الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية

اشارة

سرشناسه:قمی، عباس، 1319 - 1254

عنوان و نام پديدآور:الانوار البهیه فی تواریخ الحجج الالهیه/ تالیف عباس القمی

مشخصات نشر:قم: جماعه المدرسین فی الحوزه العلمیه بقم، موسسه النشر الاسلامی، 1417ق. = 1375.

مشخصات ظاهری:385 ص.نمونه

فروست:(موسسه النشر الاسلامی التابعه لجماعه المدرسین بقم المشرفه 899)

شابک:بها:8500ریال ؛ بها:8500ریال

وضعیت فهرست نویسی:فهرستنویسی قبلی

يادداشت:چاپ قبلی: دارالذخائر: 1412ق. = 1370

يادداشت:چاپ دوم: 1420ق. = 1379؛ 14500 ریال :ISBN 964-470-277-8

یادداشت:کتابنامه: ص. [464] - 470

موضوع:چهارده معصوم -- سرگذشتنامه

شناسه افزوده:جامعه مدرسین حوزه علمیه قم. دفتر انتشارات اسلامی

رده بندی کنگره:BP36/ق 8الف 9 1375

رده بندی دیویی:297/95

شماره کتابشناسی ملی:م 75-10554

ص :1

اشارة

الأنوار البهية

تأليف: المحدث الخبير الشيخ عباس القمي

الموضوع: تاريخ

تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الإسلامي

عدد الصفحات: 480

الطبعة: الأولى

المطبوع: 1000 نسخة

التاريخ 1417 ه. ق

مؤسسة النشر الإسلامي

التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

ص :2

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله ذي المواهب السنية، والصلاة والسلام على الأنوار البهية أبي القاسم محمد المصطفى، وأهل بيته الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد، فإن الناظر في أحوال الكتاب والمؤلفين في شتى فنون العلم الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد، فإن الناظر في أحوال الكتاب والمؤلفين في شتى فنون العلم سيما علوم الدين يجد أن هناك أفرادا قد شملتهم يد العناية الإلهية فبورك فيهم وفي أقلامهم وما سطروه في مصنفاتهم، فأكثروا من دون تكرار، وأحسنوا في انتخاب الموضوعات وأجادوا الاختيار، فتعددت مسطوراتهم، وتنوعت عطاياهم، فانتفع بها القراء والمحصلون وهواة المطالعة والمحققون أتم النفع، واستفادوا منها أحسن الفائدة.

ويعد العلامة الخبير والمحدث الكبير المرحوم الشيخ عباس القمي طيب الله رمسه وقدس الله نفسه واحدا من أولئك الأفذاذ الذين شملتهم يد التوفيق والتسديد وعمتهم سحب العناية والتأييد كمالا يخفى على من راجع مصنفاته وتأليفاته وألقى السمع وهو شهيد، سيما في علم الدراية والحديث والرجال وحياة العترة الطاهرة وفضائلهم ومناقبهم عليهم صلوات الله تترادف وتزيد.

والكتاب الماثل بين يديك - عزيزنا القارئ - زهرة فياحة من تلك

ص :3

الروضة الغناء التي فاضت بها أنامل هذا الرجل المبارك وسماه ب (الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية) أشار فيها إلى نبذ مختصرة حول حياة الأئمة المعصومين وتاريخ ولادتهم ووفياتهم، فأتقن وأجاد وأحسن وأفاد، جزاه الله عن مواليه خير الجزاء.

مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

ص :4

حياة المؤلف

اشارة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله على نعمائه، والصلاة والسلام على من ختم به رسله وأنبياءه، وكمل أمته بكماله، محمد صلى الله عليه وآله.

ولادته ونشأته:

ولد المحدث الشيخ عباس بن محمد رضا القمي قدس سرهم من أبوين كريمين في مدينة قم عام 1294 ه ونشأ في ظلال العلم، وتربى في ربوع الدين، وأحب العلم وأهله، فقرأ مقدما ت العلوم والفقه والأصول، وخاض معترك الحياة لا يعرف الملل ولا يتطرق إليه اليأس، حتى وصل بجد واجتهاد إلى قمة المجد في التحقيق والمعرفة.

فلما بلغ شيخنا السادسة والعشرين من عمره وقد عرف الناس فيه الحزم والعزم، والعقل السليم والعلم الناجع، والثقافة الواسعة، وسرى ذكره بينهم، وأصبح حديث الأندية والمجالس، لذا فكر أن ينتقل إلى بيئة علمية أوسع، ومحيط ثقافي أكبر.

فغادر وطنه في سنة 1316 ه متوجها إلى عاصمة العلم والدين، مدينة النجف الأشرف تلك العاصمة العلمية القوية التي كانت ولم تزل لها تأثيرها الروحي في نشاط الحركة العلمية الإسلامية في جميع الأدوار السالفة والعصور المتقدمة.

فحل فيها وأتصل برجالها وأساتذتها، وانطلق إلى حلقات الدرس بشغف بالغ، لأنها كانت منبع ذكرياته ومجمع آماله وغذاء روحه.

ص :5

وقال العلامة الطهراني قدس سره: أخذ يحضر حلقات دروس العلماء، إلا أنه لازم شيخنا الحجة الميرزا حسين النوري رحمه الله، وكان يصرف معه أكثر أوقاته في استنساخ مؤلفاته ومقابلة بعض كتاباته، وكنت سبقته في الهجرة إلى النجف بثلاث سنين، وكان المحدث النوري مقيما في سامراء، ولكنه رجع إلى النجف الأشرف في سنة 1314 ه أي قبل سنتين من مجئ الشيخ عباس إليها، ولا أزال أتذكر جيدا يوم تعرف الشيخ عباس على شيخنا النوري، وأول زيارته له، وكان واسطة التعارف بينهما العلامة الشيخ علي القمي، لأنه من أصحابه الأوائل ومساعديه الأفاضل.

وقد وصل المحدث القمي قدس سره باستعداده الذاتي تحت ظل أستاذه العظيم الشيخ النوري رحمه الله وصفاته الفاضلة وعلمه الغزير إلى المقامات العالية والدرجات الرفيعة من العلم والعمل.

وفي سنة 1318 ه تشرف المحدث القمي قدس سره للحج وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله سلم بعد سنتين من مجيئه إلى النجف ولما أتم منا سكه عاد من هناك إلى إيران فزار وطنه (قم) وجدد العهد بوالديه وذويه، ثم رجع إلى النجف وعاد إلى ملازمة الشيخ النوري رحمه الله، وحصل على الإجازة منه حتى توفي الأستاذ في سنة 1320 ه.

وتحدث عنه زميله في الدراسة شيخنا صاحب الذريعة أيضا فقال:

بقيت الصلة بيننا نحن تلاميذ النوري وملازميه، فقد كانت حلقات دروس العلماء والمشاهير تجمعنا في الغالب إلا أن صلتي به كانت أوثق من صلاتي بغيره، حيث كنا نسكن غرفة واحدة في بعض مدارس النجف ونعيش سوية، ونتعاون على قضاء لوازمنا وحاجاتنا الضرورية حتى تهيئة الطعام، وبقينا على ذلك بعد وفاة شيخنا أيضا، ونحن نواصل القراءة على مشايخنا الأجلاء الآخرين.

وقد عرفته خلال ذلك جيدا فرأيته مثال الإنسان الكامل، ومصداق رجل العلم الفاضل، وكان يتحلى بصفات تحببه إلى عارفيه، فهو حسن الأخلاق، جم التواضع، سليم الذات، شريف النفس.

وفي سنة 1322 ه عاد إلى إيران فهبط (قم)، بعد أن أصبح عالما نحريرا

ص :6

محدثا مطلقا على غوامض الأمور.

وبقي يواصل أعماله العلمية وانصرف إلى البحث والتأليف، وقد رقى المنبر للوعظ والإرشاد وكان ذلك بداية عهده بالخطابة وكان غير مشهور آنذاك.

وفي سنة 1329 ه تشرف إلى الحج مرة ثانية.

وفي سنة 1331 ه هبط مشهد الإمام الرضا عليه السلام في خراسان واتخذ منه مقرا دائما له، وكانت أكثر تأليفات الشيخ عباس القمي رحمه الله في مشهد المقدسة منها كتابه (الفوائد الرضوية في شرح حال علماء الإمامية).

وكان دائم الاشتغال شديد الولع في الكتابة والتدوين والبحث والتنقيب، لا يصرفه عن ذلك شئ، ولا يحول بينه وبين رغبته فيه واتجاهه إليه حائل.

ووفق الشيخ عباس القمي قدس سره حج البيت الحرام وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثالثة من مشهد، واستغرق سفره ستة أشهر، فاشتهر الشيخ بعد هذه السفرة بالحاج الشيخ عباس القمي.

أقام المحدث القمي رحمه الله حدود (12) عاما في مشهد المقدسة، وكان الشيخ في همدان في السنة التي حدثت واقعة مشهد ومسجد (گوهرشاد) من هتك ونهب وقتل، فجاء من هناك إلى قم، فمكث فيها قليلا ثم ذهب إلى العراق، وسكن في النجف الأشرف إلى آخر عمره الشريف، وقد أتم بعض تأليفاته في آواخر عمره في النجف منها (الكنى والألقاب).

كان المحدث القمي رحمه الله مبتلى بضيق النفس بحيث يصعب عليه القيام والقعود، وفي بعض الأحيان لا يقدر على رفع الكتاب من الأرض، ومع ذلك فقد كان مشتغلا ليلا ونهارا إما بالمطالعة وإما بالكتابة، وقل ما نام على فراش بل كان يضع رأسه على يده وينام على تلك الهيئة.

وقد كان شديد الحب للكتب والمطالعة سيما الكتابة، لا يعرف التعب فيها، وكتب كثيرا حتى ظهرت الثفنات في أصابعه التي يمسك بها القلم.

ونقل عن المرحوم الحاج باقر الطباطبائي - متولي مدرسة جده السيد كاظم

ص :7

اليزدي صاحب العروة الوثقى - وكان شديد الانضباط في أمر المدرسة وأمور الطلاب، أن الطلاب كانوا يسعون لأخذ حجرات جديدة يأتيها الضوء وشعاع الشمس وكان يقول: سكن الحاج الشيخ عباس القمي رحمه الله في حجرة مظلمة تحت سلم الطبقة الثانية، وكان يترجم العروة الوثقى في تلك الحجرة المظلمة المرطوبة، وكلما أردت استبدالها بأحسن منها، كان يقول: لا احتاج إلى ذلك فإن هذه الحجرة تكفيني، وأنا مرتاح فيها ولا أريد أن أضايق سائر الطلاب.

كانت معيشته عادية أو أقل من حياة كثير من أهل العلم الذين ليس لهم سمعة ولا شهرة، كان لباسه قباء من كرباس معطر نظيف ولا يستبدله لعدة سنين دون أن يفكر بالتجمل والثروة.

وكان الشيخ رحمه الله يصعد المنبر في المسجد الهندي صباحا في العشرة الأولى من محرم الحرام في النجف الأشرف، فكان مجلسه مزدحما بالناس أكثر من سائر المجالس في النجف، وكانت مدة حديثه على المنبر لا تتجاوز الساعتين، وفي اليوم العاشر لا يقرأ سوى المقتل، ولا يتكلم إلا عن مصائب سيد الشهداء عليه السلام ومظلوميته، وكان يبكي أهل العلم والفضل بكاء لم ير له نظير.

يقول ابن الشيخ: كنا في النجف الأشرف في سنة 1357 ه أي قبل سنتين من وفاة الوالد، فقام ذات يوم من النوم وقال: أصابني وجع شديد في عيني ولم أقدر على المطالعة، وكان يقول بلسان حاله: كأن أهل البيت طردوه ولم يريدوه، كما كان يصرح بهذا المطلب في بعض الأحيان ثم يبكي بتأثر وحرقة.

ثم قال ابنه: فذهبت إلى الدرس وتركته على تلك الهيئة، فلما جئت إلى البيت ظهرا رأيته جالسا في موضعه ومشغولا بالكتابة، قلت له: كيف حال عينك يا أبة؟ قال: ذهب عني الوجع بأجمعه، قلت: كيف عالجتها؟ قال: توضأت وجلست أمام القبلة ووضعت كتاب الكافي على عيني، فذهب الوجع عنها، فلم يصب بوجع العين بعدها إلى آخر عمره الشريف.

كان الحاج الشيخ عباس القمي رحمه الله يقوم من النوم ساعة قبل طلوع الفجر فيبدأ

ص :8

بالتهجد والصلاة، وكان مهتما بهذا القيام والتهجد ومستمرا عليه إلى آخر عمره، وكان يعتقد أن أفضل المستحبات هو القيام والتهجد.

يقول ابنه الأكبر: ما رأيته نائما حين طلوع الفجر قط، وكان محافظا على القيام في آخر الليل طيلة عمره.

ويقول ابنه الآخر: في الأيام التي كنا في النجف الأشرف قام أبي ليلة الجمعة فبدأ بقراءة القرآن وكان يقرأ سورة (يس) فلما وصل إلى هذه الآية: * (هذه جهنم التي كنتم توعدون) * كررها مرات عديدة فانقلب حاله وكان يقول: أعوذ بالله من النار، ولم يقدر على اتمامها فكان على تلك الهيئة إلى أذان الفجر.

نقل ابن الشيخ عن المرحوم سلطان الواعظين أنه قال: كنت جالسا في سرداب سامراء وبيدي كتاب مفاتيح الجنان في أوائل نشره وطبعه، فرأيت شيخا جالسا في جنب السرداب وعلى رأسه عمامة صغيرة ويذكر الله، فسألني الشيخ لمن هذا الكتاب؟ قلت: للمحدث القمي الحاج الشيخ عباس، فبدأت بمدح مؤلف الكتاب، فقال لي الشيخ: لا يستحق مؤلفه هذا المدح فكف لسانك عن مدحه واتركه، فقلت له بضجر: قم واذهب يا شيخ! فقال لي شخص في جنبي: تأدب يا فلان هذا الشيخ هو المحدث القمي الحاج الشيخ عباس، فقمت واعتذرت إليه واردت تقبيل يده فمنعني، ولكنه أخذ يدي وقبلها وقال: أنت سيد. فهذا دليل آخر على احترامه لذرية الرسول صلى الله عليه وآله وتوقيره إياهم.

كان مواظبا على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان ينهى كل أحد عن المنكرات حتى أصدقاءه وأقرباءه، وكان يؤثر فيهم، ولم يجرأ أحد على الغيبة أمامه وهو أيضا لم يغتب أحدا ولم يكذب وكان يبغضهما كثيرا.

كان الشيخ متواضعا لأهل العلم سيما علماء الحديث والرواية، ولم يقدم نفسه على أي أحد، كان يجلس في أدنى الأماكن لو دعي إلى مجلس، كان يمشي خلف مصاحبيه، ولو مدحه أحد ترجى منه تغيير الحديث، وقطع المدح ويقول: إني أعلم بحقارتي ودنائتي.

ص :9

وفي البيت لا يكره أحد على فعل شئ ولا يطلب شيئا من أحد، ولو أكرمه شخص شكره، كان يتجنب اللغو واللهو، لم يظهر الفضل لنفسه أبدا، وقد ترك العجب والغرور والتكبر وحب النفس، وكان في الحقيقة تابعا لنبيه رسول الله والأئمة وسيرتهم عليهم السلام.

مصنفاته:

الذين عاصروا الحاج الشيخ عباس القمي قدس سره واتصلوا بشخصيته الثقافية ولمسوا معالمها الفكرية في المجالين العقلي والاجتماعي، ووقفوا من قريب على بعض الجوانب من حياته وهو يخوض معترك الحياة الدينية ليؤدي رسالته التوجيهية في خضمها.

إن شيخنا كان في الواقع حركة مستمرة من البحث والمناظرة والتأليف والتحقيق، من غير أن يصيبه ملل أو يعتريه تعب، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على سعة معرفته وعمق تفكيره وروعة بيانه وحيوية ثقافته بحيث نجد مؤلفاته يعاد طبعها باستمرار، وتترجم إلى لغات حية أخرى وتصبح موضع التقدير والاكبار.

ونثبت هنا وحسب الأحرف ما أخرجه ووضعه من المؤلفات والبحوث

القيمة النافعة:

1 - الأنوار البهية:

في تواريخ الحجج الإلهية مرتبا على أربعة عشر نورا بعدد المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام، وهو الذي بين يديك.

2 - الباقيات الصالحات:

في الأدعية والأوراد والأذكار.

3 - بيت الأحزان:

في مصائب سيدة النسوان البتول فاطمة الزهراء عليها السلام.

ص :10

4 - تتمة المنتهى:

في وقائع أيام الخلفاء.

5 - تتمة تحية الزائر:

ملحق بكتاب تحية الزائر للمحدث النوري.

6 - تحفة الأحباب:

في نوادر آثار الأصحاب.

7 - التحفة الطوسية:

في تاريخ طوس مع الزيارات والأدعية الواردة الخاصة بالروضة الرضوية في خراسان.

8 - ترجمة جمال الأسبوع:

جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع في الأدعية والأذكار وفضل كل يوم من أيام الأسابيع من تأليف السيد جمال الدين علي بن طاووس المتوفى 664 ه، وقد ترجم عناوينه وأحاديثه دون أدعيته.

9 - ترجمة مصباح المتهجد:

مصباح المتهجد لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي المتوفى 460 ه في الأدعية والأوراد.

10 - حكمة بالغة:

ومائة كلمة جامعة في الأخلاق، فيه مائة كلمة من نوادر حكم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام مع بيان بعض الأبيات الشعرية.

11 - الدرة اليتيمة:

في تتمة الدرة الثمينة في شرح نصاب الصبيان.

12 - دستور العمل:

يحتوي على أعمال السنة باختصار.

ص :11

13 - ذخيرة الأبرار:

اختصر فيه كتاب أنيس التجار في فروع التجارة للمولى مهدي بن أبي ذر النراقي الكاشاني المتوفى 1209 ه، وأخرج منه ما يطابق فتاوى السيد محمد كاظم اليزدي المتوفى 1337 ه.

14 - ذخيرة العقبى:

في مثالب أعداء فاطمة الزهراء عليها السلام.

15 - رسالة في الصغائر والكبائر:

في ذكر المعاصي الكبيرة والصغيرة الواردة في القرآن والأحاديث النبوية.

16 - سبيل الرشاد:

بحث في عقائد المبدأ والمعاد.

17 - سفينة البحار:

ومدينة الحكم والآثار، وهو فهرس تفصيلي لكتاب بحار الأنوار الذي هو من تصانيف العلامة المجلسي ويقع في مجلدين كبيرين مرتبا على حروف الهجاء سهل التناول كثير الفائدة.

18 - شرح الوجيزة:

الوجيزة في الدراية للشيخ البهائي محمد بن الحسين المتوفى 1031 ه وقد شرحها الشيخ رحمه الله.

19 - صحائف النور:

في وظائف الأيام والأسابيع والشهور، وهو أيضا في الأدعية والأوراد الواردة عن الأئمة عليهم السلام.

20 - طبقات العلماء:

يضم تراجم طائفة كبيرة من العلماء.

21 - الغاية القصوى:

في ترجمة العروة الوثقى إلى الفارسية، والأصل للسيد محمد كاظم اليزدي

ص :12

المتوفى 1337 ه في الفروع العلمية، ترجم فصولا من أوله وجملة من كتاب الصلاة، ثم أتمه السيد أبو القاسم الإصفهاني.

22 - غاية المرام:

لا نعلم ما بحثه وموضوعه غير أنه مذكور في الذريعة: ج 16 ص 15.

23 - غاية المنى:

في ذكر المعروفين بالألقاب والكنى لغته فارسية، وتوجد منه نسخة بخطه عند ولده بإيران، والكتاب يتناول تراجم علماء العامة.

24 - الفصل والوصل:

في استدراك كتاب بداية الهداية في الواجبات والمحرمات المنصوصة من أول كتب الفقه إلى آخرها على سبيل الاختصار للشيخ الحر العاملي المتوفى 1104 ه فقد ذكر المحدث القمي ما ذكره الحر العاملي من الأحكام المنصوصة، وبعده يلحقه المؤلف بذكر ما فاته من المنصوصات، وهكذا في كل فصل إلى أن يأتي إلى آخر الكتاب.

25 - الفصول العلية:

في المناقب المرتضوية.

26 - الفوائد الرجبية:

فيما يتعلق بالشهور العربية من الأدعية والأذكار وهو أول مصنفاته.

27 - الفوائد الرضوية:

تناول فيه تراجم علماء الجعفرية.

28 - فيض العلام:

في وقائع الأيام بصورة مفصلة وفيه أيضا الكثير من الأوراد والأدعية.

29 - فيض القدير:

فيما يتعلق بحديث الغدير، استخرجه من كتاب عبقات الأنوار، المجلد

ص :13

الخاص بحديث الغدير.

30 - كحل البصر:

في سيرة سيد البشر النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

31 - الكلمات الظريفة:

في المواعظ والأخلاق الشريفة.

32 - الكنى والألقاب:

جمع فيه المشهورين بالكنى والألقاب والأنساب من مشاهير علماء الفريقين، وكثير من الشعراء والأدباء والامراء المعروفين.

33 - اللآلي المنثورة:

في العوذات والأحراز والأذكار المأثورة.

34 - مختصر الأبواب:

يضم بعض السنن والآداب في الأدعية.

35 - مفاتيح الجنان:

من كتب الأدعية المعروفة، وقد طبع مرات كثيرة في العراق وإيران وبأحجام مختلفة.

36 - مقاليد الفلاح:

في اعمال اليوم والليلة.

37 - مقلاد النجاح:

مختصر كتاب مقاليد الفلاح.

38 - منازل الآخرة:

في بيان أحوال وأهوال الموت والآخرة وأسباب النجاة.

39 - منتهى الآمال:

في ذكر تاريخ النبي والآل صلوات الله وسلامه عليهم.

ص :14

40 - نزهة النواظر:

بحث في الأخلاق، وهو ترجمة لكتاب معدن الجواهر لأبي الفتح الكراچكي.

41 - نفثة المصدور:

مقتل السبط الشهيد عليه السلام.

42 - نفس المهموم:

في مقتل السبط الشهيد عليه السلام.

43 - نفحة قدسية:

ذكره الشيخ ضمن كتبه المطبوعة في إيران.

44 - هدية الأحباب:

في المعروفين في الكنى والألقاب.

45 - هدايه الأنام:

إلى وقائع الأيام.

46 - هدية الزائرين:

في تعيين مراقد الأئمة عليهم السلام وزيا رأت قبورهم.

هذه الكتب المطبوعة، وذكر لنفسه تصانيف أخرى غير هذه تم ذكرها في ترجمته التي جاءت في الفوائد الرضوية: ج 1 ص 220 واليك عناوينها:

1 - الآيات البينات:

في أخبار الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن الملاحم والغائبات.

2 - تتميم بداية الهداية:

بداية الهداية للشيخ الأجل الحر العاملي المتوفى 1104 ه.

3 - تعريب زاد المعاد:

للعلامة المجلسي محمد باقر المتوفى 1111 ه.

4 - الدر النظيم:

في لغات القرآن العظيم وشرح الكلمات اللغوية الواردة فيه.

ص :15

5 - شرح الصحيفة السجادية:

للإمام زين العابدين عليه السلام.

6 - صحائف النور:

في عمل الأيام والسنين والشهور.

7 - ضيافة الإخوان:

في الأخلاق والمواعظ والإرشاد.

8 - علم اليقين:

اختصر فيه كتاب حق اليقين للعلامة المجلسي.

9 - الفوائد الطوسية:

يحتوي على بحوث مختلفة.

10 - قرة البصر:

في تاريخ الحجج الطاهرة.

11 - مختصر الشمائل:

اختصر فيه كتاب الشمائل للحافظ الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة الضرير المتوفى 279 ه.

12 - مختصر المجلد الحادي عشر:

من كتاب البحار للعلامة المجلسي.

13 - الكشكول:

في مختلف المواضيع والبحوث والاغراض، وقد ذكره المؤلف ضمن تآليفه.

14 - مسلى المصاب:

بفقد الأعزة والأحباب، يتناول بعض المواعظ والنصائح الدينية.

15 - نقد الوسائل:

مختصر كتاب وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي.

ص :16

وفاته:

كان المحدث القمي قدس سره في الأيام الأخيرة من عمره الشريف في النجف، وقد ابتلى بمرض الاستسقاء بحيث لم يغادر الفراش ثلاثة أشهر وكان يذكر الأئمة الأطهار كثيرا سيما الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

فقام على أثر ذلك يصلي صلاته جلوسا لعدم تمكنه من القيام فكان على تلك الهيئة حتى توفي شيخنا يوم الثلاثاء ليلة الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة 1359 ه، وانتقلت روحه الطاهرة إلى روضات الجنات، وصلى عليه المرحوم آية الله الإصفهاني، ودفن في الصحن الشريف في الإيوان الذي دفن فيه أستاذه المحدث النوري وبالقرب منه، وأرخ وفاته العلامة الشيخ محمد السماوي بقوله:

والشيخ عباس الرضي القمي * قد جاور النوري بين الجم ألف والتأليف در منتظم * فأرخوا بفقد عباس ختم لقد توفى المحدث القمي، ولا تزال آثاره الفكرية تردد، وذكره يجدد، وعاش ومات وهو من العلماء المجاهدين النابهين الخالدين.

وكان من الذين تركوا للمكتبة الإسلامية والعربية ثروة فكرية وتراثا خالدا مدى الدهر.

منهج التحقيق:

تمت مقابلة النسخة المطبوعة مع النسخة الخطية الوحيدة التي توفرت لدينا، وتم تثبيت الموارد الصحيحة، وأشرت في الهامش إلى الاختلافات الضرورية والمفيدة، وقمت بقدر المستطاع على استخراج الروايات والنصوص والاشعار من الموارد المعتمدة.

كما حاولت بشرح بعض الألفاظ اللغوية الغامضة بأسلوب الشرح المبسط

ص :17

الموجز، مع ترجمة لبعض الأعلام الواردين في أسانيد ومتون الروايات من كتب التراجم الرجالية، وكذا بالنسبة للأماكن والبقاع.

أما ما بين المعقوفتين، فإنه لم يرد في النسخة الخطية ولا في النسخة المطبوعة، وقد أثبتناه من المصادر، وبعضه أثبتناه ليستقيم المعنى.

ص :18

مصادر الترجمة

ابن سينا الشيخ محمد كاظم الطريحي ط / النجف الذريعة الشيخ أقا بزرك الطهراني ط / إيران ريحانة الأدب الشيخ محمد علي الخياباني ط / إيران طبقات أعلام الشيعة الشيخ أقا بزرك الطهراني ط / النجف علماء معاصرين الشيخ محمد علي الخياباني ط / إيران عنوان الشرف الشيخ محمد السماوي ط / النجف الغدير الشيخ عبد الحسين الأميني ط / إيران الفوائد الرجالية السيد بحر العلوم ط / النجف الفوائد الرضوية الشيخ عباس القمي ط / إيران مستدرك سفينة البحار الشيخ علي النمازي ط / إيران مصفى المقال الشيخ آقا بزرك الطهراني ط / النجف معجم رجال الفكر والأدب الشيخ محمد هادي الأميني ط / النجف معجم المطبوعات النجفية الشيخ محمد هادي الأميني ط / النجف معجم المؤلفين العراقيين كوركيس عواد ط / بغداد منتهى الآمال (مقدمة التحقيق) الشيخ عباس القمي ط / إيران وهناك مصادر أخرى تناولت بعض جوانب حياته الشريفة كلها كلمات إعجاب وثناء لهذه الشخصية الفكرية.

ص :19

(الصفحة الأولى من النسخة الخطية)

ص :20

(صفحة أخرى من النسخة الخطية)

ص :21

(الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية)

ص :22

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله الذي أوضح عن دينه القويم بأئمة الهدى من أهل بيت النبوة، وأبلج بأنوار آثارهم عن الصراط المستقيم، واستبان بهم المحجة، والصلاة والسلام على نبيه هادي الأمة، وإمام الأئمة وعلى آله الأنوار المضيئة، وبدور الليالي المدلهمة.

وبعد: فيقول راجي عفو ربه الغني عباس بن محمد رضا القمي عفى عنهما: إنه قد سألني بعض الإخوان من أهل الإيمان، أن أكتب له ما هو المختار عندي من تواريخ أيام ولادة الحجج الطاهرة سادات الدنيا والآخرة، وأيام وفاتهم صلوات الله عليهم، فكتبت له وجيزة سميتها (قرة الباصرة في تاريخ الحجج الطاهرة)، ثم عن لي أن اكتب رسالة أخرى أذكر فيها مختصرا من كيفية ولادتهم ووفاتهم، وأشير إلى قليل من مناقبهم، فجمعت هذه الرسالة الشريفة وسميتها (الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية)، وأوردت فيها أربعة عشر نورا، وأسأل الله تعالى أن يوفقني لإتمامها، ويفوزني بسعادة اختتامها إنه جواد كريم.

ص :23

حضرت رسول صلى الله عليه وآله

اشارة

النور الأول: سيدنا ونبينا وشفيع ذنوبنا رسول الله أبو القاسم محمد سيد الكونين، والثقلين، والفريقين من عرب ومن عجم صلى الله عليه وآله

ص :25

فصل في ذكر آباء النبي صلى الله عليه وآله

أما نسبه الشريف فهو:

ابن عبد الله (1): أمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومي، توفي بالمدينة وله خمس أو ثمان وعشرون سنة قبل أن يولد رسول الله صلى الله عليه وآله، ودفن في دار النابغة الجعدي (2).

ابن عبد المطلب: اسمه شيبة الحمد، سمي بذلك لأنه كان في رأسه لما ولد شيبة، أمه سلمى بنت عمرو الخزرجية النجارية، وكان وجهه يضئ في الليلة المظلمة، وكان يقال له: مطعم طير السماء، وكان إليه السقاية والرفادة، وهو الذي

ص :27


1- كان عبد الله أصغر ولد أبيه، فهو وأبو طالب - عبد مناف - والزبير، وعبد الكعبة، وعاتكة، وأميمة، وبرة، ولد عبد المطلب، وأمهم جميعا فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومي (انظر تاريخ الطبري: ج 2 ص 239، والكامل في التاريخ لابن الأثير: ج 2 ص 5).
2- هو: قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة العامري، أبو ليلى: شاعر مفلق، صحابي، من المعمرين، اشتهر في الجاهلية، وسمي (النابغة) لأنه أقام ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثم نبغ فقاله، وكان ممن هجر الأوثان، ونهى عن الخمر قبل ظهور الإسلام، ووفد على النبي صلى الله عليه وآله فأسلم، وأدرك صفين فشهدها مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم سكن الكوفة فسيره معاوية إلى إصبهان مع أحد ولاتها فمات فيها، وقد كف بصره وقد جاوز المائة (انظر الأعلام للزركلي: ج 5 ص 207).

حفر زمزم، وسن خمس سنن أجراها الله تعالى في الإسلام (1)، ومات بمكة، وقبره بالحجون (2) مزار مشهور ومعه قبر أبي طالب عليه السلام.

ابن هاشم:

عمرو العلا هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون (3) عجاف (4) أمه عاتكة بنت مرة السلمية، ولدته وعبد شمس توأمين وكانت إصبع أحدهما ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت فسال الدم، فقيل: يكون بينهما دم، وكان إليه السقاية والرفادة، مات بغزة - بفتح المعجمتين كبرة -: مدينة في أقصى الشام بينها وبين عسقلان فرسخان، بها ولد الشافعي، ودفن بها هاشم ورثاه مطرود الخزاعي بقوله:

مات الندى بالشام لما أن ثوى * أودى بغزة هاشم لا يبعد فجفانه ورم (5) لمن ينتابه * والنصر أولى باللسان وباليد ابن عبد مناف: اسمه المغيرة، يقال له: القمر لجماله، أمه حبى بنت حليل - بالمهملة المضمومة وفتح اللام - وقبره بمكة عند عبد المطلب، وفيه يقول الشاعر:

كانت قريش بيضة فتفلقت * فالمح خالصه (6) لعبد مناف (7) ابن قصي: - مصغرا - اسمه زيد، وأمه فاطمة بنت سعد، وقصي هو الذي أجلى خزاعة عن البيت، وجمع قومه إلى مكة من الشعاب والأودية والجبال

ص :28


1- كتاب الخصال: ج 1 ص 312 أبواب الخمسة ح 90.
2- الحجون: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها (معجم البلدان: ج 2 ص 215).
3- مسنتون: أصابتهم سنة وقحط (انظر تهذيب اللغة: مادة: (سنت) ج 12 ص 385).
4- قائله: مطرود الخزاعي (تهذيب اللغة: مادة (هشم) ج 6 ص 95، وقيل: ابنته انظر العين: مادة (هشم) ج 3 ص 405).
5- في الخطية (ردم).
6- في الخطية (خالصها).
7- أمالي المرتضى: ج 2 ص 286، ونسبه إلى كعب الخزاعي، وتهذيب اللغة: مادة (مح) ج 4 ص 21، ونسبه إلى عبد الله الزبعري.

فسمي مجمعا (1)، قال الشاعر:

أبوكم قصي كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر (2) وكان إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف قريش كله، وقسم مكة أرباعا بين قومه وتيمنت قريش بأمره فما تنكح ولا يتشاور ولا يعقد لواء إلا في داره، وكان أمره في قومه كالدين المتبع في حياته وبعد موته، فاتخذ دار الندوة وبابها في المسجد، وفيها كانت قريش تقضي أمورها، ولما توفى قصي دفن بالحجون، فكانوا يزورون قبره ويعظمونه.

ابن كلاب: وأمه هند بنت سرير، وهو أخو تيم من أبيه، وتيم هو الذي ينتهي إليه نسب أبي بكر.

ابن مرة: - بضم الميم وشد الراء - وأمه محشية (3) بنت شيبان، وأخوه عدي جد عمر بن الخطاب.

ابن كعب: وأمه مارية بنت كعب القضاعية، وكان عظيم القدر عند العرب وأرخوا لموته إلى عام الفيل، وكان بينهما خمسمائة وعشرون سنة.

ابن لؤي: - تصغير اللأي - وهو النور، وأمه عاتكة بنت يخلد بن النضر.

ابن غالب: وأمه ليلى بنت الحارث.

ابن فهر: - بالكسر - أمه جذلة (4) بنت عامر الجرهمية، وكان فهر رئيس الناس بمكة، وكان جماع قريش.

ابن مالك: أمه عاتكة بنت عدوان.

ابن النضر: - بفتح النون وسكون الضاد المعجمة - سمي بذلك لنضارة وجهه،

ص :29


1- مجمع: لقب قصي بن كلاب، لأنه جمع قبائل قريش وأنزلها مكة.
2- لسان العرب مادة (جمع) ج 2 ص 360، وتاريخ الطبري: ج 2 ص 256، ونسبه إلى حذافة بن غانم.
3- كذا في الخطية، وفي بعض المصادر (وحشية)، تاريخ الطبري: ج 2 ص 261.
4- في المخطوطة (جندلة).

قيل: كان اسمه قريش - فكل من ولد من النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي - أمه برة بنت مر بن أد بن طابخة.

ابن كنانة: أمه عوانة بنت سعد.

ابن خزيمة: - تصغير خزمة - أمه سلمى بنت أسلم.

ابن مدركة (1): سمي بمدركة، لأنه أدرك كل ما كان في آبائه، أمه خندف.

ابن إلياس: أمه الرباب، قيل: لما توفي إلياس حزنت عليه خندف حزنا شديدا، فلم تقم حيث مات، ولم يظلها سقف حتى هلكت، فضرب (2) بها المثل، وكانت تبكي كل خميس من غدوته إلى الليل، لأن إلياس توفى يوم الخميس، وكان إلياس يدعى كبير قومه وسيد عشيرته، ولا يقطع أمر ولا يقضى مهم دونه، ولم تزل العرب تعظم إلياس تعظيم أهل الحكمة كلقمان وأشباهه.

ابن مضر: - بضم وفتح - معدول عن ماضر، وهو اللبن قبل أن يروب (3)، واسمه عمر، وأمه سودة بنت عك، وإخوته إياد وربيعة وأنمار، ولهم قصة لطيفة في تقسيم أموال أبيهم ورجوعهم إلى حكم الأفعى الجرهمي في ذلك (4)، وكان مضر أحسن الناس صوتا، وهو أول من حدا.

ابن نزار: - بكسر النون - من النزر أي القليل (5)، سمي بذلك لأن أباه حين ولد له ونظر إلى النور الذي بين عينيه، وهو نور النبوة فرح فرحا شديدا ونحر واطعم، وقال: إن هذا كله نزر في حق هذا المولود، فسمي نزارا، وأمه معانة بنت حوشم.

ابن معد: - كمرد - أمه مهدة.

ص :30


1- واسمه عمرو، وأمه ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف ابن قضاعة (تاريخ الطبري: ج 2 ص 266).
2- في الخطية (فضربت) وما أثبتناه هو الصحيح.
3- لسان العرب: مادة (مضر) ج 13 ص 127.
4- انظر مجمع الأمثال: مثل (إن العصا من العصية) ج 1 ص 15.
5- الصحاح للجوهري: مادة (نزر) ج 2 ص 826.

ابن عدنان: روي عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: إذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا (1).

أمه: صلى الله عليه وآله، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.

فصل في بيان ولادة النبي صلى الله عليه وآله وما ظهر عند ولادته

ولد صلى الله عليه وآله: يوم الجمعة السابع عشر (2) من شهر ربيع الأول بعد طلوع الفجر في عام الفيل بمكة المعظمة، في زمن الملك العادل أنوشيروان في الدار المعروف بدار محمد بن يوسف، وكان للنبي صلى الله عليه وآله فوهبه لعقيل بن أبي طالب، فباعه أولاده لمحمد بن يوسف أخا الحجاج، فأدخله (3) في داره، فلما كان زمن هارون أخذته خيزران أمه فأخرجته وجعلته مسجدا وهو الآن معروف يزار ويصلى فيه (4).

وبعث صلى الله عليه وآله بالرسالة يوم السابع والعشرين من رجب (5).

روى الشيخ الصدوق عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كان إبليس لعنه الله يخترق السماوات السبع فلما ولد عيسى عليه السلام حجب عن ثلاث سماوات، وكان يخترق أربع سماوات، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله حجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم، وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتاب (6) يذكرونه.

وقال عمرو بن أمية - وكان من أزجر أهل الجاهلية -: انظروا هذه النجوم التي

ص :31


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 154، وإعلام الورى: ص 13.
2- إن هذا هو المشهور بين علماء الإمامية، وذهب أكثر علماء أهل السنة إلى أنها كانت في الثاني عشر منه، واختاره بعض من أفاضل الشيعة. انظر الكافي: ج 1 ص 439، والكامل في التاريخ: ج 1 ص 458، ومسار الشيعة: ج 7 ص 50. (ضمن مصنفات الشيخ المفيد).
3- الصحيح (فأدخلها).
4- الكافي: ج 1 ص 439.
5- مسار الشيعة: ج 7 ص 59، (ضمن مصنفات الشيخ المفيد)، وإعلام الورى: ص 15.
6- في الخطية: (الكتب).

يهتدى بها ويعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان رمي بها فهو هلاك كل شئ، وإن كان ثبتت ورمي بغيرها فهو أمر حدث، وأصبحت الأصنام كلها صبيحة مولد (1) النبي صلى الله عليه وآله ليس منها صنم إلا وهو منكب على وجهه، وارتجس (2) في تلك الليلة إيوان كسرى، وسقطت منه أربعة عشر شرفة، وغاضت (3) بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة، وخمدت نيران فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأي الموبذان (4) في تلك الليلة في المنام إبلا صعابا تقود خيلا عرابا (5)، قد قطعت دجلة، وانسربت في بلادهم، وانفصم طاق الملك كسرى من وسطه، وانخرقت عليه دجلة العوراء (6)، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطال حتى بلغ المشرق، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، والملك مخرسا لا يتكلم يومه ذلك، وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة، ولم تبق كاهنة في العرب إلا حجبت عن صاحبها، وعظمت قريش في العرب وسموا آل الله.

قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: (إنما سموا آل الله لأنهم في بيت الله الحرام).

وقالت آمنة: إن ابني والله سقط فاتقى الأرض بيده، ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها، ثم خرج مني نور أضاء له كل شئ وسمعت في الضوء قائلا يقول: إنك قد ولدت سيد الناس فسميه محمدا، واتي به عبد المطلب لينظر إليه وقد بلغه ما قالت أمه، فأخذه ووضعه في حجره، ثم قال:

ص :32


1- في المخطوطة (ولد).
2- الارتجاس: صوت الشئ المختلط، كالجيش والسيل والرعد، (انظر لسان العرب: مادة (رجس) ج 5 ص 147).
3- غاض الماء يغيض غيضا: أي قل ونضب (راجع الصحاح للجوهري: ج 3 ص 1096).
4- الموبذان - بضم الميم وفتح الباء - للمجوس كقاضي القضاة للمسلمين (انظر لسان العرب: مادة (موبذ) ج 13 ص 217).
5- خيل عراب: كرائم سالمة من الهجنة (لسان العرب: مادة (عرب) ج 9 ص 115).
6- دجلة العوراء: دجلة البصرة (معجم البلدان: ج 2 ص 553)، وعارت عين الماء: دفنت فانسدت عيونها (انظر لسان العرب: مادة (عور) ج 9 ص 468).

الحمد لله الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان ثم عوذه بأركان الكعبة، وقال فيه أشعارا.

قال: وصاح إبليس لعنه الله في أبالسته فاجتمعوا إليه، فقالوا: ما الذي أفزعك يا سيدنا؟ فقال لهم: ويلكم لقد أنكرت السماء والأرض منذ الليلة، لقد حدث في الأرض حدث عظيم، ما حدث مثله منذ رفع (1) عيسى بن مريم عليه السلام، فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث.

فافترقوا ثم اجتمعوا إليه، فقالوا: ما وجدنا شيئا، فقال إبليس لعنه الله: أنا لهذا الأمر، [ثم انغمس في الدنيا فجالها حتى انتهى إلى الحرم فوجد الحرم محفوظا بالملائكة فذهب ليدخل فصاحوا به فرجع] (2) ثم صار مثل الصر - وهو العصفور - فدخل من قبل حراء، فقال له جبرائيل عليه السلام: ما وراءك لعنك الله، فقال له: حرف أسألك عنه يا جبرائيل، ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الأرض، فقال له:

ولد محمد صلى الله عليه وآله، فقال: هل لي فيه نصيب؟ قال: لا، قال: ففي أمته؟ قال: نعم، قال:

رضيت (3).

بدا بمولده المسعود طالعه * بدر الهدى واختفت فيه الأضاليل وزال عن رأس كسرى التاج حين علا * من فوق بهرام للايمان إكليل بخاتم الرسل قد زلت أساوره * فعرشه بعد كرسي الملك مشلول سبحان من خص بالإسراء رتبته * بقربه حيث لا كيف وتمثيل بالجسم أسرى به والروح خادمه * له من الله تعظيم وتبجيل له البراق جواد والسما طرق * مسلوكة ودليل السير جبريل

ص :33


1- في المصدر (ولد).
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- كتاب الأمالي للصدوق: ص 235 ح 1، وعنه البحار: ج 15 ص 257 ح 9.

له شريعة حق للهدى وله * شريعة في الندى من دونها النيل وجاءه الروح بالقرآن ينسخ من * شريعة الروح ما يحويه إنجيل وكل أسفار توراة الكليم لها * من بعد إسفار صبح الذكر تعطيل لولاه ما كان لا علم ولا عمل * ولا كتاب ولا نص وتأويل ولا وجود ولا إنس ولا ملك * ولا حديث ولا وحي وتنزيل له الخوارق فالعرجون في يده * مهند من سيوف الله مسلول حروبه ومغازيه لها سير * بها يحدث جيل بعده جيل وقال الشيخ الأزري (1):

ما عسى أن أقول في ذي معال * علة الكون كله إحداها بشرت أمة به الرسل طرا * طربا باسمه فيا بشراها نوهت باسمه السماوات والأرض * كما نوهت بصبح ذكاها طربت لاسمه الثرى فاستطالت * فوق علوية السما سفلاها لا تجل في صفات أحمد فكرا * فهي الصورة التي لن تراها تلك نفس عزت على الله قدرا * فارتضاها لنفسه واصطفاها ما تناهت عوالم العلم إلا * والى كنه أحمد منتهاها حاز قدسية العلوم وإن لم * يؤتها أحمد فمن يؤتاها علم أقسمت جميع المعالي * أنه ربها الذي رباها فاض للخلق منه علم وحلم * أخذت عنهما العقول نهاها وسمت باسمه سفينة نوح * فاستقرت به على مجراها

ص :34


1- هو الشيخ كاظم بن الحاج محمد التميمي الأزري البغدادي، صاحب القصيدة الهائية (لمن الشمس في قباب قباها)، توفي في غرة جمادي الأول سنة 1211 ه ببغداد (الكنى والألقاب: ج 2 ص 23).

وبه نال خلة الله إبرا * هيم والنار باسمه أطفأها وبسر سرى له في ابن عمرا * ن أطاعت تلك اليمين عصاها وبه سخر المقابر عيسى * فأجابت نداءه موتاها وهو سر السجود في الملأ الأعلى * ولولاه لم تعفر جباها لم تكن هذه العناصر إلا * من هيولاه حيث كان أباها قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصف النبي صلى الله عليه وآله: ولقد قرن الله تعالى به من لدن [أن] (1) كان فطيما، أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره ولقد كنت معه (2) اتبعه اتباع الفصيل إثر أمه يرفع لي في كل يوم علما من أخلاقه (3) ويأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة (4).

قال البوصيري (5):

فاق النبيين في خلق وفي خلق * ولم يدانوه في علم ولا كرم وكلهم من رسول الله ملتمس * غرفا من البحر أو رشفا من الديم فهو الذي تم معناه وصورته * ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسم منزه عن شريك في محاسنه * فجوهر الحسن فيه غير منقسم

ص :35


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- غير موجودة في المصدر.
3- وفيه (من أخلاقه علما) بدل (علما من أخلاقه).
4- نهج البلاغة للشيخ محمد عبده: ج 2 ص 157، قطعة من خطبته عليه السلام تسمى القاصعة.
5- شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد البوصيري المصري صاحب القصيدة الموسومة بالكواكب الدرية (البردة)، ولد سنة 608 ه وتوفي بالإسكندرية سنة 696 ه (الكنى والألقاب: ج 2 ص 97، والأعلام للزركلي: ج 6 ص 139).

دع ما ادعته النصارى في نبيهم * واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم فانسب إلى ذاته ما شئت من شرف * وأنسب إلى قدره ما شئت من عظم فان فضل رسول الله ليس له * حد فيعرف (1) عنه ناطق بفم وكيف يدرك في الدنيا حقيقته * قوم نيام تسلوا منه بالحلم فمبلغ العلم فيه أنه بشر * وأنه خير خلق الله كلهم وكل آي أتى الرسل الكرام بها * فإنما اتصلت من نوره بهم فإنه شمس فضل هم كواكبها * يظهرن أنوارها للناس في الظلم يا خير من يمم العافون ساحته * سعيا وفوق متون الأينق الرسم سريت من حرم ليلا إلى حرم * كما سرى البدر في داج من الظلم فظلت ترقى إلى أن نلت منزلة * من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم وقدمتك جميع الأنبياء بها * والرسل تقديم مخدوم على خدم وأنت تخترق السبع الطباق بهم * في موكب كنت فيه صاحب العلم حتى إذا لم تدع شأوا لمنسبق (2) * من الدنو ولا مرقى لمستنم خفضت كل مقام بالإضافة إذ * نوديت بالرفع مثل المفرد العلم وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي (3) رحمه الله:

محمد المصطفى الهادي البشير رسول الله * أفضل خلق الله كلهم لولا هداه لكان الناس كلهم * كاحرف ما لها معنى من الكلم ولو تفرق بعض من خلائقه * في الناس لم يبق ذو جهل ولا غرم لو لم تطأ رجله فوق التراب لما * غدا طهورا وتسهيلا على الأمم

ص :36


1- في الخطية (فيعرب).
2- في الخطية (لمستبق).
3- الحارثي: نسبة إلى الحارث بن عبد الله الهمداني - بسكون الميم - لانتهاء نسب الشيخ البهائي إليه، وهو عز الدين الشيخ حسين بن عبد الصمد بن محمد العاملي، والد الشيخ البهائي، توفي في البحرين سنة 984 ه (الكنى والألقاب: ج 2 ص 102).

لو لم يكن سجد البدر المنير له * ما اثر الترب في خديه بالوسم فيا نجوم السما طوفوا بكعبته * سعدتم إذ له صرتم من الخدم ولو تكلف صم فوق طاعته * سعت إليه جبال الحل والحرم زاكي الفعال ومحمود الخصال ومبذول * النوال ومختار من القدم نصرت بالرعب حتى كاد سيفك ان * يسطو بغير انسلال في رقابهم البدر يخبر أن النور مكتسب * فيه ونورك أصلي وذو شمم كفاك فخرا كمالات خصصت بها * أخاك حتى دعوه بارئ النسم وقال الصفي الحلي (1) في مدحه صلى الله عليه وآله في قصيدته البديعية:

شخص هو العالم الكلي في شرف * ونفسه الجوهر القدسي في عظم هو النبي الذي آياته ظهرت * من قبل مظهره للناس في القدم صلى عليه إله العرش ما طلعت * شمس وما لاح نجم في دجى الظلم وآله أمناء الله من شهدت * لقدرهم سورة الأحزاب في العظم

فصل في وفاته صلى الله عليه وآله

فصل(2) في وفاته صلى الله عليه وآله روي عن علي بن الحسين عليه السلام، قال: سمعت أبي عليه السلام يقول: لما كان قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بثلاثة أيام هبط عليه جبرائيل عليه السلام، فقال: يا أحمد إن الله أرسلني إليك إكراما وتفضيلا لك وخاصة يسألك عما هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك يا محمد.

ص :37


1- الصفي الحلي: عبد العزيز بن السرايا بن علي بن أبي القاسم السنبسي الطائي: شاعر عصره ولد ونشأ في الحلة سنة 677 ه، وتوفي ببغداد سنة 750 ه (الاعلام للزرگلي: ج 4 ص 17، والكنى والألقاب: ج 2 ص 421).
2- هذا الفصل من أوله إلى آخر ساقط من المخطوطة.

قال النبي صلى الله عليه وآله: أجدني يا جبرائيل [مغموما، وأجدني يا جبرائيل] (1)، مكروبا، فلما كان اليوم الثالث هبط جبرائيل وملك الموت ومعهما ملك يقال له:

إسماعيل في الهواء على سبعين ألف ملك فسبقهم جبرائيل، فقال: يا أحمد إن الله عز وجل أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا لك وخاصة يسألك عما هو أعلم به منك، فقال: كيف تجدك يا محمد.

قال: [صلى الله عليه وآله] أجدني يا جبرائيل مغموما وأجدني يا جبرائيل مكروبا، فاستأذن ملك الموت، فقال جبرائيل: يا أحمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، لم يستأذن على أحد قبلك ولا يستأذن على أحد بعدك.

قال صلى الله عليه وآله: ائذن له فأذن له جبرائيل، فأقبل حتى وقف بين يديه، فقال: يا أحمد إن الله تعالى أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك فيما تأمرني، إن أمرتني بقبض نفسك قبضتها وان كرهت تركتها، فقال النبي صلى الله عليه وآله: أتفعل ذلك يا ملك الموت؟ فقال: نعم بذلك أمرت أن أطيعك فيما تأمرني، فقال له جبرائيل: يا أحمد إن الله تبارك وتعالى قد اشتاق إلى لقائك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا ملك الموت إمض لما أمرت به (2).

وروي في المناقب عن ابن عباس: إنه أغمي على النبي صلى الله عليه وآله في مرضه، فدق بابه، فقالت فاطمة عليها السلام: من ذا؟ قال: أنا رجل غريب أتيت أسأل رسول الله صلى الله عليه وآله أتأذنون لي في الدخول عليه؟ فأجابت: إمض رحمك الله [لحاجتك] (3)، فرسول الله عنك مشغول.

فمضى ثم رجع، فدق الباب، وقال: غريب يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله أتأذنون للغرباء؟ فأفاق رسول الله صلى الله عليه وآله من غشيته وقال: يا فاطمة أتدرين من

ص :38


1- ما بين المعقوفتين ساقط في المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- كتاب الأمالي للصدوق: ص 226 ح 11.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

هذا؟ قالت: لا يا رسول الله، قال: هذا مفرق الجماعات، ومنغص اللذات، هذا ملك الموت، ما استأذن والله على أحد قبلي، ولا يستأذن على أحد (1) بعدي، استأذن علي لكرامتي على الله ائذني له، فقالت: ادخل رحمك الله.

فدخل كريح هفافة وقال: السلام على أهل بيت رسول الله، فأوصى النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام بالصبر عن الدنيا، وبحفظ فاطمة عليها السلام، وبجمع القرآن، وبقضاء دينه وبغسله، وأن يعمل حول قبره حائطا، ويحفظ الحسن والحسين عليهما السلام (2).

وروي عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: لما كان اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله غشي عليه فأخذت بقدميه أقبلهما وأبكي فأفاق وأنا أقول: من لي ولولدي بعدك يا رسول الله؟ فرفع رأسه، وقال: الله بعدي ووصيي صالح المؤمنين (3).

وروي في حديث عن جابر الأنصاري رحمه الله أنه، قال: كانت فاطمة عند النبي صلى الله عليه وآله وهي تقول: وا كرباه لكربك يا أبتاه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة إن النبي لا يشق عليه الجيب، ولا يخمش عليه الوجه، ولا يدعى عليه بالويل، ولكن قولي كما قال أبوك على إبراهيم: تدمع العينان وقد يوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا إبراهيم محزنون (4).

وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال في قوله تعالى: * (ولا يعصينك في معروف) * (5) إن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال لفاطمة عليها السلام: إذا أنا مت فلا تخمشي علي وجها، ولا ترخي علي شعرا، ولا تنادي بالويل، ولا تقيمي علي نائحة، ثم قال:

هذا المعروف الذي قال الله عز وجل (6).

ص :39


1- في المصدر (لأحد من).
2- المناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 336.
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 47.
4- تفسير فرات الكوفي: ص 220.
5- الممتحنة: 12.
6- الكافي ج 5 ص 527 ج 4.

قال المفيد: ثم ثقل صلى الله عليه وآله وحضره الموت وأمير المؤمنين عليه السلا م حاضر عنده، فلما قرب خروج نفسه، قال له: ضع يا علي رأسي في حجرك فقد جاء أمر الله، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وأمسح بها وجهك، ثم وجهني إلى القبلة وتول أمري، وصل علي أول الناس ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي واستعن بالله تعالى، فأخذ علي عليه السلام رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه، فأكبت فاطمة عليها السلام تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول:

وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله عينيه (1)، وقال بصوت ضئيل: يا بنية هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه، ولكن قولي: * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * (2) فبكت طويلا فأومأ إليها بالدنو منه فدنت منه، فأسر إليها شيئا تهلل وجهها له.

[ثم قبض عليه الصلاة والسلام ويد أمير المؤمنين عليه السلام اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها إلى وجهه فمسحه بها، ثم وجهه وغمضه ومد عليه إزاره واشتغل بالنظر في أمره] (3).

فجاءت الرواية: إنه قيل لفاطمة عليها السلام: ما الذي أسر إليك رسول الله صلى الله عليه وآله فسرى عنك به ما كنت عليه من الحزن والقلق بوفاته؟ قالت: إنه أخبرني إنني أول أهل بيته لحوقا به وإنه لن تطول المدة بي بعده حتى أدركه، فسرى ذلك عني (4).

وفي رواية الصدوق عن ابن عباس: فجاء الحسن والحسين عليهما السلام، يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول الله صلى الله عليه وآله فأراد علي عليه السلام أن ينحيهما عنه، فأفاق رسول الله صلى الله عليه وآله.

ص :40


1- في المصدر (عينه).
2- آل عمران: 144.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- الإرشاد للمفيد: ص 100.

ثم قال: يا علي دعني أشمهما ويشماني وأتزود منهما ويتزودان مني، أما إنهما سيظلمان بعدي ويقتلان ظلما، فلعنة الله على من يظلمهما يقول ذلك ثلاثا، ثم ميده إلى علي عليه السلام فجذبه إليه حتى أدخله تحت ثوبه الذي كان عليه ووضع فاه على فيه، وجعل يناجيه مناجاة طويلة حتى خرجت روحه الطيبة صلوات الله عليه وآله. فانسل علي عليه السلام من تحت ثيابه، وقال: أعظم الله أجوركم في نبيكم فقد قبضه إليه فارتفعت الأصوات بالضجة والبكاء (1).

وقال الطبرسي وغيره ما ملخصه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال لملك الموت: إمض لما أمرت له، فقال جبرائيل: يا محمد هذا آخر نزولي إلى الدنيا إنما كنت أنت حاجتي منها، فقال له: يا حبيبي جبرائيل إدن مني، فدنا منه.

فكان جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، وملك الموت قابض لروحه المقدسة، فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها، ثم وجهه وغمضه ومد عليه إزاره، واشتغل بالنظر في أمره (2).

قال الراوي: وصاحت فاطمة عليها السلام، وصاح المسلمون وهم يضعون التراب على رؤوسهم (3).

قال الشيخ في التهذيب: قبض [بالمدينة] (4) مسموما يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة (5) من الهجرة (6).

وفي المناقب: وكان بين قدومه المدينة ووفاته عشر سنين، وقبض قبل أن

ص :41


1- الأمالي للصدوق: ص 509 قطعة من ح 6.
2- إعلام الورى: ص 137.
3- إعلام الورى: ص 137.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- في المصدر (سنة عشرة).
6- تهذيب الأحكام: ج 6 ص 2.

تغيب الشمس وهو ابن ثلاث وستين سنة صلى الله عليه وآله (1).

وعن الثعلبي: إنه قبض حين زاغت الشمس.

فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، جاء الخضر عليه السلام فوقف على باب البيت وفيه علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله قد سجي بثوب، فقال:

(السلام عليكم يا أهل البيت * (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة) * (2) إن في الله خلفا من كل هالك، وعزاءا من كل مصيبة، ودركا من كل ما فات، فتوكلوا عليه، وثقوا به واستغفر الله لي ولكم).

وأهل البيت يسمعون كلامه ولا يرونه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: هذا أخي الخضر جاء يعزيكم بنبيكم (3).

إن كنت أردت أن تعلم مقدار تأثير مصيبة النبي صلى الله عليه وآله على أمير المؤمنين وعلى أهل بيته فاسمع ما قال أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك، قال:

(فنزل بي من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم أكن أظن الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به قد أذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والإفهام والقول والاستماع (4)، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معز يأمر بالصبر، وبين مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم.

وحملت نفسي على الصبر عند وفاته، بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه، وتغسيله وتحنيطه، وتكفينه، والصلاة عليه، ووضعه في حفرته، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة، ولا هائج زفرة، ولا

ص :42


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 176.
2- آل عمران: 185.
3- ذكره العياشي: ج 1 ص 209 ح 167 وفيه (جاءهم جبرائيل) بدل (الخضر).
4- في المصدر (الاسماع).

لادغ (1) حرقة، ولا جزيل مصيبة حتى أديت في ذلك الحق الواجب لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله علي، وبلغت منه الذي أمرني به، واحتملته صابرا محتسبا) (2).

وروى الكليني عن أبي جعفر عليه السلام، قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله بات آل محمد عليهم السلام بأطول ليلة حتى ظنوا أن لا سماء تظلهم ولا أرض تقلهم، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وتر الأقربين والأبعدين في الله.

فبينا هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه، فقال: السلام عليكم يا (3) أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله عزاء من كل مصيبة ونجاة من كل هلكة ودركا لما فات * (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) * (4) إن الله اختاركم وفضلكم وطهركم وجعلكم أهل بيت نبيه واستودعكم علمه وأورثكم كتابه (5).

وقال أبو عبد الله عليه السلام: إن الله لما قبض نبيه صلى الله عليه وآله دخل على فاطمة عليها السلام [من وفاته] (6) من الحزن مالا يعلمه إلا الله عز وجل، فأرسل [الله] (7) إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال لها: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته ذلك، وجعل (8) أمير المؤمنين عليه السلام يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا، قال عليه السلام: [ثم قال:] (9) أما إنه ليس فيه شئ من الحلال والحرام ولكفيه علم ما يكون (10).

ص :43


1- في المصدر (لاذع).
2- الخصال: ج 2 ص 370 - 371 قطعة من ح 58.
3- (يا) غير موجودة في المصدر.
4- آل عمران: 185.
5- الكافي: ج 1 ص 445 قطعة من ح 19.
6- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
7- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
8- في المصدر (فجعل).
9- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
10- الكافي: ج 1 ص 240 ح 2.

وفي رواية أخرى أنه كان جبرائيل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها (1).

وروي أنه اجتمعت نسوة بني هاشم وجعلن يذكرن النبي صلى الله عليه وآله، فقالت فاطمة عليها السلام: اتركن التعداد وعليكن بالدعاء، وقال النبي صلى الله عليه وآله (2): يا علي من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب.

وأنشأ أمير المؤمنين عليه السلام:

الموت لا والدا يبقي ولا ولدا * هذا السبيل إلى أن لا ترى أحدا هذا النبي ولم يخلد لامته * لو خلد الله خلقا قبله خلدا للموت فينا سهام غير خاطئة * من فاته اليوم سهم لم يفته غدا (3)

فصل في غسله صلى الله عليه وآله

فصل (4) في غسله صلى الله عليه وآله فلما أراد أمير المؤمنين عليه السلام غسل رسول الله صلى الله عليه وآله، استدعى الفضل بن العباس، فأمره أن يناوله الماء لغسله بعد أن عصب عينيه (5)، ثم شق قميصه من قبل جيبه حتى بلغ به إلى سرته، وتولى غسله وتحنيطه [وتكفينه (6)]، والفضل يعاطيه الماء ويعينه عليه (والملائكة كانت أعوانه أيضا فغسل في قميصه) (7) (8).

ص :44


1- الكافي: ج 1 ص 458 قطعة من ح 1.
2- في المصدر (عليه السلام).
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 238.
4- هذا الفصل من أوله إلى آخره ساقط من الخطية.
5- في المصدر (عصبت عينه).
6- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
7- بين القوسين غير موجودة في المصدر.
8- الإرشاد للمفيد: ص 100.

روى الشيخ في التهذيب عن الحارث بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده، قال:

قبض رسول الله صلى الله عليه وآله فستر بثوب، ورسول الله صلى الله عليه وآله خلف الثوب وعلي عليه السلام عند طرف ثوبه قد وضع خديه على راحته، والريح يضرب طرف الثوب على وجه علي عليه السلام، [قال:] (1) قال: والناس على الباب وفي المسجد ينتحبون ويبكون، وإذا سمعنا صوتا في البيت: (إن نبيكم طاهر مطهر فادفنوه ولا تغسلوه)، قال:

فرأيت عليا عليه السلام حين رفع رأسه فزعا، فقال: إخسأ عدو الله فإنه أمرني بغسله وكفنه ودفنه وتلك (2) سنة، قال عليه السلام: [ثم] (3) نادى مناد آخر غير تلك النغمة: (يا علي بن أبي طالب استر عورة نبيك ولا تنزع القميص) (4).

وفي نهج البلاغة من كلام له عليه السلام، قاله وهو يلي غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وتجهيزه (بأبي أنت وأمي [يا رسول الله] (5) لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والانباء وأخبار السماء، وخصصت حتى صرت مسليا عمن سواك، وعممت حتى صار الناس فيك سواء، ولولا أنك أمرت بالصبر، ونهيت عن الجزع، لأنفدنا عليك ماء الشؤون، ولكان الداء مماطلا، والكمد محالفا، وقلا لك! ولكنه ما لا يملك رده، ولا يستطاع دفعه. بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك، واجعلنا من بالك) (6).

وفي رواية الشيخ، قال: لما فرغ من غسله كشف الأزار عن وجهه، ثم أكب

ص :45


1- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر (ذاك).
3- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- تهذيب الأحكام: ج 1 ص 468 ح 1535.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 13 ص 24.

عليه فقبل وجهه ومد الأزار عليه (1).

وعن فقه الرضا عليه السلام: إن عليا عليه السلام لما أن غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وفرغ من غسله، نظر في عينيه (2) فرأى فيهما شيئا، فانكب عليه فأدخل لسانه فمسح ما كان فيهما (3)، فقال: بأبي وأمي يا رسول الله، صلى الله عليك طبت حيا وطبت ميتا، قاله العالم (4).

وعن بصائر الدرجات عن أبي رافع، قال: إن الله ناجى عليا عليه السلام يوم غسل رسول الله صلى الله عليه وآله (5).

قال الراوي: فلما فرغ علي عليه السلام من غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وتحنيطه كفنه في ثلاثة أثواب، ثوبين أبيضين صحاريين، وبرد أحمر حبرة (6) وصحار قرية باليمن نسب الثوب إليها (7).

وروى القطب الراوندي عن علي عليه السلام إنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله إذا توفي أن أستسقي (8) سبع قرب من بئر غرس (9) فاغسله بها، فإذا غسلته وفرغت من غسله أخرجت من في البيت، قال: فإذا أخرجتهم (10) فضع فاك على في ثم سلني عما هو كائن إلى (أن تقوم) (11) الساعة من أمر الفتن، قال علي عليه السلام: ففعلت ذلك، فأنبأني بما يكون إلى أن تقوم الساعة، وما من فئة تكون إلا وأنا أعرف أهل ضلالها (12) من أهل حقها (13).

ص :46


1- الأمالي للمفيد: ص 103 و 104 من ح 4.
2- في المصدر (عينه).
3- في المصدر (فيها).
4- فقه الرضا عليه السلام: ص 183.
5- بصائر الدرجات: ص 411 ح 7.
6- البحار: ج 22 ص 541 ح 51.
7- انظر معجم البلدان: ج 3 ص 369.
8- في المصدر (استقي).
9- بئر غرس بالمدينة، وكان النبي صلى الله عليه وآله يستطيب ماءها ويبارك فيه (معجم البلدان: ج 4 ص 193).
10- في المصدر (فإذا أخرجتهم، قال:).
11- ما بين القوسين غير موجود في المصدر، وبدله (يوم).
12- في المصدر (ضلالتها).
13- الخرائج والجرائح: ج 2 ص 801 ح 9.

فصل في دفن رسول الله صلى الله عليه وآله

فصل (1) في دفن رسول الله صلى الله عليه وآله روى سليم عن سلمان رضي الله عنهما إنه قال: أتيت عليا عليه السلام وهو يغسل رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد كان أوصى أن لا يغسله غير علي عليه السلام، وأخبر عنه (2) إنه لا يريد أن يقلب منه عضوا إلا قلب له، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله:

من يعينني على غسلك يا رسول الله؟ قال: جبرائيل، فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم السلام، فتقدم وصففنا خلفه وصلى عليه والمرأة (3) في الحجرة لا تعلم قد اخذ جبرائيل ببصرها (4).

قال المفيد: فلما فرغ من غسله وتجهيزه تقدم فصلى عليه وحده لم يشركه معه أحد في الصلاة عليه، وكان المسلمون في المسجد يخوضون فيمن يؤمهم في الصلاة عليه وأين يدفن، فخرج إليهم أمير المؤمنين عليه السلام، وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله إمامنا حيا وميتا فيدخل عليه فوج (5) بعد فوج منكم فيصلون عليه بغير إمام وينصرفون، وإن الله لم يقبض نبيا في مكان إلا وقد ارتضاه لرمسه فيه، وأني لدافنه في حجرته التي قبض فيها، فسلم القوم لذلك ورضوا به (6).

روى الكليني عن أبي مريم الأنصاري، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: كيف كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله؟ قال: لما غسله أمير المؤمنين عليه السلام وكفنه سجاه، ثم ادخل عليه عشرة فداروا حوله، ثم وقف أمير المؤمنين عليه السلام في وسطهم، فقال: * (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) * (7) فيقول القوم كما يقول عليه السلام، حتى صلى عليه أهل المدينة

ص :47


1- هذا الفصل ساقط من المخطوطة.
2- (عنه) غير موجودة في المصدر.
3- في المصدر (عائشة).
4- الإحتجاج للطبرسي: ج 1 ص 80.
5- في المصدر (فليدخل عليه فوجا).
6- الإرشاد للمفيد: ص 100.
7- الأحزاب: 56.

والعوالي (1) (2).

وروى أبو جعفر عليه السلام: إنهم صلوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح، ويوم الثلاثاء حتى صلى عليه الأقرباء والخواص، ولم يحضر أهل السقيفة، وكان علي عليه السلام أنفذ إليهم بريدة (3) وإنما تمت بيعتهم بعد دفنه صلى الله عليه وآله (4).

وروي عن القاسم الصقيل إنه كتب إلى الناحية المقدسة: جعلت فداك هل اغتسل أمير المؤمنين حين غسل رسول الله صلى الله عليه وآله عند موته؟ فأجابه: النبي صلى الله عليه وآله طاهر مطهر، ولكن أمير المؤمنين عليه السلام فعل وجرت به السنة (5).

قال المفيد: ولما صلى المسلمون عليه صلى الله عليه وآله، أنفذ العباس بن عبد المطلب برجل إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان يحفر لأهل مكة ويصرح (6)، وكان ذلك عادة أهل مكة.

وانفذ إلى زيد بن سهل، وكان يحفر لأهل المدينة ويلحد، فاستدعاهما وقال:

اللهم خر لنبيك، فوجد أبو طلحة زيد بن سهل، وقيل له: إحفر لرسول الله صلى الله عليه وآله فحفر له لحدا، ودخل أمير المؤمنين، والعباس، بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول الله صلى الله عليه وآله.

فنادت الأنصار من وراء البيت: يا علي إنا نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يذهب ادخل منا رجلا يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: ليدخل أوس بن خولي، وكان بدريا فاضلا من بني عوف

ص :48


1- العوالي: أماكن بأعلى أراضي المدينة وأدناها من المدينة على أربعة أميال، وأبعدها من جهة نجد ثمانية (انظر لسان العرب: مادة (علا) ج 9 ص 380).
2- الكافي: ج 1 ص 450 ح 35.
3- هو: بريدة بن الخضيب بن عبد الله أبو عبد الله الأسلمي الخزاعي، توفي سنة 63 ه (تنقيح المقال: ج 1 ص 166، رجال الطوسي: ص 10).
4- المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 239.
5- تهذيب الأحكام: ج 1 ص 107 ح 281، والاستبصار: ج 1 ص 99 ح 323.
6- في المصدر (ويضرح).

من الخزرج، فلما دخل قال له علي عليه السلام: إنزل القبر فنزل ووضع أمير المؤمنين رسول الله صلى الله عليهما وآلهما (1) على يديه ودلاه في حفرته، فلما حصل في الأرض، قال له: اخرج فخرج.

ونزل علي عليه السلام القبر فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله، ووضع خده على الأرض موجها إلى القبلة على يمينه، ثم وضع عليه اللبن وأهال عليه التراب، انتهى (2).

وروي انه ربع قبره (3).

وعن أبي عبد الله عليه السلام، قال: القى شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وآله في قبره القطيفة (4).

وقال: جعل علي عليه السلام على قبر النبي صلى الله عليه وآله لبنا (5).

وقال: قبر رسول الله صلى الله عليه وآله محصب حصباء حمراء (6).

وروى الحميري: إن قبر رسول الله صلى الله عليه وآله رفع من الأرض قدر شبر أو أربع أصابع ورش عليه الماء، قال علي عليه السلام: والسنة أن يرش على القبر الماء (7).

وروي عن بصائر الدرجات، عن أبي عبد الله عليه السلام: إنه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله هبط جبرائيل عليه السلام ومعه الملائكة والروح الذين كانوا يهبطون في ليلة القدر، قال: ففتح لأمير المؤمنين بصره فرآهم في منتهى السماوات إلى الأرض يغسلون النبي صلى الله عليه وآله معه ويصلون معه عليه ويحفرون له والله ما حفر له غيرهم، حتى إذا وضع في قبره نزلوا مع من نزل فوضعوه، فتكلم وفتح لأمير المؤمنين عليه السلام سمعه، فسمعه صلى الله عليه وآله يوصيهم به، فبكى وسمعهم يقولون: لا نألوه جهدا وإنما هو صاحبنا بعدك إلا أنه ليس يعايننا ببصره بعد مرتنا هذه

ص :49


1- في المصدر (عليهما الصلاة والسلام).
2- الإرشاد للمفيد: ص 100.
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 176.
4- الكافي: ج 3 ص 197 ح 2.
5- الكافي: ج 3 ص 197 قطعة من ح 3.
6- الكافي: ج 3 ص 201 ح 2.
7- قرب الإسناد: ص 72.

قال في نهج البلاغة من خطبة له عليه السلام:

(ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، أني لم أرد على الله سبحانه ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته [بنفسي] (1) في المواطن التي تنكص فيها الابطال، وتتأخر [فيها] (2) الأقدام نجدة أكرمني الله [بها] (3) ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وإن رأسه لعلى صدري، وقد (4) سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله صلى الله عليه وآله والملائكة أعواني، فضجت الدار والأفنية، ملأ يهبط، وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هينمة - أي الكلام الخفي - منهم يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحق به مني حيا وميتا؟) (5).

أقول: قد يقال: إن المراد بسيلان النفس هبوب النفس عند انقطاع الأنفاس.

وقيل: أراد بنفسه دمه صلى الله عليه وآله. يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قاء عند وفاته دما يسيرا (6)، وأن عليا عليه السلام مسح بذلك وجهه، والله العالم.

قال المفيد: ولم يحضر دفن رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر الناس، لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التشاجر في أمر الخلافة، وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك، وأصبحت فاطمة عليها السلام تنادي: وا سوء صباحاه، فسمعها أبو بكر فقال لها: إن صباحك لصباح سوء (7).

وروى ابن عبد ربه في العقد الفريد عن أنس بن مالك، قال: لما فرغنا من دفن رسول الله صلى الله عليه وآله أقبلت علي فاطمة، فقالت: يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على وجه رسول الله صلى الله عليه وآله التراب، ثم بكت ونادت: يا أبتا ه أجاب ربا دعاه، يا أبتاه من ربه ما أدناه (8)

* * *

ص :50


1- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- في المصدر (ولقد).
5- نهج البلاغة لمحمد عبده: ج 2 ص 171.
6- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 10 ص 266.
7- الإرشاد للمفيد: ص 101.
8- العقد الفريد: ج 3 ص 237.

حضرت فاطمة الزهراء علیها السلام

اشارة

النور الثاني: سيدة نساء العالمين وبضعة خاتم النبيين وأم الأئمة الطاهرين فاطمة الزهراء مشكاة نور الله جل جلاله، زيتونة عم الورى بركاتها صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها

ص :51

فصل في ذكر ولادتها صلوات الله عليها

ولدت في جمادي الآخرة يوم العشرين منها سنة خمس وأربعين من مولد النبي صلوات الله عليه وآله، وكان بعد مبعثه بخمس سنين كما روي عن الصادقين عليهما السلام (1).

البحار: بينا النبي صلى الله عليه وآله جالس بالأبطح (2) ومعه عمار بن ياسر، والمنذر بن الضحضاح، وأبو بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب عليه السلام، والعباس بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد المطلب رحمه الله، إذ هبط عليه جبرائيل عليه السلام في صورته العظمى، قد نشر أجنحته حتى أخذت من المشرق إلى المغرب، فناداه: يا محمد، العلي الأعلى يقرأ عليك السلام، وهو يأمرك أن تعتزل عن خديجة أربعين صباحا، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وكان محبا لها (3) وبها وامقا (4).

قال: فأقام النبي صلى الله عليه وآله أربعين يوما يصوم النهار ويقوم الليل حتى إذا كان في

ص :53


1- دلائل الإمامة: ص 10، والكافي: ج 1 ص 457 ح 10.
2- الأبطح: مسيل واسع فيه دقائق الحصى (انظر الصحاح: مادة (بطح) ج 1 ص 356).
3- (لها) غير موجودة في المصدر.
4- الوامق: المحب (انظر لسان العرب: مادة (ومق) ج 15 ص 409).

آخر أيامه تلك بعث إلى خديجة بعمار بن ياسر وقال: قل لها: يا خديجة لا تظني أن انقطاعي عنك هجرة ولا قلى (1)، ولكن ربي عز وجل أمرني بذلك لينفذ أمره فلا تظني يا خديجة إلا خيرا، فإن الله عز وجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مرارا، فإذا جنك الليل فاجيفي (2) الباب، وخذي مضجعك من فراشك، فإني في منزل فاطمة بنت أسد رضي الله عنها.

فجعلت خديجة تحزن في كل يوم مرارا لفقد رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما كان في كمال الأربعين هبط جبرائيل عليه السلام، فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلا م، وهو يأمرك أن تتأهب لتحيته وتحفته، قال النبي صلى الله عليه وآله: يا جبرائيل وما تحفة رب العالمين؟ وما تحيته؟ قال: لا علم لي.

قال: فبينا النبي صلى الله عليه وآله كذلك إذ هبط ميكائيل ومعه طبق مغطى بمنديل سندس، أو قال: إستبرق، فوضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله، وأقبل جبرائيل [عليه السلام] على النبي صلى الله عليه وآله، وقال: يا محمد يأمرك ربك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام.

فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا أراد أن يفطر أمرني ان أفتح الباب لمن يرد إلى الإفطار، فلما كان في تلك الليلة أقعدني النبي صلى الله عليه وآله على باب المنزل، وقال: يا ابن أبي طالب إنه طعام محرم إلا علي.

قال علي عليه السلام: فجلست على الباب وخلا النبي صلى الله عليه وآله بالطعام، وكشف الطبق، فإذا عذق من رطب وعنقود من عنب، فأكل النبي صلى الله عليه وآله منه شبعا، وشرب من الماء ريا، ومد يده للغسل فأفاض الماء عليه جبرائيل، وغسل يده ميكائيل، وتمندله إسرافيل عليهم السلام، فارتفع (3) فاضل الطعام مع الإناء إلى السماء، ثم قام النبي صلى الله عليه وآله ليصلي فأقبل عليه جبرائيل، فقال (4): الصلاة محرمة عليك في وقتك

ص :54


1- القلى: البغض (انظر تهذيب اللغة: مادة (قلا) ج 9 ص 295).
2- أجفت الباب: رددته (الصحاح: مادة (جوف) ج 4 ص 1339).
3- في المصدر (وارتفع).
4- في المصدر (وقال).

حتى تأتي إلى منزل خديجة فتواقعها، فإن الله عز وجل آلى على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرية طيبة، فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى منزل خديجة.

قالت خديجة رضوان الله عليها: وكنت قد ألفت الوحدة، فكان إذا جنني الليل غطيت رأسي، وأسجفت (1) ستري وغلقت بابي وصليت وردي وأطفأت مصباحي وأويت إلى فراشي، فلما كان في تلك الليلة لم أكن بالنائمة ولا بالمنتبهة إذ جاء النبي صلى الله عليه وآله فقرع الباب، فناديت: من هذا الذي يقرع حلقة لا يقرعها إلا محمد صلى الله عليه وآله؟ قالت خديجة: فنادى النبي صلى الله عليه وآله بعذوبة كلامه وحلاوة منطقه:

افتحي يا خديجة فإني محمد، قالت خديجة: فقمت فرحة مستبشرة بالنبي صلى الله عليه وآله، وفتحت الباب، ودخل النبي المنزل، وكان صلى الله عليه وآله إذا دخل المنزل دعا بالاناء فتطهر للصلاة، ثم يقوم فيصلي ركعتين يوجز فيهما، ثم يأوي إلى فراشه، فلما كان في تلك الليلة لم يدع بالإناء ولم يتأهب للصلاة غير أنه اخذ بعضدي، وأقعدني على فراشه وداعبني ومازحني، وكان بيني وبينه ما يكون بين المرأة وبعلها، فلا والذي سمك السماء، وأنبع الماء، ما تباعد عني النبي صلى الله عليه وآله حتى حسست بثقل فاطمة عليها السلام في بطني (2).

وروى الشيخ الصدوق رضي الله عنه في الأمالي بسنده عن المفضل بن عمر، قال:

قلت لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: كيف كانت (3) ولادة فاطمة عليها السلا م، فقال: نعم، إن خديجة رضي الله عنها لما تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله هجرتها نسوان مكة فلم (4) يدخلن عليها، ولا يسلمن عليها، ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة لذلك وكان جزعها وغمها حذرا عليه صلى الله عليه وآله.

فلما حملت بفاطمة سلام الله عليها، كانت فاطمة تحدثها من بطنها وتصبرها،

ص :55


1- اسجفت الستر: أرسلته (انظر الصحاح: مادة (سجف) ج 4 ص 1371).
2- بحار الأنوار: ج 16 ص 78.
3- في المصدر (كان).
4- في المصدر (نسوة مكة فكن لا) بدل (نسوان مكة فلم).

وكانت تكتم ذلك من رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فسمع خديجة رضي الله عنها تحدث فاطمة عليها السلام، فقال لها: يا خديجة لمن (1) تحدثين، قالت:

الجنين الذي في بطني يحدثني ويؤنسني، قال: يا خديجة هذا جبرائيل يخبرني إنها أنثى وإنها النسلة الطاهرة الميمونة، وإن الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها وسيجعل من نسلها الأئمة (2) ويجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه.

فلم تزل خديجة على ذلك إلى أن حضرت ولادتها، فوجهت إلى نساء قريش وبني هاشم أن تعالين لتلين مني ما تلي النساء من النساء، فأرسلن إليها، أنت عصيتنا ولم تقبلي قولنا وتزوجت محمدا صلى الله عليه وآله يتيم أبي طالب، فقير ا لا مال له، فلسنا نجئ ولا نلي من أمرك شيئا.

فاغتمت خديجة لذلك فبينا هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال كأنهن من نساء بني هاشم ففزعت منهن لما رأتهن، فقالت إحداهن: لا تحزني يا خديجة فانا رسل (3) ربك إليك ونحن أخواتك: أنا سارة، وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران، وهذه كلثم أخت موسى بن عمران، بعثنا الله إليك لنلي منك ما يلي النساء فجلست واحدة عن يمينها، وأخرى عن يسارها، والثالثة بين يديها، والرابعة من خلفها.

فوضعت فاطمة عليها السلام طاهرة مطهرة، فلما سقطت إلى الأرض أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الأرض و (4) غربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور.

ودخل عشر من الحور العين، كل واحدة منهن معها طست من الجنة، وإبريق من الجنة، وفي الإبريق ماء من الكوثر، [فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها

ص :56


1- في المصدر (من).
2- في المصدر (أئمة).
3- في المصدر (فأرسلنا)، بدل (فانا رسل).
4- في المصدر (ولا).

فغسلتها بماء الكوثر] (1) وأخرجت خرقتين بيضاءتين أشد بياضا من اللبن، وأطيب ريحا من المسك والعنبر فلفتها بواحدة وقنعتها بالثانية، ثم استنطقتها فنطقت فاطمة عليها السلام بالشهادتين، وقالت: أشهد أن لا إله إلا الله وإن أبي رسول الله، سيد الأنبياء، وإن بعلي سيد الأوصياء وولدي سادة الأسباط، ثم سلمت عليهن وسمت كل واحدة منهن باسمها، وأقبلن يضحكن إليها.

وتباشرت الحور العين وبشر أهل السماء بعضهم بعضا بولادة فاطمة عليها السلام، وحدث في السماء نور زاهر لم تره الملائكة قبل ذلك، وقالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة مطهرة زكية ميمونة، بورك فيها وفي نسلها فتناولتها فرحة مستبشرة وألقمتها ثديها فدر عليها.

فكانت فاطمة عليها السلام تنمو في اليوم كما ينمو الصبي في الشهر وتنمو في الشهر كما ينمو الصبي في السنة (2).

فصل في مناقب فاطمة عليها السلام

كانت فاطمة صلوات الله عليها من أهل العباء والمباهلة والمهاجرة في أصعب وقت، وكانت فيمن نزلت فيهم آية التطهير، وافتخر جبرائيل عليه السلام بكونه منهم، وشهد الله لهم بالصدق، ولها أمومة الأئمة، وعقب الرسول صلى الله عليه وآله إلى يوم القيامة.

وهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وأحد الركبان الأربعة يوم القيامة، ولها المصحف الذي كان عند الأئمة عليهم السلام، وكانت أشبه الناس كلاما وحديثا برسول الله صلى الله عليه وآله، تحكي شيمتها شيمته وما تخرم مشيتها مشيته.

ص :57


1- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من الخطية.
2- الأمالي للصدوق: ص 475 ح 1.

وكانت إذا دخلت عليه رحب بها وقبل يديها وأجلسها في مجلسه، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحبت به وقبلت يديه، وكان صلى الله عليه وآله يكثر تقبيلها وكلما اشتاق إلى رائحة الجنة يشم رائحتها، وكان يقول: (فاطمة بضعة مني، من سرها فقد سرني، ومن ساءها فقد ساءني، فاطمة أعز الناس إلي) (1).

إلى غير ذلك مما يكشف عن كثرة محبته صلى الله عليه وآله لها.

روى الشيخ الكليني عطر الله مرقده عن محمد بن سنان، قال: كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السلام فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد إن الله تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته، ثم خلق محمدا وعليا وفاطمة صلوات الله عليهم، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها، وفوض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاءون ويحرمون ما يشاؤون، ولن يشاءوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى، ثم قال: يا محمد هذه الديانة من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق، خذها إليك يا محمد (2).

فصل في وفاة فاطمة عليها السلام

قبضت فاطمة صلوات الله عليها، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منها سنة إحدى عشرة من الهجرة، روى ذلك الطبري (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (4).

وعن روضة الواعظين وغيره: مرضت فاطمة صلوات الله عليها مرضا

ص :58


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 332، وفيه (أعز البرية علي).
2- الكافي: ج 1 ص 441 ح 5.
3- ورد في المطبوعة الطبرسي، وما أثبتناه هو الصحيح.
4- دلائل الإمامة للطبري: ص 45.

شديدا، ومكثت أربعين ليلة في مرضها إلى أن توفيت، فلما نعيت إليها نفسها دعت أم أيمن، وأسماء بنت عميس، ووجهت خلف علي عليه السلام وأحضرته، فقالت: يا بن عم إنه قد نعيت إلي نفسي وإنني لأرى ما بي [لا أشك] (1) إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي.

قال لها علي عليه السلام: أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله، فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت، ثم قالت: يا بن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة، ولا خالفتك منذ عاشرتني.

فقال: معاذ الله، أنت أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفا من الله أن أوبخك بمخالفتي، قد (2) عز علي مفارقتك وتفقدك (3)، إلا أنه أمر لا بد منه، والله جددت (4) علي مصيبة رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد عظمت وفاتك وفقدك، فإنا لله وانا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها، هذه والله مصيبة لا عزاء لها (5)، ورزية لا خلف لها.

ثم بكيا جميعا ساعة وأخذ علي عليه السلام رأسها وضمها إلى صدره، ثم قال:

أوصيني بما شئت، فإنك تجدينني امضي فيها كما (6) أمرتني به وأختار أمرك على أمري، ثم قالت: جزاك الله عني خير الجزاء، يا بن عم رسول الله.

ثم أوصته بان يتزوج بعدها امامة بنت أختها [زينب] (7) وأن يتخذ لها نعشا، وأن لا يشهد أحد جنازتها من الذين ظلموها، وأخذوا حقها، وأن لا يصلي عليها أحد منهم، ولا من أتباعهم، وأن يدفنها بالليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار (8).

ص :59


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (فقد).
3- في خ ل: (فقدك).
4- في المصدر: (جدد).
5- في المصدر (عنها).
6- في المصدر (تجديني وفيا أمضي كل ما).
7- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المخطوطة.
8- روضة الواعظين: ص 151.

وعن مصباح الأنوار عن أبي عبد الله عن آبائه عليهم السلام، قال: إن فاطمة عليها السلام لما احتضرت أوصت عليا، فقالت: إذا أنا مت فتول أنت غسلي، وجهزني، وصل علي وأنزلني في قبري وألحدني، وسو التراب علي، واجلس عند رأسي قبالة وجهي، فأكثر من تلاوة القرآن والدعاء، فإنها ساعة يحتاج الميت إلى انس الاحياء، وأنا أستودعك الله تعالى وأوصيك في ولدي خيرا، ثم ضمت إليها أم كلثوم، فقالت له: إذا بلغت فلها ما في المنزل، ثم الله لها، فلما توفيت فعل ذلك أمير المؤمنين عليه السلام (1).

وروي إنه لما حضرت فاطمة عليها السلام الوفاة بكت، فقال لها أمير المؤمنين عليه السلام:

يا سيدتي ما يبكيك؟ قالت: أبكي لما تلقى بعدي، فقال لها: لا تبكي فوالله إن ذلك لصغير عندي في ذات الله (2).

وروي عن أم سلمى امرأة أبي رافع، قالت: اشتكت فاطمة عليها السلام، شكواها التي قبضت فيها، وكنت أمرضها فأصبحت يوما أسكن ما كانت، فخرج علي عليه السلام إلى بعض حوائجه، فقالت: اسكبي لي غسلا فسكبت، فقامت واغتسلت أحسن ما يكون من الغسل، ثم لبست أثوابها الجدد، ثم قالت: افرشي لي فراشي وسط البيت، ثم استقبلت القبلة ونامت، وقالت: أنا مقبوضة وقد اغتسلت فلا يكشفني أحد، ثم وضعت خدها على يدها، وماتت صلوات الله عليها (3).

وفي رواية أخرى، قالت لأسماء بنت عميس: انتظريني هنيهة، ثم ادعيني، فإن أجبتك، وإلا فاعلمي اني قد قدمت على أبي.

قال الراوي: فانتظرتها أسماء هنيهة، ثم نادتها فلم تجبها، فنادت: يا بنت محمد المصطفى، يا بنت أكرم من حملته السماء، يا بنت خير من وطأ الحصى، يا

ص :60


1- مصباح الأنوار: ص 257.
2- بحار الأنوار: ج 43 ص 218 قطعة من ح 49.
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 364، وكشف الغمة: ج 1 ص 502، وأمالي الطوسي: ج 2 ص 15.

بنت من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى.

فلم تجبها فكشفت الثوب عن وجهها فإذا بها قد فارقت الدنيا، فوقعت عليها تقبلها، وهي تقول: يا فاطمة إذا قدمت على أبيك رسول الله صلى الله عليه وآله فاقرئيه من (1) أسماء بنت عميس السلام، ثم شقت أسماء جيبها وخرجت، فتلقاها الحسن والحسين عليهما السلام، فقالا: أين امنا فسكتت، فدخلا البيت فإذا هي ممتدة فحركها الحسين عليه السلام، فإذا هي ميتة، فقال: يا أخاه آجرك الله في الوالدة فوقع عليها الحسن يقبلها مرة، ويقول: يا أماه كلميني قبل أن تفارق روحي بدني، قالت:

واقبل الحسين عليه السلام، يقبل رجلها، ويقول: يا أماه أنا ابنك الحسين كلميني قبل أن ينصدع قلبي فأموت، قالت لهما أسماء: يا ابني رسول الله انطلقا إلى أبيكما علي عليه السلام، فأخبراه بموت أمكما، فخرجا يناديان يا محمداه يا أحمداه، اليوم جدد لنا موتك، إذا ماتت أمنا، ثم أخبرا عليا عليه السلام وهو في المسجد فغشي عليه حتى رش عليه الماء، ثم أفاق وكان عليه السلام يقول: بمن العزاء يا بنت محمد، كنت بك أتعزى ففيم العزاء من بعدك (2).

قال الراوي: فحمل الحسنين عليهما السلام حتى أدخلهما بيت فاطمة عليها السلام وعند رأسها أسماء تبكي، وتقول: وا يتامى محمد، كنا نتعزى [بفاطمة بعد موت جدكما فيمن نتعزى] (3) بعدها. فكشف علي عليه السلام عن وجهها فإذا برقعة عند رأسها فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، يا علي أنا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله زوجني الله منك لأكون لك في الدنيا والآخر ة، أنت أولى بي من غيري، حنطني وغسلني وكفني بالليل، وصل علي وأدفني بالليل ولا تعلم

ص :61


1- في المصدر (عن).
2- كشف الغمة: ج 1 ص 550.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

أحدا، وأستودعك الله واقرأ على ولدي السلام إلى يوم القيامة (1).

قال الراوي: فصاحت أهل المدينة صيحة واحدة، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع (2) لصراخهن وهن يقلن: يا سيدتاه، يا بنت رسول الله.

وأقبل الناس مثل عرف الفرس إلى علي عليه السلام، وهو جالس والحسن والحسين عليهما السلام بين يديه، يبكيان فبكى الناس لبكائهما، وخرجت أم كلثوم وعليها برقعة وتجر ذيلها، متجللة بردائها غلبها نشيجها (3)، وهي تقول: يا أبتاه يا رسول الله، الآن حقا فقدناك فقدا لا لقاء بعده ابدا.

واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون (4) وينتظرون أن تخرج الجنازة، فيصلون عليها فخرج أبو ذر رضي الله عنه، وقال: انصرفوا فإن ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخر اخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا (5).

فلما جن الليل غسلها أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم عليهم السلام، وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس رضي الله عنها (6).

وفي رواية ورقة، قال علي عليه السلام: والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها، ولم أكشفه عنها فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة، ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله صلى الله عليه وآله، وكفنتها وأدرجتها في أكفانها، فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت يا أم كلثوم يا زينب يا سكينة يا فضة يا حسن يا حسين هلموا تزودوا من أمكم فهذا الفراق واللقاء في الجنة.

ص :62


1- بحار الأنوار: ج 43 ص 214 قطعة من ح 44.
2- في المصدر (تزعزع).
3- في المصدر (برداء عليها تسحبها).
4- في المصدر (يرجون).
5- روضة الواعظين: ص 151.
6- كشف الغمة: ج 1 ص 502 قطعة من الحديث.

فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام وهما يناديان: وا حسرة (1) لا تنطفئ أبدا من فقد جدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله، وامنا فاطمة الزهراء يا أم الحسن يا أم الحسين إذا لقيت جدنا محمد المصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له: إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا.

فقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: إني اشهد الله أنها قد حنت وأنت ومدت يديها وضمتهما إلى صدرها مليا.

وإذا بهاتف من السماء ينادي يا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب، قال: فرفعتهما عن صدرها (2).

وروي أن كثير بن عباس كتب على أطراف كفن سيدة النساء، تشهد أن لا آله إلا الله وأن محمدا صلى الله عليه وآله رسول الله (3).

فلما أن هدأت العيون، ومضى شطر من الليل، أخرجها علي والحسن والحسين عليهم السلام، وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذر وسلمان وبريدة، ونفر من بني هاشم وخواصه، صلوا عليها، ودفنوها في جوف الليل وسوى علي عليه السلام حو إليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها (4).

وروي أنه عليه السلام لما دفن فاطمة صلوات الله عليها، وعفى موضع قبرها ونفض يده من تراب القبر، هاج به الحزن فأرسل دموعه على خديه، وحول وجهه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال:

(السلام عليك يا رسول الله عني، وعن ابنتك النازلة في جوارك، والسريعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، ورق عنها تجلدي إلا أن لي في

ص :63


1- في المصدر: (وا حسرتا).
2- بحار الأنوار: ج 43 ص 179 قطعة من ح 15.
3- مستدرك الوسائل: ج 2 ص 229 ح 1868.
4- روضة الواعظين ص 152.

التأسي بعظيم فرقتك، وفادح مصيبتك موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فقلد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها، فأحفها السؤال واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذكر والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين) (1).

روى الشيخ عن يزيد بن عبد الملك عن أبيه عن جده، قال: دخلت على فاطمة عليها السلام فبدأتني بالسلام، ثم قالت: ما غدا بك؟ قلت: طلب البركة، قالت:

أخبرني أبي وهو ذا، هو أنه من سلم عليه وعلي ثلاثة أيام أوجب الله له الجنة، قلت لها: في حياته وحياتك؟ قالت: نعم وبعد موتنا (2).

البحار، عن مصباح الأنوار، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن فاطمة عليها السلام، قالت:

قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: [يا فاطمة] (3) من صلى عليك غفر الله له وألحقه بي حيث كنت من الجنة (4).

* *

ص :64


1- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 1 ص 265.
2- تهذيب الأحكام: ج 6 ص 9 ح 18.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- البحار: ج 43 ص 55.

أبو الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه

اشارة

النور الثالث: الأمام الأول أبو الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه

ص :65

فصل في ولادته عليه السلام

ولد عليه السلام بمكة في البيت الحرام، في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة (1).

أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وهو واخوته أول هاشمي ولد بين هاشميين (2). ولم يولد في البيت الحرام قبله أحد، وهي فضيلة خصه الله تعالى بها اجلالا له وإعلاء لمرتبته واظهارا لكرامته.

روي عن علي بن الحسين عليهما السلام، قال: إن فاطمة بنت أسد ضربها الطلق، وهي في الطواف فدخلت الكعبة فولدت أمير المؤمنين عليه السلام فيها (3).

وروى الصدوق عن سعيد بن جبير، قال: قال يزيد بن قعنب: كنت جالسا مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى، بإزاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام، وكانت حاملة به لتسعة أشهر وقد أخذها الطلق.

فقالت: رب إني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدقة

ص :67


1- تهذيب الأحكام: ج 6 ص 19، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 3 ص 307، وإعلام الورى: ص 159.
2- روضة الواعظين: ص 76، وتهذيب الأحكام: ج 6 ص 19.
3- روضه الواعظين: ص 81.

بكلام جدي إبراهيم الخليل عليه السلام، وإنه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي، قال يزيد بن قعنب:

فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره، ودخلت فاطمة فيه وغابت عن ابصارنا والتزق الحائط، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا أن ذلك أمر من أمر الله عز وجل، ثم خرجت بعد الرابع وبيدها أمير المؤمنين عليه السلام.

ثم قالت: إني فضلت على من تقدمني من النساء، لأن آسية بنت مزاحم عبدت الله عز وجل سرا في موضع لا يحب أن يعبد الله فيه إلا اضطرارا، وإن مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطبا جنيا، وإني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأوراقها، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة سميه عليا، فهو علي والله العلي الأعلى، يقول إني شققت اسمه من اسمي، وأدبته بأدبي ووقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه (1).

فصل في فضائل ومناقب أمير المؤمنين عليه السلام

فاما فضائله عليه السلام: فهي كما قال ابن أبي الحديد: قد بلغت من العظم والجلال والانتشار والاشتهار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، فصارت كما قال أبو العيناء لعبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل والمعتمد:

رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك، كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر، فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى

ص :68


1- الأمالي للصدوق: ص 114 ح 9.

العجز، مقصر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، وكانت (1) الاخبار عنك إلى علم الناس بك، وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الاسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره، والتحريض (2) عليه، ووضع المعائب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة، أو يرفع له ذكرا، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلا رفعة وسموا، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار إن حجبت عنه عينا (3) واحدة، أدركته عيون كثيرة، وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة، وتنتهي إليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلي حلبتها، كل من بزغ فيها بعده، فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى، إلى آخر ما قال في ذلك (4).

وقال صاحب مدينة المعاجز: وأما ما جاء في فضل علي أمير المؤمنين عليه السلام، فأحاديثه لا تحصى، وآثاره لا تستقصى، فمن طريق المخالفين ما ذكر صاحب ثاقب المناقب، عن محمد بن عمر الواقدي، قال: كان هارون الرشيد يقعد للعلماء في يوم عرفة، فقعد ذات يوم وحضره الشافعي وكان هاشميا يقعد إلى جنبه، وحضر محمد بن الحسن وأبو يوسف فقعدا بين يديه، وغص المجلس بأهله، فيهم سبعون رجلا من أهل العلم، كل منهم يصلح أن يكون إمام صقع من الأصقاع.

قال الواقدي: قد خلت في آخر الناس، فقال الرشيد لم تأخرت، فقلت: ما كان

ص :69


1- في المصدر: (ووكلت).
2- في المخطوطة (التحريف) وما أثبتناه هو الصحيح.
3- في المصدر: (عين).
4- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 1 ص 16.

لإضاعة حق، ولكني شغلت بشغل عاقني عما أحببت، قال: فقربني حتى أجلسني بين يديه، وقد خاض الناس في كل فن من العلم، فقال الرشيد للشافعي: يا بن عمي كم تروي في فضائل علي بن أبي طالب، فقال: أربعمائة حديث وأكثر، فقال له: قل ولا تخف، قال: تبلغ خمسمائة وتزيد، ثم قال لمحمد بن الحسن: كم تروي يا كوفي من فضائله، قال: ألف حديث أو أكثر، فأقبل على أبي يوسف، فقال: كم تروي أنت يا كوفي من فضائله أخبرني ولا تخشى، قال: يا أمير المؤمنين لولا الخوف لكانت روايتنا في فضائله أكثر من أن تحصى، قال: مم تخاف؟ قال: منك ومن عمالك وأصحابك، قال: أنت آمن، فتكلم وأخبرني كم فضيلة تروى فيه، قال: خمسة عشر ألف خبر مسند، وخمسة عشر ألف حديث مرسل.

قال الواقدي: فأقبل علي، فقال: ما تعرف في ذلك؟ فقلت مثل مقالة أبي يوسف، قال الرشيد: لكني أعرف له فضيلة رأيتها بعيني وسمعتها باذني، أجل من كل فضيلة تروونها أنتم، إلى آخر ما ذكره من الفضيلة (1).

وروى الصدوق: عن الطبري عن الحسن بن محمد عن الحسن بن يحيى الدهان، قال: كنت ببغداد عند قاضي بغداد، واسمه سماعة، إذ دخل عليه رجل من كبار أهل بغداد، فقال له: أصلح الله القاضي، إني حججت في السنين الماضية فمررت بالكوفة فدخلت في مرجعي إلى مسجدها، فبينا أنا واقف في المسجد أريد الصلاة إذا أمامي امرأة إعرابية بدوية مرخية الذوائب، عليها شملة وهي تنادي وتقول: يا مشهورا في السماوات، يا مشهورا في الأرضين، يا مشهورا في الآخرة، يا مشهورا في الدنيا، جهدت الجبابرة والملوك على إطفاء نورك، وإخماد ذكرك، فأبى الله لذكرك إلا علوا ولنورك إلا ضياء وتماما ولو كره المشركون، قال:

فقلت: يا أمة الله ومن هذا الذي تصفينه بهذه الصفة، قالت: ذاك (2) أمير المؤمنين،

ص :70


1- مدينة المعاجز: ج 1 ص 29 س 2، وثاقب المناقب: ص 229 ح 1.
2- في المصدر (ذلك).

قال: فقلت لها: أي أمير المؤمنين هو، قالت: علي بن أبي طالب، الذي لا يجوز التوحيد إلا به وبولايته، قال: فالتفت إليها فلم أر أحدا (1).

وحكي عن الشافعي إنه قيل له: ما تقول في علي عليه السلام؟ قال: ما أقول في حق من أخفت أولياؤه فضائله خوفا، وأخفت أعداؤه فضائله حسدا، وشاع من بين ذين ما ملأ الخافقين (2).

ولقد أجاد مادح أهل البيت الشيخ الأزري قدس سره في قوله:

لا فتى في الوجود إلا علي * ذاك شخص بمثله الله باها لا ترم وصفه ففيه معان * لم يصفها إلا الذي سواها ما حوى الخافقان انس وجن * قصبات السبق التي قد حواها إنما المصطفى مدينة علم * وهو الباب من أتاه أتاها وهما مقلتا العوالم يسرا * ها علي وأحمد يمناها هل أتى هل أتى بمدح سواه * لا ومولى بذكره حلاها فتأمل بعم تنبئك عنه * نبأ كل فرقة أعياها وبمعنى أحب خلقك فانظر * تجد الشمس قد أزاحت دجاها وتفكر بانت مني تجدها * حكمة تورث الرقود انتباها أو ما كان بعد موسى أخوه * خير أصحابه وأعظم جاها ليس تخلو إلا النبوة منه * ولهذا خير الورى استثناها وهي في آية التباهل نفس * المصطفى ليس غيره إياها ثم سل إنما وليكم الله * ترى الاعتبار في معناها آية خصت الولاية لله * وللطهر حيدرا بعد طه لك في مرتقى العلى والمعالي * درجات لا يرتقى أدناها

ص :71


1- الأمالي للصدوق: ص 333 ح 13.
2- حلية الأبرار: ج 1 ص 294 باب 15، طبعة دار الكتب العلمية.

يا أخا المصطفى لدي ذنوب * هي عين القذى وأنت جلاها كيف تخشى العصاة بلوى المعاصي * وبك الله منقذ مبتلاها وقال سبط بن الجوزي في التذكرة: سمعت جدي ينشد في مجالس وعظه ببغداد سنة 596 [ه] بيتين ذكرهما في كتاب تبصرة المتبدي وهما:

أهوى عليا وإيماني محبته * كم مشر ك دمه من سيفه وكفا إن كنت ويحك لم تسمع فضائله * فاسمع مناقبه من هل أتى وكفى (1) وقال غيره:

بآل محمد عرف الصواب * وفي أبياتهم نزل الكتاب وهم حجج الإله على البرايا * بهم وبجدهم لا يستراب ولا سيما أبو حسن علي * له في الحر بمرتبة تهاب طعام سيوفه مهج الأعادي * وفيض دم الرقاب له شراب وضربته كبيعته بخم * معاقدها من القوم الرقاب علي الدر والذهب المصفى * وباقي الناس كلهم تراب هو البكاء في المحراب ليلا * هو الضحاك إذا اشتد الضراب هو النبأ العظيم وفلك نوح * وباب الله وانقطع الخطاب (2)

فصل في قتل أمير المؤمنين عليه السلام

قبض سلام الله عليه ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين [من الهجرة]، ضربه ابن ملجم الملعون بالسيف المسموم على رأسه في مسجد الكوفة،

ص :72


1- تذكرة الخواص: ص 317، وكف تكف وكفا بمعنى سال، ووكفت العين الدمع إذا أسألته.
2- الكنى والألقاب: ج 1 ص 375، وقيل: نسبوا هذه الأبيات إلى أبن الفارض.

وقت التنوير ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة مضين من الشهر، فبقي يومين إلى نحو الثلث الأول من الليل، ثم قضى نحبه شهيدا ولقي ربه تعالى مظلوما، وله يومئذ ثلاث وستون سنة (1).

قال المسعودي في مروج الذهب في ذكر مقتله: وفي سنة أربعين اجتمع بمكة جماعة من الخوارج، فتذاكروا الناس وما هم فيه من الحرب والفتنة، وتعاهد ثلاثة منهم على قتل علي عليه السلام، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وتواعدوا واتفقوا على أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه حتى يقتله أو يقتل دونه، وهم: عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، وكان من تجيب، وكان عدادهم في مراد فنسب إليهم، وحجاج بن عبد الله الصريمي ولقبه البرك، وزادويه مولى بني العنبر، فقال ابن ملجم: أنا أقتل عليا، وقال البرك: أنا أقتل معاوية، وقال زادويه: أنا أقتل عمرو بن العاص، واتعدوا أن يكون ذلك ليلة تسع عشرة من شهر رمضان، وقيل: ليلة إحدى وعشرين.

فخرج عبد الرحمن بن ملجم المرادي إلى علي عليه السلام، فلما قدم الكوفة أتى قطام بنت عمه، وكان علي عليه السلام قتل أباها وأخاها يوم النهروان، وكانت أجمل أهل زمانها فخطبها، فقالت: لا أتزوج حتى تسمي لي، قال: لا تسأليني شيئا إلا أعطيته، فقالت: ثلاثة آلاف، وعبدا وقينة وقتل علي عليه السلام، فقال: ما سألت هو لك مهر، إلا قتل علي عليه السلام، فلا أراك تدركينه، قالت: فالتمس غرته، فإن أصبته شفيت نفسي ونفعك العيش معي، وإن هلكت فما عند الله خير لك من الدنيا، فقال: والله ما جاء بي إلى هذا المصر، وقد كنت هاربا منه إلا ذلك، وقد أعطيتك ما سألت وخرج من عندها وهو يقول:

ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وقتل علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن علا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم

ص :73


1- تهذيب الأحكام: ج 6 ص 19، وروضة الواعظين: ص 132.

فلقيه رجل من أشجع، يقال له شبيب بن بجرة (1) من الخوارج، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: تساعدني على قتل علي، قال: ثكلتك أمك! لقد جئت شيئا إدا، قد عرفت عناءه في الإسلام، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وآله، فقال ابن ملجم: ويحك! أما تعلم أنه قد حكم الرجال في كتاب الله، وقتل إخواننا المصلين، فنقتله ببعض إخواننا.

فأقبل معه حتى دخل على قطام، وهي في المسجد الأعظم، وقد ضربت كلة بها (2)، وهي معتكفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، فأعلمته (3) أن مجاشع بن وردان بن علقمة قد انتدب لقتله معهما، فدعت لهما بحرير وعصبتهما وأخذوا أسيافهم وقعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها علي عليه السلام للمسجد، وكان علي يخرج كل غداة أول الأذان [يوقظ الناس] (4) للصلاة، وقد كان ابن ملجم مر بالأشعث وهو في المسجد، فقال له: فضحك الصبح، فسمعها حجر بن عدي، فقال: قتلته يا أعور قتلك الله.

وخرج علي عليه السلام ينادي: أيها الناس الصلاة، فشد عليه ابن ملجم وأصحابه، وهم يقولون: الحكم لله لا لك، وضربه ابن ملجم على رأسه بالسيف في قرنه، وأما شبيب فوقعت ضربته بعضادة الباب، وأما ابن وردان فهرب، وقال علي عليه السلام: لا يفوتنكم الرجل وشد الناس على ابن ملجم يرمونه بالحصباء، ويتناولونه ويصيحون، فضرب ساقه رجل من همدان برجله، وضرب المغيرة بن نوفل الحارث بن عبد المطلب وجهه فصرعه، وأقبل به إلى الحسن عليه السلام.

ودخل شبيب (5) بين الناس، فنجا بنفسه، وهرب [شبيب] (6)، حتى أتى

ص :74


1- في المصدر: (نجدة).
2- في المصدر: (لها).
3- في المصدر: (فأعلمتهما).
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- في المصدر: (وردان).
6- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

رحله، فدخل عليه (1) عبد الله بن بحرة (2) - وهو أحد بني أبيه - فرآه ينزع الحرير عن صدره، فسأله عن ذلك، فخبره خبره، فانصرف عبد الله إلى رحله، وأقبل إليه بسيفه فضربه حتى قلته.

وقيل: إن عليا عليه السلام لم ينم تلك الليلة، وإنه لم يزل يمشي بين الباب والحجرة، وهو يقول: والله ما كذبت ولا كذبت، وانها الليلة التي وعدت [فيها] (3)، فلما [خرج] (4) صرخ (5) بط كان للصبيان، فصاح بهن بعض من في الدار، فقال علي عليه السلام: ويحك! دعهن فإنهن نوائح (6).

وقال المسعودي: أنه عليه السلام قد خرج إلى المسجد، وقد عسر عليه فتح باب داره، وكان من جذوع النخل، فاقتلعه وجعله ناحية، وانحل ازاره فشده وجعل ينشد:

اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا (7) وروى الشيخ المفيد أنه [قال]: لما دخل شهر رمضان كان أمير المؤمنين عليه السلام يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين، عليهما السلام، وليلة عند عبد الله بن العباس، وكان لا يزيد على ثلاث لقم، فقيل له ليلة من تلك الليالي في ذلك، فقال: يأتيني أمر الله وأنا خميص، إنما هي ليلة أو ليلتان فأصيب عليه السلام آخر الليل (8).

وروي عن أم موسى خادمة علي عليه السلام - وهي حاضنة فاطمة ابنته -، قالت:

سمعت عليا عليه السلام يقول لابنته أم كلثوم: يا بنية إني أراني قل ما أصحبكم، قالت:

ص :75


1- في المصدر: (إليه).
2- في المصدر: (نجدة).
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- في المصدر: (صاح).
6- مروج الذهب: ج 2 ص 411.
7- مروج الذهب: ج 2 ص 417 و 418، وتذكرة الخواص لابن الجوزي: ص 173.
8- الإرشاد للمفيد: ص 14.

وكيف ذلك يا أبتاه؟ قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي، وهو يمسح الغبار عن وجهي، ويقول: يا علي لا عليك [قد] (1) قضيت ما عليك، قال: فما مكثنا (2) إلا ثلاثا حتى ضرب تلك الضربة، فصاحت أم كلثوم، فقال: يا بنية لا تفعلي فإني أرى رسول الله صلى الله عليه وآله يشير إلي بكفه، ويقول: يا علي هلم إلينا فان ما عندنا هو خير لك (3).

وروى صاحب قرب الإسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهم السلام: إن علي بن أبي طالب عليه السلام خرج يوقظ الناس لصلاة الصبح، فضربه عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله بالسيف على أم رأسه، فوقع على ركبتيه وأخذه فالتزمه حتى أخذه الناس، وحمل علي عليه السلام حتى أفاق، ثم قال للحسن والحسين عليهما السلام: احبسوا هذا الأسير وأطعموه وأسقوه وأحسنوا آثاره، فإن عشت فأنا أولى بما صنع بي، إن شئت أستقدت (4)، وإن شئت عفوت، وإن شئت صالحت، وإن مت فذلك إليكم، فإن بدا لكم أن تقتلوه فلا تمثلوا به (5).

وروى ابن شاذان، عن الأصبغ، قال: لما ضرب أمير المؤمنين عليه السلام الضربة التي كانت وفاته فيها، اجتمع إليه الناس بباب القصر، وكان يراد قتل ابن ملجم لعنه الله، فخرج الحسن عليه السلام، فقال: معاشر الناس إن أبي أوصاني أن أترك أمره إلى وفاته، فإن كان له الوفاة وإلا نظر هو في حقه، فانصرفوا يرحمكم الله، قال:

فانصرف الناس ولم أنصرف. فخرج ثانية، وقال لي: يا أصبغ أما سمعت قولي عن قول أمير المؤمنين عليه السلام، قلت: بلى ولكني رأيت حاله فأحببت أن أنظر إليه فاسمع منه حديثا، فاستأذن لي رحمك الله.

فدخل ولم يلبث أن خرج، فقال لي: ادخل، فدخلت فإذا أمير المؤمنين عليه السلام

ص :76


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (قالت فما مكثت).
3- الإرشاد للمفيد: ص 14.
4- في المصدر: (استنقذت).
5- قرب الإسناد: ص 67.

معصب بعصابة، وقد علت صفرة وجهه على تلك العصابة، وإذا هو يرفع فخذا ويضع أخرى من شدة الضربة وكثرة السم، فقال لي: يا أصبغ أما سمعت قول الحسن عن قولي، قلت: يا أمير المؤمنين ولكني رأيتك في حالة فأحببت النظر إليك، وأن أسمع منك حديثا، فقال لي: اقعد فما أراك تسمع مني حديثا بعد يومك هذا.

إعلم يا أصبغ أني أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله عائدا كما جئت الساعة، فقال: يا أبا الحسن اخرج فناد في الناس الصلاة جامعة، واصعد المنبر وقم دون مقامي بمرقاة، وقل للناس: ألا من عق والديه فلعنة الله عليه، ألا من أبق من مواليه فلعنة الله عليه، ألا من ظلم أجيرا اجرته فلعنة الله عليه. يا أصبغ، ففعلت ما أمرني به حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله، فقام من أقصى المسجد رجل، فقال: يا أبا الحسن تكلمت بثلاث كلمات وأوجزتهن، فاشرحهن لنا، فلم أرد جوابا حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت: ما كان من الرجل.

قال الأصبغ: ثم اخذ بيدي وقال: [يا أصبغ] إبسط يدك فبسطت يدي، فتناول إصبعا من أصابع يدي، وقال: يا أصبغ كذا تناول رسول الله صلى الله عليه وآله إصبعا من أصابع يدي، كما تناولت إصبعا من أصابع يدك، ثم قال صلى الله عليه وآله: يا أبا الحسن ألا وإني وأنت أجيرا هذه الأمة، فمن عقنا فلعنة الله عليه، ألا وإني وأنت موليا هذه الأمة فعلى من أبق عنا فلعنة الله، ألا وإني وأنت أجيرا هذه الأمة، فمن ظلمنا أجرتنا فلعنة الله عليه، ثم قال: آمين فقلت: آمين.

قال الأصبغ: ثم أغمي عليه، ثم أفاق فقال لي: أقاعد أنت يا أصبغ؟ قلت: نعم يا مولاي، قال: أزيدك حديثا آخر، قلت: نعم زادك الله من مزيدات الخير، قال: يا أصبغ لقيني رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض طرقات المدينة وأنا مغموم قد تبين الغم في وجهي.

فقال لي: يا أبا الحسن أراك مغموما ألا أحدثك بحديث لا تغتم بعده أبدا، قلت: نعم، قال: إذا كان يوم القيامة نصب الله منبرا يعلو منابر النبيين والشهداء، ثم

ص :77

يأمرني الله، أصعد فوقه، ثم يأمرك الله أن تصعد دوني بمرقاة، ثم يأمر الله ملكين فيجلسان دونك بمرقاة، فإذا استقللنا على المنبر، لا يبقى أحد من الأولين والآخرين إلا حضر، فينادي الملك الذي دونك بمرقاة: معاشر الناس، ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي، أنا رضوان خازن الجنان، ألا إن الله بمنه وكرمه وفضله وجلاله، أمرني أن أدفع مفاتيح الجنة إلى محمد صلى الله عليه وآله، وإن محمدا صلى الله عليه وآله أمرني أن أدفعها إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فأشهدوا لي عليه.

ثم يقوم ذلك الذي تحت ذلك الملك بمرقاة مناديا يسمع أهل الموقف: معاشر الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي، أنا مالك خازن النيران ألا أن الله بمنه وفضله وكرمه وجلاله، قد أمرني أن أدفع مفاتيح النار إلى محمد صلى الله عليه وآله وإن محمدا صلى الله عليه وآله قد أمرني أن أدفعها إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فاشهد والي عليه، فأخذ مفاتيح الجنان والنيران، ثم قال: يا علي فتأخذ بحجزتي، وأهل بيتك يأخذون بحجزتك وشيعتك يأخذون بحجزة أهل بيتك، قال عليه السلام:

فصفقت بكلتا يدي، وإلى الجنة يا رسول الله، قال: إي ورب الكعبة، قال الأصبغ:

فلم أسمع من مولاي غير هذين الحديثين، ثم توفي صلوات الله عليه (1).

قال أبو الفرج: ثم جمع له أطباء الكوفة، فلم يكن منهم أعلم بجرحه من أثير ابن عمرو بن هاني السلولي، وكان متطببا صاحب كرسي، يعالج الجراحات، وكان من الأربعين غلاما الذين كان ابن الوليد أصابهم في عين التمر فسباهم، فلما نظر أثير إلى جرح أمير المؤمنين عليه السلام، دعا برئة شاة حارة، فاستخرج منها عر قا، ثم نفخه، ثم استخرجه وإذا عليه بياض الدماغ، فقال: يا أمير المؤمنين اعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك (2).

روى الشيخ يوسف بن حاتم الشامي في الدر النظيم، عن الأصبغ بن نباتة،

ص :78


1- بحار الأنوار: ج 40 ص 44 ح 82، نقلا عن كتاب الروضة.
2- مقاتل الطالبيين: ص 23.

قال: دعا أمير المؤمنين الحسن والحسين عليهم السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه الله، فقال:

إني مقبوض في ليلتي هذه ولاحق برسول الله صلى الله عليه وآله، فاسمعا قولي وعيا ه: أنت يا حسن وصيي والقائم بالأمر بعدي، وأنت يا حسين شريكه في الوصية، فانصت ما نطق وكن لامره تابعا ما بقي، فإذا خرج من الدنيا فأنت الناطق بعده والقائم بالأمر، وعليكما بتقوى الله الذي لا ينجو إلا من أطاعه، ولا يهلك إلا من عصاه، واعتصما بحبله، وهو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

ثم قال للحسن عليه السلام: إنك ولي الأمر بعدي، فإن عفوت عن قاتلي فذاك، وإن قتلت فضربة مكان ضربة، وإياك والمثلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عنها ولو بكلب عقور، وأعلم أن الحسين ولي الدم معك يجري فيه مجراك، وقد جعل الله تبارك وتعالى له على قاتلي سلطانا كما جعل لك، وإن ابن ملجم ضربني ضربة فلم تعمل فثناها فعملت، فإن عملت فيه ضربتك فذاك، وإن لم تعمل فمر أخاك الحسين، وليضربه أخرى بحق ولايته، فإنها ستعمل فيه، فإن الإمامة له بعدك وجارية في ولده إلى يوم القيامة، وإياك أن تقتل بي غير قاتلي، فإن الله عز وجل، يقول: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (1) الوصية (2).

روى الشيخ المفيد وغيره عن مولى لعلي بن أبي طالب عليه السلام، قال: لما حضرت أمير المؤمنين عليه السلام الوفاة، قال للحسن والحسين عليهما السلام: إذا أنا مت فاحملاني على سريري، ثم أخرجاني، ثم احملا مؤخر السرير فإنكما تكفيان مقدمه، ثم ائتيا بي الغري (3) فإنكما ستريان صخرة بيضاء تلمع نورا فاحتفرا فيها، فإنكما تجدان فيها ساجة، فادفناني فيها.

ص :79


1- الأنعام: 164.
2- مدينة المعاجز: ص 139 ح 349، والثاقب في المناقب: ص 229 ح 200.
3- في المصدر (في الغريين).

قال: فلما مات صلوات الله عليه أخرجناه وجعلنا نحمل مؤخر السرير ونكفي مقدمه، وجعلنا نسمع دويا وحفيفا حتى أتينا الغريين، فإذا صخرة بيضاء تلمع نورها فاحتفرنا، فإذا ساجة مكتوب عليها: هذه مما ادخرها نوح لعلي بن أبي طالب عليه السلام، فد فناه فيه وانصرفنا، ونحن مسرورون باكرام الله تعالى لأمير المؤمنين عليه السلام، فلحقنا قوم من الشيعة لم يشهدوا الصلاة عليه، فأخبرناهم بما جرى وباكرام الله لأمير المؤمنين عليه السلام، فقالوا: نحب أن نعاين من أمره ما عاينتم، فقلنا لهم: إن الموضع قد عفي أثره بوصية منه عليه السلام، فمضوا وعادوا إلينا فقالوا: إنهم احتفروا فلم يجدوا شيئا (1).

وروي عن جابر بن يزيد [الجعفي]، قال: سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام أين دفن أمير المؤمنين عليه السلام؟ قال: دفن بناحية الغريين، ودفن قبل طلوع الفجر، ودخل قبره الحسن والحسين ومحمد بنو علي عليهم السلام، وعبد الله بن جعفر رضي الله عنه (2).

قال الشيخ المفيد: فلم يزل قبره عليه السلام مخفيا حتى دل عليه الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، في الدولة العباسية، وزاره عند وروده إلى أبي جعفر [المنصور] وهو بالحيرة، فعرفته الشيعة واستأنفوا إذ ذاك زيارته، عليه وعلى ذريته الطاهرين السلام، وكانت سنه يوم وفاته ثلاثا وستين سنة (3).

قال محمد بن بطوطة في رحلته التي سماها: (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار)، وقد فرغ منها سنة 756 [ه] ستة وخمسين وسبعمائة في ذكر وروده من مكة إلى مشهد مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام.

ذكر الروضة والقبور التي بها، ويدخل من باب الحضرة إلى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية من الشيعة، ولكل وارد ضيافة ثلاثة أيام من الخبز واللحم

ص :80


1- الإرشاد للمفيد: ص 19.
2- الإرشاد للمفيد: ص 19.
3- الإرشاد للمفيد: ص 12.

والتمر مرتين في اليوم، ومن تلك المدرسة يدخل إلى باب القبة، وعلى بابها الحجاب والنقباء والطواشية، فعندما يصل الزائر يقوم إليه أحدهم أو جميعهم - وذلك على قدر الزائر - فيقفون معه على العتبة، ويستأذنون له، ويقولون: عن أمركم يا أمير المؤمنين، هذا العبد الضعيف يستأذن على دخوله للروضة العلية، فإن أذنتم له، وإلا رجع، وإن لم يكن أهلا لذلك، فأنتم أهل المكارم والستر، ثم يأمرونه بتقبيل العتبة وهي من الفضة، وكذلك العضادتان، ثم يدخل القبة، وهي مفروشة بأنواع البسط من الحرير وسواه، وبها قناديل الذهب والفضة، منها الكبار والصغار، وفي وسط القبة مسطبة مربعة مكسوة بالخشب عليه صفائح الذهب المنقوشة المحكمة العمل مسمرة بمسامير الفضة، قد غلبت على الخشب بحيث لا يظهر منه شئ، وارتفاعها دون القامة، وفوقها ثلاثة من القبور يزعمون أن أحدها قبر آدم عليه الصلاة والسلام، والثاني قبر نوح عليه الصلاة والسلام، والثالث قبر علي رضي الله عنه، وبين القبور طسوت ذهب وفضة، فيها ماء الورد والمسك، وأنواع الطيب، يغمس الزائر يده في ذلك ويدهن به وجهه تبركا.

وللقبة باب آخر عتبته أيضا من الفضة، وعليه ستور من الحرير الملون، يفضي إلى مسجد مفروش بالبسط الحسان، مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله أربعة أبواب، عتبتها فضة وعليها ستور الحرير، وأهل هذه المدينة كلهم رافضية.

وهذه الروضة ظهرت لها كرامات ثبت بها عندهم، إن بها قبر علي رضي الله عنه.

فمنها: إن في ليلة السابع والعشرين من رجب - ويسمى عندهم ليلة المحيا - يؤتى إلى تلك الروضة بكل مقعد من العراقيين وخراسان وبلاد فارس والروم، فيجتمع منهم الثلاثون والأربعون ونحو ذلك، فإذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا عند الضريح المقدس، والناس ينتظرون قيامهم، وهم ما بين مصل وذاكر وتال ومشاهد للروضة، فإذا مضى من الليل نصفه، أو ثلثاه أو نحو ذلك، قام الجميع أصحاء من غير سوء، وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله.

ص :81

وهذا أمر مستفيض عندهم سمعته من الثقات، ولم أحضر تلك الليلة، لكني رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال، أحدهم من أرض الروم، والثاني من إصبهان، والثالث من خراسان، وهم مقعدون، فاستخبرتهم على شأنهم، فأخبروني أنهم لم يدركوا ليلة المحيا، وأنهم ينتظرون أوانها من عام آخر.

وهذه الليلة يجتمع لها الناس من البلاد ويقيمون سوقا عظيمة، مدة عشرة أيام... الخ (1).

وقال أيضا: ورأيت بغربي جبانة الكوفة موضعا مسودا، شديد السواد، في بسيط أبيض، فأخبرت أنه قبر الشقي ابن ملجم، وإن أهل الكوفة، يأتون كل سنة بالحطب الكثير، فيوقدون النار على موضع قبره سبعة أيام، وعلى قرب منه قبة، أخبرت أنها على قبر المختار بن أبي عبيد، انتهت الحاجة من كلامه (2).

والأحاديث في فضل زيارة أمير المؤمنين عليه السلام، أكثر من أن تذكر.

روي عن ابن مارد أنه، قال لأبي عبد الله عليه السلام: ما لمن زار جدك أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا ابن مارد، من زار جدي عارفا بحقه كتب الله له بكل خطوة حجة مقبولة، وعمرة مبرورة، والله يا ابن مارد ما يطعم الله النار قد ما اغبرت في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام ماشيا كان أو راكبا، يا ابن مارد اكتب هذا الحديث بماء الذهب (3). * *

ص :82


1- رحلة ابن بطوطة: ص 119.
2- رحلة ابن بطوطة: ص 147.
3- تهذيب الأحكام: ج 6 ص 21 ح 49.

حسن بن علي بن أبي طالب سيد شباب أهل الجنة عليه السلام

اشارة

النور الرابع: الإمام الثاني السيد الزكي أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سيد شباب أهل الجنة عليه السلام

ص :83

فصل في ولادته عليه السلام

ولد عليه السلام بالمدينة يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان سنة اثنتين أو ثلاث من الهجرة (1).

روى الشيخ الصدوق بإسناده عن الرضا عن آبائه عن علي بن الحسين عليهم السلام، عن أسماء بنت عميس، قالت: قبلت جدتك فاطمة عليها السلا م الحسن والحسين عليهما السلام، فلما ولد الحسن جاء النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا أسماء هاتي ابني فدفعته إليه في خرقة صفراء فرمى بها النبي صلى الله عليه وآله، وقال: يا أسماء ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء، فلففته في خرقة بيضاء فدفعته إليه، فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثم قال لعلي: بأي شئ سميت ابني؟ قال: ما كنت أسبقك باسمه يا رسول الله، قد كنت أحب أن اسميه حربا، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ولا أسبق أنا باسمه ربي.

ثم هبط جبرائيل عليه السلام، فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول:

علي منك بمنزلة هارون من موسى، ولا نبي بعدك، سم ابنك هذا باسم ابن هارون، قال النبي صلى الله عليه وآله: وما اسم ابن هارون؟ قال: شبر، قال النبي صلى الله عليه وآله: لساني عربي.

ص :85


1- كشف الغمة: ج 1 ص 515، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 28.

قال جبرائيل عليه السلام: سمه الحسن، فسماه الحسن عليه السلام، فلما كان يوم سابعه عق النبي صلى الله عليه وآله عنه بكبشين أملحين، وأعطى القابلة فخذا ودينارا، وحلق رأسه وتصدق بوزن الشعر ورقا، وطلى رأسه بالخلوق، ثم قال: يا أسماء الدم فعل الجاهلية... الخ (1).

وروي أيضا عن جابر، قال: لما حملت فاطمة عليها السلام بالحسن عليه السلام فولدت وقد كان النبي صلى الله عليه وآله أمرهم أن يلفوه في خرقة بيضاء فلفوه في صفراء، وقالت فاطمة: يا علي سمه، فقال: ما كنت لأسبق باسمه رسول الله صلى الله عليه وآله، فجاء النبي صلى الله عليه وآله فأخذه وأدخل لسانه في فيه فجعل الحسن عليه السلام يمصه، ثم قا لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: ألم أتقدم إليكم أن لا تلفوه في خرقة صفراء فدعا بخرقة بيضاء فلفه فيها فرمى بالصفراء، وأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثم قال لعلي عليه السلام: ما سميته، قال: ما كنت لأسبقك باسمه.

قال (2): فأوحى الله عز ذكره إلى جبرائيل عليه السلام، إنه قد ولد لمحمد صلى الله عليه وآله ابن، فاهبط إليه فاقرئه السلام وهنئه مني ومنك، وقل له: إن عليا منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم بن هارون [فهبط جبرائيل فهناه من الله تعالى، ثم قال: إن الله جل جلاله يأمرك أن تسميه باسم ابن هارون] (3)، قال: ما كان اسمه؟ قال: شبر، قال: لساني عربي، قال: سمه الحسن فسماه الحسن.

فلما ولد الحسين عليه السلام جاء إليهم النبي صلى الله عليه وآله ففعل به كما فعل بالحسن عليه السلام، وهبط جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله، فقال: إن الله عز وجل يقرئك السلام، ويقول لك:

إن عليا منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون، قال: وما كان اسمه؟ فقال: شبيرا، قال: لساني عربي، قال: فسمه الحسين، فسماه الحسين (4).

ص :86


1- عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 24 ح 5.
2- (قال) غير موجودة في المصدر.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- علل الشرائع: ص 138 ح 7.

وفي كشف الغمة، وروي مرفوعا إلى علي عليه السلام، قال: لما حضرت ولادة فاطمة عليها السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأسماء بنت عميس، وأم سلمة: أحضراها، فإذا وقع ولدها واستهل، فأذنا في أذنه اليمنى، وأقيما في أذنه اليسرى، فإنه لا يفعل ذلك بمثله إلا عصم من الشيطان، ولا تحدثا شيئا حتى آتيكما، فلما ولدت فعلتا ذلك، فأتاه النبي صلى الله عليه وآله فسره ولباه بريقه، وقال: اللهم أني أعيذ ه بك وولده من الشيطان الرجيم (1).

فصل في مناقب الإمام الحسن عليه السلام

كان الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حج حج ماشيا، وربما مشى حافيا، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، ويسأل الله الجنة، وتعوذ بالله من النار، وكان عليه السلا م لا يقرأ من كتاب الله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا) * إلا قال: لبيك اللهم لبيك، ولم ير في شئ من أحواله إلا ذاكرا لله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة (2).

وكان إذا توضأ ارتعدت مفاصله واصفر لونه، فقيل له في ذلك، فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه وترتعد مفاصله.

وكان إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه، ويقول: (إلهي ضيفك ببابك، يا محسن قد أتاك المسئ فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك يا كريم)، وكان إذا

ص :87


1- كشف الغمة: ج 1 ص 525.
2- الأمالي للصدوق: ص 150 قطعة من ح 8، وعنه البحار: ج 43 ص 331 ح 1.

فرغ من الفجر لم يتكلم، حتى تطلع الشمس، ولقد حج خمسا وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه، و [قد] (1) قاسم الله تعالى ماله مرتين، وروي ثلاث مرات، حتى أنه كان يعطي من ماله نعلا ويمسك خفا (2) (3).

وروي أنه عليه السلام كان يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ابن سبع سنين، فيسمع الوحي فيحفظه، فيأتي أمه فيلقي إليها ما حفظه، كلما دخل علي عليه السلام وجد عندها علما بالتنزيل (4)، فيسألها عن ذلك، فقالت: من ولدك الحسن عليه السلام، فتخفى يوما في الدار وقد دخل الحسن وقد سمع الوحي فأراد أن يلقيه إليها، فارتج فعجبت أمه من ذلك، فقال: لا تعجبين يا أماه، فإن كبيرا يسمعني، واستماعه قد أوقفني، فخرج علي عليه السلام فقبله. وفي رواية: يا أماه قل بياني، وكل لساني، لعل سيدا يرعاني (5).

وعن أنس بن مالك قال: لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله من الحسن بن علي عليهما السلام (6).

وعنه قال: حيت جارية للحسن بن علي عليهما السلام بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرة لوجه الله، فقلت له: في ذلك، فقال: أدبنا الله تعالى * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) * (7) وكان أحسن منها إعتاقها (8).

وروي أنه لم يسمع قط منه عليه السلام كلمة فيها مكروه، إلا مرة واحدة، فإنه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة في أرض، فقال له الحسن عليه السلام: ليس لعمرو

ص :88


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (إن كان ليعطي النعل ويمسك النعل، ويعطي الخف ويمسك الخف).
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 14 قطعة منه.
4- (بالتنزيل) غير موجودة في المصدر.
5- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 7.
6- صحيح الترمذي: ج 5 ص 659 ح 3776، وصحيح البخاري: ج 5 ص 33.
7- النساء: 86.
8- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 18.

عندنا إلا ما يرغم أنفه (1).

ومن حلمه ما روى المبرد وغيره (2)، أن شاميا رآه راكبا فجعل يلعنه، والحسن عليه السلام لا يرد، فلما فرغ أقبل الحسن عليه السلام فسلم عليه وضحك، فقال: أيها الشيخ أظنك غريبا، ولعلك شبهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأن لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالا كثيرا.

فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، الله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي، [والآن أنت أحب خلق الله إلي] (3) وحول رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقدا لمحبتهم (4).

وروي أنه [قال]: لما مات الحسن عليه السلام أخرجوا جنازته فحمل مروان بن الحكم سريره، فقال له الحسين عليه السلام: تحمل اليوم جنازته وكنت بالأمس تجرعه الغيظ؟ قال مروان: نعم كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال (5).

فصل في وفاة الإمام الحسن عليه السلام

توفي الحسن بن علي عليهما السلام بالسم، يوم الخميس السابع من صفر سنة تسع

ص :89


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 19 و 20.
2- في المصدر: (ابن عائشة).
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- الكامل في اللغة والأدب: ج 1 ص 325، وبحار الأنوار: ج 43 ص 344.
5- بحار الأنوار: ج 44 ص 145.

وأربعين، وكان ابن سبع وأربعين، وقيل: في الثامن والعشرين منه (1)، وقيل: في آخر صفر (2)، ودفن بالبقيع من المدينة.

الكليني، عن أبي بكر الحضرمي، قال: إن جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي سمت الحسن بن علي عليهما السلام وسمت مولاة له، فأما مولاته فقاءت السم، وأما الحسن فاستمسك في بطنه، ثم انتفط (3) به فمات (4).

قلت: جعدة بنت الأشعث بن قيس، كانت ابنة أم فروة، أخت أبي بكر بن أبي قحافة.

روي أن معاوية بذل لها عشرة آلاف دينار، واقطاع عشرة ضياع من سقي سوراء (5) وسواد الكوفة على أن تسم الحسن عليه السلام (6).

وقال الشيخ المفيد: ضمن معاوية أن يزوجها بابنه يزيد، وأرسل إليها مائة ألف درهم، فسقته جعدة السم، فبقي أربعين يوما مريضا، ومضى لسبيله في صفر (7).

وذكر أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: إن الحسن بن علي عليهما السلام بعد صلحه لمعاوية انصرف إلى المدينة، فأقام بها وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شئ أثقل عليه من أمر الحسن بن علي عليهما السلام، وسعد بن أبي وقاص، فدس إليهما سما فماتا منه (8).

الاحتجاج: عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، قال: حدثني رجل منا، قال: أتيت الحسن بن علي عليهما السلام، فقلت: يا ابن رسول الله أذللت رقابنا، وجعلتنا معشر الشيعة عبيدا، ما بقي معك رجل، قال: ومم ذاك؟ قال: قلت: بتسليمك الأمر

ص :90


1- إعلام الورى: ص 209، المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 29، وفيهما (سنة خمسين من الهجرة).
2- كفاية الأثر: ص 229.
3- اتنفط الجسد: قرح وتجمع بين الجلد واللحم ماء (انظر لسان العرب: مادة (نفط) ج 14 ص 241).
4- الكافي: ج 1 ص 462 ح 3.
5- سوراء: موضع يقال: هو إلى جنب بغداد، وقيل: هو بغداد نفسها، وقيل: موضع بالجزيرة (انظر معجم البلدان: ج 3 ص 184).
6- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 29.
7- الإرشاد: ص 191.
8- مقاتل الطالبيين: ص 47.

لهذا الطاغية، قال: والله ما سلمت الأمر إليه إلا أني لم أجد أنصارا، ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه، ولكني عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم ما كان فاسدا، إنهم لا وفاء لهم، ولا ذمة في قول ولا فعل، إنهم لمختلفون، ويقولون لنا: إن قلوبهم معنا، وإن سيوفهم لمشهورة علينا.

قال: وهو يكلمني إذ تنخع الدم، فدعا بطست، فحمل من بين يديه ملآن (1) مما خرج من جوفه من الدم، فقلت له: ما هذا يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، إني لأراك وجعا؟ قال: أجل، دس إلي هذا الطاغية من سقاني سما، فقد وقع على كبدي فهو يخرج قطعا كما ترى، قلت له: أفلا تتداوى؟ قال: قد سقاني مرتين وهذه الثالثة لا أجد لها دواء (2).

وروى الثقة الجليل علي بن محمد الخزاز القمي بسنده عن جنادة بن أبي أمية، قال: دخلت على الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام في مرضه الذي توفي فيه، وبين يديه طست يقذف عليه (3) الدم، ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي أسقاه معاوية، فقلت: يا مولاي مالك لا تعالج نفسك؟ فقال: يا عبد الله بماذا أعالج الموت؟ قلت: * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * (4)، ثم التفت إلي، فقال: والله لقد عهد (5) إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله، إن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماما من ولد علي وفاطمة عليهما السلام، مامنا إلا مسموم أو مقتول.

ثم رفعت الطست واتكئ صلوات الله عليه (6)، قال: فقلت له: عظني يا ابن رسول الله، قال: نعم استعد لسفرك، وحصل زادك قبل حلول أجلك، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه. وساق الكلام في ذكر موعظته عليه السلام - إلى أن قال: - ثم انقطع نفسه واصفر لونه

ص :91


1- في المصدر: (ملئ).
2- الاحتجاج: ج 1 ص 291.
3- في المصدر: (فيه).
4- البقرة: 156.
5- في المصد ر: (إنه لعهد عهده).
6- في الخطية: (وبكى).

حتى خشيت عليه ودخل الحسين عليه السلام، والأسود بن أبي الأسود، فانكب عليه حتى قبل رأسه وعينيه (1)، ثم قعد عنده فتسارا جميعا، فقال أبو الأسود: إنا لله إ ن الحسن قد نعيت إليه نفسه، وقد أوصى إلى الحسين عليه السلام، وتوفي يوم الخميس في آخر صفر سنة خمسين من الهجرة وله سبعة وأربعون سنة، ودفن بالبقيع، انتهى (2).

قلت: ومما أوصى عليه السلام إلى أخيه الحسين عليه السلام أن قال: إذا أنا مت فهيئني، ثم وجهني إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله لاجدد به عهدا، ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة رحمة الله عليها فادفني هناك، وستعلم يا ابن أم أن القوم يظنون إنكم تريدون دفني عند [جدي] (3) رسول الله صلى الله عليه وآله فيجلبون [في منعكم] (4) في ذلك ويمنعونك منه، وبالله أقسم عليك أن تهرق في أمري محجمة دم، ثم وصى إليه عليهما السلام باهله وولده، وتركاته، وما كان وصى به إليه أمير المؤمنين عليه السلام، حين استخلفه، فلما قبض سلام الله عليه غسله (5) الحسين عليه السلام وكفنه وحمله على سريره، وانطلق به إلى مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان يصلي فيه على الجنائز.

فصلى عليه، ولم يشك مروان ومن معه من بني أمية أنهم سيدفنونه عند رسول الله صلى الله عليه وآله فتجمعوا ولبسوا السلاح، فلما توجه به الحسين عليه السلام إلى قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله ليجدد به عهدا، أقبلوا إليه في جمعهم ولحقتهم الحميراء (6) على بغل، وهي تقول: مالي ولكم تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب؟ نحوا ابنكم عن بيتي فإنه لا يدفن فيه شئ ولا يهتك على رسول الله حجابه.

منعته عن حرم النبي ضلالة * وهو ابنه فلأي أمر يمنع فكأنه روح النبي وقد رأت * بالبعد بينهما العلائق تقطع (7)

ص :92


1- في المصدر: (وبين عينيه).
2- كفاية الأثر: ص 226، وعنه البحار: ج 44 ص 138 ح 6.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- ورد في حاشية الخطية: (ولي غسله الحسين عليه السلام، ومحمد والعباس واخوته، وصلى عليه سعيد بن العاص).
6- في المصدر (عائشة).
7- منتهى الآمال: ج 1 ص 517، ولم نهتد لقائله.

فقال لها الحسين عليه السلام: قديما هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأدخلت بيته من لا يحب رسول الله صلى الله عليه وآله قربه، وإن الله تعالى يسألك عن ذلك، وجعل مروان يقول: يا رب هيجاء هي خير من دعة، أيدفن عثمان في أقصى المدينة، ويدفن الحسن مع النبي؟ لا يكون ذلك أبدا، وأنا أحمل السيف.

وكادت الفتنة أن تقع بين بني هاشم وبين بني أمية، فبادر ابن عباس إلى مروان، فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت فإنا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكنا نريد أن نجدد به عهدا بزيارته، ثم نرده إلى جدته فاطمة رحمة الله عليها فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان أوصى بدفنه مع النبي صلى الله عليه وآله لعلمت إنك أقصر باعا من ردنا عن ذلك، لكنه كان أعلم بالله وبرسوله وبحرمة قبره من أن يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير اذنه (1).

وفي المناقب: ورموا بالنبال جنازته حتى سل منها سبعون نبلا (2).

وفي زيارة أمير المؤمنين: * (وأنتم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته، وشهيد فوق الجنازة، قد شكت بالسهام أكفانه، وقتيل بالعراء قد رفع فوق القناة رأسه، ومكبل في السجن قد رضت بالحديد أعضاؤه، ومسموم قد قطعت بجرع السم أمعاؤه (3)) *.

أقول: شكت - بالشين بعدها الكاف - أي خرقت وشبكت بالموحدة بينهما تصحيف، ففي الحديث إن رجلا دخل بيته فوجد حية فشكها بالرمح، أي خرقها وانتظمها به.

وقال الشاعر (4) في رثاء الحسن عليه السلام:

ص :93


1- كشف الغمة: ج 1 ص 585 بتفاوت يسير.
2- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 44.
3- بحار الأنوار: ج 99 ص 166 قطعة من ح 6، نقلا عن المزار الكبير.
4- منتهى الآمال: ج 1 ص 516، ولم نهتد لقائله، وفيه: (وله الكتاب المستبين مود ع) بدل (وغدت له زمر الملائك تخضع).

نعش له الروح الأمين مشيع * وغدت له زمر الملائك تخضع تثلوا له حقد الصدور فما يرى * منها لقوس بالكنانة منزع ورموا جنازته فعاد وجسمه * غرض لرامية السهام وموقع شكوه حتى أصبحت من نعشه * تستل غاشية النبال وتنزع روى المسعودي في مروج الذهب عن أهل البيت عليهم السلام: إنه لما دفن الحسن عليه السلام، وقف محمد بن الحنفية أخوه على قبره، فقال: أبا محمد لئن طابت حياتك، لقد فجع مماتك، وكيف لا تكون كذلك وأنت خامس أهل الكساء، وابن محمد المصطفى، وابن علي المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، وابن شجرة طوبى، ثم أنشأ يقول رضي الله عنه:

أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي * وخدك معفور وأنت سليب أأشرب ماء المزن من غير مائه * وقد ضمن الأحشاء منك لهيب سأبكيك ما ناحت حمامة أيكة * وما اخضر في دوح الحجاز قضيب غريب وأكناف الحجاز تحوطه * ألا كل من تحت التراب غريب (1) وفي المناقب، وقال الحسين عليه السلام لما وضع الحسن عليه السلام في لحده:

أأدهن رأسي أم أطيب محاسني * ورأسك معفور وأنت سليب (2) الحميري عن جعفر عن أبيه عليهما السلام، قال: إن الحسين بن علي عليهما السلام، كان يزور قبر الحسن عليه السلام في كل عشية جمعة (3).

وروى الشيخ في التهذيب، إنه قال الحسن بن علي عليهما السلام: يا رسول الله ما لمن زارنا؟ قال: من زارني حيا أو ميتا، أو زار أباك حيا أو ميتا، أو زار أخاك حيا أو ميتا، أو زارك حيا أو ميتا، كان حقا علي أن أستنقذه يوم القيامة، إلى آخره (4).

* *

ص :94


1- مروج الذهب: ج 2 ص 429.
2- المناقب لابن شهرآشوب: 4 ص 45.
3- قرب الإسناد: ص 65.
4- تهذيب الأحكام: ج 6 ص 40 و 83.

حسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام

اشارة

النور الخامس: الإمام الثالث الشهيد المظلوم أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب إمام الإنس والجن سيد شباب أهل الجنة عليهما السلام

ص :95

فصل في ذكر ولادته عليه السلام

ولد عليه السلام بالمدينة آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة كما اختار ذلك المفيد في المقنعة (1)، والشيخ في التهذيب (2)، والشهيد في الدروس (3)، والبهائي في تاريخه (4)، وصاحب كشف الغطاء (5) وغيره.

وهذا يوافق ما رواه الكليني عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كان بين الحسن والحسين طهر، وكان بينهما في الميلاد ستة أشهر وعشرا (6). حيث أراد بالطهر مقدار أقل زمان الطهر، وهو عشرة أيام.

وروي أيضا لم يكن بين الحسن والحسين عليهما السلام إلا طهر واحد (7)، وإن مدة حمل الحسين عليه السلام ستة أشهر.

ولكن المشهور أنه ولد عليه السلام في ثالث شعبان واختاره الشيخان في مسار الشيعة (8)، والمصباح (9)، وهو يوافق التوقيع الشريف.

ص :97


1- المقنعة: ص 467.
2- تهذيب الأحكام: ج 6 ص 41.
3- الدروس الشرعية: ج 2 ص 8.
4- توضيح المقاصد: ص 10.
5- كشف الغطاء: ص 12.
6- الكافي: ج 1 ص 463 ح 2.
7- بحار الأنوار: ج 43 ص 247.
8- مسار الشيعة: ج 7 ص 61 (ضمن مصنفات
9- مصباح المتهجد: ص 826. الشيخ المفيد).

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه صلى الظهر يوما، فرأى جبرائيل عليه السلام، فقال: الله أكبر، فأخبره جبرائيل برجوع جعفر من أرض الحبشة، فكبر ثانيا، فجاءت البشارة بولادة الحسين عليه السلام، فكبر ثالثا، أورده صاحب جواهر الكلام في أواخر مبحث التعقيب (1).

وروي أن الله تعالى هنأ النبي صلى الله عليه وآله بحمل الحسين وولادته، وعزاه بقتله [ومصابه] (2) فعرفت فاطمة عليها السلام فكرهت ذلك، فنزلت: * (حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * (3) (4).

أقول: الذي يظهر لي من بعض أخبار اللوح، إن مولاتنا فاطمة عليها السلام لما اغتمت بولادة الحسين عليه السلام أعطاها أبوها اللوح ليسرها بذلك، والخبر هذا:

روى الصدوق عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ قال له جابر: في أي الأوقات شئت.

فخلا به أبي عليه السلام، فقال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يدي أمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وما أخبرتك به أمي، إن في ذلك اللوح مكتوبا، قال جابر: أشهد بالله، إني دخلت على أمك فاطمة صلوات الله عليها في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله أهنئها (5) بولادة الحسين عليه السلام، فرأيت في يدها لوحا أخضر ظننت أنه زمرد، ورأيت فيه كتابا أبيض شبه نور الشمس، فقلت لها: بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا اللوح أهداه الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وآله، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني وأسماء الأوصياء من ولدي،

ص :98


1- جواهر الكلام: ج 10 ص 409.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- الأحقاف: 15.
4- دلائل الإمامة: ص 72.
5- في المصدر: (لأهنئها).

فأعطانيه [أبي عليه السلام] (1) ليسرني بذلك، قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة فقرأته وانتسخته، فقال أبي عليه السلام: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ قال: نعم، فمشى معه أبي عليه السلام حتى انتهى إلى منزل جابر، فأخرج إلى أبي عليه السلام صحيفة من ر ق، قال جابر: فأشهد بالله إني هكذا رأيته في اللوح مكتوبا: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز العليم (2) لمحمد نوره وسفيره... الخ (3).

وروي أنه لما ولد الحسين عليه السلام أمر الله تعالى جبرائيل، أن يهبط في ملأ (4) من الملائكة فيهنئ محمدا صلى الله عليه وآله، فهبط فمر بجزيرة فيها ملك يقال له: فطرس، بعثه الله في شئ، فأبطأ فكسر جناحه، فألقاه (5) في تلك الجزيرة، فعبد الله سبعمائة عام.

فقال فطرس لجبرائيل: إلى أين؟ فقال: إلى محمد صلى الله عليه وآله، قال: احملني معك [إلى محمد] (6) لعله يدعو لي، فلما دخل جبرائيل، وأخبر محمدا صلى الله عليه وآله بحال فطرس، قال له النبي صلى الله عليه وآله: قل له يتمسح (7) بهذا المولود فتمسح (8) فطرس بمهد الحسين عليه السلام، فأعاد الله عليه في الحال جناحه، ثم ارتفع مع جبرائيل إلى السماء (9).

وفي بعض الروايات أن الملك كان اسمه صلصائيل فلما قصوا على النبي صلى الله عليه وآله قصته، قام رسول الله صلى الله عليه وآله فدخل على فاطمة صلوات الله عليها، فقال: ناوليني ابني الحسين، فأخرجته إليه مقموطا يناغي جده رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرج به إلى الملائكة فحمله على بطن كفه، فهللوا وكبروا وحمد والله تعالى

ص :99


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (الحكيم).
3- عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 42 ح 2.
4- في بعض المصادر: (ألف).
5- في المصدر: (وألقاه).
6- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
7- في المصدر: (يمسح).
8- في المصدر: (فمسح).
9- الخرائج والجرائح: ج 1 ص 252، وأمالي الصدوق: ص 118 ح 8، وكامل الزيارات: ص 66، واثبات الوصية: ص 161.

وأثنوا عليه، فتوجه به إلى القبلة نحو السماء، فقال: اللهم إني أسألك بحق ابني الحسين أن تغفر لصلصائيل خطيئته، وتجبر كسر جناحه، وترده إلى مقامه مع الملائكة المقربين، فتقبل الله تعالى من النبي صلى الله عليه وآله ما أقسم به عليه، وغفر لصلصائيل خطيئته وجبر كسره (1)، ورده إلى مقامه مع الملائكة المقربين (2).

وفي مدينة المعاجز، قال: ولم يبق ملك في السماء إلا ونزل على رسول الله صلى الله عليه وآله، يعزيه بولده الحسين عليه السلام، ويخبرونه بثواب ما يعطى من الزلفى والأجر والثواب يوم القيامة، ويخبرونه بما يعطى من الأجر زائره والباكي عليه، والنبي صلى الله عليه وآله مع ذلك يبكي ويقول: اللهم اخذل من خذله، واقتل من قتله، ولا تمتعه بما أمله في الدنيا، واصله حر نارك في الآخرة (3).

فصل في مواعظ مولانا الإمام الحسين عليه السلام

في ذكر موعظة من كلامه عليه السلام:

قال عليه السلام: أوصيكم بتقوى الله وأحذركم أيامه، وأرفع لكم أعلامه، فكأن المخوف قد أفل (4) بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاعتلق مهجكم، وحال بين العمل وبينكم، فبادروا بصحة الأجسام، ومدة (5) الاعمار، كأنكم نبعات طوارقه، فتنقلكم من ظهر الأرض إلى بطنها، ومن علوها إلى أسفلها، ومن آنسها إلى وحشتها، ومن روحها وضوئها إلى ظلمتها، ومن سعتها إلى ضيقها، حيث لا يزار حميم، ولا يعاد سقيم، ولا يجاب صريخ، أعاننا الله وإياكم على أهوال ذلك

ص :100


1- في المصدر: (كسر جناحه).
2- بحار الأنوار: ج 43 ص 259 قطعة من ح 47.
3- مدينة المعاجز: ص 236 ح 6.
4- في المصدر: (أفد).
5- في المصدر: (في مدة).

اليوم، ونجانا وإياكم من عقابه، وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه، عباد الله فلو كان ذلك قصر مرماكم، ومدى مظعنكم، كان حسب العامل شغلا يستفرغ عليه أحزانه ويذهله عن دنياه، ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه، مستوقف على حسابه، لا وزير له يمنعه، ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذ لا ينفع نفسا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا، قل انتظروا، انا منتظرون، أوصيكم بتقوى الله فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه، فإن الله تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته، ولا ينال ما عنده، إلا بطاعته إن شاء الله (1).

وفي وصية موسى بن جعفر عليهما السلام لهشام، قال: وقال الحسين بن علي (2) عليهما السلام: إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها، بحرها وبرها، وسهلها وجبلها، عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله، كفئ الظلال، ثم قال عليه السلام: ألا حر (3) يدع هذه اللماظة لأهلها - يعني الد نيا - ليس (4) لأنفسكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس (5).

ونقل السيد الاجل السيد علي خان، من كتاب خلق الإنسان، للفاضل النيسابوري إنه قال: كان الحسين بن علي سيد الشهداء عليه السلام كثيرا ما ينشد هذه الأبيات، وتزعم الرواة أنها مما أملته نفسه الطاهرة على لسان مكارمه الوافرة:

لئن كانت الا فعال يوما لأهلها * كمالا فحسن الخلق أبهى وأكمل وإن كانت الأرزاق رزقا مقدر ا * فقلة جهد المرء في الكسب أجمل

ص :101


1- تحف العقول: ص 170.
2- في المصدر: (علي بن الحسين عليهما السلام).
3- في المصدر: (أو لا حر).
4- في المصدر: (فليس).
5- تحف العقول: ص 292.

وإن كانت الدنيا تعد نفيسة * فدار ثواب الله أعلى وانبل وإن كانت الأبدان للموت أنشئت * فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل وإن كانت الأموال للترك جمعها * فما بال متروك به المرء يبخل (1) وروي انه عليه السلام لما نزل كربلاء أقبل على أصحابه، فقال: الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون (2).

فصل في استشهاد الإمام الحسين وفضل زيارته عليه السلام

قال شيخنا المفيد رضي الله عنه في الإرشاد: مضى الحسين عليه السلام في يوم السبت العاشر من المحرم، سنة إحدى وستين من الهجرة بعد صلاة الظهر، منه قتيلا مظلوما، ظمآن صابرا محتسبا على ما شرحناه، وسنه يومئذ ثمان وخمسون سنة، أقام منها مع جده رسول الله صلى الله عليه وآله سبع سنين، ومع أبيه أمير المؤمنين عليه السلام سبعا وثلاثين سنة، ومع أخيه الحسن عليه السلام سبعا وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته بعد أخيه إحدى عشرة سنة.

وكان عليه السلام يخضب بالحناء والكتم، وقتل عليه السلام، وقد نصل (3) الخضاب من عارضيه، وقد جاءت روايات كثيرة، في فضل زيارته عليه السلام بل في وجوبها.

فروي عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، أنه قال: زيارة الحسين بن علي عليهما السلام، واجبة على كل من يعتقده ويقر للحسين عليه السلام بالإمامة من الله عز وجل.

ص :102


1- بحار الأنوار: ج 45 ص 49، نقلا عن أبي علي السلامي، وفيه اختلاف.
2- تحف العقول: ص 174.
3- نصل: خرج، ذكره الأزهري نقلا عن أبي عبيد في تهذيب اللغة: مادة (نصل) ج 12 ص 190.

وقال عليه السلام: زيارة الحسين عليه السلام تعدل مائة حجة مبرورة، ومائة عمرة متقبلة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من زار الحسين عليه السلام بعد موته فله الجنة. والأخبار في هذا الباب كثيرة، انتهى (1).

وقال في المقنعة: وروى يونس بن ظبيان، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:

جعلت فداك، إني كثيرا ما أذكر الحسين عليه السلام، فأي شئ أقول؟ قال: قل: صلى الله عليك يا أبا عبد الله، تعيد ذلك ثلاثا، فإن التسليم يصل إلينا من قريب ومن بعيد (2).

وقال شيخنا الشهيد قدس سره في الدروس: وثواب زيارته لا يحصى، حتى روي أن زيارته فرض على كل مؤمن، وأن تركها ترك حق لله تعالى ولرسوله، وأن تركها عقوق رسول الله صلى الله عليه وآله، وانتقاص في الإيمان والدين، وأنه حق على الغني زيارته في السنة مرتين، والفقير في السنة مرة.

وأن من أتى عليه حول ولم يأت قبره نقص من عمره حول، وأنها تطيل العمر، وأن أيام زيارته لا تعد من الأجل، وتفرج الهم (3) وتمحص الذنوب، ولكل خطوة حجة مبرورة، وله بزيارته أجر عتق ألف نسمة، وحمل على ألف فرس في سبيل الله، وله بكل درهم أنفقه عشرة آلاف درهم، وأن من أتى قبره عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

إلى أن قال: ومن بعد عنه وصعد على سطحه، ورفع (4) رأسه إلى السماء ثم توجه إلى قبره عليه السلام، قال: السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، كتب الله له زورة - والزورة حجة وعمرة - ولو فعل ذلك في كل يوم خمس مرات كتب الله له ذلك (5).

* *

ص :103


1- الإرشاد للمفيد: ص 252.
2- المقنعة: ص 491.
3- في المصدر: (الغم).
4- في المصدر: (ثم رفع).
5- الدروس الشرعية: ج 2 ص 9 و 11.

علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام

اشارة

النور السادس: الإمام الرابع سيد الساجدين ومصباح المتهجدين وقدوة المتقين أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام

ص :105

فصل في ذكر ولادته وعبادته عليه السلام

ولد عليه السلام بالمدينة المعظمة، يوم النصف من جمادي الأولى سنة 36 ه ست وثلاثين يوم فتح البصرة، ونزول النصر على أمير المؤمنين عليه السلام، وغلبته على أصحاب الجمل (1)، وقيل: في الخامس من شعبان سنة 38 ثمان وثلاثين (2).

وأمه ذات العلى والمجد شاه زنان بنت يزد جرد:

وهو ابن شهريار بن كسرى * ذو سؤدد ليس يخاف كسرى.

وقيل: كان اسمها شهر بانويه (3)، وفيه يقول أبو الأسود:

وإن غلاما بين كسرى وهاشم * لأكرم من نيطت عليه التمائم (4).

كان يقال له: ذو الثفنات (5) - جمع ثفنة بكسر الفاء - وهي من الانسان الركبة

ص :107


1- الاقبال لابن طاووس: ص 621، ومصباح الكفعمي: ص 511، واختلف بعضهم في سنة ولادته، فمنهم من قال: (في النصف من جمادى الأولى سنة 38 ه) كما في مسار الشيعة: ص 53، وتاريخ الأئمة لابن أبي الثلج البغدادي: ص 9، ودلائل الإمامة للطبري: ص 80.
2- كشف الغمة: ج 2 ص 73، الفصول المهمة: ص 201.
3- المستجاد من كتاب الإرشاد للعلامة الحلي: ص 452.
4- الأغاني: ج 2 ص 88، وخزانة الأدب: ج 1 ص 160، وقائله: الطرماح ابن ميادة، وفيه: أنا ابن أبي سلمى وجدي ظالم * وأمي حصان أخلصتها الأعاجم أليس غلام بين كسرى وظالم * بأكرم من نيطت عليه التمائم
5- الفصول المهمة: ص 201.

ومجتمع الساق والفخذ (1)، لأن طول السجود أثر في ثفناته.

قال الزهري: ما رأيت هاشميا أفضل من علي بن الحسين عليهما السلام (2).

وعن أبي جعفر عليه السلام، قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة (3).

وروي أنه كان عليه السلام له خمسمائة نخلة، وكان يصلي عند كل نخلة ركعتين، وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة (4).

وكان إذا توضأ للصلاة يصفر لونه فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء، فيقول: تدرون بين يدي من أريد أن أقوم (5).

وعن ابن عائشة، قال: سمعت أهل المدينة يقولون: فقدنا صدقة السر، حين مات علي بن الحسين عليهما السلام (6).

ولما مات وجردوه للغسل، جعلوا ينظرون إلى آثار في ظهره، فقالوا: ما هذا؟ قيل: كان يحمل جربان (7) الدقيق على ظهره ليلا، ويوصلها إلى فقراء المدينة سرا (8).

وكان يقول أن صدقة السر تطفئ غضب الرب (9).

وعن علي بن إبراهيم عن أبيه، قال: حج علي بن الحسين عليهما السلام، ماشيا فسار من المدينة إلى مكة عشرين يوما وليلة (10).

ص :108


1- انظر جمهرة اللغة لابن دريد: مادة (ثفن) ج 2 ص 47.
2- الإرشاد للمفيد: ص 257، وروضة الواعظين: ج 1 ص 197، والفصول المهمة: ص 03 2
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 150، والإرشاد للمفيد: ص 256، وروضة الواعظين: ج 1 ص 197.
4- الخصال: ج 2 ص 517، بتفاوت، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 150.
5- البحار: ج 46 ص 78 ضمن ح 75.
6- حلية الأولياء: ج 3 ص 136، والفصول المهمة ص 202.
7- في المصدر: (جرب).
8- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 154.
9- حلية الأولياء: ج 3 ص 136، والفصول المهمة: ص 202.
10- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 155، الإرشاد للمفيد: ص 256.

وعن زرارة بن أعين، قال: سمع سائل في جوف الليل وهو يقول: أين الزاهدون في الدنيا، الراغبون في الآخرة؟ فهتف به هاتف من ناحية البقيع يسمع صوته ولا يرى شخصه: ذاك علي بن الحسين عليهما السلام (1).

وفي تذكرة السبط حكى الزهري عن عائشة، قالت: رأيت علي بن الحسين عليهما السلام، ساجدا في الحجر وهو يقول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فما دعوت بها في كرب إلا وفرج عني (2).

وعن طاووس: إني لفي الحجر ليلة إذ دخل علي بن الحسين عليهما السلام، فقلت:

رجل صالح من أهل بيت النبوة لأسمعن دعاء ه، فسمعته يقول: عبدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، [سائلك بفنائك] (3)، قال: فما دعوت بهن في كرب إلا فرج عني (4).

وعن ربيع الأبرار للزمخشري، أنه قال: لما وجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة لاستباحة أهل المدينة، ضم علي بن الحسين عليهما السلام إلى نفسه أربعمائة منانية (5) بحشمهن يعولهن إلى أن تقوض جيش مسلم، فقالت امرأة منهن: ما عشت والله بين أبوي بمثل (6) ذلك الشريف (7) (8).

وكان يقال له: آدم بني حسين، لأنه الذي تشعبت منه أفنانهم، وتفرعت عنه أغصانهم (9).

ص :109


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 148.
2- تذكرة الخواص: ص 331، وفيه (عبدك) بدل (عبيدك).
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- الفصول المهمة: ص 202، وإعلام الورى: ص 255.
5- في المصدر: (منافية)، نسبة إلى عبد مناف جد الهاشميين.
6- في المصدر: (مثل).
7- في المصدر: (التريف)، والتريف: عيش الريف، وهو السعة في المأكل والمشرب.
8- ربيع الأبرار للزمخشري: ج 1 ص 427.
9- سفينة البحار: ج 2 ص 233.

وكان عليه السلام إذا حضرت الصلاة إقشعر جلده واصفر لونه وارتعد كالسعفة (1).

وكان إذا قام في صلاته غشي لونه لون آخر، وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل، كانت أعضاؤه ترتعد من خشية الله عز وجل، وكان يصلي صلاة مودع (2).

وكان في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه شئ إلا ما حركت الريح منه (3)، وإذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقا (4)، وإذا كان شهر رمضان لم يتكلم إلا بالدعاء والتسبيح والاستغفار والتكبير (5)، وكان له خريطة فيها تربة الحسين عليه السلام، وكان لا يسجد إلا على التراب (6).

وكان عليه السلام، يقول: لو مات من بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي، وكان إذا قرأ: * (مالك يوم الدين) * يكررها حتى كاد أن يموت (7).

وكان إذا صلى يبرز (8) إلى موضع خشن فيصلي فيه، ويسجد على الأرض فأتى الجبان (9) يوما، ثم قام على حجارة خشنة محرقة، فأقبل يصلي، وكان كثير البكاء، فرفع رأسه من السجود وكأنما غمس في الماء من كثرة دموعه (10).

ص :110


1- فلاح السائل: ص 101.
2- الخصال: ج 2 ص 517 قطعة من ح 4.
3- الكافي: ج 3 ص 300 ح 4.
4- تهذيب الأحكام: ج 2 ص 286 ح 1145، والكافي: ج 3 ص 300 ح 5.
5- الكافي: ج 4 ص 88 قطعة من ح 8.
6- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 150، نقلا عن مصباح المتهجد، ونقل في مصباح المتهجد ص 733، رواية عن معاوية بن عمر، قال: كان لأبي عبد الله عليه السلام خريطة ديباج صفراء، فيها تربة أبي عبد الله عليه السلام، فكان إذا حضرته الصلاة صبه على سجادته وسجد عليه.
7- أخرجه الكليني في الكافي: ج 2 ص 602 ح 13.
8- في المصدر: (برز).
9- الجبان في الأصل: الصحراء، ذكره الأزهري في تهذيب اللغة: مادة (جبن) ج 11 ص 124، والجبانة قيل: موضع بالمدينة (منه)، وقيل: محل في الكوفة، انظر معجم البلدان: ج 2 ص 16.
10- دعوات الراوندي: ص 32 ح 68.

وكانت شدة اجتهاده عليه السلام في العبادة، بحيث أتت فاطمة بنت علي عليه السلام إلى جابر الأنصاري، وقالت له: [يا صاحب رسول الله] (1) أن لنا عليكم حقوقا ومن حقنا عليكم إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه اجتهادا، أن تذكروه [الله] (2) وتدعو ه إلى البقيا (3) على نفسه، وهذا علي بن الحسين بقية أبيه قد انحزم (4) انفه وثفنت (5) جبهته وركبتاه وراحتاه، أذاب نفسه في العبادة.

فأتى جابر إلى بابه واستأذن، فلما دخل عليه وجده في محرابه قد انضته (6) العبادة، فدعاه إلى البقيا على نفسه، فقال: يا جابر لا أزال على منهاج أبوي متأسيا بهما حتى ألقاهما (7).

وروي أنه عليه السلام كان إذا وقف في الصلاة لم يسمع شيئا لشغله بالصلاة، فسقط بعض ولده في بعض الليالي فانكسرت يده فصاح أهل الدار، وأتاهم الجيران وجئ بالمجبر فجبر الصبي وهو يصيح من الألم، وكل ذلك لا يسمعه، فلما أصبح رأى الصبي يده مربوطة إلى عنقه، فقال: ما هذا؟ فأخبروه (8).

ووقع حريق في بيت هو فيه ساجد، فجعلوا يقولون: يا بن رسول الله النار النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له بعد قعوده: ما الذي ألهاك عنها؟ قال:

ألهتني: عنها النار الكبرى (9).

وروي أنه عليه السلام كان في الصلاة فسقط محمد ابنه عليه السلام في البئر فلم يثن عن صلاته، وهو يسمع اضطراب ابنه في قعر البئر، فلما فرغ من صلاته مد يده إلى قعر البئر، فأخرج ابنه وقال: كنت بين يدي جبار لو ملت بوجهي عند لما بوجهه عني،

ص :111


1- ما بين المعقوفتين ساقط من المخطوطة والمطبوعة، وأثبتنا ه من المصدر.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من المخطوطة والمطبوعة، وأثبتنا ه من المصدر.
3- جبهته البقيا: الاسم من أبقيت عليه إبقاء إذا رحمته وأشفقت عليه.
4- في المصدر: (انخرم).
5- في المصدر: (ونقبت).
6- في المصدر: (انصبته).
7- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 148.
8- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 150.
9- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 150.

وكان حضور قلبه في العبادة بحيث تمثل إبليس بصورة أفعى ليشغله فما شغله (1).

وروي عن حماد بن حبيب العطار الكوفي [القطان] قال: خرجنا [سنة] (2) حجاجا فرحلنا من زبالة (3) ليلا فاستقبلتنا ريح سوداء مظلمة، فتقطعت القافلة، فتهت في تلك الصحارى والبراري، فانتهيت إلى واد قفر، فلما أن جن الليل، آويت إلى شجرة عادية، فلما أن اختلط الظلام، إذا أنا بشاب قد أقبل عليه أطمار (4) بيض، تفوح منه رائحة المسك، فقلت في نفسي: هذا ولي من أولياء الله، متى ما أحس بحركتي خشيت نفاره، وأن أمنعه عن كثير مما يريد فعاله، فأخفيت نفسي ما استطعت فدنا إلى الموضع فتهيأ للصلاة، ثم وثب قائما وهو يقول: (يا من حاز كل شئ ملكوتا وقهر كل شئ جبروتا [صل على محمد وآل محمد (5)] وأولج قلبي فرح الاقبال عليك، وألحقني بميدان المطيعين لك). قال: ثم دخل في الصلاة فلما أن رأيته قد هدأت أعضاؤه، وسكنت حركاته قمت إلى الموضع الذي تهيأ للصلاة فإذا بعين تفيض بماء أبيض فتهيأت للصلاة ثم قمت خلفه، فإذا أنا بمحراب كأنه مثل في ذلك الوقت، فرأيته كلما مر بآية فيها ذكر الوعد والوعيد يرددها بأشجان الحنين (6)، فلما أن تقشع الظلام وثب قائما وهو يقول: (يا من قصده الطالبون (7) فأصابوه مرشدا، وأمه الخائفون فوجدوه متفضلا (8)، ولجأ إليه العابدون فوجدوه موئلا، متى راحة من نصب لغيرك بدنه؟! ومتى فرج من قصد سواك بنيته (9)، إلهي قد تقشع (10) الظلام ولم أقض من خدمتك وطرا، ولا من

ص :112


1- دلائل الإمامة: ص 83 بتفاوت يسير.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- زبالة - بضم أوله -: منزل معروف بطريق مكة من الكوفة (معجم البلدان: ج 2 ص 912).
4- الطمر - بالكسر -: الثوب الخلق، انظر تهذيب اللغة: مادة (طمر) ج 13 ص 344.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- في المصدر: (بانتحاب وحنين).
7- في المصدر: (الضالون).
8- في المصدر: (معقلا).
9- في المصدر: (بهمته).
10- في المصدر: (انقشع).

حياض مناجاتك صدرا، صل على محمد وآله، وأفعل بي أولى الأمرين بك، يا أرحم الراحمين).

فخفت أن يفوتني شخصه، وأن يخفى علي أثره، فتعلقت به، فقلت له: بالذي أسقط عنك ملال التعب، ومنحك شدة شوق لذيذ الرغب ألا لحقتني منك جناح رحمة، وكنف رقة، فإني ضال وبغيتي كلما صنعت، ومناي كلما نطقت، فقال: لو صدق توكلك ما كنت ضالا، ولكن اتبعني واقف أثري.

فلما أن صار بجنب الشجرة أخذ بيدي، فخيل إلي أن الأرض تمد من تحت قدمي، فلما انفجر عمود الصبح، قال لي: ابشر فهذه مكة، قال: فسمعت الضجة، ورأيت المحجة، فقلت: بالذي ترجوه يوم الآزفة ويوم الفاقة، من أنت؟ فقال: أما إذا أقسمت، فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام (1).

وفي إثبات الوصية روي عن سعيد بن المسيب، قال: قحط الناس يمينا وشمالا، فمددت عيني فرأيت شخصا أسود على تل قد انفرد، فقصدت نحوه فرأيته يحرك شفتيه، فلم يتم دعاءه حتى أقبلت غمامة، فلما نظر إليها حمد الله وانصرف وأدركنا المطر حتى ظنناه الغرق، فاتبعته حتى دخل دار علي بن الحسين عليهما السلام فدخلت إليه عليه السلام.

فقلت له عليه السلام: يا سيدي في دارك غلام أسود تفضل علي ببيعه، فقال: يا سعيد ولم لا يوهب لك، ثم أمر القيم على غلمانه يعرض كل من في الدار عليه فجمعوا فلم أر صاحبي بينهم، فقلت: فلم أره، فقال: أنه لم يبق إلا فلان السائس فأمر به، فأحضر فإذا هو صاحبي، فقلت له عليه السلام: هذا هو.

فقال له: يا غلام إن سعيدا قد ملكك فامض معه، فقال لي الأسود: ما حملك علي أن فرقت بيني وبين مولاي، فقلت له: إني رأيت ما كان منك على التل، فرفع

ص :113


1- الخرائج والجرائح: ج 1 ص 265 ح 9.

يده إلى السماء مبتهلا، ثم قال: إن كانت سريرة [ما (1)] بينك وبيني فاذن (2) قد أذعتها علي فاقبضني إليك، فبكى علي بن الحسين عليهما السلام وبكى من حضره، وخرجت باكيا.

فلما صرت إلى منزلي وافاني رسوله، فقال لي: إن أردت أن تحضر جنازة صاحبك فافعل، فرجعت معه ووجدت العبد قد مات بحضرته (3).

فصل في مكار م أخلاق الإمام زين العابدين عليه السلام

كان علي بن الحسين عليهما السلام، ليخرج في الليلة الظلماء، فيحمل الجراب على ظهره وفيه الصرر من الدنانير والدراهم، وربما حمل على ظهره الطعام أو الحطب، حتى يأتي بابا بابا فيقرعه، ثم يناول من يخرج إليه، وكان يغطي وجهه لئلا يعرفه الفقير، ولما وضع على المغتسل نظروا إلى ظهره، وعليه مثل ركب الإبل.

وكان يعول مائة أهل بيت من فقراء المدينة، وكان يعجبه أن يحضر طعامه اليتامى والزمني (4) والمساكين، وكان يناولهم بيده ويحمل الطعام لمن كان له عيال إلى عياله، وكان إذا جنه الليل وهدأت العيون قام إلى منزله، فجمع ما يبقى فيه من قوت أهله، وجعله في جراب ورمى به على عاتقه، وخرج إلى دور الفقراء وهو متلثم، ويفرق عليهم (5).

وروي عن علي يزيد، قال: كنت مع علي بن الحسين عليهما السلام عندما انصرف

ص :114


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- (فاذن) غير موجودة في المصدر.
3- إثبات الوصية: ص 148.
4- الزمانة: العاهة، والجمع زمني لأنه جنس للبلايا التي يصابون بها ويدخلون فيها وهم لها كارهون (انظر لسان العرب: مادة (زمن) ج 6 ص 87).
5- الخصال: ج 2 ص 517 تلخيص من ح 4.

من الشام إلى المدينة، فكنت أحسن إلى نسائه وأقضي حوائجه، فلما نزلوا المدينة بعثن إلي بشئ من حليهن فلم آخذه، فقلت: فعلت هذا لله تعالى [ولرسوله] (1)، فأخذ علي بن الحسين عليهما السلام حجرا أسود أصم فطبعه بخاتمه، ثم قال لي: خذه وسل (2) كل حاجة لك منه فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق لقد كنت أسأله الضوء (3) في البيت فيسرج في الظلماء وأضعه على الاقفال فتنفتح [لي] (4) وآخذه بيدي وأقف بين يدي السلاطين (5) فلا أرى منهم شرا (6).

قال شيخنا الحر العاملي مشيرا إلى هذه المعجزة:

والحجر الأسود لما طبعه * أرى عجيبا الذي كان معه وكم له من معجز وفضل * وشرف باد وقول فصل وروى معتب عن الصادق عليه السلام، قال: كان علي بن الحسين عليهما السلام شديد الاجتهاد في العبادة، نهاره صائم وليله قائم، فأضر [ذلك] (7) بجسمه، فقلت له: يا أبه كم هذا الدؤب؟ فقال له: أتحبب إلى ربي لعله يزلفني (8).

وعن دعوات الراوندي عن الباقر عليه السلام، قال: قال علي بن الحسين عليهما السلام:

مرضت مرضا شديدا، فقال لي أبي عليه السلام: ما تشتهي؟ فقلت: أشتهي أن أكون ممن لا أقترح على الله ربي [سوى] (9) ما يدبره لي، فقال لي: أحسنت، ضاهيت إبراهيم الخليل عليه السلام حيث قال جبرائيل عليه السلام: هل من حاجة؟ فقال: لا أقترح على ربي، بل حسبي الله ونعم الوكيل (10).

ص :115


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (وافض).
3- في المصدر: (كنت أجعله في البيت المظلم) بدل (كنت أسأله الضوء).
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- في المصدر: (الملوك).
6- دلائل الإمامة: ص 85.
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
8- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 155.
9- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
10- دعوات الراوندي: ص 168.

أقول: الاقتراح: الاجتباء والاختيار والتحكم وارتجال الكلام (1).

وروي أنه ضرب غلاما له، قرعه بسوط، ثم بكى وقال لأبي جعفر عليه السلام:

اذهب إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فصل ركعتين، ثم قل: اللهم اغفر لعلي بن الحسين خطيئته يوم الدين، ثم قال للغلام: اذهب فأنت حر لوجه الله (2).

وروي أنه قيل له عليه السلام: إنك أبر الناس ولا تأكل مع أمك في قصعة، وهي تريد ذلك؟ قال: أكره أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون عاقا لها (3).

أقول: الظاهر إن المراد من أمه هي - هنا - أم ولد كانت تحضنه فكان يسميها اما، وأما أمه شاه زنان فقد توفيت في نفاسها.

وعنه عليه السلام كان يدعو خدمه كل شهر ويقول: إني قد كبرت ولا أقدر على النساء فمن أراد منكن التزويج زوجتها، أو البيع بعتها، أو العتق أعتقتها، فإذا قالت إحداهن: لا، قال: اللهم اشهد حتى يقول ثلاثا، وإن سكتت واحدة منهن قال لنسائه: سلوها ما تريد، وعمل على مرادها (4).

وكان إذا أتاه السائل قال: مرحبا بمن يحمل زادي إلى الآخرة (5).

قال ابن الأثير في الكامل: لما سير يزيد مسلم بن عقبة إلى المدينة قال: فإذا ظهرت عليهم فأبحها (6) ثلاثا، فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس، وانظر علي بن الحسين فاكفف عنه، واستوص به خيرا، فإنه لم يدخل مع الناس، وإنه قد أتاني كتابه.

وقد كان مروان بن الحكم، كلم ابن عمر لما أخرج أهل المدينة عامل يزيد وبني أمية في أن يغيب أهله عنده، فلم يفعل فكلم علي بن الحسين عليهما السلام، فقال:

ص :116


1- انظر تهذيب اللغة: مادة (قرح) ج 4 ص 39.
2- كتاب الزهد لأبي محمد الحسين بن سعيد الكوفي: ص 43.
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 162.
4- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 163.
5- كشف الغمة: ج 2 ص 76.
6- في المصدر: (فانهبها).

إن لي حرما وحرمي تكون مع حرمك. فقال: أفعل، فبعث بامرأته، وهي عائشة ابنة عثمان بن عفان، وحرمه إلى علي بن الحسين عليهما السلام، فخرج علي [بن الحسين] عليه السلام بحرمه وحرم مروان إلى ينبع، وقيل: بل أرسل حرم مروان وأرسل معهم ابنه عبد الله بن علي إلى الطائف (1).

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كان بالمدينة رجل بطال يضحك أهل المدينة من كلامه، فقال يوما لهم: قد أعياني هذا الرجل يعني علي بن الحسين عليهما السلا م، فما يضحكه مني شئ ولا بد من أن احتال في أن اضحكه، قال: فمر علي بن الحسين عليهما السلام ذات يوم ومعه موليان له فجاء ذلك البطال حتى انتزع رداءه من ظهره واتبعه الموليان فاسترجع الرداء منه، والقياه عليه وهو مخبت لا يرفع طرفه من الأرض، ثم قال لمولييه: ما هذا؟ فقالا له: رجل بطال يضحك أهل المدينة، ويستطعم منهم بذلك، قال: فقولا له يا ويحك إن لله يوما يخسر فيه البطالون (2).

فصل في ذكر نبذ من كلامه عليه السلام

روي عنه عليه السلام أنه كان يقول: إن بين الليل والنهار روضة يرتعي في رياضها الأبرار، ويتنعم في حدائقها المتقون، فادأبوا رحمكم الله في سهر هذا الليل، بتلاوة القرآن في صدره، وبالتضرع والاستغفار في آخره، وإذا ورد النهار فأحسنوا قرأه بترك التعرض لما يرد بكم من محقرات الذنوب، فإنها مشرفة بكم على قباح العيوب، وكأن الرحلة قد أظلتكم وكأن الحادي قد حدا بكم، جعلنا الله وإياكم ممن أغبطه فهمه ونفعه علمه (3).

ص :117


1- الكامل في التاريخ: ج 4 ص 112.
2- الأمالي للصدوق: ص 183 ح 6 بتفاوت يسير.
3- الدر النظيم: الباب السادس فصل في ذكر نبذ من كلامه (مخطوطة).

وقال عليه السلام في جملة كلامه: وإياك والابتهاج بالذنب، فإن الابتهاج بالذنب أعظم من ركوبه (1).

وعن الباقر عليه السلام قال: كان أبي زين العابدين عليه السلام إذا نظر إلى الشباب الذين يطلبون العلم أدناهم إليه، وقال: مرحبا بكم أنتم ودائع العلم، ويوشك إذا أنتم صغار قوم، إن تكونوا كبارا آخرين (2).

وروي إنه جاء رجل إلى علي بن الحسين عليهما السلام يشكو إليه حاله، فقال:

مسكين ابن آدم له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهن، ولو أعتبر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا، فأما المصيبة الأولى: فاليوم الذي ينقص من عمره، قال: وإن ناله نقصان في ماله أغتم به، والدرهم يخلف عنه والعمر لا يرده شئ (3). والثانية: إنه يستوفي رزقه فإن كان حلالا حوسب عليه وإن كان حراما عوقب (4). قال: والثالثة أعظم من ذلك. قيل: وما هي؟ قال: ما من يوم يمسي إلا وقد دنا من الآخرة مرحله (5) لا يدري على الجنة أم على النار. وقال: أكبر ما يكون ابن آدم اليوم الذي يلد من أمه، قالت الحكماء: ما سبقه إلى هذا أحد (6).

وقال الكفعمي في البلد الأمين ندبة مولانا زين العابدين عليه السلام رواية الزهري:

يا نفس حتام إلى الحياة سكونك، والى الدنيا وعمارتها ركونك، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك، ومن وارته الأرض من الإفك، ومن فجعت به من إخوانك، ونقلت إلى دار البلى من أقرانك.

فهم في بطون الأرض بعد ظهورها * محاسنهم فيها بوال دواثر خلت دورهم منهم واقوت عراصهم * وساقهم (7) نحو المنايا المقادر وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها * وضمتهم تحت التراب الحفائر

ص :118


1- الدر النظيم: الباب السادس فصل في ذكر نبذ من كلامه (مخطوطة).
2- نفس المصدر السابق.
3- (شئ) غير موجودة في المصدر.
4- في المصدر بزيادة: (عليه).
5- في المصدر: (رحله).
6- الاختصاص: ص 342.
7- في المدر: (وساقتهم).

كم اخترمت أيدي المنون من قرون بعد قرون، وكم غيرت الأرض ببلاها، وغيبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف الناس وشيعتهم إلى الأرماس (1).

وأنت على الدنيا مكب منافس * لخطابها فيها حريص مكاثر على خطر تمسي وتصبح لاهيا * أتدري بماذا لو عقلت تخاطر وإن امرئ يسعى لدنياه جاهدا * ويذهل عن اخراه لا شك خاسر فحتام على الدنيا إقبالك، وبشهوتها اشتغالك، وقد وحظك (2) القتير، ووافاك النذير، وأنت عما يراد بك ساه، وبلذة يومك لاه.

وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى * عن اللهو واللذات للمرء زاجر أبعد اقتراب الأربعين تربص * وشيب القذال منذ ذلك ذاعر كأنك معني بما هو ضائر * لنفسك عمدا أو عن الرشد جائر انظر إلى الأمم الماضية، والقرون الفانية، والملوك العاتية كيف انتسفتهم الأيام فأفناهم الحمام (3) فامتحت من الدنيا آثارهم، وبقيت فيها أخبارهم.

واضحوا رميما في التراب واقفرت * مجالس منهم عطلت ومقاصر وحلوا بدار لا تزاور بينهم * وأنى لسكان القبور التزاور فما إن ترى إلا جثى قد ثروا (4) بها * مسنمة تسفي عليها الأعاصر كم عاينت من ذي عز وسلطان، وجنود وأعوان، تمكن من دنياه، ونال منها مناه، فبنى الحصون والدساكر (5)، وجمع الاعلاق والذخائر.

فما صرفت كف المنية إذ أتت * مبادرة تهوى إليه الذخائر

ص :119


1- الرمس: القبر، والجمع أرماس: راجع لسان العرب: مادة (رمس): ج 5 ص 314.
2- في المصدر: (وخطك).
3- الحمام: قضاء الموت وقدره (انظر لسان العرب: مادة (حمم) ج 3 ص 338).
4- في المصدر: (ثووا).
5- الدسكرة: بناء كالقصر حوله بيوت للأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي (انظر لسان العرب مادة (دسكر) ج 4 ص 347).

ولا دفعت عنه الحصون التي بنى * وحف بها أنهارها والدساكر ولا قارعت عنه المنية خيله * ولا طمعت في الذب عنه العساكر أتاه من أمر الله ما لا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد، فتعالى الملك الجبار المتكبر القهار، قاصم الجبارين ومبير المتكبرين.

مليك عزيز ما يرد قضاؤه * عليم حكيم نافذ الامر قاهر عنا كل ذي عز لعزة وجهه * فكل عزيز للمهيمن صاغر لقد خشعت واستسلمت وتضاءلت * لعزة ذي العرش الملوك الجبابر فالبدار البدار، والحذار الحذار من الدنيا ومكائدها، وما نصبت لك من مصائدها، وتجلى لك من زينتها، واستشرف لك من فتنتها.

وفي دون ما عاينت من فجعاتها * إلى رفضها داع وبالزهد آمر فجد ولا تغفل فعيشك زائل * وأنت إلى دار المنية صائر ولا تطلب الدنيا فإن طلابها * وان نلت منها غبه لك ضائر فهل يحرص عليها لبيب، أو يسر بلذتها أريب، وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها، أم كيف تنام عين من يخشى البيات، أو تسكن نفس من يتوقع الممات.

ألا لا ولكنا تغر نفوسنا * وتشغلنا اللذات عما نحاذر وكيف يلذ العيش من هو موقن * بموقف عدل حين تبلى السرائر كأنا نرى ألا نشور واننا * سدى مالنا بعد الفناء مصائر وما عسى أن ينال طالب الدنيا من لذتها، ويتمتع به من بهجتها مع فنون مصائبها، وأصناف عجائبها، وكثرة تعبه في طلابها، و [تكادحه] (1) في اكتسابها وما يكابد (2) من أسقامها وأوصابها.

ص :120


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (وتكابده) بدل (وما يكابد).

وما أن بنى في كل يوم وليلة * يروح عليها صرفها ويباكر تعاوره آفاتها وهمومها * وكم ما عسى يبقى لها المتعاور فلا هو مغبوط بدنياه آمن * ولا هو عن تطلابها النفس غادر (1) كم غرت من مخلد إليها، وصرعت من مكب عليها، فلم تنعشه من صرعته، ولم تقله من عثرته، ولم تداوه من سقمه ولم تشفه من ألمه.

بلى أوردته بعد عز ومنعة * موارد سوء ما لهن مصادر فلما رأى ألا نجاة وأنه * هو الموت لا ينجيه منه المؤازر تندم لو يغنيه طول ندامة * عليه وأبكته الذنوب الكبائر بكى على ما أسلف من خطاياه، وتحسر على ما خلف من دنياه حيث لا ينفعه الاستعبار، ولا ينجيه الاعتذار من هول المنية، ونزول البلية.

أحاطت به آفاته وهمومه * وابلس لما أعجزته المعاذر فليس له من كربة الموت فارج * وليس له مما يحاذر ناصر وقد جشأت خوف المنية نفسه * ترددها دون اللهاة الحناجر هنالك خف عنه عواده، وأسلمه أهله وأولاده، وارتفعت الرنة والعويل، ويئسوا من برء العليل، غضوا بأيديهم عينيه، ومدوا عند خروج نفسه رجليه.

فكم موجع يبكي عليه تفجعا * ومستنجد صبرا وما هو صابر ومسترجع داع له الله مخلص * يعدد منه خير ما هو ذاكر وكم شامت مستبشر بوفاته * وعما قليل كالذي صار صائر شق جيوبها نساؤه، ولطم خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزئه (2) إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه وتشمروا لابرازه.

فظل أحب القوم كان لقربه * يحث على تجهيزه ويبادر وشمر من قد احضروه لغسله * ووجه لما فاظ للقبر حافر

ص :121


1- في المصدر: (قاصر).
2- في المصدر: (رزيته).

وكفن في ثوبين فاجتمعت له * مشيعة إخوانه والعشائر فلو رأيت الأصغر من أولاده، وقد غلب الحزن على فؤاده، فغشي من الجزع عليه، وقد خضبت الدموع خديه، ثم أفاق وهو يندب أباه، ويقول بشجو وا ويلاه.

لأبصرت من قبح المنية منظرا * يهال لمرآة ويرتاع ناظر أكابر أولاد يهيج اكتئابهم * إذا ما تناساه البنون الأصاغر ورنة نسوان عليه جوازع * مدامعها فوق الخدود غزائر ثم اخرج من سعة قصره، إلى ضيق قبره، فحثوا بأيديهم التراب وأكثروا التلدد والانتحاب، ووقفوا ساعة عليه، وقد يئسوا من النظر إليه.

فولوا عليه معولين وكلهم * لمثل الذي لاقى أخوه محاذر كشاء رتاع آمنات بدا لها * بمذئبة باد الذراعين حاسر (1) فراعت ولم ترتع قليلا وأجفلت * فلما انتحى منها الذي هو حاذر عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفبأفعال البهائم اقتدينا، وعلى عادتها جرينا، عد إلى ذكر المنقول إلى الثرى، والمدفوع إلى هول ما ترى.

هوى مصرعا في لحده وتوزعت * مواريثه أرحامه والأواصر وانحوا على أمواله يخضمونها * فما حامد منهم عليها وشاكر فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها * ويا آمنا من أن تدور الدوائر كيف أمنت هذه الحالة، وأأنت صائر إليها لا محالة، أم كيف تتهنأ بحياتك وهي مطيتك إلى مماتك، أم كيف تسيغ طعامك وأنت تنتظر حمامك.

ولم تتزود للرحيل وقد دنا * وأنت على حال وشيكا مسافر فيا ويح نفسي كم أسوف توبتي * وعمري فان والردى لي ناظر وكل الذي أسلفت في الصحف مثبت * يجازي عليه عادل الحكم قاهر فكم ترقع بد ينك دنياك، وتركب في ذلك هواك، لأراك ضعيف اليقين يا

ص :122


1- في المصدر: (بمدية باد للذراعين حاسر).

راقع الدنيا بالدين، أبهذا أمرك الرحمن، أم على هذا دلك القرآن.

تخرب ما يبقى وتعمر فانيا * فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر وهل لك إن وافاك حتفك بغتة * ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي * ودينك منقوص ومالك وافر فبك إلهنا نستجير يا عليم يا خبير، من نؤمل لفكاك رقابنا غيرك ومن نرجوا لغفران ذنوبنا سواك، وأنت المتفضل المنان، القائم الديان العائد علينا بالإحسان، بعد الإساءة منا والعصيان. يا ذا العزة والسلطان، والقوة والبرهان، أجرنا من عذابك الأليم، واجعلنا من سكان دار النعيم، يا أرحم الراحمين (1).

فصل في مدحه واستلامه الحجر الأسود عليه السلام

روى الشيخ الكشي وغيره عن ابن عائشة: إن هشام بن عبد الملك حج في خلافة عبد الملك [والوليد] (2)، وطاف بالبيت فأراد أن يستلم الحجر فلم يقدر عليه من الزحام، فنصب له منبر فجلس [عليه] (3)، وأطاف به أهل الشام، فبينا هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين عليهما السلام وعليه ازار ورداء، من أحسن الناس وجها وأطيبهم رائحة، وبين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز، فجعل يطوف بالبيت فإذا بلغ [إلى موضع] (4) الحجر تنحى الناس عنه حتى يستلمه هيبة له واجلالا، فغاظ ذلك هشاما، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة وأفرجوا له عن الحجر؟ فقال هشام: لا أعرفه، لئلا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق وكان حاضرا: لكني أعرفه: فقال الشامي: ومن هذا يا أبا فراس؟ فقال:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم

ص :123


1- البلد الأمين: ص 320 - 323.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم هذا علي رسول الله والده * أمست بنور هداه تهتدي الأمم (1) إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمى إلى ذروة العز التي قصرت * عن نيلها عرب الإسلام والعجم (2) يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم ينشق نور الهدى عن نور غرته * كالشمس تنجاب في اشراقها الظلم (3) بكفه خيزران ريحها (4) عبق * من كف أروع من عرنينه شمم مشتقة من رسول الله نبعته * طابت عناصره (5) والخيم والشيم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا الله فضله قدما وشرفه (6) * جرى بذاك له في لوحه القلم وليس قولك: من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم لا يخلف الوعد ميمون نقيبته * رحب الفناء أريب حين يعتزم عم البرية بالإحسان فانقشعت * عنها الغيابه (7) والإملاق والعدم من معشر حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل: (من خير أهل الأرض؟) قيل: هم يستدفع السوء (8) والبلوى بحبهم * ويسترب به الإحسان والنعم مقدم بعد ذكر الله ذكرهم * في كل بدء ومختوم به الكلم

ص :124


1- في المصدر: (الظلم).
2- ورد البيت في ديوانه: ج 2 ص 355، هكذا: (ينمى إلى ذروة الدين التي قصرت عنها الأكف، وعن إدراكها القدم).
3- في ديوانه: (ثوب الدجى) بدل (نور الهدى) و (عن) بدل (في).
4- وفيه: (ريحه) بدل (ريحها).
5- وفيه: (مغارسه) بدل (عناصر ه)
6- وفيه: (الله شرفه قدما وعظمه) بدل (الله فضله قدما وشرفه).
7- وفيه: (الغياهب) بدل (الغيابه).
8- وفيه: (الشر) بدل (السوء).

لا يستطيع جواد بعد غايتهم (1) * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا لا يقبض (2) العسر بسطا من أكفهم * سيان ذلك: إن أثروا وإن عدموا أي الخلائق ليست في رقابهم * لأولية هذا أو له نعم من يعرف الله يعرف أولوية ذا (3) * فالدين من بيت هذا ناله الأمم ما قال: لا قط، إلا في تشهده * لولا التشهد كانت لاءه نعم القصيدة، ولم أذكر تمامها رعاية للاختصار.

فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق فحبس بعسفان بين مكة والمدينة، وبلغ ذلك علي بن الحسين عليهما السلام فبعث إليه باثني عشر ألف درهم، الخبر (4).

قال الأستاذ الأكبر المحقق البهبهاني رحمه الله، قال جدي: وذكر عبد الرحمن الجامي في سلسلة الذهب هذه القصيدة منظومة بالفارسية، وذكر أن كوفية رأت في النوم الفرزدق وقالت له: ما فعل الله بك، قال: غفر الله لي بقصيدة علي بن الحسين عليهما السلام، قال الجامي: وبالحرى (5) أن يغفر الله للعالمين بهذه القصيدة، مع اشتهاره بالنصب والعداوة (6).

فصل في حلم علي بن الحسين عليهما السلام وعفوه

روى شيخنا المفيد في الإرشاد: أنه وقف على علي بن الحسين عليهما السلام رجل

ص :125


1- وفيه: (جودهم) بدل (غايتهم).
2- وفيه: (لا ينقص) بدل (لا يقبض).
3- (من يشكر الله يشكر أولية ذا) بدل (من يعرف الله يعرف أولوية ذا).
4- الكشي: 129، وديوانه: ج 2 ص 353، وتذكرة الخواص: ص 329.
5- الحري: معناها أن ينال الخير كله، أو يستجاب له (انظر لسان العرب: مادة (حري) ج 3 ص 147).
6- سلسلة الذهب لعبد الرحمن الجامي: ص 190، ولم نهتد لقول المحقق البهبهاني.

من أهل بيته، فاسمعه وشتمه فلم يكلمه فلما انصرف، قال لجلسائه: قد سمعتم ما قال هذا الرجل، وأنا أحب أن تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا مني ردي عليه، قال:

فقالوا له: نفعل، ولقد كنا نحب أن تقول له ونقول، قال: فأخذ نعليه ومشى وهو يقول: * (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) * (1) فعلمنا إنه لا يقول له شيئا، قال: [فخرج حتى أتى منزل الرجل فصرخ به، فقال: قولوا له هذا علي بن الحسين، قال:] (2) فخرج إلينا متوثبا للشر وهو لا يشك أنه إنما جاءه مكافيا له على بعض ما كان منه، فقال له علي بن الحسين عليهما السلام: يا أخي إنك كنت قد وقفت علي آنفا قلت وقلت، فإن كنت قد قلت ما في فأنا استغفر الله منه، وإن كنت قلت ما ليس في فغفر الله لك، قال: فقبل الرجل بين عينيه، وقال: بلى بل قلت فيك ما ليس فيك، وأنا أحق به، قال الراوي للحديث: والرجل هو الحسن بن الحسن رضي الله عنه (3).

قلت: ويقرب منه ما روي عن مشكاة الأنوار لسبط الشيخ الطبرسي عن حماد اللحام، قال: أتى رجل أبا عبد الله عليه السلام، فقال: إن فلانا ابن عمك ذكرك، فما ترك شيئا من الوقيعة والشتيمة إلا قاله فيك، فقال أبو عبد الله عليه السلام للجارية: إيتيني بوضوء، فتوضأ ودخل، فقلت في نفسي: يدعو عليه، فصلى ركعتين، فقال: يا رب هو حقي قد وهبته له (4)، وأنت أجود مني وأكرم فهبه لي، ولا تؤاخذه [بي] (5) ولا تقايسه، ثم رق فلم يزل يدعو فجعلت أتعجب (6).

وقال الشيخ المفيد رحمه الله: وقد روى عنه فقهاء العامة من العلوم ما لا تحصى كثرة وحفظ عنه من المواعظ والأدعية وفضائل القرآن والحلال والحرام والمغازي والأيام ما هو مشهور بين العلماء، ولو قصدنا إلى شرح ذلك لطال به

ص :126


1- آل عمران: 134.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- الإرشاد للمفيد: ص 257.
4- (له) غير موجودة في المصدر.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- مشكاة الأنوار: ص 217.

الخطاب، وتقضي (1) به الزمان، وقد روت الشيعة له آيات ومعجزات وبراهين واضحات، لم يتسع لذكرها هذا المكان، انتهى (2).

فصل في تاريخ وفاة الإمام زين العابدين عليه السلام

توفي عليه السلام بالمدينة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت أو مضت من المحرم سنة خمس وتسعين من الهجرة، وله يومئذ سبع وخمسون سنة (3)، سمه هشام بن عبد الملك، وكان في ملك الوليد بن عبد الملك (4).

وقال الشيخان: إنه توفي سلام الله عليه في اليوم الخامس والعشرين من المحرم سنة أربع وتسعين من الهجرة (5).

أقول: سميت سنة وفاته سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها من العلماء والفقهاء (6).

قال السبط في التذكرة: وكان عليه السلام سيد الفقهاء مات في أولها وتتابع الناس بعده، سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وعامة فقهاء المدينة، وقبره بالبقيع في القبة التي فيها العباس وعمه الحسن بن علي عليهما السلام (7).

روى الكليني عن أبي جعفر عليه السلام، قال: لما حضر علي بن الحسين عليهما السلام الوفاة ضمني إلى صدره و (8) قال: يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي عليه السلام حين حضرته الوفاة، وبما ذكر أن أباه أوصاه به، قال: يا بني إياك وظلم من لا يجد

ص :127


1- في المصدر (وانقضى).
2- الإرشاد للمفيد: ص 260.
3- توضيح المقاصد: ص 3، وكتاب تاج المواليد: ص 38، وإرشاد المفيد: ص 254.
4- نور الابصار للشبلنجي: ص 157، وفيه (قال ابن الصباغ المالكي المكي يقال: إنه مات مسموما وإن الذي سمه الوليد بن عبد الملك...).
5- مسار الشيعة: ص 45.
6- تذكرة الخواص: ص 332.
7- تذكرة الخواص: ص 332.
8- في المصدر: (ثم).

عليك ناصرا إلا الله (1).

وعن أبي الحسن عليه السلام، قال: إن علي بن الحسين عليهما السلام لما حضرته الوفاة أغمي عليه، ثم فتح عينيه وقرأ: * (إذا وقعت الواقعة) * (2) و * (إنا فتحنا لك) * (3)، وقال: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين، ثم قبض من ساعته ولم يقل شيئا (4).

وروي إنه لما مات علي بن الحسين عليهما السلام كانت له ناقة وقد حج عليها اثنين وعشرين حجة ما قرعها بمقرعة قط، فجاءت فأتت علي بن الحسين عليهما السلام وضربت بجرانها على القبر وتمرغت عليه ورغت وهملت عيناها، فأتى محمد بن علي عليهما السلام، فقيل: إن الناقة قد خرجت إلى القبر فضربت بجرانها ورغت وهملت، فأتاها فقال: مه الآن قومي بارك الله فيك، فثارت (5) ودخلت موضعها، فلم تلبث أن خرجت حتى أتت القبر فضربت بجرانها ورغت وهملت عيناها، فأتى محمد ابن علي عليه السلام، فقيل له: إن الناقة قد خرجت، فأتاها فقال: مه الآن قومي فلم تفعل، قال: دعوها فإنها مودعة فلم تلبث إلا ثلاثة حتى نفقت - أي ماتت - (6).

وقال الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي في الدر النظيم: كان سبب وفاة علي بن الحسين عليهما السلام، إن الوليد بن عبد الملك سمه، ولما دفن ضربت امرأته على قبره فسطاطا (7).

تتميم: روي إنه عليه السلام كان يقول في دعائه: اللهم من أنا حتى تغضب علي، فوعزتك ما يزين ملكك إحساني، يقبحه إساءتي، ولا ينقص من خزائنك

ص :128


1- الكافي: ج 2 ص 331 ح 5.
2- الواقعة: 1.
3- الفتح: 1.
4- الكافي: ج 1 ص 468 ح 5.
5- في المصدر: (فسارت).
6- راجع بصائر الدرجات ج 10 ب 9 ص 483 ح 11 بتفاوت يسير.
7- الدر النظيم: الباب السادس فصل في ذكر وفاته (مخطوطة).

غنائي (1)، ولا يزيد فيها فقري (2).

ومن دعائه عليه السلام كما في الصحيفة الكاملة التي هي من منشآته صلوات الله عليه: (فأسألك اللهم بالمخزون من أسمائك وبما وارته الحجب من بهائك، إلا رحمت هذه النفس الجزوعة وهذه الرمة الهلوعة التي لا تستطيع حر شمسك، فكيف تستطيع حر نارك، والتي لا تستطيع صوت رعدك، فكيف تستطيع غضبك؟ فارحمني اللهم فإني امرؤ حقير، وخطري يسير، وليس عذابي مما يزيد في ملكك مثقال ذرة) إلى آخر الدعاء (3).

فانظر أيدك الله في أخباره، والمح بعين الاعتبار عجائب آثاره، وفكر في زهده، وتعبده، وخشوعه، وتهجده، وأدعيته، وصلاته، وصدقاته، وملازمة عباداته، وتوسلاته، وأدعيته، ومناجاته التي تدل مع فصاحته، وبلاغته على خشوعه لربه وضراعته، ووقوفه موقف العصاة مع شدة طاعته، واعترافه بالذنوب مع براءة ساحته، وبكائه ونحيبه، وخفوق قلبه من خشية الله، ووجيبه وانتصابه، وقد أرخى الليل سدوله، وجر على الأرض ذيوله، مناجيا ربه، ملازما بابه، ممثلا نفسه بين يديه، معرضا عن كل شئ مقبلا عليه، قد انسلخ من الدنيا الدنية، وتعرى من الجثة البشرية، فجسمه ساجد في الثرى، وروحه متعلقة بالملأ الأعلى، يتململ إذا مر بآية من آيات الوعيد حتى كأنه المقصود بها مع إنه عنها بعيد. تجد أمورا عجيبة، وأحوالا غريبة، ونفسا من الله سبحانه قريبة، فلنقطع الكلام في هذا المقام أن ينتهي إلى آخره، فإن العبارة تعجز عن وصف فضله وعد مفاخره، صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه. * *

ص :129


1- في المصدر: (غناي).
2- بحار الأنوار: ج 46 ص 101 قطعة من ح 88.
3- الصحيفة السجادية الكاملة: دعاؤه في الرهبة ص 216 رقم 50.

امام باقر علیه السلام

اشارة

النور السابع: الإمام الخامس أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين باقر علم النبيين صلوات الله عليهم أجمعين

ص :131

فصل في ذكر ولادة وعلم مولانا باقر العلوم عليه السلام

ولد بالمدينة يوم الاثنين الثالث من صفر سنة سبع وخمسين من الهجرة (1)، وقيل: غرة رجب (2).

أمه عليه السلام أم عبد الله فاطمة بنت الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلا م، وهو هاشمي من هاشميين، وعلوي من علويين (3).

روي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: كانت أمي قاعدة عند جدار، فتصدع الجدار، وسمعنا هدة شديدة، فقالت بيدها: لا وحق المصطفى صلوات الله عليه وآله ما أذن الله لك في السقوط، فبقي معلقا [في الجو] (4) حتى جازته، فتصدق عنها أبي بمائة دينار.

وذكرها الصادق عليه السلام يوما، فقال: كانت صديقة، لم تدرك في آل الحسن [امرأة] (5) مثلها (6) سمي أبو جعفر عليه السلام باقرا لأنه بقر العلم بقرا، أي شقه شقا وأظهره إظهارا (7).

ص :133


1- الدروس: ص 12.
2- دلائل الإمامة: ص 94، مسار الشيعة: ص 57 (ضمن مصنفات الشيخ المفيد)، وفيهما: (ولد عليه السلام يوم الجمعة غرة رجب).
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 208 و 210.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- الكافي: ج 1 ص 469 ح 1.
7- علل الشرائع: ص 233 باب 168 ح 1.

وقال السبط ابن الجوزي: سمي الباقر من كثرة سجوده، بقر السجود جبهته، أي فتحها ووسعها، وقيل: لغزارة علمه (1).

قال الجوهري في الصحاح: التبقر التوسع في العلم (2).

وكان يتختم عليه السلام بخاتم جده الحسين عليه السلام، ونقشه: إن الله بالغ أمره (3).

وروي في وصف علمه عليه السلام عن عبد الله بن عطاء المكي، قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهما السلام، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه. وكان جابر بن يزيد الجعفي إذا روى عن محمد بن علي عليهم السلام شيئا يقول:

حدثني وصي الأوصياء ووارث علوم الأنبياء محمد بن علي بن الحسين صلوات الله عليهم (4).

وعن محمد بن مسلم، قال: ما شجر في رأيي شئ قط إلا سألت عنه أبا جعفر عليه السلام، حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، وسألت أبا عبد الله عليه السلام، عن ستة عشر ألف حديث (5).

وروي في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله، قال: إذا مضى الحسين عليه السلام قام بالأمر بعده علي ابنه عليه السلام، وهو الحجة والإمام، ويخرج الله من صلب علي ولدا سمي وأشبه الناس بي، علمه علمي، وحكمه حكمي، وهو الإمام والحجة بعد أبيه (6).

وروي عن الباقر عليه السلام، قال: لو وجدت لعلمي [الذي آتاني الله عز وجل حمله] (7) لنشرت التوحيد، والإسلام [والايمان] (8)، والدين، والشرائع من

ص :134


1- تذكرة الخواص: ص 336.
2- الصحاح: مادة (بقر) ج 2 ص 594.
3- عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 56 قطعة من ح 206، ومكارم الأخلاق: ص 91.
4- الإرشاد للمفيد: ص 263، وإعلام الورى: ص 263.
5- اختيار معرفة الرجال: ص 163 ح 276.
6- كفاية الأثر: ص 164.
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
8- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

الصمد، وكيف لي ولم يجد جدي أمير المؤمنين عليه السلام حملة لعلمه (1).

وبالجملة أظهر عليه السلام من مجنيات (2) كنوز المعارف، وحقائق الأحكام، والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة، وفاسد الطوية والسريرة، ومن ثم قيل: هو باقر العلوم وشاهرها (3).

وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر عليه السلام، وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى كان أبو جعفر عليه السلام، ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم، حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس (4).

قال الشيخ المفيد: ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين عليهما السلام من علم الدين والآثار والسنة، وعلم القرآن والسيرة، وفنون الأدب ما ظهر عن أبي جعفر عليه السلام، وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين، وصار بالفضل علما لأهله تضرب به الأمثال، وتصير (5) بوصفه الآثار والأشعار، وفيه يقول القرطبي:

يا باقر العلم لأهل التقى * وخير من لبى على الا جبل (6) وروي عن ميمون القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهم السلام، قال: دخلت على جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله، فسلمت عليه فرد علي السلام، ثم قال لي:

من أنت؟ وذلك بعد ما كف بصره، فقلت: محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، فقال:

يا بني ادن مني، فدنوت منه فقبل يدي، ثم أهوى إلى رجلي يقبلهما، فتنحيت

ص :135


1- كتاب التوحيد: ص 92 قطعة من ح 6.
2- في المصدر: (مخبآت).
3- الصواعق المحرقة: ص 201.
4- ذكر مضمونه الشيخ المفيد في إرشاده: ص 264.
5- في المصدر: (وتسير).
6- الإرشاد للمفيد: ص 261.

عنه، ثم قال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقرئك السلام، فقلت: وعلى رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته، وكيف ذلك يا جابر، فقال: كنت معه ذات يوم، فقال لي: يا جابر لعلك تبقى حتى تلقى رجلا من ولدي يقال له: محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام يهب الله له النور والحكمة فأقرأه مني السلام (1).

وروى الشيخ الكليني في كتاب الأطعمة من الكافي عن أبي حمزة الثمالي، قال: كنت جالسا في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله إذ أقبل رجل فسلم، فقال: من أنت يا عبد الله؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، فقلت: ما حاجتك، فقال لي: أتعرف أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام؟ فقلت: نعم، فما حاجتك إليه، قال: هيأت له أر بعين مسألة أسأله عنها، فما كان من حق أخذته، وما كان من باطل تركته، قال أبو حمزة: فقلت له: هل تعرف ما بين الحق والباطل؟ قال: نعم فقلت له: فما حاجتك إليه إذا كنت تعرف ما بين الحق والباطل، فقال لي: يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون إذا رأيت أبا جعفر فأخبرني.

فما انقطع كلا مي معه حتى أقبل أبو جعفر عليه السلام وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحج، فمضى حتى جلس مجلسه وجلس الرجل قريبا منه، قال أبو حمزة: فجلست حيث أسمع الكلام وحوله عالم من الناس، فلما قضى حوائجهم وانصرفوا التفت إلى الرجل، فقال له: من أنت؟ قال: أنا قتادة بن دعامة البصري، فقال له أبو جعفر عليه السلام: أنت فقيه أهل البصرة؟ قال: نعم، فقال أبو جعفر عليه السلام: ويحك يا قتادة إن الله جل وعز خلق خلقا من خلقه، فجعلهم حججا على خلقه، فهم أوتاد في أرضه، قوام بأمره، نجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه أظلة عن يمين عرشه، قال: فسكت قتادة طويلا، ثم قال: أصلحك الله والله لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك، قال له أبو جعفر عليه السلام: ويحك تدري أين أنت، أنت بين يدي :

ص :136


1- الإرشاد للمفيد: ص 262، وإعلام الورى: ص 263.

* (بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والأصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) * (1) فأنت ثم ونحن أولئك، فقال له قتادة: صدقت والله جعلني الله فداك، والله ما هي بيوت حجارة ولا طين، قال قتادة: فأخبرني عن الجبن [قال:] (2) فتبسم أبو جعفر عليه السلام، ثم قال:

رجعت مسائلك إلى هذا؟ قال: ضلت علي، فقال: لا بأس به، الحديث (3).

فصل في أحوال الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام

روي عن الزهري، قال: دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام في مرضه الذي توفي فيه، فدخل عليه محمد ابنه عليه السلام، فحدثه طويلا بالسر، فسمعته يقول فيما يقول: عليك بحسن الخلق (4).

وعن أبي بكر الحضرمي، قال: لما حمل أبو جعفر عليه السلام إلى الشام إلى هشام بن عبد الملك وصار ببابه، قال هشام لأصحابه: إذا سكت من توبيخ محمد بن علي فلتوبخوه، ثم أمر أن يؤذن له، فلما دخل عليه أبو جعفر عليه السلام، قال بيده: السلام عليكم فعمهم بالسلام جميعا، ثم جلس، فازداد هشام عليه حنقا بتركه السلام عليه بالخلافة، وجلوسه بغير إذن، فقال: يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين ودعا إلى نفسه وزعم أنه الإمام سفها وقلة علم، وجعل يوبخه.

فلما سكت أقبل القوم عليه رجل بعد رجل يوبخه، فلما سكت القوم نهض عليه السلام قائما، ثم قال: أيها الناس أين تذهبون وأين يراد بكم؟ بنا هدى الله أولكم، وبنا يختم آخركم، فإن يكن لكم ملك معجل، فإن لنا ملكا مؤجلا، وليس

ص :137


1- النور: 36 و 37.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- الكافي: ج 6 ص 256 ح 1.
4- كفاية الأثر: ص 241 و 242.

بعد ملكنا ملك لأنا أهل العاقبة، يقول الله عز وجل: * (والعاقبة للمتقين) * (1) فأمر به إلى الحبس.

فلما صار في الحبس تكلم فلم يبق في الحبس رجل إلا ترشفه وحن عليه (2)، فجاء صاحب الحبس إلى هشام وأخبره بخبره فأمر به، فحمل على البريد هو وأصحابه ليردوا إلى المدينة، وأمر أن لا تخرج لهم الأسواق، وحال بينهم وبين الطعام والشراب، فساروا ثلاثا لا يجدون طعاما ولا شرابا حتى انتهوا إلى مدين (3)، فاغلق باب المدينة دونهم، فشكا أصحابه العطش والجوع.

قال: فصعد جبلا أشرف عليهم، فقال بأعلى صوته: يا أهل المدينة الظالم أهلها، إنا بقية الله، يقول الله: * (بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ) * (4)، قال: وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم، فقال: يا قوم هذه والله دعوة شعيب عليه السلام والله لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذن من فوقكم ومن تحت أرجلكم فصدقوني هذه المرة وأطيعوني وكذبوني فيما تستأنفون فإني ناصح لكم، قال: فبادروا وأخرجوا إلى أبي جعفر وأصحابه الأسواق (5).

وفي الكافي: فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشيخ، فبعث إليه فحمله فلم يدر ما صنع به (6).

أقول: قال العلامة المجلسي رحمه الله في شرح الخبر: فلم يبق في الحبس رجل إلا ترشفه، الترشف: المص والتقبيل مع اجتماع الماء في الفم وهو كناية عن

ص :138


1- الأعراف: 128.
2- في المناقب: (وحسن عليه)، وفي الكافي ومرآة العقول: (وحن إليه).
3- يقال: مدين تجاه تبوك بين المدينة والشام على ست مراحل، وبها استقى موسى عليه السلام لبنات شعيب (معجم البلدان: ج 4 ص 451).
4- هود: 86.
5- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 189، والكافي: ج 1 ص 471 ح 5، ومرآة العقول: ج 6 ص 21 ح 5.
6- الكافي: ج 1 ص 472 قطعة من ح 5.

مبالغتهم في أخذ العلم عنه عليه السلام، أو عن غاية الحب ولعله تصحيف - ترسفه بالسين المهملة - يعني مشى إليه مشي المقيد يتحامل رجله مع القيد، انتهى (1).

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: إن محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أن مثل علي بن الحسين عليهما السلام يدع خلفا لفضل علي بن الحسين عليهما السلام حتى رأيت ابنه محمد بن علي عليهما السلام فأردت أن أعظه فوعظني، فقال له أصحابه: بأي شئ وعظك؟ قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيت محمد بن علي عليهما السلام، وكان رجلا بدينا وهو متكئ على غلامين له أسودين أو موليين له، فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا والله لأعظنه.

فدنوت منه فسلمت عليه فسلم علي بنهر، وقد تصبب عرقا، فقلت: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا؟ لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال (2)، قال: فخلى عن الغلامين من يده، ثم تساند وقال: لو جاءني والله الموت وأنا في هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله، أكف بها نفسي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله، فقلت: يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني (3).

[وقال المؤلف] الظاهر إن محمد بن المنكدر كان من متصوفة العامة كطاووس وشقيق وابن أدهم وأمثالهم، حكى صاحب المستطرف، عن محمد بن المنكدر: أنه جزأ عليه وعلى أمه وعلى أخته الليل أثلاثا، فماتت أخته، فجزأ عليه وعلى أمه فماتت أمه، فقام الليل كله (4).

ص :139


1- مرآة العقول: ج 6 ص 22 و 23.
2- في إعلام الورى: بزيادة (ما كنت تصنع؟).
3- الإرشاد للمفيد: ص 263 و 264.
4- المستطرف لأبي الفتح الأبشيهي: ج 1 ص 7.

أقول: لو صح هذا من ابن المنكدر فقد أخذ هذا من آل داود، فقد روي أن داود عليه السلام جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم يكن ساعة إلا وإنسان من أولاده [مشغولا] في الصلاة، فقال تعالى: * (اعملوا آل داود شكرا) * (1).

وروي أنه عليه السلام خرج حاجا فلما دخل المسجد ونظر إلى البيت بكى حتى علا صوته، ثم طاف بالبيت، وصلى عند المقام فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من كثرة دموع عينيه، وكان عليه السلام إذا ضحك، قال: اللهم لا تمقتني، وكان يقول في جوف الليل في تضرعه: أمرتني فلم أأتمر، ونهيتني فلم أنزجر، فها أنا ذا عبدك بين يديك ولا أعتذر (2).

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كان أبي عليه السلام إذا أحزنه أمر جمع النساء والصبيان ثم دعا، وأمنوا (3).

وقال أبو عبد الله عليه السلام: كان أبي كثير الذكر، لقد كنت أمشي معه وإنه ليذكر الله وآكل معه الطعام وإنه ليذكر الله، ولقد كان يحدث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر الله، وكنت أرى لسانه لازقا بحنكه يقول: لا إله إلا الله، وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منا ومن كان لا يقرأ منا أمره بالذكر (4).

فصل في مكارم أخلاقه عليه السلام

كان أبو جعفر الباقر عليه السلام مع ما وصف من الفضل في العلم والسؤدد والرئاسة

ص :140


1- سبأ: 13.
2- كشف الغمة: ج 2 ص 117 و 118، وعنه البحار: ج 46 ص 290 ح 14.
3- الكافي: ج 2 ص 487 باب الاجتماع في الدعاء ح 3.
4- الكافي: ج 2 ص 499 باب ذكر الله عز وجل قطعة من ح 1.

والإمامة ظاهر الجود في الخاصة والعامة، مشهور (1) الكرم في الكافة، معروفا بالتفضل والإحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله (2).

قال أبو عبد الله عليه السلام: كان أبي عليه السلام أقل أهل بيته مالا، وأعظمهم مؤونة، [قال] (3): وكان يتصدق كل جمعة بدينار، وكان يقول: الصدقة يوم الجمعة تضاعف، لفضل يوم الجمعة على غيره من الأيام (4).

وروي عن الحسن بن كثير، قال: شكوت إلى أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام الحاجة وجفاء الإخوان، فقال: بئس الأخ أخا يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا، ثم أمر غلامه فأخرج كيسا فيه سبعمائة درهم وقال: استنفق هذه فإذا نفدت فأعلمني (5).

وروي أنه عليه السلام كان يجيز (6) بالخمسمائة درهم إلى الستمائة إلى الألف درهم، وكان لا يمل من صلة الإخوان وقاصديه ومؤمليه وراجيه (7).

وروي عنه عن آبائه [عليه و] (8) عليهم السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان يقول: أشد الأعمال ثلاثة: مواساة الإخوان في المال، وإنصاف الناس من نفسك، وذكر الله على كل حال (9).

وروي عنه عليه السلام قوله: ما شيب شئ بشئ أحسن من حلم بعلم (10).

وعن الجاحظ في كتاب البيان والتبيين، قال: قد جمع محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام صلاح حال (11) الدنيا بحذافيرها في كلمتين، فقال: صلاح جميع

ص :141


1- في المصدر: (مشهود).
2- الإرشاد للمفيد: 265 و 266.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- بحار الأنوار: ج 46 ص 294 ح 23.
5- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 207، والإرشاد للمفيد: ص 266.
6- في المصدر: (يجيرنا)..
7- الإرشاد للمفيد: ص 266.
8- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
9- الإرشاد للمفيد: ص 266.
10- الإرشاد للمفيد: ص 266.
11- في المصدر: (شأن).

المعايش (1) والتعاشر، ملء مكيال، ثلثان (2) فطنة، وثلث (3) تغافل (4).

وقال له نصراني: أنت بقر؟ قال لا، أنا باقر، قال: أنت ابن الطباخة؟ قال: ذاك حرفتها، قال: أنت ابن السوداء الزنجية البذية، قال: إن كنت صدقت غفر الله لها، وان كنت كذبت غفر الله لك، قال: فأسلم النصراني (5).

أقول: ولقد اقتدى به سلام الله عليه في هذا الخلق الشريف أفضل الحكماء والمتكلمين سلطان العلماء والمحققين الوزير الأعظم الخواجة نصير الملة والدين قدس الله روحه، فقد ذكرنا في ترجمته في الفوائد الرضوية: إن ورقة حضرت إليه من شخص من جملة ما فيها، يا كلب بن كلب، فكان الجواب: أما قوله يا كذا فليس بصحيح لأن الكلب من ذوات الأربع، وهو نابح طويل الأظفار، وأما أنا فمنتصب القامة، بادي البشرة، عريض الأظفار ناطق ضاحك، فهذه الفصول والخواص غير تلك الفصول والخواص، وأطال في نقض كل ما قاله، هكذا رد عليه بحسن طوية وتأن غير منزعج، ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة. قلت:

ليس هذا ببدع ممن قال في حقه العلامة في اجازته الكبيرة، وكان هذا الشيخ أفضل [أهل] (6) عصره في العلوم العقلية والنقلية، وله مصنفات كثيرة في العلوم الحكمية، والأحكام الشرعية على مذهب الإمامية، وكان أشرف من شاهدناه في الأخلاق، نور الله مضجعه، قرأت عليه إلهيات الشفاء لأبي علي بن سينا، وبعض التذكرة في الهيئة تصنيفه، ثم أدركه الموت المحتوم قدس الله روحه، انتهى (7).

ص :142


1- في المصدر: (التعايش)..
2- في المصدر: (ثلثاه).
3- في المصدر: (وثلثه)..
4- البيان والتبيين: ج 1 ص 61، وعنه البحار: ج 46 ص 289 ح 12.
5- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 207، وعنه البحار: ج 46 ص 289 ح 12.
6- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
7- الفوائد الرضوية: ص 609 و 610.

فصل في نبذ من كلامه عليه السلام

ومن كلمات مولانا الباقر عليه السلام في الحكم:

قال عليه السلام: الكمال كل الكمال التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة (1).

وقال عليه السلام: من لم يجعل الله له في نفسه واعظا، فإن مواعظ الناس لن تغني عنه شيئا (2).

وقال عليه السلام: كم [من] (3) رجل قد لقى رجلا، فقال له: كبت (4) الله عدوك وماله عدو إلا الله (5).

وقال عليه السلام: ما عرف الله من عصاه، وأنشد:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا لعمرك في الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته * إن المحب لمن أحب مطيع (6) وقال في وصيته عليه السلام لجابر الجعفي: يا جابر اغتنم من أهل زمانك خمسا: إن حضرت لم تعرف، وإن غبت لم تفتقد، وإن شهدت لم تشاور، وإن قلت لم يقبل قولك، وإن خطبت لم تتزوج (7).

وقال عليه السلام: [إنما] (8) مثل الحاجة إلى من أصاب ماله حديثا، كمثل الدرهم في فم الأفعى، أنت إليه محوج، وأنت منها على خطر (9).

ص :143


1- تحف العقول: ص 214.
2- المصدر السابق: ص 214.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- في المصدر: (كب).
5- تحف العقول: ص 214.
6- المصدر السابق: ص 215.
7- المصدر السابق: ص 206.
8- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
9- تحف العقول: ص 215.

وقال عليه السلام: الحياء والإيمان مقرونان في قرن، فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه (1).

وقال لبعض شيعته وقد أراد سفرا، فقال له عليه السلام: أوصني، فقال: لا تسيرن سيرا (2) وأنت حاف، ولا تنزلن عن دابتك ليلا إلا ورجلاك في خف، ولا تبولن في نفق، ولا تذوقن بقلة، ولا تشمها حتى تعلم ما هي، ولا تشربن من سقاء حتى تعرف ما فيه، ولا تسيرن إلا مع من تعرف، واحذر من لا تعرف (3).

وقال عليه السلام: من أعطي الخلق والرفق فقد أعطي الخير والراحة وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حرم الخلق والرفق كان ذلك [له] (4) سبيلا إلى كل شر وبلية إلا من عصمه الله (5).

أقول: قد وردت روايات كثيرة في مدح الرفق وكفى في ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله، قال لجابر رضي الله عنه: إن هذا الدين لمتين (6)، فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى (7).

بيان: يقال للرجل إذا انقطع في سفره وعطب راحلته قد انبت من البت، أي القطع (8)، يريد أنه بقي في طريقه عاجزا عن مقصده لم يقض وطره وقد أعطب ظهره، والظهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب (9).

قال المحقق الطوسي في آداب المتعلم: ويغتنم أيام الحداثة وعنفوان الشباب، ولا يجهد نفسه جهدا يضعف النفس، وينقطع عن العمل، بل يستعمل

ص :144


1- تحف العقول: ص 217.
2- في المصدر: (شبرا).
3- أعلام الدين: ص 302.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- حلية الأولياء: ج 3 ص 186.
6- في المصدر: (متين).
7- المجازات النبوية للشريف الرضي: ص 260 ح 205.
8- انظر لسان العرب: مادة (بتت) ج 1 ص 307.
9- انظر لسان العرب: مادة (ظهر) ج 8 ص 275.

الرفق في ذلك، والرفق أصل عظيم في جميع الأشياء (1).

فصل في تاريخ وفاته عليه السلام

توفي أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام بالمدينة يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة أربع عشرة ومائة، وله سبع وخمسون سنة (2).

قيل سمه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك (3)، فتكون وفاته في أيام هشام بن عبد الملك، وقبره بالبقيع، في القبر الذي فيه أبوه وعم أبيه الحسن عليهم السلام، في القبة التي فيها العباس، وأوصى إلى ابنه جعفر عليه السلام، وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه يوم الجمعة، وأن يعممه بعمامته، وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع، وأن يحل عنه أطماره عند دفنه (4).

وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كتب أبي في وصيته، أن أكفنه في ثلاثة أثواب أحدها رداء له حبرة كان يصلي فيه يوم الجمعة، وثوب آخر وقميص، فقلت لأبي: لم تكتب هذا؟ فقال: [إني] (5) أخاف أن يغلبك الناس، وإن قالوا كفنه في أربعة أو خمسة فلا تفعل، وعممني بعمامة، وليس تعد العمامة من الكفن إنما يعد ما يلف به الجسد (6).

وعنه عليه السلام أيضا، قال لي أبي: يا جعفر أوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب

ص :145


1- لم يتوفر لدينا كتابه.
2- الدروس الشرعية: ج 2 ص 12، وفيه: (وروي سنة ست عشرة ومائة للهجرة).
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 210.
4- الإرشاد للمفيد: ص 271.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- فقه الرضا عليه السلام: ص 21.

تندبني عشر سنين بمنى أيام منى (1).

وروي أنه أوصى بثمانمائة درهم لمأتمه، وكان يرى ذلك من السنة، لأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اتخذوا لآل جعفر [بن أبي طالب] (2) طعاما فقد شغلوا (3).

وعن أبي عبد الله عليه السلام: إن رجلا كان على أميال من المدينة فرأى في منامه، فقيل له: انطلق فصل على أبي جعفر عليه السلام، فإن الملائكة تغسله في البقيع، فجاء الرجل فوجد أبا جعفر قد توفي صلوات الله وسلامه عليه (4).

* *

ص :146


1- الكافي: ج 5 ص 117 ح 1.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 182 ح 546.
4- الكافي: ج 8 ص 183 ح 207.

امام جعفر صادق علیه السلام

اشارة

النور الثامن: الإمام السادس ينبوع العلم ومعدن الحكمة واليقين مولانا أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق الأمين صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين

ص :147

فصل في ذكر ولادته عليه السلام

ولد عليه السلام بالمدينة يوم الاثنين سابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين من الهجرة (1)، وهو اليوم الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وآله، وهو يوم شريف عظيم البركة، ولم يزل الصالحون من آل محمد عليهم السلام من قديم الأيام يعظمون حقه، ويرعون حرمته، وفي صومه فضل كبير وثواب جزيل، ويستحب فيه الصدقة وزيارة المشاهد المشرفة، والتطوع بالخيرات، وإدخال المسرة على أهل الايمان (2).

أمه عليه السلام النجيبة الجليلة المكرمة، فاطمة المعروفة بأم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر (3).

قال أبو عبد الله عليه السلام: كانت أمي ممن آمنت واتقت وأحسنت، والله يحب المحسنين (4).

وعن عبد الأعلى، قال: رأيت أم فروة تطوف بالكعبة عليها كساء متنكرة،

ص :149


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 279، ودلائل الإمامة: ص 111.
2- مسار الشيعة: ص 50.
3- الكافي: ج 1 ص 472 باب مولد أبي عبد الله عليه السلام.
4- الكافي: ج 1 ص 472 قطعة من ح 1.

فاستلمت الحجر بيدها اليسرى، فقال لها رجل: يا أمة الله أخطأت السنة، فقالت:

إنا لأغنياء عن علمك (1).

[قال المؤلف:] الذي يظهر من الروايات أن سعيدة المعروفة بالفضل والعبادة كانت مولاة أم فروة وهي التي قال لها الصادق عليه السلام: أسأل الله الذي عرفنيك في الدنيا أن يزوجنيك في الجنة (2).

أقول: الظاهر أن الرجل كان من فقهاء العامة وكان المعروف بابن خربوذ (3) يعبر عن الصادق عليه السلام بابن المكرمة.

قال المسعودي في إثبات الوصية: وكان أبوها القاسم من ثقات أصحاب علي ابن الحسين عليهما السلام، وكانت من أتقى نساء زمانها، وروت عن علي بن الحسين عليهما السلام أحاديث، منها قوله لها: يا أم فروة أني لأدعو لمذنبي شيعتنا في اليوم والليلة مائة مرة يعني الاستغفار، لأنا نصبر على ما نعلم، وهم يصبرون على مالا يعلمون، انتهى (4).

ولام فروة أخت تعرف بأم حكيم كانت زوجة إسحاق العريضي بن عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، ولدت له القاسم وهو رجل جليل كان أميرا على اليمن، وهو أبو داود بن القاسم المعروف بأبي هاشم الجعفري البغدادي، العالم الورع، الثقة الجليل، الذي أدرك الرضا وبقية الأئمة عليهم السلام، وكان من وكلاء الناحية المقدسة، ولم يكن في آل أبي طالب مثله في علو النسب فإنه ينتهي إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بأبوين، القاسم بن إسحاق، توفي في جمادي الأولى سنة مائتين وإحدى وستين، وكان قبره مشهورا يزار على ما صرح به المسعودي (5).

ص :150


1- الكافي: ج 4 ص 428 ح 6.
2- الكشي: ص 366 ح 681، وعنه البحار: ج 47 ص 351 ح 56.
3- كان من أصحاب السجاد والباقر عليهما السلام (معجم رجال الحديث: ج 18 ص 28 2).
4- إثبات الوصية: ص 154.
5- مروج الذهب: ج 4 ص 63.

ولابن عياش كتاب في أخبار أبي هاشم الجعفري، يروي عنه الطبرسي في إعلام الورى (1).

فصل في أحوال الإمام جعفر الصادق عليه السلام

قال السيد الشبلنجي الشافعي في نور الأبصار في أحوال أبي عبد الله الصادق عليه السلام ما هذا لفظه:

ومناقبه كثيرة تكاد تفوت عند (2) الحاسب ويحار في أنواعها فهم اليقظ الكاتب. روى عنه جماعة من أعيان الأئمة وأعلامهم، كيحيى بن سعيد، وابن جريج (3)، ومالك بن أنس، والثوري، وابن عيينة، وأبي [حنيفة و] (4) أيوب السجستاني (5)، وغيرهم، قال أبو حاتم: جعفر الصادق عليه السلام ثقة لا يسأل عن مثله، قال ابن قتيبة في كتاب أدب الكاتب: وكتاب الجفر كتبه الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر، فيه كل ما يحتاجون إلى علمه إلى يوم القيامة، والى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري بقوله:

لقد عجبوا لآل البيت لما * أتاهم علمهم في جلد جفر ومرآة المنجم وهي صغرى * تريه كل عامرة وقفر والجفر من أولاد المعز، ما بلغ أربعة أشهر، وانفصل عن أمه (6).

وفي الفصول المهمة: نقل بعض أهل العلم أن كتاب الجفر الذي بالغرب يتوارثه (7) بنو عبد المؤمن بن علي [هو] (8) من كلام جعفر الصادق عليه السلام، وله فيه

ص :151


1- إعلام الورى: ص 333.
2- في المصدر: (عد).
3- غير موجود في المصدر.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- في المصدر: (السختياني).
6- نور الأبصار: ص 160.
7- في المدر: (يتوارثونه).
8- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

المنقبة السنية، والدرجة التي في مقام الفضل علية، انتهى (1).

وقال شيخنا المفيد رحمه الله: وكان الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام من بين إخوته خليفة أبيه محمد بن علي عليهما السلام ووصيه القائم بالإمامة من بعده، وبرز على جماعتهم بالفضل، وكان أنبههم ذكرا، وأعظمهم قدرا، وأجلهم في العامة والخاصة، ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في البلاد، ولم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، ولا لقي أحد منهم من أهل الآثار ونقلة الأخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد الله عليه السلام، فأن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل. وكان له عليه السلام من الدلائل الواضحة في إمامته ما بهرت القلوب، وأخرست المخالف عن الطعن فيها بالشبهات، انتهى (2).

وروي أنه عليه السلام كان يجلس للعامة والخاصة ويأتيه الناس من الأقطار يسألونه عن الحلال والحرام، وعن تأويل القرآن، وفصل الخطاب فلا يخرج أحد منهم إلا راضيا بالجواب، وبالجملة نقل عنه عليه السلام من العلوم ما لم ينقل عن أحد (3).

وذكر عن بعض علماء المخالفين أنهم كانوا من تلامذته ومن خدمه وأتباعه والآخذين عنه، كأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وإن أبا يزيد طيفور السقاء خدمه وسقاه [ثلاث عشر سنة] (4) وإبراهيم بن أدهم، ومالك بن دينار، كانا من غلمانه (5).

وروي عنه عليه السلام، قال: إني أتكلم على سبعين وجها لي من كلها المخرج (6).

ودخل إليه سفيان الثوري يوما فسمع منه كلاما أعجبه، فقال: هذا والله يا

ص :152


1- الفصول المهمة: ص 223.
2- الإرشاد للمفيد: ص 270 و 271.
3- منتهى الآمال: ج 2 ص 194.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 248، وعنه البحار: ج 47 ص 28 و 29، قطعة من ح 28.
6- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 249، وعنه البحار: ج 47 ص 31 و 32 قطعة من ح 29.

ابن رسول الله الجوهر، فقال له: بل هذا خير من الجوهر، وهل الجوهر إلا الحجر (1).

وروي عن سفيان أيضا أنه قال للصادق عليه السلام: يا ابن رسول الله لم جعل الموقف من وراء الحرم ولم يصر في المشعر، فقال: الكعبة بيت الله والحرم حجابه والموقف بابه، فلما قصدوه وقفهم بالباب يتضرعون، فلما أذن لهم بالدخول أدناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة، فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم، فلما رحمهم أمرهم بتقريب قربانهم، فلما قربوا قربانهم وقضوا تفثهم وتطهروا من الذنوب، أمرهم بالزيارة لبيته.

فقال له سفيان، فلم كره الصوم أيام التشريق، قال: لأنهم في ضيافة الله ولا يحب للضيف أن يصوم، قال سفيان: جعلت فداك فما بال الناس يتعلقون بأستار الكعبة وهي خرق لا تنفع شيئا، فقال: ذلك مثل رجل بينه وبين آخر جرم، فهو يتعلق به ويطوف حوله رجاء أن يهب له جرمه (2).

وروى ابن شهرآشوب عن مسند أبي حنيفة، قال الحسن بن زياد: سمعت أبا حنيفة وقد سئل من أفقه من رأيت؟ قال: جعفر بن محمد عليهما السلام، لما أقدمه المنصور بعث إلي، فقال: يا أبا حنيفة أن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك الشداد.

فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إلي أبو جعفر وهو بالحيرة، فأتيته فدخلت عليه وجعفر عليه السلام جالس عن يمينه. فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر [المنصور]، فسلمت عليه، فأومأ إلي فجلست، ثم التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة، قال: نعم أعرفه، ثم التفت إلي فقال: يا أبا حنيفة الق على أبي عبد الله من مسائلك.

ص :153


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 248، وفيه (حجر) بدل (الحجر).
2- علل الشرائع: باب 190 العلة التي من أجلها صير الموقف بالمشعر ولم يصير بالحرم ص 443، وعنه البحار: ج 99 ص 34 ح 12، وفيه بعض الاختلاف في الألفاظ.

فجعلت ألقي عليه فيجيبني فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، [ونحن نقول كذا] (1) فربما تابعناكم (2)، وربما تابعهم، وربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على الأربعين مسألة فما أخل منها بشئ، ثم قال أبو حنيفة: أليس أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟ (3).

فصل في نبذ من كلامه عليه السلام

قال لحمران: يا حمران انظر إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة، فإن ذلك أقنع لك بما قسم لك، وأحرى أن تستوجب الزيادة من ربك، واعلم أن العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند الله من العمل الكثير على غير يقين، واعلم أنه لا ورع أنفع من تجنب محارم الله، والكف عن أذى المؤمنين (4) واغتيابهم، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا مال أنفع من القنوع باليسير المجزي، ولا جهل أضر من العجب (5).

وقال عليه السلام: إن قدرت على أن لا تخرج من بيتك فافعل، فإن عليك في خروجك أن لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي ولا تتصنع ولا تداهن، ثم قال: نعم صومعة المسلم بيته، يكف فيه بصره ولسانه ونفسه وفرجه (6).

أقول: حث عليه السلام فيه على الاعتزال عن الناس والانس بالله تعالى، قال الشاعر:

رغيف خبز يابس تأكله في زاوية * وكف ماء بارد تشربه في ساقيه

ص :154


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في الخطية (تابعنا).
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 255.
4- في المصدر: (المسلمين).
5- علل الشرائع: باب 352 ص 599 ح 1.
6- روضة الكافي: ج 8 ص 128 قطعة من ح 98.

وغرفة ضيقة نفسك فيها خالية * أو مسجد بمعزل عن الورى في ناحية تتلو به صحيفة مستدثرا ببارية * خير من التيجان في قصر ودار عاليه يا حسنها موعظة * فأين اذن واعيه وقال عليه السلام لفضيل بن عثمان: أوصيك بتقوى الله، وصد الحديث، وإداء الأمانة، وحسن الصحابة لمن صحبك، وإذا كان قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فعليك بالدعاء، واجتهد ولا تمتنع من شئ تطلبه من ربك، ولا تقول (1): هذا ما لا أعطاه، وادع فإن الله يفعل ما يشاء (2).

وقيل له عليه السلام: على ماذا بنيت أمرك، فقال: على أربعة أشياء: علمت أن عملي لا يعمله غيري فاجتهدت، وعلمت أن الله عز وجل مطلع علي فاستحييت، وعلمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأننت، وعلمت أن آخر أمري الموت فاستعددت.

وقال عليه السلام في وصيته لعبد الله بن جندب: يا بن جندب أقل النوم بالليل والكلام بالنهار، فما في الجسد شئ أقل شكرا من العين واللسان، فإن أم سليمان قالت لسليمان عليه السلام: يا بني إياك والنوم، فإنه يفقرك يوم يحتاج الناس إلى أعمالهم (3).

وقال له: وأقنع بما قسمه الله لك، ولا تنظر إلا ما عندك، ولا تتمن ما لست تناله، فإن من قنع شبع، ومن لم يقنع لم يشبع، وخذ حظك من آخرتك، ولا تكن بطرا في الغنى، ولا جزعا في الفقر، ولا تكن فظا غليظا يكره الناس قربك، ولا تكن واهنا يحقرك من عرفك، ولا تشار من فوقك، ولا تسخر بمن هو دونك، ولا تنازع الأمر أهله، ولا تطع السفهاء، ولا تكن مهينا تحت كل أحد، ولا تتكلن على كفاية أحد، وقف عند كل أمر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم... الخ (4).

ص :155


1- في المصدر: (ولا تقل).
2- كتاب الزهد لأبي محمد الحسين بن سعيد الكوفي: ص 19 ح 42.
3- تحف العقول: ص 222.
4- تحف العقول: ص 224.

كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله قال لمن طلب منه وصية: أوصيك إذا أنت هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن يك [خيرا و] (1) رشدا فامضه (2)، وإن يك غيا فانته (3) منه (4).

عن كتاب ربيع الأبرار: إن يهوديا سأل النبي صلى الله عليه وآله مسألة، فمكث ا لنبي صلى الله عليه وآله ساعة، ثم أجابه عنها، (فقال اليهودي: ولم توقفت فيما علمت، فقال: توقيرا للحكمة) (5).

وقال عليه السلام لداود الرقي: تدخل يدك في فم التنين إلى المرفق خير لك من طلب الحوائج إلى من لم يكن له فكان (6).

وعن كنز الفوائد قال: جاء في الحديث إن أبا جعفر المنصور خرج في يوم جمعة متوكئا على يد الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام، فقال رجل يقال له رزام مولى خالد بن عبد الله: من هذا الذي بلغ من خطره ما يعتمد أمير المؤمنين على يده؟ فقيل له: هذا أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، فقال: إني والله ما علمت لوددت أن خد أبي جعفر نعل لجعفر.

ثم قام فوقف بين يدي المنصور، فقال له: أسأل يا أمير المؤمنين، فقال له المنصور: سل هذا، [فقال: إني أريدك بالسؤال، فقال له المنصور: سل هذا] (7).

فالتفت رزام إلى الإمام جعفر بن محمد عليهما السلام فقال: أخبرني عن الصلاة وحدودها، فقال له الصادق عليه السلام: للصلاة أربعة آلاف حد لست تؤاخذ بها، فقال:

اخبرني بمالا يحل تركه ولا تتم الصلاة إلا به، فقال أبو عبد الله عليه السلام: لا تتم الصلاة إلا لذي طهر سابغ. وتمام بالغ غير نازغ، ولا زائغ عرف فوقف، واخبت فثبت، فهو واقف بين اليأس والطمع والصبر والجزع، كأن الوعد له صنع، والوعيد به وقع، بذل

ص :156


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (فاتبعه).
3- في المصدر: (فدعه) بدل (فانته منه).
4- المحاسن: باب 10 ص 16 قطعة من ح 46.
5- ما بين القوسين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المخطوطة.
6- تحف العقول: ص 272، وفيه (وكان).
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

عرضه (1) وتمثل غرضه (2)، وبذل في الله المهجة، وتنكب غير المحجة غير مرتغم بارغام (3)، يقطع علائق الاهتمام، بعين من له قصد واليه وفد، ومنه استرفد، فإذا أتى بذلك كانت هي الصلاة التي بها أمر، وعنها أخبر، وأنها (4) هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر.

فالتفت المنصور إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال له: يا أبا عبد الله لا نزال من بحرك نغترف، واليك نزدلف تبصر من العمى، وتجلو بنورك الطخياء فنحن نعوم في سبحات قدسك، وطامي بحرك (5).

قوله عليه السلام غير نازغ ولا زائغ، النزغ: الظن والاغتياب والافساد والوسوسة (6). والزيغ: الميل (7). والطخياء في قول المنصور: الظلمة (8)، ونعو م: أي نسبح. ففي الخبر علموا صبيانكم العوم، أي السباحة، وسبحات وجه ربنا جلاله وعظمته، وقيل: نوره، وطما البحر: امتلأ.

فانظر إلى أعدائهم أقروا بفضلهم هل فوق ذاك فخر.

فصل في مكارم أخلاقه عليه السلام واقرار المخالفين بفضله

الصدوق عن مالك بن أنس فقيه المدينة، قال: كنت أدخل على الصادق جعفر ابن محمد عليهما السلام فيقدم لي مخدة ويعرف لي قدرا، ويقول: مالك إني كنت أحبك،

ص :157


1- في المصدر: (غرضه).
2- في المصدر: (عرضه).
3- في المصدر: (مرتعم بارتعام).
4- في المصدر: (فإنها).
5- نقله السيد ابن طاووس في فلاح السائل: ص 23.
6- انظر لسان العرب: مادة (نزغ) ج 14 ص 108.
7- انظر لسان العرب: مادة (زيغ) ج 6 ص 126.
8- راجع لسان العرب: مادة (طخا) ج 8 ص 134.

فكنت أسر بذلك وأحمد الله عليه، وكان عليه السلام رجلا (1) لا يخلو من إحدى ثلاث خصال: إما صائما، وإما قائما، وإما ذاكرا، وكان من عظماء العباد، وأكابر الزهاد، والذين يخشون الله عز وجل، وكان كثير الحديث، طيب المجالسة، كثير الفوائد فإذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، اخضر مرة واصفر أخرى حتى ينكره من كان (2) يعرفه. ولقد حججت معه سنة، فلما استوت به راحلته عند الإحرام كان كلما هم بالتلبية انقطع الصوت في حلقه وكاد أن يخر من راحلته، فقلت: قل يا ابن رسول الله، ولابد لك من أن تقول، فقال عليه السلام: يا ابن أبي عامر كيف أجسر أن أقول:

(لبيك اللهم لبيك)، وأخشى أن يقول عز وجل [لي]: (لا لبيك ولا سعديك) (3).

وفي توحيد المفضل: إنه لما سمع المفضل من ابن أبي العوجاء، بعض كفرياته، لم يملك غضبه، فقال: يا عدو الله ألحدت في دين الله، وأنكرت البارئ جل قدسه، إلى آخر ما قال له.

فقال ابن أبي العوجاء: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلمناك، فإن ثبت لك الحجة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا (4)، ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت فما أفحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا، وإنه الحليم الرزين، العاقل الرصين، لا يعتريه خرق (5)، ولا طيش ولا نزق (6)، يسمع كلامنا، ويصغي إلينا، ويستعرف (7) حجتنا حتى إذا استفرغنا ما عندنا، وظننا إنا قد قطعناه، دحض حجتنا بكلام يسير، وخطاب قصير، يلزمنا به الحجة، ويقطع العذر، ولا

ص :158


1- لم ترد في المصدر.
2- لم ترد في المصدر.
3- الخصال: ج 1 باب الثلاثة ص 167 ح 219.
4- في المصدر: (تجادل فينا).
5- الخرق: الجهل والحمق (انظر لسان العرب: مادة (خرق) ج 4 ص 74).
6- النزق: الطيش والخفة عند الغضب (انظر تهذيب اللغة: مادة (نزق) ج 8 ص 436).
7- في المدر (ويتعرف).

نستطيع لجوابه ردا، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه (1).

وفي تذكرة السبط، قال: ومن مكارم أخلاقه عليه السلام ما ذكره الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار، عن الشقراني مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: خرج العطا أيام المنصور ومالي شفيع، فوقفت على الباب متحيرا، وإذا بجعفر بن محمد عليهما السلام قد أقبل، فذكرت له حاجتي، فدخل وخرج وإذا بعطائي في كمه، فناولني إياه، وقال:

إن الحسن من كل أحد حسن، وإنه منك أحسن لمكانك منا، وإن القبيح من كل أحد قبيح، وإنه منك أقبح لمكانك منا، وإنما قال له جعفر عليه السلام ذلك، لأن الشقراني كان يشرب الشراب، فمن مكارم أخلاق جعفر عليه السلام إنه رحب به وقضى حاجته مع علمه بحاله، ووعظه على وجه التعريض، وهذا من أخلاق الأنبياء عليهم السلام (2).

روي أنه كان يأكل الخل والزيت (3)، ويلبس قميصا غليظا خشنا تحت ثيابه، وفوقه جبة صوف وفوقها قميص غليظ (4).

ودخل عليه بعض أصحابه فرأى عليه قميصا فيه قب قد رقعه، فجعل ينظر إليه، فقال [له] (5) أبو عبد الله عليه السلام: ما لك تنظر؟ فقال: قب يلقى في قميصك؟! قال: فقال: اضرب يدك إلى هذا الكتاب فاقرأ ما فيه، وكان بين يديه كتاب أو قريب منه، فنظر الرجل فيه فإذا فيه: لا إيمان لمن لا حياء له، ولا مال لمن لا تقدير له، ولا جديد لمن لا خلق له (6).

قال في القاموس: القب ما يدخل في جيب القميص من الرقاع (7).

ص :159


1- توحيد المفضل: ص 7.
2- تذكرة الخواص: ص 345، وربيع الأبرار: ج 2 ص 511، وفيه اختلاف.
3- الكافي: ج 6 باب الخل والزيت ص 327.
4- الكافي: ج 6 باب لبس الصوف والشعر والوبر ص 450 ح 4.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- الكافي: ج 6 باب لبس الخلقان ص 460 ح 1.
7- القاموس المحيط: مادة (قب) ج 1 ص 113.

وكان عليه السلام يختضب بالحناء خضابا قانيا (1).

وكان يحفي شاربه حتى يلصقه بالعسيب، أي منبت الشعر (2).

ودخل الحمام يوما، فقال [له] (3) صاحب الحمام: أخليه لك، فقال: لا حاجة لي في ذلك، المؤمن أخف من ذلك (4).

وكان يتصدق بالسكر لأنه أحب الأشياء عنده (5).

وأتي له بطعام حار فجعل يكرر: نستجير بالله من النار، نعوذ بالله من النار، نحن لا نقوى على هذا فكيف النار؟! حتى أمكنت القصعة فوضع يده فيها (6).

ورؤي عليه قميص شبه الكرابيس كأنه مخيط عليه من ضيقه، وبيده مسحاة يفتح بها الماء، وقال: أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة (7).

وكان يأمر باعطاء أجور العملة قبل أن يجف عرقهم (8).

وروي أنه عليه السلام كان يتلو القرآن في صلاته فغشي عليه، فسئل عن ذلك، فقال: ما زلت أكرر آيات القرآن حتى بلغت إلى حال كأنني سمعتها مشافهة ممن أنزلها (9).

وروي إنه كان يتمثل [بأبيات] (10) لأبي ذر الغفاري رحمه الله:

أنت في غفلة وقلبك ساه * نفد العمر والذنوب كما هي جمة حصلت عليك جميعا * في كتاب وأنت عن ذاك ساهي

ص :160


1- الكافي: ج 6 باب لبس الخضاب ص 481 ح 10.
2- الكافي: ج 6 باب الحية والشارب ص 487 ح 9.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- الكافي: ج 6 باب الحمام ص 503 ح 37.
5- الكافي: ج 4 ص 61 ح 3، وعنه البحار: ج 47 ص 53 ح 86.
6- روضة الكافي: ج 8 ص 164 قطعة من ح 174.
7- الكافي: ج 5 باب ما يجب من الاقتداء بالأئمة عليهم السلام في التعرض للرزق ص 76 ح 11 و 13.
8- الكافي: ج 5 باب كراهة استعمال الأجير قبل مقاطعته على اجرته وتأخير اعطائه بعد العمل ص 289 قطعة من ح 3.
9- فلاح السائل: ص 107
10- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

لم تبادر بتوبة منك حتى * صرت شيخا وعظمك (1) اليوم واهي عجبا منك كيف تضحك جهلا * وخطاياك قد بدت لإلهي فتفكر في نفسك اليوم جهدا * وسل عن نفسك الكرى يا مناهي (2) (3) وروي إن المنصور سهر ليلة، فدعا الربيع وأرسله إلى الصادق عليه السلام أن يأتي به، قال الربيع: فصرت إلى بابه فوجدته في دار خلوته، فدخلت عليه من غير استئذان، فوجدته معفرا خديه، مبتهلا بظهر يديه، قد أثر التراب في وجهه وخديه (4).

وروى الكليني عن المفضل بن عمر، قال: وجه أبو جعفر المنصور إلى الحسن ابن زيد، وهو واليه على الحرمين، أن أحرق على جعفر بن محمد داره، فألقى النار في دار أبي عبد الله عليه السلام فأخذت النار في الباب والدهليز، فخرج أبو عبد الله عليه السلام يتخطى النار ويمشي فيها، ويقول: أنا ابن أعراق الثرى، أنا ابن إبراهيم خليل الله عليه السلام (5).

فصل في أحوال مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام

روي أنه سعي بأبي عبد الله الصادق عليه السلام عند المصور، بأنه بعث مولاه المعلى ابن خنيس بجباية (6) الأموال من شيعته، وأنه كان يمد بها محمد بن عبد الله، فكاد المنصور أن يأكل كفه على جعفر غيظا، وكتب إلى عمه داود [بن علي] (7)، وهو إذ

ص :161


1- في المصدر: (وحبلك).
2- في المصدر: (يا تاهي) بدل (يا مناهي).
3- بحار الأنوار: ج 75 ص 453 ح 22، نقلا عن كتاب المسلسلات.
4- مهج الدعوات: ص 175 و 176.
5- الكافي: ج 1 باب مولد أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام ص 473 ح 2.
6- في المصدر: (لجباية).
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

ذاك أمير المدينة، أن يسير إليه جعفر بن محمد عليهما السلام، ولا يرخص له في التلوم والمقام.

فبعث إليه داود بكتاب المنصور، وقال [له] (1): اعمل في (2) المسير إلى أمير المؤمنين في غد، ولا تتأخر، قال صفوان الجمال: وكنت يومئذ بالمدينة فأنفذ إلي أبو عبد الله عليه السلام فصرت إليه، فقال لي: تعهد راحلتنا فانا غادون في غد إن شاء الله إلى (3) العراق، ونهض من وقته وأنا معه إلى مسجد النبي صلى الله عليه وآله، [وكان ذلك بين الأولى وا لعصر] (4) فركع فيه ركعات، ثم رفع يديه ودعا بدعاء، قال صفوان:

سألته عليه السلام أن يعيد الدعاء علي فأعاده وكتبته، فلما أصبح أبو عبد الله عليه السلا م رحلت له الناقة وسار متوجها إلى العراق حتى قدم مدينة أبي جعفر، وأقبل حتى استأذن فأذن له وقربه وأدناه، ثم أسند (5) قصة الرافع على أبي عبد الله عليه السلام (6).

ونحن نوردها برواية الشيخ الكليني، فروى مسندا عن صفوان الجمال قال:

حملت أبا عبد الله عليه السلام الحملة الثانية إلى الكوفة، وأبو جعفر المنصور بها، فلما أشرف عليه السلام على الهاشمية - مدينة أبي جعر - أخرج رجله من غرز الرجل، ثم نزل ودعا ببغلة شهباء ولبس ثيابا بيضا وتكة (7) بيضاء.

فلما دخل عليه قال له أبو جعفر: لقد تشبهت بالأنبياء، فقال أبو عبد الله عليه السلام:

وانى تبعدني من الأنبياء، قال (8): لقد هممت أن أبعث إلى المدينة من يعقر نخلها ويسبي ذريتها، فقال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: رفع إلي أن مولاك المعلى بن خنيس يدعو إليك ويجمع لك الأموال، فقال: والله ما كان، فقال: لست أرضى منك إلا بالطلاق والعتاق والهدي والمشي، فقال: أبالأنداد من دون الله

ص :162


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (أعمد على).
3- (إلى) غير موجودة في المصدر.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- في المصدر: (استدعى).
6- مهج الدعوات: ص 198.
7- في المصدر: (وكمة).
8- في المصدر: (فقال).

تأمرني أن أحلف أنه من لم يرض بالله فليس من الله في شئ؟ فقال: أتتفقه علي، فقال وأنى تبعدني من التفقه وأنا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال (1): فإني أجمع بينك وبين من سعى بك، قال: فافعل، قال (2): فجاء الرجل الذي سعى به فقال [له] (3) أبو عبد الله عليه السلام: يا هذا، قال (4): فقال: نعم والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم لقد فعلت، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: يا ويلك تبجل (5) الله تعالى فيستحيي من تعذيبك، ولكن قل: برئت من حول الله وقوته والجأت إلى حولي وقوتي.

فحلف بها الرجل فلم يستتمها حتى وقع ميتا، قال (6) له أبو جعفر: لا أصدق بعدها عليك أبدا، وأحسن جائزته ورده (7).

أقول: قد ظهر من هذه الرواية ومن روايات أخر أن مجئ الصادق عليه السلام من المدينة إلى العراق كان أكثر من مرة واحدة، ويظهر من روايات كثيرة أن المنصور أحضره عليه السلام مرات عديدة ليقتله، فدعا الله تعالى لكفاية شر المنصور فكفاه الله تعالى شره.

فكان من دعائه مرة لما أحضره ليقتله وطرح له سيفا ونطعا: (حسبي الرب من المربوبين، وحسبي الخالق من المخلوقين، حسبي الرازق من المرزوقين، وحسبي الله رب العالمين، حسبي من هو حسبي، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) (8). وكان من دعائه عليه السلام، أخذه صاحب المدينة ووجه به إلى المنصور، وكان المنصور استعجله واستبطأ قدومه حرصا منه على قتله: (يامن لا يضام ولا يرام،

ص :163


1- في المصدر: (فقال).
2- (قال) غير موجودة في المصدر.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- (قال) غير موجودة في المصدر.
5- في المصدر: (تمجد).
6- في المصدر: (فقال).
7- الكافي: ج 6 باب لبس البياض والقطن ص 445 ح 3.
8- عيون أخبار الرضا: ج 1 باب 28 ص 305 قطعة من ح 64.

وبه تواصل الأرحام، صل على محمد وآله، واكفني شره بحولك وقوتك) (1).

وكان من دعائه عليه السلام أيضا: (اللهم أنت تكفي من كل شئ، ولا يكفي منك شئ، فاكفنيه) (2).

وكان من دعائه عليه السلام حين أمر المنصور باحضاره، فلما بصر به قال: قتلني الله إن لم أقتلك، أتلحد في سلطاني وتبغيني الغوائل، قال الربيع: وكنت رأيت جعفر بن محمد عليهما السلام حين دخل على المنصور يحرك شفتيه، فكلما حركهما سكن غضب المنصور، حتى أدناه منه وقد رضي عنه، فلما خرج عليه السلام اتبعته وقلت له: بأي شئ كنت تحرك شفتيك حتى سكن غضبه؟ قال: بدعاء جدي الحسين بن علي عليهما السلام، قلت: جعلت فداك وما هذا الدعاء؟ قال: (يا عدتي عند شدتي، ويا غوثي في (3) كربتي، أحرسني بعينك التي لا تنام، وأكنفني بركنك الذي لا يرام)، قال الربيع:

فحفظت هذا الدعاء فما نزلت بي شدة قط إلا دعوت به ففرج [عني] (4).

فصل فيما جرى عليه عليه السلام من المنصور

ونقل السيد ابن طاووس، عن كتاب عتيق باسناده فيه عن محمد بن الربيع الحاجب، قال: قعد المنصور يوما في قصره في القبة الخضراء، وكانت قبل قتل محمد وإبراهيم تدعى الحمراء، وكان له يوم يقعد فيه يسمى ذلك اليوم يوم الذبح، وكان (5) أشخص جعفر بن محمد عليهما السلام من المدينة.

ص :164


1- طب الأئمة: ص 115 و 116.
2- كشف الغمة: ج 2 ص 166، عنه البحار: ج 47 ص 206 قطعة من ح 47.
3- في المصدر: (عند).
4- الإرشاد للمفيد: ص 272 و 273، وإعلام الورى: ص 271.
5- في المصدر: (وقد كان).

فلم يزل في الحمراء نهاره كله حتى جاء الليل، ومضى أكثره، قال: ثم دعا أبي الربيع فقال له: يا ربيع، إنك تعرف موضعك مني، وأني (1) يكون لي الخبر ولا تظهر عليه أمهات الأولاد، وتكون أنت المعالج له، فقال: قلت [له] (2): يا أمير المؤمنين ذلك من فضل الله علي، وفضل أمير المؤمنين، وما فوقي في النصح غاية، قال:

كذلك أنت، سر الساعة إلى جعفر بن محمد بن فاطمة، فأتني به على الحال الذي تجده عليه، لا تغير شيئا مما هو (3) عليه فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا والله هو العطب إن اتيت به على ما أراه من غضبه قتله وذهبت الآخرة، وإن لم آت به وادهنت في أمره قتلني وقتل نسلي وأخذ أموالي، فخيرت (4) بين الدنيا والآخرة فمالت نفسي إلى الدنيا.

قال محمد بن الربيع: فدعاني أبي وكنت أفظ ولده وأغلظهم قلبا، فقال لي:

أمض إلى جعفر بن محمد بن علي فتسلق على حائطه ولا تستفتح عليه بابا، فيغير بعض ما هو عليه، ولكن انزل عليه نزولا فات به على الحال التي هو فيها.

قال: فأتيته وقد ذهب الليل إلا أقله، فأمرت بنصب السلاليم، وتسلقت عليه الحائط فنزلت عليه داره، فوجدته قائما يصلي وعليه قميص ومنديل قد ائتزر به، فلما سلم من صلاته قلت له: أجب أمير المؤمنين، فقال: دعني أدعو والبس ثيابي فقلت [له (5)]: ليس إلى تركك وذلك سبيل، قال: وأدخل (6) المغتسل فأتطهر (7)، قال: قلت: وليس إلى ذلك سبيل، فلا تشغل نفسك فاني لا أدعك تغير شيئا.

قال: فأخرجته حافيا حاسرا في قميصه ومنديله، وكان قد جاوز السبعين، فلما مضى بعض الطريق ضعف الشيخ، فرحمته فقلت له: أر كب فركب بغلا شاكريا

ص :165


1- في المصدر: (وقد كان).
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- (هو) غير موجودة في المصدر.
4- في المصدر: (فميزت).
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- في المصدر: (فأدخل).
7- في المصدر: (فأطهر).

كان معنا، ثم صرنا إلى الربيع فسمعته وهو يقول له: ويلك يا ربيع قد أبطأ الرجل، وجعل يستحثه استحثاثا شديدا.

فلما أن وقعت عين الربيع على جعفر بن محمد عليهما السلام وهو بتلك الحال، بكى وكان الربيع يتشيع، فقال له جعفر عليه السلام: يا ربيع أنا أعلم ميلك إلينا، فد عني أصلي ركعتين وأدعو، قال: شأنك وما تشاء، فصلى ركعتين خففهما، ثم دعا بعدهما بدعاء لم أفهمه إلا أنه دعاء طويل، والمنصور في ذلك كله يستحث الربيع، فلما فرغ من دعائه على طوله، أخذ الربيع بذراعيه فأدخله على المنصور، فلما صار في صحن الإيوان وقف، ثم حرك شفتيه بشئ لم أدر ما هو، ثم أدخلته فوقف بين يديه.

فلما نظر إليه قال: وأنت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وافسادك (1) على أهل هذا البيت من بني العباس، وما يزيدك الله بذلك إلا شدة حسد ونكد ما تبلغ به ما تقدره، فقال له: والله يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئا من هذا (2)، ولقد كنت في ولاية بني أمية، وأنت تعلم أنهم أعدى (3) الخلق لنا ولكم، وأنهم لا حق لهم في هذا الأمر فوالله ما بغيت عليهم، ولا بلغهم عني سوء مع جفائهم الذي كان بي (4)، وكيف (5) يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا؟ وأنت ابن عمي وامس الخلق بي رحما وأكثرهم عطاء وبرا، فكيف أفعل هذا؟ فأطرق المنصور ساعة، وكان على لبد (6) وعن يساره رفقة (7) جرمقانية، وتحت لبده سيف ذو فقار، كان لا يفارقه إذا قعد في القبة، قال: أبطلت وأثمت، ثم

ص :166


1- في المصدر: (وفسادك).
2- في خ ل: (ذلك).
3- في المصدر: (أعداء).
4- في المصدر: (لي).
5- في المصدر: (فكيف).
6- البد: بسط معروف، انظر السان العرب: مادة (لبد) ج 12 ص 222.
7- في المصدر: (مرفقة)، والمرفق: المتكأ والمخدة، (أنظر لسان العرب: مادة (رفق) ج 5 ص 274).

رفع ثني الوسادة، فاخرج منها إضبارة كتب فرمى بها إليه، وقال: هذه كتبك إلى أهل خراسان تدعوهم إلى نقض بيعتي وأن يبايعونك (1) دوني، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا استحل ذلك ولا هو من مذهبي، وإني لممن (2) يعتقد طاعتك على كل حال، وقد بلغت من السن ما قد أضعفني عن ذلك لو أردته، فصيرني في بعض حبوسك (3) حتى يأتيني الموت، فهو مني قريب، فقال: لا ولا كرامة، ثم أطرق وضرب يده إلى السيف فسل منه مقدار شبر وأخذ بمقبضه، فقلت: إنا لله ذهب والله الرجل، ثم رد السيف وقال (4): يا جعفر أما تستحيي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب أن تنطق بالباطل، وتشق عصا المسلمين، تريد أن تريق الدماء وتطرح الفتنة بين الرعية والأولياء، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا هذه كتبي ولا خطي ولا خاتمي، فانتضى من السيف ذراعا، فقلت: إنا لله مضى الرجل، وجعلت في نفسي إن أمرني فيه بأمر أن أعصيه، لأنني ظننت انه يأمرني أن آخذ السيف فاضرب به جعفرا فقلت: إن أمرني ضربت المنصور وإن أتى ذلك علي وعلى ولدي، وتبت إلى الله عز وجل مما كنت نويت فيه أولا فأقبل يعاتبه، وجعفر يعتذر، ثم انتضى السيف إلا شيئا يسيرا منه، فقلت: إنا لله مضى والله الرجل، ثم أغمد السيف وأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وقال: أظنك صادقا يا ربيع هات العيبة من موضع كانت فيه في القبة، فأتيته بها، فقال: ادخل يدك فيها فكانت مملوءة غالية (5) وضعها في لحيته وكانت بيضاء فاسودت، وقال لي: أحمله على فاره من دوابي التي أركبها، وأعطه عشرة آلاف درهم، وشيعه إلى منزله مكرما، وخيره إذا أتيت به إلى المنزل بين المقام عندنا فنكر مه، والانصراف إلى مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، فخرجنا من عنده وأنا مسرور فرج بسلامة جعفر عليه السلام،

ص :167


1- في المصدر: (يبايعوك).
2- في المصدر: (لمن).
3- في المصدر: (جيوشك).
4- في المصدر: (ثم قال).
5- الغالية: نوع من الطيب مركب من مسك وعنبر وعود ودهن، وهي معروفة. (انظر لسان العرب: مادة (غلا) ج 10 ص 114).

ومتعجب مما أراد المنصور وما صار إليه من أمره، الخبر (1).

أقول: ما ذكر في هذا الخبر أنه عليه السلام قد جاوز السبعين لا يوافق ما ذكره العلماء وأرباب السير من تاريخ عمره الشريف.

قال الشيخ الكليني والشيخ المفيد في ذكر وفاته عليه السلام: ومضى في شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة، وله خمس وستون سنة (2).

وقال الشهيد في الدروس: وقبض في شوال، وقيل: في منتصف رجب، يوم الاثنين سنة ثمان وأربعين ومائة، عن خمس وستين سنة (3).

ومثله في إعلام الورى بأدنى تفاوت (4).

وعن ابن الخشاب عن محمد قال: مضى أبو عبد الله عليه السلام وهو ابن خمس وستين سنة، ويقال: ثمان وستين سنة (5).

فعلى هذا إني احتمل قويا أن يكون لفظ السبعين مصحف الستين، وإن كان قولا ضعيفا، إنه عليه السلام توفي وهو ابن إحدى وسبعين سنة، نقله صاحب كشف الغمة عن محمد بن سعيد (6)، وسبط ابن الجوزي عن الواقدي (7).

وروى الشيخ بإسناده عن [عبد الوهاب بن] (8) محمد بن إبراهيم، قال: بعث أبو جعفر المصور إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد [الصادق] عليهما السلام، وأمر بفرش فطرحت إلى جانبه فأجلسه عليها، ثم قال: علي بمحمد، علي بالمهدي، يقول ذلك مرارا، فقيل له: الساعة الساعة (9) يأتي يا أمير المؤمنين ما يحبسه إلا أنه يتبخر،

ص :168


1- مهج الدعوات: ص 192.
2- الكافي: ج 1 ص 472، والإرشاد للمفيد: ص 271.
3- الدروس الشرعية: ج 2 ص 12.
4- إعلام الورى: ص 266.
5- بحار الأنوار: ج 47 ص 5 ضمن ح 5، نقلا عن كشف الغمة.
6- كشف الغمة: ج 2 ص 162.
7- تذكرة الخواص: ص 346. (9) (لساعة) غير موجودة في المصدر.

فما لبث أن وافى وقد سبقته رائحته.

فاقبل المنصور على جعفر عليه السلام فقال: يا أبا عبد الله حديث حدثته (1) في صلة الرحم، أذكره يسمعه المهدي، قال: نعم، حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها (2) الله عز وجل ثلاثين سنة ويقطعها، وقد بقي من عمره ثلاثون سنة يصيرها الله ثلاث سنين، ثم تلا عليه السلام: * (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) * (3)، قال: هذا حسن يا أبا عبد الله وليس إياه أردت، قال أبو عبد الله عليه السلام: نعم، حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: صلة الرحم تعمر الديار وتزيد في الأعمار، وإن كان أهلها غير أخيار، قال: هذا حسن يا أبا عبد الله وليس هذا أردت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: نعم، حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: صلة الرحم تهون الحساب، وتقي ميتة السوء، قال المنصور: نعم هذا أردت (4).

روى الشيخ ابن شهرآشوب رحمه الله عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر [قال]: إن المنصور قد كان هم بقتل أبي عبد الله عليه السلام غير مرة، فكان إذ ا بعث إليه ودعاه ليقتله، فإذا نظر إليه هابه ولم يقتله، غير أنه منع الناس عنه، ومنعه من القعود للناس، واستقصى عليه أشد الاستقصاء، حتى أنه كان يقع لأحدهم مسألة في دينه، في نكاح أو طلاق أو غير ذلك، فلا يكون علم ذلك عندهم، ولا يصلون إليه، فيعتزل الرجل وأهله (5).

قلت: ويؤيد هذا الخبر ما رواه القطب الراوندي عن هارون بن خارجة، قال: كان رجل من أصحابنا طلق امرأته ثلاثا، فسأل أصحابنا، فقالوا: ليس بشئ،

ص :169


1- في المصدر: (حدثنيه).
2- في المصدر: (فصيرها)
3- الرعد: 39.
4- الأمالي للشيخ الطوسي: ج 2 ص 94.
5- المناقب لا بن شهرآشوب: ج 4 ص 238.

فقالت امرأته: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد الله عليه السلام، وكان بالحيرة إذ ذاك أيام أبي العباس.

قال: فذهبت إلى الحيرة ولم أقدر على كلامه، إذ منع الخليفة الناس من الدخول على أبي عبد الله عليه السلام، وأنا أنظر كيف ألتمس لقاءه، فإذا سوادي (1) عليه جبة صوف يبيع خيارا، فقلت له: بكم خيارك هذا كله؟ قال: بدرهم، فأعطيته درهما، وقلت له: أعطني جبتك هذه، فأخذتها ولبستها وناديت: من يشتري خيارا؟ ودنوت منه عليه السلام، فإذا غلام من ناحية ينادي: يا صاحب الخيار، فقال عليه السلام لي - لما دنوت منه -: ما أجود ما احتلت! أي شئ حاجتك؟ قلت:

إني ابتليت فطلقت أهلي في دفعة ثلاثا، فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشئ، وإن المرأة قالت: لا أرضى حتى تسأل أبا عبد الله عليه السلام، فقال: ارجع إلى أهلك فليس عليك شئ (2).

وروى الكشي عن عنبسة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أشكو إلى الله وحدتي وتقلقلي من أهل المدينة حتى تقدموا وأراكم وأسر بكم، فليت هذا الطاغية اذن لي فاتخذت قصرا فسكنته وأسكنتكم معي، وأضمن له أن لا يجئ من ناحيتنا مكروه أبدا (3).

أقول: لما منع الصادق عليه السلام من القعود للناس شق ذلك على شيعته، وصعب عليهم، حتى ألقى الله عز وجل في روع المنصور أن يسأل الصادق عليه السلام ليتحفه بشئ من عنده، لا يكون لأحد مثله، فبعث إليه بمخصرة (4) كانت للنبي صلى الله عليه وآله عليها السلام طولها ذراع، ففرح بها فرحا شديدا، وأمر أن تشق له أربعة أرباع، وقسمها في

ص :170


1- سوادي: نسبة إلى (السواد)، والسواد ما حوالي الكوفة من القرى والرساتيق (انظر تهذيب اللغة: مادة (ساد) ج 13 ص 33).
2- الخرائج والجرائح: ج 2 ص 642 ح 49.
3- اختيار معرفة الرجال: ص 365 ح 677.
4- المخصرة: عصا أو نحوها بيد صاحبها (انظر العين: مادة (خص) ج 4 ص 183).

أربعة مواضع، ثم قال [له] (1): ما جزاؤك عندي إلا أن أطلق لك ونفشي (2) علمك لشيعتك، ولا أتعرض لك ولا لهم، فأقعد غير محتشم وأفت الناس، ولا تكن في بلد أنا فيه، ففشى العلم عن الصادق عليه السلام (3).

أقول: ويظهر من رواية المحاسن، إن الناس اجتمعوا عنده وتداكوا عليه حتى يأخذوا من علمه عليه السلام. والرواية هذه عن معاوية بن ميسرة بن شريح، قال:

شهدت أبا عبد الله عليه السلام في مسجد الخيف وهو في حلقة فيها نحو من مائتي ر جل، وفيهم عبد الله بن شبرمة، فقال: يا أبا عبد الله إنا نقضي بالعراق فنقضي [ما نعلم] (4) من الكتاب والسنة، وترد علينا المسألة فنجتهد فيها بالرأي، قال: فأنصت الناس جميع من حضر للجواب وأقبل أبو عبد الله عليه السلام على من يمينه يحدثهم، فلما رأى الناس ذلك أقبل بعضهم إلى (5) بعض، وتركوا الانصات، [قال:] (6) تحدثوا ما شاء الله، ثم إن ابن شبرمة قال: يا أبا عبد الله، إنا قضاة العراق، وإنا نقضي بالكتاب والسنة، وإنه ترد علينا أشياء ونجتهد فيها بالرأي، قال: فأنصت جميع الناس للجواب، وأقبل أبو عبد الله عليه السلام على من على يساره يحدثهم، فلما رأى الناس ذلك أقبل بعضهم على بعض وتركوا الانصات، ثم إن ابن شبرمة سكت (7) ما شاء الله، ثم عاد لمثل قوله فأقبل أبو عبد الله عليه السلام، فقال: أي رجل كان علي بن أبي طالب عليه السلام؟ فقد كان عند كم بالعراق ولكم فيه (8) خبر، قال: فأطراه ا بن شبرمة وقال فيه قولا عظيما، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: فإن عليا أبى أن يدخل في دين الله

ص :171


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية، أثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (تفشي).
3- المناقب لا بن شهرآشوب: ج 4 ص 238، وعنه البحار: ج 47 ص 180 قطعة من ح 27.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- في المصدر: (على).
6- ما بين المعقوفتين ساقط وأضيف من المصدر.
7- في المصدر: (مكث).
8- في المصدر: (به).

الرأي، وأن يقول في شئ من دين الله بالرأي والمقاييس (1).

فصل في وفاة مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام

قبض أبو عبد الله عليه السلام في شوال من سنة ثمان وأربعين ومائة مسموما، في عنب سمه المنصور، وله خمس وستون سنة، وقد عين بعض المتتبعين يوم وفاته عليه السلام في الخامس والعشرين منه، وقيل: يوم الاثنين لنصف من رجب كما أشرنا ذلك سابقا (2).

نقال عن مشكاة الأنوار: إنه دخل بعض أصحاب أبي عبد الله عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه إليه، وقد ذبل فلم يبق إلا رأسه، فبكي، فقال: لأي شئ تبكي؟ فقال: كيف (3) لا أبكي وأنا أراك على هذه الحال! قال: لا تفعل فأن المؤمن تعرض [عليه] (4) كل خير إن قطع أعضاؤه كان خيرا له، وإن ملك ما بين المشرق والمغرب (5) كان خيرا له (6). وروى الشيخ، عن سالمة مولاة أبي عبد الله عليه السلام، قالت: كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام حين حضرته الوفاة وأغمي عليه، فلما أفاق، قال: أعطوا الحسن بن علي بن علي بن الحسين عليهم السلام - وهو الأفطس - سبعين دينارا، وأعطوا فلانا كذا، وفلانا كذا، فقلت: أتعطي رجلا حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك؟ قال: تريدين أن لا أكون من الذين قال الله عز وجل: * (والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب) * (7) نعم يا سالمة: إن الله تعالى

ص :172


1- المحاسن: ص 210 ح 77.
2- أشرنا إلى ذلك في ص 168.
3- (كيف) غير موجودة في المصدر.
4- ما بين المعقوفتين أثبتناه ليستقيم المعنى.
5- في المصدر: (الشرق والغرب).
6- مشكاة الأنوار: ص 35.
7- الرعد: 21.

خلق الجنة فطيبها وطيب ريحها، وإن ريحها يوجد (1) في مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم (2).

وروى الشيخ الصدوق عن أبي بصير، قال: دخلت على أم حميدة أعزيها بأبي عبد الله عليه السلام، فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد الله عليه السلام عند الموت لرأيت عجبا، فتح عينيه، ثم قال: اجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابة، قالت: فلم نترك أحدا إلا جمعناه، قالت: فنظر إليهم، ثم قال: إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة (3).

روى القطب الراوندي عن داود بن كثير الرقي، قال: وفد من خراسان وافد يكنى أبا جعفر، واجتمع إليه جماعة من أهل خراسان، فسألوه أن يحمل لهم أموالا ومتاعا ومسائلهم في الفتاوى والمشاورة، فورد الكوفة ونزل وزار أمير المؤمنين عليه السلام، ورأي في ناحية رجلا وحوله (4) جماعة، فلما فرغ من زيارته قصدهم فوجدهم شيعة فقهاء يسمعون من الشيخ، فسألهم عنه، فقالوا: هو أبو حمزة الثمالي.

قال: فبينا نحن جلوس إذ أقبل أعرابي، فقال: جئت من المدينة وقد مات جعفر بن محمد عليهما السلام، فشهق أبو حمزة، ثم (5) ضرب بيديه (6) الأرض ثم سأل الاعرابي: هل سمعت له بوصية؟ قال: أوصى إلى ابنه عبد الله، والى ابنه موسى عليه السلام، والى المنصور، فقال [أبو حمزة:] (7) الحمد لله الذي لم يضلنا، دل على الصغير، وبين (8) على الكبير، وستر الأمر العظيم، ووثب إلى قبر أمير المؤمنين عليه السلام فصلى وصلينا، ثم أقبلت عليه وقلت له: فسر لي ما قلته؟ قال (9): بين أن الكبير ذو

ص :173


1- في المصدر: (ليوجد).
2- كتاب الغيبة للطوسي: ص 119.
3- الأمالي للصدوق: ص 391 ح 10.
4- في خ ل: (ومعه).
5- (ثم) غير موجودة في المصدر.
6- في المصدر: (بيده).
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
8- في المصدر: (ومن).
9- في المصدر: (فقال).

عاهة، ودل على الصغير، بأن أدخل يده مع الكبير، وستر الأمر العظيم (1) بالمنصور، حتى إذا سأل المنصور من وصيه؟ قيل: أنت (2).

قال المسعودي: ودفن عليه السلام بالبقيع مع أبيه وجده، وله خمس وستون سنة، وقيل: أنه سم، وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة، مكتوب عليها:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله مبيد الأمم، ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد رضي الله عنهم، انتهى (3).

وأنا أقول: صلوات الله عليهم، فقد رفعهم الله من أن يقال: فيهم رحمهم الله، وأما فاطمة التي دفنت الأئمة عليهم السلام معها، فهي فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين عليه السلام، وأما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وعليها، فالظاهر إنها دفنت في بيتها كما حقق ذلك في محله.

وروي عن عيسى بن دأب، قال: لما حمل أبو عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام على سريره واخرج إلى البقيع ليدفن، قال أبو هريرة (4):

أقول وقد راحوا به * على كاهل من حامليه وعاتق أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى * ثبيرا ثوى من رأس علياء شاهق غداة حثا الحاثون فوق ضريحه * ترابا وأولى كان فوق المفارق (5)

ص :174


1- (العظيم) غير موجودة في المصدر.
2- الخرائج: ج 1 ص 328 ح 22.
3- مروج الذهب: ج 3 ص 285.
4- هو: أبو هريرة الأبار العجلي، من شعراء أهل البيت عليهم السلام (انظر الكنى والألقاب: ج 1 ص 181).
5- بحار الأنوار: ج 47 ص 332 ح 24، نقلا عن كتاب مقتضب الأثر، ومناقب آل أبي طالب: ج 4 ص 278.

فصل في زيارة أبي عبد الله الصادق عليه السلام

قال شيخنا المفيد رحمه الله في المقنعة: باب فضل زيارة علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد عليهم السلام. روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: من ز أرني غفرت له ذنوبه، ولم يمت فقيرا (1).

وروي عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام أنه قال: من زار جعفرا وأباه، لم يشتك عينه، ولم يصبه سقم، ولم يمت مبتلى (2).

قال الصادق عليه السلام: من زار إماما من الأئمة، وصلى عنده أربع ركعات، كتبت له حجة وعمرة (3).

وقيل للصادق عليه السلام: ما حكم من زار أحدكم؟ قال: يكون كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله (4).

وقال الرضا عليه السلام: إن لكل إمام عهدا في أعناق شيعته وأوليائه، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم، وتصديقا بما رغبوا فيه، كانوا شفعاءه يوم القيامة (5).

ولله در السيد صالح القزويني (* 6) في قوله من قصيدة بائية:

ولله أفلاك البقيع فكم بها * كواكب من آل النبي غوارب

ص :175


1- المقنعة للمفيد: ص 474.
2- المقنعة للمفيد: ص 474.
3- المصدر للمفيد: ص 474.
4- المصدر السابق.
5- المصدر السابق.

حوت منهم ما ليس تحويه بقعة * ونالت بهم ما لم تنله الكواكب فبوركت أرضا كل يوم وليلة * تطوف من الأملاك فيك كتائب وفيك الجبال الشم حلما هو آمد * وفيك البحور الفعم جودا نواضب مناقبهم مثل النجوم كأنها * مصائبهم لم يحصها الدهر حاسب وهم للورى إما نعيم بد * وإما عذاب في القيامة واصب * * *

ص :176

موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام

اشارة

النور التاسع: الإمام السابع، باب الحوائج إلى الله تعالى العبد الصالح، أبو الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام

ص :177

فصل في ذكر ولادته عليه السلام

قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي في حقه: هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكثير التهجد، الجاد في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، المشهود له بالكرامات، يبيت الليل ساجدا وقائما، ويقطع النهار متصدقا وصائما، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه دعي كاظما، كان يجازي المسئ بإحسانه إليه، ويقابل الجاني عليه بعفوه عنه، ولكثرة عباداته كان يسمى بالعبد الصالح، ويعرف في العراق بباب الحوائج إلى الله، لنجح المتوسلين إلى الله تعالى به، كراماته تحار منها العقول، وتقضي بان له عند الله تعالى قدم صدق لا تزل ولا تزول (1)، انتهى (2).

ولد عليه السلام بالأبواء - منزل بين مكة والمدينة - يوم الأحد لسبع خلون من صفر سنة ثمان وعشرين ومائة، أمه عليه السلام: حميدة المصفاة البربرية (3)، وكانت من أشراف الأعاجم.

ص :179


1- في المصدر: (ولا يزول) بدل (لا تزل ولا تزول).
2- كشف الغمة: ج 2 ص 212.
3- روضة الواعظين: ص 221، وإعلام الورى: ص 286، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 323.

قال الصادق عليه السلام: حميدة مصفاة من الأدناس كسبيكة الذهب، ما زالت الأملاك تحرسها، حتى أديت إلي كرامة من الله لي، والحجة من بعدي (1).

ويظهر من بعض الروايات أن الصادق عليه السلام كان يأمر النساء في أخذ الأحكام إليها.

روي عن أبي بصير، قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام في السنة التي ولد فيها ابنه موسى عليه السلام، فلما نزلنا الأبواء وضع لنا أبو عبد الله عليه السلام الغذاء (2) ولأصحابه، وكان عليه السلام إذا وضع الطعام لأصحابه أكثره وأطابه، فبينا نحن نتغذى (3) إذ أتاه رسول حميدة: إن الطلق قد ضربني، وقد أمرتني أن لا أسبقك بابنك هذا.

فقام أبو عبد الله عليه السلام فرحا مسرورا فلم يلبث أن عاد إلينا حاسرا عن ذرا عيه ضاحكا سنه، فقلنا: أضحك الله سنك، وأقر عينك ما صنعت حميدة؟ فقال: وهب الله لي غلاما، وهو خير من برأ الله، ولقد خبرتني بأمر كنت أعلم به منها، قلت:

جعلت فداك وما خبرتك عنه حميدة؟ قال: ذكرت أنه لما وقع من بطنها وقع واضعا يديه على الأرض، رافعا رأسه إلى السماء، فأخبرتها أن تلك أمارة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمارة الإمام من بعده... الخ (4).

روى البرقي عن منهال القصاب، قال: خرجت من مكة وأنا (5) أريد المدينة فمررت بالأبواء، وقد ولد لأبي عبد الله [موسى] (6) عليهما السلام، فسبقته إلى المدينة، ودخل عليه السلام بعدي بيوم، فأطعم الناس ثلاثا، فكنت آكل فيمن يأكل، فما آكل شيئا إلى الغد حتى أعود فآكل، فمكثت (7) بذلك ثلاثا أطعم حتى أرتفق، ثم لا

ص :180


1- الكافي: ج 1 باب مولد أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام ص 477 ح 2.
2- في المصدر: (الغداء).
3- في المصدر: (نتغدى).
4- بصائر الدرجات: ج 9 باب 12 ص 440 ح 4.
5- (وأنا) غير موجودة في المصدر.
6- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
7- في الخطية والمطبوعة (فكنت) وما أثبتناه هو الصحيح.

أطعم شيئا إلى الغد (1).

قال الفيروزآبادي: ارتفق: اتكأ على مرفق يده، أو على المخدة وامتلأ (2).

وروي أنه قيل لأبي عبد الله الصادق عليه السلام: ما بلغ بك من حبك ابنك موسى عليه السلام؟، فقال: وددت أن ليس لي ولد غيره حتى لا يشاركه في حبي له أحد (3).

فصل في معاجز طفولته عليه السلام

روى الشيخ المفيد عن يعقوب السراج، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وهو واقف على رأس أبي الحسن موسى عليه السلام وهو في المهد، فجعل يساره طويلا، فجلست حتى فرغ، فقمت إليه، فقال [لي] (4) ادن إلى مولاك فسلم عليه، فدنوت فسلمت عليه، فرد علي بلسان فصيح، ثم قال لي: اذهب فغير اسم ابنتك التي سميتها أمس، فإنه اسم يبغضه الله، وكانت ولدت لي بنت (5) فسميتها بالحميراء، فقال أبو عبد الله عليه السلام: انته إلى أمره ترشد، فغيرت اسمها (6).

وفي ثاقب المناقب، قال: اشتهر عند الخاص والعام من حديث أبي حنيفة حين دخل دار الصادق عليه السلام فرأى موسى عليه السلام في دهليز داره وهو صبي، فقال في نفسه: إن هؤلاء يزعمون أنهم يعطون العلم صبية وأنا أسبر (7) ذلك، فقال له: يا غلام إذا دخل الغريب بلدة، أين يحدث، فنظر إليه نظر مغضب، وقال: يا شيخ أسأت الأدب، فأين السلام.

ص :181


1- المحاسن: باب الاطعام في الخرس ص 418 ح 187.
2- القاموس المحيط: مادة (رفق) ج 3 ص 236.
3- كشف الغمة: ج 2 ص 207.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- في المصدر: (ابنة).
6- الإرشاد للمفيد: ص 290.
7- أسبره قبلك: أي أختبره (انظر لسان العرب: مادة (سبر) ج 6 ص 150).

قال: فخجلت ورجعت حتى خرجت من الدار وقد نبل في عيني، ثم رجعت إليه وسلمت عليه، وقلت: يا ابن رسول الله، الغريب إذا دخل بلدة أين يحدث، فقال صلوات الله عليه: يتوقى شطوط البلد (1)، ومشارع الماء، وفئ النزال، ومسقط الثمار، وأفنية الدور، وجاد الطرق، ومجاري المياه ورواكدها، ثم يحدث أين شاء، قال: قلت: يا ابن رسول الله ممن المعصية، فنظر إلي وقال: إما أن تكون من الله أو من العبد أو منهما معا، فإن كانت من الله فهو أكرم أن يؤاخذه بما لم يجنه، وإن كانت منهما فهو أعدل من أن يأخذ العبد بما هو شريك فيه، فلم يبق إلا أن يكون من العبد، فإن عفا فبفضله، وإن عاقب فبعد له.

قال أبو حنيفة: فاغرورقت عيناي وقرأت: * (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * (2) (3).

وروى الصدوق وغيره عن هشام بن الحكم [قالا]: إن جاثليقا من جثالقة النصارى، يقال له: بريهة، قد مكث في (4) النصرانية سبعين سنة، فكان يطلب الإسلام ويطلب من يحتج عليه ممن يقرأ كتبه، ويعرف المسيح بصفاته ودلائله وآياته، قال: وعرف بذلك حتى اشتهر في النصارى والمسلمين واليهود والمجوس، حتى افتخرت به النصارى، وقالت: لو لم يكن في دين النصرانية الا بريهة لأجزأنا، وكان طالبا للحق والإسلام مع ذلك وكانت معه امرأة تخدمه طال مكثها معه، وكان يستر (5) ضعف النصرانية وضعف حجتها، قال: فعرفت ذلك منه.

فضرب بريهة الأمر ظهرا لبطن وأقبل يسائل (6) [فرق المسلمين والمختلفين في الإسلام من أعلمكم؟ وأقبل يسأل] (7) عن أئمة المسلمين وعن صلحائهم وعن علمائهم وأهل الحجى منهم، وكان يستقرئ فرقة لا يجد عند القوم

ص :182


1- في خ ل: (الأنهار).
2- آل عمران: 34.
3- ثاقب المناقب: ص 171 ح 1.
4- في المصدر: (جاثليق) بدل (في).
5- في المصدر: (يسر إليها) بدل (يستر).
6- في المصدر: (يسأل).
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

شيئا، وقال: لو كانت أئمتكم أئمة على الحق لكان عندكم بعض الحق، فوصفت له الشيعة ووصف له هشام بن الحكم. فقال يونس بن عبد الرحمن: فقال لي هشام:

بينما أنا على دكاني على باب الكرخ جالس، وعندي قوم يقرأون علي القرآن، فإذا أنا بفوج النصارى معه ما بين القسيسين إلى غيرهم من نحو مائة رجل، عليهم السواد والبرانس، والجاثليق الأكبر فيهم بريهة، حتى بركوا (1) حول دكاني، وجعل لبريهة كرسي يجلس عليه، فقامت الأساقفة والرهابنة على عصيهم وعلى رؤوسهم برانسهم.

فقال بريهة: ما بقي للمسلمين أحد ممن يذكر بالعلم بالكلام إلا وقد ناظرته في النصرانية، فما عندهم شئ فقد جئت أناظرك [في] (2) الإسلام، ثم ذكر مناظرته معه وغلبة هشام عليه في حديث طويل، حتى افترق النصارى وهم يتمنون أن لا يكونوا رأوا هشاما ولا أصحابه.

ورجع بريهة مغتما مهتما حتى صار إلى منزله، فقالت امرأته التي تخدمه:

مالي أراك مهتما مغتما؟ فحكى لها الكلام الذي بينه وبين هشام، فقالت لبريهة:

ويحك أتريد أن تكون على حق أو باطل؟! قال بريهة: بل على الحق، فقالت له:

أينما وجدت الحق فمل إليه، وإياك واللجاجة فان اللجاجة شك، والشك شؤم، وأهله في النار، قال: فصوب قولها وعزم على الغدو على هشام، قال: فغدا إليه وليس معه أحد من أصحابه، فقال: يا هشام ألك من تصدر عن رأيه، فترجع إلى قوله وتدين بطاعته؟ قال هشام: نعم يا بريهة، ثم سأله بريهة عن صفته فوصف له هشام الإمام عليه السلام، فاشتاق بريهة إليه عليه السلام، فارتحلا حتى أتيا المدينة، والمرأة معهما، وهما يريدان أبا عبد الله عليه السلام، فلقيا موسى بن جعفر عليهما السلام في الدهليز (3).

ص :183


1- في خ ل (نزلوا).
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- (في الدهليز) لم ترد في المصدر.

وفي رواية ثاقب المناقب: فسلم هشام عليه وسلم بريهة عليه، ثم اخبرهما بما جاءا له، وكان صلوات الله عليه صبيا (1).

وفي رواية الصدوق: فحكى له هشام الحكاية، [فلما فرغ] (2) قال موسى ابن جعفر عليهما السلام: يا بريهة كيف علمك بكتا بك؟ قال: أنا به عالم، قال: كيف ثقتك بتأويله؟ قال: ما أوثقني بعلمي به (3)، قال: فابتدأ موسى [بن جعفر] (4) عليهما السلام عليها السلام يقرأ (5) الإنجيل، [ثم] (4) قال بريهة: والمسيح لقد كان يقرأ هكذا، وما قرأ هذه القراءة إلا المسيح، قال بريهة: إياك كنت اطلب منذ خمسين سنة أو مثلك، قال فآمن وحسن إيمانه وآمنت المرأة وحسن إيمانها، قال: فدخل هشام وبريهة والمرأة على أبي عبد الله عليه السلام، فحكى هشام الحكاية والكلام الذي جرى بين موسى عليه السلام وبريهة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: * (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * (5)، قال بريهة:

جعلت فداك أنى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء؟ قال: هي عندنا وراثة من عندهم، نقرأها كما قرأوها ونقولها كما قالوها، إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شئ فيقول: لا أدري.

فلزم بريهة أبا عبد الله حتى مات أبو عبد الله عليه السلام، ثم لزم موسى عليه السلام حتى مات في زمانه، فغسله عليه السلام بيده وكفنه بيده ولحده بيده، وقال: هذا حواري من حواري المسيح عليه السلام، يعرف حق الله عليه، [قال] (6) فتمنى أكثر أصحابه أن يكونوا مثله (7).

ص :184


1- ثاقب المناقب: ص 172 س 14.
2- ما بين المعقوفتين (4) ما بين المعقوفتين
3- في المصدر: (فيه). (5) في المصدر: (بقراءة).
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- آل عمران: 34.
6- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
7- كتاب التوحيد: ص 270 ح 1، وعنه البحار: ج 10 باب 16 ص 234 ح 1.

فصل في ذكر نبذ من كلام موسى بن جعفر عليهما السلام

قال عليه السلام لبعض شيعته أي فلان: إتق الله وقل الحق وإن كان فيه هلاكك، فإن فيه نجاتك. أي فلان: إتق الله ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك، فإن فيه هلاكك (1).

وقال عليه السلام عند قبر حضره: إن شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإن شيئا هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره (2).

أقول: هذا مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، قال البراء بن عازب: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ أبصر جماعة، فقال: (علام اجتمع هؤلاء)؟ فقيل: على قبر يحفرونه، قال: فبدر رسول الله صلى الله عليه وآله وبين يديه أصحابه مسرعا حتى أتى القبر، فجثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل التراب من دموعه، ثم أقبل علينا، فقال: (إخواني، لمثل هذا فأعدوا) (3).

وقال عليه السلام: من تكلم في الله هلك، ومن طلب الرئاسة هلك، ومن دخله العجب هلك (4).

وقال عليه السلام: اشتدت مؤونة الدنيا والدين، فأما مؤونة الدنيا فإنك لا تمد يدك إلى شئ منها إلا وجدت فاجرا قد سبقك إليه، وأما مؤونة الآخرة فإنك لا تجد أعوانا يعينونك عليه (5).

وقال عليه السلام لعلي بن يقطين: كفارة عمل السلطان الإحسان إلى الاخوان (6).

وقال عليه السلام: كلما أحدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث الله

ص :185


1- تحف العقول: ص 305.
2- تحف العقول: ص 306.
3- مستدرك الوسائل: ج 2 باب 74 ص 465 ح 2476.
4- تحف العقول: ص 306.
5- نفس المصدر السابق.
6- تحف العقول: ص 307، وعنه البحار: ج 78 ص 321 ح 20.

لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدون (1).

وقال عليه السلام: تعجب الجاهل من العاقل أكثر من تعجب العاقل من الجاهل (2).

وقال عليه السلام: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان (3).

وقال عليه السلام: يعرف شدة الجور من حكم به عليه (4).

وقال عليه السلام:... والله ينزل المعونة على قدر المؤونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن اقتصد وقنع بقيت عليه النعمة، ومن بذر وأسرف زالت عنه النعمة، وأداء الأمانة والصدق يجلبان الرزق، والخيانة والكذب يجلبان الفقر والنفاق، وإذا أراد الله بالنملة شرا أنبت لها جناحين فطارت فأكلها الطير (5).

قوله عليه السلام: ومن بذر وأسرف... الخ: التبذير: التفريق وأصله إلقاء البذر وطرحه، فاستعير لكل مضيع لماله، فتبذير البذر تضييع في الظاهر لمن لا يعرف مآل ما يلقيه (6). والسرف: تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، ويكون تارة اعتبارا بالقدر، وتارة بالكيفية. كذا قال الراغب (7).

وقال عليه السلام: أولى العلم بك ما لا يصلح لك العمل إلا به، وأوجب العلم (8) عليك ما أنت مسؤول عن العمل به، وألزم العلم لك ما دلك على صلاح قلبك وأظهر لك فساده، وأحمد العلم عاقبة ما زاد في عملك (9) العاجل. فلا تشغلن بعلم ما لا يضرك جهله ولا تغفلن عن علم ما يزيد في جهلك تركه (10).

روى السيد ابن طاووس إنه كان جماعة من خاصة أبي الحسن موس عليه السلام

ص :186


1- تحف العقول: ص 307، وعنه البحار: ج 78 ص 322 ح 21.
2- نفس المصدر السابق: ص 309، وعنه البحار: ج 78 ص 326 ح 33 و 34 و 35.
3- نفس المصدر السابق: ص 309، وعنه البحار: ج 78 ص 326 ح 33 و 34 و 35.
4- نفس المصدر السابق: ص 309، وعنه البحار: ج 78 ص 326 ح 33 و 34 و 35.
5- نفس المصدر السابق: ص 301، وعنه البحار: ج 78 ص 327 ضمن ح 4.
6- مفرد ات الراغب: مادة (بذر) ص 40.
7- مفردات الراغب: مادة (سرف) ص 230.
8- في الخطية والمطبوعة: (العمل) وما أثبتناه هو الصحيح.
9- في الخطية والمطبوعة: (علمك) وما أثبتناه هو الصحيح.
10- بحار الأنوار: ج 1 ص 220 ح 54، ولم ترد الجملة الأخيرة.

من أهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه، ومعهم في أكمامهم ألواح أبنوس لطاف وأميال، فإذا نطق أبو الحسن عليه السلام بكلمة أو أفتى في نازلة أثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك (1).

أقول: وله عليه السلام وصية لهشام طويلة جمعت فيها حكم جليلة (2). وبأيدينا مسائل علي بن جعفر عليه السلام وهي سؤالات سأل عنها علي أخاه موسى عليه السلام فأجاب عنها، يرجع إليها فقهاؤنا رضوان الله عليهم في الأحكام أوردها العلامة المجلسي رحمه الله في المجلد الرابع من البحار (3).

فصل في عبادته وفقهه وكرمه عليه السلام

كان أبو الحسن موسى عليه السلام أعبد أهل زمانه وأفقههم وأسخاهم كفا وأكرمهم نفسا (4).

وروي أنه كان يصلي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح، ثم يعقب حتى تطلع الشمس، ويخر لله ساجدا، فلا يرفع رأسه من السجود (5) والتحميد حتى يقرب زوال الشمس، وكان يدعوا كثيرا فيقول: (اللهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب)، ويكرر ذلك (6).

وكان من دعائه عليه السلام: (عظم الذنب من عبدك، فليحسن العفو [والتجاوز] (7)

ص :187


1- مهج الدعوات: ص 219.
2- تحف العقول: وصيته عليه السلام لهشام ص 286.
3- بحار الأنوار الطبعة الحديثة: ج 10 باب 17 ص 249 ح 1.
4- الإرشاد للمفيد: ص 296، وكشف الغمة: ج 2 ص 228.
5- في المصدر: (الدعاء).
6- الإرشاد للمفيد: ص 296، وكشف الغمة: ج 2 ص 228، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 318.
7- وردت في المناقب لا شهرآشوب: ج 4 ص 318.

من عندك)، وكان يبكي من خشية الله حتى تخضل لحيته بالدموع (1).

وكان أوصل الناس لأهله ورحمه، وكان يتفقد (2) فقراء المدينة في الليل، فيحمل إليهم الزنبيل فيه العين والورق والأدقة والتمور، فيوصل إليهم ذلك ولا يعلمون من أي جهة هو (3).

وكان عليه السلام كريما بهيا وعتق ألف مملوك (4).

وروي إنه قد حضره فقير مؤمن يسأله سد فاقته فضحك عليه السلام في وجهه، قال:

أسألك مسألة، فإن أصبتها أعطيتك عشرة أضعاف ما طلبت [وإن لم تصبها أعطيتك ما طلبت] (5) - وكان قد طلب منه مائة درهم يجعلها في بضاعة يتعيش بها -، فقال الرجل: سل فقال موسى عليه السلام: لو جعل إليك التمني لنفسك في ا لدنيا ماذا كنت تتمنى؟ قال: كنت أتمنى أن ارزق التقية في ديني، وقضاء حقوق إخواني، قال عليه السلام: وما لك (6) لم تسأل الولاية لنا أهل البيت؟ قال: ذلك (7) قد أعطيته وهذا لم اعطه، فأنا أشكر على ما أعطيت، واسأل ربي عز وجل ما منعت، فقال: أحسنت، أعطوه ألفي درهم، وقال: اصرفها في كذا - يعني في العفص - فإنه متاع يابس... (8).

وقد روى الناس عنه فأكثروا، وكان أفقه أهل زمانه وأحفظهم لكتاب الله

ص :188


1- كشف الغمة: ج 2 ص 228، والإرشاد للمفيد: ص 296، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 318، وفيه (قبح الذنب) بدل (عظم الذنب)، وعنه البحار: ج 48 ص 108 ضمن ح 9.
2- في الخطية (يفتقد) وما أثبتناه هو الصحيح.
3- الإرشاد للمفيد: ص 296، وكشف الغمة: ج 2 ص 228، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 318، وعنه البحار: ج 48 ص 108 ضمن ح 9.
4- الدر النظيم: الباب التاسع فصل في ذكر بعض أخبار موسى عليه السلام (مخطوطة).
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- في المصدر: (فما بالك).
7- في المصدر: (ذاك).
8- تفسير الإمام الحسن العسكري عليه السلام: ص 322 ح 169.

عز وجل وأحسنهم صوتا بالقرآن، وكان إذا قرأه (1) يحزن ويبكي السامعون بتلاوته، وكان الناس بالمدينة يسمونه زين المجتهدين (2)، وسمي الكاظم لما كظمه من الغيظ، وصبر عليه من فعل الظالمين [به] (3)، حتى مضى قتيلا في حبسهم ووثاقهم (4).

وكان يقول: إني أستغفر الله في كل يوم خمسة آلاف مرة (5).

وروى الصدوق: إنه كانت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام بضع عشرة سنة كل يوم سجدة بعد ابيضاض (6) الشمس إلى وقت الزوال، قال (7): فكان هارون ربما صعد سطحا يشرف منه على الحبس الذي حبس فيه أبا الحسن عليه السلام، فكان يرى أبا الحسن عليه السلام ساجدا، فقال للربيع: [يا ربيع] (8) ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟! قال: يا أمير المؤمنين ما ذاك بثوب وإنما هو موسى بن جعفر له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال، قال الربيع: فقال لي هارون: أما أن هذا من رهبان بني هاشم، قلت: فما لك فقد ضيقت عليه في الحبس؟! قال: هيهات لا بد من ذلك (9).

وعن أبيه عن علي بن إبراهيم عن اليقطيني عن أحمد بن عبد الله الغروي (10) عن أبيه، قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح، فقال لي: أدن مني فدنوت حتى حاذيته، ثم قال لي: أشرف إلى البيت في الدار فأشرفت، فقال:

ص :189


1- في المصدر: (قرأ).
2- في المصدر: (المتهجدين).
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- كشف الغمة: ج 2 ص 230، والإرشاد للمفيد: ص 298.
5- كتاب الزهد لأبي محمد الحسين بن سعيد الكوفي: ص 74 ح 199.
6- في المصدر: (انقضاض).
7- (قال) لم ترد في المصدر.
8- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
9- عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 95 ح 14.
10- كذا في بعض النسخ كما في الأصل، وفي بعضها (الفروي).

ما ترى في البيت؟ قلت (1): ثوبا مطروحا، فقال: انظر حسنا فتأملت ونظرت فتيقنت، فقلت: رجل ساجد، فقال لي: تعرفه؟ قلت: لا، قال: هذا مولاك، قلت:

ومن مولاي؟ فقال: تتجاهل علي؟ فقلت: ما أتجاهل ولكني لا أعرف لي مولى، فقال: هذا أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام إني أتفقده في (2) الليل والنهار فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أخبرك بها، إنه يصلي الفجر فيقف ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس، وقد وكل من يترصد له الزوال، فلست أدري متى يقول الغلام: قد زالت الشمس، إذ يثب فيبتدئ بالصلاة من غير أن يجدد وضوءا.

فأعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفى فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر، فإذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجدا إلى أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس وثب من سجدته فصلى المغرب من غير أن يحدث حدثا، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلي العتمة، فإذا صلى العتمة أفطر على شوي يؤتى به، ثم يجدد الوضوء، ثم يسجد، ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيجدد الوضوء، ثم يقوم فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر، فلست أدري متى يقول الغلام: إن الفجر قد طلع؟! إذ قد وثب هو لصلاة الفجر، فهذا دأبه منذ حول إلي (3).

وروي عن الخطيب البغدادي - وهو من أعاظم أهل السنة وثقات المؤرخين وقدمائهم - إنه قال: كان موسى عليه السلام يدعى العبد الصالح من شدة (4) عبادته واجتهاده (5).

روي أنه دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فسجد سجدة في أول الليل، فسمع

ص :190


1- في بعض المصادر (فقلت).
2- (في) غير موجودة في المصدر.
3- أمالي الصدوق: ص 126 ح 8 1، وعيون أخبار الرضا: ج 1 ص 106 ح 10، وعنهما البحا ر: ج 48 ص 210 ح 9.
4- (شدة) غير موجودة في المصدر.
5- تاريخ بغداد: ج 13 ص 27.

وهو يقول [في سجوده] (1): (عظم الذنب من عبدك (2) فليحسن العفو من (3) عندك، يا أهل التقوى، ويا أهل المغفرة) فجعل يرددها حتى أصبح (4).

قلت: وفي حديث طويل عن المأمون يصف فيه موسى بن جعفر عليهما السلام، ويذكر وروده على أبيه الرشيد بالمدينة، يقول: إذ دخل شيخ مسخد (5) قد أنهكته العبادة كأنه شن بال قد كلم (6) السجود وجهه وأنفه (7).

وبالجملة كان عليه السلام حليف السجدة الطويلة والدموع الغزيرة (8).

وكان له غلام أسود بيده مقص يأخذ اللحم من جبينه وعرنين أنفه من كثرة سجوده (9):

طالت لطول سجود منه ثفنته * فقرحت جبهة منه وعرنينا رأى فراغته في السجن منيته * ونعمة شكر الباري بها حينا وحكي إنه توفي صلوات الله عليه في حال السجود لله تعالى.

أقول: ولقد اقتدى به عليه السلام في ذلك جماعة ممن لقيه ورآه، منهم: محمد بن أبي عمير الثقة (10) الجليل الأواه.

ص :191


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (عندي).
3- (من) لم ترد في المصدر.
4- تاريخ بغداد: ج 13 ص 27.
5- رجل مسخد: إذا كان ثقيلا من مرض أو غيره (انظر تهذيب اللغة: مادة (سخد) ج 7 ص 160).
6- الكلم: الجرح (انظر العين: مادة (كلم) ج 5 ص 378).
7- عيون أخبار الرضا: ج 1 باب 7 ص 88 قطعة من ح 11.
8- ورد في زيارته الشريفة في مفاتيح الجنان: ص 479، ومصباح الزائر: ص 288.
9- عيون أخبار الرضا: ج 1 باب 7 ص 76 قطعة من ح 5.
10- هو: محمد بن زياد بن عيسى، أبو أحمد الأزدي، بغدادي الأصل والمقام، من أوثق الناس عند الخاصة والعامة وأنسكهم وأورعهم وأعبدهم، وأدرك الأئمة: الكاظم والرضا والجواد عليهم السلام، توفي سنة 217 ه (انظر الكنى والألقاب ج 1 ص 199، وبهجة الآمال: ج 6 ص 227).

روي عن الفضل بن شاذان، قال: دخلت العراق فرأيت أحدا يعاتب صاحبه، ويقول له: أنت رجل عليك عيال وتحتاج أن تكتسب عليهم وما آمن من أن تذهب عيناك لطول سجودك، فلما أكثر عليه قال: أكثرت علي، ويحك لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت عين ابن أبي عمير، ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر فما رفع رأسه إلا [عند] (1) زوال الشمس (2).

وقال الفضل: أخذ يوما شيخي بيدي وذهب بي إلى ابن أبي عمير، فصعدنا إليه في غرفة وحوله مشائخ له (3) يعظمونه ويبجلونه، فقلت لأبي: من هذا؟ قال: هذا ابن أبي عمير، قلت: الرجل الصالح العابد؟ قال: نعم (4).

وروي أن هارون الرشيد أنفذ إلى موسى بن جعفر عليهما السلام جارية حصيفة (5) لها جمال ووضاءة لتخدمه في السجن، وأنفذ الخادم إليه ليستفحص (6) عن حالها فرآها ساجدة لربها لا ترفع رأسها تقول: قدوس قدوس (7) سبحانك سبحانك، فأتى بها وهي ترعد شاخصة إلى (8) السماء بصرها، وأقبلت في الصلاة، فإذا قيل لها في ذلك، قالت: هكذا رأيت العبد الصالح، فما زالت كذلك حتى ماتت (9).

فصل فيما جرى على موسى بن جعفر عليهما السلام من الرشيد

قبض الرشيد على موسى بن جعفر عليهما السلام سنة تسع وسبعين ومائة في سفره

ص :192


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- الكنى والألقاب: ج 2 ص 200.
3- (له) لم ترد في المصدر.
4- الكنى والألقاب: ج 1 ص 200.
5- الحصيفة: ذات الرأي المحكم العقل (انظر لسان العرب مادة: (حصف) ج 3 ص 206.
6- في المصدر: (ليتفحص).
7- (قدوس الثانية) لم ترد في المصدر.
8- في المصدر: (نحو) بدل (إلى).
9- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 297، نقلا عن كتاب الأنوار.

إلى مكة المعظمة، وهو عند رأس النبي صلى الله عليه وآله قائما يصلي، فقطع عليه صلاته وحمل وهو يبكي ويقول: إليك أشكو يا رسول الله ما القى.

وأقبل الناس من كل جانب يبكون ويضجون (1)، فلما حمل إلى بين يدي الرشيد سلم على الرشيد فلم يرد عليه السلام وشتمه وجفاه وقيده، فلما جن عليه الليل أمر بقبتين (2) فهيئا له، فحمل موسى بن جعفر عليهما السلام إلى إحداهما في خفاء، ودفعه إلى حسان السروي وأمره أن (3) يسير به في قبته (4) إلى البصرة فيسلمه إلى عيسى ابن جعفر بن أبي جعفر - وهو أميرها -، ووجه قبة أخرى علانية نهارا إلى الكوفة معها جماعة ليعمى على الناس أمر موسى بن جعفر عليهما السلام.

فقدم حسان البصرة قبل التروية بيوم، فدفعه إلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر نهارا علانية حتى عرف ذلك وشاع أمره (5)، فحبسه عيسى في بيت من بيوت المحبس الذي كان يحبس (6) فيه، وأقفل عليه، وشغله عنه العيد (7)، فكان لا يفتح عنه الباب إلا في حالتين: حال (8) يخرج فيها إلى الطهور، وحال (9) يدخل إليه (10) فيها الطعام.

قال نصراني من كتاب عيسى: لقد سمع هذا الرجل الصالح في أيامه في هذه الدار التي هو فيها من ضروب الفواحش والمناكير ما أعلم ولا أشك أنه لم يخطر بباله (11) وروي أنه حبسه عنده سنة، ثم كتب إلى الرشيد: أن خذه مني، وسلمه إلى من شئت وإلا خليت سبيله، فقد اجتهدت بأن أجد عليه حجة فما أقدر على ذك،

ص :193


1- في المصدر: (يصيحون).
2- في المصدر: (ببيتين).
3- في المصدر: بأن).
4- في المصدر: (قبة).
5- في المصدر: (خبره).
6- في المصدر: (يجلس).
7- في المصدر: (العبد).
8- في المصدر: (حالة).
9- في المصدر: (حالة).
10- (إليه) لم ترد في المصدر.
11- عيون أخبار الرضا: ج 1 ص 85 ح 10.

حتى أني لأتسمع عليه إذا دعا لعله يدعو علي أو عليك فما أسمعه يدعو إلا لنفسه يسأل الرحمة والمغفرة، فوجه من تسلمه منه. وحمل سرا إلى بغداد (1).

وروي أنه لما حمل إلى بغداد، كان ذلك في رجب يوم المبعث سنة تسع وسبعين ومائة (2).

قال الراوي: ولما حمل إلى بغداد حبسه الرشيد عند الفضل بن الربيع، فبقي عنده مدة طويلة، وأراده الرشيد على شئ من أمره فأبى، فكتب بتسليمه عليه السلام إلى الفضل بن يحيى فتسلمه منه، وأراد ذلك منه فلم يفعل، وبلغه أنه عنده في رفاهية وسعة، وهو حينئذ بالرقة، فكتب إلى العباس بن محمد، والسندي بن شاهك في ذلك على يد مسرور الخادم، فدعا العباس بسياط وعقابين وأمر بالفضل فجرد وضربه السندي بين يديه مائة سوط، وكتب مسرور بالخبر إلى الرشيد، فأمر بتسليم موسى عليه السلام إلى السندي بن شاهك، فلم يزل سلام الله عليه ينقل من سجن إلى سجن حتى نقل إلى حبس السندي بن شاهك الملعون (3).

وفي الدر النظيم، قال: قال السندي بن شاهك: وافى خادم من قبل الرشيد إلى أبي الحسن عليه السلام وهو محبوس عندي، فدخلت معه، وقد كان قال له: تعرف خبره، فوقف الخادم، فقال: ما لك، فقال: بعثني الخليفة لأعرف خبرك، قال: فقال: قل له يا هارون، ما من يوم ضراء انقضى عني إلا انقضى عنك من السراء مثله، حتى نجتمع أنا وأنت في دار يخسر فيها المبطلون.

قال الفضل بن الربيع عن أبيه، قال: بعثني هارون إلى أبي الحسن عليه السلام برسالة وهو في حبس السندي بن شاهك، فدخلت عليه وهو يصلي فهبته أن أجلس، فوقفت متكئا على سيفي، فكان عليه السلام إذا صلى ركعتين وسلم واصل بركعتين

ص :194


1- كتاب الغيبة للطوسي: ص 22، وعنه بحار الأنوار: ج 48 ص 233 قطعة من ح 38.
2- بحار الأنوار: ج 48 ص 207 ح 5.
3- كتاب الغيبة للطوسي: ص 22، وعنه البحار: ج 48 ص 233 قطعة من ح 38.

أخراوتين، فلما طال وقوفي وخفت أن يسأل عني هارون وحانت منه تسليمة فشرعت في الكلام فامسك، وقد كان قال لي هارون: لا تقل (1) بعثني أمير المؤمنين إليك، ولكن قل: بعثني أخوك، وهو يقرئك السلام ويقول لك: انه بلغني عنك أشياء أقلقتني فأقدمتك إلي، وفحصت عن ذلك فوجدتك نقي الجيب، بريئا من العيب، مكذوبا عليك فيما رميت به، ففكرت بين اصرافك إلى منزلك ومقامك ببابي، فوجدت مقامك ببابي أبرأ لصدري، وأكذب لقول المسرعين فيك، ولكل انسان غذاء قد اغتذاه وألفت عليه طبيعته، ولعلك اغتذيت بالمدينة أغذية لا تجد من يصنعها لك ها هنا، وقد أمرت الفضل أن يقيم لك من ذلك ما شئت، فمره بما أحببت وانبسط فيما تريده، قال: فجعل عليه السلام الجواب في كلمتين من غير أن يلتفت إلي، فقال: لا حاضر مالي فينفعني، ولم أخلق سؤولا الله أكبر.

ودخل في الصلاة، قال: فرجعت إلى هارون فأخبرته، فقال لي: فما ترى في أمره؟ فقلت: يا سيدي لو خططت في الأرض خطة فدخل فيها، ثم قال: لا أخرج منها ما خرج منها، قال: هو كما قلت ولكن مقامه عندي أحب إلي.

وروى غيره، قال: قال هارون: إياك أن تخبر بهذا أحدا، قال: فما أخبرت به أحدا حتى مات هارون (2).

وروى الشيخ عن محمد بن غياث في خبر، قال: قال هارون ليحيى بن خالد:

انطلق إليه عليه السلام، وأطلق عنه الحديد وأبلغه عني السلام، وقل له يقول لك ابن عمك:

أنه قد سبق مني فيك يمين إني لا أخليك حتى تقر لي بالإساءة وتسألني العفو عما سلف منك، وليس عليك في اقرارك عار ولا في مسألتك إياي منقصة، وهذا يحيى ابن خالد هو ثقتي ووزيري وصاحب أمري، فسله بقدر ما اخرج من يميني وانصرف راشدا، قال محمد بن غياث: فأخبرني موسى بن يحيى بن خالد أن أبا

ص :195


1- في المصدر: (لا تقول).
2- الدر النظيم: الباب التاسع، فصل في ذكر بعض أخبار موسى عليه السلام (مخطوطة).

إبراهيم عليه السلام، قال ليحيى: يا أبا علي أنا ميت وإنما بقي من أجلي أسبوع.. (1) الخ.

قال الراوي: وجلس الرشيد مجلسا حافلا، وقال: أيها الناس إن الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي، ورأيت أن ألعنه فالعنوه، فلعنه الناس من كل ناحية حتى أرتج البيت والدار بلعنه.

وبلغ يحيى بن خالد فركب إلى الرشيد ودخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر، ثم قال [له] (2): التفت إلي يا أمير المؤمنين، فأصغى إليه فزعا، فقال له: إن الفضل حدث وأنا أكفيك ما تريد، فانطلق وجهه وسر، وأقبل على الناس، فقال: إن الفضل كان عصاني في شئ فلعنته وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولوه، فقالوا [له] (3): نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت، وقد توليناه، ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى أتى بغداد فماج الناس وأرجفوا بكل شئ، فأظهر أنه ورد لتعديل السواد والنظر في أمر العمال وتشاغل ببعض ذلك، ودعا السندي فأمره فيه بأمره فامتثله (4).

وروي أنه بعث يحيى بن خالد إلى موسى بن جعفر عليهما السلام بالرطب والريحان المسمومين (5).

وفي رواية أنه سمه في ثلاثين رطبة (6).

قال الراوي: ثم إن السندي بن شاهك أحضر القضاة والعدول وذلك قبل وفاة موسى عليه السلام بأيام وأخرجه إليهم، وقال: الناس يقولون: إن أبا الحسن موسى في ضنك وضر وها هو ذالا علة به ولا مرض ولا ضر.

ص :196


1- كتاب الغيبة للطوسي: ص 20 وعنه البحار: ج 48 ص 230 ح 37.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- كتاب الغيبة للطوسي: ص 23، وروضة الواعظين: ص 220، والبحار: ج 48 ص 233 ضمن حديث 38.
5- بصائر الدرجات: ج 9 الباب التاسع ص 483 ح 12.
6- اختيار معرفة الرجال: ص 604 ذيل ح 1123، وعنه البحار: ج 48 ص 242 ح 50.

فالتفت عليه السلام، فقال لهم: اشهدوا علي أني مقتول بالسم منذ ثلاثة أيام، اشهد وا أني صحيح الظاهر لكني مسموم، وسأحمر في آخر هذا اليوم حمرة شديدة منكرة، وأصفر غدا صفرة شديدة، وأبيض بعد غد، وأمضي إلى رحمة الله ورضوانه (1).

وروى الصدوق عن الحسن بن محمد بن بشار، قال: حدثني شيخ من أهل قطيعة الربيع من العامة ممن كان يقبل قوله، قال: قال لي: قد رأيت بعض من يقرون بفضله من أهل هذا البيت فما رأيت مثله قط في نسكه وفضله، قال: قلت: من وكيف رائية؟ قال: جمعنا أيام السندي بن شاهك ثمانين رجلا من الوجوه ممن ينسب إلى الخير، فأدخلنا على (2) موسى بن جعفر عليهما السلام، فقال لنا السندي: يا هؤلاء انظروا إلى هذا الرجل هل حدث به حدث، فإن الناس يزعمون أنه قد فعل مكروه به ويكثرون في ذلك، وهذا منزله وفرشه موسع عليه غير مضيق، ولم يرد به أمير المؤمنين سوءا وإنما ينتظره أن يقدم فيناظره أمير المؤمنين، وها هو ذا صحيح موسع عليه في جميع أمره، فاسألوه، قال: ونحن ليس لنا هم إلا النظر إلى الرجل والى فضله وسمته.

فقال عليه السلام: أما ما ذكر من التوسعة وما أشبه ذلك فهو على ما ذكر غير إني أخبركم أيها النفر إني قد سقيت السم في تسع تمرات، وإني أحتضر (3) غدا، وبعد غد أموت، قال: فنظرت إلى السندي بن شاهك يرتعد ويضطرب مثل السعفة، قال الحسن: وكان هذا الشيخ من خيار العامة، شيخ صدوق مقبول القول ثقة جدا عند الناس (4).

وروي أنه لما كان من الغد جاء به (5) الطبيب، فقال له: ما حالك، فتغافل عنه، فلما أكثر عليه عرض عليه خضرة في بطن راحته، وكان السم الذي سم به فد

ص :197


1- بحار الأنوار: ج 48 ص 247 ضمن ح 56، نقلا عن عيون المعجزات.
2- في المصدر: (إلى).
3- في المصدر: (أحضر).
4- الأمالي للصدوق: المجلس التاسع والعشرون ص 128 ح 20.
5- في المصدر: (جاءه) بدل (جاء به).

اجتمع في ذلك الموضع، ثم قال له: هذه علتي، فانصرف الطبيب إليهم وقال: والله لهو أعلم بما فعلتم به منكم، ثم توفي عليه السلام (1).

وروى القطب الراوندي عن محمد بن الفضل الهاشمي، قال: إني أتيت موسى أين جعفر عليهما السلام قبل وفاته بيوم واحد، فقال: إني ميت لا محالة، فإذا واريتني في لحدي فلا تقيمن، وتوجه إلى المدينة بودائعي هذه، وأوصلها إلى [ابني] (2) علي ابن موسى عليهما السلام فهو وصيي وصاحب الأمر بعدي، ففعلت ما أمرني به، وأوصلت الودائع إليه (2).

قال الشيخ المفيد: وروي أنه لما حضرته الوفاة سأل السندي بن شاهك أن يحضره مولى له مدنيا ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليتولى غسله وتكفينه ففعل ذلك، قال السندي: فكنت سألته (3) في الاذن لي أن أكفنه، فأبى وقال: إنا أهل بيت، مهور نسائنا وحج صرورتنا، وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفن وأريد أن يتولى غسلي وجهازي مولاي فلان فتولى ذلك منه (4).

فصل في وفاة أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام

قبض موسى بن جعفر عليهما السلام مسموما ببغداد، في حبس السندي بن شاهك في الخامس والعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة (5).

في تذكرة السبط: حمله الرشيد معه إلى بغداد فحبسه بها سنة سبع وسبعين

ص :198


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- الخرائج والجرائح: ج 1 ص 341 ضمن ح 6.
3- في المصدر: (أسأله).
4- الإرشاد للمفيد: ص 302.
5- روضة الواعظين: ج 1 ص 221، وإعلام الورى: ص 286، ومصباح المتهجد: ص 812.

ومائة، فأقام في حبسه إلى سنة ثمان وثمانين ومائة، فتوفي في رجب بها (1).

روي عن عمر بن واقد، قال: أرسل إلي السندي بن شاهك في بعض الليل وأنا ببغداد يستحضرني، فخشيت أن يكون ذلك لسوء يريده بي، [قال] (2): فأوصيت عيالي بما احتجت إليه، وقلت: * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * (3)، ثم ركبت إليه، فلما رآني مقبلا قال: يا أبا حفص لعلنا أرعبناك وأفزعناك؟! قلت: نعم، قال: فليس هنا (4) إلا خير، قلت: فرسول تبعثه إلى منزلي يخبرهم خبري (5)، قال (6): نعم، ثم قال: يا أبا حفص أتدري لم أرسلت إليك؟ فقلت: لا، قال: أتعرف موسى بن جعفر؟ فقلت (7): إي والله إني لأعرفه وبيني وبينه صداقة منذ دهر، فقال: من هاهنا ببغداد تعرفه ممن يقبل قوله؟ فسميت له أقواما ووقع في نفسي إنه عليه السلام قد مات.

قال: فبعث وجاء بهم كما جاء بي، فقال: هل تعرفون قوما يعرفون موسى ابن جعفر عليهما السلام؟ فسموا له قوما فجاء بهم، فأصبحنا ونحن في الدار نيف وخمسون رجلا ممن يعرف موسى بن جعفر عليهما السلام وقد صحبه، قال: ثم قام فدخل وصلينا، فخرج كاتبه ومعه طومار فكتب (8) أسماءنا ومنازلنا وأعمالنا وحلانا، ثم دخل إلى السندي.

قال: فخرج السندي فضرب يده إلي، فقال لي: قم يا أبا حفص، فنهضت ونهض أصحابنا ودخلنا، فقال لي: يا أبا حفص أكشف الثوب عن وجه موسى ابن جعفر عليهما السلام فكشفته فرأيته ميتا، فبكيت واسترجعت، ثم قاتل للقوم: انظروا إليه فدنا واحد بعد واحد فنظر واليه، ثم قال: تشهدون كلكم أن هذا موسى بن جعفر ابن محمد عليهم السلام [قال: قلنا: نعم، نشهد أنه موسى بن جعفر بن محمد عليهم السلام] (9)، ثم

ص :199


1- تذكرة الخواص: ص 350.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- البقرة: 156.
4- في المصدر: (هناك).
5- في المصدر: (بخبري).
6- في المصدر: (فقال).
7- في المصدر: (قلت).
8- في المصدر: (وكتب).
9- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

قال: يا غلام اطرح على عورته منديلا واكشفه، فقال (1): ففعل، فقال (2): أترون به أثرا تنكرونه؟ فقلنا: لا، ما نرى به شيئا ولا نراه إلا ميتا، قال: فلا تبرحوا حتى تغسلوه واكفنه (3) وأدفنه، قال: فلم نبرح حتى غسل وكفن وحمل [إلى المصلى] (4) فصلى عليه السندي بن شاهك (5).

أقول: وفي الخبر المروي عن المسيب، قال: فوالله لقد رأيتهم بعيني وهم يظنون أنهم يغسلونه فلا تصل أيديهم إليه، ويظنون أنهم يحنطونه ويكفنونه وأراهم لا يصنعون به شيئا، ورأيت شخصا أشبه الأشخاص به (6) يتولى غسله وتحنيطه وتكفينه، وهو يظهر المعاونة لهم وهم لا يعرفونه فلما فرغ عليه السلام من أمره، قال لي ذلك الشخص: يا مسيب مهما شككت فيه فلا تشكن في، فإني إمامك ومولاك وحجة الله عليك بعد أبي، يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديق عليه السلام، ومثلهم مثل اخوته حين دخلوا عليه فعرفهم، وهم له منكرون (7).

قال الراوي: فحمل عليه السلام على نعش ونودي عليه هذا إمام الرافضة فاعرفوه (8)، ثم اتي به إلى السوق فوضع هناك، ثم نودي عليه هذا موسى ابن جعفر عليهما السلام؟ قد مات حتف أنفه، الا فانظروا إليه، فحف به الناس وجعلوا ينظرون إليه، لا أثر به من جراحة ولا خنق وكان في رجله أثر الحناء (9)، ثم أمروا العلماء والفقهاء أن يكتبوا شهادتهم في ذلك فكتبوا جميعا إلا أحمد بن حنبل فكلما زجروه لم يكتب شيئا (10).

ص :200


1- في المصدر: (قال).
2- في المصدر: (قال).
3- في المصدر: (وتكفنوه).
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- عيون أخبار الرضا: ج 1 الباب الثامن ص 97 ح 3، وكمال الدين ج 1 ص 37، وعنهما البحار: ج 48 ص 225 ح 27.
6- في المصدر: (ذلك الشخص) بدل (شخصا أشبه الاشخاص به).
7- عيون أخبار الرضا: ج 1 الباب الثامن ص 104 قطعة من ح 6.
8- كمال الدين: ص 38.
9- كمال الدين: ص 39.
10- منتهى الآمال: ج 2 ص 345.

أقول: ولعل ذلك لما استفاد منه عليه السلام في حياته وشاهد من دلائله وآياته.

روى صاحب الدر النظيم عنه، قال: دخلت في بعض الأيام على الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، حتى أقرأ عليه، إذا ثعبان قد وضع فمه على اذن موسى بن جعفر عليهما السلام كالمحدث له، فلما فرغ حدثه موسى بن جعفر عليهما السلام حديثا لم أفهمه، ثم انساب الثعبان، فقال عليه السلام: يا أحمد هذا رسول من الجن، قد اختلفوا في مسألة جاءني يسألني، فأخبرته بها. بالله عليك يا أحمد: لا تخبر بهذا أحدا إلا بعد موتي، فما أخبرت أحدا حتى مات عليه السلام (1).

وروي: إن السوق الذي وضع فيه النعش الشريف سمي سوق الرياحين، وبني على الموضع بناء وجعل عليه باب لئلا يطأه الناس باقدامهم بل يتبركون به وبزيارته، وقد حكى عن المولى أولياء الله صاحب تاريخ مازندران، إنه قال: في كتابه: إني مررت به مرات عديدة وقبلت الموضع الشريف منه (2).

قال الشيخ المفيد: واخرج فوضع على الجسر ببغداد، ونودي هذا موسى ابن جعفر عليهما السلام قد مات، فانظروا إليه فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت، انتهى (3).

وفي كتاب التتمة في تاريخ الأئمة عليهم السلام للسيد تاج الدين العاملي، ونقله الشيخ الحر العاملي نور الله مضجعه في إثبات الهداة، أيضا، قال في تاريخ أحوال موسى بن جعفر عليهما السلام: ولما مات أمر السندي بوضعه على الجسر، وأظهر للناس أنه مات بقضاء الله تعالى، فكان الناس ينظرون إليه وليس به جرح.

وروي أن بعض المخلصين من الإمامية جاء - حينئذ - والناس مجتمعون، وهم يقولون: مات بغير قتل، فقال لهم: أنا أستخبر منه، فقالوا: إنه ميت فكيف يخبرك، فدنا منه، وقال: يا ابن رسول الله، أنت صادق وأبوك صادق، فأخبرنا مضيت موتا

ص :201


1- الدر النظيم: الباب التاسع، فصل في ذكر معجزاته عليه السلام (مخطوطة).
2- الذريعة في تصانيف الشيعة: ج 3 ص 285.
3- الإرشاد: ص 302.

أو قتلا. فنطق عليه السلام، وقال: قتلا، قتلا، قتلا، ثم غسل وكفن وكان المتولي لذلك ذلك الرجل وصى إليه ودفن بالزوراء في مقابر قريش من باب التين.

قال الراوي: فلما اتى به عليه السلام مجلس الشرطة أقام أربعة نفر فنادوا ألا من أراد أن يرى موسى بن جعفر عليهما السلام فليخرج.

وخرج سليمان بن [أبي] (1) جعفر من قصره إلى الشط، فسمع الصياح والضوضاء، فقال لولده وغلمانه: ما هذا؟ قالوا: السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر عليهما السلام على نعش، فقال لولده وغلمانه: يوشك أن يفعل هذا به في الجانب الغربي، فإذا عبر به فانزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم، فإن مانعوكم فاضربوهم وخرقوا ما عليهم من السواد.

[قال]: فلما عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم وضربوهم وخرقوا عليهم سوادهم، ووضعوه في مفرق أربعة طرق، وأقام المنادون ينادون: ألا من أراد أن يرى الطيب بن الطيب موسى بن جعفر عليهما السلام فليخرج، وحضر الخلق وغسل وحنط (2) بحنوط فاخر، وكفنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفين وخمسمائة دينار عليها القرآن كله، واحتفى ومشى في جنازته متسلبا، مشقوق الجيب، حاسر الرأس إلى مقابر قريش، (في باب التين، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والاشراف من الناس قديما) (3) فدفنه عليه السلام هناك، وكتب بخبره - أي سليمان - إلى ا لرشيد، فكتب [الرشيد] (4) إلى سليمان بن أبي جعفر: وصلت رحمك يا عم (5) وأحسن الله جزاءك، والله ما فعل السندي بن شاهك لعنه الله ما فعله عن أمرنا (6).

ص :202


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في بعض المصادر: (وغسله وحنطه) بدل (وغسل وحنط).
3- ما بين القوسين لم ترد في المصدر.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- في الخطية: (وصلتك رحم يا عم) وما أثبتناه هو الصحيح.
6- عيون أخبار الرضا: ج 1 الباب الثامن ص 99 ح 5، وكمال الدين: ج 1 ص 38، وعنهما البحار: ج 48 ص 227 ح 29.

فصل في دفنه عليه السلام

قال الشيخ الأجل الأقدم أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي في كتاب الفرق: ولد موسى بن جعفر عليهما السلام في سنة ثمان وعشرين ومائة، وقال بعضهم:

سنة تسع، وحمله الرشيد من المدينة لعشر ليال بقين من شوال سنة تسع وسبعين ومائة، وقد قدم هارون الرشيد المدينة منصرفا من عمرة شهر رمضان، ثم شخص هارون إلى الحج وحمله معه، ثم انصرف على طريق البصرة فحبسه عند عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، ثم أشخصه إلى بغداد فحبسه عند السندي بن شاهك، فتوفي في حبسه ببغداد لخمس ليال بقين من رجب سنة ثلاث وثمانين ومائة، وهو ابن خمس أو أربع وخمسين سنة، ودفن في مقابر قريش (1).

ويقال في رواية أخرى: أنه دفن بقيوده وأنه أوصى بذلك فكانت إمامته خمسا وثلاثين سنة وشهورا (2).

وفي الدر النظيم، ودفن ببغداد في مقابر قريش في بقعة كان قبل وفاته قد ابتاعها لنفسه (6).

وروى الشيخ الكليني عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن مسافر، قال: أمر أبو إبراهيم عليه السلام - حين اخرج به - أبا الحسن عليه السلام أن ينام على بابه في كل ليلة أبدا ما كان حيا إلى أن يأتيه خبره، قال: فكنا في كل ليلة نفرش لأبي الحسن عليه السلام في الدهليز، ثم يأتي بعد العشاء فينام، فإذا أصبح انصرف إلى منزله.

قال: فمكث على هذه الحال أربع سنين، فلما كانت ليلة من الليالي أبطأ عنا (3) وفرش له فلم يأت كما كان يأتي، فاستوحش العيال وذعروا، ودخلنا أمر عظيم

ص :203


1- فرق الشيعة: ص 84.
2- فرق الشيعة: ص 85.
3- في المصدر: (عنه).

من إبطائه، فلما كان من الغد أتى الدار ودخل إلى العيال وقصد إلى أم أحمد فقال لها: هاتي الذي (1) أودعك أبي، فصرخت ولطمت وجهها، وشقت جيبها وقالت:

مات والله سيدي، فكفها وقال لها: لا تتكلمي بشئ [ولا تظهريه] (2) حتى يجئ الخبر إلى الوالي، فأخرجت إليه سفطا وألفي دينار أو أربعة آلاف دينار، فدفعت ذلك أجمع إليه دون غيره، وقالت: إنه قال [لي] (3) فيما بيني وبينه، وكانت أثيرة عنده: احتفظي بهذه الوديعة عندك، لا تطلعي عليها أحدا حتى أموت، فإذا مضيت فمن أتاك من ولدي فطلبها منك فادفعيها إليه، واعلمي أني قد مت وقد جاءني والله علامة سيدي، فقبض عليه السلام ذلك منها وأمرهم بالإمساك جميعا إلى أن ورد الخبر.

وانصرف فلم يعد بشئ (4) من المبيت كما كان يفعل، فما لبثنا إلا أياما يسيرة حتى جاءت الخريطة بنعيه، فعددنا الأيام، وتفقدنا الوقت، فإذا هو قد مات في الوقت الذي فعل أبو الحسن عليه السلام ما فعل من تخلفه عن المبيت، وقبضه لما قبض (5).

فصل في فصل زيارته صلوات الله عليه

يستحب زيارة أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام ببغداد وورد أن لزائره الجنة (6).

وقال الرضا عليه السلام: من زار قبر أبي ببغداد كان كمن زار رسول الله صلى الله عليه وآله، وقبر أمير المؤمنين عليه السلام إلا أن لرسول الله وأمير المؤمنين عليهما السلام فضلهما (7).

ص :204


1- في المصدر: (التي) بدل (الذي).
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- في المصدر: (لشئ).
5- الكافي: ج 1 ص 381 ح 6، وعنه البحار: ج 48 ص 247 ح 45.
6- كامل الزيارات: 301.
7- كامل الزيارات: ص 299، وروضة الواعظين: ص 221، والكافي: ج 4 ص 583 ح 1.

وعن الخطيب في تاريخه عن علي بن الخلال، قال: ما همني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر عليهما السلام وتوسلت (1) به إلا سهل الله لي ما أحب (2).

ورؤي في بغداد امرأة تهرول، فقيل: إلى أين؟ قالت: إلى موسى بن جعفر عليهما السلام، فإنه حبس ابني، فقال [لها] (3) حنبلي: إنه قد مات في الحبس، فقالت:

بحق المقتول في الحبس أن تريني القدرة، فإذا بابنها قد اطلق واخذ ابن المستهزئ بجنايته، انتهى (4).

وروي عن الرضا عليه السلام إنه سئل عن إتيان قبر أبي الحسن عليه السلام فقال صلوا في المساجد حوله (5).

وروي أيضا ولا تصل عند رأس موسى عليه السلام، فإنه يقابل قبور قريش ولا يجوز اتخاذها قبلة (6).

وتقول في زيارته ما رواه ابن قولويه بإسناده عن أبي الحسن عليه السلام:

* (السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا حجة الله، السلام عليك يا نور الله في ظلمات الأرض، السلام عليك يامن بدا لله في شأنه، اتيتك زائرا عارفا بحقك، معاد يا لأعدائك، فاشفع لي عند ربك يا مولاي) * قال: وادع الله واسأل حاجتك (7).

أقول: وذكر السبد ابن طاووس رحمه الله الصلاة عليه صلى الله عليه:

ص :205


1- في المصدر: (فتوسلت).
2- تاريخ بغداد: ج 1 ص 120، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 305، وعنهما البحا ر: ج 102 ص 1 ح 1.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 305، وعنه البحار: ج 102 ص 1 ح 2.
5- كامل الزيارات: ص 299، وعيون أخبار الرضا: ج 2 ص 271 قطعة من ح 1، وعنه البحار: ج 102 ص 4 ح 16.
6- من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 602، وعنه البحار: ج 102 ص 9 ذيل ح 5.
7- كامل الزيارات: ص 301، وعنه البحار: ج 102 ص 7 ح 1.

* (اللهم صل على محمد وأهل بيته وصل على موسى بن جعفر وصي الأبرار، وإمام الأخيار، وعيبة الأنوار، ووارث السكينة والوقار، والحكم والآثار، الذي كان يحيي الليل بالسهر إلى السحر بمواصلة الاستغفار، حليف السجدة الطويلة، والدموع الغزيرة، والمناجاة الكثيرة، والضراعات المتصلة، ومقر النهى والعدل والخير والفضل والندى والبذل، ومألف البلوى والصبر والمضطهد بالظلم، والمقبور بالجور، والمعذب في قعر السجون وظلم المطامير، ذي الساق المرضوض بحلق القيود، والجنازة المنادى عليها بذل الاستخفاف، والوارد على جده المصطفى وأبيه المرتضى وأمه سيدة النساء، بإرث مغصوب، وولاء مسلوب، وأمر مغلوب، ودم مطلوب، وسم مشروب، اللهم وكما صبر على غليظ المحن، وتجرع غصص الكرب واستسلم لرضاك وأخلص الطاعة لك، ومحض الخشوع، واستشعر الخضوع، وعادى البدعة وأهلها، ولم يلحقه في شئ من أوامرك ونواهيك لومة لائم، صل عليه صلاة نامية منيفة زاكية، توجب له بها شفاعة أمم من خلقك، وقرون من براياك، وبلغه عنا تحية وسلاما، وآتنا من لدنك في موالاته فضلا واحسانا، ومغفرة ورضوانا، إنك ذو الفضل العميم، والتجاوز العظيم، برحمتك يا أرحم الراحمين) * (1).

ص :206


1- مصباح الزائر: ص 288.

علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه

اشارة

النور العاشر: الإمام الثامن الضامن المأمول المرتجى بضعة سيد الورى مولانا أبو الحسن علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه وعلى آبائه وأولاده أئمة الهدى

ص :207

فصل في ذكر ولادة مولانا أبي الحسن الرضا عليه السلام

ولد عليه السلام في حادي عشر من ذي القعدة يوم الخميس أو يوم الجمعة بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة بعد وفاة جده الصادق عليه السلام بأيام قليلة، وكان الصادق عليه السلام يتمنى ادراكه (1).

ففي الخبر عن موسى بن جعفر عليهما السلام، قال: سمعت أبي جعفر بن محمد عليهما السلام غير مرة، يقول لي: إن عالم آل محمد عليه السلام لفي صلبك وليتني أدركته فإنه سمي أمير المؤمنين عليه السلام (2).

وروي عن يزيد بن سليط (3)، قال: لقينا أبا عبد الله عليه السلام في طريق مكة ونحن جماعة، فقلت له: بأبي أنت وأمي أنتم الأئمة المطهر ون والموت لا يعرى منه أحد، فأحدث إلي شيئا ألقيه إلى من يخلفني، فقال لي: نعم هؤلاء ولدي وهذا سيدهم، وأشار إلى ابنه موسى عليه السلام وفيه (4) علم الحكم والفهم والسخاء والمعرفة بما يحتاج الناس إليه فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم، وفيه حسن الخلق وحسن الجوار، وهو باب من أبواب الله عز وجل.

ص :209


1- إعلام الورى: 302، وروضة الواعظين: ج 1 ص 236.
2- إعلام الورى: ص 315.
3- في المصدر بزيادة (الزيدي)..
4- في خ ل (وقد).

وفيه أخرى هي خير من ذلك (1) كله، فقال له أبي: وما هي بأبي أنت وأمي؟ قال: يخرج الله تعالى منه غوث هذه الأمة وغياثها وعلمها ونورها وفهمها وحكمها، خير مولود وخير ناشئ، يحقن الله به الدماء، ويصلح به ذات البين، ويلم به الشعث، ويشعب به الصدع، ويكسو به العاري، ويشبع به الجائع، ويؤمن به الخائف، وينزل به القطر، ويأتمر له العباد، خير كهل، وخير ناشئ، يبشر (2) به عشيرته قبل أوان حلمه، قوله حكم، وصمته علم، يبين للناس ما يختلفون فيه... الخ (3).

أمه عليه السلام: أم ولد يقال لها أم البنين، واسمها نجمة، ويقال لها: تكتم أيضا، اشترتها حميدة المصفاة أم موسى عليه السلام، وكانت من أفضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها (4).

روي أن حميدة رأت في المنام رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول لها: يا حميدة هبي نجمة لابنك موسى عليه السلام، فإنه سيولد له منها خير أهل الأرض، فوهبتها له، فلما ولدت له الرضا عليه السلام سماها الطاهرة (5). وفي الدر النظيم لجمال الدين يوسف بن حاتم العاملي تلميذ المحقق، رحمهما الله قال في ذكر الرضا عليه السلام: أمه أم ولد يقال لها: تكتم، قال أبو الحسن موسى عليه السلام لما ابتاع هذه الجارية لجماعة من أصحابه: والله ما اشتريت هذه الجارية (6) إلا بأمر الله ووحيه، فسئل عن ذلك، فقال: بينا أنا نائم إذ أتاني جدي وأبي عليهما السلام، ومعهما شقة حرير فنشراها، فإذا قميص وفيه صورة هذه الجارية.

فقالا: يا موسى ليكونن لك من هذه الجارية خير أهل الأرض بعدك، ثم أمراني إذا ولدته أن اسميه عليا، وقالا [لي]: إن الله عز وجل سيظهر به العدل .

ص :210


1- في المصدر: (هذا) بدل (ذلك).
2- في خ ل (يسود).
3- عيون أخبار الرضا: ج 1 الباب الرابع ص 23 ضمن ح 9.
4- عيون أخبار الرضا: ج 1 الباب الثاني ص 14 و 16 ضمن ح 2.
5- عيون أخبار الرضا: ج 1 الباب الثاني ص 16 ح 3.
6- في المصدر: (الأمة)

والرأفة والرحمة، طوبى لمن صدقه، وويل لمن عاداه وجحده (1).

روى الشيخ الصدوق عن نجمة أم الرضا عليه السلام، تقول: لما حملت بابني علي لم أشعر بثقل الحمل، وكنت أسمع في منامي تسبيحا وتهليلا وتمجيدا من بطني فيفزعني ذلك ويهولني، فإذا انتبهت لم اسمع شيئا.

فلما وضعته وقع على الأرض واضعا يده (2) على الأرض رافعا رأسه إلى السماء يحرك شفتيه كأنه يتكلم، فدخل إلي أبوه موسى بن جعفر عليهما السلام، فقال لي:

هنيئا لك يا نجمة كرامة ربك، فناولته إياه في خرقة بيضاء فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ودعا بماء الفرات فحنكه [به] (3) ثم رده إلي، وقال (4): خذيه، فإنه بقية الله في أرضه (5).

وروي عن البزنطي، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن قوما من مخالفيكم يزعمون أن أباك عليه السلام إنما سماه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده، فقال عليه السلام:

كذبوا والله وفجروا، بل الله تبارك وتعالى سماه الرضا، لأنه كان رضي الله عز وجل في سمائه، ورضي لرسوله والأئمة بعده عليهم السلام في أرضه.

قال: فقلت له: ألم يكن كل واحد من آبائك الماضين عليهم السلام رضي الله عز وجل ولرسوله والأئمة بعده عليهم السلام؟ فقال: بلى، فقلت: فلم سمي أبوك عليه السلام من بينهم الرضا؟ قال: لأنه رضي به المخالفون من أعدائه، كما رضي به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه عليهم السلام، فذلك سمي من بينهم الرضا عليه السلام (6).

وروي أن نقش خاتم الرضا عليه السلام كان: ما شاء الله لا قوة إلا بالله (7).

ص :211


1- الدر النظيم: الباب العاشر فصل في ذكر مولده عليه السلام (مخطوطة).
2- في المصدر: (يدية).
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- في المصدر: (فقال).
5- عيون أخبار الرضا: ج 1 الباب الثالث ص 20 ح 2، وعنه البحار: 49 ص 9 ح 14.
6- عيون أخبار الرضا: ج 1 الباب الأول ص 13 ح 1، وعنه البحار: ج 49 ص 4 ح 5.
7- الكافي: ج 6 باب نقش الخواتم ص 473 ح 5.

فصل في عبادته ومكارم أخلاقه ومعالي أموره عليه السلام

روي أنه كان جلوس الرضا عليه السلام في الصيف على حصير، وفي الشتاء على مسح (1)، ولبسه الغليظ من الثياب، حتى إذا برز للناس تزين لهم (2).

وكان عليه السلام إذا صلى الغداة وكان يصليها في أول وقت، ثم يسجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشمس، ثم يقوم فيجلس للناس أو يركب ولم يكن أحد يقدر أن يرفع صوته في داره كائنا من كان، وكانت قيمة في داره تنبه النساء بالليل وتأخذهن بالصلاة، وكان ذلك من أشد ما عليهن، حتى أن بعض الجواري تمنت الخروج من داره (3).

وكان عليه السلام يكلم الناس قليلا وكان كلامه وجوابه وتمثله انتزاعات من القرآن المجيد، وكان يختمه في كل ثلاث، ويقول: لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت، ولكني ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها وفي أي شئ أنزلت، وفي أي وقت؟ فلذلك صرت أختم في كل ثلاثة أيام (4).

وروي عن أبي الصلت، قال: جئت إلى باب الدار التي حبس فيها الرضا عليه السلام بسرخس، وقد قيد عليه السلام فاستأذنت عليه السجان، فقال: لا سبيل لك إليه، فقلت:

ولم؟ قال: لأنه ربما صلى في يومه وليلته ألف ركعة، وإنما ينفتل في صلاته ساعة في صدر النهار وقبل الزوال، وعند اصفرار الشمس فهو في هذه الأوقات قاعد في

ص :212


1- المسح: بساط من شعر.
2- عيون أخبار الرضا: ج 2 الباب 44 ص 178 ح 1، وإعلام الورى: ص 315، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 360.
3- عيون أخبار الرضا: ج 2 الباب 44 ص 179 مقاطع من ح 3.
4- عيون أخبار الرضا: ج 2 الباب 44 ص 180 ح 4، والأمالي للصدوق: 525 ح 14، وفيه اختلاف في الألفاظ.

مصلاه يناجي ربه، قال: فقلت له: فاطلب لي [منه] (1) في هذ ه الأوقات اذنا عليه، فاستأذن لي، فدخلت عليه وهو قاعد في مصلاه متفكرا... الخبر (2).

وعن إبراهيم بن العباس، قال: ما رأيت أبا الحسن الرضا عليه السلام جفا أحدا بكلامه قط، [ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه، وما رد أحدا عن حاجة يقدر عليها، ولا مد رجليه بين يدي جليس له قط] (3) ولا اتكى بين يدي جليس له قط، ولا رأيته شتم أحدا من مواليه ومماليكه قط، [ولا رأيته تفل قط] (4) ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط، بل كان ضحكه التبسم.

وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه [ومواليه] (5) حتى البواب والسائس، وكان عليه السلام قليل النوم بالليل كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح، وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر، [وهي الخميس من أول كل شهر وآخره، والأربعاء منم وسط الشهر] ويقول: ذلك صوم الدهر.

وكان عليه السلام كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقون (6) (7).

أقول: ومن أراد أن يقف على ما كان يعمل عليه السلام في يومه وليله من

ص :213


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- عيون أخبار الرضا: ج 2 الباب 44 ص 183 قطعة من ح 6.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- في المصدر: (تصدق).
7- عيون أخبار الرضا: ج 2 الباب 44 ص 184 ح 7، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 360، والبحار: ج 49 ص 90 ح 4.

العبادات، فعليه أن يلاحظ الخبر المشهور المروي عن رجاء بن أبي الضحاك (1).

الحميري عن أبيه عن معمر بن خلاد، قال: كان أبو الحسن الرضا عليه السلام إذا أكل أتي بصحفة (2)، فتوضع قرب مائدته، فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤتى به، فيأخذ من كل شئ شيئا فيوضع في تلك الصحفة، ثم يأمر بها للمساكين، ثم يتلو هذه الآية: * (فلا اقتحم العقبة) * (3) ثم يقول: علم الله عز وجل أن ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم سبيل إلى الجنة (4).

الكليني عن اليسع بن حمزة، قال: كنت أنا (5) في مجلس أبي الحسن الرضا عليه السلام أحدثه، وقد اجتمع إليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام، إذ دخل عليه رجل طوال آدم (8)، فقال له: السلام عليك يا ابن رسول الله، رجل من محبيك ومحبي آبائك وأجدادك عليهم السلام، مصدري من الحج، وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ به مرحلة، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي ولله علي نعمة، فإذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة، فقال له: اجلس رحمك الله وأقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا وبقي هو وسليما ن الجعفري وخيثمة وأنا، فقال: أتأذنون لي في الدخول؟ فقال له سليمان: قدم الله أمرك.

فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة، ثم خرج ورد الباب وأخرج يده من أعلى الباب، وقال: أين الخراساني؟ فقال: ها أنا ذا، فقال: خذ هذه المائتي دينار واستعن بها في مؤونتك ونفقتك وتبرك بها ولا تصدق بها عني واخرج فلا أراك ولا تراني، ثم خرج.

ص :214


1- عيون أخبار الرضا ج 2 الباب 44 ص 180 ح 5، وعنه البحار: ج 49 ص 91 ح 7.
2- الصحفة: القصعة (انظر لسان العرب: مادة (صحف) ج 7 ص 291).
3- البلد: 11.
4- الكافي: ج 4 باب فضل اطعام الطعام: ص 52 ح 12، والمحاسن باب الأحكام ص 392 ح 39، وفيه إضافة (باطعام الطعام) في نهاية الحديث، وعنه البحار: ج 49 ص 97 ح 11.
5- (أنا) لم ترد في المصدر.

فقال [له] (1) سليمان: جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه؟ فقال: مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضاء حاجته، أما سمعت حديث رسول الله صلى الله عليه وآله: (المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة، والمذيع بالسيئة مخذول، والمستتر بها مغفور له) أما سمعت قول الأول:

متى آته يوما لأطلب حاجة * رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه (2) قال السبط في التذكرة: وكان عليه السلام * من الفضلاء الأتقياء الأجواد، وفيه يقول أبو نواس:

قيل لي: أنت أوحد الناس في * كل كلام من المقال بديه لك في جوهر الكلام فنون * ينثر الدر في يدي مجتنيه فعلى ما تركت مدح بن موسى * قلت: لا اهتدي لمدح إمام * كان جبريل خادما لأبيه (3) ابن شهرآشوب عن موسى بن سيار، قال: كنت مع الرضا عليه السلام وقد أشرف على حيطان طوس، وسمعت واعية فاتبعتها، فإذا نحن بجنازة، فلما بصرت بها رأيت سيدي وقد ثنى رجله عن فرسه، ثم أقبل نحو الجنازة فرفعها، ثم أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة بأمها، ثم أقبل علي، وقال: يا موسى بن سيار من شيع جنازة ولي من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه، حتى إذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيدي قد أقبل فافرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميت فوضع يده على صدره.

ثم قال: يا فلان بن فلان ابشر بالجنة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة، فقلت:

جعلت فداك هل تعرف الرجل؟ فوالله انها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا، فقال لي:

ص :215


1- ما بين المعقوفتين ساط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- الكافي: ج 4 باب من أعطى بعد المسألة ص 23 ح 3، وعنه البحار: ج 49 ص 101 ح 19.
3- تذكرة الخواص: ص 358.

يا موسى بن سيار أما علمت إنا معاشر الأئمة تعرض علينا أعمال شيعتنا صباحا ومساء فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا الله تعالى الصفح لصاحبه، وما كان من العلو سألنا الله الشكر لصاحبه (1).

روي عن ياسر الخادم، قال: كان الرضا عليه السلام إذا خلا جمع حشمه كلهم عنده، الصغير والكبير فيحدثهم ويأنس بهم ويؤنسهم، وكان عليه السلام إذا جلس على المائدة لم (2) يدع صغيرا ولا كبيرا حتى السائس والحجام إلا أقعده معه على مائدته (3).

وقال: قال لنا أبو الحسن عليه السلام: إن قمت على رؤوسكم وأنتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا ولربما دعا بعضنا، فيقال [له] (4) هم يأكلون، فيقول: دعوهم (5) حتى يفرغوا (6).

وروى الشيخ الكليني عن رجل من أهل بلخ، قال: كنت مع الرضا عليه السلام في سفره إلى خراسان، فدعا يوما بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة؟ فقال: مه إن الرب تبارك وتعالى واحد، والام واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال (7).

أقول: هذا: حاله عليه السلام مع الفقراء والرعايا ولكن لما دخل عليه الفضل بن سهل ذو الرياستين وقف بين يديه ساعة، ثم رفع الرضا عليه السلام رأسه إليه، فقال له:

ما حاجتك يا فضل؟ قال: يا سيدي هذا كتاب (8) - كان هو كتاب الحبوة فيه ما أعطاه المأمون كل ما حب من الأموال والضياع والسلطان وبسط له من الدنيا

ص :216


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 341، وعنه البحار: ج 49 ص 98 ح 13.
2- في المصدر: (لا) بدل (لم).
3- عيون الأخبار: ج 2 الباب 40 ص 159 قطعة من ح 24، وعنه البحار: ج 49 ص 164.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- في المصدر: (دعهم).
6- الكافي: ج 6 كتاب الأطعمة باب نوادر ص 298 ح 10، وعنه البحار: ج 49 ص 102 ح 2 2.
7- الكافي: ج 8 ص 230 ح 296، وعنه البحار: ج 49 ص 101 ح 18.
8- في المصدر: (أمان) بدل (كتاب).

أمله - كتبه [لي] (1) أمير المؤمنين وأنت أولى أن تعطينا مثل ما أعطى أمير المؤمنين إذ كنت ولي عهد المسلمين، فقال له الرضا عليه السلام: أقرأه وكان كتابا في أكبر جلد فلم يزل قائما حتى قرأه، فلما فرغ قال له أبو الحسن عليه السلام: يا فضل لك علينا هذا ما اتقيت الله عز وجل، فنقض عليه أمره في كلمة واحدة فخرج من عنده (2).

روي عن ياسر الخادم، قال: أكل الغلمان يوما فاكهة فلم يستقصوا أكلها ورموا بها، فقال لهم أبو الحسن عليه السلام: سبحان الله إن كنتم استغنيتم فإن أناسا لم يستغنوا أطعموه من يحتاج إليه (3).

وروي أنه عليه السلام رأى أسود يعمل مع غلمانه، فقال لهم: قاطعتموه على اجرته! فقالوا: لا هو يرضى منا بما نعطيه فضربهم بالسوط وغضب لذلك غضبا شديدا (4) وعن محمد بن سنان، قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام في أيام هارون: إنك شهرت نفسك بهذا الأمر، وجلست مجلس أبيك وسيف هارون يقطر الدم، قال (5): جرأني على هذا ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بنبي)، وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا إني لست بإمام (6).

فصل في علمه عليه السلام

روي عن محمد بن عيسى اليقطيني: أنه جمع من مسائله عليه السلام مما سئل

ص :217


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- عيون أخبار الرضا: ج 2 الباب 40 ص 162 قطعة من ح 24، وعنه البحار: ج 49 ص 168 ضمن ح 5.
3- الكافي: ج 6 كتاب الا طعمة باب نوادر ص 297 ح 8.
4- الكافي: ج 6 كتاب الا طعمة باب نوادر ص 297 ح 8.
5- في المصدر: (فقال).
6- الكافي: ج 8 ص 257 ح 371.

عنه وأجاب عنه (1) خمسة عشر ألف مسألة (2).

وفي رواية أخرى ثمانية عشر ألف مسألة (3).

الشيخ الطبرسي عن أبي الصلت، قال: ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا عليهما السلام، ولا رآه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم، حتى ما بقي أحد منهم إلا أقر له بالفضل، وأقر على نفسه بالقصور، ولقد سمعت علي بن موسى الرضا عليهما السلام، يقول: كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيى الواحد منهم عن مسألة أشاروا إلي بأجمعهم، وبعثوا إلي بالمسائل فأجيب (4) عنها (5).

قال أبو الصلت: ولقد حدثني محمد بن إسحاق بن موسى بن جعفر عن أبيه:

إن موسى بن جعفر عليهما السلام كان يقول لبنيه: هذا أخوكم علي بن موسى [الرضا] (6) عالم آل محمد عليهم السلام فاسألوه (7) عن أديانكم واحفظوا ما يقول لكم، فإني سمعت أبي جعفر بن محمد عليهما السلام غير مرة يقول لي: إن عالم آل محمد عليهم السلام لفي صلبك، وليتني أدركته فإنه سمي أمير المؤمنين علي عليه السلام (8).

قال شيخنا الصدوق رحمه الله: كان المأمون يجلب إلى (9) [علي] الرضا عليه السلام من متكلمي الفرق وأهل (10) الأهواء المضلة كل من سمع به، حرصا على انقطاع الرضا عليه السلام عن الحجة مع واحد منهم، وذلك حسدا منه له ولمنزلته من العلم، فكان

ص :218


1- في خ ل: (فيه).
2- كتاب الغيبة للطوسي: 48.
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 351.
4- في المصدر: (فأجبت).
5- إعلام الورى: ص 315.
6- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
7- في المصدر: (فسلوه).
8- إعلام الورى: ص 315.
9- (إلى) لم ترد في المصدر.
10- (وأهل) لم ترد في المصدر.

لا يكلمه أحد إلا أقر له بالفضل وألزم (1) الحجة له عليه (2).

وروي عن علي بن محمد بن الجهم، قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى عليهما السلام، فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس من قولك: إن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، قال: فما معنى قول الله عز وجل: * (وعصى آدم ربه فغوى) * (3) فاجابه عليه السلام، ثم سأله عن آية أخرى فاجابه، فلم يزل يسأله ويجيبه عليه السلام إلى أن قال علي بن محمد بن الجهم.

فقام المأمون إلى الصلاة وأخذ بيد محمد بن جعفر بن محمد عليهما السلام وكان حاضرا المجلس وتبعتهما، قال (4) له المأمون: كيف رأيت ابن أخيك؟ فقال: عالم ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم، فقال المأمون: إن ابن أخيك من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله الذين قال فيهم [النبي]: (ألا أن أبرار عترتي وأطايب أرومتي أحلم (5) الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا، لا (6) تعلموهم فإنهم أعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى، ولا يدخلونكم في باب ضلال).

وانصرف الرضا عليه السلام إلى منزله، فلما كان من الغد غدوت عليه وأعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له، فضحك عليه السلام ثم قال: يا ابن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فإنه سيغتالني والله ينتقم لي منه (7).

وفي الدر النظيم عن يحيى بن أكثم، قال: كنت يوما عند المأمون وعنده علي ابن موسى الرضا عليهما السلام، ودخل الفضل بن سهل ذو الرياستين، فقال للمأمون: قد وليت الثغر الفلاني فلانا التركي فسكت المأمون، فقال الرضا عليه السلام: ما جعل الله تعالى لإمام المسلمين وخليفة رب العالمين القائم بأمور الدين، أن يولي شيئا من

ص :219


1- في المصدر: (والتزم).
2- عيون الأخبار: ج 1 باب 13 ص 152 ذيل ح 1.
3- طه: 121.
4- في المصدر: (فقال).
5- في المصدر: (أعقل).
6- في المصدر: (فلا) بدل (لا).
7- عيون الأخبار: ج 1 باب 15 ص 155 مقاطع من ح 1، وعنه البحار: ج 49 ص 284 ضمن ح 4.

ثغور المسلمين أحدا من سبي ذلك الثغر، لأن الأنفس تحن إلى أوطانها، وتشفق على أجناسها، وتحب مصالحها وإن كانت مخالفة لأديانها، فقال المأمون: اكتبوا هذا الكلام بماء الذهب (1).

أقول: من أراد أن يقف على بعض ما يخبر عن علمه عليه السلام، فعليه بأن يراجع الخطب المروية عنه عليه السلام، واحتجاجه عليه السلام، مع الجاثليق (2)، ورأس الجالوت (3)، ورؤساء الصابئين (4)، والهربذ (5) الأكبر، وأصحاب الزردشت (6)، ونسطاس الرومي (7)، والمتكلمين في مجلس المأمون، وجوابه عليه السلام لأسئلة عمران الصابئ، وإسلام عمران ببركته، وكان عمران جدلا لم يقطعه عن حجته أحد قط، واحتجاجه عليه السلام على سليمان المروزي واحد خراسان، وغير ذلك (8).

ص :220


1- الدر النظيم: الباب العاشر، فصل في ذكر شئ من أخباره (مخطوطة).
2- الجاثليق: - بفتح الثاء المثلثة - رئيس النصارى في بلاد الإسلام، ولغتهم السريا نية (انظر مجمع البحرين: مادة (جثق) ج 5 ص 143.
3- ورأس الجالوت: كأنه اسم لصاحب الرئاسة الدينية اليهودية.
4- قال في مجمع البحرين: وفي حديث الصادق عليه السلام سمي الصابئون لأنهم صبوا إلى تعطيل الأنبياء والرسل والشرائع، وقالوا: كلما جاؤوا به باطل، فجحدوا توحيد الله ونبوة الأنبياء ورسالة المرسلين ووصية الأوصياء، فهم بلا شريعة ولا كتاب ولا رسول (انظر مجمع البحرين: مادة (صبا) ج 1 ص 259) وتلاحظ من خلال المناظرة مع عمران الصابئ واحتجاجه مع الرضا عليه السلام هذا التفسير.
5- الهربذ: - بالكسر - واحد الهرابذة، المجوس، وهم قومة بيت النار التي للهند، وقيل: عظماء الهند أو علماؤهم (انظر لسان العرب: مادة (هربذ) ج 15 ص 69).
6- أولئك أصحاب (زردشت بن يوشب)، الذي ظهر في زمان (كشتاسب بن لهراسب) الملك، وأبوه كان من أذربيجان، وأمه من الري، واسمها (دغدوية)، (انظر الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 236).
7- نسطاس: - بكسر النون - علم، وبالرومية: العالم بالطب (انظر القاموس: ج 2 ص 254).
8- راجع عيون أخبار الرضا: ج 1 باب 12 ص 154 ح 1 وباب 13 ص 179 ح 1، والمناقب لابن آشوب: ج 4 ص 351.

فصل في ذكر بعض كلماته عليه السلام

ومن كلماته عليه السلام:

قال عليه السلام: صديق كل أمرء عقله، وعدوه جهله (1).

وقال عليه السلام: التودد إلى الناس نصف العقل (2).

وقال عليه السلام: إن الله تعالى يبغض القيل والقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال (3).

وقال عليه السلام: إنا أهل بيت نرى وعدنا علينا دينا، كما صنع رسول الله صلى ا لله عليه وآله (4).

وقال عليه السلام: يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة أجزاء: تسعة منها في اعتزال الناس، وواحد في الصمت (5).

وقال عليه السلام: عونك للضعيف أفضل من الصدقة (6).

وقال عليه السلام: الصمت باب من أبواب الحكمة، إن الصمت يكسب المحبة، أنه دليل على كل خير (7).

وقال عليه السلام: إن العابد من بني إسرائيل لم يكن عابدا، حتى يصمت عشر سنين، فإذا صمت عشر سنين كان عابدا (8).

وقال عليه السلام: من رضي عن (9) الله تعالى بالقليل من الرزق، رضي الله منه بالقليل من العمل (10).

ص :221


1- تحف العقول: ص 330، وعنه البحا ر: ج 78 ص 335 ح 14 و ح 16.
2- تحف العقول: ص 330، وعنه البحا ر: ج 78 ص 335 ح 14 و ح 16.
3- تحف العقول: ص 330، وعنه البحا ر: ج 78 ص 335 ح 14 و ح 16.
4- تحف العقول: ص 333، وعنه البحار: ج 78 ص 339 ح 34 و 35.
5- تحف العقول: ص 333، وعنه البحار: ج 78 ص 339 ح 34 و 35.
6- تحف العقول: ص 333، وعنه البحار: ج 78 ص 339 ح 34 و 35.
7- تحف العقول: ص 332.
8- عيون الأخبار: ج 2 باب 30 ص 12 ح 28، وفيه: (كان العابد من بني إسرائيل لا يتعبد، حتى يصمت عشر سنين)، وقصص الأنبياء للراوندي: ص 160 ح 176، وعنه البحار: ج 78 ص 345 ح 3.
9- في المصدر: (من).
10- إعلام الدين: ص 307، تحف العقول: ص 334، وعنه البحار: ج 78 ص 342 ح 44.

وقال عليه السلام: الاسترسال بالانس يذهب المهابة (1).

عن عبد العظيم الحسني رضي الله عنه عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: يا عبد العظيم أبلغ عني أوليائي السلام، وقل لهم أن لا يجعلوا للشيطان على أنفسهم سبيلا، ومرهم بالصدق في الحديث، وأداء الأمانة، ومرهم بالسكوت، وترك الجدال فيما لا يعنيهم، وإقبال بعضهم على بعض، والمزاورة، فإن ذلك قربة إلي، ولا يشغلوا أنفسهم بتمزيق بعضهم بعضا، فإني آليت على نفسي أنه من فعل ذلك وأسخط وليا من أوليائي دعوت الله ليعذبه في الدنيا أشد العذاب، وكان في الآخرة من الخاسرين (2).

فصل في ذكر طلب المأمون أبا الحسن الرضا عليه السلام

من المدينة إلى المرو روى الشيخ الصدوق عن محول السجستاني، قال: لما ورد البريد بإشخاص الرضا عليه السلام إلى خراسان كنت أنا بالمدينة، فدخل المسجد ليودع رسول الله صلى الله عليه وآله مرارا، كل ذلك يرجع إلى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب.

فتقدمت إليه وسلمت عليه، فرد السلام وهنأته، فقال: زرني فأني أخرج من جوار جدي عليه السلام فأموت (3) في غربة، وادفن في جنب هارون، قال: فخرجت متبعا لطريقه حتى مات سلام الله عليه بطوس، ودفن إلى جنب هارون (4).

وفي الدر النظيم روى جماعة من أصحاب الرضا عليه السلام أنه قال: لما أردت

ص :222


1- إعلام الدين: ص 307.
2- الاختصاص: ص 247.
3- في المصدر: (وأموت).
4- عيون الأخبار: ج 2 باب 47 ص 217 ح 26، وعنه البحار: ج 49 ص 117 ح 2.

الخروج من المدينة إلى خراسان جمعت عيالي فأمرتهم أن يبكوا (1) علي حتى أسمع بكاءهم، ثم فرقت فيهم اثني عشر ألف دينار، ثم قلت لهم: إني لا أرجع إلى عيالي أبدا، ثم أخذت أبا جعفر فأدخلته المسجد، ووضعت يده على حافة القبر وألصقته به واستحفظته برسول الله صلى الله عليه وآله، فالتفت إلي أبو جعفر، فقال لي: بأبي أنت والله تذهب إلى الله، وأمرت جميع وكلائي وحشمي له بالسمع والطاعة وترك مخالفته، وعرفتهم أنه القيم مقامي (2).

وروى الشيخ الأربلي عن دلائل الحميري عن أمية بن علي، قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام بمكة في السنة التي حج فيها، ثم صار إلى خراسان، ومعه أبو جعفر عليه السلام، وأبو الحسن عليه السلام يودع البيت، فلما قضى طوافه عدل إلى المقام فصلى عنده، فصار أبو جعفر [الجواد] عليه السلام على عنق موفق (3) يطوف به، فصار أبو جعفر عليه السلام إلى الحجر فجلس فيه فأطال.

فقال له موفق: قم جعلت فداك، فقال عليه السلام: ما أريد أن أبرح من مكاني هذا إلا أن يشاء الله: واستبان في وجهه الغم، فأتى موفق أبا الحسن عليه السلام، فقال [له] (3):

جعلت فداك قد جلس أبو جعفر عليه السلام في الحجر وهو يأبى أن يقوم.

فقام أبو الحسن عليه السلام فأتى أبا جعفر عليه السلام، فقال له: قم يا حبيبي، فقال: ما أريد أن أبرح من مكاني هذا، قال: بلى يا حبيبي، ثم قال: كيف أقوم وقد ودعت البيت وداعا لا ترجع إليه؟ فقال: قم يا حبيبي، فقام معه (4) (5).

ص :223


1- وقد أشير إلى ذلك في زيارته: (السلام على من أمر أولاده وعياله بالنياحة عليه قبل وصول القتل إليه).
2- الدر النظيم: الباب العاشر فصل في ذكر شئ من أخباره عليه السلام (مخطوطة). (انظر رجال الشيخ الطوسي: ص 392).
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- (معه) لم ترد في المصدر.
5- كشف الغمة: ج 2 ص 362، وعنه البحار: ج 49 ص 120 ح 6.

وروى ذلك المسعودي باختلاف في الألفاظ، وفيه: إن لأبي جعفر عليه السلام في ذلك الوقت سنة (1).

قال السيد عبد الكريم بن طاووس: إن الرضا عليه السلام لما طلبه المأمون من خراسان توجه عليه السلام من المدينة إلى البصرة ولم يصل الكوفة، ومنها توجه على طريق الكوفة إلى بغداد، ثم إلى قم ودخلها وتلقاه أهلها وتخاصموا فيمن يكون ضيفه منهم.

فذكر عليه السلام أن الناقة مأمورة (2)، فما زالت حتى بركت على باب، وصاحب ذلك الباب رأى في منامه أن الرضا عليه السلام يكون ضيفه في غد، - فما مضى إلا يسيرا حتى صار ذلك الموضع مقاما شامخا، وهو في اليوم مدرسة مطروقة -، ثم منها إلى فريومد (3)، وقال في حالهم الخبر المشهور، ثم وصل إلى مرو، وعاد إلى سناباد، وتوفي بها، وأتفق لي زيارته عليه السلام في جمادي الأولى سنة ثمانين وستمائة، انتهى (4).

أقول: قد ظهر من هذا الكلام أن بلدتنا الطيبة دار الإيمان قم المحمية التي

ص :224


1- إثبات الوصية: ص 184 في أحوال الإمام أبي جعفر عليه السلام.
2- قد ظهر من هذا الخبر أنه عليه السلام كان راكبا ناقة في سفره إلى خراسان، ويؤيد ذلك ما رواه الراوندي في الدعوات: إن رجلا من أهل كرمند - قرية في إصفهان - كان جمالا لمولانا أ بي الحسن عليه السلام عند توجهه إلى خراسان، فلما أراد الانصراف، قال له: يا بن رسول الله شرفني بشئ من خطك أتبرك به، وكان الرجل من العامة، فأعطاه مكتوبا فيه: كن محبا لآل محمد عليهم السلام وإن كنت فاسقا، ومحبا لمحبيهم وإن كانوا فاسقين. (انظر بحار الأنوار: ج 69 ص 253 ذيل ح 33). وأنا أحب أن أتمثل هاهنا بهذين البيتين: وتحمله الناقة الادماء معتجرا * بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم وفي عطافيه أو أثناء بردته * ما يعلم الله من دين ومن كرم
3- الظاهر أن هذه الكلمة تصحيف (فريوند) وهي: قرية بقرب عباس آباد (منه رحمه الله).
4- فرحة الغري: ص 105

كانت حرم أهل البيت وعش آل محمد عليهم السلام، وموضع قدم جبرائيل، قد تشرفت باقدام مولانا أبي الحسن الرضا عليه آلاف التحية والتحف، وزادها الشرف فوق الشرف، وإن وروده عليه السلام أشبه بورود جده رسول الله صلى الله عليه وآله ا لمدينة الطيبة.

فقد روي عن سلمان رضي الله عنه، قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وآله [إلى] (1) المدينة تعلق الناس بزمام الناقة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: يا قوم دعوا الناقة فإنها (2) مأمورة، فعلى باب من بركت، فأنا عنده، فأطلقوا زمامها وهي تهف في السير حتى دخلت المدينة، فبركت على باب أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ولم يكن في المدينة أفقر منه، فانقطعت قلوب الناس حسرة على مفارقة النبي صلى الله عليه وسلم... الخ (3).

ولا غرو في ذلك من مولانا الرضا عليه السلام، فإنه بضعة النبي صلى الله عليه وآله، ووضع الله عز وجل عليه أعباء النبوة ومنحه الاضطلاع بها، وكان صلوات الله عليه شبيها به تحكي شيمته شيمته، ما تخرم مشيته مشيته.

روي أنه عليه السلام كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله، وكل من رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام رآه على صورته عليه السلام (4).

الصدوق، عن ابن المتوكل عن علي عن أبيه عن يوسف بن عقيل عن إسحاق بن راهويه، قال: لما وافى أبو الحسن الرضا عليه السلام نيسابور وأراد أن يرحل منها إلى المأمون اجتمع إليه أصحاب الحديث، فقالوا له: يا ابن رسول الله ترحل عنا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك؟ وقد كان قعد في العمارية فأطلع رأسه، وقال: سمعت أبي موسى بن جعفر، يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد، يقول: سمعت أبي محمد بن علي، يقول: سمعت

ص :225


1- ما بين المعقوفتين ساقطة من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في خ ل (فهي).
3- المناقب لابن شهرآشوب: ج 1 ص 133.
4- انظر عيون الأخبار: ج 2 باب 47 ص 210 مضمون ح 15.

أبي علي بن الحسين، يقول: سمعت أبي الحسين بن علي، يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول:

سمعت جبرائيل عليه السلام، يقول: سمعت الله عز وجل، يقول: (لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن عذابي)، [قال] (1): فلما مرت الراحلة نادانا بشروطها، وأنا من شروطها (2).

وروى الصدوق أيضا عن أبي الصلت الهروي، قال: لما خرج الرضا علي بن موسى عليهما السلام من نيسابور (3) إلى المأمون، فبلغ قرب القرية الحمراء، قيل له: يا ابن رسول الله قد زالت الشمس أفلا تصلي؟ فنزل عليه السلام، فقال: ائتوني بماء فقيل ما معنا ماء، فبحث عليه السلام بيده الأرض، فنبع من الماء ما توضأ به هو ومن معه، واثره باق إلى اليوم.

فلما دخل سناباذ (4) أسند (5) إلى الجبل الذي ينحت منه القدور، فقال: (اللهم أنفع به وبارك فيما [يجعل فيه وفيما] (6) ينحت منه)، ثم أمر عليه السلام فنحت له قدور من الجبل، وقال: لا يطبخ ما آكله إلا فيها.

وكان عليه السلام خفيف الأكل قليل الطعم، فاهتدى الناس إليه من ذلك اليوم، وظهرت (7) بركة دعائه علية السلام فيه، ثم دخل دار حميد بن قحطبة الطائي، ودخل القبة التي فيها قبر هارون الرشيد، ثم خط بيده إلى جانبه، ثم قال: (هذه تربتي وفيها ادفن، وسيجعل الله هذا المكان مختلف شيعتي وأهل محبتي، والله ما

ص :226


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- عيون الأخبار: ج 2 الباب 37 ص 135 ح 4.
3- عبارة (من نيسابور) لم ترد في المصدر.
4- سناباذ: بالفتح قرية بطوس فيها قبر الإمام علي بن موسى الرضا عليهما السلام، بينها وبين مدينة طوس نحو ميل (انظر معجم البلدان: ج 3 ص 153).
5- في المصدر: (استند).
6- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
7- في المصدر: (فظهرت)

يزورني منهم زائر، ولا يسلم علي منهم مسلم إلا وجب له غفران الله ورحمته بشفاعتنا أهل البيت)، ثم استقبل القبلة وصلى ركعات ودعا بدعوات، فلما فرغ سجد سجدة طال مكثه فيها، فأحصيت له فيها خمسمائة تسبيحة، ثم انصرف (1).

مهج الدعوات عن ياسر الخادم، قال: لما نزل أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام قصر حميد بن قحطبة، نزع ثيابه وناولها حميدا، فاحتملها وناولها جارية له لتغسلها، فما لبثت أن جاءت ومعها رقعة فناولتها حميدا، وقالت:

وجدتها في جيب أبي الحسن عليه السلام.

فقلت: جعلت فداك، أن الجارية وجدت رقعة في جيب قميصك فها هي، قال:

يا حميد هذه عوذة لا نفارقها، فقلت: لو شرفتني بها، فقال: هذه عوذة من أمسكها في جيبه كان البلاء مدفوعا عنه، وكانت له حرزا من الشيطان الرجيم، ثم أملى على حميد العوذة وهي:

بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله إني أعوذ بالرحمن منك... الخ (2).

ص :227


1- عيون الأخبار: ج 2 باب 39 ص 136 ح 1، وعنه البحار: ج 49 ص 125 ح 1.
2- مهج الدعوات: ص 33، حرز مولانا علي بن موسى الرضا عليهما السلام، وعنه البحار: ج 94 ص 343، وأذكره هنا للبيان: (بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا أو غير تقي، أخذت بالله السميع البصير على سمعك وبصرك، لا سلطان لك علي ولا على سمعي، ولا على بصري، ولا على شعري، ولا على بشري، ولا على لحمي، ولا على دمي ولا على مخي، ولا على عصبي، ولا على عظامي، ولا على مالي، ولا على ما رزقني ربي، سترت بيني وبينك بستر النبوة الذي استتر أنبياء الله به بمن سطوات الجبابرة والفراعنة، جبرئيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، وإسرافيل عن ورائي، ومحمد صلى الله عليه وآله أمامي، والله مطلع علي، يمنعك مني ويمنع الشيطان مني. اللهم لا يغلب جهله أناتك أن يستفزني ويستخفني، اللهم إليك التجأت، اللهم إليك التجأت، اللهم إليك التجأت ولهذا الحرز قصه موثقة وحكاية عجيبة رواها أبو الصلت الهروي، عندما طلبه المأمون.

فصل في ذكر ولاية العهد من المأمون للرضا عليه السلام

قال صاحب نور الأبصار: ذكر جماعة من أصحاب السير ورواة الأخبار بأيام الخلفاء أن المأمون لما أراد ولاية العهد للرضا عليه السلام وحدث نفسه بذلك وعزم عليه، أحضر الفضل بن سهل وأخبره بما عزم عليه، وأمره بمشاورة أخيه الحسن في ذلك.

فاجتمعا وحضرا عند المأمون، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه ويعرفه ما في خروج الأمر عن أهل بيته، فقال المأمون: إني عاهدت الله تعالى إن ظفرت بالمخدوع (1) سلمت الخلافة إلى أفضل بني طالب، وهو أفضلهم ولابد من ذلك.

فلما رأيا تصميمه وعزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته، فقال: تذهبان الآن إليه وتخبرانه بذلك عني وتلزمانه به، فذهبا إلى علي الرضا عليه السلام وأخبراه بذلك وألزماه، فامتنع فلم يزالا به حتى أجاب على أنه لا يأمر ولا ينهي، ولا يعزل ولا يولي، ولا يتكلم بين اثنين في حكومة، ولا يغير شيئا مما هو قائم على أصله.

فأجابه المأمون إلى ذلك، ثم إن المأمون جلس مجلسا خاصا لخواص أهل دولته من الامراء والوزراء والحجاب والكتاب وأهل الحل والعقد، وكان ذلك في يوم الخميس لخمس خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، وأحضرهم.

فلما حضروا قال للفضل بن سهل: أخبر الجماعة الحاضرين برأي أمير المؤمنين في الرضا علي بن موسى عليهما السلام، وأنه ولاه عهده وأمرهم بلبس الخضرة، والعود لبيعته في الخميس الثاني.

فحضروا وجلسوا على مقادير طبقاتهم ومنازلهم، كل في موضعه، وجلس المأمون، ثم جئ بالرضا عليه السلام فجلس بين وسادتين عظيمتين، وضعتا له وهو

ص :228


1- في المصدر: (المخلوع)، والمراد به أخوه محمد الأمين.

لابس الخضرة وعلى رأسه عمامة متقلدا بسيف، فأمر المأمون ابنه العباس بالقيام إليه ومبايعته أول الناس.

فرفع الرضا عليه السلام يده وجعلها من فوق، فقال له (1) المأمون: ابسط يدك، فقال له الرضا عليه السلام: هكذا كان يبايع رسول الله صلى الله عليه وآله يده فوق أيديهم، فقال: افعل ما ترى، ثم وضعت بدر الدراهم والدنانير وبقج الثياب والخلع، وقام الخطباء والشعراء وذكروا ما كان من أمر المأمون، من ولاية عهده للرضا عليه السلام، وذكروا فضل الرضا عليه السلام، وفرقت الصلات والجوائز على الحاضرين على قدر مراتبهم، وأول من بد ئ به العلويون، ثم العباسيون، ثم باقي الناس على قدر منازلهم ومراتبهم.

ثم إن المأمون قال للرضا عليه السلام: قم فاخطب الناس فقام، فحمد الله وأثنى عليه وثنى بذكر نبيه محمد صلى الله عليه وآله فصلى عليه، وقال: (أيها الناس إن لنا عليكم حقا برسول الله صلى الله عليه وآله ولكم علينا حق به، فإذا أديتم إلينا ذلك وجب لكم علينا الحكم (2) والسلام).

ولم يسمع منه في هذا المجلس غير هذا، وخطب للرضا عليه السلام بولاية العهد في كل بلد، وخطب عبد الجبار بن سعيد في تلك السنة على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة فقال في الدعاء للرضا عليه السلام، وهو على المنبر: ولي عهد المسلمين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام، وأنشد:

ستة آباء هم ما هم * أفضل من يشرب صوب الغمام (3) ذكر المدائني قال: لما جلس الرضا عليه السلام ذلك المجلس وهو لا بس تلك الخلع، والشعراء والخطباء يتكلمون، وتلك الألوية تخفق على رأسه، نظر الرضا عليه السلام إلى بعض مواليه الحاضرين ممن كان يختص به، وقد داخله من السرور مالا مزيد

ص :229


1- (له) لم ترد في المصدر.
2- (الحق) ظ.
3- نور الأبصار: ص 171، وفيه صدر البيت: ستة آباؤهم أمهاتهم

عليه، وذلك لما رأى، فأشار إليه الرضا عليه السلام فدنا منه، فقال له في اذنه سرا: لا تشغل قلبك بشئ مما ترى من هذا الأمر ولا تستبشر به فإنه لا يتم (1).

أقول: لما جعل المأمون أبا الحسن الرضا عليه السلام ولي عهده وإن الشعراء قصدوه ومدحوه وصوبوا رأي المأمون في الأشعار كان فيمن ورد عليه من الشعراء: دعبل بن علي الخزاعي (2)، فلما دخل عليه، قال: إني قد قلت قصيدة فجعلت على نفسي أن لا أنشدها على أحد قبلك، فأمره بالجلوس حتى خف مجلسه، ثم قال له: هاتها، فأنشده قصيدته التي أولها:

مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات وكان مع دعبل إبراهيم بن العباس فأنشده:

أزالت عزاء القلب بعد التجلد * مصارع أولاد النبي محمد (3) فوهب الرضا عليه السلام لهما عشرين ألف درهم من الدراهم التي عليها اسمه، كان المأمون أمر بضربها في ذلك الوقت، [قال] (4): فأما دعبل فصار بالعشرة آلاف التي حصته إلى قم، فباع كل درهم بعشرة دراهم، فتخلصت له مائة ألف درهم.

وأما إبراهيم فلم تزل عنده بعد أن أهدى بعضها، وفرق بعضها على أهله إلى أن توفي رحمه الله، فكان كفنه وجهازه منه (5).

ص :230


1- نور الأبصار: ص 172.
2- هو دعبل بن علي بن رزين الخزاعي أبو علي، شاعر مطبوع، وكان هجاء لم يسلم من لسانه أحد ممن عاصره من الخلفاء والوزراء، وهو من مشاهير الشيعة، وقال ياقوت: (قصيدته التائية في أهل البيت من أحسن الشعر، وأسنى المدائح، قصد بها علي بن موسى الرضا عليهما السلام بخراسان) ولد سنة 148 ه، أصله من الكوفة، وأقام ببغداد، وتوفي سنة 246 ه ببلدة تدعى الطيب بين واسط وخوزستان (انظر أمالي المرتضى: ج 1 ص 484، إعلام الزرگلي: ج 2 ص 339).
3- أمالي المرتضى: ج 1 ص 484.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- عيون الأخبار: ج 2 باب 40 ص 142 ح 8، وفيه: (منها) بدل (منه).

قلت: ولإبراهيم مدائح كثيرة في الرضا عليه السلام، وكان شعره في مدحه عليه السلام معروفا، ينسخ إلى زمان المتوكل، فجمعه إبراهيم فأحرقه من خوف المتوكل، وكان له ابنان اسمهما الحسن والحسين، فلما ولي المتوكل سماهما إسحاق وعباسا فزعا منه (1).

وروي عن علي بن إبراهيم عن ياسر الخادم والريان بن الصلت جميعا قالا:

لما حضر العيد وكان قد عقد للرضا عليه السلام الأمر بولاية العهد، بعث المأمون إليه في الركو ب إلى العيد والصلاة بالناس والخطبة لهم، فبعث إليه الرضا عليه السلام قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الأمر فاعفني من الصلاة بالناس، فقال له المأمون: إنما أريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس، ويعرفوا فضلك، ولم تزل الرسل تتردد بينهما في ذلك.

فلما ألح عليه المأمون أرسل إليه إن أعفيتني فهو أحب إلي، وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال له المأمون: اخرج كيف شئت، وأمر [المأمون] القواد والحجاب والناس أن يبكروا إلى باب الرضا عليه السلام.

قال: فقعد الناس لأبي الحسن عليه السلام في الطرقات والسطوح، واجتمع النساء والصبيان ينتظرون خروجه، وصار جميع القواد والجند إلى بابه، فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس، فاغتسل أبو الحسن عليه السلام ولبس ثيابه وتعمم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه، ومس شيئا من الطيب، واخذ بيده عكازا (2)، وقال لمواليه: افعلوا مثل ما فعلت، فخرجوا بين يد يه وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة، فمشى قليلا ورفع رأسه إلى السماء وكبر، وكبر مواليه معه، ثم مشى حتى وقف على الباب.

ص :231


1- عيون الأخبار: ج 2 باب 40 ص 148 مقاطع من ح 20.
2- في المصدر: (عكازة).

فلما رآه القواد والجند على تلك الصورة، سقطوا كلهم عن الدواب إلى الأرض، وكان أحسنهم حالا من كان معه سكين قطع بها شرابة حاجيلته (1) ونزعها وتحفى، وكبر الرضا عليه السلام على الباب وكبر الناس معه، فخيل إلينا أن السماء والحيطان تجاوبه، وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج، لما رأوا أبا الحسن عليه السلام، وسمعوا تكبيره.

قلت ويحق لي أن أنشد في هذا المقام:

ذكروا بطلعتك النبي فهللوا * لما خرجت إلى الصلاة وكبروا ومشيت مشية خاضع متواضع * لله لا يزهى ولا يتكبر فافتن فيك الناظرون فإصبع * يومى إليك بها وعين تنظر يجدون رؤيتك التي فازوا بها * من أنعم الله التي لا تكفر لكن المأمون كفر بهذه النعمة الجزيلة لما بلغه ذلك وخاف إن بلغ عليه السلام المصلى على هذا السبيل افتتن (2) به الناس، فبعث إليه: قد كلفناك شططا وأتعبناك، ولسنا نحب أن تلحقك مشقة، فارجع وليصل بالناس من كان يصلي بهم على رسمه.

فدعا أبو الحسن عليه السلام بخفه فلبسه وركب ورجع، واختلف أمر الناس في ذلك اليوم (3). ولم ينتظم في صلاتهم.

روى الصدوق عن علي بن إبراهيم عن ياسر الخادم، قال: كان الرضا عليه السلام إذا رجع يوم الجمعة من الجامع وقد أصابه العرق والغبار رفع يديه، وقال: (اللهم إن كان فرجي مما أنا فيه بالموت فعجل لي الساعة)، ولم يزل مغموما مكروبا إلى أن قبض صلوات الله عليه (4).

ص :232


1- يعني: أربطة حذائر.
2- في المصدر: (فتن).
3- الإرشاد للمفيد: ص 312، وعيون الأخبار: ج 2 ص 149 ح 21، وعنه البحار: ج 49 ص 134 ح 9.
4- عيون الأخبار: ج 2 باب 30 ص 15 قطعة من ح 34، وعنه البحار: ج 49 ص 140 ح 13.

فصل في وفاة الرضا عليه السلام وسببها

روي أن المأمون لما ندم من ولاية عهد الرضا عليه السلام بإشارة الفضل بن سهل خرج من مرو منصرفا إلى العراق، واحتال على الفضل بن سهل حتى قتله غالب خال المأمون في حمام بسرخس (1) مغافصة، واحتال على علي بن موسى الرضا عليهما السلام حتى سم في علة كانت أصابته (2).

روي عن الحسن بن عباد، وكان كاتب الرضا عليه السلام، قال: دخلت عليه وقد عزم المأمون بالمسير إلى بغداد، فقال الرضا عليه السلام: يا ابن عباد ما ندخل العراق ولا نراه، [قال] (3): فبكيت، وقلت: آيستني أن آتي أهلي وولدي، قال عليه السلام: أما أنت فستدخلها، وإنما عنيت نفسي.

فاعتل وتوفي بقرية من قرى طوس، وقد كان تقدم في وصيته أن يحفر قبره مما يلي الحائط، بينه وبين قبر هارون ثلاث أذرع (4).

وقال ياسر الخادم: لما كان بيننا وبين طوس سبعة منازل اعتل أبو الحسن عليه السلام، فدخلنا طوس وقد اشتدت به العلة، فبقينا بطوس أياما، فكان المأمون يأتيه في كل يوم مرتين (5).

وقال الشيخ المفيد: إن الحسن والفضل ابني سهل قلبا رأي المأمون في

ص :233


1- سرخس: مدينة قديمة من نواحي خراسان كبيرة واسعة، وهي بين نيسابور ومرو (انظر معجم البلدان: ج 3 ص 71).
2- عيون الأخبار: ج 2 باب 40 ص 166 مقاطع من ح 28.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- الخرائج والجرائح: ج 1 ص 367 قطعة من ح 25، وعنه البحار: ج 49 ص 307.
5- عيون الأخبار: ج 2 باب 62 ص 241 قطعة من ح 1، وعنه البحار ج 49 ص 299 قطعة من ح 9.

الرضا عليه السلام فعمل على قتله، فاتفق أنه أكل هو والمأمون يوما طعاما، فاعتل منه الرضا عليه السلام وأظهر المأمون تمارضا.

فذكر محمد بن علي بن حمزة عن منصور بن بشير عن أخيه عبد الله بن بشير، قال: أمرني المأمون أن أطول أظفاري على العادة فلا أظهر لأحد ذلك ففعلت، ثم استدعاني فاخرج إلي شيئا شبه التمر الهندي، وقال لي: اعجن هذا بيدك جميعا ففعلت، ثم قام وتركني، فدخل علي الرضا عليه السلام، فقال له: ما خبرك؟ قال: أرجو أن أكون صالحا، قال [له المأمون] (1): أنا اليوم بحمد الله أيضا صالح، فهل جاءك أحد من المترفقين في هذا اليوم، قال: لا.

فغضب المأمون وصاح على غلمانه، ثم قال: خذ ماء الرمان الساعة فإنه مما لا يستغنى عنه، ثم دعاني، فقال: إئتنا برمان فأتيته به، فقال: اعصره بيديك ففعلت وسقى المأمون الرضا عليه السلام بيده، فكان ذلك سبب وفاته، ولم يلبث إلا يومين حتى مات عليه السلام (2).

ورواه الصدوق بتفاوت وفيه: كان الرمان في شجرة في بستان في دار الرضا عليه السلام، [فقطف منه، ثم قال: أجلس ففته، ففت منه في جام وأمر بغسله] (3)، وقال المأمون للرضا عليه السلام: مص منه شيئا، فقال: حتى يخرج أمير المؤمنين فقال: لا والله إلا بحضرتي ولولا خوفي أن يرطب معدتي لمصصته معك، فمص منه ملاعق وخرج المأمون فما صليت العصر حتى قام الرضا عليه السلام خمسين مجلسا وزاد الأمر في الليل (4)...

قلت: قد أشير إلى ذلك في زيارة أئمة المؤمنين في هذه الفقرة: (ومسموم قد

ص :234


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر...
2- الإرشاد: باب ذكر وفاة الرضا عليه السلام ص 315.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- عيون الأخبار: ج 2 باب 61 ص 240 قطعة من ح 1، وعنه البحار: ج 49 ص 305 قطعة من ح 14.

قطعت بجرع السم أمعاؤه) (1).

وفي اللوح السماوي مشيرا إليه عليه السلام: وعلي وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمنحه بالاضطلاع بها (2)، يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي (3).

وفي تذكرة السبط، قيل: أنه عليه السلام دخل الحمام، ثم خرج فقدم إليه طبق فيه عنب مسموم، قد أدخلت فيه الأبر المسمومة من غير أن يظهر أثرها، فأكله فمات، وله خمس وخمسون سنة (4).

وذكر أبو الفرج، والشيخ المفيد عن محمد بن الجهم، أنه يقول: إن الرضا عليه السلام كان يعجبه العنب، فأخذ له عنب وجعل في موضع أقماعه الابر فتركت أياما فأكل منه في علته فقتله، وذكر أن ذلك من لطيف السموم (5).

وروي عن ياسر الخادم، قال: لما كان في آخر يومه الذي قبض عليه السلام فيه، كان ضعيفا في ذلك اليوم، فقال لي بعدما صلى الظهر: يا ياسر أكل (6) الناس شيئا، قلت: يا سيدي من يأكل ها هنا مع ما أنت فيه،؟! فانتصب عليه السلام، ثم قال: هاتوا المائدة، ولم يدع من حشمه أحدا إلا أقعده معه على المائدة، يتفقد واحدا واحدا، فلما أكلوا، قال: ابعثوا إلى النساء بالطعام، فحمل الطعام إلى النساء.

فلما فرغوا من الأكل أغمي عليه وضعف، فوقعت الصيحة، وجاءت جواري المأمون ونساؤه حافيات حاسرات، ووقعت الوحية (7) بطوس، وجاء المأمون

ص :235


1- بحار الأنوار: ج 99 باب الزيارات الجامعة ص 167 مقطع من ح 6، نقلا عن كامل الزيارة.
2- (بها) لم ترد في المصدر.
3- عيون الأخبار: ج 1 باب 6 ص 43 قطعة من ح 2.
4- تذكرة الخواص للجوزي: ص 355.
5- مقاتل الطالبيين: ص 378، والإرشاد: ص 316.
6- في المصدر: (ما أكل).
7- الوحي: الصوت يكون من الناس وغيرهم (أنظر لسان العرب: مادة (وحي) ج 15 ص 241).

حافيا حاسرا يضرب على رأسه، ويقبض على لحيته، ويتأسف ويبكي وتسيل الدموع (1) على خديه.

فوقف على الرضا عليه السلام وقد أفاق، فقال: يا سيدي والله ما أدري أي المصيبتين أعظم علي، فقدي لك وفراقي إياك، أو تهمة الناس لي إني اغتلتك وقتلتك؟! قال: فرفع عليه السلام طرفه إليه، ثم قال: أحسن يا أمير المؤمنين معاشرة أبي جعفر، فإن عمرك وعمره هكذا - وجمع بين سبابتيه -، قال: فلما كان من تلك الليلة قضى عليه بعدما ذهب من الليل بعضه (2)..

وروي أنه كان آخر ما تكلم به * (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) * (3) و * (كان أمر الله قدرا مقدورا) * (4) (5).

فلما أصبح اجتمع الخلق، وقالوا: هذا قتله واغتاله - يعني (6) المأمون -، وقالوا: قتل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وأكثروا القول والجلبة (7).

وكان محمد بن جعفر بن محمد استأمن إلى المأمون وجاء إلى خراسان، وكان عم أبي الحسن، فقال له المأمون: يا أبا جعفر اخرج إلى الناس وأعلمهم أن أبا الحسن لا يخرج اليوم، وكره أن يخرجه فتقع الفتنة، فخرج محمد بن جعفر إلى الناس، فقال: أيها الناس تفرقوا فأن أبا الحسن اليوم لا يخرج، فتفرق الناس، وغسل أبو الحسن عليه السلام في الليل ودفن (8).

وروى السيد الشبلنجي في نور الأبصار عن هرثمة بن أعين، وكان من خدم

ص :236


1- في المصدر: (دموعه).
2- عيون الأخبار: ج 2 باب 62 ص 241 قطعة من ح 1، وعنه البحار: ج 49 ص 299 قطعة من ح 9.
3- آل عمران: 154.
4- الأحزاب: 38.
5- عيون أخبار الرضا: ج 2 باب 61 ص 240 قطعة من ح 1، وعنه البحار: ج 49 ص 305 قطعة من ص 14.
6- في المصدر: (يعنون).
7- الجلبة: اختلاط الأصوات (انظر لسان العرب: مادة (جلب) ج 2 ص 314).
8- عيون الأخبار: ج 2 باب 62 ص 241 ذيل ح 1، وعنه البحار: ج 49 ص 299 قطعة من ح 9.

الخليفة عبد الله المأمون، وكان قائما بخدمة الرضا عليه السلام، قال: طلبني سيدي أبو الحسن الرضا عليه السلام في يوم من الأيام، وقال لي: يا هرثمة إني مطلعك على أ مر يكون سرا عندك لا تظهره لأحد مدة حياتي، فإذا (1) أظهرته مدة (2) حياتي كنت خصما لك عند الله، فحلفت له إني لا أتفوه بما يقوله (3) لي لأحد مدة حياته، فقال لي: إعلم يا هرثمة أنه قد دنا رحيلي ولحوقي بآبائي وأجدادي، وقد بلغ الكتاب أجله وإني أطعم عنبا ورمانا مفتوتا فأموت، ويقصد الخليفة أن يجعل قبري خلف قبر أبيه هارون الرشيد، وإن الله لا يقدره على ذلك وأن الأرض تشد عليهم فلا تعمل فيها المعاول ولا يستطيعون حفرها.

فاعلم يا هرثمة أن مدفني في الجهة الفلانية من اللحد الفلاني للموضع عينه لي، فإذا أنا مت وجهزت فاعلمه بجميع ما قلت لك لتكونوا على بصيرة من أمري، وقل له: إذا أنا وضعت في نعشي وأراد (4) الصلاة علي فلا يصلي علي، وليتأن قليلا، يأتكم رجل عربي، متلثم على ناقة له، مسرع من جهة الصحراء فينيخ ناقته وينزل عنها، ويصلي (5) علي فصلوا معه علي، فإذا فرغتم من الصلاة علي وحملت إلى مدفني الذي عينته لك، فاحفر شيئا يسيرا من وجه الأرض تجد قبرا مطبقا معمورا في قعره (6) ماء أبيض، فإذا كشفت عنه الطبقات نضب الماء فهذا مدفني فادفنوني فيه، ذكر وقوع جميع ما قال عليه السلام (7).

وعن دلائل الحميري عن معمر بن خلاد، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يا معمر اركب، قلت: إلى أين؟ قال: اركب كما يقال لك، قال: فركبت فانتهيت إلى واد أو

ص :237


1- في المصدر: (فأن) بدل (فإذا).
2- في المصدر: (حال) بدل (مدة).
3- في المصدر: (يقول) بدل (يقوله).
4- في المصدر: (وأرادوا) بدل (وأراد).
5- في المصدر: (فيصلي) بدل (ويصلي).
6- في النسخة الخطية (في قبره) وما أثبتناه هو الصحيح.
7- نور الأبصار: ص 176.

[إلى] (1) وهدة، فقال لي قف: ها هنا [قال] (2) فوقفت، فأتاني، فقلت له: جعلت فداك أين كنت؟ قال: دفنت أبي الساعة، وكان بخراسان (3).

وروى أبو الفرج عن أبي الصلت، أنه لما مات الرضا عليه السلام، حضره المأمون قبل أن يحفر قبره، وأمر أن يحفر إلى جانب أبيه، ثم أقبل علينا، فقال حدثني صاحب هذا النعش: أنه يحفر له قبر فيظهر فيه ماء وسمك، احفروا فحفروا، فلما انتهوا إلى اللحد نبع ماء وظهر فيه سمك، ثم غاض الماء، فدفن فيه الرضا عليه السلام (4).

أقول: الذي أفيض علي ببركة مولانا أبي الحسن الرضا عليه السلام في ظهور السمك والماء في قبره الشريف، لعل هو تنبيه المأمون بانتقام الله تعالى منه، بزوال ملكه وحلول الغضب عليه، وهلاكه بالسمك والماء، لاغتياله الرضا عليه السلام.

قال الدميري في تعبير السمك: وربما دلت رؤيته على الغم والنكد، وزوال المنصب، وحلول الغضب، لأن الله تعالى حرم على اليهود صيدهم يوم السبت، فخالفوا أمره واستوجبوا اللعن، انتهى (5).

وأما هلاك المأمون بالسمك والماء، فقد حكى المسعودي في مروج الذهب في أخبار المأمون وغزاته أرض الروم، ما هذا ملخصه: وانصرف غزاته، فنزل على عين البديدون المعروفة بالقشيرة، فأقام هنالك [حتى ترجع رسله من الحصون] (6) فوقف على العين [ومنبع الماء] (7)، فأعجبه برد مائها وصفاؤه وبياضه وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة، فأمر بقطع خشب طوال فبسط على العين كالجسر، وجعل فوقه كالأزج من الخشب وورق الشجر، وجلس تحت الكنيسة التي قد عقدت له والماء تحته، وطرح في الماء درهما صحيحا فقرأ كتابته وهو في قرار الماء الماء، ولم يقدر أحد أن يدخل يده في الماء من شدة برده، فبينا

ص :238


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- كشف الغمة: ج 2 ص 363.
4- مقاتل الطالبيين: ص 380.
5- حياة الحيوان للدميري: ج 1 ص 572.
6- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

هو كذلك إذ لاحت سمكة نحو الذراع كأنها سبيكة فضة، فجعل لمن يخرجها سيفه (1)، فبدر بعض الفراشين فأخذها وصعد.

فلما صارت على حرف العين، أو على الخشب الذي عليه المأمون، اضطربت وأفلتت من يد الفراش، فوقعت في الماء كالحجر، فنضح من الماء على صدر المأمون ونحره وتر قوته، فبلت ثوبه، ثم انحدر الفراش ثانية، فأخذها ووضعها بين يدي المأمون في منديل تضطرب، فقال المأمون: تقلى الساعة، ثم أخذته رعدة من ساعته، فلم يقدر أن يتحرك من مكانه، فغطى باللحف والدواويج، وهو يرتعد كالسعفة ويصيح: البرد البرد، ثم حول إلى المغرب (2)، ودثر وأوقد النيران حوله، وهو يصيح: البرد البرد، ثم اتي بالسمكة وقد فرغ من قليها، فلم يقدر على الذوق منها، وشغله ما هو فيه عن تناول شئ منها، ولما اشتد به الأمر، سأل المعتصم بختيشوع (3) وابن ماسويه (4) في ذلك الوقت عن المأمون، وهو في سكرات الموت، وما الذي يدل عليه علم الطب من أمره؟ وهل يمكن برؤه وشفاؤه؟ فتقدم ابن ماسويه، وأخذ إحدى يديه وبختيشوع الأخرى، وأخذ المجسة من كلتا يديه، فوجدا نبضه خارجا عن الاعتدال، منذرا بالفناء والانحلال، والتزقت أيديهما ببشرته لعرق كان يظهر منه، من سائر جسده، كالزيت أو كلعاب بعض الأفاعي، فأخبر المعتصم بذلك، فسألهما عن ذلك، فأنكرا معرفته، وأنهما لم يجداه في شئ من الكتب، وأنه دال على انحلال الجسد.

فأحصر المعتصم (5) الأطباء حوله يؤمل خلاصه مما هو فيه، فلما ثقل قال:

ص :239


1- في المصدر: (سبقا).
2- في المصدر: (المضرب).
3- هو: بختيشوع بن يوحنا بن بخيشوع، طبيب من أهل بغداد، كان حظيا عند الخلفاء وغيرهم، واختص بخدمة المقتدر بالله، ثم الراضي بالله، وكان له منهما الانعام الكثير والإقطاعات من الضياع، توفى ببغداد سنة 329 ه (انظر الاعلام للزرگلي: ج 2 ص 45.
4- ابن ماسويه يوحنا: الطبيب المشهور الذي لازم المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، توفى سنة 243 ه (انظر الكنى والألقاب: ج 1 ص 298).
5- في المصدر: (المأمون) وما أثبتناه هو الصحيح.

أخرجوني أشرف على عسكري، وانظر إلى رجالي، وأتبين ملكي، وذلك في الليل، فأخرج فأشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته، وما قد أوقد من النيران، فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ثم رد إلى مرقده وأجلس المعتصم رجلا يشهده لما ثقل، فرفع الرجل صوته ليقولها، فقال له ابن ماسويه: لا تصح فوالله ما يفرق بين ربه وبين ما بي (1) في هذا الوقت، ففتح [المأمون] عينيه من ساعته وبهما من العظم والكبر والاحمرار ما لم ير مثله قط، وأقبل يحاول البطش بيديه بابن ماسويه، ورام مخاطبته فعجز عن ذلك.

وقضى عن ساعته، وذلك لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومائتين، وحمل إلى طرسوس فدفن بها (2).

فصل في استشهاد الرضا عليه السلام

قبض أبو الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام في آخر صفر كما اختاره ابن الأثير والطبرسي والسيد الشبلنجي وغيرهم، من سنة ثلاث ومائتين وهو ابن خمس وخمسين سنة، وتوفى بطوس في قرية يقال لها: سناباد من نوقان على دعوة، ودفن بها صلوات الله عليه (3).

وفي إثبات الوصية: إنه عليه السلام دفن أمام قبر هارون (4).

وكتب المأمون إلى أهل بغداد وبني العباس والموالي يعلمهم بموته عليه السلام وانهم نقموا ببيعته، وقد مات وسألهم الدخول في طاعته، فكتبوا إليه أغلظ جواب (5).

ص :240


1- الظاهر مابي غلط، والصحيح ماني، وهو النقاش المعروف، كما صرح به المؤلف (رحمه الله)، وكذلك وردت في المصدر.
2- مروج الذهب: ج 3 ص 256.
3- الكامل في التاريخ: ج 6 ص 351، وإعلام الورى: ص 303، ونور الأبصار: ص 177.
4- إثبات الوصية: ص 182.
5- الكامل في التاريخ: 6 ص 351.

وروي عن أمية بن علي، قال: كنت بالمدينة وكنت أختلف إلى أبي جعفر عليه السلام، وأبو الحسن بخراسان، وكان أهل بيته وعمومة أبيه يأتونه ويسلمون عليه، فدعا يوما الجارية، فقال: قولي لهم يتهيأون للمأتم، فلما تفرقوا، قالوا: ما سألناه مأتم من؟ فلما كان من الغد فعل مثل ذلك، فقالوا: مأتم من؟ قال: مأتم خير من على ظهرها، فأتانا خبر أبي الحسن بعد ذلك (1).

روى الصدوق عن دعبل بن علي، قال: جاءني خبر موت الرضا عليه السلام وأنا بقم فقلت قصيدتي الرائية:

أرى أمية معذورين إن قتلوا * ولا أرى لبني العباس من عذر أولاد حرب ومروان وأسرتهم * بنو معيط ولاة الحقد والوغر قوم قتلتم على الإسلام أولهم * حتى إذا استمسكوا جازوا على الكفر أربع بطوس على قبر الزكي به * إن كنت تربع من دين على وطر (2) قبران في طوس خير الناس كلهم * وقبر شرهم هذا من العبر ما ينفع الرجس من قرب الزكي وما * على الزكي بقرب الرجس من ضرر هيهات كل امرئ رهن بما كسبت * له يداه فخذ ما شئت أو فذر (3) وقال الصدوق: ولعلي بن أبي عبد الله الخوافي يرثي الرضا عليه السلام أفضل الصلوات وأكمل التحيات:

يا أرض طوس سقاك الله رحمته * ماذا حويت من الخيرات يا طوس طابت بقاعك في الدنيا وطاب بها (4) * شخص ثوى بسناباد مرموس شخص عزيز على الإسلام مصرعه * في رحمة الله مغمور ومغموس يا قبره أنت قبر قد تضمنه * حلم وعلم وتطهير وتقديس

ص :241


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 389.
2- في المصدر: (فطر).
3- عيون الأخبار: ج 2 باب 65 ص 251 ح 2، ديوانه ص 77 وفيه: (اختلاف في الألفاظ).
4- في المصدر: (وطيبها) بدل (وطاب بها).

فخرا بأنك (1) مغبوط بجثته * وبالملائكة الأبرار محروس (2)

فصل في ثواب زيارة أبي الحسن الرضا عليه السلام

وثواب زيارته عليه السلام أكثر من أن يذكر.

قال الشيخ الشهيد في الدروس عن الكاظم عليه السلام: من زار قبر ولدي علي كان عند الله كسبعين حجة مبرورة، قال له يحيى المازني: سبعين حجة مبرورة؟ قال:

نعم وسبعين ألف حجة (3).

وقيل لأبي جعفر محمد بن علي الجواد عليهما السلام: زيارة الرضا عليه السلام أفضل، أم زيارة الحسين عليه السلام؟ فقال: زيارة أبي أفضل، لأنه لا يزوره إلا الخواص من الشيعة (4).

وعنه عليه السلام إنها أفضل من الحج، وأفضلها رجب (5).

وروى البزنطي، قال: قرأت كتاب أبي الحسن الرضا عليه السلام بخطه: أبلغ شيعتي أن زيارتي تعدل عند الله ألف حجة، وألف عمرة متقبلة كلها، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ألف حجة؟ قال: إي والله، وألف ألف حجة لمن يزوره عارفا بحقه (6).

[أقول]: قد ظهر من هذه الفقرة الشريفة، إن الاختلاف الوارد في قدر الفضل والثواب محمولة على اختلاف الاشخاص، واختلاف مراتب الإخلاص، والمعرفة والتقوى، أو غير ذلك.

ص :242


1- في المصدر: (فإنك).
2- عيون الأخبار: ج 2 باب 65 ص 251 ح 1.
3- الدروس: ج 2 كتاب المزار ص 14.
4- الكافي: ج 4 باب فضل زيارة أبي الحسن ص 584 ح 1.
5- الدروس: ج 2 كتاب المزار ص 14.
6- عيون الأخبار: ج 2 باب 66 ص 257 ح 10، والدروس: 2 كتاب المزار ص 14.

وقال الرضا عليه السلام: من زارني على بعد داري ومزاري، أتيته يوم القيامة في ثلاث مواطن حتى أخلصه من أهوالها: إذا تطايرت الكتب يمينا وشمالا، وعند الصراط، و [عند] الميزان (1).

وروى الصدوق عن أبي الحسن الهادي عليه السلام، يقول: من كانت له إلى الله عز وجل حاجة، فليزر قبر جدي الرضا عليه السلام بطوس وهو على غسل، وليصل عند رأسه ركعتين، وليسأل الله تعالى حاجته في قنوته، فإنه يستجيب له، ما لم يسأل في مأثم أو قطيعة رحم، فإن موضع قبره لبقعة من بقاع الجنة لا يزورها مؤمن إلا أعتقه الله تعالى من النار وأحله دار القرار (2).

قال الشيخ المفيد في المقنعة باب مختصر زيارته عليه السلام: تقف على قبره - بعد أن تغتسل لزيارته، وتلبس أطهر ثيابك - وتقول:

* (السلام عليك يا ولي الله وابن وليه، السلام عليك يا حجة الله وابن حجته، السلام عليك يا إمام الهدى والعروة الوثقى ورحمة الله وبركاته، أشهد أنك مضيت على ما مضى عليه آباؤك الطاهرون صلوات الله عليهم، لم تؤثر عمى على هدى، ولم تمل من حق إلى باطل، وأنك نصحت لله ولرسوله، وأديت الأمانة، فجزاك الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء، أتيتك بأبي [أنت] وأمي زائرا عارفا بحقك، مواليا لأوليائك، معاديا لأعدائك، فاشفع لي عند ربك) *.

ثم انكب على القبر [فقبله] (3)، وضع خديك عليه، ثم تحول إلى عند الرأس فقل:

* (السلام عليك يا مولاي يا ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أنك الإمام الهادي، والولي المرشد، أبرأ إلى الله تعالى من أعدائك، وأتقرب إلى الله بولايتك، صلى الله عليك ورحمة الله وبركاته.) *

ص :243


1- المقنعة للشيخ المفيد: باب فضل زيارته عليه السلام ص 479، والدروس: ج 2 كتاب المزار ص 14.
2- عيون الأخبار: ج 2 باب 66 ص 262 ح 32.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

ثم صل ركعتي الزيارة، وصل بعدهما ما بدالك، وتحول إلى عند الرجلين فادع بما شئت إن شاء الله (1).

قال السيد ابن طاووس في الإقبال: ورأيت في بعض تصانيف أصحابنا العجم رضوان الله عليهم، أنه يستحب أن يزار مولانا الرضا عليه السلام يوم ثالث وعشرين من ذي القعدة من قرب أو بعد ببعض زياراته المعروفة، أو بما يكون كالزيارة من الرواية بذلك (2).

قلت وروى العلامة المجلسي رحمه الله عن صاحب كتاب العدد القوية أنه قال: إن وفاة الرضا عليه السلام كانت في ذلك اليوم، والله العالم (3).

قال السيد الداماد قدس سره في رسالة أربعة أيام في ذكر أعمال يوم دحر الأرض يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة: إن زيارة الرضا عليه السلام فيه أفضل الأعمال المستحبة، وآكد الآداب المسنونة.

[ختام] (4) قال شيخنا الطبرسي رحمه الله في إعلام الورى بعد ذكر جملة من دلائل الرضا ومعجزا ته عليه السلام: وأما ما ظهر للناس بعد وفاته من بركة مشهده المقدس، وعلاماته والعجائب التي شاهدها الخلق فيه، وأذعن العام والخاص له وأقر المخالف والمؤالف به إلى يومنا هذا، فكثير خارج عن حد الإحصاء والعد، ولقد أبرئ فيه الأكمة والأبرص، واستجيبت الدعوات، وقضيت ببركته الحاجات، وكشفت (5) الملمات، وشاهدنا كثيرا من ذلك وتيقناه... الخ (6).

ص :244


1- المقنعة: 480.
2- إقبال الا عمال: ص 310.
3- البحار: ج 49 باب شهادته وتغسيله ودفنه عليه السلام ص 293 ملخص ح 7 نقلا عن العدد القوية.
4- ما بين المقعوفتين لم تردفي النسخة الخطية، وقد وردت في النسخة المطبوعة.
5- في المصدر: (وكشف).
6- إعلام الورى: ص 313.

قال شيخنا الحر العاملي قدس سره في إثبات الهداة بعد نقل هذا الكلام من الاعلام، يقول محمد بن الحسن الحر، مؤلف هذا الكتاب: ولقد رأيت وشاهدت كثيرا من ذلك وتيقنته، كما شاهده الطبرسي وتيقنه في مدة مجاورتي لمشهد الرضا عليه السلام، وذلك ستة وعشرون سنة، وسمعت من الأخبار في ذلك ما يجاوز حد التواتر وليس في خاطري، إني دعوت في هذا المشهد وطلبت منه (1) من الله تعالى حاجة إلا وقضيت لي، والحمد لله.

وتفصيل ذلك يضيق عنه المجال ويطول فيه المقال، فلذلك اكتفيت بالاجمال، ومن ذلك أن بنتا من جيراننا كانت خرساء، ثم زارت قبر الرضا عليه السلام يوما فرأت عند القبر رجلا حسن الهيئة ظنت أنه الرضا عليه السلام، فقال لها: ما لك لا تتكلمين؟ تكلمي فنطقت في الحال وزال عنها الخرس بالكلية، فقلت فيها هذه الأبيات:

يا كليم الرضا عليه السلام * وعليك السلام والإكرام كلميني عسى أكون كليما * لكليم الرضا عليه السلام (2) (انتهى).

يقول عباس بمحمد رضا القمي مؤلف هذا الكتاب: ولقد رأيت وشاهدت في مدة مجاورتي لهذا المشهد المقدس خصوصا في هذا التاريخ، وهو شوال سنة 1343 ثلاث وأربعين بعد الف وثلاثمائة، كثيرا من ذلك وتيقنته وعلمت علما لا يخالج الشك والريب في معناه، فلو ذهبت للخوض في إيراد ذلك لخرجت عن الغرض في هذا الكتاب، ولقد صدق شيخنا العاملي في قوله:

وما بدا من بركات مشهده * في كل يوم أمسه مثل غده وكشفاء العمي والمرضى به * إجابة الدعاء في أعتابه * * *

ص :245


1- في المصدر: (فيه).
2- إثبات الهداة: ج 3 ص 298.

امام جواد علیه السلام

اشارة

النور الحادي عشر الإمام التاسع إمام كل عاكف وباد وحجة الله على جميع العباد أبو جعفر الثاني محمد بن علي التقي، صلوات الله عليه وعلى آبائه وأولاده الأمجاد

ص :248

فصل في ولادة أبي جعفر الجواد عليه السلام

ذكر ابن عياش إن ولادته عليه السلام كانت يوم العاشر من رجب، ولكن المشهور بين العلماء والمشائخ أنه ولد بالمدينة في 19 من شهر رمضان من سنة خمس وتسعين ومائة (1).

أمه أم ولد يقال لها: سبيكة وسماها الرضا عليه السلام الخيزران، وكانت نوبية من أهل بيت مارية القبطية أم إبراهيم ابن الرسول صلى الله عليه وآله (2)، وكانت من أفضل نساء زمانها، وأشار إليها النبي صلى الله عليه وآله، بقوله: (بأبي ابن خيرة الإماء النوبية الطيبة) (3).

وفي خبر يزيد بن سليط وملاقاته موسى بن جعفر عليهما السلام في طريق مكة وهم يريدون العمرة، قال: ثم قال أبو إبراهيم عليه السلام: إني أؤخذ في هذه السنة والأمر إلى ابني علي سمي علي، وعلي: فأما علي الأول فعلي بن أبي طالب عليه السلام، وأما علي

ص :249


1- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 379، وإعلام الورى: ص 329، وورد في دعاء الناحية المقدسة، في مفاتيح الجنان ص 135، باب ما يدعى به في أيام رجب: (اللهم إني أسألك بالمولودين في رجب محمد بن علي الثاني وابنه علي بن محمد المنتجب) وهذا الدعاء يؤيد ما ذكره ابن عياش.
2- الكافي: ج 1 باب مولد أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام ص 492، والدروس الشرعية: ج 2 ص 14، وإعلام الورى: ص 329، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 379.
3- الإرشاد للمفيد: ص 317.

الآخر فعلي بن الحسين عليهما السلام، أعطي فهم الأول وحكمته (1) وبصره ووده ودينه [ومحنته] (2)، ومحنة الآخر وصبره على ما يكره وليس له أن يتكلم إلا بعد [موت] هارون بأربع سنين.

ثم قال [لي]: يا يزيد فإذا مررت بهذا الموضع ولقيته وستلقاه فبشره أنه سيولد له غلام أمين مأمون مبارك، وسيعلمك أنك [قد] (3) لقيتني فأخبره عند ذلك أن الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من أهل بيت مارية القبطية (4) جارية رسول الله صلى الله عليه وآله [أم إبراهيم] (5)، فإن قدرت ان تبلغها مني السلام فافعل ذلك (6).

قلت: وكفى في جلالة هذه المعظمة الجليلة ما في هذا الخبر المعتبر من أمر موسى بن جعفر عليهما السلام يزيد بن سليط أن يبلغها مني السلام كما أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمر جابر بن عبد الله أن يبلغ أبا جعفر الباقر عليه السلام سلامه - وسيأتي خبر عن عيون المعجزات فيه ما يدل على فضلها -.

روى ابن شهرآشوب عن حكيمة بنت أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام، قالت: لما حضرت ولادة الخيزران أم أبي جعفر عليه السلام دعاني الرضا عليه السلام فقال [لي] (7): يا حكيمة احضري ولادتها واد خلني وإياها والقابلة بيتا.

ووضع لنا مصباحا وأغلق الباب علينا، فلما أخذها الطلق طفئ المصباح، وبين يديها طست وأغتمت بطفء المصباح، فبينا نحن كذلك إذ بدر أبو جعفر عليه السلام في الطست وإذا عليه شئ ر قيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتى أضاء البيت فأبصرناه، فأخذته فوضعته في حجري ونزعت عنه ذلك الغشاء.

ص :250


1- في المصدر: (وحلمه).
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- (القبطية) لم ترد في المصدر.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- الكافي: ج 1 باب الإشارة والنص على أبي الحسن موسى عليه السلام ص 315 قطعة من ح 14.
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

فجاء الرضا عليه السلام وفتح الباب وقد فرغنا من أمره، فأخذه ووضعه في المهد، وقال لي: يا حكيمة الزمي مهده، قالت: فلما كان في اليوم الثالث رفع بصره إلى السماء ثم نظر يمينه ويساره، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

فقمت ذعرة فزعة فأتيت أبا الحسن عليه السلام فقلت [له: لقد] (1) سمعت من هذا الصبي عجبا، فقال: وما ذاك؟ فأخبرته الخبر، فقال: يا حكيمة ما ترون من عجائبه أكثر (2).

وفي الدر النظيم بالإسناد عن حكمية بنت أبي الحسن موسى عليه السلام، قالت:

كتبت لما علقت أم أبي جعفر عليه السلام به إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام خادمتك قد علقت، فكتب إلي علقت يوم كذا من شهر كذا، فإذا هي ولدت فالزميها سبعة أيام، قالت: فلما ولدته، قال: (أشهد أن لا إله إلا الله)، فلما كان يوم الثالث عطس، فقال:

الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى الأئمة الراشدين (3).

أقول: وحج أبو الحسن الرضا عليه السلام بعد ذلك بسنة ومعه أبو جعفر عليه السلام، فكان من أمر البيت والحجر وجلوسه فيه ما قد ذكرناه في تاريخ أبي الحسن الرضا عليه السلام.

وروي عن عيون المعجزات عن كلثم بن عمران، قال: قلت للرضا عليه السلام: ادع الله أن يرزقك ولدا، فقال: إنما ارزق ولدا واحدا وهو يرثني.

فلما ولد أبو جعفر عليه السلام، قال الرضا عليه السلام لأصحابه: قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار، وشبيه عيسى بن مريم، قدست أم ولدته قد خلقت طاهرة مطهرة، ثم قال الرضا عليه السلام: يقتل غصبا فيبكي له وعليه أهل السماء، ويغضب الله على عدوه وظالمه فلا يلبث إلا يسيرا حتى يعجل الله به إلى عذابه الأليم وعقابه

ص :251


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 394، وعنه البحار: ج 5 ص 10 ح 10.
3- الدر النظيم: الباب الحادي عشر فصل في ذكر مولد الجواد عليه السلام (مخطوطة).

الشديد، وكان طول ليلته يناغيه في مهده (1).

وروي عن أبي يحيى الصنعاني، قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام فجئ بابنه أبي جعفر عليه السلام وهو صغير، فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم على شيعتنا بركة منه (2).

روى الشيخ الكليني رحمه الله عن محمد بن الحسن بن عمار، قال: كنت عند علي ابن جعفر بن محمد عليهما السلام جالسا بالمدينة، وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما سمع (3) من أخيه - يعني أبا الحسن عليه السلام - إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام المسجد - مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله - فوثب علي بن جعفر رحمه الله بلا حذاء ولا رداء فقبل يده وعظمه، فقال له: أبو جعفر عليه السلام: يا عم اجلس رحمك الله، فقال:

يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم.

فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه جعل أصحابه يوبخونه ويقولون: أنت عم أبيه وأنت تفعل به هذا الفعل؟ فقال: اسكتوا إذا كان الله عز وجل - وقبض على لحيته - لم يؤهل هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه، أأنكر فضله؟! نعوذ بالله مما تقولون بل أنا له عبد (4).

أقو ل: علي بن جعفر هذا، هو السيد الجليل الذي كان راوية للحديث سديد الطريق شديد الورع كثير الفضل، وكان رضي الله عنه شديد التمسك بأخيه موسى عليه السلام، والانقطاع إليه، والتوفر على أخذ معالم الدين منه، وله مسائل مشهورة عنه، وجوابات رواها سماعا منه، وكان ملازما لأخيه عليه السلام، حتى في أربع عمر يمشي أخوه فيها إلى مكة بعياله وأهله.

وروي: أنه كان عند أبي جعفر عليه السلام، ودنا الطبيب ليقطع له العرق، فقام علي

ص :252


1- عيون المعجزات: ص 118، وعنه البحار: ج 50 ص 15 ح 19.
2- الكافي: ج 1 باب الإشارة والنص على أبي جعفر الثاني عليه السلام ص 321 ح 9 والإرشاد للمفيد: ص 319.
3- في المصدر: (يسمع).
4- الكافي: ج 1 باب الإشارة والنص على أبي جعفر الثاني عليه السلام ص 322 ح 13.

ابن جعفر، فقال: يا سيدي تبدأ بي لتكون حدة الحديد في قبلك، [قال: قلت:

يهنئك (1) هذا عم أبيه، قال: فقطع له العرق] (2)، ثم أراد أبو جعفر عليه ا لسلام النهوض قام (3) علي بن جعفر عليهما السلام فسوى له نعليه حتى لبسهما (4).

فصل في طرف من الأخبار عن مناقب أبي جعفر الثاني عليه السلام ودلائله ومعجزاته

الكشي عن محمد بن مرزبان عن محمد بن سنان، قال: شكوت إلى الرضا عليه السلام وجع العين، فأخذ قرطاسا فكتب إلى أبي جعفر [الجواد] عليه السلام، وهو أقل من ثلاث، ودفع الكتاب إلى الخادم وأمرني أن أذهب معه، وقال: أكتم! فأتيناه وخادم قد حمله، قال: ففتح الخادم الكتاب بين يدي أبي جعفر عليه السلام.

قال (5): فجعل أبو جعفر عليه السلام ينظر في الكتاب ويرفع رأسه إلى السماء، ويقول: بأح (6)، ففعل ذلك مرارا، فذهب كل وجع في عيني، وأبصرت بصرا لا يبصره أحد، قال: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلك الله شيخا على هذه الأمة، كما جعل عيسى بن مريم شيخا على بني إسرائيل، قال: ثم قلت: يا شبيه صاحب فطرس، قال: فانصرف وقد أمرني الرضا عليه السلام أن أكتم.

فما زلت صحيح البصر حتى أذعت ما كان من أبي جعفر عليه السلام في أمر عيني فعاودني الوجع، قال: قلت لمحمد بن سنان: ما عنيت بقولك يا شبيه صاحب

ص :253


1- هذه الكلمة تستعمل في مقام الدعاء، يقال: ليهنئك الولد أي ليسرك.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- في المصدر: (فقام).
4- اختيار معرفة الرجال: ص 429 ذيل ح 804.
5- (قال) لم ترد في المصدر.
6- في خ ل (ناج) و (راح).

فطرس؟ فقال: إن الله عز وجل غضب على ملك من الملائكة يدعى فطرس، فدق جناحه ورمى به في جزيرة من جزائر البحر، فلما ولد الحسين عليه السلام بعث الله عز وجل جبرائيل إلى محمد صلى الله عليه وآله ليهنئه بولادة الحسين عليه السلام، وكان جبرائيل صديقا لفطرس فمر به وهو في الجزيرة مطروح، فخبره بولادة الحسين عليه السلام وما أمر الله به، فقال له: هل لك أن أحملك على جناح من أجنحتي وأمضي بك إلى محمد صلى الله عليه وآله ليشفع فيك؟ قال: فقال له (1) فطرس: نعم.

فحمله على جناح من أجنحته حتى أتى به محمدا صلى الله عليه وآله، فبلغه تهنئة ربه تعالى، ثم حدثه بقصة فطرس، فقال محمد صلى الله عليه وآله لفطرس: امسح جناحك على مهد الحسين عليه السلام وتمسح به، ففعل ذلك فطرس، فجبر الله تعالى جناحه ورده إلى منزله مع الملائكة (2).

وروى القطب الراوندي: إن المعتصم دعا جماعة من وزرائه، فقال: اشهدوا لي على محمد بن علي بن موسى عليهم السلام زورا، واكتبوا أنه أراد أن يخرج، ثم د عاه، فقال: إنك أردت أن تخرج علي؟ فقال: والله ما فعلت شيئا من ذلك، قال: إن فلانا وفلانا شهدوا عليك، فاحضروا، فقالوا: نعم، هذه الكتب أخذناها من بعض غلمانك.

قال: وكان جالسا في بهو، فرفع أبو جعفر عليه السلام يده، وقال: (اللهم إن كانوا كذبوا علي فخذهم)، قال: فنظرنا إلى ذلك البهو كيف يرجف ويذهب ويجئ، وكلما قام واحد وقع، فقال المعتصم: يا ابن رسول الله إني تائب مما قلت فادع ربك أن يسكنه، فقال: (اللهم سكنه، وإنك تعلم أنهم أعداؤك وأعدائي)، فسكن (3).

قال الشيخ المفيد في الإرشاد: وكان المأمون قد شغف بأبي جعفر عليه السلام، لما رأى من فضله مع صغر سنه، وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم

ص :254


1- (له) لم ترد في المصدر.
2- اختيار معرفة الرجال: ص 582 ح 1092، وعنه البحار: ج 50 ص 66 ح 43.
3- الخرائج والجرائح: ج 2 ص 670 ح 18.

يساوه أحد من مشائخ أهل الزمان، فزوجه ابنته أم الفضل وحملها معه إلى المدينة، وكان متوفرا على اكرامه وتعظيمه واجلال قدره (1).

اخبرني الحسن بن محمد بن سليمان عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الريان بن شبيب، قال: لما أراد المأمون أن يزوج ابنته أم الفضل أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام، بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم واستكبروه (2) وخافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى إليه مع الرضا عليه السلام فخاضوا في ذلك، واجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه، فقالوا: ننشدك الله يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فأنا نخاف أن تخرج به عنا أمرا قد ملكناه الله، وتنزع منا عزا قد ألبسناه إليك (3)، فقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديما وحديثا، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم، وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت حتى كفانا الله المهم من ذلك، فالله الله أن تردنا إلى غم قد انحسر عنا، واصرف رأيك عن ابن الرضا، واعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره.

فقال لهم المأمون: أما ما بينكم وبين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه، ولو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم، وأما ما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان به قاطعا للرحم وأعوذ بالله من ذلك، والله ما ندمت على ما كان مني من استخلاف الرضا، ولقد سألته أن يقوم (4) بالأمر وانزعه عن نفسي فأبى، وكان أمر الله قدرا مقدورا، وأما أبو جعفر محمد بن علي قد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنه، والأعجوبة فيه بذلك.

وأنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه فيعلموا أن الرأي ما رأيت فيه، فقالوا: إن هذا الفتى (5) وإن راقك منه (6) هديه فإنه صبي لا معرفة له ولا فقه،

ص :255


1- الإرشاد: ص 319.
2- في خ ل (استنكروه).
3- (إليك) لم ترد في المصدر.
4- في خ ل (يقيم).
5- في المصدر: (الصبي).
6- في المصدر: (من).

فأمهله ليتأدب ويتفقه في الدين، ثم اصنع ما تراه بعد ذلك، فقال لهم: ويحكم إني (1) أعرف بهذا الفتى منكم، وأن هذا من أهل بيت علمهم من الله ومواده (2) والهامه، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين لكم به ما وصفت من حاله، قالوا له:

قد رضينا لك يا أمير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فخل بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شئ من فقه الشريعة، فإن أصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين، وإن عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه، فقال لهم المأمون: شأنكم وذاك متى أردتم.

فخرجوا من عنده وأجمع (3) رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم وهو - يومئذ - قاضي الزمان (4) على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه بأموال نفيسة على ذلك، وعادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع، فأجابهم إلى ذلك، فاجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه وحضر معهم يحيى بن أكثم، فأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر عليه السلام دست (5) ويجعل له فيه مسور تأن (6) ففعل ذلك.

وخرج أبو جعفر عليه السلام وهو - يومئذ - ابن سبع (7) سنين وأشهر، فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه وقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر عليه السلام، فقال يحيى بن أكثم للمأمون: تأذن لي يا أمير المؤمنين أن اسأل أبا جعفر؟ فقال له المأمون: استأذنه في ذلك، فاقبل عليه يحيى بن أكثم، فقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ قال له أبو جعفر: سل إن شئت، قال يحيى: ما تقول جعلني الله فداك في محرم

ص :256


1- في المصدر: (إنني).
2- في المصدر: (ومراده).
3- في المصدر: (واجتمع).
4- في خ ل: (القضاة).
5- الدست - صدر البيت، أو المجلس.
6- المسوره: متكأ من الجلد.
7- في المصدر: (تسع).

قتل صيدا؟ فقال له أبو جعفر عليه السلام: قتله في حل أو حرم؟ عالما كان المحرم أم جاهلا؟ قتله عمدا أو خطأ؟ حرا كان المحرم أم عبدا؟ صغيرا كان أم كبيرا؟ مبتدئا بالقتل أم معيدا؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد كان أم من كباره؟ مصرا على ما فعل أو نادما؟ في الليل كان قتله للصيد أم نهار ا؟ محرما كان بالعمرة [إذ قتله] (1) أو بالحج؟ فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج (2) حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره (3).

فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر إلى أهل بيته، وقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثم أقبل على أبي جعفر عليه السلام فقال له: أتخطب يا أبا جعفر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: أخطب جعلت فداك لنفسك؟ فقد رضيتك لنفسي، وأنا مزوجك أم الفضل ابنتي وإن رغم (4) قوم لذلك.

فقال أبو جعفر عليه السلام: الحمد لله إقرارا بنعمته، ولا إله إلا الله إخلاصا لوحدانيته، وصلى الله على محمد سيد بريته، والأصفياء من عترته، أما بعد، فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: * (وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم) * (5).

ثم إن محمد بن علي بن موسى عليه السلام يخطب أم الفضل بنت عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد عليهما السلام، وهو خمسمائة درهم جيادا، فهل زوجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟ قال المأمون:

نعم قد زوجتك يا أبا جعفر أم الفضل (6) ابنتي على [هذا] الصداق المذكور، فهل

ص :257


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- في المصدر: (ولجلج).
3- في خ ل: (أمر عجزه).
4- رغم: ذل عن كره.
5- النور: 32.
6- (أم الفضل) لم ترد في المصدر.

قبلت النكاح؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: قد قبلت ذلك ورضيت به.

فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم في الخاصة والعامة، قال الريان:

ولم نلبث أن سمعنا أصواتا تشبه أصوات الملاحين في محاوراتهم، فإذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من الفضة تشبه الجبال (1) من الابر يسيم على عجلة (2) مملوءة من الغالية، فأمر المأمون أن يخضب لحاء الخاصة من تلك الغالية، ثم مدت إلى دار العامة فطيبوا منها، ووضعت الموائد، فأكل الناس وخرجت الجوائز إلى كل قوم على قدرهم... الخ (3).

فصل في ذكر بعض أخباره وبراهينه وبيناته عليه السلام

روي عن زكريا بن آدم، قال: إني لعند الرضا عليه السلام إذ جئ بأبي جعفر عليه السلام وسنه أقل من أربع سنين، فضرب بيديه (4) إلى الأرض ورفع رأسه إلى السماء فأطال الفكر، فقال له الرضا عليه السلام: بنفسي فلم طال فكرك؟ فقال: فيما صنع بأمي فاطمة عليها السلام، أما والله لأخرجنهما ثم لأحرقنهما ثم لأذرينهما ثم لأنسفنهما في اليم نسفا، فاستدناه وقبل بين عينيه، ثم قال: بأبي أنت وأمي أنت لها - يعني الإمامة - (5).

الشيخ الكليني رحمه الله عن محمد بن أبي العلاء، قال: سمعت يحيى بن أكثم - قاضي سامراء - بعدما جاهدت (6) به وناظرته وحاورته [وواصلته] (7) وراسلته

ص :258


1- في خ ل (مشدودة بالحبال).
2- في المصدر: (عجل).
3- الإرشاد للمفيد: ص 319 - 322.
4- في المصدر: (بيده).
5- دلائل الإمامة: ص 212، وعنه البحار: ج 50 ص 59 ضمن ح 34.
6- في المصدر: (جهدت).
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

وسألته عن علوم آل محمد عليهم السلام، فقال: بينا أنا ذات يوم دخلت أطوف بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله فرأيت محمد بن علي الرضا عليهما السلام يطوف به، فناظرته في مسائل عندي فأخرجها إلي، فقلت له: والله إني أريد أن أسألك مسألة واحدة، وإني والله لأستحي من ذلك، فقال لي: أنا أخبرك قبل أن تسألني، تسألني عن الإمام، فقلت:

هو والله هذا، فقال: أنا هو، فقلت: علامة؟ فكان في يده عصا فنطقت، وقالت: إن مولاي إمام هذا الزمان وهو الحجة (1).

وفي الدر النظيم، قال إبراهيم بن سعيد: رأيت محمد بن علي - أي الجواد - عليهما السلام يضرب بيده إلى ورق الزيتون فيصير في كفه ورقا، فأخذت منه كثيرا وأنفقته في الأسواق فلم يتغير (2).

وقال محمد بن يحيى: لقيت محمد بن علي الرضا عليهما السلام على دجلة، فالتقى له طرفاها حتى عبر، ورأيته بالأنبار (3) على الفرات فعل مثل ذلك (4).

عن كتاب الاختصاص عن علي بن إبراهيم عن أبيه، قال: لما مات أبو الحسن الرضا عليه السلام حججنا فدخلنا على أبي جعفر عليه السلام وقد حضر خلق من الشيعة من كل بلد لينظروا إلى أبي جعفر عليه السلام.

فدخل عمه عبد الله بن موسى وكان شيخا كبيرا نبيلا عليه ثياب خشنة وبين عينيه سجادة فجلس، وخرج أبو جعفر عليه السلام من الحجرة وعليه قميص قصب ورداء قصب ونعل حذو (5) بيضاء، فقام عبد الله واستقبله وقبل بين عينيه وقامت الشيعة، وقعد أبو جعفر عليه السلام على كرسي.

ونظر الناس بعضهم إلى بعض تحيرا لصغر سنه فانتدب (6) رجل من القوم فقال

ص :259


1- الكافي: ج 1 ص 353 ح 9، وعنه البحار: ج 5 ص 68 ح 46.
2- الدر النظيم: الباب الحادي عشر فصل في ذكر معجزاته عليه السلام (مخطوطة).
3- الأنبار: مدينة غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ (انظر معجم البلدان: ج 1 ص 317.
4- الدر النظيم: الباب الحادي عشر فصل في ذكر معجزاته عليه السلام (مخطوطة).
5- في المصدر: (جدد).
6- في المصدر: (فابتدر).

لعمه: أصلحك الله ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ فقال: يقطع يمينه ويضرب الحد، فغضب أبو جعفر عليه السلام، ثم نظر إليه، فقال: يا عم اتق الله، اتق الله إنه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي الله عز وجل فيقول لك: لم أفتيت الناس بما لا تعلم؟ فقال [له] (1) عمه: [أستغفر الله] (2) يا سيدي أليس قال هذا أبوك صلوات الله عليه؟ فقال أبو جعفر: إنما سئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة، فنكحها، فقال أبي: تقطع يمينه للنبش ويضرب حد الزنا، فإن حرمة الميتة كحرمة الحية، فقال: صدقت يا سيدي وأنا أستغفر الله.

فتعجب الناس، فقالوا: يا سيدنا أتأذن لنا ان نسألك؟ قال: نعم فسألوه في مجلس عن ثلاثين ألف (3) مسألة فأجابهم فيها وله تسع سنين (4).

وعن عيون المعجزات لما قبض الرضا عليه السلام كان سن أبي جعفر عليه السلام نحو سبع سنين، فاختلفت الكلمة من الناس ببغداد وفي الأمصار.

واجتمع الريان بن الصلت، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن حكيم، وعبد الرحمن بن الحجاج، ويونس بن عبد الرحمن رضوان الله عليهم أجمعين، وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمن بن الحجاج في بركة ذلول (5)، يبكون ويتوجعون من المصيبة، فقال لهم يونس بن عبد الرحمن: دعوا البكاء! من لهذا الأمر؟ والى من نقصد بالمسائل إلى أن يكبر هذا؟ يعني أبا جعفر عليه السلام.

فقام إليه الريان بن الصلت، ووضع يده في حلقه، ولم يزل يلطمه، ويقول له:

أنت تظهر الإيمان لنا وتبطن الشك والشرك، إن كان أمره من الله جل وعلا فلو أنه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه، وإن لم يكن من عند الله فلو

ص :260


1- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- ربما كانت الأسئلة في عدة مجالس، وليس في مجلس واحد، ومن المحتمل أن تكون لفظة (الف) من زيادة النساخ.
4- الإختصاص: ص 102.
5- في المصدر (زلول)، والزلول: بفتح أوله وتكرير اللام، وهو فعول من الزلل، مدينة في شرقي أزيلي بالمغرب (انظر معجم البلدان: ج 2 ص 939).

عمر الف سنة فهو واحد من الناس، هذا مما ينبغي أن يفكر فيه، فأقبلت العصابة عليه تعذله وتوبخه.

وكان وقت الموسم، فاجتمع من فقهاء بغداد والأمصار وعلمائهم ثمانون رجلا، فخرجوا إلى الحج وقصدوا المدينة ليشاهدوا أبا جعفر عليه السلام، فلما وافوا أتوا دار جعفر الصادق عليه السلام، لأنها كانت فارغة، ودخلوها وجلسوا على بساط كبير، وخرج إليهم عبد الله بن موسى، فجلس في صدر المجلس، وقام مناد وقال: هذا ابن رسول الله فمن أراد السؤال فليسأله، فسئل عن أشياء أجاب عنها بغير الواجب، فورد على الشيعة ما حيرهم وغمهم واضطربت الفقهاء، وقاموا وهموا بالانصراف، وقالوا في أنفسهم: لو كان أبو جعفر عليه السلام يكمل لجواب المسائل لما كان من عبد الله ما كان، ومن الجواب بغير الواجب.

ففتح عليهم باب من صدر المجلس، ودخل موفق وقال: هذا أبو جعفر عليه السلام! فقاموا إليه بأجمعهم واستقبلوه وسلموا عليه، فدخل عليه السلام وعليه قميصان وعمامة بذؤابتين، وفي رجليه نعلان وجلس وأمسك الناس كلهم، فقام صاحب المسألة فسأله عن مسائل فأجاب عنها بالحق، ففرحوا ودعوا له وأثنوا عليه، وقالوا له: إن عمك عبد الله أفتى بكيت وكيت، فقال: لا إله إلا الله يا عم، إنه عظيم عند الله أ ن تقف غدا بين يديه فيقول لك: لم تفتي عبادي بما لم تعلم؟ وفي الأمة من هو أعلم منك (1).

وروي عن عمر بن فرج الرخجي (2)، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن شيعتك تدعي أنك تعلم كل ماء في دجلة ووزنه؟ وكنا على شاطئ دجلة، فقال عليه السلام لي: يقدر الله تعالى أن يفوض علم ذلك إلى بعوضة من خلقه أم لا؟ قلت: نعم،

ص :261


1- بحار الأنوار: ج 50 ص 99 ح 12 نقلا عن عيون المعجزات.
2- استعمل المتوكل على المدينة ومكة عمر بن مزج الرخجي، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس، ومنع الناس من البر بهم، وكان لا يبلغه أن أحدا أبر أحدا بشئ وان قل إلا أنهكه عقوبة وأثقله غرما.

يقدر، فقال: إنا أكرم على الله تعالى من بعوضة ومن أكثر خلقه (1).

الشيخ الكليني عن رجل من بني حنيفة، من أهل بست وسجستان، قال:

رافقت أبا جعفر عليه السلام في السنة التي حج فيها في أول خلافة المعتصم، فقلت له وأنا معه على المائدة، وهناك جماعة من أولياء السلطان: إن والينا جعلت فداك، رجل يتولاكم أهل البيت، ويحبكم وعلي في ديوانه خراج، فإن رأيت جعلني الله فداك أن تكتب إليه بالإحسان إلي، فقال [لي] (2) لا أعرفه، فقلت: جعلت فداك إنه على ما قلت من محبيكم أهل البيت، وكتابك ينفعني عنده، فأخذ القرطاس وكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإن موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهبا جميلا، وإن مالك من عملك ما أحسنت فيه، فأحسن إلى إخوانك، واعلم أن الله عز وجل سائلك عن مثاقيل الذر والخردل.

قال: فلما وردت سجستان سبق الخبر إلى الحسين بن عبد الله النيسابوري وهو الوالي فاستقبلني على فرسخين من المدينة، فدفعت إليه الكتاب فقبله ووضعه على عينيه، وقال لي: ما حاجتك؟ فقلت: خراج علي في ديوانك، قال:

فأمر بطرحه عني وقال لي: لا تؤد خراجا ما دام لي عمل، ثم سألني عن عيالي، فأخبرته بمبلغهم فأمر لي ولهم بما يقوتنا وفضلا، فما أديت في عمله خراجا ما دام حيا ولا قطع عني صلته حتى مات (3).

وروي عن موسى بن القاسم قال: قلت لأبي جعفر الثاني عليه السلام: قد أردت أن أطوف عنك وعن أبيك فقيل لي: إن الأوصياء لا يطاف عنهم، فقال لي: بل طف ما أمكنك فإن ذلك جائز، ثم قلت له بعد ذلك بثلاث سنين: إني كنت استأذنتك في الطواف عنك وعن أبيك فأذنت لي في ذلك، فطفت عنكما ما شاء الله.

ص :262


1- بحار الأنوار: ج 50 ص 100 ضمن ح 12، نقلا عن عيون المعجز ات.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- الكافي: ج 5 ص 111 ح 6، وعنه البحار: ج 5 ص 86 ح 2.

ثم وقع في قلبي شئ فعملت به، قال: وما هو؟ قلت: طفت يوما عن رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال ثلاث مرات: صلى الله على رسول الله، ثم اليوم الثاني عن أمير المؤمنين عليه السلام، ثم طفت اليوم الثالث عن الحسن عليه السلام، والرابع عن الحسين عليه السلام، والخامس عن علي بن الحسين عليهما السلام، والسادس عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام، واليوم السابع عن جعفر بن محمد عليهما السلام، واليوم الثامن عن أبيك موسى عليه السلام، واليوم التاسع عن أبيك علي عليه السلام، واليوم العاشر عنك يا سيدي، وهؤلاء الذين أدين الله بولايتهم عليهم السلام.

فقال: إذن والله تدين الله بالدين الذي لا يقبل من العباد غيره، قلت: وربما طفت عن أمك فاطمة صلوات الله عليها وربما لم أطف، فقال: استكثر من هذا فإنه أفضل، ما أنت عامله إن شاء الله تعالى (1).

الصدوق عن البزنطي قال: قرأت كتاب أبي الحسن الرضا عليه السلام إلى أبي جعفر عليه السلام: يا أبا جعفر بلغني أن الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير وإنما (2) ذلك من بخل لهم (3)، لئلا ينال منك أحد خيرا، فأسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك إلا من الباب الكبير، وإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة، ثم لا يسألك أحد إلا أعطيته، ومن سألك من عمومتك أن تبره فلا تعطه أقل من خمسين دينارا، والكثير إليك، ومن سألك من عماتك فلا تعطها أقل من خمسة وعشرين دينارا، والكثير إليك، إني إنما (4) أريد أن يرفعك الله فانفق ولا تخش من ذي العرش إقتارا (5).

قال شيخنا الحر العاملي في اثبات الهداة: قال الشيخ أبو الصلاح الحلبي في كتاب تقريب المعارف عند ذكر بعض معجزات الأئمة عليهم السلام: ومن ذلك توضأ أبو

ص :263


1- الكافي: ج 4 ص 314 ح 2، وعنه البحار: ج 50 ص 101 ح 15.
2- في المصدر: (فإنما).
3- في المصدر: (بهم).
4- (إنما) لم ترد في المصدر.
5- عيون الأخبار: ج 2 باب 30 ص 8 ح 20.

جعفر محمد بن علي عليهما السلام في مسجد ببغداد يعرف موضعه بدار المسيب في أصل نبقة يابسة، فلم يخرج من المسجد حتى اخضرت وأينعت (1)، حدثني الشيخ أبو الحسن محمد بن محمد، قال: حدثنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد المفيد رضي الله عنه: إنه أكل من نبقها وهو لا عجم له (2).

بيان: النبق - بفتح النون وكسر الباء وقد تسكن - ثمر السدر واحدته نبقة وأشبه شئ به العناب قبل أن تشتد حمرته.

فصل في ذكر بعض كلامه عليه السلام

قال عليه السلام: من استفاد أخا في الله فقد استفاد بيتا في الجنة (3).

وقال عليه السلام: القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال (4).

وقال عليه السلام: من أطاع هواه أعطى عدوه مناه (5).

وقال عليه السلام: راكب الشهوات لا تقال عثرته (6).

وقال عليه السلام: الثقة بالله تعالى ثمن لكل غال، وسلم إلى كل عال (7).

وقال عليه السلام: عز المؤمن [في] (8) غناه عن الناس (9).

ص :264


1- في المصدر: (أنبتت).
2- إثبات الهداة: ج 3 الباب السابع والعشرون فصل 17 ح 81.
3- الفصول المهمة: ص 273، ونور الابصار: ص 181.
4- بحار الأنوار: ج 75 ص 364 ح 4.
5- إعلام الدين: ص 309، والدر النظيم: البا ب الحادي عشر فصل في ذكر بعض كلام الجواد عليه السلام (مخطوطة).
6- المصدر السابق.
7- المصدر السابق.
8- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
9- أعلام الدين: ص 309.

وقال عليه السلام: لا تكن ولي الله (1) في العلانية عدوا له في السر (2).

وقال عليه السلام: اصبر على ما تكره فيما يلزمك الحق، واصبر عما تحب فيما يدعوك إلى الهوى (3).

وقال عليه السلام: كيف يضيع من الله كافله؟ وكيف ينجو من الله طالبه؟ ومن انقطع إلى غير الله وكله الله إليه، ومن عمل على غير علم أفسد أكثر مما يصلح (4).

وقال عليه السلام: من استغنى كرم على أهله، فقيل له: وعلى غير أهله؟ قال: لا إلا أن يكون يجدي عليهم نفعا (5).

وقال عليه السلام: قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعا لما يهواه (6).

وقال عليه السلام: إياك ومصاحبة الشرير، فإنه كالسيف المسلول يحسن منظره، ويقبح أثره (7).

وقال عليه السلام: كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة (8).

فصل في وروده إلى بغداد وشهادته عليه السلام

قبض أبو جعفر الجواد عليه السلام مسموما ببغداد في آخر ذي القعدة سنة 220 عشرين ومائتين، وهو ابن خمس وعشرين سنة ودفن بمقابر قريش في ظهر جده موسى بن جعفر عليهما السلام (9).

ص :265


1- في المصدر: (وليا لله تعالى) بدل (ولي الله).
2- أعلام الدين: ص 309.
3- الدر النظيم: الباب الحادي عشر فصل في ذكر بعض كلام الجواد عليه السلا م (مخطوطة).
4- أعلام الدين: ص 09 3.
5- الدر النظيم: الباب الحادي عشر فصل في ذكر بعض كلام الجواد عليه السلا م (مخطوطة).
6- أعلام الدين: ص 309.
7- الدر النظيم: الباب الحادي عشر فصل في ذكر بعض كلام الجواد عليه السلا م (مخطوطة).
8- المصدر السابق.
9- الكافي: ج 1 باب مولد أبي جعفر محمد بن علي الثاني عليهما السلام ص 492، وعنه البحار: ج 50 ص 1 ح 1 و 2.

وقيل: في سادس ذي الحجة سنة عشرين ومائتين (1)، ويؤيد ذلك قوله عليه السلام:

الفرج بعد المأمون بثلاثين شهرا (2)، وقد توفى المأمون في رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، والله العالم.

وعن أبي الحسن الهادي عليه السلام في جواب من سأله عن فضل زيارة الحسين وزيارتهما عليهم السلام: أبو عبد الله عليه السلام المقدم، وهذا أجمع وأعظم أجرا (3).

وكان سبب وروده بغداد، إشخاص المعتصم له من المدينة، فورد إليها لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومائتين (4).

روى الشيخ المفيد عن إسماعيل بن مهران، قال: لما خرج أبو جعفر عليه السلام من المدينة إلى بغداد في الدفعة الأولى من خرجته (5)، قلت له عند خروجه: جعلت فداك إني أخاف عليك في هذا الوجه، فإلى من الأمر بعدك؟ قال: فكر إلي بوجهه ضاحكا، وقال لي: ليس حيث كما ظننت في هذه السنة، فلما استدعى به المعتصم صرت إليه، فقلت له: جعلت فداك أنت خارج فإلى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم التفت إلي فقال: عند هذه تخاف علي، الأمر من بعدي إلى ابني علي (6).

وروي أن زوجته أم الفضل سمته (7).

وفي البحار، عن تفسير العياشي، عن زرقان صاحب ابن أبي داود (8)

ص :266


1- روضة الواعظين: ص 243، وعنه البحار: ج 5 ص 2 ح 2.
2- البحار: ج 50 ص 64 قطعة من ح 40.
3- عيون الأخبار: ج 2 باب 66 ص 261 ح 25.
4- الإرشاد للمفيد: ص 326، وفيه (سنة خمس وعشرين ومائتين).
5- في المصدر: (خرجتيه).
6- الإرشاد للمفيد: ص 327.
7- مروج الذهب: ج 3 ص 464، والدر النظيم: الباب الحادي عشر فصل في ذكر وفاته (مخطوطة).
8- أقول: الظاهر أن داود تصحيف، والصحيح ابن دواد، فإن الذي سعى في قتل أبي جعفر الجواد عليه السلام هو ابن أبي دواد كسعاد اسمه: أحمد، وكان قاضيا في عهد المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، وكان هذه السعاية سببا لأن ابتلى في آخر عمره بنكبة الزمان والفلج، وتوفي بعد ثكله بولده محمد بعشرين يوما سنة أربعين ومائتين ببغداد. لدغته أفعاله أي لدغ رب نفس أفعالها أفعاها (انظر الكنى والألقاب: ج 1 ص 194).

وصديقه بشدة، قال: رجع ابن أبي داود ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم، فقلت له: في ذلك، فقال: وددت اليوم أني قد مت منذ عشرين سنة، قال: قلت له:

ولم ذاك؟ قال: لما كان من هذا الأسود، أبو جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي أمير المؤمنين، قال: قلت له: وكيف كان ذلك؟ قال: إن سارقا أقر على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، وقد أحضر محمد بن علي عليهما السلام، فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟ قال: فقلت: من الكرسوع (1).

قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قلت: لأن اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع، لقول الله في التيمم: * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) * (2) واتفق معي في ذلك قوم.

وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، قال: وما الدليل على ذلك؟ قالوا:

لأن الله لما قال: * (وأيديكم إلى المرافق) * (3) في الغسل دل ذلك على أن حد اليد هو المرفق.

قال: فالتفت إلى محمد بن علي عليهما السلام قال (4): ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال: قد تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين، قال: دعني مما تكلموا به! أي شئ عندك؟ قال: اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين، قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرت

ص :267


1- الكرسوع: طرف الزند الذي يلي الخنصر، وهو الناتئ عند الرسغ، (انظر لسان العر ب: مادة (كرسع) ج 2 ص 69).
2- النساء: 43، والمائدة: 6.
3- المائدة: 6.
4- في المصدر: (فقال).

بما عندك فيه.

فقال: أما إذ أقسمت علي بالله إني أقول أنهم أخطأوا فيه السنة، فان القطع يجب ان يكون من مفصل أصول الأصابع فيترك الكف، قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله: (السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين)، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى: * (وأن المساجد لله) * (1) يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها: * (فلا تدعوا مع الله أحدا) * (2) وما كان لله لم يقطع.

قال: فأعجب المعتصم ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف.

قال ابن أبي داود: قامت قيامتي وتمنيت أني لم أك حيا، قال زرقان: قال ابن أبي داود: صرت إلى المعتصم بعد ثلاثة، فقلت: إن نصيحة أمير المؤمنين علي واجبة وأنا أكلمه بما أعلم أني أدخل به النار، قال: وما هو؟ قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته وعلماءهم لأمر واقع من أمور الدين، فسألهم عن الحكم فيه فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر مجلسه أهل بيته وقواده ووزراؤه وكتابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثم يترك أقاويلهم كلهم، لقول رجل يقول شطر هذه الأمة بإمامته، ويدعون أنه أو لي منه بمقامه، ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء.

قال: فتغير لونه وانتبه لما نبهته له، وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيرا، قال:

فأمر اليوم الرابع فلانا من كتاب وزرائه بأن يدعوه إلى منزله، فدعاه فأبى أن يجيبه وقال: قد علمت أني لا أحضر مجالسكم، فقال: إني إنما أدعوك إلى الطعام وأحب أن تطأ ثيابي، وتدخل منزلي فأتبرك بذلك، فقد أحب فلان بن فلان من وزراء الخليفة لقاءك، فصار إليه.

ص :268


1- الجن: 18.
2- الجن: 18.

فلما طعم منها أحس السم فدعا بدابته فسأله رب المنزل أن يقيم، قال: خروجي من دارك خير لك، فلم يزل يومه ذلك وليله في حلقه (1) حتى قبض عليه السلام (2).

وفي إثبات الوصية، قال: لما انصرف أبو جعفر عليه السلام إلى العراق لم يزل المعتصم وجعفر بن المأمون يدبران ويعملان الحيلة في قتله عليه السلام.

فقال جعفر لأخته أم الفضل: - وكانت لامه وأبيه - في ذلك، لأنه وقف على انحرافها عنه وغيرتها عليه لتفضيله أم أبي الحسن ابنه عليها مع شدة محبتها له، ولأنها لم ترزق منه ولدا، فأجابت أخاها جعفرا وجعلوا سما في شئ من عنب رازقي، وكان يعجبه العنب الرازقي، فلما أكل منه ندمت وجعلت تبكي، فقال لها:

ما بكاؤك؟ والله ليضربنك بفقر لا ينجي (3)، وبلاء لا ينستر (4)، فبليت بعلة في أغمض المواضع في جوارحها صار ناسورا ينتقض عليها في وقت، فأنفقت مالها وجميع ملكها على العلة، حتى احتاجت إلى رفد الناس، ويروى أن الناسور كان في فرجها، وتردى جعفر بن المأمون في بئر فاخرج ميتا، وكان سكرانا (5).

* * *

ص :269


1- في المصدر: (خلفة)، والخلفة - بالكسر -: الهيضة وهي انطلاق البطن والقئ.
2- تفسير العياشي: ج 1 ص 319 ح 109، وعنه البحار: ج 50 ص 5 ح 7.
3- (لا ينجبر) ظ.
4- (لا يستتر) ظ.
5- إثبات الوصية: ص 192.

امام هادی علیه السلام

اشارة

النور الثاني عشر الإمام العاشر والبدر الباهر ذو الشرف والكرم والمجد والأيادي أبو الحسن الثالث علي بن محمد النقي الهادي صلوات الله عليه

ص :271

فصل في تاريخ ولادته عليه السلام

ولد ب (صريا) (1) من المدينة للنصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين (2)، وقيل يوم الجمعة ثاني رجب (3)، وقيل خامسه من تلك السنة (4)، أمه المعظمة الجليلة سمانة المغربية (5).

وفي الدر النظيم هي تعرف بالسيدة، وتكنى أم الفضل، قال: قال محمد بن الفرج بن إبراهيم بن عبد الله بن جعفر: دعاني أبو جعفر الجواد عليه السلام، فأعلمني أن قافلة قد قدمت فيها نخاس معه جواري، ودفع إلي ستين دينارا، وأمر ني بابتياع جارية وصفها، فمضيت فعملت ما أمرني به، فكانت تلك الجارية أم أبي الحسن الهادي عليه السلام (6).

وروى محمد بن الفرج وعلي بن مهزيار عن السيد عليه السلام أنه قال: أمي عارفة

ص :273


1- صريا: قرية أسسها موسى بن جعفر عليهما السلام، وهي على ثلاثة أميال من المدينة (انظر المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 382).
2- الكافي: ج 1 باب مولد أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام ص 497، وروضة الواعظين: 246.
3- مصباح الكفعمي: ص 523، وعنه البحار: ج 50 ص 117 ح 9.
4- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 401، وإعلام الورى: ص 339، وبحار الأنوار: ج 50 ص 117 ح 9.
5- المناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 401.
6- الدر النظيم: الباب الثاني عشر فصل في ذكر مولده عليه السلام وبعض صفاته (مخطوطة).

بحقي وهي من أهل الجنة، لا يقربها شيطان مارد، ولا ينالها كيد جبار عنيد، وهي مكلوءة بعين الله التي لا تنام، ولا تختلف عن أمهات الصديقين والصالحين. انتهى (1).

وكان نقش خاتمه: الله ربي وهو عصمتي من خلقه (2)، وله أيضا خاتم نقشه:

حفظ العهود من أخلاق المعبود (3).

فصل في ذكر طرف من دلائل أبي الحسن الهادي عليه السلام

وأخباره وبراهينه وبيناته روى الطبرسي عن ابن عياش بسنده عن أبي هاشم الجعفري، قال: كنت بالمدينة حين مر بها بغاء (4) أيام الواثق في طلب الأعراب، فقال أبو الحسن عليه السلام:

اخرجوا بنا حتى ننظر إلى تعبئة هذا التركي، فخرجنا فوقفنا فمرت بنا تعبئته، فمر بنا تركي فكلمه أبو الحسن عليه السلام بالتركية، فنزل عن فرسه فقبل حافر دابته، قال:

فحلفت التركي وقلت له: ما قال لك الرجل؟ قال: هذا نبي؟ قلت: ليس هذا بنبي، قال: دعاني باسم سميت به في صغري في بلاد الترك، ما علمه أحد إلى الساعة (5).

وعنه أيضا عن أبي هاشم الجعفري، قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام فكلمني بالهندية أحسن أن أرد عليه، وكان بين يديه ركوة ملئ حصا، فتناول حصاة واحدة ووضعها في فيه فمصها مليا، ثم رمى بها إلي فوضعتها في فمي،

ص :274


1- المصدر السابق.
2- الفصول المهمة: ص 278، وعنه البحار: ج 50 ص 116 ح 8.
3- مصباح الكفعمي: ص 523، وعنه بحار الأنوار: ج 50 ص 117 ح 9.
4- بفاء: من الأسماء التركية، كان اسم رجل من قواد المتوكل.
5- إعلام الورى: ص 343، والمناقب لابن شهرآشوب: ج 4 ص 408، وعنهما البحار: ج 50 ص 124 ح 1.

فوالله ما برحت من عنده حتى تكلمت بثلاثة وسبعين لسانا أولها الهندية (1).

وروى الشيخ عن كافور الخادم، قال: قال لي الإمام علي بن محمد عليهما السلام:

اترك لي السطل الفلاني في الموضع الفلاني لأتطهر منه للصلاة، وأنفذني في حاجة، وقال: إذا عدت فافعل ذلك ليكون معدا إذا تأهبت للصلاة، واستلقى عليه السلام لينام، نسيت ما قال لي، وكانت ليلة باردة فأحسست به وقد قام إلى الصلاة، وذكرت أنني لم أترك السطل.

فبعدت عن الموضع خوفا من لومه، وتأملت (2) له حيث يشقى (3) بطلب الإناء فناداني نداء مغضب، فقلت: إنا لله أيش عذري أن أقول نسيت مثل هذا، ولم أجد بدا من اجابته.

فجئت مرعوبا، فقال [لي] (4): يا ويلك أما عرفت رسمي أنني لا أتطهر إلا بماء بارد، فسخنت لي ماء وتركته في السطل، قلت: والله يا سيدي ما تركت السطل ولا الماء، قال: الحمد لله والله لا تركنا رخصة ولا رددنا منحة، الحمد لله الذي جعلنا من أهل طاعته، ووفقنا للعون على عبادته، إن النبي صلى الله عليه وآله يقول: (إن الله يغضب على من لا يقبل رخصة) (5).

الشيخ الصدوق عن أبي هاشم الجعفري، قال: أصابتني ضيقة شديدة، فصرت إلى أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام فاذن لي، فلما جلست قال: يا أبا هاشم أي نعم الله عز وجل عليك تريد أن تؤدي شكرها؟ قال أبو هاشم: فوجمت فلم أدر ما أقول له.

فابتدأ عليه السلام، فقال: رزقك الايمان فحرم به بدنك على النار، ورزقك العافية

ص :275


1- الخرائج والجرائح: ج 2 ص 673، والمناقب لا بن شهرآشوب: ج 4 ص 408، وإعلام الورى: 343، وعنهما البحار: ج 50 ص 136 ح 17.
2- في البحار: (وتألمت).
3- في المصدر: (يسعى).
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- الأمالي للطوسي: ص 304، وعنه البحار: ج 50 ص 126 ح 4.

فاعانتك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذل، يا أبا هاشم إنما ابتدأتك بهذا لأني ظننت أنك تريد أن تشكو إلي من فعل بك هذا، وقد أمرت لك بمائة دينار فخذها (1).

الطبرسي عن محمد بن الحسن الأشتر العلوي، قال: كنت مع أبي على باب المتوكل وأنا صبي في جمع من الناس ما بين طالبي إلى عباسي وجعفري، ونحن وقوف إذ جاء أبو الحسن عليه السلام ترجل الناس كلهم حتى دخل.

فقال بعضهم لبعض: لم نترجل لهذا الغلام؟ وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا ولا بأسننا، والله لا ترجلنا له، فقال أبو هاشم الجعفري: والله لتترجلن له صغرة إذا رأيتموه، فما هو إلا أن أقبل، وبصروا به حتى ترجل له الناس كلهم.

فقال لهم أبو هاشم [الجعفري]: (2) أليس زعمتم أنكم لا تترجلون له؟ فقالوا له: والله ما ملكنا أنفسنا حتى ترجلنا (3).

وروي أن أبا هاشم شكا إلى مولانا أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام ما يلقى من الشوق إليه إذا انحدر من عنده إلى بغداد، وقال له: يا سيدي ادع الله لي [فربما لم أستطيع ركوب الماء فسرت إليك على الظهر] فما لي مركوب سوى برذوني (4) هذا على ضعفه، فقال: قواك الله يا أبا هاشم وقوى برذونك.

قال: فكان أبو هاشم يصلي الفجر ببغداد، ويسير على البرذون فيدرك الزوال من يومه ذلك عسكر سر من رأى، ويعود من يومه إلى بغداد إذا شاء على ذلك البرذون بعينه، فكان هذا من أعجب الدلائل التي شوهدت (5).

أقول: أبو هاشم الجعفري هو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر

ص :276


1- الأمالي للصدوق: ص 336 ح 11، وعنه البحار: ج 50 ص 129 ح 7.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- إعلام الورى: ص 343، وعنه البحار: ج 50 ص 137 ح 20.
4- البرذون: الدابة (انظر لسان العرب: مادة (برذن) ج 1 ص 370).
5- إعلام الورى: ص 344، وعنه البحار: ج 50 ص 138 ح 21، بزيادة العبارة التي بين المعقوفتين.

ابن أبي طالب عليه السلام البغدادي، الثقة الجليل الذي أدرك الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر عليهم السلام.

والعسكري وصاحب الأمر عليهم السلام.

وقد أشرنا إليه عند ولادة الصادق عليه السلام، وكان عظيم المنزلة عندهم عليهم السلام، وقد روى عنهم كلهم، وله أخبار ومسائل، وله شعر جيد فيهم، ومن شعره في أبي الحسن الهادي عليه السلام وقد اعتل عليه السلام:

مادت الأرض بي وادت فؤادي * واعترتني موارد العرواء حين قيل الإمام نضو عليل * قلت نفسي فدته كل الفداء مرض الدين لاعتلالك واعتل * وغارت له نجوم السماء عجبا أن منيت بالداء والسقم * وأنت الإمام حسم الداء أنت آسي الادواء في الدين * والدنيا ومحيي الأموات والاحياء (1) القطب الراوندي عن جماعة من أهل إصفهان، قالوا: كان بإصفهان رجل يقال له عبد الرحمن وكان شيعيا، قيل له: ما السبب الذي أوجب عليك به القول بإمامة علي النقي عليه السلام دون غيره من أهل الزمان؟ قال: شاهدت ما أوجب ذلك علي وهو أني كنت رجلا فقيرا، وكان لي لسان وجرأة، فأخرجني أهل إصفهان سنة من السنين [فخرجت] (2) مع قوم آخرين إلى باب المتوكل متظلمين، فكنا بباب المتوكل يوما إذ خرج الأمر باحضار علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام، فقلت لبعض من حضر: من هذا الرجل الذي قد أمر باحضاره؟ فقيل: هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته، ثم قال (3): ويقدر أن المتوكل يحضره للقتل، فقلت: لا أبرح من هاهنا حتى أنظر إلى هذا الرجل، اي رجل هو؟ قال: فأقبل راكبا على فرس، وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها صفين ينظرون إليه، فلما رأيته وقع حبه في قلبي، فجعلت أدعو له في نفسي بأن يدفع الله

ص :277


1- إعلام الورى: ص 348.
2- ما بين المعقوفتين في خ ل.
3- في المصدر: (قيل).

عنه شر المتوكل، فأقبل يسير بين الناس وهو ينظر إلى عرف (1) دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة، وأنا أكرر في نفسي (2) الدعاء له، فلما صار بإزائي أقبل بوجهه إلي، (3) وقال: قد استجاب الله دعاءك، وطول عمرك، وكثر مالك وولدك.

قال: فارتعدت من هيبته ووقعت بين أصحابي، فسألوني وهم يقولون: ما شأنك؟ فقلت: خيرا، ولم أخبر بذلك مخلوقا (2).

فانصرفنا بعد ذلك إلى إصفهان، ففتح الله علي بدعائه وجوها من المال حتى أنا اليوم أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم سوى مالي خارج داري، ورزقت عشرة من الأولاد، وقد بلغت الآن من عمري نيفا وسبعين سنة، وأنا أقول بإمامة الرجل على الذي علم ما في قلبي (3) واستجاب الله دعاءه في أمري (4).

وروي عن هبة الله بن أبي منصور الموصلي أنه قال: كان بديار ربيعة كاتب نصراني وكان من أهل كفر توثا (5) يسمى يوسف بن يعقوب، وكان بينه وبين والدي صداقة، قال: فوافانا فنزل عند والدي، فقلت (6) له: ما شأنك قدمت في هذا الوقت؟ قال: [قد] (7) دعيت إلى حضرة المتوكل، ولا أدري ما يراد مني إلا أني اشتريت

ص :278


1- العرف: الشعر النابت في محدب رقبة الفرس. ، (2) في المصدر: (دائم) بدل (أكرر في نفسي). (3) في خ ل: (علي).
2- في المصدر: (ولم أخبرهم بذلك) بدل (ولم أخبر بذلك مخلوقا).
3- في خ ل: (ذلك الرجل الذي علم ما كان في نفسي).
4- الخرائج والجرائح: ج 1 ص 392 ح 1، وعنه البحار: ج 50 ص 141 ح 26، وفيه (ولي) بدل (أمري).
5- كفر توثا: بضم التاء المثناة من فوق، وسكون الواو، وثاء مثلثة، قرية كبيرة من أعمال الجزيرة بينها وبين دارا خمسة فراسخ، وهي بين دارا ورأس عين ينسب إليها قوم من أهل العلم، وهي أيضا من قرى فلسطين، وكان حصنا قديما فاتخذها ولد أبي رمثة منزلا فمدنوها وحصنوها. (انظر معجم البلدان: ج 4 ص 87 2).
6- في خ ل والبحار: (فقال).
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر ولم تر وفي البحار.

نفسي من الله بمائه دينار، وقد حملتها لعلي بن محمد بن الرضا عليهم السلام معي، فقا ل له والدي: قد وفقت في هذا.

قال: وخرج إلى حضرة المتوكل وانصرف إلينا بعد أيام قلائل فرحا مستبشرا، فقال له والدي: حدثني حديثك، قال: صرت إلى سر من رأى وما دخلتها قط، فنزلت في دار وقلت أحب أن أوصل المائة الدينار إلى ابن الرضا عليه السلام قبل مصيري إلى باب المتوكل، وقبل أن يعرف أحد قدو مي، قال: فعرفت أن المتوكل قد منعه من الركوب، وأنه ملازم لداره، فقلت: كيف أصنع؟ رجل نصراني يسأل عن دار ابن الرضا عليه السلام؟ لا آمن أن يبدر (1) بي فيكون ذلك زيادة فيما أحاذره.

قال: ففكرت ساعة في ذلك، فوقع في قلبي أن أركب حماري وأخرج في البلد، ولا أمنعه من حيث يذهب، لعلي أقف على معرفة داره من غير أن أسأل أحدا، قال: فجعلت الدنانير في كاغذة، وجعلتها في كمي وركبت، فكان الحمار يخترق الشوارع والأسواق يمر حيث يشاء إلى أن صرت إلى باب دار، فوقف الحمار، فجهدت أن يزول فلم يزل، فقلت للغلام: سل لمن هذه الدار؟ فقيل: هذه دار ابن الرضا عليه السلام، فقلت: الله أكبر دلالة [والله] مقنعة.

قال: وإذا خادم أسود قد خرج فقال: أنت يوسف بن يعقوب؟ قلت: نعم، قال:

انزل، فنزلت فأقعدني في الدهليز ودخل، فقلت في نفسي هذه دلالة أخرى، من أين عرف هذا الغلام (2) اسمي؟ وليس في هذا البلد من يعرفني، ولا دخلته قط؟! [قال] (3): فخرج الخادم، فقال مائة دينار التي في كمك في الكاغذة هاتها!؟ فناولته إياها، فقلت: وهذه ثالثة، ثم رجع إلي، فقال: ادخل، فدخلت إليه وهو في مجلسه وحده، فقال: يا يوسف أما آن لك [أن تسلم] (4)؟ فقلت: يا مولاي قد بان لي من البرهان ما فيه كفاية لمن اكتفى، فقال: هيهات [أما] (5) إنك لا تسلم، ولكن

ص :279


1- في المصدر: (ينذر).
2- في المصدر: (الخادم).
3- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
4- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

سيسلم ولدك فلان، وهو من شيعتنا، يا يوسف إن أقوانا يزعمون أن ولايتنا لا تنفع أمثالكم (1) كذبوا، والله إنها لتنفع أمثالك، امض فيما وافيت له، فإنك سترى ما تحب وسيولد لك ولد مبارك (2). قال: فمضيت إلى باب المتوكل فنلت (3) كل ما أردت فانصرفت.

قال هبة الله: فلقيت ابنه بعد هذا - يعني بعد موت والده - وهو مسلم حسن التشيع، فأخبرني أن أباه مات على النصرانية، وأنه أسلم بعد موت أبيه، وكان يقول: أنا بشارة مولاي عليه السلام (4).

روى السيد ابن طاووس في أمان الأخطار عن أبي محمد القاسم بن العلاء.

قال: حدثنا خادم لعلي بن محمد عليهما السلام، قال: استأذنته في الزيارة إلى طوس فقال لي: يكون معك خاتم فصه عقيق أصفر عليه: (ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، استغفر الله)، وعلى الجانب الآخر: (محمد وعلي)، فإنه أمان من القطع، وأتم للسلامة، وأصون لدينك.

قال: فخرجت وأخذت خاتما على الصفة التي أمرني بها، ثم رجعت إليه [لوداعه، فودعته وانصرفت، فلما بعدت عنه أمر بردي، فرجعت إليه] (5)، فقال: يا صافي، قلت: لبيك يا سيدي، قال: ليكن معك خاتم آخر فيروزج، فإنه يلقاك في طريقك أسد بين طوس ونيسابور، فيمنع القافلة من المسير، فتقدم إليه وأره الخاتم، وقل له: مولاي يقول لك تنح عن الطريق، ثم قال: ليكن نقشه: (الله الملك)، وعلى الجانب الآخر: (الملك لله الواحد القها ر)، فإنه خاتم أمير المؤمنين علي عليه السلام كان عليه: (الله الملك)، فلما ولى الخلافة نقش على خاتمه: (الملك لله الواحد القهار)، وكان فصه فيروزج، وهو أمان من السباع - خاصة -، وظفر في الحروب.

ص :280


1- في المصدر: (أمثالك).
2- (سيولد لك ولد مبارك) لم تردفي البحار.
3- في البحار: (فقلت).
4- الخرائج والجرائح: ج 1 ص 396 ح 3، وعنه البحار: ج 5 ص 144 ح 28.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.

قال الخادم: فخرجت في سفري [ذلك] (1) فلقيني - والله - السبع، ففعلت ما أمرت، ورجعت وحدثته، فقال عليه السلام لي: بقيت عليك خصلة لم تحدثني بها، إن شئت حدثتك بها، فقلت: يا سيدي لعلي نسيتها، فقال: نعم، بت ليلة بطوس عند القبر، فصار إلى القبر قوم من الجن لزيارته، فنظروا إلى الفص في يدك فقرأوا نقشه، فأخذوه من يدك وصاروا به إلى عليل لهم، وغسلوا الخاتم بالماء وسقوه ذلك الماء فبرأ، وردوا الخاتم إليك، وكان في يدك اليمنى فصيروه في يدك اليسرى، فكثر تعجبك من ذلك، ولم تعرف السبب فيه، ووجدت عند رأسك حجرا ياقوتا فأخذته، وهو معك فاحمله إلى السوق، فإنك ستبيعه بثمانين دينارا - وهي هدية القوم إليك -، فحملته إلى السوق وبعته بثمانين دينارا، كما قال سيدي عليه السلام (2).

وعن زرارة (3) حاجب المتوكل، قال: وقع رجل مشعبذ من ناحية الهند إلى المتوكل يلعب بالحق (4) لم ير مثله، وكان المتوكل لعابا فأراد أن يخجل علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام، فقال لذلك الرجل: إن أنت أخجلته أعطيتك ألف دينار ركنية (5).

قال: تقدم بأن يخبز رقاق خفاف، واجعلها على المائدة وأقعدني إلى جنبه، ففعل وأحضر علي بن محمد عليهما السلام [للطعام] (6)، وكانت (7) له مسورة عن (8) يساره كان عليها صورة أسد - وروي أنه كان على باب من الأبواب ستر وعليه صورة أسد -، وجلس جانب المسورة وقدم الطعام، فمد علي بن محمد عليهما السلام

ص :281


1- ما بين المعقوفتين ساقط من المطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
2- الأمان من أخطار الأسفار والأزمان: ص 48، وإن هذه الرواية لم ترد في النسخة الخطية.
3- في خ ل والمصدر (زرافة)، راجع الكامل في التاريخ: 7 / 97.
4- الحق: - بالضم - وعاء من الخشب، يجعل فيها المشعبذين شيئا بعيان الناس ثم يفتحونها وليس فيها شئ.
5- في المصدر: (زكية).
6- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
7- في المصدر: (وجعلت بدل (وكانت).
8- في خ ل: (على).

يده إلى رقاقة فطيرها المشعبذ (1) في الهواء، فمد عليه السلام يده إلى أخرى فطيرها، فتضاحك الناس (2).

فضرب علي بن محمد عليه السلام يده على (3) تلك الصورة التي على المسورة، وقال: خذ عدو الله (4)، فوثبت تلك الصورة من المسورة فابتلعت الرجل اللاعب (5)، وعادت في المسورة كما كانت، فتحير الجميع، ونهض علي بن محمد عليهما السلام ليمضي (6)، فقال [له] (7) المتوكل: سألتك إلا جلست ورددته، فقال: والله لا يرى بعدها، أتسلط أعداء الله على أولياء الله! وخرج من عنده فلم ير الرجل بعد ذلك (8) (9).

وروي أن المتوكل أمر العسكر وهم تسعون ألف فارس من الأتراك الساكنين بسر من رأى أن يملأ كل واحد مخلاة فرسه من الطين الأحمر ويجعل (10) بعضه على بعض في وسط برية واسعة هناك، فلما فعلوا ذلك صار مثل جبل عظيم واسمه تل المخالي (11) صعد فوقه، واستدعى أبا الحسن عليه السلام واستصعده، وقال:

استحظرتك لنظارة خيولي، وقد كان أمرهم أن يلبسوا التجافيف (12)، ويحملوا الأسلحة، وقد عرضوا بأحسن زينة وأتم عدة وأعظم هيبة، وكان غرضه أن يكسر

ص :282


1- في المصدر: (ذلك الرجل) بدل (المشعبذ).
2- في المصدر: (الجميع) بدل (الناس).
3- في المصدر: (إلى).
4- في المصدر: (خذه) بدل (خذ عدو الله).
5- (اللاعب) لم ترد في المصدر.
6- (ليمضي) لم ترد في المصدر.
7- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
8- (ذلك) لم ترد في المصدر.
9- الخرائج والجرائح: ج 1 ص 400 ح 6، وعنه البحار: ج 50 ص 146 ح 30.
10- في خ ل والبحار (ويجعلوا).
11- (واسمه تل المخالي) لم ترد في الخرائج والجرائح وإثبات الهداة، وإنما وردت في البحار.
12- التجفاف: آلة للحرب يلبسه الفرس والانسان ليقيه في الرب (انظر لسان العرب: مادة (جفف): ج 2 ص 308).

قلب كل من يخرج عليه، وكان خوفه من أبي الحسن عليه السلام أن يأمر أحدا من أهل بيته أن يخرج على الخليفة.

فقال له أبو الحسن صلوات الله عليه: وهل تريد أن (1) أعرض عليك عسكري؟ قال: نعم. فدعا الله سبحانه، فإذا بين السماء والأرض من المشرق والمغرب ملائكة مدججون فغشي على الخليفة، فلما أفاق قال له أبو الحسن عليه السلام: نحن لا ننافسكم في الدنيا، نحن مشتغلون بأمر الآخرة، فلا عليك مني (2) مما تظن بأس (3) (4).

الدر النظيم، قال محمد بن يحيى: قال يحيى بن أكثم: في مجلس الواثق والفقهاء بحضرته، من حلق رأس آدم عليه السلام حين حج؟ فتعايا القوم عن الجواب، فقال الواثق: أنا أحضركم من ينبئكم بالخبر، فبعث إلى علي بن محمد الهادي عليهما السلام فأحضره، فقال له: يا أبا الحسن من حلق رأس آدم حين حج؟ فقال: سألتك [بالله] يا أمير المؤمنين إلا أعفيتني، قال: أقسمت لتقولن، قال:

أما إذا أبيت فأن أبي حدثني عن جدي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله:

(أمر جبرائيل أن ينزل بياقوتة من الجنة، فهبط بها، فمسح بها رأس آدم عليه السلام فتناثر الشعر منه، فحيث بلغ نورها صار حرما) (5).

روى الإربلي أن أبا الحسن عليه السلام خرج يوما من سر من رأى إلى قرية، لمهم عرض له، فجاء رجل من عراب بطلبه (6)، فقيل له: قد ذهب إلى الموضع الفلاني،

ص :283


1- (تريد أن) وردت في اثبات الهداة.
2- (شئ) في الخرائج والجرائح والبحار.
3- (بأس) لم ترد في الخرائج والجرائح والبحار.
4- إثبات الهداة: ج 3 ص 377 ح 46، الخرائج والجرائح: ج 1 ص 414 ح 19، وعنه البحار، ج 50 ص 155 ح 44.
5- الدر النظيم: الباب الثاني عشر فصل في ذكر شئ من مناقب الهادي عليه السلام (مخطوطة). وذكره الخطيب البغدادي في تاريخه: ج 12 ص 56 رقم 6440.
6- في المصدر: (يطلبه).

فقصده، فلما وصل إليه قال عليه السلام له: ما حاجتك؟ فقال: أنا رجل من أعراب الكوفة المتمسكين بولاء جدك علي بن أبي طالب عليه السلام وقد ركبني دين فادح أثقلني حمله، ولم أر من أقصده لقضائه سواك، فقال له أبو الحسن عليه السلام: طب نفسا وقر عينا، ثم أنزله.

فلما أصبح ذلك اليوم قال له أبو الحسن عليه السلام: أريد منك حاجة (1)، الله الله أن تخالفني فيها، فقال الأعرابي: لا أخالفك، فكتب أبو الحسن عليه السلام ورقة بخطه معترفا فيها إن عليه للأعرابي مالا عينه فيها يرجح على دينه، وقال: خذ هذا الخط فإذا وصلت إلى سر من رأى أحضر إلي وعندي جماعة فطالبني به، وأغلظ القول علي في ترك ابقائك (2) إياه، الله الله في مخالفتي، فقال: افعل، وأخذ ا لخط.

فلما وصل أبو الحسن عليه السلام إلى سر من رأى وحضر عنده جماعة كثيرون من أصحاب الخليفة وغيرهم، حضر ذلك الرجل وأخرج الخط وطالبه، وقال: كما أوصاه، فألان أبو الحسن عليه السلام له القول ورفقه وجعل يعتذر إليه ووعده بوفائه وطيبة نفسه، فنقل ذلك إلى الخليفة المتوكل فأمر أن يحمل إلى أبي الحسن عليه السلام ثلاثون ألف درهم.

فلما حملت إليه تركها إلى أن جاء الرجل، فقال: خذ هذا المال فأقض منه دينك، وأنفق الباقي على عيالك وأهلك وأعذرنا، فقال له الأعرابي: يا ابن رسول الله والله أن أملي كان يقصر عن ثلث هذا، ولكن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وأخذ المال وانصرف، وهذه منقبة من سمعها حكم له بمكارم الأخلاق (3).

قلت: ويشبه هذا ما روي عن الديلمي في كتاب أعلام الدين (4) عن أبي امامه أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذات يوم لأصحابه: ألا أحدثكم عن الخضر؟ قالوا: بلى يا

ص :284


1- في خ ل: (حاله).
2- في المصدر: (ايفائك).
3- كشف الغمة: ج 2 ص 374، وعنه البحار: ج 50 ص 175 ح 55.
4- في الخطية (إعلام الورى) والصحيح ما أثبتناه.

رسول الله، قال: بينا هو يمشي في سوق من أسواق بني إسرائيل، إذ بصر به مسكين، فقال: تصدق علي بارك الله فيك، قال الخضر: آمنت بالله، ما يقضي الله يكون، ما عندي من شئ أعطيكه، قال المسكين: بوجه الله، لما تصدقت علي، إني رأيت الخير في وجهك، ورجوت الخير عندك.

قال الخضر عليه السلام: آمنت بالله، إنك سألتني بأمر عظيم، ما عندي من شئ أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني، قال المسكين: وهل يستقيم هذا؟ قال: الحق أقول لك، إنك سألتني بأمر عظيم، سألتني بوجه ربي عز وجل، إما أني لا أخيبك في مسألتي بوجه ربي، فبعني.

فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زمانا لا يستعمله في شئ، فقال الخضر عليه السلام: إنما ابتعتني التماس خدمتي، فمرني بعمل، قال: إني أكره أن أشق عليك، إنك شيخ كبير، قال: لست تشق علي، قال: فقم فانقل هذه الحجارة، قال: وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم.

فقام فنقل الحجارة في ساعته، فقال له: أحسنت وأجملت، وأطقت ما لم يطقه أحد، قال: ثم عرض للرجل سفر، فقال: إني أحسبك أمينا، فاخلفني في أهلي خلافة حسنة، وإني أكره أن أشق عليك، قال: لست تشق علي، قال: فاضرب من اللبن شيئا حتى أرجع إليك.

قال: فخرج الرجل لسفره ورجع وقد شيد بناءه، فقال له الرجل: أسألك بوجه الله، ما حسبك وما أمرك؟ قال: إنك سألتني بأمر عظيم، بوجه الله عز وجل، ووجه الله أوقعني في العبودية، وسأخبرك من أنا، أنا الخضر الذي سمعت به، سألني مسكين صدقة، ولم يكن عندي شئ أعطيه، فسألني بوجه الله عز وجل، فأمكنته من رقبتي فباعني، فأخبرك: أنه من سأل بوجه الله عز وجل فرد سائله وهو قادر على ذلك، وقف يوم القيامة ليس لوجهه جلد ولا لحم ولا دم إلا عظم يتقعقع.

قال الرجل: شققت عليك ولم أعرفك، قال: لا بأس أبقيت وأحسنت، قال:

ص :285

بأبي أنت وأمي، احكم في أهلي ومالي بما أراك الله عز وجل، أم أخيرك فأخلي سبيلك، فقال: أحب إلي أن تخلي سبيلي فأعبد الله على سبيله، قال الخضر: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية فأنجاني منها (1).

فصل في نبذ من كلامه عليه السلام

قال عليه السلام: من رضي عن نفسه، كثر الساخطون عليه (2).

وقال عليه السلام: راكب الحرون (3) أسير نفسه، والجاهل أسير لسانه (4).

وقال عليه السلام: الناس في الدنيا بالأموال، وفي الآخرة بالأعمال (5).

وقال عليه السلام: المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان (6).

وقال عليه السلام: الهزل (7) فكاهة السفهاء، وصناعة الجهال (8).

وقال عليه السلام: السهر الذ للمنام، والجوع يزيد في طيب الطعام - يريد به الحث على قيام الليل وصيام النهار - (9).

وقال عليه السلام: أذكر مصر عك بين يدي أهلك، فلا طبيب يمنعك، ولا حبيب ينفعك (10).

وقال عليه السلام: المقادير تريك مالا يخطر ببالك (11).

ص :286


1- أعلام الدين: باب عدد أسماء الله تعالى ص 350 ح 5، وعنه البحار: ج 13 ص 321 ح 55.
2- أعلام الدين: ص 311.
3- فرس حرون: لا ينقاد، وإذا أشتد به الجري وقف (انظر الصحاح: مادة (حرن) ج 5 ص 2097).
4- أعلام الدين: ص 311.
5- المصدر السابق.
6- المصدر السابق.
7- في خ ل والمصدر (الهزء).
8- أعلام الدين: ص 311.
9- المصدر السابق.
10- المصدر السابق.
11- المصدر السابق.

وقال عليه السلام: لرجل (1) وقد أكثر من إفراط الثناء عليه: اقبل على [ما] (2) شأنك، فإن كثرة الملق يهجم على الظنة، وإذا حللت من أخيك في محل الثقة فأعدل عن الملق إلى حسن النية (3).

وقال عليه السلام: الحكمة لا تنجع في الطباع الفاسدة (4).

وقال عليه السلام: إذا كان زمان العدل فيه أغلب من الجود، فحرام أن تظن بأحد سوء حتى تعلم ذلك [منه] (5)، وإذا كان زمان الجور فيه أغلب من العدل، فليس لأحد أن يظن بأحد خيرا حتى يرى (6) ذلك منه (7).

عن سهل بن زياد، قال: كتب إليه بعض أصحابنا يسأله أن يعلمه دعوة جامعة للدنيا والآخرة، فكتب إليه: أكثر من الاستغفار والحمد، فإنك تدرك بذلك الخير كله (8).

وقال عليه السلام للمتوكل في جواب كلام دار بينهما: لا تطلب الصفاء ممن كدرت عليه، ولا الوفاء ممن غدرت به، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك إليه، فإنما قلب غيرك كقلبك له (9)، إلى غير ذلك.

ومن أراد أن يقف على الكلمات الصادرة عن جنابه بالزيارة الجامعة الكبيرة المروية عنه سلام الله عليه، فإنها كما قال العلامة المجلسي: أصح الزيارات سندا، وأعمها موردا، وأفصحها لفظا، وأبلغها معنى، وأعلاها شانا (10).

ص :287


1- في البحار: (لشخص) بدل (لرجل).
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- بحار الأنوار: ج 75 ص 369 ح 3 نقلا عن الدرة الباهرة.
4- أعلام الدين: ص 311.
5- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
6- في المصدر: (ما لم يعلم) بدل (حتى يرى).
7- أعلام الدين: ص 312، وعنه البحار: ج 75 ص 370 ح 4.
8- الدر النظيم: الباب الثاني عشر فصل في ذكر شئ من كلام الهادي عليه السلام (مخطوطة).
9- أعلام الدين: 312، وعنه البحار: ج 75 ص 370 ح 4.
10- بحار الأنوار: ج 99 باب الزيارات الجامعة ص 144.

فصل فيما جرى بين أبي الحسن الهادي عليه السلام

وبين بعض خلفاء زمانه أشخص أبا الحسن عليه السلام المتوكل من المدينة إلى سر من رأى، وكان السبب في ذلك، أن عبد الله بن محمد كان والي المدينة سعى به عليه السلام إليه، فكتب المتوكل إليه كتابا، يدعو به فيه إلى حضور العسكر على جميل من القول، وبعث يحيى بن هرثمة ثلاثمائة رجل لإشخاصه من طريق البادية، وقد رأى يحيى منه عليه السلام في أيام المصاحبة معه من الدلائل والآيات ما لا يتحملها المقام (1).

روى المسعودي عن يحيى بن هرثمة، قال: وجهني المتوكل إلى المدينة لإشخاص علي بن محمد بن موسى بن جعفر عليهم السلام لشئ بلغه عنه، فلما صرت إليها ضج أهلها، وعجوا ضجيجا ما سمعت مثله، فجعلت أسكنهم وأحلف [لهم] (2) أني لم أؤمر فيه بمكروه، وفتشت بيته فلم أصب (3) فيه إلا مصحفا (4) ودعاء وما أشبه ذلك، فأشخصته وتوليت خدمته وأحسنت عشرته، فبينا أنا في يوم (5) من الأيام، والسماء صاحية، والشمس طالعة، إذ ركب وعليه ممطر (6)، وقد عقد ذنب دابته، فعجبت من فعله، فلم يكن بعد ذلك إلا هنيهة حتى جاءت سحابة فأرخت عزاليها (7)، ونالنا من المطر أمر عظيم جدا، فالتفت إلي، وقال: أنا أعلم

ص :288


1- أعلام الدين: ص 312، وعنه.
2- ما بين المعقوفتين ساقط من الخطية والمطبوعة، وأثبتناه من المصدر.
3- في المصدر: (أجد).
4- في تذكرة السبط: ص 260، وفيه: (فلم أجد فيه إلا مصاحف وأدعية، وكتب العلم، فعظم في عيني وتوليت خدمته بنفسي... الخ).
5- في المصدر: (نائم يوما) بدل (أنافي يوم).