إعرف إمام زمانك : المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف ومعالم آخر الزمن

اشارة

إعرف إمام زمانك : المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف ومعالم آخر الزمن

الشيخ جعفر حسن عتريسي

دار الحجة البيضاء

جميع الحقوق محفوظة

للمؤلف 605129 /03

الطبعة الأولى

1428 هجرية - 2007 میلادية

دار الحجة البیضاء

خیراندیش دیجیتالی : انجمن مددکاری امام زمان (عج) اصفهان

ص: 1

اشارة

حارة حريك - شارع الشيخ راغب حرب - قرب نادي السلطان

ص.ب: 5479 / 14- هاتف. 03/287179 . تلفاکس:

01/552847

E-mail:almahajja@terra.net.lb

ص: 2

نصيحة أهل الدنيا :

هذه جراح الكون تستصرخ تلك اللحظة الكبرى من عالم المجد السماوي .. ها نحن مع كل نفس نقرأ حرف الوجع وطعن العذاب في بطن هذا الوجود ، جراء تنكر البشر لقانون المسير .. كم من نبي قتل .! وكم من وصي عب ونشر .! وفي كل ناحية من كوكبنا صرخة فجيعة جراء توحش الإنسان .!

ها هي قصة فرعون وقارون ، وتلك عصا موسى وتراتيل داود ، وجمال عيسى ، ونور محمد .. والكون على الإنتظار، على موعد « الصيحة السماوية » باسم المهدي ، التي تهز أركان الأرض ، وتحدث دويا عظيمة في أرجاء الوجود ، خشوعأ للقادم المحمدي الموعود .. ها هي الشمس ، تتقبض ذاتها ، تتقن لغتها ، تعرف أن لها موعدا مع شروق من غروب ..!

.. ها هي الكعبة المكرمة ، مقرونة بنور الله الأعظم ، المغروس بالنبي محمد صلی الله علیه و آله، المودع في ولده المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف من ابنته فاطمة علیها السلام، الذي يخرج في آخر الزمان ، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا . وكأني بصراخ الناس من كل جهة يملأ البيت الحرام : شوقا ولهفة للطلعة العلوية الفاطمية ..

وما بين هذه وتلك ، نحن على موعد مع أشراط آخر الزمان ، من علامات أرضية وسماوية ، وخصائص بشرية وكونية . فإذا اكتملت، ظهر المخاض عن أعظم تحول في مسير البشر ، حيث تحتضن «يد

ص: 3

الآية » وجها في عين الشمس ، يعلن ظهور بقية الله الأعظم، حجة الله الكبرىفي آخر الزمن : المهدي المنتظر .. فإذا ما انعقد الأمر ، وظهرت الحجة ، أقام المهدي دولة العدل الإلهي، فوق تربة الوجود البشري ، وأينما تصل يده ، فلا تجد إلا خيرا وأمنا وعدلا ورفاهية وقداسة عظمی ..

هناك ، يحصل البشر كمالهم في دنياهم ، ليبقى الموعه مع شاطئ الخلود في قافلة الأنوار نحو الآخرة العظمى ، حيث الأمم على موعد الحشر والنشر ، بعد طول قيام لدولة مولانا المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف، ثم انبلاج الرجعة بيد الإعجاز الموعود ، ثم تمام أشراط الساعة ، وصولا إلى النفخ في الصور الأول ، لتبقى البشرية في برزخها على موعد النفخة في الصور الثاني ، فإذا هي على محشر الآيات الإلهية المسطورة في قيامة المعجزات بين يدي الله في الآخرة والناس أمام عظيمتين : الجنة والنار .

يا لها من حقائق حتمية ، لا بد أن نرمقها بالعين ، وأن نتقلب بين مظاهرها ، وبنو البشر في غالبهم الأعظم ، غافلون ..! يفتشون عن البقاء في دار الفناء .! وعن السعادة في دار الشقاء ..!

ها هي تلك ، شمس الوجود تدعوك أن تبصر ، فإن إشراقة الأنوار تكشف العمى ، وتمنع الظلام ، ها هي أنوار المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف تحلق بين عنان الآيات وتخوم الأشراط .. أفلا تعقلون .!

ها هي يد السماء تعلن أن آخر الزمن قرين العلامات .

جعفر حسن عتريسي

ص: 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِیمِ

المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف..

اشارة

تؤكد النصوص المروية عن النبي صلی الله علیه و آله، باتفاق علماء المسلمين جميعة، أن المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت علیهم السلام، وأنه يظهر في آخر الزمان (1)، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا(2) . وقد أخبر النبي صلی الله علیه و آله أن أهل بيته علیهم السلام يظلمون ويشردون ، ويقتلون بعده ، ويمنعون حقوقهم ، حتى يخرج القائم من آل محمد عجل الله تعالی فرجه شریف ، فيقيم دولتهم التي تقود أهل الدنيا إلى صراط الحميد.

وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى قال قال أبي :

[ دفع النبي صلی الله علیه و آله الراية « يوم خيبر » إلى علي بن أبي طالب علیه السلام، ففتح الله عليه . وأوقفه يوم « غدیر خم » فأعلم الناس أنه « مولی کل مؤمن ومؤمنة » . وقال - وذلك في حديث طويل جاء فيه -:

«ثم بكى النبي صلی الله علیه و آله ، فقيل : مم بكاؤك يا رسول الله ؟ قال صلی الله علیه و آله : أخبرني جبرئيل علیه السلام أنهم يظلمونة ويمنعونه حقه ، ويقاتلونه ، ويقتلون ولده ويظلمونهم بعده . وأخبرني جبرئيل علیه السلام عن الله عز وجل أن ذلك الظلم

ص: 5


1- كمال الدين : ج 2 ص 653ب- 57 ج17
2- ابن حماد : ص- 103

يزول إذا قام « قائمهم »، وعلت كلمتهم ، واجتمعت الأمة على محبتهم ،وكان الشانئ لهم قليلا، والكاره لهم ذليلا ، وكثر المادح لهم . وذلك حين تغير البلاد ، وضعف العباد ، والإياس من الفرج ، وعند ذلك يظهر القائم علیه السلام منهم.

فقيل له ما اسمه ؟ قال النبي صلی الله علیه و آله: إسمه كإسمي ، هو من ولد إبنتي علیها السلام، يظهر الله الحق بهم ، ويخمد الباطل بأسيافهم ، ويتبعهم الناس بين راغب إليهم ، وخائف منهم . قال : وسكن البكاء عن رسول الله ،

فقال صلی الله علیه و آله:

معاشر المؤمنين ، أبشروا بالفرج ، فإن وعد الله لا يخلف ، وقضاءه لا يرد ، وهو الحكيم الخبير ، فإن فتح الله قريب . اللهم إنهم أهلي ، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، أللهم أكلأهم، وارعهم، و کن لهم، وانصرهم ، وأعنهم ، وأعزهم ولا تذلهم ، واخلفني فيهم إنك على كل شيئ قدير ] (1)..

وهكذا .. فقد ظلم أهل البيت علیهم السلام ظلمة عظيمة ، فهم بين قتيل بسم، أو ذبيح بسيف أو سجين تحت أطباق الأرض ، أو طريد في الآفاق ، أو معطل من قيادة الأمة ، ولم يبق منهم إلا القائم المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف ، الذي أكدت النصوص عن النبي صلی الله علیه و آله، أن له « غيبتين » ، الثانية منهما تطول ، ثم يخرج في آخر الزمان ، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ..

ص: 6


1- أمالي الطوسي : ج- 1 ص- 361 ص- 362

وقد شاع ذكر المهدي وذاع ، وتدب الظلمه قتل آباءه علیهم السلام، بهدف منع ولادته ، لكن أمر الله أعظم من كيد الماکرین .

وقد لقي الإمامان الهادي والعسكري علیها السلام الكثير من العذابات ، بهدف قطع نسلهما ، لكن أمر الله أكبر . وقد توفي الإمام الهادي علیه السلام مسمومة تاريخ 3 رجب سنة 254 للهجرة ، قتله الخليفة العباسي(1).

ومع وفاة الإمام الهادي علیه السلام بدأت إمامة «الحسن العسكري » - والد الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف - وكانت فترة الإمام العسكري علیه السلام من أشد الفترات حساسية ، فهو الإمام الذي سيكون منه المهدي علیه السلام الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا (2). لذلك تعض الإمام العسكري لضغوط هائلة من جانب العباسيين الذين وضعوه تحت أنظارهم في عاصمتهم « سامراء»(3). ثم

ص: 7


1- مع الإشارة إلى أن قتل الإمام الهادي علیه السلام على يد « المعتمد العباسي» ، حصل في فترة بلغ فيها الإمام الهادي علیه السلام ذروة العظمة والتمجيد في الحجاز والعراق وسامراء وغيرها .. حتى بعث إليه العامل على الحجاز أنه إن كان لك في الحجاز حاجة فابعث باخراج علي بن محمد الهادي منها ، فإن الناس قد مالت إليه . وقيل : الذي قتله هو المعتز العباسي
2- الخبر في أن المهدي علیه السلام من نسل رسول الله ، من علي وفاطمة ، وأنه سيخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، هو حدیث متواتر ، عند كل المسلمين . لم ينكره أحد حتى الأمويين والعباسيين
3- وبعث العمال إلى الأقاليم بحقيقة أن الشيعة أعلنوا الولاية للحسن العسكري ابن علي الهادي .. ومع هذا الإعلان وقبله، ومع إلتفاف الشيعة في سامراء والعراق والحجازوغيرها على الإمام العسكري بدأ العباسيون يشددون على الإمام العسكري الله علیه السلام ولقد كانت ولادة الإمام العسكري في العام 232 للهجرة في حين كانت وفاة أبيه الإمام الهادي علیه السلام في العام 254 للهجرة .. وهذا يعني مضاعفة العباسيين الضغوط ومحاولات القتل والتنكيل به ، والإعتماد على سياسة القتل الصامتة أي السم ، بل السم بطرق مختلفة من أجل اجهاض الإمامة ، خاصة أن العباسيين كانوا متشائمين من هذه الفترة التي عاد إلى أذهان الناس فيها تکرار احاديث النبي صلی الله علیه و آله أن المهدي هو الثاني عشر من أهل البيت علیهم السلام ، وأنه يخرج من صلب الإمام الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسی بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومن رحم مولاتنا فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلی الله علیه و آله .. والنصوص الصريحة في ذلك صحيحة ومعتبرة ومتواترة ، وما أكثرها على لسان الرواة وأصحاب الحديث .

كان من باكورة العمل العباسي الإعلان أنه : من يرجع إلى الحسن بن علي « العسكري » ، في الفتيا ، أو يدفع له الخمس ، أو الزكاة ، أو الحقوق ، هو خارج على الخلافة العباسية ، وستضرب عنقه (1).

ومنذ تلك اللحظة بدأ التفكير العباسي بطبيعة مواجهة ما يؤول إليه أم الإمام العسكري علیه السلام فعملوا في فترات مختلفة ، على مراقبة نساءه ، لمنع أي مولود له على الإطلاق ، مصرين على قتل أي مولود له حتى لا يخرج من نسله « المهدي الموعود علیه السلام»..

فما كان من « الإعجاز الإلهي »، إلا أن حقق ولادة المهدي علیه السلام من «السيدة نرجس » حفيدة وصي المسيح ، شمعون الصفا - وهو أحد أركان حواريي المسيح علیه السلام - في قصة إعجازية هائلة(2) ، وجعل حالها كحال أم موسی(3) علیه السلام.

ص: 8


1- ولقد عظم مقام الإمامة بالإمام العسكري علیه السلام الذي أعجز العباسيين وأبطل مرامهم . رغم ما بذله العباسية
2- ففي رواية كمال الدين قال الإمام الهادي علیه السلام- مخاطبا واحدا من أصحابه الكرام - :[ يا بشر ، إنك من ولد الانصار ، وهذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف ، فأنتم ثقاتنا أهل البيت ، وإني مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها شأو الشيعة في الموالاة بها : بسر أطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمة ، فكتب كتابا ملصقا بخط رومي ولغة رومية ، وطبع عليه بخاتمه ، وأخرج شستقة صفراء فيها مائتان وعشرون دينارا فقال : خذها و توجه بها إلى بغداد ، واحضر معبر الفرات ضحوة كذا ، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وبرزن الجواري منها ، فستحدق بهم طوائف المبتاعین من وكلاء فواد بني العباس وشراذم من فتيان العراق ، فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد على المسمى عمر بن یزید النخاس عامة نهارك إلى أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا و كذا ، لابسة حريرتين صفيقتين ، تمتنع من السفور ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها .. فيضربها النخاس فتصرخ صرخة رومية ، فأعلم أنها تقول : وا هتك ستراه ، فيقول بعض المبتاعين : علي بثلاثمائة دينارا . فقد زادني العفاف فيها رغبة ، فتقول بالعربية : لو برزت في زي سليمان وعلى مثل سریر ملکه ما بدت لي فيك رغبة ، فأشفق على مالك ، فيقول النخاس : فما الحيلة ولا بد من بيعك ؟ فتقول الجارية : وما العجلة ولا بد من اختيار مبتاع يسكن قلبي ( إليه وإلى أمانته وديانته . فعند ذلك ثم إلى عمر بن یزید النخاس وقل له : إن معي کتابا ملصقا لبعض الاشراف كتبه بلغة رومية وخط رومي ، ووصف فيه کرمه ووفاه ونبله وسخاءه ، فناولها لتأمل منه أخلاق صاحبه ، فإن مالت إليه ورضيته ، فأنا وكيله في ابتياعها منك . قال بشر بن سليمان النخاس : فامتثلت جميع ما حده لي مولاي أبو الحسن علیه السلام في أمر الجارية . فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا، وقالت لعمر بن زید النخاس : بعني من صاحب هذا الكتاب و حلفت بالمحرجة المغلظة إنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها ، يقول بشر : فما زلت أشاحه في ثمنها حتى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحينيه مولاي علیه السلام من الدنانير في الشستقة الصفراء . فاستوفاة مني وتسلمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة ، وانصرفت بها إلى حجرتي التي كنت أوي إليها ببغداد . فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولاها علیه السلام من جيبها وهي تلثمة و تضعه على خدها ، وتطبقه على جفنها ، وتمسحه على بدنها ، فقلت : - تعجبا منها - أتلثمين كتابا ولا تعرفين صاحبه ؟ قالت : أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء أعرني سمعك ، وفرغ لي قلبك : أنا مليكة بنت یشوعا بن قيصر ملك الروم ، وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون ، أنبئك العجب العجيب : إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة ، فجمع في قصره من نسل الحواريين ومن القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل ، ومن ذوي الاخطار سبعمائة رجل ، وجمع من أمراء الأجناد وقواد العساكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف ، وأبرز من بهو ملکه عرشا مصوغا من أصناف الجواهر إلى صحن القصر فرفعه فوق أربعين مرقاة ، فلما صعد ابن أخيه وأحدقت به الصلبان وقامت الأساقفة عكفا، ونشرت أسفار الأنجيل تسافلت الصلبان من الأعالى فلصفت بالارض ، وتقوضت الاعمدة فانهارت إلى القرار ، وخر الصاعد من العرش مغشيا عليه ، فتغيرت ألوان الأساقفة ، وارتعدت فرائصهم ، فقال كبيرهم لجدي : أيها الملك أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني ، فتطير جدي من ذلك تطيرا شديدا ، وقال للاساقفة : أقيموا هذه الأعمدة ، وارفعوا الصلبان ، واحضروا أخا هذا المدير العائر المنكوس جده لأزوج منه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده ، فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأول ، وتفرق الناس ، وقام جدي قیصر مغتما ودخل قصره وأرخيت الستور ، فأريت في تلك الليلة ( في عالم الرؤيا ) كأن المسيح وشمعون وعة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبرا يباري السماء علوا وارتفاعا في الموضع الذي كان جدي نصب فيه عرشه، فدخل عليهم محمد صلی الله علیه و آله مع فتية وعدة من بنيه ، فيقوم إليه المسيح علیه السلام فيعتنقه فيقول صلی الله علیه و آله: یا روح الله إني جئتك خاطبا من وصئك شمعون فتاته مليكة لإبني هذا . وأومأ بيده إلى أبي محمد ( الحسن العسكري ) ، صاحب هذا الكتاب ، فنظر المسيح إلى شمعون فقال له : قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول الله صلی الله علیه و آله، قال : قد فعلت . فصعد ذلك المنبر وخطب محمد صلی الله علیه و آله وزوجني وشهد المسيح علیه السلام، وشهد بنو محمد علیهم السلام والحواريون ، فلما استيقظت من نومي أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي وجدي مخافة القتل ، فكنت أسرها في نفسي ولا أبديها لهم، وضرب صدري بمحبة أبي محمد علیه السلام ( الحسن العسكري ) حتى امتنعت من الطعام والشراب ، وضعفت نفسي ، ودق شخصي ، ومرضت مرضا شديدا ، فما بقي من مدائن الروم طبيبة إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي ، فلما برح به اليأس قال : يا قرة عيني ، فهل تخطر ببالك شهوة فأزود کها في هذه الدنيا ؟ فقلت : يا جدي أری أبواب الفرج علي مغلقة ، فلو شفت العذاب عن في سجنك من أساري المسلمين ، وفككت عنهم الاغلال ، وتصدقت عليهم ، و مننتهم بالخلاص ، لرجوت أن يهب المسيح علیه السلام وأمه لي عافية وشفاء . فلما فعل ذلك جلي تجلدت في إظهار الصحة في بدني ، وتناولت يسيرا من الطعام ، فر بذلك جئي ، وأقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم ، فرأيت أيضا بعد أربع ليال كأن سيدة النساء ( فاطمة الزهراء علیها السلام ) قد زارتني ومعها مريم بنت عمران علیها السلام وألف وصيفة من وصائف الجنان ، فتقول لي مريم : هذه سيدة النساء أم زوجك أبي محمد ( الحسن العسكري علیه السلام) فأتعلق بها وأبكي ، وأشكو إليها امتناع أبي محمد ( الحسن العسكري علیه السلام) من زيارتي ، فقالت لي سيدة النساء علیها السلام: إن ابني أبا محمد ( العسكري علیه السلام) لا يزورك وأنت مشركة بالله وعلى مذهب النصارى . وهذه أختی مریم عج تبرأ إلى الله تعالی من دينك . فإن ملت إلى رضا الله عزوجل ورضا المسيح ومريم عنك وزيارة أبي محمد إياك فتقولي : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن – أبي - محمدا رسول الله . فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني سيدة النساء إلى صدرها ، فطیبت لي نفسي ، وقالت : الآن توقعي زیارة أبي محمد ( الحسن العسكري ) إياك ، فإني منفذته إليك . فانتبهت وأنا أقول : واشوقاه إلى لقاء أبي محمد . فلما كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمد ( الحسن العسكري علیه السلام) في منامي ، فرأيته كأني أقول له : جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبي بجوامع حبك ؟ قال : ما كان تأخیري عنك إلا لشركك ، وإذ قد أسلمت فإني زائرك في كل ليلة ، إلى أن يجمع الله شملنا في العيان , فما قطع عني زیارته بعد ذلك إلى هذه الغاية . قال بشر فقلت لها : وكيف وقعت في الأسر ؟ فقالت : أخبرني أبو محمد ليلة من الليالي أن جدك سيسرب جيوشا إلى قتال المسلمين يوم كذا ، ثم يتبعهم ، فعليك باللحاق بهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف من طريق كذا ، ففعلت فوقعت علينا طلائع المسلمين ، حتى كان من أمري ما رأيت وما شاهدت و ما شعر أحد ابي بأني ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية سواك ، وذلك باطلاعي إياك عليه ، ولقد سألني الشيخ الذي رفعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته ، وقلت : نرجس . فقال : اسم الجواري ، فقلت : العجب إنك رومية ولسانك عربي ؟ قالت : بلغ من ولوع جدي وحمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمان له في الاختلاف إلي ، فكانت تقصدني صباحأ ومساء وتفيدني العربية حتى استمر عليها لساني واستقام . قال بشر : فلما انكفأت بها إلى « سر من رأي »دخلت على مولانا أبي الحسن ( أيالإمام الهادي علیه السلام) فقال لها : كيف أراك الله عز الاسلام و النصرانية ، وشرف أهل بيت محمد صلی الله علیه و آله؟ قالت : كيف أصف لك يا ابن رسول الله ما أنت أعلم به مني ؟ قال : فإني أريد أن أكرمك فأيما أحب إليك : عشرة آلاف درهم ؟ أم بشرى لك فيها شرف الأبد ؟ قالت : بل البشري ، قال علیه السلام : فأبشري بولد بملك الدنيا شرقا وغربا ، ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا . قالت : من ؟ قال علیه السلام: من خطبك رسول الله صلی الله علیه و آله له من ليلة كذا من شهر كذا من سنة كذا بالرومية . قالت : من المسيح ووصيه ؟ قال علیه السلام : فمن زوجك المسبح ووصيه ؟ قالت : من ابنك أبي محمد ( الحسن العسكري ) ؟ قال : فهل تعرفينه ؟ قالت : وهل خلوت ليلة من زيارته إياي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيدة النساء أمه . فقال أبو الحسن علیه السلام : با کافور ، ادع لي أختي حكيمة ، فلما دخلت عليه قال له لها : ها هيه ، فاعتنقتها طويلا و سرت بها كثيرا . فقال لها مولانا : يا بنت رسول الله أخرجيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن ، فإنها زوجة أبي محمد وأم القائم علیه السلام] [ كمال الدين : ج- 2 ص 417 ب- 41 ح-1-).
3- وفي قول الله تعالى :«وأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى أنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ولا تَخَافِي ولا تُخْزِنِي انَا رَادُّوهُ إِلَيْكَ وَجَاعِلُوهُ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ ( 7/28) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِكَوْنٍ لَهُمْ عَدُوًاً وحُزِناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وُجُودُهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ( 8/28 )وقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ تُعِينُ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أو نَتَّخِذَهُ وَلَداً وهم لا يشْعُرون(9/28)وأَصْبَحَ فُؤَادُ أمِّ مُوسِي قَارِغاً إِنْ كَانَتِ اَلتَّبَدِّي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِين (10/28) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرْتُ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهْمٍ لاَ يَشْعُرُونَ( 11/28 )وَحَرْنَا عَلَيْهِ اَلْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلٍ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ( 12/28 ) فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَيْنُهَا ولا تَخْزُنَ ولتَعْلَم أنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ ولَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13/28)

ص: 9

ص: 10

تعريف بالمهدي

الإمام المهدي ، محمد ابن الحسن العسكري، هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت علیهم السلام، ولد في الخامس عشر من شعبان سنة 255 للهجرة ، وغاب الغيبة الصغرى منذ سنة 260 للهجرة ، حتى سنة 329 للهجرة ، ثم منذ ذلك التاريخ بدأت « غيبته الكبرى » التي ما زالت حتى الآن ، وهو سيظهر في آخر الزمان ، فيملأ الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت ظلما و جورا (1).

البشارة بالمهدي

زمن الإمام العسكري علیه السلام بدأت تظهر البشارات القريبة لولادة المهدي علیه السلام، ومعها كان الإمام العسكري علیه السلام خبر الخواص بقرب ولادة « المهدي الموعود » بإذن الله تعالی . يقول علان الرازي : أخبرني بعض أصحابنا أنه لما حملت جارية أبي محمد العسكري قال علیه السلام لها:

ص: 11


1- أمر المهدي علیه السلام من المتواتر المقطوع به عند جميع المسلمين بلا خلاف ، وقد ذاع أمره علیه السلام وشاع زمن النبي صلی الله علیه و آله وزمن الأئمة علیهم السلام والصحابة وغيرهم وفي كل الطبقات . بل لم يشهد التاريخ إذاعة لأمر من هذا النوع كما هو الحال مع ذياع أمر المهدي علیه السلام .. زمن الإمام العسكري علیه السلام أصبح لذكر المهدي شياع كبير ، حيث المولود المأمول بتأييد الله تعالى والقائم بدولة الله تعالى لا بد أن يكون من نسل الإمام العسكري علیه السلام. في هذا الزمن بدأ الخناق يشتد على أمل البيت علیهم السلام بطريقة تتوافق مع سعي العباسيين لإبطال أمر الإمام ، خاصة أن العباسيين كانوا على يقين مطلق بأن الثاني عشر من الأئمة المسمى المهدي هو الذي يبطل حكم الظالمين ، فما كان منهم إلا أن سعوا لإبطال أمر الله في ولادة المهدي.

«ستحملين ذكرا ، واسمه « محمد » وهو القائم من بعدي »(1).ثم تخبرنا النصوص أن الإمام العسكري علیه السلام أخذ يزف البشرى لأصحابه ، فيتناقل الأصحاب خبر المهدي الذي قربت بشاراته . وشاع الخبر بينهم ، كما ذاع نقل الأحاديث التي رواها النبي صلی الله علیه و آله في المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ..

ولقد عانی أتباع أهل البيت من « الظلم العباسي » ، ومن الإقامة الجبرية المفروضة على الإمام العسكري ، بحيث يمنع عليه علیه السلام مغادرة سامراء ، ومحاولات العزل المتعددة ، وطالما شكى الشيعة للإمام هذا الظلم من العباسيين ، فكان علیه السلام يأمرهم ب « انتظار الفرج » ، مؤكدا أن انتظار الفرج من أعظم العبادة ، وأن موعد ولادة المهد قريب .

ولادة المهدي

.. في ظل هذه الظروف الضاغطة ، تقول السيدة حكيمة بنت الإمام علي الهادي علیه السلام: « بعث إلي أبو محمد علیه السلام( الحسن بن علي ) سنة خمس وخمسين ومأتين في النصف من شعبان ( 255 هجرية ، ليلة أل- 15 من شهر شعبان ) ، فقال : يا عمة ، اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا ، فإنها « ليلة النصف من شعبان » ، فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة

ص: 12


1- كمال الدين : ج 2 ص- 408 به 38 ح- 4 - وكانت البشارة في ولادة المهدي علیه السلام قد تكاثر شياعها على لسان الأصحاب للإمام علیه السلام زمن العسكري علیه السلام . فكان الرجل يسأل الإمام علیه السلام: عن المهدي ؟ عن القائم بعده ؟ عن بشارة رسول الله صلی الله علیه و آله ؟ وهم يرون أن الوضع حساس والعباسيين يصرون على قتل أي ولد يولد للإمام العسكري علیه السلام ..

الحجة ، وهو « حجه في أرضه » ، فقلت له : ومن أمه ؟ قال علیه السلام لي : « نرجس »(1).

قلت له : جعلني الله فداك ، ما بها أثر ( أي ليست عليها علامات الحمل ) ! فقال علیه السلام : يا عمة إن مثلها كمثل أم موسى علیه السلام، لم يظهر حملها بها إلا وقت ولادتها . وهو ما أقوله لك.

قالت : فجئت ، فلما سلمت وجلست جاءت نرجس تنزع خفي ، وقالت لي : يا سيدتي وسيدة أهلي ، كيف أمسيت ؟ فقلت : بل أنت سيدتي وسيدة أهلي . قالت : فأنكرت قولي وقالت : ما هذا يا عمة ! فقلت لها : یا بنية إن الله تعالی سیب لك في ليلتك هذه غلاما سيدا في الدنيا والآخرة . قالت : فخجلت واستحيت . تقول حكيمة : فلما أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت ، وأخذت مضجعي فرقدت ، فلما أن كان في جوف الليل ، قمت إلى الصلاة ،ففرغت من صلاتي ، وهي نائمة ليس بها حادث ثم جلست معقبة ، ثم اضطجعت ، ثم انتبهت فزعة وهي راقدة ، ثم قامت فصلت ونامت . قالت حكيمة : وخرجت أتفق الفجر ، فإذا أنا بالفجر الأول کذنب السرحان ، وهي نائمة ، فدخلني الشكوك، فصاح بي أبو محمد علیه السلام من المجلس فقال : «لا تعجلي باعمة ، فهاك الأمر قد قرب ». قالت : فخجلت وجلست وقرأت : ( سورة ) ألم السجدة ، وياسين .

ص: 13


1- يستفاد من بعض النصوص وبشكل صريح أن نرجس أم الإمام المهدي علیه السلام كان يقال لها أيضا سوسن ومليكة . بل في طائفة من النصوص المتعددة التي ترويها « حكيمة » تستعمل مرة إسم نرجس ، ومرة تعمد إلى استعمال إسم سوسن .

تقول : فبينما أنا كذلك ، إذ انتبهت نرجس فزعة، فوثبت إليها فقلت : اسم الله عليك ، ثم قلت لها : أتحسين شيئا ؟ قالت : نعم باعمة ، فقلت لها : اجمعي نفسك واجمعي قلبك ، فهو ما قلت لك . فصاح بي أبو محمد وقال : إقرئي عليها و«إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ»، فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني ، فأجابني « الجنين» من بطنها يقرأ كما أقرأ ، ففزعت لما سمعت ، فصاح بي أبو محمد علیه السلام: لا تعجبي من أمر الله عز وجل، إن الله ينطقنا بالحكمة صغارا ، ويجعلنا حجة في أرضه كبارا ، فلم يستم الكلام حتى «غيبت عني نرجس » ، فلم أرها ، فعدوت نحو أبي محمد وأنا صارخة ، فقال لي : إرجعي يا عمة ، فإنك ستجدينها في مكانها ، فرجعت فلم ألبث أن كشف الحجاب الذي كان بيني وبينها ، وإذ أنا بها وعليها من أثر «النور» ما غشی بصري ، وإذ أنا بولي الله « المهدي » متلقيا الأرض بمساجده وعلى ذراعه الأيمن مکتوب :

«وِجاءُ الحَقِّ وزَهَقِ البَاطِلِ إِنَّ اَلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً» وهو علیه السلام يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأن جدي محمدا رسول الله ، وأن أبي أمير المؤمنين ولي الله . ثم عد الأئمة إماما إماما ، إلى أن بلغ إلى نفسه ، ثم قال : « اللهم أنجز لي ما وعدتني ، وأتمم لي أمري ، وثبت وطأتي ، واملأ الأرض بي عدلا وقسطا»، ثم رفع رأسه وهو يقول :«شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ،

ص: 14

وَالْمَلَائِکَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِیزُ الْحَکِیمُ »(18/3) إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب »، ثم عطس علیه السلام فقال : « الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد و آله . زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة . لو أذن لنا في الكلام لزال الشك »(1)..

قالت حكيمة : فأخذت بكتفيه ، فضممته إلي،وأجلسته في حجري ، فإذا هو نظيف منظف ، فصاح بي أبو محمد ( العسكري ) : هلمي إلي بابني يا عمة ، فجئت به إليه . ثم أدخل الإمام العسكري لسانه في فيه ( فمه ) ، وأمر يده على رأسه وعينيه وسمعه ومفاصله ثم قال له : تكلم با بني، يابني انطق بقدرة الله ، تكلم يا حجة الله وبقية الأنبياء وخاتم الأوصياء ، تكلم يا خليفة الأتقياء .. فتشهد « حجة الله المهدي علیه السلام» بالشهادتين ، وصلى على النبي والأئمة الطاهرين واحدا واحدا ، ثم سكت بعد وصوله إلى اسم أبيه ، ثم استعاذ من الشيطان الرجيم وتلي هذه الآية :

ص: 15


1- هذا وما بعده : إكمال العدة للصدوق. كمال الدين : ج 2 ص- 424، ب-42 ح-1- الفضل بن شاذان : على ما في كشف الحق . * : کشف الحق ( أربعون الخاتون آبادي ) : ص 33 ح- 2 - الفضل بن شاذان : على ما في كشف الحق . وفي : ص 143 - مختصرا عن أحمد بن علي الرازي عن محمد بن علي ، عن علي بن سميع بن بنان ، عن محمد بن علي بن أبي الداري ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن عبد الله ، عن أحمد بن روح الاهوازي عن محمد بن إبراهيم عن حكيمة : بتفاوت ، وغيره من الصمادر الكثيرة ..

وَتُرِيدُ أَن نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اضْعَفُوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهُمْ في الأرضِ ونَرِي فِرْعَونُ وَهَامانَ وُجُودُهُما مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ »(1)

تقول حكيمة : ثم ناولنيه أبو محمد علیه السلام، ثم قال : يا عمه رديه إلى « أمه » كي تقر عينها ولا تحزن ، إن وعد الله حق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ...»(2)

وفي الروايات الكثيرة أن « حكيمة » كانت تأتي كل فترة فيطلعها الإمام العسكري علیه السلام على المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف فتأخذه و تضمه و تنظر إليه وتلاعبه ثم تودعه وتذهب . فضلا عن رؤية الأصحاب وغيرهم للمهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ..

ثم بعد أن ولد المهدي علیه السلام ابتهل الإمام العسكري علیه السلام لله تعالى ، حامدا شاكرا . وبعث إلى جماعة من أصحابه بخبر ولادة المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ، وقد جاءه قسم منهم إلى سامراء للتشرف برؤيته المباركة(3). وقد رآه كثير

ص: 16


1- سورة القصص
2- وفي متن آخر قالت حكيمة : فلما كان في اليوم السابع جئت فسلمت وجلست فقال : هلئي إلي ابني ، فجئت بسيدي علیه السلام وهو في الخرقة ، ففعل به کفعلته الأولى ، ثم أدلى لسانه في فيه كأنه يغذیه لبنا أو عسلا ، ثم قال : تكلم يا بني ، فقال علیه السلام: أشهد أن لا إله إلا الله . وثني بالصلاة على محمد ، وعلى أمير المؤمنين وعلى الأئمة الطاهرین صلوات الله عليهم أجمعين ، حتى وقف على أبيه علیه السلام، ثم تلا هذه الآية : بسم الله الرحمن الرحيم :وَنُرِیدُ أَن نَّمُنَّ عَلَی الَّذِینَ اسْتُضْعِفُوا فِی الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِینَ(5/28) وَنُمَکِّنَ لَهُمْ فِی الْأَرْضِ وَنُرِیَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا کَانُوا یَحْذَرُونَ ( 6/28) ..][ كمال الدين : ج 2 ص 424 ب 42 ح 1 -] .
3- هناك نصوص تاريخية شديدة العمق في « توزيع ونشر خبر ولادة المهدي علیه السلام» من قبل الإمام العسكري علیه السلام على بعض أصحابه في مناطق و بقاع مختلفة ، منها مناطق بعيدة عن مقره ، مع التأكيد على ضرورة الكتان وذلك لما يسعى له ولاة وأمراء وخلفاء بني العباس من قتل المهدي علیه السلام.

من أصحاب الإمام العسكري وغيرهم ، ورءوا منه معجزات عظيمة (1). وكان الإمام العسكري علیه السلام يدعو بعض أصحابه أو يستغل حضورهم وغير ذلك ليواجههم بالمهدي علیه السلام عن حضور و مباشرة .

وبعد فترة من المن شاع خبر ولادة المهدي علیه السلام، ولم يقتصر الأمر على شياعه ، بل وصل إلى حد رؤيته من قبل الأفراد والجماعات ، وظهوره في مقامات محددة وكثيرة على نحو إعجازي ، فكان المهدي علیه السلام يخبر السائل بما في نفسه من الأسئلة الشرعية وغيرها ، ويجيبه عليها ، وسط تأیید رباني عظيم(2). ويظهر من النصوص الكثيرة أن الله تعالی أحاط المهدي علیه السلام بمجموع مزايا تشير إلى عظمة مقام الإمامة وما تعنيه (3).

ص: 17


1- ومعلوم أن أمر المهدي علیه السلام تحيطه إرادة الله تعالى ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون ، ولو كره الكافرون . ثم يؤكد علیه السلام أن المهدي له غيبة ، يطول أمدها ، ويكثر منكروها ، وفيها يتنامی حکم الفساد وأهل الطاغوت والجبروت ، فإذا أذن الله له وتمت الشروط والمواصفات التي حددها الله بالمقادير ظهر علیه السلام فأقام العدل الكوني وسار بالناس في ظل حكومة العترة والقرآن . ففي ذلك الزمن تتكاثر المفاسد والقيم الضالة ، وتبرز أمم منقادة في مجتمعاتها على نحو معاند للدين ومواثيق الشريعة ومبادئ الحكم الكوني والناموس الوجودي . ويقود جبابرة العالم السياسي الإقتصادي الأخلاقي على نحو متهور منحرف بشدة ، بحيث يطال الفساد والظلم الطاغي العالم بشكل متفاوت لكنه يشكل سمة رئيسية في ذلك العالم ، عالم غيبة المهدي علیه السلام.
2- محصل النصوص أن المهدي علیه السلام ولد مصونا محميا بأمر الله تعالى ، وقد أتمالله له ولادته وحضوره وغيبته الصغرى، ثم بدأت الغيبة الكبرى بوفاة السفير الرابع والتي ما زالت إلى هذا اليوم جعلنا الله من أنصاره وأعوانه والذابين عنه والمستشهدين بين يده بحق محمد و آل محمد علیه السلام . ومن يقرأ متون هذه النصوص وغيرها يجد فيها نماذج متنوعة من رجوع الشيعة إلى حكيمة وغيرها لسماع حادثة الولادة وما فيها من أسرار وإعجاز ، على أن رؤية المهدي علیه السلام تحققت للكثيرين من أصحاب واتباع الإمام العسكري علیه السلام حتى أن العباسيين انتقلوا من حالة الشك في الولادة إلى حالة اليقين ، فأخذوا يفتشون الدور والأمصار عنه للقضاء عليه وقد اعترفوا بفشلهم . ثم من يراجع مجموعة من وقائع ذلك الظرف الأصعب يدرك عمق الخطورة التي كانت تحيط بالإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف، من هنا كان لا بد من الإحاطة بمجموعة من تدابير ضرورية في مقام الإحتجاج وإيصال الأحكام ، فكان منها إقامة النواب الأربعة ، الذين إذا مات واحد قام الآخر وهم : 1. عثمان بن سعيد العمري . 2. محمد بن عثمان العمري . 3. الحسين بن روح النوبختي . 4. علي بن محمد السمري : [ ثم جملة كبيرة من وكلاءهم المنتشرة في الأمصار والآفاق . ذكرناها في كتاب ما قبل نهاية التاريخ ]
3- النصوص واضحة في هذا المجال ، والأصحاب والأتباع بدورهم نقلوا ولادة الإمام إلى غيرهم ، وقسم مهم منهم عاین الإمام المهدي علیه السلام ورآه واستمع منه إلى بالغ القول وعظيم الأثر ، بل كان الإمام العسكري علیه السلام في بعض الحالات يعرض على العشرات في مجلس واحد ولادة المهدي ويؤكد عليهم أنه المهدي الذي أخبر به النبي والأئمة علیهم السلام وأنه المعدة لإقامة دولة العدل ونشر دولة القرآن في كافة أقطار الأرض وما يكون فيه أثر لسكني أو وجود الإنسان . حدث التاريخ عن فشل ذريع أصاب هذه الخطط وغيرها ، ومن تلك الخطط محاولة قتل الإمام العسكري قبل ولادة الإمام المهدي ، وقد باءت بالفشل ، وأبى الله إلا أن يتم نوره ، إلى أن تحقق المحتوم الذي لا بد منه في ولادة المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف... فكان أن وسع الإمام العسكري من خبر ولادته علیه السلام بأنماط وأساليب ونماذج شديدة التنوع والنفوذ. ويستفاد من طائفة أخرى وردت في متون النصوص بعض الإنفراجات التي كانت تسمح للإمام علیه السلام بنشر الخبر أمام العشرات بل إظهار المهدي مباشرة أمام جمع من الأصحاب وشبه ذلك ، ثم يؤكد الإمام العسكري في العديد من النصوص أن أمر المهدي كأمر النبي والإمام ولا بد من الإعتقاد به والإلتزام بولايته.

وقد علم العباسيون في وقت متأخر ، أنهم فشلوا في أمر المهدي، وأنه ولد عجل الله تعالی فرجه شریف. وأن أمره شاع وذاع ، فاعتمدوا وسائل كثيفة للنيل منه علیه السلام، ففشلوا، وقد أعلنوا ذلك مرارا(1).

سفراء الإمام المهدي ، والغيبتين

للمهدي علیه السلام غیبتان : الأولى امتدت من سنة 260 للهجرة حتى سنة 329 للهجرة ، أي طيلة زمن النواب الأربعة ، كان يلتقي فيها نوابه ، وبعض الخواص ، وغيرهم مما تحدده وظيفة الإمامة . والثانية ابتدأت من سنة 329

ص: 18


1- وفي شهادات التاريخ العام والخاص تأكيد على عجز العباسيين وبأسهم من المهدي الذي حقق الله ولادته إلى أن حقق الله تعالی غیبته المباركة .. جعلنا الله من انصاره وأعوانه والذابين عنه والمستشهدين بين يديه .

للهجرة ، وما زالت إلى يومنا هذا، وستنتهي بظهوره العظيم عجل الله تعالی فرجه شریف، والنواب فيها على الناس هم الفقهاء العلماء المطيعون لأمر الله تعالی .

على أن سفراء أو وكلاء الإمام المهدي المباشرين ، كانوا أربعة ، في حين وکلاء هؤلاء السفراء كانوا كثيرين ، ومنتشرين في الأمصار والآفاق .

وكان « السفراء الأربعة » يشكلون صلة الوصل المعلنة بين الإمام المهدي علي وأتباع أهل البيت ، وقد استغرقت و كالتهم عن المهدي علیه السلام طيلة الغيبة الصغرى ، ومع موت آخرهم ، بدأت الغيبة الكبرى التي تنتهي بآخر الزمان ، وسفراء الغيبة الصغری هم على الشكل التالي :

1. عثمان بن سعيد العمري ، كان وكي للامامين الهادي والامام العسكري علیه السلام، ثم وكيلا للامام المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ، وقد دامت سفارته عنه علیه السلام منذ أول الغيبة الصغرى ( 260 للهجرة ) حتى توفي عام 304/303 هجرية .

2. ثم إبنه « أبو جعفر محمد بن عثمان العمري ، وقد بقي حوالي و خمسين سنة في هذا المنصب إلى أن توفي عام 304 أو 305 ه-.

3. أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي ، قام بالسفارة بعد أبي جعفر العمري ، وظل فيه حتى توفي عام 326 ه-.

4. أبو الحسن علي بن محمدالسمري ، قام بالسفارة بعد بن روح النوبختي إلى أن توفي عام 329، وكان آخر السفراء . ثم صدر

ص: 19

« التوقيع الشريف » من قبل الإمام المهدي علیه السلام يعلم شيعة أهل البيت علیهم السلام وأهل الدنيا بانتهاء دور النيابة الخاصة والغيبة الصغرى ، لتبدأ منذ ذلك الزمن ( 329 هجرية ) الغيبة الكبرى ، مؤكدة أن « النواب العامين » الواجب الرجوع إليهم في زمن الغيبة الكبرى هم « الفقهاء » الذين يعبر عنهم ؛ « نواب الإمام عجل الله تعالی فرجه شریف العامين » ، وذلك إلى أن يمن الله على البشرية بإظهار بقية الله الأعظم والبشارة الكبرى بظهور مولانا المهدي المنتظر(1)عجل الله تعالی فرجه شریف .

ص: 20


1- وما تجدر الإشارة له هو أن وكلاء الإمام المهدي الأربعة أقاموا سلسلة من وكلاء لهم عبر تنظيم دقيق في المناطق والأمصار ، من أجل تبليغ الشيعة ما يصدر عن الإمام المهدي علیه السلام فكان من هؤلاء الوكلاء المعينين من قبل النواب الأربعة: - حاجز بن يزيد الوشاء . - إبراهيم بن مهزیار . -محمد بن إبراهيم بن مهزیار . -أحمد بن إسحاق الأشعري القمي ، -محمد بن جعفر الأسدي . - القاسم بن العلاء . - الحسن بن القاسم بن العلاء . - محمد بن شاذان .. وآخرون آخرون هم كثر من الذين احتلوا موقع تبليغ الوظيفة الشرعية الصادرة من الإمام المهدي علیه السلام في ظل سلطة وضعت على رأس القائمة في نظامها التنكيل بالشيعة ،وزجهم بالسجون ، وقتلهم ، ومنعهم من الحقوق المالية والإجتماعية والقضائية والمدنية وشبه ذلك .. ومن يراجع التفاصيل هذه في كتب التاريخ بري ما يثيره من شدة ما تعرض له الشيعة ، من بلد إلى بلد ، و يكفي أن نشير إلى أنه لم يمت أي واحد من الأئمة موتة ، بل قتل إما بسيف أو بسم...

شیاع حكومة الجور والإنحراف المفاهيمي والسلوكي زمن الغيبة

تؤكد النصوص أن المهدي علیه السلام يظهر في آخر الزمان ، بعد فترة طويلة من محكومات أهل الجور والفساد ، وعالم تقوده أمم سياسية وثقافية تبدو شديدة العناد في إصرارها على الطغيان في شتى المعاني والجهات وأن « حكومات الجور والفساد » تتعدد في انتماءاتها ، لكنها تتفق في مضامین الخروج على قوانين الفطرة ودين الله ، حتى يبدو الإسلام غريبا كما بدأ (1). وأن قيادة « المجتمعات السياسية » من رأس الهرم، وصولا إلى الهيكل الإداري ، تقودها أمة تصر على عزل الدين عن شؤون الحكم وقوانین الجماعة(2).

وتشير إلى أن «عزل الإسلام » من حياة المسلمين يكون شيئا فشيئا(3)، وأن الجماعة تتعلق ببعض ما بقي من الإسلام إلى أن يعود غريبا كما بدأ(4). ويكون من صفات ذلك العالم « وهن القضاء الإسلامي » ، وعزل

ص: 21


1- النصوص واضحة في أن ظهور المهدي علیه السلام يكون بعد وفرة من ظلم وفساد واضطهاد وبغي وآثام يبدو معها الإسلام غريبا في مسرح العالم ومواثيق الدول وأعراف الأمم ، ومنظومات الجماعةوالإجتماع.
2- أي تكون منظومة الإجتماع العام واضحة التعارض مع فقه الدين و شريعة الإسلام ، بحيث يتم عزل الإسلام ومنعه من الظهور في عالم المواثيق القانونية وصيغ النظام . وهم مع ذلك يقودون الجماعة السياسية على نحو من منظومة لا قيمة للدين فيها ، بحيث تتناسب مع مفاهيم الفسقة والفجرة والظلمة وأشباههم . وأن رموز هذا النظام يفاخرون بعزل الدين عن شؤون الدولة والحكم والإجتماع .
3- أحمد: ج- 5 ص- 251
4- حيث أهل السلطان ينقضون الدین نقضا ما أمكنهم ، على أن النص صريح ضمنا بضعف الجماعة ، أو تفريطها في الدفاع عن قيم الإسلام ، بحيث يتابع أمل الحكم عزل الإسلام عن المواثيق والمنظومة والأعراف وصيغ التعامل دون مانع فاعل من جماعة الإجتماع السياسي آنذاك .

المنظومة الشرعية عن حل الخصومات ، ثم يتوسع الأمر إلى النواحي الأخرى من شرائح منظومة تلك الأمم ، إلى أن يتم عز الدين عزلا واسعا(1)، بحيث تفصل شؤون الحكم والقيادة ومنظومة الجماعة وأعرافها وثقافتها عن فقه الإسلام (2)..

وقد حددت النصوص الكثير من خصائص ذلك الزمان ، وشؤون ناسه ، فمن العلامات العامة لذلك الزمان : « خروج الام على أمر الله تعالی » ، ومجاهرتهم في ذلك ، وإلزامهم الرعية على طاعة مواثيقهم المخالفة لدين الله تعالى . وفي كثير من الروايات الصادرة عن النبي صلی الله علیه و آله ، كان صلی الله علیه و آله يؤكد على حدوث « افتراق مستقبلي » بين القرآن والسلطان . أي يخرج الحاكم على كتاب الله تعالى ، ويتحول إلى غيره . في ظل عالم منجرف بالإنحراف والقيم الفاسدة(3). واللافت جدا إخبار النبي صلی الله علیه و آله عن تحول کثير من المسلمين إلى جماعات مرتزقة للهو ومطالب الشهوة ، والإشباع الغريزي ، والمجاهرة بمعصية الله(4)، في انحراف واضح عن الإسلام . وأن للحكام يدا واضحة في ذلك(5). وأن « السلطان » يعزل الشريعة

ص: 22


1- أحمد : ج 5 ص 329
2- حلية الاولياء : ج 7 ص 69
3- إسحاق بن راهويه : على ما في المطالب العالية . أيضا : أحمد بن منيع على ما في المطالب العالية . وعبد بن حميد على ما في الدر المنثور . زالطبراني ، الصغير : ج 1 ص 264
4- البزار : على ما في كشف الهيثمي ، ومجمع الزوائد . * أمالي الشجري : ج 2 ص 257
5- وأن بعض الحكام يستبدلون القرآن بغيره ، ويعلنون بوضوح فصل الدين عن شؤون الحكم و منظومة الجماعة ، بحيث لا يشكل الإسلام مصدر التشريع . على أن طائفة واسعة من نصوص النبي صلی الله علیه و آله تؤكد ضرورة الممانعة ، ووجوب التمسك في الإسلام ، ورفض الباطل والآثام سواء كان مصدره الرعية أم الحكام .

الإلهية عن شؤون الحكم ومنظومة الجماعة ، ويمارس هذا العزل ، ويقود مجتمعه على نحو مغاير لفقه الشريعة ، جبرا ، وبوسائل الإكراه(1)، التي منها السجن والتنكيل وإسقاط الحقوق المدنية ، وصولا إلى القتل والإلغاء(2). وأن من علامات ذلك الزمن : استغلال الدين وتجويفه(3)، والتقاتل على الدنيا ، ونصب المال والجاه والإعتبار والقوة ربا ومرجعا للقيم ، دون غيره من منظومة الشريعة(4).

وأنه مع هذا التحول « المتعارض » مع الإسلام ، يتشرذم المسلمون ، ويلعن بعضهم بعضا ، ويخوضون عداء مثيرا بينهم ، وتبدو قطيعتهم مخيفة ، ويصبح الإفتراس والحقد عنوانة بارزة في ذلك العالم ، وأنه يشيع في المسلمین مظاهر خطرة من « الإنحراف الأخلاقي » كالتعري وهجران العتمة ، وانتشار الزنا ، وطغيان السفور ، وموضة الغرائز ، ونوع واضح من اللواط والسحاق ، والشذوذ الجنسي ، وأنهم يسقطون أمام موجة التعري والزنا التي تقودها قوى النظام العالمي المدعومة من قوی مختلفة على رأسها الروم وأمم أخرى فاجرة ، تصر على انحرافات أخلاقية كبيرة إرضاء لآلهة المال والغرائز . ويتعاظم الطعن بالإسلام ، حتى يبدو القابض على دينه كالقابض

ص: 23


1- عبد الرزاق : ج 11 ص 346 345 ح 20179
2- وقد حذر النبي صلی الله علیه و آله من الحكام المفسدين ، وكثيرا ما ردد ذلك ، مؤكدا أن هؤلاء يخرجون على كتاب الله ، ويعملون بما يخالفة ، وهم و الخطر الأكبر في عملية تحويل المسلمين من جماعة ملتزمة بالدين إلى جماعة خارجة على أحكامه .
3- منه بطبيعة الحال : التحريف المعنوي .
4- ابن حماد : ص 28

على الجمر ، من شدة غربة الإسلام ومحاربته (1). وتطغى علامات الإنحراف والضلال في ذلك العالم ، ويكون لها نفوذ وسيطرة كبيرة ، في حين يكون الإسلام بغربة(2) إلا من أمة مؤمنة ، وفرق ملتزمة هنا وهناك(3). وتبدو « جاهلية آخر الزمان (4)» أسوأ بكثير من جاهلية العرب الأولى(5). لتؤكد المتون أنه في هذا الزمن من آمن وصبر واقي وحافظ على دينه ولم ينغمس بهوی محرم ، كان عند الله من الصابرين المحتسبين . ثم بهذا العالم المنحرف يكون الإسلام غريبا كما بدأ (6)، حيث تتحکم به جاهلية هي أسوأ مما

ص: 24


1- تفسير علي بن إبراهيم : ج 2 ص 302/307
2- عبد الرزاق : ج 11 ص402 ح 20847
3- مع أن واجب المسلمين الرفض والممانعة ، إلا أن النصوص واضحة في تفريطهم - بصورة عامة - وخذلانهم الإسلام والإنجراف مع آلهة الحكم والمال والغريزة وموائد الشهوات .! وعليه : في ذلك العالم الذي تتكون النظم على الباطل والإنحراف وعزل شريعة الإسلام تبقى أمة خراسانية مؤمنة قوية ، تجاهد - وهي صاحبة الرايات السود - وتصر على حكم الله وفقه الشريعة ، ولا يضرها من خالفها رغم الجهد والعناء الذي يتعبها إلا أنها تبقى كذلك حتى خروج القائم من آل محمد ، ما عدا هذه الأمة وتلك الفرق ، فإن العالم في الغالب الأعظم من منظومته وأعرافه يكون على نوع واضح من السقوط في دائرة الباطل الميثاقي والعملي بما يعنيه من قيم أشر من الجاهلية الأولى.
4- بحيث يعزل القرآن، ويتم استبداله بغيره ، ويمنع الإسلام من الحضور في حياة الفرد والجماعة والإجتماع. مع أن هياكل الأبنية تبقى ، مثل المساجد ، لكنها تتحول في وظيفتها إلى منابر لفقهاء الظلمة وحكام الجور ، لدعم مشاريع العلمية التي تعمل على عزل الإسلام وتجويفه وإفراغه من قيمته العملية .
5- وفي الرواية : « یا قوم اعلموا علما يقينا أن الذي يستقبل قائمنا صلی الله علیه و آله من أمر جاهليتكم ليس بدون ما استقبل الرسول صلی الله علیه و آله من أمر جاهلیتكم ، وذلك أن الأمة كلها يومئذ جاهلية إلا من رحم الله ، فلا تعجلوا فيعجل الخرق بكم ، واعلمواأن الرفق يمن ، وفي الأناة بقاء وراحة والامام أعلم بما ينكر ، ولعمري لينزعن عنكم قضاة السوء ، وليقبض عنكم المراضين (كذا) وليعزلن عنكم أمراء الجور ، وليطهرن الأرض من كل غاش ، وليعملن فيكم بالعدل ، وليقومن فيكم بالقسطاس المستقيم ، وليني أحياؤكم لأمواتكم رجعة الكرة عما قليل فيعيشوا إذن فإن ذلك كائن » . ابن أبي الحديد : ج 7 ص 84 خ 99 -
6- وعن قول أمير المؤمنين علیه السلام : « إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء ، قال : يا أبا محمد إذا قام القائم علیه السلام استأنف دعاء جديدا كما دعا رسول الله علیه السلام» ، قال : فقمت إليه وقبلت رأسه وقلت : أشهد أنك إمامي في الدنيا والآخرة أوالي وليك وأعادي عدوك ، وأنك ولي الله ، فقال : رحمك الله » . { النعماني : ص 322 : 22 ح 5].

مضى(1) . إشارة إلى الإنكماش الشديد الذي يصيب الإسلام ، لصالح مفاهیم ومواثيق شديدة التعارض مع الإسلام تعزله وتمنعه من الظهور في حياة الجماعة والأفراد في المال والإقتصاد والسياسة والقضاء والإجتماع والأخلاق والآداب والمظاهر الشخصية والسلوكيات المختلفة(2) .

ومن علامات ذلك الزمن أن « المسلمين » يكونون كثرا ، لكن غالبهم الأعظم غثاء كغثاء السيل(3)، مجرد كثرة هزيلة ، خائفة ، مغلوبة على أمرها ، مجرد تبع أذلة ، سحقتهم آلهة الشهوة والمال والغرائز. لا يبالون ما نقص من دينهم ، أو ما مات من كتابهم .! مجرد بضاعة باعون ويشترون ، قد خانوا دينهم ورئهم . في حين تكون « الروم» - صاحبة أكبر قاطرة من الفساد - بل يظهر المهدي علیه السلام والروم أكثر الناس . أي صاحبة نفوذ كبير . كما يكون للترك حضور بارز ، و كذلك لليهود ، ويأجوج ومأجوج، وغيرهم من الأمم ، في حين يكون المسلمون على شر هزيمة ، وشر ذل ، لا رب يعبدون ، ولا دين يعتقدون .! إلا من أمة تظل ثابتة على دينها ، قوية في

ص: 25


1- وفي رواية الفضيل بن يسار قال : سمعت أبا عبد الله علیه السلام يقول : « إن قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشد مما استقبله رسول الله صلی الله علیه و آله من جهال الجاهلية ، قلت : وكيف ذاك ؟ قال إن رسول الله صلی الله علیه و آله أتی الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة ، وإن قائمنا إذا قام أتى الناس و كلهم يتأول عليه كتاب الله ، يحتج عليه به ، ثم قال : أما والله ليدخلن عليهم عدله جون بيوتهم ، كما يدخل الحر والقر ، [ النعماني : ص 296 - 297 : 17 ح-1].
2- إنه الإنحراف الأخطر ، والحرب الهائلة على الإسلام .. رغم كثرة المسلمين وتزايد مساجدهم ، إلا أنهم على شرفرقة وشر مذهب وشر ضعف وشر فساد .!
3- عن ثوبان مولى النبي صلی الله علیه و آله، قال : « يوشك أن تداعی عليكم الأمم من كل أفق ، كما تداعى الاكلة على قصعتها ، قال قلنا : يا رسول الله ، أمن قلة بنا يومئذ ؟ قال صلی الله علیه و آله: أنتم يومئذ كثير ، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ، ينتزع المهابة من قلوب عدو كم ، ويجعل في قلوبكم الوهن قال قلنا : وما الوهن ؟ قال : حب الحياة و كراهية الموت » [ الطيالسي : ص 133 ح992 ]

إيمانها ، حددتها النصوص بأهل خراسان ، وجملة من رایات الهدي هنا وهناك . على أن هناك نصوص صريحة جدا في أن المسلمين يكون لديهم ثروة ثمينة جدا ، لها قيمة كبرى على مستوى العالم ، لكهم أذلة ، فتتسابق إليهم الأمم القوية بالجبروت والغزو والنهش دون أن يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم ، إلا دولة خراسان التي تؤكد النصوص علو همتها ، وقوة عزمها وثباتها.

وبالإضافة إلى « الغربة » التي يعيشها الإسلام ، فإن الفتن تصك المسلمين ، وتدخل كل بيت ، دلالة على الذل الذي أحاط بهم ، والهوان الذي سکن أرضهم (1). وفي رواية أرطاة بن المنذر ، قال :

بلغنا أن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : « تكون في أمتي أربع فتن ، يصيب أمتي في آخرها فتن مترادفة ، فالأولى تصيبهم فيها بلاء حتى يقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف . والثانية حتى يقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف . والثالثة كلما قيل انقضت تمادت . والفتنة الرابعة تصيرون فيها إلى الكفر . إذا كانت الامعة(2) مع هذا مرة ومع هذا مرة بلا إمام ولا جماعة ، ثم المسيح ، ثم طلوع الشمس من مغربها(3)، ودون الساعة إثنان وسبعون دجالا ، منهم من لا يتبعه إلا رجل واحد »(4)..

ص: 26


1- ابن حماد : ص 10
2- الأمعة الذي لا رأي له
3- ملاحظة : النص يشير إلى بعض العلامات ، يبعد النظر عن ترتيبها.
4- ابن حماد : ص9

أيضا من صفات « ما قبل الظهور » أن الأرض تعاني من جدب وقحط ووهن في عطاءها ، لأسباب تشير النصوص أن وراءها يد البشر . فضلا عن اضمحلال الماء(1) .

وتؤكد النصوص أن الفتن والبلايا تكون متعاظمة قبل الظهور ، وتظل كذلك ، إلى أن يتم الله أمر المهدي علیه السلام بالإنتصار على الأمم الجائرة و كيانات الجبابرة الذين يعيثون في الأرض فسادا واضطهادا(2) . ويبدو واضحا أن «الفتن » لن تكون واحدة ، بل متعددة ، وهي تصيب المسلمين أيضا . المتون المروية واضحة في « طغيان الفتن » وطولها ، وتعاقبها ، ووطأتها الشديدة ، وبلوغ الإنحراف وفعل الجبابرة مرحلة مخيفة ، وفظاعة هائلة ، في زمن يكون فيه لأهل الكفر والإنحراف سلطان و ظهور متغاظم . كل ذلك يكون في نفس الوقت الذي يطبق فيه الذل على أغلب المسلمين ، وغربة الدين ، وحكم « الإمعة » الذي لا عقل له ولا دين في إدارة الحكم وأمور الجماعة، سوى التسلط والإنتهاز وإشباع الشهوة والرغبة وعزل الإسلام .. ويبدو واضحا أن « أدوات » الحرب والقتال والغزو والعنف تكون عنوانا لامعة في هذه الفتن.

ويكون الطاغي في الفتنة الأولى :

سفك الدم، .

وفي الثانية : سفك الدم ونهب المال ..!

ص: 27


1- فتن السليلي : على ما في ملاحم ابن طاووس . * ملاحم ابن طاووس : ص 124 به 39 -
2- البزار : على ما في كشف الهيثمي ، ومجمع الزوائد . * أمالي الشجري : ج 2 ص 257

وفي الثالثة : سفك الدم ، ونهب المال ، واغتصاب النساء ،

وصولا إلى الفتنة الرابعة ، التي يبدو فيها للدجال طغيان في الدم والمال والأعراض ، وفورة هائلة للغريزة والشهوات والأساطير ، في ظل تجويع ، وقتل ، واستغلال ، واحتكار لأسباب الحياة والمعيشة بشيئ من الجهد والوطأة (1)..

على أنه « عدد الفتن » أكثر من أربعة ، وما العدد هنا إلا للإشارة إلى بعض الفتن ومظاهرها المتنوعة(2). وستكون « فتنة » لا يهدأ منها جانب إلا جاش جانب آخر ، وهي الفتنة الأخيرة لما قبل الظهور(3)، وتظل متلاطمة حتى ينادي مناد من السماء : أمير كم المهدي (4)علیه السلام .

ويبدو أن هذه « الفتن » تكون للدنيا ، وعلى الدنيا . ومن تلك الفتن « فتنة السبيطة » ، قتلاها في النار ، تقع بين فريقين مسلمين ؟ يتغالبون على أمر الدنيا ولم يتغالبوا على أمر الله (5). ويكون لهذه الفتنة أثر ظاهر على المزيد من هشاشة المسلمين وضعفهم وانهيارهم ، وتغريب الإسلام .

با ما تماس با ما اطلاعات بیمارستان است اما این سوا لات امتحانات

ص: 28


1- الطبراني ، الاوسط : ج1 ص313 ح 516. عقد الدرر : ص 101 ب 4 ف3. وكذا في فتن السليلي وعند ابن حماد وغيره .
2- كل ذلك في وقت يبدو أن المسلمين يكونون في شر غربة وابتعاد مثير عن قيم الدين وصيغ الشريعة إلى ظهور القائم المهدي علیه السلام إلا من فئة قليلة قياسا على عدد العالم وكيانات الأمم.
3- الطبراني ، الأوسط : على ما في مجمع الزوائد ، ومقدمة ابن خلدون ، وعرف السيوطي ، والاذاعة والعطر الوردي .. النهاية : ج 1 ص 324 أوله ، مرسلا.
4- تأكيدا على تتابع الفتن وصعوبتها الفظيعة ، واختلاف آثارها وشدة وطأتها، حيث يشهد المسلمون منها آثارا مميتة وشديدة الصعوبة . النصوص مجمعة عند كافة « علماء المسلمين » ، القدماء والمعاصرين ، منذ الزمن الأول ، على تلاحق الفتن حتي خروج قائم آل محمد المهدي علیه السلام. وهذا من الضرورات النهائية عند المسلمين وعلماءهم.
5- فتن السليلي : على ما في ملاحم ابن طاووس . * : ملاحم ابن طاووس : ص 121 : 32

وأنه قبل ظهور المهدي علیه السلام تكون « كوارث » منها ما هو بفعل بشري ، مثل الفتن ، والحروب ، والتدمير ، وسفك الدماء ، والإحتلال ، واحتكار الثروات ، وغزو الأراضي ، وغير ذلك ، ومنها الآخر يكون لأسباب كونية أو طبيعية ، مثل الزلازل ، والفيضانات والجفاف والقحط والتصحر ووهن الطبيعة وغير ذلك(1). الممون صريحة جدا ب-« نكبات الطبيعة » وجرائم الإنسان . يقول النص : « یبعث المهدي علیه السلام في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل ..»(2)، تأكيدة على طغيان البشر من جهة ، وانهيار قدرة الطبيعة من جهة أخرى(3).

ويكون ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف زمن تفاقم الفتن وخطورتها البالغة ، في ظل ظلم وحيف وفساد هائل يجتاح العالم . تقول الرواية : « يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان ، وظهور من الفتن ..»(4). ويبدو أن « الطغيان الإعلامي » والإنحراف الثقافي ، يكون على نحو نافذ وجبار ، فضلا عن سطوة تجار الغرائز ، وأباطرة الشهوات ، في ظل « تدلیس » وخدع ثقافية متفاقمة . يقول النص : « ستكون فتن صبح الرجل فيها مؤمنة، ويمسي

ص: 29


1- ولا يبعد أن تكون الأسباب الكونية متعلقة بالإستنزاف الخطير للبشر ، خاصة تلك التي تتعلق بالأمراض والزلازل والجفاف والقحط والتصحر ووهن قوانين الطبيعة وقد دلت جملة من النصوص على ذلك.
2- عبد الرزاق : على ما في سند أحمد ، وابن طاووس . * أحمد : ج 3 ص 37
3- صدر النص كان بوارد الإشارة إلى الظلم الطاغي للبشر ، الذي ينتج عنه حروب رفتن وجوع وإنهاك شديد للطبيعة ، وظلم مالي اقتصادي ومواثيقي شديد ، وصولا إلى قيادة الجبابرة ملفات أهل الأرض بشئ ظاهر من الغزو والنهب والإبادة ، إلى أن يبعث الله المهدي علیه السلام فيقيم فيهم الحق الرباني في الإعتقاد والعدل المالي والنقدي والسياسي والإجتماع وغيره .
4- ابن حماد : ص 100

کافرا ، إلا من أحياه الله بالعلم »(1)..إنها واحدة من أنواع « فتنة الثقافات ومحارقها » التي تتربع على مصيدة الغرائز والشهوات والهياكل القانونية المنحرفة .

على أن من « أشراط » ذلك العالم تبدل الأخلاق ، وانكماش المحبة ، وانتشار الحسد ، وتبادل الحقد ، وسوء الجوار ، وقطيعة الأرحام، و تعطيل سيف الجهاد ، وانتشار طغيان الجبابرة(2)، وتسليع القيم ، واتباع الهوى(3)، وترك الدين للدنيا (4).. .

أيضا من مظاهر ذلك الزمن أن حکاما مسلمين يشكلون أداة تنفيذية طبيعة للروم ( المسيحية الغربية ) ، فيقومون بإصلاحات أخلاقية وأدبية وثقافية محرمة ، يراد منها عز الدين وقوانينه ، وتحويل المجتمع بذکره وأناه إلى قرد متحلل ، هممه الزنا ، والخمرة ، والتعري ، واللهو الغرائزي . إن هذه الشعوب هي المقصودة ب-« رحابني مرح »(5)التي أشارت لها

ص: 30


1- ابن ماجة : ج 2 ص 1305 ح 3954
2- ذكر أخبار أصبهان ، أبو نعيم : ج 1 ص 274
3- الطيالسي : ص 35 د 263
4- بالإضافة إلى النصوص التي تشيرإلى تلاشي أمر المسلمين وانحرافهم عن دينهم ، و تلکوهم ، وتركهم حتی لواجب الدفاع عن أنفسهم .! ومع غيره من النصوص يشير إلى مرحلة عنيفة من الإستعمار الذي يصيبهم عبر جحافل أهل الكفر ، حيث تتداعى الأمم عليهم من الروم والترك وغيرهم كما تتداعى الذئاب إلى قصعتها ، ويكون على رأس الحكم فيهم جماعة من الحكام المفسدين الذين يخرجون على حكم الله وفقه شريعته ، ومع ذلك يخشون القوى ، ويخافون الموت، فيتآمرون على قيم الدولة والشعب ، فيحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل.
5- وفي رواية معاذ بن جبل عن النبي صلی الله علیه و آله قال : « خذوا العطاء ما دام عطاء ، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه ، ولستم بتاركيه ، يمنعكم الفقر والحاجة ، ألا إن « رحا بني مرح» ، قد دارت وقد قتل بنو مرح . ألا إن رحا الاسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار . ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب . ألا إنه سيكون أمراء يفضون لكم فإن أطعتموهم أضلوكم ، وإن عصيتموهم قتلوكم . قال : يا رسول الله فكيف نصنع ؟ قال كما صنع أصحاب عیسی بن مریم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب . موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله عز وجل ، [ إسحاق بن راهويه : على ما في المطالب العالية . * أحمد بن منيع : على ما في المطالب العالية . * عبد بن حميد : على ما في الدر المنثور . * الطبراني ، الصغير : ج 1 ص 264]

النصوص ، وهي التي تعكف على عبادة آلهة الشهوة والنشوة والغريزة والخمرة والسفور والتبرج ، بقيادة حکام مفسدین و قوانین منحرفة .

ثم بين يدي ظهور المهدي علیه السلام أيام هرج (قتل) و مرج (فرضی)(1)، أيام يزول فيها العلم، ويظهر الجهل ، وتعم الفتن ، ويكثر طغيان الحراب والعدوان ، فتأكل الأمم بعضها ، وینکر الله جهرة ، وينبعث الفساد من كل ناحية بشكل متعاظم ، ويكون له قوة السلطان والقانون والأعراف(2) . ويتقارب الزمان ، وتتقارب البلدان ، [ إشارة إلى ثورة في عالم المواصلات والإتصالات ] ، وتعم الفتن ، ويتعاظم الشح، ويكثر الهرج ( القتل ).

على أن النصوص صريحة جدا في غزو الأمم ، وافتراس الضعفاء ، واحتكار الأموال ، وحروب الأسواق ، ونهب الموارد ، وحبس الأرزاق ، وتسليع الأشياء ، وأشباهها في آخر الزمن .

كما من علامات ذلك الزمن : تعاظم الطغيان والعدوان ، وقد أجمعت النصوص أن ظهور المهدي علیه السلام يكون في عالم ينوء بالفساد والإضطهاد والفتن والإنحراف والطغيان . في النص : «لا تقوم الساعة حتى

ص: 31


1- ج11 ص 364365 ح 20751
2- الطيالسي : ص 35 و 263

تمتلئ الأرض ظلما وعدوانا »(1).وقال صلی الله علیه و آله: « ثم يخرج المهدي علیه السلام من عترتي (2)، يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا »(3). النصوص متواترة عند المسلمين في أن المهدي علیه السلام يقوم قبل قيام الساعة ، فيقود الأمم، ويقيم دولة العدل الإلهي ، ويقضي على الجبابرة والمفسدين .

يقول النبي صلی الله علیه و آله: « لثملأن الأرض ظلما وعدوانا ، ثم ليخرجن من أهل بيتي ممن يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا (4) »(5). المتون صريحة في أن المهدي - الذي هو من نسل النبي - هو المعد لذلك الزمن الأعظم ، وهو من أئمة أهل البيت علیهم السلام ، من ولد فاطمة وعلي علیه السلام، من نسل الحسين علیه السلام. بحيث يشكل ظهوره أعظم تطور في ساح الكون آنذاك(6) .

ص: 32


1- أحمد : ج 3 ص 36
2- البزاز : ج1 ص 281
3- في نصوص كثيرة استعمل النبي صلی الله علیه و آله إسم الساعة ليشير إلى آخر الزمن ، ثم يشير صلی الله علیه و آله إلى أن الذي يقيم العدل في ذلك الزمن هو المهدي علیه السلام. وفي بعض النصوص «لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي ، يواطئ اسمه إسمي»
4- أحمد : ج3 ص 17
5- النصوص في هذا المعنى كثيرة ، بل في بعضها تأكید مطلق على أن الأرض لا يمكن أن تنتهي إلا بعد ظهور المهدي وإقامة العدل الإلهي . يقول النبي صلی الله علیه و آله: « لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد ، لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتی یبعث فيه رجلا من ولدي إسمه إسمي ».
6- حتى الكتاب المقدس أقر بأن الذي يخرج بعصا من حديد في آخر الزمن فيملأ الأرض حقا وعدلا إنما هو الثاني عشر من كواكب وار كان أورشاليم الجديدة ( الكعبة ) ، ومن نسل النبي المبعوث في جبال فران ( مكة ) ، من ولد تلك المرأة الجليلة المقدسة المتسربلة بالشمس والقمر ، التي على رأسها إكليل من إثني عشر كوكبا ، ولدت ذكرا عتيدا أن يقود الأمم بعصا من حديد . ثم هذه المتون تحتضن مضمون الكثير من النصوص التي صرحت بالأئمة الاثني عشر ، الذين جعلهم الله بابا إليه ، ودعاة لهديه ، وأئمة قادة ، وأنوارا مرشدين ، بهم يعرف الدين ، وتقام الحدود ، وعبد الله تعالی . ويذهلك أن تقرأ في الكتاب المقدس وشروحات اللاهوتیین مضمون هذه المعاني ... عن الإثني عشر قال رسول الله صلی الله علیه و آله: « الأئمة بعدي اثنا عشر ، أولهم أنت يا علي وآخرهم القائم علیه السلام الذي يفتح الله عزوجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها » [ كمال الدين : ج 1 ص 282 : 24 ح 35]. النصوص مطبقة على أن الأئمة الإثني عشر من ولد النبي صلی الله علیه و آله عبر فاطمة الزهراء علیها السلام وعلي بن ابي طالب علیه السلام، وأن الأئمة علیهم السلام إثنا عشر ، أولهم علي ، وثانيهما وثالثهما الحسن والحسين علیهما السلام، في حين الثاني عشر منهم ( المهدي ) هو من ولد النبي عبر الحسين علیه السلام.

في الخلاصة العامة : تبدو التجربة البشرية في آخر الزمان على نحو انحرافي هائل في القيم والغايات ودواعي الفعل وتطبيقاته ، وضوابط المسير الإنساني الضروري . إلى أن يظهر المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف، فيقيم الدولة الربانية المقدسة في ربوع الوجود.

بعض علامات الظهور المبارك

اشارة

للمهدي علیه السلام قبل ظهوره علامات مختلفة ، منها ما هو عام ، ومنها ما هو خاص ، ومنها ما هو قريب من ظهوره عجل الله تعالی فرجه شریف، ومنها ما هو ليس كذلك . وقد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان ظهور القائم المهدي علیه السلام، وحوادث تكون أمام قيامه ، و آیات ودلالات ، منها - كما وردت بقلم الشيخ المفيد قدس الله سره - :

« خروج السفياني ،

وقتل الحسني ،

واختلاف بني العباس في الملك الدنيوي ،

و كسوف الشمس في النصف من رمضان ، وخسوف القمر في آخره على خلاف العادات ،

وخسف بالبيداء ،

ص: 33

وخسف بالمغرب ،

وخسف بالمشرق ،

ور کود الشمس من عند الزوال إلى أوسط أوقات العصر وطلوعها من المغرب ،

وقتل نفس زكية بظهر الكوفة(1) في سبعين من الصالحين ،

وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام ،

وهدم حائط مسجد الكوفة ،

واقبال رايات سود من قبل خراسان ،

وخروج اليماني ،

وظهور المغربي بمصر وتملكه الشامات ،

ونزول الترك الجزيرة ( العراق )،

ونزول الروم الرملة ( فلسطين )،

وطلوع نجم بالمشرق يضيئ كما يضيئ القمر ، ثم ينعطف حتی يكاد يلتقي طرفاه ،

وحمرة تظهر في السماء وتنتشر في آفاقها ،

ونار تظهر بالمشرق طويلا، وتبقى في الجو ثلاثة أيام أو سبعة أيام، وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد ، وخروجها عن سلطان العجم،

ص: 34


1- اظهر الكوفة هو « النجف»، وتسمي في الأحاديث أيضا نجف الكوفة ونجفة الكوفة أي مرتفعها وجبلها . وتسمي الغري والغريين ، باسم عمودین بناهما النعمان بن المنذر ملك الحيرة وغراهما بالبياض أي صبغهما باللون الأبيض .

وقتل أهل مصر أميرهم ،

وخراب الشام ، واختلاف ثلاث رايات فيه ،

ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر ، ورايات كندة إلى خراسان ،

وورودخيل من قبل الغرب حتى تربط بفناء الحيرة (1)،

واقبال رايات سود من المشرق نحوها(2)،

وبثق في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة(3)،

و خروج ستين كذابا لهم يدعي النبوة ، وخروج اثني عشر من آل أبي طالب لهم يدعي الإمامة لنفسه، واحراق رجل عظيم القدر من بني العباس بين جلولاء وخانقين ،

وعقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة السلام،

وارتفاع ريح سوداء بها في أول النهار،

وزلزلة حتى ينخسف كثير منها ،

وخوف يشمل أهل العراق وبغداد ، وموت ذريع فيه(4)،

ص: 35


1- وردت روايات في خيل المغرب التي تنزل في فناء الحيرة ، أي تستقر قرب الكوفة ، وأن هذا الحدث يكون في أيام السفياني أو قربه . ولكن الملفت في نص المفيد قوله « وورود خيل من قبل الغرب حتى تربط بفناء الحيرة ، والسؤال : هل لفظها الغرب أم المغرب. وهل ذلك يعني أن تكون هذه القوات غربية تدخل العراق لمعاونة السفياني في مواجهة أصحاب الرايات السود ، أو تكون قبل السفياني . كله ممكن ...
2- رايات المشرق مي الرايات السود الخراسانية التي تدخل مع قوات اليماني لمواجهة السفياني عندما يغزو العراق .
3- بثق الفرات وفيضانه في الكوفة ، ورد في الأحاديث أنه يكون في سنة الظهور ، فعن الامام الصادق عليه السلام قال عام الفتح ينبثق الفرات حتى يدخل أزفة الكوفة .. [ البحار ج 52، ص 217]
4- عن الحكم الإسلامي في العراق قبل الظهور هناك مجموعة من الأصول الروائية منها: رواية خطبة البيان تقول « ألا يا ویل بغداد من الري ، من موت وقتل وخوف يشمل أهل العراق إذا حل بهم السيف فيقتل ماشاء الله . فعند ذلك يخرج العجم على العرب ويملكون البصرة » [ الزام الناصب ج 2 ص 191 ] وتتصل بها رواية أخرى عن الامام الصادق علیه السلام تقول « ثم يقع التدابر والاختلاف بين أمراء العرب والعجم ، فلا يزالون يختلفون إلى أن يصير الأمر إلى رجل من ولد أبي سفيان » [ الزام الناصب ج 2 ص 160]. كما توجد رواية « تحرك الحسني »، الذي تشير قرائن إلى أنه يكون في العراق،والذي قد يكون قتله بعد حكمه.

ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ،

وجراد يظهر في أوانه وفي غير أونه ، حتى يأتي على الزرع والغلات ،

وقلة ريع لما يزرعه الناس،

واختلاف صنفين من العجم ، وسفك دماء كثيرة فيما بينهم ،

وخروج العبيد عن طاعات ساداتهم وقتلهم مواليهم ،

و مسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير ،

وغلبة العبيد على بلاد السادات،

ونداء من السماء حتى يسمعه أهل الأرض ، كل أهل لغة بلغتهم،

ووجة وصدر يظهران للناس في عين الشمس،

وأموات ينشرون من القبور حتی یرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون ويتزاورون ،

ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة ، تتصل فتحيابه الارض بعد موتها ، وتعرف بركاتها . ويزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي علیه السلام ، فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة ، فيتوجهون نحوه لنصرته ، كما جاءت بذلك الاخبار »(1).

ص: 36


1- هذا ما رواه الشيخ المفيد قدس سره ( الارشاد ص : 336). أقول : هذا التعداد إجمالي لعلامات الظهور : البعيدة والقريبة ، ولا يقصد أنها متسلسلة حسب ما عددها ، ثم منها علامات قربية لا ومنها بعيدة . والمحتوم من هذه العلامات قبل ظهور المهدي علیه السلام يعني أنه لا بد أن يقع ، مثل خروج السفياني واليماني والدجال وقتل النفس الزكية والنداء السماوي والخسف بجيش السفياني وغيرذلك . ومنها ما هو مشروط بأحداث أخرى في علم الله سبحانه وتعالى . [ثم شهادة الشيخ المفيد بأن هذه العلامات والأحداث التي ذكرها أنها ثبتت في الأصول الحديثية تعطيها قيمة كبيرة جدا] .

كل هذه من « العلامات » التي تقع قبل الظهور الشريف ، ومنها ما يكون قريبة جدا من الظهور، کذبح الحسني بين الركن والمقام ، ومنها ما يكون بعيدة عن لحظة الظهور المبارك.

آية الحدثان

آية الحدثان(1) نائبة كبيرة ، تقع في « شهر رمضان » ، هي علامة في السماء ، بعدها يقع « اختلاف في الناس » ، لذا جاء في النص : « إن أدركتها ، فأكثر من الطعام ما استطعت(2)»(3). هي نائبة خطيرة جدا ، يتبعها جوع وأزمة اقتصادية ، وقحط وحكرة وشبه ذلك ، في ظل فتنة متعاظمة . وفي رواية خالد بن معدان قال : « إذا رأيتم عمودا من نار، من قبل المشرق في شهر رمضان في السماء ، فأعدوا من الطعام ما استطعتم ، فإنها سنة جوع »(4). وفي متون أخرى ورد : «نار في الحجاز ».إشارة إلى ظاهرة متعاظمة، ذات أثر خطير على الإنسان في تلك البلدان ، وتبيانا لفن بشرية واسعة يكون منها حرب الجوع والوجع والقهر والموت ، وقال ابن قاذويه : « آية الحدث في رمضان ، نار تكون في السماء شبيها بأعناق الجب ، أو كأعمدة

ص: 37


1- الحدثان : جمع حدث مثل أحداث و حوادث ، أي الوقائع الكبيرة ، ويطلق أيضا على النوائب خاصة .
2- ابن حماد : ص 60
3- ذيل النص وارد من باب : إياك أعني واسمعي يا جارة .
4- ابن حماد : ص 60 وفي : ص 61

الحديد . فإذا رأيتها فأعد لأهلك طعام سنة » . إشارة إلى حدث إستثنائي ، وفتنة هائلة ، تصيب كثيرا من الناس .. حيث تنتشر فتنة ، وتظهر نار في الحجاز - وهي نار غير نار عدن - إيذانا أو إكمالا لفتنة جبارة .. بقاع العالم آنذاك - خاصة بقاع الإسلام - تكون مضطربة . الأمم منقسمة ، العداء مستحكما ، ويقع في الناس دم وجوع..

وقد وردت « روایات تشير إلى «النداء السماوي » في شهر رمضان ، و« نار » من المشرق ، و«اختلاف » يكون بين الناس .. وعليه : وقع الفتنة المتعاظم ، يؤثر بشدة على المشرق ، خاصة بلاد العرب والمسلمین . وإبان هذه الهائلة يختلط الجوع بالدم والعذاب والقهر .

النجم المذئب

ما قبل الظهور القريب ، تتشابك الآيات ، فمنها ما هو أرضي ومنها ما هو سماوي. ومنها ما هو بشري ومنها ما هو طبيعي . علامات ذات إشارة إلى قرب حدث عظيم يراد بأهل الأرض .

وقد ورد في الأخبار : « يطلع نجم بالمشرق ، يضيئ كما يضيئ القمر، ينعطف حتى يلتقي طرفاه أو يكاد »(1). وكان النجم علامة على ولادة النبي المسيح علیه السلام، وعلامة على ولادة « النبي الأعظم محمد صلی الله علیه و آله» ، وهو ذاته علامة على «ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف في آخر الزمن ». هذا النجم

ص: 38


1- ابن حماد : ص 61

المذنب ، انتظره الكهنة والقساوسة والعلماء منذ الأزمان البعيدة ، هكذا قررت الكتب ، وهكذا حدث التاريخ ، وبذلك شهدت المعجزات . بهذا المذنب تبدأ « أحداث نهاية التاريخ البشري » في آخر الزمان : « يطلع نجم من المشرق ، قبل خروج المهدي له ذناب »(1). إشارة سماوية هائلة إلى حدث عظيم يقع على الأرض : مذب : «له ذنب يضيئ لأهل الأرض ، كإضاءة القمر ليلة البدر »(2). وقبل ظهور المهدي علیه السلام يقترب هذا المذب ، ویراة أهل الأرض ، ويكون في ظهوره « الخاص » علامة على موعد عظيم من السماء لأهل الأرض(3).

على أن هذا المذنب يقترب من الأرض فيراه الناس : « .. يخرج نجم له ذنب يضيئ ..»(4) وفي التقريب العلمي : مذنب «هالي » يقترب من الأرض كل 76 عام ، ويبلغ طول ذيل هذا المذئب « 30 مليون كيلو متر » وهو يحتوي على الدخان والأتربة . [ مثال تقريبي ] . وفي الكتب والحقائق الثابتة : ظهر المذنب عند میلاد المسيح علیه السلام وعند میلاد النبي الأعظم صلی الله علیه و آله كما ظهر يوم فتح القسطنطينية بقيادة محمد الفاتح . لذلك منذ هذا التاريخ يعتبر الأوروبيون علامة سوء بالنسبة لهم. لأنه مع ظهوره انهارت أسوار القسطنطينية ( عاصمة المنعة الرومية ) ، ودخلتها جيوش الإسلام . وقد أطلق

ص: 39


1- ابن حماد : ص 61. رواية كعب
2- ص46 ب- 71. رواية ملاحم ابن طاووس عن ابن حماد .
3- ربما يكون مذنب هالي ، أو غيره . المهم المقصود نفس المذنب الذي خرج زمن ولادة المسيح علیه السلام، وولادة النبي محمد صلی الله علیه و آله.
4- [ نعیم بن حماد / عقد الدرر 111]. وقد سمي مذنب هالي نسبة إلى مكتشفه « أدموند هالي » الذي اكتشفه عام 1682.

«البابا کالیلیکيس » عليه إسم « عميل الشيطان »(1). على أن لفظ القرآن الكريم جاء على بالتعبير التالي : «وقارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبین و( 10/44 ) .. إشارة إلى « المستقبل » ، وتأكيدا لحتمية محددة بهذا النجم ، وتركيزا على علامة خاصة يرتبط بها جزء رئيسي من مصير أهل الأرض .

وعليه : ظهور هذا المذنب ( الجم ) ، يشكل علامة موصوفة قبل ظهور المهدي علیه السلام، له صورة وهيئة لافتة : « ينعطف حتى يلتقي طرفاه أو يكاد »(2). تركيزا على دلالة وصفية خاصة به ، لها لغتها في الدلالة على قرب الحدث العظيم . .

آیة الشمس

لا بد من « آية الشمس » ، وهي علامة خاصة جدا ، تقع على خلاف العادة ، وعلى خلاف « الجدول العلمي » للفلكيين ، وفي النص «لا يخرج المهدي علیه السلام حتى تطلع مع الشمس آية »(3). هذه العلامة تدل على

ص: 40


1- وسوف يظهر هذا المذنب أو غيره عند ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف الذي سيفتح روما ويهزم جبابرة الأرض ويقيم العدل الإلهي بشموله العام. مع التذكير بأن مذنب هالي يحمل الدخان . وذيله يبلغ طوله 30 مليون كيلو متر ، ويحتوي على الدخان والأتربة ..! وقد قال الله تعالى : (بَلْ هُمْ فِی شَکٍّ یَلْعَبُونَ ( 9/44) فَارْتَقِبْ یَوْمَ تَأْتِی السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِینٍ(10/44 )یَغْشَی النَّاسَ ۖ هَذَا عَذَابٌ أَلِیمٌ ( 11/44 )رَّبَّنَا اکْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ( 12/44 )أَنَّی لَهُمُ الذِّکْرَی وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِینٌ (13/44 )ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ(41/44 )إِنَّا کَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِیلًا ۚ إِنَّکُمْ عَائِدُونَ ( 15/14 )یَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْکُبْرَی إِنَّا مُنتَقِمُونَ ( 16/44 )وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ کَرِیمٌ ( 17/44 )أَنْ أَدُّوا إِلَیَّ عِبَادَ اللَّهِ ۖ إِنِّی لَکُمْ رَسُولٌ أَمِینٌ ( 18/44 )وَأَن لَّا تَعْلُوا عَلَی اللَّهِ ۖ إِنِّی آتِیکُم بِسُلْطَانٍ مُّبِینٍ ( 19/44) [ في هذا المجال راجع سعيد أيوب في كتابه المسيح الدجال ].
2- م . س .
3- عبد الرزاق : ج 11 ص 373 ح 20775.

قرب قريب لظهور المهدي ، و تسارع الأحداث الكبرى ، في ظل توحش بشري - تقوده أمم ظالمة منحرفة - وفساد عظیم ، يلف الأرض وناسها ، إلا من « قلة » يبقون على دين الله ومطالب السماء ، فإذا انكسفت الشمس على غير العادة ، وظهرت فيها الآية ، تهيأ الكون لاستقبال «قائد معسكر الرب » وفي النص :

«قبل خروج المهدي تنکسف الشمس في شهر رمضان مرتین »(1).کسوف موصوف، لم ولن يتوقعه أهل الفلك ولا أهل الأرض ، تظهر معه وفيه آية .. ويشترك « القمر» في بيان لغة الإعجاز والعلامة السماوية ، ويتحدث الناس بذلك ، ويدب السؤال بينهم عن المغزی ، و تظهر الحيرة عليهم بسبب ما يرون : « . آيتان لم يكونا من خلق الله السماوات والأرض : ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان ، وتنکسف الشمس في النصف منها »(2). كسوف وخسوف محير للعلماء والناس ، يظهر ليدل على حدث عظیم طرأ، والأمر الأكيد أن شيئا وقع كونيا ، لا يمكن تفسيره وفق المجرى العلمي والجدول الموجود .

إنها لحظة تختلط فيها «لغة السماء مع لغة الأرض » ..

تأكيد مطلق على : أن أرض الإنسان على موعد رباني عظيم ..

ص: 41


1- ابن حماد : ص 61
2- القول المختصر : ص 20 ب-30 ح-30. في رواية شريك - ولم بسنده إلى النبي صلی الله علیه و آله- قال : لمهدينا علیه السلام .. ثم تابع الحديث ..

بعض الفتن ، وما يقع على بلاد الإسلام في عصر الغيبة

[سيطرة الكفار على الأنهر الخمسة ]

يبدو واضحا من النصوص أن ظهور المهدي علیه السلام لا يكون إلا بعد فتن عاصفة ، تعم العالم، خاصة العالم الإسلامي ، وسيكون من أثر تلك الفتن : سفك دماء ، ومجاعات، وخوف، ووجل، وهلع، واستعمار ، واضطهاد ، وفوضى ، وهتك ، وتنكيل فظيع ، وغير ذلك .. ويكون للكفار سطوة وظهور، بعد أن يهجر الإسلام ، ويملك من نمحي الدين جانبة ، وينكب القوم على الدنيا ، ويتناسون أمر الآخرة ، وتأخذهم الشهوات ، ويذلهم الهوان [ حب الدنيا و كراهية الموت ] ، فيعود الإسلام غريبا كما بدأ إلا من قلة على رأسهم دولة أهل خراسان ، الذين يصرون على اعتناق الدين ، وحمل ثقل نبي المرسلين علیه السلام، وقد جاء في الخبر :

« .. أبشرك يا رسول الله بالقائم علیه السلام من ولدك ، لا يظهر حتى يملك الكفار الخمسة الأنهر ، فعند ذلك ينصر الله بك على أهل الضلال ، ولم يرفع لهم [ أي للكفار ] راية أبدا إلى يوم القيامة . فسجد النبي صلی الله علیه و آله شكرا الله ، وأخبر المسلمين وقال لهم :

بدأ الاسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ ، فسئل عن ذلك ؟ فقال صلی الله علیه و آله: هي الخمسة الأنهر التي جعلها الله لنا أهل البيت وهي : سیحون وجيحون والفراتان ونیل مصر . إذا ملكت الكفار الخمسة الانهر ، ملك

ص: 42

الاسلام ( كذا ) شرقا وغربا ، وذلك الوقت ينصر الله أهل بيتي على أهل الضلال ، ولم يرفع لهم راية أبدا إلى يوم القيامة »(1).

هذا يعني : سيطرة الكفار ، وتمدد نفوذهم ، وسعة وطأتهم في العراق وإيران ومصر وبقاع مختلفة من أرض الإسلام . وفعلا ظهر للكفار نفود كبير، وسيطرة مطبقة في هذه المناطق من العالم في القرون الماضية ، زمن الإستعمار الذي شنه الإنكليز وغيرهم . وها هو العالم الإسلامي يعاني اليوم من نفوذ هائل للروم الأمريكيين في أنحاء العالم الإسلامي . وقد بدت الصورة أكثر ضبابية وقسوة بعد غزو الأمريكان لبغداد ، ودخولهم لها في التاسع من نيسان عام 2003..

وتؤكد الروايات أن خراسان ( أرض إيران ) قبل الظهور یکون لها دولة قوية ، ونفوذ إقليمي عظيم ، ودرع حصينة ، وسلاح ماض ، وتكون صريحة جدا في تبنيها الإسلام ، ودعوتها إلى القرآن والعترة النبوية . وهي التي تشكل أكبر عائق في وجه الروم الغربيين وأتباعهم . وفي فترة ما ، تزحف لفتح بیت المقدس ، فتحريره من أيدي اليهود الغاصبين ، وتطأ جباة الأنظمة، وتهزم جيوشهم ، حتى تنصب رايات أهل الحق في إيلياء ( القدس ).

ص: 43


1- ثواب الاعمال : على ما في ملاحم ابن طاووس . ملاحم ابن طاووس : ص 197

علامات تقع في بلاد العرب إبان عصر الظهور

تشهد الدنيا علامات كثيرة قبل الظهور الأعظم للمهدي عجل الله تعالی فرجه شریف منها: ما يقع في السماء ، ومنها ما يقع في الأرض ، ومنها ما يكون عاما ، ومنها ما يكون خاصة في أرض محددة ، منها ما يكون على نحو الحدث ، ومنها ما يكون على نحو الوصف ، ومنها ما يكون من هذه وتلك ، فقد جاء في الأثر : «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارة ، وحتي يسير الراكب بين العراق ومكة ، لا يخاف إلا ضلال الطريق ، وحتي يكثر الهرج . قالوا : وما الهرج یارسول الله ؟ قال صلی الله علیه و آله: القتل »(1).

النص صريح في : عمارة أرض العرب ، وتحول الجزيرة إلى مروج من أنهار ( أي وفرة الماء ) ، مع ما يعني ذلك في الثمار والمنافع ، واللافت في أكثر من نص : الإشارة إلى « أبنية مشيدة » كما في غير هذا المتن . وأن هذه البلاد يسودها الأمن ، إلى أن يصيب هذه البلاد اضطراب الفتن ، وأزمة الحكم ، وانهيار الأمن، وطمع الروم ، وتبعية خطيرة تحكمها الروم ، وصولا إلى الجوع الأغبر والموت الأحمر.

إذن : للعرب علامة ، في عمارة أرضهم ، وارتفاع بنائهم ، وكثرة منافعهم ، ووفرة ماءهم ، لكنهم على موعد مع فتنة متعاظمة ، يقع على أثرها القتل وانهيار الأمن، وصولا إلى الجوع والدم ..

ص: 44


1- أحمد : ج 2 ص 370

عن خليفة العراق

في إشارة إلى علامات ذات صلة بسلوك واحد من الحكام ، جاء في الأثر : « فإذا قتل الخليفة بالعراق ، خرج عليهم رجل مربوع القامة ، كث اللحية ، أسود الشعر ، براق الثنايا ، فويل لأهل العراق من أتباعه المراق . ثم يخرج المهدي علیه السلام منا أهل البيت ، فيملأ الأرض عدلا ، كما ملئت جورة »(1).

وفي أكثر من نص، تم الحديث عن «حاكم العراق » ، وعن أن موت هذا الخليفة من العلامات القريبة لظهور المهدي علیه السلام . على أن هذا لا يمنع من موت خليفة آخر في منطقة ما ، مثل الحجاز مثلا ، حيث قد يستفاد من بعض النصوص مثل هذا الأمر، لكن العلامة ظاهرة في موت حاکم العراق الظالم ، القتال ، المنحرف ، الذي يتقاتل قومه على ملکه ، حيث يجلس على كرسي الحكم خليفة ضعيف ..

وتعتبر أرض العراق مهد الأزمات ، ومحنة أتباع أهل البيت علیهم السلام ، خاصة زمن « عبد الله العباسي » الشديد ، ثم يوم السفياني الذي يبيح العراق الجيشه ، و كذا ما يحصل قبله من تداعي جيوش الروم والترك وغيرها إلى هذه المنطقة ، طمعا في كنز أو مال ينكشف عنه الفرات [ مال جوفي، له قيمة هائلة بالنسبة إلى قوى العالم ، ما يدعوها للزحف نحوه ، والتقاتل

ص: 45


1- عقد الدرر : ص 45 ب 4 ف1

عليه ].. ويلاقي شيعة علي علیه السلام بلاء عظيمة من الحكام الظلمة في هذه النواحي إلى أن يفرج الله عنهم.

استنزاف بلاد المسلمين

تشير الروايات إلى علامات ، تتصل بأثر الإستنزاف الذي يلحق ب- « بلاد الإسلام » ، منها قول النبي(1) صلی الله علیه و آله : [ ( إذا ) .. منعت « العراق » قفيزها و در همها، ومنعت « الشام » مدها ودینارها ومنعت « مصر » إردبها و دینارها ، وعدتم من حيث بدأتم ، وعدتم من حيث بدأتم ، وعدتم من حيث بدأتم ](2) ، بحيث تحدث أزمة ذات أثر بالغ ، حصار وعزل ، دهم وترويع .. يبدو من طائفة النصوص أنها تكون ذات « وصف حربي » يتبعها أزمة اقتصادية مالية نقدية معيشية عسير على المسلمين في العراق والشام ومصر ، ونواحيها ، فيظهر الجوع والوجع ، والحسرة والأنة ، وتضيق الدنيا. .

كل ذلك في ظل هجمة رومية ، وطمع مستشر ، وجيوش مجهزة ومتنوعة .. هذا المتن وغيره واضح في الإشارة إلى الضيق الشديد الذي يضغط على بلاد المسلمين ، في حين تكون أنظمة موالية للروم وغيرها في هذه الأرض ، تعمل على محاولة إجهاض « مشروع الأسلمة » الذي تنادي به دولة خراسان.

ص: 46


1- رواه يحيى قال : إن رسول الله صلی الله علیه و آله ذكر القفيز والدرهم قبل أن يضعه و «عمر» ، على الأرض . وفي الحديث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله .
2- القفيز والمد والأردب : میکاییل للغلات في العراق والشام ومصر . المصادر : إسحاق بن راهويه : على ما في سنن البيهقي . * : أحمد: ج 2 ص 262

في ظل هذا العصف ، وفي زمن ما ، تذكر النصوص ظهور « ثلاث ثورات إمامية(1) » تقوم في زمن الغيبة ، بفترة ما ، وتبقى حتى عصر ظهور المهدي علیه السلام ، وهي:

1. ثورة « أبدال الشام » الذين يقاومون اليهود الغزاة ، ويبدو واضحا من : النصوص أنهم يكونون في لبنان ، وأكناف بيت المقدس ، أي نواحيه . ويؤكد النصوص ثبات الأبدال ، وقوتهم وتفانيهم ، حتی أن « الكور الخمس » تسقط زمن السفياني ، إلا بلادهم، حتى يبايعوا المهدي علیه السلام وينخرطوا بين يديه . 2. ثورة «نجباء مصر » الذين يكادون أن يستلموا الحكم في مصر ، في ظل دعم شعبي كبير ، لكن الحاكم هناك يهرب إلى الروم مستنجدا بها ، فتأتي جيوشها إلى مصر، وتقع هناك أول ملحمة ،

وهي ملحمة الإسكندرية .

3. ثورة « عصائب العراق » أو أخبار العراق في أرض العراق(2). ويبدو أن لهم نوعا من التضحيات الكبيرة ، والنفوذ المتعاظم ..

ص: 47


1- تحدثنا بالتفصيل عن هذه الرايات الثلاث في آخر الزمن ، في كتاب خاص .
2- وهل هذه الأزمة التي تطال العراق والشام ومصر تكون في ذلك الحين ، خاصة أن الروم ( الغرب المسيحي ) يتدخل عسكرية في مصر . كما يتدخل بأكثر من شكل في الشام حتى يتم انقلاب السفياني و يجلس على عرش دمشق ، ثم يطلب منه أن يدخل مصر لقمع ثورة النجباء الإمامية فيفعل ، كما يقوم بمهاجمة الأبدال في الشام لكنه يفشل ويعجز عن دخول بلادهم . كما أيضا يهاجم العراق .. فيدعمه الغرب المسيحي بكائة الوسائل الممكنة ، التي منها الحصار الإقتصادي والضغط النقدي والمالي وغيره ..؟ هذا احتمال دارد و متون عدة نشهد له ، على أن طائفة من النصوص تشير أيضا إلى إطباق القوى الكبرى ، بالأخص الروم على بلاد الإسلام ، التي منها الشام والعراق ومصر ، فتعاني هذه البلاد من الجوع والضعف وأزمات المال والإقتصاد وغير ذلك .. أما موضوع الرجوع إلى الحجاز ، فهو يعني تباشير الظهور . أي يظل الأمر مرهونا بالحدث الرئيسي الذي يجب أن يتم في الحجاز من ظهور قائم آل محمد المهدي علیه السلام الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.

إسم المهدي وكنيته وألقابه :

تحدثنا النصوص بإسهاب موصوف أن اسم المهدي علیه السلام كإسم النبي محمد صلی الله علیه و آله ، وأنه هو محمد ابن الحسن العسكري، من ولد الحسين الشهيد علیه السلام، من فاطمة الزهراء وعلي بن أبي طالب علیهما السلام .. وأن لقبه المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف . وتقول النصوص في ألقابه : أنه المهدي ، مهدي هذه الأمة ، وأنه المهدي في الأرض والمهدي في السماء ، ومهدي الخير ، ومهدي عباد الله . وأن المهدي يهدي إلى الله عز وجل، يهدي الناس إلى الصلاح والفلاح ، يهدي الأمم إلى أمر قد خفي ، بعدما طمست معالم الإسلام، وغزل القرآن ، ونحيت الشريعة وتعاظم الكفر وعبدة الأوثان . وتؤكد طائفة من الأخبار أن العرب تهتدي بالمهدي علیه السلام ، وأن أمما كثيرة تهتدي به ، وأن العالم في النهاية يهتدي به . ثم تعدد الأحاديث بعضا من صفاته علیه السلام مثل أنه الامام الحجة ، وآخر الأئمة الإثني عشر ، وأنه خليفة الله عز وجل، وولد النبي محمد صلی الله علیه و آلهمن إبنته فاطمة الزهراء ووصيه علي بن أبي طالب علیهما السلام ، وأنه خليفة مكرم من بني هاشم ، وولي الله ، والامير ، والقائم ، وطالب الثأر ، وأمير الطائفة الظاهرة . ثم تصف النصوص الطائفة الظاهرة على الحق بأنها التي تكون على الإسلام وولاية النبي وأهل بيته علیهم السلام . وأن المهدي يكون أمير الناس في آخر الزمان .

ص: 48

ثم تعطيه بعض الطوائف المروية عنهم علیهم السلام صفات تدل على عظيم أمره، منها : أنه عجل الله تعالی فرجه شریف القائم بالحق، والقائم للحق ، والقائم المنتظر، والقائم المأمول ، وأنه خير الله من خلقه ، وخير أمة محمد صلی الله علیه و آله، وخير الناس ، وخير أهل الأرض ، وابن خيرة الانبياء ، ونجم المؤمنين ، ويعسوب الأمة ، والرجل الصالح ، صالح من مضى وخير من بقي ، وأنه العدل المبارك الزكي ، المنصور ، الهاشمي ، الغلام ، العائذ بالبيت ، وأن اسمه كإسم النبي محمد صلی الله علیه و آله، يواطئ إسمه إسم النبي ويوافقه . وفي بعضها الآخر كان يقول صلی الله علیه و آله: إسمه إسم نبي ، إسمه إسمي ، إسمه يوافق إسمي .. وما إلى ذلك من نصوص .

صفاته البدنية والخلقية :

وعن صفاته البدنية عجل الله تعالی فرجه شریف.. ؟ قالت طائفة من النصوص بأنه أجلي الجبهة ، اقني الأنف ، أجلى الجبين ، وفي نص آخر: أعلى الجبهة وأملا الجبهة وأقنى الجبهة ، براق الجبين ، أفرق الثنايا ، أزج ، أبلج ، أعين ، أشم الانف ، أقنى ، أجلى ، أجلى الحاجبين ، في خده الأيمن خال أسود ، شاب حسن الوجه. وأن وجهه كالقمر الدري ، وفي لفظ آخر: كأن وجهه الكوكب الدري . بكفه اليمنى خال ، عليه عباءتان قطوانيتان ، شمائله کشمائل النبي صلی الله علیه و آله، وهو أشبه الناس بالنبي صلی الله علیه و آله خلقا وخلقا ، يظهر صلی الله علیه و آله شابا بعمر ما بين الثلاثين إلى الأربعين سنة ، وورد في بعض المتون : يظهر ابن اربعين سنة . النصوص تؤكد أنه علیه السلام يظهر وهو شاب ما بين

ص: 49

ثلاثين وأربعين من العمر. وأنه شبية النبي علیه السلام وشبيه موسی بن عمران علیه السلام ، وفي طائفة أخرى أنه أشبه الناس بعيسى علیه السلام خلقا وخلقا و سمت وهيبة، وأن لونه لون عربي ، فيما الجسم جسم إسرائيلي ، وفي بعضها : كأنه رجل من بني اسرائيل ، كأنه من رجال شنوءة.

مقامه عند الله تعالی :

اشارة

تؤكد النصوص أن مقام المهدي علیه السلام عند الله عظيم جدا ، فهو المعد لإقامة دولة الله في الأرض ، ودحر الجبابرة والظالمين ، وأنه قائد معسكر الله في آخر الزمان ، الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا .

ثم تؤكد طائفة أخرى أنه لانه هو الذي بشر به النبي صلی الله علیه و آله وفاخر بأنه من ولد وأهل بيته ، وأنه الذي يظهر في آخر الزمان ، فيقيم أمر الله ، ويقود دولة الحق الإلهي فيقطع دابر الكفر والنفاق ، وأنه الذي يصلي النبي المسيح علیه السلام مؤتما به ، بل وينزل من السماء بإذن الله لنصرته ، ويكون وزيرة الأيمن ، وقائد جبهته في لحظة تاريخية كبرى ، وأنه يقود جيش المهدي علیه السلام لهزيمة الدجال الذي يقصد القدس لاحتلالها. كما أن النبي المسيح علیه السلام هو الذي يحتج بالمهدي عجل الله تعالی فرجه شریف على نصارى الروم والصين وغيرهم من اليهود والنصارى في أرجاء الأرض ، فضلا عن احتجاجه على أهل الدنيا كلهم بما يظهر من حجج وبنات معجزة على يد المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف.. وتضيف النصوص في بيان کرامات المهدي علیه السلام أن الجنة تشتاق إليه ، وأنه

ص: 50

طاووس أهل الجنة ، وأحد سبعة هم سادة أهل الجنة ، وفي بعضها أنه يعدل بنبي، وأنه فضل على بعض الأنبياء ، ويعطيه الله ما يعطي الانبياء و یزیده من فضله .

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مقام الإمامة عظيم جدا ، وفي النصوص التي تؤكد أفضلية أهل البيت والأئمة علیهم السلام ما يشير إلى علو مقامهم العظيم منذ الخلق الأول . .

ثم تشير الأخبار إلى أن مع المهدي علیه السلام عهدا معهودا من النبي المصطفی صلی الله علیه و آله ، وأنه سيظهر ومعه سيف النبي ذو الفقار الذي كان يحمله الإمام علي علیه السلام، كما تكون معه راية النبي المغلية ، وهي التي تشير إلى استعمال الإعجاز ، فما تفرد في معركة إلا هب النصر الإلهي . وهناك نص يشير إلى أنه أفضل الأئمة من ذرية الحسين علیهم السلام ، لكن النص ضعيف السند ولا يمكننا أن نفاضل بين الأئمة ، بل الله تعالى هو الذي يفاضل خاصة أن هناك بعض النصوص التي تقول بفضلهم جميعا . وعليه : الفصل في التفضيل هو الله رب العالمين ..

ثم تؤكد أن المهدي علیه السلام هو ولي الله ، الذي يعمر الله به أرضه بتسبيحه ونشر دينه ويظهره على الأسرار والضمائر ، وتصفه بعض النصوص بأنه خاشع لله مثل خشوع النسر بجناحه ، وأنه يكون من الله على حذر ، أي يعطف نفسه على الحق في كل شيئ جاهدا نفسه في عبادة الله ، وأنه لا يغتر بقرابته من النبي صلی الله علیه و آله. وأنه علیه السلام تكون عليه جلابيب النور تتوقد من شعاع

ص: 51

القدس ، وأن على رأسه غمامة فيها ملك ينادي : « هذا خليفة الله فاتبعوه »، كما ينادي مناد باسمه من السماء : « ألا إن أميركم فلان » ، وهو جبرائیل علیه السلام الذي يصدح في المساء ينبئ أهل الأرض أن المهدي قد ظهر .

وتؤكد النصوص أن الملائكة تكون بين يديه ، وأن الله يمده بملائكته ، ويكون جبرئيل علیه السلام على مقدمة جيشه ، وميكائيل على ساقته ، ومكتوب في رايته : البيعة لله . اسمعوا وأطيعوا . وأن رایانه علیه السلام: أبيض وصفر مرقوم ، فيها اسم الله الاعظم ، ومكتوب على راحتيه : « بايعوه » .. وطالما كان النبي صلی الله علیه و آله يقول : من أطاعه فقد أطاعني ، ومن عصاه فقد عصاني . ومن تبعه نجا ومن تخلف عنه هلك(1).

وأنه علیه السلام يصلي عليه أهل السماء والأرض وطير السماء ويفرح به ساكن الأرض والسماء . وأنه أمر من أمر الله ، وسر من سر الله عز وجل . وأن به عجل الله تعالی فرجه شریف يختم الله تعالى «الدين » كما فتحه بالنبي صلی الله علیه و آله . وأن خلقه خلق النبي صلی الله علیه و آله، فهو رحیم طيب مع المؤمنين ، قد بسط جناحه لمن اتبعه ، وعطف على الناس ، ولا يدخل أرضا إلا دخلتها الرحمة .. وأنه علیه السلام لم تلبسه الفتن ولم يلبسها ، ويغضب في ذات الله ويرضى في ذات الله تعالی . يكون زاهدا ، شديدا في تقاه ، ورعا، عابدا، خاشعا ، قد تجلبب بورع وتقى رسول الله وأهل بيته علیهم السلام.. ثم ثؤكد المتون آنه علیه السلام لا يضع لنفسه حجرا على حجر ، فهو من الدنيا زاهد ، لا طمع له فيها ، وأنه لا يقرع

ص: 52


1- للوقوف على هذه المتون بتفاصيلها وأسانيدها يمكن مراجعة موسوعة الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف للمؤلف .

أحدا بسوط الا في حد. وفوق ذلك : هو جواد بالمال ، کریم النفس واليد، هو أعطى الناس ، يكون عطاؤه هنيئا ، ولا يأخذ شيئا أعطاه ، يفيض المال فيضة على الناس ، يحثو المال حثيا ولا يعده عدة، قد أكره الله بالخير والبركات العظيمة ، ينشر الخير والبركات والعم والعلم في الناس ، فلا ترى إلا غنيا مستكفيا راضيا مستأنسا ببركات الله تعالی (1).

نسبته من النبي محمد صلی الله علیه و آله

تواترت النصوص بلا خلاف على أن المهدي علیه السلام هو من ذرية النبي صلی الله علیه و آله وأنه ولده عبر إبنته المطهرة فاطمة الزهراء علیها السلام وقد اتفقت كلمة علماء المسلمين وأصحاب الحديث كلها على أن المهدي رجل من عترة النبي محمد صلی الله علیه و آله وأنه حفيده من إبنته فاطمة الزهراء ووصيه علي بن أبي طالب علیهم السلام . في نصوص النبي صلی الله علیه و آله وأهل بيته علیهم السلام وخيرة الأصحاب نصوص كثيرة منها :

- المهدي رجل من أهل بيتي .

- المهدي من ولدي .

- المهدي رجل من ولدي .

- المهدي مني . المهدي رجل مني ومن عترتي .

- المهدي من ذريتي .

ص: 53


1- اللوقوف على هذه الروايات ومضامينها المتشعبة وما يتلوها ، يمكن مراجعة معجم أحادیث الإمام المهدي علیه السلام للعلامة الشيخ علي الكوراني .

- المهدي رجل من قریش من عترتي .

- المهدي شاب منا أهل البيت .

- المهدي قائم للحق منا .

- المهدي رجل من بني هاشم .

- المهدي رجل من قريش له اتصال برسول الله صلی الله علیه و آله .

- المهدي رجل من أمتي .

- المهدي اسمه إسمي .. وهو محمد ابن الحسن بن علي بن محمد ، بن علي ، بن موسی ،بن جعفر، بن محمد ، بن علي بن الحسين ، ابن علي بن أبيطالب وفاطمة الزهراء بنت رسول الله علیهم السلام [ النصوص كثيرة وشديدة الوضوح في ذلك ](1).

وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلی الله علیه و آله، أن المهدي حفيدة ، وولده ، من إبنته فاطمة ووصيه علي بن أبي طالب علیهما السلام وأنه علیه السلام الإمام الثاني عشر من أهل بيته، وأنه ولد الإمام الحسن العسكري علیهما السلام وخاتم الأئمة الثاني عشر علیه السلام، وحجة الله على أهل الدنيا ..

نسبته من الإمام علي علیه السلام:

أطبقت النصوص على أن المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف من ولد علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء . النصوص تقول : إنه من ذرية علي وفاطمة . من عترة

ص: 54


1- راجع الجزء الثالث من موسوعة الإمام المهدي علیه السلام للمؤلف . وكذا معجم أحاديث الإمام المهدي علیه السلام للعلامة الشيخ علي الكوراني .

علي ، من نسل علي ، من صلب علي، من ذرية النبي من إبنته فاطمة وابن عمه علي ، وهكذا . النصوص مطبقة ومتواترة على أن المهدي علیه السلام وله النبي من إبنته فاطمة ، وإبن عمه ووصيه علي بن أبي طالب علیه السلام، وأنه الإمام الثاني عشر ، الذي يختم الله به الأئمة علیهم السلام ..

نسبته من السيدة فاطمة الزهراء علیها السلام

أطبقت النصوص على أن المهدي علیه السلام هو من ذرية فاطمة الزهراء ، عبر ولدها الحسين الشهيد علیه السلام . الأخبار تقول : المهدي من ولد فاطمة ، بعضها الآخر يقول : المهدي من أولاد فاطمة ، من بني فاطمة ، من ذرية فاطمة .. وهكذا .. النصوص مفقة بالتواتر وباتفاق المسلمين جميعا ، سنة وشيعة ، على أن المهدي علیه السلام من ذرية : علي بن أبي طالب ، وفاطمة بنت رسول الله علیهم السلام ..

نسبته من الإمام الحسين علیه السلام:

تؤكد النصوص بتواتر کامل ، أن المهدي علیه السلام من ولد الحسين بن علي علیه السلام، وأنه التاسع من صلب الحسين ، وتتكاثر النصوص التي تقول : إنه من الحسين : من ذرية الحسين ، التاسع من صلب الحسين . التاسع من أولاد الحسين . المهدي من الحسين .. وهكذا .. وهي مروية عند السنة والشيعة .

إذا المهدي علیه السلام- وباتفاق النصوص - هو حفيد النبي وحفيد فاطمة وعلي والحسين علیه السلام. وهو الإمام التاسع من ذرية الحسين ، والثاني

ص: 55

عشر في عدد الأئمة علیهم السلام .. وأنه هو الذي يخرج في آخر الزمان ، فيملأ الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت ظلما وجورا ..

خريطة القوى العالمية والقيم والمعالم في آخر الزمان

اشارة

[نفوذ الروم في ذلك الزمان ]

ذكرت بعض الأحاديث أن الروم(1) هم أشد الناس على المسلمين ، إشارة إلى نفوذهم وقدرة أدواتهم وأساطيلهم مقابل ضعف المسلمين وهشاشتهم وانحرافهم ، وأن الساعة تقوم والروم أكثر الناس ، تأكيدا على حضورهم الكبير والنافذ في أحداث آخر الزمان(2). وأن المسلمين سيتبعون سنن الروم والفرس واليهود والنصارى(3). أي سيخضع المسلمون لنفوذ غربي ، سياسي ثقافي وسلوكي كبير ، يكون من آثاره تشبه المسلمين والمسلمات ، بأبناء الروم المنحرفين وبناتهن الفاسقات (4).. وفي هذا إشارة

ص: 56


1- الروم في النصوص مقصود منها : قوة ، أو قوى غربية ، ذات أصل مسيحي على نهج الحملات الصليبية ، تعلن عدائها للإسلام. وتسميهم أخبار آخر الزمن بني الأصفر كما تسميهم بالروم وفي الرواية : « تقوم الساعة والروم أكثر الناس » (صحیح مسلم 2222/4) . وفي حديث آخر : « أشد الناس عليكم الروم ، وإنما ملكتهم مع الساعة ، ( مجمع الزوائد 212/6 ) . أي في آخر الزمان وقيام المهدي علیه السلام ..
2- عقد الدرر : ص 46 ب 4 ف1
3- عن النبي صلی الله علیه و آله قال «التتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا ، وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا حجر ضب تبعتموهم ، قلنا: یا رسول الله ، اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ » الكنى والأسماء : ج 2 ص 30
4- عن ابن عباس أن رسول الله صلی الله علیه و آله قال « .. لترکبن سنن من كان قبلكم شبرا . حتى لو أن أحدهم دخل حجر ضب دخلتم ، وحتى لو أن أحدهم ضاجع أمه بالطريق لفعلتم».كما في الكنى والاسماء بتفاوت ، وفيها حتى لو أن أحدهم جامع إمرأته بالطريق لفعلتموه » .! [ فاعتبروا يا أولي الألباب .. ].

إلى نفوذ ثقافي ، إعلامي ، تربوي وغيره ، يكون بيد الروم ، كما هو دليل عميق على الضعف العنيف في جانب المسلمين ، بحيث يبدو الوجه العام، كاشفا عن نفوذ الروم في السلوك والثقافة والأخلاقيات المختلفة آنذاك(1).

اختلاف الجيوش العالمية

صراع القوى في منطقة الشرق الأوسط ، منطقة النفط الخليجي أولا)

على مستوى السياسة ومواقع الصراع والحرب ، تتحدث النصوص عن أنه سيقع « اختلاف » بين الروم والترك(2)، قريبة من ظهور المهدي علیه السلام ما يعني أن خريطة «الصراع العالمي » ستكون متنوعة ومعقدة ، خاصة أن الروم تحتل آنذاك موقعا في النظام الدولي يضعها في رتبة سابقة لغيرها ، فيما الترك ، تكون على موقع استراتيجي نافذ أيضا(3).

ويبدو للمتبع أن الترك - من ناحية موقعها - تكون أقرب للشرق ، أو في مناطق ذات نفوذ ، تحتاجه الروم في صراعها ، لذلك تتحالف الروم معها في أكثر من قضية تتعلق بالشرق الأوسط، وبالأخص المنطقة التي نطلق عليها اليوم « المنطقة النفطية ». ويبدو أن الروم والترك يتشاركان في أهداف محددة ، تتقاطعها ضرورة إضعاف « دولة خراسان » في ظرف

ص: 57


1- غيبة الطوسي : ص 268
2- غيبة الطوسي : ص 268
3- ابن حماد : ص 92 ملاحم ابن المنادي : ص 44

وزمن محدد ، خاصة بعد « تحریر بیت المقدس » من قبل الخراسانيين ، ما يستدعي إعلان حلف كبير بين الروم والترك وجملة من قوى إقليمية(1)، تتدخل الروم على أثره بأشكال كثيرة في منطقة الشرق الأوسط(2)، منها الشكل العسكري .

فيما الترك تعلن حربا من طرفها ، ومن دون سابق إنذار ، على بلاد خراسان ، فتحتل جزءا منها، وذلك عبر استغلال وجود معظم القوة الخراسانية الإيرانية في مناطق الزحف الطويلة بين إيران وبیت المقدس بفلسطين ، الذي تحرره من اليهود الغاصبين ، ومع كل هذا يصمد الجيش الخراساني في فلسطين ، رغم تشکیل « حلف دولي كبير » يضم الروم ، والترك ، واليهود ، وجملة من بعض جيوش العرب ، خاصة الراية المغربية (3) ، إلى حين دعم الروم للسفياني ، الذي سيشكل حركة عسكرية قوية ، فينقلب

ص: 58


1- وعلى الأثر تنزل القوات الرومية على سواحل فلسطين لمساعدة الجيش اليهودي في هذه المعركة ، وفي الرواية : .. وتنزل الروم فلسطين ، ( الغيبة للطوسي 278).
2- ابن حماد : ص 76
3- الدولة المغربية : تكون في المغرب العربي دون أن تحدد لنا الروايات موقعها الجغرافي بشكل تفصيلي ، تلعب هذه الدولة دورا إقليميا بارزا ، وتكون لها صلة بالروم ، أو دعم أو ولاء وشبه ذلك. المهم أنها تناصر الروم في أكثر من نضية ، وتكون على عداء كبير اتجاه الدولة الخراسانية . تحاول بكل طاقتها منع النفوذ الخراساني ، تقف مع الروم ، ومع اليهود ، ومع حاكم مصر المخلوع ، و تشترك في تحالف الجيوش التي تقاتل الخراسانيين في فلسطين . وحين تزحف نحو مصر وتدخلها يكون ذلك علامة على اختلاف الرايات في دمشق وقيام راية السفياني ، رواية عمار بن یاسر تقول : «یخرج أهل المغرب ، فينحدرون إلى مصر ، فإذا دخلوا فتلك إمارة السفياني ، ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد ، ( عقد الدرر 46) وهدف دخول المغاربة إلى مصر يكمن في دعم الروم، ومحاولة القضاء على نجباء مصر الإمامين ، على أنه تتنافس الراية المغربية مع راية السفياني ، ويكون الاختلاف على النفوذ ، بل يبدو من بعض المتون أن الراية المغربية يكون لها طمع في عرش دمشق ، كما تطمع في ثروة قرقيسيا. وتذكر بعض الروايات أن قائد الدولة المغربية اسمه عبد الله بن عبد الرحمن ، وأنه يلقب نفسه بأمير المؤمنين ، ويحاول إخضاع الدول العربية أو بعضها كلها لنفوذه لكنه يفشل خاصة مع هزيمته أمام السفياني ، وتكون علامة جيوشه في الحرب الرايات الصفراء .

على حاكم دمشق ، ويقاتل جملة من الرايات ، وينتصر عليها ، بدعم متعاظم من الروم (1). ومع هذا الحدث المفاجئ والتطور الإستثنائي ، يجرد السفياني حملة عسكرية كبيرة، داعمة لبعض الجيوش العربية التي تقاتل الخراسانيين(2)، بالإضافة إلى الروم واليهود والترك ، ما يشكل تطورا في «الميزان العسكري » ، ورغم كل هذه القوى ، فإن الخراسانيين يصمدون بقوة في بيت المقدس ، إلى أن تتم مهاجمتهم من الترك بشكل مفاجئ حيث تحتل جزءا من الأراضي الخراسانية ، عندها يقرر الخراسانيون الإنسحاب من بيت المقدس ، فيعودون ليخوضوا أعنف معركة ضد الترك ، تصفها النصوص بشيئ من التضحيات الكبيرة ، والثبات الهائل للخراسانيين .

على أنه قبل ظهور المهدي علیه السلام تكثر الحروب في الأرض ، وتكون العراق ، وسوريا ، مهدا لأكبر الحملات العسكرية التي تعلنها الترك والروم مع جمع من الحلفاء . وتنزل قوات كبيرة مختلفة الجنسية في العراق ، وتخوض معركة هائلة في منطقة قرقیسیا ، تتلاحم فيها جملة من القوى العسكرية طمعا في مال جوفي عظيم ، ينكشف عنه الفرات ، أي ناحية الفرات .

ص: 59


1- في رواية الشيخ الطوسي و يقبل السفياني من بلاد الروم متنصرا ، في عنقه صليب ، وهو صاحب القوم ، [ الغيبة للطوسي 278 ] . وفي نهاية مطاف حركة السفياني يبدو أن التنصر عنوان داعميه وشرط رئيسي ، ففي رواية عن الإمام الباقر علیه السلام قال : « إذا قام القائم علیه السلام وبعث إلى بني أمية بالشام هربوا إلى الروم ، فيقول لهم الروم لا ندخلكم حتى تتنصروا ، فيعلقون في أعناقهم الصلبان ويدخلونهم ، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم ، طلبوا الأمان والصلح فيقول أصحاب القائم علیه السلام: لا نفعل ، حتى تدفعوا إلينا من هرب قبلكم منا ، قال : فيدفعونهم إليهم ، [ البحار 377/52].
2- ابن حماد : ص59

وعلى أثر أحداث حربية عنيفة ، وتجييش الجيوش ، وفتن متنقلة ، وخط عسكري متعرج في منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص منطقة النفط الخليجي ، تنزل قوات الروم في العراق ، وكذلك في فلسطين ، وقرب دمشق ، ويمنع الروم أهل الشام الدينار والمد . إشارة إلى الحرب العسكرية وتداعيات اقتصادية كبيرة ، وضغط معيشي هائل، في ظل حلف دولي کبیر ، نوائه الرئيسية الروم .. ويبدو واضحا من الروم ، إعلانها الحرب على الإسلام والمسلمين ومناطقهم وثرواتهم الجوفية .

حرب الثروة الجوفية

تحدثت النصوص العديدة ، عن حرب كبيرة تقع بسبب مال ، مال جوفي ، معدن ، ذهب(1)، وما إلى ذلك من العبارات التي يراد منها التعبير عن مال عظيم ، يدفع جيوشة دولية ، وأخرى إقليمية ، لخوض حرب وصفت با « الملحمة » طمعا في السيطرة على هذا المال الذي ينكشف في الفرات . ما يشير إلى حرب « ثروة جوية » تكون سببا في حرب الروم ، وحلفاءها على منطقة الخليج ، بل منطقة الشرق الأوسط فيما بعد ، على اعتبار أن النصوص تؤكد أن الحرب تبدأ لأسباب مهمة ، منها سبب كبير يتعلق بثروة جوفية في العراق ، ثم تتوسع لتشمل منطقة الشرق الأوسط(2).

ص: 60


1- عبد الرزاق : ج 11 ص 382 ح 20804 ابن حماد : ص92
2- عقد الدرر : ص 90 - 99 ب 4ف 2

غربة الإسلام في [العالم الفاسد ، ودولة خراسان ، وباقي الجيوب ]

تؤكد النصوص « غربة الإسلام » في آخر الزمان ، وأن الإسلام يعود غريبة كما بدأ ، لكن هذا لا يعني عدم وجود أي دولة إسلامية مطلقا . بل النصوص تؤكد بشكل مسهب على وجود دولة إسلامية ، هي دولة خراسان الإمامية ، التي تجاهر بالولاء لآل محمد علیهم السلام وتصر على تطبيق الإسلام، وتبذل جهدا كبيرا بسبب تعلقها بالإسلام ، ومع ذلك تصر على خيارها الإسلامي ، وتهيئ لنفسها لتكون دولة قوية في ذلك العالم الظالم ، لتدافع عن شرعتها ، وما تتمسك به ، فتحوز في سبيل ذلك قوة رهيبة ، هذه القوة

بها في سكة دولة عظمى على مستوى ما نطلق عليه اليوم إسم « منطقة الشرق الأوسط » ، بل دولة مرهوبة الجانب على المستوى العالمي . هذا ما تؤكده جملة من النصوص.

لكن في المقابل : النصوص الشريفة تؤكد على « غربة الإسلام» في ذلك العالم ، بل على غربته في كثير من الدول الإسلامية ، التي تعزل الإسلام عن مجتمعها ، ومواثيقها ، وشرائعها ، وأخلاقياتها وقطاعاتها(1).. حتى يصبح الإسلام أشد غربة(2)، وفي بعض النصوص : القابض على دينه

ص: 61


1- صفة المهدي لأبي نعيم : على ما في عقد الدرر . * أربعون أبي نعيم على ما في كشف الغمة، وغاية المرام ، وحلية الابرار . عقد الدرر : ص 62 ب4 ف1
2- ابن حماد : ص 28

كالقابض على الجمر ، أو الشوك ، دلالة على المعاناة الفظيعة التي يعانيها المتمسكون بالإسلام(1) في كثير من بقاع أهل الدنيا بما فيها بلاد أهل الإسلام.

وفي النصوص أن الذين ينحسر(2). وفي بعض الأوقات تضيق الدنيا على المسلمين ، خاصة قبل ظهور المهدي (3)علیه السلام. ثم يعيش المسلمون محنة أخرى زمن الدجال ، ففي زمنه وفي بعض الأوقات من تلك الفتنة : الاسلام يأرز إلى مكة والمدينة . إشارة إلى أول قوة الدجال وفتنته التي تحاول دخول مكة والمدينة فلا تستطيع ، عندها تطلب القدس بهدف قتل المهدي علیه السلام، وهناك تكون نهاية الدجال . على أن دولة المهدي علیه السلام تكون قد قضت على جبهة الروم قبل فتنة الدجال ، ووصلت جيوش المهدي علیه السلام إلى غرب الأرض .

تحالف القوى العالمية على الإسلام

تشير النصوص بوضوح إلى تحالف العديد من القوى العالمية في آخر الزمان على الإسلام ، في ظل خرائط شديدة التعقيد ، وضمن مسارات دبلوماسية وسياسية واقتصادية وثقافية وغيرها، تقودها قوی معادية للإسلام . لتؤكد النصوص أن المهدي علیه السلام هو الذي يقيم أمر الإسلام في

ص: 62


1- أحمد : ج 4 ص 273
2- أحمد: ج 5 ص 251
3- عبد الرزاق : ج 11 ص 345346 ح 20179

بلاد العرب والمسلمين والعالم كله ، ثم تخص دولة خراسان التي تبقى على الإسلام ، وتقيم أمر الإيمان في آخر الزمان ، وتلفت إلى أن الموطئین الخراسانيين يمهدون للمهدي علیه السلام سلطانه .

وفي وقت من الأوقات تشتعل نار العرب بأعرابها ، حتى يقاتلوا الروم .. وأن العرب تعود لتصف مع المهدي علیه السلام بعد هزيمة السفياني على يد المهدي علیه السلام . نعم هناك قوم من العرب ، يقفون مباشرة مع الإمام المهدي علیه السلام ، بل أتباع اليماني يعلنون مباشرة ولائهم للمهدي علیه السلام ،

فيما أبدال الشام ، ونجباء مصر ، وعصائب العرق ، أصلا يكونون حرکات عريقة وهامة ، تدعو لآل محمد علیهم السلام وينادون بالمهدي سلطانا للأرض ، وهذه الرايات بتنزل على سلطان الخراساني الذي يوطى للمهدي سلطانه (1).

ص: 63


1- رايات أهل الدين والإيمان في عصر الظهور خاصة التي تصل بظهور المهدي علیه السلام هي كالتالي : * راية أهل خراسان (إيران ) وهي بمثابة قطب الرحى للرايات الأخرى . * راية الأبدال المقاومين لليهود في بلاد الشام والمشاركين في تحریر بیت المقدس وجملة من التطورات المهمة . * راية العصائب العراقيين والتي تشكل نفوذا مهما في العراق . * راية النجباء المصريين الذين يكادون أن يستلموا الحكم.* ثم في زمن الظهور الشريف تقوم راية المناصرين للمهدي علیه السلام في اليمن ، وهي راية مهمة ، تغیر میزان القوى ، ويكون لليماني قيمة مهمة للغاية بل يكون على اتصال بالمهدي في الظهور الخاص . ويبدو بوضوح أنه راية خراسان ، هي أول راية ظهورا ، ولقد بشر بها الرسول صلی الله علیه و آله في مشات الأحاديث المروية عند السنة والشيعة منها قوله صلی الله علیه و آله : « يخرج قوم من الشرق ، يوطنون للمهدي علیه السلام سلطانه » ( مجمع الزوائد 7/318). على أن قادة الراية الخراسانية كلهم من قریش من بني هاشم ، والمشار إليه في النصوص من قادتها أربعة هم: قائد ثورتهم الفقيه العالم الذي يقود قيام هذه الراية . والسيد الخراساني ، والسيد الحسني . وهؤلاء من ذرية أهل البيت علیهم السلام . في حين شعيب بن صالح تميمي قرشي . وفي الرواية « إذا ظهرت راية الحق لعنها أهل المشرق والمغرب ، أتدري لم ذلك ؟ فقال الراوي : لا ، فقال علیه السلام : للذين يلقي الناس من أهل بيته قبل خروجه ، ( الغيبة للنعماني 299 ) . وفي رواية الإمام الباقر علیه السلام « إذا رفعت راية الحق لعنها أهل المشرق والمغرب ! قيل له : مم ذلك ؟ قال علیه السلام : مما يلقون من بني هاشم قبله ، ( المصدر السابق ) . إشارة إلى قادة هذه الراية الهاشميين.

ومع المهدي علیه السلام تنضم فرق من العرب كانت على غير موقفها معه ، وأن العرب تهتدي بالمهدي علیه السلام ، وأن أهل المدينة الذين يعلنون ولاءهم للمهدي علیه السلام يشاركون مع المهدي علیه السلام في قتال الروم في الملحمة الكبرى . على أن هذه الملحمة الموعودة تكون بعد ملحمة المسلمين مع الترك ، وبعد جملة من التطورات الإقليمية والدولية . وتكون عندما يملك العتيقان عتيق العرب وعتیق الروم .

وأن منطقة : الحجاز ، العراق(1)، بلاد الشام ، خراسان ، وأطراف هذه المنطقة ، كلها تعلن الولاء للمهدي علیه السلام، بعد سلسلة من أحداث وصدامات وتطورات ، أهمها : انتصار أهل خراسان على العباسيين والسفيانيين في العراق ، وانتصار المهدي علیه السلام على السفياني في معركة طبرية . على أن « القوى الكبرى » في العالم آنذاك ، وهي قوی تعلن عدائها للإسلام،

ص: 64


1- هناك روايات تشير إلى قيام الدولة العباسية في آخر الزمن ، ثم طغيانها وانتقامها في أوقات محددة من أتباع أهل البيت، ثم انهيارها بقوة هائلة على ايدي الخراسانيين من أتباع أهل البيت علیهم السلام. ففي الرواية عن الإمام علي علیه السلام قال : ولا تقوم الساعة حتى تفقأ عين الدنيا ، و تظهر الحمرة في السماء ، وتلك دموع حملة العرش على أهل الأرض ، حتى تظهر عصابة لا خلاق لهم .. أي يوم للمخبتين بين الأنبار وهيت ، وذلك يوم فيه صيلم الأكراد والشراة ، وخراب دار الفراعنة ومسكن الجبابرة ، ومأوى الولاة الظلمة وأم البلاء وأخت العار ، تلك ورب علي يا عمر بن سعد بغداد .. إن لبني العباس يوما كيوم الطموح ، ولهم فيه صرخة كصرخة الحبلى ، الويل لشيعة ولد العباس يوما من الحرب التي تفتح بین نهاوند والدینور ، تلك حرب صعاليك شيعة علي ، يقدمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبي صلی الله علیه و آله منعوت موصوف باعتدال الخلق وحسن الخلق ونضارة اللون له في صوته ضجاج وفي أشفاره وطف ، وفي عنقه سطح ، أفرق الشعر ، مفلج الثنايا ، على فرسه کبدر تمام إذا تجلى عند الظلام، يسير بعصابة خير عصابة أوت و تقربت ودانت لله بدين تلك الأبطال من العرب ، الذين يلحقون حرب الكريهة والديرة يومئذ على الأعداء ، إن للعدو يوم ذاك الصيام والإستئصال ، ( الغيبة للنعماني (147 )

تتحالف ضمن نواة ، يبدو أن الروم عمقها المركزي ، من أجل السيطرة على بلاد المسلمين ، ولأجل هذا الهدف تتحالف الروم مع الترك ضد المسلمين ..

وهنا تجدر الإشارة إلى أني « قوى العالم الظالمة » تكون كثيرة ، إلا أنها ليست جميعا تعلن الحرب على المهدي علیه السلام في وقت واحد، ف- « يأجوج ومأجوج » يتريثون في إعلان حربهم حتى يعتبرون آخر الجبهات في إعلان الحرب (1).

ص: 65


1- وفي الرواية قال : « فعند ذلك خروج يأجوج ومأجوج . قال : فيوحي الله عز وجل إلى عيسى علیه السلام ( وزير جبهة المهدي ) أحرز عبادي بالطور طور سنین .قال حذيفة : قلت يا رسول الله : وما يأجوج ومأجوج ؟ قال : يأجوج أمة ومأجوج أمة ، كل أمة أربع مائة ألف أئة ، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه . ( إشارة إلى أمة ضخمة ، تعدادها السكني كبير جدا ، لديها من الجند والأتباع الكثير .. يبدو من النصوص الأخرى إشارة أن لديهم من وسائل الحرب في البر والبحر والفضاء ما يدفعهم إلى شن حرب يتقاتلون فيها مع أمة ضخمة ويكون إنتصارهم بعد حرب تجري في الفضاء فيقولون : غلينا أهل الأرض ، ثم يتجهون لقتال المسلمين ) ، قال : قلت يا رسول الله ، صف لنا يأجوج ومأجوج ؟ قال : هم ثلاثة أصناف ، صنف منهم أمثال الارز الطوال ، وصنف آخر منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع في مائة وعشرين ذراعا ، وهم الذين لا يقوم لهم الحديد، وصنف يفترش إحدى أذنيه ويلتحفه بالاخرى . ( مما لا شك فيه التعابير هنا مجازية ، استعارة ، كناية ، للإشارة إلى فئات مختلفة الأوصاف من حيث العدة والعدة والقدرات ، بعضهم لا يقوى عليهم إلا بقوة إستثنائية ، وبعضهم الآخر أقل قدرة من ذلك ، وهم متسلحون بأدوات ممانعة .. هذا ما يريد النص أن يشير له ، وهو الذي يضمن لهم ربح معركة تعتبر قياسية بالنسبة لهم فيقولون : غلبنا أهل الأرض ثم يتجهون لقتال المسلمين ) ، قال حذيفة : قال رسول الله صلی الله علیه و آله: يكون جمعا ( كذا ) منهم بالشام ، وساقتهم بخراسان ، ( إشارة إلى عددهم الكبير ) ، يشربون أنهار المشرق حتى تيبس ( تعبير عن حكرتهم وسيطرتهم على الماء وعددهم الكبير الذي يهدد الموارد المائية في تلك النقطة بالخصوص ) ، فيحلون بيت المقدس ( وهذا يعني انه خريطة الإنتشار العسكري لهؤلاء واسعة ، حيث يخوضون حرية ضخمة مع أمة غير مسلمة فينتصرون فيها ، ثم يتجهون نحو الشرق لقتال المسلمين ، ويدخلون بيت المقدس ، ولا أدري إن كانوا يدخلونها حربا أو سلم أو معاونة لجبهة تكون هناك ) وعيسى والمسلمون بالطور ( لا بد من تنقيح النصوص والتركيز على أن عيسى بن مريم علیه السلام يكون وزير جبهة الإمام المهدي علیه السلام، في حين يكون المهدي القائد الذي يخوض حروب الإنتصار ،ومن غير البعيد أن الراوي هنا استبدل إسم المهدي علیه السلام بإسم عیسی بن مریم علیه السلام ، وهذا الأمر غير خفي لمن اطلع على مجموعة من النصوص لا يمكنها طمس معالم المهدي فحاول دس بعض العبارات التي تعطي الأدوار لغيره ..! ) ، فيبعث عیسی طليعة یشرفون على بیت المقدس ، فيرجعون إليه فيخبرونه أنه : ليس ثرى الأرض من كثرتهم ! ، قال : ثم إن عيسى يرفع يديه إلى السماء فيرفع المؤمنون معه ، فيدعون الله عز وجل ويؤمن المؤمنون فيبعث الله عليهم دودا يقال النغف ، فتدخل في مناخرهم حتى تدخل في الدماغ ، فيصبحون أمواتا . قال : فيبعث الله عز وجل عليهم مطرا وابلا أربعين صباحا ، فيغرقهم في البحر» [ جامع البيان ، الطبري : ج 15 ص 17 ابن أبي حاتم : على ما في الدر المنثور * الطبراني ، الاوسط : على ما في مجمع الزوائد . * الكامل ، ابن عدي : ج6ص 21772178 بعضه ، كما في الداني ..

فيما قوى أخرى، ترى في الصدامات بين الروم والمهدي علیه السلام فرصة لإنهاك الطرفين ، لذا تنتظر ، بهدف تأمین میزان قوة لصالحها ، بهدف التمدد في العالم ، لكن الإنتصارات الضخمة التي يحققها المهدي علیه السلام تغير ميزان القوة في العالم .

المهدي علیه السلام يبعث بقتال الروم

تذكر النصوص أن المهدي علیه السلام بعث بقتال الروم . إشارة إلى عداوتهم للإسلام ، ونفوذهم الكبير ، وانتشارهم الواسع في البلدان ، وإصرارهم على أن يكون لهم قرار تنظیم العالم أو قيادته . وفي بعض النصوص تتحدث عن أن هلكة الروم مع الساعة . إشارة إلى تمرکزهم وجبروتهم القوي وانتشارهم الهائل ونفوذهم المتعاظم ، الذي لا ينقضي إلا مع ظهور الإمام المهدي علیه السلام الذي هو والساعة قريبان جدا ، كما في دلالات النصوص الكثيرة . على أن القرب الزمني نسبي ، لعدم معرفتنا بوقت الساعة .

ص: 66

المهدي علیه السلام وحجج الله الظاهرة

تؤكد الروايات أن المهدي علیه السلام يظهر في آخر الزمان ، بعد غيبة طويلة ، والحجج جلية ظاهرة بين يديه ، فيحتج على كل أهل دين بدينهم ، وعلى كل ملة بحجتهم ، وعلى أهل الكفر والزندقة بالعقول القاطعة والمعجزات ، وترى الناس الحجة ساطعة ، والبراهين الواضحة ، فور صيحة أهل الكفر والنفاق ، وأجج نار الفتنة والحروب ، لتمنع المهدي علیه السلام من بيان أمر الله وهديه .

وتذكر المتون أن المهدي علیه السلام يستخرج التوراة والإنجيل من غار بأنطاكية ، فيحاجج اليهود والنصارى بهما . وأنه يبعث إلى تلك الغار عشرة أشخاص لاستخراجهما . ويظهر من تراث النبيين موسى وعيسى علیهما السلام ما يحج العقول ، ويثير ذوي الألباب ، فتثور ثائرة الروم وحلفاءها ، غربا وشرقا ، لمنع المهدي عليه من بيان حقيقة الدين ، وكتب المرسلین .

وتخبرنا الأحاديث أن قسما من النصارى واليهود يعلنون الإسلام، في ظل تعاظم الحجج . لكن النصوص بالمقابل تؤكد سطوة الإعلام الرومي ، وفساد كثير من الناس ، وتعاظم الفتك الثقافي والدعائي للروم وحلفاءها الدوليين والإقليميين الذين يدلسون في مجالات هائلة على أهل العالم ، فيما كثير من الناس ، يصرون على الباطل ، ويفاخرون بالآثام . حتی

ص: 67

الصيحة السماوية بالمهدي علیه السلام يجابهونها بصيحة من الأرض ، مضادة معاندة ، بهدف إبطال مفعول الإعجاز السماوي المبين .

الهدنة مع الروم وانقلاب الروم عليها

تذكر مضامين النصوص ، أنه مقابل خطوط الحرب الملتهبة ، هناك خطوط سلام ، وهدنة ، وصلح ، ودعوة ، ودبلوماسية وشبه ذلك ، مثلا تحدثنا الأخبار المروية أن المهدي علیه السلام يعقد هدنة مدثها « سبع سنوات » مع الروم ، لكنهم يتحينون الفرصة فيغدرون ، وينكثون الهدنة ، ويعلنون الحرب على المهدي علیه السلام بعد أن يتخلصوا من خصم كبير وهو الترك،

ثم ينزلون ما بين صور إلى عكا ، في حملة حربية هائلة ، يراد منها توجيه ضربة قاضية لجبهة المهدي علیه السلام ، على أن ذلك يحدث في وقت متأخر عن هزيمة السفياني على يد المهدي علیه السلام في معركة طبرية التي ذكرتها النصوص . ويكون وقته بعد هزيمة الترك على يد دولة المهدي والروم بعد الصلح بينهما والحملة العسكرية المشتركة لهزيمة الترك. فإذا أمنت الروم جانب الترك، قررت التخلص من دولة المهدي علیه السلام، فتغدر بجماعة من جيش المهدي علیه السلام ثم تبدأ الإعداد لحمة عسكرية ضخمة جدا ، تقصد بها الشرق ، وبالأخص ما بين صور وعکا. وكأنها تريد أن تحتل القدس من جديد. .

ص: 68

محاولة بعض النصارى واليهود للإختباء وراء المسيح

اشارة

تشير النصوص إلى محاولة من الروم واليهود ، للتستر بالعقيدة الدينية ، والإختباء وراء المسيح علیه السلام، وذلك بعد نزوله « الإعجازي » من السماء ، ومعلوم أن المسيح علیه السلام ينزل من السماء بإذن الله تعالى في فترة متأخرة نسبيا عن أول الظهور ، فهو ينزل بعد خروج الدجال بفتنه المشهورة . لذا في بعض الروايات هو الذي يقود جيش المهدي علیه السلام لقتال الدجال ، الذي يمزق جيشه وينهي حركة الدجال بشكل هائل ..

ومع نزول المسيح علیه السلام تبعث الروم واليهود - إلى المسيح عند نزوله من السماء لنصرة الامام المهدي - يريدون منه أن يقف معه لقتال المهدي علیه السلام ، فلا يقبل عرضهم ، بل يحتج بالمهدي علیه السلام عليهم ، وعلى نصارى الروم والصين ، وغيرهم من نصارى ويهود العالم ، وملل أهل الأرض كلهم . ويبدو واضحا أن المسيح عليه بما يملك من إعجاز وحجة ربائية كبرى ، وهو يحتج على النصارى واليهود وغيرهم . فمنهم من يؤمن ومنهم من ينكر ويصر على تعبئة الحرب على دولة المهدي والمسيح علیهما السلام..

وفي بعض ما لدينا من معلومات روائية إجمالية ، فإن طبيعة الحدث العالمي آنذاك ، تأتي بعد سلسلة كبيرة من التطورات ، منها « خسارة الروم » المعركة الفاصلة والضخمة بوجه المهدي علیه السلام، الذي يخوض بوجهها

ص: 69

معركة نهائية في مركز قرارها وعاصمتها السياسية (1)، وذلك بعد جملة من حروب روما التي تزحف من الغرب نحو الشرق ، ثم تتراجع من الشرق نحو الغرب .. الروايات تحدثنا عن « الملحمة الكبرى » بين الروم والمهدي علیه السلام التي يهزمهم المهدي على أثرها ، ثم يتوجه بجيشه إلى بلادهم ، فيفتح رومیه وما وراءها . وفي حديث أن المسلمين يتوجهون إلى بلاد الروم من عكا .

إلا أن خريطة الروايات التي تتحدث عن «قوى العالم » ، تظل تشير إلى « تعدد قوی دولية » مناهضة للمهدي علیه السلام، فبعد مدة - بعض الروايات تحددها بالأشهر وروايات أخرى تحددها بالسنين - تخرج راية الحرب التي يقودها « الدجال » . واللافت في هذه الراية التي يتصدرها اليهود بزعامة الدجال ، أنها لا تخرج من فلسطين ، وهي قطعا لا تخرج من بيت المقدس ، بل تخرج من منطقة أخرى ، هناك طائفة من الأخبار يستفاد من لوازمها أن تلك الراية تخرج من منطقة الإتحاد السوفياتي السابق .. يعني من منطقة أوروبا الشرقية أو بعض نواحي آسيا الوسطى أو جنوبها ، والأرجح أوروبا الشرقية ، لأن لسان المضامين يؤكد بطريقة وأخرى طابع معسكر الكفر وليس أهل الإسلام رغم إمكان أقل للإطلاقات ، المهم أنها تخرج بعيدا عن فلسطين ، التي تكون بيد جيش المهدي علیه السلام.

ص: 70


1- لقد ذكرت معركة لافتة جدا في أصول أهل الكتاب هذه المعركة لها ملامحها الواضحة في مصادر النصوص عن النبي ، وهي معركة ستقع في المستقبل . قال أهل الكتاب عن أطرافها : ستكون هناك فوتان متضاربتان متنافستان على مركز السيادة على العالم ، دول غرب أوروبا، والآشوري ، [ تفسير حزقيال . فکري : 231 ، تفسير دانیال . حنا: 139 ]

والذي لا بد من الإشارة إليه حول راية الدجال ، أن رايته اليهودية ، تكون « تحالفئة » أو مكونة من عدة قوى ، منها فلول الروم ، وقوى أخرى ثرید استئصال جبهة المهدي علیه السلام. وتؤكد بعض الأخبار المروية أن بعضا من المسلمين المنحرفين ، يخرجون مع هذه الراية ، طمعا بالمنافع والأرزاق ، كما أن الروم المنهزمين على أثر الملحمة الكبرى مع المهدي علیه السلام ينضوون تحتها ، و كذلك تتحالف معها قوات من تلك المنطقة التي تخرج منها ، إلا أن القيادة العليا تكون للدجال ، وصف قيادته الأول المشکل من اليهود (1)..

وتحدثنا طائفة من الروايات عن «مسارات حرب » هذه الراية اليهودية التي عاد بناءها على يد الدجال ، حيث تنساب من منطقتها - السوفياتية كما نسميها اليوم - إلى قسم من الأراضي الإيرانية التي يكون معظم جيشها مرابطين في الغرب وغيره(2) بعد الإنتصار الكبير الذي يحققه جيش المهدي علیه السلام على روما ، ثم تجتاح قوة الدجال إلى جزء من مناطق دولة الإمام المهدي علیه السلام تبدأ بجزء من الأراضي الإيرانية كمعبر نحو الخليج ، ثم تحاول دخول مكة والمدينة ، ثم القدس(3). لكنها تفشل في

ص: 71


1- قيل : قبل خروج الدجال تكثر الزلازل والبراكين ، وتجف الأرض مما فيها ،فيكون لهذا الجفاف أثر على الزراعة والصناعة وحاجات الإنسان المتنوعة . عندها تجول الذئاب البشرية وهي تمزق جسد الضعفاء للسيطرة والنهب .
2- للوقوف على هذا الموضوع واشتراك الخراسانيين في حرب الأعماق والملحمة ، وغيرها ، يمكن مراجعة كتابنا نهاية أحداث التاريخ البشري ، ويمكن مراجعة جملة من التعليقات أيضا حول الأشوري ، الفارسي ، وأصحاب الرايات السود وشبه ذلك أيضا في نفس الفصل الأول من الجزء الأول .
3- وعن خروجه بين الشام والعراق ، يعني أنه يأتي من الخارج من مرو ، ويتجه نحو الشام ، فيفسد يمنا وشمالا .. وقد اطلق اسم الشام في فترة ما على سوريا ثم تم تقسيمها إداريا كما قال ابن الفقيه الهمذاني : أحياء الشام أربعة : حمص ودمشق وفلسطين والأردن ][ مختصر کتاب البلدان . این الفقيه ] . وبعد احتلال فرنسا لدمشق طبقت إتفاقية سايكس بيكو على بلاد الشام ، وفرض الإنتداب الفرنسي على شمال الشام وقسموه علی کیانین هما سوريا ولبنان . وفرض الإنتداب البريطاني على جنوبه وقسمه علی کیانین هما الأردن وفلسطين . ودون اشام تلتقي مع العراق فيما يسمى بدول الهلال الخصيب ، فإذا وضع الهلال على الخريطة يبدأ طرفه الشرقي في حوض دجلة والفرات ثم ينحرف إلى الغرب ليضم سوريا ولبنان ثم ينحرف على الجنوب ليشمل وفلسطين والأردن [ أجمع المؤرخون على أن الأردن وفلسطين هما جنوب الشام .] .

اختراق مكة والمدينة والقدس . فيما جيش الإمام المهدي علیه السلام في ذلك الوقت يكون قد وصل إلى أعماق الغرب ، لذلك يستغل الدجال والقوى المتحالفة معه هذا الإنتشار الواسع لينقض على مركز القيادة في الشرق ، وبالأخص على منطقة تواجد الإمام المهدي علیه السلام ،

ويبدو من النصوص أن للمهدي علیه السلام جملة من مراكز قيادة عسكرية تتصل بضرورات الواقع والحروب ، فضلا عن اتخاذه مقار دينية في القدس ومكة والمدينة ، بالإضافة إلى إعلانه الكوفة عاصمة دولته الإلهية ..

على أن جبهة الدجال يبدو أنها تنمو وتترعرع وتتأسس وتخرج من منطقة تقع ضمن دائرة المرئع السوفياتي(1)، ما يعني - لو صحت الروايات - اتخاذها موقعمتصلا بأوروبا من جهتها الشرقية ، وآسيا الوسطى من جهة أخرى أو بعض النواحي الكافرة وأشباهها . في حين الملاحظة الأكيدة : أن

ص: 72


1- وفي بعض المتون : « يخرج المسيح الدجال من «مرو ، من يهودينها» ، (نعیم بن حماد کنز 14/599 ). ومرو تاريخيا تقع داخل «الحدود السوفياتية ، ضمن إقليم « ترکمانستان ». ورغم ضعف الحديث ، بل في مثل هذه الروايات خلل ما، ومع ذلك يمكن نظرية أن يكون خروج الدجال من ناحية الإتحاد السوفياتي ، حيث يعيد الدال تشكيل قوة جبارة ، اعتمادا على مجموع قوی يكون لفلول روما وأحلافها دور رئيسي فيها ، على أن اليهود يشكلون العنوان الأبرزبل رمز القيادة مع الدجال اليهودي .

الدجال يزحف من خارج فلسطين (1)..!(2) وتؤكد طائفة من النصوص ظهورا متناميا للدجال(3)، وفشلا ذريعا في دخول مكة والمدينة ، ومحاولة كبيرة وفاشلة لاحتلال القدس(4).. كما شكل « هزيمة روما » من قبل ، أعنف ضربة لقوى الشر في الشرق والغرب ، من هنا تعمل هذه القوى جاهدة لإعادة تجميع قوات ضخمة لمهاجمة المهدي(5).. في بعض المتون : يهجم الدجال على بعضأراضي دولة المهدي علیه السلام من الشرق - وحسب رواية

ص: 73


1- كما يبدو من لحن طائفة ضعيفة : نحو من تجزأة في فلسطين . أو نواحيها. حسب هذه الطائفة يبدو أن هذا التموضع اليهودي يكون متجددا مع ظهور الدجال . ففي الحديث : « .. يقاتل بقيتكم المسيح الدجال على نهر الأردن أنتم شرقية وهم غربية .. » [ رواه الطبراني والبغوي وابن سعد. وقال خزعم ولا أدري أين الأردن يومئذ ( کنز 14/327 ) الزوائد 7/348] . وفي رواية ثانية : « أنتم غربي النهر وهم شرقيه ..» وفي رواية أخرى : « معقل المسلمين من الملاحم دمشق ، ومعقلهم من المسيح الدجال بين المقدس ، ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور » ( ابن أم شيبة ( كنز 38646)]. إشارة إلى تموضع تتخذه قيادة الدولة الإسلامية في ظل ظروف مختلفة من الحرب والملاحم .. إلا ان تمامية السند في مثل هذه الطائفة ذات « الإشارة التقسيمية » غير ملحوظة هنا . وعلى سبيل التسليم التاريخي : فإن أهمية الرواية أنها تشير إلى وضعية بسط دولة المهدي علیه السلام سلطتها على فلسطين ( وهذا أمر قطعي في النصوص المعتبرة ). ثم تؤكد على وصف تموضعي أو شبيه بذلك أو هدف افتراضي لليهود في جزء منها ، يبدو أنه يتجدد زمن الدجال .
2- مثلا أصبهان يخرج منها ثلة من اليهود لملاقاة الدجال ، وهو ينحدر صوب بعض أرض إيران قادما من الداخل السوفياتي أو روسيا . وقيل : اليهود يعرفون أصبهان منذ سبي بابل .
3- لكن غالب هذه النصوص ضعيفة السند . نعم بالجملة يمكن القول بأن الدجال يشكل خطورة متقدمة وتأثيرا مباشرا وفتنة جديدة .
4- نجد في الروايات أن سوريا والأردن ولبنان لهم أدوار لافتة في أحداث آخر الزمان ، أما فلسطين فالجزء الذي تقع فيه القدس يكون تحت القيادة الإسلامية وقت خروج الدجال . أما الجزء الآخر يقول البني صلی الله علیه و آله : « .. يقاتل بقيتكم المسيح الدال على نهرالأردن ، أنتم شرقية وهم غربية .. » . [ رواه الطبراني والبغوي وابن سعد ( کنز 14/327 ) الزوائد 7/348] وفي رواية أخرى : « أنتم غربي النهر وهم شرقيه . « معقل المسلمين من الملاحم دمشق ومعقلهم من المسيح الدجال بين المقدس ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور » ابن أم شيبة ( كنز 38646).
5- وهل يستفيد الدجال من قواعد عسكرية رومية تكون منتشرة في الأرض ..؟ أم من قوات حليفة ..؟ أو من أنظمة يكون لليهود فيها نفوذ ..؟ أم من أنظمة تتقاطع مصالحها مع الروم واليهود و تتعارض مع قيم ومواثيق دولة المهدي ..؟ تبدو هذه الإحتمالات ممكنة جدا ، سواء كانت مستقلة أم منضمة بعضها إلى بعض ..

ضعيفة سندا - يحتل جزءا من أراضي إيران . الرواية أشارت إلى « کرمان » أي يحتلها ويجتاز منها إلى غيرها متجها نحو الخليج ثم بلاد الشام ، مستغلا بذلك إنتشار القسم الكبير من جيش الخراساني في رومية والمناطق الأخرى التي بسطت دولة المهدي سلطتها عليها حديثا (1).. .

وتخبرنا بعض الأحاديث عن أن جيش الدجال مزود بسلاح وأدوات حرب متقدمة وجيش كبير . وأنه يكون له سطوة في أول أمره . على أن أكبر هم الدجال يكون في ترويج الفساد والشعوذة ، وإثارة الباطل ، وتعظيم الإنحراف ، والخروج على الأخلاقيات ومعالم الدين ، وبث الظلم والطغيان والنفاق ، في ظل أزمة تنوء بها نواحي مختلفة .

هذا يعني أن « مسارات الحرب » تعود إلى الشرق الأوسط ونواحيه ، عبر تجمیع « قوة تحالفئة » من الروم ، ويبدو أيضا من الترك الكفار ، وجملة من المسلمين المنحرفين وغيرهم من الناس فضلا عن اليهود الذين يقودون هذه الراية . وفي ظل مرحلة يبدو - من طائفة مروية - أنها «حرجة » حيث تطال جملة من مناطق يضمها شريط جزء من بلاد الخليج ، ثم محاولة فاشلة

ص: 74


1- بعض المتون صريحة في أن جيش الخراساني يشارك بقوة في حرب المهدي علیه السلام ضد رومية . ويكون تحت قيادة المهدي علیه السلام. ما يعني أن الدجال - حسب تلك الرواية الضعيفة سندا - يستغل هذا الأمر ويدخل کرمان ، ثم يتوجه منها إلى مناطق أخرى نحو الشام والحجاز . وفي حديث النبي صلی الله علیه و آله : « يكون للمسلمين ثلاثة أمصار : مصر بمصر بملتقی البحرين ، ومصر بالحيرة ، ومصر بالشام » [ أحمد وأبو يعلي وابن عساكر ( كنز 38829) ، الحاكم ( 4/478)، الطبراني ، الزوائد 7/342]، أي يكون للمسلمين ثلاث مناطق رئيسية قريبة من الصراع : مصر بملتقى البحرين ، وهو الذي بين خليج فارس والبحر الأحمر ، أي الجزيرة القريبة . ومصر الحرة ، وهي كما في عقد الدرر : محلة نیشابور بإيران وتشمل جزءا من إيران والعراق . ومصر بالشام وهو بلاد الأردن وسوريا وفلسطين ، بما فيها لبنان . تدخل هذه في معاركها ضد الدجال .

باتجاه الحجاز ، ثم يصوب ناحية بلاد الشام ، وربما بعض المناطق الأوسع منها(1) ، وفي لحظة مهمة للغاية ، يتجلى الإعجاز الرباني العظيم ، بنزول المسيح علیه السلام إلى الأرض ، فينتشر خبرة ، وتظهر الحالة الإعجازية لهذا النزول ، ويتحدث بها أهل الأرض .

فما يكون من اليهود والروم إلا محاولة استغلال هذا الأمر عبر الإستنجاد به علیه السلام ليكون في جبهتهم ضد المهدي علیه السلام ، لكن المسيح علیه السلام يرفضهم ، ويعرض عليهم الحجج والبنات العظام ، التي تؤكد حجة الله المتجلية بالمهدي علیه السلام ، ويبين انحرافهم عن طريق النبوات ، إلا أن « جبهة الكفر » العدواني ، تظل على موقفها و تشن حملة إعلامية ضد المسيح أيضا بعد أن يرفض ما هي عليه ويصف في جبهة المهدي علیه السلام ، نعم هناك نصوص تحدثنا بوضوح عن اعتناق جملة من المسيحيين واليهود للإسلام ..

وتشير الأخبار إلى أن المهدي علیه السلام يستخرج « حلي بيت المقدس » وغيرها من الكنوز والمواريث النبوية ، التي منها مائدة النبي سليمان علیه السلام ويردها إلى بيت المقدس . وتعرض هذه الآيات على أهل الدنيا ، حتى يروا حقيقة الأمر وما فيه من بنات معجزات . هنا تؤكد طائفة من النصوص أن قسما من المسيحيين واليهود يعلنون اعتناقهم للإسلام . وتؤكد - لاحقا - الإنهزام العنيف الذي يلاقيه الدجال وجبهته ، وأن المسيح علیه السلام يقود جيش الإمام المهدي علیه السلام في هذه المعركة ، وتذكر أن الدجال يذوب ذوبانا على

ص: 75


1- هناك إجمال في النصوص حول السعة والضيق .

يد المسيح علیه السلام ، يبدو أنها إشارة إلى أداة حربية هائلة تؤكد القوة والتفوق النوعي الذي تحظى بها دولة المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف . البعض تحدث عن ضربةهيدروجينية . وفي الحقيقة : الأخبار تؤكد ضربة مثيرة يذوب على أثرها الدجال . لكن لا نعرف طبيعة هذه الضربة .

اليهود :

اشارة

لليهود ذکر واضح في روايات آخر الزمن . النصوص صريحة في أن لليهود جبهة ونفوذا .. الروايات تحدثنا عن عز لليهود ، ثم ل ، ثم عز ثم ذل ، كمحطتين نوعيتين ، لتؤكد أن آخر « وجود جبهوي » لليهود يكون مع الدجال ، حيث يشكل اليهود صف القيادة البارز وتكون نهايتهم ساحقة على يد جيش المهدي علیه السلام الذي يبدو من بعض الأخبار أن المسيح علیه السلام الذي ينزل للتو من السماء ، يقود جبهته العسكرية في تلك اللحظات التاريخية(1).

وتلحظ النصوص قسما من اليهود على أنهم أدوات فساد وانحراف وعدوان وأصحاب فتن وشعوذة وأباطيل .. على أن الأحاديث تخبرنا أن اليهود يأتون المسيح علیه السلام عند نزوله ليكون معهم ، فلا يقبلهم ، و كذا

ص: 76


1- هنا لا بد من الإشارة إلى أن بعض النصوص تقول بأن المهدي علیه السلام هو الذي يقتل الدجال ، وبعض أخرى تقول بأن المسيح علیه السلام هو الذي يقتله ، وفك التعارض بينهم متعدد منه أن طائفة من النصوص كانت صريحة جدا في أن المسيح علیه السلام حين ينزل ، یشکل وزیر دفاع جبهة المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف..

النصارى ، بل يحتج عليهم . وأن الدجال یکون معه سحرة اليهود ومشعوذيها ،ومعه جنود من اليهود وأصناف الناس وما تبقى من فلول الروم والترك ، في حين بعضها تقول بأنه من يهودية أصفهان [ أي أصله من هناك(1)] ، ومعه من یهودها وغيرها من اليهود سبعون ألفا . إشارة من المتون إلى تمايز اليهود وعلوهم في جبهة الدجال التي تنهار على يد المهدي علیه السلام الذي يكون المسيح علیه السلام آنذاك على رأس جنده في تلك المعركة .

تخبط المسلمين في آخر الزمان والكارثة الأخلاقية التي يصابون بها :

تحدثنا الأخبار المروية أن قسما كبيرا من المسلمين في آخر الزمن ، يصابون بذل الخروج عن تعاليم الإسلام ومواثيقه ، وأنهم يسقطون في الفتن الصعبة ، والآثام الشنيعة ، ويجاهرون بالحرام ، ويقعون أسرى الغرائز والفروج والبطون والدرهم والدينار والذل والتبعية والهوان . كما ذكرت الأحاديث أنه ستأتي على المسلمين فتنة يتخبطون فيها في الظلم كتخط اليهود . وأنه في تلك اللحظات «الحرجة » يظهر الأمراء الكذبة ، والوزراء الفجرة ، والأمناء الخونة ، والقراء الفسقة(2)، الذين يكون ظاهرهم كظاهر الرهبان ، لكنهم بقلوب شياطين(3)، همهم الدنيا وشهواتها ، فيفتنون بها ،

ص: 77


1- كما في رواية غير تامة السند ، لكنها مروية .
2- عبد الرزاق : ج11 ص 330 329 د 20680
3- أحمد: ج 1 ص 458

ويقعون في شركها (1)، وهناك تقع « الفتنة الغبراء » المظلمة ، فيتهوك المسلمون فيها ويتهورون ويتخبطون ، کتهوك اليهود في الظلم .

وتؤكد النصوص أن المسلمین سیتر کون الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ويهجرون القرآن والسنة ، ويتشبهون بأعداء الله من اليهود والروم ، ويعطلون الأحكام (2)ويهجرون لوائح الحلال والحرام ، كما فعل اليهود ، فيحكم شرارهم ، ويعظم فساهم ، ويستبد سلطانهم ، فيضعف خيارهم ويعم الفساد في البلاد ، ويشيع الإنحراف ، ويتعاظم البلاء ، ويعصى الله جهرة ، وفاخ بالآثام(3).

وتتعري نساؤهم ، وتهجر الأحكام ، وتتزين بالحرام ، وتخرج سافرات عاريات ، همهن في إظهار عوارتهن وهتك عفتهن. وتجاهر فتياتهن بالزنى ، وتصبح کالرومیات ، عاريات مبتذلات ، سافرات خالعات ، يجاهرن بالسفاح والحرام ، ويعرفن به (4).. وأن شبابهم کنساءهم ، يتبعون الروم في فسقها وانحرافها وفجورها : زنا ، وحرام ، و آثاما ، فيقل الزواج فيهم ، ويكثر الزنا، وأولاد الحرام ، وقتل الأجنة، وتجارة النسوان والإسترزاق من الفروج ، والمعارضة بالشهوات والتفاخر بالتعري ، والتكاثر بالسفاح ، والسخرية والقلة في العفة والنكاح ( أي الزواج )(5).

ص: 78


1- البزار : على ما في كشف الهيثمي ، ومجمع الزوائد . * أمالي الشجري : ج 2 ص 257
2- تفسير علي بن إبراهيم : ج 2 ص 302/307
3- ابن أبي الدنيا : على ما في الدر المنثور . ابن عدي ، الكامل : ج3 ص 1125
4- الكافي: ج 8 ص 37 ح7 -
5- مختصر إثبات الرجعة : ص 217 ح 20 - أربعون الخاتون آبادي : ص 187 ح 32

وأن آخر الزمان يشتهر بتنامي السحاق واللواط ، والفحش مع الأطفال ، وتجارة الشهوات ، وبيع الفروج ، وتعاظم دور المرأة في التعري ومال الغرائز ، واكتساحها وجوه الناس ببضاعة جسمها وفرجها ، واستثمارها لعورتها حتى يصبح لها حضور كبير في السلطة ، والسوق ، والمجتمع ، عن

طریق عريها وإباحيتها وسلاح شهوتها (1)..

إلا أن أمة من أهل الإسلام ، وفرقة هنا وهناك - رغم الفساد الهائل والكفر الصائل - تبقى على الدين في حياتها وأخلاقها وسلوكها وخياراتها السياسية والإجتماعي والثقافية ، وتبذل في سبيل ذلك جهدة عظيمة، وأن أهل خراسان يمثلون موقعا عظيما في الإلتزام بالإسلام الأصيل ، وأن الأبدال الشاميين(2) الإماميين ، والعصائب العراقيين ، والنجباء المصريين ، يكونون من الرايات المشهورة بدعوتها وتطبيقاتها وتضحياتها في سبيل الإسلام.

وأنه في آخر الزمان يتعاظم الجور ، وتضيق على المؤمنين بقاع الدنيا ، ويعم الظلم والفساد حتى يعصى الله في الليل والنهار على يد العامة من الناس ، وبحمى السلطان(3).. وتذكر بعض المتون أن المسلمين إذا سلموا أمرهم إلى الله تعالى ، عجل لهم في ظهور المهدي علیه السلام كما عجل في بعثة موسی علیه السلامبسبب تسليم المؤمنين من بني اسرائيل .

ص: 79


1- م، س .
2- نسبة إلى بلاد الشام . وهي تاريخية تشمل سوريا ، ولبنان، وفلسطين ، وأبدال الشام يكونون في بعض نواحيها ، وقد ألفنا في ذلك كتابا كاملا ، حددنا فيه أن مركز الأبدال النافذ في آخر الزمن يكون في لبنان ..
3- كتاب إثبات الرجعة ، الفضل بن شاذان : على ما في إثبات الهداة . * مختصر إثبات الرجعة : ص 217 ح20 - أربعون الخاتون آبادي : ص 187 ح 32 -

وأن الروم تذل قسما وافرا من بلاد الإسلام ، وأن جملة من الحكام المسلمين يكونون شبه « وکلاء سياسيين » للروم في بلاد الإسلام ، فيطغون ، ويروجون الفسق والفجور والآثام . وأن بعض حکام بلاد الإسلام ( حاكم مصر ) يهرب إلى الروم ، يستعديها على ثائرة المصريين فتليه(1) . ويكون من قصة هذا الحاكم أنه ينهب ثروات وطاقات المصريين لصالح الروم الكفرة فتثور عليه ثائرة النجباء المصريين الإماميين الذين يكادون أن يستلموا الحكم ، فيأتي حاكمها المعزول بالروم ، وتقع هناك أول ملحمة ، وهي ملحمة الإسنکدرية .

وأن قسما من حکام بلاد الإسلام يهجرون القرآن ، ويمنعون السنة النبوية ، ويجاهرون بالحرام ، ويفاخرون بالآثام ، ويحكمون بأحكام لا تمت إلى الدين بصلة ..

وأن رقاب المسلمين في ذلك الزمن تكون ذليلة ، وثرواتهم منهوبة ، وأسواقهم عاجزة ، وسمعتهم سيئة ، وأن للروم سطوة على المسلمين وبلادهم، كما أن لليهود سطوة أيضا ..

وتؤكد الأخبار محنة شديدة تقع على المسلمين ، وذلا مدقعا يصيبهم بسبب تخليهم عن الإسلام ، إلى درجة تتداعى عليهم الذئاب

ص: 80


1- وفي الرواية : « يخرج قبل السفياني مصري ويماني » [ البحار 210/52 ]. وفي رواية أخرى : و سيكون في مصر رجل من قريش أخنس بلي سلطانا ، ثم يغلب عليه أو ينزع منه ، فيفر إلى الروم ، فيأتي الاسكندرية ، فيقاتل أهل الإسلام، وذلك أول الملاحم » [ فيض القدير للمناوي 131/4 ] . وهناك طوائف نتحدث عن هذه المضامين تؤكد هذا الطابع من قيام الثورة المصرية الإمامية التي تبلغ مرحلة كبيرة من النصر والظفر ، تطيح بطاغية مصر ، وتعمل على إسقاط نظامه السياسي ، وتذكر الروايات أن طاغية مصر المخلوع يلجأ إلى الروم الجبابرة فيحتمي بهم ويستنجدهم ، فيأتي بجيوشهم ويقاتل أهل الإسلام على سواحل الإسكندرية ، وهذه أول الملاحم الدامية كما في لسان الرواية وذلك في عصر الظهور .

البشرية [ أي قوى العساكر الكبيرة ] فتنهب ثرواتهم ، وتقتل رجالهم وتغتصب نساءهم ، وترميهم بالخوف والجوع(1).

إلا أهل خراسان الذين يخوضون غمار ثورة كبيرة يقودها سيدة قرشي محمدي يدعو إلى الحق ويكون سببا لقيام دولة خراسان الإمامية (2)فيثبت أهل هذه الراية على الحق، ويبنون قوة مرهوبة الجانب ، بالإضافة إلى رايات هناك وهنالك ، تبقى على الإسلام ، مصرة عليه ، وتكون قوية ، عزيزة في نفسها وبمواجهة أعداءها ، رغم اللواء الذي يصيبها ، فتصمد في وجه قوى الكفر والطغيان والإنحراف ، وتثبت على ما هي عليه من دین

:وفي نص الصادق علیه السلام بخصوص السيد المؤسس لدولة خراسان قال : « فإذا انقرض ملكهم ، أتاح الله لأمة محمد برجل منا أهل البيت يشير بالتقى ، ويعمل بالهدى ، ولا يأخذ في حكمه الرشا، والله إني لأعرفه بإسمه واسم أبيه ثم يأتينا .. القائد العادل الحافظ لما استودع ، يملأها عدلا وقسطا كما ملأها الفجار ظلما و جورا ، ( البحار 269/52 )، أي يكون قيام هذا القائد بعد انقراض دولة بني العباسي الأولى ، دون تحديد لوقت الزمن الفاصل بين نهاية زمن الأولى وقيام الدولة الثانية ، أي دولة الموطئين ، وفي نص آخر قال : « وليكونن من يخلفني من أهل بيتي ، رجل يأمر بأمر الله ، قوي يحكم بحكم الله ، وذلك بعد زمان مكلح مفضح ، يشتد فيه البلاء ، وينقطع فيه الرجاء ، ويقبل فيه الرشاء ، فعند ذلك يبعث الله رجلا من شاطئ دجلة لأمر حزبه يحمله الحقد على سفك الدماء قد كان في ستر وغطاء ، ( کنز العمال 14/ 39680) . لاحظ : هذا الخارج هو شخص آخر ، يخرج من جهة شاطئ دجلة ، أي من العراق ، فيعلن الحرب الظالمة على حاكم خراسان ، ثم أكد النصوص أن هذا الحاكم العراقي طاغية خبيث ظالم مفسد ، سفاك للدماء ، وحاقد على المؤمنين ، ويستفاد من المتن أن هذا الحاكم العراقي لا يكون بارزة في قيادته للعراق قبل قيام ثائر أهل البيت علیهم السلام ، لكن بعد نجاح ثورة السيد المحمدي يبرز العراقي ويعرف بسفك الدماء ، ومن علاماته أنه يعتدي على أهل خراسان ظلمة النص يقول : «.. رجلا من شاطئ دجلة لأمر حزبه يحمله الحقد على سفك الدماء قد كان في ستر وغطاء ». وفي حديث الإمام الكاظم علیه السلام: « يخرج رجل من قم بدعو الناس إلى الحق ، يجتمع معه قوم ، قلوبهم كزبر الحديد ، لا تزلهم الرياح والعواصف ، لا يملون من الحرب ولا يجبنون ، وعلى الله يتوكلون ، والعاقبة للمتقين » ( البحار 216/60). بحيث تنتهي نتيجة الحرب أو الحروب لصالحهم . وفي الرواية عن النبي صلی الله علیه و آله: « تجيئ الرايات السود من قبل المشرق ، كأن قلوبهم زبر الحدید، فمن سمع بهم فليأتهم فيبايعهم ولو حبوا على الثلج» ( عقد الدرر 129 / الحاوي للفتاوي 64/2).

ص: 81


1- الطيالسي : ص 133ح 992
2-

باعتزاز ، وتملك - خاصة خراسان - من القوة ما تحمي به دولتها ، بل ما تردع به رايات الكفر عنها ، ويكون لها نفود متعاظم ، يكبر شيئا فشيئا ، إلى درجة أنها تزحف بقوة جبارة في طريق طويل ، لتحریر بیت المقدس ، وتنجح في ذلك . بعض المتون تتحدث عن أنه لو استقبلتها الجبال لهدمتها واتخذت فيها طرقا لتشير إلى قوتها وتعاظم أمرها .

وتؤكد الأحاديث أن اليهود عدو لدود (1)، يتحالف مع الروم ، فلا يبقى في خط المواجهة إلا قلة ، على رأسهم راية خراسان الإمامية ، ثم تحدثنا عن نهايةالمطاف بالنسبة إلى اليهود الذين يخرجون براية الدجال(2).

وأن المسلمين سيقاتلون لا محالة ، فيهزمهم المسلمون آنذاك بقيادة المهدي علیه السلام الذي يكون على رأس الجند عنده المسيح علیه السلام في تلك اللحظات من فتنة الدجال ، حتى يقول الحجر والشجر : یا مسلم ، هذا يهودي ورائي فاقتله(3). وتؤكد أن تلك النهاية الأبدية تكون في عصر المهدي علیه السلام عند نزول عيسى المسيح علیه السلام وخروج الدجال .. كما تشير الأحاديث إلى أن المهدي علیه السلام يستخرج أسفار التوراة لليهود من « جبال الشام » ، فيحاججهم بها فيسلم جماعة كثيرة ، ويستخرج « تابوت السكينة » من « بحيرة طبرية » ويوضع بين يديه في بيت المقدس ، فيسلم قسم مهم من

اليهود .

ص: 82


1- عبد الرزاق : ج 11 ص 399 ح 20837
2- ابن حماد : ص 159
3- ابن ماجة : ج 2 ص 1359ح 4077

ويكون ظهور المهدي علیه السلام أعظم أمر على الإطلاق في ذلك الزمن ، الذي تكاد الأرض فيه أن تختنق من الظلم والفساد والإنحراف الهائل الذي يطال ناموس الأرض وقدرتها على التجدد ..

الترك :

السؤال الأولي : من هم الترك ..؟ هل المقصود منها المعنى الوارد في العبارات التاريخية ، بحيث يراد منها الكفرة الأعداء الذين كانوا يشكلون جبهة مناوئة ، فيما نطلق عليه إصطلاحا إسم وسط آسيا وشرق أوروبا . أي جزء مهم من مناطق الإتحاد السوفياتي السابق كما نسميها اليوم ..؟ تاريخيا هذا الإسم كان يطلق على هذه الجبهة وما وراءها من وسط آسیا وصولا إلى أوروبا الشرقية .. فهل تساعد النصوص على ذلك ، أم أنها يمكن أن تكون أكثر دلالة واستيعابا لشعوب أخرى .؟ يبدو أن الإحتمالين ممكن ، وقانون اللغة والترميز يؤيده ..

الأكيد أن إطلاقات النصوص تشير إلى أن جبهة من الترك ، تكون عدوا لخيار الإسلام قبل ظهور المهدي علیه السلام وبعده ، وأن هذه الجبهة قوية ، ولها حضور نافذ في النظام الدولي آنذاك(1). إلا أن ثقلها الإقليمي أكبر فيما نطلق عليه اليوم إسم آسيا الوسطى أو جنوب آسيا ، والشرق الأوسط .

ص: 83


1- ابن حماد : ص 92

نعم يستفاد من الأخبار المروية أن جبهة الروم ، القوية في النظام العالمي آنذاك ، واللامعة الصيت ، وذات الإنتشار الأكبر ، تكون عاصمتها ومركزها في « الغرب » ، فيما الترك ، يبدو واضحا أنهم في «الشرق»(1).

وفي أكثر من نص أنهم ( أي الترك ) يزحفون لقتال الخراسانيين ، بعد أن يحرر الخراسانیون بیت المقدس من غاصبيه ، وذلك بتواطئ كبير مع « الروم » الذين يخوضون هذه الحرب أيضا في وجه الخراسانيين ، لكن الروم تفشل في منع الخراساني من تحریر بیت المقدس ، فيما الترك تهاجم الأراضي الخراسانية فيما بعد ، بهدف الضغط على الخراساني للإنسحاب من فلسطين ..

على أن بعض النصوص تشير إلى «اختلاف مصالح » ملحوظ جدا بين الروم والترك ، وأن لهاتين القوتين أطماعا ببلاد المسلمين ، وأنهم يخوضون حروبا مختلفة في بلاد المسلمين لأجل الثروات والمصالح ، منها مثلا : معركة قرقيسيا . إلا أن الأحاديث ذكرت أيضا أن الترك والروم يتحالفون أحيانا حين تتقاطع مصالحهم على أمر معين ، ومن ضمن تحالفاتهم تلك ، تحالف يحاولون من خلاله إضعاف الدولة الخراسانية ، وبناء تحالف دولي إقليمي لإضعافها بل لإسقاطها ، لكنهم يفشلون ..

واللافت أن بعض الأحاديث ذكرت أن الترك يختلفون مع الروم قبل ظهور المهدي علیه السلام وتكثر الحروب في الأرض ، وتثور ثائرة الموت ،

ص: 84


1- عقد الدرر : ص 46 ب 4 ف1

وأن من علامات ظهوره عجل الله تعالی فرجه شریف أن ينساب الترك على المسلمين ، وأن ينزلوا الجزيرة(1) ( العراق ) ، ومعهم شعوب الخزر، ثم يجتمعون مع الروم قبل خروج السفياني .

وأن السفياني يقاتل الترك ، بل يقاتل الروم والترك بسبب ثرورة قرقيسيا ، بعد أن تقوي شوكة ، وذلك بعدما يكون قد استولى على «عرش دمشق » ، وقوي في فتوحاته بدعم من الروم في أول الأمر . فإذا تمکن من القوة العسكرية ، فإنه يخوض معركة قاسية في وجه جيشين : للروم والترك(2)، على مال جوفي ينكشف عنه الفرات [ العراق ] ، وينتصر السفياني في تلك المعركة،لكنه لا يحوز ذلك المال لأسباب تتعلق بتعقيدات الحروب ومسارات المعارك والإنشغال بالحرائق الحربية المنتشرة في منطقة الشرق خاصة في الشام والحجاز والعراق وخراسان .. ولا تفنى جبهة الترك قبل ظهور المهدي علیه السلام ، بل تبقى حتى الظهور ، لتؤكد بعض النصوص أنه وفي ظرف خاص لا نعرف تفاصيله ، وبعد جملة من الحروب والملاحم التي تلتهب في الأرض ، هادن الروم جبهة المهدي علیه السلام وتخوض الجبهتان معركة حاسمة ضد الترك ، لأسباب لا نعرفها ، فتنهار جبهة الترك وتنتهي .

ثم بعد ذلك ، وطمعا بتعزيز موقعها في النظام العالمي ، تغدر الروم فجأة بالمسلمين ، وتقع «معركة قاسية » بينهم وبين المسلمين في «لبنان » ،

ص: 85


1- هذا الإسم يطلق على العراق : بلاد ما بين نهري الفرات ودجلة .
2- وفي الرواية : « .. خرج الروم والترك فيظهر عليهم السفياني ، ( کنزل العمال 11ح: 31509 ) . المقصود بها في المتن و غیره معركة قرقیسیا .

وعلى الأثر تجهز الروم جيشا كبيرا تزحف به من الغرب نحو الشرق ، إلى منطقة البحر المتوسط، وبالأخص إلى منطقة بلاد الشام ، في شريط عسكري قبالة شاطئ صور إلى عکا ، ثم تخوض معركة هي الأعنف ، ناحية سوريا ( حلب ) وصفتها النصوص بالملحمة ، [ ملحمة الأعماق(1) ]، يبدو أن هذه المعركة تكون صعبة على الجبهتين ، إلى أن يكتب الله النصر فيها لجبهة المهدي علیه السلام .

ويظهر من بعض الأحاديث أن « حروب المهدي » بعد تصفية الوضع الداخلي ، تكون مع الترك ، وأنه يفتح جبال الديلم .. على أن جبهة المهدي علیه السلام قبيل حربه مع الروم ، تكون قد أسست شريط دولة كبيرة ، أوسع مما نطلق عليه اليوم إسم « منطقة الشرق الأوسط ».

ومعلوم أن الإمام عجل الله تعالی فرجه شریف يسيطر على الحجاز ، فيما أهل خراسان يكونون في الأصل مسيطرين على منطقة «الشرق » المتمثلة بدولتهم خراسان ، ثم يزحفون نحو العراق برایتین : الراية الحسنية ، والراية الخراسانية ، فيفتحونها(2) . وتدخل إليها جيوش المهدي علیه السلام من طريقين :

ص: 86


1- أي أعماق بلاد الشام وفلسطين أو الشام وحدها .
2- وفي رواية الأصبغ بن نباتة عن الإمام علي علیه السلام : « كأني بالعجم في فساطيطهم ، في مسجد الكوفة ، يعلمون الناس القرآن كما أنزل ، ( الغيبة للنعماني 318). ويكون هؤلاء الخراسانيون مشهورين بدعوتهم إلى كتاب الله تعالى . ففي الرواية قال النبي صلی الله علیه و آله « ما من قوم احب إلى الله تعالى من قوم حملوا القرآن ور كبوا التجارة التي ذكرها الله :«تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ» وقرأوا القرآن وشهروا السيوف ، يسكنون بلدة يقال لها قزوین ، يأتون يوم القيامة وأوداجهم تقطر دما ، يحبهم الله ويحبونه ، تفتح لهم ثمانية أبواب الجنة ، فيقال لهم ادخلوها من أئها شئتم » . ( کنز العمال 12/ حدیث : 35105). كما يعرفون بالدعوة إلى أهل بيت النبي علیهم السلام ، ففي الرواية : « .. فتى من قبل المشرق ، يدعو إلى أهل بيت النبي صلی الله علیه و آله ، ( کنز العمال 14/ حدیث : 39680) ... وأيضا :«يوطى أو يمكن لآل محمد» ، ( سنن أبي داود 4 /حدیث 3290).

واحد عن طريق اليماني ، وواحد عن طريق الخراسانيين بشعبتيه الخراسانية والحسنية . ويدخلها المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف على الأثر ..

: ثم من العراق ، كما في طائفة من الأخبار ، يخوض المهدي علیه السلام معركة فاصلة مع السفياني الذي يسيطر على بلاد الشام إلا منطقة الأبدال . النصوص تؤكد أنها معركة ضخمة ، وتكون أعظم تلك المعارك قرب بحيرة طبرية ، وتنتهي بذبح السفياني .. وبذلك تكون بلاد الشام ، والحجاز ، واليمن ، والعراق ، و خراسان والنواحي بيد الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف..

الخراسانيون :

اشارة

أولا : لهذه الراية الخراسانية مدح وثناء عظيم ، بلسان النبي وأهل بیته علیهم السلام

ثانيا : هذه الراية ، من الرايات التي يمر بها النبي وأهل بيته علیه السلام ، وأنها من الرايات العظيمة التي تكون في آخر الزمان ، وهي بصريح النصوص غير راية بني العباس الأولى التي تخرج من خراسان . بل هي راية أخرى ، من رایات آخر الزمن ، راية إمامية، تنادي بالمهدي ، وتعلن الإسلام وسنة الرسول وعترة أهل البيت علیهم السلام خيارها الحصري في قيادة الأمة والدولة والمجتمع .

ص: 87

ثالثا : هذه الراية ، راية إمامية إثنا عشرية ، تعلن ولاءها المطلق لآل رسول الله صلی الله علیه و آله بشخص الأئمة الإثني عشر علیهم السلام ، كأوصياء للرسول الأعظم صلی الله علیه و آله، وتنادي بالمهدي عجل الله تعالی فرجه شریف سلطانا للأرض في آخر الزمان ، و تجهر في نوادي أهل الدنيا بولاءها الكامل للمهدي علیه السلام ، ثم تؤكد النصوص أنها هي التي توطئ للمهدي سلطانه .

رابعا : النصوص صريحة جدا ، في نفوذ وقوة هذه الجبهة الخراسانية ، رغم النظام العالمي الفاسد، وأنها جبهة تمتلك من القوة وأدوات الحرب والنفوذ ، والصمود ، والثبات والتضحية والزحف ما تستطيع معه أن تشكل قوة إقليمية كبيرة في هذه المنطقة ، إلى حد أنها ورغم عدائها الشديد للروم ، واليهود المحتلين ، والترك (1)، وجملة من جيوش ظالمة تكون في منطقة الشرق الأوسط والعالم تزحف ، لتحرير بيت المقدس(2)، في خط طويل ، متعرج، لتصل إلى قنطرة في مصر ، وجملة من النواحي ، منها ناحية الأبدال الذين يكونون في أكناف [ ناحية ] بیت المقدس ، فتحرر بیت المقدس ، وتنصب رایا تها هناك ..

ص: 88


1- اشارت الروايات إلى الترك بوصفهم قوة منافسة للروم ، في صراع النفوذ على المسرح الدولي ومنافعه. يشترك الأتراك على الأقل في 3 معارك بارزة في عصر الظهور : الأولى ضد الخراسانيين ، والثانية ضد العراق ، والثالثة في معركة قرقيسيا .
2- وفي نص الإمام علي علیه السلام : « يخرج رجل قبل المهدي علیه السلام من أهل بيته بالمشرق ، يحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر ، يقتل ويمثل به ، ويتوجه إلى بيت المقدس ، فلا يبلغه حتى يموت ، ( کنز العمال 39669/14 ). على أن « الثمانية أشهر » قد تكون رمزية . أو وردت خطأ بلسان الرواي . نعم مي تشير إلى رقم ثمانية .

خامسا : لا ندري الزمن التفصيلي لظهور هذه الراية ، لكنها قطعا من رايات آخر الزمان ، وأنها - يقينا - تكون موجودة في لحظة ما، من زمن الغيبة الكبرى ، وأنها تستمر حتى الظهور ، رغم اللواء والجهد والعناء في ظل عالم يقوم على الظلم والفساد والإضطهاد والإنحراف ، فتبذل قصارى جهدها لبناء قوتها وخياراتها ، فتبرز في الساحة الإقليمية كدولة عملاقة ، لها حضور متزايد ومثير ، وقدرة على الثبات والنفوذ والرهبة ، وأدوات تمكنها من مقارعة مشاريع الروم والترك واليهود وغيرهم في أزمان محددة ..

سادسا : هذه الراية ، تبقى مستمرة وقوة حتى ظهور المهدي علیه السلام ومع ظهوره تتعاظم ، وتشكل جزء رئيسيا من نواة جيش المهدي علیه السلام ، ويكون قائد جيوش المهدي علیه السلام منها . وعلى الأثر تخبرنا النصوص عن تضحيات عظيمة ولافتة ، تبذلها جيوش خراسان بين يدي المهدي علیه السلام ، منها التضحيات الجبارة التي تبذلها في ملحمة الأعماق [ أعماق بلاد الشام وفلسطين وربما حلب وناحيتها ]، في مواجهة أعنف جيوش الروم الزاحفة نحو جبهة المهدي علیه السلام.

وتصرح بعض الأحاديث بتلکؤ بعض العرب وخوفهم ، في تلك المعركة ، فيبعث المهدي بطلب جيوش خراسان واليماني . وتقع معركة هائلة ، تنتهي بعد مدة من القساوة الشرسة والقذف بالشهب [ إشارة إلى الصواريخ ] ، وتلظي النار ، وتعاظم الأمر ، بانتصار جيش المهدي علیه السلام .. وتذكر بعض الأخبار المروية أن النبي صلی الله علیه و آله أخبر المسلمين بأنهم سيفتحون

ص: 89

« بلاد فارس » ، وأن أهلها سيعتنقون الاسلام ، وينالون العلم والدين كما نزل و كما يؤول ولو كان في الثريا . ولقد مدحهم النبي صلی الله علیه و آله بشكل الافت ، مؤكدة أنهم سيضربون العرب على التأويل في ذلك الزمن ، كما ضربهم العرب من قبل على التنزيل(1).

وتؤكد طائفة أخرى من النصوص أن العصابة الثابتة على الحق والولاء لآل البيت علیهم السلام ، في آخر الزمن ، تكون في ناحية من أكناف [ نواحي ] بیت المقدس ، وبلاد الطالقان ، في جبال البرز ، ويكون فيهم أنصار المهدي علیه السلام .

وكذلك العصائب العراقيين ، والنجباء المصريين ، الذين يقودون ثورة جهادية متعاظمة في وجه خليفة مصري [ حاكم] ، يتواطئ مع الروم الكافرة الظالمة على خیرات وقدرات وانتماء ودين أهل مصر . فيساعدهم المصريون ، ويكادون أن يستلموا الحكم لولا زحف الروم بطلب من الخليفة المصري المعزول ، حيث تخوض الروم هناك أول ملحمة ، وهي ملحمة الإسكندرية .. لكن جبهة النجباء لا تنتهي ، ما يستدعي طلب الروم - كما يبدو من لوازم المتون - المساعدة من الراية المغربية [ بعض جيوش المغرب العربي ]، حيث تزحف جيوشها ناحية مصر ، ونفهم من بعض

ص: 90


1- وفي حديث مستفيض عن النبي صلی الله علیه و آله :« وليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا» ، ( کنز العمال14/ حدیث 1172. المطالب العالية 4227/4 - رواه المتقي الهندي عن ابن جرير وصححه وقال صاحب المطالب العالية سنده صحیح)

الأحاديث أن النجباء المصريين آنذاك يتعرضون لبلاء صعب ، لكن يبقى لهم وجود و ثغور

وتكون المرحلة الثالثة لهم مع السفياني ، الذي يزحف جيشه باتجاه مصر ، وتقع على أثره فظاعة هائلة ، من قتل الرجال وذبحها، واغتصاب النساء ، والفتك بالأطفال ، ونهب الأموال ، وغير ذلك. إلا أن الأحاديث تخبرنا أن النجباء المصريين يبايعون المهدي علیه السلام. ما يعني أنهم يبقون حتى الظهور الشريف ، من دون أن نعرف تفاصيل ثغورهم أو حضورهم . ومع ظهور المهدي علیه السلام يكون لهم موقع لافت في صف قيادة جبهة المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف. نعم الجبهة المصرية تضعف بشكل واضح بعد فعلة السفياني ..

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن زحف الراية المغربية ودخولها مصر علامة على قيام الراية السفيانية في دمشق ، ما يعني تسارع الأحداث ، وتعقيدات الحروب ، ودخول المنطقة مرحلة هائلة من الصدامات الحربية ، على أن خروج السفياني علامة على ظهور المهدي علیه السلام الظهور الخاص الذي يدوم لأشهر . ثم يتم الإعلان عن الظهور العام . النصوص واضحة في ذلك .

واللافت في موضوعنا أن المصريين يلتفون حول هذه « الراية الإمامية » لعزل الخليفة المصري الذي يتواطئ مع الروم كما يقفون معهم في مواجهة الراية المغربية و كذا راية السفياني ..

ص: 91

أما الثناء العظيم والتركيز المهم جدا ، فهو على الراية التي توطئ للمهدي سلطانه ، لذا تحدثنا النصوص عن أن قوما موالين لأهل بيت النبي صلی الله علیه و آله يخرجون من المشرق ، من خراسان ، يمهدون ويوطؤون للمهدي علي سلطانه . وأن هؤلاء هم أصحاب الرايات السود ، رایانهم سود ، وثيابهم بيضاء(1)، ولا يبعد أن يكون المقصود بالراية أي العلامة التي يتميز بها قادتهم الدينيين ، وهي العمامة السوداء ، هذا غير بعيد في الإستعمالات اللفظية وكنایاتھا .

وتؤكد الأخبار أن قائدهم يكون من ذرية الإمام الحسين علیه السلام ، وتطلق عليه النصوص إسم الخراساني . ولا ندري هل هو لقب أو كنية أو إسم أو إشارة إلى رايته ودولته ، أي دولة خراسان .؟ يبدو الإحتمال الأخير هو الأرجح في الإستعمالات اللفظية والقرائية .

على أن تعبير « الخراساني » يطلق نسبة إلى دولة خراسان ، أي هو زعیم خراساني ، ديني ، سياسي ، يقود جبهة أهل الحق الخراسانيين في آخر الزمان ، ويصمد في وجه الطغيان العالمي ، ويوطى للمهدي سلطانه .

ص: 92


1- وفي الرواية عن النبي علیه السلام : « سيصيب أهل بيتي فتل وتطريد وتشريد في البلاد ، حتى يتيح الله لنا راية تجيئ من المشرق من يهزها بهز ومن يشاقها بشاق ، ( دلائل الإمامة 230 ) , وأيضا قال : « بلاء بلقاء أهل بيته حتى يبعث الله راية من المشرق سوداء من نصرها نصره الله و من خذلها خذله الله ، ( عقد الدرر 130).
أهل خراسان وموضوع الحق الذي يطالبون به

تلفتنا النصوص بشدة وانتباه ، إلى حق لأهل خراسان ، هو في غاية الأهمية ، فيتمسکون به ، فيما أطراف دوليين أو إقليميين يعترضون عليه ، ويحاولون منع الخراسانيين منه، لذا، تخبرنا النصوص أن الدولة الخراسانية ، طالب به مرتين أو ثلاثا ، وهي في كل مرة تمنع من ذلك فصر عليه ، وفي بعض المتون : « يطلبون الحق فلا يعطونه ، فيقاتلون حتى يدفعوا الراية إلى المهدي علیه السلام » . النصوص متعددة وواضحة ، وهي تؤكد أزمة متفاقمة بين الخراسانيين ، وجملة من الأقطاب ، يبدو أنهم من بعض الأطراف الدوليين والإقليميين .

أهمية هذه النصوص أنها تشير و كأن هذه الواقعة تكون قريبة نسبيا من ظهور المهدي علیه السلام ، خاصة أن الروايات التي تحدثت عن لائحة الحروب الخراسانية ، ربطتها في نهاية الأمر بظهور المهدي علیه السلام بل بصريح الأخبار أن الخراسانيين يقاتلون حتى يدفعوا الراية إلى المهدي ، ويبدو للمتبع أن حرب هذا الحق التي تخوضها خراسان ، تثير جملة من الحروب تكون قريبة من خروج السفياني واليماني(1) والمهدي علیه السلام .. ثم الميزة

ص: 93


1- عن اليماني قال الإمام الصادق علیه السلام : «لا يحل لمسلم أن يلتوي عليه .. لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقیم ، [ الغيبة للنعماني 253 ].

الأخرى في هذه المتون المروية ، أن هذا الحق الذي تطلبه الدولة الخراسانية ، يحتاج إلى اعتراف أو بذل من قبل الأطراف الدوليين الآخرين ، إلا أن هؤلاء الأطراف يصرون على الإمتناع ، وينتهي الأمر إلى الحرب ..

تخبرنا بعض المتون الروائية أن هؤلاء الأطراف يعودون فيعطون الدولة الخراسانية حقها هذا بعد الحرب ، إلا أن أصحاب الرايات السود الإيرانيين يواصلون حربهم تلك ..

أما ماذا عن موضوع ذلك الحق..؟ هل هو سياسي ، أم أمني ، أم تقني ، أم يتعلق بمقدسات محددة ، أم ببلاد أهل الإسلام ، بالقدس مثلا، أو بأي أمر آخر ، مادي أم معنوي ، محلي أم إقليمي أم دولي .؟ النصوص لم تفصح عن ذلك ، لكنها أكدت أن هذا الحق، يكون موضع نزاع كبير و متفاقم ، إلى درجة أنه ينتهي بالحرب ، ويتحول إلى قضية ملتهبة .. على أن هذا النزاع الكبير ، يبدو أنه يحدث قبل شريط الأحداث المتراكمة ، التي تدخل بعدها إيران في حرب شرسة متمادية ، تكون الجيوش الرومية واليهودية ، وبعض العربية ، والتركية طرفا فيها ..

الخراساني :

اشارة

تؤكد النصوص أن الخراساني « شخصية عظيمة »، متفان في ذات الله تعالى ، أعطته بعض المتون أوصافا في القوة ، والتضحية والجهاد والنفوذ والثبات ما يوطى معه للمهدي سلطانه .. وبشكل اعتيادي ، عبرت النصوص

ص: 94

عنه دوما ب-« الخراساني »، للإشارة إلى زعيم وقائد دولة خراسان التي توطئ للمهدي سلطانه ، ويبدو في نص نادر تم التعبير عنه ب-« الحارث » ، ولا أدري هل هو وصف ، أم إشارة ما إلى نسل أو قبيلة ، أو أصل محدد أو صفة أو رمز خاص بأحداث معينة ..

ويبدو بوضوح تام ، أن للخراساني ودولته خطا متصاعدا من الوجود والقدرة ، والنفاذ ، فهو يخوض حرب الحق الذي تمنع منه خراسان ، ثم حرب تحرير القدس ، وحروب « الطوق الدولي » على خراسان ، وحروب السفياني ، ثم حرب رد عدوان الترك ، ثم حرب إسقاط الفتنة الداخلية(1) ،

ثم حروب أخرى وأخرى ، في ظل توطئة في غاية الأهمية لظهور المهدي علیه السلام إلى أن يخرج بزحف كبير على جبهتين ، واحدة يقودها بنفسه ، والأخرى يقودها الحسني(2) وذلك لفتح العراق ، بعد أحداث عظيمة تقع في العراق ، خاصة بعد موت العباسي القوي، واختلاف على الملك ، ثم زحف السفياني نحو العراق للسيطرة عليها، وأمور أخرى جليلة وعظيمة .. فتقع أعنف المعارك بين الموطين للمهدي علیه السلام وبين العباسيين

ص: 95


1- وفي رواية أخرى للإمام علیه السلام قال : تربة قم مقدسة ، وأهلها منا، ونحن منهم ، لا يريدهم جبار بسوء إلا غلت عقوبته، ما لم يخونوا إخوانهم ، ( البحار 218/60 ).
2- السيد الحسني : شخصية عظيمةيكون في عصر الظهور من أبرز أصحاب المهدي علیه السلام، يخرج من منطقة طبرستان ، مناصرا للسيد الخراساني ، يظهر على أثر فتنة داخلية تقع في خراسان ، ويكون له يد مباركة في الإنتصار لآل محمد والوقوف مع السيد الخراساني و تدمير جبهة المنحرفين الإنقلابيين المدعومين من أهل الكفر والنفاق . يمكن مراجعة : ( الأنوار النعمانية 87/2 ).

والسفيانيين(1)، والتي تنتهي بفتح العراق (2)، وعلى الأثر يسلم الحسيني ( الخراساني ) والحسني ( الطالقاني ) الراية المقدسة لمولانا المعظم المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف. ليكونا من خيرة القادة بين يديه (3)..

وهناك قائد ل-« قوات الخراساني » يقود العسكر ، ويكون قائدا الجيوش خراسان ، أكدت النصوص أن له قوة وصفة عظيمة في الفتح والجهاد ، وقد قيل في وصفه أنه شاب ، قوي . وصفته بعض النصوص بأنه

ص: 96


1- تقوم دولة العباسيين قبل دولة السفياني ، وحين يحكم السفياني عرش دمشق يعمل على إسقاط دولة العباسيين عبر حروب التوسعية لكنه لا يستطيع السيطرة على عرش بغداد لذا في معركته الأخيرة يحاول السيطرة على العراق ، فيخرج إليه أهل خراسان بجيش هائل ، فيجتاح القوة العباسية والسفيانية ويسيطرون على البلاد . وفي سؤال الحسن بن الجهم للإمام الرضا علیه السلام قال : أصلحك الله إنهم يتحدثون أن السفياني يقوم وقد ذهب سلطان بني العباس ؟ فقال علیه السلام : كذبوا ، إنه ليقوم ، وإن سلطانهم لقائم ، ( الغيبة للنعماني (303). أي تتجدد دولة بني العباس الثانية قبل قيام راية السفياني.
2- قال الإمام علي علیه السلام في وصف جيوش أهل خراسان بقيادة الحسني من جهة ،والخراساني من جهة أخرى ، في مواجهة العباسيين في آخر الزمن : « إن لبني العباس يوما كيوم الطموح ، ولهم فيها صرخة كصرخة الحبلى ، الويل لشيعة ولد العباس من الحرب التي تفتح بین نهاوند والدینور ، تلك حرب صعاليك شيعة علي علیه السلام بقدمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبي صلی الله علیه و آله منعوت موصوف باعتدال الخلق وحسن الخلق ، ونضارة اللون ، له في صوته ضجاج ، وفي أشفاره وطف ، وفي عنقه سطح ، أفرق الشعر ، مفلج الثنايا ، على فرسه کبدر تمام ، إذا تجلى عند الظلام، يسير بعصابة خير عصابة آوت و تفريت ودانت الله بدين تلك الأبطال من العرب ، الذين يلحقون حرب الكريهة ، والدائرة يومئذ على الأعداء ، إن للعدو يوم ذاك الصليم والإستئصال » ( الغيبة للنعماني 147). وفي نص آخر له علیه السلام: « تقبل رایات من شرقي الأرض غير معلمة ، ليس بقطن ولا كتان ولا حرير ، مختوم في راس القناة بخاتم السيد الأكبر، يسوقها رجل من آل محمد ، تظهر بالمشرق وتوجد ريحها بالمغرب ، كالمسك الأذفر، يسير الرعب أمامها بشهر ، حتى تنزل الكوفة طالبين بدماء آبائهم ، بينما هم على ذلك ، إذا أقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنهما فرسارهان ، شعر غير جعد ..» ( البحار 81/52 ).
3- من الوثائق التاريخية الخاصة بالسيد الحسيني الخراساني ما جاء في كتاب المأمون الذي كتبه للعباسيين بعدما اعترضوا على تنصيبه الإمام الرضا علیه السلام وليا للعهد، مطالبين بعزله وتصيب ولده العباس لولاية العهد مكانه فكتب المأمون إليهم كتابة مطولا منه : « . فأما إن أبيتم إلا كشف الغطاء وقشر العصا ، فإن الرشيد أخبرني عن آباءه وعما وجد في كتاب الدولة .. ما لكم إلا السيف يأتيكم الحسيني الثائر فيحصد کم حصدا ، والسفياني المرغم ، والقائم المهدي علیه السلام ، وعند القائم تحقن دماؤكم إلا بحقها ، ( غاية المرام 199).

أصفر الوجه ، خفيف شعر اللحية ، يقال له « شعیب بن صالح » .ولا ندري هل هذا إسم له ، أو رمز محدد ، أم كنية عسكرية أو صفة جهادية أو غير ذلك .؟ المهم أن هذا الإسم طالما ردد في الروايات لذلك القائد العسكري الكبير . ثم تلفت الأحاديث إلى أن هذا القائد الموصوف ، يخوض جملة من المعارك الكبيرة ، وأن له حنكة وقدرة وصلابة مميزة ، ونفوذا على اختراق الحصون وأحزمة الجبهات ، وأنه في لحظة تاريخية حاسمة ، يتحرك نحو القدس ، ولا يرجع إلا بانتصار مؤزر ، فينصب راياته في بيت المقدس ، بعد شريط طويل من الأحداث الهائلة .

كما تشير بعض المتون إلى أن هذا القائد الخراساني يدخل العراق لمحاربة السفياني ، وتقع جملة من الأحداث المعقدة قبل وبعد ذلك . ومن هناك يبعث بالبيعة للمهدي علیه السلام ، فيما المهدي يكون في مكة. على أنه هناك رواية تتحدث بمضمونها أو لوازمها عن نزول المهدي علیه السلام في منطقة اصطخر الإيرانية أو قريبا منها بعد المعركة الهائلة التي يتبدد فيها جیش السفياني على يد الخراسانيين ، وفي بعض المتون بمشاركة اليماني ، وأن المهدي علیه السلام من هناك يدخل إلى العراق . على أن خط الزحف المهدوي نحو العراق يكون في الصورة الأولية ، واحدة عن طريق الحجاز ، والثاني عن جهة خراسان (1). وفي تلك المعارك الشهيرة يذيع صيت « شعيب بن

ص: 97


1- وفي رواية الباقر علیه السلام: « يدخل المهدي علیه السلام الكوفة ، وبها ثلاث رايات قد اضطربت بينها فتصفو له، فيدخل حتى يأتي المنبر فيخطب ، ولا يدري الناس ما يقول من البكاء ، وهو قول رسول الله صلی الله علیه و آله : كأني بالحسني والحسيني وقد قاداها فيسماها على الحسيني فيبايعانه » . ( الغيبة للطوسي 280).

صالح »، الذي يخوض أعنف المعارك وينتصر فيها . ثم تصرح الأحاديث أن هذا القائد العسكري الكبير ، يكون مهما للغاية في جيش المهدي علیه السلام بعد ظهوره الشريف ..

وهناك رواية تذكر أن ظهور الخراساني وشعيب بن صالح يكون قبل المهدي علیه السلام باثنين وسبعين شهرا . إلا أن هذه رواية واحدة ، فيما غيرها لا يشير إلى ذلك ، بل يستفاد من طائفة واسعة أن راية الخراساني أي دولته تكون عريقة ، وقوية ، ولها حضور زمني واضح. ما يعني تأويل أل-« 72 شهرا » على حدث ما، أو صفة ما ..

فتح بیت المقدس وإعلان الترك الحرب على خراسان

شبكة الحروب التي تقع في تلك الفترة الملتهبة جدا ، تشير إلى انتصار كبير للإيرانيين ، ينتهي برفع راياتهم العقائدية المنادية بالمهدي علیه السلام في بيت المقدس . قالت المتون المروية : « تخرج من خراسان رایات سود، فلا يردها شيئ حتى تنصب بإيلياء »(1). وعن وصف قائدها : «لو قاتل الجبال الهدها حتى ينزل بإيلياء »(2)[ أي بيت المقدس ] . وفي رواية أخرى : « فلا يلقاهم أحد إلا هزموه وغلبوا على ما في أيديهم حتى تقرب راياتهم بيت المقدس »(3).

ص: 98


1- ( کنز العمال 14/ حدیث 38652).
2- ( الحاوي للفتاوي 68/2)
3- ( ابراز الوهم المكنون /101).

وعلى أثر تحریر بیت المقدس(1)، وأحداث مختلفة ، يزيد التهاب المنطقة ، وتتأسست معسكرات عديدة للحرب ، وتتحرك جملة من رایات العالم ، على رأسها الروم ، والترك ، ويبدو أن جملة من القوى تعلن تحالفها في وجه الخراسانيين ، وذلك بعد «ضعف قوة الروم » وجملة من القوى الأخرى التي حاولت منع الخراساني من تحرير بيت المقدس وفشلت في ذلك ..

فيتم إعلان تحالف ظرفي بين الروم والترك وجملة من قوی إقليمية ، منها السفياني العربي ، الذي يتم دعمه من الروم للإنقلاب على عرش دمشق ، فينجح في ذلك ، وعلى الأثر يجد جيشا كبيرا لمؤازرة الروم واليهود والراية المغربية والقوى الأخرى لقتال الخراسانيين الإيرانيين الذين ينادون بآل محمد(2) علیهم السلام. وتقع معارك مستمرة بين هذه القوى والجيش

ص: 99


1- تحرير القدس من العلامات الثابتة : وفي الرواية « يجيئكم صوت من ناحية دمشق بالفتح ، ( الحاوي للفتاوی /262).
2- ظاهر بعض الأخبار أن الترك يحتلون فجأة بعض المناطق الشمالية من إيران، في ظل حلف دولي إقليمي بشترك فيه الروم والترك واليهود وبعض جيوش إقليمية على رأسها راية المغربي ، ثم راية السفياني . ما يؤدي إلى سحب الجيش الخراساني من فلسطين . ثم بسبب أطماع كبيرة بخصوص مادة مالية جوفية شديدة الأهمية في منطقة قرقيسيا أو ناحية الفرات ، تزحف القوى الكبرى للسيطرة عليها لذلك تزحف القوى باتجاه العراق ، وتخوض في قرقیسیا معركة ضارية ويشهد القسم الشمال من العراق ملحمة تأكل الطير من جثث قتلاها الذين لا يحصون . في الرواية : « ويخرج السروسي من أرمنية وآذربيجان یرید وراء الري الجبل الأسود المتلاحم بالجبل الأحمر لزيق جبل طالقان ، فيكون بينه وبين المروزي وقعة صيلمانية يشيب فيها الصغير ويهرم منها الكبير ، ويظهر القتل بينهما . فعندها توقعوا خروجه إلى الزوراء (وهي بغداد ) ، فلا يلبث بها حتى يوافي باهات . ثم يوافي واسط العراق ، فيقيم بها سنة أو دونها ، ثم يخرج إلى كوفان فيكون بينهم وقعة من النجف إلى الحيرة إلى الغري ، وقعة شديدة تذهل منها العقول ، فعندها يكون بوار الفتين ، وعلى الله حصاد الباقين ، ثم تلا قوله تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم : اتاها أمرنا ليلا أو نهارا ، فجعلناها حصيدا كان لم تغن بالأمس ) وفي رواية أخرى : ( خروج الشروسي من بلاد أرمينية إلى أذربيجان تستی تبریز الري .. فتوقعوا خروجه إلى الزوراء ، وهي بغداد ، وهي أرض مشؤومة ، وهي أرض ملعونة ، ويبعث جيشه على الزوراء مائة وثلاثين ألفا، يقتل على جسرها على مدة ثلاثة أيام سبعون ألف نفس ، ويفتض اثني عشر ألف بكر ، وترى ماء دجلة محمرا من الدم ومن نتن الأجساد » [ مجمع النورین 297 ] . وفي رواية سدير عن الإمام الصادق علیه السلام : « ويل لأهل الري من الترك ( إشارة إلى الإجتياح التركي لأراضي خراسان ) وويل لأهل العراق من أهل الري ( إشارة إلى الحرب التي تقع بين الخراسانين ودولة بني العباس في آخر الزمن ) ، ثم ويل لهم من الشط ( أي ديل لأهل العراق من الترك بقيادة الشروسي أيضا في آخر الزمن ) . قال سدير فقلت يا مولاي من الشط ؟ قال علیه السلام : قوم آذانهم كآذان الفأر صغر ، لباسهم الحديد، كلامهم ككلام الشياطين ، صغار الحدق مرد جرد ، استعيذوا بالله من شرهم ، أولئك يفتح الله على أيديهم الدين ويكونون سببا الأمرنا ، ( بشارة الإسلام 173 عنأمالي الصدوق ) . وفي رواية الإمام زین العابدین علیه السلام : « إذا علا نجفكم السيل والمطر ، وظهرت النار في الحجاز والمدن ، وملكت بغداد الترك ، فتوقعوا ظهور القائم المنتظر علیه السلام » [ بشارة الإسلام 102 عن مجمع النورین ].

الخراساني الذي يثبت ويصمد في فلسطين . وتكون راية أهل المغرب أكثر نفوذا من الشاميين وبعض القوى الإقليمية التي تقاتل الخراسانيين ، ومع ذلك يبقى التفوق الخراساني ميزة واضحة رغم المعاناة التي يلقونها من هذا الحلف المتضامن(1)، إلى أن يطرأ الحدث الإستراتيجي الجديد ، وهو زحف الترك فجأة نحو الأراضي الخراسانية . على أن المتون لا تخبرنا عن تورط الترك في معارك بیت المقدس ، فيما تخبرنا عن تورطهم في إعلانهم الحرب على الأراضي الخراسانية (2).

ص: 100


1- وفي الرواية : « إذا اختلف اصحاب الرايات السود فيما بينهم، أتاهم أصحاب الرايات الصفر ، فيجتمعون في قنطرة أهل مصر ، فيقتل أهل المشرق وأهل المغرب سبعا ، ثم تكون الديرة على أهل المشرق ، حتى ينزلوا الرملة ، فتقع بين أهل الشام وأهل المغرب شيئ ، [ إختلاف ] فيغضب أهل المغرب فيقولون : إننا جئنا لننصر کم ، ثم تفعلون ما تفعلون [ بنا]، والله لنخلين بينكم وبين أهل المشرق فينهبونكم - لقلة أهل الشام يومئذ في أعينهم ، ثم يخرج السفياني ويتبعه أهل الشام فيقاتل أهل الشمرق ، ( الفتن لإبن حماد 172 ) . وعليه : ظاهر الخبر أن الخراسانيين يحررون فلسطين كلها أو القسم الأعظم منها . ويقاتلون بعض الجيوش الإقليمية مثل المغاربة على قناة السويس «قنطرة أهل مصر» ، وهو الطريق الذي تسلکه قوات المغاربة للدخول إلى فلسطين ، وتارة يقاتلون في عمق فلسطين في منطقة الرملة التي تقع شمال شرقي القدس . ثم يقع اختلاف بين الجيوش الشامية والجيوش المغاربة الحليفة لها ، ويشير النص إلى كثرة المغاربة ونفوذهم وقلة أهل الشام وضعف نفوذهم فيما تصح المتون بقوة ونفوذ الخراسانيين . رغم تدخل الروم وغيرها من القوى الإقليمية والدولية . ويظل الأمر كذلك حتى هجوم الترك المفاجئ على الأراضي الخراسانية ، فضلا عن بروز الإنقلاب السفياني .
2- روايات الإجتياح التركي في عصر الظهور واضحة ومعتبرة ، منها . « خروج الشروسي من بلاد أرمينية على أذربيجان ، تسمی تبریز الري ، الجبل الأحمر المتلاحم بالجبل الأسود ، لزيق جبال الطالقان ، فتكون بين الشروسي وبين المروزي وقعة صلمانية يشيب فيها الصغير ويهرم فيها الكبير » .( مجمع النورين /99). على أنه يقع زمن فتح بیت المقدس من قبل الخراسانيين ، ما يضطرهم لسحب قسم كبير من جيشهم للدفاع عن أرضهم، وفي الرواية : « ثم ينفتق عليهم فتق من خلفهم ، فتقبل طائفة منهم حتى يدخلوا أرض خراسان » ( الحاوي للفتاوی 67/2 )

على أنه من علامات الظهور والفرج ، إعلان الترك حربها على إيران ، حيث تزحف إليها فجأة ، فتحتل قسما من أراضيها ، مستغلة وجود قسم كبير من الجيش الإيراني في خط الحرب الذي يمتد من إيران ، وصولا إلى بيت المقدس (1).. عندها يعود الجيش الخراساني إلى خراسان ، اليخوض معركة هائلة تقدم فيها تضحيات كبيرة ، في وجه الأتراك ..

لذا تذكر الروايات أن الخراسانيين يخوضون أشد المعارك ضراوة وتضحية في مواجهة « الجيش الشروسي » المفاجئ ، ويبدو من بعض المتون أن معركتهم ضد الترك تكون شديدة التضحيات والقوة والذود والجهاد ، بل تعتبر أكبر من تضحياتهم التي تحصل عند حدودهم العراقية على أثر اعتداء الحاكم العراقي على بلادهم في منطقة عبادان . وقد ورد في المتون : « بابان مفتوحان في الدنيا للجنة : عبادان و قزوین »(2).

وتذكر النصوص جملة مهمة عن معاركهم على ثغور قزوین ، وتؤكد أنه « سيكون رباط بقزوین ، يشفع أحدهم من مثل ربيعة ومضر»(3). وفي متن آخر : « إني لأعرف أقواما يكونون في آخر الزمان ، قد اختلط

ص: 101


1- معارك الترك في بعض أراضي خراسان وطغيانهم في العراق من أبرز علامات الظهور القريبة . وفي أعقابها يخرج السفياني ، كما تظهر بوادر انهيار الحكم في بلاد الحجاز .
2- (کنز العمال 12/حدیث 35114).
3- ( کنز العمال 12/ حدیث 35100).

الإيمان بلحومهم وبدمائهم ، يقاتلون في قزوین ، تشتاق إليهم الجنة وتحن، كما تحن الناقة على ولدها »(1)..

وتعتبر فتنة «الشروسي» وملاحم قاسية ، خاصة أنها تأتي في ظرف يبدو فيه قيام « تحالف » بين الروم والترك وفلول اليهود والراية المغربية أول الأمر ، ثم راية السفياني . [ تحالف دولي إقليمي ].

ويبدو من المتون أن « فتنة الشروسي » هي من علامات الظهور القريبة جدا ، بل من بين أكبر أسبابه . ففي رواية الصادق علیه السلام قال : «ويل لأهل الري من الترك .. استعيذوا بالله من شرهم .. أولئك يفتح الله على أيديهم « الدين » ، ويكونون سب لأمرنا »(2)، أي فتنتهم تكون قريبة جدا من ظهور القائم المهدي فيه بما يعنيه من فرج وعظمة كبرى .

وجاء في متن آخر:

«.. ومارقة تمرق من ناحية الترك ويعقبها فرج»(3). أي يأتي الفرج بظهور المهدي علیه السلام بعد هذه الفتنة الشرسة والوقعة المستفحلة ، التي يصمد الخرسانيون في وجهها بقوة وصلابة ، ويبلون بلاء عظيما، ويقدمون تضحيات جليلة (4)..

ص: 102


1- (کنز العمال 12/ حدیث 35092).
2- [ بشارة الإسلام 173 عن أمالي الصدوق ].
3- ( الغيبة للنعماني / 279).
4- وفي رواية أبي بصير عن الإمام الصادق علیه السلام «لا بد من أذربيجان ، لا يقوم لها شي .. فإذا تحرك متحرکنا فاسعوا إليه ولو حبوا والله لكأني أنظر إليه بين الركن . » [ الغيبة للنعماني / 194 ].

على أن شبكة الحروب آنذاك تتنوع و تتعقد، وتأخذ منحنيات مختلفة ، فالترك يجدون مصلحتهم في الزحف نحو ثروة جوية مهمة جدا في العراق ، فيزحفون إليها ، أيضا الروم تفعل ذلك وتتسابق إلى ثروة قرقيسيا(1)، وكذلك جملة من الرايات الإقليمية تخوض حروبها على هذا النحو من طموحها في السيطرة على تلك الثروة الجوفية(2) ..

ص: 103


1- احتلال الترك لشمال العراق هو من العلامات القرية لظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف: تقول الرواية : « وملکت بغداد الترك ، فتونعوا ظهور القائم المنتظر علیه السلام ، ( مجمع التنورین /305) . وهناك من يقول بأن بعض الأراضي الخراسانية تكون ما زالت تحت سيطرة الترك حين يعلن عن ظهور المهدي في مكة، ويستشهد برواية الإمام الصادق علیه السلام : « أول لواء يعقدة المهدي عليه يبعثه إلى الترك فيهزمهم ويأخذ ما معهم من السبي والأموال ، ثم بسير إلى الشام فيفتحها ، ( الحاوي للفتاوی 72/2 ). لكن الرواية فيها بعض الخلل في السند . في حين لا يبعد أن يكون المقصود قتالهم في العراق ، بل يبدو أنهم أيضا في العراق يكونون مهزومين بعد انتصار السفياني عليهم وعلى الروم بعد معركة قرقیسیا . في حين من الأكيد أن المهدي علیه السلام يفتح بلاد الترك وينتصر عليهم ، ففي الروايات :«لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي ، بفتح القسطنطينية وجبل الديلم ، ( سنن ابن ماجة 928/2 ). وكذا في غيرها. لذلك يرجح البعض أن يكون ذلك بعد أنتخلص من القوى الشريرة في بلاد الشام والنواحي الإقليمية حيث بفتح بلاد الترك وغيرها.
2- قرقيسيا ( منطقة سورية أو فيها بعض الإشتراك بين الأراضي السورية والعراقية ) تقع على مشارف نهر الفرات ، بالقرب من الحدود العراقية التركية ، تقع فيها ملحمة كبيرة بقتل فيها من كل 100 شخص 99 من الرايات المختلفة . نصفها الروايات بالملحمة العظمى . وتعتبرها من أهم علامات الظهور القريبة . المتون بعضها تشير إلى اكتشاف كنز من ذهب في نهر الفرات . إشارة إلى مادة عظمية نتقاتل عليها الأمم النافذة ، وقد صرحت النصوص بحرمة الإشتراك فيها ، وأكدت أن الخراسانيين لا يشتركون فيها . بل قوى إقليمية أول الأمر ، ثم قوی دولية كبيرة ، تنتهي بقتل رهيب . وهذا الأمر يتوافق مع بعض متون الملل الأخرى ففي الإصحاح التاسع من سفر الرؤيا ما يؤيد ذلك حيث جاء : «ويصدر الأمر للملائكة الكبار عند نهر الفرات العظيم لكي يقتلو ثلثي الناس »، ويبدو من النصوص أن أكثر من يتورط ويهلك في معركة قرقيسيا أول الأمر قسم من حكام العرب من فريش ، ففي الرواية ، «ويهلك فيها من قبس ولا یدعي لها داعية »، ( روضة الكافي 295/8 ). ويكون في طليعة رايات فريش التي تتقاتل على تلك الثروة حاكم الدولة العباسية في العراق وحاكم الدولة المروانية في سوريا في آخر الزمن . الرواية تقول : «إن الولد العباس والمرواني لوقعة في قرقيسيا يشيب فيها الغلام الحزور» ( الغيبة للنعماني 303). ثم بعد الإنقلاب على عرش دمشق ، يقود السفياني حربه للحصول على ثروة الفرات فيقاتل العراقيين كما يقاتل الراية المغربية العربية، كما بقائل الترك والروم . ولا يحصل أحد على الكنز، وتكون رجاحة المعركة لصالح السفياني الذي يتورط بمعارك إقليمية كبيرة تهز جيشة وتدمر قواه فلا يستطيع الحصول على تلك الثروة. وفي النهاية تكون هذه الثروة من صالح الخراسانيين . وفي الرواية : « ويمر جيشه ( أي السفياني ) بقرقيسيا فيقتتلون بها فيقتل بها من الجبارين مائة ألف » ( البحار 237/52 ) . وفي متن آخر ورد : « يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة ثم لا يصير إلى واحد منهم ، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قن لم يقتله قوم ، (سنن ابن ماجة 2/ حدیث 4084). ثم يكون بعد ذلك خروج المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف.

وفي ظرف متطور تدخل جيوش السفياني أرض العراق ، وتقصد مناطق الشيعة ، ومرکز وجودهم ، فتشن حربا شرسة عليهم وصفتها النصوص بالقتل والتفك وغير ذلك .. كما تحدثنا رواية تذكر أن قوات الخراسانيين تكون في العراق ، فتخسر معركة بوجه السفياني ، فيتبعها السفياني إلى الأراضي الإيرانية ، فيرون أن الحرب طالت عليهم ، فیولون الخراساني عليهم ، ويدعون إلى المهدي علیه السلام .

كما هناك متون تحدثنا عن « معركة هائلة » في منطقة « اصطخر » الإيرانية ، والتي يمزق الخراسانيون فيها جيش السفياني تمزيقا. فيما تذكر رواية أخرى أن ظهور الرايات السود والدعوة إلى المهدي علیه السلام تكون بعد المعركة الموعودة على كنز الفرات الجوفي ..

يبقى هنا أن نشير إلى رمزية ما ، في المتون ، لأن طائفة مهمة من النصوص تحدثنا عن وجود عريق ومتين لدولة خراسان ، عن دولة قوية ، تخوض غمار المعارك ، دولة لها تاريخ في بناء القوة عبر خط الزمن . نعم شخصية الخراساني نفسه ، أو شعيب بن صالح ، وشبه ذلك ، لها وقت محدد ، فالخراساني وشعيب بن صالح ، والحسني الطالقاني(1) يكون زمانهم

ص: 104


1- ( البحار 15/53 ).

قريبة من آخر زمن الغيبة الكبرى ، وهم الذين يقودون جملة من الحروب الكبيرة والإنتصارات ، و تکریس خيار الإسلام في منطقتهم وما أمكن من نواحيها ، ثم يشاهدون الظهور الأعظم لمولانا المهدي علیه السلام وينضوون تحت رايته المباركة ..

وتصبح « الرايات السود » جزءا بارزا من جيش الامام المهدي علیه السلام فتخوض غمار المعارك والحروب التي منها حرب تحرير القدس ، وملحمة الأعماق ( التي تقع في أعماق بلاد الشام وفلسطين أو بلاد الشام وحدها )، وفتح رومية وغيرها من الحروب والمعارك ما بعد الظهور .

على أن شبكة الجبهات ، ومسارات الحروب ، تؤكد تنوعا واسعا وتعجا كبيرا في المناطق والول ، بعض النصوص تذكر أن الرايات الخراسانية تزحف بقوة جبارة نحو القدس وتفتحه ، ثم تخرج فيما بعد لقتال الترك الذين يهاجمونها بالتواطئ مع الروم وجملة من قوى إقليمية الأراضي الخراسانية ، فتنتقل الحروب من بلاد الشام إلى منطقة الخليج ، ويصبح المناخ الحربي في طول المنطقة ملتهبا ..

إلا أن بعض مضامين النصوص أو لوازمها، تشير إلى ثكنات أو قواعد عسكرية خراسانية تبقى في أماكن من خريطة خط الحرب الطويل ما بین خراسان و بیت المقدس ، منها وجود عسكري في دمشق(1)، والأردن

ص: 105


1- يبدو من النصوص أن صداما « عنيفا» ، يقع في دمشق بين الراية المغربية والراية الخراسائية ، ففي الرواية ورد : « إذا أقبلت الرايات السود من المشرق ، والرايات الصفر من المغرب ، حتى يلتقوا في سيرة الشام - يعني دمشق - فهنالك البلاء ، هنالك البلاء ، ( کنز العمال 11/ حدیث : 31422) . وفي روايةأخرى :« إن صاحب المغرب وبني مروان وقضاعة نجتمع على الرايات السود في بطن الشام ، ( الفتن لإبن حماد /185 ) . وفي رواية ثالثة : إذا أقبلت فتنة من المشرق ، وفتنة من المغرب ، فالتقوا بیطن الشام فبطن الأرض يومئذ خير من ظهرها » ( الفتن لإبن حماد 158). وصاحب المغرب هو قائد الرايات المغربية الصفراء ، في حين بنو مروان يمثلون عرش دمشق ويكون قبل انقلاب السفياني على عرشه ، فإذا انقلب السفياني حكم وقاتل جملة من الرايات وانتصر عليها ، ومعه تقف قضاعة بقوة

وغيرها . لذا تشير بعض المتون إلى أن بعض القوات الخراسانية تكون في « الشام » عند خروج السفياني فيقاتلهم حتى يردهم إلى العراق .. على أن تمدد السفياني الطاغي من دمشق إلى الكور الخمس - إلا منطقة الأبدال - وفورة انتصاراته المثيرة ، تنهد أمام معركتين فاصلتين : الأولى في منطقة «اصطخر الإيرانية ، والتي يتمزق فيها جيش السفياني تمزيقا على يد الإيرانيين ، ثم في معركة مهمة جدا لليماني ، یکسر فيها «عين السفياني » أي يهزمه بشدة . على أن معركة الفصل الأضخم تكون عند بحيرة طبرية التي تنتهي بذبح السفياني .

وفي النتيجة العامة :

يخرج الخراسانيون ، في ظل ظرف خاص و كبير ، نحو فتح القدس وتحريره من غزاته ومحتليه ، فلا يعودون إلا بفتحه ونصب رایات أهل الإيمان والإسلام فيه . كل ذلك ، في ظل حرب ضروس ، ومعارك ملتهبة، بل تقع معركة شديدة الضخامة في دمشق بين الرايات السود والرايات الصفر المغربية تنتهي بانتصار مؤزر للرايات الخراسانية . فيما النصوص تؤكد أن طريق فتح بیت المقدس ، من أرض خراسان إلى بيت المقدس ، دونها معارك ضخمة ، ومع ذلك لا يرجع الخراساني إلا بفتح بیت لمقدس ..

ص: 106

على أن نفوذ الروم آنذاك في هذه المنطقة ، أو خط الحرب ، يبدو ضعيفا ، لذلك لا تستطيع منع الزحف الخراساني وفتحه لبيت المقدس .

ولا تهدأ المعارك التي تشارك فيها الروم أيضا ، رغم فتح بیت المقدس ، إلا أن الخراسانيين يثبتون بقوة هائلة. لتعود كفة الموازين للتأسيس من جديد ، بدءا من وسط آسيا ، وصولا إلى جنوب بلاد الشام .. لذا : على الأثر ، يتم الإعلان عن حلف عسكري كبير يبدو أنه يجمع ثلة من الأطراف الدوليين والإقليميين ، حيث يجمع الروم مع الترك ، مع اليهود ، مع بعض الجيوش العربية ، والأبرز منها - على مستوى بعض العرب المشاركين آنذاك : الراية المغربية الصفراء - ، ثم مع ظهور السفياني فإنه يقود نواة ذلك الجيش العربي الذي يقاتل الخراسانيين .

وعلى أثر هذا الحلف ، تهاجم قوات الترك بعض الأراضي الإيرانيةفتحتلها ، وتقع معارك ضارية يتفانى فيها الخراسانيون للدفاع عن دولتهم ، وعلى الأثر ، ينسحب الجيش الخراساني من بيت المقدس ليدافع عن أراضية ، فيما تبقى له قواعد عسكرية في جملة من المناطق التي زحف منها لفتح القدس.

فيستغل السفياني هذا الوضع الجديد فيقاتل الوجود العسكري الخراساني في دمشق ، فيردهم إلى العراق ، ويقاتلهم في العراق حتى يدخلوا الأراضي الإيرانية ، ثم يتبعهم إلى الأراضي الإيرانية ، فتقع المعركة الضارية هناك ، والتي يبدد الجيش الخراساني فيها الجيش السفياني . فيعمد

ص: 107

السفياني الموجود في دمشق إلى الإنتقام ، لكن عبر إعداد جيش كبير إلى الحجاز لقتل المهدي علیه السلام الذي يعلم بظهوره الخاص في المدينة ، فيبعث بجيشه الجرار إلى المدينة ، فيخرج المهدي علیه السلام مع بعض أصحابه منها إلى مكة ، فيما الوضع الأمني الحجازي يكون منهارا ، والسلطة السياسية في الحجاز تکون متداعية، وأهل البلاد يكونون على قسمين ، في ظل اضطراب وهشاشة مثيرة ، وحذر شديد بين الفريقين ، كما يبدو أن للسفياني نفوذا واضحا في الحجاز . لكنها بصورة عامة تعاني من الوهن ، وشلل واضح في قبضتها الأمنية ، لكن ما زال لها وجود ، لذلك نجد أن الإمام المهدي علیه السلام يخرج من المدينة متخفيا ويقصد مکة، ويظل متخفيا، ويكون هذا وقت الظهور الخاص الذي يدوم عدة أشهر ..

ويكون الفصل الكبير ، والتطور الهائل ، حين يخرج جيش السفياني من المدينة - بعد قتل ما بقي من بني هاشم وأتباع أهل البيت علیهم السلام - نحو مكة ، بهدف قتل الإمام المهدي علیه السلام الذي يعلم أنه قصد مکة، فيخسف الله به الأرض في البيداء ، عندها يتم الإعلان الأعظم ، عن الظهور الأكرم، أعني به الإعلان العام لأهل الدنيا ، عن ظهور مولانا ومولى الكون الإمام المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ..

بالضبط ، في هذا الوقت بل قبله ، يكون الخراسانيون قد استعادوا زمام النفوذ بقوة ، وقهروا السفياني بشدة ، وتهيؤا للزحف نحو العراق لقتال العباسي، فيخوضون معركة شديدة الوطيس ، تنتهي بفتح العراق من

ص: 108

جانبهم ، فيما اليماني يكون على ناحية أخرى يخوض حرب فتح العراقبضراوة أقل، فيدخل هذا من هذه الجهة ، وذاك من تلك الجهة .. أما الحجاز ، فتسقط بسرعة بيد المهدي علیه السلام ، وتتم بيعته دون إهراق دم ، وينشغل الناس بذكر المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف. .

وعلى مستوى خط الجبهات السريعة ، ومسارات الحرب المتعرجة ، قبل الخسف بجيش السفياني في صحراء المدينة ، تشير الأحاديث إلى أن الترك ينزلون آذربيجان والجزيرة ( العراق )، عندما يقاتل الخراسانيون السفياني في العراق ..

وتؤكد بعض الأخبار المروية أن المهدي علیه السلام يظهر عند خراب الزوراء وهي «الري » - إشارة إلى الحرب التي تقع - والمزورة وهي « بغداد » . وعند حرب تشتعل بين بني العباس وفتيان أرمينية وآذربيجان فتكون الرايات السود مع المهدي(1) علیه السلام .

أي ستقع حرب شرسة ، تعلن على أرض خراسان ، واحدة من جهة الترك ، وواحدة من جهة السفياني ، في ظل حلف دولي إقليمي ، والمثير في النصوص تأكيدها الواضح على قدرة الخراسانيين في مواجهة هذا الحلف الدولي الإقليمي الهائل ، رغم أن الترك يحتلون قسما من الأراضي

ص: 109


1- وعن الفتن وترابط الأحداث روى الحاكم ( في : ج 4 ص 462) عن كعب ولم يرفعه قال « الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية ، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة ، والكوفة آمنة من الخراب حتى تخرب مصر ، ولا تكون الملحمة حتى تخرب الكوفة ، ولا تفتح مدينة الكفر حتى تكون الملحمة ، ولا يخرج الدجال حتى تفتح مدينة الكفر».

الخراسانية حينما يكون الجيش الخراساني في بيت المقدس بالإضافة إلى أماكن مختلفة في طول خط الحرب البعيدة إلى ذلك المكان المقدس .. .

النصوص تؤكد صمود وثبات ، وتعاظم قدرات الكفاح الخراساني ، في ظل بذل هائل بالمهج والأرواح من قبل الخراسانيين لدفع العدوان الدولي عن الأراض الخراسانية(1) .. والأهم، أن الخراسانيين يعودون فيهاجمون ، ويخرجون من وراء حدودهم ، باتجاه العراق ، بعد هزيمة هائلة يوقعونها بجيش السفياني في منطقة « اصطخر » الإيرانية(2)، بل بعد فتنة مثيرة راد منها « الإنقلاب على الخراساني(3)»، ويبدو واضحا أن « الحلف الدولي

ص: 110


1- تذكر الروايات أن الخراسانيين يخوضون في مواجهة الشروسي التركي أشد المعارك قوة وتضحية . ففي الرواية : « بابان مفتوحان في الدنيا للجنة : عبادان و قزوین ». (کنز العمال 12/ حدیث 35114). كما أن الأحاديث عن معاركهم ناحية قزوین كثيرة : « سيكون رباط بقزوین ، يشفع أحدهم من مثل ربيعة ومضر ، ( کنز العمال 12/حدیث 35100). ومنها أيضا : « إني لأعرف أقواما يكونون في آخر الزمان ، قد اختلط الإيمان بلحومهم وبدمائهم ، يقاتلون في آخر قزوین ، تشتاق إليهم الجنة وتحن، كما تحن الناقة على ولدها» ، ( کنز العمال 12/ حدیث 35092). وفتنة الشروسي وملاحمه لها آثار و تداعيات كثيرة ، وهي من العلامات القريبة جدا على الظهور الشريف وفي الرواية «ويل لأمل الري من الترك.. استعيذوا بالله من شرهم .. أولئك يفتح الله على أيديهم الدين ويكونون سبيا لأمرنا ، [ بشارة الإسلام 173». وأيضا : د ومارقة تمرق من ناحية الترك ويعقبها فرج ، ( الغيبة للنعماني / 279 ) .. لا بد من أذربيجان ، لا يقوم لها شيئ .. فإذا تحرك متحرکنا ، فاسعوا إليه ولو حبوا ، والله لكاني أنظر إليه بين الركن ..، [ الغبية للنعماني / 194 ].
2- عن أبي رومان ، عن علي بن أبي طالب علیه السلام قال : « إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة ، بعث في طلب أهل خراسان ، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي ، فيلتقي هو والهاشمي برايات سود ، على مقدمته شعیب بن صالح ، فيلتقي هو وأصحاب السفياني بباب إصطخر ، فتكون بينهم ملحمة عظيمة ، فتظهر الرايات السود ، وتهرب خيل السفياني ، فعنفر ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه » ابن حماد : ص 86
3- تشير الأخبار إلى القائد الخراساني بنصوص معتبرة ، منها ما في رواية الباقر علیه السلام : « يخرج شاب من بني هاشم، بكنه اليمني خال ، من خراسان ، برایات سود ، بين يديه شعيب بن صالح ، يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم ، ( عقد الدرر 128 ). وفي نص آخر : « تقبل الرايات السود من خراسان ، على جمع الناس شاب من بني هاشم، بكفه اليمنى خال ، يسهل الله له أمره وطريفه ، ( الحاوي للفتاوي 69/2 ). وعن الإمام علي علیه السلام قال : « تخرج الرايات السود ، تقاتل السفياني ، فيهم شاب من بني هاشم في كتفه اليسرى خال ، على مقدمته رجل من تميم يدعی شعیب بن صالح ، فيهزم اصحابه ، ( کنز العمال 14 حدیث : 39666). وعن عبد الله بن عمر قال : « بخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق ، لو استقبلته الجبال الرواسي لهدمها، واتخذ فيها طرقا ، ( الحاوي للفتاوي 62/2 ). والروايات حول الخراساني من طريق الفريقين كثيرة ومعتبرة .

الإقليمي » يستعمل كل أوراقه الحربية والإنقلابية لكسر وزعزعة نظام الخراساني ، فتقع فتنة داخلية في خراسان ، يراد منها الإنقلاب على قيادة الخراساني ،

فيظهر في تلك اللحظات الحرجة « السيد الحسني(1)»، الذي يعدل كفة الموازين بقوة ، وينتصر للخراساني ولراية آل محمد الأصيلة ، ثم بعد ذلك تبدأ قوة خراسان الزحف نحو العراق من جديد في ظل اضطراب عالمي ، وخطوط حرب معقدة ، خاصة في الشرق الأوسط ، ولهيب أمني ، واضطراب اقتصادي ، وأزمة معيشية ، وفراغ سياسي ، وفشل رومي ، وتراجع في النفوذ لجملة من القوى ، منها الروم والترك ، خاصة بعد هزيمتهما في قرقیسیا ..

السيد الحسني والقضاء على الفتنة الداخلية في أرض خراسان

السيد الحسني هو أحد « كنوز طالقان » ، شخصية تبرز على سطح الأحداث بقوة زمن الفتنة الداخلية الحرجة التي يدعمها الحلف الدولي الإقليمي لتدمير نظام السيد الخراساني المنادي بسلطان الأرض المهدي

ص: 111


1- ظاهر الأخبار ان اسم السيد الحسني كإسم المهدي علیه السلام ( محمد ) وفي الرواية : « ويكون على مقدمته - أي مقدمة جيش المهدي علیه السلام واسمه على إسمه . وفي نص آخر : « بقدمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبي صلی الله علیه و آله ، ( أي محمد).

عجل الله تعالی فرجه شریف. وهو من مبرزي أصحاب الإمام المهدي علیه السلام ، يخرج من منطقة «طبرستان » مناصرا للسيد الخراساني ، يقف في وجه طواغيت الفتنة ، يدعو أنصارهم لبذل مهجهم في سبيل الإسلام وحماية خياره الكبير في ظل ظرف خطير للغاية .

ويبدو أن أصحاب الفتنة الداخلية يستفيدون بشكل مباشر أو غير مباشر من دعم الروم والترك واليهود وبعض الجيوش الإقليمية كالسفياني وغيره ، لتدمير نظام السيد الخرساني وإسقاطه ، ويظهر أن الأمور في خراسان تكون حرجة ، على أننا لا ندري بداية هذه الفتنة وكيف تبدأ ، لكنها كما يبدو ، تبدأ بشكل هادئ ، وتتطور شيئا فشيئا ، حتى تنتفض على أثرها الغبار ، وتقع الأزمة العسكرية الخطرة ، ويبدو الخراساني أمام سياسات عدوانية خارجية ، وفتنة داخلية ، مضامين النصوص تصف لنا حالة حرجة وصعبة للغاية .

وفجأة ، وبظرف مفاجئ ، وبوضع مثير ، وخطورة بالغة ، يخرج السيد الحسني ، الذي يبدو « ملهوفا » ، وبوضع حرج أيضا ، على أثر العدوان الخارجي ، والفتنة الداخلية .

واللافت جد ، أن هذا الفتى الصبيح ( السيد الحسني ) يستنجد أنصاره ، أنصار الله ، للدفاع عن السيد الخراساني ونظام آل محمد وخیار الإسلام الأصيل ، والوقوف بوجه العدوان الخارجي ، والفتنة الداخلية العسكرية الصعبة، يستنجدهم من مكان مقدس ، من ضريح عظيم ، لعله

ص: 112

ضريح الإمام علي بن موسی الرضا علیه السلام(1) أو غيره من الأضرحة المقدسة لآل بيت النبي علیهم السلام .

يجب أن نلتفت جيدا إلى هذه «الرمزية الخاصة ».فهذا الثائر المحمدي ، الذي يخرج في ظرف حرج وصعب للغاية ، ينادي أنصار الله بلهفة ، للدفاع عن خراسان الإسلامية الإمامية من أعداء الخارج والداخل . وذلك من مقام عظيم ، يريد من خلاله تعبئة الرأي الإيراني العام للوقوف مع الخراساني ، وحماية نظام الموطى للمهدي سلطانه(2) .. [ هذه رمزية هائلة الدلالة ..! ](3)،

وتؤكد النصوص أن الحسني ( الفتى الصبيح ) ، يخرج من نحو «الديلم » ، فيصيح بصوت فصيح : « یا آل محمد ، أجيبوا الملهوف ، والمنادي حول الضريح ».پإنه نوع من استغاثة وصرخة بحرقة ، تؤكد

ص: 113


1- من تلك الروايات : ما رواه المفضل بن عمر عن الصادق علیه السلام - ( الأنوار النعمانية 87/2 ) .
2- يقف الحسني بشدة مع الخراساني وينصره وهو الذي عبرت عنه الروايات بالملهوف ، أي المضطهد والمحاصر وفي الرواية : « يخرج الحسني .. فيصيح بصوت له فصيح : يا آل محمد أجيبوا الملهوف .. فتجيه كنوز الطالقان .. بأيدهم الحراب ، ولم يزل يقتل الظلمة ». وعلى الأثر يتوجه الثائر الحسني بجيشه نحو المدن الإيرانية التي يحتلها المتمردون وخاصة مدينة اصفهان وقم .. وهاتان المدينتان تنطلق منهما حركة الموطئين للمهدي علیه السلام كما تنصر الروايات التي تمدح اهل قم ، لذلك يحاول المتمردون القضاء على أهم مركز الثورة الموطئين . فينتصر عليهم الحسني بشكل عظيم بعد ملاحم من القتال . ونقول : « يَمحُو اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وعِندَهُ أُمُّ الكِتابِ( 39/13) .. [ في هذا المجال يمكن مراجعة بعض كتب العلامة الفتلاوي ].
3- تتفق الروايات على أن السيد الحسني شاب مضح ، نسلة من آل محمد علیه السلام، وهو حسن الوجه ، متفان في الإسلام . وهو القائد الأعلى لكنوز الطالقان . كما تدل على أن كنوز الطالقان تظهر على اثر انقلاب دموي يهدف إلى الإطاحة بالنظام الخراساني ، وفي الحديث النبوي : « لا تزال طائفة من أمتي .. يقاتلون على أبواب الطالقان ، لا يبالون من خذلهم، ولا من نصرهم ، حتى يخرج الله كنزه من الطالقان فيحيي بهم دينه ، كما أميت من قبل ، ( کنز العمال 12/ حدیث 35055 )

الوضع الحرج والصعب للغاية في تلك اللحظات التاريخية .. وبشكل سريع ومفاجئ ، جيبه « كنوز الله » بالطالقان ، النص يصفها بأنها « كنوز لا من ذهب ولا من فضة ، بل رجال كزبر الحديد » ، فتية أقوياء ، عظماء ، يبذلون المنهج في سبيل الإسلام ، يسارعون إلى إعلاء كلمة الله ، في أدق وأصعب ظرف .

تصف المتون هؤلاء المجاهدين الكبار وهم يسارعون إلى الحرب ، متأهبين بعدة القتال ، طالبين القتل والإنتصار في سبيل الله ، النص يصفهم فيقول : « لكأني أنظر إليهم على البراذين الشهب ، بأيديهم الحراب ، يتعاوون شوقا إلى الحرب ، كما تتعاوى الذئاب ».

إذا هم طائفة من أهل الحرب والجهاد ، مهوون بعدتهم وعتادهم ، معبؤون بشكل مدهش ، لخوض حرب حاسمة جدا ، في أدق ظرف وأعقده على دولة خراسان .

ثم يشير النص إلى قائد عسكري كبير بينهم هو « شعیب بن صالح » له قدرة موصوفة على المواجهة والتضحيات والانتصارات ، فيخوضون غمار الحرب ، في وجه الظلمة وأهل الفتنة ، فينتصروا عليهم . و تنجو خراسان من أخطر مرحلة . ثم تقع تطورات مختلفة في منطقة الخليج ، وبالأخص ناحية العراق ، ودمشق ، والنواحي ، وتلتهب المنطقة بالمعارك ، وصولا إلى إعلان السفياني الزحف للسيطرة على العراق ، خاصة مناطق الشيعة فيه ، عندها يتم الإعلان الخراساني العام عن الزحف ما وراء الحدود ، ناحية العراق ، في

ص: 114

ظل حرب ضروس ، وجبهات قتال كبيرة ، تجتاح ما نطلق عليه اليوم إسم الشرق الأوسط ..

واللافت جدا بهذا الحدث أنه يكون قريبا من ظهور المهدي علیه السلام ، فالحسني الطالقاني الذي لم يزل يقتل الظلمة ، حتى يرد الكوفة ، يتصل به وبأصحابه خبر المهدي علیه السلام . ويقولون : يا ابن رسول الله ، ما هذا الذي قد نزل بساحتنا ؟ فيقول : أخرجوا بنا إليه حتى ننظر من هو وما یرید ؟ وهو والله يعلم أنه المهدي علیه السلام ، وإنه ليعرفه(1) كما في النص . فيأتيه .. ويقول الحسني : الله أكبر ، مد يدك يا ابن رسول الله ، حتى نبايعك ، فيمد يده فيبايعه و یبایعه سائر العسكر الذي مع الحسني(2).

وعن « ظرف » الزحف الخراساني نحو العراق ..؟

تؤكد طائفة من الأخبار أنه بعد القضاء على المتمردين في الداخل ،والصمود بقوة في وجه العدوان الخارجي ، يتم الإعلان عن الزحف العسكري نحو العراق التي أصبحت مضطربة أمنيا ، هشة سياسيا ، مضعضعة عسكريا، رغم قوتها السابقة،

وذلك بسبب الخلاف العسكري على عرش الحاكم العباسي، عندها تتحول العراق في جزء منها إلى خط حرب وهدف كبير للسفياني بهدف إحكام سيطرته العسكرية وقتل الشيعة هناك ، ثم تأسيس جبهة غزو قوية في

ص: 115


1- (عقد الدرر 90) .
2- (البحار 15/53 ).

وجه الخراسانيين ، فضلا عن طمعه بعرش العراق وثرواته وحروبه السابقة على الخراسانيين ..

تحدثنا النصوص عن « سيناريو حرب » عبر قوتين عسكريتين : الأولى بقيادة السيد الحسني الطالقاني ، والثانية بقيادة السيد الخراساني . وعلى الأثر تتحرك جيوش خراسان ، باتجاه العراق ، لحماية الشيعة ، ومنع جرائم السفياني وإبطال تمدده الطاغي ، وتأسيس جبهة مهدوية كبيرة ، فضلا عن أخذ «ثأر الشهداء الخراسانيين» ، الذين تخبرنا النصوص أنهم يسقطون في حرب سابقة تقع بين الدولتين الخراسانية والعراقية ، النص يقول(1) :

«تقبل رايات من شرقي الأرض .. يسوقها رجل من آل محمد ، تظهر بالمشرق ، وتوجد ريحها بالمغرب .. حتى تنزل الكوفة طالبين بدماء آباءئهم » . إذا الروايات صريحة جدا في أن دولة خراسان « قوية » إلى درجة أنها ت العدوان الخارجي الضخم، وتقضي على الفتنة الداخلية الملتهبة ، رغم اللواء والجهد الذي يصيبها . ثم بعد ذلك تتوجه نحو الدولة العباسية(2)، التي يبدو أنهاتدعم أيضا عبر قوى الحلف الدولي الإقليمي ،

ص: 116


1- قول الإمام علي علیه السلام ..
2- أي دولة بني العباس الثانية في آخر الزمان ، وتعتبر من أخطر دول الضلال والمعادة لقيم الإسلام . وتكون على عداء مع الدولة الخراسانية التي تنادي بمواثيق الإسلام وأهل بيت النبي علیهم السلام . على أن كلتا الدولتين العباسيتين الأولى التي تحققت عام 132 للهجرة ، والثانية التي تتحقق في آخر الزمان ، كلتاهما دولة ضلال ، فقد روی ثوبان مولی رسول الله صلی الله علیه و آله أنه قال : « إن لبني العباس رایتین ، أعلاهما كفر ومركزها ضلالة ، إن أدركتها فلا تضل » ( مجمع الزوائد 344/5 - کنز العمال 160/11 ) . وعن عبد الله الليثي قال : « نخرج لبني العباس رایتان ، احداهما أولها نصر وآخرها وزر ، لا ينصرونها ، لانصرها الله ، والأخرى أولها وزر و آخرها نصر ، لا ينصرونها لانصرها الله ، ( الفتن 120 ). وعن أبي إمامة الباهلي قال : «ستخرج رایتان من قبل المشرق لبني العباس ، أولها مثبور وآخرها مبتور ، لا تنصروهم لا نصرهم الله ، فمن مشی تحت راية من راياتهم أدخله الله تعالی یوم القيامة نار جهنم . » ( مجمع الزوائد 44/5 - کنز العمال 11/ حدیث : 31035).

خشية من الفتق الإيراني نحوها . فتقع معركة عنيفة جدا ، واحدة عبر الحسني ، والثانية عبر الخراساني . فيما تحدثنا بعض المتون عن زحف اليماني باتجاه العراق ، وخوضه حرب أقل ضراوة من تلك التي تخوضها جيوش خراسان ، والتي تنتهي بهزيمة قوة العراق والسفياني ، ودخول الحسيني [ الخراساني ] والحسني [ الطالقاني ] ، الكوفة . أي فتح العراق(1).

بعض الروايات تشير إلى أن قوة الحسني تدخل العراق قبل قوة السيد الخراساني ، بسبب ضراوة المعارك .. فيما طائفة أخرى تحدثنا عن اختلاط القوى ، فالقوة العباسية تتدخل ، و كذلك جيش السفياني ، ما يعني أن القوى الدولية الداعمة لهاتين القوتين ، استراتيجيا أو ظرفیا ، تتدخل أيضا بأكثر من شكل لتدعيم قوة العراق والسفياني بوجه الإيرانيين ، لكن میزان الحرب يميل بعد معارك ضارية وحاسمة لصالح الإيرانيين الذين يدخلون العراق بصلابة لافتة .

وفي الداخل العراقي ، تتلاحم القوات الخراسانية ، ويعلن الحسيني الخراساني ، والحسني والطالقاني ، تسليم راية الموطئين للمهدي علیه السلام التخبرنا الأحاديث أن المهدي صلی الله علیه و آله يدخل الكوفة ، ويخطب في مسجدها ،

ص: 117


1- ( عقد الدرر 90).( البحار 225/60 ) .

وتهتر القلوب ، وتضج ناحية العراق بصراخ الموالين الذين يصرخون : الله اكبر .. فيدخل الحسيني والحسني إلى المسجد ، والمهدي علیه السلام يخطب بالناس ، والناس في بكاء إلى حد أنه لا يسمع معه صوت المهدي علیه السلام. هذا معنى الحديث النبوي : « و كأني بالحسني والحسيني وقد قاداها فیسgماها إلى الحسيني [ المهدي علیه السلام ] فيبايعونه »(1).

.. هنا تبدأ مرحلة جديدة من العظمة والإنتصارات ، والطمأنينة المدهشة بالنظر لمولانا صاحب الأمر وحجة الله على الكون والأرض ..

وتبدو راية خراسان بأبهى صورها وأعزها ، فهي الراية التي وطأت للمهدي سلطانه ، والجبهة التي بذلت المنهج التي روت الأرض ، وهي تصرخ بالفرج ، وتنادي بالمهدي علیه السلام .. هذا يعني أن هذه الراية راية منتصرة ، ثابتة ، قوية ، ذات حضور إقليمي كبير ، وذات تأثير نافذ ، وجدير بصناعة أحداث تاريخ هذه المنطقة حتى ظهور المهدي ..

وتمدح طائفة من النصوص المهمة « أهل قم(2)»، وتشير إلى أن انتصارهم يكون إذا ظهر الماء على وجه الأرض .. ويبدو أن لهذه الصفة

ص: 118


1- يبدو بوضوح من طائفة من النصوص أن الحسني والحسيني شخصان ولكل دور ومهمة .
2- هناك روايات كثيرة تمدح أهل قم ، وتشير إلى عظيم أمرهم وثباتهم على الدين ونشره في آخر الزمن ، وما يكونوا عليه من قيادة الناس إلى الحق. كما النصوص صريحة في تنزيل أرض خراسان كلها منزلة أمل قم والتركيز على فم إنما هو تركيز على العاصمة الدينية للدولة الخراسانية . وفي الرواية عن الإمام الكاظم علیه السلام قال : ([يخرج] رجل من نم، يدعو الناس إلى الحق ، يجتمع مع قوم قلوبهم كزبر الحديد ، لا تزلهم الرياح والعواصف ، لا يملون من الحرب ولا يجبنون ، وعلى الله يتوكلون ، ( البحار 60-216). وأن هؤلاء يشتهرون بحق آل محمد والدعوة إليهم وفي رواية صفوان بن يحيى قال كنت يوما عند أبي الحسن علیه السلام فجری ذكر أهل قم وميلهم على المهدي علیه السلام فترحم عليهم وقال :«رضي الله عنهم .. إن للجنة ثمانية أبواب ، واحدة منها لأمل قم ، وهم خیار شيعتنا من بين سائر البلاد ، خمر الله تعالی ولايتنا في طينتهم ، ( البحار 60-216). وفي نص آخر: « إنما سمي قم ، لأن أهله يجتمعون مع قائم آل محمد، ويقومون معه ، ويستقيمون عليه وينصرونه ، ( البحار 60-216) . وقال الصادق علیه السلام - عنهم - ، أما انهم أنصار قائمنا، ودعاة حقنا ، ثم رفعرأسه إلى السماء وقال : اللهم اعصمهم من كل فتنة ، ونجهم من كل ملكة ، ( البحار 60-218) وحين قرأ الإمام الصادق علیه السلام « فإذا جاء وغد أولاهما بعثنا علیکم عبادا لنا أولي بأس شدید فجاسوا خلال الديار وکان وغدا مفعولا»سأله بعض أصحابه عن هؤلاء الذين سيبعثهم الله تعالى القتال بني إسرائيل ؟ فقال له علیه السلام: ثلاث مرات : هم والله أهل قم ، هم والله أهل قم ، هم والله أهل قم ، ( البحار 216/60 ) . وعن تنزيل أهل خراسان في الإشارة إلى قم، ژوي أن جماعة من أهل الري دخلوا على الإمام الصادق علیه السلام وقالوا : «نحن من أهل الري ، فقال علیه السلام : « مرحبا باخواننا من أهل قم . فقالوا: نحن من أهل الري ، فقال علیه السلام : مرحبا باخواننا من أهل قم ، فقالوا نحن من أهل الري ، فأعاد الكلام علي ، قالوا ذلك مرارا وأجابهم علیه السلام بمثل ما أجاب به أولا وقال: « إن الله حرما هو مكة ، وإن للرسول حرما وهو المدينة ، وإن لأمير المؤمنین حرما وهو الكوفة ، وإن لنا حرما وهو بلدة قم » ( البحار 60-216) إشارة منه علیه السلام إلى أن أهل قم المقصودين في النص هم أهل ارض خراسان أي إيران . ثم تؤكد النصوص أن قم ستشكل قطب الرحى في آخر الزمان على المستوى الفقهي والديني وقيادة المشروع السياسي لدولة الموطنين المؤمنين وفي الرواية عن الصادق علیه السلام :« ستخلوا كوفة من المؤمنين ، ويأرز عنها العلم كما تأرز الحية في جحرها ، ثم يظهر العلم بلدة يقال لها قم ، وتصير معدنا للعلم والفضل ، حتى لا يبقى في الأرض مستضعف في الدين حتى المخدرات في الحجال ، وذلك عند قرب ظهور قائمنا ، فيجعل الله قم وأهله قائمین مقام الحجة ، ولولا ذلك لساخت الأرض بأهلها ، ولم يبق في الأرض حجة ، فيفيض العلم منه إلى سائر البلاد من المشرق والمغرب ، فتم حجة الله على الخلق حتى لا يبقى أحد لم يبلغ إليه الدين والعلم ، ثم يظهر القائم علیه السلام ويصير سبية لقمة الله وسخطه على العباد لأن الله لا ينتقم من العباد إلا بعد إنكارهم الحجة ، ( البحار 60 -216) . وفي الحديث عن الصادق علیه السلام : « إن الله احتج بالكوفة على سائر البلاد وبالمؤمنين من أهلها على غيرهم من أهل البلاد ، واحتج ببلدة قم على سائر البلاد ، وبأهلها على جميع أهل المشرق والمغرب من الجن والانس ، ولم يدع الله قم وأهله مستضعفا ، بل وفقهم وأيدهم.. وسيأتي زمان تكون بلدة قم وأهلها حجة على الخلائق ، وذلك في زمان غيبة قائمنا إلى ظهوره ، ولولا ذلك لساخت الأرض بأهلها ، وإن الملائكة لتدفع البلايا عن قم وأهله ، وما قصده جبار بسوء إلا قصمه قاصم الجبارين وشغله عنهم بداهية أو مصيبة أو عدو ، وینسي الله الجبارين في دولتهم ذكر قم وأهله كمانسوا ذكر الله ، ( البحار 60-213).

إشارة خاصة في ظل حدث خاص ، له صلة بجملة من الأحداث اللافتة في تلك المنطقة ..

ص: 119

قائد من ذرية جعفر بن أبي طالب

تذكر بعض الأخبار المروية خروج رجل من ذرية جعفر بن أبي طالب ، يسلم الراية إلى المهدي علیه السلام . بمعنى أن له دورا بارزا في رفع راية أهل الحق، والذود عن مشروع التوطئة لظهور المهدي علیه السلام ، والبذل الخاص في سبيل تکریم و تکریس مشروع الإمامة .. لكننا لا نعرف تفاصيل عن هذا الرجل القائد ، وطبيعة الأحداث التي تحيط به آنذاك ..

تملك جمال الديلم وقتال ناس من قزوين للدجال

تخبرنا النصوص - في مرحلة متتالية من الأحداث - أن الإمام المهدي علیه السلام يملك « جبال الدیلم » ، وأن قوما من «قزوین » يقاتلون الدجال . إلا أن هذا القتال يكون في مرحلة متأخرة من الظهور الشريف .

الجفاء اتجاه المهدي

الجفاء أول الأمر اتجاه المهدي علیه السلام يكون كثيرا ، منه جفاء الروم والترك واليهود وجملة من قوى الظلم والفساد والطغيان العالمي والإقليمي . فيما تخبرنا رواية أن « الجفاء» يكون بالمشرق : يعني مشرق الحجاز أو نجد ، بدليل ما صرحت به بعض الروايات الواردة في أحاديث وأخبار الحجاز .

ص: 120

منع القفيز والدرهم عن العراق والمنطقة

الأزمة المعيشية ، والإنهيار الإقتصادي ، والإضطراب المالي : الإقليمي والعالمي ، سيشهد محطات مختلفة ، ذات مراتب متنوعة ، وفي موضوع نقاشنا الإقليمي هناك رواية تشير إلى أن العجم يمنعون عن العراق القفيز والدرهم . إشارة إلى حرب طاحنة تدخل البلاد في ضنك العيش بعد سطوة وظلم سابق من حاكم العراق ، حيث يعلن حربا عدوانية على أهالي خراسان ، فيقتل قسما من أبناءهم ويفاخر بطغيانه .. .

بلاد الشام وحركة السفياني [ قراءة معمقة في أحداث المنطقة ]

اشارة

تخبرنا النصوص أنه سيكون لبلاد الشام دور كبير في جملة الأحداث المستقبلية ، على أن بلاد الشام المقصودة في النصوص تشمل المحور الخمس : دمشق ، حمص ، حلب ، الأردن، فلسطين . ويبدو من خريطة بلاد الشام القديمة أن لبنان ناحية من نواحي كورة دمشق ، وهناك تصنيف آخر يفصل بين دمشق ، حمص ، حماه ، فحلب ، بالإضافة إلى الأردن . إلا أن الخريطة التاريخية تؤكد طبيعة هذه المنطقة الممتدة من فلسطين ، فلبنان ، فدمشق ، وصولا إلى حلب والنواحي.

ص: 121

تذكر بعض الأحاديث أن النبي صلی الله علیه و آله، أخبر المسلمين بأنهم سيفتحون الشام - وهذا ما حصل – وأن منهم طائفة ستبقى ثابتة على الحق، وأنها ستعلن ولاءها لآل رسول الله علیهم السلام وسيكون لها دور مهم في آخر الزمن بنصرة آل محمد والدعوة إليهم .. على أن هذه المناطق التاريخية من بلاد الشام وردت الإشارة لها في جملة متعددة من النصوص ، أعطتها صفات استراتيجية بعض الأحيان ، كمارکزت فيها جملة من الوقائع التاريخية المهمة ..

كما أن خطوط الحرب ، وسلطات القوة ، تكون مرة في بعض هذه النواحي ، ومرة تتخذها هدفا وممرا ومقرا .. والأهم أنه في فترة حرجة جدا ، تتحول دمشق - بيت المقدس إلى خط ملتهب لأسباب مختلفة .. ويبدو بوضوح تام في مضامين الروايات أن دمشق تكون ممرا لجيوش خراسان في حرب تحرير القدس ما يؤدي إلى قيام معارك ضارية وأهوال كبيرة(1).

في حين تحدثنا الروايات عن « تجييش الجيوش » وهبوب الأجنحة التي فيها الويل الطويل ، والتي تبدأ من العراق ، وتمتد إلى دمشق ، ثم تتوسع بطريقة دراماتيكية إلى مناطق مختلفة منها، مصر ، وفلسطين ، ولبنان ، وتتعقد الأمور لتشمل الحرب راية خراسان ، والحجاز والمغرب

ص: 122


1- وفي رواية النبي صلی الله علیه و آله : « إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثة من الموالي - أهل خراسان - هم أكرم [ من ] العرب فرسة وأجود سلاحا ، يؤيد الله بهم الدين ، (سنن ابن ماجة 2/ حدیث 4090). وفي لفظ آخر قال : « إذا وقعت الملاحم خرج بعث من الموالي من دمشق ..، ( مستدرك الصحيحين 4/ 548 ) إشارة إلى زحف الخراسانيين مرورا بدمشق نحو بيت المقدس .

العربي ، وتتوسع إلى الأطراف البعيدة في قلب هذه المنطقة ، وتكون سمة هذه الحرب المنقلشة ، على أيدي أقطاب دوليين ، منهم الروم والترك ، بالإضافة إلى قوى إقليمية ، من بلاد الشام ، والمغرب العربي ، والأردن ، والعراق ، و خراسان وغيرها ..

على أن هوية هذه الحرب المتعددة والمعقدة ، ترتكز في أكثر من مخطط لها على الثروة مثل ثروة قرقيسيا ، والمصالح ، وفي بعض الأحيان تشن حرب لاستئصال نفوذ خراسان ، وفي واحدة منها تبدأ بسبب خلاف بین خراسان وقوى في المجتمع الدولي بسبب حق لإيران تصر جماعة دولية على منعها منه ، فيما تصر خراسان على حقها فيه ، مرتين أو ثلاث مرات ، رغم خذلان الخاذلين(1)، إلى أن تخوض خراسان حربا لتحسم حقها، فتعطى حقها فلا ترد سيوفها إلى أغمادها ، أي تتابع حربها ولا تسلم الراية إلا إلى المهدي علیه السلام .

واللافت في خريطة الأحداث الكبيرة آنذاك أن الأحاديث تخبرنا عن حرب « هائلة » بسبب مال جوفي مهم جدا ينكشف عنه الفرات أي ناحيته [ العراق ] ، فتقاتل عليه الرايات ، ويبدو من المتون المروية أنها تبدأ بحرب أولى تتألف من قوى إقليمية ، مثل حاكم العراق [ العباسي ] وحاكم

ص: 123


1- وفي الرواية : لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم ، حتى يخرج الله کتزه من الطالقان ، فيحي الله به دينه كما امیت من قبل ، ( عقد الدرر 122). وقوله علیه السلام : « دعاة حق يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله »، ( شرح نهج البلاغة 48/7). وعن دعوتهم للمهدي قالت : إنما سمي نم ، لأن أهله يجتمعون مع قائم آل محمد صلوات الله عليه ، ويقومون معه ويستقيمون عله وينصرونه ، ( البحار 60-216).

دمشق [ المرواني ] ثم صاحب الراية المغربية [ المغربي صاحب الرايات الصفراء ] الذي يدخل مصر ، فإذا دخل مصر کان علامة على الإنقلاب الذي يقوده السفياني على حاكم دمشق المرواني والذي يستولي على الحكم ثم يتابع حرب قرقيسيا على الثروة أيضا،

ثم تتطور المعارك بشكل دراماتيكي لتصبح القضية دولية بامتياز ، حيث تزحف الترك والروم إليها ، الترك تزحف إليها في بعض جندها من جانب بعض الأرضي الإيرانية التي تكون قد احتلتها بعد فتح الجيش الخراساني لبيت المقدس ، وقيام الحلف «الدولي - الإقليمي » لإخراج الخراسانيين من فلسطين ، ثم إعلان الترك زحفهم فجأة على بعض الأراضي الإيرانية ، ثم خوض الخراسانيين حربا هائلة جدا في وجه الترك لإخراجهم من أرضهم ، ويبدوأنهم يخرجون باتجاه العراق وثروة قرقيسيا، كما أن الروم تعلن الحرب وتجيش الجيوش ، فتزحف بقوتها العسكرية ، ترید السيطرة على تلك الثروة الجوفية في العراق ، وتتبعها الترك [ هناك تفاوت في النصوص حول من يتبع الآخر زمنيا : الترك أم الروم ].

وتتشکل جملة من القوي تتقاتل على ثروة قرقيسيا . إلا خراسان ، فإنها لا تتدخل في تلك الحرب الطاحنة والمحرمة . بل في نصوص أهل البيت علیهم السلام تحذير ومنع للخراسانيين من الدخول فيها، وفعلا لا يدخل الخراساني تلك الحرب ، ويكون في طور تدعيم قوته الكبيرة التي ستجتاح منطقة العراق بما في ذلك ثورة قرقيسيا وغيرها، وتؤسس قوة ضخمة

ص: 124

تفرض نفسها على المنطقة في لحظة الظهور الشريف . على أن النصوص تصف المعركة على ثروة قرقيسيا والتي تقع بين هذه الأطراف الدولية والإقليمية ب-« الملحمة » .! وذلك لشدة القتل والقتال ، والحرب والدمار والخراب ، والعجب العجاب الذي يقع هناك ، ثم لتؤكد أنه لا أحد من هؤلاءالجبارين يحوز ذلك المال آنذاك ..

ورغم أن « السفياني » ينقلب على حاكم دمشق ، ثم يقود جيش القتال على ثروة قرقيسيا في تلك الناحية ، إلا أنه في وقت محدد ومثير ، ينقلب أيضا على الروم بسبب ثروة قرقيسيا ، ما يعدل موازين الحرب ، حيث يكون « الخلاف » على تلك الثروة متعدد الأقطاب ، من بينهم « خلاف » بين الترك والروم ، فتقع معارك متعددة ، منهكة ، تنتهي بانتصار « ضعیف » للسفياني على الروم والترك ، إلا أنه لا يستطيع حيازة ذلك المال ، ربما الانشغاله بالحرب ، أو بسبب الردع والتوازن الذي تخلفه الجبهات آنذاك . وهذا يعني أن انتصار السفياني في تلك المعركة يكون ضعيفا أو غير كبير .

على أن الأكيد أن « دولة خراسان » لا تشارك في تلك الحرب ، بل في المتون تحذير من الإشتراك فيها ، الأحاديث تصفها بحرب الثروة ، حرب الكنز ، حرب المال ، وأنها حرب محرمة تنتهي بمقتلة عظيمة، من كل 10 يموت و..! هذا يعني أن الشرق الأوسط ونواحيه ستعيش مخاضا جبارا ، سينتهي بولادة ميزان قوة جديد ، قريبا من ظهور المهدي علیه السلام ، ثم يتحقق بشكل كبير مع الظهور الشريف .

ص: 125

الأخبار عن ذلك « المخاض » تحدثنا عن تعقيدات كبيرة ، و تغيرات هائلة في خطوط الحرب ووجهاتها، وطبيعة ميزان القوى ومكوناتها ، والذي ينتهي على شكل تنام كبير بقوة الردع والفتح الخراسانية ، التي تحوز ذلك المال بعد تغيرات هائلة بموازين الحرب بين القوى الدولية والإقليمية في المنطقة ، على أن حرب خراسان آنذاك لا تقوم للسيطرة على الثروة بصريح النصوص ، بل للدفاع عن نفسها ، وعن شيعة العراق ، وللوقوف أمام الزحف السفياني وتداعي الحال في العراق بسبب موت الحاكم العباسي وتقاتل العائلة الحاكمة على كرسي الملك هناك ، وسيطرة الفوضى بشكل مثير ، فضلا عن سياسات العدوان التي تعمل عليها الروم والترك وغيرها ..

وتشكل دمشق ، مسرحا للأحداث المهمة . بعض المتون تخبرنا عن نفوذ للعباسي العراقي فيها ، في وقت ما ، ثم عن حرب يشيب منها الولد الحزور بين العباسي العراقي والمرواني الدمشقي ، حول ثروة قرقيسيا ، كما تخبرنا عن نفوذ خراساني في دمشق ، في وقت آخر ، لا أدري الترتيب الزمني بينهما . ثم تخبرنا عن ضعف المرواني في الداخل ، ثم عن طموح رومي كبير ، ينتهي بتحريك السفياني من الوادي اليابس بالأردن أو قريبا من حدود الأردن من الأراضي السورية أو المنطقة المشتركة ، للإنقلاب على عرش دمشق .

كما في النصوص تأكيد على أن « مؤامرة داخلية » تحاك لهذا الإنقلاب ، تشارك فيها قدرات شعبية وجواسيس وعيون وقوى منها قبيلة

ص: 126

کلب وغيرها ، لنصرة السفياني في انقلابه الذي ينجح في السيطرة على عرش المرواني عبر حرب طاحنة ، يقاتل على أثرها جملة من الرايات ، أقلها حرب الرايات الثلاث التي ينتصر فيها السفياني ويحوز عرش دمشق (1). ومع حكم السفياني لدمشق ، تتحول منطقة الشام إلى محور مثير لصناعة الأحداث والقتل والحروب المنفلشة فهو يسيطر على الكور الخمس ، إلا أرض الأبدال الشاميين الإماميين الذين يصمدون ويضحون لحماية خياراتهم الإسلامية الإمامية ، كما أنه يبعث بجيش نحو مصر فيدخلها بالقتل والنار والإغتصاب والذبح وغيره ، ويبعث جيشا نحو فلسطين ليقاتل الخراسانيين مع الراية المغربية والروم واليهود وجملة من القوى المشاركة لطرد الخراسانيين من بيت المقدس الذي خلصه الخراساني من أيدي الغزاة الطغاة ..

وبخصوص الجيش السفياني الذي يدخل مصر .؟ يبدو أنه لنشر نفوذه وحسم ميزان القوة السفيانية في المنطقة ، لكن أيضا ليقضي على ما تبقى من « ثورة النجباء المصرية الإمامية ».النصوص تصف فعل السفياني هناك بأنه إجرامي إلى حد مذهل ، فهو يقتل ويذبح ، ويغتصب ، ويحرق بالنار ، ويفعل الأفاعيل(2)..

ص: 127


1- ابن حماد : ص 76
2- فقد ورد في رواية حذيفة بن اليمان : « إذا دخل السفياني أرض مصر ، أقام فيها أربعة أشهر ، يقتل ويسبي أهلها ، فيومئذ تقوم النائحات باكية ، تبكي على استحلال فرجها ، وباكية تبكي على قتل أولادها، وباكية تبكي على ذلها بعد عزها، وباكية تبكي شوقا على قبورها ، [ الملاحم والفتن لإبن طاووس 50] وفي رواية محمد بن الحنفية عما يقترفه السفياني من جرائم رهيبة يقول : « إذا ظهر السفياني على الأبقع ودخل مصر ، فعند ذلك خراب مصر ، [ الفتن لإبن حماد 174 ].وفي رواية أخرى : « إذا ملك رجل أهل الشام ، وآخر مصر ، فاقتتل الشامي والمصري ، وسبی أهل الشام قبائل من مضر ، وأقبل رجل من المشرق برایات سود صغار ، قبل صاحب الشام ، فهو الذي يؤدي الطاعة إلى المهدي علیه السلام ، [ الحاوي للفتاوي 68/2 * الفتاوي الحديثية 43].

كما أنه بعد جملة من الأحداث الكبيرة وخطوط الحرب المتعرجة والمختلفة ، يحرك جيشه ليقاتل على ثروة العراق ، وهناك تتغير وجهات التحالف ، فالروم والترك يختلفان ، والسفياني الذي دعمته الروم ، ينقلب عليها من أجل الثروة ، ويستغل الإنهاك الشديد الذي وقع بالجيشين فيقاتلهما ويهزمهما .

كما تخبرنا رواية أنه يقاتل قوة تابعة لأصحاب الرايات السود الخراسانيين في دمشق ، فيهزمهم إلى العراق ، يبدو أن قاعدة عسكرية خراسانية تكون هناك ، يقاتلها حتى تنسحب إلى العراق ، فيتبعها ، ويقاتلها أيضا، حتى تعود إلى الأراضي الإيرانية ، فلا يكتفي بذلك ، فيتبعها إلى الأراضي الإيرانية وهناك تقع معركة الفصل التي يتمزق فيها الجيش السفياني ..

وهذا يعني - حسب الظاهر - أن قتاله هذا كان بعد هزيمة الترك والروم في معركة « قرقيسيا » حول الثروة العراقية . لأنه بعد تلك المعركة التي يتبع الإيرانيين فيها إلى منطقة « اصطخر الإيرانية » تقع معركة فاصلة ، يتمرق على أثرها الجيش السفياني أمام قوة الخراسانيين في ظل قتال مستميت يقضي على الجيش السفياني في تلك المنطقة. لتحدثنا النصوص عن انتقام سفیان شديد بسبب ما أصاب جيشه من الخراسانيين ، حيث يفکر

ص: 128

السفياني بقتل المهدي علیه السلام ، وذلك في لحظة تاريخية كبيرة وهائلة ، لأن الإمام المهدي علیه السلام في هذا الوقت يكون قد ظهر الظهور « الخاص » في المدينة المنورة ، وهو الظهور الذي يدوم أشهرا قبل الإعلان عن الظهور العام. على أن الصيحة السماوية من جبرائيل علیه السلام بظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف تقع في شهر رمضان ، أما الظهور فيكون في شهر محرم من نفس العام .. .

ويبدو بوضوح من المتون ، أن السفياني يعرف بظهور المهدي الخاص في المدينة ، في ظل هشاشة مثيرة في الحجاز ، وانقسام على السلطة ، واضطراب أمني ينتهي بقتال ومذبحة في مني ، لذلك يقرر السفياني إرسال جيش إلى المدينة المنورة لقتل المهدي فيها ، فيخرج المهدي علیه السلام مع جملة من أصحابه متخفيا نحو مکة، ويدخل الجيش السفياني إلى المدينة فيتركب مجازر بمن بقي من الهاشميين وأتباع أهل البيت(1) علیه السلام ..

ثم يأمر السفياني بزحف جيشه نحو مكة لقتل المهدي علیه السلام ، فيقع به الخسف في البيداء ، الذي على أثره يتم الإعلان العام عن ظهور الإمام المهدي علیه السلام وآنذاك تتم بيعته المشهورة . في هذا الوقت تكون الشام - إلا منطقة الأبدال - تحت سلطان السفياني الذي يبدو أن جيشه يظل قویا في تلك المنطقة .

ص: 129


1- وفي الرواية عن الإمام الصادق علیه السلام : « يبعث بجيش إلى المدينة ، فيأخذون من قدروا عليه من آل محمد صلی الله علیه و آله ، ويقتل من بني هاشم رجال ونساء ، فعند ذلك يهرب المهدي والمبيض من المدينة إلى مكة ، فيبعث في طلبهما، وقد لحقا بحرم الله وأمنه ، [ الحاوي للفتاوي 70/2 * کنز العمال 14 حديث : 39668]. ويبدو أن الشخص الآخر هو النفس الزكية .

وهنا يجب الإنتباه إلى أن « فتنة السفياني » تختلف عن فتنة الشام الخاصة . الأخبار تحدثنا عن «فتنة » تحدث في بلاد الشام ، وهي فتنة خاصة مختلفةعن الفتن العامة ، هذه الفتنة ميت بلسان بعض النصوص ب- « فتنة الأحزاب » التي تفرق جماعة أهل الشام ، وتضعفهم . بعض النصوص حددت أمدها ب-« 18 سنة » ، وأنه على أثرها تتعاظم راية الأبدال الإماميين ..

في حين تحدثنا النصوص أيضا عن فتنة أخرى هي « فتنة السفياني » وأن هذه الفتنة تظل مستمرة حتى ظهور المهدي علیه السلام . وبالحقيقة : يظهر المهدي علیه السلام الظهور الخاص ، والسفياني ، في زمن واحد. بعض المتون تقول : في سنة واحدة ، في شهر واحد ، في يوم واحد . لكن ظهور المهدي علیه السلام آنذاك يكون عبارة عن الظهور الخاص ، أي غير المعلن ، الذي يحصل في المدينة المنورة ، ويدوم لأشهر ، ربما تصل إلى 11 شهرا يتردد فيها الإمام عجل الله تعالی فرجه شریف بين المدينة ومكة.

ثم على أثر الخسف بجيش السفياني في البيداء الحجازية بالمدينة ، يتم الإعلان عن الظهور العام والبيعة العامة في مكة.

ومع أول الفتنة السفيانية ، تدخل الشام قوات مغربية ، على أن بعض المتون تحدثت عن راية « غربية »، في حين متون أخرى تحدثت عن راية « مغربية » .. ومهما يكن من أمر، فإن الأحاديث تخبرنا عن محاولات متابعة من الروم الغربيين للتأثير على منطقة الشرق الأوسط، وبلاد الشام ، والعراق ، ودولة خراسان ، ومصر ، وغيرها .. نعم هناك متن يخبرنا عن فتنة

ص: 130

السفياني ، وأنه تكون هناك في الشام راية مغربية [ تدخل إليه ]، كما تكون فيها قوات خراسانية من أهل المشرق أيضا . على أن الخراسانيين وأهل المغرب ، عدوان ، ما يعني أن الشام تكون مضطربة آنذاك ، وعرش دمشق على ضعف واضح في ظل تعداد بالرايات . النصوص صريحة في أن السفياني يظهر والرايات متعددة(1).

ثم تؤكد الأخبار المروية أنه تقع «زلزلة» في دمشق وحرستا . ويحدث «صراع عسكري » على « السلطة » بين ثلاث رايات ، واحدة يقودها شخص « أبقع الوجه » ، وراية يقودها رجل « أصفر»، والثالثة يقودها السفياني . وتنتهي المعارك بانتصار السفياني وسيطرته على عرش دمشق ، ثم بسيطرته على الشام . وأن هذا السفياني يخرج قرب ظهور المهدي علیه السلام ، بل يستفاد من بعضها أنه يخرج في نفس الوقت الذي يظهر فيه المهدي الظهور الخاص .

ويشير متن آخر إلى أن هذا السفياني هو من ذرية « عنبسة بن أبي سفيان »، أي هو من الشجرة السفيانية الملعونة في القرآن . بعض النصوص

ص: 131


1- وفي الرواية : « إذا رأيت الفتنة في بلاد الشام ، فالموت الموت ، حتى يتحرك بنو الأصفر ، فيسيرون إلى بلاد العرب ، فتكون بينهم الوقائع ، ( الفتن لإبن طاووس 107 ) . ويبدو من المتون أن أول أرض تخرب هي الشام ، حيث تخرج الرايات العسكرية وتختلف ثلاث رايات : راية الأصهب ، وراية الأبقع ، وراية السفياني ، ويلتقي السفياني بالأبقع فيقتلون فيقتله السفياني و من تبعه ويقتل الأصهب ، ( البحار 212/52 ). وفي رواية أخرى تقول : «ثلاث رايات ، راية حسنية ، وراية أموية ، وراية قيسية ، فبينما هم كذلك إذ يخرج السفياني فيحصدهم حصد الزرع ما رأيت مثله قط » ( البحار 270/52 ) ، ويكون السفياني مدعومة من الروم وقوى الغرب ، تقول الرواية : « يقبل السفياني من بلاد الروم متنصرا في عنقه صليب وهو صاحب القوم ، ( البحار 217/52 ).

سمته «عبد الله »، وبعضها الآخر سماه : « معاوية ».ولعل في القضية رمزية خاصة أو كنية أو انتسابات تاريخية ومعان مجازية تتوافق وواقع الحال آنذاك .

وعن صفته الجسدية ..؟

بعض الأحاديث تشير إلى أنه أعور ، شديد الصفرة ، دقيق الساعدين والساقين .

وعن سياسته الدينية ..؟

تخبرنا أنه حين يخرج ، يتظاهر بالتدين على الطريقة الأموية ، ويتمترس خلفه ، وينادي بملك أجداده الأمويين وحقهم في عرش دمشق ، ثم إذا تمكن من السلطة أعلن عداءة الهائل والفظيع في وجه الإسلام وأهل الإيمان ، فيقتل على الدين ، ويمنع الإسلام ، ويشيع الزنا والفساد والمنكرات والخبائث وشرب الخمر ، ويبالغ في ذلك ، ويعاقب على الدين والشريعة ، ويبالغ في تقوية ساعد الحرام والآثام ، حتى أنه يأمر بالمرأة في يوم الجمعة تنقل من فخذ على فخذ بين الرجال ، وأن يزني بها جهرا في الجامع الكبير في دمشق . ثم تتراوح المتون في بيان خروجه .

وعن خروجه ..؟

بعضها يشير إلى أنه يخرج من منطقة «أندرا »، وبعضها يشير إلى «الوادي اليابس »(1)، وثالث يشير إلى « بيسان » ورابع يشير إلى « فلسطين (2)»

ص: 132


1- وفي حديث الإمام علي علیه السلام : « .. فإذا كان ذلك ، خرج إبن آكلة الأكباد من الوادي اليابس ( من الأردن أو الحدود الأردنية السورية المشتركة ) حتى يستوي على منبر دمشق » [ کنز العمال 11 حدیث 31535 عقد الدرر 81]. وفي حديث النبي صلی الله علیه و آله : « .. فبينما هم كذلك إذا خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ینزل دمشق »[ عقد الدرر 53].
2- وفي حديث الإمام علي علیه السلام : « .. فإذا كان ذلك ، خرج إبن آكلة الأكباد من الوادي اليابس ( من الأردن أو الحدود الأردنية السورية المشتركة ) حتى يستوي على منبر دمشق » [ کنز العمال 11 حدیث 31535 عقد الدرر 81]. وفي حديث النبي صلی الله علیه و آله : « .. فبينما هم كذلك إذا خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ینزل دمشق »[ عقد الدرر 53].

وهناك خبر يشير إلى أنه يخرج من البرية . والصحيح أن هذه المتون تشير إلى مراحل و مناطق يتنقل بينها في ظل إعداده للخروج ، ويبدو من بعضها كذلك بوضوح، فهو يتنقل بين هذه الأماكن في عملية إعداد لمشروعه الإنقلابي على عرش دمشق ..

ويكون خروجه برایات حمر ، تجتمع معه « قبيلة كلب » ، وجملة من الناس ، ويدعم من الروم (1)، ومجموع قوى محلية وإقليمية ، وينادي بإرث أجداده السفيانيين و تاريخهم .. ويصر على طلب « عرش الشام » بهذا الشعار ،

يقاتل الرايات ، ويهزم حاكم دمشق ، ويسيطر على «الکور الخمس » إلا منطقة الأبدال (2)، ويقتل مخالفيه بشدة ، ويبالغ في العقوبة والتشقي والتسلط والمكابرة ، ويكثر من إهراق الدماء ، والتعذيب والإنتقام ،

أقول بموضوع فلسطين ، يبدو أن إجتماعا لافتا تقوده أو ترعاه الروم وجملةمن قوى العالم الدولي والإقليمي - تماما مثل اجتماع القوى الأفغانية قبل اجتياح أمريكا لأفغانستان والعراق - حيث تؤسس لخطة الإنقلاب على الحكم في دمشق ، وتهيئ لذلك عبر اجتماعات ذات بعد تنسيقي منه ما يقع في فلسطين . ففي وصف الإمام علي علیه السلام لجانب من مخطط القوى آنذاك بما فيها السفياني يقول علیه السلام : « .. فتجتمع رؤساء الشام وفلسطين فيقولون : اطلبوا ملك الأول ، فيطلبونه - يعني السفياني - فيوافونه في دمشق ، بموضع يقال لها حرستا ، فإذا أحس بهم هرب إلى أخواله كلب ، وذلك ادعاء منه ، ويكون بالوادي اليابس عدة عديدة .. فما يبرح حتى يجتمع الناس إليه ، وتتلاحق به أهل الضغائن فيكون في خمسين ألفا ثم يبعث إلى قبائل كلب فيأتيه منهم مثل السيل » [ عقد الدرر 99]. وتتفق الروايات على أن أكثر جيوش السفياني تتألف من عشيرة كلب ذات الأصول النصرانية .!

ص: 133


1- وفي الرواية : « يقبل السفياني من بلاد الروم متنصرا ، في عنقه صليب ، وهو صاحب القوم ( البحار 216/52 ).
2- عن أبي جعفر علیه السلام قال : «إذا استولى السفياني على الكور الخمس فعدوا له تسعة أشهر ، يعني ثم يظهر المهدي علیه السلام، وقال : زعم هشام أن الكور الخمس : دمشق وفلسطين والأردن وحمص وحلب . [ عقد الدرر : ص86ب- 4 ف 2-].

فينشر مخالفيه بالمناشير ، ويطبخهم بالقدور ستة أشهر ، لا يفرق في ذلك بين امرأة أو طفل أو شيخ ، كما تخبرنا المتون أنه يبقر بطون النساء ، ويقتل الصبيان ، ويغلي الاطفال في المراجل ، ويقظع في إشاعة الزنا والإغتصاب والفواحش ، ويعلن عداءه الشديد للإسلام ، ويعزل القرآن ، وينكره أشه إنكار ،ويقتل العلماء والزهاد ، فيشتكي من بقي منهم إلى المهدي علیه السلام لشدة ما يفعل ما تشيب منه الرؤوس ..

وعن طبيعة الجبهات ..؟

خبرنا الأحاديث أن السفياني والمهدي علیه السلام يتسابقان کل على جبهته ، فيسيطر هذا على ما يليه وذاك على ما يليه ، إلى أن تقع بينهما الحرب الفاصلة قرب بحيرة طبرية ..

وتشير الأخبار إلى أنه في آخر « فتنة بلاد الشام » ينحسر الفرات ، أو ينكشف عن جزيرة من ذهب ، أو كنز من ذهب باختلاف الألفاظ ( ثروة جوفية عظيمة ) عند منطقة « قرقيسيا » التي تقع في المثلث السوري التركي العراقي ، في حين طائفة أخرى تخبرنا عن هذه الحرب بصفة أنها حرب على « مال » ، إذا هي حرب على ثروة جوفية في غاية الأهمية . وتعبير « ذهب » قد يكون مقصودا بمعناه المعهود، أو قد يكون إشارة تاريخية رمزية إلى ثروة جوفية غالية القيمة ، المهم أن النصوص تحدثنا عن حرب على مال عظيم ينكشف عنه الفرات ، ما يستدعي قيام حروب هائلة بين معسكرات كثيرة تختلط فيها الرايات الحربية الإقليمية والدولية ، مثل راية

ص: 134

العباسي العراقي ، والمرواني الدمشقي ، بالإضافة إلى المغربي ، ثم راية الروم والترك ، والسفياني بعد انقلابه وسيطرته على عرش المرواني في دمشق .

تحدثنا عن حرب هائلة ، ومعارك ضارية تقع هناك ، وقتی بشکل ضخم فيقتل تسعة أعشارهم ، واللافت أن « الأحلاف » في تلك المعركة تنهار بشكل ملحوظ ، فيقاتل السفياني الروم والترك ، وينتصر عليهما في تلك المعركة ، لكن الكنز أو ذلك المال الجوفي المهم جدا لا يكون لأحد منهم . يبدو لأسباب تتعلق بموازين الحرب والردع وعدم التمكن من تنقيبه والسيطرة عليه ..

وتذكر رواية أخرى خطوطا « معقدة » للحرب آنذاك ، حيث تكون المنطقة تحت ضغط عسكري دولي - إقليمي رهيب ، تلك الرواية تشير إلى أن « معركة قرقيسيا » تكون عند نزول الروم فلسطين ، والترك الجزيرة [ أي العراق ] ، فيما السفياني يقوم فيغزو العراق ، فيب جيشه بغداد ، وبابل والكوفة ، ويسيطر على قسم واضح من العراق ، ويقاتل جيش أهل المشرق في العراق ، حتى يرجعوا إلى الأراضي الخراسانية ، فيتبعهم إليها فتقع بينهم « معركة فاصلة » ينتصر فيها أهل خراسان بقيادة شعيب بن صالح (1).

ص: 135


1- عن شعيب بن صالح . قالت الرواية : « عليكم بالفتي التميمي ، فإنه يقبل من قبل المشرق ، وهو صاحب راية المهدي علیه السلام ، ( مجمع الزوائد 317/1/ الحاوي للفتاوي 62/2). وفي رواية أخرى : غلام حديث السن ، خفيف اللحية، أصفر .. » ( الحاوي للفتاوي 2/68) . وفي حديث آخر : « يخرج بالري ، ربعة اسمر ، مولی لبني تميم ، کوسج ، يقال له شعیب بن صالح ، لا يلقاه أحد إلا قتله ، ( الفتاوي الحديثية 41 عقد الدرر 30). وفي لفظ آخر:« لو قاتل الجبال الهدها ، حتى ينزل إيلياء ( بیت المقدس ) ، ( البرهان للمتقي الهندي 217).

إذا خريطة الحرب في منطقة «الشرق الأوسط » تكون في أضخم حالاتها ، الروم ( قوة دولية ضخمة ) تنزل فلسطين بقواتها العسكرية ، فيما الترك ( قوة دولية أقل من الروم ) يزحفون نحو العراق (1)، في حين الجيش الخراساني ، يكون قد خرج من بيت المقدس على أثر حرب يشارك فيها أطراف دوليون وإقليميون ..

أما الحجاز ..؟

فتكون تحت ضغط هائل من الإنقسام السياسي ، بل العسكري والأمني ، لفراغ أو هشاشة أو اختلاف على السلطة ، ينتهي بمجزرة رهيبة في منى ، ثم يؤول الأمر إلى الأسوأ ، ولصالح نفوذ السفياني على الحجاز أو بعضه .

أما الشام ..؟

فتنوء - حسب النصوص - تحت وطأة حرب هائلة ، تتعدد فيها الرايات والمسارات ، روایات مجتمعة تحدثنا عن قتال السفياني ، للأبقع ، والأصهب ، والحسني (2)( راية حسنية تكون في الشام ) ، والراية المغربية ، وعن قتال لقوة خراسانية تكون هناك ، ثم تحدثنا عن جيش السفياني يقاتل

ص: 136


1- عبد الرزاق : ج 11 ص 380 ح 20798
2- وهي المقصودة بقول الإمام علیه السلام مع سدير : « یا سدير ، الزم بيتك ، وأسكن ما سكن الليل والنهار ، فإذا [بلغك ] أن السفياني قد خرج فارحل إلينا ، ولو على رجلك ، قلت : جعلت فداك ، هل قبل ذلك شيئ ؟ قال علیه السلام: نعم ، وأشار بيده . بثلاث أصابعه إلى الشام وقال : ثلاث رايات ، راية حسنية ، وراية أموية ، وراية قيسية ، فبينما هم على ذلك خرج السفياني فيحصدهم حصد الزرع ما رأيت مثله قط » [ روضة الكافي 264 ] . وهذه الراية الحسنية غيرواية الأبدال التي تثبت وتصمد وتتعاظم .

في العراق ضد العباسي ، ثم ضد الترك والروم، ثم ضد الخراسانيين .. ويبدو أن « حرب الثروة » في قرقيسيا تتطور إلى حد أن الأطراف الإقليميين لا يستطيعون حسم الأمر وإنهاءه ، أو أنهم جيوش تابعة لقوی کبری تصر على موازین و منافع محددة ،

لذلك : مع اختلال الميزان المصلحي ، وفي لحظة حرجة، تزحف جيوش الترك إلى العراق ، و كذلك جيوش الروم ، وتقع معارك ضارية ، تتفانى فيها الجيوش ، فيموت من كل عشرة أشخاص تسعة ، ولا يحصل أي واحد منهم على تلك الثروة الضخمة .!

وعن الزمن التقريبي لتطور العلامات التي تنبئ بظهور المهدي الظهور العام ..؟ تذكر الأحاديث أن « شعیب بن صالح » ( القائد العسكري الخراساني ) يهزم جيش السفياني في منطقة « اصطخر » الإيرانية في معركة ضخمة ، عندها يرسل السفياني جيشا آخر إلى الحجاز ، لقتل المهدي علیه السلام بعد علمه بظهوره في المدينة المنورة الظهور الخاص ، فيحتلها ، ويكون المهدي علیه السلام قد خرج منها مع جملة من الهاشميين ، فيهتك الجيش حرمة المدينة ، ويستبيحها ، ويقتل كل من وجد فيها من الهاشميين أو أتباعهم ، ويهرب قسم من الهاشميين وأتباعهم في البيداء ، ويطلبون الجبال .

بعض المتون تشير إلى أنه يهرب منها أهلها في الصيف ، ويجتمع الفارون منه إلى المهدي علیه السلام في مكة . عندها يأمر السفياني جيشه بدخول مكة فيطلبونها ، ويزحف جيشه عبر البيداء ، وهناك يقع الخسف ، فهم «

ص: 137

جیش الخسف(1)» الذي أخبر به النبي(2) صلی الله علیه و آله .. إذا حروب السفياني وقوته التي تدوم من أول أمره 15 شهرا ، فيما سطوة من أصل هذه المدة تكون 9 أشهر(3)،

على أن أصل ظهور السفياني حتى جيش الخسف ، يكون علامة على الظهورالخاص للمهدي علیه السلام والذي يدوم لأشهر ، فيما الخسف نفسه ، يشكل علامة على بدء مرحلة الإعلان العام عن الظهورالشريف(4).

ص: 138


1- وفي رواية صحيح البخاري : « يغزو جيش الكعبة ، فإذا كانوا بيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم » [ صحيح مسلم 86/3 ]. وفي رواية صحیح مسلم : « سيعوذ بهذا البيت - يعني مكة - فوم ، ليست لهم منعة ولا عدة ، يبعث البهم جیش ، حتى إذا كانوا بالبيداء من الأرض خسف بهم ، [ صحيح مسلم 2210/4 ].
2- ملاحظة : خلال معارك السفياني مع الخراسانيين تتسارع العلامات القريبة الدالة على الظهور مثل خروج اليماني في صنعاء ، وهلاك حاكم العراق العباسي عبد الله ، واختلاف العباسيين عسكريا فيما بينهم على الملك ، وانتصار الخراسانيين على السفياني في المعركة الفاصلة بينهما في منطقة اصطخر . وفي الرواية : « فعند ذلك يتمنى الناس المهدي علیه السلام ويطلبونه » . إشارة إلى ظهوره.
3- وفي حديث الإمام الصادق علیه السلام : « السفياني من المحتوم ، وخروجه من أوله إلى آخره خمسة عشر شهرا ، ستة أشهر يقاتل فيها ، فإذا ملك الكور الخمس ملك تشعة أشهر ولم يزدد عليها يومأ » [ البحار 248/52]. وتشير الروايات أن حركة السفياني الضخمة تواجه خمسة عشر قوة حتى ينهار بعد 15 شهرا . وهي : المرواني . الأصهب . الأبقع . الراية الحسينية في بلاد الشام وهي غير راية الأبدال الشامية . الراية المغربية ، الراية العباسية ، الراية المصرية . الراية الرومية التي ينقلب عليها فيما بعد. الراية التركية التي ينقلب عليها ايضا . راية الأبدال في بلاد الشام . شيعة الحجاز . الراية الخراسانية . الراية اليمانية ، وتكون هزيمته الأضخم على يد الإمام المهدي علیه السلام .
4- وفي الرواية عن محمد بن علي قال : « إذا سمع العائد الذي بمكة بالخسف خرج مع اثني عشر ألفانيهم الأبدال حتى ينزلوا إيليا ، فيقول الذي بعث الجيش حين يبلغه الخبر بايليا : لعمر الله لقد جعل الله في هذا الرجل عبرة ، بعشت إليه ما بعثت فساخوا في الأرض إن هذا لعبرة وبصيرة ويؤدي إليه السفياني الطاعة ، ثم يخرج حتى يلقي كلبا وهم أخواله فيعيرونه بما صنع ويقولون : كساك الله قميصا فخلعته ، فيقول : ما ترون أستقيله البيعة ؟ فيقولون : نعم . فيأتيه إلى إيليا فيقول : أقلني ، فيقول : إني غير فاعل ، فيقول : بلى ، فيقول له أتحب أن أقيلك فيقول : نعم ، فيقيله ، ثم يقول : هذا رجل قد خلع طاعتي فيأمر به عند ذلك فيذبح على بلاطة إيليا . ثم يسير إلى كلب فينهبهم فالخائب من خاب بوم نهب كلب . [ الفتن لنعيم بن حماد 215 ] .. ويتوجه المهدي علیه السلام نحو بلاد الشام ، وهي مكونة من ثلاثة ألوية : لواء يتقدمه هو علیه السلام و موقعه القلب ، وآخر يتقدمه اليماني وموقعه الميمنة ، وثالث يتقدمه الخراساني وموقعه الميسرة ، وتنتهي المعركة بقتل السفياني و تحرير بلاد الشام . وفي رواية عن الإمام علي علیه السلام : « ويعمل عمل الجبابرة الأولى - يعني السفياني - فيغضب الله من السماء لكل عمله فيبعث عليه فتى من قبل المشرق ، يدعو إلى أهل بيت النبي صلی الله علیه و آله ، هم اصحاب الرايات السود المستضعفون ، فيعزهم الله وينزل عليهم النصر ، فلا يقاتلهم أحد إلا هزموه ، ويسير الجيش القحطاني ، حتى يستخرجوا الخليفة وهو خائف فيسير معه تسعة آلاف من الملائكة معه راية النصر ، وفي اليمن ، حتى ينزلوا دمشق ، فيفتحونها أسرع من التماع البرق ، ويهدمون سورها ، ثم تبنى وتعمر ، ويساعدهم عليها رجل من بني هاشم اسمه اسم نبي فيفتحونها من الباب الشرقي ، قبل أن يمضي من اليوم الثاني أربع ساعات ، فيدخلها سبعون الف سيف مسلول بأيدي أصحاب الرايات السود ، شعارهم : أمت أمت ، أكثر قتلاهم فيما يلي المشرق » [ کنز العمال 14 حدیث : 39680]. والفني الذي يبعث من المشرق هو شعیب بن صالح ، فيما الجيش القحطاني هو جيش اليماني ، أما الخليفة فهو المهدي علیه السلام ، والرجل المسمى باسم نبي هو « السيد الحسني »، حليف اليماني والخراساني في فتح دمشق .

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن السفياني يكون حليفا ( تابعا للروم )، فيما يجمعه ظرف « المصالح » أحيانا مع الترك ، لكنه في الأصل تابع للروم ، عدو للإسلام ، متنکر لأهل الدين والإيمان . وأنه عبد مصالحه ، لذلك لا شيئ عنده مقدس ، حتى الروم ينقلب عليها . تحدثنا بعض المتون عن قتال السفياني للترك ، ثم عن قتاله للترك والروم ، بقرقيسيا. وهذا يعني تصدع الأحلاف ، وانهيارها أمام حرب الثروات والمصالح التي تقع في قرقیسیا ..

واللافت أن النصوص تشير إلى خروج سفیاني « أول » ثم سفياني «ثاني » وهو المخصوص في بيانات النصوص . السفياني الأول ، مجرم کالسفياني الثاني ، يقتل النساء والأطفال ، يلغو في الدماء ، لا يفرق بين أحد ، همه قتل آل محمد وشيعتهم ..

ويكون خروج « السفياني الثاني » بعد معركة عنيفة تقع بين العباسي العراقي والمرواني الشامي ، تقول النصوص : « إن لولد العباس والمرواني الوقعة بقرقيسياء ، يشيب فيها الغلام الحزور ، يرفع الله عنهم النصر ، ويوحي

ص: 139

إلى طير السماء وسباع الأرض اشبعي من لحوم الجبارين ، ثم يخرج السفياني »(1).

وفي متن آخر عن أبي جعفر علیه السلام أنه « إذا ظهر السفياني على الأبقع والمنصور اليماني (2)، خرج الترك والروم ، فظهر عليهم السفياني »(3). ما يعني أن السفياني يملك من القوة والجند وأدوات القهر والحرب ، ما يستطيع معه قتال كل هذه الفرق ، في أوقات محددة ، وضمن مدة قصيرة ، إلا أنه يتعرض لهزيمة كبيرة من « اليماني » في معركة فاصلة . النصوص تصف اليماني بأنه كاسر عين السفياني ، أي هازمه و قاسم ظهره . ويبدو أن هذه المعركة معه تكون الأخيرة.

على أن مدة حكم السفياني وتسلطه لا تتجاوز مدة حمل امرأة (4). وعندها يزحف المهدي علیه السلام من الحجاز ، يخبرنا النص أن المهدي علیه السلام يسيطر على دمشق ، ويبايعه السفياني ، لكنه يرتد عن بيعته ، ثم يتجهز لقتال المهدي علیه السلام . إلى أن يقتله المهدي في القدس أو في الشام . وفي متون واضحة أنه يقتله بعد معركة طبرية .. فإذا انتهت جبهة السفياني ، انضمت بلاد الشام إلى الحجاز واليمن والعراق وخراسان وغيرها لتشكل دولة

ص: 140


1- النعماني : ص 303 - 304ب- 18 ح12
2- الظهور على المنصور اليماني هنا ، لو صح النص ، قطعا هو وقعة خاصة في معركة . على أن النصوص شديدة التأكيد والاعتبار على أن اليماني هو الذي يهزمه ويشتت جنده ، حتى يذبح بعد المعركة الهائلة التي تقع قرب بحيرة طبرية .
3- ابن حماد : ص 59
4- وفي الرواية عن الصادق علیه السلام : « إن السفياني يملك بعد ظهوره على الكورالخمس حمل إمرأة ، ( الغيبة للطوسي 273)

المهدي علیه السلام . وتكون تلك النواة الأولى لدولة المهدي العالمية . وتؤكد الأخبار أن المهدي علیه السلام يتخذ الكوفة عاصمة دولته المباركة .

المهدي والروم

يبدو من بعض المتون أن الروم رغم فسقها وفجورها وشدة فسادها وقيادتها لمعسكر الزندقة والآثام ، تظل تختبئ وراء الصليب بهدف تعبئة الغرب وحلفاءه لحرب ضروس ضد الإسلام بقيادة المهدي علیه السلام. ومع بیان الحجج الإلهية على يد المهدي صلی الله علیه و آله، فإنها تلجأ للسيف ، والتضليل الإعلامي ، والشعوذة وغيرها ، في محاولة منها للتدليس على الناس .

ومن تلك الحجج أن المهدي علیه السلام يستخرج أسفار « التوراة والانجيل » من جبال الشام ، ويدعو إليها اليهود والنصارى ، كما يستخرج التوراة ، وعصا موسى ، ومائدة سليمان ، وتابوت السكينة من انطاكية ويحتج بها على الدنيا من أتباع الفريقين . فتقابلة الروم وحلفاءها بحملة إعلامية كبيرة ، بهدف إبطال أمره ، وتظل المقار السياسية لروما وحلفاءها تضغط الناس باتجاه الحرب إلى أن تقع في فترة حاسمة.

على أن بلاد الشام ، بالإضافة إلى الحجاز والعراق واليمن و خراسان ، والأطراف ، تكون كلها تحت سلطان المهدي علیه السلام ، وهذا ما يثير الروم التي جهز جيشا كبيرا بهدف القضاء على دولة المهدي علیه السلام ،

ص: 141

وتقع « المعركة الكبرى » الموعودة بين المهدي علیه السلام والروم ، على أثر قتل السفياني ، وبعد هدنة بين الروم والمهدي علیه السلام بل بعد غزو مشترك بين الروم والمسلمين ضد الترك ، ثم تغدر رومية ، وتقتل فئة من المسلمين يستبسلون في قتال الروم في لبنان ، ثم تجهز جيشا كبيرا في بلادها ، فينزلون ما بين عکا وصور ، و تكون معركة عنيفة جدا ، تزحف فيها قوات الروم بقدارتها القتالية وأساطيلها الحرية للقضاء على دولة المهدي علیه السلام في أول أمرها . لكنها تفشل في ذلك فشلا ذريعا.

أما حصار الدجال للمسلمين في الشام ، ونزول النبي المسيح علیه السلام شرقي دمشق ..؟ فهذا الحدث يقع بعد مدة من هزيمة الروم في عقر عاصمتها العالمية ، أي في الغرب ، وليس بعد «الملحمة » في الأعماق ( ناحية حلب أو بلاد الشام ، أو الجزيرة العربية )(1) ، كما لا يكون ذلك بعد فشل حملة الروم التي تمتد ما بين عکا وصور ..

إذا ، الدجال يخرج بعد مدة(2) من دخول المهدي علیه السلام وجيشه الكبير إلى الغرب الرومي واحتلال تلك البلاد الظالمة ..

ص: 142


1- ابن حماد : ص 59
2- بعض المتون قدرتها بأشهر ، وبعضها الآخر جاءت صريحة بسنوات مع احتمال التصحيف في اللفظ وهذا ما شرحناه بالتفصيل في كتابنا نهاية أحداث التاريخ البشري .

-فلسطين في آخر الزمن :

شكل فلسطين مهدا لجملة من الأحداث ، بل بعض الأحيان تكون سببة لحرب إقليمية ، أو جزء من سبب حرب إقليمية كبيرة . وتحدد النصوص أمرين أساسين :

الأول أن الخراساني بعد حرب كبيرة ، يفتح بیت المقدس . إلا أنه لا يبقى فيها ، فينسحب بعد فترة من المعارك الضارية ، بالأخص بعد مهاجمة الترك لبعض الأراضي الخراسانية .

الثاني أن المهدي علیه السلام يحرر بیت المقدس إلى الأبد . ويعلنها أرضا مقدسة مفتوحة لأهل الدين والإيمان . وقد وردت أحاديث عديدة في فضل المسجد الاقصی و بیت المقدس ، وأن تلك الناحية من القرى المحفوظة ، ويبدو واضحة على الأقل أنها تعني بذلك حفظها من دخول الدجال وسطوته إليها ، وأن المهدي علیه السلام يكون فيها ، في لحظة يبدو من طائفة مروية أنها حرجة ، حيث يهاجم جیش الدجال بعض أراضي دولة المهدي علیه السلام فجأة ، ويعلن حربا كبيرة على دولة المهدي في منطقة الشرق الأوسط ، أو على الشريط الخليجي المتصل ببعض الحجاز وبلاد الشام . من يقرأ النصوص يجد أن الدجال يصر على دخول بلاد الشام ، أو بالأحرى القدس ، نعم هو يحاول دخول مكة والمدينة فيفشل ، فيوجه جيشه نحو

ص: 143

فلسطين . ولقد أخبر النبي صلی الله علیه و آله المسلمين منذ المن الأول بفتح فلسطين ، وبشر بذلك ، مؤكدا أنه يأتي زمان عليها ، يكون فيها خيار عباد الله تعالی . وقد أوضحت النصوص ذلك ببيانها أن المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف هو الذي يكون فيها، في تلك اللحظات الحرجة من الهجوم الكبير الذي يقوده الدجال وحلفاءه ..

لذلك : أول معارك المهدي الكبيرة تقع مع السفياني وجبهته ، ومع هزيمة السفياني ، تتحرك الروم ، وتقع جملة من معارك ، تنتهي بهدنة، ثم تنقلب الروم وتغدر ، فتقع معارك شديدة بينها وبين دولة المهدي علیه السلام ، منها معركة الغدر التي يغدر فيها جيش الروم في لبنان ، ثم المعركة التي تمت فيها أساطيل الروم ما بين صور وعکا (1)، ثم ملحمة « الأعماق الكبرى » في بلاد الشام أو الجزيرة ، إلى أن تقع « المعركة النهائية » مابین جیش المهدي علیه السلام وجيوش الغرب ، في عقر دار الغرب ، وتنتهي بهزيمة هائلة ونهائية في جانب الروم . نعم تقع معركة كبيرة مع جبهة الترك. النصوص تخبرنا بأن الترك يهزمون على يد المهدي علیه السلام . ويكون ذلك قبل زوال جبهة الروم . وفي بعض المتون إشارة إلى حروب « فرعية » مهمة ، لم تحدثنا النصوص عنها بالتفاصيل، لكنها أشارت إليها وإلى انتصارات المهدي علیه السلام.

ويكون خروج الدجال بعد مدة من هزيمة الروم . هذه المدة روایات حددتها بأشهر ، وأخرى حددتها بسنوات ، وهي إما ترميز ، أو

ص: 144


1- ابن حماد : ص 142

إشارة إلى وثبات أو محاولات أو تقطيع في الرواية أو اشتباه أو تصحيف ، وإلا فإن الصحيح كما يبدو هو سنوات وليس أشهرا ..

المهم أن جبهة الدجال تخرج بعد مدة من هزيمة الروم ، وبذلك تخبرنا المتون عن تجمع فلول الروم ، وجملة أخرى من الجبهات الفرعية تحت جبهة الدجال الذي يخرج من شرقي أوروبا أو بعض نواحي آسيا الوسطى أو جنوب آسيا ، أي من منطقة دول الإتحاد السوفياتي السابق (1).

ويظهر أن جبهته أول الأمر تكون قوية وقادرة ، تستطيع - وفق بعض الروايات - اجتياح قسم من مناطق الشرق الأوسط التي تكون تحت سلطان المهدي علیه السلام ..

ويبدو واضحا أن القدس تتألق في ذلك الزمن . لذا تحدثنا بعض الأخبار عن فضل القدس وبعض مناطق فلسطين ، مؤكدة أنه يأتي زمان تكون فيه بسطة قوس من أرض بیت المقدس خيرا من الدنيا ، وكذا نابلس . إشارة منها إلى الشأن الذي تصل إليه .

ص: 145


1- خروج الدجال كرئيس دولة ، خروجه من الخلة يكون كفتنة يفسد يمنا وشمالا . أما عن خروجه من خراسان قال القزويني - في حدود خراسان - : شريها ما وراء النهر ( أي نهر جيحون وتقع وراءه بخاري ) وقصبتها مرو ويلخ، وهره ونيسابور ] [ آثار البلاد . القزويني 361]. والذي يعنينا هنا هو مرو، لأنها منها حسب هذا النص الضعيف يخرج الدجال ، وفي الحديث النبوي : « يخرج المسيح الدجال من مرو من يهودينها » ( نعیم بن حماد کنز 14/599 ). ومرر تقع داخل الحدود السوفياتية ضمن إقليم « ترکمانستان » ، وتعتبر مرو رأس مثلث يتكون منها ومن مدينتي خاردزو واشخاباد . يقول القزويني - عن جبل في إقليم خراسان - : فيها جبل كلستان ، فيه کهف شبه قصر ، فيه دهليز يمشي فيه الإنسان منحنيا مسافة ثم يظهر آخره ضوء، ثم يتبين أنه محوط يشبه حظيرة فيها عين ينبع الماء منها وينعقد عليها حجر مثل القضبان وفي هذه الحظيرة ثقب يخرج منه ريح شديدة ولا يمكن أن يدخله أحد من شدة الريح .. » [ آثار البلاد : 362]

وفي متون أخرى تركز على ما يؤول إليه الأمر في بعض الأوقات بعصر الغيبة من طغيان يصب على فلسطين ، ثم تشير إلى أهل الحق الذين يجتمعون على راية الخراساني من قبل ، ثم راية المهدي علیه السلام ، في وجه الطغاة الذين يكون آخرهم الدجال . فقد ورد التأكيد على « الرباط » في عسقلان ، كما ورد أنه لا تزال طائفة ثابتة على الحق في بيت المقدس وما حوله . إشارة إلى أحداث مختلفة ، فالرباط ، في وجه العدو يكون بمواجهة اليهود أول الأمر ، ثم تفتح جيوش الخراساني بیت المقدس ، وتقع معارك ضارية ، تقودها اليهود والروم والراية المغربية ثم السفياني بوجه الخراسانيين ، وتنتهي بخروج الخراسانيين من بيت المقدس ، أي من فلسطين (1)، بعد دخول الترك مع هذا الحلف الإقليمي الدولي ، بوجه أهل خراسان ، فتهاجم فجأة أراضي خراسان ،عندها يزحف الجيش الخراساني إلى بلاده ويخوض أكبر ملاحم التضحيات للدفاع عن أرضه ، ويكون ذلك

ص: 146


1- يبدو من النصوص أن سبب خروج الخراسانيين من فلسطين يعود لأمرين : الأول نجاح السفياني في السيطرة على عرش دمشق وقيادة جيش كبير لقتال الخراسانيين في فلسطين بالإضافة إلى حلف إقليمي دولي ، والثاني مهاجمة الترك للأراضي الخراسانية . وفي الرواية : « يبايع السفياني أهل الشام ، فيقاتل أهل المشرق ، فيهزمهم من فلسطين » [ الفتن لنعيم بن حماد 176]. وفي رواية أخرى : « ثم يرجع - أي السفياني - فيقاتل أمل المشرق حتى يردهم إلى العراق » [ عقد الدرر 52 ] . ويستمر السفياني في إعلان حربه على الخراسانيين بعد إخراجهم من فلسطين إلى العراق ، حيث تجري بينهما أشهر الملاحم ، ثم يصطدم معهم في معركة هائلة في منطقة اصطخر الإيرانية وفي الرواية عن الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام : « إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة ، بعث في طلب أهل خراسان ، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي ، فيلتقي هو والهاشمي برايات سود ، على مقدمته شعيب بن صالح ، فيلتقي هو وأصحاب السفياني بباب إصطخر ، فتكون بينهم ملحمة عظيمة ، فتظهر الرايات السود ، وتهرب خيل السفياني ، فعند ذلك يتمنی الناس المهدي ويطلبونه ، [ کنز العمال 14/ حدیث 39667 ). بحيث ينهزم جيش السفياني بشكل هائل أمام جيش الخراسانيين ، وهذا يشكل منعطفا تاريخيا في أحداث عصر الظهور .

في فترة تبدأ فيها ارتسامات معالم الظهور القريب جدا للمهدي علیه السلام .. إلا أن الترك يعانون من القدرة الخراسانية في الدفاع عن أرضها ، لذلك تحدثنا النصوص عن زحف الترك من الأراضي التي يحتلونها في إيران نحو العراق ، طمعا في السيطرة على ثروة قرقيسيا . وهروبا من المأزق الإيراني .

وهناك تقع الملحمة الشهيرة التي تأكل منها طيور السماء وتهزم فيها الترك والروم فيما قوة خراسان تتصاعد إلى درجة أنها هي التي تعيد صناعة جملة من الأحداث في طول هذه المنطقة . وتحت قيادة المهدي علیه السلام تعود ثانية لتحرر القدس ثانية ، في ظل تراجع واضح جدا في نفوذ الروم والترك في منطقة الشرق الأوسط ونواحيها.

وهناك نص لافت يخبرنا أن « بیت المقدس » يعمر قبل تخریب السفياني يثرب ( أي المدينة المنورة ) . وهذا يعني فيما يحضرني من نصوص أن الجيش الخراساني الذي يحرر بیت المقدس ، يعله أرضا لكافة المسلمين ، ويقيم أمر الله فيه ، فتصبح القدس محجا لمحبي دين السماء . [ هذا احتمال تفسيري بهدف بناء صورة تتناسب وهذا الحديث الذي يتحدث عن عمارة بیت المقدس ].. .

نعم النصوص تؤكد أن المهدي علیه السلام ينزل في بيت المقدس ويكون ذلك التحرير الثاني له ، بعد تحرير الخراسانيين له أول مرة ، ثم لتشير إلى أن المهدي علیه السلام هو الذي يبني بيت المقدس بناء لم يبن مثله ، ويكون حرسه اثنا عشر ألفا أو ستة وثلاثين ألفا. ومعه يصبح بیت المقدس محج أهل

ص: 147

الدنيا . واللافت ما تضمنته النصوص من أن المهدي علیه السلام يرد حلي بيت المقدس وكنوزه إليه من إيطاليا .. كما تخبرنا المتون أن فلسطين يكون فيها بعض ذخائر الأنبياء علیهم السلام وأن المهدي علیه السلام يستخرج « تابوت السكينة » من بحيرة « طبرية » ويوضع أمامه في بيت المقدس ، فيسلم على يده كثير من اليهود .

فتح الهند والصين

اللافت في خطوط جبهات الحرب ، أن جبهة الهند أو جبهة في الهند، أو شبه القارة الهندية تتحرك وتعلن عداءها للمهدي علیه السلام أو انضمامها إلى محور الجبهات المناوئة للمهدي علیه السلام ، ولا نعرف تفاصيل واضحة عن حركة جيشها ، أو أفاعيلها ، لكن النصوص تخبرنا عن ظرف طارئ ، على أثره يرسل المهدي علیه السلام جيشا إلى الهند ، فيفتحها، وذلك قرب خروج الدجال .

وهذا يعني أن الجبهات المناوئة للمهدي علیه السلام بعد هزيمة الروم، تزحف نحو بعضها ، لإعلان قوة كبيرة في وجه المهدي ، ولا نستبعد أن تكون جبهة الهند ، المشروع المتقدم آنذاك لإعادة تكوين جبهة قوية ، القتال المهدي أو الإعداد لذلك ، أو إعلان الحرب بشكل مباشر .. المهم أن النصوص تخبرنا عن اصطدام بين جيش الهند و جيش المهدي علیه السلام ، وذلك بعد هزيمة الروم ، ولا ندري المدة بالتفصيل ، لكن قبل خروج الدجال ..

ص: 148

أيضا تخبرنا النصوص عن فتح الصين ونواحيها دون تفاصيل زمنية أو جبهوية ..

جبهة الدجال

الأكيد - حسب مضامين المتون المروية - أن جبهات فرعية عدة ، تؤسس جبهة حرب كبيرة ، يبدو أن وجهها شرق أوروبي ، أو شرق أوروبي آسيوي لجهة آسيا الوسطى أو جنوب آسيا مثلا ، واللافت أن اليهود تكون لهم الحظوة الرئيسية في هذه الجبهة ، في حين فلول الروم والترك وجبهات فرعية أخرى كلها تنضوي تحت هذه الراية ، وتعلن « حربا كبيرة » على دولة الإمام المهدي علیه السلام

وعلى أثر تطورات كبيرة في تكوين « جبهة حرب » كبيرة بوجه دولة المهدي تعلن راية الدجال حربها فجأة على دولة المهدي ، وتزحف بقوة نحو قسم من أراضي دولته فتحتل قسما منها و تتجه نحو مكة والمدينة ، فتفشل في فتحهما، عندها تقرر الزحف نحو القدس ، ويكون الإمام المهدي علیه السلام هناك ، في تلك اللحظات التاريخية ، وقد يكون وجوده هناك لأسباب تتعلق بإدارة العمليات العسكرية وشبهها .. ويظهر في المخطط العسكري أن القضاء على المهدي يعني قضاء على دولته ، فيزج الدجال بكل قدراته الحرية للقضاء على المهدي ودخول بیت المقدس ، وهذا ما يفشل به ، على أن جيش المهدي علیه السلام آنذاك يكون منتشرا في الغرب وفاتح له ، لكن مخطط الدجال یرکز على هدف كبير، يتلخص في القضاء

ص: 149

على المهدي علیه السلام خاصة أن جيشه منتشر بنسبة كبيرة في الغرب والمناطق الواسعة التي فتحها ، لذا ، فإنه ينقض فجأة على المنطقة الممتدة في شريط يمر عبر بعض الأراضي الإيرانية ، نزولا نحو بعض دول الخليج ، وصولا إلى أراضي الشام ، فالحجاز ، ثم محاصرة بیت المقدس طلبا للمهدي علیه السلام ..

تشير بعض النصوص إلى أن تلك اللحظات السريعة تكون حرجة ، لكنها غير مستحيلة ، وتؤكد أن جيش المسلمين في القدس وفلسطين يصمد بقدرات هائلة ، حتى يعجز الدجال عن التقدم نحو مراده .. إلى أن تحدثنا عن نزول النبي عيسى المسيح علیه السلام على المهدي علیه السلام بيت المقدس عند الفجر ، في وقت يكون فيه المسلمون عند نزوله يقاتلون الدجال بإمامة المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ..

وعلى الأثر ، ودون سرد للتفاصيل، تؤكد بعض المتون المروية أن المسيح علیه السلام يقود جيش المهدي علیه السلام فيفرق جبهة الدجال ، ويمزقها تمزيقا ، حتى أنه يذيب الدجال تذويبا .! تعبير ، ربما لا نجد مثيلا له اليوم إلا في الحرب الهيدروجينية ، وهذا لا يعني التماثل بالضرورة ، لكن النص یحدثنا عن أن الدجال يذوب ذوبانا ، ويقع القتل باليهود ، ويبدو من الأخبار المروية أنهم يكونوا منتشرين في مواقع قتالية ، فيفرون بشكل مخيف من تلك المعركة ، لكنهم يكشفون ، حتى الحجر يقول : يا مسلم ، هذا يهودي فاقتله . على الأقل : في هذا إشارة إلى انکشافهم ، وانهيارهم ، وافتضاح أمرهم وهزيمتهم النكراء ..

ص: 150

الحجاز في آخر الزمن :

اشارة

الحجاز مهد النبوة العظمى ، والرسالة الخاتمة ، ففي مة بعث الله محمد نبيا ، وفي المدينة أسس رسول الله صلی الله علیه و آله دولة الإسلام المباركة، ومنها توسعت الهداية إلى أنحاء المعمورة ..

وستكون الحجاز مهد أعظم نبأ في آخر الزمان ، حيث يتم الإعلان عن الظهور العام للمهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف . أيضا تخبرنا الأحاديث عن أن المدينة المنورة ستشهد الظهور الخاص للمهدي علیه السلام والذي يدوم لأشهر ، ربما 11 شهرا ، يتردد خلاله بين المدينة ومكة(1) ، إلى أن يتم الإعلان العام عن ظهور المهدي علیه السلام والبيعة العامة له ، وذلك بعد وقوع الخسف بجيش السفياني في بيداء المدينة ..

إذا ، التاريخ يحدثنا عن مكة والمدينة كموقعين كبيرين ، ففي المدينة المنورة الظهور الخاص للمهدي علیه السلام، وفي مكة المكرمة الظهور العام للمهدي علیه السلام والإعلان « الأعظم » عن بيعة المهدي في ذلك الزمان وبدء المرحلة التاريخية الكبرى .. ومن تلك العلامات على ظهوره علیه السلام : عمود من « نار » يطلع من قبل المشرق في شهر رمضان ، ربما إشارة إلى

ص: 151


1- ظاهر بعض الروايات أن البيعة الأولى بين المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف وأصحابه تتحقق في المدينة .

حرب ضروس ، أو أثر من لهيب عسكري كبير ، المهم أن نارا تطلع من المشرق ، من الحجاز ، وتكون علامة بينة من علامات الظهور المبارك . على أن العلامات كثيرة ، منها : موت الحاكم العباسي القوي (1)، واختلاف جماعته على الملك(2)، وانسياب الترك على أرض المسلمين ( خراسان )،

ص: 152


1- وفي الروايات تأكيد على أن موت الحاكم العباسي من العلامات القريبة ، ففي رواية محمد بن الصلت قال قلت لأبي عبد الله علیه السلام : « ما علامة بين يدي هذا الأمر ( أي ظهور المهدي ) ؟ فقال علیه السلام : بلى ، قلت ما هي : قال ، هلاك العباسي ، وخروج السفياني ، وقتل النفس الزكية ، والخسف في البيداء ، والصوت من السماء » ( الغيبة للنعماني 267 ) . وفي رواية عمرو بن أبي المقدام عن أبي جعفر علیه السلام قال : « يموت سفيه من آل العباس بالسر ، يكون سبب موته آنه ينكح خصیا فيذبحه ، ويكتم موته أربعين يوما ، فإذا سارت الركبان في طلب الخصي لم يرجع أول من يخرج إلى آخر من يخرج حتى يذهب ملكهم » ( كمال الدين 267 ) . وفي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عنه قال : بينما الناس بعرفات إذا أتاهم راكب على ناقة ذعلبة ، يخبرهم بموت خليفة ، يكون عند موته فرج آل محمد صلی الله علیه و آله، وفرج الناس جميعا ( الغيبة للنعماني 267 ) . وعن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله يقول : « من يضمن لي موت عبد الله أضمن له القائم. ثم قال : إذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعده على أحد . ولم يتناه هذا الأمر دون صاحبكم إن شاء الله . ويذهب ملك السنين ويصير ملك الشهور والأيام » ( الغيبة للطوسي 271). على أن النقاش يبقى في استفادة موت حاکم حجازي من بعض المتون ، وهو أمر ممكن وفي بعضها أمر لافت ، على الأقل الإنقسام السياسي الأمني والهشاشة في الحجاز تکون من العناوين المؤكدة .
2- روایات اختلاف بني العباس على السلطة كثيرة ، منها : عن أبي عبد الله علیه السلام قال : «لا ترون ما تحبون حتى يختلف بنو فلان فيما بينهم ، فإذا اختلفوا طمع الناس فيهم وتفرقت الكلمة وخرج السفياني » ( روضة الكافي 224) وقال أبو جعفر علیه السلام : « لقائم آل محمد غیبتان ، إحداهما أطول من الأخرى ، فقال علیه السلام : نعم ، ولا يكون ذلك حتى يختلف سيف بني فلان ، و تضيق الحلقة ، ويظهر السفياني ويشتد البلاء ويشمل الناس موت وقتل ، يلجأون فيه إلى حرم الله وحرم رسوله صلی الله علیه و آله» ( الغيبة للنعماني 172 ) . وفي رواية يعقوب السراج قال : قلت لبي عبد الله علیه السلام: « متى فرج شيعتكم ؟ قال علیه السلام: إذا اختلف ولد العباس ، ووهی سلطانهم ، وطمح فيهم من لم يكن يطمح فيهم ، ( روضة الكافي 244). وأن ذلك يكون في آخر الزمن وتكون معركة هائلة بينهم ما بين الكوفة والحيرة ، وفي حديث الإمام زین العابدين قال : « یا جابر ، لا يظهر القائم عجل الله تعالی فرجه شریف، حتى يشمل الناس بالشام فتنة يطلبون المخرج منها فلا يجدونه ، ويكون قتال بين الكوفة والحيرة ، قتلاهم على سواء ، ينادي مناد من السماء ، ( الغيبة للنعماني 279 ) . وذلك بأعقاب موت الحاكم العباسي القوي عبد الله . * إذأ الروايات تؤكد موت الحاكم العباسي القوي عبد الله ، ثم خلاف هائل بين الجماعة الحاكمة، ثم تطورات إقليمية كبيرة ، منها زحف السفياني لاحتلال العراق ، فزحف الخراساني لكسر جبروت الطغيان السفياني والعباسي معا ، فقد ورد في الرواية عن الباقر عجل الله تعالی فرجه شریف قال : « لا بد أن يملك بنو العباس ، فإذا ملكوا واختلفوا وتشتت أمرهم، خرج عليهم الخراساني والسفياني ، هذا من المشرق ، وهذا من المغرب ، يستبقان على الكوفة كفرسي رهان ، هذا من ههنا ، وهذا من ههنا ، حتى يكون هلاكهم - العباسيين - على ايديهما أما أنهما لا يبقون منهم أحدا أبدا ، ( الغيبة للنعماني 259 ) . وفي رواية أبي بصير عن المام الباقر عجل الله تعالی فرجه شریف قال : « ثم يتملك بنو العباس ، فلا يزالون في عنفوان من الملك وغضارة من العيش حتى يختلفوا فيما بينهم ، فإذا اختلفوا ذهب ملكهم ، واختلف أهل المشرق وأهل المغرب » (الغيبة للنعماني 262 - البحار. (235/52).

وخسوف و کسوف للشمس والقمر في نفس شهر رمضان على غير عادة وخلاف القانون العلمي ، وشروق الشمس من مغربها ، وقتل النفس الزكية في مكة ، وخروج السفياني ، ومذنب سماوي ، وصوت في السماء ينادي بالمهدي لك وظهوره عجل الله تعالی فرجه شریف ، وغيرها من العلامات الطبيعية والكونية والبشرية والإعجازية ..

وبخصوص نار الحجاز ..؟

يبدو أنها حدث كبير ، خاصة أن الروايات تحدثنا عن انقسام وهشاشة ، وفوضي ، واضطراب أمني وسياسي ينتهي بمذبحة في منی بموسم الحج (1). كما تخبرنا المتون عن امتناع النبي صلی الله علیه و آله عن الدعاء بالبركة النجد ، لانها يطلع منها قرن الشيطان .. واللافت ما أشارت إليه طائفة من النصوص مفادها أن الإيمان « يأرز » في آخر الزمان إلى مكة والمدينة . أرجح تفسير أن ذلك إشارة إلى ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف في تلك الناحية العظيمة ، وزحف الناس والقيادات والقوى نحو هذه الأماكن المباركة لبيعة المهدي علیه السلام. ولعل فترة سيطرة السفياني على بلاد الشام إلا منطقة الأبدال ، وانتشار نفوذه في قسم من الحجاز ، ودخوله إلى العراق ، وفلسطين ومصر ، مع إعلانه العداء الكامل للدين ومناصرته الكبيرة للمنكرات والمفاسد،

ص: 153


1- عبد الرزاق : ج 11 ص 371 د 20769 ابن حماد : ص 99

وزحف الترك والروم إلى قرقيسيا(1) ، لعلها إشارة واضحة إلى انحسار الإيمان ، وتموضعه في مناطق قليلة ، على أن آخر الزمان بصورة عامة يشهد انحسارا ضخما في الإيمان ، أو أن النص يرمز إلى بقاء مكة حيث الكعبة ، والمدينة حيث ضريح النبي صلی الله علیه و آله كرمز إيماني ، فيما النواحي والكيانات الأخرى على فسق و انحراف وأباطيل . أو لعل في ذلك إشارة إلى سيطرة الدجال أول أمره على قسم من النواحي ، فيما يحاصر مکة والمدينة ، ويحاول اختراقها واحتلالها للقتل والسفك والتدمير لكنه يفشل . كل هذه فيها دلالات رمزية على المعنى الوارد في لسان النبي صلی الله علیه و آله لكنها متفاوتة، والأرجح جدا الإحتمال الأول خاصة أن المهدي علیه السلام يظهر الظهور الخاص في المدينة ، والظهور العام في مكة ..

لذا فإن الحجاز تشکل زمن ظهور المهدي علیه السلام واستتباب أمره ، رمزا كبيرا لأهل الإيمان ، في عالم مضمحل من أهل الدین ، متکثر بأهل الفسق والفجور إلا من قلة على مذهب أهل الحق وأتباع المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ..

ذبح النفس الزكية

خط الأحداث أول الأمر يشير إلى محطات ملتهبة ، منها أن أهل الحجاز ( سلطة مكة ) يقتلون « النفس الزكية » التي تغضب لها السماء ، وتكون النفس الزكية الهاشمية من أهم أنصار الإمام المهدي علیه السلام ، ويكون

ص: 154


1- النعمانی : ص 249 ب 1ف4 4 *فتن السليلي : على ما في ملاحم ابن طاووس . -: ملاحم ابن طاووس : ص 124 ب- 39 - بشارة الاسلام : ص 45 ب 1 -

صاحبها رسول المهدي علیه السلام إلى القوم ، فيأخذونه ويذبحونه ذبحا بین الركن والمقام . هذا يحصل قبل الإعلان العام عن ظهور المهدي ، خاصة أنها تتم مراسلات بين السفياني وحاكم مكة ، وكذا بين السفياني وحاكم المدينة .

وفي مراسلة بين السفياني وحاكم مكة يأمره أن يأخذ المهدي علیه السلام فيقتله . إلا أن سلطة مكة لا تتمكن من المهدي علیه السلام . لذا فإنها تأخذ رسول المهدي فتذبحه ..! ويكون ذلك قبل الإعلان العام عن بيعة المهدي علیه السلام بأربعة عشر يوما .

كما أن جيش السفياني يدخل المدينة المنورة فيهتك حرمتها ويستبيح قداستها ، ويفتك ببني هاشم وأتباع أهل البيت علیهم السلام فيهجرها أهلها .. وهذا يعني كما يظهر أن ذبح الحسني ، يقع قبل الخسف بجيش السفياني الذي يخرج من المدينة نحو مكة لقتل المهدي علیه السلام . كما تخبرنا المتون بوضوح إلى أن فراغ أمنيا ، سياسيا ، يقع في الحجاز ، وأن فريقين نافذين ينقسمان هناك ، في خلاف على حكم أو على طبيعة حكم ، وتبدو الحجاز ضعيفة السلطة ، منقسمة على نفسها ، في ظل اضطراب صامت ، وهشاشة واضحة ، فإذا جاء النبأ بموت الخليفة ، وقع اصطدام عسکري دموي في منی بموسم الحج.

وهنا يقع الإشتباه بأنه أي خليفة هو الذي يموت .؟ خليفة العراق أم خليفة الحجاز .؟ ومهما يكن من جواب ، وإن كان يبدو من طائفة أن موت

ص: 155

«الحاكم العراقي » له أثر ونتائج كبيرة ، إلا أن قراءة نصوص ما يجري في الحجاز تؤكد: إماموت خليفة ، أو شبه ذلك ، أو انقسام سلطوي أمني سیاسي ، يؤدي إلى إضعاف الفريقين ، المهم أن النصوص تخبرنا أن الحجاز تكون هشة ، ضعيفة ، منقسمة على نفسها ، فما أن يأتي الخبر بموت ذلك الخليفة حتى تقع معركة دموية في منی من موسم الحج . بين فريقين ، بعض المتون عبرت عنها با « قبائل الحجاز » لتشير إلى صراع على السلطة بين الأفخاذ مثلا ، ويمكن جدا أن يكون الصراع على السلطة لأسباب مختلفة غير موت حاكم ، مثل استضعاف الحاكم أو الإنقلاب عليه ، أو الإنقلاب على أطروحته أو الوقوف بجنب السفياني أو قوة إقليمية أخرى ، خاصة أن النصوص تحدثنا عن نفوذ متزايد للسفياني في الحجاز أول أمره ..

نعم ، الخلاف في الحجاز والهشاشة والإنقسام يظل مستمرا حتى يقع النداء السماوي باسم المهدي علیه السلام ، في حين يبعث السفياني بجيشه إلى المدينة ليقتل المهدي ، فيخرج المهدي مع جملة من الهاشميين والخواص إلى مكة ، عندها يأمر بجيشه أن يتابع زحفه نحو مكة ، فيقع به الخسف في بیداء المدينة كما أخبر النبي صلی الله علیه و آله .

وبذلك يضعف نفوذ السفياني بشدة في الحجاز ، ويتم الإعلان عن الظهور العام للمهدي عجل الله تعالی فرجه شریف كما تتم البيعة للمهدي في مئة دون إهراق محجمة دم .. ما يعني انهيارا سريعا للسلطة الأمنية في مكة . وعلى أثر الإعلان عن ظهور المهدي علیه السلام تتأسس جبهة المهدي الحجازية وتزحف

ص: 156

القوى والأنصار من الأطراف لبيعته علیه السلام والإنضواء تحت رايته . على أن هناك رواية تقول بأن المهدي علیه السلام يتوجه من الحجاز حتى يستوي على منبر دمشق .

وهنا يبقى النقاش :

هل يدخل دمشق قبل دخوله العراق ، أم العكس .؟ يبدو من لسان طائفة مروية أنه علیه السلام يدخل العراق ومنها يقصد دمشق إلا أن يتم الجمع مع المتون التي تقول بأن السفياني يبايعة بعد الزحف ثم ينكل بعد ذلك .. وفي الحجاز يحاول فريق معاد للمهدي علیه السلام أن يقاتله ، ويعمد إلى ذلك بهدف القضاء على المهدي ، فيقضي المهدي عليهم . على أن لسان طائفة مروة يشير إلى تواطئهم أو نزولهم على حكم السفياني أو الإنتصار له . المهم أنهم أعداء آل محمد وناصبون العداء والحرب في وجههم، لذلك يحاولون القضاء على جبهته بأول مهدها ، فيقاتلون المهدي علیه السلام فيقضي عليهم. .

وبعد صفاء مكة والمدينة والحجاز على أمر المهدي المنتظر علیه السلام تخبرنا الأحاديث أن أهل المدينة المنورة يشاركون مع جيش المهدي علیه السلام في الملحمة الشهيرة مع الروم ، كما يقاتل قوم منهم الدجال . ومع نهوض دولة المهدي علیه السلام التي تمت أول أمرها ، من الحجاز ، فاليمن ، والعراق ، وخراسان ، وصولا إلى بلاد الشام والنواحي والأطراف ، تعود أرض العرب مروجة وأنهارة ، خاصة ما بين العراق ومكة ..

ص: 157

اليمن واليماني في آخر الزمن :

تشكل « اليمن » في لحظة تاريخية ، جزءا من جبهة المهدي علیه السلام ، كما يشكل اليماني میزان قوة وثبات ، وقدرة على الفتك بالسفياني وغيره من رايات الجور والظلام . وقد وردت عدة أحاديث في مدح أهل اليمن ، والثناء على اليماني ، على أن النصوص لا تحدثنا عن راية يمنية تاريخية أو دولة سابقة ذات ولاء لآل محمد، كما هي راية الخراساني ، فالراية الخراسانية قديمة ، ولها جذور وحضور ، مشهورة بولاءها لآل محمد علیهم السلام ، ما يعني أن الراية اليمانية تقوم فجأة ، أو تتهيأ بسرعة ، تعلن ولاءها لآل محمد عبر اليماني الذي يفيض حب وولاء لآل محمد ، ويقود راية اليمنيين(1).

ويبدو أن شيئا من العلامات الكبيرة التي تشير إلى قرب ظهور المهدي علیه السلام ، فضلا عن ارتسام علامات الظهور المهيبة، مثل النداء

ص: 158


1- في وصفهم قالت الرواية : « قوم رقيقة قلوبهم ، راسخ إيمانهم ، ومنهم المنصور ، يخرج في سبعين ألف ينصر خلفي وخلف وصيي .. ( الغيبة للنعماني 39 ). وقال صلی الله علیه و آله لمعاذ بن جبل حينما أرسله على أهل اليمن واليا : « بعك على قوم رقيقة قلوبهم ، يقاتلون على الحق مرتين ، ( مجمع الزوائد 55/10). وفي حديث آخر شديد الصراحة في قتالهم آخر الزمان مع المهدي قال صلی الله علیه و آله : « ولله في اليمن كنزان ، جاء بأحدهما يوم تبوك ، كانت الأزد يومئذ ثلث الناس ، ويجيي بالآخر يوم الملحمة العظمی ، سبعون ألفة ، حمائل سيوفهم المسد ، ( عقد الدرر 215 ) ومعلوم أن الأزد عشيرة يمنية ، كان لها الثقل الأكبر عدة وعددة في غزوة تبوك في وجه الروم بقيادة رسول الله صلی الله علیه و آله وسيكون لهم الثقل الكبر جدة يوم الملحمة العظمى، يوم نصرة المهدي علیه السلام في وجه الروم بآخر الزمان .

السماوي من قبل جبرائيل بظهور المهدي علیه السلام الذي يقع في شهر رمضان ، فيما الظهور المبارك يقع في شهر محرم من نفس العام ، كل هذا يساعد اليماني على تشكيل جبهة ولاء لآل محمد (1)، تعلن تفانيها في جانب أهل البيت(2) علیهم السلام .

بعض المتون تشير إلى أن اليماني الذي هو من خواص أصحاب المهدي علیه السلام يكون على اتصال بالمهدي علیه السلام وقت ظهوره الخاص ، وأنه هى ذلك الجيش وينظمه بأمر من المهدي علیه السلام، ما يعني أن القائد الفعلي لذلك الجيش هو المهدي لكن بطريقة غير مباشرة عبر اليماني(3).. بعض المتون تحدثنا عن أن « المهدي علیه السلام » واليماني والسفياني يخرجان في عام

ص: 159


1- قال الإمام الصادق علیه السلام - في وصف الراية اليمانية - : « وإذا خرج اليماني فانهض إليه ، فإن رايه راية مدي ، ولا يحل المسلم أن يلتوي عليه فمن فعل ذلك فهو من أهل النار ، لأنه بدعو إلى الحق وإلى صراط مستقيم ، ( الغيبة للنعماني 253)
2- الروايات التي تحدد صنعاء بخصوص مكان الثورة اليمانية الإمامية مستفيضة ومروية من طرق الفريقين ، لكن هل تنطلق من هناك أم تكون عاصمة هذه الراية أو رمزية لجهة ما ، كله ممكن .
3- تكثر الروايات الإمامية التي تطلق على اليماني إسم « منصور» : ففيها تقول : « إذا ظهر السفياني على الأبقع والمنصور اليماني خرج الترك والروم فيظهر عليهم السفياني » ( کنز العمال 11 - حدیث 31509)، « إذا ظهر السفياني على الأبقع وعلى المنصور الكندي والترك والروم خرج وسار إلى العراق ، ( کنز العمال 11 - حديث : 31511). وفي وصف معارك السفياني قال : «ثم يسير المنصور اليماني من صنعاء بجنوده .. ثم يظهر الأخوص السفياني عليه ، ( الفتن 174). ويمكن أن يكون تعبير « المنصور »، مجازیا وناظرا إلى الدور الذي يقوم به . نعم هناك رواية ذكرت اسمه مرتدة بين حسن وحسين : « يخرج ملك من صنعاء ، إسمه حسين أو حسن ، فيذهب بخروجه غمر الفتن ، يظهر مباركا زاكيا ، فيكشف بنوره الظلماء ، ويظهر به الحق بعد الخفاء ، ( البحار 52 / 162) في حين هناك رواية أخرى سمته ب-: نصر كما سمته «سعيد» ، ككنية أو لقب وصفي فقالت : « إنما سمي نصر لنصر الله له»، والرواية أخرجها إبن عساكر عن النبي صلی الله علیه و آله قال : صاحب الأعماق الذي يهزم الله العدو على يديه [ إسمه] نصر ، ثم قال : إنما سمي نصر لنصر الله إياه فأما اسمه فسعيد ، ( کنزل العمال 11 - حدیث 31443 عن إبن عساکر). ملاحظة : غالب الروايات الإمامية تطلق عليه إسم منصور.

واحد في شهر واحد. وهذا يقوي مضامين النصوص التي تؤكد صلة اليماني المباشرة بالمهدي زمن الظهور الخاص (1). وعليه : الأحادیث تمدح اليمنيين الذين يعلنون ولائهم للمهدي علیه السلام ، ويشير بعضها إلى أن من « الابدال » عصائب بساحل اليمن ، تكريما لهم ، وإشارة إلى عظيم دورهم في تلك اللحظة التاريخية(2).

بعض الأخبار تحدثنا عن أن « نجران » من القرى المباركة المحفوظة ، وأن اليماني يكون من أنصار المهدي علیه السلام، وأنه كاسر عين السفياني(3)، وأنه يخوض جملة من معارك رئيسية . ويظهر من بعض المتون أنه يلتحم مع الخراسانيين في معركة ضد جيش السفياني فيمزقونه تمزيقا(4)،

ص: 160


1- الرواية تقول : « انه يدعو إلى صاحبكم ». في حين طوائف أخرى واضحة في صلة اليماني بالمهدي في الظهور الخاص والعام. وهناك رواية تشير إلى ان المهدي علیه السلام حينما يظهر في بمكة ينطلق بشكل من أشكال البداية ، من قرية من قرى اليمن اسمها « قرعة ، أو كرعة : « يخرج المهدي علیه السلام من قرية باليمن يقال لها كرعة ، ( الحاوي للفتاوي 66/2). ما يعني صلة واضحة و كبيرة بين اليماني والمهدي علیه السلام ..
2- وفي الرواية : « ويفتح الله عز وجل له - أي للمهدي علیه السلام - خراسان وتطيعه أهل اليمن ، ( عقد الدرر / 90) . وحين سئل الإمام الرضا علیه السلام عن علامات الفرج القريبة قال : « تريد الإكثار أم أجمل ؟ قال الرجل : بل تجمل . قال علیه السلام : إذا أدركت رايات قيس بمصر ورايات كندة بخراسان ، ( اعلام الوری 429) لاحظ : وفي الذيل تأكيد على التحالف الضخم بين الخراساني واليماني .
3- هو رجل أموي النسب ، شديد الحقد على الإسلام وأهله ، من أشد الناس على أتباع أهل البيت علیهم السلام ، يتزلف بالإسلام أول أمره ، يسمى السفياني أو هذه صفته . وهي على كل حال رمزه الواضح لانتسابه إلى ذرية أبي سفيان . اختلفت الروايات في اسمه الأصغر ، قيل : حرب بن عنبسة [ عقد الدرر /99 ] ، وقيل عروة بن محمد السفياني [ التذكرة /610]، وقيل عتبة بن هند [ التذكرة / 610]. وقيل عبد الله بن يزيد [ الفتن لابن حماد 165 ] وقيل : عثمان [ البحار 165/52 ]، وقيل معاوية بن عتبة [ عقد الدرر /89]، وقيل عثمان بن عنبسة [ كمال الدين 651 ]. حسب النصوص هو رجل مربوع القامة ، ضخم ، دقيق الوجه ،جهوري الصوت ، طويل الأنف ، بعينه اليمنى نكتة بيضاء إلى درجة من يراه يحسبه أعور ، . بوجهه آثار جدري ، وهو المشهوه الملعون . [ في هذا المجال يمكن مراجعة كتب العلامة الفتلاوي ].
4- وفي الرواية « .. ويعمل عمل الجبابرة الأولى - يعني السفياني - فيغضب الله من السماء على عمله، فيبعث عليه فتی من المشرق ، يدعو إلى أهل بيت النبي صلی الله علیه و آله ، هم اصحاب الرايات السود المستضعفون ، فيعزهم الله وينزل عليهم النصر ، فلا يقاتلهم أحد إلا هزموه ، ويسير الجيش القحطاني .. وفتي في اليمن في نحر حماز الجزيرة ، حتى ينزلوا دمشق فيفتحوها أسرع من التماع البحر » (کنز العمال 14 / حدیث : 39680).

كما يخوض اليماني(1) من جهة سوريا أو النواحي الأخرى ، والخراساني من جهة أرض خراسان معركة فاصلة لفتح العراق ويكون لهما ذلك . وتخبرنا بعض المتون أن المهدي علیه السلام يكون له نسبة في اليمن ، كإشارة إلى زواج من أهل اليمن مثلا بعد ظهوره أو ما هو يخدم هذه الرمزية وشبه ذلك .

أما ما أشارت له بعض الأخبار من أن المهدي علیه السلام يخرج من قرية يقال لها « کرعة » أو كريمة ، فيبدو واضحا الإشارة إلى أن المهدي علیه السلام ربما يتردد إلى اليمن في عملية غير معلنة أول أمره ، أي زمن الظهور الخاص الذي يدوم لأشهر ، وذلك أثناء بناء جيش اليماني الذي هو جيش المهدي (2)علیه السلام .. على أن الظهور الخاص للمهدي علیه السلام الذي يدوم لأشهر يكون في المدينة ، يتردد فيه المهدي علیه السلام بين المدينة ومكة ، ويستفاد من متن آخر تردد المهدي إلى قرية في اليمن ، وفي بعض المتون أنه يتردد إلى الطائف ، والظهور العام علیه السلام عليه يكون في مكة ، كما أن البيعة العامة له

ص: 161


1- وفي الحديث عن الصادق علیه السلام : « وإذا خرج اليماني فانهض إليه ، فإن رايه راية هدى ، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه ، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار ، لأنه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، ( الغيبة للنعماني 253).
2- الروايات تشير إلى تاريخ انطلاقة ثورة اليماني قبل ثورة السفياني بأشهر قلائل أو أسابيع .: « يخرج قبل السفياني مصري ويماني » ( البحار 210/52 ) . وفي رواية أخرى : حينما قيل للصادق علیه السلام إن السفياني قد خرج ، فقال علیه السلام : « أني يخرج ولم يخرج کاسر عينه بصنعاء » ( البحار 52/245 ) . وهناك روايات تصرح بخروجه مع الإمام المهدي علیه السلام منها : « وما القحطاني بدون المهدي علیه السلام » ( الحاوي للفتاوي 79/2 ) کمال ورد : « وليس في الرايات راية أهدی من راية اليماني ، هي راية حق لأنه يدعو إلى صاحبكم ، وهي تؤكد أن اليماني يظهر مع المهدي علیه السلام( الغيبة للنعماني 253). لكن يبقى أن نشير إلى أن للمهدي علیه السلام ظهورین : خاص وعام . الخاص يسبق العام ويدوم لأشهر . ويكون اليماني على اتصال مع المهدي علیه السلام في الظهور الخاص .

تكون في مكة . أما ما يشير إليه متن ضعيف من أن القحطاني يحكم بعد المهدي علیه السلام معناه أنه يبقى حيا في صف القيادة إلى ما بعد المهدي علیه السلام ، إلا أن النص ضعيف السند . فيما الحكم العام إنما يكون لأهل البيت علیهم السلام خاصة أن النصوص تفيد أن الرجعة أو بواكيرها ، تقع في زمن المهدي علیه السلام أي في آخر عمره الشريف ، ما يعني أن « الحكم» يظل في الأئمة والأنبياء علیهم السلام .

فيما بعض المتون تحدثنا عن أن اليماني ، « عماني » وانه يفتح مدينة الروم ويقتل قريشا . أقول : إذا كان المقصود في أنه « عماني » رمزية ما، تنشأ من الأحداث والوقائع فلا بأس بذلك ، فالنسبة إلى الأحداث والوقائع والصنائع كثيرة في لسان العرب وقانون الإستعمالات في العربية . ما يعني أن في هذا إشارة محددة إلى رمزية خاصة ..

وعن فتحه لمدينة الروم وغير ذلك ، النصوص صريحة جدا في أن المهدي علیه السلام هو الذي يفعل ذلك ، وأن اليماني يكون في قيادة ذلك الجيش ، وتخبرنا النصوص أن جيش الخراساني واليماني يخوضان حربا هائلة في فتح الروم تحت قيادة المهدي علیه السلام ..

ويبدو واضحا من النصوص ، أن اليماني ، يظهر في سنة ظهور المهدي علیه السلام ، ويكون مقربا جدا منه ، بل مطلعا على ظهوره الخاص ، متصلا به ، وقد وردت حول اليماني أحاديث صحيحة من طرق أهل البيت علیهم السلام كما أكدت طائفة أخرى أن قوما من أهل اليمن يقاتلون الدجال ،

ص: 162

وذلك بعد هزيمة الروم ، فضلا عن جملة من الأحداث تقع بين هزيمة الروم وخروج راية الدجال التي تتكون كما يبدو من مجموع جبهات فرعية مناوئة للمهدي علیه السلام ..

العراق في آخر الزمن :

تخبرنا الأحاديث عن حاكم عراقي قوي ، بطاش ، معاد للإسلام، تمكن من عرشه ، ظالم ، معلن العداء للخراسانيين ، قادر على حماية دولته واستقرار سلطانه . واللافت أن طائفة أخرى تشير ما قبل الظهور إلى العراق وكأنه كيانات إدارية ذات صلاحيات واسعة ، أو فيدراليات ، أو خريطة طوائف ، وشبه ذلك ، مما قد يستفاد من مضامين الأخبار (1)..

ومهما يكن من أمر ، فالنصوص تحدثنا عن حاكم عراقي ، يبدو أن نسبه يعود إلى العباسيين أو أي رمزية أخرى ذات صلة بهذا المعنى ، فيما دولة تكون في آخر الزمان(2)، أي رايته ليست الراية العباسية الأولى التي خرجت ومضت في التاريخ(3). النصوص صريحة جدا في التفريق بين

ص: 163


1- للوقوف بالتفصيل على هذا الموضوع يمكن مراجعة كتابنا : نهاية أحداث التاريخ البشري .. بقية الله الأعظم ..
2- في رواية عن الإمام علي علیه السلام يصف فيها مؤسس الدولة العباسية في آخر الزمن فيقول : «لا تقوم القيامة حتى تفقأ عين الدنيا ، و تظهر الحمرة في السماء ، وتلك دموع حملة العرش على أهل الأرض ، حتى تظهر فيهم عصابة لا خلاق لهم، تظهر في سواد الكوفة ، يقدمهم رجل أسود اللون والقلب ، رث الدين لا خلاق له ، مهجن زنیم عتل ، تداولته أيدي العواهر من الأمهات .. ، ( الغيبة للنعماني 147).
3- وفي الرواية سأل ابن الفضيل الإمام الباقر علیه السلام فقال له : « جعلت فداك ، بلغنا ان لآل جعفر راية ولآل العباس رایتین، فهل انتهى إليك من علم ذلك شيئ ؟ فقال له : أما آل جعفر فليس بشيئ ، ولا إلى شيئ ، وأما آل العباس فإن لهم ملكا مبطئا يقربون فيه البعيد ويباعدون فيه القريب ، وسلطانهم عسر ليس فيه يسر » ( تفسير العياشي 121/2 )، وكذا غيرها من الروايات العديدة التي تؤكد ان البني العباس رایتین ، واحدة في أول الزمان وقد مضت ، والثانية تكون في آخر الزمان . ففي رواية علي بن حمزة عن الإمام الكاظم علیه السلام قال : « ملك بني العباس مكر وخداع ، يذهب حتى لم يبق منه شي، ثم يتجدد حتى يقال ما مر به شيئ ، ( الغيبة للنعماني 203). وفي رواية ابن مسعود عن النبي صلی الله علیه و آله : قال لعمه العباس : «لن تذهب الدنيا حتى يملك من ولدك في آخر الزمان ، عند انقطاع دولتهم ، وهو الثامن عشر ، يكون معه فتنة عمياء صماء ، يقتل من كل عشرة آلاف تسعة آلاف وتسعمائة ، لا ينجو منها إلا اليسير ، يكون قتالهم بموضع في العراق . قال فبکی العباس فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : ولا يهتمون للآخرة ، ( مجمع الزوائد 188/5 ) بحيث تدل هذه الروايات وغيرها على وجود دولتين . واحدة تكون بأول الزمن أي ما بعد البعثة ثم تنهار وتسقط ، والثانية تكون بآخر الزمن ، أي قبل الظهور وتظل حتى الظهور فتنهار وتسقط . الرواية الثانية صريحة جدا في أن دولة العباسيين تتجدد في آخر الزمان بعد زمن من انهيار دولتهم الأولى وسقوطها . وفيها تؤكد أن الحاكم الثامن عشر منهم يكون طاغوت سقاكا للدماء ، مجرمة، لا يبالي بالمواثيق والقيم ، وأنه خلال فترة حكمه تقع فتنة عمياء تعم الأمة ويقتل فيها من كل عشرة تسعة . على أن مكان القتال في هذه الفتنة يكون بين الحيرة والكوفة . على أن بعض المتون المروية تؤكد أن عودة دولة العباسيين في آخر الزمن هي من المحتوم المبرم الذي لا يرد ولا يبدل . ففي رواية الحلبي قال سمعت أبا عبد الله الصادق علیه السلام يقول : « اختلاف بني العباس من المحتوم ، والنداء من المحتوم ، وخروج القائم علیه السلام من المحتوم ، ( روضة الكافي 31. البحار 305/52 ) وفي رواية أبي حمزة الثمالي قال قلت لأبي عبد الله عنه إن أبا جعفر علیه السلام كان يقول : « إن خروج السفياني من الأمر المحتوم. فقال علیه السلام : نعم واختلاف ولد العباس من المحتوم ، وقتل النفس الزكية من المحتوم وخروج القائم علیه السلام من المحتوم ( كمال الدين 652) على أن ضعف الدولة العباسي يحصل بعد موت الحاكم الجبار ( عبد الله ) ، فإذا مات ، اختلف بنو العباس أو الجماعة الحاكمة على الملك ، وتقع بينهم معارك هائلة ، تؤدي إلى إنهاء هذه الدولة التي تنهار فيما بعد، أمام جملة من الحروب . وعلى أثر خطط السفياني التوسعية ، ومحاور القتل والقتال التي تقودها تحالفات دولية وإقليمية تدخل القوات السفيانية إلى العراق لاحتلاله ، فتزحف القوات الخراسانية إليه أيضا ، كل من جهة ، وتقع معارك هائلة، تصطدم فيها الجيوش الثلاثة على محاور مختلفة . تكون نهايتها انتصارة ضخمة للخراسانيين على العباسيين والسفيانيين .

الرايتين ، لتؤكد أن راية العباسيين الثانية تكون في آخر الزمان زمن غيبة المهدي ، وأن موت الحاكم العباسي القوي ( عبد الله ) علامة قريبة على ظهور المهدي . وأن هذا الحاكم شخص مربوع القامة ، كث اللحية ، أسود الشعر . وأن موت هذا الحاكم العراقي القوي ، يتبعه صراع عسكري بين أفراد العائلة الحاكمة على السلطة ، فتقع بينهم حروب تنهك قوة هذه الدولة وتضعفها .

ص: 164

على أن بعض المتون يستفاد منها أن شيعة العراق قبل الظهور ، يكون لهم نفود وقوة خاصة في ناحية الكوفة . ولهذا فإن السفياني يقصدهم لیدمر قوتهم (1). ولا ننسى أن العصائب العراقيين هم من أهل العراق ، وهم أصحاب راية إمامية(2).

وفي بعض العناوين ، حول العراق ونواحيه، في آخر الزمان ، تحدثنا النصوص أنه في آخر الزمان ، يملك الكفار الفراتين ، فيما من آخر يخبرنا عن خسف يصيب الزوراء والمزورة ، وهما الري وبغداد ، وأنه يكون هلاكها على يد السفياني ، أي يؤكد وقوع البلاء فيها ، بحيث يدخل جيش السفياني الزوراء ( بغداد ) ، و بابل والكوفة والغربين ،

وذلك بعد خط ملتهب من الحروب والإنقلابات والأحلاف الدولية الإقليمية ، بحيث يتوج ذلك بدخول السفياني إلى العراق بعد الضعف المثير الذي يصيب تلك المنطقة بعد موت الحاكم العراقي القوي والإقتتال المتفاقم على السلطة العراقية .

ص: 165


1- وفي الرواية عن الإمام علي علیه السلام: « یکتب السفياني إلى الذي دخل الكوفة بخيله ، بعدما يعرکها عرك الآدم، يأمره بالسير إلى الحجاز ، فيسير إلى المدينة فيضع السيف في قريش ، فيقتل منهم ومن الأنصار أربع مائة رجل،ويبقر البطون ويقتل الولدان . ويقتل أخوين من قريش ، رجل وأخته يقال لهما محمد وفاطمة ، ويصلبهما على باب المسجد بالمدينة [ الفتن لإبن حماد 199 ]
2- وروى الإمام الصادق علیه السلام قال : « كأني بالسفياني أو بصاحب السفياني ، قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة ، فنادى منادیه : من جاء برأس شيعة علي فله الف درهم ، فيشب الجار على جاره ويقول : هذا منهم. فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم . أما ان امارتكم يومئذ لا تكون إلا لأولاد البغايا ، كأني أنظر إلى صاحب البرقع؟ فقالوا علیه السلام : ومن صاحب البرقع ؟ فقال لي : رجل منكم يقول بقولكم ، پليس البرقع فيحوشكم فيعرفكم ولا تعرفونه ، فيغمز بكم رجلا رجلا ، أما انه لا يكون إلا ابن بغي ، ( الغيبة للطوسي 273 ).

على أن العراق يكون في تلك اللحظات التاريخية محطا لحروب دولية وإقليمية ، فبعد انکشاف الفرات عن كنز من ذهب أو مال جوفي عظيم ، تقتل الرايات على هذا المال المهم جدا ، ويبدو من النصوص أن المعارك تبدأ إقليمية وتنتهي عالمية ، فتقع معركة عنيفة يشيب لها الغلام الحزور بين العباسي العراقي، والمرواني الدمشقي ، ثم تتوسع لتشارك فيها الراية المغربية ، وجيش الترك ، والروم، والسفياني ، و تصف النصوص تلك المعارك بأنها « ملحمة» ، لشدة القتل والإبادة والأهوال التي تقع فيها .. ويبدو بوضوح أنها « حرب ثروة » تتفاقم ، وتتوسع ، وتلتهب ، حتى يسقط في مصيدتها جملة من الأطراف الإقليميين والدوليين.

هذا فضلا عن حرب تقع بين حاكم العراق والدولة الخراسانية ، النصوص تصفها بوضوح أنها اعتداء ظالم من قبل العباسي على دولة الخراسانيين الموالين لآل محمد. بالإضافة إلى محاولات مختلفة من العباسي لنشر نفوذه في المنطقة ، خاصة في سوريا ،

هناك خبر يشير إلى نفوذ للعراق في دمشق ، بوقت من الأوقات ، نعم ، النصوص تخبرنا عن معركة شرسة تقع في الأزمان المتأخرة بين العباسي العراقي والمرواني الدمشقي .

وعلى أثر الحروب المتتالية ، وبعد موت الحاكم العراقي القوي ، والإنهاك الشديد الذي يصيب القوة العراقية بعد الإقتتال العنيف على السلطة بين أفراد النادي السلطاني ، عندها يزحف الجيش السفياني نحو العراق،

ص: 166

طمعا في السيطرة على هذا البلد، ومعلوم أن السفياني يسيطر على المحور الخمس(1)، وينشر نفوذه في الحجاز والعراق ، ومصر ، ويحاول أن يدخل بلاد خراسان ، ويقع بينه وبين الخراسانيين معركة هائلة تنتهي بنصر الخراسانيين الذين يمزقون جیش السفياني تمزيقة في منطقة اصطخر الإيرانية .

ومع دخول السفياني إلى العراق ، فإنه يفعل الأفاعيل ، ويعلن عداءه الهائل لآل محمد وأتباعهم ، ويطلب الشيعة ، ويبث الجواسيس ، ويعلن الأحكام العرفية ، ويسرف في الدماء ، بلاحد أو مانع من دين الله أو أخلاق ، ويتصدى له جیش العصب من سواد الكوفة ، ومن البصرة ، ثم نجدهم الرايات السود الخراسانية فتقاتله . على أن السفياني يقاتل « أهل المشرق » أول خروجه في دمشق ، أو في الشام ، حتى يردهم إلى العراق ، كما يقاتلهم في العراق ، في زمن محدد من لهيب المعارك وتداخل الحروب الإقليمية والأطراف الدولية، أي الترك والروم ، فيردهم إلى خراسان ، فيتبعهم ، وهناك تقع معركة « اصطخر » الفاصلة التي ينتصر فيها الجيش الخراساني انتصارا کاملا على السفياني ..

وتخبرنا الأحاديث أن جيش المغرب يدخل الحيرة أو الجزيرة | العراق ] عند خروج السفياني ، ورغم أن جملة من المضامين تشير إلى

ص: 167


1- وفي الرواية : الكور الخمس هي : دمشق ، وفلسطين ، والأردن ، وحمص وحلب . وفي رواية عبد الله بن منصور قال سألت أبا عبد الله علیه السلام عن إسم السفياني ؟ فقال : « وما تصنع باسمه ؟ إذا ملك كور الشام الخمس ، دمشق وحمص ، وفلسطين ، والأردن ، وقنسرين ، فتوقعو الفرج .. ( كمال الدين / 651).

قيام أحلاف ظرفية بين بعض الكيانات العربية ، إلا أن انفراط بعضها يقع بسبب اختلافات سیاسية وسلطوية مرة ، وخلافات حول « الثروة » كما هي الحال مع ثروة قرقیسیا مرة أخرى.

على أن « العصائب العراقيين » الإمامين ، يكون لهم نفوذ ، وحضور في العراق ، ورغم ما يجري عليهم من أهوال متعاقبة فإنهم يحضرون بین يدي المهدي علیه السلام زمن البيعة العامة له . بعض المتون تخبرنا أن أنصار المهدي عليه هم العصائب العراقيون ، وأن النجباء من الكوفة ، وهذا ترميز إلى قيمتهم ، فيما النصوص الأكثر تداولا واستعمالا تشير إلى أن النجباء من مصر ، والعصائب من العراق ، والأبدال من الشام . واستعمال كلمة الأبدال في الكوفيين إشارة إلى رفعتهم وميزتهم وتخصيصهم في تلك المتون التي تتحدث عن العراقيين (1)..

وعلى أثر دولة المهدي علیه السلام تعود أرض العرب مروجا وأنهارا ، خاصة بين العراق ومكة . كما تخبرنا الأحاديث أن أسعد الناس بالمهدي هم أهل الكوفة ، فالمهدي عجل الله تعالی فرجه شریف يعلن الكوفة عاصمة دولته الإلهية . ومنها يدير العالم . ويجتمع فيها كبار قادة دولة المهدي علیه السلام ، وفي المتون : يجتمع

ص: 168


1- تكرر الروايات الإشارة إلى ثلاث حركات موالية لأهل البيت علیهم السلام ، وذلك في مقام الإشارة إلى أخبار العلامات ومعالم آخر الزمن ، على الأقل تحدثنا عن 3 رایات تصل حضورها بظهور المهدي علیه السلام : العصائب من العراق ، والأبدال من الشام ، والنجباء من مصر ، وهم جميعا من أصحاب الإمام المهدي علیه السلام باتفاق روایات الفريقين . وفي الرواية قال رسول الله صلی الله علیه و آله يقول : « عند خروج القائم علیه السلام ينادي مناد من السماء ، أيها الناس ، قطع [ الله ]عنكم مدة الجبارين ، وولي الأمر [ عليكم] خير أمة محمد صلی الله علیه و آله ، فالحقوه بمكة ، فيخرج النجباء من مصر، والأبدال من الشام ، وعصائب العراق ، رهبان بالليل ، ليوث بالنهار ، كأن قلوبهم زبر الحديد ، فيبايعونه بين الركن والمقام ، ( الإختصاص 208).

كل مؤمن بالكوفة . وذلك لما تعنيه من قيمة وقداسة ورمزية في دولة المهدي علیه السلام ..

وفي خريطة الأحداث والوقائع ، لآخر الزمن ، تشهد مناطق مختلفة من العراق أحداثا جساما ، ومظاهر لافتة ، فهناك طائفة مروية تخبرنا أنه يكون في البصرة خسف وقذف ورجف ومسخ ، وأن هذه من علامات آخر الزمان ، وفي علامة لافتة جدا ، يبعث شهداء من « مسجد العشار » فيها، کشهداء بدر وأحد ، وأن الفرات يجف، وتحدث أمور مختلفة .. .

أما عما ورد من امتناع النبي صلی الله علیه و آله - كما في بعض المتون غير التامة سندا - عن الدعاء بالبركة لأهل العراق ، ونهي الله ابراهيم علیه السلام أن يدعو عليهم - برغم ضعف السند - هو إشارة رمزية إلى وجود حاكم ظالم أو دولة ظالمة أو حقبات زمنية منحرفة في تلك المنطقة ، أي إشارة من النبي صلی الله علیه و آله لظلم يطول في تلك المنطقة . لكن الأمر في النهاية - كما في النصوص - يؤول إلى أهل الحق وسلطانهم . على أن معنی امتناع النبي صلی الله علیه و آله عن الدعوة لهم بالبركة شديد الوضوح في عدم رضا النبي علیه السلام عن سلطان بغداد في أطوار مختلفة من حقباتها التي يكون فيها سلطان ظالم أو دولة باطلة ، خارجة على كتاب الله وسنة النبي وعترته علیهم السلام، أما زمن وجود السلطان العادل أو الدولة الموالية لآل محمد أو العصائب الموالين لهم علیهم السلام فهذا ممدوح في أشخاص أولئك العظماء وزمنهم وفعلهم وأخبارهم بلسان النصوص ..

ص: 169

مصر فی آخر الزمن:

المصر إشارات بارزة ، في جملة من الأحاديث المروية عن لسان النبي صلی الله علیه و آله وأهل بيته علیهم السلام. واللافت في أحداث آخر الزمان أن المصريين يعانون بشدة من تواطؤ حاكمهم مع الروم حيث يسلطها ولو بصورة غير مباشرة على خیرات مصر ودولتها وسلطانها وناسها عند ذلك تقوم راية النجباء المصرية « الإمامية » فتعزل ذلك الحاكم ، وتكاد أن تسيطر على عرش مصر ، ويساندها الشعب المصري في ذلك.

لا نعرف التفاصيل عن كيفية نشأة هذه النواة أو تلك الراية ، لا نعرف تفاصيل عن خطوط الإتصال بين الشعب المصري وتلك الراية المصرية الإمامية ، كل ما نعرفه أن تلك الراية تقف في وجه ذلك الحاكم المصري الذي يتواطأ على شعبه وأمته وخیرات بلاده لصالح الروم ، الذي تعرفه عبر الروايات أن النجباء المصريين يناهضون ذلك الحاكم الخائن لأمته ووطنه ، فيقف معهم الشعب المصري ببسالة ، ويساندهم ، حتى أنهم يكادون أن يستلموا الحكم لولا مجيئ الروم بقواتهم العسكرية إلى مصر لإعادة ذلك الحاكم المصري المخلوع ، بهدف إحكام السيطرة من جديد على مصر وخيراتها وموقعها وسلطانها . وفي بعض التفاصيل عن ذلك الرجل الخائن ، تخبرنا النصوص عن رجل « أخنس » يحكم مصر ، فيغلب على ملکه ، فيفر هاربا، ويأتي بالروم إلى مصر منتصرا بهم ، وذلك أول

ص: 170

الملاحم .. التي تقع في منطقة الإسكندرية .. إلا أن الروم يظهر أنها لا تستطيع حسم الأمر في وجه النجباء ، عند ذلك تستنجد بالراية المغربية ، وهي راية يبدو أنها تابعة لدولة من المغرب العربي ، رايتها صفراء ، تكون موالية للروم ، متحالفة معها، وهي من ألد أعداء رايات آل محمد وأتباعهم ، فهي تقاتل في وجه الخراسانيين ، كما أنها تزحف نحو مصر فتقاتل النجباء المصريين ، إلا أن مضامين النصوص تخبرنا بأن النجباء رغم الحرج والضيق الذي يصيبهم آنذاك ، يظلون في جيوب و مناطق ما ، من مصر ، نعم يضعف موقفهم بشدة ، حين يزحف جيش السفياني نحو مصر ، فيقوم بسياسة قتل وإبادة واغتصاب وانتهاك حرمات ، واستنزاف ، وذبح الأطفال ، ونهب الثروات ، وغير ذلك (1)..

وعن بعض العلامات عن ظهور المهدي علیه السلام .؟ النصوص تخبرنا أن المهدي علیهما السلام لا يظهر حتى يسيطر الكفار على «نیل مصر ». ثم تؤكد أن النجباء المصريين الإماميين هم من أنصاره عجل الله تعالی فرجه شریف ويظهر من لوازم المتون بوضوح أن المصريين يعلنون ولاءهم للنجباء الإماميين ، ويقفون معهم في خلع الحاكم الموالي للروم ، كما يقاتلون معهم ويتحملون آثار ذلك في وجه الروم ثم الراية المغربية ثم الراية السفيانية .. بتعبير آخر : يبدو بوضوح أن « المصريين » في فترة ما ، من ذلك الزمن ، زمن ظهور النجباء الإمامين ، يعلنون ولاءهم لآل محمد علیهم السلام . أو على الأقل: يكونون مهيئين جدا

ص: 171


1- جملة من مضامين الروايات صريحة في بقاء النجباء المصريين على رأس ثورتهم في جيوب ما ، من مصر حتى ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف.

الإعلان ولاءهم لهم علیهم السلام مع ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف.. وعن زمن خروج أهل المغرب إلى مصر .؟ تجيب بعض النصوص أن ذلك يقع منهم ، قرب خروج السفياني ، وتؤكد أنه قبل ذلك يخرج « من يدعو لآل محمد»، أي تخرج راية النجباء الإمامية .

واللافت أن خريطة انتشار الراية المغربية ، التي يبدو من الأخبار أنها قوية ، لا تزحف نحو مصر فحسب ، بل تدخل الشام ، يبدو لأسباب تتعلق بمشاكل في الشام أو هشاشة في الحكم أو نصرة لراية ما، أو لخلل يستدعي تدخلا عربيا من طرف ما ، لصالح طرف آخر.

لكن الصورة العامة في الشام تبدو مضطربة ، متعبة، هشة ، إلى درجة أن السلطات الأمنية لا تستطيع القيام بما يلزم ، فتقع حرب الرايات والإنقلابات . وعليه : في تلك الفترة من التعب الذي يصيب السلطة في دمشق ، يدخل أهل المغرب إلى الشام ، وحين يخرج السفياني ، يخرج وأهل المغرب في الشام ، فيقاتلهم ويردهم إلى مصر . وتخبرنا أحاديث أخرى أنه يأتي أنصار للأبقع من مصر ، فيغلبهم السفياني أيضا . وينتشر نفوذ السفياني بسرعة ، ويدخل جيشه إلى مصر ، فينتهك فيها الحرمات ويسرف في الدماء وذبح الرقاب .. وفي بعض المتون أنه إذا ملك رجل الشام ، وآخر مصر ، فاقتتل الشامي [ السفياني ] والمصري [الأبقع(1)]، وسبا أهل الشام

ص: 172


1- وفي الرواية : « إذا ظهر السفياني على الأبقع والمنصور اليماني خرج الروم والترك فيظهر عليهم السفياني ، ( کنزل العمال 68/6 ). مع أن الروم والترك يساندون السفياني في محاربة الخراسانيين لإخراجهم من بيت المقدس ، إلا انهم يرون مصالحهم أهم منه في خصوص المال الذي يكتشف عند الفرات

قبائل من مصر ، وذلك بعد أن ينتصر على المغاربة في الشام (1)، ثم يزحف نحو مصر فيدظها ، ثم وقع فيها حرب القتل والاغتصاب والهتك والنهب والجحود ..

وتؤكد خريطة الأحداث حضور مصر والنواحي الإفريقية في الوقائع المهمة، زمن غدر الروم . فقد ورد في الأخبار المروية : عندما تنقض الروم الهدنة مع المهدي علیه السلام ينزلون في رملة أفريقية .. ما يعني أن هذه المنطقة تظل مختبرة للأحداث في أزمان مختلفة ..

العرب في آخر الزمن :

تحدثنا الروايات عن خريطة مؤلمة في آخر الزمان ، منها ، ما يقع على العرب والمسلمين من بلاء و كوارث .. لكن اللافت في طائفة مروية تؤكد فيها تعاظم الفسق والفجور بين العرب كما بين المسلمين ، في ظل نظام عالمي يقوم على الجور والفساد ، إلا قلة ممن يلتزمون الحق ويتبعونه . بل يبدو من جملة الأحاديث صفة غير حسنة لما يقوم به العرب في آخر الزمان ، إلا قلة يثبتون على هدي الإسلام.

بعض النصوص تشير إلى مشكلة نوع مثير من الضلالة تضرب أعناق العرب وتحرفها عن نور الهداية . في رواية أنس بن مالك قال : خرج علينا

ص: 173


1- ابن حماد : ص 85

رسول الله صلی الله علیه و آله ذات يوم فرأى عليا علیه السلام، فوضع يده بين كتفيه ثم قال : « یا علي ، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد ، لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من عترتك ، يقال له المهدي، يهدي إلى الله عزوجل ويهتدي به العرب ، كما هدیت أنت الكفار والمشركين من الضلالة . ثم قال : ومكتوب على راحتيه : بايعوه ، فإن البيعة لله عزوجل »(1).

وكما ترى : النص يشير إلى هداية العرب بالمهدي ، أي إخراجهم من الضلالة ، وتثبيتهم على الإيمان ، ما يؤكد طبيعة الموقف الصعب والسقوط الذين يعم بلادهم وناسهم ، إلا قلة ممن يضحون ويثبتون على نور الإسلام ومواثيقه .. كما تحدثنا الروايات عن أن المهدي علیه السلام يملك العرب ، ويهتدون به . تأكيدا على عموم سلطانه ، وما یکون منه في إخراجهم مما هم فيه من انحراف .

على أن العرب لا يكون لهم عثر في آخر الزمن ، بل إطباق عليهم من الأمم الجائرة القوية ، فتنهب أموالهم ، وتنتهك أعراضهم ، وتذلهم كل مذلة . تقول النصوص : « إن من اقتراب الساعة هلاك العرب »(2). إشارة إلى القتل والغزو والإستعمار ، والذل الذي يصيبهم من الروم وحلفاءها وغيرها، بل من بعض الحكام الذين يحكمون بالسيف والظلم والاستبداد کما أوردت النصوص ذلك بوضوح . ثم تحدثنا الأخبار عن تجييش الجيوش

ص: 174


1- دلائل الامامة : ص 250
2- الرواية عن أم الحرير قالت : سمعت مولاي يقول : قال رسول الله « إن من اقتراب الساعة ملاك العرب » : تاریخ البخاری : ج 4 ص 345 344 د 3072

للقتال على ثروة جوفية في أرض العرب ، وعن غزو تلو غزوا لبلاد الشام والعراق وإضعاف الحجاز و بیت المقدس ، وغير ذلك ..

وعوضا عن ذلك ، تؤكد خلافا يدب بين العرب أنفسهم ، حيث تشير إلى انقسام العرب ، وذلتهم وحقدهم على بعضهم البعض ، وتقاتلهم ، وضعفهم ، وخشيتهم من الأمم القوية التي تتكالب فيهم ، فتقصدهم قصد الذئاب لقصعتها ، وتأكلهم أكل الذئاب لفريستها ، وهم بائسون خائفون ، واحدة تبكي قتلاها واخرى تبكي فرجها ، وأخرى تتمنى أن تكون مكان الأموات لهول ما ترى من موت ونار ودمار وسبي وقتل واغتصاب وإبادة .

وتؤكد المتون الإختلاف السياسي الذي يكون بين العرب ، والذي يتطور في كثير من الأحيان إلى عمل عسكري وقتال وحروب ، فالدمشقي والعراقي يتقاتلان ، ثم يزحف المغربي فيخوض غمار تلك الحرب ، ثم يخرج المغربي من مصر ، فيقاتل في دمشق ، ثم يطمع الشامي بأرض الحجاز ، فيرسل جيشة إلى المدينة ، وأهل الحجاز في انقسام على الحكم ، واضطراب في الحال ،وهكذا .. حروب تتسع وتختلف ، وتتنوع ، في حين العرب في ذلك الزمن أذلة ، تابعون ، خائفون ، كل يفتش عن قوة يلتجئ إليها ، على حساب ناسه وثروة وقيم دينه ..!

وبدلا من اللجوء إلى الإسلام ، يبدو من النصوص تصريح واضح بأنهم يتبعون الأمم الضالة في أخلاقيهم وقيمهم ، حتى يصبحوا كالأنعام الفزعة في غاب الأسود ، قد تعروا من دينهم وأخلاقهم وقوتهم ومنعتهم ،

ص: 175

فثروتهم وسلطانهم مکشوف وعروهم بادية .. إلا قلة يتمسكون بالإسلام، ويمضون عليه ، وجهدون أنفسهم في سبيل الثبات عليه .. ويظهر من المتون أن قسما وافرا من العرب يتجد في الراية السفيانية ، والراية المغربية وفروعهما ، لقتال المهدي علیه السلام انتصارا لمشاريع الفساد والروم وغيرها من قوى العالم المنحرفة آنذاك .. من هنا يمكننا فهم النصوص التي تحدثت عن أن يوم المهدي علیه السلام شديد على العرب . المتون تصف المهدي بأنه « على العرب شديد (1)». وأنه يسير بهم بالجفر الأحمر لا الجفر الأبيض (2). حتى يردهم إلى دين الله وقوانين الشريعة . فإذا دخلوا فيما دخل فيه الناس ، كان ذلك رحمة لهم وبشری . بعض المتون الروائية تقول : « كيف أنتم لو ضرب أصحاب القائم علیه السلام الفساطيط في مسجد كوفان ، ثم يخرج إليهم المثال المستأنف ، أمر جديد على العرب شدید »(3). إشارة إلى ما يكون عليه العرب من افتراق واضح عن الهدي والدين فيعيدهم إليه بعد شدة موصوفة .

بل هناك تصويب وإشارة إلى انحرافات خطيرة ، وانعطافات مخيفة جدا ، ففي رواية العريان بن الهيثم ، سمع عبد الله بن عمرو يقول ، وقلت له : « .. تزعم أن الساعة تقوم على رأس السبعين ؟ فقال : « إنهم يكذبون علي ، ليس هكذا ، ولكن قلت لا يكون السبعين إلا ما كان عندها من شداید و أمور عظام : وإن الساعة لا تقوم حتى تعبد العرب ما كانت تعبد

ص: 176


1- النعماني : ص 319 ب 21 ح6 - عن جعفر بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي [عبد الله ] جعفر بن محمد عليهما السلام
2- النعماني : ص 319 ب 21 د6 - عن جعفر بن يحيى ، عن أبيه .
3- النعماني : ص 319 به 21 د6 - عن جعفر بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي [عبد الله ] جعفر [بن محمد] عليهما السلام

آباؤها .. »(1). إشارة مثيرة إلى ما يصير إليه أمر العرب من السقوط والإندثار والإنحراف ..! إلا قلة دلت النصوص أنهم يبقون على دين الله ، ویجهدون أنفسهم في سبيل التمسك به ..

وفي النهاية : تؤكد النصوص أن المهدي علیه السلام إذا ظهر ملك العرب ، وبسط سلطانه عليهم ، فيدخلون فيما دخل فيه الناس . وكما في قول النبي صلی الله علیه و آله: « لا تنقضي الايام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي ، إسمه يواطئ إسمي »(2). وأن هناك من العرب من ينخرط في سبيل المهدي وآل الرسول علیهم السلام ویستبسل في القتال والتضحية والجهاد في سبيل الله . کالأبدال ، واليمنيين ، والنجباء المصريين والعصائب العراقيين ، وغيرهم من أهل التقى والدين .. إلا أن النصوص تصر على بيان قيمة « الموالي » مقابل كبوة العرب الكبيرة في آخر الزمان ، لتؤكد أنهم أجود تضحية وأمضى سلاحا. النص عن النبي يقول : « إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثة من الموالي ، هم أكرم من العرب فرسا وأجوده سلاحا ، يؤيد الله بهم الدين »(3).

فيما تصر طائفة من النصوص على ثبات وقيمة ورفعة راية خراسان ، راية الموالي الخراسانيين الذين يضربون العرب على التأويل في آخر الزمن ، كما ضربهم العرب على التنزيل في صدر البعثة النبوية . وأن راية

ص: 177


1- ابن حماد : ص 195
2- أحمد : ج1 ص 316
3- ابن حماد : بمعناه مختصرا على ما في عقد الدرر ، وجمع الجوامع . * : ابن ماجة : ج 2 ص 1370 1369 ,35ح 4090

خراسان ، هي التي توطئ للمهدي سلطانه . وأنهم أمة ، ذات دین ویقین وتضحيات مذهلة . وتؤكد الروايات أن الناس ينحرفون عن الإسلام فيما هم يثبتون ، وان الناس تتبع ركب الروم وغيرها وهم لا يحيدون عن الإسلام . وأن الناس يتعرون ويسقطون أمام غرائزهم فيما يثبت أهل خراسان على الدين والأخلاق والقيم التي أعلنها الإسلام في شتى مجالاتهم حتى يسلموا الراية للمهدي علیه السلام ، ثم ينخرطون للقتال بين يديه ويبذلون تضحيات هائلة في ملحمة الأعماق ( ناحية بلاد الشام أو الجزيرة ) كما يبذلون أنفسهم في معارك المهدي ضد الروم في ناحية مقر الروم وعاصمتهم ، وأنهم أمة مرحومة ، وجماعة ممدوحة تبقى على الإسلام والإيمان حتی ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ..

فيما تؤكد النصوص أن بلاد العرب والمسلمين في آخر الزمن - وبصورة إجمالية -:

يشيع فيها التعري والزنا والربا والإنحراف والآثام والحرام ، ويكون أهل الدين أذلة ، لا سلطان لهم ، ولا دولة ، ولا قوة ولا نفوذ إلا من قلة قليلة يثبتون بجهد وجهاد حتى يحفظوا دينهم وإيمانهم . وأن الإسلام يعزل بصورة عامة عن الحكم والسلطان والأخلاق والإجتماع والسياسة وحقول المال والإقتصاد . في زمن يتعاظم فيه أمر الفاجر ، والعاهر ، وفتيات الهوى وصاحبات الغرائز ، والكاشفات العاريات ، الزانيات العابثات ، في ظل حکام جورة ، ووزراء فسقة ، وعرفاء ظلمة ، وأمناء خونة .. كل ذلك في زمن تكثر فيه إضاعة الصلوات ، واتباع الشهوات ، والميل مع الأهواء ، وتعظيم

ص: 178

أصحاب المال ، وبيع الدين بالدنيا . ويتعاظم أم الفساد ، فتكبر المعصية ، وتقل الطاعة ، ويتمد الناس على خالقهم ، فيكون من إذا حكم ضل وأضل.

وتكون إمارة النساء ، و مشاورة الإماء ، وقعود الصبيان على المنابر ، ويكون الكذب ظرفا ، والزكاة مغرما، والفيئ مغنما، ويحق الرجل المعسشر ، وتقارب الأسواق ، إذا قال هذا ألم أبع شيئا وقال هذا لم اربح شيئا ، فلا ترى عندئذ إلا ذائا لله . فيظهر الربا، ويتعاملون بالغيبة والرشی، ويوضع الدين ، ويتعاوون بالحرام ، ويشتهرون بالمنكرات العظام، ويتفاخرون بالتعري والآثام ، وترفع الدنيا ، ونسي الآخرة ، ويكثر أولاد الزنا ، ويتغنون بالقرآن ، ويتهافتون على الدنيا ، فيميتون الحق، وحقون الباطل ،

ويفترسون بعضهم ، فيعمرون الدنيا ويخربون الآخرة . وتصبح بطونهم وغرائزهم آلهة ، وتنتهك المحارم، وتكتسب المآثم، ويتسلط الأشرار على الأخبار ، ويفشو الكذب والقمار، وتظهر اللجاجة، وتفشو الفاقة . ويتباهون في اللباس ، ويكثر العري فيهم ، ويفاخرون بالسفاح حتى يشتهروا به ، دون رادع أو منکر ..

ويمطرون في غير أوان المطر ، فيصحرون في زمن ماطر ، ويمطرون في زمن الصحو ، و تتغير المعالم ، وتتبدل النظم ، وتبدو الدنيا مخيفة جراء الحرام ، فيكثر الباطل في البقاع ، ويعادي الناس الحق، ویرونه سببا للتهمة والخذلان وقلة النفع في السوق ، فيبيعون غرائزهم ، ويساندون كما تتسافد

ص: 179

البهائم ، فلا يرون أهم من الزنا والحرام . إلا من قلة يثبون على الدين ، فيحلون الحلال ، ويحرمون الحرام ، ويعلنون الإسلام دينا لهم في كل فعل وسلوك ، ويكون أهل خراسان الذين يوطنون للمهدي سلطانه على رأس هؤلاء ، بل رمزهم ومركز رايتهم (1). حيث يشتهرون بعظیم تمسكهم الإسلام والإيمان ، و كبير تضحيتهم للثبات على الدين و شريعة نبي المرسلین صلی الله علیه و آله.

بلاد العرب في عصر ظهور المهديصلی الله علیه و آله

وما يكون عليه العرب والمسلمون في آخر الزمان

تصف لنا الأحاديث بلاد العرب زمن الظهور على أنها بلاد مكونة في أبنيتها وأحياءها ومناطقها وغير ذلك بنحو مختلف عن الزمن الماضي، وأن أرضهم تعمر ، وماءهم تجري ، وأمنهم في فترة ما يستتب ، ثم يقع القتل والفوضى والإضطراب والإندثار . يقول النبي صلی الله علیه و آله: «لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا ، وحتي يسير الراكب بين العراق ومكة لا يخاف إلا ضلال الطريق . وحتى يكثر الهرج ، قالوا : وما الهرج یا رسول الله ؟ قال : القتل »(2).

ص: 180


1- وفي الرواية : « .. وأقبل رجل من المشرق برایات سود صغار ، قبل صاحب الشام ، فهو الذي يؤدي الطاعة إلى المهدي علیه السلام ، في البحار 215/52 ]. فأصحاب هذه الراية الإمامية المهمة جدا في آخر الزمن هم الموطشون الخراسانيون الذين يخوضون معركة ضارية في وجه السفياني وحروية مختلفة في وجه قوی مختلفة من العالم في ظل توطئتهم لسلطان المهدي علیه السلام.
2- الرواية عن النبي صلی الله علیه و آله : أحمد: ج 2 ص 370

وفي غيرها وصف لعمارات وأبنية، وإشارة إلى طرق وأمان وأدوات اتصال بين البلاد ، فأهل الشرق يرون أهل الغرب ، ويسمعون كلامهم ، والعكس . حتى يقع القتل ، أي حروب وخلافات وشبه ذلك ..

وفي متن آخر إشارة إلى ما يقع من أثر على المسلمين ، كمحطات في غاية الأهمية حتى يوم الساعة ، منها وفاة النبي صلی الله علیه و آله ، وموت يقع . وفتنة بين المسلمين لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته . وهدنة بينكم وبين بني الأصفر ( الروم ) ، فيجتمعون لكم عدد حمل المرأة تسعة أشهر . إشارة إلى خطوط ومحطات كبيرة . على أن المقصود ببني الأصفر ، هدنتهم الأخيرة مع المهدي علیه السلام ثم غدرهم وإعلانهم جملة من معارك وحروب على جبهة المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف التي ينتصر بها المهدي بعد معارك ضارية (1).

وفي متن رمزي إشارة إلى «ست» تكون قبل الساعة ، أولهن وفاة النبي صلی الله علیه و آله، وفتح بیت المقدس ، وموت كقعاص الغنم ، وهدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر ، وافتتاح مدينة الكفر ، ورد الرجل مائة دينار سخطة . كما تحدثنا بعض النصوص عن فتنة تقع في العرب ، لا يبقی بیت عربي إلا دخلته ، ثم تصالحكم الروم . وفي بعضها يفرح حذيفة بن اليمان للفتح الذي تم للنبي صلی الله علیه و آله، معتقدا أن الحرب قد وضعت أوزارها، وهذا حصل بعد فتح مكة ، فقال صلی الله علیه و آله: هيهات هيهات .. ثم بين أمورا رئيسية كمحطات ، ذكر أولها : موت النبي ، ثم الفتنة التي تصيب المسلمين ، ثم

ص: 181


1- ابن حماد : ص 7

ساق قصة طويلة كانت السادسة فيها معركة كبرى للمسلمين مع الروم ، قال في آخرها : فعند ذلك يا حذيفة تضع الحرب أوزارها ، فيعيشون في ذلك ما شاء الله ، ثم يأتيهم من قبل المشرق خبر الدجال أنه قد خرج (1)»

وعليه : يفهم من مجموع روایات الحديث أن الهدنة الأخيرة التي تكون بين المسلمين والروم إنما تكون بعد فتنة طويلة ، يدخل شرها كل بیت خاصة العرب ، وتؤكد الأخبار أن هذه الهدنة تكون على يد المهدي علیه السلام. قيمة النصوص هذه أنها تحدثنا عن آخر الزمن وما يقع فيه . وأن فتنة شديدة ، ذات أثر كبير ، وذات سعة هائلة ، تنتشر في أرض المسلمين ، بالأخص أرض العرب ، فتصك كل بيت ، وتكون فتنة قاسية جدا.

نعم تخبرنا أن الروم وجملة من قوى العالم آنذاك ، قبل ظهور المهدي علیه السلام، تطغى على المسلمين ، وأن بلاد المسلمين والعرب تضعف أمام طمع الأكاسرة من الروم وغيرهم ، وأن جملة وفيرة من حکام المسلمين يكونون على هدي الروم لا على هدي الله . وعلى شاكلة الروم لا شاكلة أهل الإسلام .. وأن المساجد تعطل عن حقيقتها ، والسلطان يصبح بید الفجرة والفسقة وغيرها من أوصاف الإنحراف في فقه الإسلام ، وأن المؤمن في بلاد الإسلام يعاني بشدة من انحراف المواثيق والقانون عن دين الله تعالی .. على أن النصوص لا تخبرنا عن كيان أو أمة عربية لها ريادة في التوطئة لظهور المهدي علیه السلام ، بل تخبرنا عن الأبدال الشاميين ، والنجباء

ص: 182


1- ابن حماد : ص7

المصريين ، والعصائب العراقيين كحركات ثورية ، أو كيانات أقل نفوذا من خراسان التي تشكل قطب الرحى في التوطئة للمهدي علیه السلام .. النصوص صريحة في أن راية خراسان تشكل مركز القوة الإسلامية الإيمانية في آخر الزمن . وأن هناك حركات أو كيانات عربية أقل نفوذا ، تعلن ولاءها لهذه الراية الإيمانية التي تعلن بدورها ولاءها للمهدي وأهل بيت النبي علیهم السلام .

والمثير أنه قبل الظهور تتشكل بعض الجيوش العربية التي تقاتل راية الخراسانيين الموطئين لسلطان المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف، بالتحالف مع الروم والترك وشبه ذلك . خاصة راية المغربي والسفياني(1). كلتاهما رایتان عربيتان تجمع جيشا جبارة يقاتل الخراسانيين . في حين نجباء مصر ، وأبدال الشام ، وعصائب العراق ، وهم من العرب أيضا ، يعلنون ولاءهم للمهدي ولآل بيت النبي علیهم السلام ، ويتحالفون مع الخراساني ، ويقاتلون في صقه ، ويكونون يدا واحدة على من سواهم . ويبذلون في سبيل ذلك تضحيات جبارة . نعم ، إذا ظهر المهدي علیه السلام ، تخبرنا النصوص عن فرقتين من العرب : واحدة تجاهر بعداءها للمهدي علیه السلام ، کالسفياني مثلا ، وواحدة تعلن ولاءها له ، مثل الأبدال الشاميين والعصائب العراقيين والنجباء المصريين ، وغيرهم.

ص: 183


1- على أن السفياني يكون من ألذ الأعداء على الخراسانين وأتباع أهل البيت علیهم السلام . وفي الرواية : «ليس له همة إلا أهل المشرق » [ الفتن/ 176 ] . وفي الرواية عن الإمام الصادق علیه السلام : « كأني بالسفياني قد طرح رحلة في رحبتكم في الكوفة ، فنادى منادیه من جاء برأس شيعة علي فله ألفدرهم ، فيثب الجار على جاره ويقول هذا منهم ، فيضرب عنقه ، ويأخذ ألف درهم . أما إن إمارتكم يومئذ لا تكون إلا لاولاد البغايا، وكأني أنظر إلى صاحب البرقع ، قلت : ومن صاحب البرقع ؟ فقال : رجل منكم يقول بقولكم ، يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم ، ولا تعرفونه ، فيغمز بكم رجلا رجلا ، أما ( إنه ) لا يكون إلا ابن بغي » [ البحار 215/25 ].

كما تؤكد وقوع معارك ضارية مع جيش عربي جبار ، أي جيش السفياني ، تنتهي بذبح السفياني وانهزام ذلك الجيش شر هزيمة ، على أن المتون تخبرنا بأن العرب يهتدون بالمهدي علیه السلام ، فينعطفون إليه ، فیبار کهم الله بالمهدي عجل الله تعالی فرجه شریف. لكن ذلك لا يمنع وجود فروع عربية تظل على حلف مع الروم أو أعداء دولة المهدي علیه السلام أو الدجال حين يخرج ، النصوص صريحة في الإشارة إلى يهود أمة النبي صلی الله علیه و آله وغير ذلك .. على أن بعض النصوص تحدثنا بصيغة : « العرب قليل » زمن خروج الدجال .! ففي حديث أم شريك ، تسأل النبي صلی الله علیه و آله عن العرب ، قائلة : « أين العرب يومئذ ؟ فيقول صلی الله علیه و آله: « هم يومئذ قليل، وجلهم بیت المقدس ، وإمامهم رجل صالح ( يعني المهدي علیه السلام ) »(1).

لا أدري ما المقصود تفصيلا بهذا التعبير .. لكن النصوص تخبرنا بأن العرب تهتدي بالمهدي علیه السلام، وبه تطمئن ، رغم أن بعض النصوص تخبرنا عن خوف و تردد بعض العرب من خوض ملحمة الأعماق ( حلب أو بلاد الشام ) في وجه الروم ، وأن المهدي عندئذ يبعث إلى جيشي الخراساني واليماني ، في حين اليماني عربي ، ويبدو أن نواة جيشه من العرب ، فيما

ص: 184


1- فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عیسی بن مريم علیه السلام الصبح ، فرجع ذلك الأمام بنكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس ، فيضع عيسی بده بين كتفيه ثم يقول له : تقدم فصل فإنها لك أقيمت ، فيصلي بهم إمامهم ، فإذا انصرف قال عيسى علیه السلام : إفتحوا الباب ، فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي ، كلهم ذو سيف محلی وساج ، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربا ويقول عيسى علیه السلام : إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها ، فیدر که عند باب « اللد » الشرقي فيقتله ، فيهزم الله اليهود ، فلا يبقى شئ مما خلق الله يتواری به بهودي إلا أنطق الله ذلك الشئ ، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة ( إلا الغرقدة ، فإنها من شجرهم ، لاتنطق ) إلا قال يا عيد الله المسلم ، هذا يهودي ، فتعال أقتله . إلى آخر روايته . وكذا رواية ابن حماد . ابن ماجة : ج 2 ص 1359 ح 4077

الأبدال والعصائب والنجباء أيضا من العرب ولهم وصف وعظمة خاصة في سلك جيش وقيادة المهدي علیه السلام . فهل المقصود ب- « العرب قليل » أن الباقي منهم موجود في شطر آخر من جبهة المهدي علیه السلام أم أن هناك من يخرج مع الدجال أو يكون في وجه جبهة المهدي علیه السلام .؟

الأكيد أن بلاد العرب تكون تحت يد المهدي ودولته ، وأن بعضا منها يسقط بالحرب ، والبعض الآخر هو بنفسه يعلن الولاء والتعظيم محبة وشوقا للمهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ، بل هناك قسم من العرب يقاتلون ببسالة مذهلة بين يدي المهدي علیه السلام کالأبدال والعصائب والنجباء واليمنيين . نعم يبدو من لحن بعض المتون أن الدجال يجمع في جبهته من كل الناس ، مما بقي من فلول الروم ، ومن غيرهم ، ويكون منهم من يهود أئمة النبي صلی الله علیه و آله، أي بعض المسلمين .. وليس هذا حصرة في العرب . من هنا، فإن تعبير « قليل »، قد براد به أنه قليل مقابل كثرة جندالدجال في تلك الفترة ، أو قليل لأن قسما منهم منتشر في أنحاء مختلفة من جبهة المهدي ودولته ، وهكذا ..

لأن النصوص تؤكد هداية العرب بالمهدي علیه السلام وانضواءها تحت لواءه وتضحياتها في سبيل دعوته . على أن الروم ، في بعض تعابيرها، تحدث سلطانها وحاكمها بعد انقلابها على الهدنة مع جيش المهدي علیه السلام ، بأنها كفته حد العرب . كإشارة منهم إلى المهدي علیه السلام ، أو إشارة إلى جبهة للمهدي في بلاد عربية تقع فيها تلك المعركة، ويكون لها أثر في ميزان القوة آنذاك ..

ص: 185

حرب الروم علی دولة علیه السلام بعئ غدرهم

تؤكد الروايات أنه في تلك اللحظات التاريخية من انتصار المسلمين والروم على الترك ، تغدر الروم بالهدنة المعقودة مع المهدي علیه السلام ، وتعمل مباشرة لتعديل ميزان القوة ، فتطمح لهزيمة جبهة المهدي ، وتختبئ وراء الصليب كدافع لحربها . فتعلن انتصار الصليب وتقع معركة غدرهم في لبنان ( مرج ذي تلول ) ، ومنذ تلك اللحظة تبدأ معركتهم مع المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ..

تخبرنا النصوص أن المسلمين يصالحون الروم عشر سنين صلحا آمنا ففي الروم سنتين ثم تغدر في الثالثة ، أو يفون أربعا ويغدرون في الخامسة ، فينزل جیش من المسلمين في مدينتهم ، فيتحالف المسلمون والروم لقتال عدو ثالث ، هو الترك وجملة من حلفاء فرعيين معه ، فينتصر المسلمون والروم في تلكالمعركة على عدوهم، ويفتح الله لهم ، ثم ينزلون في « مرج ذي تلول » ، أي في لبنان ، يبدو أن ذلك كمحطة في طريق العسكر لأمر ما ، أو تموضع استراتيجي استثنائي ، وذلك بعد انتهاء تلك الحرب مع الترك وغيرهم ، وهناك ، أي في لبنان ، تنتصر الروم للصليب ، وبدل من خطابها ، بهدف الإطاحة بالمسلمين ، ويظهر بوضوح أن عدد جنودها و آليات حربها تخولها آنذاك التخطيط للشروع في هكذا معركة ، فبينما المسلمون يقولون : الله غلب ، والروم يقولون : الصليب غلب ، يتداولونها ساعة ، ثم تقع المعركة حيث يثور مسلم إلى صليبهم فيدقه ، فيثور الروم إلى كاسر

ص: 186

صليبهم ، فيضربون عنقه ، فتثور تلك العصابة من المسلمين إلى أسلحتهم ، و تثور الروم إلى أسلحتهم ، فيقتتلون فيكم الله تلك العصابة من المسلمين فيستشهدون . النصوص تصف تلك المعركة بالقتال الشديد . ثم تتمکن الروم من حسم تلك المعركة لصالحها ، مع تلك الفئة المؤمنة المستميتة من جيش المهدي علیه السلام في سبيل الإسلام.

ويبدو بوضوح أن الروم تنسحب من تلك الأرض ، ويأتون ملكهم فيقولون له : قد كفيناك حد العرب وبأسهم ، فماذا تنتظر ؟ يريدون منه أن يجهز جيشا كبيرا للقضاء على دولة المهدي ، فيفعل ذلك ، ويبدأ بتجهيز أساطيل الحرب ..

عندها يجمع حاكم الروم قوة عسكرية ضخمة في مدة حمل امرأة ، أي طيلة 9 أشهر . ثم يقصد جبهة المهدي علیه السلام في 80 غاية ، أي في 80 قافلة أو قوة مسلحة بقطعها الحربية المختلفة ، وفي كل غاية أو قافلة حربية يوجد 12 ألف جندي . أي ما يقرب من مليون جندي .! بهدف القضاء على دولة المهدي(1) علیه السلام . على أنه قد يستفاد من بعض المتون تعرض «کرمان » سابقا لهجوم منالترك وجملة من حلفاءها ، في حين يكون الترك أعداء للروم .. وفي لحظة ما، لا ندري تفاصيلها ، يكون من المصلحة عقد « تحالف عسكري » بين الروم والمسلمين لمهاجمة الترك ، وذلك بعد قيام الهدنة بين الروم والمسلمين ، فيهاجم المسلمون والروم الترك وباقي

ص: 187


1- الطبراني : الكبير : ج 8 ص 120 - 7495 - ابن حماد : ص 137

حلفاءهم ويهزمونهم . ومع هزيمة الترك تفکر الروم بضرورة حسم میزان القوة الجديد لصالحها ، عندها تنتصر لصليبها ، وتفتك بتلك الفئة المؤمنة التي تقاتل قتالا شديدا حتى تستشهد ، إلى درجة أن الروم ينذهلون من انتصارهم على تلك « الفئة القوية » في مرج «ذي تلول » ، فيقولون لملكهم أن جهز جيشا لغزو دولة المهدي علیه السلام ، لأنا قد كفيناك حد العرب . وعنن وصف معركة الغدر التي تقودها الروم آنذاك ..؟ يقول ونس بن سيف الخولاني : « فينحازون وتنحازون ، فيقتتلون قتالا شديدا عند مرج ذي تلول . ثم يفتح الله لكم عليهم ، ثم تكون الملاحم بعد ذلك»(1). وفي رواية ذي مخمر عن تلك المعركة في مرج ذي تلول ، يؤكد انتصار المسلمين والروم على عدوهم في حلفهم العسكري ، ثم يشير إلى غدر الروم بالمسلمين ، فيقول : « فعند ذلك يغدر الروم ويجمعون للملحمة »(2).

ويبدو من بعض النصوص أن الروم ودولة المهدي علیه السلام تشکلان قتين كبيرتين آنذاك في ميزان القوى العالمية . ومع اصطدامهما تهتر جملة كبيرة مننواحي الأرض المعارك ، بدء من الشرق وصولا إلى الغرب . وهذا معنى قول النبي صلی الله علیه و آله: « إذا ملك العتيقان : عتيق العرب وعتيق الروم ، كانت على أيديهما الملاحم »(3).

ص: 188


1- ابن حماد : ص 137
2- ابن حماد : ص 137 * أيضا فقي رواية جبير بن نفير عن ذي مخمر : « فعند ذلك تغدر الروم و تكون الملاحم ، فيجتمعون إليكم فيأتونكم في ثمانين غاية مع كل غاية عشرة آلاف » أيضا : الطبراني : الكبير : ج 8 ص 120 ح7495
3- ابن حماد : ص 131

على أن خريطة المتون تؤكد مبادرة الروم في جيشها وقواها نحو الشرق للقضاء على جبهة المهدي ، بل تسلط قواتها نحو منطقة المهدي علیه السلام بالذات للقضاء عليه وعليها . وتقع معركة عنيفة بين الجيوش الرومية التي تمثل جبهة الغرب ، ودولة المهدي علیه السلام ما بين صور وعکا(1) .. ثم تقع الملحمة الضخمة مع الروم ودولة المهدي علیه السلام في الأعماق ( ناحية حلب أو بلاد الشام أو في أعماق الجزيرة ) ، وتبدو أولى أيام المعارك في الأعماق شبه متكافئة ، كما في صريح الأخبار ، فهم يرمون بالنيازك و كذا المسلمون ، أي أدوات حرب لها ذنب ملتهب ، واليوم أقرب مثال له الصاروخ .. وتدوم تلك المعركة المتكافئة شهرا ، ثم تنهار قوة الروم ، وترجح كفة المسلمين ، وتؤكد لنا الرواية أن المهدي علیه السلام في تلك المعركة يبعث إلى الخراسانيين واليماني للمشاركة في تلك المعركة الكبيرة ، وأن بعض العرب يترددون فيلومونهم أهل خراسان ويحرضونهم للإنخراط والإستبسال في تلك المعركة الضخمة . ويتكاتف المسلمون فيما بينهم في وجه الروم ، إلى أن تنتهي تلك المعركة الملحمة بانتصار المسلمين وانهزام الروم،

ثم يستمر خط المواجهة الحربية تباعا في وجه الروم، وصولا إلى بلاد الغرب الرومية ، فتقع معارك شديدة الضراوة في بلاد الغرب ، يفتح المسلمون على أثرها عاصمة الروم . وبذلك تنتهي دولة أو حلف روما من الوجود إلى الأبد .. وتنتشر دولة المهدي علیه السلام من شرق الأرض إلى غربها،

ص: 189


1- جامع البيان ، الطبري : ج 15 ص 17 ابن أبي حاتم : على ما في الدر المنثور .

إلا أنه يبقى وجود «قوی كبيرة » في الأرض ، مثل الدجال ويأجوج ومأجوج(1)، وغيرهم من القوى الفرعية ..

ص: 190


1- ويبدو من النصوص أن ليأجوج ومأجوج أثرة على بلاد المسلمين والعرب ، ففي رواية زينب بنت جحش ، قالت : دخل علينا رسول الله صلی الله علیه و آله وهو يقول : « .. ويل للعرب ، من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا - وحلق إبهامه بالتي تليها - ( إشارة إلى علم أتحفه الله به عن آخر الزمان ، بحيث بين له من أمر الأمة التي تمثل جبهة يأجوج ومأجوج و تخوض غمار تلك المعركة الضخمة آنذاك ) قالت فقلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال صلی الله علیه و آله : نعم إذا كثر الخبيث ، [عبد الرزاق : ج 11 ص 362 د 20749] . إشارة إلى أن العرب يتأثرون بهذه الجبهة ، وهي التي تكون موجودة قبل ظهور الإمام المهدي علیه السلام . وفي تعبيره « ويل للعرب » إشارة إلى خطر داهم وكوارث تقع عليهم من هذا الباب . وفي الذيل إشارة إلى أن العرب - قبل الظهور - يصلون إلى هذا المستوى من السقوط والإنهيار ونزول الشر بسبب خروجهم عن قيم السماء ومعالم الشريعة ، فإذا كان ذلك كذلك طالهم الشر والويل .. وفي لفتة إلى انشغالهم ببناء قوة جبروتهم تلك روى أبو هريرة عن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : « إن يأجوج ومأجوج ليحفرن السد كل يوم ( إشارة إلى تواصلهم في بناء قوتهم ) حتى إذا كان شعاع الشمس قال الذي عليهم : إرجعوا فستحفرون غدا ( بناء القوة المتتابع )، فيعودون إليه كأشد ما كان ، حتى إذا بلغت مدتهم ( أي وصلوا إلى مستوى صناعة القوة التي بؤثرون بها على العالم) وأراد الله عز وجل أن يبعثهم على الناس ( أي لم يمنع مسيرتهم الطبيعية في إعداد القوة واختيارهم الذي سيسألون عنه لما هم عليه من اختيار ) حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ( إشارة إلى رؤيتهم نوعا مهمة من تصاعدية ما لديهم من قوة ) قال الذي عليهم : إرجعوا فستحفرونه غدا ( للمزيد من بناء القوة التي يفتحون بها المزيد من بقاع العالم ، إشارة إلى فتح السد وتجاوز العقبات ) .. فيعودون إليه ، وهو كهيئته حين تركوه ، فيحفرونه ( أي يفتحون ثغرات في سور الأمم )، ويخرجون على الناس ( معلنين الحرب بأشكال مختلفة ) فينشفون المياه ( إشارة إلى احتكارهم وسيطرتهم على المزيد من المياه و منابعها التي يحتاجها الناس ) ويتحصن الناس منهم في حصونهم ( إشارة إلى إعلانهم الحرب على الناس والكيانات ) ، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع و عليها كهيئة الدم فيقولون : قهرنا أهل الأرض ، وعلونا أهل السماء ( إشارة إلى حرب عنيفة يخوضونها مع امة أو أمم تستعمل فيها أدوات الحرب التي منها أدوات الجو والفضاء ، ويبدو أن مثل هذا التدمير لمناعة الكيانات يحتاج إلى زمن ) ، فيبعث الله عليهم نغفا ( قطعة الجلد التي تتخذ حزامة ، شبة بها الدود الذي يبعث على يأجوج ومأجوج ) في أقفائهم ، فيقتلهم بها ( إشارة إلى نهاية هؤلاء ، وكأن النص يقول بشكل واضح ان نهايتهم تكون بواسطة تدخل السماء وتطويع مرض محدد أو کائنات محددةتقضي عليهم كما هي الحال في تدخل السماء عبر طير أبابيل التي رمت أبرهة وقومه بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول ). فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : والذي نفس محمد بيده ، إن دواب الأرض لتسمن شكرا ( أي تسمن ويكثر بها ) من لحومهم ودمائهم ، [عبد الرزاق : على ما في الدر المنثور . * أحمد: ج 2 ص 510 جامع البيان ] . وفي لفظ الطبري - يصف قوتهم مع تنبيه الأمم لما هم عليه من هذه القوة التي يعمدون عبرها إلى فتح سدود العالم في وجههم - قال : قال كعب : «... حتى بسمع الذين يلونهم فرع فوسهم ( إشارة إلى تعاظم قوتهم التسلحية التي يخوضون بها غمار فتح الحدود ومهاجمة الدول ) ، فإذا كان الليل قالوا : نجين غدا فنخرج ، فيعيدها الله كما كانت ( إشارة إلى عقبات تحول دون خروجهم على العالم ) فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان ( تأكيد على عقبات غیر منتظرة أمام هذا المدة الهائل من جند وأدوات يأجوج ومأجوج) فيحفرونه حتى يسمع الذينيلونهم قرع فؤوسهم .. فيحفرون ثم يخرجون ( إشارة إلى غزوهم العالم وخروجهم عليه )، فتمر الزمرة الاولى بالبحيرة فيشربون ماءها ( إشارة إلى كثرة ضخمة يتشکلون منها ، فضلا عن التأكيد على سيطرتهم علي الموارد المائية أي نسبة ملفتة منها ، وهذه التعابير يراد منها لفت النظر إلى كثرتهم وقدرتهم وتخريبهم ) ، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها ( إشارة إلى أثر التخريب وتبديد الموارد كوسيلة من وسائل حربهم تلك ) ، ثم تم الزمرة الثالثة فيقولون : قد كان ههنا مرة ماء ( تأكيدا على قوتهم وتعبئة لنفوسهم في مواجهة العالم ، وسيطرة منهم على زمام الأمور حتى الآن ) ، وتف الناس منهم ، فلا يقوم لهم شيئ ( إشارة إلى انتصارات متتالية يحققونها منذ لحظة خروجهم من رواء السد ، فلا يقوى الناس على الصمود بوجههم ) ، فيدعو عليهم عیسی بن مریم علیه السلام ( إشارة ختامية ، ببعد النظر عن التفاصيل وما يجري في العالم آنذاك. النص هنا ينقلنا من طور قوتهم إلى طور نهايتهم ) فيقول علیه السلام : اللهم لا طاقة ولا بدين لنا بهم ، فاكفناهم بما شئت ، فيسلط الله عليهم دودا يقال له النغف ، فتفرس رقابهم ، ويبعث الله عليهم طيرة فتأخذهم بمناقرها فتلقيهم في البحر ، ويبعث الله عينة يقال لها الحياة تطهر الأرض منهم ، وتنبتها، حتى أن الرمانة ليشبع منها السكن . » [ الطبري : ج 17 ص 71]. ففي هذا النص إشارة إلى قوم يعدون بالكثير جدا في نسلهم و تعداد سكانهم ، يفدون على العالم بفرق ثلاث ، يخربون الموارد ، ويتعمدون ذلك ، فلا تصمد بين أيديهم القرى وتنهار أمامهم الحصون ، وتتساقط السدود ، إلى أن يبعث الله عليهم سلطانا من السماء ، أي قوى قاتلة تقتلهم فيطهر الله الأرض منهم ..

على أن النصوص تحدثنا عن واحدة من « غلبة السودان » ، أي دولة أو جبهة أو تحالف أو كيان أو أي شيئ آخر يكون فيه علامة من جند أسود ، أو قادة سود، أو أي صفة لها نوع « مائز » وغلبة واضحة في صفة ما من السواد ، فيقاتلون العرب فيغلبونهم . وهذه علامة قد تكون وقعت أو ستقع..

نعم رواية حذيفة بن اليمان تحدثنا عن وقعة مؤلمة تكون بالزوراء ( بغداد ) . النصوص تصفها بأنها مدينة بالمشرق ، بين أنهار يسكنها شرار خلق الله ، وجبابرة من المسلمين ، قذف فيما بعد بأربعة أصناف من العذاب : بالسيف ( كقتال وغزو مباشر والتحام في المعارك ) ، وخسف ( كالزلازل وأشباهها أو ما هو من مصادیق الزلازل لكنه من صنع الإنسان لا

ص: 191

الطبيعة ، على أن ظاهر النص يرجح فعل الطبيعة الا الإنسان ) ، وقذف ( وهذا يعني إما : حرب عبر أدوات العسكرية الصاروخية أو عبارة عن عذاب آخر ) ومسخ ( وهي من علامات آخر الزمان ) . والنص يريد بذلك الإشارة إلى صنف من الحكام البغداديين ، معهم جماعة من معاونيهم ، وجنهم أراذل جبابرة . ثم يؤكد على وصف آخر ، وهو إذا خرجت السودان تطلب العرب وأنها تغلبهم ، وينكشفون حتى يلحقوا ببطن الأرض ، أو قال ببطن الاردن ، ويبدو أن المعنى الأول هو أجدى . على أن الثاني ممكن.

فبينما هم كذلك ، إذ خرج السفياني في ستين وثلاثمائة راكب ، حتى يأتي دمشق ، فلا يأتي عليه شهر حتى يبايعه من كلب ثلاثون ألفا، فيبعث جيشا إلى العراق ، فيقتل بالزوراء ( بغداد ) مائة ألف ، وينحدرون إلى الكوفة ، فينهبونها ، فعند ذلك تخرج راية من المشرق يقودها «شعیب بن صالح(1)» وهو رجل من بني تميم ، فيستنقذ ما في أيديهم من سبي أهل الكوفة ويقتلهم ، أي ينتصر على الجيش السفياني في تلك الوقعة. ما يعني أن الإشارة إلى حرب السودان والعرب قريبة نسبيا من زمن خروج السفياني ، ببعد النظر عن هوية هؤلاء السودان ورمزيتهم ، وهل المقصود

ص: 192


1- يظهر شعیب بن صالح في المجتمع الخراساني فجأة ، وقد شبه الإمام علي علیه السلام خروجه في أرض خراسان بالنبع إشارة إلى الفجأة التي يظهر فيها ، فقال علیه السلام : « وتحركت عساكر خراسان ، ونبع شعیب بن صالح التميمي من بطن الطالقان ، ( مشارق البرسي 166). وهو من الكنوز الخفية التي تظهر في آخر الزمان . وفي الرواية : « وإن لآل محمد بالطالقان الكنزا ، سيظهره الله إذا شاء ، دعاة حق يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله » ( شرح نهج البلاغة 7/48 ) . ويسبق خروج رجال الطالقان العظماء فتنة عامة في أرض خراسان ،وأحداث صعبة ، يراد منها الإنقلاب على قيادة الخراساني الموطئ للمهدي سلطانه ، فيخرج الطالقانيون وينصرون الخراساني ويقضون على المنقلبين .

بهم مناطقهم بالذات أو جيوش فيها من السود ما يميزهم قادة أو جندا ، ثم العرب ليس بالضرورة المقصود كل العرب ، بل يمكن أن تكون دولة أو كيان أو تحالف يهزم بشدة أمام لجند أسود أو فيه قادة سود أو فيه ميزة عسكرية ذات صلة بالسود وشبه ذلك(1).. على أن هناك تفاصيل ووقائع مهمة ومختلفة تقع في ذلك الزمن ، لم تحدثنا عنها النصوص، كما هي حال النبوءات المستقبلية ..

وعليه : تعاني العرب من أزمات وإنهاكات مختلفة ، أهمها الفتن العسكرية ، وخلافات بينية ، وغزو وحروب تطالها قبل الظهور الشريف ، وأن العرب تكون على قسمين : واحدة مع الظلمة الكفرة والفسقة ، وقسم مع أهل الإسلام والإيمان والدعاة للإمام المهدي علیه السلام . وأن السفياني(2) يكون من أشهر جيوش العرب التي تقاتل المهدي علیه السلام وأنصاره والتي

ص: 193


1- ثم يخرج جيش آخر من جيوش السفياني إلى المدينة ، فينهبونها ثلاثة أيام ثم يسيرون إلى مكة ، حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله عزوجل جبرئيل علیه السلام فيقول : يا جبرئیل عذبهم ، فيضربهم برجله ضربة فيخسف الله عزوجل بهم فلا يبقى منهم إلا رجلان فيقدمان على السفياني فيخبرانه خسف الجيش فلا يهوله . ثم إن رجالا من قريش يهربون إلى قسطنطينية فيبعث السفياني إلى عظيم الروم أن أبعث إلي بهم في المجامع ، قال : فيبعث بهم إليه ، فيضرب أعناقهم على باب المدينة بدمشق . ثم قال حذيفة : حتى إنه يطاف بالمرأة في مسجد دمشق في الثوب على مجلس ، مجلس ، حتى تأتي فخذ السفياني فتجلس عليه ، وهو في المحراب قاعد ، فيقوم رجل من المسلمين فيقول ، ويحكم أكفرتم بالله بعد إيمانكم ؟ إن هذا لا يحل ، فيقوم فيضرب عنقه في مسجد دمشق ، ويقتل كل من شایعه على ذلك . فعند ذلك ينادي من السماء مناد : أيها الناس إن الله عزوجل قد قطع عنكم مدة الجبارين والمنافقين وأشياعهم وأتباعهم. وولاکم خير أمة محمد صلی الله علیه و آله ، فالحقوا به بمگه ، فإنه المهدي علیه السلام » . [ جامع البيان ، الطبري : ج 15 ص 17 ابن أبي حاتم : على ما في الدر المنثور] .
2- وقد قال الإمام علي علیه السلام بوصف السفياني في رسالة إلى معاوية : « .. إن رجلا من ولدك ، مشؤوم ملعون ، جلف جان ، منكوس القلب ، فظ غلیظ ، قد نزع الله من قلبه الرحمة والرأفة ، أخواله من كلب ، كأني أنظر إليه ولو شئت السيئة ووصفة » [ مصباح البلاغة 236/ خطبة رقم 226 ] . وتطلق عليه بعض الروايات صفة إبن آكلة الأكباد نسبة إلى جدته هند زوجة أبي سفيان التي لاكت كبد حمزة عم النبي صلی الله علیه و آله

تجاهر بعداءها الكبير للخراسانيين وتزحف إليهم في أكثر من معركة وحرب بهدف النيل منهم ..

لكن النصوص تؤكد أن جملة وجوه وجماعات في دولة السفياني تقف لتتفاجأ بجور وفجور و کفر السفياني وردته المفرطة ، فينال من بعضهم ويقتلهم ويتشفى منهم . على أن لحن بعض المتون يستفاد منه بوضوح وكأن أكثرية العرب تكون على غير أمر المهدي أول الأمر .. ويظهر أن جیش السفياني يجمع من جند العرب الكثير ، ويسيطر على مناطق كبيرة ، فهو يسيطر على الكور الخمس ، إلا منطقة الأبدال الشاميين(1)، كما يقاتل الأبقع الذي يزحف من مصر ، فيهزمه ، ثم يتابع زحفه حتى يدخل مصر ويوقع فيها ملاحم دموية وغرائزية هائلة ، كما يغزو العراق ، ويزحف نحو الحجاز ، ويهاجم الأراضي الإيرانية ، بل يقاتل في معركة قرقيسيا الترك والروم وينتصر عليهما .. ورغم الخسف الهائل الذي يصيب جنده في بيداء المدينة ، وهزيمة جنده أمام الخراسانيين في منطقة اصطخر الإيرانية ، يبقى له من القوة والجند ما يؤدي إلى اصطدام عنيف مع جيش المهدي خاصة قرب بحيرة طبرية ، وينتهي الأمر بذبح السفياني وانتصار المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف.

على أن بعض المتون تحدثنا عن «سفياني أول » ، مجرم ، سفاح، قتال ، مسلم القول ، كافر الفعل ، تغضب السماء من فعله وسفكه للدماء دون

ص: 194


1- وفي صريح الرواية عن الإمام الصادق علیه السلام : « فينقاد له أهل الشام إلا طوائف من المقيمين على الحق بعصمهم الله من الخروج معه » [ البحار252/52 ] وذلك بما يملكون من قوة صمود ، ومواجهه وصبر وأناة .

وجه حق، لا يفرق بين طفل وامرأة وشیخ ولا يهمه حد في الإسلام أو حاجز حرمة . ثم تحدثنا عن سفياني ثاني هو السفياني الجبار القتال المرتد بصخب كبير ، وهو المذكور في الأحداث الجسام . ففي خبر أبي وهب الكلاعي : « تفترق الناس والعرب في بربر على أربع رايات ، فتكون الغلبة(1) لقضاعة(2) ، وعليهم رجل من ولد أبي سفيان . ثم يستقبل السفياني فيقاتل بني هاشم و كل من نازعه من الرايات الثلاث وغيرها ، فيظهر عليهم جميعا ، ثم يسير إلى الكوفة ، ويخرج بني هاشم إلى العراق . ثم يرجع من الكوفة فيموت في أدنى الشام (هذا كما يبدو واضحا السفياني الأول ) ، ويستخلف رجلا آخر من ولد أبي سفيان تكون الغلبة له، ويظهر على الناس وهو السفياني »(3).

ويبدو من النصوص أن خط « دمشق - بغداد » يعاني من صراع وخلاف وفرقة وحروب مختلفة خاصة قبل الظهور .. لا تذكر النصوص كامل التفاصيل عن المشرق العربي والمغرب العربي ، لكن يبدو أن كفة القوة العربية ترجح بوضوح لصالح المشرق العربي متمثلا بالسفياني على حساب قوة الراية المغربية التي تضعف بشدة أمام جموح السفياني . ما يعني أن قوة الراية العربية بقيادة السفياني المناهضة لأمر المهدي علیه السلام وأمر

ص: 195


1- وقد ذكر جملة من المؤرخين أن قبيلة قضاعة بقيت موالية للامويين ، وعلى خلاف للعباسيين . وفي قول المأمون العباسي : إنهم ينتظرون ظهور السفياني ليكونوا معه .
2- قضاعة هي من قبائل عرب الجنوب الكبيرة ، تقف مع السفياني و تناصره بشدة في الشام ، ومن أشهر فروعها: جهينة
3- ابن حماد : ص 78

أنصاره کالخراسانيين والأبدال والعصائب والنجباء تكون على نحو من عدد وعتاد كبير ، تؤمن للسيفياني السيطرة على الكور ، واجتياحات نحو مصر والعراق والحجاز ، بل ويقصد بعض المناطق الإيرانية التي يهزم فيها بشدة . إذا ، قؤة السفياني ، تنتصر على المغربي ، وبهذا يشكل السفياني « مرکز الثقل » في الجيش العربي الذي يقاتل الخراسانيين وجبهة المهدي علیه السلام أيضا (1). لكن بالمقابل هناك « مركز عربي » آخر ، يعلن ولاءه الكامل للمهدي علیه السلام ، ويبذل كل ما يملك من قوة وطاقة ومهارات لنصرة أمر المهدي وجبهته ، يتمثل بالأبدال الشاميين ، والعصائب العراقيين ، والنجباء المصريين ، بالإضافة إلى اليماني الذي يكسر عين السفياني ويهزمه (2).

على أن مناهضة أمر أهل البيت علیهم السلام وأتباعهم ، تقوده جماعات دموية لا تفرق بين حل أو حرام ، همها القتل ، والإبادة ، وسفك الدماء ، وهنا يخبرنا « الوليد بن مسلم » عن سفياني أول طاغ ، دموي ، قتال ، لكنه يموت ، وأنه هو الذي يدخل العراق ، ثم يموت بأدنى الشام ، ليشير إلى السفياني الثاني الذي تحدثنا النصوص عن طغيانه الكبير وقتله المثير(3)، وهو

ص: 196


1- وفي الرواية : « فيقاتل [ أي السفياني ] أهل المشرق حتى يردهم إلى العراق ، ( الفتن لإبن حماد 17). « فيقاتل أهل المشرق حتى يردهم إلى العراق ، ( عقد الدرر 53 ) وتقع المعارك بين السفياني والخراسانيين في أكثر من جبهة: في فلسطين ، ودمشق ، والعراق ، وأيضا في منطقة اصطخر الإيرانية التي ينتصر فيها الخراسانيون انتصارا هائلا.
2- وفي الرواية : « أني يخرج ولم يخرج کاسر عينه بصنعاء » [ الحاوي للفتاوي 69/2 ].
3- يخبرنا انه إذا غلبت قضاعة ، وظهرت على جيش المغرب ، فأتی صاحبهم بني العباس ، فيدخل ابن أختهم الكوفة مع من معه فيخربها ، ثم تصيبه بها قرحة ، ويخرج منها يريد الشام ، فيهلك بين العراق والشام ، ثم یولون عليهم رجلا من أهل بيته ، فهو الذي يفعل بالناس الأفاعيل ، ويظهر أمره ، وهو السفياني ثم تجتمع العرب عليه بأرض الشام ، فيكون بينهم قتال حتى يتحول القتال إلى المدينة ، فتكون الملحمة يبقيع الغرقد. (ابن جماد : ص 79)

الذي تجتمع العرب عليه بأرض الشام ، فيكون بينهم قتال حتى يتحول القتال إلى المدينة ، فتكون الملحمة ببقيع الغرقد(1). واللافت أن خريطة جبهة السفياني كلها حروب ومعارك وقتل وإبادة في مدة قصيرة ، ما يعني أنه يمتلك من الجند والعدة ما يمكنه من غلبة المغربي وفتح الکور واجتياح مصر والعراق ودخول الحجاز .!

إذا ، حضور العرب في «آخر الزمن » واضح جدا لكنهم فرق مختلفة ، ودولمتعددة ، ذات ولاءات مختلفة ، يعانون من هجمة القوى الكبرى عليهم ، فضلا عن الفتن بينهم ، فيما يبرز فيهم حکام جبابرة وطواقم حكم فسقة فجرة لا يبالون لأمر دينهم وآخرتهم في حين تبقى رايات وجماعات محددة من العرب على الإسلام والحق وقوانين الشريعة ، فيثبتون على الإسلام مهما تغير الزمن واصطکت بهم الأحداث(2). واللافت ما ورد ببعض النصوص من مشاركة بعض العرب بجيش الدجال(3). ففي رواية

ص: 197


1- ابن حماد : ص 79
2- نعم هناك رواية تتحدث عن استحلال البيت ( الكعبة ) ، وهناك تقع ملكة العرب ، لكن الحديث غير سليم من جهة السند . فالرواي بروي عن النبي صلی الله علیه و آله قوله : « يبايع لرجل بين الركن والمقام ، وأول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن ملكة العرب ، ثم يجئ الحبشة فيخربونه خرابا لا يعمر بعده ، وهم الذين يستخرجون کنزه ». الطيالسي : ص 312313 ح 2373
3- أولا لا بد من الإشارة إلى أرض العرب : فعن أرض العرب بعد الظهور ، يبدو واضحة أنها تكون تحت سلطان الإمام المهدي علیه السلام ، إلا ما يستفاد من طائفة فيها ضعف سند في كثير من متونها ، مفادها أن الدجال ، يسيطر على قسم وفير من أرض العرب ، وفي بعضها أنه يحتل أرض العرب كلها إلا طيبة أي المدينة ، لكن هذه النصوص ضعيفة من جهة ، وفيها ما يخالف نصوص صريحة ونظيفة البيان والصدور تفيد أن مكة والمدينة ( أي الحجاز ) ، والقدس ، لا يتمكن الدجال من دخولها ، ما يعني ان ألفاظ المتون جاءت على نحو من الغلبة لبلاد العرب وليس وفق معنی کل أي الشمول ، بل بمعنى الكثرة والغلبة ليس أكثر . منها : الدجال مكتوب بين عينيه «ك ف ر» ، وقال : ذكر قتادة أنه يقرؤه كل مؤمن أمي وكاتب ، يخرج في قلة من الناس ونقص من الطعام ، يدخل أمصار العرب كلها غير طيبة وهي المدينة . قال قائل : يانبي الله أما يريد المدينة ؟ قال : بلى ولكن الملائكة صافون بنقابها و أبوابها يحرسونها ، ( کنز العمال : ج 5 ص 291 ح 12915 ]: وعن ابن حماد : ( ص 150 حلية الاولياء : ج 6 ص 13) عن كعب قال : ولم يسنده أيضا : « أول ماء برده الدجال من مياه العرب إلى جنبه جبل مشرف على البصرة يقال له سنام ».

کعب قال(1) : « كأني بمقدمة الأعور الدجال ستمائة ألف من العرب يلبسون السيجان »(2). ومع أنني في شك كبير من روایات کعب ، إلا أن لحن مجموعة من المتون يخبرنا عن خروج جملة من المسلمين مع الدجال ، وهم يهود أمة محمد صلی الله علیه و آله.

ويلفتني هنا الخبر المروي عن النبي صلی الله علیه و آله من أن بعض الناس في نواحي الشام وهذه المناطق - زمن فتنة الدجال - يفرون منه إلى الجبال ، وهنا تسأل أم شريك - رواية الحديث - عن العرب يومئذ ؟ فيقول صلی الله علیه و آله : « هم قليل(3)». وكأن لبعض العرب مشاركة عسكرية مع الدجال ، على أن النصوص تخبرنا أن الدجال يخرج وهو يقود جبهة اليهود وفلول الروم والترك وجملة من الناس ، بما فيهم قوم من المسلمين . تصفهم النصوص بأنهم يهود أمة محمد صلی الله علیه و آله، إلا أن هذا الترجيح غير كامل ، خاصة أن قسما كبيرا من العرب يتجمع حول الأبدال والنجباء والعصائب واليماني ويؤكده النصوص التي قالت أن العرب تسعد بالمهدي صلی الله علیه و آله وتهتدي به ، ما يعني أن أكثريتهم تكون مع المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف.

ص: 198


1- ولم يسنده إلى النبي صلی الله علیه و آله
2- ابن أبي شيبة : ج 15 ص 182 ح 19458
3- طبقات ابن سعد : ج 8 ص 157

حالة العرب واضطراب أحوالهم أمام طواغيت آخر الزمان

اشارة

تحدثنا الأخبار عن مرحلة عسيرة جدا على العرب ، حيث تتوافد عليهم قوة البطش والحرب في زمن عسير . تصفها الأخبار بقولها : ویل للعرب من شر قد اقترب (1). على أن عبارة « ويل للعرب من شر قد اقترب » وردت للدلالة على أكثر من معنى ، منها: فتن أخلاقية وثقافية ، وفتن حروب وغزو ومعارك .. بعض الأخبار عن النبي صلی الله علیه و آله جاء فيها « ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتنا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل ، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر ، أو قال على الشوك »(2)، فهذه تشير إلى فتنة عنيفة ، تطال دين المؤمنين ، وتبعد القوم عن الإلتزام بالإسلام .. ويظهر من المتون أنها فتنة خطرة جدا . تطال العرب بصميم قوتهم الضرورية ، أي الدين والإيمان . وتنبئنا النصوص عن نتائج مثيرة ، حيث قلة يلتزمون الدين ومواثيق الشريعة ، إلى درجة أن القابض على دينه يكون بمثابة القابض على الجمر لشدة ما تموج به أرض العرب من انحرافات وأعراف انحرافية مخيفة على مستوى الأخلاق والثقافة والقانون والتطبيقات ، بحيث بعيدة عن وقوانين الشريعة والتزاماتها .

ص: 199


1- ففي رواية زينب بنت أبي سلمة ، عن زينب بنت جحش ، قالت : دخل علينارسول الله صلی الله علیه و آله وهو يقول : « ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلق إبهامه بالتي تليها قالت فقلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبيث ، : عبد الرزاق : ج 11 ص363 ح 20749
2- أحمد : ج 2 ص 390

في حين منذر الثوري يخبرنا عن « ويل آخر » مفادة الحروب والدمار والار، وأجنحة الطيران ، ولهيب العسكر والمعارك ، بعد أن يترك الناس دينهم ، ويلتجئوا إلى دين الغريزة الرومية ، وشهواتها وباطلها ، بقوله : «ويل للعرب من شر قد اقترب ، الأجنحة وما الاجنحة ! ألويل الطويل في الاجنحة ، ريح فيها هبوبها ، وريح تهيج هبوبها، وريح تواحی تراخی هبوبها .

ثم يقول : ويل للعرب .. من قتل ذريع ، وموت سریع ، وجوع فظيع ، يصب عليها البلاء صبا ، فتكفر صدورها، وتغير سرورها ، وتهتك ستورها ، ألا وبذنوبها يظهر مراقها ، وتنزع أوتادها، وتقطع أطنابها ، ويل القریش من زنديقها ، يحدث أحداثا ، يكذب بدينها ، وينزع منها هيبتها، ويهدم عليها جدرها ، وتغلب عليها جنودها ،

وعند ذلك تقوم النائحات الباكيات :

فباكية تبكي على دينها ،

وباكية تبكي على دنياها ،

وباكية تبكي من ذلها بعد عزها ،

وباكية تبكي من جوع أولادها ،

وباكية تبكي من قتل ولدانها في بطونها ،

وباكية تبكي من استدلال رقابها ،

وباكية تبكي من استحلال فروجها ،

وباكية تبکی من سفك دمائها ،

ص: 200

وباكية تبكي خوفا من جنودها ،

وباكية تبكي شوقا إلى قبورها »(1).

إذا ، العرب أمام محنة شديدة ، وعرکة عتيدة ، وخطورة هذه المحنة أن الجهل يضرب العرب من جديد ، ومعنى ذلك أن ترك مواثيق وقوانين الإسلام خاصة في السلوك يشكل أزمة خطيرة تجتاح بلاد العرب والمسلمین .

ويبدو في الأحاديث تركيز شديد على أزمة الإنحراف التي تصيب بلاد العرب . النبي صلی الله علیه و آله يقول : « ويل للعرب من شر قد اقترب : ينقص العلم ويكثر الهرج قيل يا رسول الله وما الهرج ؟ قال صلی الله علیه و آله: القتل »(2).

إذا ، نقصان العلم والفقه والمعرفة والثقافة والضوابط ، مقابل همجية ثقافة الفسق والكفر والفجور والطغيان والرذائل والشهوات ، تؤدي في نهاية المطاف إلى الفتن والمهانة والتفخ والإنهيار والجوع والوجع والإذلال فنرى نساء المسلمين تبكي : دينها ، ودنياها ، وذلها وجوع أولادها وقتل أجنتها في بطونها ، واستذلال رقابها ، واستحلال فروجها ، وسفك دمائها ، تبكي خوفا من جنودها، وشوقا إلى قبورها»(3).فلا تراهم إلا ضعافا ، خائفين ، أسرى ، مستعمرين قد قتلهم الجوع والوجع والخوف والفزع،

ص: 201


1- عبد الرزاق : ج 11 ص 352 ح 20730
2- أحمد : ج3 ص 536
3- عبد الرزاق : ج 11 ص 352 ح 20730

والإستغاثة والضرع (1).. وتهب عليهم القتلة من هنا وهناك ، من شرق الأرض وغربها ، فلا ترى إلا ذاها لهم ، ساخرا منهم ، لقلة ما يمنعون أنفسهم به ، في حين ، بعض حكامهم يتحول إلى وكيل على دولة متداعية لصالح الروم أو القوى الأخرى النافذة في العالم ، وقومه جوعی بائسون ، وبنات دولته عرايا : مبتذلات ، قد كثر الزنا ، وتعت النساء ، وفسق الشباب ، وانتشر السحاق واللواط ، وفاض الباطل ، وتعزز الحرام (2)، وتقدمت الآثام ، في ظل إيمان ضعيف ، ومؤمنین معزولين ، وقرآن مبعد عن الميثاق والإعتقاد والدولة والحكم والأخلاقيات والأسواق ..!

الأحاديث تخبرنا عن فوضى ، وفتن ، وفراغ ثقافي ، وخوف وفزع، وجوع وإذلال يضرب بلاد العرب ، وجوقة جيوش من شرق الأرض وغربها تقصد بلادهم طمعا في ثرواتها ، بل تخوض حروبا لنهب تلك الثروات(3)..

یروی عمار بن یاسر بعض الأحداث التاريخية المستقبلية الأخيرة ما قبيل الظهور ، مشيرة أن علامة المهدي علیه السلام « إذا انساب عليكم الترك، ومات خليفتكم الذي يجمع الأموال ، ويستخلف بعده حاكم ضعيف،

ص: 202


1- في واحدة من تلك المشاهد ورد في الحديث النبوي : «منعت العراق قفيزها و در همها ، ومنعت الشام مدها و دینارها، ومنعت مصر اردبها و دینارها وعدتم من حيث بدأتم ، وعدتم من حيث بدأتم ، وعدتم من حيث بدأتم » (صحيح مسلم 222/4 . مسند أحمد 262/2 ). ما بعكس صفة العقاب والجويع التي تقع على هذه المناطق وغيرها .
2- وفي الرواية عن النبي صلی الله علیه و آله : « ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتنا كقطع الليل المظلم ، بصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ، يبيع نوم دينهم بعرض من الدنيا قليل ، المتمسك يومئذ بدينه كالقابض على الجمر ، أو قال على الشوك » : أحمد: ج 2 ص 390
3- عبد الرزاق : ج 11 ص 352 و 20730

يخلع بعد سنتين من بيعته ، ويخسف بغربي مسجد دمشق . وأنه يخرج ثلاثة نفر أصحاب رايات بالشام ، كما يخرج أهل المغرب إلى مصر ، فإذا خرجوا ودخلوا مصر ، فتلك أمارة السفياني »(1).

والأهم، نص آخر ، يحدثنا عن تجهيز الجيوش لغزو المنطقة الممتدة من العراق إلى دمشق ، ثم تنتشر الحرب في النواحي والضواحي : « فإذا انسابت عليكم الترك ، وجهزت الجيوش إليكم ، ومات خليفتكم الذي يجمع الأموال ، وتخالف الروم والترك ، فتظهر الحروب في الأرض ، وينادي مناد على سور دمشق : ويل للعرب من شر قد اقترب »(2)..

وتقع زلزلة ، ويخر حائطها ، ويخرج ثلاثة نفر في دمشق ، كل يطلب الملك والسيطرة على الحكم : رجل أبقع ، ورجل أصهب ، ورجل من أهل بيت أبي سفيان يخرج ومعه قبيلة كلب ، يحصر الناس بدمشق ، كما يخرج جيش أهل المغرب ، فينحدرون إلى مصر ، فإذا دخلوا إليها، فتلك إمارة السفياني ، حيث ينجح في الإنقلاب على عرش دمشق(3)،

ص: 203


1- ابن حماد : ص 92* وفي ملاحم ابن المنادي : ص 44 .. وفي الرواية : علامة خروج المهدي انسياب الترك عليكم وأن يموت خليفتكم ، رجل ضعيف . من بعده . وتلك إشارة خروج السفياني .
2- غيبة الطوسي : ص 268 الفضل بن شاذان . عن عمار بن یاسر رضي الله عنه قال « دعوة أهل البيت نبيكم في آخر الزمان ، فالزموا الأرض ، و كفوا حتى تروا قادتها ، فإذا خالف الترك الروم ، وكثرت الحروب في الأرض ، ينادي مناد علی سور دمشق : ويل لازم من شر قد اقترب ، ويخرب حائط مسجدها ». وعنه صلی الله علیه و آله : « ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلق إبهامه بالتي تليها قالت فقلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبيث ، عبد الرزاق : ج 11 ص363 ح20749
3- هناك رواية تحدثت عن تحرير فلسطين واعتداء الترك على أرض خراسان في وقت تنزل فيه قوات الروم في فلسطين الأهداف حربیة ، ثم تحدثت عن فتن الشام ، خاصة الصراع السياسي العسكري حول السلطة في الشام ، ثم دعم الروم وجملة أخرى من القوى لتمكين السفياني من عرش دمشق . وفي الرواية : « ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق بالفتح .. و مارقة تمرق من ناحية الترك ويعقبها فرج .. وستقبل مارنة الروم حتى ينزلوا الرملة .. فأول أرض تخرب أرض الشام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات ، راية الأصهب ، وراية الأبقع ، وراية السفياني ، فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتلون فيقتله السفياني و من تبعه ، ويقتل الأصهب ، ثم لا يكون له همة إلا الإقبال نحو العراق .. » ( الغيبة للنعماني 194).

ويسيطر على المحور الخمس إلا منطقة الأبدال ، ويقاتل الأبقع فيهزمه ، على أنه يخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد علیهم السلام في مصر ، كما ينزل الترك الجزيرة، أي العراق ، وهي منطقة ما بين النهرين : الفرات ودجلة ، كما ينزل الروم فلسطين ، ويقوم صاحب المغرب بنجدة الروم وحاكم مصر المخلوع المتواطئ مع الروم ، لكنه يفشل في إنهاء حالة النجباء المصريين ، ثم يرجع حتى ينزل الحيرة ( العراق ) إلى السفياني .

وتذكر النصوص أن السفياني أول أمر خروجه يهزم الأبقع ، ثم حول جيشه نحو مصر ، فيدخلها فيقتل الرجال ويسبي النساء (1).. وعليه : تشهد تلك الفترة الحرجة ، زحف القوة المغربية ، من المغرب العربي ، نحو مصر ، ثم تتابع خطاها نحو سوريا ، والعراق ، و تطلب کنز العراق الجوفي ، وهناك فيقرقیسیا تقع الملحمة التي تخوضها مجموع رايات ، منها رایات عربية ، ومنها رایات دولية مثل الروم والترك ، ومن الرايات العربية : راية المرواني الدمشقي ، ثم راية السفياني الذي ينقلب ويتسلط على عرش دمشق ، و كذا راية العباسي العراقي ، بالإضافة إلى راية المغربي(2)..

ص: 204


1- ملاحم ابن المنادي : ص 44 عقد الدرر : ص 46 ب 4 ف1
2- عقد الدرر : ص 46 ب 4 ف1 عن الداني ، وفيه : « .. يخرج ومعه كلب . ويقبل صاحب المغرب . ثم بسير حتى ينزل الجزيرة إلى السفياني »

على أن النصوص تحدثنا عن انتصار لافت للسفياني على المغربي ، وعلى الترك والروم في تلك الوقعة الشديدة ، لكنه لا يحوز ثروة أو كنز العراق الجوفي . يبدو أن سبب عدم حيازته لذلك المال الكبير ، يكون بسبب خطوط الحرب والتهاب الجبهات ، وسرعة الأحداث الإقليمية والدولية . واللافت أنهذا الكنز يكون من صالح الراية الخراسانية التي تخوض غمار معارك عنيفة تهزم السفياني في منطقة اصطخر الإيرانية، ثم تفتح العراق ، وتجتاز إلى سوريا ، زمن السفياني ، وتخوض معركة هناك ، في حين جيش المهدي علیه السلام يزحف من ناحية الحجاز ، وتقع معركة هائلة في وجه السفياني قرب بحيرة طبرية ، تكون نهائية وفيها يتلاشی جیش السفياني ويتقطع إلى الأبد .

من هنا نقرأ في متون الأحاديث تهديدا لبعض العرب من سيف المهدي علیه السلام ، لأن هؤلاء يكونون في جبهة السفياني أو فروعه العسكريين أو منضوين تحت جبهته ، يقاتلون ضد المهدي وضد الإسلام ، مرة لصالح الروم ، ومرة لصالح معسكر الشيطان والكفر والآثام والحرام (1). نقرأ في النص المروي عن الإمام علي علیه السلام قوله : « إذا خرج ( المهدي علیه السلام ) يقوم بأمر جديد ، و کتاب جدید، وسنة جديدة ، وقضاء جديد على العرب

ص: 205


1- وفي نص آخر يذكر النبي صلی الله علیه و آله ويصلي عليه ويتكلم بكلام لم يتكلم به أحد من الناس . فيكون أول من يضرب على بده و یبایعه جبرئيل وميكائيل ويقوم معهما رسول الله و أمير المؤمنين فيدفعان إليه كتابا جديدا هو على العرب شديد ، بخاتم رطب ، فيقولون له : أعمل بما فيه ، ويبايعه الثلاثمائة وقليل من أهل مكة . ثم يخرج من مكة حتى يكون في مثل الحلقة قلت : وما الحلقة ؟ قال : عشرة آلاف رجل، جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن شماله ، ثم يهز الراية الجلية وينشرها وهي راية رسول الله صلی الله علیه و آله السحابة ( السحاب ) و درع رسول الله صلی الله علیه و آله السابغة ، ويتقلد بسيف رسول الله صلی الله علیه و آله ذي الفقار»: السيد علي بن عبد الحميد :- على ما في البحار . * : البحار : ج 52، ص 307ب 26 ح 81

شديد . وليس شأنه إلا القتل ، لا يستبقي أحدا ، ولا تأخذه في الله لومة لائم »(1). إشارة إلى أعداء الله والإسلام ، الذين ينخرطون في جبهة الباطل والفساد ،والذين يزورون حقائق الإسلام ، ويروجون للحرام والمنكر والفساد والخبائث والأباطيل ، بل يلصقون هذا بالإسلام .. حتى الزنا يعتبرونه فنا ، ويضيفون عليه أن الإسلام لا يحرم فينا .. هؤلاء ينخرطون في شعب معسكر الفساد والطغيان والإنحراف بوجه المهدي علیه السلام فيكون سيف المهدي ودينه وفقهه و سنته التي تكشف عن سنة النبي صلی الله علیه و آله سيف سليطة عليهم ، حتى لا يبقى لأمرهم من قيام ..

ثم يؤكد علیه السلام على حقيقة الخطوط الملتهبة في مناطق العرب ، من فتن ، وصراع على الملك ، واختلاف على العروش ، فيشير إلى واقعة ضرورية ، وهي موت العباسي العراقي القوي ( عبد الله ) ، ثم اختلاف من بعده من العائلة أو الطبقة الحاكمة على كرسي الحكم والملك ، وأن هذه تكون من العلامات القريبة جدا من ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف، وبداية مرحلة كبيرة من انتصارات جبهة أهل الحق، في ظل تعقيدات دولية وإقليمية هائلة ..

يقول الله علیه السلام: « إذا اختلف بنو فلان ( العائلة أو الطبقة الحاكمة في العراق ) فيما بينهم ، فعند ذلك فانتظروا الفرج ، وليس فرجكم ( أي ظهور المهدي علیه السلام ) إلا في اختلاف بني فلان ( أي الطبقة الحاكمة في العراق،

ص: 206


1- النعماني : ص 253 :ب 14 ح13

والتي لها نسب في العباسيين ) ، فإذا اختلفوا ، فتوقعوا الصيحة ( من جبرائیل علیه السلام) في شهر رمضان ( وتكون الصيحة في السماء ويسمعها أهل الأرض كلهم كل بلغته ) وخروج القائم علیه السلام ، إن الله يفعل ما يشاء ، ولن يخرج القائم علیه السلام ، ولا ترون ما تحبون حتى يختلف بنو فلان ( أي الطبقة الحاكمة في العراق ممن ينتسبون إلى العباسيي ) فيما بينهم ، فإذا كان ذلك ( أي اختلفوا على الملك ) ، طمع الناس فيهم ، واختلفت الكلمة، وخرج السفياني »(1).

وقال علیه السلام: «لا بد لبني فلان ( لقوم حکام من العباسيين يكونون في آخر الزمن بالعراق ) من أن يملکوا ، فإذا ملکوا ثم اختلفوا تفرق ملكهم ، و تشتت أمرهم ، حتى يخرج عليهم الخراساني والسفياني : هذا من المشرق وهذا من المغرب ، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان ، هذا من هنا وهذا من هنا ، حتى يكون هلاك بني فلان ( العباسيين حكام العراق في آخر الزمن ) على أيديهما . أما إنهم لا يبقون منهم أحدا»(2)

ثم قال : « خروج السفياني واليماني والخراساني ، في سنة واحدة ، في شهر واحد ، في يوم واحد ، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا

ص: 207


1- النعماني : ص 253 :ب 14ح 13
2- وقال علیه السلام : « إن ذهاب ملك بني فلان ( أي حكم بني العباس العراقيين في آخر الزمان ) كقصع الفخار ، و کرجل كانت في يده فخارة وهو يمشي إذ سقطت من يده وهو ساه عنها فانكسرت ، فقال حين سقطت : هاه ، شبه الفزع ، فذهاب ملكهم هكذا ، أغفل ما كانوا عن ذهابه . ( أي ينهار ملكهم بطريقة مفاجئة ومثيرة ، لا يكن بحسب أن يسقط وينهار بهذه الطريقة المفاجئة لأن النصوص تشير إلى قوة العباسي الذي إسمه عبد الله ، وهو بطاش جبار ، فإذا مات واختلف أهل الحكم على الملك ، انهارت قوة دولتهم ...».

فيكون البأس ( أي الحرب ) من كل وجه ، ويل لمن ناواهم »(1). وليس في الرايات راية أهدی من راية اليماني ، هي راية هدى ، لأنه يدعو إلى صاحبكم »(2)( أي هو جيش المهدي علیه السلام مباشرة ، الروايات تؤكد أن اليماني يكون على صلة كاملة مع المهدي علیه السلام زمن الظهور الخاص الذي يتحقق ضمن أشهر قد تصل إلى 11 شهرا ، وفي هذا الوقت يكون اليماني معدا الجيش المهدي(3). من هنا النص يشير إلى حقيقة ضمنية وهي أن راية اليماني أهدى لأنها قائدها المباشر هو المهدي علیه السلام ، النص يريد أن يلفت إلى هذه الحقيقة )(4).

إذا خطوط الحرب آنذاك معقدة ، وسريعة ، وضخمة ، وهائلة . وبعضها شديد المفاجأة ، فاليماني ، يزحف من الحجاز نحو العراق ، وفي طائفة أخرى أنه يزحف من الحجاز نحو دمشق ، ويخوض معركة هناك ، ولا نعرف تفاصيل خط هذه الحرب في تلك اللحظات هناك ، إلى أن تحدثنا النصوص عن زحف جيش اليماني نحو العراق ، رغم بقاء السفياني في دمشق ، في حين يزحف الخراساني نحو العراق في معركة ضارية وجبهة هائلة . وهناك من يحدثنا عن حرب تضرب السفياني في العراق ، ثم

ص: 208


1- النعماني : ص 253 ب 14 ح13
2- النعماني : ص 253 به 14 ح13
3- هناك رواية تدعو إلى الإلتحاق بجيش اليماني عند بداية الفتنة بالشام لها ارتباط وثيق بتحالف اليماني مع الخراساني حيث تقول : « إذا كانت فتنة المغرب [ بالشام ] فشد حبال نعالك إلى اليمن ، فإنه لا يحرزكم منها أرض غيرها » [ الفتن لابن حماد 144].
4- ويضيف علیه السلام : « فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس و كل مسلم ، وإذا خرج اليماني فانهض إليه ، فإن رايته راية هدى ، ولا يحل لمسلم أن يلتوي عليه ، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار لانه يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقیم »

حرب تتابعه نحو دمشق ، ثم المعركة الفصل عند بحيرة طبرية تنتهي بذبح السفياني وانتصار جبهة المهدي علیه السلام ..

في حين ، موت خليفة العراق العباسي فجأة يبدو أنه يفجر نواة حرب إقليمية بعد مدة قليلة ، حيث يزحف السفياني نحو العراق للسيطرة عليه ، فيخرج الخراساني أيضا للدفاع عن شيعة أهل البيت ، ومنع السفياني من النفوذ والقوة الطاغية ، واللافت أن النصوص تحدثنا عن زحف ثالث الليماني من الحجاز ، ما يعني أن خطوط جبهة الإمام المهدي علیه السلام تستطيع بناء ميزان القوة في هذه المنطقة بشكل مثير .. إذا ، نحن أمام منطقة عربية ملتهبة ، خاصة ، منطقة العراق ، سوريا .. على أن الروايات تخبرنا عن انهيار مثير لقوة العباسيين العراقيين(1)، فيما قوة السفياني تصمد ، وتقاتل ، وتصر على خوض حروب يشيب منها الطفل الحزور . يقول أمير المؤمنين علیه السلام على منبر الكوفة : «إن الله عز وجل ذكره، قدر فيما قدر وقضى وحتم بأنه كائن لا بد منه ، أنه يأخذ بني أمية بالسيف جهرة ، وأنه يأخذ بني فلان ( أي بني العباس ) بغتة(2). وأضاف : لا بد من رحى تطحن ،فإذا قامت على

ص: 209


1- وفي الرواية عن الإمام علي علیه السلام : « ملك بني العباس عسر لا يسر فيه ، لو اجتمع عليهم الترك والديلم والسند والهند والبربر والطيلسان لن يزيلوه ، ولا يزالون في غضارة من ملكهم حتى يشذ عنهم مواليهم وأصحاب دولتهم ، ويسلط الله عليهم علجا يخرج من حيث بدأ ملكهم ، لا يمر بمدينة إلا فتحها ، ولا ترفع له راية إلا هدها ، ولا نعمة إلا أزالها . ألويل لمن ناواه ، فلا يزال كذلك حتى يظفر ويدفع بظفره إلى رجل من عترتي يقول بالحق ويعمل به » [ النعماني : ص 249 ب 14 ح4 - عقد الدرر : ص 47 ب 4 ف1 - . يقرر هذا الحديث صعوبة إسقاط ملك بني العباس ، نعم يذهب فترة من الزمن ، ثم يعود ويتجدد ، ثم يزول من الوجود على أيدي الخراسانيين في آخر الزمن .
2- قيام الدولة العباسية في آخر الزمن ، من الأمور الواضحة في الروايات ، وهي تكون قبل الدولة السفيانية . وفي رواية جابر الجعفي قال سألت أبا جعفر الباقر علیه السلام عن السفياني ؟ فقال علیه السلام : « وأني لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصباني ، يخرج في أرض كوفان ، ينبع كما ينبع الماء ، فيقتل وفد كم ، فتوقعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم علیه السلام ، ( الغيبة للنعماني 302) ، أي لا بد من قيام أمر العباسيين أولا ، والشيصباني كلمة استعملها الإمام للكتابة عن العباسيين في آخر الزمن.

قطبها ، وثبتت على ساقها ، بعث الله عليها عبدا عنيفا خاملا أصله ( پرید بذلك راية الخراساني الموطئ للمهدي سلطانه ) ، يكون النصر معه ، أصحابه الطويلة شعورهم ، أصحاب السبال ، سود ثيابهم ، أصحاب رابات شود ، ويل لمن ناواهم ، يقتلونهم هرجا ، والله لكأني أنظر إليهم ، وإلى أفعالهم ، وما يلقى الفجار منهم والاعراب الجفاة ، يسلطهم الله عليهم بلا رحمة ، فيقتلونهم هرجا على مدينتهم بشاطئ الفرات البرية والبحرية ، جزاء بما عملوا ، وما ربك بظلام للعبيد »(1).

إذا ، خط العراق ، سوريا ، الحجاز ، خراسان ، سيشكل أكبر جبهات حرب قبيل الظهور ، على أن الأطراف لا تكون هادئة ، لكن هذه الجبهات بالذات تكثر فيها الحروب والمعارك ، وتصطدم فيها الرايات

بقوة (2)..

ص: 210


1- الفضل بن شاذان : على ما في غيبة الطوسي . * : النعماني : ص 253 ب 14 ح13
2- فعن الإصطدام الأخير والضخم بين الخراسانيين والعباسيين تقول الرواية : « إن القائم من ولد علي علیه السلام له غيبة كغيبة يوسف ، ورجعة كرجعة عیسی بن مریم ، ثم يظهر بعد غيبته مع طلوع النجم الأحمر ، وخراب الزوراء وهي الري ، وخسف المزورة وهي بغداد ، وخروج السفياني ، وحرب ولد العباس مع فتيان أرمينية وآذربيجان ، تلك حرب يقتل فيه ألوف وألوف ، كل يقبض على سيف محلی تخفق عليه رايات سود. تلك حرب يشوبها الموت الاحمر والطاعون الاغبر » [ النعماني : ص 146 ب10 ح4] . وفي خطبة للإمام علي علیه السلام : « فتن كقطع الليل المظلم ، لا تقوم لها قائمة ، ولا ترد لها راية تأتيكم مزمومة مر حولة ، يحفزها قائدها ، ويجهدها راكبها ، أهلها قوم شديد کلبهم ، قليل سلبهم ، يجاهدهم في سبيل الله قوم أذلة عند المتكبرين ، في الأرض مجهولون ، وفي السماء معروفون ، فويل لك بابصرة عند ذلك، من جیش من نقم الله ، لا رهج له ، ولا حس ، وسيبتلى أهلك بالموت الأحمر ، والجوع الاغبر » [ نهج البلاغة - صالح : ص 148 خطبة 102 - عبدة : ص 196 خطبة 98 ، ابن أبي الحديد : ج 7 ص 102 خطبة 101 - ] بحيث تخبرنا عن معركة هائلة تقع بين الخراسانيين والعباسيين في آخر الزمن ، وتكون على وصف ضخم : موت حمر وجوع أغبر يحل بجيوش بني العباس . ويكون الإنتصار للخراسانين.

وهنا تذكر فتنة خاصة في بلاد العرب ، بل في بلاد الشام ، وهي «فتنة السبيطة »(1)، وهي فتنة قتلاها في النار ، يخوضها أصحاب رایتین مسلمين ، يتغالبون على أمر الدنيا ، وليس على أمر الله . وأنها « فتنة يدخل على العرب كلهم حجرها ، حتى يأتي الرجل القبر فيقول : يا ليتني كنت مكانك ، وحتى تملأ الأرض ظلما وجورا . فإذا وقعت ، بعث الله رجلا - سمته النصوص المتواترة بالمهدي علیه السلام - فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا»(2).

كل هذا يعني أن بلاد العرب تعاني بشدة ، وأن حظوظ العرب من العز في آخر الزمان - قبل الظهور - ضعيفة ، وأنهم زمن الظهور يكونون على قسمين منهم من يناصر المهدي علیه السلام حتى الإستبسال ، ومنهم من يقف . في جيش الجبابرة والمفسدين . نعم ، يمتاز منهم زمن الغيبة رايات مشهورة ، أهمها: الأبدال الشاميين ، والعصائب العراقيين ، والنجباء المصريين(3).. نعم أخبرتنا بعض النصوص أن «من اقتراب الساعة هلاك العرب » ، إذا هلاك العرب ، علامة على ساعات آخر الزمان القريبة من أحداث نهاية التاريخ ، وما يصير إليه أمر الأمم زمن ظهور المهدي المنتظر

ص: 211


1- السبيطة تعني لغوية : الطويلة . كما يمكن أن تكون السباطة أي الكناسة ومرمي الأوساخ ، وقد شبهت بها لوجود الصفات القذرة فيها.
2- فتن السليلي : على ما في ملاحم ابن طاووس . * : ملاحم ابن طاووس : ص 121 ب 32
3- رواية أم سلمة عن سول الله صلی الله علیه و آله: « يبايع لرجل بين الركن والمقام، كعدة أهل بدر ، فتأتيه عصائب العراق وأبدال الشام .. » ( مستدرك الصحيحين 553/4 ، وقال صحيح الإسناد ).

عجل الله تعالی فرجه شریف ، حيث تتسابق إليهم القوى الكبرى لنهش ثرواتهم وقتل شبابهم ، ودمار

مدنهم وغير ذلك مما أشرنا إليه أعلاه . وأن زمن الفتنة الأخيرة ، وهي غير فتنة الدجال ، لا يبقى بيت من العرب الادخلته ..

وأنه قبل ظهور المهدي علیه السلام تنقلب أناس من العرب عما هي عليه، وكما في الحديث النبوي : « ستعبد قبائل من أمتي الأوثان قبل الساعة ، وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين »(1)، إشارة إلى التغيرات الهائلة التي تصيب قسما من العرب ، وتريدها في ميدان الإنجراف والأباطيل المذلة المخزية ..

على أن طائفة من الأخبار أكدت أنه لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا ، ثم يقع الهرج . أي القتل . وتتابع الأمم غزوها البلاد العرب ، وهناك يقع معنى ما ورد في النصوص من قوله : « ويل للعرب من شر قد اقترب ، الويل الطويل في الأجنحة » . وما إلى ذلك من إشارة إلى الحرب والدمار والنار .. لكن تؤكد النصوص أنه إذا ظهر المهدي علیه السلام اهتدت به العرب. فيكون فرج وإخراج لها من الذل والمهانة والإستعباد والقتل والإنحراف الذي وقعت فيه .. ثم تؤكد طائفة أخرى أن من علامة الملاحم : « إذا ملك عتيق العرب و عتیق الروم » . إشارة إلى الإصطدام العنيف الذي يقع في آخر الزمان بين جبهتي الروم والمهدي علیه السلام .

ص: 212


1- م،س.

عدل المهدي علیه السلام والرخاء في عصره :

تؤكد النصوص أنه إذا ظهر المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف أقام القسط والعدل العالمي بعد جور و ظلم هائل ، وأنه علیه السلام ينشر الرزق والخير والنعم والعلم والبركات ، وأن الأرض في عصره خرج كنوزها ، كما أن السماء تنزل بركاتها . وأنه يظهر من المنافع والخيرات ونتائج العلم الذي يكشفه المهدي علیه السلام للناس ما يظن الإنسان معه أنه ملك الأرض ، وأنه عجل الله تعالی فرجه شریف يرد المظالم كلها ، حتى لو كانت تحت ضرس انسان انتزعه . كما أنه علیه السلام يحكم بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم ، وبين أهل القرآن بقرآنهم . ويكرس الإسلام دينا تقوم الأرض والنواحي على أساسه .

وتؤكد طائفة أخرى أن المهدي علیه السلام شديد على العمال ( الوزراء ) يخط لهم طريق العدل ، فلا يسمح لهم بالإنحراف عنه أبدا ، وأنه جواد بالمال ، رحيم بالمساكين ، عطوف على الضعفاء ، وأنه عجل الله تعالی فرجه شریف يلغي الاقطاعات ، ويمنع من الإنحرافات ، ويلغي الأباطيل ، ويقطع الفساد والجبابرة ، ويقيم القسط والرحمة ميزانا لحكمه علیه السلام . وفي النصوص أنه إذا ظهر علیه السلام ينادي مناد من السماء بانقطاع مدة الجبارين والمنافقين والطغاة وأشياعهم . ويقطع به الظلم ، ويشيع به العدل والأنوار .. وأن الله تعالى يلقي محبته في صدور الناس ، وينتشر ذكره في الشعوب ، ويبلغ من عدله ورخاء

ص: 213

عصره أن الأحياء يمتنون لو كان الأموات في زمنه علیه السلام ، ليروا عدله وخيرهوبركاته . كما يتمى الصغير الكبر والكبير الصغر رغبة في التقلب بزمنه والعيش في دولته الإلهية العادلة الكريمة الرحيمة(1) ..

ويفرح الناس به فرحا عظيما ، ويرضى عنه ساكن السماء والأرض ، حتى الطير في الهواء ، والحيتان في البحار ، حيث یصلح الله به أمر الأمة ، وشعوب الدنيا ، ويرفع اختلافها ، ويؤلف بين قلوبها، ويدل على الرشاد ، وخير العباد ، ويقود الناس إلى خير المعاد ، ويقيم الإسلام دينا للناس والدولة العالمية الإلهية التي تتمتع بصفات أعظم قائد إلهي في آخر الزمان . وتبدأ معه رحلة الأخلاقية العظمى في آخر الزمن ، حيث كل شيئ على نحو من عدل ورحمة وتضامن ومحبة ومودة وتآلف ومعرفة .. ويكثر الخير وتعه البركات وينشر علیه السلام من العلم ما يذهل الناس ، حتى كأن ما تم اكتشافه من العلم والتجربة في جنب ما يكشفه علیه السلام ما هو إلا أقل من القليل ، فيعيش الناس في كنف مرحلة هائلة من الكشوفات العلمية وخيراتها ، بحيث يبدو الإنسان معها و كأنه ملك الأرض ونواميسها .

ويهنأ به أهل الأرض ، ويأتلفون ، ويعيشون محبة تامة ، وإلفة كاملة. ومعه علیه السلام يبدؤون رحلة الاستخلاف العظيم ، فيعبدون الله ، ويطيعونه خير طاعة ، ويستغلون نعم الطبيعة والكون ، وينهلون من الكرامات

ص: 214


1- للوقوف بالتفصيل على أخبار هذا الفصل يمكن مراجعة موسوعة الإمام المهدي علیه السلام للمؤلف ، وكذا معجم أحادیث الإمام المهدي للعلامة الشيخ علي الكوراني .

والخيرات والنواميس ما يستطيعون معه التألق في عالم الوجود . بعض النصوص تصف لنا حالة الإلتحام المدهش بين الأمة والمهدي علیه السلام فتقول : تأوي إليه أمته كما تأوي النحل إلى يعسوبها ، ويكون الناس على مثل أمرهم الأول من الطاعة والإيمان والمحبة والتفاني في سبيل الإسلام ...

كما تكون خلافته الإلهية على منهاج النبوة المحمدية والولاية العلوية ، وفي حديث النبي صلی الله علیه و آله : «المهدي يقفو أثري ، لا يخطئ ، سته سنتي ، يقيم الناس على ملتي وشريعتي » . يعلن الإسلام دين العالم ، ونور الوجود ، وصحيفة الإستخلاف الإلهي للبشر على الأرض . فتتلهف الناس إلى الإسلام ، ويخالط لحمهم ودمهم .. وأنه علیه السلام ينفي عن الدین تحریف الغالين ، وانتحال المبطلين ، و تأويل الجاهلين والمضلين ، ويعلم القرآن والإسلام كما نزل على النبي صلی الله علیه و آله ، وكما بلغه أهل بيته علیهم السلام . يمحو الله به البدع كلها ، فيقطعها ويمنعها ، ويلغيها من حياة البشر ، ويكشف الله به مواثيق الشريعة « المحمدية » كما أرادها الله تعالی ، دون تزوير أو تأویل باطل أو تعطيل لمدلولها ، أو تحوير في حقائقها . ويفتح الله به علیه السلام باب كل حق، ويغلق به باب كل باطل .

ويسع به أهل الشرق وأهل الغرب ، ويملأ حبه قلوبهم ، وتسكن به الدنيا فتزدهر خيراتها ، وتبتهج به السماء فتهبط بركاتها . وهو علیه السلام يقيم الحق فلا يعرف غيره ، ويبطل الباطل فلا يدع له منفذا. همه أن يقيم دولة القرآن ، وأهل القرآن ، وشعب القرآن ..

ص: 215

فيفعل ما يذهل العقول ، وتهت له الأرض خشوعا ، ويعيش الإنسان مرحلة من « الطمأنينية الوجودية الكبرى » ، في ظل حفيد الرسول صلی الله علیه و آله ، الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا .

النصوص تقول بأن الله يعيد به الاسلام من غربته ، فيظهره الله به ويعيره ، ويلقى الاسلام بجرانه ، وتنتصب رايات الإسلام في كل أرض ، وتقوم في كل ناحية ، وعند كل مصر وصوب ، فلا ترى إلا عة في إسلام ، وإخلاص في إيمان .. يبدل الله به علیه السلام الأرض غير الأرض ، فإذا بها أرض طاعة كبرى ، وعدل واسع ، ورحمة عظيمة ، بعد ظلم وفحش وانحراف وجحد و کفر و فساد عظيم قد سبق ..

في عصره علیه السلام يبارك الله تعالى الأرض والسماء ، فتخرج الأرض له كنوزها ، وتنزل السماء نعمها .. وهناك طائفة مروية تتحدث عن استخراج المهدي علیه السلام لكنوز الأرض وأنه يجمع كنوز الارض فتكون كالجبل العظيم ، ويدعو الناس إليها فيجي القاتل فيقول : في هذا قتلت ، ويجيئ القاطع فيقول : في هذا قطعت رحمي . فلا ترى إلا ذائما للحرام ، يائسا منه ، محبا للحلال ، متحفزا عليه ، مفاخرا بالإسلام ، دالا على نعمه .. والكل تحت كنف المهدي المعظم في ظل الله الكريم .. ثم تؤكد الأخبار أنه في عصره علیه السلام تلبس الدنيا أبهى حللها ، وتبسط نتاج ناموسها وقوانينها ، فهي بين أيدي الناس ، في ظل قدرة بشرية هائلة في الإستفادة من الطبيعة والكون ، وذلك عبر العلوم التي يكشف عنها المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف . والنصوص في

ص: 216

هذا المجال صريحة جدا ومثيرة . وفوق ذلك ، فهو يقسم المال بالسوية صحاحا في حين الناس في خير هناء ، ورزق وفير ، ونعم لا تحصى ، حتى أن الرجل يفتش عن محتاج من بلد إلى بلد ، ومن إقليم إلى إقليم ، يقصد من أفريقيا إلى العراق ، ومن الشرق إلى الغرب ، فلا يجد محتاجا. كما حدثنا النصوص عن أن الأمة والناس تنعم بالمهدي علیه السلام في زمنه نعمة لم ينعموها قط ، فينزل الله البركة من السماء ويخرجها من الأرض ، ويملأ الله به قلوب أقته غنى، ويسعهم عدله . ويعر به أهل الدنيا كلهم . وتتعاظم في زمنه خيرات المعاش والمال والإقتصاد والثروة والأسواق والتعم المختلفة ، وتتغير الأولويات وتتحقق معاني الرحمة الإلهية بشكل مذهل على الأرض .. وتكثر في زمنه الماشية ، إشارة إلى الثروة الحيوانية ، كما يكثر الزرع، إشارة إلى الثروة النباتية ، وتقوم الأسواق على بركة الله ، فلا ترى إلا حامدا شاكرا ..

ويبدو من النصوص بوضوح شدید أن قانون الغاب ، أو غريزة الإفتراس ، تتعطل في آن ما من دولة المهدي علیه السلام ، فيرتع الاسد مع الغنم ، وتلعب الصبيان بالحيات .. وتبدأ مرحلة عظيمة من الأخلاقية الدينية ، والرحمة الإلهية ، والعدل الذي تقوده دولة الإمام الثاني عشر من أئمة آل بيت محمد علیهم السلام ، بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على عقل بشر .. بهذا أخبر رسول الله صلی الله علیه و آله وأهل بيته علیهم السلام . وهو أمر اتفاقي بين علماء المسلمين دون فرق بين طائفة وأخرى ، وخبر محتوم لا بد أن يتحقق في آخر الزمان ..

ص: 217

أصحابه و أنصاره علیه السلام:

تحدثنا النصوص عن فئة خاصة «شريفة »، هي بطانة المهدي وأصحابه علیه السلام، وفتته الخاصة جدا وقيادته على أهل الدنيا ، وهي المعهودة المذكورة في النصوص . وهم على عدد أصحاب بدر ، وعدد أصحاب طالوت : 313 رجلا ، كأنهم ليوث خرجوا من غابة ، قلوبهم مثل زبرالحديد ، لو هتموا بإزالة الجبال لأزالوها عن موضعها ، الزي واحد، اللباس واحد ، كأنما آباؤهم أب واحد. تخبرنا النصوص أن منهم : الأبدال من أهل الشام ، والنجباء من مصر ، وعصائب العراق(1)، وعصائب أهل المشرق ، ونصير أهل اليمن ( اليماني ) الذي يخرج من قرية باليمن يقال لها كرعة ، أو كريمة ، أو أكرعة ، كما في رواية ، وفي بعض النصوص من أصحابه حاكم يكون في أفريقية يؤدي إليه الطاعة ، ويقاتل عنه ، ويقدم نفسه وما يملك في سبيل المهدي علیه السلام ، وحاكم من ذرية جعفر بن أبي طالب ، وسبعة علماء من آفاق شتی ، وأصحاب الكهف ، والعمد في زوايا الارض ، والأخبار السياحون في الأرض ، والفارون من السفياني من بني هاشم ، وحاكم بلاد المشرق ، وشعيب بن صالح ، كما من أصحابه النفس الزكية

ص: 218


1- وفي رواية الإمام الباقر علیه السلام : « يبايع القائم علیه السلام بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيف رجل ، عدة أهل بدر ، منهم من النجباء من أهل مصر ، والأبدال من أهل الشام ، والأخبار من أهل العراق ، ( البحار 52/ 334). أيضا يمكن مراجعة المصنف للصنعاني 371/11 والمصنف لابن أبي شيبة 45/15 ومستدرك الصحيحين 553/4 . حيث تتفق متون أهل السنة مع متون الشيعة بذلك .

وهو الذي يقتل قبيل ظهوره العام ب 14 يوما ، أي أثناء ظهور المهدي الخاص الذي يدوم لأشهر . وأفراد عظماء من هنا وهناك، يكونون في نواحي الأرض ، يجمعهم الله في ليلة واحدة لبيعة المهدي علیه السلام.

وتؤكد النصوص أن أنصاره علیه السلام هم خيار الأمة ، وأن لهؤلاء الأصحاب دورا عظيما ، ومواقف مشهودة ، وتضحيات هائلة ، يقاتلون في سبيل الله ،ويذودون عن المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ويأتمرون بأمره ، وهم أطوع في يديه علیه السلام من الخاتم الذي في أصبعه .. وأنهم يتحقون قرب زمن الإعلان الأعظم عن ظهوره الشريف ، ويعلنون البيعة والطاعة التامة له ، فهم فرحون ، فځورون مسرورون بظهوره الأكرم ..

وتخبرنا عن حالهم ساعة الظهور ، فتشير إلى أنهم يجتمعون في ليلة واحدة ، فمنهم من تطوى به الأرض ، ومنهم من يحمل فوق الغيم . وهم من بقاع شئی ، ونواح عدة ، قد أعدهم الله تعالى لنصرة المهدي المنتظر عجل الله تعالی فرجه شریف وقيادة دولته الإلهية المباركة . ومنذ تلك اللحظات التاريخية تبدأ رحلة الدولة المهدوية المباركة التي تبسط القسط والعدل في أرجاء الأرض ونواحيها (1)..

ص: 219


1- وكما في تمام حديث الإمام علي علیه السلام : « يجمعهم الله عز وجل من مطلع الشمس إلى مغربها ، في أقل من نصف ليلة، فيأتون مكة فيشرف عليهم أهل مكة فلا يعرفونهم فيقولون كبسنا أصحاب السفياني . فإذا تجلى لهم الصبح يرونهم طائعين مصلين فينكرونهم ، فعند ذلك يقيض الله لهم من يعرفهم المهدي علیه السلام وهو مختف ، فيجتمعون إليه فيقولون له أنت المهدي ؟ فيقول أنا أنصاري ، والله ما كذب ، وذلك أنه ناصر الدين ويتغيب عنهم ، فيخبرونهم أنه قد لحق بقبر جده علیه السلام ، فيلحقونه بالمدينة ، فإذا أحس بهم رجع إلى مكة ( فلا يزالون به إلى أن يجيبهم ) فيقول لهم : إني لست قاطعا أمرا حتى تبايعوني على ثلاثين خصلة تلزمكم لا تغيرون منها شيئا ، ولكم علي ثمان خصال ، قالوا قد فعلنا ذلك ، فاذكر ما أنت ذاكر يا ابن رسول الله صلی الله علیه و آله ، فيخرجون معه إلى الصفا فيقول : أنا معكم على أن لا تولوا، ولا تسرقوا،ولا تزنوا ، ولا تقتلوا محرما ، ولا تأتوا فاحشة ، ولا تضربوا أحدا إلا بحقه ، ولا تكنزوا ذهبا ولا فضة ولا تبرا ولا شعيرا ، ولا تأكلوا مال اليتيم ، ولا تشهدوا بغير ما تعلمون ، ولا تخربوا مسجدا ، ولا تقبحوا مسلما ، ولا تلعنوا مؤاجرا إلا بحقه ، ولا تشربوا مسکرا ، ولا تلبسوا الذهب ولا الحرير ولا الديباج ، ولا تبيعوها ربا ، ولا تسفكوا دما حراما ، ولا تغدروا بمستأمن ، ولا تبقوا على كافر ولا منافق ، وتلبسون الخشن من الثياب ، وتتوسدون التراب على الخدود ، وتجاهدون في الله حق جهاده ، ولا تشتمون ، وتكرهون النجاسة ، وتأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر . فإذا فعلتم ذلك فعلي أن لا أتخذ حاجيا ولا ألبس إلا كما تلبسون ، ولا أركب إلا كما تركبون ، وأرضى بالقليل ، وأملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا ، وأعبد الله عزوجل حق عبادته ، وأني لكم وتفوا لي ، قالوا : رضينا واتبعنا على هذا . فيصافحهم رجلا رجلا . ويفتح الله عز وجل له خراسان ، وتطيعه أهل اليمن ، وتقبل الجيوش أمامه ، ويكون همدان وزراءه ، وخولان جيوشه ، وحمير أعوانه ، ومضر قواده ، ويكثر الله عز وجل جمعه بتميم ، ويشد ظهره بقيس ، ويسير ورايته أمامه، وعلى مقدمته عقيل ، وعلى ساقته الحارث ، وتخالفه ثقيف وعداف ، و تسير الجيوش حتى تصير بوادي القرى في هدوء ورفق ، ويلحقه هناك ابن عمه الحسني في اثني عشر ألف فارس فيقول : يا ابن عم ، أنا أحق بهذا الجيش منك ، أنا ابن الحسن وأنا المهدي . فيقول المهدي علیه السلام : بل أنا المهدي . فيقول الحسني : هل لك من آية فنبايعك ؟ فيومي المهدي علیه السلام إلى الطير فتسقط على يده ويغرس قضيبة في بقعة من الأرض فيخضر ويورق ، فيقول له الحسني : يا ابن عم هي لك . ويسلم إليه جيشه ، ويكون على مقدمته ، واسمه على اسمه. وتقع الضجة بالشام ألا إن أعراب الحجاز قد خرجوا إليكم ، فيجتمعون إلى السفياني بدمشق ، فيقولون : أعراب الحجاز قد جمعوا علينا ، فيقول السفياني لاصحابه : ما تقولون في هؤلاء القوم ؟ فيقولون : هم أصحاب نبل وإبل ، ونحن أصحاب العدة والسلاح أخرج بناإليهم ، فيرونه قد جبن ، وهو عالم بما يراد منه ، فلا يزالون به حتى يخرجوه ، فيخرج بخيله ورجاله وجيشه ، في مائتي ألف وستين ألفا ، حتى ينزلوا ببحيرة طبرية ، فيسير المهدي علیه السلام بمن معه لا يحدث في بلد حادثة إلا الأمن والأمان والبشري وعن يمينه جبريل ، وعن شماله ميكائيل علیهما السلام والناس يلحقونه من الآفاق ، حتى يلحقوا السفياني على بحيرة طبرية . ويغضب الله عز وجل على السفياني وجيشه ، ويغضب سائر خلقه عليهم حتى الطير في السماء فترميهم بأجنحتها ، وإن الجبال لترميهم بصخورها ، فتكون وقعة يهلك الله فيها جيش السفياني ويمضي هاربا ، فيأخذه رجل من الموالي اسمه صباح فيأتي به إلى المهدي علیه السلام وهو يصلي العشاء الآخرة فبشره ، فيخفف في الصلاة ويخرج ويكون السفياني قد جعلت عمامته في عنقه وسحب ، فيوقفه ( بين يديه ) فيقول السفياني للمهدي : يا ابن عمي من علي بالحياة أكون ( كذا ) سيفا بين يديك ، وأجاهد أعداءك ، والمهدي جالس بين أصحابه وهو أحيي من عذراء ، فيقول : خلوه فيقول أصحاب المهدي يا ابن بنت رسول الله ، تمن عليه بالحياة ، وقد قتل أولاد رسول الله صلی الله علیه و آله ؟ ما نصبر على ذلك . فيقول : شأنكم وإياه اصنعوا به ما شئتم . وقد كان خلاه وأفلته ، فيلحقه صباح في جماعة إلى عند السدرة فيضجعه ويذبحه ويأخذ رأسه ، ويأتي به المهدي ، فينظر شیعته إلى الرأس فيكبرون ويهللون ، ويحمدون الله تعالى على ذلك ثم يأمر المهدي بدفنه . ثم يسير في عساکره فينزل دمشق ، وقد كان أصحاب الاندلس أحرقوا مسجدها وأخربوه ، فيقيم في دمشق مدة ، ويأمر بعمارة جامعها . وإن دمشق فسطاط المسلمين يومئذ ، وهي خير مدينة على وجه الأرض في ذلك الوقت ، ألا وفيها آثار النبيين ، وبقايا الصالحين ، معصومة من الفتن ، منصورة على أعدائها ، فمن وجد السبيل إلى أن يتخذ بها موضعا ولو مربط شاة فإن ذلك خير .. تنتقل أخبار العراق إليها، ثم إن المهدي يبعث جيشا إلى أحياء كلب ، والخائب من خاب من سبي كلب » ملاحظة : ( لا أصل لهذا الحديث الطويل في مصادر الفريقين إلا مرسلة عقدالدرر . من هنا فإنه يساق على أنه شهادة تاريخية لا ترقى إلى القيمة الروائية .

ص: 220

بعض معالم آخر الزمان :

تخبرنا النصوص أن المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف يظهر في آخر الزمان ، بعد جاهلية خطيرة ، وانحرافات كبيرة ، وفسق وفجور و جبروت وطغيان عظيم .. وأن الإنحرافات تطال المسلمين بشدة ، وان قسما منهم يعبدون ما عبد آباؤهم قبل الإسلام ، ويعطل القرآن ، وبدل الأحكام ، وتعزل الشريعة ، فلا تجدها في سوق أو مجلس حكم أو سلوك أو قطاع عند قوم قد استبدلوا بالهدى فسقا ، وعند بعضهم استبدل كفرة ، وبالخير افتراقا ، وبالهدى ظلاما ، وعن عبادة الله امتناعا ، فهم لاقون ، جائرون ، حائرون ، لاهثون ، قتلتهم الشهوة ، وأسقطتهم الغريزة ، هم أقرب للروم ، وأبعد عن صفات أهل الإسلام ، قد فعلوا المنكر ، وأبطلوا المعروف ، وشدوا الخبائث ، وأكبروا الحرام ، و تعصبوا للآثام ، ورأوا المنگر معروفا والمعروف منكرا .!

صفة هؤلاء القوم في آخر الزمان : بناتهم تتعرى من حجابها ، سفر عما حرم الله عليها ، فهي غير منتهية أو عائفة ، ولا من عقاب الله خائفة ، تعطف القرآن على هواها ، وتضرب الإسلام ببلواها ، تدعي الإسلام وهي نصير الكفر والشيطان ، خيرت بين الإسلام والسفور ، فاختارت تعریها . قد

ص: 221

ميز الله أهل الحق، فاختارت أن تتشبه بأهل الباطل والحرام ، دعاها القرآن إليه ، فاختارت موضة أهل الكفر والآثام ، قد فسقت وتعرت ، وعصت وجاهرت ، وأغضبت ربها ، واستبدلت کتابها ، لاهية عابثة غير عابئة . فاسقة غير تائبة ، فهي داعية إلى حرام ، مشهورة في الآثام، أسفرت ففسقت ، تبذل في التعري عطاءها ثم تعد نفسها بالتوبة قبل الموت .. وهي تطعن شريعة ربها .!

أما شبابهم ..؟ فقد قادمتهم الشهوة ، وتفاخروا بالحرام ، وتعارفوا بالآثام فهم فاسقون مخالفون ، من الدين ساخرون ، عن العبادة عاطلون ، ومن التقى مرجفون ، همهم في فروجهم ، وبطونهم ، وأموالهم ، تلعنهم الأرض والسماء وهم مع ذلك ضاحكون لاهون .! أمة كثر الزنا فيها ، تعرت نساءها ، وتفاخروا بالحرام ، وتعارفوا بالآثام ، هدموا الزواج والعفة، وشاع بينهم السحاق واللواط ، و تكاثروا بالزنا ، فهم بين معطل لحكم الله ، وعازل الميثاق القرآن ، وبين متعمد للحرام ، همهم في الدرهم والدينار ، في الفرج والبطن والعرش ، في العري والموضة ، في الشهوة والنزوة ، قتلتهم شهواتهم فأردتهم المهالك ، وهم مع ذلك مصون عليها .!

حكومات آخر الزمان

تخبرنا النصوص عن افتراق السلطان عن القرآن ، عن حكومة جائرة ، وسلاطين جبابرة ، وقوانين تخالف حكم الله ، ومواثيق تعزل القرآن ، وأعراف وقيم توافق الشيطان ، ومراسيم تحذف الدين من حياة

ص: 222

الجماعة والأفراد ، ومفاهيم وعادات ومبادئ ولوائح ملزمة تمنع الدین ومواثيق الشريعة من حكومة السوق والقطاعات المختلفة في المال والإقتصاد والنقد والسياسة والإجتماع والأخلاق ، حتى يبدو الدين الإلهي معزولا من الحياة ، مهجورا من مواثيقها وسلوكها ، في ظل حکام جبابرة ، ووزراء فسقة ، وأمراء خونة ..

تعاقب الفتن على المسلمين

تؤكد الأخبار المروية أن الفتن المتتالية تقع في العالم ، ویشتد ساعدها ، وتكثر بارقتها ، ويحكم الجور والفساد ، واقتل والإضطهاد ، وأن المسلمين ينالهم من الفتن ما يعركهم عرك الأديم ، وأن هناك فتنة يطول أمدها ، فتدخل كل بيت ، وتصك كل مسلم ، ويتلوى المسلمون أمامها ، في ذل حال ، وضعف قرار ، وهوان على العالم . وأن نار العرب تشتعل بأعرابها ، وأن الجاهلية الأولى تتجسد في الأمة بأسوأ ما فيها ، وأن الناس يضيق بها الحال حتى يكثر الكفر ، وتتعاظم الزندقة ، ويقوم الجحود على عود ، ويضيق اليسر ، ويطبق العسر ، وأن المهدي علیه السلام يظهر بعد غيبة طويلة ، وبلاء عظيم ، وأن ظهوره عجل الله تعالی فرجه شریف يتحقق بغتة ، ويصلح الله أمره بأقل من ليلة . وأن هناك علامات عدة منها : انسياب الترك على بلاد المسلمين ، وموت الحاكم العباسي عبد الله (1)، وطلوغ نجم أحمر ، قبل کالشهاب

ص: 223


1- وفي رواية عمار بن یاسر قال : « إن دولة أهل بیت نبيكم في آخر الزمان ، ولها أمارات ، فالزموا الأرض و كفوا حتى تجيئ أمارتها ، فإذا استارت عليكم الروم والترك وجهزت الجيوش ، ومات خليفتكم الذي يجمع الأموال ، واستخلف بعده رجل صحيح ( ضعيف ) ، فيخلع بعد سنين من بيعته ، ويأتي هلاك ملكهم من حيث بدأ ، ويتخالف الترك والروم، وتكثر الحروب في الأرض ، وينادي مناد من سور دمشق : ويل لأهل الأرض من شر قد اقترب ، ويخسف بغربي مسجدها حتى يخر حائطها ، ويظهر ثلاثة نفر بالشام كلهم يطلب الملك : رجل أبقع ، ورجل أصهب ، ورجل من أهل بيت أبي سفيان ، يخرج في كلب ويحصر الناس بدمشق ، ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا فتلك أمارة السفياني ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد علیهم السلام ، وتنزل الترك الحيرة ، وتنزل الروم فلسطين ، ويسبق عبد الله عبد الله حتى يلتقي جنودهما بقرقيسا ( منطقة في المثلث التركي العراقي السوري ) على النهر ، ويكون قتال عظيم . ويسير صاحب المغرب فيقتل الرجال ويسبي النساء ، ثم يرجع في قيس حتى ينزل الجزيرة السفياني ، فيسبق اليماني ، ويحوز السفياني ما جمعوا ، ثم يسير إلى الكوفة ، فيقتل أعوان آل محمد علیه السلام ، ويقتل رجلا من مسميهم . ثم يخرج المهدي علیه السلام على لوائه شعيب بن صالح ، وإذا رأى أهل الشام قد اجتمع أمرها على ابن سفيان فالحقوا بمكة ( إشارة إلى المهدي علیه السلام )، فعند ذلك تقتل النفس الزكية وأخوه بمكة ضيعة ، فينادي مناد من السماء : أيها الناس إن أمير كم فلان ( محمد ابن الحسن ) وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كماملئت ظلما وجورا » [ وفي : ص 278 قرقارة ، عن نصر بن الليث المروزي ، عن ابن طلحة الجحدري قال : حدثنا عبد الله بن لهيعة ، عن أبي زرعة ، عن عبد الله بن زرین ..].

الثاقب ، ويطلع مثل قرن الشمس ، وأن أمر المهدي علیه السلام يصلحه الله في «ليلة » ، فيخرج من المدينة في الظهور الخاص الذي يدوم لأشهر متخفيا : إلا عن الخواص ، حتى يأتي مكة وأنه يبايع عند الكعبة بين الركن والمقام وهو كاره ، لأسباب تتعلق بالظروف آنذاك .. وفي بعضها أنه جاء إليه في = بيته ، إلى أن يخرج إلى الكعبة وتتم هناك بيعته المباركة(1).

ص: 224


1- وقد جاءت الآثار بذکر علامات لزمان ظهور القائم المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف و حوادث تكون أمام قيامه ، و آیات ودلالات، منها - كما وردت بقلم الشيخ المفيد قدس الله سره - : « خروج السفياني ، وقتل الحسني ، واختلاف بني العباس في الملك الدنيوي ، و كسوف الشمس في النصف من رمضان ، وخسوف القمر في آخره ، على خلاف العادات ، وخسف بالبيداء ، وخسف بالمغرب ، وخسف بالمشرق ، ور کود الشمس من عند الزوال إلى أوسط أوقات العصر وطلوعها من المغرب ، وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين ، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام ، وهدم حائط مسجد الكوفة ، واقبال رايات سود من قبل خراسان ، وخروج اليماني ، وظهور المغربي بمصر ونملكه الشامات ، ونزول الترك الجزيرة في (العراق ) ، ونزول الروم الرملة ( فلسطين ) ، وطلوع نجم بالمشرق ، يضيئ كما یضي القمر ، ثم ينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه ، وحمرة تظهر في السماء وتنتشر في آفاقها ، ونار تظهر بالمشرق طويلا، وتبقى في الجو ثلاثة أيام أو سبعة أيام ، وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد ، وخروجها عن سلطان العجم ، وقتل أهل مصر أميرهم ، وخراب الشام، واختلاف ثلاث رايات فيه ، ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر ، ورايات كندة إلى خراسان ، وورود خيل من قبل الغرب حتى تربط بفناء الحيرة ، وإقبال رايات سود من المشرق نحوها ، ويثق في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة ، و خروج ستين كذابا كلهم يدعي النبوة ، وخروج اثني عشر من آل أبي طالب كلهم بداعي الإمامة لنفسه ، واحراق رجل عظيم القدر من بني العباس بين جلولاء وخانقين ، وعقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة السلام ( بغداد ) ، وارتفاع ريح سوداء بها ( أي في مدينة اسلام ) في أول النهار ، وزلزلة حتى ينخسف كثير منها ، وخوف يشمل أهل العراق وبغداد ، و موت ذريع فيه ، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أونه ، حتى يأتي على الزرع والغلات ، وقلة ريع لما يزرعه الناس ، واختلاف صنفين من العجم ، وسفك دماء كثيرة فيما بينهم ، وخروج العبيد عن طاعات ساداتهم وقتلهم مواليهم ، ومسخ لقوم من أهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير ، وغلبة العبيد على بلاد السادات ، ونداء من السماء حتى يسمعه أهل الأرض ، كل أمل لفة بلغتهم ، ووجة وصدر يظهران للناس في عين الشمس ، وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون ويتزاورون ، ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة ، تتصل فتحيا به الأرض بعد موتها ، وتعرف بركاتها ، ويزول بعد ذلك كل عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي علیه السلام ، فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة ، فيتوجهون نحوه لنصرته ، كما جاءت بذلك الأخبار . كل هذه من « العلامات» التي تقع قبل الظهور الشريف ، ومنها ما يكون قريبة جدا من الظهور ، کذبح الحسني بين الركن والمقام ، ومنها ما يكون بعيدا عن لحظة الظهور المبارك .

تتفق النصوص على أن « الإعلان العام » لأهل الدنيا كلها ، عن ظهور الإمام المهدي المنتظر علیه السلام ، يقع بعد الخسف الكبير بجيش السفياني في بيداء المدينة المنورة والذي يكون قاصدا مكة لقتل المهدي بعد انتها که حرمة المدينة وقتل من يجد فيها من الهاشميين وشيعة أهل البيت(1) علیهم السلام .. وتشير إلى أن بيعة المهدي علیه السلام تكون سلمة ، فلا تهرق محجمة دم في

ص: 225


1- وفي الرواية : « يقود السفياني جيشا إلى المدينة ، فيأمر بقتل كل من كان فيها من بني هاشم حتى الحبالي ، وذلك لما يصنع الهاشمي الذي يخرج على أصحابه من المشرق ، ويقول : - أي السفياني - ما هذا البلاء كله وقتل أصحابي إلا من قبلهم ، فيأمر بقتلهم حتى لا يعرف بالمدينة أحد [ منهم] ، ويفترقون - أي الهاشميون وأتباع أهل البيت - منها هاربين إلى البوادي والجبال وإلى مكة حتى نساؤهم ، ويضع جيشه السيف فيهم أياما ثم يكف عنهم ، ولا يظهر منهم إلا خائف ، حين يظهر أمر المهدي بمكة ، فإذا ظهر اجتمع كل من شذ منهم إليه بمكة » [ عقد الدرر 66]، وفي رواية إبن مسعود يؤكد أن السفياني يريد قتل المهدي : « بعث جيشأ آخر فيه خمسة عشر ألف راكب على مكة والمدينة لمحاربة المهدي علیه السلام ومن تبعه - ثم يصف دخول جيشه فيقول : - يدخلونها عنوة ويسبون ما فيها من الأمل والولد ، [ التذكرة 610/2 ]. لكته يفشل ، ويقع الخسف بالجيش في البيداء ، وتبدأ مرحلة جديدة في حركة المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف.

ذلك ، بل تحدثنا عن أن النائم لا يستيقظ لشدة السلم والهدوء الذي تقع به بيعة المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف. وأنه علیه السلام يصلي بعد بيعته قصرا ويخطب . وتهتز الدنيا بنبأ ظهوره وبيعته ، فلا تجد أحدا من الناس إلا وذكر المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف على لسانه . ويشرب الناس حبه ، إلا من الأمم الجبارة التي تزج بكل قوتها الإعلامية وغيرها لإبطال مفعول النداء السماوي مرة، وحرف الناس عن

حقيقة المهدي مرة أخرى ..

وتتحرك القوى العالمية والإقليمية المناوئة للدين والإسلام ، وتدفع بكل جهودها ، لمنع ذكر الناس الذائع في المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ، وتضغط لإبطال أمره، وتعمل على خداع الأمم. فلا تستطيع أن تبطل الحقيقة السماوية ، فيشتهر أمر المهدي علیه السلام ، وعندها تعد الأمم الظالمة أمرها للقضاء عليه ، فتسرح له أول الأمر السفياني ، وهو رجل سفياني لئيم خبيث ، قاتل النفوس ، ناهب الثروات ، منكر الدين ، ومشعل نيران الباطل والحروب ، وعدو الإسلام . كما تحاول القوى الظالمة تخذيل الناس وصدها عن المهدي علیه السلام فتنجح في قوم وتفشل في آخرين ..

أول سلطان المهدي علیه السلام

حتى إذا خسفت الأرض بجيش السفياني في بيداء المدينة المنورة ، وتم الإعلان العام عن ظهروه علیه السلام ، جهز علیه السلام جيشه ، وسار به ، فيخرج من مكة في اثني عشر إلى خمسة عشر الفأ في تسع رايات ، ويغلب على الحجاز وما يليها ، ويجيئ من الحجاز حتى يستولي على دمشق ، في ظل حروب

ص: 226

وخطوط ملتهبة ، وأمم ورايات مختلفة، منها اليماني والخراساني ، والسفياني ، وأمم من هنا وأمم من هناك ، إلى أن ينزل بیت المقدس ، وحرسه اثنا عشر ألفا أو ستة وثلاثون ألفا. وتؤكد المتون أنه يبني بيت المقدس بناء لم يبن مثله ، ويستخرج کنز بیت المقدس من رومه ويعيده إليه أو على أنه تقع معارك ضارية بين جبهة المهدي علیه السلام وجبهة الروم ، تصفها النصوص بالملحمة لشدة أهوالها وقتلاها ودمارها .وينزل علیه السلام الكوفة ، ويتخذها عاصمة لدولته الشريفة . ويجتمع فيها كل مؤمن . ويسيطر أول أمره على الحجاز(1) واليمن ، والعراق والشام ، بما

ص: 227


1- يبدو أن شيعة أهل البيت علیهم السلام يعانون في هذه المنطقة قبل الظهور . الروايات تقول :« والله لا تدع ظلمة مضر عبدا لله مؤمنا ، إلا قتلوه ، أو فتنوه ، حتى يضربهم الله والمؤمنون » (مستدرك الصحيحين 470/4 ؛ قال : صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي . مجمع الزوائد 313/7. قال : رجاله رجال الصحيح ) . وفي رواية ثانية: إن هذا الحي من مضر لا يزال بكل عبد صالح يقتله ويهلكه ويفنيه حتى يدركهم الله بجنود من عنده فتقتلهم » ( مستدرك الصحيحين 470/4 قال : صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي . مجمع الزوائد 313/7. رجاله رجال الصحيح ). على أن الإشارة إلى قتله أو فتنته تعني اعتماد أدوات الترهيب من قتل وتعذيب وسجن وشبه ذلك أو الإغراء بالمال والمنافع الأخرى . وهذه الدولة تسفط بسرعة ، ويبدو بوضوح أنها تعاني قبل الظهور من خلل وهشاشة وانقسام سیاسي، أمني ، وربما موت خليفة ، يقع على أثره مذبحة في منی من موسم الحج . وفي الحديث : لا يبايع المهدي علیه السلام بين الكن والمقام لا يوقظ نائمة ولا يهريق دما ، ( عقد الدرر 156 الحاوي للفتاوي 76/2 ) . نعم يتحرك بعضهم للانقضاض على حكم المهدي علیه السلام وهم من الظلمةالطاغين فيواجههم المهدي وينتصر عليهم. وفي رواية أبي هريرة عن النبي صلی الله علیه و آله: « يبايع لرجل بين الركن والمقام ولن يستحل البيت إلا أهله ، فإذا استحلوه فلا تسل عن ملكة العرب » ( مجمع الزوائد 3/ 298 وقال : رجاله ثقات ، مستدرك الصحيحين 452/4 ) . وفي الحديث: «لو يعلم الناس ما بصنع المهدي علیه السلام إذا خرج لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس ، أما أنه لا يبدأ إلا بقريش ، فلا يأخذ منها إلا السيف، ولا يعطيها إلا السيف ، حتى يقول كثير من الناس ما هذا من آل محمد ولو كان من آل محمد لرحم ، ( البحار 51 / 132 كمال الدين /317 الإذاعة /117) . وعليه : تشير طائفة من النصوص إلى أن المهدي علیه السلام يقتل الظلمة الجبابرة من طواغيت قريش . وفي رواية عائشة قالت : قال لي رسول الله صلی الله علیه و آله : « أول من يهلك من الناس قومك . قلت : جعلني الله فداك أبنو تيم ؟ قال صلی الله علیه و آله : لا ولكن هذا الحي من قریش » ( کنز العمال 12/ حدیث: 354221 ) . وفي رواية الرضا علیه السلام : « يبدأ ببني شيبة فيقطع أيديهم لأنهم سراق بيت الله عز وجل » ( البحار 313/52 ) [ في هذا المجال يمكن مراجعة بعض كتابات العلامة الفتلاوي ].

فيها انطاكية و كيليكيا وغيرها ، بالإضافة إلى دولته المباركة في خراسان .. ويتخذ في مناطق عدة مقرات عسكرية وغيرها لإدارة حرب الجبهات الكبرى ، منها أنه يتخذ مقرا في انطاكيا، وكذا في دمشق ، وكذا في القدس ، وفي غيرها وفق مجريات حرب الجبهات وضرورات الدولة المهدوية .. وتصف أصحابه فتقول بأنهم : رهبان بالليل ، أسد بالنهار ، شعارهم : أمت أمت ..

حركة حروبه وفتوحاته علیه السلام:

المهدي علیه السلام كما يقول النبي صلی الله علیه و آله: « على سنتي ، كما قاتلت أنا على الوحي والقرآن »(1)، وينصره الله بالرعب ، في وجه الجبابرة والطغاة المستبدين . يبدأ حركته علیه السلام من مكة ، في ظل عالم يملاه الفساد والإضطهاد ، فيدعو إلى القرآن ، ويرفع لواء الإيمان ، وينادي بحكومة الأنبياء والأولياء .. وبينما هو كذلك ، يجمع قوم لقتله ، فينهضون لذلك ، بزعامة أمير مكة ، فينتصر عليهم ، ويقتل أمير مکة . وتشير النصوص إلى أنه عه يقاتل سبع رايات في الشام ، ويهزم السفياني ، ويقتله بعد معركة كبيرة ، تقع في النهاية قرب بحيرة طبرية . ويسيطر على الحجاز ، واليمن ،

ص: 228


1- م.س.

ويفتح دمشق (1)، والعراق ، وفلسطين ، ويكون حكمه أول الأمر ، ممتد من اليمن ، وصولا إلى خراسان .. وتتحالف جملة من الأول الإقليمية والدولية للنيل من جبهة المهدي وإسقاطها ، فتفشل ، وتقع جملة من الحروب الكبيرة ، والحروب الفرعية .

تحدثنا النصوص عن خطوط حرب ، فتشير إلى أنها تصل إلى الصين ، والهند ، وروما في غرب الأرض ، ثم إلى الدجال في شرقها ، وصولا إلى خروج يأجوج ومأجوج ، وما یکون قبلها من حروب وجبهات .. وبين هذه وتلك ، تخرج راية السفياني ، وجملة من حلفاءه في الشرق العربي وغربه ، وصولا إلى الترك ، وجملة أيضا من حلفاءها ، ويبدو أن هؤلاء يكونون في الشرق وليس في الغرب ، ثم جبهة الروم وحلفاءها الذين يتجمعون لقتال المهدي علیه السلام في الشرق ، فيخوضون جملة عنيفة من المعارك ، بعض النصوص وصفتها بالملاحم، ثم تتابع الحرب مسارها ، وصولا إلى الغرب ، حيث يزحف جيش المهدي علیه السلام بجيش كبير للإنتقام من جبابرة روما وجيوشها ، بعد حروب ونفوذ وسطوة وجبروت تقوده الروم قبل الظهور وتتابعه بتفاوت بعد الظهور ، وصولا إلى الملحمة الفصل التي تقع بين الروم وجبهة المهدي علیه السلام في الغرب ، والتي على أثرها يفتح المهدي علیه السلام عاصمة جبهة الروم وتصفوا له البلاد ..

ص: 229


1- ذكرت الروايات تحالف اليماني مع الخراساني ( وكلاهما جيش المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف) في معركة دمشق التي تشكل حدثا كبيرا ، والتي يتم تحريرها من حكم السفياني وذلك بعد أن يقضي السفياني على خصومه الإقليميين والدوليين الحاضرين في معركة قرقیسیا .

وتؤكد الأحاديث أن المهدي علیه السلام فتح حصون الضلالة ، وقلوبا غلفا ، وأنهعشية يظهر على كل جبار وابن جبار ، ويطهر الارض من اعدائه الظلمة المفسدين ، والحكام المنحرفين ، ومن كل جور و ظلم وفساد وأباطيل . على أن هناك طائفة من النصوص تقول بأن ملاحم المهدي علیه السلام تطول مدة عشرين سنة ، وأنه علیه السلام لا يضع السيف حتى يطهر الأرض من طغاتها وبغاتها ، وأباطرة الفساد والإضطهاد . وأن الله يعز به الدين وأهله، ويذل به الشرك وأهله .

وتقول طائفة أخرى بأن أول لواء يعقده علیه السلام ، يبعثه لقتال الترك الكفار ، ويبدو أن هذا مقصود فيه الراية التي يقاتلها بعد هزيمة السفياني ، وربما بعد تحریر بیت المقدس ..

وتظهر الآيات البنات على يديه من إرث النبيين وأسرارهم ، فيستخرج تابوت السكينة من بحيرة طبرية ، كما يستخرج التوراة والإنجيل ، ويحاجج بها اليهود والنصارى ، ويبسط جملة من البينات المعجزة أمام أهل الدنيا ، ويظهر أشياء عديدة من تراث الأنبياء علیهم السلام لتؤكد مدى الحجة والعظمة التي يمتاز بها المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف من الله تعالى في وجه المشككين والمبطلين ..

ويدعو الناس كلهم إلى الله تعالى ، كما يدعو اليهود والنصارى إلى أمر الله ، وهدي النبي محمد وآله علیهم السلام . وتشير النصوص بأن قسما من اليهود والنصارى يعلنون إسلامهم وبهجتهم بالمهدي عجل الله تعالی فرجه شریف. وتلفت إلى أن

ص: 230

المهدي علیه السلام يبعث بقتال الروم ، إشارة إلى نفوذ الروم، وسطوتها في ذلك العالم ، وحضورها الذي يبدو أنه يتخذ موقعا متقدما آنذاك ، أو أنها تكون على موقع قوة وأدوات حرب تعتبر شديدة النفوذ والبطش ..

بل يبدو من طوائف بعض الأخبار أن الروم تكون ذات نفوذ في الشرق ، ولها جملة من الأنظمة السياسية التابعة في الشرق ، وأنها قادرة على تدبير جملة من الإنقلابات والتدځلات الحربية أو السياسية الفاعلة . وتعتبر الروم جبهة المهدي علیه السلام تهديدا لمصالحها في العالم ، فتدعم أكثر من راية للنيل من جبهته علیه السلام . إلا أنها كما يبدو بوضوح تكون في تلك الفترة على نحو تعاني فيه من تراجع نفوذها شيئا فشيئا ، خاصة بعد التقدم الكبير ، والإنتصارات المهمة التي تحرزها دولة خراسان ، فضلا عن إنهاك قواها في الشرق بمواجهة الترك وغيرها لخلافات استراتيجية ، منها الخلاف على ثروة قرقيسيا العراقية ، وصولا إلى هزيمة الترك والروم أمام السفياني أيضا على ثروة قرقيسيا .. ما يعني أن نفوذ الروم في الشرق يضعف ويتراجع بشدة ..

لذلك تكون على استعداد لعقد هدنة مع جبهة المهدي علیه السلام ، فتعقد هدنة وصلح مع دولة المهدي تدوم سنین ، إلا أن الروم تنقضها فتغدر ، وذلك بعد أن يغزو الروم ودولة المهدي علیه السلام الترك وجملة من حلفاءها الفرعيين فينتصرون عليهم .

ومنذ تلك اللحظة ، تعلن الروم تجهيز جيش ضخم ، بعض الطوائف تحدده بما يقرب من مليون جندي ، ثم تسرح حربها على جبهة الإمام

ص: 231

المهدي علیه السلام بعد تجهيز جيشها لمدة تزيد عن 9 أشهر . النصوص تقول بأن الروم تنقض الهدنة مع المهدي علیه السلام وتغزو المنطقة ، فترسي سفن الروم من صور إلى عكا وتبدأ الملاحم، وتشير إلى أن نصارى هذه المناطق تساعدهم أو جملة منهم. وتكون هذه المعارك عنيفة جدا ، وذات قتال وتلاحم كبير .. تنتهي بتراجع هائل بقوة الروم ، ثم تقع معركة كبيرة جدا ، عبرت عنهاالنصوص بالملحمة، في الأعماق ( بلاد الشام أو أعماق الجزيرة ) تستعمل فيها الشهب ، أي أدوات حربية مدمرة ، ولها ذيل ناري ، يعني الصواريخ مثلا .. تلتهب المنطقة بهذه المعركة ، التي تنتهي بانتصار المهدي علیه السلام على الروم فيها . كما تكون له علیه السلام حرب مع الروم برملة افريقية ، وذلك قبيل الملحمة العظمی .

أما الملحمة العظمى ..؟

فيبدو أنها أم المعارك ، حيث تتجمع الجبهة الرومية مع جملة كبيرة من حلفاءها . بعض النصوص تقول بأن الملحمة العظمى تكون مع الروم ومعهم اليهود والترك ، مع يعني أن الترك أعداء الروم يعودون فتجتمع فلولهم مع الروم ، وكذا اليهود وغيرها من ملوك ودول الروم ، ويقع الإصطدام الأكبر ، بين جبهة الروم مع حلفاءها ، وجبهة المهدي علیه السلام . النصوص عبرت عنها بصيغ تؤكد ضخامتها ولهيبها وآثارها المدمرة جدا .. وتتفاوت الشروحات في بيان موقعها ، هل في بلاد الروم أم في الشرق ، على أنهم يتفقون على أن الملحمة الهائلة تقع بين الروم والمهدي علیه السلام ..

ص: 232

كما يستفاد من طائفة أن ملحمة الأعماق تكون شديدة العنف وذات قتل وقتال عظيم . في حين يستفاد من لوازم طائفة أخرى أنه تقع معركة ضخمة بين المهدي علیه السلام والروم في الغرب ، على 4 مراحل ، تنتهي بفتح عاصمة الروم وفتح كل تلك البلاد . وفي كلمات اللاهوتيين عن هذه الضربة التي تقودها جبهة المهدي علیه السلام في اتجاه الغرب ورد التعابير التالية : « .. هذه الضربة التي يضرب بها الرب كل الشعوب الذين يجدوا على أورشاليم - أي لحمايتها وتأييدها ودعمها - لحمهم يذوب وهم واقفون على أقدامهم ، وعيونهم تذوب في أوقابها ، ولسانهم يذوف في فمهم»(1). عبارات ربما لا نجد لها تفسيرا إلا ما قاله اللاهوون من أنها : « كالضربة الهيدروجينية »(2).

قال أهل اللاهوت في التفسير - عن سقوط رومية -: «لقد حدثت بروق ورعود وزلزال عنيفة . فالرعود والبروق تدل على قوة الله .. وترمز إلى اضطراب عنيف في كل السلطات من أعلاها إلى أدناها .. وتسقط كل مقومات الحياة الإجتماعية، وتتداعی وتنهار بشكل جاد وعلى نطاق واسع (3)». وعن جهتهم التي جاءوا منها ؟ يقول الشراح اللاهوتیون : « لقد جاءوا من هناك إلى هنا ! يحملون شعار « الله محبة » ! ليعيشوا مساء هم الذي تغرب شمسه إلى الأبد »(4)

ص: 233


1- [زکریا 12/14 ]
2- [مشتهي كل الأمم ، صايغ : 95].
3- تفسير الرؤيا / حنا: 361
4- زکریا / فكري : 251 ، الرؤيا / ويسلي : 72

وبعد هذه الضربة الهائلة التي لم يشهد التاريخ البشري مثيلا لها، صور لنا « سفر الرؤيا » هذا الذعر الهائل الذي يسيطر على زعامات روما وأباطرتها وملوكها وأرباب جبروتها فيقول : « .. وملوك الأرض والعظماء والأغنياء والأمراء والأقوياء ، وكل عبد و کل حز، أخفوا أنفسهم في المغاور ، وفي صخور الجبال ، وهم يقولون للجبال والصخور اسقطي علينا؟ واخفينا من وجه الجالس على العرش ( إشارة إلى المهدي المنتظر علیه السلام )، ومن غضب الحمل(1) ( إشارة إلى السيد الفارسي الأشوري الخراساني ) إن يوم الغضب العظيم قد جاء ، ومن يقوى على الوقوف أمامه ..!»(2).

وهذه كما ترى : شديدة التطابق مع مصادر الإسلام ورواياته .! على أن نص سفر الرؤيا ينقل لنا رعب الأمراء والملوك والقادة وهم يقولون للجبال والصخور اسقطي علينا ! ، أخفينا من وجه الجالس على العرش ..! إنها أضخم لحظة رعب من عظمة المهدي ولي الله الأعظم ..! .

ثم يقول الكتاب المقدس – ناظرا إلى الخسائر الهائلة التي تكبدتها الروم وحلفاءها في تلك المعركة - : « . ورأيت ملاكا .. ينادي الطيور بصوت عال قائلا : هلمي ، اجتمعي معا إلى وليمة الله الكبرى ! تعالي والتهمي لحوم الملوك والقادة والأبطال والخيول والفرسان »(3). إشارة إلى حجم القتل والعنف والجحيم الذي سطرته أعنف معركة في تاريخ

ص: 234


1- كان الحمل رمز فارس من قبل ..
2- [الرؤيا 17/6] .
3- الرؤيا 18/19

الحروب .. يقول صلی الله علیه و آله - واصفا واحدة من سلسلة المعارك الأعنف بین جبهة المهدي علیه السلام والروم بقوله - : « . فيقتتلون شهرا، لا يك لهم سلاح ولا لكم ، ويقذف الطير عليكم وعليهم ، فإذا كان رأس الشهر قال ربكم اليوم أسل سيفي فأنتقم من أعدائي وأنصر أوليائي ، فيقتتلون مقتلة ما رئي مثلها قط ، حتى ما تسير الخيل إلا على الخيل ، وما يسير الرجل إلا على الرجل »(1).إنها حرب الفصل النهائية بين وجود روما الجبارة التي كانت تقود دنيا النظام العالمي ونهايتها .!

على أن جيوش الروم تغزو المنطقة من قبل في ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر الفا أو عشرة آلاف ، وبعد سلسلة معارك تنهزم الروم شيئة فشيئا ، حتى تصل إلى غرب الأرض وهناك تقع معركة الفتح . وتخبرنا الأحاديث أنه في « الملحمة الكبرى » يقتل سبعوث أميرا من المسلمين يبلغ نورهم السماء . إشارة إلى عظيم التضحيات التي يقدمها المسلمون في تلك المواجهة مع الروم ، التي تستعمل فيها أعنف الأسلحة المدمرة .. وتشير إلى أنه بعد هزيمة الروم في الملحمة العظمى ، يتوجه المهدي علیه السلام إلى بلادهم ويفتحها ويقتل منهم 600 ألفا ، كما يفتح مدائن الشرك . تقول النصوص : يفتح بلاد الروم(2)، ومدينة رومة ، ومدينة قاطع البحر . يفتح القسطنطينية

ص: 235


1- [ ابن عساكر (کنز 39652)].
2- تنتهي جبهة الروم على يد المهدي علیه السلام وفي الرواية : « يخرج المهدي إلى بلاد الروم وجيشه مائة ألف فيدعو ملك الروم إلى الإيمان فيأبى فيقتتلان شهرين فينصر الله تعالى المهدي . ويقتل من أصحابه خلقا كثيرا .. ويقتل من الروم خلقا كثيرا ويسلم على يديه خلق كثير » ( العلل المتناهية 855/2 ) . وفي رواية : «المهدي علیه السلام يبعث بقتال الروم يحكم بين أهل التوراة بتوارتهم وبين اهل الإنجيل بإنجيلهم » ( الحاوي للفتاوی 75/2 ) . وفي رواية الإمام الباقر علیه السلام « تسلم الروم على يده ، فيبني لهم مسجدا وستخلف عليهم رجلا من أصحابه ثم ينصرف علیه السلام، ( البحار 385/52 ). أي الذين يؤمنون به . والنص صريح في ان المهدي بنفسه يقود المعارك ضد جبهة الروم وأنه الذي يفتح بلادها.

وجبال الديلم . وتحدد جملة من الأوصاف لعاصمة الروم التي تذوق واحدة من «المعارك القاسية » ، فتنهار صروحها وسواترها .. وتؤكد بإطناب أن المهدي علیه السلام يملك العرب ، كما يملك الأرض : مشارقها ومغاربها، فلا يبقى إلا من يقول : لا اله الا الله ، محمد رسول الله . تحت ظل ولاية أئمة الله تعالى في أرضه بقيادة وسلطان المهدي علیه السلام ..

وتتعدل موازين المعركة زمن فتنة الدجال ، وتنتهي بذوبان الدجال في معركة كبيرة ، على أثر نزول نبي الله عیسی بن مريم علیه السلام ، والذوبان يعني أن حرب ذيبة إلى درجة أن جيش الدجال يتمزق تمزيقا، حتى الحجر يقول : يا مسلم هذا يهودي تعال فاقتله ، دلالة على الإنكشاف الهائل الذي يصيب الهيود ، والموت الذي يحيط بهم .. . .

وتكون نهاية المعارك الضخمة مع عسكر « يأجوج ومأجوج » الذين يزحفون بقوة هائلة نحو ما نطلق عليه اليوم إسم الشرق الأوسط، ويطلبون بیت المقدس ، فيأتي الدود عليهم ، دود النغف ، فيبديهم عن آخرهم ، ولا أدري إن كانت هذه عبارة عن حرب جرثومية أو بيولوجية وغير ذلك ..

ص: 236

حیاة المهدی علیه السلام بعد الظهور المبارک

تتفق النصوص بالتواتر على أن للمهدي علیه السلام غيبتين ، الثانية منهما تطول ، ولا أحد يعرف لحظة ظهوره الأعظم ، وأن روايات أهل البيت علیهم السلام كثيرة جدا التي تقول : كذب المؤقتون . وأنه عندما يظهر علیه السلام ، يظهر بصورة شاب ، بعمر أربعين سنة . وأنه يحسم المعارك بسرعة ، ويبطل الجور والإضطهاد ، وينتقم من الجبابرة والظالمين ، ويقمع الطغاة والمفسدين ، ويحكم الدنيا بالعدل . وتؤكد أن معاركه لا تطول كثيرا. هناك رواية تحددها بعشرين سنة . فيما غيرها يحدد معاركه وملاحمه أقل من هذا بكثير. هناك رواية تحدد حروب المهدي علیه السلام بسبعة أشهر . لكن الأكيد أن حروبه لا تطول ، وأنه يحكم العالم بالقسط والعدل الإلهي .

وعن حياته علیه السلام بعد الظهور .؟ قالت متون : يعيش ما شاء الله ، إشارة إلى طول عمره عجل الله تعالی فرجه شریف . بعضها الآخر حدد أزمانا غير أزماننا ، أي يومه أطول من يومنا ومختلف عن يومنا ، وهذا ربما سبب اختلاف التقديرات (1)..

ص: 237


1- هناك نصوص تشير إلى اختلاف في مدة حكمه علیه السلام، لكن طائفة من النصوص تؤكد ان سنته غير سنتنا أو أن معاییر حساب السنة بالنسبة لمكوثه بعد ظهوره الشريف تكون مختلفة عن معاييرنا . من هنا يمكنا أن تجمع بين الطوائف التي اختلفت في تحديد المكث في الأرض بعد الظهور ، ففي الرواية عن علي بن عمر بن علي بن الحسين عليهما السلام ، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد علیه السلام أنه قال : لا يملك القائم علیه السلام تسع عشرة سنة وأشهرا ، [ النعماني : ص 331 ب26 ح1] وفي رواية عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله علیه السلام قال : « القائم من ولدي ، يعمر عمر الخليل .. ثم يغيب غيبة في الدهر ، ويظهر في صورة شاب موفق ابن اثنين وثلاثين سنة ، حتى ترجع عنه طائفة من الناس ، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما و جورا » النعماني : ص 189ب 10 ح 44 - وعن ابن عمر بن علي بن الحسين ، عن أبي عبد الله قال : « القائم من ولدي يعمر عمر خلیل الرحمن ، يقوم في الناس وهو ابن ثلاثين سنة ، ويلبث فيها أربعين سنة ، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما » . ثم بقية سند النعماني ، وفيه « إن ولي الله عمر عمر إبراهيم الخليل عشرين ومائة سنة .. ويظهر في صورة فتی موفق ابن ثلاثين سنة ». وهناك ما يخالف معناها الكئي لكنه يشير إلى مقاییس مختلفة في احتساب الزمن ، منها ما رواه عبد الكريم الخثعمي ( الجعفري ) قال : قلت لأبي عبد الله علیه السلام: «كم يملك الناس من القائم علیه السلام قال : « سبع سنين ، تطول له الايام حتى تكون السنة من سنيه مقدار عشرين سنین من سنيكم فيكون سنو ملکه سبعين سنة من سنيكم هذه ، وإذا آن قيامه مطر الناس جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطرا لم ير الخلايق مثله ، فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم ، فكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب » [ الفضل بن شاذان : على ما في غيبة الطوسي ] . وفي الارشاد :ص363 - عبد الكريم بن عمرو الخثعمي ( قال ) : قلت لأبي عبد الله علیه السلام : « كم يملك القائم ؟ قال : سبع سنين يكون سبعين سنة من سنيكم هذه»، ما يعني ان نصوص تجدید الزمن مختلفة قياسا إلى المعايير ، وهذا يؤكد ان بعض النصوص تعمدت ذلك. لكن ضعف مجموعة من الأسانيد يسمح لنا بالتأكيد أن تعلن ان عمر المهدي علیه السلام بعد الغيبة وفي عصر الظهور طويل لما ثبت بالنصوص التامة أنه يقيم العدل في العالم ويحكم بالقسط ، ويقود دولة الله في الأرض ويأمن الناس في عهده علیه السلام وتتم الحجة ، وان أمره يدوم إلى ما شاء الله . والأكيد أن عهد المهدي علیه السلام بعد ظهوره الكريم يطول . هذا ما تشبه النصوص . ولا بد من التذكير بأن طوائف النصوص الواردة عن لسان أهل البيت والتامة من حيث السند تجدها نظيفة جدا وشديدة التوازن فلا تشير إلى مدة الغيبة ، كما تؤكد أن عمر المهدي علیه السلام مديد بعد الظهور . بل تؤكد أن سنة الحساب الزمني بالنسبة إليه مختلفة عما في أيدينا الآن .

بعض النصوص الضعيفة قالت يعيش : سبعا ، و تسعا ، وعشرا ، وعشرين ، وأربعين .. وغير ذلك .

لكن الصحيح من جملة النصوص أن المهدي علیه السلام يعيش عمرا مديدا في دولته الإلهية . وأنه يعيش ما شاء الله .. وربما ورد تعبیر 7 و 9 إشارة إلى مراحل معينة ، فإن كان المقصود كذلك ، فهو ممكن الجمع مع الطوائف التي تشير إلى أنه يعيش ما شاء الله . أي عمرا مديدا .. وليس صحيحا أن امرأة يهودية تقتله .

ص: 238

وتضيف بعض النصوص أنه يكون له خلف من أهل بيته ، وهناك رواية ضعيفة ومعارضة بشدة تقول بأن القحطاني يملك بعده عشرين سنة . في حين طائفة من الروايات تشير إلى أن زمن « الرجعة العظيمة » يبدأ في أواخر عمر المهدي علیه السلام ، وهناك نصوص تقول بأنه أول من يرجع إلى الدنيا هو « الإمام الحسين علیه السلام ».ما يعني أن عصر دولته الإلهية يكون - نسبيا - على مشارف الآيات العظيمة التي تشكل واحدة من العناوين الضخمة في مسار البشر نحو عالم الله الأعظم . ( شملنا الله برحمته، وعرف بيننا وبين النبيين والأولياء الوصيين ، بمحمد و آله الطيبين الطاهرين ) ..

بعض خصائص وأوصاف ما قبل الظهور

الجاهلية الثانية قبل ظهور المهدي علیه السلام ومظاهر الفتن :

تحدثنا الروايات عن جاهلية ثانية ، تضرب بلاد المسلمين والعرب ، وفتن قوة وعنيفة تضربهم ، فتنة المال والشهوات والجوع والحروب والقتل والإبادات .. وتؤكد أنه تحدث على الامة الاسلامية جاهلية أشر من الجاهلية الأولى ، معها يعود الاسلام غريبا كما بدأ . بحيث يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر . بعض النصوص عبر عن الثابت على دينه كالقابض على الشوك . لشدة ما يعاني من آثار ووطأة الجاهلية الثانية التي تتجلی بالإنحراف الهائل عن الإسلام ، والقمع الكبير لمواثيقه وللعاملين به، فضلا عن زج كافة طاقات المجتمع والسلطة لتوهين أمر الإسلام .. فلا ترى إلا ذاما لله ، منكرا عليه ، مقبلا على الدنيا ، متجاهلا أمر الآخر ، فاعلا للحرام،

ص: 239

مشتهرا بالآثام ، مفاخرا بالحطام .. حيث يأتي زمان على الناس ، لا يعرفون فيه من الإسلام إلا إسمه ، ومن القرآن إلا رسمه ، يومها يتغالب الناس في الدنيا ويسخرون من أمر الآخرة ..

وتحدث فتن عديدة في بلاد المسلمين ، منها فتنة الفروج والدينار ، وفتنة الأهواء والأباطيل ، وصولا إلى فتنة الجوع والقتل والغزو والحروب فضلا عن هجمة الأمراض .. وتتواصل هذه الفتن ، وتصك بيوت المسلمين ، حتى ظهور المهدي علیه السلام ، وتكون الفتنة الأخيرة طويلة ، وهي التي يظهر على أثرها المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ، هذه الفتنة تدخل كل بيت ، وتستحل فيها الدماء والاموال والفروج ، و كل المحارم . ويكون المناخ العام في تلك الفتن بجانب الكفر والنفاق والإنحراف والظلم والفساد والعبثية والجهل، وأصحاب الغرائز ، وعازلي الدين ، ومعطلي الشريعة ، وأهل السطوة الطغاة الناكرين الشريعة الإسلام .. وتتنقل الفتن في قلب الأرض وأطرافها ، بین شرقها وغربها ، بتفاوت بين هذه وتلك ، على أن المسلمين يعر کون فيها عرك الأديم ، ويخضون فيها خض اللبن ، حتى يذلوا كل ذلك ، إلا قلة منهم ، كأهل خراسان ، الذي يثبتون على الحق، فيعانون من ظلم الزمان ، و كفر أهله ، وقيام جوره وشره ، فيبنون قوة ترهب أعداءهم ، ويثون ثباتا مذهلا على الإسلام ، ويحمون دولتهم ، ويقيمون أمرهم على عزة في الدين وقوام في العلم ، ومنعة في الدولة ، وتعظيم لأهل الإسلام والقرآن (1) .

ص: 240


1- وفي رواية النبي صلی الله علیه و آله : « هم أصحاب الرايات السود ، المستضعفون فيعزهم الله وينزل عليهم النصر ، فلا بقاتلهم أحد إلا هزموه » ( کنز العمال 14/حدیث 39680). وفي رواية : سقى الله بلاد شعیب بالراية السوداء المهدية بنصر الله وكلمته ، حتى يبايع المهدي علیه السلام بين الركن والمقام ، ( الملاحم والفتن لإبن طاووس 137). وقال الرواية : « تخرج الرايات السود من خراسان معها قوم ضعفاء يجتمعون فيؤيدهم الله بنصر» ، ( الفتن لاين حماد 189). وقال أيضا : « يؤيد الله بهم الدين ، ( مستدرك الصحيحين 548/4 ). وفي رواية : « يبعث الله راية سوداء من المشرق ، من نصرها نصره الله ، ومن خذلها خذله الله ، حتى يأتوا رجلا اسمه كإسمي ، فيولونه أمرهم، فيؤيده الله بنصره ، ( عقد الدرر 130 ) ، وقال : «راية تجين من المشرق ، من يهزها يهز ، ومن شاقها يشق » ( دلائل الإمامة 235 ) . وفي حديث آخر : « فلا يلقاهم أحة إلا هزموه وغلبوا على ما في أيديهم ، حتى تقرب رايانهم بيت المقدس » ( ابراز الوهم المكنون 101). وفي نص آخر : «من نصرها نصره الله ، ومن خذلها خذله الله ، حتى يأتوا رجلا إسمه كإسمي ، فيولونه أمرهم ، فيؤيده الله بنصره » ( عقد الدرر 130).

وتؤكد النصوص هدير الفتن وتنقلها ، وأنه كلما أطفؤوا نار فتنة اشتعلت أخرى، ولا يهدأ منها جانب إلا جاش جانب آخر، حتى يظهر المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف.. وتكون في آخر الزمان أمور كريهة شديدة وعظيمة ، ففي غيبته علیه السلام تضل الامم عن أديانها ، وعبد الوثن ، ويعظم الفرج ، وتكثر الأباطيل ، وتزهو الأوثان ، ويعصي الله جهرة ، في ظل سطوة لباطل ، ومجد الحرام ، وحكم لجبابرة ، وفساد وزنا وآثام تقوده أجساد النساء وأسواق الرجال ، حتی يوردوا الناس في المهالك ، ويسقطونها

في كل مسقط ..

اختلاف الناس في سنة ظهوره وغزو الجيوش لبلاد المسلمين

تؤكد النصوص أنه في سنة ظهوره عجل الله تعالی فرجه شریف يزداد اختلاف الناس بعد شهر رمضان ، وتظهر حاجة شديدة في الجوع ، والخوف والفزع، وصولا إلى قيام الفتن والحروب في أكثر من منطقة ، منها المذبحة التي ترتكب في منی من موسم الحج(1). وتغزو بعض الدول الكبيرة ( الروم والترك ) بلاد

ص: 241


1- وفي الرواية عن النبي : « تكون آية في شهر رمضان ، ثم تظهر عصابة في شوال ، ثم تكون معمعة في ذي القعدة ، ثم يسلب الحاج في ذي الحجة ، ثمتنتهك المحارم في المحرم ، ثم يكون صوت في صفر ، ثم تنازع القبائل في شهري ربيع ثم العجب كل العجب بين جمادی ورجب ، ثم ناقة مقتبة خير من دسكرة تغل مائة ألف ، وعن ابن مسعود قال - ولم بسنده إلى النبي صلی الله علیه و آله - «تكون علامة في صفر ويبتدأ نجم له ذناب ». وعن مكحول قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «في السماء آية لليلتين خلت أو تبقيان في شوال المهمهة وفي ذي القعدة المعمعة وفي ذي الحجة التزايل وفي المحرم وما المحرم ». وفي نص آخر قال عبد الوهاب بن بخت : بلغني أن رسول الله صلی الله علیه و آله قال « في رمضان آية في السماء كومود ساطع ، وفي شوال البلاء ، وفي ذي القعدة الفناء ، وفي ذي الحجة ينتهب الحاج ، والمحرم وما المحرم». وعن سعيد بن المسيب قال : « يأتي على المسلمین زمان يكون فيه صوت في رمضان وفي شوال تكون مهمهة وفي ذي القعدة تنحاز فيها القبائل إلى قبائلها ، وذو الحجة ينتهب فيه الحاج والمحرم وما المحرم»، وعن شهر بن حوشب قال : بلغني أن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : « يكون في رمضان صوت و في شوال مهمهة ، وفي ذي القعدة تحارب القبائل وفي ذي الحجة ينتهب الحاج وفي المحرم ينادي مناد من السماء ألا إن صفوة الله من خلقه فلانا ( المهدي ) ، فاسمعوا له وأطيعوا». وعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده ، عن النبي صلی الله علیه و آله قال « يكون صوت في رمضان ، ومعمعة في شوال ، وفي ذي القعدة تحارب القبائل ، وعامئذ ينتهب الحاج ، وتكون ملحمة عظيمة بمنى تكثر فيها القتلى وتسيل فيها الدماء ، وهم على عقبة الجمرة»، وعن ابن مسعود عن النبي صلی الله علیه و آله قال : إذا كانت صيحة في رمضان ، فإنه يكون معمعة في شوال ، وتمييز القبائل في ذي القعدة ، وتسفك الدماء في ذي الحجة ، والمحرم وما المحرم، يقولها ثلاثا ، هيهات هيهات ، يقتل الناس فيها هرجا مرجا، قال قلنا : وما الصيحة يا رسول الله ؟ قال : هدة في النصف من رمضان ليلة الجمعة ، فتكون هدة توقظ النائم ، وتقعد القائم ، وتخرج العواتق من خدورهن ، في ليلة جمعة في سنة كثيرة الزلازل ، فإذا صليتم الفجر من يوم الجمعة ، فادخلوا بيوتكم وأغلقوا أبوابكم وسدوا كواكم ودثروا أنفسكم وسدوا آذانكم ، فإذا أحسسئم بالصيحة فخروا لله سجدا وقولوا : سبحان القدوس سبحان القدوس ربنا القدوس ، فإنه من فعل ذلك نجا من لم يفعل ذلك هلك » [ ابن حماد : ص 59 وما بعدها ] وفي البدء والتاريخ : ج 2 ص 172 عن النبي صلی الله علیه و آله قال : يكون هدة في رمضان ، توقظ النائم وتفزع اليقظان » ، هذا في رواية قتادة ، وفي رواية الأوزاعي : « يكون صوت في رمضان في نصف من الشهر ، يصعق فيه سبعون ألفا ، ويعمي فيه سبعون ألفا ويصم سبعون ألفا ويخرس سبعون ألفا ويتفلت له سبعون ألف بكرة قال : ثم يتبعه صوت آخر فالاول صوت جبرئیل علیه السلام ، والثاني صوت إبليس عليه اللعنة ». قال : الصوت في رمضان والمعمعة في شوال وتميز القبائل في ذي القعدة ، ويغار على الحاج في ذي الحجة ، والمحرم أوله بلاء وآخره فرج . قالوا: يا رسول الله ، من يسلم منه ؟ قال : من يلزم بيته ويتعوذ بالسجود ». الطبراني ، الأوسط : ج 1 ص 313 د 516 عن النبي صلی الله علیه و آله ... في شهر رمضان الصوت ، وفي ذي القعدة تميز القبائل ، وفي ذي الحجة بسبب الحاج ». الحاكم : ج 4 ص 517 ... «تكون هدة . توقظ النائم وتفزع اليقظان ، ثم تظهر . ثم معمعة في ذي الحجة ، ثم تنتهك . ثم يكون موت في صفر ، ثم تتنازع القبائل في الربيع ». أمالي الشجري : ج 2 ص 15 عن عبد الله بن مسعود : « .. تكون صيحة في رمضان ، وتكون معمعةفي شوال ، وتميز القبائل في ذي القعدة ، و تسفك الدماء في ذي الحجة ، وخروج أهل المغرب في المحرم . يقولها ثلاثا ». غقد الدرر : ص 101 ب 4 ف 3 كما في الداني . وفي : ص 105 عن شهر بن حوشب قال « كان يقال : في شهر رمضان صوت ، وفي شوال همهمة ، وفي ذي القعدة تميز القبائل ، وفي ذي الحجة تسفك الدماء ، وينهب الحاج في المحرم. قيل له : وما الصوت ؟ قال : « هاد من السماء يوقظ النائم ، ويفزع اليقظان ، ويخرج الفتاة من خدرها ويسمع الناس كلهم ، فلا يجيئ رجل من أفق من الآفاق إلا حدث أنه سمعه » . وفي : ص 140 ب67 عن فتن السليلي عن عنبسة بن سعيد ، عن سمير فال يظهر في رمضان صوت ، وفي شوال همهمة ، أو مهمهة، وفي ذي القعدة تحارب القبائل ، ولي ذي الحجة يسلب الحاج ، وفي المحرم لو أخبرتكم بما في المحرم ، قلنا له : وما بالمحرم ؟ قال : ينادي مناد من السماء إلا إن فلان ( المهدي ) خيرة الله من خلفه ، ألا فاسمعوا له وأطيعوا

ص: 242

المسلمين ، لثروات تطمع فيها ، النصوص صريحة جدا في ذلك . حيث تتداعى الأمم على بلاد المسلمين ، طمعا في ثرواتهم ، فلا يملك المسلمون عصا يدافعون بها عن أنفسهم ، بعد أن قتلتهم شهوة الفرج والزنا والتعري والحرام والآثام وهجروا الإسلام ، بل هم مجرد كثرة لا قيمة لهم ولا وزن . وكما في النص « هم كثر ، لكنهم غثاء كغثاء السيل ». وتشن حملة عالمية أو دولية كبيرة على الجهاد ، حتى يصبح الجهاد تهمة، وصفة إجرامية إرهابية ، ومشكلة يعير بها المسلمون ، في ظل هجمة ثقافية هائلة على بلاد المسلمين ، والمسلمون يلهثون وراء بطونهم وفروجهم وأقاصيص موضتهم في ظل انحراف وفساد عظيم . النصوص صريحة في أن المسلمين يعطلون الجهاد ، ويصبحون أمة هزيلة ذليلة مغلوبة إلا من قلة على رأسهم أهل الشرق أصحابالرايات السود الخراسانيين .

أكثر من ذلك : تخبرنا النصوص أنه في ذلك الزمن يعطل القرآن ، ويهجر الإسلام ، ويحكم بغير ما أنزل الله ، ويشتهر الرمان بالخصيان والنسوان ، أي باللوطيين والزانيات اللواتي يبعن الفروج . ويعطل المسلمون الجهاد في آخر الزمان ، وهم مقهورون ، فلا يثأرون لأعراضهم ، أو ثرواتهم أو دينهم أو ديارهم .. بل تراهم أحياء أمواتا . وتثور الحروب ، وتغزو الجيوش بلاد المسلمين ، فلا من مجاهد ولا من ناهض بأمر الله إلا قليل ، وقليل جدا .. ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزل عیسی بن مریم علیه السلام

ص: 243

وهناك تقع حرب المهدي علیه السلام ضد الدجال ، ويكون المسيح علیه السلام وزير دفاعه في تلك المعركة. ثم تكون خرج اليأجوجيين والمأجوجيين الضخمة ، والتي تباد بدود النغف ( ربما هي حرب جرثومية أو غيرها ..!).

أيضا تخبرنا الأحاديث أن الكفار ، في آخر الزمان ، يملكون قبل ظهور المهدي علیه السلام الأنهار الخمسة : سیحون وجيحون والفراتين والنيل . ويؤتى بشيئ من المشرق ، وشيئ من المغرب يحكمون الامة وبلاد الإسلام إلا قلة منها ، ويخضعون لاستعمار أحمر ، واستعمار أبيض ، استعمار بالدم والقتل والغزو ، واستعمار بالأسواق والسلع والوكالات والثقافة والبضائع والخدمات والغرائز والشهوات وغيرها .. استعمار ينهار معه المسلمون ، وتضعف كلمتهم إلى حد الدهشة . إلى درجة أن المشركين يستخدمون المسلمين ، ويبيعونهم في الأمصار ، وتعود سوق النخاسة من جديد ، بيعة للنساء والأطفال ، لتوفير خدمات جنسية وأعمال دعارة للشرق والغرب ، فضلا عن بيعهم لأسواق الطب وأعمال السخرة والإتجار ..

ومع أن كثيرا من الشراح كانوا يستهجون أن يعاد بيع النساء والأطفال ، بل والرجال .. إلا أن عصرنا هذا يباع فيه كل عام أكثر من 5 مليون إمرأة ، أكثرهم أو فيهم غالبية كبيرة من المسلمات ، فيما يباع أكثر من 2 مليون طفل أيضا ، كل ذلك لسوق الدعارة والسخرة في الغرب والشرق . وأن الغرب الأمريكي الأوروبي يستحوذ على أكثر من 80 في المئة من هذه السلع البشرية التي يستخدم غالبها الأعظم في الدعارة دون

ص: 244

فرق بين نساء أو أطفال .! أما استعمال المشركين للمسلمين ، فهو أكب ظاهرة اليوم ، حيث المسلمون أذلة مستنزفون ، فيما المشركون الغربيون يسيطرون على زمام النظام النقدي المالي التجاري التقني الثقافي العسكري والسياسي ، ويستعمرون بلاد المسلمين بذل وقتل وعار ونهب وإذلال هائل .. ثم تخبرنا النصوص بأن الناس آنذاك بيأسون من الفرج ، ويقول القائل عن المهدي علیه السلام :« هلك ، في أي واد سلك »(1).. وتؤكد أنه يكون لليهود آنذاك دولة وجولة في آخر الزمان ، وأن القرآن حدث عن علوین لهم ثم هزيمتين ، الأولى هزيمة نكراء ، والثانية هزيمة كاملة وهائلة ..

ثم قاتل اليهود المسلمين ، إلى أن يتم الله نصرة للمسلمين في معركة تحرير بيت المقدس . النصوص تقول بأن الذي يحرر بیت المقدس في آخر الزمان هو قائد أهل المشرق الخراساني صاحب الرايات السود . ثم تقع جملة من حروب هائلة ، يشارك فيها دول إقليمية وعالمية كبيرة ، الإخراج الخراساني من القدس ، ويتواطأ الروم والترك والراية المغربية(2) ثم

ص: 245


1- وفي الرواية عن النبي صلی الله علیه و آله قال : « والذي بعثني بالحق بشيرا ليغيين القائم من ولدي بعهد معهود إليه مني ، حتى يقول أكثر الناس : ما الله في آل محمد حاجة ، ويشك آخرون في ولادته . فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه ولا يجعل للشيطان إليه سبيلا بشكه فيزيله عن ملتي ، ويخرجه من دیني ، فقد أخرج أبويكم من الجنة من قبل ، وإن الله عزوجل جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ، كمال الدين : ج 1 ص 51
2- تؤكد النصوص أن الراية المغربية المتواطئة مع الروم تقاتل بقوة هائلة في وجه الخراسانيين الإماميين الذين ينادون بالإسلام وراية أهل الإيمان ، وتصرح الأخبار بأن الراية المغربية تناصر بذلك حلفا إقليميا دوليا يقف في وجه الخراسانيين الذين يخرجون في زمن ما ، لتحرير بيت المقدس ، فتهب جيوش إقليمية دولية متحالفة من هنا وهناك لتمنعهم من ذلك فلا تستطيع ، وعلى الأثر تقع معارك هائلة جدا ، النصوص نصفها بعبارات كلها رهبة . مثلا من تلك المعارك ما يقع بين الراية المغربية والراية الخراسانية في دمشق . ففي الرواية عن الإمام علي علیه السلام قال « .. فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة ، والرايات الصفر تقبل من المغرب حتى تحل بالشام ، وعندذلك الجزع الأكبر والموت الأحمر .. فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي علیه السلام » ( عقد الدرر 53 ) . إلا أن الخراسانيين يبطشون بشكل يذهل الفوی ، النصوص تؤكد أنهم يملكون قوة فاتحة ، تقارع تلك القوى بعظمة مثيرة حتى تفتح بیت المقدس . فقد ورد في النص الذي يصف تلك الحال بقوله : « فلا يلقاهم أحد إلا هزموه ، وغلبواعلى ما في أيديهم ، حتى تقرب رايائهم من بيت المقدس ». وفي رواية : « فلا يردها شيئ حتى تنصب بإيلياء ،، وفي لفظ ثالث: «لو قاتل الجبال لهدها واتخذ منها طرقا حتى بنزل پایلیاء ». ومع أن الراية المغربية ، وجملة من القوى الإقليمية والدولية تظل تقاتل الخراسانيين في فلسطين إلا أنهم يثبتون ، حتى يتطور الأمر مع هجوم الترك على أراضي خراسان .

السفياني وجملة أخرى من القوى ، وتهاجم الترك أراضي خراسان فجأة وتحتل قسما من أراضيها ، مستغلة وجود معظم جیش الخراسانيين في الخارج ، فيخرج الخراسانيون من القدس ليدافعوا عن أرضهم فيخوضوا أعنف المعارك في وجه الترك التي تنهزم على أثر المعارك فتخرج من الأراضي الخراسانية ، ويبدو أن قسما منها يتجه نحو ثروة قرقيسيا في العراق ..

ثم تكون الجولة الأخرى على اليهود من المهدي علیه السلام وعلى يديه ، فيندثرون فلا يبقى لهم مركز قوة . وتتزايد أهم بيت المقدس وأرضه . ثم يعودون فيخرجون مع الدجال ، فيمزقهم المهدي علیه السلام تمزيقا ، حتى يقال : یا مسلم ، هذا يهودي فاقتله .

على أن الأرض قبل ظهور المهدي علیه السلام تمت ظلما وفسادا ، وتضرب قوة الطواغيت وفسادهم وثقافتهم الإنحرافية وأخلاقهم الغرائزية في كل ناحية وصوب ، حتى تمتلأ الأرض فسادا واضطهادا وانحرافا وباطلا إلا في جنبات قليلة و كور صغيرة ، قياسا على أهل الأرض و كياناتهم.

ص: 246

الموطؤون للمهدي علیه السلام سلطانه :

تؤكد النصوص بدقة أنه قبل ظهور المهدي علیه السلام يخرج أصحاب الرايات السود من المشرق ، وهم الخراسانيون الإمامون الذين يوطؤون للمهدي سلطانه . ويمهدون له، ويدفعون رایتهم إليه ثم يمضون يقاتلون بين يديه أبد الدهر.

تحرك الروم والترك وإثارة الحروب والطمع بالثروات :

على مقربة من الظهور الشريف ، تتحرك الترك ، فينسابون إلى بلاد المسلمين ، ويبدو أن الترك هم من جملة دول الإتحاد السوفياتي السابق . وتشير الأخبار إلى إعلانهم حربا مفاجئة على الخراسانيين بعد أن يحرر الخراساني بيت المقدس ، ثم يتم تحالف بين الروم والترك واليهود والراية المغربية ، وفيما بعد السفياني ، لإخراج الخراسانيين في فلسطين ، ثم يهاجم الترك الأراضي الخراسانية فتزحف جيوش خراسان للدفاع عن أرضها ، ثم ينساب الترك على العراق طمعا بثروة قرقيسيا، وهناك تنفرط الأحلاف ، فتتقاتل الروم والترك والسفياني ك ضد بعضهم البعض ، في ظل خلاف هائل وحروب ضارية على ثروة قرقيسيا ، وفي النهاية لا ينال هذه الثروة أحد، إلا الخراساني الذي لا يشارك في تلك الحرب . حيث يخوض معركة جبارة في وجه العباسي والسفياني إلى أن يفتح العراق ويحوز هذا المال لصالح جبهة المهدي علیه السلام دون أن يكون المال سبب هذه الحرب ..

ص: 247

واللافت أنه في أول خطوط الحرب التي تسبق ظهور المهدي علیه السلام ينساب الترك على بلاد المسلمين ، ويختلف الروم والترك ، ويخرج أهل المغرب إلى مصر، وهناك مضمون رواية تقول بأنه ينساب أهل الغرب إلى مصر ودمشق ، على أن النصوص صريحة في أن الروم تخوض معركة هائلة هي أول الملاحم في الاسكندرية ضد نجباء مصر الإماميين دعما لحاكم مصر المعزول الذي كان يحمي مصالح الروم وينهب ثروات مصر لصالح الروم الكفرة المستبداین .

النصوص تقول بأن أول الملاحم هي دخول الروم الاسكندرية ، ثم تختلف الروم والترك ، وينزل الترك الجزيرة والفرات والحيرة ، وينزل الروم فلسطين ودمشق . وتكثر الحروب في الأرض ، وينال المسلمين منها أمرها وأصعبها ، ويداسون بذل مهين وقتل مرير .. على أن فتنة بلاد الشام تدوم حتى يظهر المهدي علیه السلام ، ولا ندري حقيقة هذه الفتنة ، لكنها فتنة صعبة ، ودموية وهائلة .. بعضهم كان يرى أنه ممكن أن تكون عبارة عن فتنة اقامة دولة لليهود وامتداداتها مثل شر الروم الغربيين وطغيانهم وفسادهم . والله أعلم بحقائق الحال ) ..

بعض الثورات قبل ظهوره :

الثورات كثيرة ، لكن المهم منها جملة من الرايات المتصلة بالظهور ، منها : خروج الأصهب في بلاد الجزيرة ، والجرهمي في الشام ، . والقحطاني من اليمن ، ثم السفياني في الشام . بالإضافة إلى أحداث جسام هنا وهناك . وفراغ سياسي أو ضعف وهشاشة وصراع قبائل في الحجاز ،

ص: 248

وموت حاكم العراق القوي وخلاف عسكري على الملك من بعده ، وظهور ثروة جوفية ينكشف عنها الفرات يتقاتل عليها أهل الشرق وأهل الغرب ، عند قرقیسیا ، قرب دير الزور السورية ، أو في المثلث التركي السوري العراقي ، حيث تدور حول هذا الكنز الكبير رحى المعارك الإقليمية أولا ثم الدولية ، ولا تنتهي بسيطرة أحد ، إلى أن يحوزه الخراساني الذي لا يشترك بتلك المعارك ، وذلك لصالح جبهة المهدي علیه السلام بعد جولات مختلفة من الحروب حول القسط والعدل وليس حول الثروة والمال .

اختلاف وزلازل سنة الظهور :

تؤكد النصوص أنه في سنة الظهور الشريف يكثر الاختلاف بین الناس ، كما تكثر الزلازل . على أن الحروب والفتن الدموية وتجييش الجيوش الدولية والإقليمية خاصة لأهداف تتعلق بالعراق وسوريا ، والمنطقة الشرق أوسطية ، تعتبر من خصائص سنة الظهور العظيم (1)..

ص: 249


1- تقول الروايات : « .. غلبة الترك على خراسان ، والروم على الشام ، ( الإرشاد 348/2 ) . وفي رواية ثانية : « نزول الترك الجزيرة ، ونزول الروم الرملة واختلاف كثير عند ذلك في كل الأرض ، ( الإرشاد 348/2 ) . وفي رواية أخرى : « إذا خالف الترك الروم، وكثر الحرب في الأرض ، ( الغيبة للطوسي 268). وفي رواية : « إذا ظهر الترك بالجزيرة وأذربيجان ، والروم بالعمق من أطرافها .. » ( الفتن لابن حماد 129)، وفي رواية : « إذا رأيت الفتنة في بلاد الشام فالموت الموت ، حتى يتحرك بنو الأصفر فيسيرون إلى بلاد العرب فتكون بينهم الوقائع ، ( الملاحم والفتن لابن طاووس 107). وفي رواية : دستقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة ، وستقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة ، فتلك السنة .. فيها اختلاف كثير في كل الأرض ، ( الغيبة للنعماني 279 / الغيبة للطوسي 107). و كلها صريحة في دخول الروم إلى بلاد الشام ودخول الترك إلى منطقة الجزيرة وخوض معركة قرقیسیا .

بعض حکام الأمة قبل ظهوره علیه السلام:

النصوص في هذا المجال مثيرة ، فهي تركز على أوصاف غير حسنة يتصف بها جملة من حكام المسلمين في آخر الزمن ، تشير إلى ضعفهم وهشاشة أمرهم ، وعزلهم لقوانين الشريعة ، واستبدالهم قوانين الإسلام بغيرها ، بعض الأحاديث تؤكد افتراق السلطان عن القرآن ، والبعض الآخر يصفهم بالحكام الجبابرة أو الائمة المضون ، مشيرة أنهم سيحكمون الأمة قبل ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف، ويكون بينهم خلافات وفتن ، وحق وقطايع ، وانحرافات و تبعات ، ونکایات وضعف وهشاشة وما إليه ، وأن الأمر يصل بهم إلى عزل القرآن عن حياة الأمة والدولة ، واستبدال قوانين الشريعة بغيرها ، والإستهداء بأئمة أهل الباطل ، وأنهم أئمة ممضون ، وما إلى ذلك من الأوصاف التي تشير إلى افتراق عقيدة الدولة الحقوقية والأخلاقية والثقافية والإجتماعية والاقتصادية والسياسية عن مواثيق الإسلام ، بدعم ومباشرة من الحكام المتسلطين على الدولة ومراكزها و مؤسساتها . ثم تلفت النصوص إلى أثرهم النافذ في قيادة الجماعة السياسية آنذاك على نحو مثير من انحرافات أخلاقية وثقافية واجتماعية واقتصادية وغيرها، تتعارض ومواثيق الإسلام . حدثنا نصوص آخر الزمان عن حکام فجرة ، ووزراء خونة ، وفقهاء فسقة ، وأعوان ظلمة ، وأنة ضعيفة هشة ، تنعق مع كل ناعق ، وتميل مع كل ريح ، لم تستوثق بركن العلم والدین .

ص: 250

تخبرنا النصوص عن حکام وأمة ضعيفة أمام فرجها وبطنها و کرسیها ، همها في شهوتها ونزوتها ، أمة فسدت بنائها فتعت ، وفسق شبانها فانحرفوا ،أمة أو بعض هذه الأمة يعرف في العالم بثرواته فتتداعی عليها الأكلة الجبابرة ، فلا تملك عصا تدافع بها عن نفسها ، أمة يفاخر حاكمها بافتراقه عن القرآن وعزل الإسلام ، فتبعه على خطاه ، فيعود الداين غريبة كما بدأ ، ويبدو المؤمن كالقابض على الجمر .

ثم تؤكد خطورة انحراف الحاكم في آخر الزمن ، مشيرة أنه أخطر على الأمة من الفقر ، والاعداء الخارجيين ، لما يتبنى ويقود من انحراف فيضل به أمته وناسه . بعض المتون تؤكد أنهم أخطر من الدجال وفتنته، وتصفهم بأنهم سبب انحطاط الأمة وضعفها وخواءها وذلها الذي تقع فيه . في حين طائفة أخرى تشير إلى أن هؤلاء الخام الخونة ، هم عقوبة لهذه الأمة على معاصيها ، أي كما تكونوا يولى عليكم ، فهم جماعة مات فيهم الحق، واعتر الباطل ، وعصي الله في نواديهم وهم فرحون .. وأن المسلمين يصلون إلى هذه الحال الذليلة الإنحرافية إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحينها وقف بعض المسلمين مندهشا وهو يقول : أيكون ذلك یا رسول الله ! فقال صلی الله علیه و آله : كيف بكم إذا تركتم المعروف وفعلتم المنکر، فقال : أيكون ذلك يا رسول الله ، فقال صلی الله علیه و آله : كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا ، فقال القائل : لا أبقاني الله لذلك اليوم،

ص: 251

فقال صلی الله علیه و آله: إذا كان ذلك كذلك ، سلط الله عليكم شرار قومكم ، فيدعو خیار قومكم فلا يستجاب لهم.

أي إذا فسدت الأمة ، وعزلت الإسلام ، عندها تتغير معايير الحلال والحرام ، ومعها يتسلط على السلطة والدولة والمجتمع ما هو منهم ، أي من الفسقة المنحرفين ، الذين يحللون الحرام ، ويحرمون الحلال ، ولا يلتفتون إلى الشريعة ومواثيق القرآن ، فعندها يدب الفساد ، وتكثر الفتن ، وتصبح الشهوه ربا ، والمال عزا، والحرام فخرا ، والزنا جهرا، والربا مهرا ، حتى يقل الحلال ، ويكثر الحرام ، ويشيع الفساد ، وينتشر الظلم ، فلا تجد إلا ذاما الله تعالی ..

وتؤكد أن هؤلاء الحكام الضالين يكونون بعد مرحلة النبوة والملك العضوض ، ومنهم من يسفك دماء عترة النبي صلی الله علیه و آله ويبالغ في قتلهم و تشريدهم وحبسهم والتنكيل بهم ، ويفسد في الأرض ، ويفاخر في الآثام والحرام ، ويكابر في الخروج على أمر الله ونهيه . لذا يوصي النبي صلی الله علیه و آله الأمة بقانون قاطع : إذا افترق السلطان عن القرآن فالزموا القرآن .

صفة الحكام المضلين

تتحدث النصوص عن صفة هؤلاء الحكام المضلين ، فتشير إلى أنه الصفة الرئيسية لهم أنهم يعزلون الإسلام ، ويمنعون حكومة القرآن من التحقق ، ويحولون السلطة إلى أداة مبتدعة وفق لوائح ومراسيم خاصة تتصل بغايات مادية لا قيمة للروح فيها أو معاني الوجود أو مفاخر السماء .

ص: 252

ومع أنهم مسلمون ، إلا أنهم يمنعون حكومة القرآن من التحقق، ويستبدلون المواثيق الأخلاقية والإجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها مما نص عليها الإسلام ، بغيرها من الحقوقيات والأخلاقيات الإنحرافية التي

تشرع الربا والزنا ، والحكرة، وتتسامح مع اللواط والسحاق ، وأكبر همها الترفيه على قاعدة : الرقص والطبل والتعري والشهوات ونقل خصوصیات الذكور والإناث للجمهور والعيان وفق أمناط مختلفة ، فضلا عن تحویل نظر الجماعة نحو الدنيا ونسيان الآخر، والتعامي عن حقائق الوجود وشروط الحياة وضرورات الإستخلاف الإلهي على الأرض . النصوص تصف هؤلاء الحكام المنحرفين بأنهم السفهاء الظلمة الكذابون ، وأنهم خبثاء وشرار الامة.

لتؤكد أنهم لا يعرفون العدل ، ولا الإستقامة الضرورية في السلطة وقيادة الجماعة وشؤون المجتمع والأفراد ، وأنهم يسومون المسلمین سوء العذاب ، ويشتهرون بالقوة على ناسهم ورعيتهم دون وجه حق، وبالخروج على الحقوق،

كما يمتازون بالزعامة والخصوصيات الخارقة للقيم الشرعية ومعاييرها . وأن فيهم الأمراء الكذبة ، والوزراء الفكرة ، والأمناء الخونة ، وأنهم يكثرون من الحرس والحجاب ، ويمنعون الحقوق ، ويحتكرون الأموال ، ويظلمون الناس ، ويعصون الله جهرة ، ويبالغون في الآثام . وأن من ميزة هؤلاء الحكام ، إقبالهم على النساء والشهوة والغرائز بغير ما أحل الله، وأنهم يحكمون في أمور الناس الجواري ( العاشقات والمغنيات

ص: 253

والراقصات والسافرات ) ، والصبيان ، أي من ليس بأهل لإدارة الحياة السياسة للجماعة المسلمة وحفظ حقوقها وتأمين مصالحها ، وضمان مسیرها الدنيوي والأخروي . لتصفهم النصوص بأن وجوههم وجوه الآدميين ، في حين قلوبهم قلوب الشياطين ، قد هجروا الدين ، وعزلوا الإسلام ، و کرسوا ما يخالفه ، وسوقوا ما يعانده ، واشتهروا بالأباطيل . أعمالهم خليطة مما يعرف المسلمون وما ينكرون ، يشتهرون بالوعود الكاذبة والمشاريع الحاقدة ، والنفاق في القول والعمل، والسياسات الفاسدة والمقاصد الضالة ، والكذب في القول ، والإنحراف في العمل ، والكثرة في القول والقلة في الفعل ، بعض النصوص تصفهم بأنهم يقولون ما لا يفعلون ، ثم توصي بأن أدني ما يجب تجاههم هو جهادهم بالقلب ، فهم سفلة ظلمة ، يسطون على مال الأمة وطاقاتها، وسلطانها وثرواتها، فيفسدون ، ويسفكون دماء المسلمين ، وينهبون أموالهم ويخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمة الطغيان .

أعمال الخام المنحرفين مع الأمة :

كثيرا ما تصفهم النصوص بأنهم مفسدون ، ظالمون ، مغيرون ، مستبدون ، لا يراعون حقوق المسلمين ولا دماءهم . بعض المتون تقول بأنهم يفسدون في الأرض وفي الأمة ، ويسطون على أموال المسلمین بغیر حق، يمنعون الناس حقوقهم ، يغيرون الأحكام ، يهجرون القرآن، يسلبونهم حريتهم الشرعية فيستعبدونهم ، همهم في السيف والسلطة والمال والثروة ، رغمون المسلمين على أن يحسنوا قبيحهم ويهتفوا به ،ويصدقوا

ص: 254

كذبهم ، ويمدحوا منكرهم ويفاخروا بفسادهم ، فهم من أهل المنكر ، جبابرة ظلمة ، يجبرون الناس على إطاعتهم في الباطل ، والتزام الحرام ، في السياسة والإجتماع والأخلاقيات والثقافات وغيرها . ثم تؤكد أنهم يعزلون القرآن، ويهجرون الإسلام ، ويقضون بين المسلمين بالباطل وقوانین الطاغوت الذي أمروا أن يكفروا به ، ويشيعون في دولتهم الحرام ، يحكمون لأنفسهم بما لا يحكمون فيه للمسلمين ، فهم أئمة أهل الباطل الذي يدعون إليه في السياسة والإجتماع والإقتصاد والأخلاق وغيرها ، وبه يشتهرون .

أكثر من ذلك :

فإنهم يجبرون الناس بقوة السلطة على طاعتهم في الحرام ، فمن أطاعهم فتتوه عن دينه ، وأخرجوهم عن ملته ، ومن عصاهم عاقبوه ، ونکلوا به ، وبعض الأحيان قتلوه ، قد غيروا وبدلوا وعزلوا وانحرفوا ، استبدلوا دينهم ببضاعة بخس من شهوة الروم وجماعة أهل الحرام والآثام ، همهم في بطونهم وفروجهم وعروشهم وحقيبة أموالهم .. يعرفون بكثرة المدح فيهم ، يحبون من يمدهم ، ويعاقبون من يذهم، يشترون دین الناس بقليل بخس من متاع الدنيا فيخسر المرء دينه بسبب ولائهم على الباطل ، فيمسي مؤمنا ويصبح فاسقا . فما أسرع الميل من الآخرة نحو الدنيا ، ومن الإيمان نحو الفسق والحرام ، بعض النصوص تقول بأن المرء مسي مؤمنا ويصبح كافرا ، لكثرة ما في تلك المجتمعات من حرام في شهوة أو مال أو سوق أو ربا أو رشوة أو غش أو سحت أو سياسة أو اجتماع أو ثقافة عصي الله فيها لكنها ميزة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو جمالية في تلك

ص: 255

المجتمعات ، وبها يفاخرون .! إذا الإنسان في آخر الزمان بين أن يطيع السلطان في هجر الدین و تعظيم الطاغوت والفساد ، أو أن يتبرأ من ذلك ، فيميل عن الفسق أو الكفر إلى الإيمان ، وأنه من يتراجع عن ولاءه لهؤلاء الفكرة الضالين يصبح مؤمنا .. ثم تؤكد أن هؤلاء الحكام الضالين يجاهرون بالحرام ، وبه يفاخرون ، يعزلون الإسلام وهم مسرورون . يغرون الناس بما يعطونهم كما يغري الدجال أتباعه آخر الزمان ، في حين لا يعطون أحدا شيئا في باطل ، إلا كان رشوة على دينه ، وإخراجا له عن مته ، ومیلا به عن طريق الجنة نحو النار .

وتصل الحال ببعضهم إلى إعلان حربه على الدين وأهله ، فيبرأ من الإسلام بألف شکل وشكل ، ويدعو إلى استئصاله من حياة الأمة والدولة ، وأنهم يفجرون فجرة عظيمة ، ويعبدون الجاهلية القديمة . بعض النصوص تقول : من يجاهدهم فله مثل أجر أول الأمة . كل ذلك بسبب ما يدخل على الإسلام من فجورهم وجبروتهم وطغيانهم وسفكهم للدماء ، وإشاعتهم للباطل والحرام ، وتأكيدهم على الغرائز والآثام . بعض الأحاديث تؤكد أن فتتهم تعم البلاد قبل ظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف، حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من ظلمهم وانحرافهم . وأنه يشتد ساعدهم في الفساد والإفساد ومعاداة دین الله وشرعه ، ويؤكدون على ذلك بنار سلطتهم وسيف طغيانهم وسجنوهم وشتى أدوات العقاب لديهم . حتى ينادي مناد من السماء بظهور المهدي عجل الله تعالی فرجه شریف ونهاية حكم الجبارين والمنافقين وأشياعهم.

ص: 256

تحريفهم الاسلام ومخالفتهم أحكامه :

اشارة

تخبرنا النصوص أن هؤلاء الحكام الفكرة لا يكفيهم أنهم يعصون الله ، ويخرجون على قوانين الشريعة ، ويعزلون القرآن ، ويمنعون البيئة من العمل ، فيحللون الحرام ، ويحرمون الحلال ، ويصفون المعروف بالمنكر ، والمنكر بالمعروف ، فيبدلون سنة الله ، ويقلبون المعايير ، فما يرونه الحق هو كذلك وإن خالف كتاب الله وسنة نبيه الأعظم صلی الله علیه و آله ، ويعتمدون على سلطتهم لتطبيق سياساتهم الباطلة ، وانحرافاتهم الجائرة . بعض النصوص تصفهم فتقول : ينقضون عرى الاسلام عروة عروة ، ويعيشون في ضلال كضلال اليهود ، يستحلون الفروج والخمور والحرير، ولا يبقون حرمة الله تعالی الا استحوها . ويتشبهون بأعداء الله ، فهم في الحرام معروفون ، وفي الحلال مفقودون ، يشوهون الإسلام ويؤولونه على غير محله ، ويعطلون القرآن ، ويمنعون دين الله من أن يحكم في السلطة أو القضاء أو المال والإقتصاد أو الثروة والأخلاق والإجتماع ، فهم عن دين الله صادون ، ولحرام الله فاعلون ، ينكرون المعروف ، ويعرفون المنكر . قد خابوا وخاب من تبعهم وباءوا بإثم عظيم . النصوص تقول عنهم : ليسوا بأئمة . ولا تجب طاعتهم

ص: 257

حالة الاسلام في آخر الزمان :

تشير النصوص إلى أن الإسلام يعود في آخر الزمان غریبا كغربته أول بعثة النبي صلی الله علیه و آله ، فيبدو الدین معزولا ، والفقه ممنوعا، والشرع مرفوضا ، والقرآن مهجورا . حتى أن صاحب الإيمان يكون كالقابض على الجمر ، لشدة قيم وأعراف وقوانين وسلطة ومفاهيم المجتمع والدولة التي تتحول عن الإسلام إلى الفسق والكفر ، وعن الدين إلى ضده ، وعن الشريعة إلى ما يخالفها . حتى يصبح الزنا أخلاقا ، والهب شطارة ، والتعري جمالا ، والسفاح نکاحة ، والسفور فلاحا ، ومعصية الله جهرة ، والكفر بالله فخرا ، والربا تجارة ، والشهوة إمارة ، والسفور كمالا ، والحت أمانة ، والموضة دينا ، والاهب أمينة ، ويشيع الفساد ، وتكف البلاد ، فلا ترى إلا عاصيا الله ، مكابرا عليه ، عاطفة عنقه نحو الحرام ، تاركا لأحكام القرآن ، مفاخرة بالطغيان ، ساخرامن تعاليم السماء ، مسرفة بالدماء . ترى يومئذ وجوه الناس وجوه آدميين ، لكن قلوبهم قلوب شياطين ، تغضب السماء من حرامهم ، فلا يرون الأمر جرما أو إثما .!

تخبرنا النصوص بأن قسما وفيرا من المسلمين يهجرون الدين ، ويتركون أحكامه ، ويفسرونه بالرأي ، حتى أن الزانية تزني وترى أن هذا لها حلال ، والعارية تتعرى وترى أن هذا من دينها، وأخرى تفاخر بعورتها ونزوتها ، وترى أن هذا من شريعتها واعتقادها ، عندئذ ترى الهوى دينا،

ص: 258

والحرام يقينا ، والآثام شريعة ، فيكثر السفاح ، ويزيد النياح، ويشيع الزنا، ويكثر موت الفجأة ، وتتعرى الفتيات ويخلعن الحجاب ويخرجن سافرات ، الدين الله معادیات ، فاسقات مجاهرات ، تهتز منهن السماء فلا يرين في الأمر حرجا أو عجبا . أمة أدمت قلب نبيها صلی الله علیه و آله، فعاثت في الأرض فسادا .!

النصوص تقول بأن الإسلام في آخر الزمان « ينقض عروة عروة » ، ابتداء من الحكم والحكام وسلطة الدولة ، وصولا إلى الجماعة والإجتماع والسوق والأخلاق ، وانتهاء بالصلاة.

وتشير إلى أن الصلاة يبقى لها حظ وظهور ، لكنها جوفاء ، إلى أن عدم . الوجوه وجه آدميين والقلوب قلوب شياطين ، يتوسلون بما بقي من دين لأمر الدنيا ، لا يأخذون من الدين إلا ما يقربهم من الدنيا ، ثم تؤكد أن آخر ما ينقض من هذا الدين هو الصلاة ، فترك ، ولا يبقى من الإسلام إلا إسمه ، ومن القرآن إلا رسمه . والناس في مخاض هائل من الباطل والحرام والغرائز والآثام .. .

وهكذا : يعود الاسلام غريبا كما بدأ ، حتى لا يقال : الله . حيث تنفي الشريعة من حياة الدولة والمجتمع والناس ، فيغيض الدين ويفيض الكفر ،ويعلو الفسق ، ويتعاظم الفجور، ويتسلط الإنحراف ، ويحكم الباطل ، بما لا عين رأت ولا أذن سمعت . ويذل الإسلام على يد الحکام الجبابرة ، والطغاة الأباطرة ، والفسقة الفكرة ، والجواري العاهرات ، والنساء السافرات ، والعاريات المبتذلات ، والزانيات المتاجرات بفروجهن

ص: 259

والخالعات المفاخرات بعريهن ، وذكور يعروفون بالحرام ، وعصبة الآثام، وفعل الزنا ، وحب الأنا ، وشرب الخمور ، و كفر الظهور ، وترك الإسلام، وهجر القرآن ، والتشبه بأهل الحرام ، ومصاحبة أهل الآثام من اليهود وغيرهم .. وهكذا ، يضحي الإسلام خفية ، غريبا كما بدأ .. إلا من قلة قليلة ، على رأسهم دولة خراسان التي توطى للمهدي سلطانه ..

حالة القرآن في آخر الزمان :

تخبرنا نصوص آخر الزمان عن تعطيل القرآن وهجره ، عن منع مواثيقه من قلوب الناس وفعلهم ، حتى أنه يحتج إلى الله تعالى يوم القيامة الشدة عزله و ترکه . وتؤكد النصوص أن السلطان يفترق عن القرآن ، حتی لا يبقى من القرآن إلا رسمه . وأنه يتلى بقلوب منكرة ، ووجوه عابثة ، ويرفع أحيانا في نوادي أهل الدنيا للدنيا . إلأ من قلة يتمسكون بالإسلام، ويبذلون في سبيل ذلك كل طاقاتهم ، فيثبتون رغم جور الزمان ، و كفر السلطان ، ونكران الدنيا ، وزعامة الشيطان .. .

حالة السنة النبوية الشريفة في آخر الزمان :

كما يصاب القرآن الكريم بالتعطيل والعزل، فإن السنة النبوية أيضا تتعطل وتعزل عن حياة الجماعة والدولة وشؤون الأفراد والإعتقاد ، فتصير البدعة سنة ، والسنة بدعة ، ويحلل الحرام ، ويحرم الحلال ، فلا يعرف من الإسلام إلا إسمه ، ومن القرآن إلا رسمه . وتزخرف المساجد والمنابر

ص: 260

والمنائر ، ويكثر التأويل الحرام والمبتدعة ، ويقل الدين وأهله ، ويكثر النفاق والكفر وأهله ، ويتعاظم أمر الفجرة وأهل الحرام . ويفاخر الرجل بالزنا ، وتجاهر المرأة بالعري والسفاح ، ودين الله معزول مقتول ، وحاكم المسلمين قد أنهك الدين ..

حالة علماء السوء، قبل ظهور علیه السلام:

يشيع في آخر الزمان صیت وفعل علماء السوء ، والمؤولة المبطلة ، الذين يؤولون القرآن والسنة النبوية على غير جهتها، فيحرمون الحلال ، ويحللون الحرام ، ويفعلون الأفاعيل ، ويساندون حکام الباطل ، ويدفعون نحو الزيغ المائل ، ويمدحون سلاطين البلاط الفاسد ، ويذمون الفقيه المجاهد ، ويبيعون كلام الله بثمن بخس ، طلبا للدنيا ، واحتقارا للدين . كما تخبرنا النصوص أنه في آخر الزمان يحتال على طلبا الدنيا بالدين ، ويعتمد على الحرام والآثام لنيل المصالح والمنافع ، وعلى الغرائب لتحقيق المآرب ، عبر علماء سوء فجرة يفتون بتحليل ما حرم الله من الفروج والأموال والأعمال والسلطان ، فينكرون المعروف، ويعرفون المنكر . ثم تشير إلى أنه في آخر الزمن يكون علماء منافقون ، وقراء مداهنون ، وتجار بالدين من أجل الدنيا ، يتظاهرون بالإسلام والإيمان ، ثم يفعلون الأفاعيل ، ويبيعون الأقاويل ، كلامهم تحریف و تدوير ، وفعلهم آثام وتزوير ، يتلطون وراء هيتهم وحسن ظاهرهم ، للتجارةبدين الله وخداع الناس ، سمتهم حسن، لكن لاورع لهم ، يعضون عن عمد ، وقلوبهم يملأها الحقد ، ثم يفاخرون

ص: 261

في تأويل الدين وهم يحرفونه .! في ذلك الزمن يشتهر العباد الجهال والقراء الفجار ، الذين لا اعتقاد لهم ، والمتفقهة لغير الله تعالى ، وعلماء بلاط الحرام .

فإذا كان ذلك الزمن ، قل أئمة الجماعة عن حق وعلم وفقه وورع، وغاض الحق ، و كثر الباطل ، وانتشر الفساد ، وانحرف العباد ، وقام من يفتي بغير علم ، ويفاخر بالبدعة ، ويجاهر بالتأويل الكاذب ، ونهض من يشتري الدنيا بالد