الإمام علي عليه السلام في فكر معتزلة بغداد

اشارة

رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق العراقية 1355 لسنة 2016

مصدر الفهرسة:

IQ-KaPLI ara IQ-KaPLI rda

رقم تصنيف: LC

BP37.3-N3 2017

المؤلف الشخصي: النصر الله، جواد کاظم.

العنوان: الإمام علی (علیه السلام) فی فکر معتزلة بغداد.

بيان المسؤولية: تأليف الأستاذ الدكتور جواد کاظم النصر الله، تقديم السيد نبيل

الحسني الكربلائي.

بيانات الطبع: الطبعة الاولى.

بيانات النشر: كربلاء: العتبة الحسينية المقدسة - مؤسسة علوم نهج البلاغة.

1438 ه = 2017 م.

الوصف المادي: 744 صفحة.

سلسلة النشر: سلسلة الکتب العلمیة - وحدة علم الکلام والفرق الإسلامیة؛ 10 - مؤسسة علوم نهج البلاغة.

تبصرة عامة:

تبصرة ببليوجرافية: يتضمن هوامش - لائحة المصادر (الصفحات 693 - 740).

تبصرة محتویات:

موضوع شخصي: ابن أبی الحدید، عبد الحمید بن هبة الدین محمد، 586 - 656 هجریاً. شرح نهج البلاغة.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40

للهجرة - أحاديث.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40

للهجرة - فضائل.

موضوع شخصي: علي بن ابي طالب (عليه السلام)، الامام الاول، 23 قبل الهجرة - 40

للهجرة - تأثیر فی المعتزلة

مصطلح موضوعی: المعتزلة - تأثیر علی بن أبی طالب (علیه السلام).

مصطلح موضوعی: المعتزلة (علم الکلام).

مصطلح موضوعی: المعتزلة (فرقة إسلامیة) - العراق - بغداد - تاریخ - العصر العباسی.

مصطلح موضوعی: العلماء المسلمون - المعتزلة - تراجم.

مؤلف اضافي: الحسنی، نبيل قدوري حسن، 1965 م، مقدم.

مؤلف إضافی: : ابن أبی الحدید، عبد الحمید بن هبة الدیم محمد، 586 - 656 هجریاً. شرح نهج البلاغة.

عنوان إضافی: شرح نهج البلاغة.

تمت الفهرسة قبل النشر في مكتبة العتبة الحسينية

ص: 1

اشارة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

الإمام علي (عليه السلام) في فكر معتزلة بغداد

ص: 2

سلسلة الكتب العلمية

وحدة علم الكلام والفرق الإسلامية

(10)

الإمام علي (عليه السلام) في فكر معتزلة بغداد

تَألِيف

أ. د. جواد كاظم النصر الله

اصدار

مؤسسة علوم نهج البلاغة فی العتبة الحسینیة المقدسة

ص: 3

جميع الحقوق محفوظة

للعتبة الحسينية المقدسة

الطبعة الأولى

1438 ه - 2017 م

العراق: كربلاء المقدسة - شارع السدرة - مجاور مقام علي الأكبر علیه السلام

مؤسسة علوم نهج البلاغة

هاتف: 07728243600 - 07815016633

الموقع: www.inahj.org

Email: Info@ Inahj.com

تنويه:

إن الأفكار والآراء المذكورة في هذا الكتاب تعبر عن وجهة نظر كاتبها،

ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العتبة الحسينية المقدسة

ص: 4

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم «عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُون * كَلَّا سَيَعْلَمُون * ثُمَّ كَلَّ سَيَعْلَمُون»

صدق الله العلي العظيم

(سورة النبأ: 1 - 5)

ص: 5

ص: 6

الإهداء

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

«يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا»

إلهي وسيدي ومولاي منك وإليك

ص: 7

ص: 8

مقدمة المؤسسة

ص: 9

ص: 10

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤسسة

الحمد لله على ما أنعم وله الشكر بما ألهم والثناء بما قدم، من عموم نعم ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن والاها، والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين محمد وآله الطاهرين.

أما بعد:

فلم يزل كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) منهلاً للعلوم من حيث التأسيس والتبيين ولم يتقصر الأمر على علوم اللغة العربية أو العلوم الإنسانية، بل وغيرها من العلوم التي تسير بها منظومة الحياة وإن تعددت المعطيات الفكرية، إلا أن التأصيل مثلما يجري في القرآن الكريم الذي ما فرط الله فيه من شيء كما جاء في قوله تعالى: «ما فرّطنا في

ص: 11

الكتاب من شيء»(1)، كذا نجد يجري مجراه في قوله تعالى: «وكل شيء أحصيناه في إمام مبين»(2)، غاية ما في الأمر أن أهل الاختصاصات في العلوم كافة حينما يوفقون للنظر في نصوص الثقلين يجدون ما تخصصوا فيه حاضراً وشاهداً فيهما، أي في القرآن الكريم وحديث العترة النبوية (عليهم السلام) فيسارعون وقد أخذهم الشوق لإرشاد العقول إلى تلك السنن والقوانين والقواعد والمفاهيم والدلالات في القرآن الكريم والعترة النبوية.

من هنا ارتأت مؤسسة علوم نهج البلاغة أن تتناول تلك الدراسات العلمية المختصة بعلوم نهج البلاغة وبسيرة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفكره ضمن سلسلة علمية وفكرية موسومة ب(سلسة الكتب العلمية) والتي يتم عبرها طباعة هذه الكتب واصدارها ونشرها في داخل العراق وخارجه بغية إيصال هذه العلوم إلى الباحثين والدارسين واعانتهم على تبين هذا العطاء الفكري والانتهال من علوم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) والسير على هديه وتقديم رؤى علمية جديدة تسهم في إثراء المعرفة وحقولها المتعددة.

وما هذه الدراسة التي بين أيدينا إلا واحدة من تلك الدراسات التي وفق صاحبها للغوص في بحر علم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقد أذن له بالدخول إلى مدينة علم النبوة والتزود منها بغية

ص: 12


1- الأنعام: 38
2- يس: 12

بيان أثر تلك المرويات العلوية والتأصيل العلمي في ميدان علم الكلام ولتقدم لنا الدراسة صورة عن رؤية اعتزالية ألا وهي مسألة التفضيل، أي تفضيل الإمام علي (عليه السلام) بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) التي جاءت عند المعتزلة من جانبين، بكونه الأكثر ثواباً والأكثر مناقباً.

فجزى الله الباحث خير الجزاء فقد بذل جهده وعلى الله أجره.

والحمد لله رب العالمين..

السيد نبيل الحسني الكربلائي رئيس مؤسسة علوم نهج البلاغة

ص: 13

ص: 14

المقدّمة

ص: 15

ص: 16

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على من كان نبيا، وآدم بين الماء والطين، وعلى ذوي قرباه الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا، وعلى الخيرة من أصحابه المنتجبين الذين ثبتوا على الدين القويم حتى آتاهم اليقين.

شهدت الحركة الثقافية في الدولة العربية الإسلامية منذ بواكير نشأتها نشاطاً ملحوظاً في شتى صنوف المعرفة(1)، فقد كانت أمة العرب هي أمة الشعر والبلاغة منذ ما قبل الإسلام، ثم جاء الدين الإسلامي بكتابه المقدس القرآن الكريم الذي تحدى بلاغة فصحاء العرب، وما جاء عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم وهو أفصح من نطق بالضاد، لذا نجد اهتماماً كبيراً بالأدب، حيث تناثرت في مؤلفات

ص: 17


1- أنظر عبد الخضر حمادي: الحركة الفكرية في القرن الأول الهجري رسالة ماجستير، الجامعة المستنصرية، بغداد، 1984

التراث، وعلى مختلف أنواعها اللغوية والأدبية والتاريخية والكلامية والفقهية الخطب والرسائل وقصار الكلمات لبلغاء العرب سواء قبل الإسلام أو بعده.

بل لقد خصصت بعض الكتب لهذا الغرض ككتاب البيان والتبيين للجاحظ ت 255 ه، وعيون الأخبار لابن قتيبة ت 276 ه، والكامل في اللغة والأدب للمبرد ت 285 ه، والأغاني لأبي الفرج الاصفهاني ت 356 ه.

وما إن جاء القرن الرابع الهجري وهو قمة الإبداع العربي الإسلامي(1) في مختلف صنوف المعرفة، حيث انجب الكثير من فطاحل العروبة، ومنهم محمد ابن الحسين المعروف بالشريف الرضي(2) الذي نبغ بالأدب شعراً ونثراً، ففي إطار الشعر ترك لنا ديواناً لا زال مثار اهتمام الباحثين(3). أما في مجال النثر فقد

ص: 18


1- أنظر آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري
2- عن الشريف الرضي أنظر: ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 1 / 31 - 41 وسيرد بإسم الشرح. الثعالبي: يتيمة الدهر 3/ 155 - 178. الخطيب: تاريخ بغداد 2 / 246 - 247. ابن الجوزي: المنتظم 7/ 279 - 283. القفطي: أنباه الرواة 3 / 114 - 115. ابن خلكان: وفيات الأعيان 4 / 414 - 420. الصفدي: الوافي بالوفيات 2 / 374 - 376. ابن عنبة: عمدة الطالب ص 207 - 211
3- خصصت مجلة آفاق عربية، ع 7، 1985 للشريف الرضي في ذكراه الألفية فنشرت فيه المقالات التالية: شلش: من صور البطولة في شعر الشريف الرضي ص 7 - 22. الشيبي: حجازيات الشريف الرضي ص 23 - 62. الصفار: المؤثرات العامة في شعر الشريف الرضي ص 63 - 93. الجادر: الرؤى الاجتماعية والأخلاقية في شعر الشريف الرضي ص 95 - 140. مطلوب: الشريف الرضي ناقداً ص 159 - 192. غزوان: بناء القصيدة عند الشريف الرضي ص 193 - 246. الصائغ: الصورة الفنية في شعر الشريف الرضي ص 247 - ص 329 - 353. وانظر: العطية: الشريف الرضي الشاعر الأبي والاديب العبقري، مجلة ثقافة الهند ص 40 - 62

وضع سلسلة من المؤلفات التي تميزت بالطابع البلاغي.

فقد نظر في ما أثر عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم من كلام فاقتبس منه قبسات أودعها كتاباً أسماه المجازات النبوية، وقد تميز ما اقتبسه بأسلوب المجاز وهو أسلوب بلاغي.

ثم نظر في ما أثر من كلام الإمام علي علیه السلام في ما توافر لديه من كتب اللغة والأدب والتاريخ وغيرها، فانتقى منه ما كان في قمة الفصاحة فأودعها في كتاب أسماه نهج البلاغة.

هذا يعني إن ما جاء في نهج البلاغة لا يمثل إلا نزراً يسيراً مما أثر عن الإمام علي علیه السلام، ونظرة متفحصة في كتب التراث تؤكد ذلك. وقد قسم الشريف الرضي كتابه هذا على ثلاثة أقسام؛ الأول: خطب الإمام علي علیه السلام.

الثاني: رسائله.

الثالث: قصار كلماته.

وقد ترك نهج البلاغة وقعاً في النفوس، إذ تلاقفته أقلام المفكرين وعقولهم شرحاً وتعليقاً منذ أيام الشريف الرضي وإلى يومنا هذا، حتى بلغت شروحاته (370) شرحاً(1). وقد تباينت هذه الشروحات في احجامها، فمنها الكبير كشرح حبيب الله الهاشمي المسمى منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (ط)، والمتوسط كشرح ميثم البحراني (ط)، والصغير كشرح صبحي الصالح (ط).

وتباينت أيضاً في موضوعاتها، فهناك من غلب عليه الطابع البلاغي كشرح

ص: 19


1- أنظر الأميني: الغدير 4 / 257 - 265. الخطيب: مصادر نهج البلاغة وأسانيده 1 / 247 - 314

ميثم البحراني(1)، أو السياسي كشرح محمد جواد مغنية (ط) أو اللغوي كشرح محمد عبده (ط).

ومن بين هذه الشروحات كان شرح - ابن أبي الحديد ت 656 ه وهو من رجالات الاعتزال، وقبل الحديث عن هذا الشرح لابد أن نوضح ما المقصود بالاعتزال؟ الاعتزال: تيار فكري ظهر في إطار الفكر العربي الإسلامي متمثلاً بفرقة المعتزلة التي اتخذت من علم الكلام موضوعاً لها(2).

فعلم الكلام(3) هو الجانب النظري في الفكر الإسلامي، فالمعروف ان الدين الإسلامي جاء عقيدة وعملاً، فالعمل هو ما يقوم به الفرد من اعمال في اوقات محددة كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها لذا سميت بالاعمال، وهو ما اطلق عليه اصطلاح (فروع الدين)، والعلم الذي يهتم به يسمى علم الفقه، والشخص الذي يهتم به يسمى الفقيه.

اما القسم الأول وهو العقيدة، فهو ما عقد في القلب دون القيام بعمل

ص: 20


1- قال أحد الباحثين: «يكاد يكون شرحاً بلاغياً لولا لغة ابن ميثم القريبة من المنطق والجدل والكلام «أنظر: الفحام: التصوير الفني في خطب الإمام علي علیه السلام. ص 2
2- عن فكر المعتزلة أنظر: الناشئ الأكبر: مسائل الإمامة. الخياط: الانتصار. وانظر موسوعة القاضي عبد الجبار: المغني في التوحيد والعدل وهي في عشرين جزءاً، وكتابه الآخر شرح الاصول الخمسة. ابن متويه: كتاب التذكرة، أبي رشيد النيسابوري: كتاب مسائل الخلاف بين البصريين والبغداديين
3- عن علم الكلام أنظر: الجاحظ: رسالة صناعة الكلام 49 - 58. احمد محمود صبحي: في علم الكلام 1 / 1 - 101 . بدوي: مذاهب الاسلاميين 1 / 7 - 32

كالاعتقاد بأن الله واحد، وأنه لاشبيه له، وأن افعاله معللة بالغايات التي هي لمصلحة الانسان كالعقل وبعثة الانبياء وإكمال رسالاتهم بالاوصياء، وأن الله يبعث من في القبور، فهذه المسائل تسمى اصول الدين. والعلم الذي يهتم بها هو علم الكلام، وقد ظهرت في نطاقه فرق متعددة كالامامية والمعتزلة والخوارج، والأشاعرة وغيرها(1).

لقد واجهت المجتمع العربي الاسلامي مشكلات فكرية منذ اواخر القرن الأول الهجري، وقد طرح بعض المفكرين اجابات لهذه المشكلات، فإزاء مسألة هل الانسان حر في افعاله أم مقيد؟ طرح غيلان الدمشقي(2) فكرة حرية الارادة، وإزاء كنه الله سبحانه وتعالى طرح الجعد بن درهم(3) مسألة نفي الصفات، وكانت مسألة مرتكب الكبيرة تشغل بال الكثيرين، فطرح واصل بن عطاء مسألة المنزلة بين المنزلتين.

ص: 21


1- عن معنى العقيدة أنظر: الشريف المرتضى: شرح جمل العلم والعمل ص 37 _ 248. الشيخ الطوسي: الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ص 21 وما بعدها. ابن ميثم البحراني: قواعد الكلام في علم الكلام ص 21 وما بعدها. العلامة الحلي: كشف المراد ص 7 وما بعدها. المقداد السيوري: الاعتماد في شرح واجب الاعتقاد ص 42 _ 43. التبريزي: الأنوار الإلهية ص 75 _ 76
2- هو غيلان بن مسلم الدمشقي ظهر أيام عمر بن عبد العزيز حيث ولاه الخزائن، ولما جاء هشام ابن عبد الملك صلبه. ابن قتيبة: المعارف ص 484. القاضي: فرق وطبقات المعتزلة ص 38 - 41. ابن نباته: سرح العيون ص 201 - 203. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 25 - 27
3- هو من الموالي كان يسكن الجزيرة الفراتية واتصل بمروان بن محمد لما تولى الأخير الجزيرة لهشام ابن عبد الملك وكان الجعد مؤدباً لمروان، قتله خالد القسري لنفيه الصفات. أنظر: ابن الاثير: اللباب 1 / 230. ابن نباتة: سرح العيون ص 203، ابن تغري: النجوم الزاهرة 1 / 322. الحفني: موسوعة الفرق ص 198 - 199

هذه الآراء التي كان التوصل إليها عقلاً، أخذ يعتنقها فيما بعد تيار عرف بالاعتزال، بدأ بالبصرة ثم بغداد مكوناً مدرستين.

وتميز الاعتزال بميزات ثلاث:

الاولى: انه اعتبر العقل هو المصدر المعرفي الوحيد، حيث انه سابق للشرائع، لأن الشرائع موجهة لأناس عقلاء، فلا تأتي الشريعة للصبي، ولا المجنون لأنهما بلا عقل، بل حتى السكران والنائم يرتفع عنه تكليف الشريعة ما دام فاقداً للعقل.

الثانية: التأويل: إن فهم الشريعة يكون بالعقل، لذا يجب أن تكون الشريعة مطابقة للعقل، ولكن احياناً نجد ظاهر الشريعة يخالف العقل، هنا اضطر المعتزلة لصرف ظاهر النص الشرعي إلى معنى مجازي أي القول بالتأويل معتمدين على قوله تعالى:

«وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ»(1).

ولذا قالوا: «إذا تعارض ظاهر النص مع العقل، فإن العقل هو المرجح»(2).

الثالثة: حرية الارادة: إن الله سبحانه وتعالى اعطى الانسان العقل وهو امتياز عن باقي المخلوقات مقابل تكليفه. اذاً فالانسان مسؤول عن عمله، وهذه المسؤولية تقتضي أن يكون الانسان حراً في إرادته(3).

اذاً فهذه المشكلات الفكرية ادت إلى ظهور تيار فكري عرف بالاعتزال، تمثله مدرستان الاولى في البصرة، والثانية في بغداد. وقد تميزت معتزلة بغداد عن البصرة:

ص: 22


1- سورة آل عمران، آية 7
2- صبحي: في علم الكلام 1 / 389
3- الموسوي: محاضرات ألقيت على طلبة الدكتوراه 1999 - 2000 م

الميل إلى الإمام علي علیه السلام.

الرغبة بتطبيق الاعتزال عملياً(1).

وقد انتعشت المعتزلة أيام الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق ولكنها واجهت تحدياً قوياً منذ عهد المتوكل، حتى جاء الصاحب بن عباد(2) فأحيا الفكر الاعتزالي مرة أخرى(3).

ولكن المعتزلة واجهت تحدياً من الاشاعرة والمتصوفة منذ القرن الخامس الهجري، وهذا ما دفعهم للبحث عن اصول لهم فادعوا أن واصلاً تتلمذ على يد أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وأبو هاشم تلميذ أبيه محمد، ومحمد تلميذ أبيه الإمام علي علیه السلام(4).

والملاحظ ان جذوة الاعتزال قد خفّت منذ أواخر القرن الخامس الهجري، فلم نعد نسمع بشخصيات اعتزالية لها أثر في الفكر الاعتزالي، حتى ان ابن المرتضى ت 840 ه لما وضع كتاب (طبقات المعتزلة) توقف في القرن الخامس الهجري(5).

ص: 23


1- صبحي: في علم الكلام 1 / 283 - 287. الراوي: ثورة العقل ص 94 - 95
2- هو الوزير البويهي اسماعيل وأول من لقب بالصاحب (326 - 358)، أنظر: ابن الجوزي: المنتظم 7 / 179 181. القفطي: انباه الرواة: 1 / 201 - 203. الحموي: معجم الادباء 6 / 168 - 317. الخوانساري: روضات الجنات 2 / 19 - 43
3- زهدي جار الله: المعتزلة ص 158 - 213
4- الشرح 1 / 17، 6 / 371. القاضي: فرق وطبقات المعتزلة ص 17 - 18. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 5 - 7
5- ص 116 - 119

وفي القرن السابع الهجري ظهر ابن أبي الحديد المعتزلي(1) 586 - 656 ه الذي ولد ونشأ في المدائن ثم انتقل إلى بغداد، فدرس علوم اللغة والادب والكلام والفلسفة حتى أصبح من كبار علماء عصره، وبرز بشكل واضح في الأدب والكلام، ففي الأدب وضع كتابه (الفلك الدائر على المثل السائر) وهو رد على كتاب المثل السائر لابن الاثير(2)، اما في الكلام فقد وضع عدة مؤلفات ولكنها فقدت ولم تصل إلينا. ومن كتبه الكلامية (النقيضين)، و (نقض السفيانية) وهو رد على كتاب السفيانية للجاحظ، و (شرح الغرر) وهو شرح لكتاب الغرر للمرتضى.

ومن بين كتبه كان كتاب (شرح نهج البلاغة) الذي يقع في عشرين جزءاً، وهو كتاب موسوعي ضم اللغة والادب والتاريخ والكلام، وغيرها من نوادر المعرفة ولذا اعتبره «كتاب ادب لانظر»(3).

ويأتي التساؤل: لماذا شرح ابن أبي الحديد نهج البلاغة؟ و ما الذي أراد أن يقوله من خلال شرحه هذا؟ أولاً: الملاحظ أن المعتزلة واجهوا نقداً شديداً في هذه الفترة وما سبقها منذ القرن الخامس الهجري حول أصل الاعتزال لذا أراد رجال المعتزلة تأصيل الفكر الاعتزالي بإرجاعه إلى مصدر موثوق من قبل الجميع ألا وهو الإمام علي علیه السلام وذلك

ص: 24


1- أنظر ترجمته: الحوادث الجامعة لمؤلف مجهول ص 366. الكتبي: فوات الوفيات 2 / 259 - 262. ابن كثير: البداية والنهاية 13 / 199 - 200. ولمزيد من التفاصيل والتحليلات أنظر: رسالة الماجستير الموسومة «ابن أبي الحديد سيرته وآثاره الادبية والنقدية» لعلي جواد محي الدين
2- محي الدين: ابن أبي الحديد ص 221 - 226
3- الشرح 20 / 245

عن طريق اتصال واصل بأبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وقد ساعدهم على ذلك ما أثر عن الإمام علي علیه السلام من كلام حول التوحيد والنبوة والمعاد وخلق الافعال وغيرها من المسائل الكلامية، مما لا يوجد مثيله لدى أحد من الصحابة.

ولذا نجد ابن أبي الحديد في شرحه للنهج يشرحه شرحاً اعتزالياً ليقول بعد ذلك بأن عقائد المعتزلة مأخوذة من كلام الإمام علي علیه السلام.

ثانياً: ان الميزة التي ميزت معتزلة بغداد قاطبة هو القول بالتفضيل(1)، لذا نجد ابن أبي الحديد يفتتح شرحه بالقول بالتفضيل ثم يؤكد على هذه المسألة في اجزائه العشرين اينما سنحت له الفرصة.

ومثلما وجدنا الزمخشري يقول ان مدة تفسيره للكشاف استمرت سنتين وثلاثة أشهر وهي مدة خلافة الخليفة أبي بكر(2). نجد ابن أبي الحديد يقول ان مدة اكماله شرح نهج البلاغة استمرت أربع سنوات واربعة أشهر وهي مدة خلافة الإمام علي علیه السلام(3). فالزمخشري يؤكد على رؤية معتزلة البصرة القائلة بأفضلية الخليفة أبي بكر وكأن ابن أبي الحديد رد على ذلك برؤية معتزلة بغداد القائلة بأفضلية الإمام علي علیه السلام.

ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتقدم لنا صورة عن رؤية اعتزالية ألا وهي مسألة التفضيل أي تفضيل الإمام علي علیه السلام بعد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم التي جاءت عند المعتزلة من جانبين:

ص: 25


1- أنظر: تفصيل ذلك في المدخل الذي قدمناه لهذه الدراسة
2- الكشاف 1 / 4
3- الشرح 20 / 349

بكونه الأكثر ثواباً.

الأكثر مناقباً.

لم تكن هذه الدراسة هي الاولى حول شرح نهج البلاغة لابن أبي الحدید، بل سبقتها دراسات متعددة منها:

أولاً: الكتب:

محمود الملاح: تشريح شرح نهج البلاغة(1): كتاب وضع للرد على شرح ابن أبي الحديد، ومن خلال نظرة متفحصة للكتاب يعلم القارئ إلى أي مدى يستحق مؤلفه العطف على ضآلة تفكيره.

احمد الربيعي: العذيق النضيد بمصادر ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة.

استعرض فيه مؤلفه أولا مصادر الشريف الرضي في نهج البلاغة، ثم مصادر ابن أبي الحديد في الشرح مرتباً المصادر ترتيباً ابجدياً، مكتفياً بتعريف بسيط للمؤلف واشارة إلى كون المصدر مطبوعاً أو مخطوطاً، ثم إشارة للصفحات الوارد فيها المصدر في الشرح، واحياناً إذا كثرت الصفحات يذكر بعضاً منها.

ان الذي يؤاخذ على الكتاب:

ذكره لمجموعة من المصادر ليست لابن أبي الحديد وإنما للشريف الرضي(2).

ذكره لمجموعة من المصادر ليست من مصادر ابن أبي الحديد، وإنما هي من مصادر مصادر ابن أبي الحديد(3).

ص: 26


1- طبع في بغداد 1954 م
2- أنظر مثلاً العذيق ص 134 وقارن الشرح 17 / 131
3- أنظر مثلاً العذيق 167 168 وقارن الشرح 4 / 120، 5 / 59 - 60

لم يقم بدراسة للمصدر الذي اعتمده ابن أبي الحديد، من حيث نوعية الاستفادة، والموضوع الذي استقى منه ابن أبي الحديد.

ومع ذلك تبقى لهذا الكتاب أهمية خاصة لمن يريد القيام بدراسة شاملة لمصادر ابن أبي الحديد المتنوعة.

ثانياً: المقالات:

د. مصطفى جواد: بعض مستندات ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(1). مقال ذكر فيه مجموعة من مصادر ابن أبي الحديد في الشرح مكتفياً بذكر اسمائها دون التعليق عليها.

د. صفاء خلوصي: الكنوز الدفينة في شرح نهج البلاغة(2). يتحدث عن بعض المصادر التي اعتمدها ابن أبي الحديد، حيث ضم بين اجزائه العشرين مادة واسعة لمصادر فقدت ولم تصل إلينا لحد الآن، إذ يقول: «ان كثيرا من الكتب التي اصبحت في عداد التراث العربي المفقود لا تزال عناوينها ومقتبسات منها محفوظة فيه»(3) ولكن بعضا من هذه الكتب قد اكتشفت الآن وحققت.(4) بالاضافة لبعض الموضوعات التي اسهب ابن أبي الحديد في الحديث عنها كالخوارج وصاحب الزنج والتتار.

ص: 27


1- مجلة لغة العرب، مج 9، ع 7، 1931، ص 543 - 546
2- مجلة المعلم الجديد، مج 24، ح 3 - 4، س 1961، ص 1 - 22
3- مجلة المعلم الجديد، مج 24، ح 3 - 4، س 1961، ص 1
4- مثل كتاب صفين للمنقري وكتاب الغارات لأبي هلال الثقفي وكتاب الموفقيات لابن بكار وكتاب الخراج لقدامة بن جعفر وغيرها

د. صفاء خلوصي: مصادر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(1)، وهو مقال يتضمن جرداً بالاسماء فقط لطائفة من مصادر الشرح وليس كلها.

د. صفاء خلوصي: شكوك الرضي وابن أبي الحديد في بعض نصوص نهج البلاغة(2). فيما إذا كانت بعض تلك النصوص هي للامام علي علیه السلام أم للرسول صلی الله علیه و آله وسلم(3)، اما بالنسبة لابن أبي الحديد، فقد توقف في بعض النصوص التي اضطر إلى تأويلها أو التوقف فيها(4).

د. مصطفى جواد: عبد الحميد ابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة(5). مقال في حدود الصفحتين وهو تعريف موجز بابن أبي الحديد وشرحه للنهج.

ابراهيم الأبياري: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد(6)، وهو تعريف بسيط بابن أبي الحديد وبشرحه للنهج.

الرسائل الجامعية:

علي جواد محي الدين: ابن أبي الحديد سيرته وآثاره النقدية والادبية رسالة ماجستير، تناولت عصر ابن أبي الحديد وسيرته ومؤلفاته بالتفصيل، لذا اغنت كل باحث عن الرجوع للمصادر الاخرى أو الكتابة عنه.

حامد الظالمي: ابن أبي الحديد: جهوده النقدية والبلاغية رسالة ماجستير

ص: 28


1- مجلة المجمع العلمي العراقي، مج 9، س 1961، ص 340 - 348
2- مجلة الاستاذ، كلية التربية، مج 10، س 1962
3- أنظر مثلاً الشرح: 18 / 311، نهج البلاغة ص 490
4- أنظر مثلاً الشرح 9 / 87 88، 307، 16 / 156 - 157
5- مجلة المعرفة (بغداد)، س 2، ع 29، 1962، ص 4 - 6، 34
6- مجلة تراث الانسانية، مج 2، ص 125 - 139

ناقش فيها الباحث جهود ابن أبي الحديد في النقد.

عبد الواحد خلف وساك آل عجيل: جهود ابن أبي الحديد النحوية في شرح نهج البلاغة، رسالة في اللغة العربية، درس فيها الباحث جهود ابن أبي الحديد في النحو.

عبد الجبار سالم عبد الكريم: شعر عبد الحميد بن هبة الله المدائني، رسالة دكتواره جمع فيها الباحث شعر ابن أبي الحديد من شرح نهج البلاغة أو القصائد السبع العلويات أو القصائد المستنصريات لابن أبي الحديد، أو من مؤلفات أخرى.

حسن حميد فياض: ابن أبي الحديد ناقداً، وهي رسالة تتحدث عن النقد الادبي عند ابن أبي الحديد وخاصة في كتابه الفلك الدائر على المثل السائر.

وجاءت هذه الرسالة لتتناول جانباً معيناً من فكر ابن أبي الحديد المعتزلي، حيث تقدم لنا رؤية معتزلة بغداد إزاء الإمام علي علیه السلام.

اقتضت الدراسة البدء بمدخل يبين رؤية المعتزلة عموماً للإمامة، ومسألة الأفضل وجواز امامة المفضول أم لا؟ ثم اوضحنا رؤية معتزلة بغداد قاطبة القائلة بالتفضيل مبينين ادلتهم في هذا الاطار، ثم موقف ابن أبي الحديد الذي ارجع التفضيل إلى عصر الصحابة.

ولأجل ايضاح هذه الرؤية قسمت الرسالة على خمسة فصول، اختص الفصل الأول منها بدراسة تفصيلية لعراقة نسب الإمام علي علیه السلام حيث ينتسب لبني هاشم الذين وصفهم الجاحظ بأنهم ملح الارض، فكان لهاشم الجد الأكبر للقبيلة صاحب الايلاف الذي جعل من مكة مركزاً دينياً واقتصادياً، ثم جاء

ص: 29

ولده عبد المطلب الذي تزامن عصره مع سلسلة احداث مهمة كحفر زمزم وفشل حملة الفيل، واستحداثه جملة أعمال أقرها الإسلام فيما بعد حتى سمي بابراهيم الثاني. وقد ترك عشرة من الاولاد وصفهم اكثم بن صيفي(1) بأن الله إذا إراد أن ينشأ دولة أوجد لها مثل هؤلاء(2)، وقد اوصى إلى أبي طالب، ومن جملة وصاياه اوصاه بالنبي صلی الله علیه و آله وسلم تلك الوصية التي استمرت لخمسين سنة حيث كان لأبي طالب الدور الرائد في حماية النبي صلی الله علیه و آله وسلم واستمراره للدعوة لعشر سنوات بحيث لما توفي أبو طالب أخذ النبي صلی الله علیه و آله وسلم يبحث عن اماكن أخرى لنشر الدعوة الاسلامية.

وكان الإمام علي علیه السلام قد ولد لأبوين هاشميين فأمه أيضاً من بني هاشم، مضافاً لذلك كان الإمام علي علیه السلام يفتخر نسباً بعمه حمزة وأخيه جعفر.

اما الفصل الثاني؛ فقد اوضحنا فيه رؤية المعتزلة لنشأة الإمام علي علیه السلام، التي عدوها من اسس تفضيله علیه السلام، فبدءاً كانت ولادته في الكعبة الشريفة، ثم انتقاله لبيت الرسالة، حيث كان له شرف التربية على يد النبي صلی الله علیه و آله وسلم، فكان لذلك اثر في نشأته الروحية، حيث كان في مقدمة من آمن بالرسول صلی الله علیه و آله وسلم، ثم ما لبث ان أصبح له وزيراً يوم الإنذار، واستمر في المؤازرة طيلة وجودهما في مكة، وكان هو من نام في فراش الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ليلة الهجرة ليموه على المشركين.

وبعد الهجرة المباركة زوّجه النبي صلی الله علیه و آله وسلم بأمر السماء من السيدة فاطمة

ص: 30


1- اكثم بن صيفي التميمي أحد حكماء العرب قبل الإسلام وقد ادرك الإسلام ويقال حث قومه على الدخول فيه. أنظر: الثعالبي: التمثيل والمحاضرة ص 36. ابن نباته: سرح العيون ص 14 - 16. ابن حجر: الاصابة 1 / 110 - 112
2- اليعقوبي: تاريخ 2 / 11

الزهراء علیها السلام سيدة نساء العالمين، فكان ذلك من أعظم فضائله حتى ان كبار الصحابة كعمر وسعد بن أبي وقاص كانا يغبطانه على ذلك.

ومن زواجه هذا جاء ولداه الحسن والحسين علیهما السلام سبطا رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وسيدا شباب أهل الجنة، وقد تكون من هذه الاسرة أهل بيت النبوة الأطهار الذين خصهم القرآن بعدد من الآيات كآية التطهير والمباهلة.

كان للإمام علي علیه السلام جملة من الخصائص الخلقية، والسجايا النفسية فاق بها الأقران والمعاصرين وأسدل الستار على من سبقه وتلاه فيها.

هذه الخصائص خصص الفصل الثالث لبيان رؤية المعتزلة فيها، سواء في الشجاعة أو الحلم أو الصبر أو الزهد أو العيان أو غيرها. والشيء الذي يلفت النظر في خصائصه علیه السلام هو جمعه بين المتناقضات حيث كان ذلك مثار اعجاب الشريف الرضي وابن أبي الحديد.

اما تفسير المعتزلة لرؤية الإمام علي علیه السلام لنظام الحكم، فقد تناولها الفصل الرابع، إذ يرى معتزلة بغداد ان الإمام علياً علیه السلام يرى نفسه الأحق ليس بالنص، وإنما بالأفضلية، ولكنه علیه السلام لما رأى ان الأمة اجمعت على بيعة الخليفة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان فقد بايع لهم حسبما يرى المعتزلة.

ويتخذ معتزلة بغداد مواقفهم من موقف الإمام علي علیه السلام، إذ لما قبل بخلافة من سبقه عدّ المعتزلة خلافتهم صحيحة، ولكنهم خطّأوا من خرج عليه أيام خلافته، وحكموا بتوبة أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير وأنهم من أهل الجنة.

وقد اوضح ابن أبي الحديد الرؤية الاعتزالية التي قدمها الجاحظ والاسكافي والجبائي والقاضي حول كثير من الشبهات التي اثيرت حول سياسة الإمام

ص: 31

علي علیه السلام سواء قبل خلافته أو بعد توليه الخلافة.

في حين جاء الفصل الخامس والاخير ليوضح الرؤية الاعتزالية حول الإمام علي علیه السلام والفكر العربي الاسلامي، إذ أثبت المعتزلة أن الإمام علياً علیه السلام هو الوحيد الذي بان في العلم الإلهي، ومن خلال ما جاء في كلامه عن التوحيد والعدل والنبوة والمعاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخلق الافعال وغيرها استمد المعتزلة آراءهم الكلامية، وكان ابن أبي الحديد يؤكد على ذلك في شرحه اينما سنحت له الفرصة.

ان كثيراً مما ورد في فكر المتصوفة مأخوذ من الإمام علي علیه السلام، وهذا ما أشار إليه ابن أبي الحديد في اثناء شرحه لكلام الإمام علي علیه السلام، وأكد انتساب المتصوفة للإمام علیه السلام.

اما في علم الفقه فقد أكد ابن أبي الحديد أن الإمام علياً علیه السلام كان مصدر الخلفاء والصحابة والمذاهب الفقهية الاربعة، حيث أثر عن الخليفة عمر قوله «لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن».

وكذا الحال في علوم القرآن، وعلوم اللغة العربية وخاصة البلاغة حيث ترك الإمام علي علیه السلام كنزاً من الخطابة أصبح مصدراً ومورداً للادباء والشعراء ينتقون منه ويوحشون به خطبهم وأشعارهم.

وكان علیه السلام قد أشار لبعض الحوادث التاريخية والمسائل الفلكية، وما يخص علم الحيوان، بالاضافة لإشارته لبعض الغيبيات التي عدّها ابن أبي الحديد من أسس تفضيله.

وختمنا هذه الفصول بخاتمة اوضحنا فيها أهم ما تم التوصل إليه من خلال

ص: 32

البحث، منوّهين بالمواضع التي يمكن ان تكتب عن ابن أبي الحديد وكتابه شرح نهج البلاغة، التي لا زالت لم تحظ باهتمام الباحثين.

تحليل المصادر لقد اعتمدت الدراسة على جملة من المصادر والمراجع يأتي في مقدمتها - شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد المعتزلي، إذ هو المحور الذي دارت حوله الدراسة.

لقد صنفه ابن أبي الحديد على عشرين جزءاً، اودع فيه الكثير من جوانب المعرفة سواء في اللغة أو الأدب أو التاريخ أو الكلام وغيرها، لذا عدّه كتاب ادب وليس نظراً. ولما كانت موضوعات نهج البلاغة متنوعة جاءت موضوعات شرح نهج البلاغة متنوعة أيضاً.

قال باحث معاصر في وصفه: «كتاب ولا كالكتب، بل بوسعي أن اقول إنه من الكتب القليلة النادرة التي تجمع بين المتعة والفائدة إلى اقصى حدودهما، مع نصاعة في الديباجة، وحلاوة في اللغة، وسلامة في التعبير، وسلاسة في البيان، فأنت حين تقرأ الكتاب تشعر كأنك تطالع انسكلوبيديا أو دائرة معارف تزودك بمعلومات لغوية وأدبية وتاريخية وفلسفية على صعيد واحد ضمن اطار نهج البلاغة للامام علي … وتستشف من وراء الكتاب كله عقلية نيرة غير متعصبة وتحليلات منطقية وألمعية في التفكير وابتكاراً في التعليل، قَلَّ أن تجد له نظيراً في الكتب الحديثة بله القديمة. وبوسع القارئ المطالع له ان يقتبس شيئاً جديداً من كل فصل من فصوله إن لم أقل من كل صفحة من صفحاته فهو الكتاب القديم - الجديد دائماً وأبداً»(1).

ص: 33


1- خلوصي: الكنوز الدفينة ص 1 - 2

ويخلص للقول: «وهكذا نجد بوجه عام أن ابن أبي الحديد قد جعل شرح نهج البلاغة اطاراً جميلاً لصورة رائعة تزدحم فيها الوقائع التاريخية والبحوث الادبية والمناقشات الفلسفية، فهو بحق منجم لكنوز دفينة لاتقوّم بثمن»(1).

وقد شرح ابن أبي الحديد نهج البلاغة شرحاً اعتزالياً ليؤكد رؤية المعتزلة القائلة بأن مصدر عقيدتهم هو الإمام علي علیه السلام، ولكنه كان يتوقف عند بعض النصوص التي لا تتفق والرؤية الاعتزالية لذا يضطر لتأويلها أو التوقف عندها وعدم اصدار حكم فيها(2).

ومن هنا فإن ابن أبي الحديد عامل كلام الإمام معاملة النص القرآني أو الحديث النبوي الذي يؤول إذا خالف ظاهره العقل عند المعتزلة.

لقد حاول ابن أبي الحديد وهو من معتزلة بغداد المتأخرين أن يسدل الستار على الخلاف ما بين مدرستي الاعتزال وأن يقدم صورة موحدة للفكر الاعتزالي، وإن كان احياناً يشير لمواضع الخلاف ويحاول تبريرها.

ولم يظهر منه تحامل على معتزلة البصرة، بل اعتمد كثيراً من مؤلفاتهم كمؤلفات الجاحظ ت 255 ه، الذي كان يقف عند ارائه قائلاً «رحم الله أبا عمرو لقد غلبت عليه البصرة وطينتها...»، ولما اتهم ابراهيم بن سيار النظّام - وهو من معتزلة البصرة - الإمام علياً خلوصي: الكنوز الدفينة ص 1 - 2 بالتدليس في الحديث، رد عليه ابن أبي الحديد مستغفراً له.

وقد استخدم ابن أبي الحديد في إثبات ما يراه ونفي ما لا يراه صحيحاً

ص: 34


1- خلوصي: الكنوز الدفينة ص 22
2- أنظر: مثلا الشرح 9 / 87 - 88، 307، 16 / 156 - 157

الآيات القرآنية التي يأخذها على ظاهرها، أما إذا تعارض ظاهرها مع العقل فإنه يؤولها. وكذا الحال بالنسبة للسنة النبوية الشريفة، مع انه يرى ان هناك الكثير من الاحاديث النبوية موضوعاً، وكذلك كان يستخدم الروايات التاريخية ونجده لا يقف سلبياً إزاءها بل يناقشها فيقبل ما يراه صحيحاً ويرفض العكس.

ووصل إلينا من مؤلفاته أيضاً سبع قصائد في مدح الإمام علي علیه السلام سميت بالقصائد السبع العلويات، اوضح فيها رؤيته للامام علي علیه السلام.

وتأتي مؤلفات علم الكلام بعد - شرح نهج البلاغة - كمصدر للرسالة، ومنها مؤلفات المعتزلة كرسائل الجاحظ الكلامية ومنها العثمانية التي اوضح فيها وجهة نظر القائلين بعدم أفضلية الإمام علي علیه السلام، فرد عليه الاسكافي ت 240 ه وهو من معتزلة بغداد بكتاب (نقض العثمانية) الذي استفدنا منه في بيان رؤية معتزلة بغداد في تفضيل الإمام علي علیه السلام.

وللناشئ الأكبر ت 293 ه أحد رجال المعتزلة كتاب (مسائل الإمامة) أفاد الرسالة في بيان رؤية المعتزلة للامامة من حيث وجوبها؟ ثم رؤيته للامام هل يجب أن يكون الأفضل؟ أم تجوز امامة المفضول؟ ومن هو الأفضل؟ وللخياط ت 300 ه أحد معتزلة بغداد كتاب (الانتصار) اثبت فيه أفضلية الإمام علي علیه السلام. وجاءت مؤلفات القاضي عبد الجبار ت 415 ه وخاصة كتابه (المغني في ابواب العدل والتوحيد) الذي صنفه على عشرين جزءاً، اوضح فيه تفصيلاً الفكر الاعتزالي، حيث استفدنا من الجزء العشرين الذي يقع في قسمين خصصهما للامامة، وقد افرد فصلاً عن التفضيل مبيناً آراء المعتزلة فيه كالاسكافي وابي علي وابي هاشم الجبائيان. اما كتابه فضل الاعتزال فقد أفادنا

ص: 35

في دراسة تراجم رجالات المعتزلة قبل القاضي، وقد نشر - النشار - كتاباً بإسم - فرق وطبقات المعتزلة - أخذه من كتاب المنية والأمل لابن المرتضى(1)، فإن الموجود منه هو ما جاء لدى ابن المرتضى في كتابه (المنية والامل) اما الكتاب الاصلي فلم احصل عليه.

ومن المؤلفات الكلامية مؤلفات الأشاعرة، كمقالات الاسلاميين لأبي الحسن الاشعري ت 324 ه، والتمهيد للباقلاني ت 403 ه، والفرق بين الفرق للبغدادي ت 429 ه. ومن كتب الإمامية الكلامية: تنزيه الانبياء للشريف المرتضى ت 436 ه، الذي استفدنا منه في رؤيته لرواية خطبة الإمام علي علیه السلام جويرية بنت أبي جهل.

وكتابه (الشافي في الإمامة) وهو رد على كتاب المغني للقاضي عبد الجبار، وقد اعتمده ابن أبي الحديد كثيراً في معرض المقارنة بين آراء القاضي عبد الجبار والشريف المرتضى. ويلاحظ على ابن أبي الحديد عدم الميل نحو القاضي لأنه معتزلي مثله، بل تارة يؤيد هذا وتارة يؤيد ذاك حسبما يراه صحيحاً.

لقد اعتمد ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة على جملة من المصادر التاريخية بعض منها وصل إلينا، لذا آثرنا من باب التوثيق التاريخي الرجوع إلى هذه المصادر كسيرة ابن اسحق ت 151 ه، ومغازي الواقدي ت 209 ه، وتاريخ الرسل والملوك للطبري ت 310 ه، ومروج الذهب للمسعودي ت 346 ه، والكامل في التاريخ لابن الاثير ت 630 ه وغيرها.

وهناك من المصادر التاريخية لم يعتمدها ابن أبي الحديد، ولقد رجعنا إليها

ص: 36


1- أنظر: رأي: البطاط في هذا الكتاب: قاضي القضاة عبد الجبار ص 42 - 43

في مواضع من البحث كتاريخ اليعقوبي ت بعد 292 ه الذي قدم لنا رؤية لبني هاشم قبل الإسلام خاصة موقف عبد المطلب في حملة أبرهة وانعكاس ذلك الموقف في رؤية العرب له، وإشارته إلى ما سنهّ من سنن اثبتها الإسلام فيما بعد.

اما كتب التفسير فقد اعتمدت الدراسة في تفسير بعض الآيات على جامع البيان للطبري، والتبيان في تفسير القرآن للطوسي ت 460 ه، والكشاف للزمخشري ت 528 ه. ويعد الزمخشري من معتزلة البصرة، لذا أفدنا منه كثيراً في بيان رؤية معتزلة البصرة في الآيات الخاصة بالإمام علي علیه السلام، والجامع لاحكام القرآن للقرطبي ت 671 ه.

اما كتب الحديث؛ فقد استفاد البحث من عدد من كتب الصحاح كصحيح البخاري ت 256 ه، ومسلم ت 263 ه، وكتب السنن كسنن ابن ماجه ت 273 ه، وابي داود ت 275 ه، والترمذي ت 279 ه، والنسائي ت 303 ه، والبيهقي ت 458 ه، ومن المسانيد مسند احمد بن حنبل ت 240 ه. ومنها المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ت 405 ه الذي استفدنا منه في مواضع متعددة، ومنها تأكيده على ولادة الإمام علي علیه السلام في الكعبة إذ يقول: «وتواترت الاخبار ان فاطمة بنت اسد ولدت علياً كرم الله وجهه في جوف الكعبة».

اما كتب الصحابة فقد رجعنا إلى الطبقات الكبرى لابن سعد ت 230 ه، والاستيعاب لابن عبد البر ت 463 ه، وصفة الصفوة لابن الجوزي ت 597 ه، وأسد الغابة لابن الاثير ت 630 ه، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر ت 852 ه، وغيرها.

ص: 37

ومن كتب التراجم رجعنا لكتاب تاريخ بغداد للخطيب البغداديت 463 ه، و معجم الادباء لياقوت الحموي ت 626 ه، ووفيات الاعيان لابن خلكان ت 681 ه، وفوات الوفيات للكتبي ت 764 ه، والوافي بالوفيات للصفدي ت 764 ه، ومرآة الجنان لليافعي ت 768 ه.

اما كتب الأدب فقد رجعنا لكتاب البيان والتبيين للجاحظ ت 255 ه، وعيون الاخبار لابن قتيبة ت 276 ه، والكامل في الأدب للمبرد ت 285 ه، والاغاني لأبي الفرج الاصفهاني ت 356 ه، وربيع الابرار للزمخشري ويلاحظ أن كثيراً من نصوص الشرح ربما منقولة عن الأخير ولكنه لم يشر لذلك.

واعتمد البحث على كتب الجرح والتعديل لمناقشة بعض الروايات ككتاب الضعفاء لأبي زرعة ت 246 ه، ورجال البرقي ت 274 ه، وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ت 327 ه، ورجال الكشي ت 340 ه، والكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ت 365 ه، ورجال النجاشي ت 450 ه، ورجال وفهرست الطوسي ت 460 ه، ورجال ابن المطهر الحلي ت 726 ه، ورجال ابن داود الحلي ت 740 ه، وميزان الاعتدال للذهبي ت 748 ه، وتقريب التهذيب وتهذيب التهذيب، ولسان الميزان لابن حجر العسقلاني ت 852 ه.

ورجعنا لعدد من الدواوين الشعرية لتوثيق كثير من الأبيات الشعرية كديوان امرئ القيس، والنابغة، وأبي طالب بن عبد المطلب، وامية بن أبي الصلت، والفرزدق، والسيد الحميري، وابي تمام، والبحتري، والمتنبي، والشريف الرضي، وعبد الباقي العمري وغيرهم.

فضلاً عن اعتماد الدراسة على مجموعة من الكتب الحديثة والرسائل الجامعية

ص: 38

وبعض المقالات، حيث اقتبست الرسالة آراءهم إما للتأييد أو للمناقشة.

ولما كانت الدراسة حول كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد لذا آثرنا إذا تعددت المصادر في الهامش الواحد الاشارة أولا إليه ثم إلى المصادر الاخرى حتى وإن كانت اسبق منه زمنياً واقتصرنا في الاشارة إليه بكلمة الشرح.

ولغرض عدم اثقال الهوامش بالمعلومات لذا اقتصرنا على الاشارة لاسم المؤلف وكتابه والجزء إن وجد والصفحة، أما باقي المعلومات فسيجدها القارئ في فهرس المصادر والمراجع.

وختاما لابد من القول ان الله سبحانه وتعالى أبى أن يكون هناك صحيح إلا كلامه المقدس، ولذا فإن هذه الدراسة المتواضعة لا تخلو من الهنات، وما احرى كاتبها بالقول:

وما أبِّرىءُ نفسي أنني بَشَرُ *** أسهو وأخطىءُ ما لم يحمِني قَدَرُ

ولا ترى عذرا أولى بذي زللٍ *** من أن يقولَ بأنني بشرُ

فإن كنت أصبت الذي أردت فهذا من جزيل نعم الله تعالى فله الحمد والشكر مبلغ رضاه، وإن كنت لم ابلغ ذلك فيكفيني نيتي التي أسال الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم... ونية المرء خير من عمله.

وآخر دعوانا ربي.... توفني مسلما وألحقني بالصالحين واجعلني من ورثة جنة النعيم... والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

جواد كاظم النصر الله البصرة رمضان 1423 ه كانون أول 2002 م

ص: 39

ص: 40

المدخل

ص: 41

ص: 42

التفضيل عند المعتزلة

اقتضت الحكمة الإلهية تكليف الانسان للقيام ببعض الاعمال، والانتهاء عن اعمال أخرى، وسيقابل هذا الانجاز بثمرات دنيوية وأخروية على أن ذلك لن يكون إلا بوجود ضمانات له توجه الانسان للقيام به. ومن هنا فإن الإسلام لم يطرح النظرية فقط، بل وضع لها اسس التطبيق العملي حيث أوجد نظاماً سمي «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» مهمته حماية المجتمع والنظام، مما يساعد على تحقيق ما كلف به الانسان على الوجه الأفضل ويقف على رأس هذا النظام - الحاكم - الذي وصل لهذا المنصب بناءً على شروط معينة(1).

لقد عدَّ المعتزلة - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - اصلاً من اصولهم الخمسة(2)، وهو الاصل العملي الوحيد، إذ باقي الاصول نظرية(3)، وهذا الاصل واجب عند المعتزلة ووجوبه شرعي بدليل قوله تعالى:

ص: 43


1- د. عبد الكريم عثمان: قاضي القضاة ص 227 - 228
2- وهي - التوحيد - العدل - الوعد والوعيد - المنزلة بين المنزلتين - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فكل من قال بهذه الاصول مجتمعة فهو معتزلي. أنظر: الخياط: الانتصار ص 93. وقد شرح هذه الاصول القاضي عبد الجبار بكتاب اسماه شرح الاصول الخمسة. وهو مطبوع
3- صبحي: في علم الكلام 1 / 174 - 177

«كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ»(1).

بالاضافة لوجوبه العقلي(2)، فهو يجب إلى درجة استخدام القوة، ومن هنا أجاز المعتزلة الخروج على الامام الجائر، وبهذا فهم يماثلون الخوارج(3)، لكنهم اكتفوا بالقول دون الفعل لذا سموا مخانيث الخوارج(4).

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب عند المعتزلة على كل مكلف وفق شروط(5)، وهو فرض كفاية إذا قام به من به الكفاية سقط عن الآخرين(6).

وفي مقدمة من يجب عليهم القيام بهذا الاصل هو الامام، لذا أصبح موضوع الإمامة من موضوعات هذا الاصل «ووجه اتصاله بهذا الباب إن أكثر ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقوم به إلا الأئمة»(7).

وقبل التحدث عن موضوع الإمامة لابد من الاشارة إلى أن التطور التاريخي للمعتزلة يشير لمدرستين للاعتزال، الاولى نشأت في البصرة واشارت الروايات إلى أن أول من قال بالاعتزال هو واصل بن عطاء وزميله عمرو بن عبيد،

ص: 44


1- سورة آل عمران، الآية: 110
2- القاضي عبد الجبار: شرح الاصول الخمسة ص 142، 741 - 746
3- ابن أبي الحديد: الشرح 5 / 78
4- البغدادي: الفرق بين الفرق ص 71
5- القاضي: شرح الاصول ص 142 - 144
6- القاضي: شرح الاصول ص 148
7- القاضي: شرح الاصول الخمسة ص 749

وسميت بمدرسة البصرة لنشوئها في البصرة، وقد وضع رجالات هذه المدرسة القواعد والاصول الاساسية للاعتزال، وبرز فيها كبار رجالات المعتزلة كأبي الهذيل العلاف، وابراهيم بن سيار النظّام، والجاحظ، والجبائيان، والقاضي عبد الجبار، وابن متويه، واصبح كل من يحمل آراء هذه المدرسة يعد بصرياً بغض النظر عن بلدته(1).

اما بالنسبة لمعتزلة بغداد فهي التي ينسب تأسيسها إلى بشر بن المعتمر الذي تتلمذ على يد معتزلة البصرة، ثم جاء لبغداد مؤسساً فرعاً جديداً للاعتزال عرف بمعتزلة بغداد، فأصبح كل من يأخذ بآراء هذه المدرسة يعد من معتزلة بغداد بغض النظر عن بلدته. ومن رجالات هذه المدرسة بشر بن المعتمر، والجعفريان، والاسكافي، واحمد بن أبي دؤاد(2)، والخياط، والكعبي، وابن أبي الحديد(3).

والذي يميز مدرسة بغداد عن مدرسة البصرة:

أولا:ً ميل مدرسة بغداد قاطبة إلى الإمام علي علیه السلام.

ثانياً: إنها طبقت عملياً رؤية معتزلة البصرة في التوحيد حيث ألغت القول

ص: 45


1- عن مدرسة البصرة أنظر: صبحي: في علم الكلام 1 / 105 - 393. الراوي: ثورة العقل ص 23 - 77. النعيمي: مدرسة البصرة الاعتزالية ص 7 وما بعدها
2- هو احمد بن أبي دؤاد فرح بن جرير القاضي، والمتولي لمهمة القول بخلق القرآن فيما عرف بالمحنة. أنظر: الملطي: التنبيه والرد ص 39. ابن النديم: الفهرست ص 3- 4 (تراجم ملحقة بآخر الكتاب). ابن الاثير: اللباب 1 / 427. الصفدي: الوافي بالوفيات 2 / 33. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 123 - 126
3- عن مدرسة بغداد أنظر: صبحي: في علم الكلام/ 283 - 317. الراوي: ثورة العقل ص 81 - 299

بالصفات، وقالت بخلق القرآن، فكان ما عرف تاريخياً بالمحنة، حيث كان معتزلة بغداد القائمين بها(1).

ثالثاً: النزعة العملية: حيث لما اتسم الاعتزال البصري بالسكونية والنظرات التجريدية، وجعل البحث النظري حواراً وجدلا طابعه العقائدي، نجد معتزلة بغداد تسعى لإيجاد بعد عملي لفكرها على نحو تحقيق رغبتها بإقامة دولة اعتزالية.

رابعاً: اقتضاهم عصر النهضة الفكرية، وقراءتهم للفلسفة، تعميق وتطوير مباحث العدل الالهي(2)، بعد أن شرحها معتزلة البصرة، كالقول بالتوليد(3)، واللطف الالهي(4).

خامساً: تصدى معتزلة بغداد للمباحث الدقيقة في الكلام، كمسألة

ص: 46


1- صبحي: في علم الكلام 1 / 283 - 287، الراوي: ثورة العقل ص 95. وعن مسالة خلق القرآن أنظر: الجاحظ: رسالة في خلق القرآن ص 163 - 175. الأزدي: تاريخ الموصل: 412 - 414
2- العدل: ما يقتضيه العقل من الحكمة، أو صدور الفعل على وجه الصواب والمصلحة، ويناقش المعتزلة تحت هذا الاصل موضوعات. (نفي صدور القبح عن الله، اللطف الالهي، حرية الارادة)، أنظر الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 55 - 56. صبحي: في علم الكلام 1 / 148 - 165
3- هو الفعل الذي يتولد من فعل الانسان، فإذا ضرب انسان انساناً، فالضربة من فعل الضارب، وهو مسؤول عنها، ولكن ماذا عن الألم المتولد، أو إذا فعل الانسان فعلاً عن غير قصد. أنظر الخياط: الانتصار 60 - 61، الباقلاني: التمهيد 1 / 296 - 302، الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 88 - 90، بدوي: مذاهب الاسلاميين 1 / 192 - 197
4- هو كل ما يوصل الانسان إلى الطاعة ويبعده عن المعصية. أنظر القاضي عبد الجبار: شرح الاصول الخمسة ص 518 - 525، الباقلاني: التمهيد 1 / 338 - 340، الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 82 - 83، بدوي: مذاهب الاسلاميين 1 / 293 - 297

الجوهر(1).

سادساً: الزهد: كانت هذه الصفة غالبة على اكثرية معتزلة بغداد كبشر بن المعتمر، وتلميذه أبي موسى، والاسكافي وغيرهم، ولشياع هذه الصفة فيهم عرفوا ب «نسّك بغداد»(2).

لقد ناقش المتكلمون على اختلاف توجهاتهم موضوع الإمامة، من حيث وجوب نصب الامام أو لا؟ وهل أن الإمامة واجبة عقلاً أم شرعاً؟ وهل يجب أن يكون الامام أفضل الأمة؟ أم تجوز امامة المفضول مع وجود الأفضل؟(3) قال ابن حزم: «اتفق جميع أهل السنةّ، وجميع المرجئة، وجميع المعتزلة، وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة… حاشا النجدات(4) من الخوارج»(5).

ص: 47


1- هو الجزء الذي لا يتجزأ وأول من قال به أبو الهذيل العلاف، أنظر: الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص 17، أبو رشيد: المسائل في الخلاف ص 28، ابن متويه: التذكره ص 47 145. الجرجاني: التعريفات ص 13، التهانوي: كشاف اصطلاحات العلوم 1 / 207. بينس: مذهب الذرة عند المسلمين ص 1 - 16
2- الراوي: ثورة العقل ص 94 - 100
3- افرد المتكلمون مؤلفات لهذا الغرض. أنظر: الناشئ الأكبر: مسائل الإمامة، وخصص القاضي عبد الجبار الجزء العشرين من كتابه (المغني) في قسميه الأول والثاني لمسائل الإمامة ووضع الشريف المرتضى: الشافي في الإمامة أنظر ص 2 وما بعدها، الطوسي: تلخيص الشافي 1 / 63 - 190، 207 - 242
4- اصحاب نجدة بن عامر الحنفي. أنظر الاشعري: مقالات الاسلاميين 1 / 162 - 164. الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص 19. البغدادي: الفرق بين الفرق ص 52 - 54. الشهرستاني: الملل 1 / 165 - 169
5- الفصل في الملل 4 / 149

وأوضح - الناشئ الأكبر - وجهة نظر المعتزلة فقال: «المعتزلة صنفان:

صنف أوجبوا الإمامة وزعموا أن نصب الامام فرض على الأمة في عقد الدين، وصنف انكروا وجوب الإمامة، وزعموا أنّ للمسلمين أن يقيموا اماماً، ولهم أن لا يقيموه، وليس أحد الأمرين بأولى من الآخر»(1).

بينما أشار ابن أبي الحديد إلى أن المعتزلة جميعهم قالوا بالوجوب ما عدا أبا بكر الأصم(2) الذي يرى «إنها غير واجبة إذا تناصفت الأمة ولم تتظالم». وهذا الرأي عدّه متأخرو المعتزلة قولا بالوجوب، وذلك لأن في العادة لا تستقيم امور الناس من دون رئيس يحكم(3).

وقد تباينت وجهة نظر المعتزلة حول طريق وجوب الإمامة، هل هو شرعي؟ أم عقلي؟ فالبعض من معتزلة البصرة يرى ان طريق وجوبها الشرع.

اما معتزلة بغداد وبعض من معتزلة البصرة كالجاحظ، وأبو الحسين البصري، فيرون ان طريق وجوبها العقل واتفقت معهم الإمامية(4) بذلك(5).

ص: 48


1- مسائل الإمامة ص 49
2- هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الاصم من معتزلة البصرة، يعد من الطبقة السادسة. أنظر: الملطي: التنبيه ص 39، القاضي: فضل الاعتزال ص 267، الشهرستاني: الملل 1 / 93. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 56 - 57، الداوودي: طبقات المفسرين 1 / 274
3- الشرح 2 / 308. أنظر رأي الاصم: الاشعري: مقالات الاسلاميين 2 / 133
4- ان كل الفرق الاسلامية قالت بالإمامة، ولكن لفظ (الإمامية) إذا ذكر ينصرف إلى تلك الفرقة التي حددت عدد أئمتها واسماءهم بلا زيادة ولا نقصان. وهم المعروفون بالاثني عشرية. فيما لم تحدد باقي الفرق الاسلامية عدد أئمتها. أنظر الاشعري: مقالات الاسلاميين 1 / 87 - 88 الفياض: تاريخ الإمامية ص 73 - 85
5- الشرح 2 / 308

وإذا كانت المعتزلة ترى ان الهدف من وجوب الإمامة لأن فيها مصالح دنيوية ودفع مضار دنيوية، فإن الإمامية يوجبونها على الله لأن فيها لطف وابعاد للمكلفين عن مواقعة القبائح العقلية(1).

وناقش المتكلمون: هل يجب أن يكون الامام هو الأفضل؟ أم تجوز امامة المفضول؟(2) يرى الباقلاني(3) انه «واجب أن يكون الامام أفضل الأمة».

وقد رد عليه ابن حزم قائلاً: «هذا خطأ متيقن لبرهانين؛ احدهما: إنه لا يعرف الأفضل إلا بالظن في ظاهر أمره، وقد قال تعالى:

﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنيِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا»(4).

والثاني: ان قريشاً انتشرت في مشرق الارض وغربها وجنوبها وشمالها، ولا سبيل لمعرفة الأفضل، ويكفي بطلان قول الباقلاني؛ ان الصحابة الذين ادركوا امامة الحسن ومعاوية قالوا بها مع أن فيهم من هو أفضل من الحسن ومعاوية كسعد، وسعيد بن زيد، وابن عمر»(5).

ص: 49


1- الشرح 2 / 308. عن الإمامة أنظر: الناشىء الأكبر: مسائل الامامه ص 49. الشريف المرتضى ص 4 - 5. الطوسي: تلخيص الشافي 1 / 63 - 190
2- الاشعري: مقالات الاسلاميين 2 / 131 وما بعدها
3- أبو بكر محمد بن الطيب ولد بالبصرة ثم سكن بغداد وهو من كبار رجالات الاشاعرة ت 403 ه. أنظر: السمعاني الانساب 1 / 266. ابن الاثير: اللباب 1 / 51 - 52. النباهي: تاريخ قضاة الاندلس ص 37 - 40. الصفدي: الوافي 3 / 177. محمد عبد الله رمضان: الباقلاني ص 96 ومابعدها. بدوي: مذاهب الاسلاميين 1 / 569 - 633
4- سورة يونس، آية 36
5- الفصل في الملل 4 / 179 - 180

إن التمعن في فهم معنى آيات التطهير والمباهلة والمودة وهل أتى، وكذا أحاديث النبي صلی الله علیه و آله وسلم كحديث الثقلين، وقوله صلی الله علیه و آله وسلم: «الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا». يقطع بأفضلية الامام الحسن على من ذكرهم فضلا عن كل الأمة بعد أبيه علیه السلام.

اما المعتزلة فقد انقسموا لقسمين:

الأول: يرى عدم جواز عقد الإمامة إلا للأفضل، لأنهم يرون انه ليس بعد النبوة منزلة أفضل من الإمامة، فكما كان النبي صلی الله علیه و آله وسلم أفضل الناس فكذلك الامام، لأن الامام هو الذي يؤدب الأمة ويعرفها معالم دينها، فلا يجوز أن يكون المؤدَّب أفضل من المؤدِب، وإلى هذا المذهب يذهب عمرو بن عبيد(1)، وإبراهيم النظام(2).

اما القسم الثاني فيرى جواز امامة المفضول مع وجود الأفضل حيث يرون ان النبي صلی الله علیه و آله وسلم ولى المفضول على الأفضل كما في تولية عمرو بن العاص في غزوة

ص: 50


1- هو صاحب واصل بن عطاء ولد في البصرة 80 ه وتوفي سنة 140 ه. أنظر: البلخي: باب ذكر المعتزلة ص 86 - 89. القاضي: فضل الاعتزال ص 242 - 250. الشهرستاني: الملل: 1 / 62. ابن خلكان: وفيات الاعيان 3 / 460 - 462. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 35 - 41. المقريزي: الخطط 2/ 346
2- أحد معتزلة البصرة، سمي بالنظّام لاشتغاله بنظم الخرز. له آراء ومؤلفات فلسفية ويعد فيلسوف المعتزلة. أنظر: الخياط: الانتصار ص 19، 21 - 47. البلخي: باب ذكر المعتزلة ص 70 - 71. القاضي: فضل الاعتزال ص 264 - 265. ابن النديم: الفهرست ص 2 (تراجم ملحقة بآخر الكتاب). البغدادي: الفرق ص 79 - 91. الشهرستاني: الملل 1 / 67 - 81، ابن نباتة: سرح العيون ص 153 - 157. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 49 - 52. ابن تغري: النجوم الزاهرة 2 / 234. بدوي: مذاهب الاسلاميين 1 / 198 - 279

ذات السلاسل(1) على جيش فيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح، وهم أفضل منه، وتولية أسامة بن زيد على جيش فيه أبو بكر وعمر(2)، ويرون «إذا رأينا رجلاً تجمع عليه الكلمة ولم يكن ساقط العدالة، وكان معه علم بالكتاب والسنةّ، وليناه أمر الأمة، وإن كان فيهم من هو أفضل منه وأوسع علماً.

والقائلون بهذا القول واصل بن عطاء(3)، ومعتزلة بغداد قاطبة(4).

وناقش المتكلمون من هو الأفضل بعد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، قال ابن حزم:

«اختلف المتكلمون فيمن هو أفضل الناس بعد الانبياء علیهم السلام، فذهب بعض السنّة وبعض المعتزلة، وبعض المرجئة(5)، وجميع الشيعة إلى أن أفضل الأمة بعد

ص: 51


1- كانت في السنة السابعة للهجرة. أنظر: الشرح 6 / 319 - 320. ابن سعد: الطبقات 2/ 131. البخاري: الصحيح 5/ 68. الطبري: تاريخ 3 / 32. الحاكم: المستدرك 3/ 45. الشهرستاني: الملل 1 / 219
2- في مرض الرسول صلی الله علیه و آله وسلم. الشرح 1/ 159، 6 / 52، 17 / 183. ابن سعد: الطبقات: 2 / 249. اليعقوبي: التاريخ 2 / 103. أبو هلال العسكري: الاوائل ص 137
3- ينسب إليه تأسيس الاعتزال. وكان ألثغ بالراء ومع ذلك كان يلقي الخطب البليغة الخالية من الراء. وهو أول من قال بالمنزلة بين المنزلتين. أنظر: ابن عطاء: الخطبة الخالية من الراء، نوادر المخطوطات 2 / 118 - 136. البلخي: باب ذكر المعتزلة ص 64 - 68. ابن النديم: الفهرست ص 10 (تراجم ملحقة بآخر الكتاب). البغدادي: الفرق ص 70 - 72. الشهرستاني: الملل 1 / 57 - 62. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 28 - 35. بدوي: مذاهب الاسلاميين 1 / 73 - 96
4- الناشئ الأكبر: مسائل الإمامة ص 51 - 52. أنظر الاشعري: مقالات الاسلاميين 2 / 134. ويوافقهم الزيدية. الشهرستاني: الملل 1 / 208
5- هي فرقة كلامية ناقشت مسألة الإيمان والعمل ويرى اصحابها انه مثلما لا ينفع مع الكفر طاعة لا يضر مع الإيمان معصية. أنظر: الملطي: التنبيه ص 43 - 47، 146 - 156، البغدادي: الفرق بين الفرق ص 122 - 125، الشهرستاني: الملل 1 / 181 - 195

رسول الله صلی الله علیه وسلم علي بن أبي طالب رضی الله عنه وقد روينا هذا القول نصاً عن بعض الصحابة رضی الله عنه وعن جماعة من التابعين والفقهاء.

«وذهبت الخوارج كلها وبعض أهل السنةّ، وبعض المعتزلة، وبعض المرجئة، إلى أن أفضل الصحابة بعد الرسول أبو بكر ثم عمر، وروينا عن أبي هريرة ان أفضل الناس بعد الرسول صلی الله علیه وسلم جعفراً ثم حمزة، وروينا عن نحو عشرين من الصحابة «اكرم الناس على الرسول صلی الله علیه وسلم علي والزبير»(1).

ثم قال: «والذي نقول به، وندين لله تعالى به، ونقطع على أنه الحق عند الله عز وجل: ان أفضل الناس بعد الانبياء علیهم السلام نساء رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم ثم أبو بكر»(2).

حيث يرى ان أفضل الناس بعد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم هم الصحابة لأن فضيلة الصحبة لها فضل عظيم، ولما كانت نساء النبي صلی الله علیه و آله وسلم، قد اشتركن في الصحبة، وزدن بفضيلة الأمومة (أمهات المؤمنين)، ثم كونهن زوجات الرسول صلی الله علیه و آه وسلم، وهذا يعني انهن معه في الدنيا والآخرة، لذا اصبحن هن الأفضل(3).

واوضح البغدادي رؤية الاشاعرة الذين «قالوا بتفضيل أبي بكر وعمر على من بعدهما، وإنما اختلفوا في التفاضل بين علي وعثمان...»(4).

أما بالنسبة إلى المعتزلة فقد تعددت وجهة نظرها بتعدد مدارسها فمدرسة

ص: 52


1- الفصل 4 / 181
2- الفصل 4 / 181
3- الفصل 4 / 183
4- الفرق بين الفرق ص 211

البصرة تنقسم على عدة اقسام:

القسم الأول: يرى أفضلية الخلفاء حسب تسلسلهم بالخلافة.

القسم الثاني: يرى أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم علي ثم عثمان.

القسم الثالث: يرى أفضلية أبي بكر ثم عمر ثم عبد الرحمن بن عوف ثم عثمان.

القسم الرابع: يتوقف في القول الافضلية بين أبي بكر والإمام علي علیه السلام.

القسم الخامس: يرى أفضلية الإمام علي علیه السلام ثم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان.

فبالنسبة إلى القسم الأول دليلهم «ان اصحاب النبي صلی الله علیه وسلم قدموه (أبو بكر) في الإمامة على سائر الناس، قالوا: ووجدنا المفضول لا يتولى على الفاضل إلا بإحدى خصلتين: إما بأن يغلب المفضول الأمة على أمرها، ويتولى على الفاضل، والناس لذلك كارهون، وأما بأن يكون الذين يتولون اختيار الامام غير مناصحين للامة ولا ناظرين ولا محتاطين في حسن الاختيار لإمام يرعاها فينحرفون عن الفاضل البارع إلى المفضول الناقص، وقالوا: كما وجدنا امامة أبي بكر قد زال عنها هذان الأمران وذلك انه لم يستكره الأمة، ولم يغلبها على الإمامة، ولو كان ذلك لجاءت الاخبار به، وكان الذين عقدوا امامته خيار الخلق والحجة، وهم الذين الرسول لآدابه، وباجتماع منهم عليه، وقد قال النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم): ولم تكن امتي لتجتمع على ضلالة(1). علماً إن أبا بكر إنما عقد المسلمون له الإمامة لأنه افضلهم عندهم. وقالوا مثل ذلك

ص: 53


1- اخرجه أبو داود: السنن 4 / 98. ابن الطيب: المعتمد 2/ 471، 475 - 6، 480، 483 - 484، 491 492، 496، 499، 502، 515. الشهرستاني: الملل 2/ 37

في عمر، أنه أفضل الناس بعد بيعة أبي بكر، وأن عثمان أفضل الناس بعد عمر في الوقت الذي ولي إلى سنة ست من خلافته… واثبتوا امامة علي فقالوا: كان أفضل الناس في الوقت الذي عقد له الخلافة…»(1).

اما القسم الثاني فهو رأي واصل بن عطاء حيث قدم الإمام علياً على عثمان بالافضلية لتوقف واصل في احداث الفتنة(2).

وانفرد أبو بكر الاصم في القسم الثالث بإثباته أفضلية عبد الرحمن بن عوف بعد أبي بكر وعمر، وتقديمه على عثمان، لأنه يرى ان عبد الرحمن ازهد الناس، فيما لم يثبت أي امامة للامام علي علیه السلام وذلك «ان بيعته عن غير شورى، وأن اكفائه ونظرائه في الفضل نازعوه وأبوا أن يسلموه الإمامة فحاربهم، قال: والامامة لا تعقد بالسيف، وإنما تعقد لمن تمد إليه الاعناق طوعاً بعد النظر والتشاور ورضى الأمة، واجتماع الكلمة. وصوب معاوية في حربه علياً ومنعه من الشام لأن عمر ولى معاوية ثم اثبته عثمان، وهما امامان. فلما قتل عثمان كان على معاوية ألا يسلم الشام إلا إلى أمام مفترض الطاعة، فإذا أراد ذلك الامام أن يأخذ الشام بالقوة وجب على معاوية محاربته...»(3).

أما القسم الرابع فقد توقفوا في القول بالتفضيل بين أبي بكر وعمر وبين الإمام علي علیه السلام، ومن هؤلاء أبو الهذيل العلاف(4) الذي يعد المؤسس الثاني

ص: 54


1- الناشئ الأكبر: مسائل الإمامة ص 52 - 53
2- الشرح 1 / 8. القاضي: شرح الاصول الخمسة ص 767. المغني 20 / 2 / 114
3- الناشئ الأكبر: مسائل الإمامة ص 59 - 60
4- هو محمد بن الهذيل العلاف (125 - 235): لقب بالعلاف لأن داره في العلافين بالبصرة. أنظر ترجمته: الخياط: الانتصار ص 15 - 21، 56 - 59، 80 - 83، 90 92، 113 - 114، 115 - 117، 120 - 121. البلخي: باب ذكر المعتزلة ص 69 - 70. الملطي: التنبيه ص 38 - 39. القاضي: فضل الاعتزال: ص 254 - 263. ابن النديم: الفهرست ص 1- 2 (تراجم ألحقت في آخر الكتاب). البغدادي: الفرق ص 73 - 79. الشهرستاني: الملل 1 / 62 - 67. ابن خلكان: وفيات الأعيان 4 / 265 - 267. اليافعي: مرآة الجنان 2 / 116. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 44 - 49. ابن حجر: لسان الميزان 5 / 41، 414

للاعتزال بعد واصل، هو وان توقف بين أبي بكر وعمر والإمام علي، فإنه يقطع بتفضيل الإمام علٍي على عثمان(1).

ومن الذاهبين إلى التوقف أيضاً - أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي الجبائي(2) - (247 - 321 ه) وهو من متأخري معتزلة البصرة، وقد عدّه القاضي في الطبقة التاسعة من طبقات المعتزلة.

كان يرى في التفضيل بأنه لو صح خبر الطائر(3) لوجب القطع بأفضلية

ص: 55


1- الشرح 1 / 8. ابن حجر: لسان الميزان 5 / 413 - 414
2- أنظر ترجمته: الملطي: التنبيه ص 40. القاضي: فضل الاعتزال ص 304 - 8. الهمذاني: تكملة تاريخ الطبري ص 278 - 279. ابن النديم: الفهرست ص 247. البغدادي: الفرق بين الفرق ص 111 - 119. الشهرستاني: الملل 1 / 98 - 108. السمعاني: الانساب 3 / 187 - 188. ابن الاثير: اللباب 1 / 157. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 94 - 96. المقريزي: الخطط 2 / 348. ابن حجر: لسان الميزان 4 / 16
3- أشارت كتب الحديث انه اهدي للنبي صلی الله علیه و آله وسلم طائر مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب الخلق اليك يأكل معي هذا الطائر فجاء علي بن أبي طالب علیه السلام. اخرجه: الجاحظ: رسائل الجاحظ السياسية ص 231، 220 - 232. الترمذي: صحيح 12 / 170. البلاذري: انساب 2 / 142. النسائي: خصائص ص 51 - 52. ديوان الصاحب بن عباد ص 35، 44. ابن اخي تبوك: مناقب علي ابن أبي طالب ص 435. الحاكم: المستدرك 3 / 142 - 143. الخطيب: تاريخ بغداد 3 / 171. ابن المغازلي: المناقب ص 156 - 175. الخوارزمي: المناقب ص 59 - 65. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 38 - 39. محب الدين: الرياض النظرة 2 / 211 - 212. الجويني: فرائد السمطين 1 / 209 - 215، 322. ابن تيمية: منهاج السنة 3 / 13. ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 351 - 354. وقال في نهاية حديثه عنه: «وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة منهم أبو بكر ابن مردويه، والحافظ أبو طاهر محمد بن احمد بن حمدان، فيما رواه شيخنا أبو عبد الله الذهبي، ورأيت فيه مجلداً في جمع طرقه وألفاظه لأبي جعفر بن جرير الطبري المفسر صاحب التاريخ، ثم وقفت على مجلد كبير في رده وتضعيفه سنداً و متناً للقاضي أبي بكر الباقلاني المتكلم. وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر، وإن كثرت طرقه والله أعلم». البداية والنهاية 7 / 354

الإمام علي علیه السلام ولكنه لما لم يصح، لذا لم يعلم فضل أحدهما لأن الاعمال لا تبنى على فضل الانسان إذا لم يعلم المغيب من حالة، فإذا فقدنا الدلالة وجب التوقف(1).

ومن المتوقفين أيضاً أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري، كان حسن العبارة غزير المادة، وله تصانيف في اصول الفقه منها - المعتمد(2) - وهو كتاب كبير، واصبح هذا الكتاب مع كتاب المستصفى للغزالي(3) مصدراً لفخر الدين الرازي(4) في تأليفه لكتاب المحصول(5) وتوفي سنة 436 ه(6).

ص: 56


1- القاضي: المغني 20 / 2 / 119 - 120
2- طبع بجزئين في دمشق 1964
3- كتاب في علم الاصول وقد طبع بجزأين في بيروت سنة 1322
4- أحد كبار المفسرين وصاحب مفاتح الغيب ولد في سنة 544 ه وتوفي في سنة 606 ه. تنظر ترجمته: ابن خلكان: وفيات 4 / 248 - 52. الذهبي: العبر 3 / 142. السبكي: طبقات الشافعية 5 / 33 - 40. ابن كثير: البداية والنهاية 13 / 55 - 56
5- كتاب في علم اصول الفقه. وقد طبع في جدة سنة 1399 ه. أنظر: صالحية: المعجم الشامل 3 / 21
6- الشرح 1 / 9. الخطيب: تاريخ بغداد 3 / 100. الحاكم: الطبقتان الحادية عشرة والثانية عشرة من كتاب سرح العيون، ص 837. ابن خلكان: وفيات 4 / 271. الصفدي: الوافي 4 / 125. اليافعي: مرآة 4 / 57

اما القسم الخامس من معتزلة البصرة فهم الذاهبون لتفضيل الإمام علي علیه السلام وسنشير إليهم فيما بعد(1).

أما بالنسبة لمعتزلة بغداد فقد اجمعت على القول بأفضلية الإمام علي علیه السلام على سائر الأمة بعد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم. ومن أشهر رجالاتها:

أولاً: بشر بن المعتمر الهلالي(2) ت 210 ه:

يعد مؤسس مدرسة بغداد المعتزلية. كانت ولادته ونشأته في الكوفة، ثم انتقل للبصرة لدراسة الاعتزال على يد رجالات معتزلة البصرة، ثم ذهب لبغداد مؤسساً الاعتزال البغدادي، وقد تتلمذ على يديه كبار معتزلة بغداد كأحمد بن أبي دؤاد الذي كان له الدور الأكبر في مسألة المحنة(3).

كان بشر أول من قال بالتفضيل ومنه سرى القول إلى معتزلة بغداد وبعض من معتزلة البصرة(4).

ص: 57


1- الشرح 1 / 7 - 8. وانظر رؤية الزيدية القائلين بأفضلية الإمام علي علیه السلام أيضاً: الجاحظ: استحقاق الإمامة ص 184. الملطي: التنبيه ص 34. الصاحب بن عباد: نصره ص 84 - 129
2- أنظر ترجمته: البلخي: باب ذكر المعتزلة ص 72 - 73. الملطي: التنبيه ص 38. القاضي: فضل الاعتزال ص 265 - 266. البغدادي: الفرق ص 94 - 96. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 52 - 54. المقريزي: الخطط 2 / 346، ابن حجر: لسان الميزان 2 / 33. الداوودي: طبقات المفسرين 1 / 117
3- أنظر تفاصيل المحنة: الراوي: ثورة العقل ص 203 - 238
4- الشرح 3 / 288 - 289

يقول الناشئ الأكبر: «قال بشر بن المعتمر ومن قال بقوله: كان علي أفضل بعد النبي (صلعم) وكان أبو بكر يليه في الفضل، إلاّ ان قريشاً كانت أميل إلى أبي بكر منها إلى علي لأنّ عليّاً كان قد وتر منها وقتلها في غزوات النبي (صلعم)، فكره اصحاب محمد أن يولّوا علياً فتختلف الكلمة، فولوا أبا بكر وكان دونه في الفضل غير ان تخلفه عنه لم يكن يقعد به عن أن يكون مضطلعاً بالإمامة. قالوا: وكان أبو بكر في تلك الحال اصلح للامة على هذه العلة»(1).

وأضاف: «واحتجوا في ذلك ان عليّاً كان أفضل الناس بعد النبي (صلعم) بأن قالوا: إنا وجدنا الفضل في الدين إنما ينال بالعلم والعمل، فلما اعتبرنا علم اصحاب النبي (صلعم) وعلمهم على ما تناهت به الاخبار إلينا عنهم وجدنا علياً ارجحهم علماً وافضلهم عملاً، وذلك إنا إذا قلنا: من كان اقدم المسلمين إسلاماً؟ قالوا: علي، وقال قوم: أبو بكر، وقال قوم: زيد، وقال قوم: خباب.

فقلنا لا أقل من أن نجعل علياً واحداً من هؤلاء، فلا نقضي له بأنه اقدمهم إسلاماً، ولا عليه بأن إسلامه متأخر عنهم، وإن كانت الاخبار في أن علياً كان اقدمهم إسلاماً أشهر وأكثر.

وإذا قلنا من كان أعظم اصحاب رسول الله (صلعم) جهاداً وأقتلهم للأكفاء واشدهم بذلا لمهجته في الحرب؟ فالقائلون: علياً والزبير وعمر وأبو دجانة والبراء بن مالك، غير أنهم قد اجمعوا أن لعلي من الأكفاء والأقران ما ليس لأحد منهم. فقلنا: لا أقل من أن نجعله رجلاً من هؤلاء ولا يحتسب بما له من الفضل عليهم وإذا قلنا من كان أعلم اصحاب رسول الله (صلعم)؟ قال

ص: 58


1- الناشئ الأكبر: مسائل الإمامة ص 56

قوم: معاذ بن جبل وعمر وعبد الله بن مسعود وعلي. غير انهم اجمعوا ان علياً يُسأل ولا يسأل، فقلنا: لا أقل من أن نجعله كأحدهم في العلم، ولا يحتسب بما جاء من الاخبار في فضله عليهم. وإذا قلنا: من كان ازهدهم في الدنيا؟ قال قوم: أبو ذر أو عمر وسلمان أو أبو الدرداء أو علي، غير انهم اجمعوا: ان علياً ملك رقاب العرب والعجم وبيوت الاموال، فكان إذا أتى المال قسمه في الناس، ولا يدخر شيئاً منه، ثم يكنس بيت المال، ويرشه، ويقول: يا صفراء، ويا بيضاء(1) غري غيري(2). وكان يقول إذا قسم الاموال بين الناس(3):

هذا جناي وخياره فيه *** إذ كل جانٍ يده إلى فيه

فقلنا: لا أقل من أن يكون علي كأحدهم، قالوا: فلما رأينا علياً شارك كل ذي فضل من اصحاب رسول الله (صلعم)، وبان هو بفضائل لم يشركوه فيها علمنا انه أفضل الناس بعد النبي (صلعم). فوجب علينا أن نفضله على سائر أصحاب النبي (صلعم)»(4).

ص: 59


1- الصفراء (الذهب) أي الدنانير، والبيضاء (الفضة) أي الدراهم
2- ابن قتيبة: عيون الأخبار 1 / 53. الشريف الرضي: نهج البلاغة ص 480. البلوي: ألف باء 1 / 223. الثعالبي: التمثيل والمحاضرة ص 30. ابن الجوزي: صفة الصفوة 1 / 314 - 315. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 110
3- أنشده عمرو بن عدي الذي كان يخرج مع خدم خاله الملك جذيمة الابرش، لاجتناء الكمأة، فكان الآخرون إذا وجدوا كمأة جيدة اكلوها، أما هو فلا، وحين يعود يردد هذا البيت. أنظر: ابن قتيبة: عيون الاخبار 1 / 53. ابن عبد ربه: العقد الفريد 4 / 312. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1114. الميداني: مجمع الامثال 2 / 397. ابن الجوزي: صفة الصفوة 1 / 314
4- الناشئ الأكبر: مسائل الإمامة ص 56 - 57. وانظر الجاحظ: رسالة استحقاق الإمامة ص 179 - 181

ويؤكد بشِر أن الإمام علياً علیه السلام أشجع وأسخى الصحابة لذلك استحق التفضيل(1).

وكان بِشر بن المعتمر قد ألّف كتاباً في الرد على أبي بكر الاصم، حيث يخطئ الأخير الإمام علياً علیه السلام، ولا يرى له امامة أصلاً(2).

ثانياً: أبو موسى عيسى بن صبيح ت 226 ه(3).

أخذ الاعتزال عن استاذه بشر بن المعتمر، حتى أن آراءه تحاكي آراء استاذه، وتولى رئاسة معتزلة بغداد بعد وفاته، وقد تخرج على يديه الجيل التالي من كبار معتزلة بغداد كجعفر بن حرب(4) وجعفر بن مبشر، وقد انتشر الاعتزال البغدادي في ايامه بكثرة، وكان أبو موسى يتميز بالورع والزهد حتى سمي - الناسك - وعرف «براهب المعتزلة «وكان على نسق معتزلة بغداد في القول بأفضلية الإمام علي علیه السلام(5).

ثالثاً: جعفر بن مبشر بن احمد بن محمد الثقفي ت 234 ه(6)

ص: 60


1- الشرح 3 / 288 - 289
2- الراوي: ثورة العقل ص 106
3- أنظر ترجمته: الخياط: الانتصار ص 53 - 56، 59، 73 - 74. البلخي: باب ذكر المعتزلة ص 74. الملطي: التنبيه ص 38. القاضي: فضل الاعتزال ص 277 - 279. البغدادي: الفرق ص 100 - 101. الشهرستاني: الملل 1 / 88 - 89. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة: ص 70 - 71. المقريزي: الخطط 2 / 346. ابن حجر: لسان الميزان 4 / 398
4- أنظر ترجمته: البغدادي: الفرق ص 101 - 102. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 73 - 76. ابن حجر: لسان الميزان 2 / 113
5- الشرح 1 / 7
6- أنظر: الخياط: الانتصار ص 63 - 4، 67 - 8، 73 74. القاضي: فضل الاعتزال ص 283. البغدادي: الفرق ص 101 - 102. الخطيب: تاريخ بغداد 7 / 162. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 76 - 77. ابن حجر: لسان الميزان 2 / 121

كان تلميذ أبي موسى مع زميله جعفر بن حرب حتى عرفا بالجعفريان، وكان يرتزق ببيع القصب لذلك عرف بالقصبي، عاش عيشة زهد كأكثر معتزلة بغداد، وكان من القائلين بأفضلية الإمام علي علیه السلام(1).

رابعاً: أبو جعفر الاسكافي(2) ت 240 ه:

هو محمد بن عبد الله، عدّه القاضي في الطبقة السابعة من طبقات المعتزلة، درس على يد جعفر بن حرب حتى بلغ مبلغاً من العلم في الاعتزال، وكان من أشهر معتزلة بغداد في الميل إلى تفضيل الإمام علي علیه السلام حيث «يبالغ في ذلك، وكان علوي الرأي، محققاً منصفاً، قليل العصبية»(3).

هذه الرؤية جاءت في كتابه «نقض العثمانية»(4) الذي وضعه رداً على كتاب «العثمانية» للجاحظ، وفيه أثبت الاسكافي أفضلية الإمام علي علیه السلام حيث كان «من المتحققين بموالاة علي علیه السلام، والمبالغين في تفضيله، وإن كان القول

ص: 61


1- الشرح 1 / 7. وانظر الملطي: التنبيه ص 34
2- أنظر ترجمته: الملطي: التنبيه ص 342. الخياط: الانتصار ص 19، 68 9، 74، 76، 103. البغدادي الفرق ص 102 - 103. السمعاني: الانساب 1 / 234 - 235. ابن الاثير: اللباب 1 / 45. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 78. المقريزي: الخطط 2 / 346. ابن حجر: لسان الميزان 5 / 221. الراوي: ثورة العقل ص 155 - 167. محمد السيد أبو جعفر الاسكافي: ص 7 وما بعدها
3- الشرح 17 / 132 - 133
4- ورد هذا الكتاب في شرح نهج البلاغة، وقد نشر ملحق بكتاب العثمانية للجاحظ حيث أخذه المحقق من الشرح. أنظر الجاحظ: العثمانية ص 281 - 342. وقارن الشرح 3 / 215 - 295

بالتفضيل عاماً شائعاً في البغداديين من اصحابنا كافة، إلا أن أبا جعفر كان أشدهم في ذلك قولا وأخلصهم فيه اعتقاداً»(1).

والمقصود بالأفضل عند الاسكافي «أكرمهم عند الله، وأكثرهم ثواباً وأرفعهم في دار الجزاء منزلة»(2).

والطريقة التي استخدمها الاسكافي في التوصل للافضل هي الموازنة في الاعمال بين الإمام علي علیه السلام وغيره من الصحابة وقد وضع كتاباً باسم المعيار والموازنة(3).

قال القاضي: «فإن شيخنا أبو عبد الله (الاسكافي) فإنه يقطع على أن علياً علیه السلام أفضل لأخبار يقطع بصحتها، ثم يذكر مع ذلك موازنة الاعمال، ويبين أن لفضائل امير المؤمنين مزية»(4).

ومن جملة الامور التي استدل بها الاسكافي على أفضلية الإمام علي علیه السلام(5) أولاً: حديث الطائر حيث اُهدي للنبي صلی الله علیه وسلم طائر مشوي فقال صلی الله علیه و آله وسلم: اللهم ائتني بأحب الخلق اليك ليأكل معي هذا الطائر. فجاء الإمام علي علیه السلام.

وقد استدل الاسكافي على صحة هذا الحديث بطريقتين:

الأول: ان هذه الاخبار كانت مشهورة في الصحابة، ولم يختلفوا في قبولها

ص: 62


1- الشرح 4 / 63
2- الشرح 11 / 120
3- القاضي: المغني 20 / 2 / 112. أبو حيان التوحيدي: الامتاع والمؤانسة 1 / 98. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 84
4- القاضي: المغني 20 / 2 / 120
5- القاضي: المغني 20 / 2 / 122

مع وقوع الكلام في التفضيل ولم يقع من احدهم الرد والنكير، ولم يجروه مجرى أخبار الآحاد.

الثاني: ان الإمام عليّاً علیه السلام أنشد أهل الشورى هذا الخبر مع سائر الفضائل فأقروا به. فدل على صحة الخبر.

ثم اوضح دلالته على أن الإمام عليّاً علیه السلام أفضل «لأن المحبة إذا اضيفت إلى الله تعالى لم يحتمل إلا الفضل في باب الدين فهو مخالفة للمحبة التي تضاف إلى من يجوز خلاف ذلك عليه»(1).

ثانياً: حديث «من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»(2).

قال الاسكافي: «وثبوته مثل ثبوت الخبر المتقدم بل اولى، وقد ثبت أنه علیه السلام جمع الناس لإظهار هذا الأمر، فلابد من أن يفيد فائدة تليق بالحال، ولا بد من

ص: 63


1- القاضي: المغني 20 / 2 / 122 - 125
2- اخرجه: احمد: المسند 5 / 347، 366. الجاحظ: رسائل الجاحظ السياسية ص 220. البلاذري: انساب 2 / 108 - 112. ابن ماجه: الصحيح 1 / 26. الترمذي: صحيح 12 / 165. النسائي: خصائص ص 64. ابن عبد ربه: العقد الفريد 4 / 311. الملطي: التنبيه ص 25. الحاكم: المستدرك 3 / 109، 116، 118 119. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1099. ابن المغازلي: مناقب علي بن أبي طالب ص 16 - 27. البلوي: ألف باء 1 / 223. الخوارزمي: المناقب ص 74 - 79. ابن الجوزي: صفة الصفوة 1 / 313. النووي: تهذيب الاسماء 1 / 1 / 347. محب الدين: الرياض 2 / 222 - 225. ابن تيمية: منهاج السنة 3 / 13. ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 335، 339، 344 - 345. ابن حجر: الاصابة 2 / 509. السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 196. وقد استعرض عبد الحسين الأميني هذا الحديث ومصادره التاريخية والادبية وآثاره في كتاب أسماه الغدير في أحد عشر جزءاً

أن يعرف بها، ما لم يكن معروفاً من قبل، وقد ثبت إنه لا يجوز أن يراد به الإمامة على ما قاله بعضهم. وثبت انه لن يرد به استحقاق الولاء على ما روي من ان منافرة وقعت بين علي وزيد بن حارثة في ذلك... فكيف يحمل عليه وقد قال له عمر: اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن. وفي بعض الاخبار هنالك اصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة. حتى روي عن جماعة من الأنصار كأبي ايوب وغيرهم أنهم عند ذلك سلموا عليه وقالوا له: يا مولانا، وبطل أن يراد بذلك النص والموالاة، لأن ذلك كان معروفاً لأمير المؤمنين من قبل، فيجب حمله على أن المراد به أنه يليه في الفضل وأفضلهم عنده، لأن ذلك ما يجوز أن يجمع له الناس لما فيه من التشريف العظيم الذي يبين به من غيره.(1).

ثالثاً: - قوله صلی الله علیه و آله وسلم لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»(2) قال الاسكافي: «أما أريد به في باب الإمامة، وقد علمنا

ص: 64


1- القاضي: المغني 20 / 2 / 125 - 126
2- اخرجه: ابن حنبل: المسند 1 / 4، 173 / 368. رسائل الجاحظ السياسية ص 220، 234 - 239. البخاري: الصحيح 5 / 90. البلاذري: انساب 2 / 96. ابن ماجه: صحيح 1 / 25 - 27. الترمذي: صحيح 12 / 171، 175. النسائي: خصائص ص 48 - 50. البهيقي: المحاسن والمساوئ ص 44. ابن عبد ربه: العقد الفريد 4 / 311. الملطي: التنبيه ص 25. الطبراني: المعجم الكبير 12 / 78. الحاكم: المستدرك 3 / 117، 144. ابن حزم: الفصل 4 / 159، 224. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1097 - 1098. المغازلي: مناقب ص 27 - 37. سبط ابن الجوزي: تذكره ص 18 - 20، 23. النووي: تهذيب الاسماء 1 / 1 / 346. الخوارزمي: المناقب ص 19، 59. محب الدين: ذخائر العقبى ص 73. الرياض 2 / 214 - 216. الجويني: فرائد السمطين ص 116، 122، 126، 317، 329. ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 335، 339 - 342. الهيثمي: مجمع الزوائد 9 / 120. ابن حجر: الإصابة 2 / 509. تهذيب التهذيب 7 / 337. لسان الميزان 2 / 325. السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 168. الهيثمي: الصواعق ص 118 - 119. تجدر الاشارة إلى أن هناك حديثاً مشابهاً مضمونه «أبو بكر مني بمنزلة هارون من موسى «ولقد اعتبره الذهبي موضوعاً. أنظر ميزان الاعتدال 3 / 122

خلافه أو في باب أنه خلّفه على قومه على ما روي في غزاة تبوك عند كلام المنافقين وأنه أراد أن يزيل الشبهة في أن يبين إنه خلَّفه على أمر هو أعظم أثراً من إخراجه معه في الجهاد، أو يراد بذلك في باب المؤازرة والمعاونة على ما كلف وحمل، أو يراد بذلك أن يليه في الفضل وإذا بطل باب الإمامة وجب في ما عداه أن يكون الكل مراداً بالكلام إذ كان يحتمله، لأن جميع ذلك يدخل تحت المنازل»(1).

رابعاً: - حديث المؤاخاة: آخى الرسول بين الصحابة بعد الهجرة وقال لعلي: أنت أخي(2).

هذا الدليل عدّه القاضي من أقوى الأدلة التي استدل بها القائلون بأفضلية الإمام علي علیه السلام، ومنهم الاسكافي(3).

خامساً: ما ورد في القرآن الكريم من آيات تشمل الإمام عليّاً كقوله تعالى:

ص: 65


1- القاضي المغني 20 / 2 / 126
2- الجاحظ: رسائل الجاحظ السياسية ص 220. الترمذي: صحيح 12 / 170. ابن حبيب: المحبر ص 70. الحاكم: المستدرك: 3 / 15 - 16. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1098 - 1099. ابن المغازلي: مناقب ص 37 - 39. ابن الجوزي: صفة الصفوة 1 / 312. النووي: تهذيب الاسماء 1 / 1 / 348. محب الدين: الرياض 2 / 220. الجويني: فرائد السمطين ص 116 - 121. ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 336. السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 166، 170، المتقي الهندي: كنز العمال 12 / 200، 203، 206 207. الهيثمي: الصواعق ص 120
3- القاضي: المغني 20 / 2 / 126 - 127

«إِّنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»(1).

وآية المباهلة(2)، وقوله تعالى:

«وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ»(3).

أشار ابن أبي الحديد إنه وقع بيده كتاب للاسكافي يذكر فيه عقيدته في التفضيل إذ يقول: «ثم وقع بيدي بعد ذلك كتاب لشيخنا أبي جعفر الاسكافي ذكر فيه ان مذهب بشر بن المعتمر، وابي موسى، وجعفر بن مبشر، وسائر قدماء

ص: 66


1- سورة الاحزاب 33. وانظر: الترمذي: صحيح 12 / 200. النسائي: خصائص ص 49. الطبري: جامع البيان 22 / 5 - 8. البيهقي: المحاسن ص 87. الحاكم: المستدرك 3 / 158 - 160. الواحدي: أسباب النزول ص 239 - 240. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1100. ابن المغازلي: المناقب ص 301 - 307. الخوارزمي: المناقب ص 23، 73. الزمخشري: الكشاف 1 / 369. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 17، 233. ابن تيمية: منهاج السنة 2 / 121
2- وهي قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ». سورة آل عمران (61). الترمذي: صحيح 11 / 126، 173. الطبري: جامع 4 / 299 - 301. البيهقي: المحاسن ص 42. الحاكم: المستدرك 3 / 163. الواحدي: أسباب النزول ص 67 - 68. ابن المغازلي: المناقب ص 263. الزمخشري: الكشاف 1 / 368 - 369. النووي: تهذيب 1 / 1 / 347. محب الدين: الرياض 2 / 248. ابن كثير: البداية 7 / 340. ابن حجر: الاصابة 2 / 509. السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 169. الهيثمي: الصواعق ص 113، 143، 155
3- سورة الانسان آية (8). الواحدي: أسباب النزول ص 296. الزمخشري: ربيع الابرار 2 / 147 - 148. الكشاف 4 / 670. الخوارزمي: المناقب ص 192. محب الدين: الرياض 2 / 274، 302. ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 359

البغداديين أن أفضل المسلمين علي بن أبي طالب، ثم ابنه الحسن، ثم ابنه الحسين، ثم حمزة بن عبد المطلب ثم جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر بن أبي قحافة، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان»(1) سادساً: أبو الحسين الخياط(2) ت 300 ه هو عبد الرحيم بن محمد بن عثمان الخياط، تولى زعامة معتزلة بغداد، وكان قد تصدى لأحد الخارجين على الاعتزال ألا وهو ابن الراوندي(3)، فألّف ضده كتاب الانتصار.

كان الخياط ممن يقول بتفضيل الإمام علي علیه السلام إذ قال: «الاقتصاد في التشييع حق، وهو ديننا، وهو وضع علي بن أبي طالب حيث وضعه الله»(4).

ولما سئل عن أفضل الصحابة قال: «امير المؤمنين علي بن أبي طالب، لأن الخصال التي فضّل الناس بها متفرقة في الناس وهي مجتمعة فيه، وعد الفضائل فقيل: فما منع الناس من العقد له بالإمامة؟ فقال: هذا باب لا علم لي به إلا بما

ص: 67


1- الشرح 11 / 119
2- أنظر ترجمته: القاضي: فضل الاعتزال ص 296 - 297. البغدادي: الفرق ص 107 - 108. الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 97 - 98. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 85 - 88. ابن حجر: لسان الميزان 4 / 8 - 9
3- أبو الحسين احمد بن يحيى اسحق الراوندي، عدّ من الطبقة الثامنة للمعتزلة ثم خرج عليهم وألف كتاب فضيحة المعتزلة رد به على كتاب فضيلة المعتزلة للجاحظ، فرد عليه الخياط بكتاب الانتصار. الخياط: الانتصار ص 11، 78، ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 92. الخوانساري: روضات الجنات 1 / 193 - 195
4- الانتصار: ص 112

فعل الناس وتسليمه الأمر على ما امضاه عليه الصحابة لأني لما وجدت الناس قد عملوا ولم أره أنكر ذلك ولا خالف علمت صحة ما فعلوا»(1).

يمكن القول ان جواب الخياط يثير الاستغراب، إذ إن ما توصل إليه من أفضلية الإمام علي علیه السلام على سائر الأمة لم يتأت له إلا بعد استقراءه لمصادر الصدر الأول للأسلام، ومن خلال هذا الاستقراء قطع الخياط بلا نقاش بأفضلية الإمام علي علیه السلام، ولكن العجب كيف لم يجد جوابا عن سبب عدم عقد الإمامة للإمام علي علیه السلام. والحال ان المصادر واحدة فمن خلالها يتم إثبات أفضلية الإمام علي علیه السلام وأيضا يجد فيها الجواب على سبب عدم عقد الإمامة له؟!! والأشد غرابة قوله إن الامام لم ينكر ولم يخالف؟!! إذ كيف يخفى ذلك على مثل الخياط؟!! وعقب باحث معاصر على موقف الخياط هذا قائلاً: (وفي ظل هذا التفسير يسقط الخياط كل الدعوات المتطرفة التي حاول اصحابها خلق ثغرة مذهبية ضيقة في صفوف المسلمين أو إحداث الانشقاق داخل المجتمع العربي الاسلامي تحت ستار من الشعارات المحرضة.. وبهذا التفسير أيضاً يثبت أبو الحسين عقلانية الاتجاه الثوري وحيويته الذي يتجه بحركته الواعية إلى ما هو موجود وإلى ما ينبغي أن يكون بدراية نقدية تلتقط وتبوّب، تحلّل وتركّب وتستخلص نتائج تجربتها الفكرية داخل التاريخ وفي عمق حركته، لتنتفي فيما بعد كل الاتجاهات المذهبية والعنصرية المريضة، التي لم تستطع أن تنفذ إلى الحياة الاجتماعية فعاشت متطفلة على محيطها)(2).

ص: 68


1- ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 86
2- الراوي: ثورة العقل ص 180 - 181

ويلاحظ ان الباحث أعلاه قد ذهب بعيدا فالسائل كان وجيهاً في سؤاله!! إذ مادام الإمام علي هو أفضل الصحابة بنظر الخياط فلماذا لم يعقدوا له الإمامة؟!! وقد يكون السائل من المعتزلة اصحاب الخياط الذي اشاد به الباحث. ولم يتضح من سؤال السائل وجواب الخياط ما هول له هذا الباحث؟!! سابعا: أبو القاسم الكعبي ت 319 ه(1):

عبد الله بن احمد بن محمود البلخي، ولد في بلخ ثم انتقل إلى بغداد ودرس على يد الخياط حتى أصبح من المتحمسين لآراء معتزلة بغداد والمدافعين عنها وكان له دور في إسلام كثير من أهل خرسان.

يرى الكعبي ان مسألة وجوب نصب الإمام عقلية وليست سمعية أي حتى لو لم ينص على نصب إمام فإنه يجب على المسلمين أن ينصّبوا إماما لأن مصلحة المسلمين الدينية تقتضي ذلك(2).

اما في التفضيل فيذهب إلى أن الإمام علياً علیه السلام (لو نازع عقيب وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، وسل سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه وتقدم عليه كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه، ولكنه مالك الأمر وصاحب الخلافة إذا طلبها،

ص: 69


1- أنظر ترجمته: الهمذاني: تكملة تاريخ الطبري ص 271. القاضي: فضل الاعتزال ص 297. البغدادي: الفرق ص 108 - 110. الخطيب: تاريخ بغداد 9 / 384، ابن الجوزي: المنتظم 6 / 238، ابن خلكان: وفيات الاعيان 3 / 45. الذهبي: العبر 2 / 4، ابن كثير: البداية 11 / 164، المقريزي: الخطط 2 / 348، ابن حجر: لسان الميزان 3 / 255 - 256. ابن قطلو بغا: تاج التراجم ص 31. القرشي: الجواهر المضية 1 / 271، المشهداني: فلسفة أبو القاسم الكعبي: رسالة دكتوراه غير منشورة
2- القاضي: شرح الاصول الخمسة ص 758 - 759

وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها، وإذا امسك عنها وجب علينا القول بعدالة من اغضى له عليها، وحكمه في ذلك حكم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، لأنه قد ثبت عنه في الاخبار الصحيحة انه قال: علي مع الحق، والحق مع علي يدور حيثما دار(1)، وقال غير مرة: حربك حربي، وسلمك سلمي(2))(3).

ان القول بالتفضيل لدى معتزلة بغداد نجده قد سرى فيما بعد إلى متأخري معتزلة البصرة فممن قال بالتفضيل منهم:

أولاً: أبو علي الجبائي (235 - 303 ه)(4)

ص: 70


1- اخرجه الترمذي: صحيح 12 / 166. الحاكم: المستدرك 3 / 119، 124، 135. ابن الطيب: المعتمد 2 / 945 - 946. الخطيب: تاريخ بغداد 14 / 321. الخوارزمي: المناقب ص 56 - 57. الزمخشري: ربيع الابرار 1 / 828. الجويني: فرائد السمطين 1 / 177. الهيثمي: مجمع الزوائد 7 / 236
2- ابن حنبل: المسند 2 / 442. الطبراني: المعجم الكبير 3 / 40. الحاكم: المستدرك 3 / 161. الخطيب: تاريخ بغداد 7/ 137. ابن المغازلي: مناقب ص 63 - 64. الخوارزمي: المناقب ص 76 - 91. محب الدين: الرياض النظرة 2 / 249. ابن تيمية: منهاج السنة 2 / 231. ابن كثير: البداية والنهاية 8 / 36. ابن حجر: الصواعق ص 142
3- الشرح: 2 / 296 - 297
4- أنظر ترجمته: الملطي: التنبيه ص 39 - 40. ابن النديم: الفهرست ص 6 (تراجم ملحقة بآخر الكتاب). الهمذاني: تكملة تاريخ الطبري ص 208 - 209. القاضي: فضل الاعتزال ص 287 - 296. البغدادي: الفرق ص 110 - 111. الشهرستاني: الملل والنحل 1 / 98 - 108. السمعاني: الانساب 3 / 187. ابن الاثير: اللباب: 1 / 208. ابن خلكان: وفيات 4 / 267 - 269. الصفدي: الوافي 4 / 74 - 75. ابن كثير: البداية 11 / 125. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 94 - 96. المقريزي: الخطط 2 / 348. ابن حجر: لسان الميزان 5 / 271

محمد بن عبد الوهاب ولد في جبا(1)، ثم رحل إلى البصرة والتقى بأبي يعقوب الشحام(2) الذي انتهت إليه رئاسة معتزلة البصرة، وبعد وفاة الشحام ترأس الجبائي معتزلة البصرة وبغداد، وقد عرف بغزارة انتاجه العلمي سواء في التفسير أو الفقه أو الكلام، وقد عدّه القاضي في الطبقة الثامنة من طبقات المعتزلة.

كان في البدء متوقفا في تحديد الأفضل وهذا يتضح مما جاء به القاضي(3)، وإن (كان يميل إلى التفضيل ولا يصرح به، وإذا صنف ذهب إلى الوقف في مصنفاته، وقال في كثير من تصانيفه: إن صح خبر الطائر فعلي أفضل، ثم أن قاضي القضاة رحمه الله ذكر في شرح المقالات(4) لأبي القاسم البلخي، إن أبا علي رحمه الله ما مات حتى قال بتفضيل علي علیه السلام وقال: إنه نقل ذلك عنه سماعا ولم يوجد في شيء من مصنفاته وقال أيضا: إن أبا علي رحمه الله يوم مات استدنى ابنه أبا هاشم إليه، وكان قد ضعف عن رفع الصوت، فألقى إليه اشياء من جملتها القول بتفضيل علي علیه السلام(5).

ص: 71


1- تقع جنوبي خوزستان. ياقوت الحموي: معجم البلدان 2 / 97
2- يوسف بن عبد الله أحد معتزلة البصرة، توفي سنة 267 ه، أنظر الملطي: التنبيه ص 39. القاضي: فضل الاعتزال ص 280 - 281. البغدادي: الفرق ص 107. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 71 - 72
3- المغني 20 / 2 / 114، 117 - 8، 125 133
4- ألّفه سنة 279 ه، وطرح فيه وجهة نظر الاعتزال، أنظر ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 89، حاجي خليفة: كشف الظنون 2 / 1782
5- الشرح: 1 / 7 - 8

وقال القاضي: إن البعض لجهلهم بأبي علي الجبائي يرمونه بالنصب (وكيف وقد نقض كتاب عبّاد(1) في تفضيل أبي بكر ولم ينقض كتاب الاسكافي المسمى المعيار والموازنة، في تفضيل علي على أبي بكر)(2).

ثانيا: الشيخ المرشد أبو عبد الله الحسين بن علي البصري(3) ت 367 ه:

من فقهاء ومتكلمي مدرسة معتزلة البصرة وهو من تلامذة أبي هاشم الجبائي، وعدّه القاضي في الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة، وكان يميل إلى الإمام علي علیه السلام ميلا عظيما، وصنف كتاب التفضيل وأحسن فيه غاية الاحسان(4).

قال ابن أبي الحديد: كان متحققا بتفضيله ومبالغاً في ذلك، وصنف فيه كتاباً مفرداً(5).

ولما سُئِلَ: أتجد في النصوص ما يدل على تفضيل علي علیه السلام، بمعنى كثرة الثواب لا بمعنى كثرة مناقبه، فإن ذلك أمر مفروغ منه؟ فذكر حديث الطائر

ص: 72


1- عباد بن سليمان من تلامذة هشام الفوطي، وله كتاب الابواب الذي نقضه أبو هاشم الجبائي وكتاب تفضيل أبي بكر وردّ عليه الجبائي أيضاً. الملطي: التنبيه والرد ص 39. ابن النديم: الفهرست ص 247، ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 77 - 78، 84، 101. ابن حجر: لسان الميزان 3 / 229 - 230
2- ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 84
3- أنظر ترجمته: ابن النديم: الفهرست ص 248. القاضي: فضل الاعتزال ص 325 - 328. أبو حيان: الامتاع والمؤانسة 1 / 140. ابن الجوزي: المنتظم 7 / 101. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 105 - 107. ابن حجر: لسان الميزان 2 / 303. اللكنوي: الفوائد البهية ص 67. الداوودي: طبقات المفسرين 1 / 159
4- ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 107
5- الشرح: 1 / 8

المشوي، إذ ان المحبة من الله إرادة الثواب، فقيل له: قد سبقك الشيخ أبو علي رحمه الله تعالى إلى هذا فهل تجد غير ذلك؟ فقال: نعم! قوله تعالى:

«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ اَّلذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَّنَهُمْ بُنَيَانٌ مَرْصُوصٌ»(1).

فإذا كان أصل المحبة لمن ثبت كثبوت البنيان المرصوص فكل من زاد ثباته زادت المحبة له، ومعلوم أن عليا علیه السلام ما فرّ في زحف قط، وفرَّ غيره في غير موطن(2).

ثالثاً: قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن احمد الهمداني(3) ت 415 ه:

«وهو الذي فتق علم الكلام، وتكلم في دقيقه وجليله، وإليه انتهت رئاسة المعتزلة وصار المعتمد على كتبه ومسائله»(4).

ومن خلال ما جاء في كتاب المغني يتضح انه كان متوقفا(5) ويقول مانكديم تلميذ القاضي (وقد كان قاضي القضاة يتوقف في الأفضل من هؤلاء

ص: 73


1- سورة الصف آية 4
2- الشرح: 3 / 264
3- أنظر ترجمته: الجشمي: الطبقتان الحادية عشرة والثانية عشرة من كتاب سرح العيون ص 365 - 375. الذهبي: العبر 2 / 229. اليافعي: مرآة الجنان 3 / 29. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 112 - 113. ابن حجر: لسان الميزان 3 / 386 - 387. الداوودي: طبقات المفسرين 1 / 262 - 263. بدوي: مذاهب الاسلاميين 1 / 380 - 484. عثمان: قاضي القضاة عبد الجبار ابن احمد الهمداني ص 11، وما بعدها. االراوي: القاضي عبد الجبار ص 28 - 60، البطاط: قاضي القضاة ص 12 - 176
4- ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 112 - 113
5- المغني: 20 / 2 / 112 - 144

الاربعة كالشيخين إلى أن شرح هذا الكتاب (شرح الاصول الخمسة) فقطع على أن أفضل الصحابة امير المؤمنين علي علیه السلام)(1).

وقال ابن أبي الحديد: (ذكر ابن متويه في كتاب الكفاية(2) في علم الكلام إنه كان من المتوقفين بين علي علیه السلام وابي بكر ثم قطع على تفضيل علي علیه السلام بكامل المنزلة)(3).

رابعاً: ابن متويه:

هو أبو محمد الحسن بن احمد بن متويه(4) ت 469 ه من معتزلة البصرة، تتلمذ على يد القاضي عبد الجبار وله عدة مؤلفات في الكلام، أكد في كتابه الكفاية على تفضيل الإمام علي علیه السلام (واحتج لذلك وأطال في الاحتجاج)(5).

خامسا: أبن أبي الحديد يؤكد ابن أبي الحديد ان اعتقاده كاعتقاد سائر معتزلة بغداد في إثبات أفضلية الإمام علي علیه السلام ويقول: (وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الأفضل؟ وهل المراد به الأكثر ثوابا أم الأجمع لمزايا الفضل والخصال الحميدة؟ وبيّنا أنه علیه السلام أفضل على التفسيرين معا)(6).

ص: 74


1- شرح الاصول الخمسة ص 767
2- من الكتب المفقودة حيث لم يشر إليه حاجي خليفة في كشف الظنون 2 / 1496 - 1502. ولا صالحيه: المعجم الشامل 5 / 24
3- الشرح: 1 / 8
4- أنظر ترجمته: الجشمي: الطبقتان ص 389. ابن المرتضى: طبقات المعتزلة ص 119، صبحي: في علم الكلام 1 / 272
5- الشرح: 1 / 8
6- الشرح: 1 / 9

والملاحظ ان ابن أبي الحديد افتتح شرحه لنهج البلاغة بالحديث عن القول في التفضيل(1)، وأخذ يؤكد على هذه المسألة في ثنايا كتابه كلما سنحت الفرصة محاولا إثبات صحة ما يذهب إليه معتزلة بغداد في القول بالتفضيل وقد كان هذا الإجماع من معتزلة بغداد وكثير من معتزلة البصرة مثار اعجابه وسروره فعد ذلك أعدل المذاهب(2) حيث يقول: (فأعجبني هذا المذهب وسررت به بأن ذهب الكثير من شيوخنا إليه، ونظمته في الأرجوزة التي شرحت بها عقيدة المعتزلة فقلت(3):

وخيرُ خلقِ اللهِ بعدَ المصطفى *** وخيرُ خلقِ اللهِ بعدَ المصطفى

بعلُ البتولِ المرتضى علي *** أعظمهم يومَ الفخارِ شرفا

وابناه ثمَّ حمزةٌ وجعفرٌ *** ثم عتيقٌ بعدهُم لا ينكرُ

المخلصُ الصديقُ ثم عمرُ *** فاروقُ دينِ اللهِ ذاكَ القسورُ

وبعدَهُ عثمانُ ذو النورينِ *** هذا هو الحقُ بغيرِ مين

وأكد ابن أبي الحديد ان القول بتفضيل الإمام علي علیه السلام كان معروفا لدى البعض من كبار الصحابة والتابعين، فمن الصحابة عمّر بن ياسر والمقداد(4) وأبو ذر الغفاري وسلمان المحمدي وجابر بن عبد الله الانصاري(5) وأبُی بن

ص: 75


1- الشرح: 1 / 7 - 9
2- الشرح: 2 / 297
3- الشرح: 11 / 120
4- هو المقداد بن عمرو الكندي، هاجر متخفيا بعد الهجرة ونال حظوة لدى الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، توفي سنة 33 ه. الطبري: المنتخب ص 506. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1480 - 1482
5- لم يشهد بدرا لأنّه صغير وشهد سائر المشاهد واشترك في صفين مع الإمام علي علیه السلام، توفي سنة 74 ه. الطبري: المنتخب ص 526. الكشي: رجال ص 42 - 45. ابن عبد البر: الاستيعاب 1 / 220

كعب(1) وحذيفة بن اليمان(2) وبريده بن الحصيب الاسلمي(3) وأبو ايوب الانصاري(4) وسهل بن حنيف(5) وعثمان بن حنيف(6) وأبو الهيثم بن التيهان(7)........................................................

ص: 76


1- انصاري شهد العقبة الثانية وهو من قرّاء الصحابة مات في خلافة عمر أو عثمان بن سعد: الطبقات 2 / 340 - 341. مسلم: الصحيح 16 / 19. الجهشياري: الوزراء والكتاب ص 12. ابن النديم: الفهرست ص 40 - 41. ابن عبد البر: الاستيعاب 1 / 65 - 67. الذهبي: معرفة القراء الكبار 1 / 32
2- كان يسمى صاحب سر المنافقين، وهو أحد الأنصار مات سنة 36 ه. الطبري: المنتخب ص 573. الكشي: رجال ص 37 - 38. الحاكم: المستدرك 3 / 427 - 428. ابن عبد البر: الاستيعاب 1 / 334 - 335
3- انصاري شهد الحديبية وبيعة الرضوان مات أيام يزيد بن معاوية بمرو، ابن عبد البر: الاستيعاب 1 / 185 - 186
4- خالد بن يزيد انصاري شهد سائر مشاهد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وصفين والنهروان مع الإمام علي علیه السلام ومات على حدود بيزنطة أيام معاوية. الطبري: المنتخب ص 515. البيهقي: المحاسن والمساوئ ص 136 - 137. الحاكم: المستدرك 3 / 518 - 523. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 166 - 167
5- انصاري من الأوس شهد مشاهد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم واستخلفه الإمام علي على المدينة أيام خلافته توفي سنة 38 ه بالكوفة. رسائل الجاحظ السياسية: ص 240. الطبري: المنتخب ص 512. الحاكم: المستدرك 3 / 461 - 466. ابن عبد البر: الاستيعاب 2 / 162 - 163
6- أخو سهل بن حنيف تولى مهمة مسح السواد للخليفة عمر بن الخطاب وتولى البصرة للإمام علي علیه السلام. الطبري: المنتخب: ص 535. الشريف الرضي: المجازات النبوية ص 156. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1033
7- مالك بن التيهان انصاري من الأوس أحد النقباء ليلة العقبة وممن شهد بدراً وشهد صفين مع الإمام علي علیه السلام وقتل فيها، الحاكم: المستدرك 3 / 323 - 324. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1773. ابن الجوزي: صفة الصفوة 1 / 462 - 463

............................... وخزيمة بن ثابت(1) وأبو الطفيل عامر بن وائلة(2) والعباس بن عبد المطلب وبنوه وبنو هاشم كافة، وبنو المطلب كافة بل حتى الزبير بن العوام كان أولا من القائلين بالتفضيل ثم رجع عنه، وكان من الأسرة الأموية من يقول بالتفضيل مثل خالد بن سعيد بن العاص(3) وعمر بن عبد العزيز(4).

أمّا من التابعين فمن قال بأفضلية الإمام علي علیه السلام ذكر ابن أبي الحديد منهم، أويسا القرني(5). وزيدَ بن صوحان(6) ....................................

ص: 77


1- انصاري عرف بذي الشهادتين شهد مشاهد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وقتل بصفين مع الإمام علي علیه السلام، الشرح: 10 / 108 - 109. الطبري: المنتخب ص 511، 572. ابن عبد البر: الاستيعاب 2 / 448، ابن الجوزي: صفة الصفوة 1 / 702
2- أسلم يوم أحد وكان آخر من بقي من الصحابة ممن رأى النبي صلی الله علیه و آله وسلم شهد مشاهد الإمام علي علیه السلام، توفي سنة 100 ه: ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1696 - 1697
3- أسلم منذ بواكير الدعوة الاسلامية وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وولّه الرسول صلی الله علیه و آله وسلم اليمن، وكان ممن دعا لبيعة الإمام علي علیه السلام، الشرح: 6 / 31 - 33. رسائل الجاحظ السياسية: ص 252 - 253. الحاكم: المستدرك 3 / 277 - 280
4- الشرح: 20 / 222 - 225
5- اويس بن عامر، تابعي شهد صفين مع الإمام علي علیه السلام ويرجح البعض انه قتل فيها. ابن سعد: الطبقات 7 / 132. مسلم: الصحيح: 16 / 94. الطبري: المنتخب ص 627 - 628. الحاكم: المستدرك 3 / 455 - 461. أبو نعيم: حلية الاولياء 2 / 79 - 87
6- أسلم على عهد النبي صلی الله علیه و آله وسلم وشارك مع الإمام علي علیه السلام في معركة الجمل وقتل فيها، الكشي: رجال ص 63 - 64. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 8 / 439 - 440. ابن عبد البر: الاستيعاب 2 / 555 - 557

...................وأخاه صعصعة بن صوحان(1) وجندب الخير(2) وعبيدة السلماني(3) وغيرهم(4).

وأضاف ابن أبي الحديد: (ولم تكن لفظة الشيعة تعرف في ذلك العصر إلا لمن قال بتفضيله ولم تكن مقالة الإمامية … على هذا النحو من الاشتهار فكان القائلون بالتفضيل هم المسمون الشيعة، وجميع ما ورد من الآثار والأخبار في فضل الشيعة وأنهم موعودون بالجنة(5)، فهؤلاء هم المعنيون به دون غيرهم، ولذلك قال أصحابنا المعتزلة في كتبهم وتصانيفهم: نحن الشيعة حقاً، فهذا القول هو اقرب إلى السلامة وأشبه بالحق من القولين المقتسمين طرفي الافراط والتفريط إن شاء الله)(6).

ان المعتزلة بقولها بالتفضيل لا على اساس النص كما تعتقد الإمامية وإنما

ص: 78


1- كان من سادات عبد القيس معروفا بالفضل والدين والبلاغة، ويعد من أصحاب الإمام علي علیه السلام حيث شارك معه في صفين، ثم نفاه المغيرة إلى البحرين في خلافة معاوية. الكشي: رجال ص 64 - 65. ابن عبد البر: الاستيعاب 2 / 717. ابن حجر: الاصابة 2 / 200. المرصفي: رغبة الآمل 7 / 138
2- جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي له صحبة، أخذ عنه الحسن البصري وابن سيرين، ابن عبد البر: الاستيعاب 2 / 256 - 257، ابن حجر: الاصابة 1 / 248 - 249
3- عبيده بن عمرو السلماني أسلم أيام النبي صلی الله علیه و آله وسلم وعد من أصحاب ابن مسعود الفقهاء، ومن أصحاب الإمام علي علیه السلام ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1023
4- الشرح: 20 / 226
5- أنظر مثلا: سبط بن الجوزي: تذكرة ص 54
6- الشرح: 20 / 226، وانظر الملطي: التنبيه ص 35

على أساس أفضلية الإمام ذاته لكثرة فضائله ومناقبه(1)، ومع القول بأفضلية الامام لكن المعتزلة تحكم بصحة خلافة المفصول، فكل من سبق الإمام علياً علیه السلام بالخلافة فخلافته صحيحة بلحاظ موقف الإمام علي علیه السلام، فلو نازع الإمام علي علیه السلام لحكم بتفسيق المنازع له ما لم يتب فإذا ثبتت توبته يحكم المعتزلة له بالجنة، وإذا لم تثبت يحكمون له بالنار(2).

وفي الفصول التالية نستعرض رؤية معتزلة بغداد في تفضيل الإمام علي علیه السلام بإسهاب.

ص: 79


1- الشرح: 1 / 157، 9 / 305، 307، 10 / 254. إن الإمامية بقولها بأفضلية الإمام علي علیه السلام تعتمد على النص مضافاً إلى فضائل الإمام علي علیه السلام التي فاق بها الآخرين، اما المعتزلة فتنفي النص وتعتمد على الفضائل فقط. أنظر: العلاّمة الحلي: الألفين في إمامة أمير المؤمنين ص 11 وما بعدها. كشف المراد ص 7 وما بعدها
2- الشرح: 1 / 157، 2 / 296 - 297، 9 / 328، 10 / 255، 20 / 221 - 222

ص: 80

الفصل الأول عراقة النسب

ص: 81

ص: 82

الفصل الأول عراقة النسب

كان أمير المؤمنين علیه السلام في مصاص الشرف ومعدنه ومعانيه لا يشك عدو ولا صديق انه أشرف خلق الله نسبا بعد ابن عمه رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم(1). فهو أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي(2)، ينتمي إلى قبيلة قريش(3) اصرح القبائل العربية، والتي نزل القرآن بلهجتها(4)، وهو من أعرق بطونها وأشرفها - بني هاشم - (5).

ص: 83


1- ابن أبي الحديد: الشرح 1 / 51
2- لا يكاد يخلو مصدر من مصادرنا الاولية أيا كان نوعها من إشارة إلى سيرة الإمام علي علیه السلام إلّا ما ندر، لذا لا نجد مسوغاً للاشارة لمصادر ترجمته، ومن إراد فعليه بهذا الكتاب الذي حاولنا الألمام قدر الامكان بعدد من مصادر ترجمته
3- عن قبيلة قريش أنظر: الجميلي: قبيلة قريش ص 5 وما بعدها
4- ابن خلدون: المقدمة ص 1041. هاشم يحيى الملاح: الوسيط في تاريخ العرب قبل الإسلام ص 304
5- ان اعداد رسالة جامعية اكاديمية حول قبيلة بني هاشم سيعطي صورة اوضح ليس على نطاق مكة فحسب بل مجمل الجزيرة العربية، والعالم القديم يومذاك، لذا يلفت الباحث نظر الباحثين الكرام لدراسات كهذه

ولهاشم(1) بن عبد مناف تاريخ معروف وحافل بالأمجاد، كان اسمه أولا عمراً، ولقب بالقمر لجماله، ولما أصابت قريش ضائقة اقتصادية أخذ يهشم لهم الخبز ثريدا، فلقب بهاشم وغلب هذا اللقب عليه ومن أشهر أعماله (الايلاف)، حيث كان هاشم كثير السفر والتجارة، ففي الشتاء يتجه إلى اليمن وفي الصيف إلى بلاد الشام، وشاركه في تجارته زعماء القبائل العربية، وأخذ عهوداً من ملوك الأطراف، فكانت تجارته تدر الربح الوفير، بعد أن تمكن بوساطة هذه العهود من حماية تجارته من مخاطر الطريق، لذلك ازدهرت تجارة قريش حتى قال فيه الحارث بن حنش السلمي(2):

إن اخي هاشماً *** ليس أخا واحد

الآخذ الاياف و *** القائمُ للقاعدِ

ولهذا فسر البعض قوله تعالى:

«وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ»(3).

أي ان تجارتهم اصبحت آمنة من مخاوف الطريق(4).

ص: 84


1- عقد ابن أبي الحديد فصلا اوضح فيه أفضلية بني هاشم قبل الإسلام وبعده، مبرزا أهم الانجازات التي تحققت على يد رجالاتهم. شرح نهج البلاغة 15 / 198 - 295. وانظر: الجاحظ: رسالة فضل هاشم على عبد شمس ضمن رسائل الجاحظ السياسية ص 407 - 60. وكذلك رسالة الاوطان والبلدان ص 106 - 110
2- هو أخو هاشم وعبد شمس والمطلب أبناء عبد مناف من أمهم عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالح ابن ذكوان بن سليم. ينظر: ابن حبيب: المنمق ص 43. البلاذري: أنساب الأشراف 1 / 59
3- سورة قريش، آية 4، أنظر الزمخشري: الكشاف 4 / 801
4- الشرح 5 / 199 - 203. وانظر الجاحظ: رسائل الجاحظ، تحقيق السندوبي ص 68 - 71. الطبري: تاريخ 2 / 251 - 252. أبو هلال العسكري: الاوائل ص 21 - 22

وتولى هاشم الرئاسة والسقاية والرفادة(1) بعد أبيه من دون إخوته، فازدادت مكانة مكة في زمانه حيث كانت موردا لجموع الحجاج من ارجاء الجزيرة العربية، لذا دعا هاشم أهل مكة إلى ضرورة الاهتمام بموسم الحج من حيث توفير الامن والطعام والشراب، والظرف اللازم لتأدية مناسك الحج فكان لذلك أثره في ازدهار مكانة مكة في داخل الجزيرة العربية وخارجها(2).

ان توفير الطعام في بيئة فقيرة يعد من اكبر الفضائل التي يمدح صاحبها، وبسببها ينال الاحترام، والمؤاكلة تعد جواراً عند العرب، فإطعام قريش لقبائل العرب يعني إنها تنال احترام القبائل العربية لها وعقداً للجوار من هذه القبائل لذا أصبحت قريش آمنة عند سيرها في اراضيها(3).

ومن مآثر هاشم بن عبد مناف انه خلفه في الزعامة ولدٌ يحمل سيماه ألا وهو عبد المطلب، واسمه شيبة الحمد، وسيد الوادي بلا مدافع، أجمل الناس جمالا، وأظهرهم جودا، وأكملهم كمالا،ً وهو صاحب الفيل، والطير الأبابيل، وصاحب زمزم، وساقي الحجيج وقد أعطاه الله في زمانه وأجرى على يديه، وأظهر من كرامته ما لا يعرف إلا لنبيّ مرسل، وهذا ما نجده في كلامه لأبرهة وتوعّده إياه برب الكعبة وفعلا تحقق وعيده بقتل أصحاب الفيل بالطير الأبابيل والحجارة السجيل حتى تُركوا كالعصف المأكول(4).

ص: 85


1- الرفادة: توفير الطعام للحجيج، وأول من أوجده قصي. أنظر الطبري: تاريخ 2 / 260
2- الشرح 15 / 209 - 213. وانظر اليعقوبي: تاريخ 1 / 212 - 214. الطبري: تاريخ 2 / 252 - 254
3- الملاح: الوسيط في تاريخ العرب قبل الإسلام ص 382
4- إشارة لما جاء في سورة الفيل

وهذا من أعجب البراهين وأسنى الكرامات وقد يكون ذلك ارهاصاً للنبوة وتأسياً لما اراده الله من الكرامة وليجعل بهاء عبد المطلب متقدماً وإشارة لنبوة النبي صلی الله علیه و آله وسلم حتى يكون أشهر في الآفاق وأجل في صدور الفراعنة والجبابرة والأكاسرة، وأن يقهر المعاند ويكشف غباوة الجاهل(1).

يقول الجاحظ: (ولو عزلنا ما أكرمه الله به من النبوة حتى نقتصر على اخلاقه ومذاهبه وشيمه، لما وفى به بشر ولا عدّ له شيء، ولو شئنا أن نذكر ما أعطى الله به عبد المطلب من تفجر العيون وينابيع الماء من تحت كلكل بعيره(2)، واخفافه بالأرض القسي، وبما أُعطى من المساهمة وعند المقارعة من الأمور العجيبة)(3).

إن أشهر ما وقع في عهد عبد المطلب هو ما عرف بحملة الفيل(4)، تلك الحملة التي قادها أبرهة الحبشي في محاولة منه لهدم الكعبة وصرف العرب عن الحج إليها، ومن ثمّ دفعهم إلى التوجه نحو كنيسة بناها في اليمن اسمها

ص: 86


1- الشرح 15 / 200 - 201. وانظر الجاحظ: رسالة في فضل بني هاشم على بني عبد شمس، ص 411 - 412. أبو الفرج: الاغاني 1 / 15، الشهرستاني: الملل والنحل 3 / 223 - 224. وأوضح السيوطي أن عبد المطلب كانت لديه دلائل على ان محمداً نبي مرسل: الخصائص الكبرى 1 / 201 - 204
2- إشارة لقصة زمزم ومنافرة قريش له. الشرح 15 / 215 - 217، 228 229. وانظر ابن اسحق: السير والمغازي ص 25، ابن هشام: السيرة 1 / 152 - 153. الأزرقي: اخبار مكة 2 / 42 - 48. ابن حبيب: المنمق ص 413 - 416. اليعقوبي: التاريخ 1 / 216 - 220
3- الشرح 15 / 201 - 202. وانظر الجاحظ: رسالة في فضل بني هاشم على بني عبد شمس، ص 412
4- أنظر: خالد العسلي: عام الفيل صورة من الصراع العربي الحبشي، مجلة دراسات في التاريخ والآثار، بغداد، ع 2. 1982، ص 171 - 192

(القليس) في محاولة منه لنشر النصرانية.

وقد أفادت المصادر ان مكانة عبد المطلب ازدادت لدى العرب بعد هذه الحملة، وفي ذلك دلالة على أن ما قام به عبد المطلب له أثر في فشل حملة أبرهة، فلا يصح أن يقال إن عبد المطلب دعا قريشا للذهاب إلى قمم الجبال حتى لا تصيبهم معرة الجيش، وإنه اكتفى بالمطالبة بإبِله التي أخذها جيش أبرهة، أما عن مصير الكعبة فاكتفى عبد المطلب بالقول: أنا رب الأبل، وللبيت رب يحميه(1).

إن موقفا سلبيا كهذا لا يمكن أن يصدر من زعيم مكة إزاء الكعبة التي هي عماد حياة مكة على مختلف الأصعدة، فمكة ما وجدت ولا قامت فيها الحياة إلّا ببناء الكعبة المشرفة، ومكانة مكة السياسية والاقتصادية والدينية كلها متعلقة بالكعبة، إذا فهل يمكن أن نتصور أن عبد المطلب يترك أمر الكعبة كهذه برؤية (إن للبيت رباً يحميه). وإذا كان كذلك فلماذا اعظمت العرب عبد المطلب بعد هذه الحملة؟!! والأصح هو ما أشار إليه اليعقوبي(2) بقوله: (لما قدم أبرهة ملك الحبشة صاحب الفيل مكة ليهدم الكعبة، فتهاربت قريش في رؤوس الجبال، فقال عبد المطلب: لو اجتمعنا فدفعنا هذا الجيش عن بيت الله. فقالت قريش: لا بد لنا به.

فأقام عبد المطلب في الحرم وقال: لا أبرح من حرم الله ولا أعوذ بغير الله فأخذ أصحاب أبرهة إبلاً لعبد المطلب وصار عبد المطلب إلى أبرهة فلما استاذن عليه،

ص: 87


1- أنظر تفاصيل ذلك: الأزرقي: اخبار مكة 1 / 141 - 7، 2 / 42 - 49. الطبري: تاريخ 2 / 130 - 139
2- التاريخ 1 / 221 - 222

قيل له: قد أتاك سيد العرب وعظيم قريش وشريف الناس. فلما دخل عليه أعظمه أبرهة وجلَّ في قلبه لما رأى من جماله وكماله ونبله. فقال لترجمانه: قل له: سل ما بدا لك. فقال: إبلاً لي اخذها اصحابك فقال: لقد رأيتك فأجللتك وأعظمتك وقد تراني حيث تهدم مكرمتك وشرفك فلم تسألني الانصراف، وتكلمني في إبلك، فقال عبد المطلب: أنا ربّ هذا الابل، ولهذا البيت الذي زعمت تريد هدمه ربّ يمنعك منه، فردَّ الإبل وداخله ذعر لكلام عبد المطلب.

فلما انصرف جمع ولده ومن معه ثم جاء إلى باب الكعبة فتعلق به وقال:

لا همَّ أنَّ المرءَ يمنَعُ *** رَحْلَهُ فامنعْ رحالَكْ

لا يغلبَنَّ صليبُهُم *** ومحالَهُم عَدْواً مَحَالَكْ

ولئِنْ فَعَلْتَ فإنَّهُ *** أمرٌ تُتَمُّ بهِ فِعالَكْ

إنْ كُنْتَ تارِكَهُم وقِبْلَتَنا *** فأمرْ ما بدا لَكْ

وأقام بموضعه فلما كان من غد بعث ابنه عبد الله ليأتيه بالخبر، ودنا وقد اجتمعت إليه من قريش جماعة ليقاتلوا معه، إن أمكنهم ذلك، فأتى عبد الله على فرس شقراء يركض، وقد جردت ركبته، فقال عبد المطلب: قد جاءكم عبد الله بشيرا ونذيرا والله ما رأيت ركبته قط قبل هذا اليوم فأخبرهم ما صنع الله بأصحاب الفيل).

إن هذا النص يوضح لنا الواجب الذي كان على عبد المطلب أن يضطلع به لمواجهة أكبر خطر يواجه مدينة مكة، ويتمثل ذلك ب:

أولاً: ثبات عبد المطلب بعد هروب قريش في الجبال حينما أدركت أنه لا طاقة لها بحرب أبرهة فيما كان هو يدعوها للوقوف بوجهه.

ص: 88

ثانياً: مقابلته لأبرهة، تلك المقابلة التي كان لها أكبر الأثر في نفس أبرهة حيث يشير النص إلى أن أبرهة (داخله ذعر لكلام عبد المطلب). وهذا بالتأكيد يوضح لنا حسن استخدام عبد المطلب للحرب النفسية.

ثالثاً: استخدام عبد المطلب لعبارة: (ان للبيت رباً يحميه). لا تعني تركه أمر البيت وإنما تلقي ضوءاً على إيمان عبد المطلب وتوكله على الله سبحانه وتعالى وكأنه يطبق قوله تعالى:

«فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ»(1).

فالملاحظ ان عبد المطلب بعد توكله على الله قام بالعمل الفعلي حيث جمع أولاده ومن معه ثم ساروا نحو الكعبة مرابطين عازمين على الدفاع عنها.

رابعاً: وضع عبد المطلب ما يسمى (بقوة الاستطلاع) لمعرفة اخبار العدو متمثلة بولده عبد الله، واختياره لعبد الله قد يعطينا انطباعا عن كون هذا الابن شخصية مهيأة لمواقف كهذه وهذا لا يعني ان عبد الله كان لوحده بل ربما كان قائدا لقوة الاستطلاع.

خامساً: بعد أن علم الله صدق عزيمة عبد المطلب، أنزل نصره وأهلك أعداءه وكان عبد المطلب قد أوفد ولده عبد الله، الذي عندما عاد إليه قال عنه:

قد جاءكم عبد الله بشيراً أو نذيراً. وفي هذا دلالة على ان عبد المطلب:

كان لديه اعتقاد بتدخل العناية الإلهية.

كان مدركاً لنوايا أبرهة ولذا فسر عودة عبد الله بهذا الشكل بأنه يريد انذارهم من تحرك أبرهة نحو الكعبة.

ص: 89


1- سورة آل عمران، 159

ونتيجة لهذا أصبح عبد المطلب سيد قريش، حيث أعطاه الله من الشرف ما لم يعط أحداً وسقاه زمزم، وحكّمته قريش في اموالها، وأطعم في المحل حتى اطعم الطير والوحوش في الجبال. ورفض عبادة الاصنام(1)، حتى عدَّه ابن أبي الحديد من المتألّين البعيدين عن القبائح(2).

وقد سنَّ عبد المطلب سنناً نزل القرآن بأكثرها، وأثبتتها السنة الشريفة، كالوفاء بالنذر(3)، وجعل الدية مئة من الإبل(4)، وحرمة زواج المحارم(5)، وأن لا تؤتى البيوت من ظهورها(6)، وقطع يد السارق(7)، والنهي عن قتل

ص: 90


1- اليعقوبي: التاريخ 2 / 9
2- الشرح 1 / 120
3- ورد في الشريعة الاسلامية قوله تعالى: «يُوفُونَ باِلنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شُّرَهُ مُسْتَطيِرًا». سورة الانسان، آية 7
4- دية الفرد المسلم في الشريعة الاسلامية مائة من الابل أو الف رأس من الغنم أو ألف مثقال من الذهب
5- قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا». سورة النساء، آية 23
6- قوله تعالى: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». سورة البقرة، آية 189
7- قوله تعالى: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ». سورة المائدة، آية 38

المؤودة(1)، والمباهلة(2)، وتحريم الخمر(3)، والزنا وفرض الحد عليها(4)، والقرعة، ولا يطوف بالبيت عريان(5)، واستضافة الضيف(6)، وألّا ينفقوا إذا حجوا إلّا من طيب أموالهم(7)، وتعظيم الأشهر الحرم(8)، ونفي ذوات الرايات(9).

ولذا عظّمته قريش وكانت تسمّيه ابراهيم الثاني وقالوا فيه: (ان كنت

ص: 91


1- قوله تعالى: «وَإذا اْلمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ». سورة التكوير، آية 9
2- قوله تعالى: «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللِّهَ عَلَی الْكَاذِبِينَ». سورة آل عمران، آية 61
3- قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ». سورة المائدة، آية 90
4- قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ». سورة النور، آية 2
5- كان مما اوصى به الرسول صلی الله علیه و آله وسلم الإمام علي علیه السلام ليقرأه على الناس في الحج (ألا يطوف في البيت عريان) البخاري: الصحيح 6/ 123 - 124. الطبري: تاريخ 3 / 123، ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 358. القسطلاني: إرشاد الساري 3 / 209 - 210
6- قال صلی الله علیه و آله وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه…) مسلم: الصحيح 2 / 20. الترمذي: صحيح 8 / 145
7- وهذا أمر طبيعي في الشريعة الاسلامية
8- قوله تعالى: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ». سورة التوبة، آية 36
9- اليعقوبي: التاريخ 2 / 9 - 10

لعظيم البركة، لميمون الطائر مذ كنت)(1). ولقد عظمت قريش موته فغسل بالماء والسدر، ولُفَّ في حلتين من حلل اليمن قيمة الواحدة ألف مثقال ذهباً، وحمل على ايدي الرجال اياماً إعظاماً وإكراماً له من تغييبه تحت التراب(2).

وقد روي عن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم أنه قال:

(ان الله يبعث جدّي عبد المطلب أمة واحدة في هيئة الأنبياء وزي الملوك)(3).

وقد خلف عبد المطلب في الزعامة ولده أبو طالب الذي كان سيداً شريفا مطاعا مهيبا مع فقره، ولذا قال الإمام علي علیه السلام:

(أبي ساد فقيرا وما ساد فقير قبله)(4).

وكان عبد المطلب قد أوصى إليه من بين أولاده العشرة، ومن ضمن وصاياه المهمة أوصى إليه بمهمة كفالة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم حيث كان صلی الله علیه و آله وسلم وقتها في الثامنة من عمره الشريف. فكان أبو طالب خير كافل(5)، والملاحظ أن أبا طالب كان أخاَ لعبد الله والد الرسول من أبيه وأمه(6)، ونتيجة لمكانة أبي طالب فقد عرف

ص: 92


1- اليعقوبي: التاريخ 2 / 10
2- اليعقوبي: التاريخ 2 / 12
3- الشرح 14 / 68. وانظر: اليعقوبي: التاريخ 2 / 13. ابن حجر: الاصابة 4 / 117 - 118
4- الشرح 1 / 29، 14 / 70. وانظر: اليعقوبي: التاريخ 2 / 13. إن الامام يقصد بفقره هنا ان وضعه المادي لايتناسب مع مكانته الاجتماعية
5- الشرح 1 / 29. وانظر: اليعقوبي: التاريخ 2 / 13. الطبري: التاريخ 2 / 277. أبو نعيم: دلائل النبوة ص 123. سبط بن الجوزي: تذكرة ص 6، 8. ابن حجر: الاصابة 4 / 115
6- الشرح 1 / 14، وانظر: الطبري: التاريخ 2 / 277

بالشيخ أو شيخ البطحاء(1).

لذا كان الإمام علي علیه السلام يدّعي التقدم على الكل، والشرف على الكل بابن عمه وبنفسه وبأبيه أبي طالب (فإنه من قرأ علوم السير عرف ان الإسلام لولا أبو طالب لم يكن شيئاً مذكوراً)(2).

والملاحظ ان عبد المطلب كأنما كان ينظر من وراء الغيب لما سيجري على النبي صلی الله علیه و آله وسلم، ولذا فهذه الكفالة لا تقتصر على النبي صلی الله علیه و آله وسلم زمن الصبا، بل استمرت حتى بلغ t الخمسين من عمره الشريف، وما انتهت كفالة أبي طالب إلّ بنهاية عمره، يقول ابن أبي الحديد: (أبو طالب هو الذي كفل رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وحماه وحاطه كبيرا، ومنعه من مشركي قريش ولقي لأجله عنتا عظيما، وقاسى بلاءً شديداً وصبر على نصره والقيام بأمره وجاء في الخبر إنه لما توفي أبو طالب أوحي إليه علیه السلام، وقيل له: اخرج منها فقد مات ناصرك)(3).

إذن فخليق بأبي طالب الذي درج في حجر والده، أن يكون المثل الأعلى في نشأته من حيث الطموح إلى رفيعات المراتب، والتأهب لمستوى فوق مستوى قومه، وأن يخلف أباه في جميع مزاياه في حكمته وتوحده، ومنابذته لخرافات عصره(4).

وكان أبو طالب أول من سنّ القسامة قبل الإسلام(5)، ولما جاء الإسلام

ص: 93


1- الشرح 1 / 29، 13 / 227. وانظر الاسكافي: نقض العثمانية ص 289، ابن الاثير: اسد الغابة 3 / 414
2- الشرح 1 / 142
3- الشرح 1 / 29
4- العاملي: شيخ الابطح ص 8
5- الشرح 15 / 219

أثبتها(1) والقسامة كلمة مشتقة من القسم وهو اليمين، حيث لما قتل عمرو ابن علقمة بن المطلب بن عبد مناف، واتهم خداش بن عبد الله بن أبي قيس العامري بقتله، طلب أبو طالب أن يحلف منهم خمسون رجلاً بأن لا علم لهم بقاتل القتيل، ويقال إنهم حلفوا بأجمعهم ما عدا حويطب بن عبد العزى، فهلكوا بأجمعهم قبل أن يدور الحول(2).

إن ذلك الدور الذي أداه أبو طالب في حمايته للرسول صلی الله علیه و آله وسلم ونصرته إياه، مماّ مكنه صلی الله علیه و آله وسلم من القيام بالدعوة للإسلام عشر سنوات، كان ولا زال مثار نقاش بين الباحثين، فهل كان ذلك الدفاع عن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم دليل إيمان من أبي طالب؟ أم انه كان بدافع العصبية القبلية؟.

عقد ابن أبي الحديد فصلاً عن الآراء التي قيلت في ذلك، فأوضح أن الإمامية وأكثر الزيدية، وبعضاً من شيوخ المعتزلة كالكعبي والإسكافي يرون إنه ما مات إلا مسلما، فيما يرى أهل الحديث والعامة من معتزلة البصرة بأنه مات على دين قومه(3).

وقبل أن يصدر ابن أبي الحديد حكمه في هذه المسألة استعرض أدلة الطرفين، فذكر أولا أدلة القائلين ببقائه على دين قومه. وهي:

أولاً: إن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم قال له عند موته: (قل يا عم كلمة أشهد لك بها

ص: 94


1- النسائي: سنن 6 / 4 - 5. الطحاوي: شرح معاني الاثار 3 / 197 - 203
2- مصعب الزبيري: نسب قريش ص 424 - 5. ابن حبيب: المحبر ص 335 - 337. المنمق ص 140 - 142. النسائي: سنن 6 / 3 - 4. أبو هلال العسكري: الاوائل ص 36 - 37. ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص 168. الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص 15
3- الشرح 14 / 65 - 66

غداً عند الله تعالى. فقال: لولا أن تقول العرب أن أبا طالب جزع عند الموت لأقررت بها عينك)(1).

ثانياً: روي إن أبا طالب قال عند موته: أنا على دين الأشياخ، أو أنا على دين عبد المطلب(2).

ثالثاً: إن قوله تعالى:

«مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ...»(3).

نزلت في أبي طالب لأن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم استغفر له بعد موته(4).

رابعاً: ان قوله تعالى:

«إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»(5). نزلت في أبي طالب(6).

ص: 95


1- الشرح: 14 / 66. وانظر الطبري: جامع البيان 20 / 92. الثعالبي: الجواهر الحسان 2 / 160. ابن كثير: البداية والنهاية 3 / 124
2- الشرح 14 / 66، وانظر ابن هشام: السيرة 1 / 264. ابن سعد: الطبقات 1 / 122. الطبري: تاريخ 2 / 325. الواحدي: أسباب النزول ص 177، 218. ابن كثير: البداية والنهاية 3 / 124
3- سورة التوبة، الآيات 113 - 114
4- الشرح: 14 / 66. وانظر: ابن سعد: الطبقات 1 / 122. البخاري: الصحيح 6 / 132 - 133. الطبري: جامع البيان 11 / 41. الواحدي: أسباب النزول ص 176 - 178. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 8 / 272. ابن كثير: البداية والنهاية 3 / 124
5- سورة القصص، آية (56)
6- الشرح: 14 / 66، وانظر ابن سعد: الطبقات 1 / 123. الطبري: تاريخ 2/ 325. وايضا جامع البيان 20 / 91. الواحدي: أسباب النزول ص 228. الثعالبي: الجواهر الحسان 2 / 160، 3 / 179 - 180. القرطبي: الجامع 17 / 299. ابن كثير: البداية والنهاية: 3 / 124. السيوطي: الخصائص 1 / 217

خامساً: إن الإمام عليّا علیه السلام جاء للرسول صلی الله علیه و آله وسلم بعد وفاة أبي طالب فقال: إن عمك الضال قد قضي فما الذي تأمرني فيه؟(1) سادساً: لم ينقل عن أبي طالب انه رآه أحد يصلي، والصلاة هي المفرقة بين المسلم والمشرك(2).

سابعاً: ان الإمام علياً و جعفرا لم يأخذا من تركته(3).

ثامناً: قول النبي صلی الله علیه و آله وسلم: (إن الله قد وعدني بتخفيف عذابه، لما صنع في حقي وإنه في ضحضاح من نار)(4).

تاسعاً: قيل للرسول صلی الله علیه و آله وسلم: لو استغفرت لأبيك وأمك! فقال: لو استغفرت لهما لاستغفرت لأبي طالب فإنه صنع إليَ مالم يصنعا، وإن عبد الله و آمنة وأبا طالب جمرات من جمرات جهنم)(5).

ص: 96


1- الشرح: 14 / 66، وانظر ابن سعد: الطبقات 1 / 124. ابن كثير: البداية والنهاية: 3 / 125
2- الشرح 14 / 66. وهذا الدليل إن ثبت فهو صحيح لأن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم قال: بين الكفر والايمان ترك الصلاة ولكن أنظر تعليقنا فيما بعد على هذا الدليل. مسلم: الصحيح 2 / 70 - 71. الترمذي: صحيح 10 / 89. ابن ماجة: صحيح 1 / 177
3- الشرح: 14 / 66. وانظر: ابن سعد: الطبقات 1 / 124. ابن قتيبة: المعارف ص 203. وانظر رد ابن معد: الحجة على الذاهب ص 162 - 168
4- الشرح: 14 / 66. ابن سعد: الطبقات 1 / 124. مسلم: الصحيح 3 / 84 - 85. الطبري: جامع البيان 20 / 93. الملطي: التنبيه ص 162. ابن معد: الحجة ص 87 - 103. ابن كثير: البداية والنهاية: 3 / 125. السيوطي: الخصائص الكبرى 1 / 215
5- الشرح: 14 / 66

بعد طرحه لهذه الأدلة، لم يبد ابن أبي الحديد إلا تعليقاً واحداً حول الدليل السادس القائل بأنه لم ينقل عن أبي طالب صلاة، حيث قال عنه: (فأمّا الصلاة وكونه لم ينقل عنه انه صلى، فيجوز أن يكون لأن الصلاة لم تكن بعد قد فرضت، وإنّما كانت نفلا غير واجب فمن شاء صلى ومن شاء ترك ولم تفرض إلاّ بالمدينة)(1).

ثم استعرض أدلة القائلين بإسلامه(2):

أولاً: عن الإمام علي علیه السلام: قال صلی الله علیه و آله وسلم: قال لي جبرائيل: إن الله مشفّعك في ستّة، بطن حملتك آمنة بنت وهب، وصلب أنزلك، عبد الله بن عبد المطلب، وحجر كفلك، أبي طالب، وبيت آواك، عبد المطلب، وأخ كان لك في الجاهلية، قيل: يا رسول الله: وما كان فعله؟ قال: كان سخيا يطعم الطعام ويجود بالنوال، وثدي أرضعتك، حليمة بنت أبي ذؤيب)(3).

ثانياً: قول الرسول صلی الله علیه و آله وسلم: نقلنا من الاصلاب الطاهرة إلى الارحام

ص: 97


1- الشرح: 14 / 83. وانظر ابن هشام: السيرة 1 / 259 - 261. دحلان: اسنى المطالب ص 27
2- وضعت قديماً مجموعة من الكتب تناقش مسألة صحة إيمان أبي طالب وقد أوردها بحر العلوم عند تحقيقه لكتاب الحجة على الذاهب إلى كفر أبي طالب ص 17 - 26، لكن هذه الكتب فقدت ولم يصل إلينا إلا ثلاثة كتب وهي كتاب أبي نعيم علي بن حمزة البصري اللغوي ت 375 ه والذي لا زال مخطوطا في إحدى مكتبات سامراء. ن. م ص 27. وكتاب الشيخ المفيد وكتاب ابن معد وقد طبعا واستخدمناهما
3- الشرح: 14 / 67، وانظر: اليعقوبي: التاريخ 2 / 30، ابن معد: الحجة ص 48 - 50، 55، محب الدين: ذخائر العقبى ص 9، ومؤلفات السيوطي: الدرج المنيفة ص 6.: مسالك الحنفا ص 14. التعظيم والمنة ص 25، الخصائص الكبرى 1 / 216. الحلبي: السيرة الحلبية 1 / 382. دحلان: اسنى المطالب ص 24. مع اننا نتحفظ على هذا الحديث

الزكية(1). فوجب بهذا أن يكون آباؤه كلهم منزهين عن الشرك، لأنهم لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهرين(2). والظاهر ان هذا الدليل قد تعرض للنقد حيث أن القرآن أشار إلى أن إبراهيم الخليل علیه السلام كان مشركاً: فقالوا: هذا لايقدح في مذهبنا لأن المذكور في القرآن عمّ إبراهيم (آزر) أما أبوه (تارح) فكان مسلما، وقد سمى القرآن العمّ أبا كما في قوله تعالى:

«أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ»(3).

ثم عدّ فيهم إسماعيل علیه السلام وليس من آبائه ولكنهّ عمّه(4).

وقد احتجوا بإسلام الآباء بما رواه الامام الصادق علیه السلام عن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم إنه قال: إن الله يبعث عبد المطلب يوم القيامة وعليه سيما الأنبياء وبهاء الملوك(5).

ثالثاً: سأل العبّاس النبي صلی الله علیه و آله وسلم: يا رسول الله: ما ترجوا لأبي طالب؟ فقال:

أرجو له كل الخير من الله عز وجل(6).

رابعاً: كتب أبان بن محمود(7) للإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام: جعلت

ص: 98


1- أخرجه السيوطي: الدرج المنيفة ص 9. السبل الجلية ص 11. مسالك الحنفا: ص 18
2- الشرح: 14 / 67، وانظر ابن معد: الحجة ص 56 - 57
3- سورة البقرة، الآية 133
4- الشرح: 14 / 67، وانظر ابن معد: الحجة ص 58 - 59
5- الشرح: 14 / 68، وانظر اليعقوبي: التاريخ 2 / 13. ابن معد: الحجة ص 56
6- الشرح: 14 / 68، وانظر ابن سعد: الطبقات 1 / 124 - 125. المفيد: إيمان أبو طالب ص 76. ابن معد: الحجة ص 71 - 72. سبط ابن الجوزي: تذكره ص 8. السيوطي: الخصائص الكبرى 1 / 215
7- لم أعثر على ترجمته

فداك! إنّ قد شككت في إسلام أبي طالب! فكتب إليه: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين…)(1) إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار(2).

خامساً: سئل محمد بن علي الباقر علیه السلام عمّ يقوله الناس: إن أبا طالب في ضحضاح من نار! فقال: لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في الكفة الأخرى لرجح إيمانه. ثم قال: ألم تعلموا ان أمير المؤمنين عليّاً علیه السلام كان يأمر أن يحجّ عن عبد الله وابي طالب في حياته ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم(3).

سادساً: إن أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة إلى النبي صلی الله علیه و آله وسلم عام الفتح يقوده، وهو شيخ كبير أعمى، فقال صلی الله علیه و آله وسلم: ألا تركت الشيخ حتى نأتيه! فقال: أردت يا رسول الله ان يأجره الله! أما والذي بعثك بالحقّ لأنا كنت أشد فرحاً بإسلام عمّك أبي طالب منّي بإسلام أبي ألتمس بذلك قرة عينك فقال صلی الله علیه و آله وسلم: صدقت(4).

سابعاً: سئل الإمام علي بن الحسين علیه السلام عن إسلام أبي طالب فقال: واعجبا! إن الله تعالى نهى رسوله صلی الله علیه و آله وسلم أن يقر مسلمة على نكاح كافر وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات في الإسلام ولم تزل تحت أبي طالب حتى مات(5).

ثامناً: يروي بعض الزيدية إن أبا طالب حدث عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم قائلاً: حدثني محمد ابن أخي أن ربّه بعثه بصلة الرحم، وأن يعبده وحده لا يعبد معه غيره،

ص: 99


1- سورة النساء اية 115
2- الشرح: 14 / 68، وانظر ابن معد: الحجة ص 76 - 77، 82
3- الشرح: 14 / 68، وانظر ابن معد: الحجة ص 84 - 85
4- الشرح: 14 / 68 - 69، وانظر ابن معد: الحجة ص 115 - 116 - 119
5- الشرح: 14 / 69، وانظر ابن معد: الحجة ص 123 - 124

ومحمد عندي الصادق الأمين(1).

تاسعاً: ان معنى قوله صلی الله علیه و آله وسلم: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة(2)، إن كافل اليتم هو أبو طالب لأنه كفل الرسول صلی الله علیه و آله وسلم(3).

عاشراً: إن ما يروى من أن عليّاً أو جعفراً لم يأخذا من تركة أبي طالب شيئا حديث موضوع حيث ان مذهب أهل البيت علیهم السلام بخلاف ذلك، فإن المسلم عندهم يرث الكافر ولا يرث الكافر المسلم(4). ولو كان أعلى درجة منه في النسب، ولذا فسروا قوله صلی الله علیه و آله وسلم: لا توارث بين أهل ملتين(5). قالوا: نقول بموجبه لأن التوارث تفاعل ولا تفاعل عندنا في ميراثهما واللفظ يستدعي الطرفين، كالتضارب لا يكون إلا من اثنين(6).

حادي عشر: إن حب الرسول صلی الله علیه و آله وسلم لعمّه أبي طالب معلوم مشهور وإذا كان كافراً فكيف يجوز له أن يحبّه لقوله تعالى(7):

«لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ

ص: 100


1- الشرح: 14 / 69، وانظر ابن معد: الحجة ص 133 - 137، ابن حجر: الاصابة 4 / 116. زيني دحلان: اسنى المطالب ص 6
2- اخرجه ابن حنبل: المسند 5 / 333
3- الشرح: 14 / 69، وانظر ابن معد: الحجة ص 142 - 143
4- روى الترمذي: قال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم: لا يرثُ المسلمَ كافرٌ ولا الكافرَ المسلمُ، الترمذي: صحيح 8 / 257. ابن ماجة: صحيح 2 / 115. ابن حزم: الفصل 3 / 276
5- اخرجه الترمذي: صحيح 8 / 259. ابن ماجة: صحيح 2 / 116
6- الشرح: 14 / 69. وانظر ابن معد: الحجة ص 162 - 164
7- سورة المجادلة، آية 22

وَرَسُولَهُ»(1).

ثاني عشر: استفاض عنه صلی الله علیه و آله وسلم قوله لعقيل: أنا أُحبّك حبّين: حبّا لك، وحبّا لحبّ أبي طالب فإنه كان يحبّك)(2).

ثالث عشر: ان الخطبة التي ألقاها أبو طالب لما خطب خديجة(3) للرسول صلی الله علیه و آله وسلم تدل على توحيده وهي: (الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلداً حراماً، وبيتا محجوباً، وجعلنا الحكام على الناس ثم ان محمّد بن عبد الله أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه براً وفضلاً وحزماً وعقلاً ورأياً ونبلاً وإن كان في المال قل، فإنّما المال ظل زائل وعارية مسترجعة وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أصبتم من الصداق فعلي وله والله بعد نبأ شائع وخطب جليل)(4).

قالوا: أفتراه يعلم نبأه الشائع وخطبه الجليل ثم يعانده ويكذّبه وهو من أولى الألباب فهذا غير سائغ في العقول(5).

ص: 101


1- الشرح: 14 / 69 - 70، وانظر ابن معد: الحجة ص 162 - 164
2- الشرح: 14 / 70، وانظر: الحاكم: المستدرك 3 / 167. ابن عبد البر: الاستيعاب 2 / 509. ابن معد: الحجة ص 179. محب الدين: ذخائر العقبى ص 232. سبط ابن الجوزي: تذكره ص 12. الهيثمي: مجمع الزوائد 9 / 273. ابن عنبة: عمدة الطالب ص 31. العامري: بهجة المحافل 1 / 327
3- عن سيرة السيدة خديجة. أنظر: حسين علي الشرهاني: حياة السيدة خديجة بنت خويلد من المهد إلى اللحد ص 45 ومابعدها
4- الشرح: 14 / 70، وانظر: ابوهلال العسكري: الاوائل ص 91. ابن المغازلي: مناقب ص 333 - 4. الزمخشري: ربيع الابرار 4 / 299 - 300. ابن معد: الحجة ص 182 - 186. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 302. دحلان: اسنى المطالب ص 8، 60 61
5- الشرح: 14 / 70، وانظر: ابن معد: الحجة ص 185 - 186

رابع عشر: روى الامام الصادق علیه السلام ان الرسول صلی الله علیه و آله وسلم قال: إن أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب أسرَّ الإيمان وأظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرتين(1).

خامس عشر: إن جبرائيل علیه السلام قال للرسول صلی الله علیه و آله وسلم في الليلة التي مات بها أبو طالب: أخرج منها فقد مات ناصرك(2).

سادس عشر: أما حديث الضحضاح من النار(3)، فهو يروى عن شخص واحد وهو المغيرة بن شعبة المعروف ببغضه لبني هاشم وخاصة الإمام علي علیه السلام وقصته وفسقه غير خافٍ على أحد(4).

سابع عشر: روي بأسانيد مختلفة عن العباس وابي بكر: أن أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهناك خبر مشهور: إن أبا طالب عند الموت قال كلاماً خفياً، فأصغى إليه العبّاس ثم قال للنبيّ صلی الله علیه و آله وسلم: يا ابن أخي والله لقد قالها عمّك، ولكن ضعف عن أن يبلغك صوته(5).

ثامن عشر: قال الإمام علي علیه السلام: ما مات أبو طالب حتى أعطى الرسول صلی الله علیه و آله وسلم من نفسه الرضا(6).

ص: 102


1- الشرح: 14 / 70
2- الشرح: 1 / 14، 29 / 70. وانظر المفيد: إيمان أبي طالب ص 74. ابن معد: الحجة ص 260
3- الشرح: 14 / 70. وانظر: ابن معد: الحجة ص 77 - 103
4- أنظر تفاصيل ذلك في الشرح 12 / 227 - 246، أبو الفرج: الاغاني 16 / 103 - 10. الحاكم: المستدرك 3 / 507 - 508
5- الشرح: 14 / 71، وانظر ابن هشام: السيرة: 2 / 58 - 59، ابن معد: الحجة ص 106 - 108، تاريخ أبو الفداء 1 / 120، ابن كثير: البداية والنهاية 3 / 123، وما بعدها
6- الشرح: 14 / 71، وانظر: ابن معد: الحجة ص 108 - 109

تاسع عشر: ان أشعار أبي طالب تدل على أنه كان مسلما، حيث لا فرق بين الكلام المنظوم والمنثور إذا تضمنا إقراراً بالإسلام، ألا ترى أن يهوديا لو توسط جماعة من المسلمين وأنشد شعراً قد ارتجله ونظمه يتضمن الإقرار بنبوّة محمد صلی الله علیه و آله وسلم لكنا نحكم بإسلامه، كما لو قال: أشهد أن محمداً رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم(1) ومن هذه الاشعار(2):

وظلمُ نبيٍ جاءَ يدعو إلى الهدى *** أمرٌ أتى من عندِ ذيِ العرشِ قيّمِ

ومن شعره لما كتبت قريش صحيفة المقاطعة:

ألم تعلموا أنَّا وجدْنا محمّداً *** رسولا كموسى خُطَّ في أولِ الكُتُبِ

ومنها(3):

فلسنا وبيتِ اللهِ نُسْلِمُ أحمدا *** لعزاء من غضِ الزمانِ ولا كربِ وقال(4):

يرى الناسُ برهانا عليه وهيبةً *** وما جاهلٌ في قومِهِ مثلُ عالِمِ

نبيٌّ أتاهُ الوحيُ من عندِ ربِهِ *** ومن قالَ لا: يُقرعْ بها سنُّ نادمِ

ص: 103


1- الشرح: 14 / 71، وانظر: ابن معد الحجة ص 186 - 324
2- من قصيدة في سبعة ابيات: الشرح: 14 / 71 - 72، وانظر ديوان أبي طالب، ط بحر العلوم ص 29 - 31. ابن معد: الحجة ص 189
3- الشرح: 14 / 72 - 73، وانظر ديوان أبي طالب، ط حسن آل ياسين ص 50. ابن هشام: السيرة 1 / 337 - 339. ابن معد: الحجة ص 192 - 193. السهيلي: الروض الانف 1 / 220. ابن كثير: البداية والنهاية 3 / 87، البغدادي: خزانة الأدب 1 / 261. دحلان: اسنى المطالب ص 7، 17 18
4- من قصيدة في ثمانية ابيات. الشرح: 14 / 73. وانظر ديوان أبي طالب، ط آل ياسين ص 50، 119. ابن معد: الحجة ص 201

وقال من قصيدة لما غضب لعثمان بن مظعون الجمحي لما عذبته قريش(1):

أوَ تؤمنوا بكتابٍ مُنزلٍ عجبٍ *** على نبيٍ كموسى أو كَذي النونِ

وروي أن أبا جهل أراد أن يرضخ رأس الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وهو ساجد بحجر فلصق الحجر بكفه ولم يستطع فعل شيء فقال أبو طالب(2):

وأعجبُ من ذاكَ في امرِكُم *** عجائبَ في الحجرِ الملصقِ

بكفِ الذي قامَ من حينِهِ *** إلى الصابرِ الصادقِ المتّقي

فأثْبَتَهُ اللهُ في كفِّهِ *** على رغمِهِ الخائفِ الأحمقِ

وقال المأمون إن أبا طالب أسلم بقوله(3):

نصرتُ الرسولَ رسولَ المليكِ *** ببيضٍ تلالاً كلمعِ البروقِ

أذبُّ وأحمي رسولَ الإلهِ *** حمايةَ حامٍ عليهِ شفيقِ

ولما ذهب عمرو بن العاص إلى الحبشة ليحرض النجاشي على تسليم مهاجري الحبشة، كتب أبو طالب قصيدة إلى النجاشي يطلب منه إكرام جعفر والمهاجرين، ومنها(4):

ص: 104


1- من قصيدة في سبعة ابيات: الشرح: 14 / 73 - 74، وانظر ديوان أبي طالب، ط آل ياسين ص 307. ابن معد: الحجة ص 222
2- الشرح: 14 / 74، وانظر ديوان أبي طالب، ط آل ياسين ص 156. ابن معد: الحجة ص 224
3- الشرح: 14 / 74، وانظر ديوان أبي طالب، ط آل ياسين ص 66 - 67. ابن معد: الحجة ص 226 - 227
4- الشرح: 14 / 75، وانظر ديوان أبي طالب، ط آل ياسين ص 145. ابن هشام: السيرة 1 / 357. ابن معد: الحجة ص 239. ابن كثير: البداية 3 / 77

ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر *** وعمرو وأعداء النبي الأقارب!

وقال في تحريض ولديه علي وجعفر على نصرة النبي صلی الله علیه و آله وسلم(1):

إن عليّا وجعفرا ثِقتي *** عند ملم الزمانِ والنوبِ

لا تخذلا وانصرا ابن عمِكُما *** أخي لأمّي من بينهِم وأبي

والله لا أخذِلُ النبي ولا *** يخذِلَهَ من بني ذو حسبِ

ومن شعره يخاطب به أخاه حمزة ويدعوه لنصرة النبي صلی الله علیه و آله وسلم(2):

فصبراً أبا يعلى على دينِ أحمدٍ *** وكنْ مُظهراً للدينِ وفِّقْتَ صابِرا

وحَطَّ من أتى بالحقِّ من عندِ ربِّهِ *** بصدقٍ وعزمِ لا تكنْ حمزُ كافرا

فقدْ سَرَّني إذْ قُلتَ إنَّكَ مؤمنٌ *** فكنْ لرسولِ اللهِ في اللهِ ناصرا

وبادِ قريشاً بالّذي قد أثبتَهُ *** جِهارا وقل ما كانَ أحمدُ ساحرا

وله قصيدة يمدح فيها النبي صلی الله علیه و آۀه وسلم منها:

انتَ النبيُ محمدٌ *** قرمٌ أعزُّ مسوَّدُ

لِمُسوَّدينَ أكارِمٍ *** طابوا وطابَ المولِدُ

ص: 105


1- الشرح: 14 / 76، وانظر ديوان أبي طالب، ط آل ياسين ص 63 - 64. أبو هلال العسكري: الاوائل ص 75. المفيد: إيمان أبو طالب ص 82 - 83، ابن معد: الحجة ص 249 - 251. جعفر نقدي: زهرة الادباء ص 6
2- الشرح: 14 / 76 - 77. وانظر ديوان أبي طالب، ط آل ياسين ص 153. المفيد: إيمان أبو طالب: ص 80. ابن معد: الحجة ص 277. الحلبي: السيرة الحلبية: 1 / 286. جعفر نقدي: زهرة الادباء ص 6

ومنها(1):

ما زلت تنطق بالصواب *** وأنت طفل امردُ

ومن شعره أيضاً(2):

لقد أكرم الله النبي محمداً *** فاكرم خلق الله في الناس أحمد

وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا أحمد

وقوله(3):

يا شاهد الله عليَّ فاشهد *** إنّی على دين النبي احمد

من ضل في الدين فإني مهتد ومن شعره قصيدته اللامية التي أورد ابن هشام(4) منها - اربعة وتسعين بيتاً - ذكر ابن أبي الحديد سبعة عشر منها فقط، ومنها(5):

ص: 106


1- الشرح: 14 / 77. ابن معد: الحجة ص 281 - 282
2- الشرح 14 / 78. وانظر: أبو نعيم: دلائل النبوة 1 / 11. ابن معد: الحجة ص 284. ابن كثير: البداية والنهاية 1 / 226، 2 / 325. ابن حجر: الاصابة 4 / 115. القسطلاني: المواهب 1 / 518. دحلان: اسنى المطالب ص 18
3- الشرح 14 / 78. وانظر ابن معد: الحجة ص 294 - 295
4- السيرة النبوية 1 / 291 - 299. وذكر بعضها المفيد: إيمان أبي طالب ص 70 - 72
5- الشرح 14 / 78 - 79. وانظر ديوان أبي طالب، ط آل ياسين ص 85 - 94. حيث ذكرها في (115) بيت. الطبري: تاريخ 2 / 446 4 / 222. الشهرستاني: الملل والنحل 3 / 226. ابن معد: الحجة ص 296 - 300. ابن كثير: البداية والنهاية 3 / 53 - 75. وقد ذكر ابن كثير منها (92) بيتاً وقال: هذه قصيدة عظيمة بليغة جداً لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات آخر، والله أعلم. 3 / 57. وقال القسطلاني في إرشاد الساري: قصيدة جليلة بليغة من بحر الطويل، وعدّة ابياتها مائة وعشرة ابيات 2/ 227. وذكر البغدادي منها في خزانة الأدب (42) بيتاً مع شرحها 1 / 252 - 261. دحلان: اسنى المطالب ص 18 - 19. السيرة الدحلانية 1 / 94 - 95. وقد شرحها جعفر نقدي في كتابه: زهرة الادباء في شرح لامية شيخ البطحاء ص 7 - 41

أعوذ بربّ البيت من كل طاعن *** علينا بسوء أو يلوح بباطل

ومنها كذبتم وبيت الله نبزي محمد *** ولما نطاعن دونه ونناضل

ومنها ألم تعلموا ان ابننا لا مكذّب *** لدينا، ولا يعبأ بقول الأباطل

يرى القائلون بتوحيده أن هذه الاشعار جاءت مجيء التواتر، لأنه إن لم تكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك، وهو تصديق محمد صلی الله علیه و آله وسلم، ومجموعها متواترة، كما أن كل واحدة من قتلات علي علیه السلام الفرسان منقولة احاداً، ومجموعها متواتر، ولذا يفيدنا العلم الضروري بشجاعته، كذلك القول بسخاء حاتم، وحلم الاحنف، وذكاء إياس وغير ذلك(1).

عشرون: لمّا مات أبو طالب جاء الإمام علي علیه السلام فأعلم النبي صلی الله علیه و آله وسلم فتوجع صلی الله علیه و آله وسلم وجعاً عظيماً وحزن حزناً شديداً، ثم قال: امضِ فتولَّ غسله، فإذا رفعته على سريره فأعلمني، ففعل، فاعترضه صلی الله علیه و آله وسلم وهو محمول على رؤوس الرجال.

فقال صلی الله علیه و آله وسلم: وصلتك رحم يا عم، وجزيت خيراً: أما والله لأستغفرن لك، ولأشفعن فيك شفاعة يعجب لها الثقلان(2).

ص: 107


1- الشرح 14 / 78
2- الشرح 14 / 76 يه السلام ى اللحد ص 45 ومابعدها. وانظر ابن سعد: الطبقات 1 / 123. اليعقوبي: التاريخ 2 / 30. المفيد: إيمان أبي طالب ص 75. الخطيب: تاريخ بغداد 13 / 196. ابن معد: الحجة ص 264 - 265. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 8 - 9. ابن كثير: البداية والنهاية 3 / 125. ابن حجر: الاصابة 4 / 116. الحلبي: السيرة الحلبية 1 / 373

قال القائلون بتوحيده: والمسلم لا يجوز أن يتولى غسل الكافر، ولا يجوز للنبيّ صلی الله علیه و آله وسلم أن يرق لكافر، ولا يدعو له بخير، ولا الاستغفار والشفاعة، وكان سبب تولية الإمام علي - علیه السلام - غسله، لأن طالباً وعقيلاً لم يكونا قد أسلما، أما جعفر فكان بالحبشة، وأما بخصوص صلاة الجنائز فإنها لم تشرّع بعد ولذا لم يصل النبي لا على أبي طالب ولا خديجة، إنّما كان تشييع ودعاء(1).

إحدى وعشرون: إن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم استغفر لأبي طالب بعد معركة بدر لما ذكر عبيدة بن الحارث(2) شعر أبي طالب(3):

كذبتم وبيت الله نخلي محمّداً *** ولما نطاعن دونه ونناضل

وننصره حتى نصرع حوله *** ونذهل عن أبناءنا والحلائل

اثنتان وعشرون: روي أن اعربياً أنشد النبي صلی الله علیه و آله وسلم شعراً لما حل به من جدب،

فدعا النبي صلی الله علیه و آله وسلم واستسقى، فاستجاب الله له، ثم قال صلی الله علیه و آله وسلم لله در أبي طالب: لو

كان حياً لقرت عينه. من ينشدنا قوله فأنشد علي قصيدته التي منها:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يطيف به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل

ص: 108


1- الشرح 14 / 76. وانظر ابن معد: الحجة ص 266 - 267. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 304. الشبلنجي: نور الابصار ص 13
2- استشهد في معركة بدر. أنظر ترجمته، ابن الاثير: اسد الغابة 3 / 356 - 357. ابن حجر: الاصابة 2 / 549
3- الشرح 3 / 258 - 14، 9 / 80. وانظر ديوان أبي طالب، ط آل ياسين ص 88. الواقدي: المغازي 1 / 69 - 70. ابن هشام: السيرة 1 / 3، 294 / 224. ابن معد: الحجة ص 300 - 302

ورسول الله صلی الله علیه و آله وسلم قائم يستغفر لأبي طالب على المنبر(1).

ثالث وعشرون: أما سبب عدم إظهار أبي طالب لإسلامه، فلأنّه لو أظهره لم يتهيأ له نصرة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، فيكون بذلك كأحد المسلمين نحو أبي بكر وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما، وإنّما تمكن من نصرته، والدفاع عنه بالثبات ظاهراً على دين قريش، وإن أبطن الإسلام(2).

هذه الأدلة لم يبد ابن أبي الحديد عليها تعليقاً ما عدا الدليل الثاني وهو قول النبي صلی الله علیه و آله وسلم:

«نُقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية».

فوجب بهذا أن يكون آباؤه كلّهم منزهين عن الشرك لأنّم لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهرين».

قال ابن أبي الحديد: هذا الاحتجاج عندي ضعيف لأنّ المراد من قوله: نقلنا من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية». وهو تنزيه آبائه وأجداده وأمهاته عن السفاح لا غير، لأنّ العرب كان يعيب بعضها البعض باختلاط المياه، واشتباه الأنساب، ونكاح الشبهة. ورَدَّ ابن أبي الحديد على قولهم: لو كانوا عبدة أصنام لما كانوا طاهرين. قال: إنّه لا منافاة بين طهارة الأصلاب وعبادة الأصنام، فلو أراد صلی الله علیه و آله وسلم مازعموه لذكر العقائد بدل الأصلاب والأرحام. كذلك

ص: 109


1- الشرح 14 / 80 - 81. أنظر: ديوان أبي طالب، ط آل ياسين ص 89، 96. ابن هشام: السيرة 1 / 300. اليعقوبي: التاريخ 2 / 22. ابن معد: الحجة ص 305 - 11. الشهرستاني: الملل 3 / 225 - 226. ابن حجر: الاصابة 4 / 115. السيوطي: الخصائص الكبرى 1 / 214. الديار بكري: تاريخ الخميس 1 / 354. دحلان: اسنى المطالب ص 14، 18
2- الشرح 14 / 81 - 82. ابن معد: الحجة ص 340 - 342

ردّ على قولهم: إن أبا ابراهيم كان مسلماً، وإن المشرك عمّه. قال: إن هذه الآية لا تفيدهم، فإن أبا طالب هو عمّ النبي صلی الله علیه و آله وسلم، ولذلك فهذه الآية ليست لهم بحجة في إسلام أبي طالب(1).

موقف ابن أبي الحديد:

لقد بنى ابن أبي الحديد حكمه في أبي طالب على امرين:

الأول: إنّه قد روي في إسلامه أخبار، وروي في موته على دين قومه أخبار أخرى، لذا تعارضت الأدلة فتعارض الجرح والتعديل ويمكن أن يقول أصحاب الحديث: إذا تعارض الجرح والتعديل، فالترجيح عند أصحاب الأصول لجانب الجرح، لأنّ الجارح قد اطّلع على زيادة لم يطلع عليها المعدل.

أجاب ابن أبي الحديد: إن هذا يكون في اصول الفقه في طعن مفصل في مقابلة تعديل مجمل، فعلى سبيل المثال يروي شعبة(2) حديثا عن شخص ما هو عنده ثقة، ويكفي توثيقه إنه بالنسبة إليه مستور الحال ظاهره العدالة، ولكن الدارقطني(3) يطعن فيه كأن يقول: كان مدلساً(4) أو يرتكب الذنب الفلاني

ص: 110


1- الشرح 14 / 67 - 68
2- شعبة بن الحجّاج الأزدي بالولاء من أئمّة رجال الحديث 82 - 160، أنظر أبو نعيم: حلية الاولياء 7 / 144 - 209، الخطيب: تاريخ بغداد 9 / 255 - 216
3- علي بن عمر بن احمد الدارقطني الشافعي (306 - 385 ه) من ائمة الحديث وأول من صنف في القراءات، الخطيب: تاريخ بغداد 12 / 34 - 40. السبكي: طبقات الشافعية 2 / 310 - 312. الذهبي: معرفة القراء الكبار 1 / 281. السمعاني: الانساب 5 / 273 - 275. مظفر شاكر محمود الحياني: الامام الدارقطني ص 38 - 130
4- التدليس: اسقاط الراوي من اسناد الحديث بحيث يكون السقط من الاسناد خفياً. التهانوي: كشاف اصطلاحات العلوم 2 / 481

فيكون طعنه فيه مفصلاً في مقابلة تعديل مجمل.

أما هنا فالروايتان متعارضتان تفصيلا لا إجمالا فهؤلاء يقولون: إنّه تلفظ بكلمتي الشهادة عند الموت والآخرون يرون إنه قال عند الموت أنا على دين الأشياخ.

وقال: أما من يقول بإسلامه فيقول ان روايتنا أرجح لأنا نروي حكما ايجابيا ونشهد على إثبات، وخصومنا يشهدون على النفي.

قال: ولا شهادة على النفي، وذلك ان الشهادة في الجانبين معاً، إنما هي على إثبات ولكنه إثبات متضاد(1).

الثاني: ما ورد في رسالة محمد ذي النفس الزكية(2) حيث يقول: (ويقف في صدري رسالة النفس الزكية إلى المنصور وقوله فيها: (فأنا ابن خير الأخيار وأنا ابن شر الأشرار وأنا ابن سيّد أهل الجنةّ وأنا ابن سيّد أهل النار). فإن هذه شهادة منه على أبي طالب بالكفر، وهو ابنه وغير متهم عليه، وعهده قريب من عهد النبي صلی الله علیه و آله وسلم، ولم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلاً(3).

إن هذين الأمرين جعلا ابن أبي الحديد يتوقف في اصدار حكم في أبي طالب حيث يقول: (فتعارض الجرح والتعديل، فكان كتعارض البينتين عند الحاكم، وذلك يقتضي التوقف فأنا في أمره من المتوقفين)(4).

ص: 111


1- الشرح: 14 / 83
2- سنترجمه لاحقاً
3- الشرح: 14 / 82
4- الشرح: 14 / 82. وقد ردَّ يوسف البحراني ت 1186 ه على توقف ابن أبي الحديد هذا في كتاب أسماه (سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد) حيث قال يوسف البحراني في ترجمته لنفسه في كتابه لؤلؤة البحرين في ذكر مؤلفاته ما نصّه (ومنها كتاب سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد) والرد عليه في شرحه لكتاب نهج البلاغة الذي رام فيه أن يشرحه على رأي المعتزلة واصولهم ومذاهبهم وقواعدهم، وذكرت في أوله مقدمة شافية في الإمامة تصلح أن تكون كتابا مستقلا ثم نقلت من كلامه في الشرح المذكور ما يتعلق بالإمامة وأحوال الخلفاء والصحابة وما يناسب ذلك ويدخل تحته وبينّت ما فيه من الخلل والمفاسد الظاهرة لكلّ طالب وقاصد، خرج منه مجلد ومن المجلد الثاني ما يقرب من ثلث مجلد، وعاق الاشتغال بكتاب الحدائق عن إتمامه، لؤلؤة البحرين ص 446 - 447، احمد الربيعي: العذيق النضيد ص 80

والآن لنقف عند الأدلة التي ذكرها ابن أبي الحديد في مسألة إيمان أبي طالب، أو بقائه على دين قومه، تلك الأدلة التي وقف منها ابن أبي الحديد موقفا سلبيا فلم يبد رأيا فيها، فلنقف عندها ولنناقشها لنرى مدى مطابقتها للواقع، ولنبدأ أولا بأدلة القائلين ببقائه على دين قومه:

الدليل الأول والثاني: اللذان ينصان على ان النبي صلی الله علیه و آله وسلم، طلب من أبي طالب أن يشهد الشهادتين عند موته، فكان ردُّ أبي طالب: انه على دين عبد المطلب.

والسؤال هنا: ما هو دين عبد المطلب؟ المعروف ان المعتقد الأول لأهل مكة هو دين الحنيفية الذي هو بقايا دين ابراهيم الخليل علیه السلام ثم جاء عمرو بن لحي بفكرة الاصنام(1) والتي وإن انتشرت في مكة إلا أنه بقي اناس لا يقرّون بها عرفوا بالأحناف(2).

اما إذا نظرنا إلى عبد المطلب فنجد أن الأحداث الهامة في مكة قد ارتبطت

ص: 112


1- الأزرقي: اخبار مكة 1 / 117، أبو هلال العسكري: الاوائل ص 48. الشهرستاني: الملل 3 / 217. السيوطي: السبل الجلية ص 13
2- أنظر الآلوسي: بلوغ الارب 2 / 194 6، 244 286

بأيامه، كحفر زمزم، والذي يلاحظ أنه تمّ بوحي(1) وحملة أبرهة التي أشار لها القرآن الكريم، حيث كان لعبد المطلب الدور الرائد في إفشالها، وموقفه فيها دليل على توحيده وإلا فما معنى قوله لأبرهة: [إن للبيت رباً يحميه] وفيه إشارة لإيمان عميق برب هذا البيت وإنه لمؤمن بعدم قدرة أيٍّ كان على هدمه، ولقد كان لكلامه أثر في إدخال الرعب في قلب أبرهة، ومن ثمَّ فشل الحملة، ولو لم يكن عبد المطلب على هذه الدرجة من التوحيد لمَا أسمته العرب (ابراهيم الثاني) ولمَا أعظمت موته حتى بقي على رؤوس الرجال اياما.

ويروى أنه كان يؤمن بالمعاد فكان من وصاياه: (انه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه وتصيبه عقوبة)، فلما هلك أحد الظلمة ولم تكن قد اصابته عقوبة قال: والله إن وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بإساءته.(2) ومن الأدلة على توحيد عبد المطلب، إشادة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم به في موقف من اصعب المواقف التي مرت به صلی الله علیه و آله وسلم وذلك يوم حنين الذي اعجب المسلمون فيه بكثرتهم ولكنهم ما لبثوا أن انهزموا تاركين الرسول صلی الله علیه و آله وسلم في عدد قليل ممن ثبت معه، فنزل صلی الله علیه و آله وسلم إلى ساحة المعركة يقاتل ويهتف(3):

ص: 113


1- اليعقوبي: التاريخ 1 / 216
2- الشهرستاني: الملل والنحل بهامش الفصل 3 / 224 - 225، السيوطي: الدرج المنيفة ص 14. مسالك الحنفا ص 37
3- الواقدي: المغازي 1 / 280. ابن حنبل: المسند 4 / 289، 304. الطبري: تاريخ 3 / 76. جامع البيان 10 / 103. الملطي: التنبيه ص 152. ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص 234. ابن تيمية: منهاج السنة 4 / 177

أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبد المطلب

إنه لأمر يثير الاستغراب في موقف يدعو النبي فيه المشركين لعبادة الله سبحانه وتعالى ونبذ الوثنية إلى أن وصل به الحال إلى استخدام القوة، وفي مثل هذا الموضع الذي يجدر بالنبي صلی الله علیه و آله وسلم فيه أن يذكر أناسا على خط التوحيد، أما إنه يذكر مشركاً ويفتخر به في موضع يقاتل به الشرك والمشركين، إن هذا لشيء عجاب!!.

والظاهر أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم إنما بقوله هذا يعيد إلى الاذهان ذكرى عبد المطلب ومواقفه النبيلة وكأنه يقول لهم: أنا ابن ذلك الانسان الذي اسميتموه ابراهيم الثاني؟ الذي أوجد لكم زمزم والذي رد أبرهة عن البيت الحرام؟ فإذا كان عبد المطلب بتلك المكانة التي تعرفونها عنه فأنا ابنه:

(أنا النبي لا كذب).

وينسحب الكلام حول أبوي النبي صلی الله علیه و آله وسلم، حيث يرى القائلون ببقاء أبي طالب على دين قومه أن أبوي النبي صلی الله علیه و آله وسلم (جمرة من جمرات جهنم) وقد اثبت السيوطي إيمان أبوي النبي صلی الله علیه و آله وسلم في أكثر من كتاب من كتبه ومنها: مسالك الحنفا في والدي المصطفى(1)، والدرج المنيفة في الآباء الشريفة(2)، والمقامة السندسية في النسبة المصطفوية(3)، والتعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله في الجنة(4)، ونشر

ص: 114


1- ص 2 وما بعدها
2- ص 2 وما بعدها
3- ص 2 وما بعدها
4- ص 2 وما بعدها

العلمين في إحياء الابوين(1)، والسبل الجلية في الآباء العلية(2).

تجدر الاشارة إلى أن قصة فداء عبد الله بذلك الاسلوب الذي أشارت به الكاهنة فأصبح فداؤه مائة بعير(3)، وهذا ما اثبته الإسلام فيما بعد فيه دلالة على أن مسألة تدخّل الكهان والاصنام لا صحة لها، إذ كيف يثبت الإسلام حكما أقرته الاصنام والكهان، وهو الذي جاء للقضاء عليها.

إذا ماذا كان يقصد أبو طالب بقوله: (إني على دين عبد المطلب). فهل يريد التعمية على المشركين الذين يعتقدون ان عبد المطلب على دينهم؟ أم إن أبا طالب إراد تأكيد إيمانه بأنه كإيمان عبد المطلب! كما يقول الشاعر(4):

ولا عيب فيهم غير ان سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب

الدليل الثالث: الذي يشير لنزول الآية القرآنية «مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ»(5).

روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: (لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه الرسول صلی الله علیه و آۀه وسلم فوجد عنده أبا جهل و عبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة فقال: أي عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال

ص: 115


1- ص 2 وما بعدها
2- ص 2 وما بعدها
3- الأزرقي: اخبار مكة 2 / 48 - 49. الطبري: تاريخ 2 / 240 - 244. السيوطي: الوسائل ص 55 - 56
4- للشاعر النابغة الذبياني: ديوانه ص 15. ابن خلكان: وفيات 3 / 257
5- التوبة: 113

أبو جهل و عبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يعرضها عليه ويعيدانها بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما تكلم به: على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال صلی الله علیه و آله وسلم: والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزل قوله تعالى «مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ...»)(1).

والآن لنطرح الحيثيات الآتية:

أولاً: المعروف ان الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وعلى مدى عشر سنوات كان يدعو إلى التوحيد تحت مرأى وحماية أبي طالب، فأين كان صلی الله علیه و آله وسلم عن أبي طالب؟ ولماذا لم يدعه إلى التوحيد الا في هذه الساعة الأخيرة من حياته؟ حيث لم نقرأ في الروايات أنه دعاه إلا ما كان في يوم الإنذار في بدء الدعوة الاسلامية والذي أيد فيه أبو طالب النبي، ودعاه للقيام بأمره وتعهد بحمايته(2).

ثانياً: ان قول النبي صلی الله علیه و آله وسلم: لاستغفرن لك ما لم أنه عنك. فيه دلالة أن فكرة النهي عن الاستغفار للمشركين كانت ماثلة لديه صلی الله علیه و آله وسلم، إذاً كان الأجدر بالنبي صلی الله علیه و آله وسلم أن يطلب أولاً الإذن من الله سبحانه وتعالى على الاستغفار، قبل المبادرة إلى فعل يشك صلی الله علیه و آله وسلم بأن الله لا يرخص به.

ثالثاً: أما الآية أعلاه فهي الآية (114) من سورة التوبة والمعروف ان هذه السورة نزلت في المدينة في السنة التاسعة للهجرة(3) أي بعد وفاة أبي طالب

ص: 116


1- الصحيح 6 / 132 - 133. وانظر مسلم: الصحيح 1 / 214
2- أنظر موقف أبي طالب يوم الإنذار. الشرح: 13 / 199، 211. اليعقوبي: التاريخ 2/ 23 - 24. الطبري: جامع البيان 19 / 122
3- أنظر: الزمخشري: الكشاف 2 / 241، القرطبي: الجامع 8 / 61

باثنتي عشرة سنة فما هو السر في تأخرها إن كانت نزلت في حق أبي طالب؟!!.

رابعاً: حتى لو قلنا إنها نزلت في أبي طالب بعد كل هذه السنين ولكن ألا تستوقفنا تلك الآيات الكثيرة التي نزلت قبلها، والتي تدعو النبي والمؤمنين لعدم الاستغفار للمشركين، ولا المودة لهم ولا اتخاذهم اولياء(1)، أفما كان بهذه الآيات دليل للنبي صلی الله علیه و آله وسلم أن لا يستغفر لأبي طالب حتى ينتظر كل تلك المدة وهو يستغفر له؟ خامساً: إن هناك مناسبات أخرى لنزول الآية قد تكون أكثر مصداقا لسبب نزولها ومنها:

قال الإمام علي علیه السلام: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت:

أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ قال: أولم يستغفر ابراهيم؟ فذكرت ذلك للنبي صلی الله علیه و آله وسلم فنزلت الآية(2).

قال ابن عباس: كانوا يستغفرون لآبائهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم، ولم ينهوا عن الاستغفار للأحياء حتى يموتوا ثم أنزل الله تعالى:

«وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبَيِهِ».

ص: 117


1- كقوله تعالى: «لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ». سورة المجادلة، آية 22، نزلت قبل سورة التوبة بسبع سور. السيوطي: الاتقان 1 / 17. بالاضافة إلى الآية 28 من سورة آل عمران والآيات 139، 144 من سورة النساء وغيرها
2- الترمذي: صحيح 11 / 249 - 252 . الطبري: جامع البيان 11 / 43. دحلان: اسنى المطالب ص 32

أي أن استغفاره كان ما دام ابوه حيا(1).

عن قتادة: (ذكرنا رجالا من اصحاب النبي صلی الله علیه و آله وسلم قالوا: يا نبي الله إن من ابائنا من كان يحسن الجوار ويصل الرحم ويفك العاني ويوفي بالذمم أفلا نستغفر لهم؟ فنزل قوله تعالى:

«مَا كَانَ للِنَّبِيِّ»)(2).

سادسا: إن الاداة (ما) الواردة في الآية تفيد النفي وليس النهي أي إن الآية تفيد نفي استغفار الرسول صلی الله علیه و آله وسلم للمشركين، أي ان النبي صلی الله علیه و آله وسلم لم يستغفر للمشركين، فإذا كان النبي صلی الله علیه و آله وسلم قد استغفر لأبي طالب فهذه الآية تؤكد إن أبا طالب ليس مشركا لأنه لو كان مشركا لما كان النبي صلی الله علیه و آله وسلم سيستغفر له.

سابعا: إن من احتج على الاستغفار للمشركين لم يحتج بفعل النبي صلی الله علیه و آله وسلم بل بفعل ابراهيم صلی الله علیه و آله وسلم ولو كانوا يعرفون أن أبا طالب مشرك وأن النبي صلی الله علیه و آله وسلم يستغفر له، لكان الاولى أن يحتجوا بفعل النبي صلی الله علیه و آله وسلم لا بفعل ابراهيم علیه السلام(3).

ثامناً: ان مصدر الرواية مطعون فيه، فالراوي هو سعيد بن المسيب وهو المعروف بموقفه السلبي تجاه الإمام علي علیه السلام حيث ذكره ابن أبي الحديد في جملة من اتخذ موقفاً سلبياً من الإمام علي علیه السلام(4).

تاسعاً: المعروف ان النبي صلی الله علیه و آله وسلم قال لعقيل الذي أسلم قبل فتح مكة: احبك

ص: 118


1- دحلان: اسنى المطالب ص 18، 45
2- الطبري: جامع البيان 11 / 31
3- الطبري: جامع البيان 11 / 31
4- الشرح: 4 / 101 - 102. مع ان سعيد بن المسيب موثق عند علماء الجرح والتعديل، ابن حجر: تقريب التهذيب 1 / 305 - 306، تهذيب التهذيب 4 / 84 - 85

حبين: حبا لك وحبا لحب أبي طالب لك)(1) والمعروف أن الآيات الكثيرة التي نزلت قبل فتح مكة تؤكد على عدم المودة للمشركين.

الدليل الرابع: نزول الآية.

«إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»(2).

في أبي طالب(3) أولاً: ان نسبة الهداية إلى الله سبحانه وتعالى لا تقتصر على هذه الآية وإنما هناك آيات كثيرة تشير إلى ذلك فعلى سبيل المثال قوله تعالى:

«لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»(4).

وقوله تعالى:

«إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ»(5).

و:

«أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ»(6).

و:

ص: 119


1- الشرح: 14 / 70، وانظر الحاكم: المستدرك 3 / 667، ابن عبد البر: الاستيعاب 2 / 509. ولكن لماذا يحب أبو طالب عقيلا أكثر من باقي ولده؟ أم أنها وضعت لتؤكد كفر أبي طالب، وانه يحب عقيلا لأنه بقي على الكفر مثله!
2- سورة القصص 56
3- أنظر تحليل الخنيزي: أبو طالب ص 311، 361 - 376
4- سورة البقرة، الآية 272
5- سورة النحل، آية 37
6- سورة النساء، آية 88

«مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا»(1).

وغيرها.

غير أن هذه الهداية والضلال لا تأتي بالقوة ولكن الله سبحانه وتعالى أوضح للانسان الطريق الصحيح ومنحه الحرية لاختيار ما يشاء:

«إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبيِلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا»(2).

فإذا ما اختار طريق الهداية فالله سبحانه وتعالى قادر على أن يضله، ولكن عدله سبحانه وتعالى يأبى ذلك، وإذا ما اختار طريق الضلال فالله قادر على هدايته ولكنهّ تعالى لا يستخدم الجبر في ذلك، أي إن فحوى الآيات أن إيمان الانسان وضلاله ليس خارجا عن قدرة الله سبحانه وتعالى.

إذن فهناك آيات كثيرة نزلت بهذا المعنى فلا يوجد داع لتخصيص هذه الآية دون غيرها في أبي طالب.

ثانيا: إن قوله تعالى:

«إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ»(3) هذا الخطاب لا يعني أنه موجّه للنبي صلی الله علیه و آله وسلم فقط، بل هو موجّه لكل من سار في طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ثم ان لفظه (إنك) التي تفيد المفرد قد تفيد الجمع، فالقرآن أحيانا يستخدم المفرد ويريد الجمع، وأحيانا يستخدم

ص: 120


1- سورة الكهف، آية 17
2- سورة الانسان، آية 3
3- سورة القصص: آية 56

الجمع ويريد المفرد، وهذا موجود في اللغة العربية.(1) ثالثاً: ان روايات نزول هذه الآية في أبي طالب كلها مروية عن اشخاص لم يشهدوا زمان أبي طالب أو معاينته حال الوفاة وهم:

رواية مصدرها - أبو هريرة - وهو صحابي من أهل البحرين جاء إلى المدينة وأسلم في السنة السابعة للهجرة في فتح خيبر، أي بعد وفاة أبي طالب بعشر سنين ولم تشر الرواية لمصدر أبي هريرة(2).

رواية عن أبي سهل السري بن سهل، عن عبد القدوس، عن أبي صالح، عن ابن عباس، والمعروف أن أبا سهل ضعيف الحديث، بل مجهول العين والحال.(3) اما عبد القدوس بن حبيب الكلاعي من أهل الشام فلم يكن ابن المبارك يفصح بقوله كذاب إلا لعبد القدوس هذا، وقال الفلاس: اجمعوا على ترك حديثه، وقال النسائي: ليس بثقة(4).

ص: 121


1- وقد ورد هذا الاسلوب كثيراً في القرآن الكريم كقوله تعالى: «الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ» سورة آل عمران، آية 181، نزلت في حي بن اخطب. القرطبي: الجامع 4 / 294. وقوله تعالى: «وَمِنَ الناَّسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فيِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فيِ قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ» سورة البقرة، آية 204، نزلت في الأخنس بن شريق. الواحدي: أسباب النزول: ص 39. وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» سورة النور، آية 33. نزلت في غلام حويطب ابن عبد العزى. الواحدي: أسباب النزول ص 219
2- أنظر الرواية لدى السيوطي: الدر المنثور 5 / 133
3- الذهبي: ميزان الاعتدال 4 / 535
4- أبو زرعة: الضعفاء 3 / 815. الذهبي: ميزان الاعتدال 2 / 642. ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 3 / 1 / 56

ومصدر الرواية ابن عباس الذي كان يوم وفاة أبي طالب رضيعا!(1) فمن الذي أخبره بالرواية(2)؟ هل أبوه الذي أكد أن أبا طالب قال كلمة التوحيد في آخر لحظات حياته!!.

رواية عن أبي سهل السري الكذاب المار الذكر، عن عبد القدوس الكذاب أيضاً إلى أن تنتهي إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب والمعروف ان ابن عمر كان عمره وقتذاك سبع سنوات(3) ولا يتصور أنه حضر وفاة أبي طالب فمن الذي اخبره بذلك؟(4).

فهذه الروايات برواتها الضعفاء والكذابين يمكن القول أنها وُضِعت ونسبت إلى الصحابة.

الدليل الخامس: قول الإمام علي علیه السلام للنبي صلی الله علیه و آله وسلم: ان عمك الضال قد قضي! فما الذي تأمرني فيه؟ أولاً: هل هذا الكلام الصادر من الإمام علي علیه السلام بحق أبيه يتناسب مع خلق الامام الذي هو من خلق رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم!!! ثانياً: إذا كان الإمام علي علیه السلام ناقماً علي أبيه، فأين كان عنه؟ فهل سمعنا أو قرأنا أنه علیه السلام ناقش أباه يوما على الضلالة؟ وينسحب الأمر إلى النبي صلی الله علیه و آله وسلم حيث لم نقرأ انه دعا عمه أبا طالب إلا في اللحظات الأخيرة من حياته وهو أمر غير

ص: 122


1- الطبري: المنتخب ص 524. ابن حزم: جمهرة ص 18. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 933. ابن الاثير: اسد الغابة 3 / 193
2- أنظر الرواية لدى السيوطي: الدر المنثور 5 / 133
3- ابن الاثير: اسد الغابة 3 / 227 - 231
4- أنظر الرواية لدى السيوطي: الدر المنثور 5 / 133

مستبعد، لأن تلقين الميت بالشهادتين من السنة المباركة.

ثالثاً: أليس من اغرب الغرائب أن يموت شيخ البطحاء، وهو الذي كان السند والعمود لدعوة النبي صلی الله علیه و آله وسلم لعشر سنوات والنبي محمد صلی الله علیه و آله وسلم بعيد عنه، ثم يموت ولا أحد بجواره، لدرجة أن الإمام عليا علیه السلام يحتار في أمره فيأتي إلى النبي صلی الله علیه و آله وسلم يطلب الإذن فيه، فيقول له صلی الله علیه و آله وسلم: إذهب فواره، فأين أبناء عبد المطلب العشرة؟ أين بقية بني هاشم؟ أين زعماء قريش؟ أ يموت أبو طالب هكذا وضع وكأنه من عامة الناس؟! رابعاً: ان سند الرواية مطعون فيه وهو: عن سفيان بن عيينة عن أبي اسحاق، عن ناجية بن كعب، قال: قال علي علیه السلام: ان عمك…) اما سفيان بن عيينة فمع انه يوصف بأنه حافظ فقيه، إمام حجة، وثقة، وقد اجتمعت الأمة على الاحتجاج به، لكنه كان يدلس عن الثقات، وقد تغير حفظه واختلط في سنة 197 ه(1).

أبو اسحق السبيعي: هو عمرو بن عبد الله الهمداني، يشار إلى أنه كان عابدا ثقة وقد ولد أيام الخليفة عثمان ورأى الإمام عليا وأسامة، ولكنه في عهد معاوية كان يتقاضى منه ثلاثمائة دينار في الشهر، وهذا يوجب التوقف في امره؟ والتساؤل عن سر ذلك؟ ويشار إلى انه اختلط في آخر حياته، واخذ ينسى وتغير حفظه، ويقال أيضاً إنه افسد حديث أهل الكوفة(2).

أما ناجية بن كعب، فقد توقف ابن حيان في توثيقه ولم يحدث عنه إلا أبو

ص: 123


1- الذهبي: ميزان الاعتدال 2 / 170 - 171. ابن حجر: تقريب التهذيب 1 / 312
2- الذهبي: ميزان الاعتدال 2 / 270. ابن حجر: تقريب التهذيب 2 / 73

اسحق السالف الذكر(1).

الدليل السادس: لم ينقل عن أبي طالب أنه صلى:

أولاً: إذا كان أبو طالب لم يعلن إسلامه قولاً، أتجده يعلن صلاته فعلا، فإن كان قد تستر على القول فالفعل اولى بالتستر! ثانياً: ان الصلاة يومذاك لم تكن واجبة(2)، بل نافلة فمن شاء صلى، ومن شاء ترك لأن المسلمين كانوا تحت انظار المشركين.

ثالثاً: هل نقل عن جميع ممن أسلم في مكة انه صلى! الدليل السابع: عدم أخذ الإمام علي علیه السلام وجعفر من تركة أبي طالب(3).

أولاً: ما هي هذه التركة التي تركها أبو طالب؟ أو ليس أبو طالب هو ذاك الفقير الذي ساد مكة وما ساد فقير قبله! أو ليس أبا طالب هو الذي ترك النبي صلی الله علیه و آله وسلم والعباس يأخذان ولديه عليا وجعفرا حتى يخففا عنه أثقال المعيشة لأنه كان فقيرا؟ مع اننا نتحفظ على أخذ العباس جعفرا وقد تكون الرواية وضعت للطعن في تربية الإمام علي علیه السلام في بيت النبي صلی الله علیه و آله وسلم(4).

ثانيا: ولنفترض انه كانت لديه تركة، فأي شيء يبقى منها في ذلك الزمن الصعب؟ فما الذي بقي من اموال خديجة وهي من كبار اغنياء مكة، حتى

ص: 124


1- الذهبي: ميزان الاعتدال 4 / 239
2- الشرح: 14 / 83. وانظر: ابن زبالة: منتخب ص 48، حيث ذكر ان خديجة توفيت قبل فرض الصلاة
3- أنظر تحليل الخنيزي: أبو طالب ص 376 - 377
4- وقد ناقشنا الرواية تفصيلا في بحثنا الموسوم (فضائل الإمام علي علیه السلام المنسوبة لغيره... الولادة في الكعبة)

اصبحت في أيام حصار الشعب تجلس على حصير ولا تجد لها طعاماً، حيث انفقت اموالها في خدمة الدعوة الاسلامية(1)، فإذا كان هكذا يؤول حال خديجة فما ظنك بأبي طالب!!؟ الدليل الثامن: رواية الضحضاح(2) في النار.

فحوى هذه الرواية ان العباس بن عبد المطلب سأل النبي صلی الله علیه و آله وسلم: ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك قال صلی الله علیه و آله وسلم: هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل، وفي رواية: وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح. وفي رواية: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه.

يمكن مناقشة النص أعلاه في الحيثيات الآتية(3) أولاً: المعروف في العقيدة الاسلامية ان من يموت مشركا فإن له نار جهنم خالدا فيها ابدا، فهو ممن لا يغفر له يقول تعالى:

«إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ»(4).

ثانياً: ان الشفاعة في العقيدة الاسلامية منحصرة باهل التوحيد فقط، اما من لم يكن بموحد (فما تنفعهم شفاعة الشافعين)(5).

قال صلی الله علیه و آله وسلم قيل لي: سل فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة،

ص: 125


1- أنظر الشرهاوي: السيدة خديجة ص 81 - 87
2- الضحضاح: الماء القريب القعر، الرازي: مختار الصحاح ص 377
3- أنظر تحليل الخنيزي: أبو طالب ص 377 - 403
4- سورة النساء، آية 48
5- سورة: المدثر، آية 48

فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله(1) وقال صلی الله علیه و آله وسلم: شفاعتي لمن شهد لا إله إلا الله مخلصا وأن محمداً رسول الله يصدق لسانه قلبه وقلبه لسانه(2).

ثالثاً: أما مسألة التخفيف في العذاب فقد اُنكره القرآن الكريم في أكثر من آية، قال تعالى:

«وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ»(3).

وقال تعالى:

«وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ»(4).

وقال تعالى:

«خَالِدِينَ فيِهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ»(5).

وقال تعالى:

«وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا»(6).

ص: 126


1- ابن حنبل: المسند 2 / 444. المنذري: تهذيب الترغيب والترهيب 4 / 519. وهناك ما يماثله في مسلم: الصحيح 3 / 74. الترمذي: صحيح 2 / 295
2- ابن حنبل: المسند 2 / 307، 518
3- سورة فاطر، آية 36
4- سورة النحل، آية 85
5- سورة البقرة، آية 162، سورة آل عمران، آية 88
6- سورة مريم، آية 86 - 87

والعهد هنا شهادة لا إله إلا الله والقيام بحقها(1).

رابعاً: ان الرواية مطعون في سندها فمن رواتها:

سفيان الثوري الذي وإن كان ثبتا حجة متفقا عليه، وله نقد وذوق ولكنه كان يدلس عن الضعفاء ويكتب عن الكذابين(2).

عبد الملك بن عمير اللخمي: يوصف بأنه من أوعية العلم، تولى قضاء الكوفة بعد الشعبي ويقول ابن حجر انه فقيه ثقة ولكنه تغير حفظه، وربما دلس ومات وله من العمر مائة وثلاث سنين، وقال الذهبي ولكنه طال عمره وساء حفظه وقال ابن أبي حاتم: (ليس بحافظ تغير حفظه). وقال احمد: ضعيف، يغلط. وقال ابن معين: مخلط، وقال ابن خراش: كان شعبه لا يرضاه. وذكر الكوسج عن احمد: انه ضعف جدا ولكن العجلي وثَّقه، وقال النسّائي: لا بأس به، وقال الذهبي: الرجل من نظراء أبي اسحق السبيعي وسعيد المقري لما وقعوا في هرم الشيخوخة، نقص حفظهم وساءت اذهانهم ولم يختلطوا(3).

عبد الله بن يوسف التنيسي: اختلف علماء الجرح والتعديل فيه، ففي الوقت الذي قال فيه الذهبي: انه (الثقة شيخ البخاري) فقد ضعّفه ابن عدي وأورده في الضعفاء، وشك يحيى بن بكر في سماعه من الامام مالك، وكان التنيسي من

ص: 127


1- القرطبي: الجامع 11 / 154. تفسير البيضاوي 2 / 40. تفسير ابن كثير 3 / 138
2- ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 1 / 2 / 225، الذهبي: ميزان الاعتدال 2 / 169. ابن حجر: تقريب التهذيب 1 / 311
3- ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 2 / 2 / 360 - 361، الذهبي: ميزان الاعتدال 2 / 660 - 661، ابن حجر: تقريب التهذيب 1 / 521

أهل الشام(1).

الليث بن سعد: كان أحد الأعلام والأئمة الأثبات وحجة بلا نزاع عند الذهبي، ولكن ابن معين أشار إلى أنه كان يتساهل في الشيوخ والسماع(2).

يزيد بن عبد الله الهادي: هو من ثقات التابعين وعلمائهم عند الذهبي، ولكن أبا عبد الله بن الحذاء أورده في باب من ذكر بجرح من رجال الموطأ وكان يروي عن كل أحد(3).

عبد العزيز بن محمد بن عبيده الداوردي: قال الذهبي: صدوق من علماء أهل المدينة، ولكن غيره أقوى منه. وقال احمد بن حنبل: إذا حدث من حفظه ليس هو بشيء وإذا حدّث من كتابه فنعم، وإذا حدّث من حفظه جاء ببواطيل، وفي الوقت الذي وثقه ابن المديني فقد قال فيه ابن أبي حاتم: لا يحتج به، وقال:

أبو زرعة: سيئ الحفظ، فيما ارتقى به معن بن عيسى: يصلح الداوردي أن يكون امير المؤمنين(4).

اما بالنسبة إلى أدلة القائلين بإسلامه فقد توقفنا عند الأدلة الآتية:

الدليل الثالث: هذا الدليل يأتي في مقابلة الدليل الثامن لدى القائلين ببقاء أبي طالب على دين قومه، ففي كلا الدليلين نجد العباس يسأل النبي صلی الله علیه و آله وسلم

ص: 128


1- ابن عدي: الكامل في الضعفاء 5 / 341 - 342، الذهبي: ميزان الاعتدال 2 / 528
2- الذهبي: ميزان الاعتدال 3 / 423
3- الذهبي: ميزان الاعتدال 4 / 430
4- ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 2/ 2 / 395 - 396، أبو زرعه: الكامل في الضعفاء 2 / 425. الذهبي: ميزان الاعتدال 2 / 633 - 634. ابن حجر: تهذيب التهذيب 6 / 353 - 355. تقريب التهذيب 1 / 512

عن مصير أبي طالب الذي يختلف عند الطرفين فهو في ضحضاح من نار عند القائلين ببقائه على دين قومه، اما عند القائلين بإيمانه فالرسول يرجو له كل الخير، والظاهر انه وضع في مقابل حديث الضحضاح، وإلا فما معنى سؤال العباس عن أبي طالب فإنه إن صح يورث شكا في إيمان أبي طالب.

الدليل الرابع: قول الإمام علي بن موسى الرضا علیه السلام: (إنك إن لم تقر بإيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار) الملاحظ أن المقصود هو ممن قامت لديه البينة على إيمان أبي طالب ومع ذلك انكره لمآرب أخرى كأن يكون البغض للإمام علي علیه السلام وإلا فلا يؤخذ هذا النص على ظاهره في حالة صحته.

الدليل الخامس: لم أجِد ما يؤيد أن الإمام عليا علیه السلام أوصى بالحج عن عبد الله وأبي طالب.

الدليل السادس: قول أبي بكر للرسول صلی الله علیه و آله وسلم: لأنا كنت أشد فرحا بإسلام عمك أبي طالب مني بإسلام أبي، التمس بذلك قرة عينك.

إذا كان إسلام أبي طالب في بدء الدعوة الاسلامية فلا معنى لفرح الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، أو أبي بكر لأن إسلامه كإسلام أي من المسلمين الاوائل، اما إذا كان إسلامه في لحظات الموت، ولذلك فرح الرسول صلی الله علیه و آله وسلم به تبعا لذلك فرح أبو بكر، فإن هذا ما لا يقوله القائلون بإسلام أبي طالب، فكيف يعتبرونه دليلا على إسلامه، بل إن النص أعلاه يفيد عدم إسلام أبي طالب، أي إن أبا بكر كان يتمنى إسلام أبي طالب ولو أسلم لكان أشد فرحا به من إسلام أبيه.

الدليل السابع عشر: حينما حضرت أبا طالب الوفاة تكلم بكلام خفي فأنصت له العباس، وقال للرسول صلی الله علیه و آله وسلم: يا ابن اخي والله لقد قالها عمك، ولكنه

ص: 129

ضعف أن يبلغك صوته.

إذا صحت هذه الرواية وهذا الموقف من العباس، فلماذا لم يسلم هو، ثم هذا يعني أن أبا طالب أسلم في اللحظات الأخيرة والقائلون بإسلامه يقولون:

إنه أسلم منذ يوم الإنذار.

والأولى أن يقال في ذلك إن ما قاله أبو طالب في اللحظات الأخيرة لا يعني بدء إسلامه وإنما هو التشهد الذي يقوله المحتضر ساعة الاحتضار كما تؤكده السنةّ المشرفة.

الدليل التاسع عشر والثالث والعشرون: انّ شِعر أبي طالب دليل إيمانه:

إن من يقرأ شعر أبي طالب أو يسمعه يقطع بإيمانه!! إذا يا ترى ما هو موقف مشركي مكة من هذا الشعر، فهل كان أبو طالب يقوله بعيدا عن اسماع المشركين؟ نجد أن بعضه قاله بوجه المشركين وبمسمع منهم! والملاحظ ان فترة المقاطعة قد تكون حدا فاصلا بين فترتين متميزتين من حياة أبي طالب بعد ظهور الإسلام ألا وهي فترة السر وهي الفترة السابقة للمقاطعة، ولكن حينما ادرك المشركون أن أبا طالب قد آمن بدعوة ابن أخيه لذا اصدروا بحقه أقسى العقوبات ألا وهي المقاطعة، حيث كان أبو طالب هو كبير المقاطعين والمحصورين، فدعا بني هاشم لنصرة النبي صلی الله علیه و آله وسلم وتأييده واستنكر موقف القريشيين هذا شعراً.

فهل ان شعر أبي طالب جاء بعد المقاطعة؟ خاصة إذا علمنا ان القائلين بإسلامه يقولون بأن أبا طالب كتم إسلامه بغية حماية النبي صلی الله علیه و آله وسلم؟ فكيف يتأتى ذلك مع شعره الصريح بإيمانه!!؟

ص: 130

اما بالنسبة إلى موقف ابن أبي الحديد السلبي وعدم اتخاذه قرارا واضحا معتمدا على دليلين: الأول: تعارض أدلة القائلين ببقائه على دين قومه مع أدلة القائلين بإسلامه.

والواقع إن عدد الأدلة التي ساقها لبيان بقائه على دين قومه لا تتجاوز التسع أدلة بينما أورد ثلاثة وعشرين دليلا على إيمانه وفي هذا نجد موقفا خفيا لابن أبي الحديد!!؟ الثاني: ما ورد في رسالة محمد ذي النفس الزكية إلى الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور سنة 145 ه، وقول «ذي النفس الزكية» فيها: (أنا ابن خير الاخيار، وأنا ابن شر الأشرار)، (فإن هذه شهادة منه على أبي طالب بالكفر وهو ابنه وغير متهم عليه) وأضاف: وعهده قريب من عهد النبي صلی الله علیه و آله وسلم ولم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلاً.

نظرة في رسالة محمد ذو النفس الزكية:

هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، من كبار رجالات أهل البيت خلقا وعلما حتى سمي بذي النفس الزكية لزهده ونسكه، وحينما لاحت علامات ضعف وانحلال الدولة الأموية، أخذ رجالات البيت الهاشمي بعقد الاجتماعات ومداولة الرأي، وقد عقد في الأبواء اجتماعان، كان الأول سنة 126 ه اما الثاني سنة 129 ه لبيعة ذي النفس الزكية، فلم تتم فيهما البيعة لأن الدعوة العباسية كانت قد أتت أكلها، وسرعان ما قامت الدولة العباسية، فاختفى محمد ولم يبايع لأبي العباس السفاح 132 - 136، وقد إراد الأخير أن يقدم صورة لخلافة هاشمية، فلم يتعرض لأبناء عمه العلويين، ولكنه

ص: 131

لما جاء أبو جعفر المنصور (136 - 158)، لم يقتنع إلا ببيعة محمد، متخذا جملة من الاجراءات التي اضطرت محمدا للخروج في المدينة، وهنا أشارت المصادر إلى أن الخليفة وجدها فرصة للاعلان عن الرؤية العباسية في نظرية الخلافة، فكانت ثلاث رسائل تبودلت بدأها المنصور، وأجاب محمد عن الاولى ثم اعاد الخليفة الجواب، فيما لم تشر المصادر لرسالة جوابية ثانية من محمد لتكون أربع رسائل وكان من جملة ما ورد في رسالة محمد عبارة (أنا ابن خير الاخيار، وأنا ابن شر الاشرار)(1).

هنا لنطرح عدة حيثيات حول ذلك:

أولاً: ان هذه الرسائل(2) إنما كتبت لإثبات من هو الأحق بمنصب الخلافة، إذن يجدر بمحمد أن يبحث عن أدلة تؤيد أحقيته، فهل يعقل أن نجد محمدا يسجل على نفسه وبقلمه عند خصمه هذا الدليل الذي يعد طعنا فيه وليس له؟ كيف يجوز لعاقل ان يظن صدور مثل هذا القول من محمد وهو في

ص: 132


1- البلاذري: انساب الاشراف 2 / 75 - 135. مؤلف مجهول: اخبار العباس وولده ص 385 - 386، 388 - 389. الطبري: تاريخ 7 / 517 - 609. أبو الفرج: مقاتل الطالبين ص 157 - 200، مؤلف مجهول: العيون والحدائق ص 230 - 250. القالي: ذيل الامالي ص 120. ابن عنبه: عمدة الطالب ص 103 - 105
2- أنظر هذه الرسائل في البلاذري: انساب الاشراف 2 / 95 - 102. المبرد: الكامل في اللغة والادب 4 / 113 - 120. الطبري: تاريخ 7 / 565 - 571. ابن عبد ربه: العقد الفريد 5 / 79 - 85. الازدي: تاريخ الموصل 182 - 187. مؤلف مجهول: العيون والحدائق ص 240 - 241. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 221 - 224. القلقشندي: صبح الاعشى 1 / 231 - 235. صفوة: جمهرة رسائل العرب 3 / 84 - 96. وانظر تحليل لهذه الرسائل، فاروق عمر: العباسيون الاوائل 1 / 118 - 134

وقت مملوء حماسا وافتخاراً؟ وإذا كان محمد ابن شر الاشرار فأي فخر يبقى له؟!!(1).

ثانيا: لو قبلنا بصحة ذلك جدلا فهل هناك من يقول إن أبا طالب شر الاشرار؟ فهل هو شر من أبي لهب الذي صرح القرآن به، وأبي جهل فرعون هذه الأمة، والوليد بن المغيرة الذي توعده القرآن بسقر!!؟(2).

ثالثا: ولو تنزلنا بعد وقلنا بصدور ذلك من ذي النفس الزكية فما هو الدليل على أن قصد محمد بشر الاشرار هو أبو طالب فقد يكون قصده جده لأمه، عبد العزى، فأم محمد هي هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن اسد بن عبد العزى، وكان عبد العزى من مشيخة قريش ومشركيهم(3) وقد يقصد جده زمعة بن الأسود(4)، أحد المناوئين للنبي صلی الله علیه و آله وسلم.

رابعاً: يرى ابن أبي الحديد انه لا يمكن القول بافتعال ذلك على محمد لأن عهده قريب من عهد النبي صلی الله علیه و آله وسلم فلم يطل الزمان حتى يكون الخبر مفتعلا.

ان المتتبع لما ورد في شرح ابن أبي الحديد يكاد يقطع بأن ابن أبي الحديد لا يقتنع نفسه بهذا الدليل - حيث أكد في مناسبات عدة على أن مسألة الوضع في الحديث قد بدأت في عهد معاوية، حتى أن الأخير وضع اشخاصا لهذا

ص: 133


1- العاملي: شيخ الابطح ص 81. الخنيزي: أبو طالب 295 - 296
2- العاملي: شيخ الابطح ص 81
3- ابن عنبه: عمدة الطالب ص 103. العاملي: شيخ الابطح ص 82. الخنيزي: أبو طالب ص 296 - 298
4- من ألدّ أعداء النبي صلی الله علیه و آۀه وسلم وقتل في معركة بدر. أنظر: الطبري: تاريخ 2 / 370، 437، 458، 461

الغرض(1)، مع أن الإمام علياً يرى أن الوضع في الحديث قد بدأ في عصر النبي صلی الله علیه و آله وسلم ولذا نجده صلی الله علیه و آله وسلم يتوعد اولئك ويقول: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار(2).

فإذا كان الوضع قد افتعل على النبي صلی الله علیه و آله وسلم في زمانه، فمن باب أولى أن نجده في العصور اللاحقة، ولا داعي للافاضة في هذه المسألة فهي من المسلّمات.

خامسا: بدأ المنصور بإرسال رسالة ممزوجة بالترغيب والترهيب إلى محمد، وكأنه إراد استثارته حتى إذا جاءت رسالة محمد الجوابية، نجد الخليفة وكأنه يريد ان يوضح نظرية العباسيين في الخلافة، محاولا ابطال النظرية العلوية، إلا اننا بعد ذلك لا نجد رسالة لمحمد للإجابة على النظرية التي طرحها الخليفة؟ فهل هذا يعني اقتناع محمد بما جاء به المنصور؟ أو رأى أن الاجابة لا تجدي نفعا؟ أم أن هناك رسالة ولكن يدا خفية أخفتها؟!.

سادسا: ان محمدا قد قتل وتشتت أصحابه بين القتل والسجن والتشريد، فلم يكن لدينا مصدرٌ عن هذه الرسائل إلا بلاط الخليفة العباسي!!؟.

سابعا: ولنأت الآن إلى مصدر هذه الرسائل ورواتها:

مصدرها لدى البلاذري: هو ابن حرب. وقد أورد الذهبي شخصيتين بهذا الاسم، قال بحق الأول: مجهول، أما الآخر فهو: واه(3).

ص: 134


1- الشرح: 4 / 63 - 73، 11 / 38 - 50
2- الشرح: 11 / 38. واخرج حديث النبي الترمذي: صحيح 12 / 167. ابن ماجه: صحيح 1 / 12 13
3- الذهبي: ميزان الاعتدال 4 / 513

مصدرها لدى الطبري:

قال الطبري: قال عمر بن شبة: حدثني محمد بن يحيى قال: نسخت هذه الرسائل من محمد بن بشير وكان بشير يصححها وحدثنيها أبو عبد الرحمن من كتّاب أهل العراق والحكم بن صدقة بن نزار، وسمعت ابن أبي حرب يصححها، ويزعم ان رسالة محمد لما وردت على أبي جعفر قال أبو ايوب: دعني أجبه عليها، فقال: أبو جعفر: لا بل أنا اجيبه، إذا تقارعنا على الاحساب فدعني وإياه.

بدءاً يتضح ان هناك شكوكا في الرسائل ولذا نجد محمد بن بشر يصححها، ولا ندري ماذا يقصد بالتصحيح؟ ويذكر لفظة (ويزعم) وهي من الفاظ الشك والتمريض.

اما بالنسبة إلى الرواة، فابن أبي الحرب، لم نجد شخصا بهذا الاسم، وقد يكون ابن حرب الذي ذكره البلاذري ولاحظنا القول فيه.

الحكم بن صدقة بن نزار: لم أجد في كتب التاريخ أو الجرح والتعديل شخصا بهذا الاسم حيث اطلعت على كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وميزان الاعتدال للذهبي، وتقريب التهذيب وتهذيب التهذيب لابن حجر وغيرها.

أبو عبد الرحمن: ذكر الذهبي سبعة اشخاص بهذه الكنية وقد طعن فيهم كلهم.(1) محمد بن بشر: ذكر الذهبي ستة اشخاص بهذا الاسم ولم يسلم أحد من تجريحه.(2)

ص: 135


1- الذهبي: ميزان الاعتدال 4 / 546 - 547
2- الذهبي: ميزان الاعتدال 2 / 491 - 492

محمد بن يحيى: قال فيه محمد ابن أبي حاتم: شيخ، وقال السليماني: حديثه منكر، وقال النسائي: ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما خالف وقال عمر بن شبه: كان كاتبا وابوه كاتبا وجداه كاتبين، وكان عمه كاتبا بينما عدّه ابن حزم مجهولا، أما الدارقطني وابن حجر فقالا فيه ثقة(1).

مصدرها لدى ابن عبد ربه في العقد الفريد: قال: حدث عبد العزيز بن عبد الله البصري عن عثمان بن سعيد بن سعد المدني(2).

فبالنسبة إلى عبد العزيز بن عبد الله البصري فقد قال فيه الذهبي (تكلم فيه ابن عدي وقال: هو القرشي البصري، ثم ساق له احاديث تستنكر، وقال: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات)(3).

في حين عجزت كتب الجرح والتعديل أن تجد لها مكانا تضع فيه عثمان بن سعيد بن سعد المدني، حيث لم أجد له ذكرا في كتاب الجرح والتعديل لأبي حاتم ولا الكامل في الضعفاء لابن عدي ولا ميزان الاعتدال للذهبي، ولا تقريب التهذيب وتهذيب التهذيب لابن حجر. إذن فهو من مجاهيل الرواة، إن لم يكن مختلقاً.

والآن لنطرح سؤالا: لماذا قام أبو طالب بنصرة النبي صلی الله علیه و آله وسلم؟.

إن أي دارس للدعوة الاسلامية في مكة المكرمة يجد أن أبا طالب كان

ص: 136


1- ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 1 / 4 / 123، الذهبي: ميزان الاعتدال 4 / 62، ابن حجر: تقريب التهذيب 2 / 218، تهذيب التهذيب 9 / 517 - 518
2- العقد الفريد 5 / 74
3- ابن عدي: الكامل في الضعفاء 6 / 511 - 512، الذهبي: ميزان الاعتدال 2 / 630

عماد هذه الدعوة(1)، الذي ما إن زال حتى بان الضعف فيها، فأعطى الأعداء الفرصة لمحاولة الاجهاز عليها.

فبدءاً نجد أبا طالب يحتضن الدعوة منذ يوم الإنذار(2)، ونجده يجيب النبي صلی الله علیه و آله وسلم قائلا لأبي لهب: (والله لننصرنه ثم لنعيننه. يا ابن اخي إذا أردت أن تدعو إلى ربك فأعلمنا حتى نخرج معك بالسلاح)(3).

وهنا أخذ النبي يباشر دعوته بإسناد عمه، الذي بدوره أسند ولديه عليا وجعفرا ودعاهما لنصرة النبي صلی الله علیه و آله وسلم وخصص عليا للمنام في فراش الرسول صلی الله علیه و آله وسلم إذا ما أحس بوجود خطر عليه يوما ما(4). ثم أخذ أبو طالب على عاتقه الرد

ص: 137


1- يقول ابن كثير: (وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاباة والمحاجة والممانعة عن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم والدفع عنه وعن أصحابه، وما قال فيه من الممادح والثناء، وما أظهره له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة في اشعاره التي اسلفناها وما تضمنته من العيب والتنقيص لمن خالفه وكذبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التي لا تدانى ولا تسامى، ولا يمكن عربيا مقاربتها ولا معارضتها، وهو في ذلك كله يعلم ان رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) صادق بار راشد ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه، وفرق بين علم القلب وتصديقه كما قررنا ذلك في شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري … كان أبو طالب يصد الناس عن أذية الرسول (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ونفس ومال. ولكن مع هذا لم يقدّر الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة والحجة القاطعة البالغة الدافعة التي يجب الإيمان بها، والتسليم لها، ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لأبي طالب وترحمنا عليه). البداية والنهاية 3 / 126. اقرأ وتعجب!!؟
2- حينما نزل قوله تعالى: [وانذر عشيرتك الأقربين]. سورة الشعراء، آية 214
3- اليعقوبي: 2 / 24
4- الشرح: 13 / 200، 14 / 53، 64، 75 - 76. أبو نعيم: دلائل النبوة 1 / 227

بيد من حديد لكل من تسول له نفسه إيذاء النبي صلی الله علیه و آله وسلم بالقول أو الفعل كما فعل مع ابن الزبعرى(1)، ومع أبي جهل.(2) ولما لم تجد قريش من وسيلة لإيقاف النبي صلی الله علیه و آله وسلم عن مواصلة دعوته لجأت إلى عمه أبي طالب تقدم الاقتراحات لتسوية الخلافات، وما كان من أبي طالب سوى القيام بدور ذكي وكأنه دور الوسيط فيبعث للنبي صلی الله علیه و آله وسلم ويعرض عليه اقتراح قومه، وحينما يرفض النبي صلی الله علیه و آله وسلم نجد أبا طالب يعلن تجديده لعهده بحماية النبي صلی الله علیه و آله وسلم ودعوته إياه لمواصلة منهجه في الدعوة إلى التوحيد.(3) ولما شعر المشركون بأن أبا طالب وكأنه شريك للنبي صلی الله علیه و آله وسلم في دعوته قرروا أن تكون العقوبة شاملة لأبي طالب فكانت مقاطعة قريش لبني هاشم جميعا عدا أبي لهب(4).

وفي الواقع إن المقاطعة إنما كانت سلاحا موجها ضد أبي طالب لإرغامه على ترك حماية النبي صلی الله علیه و آله وسلم، وأما مقاطعة بني هاشم فلعلمهم بأنهم تبع لأبي طالب، فإذا ما تم ثني أبي طالب عن عزمه فهنا ينتهي دور بني هاشم بصورة طبيعية مما يسهل عليهم الإجهاز على النبي صلی الله علیه و آله وسلم.

ولكننا نجد أبا طالب يهب داعيا بني هاشم لنصرة النبي صلی الله علیه و آله وسلم وتأييده ولما

ص: 138


1- أنظر القرطبي: الجامع 6 / 261
2- الشرح: 14 / 72، وانظر ابن معد: الحجة ص 224
3- الشرح: 14 / 53 - 55، 74. أنظر: الطبري: تاريخ 2 / 323 - 237. الحاكم: المستدرك 3 / 667. الواحدي: أسباب النزول ص 149. 246 - 247. النويري: نهاية الارب 16 / 199 - 202
4- الشرح: 14 / 58 - 61. وانظر اليعقوبي: التاريخ 2 / 26 - 27. الطبري: تاريخ 2 / 335، 341 - 343

رأى استجابتهم سره ذلك وأعلن ذلك شعراً(1)، ولم يكتف بذلك بل أعلن استنكاره على قريش فعلهم هذا نظما ونثرا واعتبره مثلبة لقريش.(2) وعلى مدى ثلاث سنوات عانى أبو طالب الأمرّين من أثر الحصار حتى إذا علم النبي صلی الله علیه و آله وسلم بأن صحيفة المشركين قد اكلتها الأرضة إلا ما كان من (باسمك اللهم) جاء صلی الله علیه و آله وسلم وأخبر عمه، الذي سرعان ما ذهب إلى أندية قريش مخبرا إياهم بما أخبره به النبي صلی الله علیه و آله وسلم وهو على ثقة من كلام النبي صلی الله علیه و آله وسلم(3). وبذلك أعلن أبو طالب فشل مقاطعتهم وخرج بنو هاشم من الحصار الذي كان تجربه قاسية ومثلا من امثلة التضحية والإباء.

وما هي إلا أيام حتى كان أبو طالب يعيش في آخر أيامه، فدعا قريشا وأوصاهم ومن جملة وصاياه اوصاهم بالنبي صلی الله علیه و آله وسلم خيراً(4).

إن الملاحظ على ذلك امران:

الأول: إن كان أبو طالب على دين عبد المطلب الذي هو كما يرى البعض دين الوثنية، إذا أليس الأجدر به أن يثأر لأبيه صاحب المكانة الكبرى لدى

ص: 139


1- الشرح: 14 / 56 - 64. وانظر: الطبري: تاريخ 2 / 327 - 328
2- الشرح: 14 / 72 - 73، 79. وانظر: ديوان أبي طالب، ط بحر العلوم ص 17
3- اليعقوبي: التاريخ 2 / 27. أبو نعيم: دلائل النبوة ص 228 - 229. النويري: نهاية الارب 16 / 259. ابن كثير: البداية والنهاية 3 / 97. السيوطي: الخصائص الكبرى 1 / 375. الحلبي: السيرة الحلبية 1 / 373 - 374. دحلان: اسنى المطالب ص 15 - 16. الشبلنجي: نور الابصار ص 12
4- سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 8. السهيلي: الروض الانف 1 / 259. السيوطي: الخصائص الكبرى 1 / 215. الديار بكري: تاريخ الخميس 1 / 300 - 301. الحلبي: السيرة الحلبية 1 / 383. دحلان: اسنى المطالب ص 7 - 8، 62 - 63

قريش خاصة والعرب عامة؟ كيف يتسنى لأبي طالب أن يحمي ابن أخيه حول أمر هو أول المدانين عليه؟ فالنبي صلی الله علیه و آله وسلم كان يسفّه احلام المشركين ويطعن في عقولهم علنا وصراحة ويتوعدهم بالهلاك في الدنيا والجحيم في الآخرة، فهل كان هذا الوعيد الذي يشمل المشركين لا يشمل أبا طالب إن كان مشركاً؟ وهل يشمل عبد المطلب أم لا؟.

المعروف ان العصبية للآباء والأجداد أشد من العصبية للأبناء:

«إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ»(1).

إذا فحرّي بأبي طالب إن كان مشركا أن يثأر لعقيدته وعقيدة أبيه التي سفهها النبي صلی الله علیه و آله وسلم.

الثاني: كان أبو طالب مع بدء الدعوة الاسلامية في قمة مجده فهو شيخ الأبطح، وإليه المرجع في الأحكام ليس لدى قريش فحسب بل عند العرب عامة حيث عدّ من الحكام وكان قد استنبط بعض الاحكام. وعندما بدأت الدعوة الاسلامية نجد العباس لا يتخذ بشأنها قرارا قائلا: (ننتظر رأي الشيخ) حيث أن أبا طالب قد حاز مجد أبيه السياسي والاجتماعي.

إذا أليس الأجدر بأبي طالب أن يحافظ على هذا المجد ويقف أمام أي محاولة للطعن فيه؟ أم انه وجد في دعوة النبي صلی الله علیه و آله وسلم مجدا أعظم من ذلك المجد؟ فيا ترى ما هو المجد الذي جعل أبا طالب يمضي السنين العشر الأواخر من حياته في صراع مع قريش لفسح المجال للرسول صلی الله علیه و آله وسلم لنشر دعوته!!؟.

بعد هذا التحليل يأتي التساؤل حول السر في توقف ابن أبي الحديد في أمر

ص: 140


1- سورة الزخرف آية 23

إسلام أبي طالب، فمن خلال تحليلات أخرى لابن أبي الحديد يتضح أن مسألة توقفه قد تكون مجرد مسألة توفيقية لا اعتقادية ومن هذه التحليلات:

أولاQ: أشار ابن أبي الحديد أن أحد الطالبين في زمانه ولم يشر إلى اسمه وضع كتابا حول إسلام أبي طالب، وقدمه إليه، ليكتب عليه بخطه إما شعرا أو نثرا وليشهد بصحة ذلك بوثاقة الأدلة عليه. ومن خلال بحثنا قد تبين لنا ان هذا الطالبي هو - شمس الدين فخار بن معد الموسوي(1) أحد شيوخ ابن أبي الحديد وقد وصل كتابه هذا إلينا باسم )الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب( وقد اعتمده ابن أبي الحديد كثيرا في إيراد أدلة القائلين بإسلام أبي طالب إلا أنه لم يشر لذلك.(2) قال ابن أبي الحديد: )فتحرجت أن أحكم بذلك حكما قاطعا لما عندي من التوقف فيه، ولم أستجز أن أقعد عن تعظيم أبي طالب فإني أعلم أنه لولاه لما قامت للاسلام دعامة، وأعلم أن حقه واجب على كل مسلم في الدنيا إلى أن تقوم الساعة فكتبت على ظهر المجلد:

ولولا أبو طالب وابنه *** لما مثل الدين شخصا وقاما

فذاك بمكة اوى وحاما *** وهذا بيثرب جس الحماما

تكفل عبد مناف بأمر *** واودى فكان علي تماما

ص: 141


1- هو النسابة السيد شمس الدين أبو علي فخار بن معد بن فخار بن معد بن احمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن ابراهيم المجاب بن محمد العابد بن الامام موسى الكاظم علیه السلام. توفي سنة 603 ه وله مؤلفات عدة أنظر ترجمته: البحراني: اللؤلؤة ص 280، الخوانساري: روضات الجنات 5 / 23، الامين: اعيان الشيعة 42 / 262 - 263. الأميني: الغدير 7 / 401
2- وقد اعتمده في مواضع أخرى أشار له مثل 1 / 41، 12 / 4، 14 / 83، 15 / 23

فقل في ثبیر مضى بعد ما *** قضى ما قضاه وابقى شماما

فلله ذا فاتحا للهدى *** ولله ذا للمعالي ختاما

وما ضر مجد أبي طالب *** جهول لغا أو بصیر تعامى

كما لا ير إياه الصباح *** من ظن ضوء النهار الظلاما

قال ابن أبي الحديد بعد ذلك: (فوفيته حقه من التعظيم والإجلال ولم أجزم بأمر عندي فيه وقفة)(1)، ولكن لنتساءل عن قول ابن أبي الحديد أعلاه: وما ضر مجد أبي طالب …. فاننا لم نقرأ أو نسمع أن أحدا طعن في أبي طالب في شيء غير إسلامه، اذن فكل من طعن في ذلك عند ابن أبي الحديد هو (جهول لغا أو بصير تعامى) وهذا لا يضر مجد أبي طالب ولكن ماذا نقول لابن أبي الحديد إذا كان هو في صف اولئك أم إن هناك امراً خفياً!!!.

ثانياً: في حديثه عن أديان العرب قبل الإسلام قسم ابن أبي الحديد العرب على قسمين، المعطلة: وهم عباد الاصنام والكواكب، وأدخل معهم إليهود لقولهم بالتجسيم، والنصارى لقولهم بالتثليث. اما القسم الثاني: غير المعطلة:

أي المتألهون وهم اصحاب الورع والتحرج عن القبائح وعدّ منهم عبد المطلب وولديه أبا طالب وعبد الله.(2).

ثالثاً: عدّ ابن أبي الحديد أبُوة أبي طالب من فضائل الإمام علي علیه السلام، إذ يقول: (وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء وشيخ قريش ورئيس

ص: 142


1- الشرح: 14 / 83 - 84
2- الشرح: 1 / 120

مكة)(1).

وقال أيضاً: (إن عليا علیه السلام كان يدعى التقدم على الكل، والشرف على الكل، والنعمة على الكل، بابن عمه صلی الله علیه و آله وسلم وبنفسه وبأبيه أبي طالب، فإنه من قرأ علوم السير عرف أن الإسلام لولا أبو طالب لم يكن شيئا مذكورا).(2) والظاهر أن هذا الرأي قد واجه نقدا فعقب ابن أبي الحديد قائلاً: (وليس لقائل ان يقول: كيف يقال هذا في دين تكفل الله تعالى بإظهاره سواء كان أبو طالب موجودا أو معدوما! لأنا نقول: فينبغي على هذا أن لا يمدح رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ولا يقال: إنه هدى الناس من الضلالة، وأنقذهم من الجهالة، وأن له الحق على المسلمين، وإنه لولاه لما عبد الله تعالى على الارض وألا يمدح أبا بكر، ولا يقال: ان له أثراً في الإسلام وإن عبد الرحمن وسعدا وطلحة وعثمان وغيرهم من الأولين في الذين اتبعوا رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم لاتباعه لهم، وإن له يدا غير مجحودة في الانفاق واشتراء المعذبين، وإعتاقهم، وإنه لولاه لاستمرت الردة بعد الوفاة، وظهرت دعوة مسيلمة وطليحة، وإنه لولا عمر لما كانت الفتوح، ولا جهزت الجيوش، ولا قوي أمر الدين بعد ضعفه، ولا انتشرت الدعوة بعد خمولها).

وأضاف: (فإن قلتم في كل ذلك: إن هؤلاء يحمدون ويثنى عليهم، لأن الله تعالى اجرى هذه الامور على ايديهم ووفقهم لها، والفاعل بذلك بالحقيقة هو الله تعالى، وهؤلاء آلة مستعملة ووسائط تجري الافعال على ايديها فحمدهم والثناء عليهم، والاعتراف لهم إنما هو باعتبار ذلك قيل: لكم في شأن أبي طالب

ص: 143


1- الشرح: 1 / 29
2- الشرح: 1 / 142

مثله).(1) رابعا: في شرحه لوصية الإمام علي علیه السلام لابنه الحسن بضرورة السير على سنة السلف الصالح، أشار ابن أبي الحديد ان الإمامية وكثيرا من المعتزلة يرون أن أبا طالب من السلف الصالح.(2) خامساً: عدّ ابن أبا الحديد أبي طالب من أباة الضيم في قوله عند نصرة النبي صلی الله علیه و آله وسلم(3):

كذبتم وبيت الله نخلي محمداً *** ولما نطاعن دونه ونناضل

وننصره حتى نصرع حوله *** ونذهل عن ابنائنا والحلائل

وقد قيّض الله تعالى للإمام علي علیه السلام أمُاً تعد من شواخص نساء التاريخ وهي السيدة فاطمة بنت اسد بن هاشم(4) الزوجة الوحيدة لأبي طالب فأنجبت له أولاده الأربعة عقيلا وجعفراً وعلياً وام هانئ. وهي أول هاشمية تلد لهاشمي، أسلمت بعد عشرة من المسلمين فكانت الحادية عشرة، وهي أول امرأة بايعت الرسول صلی الله علیه و آله وسلم من النساء.

كان صلی الله علیه و آله وسلم يكرمها ويعظّمها ويدعوها (أمي) لأنها هي التي احتضنته صغيرا منذ كان في السادسة من عمره حيث توفت أمه آمنة بنت وهب، فأوصى عبد

ص: 144


1- الشرح: 1 / 142
2- الشرح: 16 / 71
3- الشرح: 3 / 258 - 259
4- أنظر ترجمتها: ابن سعد: الطبقات 8 / 222. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1891. ابن المغازلي: مناقب ص 6، 77. ابن الجوزي: صفة الصفوة 2 / 54. ابن الاثير: اسد الغابة 5 / 517. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 9 - 10. ابن حجر: الاصابة 4 / 380

المطلب برعايته صلی الله علیه و آله وسلم لأبي طالب.

وقد هاجرت فاطمة إلى المدينة، ولما حضرتها الوفاة أوصت إلى النبي صلی الله علیه و آله وسلم فقبل وصيتها وصلى عليها، ونزل في لحدها، واضطجع معها فيه، بعد أن ألبسها قميصه، فقال له أصحابه: إنا ما رأيناك صنعت يا رسول الله بأحد ما صنعت بها. فقال: إنه لم يكن أحد أبر بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهون عليها ضغطة القبر.(1) تجدر الإشارة إلى أنها من الموحّدين قبل الإسلام ولم يؤثر عنها أنها سجدت لصنم.(2) حتى تشير الروايات أنها اتخذت من الكعبة مكانا لولادة ابنها الأصغر عليا(3) كما سنرى في الفصل القادم.

يخلص ابن أبي الحديد(4) في شأن نسب الامام للقول: (فآباؤه آباء رسول الله وأمهاته أمهات رسول الله وهو منوط بلحمه ودمه، لم يفارقه منذ خلق الله آدم إلى أن مات عبد المطلب بين الأخوين عبد الله وأبي طالب، وأمهما واحدة فكان منهما سيدا الناس هذا الأول وهذا التالي، وهذا المنذر وهذا الهادي)(5).

ص: 145


1- الشرح: 1 / 13 - 14. وانظر: الصاحب بن عباد: عنوان المعارف ص 43. أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 4 - 5. الحاكم: المستدرك 3 / 117
2- الشبلنجي: نور الابصار ص 76
3- أنظر تفاصيل ذلك في كتابنا (فضائل الإمام علي علیه السلام المنسوبة لغيره.. الحلقة الاولى.. الولادة في الكعبة، الصفحات جميعها)
4- الشرح: 1 / 30
5- إشارة لقوله تعالى: «إنّما أنتَ منذرٌ ولكّلِ قوم هاد» سورة الرعد، آية 7، حيث يشار إلى نزولها في النبي صلی الله علیه و آله وسلم باعتباره المنذر، والإمام علي علیه السلام الهادي. أنظر الطبري: جامع البيان 13 / 108. الحاكم: المستدرك 3 / 140. ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 358 - 359

وممن كان يفتخر به الامام علیه السلام عمه (حمزة)(1) الذي أسلم مع بواكير الدعوة الاسلامية، وكان لنصرته للرسول صلی الله علیه و آله وسلم مدعاة لارتياح أبي طالب الذي مدحه بشعره. وقد تميز حمزة بالشجاعة حتى عُرف بأسد الله وأسدِ رسول الله، لذلك نجده مع الإمام علي علیه السلام وعبيدة بن الحارث أول من يتقدم لحرب المشركين في أول مناجزة عسكرية.

وكان ممن ثبت يوم أحد حيث استشهد، وترك مقتله أثراً سلبياً في نفس النبي صلی الله علیه و آله وسلم(2).

وكان الامام علیه السلام يفتخر به ويقول(3):

محمد النبي اخي وصهري *** .وحمزة سيد الشهداء عمي

ويرى ابن أبي الحديد(4) انه لو كان حمزة حياً لما بايع علياً علیه السلام بل كان يدعو إلى نفسه لأنه كان جباراً، قوي النفس، شديد الشكيمة ذاهباً بنفسه، شجاعاً بهمه، وهو العم والأعلى سناً، وآثاره في الجهاد معروفة.

ص: 146


1- أنظر ترجمته: ابن عبد البر: الاستيعاب 1 / 369 - 375. ابن الاثير: اسد الغابة 2 / 46 - 50. ابن حجر: الاصابة 1 / 353 - 354
2- لا زالت سيرة - حمزة بن عبد المطلب - موضع اهمال من قبل الباحثين، حيث انه يمثل انموذجاً للفروسية عند العرب
3- الشرح 4 / 122. وانظر: ابن المغازلي: مناقب ص 404. ابن طلحة: مطالب السئول ص 30. الطبرسي: الاحتجاج 1 / 112. المازندراني: مناقب آل أبي طالب 2 / 19. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 107. الهيتمي: الصواعق المحرقة ص 130
4- الشرح 11 / 115

والظاهر ان ابن أبي الحديد أراد أن يعرف وجهة نظر الإمامية في هذه المسألة، فتوجه إلى شيخه النقيب أبو جعفر(1) الإمامي المذهب. فكان رأي النقيب؛ أن هناك من الأدلة التي تثبت أن حمزة لو كان حياً لتابع علياً ولبايعه، ومن هذه الأدلة:

إن حمزة رضی الله عنه كان صاحب دين متين، وتصديق خالص للرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

إن حمزة لو عاش لرأى من أحوال الإمام علي علیه السلام مع الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ما يدفعه لمتابعته وبيعته.

أين خلق حمزة السبعي، من خلق الإمام علي علیه السلام الممزوج من خلق حمزة السبعي. وخلق علي الروحاني، فاتصفت نفس علي بالخلقتين معاً.

أين هيولانية(2) نفس الحمزة، وخلوها من العلوم من نفس علي القدسية التي ادركت بالفطرة لا بالقوة التعليمية ما لم تدركه نفوس مدققي الفلاسفة الالهيين! فلو أن حمزة رضی الله عنه كان قد بقي حياً ورأى من علي ما رأى غيره لكان أتبعَ من ظله وأطوعَ له من أبي ذر والمقداد.

أما كون حمزة العم والأعلى سناً، فكذلك كان العباس، وقد بذل خدماته لعلي، ثم أن الأعمام ما زالت تخدم ابن الاخ، كما فعل أبو طالب وحمزة والعباس في موقفهم من ابن اخيهم الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، وكما خدم اولاد علي العباسي ابن اخيهم

ص: 147


1- لمزيد من التفاصيل عنه أنظر: مصطفى جواد: أبو جعفر النقيب ص 8 وما بعدها
2- هي القوة في الانسان وهي في النفس بمنزلة القوة الناظرة في العين. أنظر: الخوارزمي: مفاتيح العلوم ص 81. بنسي: مذهب الذرة ص 41 - 46. صليبا: المعجم الفلسفي 2 / 536 - 537

أبا العباس السفاح.(1) ويرى ابن أبي الحديد ان لقب «سيد الشهداء» الذي اطلق على حمزة رضی الله عنه يقصد منه الشهداء في حياة النبي صلی الله علیه و آله وسلم ولا يشمل علياً علیه السلام لأن علياً أفضل من حمزة وسيده، بل هو سيد كل الناس، وهذه المسألة لاخلاف فيها بين المعتزلة(2).

وممن كان يفتخر به الإمام علي علیه السلام ويعد من فضائله أخوه جعفر بن أبي طالب(3) حيث يقول فيه مفتخراً(4):

وجعفر الذي يضحي ويمسي *** يطیر مع المائكة ابن امي

الذي أسلم منذ بواكير الدعوة الاسلامية، واستجاب لأمر والده في نصرة النبي صلی الله علیه و آله وسلم مع أخيه علي علیه السلام(5)، ثم اختاره الرسول صلی الله علیه و آله وسلم سفيراً إلى الحبشة حيث

ص: 148


1- الشرح 11 / 115 - 116
2- الشرح 15 / 193. وإلى هذا الرأي يذهب أيضاً الحسن البصري. الشرح 4/ 96
3- أنظر ترجمته: الطبري: المنتخب ص 494 – 495. أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 3 - 10. الحاكم: المستدرك 3 / 230 - 235. ابن الجوزي: صفة الصفوة 1 / 511. ابن الاثير: اسد الغابة 1 / 286. ابن حجر: الاصابة 1 / 237 - 238
4- ابن المغازلي: مناقب ص 404، الطبرسي: الاحتجاج 1 / 112. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 107. ابن طلحة: مطالب السئول ص 30. الجويني: فرائد السمطين ص 427. الهيتمي: الصواعق ص 130
5- كان للامام أخوة اخرين أكبرهم طالب، الذي لا يعرف عنه شيء سوى انه هلك في الجاهلية، ولعله شخصية اسطورية، مأخوذة من كنية أبي طالب ليس إلا، والثاني عقيل الذي أسلم متأخراً وكان البعض يروي ان النبي صلی الله علیه و آله وسلم يحبه حبين حب لحب أبي طالب له وحب له. ويعد عقيل ممن عرف بعلم الانساب عند العرب. وقد أسيء فهم موقفه من الإمام علي ومعاوية - كما سنلاحظ - ويشار إلى أن أولاده صرعوا كلهم مع الحسين علیه السلام في كربلاء. وكان للإمام أخت تدعى أم هانيء أشاد الرسول بشجاعتها، قائلاً: لو أن أبا طالب اولد كل الناس لولدوا شجعاناً وكان لها ولد يدعى هبيرة كان من المساندين للإمام أيام خلافته. أنظر: الزمخشري: ربيع الابرار 1 / 869. ابن حجر: الاصابة 2 / 494، 4 / 503

تزعم مهاجري الحبشة، فكانت أول هجرة في الإسلام، حيث بقي هناك حتى السنة السابعة للهجرة(1).

تجدر الاشارة إلى أن اختيار (جعفر) لهذه المهمة من بين سائر المسلمين فيه دلالة على مكانته المتميزة لدى الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وقدرته على ما أسند إليه من مهام فكان أول سفير في الإسلام(2).

وبعد عودته في أيام فتح خيبر سنة 7 ه، قال صلی الله علیه و آله وسلم: لا أدري بأيهما أشد فرحاً بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟(3) ثم قال له: أشبهت خلقي وخلقي(4).

ثم سير الرسول صلی الله علیه و آله وسلم جيشاً لحرب الروم البيزنطيين، رتب له ثلاثة من القادة، اختلف في الأول هل هو جعفر أم زيد بن حارثة، وأضاف لهما عبد الله ابن رواحة.(5)

ص: 149


1- عن الهجرة إلى الحبشة. أنظر: الطبري: تاريخ 2 / 328 - 332
2- لا زالت سفارة جعفر إلى الحبشة بحاجة إلى مزيد من الدراسة لإلقاء الضوء على أسباب بقائهم لخمس عشرة سنة وما النتائج التي اسفرت عن بقائهم؟
3- ابن الاثير: اسد الغابة 1 / 287. محب الدين: ذخائر العقبى ص 218، 224. الهيثمي: مجمع الزوائد 9 / 271 - 272. ابن عنبة: عمدة الطالب ص 35
4- الشرح 1 / 29. وانظر اليعقوبي: التاريخ 2 / 106. أبو الفرج: مقاتل ص 10. الحاكم: المستدرك 3 / 233
5- عن تفاصيل غزوة مؤته أنظر: الشرح 15 / 61 - 73. الواقدي: المغازي 2 / 755 - 767. ابن هشام: سيرة ابن هشام 3 / 373 - 389

وقد استنتج ابن أبي الحديد من خلال شعر حسان بن ثابت، وكعب بن مالك أن جعفراً هو الأول(1)، حيث جاء في قصيدة حسان(2):

فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا *** بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر

وزيد وعبد الله حن تتابعوا *** جميعاً واسياف المنية تخطر

أما قصيدة كعب بن مالك الانصاري(3):

نام العيون ودمع عينك يهمل *** سحاً كما وكف الرباب المسبل

وجداً على النفر الذين تتابعوا *** قتلى بمؤتة اسندوا لم ينقلوا

ساروا امام المسلمين كأنهم *** طود يقودهم الهزبر المشبل

إذ يهتدون بجعفر ولوائه *** قدام اولهم ونعم الأول

تجدر الإشارة أن هناك من الأدلة ما تفيد قيادة جعفر للجيش منها:

إن زيداً مولى فلا يعقل ان النبي صلی الله علیه و آله وسلم يقدم مولى على جعفر الهاشمي، إذ لم يعهد من النبي فعلٌ كهذا.

إن المكانة التي تميز بها جعفر تجعله هو المقدم من حيث كونه هاشمياً كما ذكرنا. وأول سفير في الإسلام واتصافه بخلق الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، وشجاعته المعروفة.

ص: 150


1- الشرح 15 / 62 - 64، 10 / 249. وانظر: اليعقوبي: التاريخ 2 / 55. الطبرسي: اعلام الورى ص 102
2- الشرح 15 / 62 - 63. وانظرها في الديوان 99 - 100. ابن هشام: سيرة ابن هشام 4 / 384 - 385
3- الشرح 15 / 63 - 64. وانظرها في الديوان 260 - 263. ابن هشام: السيرة 4 / 385 - 386. أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 8 - 9

إن الملاحظ لأحداث معركة مؤتة، لا يجد هناك من صدى إلا لجعفر، فهو الذي قطعت يداه في ساحة المعركة، حيث عوضه الله بجناحين يطير بهما في الجنة، لذا عرف بجعفر الطيار(1). وحينما تستعرض الروايات أحداث المعركة لا تفيض في الحديث إلا عن موقفه.

نجد أن أصداء موقف جعفر ماثلة لدى الرسول صلی الله علیه و آله وسلم(2) والشعراء، بل كان الأجدر بشعراء الأنصار مدح صاحبهم عبدالله بن رواحة، ولكنهم اشادوا بموقف جعفر.

وإشادة حسان وكعب دليل على تقدمه كما اوضح ابن أبي الحديد.

ص: 151


1- الشرح 15 / 182. وانظر: الطبري: المنتخب ص 494 - 495. الشريف الرضي: نهج البلاغة 386. الحاكم: المستدرك 3 / 231 - 232. محب الدين: ذخائر العقبى ص 226 - 228
2- اليعقوبي: التاريخ 2 / 55 - 56. محب الدين: ذخائر العقبى ص 226 - 228. الهيثمي: مجمع الزوائد 9 / 327 - 373

ص: 152

الفصل الثاني نشأة الإمام علي علیه السلام في بيت الرسالة

ص: 153

ص: 154

الفصل الثاني نشأة الإمام علي علیه السلام في بيت الرسالة

ولد الإمام علي علیه السلام داخل الكعبة المشرفة، وكرم الله وجهه عن الخضوع والسجود للأصنام، فكأنما كان ميلاده إيذانا بعهد جديد للكعبة والعبادة فيها.(1) هذه الفضيلة التي انفرد بها الإمام علي علیه السلام، حيث الكعبة(2) بيت الله الحرام، اقدس بيت في الوجود، وقد جعله الله سبحانه وتعالى قبلة للموحدين في آخر الزمان رغم وجوده منذ القدم.

لقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يضع منهاجه في الأرض عن طريق خليفة يتخذه:

«وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»(3).

فأوجد سبحانه وتعالى الإنسان الذي أدخله في تجربة طويلة، حيث تكفلت

ص: 155


1- العقاد: عبقرية الإمام علي ص 43
2- الكعبة لغة: كعبت الشيء أي ربعته، والكعبة: البيت المربع، وسمي البيت الحرام بالكعبة لتكعبيه اي تربيعه، والعرب تسمى المكان المرتفع كعبة. ابن منظور: لسان العرب 2 / 213
3- سورة البقرة، آية 30

السماء برسم المنهج، الدستور، النظام، عن طريق ما عرف بسلسلة الأنبياء، فكان هناك (124) ألف نبي، كل أرسل إلى قومه:

«وَمَا كُنَّا مُعَذِّبيِنَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»(1).

أما طريقة الحياة فكان على الإنسان أن يدخل في صراع مع الطبيعة، وكان لذلك الصراع أثره في حصول الإنسان على المعرفة حيث اكتشف الزراعة، ثم الصناعة، ثم التجارة، ثم العلاقات الدولية. وما كان ذلك ليتم إلا بعد زمن وصراع طويل مع الطبيعة.

وما إن حل القرن السابع الميلادي، وكأن البشرية قد وصلت إلى درجة من التكامل في التعامل مع الطبيعة، وتعامل الإنسان مع الإنسان أينما كان لذا وصل الإنسان إلى الدرجة التي تؤهله ليكون خليفة الله في الأرض، فالمعروف أن الأنبياء السابقين كانوا أنبياء قوميين ما عدا أولي العزم، وكل أرسل إلى قومه (أنظر سورة الأعراف 59، 65، 73). والكتب السماوية، كانت متباينة، وخاضعة لعنصر الزمن، ومختصة بقوم دون قوم، فما تلبث أن تنسخ لأنها لم تعد ملائمة لتطور الإنسان.

فأرادت السماء هنا أن تضع منهاجا واحداً، حيث لا أنبياء متعددون بعد الآن ولا كتباً متعددة، ولا اديان متعددة، فالدين الذي سيسود هو الدين الاسلامي:

«إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ»(2).

والنبي الوحيد الذي سيكون للبشرية اجمع هو النبي محمد صلی الله علیه و آله وسلم:

ص: 156


1- سورة الاسراء، آية 15
2- سورة آل عمران، آية 19

﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ»(1).

والدستور الذي ينظم حياة البشرية جمعاء هو القرآن حيث أن أحكامه ستتناسب طردياً مع كل متغيرات الزمان والمكان والكل ستتوجه نحو قبلة واحدة هي الكعبة المشرفة، التي اصبحت قبلة للموحدين، فهي اليوم القبلة الوحيدة التي تحظى بقبول السماء، قال تعالى:

«قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فيِ السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ»(2).

وقد كانت هذه القبلة موضعاً لولادة الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام فكانت هذه الفضيلة مما انفرد به(3)، حتى عرف باسم (وليد الكعبة).

وقد تصور ابن أبي الحديد ان رواية ولادته في الكعبة هي رواية امامية والواقع إن مسألة ولادته هي اجماع المسلمين(4).

وأقدم من أشار إليها الشاعر - السيد الحميري ت 173 ه(5) - في قصيدة

ص: 157


1- سورة الاحزاب، آية 40
2- سورة البقرة، آية 144
3- هناك روايات لولادة حكيم بن حزام في الكعبة، لكنها روايات مراسيل. أنظر ابن بكار: جمهرة نسب قريش ص 353. ابن حبيب: المحبر ص 176. تنظر دراستنا عن ولادة حكيم في كتابنا: فضائل أمير المؤمنين علیه السلام المنسوبة لغيره ص 243 284
4- ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة 1 / 14. ولمزيد من التفاصيل ينظر تأليفنا: فضائل امير المؤمنين علیه السلام المنسوبة لغيره، الولادة في الكعبة ص 149 - 238
5- هو اسماعيل بن محمد بن يزيد المعروف بالسيد الحميري، كان شاعراً ظريفاً وله ديوان شعر مطبوع. أنظر ترجمته. ابن المعتز: طبقات الشعراء ص 32 - 36. أبو الفرج: الاغاني: 7 / 248 - 97. الطوسي: الفهرست ص 108. الكشي: رجال ص 242 - 245. الخوانساري: روضات الجنات 1 / 103 - 111

له إذ قال(1):

ولدته في حرم الاله وأمنه *** والبيت حيث فناؤه والمسجد

بيضاء طاهرة الثياب كريمة *** طابت وطاب وليدها والمولد

في ليلة غابت نحوس نجومها *** وبدا مع القمر المنر الاسعد

ما لف في خرق القوابل مثله *** الا ابن آمنة النبي محمد

وممن ذكرها المسعودي المعتزلي ت 346 ه(2) والصدوق ت 381 ه(3)، وقال الحاكم النيسابوري ت 405 ه «تواترت الاخبار أن فاطمة بنت اسد ولدت امير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في جوف الكعبة»(4).

وقال الشريف الرضي ت 406 ه: «لم نعلم مولوداً في الكعبة غيره»(5).

واشار لها المفيد ت 413 ه(6)، والشريف المرتضى ت 436 ه(7)، والطوسي ت 460 ه(8)، وابن المغازلي ت 483 ه(9).................................

ص: 158


1- ديوانه ص 155
2- مروج الذهب 2 / 358. وينظر الكتاب المنسوب له: إثبات الوصية ص 33
3- الامالي ص 116. علل الشرائع 1 / 135. معاني الاخبار ص 62
4- المستدرك على الصحيحين 3 / 550
5- خصائص الأئمة، ط مجمع البحوث الإسلامية ص 39
6- الإرشاد ص 7. المقنعة ص 461. مسار الشيعة ص 59
7- القصيدة المذهبية ص 119
8- الامالي: ط دار الثقافة ص 706. مصباح المتهجد ص 805
9- مناقب علي بن أبي طالب ص 7

........... والفتال ت 508 ه(1) والطبرسي ت 548 ه(2)، وعماد الدين الطبرسي ت بعد 553 ه(3) والمازندراني ت 588 ه(4).

ونوّه بها ابن طلحة الشافعي ت 652 ه(5)، وسبط ابن الجوزي الشافعي ت 654 ه(6)، والكنجي الشافعي ت 658 ه، الذي قال «ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه إكراماً له بذلك، وإجلالا لمحله من التعظيم»(7).

وقال الحسن بن محمد الهادي إلى الحق أحد ائمة الزيدية في اليمن(8):

وكان في البيت العتيق مولده *** وامه إذ دخلت لا تقصده

وأشار لها الاربلي ت 693 ه(9) والعلامة الحلي ت 726 ه(10) والجويني ت 730 ه(11)، وأكدها الذهبي ت 748 ه في تلخيصه للمستدرك(12)،

ص: 159


1- روضة الواعظين 1 / 76
2- اعلام الورى ص 153
3- بشارة المصطفى: ص 7 - 8
4- مناقب آل أبي طالب 2 / 22 - 23
5- مطالب السئول ص 29
6- تذكرة خواص الأمة ص 10
7- كفاية الطالب ص 406 - 407
8- الأميني: الغدير 5 / 653. وعن الحسن بن محمد أنظر: الغدير 5 / 653 - 660
9- كشف الغمة 1 / 60 - 61
10- كشف اليقين: ص 17
11- فرائد السمطين 1 / 425 - 426
12- تلخيص المستدرك 3 / 550

وأشار لها الشاعر السيد عبد العزيز بن محمد السريحي الأوالي(1) في حدود 750 ه إذ قال(2):

من كان في حرم الرحمن مولده *** وحاطه الله من باس وعدوان

وذكرها أيضاً في شعره أبو الحسن علاء الدين الشيخ علي بن الحسين من رجالات القرن الثامن الهجري إذ قال(3):

م هل ترى في العالمين باسرهم *** بشراً سواه ببيت مكة يولد

افي ليلة جبريل جاء بها مع *** الملأ المقدس حوله يتعبد

فلقد سما مجداً كما علا شرفاً به دون البقاع المسجد وذكرها من المتأخرين ابن عنبه ت 828 ه(4)، والديلمي ت 841 ه(5)، وابن الصباغ المالكي ت 855 ه(6)، والصفوري الشافعي ت 894 ه(7)، والسكتواري ت 1007 ه(8)، وعلي القاري الحنفي ت 1014 ه(9)، والحلبي الشافعي ت 1044 ه(10)،...............................................

ص: 160


1- نسبة إلى اوال جزيرة في البحرين. الحموي: معجم البلدان 1 / 274
2- الأميني: الغدير 6 / 34. وعن الشاعر أنظر الغدير 6 / 33 - 34، 58
3- الأميني: الغدير 6 / 508. وعن الشاعر أنظر: الغدير 6 / 503 - 556
4- عمدة الطالب ص 58 - 59
5- إرشاد القلوب 2 / 211
6- الفصول المهمة ص 13
7- نزهة المجالس 2 / 204 - 205
8- محاضرة الاوائل ص 120
9- شرح الشفا 1 / 151. نقلا عن الأميني: الغدير ص 6 / 37
10- السيرة الحلبية 1 / 154، 3 / 405

.........والدهلوي الحنفي ت 1176 ه(1)، والشاعر العمري ت 1278 ه بقوله:

أنت العلي الذي فوق العلى رفعا *** ببطن مكة عند البيت إذ وضعا

وقال الآلوسي ت بعد 1270 ه في شرحه البيت أعلاه: «وفي كون الامير كرم الله وجهه ولد في البيت أمر مشهور في الدنيا… وأحرى بإمام الأئمة أن يكون وضعه في موضع هو قبلة للمؤمنين. سبحان من يضع الاشياء في مواضعها وهو أحكم الحاكمين»(2). ونوّه بها الشبلنجي(3)، والشنقيطي ت 1363 ه(4)، والفيروزآبادي(5).

مضت فترة على ولادة أمير المؤمنين علیه السلام لينتقل من بيت الله إلى بيت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، إذ من الفضائل التي لم يحظ بها سواه علیه السلام هو شرف تربيته في بيت النبي صلی الله علیه و آله وسلم، منذ كان عمره ست سنوات، حيث تروي الروايات أن قريشاً أصابتها أزمة اقتصادية فاقترح الرسول صلی الله علیه و آله وسلم على عمه العباس التخفيف عن أبي طالب، فقال أبو طالب إن تركتما لي عقيلاً افعلا ما شئتما، فاختار العباس جعفراً واختار الرسول صلی الله علیه و آله وسلم عليا(6) وقال:

ص: 161


1- ديوانه ص 97
2- سرح الخريدة الغيبية بشرح القصيدة العينية ص 15، 75
3- نور الابصار ص 36
4- كفاية الطالب ص 37
5- فضائل الخمسة من الصحاح الستة 1 / 176
6- ان عدم ورود (طالب) بن أبي طالب في هذه الحادثة فيها دلالة على أنه لا وجود له، وأن أبا طالب كنية أو اسماً لأبي طالب. وقد أشار لذلك الحاكم: المستدرك 3 / 116

«قد اخترت من اختاره الله لي»(1).

فكان صلی الله علیه و آله وسلم يسدي لعلي علیه السلام من الاحسان والشفقة وحسن التربية حتى بعث صلی الله علیه و آله وسلم(2)، لذا كان علي علیه السلام يقول:

«وقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ الله صلی الله علیه و آله وسلم، باِلْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، والْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنيِ فِی حِجْرِه وأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنيِ إِلَی صَدْرِه، ويَكْنُفُنيِ فِی فِرَاشِه ويُمِسُّنيِ جَسَدَه، ويُشِمُّنيِ عَرْفَه، وكَانَ يَمْضَغُ الشَّیْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنيِه، ومَا وَجَدَ لِی كَذْبَةً فِی قَوْلٍ ولَا خَطْلَةً فِی فِعْلٍ»(3).

وكلامه هذا يؤكد بأنه تربى في بيت النبي صلی الله علیه و آله وسلم وعمره أقل من ست سنوات على خلاف ما ذهب إليه ابن أبي الحديد.

إن ولادته علیه السلام في الكعبة وتربيته في بيت الرسالة تعني إنه كاد أن يولد مسلماً، بل ولد مسلماً على التحقيق إذا نظرنا إلى ميلاد العقيدة والروح، لأنه فتح عينه على الإسلام، ولم يعرف عبادة الاصنام(4). حيث يقول علیه السلام:

«إني ولدت على الفطرة»(5).

ص: 162


1- الشرح 1 / 15. وانظر: البلاذري: انساب الاشراف 2 / 90. أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 15. الحاكم: المستدرك 3 / 667. الخوارزمي: المناقب ص 17. مع اننا نتحفظ على هذه الرواية لأنها وضعت للطعن في تربية الامام في بيت الرسالة!!؟ وقد ناقشنا ذلك في بحثنا: الإمام علي علیه السلام في فكر معتزلة البصرة ص 7 8
2- الشرح 1 / 15
3- الشرح 13 / 197
4- العقاد: عبقرية الامام ص 43
5- الشرح 4 / 54

هنا نتسائل: إن كل مولود يولد على الفطرة، يقول صلی الله علیه و آله وسلم:

«كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهودانه وينصرانه»(1).

فماذا يقصد الامام بذلك؟ هنا ابن أبي الحديد يطرح عدة آراء في تفسير الفطرة:

أولاً: إن الامام علیه السلام لم يولد في الجاهلية، حيث كانت ولادته قبل البعثة بعشر سنوات، وهذه السنوات العشر يعدها ابن أبي الحديد مقدمة للإسلام وارهاصات للنبوة، حيث يقول: «وقد جاء في الاخبار الصحيحة إنه صلی الله علیه و آله وسلم مكث قبل الرسالة سنين عشراً يسمع الصوت ويرى الضوء، ولا يخاطبه أحد وكان ذلك ارهاصات لرسالته علیه السلام، فحكم تلك السنين العشر حكم أيام رسالته صلی الله علیه و آله وسلم؛ فالمولود فيها إذا كان في حجره وهو المتولي لتربيته، مولود في أيام كأيام النبوة، وليس بمولود في جاهلية محضة». وهذا هو وجه المقارنة بمعنى ولادته علیه السلام على الفطرة، وولادة غيره من الصحابة، حيث أكد ابن أبي الحديد أن هذه السنة لها أثر في حياة النبي صلی الله علیه و آله وسلم وذلك:

ان السنة التي ولد فيها الإمام علي علیه السلام هي السنة التي بدء فيها برسالة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، حيث سمع الهتاف من الاحجار والاشجار، وكشف عن بصره، فشاهد انواراً، واشخاصاً، ولم يخاطب فيها بشيء.

في هذه السنة ابتدأ النبي صلی الله علیه و آله وسلم بالتبتل، والانقطاع والعزلة في غار حراء، فلم يزل به حتى كوشف بالرسالة، ونزل عليه الوحي.

ص: 163


1- اخرجه: مسلم: الصحيح 16 / 207. 240. البيهقي: سنن 6 / 202. الترمذي: صحيح 8 / 303 - 304. ابن حزم: الفصل 3 / 168، 4 / 131 - 134

وكان صلی الله علیه و آله وسلم يتيمن بتلك السنة، وبولادة علي علیه السلام فيها، ويسميها سنة الخير والبركة؛ وقال لاهله ليلة ولادته، وقد شاهد فيها ما شاهد من الكرامات والقدرة الإلهية، ولم يكن من قبل شاهد ذلك: «لقد ولد لنا الليلة مولود يفتح الله علينا به ابواباً كثيرة من النعمة والرحمة». وقد أكد ابن أبي الحديد صحة ذلك بقوله: وكان كما قال صلوات الله عليه، فإنه علیه السلام كان ناصره والمحامي عنه،وكاشف الغماء عن وجهه، وبسيفه ثبت دين الإسلام، ورست دعائمه وتمهدت قواعده(1).

ثانياً: معنى ولادته على الفطرة أي الفطرة التي لم تتغير، ولم تحل، وذلك ان معنى قوله صلی الله علیه و آله وسلم:

«كل مولود يولد على الفطرة».

إن كل مولود فإن الله تعالى قد هيأه بالعقل الذي خلقه فيه، وبصحة الحواس، والمشاعر لأن يعلم التوحيد والعدل، ولم يجعل فيه مانعاً يمنعه من ذلك، ولكن التربية والعقيدة في الوالدين، والالف لاعتقادهما، وحسن الظن فيهما، يصده عما فطر عليه، وامير المؤمنين علیه السلام دون غيره، ولد على الفطرة التي لم تحل، ولم يصد عن مقتضاها مانع، لا من جانب الأبوين، ولا من جهة غيرهما، وغيره ولد على الفطرة، ولكنه حال عن مقتضاها، وزال عن موجبها»(2).

ثالثاً: إنه أراد بالفطرة - العصمة - وإنه منذ ولد لم يواقع قبيحاً، ولا كان كافراً طرفة عين، ولا مخطئاً ولا غالطاً في شيء يتعلق بالوالدين وقال ابن أبي

ص: 164


1- الشرح 4 / 114 - 115
2- الشرح 4 / 115. وانظر عن أثر الاسرة في تنشئة الابناء: كاظم، التنشئة الاجتماعية ص 149 - 155

الحديد «وهذا تفسير الإمامية»(1). ولكنه لم يعلق عليه لا سلباً ولا ايجاباً.

وما إن بزغ نور الإسلام حتى كان الإمام علي علیه السلام في مقدمة معتنقيه، حيث يقول:

«وسبقت إلى الإيمان»(2).

ولكن كيف يتفق هذا مع ان هناك من يقول بأسبقية أبي بكر أو زيد!!؟(3) أشار ابن أبي الحديد إن أكثر أهل الحديث يرون أن الإمام علياً علیه السلام هو أول من أسلم، حيث استعرض روايات - ابن عبد البر - الذي أورد إحدى وعشرين رواية تفيد أسبقية الإمام علي علیه السلام للاسلام، ويقول في نهايتها «إنه لاشك عندنا أن علياً أولهما إسلاماً»(4). لذا يقول ابن أبي الحديد: «ان شيوخنا المتكلمين لا يكادون يختلفون في أن أول الناس إسلاماً علي بن أبي طالب علیه السلام» إلا من عساه خالف في ذلك من اوائل البصريين، فأما الذي تقررت المقالة عليه الآن فهو القول بأنه اسبق الناس إلى الإيمان، لا نكاد نجد اليوم في تصانيفهم وعند متكلميهم والمحققين منهم خلافا في ذلك»(5).

وأضاف: «إن امير المؤمنين علیه السلام ما زال يدّعي ذلك لنفسه، ويفتخر به، ويجعله

ص: 165


1- الشرح 4 / 115 - 116
2- الشرح 4 / 54
3- أنظر الاختلافات: الشرح 13 / 215 وما بعدها. الجاحظ: العثمانية ص 3 وما بعدها. الاسكافي: تقض العثمانية ص 282 وما بعدها
4- الشرح 4 / 116 - 122. وانظر: ابن قتيبة: المعارف ص 168 - 169. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1090 - 1096
5- الشرح 4 / 122. وانظر القاضي: المغني 20 / 2 / 138 - 141

في أفضليته على غيره، ويصرح بذلك. وقد قال غير مرة: «أنا الصديق الأكبر، والفاروق الأول، أسلمت قبل إسلام أبي بكر، وصليت قبل صلاته»(1). وكان - علیه السلام - يقول(2):

سبقتكم إلى الإسلام طرا *** غلاما ما بلغت اوان حلمي

وخلص للقول: «والاخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جداً، لا يتسع هذا الكتاب لذكرها، فلتطلب من مظانها ومن تأمل كتب السير والتواريخ عرف من ذلك ما قلناه»(3).

ثم أشار إلى أن هذا يطابق قوله علیه السلام:

«لقد عبدْتُ اللهَ قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة سبع سنين».

وقوله:

«كنت أسمعُ الصوتَ، وأبصرُ الضوءَ سنينَ سبعاً».

والرسول صلی الله علیه و آله وسلم حينئذ صامت، ما أذن له في الإنذار والتبليغ؛ وذلك لأنه إذا كان عمره يوم اظهار الدعوة ثلاث عشرة سنة، وتسليمه إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم من أبيه وعمره ست سنوات، فقد صح انه كان يعبد الله قبل الناس بأجمعهم

ص: 166


1- الشرح 4 / 122. وانظر: الاسكافي: نقض العثمانية ص 29. ابن قتيبة: المعارف ص 169. أبو هلال العسكري: الاوائل ص 107 - 110
2- الشرح 4 / 122. وانظر: ابن المغازلي: مناقب ص 404. المازندراني: مناقب 2 / 19. الحموي: معجم الادباء 14 / 48. ابن طلحة: مطالب السئول ص 30. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 108. الجويني: فرائد السمطين ص 427. الهيتمي: الصواعق ص 131. الحلبي: السيرة الحلبية 1 / 294
3- الشرح 4 / 123

سبع سنين، وابن ست تصح منه العبادة إذا كان ذا تمييز، على ان عبادة مثله هي التعظيم والاجلال، وخشوع القلب، واستخذاء الجوارح إذا شاهد شيئاً من جلال الله سبحانه وتعالى، وآياته الباهرة، ومثل هذا يوجد عند الصبيان(1).

وقد لاحظنا من خلال كلام الإمام أن عمره علیه السلام أقل من ست سنوات لما تربى في بيت النبي صلی الله علیه و آله وسلم.

ويرى أكثر المعتزلة أن عمر الإمام علي علیه السلام يوم أسلم كان ثلاث عشرة سنة(2)، وقد سبق ذلك ارهاصات، حيث كان يسمع رنة الشيطان(3)، وإن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم قال له: لولا أني خاتم الانبياء لكنت شريكاً في النبوة، فإن لا تكن نبياً، فإنك وصي نبي ووارثه بل أنت سيد الأوصياء وإمام الأتقياء(4).

ولما كان رسول الله محمد صلی الله علیه و آله وسلم نبياً فقد أصبح الإمام علي علیه السلام وزيراً وذلك يوم الإنذار بعد نزول قوله تعالى:

«وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(5).

فدعا صلی الله علیه و آله وسلم بني هاشم وأبلغهم وطلب منهم مؤازرته، فلم يؤازروه، إلاعلي علیه السلام(6).

ص: 167


1- شرح نهج البلاغة 1 / 15
2- شرح نهج البلاغة 1 / 14
3- شرح نهج البلاغة 13 / 209
4- شرح نهج البلاغة 13 / 210
5- سورة الشعراء 214
6- الشرح 13 / 210 - 212، 244 - 245. الاسكافي: نقض العثمانية ص 303. الطبري: تاريخ 2 / 321 - 322

واستدل ابن أبي الحديد «على أنه وزير رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم من نص الكتاب والسنة، قول الله تعالى:

«وَاجْعَلْ ليِ وَزِيرًا مِنْ أَهْليِ * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِی أَمْرِي»(1).

وقال النبي صلی الله علیه و آله وسلم في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الإسلام:

«أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي».

فأثبت له جميع مراتب هارون من موسى، فإذن هو وزير رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وشاد أزره، ولولا أنه خاتم النبيين لكان شريكاً في أمره»(2).

وأكد الإمام علیه السلام على سبقه حتى في الهجرة إذ يقول:

«وسبقت إلى الإيمان والهجرة»(3).

ولكن المعروف أن الامام لم يكن أول من هاجر بل سبقه الكثيرون لأنه بات في فراش الرسول صلی الله علیه و آله وسلم كما هو معلوم.

ويفسر ابن أبي الحديد كلام الإمام علي أعلاه بأنه علیه السلام لم يقل سبقت كل الناس، وإنما سبق المهاجرين، إذ أن سيل الهجرة استمر حتى قبيل فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة(4).

وأضاف: «إن اللام في الهجرة يجوز أن لا تكون للمعهود السابق، بل

ص: 168


1- سورة طه، الآيات 29 - 31
2- الشرح 13 / 211
3- الشرح 4 / 54
4- الشرح 4 / 125

تكون للجنس، وامير المؤمنين علیه السلام سبق أبا بكر وغيره إلى الهجرة التي قبل هجرة المدينة، فإن النبي صلی الله علیه و آله وسلم هاجر من مكة مراراً يطوف على احياء العرب، وينتقل من ارض قوم إلى غيرها، وكان علي علیه السلام معه دون غيره»(1).

لقد كان الإمام علي علیه السلام ذا صلة وثيقة بالنبي صلی الله علیه و آله وسلم حيث إنهما ذوا أصل واحد «فآباؤه آباء رسول الله، وأمهاته أمهات رسول الله، وهو منوط لحمه ودمه، لم يفارقه منذ خلق الله آدم، إلى أن مات عبد المطلب بين الأخوين عبد الله وابي طالب، وأمهما واحدة، فكان منهما سيدا الناس؛ هذا الأول وهذا التالي، وهذا المنذر وهذا الهادي»(2).

ومما يؤكد هذه الانطلاقة المشتركة نحو الهدف الواحد المنشود ما رواه الزمخشري - أحد معتزلة البصرة - في حق الإمام علي علیه السلام والزمخشري حسبما يصفه ابن أبي الحديد: «مذهبه في الاعتزال ونصرة اصحابنا معلوم، وكذلك في انحرافه عن الشيعة، وتسخيفه لمقالاتهم - إن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم قال:

«لما أسري بي، أخذني جبريل، فأقعدني على درنوك من درانيك الجنة، ثم ناولني سفرجلة، فبينما أنا أقلبها انفلقت، فخرجت منها جارية لم أر أحسن منها، فسلمت، فقلت: من أنت؟ قالت: أنا الراضية المرضية، خلقني الجبار من ثلاثة اصناف؛ أعلاي من عنبر، وأوسطي من كافور، وأسفلي من مسك. ثم عجنني بماء الحيوان. وقال لي: كوني كذا، فكنت. خلقني لأخيك، وابن عمك

ص: 169


1- الشرح 4 / 125 - 126
2- الشرح 1 / 30

علي بن أبي طالب»(1).

ولذا كان الإمام علي علیه السلام بالنسبة للنبي صلی الله علیه و آله وسلم «شعاع من شمسه، وغصن من غرسه، وقوة من قوى نفسه، ومنسوب إليه نسبة الغد إلى يومه واليوم إلى أمسه، فما هما إلا سابق ولاحق، وقائد وسائق، وساكت وناطق، ومجل ومصل، سيفا لمحة البارق، وأنارا سدنة الغاسق، صلى الله عليهما ما استخلب خبير وتناوح حراء وثبير(2)»(3).

وكان الإمام يفتخر بهذه العلاقة ويقول(4):

محمد النبي اخي وصهري *** وحمزة سيد الشهداء عمي

هذه القرابة القريبة بينهما سببها «كونه في حجره، ثم حامى عنه ونصره عند اظهار الدعوة دون غيره من بني هاشم، ثم ما كان بينهما من المصاهرة التي أفضت إلى النسل الأطهر دون غيره من الاصهار»(5).

بل وصل الأمر أن شبّه ابن أبي الحديد ومعاصريه سياسة النبي صلی الله علیه و آله وسلم والظرف الذي عاشه بسياسة الامام والظرف الذي عاش فيه، إذ يقول: «وإذا تأملت احواله في خلافته كلها وجدتها هي مختصرة من أحوال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في حياته،

ص: 170


1- الشرح 9 / 280 - 281. وانظر الزمخشري: ربيع الابرار 1 / 286. الخوارزمي: المناقب ص 210. الجويني: فرائد السمطين 1 / 48
2- جبلان قرب مكة. أنظر الحموي: معجم البلدان 2 / 72 - 47، 233 - 234
3- الشرح 1 / 3
4- الشرح 4 / 122. وانظر ابن المغازلي: مناقب ص 404. ابن طلحة: مطالب السئول ص 30
5- الشرح 13 / 198. سنتناول في حلقة من حلقات تأليفنا (فضائل الإمام علي علیه السلام المنسوبة لغيره) فضيلة مصاهرة النبي صلی الله علیه و آله وسلم لنرى مدى صحة مصاهرة الآخرين له

كأنها نسخة مستنسخة منها، في حربه وسلمه، وسيرته وأخلاقه، وكثرة شكايته من المنافقين من أصحابه والمخالفين لأمره، وإذا اردت ان تعلم ذلك علماً واضحاً، فاقرأ سورة براءة ففيها الجم الغفير من المعنى الذي أشرنا إليه»(1).

ولما كان الإمام علي - علیه السلام - ابن عم الرسول صلی الله علیه و آله وسلم في النسب وأخاه ولحمه ودمه، وفضائله مشتقة من فضائل الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، وهو قبس من نوره، وثانيه على الحقيقة ولا ثالث لهما، لذا نجد سيرته - علیه السلام - جارية نفس مجرى سيرة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم(2).

وحينما شرح كلام الإمام علي علیه السلام في اقسام أصحابه، قال ابن أبي الحديد:

«إن حاله كانت مناسبة لحال النبي صلی الله علیه و آله وسلم، ومن تذكر احوالهما وسيرتهما، وما جرى لهما إلى أن قبضا، علم تحقيق ذلك»(3).

ولذا نجده علیه السلام يقول لأصحابه: «والله ما أسمعكم الرسول شيئاً، إلا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه، وما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالأمس، ولا شقت لكم الابصار ولا جعلت لهم الافئدة في ذلك الزمان، إلا وقد اعطيتم مثلها في هذا الزمان، ووالله ما بصرتم بعدهم شيئاً جهلوه، ولا أصفيتم به وحرموه، ولقد نزلت بكم البلية جائلاً حطامها…»(4).

ولقد علق ابن أبي الحديد على كلام الإمام علي علیه السلام قائلاً: «… المخاطبون وإن كانوا نوعاً واحدا متساويا، إلا أن المخاطب مختلف الحال، وذلك لأنك

ص: 171


1- الشرح 6 / 229
2- الشرح 6 / 190
3- الشرح 16 / 147
4- الشرح 6 / 387

وإن كنت ابن عمه في النسب وأخاه ولحمه ودمه، وفضائلك مشتقة من فضائله، وأنت قبس من نوره، وثانيه على الحقيقة، ولا ثالث لكما؛ إلا أنك لم ترزق القبول الذي رزقه، ولا انفعلت نفوس الناس لك حسب انفعالها له، وتلك خاصية النبوة التي امتاز بها عنك»(1).

هذه الرؤية في توافق السيرتين أكدها أيضاً شيخ ابن أبي الحديد وهو أبو جعفر النقيب ثم قال: «أنظر إلى أخلاقهما وخصائصهما، هذا شجاع وهذا شجاع، هذا فصيح وهذا فصيح، هذا سخي جواد وهذا سخي جواد، وهذا عالم بالشرائع والأمور الإلهية، وهذا عالم بالفقه والشريعة والأمور الإلهية الدقيقة الغامضة، وهذا زاهد في الدنيا غير نهم ولا مستكثر منها، وهذا زاهد في الدنيا تارك لها غير متمتع بلذاتها، وهذا مذيب نفسه في الصلاة والعبادة، وهذا مثله. وهذا غير محبب إليه شيء من الامور العاجلة إلا النساء وهذا مثله. وهذا ابن عبد المطلب بن هاشم، وهذا في قعدده، أبواهما أخوان لأب واحد دون غيرهما من بني عبد المطلب، وربي محمد صلی الله علیه و آله وسلم في حجر والد هذا أبي طالب، فكان جاريا عنده مجرى أحد أولاده. ثم لما شب صلی الله علیه و آله وسلم، وكبر استخلصه من أبي طالب وهو غلام، فربى في حجره مكافأة لصنيع أبي طالب به، فامتزج الخلقان، وتماثلت السجيتان، وإذا كان القرين بالقرين، فما ظنك بالتربية والتثقيف الدهر الطويل!»(2).

وأردف قائلاً: «فواجب أن تكون أخلاق محمد صلی الله علیه و آله وسلم كأخلاق أبي طالب، وتكون أخلاق علي علیه السلام كأخلاق أبي طالب أبيه، ومحمد علیه السلام مربيه، وأن يكون

ص: 172


1- الشرح 6 / 390
2- الشرح 10 / 221

الكل شيمة واحدة، وسوساً واحدا، وطينة مشتركة ونفساً غير منقسمة ولامتجزئة، وألا يكون بين بعض هؤلاء وبعض فرق ولا فضل، لولا ان الله تعالى اختص محمداً صلی الله علیه و آله وسلم برسالته، واصطفاه لوحيه، لما يعلمه من مصالح البرية في ذلك، ومن ان اللطف به اكمل، والنفع بمكانه أتم وأعم، فامتاز رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم بذلك عمن سواه، وبقي ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد، وإلى هذا المعنى أشار صلی الله علیه و آله وسلم: «اخصمك بالنبوة فلا نبوة بعدي، وتخصم الناس بسبع»(1). وقال له أيضاً «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي «فأبان نفسه منه بالنبوة، وأثبت له ما عداها من جميع الفضائل والخصائص مشتركا بينهما»(2).

هذه العلاقة الوثيقة بين النبي صلی الله علیه و آله وسلم والإمام علي علیه السلام نجدها تتمثل أيضاً في الأيام الأخيرة من عمر النبي صلی الله علیه و آله وسلم حيث كان الإمام علي علیه السلام إلى جواره حيث لم يرسله ضمن سرية أسامة بن زيد إلى الشام، ثم هو الذي تولى غسله صلی الله علیه و آله وسلم وكفنه ودفنه.

إذ لما مرض صلی الله علیه و آله وسلم دعا أسامة بن زيد بن حارثة، وقال له: سر إلى مقتل ابيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك على هذا الجيش. وكان ضمن الجيش وجوه المهاجرين(3) ولكن اختلف في أبي بكر هل موجود ضمنه أولا؟ فقد أشار

ص: 173


1- اخرجه: أبو نعيم: حلية الاولياء 1 / 65 - 66. ابن طلحة الشافعي: مطالب السؤول ص 34. الكنجي: كفاية الطالب ص 139. محب الدين: الرياض النظرة 2 / 292
2- الشرح 10 / 222
3- الشرح 1 / 159. وانظر: البخاري: الصحيح 6 / 39 - 40. الطبري: تاريخ 3 / 184

موسى بن عقبة(1) والواقدي(2) والطبري(3) لعدم وجوده في الجيش بينما ذكره اليعقوبي(4) وأبو هلال العسكري(5)، والجوهري(6) ضمن الجيش الخارج للشام(7)، فيما لم يذكر أي مصدر أن الإمام علياً علیه السلام كان ضمن الجيش وهذا فيه دلالة على مدى اختصاصه بالرسول صلی الله علیه و آله وسلم.

وقد أكد هذه الحقيقة الإمام علي علیه السلام بقوله مخاطباً الرسول صلی الله علیه و آله وسلم بعد وفاته «وفاضت بين نحري وصدري نفسك»(8).

ولكن روي عن السيدة عائشة أنها قالت: «توفي رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بين سحري ونحري»(9). لذا حاول ابن أبي الحديد التوفيق بين الروايتين بقوله «الله أعلم بحقيقة هذا الحال، ولا يبعد عندي أن يصدق الخبران معاً، بأن يكون رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وقت الوفاة مستنداً إلى علي وعائشة جميعاً، فقد

ص: 174


1- الشرح 17 / 183
2- المغازي 3 / 1118 - 1120
3- تاريخ 3 / 184
4- التاريخ 2 / 103
5- الاوائل ص 337
6- الشرح 1 / 159، 6 / 17، 52 / 183
7- أنظر تفاصيل حملة أسامة وآراء المعتزلة فيها. الشرح 1 / 159 - 62، 17 / 175 - 194. القاضي: المغني 20 / 1 / 343 - 349
8- الشرح 10 / 265. وانظر ابن سعد: الطبقات 2 / 262 - 263. البيهقي: المحاسن ص 298. الزمخشري: ربيع الابرار 4 / 197
9- الشرح 10 / 267. وانظر: ابن عبد ربه: العقد الفريد 4 / 261 - 262. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 43

وقع الاتفاق على أنه مات وهو حاضر لموته، وهو الذي كان يقلبه بعد موته، وهو الذي كان يعلله ليالي مرضه، فيجوز أن يكون مستنداً إلى زوجه وابن عمه، ومثل هذا لا يبعد وقوعه في زماننا هذا، فكيف في ذلك الزمان الذي كان النساء فيه والرجال مختلطين، لا يستتر البعض عن البعض، فإن قلت: فكيف تعمل بآية الحجاب، وما صح من استتار ازواج الرسول صلی الله علیه و آله وسلم عن الناس بعد نزولها؟ قلت قد وقع اتفاق المحدثين كلهم على ان العباس كان ملازماً للرسول صلی الله علیه و آله وسلم أيام مرضه في بيت عائشة، وهذا لا ينكره أحد، فعلى القاعدة التي كان العباس ملازمه صلی الله علیه و آله وسلم كان علي علیه السلام ملازمه، وذلك يكون بأحد أمرين: إما بأن نساءه لا يستترن من العباس وعلي لكونهما أهل الرجل وجزء منه. أو لعل النساء كن يختمرن بأخمرتهن، ويخالطن الرجال فلا يرون وجههن، وما كانت عائشة وحدها في البيت عند موته، بل كان نساءه كلهن في البيت، وكانت إبنته فاطمة عند رأسه صلی الله علیه و آله وسلم»(1).

ان الذي يلاحظ على الروايتين أعلاه:

1. تعدد رواة القائلين بأن النبي صلی الله علیه و آله وسلم مات بين سحر الامام وصدره واقتصار القائلين على عائشة عليها وعلى ابن اختها عروة بن الزبير المعروف بعدائه اللدود للإمام علي علیه السلام.

2. ان الذي يستقرىء الروايات التي تتحدث عن الأيام الأخيرة للنبي صلی الله علیه و آله وسلم ليشهد الدور الكبير للإمام والزهراء دون سواهما.

3. إن الملاحظ ان رواية السيدة عائشة لم تأت لتوضح أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم مات

ص: 175


1- الشرح 10 / 267 - 268

بين سحرها ونحرها، وإنما لتنفي الوصية عن الإمام علیه السلام. وكأنها وضعت لهذا الغرض.

4. فهل وضعت الرواية من قبل عروة بن الزبير باعتباره من ضمن اللجنة التي وضعها معاوية لاختلاق فضائل مقابل فضائل الإمام علي علیه السلام!!؟ ومن خلال استعراضه لأحداث وفاة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ومراسيم تجهيزه ودفنه لاحظ ابن أبي الحديد ان الإمام علياً علیه السلام كان المتصدي لكل لذلك، إذ يقول:

«من تأمل هذه الاخبار، علم أن علياً علیه السلام كان الاصل والجملة والتفصيل فيأمر الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وجهازه، ألا ترى أن أوس بن خولّی(1) لا يخاطب أحداً من الجماعة غيره، ولا يسأل غيره في حضور الغسل والنزول في القبر! ثم أنظر إلى كرم علي علیه السلام وسجاحة اخلاقه وطهارة شيمته، كيف يضن بمثل هذه المقامات الشريفة عن أوس؛ وهو رجل غريب من الأنصار، فعرف له حقه وأطلبه بما طلبه! فكم بين هذه السجية الشريفة، وبين قول من قال: لو استقبلت من امري ما استدبرت ما غسل الرسول صلی الله علیه و آله وسلم إلا نساؤه، ولو كان في ذلك المقام غيره من أولي الطباع الخشنة وأرباب الفظاظة والغلظة، وقد سأل أوس ذلك لزجر وانتهر ورجع خائباً»(2).

وبعد وفاته صلی الله علیه و آله وسلم كان الإمام علي علیه السلام شديد الورع في ما يرويه عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم

ص: 176


1- هو ممن شهد سائر مشاهد النبي صلی الله علیه و آله وسلم، وطلب الأنصار من الإمام علي علیه السلام ان يشاركوا في دفن النبي صلی الله علیه و آله وسلم فسمح لأحدهم فنزل أوس بن خولي: أنظر: ابن الاثير: اسد الغابة 1 / 144 - 145. ابن حجر: الاصابة 1 / 84
2- الشرح 13 / 40 - 41. يقصد بالقائل (لو استقبلت من امري ما استدبرت...) السيدة عائشة. أما صاحب الطباع الخشنة فيقصد الخليفة عمر

حيث بلغ من تعظيمه له، وإجلاله لقدره واحترام حديثه، ألّا يرويه إلا بألفاظه، لا بمعانيه، ولا بأمر يقتضي فيه إلباساً وتعمية، ولو كان مضطراً إلى ذلك ترجيحاً للجانب الذي على جانب مصلحته في خاص نفسه(1).

ولقد أثار ذلك التساؤل لدى ابن أبي الحديد فتوجه نحو شيخه أبي جعفر قائلاً: قد وقفت على كلام الصحابة وخطبهم فلم أر فيها من يعظم رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم تعظيم هذا الرجل، ولا يدعو كدعائه، فإنا قد وقفنا من نهج البلاغة ومن غيره على فصول كثيرة مناسبة لهذا الفصل، تدل على جلال عظيم، وتبجيل شديد منه لرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم.

فأجاب أبو جعفر: ان علياً علیه السلام كان قوي الإيمان برسول الله صلی الله علیه و آله وسلم والتصديق له، ثابت اليقين، قاطعا بالأمر، متحققاً له، وكان مع ذلك يحب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم لنسبته منه، وتربيته له، واختصاصه به من دون أصحابه، وبعد فشرفه له لأنهما نفس واحدة في جسمين: الاب واحد، والدار واحدة؛ والأخلاق متشابهة فإذا عظّمه فقد عظّم نفسه وإذا دعا إليه فقد دعا إلى نفسه، ولقد كان يود أن تطبق دعوة الإسلام مشارق الارض ومغاربها، لأن جمال ذلك لاحق به، وعائد عليه، فكيف لا يعظّمه ويبجّله ويجتهد في إعلاء كلمته(2).

ونتيجة لكل ذلك أصبح الإمام علي علیه السلام وريثاً للرسول صلی الله علیه و آله وسلم في كل شيء، حتى فيما كانت العرب تعتقده من ثارات حيث «إن كل دم أراقه رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم بسيف علي علیه السلام وبسيف غيره، فإن العرب بعد وفاته صلی الله علیه و آله وسلم عصبت تلك الدماء بعلي ابن أبي طالب علیه السلام وحده، لأنه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم وسنتهم

ص: 177


1- الشرح 6 / 132
2- الشرح 7 / 174 - 175

وعاداتهم أن يعصب به تلك الدماء إلا بعلي وحده، وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل، فإن مات أو تعذرت عليها مطالبته، طالبت به أمثل الناس من أهله … ومن نظر في أيام العرب ووقائعها ومقاتلها عرف ما ذكرناه»(1).

ومما امتاز به الإمام علي علیه السلام على سائر الأمة، وعُدَّ من فضائله؛ زواجه من فاطمة بنت النبي محمد صلی الله علیه و آله وسلم(2)، حيث كان علیه السلام يفتخر بذلك قائلًا:

«ومنا خير نساء العالمين»(3).

قال ابن أبي الحديد: «يعني فاطمة علیها السلام، نص رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم على ذلك، لا خلاف فيه. وقد تواتر الخبر عنه صلی الله علیه و آله وسلم انه قال: فاطمة سيدة نساء العالمين(4)، إما بهذا اللفظ بعينه، أو لفظ يؤدي هذا المعنى. روي أنه قال وقد رآها تبكي عند

ص: 178


1- الشرح 13 / 300 - 301
2- روي ان عمر بن الخطاب أو سعد بن أبي وقاص قال: لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة أحب إلي من حمر النعم: زواجه بفاطمة، وسكناه في المسجد، واعطاءه الراية يوم خيبر. الترمذي: الصحيح 12 / 171 - 172. الحاكم: المستدرك 3 / 135، 117، 126. الخوارزمي: المناقب ص 238. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 128. الذهبي: تلخيص المستدرك 3 / 135. ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 341 - 343. الهيثمي: مجمع الزوائد 9 / 120. الهيتمي: الصواعق ص 125
3- الشرح 15 / 182
4- ابن سعد: الطبقات 2 / 248. النسائي: خصائص ص 114 - 120. البيهقي: المحاسن ص 80 - 82. الطحاوي: مشكل الاثار 1 / 50. الحاكم: المستدرك 3 / 171 - 172، 174. أبو نعيم: حلية الاولياء 2 / 40، 42. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1893 - 1895. النووي: تهذيب الاسماء 1 / 1 / 158، 344. محب الدين: ذخائر العقبى ص 36، 49 - 50. ابن تيمية: منهاج السنة 2 / 169. المتقي الهندي: كنز العمال 13 / 93 - 95. الهيتمي: الصواعق ص 118 - 189

موته: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة(1). وروي انه قال: سادات نساء العالمين أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم، ومريم بنت عمران(2)»(3).

وناقش ابن أبي الحديد أيهما شرف بالاخر الإمام علي أم فاطمة؟ تساءل ابن أبي الحديد أولاً: ما المقصود بالأفضل؟ ان أريد بالأفضل الأجمع للمناقب التي تتفاضل بها الناس، نحو العلم والشجاعة ونحو ذلك، فعلي أفضل.

وإن أريد بالأفضل: الأرفع منزلة عند الله، فالذي استقر عليه رأي المتأخرين من اصحابنا، أن علياً أرفع المسلمين كافة عند الله تعالى بعد رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم من الذكور والاناث، وفاطمة امرأة من المسلمين، وإن كانت سيدة نساء العالمين ويدل على ذلك انه قد ثبت إنه أحب الخلق إلى الله تعالى بحديث الطائر، وفاطمة من الخلق، وأحب الخلق إليه سبحانه أعظم ثواباً يوم القيامة على ما فسّه المحققون من أهل الكلام.

وإن أريد بالأفضل الأشرف نسباً، ففاطمة أفضل لأن أباها سيد ولد آدم من الأولين والآخرين، فليس في آباء علي علیه السلام مثله ولا مقارنة.

ص: 179


1- ابن سعد: الطبقات 2 / 248. النسائي: خصائص ص 118 - 20. الطحاوي: مشكل الآثار 1 / 49. أبو نعيم: حلية الاولياء 2 / 40
2- ابن زبالة: منتخب من كتاب ازواج النبي صلی الله علیه و آله وسلم ص 49. الترمذي: الصحيح 13 / 255. الطحاوي: مشكل الاثار 1 / 50. الحاكم: المستدرك 3 / 172. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1895 - 1896. الحافظ العراقي: طرح التثريب 1 / 149 - 150
3- الشرح 15 / 197. وانظر أيضاً الشرح 1 / 30، 10 / 265 - 266

وان أريد بالأفضل: من كان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أشدّ عليه حنواً، وأمسّ به رحماً، ففاطمة أفضل، لأنها إبنته، وكان شديد الحب لها، والحنو عليها جداً، وهي اقرب إليه نسباً من ابن العم، لا شبهة في ذلك.(1) ثانياً: تساءل ابن أبي الحديد هل علي شُرِّف بفاطمة أم فاطمة شُرِّفت به؟ فأجاب: «إن علياً علیه السلام كانت أسباب شرفه وتميزه على الناس متنوعة، فمنها ما هو متعلق بفاطمة علیها السلام، ومنها ما هو متعلق بأبيها صلوات الله عليه، ومنها ما هو مستقل بنفسه. فأما الذي هو مستقل بنفسه، فنحو شجاعته، وعفته، وحلمه وقناعته، وسجاحة اخلاقه، وسماحة نفسه، وأما الذي هو متعلق برسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فنحو علمه، ودينه، وزهده، وعبادته، وسبقه إلى الإسلام، وإخباره بالغيوب. واما الذي يتعلق بفاطمة علیها السلام فنكاحه لها، حتى صار بينه وبين رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم الصهر المضاف إلى النسب والسبب، وحتى ان ذريته منها صارت ذرية لرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، وأجزاء من ذاته علیه السلام؛ وذلك لأن الولد إنما يكون من مني الرجل ودم المراة، وهما جزءان من ذاتي الاب والام، ثم هكذا أبداً في ولد الولد ومن بعده من البطون دائماً. فهذا هو القول في شرف علي علیه السلام بفاطمة فأما شرفها به، فإنها وإن كانت ابنة سيد العالمين إلا أن كونها زوجة علي أفادها نوعا من شرف آخر زائداً على ذلك الشرف الأول؛ ألا ترى أن أباها لو زوجها أبا هريرة أو أنس بن مالك لم يكن حالها في العظمة والجلالة كحالها الآن، كذلك لو كان بنوها وذريتها من أبي هريرة وأنس بن مالك، لم يكن حالهم في أنفسهم كحالهم الآن»(2).

ص: 180


1- الشرح 16 / 19 - 20
2- الشرح 16 / 20 - 21

لذا لم يتزوج الإمام علي علیه السلام على فاطمة طيلة حياتها الشريفة شأنه شأن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم بعدم زواجه في حياة خديجة علیه السلام، إلا أن هناك رواية تفيد أن الإمام علياً علیه السلام أراد أن يتزوج على فاطمة حيث خطب جويرية بنت أبي جهل.

ففي استعراض ابن أبي الحديد لما جاء به - أبو جعفر الاسكافي - قال الأخير إن أبا هريرة روى الحديث «الذي معناه أن علياً علیه السلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فأسخطه، فخطب على المنبر، وقال لاها الله! لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل! إن فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، فان كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي، وليفعل ما يريد». أو كلاما هذا معناه، والحديث مشهور من رواية الكرابيسي(1)»(2).

وأضاف ابن أبي الحديد: «هذا الحديث أيضاً مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري، وقد ذكره المرتضى في كتابه المسمى تنزيه الانبياء والائمة، وذكر انه رواية حسين الكرابيسي، وأنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت علیهم السلام، وعداوتهم والمناصبة لهم فلا تقبل روايته»(3).

ثم قال: «وعندي أن هذا الخبر لو صح لم يكن على امير المؤمنين فيه غضاضة، ولا قدح، لأن الأمة مجمعة على أنه لو نكح ابنة أبي جهل، مضافاً إلى نكاح فاطمة علیها السلام لجاز، لأنه داخل تحت عموم الآية المبيحة للنساء الأربع؛

ص: 181


1- هو أبو علي الحسين بن علي بن يزيد المهلبي الكرابيسي، كان من المجبرة، وعارفاً بالحديث والفقه، وله كتاب المدلسين في الحديث، وكتاب الإمامة وفي الأخير غمز على علي علیه السلام. أنظر ابن النديم: الفهرست ص 256. الخطيب: تاريخ بغداد 8 / 66. ابن حجر: لسان الميزان 2 / 303 - 305
2- الشرح 4 / 64
3- الشرح 4 / 64 - 65

فابنة أبي جهل المشار إليها كانت مسلمة، لأن هذه القصة، كانت بعد فتح مكة، وإسلام أهلها طوعاً وكرهاً، ورواة الخبر متوافقون على ذلك، فلم يبق إلا أنه إن كان هذا الخبر صحيحاً فإن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، لما رأى فاطمة علیها السلام قد غارت وادركها ما يدرك النساء، عاتب علياً علیه السلام عتاب الأهل، وكما يستثبت الوالد رأي الولد ويستعطفه إلى رضا أهله وصلح زوجته، ولعل الواقع كان بعض هذا الكلام فحرف وزيد فيه»(1).

وأضاف: «لو تأملت أحوال النبي صلی الله علیه و آله وسلم مع زوجاته، وما كان يجري بينه وبينهن من الغضب تارة، والصلح أخرى، والسخط تارة والرضا أخرى، حتى بلغ الأمر إلى الطلاق مرة، وإلى الإيلاء مرة، وإلى الهجر مرة والقطيعة مرة، وتدبرت ما ورد في الروايات الصحيحة مما كن يلقينه علیه السلام به، ويسمعنه إياه، لعلمت ان الذي عاب الحسدة والشانئون علياً علیه السلام به بالنسبة إلى تلك الأحوال قطرة من البحر المحيط، ولو لم يكن إلا قصة مارية، وما جرى بين رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، وبين تينك الإمراتين من الأحوال والأقوال، حتى أنزل فيها قرآن يتلى في المحاريب، ويكتب في المصاحف، وقيل لهما ما لا يقال للاسكندر ملك الدنيا لو كان حياً، منابذاً لرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم:

«وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ»(2).

ثم أردف ذلك بالوعد والتخويف:

ص: 182


1- الشرح 4 / 65 - 66
2- سورة التحريم، آية 4

«عَسَى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ»(1).

الآيات بتمامها. ثم ضرب لهما مثلاً امرأة نوح وامرأة لوط اللتين خانتا بعليهما، فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وتمام الآية معلوم، فهل ما روي في الخبر من تعصب فاطمة علیها السلام على علي علیه السلام وغيرتها من تعريض بني المغيرة له بنكاح عقيلتهم، إذا قيس إلى هذه الأحوال وغيرها مما كان يجري الا كنسبة التأفيف إلى حرب البسوس! ولكن صاحب الهوى والعصبية لا علاج له»(2).

والآن لنستعرض الروايات التاريخية التي أشارت لخطبة الامام جويرية، وآراء بعض الباحثين فيها، ثم نحاول أن ندلي برأي في ذلك.

أولاً: ابن سعد ت 230 ه: قال في ترجمة جويرية بلا سند (وجويرية هذه هي التي خطبها علي بن أبي طالب، فجاء بنو المغيرة إلى رسول الله صلی الله علیه وسلم يستأمرونه في ذلك، فلم يأذن لهم أن يزوجوه وقال: إنما فاطمة بضعة مني يسوؤني ما ساءها»(3).

ثانياً: الزبيري ت 236 ه: قال بلا سند: «خطب علي بن أبي طالب جويرية بنت أبي جهل فشق ذلك على فاطمة، فأرسل إليها عتاب (بن أسيد): أنا أريحك منها. فتزوجها»(4).

وقال أيضاً: «وكان علي بن أبي طالب قد خطب جويرية بنت أبي جهل قبل

ص: 183


1- سورة التحريم، آية 5. راجع التفاصيل عند تفسير الطبري والزمخشري والقرطبي والسيوطي في تفسير سورة التحريم، آية 4، 5
2- الشرح 4 / 66 - 67
3- الطبقات 8 / 262
4- نسب قريش ص 187

عتاب، وهم بنكاحها، فكره ذلك رسول الله صلی الله علیه وسلم، وقال: إني لأكره أن تجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدو الله، فتركها علي وتزوجها عتاب»(1).

ثالثاً: ابن بكار ت 256 ه: أورد رواية مرسلة إلى ابن عباس تحكي محاورة بين ابن عباس والخليفة عمر بشأن الإمام. فقال ابن عباس: يا امير المؤمنين إن صاحبنا ما قد علمت إنه ما غيّر ولا بدل، ولا سخط رسول الله صلی الله علیه وسلم أيام صحبته له. فقطع علي الكلام فقال: ولا في ابنة أبي جهل لما أراد أن يخطبها على فاطمة! قلت: قال الله تعالى:

«وَلَم نَجِدْ لَهُ عَزْمَاً»(2).

وصاحبنا لم يعزم على سخط رسول الله صلی الله علیه وسلم، ولكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه وربما كان من الفقيه في دين الله، العالم العامل بأمر الله»(3).

رابعاً: البخاري ت 256 ه: عن المسور بن مخرمة قال: إن علياً خطب بنت أبي جهل، فسمعت بذلك فاطمة، فأتت النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، فقالت: يزعم قومك انك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل.

فقام رسول الله صلی الله علیه وسلم. فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد، فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني وصدقني، وإن فاطمة بضعة مني، وإني أكره أن يسوؤها.

والله لا تجتمع بنت رسول الله صلی الله علیه وسلم وبنت عدو الله عند رجل واحد، فترك علي

ص: 184


1- نسب قريش ص 312
2- سورة طه، آية 115
3- الموفقيات ص 619. وردت كذلك في الشرح 12 / 50 - 51

الخطبة وزاد محمد بن عمرو بن حلحلة عن ابن شهاب عن علي عن مسور سمعت النبي صلی الله علیه وسلم ذكر صهراً له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن قال: فصدقني ووعدني فوفى لي»(1).

وقال أيضاً عن المسور «إن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني»(2).

خامساً: مسلم ت 263 ه: أورد أربع روايات:

عن المسور: «انه سمع رسول الله صلی الله علیه وسلم على المنبر، وهو يقول: ان بني هشام ابن المغيرة إستاذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب. فلا آذن، ثم لا آذن.

ثم لا آذن إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها»(3).

«عن المسور قال: قال رسول الله صلی الله علیه وسلم:

إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها»(4).

«عن ابن شهاب: ان علي بن الحسين حدثه انهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية (بعد) مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه لقيه المسور بن مخرمة فقال له: هل لك لي من حاجة تأمرني بها؟ قال: فقلت له: لا، قال له:

هل أنت معطي سيف رسول الله صلی الله علیه وسلم، فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه. وأيم

ص: 185


1- الصحيح 5 / 95 - 96. وأوردها الصبان: اسعاف الراغبين ص 85 - 86
2- الصحيح 5 / 105. وأوردها المتقي الهندي: كنز العمال 13 / 93
3- الصحيح: 16 / 2. وذكرها: الترمذي: الصحيح 13 / 246 - 7. النسائي: خصائص ص 120
4- الصحيح 16 / 2 - 3

الله لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبداً، حتى تبلغ نفسي ان علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فسمعت رسول الله صلی الله علیه وسلم وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلم، فقال: إن فاطمة مني وأنا اتخوف أن تفتن في دينها. قال: ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن قال: حدثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي، وإني لست أحرّم حلالا،ً ولا أحلّ حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبداً»(1).

عن المسور: «إن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل وعنده فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه وسلم فلما سمعت بذلك فاطمة، أتت النبي صلی الله علیه وسلم فقالت له: إن قومك يتحدثون إنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحاً ابنة أبي جهل. قال المسور:

فقام النبي صلی الله علیه وسلم فسمعته حين تشهد ثم قال: أما بعد، فإني أنكحت أبا العاص ابن الربيع، فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بنت محمد مضغة مني، وإنما أكره أن يفتنوها والله لا تجتمع بنت رسول الله، وبنت عدو الله عند رجل واحد أبداً.

فترك علي الخطبة»(2).

سادساً: الترمذي ت 279 ه: ذكر روايتين الاولى سبق وأوردها مسلم، اما الثانية: عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير: «ان علياً ذكر بنت أبي جهل فبلغ ذلك النبي صلی الله علیه وسلم فقال: ان فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها. قال أبو عيسى (الترمذي) هذا حديث حسن صحيح هكذا قال ايوب

ص: 186


1- الصحيح 16 / 3- 4
2- الصحيح 16 / 4، وذكرها ابن الاثير: اسد الغابة 5 / 419. محب الدين: ذخائر العقبى ص 47 - 8. المتقي الهندي: كنز العمال 13 / 91 - 92

عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير، وقال غير واحد عن ابن أبي مليكة عن المسور ابن مخرمة. ويحتمل أن يكون ابن أبي مليكة روى عنهما جميعاً»(1).

سابعاً: الحاكم النيسابوري ت 405 ه: ذكر أربع روايات:

عن المسور: «إنه بعث إليه حسن بن حسن يخطب إبنته. فقال له: قل له فليلقاني في العتمة. قال: فلقيه: فحمد الله المسور وأثنى عليه ثم قال: وأما بعد وأيم الله، ما من نسب ولا سبب ولا صهر أحب إلي من نسبكم وسببكم وصهركم. ولكن رسول الله صلی الله علیه وسلم. قال: فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها، ويبسطني ما يبسطها. وإن الانساب يوم القيمة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري. وعندك ابنتها. ولو زوجتك لقبضها ذلك. فانطلق عاذراً له».(2) عن سويد بن غفلة: «خطب علي ابنة أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي صلی الله علیه وسلم. فقال: أعن حسبها تسألني؟ قال علي: قد أعلم ما حسبها.

ولكن أتامرني بها، فقال: لا! فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا وأنها تحزن أو تجزع، فقال علي: لا آتي شيئاً تكرهه».(3) عن أبي حنظلة رجل من أهل مكة: «إن علياً خطب ابنة أبي جهل فقال له أهلها: لا نزوجك على ابنة رسول الله صلی الله علیه وسلم. فبلغ ذلك رسول الله صلی الله علیه وسلم، فقال: إنما فاطمة مضغة مني فمن آذاها فقد آذاني»(4).

الرواية أعلاه التي أشار لها الترمذي.

ص: 187


1- الصحيح 13 / 247 - 248. وذكرها الحاكم: المستدرك 3 / 173
2- المستدرك 3 / 172. وذكرها محب الدين: ذخائر العقبى ص 48
3- المستدرك 3 / 173
4- المستدرك 3 / 173

ثامناً: الشريف المرتضى ت 436 ه: طرح رؤية مغايرة لما جاءت به هذه الروايات حيث عدها موضوعة قائلاً: «هذا خبر باطل موضوع غير معروف ولا ثابت عند أهل النقل، وإنما ذكره الكرابيسي طاعنا به على امير المؤمنين صلوات الله عليه وآله، ومعرضاً بذكره لبعض ما يذكره شيعته من الاخبار في اعدائه وهيهات أن يشبه الحق الباطل ولو لم يكن في ضعفه إلا رواية الكرابيسي له، واعتماده عليه وهو من العداوة لأهل البيت علیهم السلام، والمناصبة لهم، والازراء على فضائلهم ومآثرهم على ما هو مشهور لكفى»1.

وأضاف: «على أن هذا الخبر قد تضمن ما يشهد ببطلأنه، ويقضي على كذبة، من حيث ادعى فيه أن النبي ذم هذا الفعل، وخطب بإنكاره على المنابر.

ومعلوم ان امير المؤمنين علیه السلام لو كان فعل ذلك على ما حكي لما كان فاعلاً لمحظور في الشريعة لأن نكاح الأربع حلال على لسان نبينا محمد صلی الله علیه و آله وسلم، والمباح لا ينكره الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، ويصرح بذمه، وبأنه متأذ به؛ وقد رفعه الله عن هذه المنزلة، وأعلاه من كل منقصة ومذمة، ولو كان علیه السلام نافراً من الجمع بين بنته وبين غيرها بالطباع التي تنفر من الحسن والقبيح، لما جاز أن ينكره بلسانه، ثم ما جاز أن يبالغ في الانكار، ويعلن به على المنابر، وفوق رؤوس الأشهاد، ولو بلغ ايلامه لقلبه كل مبلغ فالذي اختص به علیه السلام من الحلم والكظم ووصفه الله بأنه من جميل الاخلاق، وكريم الأدب، ينافي ذلك ويحيله، ويمنع من إضافته إليه، وتصديقه عليه وأكثر ما يفعله مثله علیه السلام في هذا الأمر، إذا ثقل على قلبه، أن يعاتب علياً علیه السلام سراً، ويتكلم في العدول عنه خفياً على وجه جميل وبقول لطيف»(1).

ص: 188


1- تنزيه الانبياء ص 190

ثم ضرب المرتضى مثلاً بالمأمون لما زوج إبنته من أبي جعفر محمد بن علي الجواد فأخذها معه إلى المدينة، ثم تزوج عليها فكتبت شاكية لأبيها، فأجابها المأمون «إنا ما أنكحناه لنحظر عليه ما أباحه الله له». ولذا يرى المرتضى ان «المأمون اولى بالامتعاض من غيرة إبنته، وحاله أجمل للمنع من هذا الباب والانكار له»(1).

وأكد المرتضى أن الطعن في هذا الخبر على النبي صلی الله علیه و آله وسلم هو أعظم من الطعن على الإمام علي علیه السلام لذا وصف واضع هذا الطعن بأنه «لا يبالي أن يشفي غيظه بما لا يرجع على أصوله بالقدح والهدم»(2).

ثم قال «على أنه لا خلاف بين أهل النقل أن الله تعالى هو الذي اختار امير المؤمنين علیه السلام لنكاح سيدة النساء صلوات الله وسلامه عليها، وأن النبي صلی الله علیه و آله وسلم ردّ عنها جلة أصحابه وقد خطبوها، وقال صلی الله علیه و آله وسلم: إني لم ازوج فاطمة علياً عليهما السلام حتى زوجها الله في سمائه، ونحن نعلم أن الله سبحانه لا يختار لها من بين الخلائق من غيرها ويؤذيها، فإن ذلك من أول دليل على كذب الراوي لهذا الخبر»(3).

وقدم دليلاً آخر على وضع الخبر «وبعد؛ فان الشيء إنما يحمل على نظائره، ويلحق بأمثاله، وقد علم كل من سمع الاخبار إنه لم يعهد امير المؤمنين علیه السلام خلافاً على الرسول، ولا كان قط بحيث يكره، على اختلاف الأحوال، وتقلب الازمان وطول الصحبة، ولا عاتبه علیه السلام على شيء من افعاله، مع أن أحداً من أصحابه لم يخل من عتاب على هفوة ونكيير لأجل زلة فكيف خرق بهذا الفعل

ص: 189


1- تنزيه الانبياء ص 190
2- تنزيه الانبياء ص 190 - 191
3- تنزيه الانبياء ص 191

عادته وفارق سجيته وسنته لولا تخرص الأعداء وتعديهم»(1).

وختم كلامه بآخر دليل «فأين كان اعداؤه علیه السلام … من هذه الفرصة المنتهزة، وكيف لم يجعلوها عنواناً لما يتخرصونه من العيوب والفروق، وكيف تحملوا الكذب، وعدلوا عن الحق، وفي علمنا بأن أحدا من الأعداء متقدماً لم يذكر ذلك، دليل على أنه باطل موضوع»(2).

تاسعاً: ابن حزم ت 456 ه: قال في اشارته لبني مخزوم «وولد أيضاً أبو جهل الحنفاء، أراد علي أن يتزوجها؛ فكره ذلك رسول الله صلی الله علیه وسلم فتزوجها عتاب بن أسيد»(3).

والظاهر ان ابن حزم قد وهم لأن ابن سعد ذكر ان الحنفاء وهي بنت ثانية لأبي جهل غير جويرية تزوجها سهيل بن عمرو ثم أسامة بن زيد(4).

عاشراً: ابن حجر ت 852 ه: أورد ترجمتين لابنة أبي جهل:

الاولى تحت اسم «جميلة بنت أبي جهل بن هشام ابن المغيرة المخزومية. روت عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم، روى عنها زوجها، اخرج حديثها ابن منده من طريق سماك بن حرب عن عبدالله بن عمره عن زوج بنت أبي جهل، واسمها جميلة. قالت: مر بنا النبي صلی الله علیه و آله وسلم فاستسقى فسقيناه. وقال: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم … وقيل إنها هي التي خطبها علي. والمحفوظ إنها جويرة»(5).

ص: 190


1- تنزيه الانبياء ص 191
2- تنزيه الانبياء ص 191
3- جمهرة انساب العرب ص 145
4- الطبقات 8 / 262
5- الاصابة 4 / 262 - 263

الثانية: جويرية بنت أبي جهل التي خطبها علي بن أبي طالب فقال رسول الله صلی الله علیه وسلم: لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبداً. فترك علي الخطبة … وقصتها في الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة من غير ان تسمى»(1).

حادي عشر: إن الروايات أعلاه وظفها المستشرق - اميل در منغم - للطعن في شخص الإمام علي علیه السلام إذ يقول: «ولكن محمداً مع امتداحه قدم عليفي الإسلام ارضاء لابنته، كان قليل الالتفات إليه، وكان صهرا النبي الأمويين عثمان الكريم وابي العاص أكثر مداراة للنبي من علي، وكان علي يألم من عدم عمل النبي على سعادة إبنته، ومن عدّ النبي له غير قوام بجليل الاعمال، فالنبي كان يفوض إليه ضرب الرقاب، وكان يتجنب تسليم قيادة له، وقد إراد علي يوماً ان يتزوج على فاطمة فغضب النبي واحتج على ذلك، جهرا من فوق المنبر، وهذا لأن علياً كان غير لبق في ميله للزواج من ابنة أبي جهل وجمعه تحت سقف واحد بنت رسول الله وبنت أشد اعدائه ومما آلم منه علي عدم إذن النبي له في الزواج من أخرى مع فاطمة كما صنع مع صهريه الآخرين»(2).

ثاني عشر: بنت الشاطئ: استفادت من هذه الروايات لتصوغ لنا هذه الحادثة بأسلوب أدبي اضفت عليه شيئاً من خيالها. فقالت: «لكنه (الإمام علي علیه السلام) كاد يأتي - غير متعمد - شيئاً تكرهه فاطمة أشد الكره، وتألم منه أفدح الألم.. وأي شيء أبغض إلى زوجة كالزهراء من أن يأتيها زوجها وابن عمها بضرة؟ لقد همَّ علي بالزواج على فاطمة، وفي حسبانه إنه إنما يجري على مألوف

ص: 191


1- الاصابة 4 / 265
2- حياة محمد ص 199

عادة قومه في الجمع بين زوجتين وأكثر، ويفعل ما أباحه له الإسلام من تعدد الزوجات، دون أن يخطر بباله أن في هذا ما تنكره بنت نبي الإسلام! لكن الأمر جرى على غير ما قدر علي.. فما كاد يهمّ بالزواج … حتى راعه أن يرى أبا الزهراء يقبل على المسجد مغضباً، ويخطب في الناس منكراً على ابن أبي طالب أن يتزوج على فاطمة»(1).

ثم تساءلت: «ولكن كيف والاسلام يبيح تعدد الزوجات، والنبي صلی الله علیه و آله وسلم كان يجمع في بيته يومئذ بين زوجات ثلاث أو أربع، فيهن عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر بن الخطاب الذي أعز الله به الإسلام؟ كيف يحرم النبي ما احله الله، وينكر على ابن عمه ما لم ينكره على نفسه؟ ليكن هذا الزواج مؤذياً لفاطمة، افلم تتعرض لمثله بنتا أبي بكر وعمر؟ وهل يأبى النبي أن يجوز على إبنته ما يجوز على كل مسلمة … وهل استثنى الإسلام من تعدد الزوجات بنات نبيه الذي بلغ رسالته؟ ياله من موقف بالغ الدقة والصعوبة والحرج، فالنبي يعلم حق علي في الزواج ولو على فاطمة.. ومحمد في أبوته الرحيمة وبشريته السوية، يؤذيه أن تروّع أحب بناته بضرة، ويشفق عليها من تجربة قاسية كهذه، يعلم انه لا قبل لها باحتمالها.. ألا ليت علياً قد صبر على واحدة أسوة بابن عمه حين اكتفى بخديجة زوجة، مدى ربع قرن من الزمان! اذن لأعفى الاب النبي من الحرج، وأغناه من ذلك الموقف الشائك الصعب… وإني لأتمثله - صلى الله عليه [وآله] وسلم - يرنو إلى إبنته الغالية وهي تترقب المحنة في خوف وقهر، فتكاد لفرط أساها وقلقها، تذوب من ضعف وكمد، ويود بكل ما استطاع ان يدفع عنها ما تكره، وأن يحميها من الخوف الذي يقرح أجفانها ويروع امنها، ويؤرق ليإليها، لكن الأمر يبدو

ص: 192


1- بنات النبي ص 175 - 176

معقداً، فما كان لنبي أن يحرم ما أحلّ الله! وفي ظلمات الحيرة، يلوح شعاع من الضوء ينير السبيل: إن عليا ذكر بنت عمرو بن هشام المخزومي فهل يرضى الله ان يجمع بيت علي بين بنت رسول الله، وبنت عدو الله؟ فعمرو هذا هو أبو الحكم بن هشام أبو جهل، الذي لم ينس الرسول والمؤمنين ما اقترف من آثام في اضطهاد الدعوة الاسلامية … »(1).

ثم أخذت تعدد مواقف أبي جهل من الدعوة الاسلامية، وأردفت قائلة:

«أتكون بنت هذا الرجل ضرة لفاطمة بنت النبي؟ يأبى الرسول ذلك … ويأباه الإسلام! وانطلق - صلی الله علیه و آله وسلم - إلى المسجد مغضبا حتى بلغ المنبر فخطب في صحبه: ان بني المغيرة استأذنوني… ثم ذكر - صلی الله علیه و آله وسلم - صهره أبا العاص، وهو من بني عبد شمس، لا من بني عبد المطلب كعلي - فأثنى عليه في مصاهرته إياه أحسن الثناء … وقد ورد هذا الحديث في الكتب الستة الأمهات ولكن أحداً من الرواة لم يذكر لنا وقعه على المسلمين وصداه في المدينة. فهل ترى يعيينا أن نتصور مدينة الرسول، وقد باتت ليلتها ساهرة، تؤمن على قول النبي، وترى فيه مظهراً جميلاً من مظاهر بشريته التي طالما أصر على الاعتراف بها. وآية ناطقة بأبوته الرحيمة التي كانت مضرب الامثال، ودليلاً جديداً من أدلة حبه لبناته، هذا الحب الذي شاء الله أن يملا به قلب النبي المختار في بيئة وأدت بناتها؟ أو هل يقصر خيالنا عن متابعة علي وهو ينصرف من المسجد إثر سماعه خطبة صهره النبي صلی الله علیه و آله وسلم، ويأخذ طريقه إلى بيته بطيء الخطو، مثقل القلب، يفكر فيما كان؟ أتراه حقاً قد أراد الزواج على فاطمة، من بنت عدو الإسلام؟.. كيف هان عليه جهاده

ص: 193


1- بنات النبي ص 176 - 177

الطويل الباسل في سبيل الدعوة المحمدية؟ بل كيف هان عليه أن يروع أمن الحبيبة بنت الحبيب، ويكسر قلبها بزواج كهذا لا يمكن أن يؤول إلا بالرغبة في متاع حسي مادي، لا يجده لديها»(1).

ثم اوضحت بنت الشاطئ ان زواج النبي صلی الله علیه و آله وسلم المتعدد له مبرراته الخاصة، وظروفه وإلا فما باله - صلی الله علیه و آله وسلم - قد اكتفى بخديجة خمساً وعشرين سنة، فلم يتزوج عليها حتى ماتت وقد بلغ الخمسين. ثم أن الامام كان يشغله الجهاد في سبيل الدين الجديد، اذن «فلتكن بنت أبي جهل من حظ غيره، أما هو، فليس بالذي يحبط جهاده الباسل، فيستبدل بالنبي أبا جهل بن هشام صهراً.. وليس هو بالذي يؤذي نبيه وأباه وابن عمه، في أحب بناته إليه، ولن يكون أبو العاص ابن الربيع قبل إسلامه أبر منه ببنت محمد، ابن عمه عبد الله بن عبد المطلب ولا ارعى في مصاهرته للنبي ذماما»(2).

ثم اختلقت - بنت الشاطئ - اعتذاراً من الإمام علي للزهراء - عليهما السلام - فقالت: «واذ رآها تبكي، همس معتذرا: هبيني اخطأت في حقك يا فاطمة، فمثلك أهل للعفو والمغفرة، ومضت قطعة من الليل قبل أن تجيب: غفر الله لك يا ابن عم»(3).

وختمت كلامها بالسؤال: متى هَمَّ علي بالزواج على الزهراء؟ قالت: «صمت المؤرخون ورجال الحديث فلم يشيروا إلى موعد الخطبة على ما لذلك من أهمية وخطر، لكنا نطمئن إلى أنها كانت في الفترة الاولى من زواجها.

ص: 194


1- بنات النبي ص 177 - 181
2- بنات النبي ص 181
3- بنات النبي ص 181

وهو اطمئنان لا يسنده دليل نقلي، وإنما يغرينا به فهمنا لطبيعة الموقف، وتقديرنا انه اقرب احتمالا قبل أن يرزقا الولد، حين كانت فاطمة وعلي في مستهل حياتهما الزوجية، لم تألف بعد شدته وصرامته، ولم يروض هو نفسه على احتمال ما كانت لا تزال تجد من حزن لفقد امها، وشجو لفراق بيتها الأول! وبهذا الاطمئنان نميل إلى توقيت الحادثة على وجه التقريب بالعام الثاني من الهجرة، قبل ان يأتيهما العام الثالث بأولى الثمرات المباركة للزواج.. انقشعت السحابة التي ظللت افق الزهراء حيناً لا نحدد مداه، وعاد البيت اصفى جواً مما كان قبل أن يمتحن بتلك التجربة القاسية، ومضت الحياة تسير بالزوجين الكريمين على ما يرجوان من تعاون ومودة؛ فاطمة في الدار تقوم على خدمة زوجها ما وسعها وتتخلص شيئاً فشيئاً مما كان يعتادها من شجن وانقباض، وعلي إلى جانبها يبذل لها من الحب والرعاية ما يعينها على مشقة العيش الكادح في جو المدينة الذي لم تسعفها صحتها على أن تألفه بسرعة كما ألفه كثير من المهاجرين. ويحاول قدر ما أطاق أن يترفق بها ويروض نفسه على شيء من اللين واليسر. ثم شاء الله أن يقر عين الزهراء وعيون من يحبونها فوضعت بكرها الحسن بن علي في السنة الثالثة من الهجرة»(1).

ثالث عشر: وردد - توفيق أبو علم - ما جاء عند بنت الشاطئ وأضاف «ليس علي هو الذي يؤذي نبيه وأباه وابن عمه في أحب بناته إليه والتي قال لها صلی الله علیه و آله وسلم: إن الله غير معذبك ولا أحد من ولدك»(2). وهي التي قال فيها أيضاً «إذا كان يوم القيمة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم ينادي مناد

ص: 195


1- بنات النبي ص 182 - 183
2- اخرجه: الطبراني: المعجم الكبير 11 / 210، الهيتمي: الصواعق ص 158. المتقي الهندي: كنز العمال 13 / 96. الصبان: اسعاف الراغبين ص 109. الشبلنجي: نور الابصار ص 45

إن الجليل جل جلاله يقول: نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم فإن هذه فاطمة بنت محمد صلی الله علیه و آله وسلم تريد أن تمر على الصراط»(1).

وعن أبي سعيد الخدري انه صلی الله علیه و آله وسلم مرّ في السماء السابعة. وقال: فرأيت فيها لمريم ولأم موسى ولآسية امراة فرعون ولخديجة بنت خويلد قصورا من ياقوت، ولفاطمة بنت محمد سبعين قصراً من مرجان احمر باللؤلؤ أبوابها وأسرّتها من عود واحد(2)».(3) وأضاف: «هذه هي الزهراء التي يحبها الرسول كما رأينا فيما سبق وتكرر انه لم يكن من المعقول ان يجمع بنت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وبنت عدو الله بيت واحد. وعن يحيى بن سعيد القطان قال: ذاكرت عبد الله بن داود الحرثي قول النبي صلی الله علیه و آله وسلم لا آذن إلا أن يحب علي بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، قال ابن داود:

حرم الله على علي ان ينكح على فاطمة طيلة حياتها لقول الله عز وجل:

«وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»(4).

فلما قال النبي صلی الله علیه و آله وسلم: لا آذن لم يكن يحل لعلي أن ينكح على فاطمة إلا أن يأذن رسول الله. قال: وسمعت عمر بن داود يقول: لما قال الرسول: فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها حرم الله على علي أن ينكح على فاطمة، إذ أنه بنكاحه عليها يؤذي الرسول، والله تعالى يقول:

ص: 196


1- اخرجه الطبراني: المعجم 1 / 108. الحاكم: المستدرك 3 / 166، 175. الهيتمي: الصواعق ص 188. المتقي الهندي: كنز العمال 13 / 93، 91. الشبلنجي: نور الابصار ص 46
2- الشبلنجي: نور الابصار ص 46
3- أهل البيت: ص 155 - 156
4- سورة الحشر، آية 7

«وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ»(1)»(2).

رابع عشر: الحسني: إذا رأينا - منغم، وبنت الشاطئ وتوفيق أبو علم، وكذلك كحاله(3) اعتمدوا المنهج الحرفي (النقلي) في التعامل مع الروايات لذا أكدوا صحة الحادثة، فإن هاشم معروف الحسني قد انتهج نهج الشريف المرتضى، وابن أبي الحديد وهو النهج العقلي في التعامل مع النصوص لذلك حكم بعدم صحة الروايات. حيث جاء في معرض مناقشته للحادثة:

«وأما حديث زواجه (علي) من غيرها، فقد جاء في بعض المرويات انه كاد أن يأتي شيئاً تكرهه سيدة النساء، ولا تتمكن من التغاضي عن نتائجه ويشير إليه الرواة، إنه همَّ أن يتزوج من جويرية… وإن أهلها استشاروا النبي صلی الله علیه و آله وسلم فأنكر عليهم، ولم يأذن لهم بذلك، وأضاف الرواة لهذه الاسطورة: إن الزهراء ذهبت إلى أبيها باكية تقول له: ان الناس يزعمون بانك لا تغضب لبناتك، وان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم قام من ساعته، وأقبل إلى المسجد مغضباً، وصعد المنبر، وقال على ملأ من المهاجرين والانصار: إلا وإن بني هشام … إلى غير ذلك مما جاء حول هذه الاسطورة التي تصور النبي وكأنه انسان تستبد به العاطفة إلى الخروج من المألوف ومحاباة إبنته على حساب حكم من احكام الله، وتصور الزهراء، وكأنها أقل حظاً من الدين والصبر من سائر النساء، وإن النبي يتخوف عليها أن تتعدى حدود ما أنزل الله لو تم هذا الأمر.

ص: 197


1- سورة الاحزاب، آية 53
2- أهل البيت ص 155 - 156
3- اعلام النساء 4 / 112

«إن الذين وضعوا هذه الاسطورة أرادوا أن يسيئوا إلى النبي، لا إلى علي وحده، لأن النبي صلی الله علیه و آله وسلم كما جاء في الرواية، أراد أن يمنع علياً علیه السلام مما أباحه الله لجميع الناس، وما فعله هو وجميع المسلمين أو أكثرهم، ومع ذلك فهل يجوز على النبي أن يقف هذا الموقف المتصلب، ويحابي إبنته الزهراء في حكم من احكام الله، ومع العلم انه كان يقول لفاطمة: «اعملي فلن أغني عنك من الله شيئاً»(1).

وقال لمن جاء يستشفع في امرأة من الأنصار قد سرقت: والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها(2).

«هذا بالاضافة إلى أن قوله المزعوم: أخاف أن تفتن ابنتي عن دينها، هذا القول على تقديره، يعني إنها كغيرها من النساء اللواتي يخرجن عن المألوف، ويتجاوزن احكام الله في مثل هذه الحالات، في حين إنه قال أكثر من مرة: «إن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك»(3)، وبلا شك فإنها لم تبلغ هذه المرتبة إلا لأن جميع اعمالها وتصرفاتها وأقوالها في حدود ما أراد الله. وإذا صح كما يزعم الراوي أن تفتن في دينها لأمر قد أباحه الله لعلي وغيره من سائر الناس،

ص: 198


1- مسلم: الصحيح 3 / 80. الطبري: جامع البيان 19 / 118 - 120. الهيتمي: الصواعقص 155 - 6
2- البيهقي: المحاسن ص 368. ابن تيمية: منهاج السنة 3 / 17
3- الطبراني: المعجم الكبير 1 / 108. الحاكم: المستدرك 3 / 167. الهيثمي: مجمع الزوائد 9 / 203. ابن حجر: الاصابة 4 / 378. المتقي الهندي: كنز العمال 13 / 96. وقد اعتبر ابن تيمية هذا = =الحديث موضوعاً بقوله «ما ورد هذا من النبي صلی الله علیه و آله وسلم ولا يعرف هذا من شيء من كتب الحديث المعروفة ولا الاسناد معروف عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم لا صحيح ولا حسن» منهاج السنة 2 / 170

فكيف يربط النبي رضاها برضى الله وغضبها بغضبه. هذا بالاضافة إلى أنها أحد المعنيين بآية التطهير بلا شك في ذلك عند أحد من المسلمين، ومع ذلك فكيف تفتن في دينها وقد أذهب الله عنها الرجس وطهرها من الذنوب وجعلها السيدة الاولى لنساء العالمين.

«إن الذين رووا هذه الاسطورة ونسبوا إلى النبي هذا الموقف المتصلب، وتلك المقالة البعيدة عن منطقه قد رووا إلى جانبها أنه إذا كان يوم القيمة يجمع الله الأولين والآخرين على صعيد واحد، ثم ينادي منادي الجليل جل جلاله:

نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم فإن فاطمة بنت محمد تريد أن تمرعلى الصراط. وإذا كانت بهذا المستوى فكيف تفتن عن دينها لأمر متاح ومألوف بين المسلمين، وفي بيت أبيها سيد المسلمين أكثر من أربع من النساء.

«على أن المتتبع لتاريخ علي علیه السلام في تلك الفترة من تاريخ الإسلام سواء كان منها في حياته مع الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وهو إلى جانبه يجاهد في سبيل الدعوة، أو بعد زواجه من سيدة النساء، لا يتردد في أن جميع ما روي عنه في محاولة زواجه من ابنة أبي جهل، ومن اختياره لنفسه بعض الجواري في إحدى غزواته الناجحة(1) كما تحدث بذلك بعض المؤلفات في السيرة من موضوعات….

«والغريب في المقام إن أكثر المؤرخين يذهبون إلى أن خطبة علي علیه السلام لجويرية … كانت في السنة الثانية التي تزوج بها من فاطمة الزهراء، وقبل ان يأتيهما العام الثالث بأولى الثمرات المباركة لزواجهما… ووجه الغرابة في ذلك إن أبا

ص: 199


1- عندما ولّاه النبي صلی الله علیه و آله وسلم اليمن. أنظر الترمذي: الصحيح 12 / 164 - 172، 5 - 3. الحاكم: المستدرك 3 / 119

جهل وبني المغيرة كانوا في مكة، وأبو جهل كان من اقطاب المشركين، وألدّ أعداء الإسلام ومن أكثرهم تحريضاً وإساءة إلى النبي صلی الله علیه و آله وسلم وأتباعه … وقد قتل أبو جهل في بدر وظل بنوه على شركهم في مكة إلى السنة الثامنة حيث فتح مكة، فأسلموا، فكيف يجتمع هذا مع قول النبي في مطلع السنة الثالثة للهجرة، وقبل ولادة الحسن: إلا أن بني المغيرة قد استأذنوني أن يزوجوا ابنتهم عليا. وخلص للقول: «ومهما كان الحال فلو افترضنا ان عليا فكر في غير فاطمة من النساء، وان فاطمة لم تكن طيبة النفس بهذا التفكير، فذلك لا يوجب تجريحا، ولا يبيح لأحد أن ينال من قداستها شيئاً»(1).

خامس عشر: العقاد: قال بصددها «ولا نعلم نحن من شأن هذه الخطبة غير ما جاء في رواياتها المختلفة. ولكنا نعلم أن هذه الفتاة [جويرية] أسلمت وبايعت النبي وحفظت عنه، فلعلها قد خيف عليها الفتنة أن تتزوج بغير كفء من المسلمين، وأهلها هم من هم في المكانة والحسب لا يرضيهم من هو دون علي بن أبي طالب من ذوي قرابتها. أو لعلها غضبة من غضبات علي على أنفة من أنفات فاطمة، أو لعلها نازعة من نوازع النفس البشرية لم يكن في الدين ما يأباها، وإن أباها العرف في حالة المودة والصفاء»(2).

سادس عشر: الشرهاوي: وآخر من علمنا انه كان له رأي في هذه الحادثة زميلنا - حسين الشرهاوي - الذي قال بصددها:

«والرواية التي أوردناها تحمل ضعفها بين طياتها وهي متناقضة إلى درجة

ص: 200


1- سيرة الأئمة الاثني عشر 1 / 92 - 95
2- فاطمة الزهراء ص 44 - 5

كبيرة لا يمكن قبولها وهي تحمل إساءة إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أولا قبل الإمام علي وفاطمة الزهراء علیها السلام، ووجه اعتراض رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم حبه لابنته فاطمة… ولو افترضنا جدلا أن عليا علیه السلام قدم على هذه الخطبة بالفعل، فانه لم يأت بشيء محرم في الشريعة لأن الإسلام أباح الزواج بأربع، فكيف يقف رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم على المنبر وأمام كل المسلمين ويحرم شرع الله الذي أتى به من عند ربه، وذلك لمحبتة لابنته فاطمة علیها السلام! وهو ينادي بالمساواة والعدالة وعدم التفضيل وكون فاطمة كأي امرأة من نساء المسلمين من منطلق المساواة، ثم يصعد على المنبر ويعرض باحدى المسلمات وهي جويرية بنت أبي جهل، ويعيّها بأبي جهل، على الرغم من إسلامها فهل تحاسب بذنب أبيها».

«وقد روي ان عكرمة بن أبي جهل عندما أسلم هاجر إلى المدينة بعد فتح مكة فجعل عكرمة كلما مر بمجلس من مجالس الأنصار قالوا: هذا ابن أبي جهل وسبوا أبا جهل، فشكا ذلك إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فقال: لا تؤذوا الاحياء بسب الاموات(1) فإذا كان هذا حال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في مراعاة مشاعر المسلمين فكيف يصعد على المنبر امام المسلمين ويهجم على هذه المرأة المسلمة وينهي عن شرع الله، وحتى ان كان قد كره هذا الأمر بقلبه لمحبة فاطمة علیها السلام كما تذكر الرواية وبلغ به الغيض والغضب! أليس هو الموصوف بكظم الغيظ، وعدم التسرع بالأحكام). وقد وصفه الله بجميل الاخلاق، وكريم الآداب فلماذا لم يعاتب عليا سرا وينهاه. دون أن يجرح مشاعره ومشاعر المسلمين»(2).

ص: 201


1- أنظر: الزبيري: نسب قريش ص 311. الزمخشري: ربيع الابرار 2 / 841. السيوطي: مسالك الحنفا ص 15. دحلان: اسنى المطالب ص 15
2- السيدة خديجة بنت خويلد علیها السلام ص 131 - 132

والآن لنأتِ لمناقشة الحادثة في الحيثيات الآتية:

أولاً: من هم بنو المغيرة؟ ثانياً: من هي ابنة أبي جهل؟ ثالثاً: مناقشة تناقضات الروايات؟ رابعاً: موقف النبي صلی الله علیه و آله وسلم؟ خامساً: موقف فاطمة علیها السلام؟ سادسا: موقف الإمام علي علیه السلام؟ سابعاً: من هو راوي الرواية؟ ثامناً: تحليلات بعض الباحثين؟ أولاً: من هم بنو المغيرة؟ هو المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. من الأسر التي اتخذت موقفا سلبيا من الدعوة الاسلامية في مكة أو فيما بعد في المدينة، فقد قتل في بدر منهم أبو قيس بن الفاكة بن المغيرة، وأبو جهل وأخوه العاصي بن هشام، وأسر عثمان ابن عبد الله بن المغيرة ومعبد بن هشام بن المغيرة، أما في الخندق فقد قتل نوفل ابن عبد الله بن المغيرة.(1) ومن أشهر رجالاتهم الوليد بن المغيرة وهو أول من خلع حذائه عند الدخول

ص: 202


1- ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص 144 - 145

للكعبة إعظاما لها(1)، وأول من بدأ بتهديمها لما أرادت قريش إعادة بنائها وكانت تخشى ذلك(2)، ولذلك عرف بعظيم قريش، وفيه نزل قوله تعالى:

«وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيِمٍ»(3).

والوليد هو الذي اتهم النبي صلی الله علیه و آله وسلم بالسحر لذا نزل فيه قوله تعالى «ذَرْنيِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّ إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْليِهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ»(4).

وقد قتل ابنه أبو قيس يوم بدر مع المشركين فيما أسلم ابنه خالد بن الوليد قبيل فتح مكة.(5) أما باقي بنو المغيرة فقد دخلوا في الإسلام يوم فتح مكة ومن ضمنهم

ص: 203


1- الأزرقي: اخبار مكة 1 / 174، البيهقي: المحاسن والمساوئ ص 165، السيوطي: الوسائل ص 32 - 33
2- الطبري: تاريخ 2 / 288 - 9
3- سورة الزخرف: 31، أنظر: الطبري: جامع البيان 25 / 95، القرطبي: الجامع 16 / 83، ابن كثير: تفسيره 7 / 395
4- سورة المدثر: 11 - 30. أنظر: الطبري: جامع البيان 29 / 152 - 153، الواحدي: أسباب النزول ص 295 - 296
5- ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص 147

الحارث بن هشام أخو أبي جهل الذي أصبح من الطلقاء ثم من المؤلفة قلوبهم ولذلك أعطاه النبي صلی الله علیه و آله وسلم من غنائم هوازن مائة بعير.(1) ويشار أنه هو الذي أشار على الخليفة عمر بن الخطاب بوضع ديوان العطاء.(2) ويأتي هنا التساؤل: مَنْ مِن بني المغيرة استأذن النبي صلی الله علیه و آله وسلم؟ هل هو الحارث ابن هشام عم جويرية؟ أم خالد بن الوليد؟ أم عكرمة بن أبي جهل؟.

ثانياً: من هي ابنة أبي جهل؟ إنها جويرية أو جويرة أو جميلة أو الحنفاء هكذا على اختلاف الروايات ابنة أبي جهل عمرو بن هشام المخزومي المعروف قبل الإسلام بأبي الحكم(3)، وكان لاتخاذه موقفا سلبيا من النبي صلی الله علیه و آله وسلم والدعوة الاسلامية أن لقَّبه صلی الله علیه و آله وسلم بأبي جهل، وذلك لبعده عن استيعاب مفاهيم الإسلام ورفضه اتباعها، فالجاهلية هي حالة نفسية ترفض الاهتداء بهدي الله.(4) وأبو جهل هو صاحب فكرة اغتيال النبي صلی الله علیه و آله وسلم ليلة الهجرة(5) ثم كان (أس) البلاء على قريش يوم بدر حتى أوردها المهالك، فكان أن قتل يوم بدر وقد لاقى

ص: 204


1- ابن هشام: السيرة 4 / 493، 413، الطبري: تاريخ 3 / 90
2- البلاذري: فتوح البلدان ص 436. الجهشياري: الوزراء والكتاب ص 17. ذكر اسمه الوليد ابن هشام
3- ابن سعد: الطبقات 8 / 62. ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص 145. ابن حجر: الاصابة 4 / 265، 262
4- عن معنى الجاهلية أنظر بحثنا الموسوم (الجاهلية فترة زمنية أم حالة نفسية؟). مجلة ابحاث البصرة، العدد 31، 2006. ص 5 43
5- الطبري: تاريخ 2 / 370 - 2

خبر مقتله سروراً لدى النبي صلی الله علیه و آله وسلم وأصحابه(1). فيما بقيت أسرته حتى السنة الثامنة من الهجرة، حيث فتح مكة فكان ولده عكرمة بن أبي جهل من الدعاة لقتال المسلمين وعدم السماح لهم بالدخول لمكة، ولما فتحت مكة هرب إلى البحر، فلحقته زوجته بعد أن أخذت له الأمان من النبي صلی الله علیه و آله وسلم فعاد وأعلن إسلامه.(2) ومن أسرة أبي جهل إبنته التي اختلف في اسمها أعلاه، وقد كان لها موقف لما دخل المسلمون مكة فلما أذَّن بلال وقال: أشهد أن محمداً رسول الله، قالت جويرية: (قد لعمري رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلي، ووالله ما نحب من قتل الاحبة أبداً، ولقد جاء إلى أبي الذي كان جاء إلى محمد من النبوة فردها ولم يرد خلاف قومه).(3) إذن كانت من مسلمة الفتح، وبفتح مكة ختمت الهجرة، فلا هجرة بعد الفتح(4) هذا يعني إنه لا هجرة بعد ذلك للمدينة ألا لأغراض خاصة، فأين يا ترى كانت خطبة الامام لجويرية هل في مكة أم في المدينة؟ ثم لماذا لم تتحقق الخطبة أ لرفض النبي صلی الله علیه و آله وسلم(5)؟ أم رفض بني المغيرة أنفسهم(6)؟ أم لتدخل عتاب الذي

ص: 205


1- الطبري: تاريخ 2 / 454 - 6
2- الطبري: تاريخ 3 / 44، 48، 57 - 60، 63. المنتخب ص 501 - 2. ابن حجر: الاصابة 2 / 416 - 7
3- الأزرقي: اخبار مكة 1 / 274 - 275
4- حديث للنبي صلی الله علیه و آله وسلم اخرجه ابن حنبل: المسند 3 / 401، 22، 5 / 187
5- ابن سعد: الطبقات 8 / 262، الزبيري: نسب قريش ص 312، البخاري: الصحيح 5 / 95 - 96
6- الحاكم: المستدرك 3 / 173

خطبها فتزوجها؟(1)، ويأتي هنا التساؤل: أين كان عنها عتاب بن أسيد وهو أيضاً من مسلمة الفتح؟ الذي ولدت لعتاب ولده عبد الرحمن بن عتاب الذي كان ضمن أهل الجمل ضد الإمام علي علیه السلام فكان أن قتل في هذه المعركة(2). وبعد وفاة عتاب تزوجها أبان بن سعيد بن العاص بن أمية فلم تلد له شيئاً.(3) وتشير الروايات أنها روت عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم، وروى عنها زوجها: «عن عبد الله بن عميرة عن زوج بنت أبي جهل». فابن عميرة هنا لا يعلم زوج ابنة أبي جهل؟ ومن هي؟ والملاحظ ان كتب الصحاح لم تذكر اسمها.(4) ثالثاً: تناقض صيغ الروايات تشير بعضها ان بني المغيرة هم الذين استأذنوا النبي صلی الله علیه و آله وسلم في تزويج ابنتهم للامام(5)، فيما تشير روايات أخرى أن الخبر كان شائعاً، وأن الناس قد تحدثوا به، فلما بلغ ذلك فاطمة علیها السلام ذهبت للنبي صلی الله علیه و آله وسلم وأخبرته(6) فيما تأتي رواية لدى الحاكم لتشير بأن الامام هو الذي طلب الإذن من النبي صلی الله علیه و آله وسلم فرفض(7)، وتذهب رواية أخرى لعلم النبي صلی الله علیه و آله وسلم بالأمر دون تحديد من الذي اخبره.(8) أما السبب

ص: 206


1- الزبيري: نسب قريش ص 187
2- الشرح: 11 / 123 - 4، الزبيري: نسب قريش ص 193، ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص 113
3- ابن سعد: الطبقات 8 / 262
4- ابن حجر: الاصابة 4 / 265
5- ابن سعد: الطبقات 8 / 262. مسلم: الصحيح 16 / 2. الترمذي: الصحيح 3 / 246 - 7
6- البخاري: الصحيح 5 / 95 - 96. مسلم: الصحيح 16 / 4
7- المستدرك: 3 / 173
8- المستدرك: 3 / 173

في عدم تحقق الخطبة فهذا أيضاً موضع تناقض بين الروايات فأكثر الروايات تعزوه للنبي صلی الله علیه و آله وسلم(1)، فيما تأتي رواية لتشير إلى رفض بني المغيرة منذ البدء لأن ذلك يؤذي النبي صلی الله علیه و آله وسلم برأيهم(2)، ولكن رواية الزبيري تشير إلى تدخل عتاب بن أسيد الذي حسم الموقف بخطبته جويرية(3)؟ ولكن أليس خطبة المؤمن على أخيه المؤمن حراماً(4)؟!!.

رابعاً: موقف النبي صلی الله علیه و آله وسلم؟:

أشرنا إلى تناقض الروايات في من الذي أخبر النبي صلی الله علیه و آله وسلم، بخطبة الإمام علي علیه السلام لجويرية.

فبعضها يشير بأن بني هشام بن المغيرة استأذنوا النبي صلی الله علیه و آله وسلم، فهذا يعني أنه رفض ذلك، إذن لماذا يصعد صلی الله علیه و آله وسلم المنبر معلنا (ان بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا إذن ثم لا إذن ثم لا إذن لهم)(5).

فلماذا لا يرسل النبي صلی الله علیه و آله وسلم للإمام علي علیه السلام ويدعوه لترك الخطبة؟ فما معنى هذا الموقف المتشدد من النبي صلی الله علیه و آله وسلم حيال علي علیه السلام وأمام الناس؟ فهل يريد النبي أن يقول ان عليا أتى بأمر خطير؟ أم إن النبي صلی الله علیه و آله وسلم أراد أن يسمع من تسوّل له نفسه ولو مستقبلا تزويج علي كما فعل بنو المغيرة؟.

ص: 207


1- ابن سعد: الطبقات 8 / 262. الزبيري: نسب قريش ص 312. البخاري: الصحيح 5 / 95 - 96
2- الحاكم: المستدرك: 3 / 173
3- الزبيري: نسب قريش ص 312
4- اخرجه الطحاوي: شرح معاني الاثار 3 / 3 - 4. ابن حزم: الفصل 4 / 16
5- مسلم: الصحيح 16 / 2. الترمذي: 13 / 246 - 7

ولكن رواية الحاكم تفيد أن الإمام عليا علیه السلام هو الذي طلب الموافقة من النبي منذ البدء ولكنه صلی الله علیه و آله وسلم لم يوافق فقال علي علیه السلام: لا آتي شيئا تكرهه(1)، إذا ما معنى صعود النبي المنبر واستنكاره، فهل هذا يعني إن عليًا عاود الخطبة رغم نهي النبي صلی الله علیه و آله وسلم له!!. إن هذا لا يمكن صدوره عن الإمام علي علیه السلام.

فيما تأتي رواية أخرى تشير أن فاطمة هي التي أبلغت النبي صلی الله علیه و آله وسلم: «فلما سمعت فاطمة أتت النبي صلی الله علیه و آله وسلم فقالت: إن قومك يتحدثون إنَّك لا تغضب لبناتك»(2).

إذن فالقوم يرون أن فعل الإمام علي علیه السلام غير صحيح، ولذلك أشيع بين الناس وأخذوا يتحدثون به، فبلغ مسامع فاطمة لذا أتت النبي صلی الله علیه و آله وسلم لتخبره بمقالة الناس. فلماذا يا ترى هذا التصور لدى الناس؟ والمعروف أن العرب قبل الإسلام وفي ظل عصر الرسول صلی الله علیه و آله وسلم كانوا يتزوجون لأكثر من واحدة، ولا نكاد نقرأ عن موقف متوتر حيال زواج ثانٍ، إذن لماذا يستنكر قوم النبي صلی الله علیه و آله وسلم ذلك إلى درجة أنهم يقولون: إن النبي صلی الله علیه و آله وسلم لا يغضب لبناته، فمن سبقه وقد غضب لبناته حتى يؤخذ على النبي عدم غضبه لبناته.

3. إن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم بموقفه الاستنكاري هذا عرض بعلي علیه السلام، مقارنا إياه بموقف أحد أصهاره من بني عبد شمس، إذ يقول: (فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني فصدقني) وفي رواية أخرى: (حدثني فصدقني، ووعدني

ص: 208


1- المستدرك: 3 / 173
2- البخاري: صحيح 5 / 95 - 96. مسلم: الصحيح 16 / 4

فأوفى لي)(1). فمن هو أبو العاص هذا؟.

هو أبو العاص بن الربيع من بني عبد شمس وأمه هالة بنت خويلد، أي أخت السيدة خديجة علیه السلام تزوج قبل الإسلام زينب التي يرى البعض أنها من بنات النبي صلی الله علیه و آله وسلم، ورغم أن الروايات تشير لإسلامها في بدء الدعوة الإسلامية لكنها بقيت في مكة ثلاث عشرة سنة عند زوجها وهو مشرك، فما سر بقاءها:

هل يرضاها؟ فهذا لا يجوز شرعاً؟ أم رغماً عنها؟ ومع ذلك فلم تشر الروايات لأي موقف سلبي لاحدهما حيال الآخر رغم تناقضهما في العقيدة، أليس هذا يثير الإستغراب؟!! وقد بقيت حتى بعد الهجرة وأشترك زوجها أبو العاص في معركة بدر مشركًا، فكانأن وقع أسيرًا بيد المسلمين فأرسلت زينب قلادة كانت أمها قد أهدتها لها ليلة زفافها، فَرَقَّ النَّبي صلی الله علیه و آله وسلم لها وأعادها عليها وأطلق سراح زوجها بعد أن شرط عليه أن يبعث زينب له، ففعل، فهل يدلك ذلك على فقر أبي العاص، ثم أين إسلام زينب وهي تتعاطف مع مشرك ضد أبيها النبي صلی الله علیه و آله وسلم؟!! واستمر أبو العاص مشركًا، حتى السنة السادسة للهجرة حيث خرج في قافلة فاعترضها المسلمون وأخذوا ما فيها وفرَّ أبو العاص إلى المدينة حيث استجار بزينب فأجارته وأعاد عليه المسلمون كل ما أخذوه من أموال، فمضى إلى مكة وأعاد الأموال لأصحابها ثم جاء إلى المدينة فأعلن إسلامه، وتشير الروايات إن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم أعاد إليه زينب بالعقد الأول، فهل هذا جائز في الشريعة الإسلامية؟!! وبقيت معه سنتين حيث توفيت في السنة الثامنة من الهجرة، فيما عاش بعدها أبو العاص حتى توفي في عهد الخليفة أبي بكر(2).

ص: 209


1- البخاري: صحيح 5 / 96. مسلم: الصحيح 16 / 3 - 4
2- ابن سعد: الطبقات 8 / 30 - 36. الطبري: المنتخب ص 499 - 501. ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص 77 - 78. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1701. ابن الاثير: اسد الغابة 5 / 236 - 8، ابن حجر: الاصابة 4 / 121 - 3، 312 - 3

إن ملاحظة سيرة أبي العاص ومقارنتها بسيرة الإمام علي علیه السلام لتقطع عقلا بأنه لا يمكن أن تكون هناك أدنى مقارنة عند عامة الناس، فكيف بالنبي صلی الله علیه و آله وسلم ولا داعي لبيان سيرة الإمام علي علیه السلام، فهي معروفة للخاص والعام كمعرفة البلد الحرام، أما أبو العاص فلا وجود له إلا في بطون الكتب، وقلَّ من يعرفه حتى من المتخصصين وليس ذلك إلا لأنه شخص من عامة الناس.

والملاحظ ان الرواية تشير لقول النبي صلی الله علیه و آله وسلم: حدثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي، والسؤال: متى حدثه؟ ومتى صدقه؟ أبعد ثلاث عشرة سنة والرسول في مكة يدعو للإسلام، فلم يؤمن به؟ أبعد تضيقه على زينب التي أسلمت وبقيت عنده؟ أبعد خروجه مع المشركين في بدر ثم وقوعه في الأسر؟ أبعد ست سنين من الهجرة؟ ولما رأى واقع الجزيرة العربية يتجه لصالح النبي صلی الله علیه و آله وسلم جاء معلنًا إسلامه؟.

ثم إن القول المنسوب للنبي صلی الله علیه و آله وسلم: (فحدثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي).

هل هذا الكلام لا نجد له مصداقية لدى الإمام علي علیه السلام؟!!.

ثم لنتساءل عن سر بقاء زينب لدى أبي العاص؟ والمعروف أن قريشا سعت لولدي أبي لهب لتطليق بنات النبي صلی الله علیه و آله وسلم وهما من بني هاشم وأبناء عمه؟ فلماذا لم تسع بالنسبة لأبي العاص؟ وإذا كانت قد سعت ورفض أبو العاص؟ فما هو سبب رفضه؟ هل اعتزاز بمصاهرته النبي صلی الله علیه و آله وسلم؟ إذًا لماذا لم يقبل دعوته؟ أم اعتزاز بابنته؟ فهي قد دخلت الإسلام طاعنة في ما يعتنقه من الشرك؟ ثم ما

ص: 210

سر بقاءها: هل برضاها؟ فهذا لا يجوز شرعا؟ أم رغما عنها؟ فإذا كان كذلك فكيف يقول الرسول صلی الله علیه و آله وسلم إنَّه وعدني فأوفى لي؟ وإن شرط النبي صلی الله علیه و آله وسلم إرسال زينب مقابل إطلاق سراحه دليل على أن بقاءها عنده رغماً عنها.

ومع كل ذلك فإنَّه لم يثبت تاريخيا أن للنبي صلی الله علیه و آله وسلم بنات سوى السيدة فاطمة الزهراء علیها السلام.

إن السر في منع النبي صلی الله علیه و آله وسلم من زواج علي علیه السلام هو «إن فاطمة بضعة مني، وإنَّما أكره أن يفتنوها»(1) نعم… إن فاطمة قطعة من رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم بلا شك، ولكن ماذا يقصد صلی الله علیه و آله وسلم بفتنة فاطمة؟ هل يقصد إنَّه يصيبها ما يصيب النساء، وإن هذا سيدعوها للإنحراف في التعامل مع زوجها ومع ضرتها؟.

إن مثل هذا التصور يقوله شخص غير مدرك لحقيقة النبي صلی الله علیه و آله وسلم وابنته فاطمة علیها السلام التي صرح القرآن الكريم بطهارتها من الرجس، فلا يمكن بحال من الأحوال أن تشعر بأي شيء يحرمه الإسلام، والمعروف أن غيرة المرأة محرمة في الإسلام،(2) ولهذا قطعاً ففاطمة سوف لن ينتابها من هذا شيء.

يخلص الرسول صلی الله علیه و آله وسلم للقول: (إلاَّ أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم).(3) المعروف ان قول الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وفعله وتقريره سنة واجبة الاتباع، فإذا ما حدث أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم طلق إبنته لأن زوجها أراد الزواج عليها، فهذا يعني إنه

ص: 211


1- مسلم: الصحيح 16 / 4، ابن الاثير: اسد الغابة 5 / 419
2- قال الإمام علي علیه السلام: غيرة المرأة كفر وغيرة الرجل إيمان. الشرح 18 / 312
3- الترمذي: الصحيح: 13 / 247

تشريع ستسير عليه الأمة، فيصبح أحدنا إذا أراد شخص أن يتزوج على إبنته يطلب منه طلاقها مقتديا بالنبي صلی الله علیه و آله وسلم.

ثم ما هو علاج الرسول صلی الله علیه و آله وسلم للمسألة؟ انه الطلاق، والمعروف أن الطلاق شرع كعلاج للفساد الأسري، وهو من أبغض الحلال عند الله تعالى.

فإذا صحَّ وطلِّقت فاطمة علیها السلام أليس الذي سيواجهه النبي صلی الله علیه و آله وسلم هو مشكلة من سيتزوجها؟ إذ المعروف أن كثيرا من الصحابة خطبوها فردَّهم النبي صلی الله علیه و آله وسلم لأنَّه ينتظر أمر السماء، وقد جاء أمر السماء بتزويجها من علي علیه السلام.(1) يقول اليعقوبي: «وقدم علي بن أبي طالب علیه السلام بفاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وذلك قبل نكاحه إيَّاها… ثم زوجها رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم من علي علیه السلام بعد قدومه بشهرين، وقد كان جماعة من المهاجرين خطبوها من رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فلما زوجها عليا علیه السلام قالوا في ذلك، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم: ما أنا زوجته، ولكن الله زوجه)(2).

فهل شرطت السماء على علي علیه السلام ألَّا يتزوج على فاطمة علیها السلام؟ وأنى للنبَّي أن يطلقها من علي والسماء هي التي زوجته!! ثم يقول الرسول صلی الله علیه و آله وسلم: (وإِنَّها والله لا تجتمع بنت رسول الله، وبنت عدو الله عند رجل واحد أبداً).

هل يعقل ان هذا التصور وهذا الكلام يصدر من أبي هذه الأمة؟ هل يعقل أن يصدر من رحمة الله:

ص: 212


1- ابن سعد: الطبقات 8 / 19
2- التاريخ: 2 / 35. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 307. وانظر الهيتمي: الصواعق ص 122. المتقي الهندي: كنز العمال 12 / 13، 205، 201 / 97. الشبلنجي: نور الابصار ص 46

«مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»(1)؟ هل يعقل أن يصدر ممن وصفه القرآن:

«وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظيِمِ»(2).

و:

«وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَليِظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»(3).

و:

«لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ»(4).

فهل هذه المواصفات القرآنية تنطبق على هذا الشخص، وهو يفرق بين ابناء أمته!!؟ ويعلن بلسان العصبية بأن إبنته لا تجتمع مع ابنة عدو الله. أليس هذا تشريعا؟! وما هو ذنب جويرية المسلمة، إن كان أبوها كافرا؟ أليس في هذا طعن لها وإيذاء!! والله سبحانه نهى عن إيذاء المؤمن.

إن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم هو الذي جاء عن الله مشرعا للمسلمين:

«فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ»(5).

وهذه الآية عامة لجميع المسلمين فهي تضم عليا وغيره، فكيف يحرمها

ص: 213


1- سورة الانبياء، الآية: 107
2- سورة القلم، الآية: 4
3- سورة آل عمران، الآية: 159
4- سورة التوبة، الآية: 128
5- سورة النساء، الآية: 3

الرسول صلی الله علیه و آله وسلم على علي علیه السلام (وإنِّی لست أحرم حلالا ولا أحلّ حراما).

قال ابن العربي: (وأذية النبي صلی الله علیه و آله وسلم لا تغفر، فإن قيل: فكيف منع النبي صلی الله علیه و آله وسلم عليًا من النكاح ولا يقضي ذلك عقد النكاح، قلنا قد بيَّن النبي صلی الله علیه و آله وسلم ذلك غاية البيان، فقال: إنَّه ليس في تحريم ما أحلّ الله إلا إذا أراد علي بن أبي طالب أن يطلق ابنتي ويتزوج ابنتهم، فبيَّن له أن ذلك ليس بحرام، وبين له أنَّه لا عليه أن يطلق علي فاطمة، فأمَّا الزواج عليها فإنه يؤذيه، وما آذاه كان حراما من جهة إذايته لا من جهة تحريم النكاح في الاصل… هذا الأمر يختص به النبي صلی الله علیه و آله وسلم وحده، فاذى غيره مأذون فيه مباح لا حرج على أحد أن يفعله).(1) والشيء الذي يلفت النظر هو سكوت القرآن الكريم إزاء هذه الحادثة لا تأييداً لموقف النبي صلی الله علیه و آله وسلم ولا نقداً له.

ولكن يا ترى لماذا لم يغضب النبي صلی الله علیه و آله وسلم لرقية أو أم كلثوم على اختلاف الروايات في زواج عثمان عليها، فيروى أن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم في ساعة الدفن شرط أن لا يدخل القبر من قارف زوجته تلك الليلة فلم يدخل عثمان القبر(2)، ولهذا فصاحب الرواية جعل على لسان النبي صلی الله علیه و آله وسلم أن يحتج بأبي العاص مع إنه مشرك، ولم يحتج بعثمان لأن الأخير قد تزوج على رقية أو أم كلثوم.

المتتبع لسيرة النبي صلی الله علیه و آله وسلم يجد لديه اهتماما بفاطمة علیها السلام يفوق بكثير اهتمامه بباقي بناته، فزينب التي تزوجت من أبي العاص، والذي استمر على شركه

ص: 214


1- صحيح الترمذي بشرح ابن العربي 13 / 246 - 247
2- ابن سعد: الطبقات 8 / 38. الطبري: المنتخب ص 498. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1841، 1952. ابن حجر: الاصابة 4 / 304، 489

لإحدى وعشرين سنة، قضت معه أكثر من خمس عشرة سنة وحينما هاجرت إلى المدينة بقيت لأربع سنوات حتى أسلم أبو العاص فأعادها النَّبي صلی الله علیه و آله وسلم إليه.

ولم يعرف لماذا لم تتزوج بعد عودتها للمدينة؟!! ويقال إنَّا ولدت له ولدين (علي) وقد مات صغيرا، و(أمامة) التي رووا أنَّها تزوجت من الإمام علي علیه السلام بعد فاطمة علیها السلام بدعوى الوصية المزعومة للزهراء وبعده تزوجت نوفل بن المغيرة ولم تلد لأي منهما.(1) أمَّا رقية فقد تزوجت من ابن أبي لهب والذي طلقها حال بدء الدعوة الاسلامية فتزوجها عثمان الذي هاجر بها إلى الحبشة ثم عاد لمكة إثر حادثة الغرانيق الموضوعة طعنا في شخص النبي صلی الله علیه و آله وسلم؟!!، وتوفيت في المدينة في السنة الثانية من الهجرة وقد ولدت لعثمان ولدا اسمه عبد الله مات صغيرا حيث نقره الديك.(2) أمَّا بالنسبة إلى أم كلثوم فقد أشار الرواة لزواجها من الابن الثاني لأبي لهب، الذي اقتفى أثر أخيه فطلقها، ولكنَّها لم تجد زوجًا فبقيت ثم غابت عن الرواة لخمس عشرة سنة حتى ماتت رقية فظهرت من جديد في الروايات حيث تزوجها الخليفة عثمان ولكنَّها لم تطل معه حيث توفيت في السنة الثامنة من

ص: 215


1- ابن سعد: الطبقات 8 / 30 - 36. الطبري: المنتخب ص 494، 594 - 5. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1853 - 4. ابن الاثير: اسد الغابة 5 / 467 - 8، ابن حجر: الاصابة 4 / 312 - 3
2- ابن زبالة: منتخب ص 42 - 3. ابن سعد: الطبقات 8 / 36 - 37. الطبري: المنتخب ص 594. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1839 - 43. ابن الاثير: اسد الغابة 5 / 456 - 7. ابن حجر: الاصابة 4 / 304 - 5

الهجرة دون أن تلد له ولدا.(1) إن كتب السيرة والحديث لتخلو من الاشارة إلى فضائل بنات رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم ما عدا فاطمة علیها السلام التي أفردت لها كتب الصحاح بابا في ذكر مناقبها.(2) بالإضافة إلى أنَّه لم يكن للنبي صلی الله علیه و آله وسلم نسل من بناته إلَّا من فاطمة علیها السلام ولم يبق لبناته الآخر من الذكر إلَّا في بطون الكتب، في الوقت الذي أصبحت فيه فاطمة علیها السلام الوعاء الوحيد الذي ينتسب إليه الملايين ممن ينتسب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم.

إن دراسة متمعنة لهذه البنات الأربع لتؤكد إنَّه لاصحة لهنَّ إلا السَّيدة فاطمة الزهراء علیها السلام والباقيات تم اختلاقهن لوضع فضيلة للآخرين مقابل فضيلة الإمام علي علیه السلام في مصاهرته للنبي صلی الله علیه و آله وسلم، وهذا ما سنتناوله تفصيلا في مشروعنا «فضائل الإمام علي علیه السلام تنسب لغيره... الحلقة الثالثة.. صهر النبي صلی الله علیه و آله وسلم»؟!!

ص: 216


1- ابن زبالة: منتخب ص 43. ابن سعد: الطبقات 8 / 37 - 9. الطبري: المنتخب ص 498. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1952 - 3. ابن الاثير: اسد الغابة 5 / 612 - 3، ابن حجر: الاصابة 4 / 489 - 490
2- أنظر البخاري: الصحيح 5 / 91 - 105، 2. مسلم: الصحيح 16 / 2 - 7. الترمذي: الصحيح 13 / 246 - 251. النسائي: خصائص ص 116 - 122. الطحاوي: مشكل الآثار 1 / 47 - 52. الحاكم: المستدرك 3 / 164 - 179. أبو نعيم: حلية الاولياء 2 / 39 - 43. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 306 - 322. الحافظ العراقي: طرح التثريب 1 / 149 - 151. الهيتمي: الصواعق ص 188 - 9، المتقي الهندي: كنز العمال 13 / 91 - 7. الصبان: اسعاف الراغبين ص 104 - 170، 121 - 173. الشبلنجي: نور الابصار ص 44 - 47

خامساً: موقف فاطمة علیها السلام:

تصور الرواية فاطمة علیها السلام وكأنَّها المرأة الضَّعيفة القليلة الحنكة شأنها شأن سائر النساء، فتنفعل، وتستغل سلطة أبيها لتذهب إليه قائلة: (إنَّ قومك يتحدثون إنَّك لا تغضب لبناتك).

إنَّ المرأة الاصيلة هي التي تعالج مشاكلها مع زوجها وبدون تدخل أحد حتى أهلها، أمَّا إذا لجأت لتدخل الآخرين فهذا دليل على عدم اصالتها، وهذا كما هو معروف لا ينطبق على فاطمة علیها السلام التي ارتقت لتكون سيدة نساء هذه الأمة،(1) أو سيدة نساء الجنة(2)، أو سيدة نساء العالمين.(3) إنَّنا لم نقرأ في متون الكتب ولم نسمع أنَّ الله سبحانه وتعالى يغضب لغضب امرأة، ويرضى لرضى امرأة سوى فاطمة علیه السلام.(4) فهل التي تتوصل إلى هذه الدرجات العليَّة تقف كهذا موقفاً!! سادساً: موقف الإمام علي علیه السلام.

تتجاهله كافة الروايات ما عدا رواية للحاكم، بنو المغيرة يتجاهلونه ويذهبون للنبي صلی الله علیه و آله وسلم ليستأذنوه في أن يزوجوا عليا ابنتهم، وفاطمة تتجاهله وتذهب للنبي صلی الله علیه و آله وسلم شاكية إيَّاه، والنبَّي صلی الله علیه و آله وسلم بدوره يتجاهله ويقف مندداً به بدون

ص: 217


1- مسلم: الصحيح 16 / 6 - 7. الحاكم: المستدرك 3 / 170. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 309. الحافظ العراقي: طرح التثريب 1 / 149
2- البخاري: الصحيح 5 / 105، 91. الحاكم: المستدرك 3 / 164، 168. ابن تيمية: منهاج السنة 3 / 12
3- ابن ماجة: صحيح سنن 1 / 271. الحاكم: المستدرك 3 / 170
4- الطبراني: المعجم الكبير 1/ 108 . الحاكم: المستدرك 3 / 167. الهيثمي: مجمع الزوائد 9 / 203

ذكر اسمه (إن أراد ابن أبي طالب) ومعرضا به بأبي العاص بن الربيع، وكأن عليا علیه السلام شخص عادي لا ثقل له.

وكأن الراوي يريد القول إن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم تناسى من هو علي علیه السلام؟ وأين تربى؟ ومتى أسلم؟ ومن هو الذي بات في فراش النبي صلی الله علیه و آله وسلم ليلة الهجرة؟ ومن هو صاحب السيف في سائر غزوات الرسول صلی الله علیه و آله وسلم؟ وهو الذي لم يجد لفاطمة ندا سواه؟ والذي جاء التشريف من السماء بتزويجه إيّاها؟ وهو الذي حفظ نسل الرسول الأكرم صلی الله علیه و آله وسلم، فلا نسل له صلی الله علیه و آله وسلم إلَّا من الإمام علي علیه السلام و…و…و….

كل ذلك يريد الراوي أن يسدل الستار عليه، وقد روى ابن أبي الحديد أربعة وعشرين حديثا في أمهات كتب الحديث في فضل الإمام عليّ علیه السلام(1).

والآن لنتساءل: أ حقاً كان الإمام علي علیه السلام يرغب بالزواج في حياة السيدة فاطمة علیها السلام؟.

يمكن القول إن أكثر الرجال لديهم الرغبة بأن يتزوجوا ثانيا، ولكن يكون ذلك بدافع، وهذا الدافع يكمن في مسألتين:

الاولى: أن لا توفر الزوجة الاولى الاحتياجات اللازمة للزوج.

الثانية: أن يجد الزوج امرأة أسمى من زوجته.

فيا ترى هل كانت فاطمة علیها السلام مقصرة أو قاصرة عن تلبية متطلبات زوجها؟ أكان في نسبها بعض الطعن؟ أليست هي من أصرح العرب نسبا؟ ومن أشهر قبائل قريش (بنو هاشم)؟ وابنة سيد المخلوقات؟ أليست هي (فاطمة بضعة منِّي) و البضعة هي القطعة من اللحم، ففاطمة علیها السلام قطعة من رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم عند

ص: 218


1- الشرح: 9 / 166 - 174

عليّ علیه السلام روحًا ودمًا وعقلًا، أليست هي سيدة نساء العالمين؟ التي لم تحض أبدًا، فكانت في قمة الطّهارة الروحية والجسدية؟ أليست هي التي ولدت لعليّ علیه السلام القمرين، الحسن والحسين (عليهما السلام)، سيدي شباب أهل الجنة؟ أليست هي التي كانت تنهل من علوم أبيها إلى درجة ان أصبح لديها كتاب كبير سمي بمصحف فاطمة فيه الكثير مما أخذته عن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم من الأحكام الشرعية؟ لذا كانت في مكانة تؤهّلها لتوازي مكانة عليّ علیه السلام العلمية. إلى غيرها من الفضائل التي أهّلتها لأن تكون زوجة مثالية لعليّ علیه السلام إذًا فلماذا يبحث عن زوجة ثانية؟ ثم من هي هذه التي اختارها؟ فإذا ما قورنت بفاطمة علیها السلام هل هناك وجه مقارنة في النسب والإيمان والعلم؟ إنَّها ابنة أبي جهل المعروف بعدائه للرسول صلی الله علیه و آله وسلم والإسلام، وفاطمة علیها السلام بنت رسول الإسلام، وتلك عاشت مشركة حتى بعد الإسلام لإحدى وعشرين سنة، وحينما فتحت مكة وسمعت بلالاً يقول: (أشهد أن محمدًا رسول الله) قالت: «قد لعمري رفع لك ذكرك أما الصلاة فسنصلي، ووالله ما نحب من قتل الأحبة ابدا، ولقد جاء أبي الذي كان جاء إلى محمد بالنّبوة، فردها ولم يرد خلاف قومه»(1)، أمّا فاطمة علیها السلام فهي التي فتحت عينها على الإسلام، ولم تعرف للشرك معنى بل يقال أن نطفتها من تفاحة من الجنة(2).

وتلك من الطلقاء، وفاطمة علیها السلام سيدة نساء العالمين، وتلك تزوجت عتابا بن أسيد أحد الطلقاء وفاطمة تزوجت من الإمام عليِّ علیه السلام الذي كان من رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم بمنزلة هارون من موسى.

ص: 219


1- الأزرقي: اخبار مكة 1 / 274 - 275
2- الحاكم: المستدرك 3 / 169. محب الدين: ذخائر العقبى ص 46. الشبلنجي: نور الابصار ص 44 - 45

وتلك ولدت عبد الرحمن بن عتاب الذي قاتل عليا يوم الجمل وقتل، وفاطمة ولدت الحسن والحسين (عليهما السلام) سيدي شباب أهل الجنة وولدي رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم، حيث لا يعرف له نسل إلّا منهما وتلك نهايتها مجهولة، وفاطمة لما توفيت ندبتها الرجال قبل النساء.

سابعاً: مصدر الحادثة: أرجع الرواة مصدر الحادثة لخمسة اشخاص وهم:

المِسْور بن مخرمة، عبد الله بن الزبير، ابن عباس، سويد بن غفلة، أبو حنظلة.

أولاً: المِسْور بن مخرمة(1): هو الذي ترجع إليه أكثر الروايات فمن هو؟ إنه المِسْور بكسر الميم وسكون السين، بن مخرمة بن نوفل الزهري، وأمّه عاتكة بنت عوف أخت الصحابي عبد الرحمن بن عوف.

ولد بمكة بعد الهجرة إلى المدينة بسنتين وفي عام 8ه فتحت مكة، ودخل أهلها الإسلام، فكان عمره ست سنوات وفي ذي الحجة من هذه السنة (8 ه) قدم إلى المدينة وهو ابن ست سنوات ولا تعرف أسباب مقدمه ومع من؟ والظاهر انه قدم مع والده الذي أسلم يوم الفتح، فكان من الطلقاء ثم من المؤلفة قلوبهم.(2).

روي المِسْور روايتين أيام وجوده في المدينة. الأولى: «مر بي يهودي والنبي صلی الله علیه و آله وسلم يتوضأ وأنا خلفه، فرفع ثوبه فإذا خاتم النبوة في ظهره فقال لي إليهودي: أرفع رداءه عن ظهره فذهبت افعل فنضح في وجهي كفاً من ماء».

ص: 220


1- أنظر ترجمته: الطبري: المنتخب 522، 556 - 7. ابن أبي حاتم: الجرح والتعديل 4 / 1 / 297. ابن الاثير: اسد الغابة 4 / 365 - 6. ابن حجر: الاصابة 3 / 419 - 420
2- ابن هشام: السيرة 4 / 193. الطبري: تاريخ 3 / 90. المنتخب ص 516. ابن حزم: جمهرة انساب العرب ص 129

الثانية: «أقبلت بحجر أحمله، ثقيل وعليّ إزار خفيف فانحل فلم أستطع أن اضع الحجر حتى بلغت به موضعه، فقال لي النّبي صلی الله علیه و آله وسلم: إرجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة»(1).

فالروايتان أعلاه تدلان على صغر سنه يوم جاء إلى المدينة!! ثم انه يتصور أن خاتم النبوة هو كالخواتم المعروفة ولأن هذا الخاتم لا يعرفه إلا إليهود لأنَّ لديهم العلم الأول كما يزعمون لذا كان ذلك الشخص الذي أعلمه بالخاتم يهوديا، مع ان إليهود قد أجلاهم النبي صلی الله علیه و آله وسلم عن المدينة منذ معركة الخندق سنة 5 ه!!؟ وتشير الروايات لملازمته الخليفة عمر بن الخطاب وكان مع خاله عبد الرحمن بن عوف يوم الشورى، فأقام بالمدينة حتى قتل الخليفة عثمان ثم سار إلى مكة حتى وفاة معاوية، فكره بيعة يزيد وأيّد عبد الله بن الزبير في مكة، وبقي معه حتى حصار الحصين بن نمير، حيث أصابه حجر من حجارة المنجنيق فمات على أثره، فصلى عليه ابن الزبير ودفنه وأشار ابن سعد أن عبد الله بن الزبير ادعى الخلافة لنفسه بعد وفاة المسور، إذ كان سابقا يدّعي أنّها شورى بينه وبين المِسْور ومصعب بن عبد الرحمن.(2) فإذا كان المِسْور بن مخرمة ابن ست سنوات فهل بالامكان أن يعي ما يحدث بتفاصيله؟ ومن الغرابة ان تلك الحادثة التي جعلت النبي صلی الله علیه و آله وسلم يغضب ويصعد المنبر ويندد بعلي، وبكل من تسول له نفسه تزويج علي علیه السلام، وجعلت المدينة تعج بأهلها والناس يتحدثون بل وينتقدون النبي صلی الله علیه و آله وسلم لأنَه لم يغضب لبناته!!؟ نعم.. تلك الحادثة لا يرويها إلَّا طفل في السادسة من عمره وهو قريب

ص: 221


1- ابن حجر: الاصابة 3 / 419
2- الطبقات 5 / 160

عهد بالإسلام، ولا تعرف أسباب مجيئه إلى المدينة في هذه السن؟ وقد أحجم المهاجرون والأنصار عن روايتها، فلا يعرف هل نسوها وتذكرها هذا الطفل الصغير أم أنهم رأوها غير ذات بال!!؟ والملاحظ أن المِسْور واجه نقدا من الإمام علي بن الحسين علیه السلام حيث تشير إحدى الروايات للقاء المِسْور بعليِّ بن الحسين علیه السلام بعد رجوع الأخير من الشام، فأراد المِسْور ان يقدم له المساعدة، التي تتمثل بأن يحتفظ بسيف الإمام الحسين علیه السلام خوفا من أن يؤخذ منه ولا أدري من الذي سيأخذه والإمام علیه السلام قد عاد من الشام حيث يزيد، فإذا لم يأخذه الأخير فمن يأخذه! هذا إن قلنا أن الإمام بقي لديه سيف والمعروف أنَّ سيوف الإمام الحسين علیه السلام كلها قد أخذت في ساحة المعركة!!؟ ولما لم يجد المِسْور تجاوبا من الإمام علي بن الحسين علیه السلام انطلق فجأة بتلك الرواية، رواية خطبة الإمام لجويرية، ولا يعرف ما الرابط بين طلبه السيف وبين إيراده خطبة الامام لجويرية، وأورد قوله «وأنا يومئذ محتلم» فهل في هذا إشارة لشك الإمام علیه السلام في ما يقوله، فأكد المِسْور بقوله إنه يومها قد بلغ الحلم، قال ابن حجر: «وهذا يدل على أنه ولد قبل الهجرة، ولكنهم أطبقوا أنه ولد بعدها».(1) ويلاحظ أيضاً ان الإمام علي بن الحسين علیه السلام أنكر على المِسِور لأنَّ النبَّي صلی الله علیه و آله وسلم هو الذي جاء بتشريع تعدد الزوجات فقال المِسْور حاكيا عن النبَّي صلی الله علیه و آله وسلم: «وإنِّی لست أحرم حلالا ولا أحلل حراماً».

ولكي يدعم موقفه رفض المِسْور تزويج إبنته من الحسن بن الحسن

ص: 222


1- ابن حجر: الاصابة 3 / 419

بدعوى: (ما سبب ونسب وصهر أحب إلي من نسبكم وصهركم، ولكن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم قال: فاطمة علیها السلام بضعة مني يغضبني ما يغضبها، ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع إلا نسبي وسببي وصهري، وعندك إبنته، ولو زوجتك لقبضها ذلك).(1) فما الذي يريد المِسْور أن يقوله؟!! هل إن ذرية الرسول صلی الله علیه و آله وسلم من البنات يكره الزواج عليها؟!!.

ثانياً: عبد الله بن الزبير: هو الابن الأكبر للزبير بن العوام وقيل إنه أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة، ولد في السنة الأولى للهجرة فعمره يوم فتح مكة ثمان سنوات، ولم تذكر إلا رواية واحدة تنتهي إليه «عن اسماعيل بن علية عن ايوب عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير». وقد شك الترمذي في ذلك قائلاً: «هكذا قال ايوب عن ابن أبي مليكة عن ابن الزبير، وقال غير واحد عن ابن أبي مليكة عن المسور» ثم حاول الترمذي التوفيق فقال: «ويحتمل أن يكون ابن أبي مليكة روي عنهما جميعا».(2) إن حادثة خطبة الإمام علي علیه السلام لجويرية لم يروها ابن أبي مليكة إلا عن المِسْور بن مخرمة، فإذا صحت روايته هذه عن ابن الزبير فيحتمل أن الأخير أخذها عن المِسْور، خاصة وأن المِسْور وابن الزبير اتخذوا من مكة مكانا لرفض بيعة يزيد وأنهما كانا يرشحان نفسيهما للخلافة، حتى قتل المِسْور في حصار مكة الأول على يد الحصين بن نمير.

ص: 223


1- الحاكم: المستدرك 3 / 172. محب الدين: ذخائر العقبى ص 48
2- الترمذي: الصحيح 13 / 247 - 248

ثالثاً: ابن عباس: رواية واحدة أوردها الزبير بن بكار مرسلة عن ابن عباس، ولا تعدو أن تكون ضمن تلك الروايات التي اصبغت طابعا خاصا على ابن عباس في مجادلاته ومناظراته مع الخليفتين عمر وعثمان.(1) رابعاً: سويد بن غفلة بن عوسجة الجعفي: مخضرم قيل ولد في عام الفيل وأسلم في حياة النبي صلی الله علیه و آله وسلم ولكنه لم يدخل المدينة إلا بعد دفن النبَّي صلی الله علیه و آله وسلم سنة 11 ه. وعاش طويلا حتى مات سنة 80 أو 81 أو 82 وله أكثر من مائة وثلاثين سنة.(2) فإذا كانت خطبة الإمام علي علیه السلام لجويرية في السنة الثامنة من الهجرة فمن أين علم بذلك سويد وهو لم يدخل المدينة إلا بعد ثلاث سنوات، وإذا كان هناك شخص أخبره، فمن ذلك الشخص؟ على أنها الرواية الوحيدة التي تسند إلى سويد هذا، وقد يكون أخذها من المسور، ولكنه تغافل عن إسنادها إليه، بعد أن بلغ من العمر عتيا.

خامساً: أبو حنظلة: روى الحاكم رواية واحدة تعود لشخص يدعى أبو حنظلة قال عنه: إنه رجل من أهل مكة ولا يعرف عنه شيئًا سوى هذه الكنية، وقد بخلت كتب الصحابة والتراجم، وعجزت أن تجد لها مكانا تضع فيه ترجمة لأبي حنظلة هذا!!؟

ص: 224


1- الشرح 9 / 8 - 21. ابن بكار: الموفقيات ص 604 - 612
2- أنظر ترجمته: الذهبي: تجريد اسماء الصحابة 1 / 250. ابن حجر: الاصابة 2 / 118. تهذيب التهذيب 4 / 278 - 9. وذكر الطبراني له حديثين يتضح منهما انه لم ير النبي صلی الله علیه و آله وسلم. المعجم الكبير 7 / 91 - 92

ثامناً: تحليلات بعض الباحثين:

وطبقا للفهم الخاطئ لشخصيتي الإمام علي وفاطمة علیهما السلام ولعدم تطبيق مبدأ الجرح والتعديل والاعتماد على المنهج الحرفي النصي، لذا بنى البعض آراءهم حول تلك الحادثة فقد قالت بنت الشاطئ: «انقشعت السحابة التي ظللت أفق الزهراء علیهما السلام حيناً لا نحدد مداه، وعاد البيت أصفى جوا مما كان قبل أن يمتحن بتلك التجربة القاسية، ومضت الحياة تسير بالزوجين الكريمين على ما يرجوان من تعاون ومودة: فاطمة علیهما السلام في الدار تقوم على خدمة زوجها ما وسعها، وتتخلص شيئا فشيئا مما كان يعتادها من شجن وانقباض، وعليّ علیه السلام إلى جانبها يبذل لها من الحدب والرعاية ما يعينها على مشقة العيش الكادح في جو المدينة الذي لم تسعفها صحتها على أن تألفه بسرعة كما ألفه كثير من المهاجرين، ويحاول قدر ما اطاق ان يترفق بها ويروض نفسه على شيء من اللين واليسر».(1) ان هذه الرؤية لشجن الزهراء وانقباضها، وشدة الإمام عليّ علیه السلام وضراوته هي وليدة تلك الدراسات الاستشراقية(2) التي تناولت جانبا من السيرة النّبوية، وشواخص الأمة، معتمدة على ما جاء في بعض الروايات الضعيفة، لتصوير وضع سلبي لبيت الرسالة والاعلام الأمة، فلننظر إلى ما جاء لدى (منغم) أحد المستشرقين: «وكان للنبي إبنة غير متزوجة وكانت في العشرين من عمرها اسمها فاطمة علیهما السلام، وقد توفيت إبنته رقية منذ زمن غير قليل، وكانت رقية متزوجة بعثمان

ص: 225


1- بنت الشاطئ: بنات النبي ص 182
2- أنظر كلمة للعقاد في نقده للدراسات الاستشراقية. فاطمة الزهراء ص 33 - 37

وكانت فاطمة علیهما السلام نحيفة طويلة القامة مع الشحوب، وكانت فاطمة عابسة ودون رقية جمالاً ودون زينب ذكاءا ولم تدر فاطمة علیهما السلام حينما أخبرها أبوها من وراء الستار أن عليّ بن أبي طالب علیه السلام ذكر اسمها، وكانت من عادة البنت إذا وافقت على الزواج سكتت والا حركت الستر، فلما أخبرت فاطمة علیهما السلام بذلك صمتت، فكان ذلك عن حياء أو حيرة، ما دامت قد قالت لأبيها ذات يوم إنه زوجها فقيرا، وكانت فاطمة علیهما السلام تعد عليًّا دميماً محدوداً مع عظيم شجاعته، وما كان عليّ علیه السلام أكثر رغبة فيها من رغبتها فيه».(1) وقال أيضاً: «وكان عليِّ علیه السلام غير بهي الوجه لعينيه الكبيرتين الفاترتين وانخفاض قصبة انفه وكبر بطنه وصلعه، وذلك كله. إلا أن عليَّا علیه السلام كان شجاعا، تقيا، صادقا، وفيا، مخلصا، صالحا، مع توان وتردد… وكان عليِّ علیه السلام ينهت فيستقي الماء لنخيل أحد اليهود في مقابل حفنة تمر، فكان إذا ما عاد بها قال لزوجته عابسا: كلي وأطعمي الاولاد… وكان عليّ يحرد بعد كل منافرة، ويذهب لينام في المسجد وكان حموه يربته على كتفه ويعظه ويوفق بينه وبين فاطمة إلى حين ومما حدث أن رأى النبي إبنته في بيته ذات مرة، وهي تبكي من لكم عليِّ علیه السلام لها».(2) وأضاف: «ولكن محمدا صلی الله علیه و سلم مع امتداحه قدم علي علیه السلام في الإسلام، إرضاءا لابنته كان قليل الالتفات إليها، وكان صهرا النبي الأمويان عثمان الكريم وأبي العاص أكثر مداراة للنبَّي صلی الله علیه و سلم من عليِّ علیه السلام، وكان عليّ يألم من عدم عمل النَّبي صلی الله علیه و سلم على سعادة إبنته ومن عدّ النّبي صلی الله علیه و سلم له غير قوام بجليل الاعمال، فالنبي

ص: 226


1- حياة محمد ص 197
2- حياة محمد ص 199

كان يفوض إليه ضرب الرقاب، وكان يتجنب تسليم قيادة له، وقد أراد عليّ علیه السلام يوما أن يتزوج على فاطمة علیها السلام، فغضب النبي واحتج على ذلك جهرا من فوق المنبر، وهذا لأن علياً كان غير لبق في ميله للزواج من ابنة أبي جهل، وجمعه تحت سقف واحد بنت رسول الله، وبنت أشد اعدائه، ومما آلم منه علي عدم إذن النبي له في الزواج من أخرى مع فاطمة كما صنع مع صهريه الاخرين»(1).

إن النصوص أعلاه فيها من الجناية والتحامل على صاحب الرسالة وعلى ابن عمه وابنته مما يجعلنا نتوقف عندها قليلا.

إن وصف السيدة فاطمة علیها السلام بالعبوس جاء من تصور البعض إنه السبب في تأخر زواجها حتى بلغت العشرين حسب رواية ولادتها قبل البعثة بخمس سنين بينما تقدم زواج اخواتها وهنَّ دون العاشرة،(2) والأصح أن ولادتها في السنة الخامسة بعد البعثة، ورغم صغرها فقد تولت مسؤولية الاهتمام بأبيها بعد وفاة أمها خديجة علیها السلام(3)، أما بعد الهجرة فقد أصبحت محط أنظار الصحابة، قال ابن سعد: «إن أبا بكر خطب فاطمة من النبي صلی الله علیه وسلم فقال له: يا أبا بكر انتظر بها القضاء. فذكر ذلك أبو بكر لعمر، فقال له عمر: ردك يا أبا بكر، ثم أن أبا بكر قال لعمر: أخطب فاطمة إلى النبي، فخطبها فقال له مثل ما قال لأبي بكر، انتظر بها القضاء»(4)، إلى أن جاء الأمر من السماء بتزويجها من علي علیه السلام كما مر.

والآن لنلقي نظرة على ما جاء في حديث النبي صلی الله علیه و آله وسلم بخصوص فاطمة علیها السلام

ص: 227


1- حياة محمد ص 199
2- للتفاصيل أنظر الشرهاوي: خديجة بنت خويلد ص 113 - 132
3- الشرح: 6 / 282. أنظر البخاري: الصحيح 4 / 127. المتقي الهندي: كنز العمال 2 / 89 - 90
4- الطبقات: 8 / 19. وانظر المتقي الهندي: كنز العمال 13 / 97

لنرى إلى أي مدى يصدق كلام منغم؟!!.

قال صلی الله علیه و آله وسلم: «فاطمة حوراء أنسية، كلما اشتقت إلى الجنة قبلتها».(1) وقال صلی الله علیه و آله وسلم: «إبنتي فاطمة حوراء آدمية».(2) وقالت أم أنس بن مالك: «كانت فاطمة كالقمر ليلة البدر، أو الشمس كفر غماما - إذا خرج من السحاب - بيضاء مشربة حمرة، لها شعر أسود، من أشد الناس برسول الله صلی الله علیه و آله وسلم شبهاً»(3). ويكفي في الاشارة لجمالها لقبها بالزهراء.

أما وصفها بقلة الذكاء مقارنة بزينب فأي وجه للمقارنة بين الاثنتين إن صح وجود زينب بلا طعن في زينب؟ فهل ذكاء الأخيرة يكمن في بقاءها تحت مشرك يحارب أباها ويقع في الأسر مرتين، بينما فاطمة تسهر على راحة أبيها حتى سميت بأم أبيها(4)، ولكن - منغم - لم ينظر لدعوة النبي صلی الله علیه و آله وسلم كدعوة سماوية بل تصور إنها مجرد مسألة دنيوية لطلب السلطة، لذلك نظر لبقاء زينب عند زوجها دليل ذكاء، وإنها لم تصدّق بدعوة أبيها.

ولننظر ما جاءت به السنة فيما يخص ذكاء فاطمة علیها السلام:

عن السيدة عائشة: ما رأيت أحد أشبه سمتاً ودلا وهديا وحديثا برسول الله في قيامه وقعوده من فاطمة، وكانت إذا دخلت على رسول الله قام إليها

ص: 228


1- الحاكم: المستدرك 3 / 169. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 5 / 87
2- الهيتمي: الصواعق ص 158. الصبان: اسعاف الراغبين ص 172. المتقي الهندي: كنز العمال 13 / 94
3- الحاكم: المستدرك 3 / 176
4- الطبري: المنتخب ص 499. لما كانت الام هي الاصل ولولاها لم يكن الولد، لذا لما كانت ذرية النبي صلی الله علیه و آله وسلم انحصرت بفاطمة فكانت السبب في ذلك الامتداد للنبي صلی الله علیه و آله وسلم لذلك سميت بأم أبيها

فقبَّلها ورحب بها وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه(1).

اما وصف الإمام علي علیه السلام بالدمامة، فليته دلنا على مصدره، وهلا نظر في مصادرنا العربية الاسلامية وهي تصف الإمام بأنه حسن الوجه كأنه قمر ليلة البدر، وكأن عنقه ابريق فضة(2)، ضحوك السن(3)، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم(4).

وكم ناقض - منغم - الحقيقة بوصفه الإمام عليًّا علیه السلام بالتردد والتواني، ويكفي أن نحيل القارئ إلى ما كتبناه في فصل خصائص الإمام وسجاياه.

أما عن تلك المنافرات بين الإمام علي علیه السلام وفاطمة والتي كان مصدرها تلك الرواية التي تفيد أن عليا أغضب فاطمة ثم خرج إلى المسجد، فجاءه الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ووجده نائما وقد سقط التراب على جسمه، فقال له اجلس إنما أنت أبو تراب والواقع إن كنية أبي تراب هي من أحب كنى الإمام عليِّ علیه السلام إليه لأن النبَّي صلی الله علیه و آله وسلم كنّاه بها حينما أرسله مع عمار كمقدمة لمعرفة اخبار العدو وبعدما أرهقهم التعب ناموا فأدركهم النبَّي فأخذ يمسح التراب عن وجه الإمام ويقول له إنَّما أنت

ص: 229


1- الترمذي: الصحيح 13 / 249. ابن عبد ربه: العقد الفريد 3 / 230 - 3. الحاكم: المستدرك 3 / 167. ابن عبد البر: الاستيعاب 4 / 1896. محب الدين: ذخائر العقبى ص 50 - 51 .= =الحافظ العراقي: طرح التثريب 1 / 150 . الصبان: اسعاف الراغبين ص 171
2- ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1123. محب الدين: الرياض النظرة: 2 / 205. الصفوري: نزهة المجالس 2 / 24
3- النووي: تهذيب الاسماء واللغات 1 / 1 / 349
4- البيهقي: المحاسن والمساوئ ص 46 - 47. أبو نعيم: حلية الاولياء 1 / 84

أبوتراب.(1) إن من يقرأ سيرة امير المؤمنين علیه السلام ويستطلع تلك الاحاديث النبوية الصادرة عمَّن:

«وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى»(2).

ليستبعد هذا التصوير لمعاملة الإمام عليَّ علیه السلام للسيدة فاطمة علیها السلام.

قال صلی الله علیه و آله وسلم لعلي:

«أشْبهت خَلْقي وخُلُقي، وأنت من شجرتي التي أنا منها».(3) وقال صلی الله علیه و آله وسلم:

«علي خير أمتي، أعلمهم علما وأفضلهم حلما».(4) وقال صلی الله علیه و آله وسلم لفاطمة:

«زوجتك أقدم أمتي سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما».(5)

ص: 230


1- ابن هشام: السيرة 2 / 236. ابن سعد: الطبقات 2 / 10. البخاري: الصحيح 5 / 88 - 89. الحاكم: المستدرك 3 / 151 - 2. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1118. ابن كثير: البداية والنهاية 3 / 247. الهيثمي: مجمع الزوائد 9 / 136. الهيتمي: الصواعق ص 123. يوسف محمد عمرو: أبو تراب ص 15 - 31
2- سورة النجم، الآية: 3
3- الخطيب: تاريخ بغداد 11 / 171
4- الطبراني: المعجم الكبير 1 / 194. الهيثمي: مجمع الزوائد 9 / 102.المتقي الهندي: كنز العمال 6 / 153. 392. 398
5- الاسكافي: نقض العثمانية ص 289 - 90. محب الدين: ذخائر العقبى ص 88. الرياض النظرة 2 / 240، 255. الجويني: فرائد 1 / 92. الهيثمي: مجمع الزوائد 9 / 101، 114. المتقي الهندي: كنز العمال 12 / 205

فهل يمكن تصور الإمام عليّ علیه السلام وهو يلكم فاطمة علیها السلام كما ادّعى منغم وهو يسمع قول الرسول صلی الله علیه و آله وسلم لفاطمة:

«إن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك».

وقوله صلی الله علیه و آله وسلم:

«فاطمة بضعة مني فمن أغضبها فقد أغضبني».

كما مر.

ولقد ناقض منغم نفسه، فتارة يقول إن النبي صلی الله علیه و آله وسلم يمدح عليًّا إرضاء لابنته، وتارة يقول إن عليًّا كان يتألم من النبَّي لعدم اهتمامه بابنته والأغرب من ذلك إن النبي الذي كان لا ينطق عن الهوى، يمدح عليا إرضاء لابنته وكأن عليَّا علیه السلام لم يقدم للإسلام شيئًا، ويكفي هنا أن نذكر قول احمد بن حنبل حيث يقول (ما جاء لأحد من الصحابة من الفضائل بقدر ما جاء لعليَّ بن أبي طالب)(1).

ولعدم الألمام بحوادث التاريخ وقعت بنت الشاطئ وتبعها أبو علم في الخطأ حينما ارَّخوا وقت هذه الحادثة في السنة الثانية من الهجرة، مع العلم أنه يفترض وقوعها إن صحت في السنة الثامنة بعد فتح مكة المكرمة لأن جويرية أسلمت في فتح مكة السنة الثامنة للهجرة.

وختاما ما هو تفسير هذه الحادثة؟ • هل هي مجرد فكرة طرحها الإمام علي علیه السلام على النبي صلی الله علیه و آله وسلم ولكن النبي

ص: 231


1- الحاكم: المستدرك 3 / 116. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1115. الهيتمي: الصواعق ص 118

كره ذلك، لذا عزف عنها الإمام كما صورتها إحدى روايات الحاكم(1) بدون ذلك التهويل الذي صورته الروايات الأخرى؟ • أم إنها فكرة بني المغيرة، ولا علاقة للإمام بذلك، وقد تكون تلك الفكرة من باب خلق إشكال بين النَّبي صلی الله علیه و آله وسلم والإمام عليّ علیه السلام ولكنَّها لم تنجح؟ • أم إن الرواية موضوعة لتكون مصداقاً لقوله صلی الله علیه و آله وسلم لفاطمة علیها السلام: فاطمة بضعة مني من أغضبها فقد أغضبني؟ كما أدلى بذلك ابن تيمية(2).

• إن معرفة حقيقة النبي صلی الله علیه و آله وسلم بصفته نبيا مرسلا وإنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والوحي لا يضاد الوحي.

معرفة طبيعة العلاقة التي تربط النبي صلی الله علیه و آله وسلم بالإمام علي علیه السلام من جهة والإمام علي بفاطمة علیها السلام من جهة أخرى وهي طبيعة ايجابية.

اقتصار مصدر الرواية على طفل في السادسة من عمره أو شخص لم يدخل المدينة إلّا بعد وفاة النبي صلی الله علیه و آله وسلم أو شخص مجهول.

عدم استغلال خصوم الإمام علي علیه السلام هذه الحادثة للتشنيع به.

كل ذلك دليل على أن الحادثة قد بولغ فيها كثيرا إن لم نقل أنها موضوعة!!؟

ص: 232


1- الحاكم: المستدرك 3 / 173
2- منهاج السنة: 2 / 170

أرض(1) فدك(2) أرض لم يوجف عليها المسلمون بِخيلٍ ولا رِكاب فأصبحت خالصة للرسول صلی الله علیه و آله وسلم فأعطاها لفاطمة علیها السلام وبعد وفاته صلی الله علیه و آله وسلم أعادها الخليفة أبو بكر لتكون صدقة لجميع المسلمين مستندا إلى حديث رواه عن النبي صلی الله علیه و آله وسلم مفاده: إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة(3).

هذه المسألة أولاها ابن أبي الحديد أهمية حيث عقد فصولا ثلاثة لمناقشتها:

الفصل الأول(4): مصدر حوادث مسألة فدك، إذ يقول: (فيما ورد من الاخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم، لا من كتب الشيعة ورجالاتهم، لانا مشترطون على أنفسنا ألَّا نحفل بذلك، وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري(5) في السقيفة

ص: 233


1- لم يسهب الباحث في مناقشة هذا الموضوع لأنه من الموضوعات الممنوع مناقشتها مطلقاً في النظام البائد لذا اقتصرنا على خلاصة رأي ابن أبي الحديد
2- قرية بالحجاز تبعد عن المدينة المنورة يومين، فتحت صلحا على ان يعطوا نصف ثمارها فاصبحت خالصة للرسول صلی الله علیه و آله وسلم. أنظر البلاذري: فتوح البلدان ص 42 - 47. الحموي: معجم البلدان 4 / 238 - 40
3- اخرجه ابن سعد: الطبقات 2 / 314 - 5. البخاري: الصحيح 5 / 91. البلاذري: فتوح البلدان ص 44. الطحاوي: شرح معاني الآثار 3 / 307. مشكل الآثار 1 / 47. ابن حزم: الفصل 4 / 155. ابن الطيب: المعتمد في اصول الفقه 2 / 646
4- الشرح: 16 / 210 - 237
5- هو الشيخ المتقدم البارع أبو بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري من رجالات القرن الرابع الهجري وله مؤلفات تاريخية اعتمدها أبو الفرج وابن أبي الحديد. أنظر: الشرح 2 / 44 - 59. الاغاني: 5 / 135 - 9، 141 - 8، 153. وانظر ترجمته: الطوسي: الفهرست ص 61. المازندراني: معالم العلماء ص 22. الخوانساري: روضات الجنات 2 / 48. الربيعي: العذيق النضيد ص 163 - 4

وفدك، وما وقع من الاختلاف والاضطراب عقب وفاة النبي صلی الله علیه و آله وسلم، وأبو بكر الجوهري هذا عالم محدث كثير الأدب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون ورووا عنه مصنفاته).

وأضاف: (ونحن لا ننصر مذهبا بعينه، وإنما نذكر ما قيل، وإذا جرى بحث نظري قلنا ما يقوى في انفسنا عنه).

الفصل الثاني(1): ناقش فيه هل إن النبَّي صلی الله علیه و آله وسلم يورث أم لا؟ موضحا ذلك من خلال ما جاء في كتاب المغني للقاضي حسب الرؤية الاعتزالية، وردَّ الشريف المرتضى في كتابه الشافي في الإمامة حسب الرؤية الإمامية، وقد وقف ابن أبي الحديد ناقدا ومحللا ومؤيدا هذا وذلك حسبما يراه أقرب للصحة برأيه.

الفصل الثالث(2): ناقش فيه هل إن فدك نحلة من الرسول صلی الله علیه و آله وسلم لفاطمة علیها السلام أم لا؟ وقد تناول هذا الفصل من خلال طرحه ما جاء لدى القاضي في كتابه المغني(3) وردَّ المرتضى في كتابه الشافي، ومعلقا ومناقشا لهذا أو ذاك وخلص للقول: «فأمَّا أنا فالأخبار عندي متعارضة، يدل بعضها على أن دعوى إلارث متأخرة، ويدل بعضها على أنها متقدمة، وأنا في هذا الموضع متوقف».(4) وأضاف: «وما ذكره المرتضى من أن الحال تقتضي أن تكون البداية بدعوى النحل فصحيح، وأما إخفاء القبر، وكتمان الموت، وعدم الصلاة وكل ما ذكره المرتضى فيه فهو الذي يظهر ويقوى عندي، لأن الروايات به أكثر وأصح من

ص: 234


1- الشرح: 16 / 237 - 268
2- الشرح: 16 / 268 - 286
3- المغني: 20 / 1 / 332 - 337
4- الشرح: 16 / 286

غيرها، وكذلك القول في موجدتها وغضبها، فأما المنقول عن رجال أهل ألبيت فإنه يختلف فتارة وتارة، وعلى كل حال فميل أهل البيت إلى ما فيه نصرة أبيهم وبيتهم».(1) وأردف: «لقد كان التكرم ورعاية حق رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وحفظ عهده يقتضي أن تعوّض إبنته بشيء يرضيها، إن لم يستنزل المسلمون من فدك وتسلم إليها تطييباً لقلبها، وقد يسوَّغ للإمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين، إذا رأى المصلحة فيه، وقد بعد العهد الآن بيننا وبينهم، ولا نعلم حقيقة ما كان وإلى الله ترجع الامور».(2) كانت فاطمة علیها السلام وحيدة يوم وفاة أبيها صلی الله علیه و آله وسلم لذلك كان ثقل فراقه صلی الله علیه و آله وسلم عظيما عليها، فكانت تندبه قائلة: «يا أبتاه! جنة الخلد مثواه، يا أبتاه! عند ذي العرش مآواه! يا أبتاه! كان جبريل يغشاه! يا أبتاه لست بعد اليوم أراه!». ويشار إلى أنها «كانت تشوب هذه الندبة بنوع من التظلم والتألم لأمر يغلبها».(3) ويذكر إنها تحاملت نحو القبر الشريف، وألقت بنفسها عليه مغشيا عليها فلما أفاقت أخذت حفنة من تراب القبر، وأدنتها من عينيها اللتين قرحهما البكاء وراحت تشمها وتقول(4):

ماذا على من شمَّ تربةَ أَحمدٍ *** ألَّا يشمّ مدى الزَّمانِ غواليا

ص: 235


1- الشرح: 16 / 286
2- الشرح: 16 / 286
3- الشرح: 13 / 43. ابن عبد ربه: العقد الفريد 3 / 238. الحاكم: المستدرك 3 / 178، 61. ابن الجوزي: صفة الصفوة 1 / 227
4- الشبلنجي: نور الابصار ص 46. العقاد: فاطمة الزهراء ص 49

صُبَّت عليَّ مَصائِبٌ لو أنَّها *** صُبَّتْ على الأيَّامِ عُدنَ لياليا

ولم تطل حياتها بعد النَّبي صلی الله علیه و آله وسلم إلَّا أشهرا حيث توفيت وهي في الثامنة عشرة من عمرها وكان لوفاتها ومن قبل وفاة النبَّي صلی الله علیه و آله وسلم وقع عظيم في نفس الإمام علي علیه السلام، لذا قال(1):

أرى عللَ الدنيا عليَّ كثیرةً *** وصاحبُها حتى المماتِ عليلُ

لكلِّ اجتماعٍ من خليلينِ فرقةٌ *** وكلُّ الذي دونَ الفراقِ قليلُ

وإنَّ افتقادي فاطماً بعد أحمدٍ *** دليلٌ على أنْ لا يدومَ خليلُ

ونختم كلامنا عن فاطمة الزهراء بكلمة للعقاد جديرة بالتأمل، إذ يقول: «إن في كل دين صورة للأنوثة الكاملة المقدسة يتخشع بتقديسها المؤمنون، كأنما هي آية الله من ذكر وأنثى، فإذا تقدست في المسيحية صورة مريم العذراء، ففي الإسلام لا جرم أن تتقدس صورة فاطمة البتول. ولقد أخذت الزهراء مكانها الرفيع بين أعلام النساء في التاريخ واقترن اسمها بمئات الشهداء، وظل اسم المنتسبين إليها يقض مضاجع الحكام،… وكان لاكبر دولة اسلامية شرف الإنتساب إليها، خلال ثلاثة قرون أو تزيد بل كان الانتساب إليها من أقوى الدعائم، ليس لأنَّها بنت نبي وزوجة إمام وأم لآلاف الشهداء الذين استشهدوا في سبيل الضعفاء والمحرومين والمعذبين فحسب، بل لأنها رافقت دعوة أبيها منذ بدايتها، وتأصلت في نفسها حتى

ص: 236


1- الشرح: 16 / 288. وانظر المبرد: الكامل 4 / 30، ابن عبد ربه: العقد الفريد 3 / 241. الحاكم: المستدرك 3 / 179. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 319. ابن كثير: البداية 8 / 11.الشبلنجي: نور الابصار ص 47

اصبحت وكأنها جزء من كيانها وطبيعتها تمدها بالثبات على الحق، والدفاع عن المظلومين مهما كان الثمن غاليا.. وظلت تكافح وتناضل إلى أن فارقت الدنيا تاركة صورة للأنوثة الكاملة المقدسة يقدسها مئات الملايين من البشر، وكأنها من اقدس آيات الله التي خلقها فيما خلق من بني الإنسان منذ بداية الخليقة وحتى نهايتها».(1) الإمامان الحسن والحسين علیهما السلام ومن فضائل الإمام علي علیه السلام انه رزق بولدين كان لهما الأثر الأكبر في تاريخ الأمة الإسلامية من زوجته فاطمة الزهراء علیها السلام وهما الحسن والحسين علیهما السلام اللذين قال فيهما رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم إنهما سيدا شباب أهل الجنة.(2)، لذا كان الإمام علي علیه السلام يفتخر بهما ويقول(3):

وسبطا أحمدٍ ولدايَ مِنها *** فاْيُكُمُ لهُ سهمٌ كسهمي

وكان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يدعوهما ولداه ويقول: «لكل بني أنثى عصبة

ص: 237


1- أنظر العقاد: فاطمة الزهراء ص 68. الحسيني: سيرة الأمة 1 / 137 - 138
2- الشرح: 1 / 30، 15 / 182. وانظر ابن ماجة: صحيح سنن 1 / 26. البيهقي: المحاسن والمساوئ ص 78، 93، 80. ابن عبد ربه: العقد الفريد 4 / 312. الطبراني: المعجم الكبير 3 / 35 - 41. الحاكم: المستدرك 3 / 182. أبو نعيم: حلية الاولياء 4 / 139 - 140. ابن عبد البر: الاستيعاب 1 / 391. النووي: تهذيب الاسماء 1 / 1 / 160، 163. ابن الاثير: اسد الغابة 2 / 9، 18. ابن حجر: الاصابة 2 / 330. ابن حجر: لسان الميزان 2 / 343. الهيتمي: الصواعق ص 135 - 189. المتقي الهندي: كنز العمال 13 / 93، 97 - 8، 100
3- الشرح: 4 / 122. وانظر الطبرسي: الاحتجاج 1 / 112. المازندراني 2 / 19. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 108. الهيتمي: الصواعق ص 131

ينتمون إليها، إلّا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم»(1)، وقال أيضاً «إن الله تعالى جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب»(2).

وقد ناقش ابن أبي الحديد مسألة: هل يجوز أن يقال ان الحسن والحسين علیهما السلام وولدهما أبناء رسول الله وذرية رسول الله ونسل رسول الله؟ قال «نعم، لأنَّ الله تعالى سماهم (أبناءه) في قوله تعالى:

«نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ»(3).

وإنَّما عني الحسن والحسين علیهما السلام ولو أوصى لولد فلان بمال دخل فيه اولاد البنات وسمي الله تعالى عيسى ذرية ابراهيم في قوله:

«وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ» إلى أن قال:

«وَيَحْيَى وَعِيسَى»(4).

ولم يختلف أهل اللغة في أن ولد البنات من نسل الرجل».

وفسر ابن أبي الحديد قوله تعالى:

«مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ»(5).

ص: 238


1- الحاكم: المستدرك 3 / 179. الهيتمي: الصواعق ص 154. الصبان: اسعاف الراغبين ص 133
2- الجويني: فرائد 1 / 324. الهيتمي: الصواعق ص 122، 154. المتقي الهندي: كنز العمال 12 / 201. الصبان: اسعاف الراغبين ص 132
3- سورة آل عمران، الآية: 61
4- سورة الانعام، الآية: 84، وبهذه الآية احتج يحيى بن معمر على الحجاج في إثبات بنوّة الحسن والحسين للنبي صلی الله علیه و آله وسلم. الحاكم: المستدرك 3 / 180
5- سورة الاحزاب، الآية: 40

بأن ذلك يعني به زيد بن حارثة لأن العرب كانت تقول (زيد بن محمد).

على عادتهم في تبني العبيد، فأبطل الله تعالى ذلك، ونهى عن سنة الجاهلية وقال:

«ان محمدا صلی الله علیه و آله وسلم ليس أبًا لواحد من الرجال البالغين المعروفين بينكم ليعتزى إليه بالنبوة، وذلك لا ينفي كونه أبا للأطفال، الذين تطلق عليهم لفظة الرجال كأبراهيم والحسن والحسين(1)».

وتسائل ابن أبي الحديد: هل أن ابن البنت ابن على الحقيقة أم المجاز؟ فقال: «لذاهب أن يذهب إلى أنه حقيقة أصلية لأن أصل الاطلاق الحقيقة، وقد يكون اللفظ مشتركًا بين مفهومين وهو في أحدهما أشهر، ولا يلزم من كونه أشهر في أحدهما، إلا يكون حقيقة في الآخر، ولذاهب أن يذهب إلى أنه حقيقة عرفية، وهي التي كثر استعمالها، وهي في الاكثر مجاز، حتى صارت حقيقة في العرف كالراوية للمزادة، والسماء للمطر، ولذاهب أن يذهب إلى كونه مجازًا قد استعمله الشارع، فجاز إطلاقه في كل حال، واستعماله كسائر المجازات المستعملة».

«ومما يدل على اختصاص ولد فاطمة دون بني هاشم كافة بالنبي صلی الله علیه و آله وسلم انه ما كان يحل له صلی الله علیه و آله وسلم أن ينكح بنات الحسن والحسين علیهما السلام ولا بنات ذريتهما، وإن بعدت وطال الزمان ويحل له نكاح بنات غيرهم من بني هاشم من الطالبين وغيرهم، وهذا يدل على مزيد من الأقربية وهي كونهم أولاده، لأنه ليس هناك من القربى غير هذا الوجه، لأنهم ليسوا أولاد أخيه ولا أولاد أخته، ولا هناك وجه يقتضي حرمتهم عليه، إلا كونه والداً لهم وكونهم أولاداً له. فان قلت: قد

ص: 239


1- الشرح: 11 / 26 - 27

قال الشاعر(1):

بنونا بنو ابنائِنا وبناتِنا *** بنوهُنَّ ابناءُ الرجالِ الاباعدِ

وقال حكيم العرب: أكثم بن صيفي(2) في البنات يذمهن: إنَّهن يلدن الأعداء ويورثن البعداء.

قلت: إنما قال الشاعر ما قاله على المفهوم الأشهر: وليس في قول أكثم ما يدل على نفي بنوتهم، وإنما ذكر أنهن يلدن الأعداء وقد يكون ولد الرجل لصلبه عدواً، قال الله تعالى:

«إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ»(3).

ولا ينفي كونه عدوا كونه إبناً(4).

ولذلك جعل الإمام علي علیه السلام الولاية في التصرف بأمواله إلى الحسن والحسين علیه السلام لشرفهما من الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وقد عدّ ابن أبي الحديد ذلك (رمز وازراء بمن صرف الأمر عن أهل بيت رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم مع وجود من يصلح للامر أي كان الأليق بالمسلمين والأولى أن يجعلوا الرئاسة بعده لأهله، قربة إلى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم وتكريما لحرمته وطاعة له وأنفة لقدره صلی الله علیه و آله وسلم أن تكون ورثته سوقةً يليهم الأجانب ومن ليس من شجرته

ص: 240


1- هذا البيت لا يعرف قائله مع شهرته في كتب النحاة: أنظر مؤلف مجهول: اخبار العباس ص 131. الجاحظ: الحيوان 2 / 206. البغدادي: خزانة الأدب 1 / 213
2- أحد حكماء العرب قبل الإسلام وهو تميمي أدرك الإسلام، وحث قومه على الدخول فيه. الثعالبي: التمثيل والمحاضرة ص 36. ابن نباته: سرح العيون ص 14 - 16. ابن حجر: الاصابة 1 / 110 - 2. الآلوسي: بلوغ الارب 1 / 308، 3 / 172 - 3
3- سورة التغابن، الآية: 14
4- الشرح: 11 / 27 - 28، وانظر القرطبي: الجامع 4 / 104

وأصله. ألا ترى أن هيبة الرّسالة والنبّوة في صدور الناس أعظم إذا كان السلطان والحاكم في الخلق من بيت النبّوة وليس يوجد مثل هذه الهيبة والجلال في نفوس الناس للنبوة إذا كان السلطان الأعظم بعيد النسب من صاحب الدعوة علیه السلام).(1) وقد عقد ابن أبي الحديد فصلا عن الإمام الحسن علیه السلام(2) وقال في تحليله لصلح الحسن علیه السلام مع معاوية بأن السبب يكمن في فقدان الحسن للأنصار، فلا حيلة له ثم قال: «والذي خاضها (الغمرات) مع عدم الأنصار هو الحسين علیه السلام ولهذا عظم عند الناس قدره، فقدمه قوم كثير على الحسن علیه السلام».(3) وأكد ابن أبي الحديد أن مكانتهما عند المعتزلة هي التساوي في الفضيلة، «أمَّا الحسن علیه السلام فلوقوفه مع قوله تعالي:

«إلا أنْ تَتَّقوا»(4).

وأمَّا الحسين علیه السلام فلأعزاز الدين»(5).

أمَّا الحسين علیه السلام فقد اعتبره ابن أبي الحديد من أباة الضيم فقال (سيد أهل الإباء، الذي علم الناس الحمية والموت تحت ظلال السيوف اختياراً له على الدنية، أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام، عرض عليه الأمان واصحابه، فأنف من الذل وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان إن لم يقتله فاختار الموت على ذلك).

ص: 241


1- الشرح: 15 / 149
2- الشرح: 16 / 9 - 52
3- الشرح: 16 / 65
4- سورة آل عمران، الآية: 28
5- الشرح: 16 / 65

حتى كأن أبيات أبي تمام ما قيلت إلَّا في الحسين علیه السلام(1):

وقدْ كانَ فوتُ الموتِ سهلًا فَردَّهُ *** إليه الحِفاظُ المُرُّ والخُلُقُ الوُعْرُ

ونفسٌ تعافُ الضيمَ حتى كأنَّهُ *** هوَ الكفرُ يومَ الروعِ أو دونَهُ الكفرُ

فأثْبَتَ في مستنقعِ الموتِ رجلَهُ *** وقال لها: من تحتِ أخمصِكِ الحَشْرُ

تردى ثياب الموتِ حمرًا فما أتى *** لها الليلُ إلَّاوهي من سندسٍ خضرُ

وأشار ابن أبي الحديد لوصف رجل شارك في حرب الحسين علیه السلام مشيرا للجانب البطولي لدى الحسين علیه السلام وأصحابه فقال: «قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد ويحك! اقتلتم ذرية رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم! فقال: عضضت بالجندل، إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة، أيديها في مقابض سيوفها، كالأسود الضارية، تحطم الفرسان يمينا وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول له حائل بينها، وبين الورود على حياض المنية، أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويدا لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها فما كنا فاعلين لا أم لك».(2) النص أعلاه وإن كان يمثل تبريرا لأولئك الذين قتلوا الحسين علیه السلام لكنه يشير إلى أنهم رفضوا السلامة المشوبة بالذل والاموال، وقبلوا الموت لأنهم رأوا عزهم فيه، وقد انتقد ابن أبي الحديد الجاحظ لتجاهله ما حدث بكربلاء قائلاً:

«هذا أيضاً تحامل من أبي عثمان (الجاحظ) هلَّا ذكر قتلى الطفوف وهم عشرون سيدا من بيت واحد، قتلوا في ساعة واحدة، وهذا ما لم يقع مثله في الدنيا لا في

ص: 242


1- الشرح: 3 / 249، وانظر ديوان أبي تمام ص 329
2- الشرح: 3 / 263

العرب ولا في العجم، ولما قتل حذيفة بن بدر يوم الهباءة(1) وقتل معه ثلاث أو أربعة من أهل بيته ضربت العرب بذلك الأمثال واستعظموه، فجاء يوم الطف (جرى الوادي فطم على القرى)(2)»(3).

«وقد فسر ابن أبي الحديد موقف الجاحظ هذا بقوله: «لقد غلبت البصرة وطينتها على إصابة رأيه».(4) أهل البيت لقد عرفت تلك الأسرة التي تكونت من علي وفاطمة والحسن والحسين علیهم السلام بإسم (أهل البيت) ووصفوا بأنَّم عترة رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم أي أهله الادنين ونسله ولا تشمل رهطه وإن بعدوا وعقّب ابن أبي الحديد على قول أبي بكر يوم السقيفة:

«نحن عترة رسول الله وبيضته التي فقئت عنه» انه على سبيل المجازلأنهم بالنسبة إلى الأنصار عترة له لا في الحقيقة، كما يفاخر العدناني القحطاني بأنه ابن عم الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وهو ليس ابن عمه حقيقة وإنما مجازا إذا قورن بالقحطاني.(5) والعترة التي بيّنها الرسول صلی الله علیه و آله وسلم هي ما أشار إليها في قوله «إنِّی تارك فيكم

ص: 243


1- الهباءة ماء بأعلى أرض نجد كان فيه يوم الهباءة بين عبس وذبيان قتل فيه حذيفة بن بدر، أنظر. ابن حبيب: المحبر ص 349. ابن رشيق: العمدة 2 / 202 - 3. الميداني: مجمع الامثال 1 / 252، 2 / 115 - 119. النويري: نهاية الارب 15 / 360 - 2
2- أي جرى سيل الوادي فدفن القرى والقرى هي مجاري المياه الصغيرة، أبو هلال العسكري: جمهرة الامثال 1 / 322، الميداني: مجمع الامثال 1 / 159
3- الشرح: 15 / 251
4- الشرح: 15 / 247
5- الشرح: 6 / 375

الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض، لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض».(1) وبين في مقام آخر أهل بيته لما طرح عليهم كساءا فنزل قوله تعالى:

«إِّنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا»(2)، فقال الرسول صلی الله علیه و آله وسلم:

«اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس عنهم».

وهم علي وفاطمة والحسن والحسين علیهم السلام(3).

وقد نعت الإمام العترة بأنها السبب(4)، وأنها راية الحق(5) قال ابن أبي الحديد (إن الإمام يشير هنا إلى نفسه وولديه، والأصل في الحقيقة نفسه(6)، حيث وصف نفسه (دليلها مكيث الكلام) أي بطيئة(7) أمَّا ولداه فهما تابعان له ونسبتهما له كنسبة الكواكب المضيئة مع طلوع الشمس المشرقة، وقد أشار

ص: 244


1- الشرح: 9 / 133، اخرجه الحاكم: المستدرك 3 / 118، 163. النووي: تهذيب الاسماء 1 / 1 / 159، 347. الخوارزمي: المناقب ص 93. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 322 - 3.= =الهيتمي: الصواعق ص 124، 147 - 8
2- سورة الاحزاب 33
3- الشرح: 6 / 169، 375 - 6. واخرجه الحاكم: المستدرك 3 / 117، 143، 158 - 60. ابن تيمية: منهاج السنة 2 / 121
4- الشرح: 9 / 133
5- الشرح: 7 / 85
6- الشرح: 6 / 376
7- الشرح: 7 / 85

لذلك النَّبي صلی الله علیه و آله وسلم بقوله لهما: وأبوكما خير منكما(1)).

وعدَّ الإمام علي علیه السلام أهل البيت «أزمة الحق، وأعلام الدِّين، وألسنة الصدق، فأنزلوهم منزلة القرآن». إن تحت قوله علیه السلام: فأنزلوهم منزلة القرآن، سر عظيم، وذلك أنَّه أمر المكلفين بأن يجروا العترة في الإجلال والإعظام والإنقياد لها والطاعة لأوامرها مجرى القرآن.(2) هذه الرؤية ألا تشعر بعصمة العترة؟ أشار ابن أبي الحديد لرؤية ابن متويه لعصمة الإمام علي علیه السلام وأنه لم يكن واجب العصمة حيث ان العصمة ليست شرطا في الإمامة، عند المعتزلة، إلا أن «أدلة النصوص قد دلت على عصمته، والقطع على باطنه ومغيبه، وإن هذا امر اختص هو به دون غيره من الصحابة، والفرق ظاهر بين قولنا (زيد معصوم) وبين قولنا: (زيد واجب العصمة)، لأنه إمام ومن شروط الإمام أن يكون معصوما» فالاعتبار الأول مذهب المعتزلة، والثاني مذهب الإمامية.(3) ثم ان آل البيت علیهم السلام هم (ابواب الحكم) وهي الشرعيات والفتاوى وهم ضياء الأمور، أي العقليات والعقائد، وهذا المقام العظيم لا يستطيع أن يجسر أحد من المخلوقين على ادعائه إلَّا الإمام عليّ علیه السلام فلو ادعاه غيره لكذب وكذبه الناس.(4) وقد قال علیه السلام:

ص: 245


1- الشرح: 6 / 376، وانظر ابن عبد ربه: العقد الفريد 4 / 312. الصبان: اسعاف الراغبين ص 116
2- الشرح: 6 / 373، 376
3- الشرح: 6 / 376 - 7
4- الشرح: 7 / 289

(نحن مختلف الملائكة)(1).

ولذا دعا الإمام علي الناس إلى «ورودهم ورود الهيم العطاش»، أي الحرص على أخذ العلم والدين منهم(2)، ووصف أمرهم بأنه «صعب مستعصب لا يحتمله إلَّا عبد امتحن قلبه للإيمان». «والمعنى أنهم صبرٌ على التقوى اقوياء على احتمال مشاقها، ويجوز أن يكون وضع الامتحان موضع المعرفة لأنه تحققك الشيء إنما يكون باختياره … ويجوز أن يكون المعنى: ضرب الله على قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى … ويجوز أن يكون المعنى أنه أخلص قلوبهم للتقوى من قولهم: امتحن الذهب، إذا أذابه فخلص إبريزه من خبثه ونفاه»(3).

وفي شرحه لقوله علیه السلام: (لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد، ولا يسوى بهممن جرت نعمتهم عليه ابدا)، قال: «لا شبهة أن المنعم أعلى وأشرف من المنعم عليه، ولا ريب أن محمَّداً صلی الله علیه و آله وسلم وأهله الأدنين من بني هاشم، - لاسيما عليَّا علیه السلام - أنعموا على الخلق كافة بنعمة لا يقدر قدرها، وهي الدعاء إلى الإسلام، والهداية إليه، فمحمَّد صلی الله علیه و آله وسلم وإن كان هدى الخلق بالدعوة التي قام بها بلسانه ويده، ونصرة الله تعالى له بملائكته وتأييده، وهو السيد المتبوع والمصطفى المنتجب، الواجب الطاعة إلَّا أن لعليِّ علیه السلام من الهداية أيضاً وإن كان ثانيا لأول ومصليا على أثر سابق ما لا يجحد ولو لم يكن إلَّا جهاده بالسيف أولا وثانيا، وما كان بين الجهادين من نشر العلوم، وتفسير القرآن وإرشاد العرب إلى ما لم تكن له

ص: 246


1- الشرح: 7 / 218
2- الشرح: 6 / 373، 377
3- الشرح: 13 / 101، 105

فاهمة، ولا متصورة، لكفى في وجوب حقه، وسبوغ نعمته علیه السلام، فإن قيل: … فأي نعمه له عليهم؟ قيل: نعمتان: الأولى منهما، الجهاد عنهم وهم قاعدون، فإن من أنصف علم أنه لولا سيف عليِّ علیه السلام لاصطلم المشركون… وقد علمت آثاره في بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين، وإن الشرك فيها فغر فاه، فلولا أن سدّه بسيفه لالتهم المسلمين كافة، والثانية: علومه التي لولاها لحكم بغير الصواب في كثير من الاحكام وقد اعترف عمر له بذلك، والخبر مشهور، لولا عليِّ علیه السلام لهلك عمر»(1).

وأضاف: «ويمكن أن يخرج كلامه على وجه آخر، وذلك لأن العرب تفضل القبيلة التي منها الرئيس الأعظم، على سائر القبائل، وتفضل الأدنى منه نسبا، فالأدنى على سائر آحاد تلك القبيلة، فإن بني دارم يفتخرون بحاجب وإخوته، وبزرارة ابيهم على سائر بني تميم... (2) فكذلك لما كان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم رئيس الكل والمنعم على الكل جاز لواحد من بني هاشم ولا سيما مثل عليّ علیه السلام أن يقول هذه الكلمات».(3) ومن مميزات أهل البيت علیهم السلام إن الصلة وصدقة التطوع والزكاة الواجبة محرمة عليهم وهم محمَّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين علیهم السلام، وأما غيرهم فتحرم عليهم الزكاة الواجبة ولا تحرم صدقة التطوع ولا الصلة. وتسائل

ص: 247


1- الشرح: 1 / 140 - 1
2- عرف هذا البيت بالوفاء وبأنهم حضان الملوك حيث تربى مالك بن المنذر بن ماء السماء لديهم. أنظر المبرد: الكامل 1 / 170. أبو هلال العسكري: جمهرة الامثال 1 / 261. القلقشندي: صبح الاعشى 1 / 379. الآلوسي: بلوغ الارب 1 / 311
3- الشرح: 1 / 141 - 2

ابن أبي الحديد: كيف يقال ان الصلة محرمة عليهم، وقد أخذ الحسن والحسين عليهما السلام الصلات من معاوية؟ فأجاب: «كلا! لم يقبلا صلته ومعاذ الله أن يقبلاها! وإنَّما قبلا منه ما كان يدفعه إليهما من جملة حقهما من بيت المال، فإن سهم ذوي القربى منصوص عليه في الكتاب العزيز ولهما غير سهم ذوي القربى سهم آخر للإسلام من الغنائم»(1).

ولما أشار علیه السلام إلى اختصاص آل البيت بخصيصة بعد الموت بقوله (أيها الناس خذوها عن خاتم النبيين صلی الله علیه و آله وسلم إنه يموت من مات منا وليس بميت، ويبلى من بلي منا وليس ببالٍ). حمل ابن أبي الحديد هذا الكلام على وجهين. «الأول:

أن يكون النبَّي صلی الله علیه و آله وسلم وعلي علیه السلام ومن يتلوهما من أطايب العترة أحياء بأبدانهم التي كانت في الدنيا بأعيانها، قد رفعهم الله تعالى إلى ملكوت سماواته، وعلى هذا لو قدرنا أن محتفرا احتفر تلك الأجداث الطاهرة عقب دفنهم لم يجد الأبدإن في الأرض، وقد روي في الخبر النبوي صلی الله علیه و آله وسلم مثل ذلك، وهو قوله «إن الأرض لم تسلط عليَّ وإنها لا تأكل لي لحما، ولا تشرب لي دما»(2). نعم، يبقى الإشكال في قوله: (ويبلى من بلي منا وليس ببالٍ)، فإنه إن صح هذا التفسير في الكلام الأول وهو قوله: (يموت من مات منا وليس بميت). فليس يصح في القضية الثانية وهي حديث البلاء، لأنها تقتضي أن الأبدان تبلى وذاك الإنسان لم يبلَ، فأحوج هذا الإشكال إلى تقدير فاعل محذوف، فيكون تقدير الكلام: يموت من مات حال موته وليس بميت فيها بعد ذلك من الأحوال والأوقات، ويبلى كفن من بلي منا وليس هو ببالٍ، فحذف المضاف كقوله:

ص: 248


1- الشرح: 11 / 249. يقصد الخمس
2- روى ما يشابهه ابن ماجه: صحيح 1 / 179، 273. ابن كثير: نهاية البداية والنهاية 1 / 278

«وَإلِى مَدْيَنَ»(1).

أي وإلى أهل مدين، ولما كان الكفن كالجزء من الميت لاشتماله عليه عبر بأحدهما عن الآخر للمجاورة والاشتمال، كما عبروا عن المطر السماء وعن الخارج المخصوص بالغائط، وعن الخمر بالكأس، ويجوز أن يحذف الفاعل كقوله تعالى:

«حَتَّى تَوَارَتْ باِلْحِجَابِ»(2).

و:

«فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ»(3).

وقول حاتم: إذا حشرجت.(4) الثاني: إن أكثر المتكلمين ذهبوا إلى أن للإنسان الحي الفعال أجزاء أصلية في هذه البنية المشاهدة وهي أقل ما يمكن أن تأتلف منه البنية التي معها يصح كون الحي حياً، وجعلوا الخطاب متوجها نحوها، والتكليف واردا عليها، وما عداها من الأجزاء فهي فاصلة ليست داخلة في حقيقة الانسان وإذا صح ذلك جاز أن ينتزع الله تلك الأجزاء الأصلية من أبدان الأنبياء والأوصياء فيرفعها

ص: 249


1- سورة الاعراف، الآية: 85
2- سورة ص، الآية: 32
3- سورة الواقعة، الآية: 83
4- قال حاتم: أماويُّ ما يُغني الثراءُ عن الفتى *** إذا حشرجَتْ يومًا وضاقَ بها الصدرُ ديوانه ص 50

إليه بعد أن يخلق لها من الأجزاء الفاضلة عنها نظير ما كان لها في الدار الأولى، كما قاله من ذهب إلى قيامه الأنفس والأبدان معا، فتنعم عنده وتلتذ بضروب اللذات الجسمانية ويكون هذا مخصوصا بهذه الشجرة المباركة دون غيرها؛ ولا عجب فقد ورد في حق الشهداء نحو ذلك في قوله تعالى:

«وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»(1).

«وعلى الوجه الأول لو أن محتفرا احتفر أجداثهم لوجد الأبدان فيها، وإن لم يعلم أن أصول تلك البنى قد انتزعت منها ونقلت إلى الرفيق الاعلى، وهذا الوجه لا يحتاج إلى تقدير ما قدرناه أولا من الحذف، لأن الجسد يبلى في القبر إلَّا قدر ما انتزع منه ونقل إلى محل القدس، وكذلك أيضاً يصدق على الجسد انه ميت، وإن كان أصل بنيته لم يمت، وقد ورد في الخبر الصحيح (إن ارواح الشهداء من المؤمنين في حواصل طيور خضر تدور في أفناء الجنان، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش)(2) فإذا جاء هذا في الشهداء فما ظنك بموالي الشهداء وساداتهم؟».(3)

ص: 250


1- سورة آل عمران 145
2- اخرجه مالك: الموطأ 1 / 328. ابن حنبل:المسند 6 / 386
3- لشرح: 6 / 377 - 379

الفصل الثالث خصائص الإمام علی علیه السلام الخلقیة وسجایاه النفسیة

ص: 251

ص: 252

الفصل الثالث خصائص الإمام علي الخلقية وسجاياه النفسية

إن الخصائص الخلقية، والسجايا النفسية التي امتاز بها الإمام علي علیه السلام على سائر الأمة جعلته أفضل شخصية بعد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، فإن فضائله علیه السلام(1) بلغت من العظم، والجلالة، والانتشار مبلغاً يسمج(2) معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، فصارت كما قال أبو العيناء(3) لعبيد الله بن يحيى بن

ص: 253


1- يروى عن الإمام احمد بن حنبل انه قال «ما جاء لأحد من اصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم من الفضائل ما جاء لعلي ابن أبي طالب رضی الله عنه». الحاكم: المستدرك 3 / 116. السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 168. ووضع النسّائي أحد اصحاب السنن والصحاح الستة كتاباً في فضائل الإمام أسماه «خصائص أمير المؤمنين». والكتاب مطبوع. وأفرد ابن عساكر في تاريخ دمشق ترجمة وافية للإمام علیه السلام. هذه الترجمة نشرها محمد باقر المحمودي في كتاب مستقل. وخرج الفيروز آبادي فضائل الإمام من كتب الصحاح الستة، ونشرها في كتاب أسماه «فضائل الخمسة من الصحاح الستة» في ثلاثة أجزاء
2- سمج: قبح. الرازي: مختار الصحاح ص 312
3- محمد بن القاسم الهاشمي بالولاء، أديب مشهور بالكتابة والترسل، توفي سنة 283. أنظر ترجمته: الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد 3 / 170 - 179. الشابشتي: الديارات ص 52 - 60. الذهبي: ميزان الاعتدال 4 / 13. ابن حجر: لسان الميزان 5 / 344 - 346

خاقان(1): «رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك، كالمخبر عن ضوء النهار الباهر، والقمر الزاهر، الذي لا يخفى على الناظر؛ فأيقنت اني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك، ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بك»(2).

هذه المناقب التي بلغ من الشهرة والتفرد بها فرضت على اعدائه الاعتراف بها فأقروا له بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه، ولا كتمان فضائله(3)، رغم أن الأمويين اجتهدوا في إطفاء نوره، والتحريض عليه، ووضع المعايب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه بالحبس والقتل، ومنعوا من رواية الأحاديث المتضمنة لفضائله علیه السلام، حتى وصل الأمر بمنعهم التسمية باسمه - علیه السلام -، ولكن كل ذلك لم يزده إلا رفعة وسمواً، «وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار إن

ص: 254


1- هو وزير المتوكل والمعتمد (209 - 263 ه): الطبري التاريخ 9 / 214، 200، 185، 171 - 222، 7 - 228، 3، 234، 236، 258، 336، 243، 354، 357 - 8، 474، 507، 517، 532. ابن عبد ربه: العقد الفريد 4 / 816، 5 / 406، 122. الشابشتي: الديارات ص 82. الذهبي: دول الإسلام 1 / 116
2- الشرح 1 / 16. وانظر الزمخشري: ربيع الابرار 4 / 157
3- أنظر وصف ضرار للامام علي إلى معاوية وبكاء الأخير. الشرح 18 / 224. أنظر الشريف الرضي: نهج البلاغة ص 480 - 481. ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1107 - 8. البلوي: الف باء 1 / 222 - 3. الزمخشري: ربيع الابرار 1 / 97، 835 - 6. ابن الجوزي: صفة الصفوة 1 / 315 - 6. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 118 - 9. محب الدين: الرياض 2 / 281 - 2. ابن الصباغ: الفصول المهمة ص 111

حجبت عنه عين واحدة، أدركته عيون كثيرة»(1).

كان علیه السلام في الخصائص الخلقية، والفضائل النفسانية - ابن جلاها وطلاع ثناياها(2) - فكان - علیه السلام - من لطافة الأخلاق، وسجاحة الشيم على قاعدة عجيبة جميلة(3).

ففي - الشجاعة - فإنه أنسى فيها ذكر من كان قبله، ومحا اسم من يأتي بعده، حيث لما سئل خلف الأحمر(4): أيهما أشجع عنبسة وبسطام أم علي بن أبي طالب؟ فقال: إنَّما يذكر عنبسة وبسطام مع البشر والناس، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة، فقيل له: فعلى كل حال؛ قال: والله لو صاح في وجههما لماتا قبل أن يحمل عليهما.(5) تجدر الإشارة إلى أن بسطاماً وعنبسة هما من مشاهير فرسان العرب قبل

ص: 255


1- الشرح 1 / 16 - 17. وقد اعتبر المفيد ذلك من باب المعجزات الخارقة للعادة. الإرشاد ص 116
2- مأخوذ من بيت شعر قاله - سحيم بن وثيل الرياحي - وهو: أنا ابنُ جَلا وطَلَّاع الثنايا *** متى أضَعِ العمامةَ تعرِفوني وابن جلا: جلا أي النهار. والمقصود: الأمر الواضح، وطَلَّع الثنايا: كناية عن السمو إلى معالي الامور. والثنايا جمع ثنية وهي الطريق في الجبل. أنظر: الميداني: مجمع الامثال 1 / 31. ابن منظور: لسان العرب 18 / 165. الفيروزآبادي: القاموس المحيط 4 / 313
3- الشرح 11 / 248
4- أبو محرز بن حيان المعروف بالأحمر. ت نحو 180 ه. راوية وأديب وشاعر بصري وله ديوان ومقدمة في النحو وهو معلم الاصمعي. أنظر: ابن قتيبة: الشعر والشعراء 2 / 673 - 4. ابن النديم: الفهرست ص 74. الحموي: معجم الادباء 11 / 66 - 72. السيوطي: بغية الوعاة ص 242
5- الشرح 16 / 146

الإسلام وبعده، فالاول هو بسطام بن قيس بن مسعود الشيباني، سيد شيبان، ومن أشهر فرسان العرب قبل الإسلام، وبه يضرب المثل في الفداء فيقال: «اغلى فداء من بسطام بن قيس»(1)، وكان قد ادرك الإسلام إلا أنه لم يعتنقه، وتوفي في حدود السنة العاشرة للهجرة.(2) أما عنبسة بن سحيم الكلبي فهو من فرسان العرب المسلمين في الاندلس، تولى الاندلس للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، وكان من الغزاة الشجعان والفاتحين توفي سنة 107 ه اثر جرح أصابه في حروبه في الاندلس.(3) وقد يتصور البعض أن كلام خلف الأحمر فيه غلو، ولكننا لو تأملنا مقاماته في الحروب التي أصبحت مضرب الأمثال، حيث كان الشجاع الذي ما فر قط، ولا ارتاع من كتيبة(4)، بل كان يقول بأنه «آنس بالموت كأنس الطفل بثدي أمّه»(5).

والمعروف عنه علیه السلام إنه ما بارز أحداً إلا قتله، ولا ضرب ضربة فاحتاجت الأولى إلى ثانية بل «كانت ضرباته وتراً»(6).

ص: 256


1- أنظر الميداني 2 / 66
2- ابن حبيب: المحبر ص 250. المبرد: الكامل في اللغة والادب 1 / 109. ابن الاثير: الكامل في التاريخ 1 / 224. مهدي عريبي الدخيلي: بسطام بن قيس ذي الجدين، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة البصرة
3- الحميدي: جذوة المقتبس 1 / 318، 2 / 507. ابن عذاري: البيان المغرب 2 / 27
4- الشرح 1 / 20
5- الشرح 1 / 213، 215. وانظر الشريف الرضي: نهج البلاغة ص 52. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 128
6- الشرح 1 / 50. قال ابن فارس في المجمل: كانت ضربات علي - علیه السلام - في الحرب ابكاراً، ان اعتلى قد، وان اعترض قط. المجمل 1 / 133

ويشار إلى أن الإمام عليًّا علیه السلام دعا معاوية في صفين للبراز بدلاً من إرساله لأصحابه الذين جدلهم الإمام في ساحة المعركة، وكان قصده - علیه السلام - أن يستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما، وحينما استشار معاوية وزيره عمراً بن العاص لعله يجد عنده حيلة للتخلص من هذه المأزق لكن عمر بن العاص قال له:

لقد أنصفك. فأدرك معاوية نوايا عمرو بن العاص فقال له: ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم، كيف تأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق!(1) أراك طمعت في إمارة الشام بعدي!(2).

وقد كانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، يشار إلى أن عبد الله ابن الزبير مازح معاوية قائلاً له: يا أمير المؤمنين، لو شئت أن أفتك بك لفعلت، فقال معاوية: لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر! واستغرب ابن الزبير من عدم إقرار معاوية بشجاعته وقدم الدليل على ذلك وهو: وما الذي تنكره من شجاعتي، وقد وقفت في الصف إزاء علي ابن أبي طالب علیه السلام، فقال معاوية: لا جرم! إنه قتلك وأباك بيسرى يديه، وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها.(3) وكان ذوو قتلاه يفتخرون بقتله إياهم، ويعتبرون ذلك شرفاً لهم، حيث قالت أخت عمرو بن عبد ود الذي قتله الإمام علیه السلام يوم الخندق(4):

ص: 257


1- اطرق: الرجل يرخي عينيه ينظر إلى الارض لا يتكلم. الرازي: مختار الصحاح ص 391
2- الشرح 1 / 20، 5 / 217، وانظر المنقري: صفين ص 257. ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ص 80
3- الشرح 1 / 21
4- بيضة البلد هو الشيء المفرد الذي لا نظير له، والمقصود هنا الإمام، وقد ورد البيت في بعض المصادر: لكنَّ قاِتلُهُ مَن لا يُعاَبُ بهِ *** وكانَ يُدعى قديماً بيضةَ البلدِ أنظر: الحاكم: المستدرك 3 / 6. المفيد: الإرشاد ص 43. ابن منظور: لسان العرب 8 / 395

لو كانَ قاتلُ عمروٍ غيَر قاتِلِهِ *** بكيتُهُ أبداً ما دُمْتُ في الأبدِ

لكنَّ قاتِلَهُ مَنْ لا نَظِیرَ لَهُ *** وكانَ يُدعى أبوهُ بيضةَ البَلَدِ

وقد وظف الإمام علیه السلام شجاعته في الجهاد في سبيل الله، حتى أصبح معروفاً لدى اعدائه وأوليائه أنه سيد المجاهدين(1)، وكانت علائم شجاعته الواضحة في مبيته في فراش الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ليلة الهجرة في الوقت الذي أجمعت فيه قريش على ضرب الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ضربة واحدة من قبل أربعين شخصاً ينتمون لأربعين قبيلة، فلم يعبأ علیه السلام بذلك، ولم يكتف بهذا الدور بل قام بإرجاع كل الودائع والأمانات التي كانت عند الرسول صلی الله علیه و آله وسلم لأهلها ثم هاجر علناً(2).

وإلى ذلك أشار - أبو جعفر الاسكافي - أحد معتزلة بغداد بأنه لما علم الرسول صلی الله علیه و آله وسلم بخطة قريش بقتله «دعا أوثق الناس عنده، وأمثلهم في نفسه، وأبذلهم في ذات الله لمهجته، وأسرعهم إجابة إلى طاعته، فقال له: إن قريشاً قد تحالفت على أن تبيتني هذه الليلة، فامض إلى فراشي، وَنمْ في مضجعي، والتف في بردي الحضرمي ليروا أنِّی لم أخرج، وإني خارج إن شاء الله، فمنعه أولاً من التحرز واعمال الحيلة، وصده عن الاستظهار لنفسه بنوع من انواع المكايد والجهات التي يحتاط بها الناس لنفوسهم، وألجأه أن يعرض نفسه لظبات السيوف الشحيذة من أيدي أرباب الحنق والغيظة، فأجاب إلى ذلك سامعاً

ص: 258


1- الشرح 1 / 24
2- عن موضوع مبيت الإمام علیه السلام في فراش الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ليلة الهجرة، راجع أيًا من كتب السيرة النبوية والتاريخ العام

مطيعاً طيبة بها نفسه، ونام على فراشه صابراً محتسباً، واقياً بها بمهجته، ينتظر القتل، ولا نعلم فوت بذل النفس درجة يلتمسها صابر، ولا يبلغها طالب؛ «والجود بالنفس أقصى غاية الجود»؛ ولولا أن رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم علم أنه أهل لذلك، لما أهَّله، ولو كان عنده نقص في صبره، أو في شجاعته أو في مناصحته لابن عمه، واختير لذلك، لكان من اختاره صلی الله علیه و آله وسلم منقوصاً في رأيه، مضراً في اختياره، ولا يجوز أن يقول هذا أحد من أهل الإسلام، وكلهم مجمعون على أن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم عمل الصواب وأحسن الاختيار»(1).

كانت معركة بدر الكبرى (2 ه) هي من أعظم غزوات الرَّسول صلی الله علیه و آله وسلم وأشدها نكاية بالمشركين، وقد قتل منهم سبعون رجلاً، قتل الإمام عليّ علیه السلام نصفهم بينما قتل المسلمون والملائكة النصف الآخر(2). قال ابن أبي الحديد يمدح الإمام عليًّا علیه السلام في موقفه يوم بدر(3):

رمى اللهُ مِنْهُ يومَ بدرٍ خصومَهُ *** بذي فذذٍ في آلِ بدرٍ مبادرِ

وقد جاشَتِ الأرضُ العريضةُ بالقنا *** فلم يُلْفَ إلَّا ضامرٌ فوق ضامرِ

فلو نَتَجَتْ أمُّ السماءِ صواعِقاً *** لما شجَ منها سارحٌ رأسَ حاسِرِ

ص: 259


1- الشرح 13 / 259. وانظر الاسكافي: نقض العثمانية ص 322. وقد حاول البعض التنقص من فضيلة المبيت هذه، وتصدى للرد عليهم الاسكافي في كتابه أعلاه. أنظر: الشرح 13 / 258 - 264. الاسكافي: نقض العثمانية ص 321 - 326. الجاحظ: رسائل الجاحظ السياسية ص 153 - 155. العثمانية ص 44
2- الشرح 1 / 24، 10 / 181 - 182. وانظر الواقدي: المغازي 1 / 147 - 152. البلاذري: انساب الاشراف 1 / 296 - 304
3- ابن أبي الحديد: القصائد العلويات السبع ص 32 - 33

فكانَ وكانوا كالقطامى ناهضُ *** البغاثِ فصرى شِلوَهُ في الاظافرِ

سرى نحوَهُم رسلاً فسارتْ قلوبُهُم *** من الخوفِ وخدًا نحوه في الحناجرِ

كأن ضبات المشرفية من كرى *** فما يبتغي إلَّا مقر المحناجرِ

فلا تحسبَنَّ الرَّعدَ رجْسَ غمامهٍ *** ولكنَّه من بعضِ تلكَ الزماجرِ

ولا تحسبَنَّ البرق ناراً فإنَّهُ *** وميضٌ أَتَى من ذيِ الفِقَارِ بفاقرِ

ولا تحسبَنَّ المُزنَ تهمي فإنَّها *** أنامِلُهُ تهمي بأوطف هامِرِ

أما موقفه علیه السلام يوم الخندق فقد أجاد في وصفه ابن أبي الحديد إذ قال: «فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبد ود، فإنَّها أجلّ من أن يقال جليلة، وأعظم من أن يقال عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائل: أيهما أعظم منزلة عند الله علي علیه السلام أم أبي بكر؟ فقال يا ابن اخي، والله لمبارزة علي عمرا يوم الخندق تعدل اعمال المهاجرين والانصار وطاعتهم كلها وتربى عليها فضلا عن أبي بكر وحده»(1).

رؤية أبو الهذيل أعلاه سبق وأن أشار إليها الصحابي حذيفة بن اليمان حينما قال: «والذي نفس حذيفة بيده لو وضع جميع أعمال أمة محمد في كفة ميزان منذ بعث الله تعالى محمدًا إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من اعمال علي في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلهم». فاعتبر أحد السامعين هذا الكلام اسرافاً فأجابه حذيفة: «يا لكع، وكيف لا يحمل، وأين كان المسلمون يوم الخندق، وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه، فملكهم الهلع والجزع، ودعا إلى المبارزة فأحجموا فبرز إليه علي علیه السلام فقتله والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك

ص: 260


1- الشرح 19 / 60

اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمد صلی الله علیه و آله وسلم إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم الساعة»(1).

وقد علق - أبو الخير مصدق بن خير النحوي(2) شيخ ابن أبي الحديد على قول عمرو بن عبد ود للإمام علي علیه السلام «لقد كان أبوك نديماً لي وصديقاً، فارجع فإني لا أحب أن أقتلك» فقال أبو الخير: «والله ما أمره بالرجوع إبقاءً عليه، بل خوفاً منه، فقد عرف قتلاه ببدر وأحد، وعلم أنه إن ناهضه قتله، فاستحيا أن يظهر الفشل، فأظهر الإبقاء والرعاء، وإنه لكاذب فيهما»(3).

ويخلص ابن أبي الحديد للقول في أن قتلى الإمام في معارك الإسلام الأولى لا معنى للاطناب فيها لأنه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكة ومصر(4).

تجدر الاشارة إلى أن خصوم الإمام علیه السلام قللوا من شأن عمرو بن عبد ود العامري وأنكروا ما يقال من شجاعته، وقد ردَّ عليهم الاسكافي في كتابه نقض العثمانية بالأدلة التي تؤكد فروسية عمرو بن عبد ود قبل الإسلام وبعده(5).

ص: 261


1- الشرح 19 / 60 - 61. وانظر المفيد: الإرشاد ص 41. االطبرسي: اعلام الورى ص 193 - 4. وانظر المعنى نفسه على لسان الرسول الشرح 19 / 60. الحاكم: المستدرك 3 / 34
2- الاديب البارع ولد في قرية دوران إحدى قرى الصلح من سواد شرقي واسط سنة 535 ه. وتوفي في بغداد سنة 605. وانظر ترجمته: الحموي: معجم الادباء 19 / 147 - 148: ابن الاثير: الكامل 12 / 282. القفطي: انباه الرواة 3 / 274 - 5. أبي شامة: ذيل الروضتين ص 66.ابن الساعي: الجامع 9 / 273 - 4. المنذري: التكملة 3 / 239 - 240. السيوطي: بغية الوعاة ص 391
3- الشرح 19 / 61
4- الشرح 1 / 24
5- الشرح 13 / 287 - 292. أنظر الجاحظ: رسائل الجاحظ السياسية ص 16 - 4. العثمانية ص 59. الاسكافي: نقض العثمانية ص 335 - 9

وقد ثمَّنَ ابن أبي الحديد موقف الامام يوم الخندق قائلاً(1):

يا هازم الاحزاب لا يثنيه عن *** خوض الحمام مدجج ومدرع

إن جهاد الامام هذا اعتبره ابن أبي الحديد من نعِم الإمام على الصحابة «وإن من أنصف علم أنه لولا سيف علي علیه السلام لاصطلم المشركون، من أشار إليه وغيره من المسلمين (كذا)، وقد علمت آثاره في بدر وأحد والخندق وخيبر وحنين، وان الشرك، فيها فَغَرَفاه، فلولا سدّه بسيفه لالتهم المسلمين كافة»(2)، ولذا يقول ابن أبي الحديد في شعره(3):

ألا إنَّما الإسلامُ لولا حسامُهُ *** كضرطَةِ عنزٍ أو قلامَةِ حافرِ

ويقول أيضاً(4):

يا قاتِلَ الأبطالِ مجدُكَ للعدا *** من غَربِ مخذَمِكَ المُهَنَّدِ أقتلُ

بذُبابِ سيفِكَ قرَّ قارعُ طودِه *** بعد التأوِّدِ واستقامَ الأميلُ

لولاكَ أصبح ثلمةً لا تُتَّقى *** أطرافها ونقيصةً لا تُكمَلُ

كم جحفلٍ للجزءِ من أجزائه *** يومَ النزال يقلُّ قولَكَ جَحْفَلُ

أثوابُهُ الزردُ المضاعَفُ نسجُهُ *** لكنَّهُ بالزاغبيّةِ مَخمَلُ

يُحيى المنيَّةَ منهُ طعنُ انجل *** برحٌ محاجرُهُ وضربٌ أهذلُ

نَهْنَهْتُ سورَتَهُ بقلبٍ قلبٍ *** ثَبْتٍ يحالِفُهُ صقيلٌ مَصقَلُ

ص: 262


1- ابن أبي الحديد: القصائد السبع العلويات ص 43
2- الشرح 1 / 141
3- ابن أبي الحديد: القصائد السبع العلويات ص 32
4- القصائد السبع ص 55 - 56

وكان علیه السلام يفتخر بشجاعته، ويوظف اسمه الأول - حيدرة - لإرهاب الخصم، وهو الاسم الذي أسمته به أمه أولاً، والمعروف أن - حيدرة - من أسماء الأسد، وفيه إشارة إلى الشجاعة(1)، وقد أصبح هذا الإسم فيما بعد إسمًا على مسمى، فكان - علیه السلام - لما برز يوم خيبر ارتجز قائلاً(2):

أنا الذي أسمتني أمِّي حيدرة وكان علیه السلام تكتنفه الملائكة(3) في حملاته الجهادية فكان صلی الله علیه و آله وسلم يبعثه، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، ولذلك شهد جبريل للإمام يوم أحد حينما نادى(4):

ولا فتى إلَّا عليّ *** لا سيفَ إلَّا ذو الفقار

والظاهر أن هناك شكوكاً أثيرت حول ذلك حيث يقول ابن أبي الحديد:

«وقد روى هذا الخبر جماعة من المحدثين وهو من الأخبار المشهورة، ووقفت عليه في بعض نسخ مغازي محمد بن اسحق(5)، ورأيت بعضها خالياً منه، وسألت

ص: 263


1- الشرح 1 / 12، 19 / 127. وانظر محب الدين: الرياض النظرة 2 / 205. الدميري: حياة الحيوان الكبرى 1 / 3
2- الشرح 1 / 12. وانظر: مسلم الصحيح 12 / 185. أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 14. الحاكم: المستدرك 3 / 41، 116. المفيد: الإرشاد ص 50. الطوسي: الامالي ط النجف 1 / 3. ابن المغازلي: مناقب ص 178، 182. الخوارزمي: المناقب ص 6، 104. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 3 - 4، 26. الكنجي: كفاية الطالب ص 102
3- أنظر تحليل ابن أبي الحديد لنزول الملائكة. الشرح 1 / 157 - 164. وانظر ابن عبد البر: الاستيعاب 3 / 1101. محب الدين: الرياض 2 / 251. الجويني: فرائد 1 / 222
4- الشرح 7 / 219
5- لم أجده في القطعة التي حققها سهيل زكار. وقد ورد في سيرة ابن هشام 3 / 100. وانظر المفيد: الإرشاد ص 35. ابن المغازلي: مناقب ص 197 - 9. الخوارزمي: المناقب ص 6، 103 سبط ابن الجوزي. تذكره ص 26. الكنجي: كفاية الطالب ص 277 - 81. محب الدين: الرياض النظرة 2 / 251. ابن تيمية: منهاج السنة 3 / 13. الجويني: فرائد 1 / 252، 257 - 8

شيخي عبد الوهاب بن سكينة(1) رحمه الله عن هذا الخبر، فقال: خبر صحيح، فقلت: فما بال الصحاح لم تشتمل عليه؟ قال: أو كلما كان صحيحاً تشتمل عليه كتب الصحاح؟ كم قد أهمل جامعو الصحاح من الاخبار الصحيحة!»(2).

ولم يقتصر جهاده - علیه السلام - على عهد الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، فإذا كان صلی الله علیه و آله وسلم قاتل على التنزيل، فعلي - علیه السلام - قاتل على التأويل(3)، لذلك كان علیه السلام أول من سن قتال

ص: 264


1- أبو احمد عبد الوهاب بن أبي مضر علي البغدادي الصوفي المعروف بابن سكينة وهي جدته أم أبيه، ولد في 519 ه ودرس علوم عصره، ورافق السمعاني صاحب الأنساب، وحدث في مكة والمدينة وبغداد والشام ومصر. وتوفي في بغداد في 607 ه. أنظر ابن الاثير: الكامل 12 / 295. المنذري: التكملة 3 / 324 - 6. الذهبي: معرفة القراء 2 / 464 - 6. الصفدي: الوافي 1 / 167 - 8. ابن كثير: البداية والنهاية 13 / 61. الجزري: غاية النهاية 1 / 480. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة 6 / 201. الحنبلي: شذرات الذهب 5 / 25 - 26
2- الشرح 14 / 251. يشار إلى أن الإمام البخاري ومسلمً وضعا شروطًا لتخريج الاحاديث الصحيحة ولكنهما لم يخرّجا كل الأحاديث حسب هذه الشروط، فاستدرك الحاكم النيسابوري ذلك في كتاب اسماه المستدرك على الصحيحين حيث خرج الاحاديث الصحيحة وفق شروط الشيخين ولم يخرجاها
3- روي عنه صلی الله علیه و آله وسلم إنه قال: «إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله، فاستشرف لها القوم، وفيهم أبو بكر وعمر رضی الله عنه. قال أبو بكر: أنا هو. قال: لا. قال عمر: أنا هو. قال: لا، ولكن خاصف النعل يعني علياً. فأتيناه فبشرناه، فلم يرفع رأسه كأنه قد كان سمعه من رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم. الشرح 3 / 7 - 20. وانظر المنقري: صفين ص 148. الملطي: التنبيه ص 25. الحاكم: المستدرك 3 / 132. الطوسي: الامالي 1 / 260. محب الدين: الرياض 2 / 252. ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 305، 361. المتقي الهندي: كنز العمال 12 / 211

أهل القبلة، وكان المسلمون قبله يتحاشون ذلك حتى قال الامام الشافعي: ما عرفنا قتال أهل البغي إلَّا من علي.(1) إن هذه الشجاعة جعلت من الإمام يأنف أن يموت حتف أنفه، بل القتل عنده أهون من الموت حتف أنفه، وذلك على مقتضى ما منحه الله تعالى من الشجاعة الخارقة لطبيعة البشر، ولذا نجده علیه السلام يحرض أصحابه ليجعل من طبائعهم موافقة لطباعه، وإقدامهم على الحرب كإقدامه، وهو بهذا يفعل كما يفعل الأمراء في حث جندهم، فهو هنا كما قال المتنبِّي(2):

يُكَلِّفُ سيفُ الدولةِ الجيشَ هَّمَهُ *** وقد عَجَزَتْ عنهُ الجيوشُ الخضارِمُ

ويطلبُ عندَ النَّاسِ ما عندَ نفسِهِ *** وذلكَ ما لا تدَّعِيهِ الضراغِمُ

ويفسر ابن أبي الحديد(3) سبب ذلك: «ليست النفوس كلها من جوهر واحد، ولا الطباع والأمزجة كلها من نوع واحد، وهذه خاصية توجد لمن يصطفيه الله تعالى من عباده، في الأوقات المتطاولة، والدهور المتباعدة؛ وما اتصل بنا من بعد الطوفان؛ فإنَّ التواريخ من قبل الطوفان - مجهولة عندنا -، إنَّ أحداً إن أعطي من الشجاعة والإقدام ما اعطيه هذا الرجل من جميع فرق العالم على اختلافها؛ من الترك والفرس والعرب والروم وغيرهم؛ والمعلوم من

ص: 265


1- راجع الفصل الرابع. وانظر الشرح 9 / 331. وينسب القاضي هذا القول للامام أبي حنيفة: شرح الاصول الخمسة ص 141
2- الشرح 7 / 301. وانظر ديوان المتنبي ص 289
3- الشرح 7 / 301

حاله انه كان يؤثر الحرب على السلم(1)، والموت على الحياة، والموت الذي كان يطلبه ويؤثره، إنما هو القتل بالسيف، لا الموت على الفراش كما قال الشاعر(2):

لولم يَمتْ بين أطراف الرماحِ إذا *** لماتَ - إذ لم يمتْ - من شدةِ الحزنِ

وقال آخر(3):

يستعذبونَ مناياهُم كأنُّهم *** لا ييأسونَ من الدنيا إذا قُتِلوا

بل كان علیه السلام يرى أن ألف ضربةٍ بالسيف أهون عليه من ميتة على الفراش في غير طاعة الله. وهنا يأتي التساؤل: هل الألف ضربة بالسيف أهون ألماً على المقتول من موتة واحدة على الفراش بالحقيقة، أم هذا قول قاله علیه السلام على سبيل المبالغة والتجوز، ترغيباً لأصحابه في الجهاد؟ يقول ابن أبي الحديد في جواب التساؤل: «الحالف يحلف على أحد أمرين:

أحدهما أن يحلف على ظنه واعتقاده؛ نحو أن يحلف أن زيداً في الدار، أو أني اعتقد كون زيد في الدار، أي أنا حالف ومقسم على أني أظن أن زيداً في الدار، أو إني اعتقد كون زيد في الدار. والثاني: أن يحلف، لا على ظنه بل يحلف على نفس الأمر في الخارج. فإن حملنا قسم أمير المؤمنين علیه السلام على المحمل الأول فقد اندفع السؤال؛ لأنه علیه السلام قد كان يعتقد ذلك؛ فحلف إنه يعتقد وإنه يظن ذلك؛ وهذا لا كلام فيه. وإن حملناه على الثاني فالأمر في الحقيقة يختلف، لأن المقتول بسيف

ص: 266


1- ان ملاحظة مواقف الإمام علي علیه السلام في معركة الخندق والجمل وصفين والنهروان، تعطينا انطباعاً على أنه - علیه السلام - كان يؤثر السلم على الحرب على النقيض مما أشار له ابن أبي الحديد
2- لم اهتد إلى قائله
3- لم اهتد إلى قائله

صارم معجل للزهوق لا يجد من الألم وقت الضربة ما يجده الميت دون النزع من المد والكف. نعم قد يجد المقتول قبل الضربة ألم التوقع لها، وليس كلامنا في ذلك، بل في ألم الضربة نفسها، وألف سيف صارم مثل سيف واحد، إذا فرضنا سرعة الزهوق. وأما في غير هذه الصورة نحو أن يكون السيف كالًّا، وتتكرر الضربات به، والحياة باقية بعد؛ وقايسناه بينه وبين ميت يموت حتف أنفه موتاً سريعاً، اما بوقوف القوة الغازية كما يموت الشيوخ؛ أو بإسهال ذريع تسقط معه القوة، ويبقى العقل والذهن إلى وقت الموت، فإن الموت ها هنا أهون وأقل الماً، فالواجب أن يحمل كلام أمير المؤمنين علیه السلام إما على التحريض؛ فيكون قد بالغ كعادة العرب والخطباء في المبالغات المجازية.

وإما أن يكون أقسم على أنه يعتقد ذلك، وهو صادق فيما أقسم؛ لأنَّهُ هكذا كان يعتقد بناء على ما هو مركوز في طبعه من محبة القتال، وكراهية الموت على الفراش»(1).

ولكن إذا كان الإمام طامعاً في الشهادة فهلَّا خرج إلى معاوية وحده من غير جيش؟ إن ذلك في رؤية المعتزلة غير جائز، لأنه إلقاء النفس إلى التهلكة، وللشهادة شروط متى فقدت فلا يجوز أن تحمل إحدى الحالتين على الأخرى.(2) كان للإمام علیه السلام جملة من الآداب التي يستخدمها في حروبه منها:

أولاً: الدعوة للسلم: كانت الدعوة إلى السلام هو ديدن الامام علیه السلام سواء

ص: 267


1- الشرح 7 / 300 - 303. وانظر النص في نهج البلاغة ص 180
2- الشرح 16 / 147

مع المشركين أو مع الخارجين على خلافته، فكان يحث المقابل على ترك الحرب كما فعل مع عمرو بن عبد ود العامري يوم الخندق(1)، ومع اصحاب الجمل وصفين والنهروان أيام خلافته.(2) ثانياً: كراهية الغدر: ومن آدابه العسكرية - علیه السلام - أنه كان يكره الغدر في حروبه، وكان - علیه السلام - يقول: «والله ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيمة. والله ما استغفل بالمكيدة، ولا استغمز بالشديدة»(3).

فلما استأذنه مالك الاشتر في معركة صفين أن يبيت(4) معاوية، قال علیه السلام إنَّ رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم نهى أن يبيت المشركون. وفي الواقع إن هذا الخلق قد توارثه بنوه من بعده(5)، إذ كانوا أصحاب دين، وليسوا من الدنيا بسبيل، وإنما يطلبونها ليقيموا عمود الدين بالإمرة فيها، فلم يستقر لهم، والدنيا إلى أهلها أميل(6).

ثالثاً: لا يدعو إلى المبارزة: كان علیه السلام لا يدعو للمبارزة، ولكنه يستجيب إذا

ص: 268


1- أنظر: الواقدي: المغازي 2 / 471. ابن هشام: السيرة 3 / 225. الطبري: تاريخ 2 / 574
2- أنظر الفصل الرابع
3- الشرح 10 / 211
4- بيت العدو: اوقع به ليلًا، وبيت امراً: دبره ليلًا. أنظر ابن فارس: المجمل ص 140. الرازي: مختار الصحاح ص 70
5- أنظر مواقف - ابراهيم بن عبد الله بن الحسن مع المنصور. أبو الفرج: مقاتل الطالبين ص 221 - 223
6- الشرح 2 / 313 - 314

دعي إليها، والسبب «لأن الداعي إليها باغ، والباغي مصروع»(1). فقد ذكر علیه السلام الحكمة والعلة، ومن خلال استقصاء السيرة الشريفة له علیه السلام لم نجده يوماً يدعو إلى مبارزة وإنما كان يدعى لها، ففي معركة بدر الكبرى دعا بنو ربيعة بن عبد شمس بنو هاشم للبراز، فخرج علي علیه السلام وقتل الوليد بن عتبة(2)، واشترك مع حمزة في قتل عتبة بن ربيعة(3)، أما في معركة أحد، فقد دعا طلحة بن أبي طلحة للبراز، فخرج له الإمام وقتله(4)، وكذلك يوم الخندق، دعاه عمر بن عبد ود العامري للبراز فخرج له الإمام علیه السلام وقتله(5)، وفي يوم خيبر(6) دعاه مرحب اليهودي للبراز فخرج إليه فقتله.(7) رابعاً: التأكيد على الروح القتالية، حيث يقول لولده الإمام الحسن علیه السلام: «يا

ص: 269


1- الشرح 19 / 60. وانظر نهج البلاغة ص 509
2- حاول البعض التقليل من شأن الوليد بن عتبة وشجاعته، وتصدى لتفنيد ذلك. الاسكافي المعتزلي: أنظر الشرح 13 / 292. الجاحظ: العثمانية ص 59. الاسكافي: نقض العثمانية ص 339
3- الشرح 14 / 130 - 1. وانظر الواقدي: المغازي 1 / 69. ابن هشام: السيرة 2 / 277. الطبري: تاريخ 2 / 445
4- الشرح 14 / 235 - 6. وانظر: الواقدي: المغازي 1 / 225 - 6. ابن هشام: السيرة 3 / 127، 151
5- الشرح 19 / 60 - 64. الواقدي: المغازي 2 / 470 - 1، ابن هشام: السيرة 3 / 224 - 5. ابن حبيب: المحبر ص 175
6- أنظر الواقدي: المغازي 2 / 655. الطبري: تاريخ 9 / 12. وقد نسب ابن اسحق مقتل مرحب لمحمد بن مسلمة الانصاري، أنظر ابن هشام: السيرة 3 / 333 - 4. الطبري تاريخ 3 / 10 - 11. الحاكم: المستدرك 3 / 394
7- الشرح 19 / 60. وللتفصيل عن مواقف الامام في حروب الرسول صلی الله علیه و آله وسلم أنظر: المفيد: الإرشاد ص 28 - 64

بني إذا بارزت أحداً فحدث نفسك بقتله» والإمام علیه السلام هنا يشير إلى جانب الروح المعنوية، فإن المقاتل إذا برز لخصمه وهو يتصور أنه سيتغلب عليه فإنه سيزداد حماسة، أما إذا تصور، بأن العدو سيقتله، فإن قواه ستنهار، وما يلبث أن ينهزم أو يقتل. ولذلك كان علیه السلام يقول: «ما لقيت أحداً إلَّا وأعانني على قتله»(1). وهنا يشير الإمام علیه السلام إلى أن الخصم يخشى الإمام ويخافه، لذلك يزداد ضعفاً مما يمكِّن الإمام من قتله.

خامساً: عدم الاهتمام بالجانب المادي (الغنيمة): كان همُّ الإمام علیه السلام هو التخلص من العدو دون الاهتمام بما يخلّفه من غنائم، ففي معرض إشارته - لمبارزة سعد بن أبي وقاص لأبي سعد بن أبي طلحة، وقتله إياه، ثم تأسفه على عدم قدرته على سلبه، حيث نهض سبيع بن عبد عوف، ونفر معه، فحالوا دون سعد، ودون سلبه، وكان سلبه أجود سلب رجل من المشركين على حد تعبير سعد بن أبي وقاص(2) علق ابن أبي الحديد قائلًا: «شتان بين علي وسعد! هذا يجاحش على السلب ويتأسف على فواته، وذاك يقتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق، وهو فارس قريش وصنديدها ومبارزه، فيعرض عن سلبه وهو أنفس سلب! فيقول: كرهت أن أبزّ السبي ثيابه(3)، فكأن حبيباً عناه بقوله(4):

إنَّ الأسودَ ذاسودَ الغاب هِمّتها *** يومَ الكريهَةِ في المسلوبِ لا السَلْبِ

ص: 270


1- الشرح 19 / 226. وانظر: نهج البلاغة ص 531
2- الشرح 14 / 237. وانظر: الواقدي: المغازي 1 / 227
3- الشرح 14 / 237 - 8. وانظر الحاكم: المستدرك 3 / 35. المفيد: الإرشاد ص 41. البيهقي: السنن 8 / 18
4- الشرح 14 / 238. وانظر ديوان أبي تمام حبيب بن أوس الطائي ص 17

وبالاضافة لهذه الروح القتالية لدى الامام علیه السلام نجده يتميز بقوة جسدية يضرب بها المثل، حيث يقول ابن قتيبة(1): «ما صارع أحداً قط إلَّا صرعه»، وكان - علیه السلام - قد قلع باب خيبر الذي اجتمع عليه عدد من الناس ليقلبوه فلم يستطيعوا(2). وقد أشار لذلك ابن أبي الحديد في شعره(3):

يا قالِعَ البابِ الذي عن هَزِّها *** عَجَزَتْ أكفٌّ أربعونَ وأربعُ وبعد فتح مكة المشرفة صعد أعلى الكعبة حيث أكبر الأصنام - هبل - فاقتلعه وألقاه إلى الأرض(4). وفي أيام خلافته اقتلع الصخرة العظيمة بيده بعد عجز الجيش كله عنها، وقد انبط الماء من تحتها.(5)

ص: 271


1- المعارف ص 210
2- قال اليعقوبي: «واقتلع باب الحصن، وكان حجارة طوله أربع اذرع في عرض ذراعين في سمك ذراع، فرمى به علي بن أبي طالب خلفه ودخل الحصن ودخله المسلمون». تاريخ اليعقوبي 2 / 47. وانظر ابن هشام: السيرة 3 / 335. المفيد: الإرشاد ص 124، 50. الخوارزمي: المناقب ص 106. الطبرسي: اعلام الورى ص 181. الشهرستاني: الملل 1 / 204. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 27. محب: الدين الرياض النظرة 2 / 247. السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 167. الصبان: اسعاف الراغبين ص 150
3- ابن أبي الحديد: القصائد السبع العلويات ص 43
4- أنظر: ابن اخي تبوك: مناقب علي بن أبي طالب ص 429. الحاكم: المستدرك 3 / 6. الخوارزمي: المناقب ص 71. ابن طلحة: مطالب السئول ص 34. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 27، 4. محب الدين: الرياض النظرة 2 / 265 - 6. ابن تيمية: منهاج السنة 3 / 7. الجويني: فرائد السمطين ص 249 - 250
5- الشرح 1 / 21، 3 / 204. وانظر المنقري: صفين ص 144 - 5. المفيد: الإرشاد ص 124 - 125. المرتضى: القصيدة المذهبة للسيد الحميري ص 111 - 9. الطبرسي: اعلام الورى ص 176. الاربلي: كشف الغمة 1 / 282 - 3

ولذا فقد هدد النبي صلی الله علیه و آله وسلم بني وليعة(1) قائلًا: «لتنتهين يا بني وليعة، أو لأبعثن عليكم رجلاً عديل نفسي، يقتل مقاتلكم، ويسبي ذراريكم»(2).

ونتيجة لذلك كانت الشعوب تتيمن بالامام خيراً «وتصور ملوك الفرنج والروم صورته في بيعها، وبيوت عبادتها، حاملاً سيفه، مشمراً لحربه، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على اسيافها! كان على سيف عضد الدولة بن بويه(3)، وسيف أبيه ركن الدولة(4) صورته، وكان على سيف الب ارسلان(5) وابنه ملكشاه(6) صورته، كأنهم يتفائلون به النصر والظفر»(7).

ص: 272


1- بطن من بطون كندة، وهي من القبائل القحطانية. الجوهري: الصحاح 3 / 1304. ابن منظور: لسان العرب 10 / 293. الفيروزآبادي: القاموس المحيط 3 / 97. كحالة: معجم قبائل العرب 3 / 1253
2- الشرح 1 / 294. وانظر سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 39 - 40
3- هو فنا خسرو بن الحسن بن بويه الديلمي المكنى أبو شجاع، أحد الأمراء البويهيين عرف بالأدب وصنفت له بعض الكتب في اللغة والادب والتاريخ. توفي ببغداد سنة 372 ه. أنظر: الثعالبي: يتيمة الدهر 2 / 257. ابن الاثير: الكامل 8 / 669 – 711 (متفرقة) 9 / 5 - 18. ابن الطقطقى: الفخري ص 40. اليافعي: مرآة الجنان 2 / 398 - 399. ابن كثير: البداية والنهاية 11 / 299 - 301. السيوطي: الوسائل ص 78
4- والد عضد الدولة ولد في 284 وتوفي 366 ه، حكم الدولة البويهية (44) سنة. أنظر ابن الاثير: الكامل 8 / 360 - 669 (متفرقة). ابن كثير: البداية والنهاية 11 / 288
5- السلطان السلجوقي ابن جفري بك، تولى السلطة بعد عمه، طغرلبك، وكانت له معارك مع البيزنطيين اهمها معركة مانزكرت. قتل سنة 465 ه. أنظر ابن كثير: البداية والنهاية 12 / 106 - 107. عبد القادر احمد اليوسف: الامبراطورية البيزنطية ص 141 - 3
6- جلال الدين والدولة أبو الفتح ابن السلطان الب ارسلان، امتدت مملكته من اقصى بلاد الترك إلى اليمن، توفي سنة 485 ه. اليافعي: مرآة الجنان 3 / 139. ابن كثير: البداية والنهاية 12 / 142 - 143
7- الشرح 1 / 28 - 29

وأضاف ابن أبي الحديد قائلاً: «ما أقول في رجل أحب كل واحد أن يتكثر به، وودّ كل أحد أن يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه، حتى الفتوة(1) التي أحسن ما قيل في حدها: ألا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه، وصنفوا في ذلك كتباً، وجعلوا لذلك إسناداً أنهوه إليه، وقصروه عليه(2)، وسموه سيد الفتيان، وعضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المروي، انه سمع من السماء يوم أحد(3):

لا فتى إلَّا عليّ *** ولا سيف إلَّا ذو الفقار وأخيراً أصبح الامام علیه السلام حسبما يرى ابن أبي الحديد موضعاً لنسبة كثير من الوقائع والمشاهد الحربية، فكان ما يدعي له العامة من الشجاعة، وقتل الابطال حتى يقال أنه حمل على سبعين ألفاً فهزمهم(4)، وقتل الجن في البئر(5)، وفتل الطوق الحديدي في عنق خالد بن الوليد(6).

ص: 273


1- أسسه الخليفة العباسي الناصر لدين الله سنة 578 ه، وهدفه اعداد الفتيان للصيد والرياضة والحرب، وقد عممه الناصر على سائر الاقاليم. أنظر: الدسوقي: الفتوة عند العرب ص 24
2- أنظر هذا السند في: الدسوقي: الفتوة عند العرب 240 - 243
3- الشرح 1 / 29. وانظر مصادره في ما مضى من هذا الفصل
4- ربما يقصد حملات الإمام علیه السلام في صفين
5- ان قتال الامام علي علیه السلام للجن ليس من أقاويل العامة: أنظر المفيد: الإرشاد 126 - 127. الطبرسي: اعلام الورى ص 180 - 181. وينسب للإمام شعر في هذا الباب. أنظر ديوان الإمام علي ص 14
6- الشرح 11 / 49، 18 / 106. وعن فتل الامام الطوق بعنق خالد أنظر الطوسي: الرسائل العشر ص 319. الراوندي: الخرائج والجرائح 2 / 915. المجلسي: بحار الانوار 17 / 256، 29 / 172

ويخلص ابن أبي الحديد للقول: «وجملة الأمر إن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي، وبإسمه ينادي في مشارق الارض ومغاربها»(1).

إن من مميزات البطل الشجاع الصفح والحلم فكان علیه السلام احلم الناس عن ذنب، وأصفحهم عن مسيء، وقد ظهر صحة ذلك في معاركه، فبعد معركة الجمل ظفر بمروان بن الحكم(2)، وكان من أكثر الناس عداوة له، وأ شدهم بغضاً فصفح عنه. وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الاشهاد، وخطب يوم البصرة فقال: قد اتاكم الوغد اللئيم علي بن أبي طالب، وكان الإمام علیه السلام يقول: ما زال الزبير رجلاً منا أهل البيت حتى شبَّ عبد الله(3). فظفر به يوم الجمل وأخذه اسيراً، وصفح عنه قائلاً «إذهب فلا أرَيَنك» لم يزده على ذلك.

وظفر الإمام علي علیه السلام بسعيد بن العاص بعد معركة الجمل في مكة(4)، وكان له عدواً فأعرض عنه ولم يقل له شيئاً»(5).

وتجلى حلمه - علیه السلام - في موقفه من أم المؤمنين عائشة، حيث أكرمها وبعثها إلى المدينة بصحبة عشرين أمرأة من بني عبد القيس عمَّمَهن بالعمائم وقلدهن

ص: 274


1- الشرح 1 / 21. ومع كل هذه الأدلة على شجاعة الامام نجد البعض قد حاول التمويه على ذلك واعتبار ذلك تهوراً وليس شجاعة. وللتفاصيل أنظر الشرح 3 / 284 - 6. الجاحظ: العثمانية ص 47. الاسكافي: نقض العثمانية ص 333 - 334
2- ان الدراسة المتمعنة لأحداث الفتنة تشير إلى أن مروان هو المسؤول عن النهاية الأليمة للخليفة عثمان بن عفان رضی الله عنه. الشرح 2 / 142 - 156. وانظر الطبري: التاريخ 4 / 339 - 396
3- عقد ابن أبي الحديد فصلًا عن سيرة عبد الله بن الزبير. الشرح 20 / 102 - 149
4- لم يعرف عن الإمام انه ذهب إلى مكة بعد توليه الخلافة حتى استشهاده - علیه السلام -
5- الشرح 1 / 22 - 23

السيوف(1)، فلما وصلت المدينة ألقى النساء العمائم وقلن لها: إنما نحن نسوة(2).

وظهر حلمه وصفحه تجاه من حاربه من أهل البصرة، إذ شتموه ولعنوه فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في أقطار العسكر: «ألا يتبع مولٍ، ولا يجهز على جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز إلى عسكر الإمام فهو آمن» ولم يأخذ أثقالهم ولا سبى ذرا ريهم، ولا غنم شيئاً من أموالهم ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو، وتقبل سنة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم يوم فتح مكة، فإنه عفا والأحقاد لم تبرد، والإساءة لم تنس(3).

وقبيل معركة صفين سيطر معاوية على شريعة الفرات فاغتنمها فرصة للقضاء على الإمام علي علیه السلام وجنده بالعطش، ولما سألهم الماء قال: لا والله ولا قطرة حتى تموت ضمئاً، فأدرك أنه لا مناص من استخدام القوة، لذا حمل على عسكر معاوية وأزاحه عن الفرات، وأصبح الماء بأكمله لدى أصحاب الإمام علي علیه السلام، هنا قال أصحابه له: إمنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضاً بالأيدي فلا حاجة بك إلى الحرب. فقال علیه السلام: لا والله، لا أكافئهم بمثل فعلهم، إفسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك، «فهذه إن نسبتها إلى الحلم

ص: 275


1- هل يا ترى اكتفى الامام بهذا العدد من النساء، لكي يسرن مع أم المؤمنين عبر الصحراء من البصرة إلى المدينة؟ وما الضير من ارسال الامام للرجال بصحبة النساء؟ وهو الاولى؟ ثم كيف لم يكتشف وضع النساء طوال الطريق، واحوال النساء معروفة؟
2- الشرح 1 / 83
3- الشرح 1 / 23 - 24، 250. وانظر تفاصيل أكثر في الفصل الرابع

والصفح فناهيك بها جمالاً وحسناً، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله علیه السلام»(1).

لقد كانت الدعاية المضللة التي يبثها معاوية وأتباعه في أهل الشام، لتشويه سمعة الإمام علي علیه السلام بمكان، وإلا فهذا الموقف منه كفيل بأن يفتح بصائر أهل الشام عن حقيقة الإمام وبطلان دعاوى معاوية.

وكان علیه السلام الغاية فيالصبر، فالذي يقرأ أحواله علیه السلام عند وفاة الرسول صلی الله علیه و آله وسلم والسيدة فاطمة علیها السلام وما جرى من أحداث إلى أيام خلافته علیه السلام ثم ما مني به من خروج بعض الصحابة عليه، وتخاذل أصحابه، حتى عاد البطل الضرغام يقف حائراً أمام أعدائه الذين أخذوا يغيرون على المدن كغارات الثعالب(2).

وبعد وفاة النبي صلی الله علیه و آله وسلم وقف على قبره فقال: إن الصبر لجميل إلا عنك، وان الجزع لقبيح إلا عليك، وان المصاب بك لجليل، وانه قبلك وبعدك لجلل(3).

ويؤثر عنه قوله بعد وفاة النبي - صلی الله علیه و آله وسلم - والسّيدة فاطمةعلیها السلام(4):

ذكرتُ أبا أروى فبتُّ كأنّني *** بِرَدّ الهمومِ الماضياتِ وكيلُ لكل اجتماعٍ من خليلينِ فرقةٌ *** وكلٌ الذي دونَ الفراقِ قليلُ وإن افتقاديَ فاطماً بعد أحمدٍ *** دليلٌ على أن لا يدومَ خليلُ

ص: 276


1- الشرح 1 / 23 - 24، 2 / 313. وانظر تفاصيل أكثر في الفصل الرابع
2- أنظر لمزيد من التفاصيل الفصل الرابع
3- الشرح 19 / 195. أنظر الشريف الرضي: نهج البلاغة ص 527. المحمودي: نهج السعادة 1 / 37 - 8
4- الشرح 10 / 288. وانظر المبرد: الكامل 4 / 30. الحاكم: المستدرك 3 / 179

وروي أنه علیه السلام مرَّ على قبر السِّيدة فاطمة علیها السلام فقال(1):

مالي مررتُ على القبورِ مسلّماً *** قبرَ الحبيبِ فلمْ يَردّ جوابي يا قرُ مالكَ لا تجيبُ منادياً *** أمللتَ بعدي خلّةَ الأحبابِ قالَ الحبيبُ وكيفَ لي بجوابِكُم *** وأنا رهنُ جنادلٍ وتُرابِ أكلَ الترابُ محاسِني فنسِيتُكم *** وحُجِبْتُ عن أهلي وعن أترابي فعليكُمُ منِّي السَّلامُ تقطَّعتْ *** منِّي ومِنكم خلّةُ الأحبابِ أما في - التواضع - فكان أشد الناس تواضعاً لصغير وكبير، وألينهم عريكة وأسمحهم خلقاً، وأبعدهم عن الكبر، وأعرفهم بالحق، هذه الصفات كانت ماثلة لديه قبل توليه الخلافة وبعدها «لم تغيره الإمرة، ولا أحالت خلقه الرياسة، وكيف تحيل الرياسة خلقه وما زال رئيساً! وكيف تغير الإمرة سجيته وما برح أميرا! لم يستفد بالخلافة شرفاً، ولا اكتسب بها زينة! بل هو كما قال أبوعبد الله احمد بن حنبل: «إن عليًّا علیه السلام لم تزنه الخلافة ولكنهَّ زانها» هذا يعني إن غيره قد ازدان بالخلافة وأكملت نقصه، أمَّا الإمام علیه السلام فلم يكن فيه نقص يحتاج الخلافة لإتمامه، بل كانت الخلافة ذاتها فيها نقص فتم نقصها بولايته إياها»(2).

كان علیه السلام كثيراً ما يتحدث عن نعم الله تعالى عليه، انطلاقاً من قوله تعالى «وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ»(3).

ص: 277


1- الشبلنجي: نور الإبصار ص 47
2- الشرح 1 / 51 - 52
3- سورة الضحى، الآية : 11

فنسبه البعض عن قصد أو غير قصد للتيه والزهو(1) والفخر. حيث لما قيل لعمر بن الخطاب: ولِّ عليًّا علیه السلام أمر الجيش والحرب، قال: هو أتيه من ذلك.

وكان زيد بن ثابت يقول: ما رأينا أزهى من علي وأسامة بن زيد(2).

قال ابن أبي الحديد: «إن من قيل في وصفه ما قيل، لو رقي إلى السماء وعرج في الهواء، وفخر على الملائكة والأنبياء، تعظماً وتبجحاً؛ لم يكن ملوماً؛ بل كان بذلك جديراً؛ فكيف وهو علیه السلام لم يسلك قط مسلك التعظيم والتكبر في شيء من أقواله ولا من أفعاله، وكان ألطف البشر خلقاً، وأكرمهم طبعاً، وأشدهم تواضعاً، وأكثرهم احتمالاً، وأحسنهم بشراً، وأطلقهم وجهاً، حتى نسبه من نسبه إلى الدعابة والمزاح، وهما خلقان ينافيان التكبر والاستطالة»(3).

ولقد أوضح ابن أبي الحديد(4) الدافع الذي يدفع الإمام لذكر نعم الله عليه وهو «إنَّما كان يذكر احياناً ما يذكره من هذا النوع، نفثة مصدور، وشكوى مكروب، وتنفس مهموم، ولا يقصد به إذا ذكره إلَّا شكر النعمة، وتنبيه الغافل على ما خصه الله به من الفضيلة، فإن ذلك من باب الأمر بالمعروف والحض على اعتقاد الحق والصواب في أمره، والنهي عن المنكر، الذي هو تقديم غيره عليه

ص: 278


1- التيه والزهو هو التكبر: الرازي: مختار الصحاح ص 277، 81
2- الظاهر إن نسبة التيه إلى أسامة جاءت من تعيينه من قبل الرسول صلی الله علیه و آله وسلم اميراً على الجيش الإسلامي الخارج لمحاربة الروم. وفيه عدد من كبار الصحابة. الشرح 17 / 182 وما بعده. أنظر الواقدي: المغازي 3 / 1118. ابن هشام: السيرة 4 / 291 - 299. اليعقوبي 2 / 103. الطبري: التاريخ 3 / 184. القاضي عبد الجبار: المغني 20 / 1 / 343 - 9
3- الشرح 9 / 174 - 175
4- الشرح 9 / 175

في الفضل، فقد نهى الله سبحانه عن ذلك بقوله:

«أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(1).

إن النص أعلاه يشير إلى مسألة تقديم المفضول على الأفضل، والملاحظ أن الإمام علیه السلام يعتبر ذلك من باب المنكر لذا ينهي عنه، ويذكر الإمام فضائله التي هي «اعتقاد الحق والصواب» بكونه الأفضل، مستشهداً بالنص القرآني الذي يؤكد على تقديم الأفضل. إذن إذا كان تقديم المفضول على الأفضل برؤية الامام التي أدلى بها ابن أبي الحديد شيئاً منكراً لذلك كان الإمام علیه السلام ينهى عنه، إذاً ما معنى اعتقاد ابن أبي الحديد بجواز إمامة المفضول مع وجود الأفضل؟ آخذين بنظر الاعتبار رؤية ابن أبي الحديد، ومن سبقه من معتزلة بغداد بأن مصدرهم الأول هو الإمام عليّ علیه السلام(2).

وكان علیه السلام معروفاً في - السخاء والجود، فنراه سخياً في أشد الحالات صعوبة، حيث نجده صائماً، يؤثر بزاده ويبقى طاوياً، حتى نزل به قوله تعالى:

«وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكيِنًا وَيَتيِمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا»(3).

ونزل فيه أيضاً:

ص: 279


1- سورة يونس، الآية: 35
2- أنظر رؤية المعتزلة في التفضيل في المدخل وفي الفصل الرابع
3- سورة الانسان، الآيتان: 9 - 10. أنظر القاضي: المغني 20 / 2 / 62. الطوسي: التبيان 10 / 211. الزمخشري: الكشاف 4 / 670. القرطبي: الجامع 19 / 128 - 133. ابن كثير: البداية والنهاية 7 / 359

«الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ باِللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً»(1).

حيث روى المفسرون أن الإمام علي علیه السلام كان يملك أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلاً وآخر نهاراً، وبالثالث سراً، وبالرابع علانية(2).

وكان علیه السلام يسقي بيده نخل قوم من إليهود، حتى مجلت(3) يداه، ويتصدق بالأجرة، ويشد على بطنه حجراً. ولقد قال فيه الشعبي: كان علي علیه السلام أسخى الناس، كان على الخلق الذي يحبه الله: السخاء والجود: ما قال لسائل: لا قط(4).

وقال معاوية وهو عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه - لمحفن بن أبي محفن الضبي(5)، قال الأخير: جئتك من عند أبخل الناس. فقال معاوية: ويحك! كيف تقول أبخل الناس، لو ملك بيتاً من تبر وبيتاً من تبن، لأنفد تبره قبل تبنه(6).

وكان سلام الله عليه - سيد الزّهاد وبدل الابدال(7) - فإليه في هذا الباب

ص: 280


1- سورة البقرة، الآية: 274
2- أنظر الواحدي: أسباب النزول ص 58. الطوسي: التبيان 2 / 357. الثعالبي: الجواهر الحسان 1 / 223. الزمخشري: الكشاف 1 / 319. القرطبي: الجامع 3 / 347. وانظر عند غير المفسرين: الاسكافي: نقض العثمانية ص 319. سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 13 - 14. ابن تيمية: منهاج السنة 4 / 62. الجويني: فرائد 1 / 356. القسطلاني: إرشاد الساري 3 / 26
3- المجل: أن يكون بين الجلد واللحم ماء، أو هي قشرة رقيقة يجتمع فيها ماء من اثر العمل. ابن فارس: المجمل 3 / 823. الفيروزآبادي: القاموس 4 / 49
4- الشرح 1 / 21 - 22
5- لم أجد له ترجمة
6- الشرح 1 / 22. وانظر ابن قتيبة: الإمامة والسياسة ص 86
7- الابدال قوم صالحون لا تخلو الدنيا منهم فإذا مات أحدهم استبدله الله بآخر. الرازي: مختار الصحاح ص 44

تشد الرحال، وعنده تنفض الاحلاس(1). فهو الذي ما شبع من طعام قط، وكان علیه السلام أخشن الناس ملبساً ومأكلاً، دخل عليه أحد أصحابه يوم عيد فقدم إليه جراباً(2) مختوماً فيه خبز شعير يابس مرضوض، فأكل علیه السلام منه، فقال له:

يا أمير المؤمنين، فلماذا تختمه فقال: خفت هذين الولدين أن يلتاه(3) بسمن أو زيت. وكان ثوبه علیه السلام مرقوعاً تارة بجلد وأخرى بليف، ونعلاه من ليف، ويلبس الكرباس(4) الغليظ، فإذا وجد كمه طويلًا قطعه شفره، ولم يخطه، فكان لا يزال متساقطاً على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمةً له. وكان يأتدم إذا ائتدم بخلٍّ أو ملح، فإن ترقى عن ذلك فبعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل. وكان علیه السلام لا يأكل من اللحم إلّا قليلاً، حيث يقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان. ومع ذلك كان أشد الناس قوة، وأعظمهم يداً، لا ينقض الجوع قوته ولا يخون إلّا قلال منته. وهو الذي طلق الدنيا، وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام ما عدا الشام، فكان يفرقها(5) ويقول:

ص: 281


1- حلس البيت: كساه ببسط تحته حر الثياب. ابن فارس: المجمل 1 / 248. الرازي: مختار الصحاح ص 149
2- هو المزود أو الوعاء. الفيروزآبادي: القاموس 1 / 45
3- اللت هو الدق والشد والفت والسحق، واللات سمي بالذي كان يلت عنده السويق بالسمن. الفيروزآبادي: القاموس 1 / 156
4- ثوب من القطن الأبيض، والبائع له يدعى الكرابيسي، وهو لفظ معرب. ابن منظور: لسان العرب 8 / 78 - 9
5- الشرح 1 / 26

هذا جنايَ وخيارُهُ فيهِ *** إذ كلُّ جانٍ يدُهُ إلى فِيهِ ولما سئل علیه السلام: لم ترقع قميصك؟ قال: ليخشع القلب، ويهتدي بي المؤمنون(1).

وكان علیه السلام بعد أن يوزع الاموال يصلي في بيت المال، ويقول: يا صفراء يا بيضاء غري غيري، وهو الذي لم يخلف ميراثاً(2)، وكانت الدنيا بيده ما عدا الشام(3).

وفي شرحه لقوله علیه السلام: والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم. قال ابن أبي الحديد: لعمري لقد صدق - ومازال صادقاً - حيث ان من تأمل سيرته في حالتي خلوه من العمل وولايته الخلافة عرف صحة هذا القول(4).

ويخلص ابن أبي الحديد للقول في أمر الأموال: إن أمير المؤمنين علیه السلام لم يكن يذهب في خلافته مذهب الملوك الذين يصانعون بالاموال ويصرفونها في مصالح ملكهم، وملاذ أنفسهم، وانه علیه السلام لم يكن من أهل الدنيا وإنَّما كان رجلاً

ص: 282


1- الشرح 9 / 235 - 6. الشريف الرضي: نهج البلاغة ص 486. وانظر البلاذري: انساب الاشراف 2 / 129. الزمخشري: ربيع الابرار 4 / 128. ابن الجوزي: صفة الصفوة 1 / 318
2- قال الحسن بن علي بعد استشهاد الامام - علیه السلام -: «لقد قبض في هذه الليلة رجل ما خلّف صفراء ولا بيضاء إلَّا سبعمائة درهم بقيت من عطائه، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله». أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 32 - 33
3- الشرح 1 / 22
4- الشرح 19 / 67. أنظر نهج البلاغة ص 510

متألها صاحب حق، لا يريد بالله ورسوله بدلاً(1).

ويروى أنَّه علیه السلام علم بأن قاضيه - شريح بن الحارث(2) - اشترى داراً بثمانين ديناراً، فنظر إليه - علیه السلام - نظر مغضب وقال: «يا شريح، أما إنه سيأتيك من لا ينظر في كتابك، ولا يسألك عن بيتك، حتى يخرجك منها شاخصاً، ويسلمك إلى قبرك خالصاً. فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك، أو نقدت الثمن من غير حلالك، فإذا أنت قد خسرت دار الدنيا ودار الآخرة.

أَمَّا إنَّكَ لو كنت أتيتني عند شرائك ما اشتريت، لكتبت إليك كتاباً على هذه النسخة… »(3).

وبعد أن أورد ابن أبي الحديد نص الصيغة التي كتبها الإمام إلى شريح علق قائلاً: وموضع الاستحسان من هذا الفصل - وإن كان كله حسناً - أمران:

أحدهما: إنه علیه السلام نظر إليه نظر مغضب، إنكاراً لابتياعه داراً بثمانين ديناراً. وهذا يدل على زهد شديد في الدنيا عند الإمام علیه السلام واستكثار للقليل منها، ونسبه هذا المشتري للاسراف، وخوف من أن يكون ابتاعها بمال حرام.

الثاني: إنه أملى عليه كتاباً زهدياً وعظياً، مماثلاً لكتب الشروط التي تكتب في ابتياع الأملاك(4).

ص: 283


1- الشرح 2 / 202 - 203
2- هو شريح بن الحارث بن قيس الكندي، تولى قضاء الكوفة في خلافة عمر وعثمان وعلي علیه السلام ومعاوية، توفي سنة 78 ه. أنظر أبو نعيم؛ حلية الاولياء 4 / 132 - 141. ابن حجر: الاصابة 2 / 146
3- الشرح 14 / 27. وانظر سبط ابن الجوزي: تذكرة ص 149 - 150
4- الشرح 14 / 30 - 31

إن زهداً كهذا أثار إعجاب ابن أبي الحديد «فسبحان من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة … وخرج أزهد الناس في الدنيا، وأعفهم، مع أن قريشاً ذوو حرص ومحبة للدنيا… »(1).

ولكن إذا كان الإمام علیه السلام على هذه الدرجة من الزهد، فما معنى قوله:

«وانتظرنا الغير انتظار المجدب المطر».

أليس هذا الكلام يدل على ترقبه الفرصة لتولي الخلافة وهذا لا يطابق كلامه في طلاقه للدنيا.

والواقع انه علیه السلام طلق الدنيا أن لا يقبل منها حظاً دنيوياً، وهذا لا يعني أن لا ينهى عن المنكر وإقامة الدين، ولا سبيل لذلك إلا بتولي الخلافة(2).

وقد عابت العثمانية(3) على الإمام علیه السلام بأَنَّهُ خلف عقاراً كثيراً، أي نخلًا بينما مات أبو بكر ولم يخلف ديناراً ولا درهماً.

هذه الرؤية فندَّها ابن أبي الحديد بقوله: «قد علم كل أحد أن عليّاً علیه السلام استخرج عيوناً بكدّ يده بالمدينة، وينبع(4)، ..............................

ص: 284


1- الشرح 16 / 146
2- الشرح 9 / 152 - 153. أنظر نهج البلاغة ص 212
3- هم المناصرون لقضية الخليفة عثمان بن عفان والمؤيدون لمعاوية. وقد وضع الجاحظ رسالة بإسم العثمانية فصل فيها آراء العثمانية. وقد رد عليه الاسكافي في كتاب أسماه نقض العثمانية. والكتابان مطبوعان. أنظر رسائل الجاحظ السياسية ص 192 - 3. وانظر:بلقاسم الغالي: الجانب الاعتزالي عند الجاحظ ص 328 - 331
4- تقع بين مكة والمدينة ذات نخل وزروع وعيون وماء عذبة غزيرة. أنظر عرام بن الاصبغ السلمي: اسماء جبال مكة وتهامة، منشور ضمن نوادر المخطوطات 2 / 397 - 8. الحموي: معجم البلدان 5 / 449 - 450

..............وسويعة(1)، وأحيا بها مواتاً(2) كثيراً، ثم أخرجها من ملكه، وتصدق بها على المسلمين، ولم يمت وشيء منها في ملكه، ألا ترى إلى ما تضمنته كتب السير والاخبار من منازعة زيد بن علي(3) وعبد الله بن الحسن(4) في صدقات علي علیه السلام(5)، ولم يورث علي - علیه السلام - بنيه قليلًا من المال ولا كثيراً إلَّا عبيده وإماءه وسبعمائة درهم من عطائه(6)، تركها ليشتري بها خادماً لأهله قيمتها ثمانية وعشرون ديناراً على حسب المائة اربعة دنانير، وهكذا كانت المعاملة بالدراهم إذ ذاك، وإنما لم يترك أبو بكر قليلاً ولا كثيراً لأنه ما عاش،

ص: 285


1- موضع قرب المدينة يسكنه آل علي بن أبي طالب علیه السلام زمن ياقوت الحموي. أنظر الحموي: معجم البلدان 3 / 286
2- الارض الموات: هي الأرض المتروكة التي يحتاج زرعها إلى استصلاح. مالك بن أنس: الموطأ 2 / 287 - 8. البلاذري: فتوح البلدان ص 453. الشريف الرضي: المجازات النبوية ص 255. الجرجاني: التعريفات ص 123
3- هو زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قتل في الكوفة سنة 121 ه على يد والي الكوفة يوسف بن عمرو أيام هشام بن عبد الملك ويعرف بزيد الشهيد، وتنسب إليه الفرقة الزيدية أنظر: اليعقوبي: تاريخ 2 / 73 - 75. أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 86 - 102
4- عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المعروف بالمحض لأنه أول من ولد من الحسن والحسين وعرف بالفضل والحسن والمنطق، مات في حبس الهاشمية حيث حبسه المنصور بسبب تغيب ولده محمد ذي النفس الزكية. الطبري 7 / 539 - 551 ..أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 122 - 125
5- أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 90
6- أبو الفرج: مقاتل الطالبيين ص 33

ولو عاش لترك. ألا ترى أن عمراً اصدق أم كلثوم أربعين ألف درهم(1)، ودفعها إليها! وذلك لأن هؤلاء طالت أعمارهم، فمنهم من درت عليه اخلاف التجارة ومنهم من كان يستعمر الارض ويزرعها(2)، ومنهم من استفضل من رزقه من الفيء»(3).

مضافاً لذلك أن الإمام عليّاً - علیه السلام - فضلهم لأنه كان يعمل بيده، ويحرث الأرض ويسقي الماء، فيغرس النخل، كل ذلك يباشره بنفسه الشريفة، ومع ذلك فإنه لم يستبق لا لنفسه ولا لأولاده قليلاً ولا كثيراً، وإنَّما جعلها صدقة(4).

والمعروف ان الرسول صلی الله علیه و آله وسلم قد توفي وله ضياعاً كثيرة في خيبر وفدك وبني النضير، وكان له صلی الله علیه و آله وسلم وادي نخلة وغيره بالطائف، فصارت بعد موته صدقة بالخبر الذيرواه أبو بكر(5)، فإذا كان علي معاباً في تركه ضياع فكذلك صدقه الرسول صلی الله علیه و آله وسلم،

ص: 286


1- أنظر: ابن عبد البر: الإستيعاب 4 / 1955. ابن الاثير: اسد الغابة 5 / 615. ابن حجر: الاصابة 4 / 492. إن مسألة وجود بنت للإمام علي علیه السلام باسم أم كلثوم لم يثبت تاريخيا، وإنَّما هي كنية لابنته الوحيدة من السيدة فاطمة وهي زينب الكبرى علیها السلام
2- وكان للزبير خطط بالاسكندرية والكوفة والبصرة وغلات بالمدينة. ابن سعد: الطبقات 3 / 110. وانظر نجمان ياسين: تطور الاوضاع الاقتصادية ص 252 - 258
3- الشرح 15 / 146
4- الشرح 15 / 147
5- لما توفي النَّبي صلی الله علیه و آله وسلم كانت تركته (1) سبعة حوائط لمخيريق اليهودي أوصى بها للنَّبي قبل استشهاده في أحد (2) ما وهبه الأنصار للنبي من أراضيهم التي لا يبلغها الماء (3) أرض بني النضير التي افاء الله بها على النبي صلی الله علیه و آله وسلم (4) ثلاثة حصون في خيبر (5) فدك (6) ثلث وادي القرى (7) سوق بالمدينة يسمى سوق مهزور. ولمزيد من التفاصيل أنظر: مرتضى العسكري: معالم المدرستين 2 / 168 - 177

وهذا كفر وإلحاد؛ ثم إذا كان الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ترك تلك الضياع صدقة، فذلك لم يروه إلا شخص واحد من المسلمين، أما ترك الإمام عليّ علیه السلام ضياعه صدقه فقد رواه جميع المسلمين بالمدينة. فالتهمة في هذا الباب أبعد على حد تعبير ابن أبي الحديد(1).

وفيما يخص - سجاحة الاخلاق، وبشر الوجه، وطلاقة المحيا والتبسم - فهو المضروب به المثل. قال صعصعة بن صوحان واصفاً الامام:

«كان فينا كأحدنا، لين جانب، وشدة تواضع، وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه». وقال معاوية لقيس بن سعد(2): «رحم الله أبا حسن، فلقد كان هشاً بشاً ذا فكاهة فعلم قيس مراد معاوية فقال: نعم، كان رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم يمزح ويبتسم إلى أصحابه: وأراك تسر حسواً في ارتغاء(3)، وتعيبه بذلك! أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة، أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى؛ تلك هيبة التقوى، وليس كما يهابك طغام أهل الشام.(4) هذا الخلق بقي متوارثاً في محبي الإمام وأوليائه، في الوقت الذي بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر، حتى أن من له أدنى معرفة بأخلاق

ص: 287


1- الشرح 15 / 147
2- قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي من أصحاب الرسول صلی الله علیه و آله وسلم والإمام علي علیه السلام و أحد دهاة العرب. ابن عبد البر: الإستيعاب 3 / 1289 - 1293. ابن حجر: الاصابة 3 / 249
3- مثل يضرب لمن يقول شيئاً ويريد غيره. أنظر الميداني: مجمع الامثال 1 / 89. ابن منظور: لسان العرب 19 / 46، مادة (رغا). النويري: نهاية الارب 3 / 60
4- الشرح 1 / 25

الناس يعرف ذلك(1).

وعدَّ ابن أبي الحديد موافقة الإمام علیه السلام على مشاركة - أوس بن خولّی - وهو من الأنصار في تجهيز الرسول صلی الله علیه و آله وسلم ودفنه دليلاً على كرم الإمام علیه السلام، وسجاحة أخلاقه، وطهارة شيمته، حيث لم يضن بهذا المقام الشريف عن أوس بن خولي الانصاري! فكم بين هذه السجية الشريفة وبين قول القائل: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسّل الرّسول صلی الله علیه و آله وسلم إلّا نساؤه، و لو كان في ذلك المقام غير الإمام من ذوي الطباع الخشنة وأرباب الفظاظة والغلظة، ولو سأل أوس عن ذلك - لزجر وانتهر ورجع خائباً(2).

إن - الدعابة - من مميزات كثير من الحكماء والعلماء، وهي دعابة مقتصدة لا مسرفة لأن الإسراف يخرج صاحبه إلى الخلاعة(3)، ولكن هذه الفضيلة التي امتاز بها الإمام علي علیه السلام اعتبرت من قبل البعض منقصة، حيث جعلها عمر بن الخطاب السبب الذي يمنعه من أن يعهد بالخلافة للإمام قائلاً له: لله أنت، لولا دعابة فيك(4).

وقد وظف - عمرو بن العاص - رؤية عمر بن الخطاب هذه في صراعه مع الإمام علي علیه السلام حيث قال لأهل الشام: إن الإمام علیه السلام ذو دعابة شديدة يعافس

ص: 288


1- الشرح 1 / 26
2- الشرح 13 / 40 - 41. يقصد بالقائل لو استقبلت من امري... السيدة عائشة، اما صاحب الطباع الخشنة فيقصد الخليفة عمر بن الخطاب
3- الشرح 19 / 16. وقد كتب روكس العزيزي مقالًا رائعاً اوضح فيه ان الدعابة من الصفات الطيبة المطلوبة في رجال المجتمع. أنظر الإمام علي اسد الإسلام وقديسه ص 178 - 182
4- الشرح 1 / 25، 186، 6 / 326

ويمارس النساء، مما دعا الإمام عليًّا علیه السلام للرد عليه قائلاً: عجباً لابن النابغة! يزعم لأهل الشام أن فيَّ دعابه، وأني امرؤ تلعابه أعافس وأمارس! لقد قال باطلاً ونطق آثماً(1).

لقد اوضح ابن أبي الحديد السبب الذي دفع عمر بن الخطاب لاعتبار دعابة الإمام منقصة قائلاً: «وأعلم أن الرجل ذا الخلق المخصوص، لا يرى الفضيلة إلا في ذلك الخلق، ألا ترى أن الرجل يبخل فيعتقد أن الفضيلة في الإمساك والبخيل يعيب أهل السماح والجود، وينسبهم إلى التبذير، وإضاعة الحزم، وكذلك الرجل الجواد يعيب البخلاء وينسبهم إلى ضيق النفس وسوء الظن وحب المال، والجبان يعتقد أن الفضيلة في الجبن، ويعيب الشجاعة، ويعتقد كونها خرقاً وتغريراً بالنفس: كما قال المتنبي(2):

يرى الجبناءُ أنَّ الجبنَ حزمٌ والشجاع يعيب الجبان، وينسبه إلى الضعف ويعتقد أن الجبن ذل ومهانة! وهكذا القول في جميع الاخلاق والسجايا المقتسمة بين نوع الانسان»(3).

وأضاف قائلاً «ولما كان عمر شديد الغلظة، وعر الجانب، خشن الملمس، دائم العبوس، كان يعتقد أن ذلك هو الفضيلة، وأن خلافه نقص، ولو كان سهلاً طلقاً مطبوعاً على البشاشة، وسماحة الخلق، لكان يعتقد أن ذلك هوالفضيلة وأن خلافه نقص، حتى لو قدرنا أن خلقه حاصل لعلي علیه السلام وخلق علي

ص: 289


1- الشرح 1 / 25، 6 / 280. وانظر: الشريف الرضي: نهج البلاغة ص 115. ابن الاثير: النهاية 1 / 194
2- ديوان المتنبي ص 324. وعجزه: وتلك خديعة الطبع اللئيم
3- الشرح 6 / 327

حّاصل له، لقال في علي علیه السلام: لولا شراسة فيه، فهو غير ملوم عندي فيما قاله، ولا منسوب إلى أنه أراد الغض من علي، والقدح فيه، ولكنه أخبر عن خلقه، ظاناً إن الخلافة لا تصلح إلا لشديد الشكيمة، العظيم الوعورة، ولمقتضى ما كان يظنهّ من هذا المعنى تمم خلافة أبي بكر بمشاركته إيَّاه في جميع تدابيراه وسياسته وسائر احواله(1) لرفق وسهولة كانت في أخلاق أبي بكر، وبمقتضى هذا الخلق المتمكن عنده، كان يشير على رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم في مقامات كثيرة، وخطوب متعددة، بقتل قوم كان يرى قتلهم، وكان النبي صلی الله علیه و آله وسلم يرى استبقائهم واستصلاحهم، فلم يقبل علیه السلام مشورته على هذا الخلق»(2).

كان الخليفة عمر صعباً، عظيم الهيبة، شديد السياسة، لا يميل إلى أحد ولا يراقب شريفاً أو مشروفاً، ولذا فأكابر الصحابة كانوا يتفادون لقاءه(3). وكان في أخلاقه وألفاظه خشونة ظاهرة، يحسبه السامع لها أنه إراد بها ما لم يكن قد إراد، ويفهم من تحكى له أنه قصد به ظاهراً ما لم يقصده كالكلمة التي قالها في مرض الرسول صلی الله علیه و آله وسلم(4)، ومعاذ الله أن يقصد بها ظاهرها ولكنه أرسلها على مقتضى خشونة غريزته، ولم يتحفظ منها، وكان الأحسن أن يقول مغموراً أو

ص: 290


1- ان استقراء الروايات التاريخية توضح ان عمر بن الخطاب كان بمثابة الوزير لأبي بكر، ومن بين ذلك طلب الخليفة من أسامة بن زيد امير الجيش الخارج لحرب الروم البيزنطيين بان يسمح إلى عمر بن الخطاب بالبقاء مع الخليفة. أنظر الشرح 17 / 175 - 6
2- الشرح 6 / 327 - 328
3- الشرح 1 / 173 - 183
4- البخاري: الصحيح 1 / 65 - 66

مغلوباً بالمرض، وحاشاه أن يعني بها غير ذلك(1).

وفي تعقيبه على وصف عمر لبيعة أبي بكر بأنها فلتة وقى الله شرها(2)، قال ابن أبي الحديد: «إعلم أن هذه اللفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطينة، وجفاء الطبيعة، ولاحيلة له فيها، لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها، ولا ريب عندنا إنه كان يتعاطى أن يتلطف، وأن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة، فينزع به الطبع الجاسي، والغزيرة الغليظة، إلى أمثال هذه اللفظات، ولا يقصد بها سوءاً، ولا يريد بها ذماً، ولا تخطئة، كما قدمنا من قبل في اللفظة التي قالها في مرض الرسول صلی الله علیه و آله وسلم وكاللفظات التي قالها عام الحديبية(3) وغير

ص: 291


1- الشرح 1 / 183. كم يناقض ابن أبي الحديد نفسه فهو في تحليله لموقف عمر من وفاة النبي صلی الله علیه و آله وسلم ينفي أن عمراً تصور أن النبي صلی الله علیه و آله وسلم لم يمت كما كان يدّعي، وإنَّما كان لديه مقاصد من إعلانه هذا. راجع التفاصيل في الفصل الرابع
2- الشرح 2 / 26 - 27، 13 / 224. الاسكافي: نقض العثمانية ص 286. القاضي عبد الجبار: المغني 20 / 1 / 339. وقد نسب الجوهري هذا القول للخليفة أبي بكر نفسه. الشرح 6 / 47
3- قال ابن هشام: «فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر قال: يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنيَّة في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله، ثم أتى رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم فقال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنيَّة في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف امره، ولن يضيعني! قال: فكان عمر يقول: ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ! مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيرا». السيرة النبوية 3 / 317. وانظر: صحيح مسلم 12 / 141. الملطي: التنبيه ص 8. ابن الجوزي: مناقب عمر بن الخطاب ص 44 - 45

ذلك، والله تعالى لا يجازي المكلف إلا بما نواه، ولقد كانت نيته من أطهر النيات، وأخلصها لله سبحانه وللمسلمين، ومن أنصف علم أن هذا الكلام حق»(1).

لما وقع بعض المشركين أسرى يوم بدر، أشارت الروايات أن الرسول صلی الله علیه و آله وسلم استشار المسلمين في امرهم، فكان رأي أبي بكر الفداء، فيما أشار عمر بن الخطاب بالقتل(2)، قال ابن أبي الحديد: فكان الصواب مع عمر ونزل القرآن بموافقته(3).

أما في الحديبية فقد أشار عمر بالحرب وكره الصلح، فنزل القرآن بضد ذلك(4)، إذ ليس كل وقت يصلح لتجريد السيف، والسياسة لا تجري على

ص: 292


1- الشرح 2 / 27. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: «مَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا». ونلاحظ من عمر كثرة المعارضة للنبي صلی الله علیه و آله وسلم، فلِمَ هذا الشك في ما يأتي به النبي صلی الله علیه و آله وسلم؟!!
2- الشرح 14 / 173 - 175. وانظر الواقدي: المغازي 1 / 107. الحاكم: المستدرك 3 / 24. الطوسي: الامالي ط النجف 1 / 273 - 274
3- يقصد قوله تعالى: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ» سورة الأنفال، الآيتان: 67 - 68. وانظر الطبري: جامع البيان 10 / 43 - 44. الزمخشري: الكشاف 2 / 236. ابن حزم: الفصل 4 / 12
4- يقصد قوله تعالى: «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبيِنًا» سورة الفتح، آية: 1. أنظر مسلم: الصحيح 12 / 143. الطبري: جامع البيان 26 / 70

منهاج واحد ولا تلزم نظاماً واحداً(1).

وعلق ابن أبي الحديد على موقف عمر يوم الحديبية بأنه صحيح ولكنه غير مستهجن ولا مستقبح، لأنه سأل من باب الاسترشاد، والتماس الطمأنينة كما يفعل الصحابة مع الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، حيث لما عزم الرسول صلی الله علیه و آله وسلم يوم الخندق على مصالحة اليهود ببعض تمر المدينة، قال له سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ الانصاريان: أهذا من الله أم رأي رايته من نفسك؟ قال صلی الله علیه و آله وسلم: بل من نفسي قالا:

لا والله لا نعطيهم منها تمرة واحدة وأيدينا في مقابض سيوفنا(2).

وفي يوم بدر قال الأنصار للرسول صلی الله علیه و آله وسلم وقد نزل نزلاً لم يستصلحوه: أنزلت هذا المنزل من رأي رأيت أم بوحي أوحي إليك؟ قال: بل من رأي رأيته، فقالوا انه ليس لنا بمنزل، ارحل عنه فانزل بموضع كذا(3).

ثم اوضح ابن أبي الحديد ان مراد أبي بكر رضی الله عنه في قوله لعمر رضی الله عنه «إلزم غرزه، فوالله إنه لرسول الله صلی الله علیه و آله وسلم إنما هو تأكيد وتثبيت على عقيدته التي في قلبه، ولا يدل ذلك على الشك، فقد قال تعالى:

«وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا»(4).

فما من أحد يستغني عن زيادة اليقين والطمأنينة، وقد ظهر من عمر بن الخطاب أحوال أقل من ذلك تسرع فيها: كقوله للرسول صلی الله علیه و آله وسلم في أبي سفيان

ص: 293


1- الشرح 6 / 328. إن ما يذكره ابن أبي الحديد من موافقة القرآن لعمر هي من الموضوعات في فضائل عمر التي لم تلق قبولاً لدى عدد من المفسرين
2- الشرح 10 / 180. ابن هشام: السيرة 3 / 234
3- الشرسح 10 / 181. أنظر الواقدي: المغازي 1 / 53. ابن هشام: السيرة 2 / 272
4- سورة الاسراء ، آية: 74

«دعني أضرب عنق أبي سفيان»(1)، وقوله: «دعني أضرب عنق عبد الله بن اُبي»(2)، وقوله: (دعني أضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة)(3)، وقد نهى النَّبي صلی الله علیه و آله وسلم وجذب ثوبه لما قام على جنازة ابن سلول يصلي قائلاً له: كيف تستغفر لرأس المنافقين(4). وليس في ذلك جميعه ما يدل على وقوع القبيح منه، وإنما كان عمر مطبوعاً على الشدة والشراسة والخشونة، وكان يقول ما يقول على مقتضى السجية التي طبع عليها(5).

وبعد أن أوضح ابن أبي الحديد سجية الخليفة عمر علّق قائلاً: «وأعلم أنا لا نريد بهذا القول ذمَّهُ وكيف نذمه، وهو أولى الناس بالمدح ليمن نقيبته وبركة خلافته، وكثرة الفتوح في أيامه، وانتظام أمور الإسلام على يده! ولكنا أردنا أن نشرح حال العنف والرفق، وحال سعة الخلق وضيقه، وحال البشاشة والعبوس، وحال الطلاقة والوعورة، فنذكر كل واحد منهما ذكراً كلياً، لا نخص به انساناً بعينه. فأما عمر فإنه وإن كان وعراً شديداً خشناً، فقد رزق من التوفيق، والعناية الإلهية ونجح المساعي، وطاعة الرعية ونفوذ الحكم، وقوة الدين، وحسن النية وهمة الرأي، ما يربى محاسنه ومحامده على ما في ذلك من

ص: 294


1- حينما خرج أبو سفيان قبيل فتح مكة. ابن هشام: السيرة 4 / 45. الطبري: تاريخ 3 / 53
2- في غزوة بني المصطلق. ابن هشام: السيرة 3 / 303
3- قبيل فتح مكة: ابن هشام 4 / 41. البخاري: الصحيح 6 / 129 - 31. الحاكم: المستدرك 3 / 341. المفيد: الإرشاد ص 25
4- ابن هشام: السيرة 4 / 196 - 197
5- الشرح 10 / 181

نقص، وليس الكامل المطلق، إلا الله تعالى وحده»(1).

ولذلك يخلص ابن أبي الحديد في تحليله لمقولة عمر في الإمام علي علیه السلام للقول «وجملة الأمر أنه لم يقصد عيب علي علیه السلام ولا كان عنده معيباً، ولا منقوصاً، ألا ترى أنه قال في آخر الخبر: «إن احراهم إن وليها أن يحملهم على كتاب الله وسنة رسوله لصاحبك». ثم أكد ذلك بأن قال: «إن وليهم ليحملهم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم». فلو كان أطلق تلك اللفظة، وعنى بها ما حملها عليه الخصوم لم يقل في خاتمة كلامه ما قاله»(2).

إن ملاحظة أحوال الإمام علیه السلام تنفي اتهام عمرو بن العاص إياه بالدعابة سواء في عصر الرسول صلی الله علیه و آله وسلم أو عصور الخلفاء من بعده، حيث لا نجد حديثاً يمكن أن يتعلق به الخصوم في دعابته ومزاحه «فكيف يظن بعمر أنه نسبه إلى أمر لم ينقله عنه ناقل، ولا ندد به صديق ولا عدو، وإنما إراد سهولة خلقه لا غير، وظن أن ذلك مما يفضي به إلى ضعف أن ولي أمر الأمة، لاعتقاده أن قوام هذا الأمر إنما هو بالوعورة، بناء على ما قد ألفته نفسه، وطبعت عليه سجيته … ومن تأمل كتب السير عرف صدق هذا القول وعرف ان عمر بن العاص أخذ كلمة عمر، إذ لم يقصد بها العيب فجعلها عيباً، وزاد عليها أنه كثير اللعب، يعافس النساء، ويمارسهن، وأنه صاحب هزل»(3).

ثم أقسم ابن أبي الحديد: ولعمر الله! لقد كان علي أبعد الناس من ذلك،

ص: 295


1- الشرح 6 / 343 - 344
2- الشرح 1 / 186، 6 / 328
3- الشرح 6 / 328 - 329

وأي وقت يتسع له حتى يكون على هذه المواصفات؟ حيث ان أزمانه كلها في العبادة والصلاة والذكر والفتاوى والعلم، واختلاف الناس إليه في الاحكام وتفسير القرآن، أما نهاره فكان كله أو معظمه مشغولاً بالصوم، وليله كله أو معظمه بالصلاة، في أيام السلم، أما في أيام الحرب فالسيف الشهير، والسنان الطرير وركوب الخيل، وقيادة الجيش، ومباشرة الحرب. ولقد صدق - علیه السلام - في قوله: «انني ليمنعني من اللعب ذكر الموت»(1).

ثم أوضح ابن أبي الحديد سبب التهمة بأن الرجل الشريف النبيل الذي لم يتمكن اعداؤه ان يجدوا له عيباً علیه السلام ياخذون بالاحتيال في تحصيل عيب وإن كان ضعيفاً ليجعلوه عذراً لأنفسهم في ذمه، ويتوسلون به إلى أتباعهم في تحسينهم لهم مفارقته، والانحراف عنه كما كان يفعل المشركون والمنافقون مع الرسول صلی الله علیه و آله وسلم، فيبرأه الله من العيوب التي برأه الله منها، فغير منكر أن يعيب علياً علیه السلام عمرو ابن العاص وأمثاله من أعدائه، بما إذا تأمله المتأمل، علم أنهم باعتمادهم عليه وتعلقهم به، قد اجتهدوا في مدحه والثناء عليه، لأنهم لو وجدوا عيباً غير ذلك لذكروه، ولو بالغ أمير المؤمنين علیه السلام وبذل جهده في ان يثني اعدائه وشانئيه عليه من حيث لا يعلمون، لم يستطع أن يجد إلى ذلك طريقاً ألطف من هذه الطريق التي أسلكهم الله تعالى فيها، وهداهم إلى منهاجها، فظنوا أنهم يغضون منه، وإنما أعلوا شأنه، أويضعون من قدره، وإنَّما رفعوا منزلته ومكانه»(2).

أما في العبادة فكان علیه السلام أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوماً حيث تعلّم الناس منه صلاة الليل، وملازمة الأوراد، وقيام النافلة، وبلغ من محافظته على

ص: 296


1- الشرح 6 / 329
2- الشرح 6 / 329 - 330

الأوراد أن بسط له نطعاً في صفين ليلة الهرير وأخذ يصلي، والسهام تقع بين يديه وتمر على جانبيه فلا يرتاع منها، ولا يقوم حتى يفرغ من ورده، ولكثرة سجوده أصبحت جبهته كثفنة البعير «وإذا تأملت دعواته ومناجاته(1)، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله، وما يتضمنه من الخضوع لهيبته، والخشوع لعزته، والاستخذاء له، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص، وفهمت من أي قلب خرجت، وعلى أي لسان جرت. وقد قيل لعلي بن الحسين