلک المعني الواحد الساري في الجميع الذي هو بمنزلة الصور المعتورة عليها، فلذا حکموا بکون المصدر هو الأصل من جهة القواعد اللفظية الاشتقاقية التي نظرهم مقصور علي ملاحظتها واعتبارها.

ولذا أخذوا الفاعل من أجزاء الفعل ومتممّاته واعتباراته، وإن کان مقتضي

القواعد المعنوية الحقيقية کون الأصل هو الفاعل، بل هو ولا سواه، بمعني أنّه ليس له ثان في رتبة وجوده وتحققه، وکل من الفعل وغيره من جملة شؤونه وتجلياته وتطوراته التي يکون له، لا في مرتبة الذات، بل في مرتبة الظهور والتجلّي بصفة من صفاته الفعلية.

فأول ما يظهر منه وهو الفعل المعبر عنه بالإبداع والمشية والإرادة ، وهي وإن

ص: 203

کانت أسماؤها مختلفة إلا أنّ معناها واحد، کما نبه عليه مولانا الرضا عليه التحية والثناء في خبر عمران الصابي (1)

ولذا قال الصادق عليه السلام: «خلق الله المشية بنفسها، ثم خلق الأشياء

بالمشية» (2)

فالفعل مقدم علي المصدر الذي هو المفعول المطلق کما في قولک : ضربت ضربا ، فضربا الذي هو المصدر وهو المفعول المطلق قد تحصّل وإنوَجَد من الفعل، لأنّ الموجود بعد الوجود، بل الوجود بعد الإيجاد ، بل الإيجاد بعد أوجد فافهم الکلام حتي تعرف الفرق بين الاشتقاقين الذين أحدهما عکس الآخر.

فلک تصحيح کل من القولين بالاعتبارين ، إلّا أنّه لما کان مدار علمهم ويحثهم

واصطلاحهم علي الألفاظ اللغوية، لا الحقائق المعنوية کان الجدير بهم الاتفاق علي اشتقاق الفعل من المصدر، کما اختاره الجمهور منهم.

ولعل الفرقة الأخري قد آنست من جانب طور الحقايق نارا وبرقا، فرأي أنّ الأمر هکذا بحسب الحقيقة والمعني، ولکن سنا برقه ذهب ببصره وما استشعر أنّ هذا في عالم الحقائق لا الألفاظ التي هي محلّ بحثهم

ومن جميع ما مر ظهر بعض الکلام في الاشتقاق المعنوي أيضا، وإن تنوّع

علي أنّواع شتي کلها ترجع إلي معني واحد عند التحقيق علي بعض الوجوه.

فمنها الاشتقاق العيني المشار إليه في کثير من الأخبار والأدعية المعصومية ، کما في دعاء يوم السبت المروي في «المتهجد»: «أنّت الجبار تعزّزت بجبروتک ، وتجبّرت بعزتک، وتملّکت بسلطانک، وتسلطت بملکک ، وتعظّمت بکبريائک،

ص: 204


1- بحار الأنّوار : ج 10 /314، ح 1 عن التوحيد والعيون
2- البحار : ج145/4 ، ح20، عن التوحيد.

وتشرّفت بمجدک ، وتکرّمت بجودک ، وجُدتَ بکرمک، وقَدَرتَ بعلّوک، وتعاليت بقدرتک»(1)

فإنّ کلاَّ من هذه الصفات الجلالية والجمالية عين الأخري، بل الکل واحد في الحقيقة بلا مغايرة أو تعدد حقيقي أو اعتباري أو ذهني أو خارجي، وهو الذات البحت المجرد عن جميع الاعتبارات والإضافات والشؤون والکثرات.

ولذا قال مولانا أميرالمؤمنين روحنا له الفداء وعليه وعلي نفسه وذريته آلاف التحية والثناء: «وکمال توحيده الإخلاص له، وکمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة کل صفة أنّها غير الموصوف وشهادة کل موصوف أنّه غير الصفة ، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزأّه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حده، ومن حده فقد عدّه» (2)

ثم لو حملنا الدعاء علي ذکر الصفات الفعلية فالأمر فيه ايضا ما مر.

قال الله تعالي : (وما أمرنا إلا واحدة)(3)

ويمکن الحمل علي الاشتقاق الفعلي ، وفايدة استدارة کل منها علي الآخر الإشارة إلي أنّ کلا من تلک الصفات ذاتي وفعلي کانقسام الربوبية إذ لا مربوب وإذ مربوب.

ولعله يحمل علي المعنيين الأخيرين أو الثالث أو کل من الثلاثة قوله عليه السلام في تعقيب صلاة التسبيح علي ما رواه في «المتهجد» : «أسألک باسمک الذي اشتققته من عظمتک وأسألک بعظمتک التي اشتققتها من کبريائک وأسألک بکبريائک التي اشتققتها

ص: 205


1- بحار الأنّوار : ج 149/90 .
2- نهج البلاغة : الخطبة الأولي .
3- القمر : 50.

من کينونيتک، وأسألک بکينونيتک التي اشتققتها من جودک ، وأسألک من جودک الذي اشتققته من عزک ، واسألک بعزّک الذي اشتققته من کرمک» الدعاء (1)

ومنها الاشتقاق الفعلي الإبداعي الذي هو نفس المشيّة الکلية والعناية

الربانية والنفس الرحماني، والنور الشعشعاني.

فعن النبي صلي الله عليه و اله وسلم علي ما رواه في کتاب «المعراج»: «يا علي! إن الله تبارک

وتعالي کان ولا شيء معه، فخلقني وخلقک روحين من نور جلاله»(2)

وفي «رياض الجنان» عن أبي جعفر عليه السلام:

کان الله ولا شيء غيره، لا معلوم ولا مجهول، فأول ما ابتدأ من خَلَق خلقه أنّ خَلَق محمداً و وخلقنا أهلَ البيت معه من نور عظمته» إلي أنّ قال عليه السلام:

يفصل نورنا من نور ربنا کشعاع الشمس من الشمس»(3)

وفي «تأويل الآيات» عن الشيخ الطوسي بالإسناد عن الکاظم عليه السلام قال :

(إن الله تبارک وتعالي خلق نورَ محمد صلي الله عليه و اله وسلم من نور إخترعه من نور عظمته وجلاله، وهو نور لاهوتيته الذي تبدّي وتجلّي لموسي عليه السلام في طور سيناء، فما استقرّ له، ولا أطاق موسي عليه السلام لرؤيته، ولا ثبت له حتي خرّ صعقا مغشيا عليه، وکان ذلک النور نور محمدي صلي الله عليه و اله وسلم ، فلّما أراد أنّ يخلق محمداًمنه قسم ذلک النور شطرين، فخلق من الشطر الأول محمداً ومن الشطر الآخر علي بن أبي طالب عليه السلام، ولم يخلق من ذلک النور غيرهما خلقهما بيده، ونفخ فيهما بنفسه لنفسه، وصورهما علي صوّرتهما، وجعلهما أمناء علي خلقه، وخلفاء علي خليقته، وعينا له عليهم، ولسانا له إليهم، قد استودع فيهما علمه، وعلمهما البيان، واستطلعهما

ص: 206


1- بحار الأنّوار : ج 195/91، عن جمال الأسبوع.
2- کنز الفوائد : ص374، وعنه بحار الأنّوار : ج 3/25 ، ح 5.
3- بحار الأنّوار ج17/25 : عن رياض الجنان .

علي غيبه، وجعل أحدهما نفسه، والآخر روحه، لا يقوم واحد بغير صاحبه، ظاهرهما بشرية، وباطنهما لاهوتية، ظهرا للخلق علي هياکل الناسوتية حتي يطيقوا رؤيتهما.

وهو قوله تعالي ( وللبسنا عليهم ما يلبسون)(1) فهما مقام رب العالمين،

وحجاب خالق الخلائق أجمعين.

بهما فتح بدء الخلق ويهما يختم الملک والمقادير، ثم اقتبس من نور محمد صلي الله عليه و اله وسلم فاطمة ابنته، کما من نور محمدصلي الله عليه و اله وسلم فاطمه ابنته کما اقتبس نوره من نوره ، واقتبس من نور فاطمة وعلي عليه السلام الحسن والحسين کاقتباس المصابيح...» الخبر (2)

وفيه شهادة لما يأتي أيضاً ولذا نقلنا کثيراً منه مع ما فيه من الفوائد الشريفة

والعوائد المنيفة.

ومنها الاشتقاق النفسي المشار إليه بقوله :(وأنّفسنا وأنّفسکم) (3). وقوله صلي الله عليه و اله وسلم : «يا علي أنّت نفسي التي بين جنبي» (4)

وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : «أنّا من رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم کالضوء من

الضوء» (5)

وفي نهج البلاغة: «أنّا من رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم کالصنو من الصنو والذراع من

بالعام

ص: 207


1- الأنّعام: 9.
2- بحار الأنّوار : ج 35/ 28، وفيه بعد «واستطلعهما علي غيبه» : بهما فتح بدء الخلق ... وأما جملة «و جعل أحدهما ... إلي حجاب خالق الخلائق أجمعين» فليست موجودة فيه.
3- آل عمران: 11
4- لم أظفر علي مصدر له بهذه الألفاظ ، نعم في مقتل الحسين علي للخوارزمي : ص 41، علي نفسي» وفي مفتاح النجا للبدخشي ص 43: (علي بن أبي طالب مني کروحي في جسدي».
5- في البحار: ج26/21 : «أنّا من أحمد کالضوء من الضوء» .

العضد (1)

وفي الخبر المتقدم إشارة إليه، بل هو المقصود من الاقتباس المذکور في

ذيله، وإن شبهه باقتباس المصابيح کما شبه اقتباس نور فاطمة عليه السلام من نوره باقتباس نوره من نور الله عزّ وجل، إلا أنّ بين التشبيهين فرقاً بيناً أبعد مما بين السماء والأرض.

(ولله المثل الأعلي في السموات والأرض وهو العزيز الحکيم )(2)

وفي «أمالي الصدوق» عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم : «إن الله خلق ماء من تحت العرش»

إلي أنّ قال : «فلم يزل ينتقل ذلک الماء من ظهر إلي ظهر حتي صار إلي عبد المطلب (3) فشقه الله فصار نصفه في أبي عبدالله ونصفه في أبيطالب ، فأنّا من نصف الماء وعلي من النصف الآخر»(4)

وفي «رياض الجنان» عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم : «أوّل ما خلق الله نوري ، ففتق منه نور

علي عليه السلام» (5)

إلي غير ذلک من الأخبار الکثيرة التي مرت الإشارة إلي بعضها، وإلي أنّ نور علي عليه السلام خلق بعد نور نبينا محمداً اين بثمانين ألف سنة، وهو في هذه المدة

يطوف حول حجاب العظمة، فلما انتهي في القوس النزولي التفصيلي إلي حجاب القدرة خلق منه نور علي عليه السام حسبما مرة(6)

ومنها : الاشتقاق الفرعي الشعاعي بواسطة أو بوسائط ، کاشتقاق شيعتهم

کرم !م مها إلاه

ص: 208


1- نهج البلاغة : الکتاب 45، کتابه عليه السلام إلي عثمان بن حنيف الأنّصاري .
2- الروم : 27.
3- في البحار : «في عبد المطلب».
4- بحار الأنّوار : ج13/15 .
5- البحار : ج 57/ 170، ح 117.
6- راجع بحار الأنّوار : ج 22/25، ح 38، عن رياض الجنان .

منهم، ولذا قالوا : «شيعتنا منا بدؤوا وإلينا يعودون» (1)

وفي خبر آخر: «وإنما سمّوا شيعة لأنّهم خلقوا من شعاع نورنا» (2)

وفي «الأمالي» عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم أنّه قال لعلي عليه السلام: «يا علي! أنّت مني وأنّا منک ، روحک من روحي ، وطينتک من طينتي ، وشيعتک خلقوا من فضل طينتنا، فمن أحبهم فقد أحبنا، ومن أبغضهم فقد أبغضنا» (3)

وفي «بشارة المصطفي» عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم في خبر طويل: «يا علي! إن الله عزوجل إختار شيعتک بعلمه لنا من بين الخلق وخلقهم من طينتنا واستودعهم سرنا، والزم قلوبهم معرفة حقنا» (4)

وعن رضي الدين بن طاووس و أنّه قال : «سمعت القائم عجل الله فرجه بسر

من رآي يدعو من وراء الحائط وأنّا أسمعه ولا أراه وهو يقول: : «اللهم إن شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه إتکالا علي حبنا، ولنا يوم القيامة أمورهم، ولا تؤاخذهم بما اقترفوه من السيئات، إکراما لنا ولا تقاصصهم يوم القيامة مقابل أعدائنا، وإن خفت موازينهم فثقلها بفاضل حسناتها» (5)

وفي «رياض الجنان» عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : «إتقوا فراسة المؤمن فإن ينظر بنور الله»، قيل: يا أميرالمؤمنين ! کيف ينظر بنور الله ؟ قال : «لانا خلقنا من نور الله ، وخلق شيعتنا من شعاع نورنا، فهم أصفياء أبرار أطهار

ص: 209


1- البحار : ج21/25 ، ح 34.
2- بحار الأنّوار ج 25 / 23.
3- بحار الأنّوار : ج7/68 ، ح 1.
4- ) البحار : ج 309/39 ، ح 122.
5- بحار الأنّوار : ج 303/53 ، ح 55.

تفسير فاتحة الکتاب

متوسمون، نورهم يضي علي من سواهم کالبدر في الليلة الظلماء» (1)

وفي «البصائر» عن الصادقين عليه السلام قالا: «إن الله خلق محمداصلي الله عليه و اله وسلم من طينة من جوهرة تحت العرش، وإنه کان لطينته نضح فجبل طينة أميرالمؤمنين من نضح طينة رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم ، وکان لطينة أمير المؤمنين علا نضح فجبل طينتنا من فضل طينة أميرالمؤمنين عليه السلام ، وکانت الطينتنا نضح فجبل طينة شيعتنا من نضح طينتنا، فقلوبهم تحن إلينا، وقلوبنا تعطف عليهم تعطف الوالد علي الولد، نحن خير

الهم وهم خير لنا، ورسول الله لنا خير، ونحن له خير(2)

وفيه عن الباقر عليه السلام: «يا جابر ! خلقنا نحن ومحبونا من طينة واحدة بيضاء نقية من أعلي عليين، فخُلِقنا نحن من أعلاها، وخُلِق محبُونا من دونها، فإذا کان يوم القيامة إلتفّت العليا بالسفلي، وإذا کان يوم القيامة ضربنا بأيدينا إلي حُجرة نبينا، وضرب أشياعنا بأيديهم إلي حُجزتنا، فأين تري يصير الله نبيه وذريته؟ وأين تري يصيّر ذريته محبيّها» (3)

وفيه عن محمد بن عيسي، عن أبي الحجاج عن أبي جعفر عليه السلام قال :

«إن الله خلق محمدا وآل محمد صلي الله عليه و اله وسلم من طينة عليين، وخلق قلوبهم من طينة فوق ذلک، وخلق شيعتنا من طينة دون عليين، وخلق قلوبهم من طينة عليين،

فقلوب شيعتنا من أبدان آل محمد »صلي الله عليه و اله وسلم (4)

إلي غير ذلک من الأخبار الکثيرة الدالة علي ذلک، وإن اختلفت في التعبير عنه بالنضح الذي هو الرش من قولهم نضحتُ الثوب بالماء أي رششته به، أو من

ص: 210


1- البحار: ج 21/25، ح 32، عن رياض الجنان
2- بصائر الدرجات : ص 5، وعنه البحار ج 8/25، ح 11.
3- البصائر : ص6، وعنه البحار : ج 11/25 ، ح 16.
4- بصائر الدرجات : ج 148/1، الباب 9، ح 2.

نضحت القربة أي رشحت ومنه «فکل إناء بالذي فيه ينضح».

وبالفضل، والشعاع، والدون ، وغيرها مما يؤل إلي معني واحد، وکلها تعبير

واستعارة عن الحقيقة التي لا يحيط بها الکلام، ولا يجري عليها الأقلام

نعم، ينبغي أنّ يعلم أنّ طينة سائر الأنّبياء والمرسلين والملائکة والمقربين

مشتقة من أنّوارهم في هذه المرتبة

ولذا ورد عن الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالي : ( وإن من شيعته

الإبراهيم »(1)علي ما رواه في تأويل الآيات بالإسناد:

إن الله لما خلق إبراهيم عليه السلام کشف له عن بصره، فرآي أنّوار النبي لا والأئمة ؟ فقال : إلهي ! ما هذه الأنّوار ؟ فقيل له : إنها أنّوار صفوتي من خلقي وخيرتي من بريتي، ثم قال ابراهيم : الهي وسيدي ! أري أنّوارا قد أحدقوا بهم لا يحصي عددهم إلا أنّت، قيل : يا ابراهيم ! هؤلاء شيعتهم، شيعة أمير المؤمنين عا ، قال ابراهيم : اللهم اجعلني من شيعة أميرالمؤمنين ، قال : فأخبر الله تعالي في کتابه فقال : وإن من شيعته لإبراهيمه (2)

وفيه عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم : إن الله خلقني وخلق عليا قبل أنّ يخلق آدم بأربعين ألف عام، وخلق نورا فقسمه نصفين ، فخلقني من نصفه، وخلق عليا من النصف الآخر قبل الأشياء کلها، ثم خلق الأشياء کلها فنورها من نوري ونور علي»(3)

وبالجملة المستفاد من الأخبار الکثيرة أنّه قد خلق من شعاع أنّوارهم جميع الأنّوار والأرواح الطيبة من الأنّبياء والمرسلين والملائکة المقربين والعباد

ص: 211


1- الصافات: 83
2- الصافات: 83، والحديث منقول بالمعني و مختصر عن الحديث الذي أورده في البحار : ج 151/36 - 152، ح 131 ، عن الکنز.
3- بحار الأنّوار : ج 345/26، ح 18 ، عن ارشاد القلوب .

الصالحين .

بل الجنة، والرضوان ، والحور، والقصور، والأفلاک، والأملاک ، والشمس

والقمر، والنجوم، بل الأعمال الحسنة والأفعال الصالحة.

ولذا قال الصادق عليه السلام في خبر المفضل بن عمر:

«نحن أصل کل خير، ومن فروعنا کل بر، ومن البر: التوحيد، والصلاة والصيام وکظم الغيظ عن المسييء، ورحمة الفقير، وتعاهد الجار، والإقرار بالفضل لأهله.

وعدونا أصل کلّ شر، ومن فروعهم کل قبيح وفاحشة، فمنهم الکذب والنميمة، والبخل، والقطيعة» إلي أنّ قال : «وکذب من قال: إنه معنا وهو متعلق بفرع غيرنا» (1)

ومنها : الإشتقاق العکسي الظلّي التبعي ، وإن کان إطلاق الاشتقاق عليه لا يخلو من نوع تسامح، وذلک کاشتقاق الظل من الشاخص والظلمة من النور، والحزن من السرور والعدم المضاف من الوجود، والطينة الخبيثة من الطيبة ، والسجين من عليين، فإن الله تعالي کان في أزليته فردا متفردا ليس معه شيء فخلق الأشياء لا من شيء، فأول ما خلقه من الأکوان هو المشية الکونية، خلقها بنفسها وخلق الأشياء بها سعيدها وشقيها طيبها وخبيثها برها وفاجرها، إلّا أنّ المسميات الأوليّات خلقت من سنخ المشية، وهو العبودية التي حقيقتها المعرفة بالله والتقرب

ولذا فسّر مولانا الصادق عليه السلام العبد بقوله : « العين علمه بالله ، والباء : بُعده عن

غيره، والدال : دنُوه منه» (2)

فيتحصّل من العلم الجهل، ومن القرب البعد، وهذا معني فرعيّة الماهية

ص: 212


1- البحار: ج 303/24، ح 47
2- مصباح الشريعة الباب المائة في حقيقة العبودية ، وفيه : الباء بونه عمن سواه .

اللوجود وترتبها عليه، بل وتأخر خلقة الجهل عن العقل کما في الخبر، وکذا تأخر

خلقة الطينة الخبيثة من الطيّبة، بل ترتب کل متأخر علي المتقدم وفرعية له، وذلک

قوله (ومن کل شيء خلقنا زوجين )(1)(هن لباس لکم وأنّتم لباس لهن)(2)

وقول مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام في خطبته: «بمضادته بين الأمور عرف أنّ لا

ضد له، وبمقارنته بين الأشياء عرف أنّ لا قرين له» (3)

فالماهية زوج الوجود وظلّه ولباسه وضده، وهي جهة توجه الشيء إلي نفسه، کما أنّ الوجود توجهه إلي ربه ، وهو جهة فقره إلي الله، ويفقره إليه استغني من غيره، قال الله تعالي : ( يا أيها الناس أنّتم الفقراء إلي الله ) (4)

وقال النبي صلي الله عليه و اله وسلم : «الفقر فخري وبه أفتحر علي الأنّبياء»(5)

والماهية جهة إستغنائه الذي صار سببا لفقره وافتقاره، وهذا الفقر هو سواد الوجه في الدارين، لتوجه الوجه معه إلي الظلمة لا إلي النور (الله ولي الذي آمنوا يخرجهم من الظلمات ) (6) ظلمة العدم، وظلمة الجهل، وظلمة الکفر والشرک والعصيان وإلي النور . نور العبودية، وهو نور ولاية مولانا أمير المؤمنين الذي هو المنهج القويم والصراط المستقيم، (والذين کفروا) کفر الجهل أو الجحود أو الشقاق والنفاق أو الشرک أو العصيان (أولياؤهم الطاغوت ).

والإتيان بصيغة الجمع لأنّ الباطل ليس له حد ينتهي إليه، ولذا قال سبحانه :

(وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بکم عن سبيله)(7)

ص: 213


1- الذاريات:49.
2- البقرة : 187.
3- نهج البلاغة : الخطبة : 186.
4- فاطر : 15.
5- بحار الأنّوار : ج 30/72 - 49، وجملة «وبه أفتخر علي الأنّبياء غير موجودة فيه» .
6- البقرة : 257.
7- الانعام : 153.

وقال حکاية من العبد الصالح يوسف بن يعقوب علي نبينا وآله وعليهما

السلام : (يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار) (1). و يخرجونهم من النور (2)نور ولاية ولي الحق (إلي الظلمات ) (3)

فالوجود المطلق الذي لا يشوبه ظلمة الماهية والالتفات إلي الإنية، هو الفيض المطلق، وولي الحق وباب الجبروت وحجاب اللاهوت وبحر الرحموت ووجه الحي الذي لا يموت.

والماهية المحضة هي الغاسقة في ظلمة العدم، وهي التي ما شممت رائحة الوجود وبينهما عرض عريض، وطول طويل أبعد مما بين السماء والأرض ، بل مما بين أعلي عليين إلي أسفل سافلين، وينفتح منه باب آخر وهو سر المزج بين الطينتين ، والعقد بين الزوجين، وتقاطع المنطقتين، وتقابل الجوهرين، کما ورد في أخبار الطينة : «وإن الله جمع بين الطينتين: طينة أوليائه وطينة أعدائه، فخلطهما وعرکهما عرک الأديم ومزجها بالمائين» (4)

وستسمع تمام الکلام في موضعه إن شاء الله تعالي .

ص: 214


1- يوسف : 39.
2- البقرة : 257.
3- البقرة : 257.
4- منقول بالمعني عن حديث مبسوط رواه الصدوق بإسناده عن أبي جعفر الباقر بهذا الحديث کتاب العلل وعنه بحار الأنّوار ج 5/ 228 - 233، ح 6.

الفصل الرابع في المباحث المتعلقة بالإسمين العظيمين الکريمين

وهما الرحمن الرحيم المشتقان علي ما قيل من رحم بکسر العين للمبالغة علي وزن نَدمان ونَديم واشتقاق الصفة المشبهة من المتعدي مع لزوم صوغها من اللازم مبنيّ علي ما نصّ عليه غير واحد من أئمة الأدب من أنّ المتعدّي قد يجعل لازما بمنزلة الغرائز، فينقل إلي فعُل بضم العين، ثم يشتق منه الصفة المشبهة.

قالوا: وهذا باب مطِرد في المدح والذم، ولذا قيل في قوله :(رفيع

الدرجات)(1)رفيع درجاته لا رافع للدرجات.

بل ربما يرفع الإشکال عن «الرحيم» مضافا إلي ذلک بنصّ سيبويه علي کونه

صيغة مبالغة من قولهم «هو رحيم فلانا». .

وکيف کان فالرحمة لغة قيل بمعني الرقة والإنعطاف الموجب للتفضل

والإحسان، ومنه الرحم لانعطافها علي ما فيها.

وتستعمل مضافا إليه سبحانه بمعني أيصال الفضائل ودفع المکاره، وبمعني الحياة مطلقا أو الحياة الإيمانية، بمعني المغفرة کقوله: «يا باريء خلقي رحمة لي»(2)-(لا عاصم اليوم من أمر الله الا من رحم )(3)

( فانظر إلي آثار رحمة

ص: 215


1- غافر: 15.
2- بحار الأنّوار : ج 85/ 235 ح 59 عن مصباح الشيخ
3- هود : 43.

الله کيف يحيي الأرض ) (1)

(وما أرسلناک إلا رحمة للعالمين )(2)

(و ألا إنهم قربة لهم سيد خلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم) (3) وربما يقال : إنها قد استعملت في العافية والسلامة في قوله:

( وهل هن ممسکات رحمته)(4)وفي الرزق في قوله : (قل لو أنّتم تملکون خزائن رحمة ربي)(5) بل من «بصائر الکلمات» إنهاء معانيها إلي عشرين معني.

وعن بعضهم : أنّ المعني الحقيقي له هو رقة القلب خاصة، ولذا لما لم يجز إطلاق «الرحمن» علي غيره سبحانه ، بل هو من أسمائه الخاصة إضطربت کلماتهم في إطلاقه علي الله سبحانه، لاستلزامه المجاز بلا حقيقة، ولا يسوغ بمجرد الوضع بل لابد من الاستعمال.

فقيل : إنه غير مشتق ، بل هو من الأسماء الجامدة، وإلا لا تّصل بالمرحوم،

فلا يقال : رحمن بعباده کما يقال : رحيم بعباده .

وقيل : إنه غير عربي، بل عبري کما عن ثعلب(6)، ولذا کانت الجاهلية لا تعرفه کما يستفاد من قوله تعالي : ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا

ص: 216


1- الروم : 50.
2- الأنّبياء: 107.
3- التوبة : 99.
4- الزمر: 38.
5- الاسراء : 100.
6- ثعلب : أحمد بن يحيي بن زيد بن سيار الکوفي الشيباني بالولاء، أمام الکوفيين في النحو واللغة ولد سنة (200) في بغداد ومات بها (291) ه، من کتبه في اللغة «الفصيح» مطبوع. الأعلام ج1 /252.

وما الرحمن)(1)

وقوله :(وهم يکفرون بالرحمن )(2)

ومن ثمّ کان مذکورا في التوراة ولذا قيل : إن عبدالله(3)بن سلام أو غيره من اليهود قال : يا رسول الله ! إنک لتقلّ ذکر الرحمن وقد أکثره الله تعالي في التوراة

فنزلت: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) (4)

لکنه لا ينبغي التأمل في عربيته ولا في اشتقاقه للأصل بمعني الظاهر، وقواعد الاشتقاق، والأخبار الآتية وقولهم: وما الرحمن (5)مثل قول فرعون: (وما رب العالَمين (6)إنکار وتحقير وتعجيب، ومجرد ذکره في التوراة علي فرضه مع أنّه غير ثابت لا يخرجه عن العربية، ولعله في الکتاب المحرف عندهم لا المنزل من عند الله.

هذا مضافا إلي ما قيل من أنّ هذا اللفظ کانت مشهورة في الجاهلية عند

العرب موجودة في أشعارهم کما من الشَنفري (7)

ألا ضربت تلک الفتاة هجينها ألا قضب الرحمنُ ربّي يعينها وقال سلامة (8)بن جندل : «وما يشاَ الرحمن يعقد ويطلق»..

ص: 217


1- الفرقان : 60.
2- الرعد: 30.
3- عبدالله بن سلام الإسرائيلي حليف الأنّصار المتوفي سنة (43) .
4- الإسراء : 110.
5- الفرقان: 60 .
6- الشعراء : 23.
7- هو عمرو بن مالک الشنفري : شاعر جاهلي يماني مات نحو (70) قبل الهجرة - الاعلام : ج5/258.
8- سلامة بن جندل بن عبد عمرو، أبو مالک : شاعر جاهلي من الفرسان من أهل الحجاز، مات سنة (23 قبل الهجرة). - الأعلام : ج 3/ 162.

وعلي ما سمعت فلا ينهض شيء من الوجهين لدفع الإشکال ، کما لا ينهض له ما قيل : من منع اختصاصه بالله سبحانه ، فإنه ليس في محلّه لما صرح به کثير منهم من اختصاصه به ، بل يومي إليه الأمر بالسجود له في قوله : ( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا)(1) الآية.

ويصرّح به قول الصادق عليه السلام : «الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم

عام بصفة خاصة» (2)

يعني أنّ الرحمن اسم خاص بالله لا يصح إطلاقه علي غيره تعالي لما

ستعرفه.

وأما قول بني حنيفة : مسيلمة (3)رحمن اليمامة، وقول شاعرهم فيه : وأنّت

غيث الوري لا زلت رحمانا .

فقد قيل : إنه من تعتهم وکفرهم فلا يعبأ به سيّما مع وصول المنع من الشرع.

ولذا قال الصدوق في کتاب «التوحيد»: «إنه يقال للرجل رحيم القلب ولا يقال : الرحمن، لأنّ الرحمن يقدر علي کشف البلوي ولا يقدر الرحيم من خلقه علي ذلک، وقد جوز قوم أنّ يقال للرجل: رحمن، وأرادوا به الغاية في الرحمة، وهذا خطأه (4) انتهي.

وفي «مجمع البيان»: «إن الرحمن بمنزلة اسم العلم، من حيث لا يوصف به

إلا الله ، فوجب لذلک تقديمه بخلاف الرحيم، لأنّه يطلق عليه وعلي غيره»(5)

ص: 218


1- الفرقان:60.
2- مجمع البيان : ج 21/1.
3- مسيلمة الکذاب المدعي النبوة المقتول في وقعة اليمامة سنة (12) ه.
4- التوحيد : ص 203، باب أسماء الله تعالي .
5- مجمع البيان : ج21/1 .

ولا ما قيل من أنّ أسماء الله تعالي إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال

دون المبادي التي تکون انفعالات (1)

فإنه تسليم للشبهة وإلتزام بإطلاق السبب علي المسبب، بل الحق أنّ يقال : إن الأسماء المشترکة بين الله وبين خلقه بحسب الإطلاق ليس لها اشتراک بينهما بحسب المعني، بأنّ يکون إطلاقه عليهما بمعني واحد، وحقيقة واحدة کي يکون المبدأ مشترکاً معنوياً بينهما، فإن ذلک مستلزم الأحد المحذورين : إمکان الواجب او

وجوب الممکن (تعالي الله عن ذلک علواً کبيراً)، بلا فرق في ذلک بين الصفات الجلالية أو الجمالية الذاتية أو الفعلية، فإن صفات الممکن إنما هي علي سبيل العروض، ومغايرتها للذات واتصافها بها علي وجه الاستعداد والقبول والاستکمال، ولا يجري عليه سبحانه ما هو أجراه علي خلقه، ولذا قال مولانا الرضا عليه السلام في خبر طويل رواه في «التوحيد» و«الاحتجاج» و«العيون»:

: «إن الله تعالي سمي نفسه سميعاً بصيراً، قادراً ، قاهراً، حياً ، قيوماً، ظاهراً، باطناً، لطيفاً، خبيراً ، قوياً ، عزيزاً، حکيماً، عليماً، وما أشبه هذه الأسماء، فلما رأي ذلک من أسمائه الغالون المکذبون وقد سمعونا نتحدث عن الله أنّه لا شيء مثله ، ولا شبه له من الخلق ، قالوا أخبرونا إذ زعمتم أنّه لا مثل لله ولا شبه له کيف شارکتموه في أسمائه الحسني فتسميتم تجميعها ؟ فإن في ذلک دليلا علي أنّکم مثله في حالاته کلها أو في بعضها دون بعض.

قيل : لهم: إنّ الله تبارک وتعالي ألزم العباد أسماء من أسمائه علي اختلاف

المعاني، وذلک کما يجمع الإسم الواحد معنيين مختلفين». .

إلي أنّ قال : «وإنما نسمي الله بالعالم بغير علم حادث علم به الأشياء

ص: 219


1- کما في تفسير روح البيان : ج 8/1.

واستعان به علي حفظ ما يستقبل من أمره والروّية فيما يخلق من خلقه مما لو لم يحضره ذلک العلم ويغيبه کان جاهلاً ضعيفاً ، کما أنّا رأينا علماء الخلق إنما سمّوا بالعلم لعلم حادث ، إذ کانوا قبله جاهلين ، وربما فارقهم العلم فصاروا إلي الجهل، وإنما سمي الله عالماً لأنّه لا يجهل شيئاً ، فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العلم واختلف المعني»..

ثم فضل عليه السلام الکلام في غيره من الأسماء المذکورة في صدر الخبر إلي أنّ قال في ذيله: «وهکذا جميع الأسماء وإن کنا لم نسمها کلها فقد تکتفي الاعتبار بما القينا إليک»(1)

وبالجملة فالرحمة إذا اتصف بها الله سبحانه فليست بالمعني الذي يتصف به خلقه، فهي من الله يده المبسوطة علي خلقه بالفيض المقدس، أي الفيض الجاري علي يده ، فإن کانت اليمني وکلتا يديه يمين کما في الخبر(2) فهو الفضل وإلا فالعدل الذي هو الرحمة الرحمانية کما أنّ فضله هو الرحمة الرحيمية.

ولعلّه إلي ما ذکرناه يرجع قول الصدوق عليه السلام : «إن الرحمة هي النعمة لا الرقة،

لأنّها من الله منتفية وإنما سمي رقيق القلب من الناس رحيمة لکثرة ما يوجد الرحمة منه»(3)

قلت : وهو کما تري صريح في أنّ معني الرحمة مطلقاً هو النعمة، لا الرقة حتي باعتبار إطلاقه علي الناس ، واستعمالها في الرقة علي ضرب من المجاز، کما أنّه إليه يرجع ما قيل : إنها فيض الله سبحانه الجاري علي أطوار الموجودات، فإن جري علي مقتضي المشيّة الحتمية فهي الرحمة الواسعة، وإن جري علي مقتضي

ص: 220


1- التوحيد : ص186، باب اسماء الله تعالي ، ح 2.
2- الکافي: ج 126/2، وعنه البحار : ج 195/7، ح 64.
3- التوحيد : باب أسماء الله تعالي : ص 204.

المشية العزمية فهي المکتوبة.

أقول: وستسمع عن قريب تمام البحث في مغايرة المادة التي اشتق منها اسم

الرحمن، وما اشتق منه اسم الرحيم بحسب المعني الملحوظ فيهما.

بقي الکلام في تحقيق هذين القسمين من الرحمة، وإن کان سيأتي إن شاء الله في الآية المتضمنة لهما (رحمتي وسعت کل شيء فسأکتبها للذين يتقون ويؤتون

الزکاة)(1) إلا أنّه لابد في المقام من شرح الإسمين الذين أحدهما إشارة إلي الواسعة وهو الرحمن، والآخر إلي المکتوبة ، وهو الرحيم

وذلک أنّ الله تعالي وهو الفعال لما يريد، علم وشاء وأراد وقدّر وقضي وأمضي أنّ يجري فيض جوده علي حسب قبول الأعيان واختياراتها واستعداداتها من السعادة والشقاوة والخير والشر والنعيم والجحيم والاستقامة والاعوجاج وغير ذلک مما يختاره الشيء حين تشيته وحين ما هو شيء ومن حيث ما هو مختار.

إذ الحق أنّه لا جبر ولا إکراه ولا اضطرار في الشرع التکويني ولا في الکون

التشريعي (لا إکراه في الدين) (2)،(أفأنّت تکره الناس حتي يکونوا

مؤمنين)(3)

أنّزل من السماء سماء الوجود ومنبع الجود، عرش الإمکان والأکوان ، ومستوي الرحمن، ماء، وهو ماء الإفاضة والإيجاد ومادة المواد، ومفيض القابلية

والاستعداد ( فسالت أودية بقدرها)(4) وإنوجدت الأشياء علي حسب قبولها واختيارها، وهذه الرحمة التي هي مقتضي تلک المشية الحتمية يسمي رحمة العدل

ص: 221


1- الأعراف: 156.
2- البقرة : 256.
3- يونس : 99.
4- الرعد:17.

تفسير فاتحة الکتاب

المشار إليها بقوله تعالي : (ورحمتي وسعت کل شيء) (1)فإن کلاً من الخيرات والشرور، والجنان والنيران، والسعادة والشقاوة، يطلق عليها اسم الشيء، بل المبعدون المطرودون عن منبع النور أشد تحققاً في الشيئية من حيث أنّفسها وإنياتها.

ولذا لمّا سئل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عن الشيء أجاب عليه السلام بأنّه کافر

مثلک(2)

سيّما مع مطابقة أعداده للمنکر الذي هو الثاني المطرود المبعّد عن معدن

النور أبو الشرور

ثم إنّ اسم الرحمن هو الظاهر بهذه الرحمة الواسعة والنعمة الجامعة، قد استوي علي عرش الوجود وفتح أبواب خزائن الرحمة والجود، ولذا قال سبحانه:

( إن کل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً )(3)لإفادة الوجود والفيوض الموجبة للعبودية، وهو القدر المعلوم المشار إليه بقوله : (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) (4)، وهو وإن کان متساوي النسبة إلا أنّ الاختلاف لاختلاف التوابل والأسولة فيعطي من سئله قدر سؤاله، ولو سئلته القوابل علي نسبة واحدة لأعطاهم کذلک.

ولذا قال سبحانه : (سواء للسائلين)(5) ، وقال : (ويسأله من في السموات والأرض ) (6)بألسنة قبولهم واختيارهم واستعدادهم کل يوم، أي أنّ من الآنات،

ص: 222


1- الأعراف:156.
2- لم أظفر علي مصدر له .
3- سورة مريم : 93.
4- الحجر: 21.
5- فصلت : 10.
6- الرحمن : 29.

أو رتبة من المراتب الإمکانية والکونية من الطولية والعرضية هو في شأنّ من شؤون الربوبية برحمته الواسعة ويده الباسطة، فإن له الربوبية إذ لا مربوب، وهذه ربوبية إذ مربوب ، فافهم الکلام وعلي من يفهم السلام.

وأما الرحمة المکتوبة المشار إليها بقوله : (فسأکتبها للذين يتقون ويؤتون

الزکاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ) (1)

ثم فسر الآيات بمتابعة : (النبي الأمي الذي يجدونه مکتوباً عندهم في

التوراة والإنجيل )(2) والإيمان بالنور الذي معه وهو مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام .

وبقوله تعالي : ( وإذا جاءک الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليکم کتب

ربکم علي نفسه الرحمة أنّه من عمل منکم سو ءً(3)الآية.

وهذه الرحمة هي التي بها يسعد من سعد، ويفوز من يفوز، ويشقي من يشقي وهو العقل الذي به يثيب وبه يعاقب، وبه عبد الرحمن ويکتسب الجنان ، وهي مقتضي المشية العرضية، فإن الله تعالي أحب لعباده الخير ليوصلهم إلي جنات ونهر في مقعد صدق عند مليک مقتدر، بل إنما خلقهم لهذا لا لغيره، ولذا قال :

(ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربک ولذلک خلقهم )(4) وقال :( وما

خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (5)

والظاهر بهذه الرحمة بل مظهرها هو اسمه تعالي الرحيم، ولذا قال الصادق عليه السلام علي ما رواه في «التوحيد» و«تفسير الإمام»: الرحمن الذي يرحم

ص: 223


1- الأعراف : 156.
2- الأنّعام: 54.
3- الأعراف: 157.
4- هود: 18 - 19.
5- الذاريات : 22.

ببسط الرزق علينا» (1)

وفي تفسير الإمام : «العاطف علي خلقه بالرزق، لا يقطع عنهم مواد رزقه وإن انقطعوا عن طاعته، والرحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته، وبعباده الکافرين في الرفق بهم في دعائهم إلي موافقته». .

قال الإمام عليه السلام في معني الرحمن : «ومن رحمته أنّه لما سلب الطفل قوة النهوض والتغذي جعل تلک القوة في أمه ورققها عليه، لتقوم بتربيته وحضانته فإن قسي قلب أم من الأمهات أوجب تربية هذا الطفل علي سائر المؤمنين، ولما سلب بعض الحيوانات قوة التربية لأولادها والقيام بمصالحها جعل تلک القوة في الأولاد لينهض حين تولد وتسير إلي رزقها المسبب لها»..

إلي أنّ قال عليه السلام : و «فأما الرحيم فإن أميرالمؤمنين عليه السلام قال: رحيم بعباده المؤمنين، ومن رحمته أنّه خلق مائة رحمة، وجعل منها رحمة واحدة في الخلق کلهم فبها يترحم الناس، وترحم الوالدة لولدها، وتحنوا الأمهات(2)من الحيوانات علي کل أولادها(3)، فإذا کان يوم القيامة أضاف هذه الرحمة إلي تسعة وتسعين رحمة فيرحم بها أمة محمد صلي الله عليه و اله وسلم ، ثم يشفعهم فيمن يحبون له الشفاعة من أهل الملة حتي أنّ الواحد ليجييء إلي مؤمن من الشيعة فيقول : اشفع لي ، فيقول : وأي حق لک علي ؟ فيقول : سقيتک يوماً ماء فيذکر ذلک له، فيشفع له فيشفع فيه، ويجييء آخر فيقول له : إن لي عليک حقاً فاشفع لي ، فيقول : وما حقک علي ؟ فيقول : استظللت بظل جداري ساعة في يوم حارّ، فيشفع له فيشفع فيه، ولا يزال يشفع حتي يشفع في جيرانه وخلطائه

ص: 224


1- التوحيد : ص 164 ، وعنه البحار : ج 92/ 233.
2- في البحار : و تحنن .
3- في البحار: علي أولادها.

و معارفه فإن المؤمن أکرم علي الله مما يظنون»(1)

وروي في «المجمع» عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم ما يقرب منه(2)

ومن جميع ما مر يظهر معني قول مولانا الصادق علي ما رواه في «المجمع» قال : «الرحمن اسم خاص بصفة عامة والرحيم اسم عام بصفة خاصة»(3)

وفي بعض النسخ اللام عوض الباء

وعلي کل حال ، فالمعني أنّ الرحمن اسم خاص بالله سبحانه لا يطلق علي غيره حسب ما مر، وإطلاقه عليه إنما هو باعتبار صفة عامة يعم الخلق جميعأ : البر منهم والفاجر، والباطن منهم والظاهر، لأنّه يشملهم في مقام التکوين بعد التمکين وفي رتبة جريان الماء علي الطين (قل أرأيتم إن إصبح ماؤکم غوراً فمن يأتيکم

بماء معين)(4)

وأنّ الرحيم اسم عام يطلق عليه وعلي غيره، لکن باعتبار تعدد المعني لا اتحاده حسبما سمعت، وإطلاقه عليه سبحانه باعتبار معني خاص يشمل المؤمنين خاصة.

نعم، ربما يقال : إنّ الرحمن هو معطي الرحمة والخير والبرکة والرزق والحياة في الدنيا والرحيم هو معطي النور والکرامة والمغفرة والثواب في الآخرة فخصوا الرحمة الدنيوية فضلاً کانت أو عدلاً باسم الرحمن، والأخروية من الصنفين جميعاً باسم الرحيم .

ص: 225


1- بحار الأنّوار: ج 240/92 - 257، ح 48 عن التفسير المنسوب إلي الإمام العسکري عليه السلام
2- مجمع البيان : ج 21/1.
3- المجمع : ج 21/1.
4- الملک : 30.

وربما يستدل له بما رواه في «المجمع» عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم : «إن عيسي بن مريم قال : الرحمن رحمن الدنيا والرحيم رحيم الآخرة»(1)

قلت: وهذه الرواية کأنّها عامية مع أنّ الکلمتين عربيتان .

وعلي کل حال فهو لا يعارض الأخبار المتقدمة الظاهرة في إطلاقهما في کل من الدارين، سيما بعد ما ورد في الدعاء: «يا رحمن الدنيا ورحيمهما، کما في الدعاء الرابع والخمسين من «الصحيفة السجادية» وغيرها.

ولعل المراد بالنبوي المتقدم أنّه الرحمن في الأمور الدنيوية، الرحيم في الأمور الأخروية، فعبر بالأول عن الفضل وبالثاني عن العدل ، مع وقوع کل من الأمرين في الدنيا والآخرة وأنّ يدالله ليست مغلولة في الدنيا ولا في الآخرة، بل يداه مبسوطتان بالعدل والفضل فيهما ينفق کيف يشاء بالمشية الحتمية أو العرفية حسبما سمعت.

ولذا قال مولانا الصادق عليه السلام علي ما رواه في «الکافي» و«التوحيد» و«العياشي» في تفسير البسملة: «إن الباء بهاء الله، والسين سناء الله ، والميم مجد الله». .

وفي رواية «ملک الله والله إله کل شيء الرحمن بجميع خلقه الرحيم

بالمؤمنين خاصة» (2)

وفي «التوحيد» : «الرحمن بجميع العالم والرحيم بالمؤمنين وهم شيعة

آل محمد خاصة» (3)

ص: 226


1- مجمع البيان : ج 21/1
2- التوحيد للصدوق : ص 203، ح 2 و 3، باب معني بسم الله .
3- التوحيد للصدوق : ص 203، ح 3، وفيه : بالمؤمنين خاصة .

قلت: وإليه الإشارة بقوله (وکان بالمؤمنين رحيماً (1)(وان رحمة الله

قريب من المحسنين )(2)

فالعدل يشمل کل العالم في الدنيا والآخرة بلا فرق بين البر والفاجر (وإنّ الله

لا يظلم الناس شيئاً)(3) (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) (4)

والفضل يشمل المؤمنين في الدنيا بالتوفيق للصالحات والعصمة عن السيئات وإدرار الرزق، ورفع البلاء، وجميل العطاء، وفي الآخرة بالمغفرة والجنة التي لا يستحقه أحد بعمله.

( قل بفضل الله وبرحمته فبذلک فليفرحوا) (5)

(ولولا فضل الله عليکم ورحمته ما زکي منکم من أحد أبداً ولکن الله

يزکّي من يشاء) (6)

بالمشية العزمية الفضلية بل ورد في تفسير قوله : ( قل إني أخاف إن عصيت

ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه) (7)

في «المجمع» عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم أنّه قال : والذي نفسي بيده ما من الناس أحد يدخل الجنة بعمله، قالوا: ولا أنّت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنّا، إلا أنّ يتغمدني الله برحمة منه وفضل»(8).

ص: 227


1- الأحزاب : 43.
2- الأعراف : 56.
3- يونس : 44.
4- النساء : 40.
5- يونس : 58.
6- النور : 21.
7- الأنّعام : 15-16.
8- مجمع البيان : ج 2/ 280، وعنه البحار : ج 11/7.

ويشمل الکافر أيضاً من جهة إدرار الرزق، ودفع البلاء ونحوه، إلا أنّه مع

کونه بتبعية المؤمنين لأنّسهم وإصلاح معاشهم إمهال واستدراج لهم.

(ولا يحسبن الذين کفروا أنّما نملي لهم خير لأنّفسهم إنما نملي لهم

ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين)(1)

فقد تبيّن مما مرّ أنّ الفرق بين الإسمين باعتبار الشمول والعدل لا الدنيا

والآخرة.

ايراد مقال لدفع إشکال

ربما يورد علي ما ذکرناه من انقسام الرحمة إلي القسمين وأنّ الرحمانية هي العامة الواسعة التي يشترک فيها الموافق والمنافق إشکال حاصله أنّه ورد في الدعاء: «اللهم إنک قلت وقولک الحق :(ورحمتي وسعت کلَ شيء)(2) و وأنّا شيء فلتسعني رحمتک يا أرحم الراحمين» (3)

ومن البيّن أنّ الرّحمة المَسوُلة هي الفضل الذي بيد الله ، يؤتيه من يشاء(قل

بفضل الله وبرحمته فبذلک فليفرحوا) (4)

وهو الرحمة الرحيمية الإيمانية المشار إليها بقوله : (ويختص برحمته من

يشاء) (5) وقوله :(أنّ استغفروا ربکم ثم توبوا إليه يمتّعکم متاعاً حسناً إلي أجل مسمي ويؤت کل ذي فضل فضله ) (6)

ص: 228


1- آل عمران: 178.
2- الأعراف: 156.
3- مصباح المتهجد: ص 250، وعنه البحار: ج 8/90.
4- يونس : 58.
5- البقرة : 105.
6- هود : 3.

وأمّا رحمة العدل فلابد أنّ يجري علي حسب القبول والاستعداد والحکمة

والتربية، ولذا يشترک فيها المؤمن والکافر ، والبر والفاجر.

بل رحمة العدل ليس شيء منها يُسأل أو يُطلب، لأنّ الخوف کل الخوف من عدله تعالي ، ولذا ورد : «إلهي ربّ عامِلنا بفضلک ولا تعامِلنا بعدلک» وفي الدعاء:

کل خوفي من عدلک» وورد في قوله( ويخشون ربهم يخافون سوء

الحساب ) (1)، أنّ المراد هو الاستقصاء والمداقّة فسمّاء سوء الحساب .

وعلي هذا فکيف يستقيم الاستشهاد بالآية سيّما بعد ملاحظة ما سبق،

ومقابلتها بالمکتوبة مع أنّ ظاهرة الاستدلال بعموم الشيء.

وربما يجاب بأنّ الله تعالي حيث إنّه عالم السر والخفيات يعلم مراد السائلين ، ويطلع علي ضمائر الطالبين ، خاطبه الداعي بما عنده مما يعلمه أنّ الله يعلم ما في سره وقلبه ، فکأنّه أراد بقوله : (ورحمتک وسعت کل شيء ) أنّ فضلک شامل، فوسع کلُّ من رضيت دينه ، وأنّا يا إلهي ممن ترضي دينه لإيماني بالتوحيد والنبوة والولاية، وإتياني بما أمرتني به خاضعاً مسلماً، فلتسعني رحمتک، ولا تؤاخذني بالمعاصي الذي اقترفت واغفرها لي.

وحاصله کما صرّح به هذا القائل تخصيص الشيء في الآية وإطلاق الرحمة

الواسعة علي رحمة الفضل.

قلت : ويمکن أنّ يکون الإطلاق في الدعاء علي فرضه، حيث إنّي لا يحضرني موضعه (2)مبنيّاً علي تنزيل ما سوي المرحوم بالرحمة الرحيمية بمنزلة المعدوم، وأنّ الشيء حقيقة هو المرحوم بالرحمة الإيمانية ، وأما المرحوم بالرحمة الرحمانية خاصة فهو لا شيء، کما هو المستفاد من قوله تعالي : (والذين کفروا

ص: 229


1- الرعد:21.
2- تقدم الموضع : مصباح المتهجد ص 250 وعنه البحار : ج8/90 .

أعمالهم کسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً حتي إذا جائه لم يجده شيئاً) (1)

ولذا لمّا سئل مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام عن لا شيء أجاب بأنّه سراب .

ومن هنا نفي عنهم الحياة والسمع والبصر في کثير من الآيات کقوله :

(أموات غير أحياء)(2)،(أم تحسب أنّ أکثرهم يسمعون أو يعقلون) (3)

الآية ، وغيرها من الآيات.

فکأنّه إدّعي أنّ رحمتک هي الرحمة الإيمانية، وهي وسعت کل شيء

بالمعني المتقدّم کقوله : (وليُنذِرَ مَن کان حيّاً ويحق القول علي الکافرين)(4)

وأما قوله : «وأنّا شيء» فمعناه بالتوجه إليک ، والسؤال منک ، والإقبال عليک .

علي أنّ هذا النوع من التلطف في السؤال مبنيّ علي ضرب من الإدلال، لا يعرفه أصحاب القيل والقال، ومثله کثير في المناجاة المأثورة عن النبي والآل عليهم صلوات الله الملک المتعال.

تنبيه

ما ذکرناه في اشتقاق الرحمة إنّما هو بحسب الإشتقاق اللفظي، وأمّا من حيث المعنوي الذي قد سمعتَ جملة الکلام فيه فهي مشتقّة من رحم محمد وآل محمد صلي الله عليهم أجمعين ، وذلک أنّهم هم الرحمة الموصولة المشار إليها في الزيارة الجامعة أي الموصولة بفعله سبحانه ، فهم نفس فعله الموصول به سبحانه ، اتصال الفعل بالفاعل، والصنع بالصانع، وشيعتهم موصولون بهم اتصال شعاع

ص: 230


1- النور: 39.
2- النحل: 21.
3- الفرقان:44
4- يس : 70.

الشمس بالشمس، والنور بالمنير، بأنّحاء التجلّيات والإشراقات الواقعة في السلسلة الطولية، وفي عرض تلک السلسلة، وذلک أنّه إن ذکر الخير کانوا أوله وأصلَه ومعدنَه ومأواه ومنتهاه، فطينهُ شيعتهم مشتقةُ من فضل طينتهم، وأفعالُهم من أفعالُهم وأقوالهم من أقوالهم، وأحوالهم من أحوالهم، وإرادتهم من إرادتهم.

فمن أخذ بالمنهج القويم، وسلک الصراط المستقيم، واتبعهم في جميع الافعال والأقوال بلا تخلّف عنهم في أمر من الأمور فقد اقتبس من أنّوارهم، واقتفي علي آثارهم ووصل رحمهم ، ومن خالفهم في الجميع فقد قطع رحمهم ، وبين هذين درجات و مراتب يسير فيها السائرون، ويسلکها السالکون، فأصل هذه الرحم هو الولاية، ومن فروعها کلّ خير وبرّ وإحسان.

ولذا قال الصادق عليه السلام في (والذين يصلون ما أمر الله به أنّ يوصل ) (1) «إنها

نزلت في رحم آل محمد صلي الله عليه و اله وسلم وقد يکون في قرابتک» ثم قال عليه السلام :

فلا تکونن ممّن يقول للشيء : إنه في شيء واحد» (2)وفي تفسير الإمام عليه الصلاة والسلام عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام :

«أنّ الرحمن مشتقّ من الرحمة، سمعتُ رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم يقول : قال الله عزّوجلّ: أنّا الرحمن وهي الرحم، شققتُ لها اسماً من اسمي، من وصلها وصلتُه ، ومن قطعها قطعتُه». .

ثم قال علي عليه السلام : «أو تدري ما هذه الرحم التي من وصلها وصله الرحمن، ومن قطعها قطعه الرحمن ؟» فقيل : يا أمير المؤمنين حثّ بهذا کلَّ قوم أنّ يُکرِموا أقربائَهم ويصلوا أرحامَهم، فقال لهم : أحثّهم علي أنّ يصلوا أرحامهم الکافرين،

ص: 231


1- الرعد: 21.
2- بحار : ج 130/74 ، ح 95.

وأنّ يعظّموا من حقره الله وأوجب إحتقاره من الکافرين ؟ قالوا: لا ولکنه حثّهم علي صلة أرحامهم المؤمنين ، قال : فقال : أوجب حقوق أرحامهم لاتصالهم بآبائهم وأمهاتهم، قلت : بلي يا أخا رسول الله ، قال : فآباؤهم وأمهاتهم، إنما غذّوهم في الدنيا ووقوهم مکارهَها وهي نعمة زائلة، ومکروه ينقضي، ورسول ربهم ساقهم إلي نعمة دائمة لا تنقضي، ووقاهم مکروهاً مؤبداًلا يبيد.

فأي النعمتين أعظم؟ قلت: نعمة رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم أعظم وأجل وأکبر، قال : فکيف يجوز أنّ يحث علي قضاء حقّ من صغّر الله حقَه، ولا يحثّ علي قضاء من کبّر الله حقه ؟ قلت :لا يجوز ذلک، قال فإذا حقّ رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم : أعظم من حق الوالدين، وحق رحمه أيضاً أعظمُ من حقّ رحمهما، فرحم رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم أولي بالصلة وأعظم في القطيعة ، فالويل کل الويل لمن قطعها، والويل کل الويل لمن لم يعظم حرمتها، أو ما علمت أنّ حرمةَ رحم رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم حرمه الله ؟ وأنّ الله أعظمُ حقاً من کل منعِم سواه ، فإنّ کل منعِم سواه إنما أنّعم حيث قيضه له ذلک ربّه ووفّقه، أما علمتَ ما قال الله تعالي لموسي بن عمران حيث قال : يا موسي أتدري ما بلغت رحمتي إيّاک ؟ فقال موسي عليه السلام : أنّت أرحم بي من أبي وأمي ، فقال الله : يا موسي! إنما رحمتک أمّک تفضل رحمتي، فأنّا الذي رفّقتها عليک، وطيّبُ قلبَها لتترک طيب وستها لتربيتک، ولو لم أفعل ذلک بها لکانت وسائر الناس سواء، يا موسي أتدري أنّ عبداً من عبادي مؤمنا تکون له ذنوب وخطايا تبلغ أعنان السماء فأغفرها له ولا أبالي ، قال: يا رب ! وکيف لا تبالي ؟

قال : لخصلة شريفة تکون في عبدي أحبّها، وهي أنّ يحبّ إخوانه الفقراء المؤمنين، ويتعاهدهم ويساوي نفسه بهم، ولا يتکبر عليهم، وإذا فعل ذلک غفرت له ذنوبه ولا أبالي . ۔

يا موسي إنّ العظمة ردائي، والکبرياء ازاري، فمن نازعني في شيء منهما

ص: 232

عذّبته بناري

يا موسي إنّ من إعظام جلالي إکرامَ عبدي الذي أکله حظاً من الدنيا عبداً من عبادي مؤمنا قصرت يدُه في الدنيا، فإن تکبّر عليه فقد استخفّ بعظيم جلالي .

ثم قال أميرالمؤمنين عليه السلام : إنّ الرحم الذي اشتقها الله من رحمته بقوله : أنّا

الرحمن، هي رحم آل محمد، وإنّ إعظام الله تعالي إعظامَ محمّد صلي الله عليه و اله وسلم ، وإنّ کل مؤمن ومؤمنة من شيعتنا هو من رَحمِ آل محمد، وإن إعظامهم من إعظام محمّد، فالويل لمن استخفّ بشيء من حرمة محمّدصلي الله عليه و اله وسلم وطوبي لمن عظّم حرمته، واکرم رحمه ووصلها ..» (1)الخبر.

وهذا الذي ذکرته شعبة من الصلة وإلا فقد ورد أنّهم أصلُ کل خيرٍ، ومن فروعهم کلُ برّ وعملٍ صالح من الصلاة والصوم والزکاة والحج والصدق والأمانة والتقوي وغير ذلک من العبادات القالبية والقلبية، وأنّ عدوَّهم أصلُ کلِ شّرٍ ومِن فروعهم کلُ شرّ، فمن انقطع منهم وأخذ بفروع أعدائهم قولاً وفعلاً وعملاً فقد انقطع عنهم وقطع رحمهم ولذا قالوا: «کذب من زعم أنّه من شيعتنا وهو آخِذً بفروع غيرنا» (2)

ثم لا يخفي عليک أنّ الرحمة الإيمانية کما أنّها مشتقة منهم ، فکذلک الرحمة الرحمانية فإنهم الرحمة الکلية والمشية الإلهية ، بهم فتح الله وبهم يختم، وبهم ينزل الغيث، وبهم يمسک السماء أنّ تقع علي الأرض إلا بإذنه ، وذلک أنّ الله تعالي فتح بهم کلَّ بر وخير، بل کلَّ خلق وإيجاد وإمکان.

کما رواه جابر بن عبدالله عن النبي صلي الله عليه و اله وسلم علي ما هو المروي في «رياض

الجنان» قال : قلت : يا رسول الله صلي الله عليه و اله وسلم أوّل شيء خلقه الله ما هو؟ فقال :

ص: 233


1- بحار الأنّوار : ج 23 / 266 / 268، عن تفسير الإمام عليه السلام .
2- بحار الأنّوار : ج 303/24 -304، ح 15 عن کنز الفوائد وفيه : کذب من قال : إنه معنا وهو متعلق بفرع غيرنا.

«نور نبيک يا جابر خلقه الله، ثم خلق منه کل خير، ثم أقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله ثم جعله أقساماً ، فخلق العرش من قسم، والکرسي من قسم، وحملة العرش وخزانة الکرسي من قسم

وأقام القسم الرابع في مقام الحب ما شاء الله ، ثم جعله أقساماً فخلق القلم من

قسم، واللوح من قسم والجنة من قسم

وأقام الرابع في مقام الخوف ما شاء الله ، ثم جعله أجزاء، فخلق الملائکة من جزء، والشمس من جزء، والقمر والکواکب من جزء، وأقام القسم الرابع في مقام الرجاء ما شاء الله ، ثم جعله أجزاء فخلق العقل من جزء، والعلم والحلم من جز، والعصمة والتوفيق من جزء، وأقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء الله ، ثم نظر إليه بعين الهيبة فرح من ذلک النور قطرات : مائة ألف وأربعة عشرون ألف قطرة، فخلق الله من کل قطرة روح نبي ورسول ، ثم تنقست أرواح الأنّبياء فخلق الله من أنّفاسها أرواح الأولياء والشهداء والصالحين»(1)لخبر بطوله.

فهم الرحمة العامة، والکلمة التامة، ومبدء الإيجاد ومادة المواد، ومعطي

القابلية والاستعداد ، بإذن الوهاب الجواد.

فإنّ المشية الکلية تقوّمت بالحقيقة المحمدية تقوم ظهور، فظهرت وأشرقت أرض الإمکان والأکوان بنورها، وظهرت الأشعة بإشراقها، هي الزيتونة التي يکاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.

تبصرة

قد تبيّن لک ممّ الرحمن إشارة إلي الرحمة الواسعة السابقة في عالم الناسوت من حيث الظهور والبروز، کتقدّم الشجرة علي الثمرة، وإن کانت الثمرة هي الأصل في

ص: 234


1- بحار الأنّوار : ج 21/25 - 23، ح 37.

الشجرة، وکتقدّم الأنّبياء علي خاتم النبيين صلوات الله عليهم أجمعين مع أنّه کان نبياًوآدم بين الماء والطين.

هذا مضافاً إلي وسعتها وعمومها واختصاصها بالله سبحانه، حيث إنک قد سمعت أنّه لا يجوز إطلاقه علي غيره، ولذا قرنه مع اسم الذات في مقام الدعاء الذي لا ينبغي أنّ يشرک به أحدة في قوله : (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن )(1)

وإن أمکن أنّ يقال : أنّ ليس المراد ذکر خصوصية للإسمين ، بل التسوية بينهما وبين سائر الأسماء لقوله :(أيّاً ما تدعوا فله الأسماء الحسني)(2)، کما في قوله : (ولله الأسماء الحسني فادعوه بها )(3)

إلّا أنّ الظاهر من الاقتصار عليهما والإقتران مع اسم الذات، بل وضعهما

موضعه في الآية الثانية تقدمهما علي سائر الأسماء.

ولذا ورد في النبوي : «أحب الأسماء إلي الله عبدالله وعبدالرحمن» (4)

وأيضاً ورد في الخبر المشهور: «إن لله تسعة وتسعين أسماً، من أحصاها

دخل الجنة وهي : الله، الإله ، الواحد،..... الرحمن الرحيم ...»(5)

فقدّمه علي غيره من أسماء الصفات مع أنّ الرحمة الرحمانية کالمادة الأولية العامة الخلق، والرحيمية کالصورة الإيمانية ، والأولي في رتبة النبوة، والأخري في مقام الولاية بها تمام النبوة بل إکمال الدين وإتمام النعمة هذا في الظاهر.

ص: 235


1- الإسراء : 110.
2- الإسراء : 110.
3- الأعراف : 180.
4- بحار الأنّوار : ج 93/104، ص93 عن مکارم الأخلاق : ص 252 وفيه: «أحسن الأسماء» وفي نفس المصدر ص 127، ح 2 عن الخصال : ج 171/1 «خير الأسماء» وأيضاً في البحار : ج 104 / 130، ح 21 عن نوادر الراوندي ص 90 «نعم الأسماء»..
5- بحار الأنّوار : ج 186/4، ح 1 عن التوحيد و الخصال .

وأما في الباطن فالأمر علي العکس، فإن الولاية التامة العامة الکاملة للنبي صلي الله عليه و اله وسلم وظهور النبوة بوصيه لأنّه الباب والحجاب ، ولذا قال : (لقد جائکم رسول من أنّفسکم )إلي قوله ( بالمؤمنين رؤوف رحيم)(1)أي بوصيّه الذي هو نفس الإيمان (ومن يکفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين)(2)

وأيضاً قد ورد اسم « الرحمن» في القرآن المجيد بعد تکرره في أوائل السور في البسملة في بضع وأربعين موضعاً ولم يذکر في شيء منها بعد اسم من الأسماء إلا بعد کلمة «الله» أو الضمير الدال عليه ، کما في قوله : (هو الرحمن الرحيم)(3)

فإنه قد وقع رديفاً لکثير من الصفات الفعلية کالغفور، والرب، والرؤوف،

والعزيز، بل لم يأت متصلاً بما يدل علي الذات من الإسم الظاهر والمضمر.

وأيضاً ربما يعلل التقديم مرة باختصاص الأول بالدنيا والأخير بالأخري،

وفيه ما سمعت.

وباختصاص الرحمن بالعرش (الرحمن علي العرش استوي)(4) کالرحيم بالکرسي، ولا ريب في فضل الأول علي الثاني ، وإن کان کل منهما باباً من أبواب الغيوب، إلي غير ذلک من المناسبات التي ينبغي أنّ يقال : إن الصحيحة منها نکات بعد الوقوع.

وأخري بأنّه صار کالعلم لله ، لا من حيث إنه موضوع لذاته تعالي ، بل من حيث إنه لا يوصف به غيره، فهو أليق بلصوق لفظ الجلالة ، وبکونه بمنزلة

ص: 236


1- التوبة : 128.
2- المائدة : 5.
3- البقرة : 163.
4- طه : 5.

الموصوف للرحيم، وبالتوسط بينهما لکونه ذا جهتين.

بل عن بعض المحققين أنّه بدل من لفظ الجلالة، والرحيم صفة له، لا

للجلالة ، إذ حق النعت التقديم علي البدل.

وذکر بعض الأجلّة أنّ الرحمن صفة للجلالة والرحيم صفة الرحمن، مضافاً إلي اختصاص معناه به سبحانه ، وذلک لأنّ معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وذلک لا يصدق علي غيره، لأنّ من عداه فهو مستفيض بلطفه وإنعامه ، يريد جزيل ثواب ، أو جميل ثناء، أو إزالة الرقة الناشية من الجنسية ، کمن رأي بعض أبناء جنسه في بلية، فتألّم قلبه ورق له وخلصه منها، طلباً لإزالة ذلک التألم بالتخليص المذکور، أو إزالة حب المال ورذيلة البخل، الذي هو أقبح الخصال، وأشنع الرذائل کمن يفرق أمواله في الناس تکميلاًلنفسه وتخليصاً لها من تلک الرذيلة، فمبالغة الرحمة حيث اختصّت به سبحانه أفادت اختصاص الوصف به.

نعم، ربما يناقش فيه بأنّ ذلک يتصور بأحد وجهين:

أحدها : أنّ يکون الذات المعتبر فيه معيّناً بأنّه المنعم الحقيقي لا من حيث

المفهوم.

والآخَر: أنّ الزيادة المبالغة في الصيغة تستدعي البلوغ إلي الغاية، ويلزم منه أنّ لا يصدق إلّا علي المنعِم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وهو الله، فيأوّل معناه إلي ذلک وکلاهما فاسدان.

أما الأول، فلأنّه مع تعين الذات يکون اسماً لا صفة، والمفروض خلافه .

وأما الثاني فلأنّ زيادة المبالغة في الصفة لو استدعي البلوغ إلي الغاية لکان العلام لا يصدق إلا عليه سبحانه ، فإنه البالغ إلي غاية العلم، وکذا الکبّار بالتشديد لا يصدق إلّا عليه، لأنّه البالغ إلي غاية العظمة والکبرياء، فإذن معني لفظ الرحمن لا يستدعي أنّ يختص هذا الإسم به سبحانه، ومقتضي القياس صحّة إطلاقه علي کل

ص: 237

تفسير فاتحة الکتاب

من وجد فيه معناه، لکنّه خص الاستعمال عليه تعالي ، فلم يصحّ إطلاقه علي غيره تعالي إتباعاً للاستعمال، کما أوجب حذف عامل سقياً وورعياً اتباعاً له والقياس جواز ذکره.

أقول: وهو مدفوع بأنّ المراد هو الوجه الثاني، لکن الصفات علي قسمين :

صفات ربوبيّة وصفات عبودية، وقد سمعت سابقاً أنّ إطلاق ما يجوز إطلاقه علي الله وعلي خلقه ليس علي سبيل الإشتراک المعنوي، بل إطلاقه علي کل منهما بمعني غير الآخر، کما وقع التصريح به في أخبار أهل البيت عليهم السلام .

فالرحمة التي وضع الرحمن للمتصف بها في الرحمة التي لا يمکن صدورها من غيره کالإبداع والإيجاد وإنشاء الرحمة الواسعة والمشية الکلية، والحقيقة المحمدية ، بل هکذا غيرها من الفيوض الدنيوية والأخروية، فإنّ جميعها منه سبحانه، وهو المنعم بها علي خلقه لا غيره، ولو کان لغيره مدخلية فيها ، فإنما هي علي وجه الوساطة والتبعية والتلقي.

فالرحمة المأخوذة مادةً للرحمن إنما أخذت بهذا المعني، وهيئة المبالغة

الحاصلة بزيادة الألف والنون إنما أفادت عموماً في الخصوص.

ومن هنا يسقط النقض بمثل العلام فإن الاختصاص لم يصل من مجرد

المبالغة، ولذا لا نقول به في الرحيم المأخوذ مادته من مطلق الرحمة.

وفي المقام وجه آخر وهو البناء علي اتحاد المادة فيهما إلا أنّ بناء فعلان من هذه المادة لإفادة المبالغة الخاصة المتقدمة لا مطلق المبالغة التي يُبني لإفادتها ساير الصيغ وبکل من الوجهين يحصل الجمع بين المنع عن إطلاقه إلي غيره تعالي شرعة ولغة وبين ما هو الأظهر الأشهر.

بل إدّعي بعضُ المحققين عليه الإجماع من کونه وصفاً لا علماً ، ولذا وصف به في البسملة وغيرها وأضيف فيما يظهر فيه معني الوصفية کما في الدعاء: «يا

ص: 238

رحمن الدنيا والآخرة» وغير ذلک مما ينافي العلمية.

وأمّا ما ذکره أخيراًمن أنّ عدم صحة الإطلاق إتباع للاستعمال ففيه ما لا يخفي، سيما بعد ورود الشرع بالمنع عنه، ضرورة أنّه لا يکون ذلک إلا باعتبار المعني.

ومما يؤيّد ما ذکرناه من المغايرة بحسب المعني ما ذکره الصدوق في کتاب «التوحيد» حيث قال: أنّه يقال للرجل : رحيم القلب، ولا يقال : الرحمن، لأنّ الرحمن يقدر علي کشف البلوي ولا يقدر الرحيم من خلقه علي ذلک.

قال : وقد جوّز قوم أنّ يقال للرجل: رحمن، وأرادوا به الغاية في الرحمة

وهذا خطأ (1)

أقول : فانظر کيف أخذ الرحمن من الفعل الربوبي الذي يعجز عنه الرحيم من خلقه، وکيف حکم بخطأ من أخذه من الرحمة التي هي مادة الرحيم مع اعتبار المبالغة فيها.

ومن تضاعيف ما مرّ يظهر لک ضعف ما قيل أيضاً من أنّ السبب في أبلغية اسم الرحمن زيادة البناء لأنّها تدل علي زيادة المعني کما في قطع وقطّع، وکبار وکبّار.

فإنّه مبنيّ علي اتحاد المعني الذي أُخِذت منه الصيغتان ، وقد سمعت أنّه قد

أخذ کل منهما من غير ما أخذت منه الأخري.

ثم إن قاعدة دلالة زيادة المباني علي زيادة المعاني قد نقضت بحَذرِ وحاذِر ،

فإن الأول أبلغ کما صرّحوا به ، وأجيب بأنّ الشرط إتّحاد الکلمتين بأنّ يکون کل واحد منهما اسم فاعل أو صفة مشبهة مثلاً، سلمنا لکن القاعدة أغلبية کلية سلّمنا

ص: 239


1- توحيد الصدوق : ص 203، باب أسماء الله تعالي .

لکن أبلغية حَذِر إنما نشأت من إلحاقه بالغرائز کنَهِم وفَطِن، فجاز أنّ يکون حاذر أبلغ لدلالته علي زيادة الحذر بسبب زيادة لفظه، فأبلغية حذر إنّما هو من حيث الثبوت والاستمرار، وأبلغية حاذر من حيث الشدة من غير إفادة الإستمرار، فتأمل، فإن الزيادة منتفية حينئذ بل الحاصل المساوات في جهة الزيادة .

وهذه الوجوه وإن کانت بحذافيرها ساقطة في خصوص المقام علي ما أصّلناه لک سابقاً من اختلاف المادّة معني، إلّا أنّ القاعدة لا بأس بها علي وجه الغلبة لو لم نَدَّعِ الکلية بعد التأمل في قواعد الاشتقاق، وکون الداعي في زيادة الحروف علي المبادي واعتوار الهيئات المختلفة عليها إفادة الخصوصيات الزائدة .

ولذا ربما يستشهد عليها بالکلام الموروث عن العبد الصالح آصف بن برخيا حيث قال : إنّ الأشکال مغناطيس الأرواح، فإنّ الروح في الجسد کالمعني في اللفظ ، کما في العلوي.

ثم إنه قد ظهر مما مرّ کون الرحمن وصفاً، وأنّه تابع لاسم الجلالة معني وإعراباً . وربما يحکي عن جماعة کابن مالک والأعلم وابن هشام کونه علماً بالغلبة، فلا يجوز کونه وصفاً، بل يتعيّن کونه بدلاً من لفظ الجلالة، وبه أسقطوا سؤال الزمخشري وغيره عن سبب تقديم الرحمن مع أنّ عادتهم تقديم غير الأبلغ کقولهم عالم نحرير، وجواد فياض. .

بل استدلّوا أيضاً لذلک بمجيئه کثيراً غير تابع نحو (الرحمن علّم القرآن)(1) (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) (2)(وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن )(3)

ص: 240


1- الرحمن : 1- 2.
2- الإسراء : 110.
3- الفرقان : 60.

وقد طعن غير واحد منهم علي من إستعمله مجرداً من اللام.

قال ابن هشام : وأما قول الزمخشري : وإذا قلت: الله رحمن أتصرفه أم لا.

وقول ابن الحاجب : إنه اختلف في رحمن أي في صرفه فخارج عن کلام العرب من وجهين : لأنّه لم يستعمل صفة ولا مجرداً من أل إلّا في الضرورة.

ثم إنّ منشاً الإختلاف في صرفه وعدمه هو الاختلاف في أنّ شرط تأثير الألف والنون هل هو عدم قبول الوصف للحوق التاء إمّا لأنّه لا مؤنث له أصلاً کلحيان لکبير اللحية، أو لأنّ مؤنثه فعلئ فهو علي الأول ممتنع صرفه لانتفاء رحمانة، وعلي الثاني منصرف لانتفاء رحمي.

وقد تکلم نجم الأئمة وغيره في ترجيح أحد المذهبين علي الآخر بما لا

يعود إلي طايل، فلاحظ.

ختام وتکملة في انتظام الأسماء الثلاثة في البسملة

إعلم أنّ الله سبحانه من حيث ذاته المطلقة لا إسم له ولا رسم، ولا نعت ولا وصف، وهو مقام الأحدية المطلقة والهوية الغيبية، وأما في مقام الواحدية فله صفات ذاتية وفعلية ، والفعلية عدلية وفضلية، ولما کان مقام البسملة هو الوسيلة الکلية والعناية الإلهية والإقبال الکلي والرجوع إلي الفقر الأصلي وکان حقيقة العبد هي نفس الفقر الکلي المحيط به من جميع جهاته، لا جرم ينبغي له الاستعانة والالتجاء إلي الله سبحانه بجميع أسماءه وصفاته وهي وإن کانت غير متناهية ليس الأحد الوقوف علي شيء منها إلا بإلهامه وتعليمه (سبحانک لا علم لنا إلا ما علمتنا) (1)

ص: 241


1- البقرة : 32.

إلا أنّ هذه الأسماء الثلاثة جامعة لجميعها، ولذا بدأ سبحانه في تعليمه لنا بالبسملة التي هي کنز من کنوز الغيبية، بل مفتاح کليّ للخزائن الإلهية بالإسم الدالّ علي الذات المستجمع لجميع الصفات الکمالية من الجمالية والجلالية .

ولذا لا يعرف منه شيء إلا تحير العقول فيه حسب ما يشهد به اشتقاقه الذي مر الکلام فيه، ثم بالصفات الفعلية التي مرجعها بکثرتها إلي القسمين ولذا افتتحت بها السور القرآنية التي هي الحبل الممدود بين السماء والأرض .

بل عن الصادق عليه السلام :

ما نزل کتاب من السماء إلا أوله بسم الله الرحمن الرحيم»(1)

وعن أبي جعفرعليه السلام :

أول کل کتاب نزل من السماء بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا قرأت بسم الله الرحمن الرحيم فلا تبالي أنّ لا تستعيذ، وإذا قرأتها سترتک فيما بين السماء والأرض»(2)

بل يظهر من الأخبار أنّ التسمية باسمه سبحانه لا يستأتي للعبد إلا بعد الانسلاخ عن العلاية البشرية والانصباغ بالأنّوار الإلهية، وعبور النفس عن مقاماتها الکلية وانغماسها في البحار الغيبية.

ففي «العلل» عن الصادق عليه السلام في حديث علّة الصلاة :

ثم إن الله عزّوجل قال : يا محمد! إستقبل الحجر الأسود وهو بحيالي وکبّرني بعدد حجبي ، فمن أجل ذلک صار التکبير سبعاً لأنّ الحجب سبعة، وافتتح القراءة عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلک صار الافتتاح سنّة، والحجب مطابقه

ص: 242


1- بحار الأنّوار : ج20/85 ، ح 10، عن تفسير العياشي : ج 1 / 19 ح 5، وفيه : «ما أنّزل الله من السماء کتابة إلا وفاتحته بسم الله .........
2- الکافي : ج 3/ 313، ح 3، وعنه البحار : ج 6/85.

ثلاثا بعدد النور الذي أنّزل علي محمد صلي الله عليه وآله وسلم، فلذلک کان الافتتاح ثلاث مرات، فلأجل ذلک کان التکبير سبعاً والافتتاح ثلاثاً، فلما فرغ من التکبير والافتتاح قال الله عزّ وجل : الآن وصلت إلي فسمّ باسمي، فقال : بسم الله الرحمن الرحيم فمن أجل ذلک جعلت في أول السورة» (1)الخبر.

ثم إنّ لانتظام الأسماء الثلاثة فيها وجوهاً أخر لا بأس بالإشارة إليها: | و منها : أنّ أصول العقائد الإسلامية ومنتهي المقاصد الدينية في التوحيد والنبوة والإمامة المشار إلي جملتها بالأسماء الثلاثة، فإن الأصل الأول وإن کان هو التوحيد إلا أنّ الإقرار به لا يتم ولا يقبل ولا ينفع إلا بالإقرار بالنبوة کما أنّ الإقرار بالنبوة لا يتم إلا بالإقرار بالولاية، فهو الکاشف الأخير عن الأول کما يستفاد ذلک من الأخبار الکثيرة التي تعرّضنا لها في غير المقام، بل کل من التاليين لا يتم ولا يتحقق إلا بسابقه کما في دعاء الحجة عجل الله فرجه الإشارة إليه :

اللهم عرّفني نفسک فإنّک إن لم تعرفني نفسک لم أعرف رسولَک، اللهم عرّفني رسولک فإنک إن لم تعرّفني رسولک لم أعرف حجتّک، اللهم عرّفني حجتک، فإنک إن لم تعرّفني حجتک ضللت عن ديني»(2)

وأما الحکم بطهارة المنکرين للولاية الحقّة وإسلامهم، وإجراء أحکامه عليهم من جواز التناکح وحل الذبائح والتوارث وغيرها، فإنما هي أحکام ظاهرية جعلت وشرعت للترفيق علي الشيعة الإمامية حيث کانوا مختلطين بهم، مقهورين تحت أيديهم معدودين في زمرتهم، بل لم يقم لهم سوق لغلبة أهل الفجور والفسوق، ولذا يسّر الله لهم بإجراء أحکام الإسلام في ظاهر الشريعة مع ثبوت

ص: 243


1- حار الأنّوار : ج 18 / 358، ح 66، باب إثبات المعراج .
2- بحار الأنّوار : ج147/52، ح 7.

الکفر الباطني لهم، بل لعلّهم أشدّ الناس عدواة للذين آمنوا، فإنهم يهود هذه الأمة لمتابعتهم عجلها وسامريها وهما صنما قريش وجبتاها، وطاغوتاها وإفکاها، ولذا عبر عن الولاية بالإيمان وعن عدمها بالکفر في قوله : (ومن يکفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ) (1)

بل عن الثلاثة بالثلاثة في قوله :(ولکنّ الله حبّب إليکم الإيمان وزيّنه في

قلوبکم وکرّه إليکم الکفر والفسوق والعصيان)(2)

فإکمال الدين وإتمام النعمة إنما هو بالولاية، ولذا ارتدّ الناس بعد النبي صلي الله عليه وآله وسلم أربعة، فرجعوا علي أعقابهم القهقري (أفإن مات أو قتل انقلبتم علي

أعقابکم )(3)

هذا مضافاً إلي أنّ النبي صلي الله عليه وآله وسلم والولي هما الواسطتان في تلّقي الفيوض الإلهية من التشريعية والتکوينية ، کما مرّ غير مرة، فالمستعين بالله والمتوجه إليه لا بدّ له من حفظ المراتب للوصول إلي ماله من المطالب والمآرب، ولذا علّمنا الإستعانة بالله الذي أنّشأ المشية الکلية والحقيقية المحمدية الذي هو الرحمة الرحمانية والرحمة الرحيمية الإيمانية.

ومنها : أنّ للعبد حالات ثلاثة :

الأولي : حاجته إلي الوجود، وهو لم يکن شيئاً مذکوراً ، بل لم يکن شيئاً

أصلاً (أو لا يذکر الانسان أنّا خلقناه من قبل ولم يک شيئاً )(4)

الثانية : حاجته بعد الوجود إلي أسباب البقا.

ص: 244


1- المائدة : 5.
2- الحجرات : 7.
3- آل عمران: 144.
4- مريم : 67.

الثالثة : حاجته في القيامة إلي العفو والمغفرة إذ (لولا فضل الله عليکم

ورحمته ما زکي منکم من أحد أبداً)(1)

وفي الأسماء الثلاثة إشارة إلي هذه المقاصد، فالمستعين المتوسل بها سائل لها طالب إياها، فالله هو: ( الخالق الباريء المصور) (2)، (قل الله خالق کل شيء)(3)

والرحمن هو الذي وسعت رحمته کلَّ شيء ولم يخرج عن تربيته شيء

(وإنِّ ربکم الرحمن ) (4)

والرحيم هو المتعطف علي المؤمنين (نبّيء عبادي أنّي أنّا الغفور

الرحيم )(5)،(وکان بالمؤمنين رحيماً)(6)

ومنها ما قيل من أنّ النبي صلي الله عليه وآله وسلم کان مبعوثاً إلي الناس کافّة، وکان أهل العالم

في زمانه علي أصناف ثلاثة : عبدة الأصنام، واليهود والنصاري.

فالفرقة الأولي کانوا يعرفون من أسمائه سبحانه اسم الجلالة ( ولئن سألتهم

من خلق السموات والأرض ليقولن الله)(7)

ولذا کانوا يقولون(هؤلاء - أي هذه الأصنام - شفعاؤنا عند الله ) (8)والثانية : کانوا يعرفون الرحمن الذي قيل (9)إنّه في لغتهم رَخمن بالخاء

ص: 245


1- النور: 21.
2- الحشر : 24.
3- الرعد: 16.
4- طه : 90.
5- الحجر: 69.
6- الاحزاب : 43.
7- لقمان : 25.
8- يونس : 18.
9- قالة ثعلب والمبرد ، والزجاج .

المعجمة، وقد تقدّم أنّه قد تکرر ذکره في التوراة ، بل عن ابن سلام أنّه قال: يا رسول الله إنک لتقل ذکر الرحمن وقد أکثره الله في التوراة ، فنزلت (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) (1)

والثالثة : کانوا مشعوفين بذکر الرحيم الذي قيل : إنه في لغة الإنجيل رهما أو رهيما، وکان جارياً علي ألسنتهم، فلمّا أمر الله سبحانه نبيّه بدعوة تلک الفرق الثلاثة إلي الصراط المستقيم إفتتح کتابه بل کل سورة منه بما يعرفونه من الأسماء وهو الله الرحمن الرحيم، ليستأنّسوا به ولا يتنفرّوا إذ (کلّ حزب بما لديهم فرحون )(2)

ومنها أنّ الأسماء الثلاثة للأصناف الثلاثة الذين هم أهل الحقيقة والطريقة والشريعة، فأصحاب الحقيقة هم المنسوبون إلي الله سبحانه بالوصول إلي مقام الولاية ونيل الهداية ، (هنالک الولاية له الحق)(3) (الله ولي الذين آمنوا )(4)

وأصحاب الطريقة هم السائرون إلي حريم القدس، وحرم الأنّس ، بأقدام

المودة والمحبة، ولذا يدعونه باسم الرحمن (سيجعل لهم الرحمن ودّاً) (5)

وأرباب الشريعة هم أهل الإيمان الذين توسّلوا باسم الرحيم في سلوک

الصراط المستقيم ( وکان بالمؤمنين رحيماً)(6)

ومنها : أنّها إشارة إلي المعبود الحق والصنفين من عبيده اللذين هما المراد

والمريد، کما أشار مولانا الصادق عليه السلام علي ما رواه عنه في «العرايس» قال:

ص: 246


1- الإسراء : 110.
2- الروم : 32.
3- الکهف : 44.
4- البقرة : 257.
5- مريم: 96.
6- الاحزاب : 43.

«إنهما واقعان علي المريدين والمرادين ، فإسم الرحمن للمرادين لاستغراقهم

في أنّوار الحقايق ، والرحيم للمريدين لبقائهم مع أنّفسهم واشتغالهم بالظاهر».

تتمة مهمة في فضائل البسملة المروية عن الأئمةعليه السلام

قد ظهر مما مر أنّ البسملة مشتملة علي أصول الحقائق التي هي الأساس للعقائد الحقة الإسلامية والمناهج المستقيمة الإيمانية التي هي بجملتها من أشعة أنّوار التوحيد والنبوة والولاية حسبما أشير إليها بالأسماء الثلاثة.

بل قد سمعت أنّه قد ورد من طرق الفريقين أنّ فيها جميع ما في القرآن مع

أنّ فيه تفصيل کل شيء (1)

وفي «تفسير القمي» عن عبد الکريم بن عبد الرحيم أنّ کتاب أصحاب اليمين

بسم الله الرحمن الرحيم

وقد مر الخبر عن مولانا الرضا عليه السلام أنّه قال : «بسم الله الرحمن الرحيم أقرب

إلي الإسم الأعظم من بياض العين إلي سوادها» (2)

وإن الصادق عليه السلام قال : «ما نزل کتاب من السماء إلا وأوله بسم الله الرحمن

الرحيم»(3)

وأنّها من السبع المثاني وهي أفضلهن (4)

ص: 247


1- في شرح العيون وعنه مصابيح الأنّوار : ج 1 / 435، وعنها جامع الأخبار والآثار : ج 48/2 ، ح 2.
2- تفسير العياشي: ج21/1 ، ح 13 والعيون : ج 5/2 ، ح 41، وفيه : «من سواد العين إلي بياضها.
3- العياشي : ج 19/1، ح 5، وفيه : «ما انزل الله من السماء کتابا إلا وفاتحته بسم الله الرحمن الرحيم» نور الثقلين ج 6/1 .
4- تهذيب الأحکام ، وعنه تفسير نور الثقلين : ج 8/1، ح 24.

وذلک أنّها هي الکلمة الجامعة المتشعشعة لتجليات أنّوار الجمال، ولذا أمر النبيصلي الله عليه وآله وسلم في خبر المعراج بذکرها بعد رفع الحجب عند هبوب نفحات روح الوصال، علي ما رواه في «العلل» في خبر طويل مرت إليه الإشارة وإلي قوله تعالي : «الآن وصلت إلي فسمّ باسمي»(1)

وفي «المجمع» و «جامع الأخبار» وغيرهما عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال: «إذا قال المعلّم للصبي قل : بسم الله الرحمن الرحيم، فقال الصبي : بسم الله الرحمن الرحيم کتب الله برائة للصبي وبرائة لأبويه وبرائة للمعلم»(2)

وعن ابن مسعود عنه صلي الله عليه وآله وسلم قال : «من أراد أنّ ينجيه الله من الزبانية التسعة

عشر فليقرء بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها تسعة عشر حرفاً ليجعل الله کل حرف منها جنة من واحد منهم» (3)

وروي عن الصادق عليه السلام أنّه قال : «ما لهم قاتلهم الله ، عمدوا إلي أعظم آية في

کتاب الله فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها، وهي بسم الله الرحمن الرحيم»

(4)

وفيه رد علي العامة علي ما مر.

وعن الباقرعليه السلام أنّه قال : «سرقوا أکرم آية من کتاب الله بسم الله الرحمن

الرحيم»(5)

وفي «تفسير القمي» عن الصادق عليه السلام : «إنها أحق ما يجهر به، وهي الآية التي قال الله عزّ وجل وإذا ذکرت ربک في القرآن وحده ولّوا علي أدبارهم

ص: 248


1- بحار الأنّوار: ج 18 / 358/ ح66، باب إثبات المعراج .
2- مجمع البيان : ج 18/1 ، وجامع الأخبار : ص 49 وعنه البحار: ج 257/93 .
3- المجمع : ج 19/1 و جامع الأخبار : ص 49 وعنه البحار: ج 258/92 .
4- تفسير العياشي : ج 21/1 ، ح 16 ، وعنه البحار : ج 21/85.
5- العياشي : ج 19/1 وعنه البحار : ج 20/85 ، ح 10.

تفوراه(1)- (2)

بل في «الخصال» عنه عليه السلام : «إن الإجهار بها في الصلوات واجب» (3). والمراد تأکد

وفي «جامع الأخبار» عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال: «من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم کتب الله له بکل حرف أربعة آلاف حسنة، ومحي عنه أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة» (4)

وفيه عنه صلي الله عليه وآله وسلم: «من قال بسم الله الرحمن الرحيم بني الله في الجنة سبعين ألف قصر من ياقوتة حمراء، في کل قصر سبعون ألف بيت من لؤلؤة بيضاء، في کل بيت سبعون ألف سرير من زبرجد خضراء، فوق کلّ سرير سبعون ألف فراش من سندس وإستبرق، وعليه زوجة من حور العين ، ولها سبعون الف ذؤابة مکللة بالدر واليواقيت مکتوب علي خدها الأيمن : محمد رسول الله، وعلي خدّها الأيسر : علي ّولي الله، علي جبينها : الحسن، وعلي ذقنها : الحسين وعلي شفتيها : بسم الله الرحمن الرحيم

قلت : يا رسول الله ! لمن هذه الکرامة ؟ قال : لمن يقول بالحرمة والتعظيم بسم الله الرحمن الرحيم»(5)

وعنه صلي الله عليه وآله وسلم: «إذا قال العبد عند منامه : بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الله : يا

ملائکتي اکتبوا له الحسنات إلي الصباح»(6)

کي

ص: 249


1- الإسراء : 46.
2- تفسير القمي : ص 25، وعنه البحار: ج 85/ص 82، ح 25.
3- الخصال : ص 604، ح 9، وعنه البحار : ج 70/85 ، ح 5. وفيه : الإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلوة واجب .
4- جامع الأخبار : ص 49، وعنه البحار: ج 258/92 ، ح 52.
5- الجامع : ص 49، وعنه البحار: ج 92، ص 258، ح 52، والمستدرک : ج 387/5، ح 20.
6- جامع الأخبار : ص 50، وعنه البحار ج92 /258، وفيه : «اکتبوا نفسه إلي الصباح»

وعنه صلي الله عليه وآله وسلم: «إذ مرّ المؤمن علي الصراط فيقول : بسم الله الرحمن الرحيم

طفئت لهيب النيران، وتقول: جُزيا يا مؤمن فإنّ نورک أطفأ لهبي»(1)

ثم أنّه قد ورد الأمر بالتسمية عند کثير من العبادات وغيرها کالوضوء والغسل والأکل والشرب ودخول المسجد والبيت والخروج منهما والتذکية والاصطياد بل دخول الخلوة وخروجها ، وکل فعل من الأفعال.

حتي ورد عن مولانا الصادق عليه السلام قال : «إذا توضّأ أحدکم أو أکل أو شرب أو

لبس لباسا ينبغي له أنّ يسمّي عليه فإن لم يفعل کان للشيطان فيه شرک»(2)

وعنه عليه السلام : «إن رجلا توضأ وصلّي، فقال له رسول الله صلي الله عليه وآله وسلمأعد وضوئَک وصلاتَک، ففعل وتوضأ وصلّي، فقال له النبي صلي الله عليه وآله وسلم: أعد وضوئَک وصلاتَک، ففعل وتوضأ وصلّي، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم : أعد وضوئک وصلاتک، فأتي أمير المؤمنين عليه السلام فشکي إليه ذلک، فقال له: هل سميت حيث توضأت ؟ قال : لا ، قال : سَمِّ علي وضوئک، فسمّي وتوضأ وصلي، فأتي النبي صلي الله عليه وآله وسلم فلم يأمره أنّ يعيد». .

وفي «المحاسن» عن الصادق عليه السلام قال : «إذا أکلت الطعام، فقل بسم الله في أوله وآخره ، فإن العبد إذا سمّي في طعامه قبل أنّ يأکل لم يأکل معه الشيطان، وإذا سمّي بعد ما يأکل وأکل الشيطان معه تقيأ ما کان أکل» (3)

وعنه عليه السلام : «إن الرجل إذا دني من المرأة وجلس مجلسه حضره الشيطان ، فإن هو ذکر اسم الله تنحي الشيطان عنه، وإن فعل ولم يسمّ أدخل الشيطان ذکره فکان العمل منهما جميعا، والنطفة واحدة»(4)

ص: 250


1- الجامع : ص 50، وعنه البحار: ج 258/92.
2- المحاسن للبرقي : ص 433، وعنه البحار : ج373/66.
3- المحاسن : ص 432، وعنه بحار الأنّوار : ج66 / 372.
4- التهذيب : ج407/7، وعنه البحار: ج 202/63 .

وفي معناه أخبار کثيرة.

وفيه عنه عليه السلام أنّه قال له قائل : إني صاحب صيد سبع وأبيت بالليل في الخرابات والمکان الموحش، فقال : «إذا دخلت فقل بسم الله، وادخل برجلک اليمني ، وإذا خرجت فاخرج برجلک اليسري قل : بسم الله فإنک لا تري مکروها إن شاءالله»(1)

وفي «جامع الأخبار» عن النبي صلي الله عليه وسلم أنّه سئل هل يأکل الشيطان مع الإنسان ؟ فقال : «نعم، کل مائدة لم يذکر بسم الله الرحمن الرحيم عليها يأکل الشيطان معهم ويرفع الله البرکة عنها(2)

وفي «الکافي» عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : «إذا رکب الرجل الدابة ، فسمّي، ردفه

ملک يحفظه حتي ينزل، وإن رکب ولم يسمّ ردفه شيطان فيقول له : تغن، فإن قال له : لا أحسن، قال له : تمن، فلا يزال يتمني حتي ينزل» (3)

وفيه عن الصادق عليه السلام :

«إن علي ذروة کل جسر شيطانا ، فإذا انتهيت إليه ، فقل : بسم الله ، يرحل

عنک» (4)

إلي غير ذلک من الأخبار الآمرة بها عموما وخصوصا عند کل فعل مما

سمعت، وغيرها من حقير أو خطير، يسير أو کثير.

بل عن مولانا الصادق عليه السلام : «لا تدع بسم الله وإن کان بعده بيت من

الشعر» (5)

ص: 251


1- المحاسن : ص 370، وعنه البحار: ج 248/76، ح 39.
2- جامع الأخبار : ص 50 وعنه البحار : ج 258/92، ح 52.
3- فروع الکافي : ج 6 / 540، وعنه البحار: ج 204/63 .
4- فروع الکافي : ج 4 / 287، وعنه البحار: ج 202/63 .
5- الکافي : ج 2/672، ح 1 ، وعنه الوسائل : ج 494/8 ، ح 1.

وذلک لما عرفت من أنّ ما يدل علي شيء من غير الألفاظ يسمي أثرا وإسما للشيء، بل لعل الأثر أدل علي الشيء من اللفظ الموضوع له، لأنّ دلالته أتم وأظهر، بل هي أشبه بالطبيعة العقلية، ودلالة اللفظ وضعية ، وقد سمعت أنّ الإسم ما يدل عل المسمي.

ثم إن الأثر هو الفعل ، والفعل إمّا مضاف إلي الله تعالي صادر منه، أو إلي العبد

صادر منه.

والصادر من الله هو خلق الأسباب والآلات والأدوات والمشاعر والقوي

والمباديء، وکل ما يحتاج إليه في بقائها من الإضافات والإمدادات وغيرها.

والصادر من العبد هو صرف هذه الأسباب والآلات فإن صرفها فيما خلقت له فهو الطاعة، أو في غيره فهو المعصية، فالأسباب والآلات في الطاعات والمعاصي واحدة.

نعم من جهة صرفها في الطاعات التي هي مرضات الله، يطلق التوفيق الذي هو موافقة إرادة العبد لصرف الأسباب فيما يحبه الله تعالي ويرضاه، ومن جهة صرفها في المعاصي التي هي موجبات سخطه يطلق الخذلان الذي هو ترک العبد وما يشتهيه و تخليته وما يريده.|

وقد قيل : لا تَدَع النفس وهواها ، فإنّ في هواها رداها، وترک النفس وما

تهوي شفاها، وردع النفس عما تهوي هداها وشفاها.

وبالجملة فقول القائل : بسم الله عند کل فعل من الأفعال معناه الاستعانة فيه به سبحانه وبأسمائه الحسني تيمّناً وتبرکا بذکر اسمه الشريف علي الوجه الذي مرت إليه الإشارة من حفظ الحدود مع قصد الاستعانة بما أنّعم وأفاض عليه من الآلات والأدوات المصروفة في إتمام هذا الفعل لفائدة شکر تلک النعم وصرفها فيما خلقت لأجله علي الوجه اللايق بحاله في الکون التشريعي موافقا لمحبّته کي يقع

ص: 252

الفعل علي جهة العبودية تحصيلا لمرضاته سبحانه ، فيظهر عليه أثر العبودية.

ولعله إليه الإشارة بقول مولانا الرضا عليه التحية والثناء في معني البسملة

«أسم نفسي بسمة الله تعالي»(1)

وکأنّه مأخوذ من الوسم الذي يتميز به مواشي السلطان أو السيماء الذي

يتميز به حواشيه.

وهو المشار إليه بقوله تعالي : (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة)(2)

ويقولي في القصيدة المهدوية شعرا: تري صبغة الرحمن صاغت وجوههم وإنّ صباغ الحب صبغ التجمّل

فالتسمية سمة الطاعة وصبغة العبودية وشکر النعمة وحد المائدة .

ولذا ورد في أخبار کثيرة عن مولانا الصادق عليه السلام : «إنّ حد المائدة أنّ تقول إذا

وُضعِت بسم الله وإذا رُفعِت الحمد لله» (3)

وفي «العدل» عنه عليه السلام قال :

لمّا جاء المرسلون إلي إبراهيم علي نبينا وآله وعليه السلام جاءهم بالعجل فقال : کلوا، فقالوا: لا نأکل حتي تخبرنا بثمنه ، فقال عليه السلام : إذا أکلتم فقولوا: بسم الله ، وإذا فرغتم فقولوا: الحمد لله ، قال : فالتفت جبرئيل إلي أصحابه وکانوا أربعة وجبرئيل رئيسهم، فقال: حق لله أنّ يتخذ هذا خليلا(4)

إلي غير ذلک من الأخبار الکثيرة فإذا توسم العبد بسمة طاعته وستي عند

ص: 253


1- تفسير نور الثقلين : ج 11/1 ، ح 41 عن العيون .
2- البقرة : 138.
3- المحاسن : ص 431، وعنه البحار : ج 66 / 37، ح 9، وفيه: «إذا وضع قيل : بسم الله ، وإذا رفع قيل : الحمد لله».
4- علل الشرايع : ص 23 - 24، وعنه البحار: ج 5/12 .

تفسير فاتحة الکتاب

کل فعل من الأفعال ابتغاء مرضاته، فقد جمع بين التسمية الفعلية والقولية، وأظهر فيه العبودية المحضة التي لا يشارکه فيها الشيطان، لأنّه قد يئس من الإستيلاء بعباد الرحمن بقوله : (إنّ عبادي ليس لک عليهم سلطان) (1)

وأما إذا نسيها فقد شارکه فيه، ثم إن استدرکته العناية الربانية وتدارک التسمية فقد ورد في الأخبار : «إن الشيطان تقيأ ما أکله» کما في الخبر المتقدم المروي عن «المحاسن»(2)

ولعل المراد أنّه يرجع عن المشارکة في ذلک الفعل ، ويعود کله خالصا لله من أوله، إذ الأمور الملکوتية المقيدة بالزمان يتساوي عندها جميع الأزمنة فيتأثر منها الحوادث وإن سبقت في الزمان.

ولذا ورد في العلوي علي ما رواه في «المحاسن»: «من أکل طعاما فليذکر اسم الله عليه فإن نسي ثم ذکر الله بعده تقياً الشيطان ما أکل، واستقبل الرجل طعامه» (3)

لکن المحکي عن «الکافي»،(4) في هذا الخبر «واستقل». .

قال في «البحار»: «وهو الصواب أي وجده قليلا لما قد أکل الشيطان منه فإن ما يتقيأه لا يدخل في طعامه، أو هو علي الحذف والإيصال، أي إستقل في أکل طعامه ، قال : والأول أظهر» (5)

قلت : لکن الرواية الأولي هي أظهر، وعلي الثانية فالثاني ينطبق علي

ص: 254


1- الحجر: 42.
2- المحاسن : ص 432، وعنه البحار: ج66، ص 372.
3- المحاسن : ص 434 وعنه البحار: ج 374/66 ، ح 20.
4- الکافي : ج 293/6
5- البحار :374/66.

ما سمعت.

وعلي کل حال فللّتسمية فضلُ جميل، وثواب جزيل، ولها بل لکل اسم من الأسماء الثلاثة المشتملة عليها عند أهل التصريف والتکسير فوائد عظيمة ومنافع جسيمة سيما مع المداومة عليها والتحقق بحقائقها والتخلق بأخلاقها إلي غير ذلک مما لا ينبغي التعرض لها.

بل روي أنّه لمّا نزلت البسملة اقشعرت منها الجبال (1) وأنّها تسعة عشر حرفا بعدد زبانية النار، من قرأها نجي منها (2)

وفي بعض الکتب عن مولانا الصادق عليه السلام :

«من کانت له حاجة کلية فليکتب في رقعة : بسم الله الرحمن الرحيم من عبده الذليل إلي ربه الجليل( رب إنّي مسني الضرّ وأنّت أرحم الراحمين) وليطرحها في نهر عظيم قائلا: أللهم بمحمد و آله الطيبين الطاهرين وصحبه المرضيين، إقض حاجتي يا أرحم الراحمين. وليذکر حاجته، فإنه تقضي إن شاء الله تعالي».

ولنختم المقام بذکر ما أورده الإمام أبو محمد العسکري عليه السلام في فضل

البسملة ، قال عليه السلام :

قال الصادق عليه السلام : ولربما ترک في افتتاح أمر بعض شيعتنا بسم الله الرحمن الرحيم، فيمتحنه الله بمکروه لينبهه علي شکر الله تعالي والثناء عليه ويمحو عنه

ص: 255


1- في الدر المنثور ج9/1عن أبن مردويه ، والثعلبي ، عن جابر الأنّصاري: «لمانزلت( بسم الله الرحمن الرحيم) هرب الغيم إلي المشرق وسکنت الريح، وهاج البحر ، أصغت البهائم بأذآنها، ورجمت الشياطين من السماء
2- في «مجمع البيان»: ج19/1 : عن ابن مسعود عن النبي صلي الله عليه وسلم : «من أراد أنّ ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، فإنها تسعة عشر حرفا...». کما تقدّم .

وصمة تقصيره عند ترکه قوله بسم الله ، لقد دخل عبدالله بن يحيي علي أمير المؤمنين عليه السلام وبين يديه کرسي، فأمره بالجلوس ، فجلس عليه فمال به حتي سقط علي رأسه ، فأوضح عن عظم رأسه وسال الدم، فأمر أمير المؤمنين عليه السلام بماء فغسل عنه ذلک الدم، ثم قال : ادن مني ! فدنا منه ، فوضع يده علي موضحته، وقد کان يجد من ألمها ما لا صبر له معه ، ومسح يده عليها وتفل فيها حتي اندمل، وصار کأنّه لم يصبه شيء قط ، ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام : يا عبد الله ! الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنتهم لتسلم لهم طاعتهم، ويستحقوا عليها ثوابا». ثم ساق الخبر إلي أنّ قال: «فقال عبدالله بن يحيي : يا أمير المؤمنين ! قد أفدتني وعلّمتني فإن رأيتَ أنّ تعرّفني ذنبي الذي امتحنت به في هذا المجلس حتي لا أعود إلي مثله ، قال : ترکک حين جلست أنّ تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فجَعَل الله ذلک بسهوک عما نُدِبتَ إليه تمحيصاً بما أصابک، أما علمتَ أنّ رسول الله صلي الله عليه وسلم حدثني عن الله عزّ وجل أنّه قال : کلّ أمر ذي بال لم يذکر اسم الله فيه فهو أبتر؟

فقلت : بلي بأبي أنّت وأمي لا أترکها بعدها ، قال : إذا تحظي بذلک وتسعد، ثم قال عبد الله بن يحيي: يا أميرالمؤمنين ! ما تفسير بسم الله الرحمن الرحيم ؟ قال : إن العبد إذا أراد أنّ يقرأ ويعمل عملا فيقول : بسم الله الرحمن الرحيم، أي بهذا الإسم أعمل هذا العمل، فکل عمل يعمله يبتدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فإنه يبارک له فيه.

ثم ساق الخبر إلي أنّ قال : إن رجلا قام إلي أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : يا

أمير المؤمنين ! أخبرني عن بسم الله الرحمن الرحيم ما معناه ؟ فقال :

إن قولک : «الله» أعظم الأسماء من أسماء الله تعالي، هو الإسم الذي لا ينبغي

أنّ يستي به غير الله تعالي ولم يتسم به مخلوق .

فقال الرجل : فما تفسير قوله «الله»؟

ص: 256

فقال : هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد کل مخلوق عند انقطاع

الرجاء من جميع من دونه ويقطع الأسباب من کل من سواه ، وذلک أنّ کل مترأس في هذه الدنيا أو متعظم فيها وإن عظم غناؤه وطغيانه، وکثرت حوائج من دونه إليه ، فإنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعظم، وکذلک هذا المتعظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها ، فينقطع إلي الله عند ضرورته وحاجته وفاقته حتي إذا کفي همه عاد إلي شرکه ، ألم تسمع الله عز وجل يقول : (قل أرأيتکم إن أتيکم عذاب الله أو أتتکم الساعة أغير الله تدعون إن کنتم صادقين بل إياه تدعون فيکشف ما تدعون إليه إنشاء وتنسون ما تشرکون)(1)فقال الله تعالي لعباده : «يا أيها الفقراء إلي رحمتي إني قد ألزمتکم الحاجة إلي في کل حال، وذلة العبودية في کل وقت، فإليّ فافزعوا في کل أمر تأخذون فيه وترجون تمامه وبلوغ غايته، فإني إن أردت أنّ أعطِيَکُم لم يقدر غيري علي منعکم، وإن أردت منکم لم يقدر غيري علي إعطائکم، فأنّا أحق من سُئِل وأولي من تُضرّع إليه ، فقولوا عند افتتاح کل أمر عظيم أو صغير: بسم الله الرحمن الرحيم، أي أستعين علي هذا الأمر بالله الذي لا تحقّ العبادة لغيره، المغيث إذا استغيث ، والمجيب إذا دعي، الرحمن الذي يرحم ببسط الرزق علينا، الرحيم بنا في أدياننا ودنيانا وآخرتنا، خفف علينا الدين وجعله سهلا خفيفا، وهو يرحمنا بتمييزنا عن أعدائه .

ثم قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : من حزنه أمر تعاطاه فقال بسم الله الرحمن الرحيم وهو مخلص لله عزّ وجل يُقبِلُ بقلبه إليه، لم ينفکّ من أحد الشيئين (2) إما بلوغ حاجته الدنياوية ، وإما ما يعد له عنده ويدخّر لديه، وما عند الله خير وأبقي

للمؤمنين» .

ص: 257


1- الأنّعام: 41.
2- في البحار: «عن احدي اثنتين» .

وقال الحسن بن علي عليهم السلام : «قال أمير المؤمنين عليه السلام : إن بسم الله الرحمن

الرحيم آية من فاتحة الکتاب وهي سبع آيات تمامها ببسم الله الرحمن الرحيم».

قال: «سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : إن الله عزوجل قال لي: يا محمد (ولقد آتيناک سبعا من المثاني والقرآن العظيم) (1) فأفرد الإمتنان علي بفاتحة الکتاب وجعلها بأزاء القرآن العظيم وأنّ فاتحة الکتاب أعظم وأشرف مما في العرش وإن الله تعالي خص بها محمدا وشرفه، ولم يشرک معه فيها أحدا من أنّبيائه ما خلا سليمان علي نبينا وآله وعليه السلام فإنه أعطاه منها بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تراه إنه يحکي عن بلقيس حين قالت : (إنّي ألقي إليّ کتاب کريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) (2)

ألا فمن قرأها معتقدا لموالاة محمد وآله الطيبين منقاداً لأمرهم، مؤمنا بظاهرهم وباطنهم أعطاه الله عزّ وجل يکل حرف منها حسنة منها أفضل له من الدنيا وما فيها من أصناف أموالها وخزائنها، ومن استمع قاريا يقرؤها کان له قدر ثلث ما للقاريء، فليستکثر أحدکم من هذا الخير المعرض لکم، فإنه غنيمة فلا يذهبن أوانه فتبقي في قلوبکم الحسرة»(3)

أقول : وهذا الخبر وإن مرت الإشارة إلي جملة منها فيما تقدم إلا أنّا ذکرناه

بتمامه في المقام تنبيها علي الفوائد التي لا تستفاد إلا بتمام الکلام.

ص: 258


1- الحجر: 87.
2- النمل : 29.
3- تفسير الإمام : ص 9-24، وعنه بحار الأنّوار : ج240/92 - 257، ح 48.

الفصل الأول :فيما يتعلّق بالحمد

ثمّ إنّ الله سبحانه وله الحمد والمنّة لمّا علّمنا کيفيةَ التبرک بالاستعانة به والتوسل بأسمائه والانصباغَ بصبغته مع التنبيه علي أنّ جميع النعم الدنيوية والأخروية والتشريعية والتکوينية کلها منه، والأمور کلها بيده، وهو المبتدء بالنعم قبل استحقاقها، والسائق إلي المستحقّين حقوقها، أراد أنّ يحمد نفسه بالثناء عليه علي نعمه الجميلة الجليلة وآلائه الجزيلة النبيلة، تعليماً للعباد، وهدايةً لهم إلي سبيل الرشاد ، فقال : (والحمد لله رب العالمين ) .

الحمد في الأصل مصدر (حمِد) کسمع، حمدا ومحمَداً ومحمدةً بکسر الثالث وفتحه فيهما بمعني الثناء، کحَمِدته عل فعله، والشکر کحمِدته علي نعمه، والرضا کحمِدت بسيرة فلان، والمدح کحمِدت فلانا علي فضله، لکن الغالب عليه في الإستعمال هو المعني الأول، هذه المعاني متغايرة وإن تقاريت، ولذا کان لکلّ منها نقيض غير نقيض الآخر، فالنقيض للحمد الذم، وللشکر الکفر، وللمدح الهجاء والذم أيضا ولعله الأغلب.

وبالجملة فقد عرّفوا الحمدَ بالثناء باللسان علي الجميل الاختياري من نعمة

وغيرها.

فهو أخصّ من المدح الذي هو الثناء علي الجميل المطلق إختيارا کان أو غيره، ولذا قال: مدحتُ زيدا علي حسنِه، دون حمدته ، ويطلقان بالنسبة إلي علمه.

ص: 259

ومن الشکر الذي هو تعظيم المنعم بالاعتراف بالنعم الواصلة إليه باللسان والأرکان والجَنان، إلا أنّ أخصيّته من المدح علي الإطلاق ومن الشکر من وجه، فهو أعمّ من کل الأولين من وجه، لوجوده دونهما في أفعال القلب والجوارح.

وإن اجتمع الکلّ في فعل اللسان وترتب الحمد والمدح علي کل من الفضائل التي هي المزايا الغير المتعدية، والفواضل التي هي المزايا المتعدية، وهي المواهب والعطايا ، إلا أنّ هذا کأنّه مجرد اصطلاح لا يساعده تتبع موارد إطلاقاتها.

ولذا أنّکر بعضهم تقييد الحمد بکون الجميل اختياريا، بل ذکر شيخنا البهائي أنّ هذا التقييد غير موجود في کلام الأکثر، بل أنّکره البعض لقولهم : الصبر يحمد في المواطن کلها، وعاقبة الصبر محمودة، بل في القرآن : (عسي ربک أنّ يبعثک مقاما محمودا) (1)

وفي کلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : «فعند الصباح يحمد القوم السُري» (2)

فلا داعي للتکلف في تلک الإطلاقات بأنّه استعمل في معني المدح أو الرضا مجازا، أو أنّه من قبيل وصف الشيء بحال متعلقه، أي المقام محمود صاحبه ، والسُري محمود عليه کالصبر.

هذا مضافا إلي تصريح اللغوييّن بعموم معناه.

قال في «الصحاح» : «الحمد أعم من الشکر، وظاهره الإطلاق، ولذا قال :

والمحمد الذي کثرت خصاله المحمودة» (3)

ص: 260


1- الإسراء : 79.
2- نهج البلاغة : الخطبة (160) آخرها . ولا يخفي أنّ هذه الجملة من الأمثال ومعناها : إذا أصبح النائمون وقد رأوا السارين ليلا وصلوا إلي مقاصدهم حمدوا سراهم وندموا علي نوم أنّفسهم. والسُري بضم السين المهملة وفتح الراء : السير ليلا
3- الصحاح : باب الدال ، فصل الحاء، واستشهد بقول الأعشي : إلي الماجد القرم الجواد المحمد.

وفي القاموس» : الحمد : الشکر، والرضا، والجزاء، وقضاء الحق .

وفي «المصباح المنير» للفيومي : حمدته علي شجاعته وإحسانه حمدان

أثنيت عليه.

ومن هنا کان الحمد غير الشکر لأنّه يستعمل لصفة في الشخص وفيه معني التعجب ، ويکون فيه معني التعظيم للممدوح وخضوع المادح، کقول المبتلي : الحمد الله، إذ ليس هناک شيء من نعم الدنيا ويکون في مقابلة إحسان يصل إلي الحامد.

وأما الشکر فلا يکون إلا في مقابلة الصنيع، فلا يقال : شکرته علي شجاعته

ويقال غير ذلک. انتهي.

وبالجملة، الأظهر أنّه موضوع للمعني الأعم من دون أنّ يؤخذ في مفهومه

کونه باللسان أو علي الجميل الاختياري.

أمّا الأول فلثنائه سبحانه علي نفسه، ولقوله : ( وإن من شيء إلا يسبح

بحمده) (1)وغير ذلک.

واحتمال التجوز في اللسان، أو في الحمد، أو تکلف التأويل مما لا ينبغي الإصغاء إليه، وما يقال : من أنّه لما ثبت الاختصاص بالنقل عن الثقات من أرباب اللغات فيحمل أمثال ذلک علي المجاز مردود بما سمعت

وأما الثاني فلشهادة الإطلاق، ونص أهل اللغة، وأصالة الحقيقة، وأولويتها

مع عموم المعني علي المجاز.

نعم، يعض هوُلاء المنکرين للتقييد بالاختياري من الفلاسفة الذين يزعمون أنّ الله تعالي فاعل بالإيجاب والعلّية دون الإرادة فالتزموا بقدم العالم، نظرا إلي أنّ ذات الواجب تعالي إمّا أنّ يستجمع جميع شرائط التأثير في الأزل أو لا؟

ص: 261


1- الإسراء : 44.

فعلي الأول يلزم القدم، ضرورة امتناع تخلف المعلول عن علته العامة .

وعلي الثاني يتوقف وجود الأثر وهو العالم علي شرط حادث، وننقل الکلام إليه حتي يلزم التسلسل الذي قامت القواطع العقلية علي استحالته ، بل استدلوا علي نفي إرادته الحادثة بأدلة ضعيفة واهية، سنشير إن شاء الله تعالي إلي الجواب عنها ، وعن ساير ما استدلوا به للقدم في موضع اليق.

ولعل اختيار الحمد في المقام علي المدح للإشعار بکون محامده اختيارية وبعد الإحسان، إذ المدح علي ما قيل أعم من کون الممدوح به اختياريا أو لا، صدر قبل الإحسان أو بعده.

مضافا إلي ما قيل : إن المدح مذموم، للعلوي : «أحثوا التراب في وجوه

المداحين» (1)

والحمد مأمور به لقوله: «من لم يحمد الناس لم يحمد الله» (2)

وإن کان لا يخلو من تکلف، إذ منشأ الذم فيه بعض الجهات الخارجية

کالاطراء ، ومجاوزة الحد، وشوب النفاق ونحوها.

واما اختياره علي الشکر فلان الشکر إنما هو بأزاء ما وصل من النعم إلي

الشاکر، وأما الحمد فإنما هو بأزاء ما عليه النعم من المحامد.

ولذا ورد : «الحمد لله کما هو أهله ومستحقه»(3). وفي الدعاء: «ولک الحمد بجميع محامدک کلها علي جميع نعمک کلها»(4).

ص: 262


1- بحار الأنّوار : ج 294/73، ح 1 عن أمالي الصدوق : ص 256، وفيه: «احثوا في وجوه المداحين التراب» ، وجعله من مناهي النبي صلي الله عليه وسلم .
2- التفسير الکبير للفخر الرازي : ج 1 / 218.
3- بحار الأنّوار: ج 163/86 ، ح 43.
4- البحار : ج 413/95 .

وکم الفرق بين الثناء عليه سبحانه بما هو أهله ومستحقه مع الأغماض وقطع النظر عن الإنعام علي الحامد أو غيره، أو العدم مطلقا، وبين مجازات نعمه الجميلة الجليلة بألسنة قصيرة وأزمنة يسيرة يحتاج شکر کل زمان منها إلي أزمنة کثيرة.

وعلي هذا فيستوعب الحمد شکر جميع الشاکرين مع الزيادة ، فإن الصفات الذاتية والنعم التي لم يصل بعد إلي أحد من المخلوقين محامد توجب الحمد لا الشکر.

قال مولانا الصادق عليه السلام علي ما رواه «الکافي»: «ما أنّعم الله علي عبد بنعمة

صغرت أو کبرت فقال : الحمد لله إلا أدي شکرها»(1)

وفي دعاء الصحيفة السجادية : «الحمد لله الذي هدانا لحمده، وجعلنا من

أهله لنکون لإحسانه من الشاکرين» (2)

وفي «کشف الغمة» عن الصادق عليه السلام : «إن أبا جعفر فَقَدَ بغلة له ، فقال : لئن ردها الله لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما لبث أنّ أتي بها بسرجها ولجامها، فلما استوي عليها وضم عليها ثيابه رفع رأسه إلي السماء فقال: «الحمد لله» فلم يزد، ثم قال : ما ترکت ولا أبقيت ، شيئا جعلت کل أنّواع المحامد الله عزّ وجل، فما من حمد إلا وهو داخل فيما قلت» (3)

وفي «تفسير الإمام» و«الاحتجاج» عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنّه سئل عن تفسير «الحمد لله»، فقال: «هو أنّ الله عرّف عباده بعض نعمه عليهم جملا إذ لا يقدرون علي معرفة جميعها بالتفصيل، لأنّها أکثر من أنّ تحصي أو تعرف، فقال

ص: 263


1- الکافي : ج 96/2 ، وعنه البحار: ج32/71 ، ح 9.
2- صحيفة السجادية الجامعة : ص 209، دعائه عليه السلام إذا دخل شهر رمضان
3- کشف الغمة : ج 319/2 ، وعنه البحار: ج 290/46 ، ح 15، وأخرجه ابن طلحة في مطالب السؤول : ص 81، وأبو نعيم في الحلية : ج 3/ 183 بتفاوت.

لهم : قولوا: الحمد لله علي ما أنّعم به علينا» (1)

وعن مولانا الصادق عليه السلام في معني الحمد، قال : «معناه : الشکر لله وهو المنعم

بجميع نعمائه علي خلقه»(2)

وقال عليه السلام : «من حمده بصفاته کما وصف نفسه، فقد حمده، لأنّ الحمد حاء والميم ودال ، فالحاء من الوحدانية والميم من الملک والدال من الديمومة، فمن عرفه بالوحدانية والملک والديمومة فقد عرفه». .

رواهما القاضي سعيد في «أسرار الصلاة» عنه عليه السلام مرسلا ويأتي الأخير بلفظ

آخر عن السلمي عنه عليه السلام

بل ربما يستفاد من بعض الأدلة وفحاوي الأخبار إختصاص الحمد بالله سبحانه بحيث ليس أحد ممن سواه أهلا لأنّ يحمد کما في «المتهجد» في دعاء يوم الجمعة : «اللهمَّ لک الحمد کما تولت الحمد بقدرتک، واستخلصتَ الحمد لنفسک، وجعلتَ الحمد من خاصتک، ورضيت بالحمد من عبادک ، ففتحت بالحمد کتابک، وختمت بالحمد قضائک، ولم يعدل إلي غيرک، ولم يقصر الحمد دونک، فلا مدفع اللحمد عنک، ولا مستقر للحمد إلا عندک ، ولا ينبغي الحمد إلا لک»(3)

ولعل ذلک الاختصاص لدلالة الحمد علي کون المحامد ذاتية أصلية قائمة

بالمحمود بقيمومية المطلقة التي لا يشارکها فيه غيره.

ولذا ورد في الخطبة الأميرية الغديرية : «الحمد لله الذي جعل الحمد من غير حاجة منه إلي حامديه ، طريقا من طرق الاعتراف بلاهوتيته وصمدانيته وربانيته وفردانيته ، وسببا إلي المزيد من رحمته، ومحجة للطالب من فضله، وکمّن في إبطال

ص: 264


1- تفسير الإمام : ص 11.
2- تفسير القمي : ص 29، وعنه البحار : ج 229/92 .
3- مصباح المتهجد : ص 348، وعنه البحار : ج 129/90 - 130.

اللفظ حقيقة الاعتراف له بأنّه المنعم علي کل حمد باللفظ ، وإن عظم»(1)

فجعله طريقا من طرق الاعتراف بالألوهية دليل علي اختصاصه مطلقا أو

علي بعض الوجوه به سبحانه .

والمراد بقوله: «وکمّن في إيطال اللفظ» الإشارة إلي أنّه سبحانه قد أنّزل الحقائق الکلية من الخزائن الغيبية إلي العوالم النازلة الناسوتية بکسوة الألفاظ والحروف الصوريّة ، فسهّل بذلک حمده وذکره علي قاطبة البريّة.

ثم إنّه قد ظهر ممّا مرّ أنّ الحمد من الالفاظ الجامدة الموضوعة، نعم ربّما يقال : إنه مشتق من المدة (بالفتحات) وهي صوت التهاب النار، حيث إن العبد بعد مشاهدة النعماء الغير المتناهية يشتغل في قلبه نيران المحبة، فيستنير بنور معرفته الجنان وينطبق بحمده اللسان.

وإمّا من الحُمادي کحُباري بمعني الغاية والنهاية ، ومنه الخبر: حُماديات

النساء غضّ الطرف» (2)

أي غاياتهن ومنتهي ما يحمد منهم غضّ الطرف عمّا حرّم الله ، وذلک أنّ الحمد منتهي مقصد القاصدين، واجتهاد المجتهدين، سيّما مع توقفه علي معرفة المنعِم بالنعمة، وانبساط يديه بالرحمة.

والحقّ أنّ اشتقاقه منهما تکلّف مستغنيً عنه ، بل لعلّ المعنيين مأخوذان منه علي ضرب من الإشتقاق، وإن کان فيه إشعار بالمعنيين، سيما مع إضافته إلي الله ، کما أنّه مشتقّ بالاشتقاق المعنوي من الصفات الربانية والنعوت الکمالية .

ص: 265


1- مصباح المتهجد : ص 524، وأخرجه المجلسي قدس سره في البحار: ج 97/ 113، عن مصباح الزائر الفصل السابع.
2- الاحتجاج : ج167/1، ط بيروت وعنه البحار: ج151/32 ، وهذه الکلمة من کلام أم سلمة بنت أمية قالتها لعائشة لما أزمعت الخروج إلي البصرة.

کما رواه السلمي في «الحقائق» عن مولانا ومولي الخلائق جعفر بن محمد الصادق عليه الصلاة والسلام أنّه قال : «الحمد ثلاثة أحرف الحاء والميم والدال. فالحاء: من الوحدانية، والميم: من الملک، والدال : من الديمومية، فمن قال : الحمد لله ، فقد وصف الله بالوحدانية والملک والديمومة». .

ولعل الوجه فيه أنّ الحمد التامّ الکامل الذي يفوق جميعَ المحامد ماکان المحمود فيه کاملاً تاماً في جميع الصفات الذاتية والفعلية، والوحدانية إشارة إلي کماله في صفاته الذاتية التي هي عين ذاته تعالي بلا مغايرة حقيقية واعتبارية، وإلا لا نثلمت الوحدانية، فإن کمال التوحيد نفي الصفات عنه بدليل أنّ کل صفة غير الموصوف وکل موصوف غير الصفة.

وأما الصفات الفعلية لم تکن قديمة عين الذات ولا شريکاً له مع الذات، بل حادثة بحدوث الفعل والمفاعيل کانت ملکاً له، فلذا عبر عنها به، وحيث إن فيضه عز وجل في صقع الإمکان والحدوث لا يزال ولم يزل، إذ کل يوم هو في شأنّ، ولا يشغله شأنّ عن شأنّ ، فلذا استحق المحامد الجميلة الجليلة خلود دوام ربوبيته وهو المشار إليه بالديمومية.

تبصرة عرفانية

روي السيّد الجليل اين طاووس في «سعد السعود» نقلاً عن النقاش مسنداً

إلي ابن عباس قال : قال لي علي عليه السلام :

ص: 266

«يا بن عباس ! إذا صليتَ الآخرة، فالحقني إلي الجبانة»، قال : فصلّيت ولحقته، وکانت ليلة مقمرة ، فقال لي: «ما تفسير الألف من الحمد جميعاً ؟» قال : فما علمت حرفاً أجيبه ، قال : فتکلم في تفسيرها ساعة تامة، ثم قال لي: «ما تفسير اللام من الحمد ؟» قال : فقلت : لا أعلم ، قال : فتکلّم في تفسيرها ساعة تامّة، ثم قال : «ما تفسير الحاء من الحمد؟» قال : فقلت، لا أعلم، فتکلّم في تفسيرها ساعة تامة، ثم قال : «ما تفسير الميم من الحمد ؟» فقلت: لا أعلم، فتکلم في تفسيرها ساعة، ثم قال «فما تفسير الدال من الحمد؟ » قلت: لا أدري ، فتکلم فيها إلي أنّ برق عمود الفجر، قال : فقال : «قم يا بن عباس إلي منزلک فتأهّب لفرضک، فقمت وقد وعيت کلما قال، قال : ثم تفکرت فإذا علمي بالقرآن في علم علي عليه السلام کالقرارة في المثعنجر، قال : والقرارة : الغدير، والمثعنجر: البحر(1)

أقول : في «القاموس»: المثعنجر بفتح الجيم وسط البحر، وليس في البحر

ماء يشبهه.

وقول ابن عباس وذَکَر علياً عليه السلام : علمي إلي علمه کالقرارة في المثعنجر، أي

مقيساً إلي علمه کالقرارة موضوعة في جنب المثعنجر، انتهي.

وفيه : القرارة بالضم ما بقي في القدرة، أو ما لزق بأسفلها من مرق أو حطام،

والقرارة مثّلثة الماء البارد الذي يصبّ في القدر.

قلت : فتفسيرها بالغدير ليس علي ما ينبغي، بل التشبيه ليس في محله ولو بالقطرة والذرة، والصواب ترک النسبة ، بل الإنتساب ، فأين التراب وأبو تراب ؟ ولو کانت بينهما نسبة لتکلّم ابن عباس بحرف واحد، أو بکلمة واحدة، مع أنّ ما تکلّم عليه السلام به في تلک الليلة مع ضيق الوقت إنما هو علي قدر فهمه وحسب مقامه ،

ص: 267


1- سعد السعود : ص 284، وعنه البحار: ج 104/92 .

لأنّهم مأمورون بتکلّم الناس علي قدر عقولهم.

ولذا قال ابن عباس : «فقمت وقد وعيت کل ما قال»، وإلا فهو کان قادراً علي استخراج جميع العلوم والمعارف والأحکام المتعلقة بالإمکان والأکوان من الحقائق التکوينية والعلوم التشريعية من کلمة واحدة بل من حرف واحد.

ولذا قال عليه السلام : «لو شئت لأوقرت سبعين بعيرأ من تفسير باء بسم الله».

وفي خبر آخر: «من تفسير فاتحة الکتاب» رواه الشهيد في «أسرار

الصلاة»(1)

وقال أبو جعفر الباقر عليه السلام : «لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله حملة لنشرت التوحيد والإسلام والإيمان والدين والشرايع من الصمد، وکيف لي بذلک ولم يجد جدي أميرالمؤمنين عن حملة لعلمه حتي کان يتنفس الصعداء (2) ويقول علي المنبر: «سلوني قبل أنّ تفقدوني» فإن بين الجوانح مني لعلما جما ، هاه هاه ألا لا أجد من يحمله، ألا وإني عليکم من الله الحجة البالغة «فلا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة کما يئس الکفار من أصحاب القبور»(3)

وبالجملة، فالحروف والکلمات لها مراتب ودرجات وأطوار علوية وسفلية ، مجردة ومادية ، جبروتية وملکوتية وناسوتية، والمدرک منها بالمشاعر الظلمانية المادية الناسوتية هو المترل منها إلي هذا العالم الجسماني بالصور اللفظية والکتبية ، فما يري سواد العين إلا سواد المداد بالألحاظ ولا تسمع الأذن إلا الأصوات والألفاظ، وأنّي لهما الدخول في حريم هذه المعاني والاستقصاء عما لها من المباني من العالي والداني.

ص: 268


1- بحار الأنّوار : ج 103/92عن «أسرار الصلاة».
2- الصعداء - بضم الصادر وفتح العين - التنفس الطويل من أو تعب .
3- بحار الأنّوار: ج225/3، 15. والآية بلا لفظ الغاء في سورة الممتحنة : 24.

وأما العقل الإنساني فقد ابتلي بالتقيد عن التجرد، واحتجب عن مشاهدة الأنّوار الملکوتية بالحجب الناسوتية ، فوقع من القرية في الغربة ، مع أنّ کل شيء لا يدرک ما فوق عالمه، ولا يتجاوز عن معالمه، وکيف يدرک العقل الجزئي الحقائق الکلية إلا بعد الوصل الکلي، بقطع جبل الإنيّة، والتجرد عن العلايق الجسمانية والخروج من هذه القرية الظالم أهلها، وبعد ذلک فمعرفته علي قدر رتبته ودرجته، فإن من عرف قدره لا يتعدّي طوره.

ولذا لو أنّزل الله هذا القرآن علي ما هو عليه من قدس ملکوته وعز جبروته (1)ولذا أتي بما يشار به إلي القريب، تنبيهاً إلي أنّه بعد باق علي علوه ورفعته علي جبل عظيم من الجبال التي هي مظاهر العظمة في هذا العالم الجسماني، أو علي جبلة من جبلات الإنية الواقعة في صقع النفوس ( لرأيته

خاشعاًمتصدعاً من خشية الله) لعدم صبره وتحمله وثباته ، ولذا أنّزله الله تبارک وتعالي يکسوة الألفاظ والحروف التي هي أمثلة وأظلة للحقائق الکلية (وتلک الأمثال نضر بها للناس لعلهم يتفکرون) (2) فيصلون بالألفاظ إلي المعاني، ومن المعاني إلي المباني ومن المباني إلي النور الشعشعاني، أعني معرفة البشر الثاني .

نفحات قدسية

ينقسم الحمد باعتبار الحامد إلي : حقّي، وحقيقي، وخلقي، وإطلاقي. فالحقي من حيث الذات : هو الهوية الغيبية التي ليس لها إسم ولا رسم ولا

ص: 269


1- مقتبس من الآية (21) من سورة الحشر : (لو أنّزلنا هذا القرآن علي جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله )
2- الحشر : 21.

نعت ولا وصف، وبذلک أثني علي ذاته بذاته ، فثناؤه ذاته، وذاته ثناؤه، فامتنع بعزّ قدسه من أنّ تناله الأوهام، أو أنّ تصل إلي معرفته ثواقب العقول والأفهام.

ومن حيث الفعل هو المشية الکلية، وهو الفعل الذي خلقه بنفسه واسکنه في ظله، وهو في صقع الإمکان والأکوان، حقيقة الحقائق ومبدء المباديء، وأصل الأصول، وأسطقسّ الأسطقسّات، فالثناء علي الله تعالي بعد ثنائه علي ذاته لا يکون إلا في مظهر من المظاهر الکونية، فأعلي المظاهر أجلاها وأسناها ثناءاً علي الله.

وحيث إنّ المشيّة الکونية والإمکانية أعلي المظاهر وأول الأوائل في عالم الأکوان والإمکان، کان هذا الحمد أرضي الحمد له، وأفضل الحمد عنده، وأحقّ الحمد لديه، وأحبّ الحمد إليه ، کما في دعاء يوم الإثنين (1)

ثم إنّ الحمد الحقي في مقام الفعل هو بعينه الحمد الحقيقي في مقام الذات ، وإن کان هناک تغاير بحسب الاعتبار، فإنّ ذات المشيّة هو فعل الرب سبحانه وهو إيداعه وإرادته کما أشار إليه مولانا الرضا عليه السلام .

فالحمد الحقيقي ينقسم إيضاً إلي ذاتي هو ما سمعت، وإلي فعلي وهو دوام توجهه وافتقاره وانقطاعه إلي الله سبحانه بالتضرع والسؤال والابتهال والاستمداد التحصيل الاستعداد ، وهو الحمد الذي يصل إليه أوله ، ولا ينقطع آخره، لم يجعل له أمداً، ولا ينفد أبداً، وهو الذي أشار إليه في الدعاء

حمداً دائماً يدوم ما دام سلطانک، ويدوم ما دام وجهک، ويدوم ما دامت جنتک، ويدوم ما دامت نعمتک، ويدوم ما دامت رحمتک، حمداً يصعد ولا ينفد، يبلغک أوله ولا ينقطع آخره ، حمداً سرمداً لا يحصي عدداً ولا ينقطع أبداً» (2)

ص: 270


1- مصباح المتهجد : ص 217، وعنه البحار : ج 174/90 .
2- البلد الأمين ص82. مصباح المتهجد : ص 343، دعاء يوم الجمعة .

کما أنّ الحقيقي الذاتي هو المشار إليه بقوله : «ففتحت بالحمد کتابک(1)

بناء علي أنّ المراد بالکتاب هو الکتاب التکويني أو الإمکاني، وإن کان ابتداء الکتاب التدويني به أيضاً ، وبقوله: «حمداً سعة علمک ومقدار عظمتک وکنه قدرتک ومبلغ مدحک ومداد کلماتک ...» (2)

وأما الحمد الخلقي فيکون أيضاً في مقام الذات وفي مقام الفعل، فالذاتي يشترک فيه جميع العالم من حيث التحقق والوجود، وإن کان بين أفراده من الاختلاف ما لا يحصي ولا يستقصي کاختلاف ذوات الذرات في السلسلة الطولية والعرضية وهو المعبر عنه بالتسبيح الذاتي المشار إليه بقوله (يسبح لله مافي

السموات وما في الأرض ) (3). (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولکن لا تفقهون تسبيحهم ) (4)

لکن التسبيح المذکور في الآيتين وغيرهما يراد به مضافاً إلي ما ذکر من التسبيح الفطري الذاتي، التسبيح الشعوري الاختياري التکليفي الذي نطقت به الآيات والأخبار حسبما يأتي بيانه إن شاء الله.

ولذا قال سبحانه: (ألم تر أنّ الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وکثير من الناس

وکثير حق عليه العذاب )(5)

فإنه نسب السجود إلي غير الناس علي سبيل الکلية وإليهم علي وجه

ص: 271


1- نفس المصدر .
2- بحار الأنّوار : ج 130/90 ، دعاء الجمعة .
3- الجمعة ، والتغابن : 1.
4- الإسراء : 44.
5- الحج : 18.

الجزئية، وهذا هو السجود الاختياري والتکليف الشعوري الإرادي.

وأما التسبيح الفطري الذاتي فيشترک فيه جميع الأشياء والأکوان مما دخل في صقع الإمکان أو في بقعة الوجود حتي أنّ الکافر والمشرک في حال کفره وشرکه موحد لله تعالي مسبح له، ولذا قيل بالفارسية:|

عين إنکار کافر إقرار أست».

وقيل أيضاً:

هر گياهي که از زمين رويد وحده لا شريک له کويد وفي الجامعة الصغيرة»: «يسبح الله بأسمائه کل شيء». .

وذلک لأنّ کل ما دخل في عالم الوجود من الأکوان والأعيان والمجردات والماديات والفلکيات والعنصريات والجمادات والنباتات والحيوانات فهو ينادي بأعلي صوته بل بجميع ألسنة وجوده بأنّي عبد عاجز مصنوع لا أقدر علي شيء ولا أملک لنفسي شيئاً، بل لست بشيء وإن لي رباً قادراً ، عالماً، قيوماً، حياً ، قديماً ، جامعاً لصفات الکمال ونعوت الجلال وإنه شياني بمشيته وأوجدني بقدرته وأفاض عليَّ من رحمته، وأقامني بأمره قيام صدور وظهور، بحيث لو قطع فيضه عني لکنت عدماً محضاً، وهذه المقالة مما جرت عليها ألسنة جميع الذرات والکائنات من جميع جهات وجودها وکينونتها في جميع الأدوار والأکوار والأطوار والأوطار، فقد ملأ الدهر قدسه لا يري فيه نور إلا نوره، ولا يسمع فيها صوت إلا صوته کما في الدعاء

وأما الحمد الخلقي الفعلي فيکون بالجنان وبالأرکان وباللسان ولذا قيل: «إن الثناء للسلطان باللسان ينجيک من سيف السلطان، ويسلمک من آفة الکفران، وشکر الأرکان ينجيک من درکات النيران، ويبلغک إلي أعلي درجات الجنان، والحمد بالجنان يقربک إلي الرحمن ويشرفک بالعرفان.

ص: 272

وأدني درجات حمده في هذا المقام إنفراد اللسان بالثناء عليه من دون

مواثقة الجنان والأرکان، وربما کان مذمومة لأنّه من شعب النفاق.

وأعلاها وأغلاها وأرفعها في هذه المرتبة توافق الثلاثة ، وإن کان الأصل فيها معرفة المحمود، ووقوع عظمته في القلب، فإن الأرکان حتي اللسان بمنزلة الآلات والأدوات للقلب تجري بحکمه ويترشح عليها ما وقع فيه، فکل إناء بالذي فيه ينضح.

ولذا قال روح الله عيسي علي نبينا وآله وعليه السلام: «إن اللسان يتکلم زوائد القلب، فإذا وقعت في القلب عظمة شخص وکماله وجلاله بادرت الأرکان والألسنة إلي تعظيمة والثناء عليه، حتي ربما تقع لها شبة الإضطرار من شدة البدار ، ولذا اضطرت العقول بالاستکانة لديه ونطقت الألسن بالثناء عليه ، بل کل رکن من الأرکان، وکل مشعر من المشاعر لسان من الألسنة بل وکذا الأوصاف والأعراض والأحوال والخيالات والخطرات والنبات والأعمال .

وأما الحمد الإطلاقي فهو العام التام الکامل الشامل لجميع ما ذکرناه وما لم

نذکره، مما لم يثبت في الدفاتر، ولم يجر علي الخواطر.

وإلي ما ذکرناه من مراتب الحمد إشارة بقوله صلي الله عليه وسلم في الدعاء: (الحمد لله کلما حمد الله شيء، وکما يحب الله أنّ يحمد، وکما هو أهله، وکما ينبغي لکرم وجهه وعز جلاله»(1)

فقوله «الحمد لله» إشارة إلي الحمد الإطلاقي العمومي الشامل لجميع المحامد، ولذا قال مولانا الباقر عليه السلام في الخبر المتقدم(2) بعد وجدان البغلة : «الحمد

ص: 273


1- بحار الأنّوار : ج 44/86، في ما يستحب عقيب الصلاة .
2- کشف الغمة : ج 319/2 .

الله» ولم يزد، ثم قال: «ما ترکت ولا أبقيت شيئاً جعلت کل أنّواع المحامد لله

عزّوجل فما، من حمد إلا وهو داخل فيما قلت».

وقوله «کلما حمد الله شيء»، إشارة إلي الحمد الخلقي الشامل لمحامد جميع المخلوق في رتبة المفعول بجميع أدواتهم ومشاعرهم وألسنتهم وأرکانهم ولغاتهم وأحوالهم.

وقوله «وکما يحب الله أنّ يحمد»، إشارة إلي الحمد الخلقي الذاتي أو الحقيقي، فإنهما في رتبة واحدة وإن کانا متغايرين بالاعتبار، وجعله أثراً للمحبة لکونه من آثار المشية التي هي المحبة الکلية الأصلية المشار إليها بقوله:

«کنت کنزاً مخفياً فأحببت أنّ أعرف فخلقت الخلق کي أعرف»(1)

فعبر فيه عن الوجود المطلق الذي هو الواسطة بين الوجود الحق وهو الکنز المخفي أي المجهول المطلق، وبين الوجود المقيد وهو الخلق بالمحبة التي هي جذبة التوحيد ومقام التفريد، والآخذ بناصية کل شيء، فهو راجع إليها رجوع

الفيء (أو لم يروا إلي ما خلق الله من شيء يتقيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدة لله وهم داخرون ) (2)

وقوله «وکما هو أهله»: إشارة إلي الحمد الحقيقي الذاتي الحقي الفعلي الذي قد عرفت سابقاً إتحادهما أيضاً من وجه، وإن تغايرا من وجه آخر، فإن فعله سبحانه أهل له، وهو أهل لفعله، وهذا التأهل إنما هو في مقام الفعل لا الذات.

وقوله «وکما ينبغي لکرم وجهه وعز جلاله»، إشارة إلي الحمد الحقي الذاتي

ص: 274


1- الحديث مشهور تارة نسب الي داود النبي عليه السلام وأخري نسب إلي النبي الأعظم صلي الله عليه وسلم ولکن قال السيوطي في الدرر المنثره ص193: لا أصل له ، وقال ابن العربي في الفتوحات ج ص 299: الحديث صحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم کشفاً لا نقلاً .2
2- النحل : 48.

في مقام الواحدية لا الأحدية التي هو الغيب المطلق، فله في مقام الواحدية الظهور بالصفات الکمالية من الجمالية والجلالية.

فقوله «لکرم وجهه» إشارة إلي ظهوره بالصفات الکمالية من العلم والقدرة والحياة والقدم وغيرها، «وعز جلاله» إشارة إلي تقدسه عن کل ما يعد في النقصان أو ينتهي إلي رتبة الإمکان.

فانظر کيف أطلق الحمد أولاً بالإطلاق الشمولي الإحاطي، ثم فصّله في مراتبه ودرجاته متدرّجاً من الأدني إلي الأعلي ، کما هو القانون في التوجهات والأسفار والترقيات الواقعة في عالم المواد، وصقع الاستعداد (إليه يصعد الکلم

الطيب والعمل الصالح يرفعه) (1)

ثم بعد تفصيل المراتب في المقامات الأربعة التي هي الأرکان الأربعة لعرش المعرفة والتقديس، وهي التسبيح والتهليل والتحميد والتکبير، فضل بعد الإجمال وأجمل بعد التفصيل فقال : وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أکبر علي کل نعمة أنّعم بها علي وعلي کل أحد من خلقه ، ممن کان أو يکون إلي يوم القيامة (2)

ثم اعلم أنّ الثناء الواقع من کل أحد لله سبحانه إنما هو علي حسب مقامه ورتبته وقابليته واستعداده والله سبحانه منزه عن کل ذلک، فإنه قد انتهي المخلوق إلي مثله وألجأه الطلب إلي شکله، وانّي له والثناء علي الله بما هو أهله ومستحقه إلا بمجرد إطلاق القول بذلک والحوالة علي ما هنالک، ولذا ورد في الدعاء:

الحمد لله کما هو أهله ومستحقه». . وقال أشرف الأنّبياء والمرسلين صلي الله عليه وآله وعليهم أجمعين :

سبحانک لا أحصي ثناءً عليک أنّت کما أثنيت علي نفسک» (3)

ص: 275


1- فاطر : 10.
2- بحار الأنّوار : ج /8644.
3- بحار الأنّوار : ج 23/71 .

وذلک لأنّ الخلق وإن بالغ في السعي والاجتهاد وأتي بما في وسعه من القوة والاستعداد، فلا يمکن له الخروج من حدود الإمکان المحفوف بالقصور والنقصان في جميع العوالم من الإمکان والأعيان والأکوان، فمن أين له الإحاطة بکمال

الواجب ( سبحانه و تعالي عما يقولون علواً کبيراً) . فالعجز عن درک الإدراک إدراک والخوض في طلب الإدراک إشراک

ولذا نزّهه عن أوصافهم وتوصيفاتهم في قوله :(سبحان الله عما

يصفون )(1)

ثم استثني توصيف عباده الذين يصفونه بما وصف به نفسه بقوله : (إلا عباد الله المخلصين)(2)وتوصيفهم هو الذي أشار إليه في الآية التالية : (سبحان ربک رب العزة ) الغلبة والکبرياء (عما يصفون وسلام علي المرسلين ) الذين يصفونه بما وصف به نفسه وهو قولهم : ( والحمد لله رب العالمين ) (3)

ورد في النبوي أنّه دعوة أهل الجنة (4) کما في الآية (5)

وفي «الاحتجاج» عنه صلي الله عليه وسلم : «إذا قال العبد الحمد لله أنّعم الله عليه بنعيم الدنيا موصولاً بنعيم الآخرة وهي الکلمة التي يقولها أهل الجنة إذا دخلوها وينقطع الکلام الذي يقولونه في الدنيا ما خلا «الحمد لله» وذلک قوله : (وآخر دعواهم أنّ الحمد الله رب العالمين ) (6)- (7)

ص: 276


1- الصافات : 159.
2- الصافات : 160.
3- الصافات : 180 - 183.
4- تفسير العياشي: ج 1 / 23.
5- يونس: 10.
6- يونس : 10.
7- بحار الأنّوار : ج 9/ 295، ح 5.

وأما حمده سبحانه علي نعمه وآلائه فمع توقفه علي معرفة المنعم موقوف علي العلم التفصيلي بالنعم وأجناسها وأنّواعها وأصنافها ومباديها وأسبابها وغاياتها وافتراقاتها في إيداع فؤاده، وخلق عقله، وروحه ونفسه، وطبيعته ومزاجه، ومثاله وعنصره، وجسمه وجسده ، وأعضاؤه وأخلاطه، وقواه ومشاعره، وظاهره وباطنه ، وسره وعلانيته، وأغذيته الروحانية والجسمانية، وملاحظة مباديها ونزولها من البحر الذي هو تحت العرش بأيدي الملکة الحفظة الکرام، من الذاريات، والحاملات والجاريات، والمُقسِّمات، والمدبِّرات، وغيرها من عمّال الکائنات والمکوّنات ، وعبورها من أطباق السموات إلي أنّ حملتها الرياح، ثم السحاب، ثم الهواء، ثم الأرض، ثم النبات، ثم الحيوانات وماله فيما بين ذلک من الکيموسات والکيلوسات والاستحالات والتنقلات، والإشراقات والإمدادات والإفاضات والقرانات والمقابلات والمزاحمات والمدافعات.

فمن أين للعبد الذليل الضعيف المسکين المستکين أنّ يشکر واحدة من نعمه الکثيرة الجميلة الجزيلة الجليلة التي لاتحصي ولا تستقصي، ولذلک أفرد النعمة في قوله : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) (1)أي من حيث الشکر عليها من حيث المبادي والأسباب وغيرها مما ذکرناه ومما لم نذکر.

ومن هنا قال مولانا سيد الشهداء صلي الله عليه وعلي الأرواح التي حلت

بفناءه في دعائه يوم عرفة بعد الإشارة إلي جملة من نعمه سبحانه :

«فأي نعمک يا إلهي أحصي عدداً وذکراً ، أم أي عطاياک أقوم بها شکراً ؟ وهي يا رب أکثر من أنّ يحصيها العادّون أو يبلغ علما بها الحافظون، ثم ما صرفتَ ودرأتَ عني، اللهم من الضرّ والضراء أکثر مما ظهر لي من العاقبة

ص: 277


1- يونس : 10.

والسراّء، وأنّا أشهد يا إلهي بحقيقة إيماني، وعقد عزمات يقيني، وخالص صريح توحيدي، وباطن مکنون ضميري، وعلائق مجاري نور بصري، وأسارير صفحة جبيني، وخرق مسارب نفسي، وخذاريف مارن عرنيني، ومسارب صماخ سمعي، وما ضمّت وأطبقت عليه شفتاي، وحرکات لفظ لساني، ومغرز حنک فمي وفکي، ومنابت أضراسي، وبلوغ فارغ حبائل عنقي، ومساغ مأکلي ومشربي، وحمالة أم رأسي، وحمائل حبل وتيني، ما اشتمل عليه تامور صدري ، ونباط حجاب قلبي ، وأفلاذ حواشي کبدي، وما حوته شراسيف أضلاعي ، وحقاق مفاصلي، وأطراف أنّاملي، وقبض عواملي، ولحمي ودمي وشعري وبشري وعصبي وقصبي وعظامي ومخي وعروقي وجميع جوارحي، وما اننسج علي ذلک أيام رضاعي، وما أقلت الأرض مني، ونومي ويقظتي وسکوني وحرکتي، وحرکات رکوعي وسجودي، أنّ لو حاولت واجتهدت مدي الأعصار والأحقاب لو عُمِّرتها أنّ أؤّدي شکر واحدة من أنّعمک ما استطعت ذلک إلا بمنّک الموجب علي شکراً آنفاً جديداً، وثناءاًطارفاً عتيداً، أجل ولو حرصت أنّا والعادّون من أنّامک أنّ نحصي مدي إنعامک سالفه وأنّفه لما حصرناه عدداً ولا أحصيناه أبداً، هيهات آنّي ذلک وأنّت المخبِر عن نفسک في کتابک الناطق والنبأ الصادق : (وإن تعدّوا

نعمة الله لا تحصوها ) (1) -(2)

وإنما ذکرناه بطوله لما فيه من الشهادة بجميع أعضائه وجوارحه وظاهره وباطنه علي قصوره من أداء شکر نعمة واحدة من نعمه سبحانه ، فإذا کان مولانا سيد الشهداء روحي له الفداء عاجزاً عن ذلک ، فما ظنک بغيره؟

ص: 278


1- ابراهيم : 34.
2- بحار الأنّوار : ج 218/98 .

بل غاية المطلوب منّا إنما هو الاعتراف بالعجز والقصور، بل التفاوت في الدرجات واختلاف مراتب الممکنات إنما هو بحسب اختلاف معرفتهم وتصديقهم بالعجز عن ذلک واعترافهم بذلک وهو التحقق بمقام العبودية والإذعان بالعجز عن إحصاء شؤون الربوبية.

درّة بَيضاً في حقيقة اللواء

إعلم أنّ اللواء بالهمزة واللواي واللواية بالياء بدون الهاء ومعها، بمعني العَلَم

بالفتحتين أو العلم الکبير.

وقد تظافرت الأخبار بل تواترت بأنّه أعطي نبينا محمد صلي الله عليه و آله

لواء الحمد وهو حامله.

وفي أکثر الأخبار أنّ حامله مولانا أميرالمؤمين وأنّ آدم ومن دونه من

الأنّبياء والمرسلين تحت هذا اللواء

ولم أر لأحد من العلماء الأعلام رفع الله قدرهم في دار السلام کلاماً في هذا المرام، فلا باس بالإشارة إلي بعض الأخبار في المقام ثم التعرض لبعض المقاصد التي يصل إليها أکثر الأفهام، فإنه ليس کل ما يعلم يقال، ولا کل ما يقال حضر له رجال، ولا کلما حضر له رجال حان له المجال.

ففي «العيون» عن مولانا الرضاعليه السلام قال : «قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم : يا علي ! أنّت أول من يدخل الجنة وبيدک لوائي، وهو لواء الحمد، وهو سبعون شقة الشقة منه أوسع من الشمس والقمر» (1)

وفيه عنه صلي الله عليه وآله وسلم : «يا علي! إني سألت ربي فيک خمس خصال فأعطانيها ،

ص: 279


1- العيون : ص 168، وعنه البحار : ج4/8.

أحدها أنّ يجعلک حامل لوائي، وهو لواء الله الأکبر مکتوب عليه المفلحون هم الفائزون بالجنة»(1)الخبر.

وفي «المناقب» عن مقاتل، والضحاک ، وعطاء، وابن عباس في قوله تعالي : (ومنهم) أي من المنافقين (من يستمع إليک )وأنّت تخطب علي منبرک تقول :

إن حامل لواء الحمد يوم القيامة علي بن أبي طالب ( حتي إذا خرجوا من عندک) تفرقوا (قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً) علي المنبر استهزاء بذلک کأنّهم لم يسمعوا، ثم قال : وأولئک الذين طبع الله علي قلوبهم ) (2) (3)

وفي «العدل»: «يا علي! أنّت أول من يدخل الجنة، فقلت : يا رسول الله أدخلها قبلک ؟ قال : نعم، لأنّک صاحب لوائي في الآخرة کما أنّک صاحب لوائي في الدنيا وحامل اللواء هو المتقدم ثم قال عليه السلام : يا علي ! کأنّي بک وقد دخلت الجنة وبيدک لوائي وهو لواء الحمد تحته آدم فمن دونه (4)

وفي «تفسير فرات بن إبراهيم» عنه صلي الله عليه وسلم : «إني أعطي يوم القيامة أربعة ألوية فلواء الحمد بيدي، وأدفع لواء التهليل لعلي ، وأوجهه في أول فوج وهم الذين يحاسبون حسابا يسيرا، ويدخلون الجنة بغير حساب عليهم، وأدفع لواء التکبير إلي حمزة، وأوجهه في الفوج الثاني، وأدفع لواء التسبيح إلي جعفر، وأوجّهه في الفوج الثالث، ثم أقيم علي أمتي أشفع لهم ثم أکون أنّا القائد وإبراهيم السائق حتي أدخل أمتي الجنة»(5)

استان

ص: 280


1- العيون : ص 198 ، وعنه البحار : ج4/8.
2- سورة محمد صلي الله عليه وسلم : 16.
3- المناقب : ج 21/2 ،وعنه البحار: ج 213/39.
4- علل الشرائع ص 68 وعنه البحار ج 39 ص 217 ح 9.
5- تفسير فرات ص206 وعنه البحار ج 8 ص 7ح 11.

وفي «الأمالي» بالإسناد : إن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم : آخا بين المسلمين ثم قال : «يا علي أنّت أخي وأنّت مني بمنزلة هارون من موسي غير أنّه لا نبي بعدي، أما علمت يا علي أنّه أول من يدعي به يوم القيامة يدعي بي، فأقوم عن يمين العرش فأکسئ حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعي بأبينا إبراهيم فيقوم سماطين عن يمين العرش في ظله فيکسئ حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعي بالنبيين بعضهم علي اثر بعض، فيقومون (1)سماطين عن يمين العرش في ظله، ويکسون حللاً خضراء من حلل الجنة، ألا وإني أخبرک يا علي إن أمتي أول الأمم يُحاسبون يوم القيامة، ثم أبشرک يا علي إن أول من يدعي يوم القيامة يدعي بک هذا لقرابتک مني ومنزلتک عندي ، فيدفع إليک لوائي وهو لواء الحمد فتسير به بين السماطين ، وإن آدم وجميع من خلق الله يستظلون بظل لوائي يوم القيامة ، وطوله مسيرة ألف سنة، سنانه ياقوتة حمراء، قصبه فضة بيضاء، زجه(2) درة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور، ذوابة في المشرق، و