الصحیح من سیرة الإمام الحسین بن علي علیه السلام

اشارة

الصحیح من سیرة الإمام الحسین بن علي علیه السلام

نویسنده: سید هاشم بحرانی - علامه سید مرتضی عسکری و سید محمد باقر شریف قرشی

ناشر: مؤسسة التاريخ العربي

مکان نشر: لبنان - بيروت

سال نشر: 2009م , 1430ق

چاپ:1

موضوع:اسلام، تاریخ

زبان:عربی

تعداد جلد:20

کد کنگره: /ع5ص3 41/4 BP

ص: 1

المجلد 1

اشارة

ص: 2

الجزء الاول

شمائل الامام الحسين عليه السلام

مقدمة

اشارة

قال الإمام الصادق عليه السّلام:إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبد (1).

هناك ما يشدّ الإنسان المؤمن-بل كل إنسان لا يقبل بالذل و يحب العدل و الانصاف-الى شخصية الإمام الحسين عليه السّلام و الى حب التعرف على تلك المواقف التي كانت تعترض حياته الشريفة،أو المحطات التي كانت تمر عليه السّلام..

و هذا الوازع يبرز على صعيدين:

1-صعيد عاطفي يتمثل في مظلومية الإمام الحسين عليه السّلام و سلب حقه و هتك قدسيته صلوات اللّه عليه،إضافة الى قتل الأطفال و سبي النساء،مما يستدعي من المؤمنين إظهار الحزن عليه عليه السّلام و نشر تلك المظلومية في كل عصر و مصر و بشتى الأساليب و الطرق التي لا تشوه تلك الثورة المباركة.

2-صعيد عقلي و منطقي و يتمثل في أطروحة الإمام الحسين عليه السّلام و دعوته لإقامة العدل و إزالة الظلم و إعادة الإسلام الى واقعيته التي أرادها النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و اله أن تكون له.الأمر الذي يستدعي من العلماء و المفكرين دراسة علل و معطيات كربلاء و آثارها على كل صعيد.

و مهما كتب حول حياة الإمام الحسين عليه السّلام و تاريخه فهو قليل،لا لعدم أهمية ما كتب بل لأهمية ثورة أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام و آثارها و انعكاسها على عالمنا المعاصر.

ص: 3


1- مستدرك الوسائل:318/10.

عملنا في الموسوعة

و من هنا كانت محاولة بسيطة لجمع نصوص ما كتب حول حياة و تاريخ الإمام الحسين عليه السّلام و ثورته المباركة«عاشوراء»عن جملة من الكتاب و المحققين و أصحاب التواريخ و تبويبها بما يتناسب مع مواضيعها،و ذلك للتسهيل على القارىء لتحصيل أكبر عدد ممكن من المواضيع و الآراء حول ما يريد معرفته أو بحثه.

و قد ركزنا على عدد كبير من الكتب التي تعرضت لحياة الإمام الحسين عليه السّلام نحو:

1-حياة الإمام الحسين عليه السّلام للقرشي

2-غاية المرام للمحدث البحراني

3-السيد مرتضى العسكري

4-تاريخ دمشق لابن عساكر

5-ثورة عاشوراء للسيد الخامنئي

6-نهضة عاشوراء للإمام الخميني

7-مقتل الإمام الحسين عليه السّلام لأبي مخنف

8-مقتل الإمام الحسين عليه السّلام للخوارزمي

و غيرها من المصادر المهمة.

هذا:و الحمد للّه رب العالمين

علي عاشور

ص: 4

اسم الحسين عليه السلام و نسبه و كنيته

معنى الإسم الشريف

قال السيد الخامنئي:إنّ اسم الحسين بن علي عليه السلام لإسم عجيب،فلو ألقيتم نظرة عاطفية لوجدتم أنّ ميزة إسم ذلك الإمام بين المسلمين العارفين هي جذب القلوب إليه كما يعمل المغناطيس و الكهرباء.

بالطبع هناك من المسلمين من لا يتمتّع بهذه الحالة،و في الحقيقة هو محروم من معرفة الإمام الحسين عليه السلام،و من جهة ثانية هناك الكثير من غير شيعة آل البيت عليهم السلام تذرف دموعهم و تتقلّب قلوبهم بذكر اسم الحسين عليه السلام،فقد جعل الباري تعالى في إسم الإمام الحسين عليه السلام تأثيرا بحيث لو ذكر اسمه لسيطرت حالة من المعنوية على أفئدة و أرواح أبناء الشيعة،و هذا هو المعنى العاطفي لذلك الوجود و تلك الذات المقدّسة،مثلما كانت هكذا عند أهل البصيرة منذ البداية،فقد كانت لهذا الوجود العزيز خصوصية منفردة و كان موضع حبّ و عشق في بيت النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و اله و أمير المؤمنين عليه السلام كما يفهم من الروايات و السير و الأخبار و التأريخ،و اليوم هو كذلك (1).

ص: 5


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:8.

غرس الرّسالة

اشارة

قال السيد القرشي:ألابورك هذا الغرس الذي امتدّ على هامة الزمن وعيا و إشراقا و هو يضىء للناس حياتهم الفكرية و الإجتماعية،و يهديهم إلى سواء السبيل.

الأم:

إنه الغرس الطيب من سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليه السّلام التي طهّرها الله بفضله،و جعلها تهدي من ضلال،و تجمع من فرقة...إنها فاطمة الزهراء التي تحمل قبسا من روح أبيها و فيضا من نوره،و أشعة من هديه،فكانت موضع عنايته و اهتمامه،و قد أحاطها بهالة من الإكبار و التقدير،ففرض و لاءها على المسلمين ليكون ذلك جزءا من عقيدتهم و دينهم،و قد أذاع فضلها و عظيم مكانتها في الإسلام لتكون قدوة لنساء أمته،لقد أشاد صلّى اللّه عليه و اله بقيمها و مثلها في منتدياته العامة و الخاصة، و على منبره ليحفظه المسلمون فقد قال فيما أجمع عليه رواة الإسلام:

1-«إن الله يغضب لغضبك و يرضى لرضاك...».

2-«إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها،و ينصبني ما أنصبها...».

3-«فاطمة سيدة نساء العالمين...».

إلى غير ذلك من الأخبار التي تحدثت عن معالم شخصية الزهراء عليه السّلام و أنها قدوة الإسلام،و المثل الأعلى لنساء هذه الأمة التي تضىء لهن الطريق في حسن

ص: 6

السلوك و العفة و إنجاب أجيال مهذبة...فما أعظم بركتها و أكثر عائدتها على الإسلام،و يكفي في عظيم شأنها أنه سمّيت على اسمها الدولة الفاطمية العظيمة، كما أن الجامع الأزهر اشتق من اسمها.بل يكفي في عظمة الدولة الفاطمية أن تبركت باسم الزهراء.

و على أي حال فإن الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله استشف من وراء الغيب أن بضعته الطاهرة هي التي تتفرع منها الثمرة الطيبة من أئمة أهل البيت عليهم السّلام خلفاء الرسول، و دعاة الحق في الأرض الذين يتحملون أعباء رسالة الإسلام،و يعانون في سبيل الإصلاح الإجتماعي كل جهد و ضيق فلذا أولاها النبي اهتمامه،و جعل ذريتها موضع رعايته و عنايته.

الأب:

إنه ثمرة علي رائد الحق و العدالة في الأرض،أخو النبي صلّى اللّه عليه و اله و باب مدينة علمه، و من كان منه بمنزلة هارون من موسى،و أول من آمن بالله و صدّق رسوله، و القائد الأعلى في مركز القيادة الإسلامية بعد الرسول محمد صلّى اللّه عليه و اله تحمّل أعباء الجهاد المقدس منذ فجر الدعوة الإسلامية،فخاض الأهوال،و التحم التحاما رهيبا مع قوى الشرك و الإلحاد حتى قام هذا الدين و هو عبل الذراع بجهاده و جهوده،قد حباه الله بكل مكرمة و خصّه بكل فضيلة،و أنه أبو الأئمة الطاهرين الذين فجّروا ينابيع الحكمة و النور في الأرض.

الوليد الأول

و أفرعت دوحة النبوة و شجرة الإمامة الذرية الطاهرة التي تشكل الإمتداد الرسالي بعد النبي صلّى اللّه عليه و اله فكان الوليد الأول أبا محمد الزكي،و قد امتلأت نفس

ص: 7

النبي صلّى اللّه عليه و اله سرورا به،فأخذ يتعاهده،و يغذيه بمثله و مكرمات نفسه التي طبق شذاها العالم بأسره.

و لم تمض إلا أيام يسيرة حددها بعض المؤرخين باثنين و خمسين يوما حتى علقت سيدة النساء بحمل جديد ظل يتطلع إليه الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سائر المسلمين بفارغ الصبر،و كلهم رجاء و أمل في أن يشفع الله ذلك الكوكب بكوكب آخر ليضيئا في سماء الأمة الإسلامية،و يكونا امتدادا لحياة المنقذ العظيم.

رؤيا أم الفضل

و رأت السيدة أم الفضل بنت الحارث في منامها رؤيا غريبة لم تهتدي إلى تأويلها،فهرعت إلى رسول الله صلّى اللّه عليه و اله قائلة له:«إني رأيت حلما منكرا كأن قطعة من جسدك قطعت،و وضعت في حجري؟...».

فأزاح النبي صلّى اللّه عليه و اله مخاوفها،و بشّرها بخير قائلا:

«خيرا رأيت،تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فيكون في حجرك..»و مضت الأيام سريعة فوضعت سيدة النساء فاطمة ولدها الحسين فكان في حجر أم الفضل،كما أخبر النبي صلّى اللّه عليه و اله.

و ظل الرسول صلّى اللّه عليه و اله يترقب بزوغ نجم الوليد الجديد الذي تزدهر به حياة بضعته التي هي أعز الباقين و الباقيات عنده من أبنائه و بناته (1).

ص: 8


1- انظر الإمام الحسين للقرشي:19/1.

ولادة الإمام الحسين عليه السلام و مدة خلافته

اشارة

وضعت سيدة نساء العالمين وليدها العظيم الذي لم تضع مثله سيدة من بنات حواء لا في عصر النبوة،و لا فيما بعده،أعظم بركة و لا أكثر عائدة على الإنسانية منه،فلم يكن أطيب،و لا أزكى و لا أنور منه.

لقد أشرقت الدنيا به،و سعدت به الإنسانية في جميع أجيالها،و اعتز به المسلمون،و عمدوا إلى إحياء هذه الذكرى،افتخارا بها في كل عام،فتقيم وزارة الأوقاف في مصر احتفالا رسميا داخل المسجد الحسيني اعتزازا بهذه الذكرى العظيمة كما تقام في أكثر مناطق العالم الإسلامي.

و تردد في آفاق يثرب صدى هذا النبأ المفرح فهرعت أمهات المؤمنين و سائر السيدات من نساء المسلمين إلى دار سيدة النساء،و هن يهنئنها بمولودها الجديد، و يشاركنها في أفراحها و مسراتها (1).

و روي أنه ولد عليه السلام بالمدينة لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة (2)و كانت والدته الطهر البتول فاطمة عليها السّلام علقت به بعد أن ولدت أخاه الحسن بخمسين ليلة (3)،و لما ولد و اعلم النبي(ص)به أخذه و أذّن في اذنه اليمنى

ص: 9


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:19/1.
2- تاريخ الطبرى 2:555،الارشاد 2:27،مقاتل الطالبيين:78،الاستيعاب 1:378،ترجمة الإمام الحسين عليه السّلام من تاريخ دمشق 21:12،مناقب ابن شهر آشوب 4:84،تاريخ بغداد 1:141.
3- ترجمة الإمام الحسين عليه السّلام من طبقات ابن سعد الغير مطبوع:17،الاستيعاب 1:378،ترجمة الإمام الحسين عليه السّلام من تاريخ دمشق 37:31،كفاية الطالب:416.

و أقام في اذنه اليسرى (1).

و قيل:ولد الحسين بن عليّ عليهم السّلام في سنة ثلاث و قبض عليه السّلام في شهر المحرّم من سنة إحدى و ستّين من الهجرة و له سبع و خمسون سنة و أشهر.قتله عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه في خلافة يزيد بن معاوية لعنه اللّه و هو على الكوفة و كان على الخيل التي حاربته و قتلته عمر بن سعد لعنه اللّه بكربلاء يوم الاثنين،لعشر خلون من المحرّم و امّه فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله (2).

و قيل ولدت فاطمة حسينا بعد حسن بسنة و عشرة أشهر،فمولده لست سنين و خمسة أشهر و نصف من التاريخ،و قتل يوم الجمعة يوم عاشوراء لعشر مضين من المحرم سنة إحدى و ستين،و هو ابن أربع و خمسين سنة و ستة أشهر و نصف.

و قال المجلسي:ولد الحسين عليه السّلام عام الخندق بالمدينة يوم الخميس أو يوم الثلثا لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة،بعد أخيه بعشرة أشهر و عشرين يوما.

و روي أنه لم يكن بينه و بين أخيه إلا الحمل،و الحمل ستة أشهر.

عاش مع جده ستة سنين و أشهرا و قد كمل عمره خمسين،و يقال:كان عمره سبعا و خمسين سنة و خمسة أشهر و يقال:ستة و خمسون سنة،و خمسة أشهر، و يقال:ثمان و خمسون.

و مدة خلافته خمس سنين و أشهر في آخر ملك معاوية و أول ملك يزيد.

قتله عمر بن سعد بن أبي و قاص و خولي بن يزيد الاصبحي و اجتز رأسه سنان ابن أنس النخعي و شمر بن ذي الجوشن،و سلب جميع ما كان عليه إسحاق بن حيوة الحضرمي و أمير الجيش عبيد اللّه بن زياد،وجه به يزيد بن معاوية.1.

ص: 10


1- و هذه من المتواترات و قد نقلها جلّ كتب التراجم و السير و بها جرت السنّة إلى اليوم.
2- الكافي:463/1.

و مضى قتيلا يوم عاشورا،و هو يوم السبت العاشر من المحرم قبل الزوال، و يقال:يوم الجمعة بعد صلاة الظهر،و قيل:يوم الاثنين بطف كربلا،بين نينوى و الغاضرية من قرى النهرين بالعراق،سنة ستين من الهجرة،و يقال:سنة إحدى و ستين و دفن بكربلا من غربي الفرات.

قال الشيخ المفيد:فأما أصحاب الحسين عليه السّلام فإنهم مدفونون حوله،و لسنا نحصل لهم أجداثا و الحائر محيط بهم.

و ذكر المرتضى في بعض مسائله:أن رأس الحسين عليه السّلام رد إلى بدنه بكربلا من الشام و ضم إليه،و قال الطوسي:و منه زيارة الاربعين.

و روى الكليني (1)في ذلك روايتين إحداهما عن أبان بن تغلب عن الصادق عليه السّلام أنه مدفون بجنب أمير المؤمنين،و الاخرى عن يزيد بن عمرو بن طلحة عن الصادق عليه السّلام أنه مدفون بظهر الكوفة دون قبر أمير المؤمنين عليه السّلام (2).

و من أصحابه عبد اللّه بن يقطر رضيعه،و كان رسوله رمي به من فوق القصر بالكوفة،و أنس بن الحارث الكاهلي،و أسعد الشامي،عمرو بن ضبيعة،رميث بن عمرو زيد بن معقل،عبد اللّه بن عبد ربه الخزرجي،سيف بن مالك،شبيب بن عبد اللّه النهشلي،ضرغامة بن مالك،عقبة بن سمعان،عبد اللّه بن سليمان،المنهال ابن عمر و الأسدي،الحجاج بن مالك،بشر بن غالب،عمران بن عبد اللّه الخزاعي (3).

قال أبو الفرج في المقاتل:كان مولده عليه السّلام لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة،و قتل يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم،سنة إحدى و ستين،و له ست و خمسون سنة و شهور،و قيل:قتل يوم السبت.روي ذلك عن أبي نعيم الفضل بن دكين و الذي ذكرناه أولا أصح.8.

ص: 11


1- في بعض المصادر:و روى الكلبى،و هو تصحيف.
2- ترى الحديثين في الكافي:ج 4 ص 571 و 572 باب موضع رأس الحسين.
3- بحار الأنوار:197/40-205 ح 15،و مناقب آل أبي طالب:ج 4 ص 77 و 78.

فأما ما تقوله العامة من أنه قتل يوم الاثنين فباطل،هو شيء قالوه بلا رواية و كان أول المحرم الذي قتل فيه يوم الاربعاء أخرجنا ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات،و إذا كان ذلك كذلك،فليس يجوز أن يكون اليوم العاشر من المحرم يوم الاثنين.

قال أبو الفرج:و هذا دليل صحيح واضح تنضاف إليه الرواية.

و روى سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عليه السّلام:أن الحسين بن علي عليهما السّلام قتل و له ثمان و خمسون سنة (1).

ولد عليه السّلام بالمدينة يوم الثلاثا،و قيل:يوم الخمسين لثلاث خلون من شعبان، و قيل:لخمس خلون منه سنة أربع من الهجرة،و قيل:ولد آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة،و عاش سبعا و خمسين سنة و خمسة أشهر،كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله سبع سنين،و مع أمير المؤمنين عليه السّلام سبعا و ثلاثين سنة،و مع أخيه الحسن عليه السّلام سبعا و أربعين سنة،و كانت مدة خلافته عشر سنين و أشهرا (2).

قال كمال الدين ابن طلحة:ولد عليه السّلام بالمدينة لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة،علقت البتول عليها السّلام به بعد أن ولدت أخاه الحسن عليه السّلام بخمسين ليلة، و كذلك قال الحافظ الجنابذي (3).

و قال كمال الدين:كان انتقاله إلى دار الآخرة في سنة إحدى و ستين من الهجرة، فتكون مدة عمره ستا و خمسين سنة و أشهرا،كان منها مع جده رسول اللّه صلى اللّه عليه آله ست سنين و شهورا،و كان مع أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ...بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و اله،و كان مع أخيه الحسن بعد وفاة أبيه عليهم السلام عشر سنين،و بقي بعد وفاة أخيه الحسن عليه السّلام إلى وقت مقتله عشر سنين 200.ف.

ص: 12


1- بحار الأنوار:197/40-205 ح 16،و مقاتل الطالبيين:ص 54.
2- بحار الأنوار:197/40-205 ح 18.
3- كشف الغمة:ج 2 ص 170 مع اختلاف.

و قال ابن الخشاب:حدثنا حرب باسناده عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال:مضى أبو عبد اللّه الحسين بن علي امه فاطمة بنت رسول اللّه صلوات اللّه عليهم أجمعين و هو ابن سبع و خمسين سنة،في عام الستين من الهجرة،في يوم عاشورا،كان مقامه مع جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله سبع سنين إلا ما كان بينه و بين أبي محمد.و هو سبعة أشهر و عشرة أيام،و أقام مع أبيه عليه السّلام ثلاثين سنة،و أقام مع أبي محمد عشر سنين و أقام بعد مضي أخيه الحسن عليه السّلام عشر سنين،فكان عمره سبعا و خمسين سنة إلا ما كان بينه و بين أخيه من الحمل،و قبض في يوم عاشورا في يوم الجمعة في سنة إحدى و ستين،و يقال:في يوم عاشورا يوم الاثنين،و كان بقاؤه بعد أخيه الحسن عليه السّلام أحد عشر سنة.

و قال الحافظ عبد العزيز:الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السّلام و امه فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله،ولد في ليال خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة،و قتل بالطف يوم عاشورا سنة إحدى و ستين،و هو ابن خمس و خمسين سنة و ستة

أشهر (1).

أقول:الاشهر في ولادته صلوات اللّه عليه،أنه ولد لثلاث خلون من شعبان لما رواه الشيخ في المصباح:أنه خرج إلى القاسم بن العلا الهمداني وكيل أبي محمد عليه السّلام أن مولانا الحسين عليه السّلام ولد يوم الخميس،لثلاث خلون من شعبان فصم و ادع فيه بهذا الدعاء و ذكر الدعاء.

ثم قال رحمه اللّه بعد الدعاء الثاني المروي عن الحسين:قال ابن عياش:سمعت الحسين بن علي بن سفيان البزوفري يقول:سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يدعو به في هذا اليوم و قال:هو من أدعية اليوم الثالث من شعبان و هو مولد الحسين عليه السّلام.و قيل:

إنه عليه السّلام ولد لخمس ليال خلون من شعبان،لما رواه الشيخ أيضا في المصباح عن7.

ص: 13


1- بعض المصادر:ج 2 ص 216 و 217.

الحسين بن زيد،عن جعفر بن محمد عليهما السّلام أنه قال:ولد الحسين بن علي عليهما السّلام لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع خلون من الهجرة.

و قال رحمه اللّه في التهذيب:ولد عليه السّلام آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة.

و قال الكليني قدس اللّه روحه:ولد عليه السّلام سنة ثلاث.

و قال الشهيد رحمه اللّه في الدروس:ولد عليه السّلام بالمدينة آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة،و قيل:يوم الخميس ثلاث عشر شهر رمضان.

و قال المفيد:لخمس خلون من شعبان سنة أربع.

و قال الشيخ ابن نما في مثير الاحزان:ولد عليه السّلام لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة،و قيل الثالث منه،و قيل:أواخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث و قيل:

لخمس خلون من جمادى الاولى سنة أربع من الهجرة،و كانت مدة حمله ستة أشهر،و لم يولد لستة سواه و عيسى و قيل يحيى عليهم السلام.

و أقول:إنما اختار الشيخ رحمه اللّه كون ولادته عليه السّلام في آخر شهر ربيع الأول مع مخالفته لما رواه من الروايتين السالفتين اللتين تدلان على الثالث و الرواية الاخرى التي تدل على الخامس من شعبان،ليوافق ما ثبت عنده،و اشتهر بين الفريقين من كون ولادة الحسن عليه السّلام في منتصف شهر رمضان،و ما مر في الرواية الصحيحة في باب ولادتهما عليهما السّلام من أن بين ولادتيهما لم يكن إلا ستة أشهر و عشرا،لكن مع ورود هذه الأخبار،يمكن عدم القول بكون ولادة الحسن عليه السّلام في شهر رمضان، لعدم استناده إلى خبر على ما عثرنا عليه،و اللّه يعلم (1).

و عن الإمام الصادق عليه السّلام قال:إنّ الحسين لمّا ولد أمر اللّه عزّ و جلّ جبرائيل أن يهبط في ألف من الملائكة فيهنّئ رسول اللّه من اللّه و من جبرائيل،فمرّ على جزيرة في البحر فيها ملك يقال له قطرس كان من الحملة بعثه اللّه في شيء فأبطأ عليه0.

ص: 14


1- بحار الأنوار:205/40.

فكسر جناحه و ألقاه في تلك الجزيرة،فعبد اللّه تعالى في الجزيرة سبعمائة عام فقال لجبرائيل:احملني معك لعلّ محمّدا يدعو لي فحمله فلمّا دخل جبرائيل على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله هنّأه و أخبره بحال قطرس فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:قل له تمسّح بهذا المولود وعد إلى مكانك فتمسّح بالحسين عليه السّلام و ارتفع فقال:يا رسول اللّه أما إنّ امّتك ستقتله و له علي مكافأة لا يزوره زائر إلاّ أبلغه عنه و لا يسلّم عليه مسلم إلاّ أبلغه سلامه و لا يصلّ عليه مصلّ إلاّ أبلّغه صلاته ثمّ ارتفع.

و في حديث آخر أنّه لمّا ارتفع قال:من مثلي و أنا عتاقة الحسين،يعني أنّه أعتقني من عذاب ذلك الذنب (1).

و في كتاب الإحتجاج عن عبد الرحمن بن المثنّى الهاشمي قال:قلت لأبي عبد اللّه:

جعلت فداك من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسن و هما مثلان؟

فقال:إنّ جبرائيل نزل على محمّد فقال:يولد لك غلام تقتله امّتك من بعدك فقال:

يا جبرائيل لا حاجة لي فيه خاطبه ثلاثا ثمّ دعا عليّا فقال:إنّ جبرائيل أخبرني أنّه يولد لك غلام تقتله امّتي قال:لا حاجة لي فيه ثلاثا ثمّ قال:إنّه يكون فيه و في ولده الإمامة و الوراثة و الخزانة،و كذلك قال لفاطمة بعد قولها:لا حاجة لي فيه،فقالت:

رضيت عن اللّه عزّ و جلّ،فحملت بالحسين ستّة أشهر و لم يعش مولود قطّ ستّة أشهر غيره و غير عيسى ابن مريم فكفلته امّ سلمة،و كان صلّى اللّه عليه و اله يأتيه في كلّ يوم فيضع لسانه في فمه فيمصّه حتّى يروى فأنبت اللّه لحمه من لحم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و لم يرضع من فاطمة و لا من غيرها لبنا (2).

و في الكتاب عن برة الخزاعي قال:لمّا حملت فاطمة بالحسن خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و اله في بعض وجوهه فقال لها:إنّك ستلدين غلاما فلا ترضعيه حتّى أصير إليك،فلمّا1.

ص: 15


1- البحار:244/43.
2- علل الشرائع:206/1.

وضعته بقي ثلاثة أيّام ما أرضعته فأدركتها رقّة الامّهات فأرضعته.

فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:أبى اللّه عزّ و جلّ إلاّ ما أراد،فلمّا حملت بالحسين قال:إنّك ستلدين غلاما قد هنّأني به جبرائيل فلا ترضعيه حتّى أجيء إليك و لو أقمت شهرا و خرج في بعض وجوهه فولدت الحسين عليه السّلام،فما أرضعته حتّى جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فأخذه فجعل يمصّ إبهامه و فيه غذاؤه،و يقال:بل كان يدخل لسانه في فيه فيزقّه كما يزقّ الطير فرخه و قال:إيها حسين إيها حسين أبي اللّه إلاّ ما يريد بل هي فيك يعني الإمامة (1).

و في عيون المعجزات للمرتضى:روى أنّ فاطمة ولدت الحسن و الحسين من فخذها الأيسر.و روى أنّ مريم ولدت المسيح من فخذها الأيمن و حديث هذه الحكاية في كتاب الأنوار و في كتب كثيرة (2).

و في كتاب المناقب:ولد الحسين عليه السّلام عام الخندق بالمدينة يوم الخميس أو يوم الثلاثاء لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة بعد أخيه بعشرة أشهر و عشرين يوما.

و روي أنّه لم يكن بينهما إلاّ الحمل و هو ستّة أشهر عاش مع جدّه ستّ سنين و أشهرا و كمل عمره خمسين سنة و خمسة أشهر و قيل:ستّ و خمسون سنة و خمسة أشهر،و يقال:ثمان و خمسون (3).

و قال في بحار الأنوار:الأشهر في ولادته عليه السّلام إنّه ولد لثلاث خلون من شعبان لما رواه الشيخ في المصباح و قيل:ولد لخمس ليال خلون من شعبان و رواه الشيخ أيضا (4).7.

ص: 16


1- رسائل المرتضى:92/2.
2- عيون المعجزات:51.
3- دلائل الامامة:177.
4- انظر العوالم:7.

و قال في التهذيب:ولد آخر شهر ربيع الأوّل و قيل فيه غير هذا (1).

و مدّة خلافته خمس سنين و أشهرا في آخر ملك معاوية و أوّل ملك يزيد.

و كان منها مع جده رسول اللّه(ص)ست سنين و شهورا،و كان مع أبيه أمير المؤمنين علي عليه السّلام ثلاثين سنة بعد وفاة النبي(ص)،و كان مع أخيه الحسن بعد وفاة أبيه عشر سنين،و بقى بعد وفاة أخيه إلى مقتله عشر سنين.

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:كان بين الحسن و الحسين عليه السّلام طهر و كان بينهما في الميلاد ستّة أشهر و عشرا (2)(3).

عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:إنّ جبرائيل عليه السّلام نزل على محمد صلّى اللّه عليه و اله فقال له:يا محمد إنّ اللّه يبشّرك بمولود يولد من فاطمة،تقتله أمّتك من بعدك فقال:يا جبرائيل و على ربّي السّلام،لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله أمّتي من بعدي،فعرج ثمّ هبط عليه السّلام فقال له مثل ذلك،فقال:يا جبرائيل و على ربّي السلام لا حاجة لي في مولود تقتله أمّتي من بعدي فعرج جبرائيل عليه السّلام إلى السماء ثمّ هبط فقال:يا محمد إنّ ربّك يقرئك السّلام و بيشّرك بأنّه جاعل في ذرّيّته الإمامة و الولاية و الوصيّة،فقال:قد رضيت ثمّ أرسل إلى فاطمة أنّ اللّه يبشّرني بمولود يولد لك،تقتله أمّتي من بعدي فأرسلت إليه لا حاجة في مولود[منّي]تقتله أمّتك من بعدك،فأرسل إليها أنّ اللّه قد جعل في ذرّيّته الإمامة و الولاية و الوصيّة،فأرسلت إليه إنّي قد رضيت ف حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي فلولا أنّه قال:

أصلح لي في ذرّيّتي لكانت ذرّيته كلّهم أئمّة و لم يرضع الحسين من فاطمة عليها السّلام و لا من1.

ص: 17


1- تهذيب الاحكام:42/6.
2- أي أقل زمان الطهر و هو عشرة أيام و كان مدة الحمل ستة أشهر فكان بينهما في الميلاد ستة أشهر و عشرة أيام،و المولد الموضع و الوقت،و الميلاد الوقت لا غير.
3- الكافي 464/1.

أنثى،كان يؤتى به النبيّ فيضع إبهامه في فيه فيمصّ منها ما يكفيه اليومين و الثلاث، فنبت لحم الحسين عليه السّلام من لحم رسول اللّه و دمه صلّى اللّه عليه و اله و لم يولد لستّة أشهر إلاّ عيسى بن مريم عليه السّلام و الحسين بن عليّ عليهم السّلام (1).و في رواية أخرى،عن أبي الحسن الرّضا عليه السّلام:

إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله كان يؤتى بالحسين فيلقمه لسانه فيمصّه فيجتزىء به و لم يرتضع من أنثى (2).

و عن أم الفضل بنت الحارث:أنها رأت فيما يرى النائم أن عضوا من أعضاء النبي صلّى اللّه عليه و سلّم في بيتها[قالت:]فقصصتها على النبي صلى اللّه عليه و سلّم فقال:«خيرا رأيت،تلد فاطمة غلاما فترضعيه بلبن قثم»قالت:فولدت فاطمة غلاما فسمّاه النبي صلى اللّه عليه و سلّم حسينا و دفعه إلى أم الفضل،و كانت ترضعه بلبن قثم (3).

و قال السيد القرشي:و استقبل سبط النبي صلّى اللّه عليه و اله دنيا الوجود في السنة الرابعة من الهجرة و قيل في السنة الثالثة و اختلف الرواة في الشهر الذي ولد فيه فذهب الأكثر إلى أنه ولد في شعبان،و أنه في اليوم الخامس منه و لم يحدد بعضهم اليوم، و إنما قال:ولد لليال خلون من شعبان و أهمل بعض المؤرخين ذلك مكتفيا بالقول أنه ولد في شعبان و ذهب بعض الأعلام إلى أنه ولد في آخر ربيع الأول إلا أنه خلاف المشهور فلا يعنى به (4).

وجوم النبي و بكاؤه

و لما بشر الرسول الأعظم بسبطه المبارك خفّ مسرعا إلى بيت بضعته

ص: 18


1- الكافي:465/1
2- الكافي:465/1.
3- سنن ابن ماجة 289/2 أبواب تعبير الرؤيا و منتخب كنز العمال 111/5.
4- حياة الإمام الحسين للقرشي:20/1.

فاطمة عليه السّلام و هو مثقل الخطا قد ساد عليه الوجوم و الحزن،فنادى بصوت خافت حزين النبرات:

«يا أسماء هلمي ابني».

فناولته أسماء،فاحتضنه النبي،و جعل يوسعه تقبيلا،و قد انفجر بالبكاء فذهلت أسماء،و انبرت تقول:

«فداك أبي و أمي مم بكاؤك؟!!».

فأجابها النبي صلّى اللّه عليه و اله و قد غامت عيناه بالدموع:

«من ابني هذا».

و ملكت الحيرة إهابها فلم تدرك معنى هذه الظاهرة و مغزاها فانطلقت تقول:

«إنه ولد الساعة».

فأجابها الرسول بصوت متقطع النبرات حزنا و أسى قائلا:

«تقتله الفئة الباغية من بعدي لا أنالهم الله شفاعتي..».

ثم نهض و هو مثقل بالهمّ و أسرّ إلى أسماء قائلا:

«لا تخبري فاطمة فإنها حديثة عهد بولادة...».

و انصرف النبي صلّى اللّه عليه و اله و هو غارق بالأسى و الشجون،فقد استشف من وراء الغيب ما سيجري على ولده من النكبات و الخطوب التي تذهل كل كائن حي (1).

مراسيم ولادته

اشارة

و أجرى النبي صلّى اللّه عليه و اله بنفسه أكثر المراسيم الشرعية لوليده المبارك،فقام صلّى اللّه عليه و اله بما يلي:

ص: 19


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:19/1.
أولا:

الأذان و الإقامة

و احتضن النبي وليده العظيم فأذّن في أذنه اليمنى،و أقام في اليسرى و جاء في الخبر«أن ذلك عصمة للمولود من الشيطان الرجيم».

إن أول صوت اخترق سمع الحسين هو صوت جده الرسول صلّى اللّه عليه و اله الذي هو أول من أناب إلى الله،و دعى إليه،و أنشودة ذلك الصوت:

«الله أكبر لا إله إلا الله..».

لقد غرس النبي صلّى اللّه عليه و اله هذه الكلمات التي تحمل جوهر الإيمان و واقع الإسلام في نفس وليده،و غذاه بها فكانت من عناصره و مقوماته،و قد هام بها في جميع مراحل حياته،فانطلق إلى ميادين الجهاد مضحيا بكل شي في سبيل أن تعلو هذه الكلمات في الأرض،و تسود قوى الخير و السلام و تتحطم معالم الردة الجاهلية التي جهدت على إطفاء نور الله.

ثانيا:
اشارة

التسمية

و سمّاه النبي صلّى اللّه عليه و اله حسينا كما سمّى أخاه حسنا و يقول المؤرخون لم تكن العرب في جاهليتها تعرف هذين الإسمين حتى تسمّي أبناءها بهما،و إنما سمّاهما النبي صلّى اللّه عليه و اله بهما بوحي من السماء.

و قد صار هذا الإسم الشريف علما لتلك الذات العظيمة التي فجّرت الوعي و الإيمان في الأرض،و استوعب ذكرها جميع لغات العالم،و هام الناس بحبها حتى

ص: 20

صارت عندهم شعارا مقدسا لجميع المثل العليا،و شعارا لكل تضحية تقوم على الحق و العدل.

أقوال شاذة:

و حفلت بعض مصادر التاريخ و الأخبار بصور مختلفة لتسمية الإمام الحسين عليه السّلام لا تخلو من التكلف و الإنتحال و هي:

1-ما رواه هانىء بن هانىء عن علي عليه السّلام قال:لما ولد الحسن جاء رسول الله صلّى اللّه عليه و اله فقال:أروني ابني ما سميتموه؟قلت:سميته حربا،قال:بل هو حسن،فلما ولد الحسين قال:أروني ابني ما سميتموه؟

قلت:سميته حربا،قال:بل هو حسين،فلما ولد الثالث جاء النبي صلّى اللّه عليه و اله فقال:

أروني ابني ما سميتموه؟قلت:حربا،فقال:بل هو محسن.

و هذه الرواية-فيما نحسب-لا نصيب لها من الصحة و ذلك:

أ-أن سيرة أهل البيت عليهم السّلام قامت على الالتزام بحرفية الإسلام و عدم الشذوذ عن أي بند من أحكامه،و قد كره الإسلام تسمية الأبناء بأسماء الجاهلية التي هي رمز للتأخر و الانحطاط الفكري،مضافا إلى أن هذا الإسم علم لجد الأسرة الأموية التي تمثل القوى الحاقدة على الإسلام و الباغية عليه،فكيف يسمّي الإمام أبناءه به؟!!

ب-إن إعراض النبي صلّى اللّه عليه و اله عن تسمية سبطه الأول به مما يوجب ردع الإمام عن تسمية بقية أبنائه به.

ج-إن المحسن باتفاق المؤرخين لم يولد في حياة الرسول صلّى اللّه عليه و اله و إنما ولد بعد حياته بقليل،و هذا مما يؤكد انتحال الرواية و عدم صحتها.

2-روى أحمد بن حنبل بسنده عن الإمام علي عليه السّلام قال:لما ولد لي الحسن سميته باسم عمي حمزة،و لما ولد الحسين سميته باسم أخي جعفر فدعاني

ص: 21

رسول الله صلّى اللّه عليه و اله فقال:«إن الله قد أمرني أن أغير اسم هذين فسمّاهما حسنا،و حسينا».

و هذه الرواية كسابقتها في الضعف فإن تسمية السبطين بهذين الإسمين وقعت عقيب ولادتهما حسب ما ذهب إليه المشهور و لم يذهب أحد إلى ما ذكره أحمد.

3-روى الطبراني بسنده عن الإمام علي عليه السّلام أنه قال:لما ولد الحسين سميته باسم أخي جعفر فدعاني رسول الله صلّى اللّه عليه و اله و أمرني أن أسميه حسينا،و هذه الرواية تضارع الروايتين في ضعفها فإن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام لم يسبق رسول الله صلّى اللّه عليه و اله في تسمية سبطه و ريحانته و هو الذي أسماه بذلك حسب ما ذهب إليه المشهور و أجمعت عليه روايات أهل البيت عليهم السّلام.

ثالثا:

العقيقة

و بعد ما انطوت سبعة أيام من ولادة السبط أمر النبي صلّى اللّه عليه و اله أن يعق عنه بكبش، و يوزع لحمه على الفقراء كما أمر أن تعطى القابلة فخذا منها،و كان ذلك من جملة ما شرعه الإسلام في ميادين البر و الإحسان إلى الفقراء.

رابعا:

حلق الرأس

و أمر النبي صلّى اللّه عليه و اله أن يحلق رأس وليده،و يتصدق بزنته فضة على الفقراء فكان وزنه-كما في الحديث-درهما و نصفا و طلى رأسه بالخلوق و نهى عما كان يفعله أهل الجاهلية من إطلاء رأس الوليد بالدم.

ص: 22

خامسا:

الختان

و أوعز النبي صلّى اللّه عليه و اله إلى أهل بيته بإجراء الختان على وليده في اليوم السابع من ولادته،و قد حث النبي صلّى اللّه عليه و اله على ختان الطفل في هذا الوقت المبكر لأنه أطيب له و أطهر.

تعويذ النبي للحسنين

و بلغ من رعاية النبي صلّى اللّه عليه و اله لسبطيه،و حرصه على وقايتهما من كل سوء و شر أنه كان كثيرا ما كان يعوذهما فقد روى ابن عباس قال:«كان النبي صلّى اللّه عليه و اله يعوذ الحسن و الحسين قائلا:«أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان و هامة،و من كل عين لامة»و يقول:هكذا كان إبراهيم يعوذ ابنيه إسماعيل و إسحاق.و يقول عبد الرحمن بن عوف:قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:

«يا عبد الرحمن:ألا أعلّمك عوذة كان إبراهيم يعوذ بها ابنيه إسماعيل و إسحاق،و أنا أعوذ بها ابني الحسن و الحسين..كفى بالله واعيا لمن دعا،و لا مرمى وراء أمر الله لمن رمى..».

و دل ذلك على مدى الحنان،و العطف الذي يكنه صلّى اللّه عليه و اله لهما،و أنه كان يخشى عليهما من أن تصيبهما عيون الحساد فيقيهما منها بهذا الدعاء.

ص: 23

ملامح الحسين عليه السلام

و بدت في ملامح الإمام الحسين عليه السّلام ملامح جده الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله فكان يحاكيه في أوصافه،كما كان يحاكيه في أخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين،و وصفه محمد بن الضحاك فقال:«كان جسد الحسين يشبه جسد رسول الله صلّى اللّه عليه و اله»،و قيل:إنه كان يشبه النبي صلّى اللّه عليه و اله ما بين سرته إلى قدميه و قال الإمام علي عليه السّلام:

«من سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله صلّى اللّه عليه و اله ما بين عنقه و ثغره فلينظر إلى الحسن،و من سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله صلّى اللّه عليه و اله ما بين عنقه إلى كعبه خلقا و لونا فلينظر إلى الحسين بن علي..».

لقد بدت على وجهه الشريف أسارير الإمامة فكان من أشرق الناس وجها،فكان كما يقول أبو كبير الهذلي:

و إذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل.

و وصفه بعض المترجمين له بقوله:«كان أبيض اللون،فإذا جلس في موضع فيه ظلمة يهتدى إليه لبياض حسنه و نحره»و يقول آخر:«كان له جمال عظيم،و نور يتلألأ في جبينه و خده،يضىء حواليه في الليلة الظلماء و كان أشبه الناس برسول الله صلّى اللّه عليه و اله»، و وصفه بعض الشهداء من أصحابه في رجز كان نشيدا له في يوم الطف يقول:

له طلعة مثل شمس الضحى له غرة مثل بدر منير

ص: 24

هيبة الحسين

و كانت عليه سيماء الأنبياء،فكان في هيبته يحكي هيبة جده التي تعنو لها الجباه،و وصف عظيم هيبته بعض الجلادين من شرطة ابن زياد بقوله:

«لقد شغلنا نور وجهه،و جمال هيبته عن الفكرة في قتله».

و لم تحجب نور وجهه يوم الطف ضربات السيوف،و لا طعنات الرماح،فكان كالبدر في بهائه و نضارته و في ذلك يقول الكعبي:

و مجرح ما غيّرت منه القنا حسنا و لا أخلقن منه جديدا

قد كان بدرا فاغتدى شمس الضحى مذ ألبسته يد الدماء برودا

و لما جيء برأسه الشريف إلى الطاغية ابن زياد بهر بنور وجهه فانطلق يقول:

«ما رأيت مثل هذا حسنا!!».

فانبرى إليه أنس بن مالك منكرا عليه قائلا:

«أما أنه كان أشبههم برسول الله؟».

و حينما عرض الرأس الشريف على يزيد بن معاوية ذهل من جمال هيبته و طفق يقول:

«ما رأيت وجها قط أحسن منه!!».

فقال له بعض من حضر:

«إنه كان يشبه رسول الله صلّى اللّه عليه و اله».

لقد أجمع الرواة أنه كان يحاكي جده الرسول صلّى اللّه عليه و اله في أوصافه و ملامحه و أنه كان يضارعه في مثله و صفاته،و لما تشرّف عبد الله بن الحر الجعفي بمقابلته

ص: 25

امتلأت نفسه إكبارا و إجلالا له و راح يقول:

«ما رأيت أحدا قط أحسن،و لا أملأ للعين من الحسين..».

لقد بدت على ملامحه سيماء الأنبياء و بهاء المتقين،فكان يملأ عيون الناظرين إليه،و تنحني الجباه خضوعا و إكبارا له.

ص: 26

ألقاب الحسين

أما ألقابه فتدل على سمو ذاته،و ما يتمتع به من الصفات الرفيعة و هي:

1-الشهيد.

2-الطيب.

3-سيد شباب أهل الجنة.

4-السبط لقوله صلّى اللّه عليه و اله:«حسين سبط من الأسباط».

5-الرشيد.

6-الوفي.

7-المبارك.

8-التابع لمرضاة الله.

9-الدليل على ذات الله.

10-المطهر.

11-البر.

12-أحد الكاظمين.

كنيته

كان يكنى بأبي عبد الله و ذكر غير واحد من المؤرخين أنه لا كنية له غيرها، و قيل:إنه يكنى بأبي علي و كنّاه الناس من بعد شهادته بأبي الشهداء و أبي الأحرار.

ص: 27

نقش خاتمه

كان له خاتمان أحدهما من عقيق،و قد نقش عليه«إن الله بالغ أمره»الثاني و هو الذي سلب منه يوم قتل،و قد كتب عليه«لا إله إلا الله عدد (1)لقاء الله»،و قد ورد:أن من يتختم بمثله كان له حرز من الشيطان.

استعماله الطيب

و كان الطيب محببا إليه فكان المسك لا يفارقه في حله و ترحاله،كما كان بخور العود في مجلسه.

دار سكناه

و أول دار سكنها مع أبويه كانت الدار المجاورة لبيت عائشة و لها باب من المسجد،و تعرف بدار فاطمة (2).

ص: 28


1- في دلائل الإمامة(181):عدة.
2- انظر حياة الإمام الحسين للقرشي:20/1.

ثلاثة مراحل من حياة الحسين عليه السلام

اشارة

قال السيد الخامنئي:يجب أولا و قبل كل شيء إدراك مدى فداحة تلك الواقعة حتى نتحرك و نتتبع أسبابها،و لا يقصر نظر أحد على أنّ واقعة عاشوراء كانت-في النهاية-مذبحة قتل فيها مجموعة.كلا،بل إنها و كما نقرأ في زيارة عاشوراء:«لقد عظمت الرزية و جلّت و عظمت المصيبة».

و لأجل أن يتضح مدى عظم تلك الفاجعة،أستعرض بصورة إجمالية ثلاثة مراحل قصيرة من حياة أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام،لنرى شخصية الإمام الحسين عليه السّلام في هذه المراحل الثلاثة،هل من الممكن أن يحتمل أحد أنه ينتهي بها المآل يوم عاشوراء إلى أن تحاصره حشود من أمّة جدّه و تقتله أشنع قتلة هو و أصحابه و أهل بيته و تسبي عياله؟

تتلخص تلك المراحل الثلاثة في:

أولا:مرحلة الطفولة و تبدأ منذ نعومة أظفاره إلى تاريخ وفاة الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله.

ثانيا:مرحلة شبابه..أي خمس و عشرون سنة،من وفاة جده إلى خلافة أمير المؤمنين عليه السّلام.

ثالثا:المرحلة التي استمرت عشرين سنة من بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السّلام إلى واقعة كربلاء.

ص: 29

مرحلة الطفولة عند الحسين عليه السلام

اشارة

ففي المرحلة الأولى؛أي في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله كان الحسين عليه السّلام طفلا مدللا و محبوبا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله.فقد كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله بنت،و كان المسلمون يعلمون جميعا آنذاك أنه صلّى اللّه عليه و اله قال:«إني لأغضب لغضب فاطمة و أرضى لرضاها» (1).

فانظروا عظيم منزلة هذه البنت بحيث إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يبجّلها بهذه الكلمة و أمثالها في محضر المسلمين و الملأ العام.و ليس هذا بالأمر العادي.

و زوّجها الرسول الكريم صلّى اللّه عليه و اله لشخص كان ذروة في المآثر،زوّجها علي بن أبي طالب عليه السّلام الذي كان شابا شجاعا شريفا و من أكثر الناس إيمانا و أسبقهم إلى

ص: 30


1- و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«يا فاطمة إن اللّه يغضب لغضبك و يرضى لرضاك»أخرجه الطبراني في المعجم الكبير:108/1 ح 182 ذيل ترجمة علي و بالهامش:«في هامش الاصل:هذا حديث صحيح الاسناد و روي من طرق عن علي رواه الحارث عن علي و روي مرسلا،و هذا الحديث أحسن شيء رأيته و أصح إسناد قرأته»و 401/22 ترجمة فاطمة-مناقبها،و جواهر العقدين:350 الباب الحادي عشر، قال السمهودي بعد إيراده هذا الحديث:(فمن آذى شخصا من أولاد فاطمة أو أبغضه فقد جعل نفسه عرضة لهذا الخطر العظيم،و بضده من تعرض لمرضاتها في حبهم و إكرامهم كما يؤخذ مما تقدم) جواهر العقدين:351 الباب 11. *و قال السهيلي:(هذا الحديث يدل على أن من سبّها كفر و من صلّى عليها فقد صلّى على أبيها) المواهب اللدنية:533/2 الفصل الثاني من المقصد السابع. و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني»المصنف لابن أبي شيبة:/6 391 ح 32259 كتاب الفضائل-فضائل فاطمة.و الفردوس بمأثور الخطاب:232/1 ح 887 ط. دار الكتب العلمية،و 282 ح 886 ط.دار الكتاب العربي.و صحيح البخاري:83/5 ح 232 كتاب الفضائل-مناقب قرابة الرسول و 73/7 كتاب النكاح باب(110)ذب الرجل عن ابنته في الغيرة و الانصاف ح 159،و صحيح مسلم:221/16 ح 6257 كتاب الفضائل-فضائل الصحابة-فاطمة.

الإسلام،و أكثرهم مشاركة في كل ميادينه،عليّ..من قام الإسلام بسيفه..من كان يقدم حيثما يحجم الآخرون و يحل المستعصي من العقد..هذا الصهر العزيز المحبوب الذي لم تكن محبته منطلقة من وازع القرابة و ما شاكلها من الوشائج، و إنما كانت انطلاقا من عظمة شخصيته،و لهذه الأسباب زوّجه ابنته،فكان من نسلهم الحسين،و هذا الكلام يصدق كله أيضا على الإمام الحسن عليه السّلام.إلا أنّ كلامي هنا يدور حول الإمام الحسين عليه السّلام..

بين الحسين و النبي عليهما السلام

أعز عزيز عند الرسول الأعظم الذي كان زعيم العالم الإسلامي و حاكم المسلمين و محبوب كل القلوب يضمه بين ذراعيه و يصطحبه إلى المسجد.

و المسلمون كانوا يعلمون أنّ هذا الطفل هو محبوب قلب الرسول الذي تذوب القلوب جميعا في محبته.فحينما كان الرسول يلقي خطبة من فوق المنبر علقت رجل هذا الطفل بعائق فسقط على الأرض،فنزل الرسول صلّى اللّه عليه و اله من فوق المنبر و احتضنه و لاطفه.لاحظوا،هكذا كانت محبة الحسين عليه السّلام عند الرسول الأعظم.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن الحسن و الحسين عليهما السّلام و هما آنذاك في السابعة و السادسة من عمريهما:«الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنّة» (1).

قال فيهما هذا القول و هما لازالا طفلين.أي أنهما حتى و إن كانا في تلك السن إلا أنهما يفهمان و يدركان و يعملان كمن هو في سن الشباب،و يفوح الأدب و الشرف من جنبيهما.

و لو قال قائل حينذاك أنّ هذا الطفل سيقتل على يد أمّة هذا الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و اله

ص: 31


1- ترجمة الإمام الحسين:50.

بلا جرم أو جريرة،ما كان ليصدّقه أحد.مثلما صرّح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله نفسه بتلك الحقيقة المرّة و بكى لها.

و تعجب في وقتها الجميع،مستنكرين إمكانية حدوث عمل كهذا.

ص: 32

مرحلة شباب الحسين عليه السلام

المرحلة الثانية:هي الفترة التي استمرت خمسا و عشرين سنة من وفاة الرسول إلى خلافة أمير المؤمنين عليه السّلام.إذ كان عليه السّلام شابا متوثّبا و عالما و شجاعا،شارك في الحروب و خاض شدائد الأمور.كان معروفا عند الجميع بالعظمة،و عند ما يأتي ذكر الكرام تشخص إليه الأبصار و تحوم حوله الأذهان.و إسمه يسطع بين جميع مسلمي مكة و المدينة و حيثما امتد الإسلام،بكل فضيلة و مكرمة.و الكل ينظر إليه و إلى أخيه عليه السّلام باحترام و تكريم.

و حتى خلفاء ذلك العصر كانوا يبدون لهما التعظيم و الإجلال.و كان مثالا و مقتدى لشباب ذلك العهد.و هكذا لو أنّ شخصا قال آنذاك إنّ هذا الشاب سيقتل على يد هذه الأمّة،لما صدّقه أحد.

ص: 33

مرحلة الشهادة

المرحلة الثالثة:هي تلك المرحلة التي حلّت من بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السّلام و كان دور غربة أهل البيت.فكان الإمامان الحسن و الحسين عليهما السلام يقيمان خلال تلك المدّة في مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و اله.بعد مقتل أمير المؤمنين بعشرين سنة، انحصرت الإمامة في الحسين على جميع المسلمين-و إن لم تكن الخلافة في يده- و بدا مفتيا كبيرا،و زاد احترامه عند الجميع،و أضحى عروة يتمسك بها كل من يريد التمسّك بأهل البيت عليهم السّلام.فكان ذا شخصية محبوبة و رجلا شريفا نجيبا أصيلا عالما.

حتى إنه بعث في ذلك الوقت بكتاب إلى معاوية،لو كان غيره كتبه لأي حاكم لكان جزاؤه القتل.إلا أنّ معاوية حينما وصله الكتاب تلقّاه بكل تكريم و قرأه متغاضيا عما جاء فيه.

ثم لو أن أحدا كان يقول في ذلك الوقت أنّ هذا الرجل الشريف الكريم العزيز النجيب الذي يجسّد الإسلام و القرآن في نظر كل ناظر،سيقتل عمّا قريب على يد أمة الإسلام و القرآن قتلة شنيعة،لم يكن أحد ليتصور صحّة ذلك.إلاّ أنّ هذه الواقعة العجيبة البعيدة عن التصور،قد حصلت فعلا!

و لكن من الذين فعلوا ذلك؟فعله أولئك الذين كانوا يترددون عليه و يوالونه و يعربون له عن محبتهم و إخلاصهم!فما معنى هذا؟معناه أنّ المجتمع الإسلامي أفرغ طوال هذه الخمسين سنة من قيمه المعنوية و جرّد من حقيقة الإسلام،فكان ظاهره إسلاميا و باطنه خاويا.و هنا هو مكمن الخطر.

ص: 34

فالصلوات تقام و صلاة الجماعة موجودة،و الأمة توصف بالأمة المسلمة، و حتى أنّ البعض منها يوالي أهل البيت عليهم السّلام!

و معنى هذا أن أهل البيت عليهم السّلام يحظون بالاحترام و القبول لدى جميع المسلمين، و كانوا في ذلك العصر يلقون غاية التكريم و المحبة.و لكن في الوقت ذاته حينما يصبح المجتمع خاويا تقع مثل تلك الحادثة(حادثة كربلاء).

و لكن أين العبرة من هذا؟تكمن العبرة في ما ينبغي عمله لكي لا ينزلق المجتمع إلى مثل ذلك المآل.و هذا ما يوجب علينا فهم الظروف التي ساقت المجتمع إلى تلك النهاية.

و هذا هو البحث المطوّل الذي أريد أن أقّدم لكم موجزه (1).1.

ص: 35


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:47-51.

المكونات التربوية للإمام الحسين عليه السلام

اشارة

قال السيد القرشي:و توفّرت في سبط الرسول صلّى اللّه عليه و اله و ريحانته الإمام الحسين عليه السّلام،جميع العناصر التربوية الفذة التي لم يظفر بها غيره،فأخذ بجوهرها و لبابها و قد أعدّته لقيادة الأمة،و تحمّل رسالة الإسلام بجميع أبعادها و مكوناتها، كما أمدته بقوى روحية لاحد لها من الإيمان العميق بالله،و الخلود إلى الصبر على ما انتابه من المحن و الخطوب التي لا يطيقها أي كائن حي من بني الإنسان.

أما الطاقات التربوية التي ظفر بها،و عملت على تقويمه و تزويده بأضخم الثروات الفكرية و الإصلاحية فهي:

الوراثة

حددت الوراثة بأنها مشابهة الفرع لأصله،و لا تقتصر على المشابهة في المظاهر الشكلية و إنما تشمل الخواص الذاتية،و المقومات الطبيعية،كما نص على ذلك علماء الوراثة و قالوا:إن ذلك أمر بيّن في جميع الكائنات الحية فبذور القطن تخرج القطن،و بذور الزهرة تخرج الزهرة،و هكذا غيرها،فالفرع يحاكي أصله و يساويه في خواصه،و أدق صفاته،يقول(مندل):

«إن كثيرا من الصفات الوراثية تنتقل بدون تجزئة أو تغير من أحد الأصلين أو منهما إلى الفرع..».

و أكد هذه الظاهرة«هكسلي»بقوله:

ص: 36

«إنه ما أثر أو خاصة لكائن عضوي إلا و يرجع إلى الوراثة أو إلى البيئة فالتكوين الوراثي يضع الحدود لما هو محتمل،و البيئة تقرر أن هذا الإحتمال سيتحقق، فالتكوين الوراثي إذن ليس إلا القدرة على التفاعل مع أية بيئة بطريق خاص..».

و معنى ذلك أن جميع الآثار و الخواص التي تبدو في الأجهزة الحساسة من جسم الإنسان ترجع إلى العوامل الوراثية و قوانينها،و البيئة تقرر وقوع تلك المميزات و ظهورها في الخارج،فإذن ليست البيئة إلا عاملا مساعدا للوراثة،حسب البحوث التجريبية التي قام بها الإختصاصيون في بحوث الوراثة.

و على أي حال فقد أكد علماء الوراثة بدون تردد أن الأبناء و الأحفاد يرثون معظم صفات آبائهم و أجدادهم النفسية و الجسمية،و هي تنتقل إليهم بغير إرادة و لا اختيار،و قد جاء هذا المعنى صريحا فيما كتبه الدكتور«الكسيس كارل»عن الوراثة بقوله:

«يمتد الزمن مثلما يمتد في الفرع إلى ما وراء حدوده الجسمية..و حدوده الزمنية ليست أكثر دقة و لا ثباتا من حدوده الاتساعية،فهو مرتبط بالماضي و المستقبل، على الرغم من أن ذاته لا تمتد خارج الحاضر..و تأتي فرديتنا كما نعلم إلى الوجود حينما يدخل الحويمن في البويضة.و لكن عناصر الذات تكون موجودة قبل هذه اللحظة و مبعثرة في أنسجة أبوينا و أجدادنا و أسلافنا البعيدين جدا لأنا مصنوعون من مواد آبائنا و أمهاتنا الخلوية.و تتوقف في الماضي على حالة عضوية لا تتحلل...و تحمل في أنفسنا قطعا ضيئلة لأعداد من أجسام أسلافنا،و ما صفاتنا و نقائصنا إلا امتداد لنقائصهم و صفاتهم..».

و قد اكتشف الإسلام-قبل غيره-هذالظاهرة،و دلل على فعالياتها،في التكوين النفسي و التربوي للفرد،و قد حث بإصرار بالغ على أن تقوم الرابطة الزوجية على أساس وثيق من الإختبار و الفحص عن سلوك الزوجين،و سلامتهما النفسية و الخلقية من العيوب و النقص،ففي الحديث«تخيّروا لنطفتكم فإن العرق دساس»

ص: 37

و أشار القرآن الكريم إلى ما تنقله الوراثة من أدق الصفات قال تعالى حكاية عن نبيه نوح: وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً (1)فالآية دلت بوضوح على انتقال الكفر و الإلحاد بالوراثة من الآباء إلى الأبناء،و قد حفلت موسوعات الحديث بكوكبة كبيرة من الأخبار التي أثرت عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام و هي تدلل على واقع الوراثة و قوانينها و مالها من الأهمية البالغة في سلوك الإنسان،و تقويم كيانه.

على ضوء هذه الظاهرة التي لا تشذ في عطائها نجزم بأن سبط الرسول صلى الله عليه و آله قد ورث من جده الرسول و آله صفاته الخلقية و النفسية،و مكوناته الروحية التي امتاز بها على سائر النبيين،و قد حدد كثير من الروايات مدى ما ورثه هو و أخوه الإمام الحسن من الصفات الجسمية من جدهما النبي فقد جاء عن علي عليه السّلام أنه قال:«من سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله و آله ما بين عنقه و شعره فلينظر إلى الحسن،و من سره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله و آله ما بين عنقه إلى كعبه خلقا و لونا فلينظر إلى الحسين»و في رواية أنه كان أشبه النبي ما بين سرته إلى قدمه و كما ورث هذه الظاهرة من جده فقد ورث منه مثله و سائر نزعاته و صفاته.

الأسرة

الأسرة من العوامل المهمة في إيجاد عملية التطبيع الاجتماعي،و تشكيل شخصية الطفل،و إكسابه العادات التي تبقى ملازمة له طوال حياته،فهي البذرة الأولى في تكوين النمو الفردي،و السلوك الاجتماعي،و هي أكثر فعالية في إيجاد التوازن في سلوك الشخص من سائر العوامل التربوية الأخرى،فمنها يتعلم الطفل

ص: 38


1- سورة نوح:26-27.

اللغة،و يكتسب القيم و التقاليد الاجتماعية.

و الأسرة إنما ينشأ أطفالها نشأة سليمة متسمة بالاتزان و البعد عن الشذوذ و الانحراف فيما إذا شاع في البيت الاستقرار و المودة و الطمأنينة و ابتعدت عن ألوان العنف و الكراهية،و إذا لم ترع ذلك فإن أطفالها تصاب بعقد نفسية خطيرة تسبب لهم كثيرا من المشاكل و المصاعب،و قد ثبت في علم النفس أن أشد العقد خطورة،و أكثرها تمهيدا للاضطرابات الشخصية هي التي تكون في مرحلة الطفولة الباكرة خاصة من صلة الطفل بأبويه.

كما أن من أهم وظائف الأسرة الإشراف على تربية الأطفال فإنها مسؤولة عن عمليات التنشئة الاجتماعية التي يتعلم الطفل من خلالها خبرات الثقافة و قواعدها في صورة تؤهله في مستقبل حياته من المشاركة التفاعلية مع غيره من أعضاء المجتمع.

و أهم وظائف الأسرة عند علماء التربية هي ما يلي:

أ-إعداد الأطفال بالبيئة الصالحة لتحقيق حاجاتهم البيولوجية و الاجتماعية.

ب-إعدادهم للمشاركة في حياة المجتمع و التعرف على قيمه و عاداته.

ج-توفير الاستقرار و الأمن و الحماية لهم.

د-إمدادهم بالوسائل التي تهيء لهم تكوين ذواتهم داخل المجتمع.

ه-تربيتهم بالتربية الأخلاقية و الوجدانية و الدينية.

و على ضوء هذه البحوث التربوية الحديثة عن الأسرة و مدى أهميتها في تكوين الطفل،و تقويم سلوكه بحزم بأن الإمام الحسين عليه السّلام كان وحيدا في خصائصه و مقوماته التي استمدها من أسرته فقد نشأ في أسرة تنتهي إليها كل مكرمة و فضيلة في الإسلام،فما أظلت قبة السماء أسرة أسمى و لا أزكى من أسرة آل الرسول صلّى اللّه عليه و اله...لقد نشأ الإمام الحسين عليه السّلام في ظل هذه الأسرة و تغذى بطباعها و أخلاقها،و نعرض-بإيجاز-لبعض النقاط المضيئة النابضة بالتربية الفذة التي

ص: 39

ظفر بها الحسين عليه السّلام في ظل الأسرة النبوية.

التربية النبوية

اشارة

و قام الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و اله بدوره بتربية سبطه و ريحانته فأفاض عليه بمكرماته و مثله و غذّاه بقيمه و مكوناته ليكون صورة عنه،و يقول الرواة:إنه كان كثير الاهتمام و الاعتناء بشأنه،فكان يصحبه معه في أكثر أوقاته فيشمه عرفه و طيبه،و يرسم له محاسن أفعاله،و مكارم أخلاقه،و قد علّمه و هو في غضون الصبا سورة التوحيد،و وردت إليه من تمر الصدقة فتناول منها الحسين تمرة و جعلها في فيه،فنزعها منه الرسول صلّى اللّه عليه و اله و قال له:لا تحل لنا الصدقة،و قد عوّده و هو في سنه المبكر بذلك على الإباء،و عدم تناول ما لا يحل له،و من الطبيعي أن إبعاد الطفل عن تناول الأغذية المشتبه فيها أو المحرّمة لها أثرها الذاتي في سلوك الطفل و تنمية مداركه حسب ما دللت عليه البحوث الطبية الحديثة،فإن تناول الطفل للأغذية المحرّمة مما يوقف فعالياته السلوكية،و يغرس في نفسه النزعات الشريرة كالقسوة،و الإعتداء و الهجوم المتطرف على الغير،و قد راعى الإسلام باهتمام بالغ هذه الجوانب فألزم بإبعاد الطفل عن تناول الغذاء المحرّم و كان إبعاد النبي صلّى اللّه عليه و اله لسبطه الحسين عن تناول تمر الصدقة التي لا تحل لأهل البيت عليهم السّلام تطبيقا لهذا المنهج التربوي الفذ...و سنذكر المزيد من ألوان تربيته له عند عرض ما أثر عنه عليه السّلام في حقه عليه السّلام.

رعاية النبي الأعظم للحسين
اشارة

و تولّى النبي صلّى اللّه عليه و اله بنفسه رعاية الحسين،و اهتم به اهتماما بالغا فمزج روحه بروحه،و مزج عواطفه بعواطفه،و كان-فيما يقول المؤرخون-يضع إبهامه في

ص: 40

فيه،و أنه أخذه بعد ولادته فجعل لسانه في فمه ليغذيه بريق النبوة و هو يقول له:

«إيها حسين،إيها حسين،أبى الله إلا ما يريد هو-يعني الإمامة-فيك و في ولدك...».

و في ذلك يقول السيد الطباطبائي:

ذادوا عن الماء ظمآنا مراضعه من جده المصطفى الساقي أصابعه

يعطيه إبهامه آنا و آونة لسانه فاستوت منه طبائعه

غرس سقاه رسول الله من يده و طاب من بعد طيب الأصل فارعه

لقد سكب الرسول صلّى اللّه عليه و اله في نفس وليده مثله و مكرماته ليكون صورة عنه، و امتدادا لحياته،و ممثلا له في نشر أهدافه و حماية مبادئه (1).

في أن الحسين ابن النبي
اشارة

ابن بابويه قال:حدّثنا جعفر بن محمد بن مسرور قال:حدّثنا الحسين بن محمد بن عامر،عن عمه عبد اللّه بن عامر قال:حدّثنا أبو أحمد محمد بن زياد الازدي،عن أبان بن عثمان الأحمر،عن أبان بن تغلب،عن عكرمة،عن ابن عباس قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لعلي بن أبي طالب ذات يوم-و هو في مسجد قبا و الأنصار مجتمعون-«يا علي أنت أخي و أنا أخوك،يا علي أنت وصيي و خليفتي و إمام أمتي بعدي والى اللّه من والاك،و عادى اللّه من عاداك،و أبغض اللّه من أبغضك،و نصر اللّه من نصرك،و خذل اللّه من خذلك.

يا علي أنت زوج ابنتي و أبو ولدي،يا علي إنه لمّا عرج بي إلى السماء عهد إلي ربي فيك ثلاث كلمات فقال:يا محمد!قلت:لبيك ربي و سعديك تباركت و تعاليت فقال:إن

ص: 41


1- حياة الحسين للقرشي:26/1.

عليا إمام المتقين،و قائد الغر المحجلين،و يعسوب المسلمين» (1).

ابن بابويه قال:حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال:حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم قال:حدّثنا جعفر بن سلمة الأهوازي قال:حدّثنا إبراهيم بن محمد الثقفي،عن إبراهيم بن موسى ابن اخت الواقدي قال:حدّثنا أبو قتادة الحراني،عن عبد الرّحمن بن العلاء الحضرمي،عن سعيد بن المسيب،عن ابن عباس قال:إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله كان جالسا يوما و عنده علي و فاطمة و الحسن و الحسين فقال:

«اللهم إنك تعلم أن هؤلاء أهل بيتي و اكرم الناس عليّ فأحب من أحبهم،و أبغض من أبغضهم و وال من والاهم،و عاد من عاداهم (2)و اجعلهم مطهرين من كل رجس، معصومين من كل ذنب،و أيدهم بروح القدس» (3).

ثم قال صلّى اللّه عليه و اله:«يا علي أنت إمام أمتي،و خليفتي عليها بعدي،و أنت قائد المؤمنين إلى الجنة،و كأني أنظر الى ابنتي فاطمة قد أقبلت يوم القيامة على نجيب من نور،عن يمينها سبعون ألف ملك،و عن يسارها سبعون ألف ملك،و بين يديها سبعون ألف ملك، و من خلفها سبعون ألف ملك تقود مؤمنات أمتي إلى الجنة،فأيما إمرأة صلّت في اليوم و الليلة خمس صلوات،و صامت شهر رمضان،و حجّت بيت اللّه،و زكّت مالها،و أطاعت زوجها،و والت عليا بعدي دخلت الجنة بشفاعة ابنتي فاطمة،و أنها لسيدة نساء العالمين».

فقيل له:يا رسول اللّه أهي سيدة نساء عالمها؟

فقال صلّى اللّه عليه و اله:«تلك مريم بنت عمران،و أما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين و إنها لتقوم في محرابها فيسلّم عليها سبعون ألف ملك من الملائكة المقربين،و ينادونها بما نادت به الملائكة مريم فيقولون:يا فاطمة إِنَّ اللّهَ اصْطَفاكِك.

ص: 42


1- في بعض المصادر:و يعسوب المؤمنين.و الحديث ذكره الصدوق في أماليه ص 314-315.
2- في بعض المصادر:و أعن من أعانهم.
3- في بعض المصادر:بروح القدس منك.

وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (1) ».

ثم التفت الى علي عليه السّلام فقال:«يا علي إن فاطمة بضعة مني،و هي نور عيني،و ثمرة فؤادي،يسوؤني ما ساءها،و يسرني ما سرها،و إنها أول من يلحقني من أهل بيتي فأحسن اليها بعدي،و أما الحسن و الحسين فهما ابناي،و ريحانتاي،و هما سيدا شباب أهل الجنة،فليكونا عليك كسمعك و بصرك»،ثم رفع صلّى اللّه عليه و اله يده الى السماء فقال:«اللهم إني اشهدك أني محبّ لمن أحبهم،و مبغض لمن أبغضهم،و سلم لمن سالمهم،و حرب لمن حاربهم،و عدوّ لمن عاداهم،و وليّ لمن والاهم» (2).

قصة و عبرة

دخل الأديب الشعبي إلى الحجاج يوم عيد الأضحى.قال لي:بما يتقرب الناس بمثل هذا اليوم قلت:يتقربون بالأضحية.قال ما رأيك بان أضحي برجل يوالي عليا و فاطمة.فسكت.

فجاء برجل كبير و هو يحيى بن معمر-فقيه إمامي-فقال له الحجاج هلا تزال على غيك بقولك أن الحسن و الحسين ولدا رسول اللّه.

قال يحيى:لست أنا الذي على غيّ أفتجعل القرآن على غيّ-القرآن يقول.

قال الحجاج:ما دليك و لكن لا تأتني بآية المباهلة.

فقال الشعبي:أطرقت و قلت في نفسي من أين ياتي له بآية تدل على أن الحسن و الحسين إبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله..

فقال يحيى:و من ذريته داود و سليمان و أيوب و يوسف و موسى و هارون

ص: 43


1- آل عمران:42.
2- أمالي الصدوق ص 436-437.

و كذلك نجزي المحسنين.و زكريا و يحيى و عيسى و إلياس و كل من الصالحين (1).

فمن ذرية إبراهيم النبي عيسى الذي ولد من دون أب بل عن طريق الأم فلماذا اعتبر ابن إبراهيم الخليل.

قال الحجاج:لأنه داخل في صلبه عن طريق مريم.

قال:بين إبراهيم و مريم دهور كثيرة،و لكن بين الحسن و الحسين و الرسول فاطمة فقط أفلا تعتبرهما إبناه.

فقال الحجاج:إدفع له عشرة آلاف درهم رغما عن أنفي.

فطلع إلى المسجد و وزّعها و هو يقول هذا من بركات الحسن و الحسين عليهما السلام.

شعر في المناسبة

يقول عبد اللّه بن المعتز:

لكم رحم يا بني بنته و لكن بنو العم أولى بها

قتلنا أمية في غابها فنحن أحق بأسلابها

و نحن ورثنا ثياب النبي فكم تجذبون بأهدابها

فرد عليه الصفي الحلي قائلا:

ألا قل لشر عبيد الإله و طاغى قريش و كذابها

و باغي العباد و باغي العناد و حاجى الكرام و مغتابها

أأنت تفاخر آل النبي و تجحدها قبل أحسابها

بكم بأهل المصطفى أمر بهم فرد العداة بأوصالها

ص: 44


1- الأنعام:85-84.

أعنكم نفرج أم عنهم لطهر النفوس و أنباذها

و قلت ورثنا ثياب النبي فكم تجذبون بأهدابها

و عندك لا ترث الأنبياء فكيف حضيتم بأثوابها

فناقضت نفسك بالحالتين و لم تعرف الشهد من حابها

أجدّك يرضى بما قلته و ما كان يوما بمرتابها

و كان بصفين من حزبهم لحرب الطغاة و أحزابها

و أقبل يدعو إلى حيدر بأرابها و بأرغابها

و قد شمر الموت عن ساقه و كشرت الحرب عن نابها

فهلاّ تقمصها جدكم إذا كان آنذاك أولى بها

و إذ جعل الأمر شورى لهم فهل كان من بعض أربابها

أخامسهم كان أم سادس و قد جليت بين خطابها

و قولك أنتم بنو بنته و لكن بنو العم أولى بها

بنو البنت أيضا بنو عمه و ذلك أدنى لأنسابها

و قولك أنكم القاتلون أسود أمية في غابها

كذبت و أسرفت فيما اّدعيت و أن تنهي نفسك عن عابها

ص: 45

تربية الإمام علي للحسين عليهما السلام

قال السيد القرشي:أما الإمام علي عليه السّلام فهو المربي الأول الذي وضع أصول التربية،و مناهج السلوك،و قواعد الآداب،و قد ربى ولده الإمام الحسين عليه السّلام بتربيته المشرقة فغذاه بالحكمة،و غذاه بالعفة و النزاهة،و رسم له مكارم الأخلاق و الآداب، و غرس في نفسه معنوياته المتدفقة فجعله يتطلع إلى الفضائل حتى جعل اتجاهه السليم نحو الخير و الحق،و قد زوده بعدة وصايا حافلة بالقيم الكريمة و المثل الإنسانية و منها هذه الوصية القيمة الحافلة بالمواعظ و الآداب الاجتماعية و ما يحتاج إليه الناس في سلوكهم،و هي من أروع ما جاء في الإسلام من الأسس التربوية التي تبعث على التوازن،و الاستقامة في السلوك قال عليه السّلام:

«يا بني أوصيك بتقوى الله تعالى في الغيب و الشهادة،و كلمة الحق في الرضى و القصد في الغنى و الفقر،و العدل في الصديق و العدو و العمل في النشاط و الكسل، و الرضى عن الله تعالى في الشدة و الرخاء.

يا بني ما شر بعده الجنة بشر،و لا خير بعده النار بخير،و كل نعيم دون الجنة محقور،و كل بلاء دون النار عافية...إعلم يا بني أن من أبصر عيب نفسه شغل عن غيره،و من رضي بقسم الله تعالى لم يحزن على ما فاته،و من سل سيف البغي قتل به،و من حفر بئرا وقع فيها،و من هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته،و من نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره،و من كابد الأمور عطب،و من اقتحم البحر غرق،و من أعجب برأيه ضل و من استغنى بعقله زل،و من تكبّر على الناس ذل، و من سفه عليهم شتم،و من دخل مداخل السوء اتهم،و من خالط الأنذال حقر،و من

ص: 46

جالس العلماء و قر،و من مزح استخف به،و من اعتزل سلم،و من ترك الشهوات كان حرا،و من ترك الحسد كان له المحبة من الناس.

يا بني عز المؤمن غناه عن الناس،و القناعة مال لا ينفذ و من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير،و من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه، العجب ممن خاف العقاب و رجا الثواب فلم يعمل،الذكر نور و الغفلة ظلمة،و الجهالة ضلالة،و السعيد من وعظ بغيره،و الأدب خير ميراث،و حسن الخلق خير قرين.

يا بني ليس مع قطيعة الرحم نماء،و لا مع الفجور غنى،...يا بني العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله،و واحدة في ترك مجالسة السفهاء،و من تزين بمعاصي الله تعالى في المجالس ورّثه ذلا،من طلب العلم علم.

يا بني رأس العلم الرفق و آفته الخرق،و من كنوز الإيمان الصبر على المصائب، العفاف زينة الفقر،و الشكر زينة الغنى،و من أكثر من شىء عرف به،و من كثر كلامه كثر خطأه،و من كثر خطأه قل حياؤه،و من قل حياؤه قل ورعه،و من قل ورعه مات قلبه،و من مات قلبه دخل النار.

يا بني لا تؤيسن مذنبا فكم من عاكف على ذنبه ختم له بالخير،و من مقبل على عمله مفسد له في آخر عمره صار إلى النار،من تحرّى القصد خفّت عليه الأمور.

يا بني كثرة الزيارة تورث الملالة،يا بني الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم، إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله.

يا بني كم من نظرة جلبت حسرة،و كم من كلمة جلبت نعمة،لا شرف أعلى من الإسلام و لا كرم أعلى من التقوى،و لا معقل أحرز من الورع،و لا شفيع أنجح من التوبة،و لا لباس أجمل من العافية،و لا مال أذهب للفاقة من الرضى بالقوت،و من اقتصر على بلغة الكفاف تعجّل الراحة،و تبوّأ حفظ الدعة،الحرص مفتاح التعب، و مطية النصب وداع إلى التقحم في الذنوب،و الشر جامع لمساوى العيوب،و كفى أدبا لنفسك ما كرهته من غيرك لأخيك مثل الذي عليك لك،و من تورّط في الأمور

ص: 47

من غير نظر في الصواب فقد تعرّض لمفاجأة النوائب،التدبير قبل العمل يؤمنك الندم،من استقبل وجوه العمل و الآراء عرف مواقع الخطأ،الصبر جنة من الفاقة، في خلاف النفس رشدها،الساعات تنقص الأعمار،ربك للباغين من أحكم الحاكمين،و عالم بضمير المضمرين،بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد،في كل جرعة شرق،و في كل أكلة غصص،لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى،ما أقرب الراحة من التعب،و البؤس من النعيم،و الموت من الحياة فطوبى لمن أخلص لله تعالى علمه و عمله و حبه و بغضه و أخذه و تركه،و كلامه و صمته،و بخ بخ لعالم علم فكف،و عمل فجد و خاف التباب فأعدّ و استعد،إن سئل أفصح،و إن ترك سكت، كلامه صواب،و صمته من غير عي عن الجواب،و الويل كل الويل لمن بلي بحرمان و خذلان و عصيان و استحسن لنفسه ما يكرهه لغيره،من لانت كلمته وجبت محبته،من لم يكن له حياء و لا سخاء فالموت أولى به من الحياة،لا تتم مروءة الرجل حتى لا يبالي أي ثوبيه لبس،و لا أي طعاميه أكل».

و حفلت هذه الوصية بآداب السلوك و تهذيب الأخلاق،و الدعوة إلى تقوى الله التي هي القاعدة الأولى في وقاية النفس من الإنحراف و الآثام و توجيهها الوجهة الصالحة التي تتسم بالهدى و الرشاد.

ص: 48

تربية فاطمة الزهراء للحسين

و عنت سيدة النساء عليها السّلام بتربية وليدها الحسين،فغمرته بالحنان و العطف لتكون له بذلك شخصيته الاستقلالية،و الشعور بذاتياته،كما غذّته بالآداب الإسلامية،و عودته على الاستقامة،و الاتجاه المطلق نحو الخير يقول العلايلي:

«و الذي انتهى إلينا من مجموعة أخبار الحسين أن أمه عنيت ببث المثل الإسلامية الاعتقادية لتشيع في نفسه فكرة الفضيلة على أتم معانيها،و أصح أوضاعها،و لا بدع فإن النبي صلّى اللّه عليه و اله أشرف على توجيهه أيضا في هذا الدور الذي يشعر الطفل فيه بالاستقلال.

فالسيدة فاطمة أنمت في نفسه فكرة الخير،و الحب المطلق و الواجب و مدّدت في جوانحه و خوالجه أفكار الفضائل العليا بأن وجهت المبادىء الأدبية في طبيعته الوليدة،من أن تكون هي نقطة دائرتها إلى الله الذي هو فكرة يشترك فيها الجميع.

و بذلك يكون الطفل قد رسم بنفسه دائرة محدودة قصيرة حين أدار هذه المبادىء الأدبية على شخص والدته،و قصرها عليها و ما تجاوز بها إلى سواها من الكوائن،و رسمت له والدته دائرة غير متناهية حين جعلت فكرة الله نقطة الارتكاز، ثم أدارت المبادىء الأدبية و الفضائل عليها فاتسعت نفسه لتشمل و تستغرق العالم بعواطفها المهذبة،و تأخذه بالمثل الأعلى للخير و الجمال....

لقد نشأ الإمام الحسين عليه السّلام في جو تلك الأسرة العظيمة التي ما عرف التاريخ الإنساني لها نظيرا في إيمانها و هديها،و قد صار عليه السّلام بحكم نشأته فيها من أفذاذ الفكر الإنساني و من أبرز أئمة المسلمين.

ص: 49

البيئة

و أجمع المعنيون في البحوث التربوية و النفسية على أن البيئة من أهم العوامل التي تعتمد عليها التربية في تشكيل شخصية الطفل و إكسابه الغرائز و العادات، و هي مسؤولة عن أي انحطاط أو تأخر للقيم التربوية،كما أن استقرارها،و عدم اضطراب الأسرة لهما دخل كبير في استقامة سلوك النشىء و وداعته،و قد بحثت مؤسسة اليونسكو في هيئة الأمم المتحدة عن المؤثرات الخارجة عن الطبيعة في نفس الطفل،و بعد دراسة مستفيضة قام بها الاختصاصيون قدّموا هذا التقرير:

«مما لا شك فيه أن البيئة المستقرة سيكولوجيا،و الأسرة الموحدة التي يعيش أعضاؤها في جو من العطف المتبادل هي أول أساس يرتكز عليه تكيف الطفل من الناحية العاطفية،و على هذا الأساس يستند الطفل فيما بعد في تركيز علاقاته الاجتماعية بصورة مرضية،أما إذا شوّهت شخصية الطفل بسوء معاملة الوالدين فقد يعجز عن الاندماج في المجتمع...».

إن استقرار البيئة و عدم اضطرابها من أهم الأسباب الوثيقة في تماسك شخصية الطفل و ازدهار حياته،و مناعته من القلق،و قد ذهب علماء النفس إلى أن اضطراب البيئة و ما تحويه من تعقيدات،و ما تشتمل عليه من أنواع الحرمان كل هذا يجعل الطفل يشعر بأنه يعيش في عالم متناقض ملىء بالغش و الخداع و الخيانة و الحسد و أنه مخلوق ضعيف لا حول له و لا قوة تجاه هذا العالم العنيف.و قد عني الإسلام بصورة إيجابية في شؤون البيئة فأرصد لإصلاحها و تطورها جميع أجهزته و طاقاته،و كان يهدف قبل كل شي أن تسود فيها القيم العليا من الحق و العدل و المساواة،و أن تتلاشى فيها عوامل الانحطاط و التأخر من الجور و الظلم و الغبن،و أن تكون آمنة مستقرة خالية من الفتن و الاضطراب حتى تمد الأمة بخيرة الرجال و أكثرهم كفاءة،و انطلاقا في ميادين البر و الخير و الإصلاح.

ص: 50

و قد أنتجت البيئة الإسلامية العظماء و الأفذاذ و العباقرة المصلحين الذين هم من خيرة ما أنتجته الإنسانية في جميع مراحل تاريخها كسيدنا الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و عمار بن ياسر،و أبي ذر و أمثالهم من بناة العدل الاجتماعي في الإسلام.

لقد نشأ الإمام الحسين عليه السّلام في جو تلك البيئة الإسلامية الواعية التي فجرّت النور و صنعت حضارة الإنسان،و قادت شعوب الأرض لتحقيق قضاياها المصيرية،و أبادت القوى التي تعمل على تأخير الإنسان و انحطاطه،تلك البيئة العظيمة التي هبت إلى ينابيع العدل تعب منها فتروي و تروى الأجيال الظامئة.

و قد شاهد الإمام الحسين و هو في غضون الصبا ما حققته البيئة الإسلامية من الانتصارات الرائعة في إقامة دولة الإسلام،و تركيز أسسها،و أهدافها و بث مبادئها الهادفة إلى نشر المودة و الدعة و الأمن بين الناس.

هذه بعض المكونات التربوية التي توفرت للإمام الحسين عليه السّلام و قد أعدّته ليكون الممثل الأعلى لجده الرسول صلّى اللّه عليه و اله في الدعوة إلى الحق،و الصلابة في العدل (1).4.

ص: 51


1- انظر الإمام الحسين للقرشي:32/1-34.

معرفة الإمام الحسين و ذريته

ابن بابويه قال:حدّثنا الحسن بن علي قال:حدّثنا هارون بن موسى قال:أخبرنا محمد بن الحسن الصفار،عن يعقوب بن يزيد،عن محمد بن أبي عمير،عن هشام (1)قال:كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام إذ دخل عليه معاوية بن وهب و عبد الملك بن أعين،فقال له معاوية بن وهب:يابن رسول اللّه ما تقول في الخبر الذي روي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله رأى ربه،على أي صورة رآه؟و عن الحديث الذي رووه أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة؟على أي صورة يرونه؟

فتبسم عليه السّلام ثم قال:«يا معاوية ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك اللّه و يأكل من نعمة اللّه (2).ثم لا يعرف اللّه حق معرفته!».

ثم قال عليه السّلام:«يا معاوية إن محمدا صلّى اللّه عليه و اله لم ير الرب تبارك و تعالى بمشاهدة العيان، و إن الرؤية على وجهين رؤية القلب و رؤية البصر،فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب، و من عنى برؤية البصر فقد كفر و كذب باللّه و آياته،لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:من شبه اللّه بخلقه فقد كفر.و لقد حدّثني أبي،عن أبيه،عن الحسين بن علي قال:سئل أمير المؤمنين عليه السّلام فقيل (3):يا أخا رسول اللّه هل رأيت ربك؟فقال:كيف أعبد من لم أره،لم تره العيون بمشاهدة العيان،و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان» (4).

ص: 52


1- في البحار:عن هشام بن سالم.
2- في الانصاف:و يأكل من نعمه.
3- في الانصاف و البحار:فقيل له.
4- راجع لفظ الحديث في اصول الكافي:95/1،التوحيد ص 109 و 309،البحار:27/4 و304.

و إذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر فإن كل من جاز عليه البصر و الرؤية فهو مخلوق،و لا بد للمخلوق من خالق،فقد جعلته إذا محدثا مخلوقا و من شبّهه بخلقه فقد اتخذ مع اللّه شريكا،ويلهم (1)ألم يسمعوا قول اللّه تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (2)و قوله لموسى: لَنْ تَرانِي وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا و إنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الأرض و ضعضعت الجبال وَ خَرَّ مُوسى صَعِقاً أي ميتا،فلما أفاق ورد عليه روحه قال:

سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من قول من زعم أنك ترى و رجعت إلى معرفتي بك أن الأبصار لا تدركك وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (3)و أول المقرين بأنك ترى و لا ترى و أنت بالمنظر الأعلى.

ثم قال عليه السّلام:«إن أفضل الفرائض و أوجبها على الانسان معرفة الرب و الاقرار له بالعبودية،و حدّ المعرفة (4)أن يعرف أن لا إله غيره و لا شبيه له و لا نظير له،و أن يعرف إنه قديم مثبت،موجود غير فقيد موصوف من غير شبيه له و لا نظير له و لا مثيل،ليس كمثله شيء و هو السميع البصير؛و بعده معرفة الرسول و الشهادة له بالنبوة،و أدنى معرفة الرسول الاقرار بنبوته،و أن ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي فذلك عن اللّه عز و جل؛و بعده معرفة الإمام الذي قام بنعته (5)و صفته و اسمه في حال اليسر و العسر، و أدنى معرفة الإمام أنه عدل (6)النبي إلا درجة النبوة و وارثه،و أن طاعته طاعة اللّه و طاعةل.

ص: 53


1- في الانصاف:ويل لهم،و في البحار:ويلهم أو لم يسمعوا.
2- الانعام 103/3.
3- الاعراف:143.
4- في الانصاف:أن يقر.
5- في البحار:الإمام الذي به يأتم بنعته.
6- العدل:النظير و المثل.

رسول اللّه،و التسليم له في كل أمر،و الردّ إليه،و الأخذ بقوله،و يعلم أن الإمام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله علي بن أبي طالب،و بعده الحسن،ثم الحسين،ثم علي بن الحسين،ثم محمد بن علي،ثم أنا،ثم بعدي موسى ابني،ثم بعده علي إبنه،و بعد علي محمد ابنه،و بعد محمد علي إبنه،و بعد علي الحسن إبنه،و الحجة من ولد الحسن.

ثم قال:يا معاوية جعلت لك في هذا أصلا فاعمل عليه،فلو كنت تموت على ما كنت عليه لكان حالك أسوأ الأحوال،فلا يغرنك قول من زعم أن اللّه يرى بالبصر،و قد قالوا أعجب من هذا،أ و لم ينسبوا أبي آدم إلى المكروه،أو لم ينسبوا إبراهيم إلى ما نسبوه؟ أو لم ينسبوا داود عليه السّلام إلى ما نسبوه من حديث الطير؟أو لم ينسبوا يوسف الصديق إلى ما نسبوه من حديث زليخا؟أو لم ينسبوا موسى عليه السّلام إلى ما نسبوه من القتل؟أو لم ينسبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله إلى ما نسبوه من حديث زيد؟أو لم ينسبوا علي بن أبي طالب إلى ما نسبوه من حديث القطيفة؟إنهم أرادوا بذلك توبيخ الإسلام ليرجعوا على أعقابهم،أعمى اللّه أبصارهم،كما أعمى قلوبهم،تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا» (1).8.

ص: 54


1- الانصاف ص 313-316 عن النصوص على الأئمة الاثني عشر لابن قولويه،كفاية الاثر للخزاز ص 35،البحار:54/4-55،و ج 406/36-408.

وجوب معرفة حقيقة آل محمد

أجمعت الأمة الإسلامية بجميع مذاهبها على وجوب معرفة أهل البيت عليهم السّلام، كما برهن عليه مفصلا السيد المرتضى في رسائله (1).

و في الروايات الشريفة إشارة واضحة لذلك فعن أمير المؤمنين علي عليه السّلام قال:

«لا يدخل الجنة إلاّ من عرفهم و عرفوه» (2).

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:«لا يقبل اللّه أعمال العباد إلاّ بمعرفته(الإمام) (3).

و ليس المراد بمعرفتهم معرفة أسمائهم و أسماء آبائهم،كما لا يخفى على المتأمل،خاصة عندما تحدثنا الروايات ان بمعرفتهم نعرف اللّه تعالى،كما قال سيد الموحدين:«أنا باب حطة من عرفني و عرف حقي فقد عرف ربه» (4).

فمعرفة اسم الإمام يؤدي الى معرفة اللّه تعالى.

بل نجد ان أمير المؤمنين يصرح بأن المراد بمعرفتهم المعرفة الباطنية قال عليه السّلام:

«يا سلمان:إنه لا يستكمل أحد الايمان حتى يعرفني كنه معرفتي بالنورانية...الى أن يقول:

يا سلمان:أولنا محمد و أوسطنا محمد و آخرنا محمد،فمن استكمل معرفتي فهو على الدين القيم.

ص: 55


1- -رسائل المرتضى:252/2.
2- -نهج البلاغة:212 الخطبة 152،و الكافي:184/1 ح 9.
3- -أصول الكافي:203/1 كتاب الحجة باب نادر جامع في فضل الإمامة ح 2.
4- -بحار الأنوار:258/26 باب جوامع مناقبهم من كتاب الإمامة.

يا سلمان:كنت أنا و محمد نورا واحدا من نور اللّه...»الى آخر الحديث (1).

و يشير الى ذلك أيضا ما ورد عن الإمام الصادق عليه السّلام:فعن المفضل قال:دخلت على الإمام الصادق عليه السّلام ذات يوم فقال لي:«يا مفضل هل عرفت محمدا و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام كنه معرفتهم»؟

قلت:يا سيدي ما كنه معرفتهم؟

قال:«يا مفضل من عرفهم كنه معرفتهم كان مؤمنا في السنام الأعلى».

قال:قلت:عرفني ذلك يا سيدي؟

قال:«يا مفضل تعلم أنهم علموا ما خلق اللّه عزّ و جلّ و ذرأه و برأه،و أنهم كلمة التقوى و خزان السماوات و الأرضين و الجبال و الرمال و البحار،و علموا كم في السماء من نجم و ملك و وزن الجبال و كيل ماء البحار و أنهارها و عيونها،و ما تسقط من ورقة إلاّ علموها و لا حبة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس إلاّ في كتاب مبين،و هو في علمهم و قد علموا ذلك» (2).

فكل هذه الأمور تتوقف على معرفة الإمام و هذا يدل على أهمية و وجوب معرفة علم أئمة أهل البيت عليهم السّلام.

و إياك و الشك في ذلك فقد روى لنا سلمان عن أمير المؤمنين عليه السّلام قوله:

«يا سلمان إنّ الشاك في أمورنا و علومنا كالممتري في معرفتنا و حقوقنا» (3).

و عن الإمام الرضا عليه السّلام:«فو اللّه لا وصل الى حقيقة معرفتنا إلاّ من منّ اللّه بها عليه و ارتضيناه لنا وليا» (4).1.

ص: 56


1- -بحار الأنوار:1/26-3 باب نادر في معرفتهم ح 1.
2- -بحار الأنوار:116/26 ح 21 باب أنهم لا يحجب عنهم علم السماء و الأرض.
3- -ارشاد القلوب:416/2 فضائل الأئمة.
4- -الهداية الكبرى:299 باب 11.

ضرورة معرفة أهل البيت عليهم السّلام

و هناك آثار معنوية و مادية لمعرفة أهل بيت محمد صلّى اللّه عليه و اله،معرفة واقعية صحيحة،و قد جمعها الإمام الصادق عليه السّلام في إحدى خطبه جاء منها:

«فمن عرف من أمة محمد صلّى اللّه عليه و اله واجب حق إمامه،وجد طعم حلاوة ايمانه،و علم فضل طلاوة اسلامه،لأن اللّه نصب الإمام علما لخلقه،و جعله حجة على أهل مواده و عالمه و ألبسه تاج الوقار،و غشاه من نور الجبار،يمد بسبب الى السماء-الى أن قال:حجج اللّه و دعاته و رعاته على خلقه يدين بهديهم العباد و تستهل بنورهم البلاد و ينمو ببركتهم التلاد.

فليس يجهل حق هذا العالم إلاّ شقي و لا يجهده إلاّ غوي،و لا يصد عنه إلاّ جريّ على اللّه جل و علا» (1).

و في حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:«يا سلمان من عرفهم حق معرفتهم و اقتدى بهم فهو و اللّه منا،يرد حيث نرد و يسكن حيث نسكن...» (2).

و قريب منه عن أبي جعفر عليه السّلام (3).

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:قال اللّه تعالى لموسى:«محمد و عترته فمن عرفهم و عرف حقهم جعلت[ه]عند الجهل علما،و عند الظلمة نورا،و أعطيته بعد السؤال واجبته قبل الدعاء (4).

«أين باب اللّه الذى منه يؤتي»«أين وجه اللّه الذي إليه يتوجه الأولياء» (5).

ص: 57


1- -أصول الكافي:203/1-205 كتاب الحجة باب نادر في فضل الإمام ح 2.
2- -إلزام الناصب:333/2 آيات الرجعة.
3- -بصائر الدرجات:63 الجزء الثاني ح 10.
4- -مشارق أنوار اليقين:149.
5- -من دعاء الندبة للإمام المهدي(عج)و الروايات في مضمون هذا الدعاء كثيرة راجع بصائر الدرجات:61 باب في الأئمة أنهم حجة اللّه.

فكيف نريد أن نتقرب بوجوه لا نعرفها و أبواب لا نعرفها و أبواب لا نهتدي إليها!!

و بذلك صرح الإمام الصادق عليه السّلام:«و بعبادتنا عبد اللّه و لولانا ما عبد اللّه» (1).

«نحن الأسماء الحسنى الذين لا يقبل اللّه عملا إلاّ بمعرفتنا» (2).

و قال الإمام الباقر عليه السّلام: أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ نحن السبيل فمن ابى فهذه السبل» (3).

و من الآثار التي تكشف ضرورة معرفة أهل البيت عليهم السّلام و معرفة كنه علومهم ما ورد من توقف العبادة عليهم لما يأتي أنهم الوسائط بيننا و بين اللّه تعالى كحديث:

«نحن فيما بينكم و بين اللّه» (4).

و حديث:«واسطة على سبيل هداة لا يهتدي هاد إلاّ بهداهم» (5).

فلا يستطيع الإنسان أن يتقرب إلاّ بعد معرفة الأسباب و الوسائط.

و ورد:بالباء ظهر الوجود،و بالنقطة تميز العابد عن المعبود» (6).

و ورد عن بعض العارفين:«ما رأيت شيئا إلاّ و رأيت الباء عليه مكتوبة» (7).

و قال أمير المؤمنين عليه السّلام:«أنا النقطة تحت الباء» (8).

و من المهم تفصيل هذه الآثار كما جاءت في الروايات.7.

ص: 58


1- -الكافي:193/1،و بحار الأنوار:20/2،و بصائر الدرجات:61 و 64.
2- -الكافي:144/1.
3- -بحار الأنوار:13/24.
4- -أصول الكافي:265/1 ح 1،و الوسائل:91/18 ح 33375.
5- أصول الكافي:198/1.
6- -شرح دعاء السحر:64،و جامع الاسراء:563 ح 1163 و نسبه لابن عربي.
7- -جامع الاسراء:701.
8- -شرح دعاء السحر:64،و جامع الاسراء:563 و 411 ح 1163-823،و الأنوار النعمانية:/1 47.

آثار معرفة أهل البيت عليهم السلام

1-عدم الظلم للنفس:

عن سالم قال:سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللّه عز و جل: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ قال:«السابق بالخيرات الإمام و المقتصد العارف للإمام و الظالم لنفسه الذي لا يعرف الإمام» (1).

و عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام إنه سئل عن قول اللّه عزّ و جلّ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ فقال:«الظالم يحوم (2)حوم نفسه و المقتصد يحوم حرم قلبه و السابق يحوم حوم ربه عز و جل» (3).

و عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السّلام قال:سألته عن قول اللّه عزّ و جل ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ فقال:«الظالم منا من لا يعرف حق الإمام و المقتصد العارف بحق الإمام سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ هو الإمام جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يعني المقتصد و السابق» (4).

ص: 59


1- -الكافي:214/1 ح 1.
2- -حام الطائر حول الماء حوما فإذا دار به طلبه(المصباح المنير)هامش المخطوط.
3- -معاني الأخبار:1/104.
4- -معاني الأخبار:2/104.

2-المرور على الصراط:

ابن بابويه قال:حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال:حدّثنا عبد الرّحمن بن محمد الحسيني قال:حدّثنا أبو جعفر أحمد بن عيسى بن أبي مريم العجلي قال:حدّثنا محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن زياد العرزمي قال:حدّثنا علي بن حاتم المنقري عن المفضل ابن عمر قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصراط قال:«هو الطريق إلى معرفة اللّه عزّ و جل و هما صراطان:صراط في الدنيا،و صراط في الآخرة،فأما الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا و اقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة و من لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن صراط في الآخرة فتردّى في نار جهنم» (1).

3-أصبح من أهل البيت:

عن أبي المعزا عن أبي بصير عن أبي خيثمه عن أبي جعفر عليه السّلام قال:سمعته يقول:

«نحن جنب اللّه و صفوته و نحن خيرته و نحن مستودع مواريث الأنبياء،و نحن امناء اللّه و نحن حجة اللّه و نحن أركان الإيمان و نحن دعائم الإسلام و نحن من رحمة اللّه على خلقه،و نحن الذين بنا يفتح[اللّه]و بنا يختم،و نحن أئمة الهدى و نحن مصابيح الدجى، و نحن منار الهدى و نحن السّباقون و نحن الآخرون،و نحن العلم المرفوع للخلق من تمسّك بنا لحق و من تخلف عنها غرق،و نحن قادة الغر المحجلين و نحن خيرة اللّه و نحن الطريق و الصراط المستقيم إلى اللّه،و نحن نعمة اللّه على خلقه و نحن المنهاج و نحن معدن النبوة و نحن موضع الرسالة و نحن الذين إلينا مختلف الملائكة و نحن السراج لمن استضاء بنا،و نحن السبيل لمن اقتدى بنا و نحن الهداة إلى الجنة و نحن عز

ص: 60


1- -معاني الأخبار:/32ح 1.

الإسلام و نحن المحسودون و نحن القناطر من مضى عليها لم يسبق و من تخلف عنها محق،و نحن السنام الأعظم و نحن الذين بنا تنزل الرحمة و بنا تسقون الغيث و نحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب،فمن عرفنا و نصرنا و عرف حقّنا و أخذ بأمرنا فهو منّا و إلينا» (1).

4-كان معهم في السنام الاعلى:

الشيخ الطوسي في كتاب مصابيح الأنوار بإسناده عن رجاله مرفوعا إلى المفضل بن عمر قال دخلت على الصادق عليه السّلام ذات يوم فقال لي:«يا مفضل عرفت محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين:كنه معرفتهم»قلت:يا سيدي و ما كنه معرفتهم؟قال:«يا مفضل تعلم أنهم في طير عن الخلايق بجنب الروضة الخضرا فمن عرفهم كنه معرفتهم كان معنا في السنام الاعلى»قال:قلت:عرّفني ذلك يا سيدي،قال:

«يا مفضل تعلم أنهم علموا ما خلق اللّه عزّ و جلّ و ذرأه و برأه و أنهم كلمة التقوى و خزناء السماوات و الأرضين و الجبال و الرمال و البحار،و عرفوا كم في السماء نجم و ملك،و وزن الجبال و كيل ماء البحار و أنهارها و عيونها و ما تسقط من ورقة إلاّ علموها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (2)و هو في علمهم و قد علموا ذلك»فقلت:يا سيدي قد علمت ذلك و أقررت به و آمنت قال:«نعم يا مفضل يا مكرم نعم يا طيّب نعم يا محبور،طبت و طابت لك الجنّة و لكل مؤمن بها» (3).

ص: 61


1- -فرائد السمطين:/253/2ب /48ح 523.
2- -الأنعام:59.
3- -مدينة المعاجز:129/2،و مشارق أنوار اليقين:55.

أثر معرفة أهل البيت عند الموت

تهوين سكرات الموت:

الحديث الخامس:ابن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عن حماد ابن عثمان عن عيسى بن السّري قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:حدثني عما بنيت عليه دعائم الإسلام إذا أخذت بها زكى عملي و لم يضرني جهل ما جهلت بعده؟فقال:«شهاده أن لا إله الا اللّه و أن محمدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و الإقرار بما جاء به من عند اللّه،و حق في الأموال من الزكاة،و الولاية التي أمر اللّه بها ولاية آل محمد صلىّ اللّه عليه و اله فإن رسول اللّه قال:من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية،قال اللّه عزّ و جل: أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فكان علي عليه السّلام ثم صار من بعده حسن ثم حسين ثم من بعده علي بن الحسين ثم من بعده محمد بن علي ثم هكذا يكون الأمر،إن الأرض لا تصلح إلا بإمام،و من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية،و أحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه ههنا-و أهوى بيده إلى صدره-يقول حينئذ:لقد كنت على أمر حسن» (1).

ص: 62


1- -اصول الكافي 21/2 ح 9 باب دعائم الإسلام.

آثار عدم معرفة أهل البيت

1-الشقاء:

عن إسحاق بن غالب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في خطبة له يذكر فيها حال الأئمة عليهم السّلام و صفاتهم:«إن اللّه عزّ و جل أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه و أبلج بهم عن سبيل منهاجه،و منح بهم-في نسخة:و فتح بهم-عن باطن ينابيع علمه،فمن عرف من امة محمد صلّى اللّه عليه و اله و أحب حق إمامته وجد طعم حلاوة إيمانه....الى أن قال:

رضي اللّه به إماما لهم استودعه سره و استحفظه علمه و استخبأه حكمته و استرعاه لدينه و انتدبه لعظيم أمره و أحيا به مناهج سبيله و فرائضه و حدوده،فقام بالعدل عند تحير أهل الجهل و تحيير أهل الجدل،بالنور الساطع و الشفاء النافع بالحق الأبلج و البيان اللائح من كل مخرج على طريق المنهج الذي مضى عليه الصادقون من آبائه عليهم السّلام فليس يجهل حق هذا العالم إلاّ شقي،و لا يجحده إلاّ غوي،و لا يصد عنه إلاّ جري على اللّه جلّ و علا» (1).

2-زلّة قدمه عن الصراط:

ابن بابويه قال:حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال:حدّثنا عبد الرّحمن بن محمد الحسيني قال:حدّثنا أبو جعفر أحمد بن عيسى بن أبي مريم العجلي قال:حدّثنا محمد بن أحمد بن عبد اللّه بن زياد العرزمي قال:حدّثنا علي بن حاتم المنقري عن

ص: 63


1- -الكافي:205/1-203 ح 2.

المفضل ابن عمر قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الصراط قال:«هو الطريق إلى معرفة اللّه عزّ و جل و هما صراطان:صراط في الدنيا،و صراط في الآخرة،فأما الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا و اقتدى بهداه مرّ على الصراط الذي هو جسر جهنم في الآخرة و من لم يعرفه في الدنيا زلت قدمه عن صراط في الآخرة فتردّى في نار جهنم» (1).

3-عدم معرفة اللّه تعالى:

عن سليمان بن مهران عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السّلام قال:«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:يا علي أنت أخي و وارثي و وصي و خليفتي في أهلي و امتي في حياتي و بعد مماتي محبّك محبي و مبغضك مبغضي،يا علي أنا و أنت أبوا هذه الأمة،يا علي أنا و أنت و الأئمة من ولدك سادات في الدنيا و ملوك في الآخرة من عرفنا فقد عرف اللّه،و من أنكرنا فقد أنكر اللّه عزّ و جل» (2).

و عن ابن سنان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:«قال أمير المؤمنين في خطبة:أنا الهادي و أنا المهتدي و أنا أبو اليتامى و المساكين و زوج الأرامل،و أنا ملجأ كل ضعيف و مأمن كل خائف،و أنا قائد المؤمنين إلى الجنة و أنا حبل اللّه المتين،و أنا عروة اللّه الوثقى و كلمة اللّه التقوى،و أنا عين اللّه و لسانه الصادق و يده،و أنا جنب اللّه أن الذي يقول(أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه)،و أنا يد اللّه المبسوطة على عباده بالرحمة و المغفرة،و أنا باب حطة من عرفني و عرف حقي فقد عرف ربّه لأني وصي نبيّه في أرضه و حجته على خلقه لا ينكر هذا إلاّ رادّ على اللّه و على و رسوله.

ص: 64


1- -معاني الأخبار:/32ح 1.
2- -أمالي الصدوق:/754مجلس /94ح 6.

قال ابن بابويه عقيب هذا الحديث:الجنب الطاعة في لغة العرب يقال:هذا صغير في جنب اللّه أي في طاعة اللّه عزّ و جل قال اللّه عزّ و جل: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ (1)أي في طاعة اللّه عزّ و جل (2)

4-مات ميتة جاهلية:

تميم بن بهلول قال:حدّثنا عبد اللّه بن أبي الهذيل:و سألته عن الإمامة فيمن تجب؟و ما علامات من تجب له الإمامة؟فقال لي:إن الدليل على ذلك،و الحجة على المؤمنين،و القائم في أمور المسلمين،و الناطق بالقرآن،و العالم بالأحكام،أخو نبي اللّه صلّى اللّه عليه و اله،و خليفته على أمته،و وصيه عليهم،و وليه الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى،المفروض الطاعة بقول اللّه عز و جل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (3)و قال جل ذكره: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (4)المدعو إليه بالولاية،المثبت له بالإمامة يوم غدير خم بقول الرسول صلّى اللّه عليه و اله عن اللّه عز و جل:«ألست أولى بكم من أنفسكم؟قالوا:بلى قال:فمن كنت مولاه فعلي مولاه،اللهم وال من والاه،و عاد من عاداه،و انصر من نصره،و اخذل من خذله،واعن من أعانه؛ذاك علي بن أبي طالب أمير المؤمنين،و إمام المتقين،و قائد الغر المحجلين،و أفضل الوصيين،و خير الخلق أجمعين بعد رسول رب العالمين،و بعده الحسن،ثم الحسين سبطا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله إبنا خيرة النسوان،ثم علي بن الحسين،ثم محمد بن علي،ثم جعفر بن محمد،ثم موسى بن جعفر،ثم علي بن موسى،ثم محمد بن علي،ثم علي بن محمد،ثم الحسن بن

ص: 65


1- -الزمر:56.
2- -معاني الأخبار:/17ح 14.
3- -النساء:59.
4- -المائدة:55.

علي،ثم محمد بن الحسن صلوات اللّه عليهم،إلى يومنا هذا واحدا بعد واحد،إنهم عترة الرسول صلّى اللّه عليه و اله معروفون بالوصية و الإمامة في كل عصر و زمان،و كل وقت و أوان، و إنهم العروة الوثقى و أئمة الهدى،و الحجة على أهل الدنيا إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها،و إن كل من خالفهم ضال مضل تارك للحق و الهدى،و إنهم المعبرون عن القرآن،و الناطقون عن الرسول صلّى اللّه عليه و اله بالبيان،و إن من مات و لا يعرفهم مات ميتة جاهلية،و إن فيهم الورع و العفة و الصدق و الصلاح و الاجتهاد،و أداء الأمانة إلى البر و الفاجر،و طول السجود و قيام الليل،و اجتناب المحارم،و انتظار الفرج بالصبر و حسن الصحبة،و حسن الجواب» (1).1.

ص: 66


1- -كمال الدين:336/2-337،عيون أخبار الرضا:44/1.

نور الحسين بن علي عليهما السلام

قال السيد الخامنئي:إنّ التشبّه بالأكابر و الانتساب إلى الأولياء من عمل أذكياء العالم.كل امرء يبحث عن أسوة له.لكن التوفيق لا يحالف الجميع في انتهاج منهج الصواب عند البحث عن الأسوة.

لو سألت بعض الأشخاص في هذا العالم عن الشخصية التي أثارت انتباهه و اجتذبته إليها،تجده يقتفي أثر أناس وضيعين و تافهين أمضوا أعمارهم في عبودية هوى النفس و لا يتقنون سوى ما يغتر به المغفّلون و هو لا يتعدي إلهاء بعض السذّج و الغافلين فتصبح أمثال هذه الشخصيات قدوات للناس العاديين في هذا العالم.

البعض يقتدي بشخصيات سياسية و تاريخية و ما شابه ذلك و يتخذها أسوة له.

لكن أذكى الناس من يتخذ أولياء اللّه أسوة و قدوة له؛لأنّ من أبرز الخصائص التي يتسم بها أولياء اللّه إنهم على درجة من الشجاعة و القوة و الاقتدار بحيث يصبحون أسيادا على نفوسهم لا عبيد أذلاء لها.

ينسب إلى أحد الفلاسفة و الحكماء القدماء أنه قال للإسكندر المقدوني:أنت عبد عبدي.

فتعجب الإسكندر من قوله و غضب عليه.قال له:لا تغضب؛فأنت عبد شهوتك و غضبك؛إذا طلبت شيئا أو غضبت،اضطربت و لم تصبر،و هذه عبودية للشهوة و الغضب،أما أنا فسخّرتهما حتى صارا عبدين لي.

قد تكون هذه القصة حقيقية،و قد لا تكون كذلك.إلاّ أنّها صحيحة بالنسبة

ص: 67

لأولياء اللّه و الأنبياء عليهم السّلام،و معالم طريق الهداية الإلهية للبشرية،و من الأمثلة عليها يوسف،و ابراهيم،و موسى عليهم السّلام.

و هناك أمثلة متعددة لذلك في حياة أولياء اللّه،و أذكى الناس هو من يتخذ هؤلاء الأكابر و هذه الشخصيات الشجاعة المقتدرة أسوة،و يكسبون لأنفسهم عن هذا الطريق أسباب الاقتدار و العظمة باطنيا و معنويا.

و توجد بين هؤلاء الأولياء و الأكابر شخصيات مميزة.

و لا شكّ أنّ أبا عبد اللّه الحسين عليه الصلاة و السلام من أبرز هذه الشخصيات.

حقا يجب القول أنّ نور الحسين بن علي عليه السّلام يسطع كالشمس لا علينا نحن الناس الترابيين الصغار فحسب بل و على كل عوالم الوجود و أرواح الأولياء و الأكابر، و الملائكة المقربين عليه السّلام،و على جميع عوالم الوجود المتداخلة في بعضها، المعروفة أو المجهولة بالنسبة لنا.

و من مشى في هدي نور هذه الشمس فقد جاء بعمل كبير سام (1).

عن ابن خالويه يرفعه إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري،قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:«إن اللّه عزّ و جلّ خلقني،و خلق عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين من نور واحد،فعصر ذلك النور عصرة فخرج منه شيعتنا فسبّحنا فسبّحوا،و قدّسنا فقدّسوا و هلّلنا فهلّلوا،و مجّدنا فمجّدوا،و وحّدنا فوحّدوا،ثمّ خلق اللّه السماوات و الأرض و خلق الملائكة مائة عام لا تعرف تسبيحا و لا تقديسا،فسبّحنا فسبّحت شيعتنا، فسبّحت الملائكة-و كذا في البواقي-فنحن الموحّدون حيث لا موحّد غيرنا،و حقيق على اللّه عزّ و جلّ كما اختصّنا و شيعتنا أن يزلفنا و شيعتنا في أعلى علّيين،إن اللّه اصطفانا و اصطفى شيعتنا من قبل أن نكون أجساما،فد عانا فأجبناه،فغفر لنا و لشيعتنا من قبل أن8.

ص: 68


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:8.

نستغفر اللّه» (1).

هذه رواية من مجموعة روايات تثبت نور الإمام الحسين عليه السلام و وجوده في عالم الأنوار و عبادته لله في ذلك العالم،فينبغي تقديم بيان يمهد لذلك ثم نعرض بقية الروايات،فنقول:

تمهيد:

آيات عالم الأنوار

اشارة

*الآية الاولى قوله تعالى: لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ،وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ... ...وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ (2).

و قد سأل المفضل الإمام الصادق عليه السّلام عن دليل وجودهم في عالم الأظلة فقرأ الإمام الصادق عليه السّلام هذه الآيات: لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ،وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ .

و قال عليه السّلام:«و يحك يا مفضل،ألستم تعلمون أنّ من في السماوات هم الملائكة، و من في الأرض هم الجان و البشر و كل ذي حركة.

فمن الذين فيهم و من عنده تعالى الذين قد خرجوا من جملة الملائكة!!».

قال المفضل:من تقول يا مولاي؟

ص: 69


1- -المحتضر:127،بحار الأنوار:10/15،شرح الزيارة الجامعة للسيّد عبد اللّه شبر:42.
2- -الأنبياء:19-28-29.

قال الإمام عليه السلام:«يا مفضل و من؟نحن الذين كنا و لا كون قبلنا،و لا حدوث سماء و لا أرض و لا ملك و لا نبي و لا رسول» (1).

*أقول:الروايات متواترة في وجودهم و عبادتهم في عالم الأظلة-تقدمت و تأتي-بل الكتاب هذا معدّ لذكرها،انما ما جئنا به هنا لتفسير الآية فقط.

*الآية الثانية قوله تعالى:

قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (2) .

و تأتي أحاديث أن محمدا و آل محمد عليهم السّلام أول من عبدوا اللّه تعالى على بسيط الحقيقة،و أنهم هم الذين علّموا الملائكة التسبيح و التقديس.

كالمروي عن الامام الباقر عليه السّلام قال:«يا جابر ان اللّه أول ما خلق خلق محمدا و عترته الهداة المهتدين،فكانوا أشباح نور بين يدي اللّه تعالى.

قلت:و ما الاشباح؟

قال عليه السّلام:ظل النور أبدان نورانية بلا أرواح،و كان مؤيدا بروح واحدة،و هي روح القدس،فبه كان يعبد اللّه،و عترته،و لذلك خلقهم حلماء..» (3).

*الآية الثالثة قوله تعالى:

وَ تَقَلُّبَكَ فِي السّاجِدِينَ (4) .

و جاء في تفسيرها أنه كان ينتقل نوره من ساجد الى ساجد (5).

ص: 70


1- -الهداية الكبرى:433 ذيل الكتاب.
2- -الزخرف:81.
3- -اصول الكافي:442/1 مولد النبي من ابواب التاريخ ح 10.
4- -الشعراء:219.
5- -الطبقات الكبرى:22/1،و الشفا:15/1،و تاريخ الخميس:234/1.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«لم أزل انقل من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات» (1).

*الآية الرابعة قوله تعالى:

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (2) .

قال جابر الجعفي:سألت أبا جعفر عليه السّلام عن تأويلها فقال:يا جابر أما السنة فهي جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و شهورها اثنى عشر شهرا،فهو أمير المؤمنين و اليّ و إلى ابني جعفر و ابنه موسى و ابنه علي و ابنه محمد و ابنه علي،و إلى ابنه الحسن،و إلى ابنه محمد الهادي المهدي،إثنا عشر إماما حجج اللّه في خلقه و امناؤه على وحيه و علمه.

و الاربعة الحرم الذين هم الدين القيم،أربعة منهم يخرجون باسم واحد:علي أمير المؤمنين و أبي علي بن الحسين و علي بن موسى و علي بن محمد،فالاقرار بهؤلاء هو الدين القيم و لا تظلموا فيهن أنفسكم،أي قولوا بهم جميعا تهتدوا» (3).

*و في رواية الامام الصادق عليه السّلام قال:يا داود أتدري متى كتب هذا؟

قلت:اللّه و رسوله و أنتم أعلم.

قال:قبل أن يخلق اللّه آدم بألفي عام.

و نحوه عن الامام الكاظم عليه السّلام (4).

ص: 71


1- -المواهب اللدنية:91/1-92 ذكر رضاعه.
2- -التوبة:36.
3- -غيبة الشيخ:96،و الزام الناصب:65/1،و تفسير نور الثقلين:215/2 ح 140،و الهداية الكبرى:377.
4- -عوالم العلوم:274/15 و 285،و مناقب آل أبي طالب:307/1 فصل في النكت و الاشارات،و غيبة النعماني:87 ح 18،و البحار:243/24 ح 14 و 410/36.
*الآية الخامسة قوله تعالى:

يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (1) .

فروي عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام في الآية:«البرهان محمد صلّى اللّه عليه و اله و النور علي عليه السّلام» (2).

*الآية السادسة قوله تعالى:

وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ (3) .

قال الامام الصادق عليه السّلام في الآية:«النور في هذا الموضع أمير المؤمنين و الائمة عليهم السّلام» (4).

و قريب منه عن الامام الباقر عليه السّلام قال:«النور علي عليه السّلام» (5).

*الآية السابعة قوله تعالى:

فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا (6) .

فعن الامام الباقر عليه السّلام:«النور و اللّه الائمة من آل محمد صلّى اللّه عليه و اله الى يوم القيامة هم و اللّه نور اللّه الذي أنزل،هم و اللّه نور اللّه في السموات و الارض» (7).

ص: 72


1- -المائدة:174.
2- -تفسير نور الثقلين:579/1 ح 700.
3- -الاعراف:157.
4- تفسير نور الثقلين:83/2 ح 300.
5- -تفسير نور الثقلين:85/2 ح 304.
6- -التغابن:8.
7- -تفسير نور الثقلين:341/5 ح 14 و 15.

و عن أبي الحسن عليه السّلام قال:«و الامامة هي النور و ذلك قوله عز و جل فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا قال:النور هو الامام» (1).6.

ص: 73


1- -تفسير نور الثقلين:341/5 ح 16.

روايات عالم الأنوار

تحدثنا الأخبار المستفيضة أن أهل بيت محمد صلوات اللّه عليهم كانوا أنوارا حول عرش اللّه قبل أن يخلق الخلق جميعا حتى الملائكة،و اليك بعضها:سئل الإمام الصادق عليه السّلام ما كنتم قبل ان يخلق اللّه السموات و الأرض؟

قال عليه السّلام:«كنا أنوارا حول عرش اللّه نسبّح اللّه و نقدّسه حتى خلق اللّه الملائكة فقال لهم:سبّحوا،فقالوا:يا ربنا لا علم لنا.فقال لنا:سبّحوا،فسبّحنا فسبّحت الملائكة بتسبيحنا،إلاّ أنّ خلقنا من نور اللّه» (1).

و في الزيارة الجامعة المشهورة:«خلقكم اللّه أنوارا فجعلكم بعرشه محدقين حتى منّ علينا بكم،فجعلكم في بيوت أذن اللّه ان ترفع و يذكر فيها اسمه...».

و قال أمير المؤمنين عليه السّلام صلوات اللّه عليه:«لما أراد اللّه أن ينشيء المخلوقات و يبدع الموجودات أقام الخلائق في صورة قبل دحو الأرض و رفع السموات،ثم أفاض نورا من نور عزّه فلمع قبسا من ضيائه و سطع،ثم اجتمع في تلك الصورة و فيها هيئة نبينا صلّى اللّه عليه و اله فقال له تعالى:أنت المختار و عندك مستودع الأنوار،و أنت المصطفى المنتخب الرضاء المنتجب المرتضى،من أجلك أضع البطحاء،و أرفع السماء،و أجري الماء،و أجعل الثواب و العقاب،و الجنة و النار،و أنصب أهل بيتك علما للهداية،و أودع أسرارهم من سري بحيث لا يشكل عليهم دقيق،و لا يغيب عنهم

ص: 74


1- -اثبات الوصية:153،و بحار الأنوار:21/25 ح 34 باب بدء خلقهم،و الفردوس بمأثور الخطاب:283/3 ح 4851 مختصرا.

خفي،و أجعلهم حجتي على بريتي،و المنبهين على قدري،و المطّلعين على أسرار خزائني(و أسكن قلوبهم أنوار عزتي،و أطلعهم على معادن جواهر خزائني).

ثم أخذ الحق سبحانه عليهم الشهادة بالربوبية،و الإقرار بالوحدانية،و أن الإمامة فيهم،و النور معهم.(الى أن قال بعد ذكر بقية الخلق):

ثم بيّن لآدم حقيقة ذلك النور،و مكنون ذلك السّر،فلما حانت أيامه أودعه شيئا، و لم يزل ينقل من الأصلاب الفاخرة الى الأرحام الطاهرة،الى أن وصل الى عبد المطلب،ثم الى عبد اللّه،ثم الى نبيه صلّى اللّه عليه و اله،فدعا الناس ظاهرا و باطنا و ندبهم سرا و علانية،و استدعى الفهوم الى قيام بحقوق ذلك السر اللطيف،و ندب العقول الى الاجابة لذلك المعنى المودع في الذّر قبل النسل.

فمن وافقه قبس من لمحات ذلك النور و اهتدى الى السرّ،و انتهى الى العهد المودع في باطن الامر و غامض العلم،و من غمرته الغفلة و شغلته المحنة استحق البعد،ثم لم يزل ذلك النور ينتقل فينا و يتشعشع في غرائزنا،فنحن أنوار السموات و الأرض،و سفن النجاة،و فينا مكنون العلم،و إلينا مصير الأمور،و بمهدينا تقطع الحجج؛فهو خاتم الأئمة،و منقذ الامة،و منتهى النور،و غامض السر،فليهن من استمسك بعروتنا و حشر على محبتنا» (1).

و روى شعبة(و سعد بن الحجاج)عن هشام بن يزيد و الشيخ المفيد يرفعه اليه:

قال:«كنت أنا و أبو ذر و سلمان و زيد ابن أرقم عند النبي صلّى اللّه عليه و اله و ساق الحديث:

الى أن قال صلىّ اللّه عليه و اله:«خلقني اللّه تبارك و تعالى و أهل بيتي من نور واحد قبل ان يخلق آدم بسبعة آلاف عام،ثم نقلنا إلى صلب آدم ثم نقلنا من صلبه في أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات.ة.

ص: 75


1- -تذكرة الخواص:121-122 الباب السادس-خطبة في مدح النبي و الائمة،و مروج االذهب: 17/1-18 ط.مصر و 43-44 ط.بيروت-باب ذكر المبدأ و شأن الخليقة.

فقلت:يا رسول اللّه فأين كنت و على أي مثال كنتم؟

قال صلّى اللّه عليه و اله:كنا أشباحا من نور تحت العرش نسبّح اللّه تعالى و نحمده.

ثم قال صلّى اللّه عليه و اله:لما عرج بي إلى السماء،و بلغت سدرة المنتهى و دعني جبرائيل عليه السّلام،فقلت:حبيبي جبرئيل أفي هذا المقام تفارقني.

فقال يا محمد:إني لا أجوز هذا الموضع فتحترق أجنحتي.

ثم زجّ بي في النور ما شاء اللّه،فأوحى اللّه اليّ:يا محمد اني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيا،ثم اطلعت ثانيا فاخترت منها عليا فجعلته وصيك و وارث علمك و الإمام بعدك،و أخرج من أصلابكما الذرية الطاهرة و الأئمة المعصومين خزّان علمي،فلولاكم ما خلقت الدنيا و لا الآخرة و لا الجنة و لا النار، يا محمد أتحب أن تراهم؟قلت:نعم يا رب؟

فنوديت يا محمد إرفع رأسك،فرفعت رأسي فأذا أنا بأنوار علي و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد و موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمد بن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي و الحجة يتلألأ من بينهم كأنه كوكب دري.

فقلت:يا رب من هؤلاء و من هذا؟

قال عزّت الاؤه:يا محمد هم الأئمة بعدك المطهرون من صلبك،و هو الحجة الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا و يشفي صدور قوم مؤمنين.

قلنا:بآبائنا و امهاتنا أنت يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لقد قلت عجبا.

فقال صلّى اللّه عليه و اله:و أعجب من هذا إن قوما يسمعون مني هذا ثم يرجعون على أعقابهم بعد اذ هداهم اللّه و يؤذوني فيهم لا أنالهم اللّه شفاعتي» (1).ه.

ص: 76


1- -كفاية الاثر:70-71-73،و بحار الأنوار:301/36 و 302 و 303،و ارشاد القلوب:/2 415-417 في فضل محمد و أوصيائه.

و بالاسناد الى أنس بن مالك قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:لما عرج بي إلى السماء رأيت على ساق العرش مكتوبا:لا اله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه،أيدته بعلي و نصرته، و رأيت اثني عشر إسما بالنور فيهم علي بن أبي طالب و سبطي و بعدهما تسعة اسماء عليا عليا ثلاث مرات،و محمد محمد مرتين،و جعفر و موسى و الحسن و الحجة يتلألأ من بينهم.

فقلت:يا رب أسامي من هؤلاء؟

فناداني ربي جلّ جلاله:هم الاوصياء من ذريتك بهم اثيب و أعاقب» (1).

و روي عن عبد اللّه بن أبي و قاص قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«لما خلق اللّه ابراهيم الخليل كشف اللّه عن بصره فنظر إلى جانب العرش فرأى نورا.

فقال:إلهي و سيدي ما هذا النور؟

قال عزّت الآؤه:يا إبراهيم هذا محمد صفيي.

فقال:إلهي و سيدي أرى إلى جانبه نورا آخر؟

فقال تعالى:يا إبراهيم هذا علي ناصر ديني.

فقال:إلهي و سيدي أرى إلى جانبهما نورا ثالثا.

قال سبحانه:يا إبراهيم هذه فاطمة تلي أباها و بعلها فطمت محبيها من النار.

قال:الهي و سيدي أرى نورين يليان الثلاثة الأنوار.

قال تعالى:يا إبراهيم هذان الحسن و الحسين يليان أباهما وجدهما و أمهما.

فقال:إلهي و سيدي أرى تسعة أنوار أحدقوا بالخمسة الأنوار.

قال عزت الآؤه:يا إبراهيم هؤلاء الأئمة من ولدهم.

فقال:إلهي و سيدي فبمن يعرفون؟

قال تعالى:يا ابراهيم أولهم علي بن الحسين و محمد ولد علي و جعفر ولد محمد6.

ص: 77


1- -كفاية الاثر:74،و رواه في البحار:310/36.

و موسى ولد جعفر و علي ولد موسى و محمد ولد علي و علي ولد محمد و الحسن ولد علي و محمد ولد الحسن القائم المهدي» (1).

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة اللؤلؤة:

قال:و لقد قال النبي صلّى اللّه عليه و اله لما عرج بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش فإذا فيه مكتوب:لا اله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه أيدته بعلي و نصرته بعلي،و رأيت اثنى عشر نورا.

فقلت:يا رب من هذه؟

فنوديت:يا محمد هذه أنوار الأئمة من ذريتك.

قلت:يا رسول اللّه أفلا تسميهم لي؟

قال صلّى اللّه عليه و اله:نعم،انت الإمام و الخليفة بعدي تقضي ديني و تنجز عداتي،و بعدك ابناك الحسن و الحسين،بعد الحسين ابنه علي زين العابدين،و بعده ابنه محمد يدعى بالباقر،و بعد محمد ابنه جعفر يدعى بالصادق،و بعد جعفر ابنه موسى يدعى بالكاظم و بعد موسى ابنه علي يدعى بالرضا و بعد علي ابنه محمد يدعى بالزكي و بعد محمد ابنه علي يدعى بالنقي و بعد علي ابنه الحسن يدعى بالأمين و القائم من ولد الحسن سميي و أشبه الناس بي يملأها قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما» (2).

هذه جملة من روايات كون أهل البيت نورا بين يدي اللّه،و هناك روايات أخرى كثيرة تفيد نفس المعنى و المضمون أغمضنا عن ذكرها بغية الاختصار (3).

ص: 78


1- -الفضائل لابن شاذان:158،و بحار الأنوار:213/36 و المتن من بحار الأنوار لأصحيته،و إلزام الناصب:86/1،و عوالم العلوم:75/15.
2- -كفاية الاثر:217 و 218،و بحار الأنوار:355/36 و 356 ح 225 و 329/41 ح 50.
3- -يراجع بحار الأنوار:1/25 الى 33 فقد ذكر قريب الاربعين حديثا،و الطرائف:15/1،و أصول الكافي:439/1 باب مولد النبي،و بصائر الدرجات:73-84،و مختصر بصائر الدرجات:116 و تفسير فرات الكوفي:207،و معاني الاخبار:396،و ميزان الحكمة:229/10،و كشف الغطاء: 7،و الهداية الكبرى:100.

و عن المفضل في حديث طويل مع الإمام الصادق عليه السّلام جاء فيه:«قال أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة له:الحمد للّه مدهر الدهور و قاضي الامور و مالك يوم النشور، الذي كنا بكينونيته قبل الحلول في التمكين،ناسبين غير متناسبين،أزليين لا موجودين و لا محدودين،منه بدونا و اليه نعود،لان الدهر فينا قسمت حدوده و لنا أخذت عهوده، و الينا ترد شهوده.الى أن قال عليه السّلام:

نحن القدرة و نحن الجانب و نحن العروة الوثقى،محمد العرش عرش اللّه على الخلائق،و نحن الكرسي و أصول العلم...أنا باب المقام و حجة الخصام و دابة الأرض و فصل القضا و صاحب العصا و سدرة المنتهى و سفينة النجاة».

فقال الإمام الصادق عليه السّلام للمفضل شارحا لهذه الخطبة:«نعم،يا مفضل الذي كنا بكينونته في القدم و الازل هو المكون و نحن المكان،و هو المنشيء و نحن الشيء،هو الخالق و نحن المخلوقون،هو الرب و نحن المربوبون،هو المعنى و نحن أسماؤه المعاني،هو المحتجب و نحن حجبه قبل الحلول في التمكين....الى أن قال عليه السّلام:

«لا متناسلين ذوات أجسام و لا صور و لا مثال إلاّ أنوار نسمع اللّه ربنا و نطيع، يسبح نفسه فنسبحه،و يهللها فنهلله،و يكبرها فنكبره و يقدسها فنقدسه، و يمجدها فنمجده في ستة أكوان منها ما شاء اللّه من المدة.و قوله أزليين لا موجودين،و كنا أزليين قبل الخلق لا موجودين أجسام و لا صور» (1).

و تؤيد هذه الطائفة بما روي أن من أجلهم خلق اللّه الخلق.

فعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:يا علي لولا نحن ما خلق اللّه لا آدم و لا حواء و لا الجنة و لاب.

ص: 79


1- -الهداية الكبرى:433-435 ذيل الكتاب.

النار و لا السماء و لا الأرض» (1).

و الروايات في ذلك كثيرة فلتراجع (2).و هو اعتقاد الامامية (3).

*و كذلك يؤيد هذه الطائفة ما ورد من توسل الأنبياء بهم عليهم السّلام و اليك بعضها:

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في ذكر توسل قس بن ساعده:

«اللهم رب السموات(السبعة)الارفعة و الأرضين الممرعة،بحق محمد و الثلاثة المحاميد معه،و العليين الأربعة،و فاطم و الحسنين الأبرعة،و جعفر و موسى التبعة، سمي الكليم الصرعة(و الحسن ذي الرفعة)،أولئك النقباء الشفعة و الطريق المهيعة، راسة(درسة)الأناجيل(و حفظة التنزيل)،و حماة الأضاليل،و نفاة الأباطيل، الصادقون في القيل،عدد نقباء بني اسرائيل،فهم أول البداية،و عليهم تقوم الساعة، و بهم تنال الشفاعة،و لهم من اللّه فرض الطاعة،اسقنا غيثا مغيثا» (4).

و من ذلك ما روي عن معمّر عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال:«أتى يهودي النبي صلّى اللّه عليه و اله فقام بين يديه يحد النظر،فقال:يا يهودي ما حاجتك؟

قال:أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلّمه اللّه و أنزل عليه التوراة و العصا و فلق له البحر و أظلّه بالغمام؟.

فقال له النبي صلّى اللّه عليه و اله:إنّه يكره للعبد أن يزكّي نفسه،و لكني أقول:

إن آدم عليه السّلام لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال:«اللهم إني أسألك بحقن.

ص: 80


1- -كمال الدين:254 باب نص الرسول على القائم.
2- -كفاية الاثر:72-296،و كمال الدين:254/1 باب 23،و ينابيع المودة:582/2،و فضائل ابن شاذان:128،و بحار الأنوار:12/26-267-273-297 و:302/36،و مناقب الخوارزمي: 318،و عيون الاخبار:205-239،و روضة الواعظين:84،و ارشاد القلوب:414/2،و فرائد السمطين:37/1.
3- -يراجع الاعتقادات للصدوق:93/5 باب 35.
4- -مناقب آل أبي طالب:287/1،و كنز الفوائد:257 رسالة البرهان في طول عمر صاحب الزمان.

محمد و آل محمد لما غفرت لي»فغفر اللّه له.

و أن نوحا عليه السّلام لما ركب في السفينة و خاف الغرق قال:«اللهم إني أسألك بحق محمد و آل محمد لما أنجيتني من الغرق»فنجاه اللّه عنه.

و إن ابراهيم عليه السّلام لما القي في النار قال:«اللهم إني أسألك بحق محمد و آل محمد لما نجيتني منها»فجعلها اللّه عليه بردا و سلاما.

و ان موسى عليه السّلام لما ألقى عصاه و أوجس في نفسه خيفة قال:«اللهم إني أسألك بحق محمد و آل محمد لما آمنتني»فقال اللّه جل جلاله:«لا تخف إنك أنت الاعلى، يا يهودي إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي و بنبوتي ما نفعه إيمانه شيئا.يا يهودي و من ذريتي المهدي اذا خرج نزل عيسى ابن مريم لنصرته و قدّمه و صلى خلفه» (1).

و عن الرضا عليه السّلام:«لما أشرف نوح على الغرق دعى اللّه بحقنا فدفع اللّه عنه الغرق،و لما رمي ابراهيم في النار دعى اللّه بحقنا فجعل اللّه النار عليه بردا و سلاما.

و ان موسى لما ضرب طريقا في البحر دعى اللّه بحقنا فجعلها يبسا.

و ان عيسى لما أراد اليهود قتله دعى اللّه بحقنا فنجّي من القتل فرفعه اليه» (2).

و منها ما روي عن محمد بن سنان عن المفضل عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام.

قال:«إن اللّه تبارك و تعالى خلق الأرواح قبل الاجساد بألفي عام،فجعل أعلاها و أشرفها أرواح محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة بعدهم صلوات اللّه عليهم.-و ساق الحديث إلى أن قال عليه السّلام:قال جبرائيل لآدم و حواء:فسلا ربكما بحق الأسماء التي رأيتموها على ساق العرش حتى يتوب عليكما.

فقالا:«اللهم إنا نسألك بحق الأكرمين عليك:محمد و علي و فاطمة و الحسن16

ص: 81


1- -روضة الواعظين:272 مجلس في مناقب آل محمد.
2- -بحار الأنوار:325/26 و:366/16

و الحسين و الأئمة إلاّ تبت علينا و رحمتنا».

فتاب اللّه عليهما إنه هو التواب الرحيم (1).6.

ص: 82


1- -معاني الأخبار:110 باب معنى الامانة،و بحار الأنوار:172/11-174 و 322/26.

كيفية خلق نور الحسين و آله

اشارة

قال أمير الموحدين علي بن أبي طالب عليه السّلام:«إن اللّه تبارك و تعالى أحد واحد تفرد في وحدانيته،ثم تكلم بكلمة فصارت نورا،ثم خلق من ذلك النور محمدا صلّى اللّه عليه و اله و خلقني و ذريتي،ثم تكلم بكلمة فصارت روحا؛فأسكنه اللّه في ذلك النور و أسكنه في أبداننا،فنحن روح اللّه و كلماته،و بنا احتجب عن خلقه.

فما زلنا في ظلة خضراء حيث لا شمس و لا قمر،و لا ليل و لا نهار،و لا عين تطرف؛ نعبده و نقدسه و نسبّحه قبل أن يخلق خلقه،و أخذ ميثاق الأنبياء بالايمان و النصرة لنا» (1).

و في رواية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله جاء فيها«اعلموا رحمكم اللّه،أن اللّه تقدست أسماؤه و جل ثناؤه كان و لا مكان و لا كون معه،و لا سواه أحد في فردانيتة،صمد في أزليته،مشيءّ لا شيء معه،فلما شاء أن يخلق خلقني بمشيئته و إرادته لي نورا ،و قال لي:«كن»،فكنت نورا شعشعانيا أسمع و أبصر و أنطق،بلا جسم و لا كيفية،ثم خلق مني أخي عليا،ثم خلق منا فاطمة،ثم خلق مني و من علي و فاطمة الحسن، و خلق منا الحسين،و منه ابنه علي،و خلق منه ابنه محمدا،و خلق منه ابنه جعفرا، و خلق منه ابنه موسى،و خلق منه ابنه عليا،و خلق منه ابنه محمدا،و خلق منه ابنه عليا،و خلق منه ابنه الحسن،و خلق منه ابنه سميّي و كنيّي و مهدي أمتي و محيي سنتي و معدن ملتي،و من وعدني أن يظهرني به على الدين كله و يحق به الحق

ص: 83


1- -بحار الأنوار:291/26 ح 51 من باب تفضيلهم على الأنبياء،و الأنوار النعمانية:99/2.

و يزهق به الباطل إن الباطل كان زهوقا،و يكون الدين كله واصبا.

فكنا أنوارا بأرواح و أسماع و أبصار و نطق و حسّ و عقل،و كان اللّه الخالق و نحن المخلوقون،و اللّه المكون و نحن المكونون،و اللّه الباريء و نحن البرية،موصولون لا مفصولون،فهلل نفسه فهللناه،و كبر نفسه فكبرناه،و سبح نفسه فسبحناه، و قدّس نفسه فقدسناه،و حمد نفسه فحمدناه،و لم يغيبنا و أنوارنا تتناجى و تتعارف مسمين متناسبين أزليين لا موجودين (1)،منه بدأنا و اليه نعود،نور من نور بمشيئته و قدرته،لا ننسى تسبيحه و لا نستكبر عن عبادته،ثم شاء فمد الأظلة و خلق الخلق؛ خلقا أطوارا ملائكة،و خلق الماء و الجان و عرّش عرشه على الأظلة،يبصرون و يسمعون و يعقلون فأخذ عليهم العهد و الميثاق ليؤمنن به...» (2).

و عن أبي سلمى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله في حديث قدسي:«يا محمد إني خلقتك و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ولده من شبح نور من نوري (3).

*أقول:هذا الروايات تنص أنهم كانوا أنوارا و أرواحا و أبدانا،يسمعون و يعقلون،و ما تقدم كان يشير الى وجود الروح و النور و الاشباح،فهل يراد بالأشباح الأبدان؟أم أن الأشباح جسم شفاف دون الأبدان؟!تأمل فيما يأتي.7.

ص: 84


1- -في قبال وجود اللّه تعالى.
2- -الهداية الكبرى:379-380.
3- -مائة منقبة:65 المنقبة 17.

نور الحسين عليه السلام يتألق

عن ابن خالويه يرفعه إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري،قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:«إن اللّه عزّ و جلّ خلقني،و خلق عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين من نور واحد،فعصر ذلك النور عصرة فخرج منه شيعتنا فسبّحنا فسبّحوا،و قدّسنا فقدّسوا و هلّلنا فهلّلوا،و مجّدنا فمجّدوا،و وحّدنا فوحّدوا،ثمّ خلق اللّه السماوات و الأرض و خلق الملائكة مائة عام لا تعرف تسبيحا و لا تقديسا،فسبّحنا فسبّحت شيعتنا، فسبّحت الملائكة-و كذا في البواقي-فنحن الموحّدون حيث لا موحّد غيرنا،و حقيق على اللّه عزّ و جلّ كما اختصّنا و شيعتنا أن يزلفنا و شيعتنا في أعلى علّيين،إن اللّه اصطفانا و اصطفى شيعتنا من قبل أن نكون أجساما،فدعانا فأجبناه،فغفر لنا و لشيعتنا من قبل أن نستغفر اللّه» (1).

و روى الصدوق رحمه اللّه بإسناده عن أبي الحسن الرضا عن أبيه عن آبائه عليهم السّلام قال:

قال:رسول اللّه؛أنا سيّد من خلق اللّه عزّ و جل،و أنا خير من جبرائيل و ميكائيل و اسرافيل و حملة العرش و جميع ملائكة اللّه المقرّبين و أنبياء اللّه المرسلين،و أنا صاحب الشفاعة و الحوض الشريف،و أنا و علي أبوا هذه الأمّة،من عرفنا فقد عرف اللّه، و من أنكرنا فقد أنكر اللّه،و من عليّ سبطا أمّتي،و سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن و الحسين،و من ولد الحسين أئمّة تسعة طاعتهم طاعتي،و معصيتهم معصيتي،تاسعهم

ص: 85


1- -المحتضر:127،بحار الأنوار:10/15،شرح الزيارة الجامعة للسيّد عبد اللّه شبر:42.

قائمهم و مهديهم» (1).

و في رواية أخرى:«و الفضل لك بعدي يا عليّ و للأئمّة من بعدك،و إن الملائكة لخدّامنا و خدّام محبّينا-ثمّ قال بعد كلام-إنّ اللّه خلق آدم،و أودعنا في صلبه،و أمر الملائكة بالسجود له تعظيما لنا و إكراما،و كان سجودهم للّه عزّ و جلّ عبوديّة،و لآدم إكراما و طاعة،لكوننا في صلبه فكيف لا نكون أفضل من الملائكة،و قد سجدوا لآدم كلّهم أجمعون» (2).

و عن سلمان الفارسي:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«يا سلمان خلقني اللّه من صفوة نوره و دعاني فأطعته،و خلق من نوري نور علي عليه السّلام فدعاه الى طاعته فأطاعه، و خلق من نوري و نور علي فاطمة عليه السّلام فدعاها فأطاعته،و خلق مني و من علي و فاطمة الحسن و الحسين فدعاهما فأطاعاه،فسمانا اللّه بخمسة أسماء من أسمائه.

فاللّه المحمود و أنا محمد،و اللّه العلي و هذا علي،و اللّه فاطر و هذه فاطمة،و اللّه الإحسان و هذا الحسن،و اللّه المحسن و هذا الحسين،ثم خلق منا و من نور الحسين عليه السّلام تسعة أئمة فدعاهم فأطاعوا قبل أن يخلق اللّه سماء مبنية أو ارضا مدحية أو هواء أو ماء أو ملكا أو بشرا،و كنا بعلمه أنوارا نسبّحه و نسمع له و نطيع» (3).

و عنه صلّى اللّه عليه و اله:«إنّ اللّه خلقني و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل أن يخلق آدم عليه السّلام حين لا سماء مبنية،و لا أرض مدحية،و لا ظلمة و لا نور،و لا شمس و لا قمر و لا جنة و لا نار».

فقال العباس:كيف كان بدء خلقكم يا رسول اللّه؟ن.

ص: 86


1- -كمال الدين:261 ح 8 و البحار:364/16.
2- -عيون أخبار الرضا عليه السّلام:237/2.
3- -الزام الناصب:332/2-33 الفرع الثاني الآيات المشعرة بالرجعة عن المقتضب و تفسير البرهان.

فقال:«يا عم لما أراد اللّه أن يخلقنا تكلم بكلمة خلق منها نورا،ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها روحا،ثم مزج النور بالروح،فخلقني و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين،فكنا نسبّحه حين لا تسبيح،و نقدّسه حين لا تقديس،فلما أراد اللّه تعالى أن ينشىء خلقه فتق نوري فخلق منه العرش،فالعرش من نوري، و نوري من نور اللّه،و نوري أفضل من العرش.

ثم فتق نور أخي علي فخلق منه الملائكة،فالملائكة من نور علي و نور علي من نور اللّه و علي أفضل من الملائكة.ثم فتق نور ابنتي فخلق منه السموات و الأرض، فالسموات و الأرض من نور ابنتي فاطمة،و نور ابنتي فاطمة من نور اللّه،و ابنتي فاطمة أفضل من السموات و الأرض.

ثم فتق نور ولدي الحسن فخلق منه الشمس و القمر فالشمس و القمر من نور ولدي الحسن و نور الحسن من نور اللّه،و الحسن أفضل من الشمس و القمر.

ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة و الحور العين،فالجنة و الحور العين من نور ولدي الحسين،و نور ولدي الحسين من نور اللّه،و ولدي الحسين أفضل من الجنة و الحور العين (1).

الى أن قال:«فتكلم اللّه بكلمة فخلق منها روحا...ثم نورا فأزهرت المشارق و المغارب فهي فاطمة» (2).

و عن سلامة عن أبي سلمى راعي إبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:«ليلة اسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ جلاله آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.

قلت:و المؤمنون،قال صدقت يا محمد،ثم قال:من خلّفت في أمتك؟ود

ص: 87


1- -بحار الأنوار:10/15-11 باب بدء خلق النبي ح 11.
2- -الأنوار النعمانية:17/1-18 مع تفاوت عما في بحار الأنوار ليس بيسير رواه عن ابن مسعود

قلت:خيرها.

قال:عليّ بن أبي طالب؟

قلت:نعم يا رب قال:يا محمد إني اطلعت إلى الأرض اطّلاعة فاخترتك منها و شققت لك اسما من أسمائي،فلا أذكر في موضع إلاّ ذكرت معي،فأنا المحمود و أنت محمد،ثم اطلعت الثانية فاخترت منها عليا و شققت له اسما من اسمائي فأنا الاعلى و هو عليّ،يا محمد إني خلقتك و خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ولده من شبح نوري،و عرضت ولايتكم على أهل السموات و أهل الأرض فمن قبلها كان عندي من المؤمنين و من جحدها كان عندي من الكافرين.

يا محمد لو أن عبدا من عبيدي عبدني حتى يتقطع أو يصير كالشن البالي،ثم أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتى يقرّ بولايتكم،يا محمد تحبّ أن تراهم؟قلت:نعم يا رب فقال لي:التفت عن يمين العرش،فالتفتّ فإذا بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمد بن عليّ و جعفر بن محمد و موسى بن جعفر و عليّ بن موسى و محمد بن عليّ و عليّ بن محمد و الحسن بن عليّ و المهدي،في ضحضاح من نور قياما يصلون و هو في وسطهم-يعني المهدي-كأنّه كوكب درّي و قال:يا محمد هؤلاء الحجج و هو الثائر من عترتك،و عزّتي و جلالي إنّه الحجة الواجبة لأوليائي و المنتقم من أعدائي» (1).

و عن الإمام أبو محمد العسكري عليه السّلام:قال علي بن الحسين:حدّثني أبي عن أبيه عن رسول الله صلّى اللّه عليه و اله قال:يا عباد الله إن آدم لما رأى النور ساطعا من صلبه إذ كان اللّه تعالى قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره،رأى النور و لم يتبين الأشباح فقال:يا رب ما هذه الأنوار؟قال:أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك،و لذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت و عاء لتلك الأشباح،فقال آدم:يا رب لو بيّنتها ليّ،1.

ص: 88


1- فرائد السمطين 320/2 ح 571.

فقال الله عزّ و جلّ:أنظر يا آدم إلى ذروة العرش،فنظر آدم عليه السّلام فوقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش،فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الانسان في المرآة الصافية فراى أشباحنا فقال:ما هذه الأشباح يا رب؟قال الله تعالى:يا آدم هذه أشباح أفضل خلائقي و بريّاتي هذا محمد و أنا المحمود الحميد في أفعالي،شققت له اسما من إسمي،و هذا علي و أنا العلي العظيم شققت له اسما من إسمي،و هذه فاطمة و أنا فاطر السماوات و الأرض،فاطم أعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي،و فاطم أوليائي عما يعرهم و يسيئهم فشققت لها اسما من إسمي،و هذا الحسن و هذا الحسين و أنا المحسن المجمل شققت اسميهما من إسمي.

هؤلاء خيار خلقي،و كرام بريتي،بهم آخذ و بهم أعطي،و بهم أعاقب و بهم أثيب، فتوسل إليّ بهم يا آدم،و إذا دهتك داهية فاجعلهم لي شفعاءك فإني آليت على نفسي قسما حقا لا أخيّب بهم آملا،و لا أردّ بهم سائلا،فذلك حين زلّت منه الخطيئة و دعى الله عزّ و جلّ فتاب عليه و غفر له. (1)2.

ص: 89


1- تفسير الإمام العسكري 219-/220ح 102.

أولاد الحسين عليه السلام

كان له من الأولاد ذكور و إناث عشرة:ستة ذكور و أربع إناث،فالذكور:علي الأكبر،علي الأوسط و هو سيد العابدين و سيأتي ذكره في بابه إن شاء اللّه،و علي الأصغر،و محمد،و عبد اللّه،و جعفر.

فأمّا علي الأكبر فإنه قاتل بين يديّ أبيه حتى قتل شهيدا.

و أمّا علي الأصغر جاءه سهم و هو طفل فقتله،و قد تقدّم ذكره عند ذكر الأبيات لمّا قتل.

و قيل:إنّ عبد اللّه أيضا قتل مع أبيه شهيدا (1).

و أمّا البنات:فزينب،و سكينة،و فاطمة (2).

هذا هو المشهور و قيل:بل كان له أربع بنين و بنتان (3)و الأول أشهر،و كان الذكر المخلّد و الثناء المنضد مخصوصا من بين بنيه بعلي الأوسط زين العابدين دون بقية الأولاد.

و في كتاب بشائر المصطفى كان للحسين عليه السّلام ستّة أولاد عليّ بن الحسين الأكبر كنيته أبو محمّد امّه شهر بانو بنت كسرى يزدجر و عليّ بن الحسين الأصغر

ص: 90


1- -تاريخ ابن الخشاب:177،الإرشاد 2:125.
2- -تاريخ ابن الخشاب:177،مناقب ابن شهر آشوب 4:85،لا يخفى على القاريء الكريم أن المصنف ذكر عدد أولاد الإمام الحسين عليه السّلام عشرة و عدد تسعة كما في المصادر المذكورة.
3- -ترجمة الحسين بن علي من الطبقات الكبرى:17،عمدة الطالب:192،سر السلسلة العلوية:30.

قتل مع أبيه بالطفّ و امّه ليلى الثقفية و جعفر بن الحسين لا بقيّة له توفّي في زمن أبيه و عبد اللّه قتل صغيرا مع أبيه في حجره و سكينة بنت الحسين و امّها الرباب و هي امّ عبد اللّه بن الحسن و فاطمة بنت الحسين امّها بنت طلحة التميميّة.

و ذكر صاحب كتاب البدع و صاحب شرح الأخبار أنّ عقب الحسين عليه السّلام من الأكبر و أنّه هو الباقي بعد أبيه و أنّ المقتول هو الأصغر منهما،قال:و عليه نعول فإنّ عليّ بن الحسين الباقي كان يوم كربلاء من أبناء ثلاثين سنة و أنّ ابنه محمّد بن عليّ الباقر كان يومئذ من أبناء خمسة عشر سنة و كان لعليّ الأصغر المقتول نحو اثنتي عشرة سنة (1).9.

ص: 91


1- العوالم:639.

شمائل و صفات الإمام الحسين عليه السلام

شجاعة الحسين عليه السلام

و بطولاته في كربلاء تكفي لإثبات ذلك كما شهد به الأعداء،إضافة للبطولات التي سطرها في حياة جده صلّى اللّه عليه و اله و أبيه عليه السّلام أو عهد الخلفاء الثلاثة،حيث كان عليه السلام يشارك مع أخيه في كثير من تلك الحروب التي قامت للدفاع عن الإسلام أو نشره.

و قد قيل في شجاعته عليه السّلام:إعلم وفقك اللّه على حقائق المعاني و وفقك لإدراكها أنّ الشجاعة من المعاني القائمة بالنفوس،و الصفات المضافة إليها فهي تدرك بالبصيرة لا بالبصر و لا يمكن معرفتها بالحس مشاهدة لذاتها،إذ ليست أجساما كثيفة بل طريق معرفتها و العلم بها بمشاهدة آثارها،فمن أراد أن يعلم أن زيدا موصوف بالشجاعة،فطريقه أن ينظر إلى ما يصدر منه إذا أحدقت الرجال و صدقت الآجال،و حقت الأوجال و تضايق المجال،و حاق القتال،فإن كان مجزاعا مهلاعا مزواعا مفزاعا فتراه يستركب الهزيمة و يستبقها،و يستصوب الدنية و يتطوقها،و يستعذب المفرة و يتفوقها،و يستصحب الذلة و يتعلقها،مبادرا إلى تدرع عار الفرار من شبا الشفار،مشيحا عن الفخار باقتحام الأخطار في مقر القراع لكل خطار،فذلك مهبول الأم،مخبول الفهم،مفلول الجمع،معزول عن السمع، ضرب بينه و بين الشجاعة بحجاب مكتوب بينه و بين الشهامة بابراء في كتاب،لا تعرف نفسه سرفا،و لا تجد عن الخساسة و الدناءة منصرفا.

ص: 92

و إن كان محزرا (1)،مجزارا،كرارا،صبارا،يسمع من أصوات وقع الصوارم نغم المزامر (2)المطربة،و يسرع إلى مصاف التصادم مسارعته إلى مواصلة النواظر المعجبة،خائضا غمرات الأهوال بنفس مطمئنة و عزيمة مطنبة،يعد مصافحة الصفاح غنيمة بادرة (3)و مرامحة الرماح فائدة عائدة،و مكافحة الكتائب مكرمة زائدة،و مناوحة المناقب (4)منقبة شاهدة،يعتقد القتل ملحفة طلل الحياة الأبدية،و يسعفه جلل المحامد السرمدية،و يزلفه من منازل الفخار العالية المغرة للشهداء الأحدية،جانحا إلى ابتياع العز بمهجته و يراها ثمنا قليلا جامحا عن ارتكاب الدنايا و إن غادرت جماحه قتيلا:

يرى الموت أحلى من ركوب دنية و لا يعتدى للناقصين عديلا

و يستعذب التعذيب فيما يفيده نزاهته عن أن يكون ذليلا

فهذا مالك زمام الشجاعة و حائزها،و له من قداحها معلاها و فائزها،قد تفوق بها لبان الشرف و اغتذاه،و تطوّق در سحابه المستحلى و تحلاه،و عبق نشر أرجه المنتشر مما أتاه،و نطق فعله بمدحه و إن لم يفض فاه،و صدق و اللّه و اصفه بالشجاعة التي يحبها اللّه،و إذا ظهرت دلالة الآثار على مؤثرها،و أسفرت عن تحقق مثيرها و مثمرها (5).

فقد صرح النقلة في صحائف السير بما رأوه و جزموا القول بما نقله المتقدم إلى المتأخر فيما رووه أنّ الحسين عليه السّلام لمّا قصد العراق و شارف الكوفة،سرّب إليه أميرها يومئذ عبيد اللّه بن زياد الجنود لمقاتلته أحزابا،و حزّب عليه الجيوش2.

ص: 93


1- -في كشف الغمة:مجسارا.
2- -في نسخة:المزاهر.
3- -في كشف الغمة:باردة.
4- -في نسخة:المقانب.
5- -كشف الغمة:227/2.

لمقاتلته أسرابا،و جهز من العساكر عشرين ألف فارس و راجل يتتابعون كتائبا و أطلابا،فلما حصروه و أحدقوا به شاكين في العدة و العديد،ملتمسين منه نزوله على حكم بن زياد أو بيعته ليزيد،فإن أبى ذلك فليؤذن بقتال يقطع الوتين و حبل الوريد،و يصعد الأرواح إلى المحل الأعلى و يصرع الأشباح على الصعيد،فتبعت نفسه الأبيّة جدها و أباها،و عزفت عن إلتزام الدنية فأباها،و نادته النخوة الهاشمية فلبّاها،و منحها الإجابة إلى مجانبة الذلة و حباها،فاختار مجالدة الجنود و مضاربة ضباها،و مصادمة صوارمها و شيم شباها،و لا يذعن لوصمة تسم بالصغار من شرفه خدودا و جباها،و قد كان أكثر هؤلاء المخرجين لقتاله قد شايعوه و كاتبوه و طاوعوه و بايعوه و سألوه القدوم عليهم ليبايعوه،فلما جاءهم كذّبوه ما وعدوه، و أنكروه و جحدوه و مالوا إلى السحت العاجل فعبدوه،و خرجوا إلى قتاله رغبة في عطاء ابن زياد فقصدوه،فنصب عليه السّلام نفسه و إخوته و أهله و كانوا نيفا و ثمانين لمحاربتهم و اختاروا بأجمعهم القتل على متابعتهم ليزيد و مبايعته،فأعلقتهم الفجرة الطغاة،و أرهقتهم المردة اللئام،و رشقتهم النبال و السهام،و أوثقتهم من شبا شفارهم الكلام.

هذا و الحسين عليه السّلام ثابت لا تخف حصاة شجاعته،و لا تخف عزيمة شهامته، و قدمه في المعترك أرسى من الجبال،و قلبه لا يضطرب لهول القتال،و لا لقتل الرجال،و قد قتل قومه من جموع ابن زياد جمعا جما،و أذاقوهم من الحمية الهاشمية رهقا و كلما،و لم يقتل من العصابة الهاشمية قتيل حتى أثخن في قاصديه و قتل و أغمد ظبة في أبشارهم و جدل فحينئذ تكالبت طغام الأجناد على الجلاد، و تناشبت الأجلاد في المنازلة بالحداد،و وثبت كثرة الألوف منهم على قلة الآحاد، و تقاربت من الأنوف الهاشمية الآجال المحتومة على العباد،فاستبقت الأملاك البررة إلى الأرواح و باء الفجرة بالآثام في الأجساد،فسقطت أشلاؤهم المتلاشية على الأرض صرعى تصافح منها صعيدا،و نطقت حالهم بأنّ لقتلهم يوما تودلو أنّ

ص: 94

بينها و بين قتلهم أمدا بعيدا،و تحققت النفوس المطمئنة باللّه كون الظالم و المظلوم شقيا و سعيدا،و ضاقت الأرض بما رحبت على حرم الحسين عليه السّلام و أطفاله إذ بقي وحيدا،فلمّا رأى عليه السّلام وحدته،و رزء اسرته و فقد نصرته،تقدم على فرسه إلى القوم حتى واجههم و قال لهم:يا أهل الكوفة قبحا لكم و تعسا حين إستصرختمونا و لهين فأتيناكم موجفين،فشحذتم علينا سيفا كان في أيماننا و حششتم علينا نارا نحن أضرمناها على أعدائكم و أعدائنا فأصبحتم ألبا على أوليائكم و يدا لأعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم و لا ذنب كان منا إليكم فلكم الويلات هلاّ إذ(كرهتموها تركتموها) (1)و السيف ماشيم و الجاش ماطاش و الرأي لما يستحصد و لكنكم أسرعتم إلى بيعتنا إسراع الدبا و تهافتم إليها كتهافت الفراش ثم نقضتموها سفها و ضلّة و فتكا لطواغيت الامة و بقية الأحزاب و نبذة الكتاب ثم أنتم هؤلاء تتخاذلون عنا و تقتلونا ألا لعنة اللّه على الظالمين(الذين يصدون عن سبيل اللّه).

ثم حرّك فرسه إليهم و السيف مصلت في يده و هو آيس من نفسه عازم على الموت و قال هذه الأبيات:

أنا ابن علي الخير من آل هاشم كفاني بهذا مفخرا حين أفخر

و جدي رسول اللّه أكرم من مشى و نحن بسراج اللّه في الخلق يزهر

و فاطمة امي سلالة أحمد و عمي يدعى ذا الجناحين جعفر

و فينا كتاب اللّه أنزل صادقا و فينا الهدى و الوحي و الخير يذكر

و نحن ولاة الأرض نسقي و لاتنا بكأس رسول اللّه ما ليس ينكر

و شيعتنا في الناس أكرم شيعة و مبغضنا يوم القيامة يخسر

ثم عاد الناس إلى البراز فلم يزل يقاتل و يقتل كل من برز إليه منهم من عيون الرجال حتى قتل منهم مقتلة كبيرة فتقدم إليه شمر بن ذي الجوشن(لعنه اللّه)فيا.

ص: 95


1- -في كشف الغمة:تركتمونا.

جمعه و سيأتي تفصيل ما جرى بعد ذلك في فصل مصرعه عليه السّلام (1).

هذا هو كالليث المغضب لا يحمل على أحد منهم إلاّ نفحه بسيفه فألحقه بالحضيض،فيكفي ذلك في تحقيق شجاعته و كرم نفسه شاهدا صادقا فلا حاجة معه إلى إزياد في الإستشهاد (2).

و قال السيد القرشي:و لم يشاهد الناس في جميع مراحل التاريخ أشجع،و لا أربط جأشا،و لا أقوى جنانا من الإمام الحسين عليه السّلام فقد وقف يوم الطف موقفا حيّر فيه الألباب،و أذهل فيه العقول،و أخذت الأجيال تتحدث بإعجاب و إكبار عن بسالته، و صلابة عزمه،و قدّم الناس شجاعته على شجاعة أبيه التي استوعبت جميع لغات الأرض.

و قد بهر أعداؤه الجبناء بقوة بأسه،فإنه لم ينهار أمام تلك النكبات المذهلة التي أخذت تتواكب عليه،و كان يزداد انطلاقا و بشرا كلما ازداد الموقف بلاء و محنة، فإنه بعدما فقد أصحابه و أهل بيته زحف عليه الجيش بأسره و كان عدده-فيما يقول الرواة-ثلاثين ألفا،فحمل عليهم وحده و قد ملك الخوف و الرعب قلوبهم فكانوا ينهزمون أمامه كالمعزى إذا شد عليها الذئب-على حد تعبير الرواة-و بقي صامدا كالجبل يتلقى الطعنات من كل جانب،و لم يوه له ركن،و إنما مضى في أمره استبسالا و استخفافا بالمنية يقول السيد حيدر:

فتلقى الجموع فردا و لكن كل عضو في الروع منه جموع

رمحه من بنانه و كأن من عزمه حد سيفه مطبوع

زوج السيف بالنفوس و لكن مهرها الموت و الخضاب النجيع

و يقول في رائعة أخرى:2.

ص: 96


1- -الفتوح 5:133-134،مناقب ابن شهر آشوب 4:88.
2- كشف الغمة:229/2.

ركين و للأرض تحت الكماة رجيف يزلزل ثهلانها

أقر على الأرض من ظهرها إذا ململ الرعب أقرانها

تزيد الطلاقة في وجهه إذا غيّر الخوف ألوانها

و لما سقط أبي الضيم على الأرض جريحا و قد أعياه نزف الدماء تحامى الجيش بأسره من الإجهاز عليه رعبا و خوفا منه،يقول السيد حيدر:

عفيرا متى عاينته الكماة يختطف الرعب ألوانها

فما أجلت الحرب عن مثله صريعا يجبن شجعانها

و تغذى أهل بيته و أصحابه بهذه الروح العظيمة فتسابقوا إلى الموت بشوق و إخلاص لم يختلج في قلوبهم رعب و لا خوف،و قد شهد لهم عدوهم بالبسالة و رباطة الجأش فقد قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد:و يحك أقتلتم ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله؟،فاندفع قائلا:

«عضضت بالجندل،إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا،ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية،تحطم الفرسان يمينا و شمالا،و تلقي أنفسها على الموت،لا تقبل الأمان،و لا ترغب في المال،و لا يحول حائل بينها و بين الورود على حياض المنية،و الاستيلاء على الملك،فلو كففنا عنها رويدا لأتت على نفوس العسكر بحذافيره،فما كنا فاعلين لا أم لك...».

و وصف بعض الشعراء هذه البسالة النادرة بقوله:

و ما أروع قول السيد حيدر:

فلو وقفت صم الجبال مكانهم لمادت على سهل و دكت على و عر

فمن قائم يستعرض النبل وجهه و من مقدم يرمي الأسنة بالصدر

دكوا رباها ثم قالوا لها و قد جثوا نحن مكان الربا

لقد تحدى أبو الأحرار ببسالته النادرة الطبيعة البشرية فسخر من الموت و هزأ

ص: 97

من الحياة،و قد قال لأصحابه حينما مطرت عليه سهام الأعداء:

«قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بد منه،فإن هذه السهام رسل القوم إليكم..».

لقد دعا أصحابه إلى الموت كأنما هو يدعوهم إلى مأدبة لذيذة،و لقد كانت لذيذة عنده حقا،لأنه هو ينازل الباطل و يرتسم له برهان ربه الذي هو مبدؤه (1).1.

ص: 98


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:83/1.

علم الحسين عليه السلام

اشارة

المعارف في شخصيّة الحسين عليه السلام

قال السيد الخامنئي:و من ناحية المعارف أيضا،فقد كانت تلك الشخصية و كان ذلك الإسم الشريف مشيرا إلى ذلك المسمّى العظيم الشأن هكذا،فإنّ أهمّ و أسمى المعارف كامنة في أقوال هذا الإمام،فلو نظرتم في دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة،ستجدون أنّه كزبور أهل البيت(عليهم السلام)و هو مليء بالنغمات البليغة و العشق و الإخلاص للمعارف،و عندما ينظر الإنسان إلى بعض أدعية الإمام السجّاد عليه السلام و يقارنها بأدعية الإمام الحسين عليه السّلام، يرى و كأنّ أدعية الإبن شرح و توضيح و بيان لدعاء الأب،أي أنّ دعاء الأب هو الأصل و دعاء الإبن فرعه،فدعاء عرفة العجيب و الشريف و خطب الإمام يوم عاشوراء و في غير عاشوراء تحتوي على معنى و روح عجيبة،و هي بحر زاخر من المعارف السامية و الرفيعة و الحقائق الملكوتية التي قلّ نظيرها في آثار أهل البيت (عليهم السلام) (1).

عن مجاهد،قال:جاء رجل إلى الحسن و الحسين فسألهما فقالا:إن المسألة لا تصلح إلاّ لثلاثة:[لحاجة]مجحفة،أو لحمالة (2)مثقلة،أو دين فادح فأعطياه.

ص: 99


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:25.
2- الحمالة:بفتح الحاء ما يتحمله الرجل عن قوم من الدية و الغرامة مثل أن تقع حرب بين فريقين تسفك فيها الدماء فيدخل رجل بينهم فيتحمل ديّات القتلى ليصلح بينهم(عن هامش الترجمة المطبوعة).

ثم أتى ابن عمر فأعطاه و لم يسأله فقال له الرجل:أتيت ابنيّ عمك فسألاني و أنت لم تسألني فقال ابن عمر:إبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله إنهما كانا يغرّان (1)بالعلم غرّا (2).

و عن الأصبغ بن نباته قال:قال علي عليه السّلام للحسن عليه السّلام:«يا حسن قم فاصعد المنبر فتكلم بكلام لا تجهلك قريش بعدي فيقولون:إن الحسن لا يحسن شيئا،قال الحسن:يا أبة كيف أصعد و أتكلم و أنت في الناس تسمع و ترى؟

قال له:بأبي و امّي أواري نفسي عنك و أسمع و أرى و لا تراني».

فصعد عليه السّلام المنبر فحمد اللّه بمحامد بليغة شريفة و صلى على النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و آله صلاة موجزة ثمّ قال:«أيها الناس سمعت جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:أنا مدينة العلم و علي بابها و هل تدخل المدينة إلاّ من بابها؟»

ثمّ نزل فوثب إليه علي عليه السّلام فحمله و ضمه إلى صدره ثمّ قال للحسين عليه السّلام:«يا بني قم فاصعد و تكلم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون:إن الحسين بن علي لا يبصر شيئا،و ليكن كلامك تبعا لكلام أخيك».

فصعد المنبر عليه السّلام فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على نبيه صلاة واحدة موجزة ثمّ قال:«معاشر الناس سمعت جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:إن عليّا مدينة هدى فمن دخلها نجا و من تخلف عنها هلك».

فوثب إليه على عليه السّلام و ضمه إلى صدره فقبّله ثمّ قال:«معاشر الناس اشهدوا أنهما فرخا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و وديعته التي استودعنيها أستودعكموها معاشر الناس،و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله سائلكم عنهما» (3).

و من كتاب التوحيد للصّدوق بسنده عن وهب بن وهب القرشي قال:حدثني2.

ص: 100


1- أي كانا يلقمان العلم و يزقان كما تزق الأفراخ.
2- المعجم الصغير للطبراني:184/1،في ترجم طي بن إسماعيل.
3- الاختصاص:238،نور البراهين:155/2.

الصادق جعفر بن محمد عن أبيه الباقر عن أبيه:أن أهل البصرة كتبوا إلى الحسين ابن علي عليه السّلام يسألونه عن الصمد،فكتب إليهم:

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد:فلا تخوضوا في القرآن و لا تجادلوا فيه و لا تتكلّموا فيه بغير علم،فقد سمعت جدي رسول الله صلّى اللّه عليه و اله يقول:من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده في النار،و أنه سبحانه قد فسّر الصمد فقال:الله أحد الله الصمد،ثم فسّره فقال:لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد،لم يلد لم يخرج منه شيء كثيف كالولد و سائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين و لا شيء لطيف كالنفس و لا ينشعب منه البدوات كالسنة و النوم و الخطرة و الهمّ و الحزن و البهجة و الضحك و البكاء و الخوف و الرجاء و الرغبة و الشامة و الجوع و الشبع تعالى أن يخرج منه شي و أن يتولد منه شي كثيف،أو لطيف،و لم يولد لم يتولد من شيء و لم يخرج من شيء كما يخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها كالشىء من الشىء و الدابة من الدابة،و النبات من الأرض، و الماء من الينابيع،و الثمار من الأشجار،و لا كما تخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين،و السمع من الأذن،و الشم من الأنف،و الذوق من الفم،و الكلام من اللسان،و المعرفة و التميز من القلب،و كالنار من الحجر،لا بل هو الله الصمد الذي لا من شيء و لا في شيء و لا علم شيء،مبدع الأشياء و خالقها و منشئ الأشياء بقدرته يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته و يبقى ما خلق للبقاء بعلمه،فذلكم الله الصمد الذي لم يلد و لم يولد عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال،و لم يكن له كفوا أحد (1).

و عن الحكم بن عتيبة قال:لقي رجل الحسين بن علي عليه السّلام بالثعلبية و هو يريد كربلاء فدخل عليه فسلّم فقال له الحسين عليه السّلام:من أي البلاد أنت؟

قال:من أهل الكوفة.

قال:أما و الله يا أخا أهل الكوفة لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبريل من دارنا0.

ص: 101


1- مستدرك سفيند البحار:432/10.

و نزوله بالوحي على جدي،يا أخا أهل الكوفة أفمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا و جهلنا؟هذا ما لا يكون (1).2.

ص: 102


1- الكافي:399/1 ح 2.

الحسين عليه السلام و علم الغيب

و فيه أيضا عن الصادق عليه السّلام قال:إذا أراد أن ينفذ غلمانه في بعض اموره قال لهم:لا تخرجوا يوم كذا اخرجوا يوم كذا فإنّكم إن خالفتموني قطع عليكم،فخالفوه مرّة و خرجوا فقتلهم اللصوص و أخذوا ما معهم و اتّصل الخبر إلى الحسين عليه السّلام فدخل على الوالي فقال:بلغني قتل غلمانك؟

قال الحسين عليه السّلام:أنا أدلّك على من قتلهم و هذا منهم أشار إلى رجل واقف بين يدي الوالي فقال الرجل:و من أين تعرف إنّي منهم؟

فقال:إن أنا صدقتك تصدقني؟

قال:نعم و اللّه قال:خرجت و معك فلان و فلان فمنهم أربعة من موالي المدينة و الباقي من حبشانها.

فقال الرجل:و اللّه ما كذب الحسين و كأنّه كان معنا،فجمعهم الوالي فأقرّوا فضرب أعناقهم (1).

و عن الأصبغ بن نباتة قال:سألت الحسين عليه السّلام سيّدي أسألك عن شيء أنا به موقن و أنّه من سرّ اللّه.

فقال:يا أصبغ أتريد أن ترى مخاطبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لأبي دون يعني أبا بكر يوم مسجد قبا؟

قال:هذا الذي أردت.

ص: 103


1- الخرائج و الجرائح:247/1.

قال:قم،فإذا أنا و هو بالكوفة فنظرت فإذا المسجد من قبل أن يرتدّ إلي بصري فتبسّم في وجهي ثمّ قال:يا أصبغ إنّ سليمان بن داود أعطي الريح غدوّها شهر و رواحها شهر و أنا قد أعطيت أكثر ممّا أعطي سليمان.

فقلت:صدقت يا ابن رسول اللّه فقال لي:أدخل،فدخلت فإذا أنا بأمير المؤمنين عليه السّلام قابض على تلابيب الأعسر-يعني أبا بكر-فرأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يعضّ على الأنامل و هو يقول:بئس الخلف خلفتني أنت و أصحابك عليكم لعنة اللّه و لعنتي (1).

و عن ابن الزبير قال:قلت للحسين عليه السّلام:إنّك تذهب إلى قوم قتلوا أباك و خذلوا أخاك فقال:لأن أقتل بمكان كذا و كذا أحبّ إليّ من أن يستحلّ بي مكّة (2).

و عنّف ابن عبّاس على تركه الحسين عليه السّلام فقال:إنّ أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلا و لا يزيدوا رجلا نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم.

و قال محمّد بن الحنفيّة:و أنّ أصحابه عندنا لمكتوبون بأسمائهم و أسماء آبائهم.

و في كتاب دلائل الإمامة عن حذيفة قال:سمعت الحسين عليه السّلام يقول:و اللّه ليجتمعن على قتلي طغاة بني اميّة يقدمهم عمر بن سعد و ذلك في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله فقلت له:أنبأك بهذا رسول اللّه؟

قال:لا،فأتيت النبيّ صلّى اللّه عليه و اله فأخبرته فقال:علمي علمه و علمه علمي لأنّنا نعلم بالكائن قبل كينونته (3).

و قال عمر بن سعد يوما للحسين عليه السّلام:يا أبا عبد اللّه إن قبلنا ناسا سفهاء يزعمون أنّي أقتلك،قال الحسين عليه السّلام:إنّهم ليسوا سفهاء و لكنّهم حلماء أما انّه يقرّ عيني أنّك1.

ص: 104


1- مناقب آل أبي طالب:211/3.
2- مدينة المعاجز:503/3 ح 1017.
3- دلائل الامامة:184 ح 101.

لا تأكل برّ العراق بعدي إلاّ قليلا (1).

و عن حذيفة قال:سمعت الحسين بن علي عليه السّلام يقول:«و اللّه ليجتمعن على قتلي طغاة بني امية و يقدمهم عمر بن سعد،و ذلك في حياة النبي صلّى اللّه عليه و اله».

فقلت له:أنبأك بهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله؟

قال عليه السّلام:«لا».

قال:فأتيت النبي فأخبرته.

فقال صلّى اللّه عليه و اله:«علمي علمه و علمه علمي،لأنّا نعلم الكائن قبل كينونته» (2).

و في حديث الإمام الصادق عليه السّلام مع المفضل بعد ذكر الإمام رجعة أصحاب الكساء و شكايتهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ما حلّ بهم قال:قال أمير المؤمنين عليه السّلام لفضّة:«يا فضّة لقد عرفه رسول اللّه و عرف الحسين اليوم بهذا الفعل(ضرب فاطمة و إسقاط المحسن عليه السّلام)و نحن في نور الأظلة أنوار عن يمين العرش» (3).

و عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث ذكر فيه كتاب الإمام الحسين عليه السّلام إلى فاطمة ابنته فدفعته إلى علي بن الحسين قلت:فما فيه يرحمك اللّه؟

قال عليه السّلام:«ما يحتاج إليه ولد آدم منذ كانت الدنيا إلى أن تفنى» (4).

و كان الإمام الحسين عليه السّلام يعلم متى يموت و بأي أرض يموت و من يستشهد معه (5).

و من ذلك أنه لمّا أراد الخروج إلى العراق قالت له أمّ سلمة:يا بني لا تحزنّي بخروجك فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:يقتل ولدي الحسين بالعراق،فقال لها5.

ص: 105


1- بحار الانوار:263/44 ح 20.
2- -بحار الانوار:186/44.
3- -الهداية الكبرى:408 باب 14.
4- -البحار:54/26 ح 109 باب جهات علومهم.
5- -مشارق انوار اليقين:88،و الهداية الكبرى:203-204 باب 5.

الحسين عليه السّلام:يا أمّاه إنّي مقتول لا محالة و ليس من الأمر المحتوم بد و إنّي لأعرف اليوم الذي اقتل فيه و الحفرة التي أدفن فيها،و من يقتل معي من أهل بيتي و من شيعتي، و إن أردت أريتك مضجعي و مكاني،ثم أشار بيده فانخفضت الأرض حتى أراها مضجعه و مكانه (1).

و من ذلك من كتاب الراوندي أن رجلا جاء إلى الحسين عليه السّلام فقال:أمّي توفيت و لم توص بشيء غير أنّها أمرتني أن لا أحدث في أمرها حدثا حتى أعلمك يا مولاي، فجاء الحسين عليه السّلام و أصحابه فرآها ميتة فدعى اللّه ليحييها فإذا المرأة تتكلّم،و قالت:

ادخل يا مولاي و مرني بأمرك،فدخل و جلس و قال لها:أوصي يرحمك اللّه،فقالت:يا سيدي،إنّ لي من المال كذا و كذا و قد جعلت ثلثه إليك لتضعه حيث شئت،و الثلثان لابني هذا إن علمت أنّه من مواليك،و إن كان مخالفا فلا حظّ للمخالف في أموال المؤمنين،ثم سألته أن يتولّى أمرها و أن يصلّي عليها،ثم صارت ميّتة كما كانت (2).7.

ص: 106


1- بحار الأنوار عن الكافي:330/44 ح 2.
2- الخرائج و الجرائح:245 باب 4،و فرج المهموم:227.

قدرة الحسين عليه السلام

في كتاب المناقب:عن زرارة بن أعين و رواه الكشي عن حمران بن أعين قال:

سمعت أبا عبد اللّه يحدث عن أبائه أن رجلا كان من شيعة أمير المؤمنين مريضا شديد الحمى فعاده الحسين عليه السّلام فلمّا دخل من باب الدار طارت الحمى من الرجل فقال له:الحمى تهرب منكم.

فقال له الحسين عليه السّلام:و اللّه ما خلق شيئا إلاّ و قد أمره بالطّاعة لنا.

قال:فناداها يا حمى فإذا نحن نسمع الصوت و لا نرى الشخص يقول:لبّيك.

قال:أليس أمير المؤمنين أمرك أن لا تقربي إلاّ عدوّا أو مذنبا لكي تكون كفّارة لذنوبه فما بال هذا،و كان المريض عبد اللّه بن شدّاد بن الهادي؟ (1)

و في كتاب الخرائج عن يحيى بن امّ الطويل قال:كنّا عند الحسين عليه السّلام إذ دخل عليه شاب يبكي قال:إنّ والدتي توفّيت هذه الساعة و لم توص لها مال و قد كانت أمرتني ألاّ أحدث في أمرها شيئا حتّى أعلمك خبرها.

فقال الحسين عليه السّلام:قوموا حتّى نصير إلى هذه الحرّة فأتيناها فإذا هي مسجّاة فأشرف على البيت و دعى اللّه تعالى ليحييها حتّى توصي بما تحبّ من وصيّتها، فأحياها اللّه تعالى فجلست و هي تتشهّد،ثمّ نظرت إلى الحسين عليه السّلام فقالت:أدخل يا مولاي و مرني بأمرك فدخل و جلس على فخذه ثمّ قال لها:أوصي يرحمك اللّه.

فقالت:يابن رسول اللّه لي من المال كذا و كذا في مكان كذا و كذا فقد جعلت ثلثه

ص: 107


1- وسائل الشيعة:237/20 ح 683.

إليك لتضعه حيث شئت من أوليائك و الثلثان لابني هذا إن علمت أنّه من أوليائك و إن كان مخالفا لك فلا حقّ للمخالفين في أموال المسلمين.

ثمّ سألته أن يصلّي عليها و أن يتولّى أمرها ثمّ صارت المرأة ميّتة كما ماتت (1).

عن صفوان بن مهران قال:سمعت الصادق عليه السّلام يقول:رجلان اختصما في زمن الحسين عليه السّلام في امرأة و ولدها فقال:هذا لي،و قال الأخر:هذا لي فأمر بهما الحسين عليه السّلام فقال أحدهما:إنّ الإمرأة لي.

و قال الآخر:إن الولد لي.

فقال عليه السّلام للمدّعي الأوّل:أقعد فقعد و كان الغلام رضيعا فقال الحسين:يا هذه اصدقي من قبل أن يهتك اللّه سترك.

فقالت:هذا زوجي و الولد له و لا أعرف هذا.

فقال عليه السّلام:يا غلام ما تقول هذه؟أنطق بإذن اللّه تعالى.

فقال له:ما أنا لهذا و لا لهذا و ما أبي إلاّ راعي لآل فلان.

فأمر عليه السّلام برجمها و لم يسمع أحد نطق هذا الغلام بعدها (2).3.

ص: 108


1- الخرائج و الجرائح:246/1 ح 1.
2- مناقب آل أبي طالب:210/3.

حكمة الإمام الحسين عليه السلام

قال السيد مرتضى العسكري:عارض الإمام في المدينة بيعة خليفة اكتسب شرعية حكمه لدى المسلمين ببيعتهم إياه،و قاوم عصبة الخلافة في المدينة حتى انتشر خبره ثم توجه إلى مكة و التزم الطريق الأعظم و لم يتنكبه مثل ابن الزبير و ورد مكة و التجأ إلى بيت اللّه الحرام فاشرأبت إليه أعناق المعتمرين و تحلّقوا حوله،يستمعون إلى سبط نبيهم و هو يحدثهم عن سيرة جده و يشرح لهم انحراف الخليفة عن تلك السيرة!.

ثم أعلن دعوته و كاتب البلاد و دعا الأمة إلى القيام المسلح في وجه الخلافة، و تغيير ما هم عليه،و طلب منهم البيعة على ذلك،و ليس على أن يعينوه ليلي الخلافة،و لم يمن الإمام أحدا بذلك بتاتا و لم يذكره في خطاب و لم يكتبه في كتاب، بل كان كلما نزل منزلا أو ارتحل ضرب بيحيى بن زكريا مثلا لنفسه،و حق له ذلك فإن كلا منهما أنكر على طاغوت زمانه الطغيان و الفساد،و قاومه حتى قتل،و حمل رأسه إلى الطاغية!فعل ذلك يحيى بمفرده،و الحسين مع أعوانه و أنصاره و أهل بيته،و لا يفعل ذلك من يريد أن يجمع الناس حوله و يستظهر بهم ليلي الخلافة بل يمنيهم بالنصر و الاستيلاء على الحكم و لا يذكر للناس ما يؤدي إلى الوهن و الفشل.

بقي الإمام أربعة أشهر في مكة بما فيهن أشهر الحج و اجتمع به المعتمرون أولا ثم الوافدون لحج بيت اللّه الحرام من كل فج عميق و هو يروي لهم عن جده الرسول صلّى اللّه عليه و اله عن اللّه ما يخوفهم معصيته،و يحذرهم عذابه في يوم القيامة، و يدعوهم إلى تقوى اللّه،و طلب مراضيه،و ينبههم إلى خطر الخلافة القائمة على

ص: 109

الإسلام،فيسمعون منه ما لم يسمعوه من غيره في ذلك العصر و بقي هكذا حتى أقبل يوم التروية،و أحرم الحاج للحج،و اتجهوا إلى عرفات ملبين.

في هذا الوقت خالف الإمام الحجيج و أحل من إحرامه و خرج من الحرم قائلا أخشى أن تغتالني عصبة الخلافة لأني لم أبايع فتهتك بي حرمة الحرم،و لأن أقتل خارجا منه بشبر أحب إلي من أن أقتل داخلا بشبر إن الإمام لم يقل عندئذ أذهب إلى العراق لألي الحكم بل قال:أذهب لأقتل خارجا من الحرم بشبر.

و يعود الحجيج إلى مواطنهم و يبلغ معهم خبر الإمام الحسين إلى منتهى الخف و الحافر،يبلغ خبره إلى أي صقع من أصقاع الأرض يمر به ركب الحجيج الذي يحمل معه إلى المسلمين في كل مكان النبأ العظيم،نبأ خروج سبط نبيهم على الخلافة القائمة و دعوته المسلمين إلى القيام المسلح ضد الخلافة لأنه يرى الخليفة قد انحرف عن الإسلام و يرى الخطر محدقا بالإسلام مع استمرار هذا الحكم، فيتعطش المسلمون في كل مكان لمعرفة مآل هذه المعركة،معركة أهل بيت الرسول مع عصبة الخلافة و يتنسمون أخبارها فيبلغهم أن الحسين عليه السّلام خرج لا يلويه شئ و لا يثني عزمه تحذير المحذرين و لا تخذيل المخذلين،لا يلويه قول عبد اللّه بن عمر:أستودعك اللّه من قتيل،و لا قول الفرزدق:قلوب الناس معك و سيوفهم مع بني أمية،و لا كتاب عمرة و حديثها عن عائشة عن رسول اللّه أنه يقتل بأرض بابل،هكذا تبلغهم أخبار الإمام خبر بعد خبر و يمضي الحسين عليه السّلام متريثا متمهلا لا يخفى من أمره شئ بل يبادر إلى كل فعل يشهر مخالفته للخليفة يزيد،فيأخذ ما أرسله و الي اليمن إلى الخليفة من تحف و عطور و يعلن بفعله هذا عدم شرعية تصرف الخليفة و كذلك يفعل كل ما يتم به الحجة على من اجتمع به أو بلغه خبره، و يبالغ في ذلك و أخيرا يستقبل بالماء جيش عدوه و قد أجهده العطش في صحراء لا ماء فيه يرويهم و يروي مراكبهم،و لا يقبل أن يباغت هذا الجيش بالحرب،بل يتركهم ليكونوا هم الذين يبدأوه بالحرب ثم إنه أتم الحجة على هذا الجيش

ص: 110

و خاطبهم بعد أن أمهم بالصلاة و قال:معذرة إلى اللّه عزّ و جلّ و اليكم،إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم،و قدمت علي رسلكم أن أقدم علينا فإنه ليس لنا إمام لعل اللّه يجمعنا بك على الهدى،فإن كنتم على ذلك،فقد جئتكم،فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم و مواثيقكم أقدم مصركم،و إن لم تفعلوا و كنتم لمقدمي كارهين، أنصرف عنكم.

و قال في خطبته الثانية:إن تتقوا و تعرفوا الحق لأهله يكن أرضى للّه و نحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم و السائرين فيكم بالجور و العدوان.

و أتم الحجة أيضا على أصحابه و خطب فيهم و قال:ألا ترون الحق لا يعمل به و أن الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء اللّه محقا فإني لا أرى الموت إلاّ شهادة و لا الحياة مع الظالمين إلاّ برما.

فقال له أصحابه:و اللّه لو كانت الدنيا باقية و كنا فيها مخلدين إلاّ أن فراقها في نصرك و مواساتك لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها.

و قال في جواب اقتراح الطرماح أن يذهب إلى جبلي طيء فيدافع عنه عشرون ألف طائي:إنه قد كان بيننا و بين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الإنصراف.

إنه قد كان بين الحسين عليه السّلام و بين أهل العراق عهد أن يذهب إليهم و لا يقدر أن ينصرف عنهم حتى يتم الحجة عليهم.

أتم الحسين عليه السّلام الحجة على المسلمين في بلادهم و حواضرهم و عواصمهم مدة خمسة أشهر سواء من كان منهم في الحرمين أو العراقين-البصرة و الكوفة- و كذلك من كان منهم في الشام حين أسمعهم حججه في خطبه و كتبه و على لسان رسله و أبلغهم نبأه.

و باشر القيام المسلح بأخذه البيعة ممن بايعه على ذلك،ثم في قتال سفيره مسلم ثم في توجهه إلى العراق متريثا و كان بامكان جماهير الحجيج أن يلتحقوا

ص: 111

بعد الحج بركبه المتمهل في السير و كان بإمكان أهل الحرمين و العراقين و سائر البلاد الإسلامية أن يلبّوا دعوته حين استنصرهم فإنه لم يؤخذ على حين غرة ليكونوا معذورين لأنه لم تؤاتهم الفرصة لنصرته،بل إنه تنقل من بلد إلى بلد يداور عصبة الخلافة و يحاور بمنظر من المسلمين و مخبر،إذن فقد اشترك الجميع في تخذيله و إن تفرد أهل الكوفة بحمل العار في دعوته،و تلبية دعوته ثم قتالهم إياه!.

أتم الإمام الحسين عليه السّلام الحجة على المسلمين عامة بما قال و فعل من قبل أن يصل إلى عرصات كربلاء،و لما انتهى إليها و قلب له أهل العراق ظهر المجن، و ازدلف إليه هناك عشرات الألوف منهم،يتقربون إلى عصبة الخلافة بدمه،عند ذاك أتم عليهم و على عصبة الخلافة خاصة الحجة بما قال و فعل:فقد اقترح على عصبة الخلافة أولا أن يتركوه فيلقي السلاح و يرجع إلى المكان الذي أتى منه أو يسير إلى ثغر من الثغور فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم و عليه ما عليهم، و بذلك لا يبقى أي خطر منه على حكمهم كما كان شأن سعد بن أبي و قاص و عبد اللّه بن عمر و أسامة بن زيد مع أبيه الإمام علي عليه السّلام حين لم يبايعوه،فلما أبى عليه جيش الخلافة إلاّ أن يبايع و ينزل على حكم ابن زياد،أبى ذلك و استعد للقاء اللّه، لإتمام الحجة على جيش الخلافة من أهل العراق،و لاتمام الحجة على أصحابه خاصة،طلب منهم عصر التاسع من محرم أن يمهلوه ليلة واحدة ليصلّي لربه و يتضرع و يتلو كتابه فانه يحب ذلك،و بعد لأي لبّوا طلبه فجمع أصحابه ليلة العاشر من محرم و خطب فيهم و قال في خطبته:ألا و اني أظن أن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا و إني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل،ليس عليكم مني ذمام و هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا و ليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم اللّه جميعا خيرا و تفرّقوا في سوادكم و مدائنكم فإن القوم إنما يطلبونني و لو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري.

فقال له الهاشميون:لم نفعل ذلك؟!لنبقى بعدك؟!لا أرانا اللّه ذلك أبدا!و التفت إلى

ص: 112

بني عقيل و قال:حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا قد أذنت لكم!فقالوا:..لا و اللّه لا نفعل،و لكن نفديك بأنفسنا،و أموالنا و أهلينا،نقاتل معك حتى نرد موردك،فقبّح اللّه العيش بعدك!.

ثم تكلم أنصاره فقال مسلم بن عوسجة:أنحن نخلي عنك و بماذا نعتذر إلى اللّه في أداء حقك؟أما و اللّه لا أفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي و أضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي،و لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة حتى أموت معك!و قال سعيد بن الحنفي و اللّه لا نخليك حتى يعلم اللّه أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك!أما و اللّه لو علمت إني أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيا ثم أذرى يفعل بي ذلك سبعين مرة لما فارقتك حتى ألقى حمامي،فكيف لا أفعل ذلك و إنما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا،و تكلم باقي الأصحاب بما يشبه بعضه و بعد هذه الخطبة تهيأ و اللقاء ربهم و أحيوا الليل بالعبادة،قال الراوي:فلما أمسى الحسين و أصحابه قاموا الليل كله يصلّون و يستغفرون و يدعون و يتضرعون.

و استعدوا كذلك للقاء خصومهم و إتمام الحجة عليهم في يوم غد فأمر الإمام بمكان منخفض من وراء الخيم كأنه ساقية فحفروه في ساعة من الليل و أمر فأتي بحطب و قصب فألقي فيه،فلما أصبحوا استقبلوا القوم بوجوههم و جعلوا البيوت في ظهورهم و أمر بذلك الحطب و القصب من وراء البيوت فأحرقت بالنار كي لا يؤتوهم من ورائهم،و بذلك منعهم الإمام من الحملة عليه بغتة و قتله قبل إتمامه الحجة عليهم بل ألقى عليهم هو و أصحابه الخطبة تلو الخطبة حين تقابل الجيشان في يوم عاشوراء و استعدا للقتال بدأهم الإمام الحسين فركب ناقته و استقبلهم و استنصتهم ثم قال في خطبته:أيها الناس اسمعوا قولي و لا تعجلوا حتى أعظكم.

آمنتم بالرسول محمد صلّى اللّه عليه و اله ثم إنكم زحفتم إلى ذريته و عترته تريدون قتلهم.

أيها الناس انسبوني من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم و عاتبوها و انظروا هل يحل

ص: 113

قتلي و انتهاك حرمتي؟!ألست ابن بنت نبيكم...أولم يبلغكم قول رسول اللّه لي و لأخي:هذان سيدا شباب أهل الجنة،فإن كنتم في شك من هذا القول أفتشكون أني ابن بنت نبيكم فو اللّه ما بين المشرق و المغرب ابن بنت نبي غيري فيكم و لا في غيركم،و يحكم!تطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة؟!و نادى:يا شبث بن ربعي!و يا حجار بن أبجر!و يا قيس بن الأشعث!و يا زيد بن الحارث ألم تكتبوا إلي أن أقدم قد أينعت الثمار و اخضر الجناب،و إنما تقدم على جند لك مجند.

و قال:أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم!فقال له قيس بن الأشعث:أ و لا تنزل على حكم بني عمك؟.

و قال:ألا و ان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة و الذلة و هيهات منا الذلة.

و قال:أما و اللّه لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى.

عهد عهده إلي أبي عن جدي رسول اللّه.

ثم رفع يديه إلى السماء و قال:اللهم احبس عنهم قطر السماء.

و سلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة.

اذن فإن جيش الخلافة من أمة محمد صلّى اللّه عليه و اله يقاتلون ابن بنت نبيهم من أجل أن يبايع يزيد و ينزل على حكم ابن زياد،و يتقبل الإمام الحسين و جيشه قتل رجالهم و سبي نسائهم و لا يفعلون ذلك.

جيش الخلافة يقتل ابن بنت نبيه و يسبي عترته من أجل كسب رضى الخليفة، و واليه،و كسب حطام الدنيا منهما.

و الإمام و جيشه يستشهدون من أجل كسب رضى اللّه و تحصيل ثوابه في يوم القيامة.

ص: 114

يدل على ذلك بالإضافة إلى ما سبق ذكره،جميع أفعال الجيشين و أقوالهما في ذلك اليوم.... (1)3.

ص: 115


1- معالم المدرستين:308/3-313.

عبادة الحسين عليه السلام

اشارة

جسّد الإمام الحسين عليه السّلام من خلال سلوكه و تفكيره أسمى معاني العبودية الصادقة،و قد عمل كل ما يقرّبه إلى الله فكان كثير الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و أفعال الخير.

قال ولده علي بن الحسين زين العابدين عليه السّلام:كان(الحسين)عليه السّلام يصلي في اليوم و الليلة ألف ركعة (1).

كان الإمام الحسين عليه السّلام كثير الحج،و قد حج خمسا و عشرين حجة ماشيا، و كانت نجائبه تقاد معه (2).

و عن الرافعي عن أبيه عن جدّه قال:رأيت الحسن و الحسين عليهما السلام يمشيان إلى الحجّ فلم يمرا براكب إلاّ نزل يمشي فثقل ذلك على بعضهم،فقالوا لسعد بن أبي وقّاص:قد ثقل علينا المشي و لا نستحسن أن نركب و هذان السيّدان يمشيان فقال سعد للحسن:يا أبا محمّد إنّ المشي قد ثقل على جماعة ممّن معك و الناس إذا رأو كما تمشيان لم تطب أنفسهم أن يركبوا فلو ركبتما.

فقال الحسن عليه السّلام:لا نركب قد جعلنا على أنفسنا المشي إلى بيت اللّه الحرام على أقدامنا و لكنّا نتنكّب الطريق فأخذا جانبا من الناس (3).

ص: 116


1- تاريخ اليعقوبي 247/2،دار صادر،بيروت-لبنان،ط 6،1415 ه-1995 م،و تاريخ ابن خلدون 30/3،دار الفكر،بيروت-لبنان،1415 ه-1995 م.
2- مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 129/7،تاريخ ابن خلدون 30/3.
3- الارشاد:129/2.

و عن شعيب الخزاعي قال:[كان]على ظهر الحسين عليه السّلام يوم الطفّ أثر،فسألوا زين العابدين عليه السّلام فقال:هذا ممّا كان ينقل الجراب على ظهره إلى منازل الأرامل و الأيتام و المساكين.

و في عيون المحاسن أنّه عليه السّلام ساير أنس بن مالك فأتى قبر خديجة فبكى ثمّ قال:

إذهب عنّي فاستخفيت عنه،فلمّا طال و قوفه في الصلاة سمعته يقول شعرا:

يا ربّ يا ربّ أنت مولاه فارحم عبيدا أنت ملجاه

يا ذا المعالي عليك معتمدي طوبى لمن كنت أنت مولاه

طوبى لمن كان خادما أرقا يشكو إلى ذي الجلال بلواه

و ما به علّة و لا سقم أكثر من حبّه لمولاه

إذا اشتكى بثّه و غصّته أجابه اللّه ثمّ لبّاه

فنودي شعرا:

لبّيك لبّيك أنت في كنفي و كلّما قلت قد علمناه

صوتك تشتاقه ملائكتي فحسبك الصوت قد سمعناه

دعاك منّي يحول في حجب فحسبك الستر قد سفرناه

لو هبّت الريح من جوانبه خرّ صريعا لمّا تغشّاه

سلني بلا رغبة و لا رهب و لا حساب إنّي أنا اللّه

و عن خليفة بن خيّاط،قال في تسمية الأمراء يوم الجمل قال:قال أبو عبيدة:

و على الميسرة الحسين بن علي عليهما السلام (1).

و روى أبو مخنف«عن عبد الله بن قيس قال:قال أمير المؤمنين عليه السّلام يوم صفّين و قد أخذ أبو الأعور السّلمي الماء على النّاس و لم يقدر عليه أحد،فبعث إليه الحسين عليه السّلام في خمسمائة فارس فكشفه عن الماء،فلمّا رأى ذلك أمير المؤمنين4.

ص: 117


1- تاريخ خليفة بن خياط:184.

قال:ولدي هذا يقتل بكربلا عطشانا،و ينفر فرسه و يحمحم و يقول في حمحمته:

الظليمة الظليمة من أمّة قتلت ابن بنت نبيّها (1).

و هم يقرأون القرآن الذي جاء به إليهم،ثمّ إنّ أمير المؤمنين أنشأ يقول:

أرى الحسين قتيلا قبل مصرعه علما يقينا بأن يبلى بأشرار

و كلّ ذي نفس أو غير ذي نفس يجري إلى أجل يأتي بأقدار

و قال السيد القرشي:و اتجه الإمام الحسين عليه السّلام بعواطفه و مشاعره نحو الله فقد تفاعلت جميع ذاتياته بحب الله و الخوف منه،و يقول المؤرخون:إنه عمل كل ما يقرّبه إلى الله فكان كثير الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و أفعال الخير.و نعرض لبعض ما أثر عنه من عبادته و اتجاهه نحو الله.

أ-خوفه من الله:

كان الإمام الحسين عليه السّلام في طليعة العارفين بالله،و كان عظيم الخوف منه شديد الحذر من مخالفته حتى قال له بعض أصحابه:

«ما أعظم خوفك من ربك؟!!».

فقال عليه السّلام:«لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف الله في الدنيا..»و كانت هذه سيرة المتقين الذين أضاءوا الطريق،و فتحوا آفاق المعرفة،و دللوا على خالق الكون و واهب الحياة.

ص: 118


1- مدينة المعاجز:140/3.

ب-كثرة صلاته و صومه:

كان الإمام الحسين عليه السّلام أكثر أوقاته مشغولا بالصلاة و الصوم،و كان يصلي في اليوم و الليلة ألف ركعة-كما حدث بذلك ولده زين العابدين-و كان يختم القرآن الكريم في شهر رمضان و تحدث ابن الزبير عن عبادة الإمام فقال:«أما و الله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه كثيرا في النهار صومه».

ج-حجه:

كان الإمام عليه السّلام كثير الحج و قد حج خمسا و عشرين حجة ماشيا على قدميه و كانت نجائبه تقاد بين يديه و كان يمسك الركن الأسود يناجي الله و يدعو قائلا:

«إلهي أنعمتني فلم تجدني شاكرا،و ابتليتني فلم تجدني صابرا،فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر،و لا أدمت الشدة بترك الصبر،إلهي ما يكون من الكريم إلا الكرم...».

و خرج عليه السّلام معتمرا لبيت الله فمرض في الطريق فبلغ ذلك أباه أمير المؤمنين عليه السّلام و كان في يثرب فخرج في طلبه فأدركه في(السقيا)و هو مريض فقال له:

«يا بني ما تشتكي؟».

«أشتكي رأسي».

فدعا أمير المؤمنين ببدنة فنحرها و حلق رأسه ورده إلى المدينة،فلما أبل من مرضه قفل راجعا إلى مكة و اعتمر.

هذا بعض ما أثر من طاعته و عبادته.

ص: 119

د-صدقاته:

كان الإمام الحسين عليه السّلام كثير البر و الصدقة،و قد ورث أرضا و أشياء فتصدّق بها قبل أن يقبضها و كان يحمل الطعام في غلس الليل إلى مساكين أهل المدينة لم يبتغ بذلك إلا الأجر من الله،و التقرّب إليه و قد ألمعنا-فيما سبق-إلى كثير من ألوان بره و إحسانه (1).

و قال السيد الخامنئي:كانت العبادة و التضرع و التوسل و الاعتكاف في حرم الرسول،و الرياضة المعنوية و الروحية أحد أطراف القضية،و طرف آخر سعيه الحثيث في نشر العلم و المعرفة و مجابهة التحريف.كان التحريف آنذاك أكبر تحدّ معنوي يهدد الإسلام،و يجري كالسيل الجارف من الفساد و الماء الآسن فيركد في أذهان أبناء المجتمع الإسلامي.

و هو عصر ساد فيه التأكيد على الولايات و البلدان و الشعوب الإسلامية بلعن أعظم شخصية في تاريخ الإسلام!و ملاحقة من يتهم بموالاة أمير المؤمنين و يقول بإمامته؛حيث ساد آنذاك«القتل بالظنّ و الأخذ بالتهمة»في مثل هذه الظروف وقف الإمام عليه السّلام كالطود الشامخ و خرق حجب التحريف.

أقواله و كلامه الذي يخاطب فيه العلماء-و الذي يحتفظ التاريخ بشيء منه-ينم عمّا كان يأتي به من فعل عظيم في هذا المضمار.

و تضمنت القضية طرفا آخر و هو النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف في أرفع أشكاله،و الذي جاء في كتابه إلى معاوية،و هذا الكتاب حسبما أتذكر نقله المؤرخون من أبناء العامة و لا أظن الشيعة قد نقلوه-أي إني لم أعثر عليه من طرق

ص: 120


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:95.

الشيعة-و حتى إن كانوا قد ذكروه فإنّما قد نقلوه عنهم.

و استمر أسلوب الكتاب المذكور و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حتى خروجه من المدينة أبان حكومة يزيد،و هذا يدخل أيضا في باب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر؛حيث قال:«أريد أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر».

تلاحظون هذا الإنسان يأتي بتلك الحركة العظيمة في مجال تهذيب نفسه و ترويضها (1).1.

ص: 121


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:95/1.

أدعية الإمام الحسين

اشارة

قال السيد القرشي:و حفلت الأدعية التي أثرت عن الحسين عليه السّلام بالدروس التربوية الهادفة إلى بناء صروح العقيدة و الإيمان بالله،و تنمية الخوف و الرهبة من الله في أعماق نفوس الناس لتصدهم عن الإعتداء و تمنعهم عن الظلم و الطغيان، و قد كان اهتمام أهل البيت عليهم السّلام بهذه الجهة اهتماما بالغا...و لم يؤثر عن أحد من أئمة المسلمين و خيارهم من الأدعية مثل ما أثر عنهم،و أنها لتعد من أروع الثروات الفكرية،و الأدبية في الإسلام،فقد حوت أصول الأخلاق،و قواعد السلوك و الآداب، كما ألمّت بفلسفة التوحيد و معالم السياسة العادلة،و غير ذلك،و نلمع لبعض أدعيته عليه السّلام:

1-دعاؤه من وقاية الأعداء:

كان الإمام الحسين عليه السّلام يدعو بهذا الدعاء يستجير بالله من شرور أعدائه،و هذا نصه:«اللّهم يا عدتي عند شدتي،و يا غوثي عند كربتي احرسني بعينك التي لا تنام، و اكنفني بركنك الذي لا يرام،و ارحمني بقدرتك عليّ،فلا أهلك و أنت رجائي،اللّهم إنك أكبر و أجلّ و أقدر مما أخاف و أحذر،اللّهم بك أدرأ في نحره،و أستعيذ من شره،إنك على كل شي قدير..».

و دعى بهذا الدعاء الشريف الإمام الصادق عليه السّلام حينما أمر الطاغية المنصور بإحضاره مخفورا لينكل به،فأنقذه الله من شره،و فرّج عنه،فسئل عن سبب ذلك،

ص: 122

فقال إنه دعى بدعاء جده الحسين عليه السّلام.

2-دعاؤه للاستسقاء:

كان الإمام الحسين عليه السّلام يدعو بهذا الدعاء إذا خرج للاستسقاء:«اللّهم اسقنا سقيا،واسعة و ادعة،عامة،نافعة،غير ضارة،تعم بها حاضرنا و بادينا و تزيد بها في رزقنا و شكرنا،اللّهم اجعله رزق إيمان،و عطاء إيمان،إن عطاءك لم يكن محظورا،اللهم أنزل علينا في أرضنا سكنها،و أنبت فيها زيتها و مرعاها...».

3-دعاؤه يوم عرفة:

و هو من أجل أدعية أئمة أهل البيت عليهم السّلام و أكثرها استيعابا لألطاف الله و نعمه على عباده و قد روى هذا الدعاء الشريف بشر و بشير الأسديان قالا:كنا مع الحسين بن علي عليه السّلام عشية عرفة،فخرج عليه السّلام من فسطاطه متذللا خاشعا،فجعل يمشي هونا هونا حتى وقف هو و جماعة من أهل بيته و ولده و مواليه،في مسيرة الجبل مستقبل البيت،ثم رفع يديه تلقاء وجهه كاستطعام المسكين،و قال:

«الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع،و لا لعطائه مانع،و لا كصنعه صانع،و هو الجواد الواسع،فطر أجناس البدائع،و أتقن بحكمته الصنائع لا تخفى عليه الطلائع، و لا تضيع عنده الودائع،و رايش كل قانع،و راحم كل ضارع،منزل المنافع،و الكتاب الجامع بالنور الساطع،و هو للدعوات سامع،و للكربات دافع،و للدرجات رافع، و للجبابرة قامع،فلا إله غيره،و لا شي يعدله،و ليس كمثله شي،و هو السميع البصير،اللطيف الخبير،و هو على كل شي قدير.

اللّهم إني أرغب إليك،و أشهد بالربوبية لك،مقرا بأنك ربي و إليك مردي،

ص: 123

ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئا مذكورا،و خلقتني من التراب،ثم أسكنتني الأصلاب آمنا لريب المنون،و اختلاف الدهور و السنين،فلم أزل ظاعنا من صلب إلى رحم،في تقادم من الأيام الماضية و القرون الخالية،لم تخرجني لرأفتك بي و لطفك لي(أو بي)و إحسانك إلي في دولة أئمة الكفر الذين نقضوا عهدك،و كذبوا رسلك،لكنك أخرجتني رأفة منك و تحننا-علي خ ل-للذي سبق لي من الهدى الذي له يسرتني،و فيه أنشأتني و من قبل ذلك رؤفت بي بجميل صنعك،و سوابغ نعمك، فابتدعت خلقي من مني يمنى و أسكنتني في ظلمات ثلاث بين لحم و دم و جلد،لم تشهدني خلقي (1)و لم تجعل إلي شيئا من أمري،لم ترض لي يا إلهي نعمة دون أخرى و رزقتني من أنواع المعاش و صنوف الرياش بمنك العظيم الأعظم علي،و إحسانك القديم إلي حتى إذا أتممت علي جميع النعم،و صرفت عني كل النقم لم يمنعك جهلي و جرأتي عليك أن دللتني إلى(على-خ ل-)ما يقرّبني إليك،و وفقتني لما يزلفني لديك فإن دعوتك أجبتني،و إن أطعتك شكرتني،و إن شكرتك زدتني كل ذلك لأنعمك علي،و إحسانك إلي فسبحانك سبحانك من مبدىء معيد حميد مجيد تقدّست أسماؤك و عظمت آلاؤك فأي نعمك أحصي عددا ثم أخرجتني للذي سبق لي من الهدى إلى الدنيا تاما سويا و حفظتني في المهد طفلا صبيا،و رزقتني من الغذاء لبنا مريا و عطفت علي قلوب الحواضن الأمهات و كفّلتني الأمهات الرواحم(الرحائم-خ ل-)،و كلأتني من طوارق الجان،و سلّمتني من الزيادة و النقصان فتعاليت يا رحيم يا رحمن حتى إذا استهللت ناطقا بالكلام أتممت علي سوابغ الإنعام و ربيتني زائدا في كل عام،حتى إذا اكتملت فطرتي و اعتدلت مرتي أوجبت علي حجتك بأن ألهمتني معرفتك و روّعتني بعجائب حكمتك و أيقظتني لما ذرأت في سمائك و أرضك من بدائع خلقك،و نبّهتني لشكرك و ذكرك و أوجبت علي طاعتك و عبادتكي.

ص: 124


1- في نسخة:لم تشهرني بخلقي.

و فهّمتني ما جاءت به رسلك،و يسرت لي تقبل مرضاتك و مننت علي-في جميع ذلك-بعونك و لطفك،ثم إذ خلقتني من خير الثرى يا إلهي فأي نعمك أحصي عددا و ذكرا،أم أي عطاياك أقوم بها شكرا و هي يا رب أكثر من أن يحصيها العادون،أو يبلغ علما بها الحافظون،ثم ما صرفت و درأت عني اللّهم-من الضر و الضراء-أكثر مما ظهر لي من العافية و السراء و أنا أشهد يا إلهي بحقيقة إيماني و عقد عزمات يقيني و خالص صريح توحيدي،و باطن مكنون ضميري و علائق مجاري نور بصري و أسارير صفحة جبيني و خرق مسارب نفسي و خذاريف مارن عرنيني و مسارب سماخ (1)سمعي و ما ضمّت و أطبقت عليه شفتاي،و حركات لفظ لساني، و مغرز حنك فمي و فكي و منابت أضراسي و مساغ مطعمي و مشربي و حمالة أم رأسي و بلوغ فارغ حبائل(و بلوغ حبائل)عنقي و ما اشتمل عليه تامور صدري و حمائل حبل و تيني و نياط حجاب قلبي و أفلاذ حواشي كبدي و ما حوته شراسيف أضلاعي و حقاق مفاصلي و قبض عواملي،و أطراف أناملي و لحمي و دمي و شعري و بشري و عصبي و قصبي و عظامي و مخي و عروقي و جميع جوارحي، و ما انتسج على ذلك أيام رضاعي،و ما أقلّت الأرض مني و نومي و يقظتي و سكوني،و حركات ركوعي و سجودي-أن لو حاولت و اجتهدت-مدى الأعصار و الأحقاب لو عمّرتها-أن أؤدي شكر واحدة من أنعمك،ما استطعت ذلك إلا بمنك الموجب علي به شكرك أبدا جديدا،و ثناء طارفا عتيدا،أجل..و لو حرصت أنا و العادون من أنامك أن نحصي مدى أنعامك سالفه(لفة-خ ل-)و آنفه ما حصرناه عددا،و لا أحصيناه أمدا،هيهات أنى ذلك!!!و أنت المخبر في كتابك الناطق،و النبأ الصادق وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌخ.

ص: 125


1- في نسخة:صماخ.

كَفّارٌ (1) صدق كتابك اللّهم و أنباؤك و بلّغت أنبياؤك و رسلك ما أنزلت عليهم من وحيك،و شرعت لهم و بهم من دينك،غير أني-يا إلهي-أشهد بجهدي و جدي، و مبلغ طاعتي و وسعي،و أقول مؤمنا موقنا:الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا فيكون موروثا،و لم يكن له شريك في ملكه فيضاده فيما ابتدع و لا ولي من الذل فيرفده فيما صنع فسبحانه سبحانه لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا و تفطرتا سبحان الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد،الحمد لله حمدا يعادل حمد ملائكته المقربين و أنبيائه المرسلين،و صلى الله على خيرته محمد خاتم النبيين الطيبين الطاهرين المخلصين و سلّم».

و أخذ الحسين عليه السّلام يدعو الله و قد جرت دموع عينيه على سحنات وجهه الشريف و هو يقول:

«اللّهم اجعلني أخشاك،كأني أراك،و أسعدني بتقواك،و لا تشقني بمعصيتك و خرلي في قضائك و بارك لي في قدرك،حتى لا أحب تعجيل ما أخّرت و لا تأخير ما عجّلت،اللّهم اجعل غناي في نفسي،و اليقين في قلبي،و الإخلاص في عملي،و النور في بصري،و البصيرة في ديني،و متعني بجوارحي،و اجعل سمعي و بصري الوارثين مني،و انصرني على من ظلمني،و أرني فيه ثأري و مآربي و أقر بذلك عيني اللهم اكشف كربتي و استر عورتي،و اغفر لي خطيئتي،و اخسأ شيطاني و فك رهاني،و اجعل لي-يا إلهي-الدرجة العليا في الآخرة و الأولى،اللّهم لك الحمد كما خلقتني،فجعلتني سميعا بصيرا و لك الحمد كما خلقتني،فجعلتني خلقا (2)سويا رحمة بي و قد كنت عن خلقي غنيا،رب بما برأتني فعدّلت فطرتي رب بما أنشأتني فأحسنت صورتي،رب بما أحسنت إلي و في نفسي عافيتني،رب بما كلأتنيا.

ص: 126


1- إبراهيم:34.
2- في نسخة:حيا.

و وفقتني رب بما أنعمت علي فهديتني،رب بما أوليتني و من كل خير أعطيتني،رب بما أطعمتني و سقيتني،رب بما أغنيتني و أقنيتني،رب بما أعنتني و أعززتني،رب بما ألبستني من سترك الصافي و يسرت لي من صنعك الكافي،صل على محمد و آل محمد و أعني على بوائق الدهور و صروف الليالي و الأيام،و نجنا من أهوال الدنيا و كربات الآخرة،و اكفني شر ما يعمل الظالمون في الأرض،اللّهم ما أخاف فاكفني،و ما أحذر فقني و في نفسي و ديني فاحرسني،و في سفري فاحفظني،و في أهلي و مالي فاخلفني و فيما رزقتني فبارك لي،و في نفسي فذللني،و في أعين الناس فعظّمني و من شر الجن و الإنس فسلّمني،و بذنوبي فلا تفضحني،و بسريرتي فلا تخزني و بعملي فلا تبتلني،و نعمك فلا تسلبني،و إلى غيرك فلا تكلني إلهي إلى من تكلني؟إلى قريب فيقطعني أم إلى بعيد فيتجهمني أم إلى المستضعفين لي و أنت ربي و مليك أمري أشكو إليك غربتي،و بعد داري،و هواني على من ملّكته أمري إلهي،فلا تحلل علي غضبك فإن لم تكن غضبت علي فلا أبالي سواك،سبحانك غير أن عافيتك أوسع لي،فأسألك يا رب بنور وجهك الذي أشرقت له الأرض و السماوات،و كشفت به الظلمات و صلح به أمر الأولين و الآخرين أن لا تميتني على غضبك،و لا تنزل بي سخطك،لك العتبى حتى ترضى قبل ذلك،لا إله إلا أنت رب البلد الحرام،و المشعر الحرام،و البيت العتيق الذي أحللته البركة و جعلته للناس أمنا،يا من عفا عن عظيم الذنوب بحلمه،يا من أسبغ النعماء بفضله يا من أعطى الجزيل بكرمه،يا عدتي في شدتي يا صاحبي في وحدتي يا غياثي في كربتي،يا وليي في نعمتي،يا إلهي و إله آبائي إبراهيم،و إسماعيل و إسحاق و يعقوب،و رب جبرائيل و ميكائيل و إسرافيل،و رب محمد خاتم النبيين صلّى اللّه عليه و اله المنتجبين منزل التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان،و منزل كهيعص و طه و يس و القرآن الكريم، أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها و تضيق بي الأرض برحبها و لولا رحمتك لكنت من الهالكين و أنت مقيل عثرتي و لولا سترك إياي لكنت من

ص: 127

المفضوحين،و أنت مؤيدي بالنصر على أعدائي و لولا نصرك إياي(لي-خ ل-) لكنت من المغلوبين،يا من خص نفسه بالسمو و الرفعة،فأولياؤه بعزه يعتزون،يا من جعلت له الملوك نير المذلة على أعناقهم فهم من سطواته خائفون يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور و غيب ما تأتي به الأزمنة و الدهور،يا من لا يعلم كيف هو إلا هو،يا من لا يعلم ما هو إلا هو،يا من لا يعلمه إلا هو (1)يا من كبس الأرض على الماء و سد الهواء بالسماء،يا من له أكرم الأسماء،يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا، يا مقيض الركب ليوسف في البلد القفر و مخرجه من الجب و جاعله بعد العبودية ملكا،يا راده على يعقوب بعد أن ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم يا كاشف الضر و البلوى عن أيوب و ممسك يدي إبراهيم عن ذبح ابنه بعد كبر سنه و فناء عمره،يا من استجاب لزكريا فوهب له يحيى،و لم يدعه فردا وحيدا،يا من أخرج يونس من بطن الحوت،يا من فلق البحر لبني إسرائيل فأنجاهم و جعل فرعون و جنوده من المغرقين،يا من أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته،يا من لم يعجل على من عصاه من خلقه،يا من استنقذ السحرة من بعد طول الجحود،و قد غدوا في نعمته يأكلون رزقه،و يعبدون غيره و قد حادوه و نادوه و كذبوا رسله،يا الله يا الله يا بديء يا بديع لا ندلك،يا دائما لا نفاد لك يا حيا حين لا حي يا محيي الموتى،يا من هو قائم على كل نفس بما كسبت،يا من قل له شكري فلم يحرمني،و عظمت خطيئتي فلم يفضحني،و رآني على المعاصي فلم يشهرني،يا من حفظني في صغري،يا من رزقني في كبري،يا من أياديه عندي لا تحصى و نعمه لا تجازى،يا من عارضني بالخير و الإحسان و عارضته بالإساءة و العصيان،يا من هداني للإيمان من قبل أن أعرف شكر الامتنان،يا من دعوته مريضا فشفاني،و عريانا فكساني،و جائعا فأشبعني و عطشانا فأرواني و ذليلا فأعزني،و جاهلا فعرفني،و.

ص: 128


1- في نسخة:يا من لا يعلم ما يعلمه إلا هو.

و وحيدا فكثرني،و غائبا فردني،و مقلا فأغناني،و منتصرا فنصرني،و غنيا فلم يسلبني،و أمسكت عن جميع ذلك فابتدأني فلك الحمد و الشكر،يا من أقال عثرتي و نفّس كربتي،و أجاب دعوتي،و ستر عورتي،و غفر ذنوبي،و بلغني طلبتي، و نصرني على عدوي،و إن أعد نعمك و مننك و كرائم منحك لا أحصيها،يا مولاي أنت الذي مننت،أنت الذي أنعمت،أنت الذي أحسنت،أنت الذي أجملت،أنت الذي أفضلت،أنت الذي أكملت،أنت الذي رزقت،أنت الذي وفّقت،أنت الذي أعطيت،أنت الذي أغنيت،أنت الذي آويت،أنت الذي كفيت،أنت الذي هديت،أنت الذي عصمت أنت الذي سترت،أنت الذي غفرت،أنت الذي أقلت،أنت الذي مكّنت، أنت الذي أعززت،أنت الذي أعنت،أنت الذي عضدت أنت الذي أيدت،أنت الذي نصرت،أنت الذي شفيت،أنت الذي عافيت،أنت الذي أكرمت،تباركت و تعاليت فلك الحمد دائما،و لك الشكر و اصبا أبدا ثم أنا-يا إلهي-المعترف بذنوبي فاغفرها لي، أنا الذي أسأت،أنا الذي أخطأت،أنا الذي هممت،أنا الذي جهلت،أنا الذي غفلت،أنا الذي سهوت،أنا الذي اعتمدت،أنا الذي تعمدت،أنا الذي وعدت،أنا الذي أخلفت أنا الذي نكثت،أنا الذي أقررت أنا الذي اعترفت بنعمتك علي و عندي،و أبوء بذنوبي فاغفرها لي يا من لا تضره ذنوب عباده و هو الغني عن طاعتهم،و الموفق من عمل صالحا منهم بمعونته و رحمته،فلك الحمد إلهي و سيدي،إلهي أمرتني فعصيتك و نهيتني فارتكبت نهيك،فأصبحت لا ذا براءة(لي-خ ل-)فأعتذر و لا ذا قوة فأنتصر فبأي شي أستقبلك (1)يا مولاي أبسمعي أم ببصري أم بلساني أم بيدي أم برجلي،أليس كلها نعمك عندي و بكلها عصيتك؟يا مولاي فلك الحجة و السبيل علي يا من سترني من الآباء و الأمهات أن يزجروني،و من العشائر و الإخوان أن يعيروني و من السلاطين أن يعاقبوني،و لو اطلعوا يا مولاي على ما اطلعت عليهك.

ص: 129


1- في نسخة:أستقيلك.

مني إذا ما أنظروني،و لرفضوني و قطعوني،فها أنا ذا يا إلهي بين يديك يا سيدي خاضع ذليل حسير حقير،لا ذو براءة فأعتذر و لا ذو قوة فأنتصر،و لا حجة فأحتج بها،و لا قائل لم أجترح و لم أعمل سوء،و ما عسى الجحود و لو جحدت يا مولاي ينفعني،كيف و أنى ذلك،و جوارحي كلها شاهدة علي بما قد عملت و علمت يقينا غير ذي شك أنك سائلي من عظائم الأمور و أنك الحكم العدل الذي لا تجور،و عدلك مهلكي،و من كل عدلك مهربي فإن تعذبني-يا إلهي-فبذنوبي بعد حجتك علي،و إن تعف عني فبحلمك و جودك و كرمك،لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المستغفرين،لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الموحدين،لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الخائفين،لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الوجلين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الراجين،لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الراغبين،لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المهللين،لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من السائلين،لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المسبحين لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من المكبرين،لا إله إلا أنت سبحانك ربي و رب آبائي الأولين،اللّهم هذا ثنائي عليك ممجدا و إخلاصي لذكرك موحدا،و إقراري بآلائك معددا و إن كنت مقرا أني لم أحصها لكثرتها و سبوغها و تظاهرها و تقادمها إلى حادث ما لم تزل تتعهدني به معها منذ خلقتني و برأتني من أول العمر من الإغناء بعد الفقر،و كشف الضر، و تسبيب اليسر،و دفع العمر،و تفريج الكرب،و العافية في البدن و السلامة في الدين و لو رفدني على قدر ذكر نعمتك جميع العالمين من الأولين و الآخرين ما قدرت و لا هم على ذلك تقدست و تعاليت من رب كريم عظيم رحيم لا تحصى آلاؤك،و لا يبلغ ثناؤك،و لا تكافى نعماؤك،صل على محمد و آل محمد و أتمم علينا نعمك و أسعدنا بطاعتك،سبحانك لا إله إلا أنت،اللّهم إنك تجيب المضطر و تكشف السوء،و تغيث المكروب،و تشفي السقيم و تغني الفقير،و تجبر الكسير،و ترحم الصغير،و تعين الكبير،و ليس دونك ظهير،و لا فوقك قدير،و أنت العلي الكبير يا مطلق المكبل

ص: 130

الأسير يا رازق الطفل الصغير،يا عصمة الخائف المستجير،يا من لا شريك له و لا وزير صل على محمد و آل محمد،و أعطني في هذه العشية أفضل ما أعطيت و أنلت أحدا من عبادك،و من نعمة توليها،و آلاء تجددها،و بلية تصرفها،و كربة تكشفها، و دعوة تسمعها،و حسنة تتقبلها،و سيئة تتغمدها،إنك لطيف بما تشاء خبير،و على كل شي قدير،اللّهم إنك أقرب من دعي و أسرع من أجاب و أكرم من عفا و أوسع من أعطى،و أسمع من سئل،يا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما،ليس كمثلك مسؤول، و لا سواك مأمول دعوتك فأجبتني،و سألتك فأعطيتني،و رغبت إليك فرحمتني، و وثقت بك فنجيتني،و فزعت إليك فكفيتني اللّهم فصل على محمد عبدك و رسولك و نبيك و على آله الطيبين الطاهرين أجمعين و تمم لنا نعماءك و هنئنا عطاءك و اكتبنا لك شاكرين و لآلائك ذاكرين آمين آمين رب العالمين اللّهم يا من ملك فقدر،و قدر فقهر و عصي فستر،و استغفر فغفر يا غاية الطالبين الراغبين،و منتهى أمل الراجين،يا من أحاط بكل شي علما،و وسع المستقيلين رأفة و رحمة و حلما،اللّهم إنا نتوجه إليك في هذه العشية التي شرفتها و عظمتها،بمحمد نبيك و رسولك، و خيرتك من خلقك،و أمينك على وحيك البشير النذير،السراج المنير الذي أنعمت به على المسلمين،و جعلته رحمة للعالمين،اللّهم فصل على محمد و آل محمد،كما محمد أهل لذلك منك يا عظيم،فصل عليه و على آله المنتجبين الطيبين الطاهرين أجمعين،و تغمدنا بعفوك عنا،فإليك عجّت الأصوات بصنوف اللغات فاجعل لنا اللّهم في هذه العشية نصيبا من كل خير تقسمه بين عبادك و نورا تهدي به،و رحمة تنشرها و بركة تنزلها،و عافية تجللها و رزقا تبسطه يا أرحم الراحمين،اللّه اقبلنا في هذا الوقت منجحين مفلحين،مبرورين غانمين و لا تجعلنا من القانطين و لا تخلنا من رحمتك،و لا تحرمنا ما نؤمله من فضلك،و لا تجعلنا من رحمتك محرومين و لا لفضل ما نؤمله من عطائك قانطين و لا تردنا خائبين،و لا من بابك مطرودين،يا أجود الأجودين،و أكرم الأكرمين،إليك أقبلنا موقنين،و لبيتك الحرام

ص: 131

آمّين قاصدين فأعنا على مناسكنا،و أكمل لنا حجنا،و اعف عنا،و عافنا فقد مددنا إليك أيدينا،فهي بذلة الاعتراف موسومة،اللّهم فأعطنا في هذه العشية ما سألناك و اكفنا ما استكفيناك،فلا كافي لنا سواك،و لا رب لنا غيرك،نافذ فينا حكمك محيط بنا علمك،عدل فينا قضاؤك،اقض لنا الخير،و اجعلنا من أهل الخير،اللهم أوجب لنا بجودك عظيم الأجر،و كريم الذخر،و دوام اليسر،و اغفر لنا ذنوبنا أجمعين،و لا تهلكنا مع الهالكين و لا تصرف عنا رأفتك و رحمتك يا أرحم الراحمين،اللّهم اجعلنا في هذا الوقت ممن سألك فأعطيته و شكرك فزدته،و تاب إليك فقبلته و تنصل إليك من ذنوبه كلها فغفرتها له يا ذا الجلال و الإكرام،اللّهم نقنا(و فقنا-خ ل-)و سددنا (و اعصمنا-خ ل-)و اقبل تضرعنا،يا خير من سئل،و يا أرحم من استرحم،يا من لا يخفى عليه إغماض الجفون و لا لحظ العيون،و لا ما استقر في المكنون و لا ما انطوت عليه مضمرات القلوب،ألا كل ذلك قد أحصاه علمك و وسعه حلمك، سبحانك و تعاليت عما يقول الظالمون علوا كبيرا،تسبح لك السماوات السبع، و الأرضون و من فيهن،و إن من شي إلا يسبح بحمدك،فلك الحمد و المجد،و علو الجد،يا ذا الجلال و الإكرام و الفضل و الإنعام،و الأيادي الجسام،و أنت الجواد الكريم،الرؤوف الرحيم،اللّهم أوسع علي من رزقك الحلال،و عافني في بدني و ديني،و آمن خوفي و اعتق رقبتي من النار،اللّهم لا تمكر بي و لا تستدرجني و لا تخدعني،و ادرأ عني شر فسقة الجن و الإنس(ثم رفع بصره إلى السماء و قال برفيع صوته):يا أسمع السامعين،يا أبصر الناظرين و يا أسرع الحاسبين،و يا أرحم الراحمين،صل على محمد و آل محمد السادة الميامين و أسألك اللّهم حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني،و إن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني،أسألك فكاك رقبتي من النار لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك لك الملك و لك الحمد،و أنت على كل شيء قدير يا رب يا رب».

و أثّر هذا الدعاء تأثيرا عظيما في نفوس من كان مع الإمام،فاتجهوا بقلوبهم

ص: 132

و عواطفهم نحوه يستمعون دعاءه،و علت أصواتهم بالبكاء معه،و ذهلوا عن الدعاء لأنفسهم في ذلك المكان الذي يستحب فيه الدعاء،و يقول الرواة:إن الإمام استمر يدعو حتى غربت الشمس،فأفاض إلى(المزدلفة)و فاض الناس معه (1).1.

ص: 133


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:118/1.

دعاء الإمام الحسين عليه السلام المستجاب

اشارة

و في التهذيب مسندا إلى الصادق عليه السّلام أنّ امرأة كانت تطوف و خلفها رجل فأخرجت ذراعها فوضع يده على ذراعها فأثبت اللّه يد الرجل في ذراعها حتّى قطع الطواف،و أرسل إلى الأمير فاجتمع الناس و أرسلوا إلى الفقهاء فقالوا:إقطع يده فأرسل إلى الحسين عليه السّلام فدعى اللّه تعالى و خلّص يده من يدها فقال الأمير:ألا نعاقبه بما صنع؟

قال:لا (1).

روى أبو جعفر الطبري في تاريخه و غيره من نقلة الأخبار و الآثار أن عمر بن سعد أمّر عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس،فنزلوا على الشريعة و حالوا بين حسين و أصحابه و بين الماء أن يسقى منه قطرة و ذلك قبل قتل الحسين بثلاث قال:

و نازله عبد اللّه بن أبي حصين الأزدي و عداده في بجيلة فقال:يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء و اللّه لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا.

فقال الحسين عليه السّلام:اللهم اقتله عطشا و لا تغفر له أبدا.

قال:قال حميد بن مسلم:و اللّه لعدته بعد ذلك في مرضه فو اللّه الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر،ثم يقي ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعني نفسه (2).

ص: 134


1- وسائل الشيعة:228/13.
2- تاريخ الطبري:312/4.

و روى أيضا في تاريخه:أن رجلا من بني تميم يقال له عبد اللّه بن حوزة،جاء حتى وقف أمام الحسين فقال:يا حسين يا حسين.

فقال الحسين عليه السّلام:ما تشاء؟

قال:أبشر بالنار.

قال:كلا إني أقدم على رب رحيم و شفيع و مطاع،من هذا؟

قال له أصحابه:هذا ابن حوزة.

قال عليه السّلام:رب حزه إلى النار.

قال:فاضطرب به فرسه في جدول فوقع فيه و تعلقت رجله بالركاب و وقع رأسه في الأرض،و نفر الفرس،فأخذ يمر به فيضرب برأسه كل حجر و كل شجرة حتى مات. (1).

روى أيضا في تاريخه:و مكث الحسين عليه السّلام طويلا من النهار الى أن انتهى إليه رجل من كندة يقال له:مالك بن النسر من بني بداء أتاه فضربه على رأسه بالسيف و عليه برنس له فقطع البرنس و أصاب السيف رأسه فأدمى رأسه فامتلأ البرنس دما،فقال له الحسين عليه السّلام:لا أكلت بها لا شربت و حشرك اللّه مع الظالمين-إلى أن قال-فذكر أصحاب الكندي أنه لم يزل فقيرا بشر حتى مات (2).

السيد الرضي في عيون المعجزات:عن جعفر بن محمد بن عمارة،عن أبيه،عن الإمام الصادق عليه السّلام،عن أبيه،عن جده عليهم السلام،قال:جاء أهل الكوفة إلى علي عليه السّلام،فشكوا إليه إمساك المطر،و قالوا له استق لنا.

فقال للحسين عليه السّلام:قم و استسق،فقام و حمد اللّه و أثنى عليه،و صلى على النبي صلّى اللّه عليه و اله،و قال:اللهم معطي الخيرات،و منزل البركات،أرسل الماء علينا مدرارا،3.

ص: 135


1- عيون المعجزات:57.
2- مناقب آل أبي طالب:215/3.

و أسقنا غيثا مغزارا واسعا غدقا مجللا سحا سفوحا ثجاجا،تنفس به الضعف من عبادك،و تحيي به الميت من بلادك آمين رب العالمين.

فما فرغ عليه السّلام من دعائه،حتى غاث اللّه غيثا ببركته عليه السّلام.

و أقبل أعرابي من بعض نواحي الكوفة،فقال:تركت الأودية و الأكام يموج بعضها في بعض (1).

إستجابة دعاء الحسين على ابن جويرية

السيد الرضي:قال:حدث جعفر بن محمد بن عمارة،عن أبيه،عن عطاء بن السائب،عن أخيه قال:شهدت يوم الحسين عليه السّلام فأقبل رجل من تميم يقال له عبد اللّه بن جويرية فقال:يا حسين،فقال عليه السّلام:ما تشاء؟فقال:أبشر بالنار.

فقال عليه السّلام:كلا إني اقدم على رب غفور و شفيع مطاع،و أنا من خير و إلى خير، من أنت؟

قال:أنا ابن جويرية،فرفع يده الحسين عليه السّلام حتى رأينا بياض إبطيه،و قال:

اللهم جره إلى النار،فغضب بن جويرية،فحمل عليه،فاضطرب به فرسه في جدول،و تعلق رجله بالركاب و وقع رأسه في الأرض،و نفر الفرس فأخذ يعدو به و يضرب رأسه بكل حجر و شجر،و انقطعت قدمه و ساقه و فخذه،و بقي جانبه الآخر متعلقا في الركاب،فصار لعنه اللّه إلى نار الجحيم (2).

ص: 136


1- مدينة المعاجز/السيد هاشم البحراني:474/3،و عيون المعجزات:64 و عنه البحار:/44 187 ح 16،و العوالم:51/17 ح 1.
2- عيون المعجزات:65 و عنه البحار:18744 ذ ح 16 و العوالم:17 52 ح 1.

إستجابة دعاء الحسين على ابن أبي جويرية المزني

ابن بابويه في أماليه:بإسناده عن الإمام الصادق عليه السّلام في حديث مقتله عليه السلام:إن الحسين عليه السّلام قال لأصحابه:قوموا فاشربوا من الماء يكون آخر زادكم، و توضأوا و اغتسلوا و اغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم.ثم صلى بهم الفجر و عبأهم تعبئة الحرب،و أمر بحفيرته التي حول عسكره،فأضرمت بالنار ليقاتل القوم من وجه واحد،و أقبل رجل من عسكر عمر بن سعد لعنه اللّه على فرس له يقال له:ابن أبي جويرية المزني.فلما نظر إلى النار تتقد صفق بيده،و نادى:يا حسين و أصحاب الحسين،أبشروا بالنار،فقد تعجلتموها في الدنيا.

فقال الحسين عليه السّلام:من الرجل؟

فقيل:ابن أبي جويرية المزني.

فقال الحسين عليه السّلام:اللهم أذقه عذاب النار في الدنيا.فنفر به فرسه،فألقاه في تلك النار فاحترق (1).

إستجابة دعاء الحسين على تميم بن حصين

ابن بابويه في أماليه:بإسناده عن الإمام الصادق عليه السّلام في حديث المقتل:ثم خرج رجل آخر يقال له:تميم بن الحصين الفزاري،فنادى:يا حسين و يا أصحاب الحسين،أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنه بطون الحيات و اللّه لا ذقتم منه قطرة واحدة حتى تذوقوا الموت جرعا.فقال الحسين عليه السّلام:من الرجل؟فقيل:تميم بن

ص: 137


1- مدينة المعاجز/السيد هاشم البحراني:474/3.

الحصين.

فقال الحسين عليه السّلام:هذا و أبوه من أهل النار.اللهم اقتل هذا عطشا في هذا اليوم.

قال:فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه،فوطأته الخيل بسنابكها فمات (1).

إستجابة دعاء الحسين على محمد بن الأشعث

ابن بابويه:بإسناده،عن الإمام الصادق عليه السّلام في حديث المقتل:ثم أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد عليه اللعنة يقال له،محمد بن الأشعث بن قيس الكندي،فقال:

يا حسين بن فاطمة أية حرمة لك من رسول اللّه ليست لغيرك؟فتلا الحسين عليه السّلام هذه الآية: إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ الآية (2).ثم قال:و اللّه إن محمدا لمن آل إبراهيم،و إن العترة الهادية لمن آل محمد،من الرجل؟فقيل:محمد بن الأشعث بن قيس الكندي.

فرفع الحسين عليه السّلام رأسه إلى السماء و قال:اللهم أر محمد بن الأشعث ذلا في هذا اليوم لا تعزه بعد هذا اليوم أبدا،فعرض له عارض فخرج من العسكر يتبرز،فسلط اللّه عليه عقربا،فلدغته،فمات بادي العورة (3).

ابن شهر آشوب:روي أن الحسين عليه السّلام دعا و قال:اللهم إنا أهل(بيت)نبيك و ذريته(و قرابته)فاقصم من ظلمنا و غصبنا حقنا،إنك سميع قريب.

فقال محمد بن الأشعث:و أي قرابة بينك و بين محمد صلّى اللّه عليه و اله؟فقرأ الحسين: إِنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، ثم قال:اللهم أره في هذا اليوم ذلا عاجلا.

ص: 138


1- أمالي الصدوق:134،و عنه البحار:317/44.
2- سورة آل عمران:33-34.
3- أمالي الصدوق:134 و عنه البحار:317/44.

فبرز ابن الأشعث للحاجة فلسعته عقرب على ذكره(فسقط)و هو يستغيث و يتقلب على حدثه (1).

إستجابة دعاء الحسين عليه السّلام على رجل من بني أبان

ثاقب المناقب:عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة قال:حدثني من شهد عسكر الحسين صلوات اللّه عليه إن الحسين عليه السّلام لما غلب على عسكره العطش،ركب المسناة (2)يريد الفرات،فقال رجل من بني ابان بن دارم:حولوا بينه و بين الماء، و رمى بسهم فاثبته في حنكه.فقال عليه السّلام:اللهم اظمئه،اللهم اظمئه،فو اللّه ما لبث الرجل إلا يسيرا حتى صبّ اللّه عليه الظمأ.

قال القاسم بن أصبغ:لقد رأيته و بين يديه قلال فيها الماء و أنه يقول:ويلكم اسقوني قتلني الظمأ،فيعطى القلة (3)أو العس (4)الذي أن أحدهما يروي أهل بيت، فيشربه ثم يقول:ويلكم اسقوني قتلني الظمأ.

قال:فو اللّه ما لبث إلاّ يسيرا حتى انقد بطنه انقداد بطن البعير.

و في رواية أخرى:النار توقد من خلفه و الثلج موضوع من قدامه،و هو يقول:

إسقوني إلى آخر الكلام (5).

ابن شهر آشوب:عن فضائل العشرة،عن أبي السعادات:بالإسناد في خبر، أنه لما رماه الرامي بسهم فأصاب حنكه و جعل يلقي الدم ثم يقول:هكذا إلى السماء

ص: 139


1- مناقب آل أبي طالب:57/4،و عنه البحار:302/45.
2- المسناة:سد يبنى لحجز ماء السيل.لسان العرب.
3- القلة:إناء من الفخار يشرب منها.المعجم الوسيط.
4- و العس:القدح الكبير.
5- مدينة المعاجز/السيد هاشم البحراني:478/3،و الثاقب في المناقب:341 ح 287.

فكان هذا الدارمي يصيح من الحر(في)بطنه و البرد في ظهره بين يديه المراوح و الثلج و خلفه الكانون و النار و هو يقول:إسقوني فيشرب العس ثم يقول اسقوني أهلكني العطش،قال:فانقد بطنه. (1)

إستجابة دعاء الحسين عليه السّلام على ابن جوزة

ابن شهر آشوب:عن ابن بطة في الإبانة،و ابن جرير في التاريخ:إنه نادى الحسين عليه السّلام ابن جوزة فقال:يا حسين أبشر فقد تعجلت النار في الدنيا قبل الآخرة.

قال:ويحك أنا؟

قال:نعم.

قال:ولي رب رحيم و شفاعة نبي مطاع كريم،اللهم إن كان عندك كاذبا فجره إلى النار.

قال:فما هو إلاّ أن ثنى عنان فرسه فوثب(به)فرمى به و بقيت رجله في الركاب و نفر الفرس فجعل يضرب برأسه كل حجر و شجر حتى مات.و في رواية غيرهما:

اللهم جره إلى النار،و أذقه حرها في الدنيا قبل مصيره إلى الاخرة،فسقط عن فرسه في الخندق،و كان فيه نار فسجد الحسين عليه السّلام (2).

ص: 140


1- مناقب آل أبي طالب:56/4،و عنه البحار:301/45.
2- البحار:301/45.

إستجابة دعاء الحسين عليه السّلام على عبد اللّه بن الحصين

ابن شهر آشوب:عن ابن بابويه و تاريخ الطبري:قال أبو القاسم الواعظ:نادى رجل:يا حسين إنّك لن تذوق من الفرات قطرة حتى تموت أو تنزل على حكم الأمير.

فقال الحسين عليه السّلام:اللهم اقتله عطشا و لا تغفر له أبدا،فغلب عليه العطش فكان يعب المياه و يقول:و اعطشاه حتى تقطع.

و في تاريخ الطبري أنه كان هذا المنادي عبد اللّه بن الحصين الأزدي،رواه حميد ابن مسلم و في رواية:كان رجلا من دارم. (1)

إستجابة دعائه عليه السّلام على رجل

ابن شهر آشوب:من أمالي أبي سهل القطان:يرويه عن ابن عيينة قال:أدركت من قتلة الحسين رجلين،أما أحدهما فإنه طال ذكره حتى كان يلفه.و في رواية كان يحمله على عاتقه.و أما الآخر فإنه كان يستقبل الراوية فيشربها إلى آخرها و لا يروى،و ذلك إنه نظر إلى الحسين،و قد أهوى إلى فيه بماء و هو يشرب فرماه بسهم.

فقال الحسين عليه السّلام:لا أرواك اللّه من الماء في دنياك و لا في آخرتك (2).

ابن شهر آشوب:قال في رواية:إن رجلا من كلب رماه بسهم فشك شدقه.

ص: 141


1- المصدر السابق.
2- المصدر السابق.

فقال الحسين عليه السّلام لا أرواك اللّه،فعطش الرجل حتى رمى نفسه في الفرات و شرب حتى مات (1).

ابن شهر آشوب:من تاريخ الطبري أن رجلا من كندة،يقال له مالك بن اليسر، أتى الحسين عليه السّلام بعد ما ضعف من كثرة الجرحات فضربه على رأسه بالسيف، و عليه برنس من خز.

فقال عليه السّلام:لا أكلت بها و لا شربت،و حشرك مع الظالمين،فألقى ذلك البرنس من رأسه فأخذه الكندي فأتى به أهله.فقالت امرأته:أسلب الحسين تدخله في بيتي؟ أخرج فو اللّه لا تدخل بيتي أبدا،فلم يزل فقيرا حتى هلك (2).3.

ص: 142


1- المصدر السابق.
2- مدينة المعاجز/السيد هاشم البحراني:481/3.

إستجابة دعائه عليه السّلام على عمر بن سعد

روي أن الحسين عليه السّلام لما راى اشتداد الأمر عليه،و كثرة العساكر عاكفة عليه كل منهم يريد قتله،أرسل إلى عمر بن سعد لعنه اللّه(يستمهله)و يقول أريد أن ألقاك فأخلو معك ساعة.

فخرج عمر بن سعد من الخيمة،و جلس مع الحسين عليه السّلام ناحية من الناس، فتناجيا طويلا.

فقال له الحسين عليه السّلام:ويحك يا بن سعد!أما تتقي اللّه الذي إليه معادك أراك تقاتلني و تريد قتلي،و أنا ابن(عم)من قد علمت دون هؤلاء القوم،و اتركهم و كن معي،فإنه أقرب لك إلى اللّه تعالى.

فقال له:يا حسين إني أخاف أن تهدم داري بالكوفة،و تنهب أموالي.

فقال له الحسين عليه السّلام:أنا أبني لك خيرا من دارك.

فقال:أخشى أن تؤخذ ضياعي بالسواد.فقال له الحسين:أنا أعطيك من مالي البغيبغة و هي عين عظيمة بأرض الحجاز،و كان معاوية أعطاني في ثمنها ألف ألف دينار من الذهب فلم أبعه إياها،فلم يقبل عمر بن سعد لعنه اللّه شيئا من ذلك.

فانصرف عنه الحسين عليه السّلام و هو غضبان عليه و هو يقول:ذبحك اللّه يا بن سعد على فراشك عاجلا،و لا غفر لك يوم حشرك و نشرك،فو اللّه إني لأرجو أن لا تأكل من بر العراق إلاّ يسيرا.

فقال له عمر بن سعد مستهزءا:يا حسين إن في الشعير عوضا عن البر،ثم رجع

ص: 143

إلى عسكره (1).

استجابة دعاء الحسين في فك ذراع عن ذراع

روى الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في التهذيب بإسناده عن محمد ابن الحسين عن الحكم بن مسكين عن أيوب بن أعين عن أبي عبد اللّه قال عليه السّلام:إن امرأة كانت تطوف و خلفها رجل فأخرجت ذراعها،فمال بيده حتى وضعها على ذراعها فأثبت اللّه يده في ذراعها حتى قطع الطواف و أرسل إلى الأمير، و اجتمع الناس،و أرسل إلى الفقهاء فجعلوا يقولون:اقطع يده فهو الذي جنى الجناية،فقال:ها هنا أحد من ولد محمد صلّى اللّه عليه و اله؟

فقالوا:نعم،الحسين بن علي عليه السّلام قدم الليلة فأرسل إليه فدعاه،فقال:أنظر ما لقيا ذان،فاستقبل القبلة و رفع يديه فمكث طويلا يدعو،ثم جاء إليهما حتى خلص يده من يدها،فقال الأمير:ألا نعاقبه بما صنع؟

قال:لا (2).

ص: 144


1- مدينة المعاجز/السيد هاشم البحراني:481/3.
2- التهذيب:470/5 ح 1647.

عجز الحسين عليه السلام عن شكر اللّه

قال السيد الخامنئي:من الطبيعي أنّ إحصاء النعم الإلهية لا يتاح لأي كان.و حتى في دعاء عرفة-الذي آمل أنكم قد وفّقتم لقراءته،و سيحالفكم الحظ في كل سنة إن شاء اللّه في أيام عرفة لقراءته و التدبّر في معانيه-تلاحظون أنّ الإمام الحسين بن علي عليه السّلام يقول في أوائله:«أنا أشهد يا إلهي بحقيقة إيماني و عقد عزمات يقيني و خالص صريح توحيدي و باطن مكنون ضميري...أن لو حاولت و اجتهدت..أن أؤدي شكر واحدة من أنعمك ما استطعت ذلك إلا بمنّك..» (1).

فالحسين بن علي عليه السّلام-هذا الجندي المضحّي الذي لا مثيل له في تاريخ الإسلام و القيم المعنوية-يذكر مجموعة من النعم الإلهية مفصّلا جزئياتها في ما يقارب صفحة واحدة،ليقول إنّني غير قادر و بكل ما أوتيت من قوّة على أن أشكر نعمة واحدة من نعمك.

و إذا وفقت لشكر نعمة،فهذا التوفيق على الشكر يعد بحد ذاته نعمة من اللّه.

فليس كل أحد يكتب له التوفيق و لا كل أحد يرى جمال الحقيقة و المعنوية ليثني عليه،و لا كل أحد يدرك عظمة الفضل الإلهي،و وجود النعمة الإلهية.فالغفلة و الأنانية و الغرور لا تتيح لنا أن ننتبه إلى أننا في محضر زاخر بالألطاف الإلهية،أو أن نلتفت إلى ماهية هذه الألطاف و النعم.

فإذا ما كتب التوفيق لأحد لكي يتغلب في دوافعه و نواياه الذاتية و المادية على

ص: 145


1- العدد القوية:374.

الغرور و الهوى و قصور النظر،و تمكّن من مشاهدة الجمال المعنوي،و وقف أمامه موقف إجلال و تعظيم و خشع له قلبه،فهذا بحد ذاته نعمة إلهية كبرى تستلزم الشكر،و الإنسان غير قادر مطلقا على شكر النعم الإلهية حق قدرها (1).0.

ص: 146


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:30.

أخلاق الحسين عليه السلام

عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال:مر الحسين بمساكين يأكلون في الصفة،فقالوا:الغذاء،فنزل،و قال:إنّ اللّه لا يحب المتكبرين فتغدّى[معهم]ثم قال لهم:قد أجبتكم فأجيبوني،قالوا:نعم،فمضى بهم إلى منزله فقال للرباب:أخرجي ما كنت تدّخرين.

و روى العيّاشي قال:مرّ الحسين عليه السّلام بمساكين قد بسطوا كساء لهم و ألقوا إليه كسرا،فقالوا:هلمّ يا بن رسول اللّه فثنى و ركه و أكل معهم ثمّ تلا:إنّ اللّه لا يحبّ المستكبرين،ثمّ قال:أجبتكم فأجيبوني فقاموا معه حتّى أتوا منزله فقال للجارية:

اخرجي ما كنت تدّخرين (1).

و حدّث الصولي عن الصادق عليه السّلام إنّه جرى بين الحسين عليه السّلام و بين محمّد بن الحنفية كلام فكتب إلى الحسين عليه السّلام:أمّا بعد فإنّ أبي و أباك عليّ لا تفضلني و لا أفضلك فيه و امّك فاطمة بنت رسول اللّه و لو كان ملء الأرض ذهبا ملك امّي ما وفت بامّك،فإذا قرأت كتابي هذا فصر إليّ حتّى تترضاني فإنّك أحقّ بالفضل منّي و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته،ففعل الحسين عليه السّلام ذلك فلم يجر بعذ ذلك بينهما شيء (2).

و في عيون المحاسن عن الزوياني أنّ الحسن و الحسين عليهما السلام مرّا على

ص: 147


1- البحار:189/44.
2- مناقب آل أبي طالب:222/3،و البحار:191/44.

شيخ يتوضّأ و لا يحسن،فأخذا في التنازع يقول كلّ واحد منهما:أنت لا تحسن الوضوء فقالا:أيّها الشيخ كن حكما بيننا يتوضأ كلّ واحد منّا فتوضّآ ثمّ قالا:أيّنا أحسن؟

قال:كلاكما تحسنان الوضوء و لكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن، و قد تعلّم الآن منكما و تاب على أيديكما ببركتكما و شفقتكما على امّة جدّكما (1).

و إشتهر النقل عن الحسين عليه السّلام أنّه كان يكرم الضيف،و يمنح الطالب،و يصل الرحم،و ينيل الفقير،و يسعف السائل،و يكسو العاري،و يشبع الجائع،و يعطي الغارم،و يشد من الضعيف،و يشفق على اليتيم،و يعين ذا الحاجة،و قلّ أن وصله مال إلاّ فرّقه.

و نقل أنّ معاوية لما قدم مكة وصله بمال كثير،و ثياب وافرة،و كسوات وافية، فرد الجميع عليه و لم يقبله منه (2).

و هذه سجية الجواد،و شنشنة الكريم،و سمة ذا السماحة،و صفة من قد حوى مكارم الأخلاق،فأفعاله المتلوة شاهدة له بصفة الكرم،ناطقة بأنه متّصف بمحاسن الشيم.

و قد كان في العبادة مقتديا بمن تقدّم حتى نقل عنه عليه السّلام أنّه حج خمسا و عشرين حجة إلى الحرم و نجائبه تقاد معه و هو ماش على القدم (3).

و عن الذيال بن حرملة،قال:خرج سائل يتخطى أزقة المدينة حتى أتى باب الحسين بن علي فقرع الباب و أنشأ يقول:

من لم يخف اليوم من رجاك و من حرّك من خلف بابك الحلقة3.

ص: 148


1- البحار:319/43.
2- -انظر:الفتوح 4:343.
3- -انظر الاستيعاب 1:382،ترجمة الامام الحسين عليه السّلام من تاريخ دمشق 215:194-197، صفة الصفوة 1:763.

و أنت جود و أنت معدنه أبوك قد كان قاتل الفسقة

قال:و كان الحسين بن علي واقفا يصلّي فخفف من صلاته،و خرج إلى الأعرابي فرأى عليه أثر ضرّ و فاقة،فرجع و نادى بقنبر فأجابه لبيك يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال:

ما تبقّى معك من نفقتنا؟قال:مائتا درهم أمرتني بتفرقتها في أهل بيتك،قال:فهاتها فقد أتى من هو أحق بها منهم،فأخذها و خرج يدفعها إلى الأعرابي و أنشأ يقول:

خذها و إني إليك معتذر و اعلم بأني عليك ذو شفقة

لو كان في سيرنا عصا تمدادا كانت سمانا عليك مندفقة

لكن ريب المنون ذو نكد و الكفّ منّا قليلة النفقة

قال فأخذها الأعرابي و ولّى و هو يقول:

مطهّرون نقيات جيوبهم تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

و أنتم أنتم الأعلون عندكم علم الكتاب و ما جاءت به السور

من لم يكن علويا حين تنسبه فما له في جميع الناس مفتخر

نظمها متقارب.

و روى أخطب خوارزم:أنّ أعرابيا جاء إلى الحسين عليه السّلام فقال:يا بن رسول اللّه قد ضمنت دية كاملة و عجزت عن أدائها فقلت:أسأل أكرم الناس،و ما رأيت أكرم من أهل بيت رسول اللّه.

فقال الحسين عليه السّلام:يا أخا العرب أسألك عن ثلاث مسائل فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال و إن أجبت الإثنتين أعطيتك ثلثي المال و إن أجبت عن الكلّ أعطيتك الكلّ.

فقال الأعرابي:يا بن رسول اللّه أمثلك يسأل من مثلي و أنت من أهل العلم و الشرف.

فقال الحسين عليه السّلام:بلى،سمعت جدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:المعروف بقدر المعرفة.

ص: 149

فقال الأعرابي:سل عمّا بدالك فإن أجبت و إلاّ تعلّمت منك و لا قوّة إلاّ باللّه.

فقال الحسين عليه السّلام:أي الأعمال أفضل؟

فقال الأعرابي:الإيمان باللّه،فقال الحسين عليه السّلام:فما النجاة من المهلكة؟

فقال الأعرابي:الثقة باللّه.

فقال الحسين عليه السّلام:فما يزيّن الرّجل؟

فقال الأعرابي:علم معه حلم.

فقال:فإن أخطأه ذلك؟

فقال:مال معه مروة.

فقال:فإن أخطأه ذلك؟

فقال:فقر معه صبر.

فقال:فإن أخطأه ذلك؟

فقال الأعرابي:فصاعقة من السماء تنزل و تحرقه فإنّه أهل لذلك.

فضحك الحسين عليه السّلام و رمى إليه بصرّة فيها ألف دينار و أعطاه خاتمه و فيه فصّ قيمته مائتا درهم،و قال:يا أعرابي أعط الذهب لغرمائك و اصرف الخاتم في نفقتك.

فأخذ الأعرابي و قال:اللّه أعلم حيث يجعل رسالته (1).

و روي عن الحسين عليه السّلام إنّه قال:صحّ عندي قول النبيّ صلّى اللّه عليه و اله:أفضل الأعمال بعد الصلاة إدخال السرور في قلب المؤمن بما لا إثم فيه،فإنّي رأيت غلاما يؤاكل كلبا فقلت له في ذلك فقال:يا بن رسول اللّه إنّي مغموم أطلب سرورا بسروره لأنّ صاحبي يهوديّ اريد افارقه فأتى الحسين عليه السّلام إلى صاحبه بمائتي دينار ثمنا له.

فقال اليهودي:الغلام فداء لخطاك،و هذا البستان له و رددت عليك المال قال:

قبلت المال و وهبته للغلام فقال الحسين عليه السّلام:أعتقت الغلام و وهبته له جميعا،4.

ص: 150


1- بحار الانوار:197/44.

فقالت امرأته:قد أسلمت و وهبت زوجي مهري فقال اليهودي:و أنا أيضا أسلمت و أعطيتها هذه الدار (1).

و في كتاب أنس المجاس:أنّ الفرزدق أتى الحسين عليه السّلام لمّا أخرجه مروان من المدينة فأعطاه أربعمائة دينار فقيل له شاعر فاسق فقال عليه السّلام:خير مالك ما وقيت به عرضك،و قال صلّى اللّه عليه و اله في عبّاس بن مرداس:اقطعوا لسانه عنّي.

وفد أعرابي المدينة فسأل عن أكرم الناس فدلّ على الحسين عليه السّلام فدخل المسجد فوجده مصلّيا فوقف بإزائه و أنشأ شعر:

لا يخب الآن من رجاك و من حرّك من بابك الحلقة

أنت جواد و أنت معتمد أبوك قد كان قاتل الفسقة

لو لا الذي كان من أوائلكم كانت علينا الجحيم منطبقة

فسلّم الحسين عليه السّلام و قال:يا قنبر هل بقي من مال الحجاز شيء؟

قال:أربعة آلاف دينار قال:هاتها قد جاء من هو أحقّ بها منّا،ثمّ نزع برديه و لفّ الدنانير فيها و أخرج يده من شقّ الباب حياء من الأعرابي و أنشأ شعرا:

خذها و إنّي إليك معتذر و اعلم بأنّي عليك ذو شفقة

لو كان في سيرنا الغداة عصا أمست سمانا عليك مندفقة

لكن ريب الزمان ذو غبرة و الكفّ منّي قليلة النفقة

فأخذها الأعرابي و بكى فقال له:لعلّك استقللت ما أعطيناك؟

قال:لا،و لكن كيف يأكل التراب جودك.

أقول:العصا كناية عن الملك و بسط اليد فإنّ الوالي راع على الامّة،و المراد من السّما هنا كثرة الجود و الكرم (2).4.

ص: 151


1- كلمات الامام الحسين:626.
2- البحار:190/44.

و قيل:إنّ عبد الرحمن السلمي علّم ولد الحسين عليه السّلام الحمد،فلمّا قرأها على أبيه أعطاه ألف دينار و ألف حلّة و حشا فاه درّا،فقيل له في ذلك،فقال:و أين يقع هذا من تعليمه،و أنشد عليه السّلام شعرا:

إذا جادت الدّنيا عليك فجد بها على الناس طرّا قبل أن تتفلّت

فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت و لا البخل يبقيها إذا ما تولت (1)3.

ص: 152


1- مناقب آل أبي طالب:222/3.

قوة الإرادة عند الحسين عليه السلام

من النزعات الذاتية لأبي الشهداء عليه السّلام قوة الإرادة،و صلابة العزم و التصميم، و قد ورث هذه الظاهرة الكريمة من جده الرسول صلّى اللّه عليه و اله الذي غيّر مجرى التاريخ، و قلب مفاهيم الحياة،و وقف صامدا وحده أمام القوى الهائلة التي هبّت لتمنعه من أن يقول كلمة اللّه،فلم يعن بها و راح يقول لعمه أبي طالب مؤمن قريش:

«و الله لو وضعوا الشمس بيميني و القمر بيساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى أموت أو يظهره الله...».

بهذه الإرادة الجبارة قابل قوى الشرك،و استطاع أن يتغلب على مجريات الأحداث،و كذلك وقف سبطه العظيم في وجه الحكم الأموي فأعلن بلا تردد رفضه لبيعة يزيد،و انطلق مع قلة الناصر إلى ساحات الجهاد ليرفع كلمة الحق،و يدحض كلمة الباطل،و قد حشدت عليه الدولة الأموية جيوشها الهائلة،فلم يحفل بها،و أعلن عن عزمه و تصميمه بكلمته الخالدة قائلا:

«لا أرى الموت إلا سعادة،و الحياة مع الظالمين إلا برما..».و انطلق مع الأسرة الكريمة من أهل بيته و أصحابه إلى ميدان الشرف و المجد ليرفع راية الإسلام، و يحقق للأمة الإسلامية أعظم الانتصارات و الفتح حتى استشهد سلام الله عليه، و هو من أقوى الناس إرادة،و أمضاهم عزيمة و تصميما.غير حافل بما عاناه من الكوارث التي تذهل العقول و تحير الألباب (1).

ص: 153


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:80/1.

الإباء عن الضيم عند الإمام الحسين عليه السلام

و الصفة البارزة من نزعات الإمام الحسين عليه السّلام الإباء عن الضيم حتى لقب(بأبي الضيم)و هي من أعظم ألقابه ذيوعا و انتشارا بين الناس فقد كان المثل الأعلى لهذه الظاهرة فهو الذي رفع شعار الكرامة الإنسانية و رسم طريق الشرف و العزة،فلم يخنع،و لم يخضع لقرود بني أمية،و آثر الموت تحت ظلال الأسنة،يقول عبد العزيز بن نباتة السعدي:

و الحسين الذي رأى الموت في الع ز حياة و العيش في الذل قتلا

و وصفه المؤرخ الشهير اليعقوبي بأنه شديد العزة يقول ابن أبي الحديد:

«سيد أهل الإباء الذي علّم الناس الحمية،و الموت تحت ظلال السيوف اختيارا على الدنية أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام عرض عليه الأمان هو و أصحابه فأنف من الذل،و خاف ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنه لا يقتله، فاختار الموت على ذلك.و سمعت النقيب أبا زيد يحيى بن زيد العلوي يقول:كأن أبيات أبي تمام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت إلا في الحسين:

و قد كان فوت الموت سهلا فرده إليه الحفاظ المر و الخلق الوعر

و نفس تعاف الضيم حتى كأنه هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر

فأثبت في مستنقع الموت رجله و قال لها:من دون أخصمك الحشر

تردّى ثياب الموت حمرا فما بدا لها الليل إلا و هي من سندس خضر

لقد علّم أبو الأحرار الناس نبل الإباء و نبل التضحية يقول فيه مصعب ابن الزبير:

«و اختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة»ثم تمثل:

ص: 154

و إن الألى بالطف من آل هاشم تآسوا فسنّوا للكرام التآسيا

و قد كانت كلماته يوم الطف من أروع ما أثر من الكلام العربي في تصوير العزة و المنعة و الاعتداد بالنفس يقول:«ألا و إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة و الذلة،و هيهات منا الذلة،يأبى الله ذلك و رسوله و المؤمنون،و حجور طابت و طهرت،و أنوف حمية،و نفوس أبية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام...».

و وقف يوم الطف كالجبل الأشم غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة من جيوش الردة الأموية،و قد ألقى عليهم و على الأجيال أروع الدروس عن الكرامة و عزة النفس و شرف الإباء قائلا:

«و الله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل،و لا أفر فرار العبيد إني عذت بربي و ربكم أن ترجمون...».

و ألقت هذه الكلمات المشرقة الأضواء على مدى ما يحمله الإمام العظيم من الكرامة التي لا حد لأبعادها،و التي هي من أروع ما حفل به تاريخ الإسلام من صور البطولات الخالدة في جميع الآباد.

و تسابق شعراء أهل البيت عليهم السّلام إلى تصوير هذه الظاهرة الكريمة فكان ما نظموه في ذلك من أثمن ما دوّنته مصادر الأدب العربي و قد عنى السيد حيدر الحلي إلى تصوير ذلك في كثير من روائعه الخالدة التي رثى بها جده الحسين يقول:

طمعت أن يسومه القوم ضيما و أبى الله و الحسام الصنيع

كيف يلوي على الدنية جيدا لسوى الله ما لواه الخضوع

و لديه جأش أرد من الدرع لظمأى القنا و هن شروع

و به يرجع الحفاظ لصدر ضاقت الأرض و هي فيه تضيع

فأبى أن يعيش إلا عزيزا أو تجلّى الكفاح و هو صريع

و لم تصور منعة النفس و إباؤها بمثل هذا التصوير الرائع،فقد عرض حيدر إلى

ص: 155

ما صمّمت عليه الدولة الأموية من إرغام الإمام الحسين عليه السّلام على الذل و الهوان، و إخضاعه لجورهم و استبدادهم،و لكن يأبى له الله ذلك و تأبى له نفسه العظيمة التي ورثت عز النبوة أن يقر على الضيم،فإنه سلام الله عليه لم يلو جيده خاضعا لأي أحد إلا لله،فكيف يخضع لأقزام بني أمية؟!و كيف يلويه سلطانهم عن عزمه الجبار الذي هو أرد من الدرع للقنا الظامئة،و ما أروع قوله:

و به يرجع الحفاظ لصدر ضاقت الأرض و هي فيه تضيع

و هل هناك أبلغ أو أدق وصفا لإباء الإمام الحسين و عزته من هذا الوصف،فقد أرجع جميع طاقات الحفاظ و الذمام لصدر الإمام عليه السّلام التي ضاقت الأرض من صلابة عزمه و تصميمه،بل أنها على سعتها تضيع فيه و من الحق أنه قد حلّق في وصفه لإباء الإمام،و يضاف لذلك جمال اللفظ فليس في هذا الشعر كلمة غريبة أو حرف ينبو على السمع.

و انظر إلى هذه الأبيات من رائعته الأخرى التي يصف بها إباء الحسين يقول:

لقد مات لكن ميتة هاشمية لهم عرفت تحت القنا المتقصد

كريم أبي شم الدنية أنفه فأشممه شوك الوشيج المسدد

و قال:قفي يا نفس وقفة وارد حياض الردى لا وقفة المتردد

رأى أن ظهر الذل أخشن مركبا من الموت حيث الموت منه بمرصد

فآثر أن يسعى على جمرة الوغى برجل و لا يعطي المقادة عن يد

لا أكاد أعرف شعرا أدق،و لا أعذب من هذا الشعر فهو يمثل أصدق تمثيل منعة الإمام العظيم و عزة نفسه التي آثرت الموت تحت ظلال الأسنة على العيش الرغيد بذل و خنوع،ناهجا بذلك منهج الشهداء من أسرته الذين تسابقوا إلى ساحات النضال،و اندفعوا بشوق إلى ميادين التضحية و الفداء لينعموا بالكرامة و العزة.

و مضى حيدر في تصويره لإباء الإمام الشهيد فوصفه بأنه أبي شم الدنية و الضيم،و عمد إلى شم الرماح و السيوف لأن بها طعم الإباء و طعم الشرف

ص: 156

و المجد...و على هذا الغرار من الوصف الرائع يمضي حيدر في تصويره لمنعة الإمام،تلك المنعة التي ملكت مشاعره و عواطفه كما ملكت عواطف غيره،و من المقطوع به أنه لم يكن متكلفا بذلك،و لا منتحلا و إنما وصف الواقع وصفا صادقا لا تكلّف فيه.

و يقول حيدر في رائعة أخرى يصف بها إباء الإمام و سمو ذاته،و لعلها من أجمل ما رثى به الإمام عليه السّلام يقول:

و سامته يركب إحدى اثنتين و قد صرّت الحرب أسنانها

فإما يرى مذعنا أو تموت نفس أبى العز إذعانها

فقال لها:اعتصمي بالإباء فنفس الأبي و ما زانها

إذا لم تجد غير لبس الهوان فبالموت تنزع جثمانها

رأى القتل صبرا شعار الكرام و فخرا يزين لها شأنها

فشمر للحرب في معرك به عرك الموت فرسانها

إن مراثي حيدر للإمام تعد-بحق-طغراء مشرقا في تراث الأمة العربية،فقد فكر فيها تفكيرا جادا و رتب أجزاءها ترتيبا دقيقا حتى جاءت بهذه الروعة،و كان-فيما يقول معاصروه-ينظم في كل حول قصيدة خاصة في الإمام عليه السّلام و يعكف طيلة عامه على إصلاحها،و يمعن إمعانا دقيقا في كل كلمة من كلماتها حتى جاءت بمنتهى الروعة و الإبداع (1).1.

ص: 157


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:80/1.

الصراحة عند الإمام الحسين عليه السلام

من صفات أبي الأحرار الصراحة في القول،و الصراحة في السلوك ففي جميع فترات حياته لم يوارب و لم يخادع،و لم يسلك طريقا فيه أي التواء،و إنما سلك الطريق الواضح الذي يتجاوب مع ضميره الحي،و ابتعد عن المنعطفات التي لا يقرّها دينه و خلقه،و كان من ألوان ذلك السلوك النير أن الوليد حاكم يثرب دعاه في غلس الليل،و أحاطه علما بهلاك معاوية،و طلب منه البيعة ليزيد مكتفيا بها في جنح الظلام،فامتنع عليه السّلام و صارحه بالواقع قائلا:

«يا أمير إنا أهل بيت النبوة،و معدن الرسالة،بنا فتح الله و بنا ختم،و يزيد فاسق فاجر، شارب الخمر،قاتل النفس المحرمة،معلن بالفسق و الفجور،و مثلي لا يبايع مثله..».

و كشفت هذه الكلمات عن مدى صراحته،و سمو ذاته،و قوة المعارضة عنده في سبيل الحق.

و من ألوان تلك الصراحة التي اعتادها و صارت من ذاتياته أنه لما خرج إلى العراق و افاه النبأ المؤلم و هو في أثناء الطريق بمقتل سفيره مسلم بن عقيل، و خذلان أهل الكوفة له،فقال للذين اتبعوه طلبا للعافية لا للحق:

«قد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف،ليس عليه ذمام...».

فتفرّق عنه ذو و الأطماع،و بقي مع الصفوة من أهل بيته و أصحابه لقد تجنب عليه السّلام في تلك الساعات الحرجة التي يتطلب فيها إلى الناصر الإغراء و الخداع مؤمنا أن ذلك لا يمكن أن تتصف به النفوس العظيمة المؤمنة بربها و المؤمنة بعدالة قضيتها.

ص: 158

و من ألوان تلك الصراحة أنه جمع أهل بيته و أصحابه في ليلة العاشر من المحرم،فأحاطهم علما بأنه يقتل في غد،و يقتل جميع من كان معه صارحهم بذلك ليكونوا على بصيرة و بينة من أمرهم،و أمرهم بالتفرق في سواد ذلك الليل،فأبت تلك الأسرة العظيمة مفارقته،و أصرت على الشهادة بين يديه.

تدول الدول،و تزول الممالك،و هذه الأخلاق الرفيعة أحق بالبقاء و أجدر بالخلود من كل كائن حي لأنها تمثل القيم العليا التي لا كرامة للإنسان بدونها (1).1.

ص: 159


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:85/1.

الصلابة في الحق عند الإمام الحسين عليه السلام

أما الصلابة في الحق فهي من مقومات أبي الشهداء و من أبرز ذاتياته فقد شق الطريق في صعوبة مذهلة لإقامة الحق،و دك حصون الباطل،و تدمير خلايا الجور.

لقد تبنى الإمام عليه السّلام الحق بجميع رحابه و مفاهيمه،و اندفع إلى ساحات النضال ليقيم الحق في ربوع الوطن الإسلامي،و ينقذ الأمة من التيارات العنيفة التي خلقت في أجوائها قواعد للباطل،و خلايا للظلم،و أوكارا للطغيان تركتها تتردى في مجاهل سحيقة من هذه الحياة.

رأى الإمام عليه السّلام الأمة قد غمرتها الأباطيل و الأضاليل،و لم يعد ماثلا في حياتها أي مفهوم من مفاهيم الحق،فانبرى عليه السّلام إلى ميادين التضحية و الفداء ليرفع راية الحق،و قد أعلن عليه السّلام هذا الهدف المشرق في خطابه الذي ألقاه أمام أصحابه قائلا:

«ألا ترون إلى الحق لا يعمل به،و إلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله...».

لقد كان الحق من العناصر الوضاءة في شخصية أبي الأحرار،و قد استشف النبي صلّى اللّه عليه و اله فيه هذه الظاهرة الكريمة فكان-فيما يقول المؤرخون-يرشف دوما ثغره الكريم ذلك الثغر الذي قال كلمة الله و فجر ينابيع العدل و الحق في الأرض (1).

ص: 160


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:86/1.

الصبر عند الإمام الحسين عليه السلام

من النزعات الفذة التي تفرّد بها سيد الشهداء الصبر على نوائب الدنيا و محن الأيام،فقد تجرّع مرارة الصبر منذ أن كان طفلا،فرزىء بجده و أمه،و شاهد الأحداث الرهيبة التي جرت على أبيه،و ما عاناه من المحن و الخطوب،و تجرّع مرارة الصبر في عهد أخيه،و هو ينظر إلى خذلان جيشه له،و غدرهم به،حتى أرغم على الصلح،و بقي معه يشاركه في محنه و آلامه،حتى اغتاله معاوية بالسم،و رام أن يواري جثمانه بجوار جده فمنعته بنو أمية فكان ذلك من أشق المحن عليه.

و من أعظم الرزايا التي صبر عليها أنه كان يرى انتقاض مبادىء الإسلام،و ما يوضع على لسان جده من الأحاديث المنكرة التي تغير و تبدل شريعة الله،و من الدواهي التي عاناها أنه كان يسمع سب أبيه و انتقاصه على المنابر،و قيام الطاغية زياد بإبادة شيعتهم و استئصال محبيهم،فصبر على كل هذه الرزايا و المصائب.

و تواكبت عليه المحن الشاقة التي تميد بالصبر في يوم العاشر من المحرم فلم يكد ينتهي من محنة حتى تطوف به مجموعة من الرزايا و الآلام،فكان يقف على الكواكب المشرقة من أبنائه و أهل بيته،و قد تناهبت السيوف و الرماح أشلاءهم فيخاطبهم بكل طمأنينة و ثبات:

«صبرا يا أهل بيتي،صبرا يا بني عمومتي،لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم».

و قد بصر شقيقته عقيلة بني هاشم،و قد ذهلها الخطب،و مزق الأسى قلبها، فسارع إليها،و أمرها بالخلود إلى الصبر و الرضى بما قسم الله.

و من أهوال تلك الكوارث التي صبر الإمام عليها أنه كان يرى أطفاله و عياله،

ص: 161

و هم يضجون من ألم الظمأ القاتل،و يستغيثون به من أليم العطش فكان يأمرهم بالصبر و الاستقامة،و يخبرهم بالعاقبة المشرقة التي يؤول إليها أمرهم بعد هذه المحن الحازبة.

و قد صبر على ملاقاة الأعداء الذين ملأت الأرض جموعهم المتدفقة،و هو وحده يتلقّى الضرب و الطعن من جميع الجهات،قد تفتت كبده من العطش و هو غير حافل بذلك كله.

لقد كان صبره و موقفه الصلب يوم الطف من أندر ما عرفته الإنسانية يقول الأربلي:«شجاعة الحسين يضرب بها المثل،و صبره في الحرب أعجز الأوائل و الأواخر».

إن أي واحدة من رزاياه لو ابتلي بها أي إنسان مهما تدرع بالصبر و العزم و قوة النفس لأوهنت قواه و استسلم للضعف النفسي،و لكنه عليه السّلام لم يعن بما ابتلي به في سبيل الغاية الشريفة التي سمت بروحه أن تستسلم للجزع أو تضرع للخطوب، يقول المؤرخون:إنه تفرد بهذه الظاهرة،فلم توه عزمه الأحداث مهما كانت،و قد توفي له ولد في حياته فلم ير عليه أثر للكآبة فقيل له في ذلك فقال عليه السّلام:

«إنا أهل بيت نسأل الله فيعطينا،فإذا أراد ما نكره فيما نحب رضينا».

لقد رضي بقضاء الله و استسلم لأمره،و هذا هو جوهر الإسلام و منتهى الإيمان (1).1.

ص: 162


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:87/1.

الحلم عند الإمام الحسين عليه السلام

أما الحلم فهو من أسمى صفات أبي الشهداء عليه السّلام و من أبرز خصائصه فقد كان- فيما أجمع عليه الرواة-لا يقابل مسيئا بإساءته،و لا مذنبا بذنبه،و إنما كان يغدق عليهم ببره و معروفه شأنه في ذلك شأن جده الرسول صلّى اللّه عليه و اله الذي وسع الناس جميعا بأخلاقه و فضائله،و قد عرف بهذه الظاهرة و شاعت عنه،و قد استغلها بعض مواليه فكان يعمد إلى اقتراف الإساءة إليه لينعم بصلته و إحسانه،و يقول المؤرخون:إن بعض مواليه قد جنى عليه جناية توجب التأديب فأمر عليه السّلام بتأديبه، فانبرى العبد قائلا:

«يا مولاي،إن الله تعالى يقول: وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ

فقابله الإمام ببسماته الفياضة و قال له:

«خلّوا عنه،قد كظمت غيظي».

و سارع العبد قائلا: وَ الْعافِينَ عَنِ النّاسِ

«قد عفوت عنك..».

و انبرى العبد يطلب المزيد من الإحسان قائلا: وَ اللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

«أنت حر لوجه الله...».ثم أمر له بجائزة سنية تغنيه عن الحاجة و مسألة الناس.

لقد كان هذا الخلق العظيم من مقوماته التي لم تنفك عنه،و ظلت ملازمة له طوال حياته (1).

ص: 163


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:88/1.

التواضع عند الإمام الحسين عليه السلام

و جبل الإمام الحسين عليه السّلام على التواضع و مجافاة الأنانية و الكبرياء،و قد ورث هذه الظاهرة من جده الرسول صلّى اللّه عليه و اله الذي أقام أصول الفضائل و معالي الأخلاق في الأرض،و قد نقل الرواة بوادر كثيرة من سمو أخلاقه و تواضعه نلمع إلى بعضها:

1-إنه اجتاز على مساكين يأكلون في(الصفة)فدعوه إلى الغذاء فنزل عن راحلته،و تغذى معهم،ثم قال لهم:قد أجبتكم فأجيبوني،فلبّوا كلامه و خفّوا معه إلى منزله،فقال عليه السّلام لزوجه الرباب:أخرجي ما كنت تتدخرين،فأخرجت ما عندها من نقود فناولها لهم.

2-مر على فقراء يأكلون كسرا من أموال الصدقة،فسلّم عليهم فدعوه إلى طعامهم،فجلس معهم،و قال:لو لا أنه صدقة لأكلت معكم ثم دعاهم إلى منزله، فأطعمهم،و كساهم،و أمر لهم بدراهم.

لقد اقتدى عليه السّلام في ذلك بجده الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سار على هديه فقد كان-فيما يقول المؤرخون-يخالط الفقراء و يجالسهم،و يفيض عليهم ببره و إحسانه،حتى لا يتبيغ بالفقير فقره،و لا يبطر الغني ثراؤه.

3-و جرت مشادة بين الحسين و أخيه محمد بن الحنفية،فانصرف محمد إلى داره و كتب إليه رسالة جاء فيها«أما بعد:فإن لك شرفا لا أبلغه،و فضلا لا أدركه، أبونا علي لا أفضلك فيه و لا تفضلني،و أمي امرأة من بني حنيفة،و أمك فاطمة بنت رسول الله صلّى اللّه عليه و اله و لو كان ملء الأرض مثل أمي ما و فين بأمك،فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك و نعليك و سر إلي،و ترضيني،و إياك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي

ص: 164

أنت أولى به مني..».

و لما قرأ الحسين رسالة أخيه سارع إليه و ترضّاه و كان ذلك من معالي أخلاقه و سمو ذاته (1).1.

ص: 165


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:89/1.

الرأفة و العطف عند الإمام الحسين عليه السلام

و من صفات أبي الأحرار أنه كان شديد الرأفة بالناس يمد يده لكل ذي حاجة، و يسعف كل ذي لهفة،و يجير كل من استجار به،و قد فزع مروان إليه و إلى أخيه و هو من ألد أعدائهم،بعد فشل واقعة الجمل،و طلب منهما أن يشفعا له عند أبيهما، فخفّا إليه و كلّماه في شأنه و قالا له:

«يبايعك يا أمير المؤمنين».

فقال عليه السّلام:«أو لم يبايعني قبل قتل عثمان لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية،لو بايعني بيده لغدر بسبابته،أما أن له إمرة كلعقة الكلب أنفه،و هو أبو الأكبش الأربعة، و ستلقى الأمة من ولده يوما أحمر».

و ما زالا يلطفان به حتى عفا عنه،إلا أن هذا الوغد قد تنكر لهذا المعروف و قابل السبطين بكل ما يملك من وسائل الشر و المكروه،فهو الذي منع جنازة الإمام الحسن أن تدفن بجوار جده،و هو الذي أشار على الوليد بقتل الإمام الحسين إن امتنع من البيعة ليزيد،كما أظهر السرور و الفرح بمقتل الإمام عليه السّلام و حسب مروان أنه من تلك الشجرة التي لم تثمر إلا الخبيث الدنس و ما يضر الناس.

و من ألوان تلك الصور الخالدة لعطف الإمام و رأفته بالناس أنه لما استقبله الحر بجيشه البالغ ألف فارس،و كان قد أرسل لمناجزته و قتاله فرآه الإمام و قد أشرف على الهلاك من شدة العطش فلم تدعه أريحيته و لا سمو ذاته أن لا يقوم بإنقاذهم، فأمر عليه السّلام غلمانه و أهل بيته أن يسقوا القوم عن آخرهم،و يسقوا خيولهم فسقوهم عن آخرهم،و كان فيهم علي بن الطعان المحاربي الذي اشتد به العطش فلم يدر

ص: 166

كيف يشرب فقام عليه السّلام بنفسه فسقاه،و كانت هذه البادرة من أروع ما سجّل في قاموس الإنسانية من الشرف و النبل (1).1.

ص: 167


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:90/1.

ص: 168

الفهرس

شمائل الإمام الحسين عليه السّلام مقدمة 3

عملنا في الموسوعة 4

اسم الحسين و نسبه و كنيته 5

معنى الإسم الشريف 5

غرس الرّسالة 6

الأم:6

الأب:7

الوليد الأول 7

رؤيا أم الفضل 8

ولادة الإمام الحسين عليه السلام و مدة خلافته 9

و جوم النبي و بكاؤه 18

مراسيم ولادته 19

أولا:20

الأذان و الإقامة 20

ثانيا:20

التسمية 20

أقوال شاذة:21

ص: 169

ثالثا:22

العقيقة 22

رابعا:22

حلق الرأس 22

خامسا:23

الختان 23

تعويذ النبي للحسنين 23

ملامح الحسين عليه السلام 24

هيبة الحسين 25

ألقاب الحسين 27

كنيته 27

نقش خاتمه 28

استعماله الطيب 28

دار سكناه 28

ثلاثة مراحل من حياة الحسين عليه السلام 29

مرحلة الطفولة عند الحسين عليه السلام 30

بين الحسين و النبي عليهما السلام 31

مرحلة شباب الحسين عليه السلام 33

مرحلة الشهادة 34

المكونات التربوية للإمام الحسين عليه السلام 36

الوراثة 36

الأسرة 38

التربية النبوية 40

ص: 170

رعاية النبي الأعظم للحسين 40

في أن الحسين ابن النبي 41

قصة و عبرة 43

شعر في المناسبة 44

تربية الإمام علي للحسين عليهما السلام 46

تربية فاطمة الزهراء للحسين 49

البيئة 50

معرفة الإمام الحسين و ذريته 52

وجوب معرفة حقيقة آل محمد 55

ضرورة معرفة أهل البيت عليهم السّلام 57

آثار معرفة أهل البيت عليهم السلام 1-عدم الظلم للنفس:59

2-المرور على الصراط:60

3-أصبح من أهل البيت:60

4-كان معهم في السنام الاعلى:61

أثر معرفة أهل البيت عند الموت 62

تهوين سكرات الموت:62

آثار عدم معرفة أهل البيت 63

5-الشقاء:63

6-زلّة قدمه عن الصراط:63

7-عدم معرفة اللّه تعالى:64

8-مات ميتة جاهلية:65

ص: 171

نور الحسين بن علي عليهما السلام 67

تمهيد:69

آيات عالم الأنوار 69

روايات عالم الأنوار 74

كيفية خلق نور الحسين و آله 83

نور الحسين عليه السلام يتألق 85

أولاد الحسين عليه السلام 90

شمائل و صفات الإمام الحسين عليه السلام 92

شجاعة الحسين عليه السلام 92

علم الحسين عليه السلام 99

المعارف في شخصيّة الحسين عليه السلام 99

الحسين عليه السلام و علم الغيب 103

قدرة الحسين عليه السلام 107

حكمة الإمام الحسين عليه السلام 109

عبادة الحسين عليه السلام 116

أ-خوفه من الله:118

ب-كثرة صلاته و صومه:119

ج-حجه:119

د-صدقاته:120

أدعية الإمام الحسين 1-دعاؤه من وقاية الأعداء:122

2-دعاؤه للاستسقاء:123

ص: 172

3-دعاؤه يوم عرفة:123

دعاء الإمام الحسين عليه السلام المستجاب 134

إستجابة دعاء الحسين على ابن جويرية 136

إستجابة دعاء الحسين على ابن أبي جويرية المزني 137

إستجابة دعاء الحسين على تميم بن حصين 137

إستجابة دعاء الحسين على محمد بن الأشعث 138

إستجابة دعاء الحسين عليه السّلام على رجل من بني أبان 139

إستجابة دعاء الحسين عليه السّلام على ابن جوزة 140

إستجابة دعاء الحسين عليه السّلام على عبد اللّه بن الحصين 141

إستجابة دعائه عليه السّلام على رجل 141

إستجابة دعائه عليه السّلام على عمر بن سعد 143

استجابة دعاء الحسين في فك ذراع عن ذراع 144

عجز الحسين عليه السلام عن شكر اللّه 145

أخلاق الحسين عليه السلام 147

قوة الإرادة عند الحسين عليه السلام 153

الإباء عن الضيم عند الإمام الحسين عليه السلام 154

الصراحة عند الإمام الحسين عليه السلام 158

الصلابة في الحق عند الإمام الحسين عليه السلام 160

الصبر عند الإمام الحسين عليه السلام 161

الحلم عند الإمام الحسين عليه السلام 163

التواضع عند الإمام الحسين عليه السلام 164

الرأفة و العطف عند الإمام الحسين عليه السلام 166

ص: 173

المجلد 2

اشارة

الصحیح من سیرة الإمام الحسین بن علي علیه السلام

نویسنده: سید هاشم بحرانی - علامه سید مرتضی عسکری و سید محمد باقر شریف قرشی

ناشر: مؤسسة التاريخ العربي

مکان نشر: لبنان - بيروت

سال نشر: 2009م , 1430ق

چاپ:1

موضوع:اسلام، تاریخ

زبان:عربی

تعداد جلد:20

کد کنگره: /ع5ص3 41/4 BP

ص: 1

اشارة

ص: 2

الجزء الثانى

ابعاد شخصية الإمام الحسين عليه السلام

أهم أبعاد شخصية الإمام الحسين عليه السلام

شخصية الحسين مدخرة من قبل اللّه

قال السيد مرتضى العسكري:قيّض اللّه الإمام الحسين عليه السّلام لكسر قدسية مقام الخلافة في نفوس المسلمين بعد أن أعد له الأجواء النفسية في المجتمع الاسلامي بما أنزل في حقه ضمن ما أنزل في حق أهل البيت عامة بقرآنه الكريم،و في ما بلّغ المسلمين على لسان رسوله في أهل البيت عامة و في الإمام الحسين خاصة:فإنه لما أنزل اللّه سبحانه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى.

فسّر رسوله(القربى)بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين (1).

و لما أراد اللّه سبحانه أن ينزل آية التطهير،و رأى رسول اللّه أن الرحمة هابطة، دعا عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و ضمّهم إلى نفسه تحت الكساء،فأنزل اللّه تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:اللهم إن هؤلاء هم أهل بيتي،و بقي طول حياته بعد ذلك يقف على باب دارهم يوميا خمس مرات أوقات الصلاة اليومية و يقول:السلام عليكم يا أهل البيت إنما يريد اللّه ليذهب (2).و لما نزلت الآية الكريمة: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما

ص: 3


1- بتفسير الآية من تفسير الطبري و الزمخشري و السيوطي،و مستدرك الصحيحين 172/3، و ذخائر العقبى للطبري ص 138،و أسد الغابة 367/5،و حلية الأولياء 201/3،و مجمع الزوائد 103/7 و 146/9.
2- مضت مصادر الخبر في ص 18-23 من القسم الأول من هذا الكتاب.

جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (1) و لمّا أراد أن يباهل نصارى نجران دعا رسول اللّه عليا و فاطمة و الحسن و الحسين (2).

و في رواية و قد احتضن الحسين و أخذ بيد الحسن و فاطمة تمشى خلفه و علي يمشي خلفها،و قال لهم النبي:إذا دعوت فأمنوا،فلما رآهم أسقف نجران،قال:يا معشر النصارى!إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله،فلا تبتهلوا فتهلكوا،فصالحهم على دفع الجزية (3).

هذا بعض ما تلته أبناء الأمة في قرآنها و سمعته في تفسيره عن رسول اللّه له و شاهدته يفسّرها بعمله.

و أيضا سمعت رسول اللّه يقول:من صلى صلاة لم يصل فيها علي و لا على أهل بيتي لم تقبل منه (4).

و لما سألوه كيف يصلون عليه قال:قولوا:اللهم صل على محمد و على آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد،اللهم بارك على محمد و آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد (5).ند

ص: 4


1- آل عمران:61.
2- صحيح مسلم باب فضائل علي من كتاب فضائل الصحابة،و سنن الترمذي،و مستدرك الصحيحين 150/3،و مسند أحمد 185/1،و سنن البيهقي 63/7،و تفسير الآية بتفسير الطبري و السيوطي،و الواحدي في أسباب النزول ص 74 و 75.
3- تفسير الآية بتفسير الكشاف للزمخشري،و التفسير الكبير للفخر الرازي،و نور الابصار للشبلنجي ص 100.
4- سنن البيهقي 379/2،و سنن الدارقطني ص 136.
5- صحيح البخاري كتاب الدعوات في باب الصلاة على النبي و في كتاب التفسير في باب تفسير قوله تعالى: "إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ" ،و صحيح مسلم في كتاب الصلاة باب الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد التشهد،و مسند أحمد 47/2،و 353/5و الأدب المفرد للبخاري ص 93، و سنن النسائي و ابن ماجة و الترمذي و البيهقي 147/2 و 279،و الدارقطني ص 135،و مسند الشافعي ص 23،و مستدرك الصحيحين 269/1،و تفسير آية "إِنَّ اللّهَ وَ مَلائِكَتَهُ" من تفسير الطبري.

و سمعته يقول لعلي و فاطمة و الحسن و الحسين:أنا حرب لمن حاربتم و سلم لمن سالمتم.

و في رواية:أنا حرب لمن حاربكم و سلم لمن سالمكم (1).

و أخذ بيد حسن و حسين،فقال:من أحبني و أحب هذين و أباهما و أمهما كان معي في درجتي يوم القيامة (2).

و يقول:الحسن و الحسين ريحانتاي من الدنيا (3).

و يقول:ألا أخبركم بخير الناس جدا و جدة ألا أخبركم بخير الناس عما و عمة ألا أخبركم بخير الناس خالا و خالة؟ألا أخبركم بخير الناس أبا و أما:الحسن و الحسين (4).

و يقول صلّى اللّه عليه و آله:هذان ابناي و ابنا ابنتي،اللهم إني أحبهما فأحبهما و أحب منة.

ص: 5


1- سنن الترمذي كتاب المناقب و ابن ماجة المقدمة،و مستدرك الصحيحين 149/3،و مسند أحمد 442/2،و أسد الغابة 11/3 و 523/5،و مجمع الزوائد 169/9،و تاريخ بغداد 136/8، و الرياض النضرة 199/2،و ذخائر العقبى ص 23.
2- مسند أحمد 77/1،و سنن الترمذي كتاب المناقب و تاريخ بغداد 287/3،و تهذيب التهذيب 430/10،و كنز العمال.
3- في باب مناقب الحسن و الحسين من كتاب بدء الخلق من صحيح البخاري أن رجلا سأل ابن عمر عن دم البعوض فقال:ممن أنت؟قال:من أهل العراق،قال:أنظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض و قد قتلوا ابن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:هما ريحانتاي من الدنيا. و باب رحمة الولد و تقبيله و الأدب المفرد له ص 14 و سنن الترمذي و مسند أحمد 85/2 و 93 و 114 و 153،و مسند الطيالسي 160/8،و خصائص النسائي ص 37،و مستدرك الحاكم 165/3، و الرياض النضرة 232/2،و حلية أبي نعيم 201/3 و 70/5،و فتح الباري 100/8،و مجمع الزوائد 181/9.
4- مجمع الزوائد للهيثمي 184/9،و ذخائر العقبى ص 130،و كنز العمال؟103/13-14، ط.الثانية.

يحبهما (1).

و يقول صلّى اللّه عليه و آله:من أحب الحسن و الحسين فقد أحبني و من أبغضهما فقد أبغضني (2).

و يقول صلّى اللّه عليه و آله:كل بني آدم ينتمون إلى عصبتهم إلاّ ولد فاطمة فإني أنا أبوهم و أنا عصبتهم (3).

و كان يصلي صلّى اللّه عليه و آله في مسجده فإذا سجد وثب الحسن و الحسين عليه السّلام على ظهره،و إذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رفيقا فإذا عاد عادا (4).

و كان صلّى اللّه عليه و آله يخطب في مسجده إذ جاء الحسن و الحسين يمشيان و يعثران فنزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من المنبر فحملهما و وضعهما بين يديه (5).

أعدّ اللّه و رسوله الأمة في الآيات و الأحاديث الآنفة لتنظر إلى أهل البيت عامة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نظرة إجلال و إكبار و حب و ولاء،و كذلك في آيات أخرى مثل:آيةب.

ص: 6


1- الترمذي كتاب المناقب،و خصائص النسائي ص 220،و كنز العمال. 99/13،ط.الثانية.
2- سنن ابن ماجة،في فضائل الحسن و الحسين،و مسند أحمد 288/2 و 440 و 531،و /5 369،و تاريخ بغداد 141/1،و كنوز الحقائق،ط.اسلامبول ص 134،و مسند الطيالسي /10 327 و 332،و مجمع الزوائد 180/9 و 181 و 185،و سنن البيهقي 263/2،و 28/4،و حلية الأولياء 305/8،و مستدرك الصحيحين 166/3 و 171.
3- مستدرك الصحيحين 164/3،و تاريخ بغداد 285/11،و مجمع الزوائد 172/9،و ذخائر العقبى ص 121،و كنز؟العمال 266/6 و 220.
4- مستدرك الصحيحين 163/3 و 165 و 626،و مسند أحمد 513/2،و 493/3،و 51/5 ،و سنن البيهقي 263/2،و مجمع الزوائد للهيثمي 275/9 و 181 و 182،و ذخائر العقبى ص 132،و أسد الغابة 389/2،و الرياض النضرة ص 132.
5- مسند أحمد 389/4،و 354/5،و مستدرك الحاكم 287/1،و 189/4،و سنن البيهقي 3 218/،و 165/6،و سنن ابن ماجة باب لبس الأحمر للرجال من كتاب اللباس،و سنن النسائي باب صلاة الجمعة و العيدين،و سنن الترمذي كتاب المناقب.

الخمس و سورة هل أتى،و آية و آت ذا القربى حقه و في أحاديث عن النبي في تفسير تلك الآيات و غيرها (1).

و خص بالذكر من بينهم الإمام الحسين عليه السّلام في مثل اخبار اللّه نبيه باستشهاد الإمام الحسين في يوم مولده و بعده و اخبار رسوله أمته بذلك مرة بعد أخرى (2).

و كذلك في ما فعل الإمام علي بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مثل روايته عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في طريقه إلى صفين و غيره باستشهاد الإمام الحسين.

و قوله عليه السّلام في بعض أيام صفين:إنني أنفس بهذين-يعني الحسن و الحسين عليه السّلام-على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله (3).

هكذا وجّهت الأمة إلى حب الإمام الحسين و إجلال مقامه،أضف إلى ذلك ما كان عند بعض أبناء الأمة من نصوص عن الرسول في إمامة الأئمة الإثني عشر و أنهم حملة الإسلام و حفظته و أن الإمام الحسين ثالثهم.

و مهما يكن من أمر فإن الإمام الحسين كان الرجل الوحيد الذي ورث حب المسلمين لجده الرسول صلّى اللّه عليه و آله في عصره.

و لهذا رغب المسلمون يومذاك أن يبايعوه بالخلافة ليصبح بتلك البيعة الخليفة الشرعي بعد معاوية،يتبوأ عرش الخلافة بحقوقها،و لو أتيح له ذلك و أصبح خليفة المسلمين ببيعتهم إياه لما استطاع أن يعيد إلى المجتمع الأحكام الإسلامية التي بدّلها الخلفاء و غيّروها باجتهاداتهم كما لم يستطع الإمام علي أن يفعل ذلك بالنسبة إلى اجتهادات الخلفاء الثلاثة من قبله (4)،و كان على الإمام الحسين لو بويع أن يقرفي

ص: 7


1- أسباب النزول للواحدي ص 331،و أسد الغابة 530/5،و الرياض النضرة 227/2،و نور الابصار للشبلنجي،و تفسير الآية بتفسير السيوطي.
2- راجع قبله فصل"أنباء باستشهاد الحسين".
3- نهج البلاغة،العدد 205 من خطبه.
4- راجع قبله،شكوى الإمام علي من تغيير الولاة قبله أحكام الإسلام بباب مصدر الاحكام في مدرسة أهل البيت.

أحداث معاوية-اجتهاداته-على حالها بما فيها لعن أبيه الإمام علي عليه السّلام على جميع منابر المسلمين بالإضافة إلى اجتهادات الخلفاء السابقين،و لما لم يقدّر للمسلمين أن يبايعوه بالخلافة أصبحت حاله لدى المسلمين حال الحرمين الشريفين،له الحرمة في نفوسهم و لكنهم انتهكوها في سبيل طاعة الخليفة و صح ما قال له الفرزدق في هذا الصدد(قلوب الناس معك و سيوفهم مع بني أمية) (1).

و روى الشيخ الطوسي في كتاب مصابيح الأنوار بإسناده عن رجاله مرفوعا إلى المفضل بن عمر قال دخلت على الصادق عليه السّلام ذات يوم فقال لي:«يا مفضل عرفت محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين:كنه معرفتهم».

قلت:يا سيدي و ما كنه معرفتهم؟

قال:«يا مفضل تعلم أنهم في طير عن الخلايق بجنب الروضة الخضرا فمن عرفهم كنه معرفتهم كان معنا في السنام الاعلى».

قال:قلت:عرّفني ذلك يا سيدي،قال:«يا مفضل تعلم أنهم علموا ما خلق اللّه عزّ و جلّ و ذرأه و برأه و أنهم كلمة التقوى و خزناء السماوات و الأرضين و الجبال و الرمال و البحار،و عرفوا كم في السماء نجم و ملك،و وزن الجبال وكيل ماء البحار و أنهارها و عيونها و ما تسقط من ورقة إلاّ علموها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (2)و هو في علمهم و قد علموا ذلك».

فقلت:يا سيدي قد علمت ذلك و أقررت به و آمنت.

قال:«نعم يا مفضل يا مكرم نعم يا طيّب نعم يا محبور،طبت و طابت لك الجنّة9.

ص: 8


1- معالم المدرستين للعسكري:299/3.
2- -الأنعام:59.

و لكل مؤمن بها» (1).

و روي عن عبد اللّه بن أبي وقاص قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«لما خلق اللّه إبراهيم الخليل كشف اللّه عن بصره فنظر إلى جانب العرش فرأي نورا.

فقال:إلهي و سيدي ما هذا النور؟

قال عزت الآؤه:يا إبراهيم هذا محمد صفيي.

فقال:إلهي و سيدي أرى إلى جانبه نورا آخر؟

فقال تعالى:يا إبراهيم هذا علي ناصر ديني.

فقال:إلهي و سيدي أرى إلى جانبهما نورا ثالثا.

قال سبحانه:يا إبراهيم هذه فاطمة تلي أباها و بعلها فطمت محبيها من النار.

قال:إلهي و سيدي أرى نورين يليان الثلاثة الأنوار.

قال تعالى:يا إبراهيم هذان الحسن و الحسين يليان أباهما و جدهما و امهما.

فقال:إلهي و سيدي أرى تسعة أنوار أحدقوا بالخمسة الأنوار.

قال عزت الآؤه:يا إبراهيم هؤلاء الأئمة من ولدهم.

فقال:إلهي و سيدي فبمن يعرفون؟

قال تعالى:يا إبراهيم أولهم علي بن الحسين و محمد ولد علي و جعفر ولد محمد و موسى ولد جعفر و علي ولد موسى و محمد ولد علي و علي ولد محمد و الحسن ولد علي و محمد ولد الحسن القائم المهدي» (2).

و عن محمد بن سنان عن المفضل عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام.

قال:«إن اللّه تبارك و تعالى خلق الأرواح قبل الاجساد بألفي عام،فجعل أعلاها5.

ص: 9


1- -مدينة المعاجز:129/2،و مشارق أنوار اليقين:55.
2- -الفضائل لابن شاذان:158،و بحار الأنوار:213/36 و المتن من بحار الأنوار لأصحيته،و إلزام الناصب:86/1،و عوالم العلوم:75/15.

و أشرفها أرواح محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة بعدهم صلوات اللّه عليهم.

و ساق الحديث إلى أن قال عليه السّلام:قال جبرائيل لادم و حواء:فسلا ربكما بحق الأسماء التي رأيتموها على ساق العرش حتى يتوب عليكما.

فقالا:«اللهم إنا نسألك بحق الأكرمين عليك:محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة إلاّ تبت علينا و رحمتنا».

فتاب اللّه عليهما إنه هو التواب الرحيم (1).

و عن أبي سلمى قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:«...يا محمد خلقتك و خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ولد الحسين من نوري» (2).

و عن محمد بن ثابت قال:قال رسول اللّه لعلي عليهما السّلام:«يا علي ان اللّه تبارك و تعالى خلقني و إياك من نوره الأعظم» (3).

و في رواية أنهم جميعا من نور اللّه الأعظم (4).

و عن الإمام الصادق عليه السّلام:«إن اللّه تبارك و تعالى خلقنا من نور عظمته» (5).

و عن أبي سلمى قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:«...يا محمد إني خلقتك و خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين من شبح نور من نوري» (6).

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام:في حديث جاء فيه:«لأنا كلنا واحد أولنا محمد،م.

ص: 10


1- -معاني الأخبار:110 باب معنى الامانة،و بحار الأنوار:172/11-174 و 322/26.
2- -ينابيع المودة:584/2 باب 93 الذيل،و مقتل الخوارزمي:96/1.
3- -ارشاد القلوب:404/2 باب قضايا علي في الحد.
4- -ارشاد القلوب:404/2.
5- -الاختصاص:216/12 حديث المفضل،و الأنوار النعمانية:290/1.
6- -بحار الأنوار:262/36 ح 82 النصوص عليهم.

و آخرنا محمد،و أوسطنا محمد و كلنا محمد،فلا تفرقوا بيننا» (1).

و عن أنس بن مالك قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«خلقني اللّه تبارك و تعالى و أهل بيتي من نور واحد قبل أن يخلق آدم بسبعة آلاف عام» (2).

و عن الإمام علي قال:سمعت رسول اللّه يقول:«إن اللّه تبارك و تعالى خلقني و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين من نور واحد» (3).

و عن عمر بن الخطاب قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:...«يا محمد إني خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من نور واحد» (4)

و رواه في بحار الأنوار عن عبد اللّه بن عمر (5).

و في حديث آخر طويل جاء فيه:«الحسين مع أبيه و أمه و أخيه الحسن في منزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يحيون كما يحيى و يرزقون كما يرزق،فلو نبش في أيامه لوجد فأما اليوم فهو حي عند ربه ينظر الى معسكره و ينظر الى العرش حتى يؤمر ان يحمله،و إنه لعلى يمين العرش متعلق يقول:يا رب أنجز لي ما وعدتني» (6).

و عنه صلّى اللّه عليه و آله:«إن اللّه خلقني و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل أن يخلق آدم عليه السّلام حين لا سماء مبنية،و لا أرض مدحية،و لا ظلمة و لا نور،و لا شمس و لا قمر و لا جنة و لا نار».

فقال العباس:كيف كان بدء خلقكم يا رسول اللّه؟4.

ص: 11


1- -بحار الأنوار:6/26-7 ح 1 باب نادر في معرفتهم.
2- -كفاية الأثر:7،و الفردوس بمأثور الخطاب:191/2 ح 2952،و مناقب آل أبي طالب:/1 27.
3- -كشف الغمة:84/2-85.
4- -غيبة النعماني:59 الباب الرابع.
5- -بحار الأنوار:281/36 ح 100 باب النصوص عليهم.
6- -بحار الأنوار:376/25 كتاب الإمامة-باب غرائب افعالهم ح 24.

فقال:«يا عم لما أراد اللّه أن يخلقنا تكلم بكلمة خلق منها نورا،ثم تكلم بكلمة أخرى فخلق منها روحا،ثم مزج النور بالروح،فخلقني و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين،فكنا نسبحه حين لا تسبيح،و نقدسه حين لا تقديس،فلما أراد اللّه تعالى أن ينشىء خلقه فتق نوري فخلق منه العرش،فالعرش من نوري، و نوري من نور اللّه،و نوري أفضل من العرش.

ثم فتق نور أخي علي فخلق منه الملائكة،فالملائكة من نور علي و نور علي من نور اللّه و علي أفضل من الملائكة.ثم فتق نور ابنتي فخلق منه السموات و الأرض، فالسموات و الأرض من نور ابنتي فاطمة،و نور ابنتي فاطمة من نور اللّه،و ابنتي فاطمة أفضل من السموات و الأرض.

ثم فتق نور ولدي الحسن فخلق منه الشمس و القمر فالشمس و القمر من نور ولدي الحسن و نور الحسن من نور اللّه،و الحسن أفضل من الشمس و القمر.

ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة و الحور العين،فالجنة و الحور العين من نور ولدي الحسين،و نور ولدي الحسين من نور اللّه،و ولدي الحسين أفضل من الجنة و الحور العين (1).

الى أن قال:«فتكلم اللّه بكلمة فخلق منها روحا...ثم نورا فأزهرت المشارق و المغارب فهي فاطمة» (2).

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث طويل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جاء فيه:«و تمام اسمي و اسم أخي علي و ابنتي فاطمة و ابنيّ الحسن و الحسين مكتوبة على سرادق العرش بالنور» (3).ي.

ص: 12


1- -بحار الأنوار:10/15-11 باب بدء خلق النبي ح 11.
2- -الأنوار النعمانية:17/1-18 مع تفاوت عما في بحار الأنوار ليس بيسير رواه عن ابن مسعود.
3- -الهداية الكبرى:101 الباب الثاني.

و عن الأصبغ بن نباتة قال:خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ذات يوم و يده في يد إبنه الحسن عليه السّلام و هو يقول:«خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم و يدي في يده هكذا و هو يقول:خير الخلق بعدي (1)و سيدهم بعد الحسن إبني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه المقتول في أرض كربلاء،أما إنه و أصحابه من سادات الشهداء يوم القيامة،و من بعد الحسين تسعة من صلبه خلفاء اللّه في أرضه و حججه على عباده،و امناؤه على وحيه،و أئمة المسلمين،و قادة المؤمنين،و سادة المتقين، تاسعهم القائم الذي يملأ اللّه عز و جل به الأرض نورا بعد ظلمتها،و عدلا بعد جورها، و علما بعد جهلها،و الذي بعث أخي محمدا بالنبوة و اختصني بالإمامة لقد نزل بذلك الوحي من السماء على لسان الروح الأمين جبرائيل،و لقد سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله-و أنا عنده-عن الأئمة بعده فقال للسائل: وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (2)عددهم بعدد البروج، و رب الليالي و الأيام و الشهور إن عدتهم كعدة الشهور (3)فقال السائل:فمنهم يا رسول اللّه؟فوضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يده على رأسي فقال:أولهم هذا و آخرهم المهدي،من والاهم فقد والاني،و من عاداهم فقد عاداني،و من أحبهم فقد أحبني و من أبغضهم فقد أبغضني،و من أنكرهم فقد أنكرني،و من عرفهم فقد عرفني،بهم يحفظ اللّه عز و جل دينه،و بهم يعمر بلاده،و بهم يرزق عباده،و بهم ينزل القطر من السماء،و بهم يخرج بركات الأرض،هؤلاء أصفيائي و خلفائي و أئمة المسلمين و موالي المؤمنين» (4).ن.

ص: 13


1- -في بعض المصادر:خير الخلق بعدي و سيدهم أخي هذا،و هو إمام كل مسلم،و مولى كل مؤمن بعد وفاتي.ألا و إني أقول:خير الخلق بعدي و سيدهم ابني هذا،و هو إمام كل مؤمن،و مولى كل مؤمن بعد وفاتي،ألا و إنه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خير الخلق و سيدهم بعد الحسن. الحديث.
2- -البروج:1.
3- -في بعض المصادر:ان عددهم كعدد الشهور.
4- -كمال الدين:259/1-260 ط 1390 هج-طهران.

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام:«الأئمة من ولدك تسقى بهم أمتي الغيث و بهم يستجاب دعاءهم،و بهم يصرف اللّه عنهم البلاء،و بهم تنزل الرحمة من السماء».

و أومأ الى الحسن فقال:هذا أولهم،و أومأ الى الحسين و قال:الأئمة من ولده» (1).

و عنه صلّى اللّه عليه و آله في ذكر الأئمة عليهم السّلام:«...بهم يحبس اللّه العذاب عن أهل الأرض،و بهم يمسك السماء ان تقع على الأرض إلاّ بإذنه،و بهم يمسك الجبال أن تميد بهم» (2).

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:«بهم يدفع الضيم،و بهم ينزل الرحمة و بهم يحيي ميتا و بهم يميت حيا» (3).

و في زيارات أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام التي رواها ابن قولويه بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السّلام جاء فيها:«بكم يباعد اللّه الزمان الكلب،و بكم يمحو اللّه ما يشاء و بكم يثبت،و بكم تنبت الأرض أشجارها و بكم تخرج الأرض أثمارها و بكم تنزل السماء قطرها و رزقها،و بكم ينزل اللّه الغيث،إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم و تصدر من بيوتكم» (4).9.

ص: 14


1- -دلائل الإمامة:80 ذكر علي و مناقبه.
2- -الاختصاص:224 حديث في الأئمة.
3- -التوحيد:167 باب 24 ح 1.
4- -كامل الزيارات:200 الباب 79.

عظمة الحسين عليه السلام على اللّه

في الأخبار أنّ أعرابيّا أتى رسول اللّه فقال:يا رسول اللّه لقد صدت خشفة

غزالة و أتيت بها إليك هدية لولديك الحسن و الحسين،فقبلها و دعى له بالخير فإذا الحسن واقف عنده فرغب إليها فأعطاه إيّاها فما مضى ساعة إلاّ و الحسين عليه السّلام قد أقبل فرأى الخشفة عند أخيه يلعب بها فأتى إلى جدّه فقال:أعطيت أخي خشفة يلعب بها و لم تعطني فجعل يكرّر القول و جدّه ساكت،فهمّ الحسين عليه السّلام أن يبكي فبينما هو كذلك إذا بصياح ارتفع عند باب المسجد فنظرنا فإذا ظبية و معها خشفها و من خلفها ذئبة تسوقها إلى رسول اللّه فنطقت الغزالة و قالت:يا رسول اللّه كانت لي خشفتان إحداهما صادها الصيّاد و أتى بها إليك و بقيت لي هذه الاخرى و أنا بها مسرورة و كنت الآن أرضعها فسمعت قائلا يقول:أسرعي أسرعي يا غزالة بخشفك إلى النبيّ محمّد لأنّ الحسين واقف بين يديه و قد همّ أن يبكي و الملائكة بأجمعهم رفعوا رؤوسهم من صوامع العبادة،و لو بكى الحسين عليه السّلام لبكت الملائكة المقرّبون لبكائه و سمعت أيضا قائلا يقول:اسرعي يا غزالة قبل جريان الدموع إلى خدّ الحسين فإن لم تفعلي سلّطت عليك هذه الذئبة تأكلك مع خشفتك فأتيت بخشفي إليك و قطعت مسافة بعيدة،لكن طويت لي الأرض حتّى أتيتك سريعة و أنا أحمد اللّه ربّي على أن جئتك قبل جريان دموع الحسين على خدّه، فارتفع التكبير و التهليل من الأصحاب و دعى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله للغزالة و أخذ الحسين

ص: 15

الخشفة و أتى بها إلى الزهراء فسرّت بذلك سرورا عظيما (1).

و عن عروة البرقي[كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقبل]الحسن و الحسين[و يقول:يا أصحابي إني أود أن أقاسمهما]حياتي لحبّي لهما،فهما ريحانتاي من الدّنيا (2).

و عن محمّد بن يزيد:حمل النبيّ الحسن و حمل جبرائيل الحسين عليه السّلام

فكانا بعد ذلك يفتخران فيقول الحسن:حملني خير أهل الأرض و يقول الحسين حملني خير أهل السماء (3).

و في كتاب مناقب[آل أبي طالب]:أذنب رجل ذنبا في حياة رسول اللّه فتغيّب حتّى وجد الحسن و الحسين في طريق خال فاحتملهما على عاتقيه و أتى بهما النبيّ فقال:يا رسول اللّه إنّي مستجير باللّه و بهما فضحك رسول اللّه

حتّى ردّ يده إلى فمه ثمّ قال للرجل إذهب فأنت طليق،و قال لحسن و حسين:قد شفّعتكما فيه فأنزل اللّه تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً (4). (5).

و في حديث مدرك بن أبي زيد:قلت لابن عبّاس-و قد أمسك للحسن ثمّ الحسين بالركاب و سوى عليهما-:أنت أسنّ منهما تمسك لهما بالركاب فقال:يالكع و ما تدري من هذان،هذان ابنا رسول اللّه أو ليس ممّا أنعم اللّه عليّ به أن أمسك لهما و أسوّي عليهما (6).

و في الأمالي عن الإمامين الباقر و الصادق عليه السّلام:إنّ اللّه تعالى عوّض الحسين عليه السّلام3.

ص: 16


1- العوالم:42 ح 3.
2- مدينة المعاجز:426/3 ح 4.
3- مدينة المعاجز:288/3 ح 57.
4- سورة النساء:64.
5- مناقب آل أبي طالب:168/3.
6- مناقب آل أبي طالب:168/3.

من قتله أن جعل الإمامة في ذرّيته و إجابة الدّعاء عند قبره و لا تعد أيّام زائريه جائيا و راجعا من عمره (1).

و في البحار من بعض كتب المناقب القديمة عن محمد بن أحمد بن علي بن شاذان بإسناده عن ابن عباس قال:

كنت جالسا بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم و بين يديه علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليه السّلام إذ هبط جبرائيل و معه تفاحة،فحيّا بها النبي و حيّا بها علي بن أبي طالب فتحيا بها عليّ و قبّلها و ردها إلى رسول الله،فتحيا بها رسول الله و حيّا بها الحسن و تحيّا بها الحسن و قبّلها و ردّها إلى رسول الله فتحيّا بها رسول الله و حيّا بها الحسين و تحيّا بها الحسين و قبّلها و ردّها إلى رسول الله فتحيّا بها و حيّا بها فاطمة فتحيّت بها و قبّلتها و ردّتها إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله،فتحيّا بها الرابعة و حيّا بها علي بن أبي طالب فلما همّ أن يردّها إلى رسول الله سقطت التفاحة من بين أنامله فانفلقت بنصفين فسطع منها نور حتى بلغ إلى السماء الدنيا فإذا عليها سطران مكتوبان:باسم الله الرحمن الرحيم تحية من الله إلى محمد المصطفى و علي المرتضى و فاطمة الزهراء و الحسن و الحسين عليهم السّلام سبطي رسول الله و أمان لمحبيهما يوم القيامة من النار (2).

و في(البحار)وجدت في بعض مؤلفات أصحابنا أنه روى مرسلا من جماعة من الصحابة قالوا:

دخل النبي صلّى اللّه عليه و آله دار فاطمة فقال:يا فاطمة إن أباك اليوم ضيفك،فقالت:يا أبت إن الحسن و الحسين عليهما السّلام يطالباني بشي من الزاد فلم أجد لهما شيئا يقتاتان به.

ثم أن النبي صلّى اللّه عليه و آله دخل و جلس مع علي و الحسن و الحسين و فاطمة متحيرة ما1.

ص: 17


1- الامالي:317 ح 91.
2- مدينة المعاجز:371/1.

تدري كيف تصنع،ثم إن النبي صلّى اللّه عليه و آله نظر إلى السماء ساعة و إذا بجبرائيل قد نزل و قال:يا محمد العليّ الأعلى يقرئك السلام و يخصك بالتحية و الإكرام و يقول لك:

قل لعليّ و فاطمة و الحسن و الحسين أي شي يشتهون من فواكه الجنة؟فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:يا علي و يا فاطمة و يا حسن و يا حسين إن رب العزّة علم أنكم جياع فأي شي تشتهون من فواكه الجنة؟فأمسكوا عن الكلام و لم يردوا جوابا حياء من النبي صلّى اللّه عليه و آله.

فقال الحسين عليه السّلام:عن إذنك يا أبتاه يا أمير المؤمنين عليه السّلام و عن إذنك يا أماه يا سيدة نساء العالمين و عن إذنك يا أخاه الحسن الزكي أختار لكم شيئا من فواكه الجنة.

فقالوا جميعا:قل يا حسين ما شئت فقد رضينا بما تختاره لنا.

فقال:يا رسول الله قل لجبرائيل:إنّا نشتهي رطبا جنيّا،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:قد علم الله ذلك.

ثم قال:يا فاطمة قومي و ادخلي البيت و احضري إلينا ما فيه،فدخلت فرأت فيه طبقا من البلور مغطى بمنديل من السندس الأخضر و فيه رطب جنيّ في غير أوانه، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:يا فاطمة أنى لك هذا؟

قالت:هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب كما قالت مريم بنت عمران.

فقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و تناوله و قدّمه بين أيديهم ثم قال:بسم الله الرحمن الرحيم،ثم أخذ رطبة واحدة فوضعها في فم الحسين عليه السّلام فقال:هنيئا مريئا لك يا حسين،ثم أخذ رطبة فوضعها في فم الحسن و قال:هنيئا مريئا لك يا حسن،ثم أخذ رطبة ثالثة فوضعها في فم فاطمة الزهراء و قال:هنيئا مريئا لك يا فاطمة الزهراء،ثم أخذ رطبة رابعة فوضعها في فم علي و قال:هنيئا مريئا لك يا علي،ثم ناول عليّا رطبة أخرى

ص: 18

ثم رطبة أخرى و النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول له:هنيئا مريئا لك،ثم وثب النبي صلّى اللّه عليه و آله قائما ثم جلس ثم أكلوا جميعا من ذلك الرّطب.

فلما اكتفوا و شبعوا ارتفعت المائدة إلى السماء بإذن الله تعالى.

فقالت فاطمة عليها السّلام:يا أبت لقد رأيت اليوم منك عجبا.

فقال:يا فاطمة أما الرّطبة الأولى التي وضعتها في فم الحسين عليه السّلام و قلت له:

هنيئا يا حسين فإني سمعت ميكائيل و إسرافيل يقولان هنيئا يا حسين فقلت أيضا موافقا لهما في القول،ثم أخذت الثانية فوضعتها في فم الحسن فسمعت جبرائيل و ميكائيل يقولان:هنيئا لك يا حسن فقلت أنا موافقا لهما في القول،ثم أخذت الثالثة فوضعتها في فمك يا فاطمة فسمعت الحور العين مسرورين مشرفين علينا من الجنان يقلن:هنيئا لك يا فاطمة،فقلت موافقا لهن بالقول،و لما أخذت الرابعة فوضعتها في فم علي سمعت النداء من قبل الحق يقول:هنيئا مريئا لك يا علي،فقلت موافقا لقول الله عزّ و جلّ،ثم ناولت عليا رطبة أخرى ثم أخرى و أنا أسمع صوت الحق سبحانه يقول:هنيئا مريئا لك يا علي،فقلت موافقا لقول الله،ثم قمت إجلالا لرب العزّة جلّ جلاله فسمعته يقول:يا محمد و عزّتي و جلالي لو ناولت عليا من هذه الساعة إلى يوم القيامة رطبة رطبة لقلت هنيئا مريئا بعد بلا انقطاع (1).

و روى عن سلمان الفارسي قال:أهدي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله قطف من العنب في غير أوانه فقال لي:يا سلمان ائتني بولديّ الحسن و الحسين ليأكلا معي من هذا العنب، قال سلمان الفارسي:فذهبت أطرق عليهما منزل أمهما فلم أرهما،فأتيت منزل أختهما أم كلثوم فلم أرهما.

فخبّرت النبي صلّى اللّه عليه و آله بذلك،فاضطرب و وثب قائما و هو يقول:و اولداه و اقرّة عيناه1.

ص: 19


1- مدينة المعاجز:346/1.

من يرشدني عليهما فله على الله الجنة،فنزل جبرائيل من السماء و قال:يا محمد على من هذا الإنزعاج؟فقال:على ولديّ الحسن و الحسين فإني خائف عليهما من كيد اليهود،فقال جبرائيل:يا محمد بل خف عليهما من كيد المنافقين،فإن كيدهم أشد من كيد اليهود،إعلم يا محمد أن ابنيك الحسن و الحسين نائمان في حديقة أبي الدحداح.

فسار النبي صلّى اللّه عليه و آله من وقته و ساعته إلى الحديقة و أنا معه حتى دخلنا الحديقة و إذا هما نائمان و قد اعتنق أحدهما الآخر و ثعبان في فيه طاقة ريحان يروّح بها وجهيهما.

فلما رأى الثعبان النبي صلّى اللّه عليه و آله ألقى ما كان في فيه فقال:السلام عليك يا رسول الله، لست أنا ثعبانا و لكني ملك من ملائكة الكرّوبيين غفلت عن ذكر ربي طرفة عين فغضب عليّ ربي و مسخني ثعبانا كما ترى و طردني من السماء إلى الأرض و لي منذ سنين كثيرة أقصد كريما إلى الله فأسأله أن يشفع لي عند ربي عسى أن يرحمني و يعيدني ملكا كما كنت أولا إنه على كل شي قدير.

قال:فجاء النبي صلّى اللّه عليه و آله يقبّلهما حتى استيقظا فجلسا على ركبتي النبي صلّى اللّه عليه و آله.

فقال لهما النبي صلّى اللّه عليه و آله:أنظرا يا ولديّ هذا ملك من ملائكة الله الكروبيين قد غفل عن ذكر ربه طرفة عين فجعله الله هكذا و أنا مستشفع بكما إلى الله فاشفعا له.

فوثب الحسن و الحسين عليهما السّلام فأسبغا الوضوء و صلّيا ركعتين و قالا:اللهم بحق جدّنا الجليل الحبيب محمد المصطفى،و بأبينا علي المرتضى،و بأمنا فاطمة الزهراء إلا ما رددته إلى حالته الأولى.

قال:فما استتمّ دعاؤهما فإذا بجبرائيل نزل من السماء في رهط من الملائكة و بشّر ذلك الملك برضى الله عنه و بردّه إلى سيرته الأولى ثم ارتفعوا إلى السماء و هم يسبّحون الله تعالى.

ص: 20

ثم رجع جبرائيل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو متبسم،و قال:يا رسول الله إن ذلك الملك يفتخر على ملائكة السبع السماوات و يقول لهم:من مثلي و أنا في شفاعة السيدين السبطين الحسن و الحسين عليهما السلام (1).9.

ص: 21


1- مدينة المعاجز:293/3 ح 899.

في أن الحسين وصي رسول اللّه عليهما السلام

ابن بابويه قال:حدّثنا جعفر بن محمد بن مسرور رحمه اللّه قال:حدّثنا الحسين بن محمد ابن عامر عن المعلى بن محمد البصري بن جعفر بن سليمان عن عبد اللّه بن الحكم عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«إن عليا وصيي و خليفتي و زوجته فاطمة سيدة نساء العالمين ابنتي و الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة ولداي،من والاهم فقد والاني و من عاداهم فقد عاداني و من ناوأهم فقد ناوأني و من جفاهم فقد جفاني و من برّبهم فقد برّبي،وصل اللّه من وصلهم و قطع من قطعهم و نصر من اعانهم و خذل من خذلهم،اللهم من كان له من أنبيائك و رسلك ثقل و أهل بيت فعلي و فاطمة و الحسن و الحسين أهل بيتي و ثقلي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا» (1).

الشيخ في أماليه عن أبي محمد الفحام قال:حدّثني عمي قال:حدّثني أبو العباس أحمد بن عبد اللّه بن علي الرأس قال:حدّثنا أبو عبد اللّه عبد الرّحمن بن عبد اللّه العمري قال:حدّثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة قال:حدّثني أخي محمد بن المغيرة عن محمد بن سنان عن سيدنا أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عليه السّلام قال:قال أبي لجابر بن عبد اللّه:«لي إليك حاجة أريد أخلو بك فيها»فلما خلا به في بعض الايام قال له:« أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة عليها السّلام،قال جابر:أشهد باللّه لقد دخلت على فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأهنيها بولدها الحسين فإذا بيدها لوح أخضر من

ص: 22


1- أمالي الشيخ الصدوق:/112المجلس /13ح 10.

زبرجدة خضراء فيه كتاب أنور من الشمس و أطيب من رائحة المسك الاذفر فقلت:ما هذا يا بنت رسول اللّه؟

فقالت:هذا لوح أهداه اللّه عز و جل إلى أبي فيه اسم أبي و اسم بعلي و اسم الأوصياء بعده من ولدي،فسألتها أن تدفعه إلي لأنسخه ففعلت،فقال له:فهل لك أن تعارضني بها؟

قال:نعم فمضى جابر إلى منزله و أتى بصحيفة من كاغذ فقال له:أنظر في صحيفتك حتى أقراها عليك فكان في صحيفته مكتوب:

بسم اللّه الرّحمن الرحيم،هذا كتاب من اللّه العزيز العليم أنزله الروح الامين على محمد خاتم النبيين،يا محمد عظّم اسمائي و اشكر نعمائي و لا تجحد آلائي و لا ترج سواي و لا تخش غيري،فإن من يرجو سواي و يخشى غيري أعذبه عذابا لا اعذبه أحدا من العالمين،يا محمد إني اصطفيتيك على الأنبياء،و فضلت وصيك على الأوصياء، و جعلت الحسن عيبة علمي من بعد انقضاء مدة أبيه،و الحسين خير أولاد الأولين و الآخرين فيه ثبتت الإمامة و منه يعقب علي زين العابدين،و محمد الباقر لعلمي و الداعي إلى سبيلي على منهاج الحق،و جعفر الصادق في القول و العمل ينشب بعده فتنة صماء،فالويل كل الويل للمكذب بعبدي و خيرتي من خلقي موسى،و علي الرضا يقتله عفريت كافر يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلق اللّه، و محمد الهادي إلى سبيلي الذاب عن حريمي و القيّم في رعيته،و حسن الأعز يخرج منه ذو الإسمين علي،و الحسن الخلف محمد يخرج في آخر الزمان على رأسه غمامة بيضاء تظله من الشمس،ينادي بلسان فصيح يسمعه الثقلين و الخافقين هو المهدي من آل محمد يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا». (1)

الشيخ الطوسي في الغيبة عن جماعة عن أبي عبد اللّه الحسين بن علي بن سفيان3.

ص: 23


1- أمالي الشيخ الطوسي:/292مجلس /11ح 13.

البزوفري عن علي بن سنان الموصلي العدل عن علي بن الحسين عن أحمد بن محمد[ابن] (1)الخليل عن جعفر بن محمد المصري عن عمه الحسن بن علي عن أبيه عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عن أبيه ذي الثفنات سيد العابدين عن أبيه الحسين الزكي الشهيد عن أبيه أمير المؤمنين قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي عليه السّلام:«يا أبا الحسن أحضر صحيفة و دواة فأملاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وصيته حتى انتهى إلى هذا الموضع فقال:يا علي إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماما و من بعدهم اثنا عشر مهديا،و أنت يا علي أول الاثني عشر الإمام،سماك[اللّه] (2)في سمائه المرتضى و أمير المؤمنين و الصديق الأكبر و الفاروق الاعظم و المأمون المهدي،فلا تصلح هذه الاسماء لأحد غيرك،يا علي أنت وصيي على أهل بيتي حيهم و ميتهم و على نسائي فمن ثبتّها لقيتني غدا و من طلّقتها فأنا منها بريء لم ترني و لم أرها في عرصة القيامة،فأنت خليفتي على أمتي من بعدي،فإذا حضرتك الوفاة فسلّمها إلى ابني الحسن البر الوصول،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابني الحسين الزكي الشهيد المقتول،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه سيد العابدين ذي الثفنات علي،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد باقر العلم،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه جعفر الصادق،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه موسى بن جعفر الكاظم،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الرضا،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه محمد التقي،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه علي الناصح،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل،فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى ابنه المستحفظ من آل محمد، فذلك اثنا عشر اماما،ثم يكون من بعده اثنا عشر مهديا فليسلّمها إلى ابنه أول المقربين له ثلاثة اساميّ اسم كاسمي و اسم كاسم أبي و هو عبد اللّه و أحمد و الاسم الثالثر.

ص: 24


1- زيادة من بعض المصادر.
2- زيادة من بعض المصادر.

المهدي،و هو أول المؤمنين» (1).

ابن بابويه في النصوص قال:حدّثنا القاضي أبو الفرج المعافي بن زكريا البغدادي قال:حدّثنا محمد بن همام بن سهيل الكاتب قال:حدّثني محمد بن معافي السلماسي عن محمد بن عامر قال:حدّثنا عبد اللّه بن زاهر عن عبد القدوس عن الأعمش عن حبش بن المعتمر قال:قال أبو ذر الغفاري رضى اللّه عنه دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في مرضه الذي توفي فيه فقال:يا أبا ذر«إيتني بابنتي فاطمة»

قال:فقمت دخلت عليها و قلت لها:يا سيدة النسوان أجيبي أباك فلبست نعليها و اتزرت و خرجت حتى دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فلما رأت رسول اللّه انكبت عليه و بكت و بكى رسول اللّه لبكائها و ضمّها إليه ثم قال:«يا فاطمة لا تبكي فداك أبوك فأنت أول من يلحقني مظلومة مغصوبة،و سوف تظهر بعدي حسكة النفاق و سيمل جلباب الدين،و أنت أول من يرد عليّ الحوض».

قالت:«يا أبت أين ألقاك؟».

قال:«تلقينني عند الحوض و أنا أسقي شيعتك و محبيك و أطرد أعداءك و مبغضيك، قالت:يا رسول اللّه فإن لم ألقك عند الحوض قال:تلقينني عند الميزان».

قالت:«يا أبت فإن لم ألقك عند الميزان».

قال:«تلقينني عند الصراط،و أنا أقول:سلم سلم شيعة علي».

قال أبو ذر:فسكن قلبها ثم التفت إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال:«يا أبا ذر إنها بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني،ألا إنها سيّدة نساء العالمين و بعلها سيد الوصيين و ابناها الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة،و انهما إمامان قاما أو قعدا و أبوهما خير منهما، و سوف يخرج من صلب الحسين تسعة من الأئمة أمناء معصومون قوامون بالقسط، و منا مهدي هذه الأمة».1.

ص: 25


1- غيبة الطوسي:/151ح 111.

قلت:يا رسول اللّه فكم الأئمة بعدك؟

قال صلّى اللّه عليه و آله:«عدد نقباء بني إسرائيل» (1).

ابن بابويه في النصوص قال:حدّثنا علي بن محمد بن مقول قال:حدّثنا أبو بكر محمد بن عمر القاضي الجعابي قال:حدّثني نصر بن عبد اللّه الوشا قال:حدّثني زيد ابن الحسن الانماطي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال:كنت عند النبي صلّى اللّه عليه و آله في بيت أم سلمة فأنزل اللّه هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2)فدعا النبي صلّى اللّه عليه و آله بالحسن و الحسين و فاطمة و أجلسهم و دعا عليا فأجلسه خلف ظهره و قال:«اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا».

قالت أم سلمة:فأنا معهم يا رسول اللّه؟

قال:«أنت على خير».

فقلت:يا رسول اللّه لقد أكرم اللّه هذه العترة الطاهرة و الذرية المباركة بذهاب الرجس عنهم قال:«يا جابر إنهم عترتي من لحمي و دمي فأخي سيد الأوصياء و ابني خير الأسباط و ابنتي سيّدة النسوان و منا المهدي»قلت:يا رسول اللّه و من المهدي؟

قال:«تسعة من صلب الحسين أئمة أبرار،و التاسع يملأ الأرض قسطا و عدلا،يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل» (3).

محمد بن إبراهيم النعماني في كتاب الغيبة عن أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة و محمد بن همام بن سهيل و عبد العزيز و عبد الواحد ابني عبد اللّه بن يونس [الموصلي] (4)عن رجالهم عن عبد الرزاق بن همام عن معمر بن راشد عن أبا بنر.

ص: 26


1- كفاية الأثر:38.
2- الأحزاب:33.
3- كفاية الأثر:66.
4- زيادة من بعض المصادر.

أبي عياش عن سليم بن قيس،و أخبرنا به من غير هذه الطرق هارون بن محمد قال:

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن جعفر المعلى الهمداني قال:حدّثني[أبو] (1)الحسن عمرو بن جامع عن عمرو بن حرب الكندي قال:حدّثنا عبد اللّه بن مبارك شيخ لنا كوفي ثقة قال:حدّثنا عبد الرزاق بن همام[شيخنا] (2)عن معمر عن أبان ابن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي،و ذكر أبان أنه سمعه أيضا عن عمر بن أبي سلمة، قال معمر:و ذكر أبو هارون العبدي أنه سمعه[أيضا] (3)عن عمر بن سلمة عن سليم أن معاوية لما دعا أبا الدرداء و أبا هريرة و نحن مع أمير المؤمنين عليه السّلام بصفين فحمّلهما الرسالة إلى أمير المؤمنين عليه السّلام و أدّيا إليه قال:«بلغتماني مما أرسلكما به معاوية فاسمعا مني و بلّغا عني[كما بلغتماني] (4)».

قالا:نعم،فأجابه عليه السّلام الجواب بطوله حتى انتهى إلى نصب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إياه بغدير خم بأمر اللّه عز و جل:لما أنزل عليه إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (5).

فقال:الناس يا رسول اللّه أخاصة لبعض المؤمنين أم عامة لجميعهم؟فأمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه و آله أن يعلمهم ولاية من أمر اللّه بولايته و أن يفسّر لهم من الولاية ما فسر من صلاتهم و زكاتهم و صومهم و حجهم،قال علي عليه السّلام:«فنصبني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بغدير خم و قال:إن اللّه عز و جل أرسلني برسالة ضاق بها صدري و ظننت أن الناس تكذبني فأوعدني لأبلغنّها أو ليعذبني ثم قال:قم يا عليّ ثم نادى بأعلى صوته بعد أن أمر أن ينادي بالصلاة جامعة فصلى بهم الظهر ثم قال:أيها الناس إن اللّه مولاي و أنا مولى5.

ص: 27


1- زيادة من بعض المصادر.
2- زيادة من بعض المصادر.
3- زيادة من بعض المصادر.
4- زيادة من بعض المصادر.
5- المائدة:55.

المؤمنين،و أنا أولى بهم من أنفسهم و من كنت مولاه فعلي مولاه والى اللّه من والاه و عادى من عاداه،فقام إليه سلمان الفارسي فقال:يا رسول اللّه ولاة ماذا؟

فقال:من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه فأنزل اللّه: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (1)فقال:يا رسول اللّه هؤلاء الآيات في عليّ خاصة؟

فقال:بل فيه و في أوصيائي إلى يوم القيامة،فقال:يا رسول اللّه سمّهم لي فقال:عليّ وصيي و وزيري و وارثي و خليفتي في أمتي،ولي كل مؤمن من بعدي،و أحد عشر إماما من ولدي،أولهم ابني حسن ثم ابني حسين ثم تسعة من ولد الحسين واحدا بعد واحد، هم مع القرآن و القرآن معهم لا يفارقونه حتى يردوا عليّ حوضي،فقام اثنا عشر رجلا من البدريين فقالوا:نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول اللّه كما قلت يا أمير المؤمنين سواء لم نزد و لم ننقص،و قال بقية السبعين من البدريين الذين شهدوا مع علي صفين:حفظنا جل ما قلت و لم نحفظه كله،و هؤلاء الاثنا عشر خيارنا و أفاضلنا فقال علي عليه السّلام:صدقتم ليس كل الناس يحفظ،بعضهم أفضل من بعض،و قام من الاثني عشر أربعة:أبو الهيثم بن التيهان و أبو أيوب و عمار و خزيمة ذو الشهادتين فقالوا:نشهد أنا حفظنا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال يومئذ و علي قائم إلى جنبه:يا أيها الناس إن اللّه أمرني أن أنصّب لكم إمامكم و وصيي فيكم و خليفتي في أهلي و في أمتي من بعدي:و الذي فرض اللّه طاعته على المؤمنين و أمركم فيه بولايته فقلت:يا رب خشية طعن أهل النفاق و تكذيبهم فأوعدني لأبلغنّها أو ليعاقبني.

أيها الناس إن اللّه عز و جل ذكره أمركم في كتابه بالصلاة و قد بينتها لكم و سمّيتها، و الزكاة و الصوم و الحج فبيّنته و فسّرته لكم،و أمركم في كتابه بولايته،و إني أشهدكم أيها الناس أنها خاصة لعليّ و أوصيائي من ولدي و ولده،أولهم ابني حسن ثم ابني حسين ثم3.

ص: 28


1- المائدة:3.

تسعة من ولد الحسين عليه السّلام لا يفارقون الكتاب حتى يردوا علي حوضي.

يا أيها الناس إني قد أعلمتكم المهدي بعدي،و وليكم و إمامكم و هاديكم بعدي و هو أخي علي بن أبي طالب،و هو فيكم بمنزلتي فقلّدوه دينكم و أطيعوه في جميع أموركم، فإن عنده جميع ما علّمني جل و عز،و هو أمرني أن أعلمه إياه و أن اعلمكم إنه عنده فاسألوه و تعلّموا منه و من أوصيائه و لا تعلّموهم و لا تقدموهم و لا تخلّفوا عنهم،فإنهم مع الحق و الحق معهم لا يزايلونه و لا يزايلهم».

قال علي عليه السّلام لأبي الدرداء و أبي هريرة و من حوله:«يا أيها الناس،تعلمون أن اللّه أنزل في كتابه إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا فجعلني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و فاطمة و حسنا و حسينا في كساء ثم قال:اللهم هؤلاء لحمي و عترتي و ثقلي و حامتي و أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا،فقالت أم سلمة:

و أنا؟

فقال لها،و أنت إلى خير،إنما أنزلت فيّ و في أخي و في ابنتي و في ابنيّ حسن و حسين و في تسعة من ولد الحسين خاصة ليس معنا أحد غيرنا».

فقام جل القوم فقالوا:نشهد أن أم سلمة حدّثتنا بذلك،فسألنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فحدثنا كما حدثتنا أم سلمة.

فقال علي عليه السّلام:«تعلمون أن اللّه عز و جل أنزل في سورة الحج يا أيها الذين امنوا اركعوا و اسجدوا و اعبدو ربكم و افعلوا الخير لعلكم تفلحون و جاهدوا في اللّه حق جهاده هو اجتباكم و ما جعل عليكم في الدين من حرج ملة ابيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء على الناس».

فقام سلمان عند نزولها فقال:يا رسول اللّه من هؤلاء الذين أنت شهيد عليهم و هم شهداء على الناس؟

قال:«الذين اختارهم اللّه و لم يجعل عليهم في الدين من حرج ملة إبراهيم،قال

ص: 29

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:عنى بذلك ثلاثة عشر إنسانا:أنا و أخي علي و أحد عشر من ولده».

فقالوا:اللهم نعم قد سمعنا ذلك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال علي عليه السّلام:«أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قام خطيبا ثم لم يخطب بعد ذلك،فقال:أيها الناس إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما:كتاب اللّه عز و جل و عترتي أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد أخبرني و عهد إليّ أنهما لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض؟»

قالوا:اللهم قد شهدنا ذلك كله من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقام اثنا عشر من الجماعة فقالوا:نشهد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين خطب في اليوم الذي قبض فيه فقام عمر بن الخطاب شبه المغضب فقال:يا رسول اللّه لكل أهل بيتك؟

فقال:«لا و لكن الأوصياء منهم علي أخي و وزيري و وارثي و خليفتي في أمتي،و ولي كل مؤمن من بعدي،و هو أولهم و خيرهم ثم وصيّه ابني هذا و أشار إلى الحسن،ثم وصيه ابني هذا و أشار إلى الحسين،ثم وصيه ابني سمييّ أخي،ثم وصيه بعده سميّ ثم سبعة من ولده واحدا بعد واحد حتى يردوا عليّ الحوض شهداء اللّه في أرضه و حججه على خلقه،من أطاعهم أطاع اللّه و من عصاهم عصى اللّه».

فقام إليه السبعون البدريون و نحوهم من المهاجرين فقالوا:ذكّرتمونا ما كنّا نسيناه،نشهد أن قد كنّا سمعنا ذاك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فانطلق أبو هريرة و أبو الدرداء فحدّثا معاوية بكل ما قال علي عليه السّلام و استشهد عليه و ما ورد على الناس و شهدوا به (1).8.

ص: 30


1- انظر غيبة النعماني:/72ح 8.

أن الأئمة من صلب الحسين عليهم السلام

إبراهيم بن محمد الحمويني هذا قال:روى الشيخ الجليل أبو جعفر بن بابويه رضى اللّه عنه قال:حدثنا أبو الحسن أحمد بن ثابت الدواليبي بمدينة السلام،حدّثنا محمد بن الفضل،حدثنا محمد بن علي بن عبد الصمد الكوفي،حدثنا علي بن عاصم عن محمد بن علي بن موسى عن أبيه علي بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين ابن علي صلوات اللّه عليهم أجمعين قال:«دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و عنده أبي بن كعب فقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:مرحبا بك يا أبا عبد اللّه يا زين السموات و الأرض،قال أبي:

و كيف يكون يا رسول اللّه زين السموات و الأرض أحد غيرك؟

فقال:يا أبي و الذي بعثني بالحق نبيا إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض و إنه لمكتوب على يمين عرش اللّه مصباح هدى و سفينة نجاة و إمام غير وهن و عز و فخر و علم و ذخر،و إن اللّه عز و جل ركّب في صلبه نطفة مباركة طيبة زكية خلقت من قبل أن يكون مخلوق في الأرحام أو يجري ما في الأصلاب أو يكون ليل أو نهار، و لقد لقن بدعوات ما يدعو بهن مخلوق إلا حشره اللّه عز و جل معه،و كان شفيعه في آخرته،و فرّج اللّه عنه كربه و قضى بها دينه و يسّر أمره و أوضح سبيله و قوّاه على عدوه و لم يهتك ستره،فقال له أبيّ بن كعب:ما هذه الدعوات يا رسول اللّه؟

قال تقول إذا فرغت من صلواتك و أنت قاعد:اللهم إني أسألك بكلماتك و معاقد عرشك و سكان سماواتك و أنبيائك و رسلك أن تستجيب لي فقد رهقني من أمري

ص: 31

عسر،فأسألك أن تصلي على محمد و آل محمد و ان تجعل لي من عسري يسرا،فإن اللّه عز و جل يسهّل أمرك و يشرح صدرك و يلقنك شهادة أن لا إله إلاّ اللّه عند خروج نفسك.

قال له أبي:يا رسول اللّه فما هذه النطفة التي في صلب الحسين عليه السّلام؟

قال:مثل هذه النطفة كمثل القمر و هي نطفة تبيين و بيان يكون من اتبعه رشيدا و من ضل عنه هويّا،قال:فما اسمه؟و ما دعاؤه؟

قال:اسمه علي و دعاؤه:يا دائم يا ديّوم يا حي يا قيوم يا كاشف الغم و يا فارج الهم و يا باعث الرسل و يا صادق الوعد،من دعى بهذا الدعاء حشره اللّه عز و جل مع علي بن الحسين صلوات اللّه عليهما و كان قائده إلى الجنة.

قال له أبي:يا رسول اللّه فهل له من خلف و وصي؟

قال:نعم له مواريث السموات و الأرض،قال:و ما معنى مواريث السموات و الأرض يا رسول اللّه؟

قال:القضاء بالحق و الحكم بالديانة و تأويل الاحكام و بيان ما يكون،قال:اسمه محمد و أن الملائكة لتستأنس به في السماء و يقول في دعائه:اللهم إن كان لي عندك رضوان و ودّ فاغفر لي و لمن تبعني من إخواني و شيعتي و طيّب ما في صلبي،فركّب اللّه عز و جل في صلبه نطفة مباركة زكية،فأخبرني جبرئيل عليه السّلام أن اللّه تبارك و تعالى طيب هذه النطفة و سمّاها عنده جعفرا و جعله هاديا مهديا راضيا مرضيا يدعو ربه و يقول في دعائه:يا ديان غير متوان يا أرحم الراحمين اجعل لشيعتي من النار وقاء،و لهم عندك رضا و اغفر ذنوبهم و يسّر أمورهم و اقض ديونهم و استر عوراتهم وهب لي الكبائر التي بينك و بينهم،يا من لا يخاف الضيم و لا تأخذه سنة و لا نوم اجعل لي من كل غم فرجا.

من دعى بهذا الدعاء حشره اللّه عز و جل أبيض الوجه مع جعفر بن محمد عليهما صلوات اللّه و سلامه إلى الجنة.

يا أبي إن اللّه تبارك و تعالى ركّب في هذه النطفة نطفة زكية مباركة أنزل عليها الرحمة

ص: 32

و سمّاها عنده موسى،قال له أبي:يا رسول اللّه كلهم يتواضعون و يتناسلون و يتوارثون و يصف بعضهم بعضا،قال وصفهم لي جبرائيل عليه السّلام عن رب العالمين جل جلاله،قال:

فهل لموسى من دعوة يدعو بها سوى دعاء آبائه قال:نعم يقول في دعائه:يا خالق الخلق و يا باسط الرزق و فالق الحب و بارئ النسم و محيي الموتى و مميت الأحياء و دائم الثبات و مخرج النبات افعل بي ما أنت اهله من دعى بهذا الدعاء قضى اللّه له حوائجه و حشره اللّه يوم القيامة مع موسى بن جعفر عليه السّلام،و ان اللّه ركّب في صلبه نطفة مباركة طيبة زكية مرضية و سماها عنده عليا،يكون للّه في خلقه رضيا في علمه و حكمه و يجعله حجة لشيعته يحتجون به يوم القيامة و له دعاء يدعو به:اللهم صلّ على محمد و آل محمد و أعطني[الهدى] (1)و ثبتني عليه و احشرني عليه آمنا أمن من لا خوف عليه و لا حزن و لا جزع،أنت أهل التقوى و أهل المغفرة،و إن اللّه عز و جل ركّب في صلبه نطفة زكية مرضية و سمّاها محمد بن علي فهو شفيع شيعته و وارث علم جده له علامة بيّنة و حجة ظاهرة إذا ولد يقول:لا اله محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.

يقول في دعائه:يا من لا شبيه له و لا مثال،أنت اللّه لا إله إلاّ أنت و لا خالق إلا أنت تفني المخلوقين و تبقى أنت،حلمت عمن عصاك و في المغفرة رضاك،من دعى بهذا الدعاء كان محمد بن علي شفيعه يوم القيامة،و إن اللّه تبارك و تعالى ركّب في صلبه نطفة لا باغية و لا طاغية مباركة طيبة طاهرة سمّاها عنده علي بن محمد فألبسه السكينة و الوقار و أودعها العلوم و كل شيء مكتوم من لقيه و في صدره شيء أنبأه و حذره من عدوه و يقول في دعائه:يا نور يا برهان يا منير يا مبين يا رب اكفني شر الشرور و آفات الدهور و أسألك النجاة يوم ينفخ في الصور،من دعى بهذا الدعاء كان علي بن محمد شفيعه و قائده إلى الجنة،و ان اللّه تبارك و تعالى ركّب في صلبه نطفة و سماها عنده الحسن عليه السّلام و جعله نورا في بلاده و خليفة في أرضه و عزا لأمة جدّه و هاديا لشيعتهر.

ص: 33


1- زيادة من بعض المصادر.

و شفيعا لهم عند ربه و نقمة على من خالفه و حجة لمن والاه و برهانا لمن اتخذه اماما.

يقول في دعائه:يا عزيز العز في عزه و يا عزيز أعزّني بعزك و أيدني بنصرك و ابعد عني همزات الشياطين و ادفع عني بدفعك و امنع عني بمنعك و اجعلني من خيار خلقك، يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد،من دعا بهذا الدعاء حشره اللّه عز و جل معه و نجّاه من النار و لو وجبت عليه،و إنّ اللّه تبارك و تعالى ركّب في صلب الحسن نطفة مباركة زكية طاهرة مطهرة يرضى بها كل مؤمن ممن قد اخذ اللّه ميثاقه في الولاية،و يكفر به كل جاحد و هو إمام تقي نقي بار مرضي هاد مهدي،يحكم بالعدل و يأمر به،يصدق اللّه عز و جل و يصدقه اللّه في قوله،يخرج من تهامة حتى يظهر الدلائل و العلامات و له بالطالقان كنوز لا ذهب و لا فضة إلاّ خيول[مطهمة] (1)و رجال مسومة يجمع اللّه له من أقصى البلاد على عدة أهل بدر ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا،معه صحيفة مختومة فيها عدد أنصاره بأسمائهم و أنسابهم و بلدانهم و صنايعهم و طبايعهم و كلامهم و كناهم، كرارون مجدون في طاعته.

فقال أبي:و ما دلائله و علاماته يا رسول اللّه؟

قال:له علم إذا حان وقت خروجه إنتشر ذلك العلم من نفسه و أنطقه اللّه عز و جل فناداه العلم:اخرج يا ولي اللّه،اقتل أعداء اللّه،و هما رايتان و علامتان،و له سيف مغمد فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده و أنطقه اللّه عز و جل فناداه السيف:

أخرج يا ولي اللّه،فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء اللّه،فيخرج يقتل أعداء اللّه حيث ثقفهم و يقيم حدود اللّه،و يحكم بحكم اللّه يخرج و جبرائيل عن يمينه و ميكائيل عن ميسرته و شعيب بن صالح على مقدمته،و سوف تذكرون ما أقول لكم و أفوّض أمري إلى اللّه عز و جل.

يا أبي طوبى لمن لقيه و طوبى لمن أحبه و طوبى لمن قال به و لو بعد حين،و ينجيهمر.

ص: 34


1- زيادة ليست في بعض المصادر.

من الهلكة في الإقرار باللّه و برسوله و بجميع الأئمة،يفتح اللّه لهم الجنة،مثلهم في الأرض كمثل المسك الذي يسطع ريحه فلا يتغير أبدا،و مثلهم في السماء كمثل القمر المنير الذي لا يطفىء نوره أبدا،قال أبي:يا رسول اللّه كيف حال بيان هؤلاء الأئمة عن اللّه عز و جل؟

قال:إن اللّه عز و جل أنزل عليّ اثني عشر خاتما و اثنتي عشرة صحيفة،إسم كل إمام على خاتمه و صفته في صحيفته» (1).

ابن بابويه قال:حدّثنا أبو الفضل محمد بن عبد اللّه بن المطلب الشيباني رحمه اللّه قال:

حدّثنا أبو مزاحم موسى بن عبد اللّه بن يحيى بن خاقان المقرئ ببغداد قال:حدّثنا أبو بكر محمد ابن عبد اللّه بن إبراهيم الشافعي قال:حدّثنا محمد بن حماد بن هامان الدباغ أبو جعفر قال:حدّثنا عيسى بن إبراهيم قال:حدّثنا الحرث بن تيهان قال:

حدّثنا عقبة بن يقطان عن أبي سعيد عن مكحول عن واثلة بن الأصقع بن قرضاب عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال:دخل جندب بن جنادة بن جبير على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال:يا رسول اللّه أخبرني عمّا ليس للّه،و عمّا ليس عند اللّه،و عمّا لا يعلمه اللّه.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«أمّا ما ليس للّه فليس له شريك و أمّا ما ليس عند اللّه فليس عند اللّه ظلم العباد،و أمّا ما لا يعلمه اللّه فذلك قولكم يا معشر اليهود:عزير ابن اللّه،و اللّه لا يعلم له ولدا»فقال جندل:أشهد أن لا اله إلاّ اللّه و أنّك محمد رسول اللّه حقا.

ثم قال:يا رسول اللّه إني رأيت البارحة في النوم موسى بن عمران فقال لي:

يا جندل أسلم على يد محمد و استمسك بالأوصياء من بعده،فقد أسلمت و رزقني اللّه ذلك فأخبرني عن الاوصياء من بعدك لأتمسك بهم فقال:«يا جندل أوصيائي من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل».

فقال:يا رسول اللّه انّهم كانوا اثني عشر هكذا وجدناهم في التوراة.5.

ص: 35


1- فرائد السمطين:/155/2ب /35ح 447،كمال الدين و تمام النعمة:265.

قال:«نعم،الائمة بعدي اثنا عشر».

قال:يا رسول اللّه كلهم في زمن واحد قال:«لا،و لكن خلف بعد خلف و إنّك لن تدرك منهم إلاّ ثلاثة،أولهم سيّد الأوصياء أبو الائمة عليّ بن أبي طالب عليه السّلام،ثم ابناه الحسن و الحسين فاستمسك بهم من بعدي و لا يغرنّك جهل الجاهلين،فإذا كانت وقت ولادة ابنه عليّ بن الحسين سيّد العابدين يقضي اللّه عليك،و يكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن تشربه».

فقال:يا رسول اللّه هكذا وجدت في التوراة:إليا يقطوا شبرا و شبيرا،فلم عرف أسماءهم،فكم من الحسين عليه السّلام من الأوصياء و ما اسماؤهم؟فقال:«تسعة من صلب الحسين و المهدي منهم،فإذا انقضت مدة الحسين قام بالأمر علي ابنه و يلقّب زين العابدين،فإذا انقضت مدة عليّ قام بالأمر من بعده محمد ابنه يدعى الباقر،فإذا انقضت مدة محمد قام بالأمر بعده جعفر و يدعى بالصادق،فإذا انقضت مدة جعفر قام بالأمر بعده موسى و يدعى بالكاظم،ثم إذا انقضت مدة موسى قام بالأمر من بعده ابنه علي و يدعى بالرضا،فإذا انقضت مدة علي قام بالأمر بعده محمد ابنه و يدعى بالزكي،فإذا انقضت مدة محمد قام بالأمر بعده علي ابنه و يدعى بالنقي،فإذا انقضت مدة علي قام بالأمر من بعده ابنه الحسن و يدعى بالأمين،ثم يغيب عنهم إمامهم.

قال:يا رسول اللّه هو الحسن يغيب عنهم؟

قال«لا،و لكن ابنه».

قال:يا رسول اللّه فما اسمه؟قال:«لا يسمى حتى يظهر».

فقال جندل:يا رسول اللّه وجدنا ذكرهم في التوراة و قد بشرنا موسى بن عمران بك و بالأوصياء من ذرّيتك،ثم تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي

ص: 36

اِرْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً (1) .

فقال جندل:يا رسول اللّه فما خوفهم؟

قال:يا جندل في زمن كلّ واحد منهم سلطان يعتريه و يؤذيه،فإذا عجّل اللّه خروج قائمنا يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ما ملئت جورا و ظلما.ثم قال عليه السّلام:طوبى للصابرين في غيبته طوبى للمقيمين على محبتهم،أولئك من وصفهم الله في كتابه فقال اَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (2)ثم قال:أولئك حزب اللّه ألا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (3).

قال ابن الأصقع:ثم عاش جندل إلى أيام الحسين بن علي ثم خرج إلى الطائف، فحدّثني نعيم ابن أبي قيس قال:دخلت عليه بالطائف و هو عليل ثم إنه دعا بشربة من لبن فشربه فقال:هكذا عهد لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة من لبن،ثم مات و دفن بالطائف بالموضع المعروف بالكورارة (4).

ابن بابويه قال:أخبرنا القاضي أبو الفجر المعافي بن زكريا البغدادي قال:حدّثنا أبو سليمان أحمد بن أبي هراسة قال:حدّثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي عن عبد اللّه بن حمّاد الأنصاري قال:حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه عن عبد الحميد الأعرج عن عطاء قال:دخلنا على عبد اللّه بن العبّاس و هو عليل بالطائف و قد ضعف فسلّمنا عليه و جلسنا فقال لي:يا عطاء من القوم؟

فقلت:يا سيّدي شيوخ هذا البلد،منهم عبد اللّه بن سلمة بن حضرم الطائفي و عمارة بن[أي]الأجلح و ثابت بن مالك،فما زلت أذكر له واحدا بعد واحد ثمّ تقدّموا إليه و قالوا:يابن عمّ رسول اللّه إنّك رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سمعت منه ما سمعت فأخبرنا عن اختلاف هذه الأمّة،فقوم قدموا عليّا على غيره،و قوم جعلوه2.

ص: 37


1- التوبة:55.
2- البقرة:3.
3- الحديد:22.
4- كفاية الأثر:58-59،و التوحيد:23/377،و بحار الأنوار 307/32.

بعد ثلاثة قال:فتنفّس ابن عبّاس فقال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:عليّ،مع الحقّ و الحقّ مع عليّ،و هو الإمام و الخليفة بعدي فمن تمسّك به فاز و نجا و من تخلّف عنه ضلّ و غوى،يلي تكفيني و غسلي و يقضي ديني و أبو سبطيّ الحسن و الحسين، و من صلب الحسين تخرج الأئمّة التسعة،و منّا مهدي هذه الأمّة،فقال له عبد اللّه بن سلمة الحضرمي:يابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فهل كنت تعرفنا قبل؟

فقال:قدو اللّه أدّيت ما سمعت و نصحت لكم و لكن لا تحبّون الناصحين ثمّ قال:اتّقوا اللّه عباد اللّه تقيّة من اعتبر تمهيدا و أتقى في و جل و كمش في مهل،و رغب في طلب و رهب في هرب،فاعملوا لآخرتكم قبل حلول آجالكم و تمسّكوا بالعروة الوثقى من عترة نبيّكم فإنّي سمعته صلّى اللّه عليه و آله يقول:من تمسّك بعترتي من بعدي كان من الفائزين ثمّ بكى بكاء شديدا فقال له القوم:أتبكي و مكانك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مكانك؟

فقال لي:يا عطاء انّما أبكي لخصلتين طول المطّلع و فراق الأحبّة ثمّ تفرّق القوم فقال:

يا عطاء خذ بيدي و احملني إلى صحن الدار،فأخذنا بيده أنا و سعيد و حملناه إلى صحن الدار ثمّ رفع يديه إلى السماء و قال:اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بمحمّد و آل محمّد، اللّهمّ إنّي أتقرّب إليك بولاية الشيخ علي بن أبي طالب،فما زال يكرّرها حتّى وقع على الأرض فصبرنا عليه ساعة ثمّ أقمناه فإذا هو ميّت رحمة اللّه عليه (1).

ابن بابويه قال:حدّثنا علي بن الحسن بن محمد بن مندة قال:حدّثنا أبو الحسين زيد ابن جعفر بن محمد بن الحسين الخزّاز بالكوفة سنة سبع و سبعين و ثلاثمائة قال:حدّثنا عبّاس بن عبّاس الجوهري ببغداد في دار عمارة قال:حدّثني عفان بن مسلم قال:حدّثني حمّاد بن سلمة عن الكلبي عن أبي صالح عن شدّاد بن أويس قال:

لمّا كان يوم الجمل قلت:لا أكون مع علي و لا أكون عليه،و توقّفت عن القتال إلى انتصاف النهار،فلمّا كان قرب الليل ألقى اللّه في قلبي أن اقاتل مع عليّ فقاتلت معه9.

ص: 38


1- كفاية الأثر:19.

حتّى كان من أمره ما كان،ثمّ أتيت المدينة فدخلت على أمّ سلمة قالت:من أين أقبلت؟قلت:من البصرة،قالت:مع أيّ الفريقين؟

قلت:يا أمّ المؤمنين انّي توقّفت عن القتال إلى انتصاف النهار فألقى اللّه عزّ و جلّ في قلبي بأن اقاتل مع عليّ،قالت:نعم ما عملت،لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:

من حارب عليّا فقد حاربني و من حاربني فقد حارب اللّه،قلت:أفترين أنّ الحقّ مع عليّ؟

قالت:إي و اللّه عليّ مع الحقّ و الحقّ معه و اللّه ما أنصف امّة محمّد نبيّهم إذ قدّموا من أخّره اللّه عزّ و جلّ و رسوله و أخّروا من قدّم اللّه و رسوله و أنّهم صانوا حلائلهم في بيوتهم و أبرزوا حليلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى القتال،و اللّه لقد سمعت رسول اللّه يقول:إنّ لامّتي فرقة و خلفة فجامعوها إذا اجتمعت و إذا افترقت فكونوا من النمط الأوسط،ثم ارقبوا أهل بيتي فإن حاربوا فحابوا و إن سالموا فسالموا،و إن زالوا فزولوا فإنّ الحقّ معهم حيث كانوا.

قلت:فمن أهل بيته؟

قالت:أهل بيته الذين امرنا بالتمسّك بهم و هم الأئمّة بعده كما قال:عدد نقباء بني إسرائيل،عليّ و سبطاه و تسعة من صلب الحسين أهل بيته هم المطهّرون و الأئمّة المعصومون،قلت:انّا للّه،هلك الناس إذا،قالت كلّ حزب بما لديهم فرحون (1).1.

ص: 39


1- كفاية الأثر:181.

في أن الحسين و الأئمة عليهم السلام حجج اللّه على خلقه

ابن المؤيد موفق بن أحمد في كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام-و هو من أعيان علماء العامة-قال:حدّثني فخر القضاة نجم الدين أبو منصور محمد بن الحسين ابن محمد البغدادي فيما كتب إلي من همدان قال:أخبرنا الإمام الشريف نور الهدى أبو طالب الحسن بن محمد (1)الزينبي قال:أخبرنا إمام الأئمة محمد بن أحمد بن شاذان قال:حدّثنا أبو محمد الحسن بن علي العلوي الطبري عن أحمد بن محمد بن عبد اللّه (2)قال:حدثني جدي أحمد بن محمد،عن أبيه،عن حماد بن عيسى،عن عمرو ابن اذينة،عن أبان بن عباس (3)،عن سليم بن قيس الهلالي،عن سلمان المحمدي قال:دخلت على النبي صلّى اللّه عليه و آله و إذا الحسين على فخذه و هو يقبل عينيه و يلثم فاه و يقول:

«أنت سيد ابن سيد أبو سادة،أنت إمام ابن إمام أبو أئمة،أنت حجة ابن حجة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم» (4).

موفق بن أحمد بن أحمد هذا قال:حدثني فخر القضاة نجم الدين أبو منصور

ص: 40


1- في الطرائف:الحسن أبو محمد الزينبي.
2- في الطرائف و مقتل الحسين:أحمد بن عبد اللّه.
3- في مقتل الحسين:أبان بن أبي عياش.
4- الحديث رواه القندوزي في ينابيع المودة 258،و الخوارزمي في كتابه مقتل الحسين:/1 146.و لم نقف عليه في كتاب المناقب كما اشار إليه السيد المؤلف-رحمه اللّه-في صدر الحديث، و كذلك السيد ابن طاوس في الطرائف ص 44،و الشيخ المجلسي في البحار:141/36 عند نقلهما له.

محمد ابن الحسين بن محمد البغدادي فيما كتب الي من همدان قال:أنبأنا الإمام الشريف نور الهدى أبو طالب الحسن بن محمد الزينبي قال:أخبرنا إمام الأئمة محمد بن أحمد بن شاذان قال:حدّثنا أحمد بن محمد بن عبد اللّه الحافظ قال:حدّثنا علي بن سنان الموصلي،عن أحمد بن محمد بن صالح،عن سليمان (1)بن محمد، عن زياد بن مسلم،عن عبد الرّحمن بن زيد،عن زيد بن جابر (2)،عن سلامة،عن أبي سلمى راعي (3)رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:«ليلة اسري بي إلى السماء قال لي الجليل جل جلاله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ قلت:

وَ الْمُؤْمِنُونَ (4) قال:صدقت يا محمد من خلفت في أمتك؟

قلت:خيرها.

قال:علي بن أبي طالب؟

قلت:نعم يا رب.

قال:يا محمد إني اطلعت إلى الأرض إطلاعة فاخترتك منها فشققت لك اسما من اسمائي فلا اذكر في موضع إلا ذكرت معي،فأنا المحمود و أنت محمد،ثم إطلعت الثانية فاخترت منها عليا و شققت له إسما من اسمائي فأنا الأعلى و هو علي،يا محمد إني خلقتك و خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ولده من نوري (5)و عرضت ولايتكم على أهل السماوات و الأرض فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، و من جحدها كان عندي من الكافرين.

يا محمد لو أن عبدا من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتانيه.

ص: 41


1- في بعض المصادر:سلمان.
2- في بعض المصادر:عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر.
3- في بعض المصادر:راعي ابل.
4- البقرة:285.
5- في المصدر:من سنخ نوري.و سنخ الشيء أصله.

جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتكم،يا محمد تحب أن تراهم؟

قال:قلت:نعم يا رب فقال لي:إلتفت عن يمين العرش فالتفت فإذا أنا بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد و موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمد بن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي و المهدي في ضحضاح من نور قيام يصلّون و هو في وسطهم«يعني المهدي»كأنه كوكب دري.

فقال:يا محمد هؤلاء الحجج و هو الثائر من عترتك،و عزتي و جلالي إنه الحجة الواجبة لأوليائي و المنتقم من أعدائي» (1).

إبراهيم بن محمد الحمويني من أعيان علماء العامة بإسناده قال:أخبرنا أبو جعفر بن بابويه-رحمه اللّه-قال:حدّثنا محمد بن أحمد الشيباني (2)-رحمه اللّه- قال:حدّثنا أحمد بن يحيى ابن زكريا القطان قال:حدّثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب قال:حدّثنا الفضل (3)بن صقر العبدي قال:حدّثنا أبو (4)معاوية،عن سليمان بن مهران الأعمش،عن الصادق جعفر بن محمد،عن أبيه محمد بن علي،عن أبيه علي ابن الحسين عليه السّلام قال:«نحن أئمة المسلمين،و حجج اللّه على العالمين،و سادة المؤمنين،و قادة الغر المحجلين،و موالي المؤمنين،و نحن أمان لأهل (5)الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء،و نحن الذين بنا يمسك اللّه السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه،و بنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها،و بنا ينزل الغيث و تنشر الرحمة و تخرج (6)بركات الأرض،و لو لا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها،ثم قال:و لم تخل الأرض منذج.

ص: 42


1- مقتل الحسين:96/1.
2- في بعض المصادر:السمناني.
3- في بعض المصادر:فضل.
4- لم ترد(أبو)في بعض المصادر.
5- في بعض المصادر:أهل.
6- في بعض المصادر:يخرج.

خلق اللّه آدم من حجة للّه فيها،ظاهر مشهور أو غائب مستور،و لا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة اللّه فيها،و لو لا ذلك لم يعبد اللّه».

قال سليمان:فقلت للصادق عليه السّلام:فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟

قال:«كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب (1)» (2).

الحمويني هذا بالاسناد إلى أبي جعفر بن بابويه قال:حدّثنا أبي قال:حدّثنا سعد ابن عبد اللّه،عن أحمد بن محمد بن عيسى،عن العباس بن معروف،عن عبد اللّه بن أحمد بن محمد عن عبد الرّحمن البصري (3)عن أبي المعزا (4)حميد بن المثنى (5)العجلي،عن أبي بصير،عن خيثمة الجعفي عن أبي جعفر عليه السّلام قال:سمعته يقول:

«نحن جنب اللّه،و نحن صفوته (6)،و نحن حجة اللّه،و نحن أركان الإيمان،و نحن دعائم الإسلام،و نحن من رحمة اللّه على خلقه،و نحن بنا يفتح و بنا يختم (7)،و نحن أئمة الهدى،و نحن مصابيح الدجى،نحن (8)منار الهدى،و نحن السابقون،و نحن الآخرون و نحن العلم المرفوع للحق من تمسّك بنا لحق،و من تأخّر عنا غرق،و نحن الغر المحجلين (9)،و نحن خيرة اللّه،و نحن الطريق الواضح و الصراط المستقيم إلى اللّه،و نحن من نعمة اللّه عز و جل على خلقه،و نحن المنهاج،و نحن معدن النبوة،و نحن موضعن.

ص: 43


1- في بعض المصادر:سحاب.
2- رواه الحمويني في الفرائد-خ-في السمط الأول،عن سليمان بن مهران الاعمش،عن الصادق عليه السّلام./45/1ح 11.
3- في بعض المصادر:العباس بن معروف،عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن البصري.
4- في بعض المصادر:المغرى.
5- في بعض المصادر:أحمد بن المثنى.
6- في بعض المصادر:صفوة اللّه.
7- في بعض المصادر:و نحن من يفتح بنا و يختم.
8- في بعض المصادر:و نحن.
9- في بعض المصادر:و نحن قادة الغر المحجلين.

الرسالة،و نحن الذين مختلف الملائكة،و نحن السراج لمن استضاء بنا،و نحن السبيل لمن اقتدى بنا،و نحن الهداة الى الجنة،و نحن عرى الإسلام،و نحن الجسور و القناطر، من مضى عليها لم يسبق و من تخلّف عنها محق،و نحن السنام الأعظم،و نحن الذين بنا ينزل اللّه عز و جل الرحمة و بنا يسقون الغيث،و نحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب فمن عرفنا و نصرنا و عرف حقنا و أخذ بامرنا فهو منا و إلينا» (1).

قلت:و روى هذا الحديث من طريق الخاصة أبو جعفر الشيخ الطوسي في مجالسه قال:أخبرنا الحسين بن عبد اللّه (2)،عن علي بن محمد العلوي قال:حدّثنا محمد بن إبراهيم قال:حدّثنا أحمد بن محمد،عن محمد بن أحمد بن محمد بن عيسى،عن أحمد بن محمد بن أبي نصر،عن أبي المعزا،عن أبي بصير،عن خيثمة قال:سمعت الباقر عليه السّلام يقول:«نحن جنب اللّه،و نحن صفوة اللّه،و نحن خيرة اللّه،و نحن مستودع مواريث الأنبياء،و نحن أمناء اللّه عز و جل،و نحن حجج اللّه،و نحن حبل اللّه».

و ساق الحديث إلى قوله:«منا و إلينا» (3).

الحمويني هذا قال:أخبرني مفيد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي الغنايم ابن الجهم الحلّي-رحمه اللّه-إجازة قال:أنبأنا القاضي خطير الدين محمود بن محمد بن الحسين بن عبد الجبار الطوسي،عن عمه زين الدين عبد الجبار،عن أبيه، عن الصفي أبي تراب بن الداعي الحسيني (4)،عن أبي محمد جعفر بن محمد الدورستي،عن الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان الحارثي،عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي قال:حدّثنا جعفر بن محمد بن مسرور- رضي اللّه عنه-قال:حدّثنا الحسين بن محمد بن عامر،عن المعلى بن محمدر.

ص: 44


1- فرائد السمطين-السمط الثاني،السمط الثاني:/253/2ح 523.
2- في بعض المصادر:عبيد اللّه.
3- أمالي الطوسي:267/2-268 ط النجف الاشرف.
4- لم ترد(الحسيني)في بعض المصادر.

البصري،عن جعفر بن سليمان،عن عبد اللّه بن الحكم،عن أبيه،عن سعيد بن جبير، عن عبد اللّه بن عباس قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«إن خلفائي و أوصيائي و حجج اللّه على الخلق بعدي اثنا (1)عشر،أولهم أخي،و آخرهم ولدي،قيل:يا رسول اللّه و من أخوك؟

قال:علي بن أبي طالب،قيل:فمن ولدك؟

قال:المهدي الذي يملأها قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.و الذي بعثني بالحق بشيرا لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح اللّه عيسى ابن مريم فيصلّي خلفه و تشرق الأرض بنور ربها و يبلغ سلطانه المشرق و المغرب» (2).

ابن بابويه قال:حدّثنا جعفر بن محمد بن مسرور قال:حدّثنا الحسين بن محمد ابن عامر،عن عمه عبد اللّه بن عامر،عن ابن أبي عمير،عن حمزة بن حمران،عن أبيه،عن أبي حمزة،عن علي بن الحسين،عن أبيه عن أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهم أنه جاء إليه رجل فقال له:يا أبا الحسن إنك تدعى أمير المؤمنين فمن أمّرك عليهم؟

قال:«اللّه جل جلاله أمّرني عليهم»فجاء الرجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال:يا رسول اللّه أيصدق عليّ فيما يقول:إن اللّه أمّره على خلقه؟فغضب النبي صلّى اللّه عليه و آله و قال:«إن عليا أمير المؤمنين،بولاية من اللّه عز و جل عقدها فوق عرشه،و أشهد على ذلك ملائكته.

إنّ عليا خليفة اللّه و حجة اللّه و إنه لإمام المسلمين،طاعته مقرونة بطاعة اللّه و معصيته مقرونة بمعصية اللّه،فمن جهله فقد جهلني،و من عرفه فقد عرفني،و من أنكر إمامته فقد أنكر نبوتي،و من جحد إمرته فقد جحد رسالتي،و من دفع فضله فقد تنقصني،و من قاتله فقد قاتلني،و من سبّه فقد سبّني،لأنه خلق من طينتي،و هو زوج فاطمة إبنتي،و أبو2.

ص: 45


1- في بعض المصادر:لإثنا.
2- فرائد السمطين-السمط الثاني،في باب ذكر احوال المهدي./312/2ح 562.

ولدي الحسن و الحسين،ثم قال صلّى اللّه عليه و آله:أنا و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و تسعة من ولد الحسين حجج اللّه على خلقه،أعداؤنا أعداء اللّه و أولياؤنا أولياء اللّه» (1).

ابن بابويه قال:أخبرنا أبو المفضل الشيباني قال:حدثني أبو القاسم أحمد بن عامر،عن سليمان الطائي ببغداد قال:حدّثنا محمد بن عمران الكوفي عن عبد الرّحمن بن أبي نجران،عن صفوان بن يحيى،عن إسحاق بن عمار،عن جعفر بن محمد،عن أبيه محمد بن علي،عن أبيه علي بن الحسين،عن أبيه الحسين بن علي، عن أخيه الحسن بن علي عليهم السّلام قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«الأئمة بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل،و حواري عيسى،من أحبهم فهو مؤمن،و من أبغضهم فهو منافق،هم حجج اللّه في خلقه و أعلامه في بريته» (2).

ابن بابويه قال:حدّثنا أحمد بن الحسن القطان،و علي بن أحمد بن محمد الدقاق، و علي بن عبد اللّه الوراق،و عبد اللّه بن محمد الصائغ،و محمد بن أحمد الشيباني- رضي اللّه عنهم-قالوا،حدّثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن زكريا القطان قال:حدّثنا بكر بن عبد اللّه بن حبيب قال:حدّثنا تميم بن بهلول قال:حدّثنا عبد اللّه بن أبي الهذيل:

و سألته عن الإمامة فيمن تجب؟و ما علامات من تجب له الإمامة؟

فقال لي:إن الدليل على ذلك،و الحجة على المؤمنين،و القائم في امور المسلمين، و الناطق بالقرآن،و العالم بالأحكام،أخو نبي اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و خليفته على أمته،و وصيه عليهم،و وليه الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى،المفروض الطاعة بقول اللّه عز و جل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (3)و قال جل ذكره: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ9.

ص: 46


1- أمالي الصدوق:116.
2- البحار:340/36،عن كفاية الاثر.
3- النساء:59.

وَ هُمْ راكِعُونَ (1) المدعو إليه بالولاية،المثبت له بالإمامة يوم غدير خم بقول الرسول صلّى اللّه عليه و آله عن اللّه عز و جل:«ألست أولى بكم من أنفسكم؟

قالوا:بلى قال:فمن كنت مولاه فعلي مولاه،اللهم وال من والاه،و عاد من عاداه، و انصر من نصره،و اخذل من خذله،و أعن من أعانه؛ذاك علي بن أبي طالب أمير المؤمنين،و إمام المتقين،و قائد الغر المحجلين،و أفضل الوصيين،و خير الخلق أجمعين بعد رسول رب العالمين،و بعده الحسن،ثم الحسين سبطا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إبنا خيرة النسوان،ثم علي بن الحسين،ثم محمد بن علي،ثم جعفر بن محمد،ثم موسى ابن جعفر،ثم علي بن موسى،ثم محمد بن علي،ثم علي بن محمد،ثم الحسن بن علي، ثم محمد بن الحسن صلوات اللّه عليهم،إلى يومنا هذا واحدا بعد واحد،إنهم عترة الرسول صلّى اللّه عليه و آله معروفون بالوصية و الإمامة في كل عصر و زمان،و كل وقت و أوان،و إنهم العروة الوثقى و أئمة الهدى،و الحجة على أهل الدنيا إلى أن يرث اللّه الأرض و من عليها، و إن كل من خالفهم ضال مضل تارك للحق و الهدى،و إنهم المعبرون عن القرآن، و الناطقون عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله بالبيان،و إن من مات و لا يعرفهم مات ميتة جاهلية،و إن فيهم الورع و العفة و الصدق و الصلاح و الإجتهاد،و أداء الأمانة إلى البر و الفاجر،و طول.

السجود و قيام الليل،و اجتناب المحارم،و انتظار الفرج بالصبر و حسن الصحبة،و حسن الجواب» (2).

ثم قال تميم بن بهلول:حدثني أبو معاوية،عن الأعمش،عن جعفر بن محمد عليهما السّلام في الإمامة بمثله سواء (3).

ابن بابويه قال:حدّثنا علي بن الحسن بن محمد قال:حدّثنا عتبة بن عبد اللّه1.

ص: 47


1- المائدة:55.
2- في كمال الدين:و حسن الجوار.
3- كمال الدين:336/2-337،عيون أخبار الرضا:44/1.

الحمصي بمكة-قراءة عليه سنة ثمانين و ثلاثمائة-قال:حدثني علي بن موسى الغطفاني قال:حدّثنا أحمد بن يوسف الحمصي قال:حدّثنا محمد بن عكاشة قال:

حدّثنا حسين بن زيد بن عبد علي قال:حدثني عبد اللّه بن الحسن بن حسن،عن أبيه عن الحسن بن علي عليهما السّلام قال:«خطب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يوما فقال بعد ما حمد اللّه و أثنى عليه:معاشر الناس كأني أدعى فاجيب،و اني تارك فيكم الثقلين:كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي،ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا،فتعلّموا منهم و لا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم، لا تخلوا الأرض منهم،و لو خلت إذن لساخت بأهلها،ثم قال:اللهم إني أعلم أن العلم لا يبيد و لا ينقطع،و أنك لا تخلي الأرض من حجة لك على خلقك،ظاهر ليس بالمطاع، أو خائف مغمور،لئلا تبطل حجتك،و لا يضل أولياؤك بعد إذ هديتهم،أولئك الأقلون عددا الأعظمون قدرا عند اللّه.

فلما نزل عن منبره قلت له:يا رسول اللّه،أما أنت الحجة على الخلق كلهم؟

قال:يا حسن إن اللّه يقول: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (1)فأنا المنذر و علي الهادي قلت:يا رسول اللّه فقولك:إن الأرض لا تخلو من حجة؟

قال:نعم علي هو الإمام و الحجة بعدي،و أنت الإمام و الحجة بعده،و الحسين الإمام و الحجة و الخليفة من بعدك،و لقد نبأني اللطيف الخبير أنه يخرج من صلب الحسين ولد يقال له علي،سمي جده فإذا مضى الحسين قام بعده علي ابنه و هو الإمام و الحجة و يخرج اللّه من صلب علي ولدا سميّي و أشبه الناس بي،علمه علمي و حكمه حكمي، و هو الإمام و الحجة بعد أبيه،و يخرج اللّه تعالى من صلب محمد مولودا يقال له جعفر أصدق الناس قولا و فعلا،و هو الإمام و الحجة بعد أبيه و يخرج اللّه تعالى من صلب جعفر مولودا يقال له موسى سمي موسى بن عمران أشد الناس تعبدا،فهو الإمام و الحجة بعد أبيه،و يخرج اللّه من صلب موسى ولدا يقال له علي،معدن علم اللّه و موضع حكمه،فهو7.

ص: 48


1- الرعد:7.

الإمام و الحجة بعد أبيه،و يخرج اللّه من صلب علي مولودا يقال له محمد،فهو الإمام و الحجة بعد أبيه،و يخرج اللّه من صلب محمد ولدا يقال له علي،فهو الإمام و الحجة بعد أبيه،و يخرج اللّه من صلب علي مولودا يقال له الحسن،فهو الإمام و الحجة بعد أبيه، و يخرج اللّه من صلب الحسن الحجة القائم إمام شيعته (1)و منقذ أوليائه يغيب حتى لا يرى،و يرجع عن أمره قوم و يثبت عليه آخرون وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (2)و لو لم يكن (3)من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل اللّه عز و جل ذلك اليوم حتى يخرج قائمنا،فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا،فلا تخلو الأرض منكم،أعطاكم اللّه علمي و فهمي،و لقد دعوت اللّه تبارك و تعالى أن يجعل العلم و الفقه في عقبي و عقب عقبي و من زرعي و زرع زرعي» (4).

ابن بابويه قال:حدّثنا محمد بن موسى بن المتوكل-رضي اللّه عنه-قال:حدّثنا محمد بن أبي عبد اللّه الكوفي قال:حدّثنا موسى بن عمران النخعي،عن عمه الحسين بن يزيد النوفلي،عن الحسن بن علي بن سالم،عن أبيه،عن أبي حمزة،عن سعيد بن جبير،عن عبد اللّه بن عباس قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«إن اللّه تبارك و تعالى اطلع إلى الأرض إطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيا،ثم اطلع الثانية فاختار منها عليا فجعله إماما،ثم أمرني أن أتخذه أخا و وليا و وصيا و خليفة و وزيرا،فعلي مني و أنا من علي،و هو زوج ابنتي،و أبو سبطي الحسن و الحسين ألا و إن اللّه تبارك و تعالى جعلني و إياهم حججا على عباده،و جعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري،و يحفظون وصيتي،التاسع منهم قائم أهل بيتي،و مهدي أمتي،أشبه الناس بي في شمائله و أقواله و أفعاله،يظهر من بعد غيبة طويلة و حيرة مضلة،فيعلن أمر اللّه،و يظهر دين اللّه،و يؤيدر.

ص: 49


1- في البحار:إمام زمانه.
2- يونس:48.
3- في البحار:و لو لم يبق.
4- رواه المجلسي في البحار:338/36-340 عن كفاية الاثر باختلاف يسير.

بنصر اللّه،و ينصر بملائكة اللّه،يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما» (1).

ابن بابويه قال:حدّثنا أبي رضى اللّه عنه قال:حدّثنا سعد بن عبد اللّه قال:حدّثنا يعقوب بن يزيد،عن حماد بن عيسى،عن عبد اللّه بن مسكان،عن أبان بن أبي عياش (2).عن سليم بن قيس الهلالي،عن سلمان الفارسي-رضي اللّه عنه-قال:دخلت على النبي صلّى اللّه عليه و آله فإذا الحسين بن علي على فخذه و هو يقبل عينيه و يلثم فاه و يقول:«أنت سيد ابن سيد،أنت إمام ابن إمام (3)أبو أئمة،أنت حجة ابن حجة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم» (4).

و رواه ابن بابويه أيضا عن أبيه،عن سعد بن عبد اللّه،عن أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة،عن أبان بن أبي عياش،عن سليم ابن قيس الهلالي،و ساق الحديث.و هذا الحديث متكرر في كتب ابن بابويه و غيره.

ابن بابويه قال:حدّثنا علي بن أحمد بن عبد اللّه البرقي (5)،عن أبيه،عن جده أحمد بن أبي عبد اللّه،عن أبيه محمد بن خالد،عن محمد بن داود،عن محمد بن الجارود العبدي،عن الأصبغ بن نباتة قال:خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ذات يوم و يده في يد إبنه الحسن عليه السّلام و هو يقول:«خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذات يوم و يدي في يده هكذا و هو يقول:خير الخلق بعدي (6)و سيدهم بعد الحسن إبني أخوهث.

ص: 50


1- كمال الدين:257/1-258.
2- في بعض المصادر:أبان بن تغلب.
3- في بعض المصادر:ابن إمام،أخو إمام،أبو أئمة.
4- كمال الدين:262/1.
5- في بعض المصادر:عبد اللّه بن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي.
6- في بعض المصادر:خير الخلق بعدي و سيدهم أخي هذا،و هو إمام كل مسلم،و مولى كل مؤمن بعد وفاتي.ألا و إني أقول:خير الخلق بعدي و سيدهم ابني هذا،و هو إمام كل مؤمن،و مولى كل مؤمن بعد وفاتي،ألا و إنه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و خير الخلق و سيدهم بعد الحسن. الحديث.

الحسين المظلوم بعد أخيه المقتول في أرض كربلاء،أما إنه و أصحابه من سادات الشهداء يوم القيامة،و من بعد الحسين تسعة من صلبه خلفاء اللّه في أرضه و حججه على عباده،و أمناؤه على وحيه،و أئمة المسلمين،و قادة المؤمنين،و سادة المتقين، تاسعهم القائم الذي يملأ اللّه عز و جل به الأرض نورا بعد ظلمتها،و عدلا بعد جورها، و علما بعد جهلها،و الذي بعث أخي محمدا بالنبوة و اختصني بالإمامة لقد نزل بذلك الوحي من السماء على لسان الروح الأمين جبرائيل،و لقد سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله-و أنا عنده-عن الأئمة بعده فقال للسائل: وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1)عددهم بعدد البروج، و رب الليالي و الأيام و الشهور إن عدتهم كعدة الشهور (2).

فقال السائل:فمن هم يا رسول اللّه؟

فوضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يده على رأسي فقال:أولهم هذا و آخرهم المهدي،من والاهم فقد والاني،و من عاداهم فقد عاداني،و من أحبهم فقد أحبني و من أبغضهم فقد أبغضني،و من أنكرهم فقد أنكرني،و من عرفهم فقد عرفني،بهم يحفظ اللّه عز و جل دينه،و بهم يعمر بلاده،و بهم يرزق عباده،و بهم ينزل القطر من السماء،و بهم يخرج بركات الأرض،هؤلاء أصفيائي و خلفائي و أئمة المسلمين و موالي المؤمنين» (3).ن.

ص: 51


1- البروج:1.
2- في بعض المصادر:ان عددهم كعدد الشهور.
3- كمال الدين:259/1-260 ط 1390 هج-طهران.

لولا الحسين و الأئمة عليهم السلام ما خلق اللّه تعالى الخلق

روى الشيخ إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن أبي الحسن بن محمد بن حمويه الجويني-و هو عن أعيان علماء العامة و عظمائهم-في كتابه المسمى ب(فرائد السمطين في فضائل المرتضى و البتول و السبطين)-و كلّما رويته فهو من كتابه هذا-قال:أخبرنا الشيخ العدل بهاء الدين محمد بن يوسف البزرالي (1)بقرائتي عليه بستمائة (2)بسفح جبل قاسون مما يلي عقبة دمّر ظاهر مدينة دمشق المحروسة قلت له:أخبرك الشيخ أحمد بن الفرج بن علي بن الفرج الأموي إجازة فأقرّ به.

ح-و أخبرني الشيخ الصالح جمال الدين أحمد بن محمد بن محمد المعروف بدكويه القزويني رحمه اللّه و غيره إجازة بروايتهم عن الشيخ الإمام إمام الدين أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني إجازة قال:أنبأنا الشيخ العالم عبد القادر بن أبي صالح الجبلي قال:أنبأنا أبو البركات هبة اللّه بن موسى السقطي قال:أنبأنا القاضي أبو المظفّر هنّاد بن إبراهيم النّسفي قال:أنبأنا الحسن بن محمد بن موسى بتكريت قال:أنبأنا محمد بن الفرّخان (3)،حدّثنا محمد بن يزيد القاضي،حدّثنا الليث بن سعد (4)عن العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه،عن أبي هريرة،

ص: 52


1- في الفرائد(محمد بن يوسف بن محمد بن يوسف البرزالي)و هو الصحيح،كما في المعاجم.
2- في الفرائد:(بقرائتي عليه ببستانه).
3- محمد بن الفرّخان بن روزبه أبو الطيب الدوري.
4- في النسخة المخطوطة و الفرائد:(حدّثنا قتيبة،ثنا الليث بن سعد)..و قتيبة هو:قتيبة بن سعيد بن جميل.

عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنه قال:«لما خلق اللّه تعالى آدم أبو البشر،و نفخ فيه من روحه،التفت آدم يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح سجّدا و ركّعا قال آدم:يا رب هل خلقت أحدا من طين قبلي؟قال:لا يا آدم،قال:فمن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيئتي و صورتي؟قال:هؤلاء خمسة من ولدك،لولاهم ما خلقتك،هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة اسماء من اسمائي،لولاهم ما خلقت الجنة،و لا النار،و لا العرش،و لا الكرسي، و لا السماء و لا الأرض،و لا الملائكة،و لا الانس،و لا الجن،فأنا المحمود و هذا محمد، و انا العالي و هذا عليّ،و انا الفاطر و هذه فاطمة،و أنا الاحسان و هذا الحسن،و أنا المحسن و هذا الحسين،آليت بعزتي أنه لا يأتني أحد بمثقال حبة من خردل من بغض أحدهم إلا ادخلته ناري و لا أبالي،يا آدم هؤلاء صفوتي بهم انجيهم (1)و بهم اهلكهم، فإذا كان لك إلي حاجة فبهؤلاء توسل.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله:نحن سفينة النجاة من تعلق بها نجى و من حاد عنها هلك،فمن كان له إلى اللّه حاجة فليسأل بنا أهل البيت» (2).

الحمويني قال:أنبأني أبو طالب بن الحسين الخازن (3)عن ناصر بن أبي المكارم (4)إجازة أخبرنا أبو المؤيد الموفق بن أحمد إجازة إن لم يكن سماعا.

ح-أنبأني العزيز بن محمد،عن والده أبي القاسم بن أبي الفضل بن عبد الكريم إجازة قال:أخبرنا شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي إجازة قال:أخبرنا عبدوس بن عبد اللّه (5)،حدّثنا أبو علي (6)محمد بن أحمد العطشي،حدّثنا أبو سعيد العدوي الحسين بن علي،حدّثنا أحمد بن المقدام العجلي أبو الاشعب،حدّثنا).

ص: 53


1- في الفرائد:(هؤلاء صفوتي من خلقي بهم انجيهم).
2- فرائد السمطين 1:/36ح 1.
3- في الفرائد:(أبو طالب بن أنجب بن الخازن).
4- الصحيح(أبو المكارم ناصر بن عبد السيد المطرزي الخوارزمي)كما في الفرائد و كتب السير.
5- في الفرائد:(عبدوس بن عبد اللّه الهمداني كتابة قال:).
6- في الفرائد:(حدّثنا أبو الحسن علي بن عبد اللّه قال:حدّثنا أبو علي).

الفضيل بن عياض،عن ثور بن يزيد،عن خالد بن معدان،عن زاذان عن سلمان قال:

سمعت حبيبي المصطفى محمدا صلّى اللّه عليه و آله يقول:«كنت أنا و علي نورا بين يدي اللّه عز و جل مطيعا،يسبح اللّه ذلك النور و يقدسه قبل أن يخلق[اللّه] (1)آدم بأربعة عشر ألف سنة،فلما خلق اللّه تعالى آدم ركب ذلك النور في صلبه فلم نزل (2)في شيء واحد حتى افترقنا في صلب عبد المطلب فجزء أنا،و جزء علي» (3).

الحمويني قال:و بهذا الاسناد إلى شهردار إجازة قال:أخبرنا أبو الفتح عبدوس بن عبد اللّه بن عبدوس الهمداني كتابة،أنبأنا الشريف (4)أبو طالب الجعفري قال:

حدّثنا ابن مردويه الحافظ،حدّثنا إسحاق بن محمد بن علي بن خالد،حدّثنا أحمد بن زكريا،حدّثنا ابن طهمان،حدّثنا محمد بن خالد الهاشمي،حدّثنا الحسن بن إسماعيل بن عباد (5)عن أبيه عن جده قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«كنت أنا و علي نورا بين يدي اللّه تعالى من قبل أن يخلق آدم اللّه بأربعة عشر ألف عام فلما خلق اللّه تعالى آدم سلك ذلك النور في صلبه،فلم يزل اللّه تعالى ينقله من صلب إلى صلب حتى أقره صلب عبد المطّلب،ثم أخرجه من صلب عبد المطّلب فقسّمه قسمين قسما في صلب عبد اللّه،و قسما في صلب أبي طالب،فعلي مني،و أنا منه،لحمه لحمي،و دمه دمي،فمن أحبه فبحبي أحبه،و من أبغضه،فببغضي أبغضه» (6).

صاحب المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة قال:حدث محمد بن علي بن سعد1.

ص: 54


1- من المصدر.
2- في المصدر:يزل.
3- فرائد السمطين:/42/1ح 6.
4- في الفرائد:(عبد اللّه بن عبدوس الهمداني كتابة قال:حدّثنا الشريف).
5- في الفرائد(إسماعيل بن حماد).
6- فرائد السمطين:1،الباب 1.

الجوهري (1)،عن القاسم بن الحسن،عن أبيه الحسن،عن محمد بن علي،عن أبيه، عن علي بن العباس،عن أبان عن أنس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«لما خلق اللّه عز و جل آدم نظر إلى سرادق العرش فرأى مكتوبا لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه و اسماء أربعة فقال آدم عليه السّلام:يا إلهي خلقت خلقا من إنس قبلي؟فقال:لا،فقال:و ما هذه الاسماء التي أراها؟ فقال:يا آدم هؤلاء خيرتي من خلقي،و صفوتي،يا آدم لولا هؤلاء[ما خلقتك و لو لا هؤلاء]ما خلقت الجنة و لا النار،إياك أن تنظر إليهم بعين الحسد يا آدم فلما أكل آدم عليه السّلام من الشجرة و أخرج من الجنة و نال الخطيئة و أراد التوبة قال في توبته و تضرعه إلى ربه:إلهي بحق الخمسة الذين على سرادق العرش إلا غفرت لي فاوحى اللّه تعالى إليه:يا آدم قد غفرت لك فكان ذلك في سابق علمي فيك يا آدم،فقال آدم:إلهي بحق هؤلاء الخمسة و بحق المغفرة إلا عرفتني من هؤلاء؟قال تعالى يا آدم هؤلاء الخمسة من ولدك شققت لهم خمسة أسماء من اسمائي العظام،فأنا المحمود و هذا أحمد،و أنا العالي و هذا علي،و أنا الفاطر و هذه فاطمة،و أنا المحسن و هذا الحسن،و أنا الاحسان و هذا حسين».

الحمويني قال:أخبرني السيّد النسّابة عبد الحميد بن فخار الموسوي-رحمه اللّه- كتابة،أخبرنا النقيب أبو طالب عبد الرّحمن بن عبد السميع الواسطي إجازة أنبأنا شاذان بن جبرائيل بن إسماعيل القمي بقرائتي عليه،أنبأنا أبو عبد اللّه محمد بن عبد العزيز القمي،أنبأنا الإمام حاكم الدين أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمد بن إبراهيم النظيري (2)قال:أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد قال:أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه بن أحمد الحافظ قال:حدّثنا أحمد بني.

ص: 55


1- في المخطوطة:(محمد بن سعد الجوهري).
2- في الفرائد:النطنزي.

يوسف بن خلاد النصيبي ببغداد قال:حدّثنا الحرث بن أبي اسامة (1)التميمي قال:

حدّثنا داود بن المحبر بن محمد (2)قال:حدّثنا قيس بن الربيع،عن عباد بن كثير،عن أبي عثمان النهدي (3)عن سلمان الفارسي رضي اللّه عنه قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول:«خلقت أنا و علي بن أبي طالب من نور[اللّه] (4)عن يمين العرش نسبح اللّه و نقدسه من قبل أن يخلق اللّه تعالى آدم بأربعة عشر ألف سنة،فلما خلق اللّه آدم نقلنا إلى أصلاب الرجال و أرحام النساء الطاهرات،ثم نقلنا إلى صلب عبد المطلب و قسمنا نصفين فجعل النصف (5)في صلب أبي،عبد اللّه،و جعل النصف (6)في صلب عمي أبي طالب،فخلقت من ذلك النصف و خلق علي من النصف[الآخر] (7)و اشتق اللّه تعالى من أسمائه أسماء،فاللّه عز و جل محمود و أنا محمد،و اللّه الأعلى و أخي علي،و اللّه فاطر (8)و ابنتي فاطمة،و اللّه محسن و ابناي الحسن و الحسين،و كان اسمي في الرسالة و النبوة، و كان اسمه في الخلافة و الشجاعة،فانا رسول اللّه (9)و علي ولي اللّه» (10).5.

ص: 56


1- في الفرائد:(الحارث بن أبي اسامة)كما في تهذيب التهذيب.
2- الصحيح،داود بن المحبر بن قحذم الطائي.كما في تهذيب التهذيب.
3- أبي عثمان النهدي هو:عبد الرّحمن بن ملء بن عمرو النهدي ذكره ابن الاثير في أسد الغابة.
4- من المصدر.
5- في المصدر:نصف.
6- في المصدر:نصف.
7- من المصدر.
8- في المصدر:الفاطر.
9- في النسخة المخطوط:(و علي سيف اللّه).
10- فرائد السمطين /41/1ح 5.

عظمة الإمام الحسين عليه السلام و بركاته

ينقل آية اللّه دستغيب هذه القصة عن السيّد الزاهد مولانا الحاج فرج اللّه البهبهاني و القصة بخط السّيد فرج اللّه نفسه و هي:

كان هناك شخص اسمه عبد اللّه يسكن بهبهان و في ليلة 28 محرم الحرام من عام 1382 ه شلّت إحدى رجليه و لم يستطع الحركة بعدها إلاّ بالاستعانة بعكازتين يضعهما تحت إبطيه و كانت تصله حقوق من أمير المؤمنين تمكنه من مواصلة العيش بكرامة.

و كان عبد اللّه قد راجع مرارا الدكتور غلامي في مدينتنا لكن الدكتور أجابه بأن حالته ميؤوس منها ثم جاء إليّ يوما يطلب العون حتى أرسله إلى مدينة أهواز فهيأت له الوسيلة و أعطيته كتاب توصية لحضرة آية اللّه البهبهاني حيث استقبله خير استقبال و أرسله إلى الدكتور فرهاد طبيب زاده..فأخذ لرجله الصور الشعاعية اللازمة و بعد تدقيقها أجابه بأن حالته لا يمكن شفاؤها حيث شوهدت غدة سرطانية في ركتبه فأرسله إلى مشفى في آبادان حيث أخذت له مرة أخرى أربع صور شعاعية و ظهر أن علاجه مستعص فأقفل راجعا إلى بهبهان و هو يائس من الشفاء على أيدي الأطباء.

و كان-عبد اللّه-يقول أنه كان يرى خلال هذه الفترة أحلاما تسره و تحفز فيه الأمل بالشفاء فيستيقظ مسرورا.

و قال عبد اللّه:و من هذه الأحلام أنني رأيت نفسي يوما و قد دخلت القسم

ص: 57

الخارجي من داركم (1)و لم تكونوا هناك و لكنني شاهدت سيدين مهيبين نورانيين قد جلسا تحت شجرة التفاح ثم رأيتكم تدخلون الباحة في هذه الأثناء و بعد التحية و السلام قدم السيدان نفسيهما إليك فكان أحدهما الإمام الحسين عليه السّلام و الثاني ولده علي الأكبر عليه السّلام.

ثم أعطاكم الإمام الحسين عليه السّلام تفاحتين و قال إحداهما لك و الأخرى لولدك حيث ستكون نتيجة ذلك بعد سنتين ستكلم الحجة بن الحسن ست كلمات.

ثم أضاف عبد اللّه:لقد طلبت من جنابكم أن تطلبوا شفائي من الإمام الحسين عليه السّلام فقال أحدهما سنعقد يوم الاثنين من جمادى الثانية لعام 84 مجلس العزاء الحسيني في منزل فلان(و ذكر اسم السيد البهبهاني)فعليك بالجلوس عند منبر الحسين و سوف تشفى إن شاء اللّه عزّ و جلّ بعد مراسم العزاء الحسيني.

ثم استيقظ عبد اللّه من النوم مسرورا و جاء إلى داري و أخبرني بالحكاية و بقي ينتظر اليوم الموعود.

و في يوم الإثنين المذكور شاهدت عبد اللّه بعكازيته و هو يدخل المجلس ثم يجلس بقرب المنبر الحسيني.

ثم يتابع عبد اللّه بقية القصة:بعد أن جلست حوالي الساعة أحسست بان رجلي المشلولة قد دبّ فيها شيء ما و ربما هو جريان الدم فمددت رجلي ثم جمعتها فإذا هي سالمة لا ألم فيها و لم يكن مجلس العزاء أثناء ذلك قد انتهى و لكن من فرحتي تحدثت مع من حولي.ثم توجه عبد اللّه إليّ و صافحني مسرورا و إذا بالحاضرين في المجلس قد علا صوتهم بالصلاة على محمّد و آل محمّد و قد شفي عبد اللّه تماما.

و بهذه المناسبة العظيمة انعقدت مجالس الفرح في مدينة بهبهان و في اليوم التالي أي 22 مهر أقيمت في منزلي مراسم الفرح باسم معاجز سيد الشهداء حيثي.

ص: 58


1- -أي دار السيّد البهبهاني.

حضر جمع غفير من أهالي المدينة و أخذت الصور العديدة لهذه المناسبة السعيدة (1).6.

ص: 59


1- -القصص العجيبة:45 قصة رقم 26.

قيمة تضحية الحسين عليه السلام

كان أحد المتعلمين يداوم على زيارة الحسين عليه السّلام في كل المناسبات في حرمه الشريف و في أحد الأيام سمع حديثا في حق الإمام ما معناه إنه مهما اعطى اللّه الحسين فإنه قليل في حق الحسين عليه السّلام..فحمل هذا الحديث على المبالغة و نحوه..

و هو في طريقة لزيارة الحسين على فرسه إعترضه شاب و قال له اصحبني معك قال أنت راجل و أنا راكب قال و إن أركض معك فمشيا معا.

و في أثناء الطريق قال الشاب للمتعلم:حدثنا بحديث نستفيد منه،فقال:لا أعلم شيئا.

فقال الشاب:إذا أنا أحدثك.

كان في قديم الزمان ملك يذهب إلى الصيد في كل فرصه فتوفى و خلّف ولدا في الثامنة عشر من عمره مع سفراء أربعة.

فسار الولد على مسار أبيه و في إحدى سفراته للصيد شذت فرسه عن الطريق فضاع عن الحاشية في الصحراء حتى وصل إلى كوخ فيه امرأة و عجوز فتقدما له و أنزلاه عن الفرس و ربطاه و أشعلا له الحطب لكي يتدفأ إذ كانت الأيام أيام ربيع و الوقت متأخر في المساء.و لم يكن يملك إلاّ شاة واحدة فذبحاها و أطعماه كبدها من دون علمهما بأنه الملك و قالا له في الصباح تحلّ مشكلتك..

و ما إن انفلج عمود الصباح حتى كانت الحاشية تحيط بالكوخ فقص لهم القصة و قال لهم إنه بمنزلة والدي لقد أحياني.فبما أكافيه مخاطبا سفراءه:

ص: 60

فقال الأوّل:أعطاك شاة فاعطه مئة.

و قال الثاني:أعطاك شاة فاعطه ألف.

و قال الثالث:أعطاك شاة فأعطه ملكا عظيما و قربه.

و لم يتكلم الرابع.فاعترض الملك..

فقال الرابع:رأيي لو قلته لا تعمل به.

فقال الملك:لابدّ منه.

فقال الرابع:لقد أعطاك كل ما يملك فإذا أردت أن تكون مثله فأعطه كل ما تملك، و إذا أردت أن تتفضل فكن له عبدا،إضافة إلى ملكك.

فقبل الملك و أعطاه كل ما يملك..

فقال الشاب:أعلمت معنى الحديث؟:إن العجوز قدم كبشا للملك فأعطاه كل ما يملك و لم يتفضل عليه.

فكيف بالحسين عليه السّلام الذي قدّم نفسه و طفله و عياله و أصحابه أكباشا للّه الملك القهار فهل يجزي الملك كله؟!

فتوقف المتعلم منتبها فتلفت فلم يجد الشاب فكان الحجة عليه السّلام أرواحنا له الفدى.

ص: 61

الإخلاص عند الإمام الحسين عليه السلام

قال السيد الخامنئي:إنّ لشخصية أبي عبد الله عليه السّلام أبعادا شتى يستلزم كل واحد منها بيانا و توضيحا شاملا،من جملتها«الإخلاص»،و الإخلاص معناه الإلتزام بالواجب الإلهي و عدم إدخال المصالح الذاتية و الفئوية و الدوافع المادية فيه.

الثقة باللّه تعالى عند الإمام الحسين عليه السلام

و البعد الآخر هو الثقة بالله،إذ أن ظواهر الأمور كانت تقضي بأنّ تلك الشعلة ستخفت في صحراء كربلاء،و لكن كيف يرى ذلك الفرزدق الشاعر في حين لم يكن يراه الحسين عليه السّلام؟!و يراه الناصحون القادمون من الكوفة،و لا يراه الحسين بن علي عليه السّلام الذي كان عين اللّه؟!

لقد كانت ظواهر الأمور توحي بهذا المآل،إلاّ أنّ الثقة باللّه كانت توجب عليه اليقين-رغم كل هذه الظواهر-بأن الغلبة ستكون لكلامه الصادق و لموقفه الحق.

و جوهر القضية هو أن تتحقق نيّة المرء و غايته.و الإنسان المخلص لا تهمه ذاته فيما إذا تحققت الغاية التي يرمي إليها.

رأيت ذات مرّة أحد أكابر أهل السلوك و المعرفة كتب في رسالة:إننا إذا افترضنا -على سبيل المحال-أنّ كل الأعمال التي كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يطمح الى تحقيقها قد

ص: 62

تحقّقت،و لكن باسم شخص آخر،فهل كان ذلك يغيظ رسول الله صلّى اللّه عليه و آله؟و هل كان يقف منها موقفا سلبيا مادامت باسم شخص آخر،أو أنه يقف منها موقفا إيجابيا بدون الالتفات الى الإسم الذي تتحقق على يده؟

إذن فالغاية هي المهمة،و الإنسان المخلص لا يأبه كثيرا بالشخص و بالذات و بالأنا،باعتباره انسانا مخلصا و له ثقة باللّه،و موقنا بأن الباري تعالى سيحقق هذا الهدف؛لأنه تعالى قال: وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فالكثير من الجنود الغالبين يخرّون صرعى في ميادين الجهاد،إلاّ أنه تعالى قال في الوقت ذاته: إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (1).3.

ص: 63


1- سورة الصافات:173.

صواب الموقف عند الإمام الحسين عليه السلام

أما البعد الثالث فهو إدراك الموقف،و عدم الوقوع في الخطأ في اتخاذه،فقد كان الإمام الحسين متصديا لزمام المسؤولية و الإمامة مدة عشر سنوات،مارس خلالها نشاطات أخرى ليست من طراز الفعل الإستشهادي في كربلاء،و لكن بمجرد أن سنحت له الفرصة للإتيان بعمل كبير استغل تلك الفرصة و وثب و تمسّك بها،و لم يدعها تفلت من بين يديه (1).

ص: 64


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:12.

عمل و جهاد الإمام الحسين عليه السلام

اشارة

قال السيد الخامنئي:تلاحظون أنّ الإمام الحسين عليه السّلام مع كونه سبط النبي صلّى اللّه عليه و آله،و ابن علي بن أبي طالب عليه السّلام،و ابن فاطمة الزهراء عليها السّلام،و هذه الأشياء عظيمة بحد ذاتها و ترفع الإنسان كثيرا،إضافة إلى أنه قد نشأ في تلك الدار و تربى في ذلك الحجر و ترعرع في تلك الأجواء المعنوية و النعيم الروحي،لكنه لم يكتف بذلك.حينما رحل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،كان الإمام الحسين عليه السّلام صبيا في الثامنة أو التاسعة من عمره،و عند استشهاد أمير المؤمنين عليه السّلام كان شابا في السابعة أو الثامنة و الثلاثين.

و في عهد أمير المؤمنين الذي كان عهد ابتلاء و جهد و عمل كان هذا الجوهر المستعد يتلقى التربية بالأعمال العظيمة و يتأهل على يد أبيه على الدوام حتى عاد قويا و مزهرا و مشرقا.

إذا كانت همة المرء كهمتنا،تراه يقول:و هذا القدر يكفيني و هو حسبي و به ألقى ربي،و هذه ليست همة حسينية.

و في حياة أخيه المباركة حيث كان الإمام الحسين عليه السّلام مأموما و أخوه الإمام الحسن عليه السّلام إماما،استمر في حركته الجبارة،و هو يسير قدما و يؤدي واجباته إلى جانب أخيه و في ظل طاعته المطلقة لإمام زمانه.تأمّلوا حياته لحظة فلحظة.

ثم أنّه واجه استشهاد أخيه.و استمرّت حياته المباركة بعد هذا الحدث،لاحظوا ما ذا كان يفعل الحسين عليه السّلام خلال هذه الفترة التي سبقت واقعة الطف.

ص: 65

ثقافة الجهاد

إنّ إحدى الظواهر البارزة في الثقافة الإسلامية-و لها مصاديق بارزة و كثيرة في تاريخ صدر الإسلام و أقل منها على مر الفترة-هي ثقافة القتال و الجهاد.

و الجهاد طبعا لا ينحصر في نطاق القتال في ميادين الحرب؛فكل ما ينطوي على جد و اجتهاد و مجابهة مع العدو يسمّى جهادا.

التفتوا جيدا؛فلعل البعض يؤدي عملا و يتحمل فيه مشقّة كبيرة،و يدّعي الجهاد.

كلا؛فأحد شروط الجهاد أن يكون في مجابهة العدو.و لكن قد يكون تارة في ميدان الحرب فيسمّى بالجهاد الحربي،و قد يكون تارة في ميدان السياسة فيكون جهادا سياسيا،و قد يكون في الميدان الثقافي فيسمّى جهادا ثقافيا،و قد يكون في مجال البناء فيسمّى بجهاد البناء،كما أنّ له ميادين و مجالات أخرى طبعا.

و الشرط الأول فيه أن يبذل جهدا و مثابرة،و شرطه الثاني أن يكون في مواجهة العدو.

هذه ظاهرة بارزة في الثقافة الإسلامية و لها أمثلة في شتّى الميادين.

و اليوم أيضا بدأ هذا الجهاد منذ أنّ انطلق نداء مجابهة النظام البهلوي المقيت، من حنجرة الإمام الخميني رضوان اللّه عليه و أنصاره آنذاك،أي في عام 1341 (ه ش)،و قد كان حتى قبل هذا التاريخ و لكن بصورة متناثرة و نادرة و قليلة الأهمية.

منذ أن بدأت هذه المجابهة اتخذت طابعا أكثر أهمية إلى أن تكللت بانتصار هذا الجهاد الذي تجسّد بانتصار الثورة.و منذ ذلك اليوم و حتى يومنا هذا كان في هذا

ص: 66

البلد جهاد دائم.

و بما أن لنا أعداء،و أعداؤنا أقوياء في الجانب المادي،و بما أنّ الأعداء قد أحاطوا بنا من كل جانب،و هم بصدد العدوان علينا،و قضية العدوان على إيران لا يمزحون فيها؛لأنهم يستهدفون ضربها بأي نحو ممكن،إذن فكل من يقف في إيران الإسلامية بوجه هذا العدو-الذي سدّد من كل جانب سهامه السامة إلى جسد هذه الثورة و هذا البلد الإسلامي-فهو مجاهد في سبيل اللّه.و نحمد اللّه على أنّ شعلة الجهاد كانت و لا زالت و ستبقى مضيئة.

الجهاد الفكري

و بطبيعة الحال إن أحد أنواع هذا الجهاد هو الجهاد الفكري.أي بما أنّ العدو قد يباغتنا و يوقعنا في الأخطاء و المنزلقات،فكل من يبذل جهده على طريق توعية الناس،و يحول دون حصول أي انحراف أو سوء فهم،فعمله هذا جهاد؛إذ هو في سبيل مجابهة العدو،و لعلّه من الجهاد المهم.

بلدنا اليوم مركز الجهاد،و ليس لدينا ما يستوجب القلق في هذا المجال.الحمد للّه أنّ الشخصيات المسؤولة في البلد كلها شخصيات صالحة و مؤمنة و مجاهدة و واعية و مخلصة.عليكم أن تلتفتوا لهذه الجوانب،فرئيس الجمهورية،رجل قضى عمره في الجهاد و لا زال حتى الآن يجاهد ليلا و نهارا،و كذلك الحال بالنسبة لمسؤولي المواقع الأخرى كمجلس الشورى الإسلامي،و السلطة القضائية، و القوات المسلحة،و كذا سائر أبناء الشعب،كلهم في حالة جهاد دائم.

هذه الدولة هي دولة الجهاد في سبيل اللّه،و من هنا فإنّ ثقل جهدي في المراقبة لأرى المواضع التي تخبو فيها شعلة الجهاد فأسارع بعون اللّه و لا أدعها تنطفئ،

ص: 67

و أرى مواضع الخطأ و الزلل فأتصدى لها،و هذه هي مسؤوليتي الأساسية.

إنني لا يساورني أي قلق حول حالة الجهاد الحالية في البلد،و هذا ما يجب أن تعلموه.إلاّ أن في القرآن شيئا يرغمنا على التفكير فيه،و هو أنه أمرنا أن ننظر إلى الماضي و نأخذ العبر من التاريخ (1).

الثقافة في الرؤية المادية

لقد انتخب الغرب ثقافة تخصّه-صحيحة أو خاطئة-لكنّه لم يقنع بذلك بل يريد فرضها على سائر الشعوب،فلو شارك أحد في إجتماع عالمي رسمي و لم يكن يلبس رباط العنق-على سبيل المثال-فهذا أمر منبوذ برأيهم فيقولون له لماذا لا تلبس هذا يا فلان؟!طبعا هو يسألهم أيضا لماذا أنتم تلبسون هذا؟

إنّ لكلّ شعب ثقافة و آداب و عادات و عقائد خاصّة به،طبعا إنّنا لا نناقش الصحيح من غير الصحيح،فإن أردنا فعل ذلك،فبديهي أنّ الثقافة النابعة من الإسلام و الوحي الإلهي و سيرة أهل البيت عليهم السّلام،أي ثقافة الشعوب الإسلامية هي الصحيحة.

إذن على كلّ شعب أن يعتمد على نفسه و ينتخب ثقافته و عقيدته و عاداته بنفسه بغضّ النظر عن كونها صحيحة أو غير صحيحة،و لا يحقّ لأيّة قوّة فرض شيء عليه.

طبعا هناك أمور قبيحة و سيّئة عند جميع الشعوب،فالظلم و التعدّي على حقوق الآخرين قبيح عند كلّ ذي عقل سليم.و لكنّ القوى الّتي تنتظر من الشعوب و الدول أن تقلّدها،هي-و للأسف-لا تراعي هذه الأمور،فتراهم يقتلون و يعتدون على

ص: 68


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:15.

ثروات الشعوب و لا يطيقون الأقوال الصحيحة و المنطقيّة للشعوب.

طبعا فإنّ الثقافة-بمعنى العقيدة و الأخلاق-ليست لها هذه المنزلة في الرؤية المادية لقضايا العالم؛أي أنّ العقيدة و الأخلاق لا تحظى بهذه الأهمية التي تحظى بها عندنا بالنسبة لأولئك الذين ينظرون إلى قضايا العالم و شؤون البشرية و أمور الحياة نظرة مادية صرفة.و لهذا فإنّ الغرب المادي يتخذ موقفا على صعيد العقائد و الأخلاق غير الموقف الذي يتخذه في مجال السلطة و المال و الذي تتجسد من خلاله المصالح المادية و الملموسة؛فحيثما يشعر الغرب بأنّ ثمّة مجالا للوصول إلى السلطة و كسب الثروة و الأرباح أو المنافسة فإنّه ينزل إلى الميدان بكل ما لديه من قوة دون أي تساهل أو تسامح أو مداراة،و هذا ما لا يفعله في مجال العقيدة و الأخلاق-أو على أقل تقدير في مقام الإدعاء-حيث يدّعي التسامح و عدم التعصب؛أي أنه لا يقيم لها وزنا؛فلكل شخص أن يختار عقيدته أو أخلاقه بالشكل الذي يريد،و إن كنّا نرى أحيانا أنّ الغربيين يبدون الكثير من العصبية في المجال الثقافي؛أي عند ما يكون الأمر متعلقا بمصالحهم السياسية أو التوسعية أو السلطوية بشكل أو بآخر،فإنهم حتى على الصعيد الثقافي يدخلون الميدان بعنف و عصبية دون إبداء شيء من المرونة أو التسامح.و لكن القاعدة العامة عندهم هي عدم إظهار الحساسية أو إتخاذ موقف ما عند ما يتعلق الأمر بقضايا العقيدة و الدين و الثقافة.

و هذه هي العلمانية؛أي الفكر المحايد و غير المبدئي في مجال العقيدة و الأخلاق و ما إلى ذلك.هذه هي الرؤية المادية الغربية.و بالطبع فإنّ الغربيين ليسوا هكذا جميعا،بل إنّ في الغرب أيضا فكرا معنويا و إلهيا و عرفانيا يعلن عن نفسه في بعض الأحيان،و لا سيما في أيامنا هذه،و لكن هذا هو مبنى الفكر المادي السائد في الغرب بصفة عامة.

ص: 69

الثقافة في الرؤية الإسلامية

إنّ الأمر يختلف تماما عند ما يتعلق الحديث بالإسلام،حيث إن النظرة إلى القضايا العقائدية و الأخلاقية في الإسلام ليست نظرة غير مبالية أو غير مكترثة و لا مسؤولة؛فالإسلام يعطي شطرا من نشر العدالة لقضية العقائد و الأخلاق،أي أنّ الذي يتجاهل الحيلولة دون انحراف شخص ما،مع تمكنه من ذلك،يكون قد أجحف بحقه،كما أنّ الذي يستطيع هداية شخص ما أو توعيته و إرشاده على الصعيد الأخلاقي ثم يتوانى عن ذلك،يكون قد ظلم ذلك الشخص و أجحف في حقه.

و هناك عدة روايات حول تفسير قوله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَ لَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (1)،حيث يقول الإمام عليه السّلام:أي الذي يخلّص إنسانا من الحرق أو القتل (2).

ص: 70


1- سورة المائدة:32.
2- عن أمير المؤمنين عليه السّلام حديث طويل و فيه قال النّبي صلّى اللّه عليه و آله من استن بسنة حق كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة،و من استن بسنة باطل كان عليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة،و لهذا القول من النّبي صلّى اللّه عليه و آله شاهد من كتاب اللّه و هو قول اللّه عز و جل في قصة قابيل قاتل أخيه مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً. و للأخبار في هذه المواضع تأويل في الباطن ليس لظاهره و من هداها لأن الهداية هي حياة الأبد،و من سماه اللّه حيا لم يمت أبدا إنما ينقله من دار محنة إلى دار محنة.الإحتجاج:/592/1احتجاجه عليه السّلام على الزنديق. و في تفسير علي بن إبراهيم:قوله: وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً قال:من أنقذها من حرق أو غرق أو هدم أو سبع أو كفله حتى يستغني،أو أخرجه من فقر إلى غنى و أفضل من ذلك من أخرجها من ضلال إلى هدى،و اما قوله: فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً قال:يكون مكانه كمن أحيا الناس جميعا.تفسير القمي:/175/1سورة المائدة/ط الأعلمي.

و لكنه يقول في رواية أخرى:أي الذي يهدي إنسانا.ثم يعقّب قائلا:و ذلك تأويلها الأعظم.

فهداية إنسان واحد كأنها هداية للإنسانية جمعاء،و ذلك لأن الجوهر الإنساني واحد في هذا الإنسان كما في كافة البشرية؛فعند ما تقومون بمدّيد العون للجوهر الإنساني متمثلا في شخص واحد و تفيضون عليه من قبس الهداية-سواء على صعيد الدين أو في مجال الأخلاق-تكونون قد منحتم العون و المساعدة للجوهر البشري بأجمعه،و لهذا فإنّ الدرجة و القيمة واحدة في الحالتين (1).

الثقافة سند للجهاد

إنّ السند الخلفي لجهاد شعوبنا الإسلامية مع الإستكبار العالمي يتمثّل بثقافتنا و هي عبارة عن أخلاقنا الإسلامية و توكّلنا على الله و إيماننا بالإسلام و حبّنا له، المرأة التي تقدّم أربعة من أبنائها شهداء تقول لقد قدّمت هؤلاء هدية للإسلام و أنا مسرورة بشهادتهم،أنا شخصيا رأيت بعض العوائل عن كثب و ذهبت الى منازلهم و تكلمت مع الآباء و الامهات،أنا لا أروي نقلا عن أحد؛لقد رأيت هذه المناظر بنفسي عن قرب،هناك عائلة فيها ولدان و قد استشهد كلاهما،و أخرى فيها ثلاثة استشهدوا جميعا،هل هذا مزاح؟أفيمكن تحمّل هكذا مصيبة؟لقد كان المفروض أن يجنّ الأب و الأم من الحزن و الغمّ و لكننا رأينا خلاف ذلك،رأينا أنّ الأم -و التي غالبا ما تكون أكثر عاطفية-تقول بكلّ حزم"سيدنا لقد قدّمنا أولادنا في سبيل الإسلام و نحن راضون".

و لقد أدرك العدو أنّ تأثير الإسلام و الإيمان بالله يظهر عند ما يقول الأب و الأم

ص: 71


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:18.

و أبنهما الشاب«إنّك لم تتجاوز السادسة أو السابعة عشرة من عمرك،و لقد ذهب أخوك الى الجبهة و استشهد فابق أنت هنا أدرس و العب و امرح»و لكن ذلك الشاب يقول«لا،يجب أن أؤدي دوري في الدفاع عن الإسلام»لقد لاحظنا هذه المعنويات كثيرا من خلال قراءة الوصايا التي كان يكتبها الشهداء،و لقد سمعت مثل هذه المفاهيم شخصيا من عوائل الشهداء.

ذات يوم أصدر الإمام(ره)بيانا شرح فيه حاجة الجبهة الى الشباب و كنت خرجت يومها الى الشارع لقضاء بعض الأعمال فرأيت الشوارع ممتلئة بالشباب تماما مثل الأيام الأولى للثورة،و كانت الناس تتحرك أفواجا تلبية لما أمر به الإمام (قدس سره).

و لقد تكرّرت هذه الحالة و نظائرها لمرات عديدة طوال الحرب كلّما نودي باسم الإسلام و كلّما تكلّم الإمام(ر ض)و الذي كان ينطق بلسان الإسلام و كانت الناس تطيعه باعتبار تمثيله للإسلام.كلما كان ذلك رأيت الشعب يتميز غيظا و تحمّسا لتنفيذ أوامره.فيهجر الشباب المدن و الجامعات و الأسواق و ساحات كرة القدم و كلّ المشاغل الأخرى و يذهبون الى الجبهة،حتى يجعلوا أنفسهم عرضة للموت.

إنّ هذه قضية جدّية،و لم يكن العدو غافلا عن ذلك بل كان يتابع و يحلّل.أدرك العدو أنّ لهذه الامة سندا و ما دام هذا السند قائما فلن يكون بالإمكان إخضاع هذه الامة بالمحاصرة العسكرية و الإقتصادية و أمثالها.

يجب تحطيم ذلك السند،و يجب أن تمحى ثقافة هذه الامة و قرآنها و جهادها و إيمانها و إيثارها و اعتقادها بدينها و اعتقادها بقيادتها بالقرآن و الشهادة و الجهاد، و لهذا شرعوا بهذا العمل(الغزو الثقافي)و كانت البيئة ملائمة بعد الحرب،و ذلك لأن جبهات القتال كانت تجلب اهتمام الشباب فلم يكونوا يصغون لأراجيف الأعداء و لكن عند ما خمد لهيب الحرب تهيّأ الظرف لهم فشرعوا بعملهم على جبهة منفتحة،

ص: 72

و استعملوا مختلف الوسائل في هذا المجال.

عند ما أدقّق النظر في سعة الأساليب و الوسائل التي استعملوها أدرك مقدار الأهمية التي يولونها لهذا العمل،و أحد أعمالهم هذه هو تحقير و إهمال التراث الأدبي و الفني و الثقافي و الثوري في البلاد.

إنّ أحد المنجزات المهمة للثورة هي أنّها ربّت عدّة كوادر ثقافية و أدبية و فنية مقتدرة،نحن لدينا الكثير من هذه الكوادر-و الحمد لله-لقد ظهر شعراء و كتّاب كثيرون،و برز مؤلفون ماهرون.

العمل الثقافي و السياسي للإمام الحسين عليه السلام

و في المجال الثقافي أيضا دأب على مكافحة التحريف و نشر الأحكام الإلهية و تربية التلاميذ و الشخصيات الكبيرة،و على الصعيد السياسي أيضا كان يمارس الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

ثم تلا كلّ ذلك جهاده العظيم الذي يتعلق بدوره في الجانب السياسي.فهو مشغول بترويض نفسه على الأصعدة الثلاثة و الترقّي فيها (1).

ص: 73


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:21.

الإستقامة عند الإمام الحسين عليه السلام

قال السيد الخامنئي:الإستقامة تعني بالنسبة للإمام الحسين عليه السلام العزم على عدم الانصياع ليزيد و حكمه الجائر.و من هنا انطلقت بوادر التصدّي و عدم الإستسلام لحكومة فاسدة حرّفت نهج الدين بالكامل.بهذه النيّة سار الإمام عليه السّلام من المدينة،لكنه حينما لمس بمكة وجود الناصر قرن مسيرته تلك بالعزم على الثورة.و إلاّ فالجوهر الأصلي لموقفه المعارض هو الوقوف بوجه حكومة لا يتأتّى قبولها أو تحملها وفقا للموازين الحسينية.

فالإمام الحسين عليه السلام وقف أوّل الأمر بوجه هذه الحكومة في وقت لم تكن المشاكل قد برزت بعد،ثم إنّه صار يواجه المشاكل الواحدة تلو الاخرى.

فكانت مسألة الإضطرار للخروج من مكة،ثم اندلاع المعركة في كربلاء و ما تلاها من الضغوط التي تعرّض لها في تلك الواقعة.

الأعذار الشرعيّة التي واجهت الحسين عليه السلام

أحد الامور المهمة التي تعترض سبيل المرء في المواقف الكبرى هي الأعذار الشرعية.فالفروض أو التكاليف توجب على الإنسان أن يؤدّيها،و لكن حينما يستلزم مثل هذا العمل وقوع إشكال كبير-كأن يقتل فيه على سبيل المثال أشخاص كثيرون-هنا يشعر المرء أنّه لم يعد مكلّفا.

ص: 74

أنتم على معرفة بالأعذار الشرعية التي تلاحقت بوجه الإمام الحسين عليه السلام و كانت كفيلة بصرف أي إنسان سطحي الرؤية عن هذا السبيل؛فهو قد واجه أولا نكول أهل الكوفة و مقتل مسلم بن عقيل.و هنا كان بإمكان الإمام الحسين عليه السلام القول بأنّ العذر بات شرعيا و قد سقط التكليف،فأنا كنت عازما على عدم البيعة،و لكن تبيّن لي أنّ موقفا كهذا لا يمكن الإستمرار عليه في مثل هذه الأوضاع و الظروف،و الناس لا طاقة لهم على التحمّل.

إذن فالتكليف ساقط و أنا أبايع مكرها.

كان بميسور الإمام الحسين عليه السلام عند مواجهة ذلك الموقف أن يتصرف على شاكلة الإنسان الذي يحلّ المواقف الكبرى بمثل هذا المنطق و يقول إنّ هؤلاء النسوة و الصبية لا قبل لهم بتحمل هذه الصحراء المحرقة،و على هذا فالتكليف مرفوع،فيميل نحو الخنوع و يقبل بما لم يكن قبله حتى ذلك الحين،أو حتى بعد اندلاع القتال في اليوم العاشر و استشهاد ثلة من أصحابه فهناك تفاقمت عليه المشاكل و بات بإمكانه التذرع بأنّ القتال لم يعد ممكنا،و لا بالمقدور الإستمرار،و لا محيص من التراجع.

أو حينما تكشّف للإمام الحسين عليه السلام بأنّه سيستشهد،و من بعد استشهاده ستبقى حرم اللّه و حرم النبي صلّى اللّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام بيد الرجال الأجانب.

و هنا يعرض له موضوع الشرف و العرض.و كان له باعتباره إنسانا ذا غيرة القول بارتفاع التكليف؛لأنني إذا واصلت هذا الطريق و قتلت فإنّ النساء من آل الرسول و بنات أمير المؤمنين عليه السّلام و أطهر نساء الإسلام سيقعن سبايا بيد الأعداء من الرجال الذين لا أصل لهم و لا فصل و لا يفقهون شيئا من معاني الشرف و الغيرة إذن فالتكليف مرفوع.

ص: 75

فهذا الموقف من واقعة كربلاء ينبغي النظر إليه انطلاقا من هذه الرؤية،و هو أنّ الإمام الحسين عليه السلام لو أراد النظر إلى بعض الحوادث الشديدة الألم و المرارة كحادثة استشهاد علي الأصغر و سبي النساء و عطش الصبية و مقتل الشبان و غيرها من الحوادث الاخرى المروّعة في كربلاء،بمنظار المتشرّع العادي و يتغاضى عن عظمة دوره و رسالته،كان باستطاعته التراجع عند أية خطوة يشاء، ثم يقول أن لا تكليف عليه،و لا مناص الآن من مبايعة يزيد،«و إنّ الضرورات تبيح المحظورات» (1).

إلاّ أنّه عليه السلام لم يتصرف على هذه الشاكلة.هذه هي استقامة الإمام الحسين عليه السلام و هذا هو معنى الاستقامة.

الاستقامة لا تعني في أي موضع كان تحمّل المشاكل؛لأنّ تحمّل المشاكل بالنسبة للإنسان الفذ أيسر من تحمّل هذه الامور التي تبدو في المقاييس الشرعيّة و العرفيّة و العقليّة الساذجة خلافا للمصلحة،لأنّ تحمّلها أصعب من تحمّل المشاكل العصيبة.

قد يقال للمرء تارة:لا تسلك هذا الطريق لأنك ربّما تتعرض للتعذيب.فالإنسان القوي يقول:إني سالك هذا الطريق و لا ضير في تعرّضي للتعذيب.

أو قد يقال لآخر:لا تسلك هذا المسلك لعلك تقتل،ترى الإنسان الفذ يقول:إنّي سالكه و لا أبالي بالقتل.

و لكن تارة أخرى قد لا يقتصر الحديث على مجرد القتل و التعذيب و الحرمان،بل يقال:لا تذهب هذا المذهب،فقد يقتل على أثر موقفك هذا عدد من الناس.و هنا يعرض على بساط البحث موضوع أرواح الآخرين.فيقال له:لا تسر،فمن المحتمل أن يواجه الكثير من النساء و الرجال و الأطفال مصاعب جمّة و عنتا كبيرا من جرّاء0.

ص: 76


1- انظر شرح إحقاق الحق:370.

مسيرك هذا.

و هنا ترتعد فرائص من يهمهم القتل،أمّا الذي لا ترتعد فرائصه،فهو أوّلا:في أعلى درجة من البصيرة و على بيّنة من ضخامة العمل الذي يؤدّيه.

و ثانيا:له من قوة النفس ما لا يتسرب معها إليه الوهن.

و هاتان الميزتان تجلّتا عند الإمام الحسين عليه السّلام في كربلاء.لذلك كانت واقعة كربلاء كشمس سطعت في دياجي التاريخ،و هي ما انفكت ساطعة و ستبقى كذلك أبد الدهر (1).2.

ص: 77


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:22.

الحقائق التأريخية في شخصية الحسين عليه السلام

و من الناحية التأريخية أيضا،فإنّ هذا الإسم و هذه الخصوصية و الشخصية هو مقطع تأريخي و كتاب مستقلّ،طبعا ليس تأريخا مبسّطا و سردا للأحداث،بل تفسير و بيان للتأريخ و دروس في الحقائق التأريخية.

إنّنا بالإضافة إلى استلهامنا الدروس من هذه الواقعة،فإنّنا نستخلص العبر منها،فالدروس تقول لنا ماذا يجب فعله،لكنّ العبر تقول أيّة حادثة وقعت و أيّها قد تقع..

و العبرة في قضية الإمام الحسين عليه السلام هي عند ما يتأمّل الإنسان في تأريخ المجتمع الإسلامي،ذلك المجتمع الذي كان يرأسه شخص غير عادي كرسول الله صلّى اللّه عليه و آله،هذا النبي الذي كان يتمتّع بقدرة تفوق إدراك البشر،و المرتبط بالوحي الأزلي و الحكمة الفريدة اللامتناهية،و المجتمع الذي حكمه بعد ذلك علي بن أبي طالب عليه السلام،حيث أصبحت المدينة و الكوفة مركزي هذه الحكومة العظيمة،فما الذي حدث بعد ذلك؟و أيّة جرثومة دخلت بدن هذا المجتمع حتّى قتل الحسين بن علي عليه السلام في ذلك المجتمع و بين هؤلاء الناس و بتلك الصورة بعد مضي نصف قرن على وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و عشرين سنة على شهادة أمير المؤمنين عليه السلام،فما الذي حدث،و كيف؟!و ما حدث ليس بحقّ ابن مجهول،بل بحقّ من كان يحتضنه النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله في الصغر،و يصعده معه على المنبر و يخطب في الناس،بحقّ من قال في حقّه رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«حسين منّي و أنا من حسين»،كذا كانت العلاقة وثيقة بين الأب و الإبن،ذلك الإبن الذي كان ركنا

ص: 78

من أركان حكومة أمير المؤمنين عليه السلام في الحرب و الصلح و السياسة،و كان كالشمس الساطعة.

إلاّ أنّ أمر ذلك المجتمع قد آل إلى أن يحاصر ابن النبي صلّى اللّه عليه و آله و ذلك الإنسان البارز العزيز صاحب العمل و التقوى و الشخصية المفخرة،صاحب ذلك الدرس في المدينة و الكثير الأصحاب و الأنصار و المحبّين،و شيعته كثيرون في مختلف مناطق العالم الإسلامي،ثم يقتل عطشانا بتلك الصورة الفجيعة لا لوحده فقط،بل مع جميع رجاله حتّى الطفل البالغ من العمر ستة أشهر،و تساق نساؤه و أطفاله أسارى يطاف بهم من مدينة إلى مدينة.فما القضية؟!و ما الذي حدث؟!هذه هي العبرة.

قارنوا بين مجتمعنا و ذلك المجتمع لتجدوا الفارق بينهما،فقد كان على رأس مجتمعنا الإمام العظيم الشأن و الذي كان أعظم من الناس جميعا في زماننا دون أدنى شكّ،و لكن أين إمامنا من النبي صلّى اللّه عليه و آله؟فمثل هذه القدرة العظيمة التي نشرها النبي صلّى اللّه عليه و آله في ذلك المجتمع بحيث كانت يد النبي صلّى اللّه عليه و آله تقود المجتمع بعد عشرات السنين من وفاته.فلا تتصوّروا أنّ الفتوحات الإسلامية كانت مقطوعة عن نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله،بل كانت يد النبي صلّى اللّه عليه و آله هي التي تقود المجتمع الإسلامي،و بناءا على ذلك كان النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله حاضرا في فتوحات ذلك المجتمع و في مجتمعنا و لا زال حتّى آل الأمر إلى ما نحن عليه الآن.

و إنّني أوصي الشباب و المحصّلين و الطلبة و غيرهم أن يجهدوا في القرآن و يدقّقوا فيه،ليعرفوا ماذا حدث؟ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ (1)إنّ القرآن يعلّمنا الاعتبار من سيرة الماضين (2).6.

ص: 79


1- سورة البقرة:134.
2- ثورة الحسين شمس الشهادة:26.

البعد المعنوي و العرفاني في شخصية الإمام الحسين عليه السلام

اشارة

لشخصية الإمام الحسين عليه السّلام الألمعية و الباهرة،بعدان:بعد الجهاد و الشهادة و الإعصار الذي أحدثه على مدى التاريخ،و سيبقى هذا الإعصار-على ما يتسم به من بركات-مدويا على مدى الدهر كما بيّنا.

أمّا البعد الآخر فهو بعد معنوي و عرفاني،و يتجلّى هذا البعد في دعاء عرفة بشكل واضح و عجيب.

و قلّما يوجد لدينا دعاء يحمل هذه اللوعة و الحرقة و الانسياق المنتظم في التوسل إلى اللّه و الإبتهال إليه بالفناء فيه،إنه حقّا دعاء عظيم.

ثمة دعاء آخر ليوم عرفة ورد في الصحيفة السجادية عن نجل هذا الإمام العظيم عليهما السلام،كنت في وقت أقارن بين هذين الدعائين.فكنت أقرأ أولا دعاء الإمام الحسين،و أقرأ من بعده الدعاء الوارد في الصحيفة السجادية،و قد تبادر إلى ذهني مرات عديدة أنّ دعاء الإمام السجاد عليه السّلام يبدو و كأنه شرح لدعاء يوم عرفة.

فالأول-أي دعاء الحسين عليه السّلام في يوم عرفة-هو المتن و الثاني شرح له،و ذاك أصل و هذا فرع،دعاء عرفة دعاء مذهل حقا.

و في خطابه عليه السّلام الذي ألقاه على مسامع أكابر شخصيات عصره و أكابر المسلمين التابعين في منى تجدون نفس تلك النغمة و النفس الحسيني المشهود في دعاء عرفة.

ص: 80

واقعة عاشوراء واقعة عرفانية

و يبدو أن خطابه ذلك كان في تلك السنة الأخيرة،أو ربّما في سنة أخرى غيرها، لا أستحضر ذلك حاليا في ذهني لكنه مسطور في كتب التاريخ و الحديث.

إذا نظرنا إلى واقعة عاشوراء و أحداث كربلاء،فمع أنها ساحة قتال و سيف و قتل،لكنكم ترون الحسين عليه السّلام يتكلم و يتعامل بلسان الحبّ و الرضى و العرفان مع اللّه تعالى آخر المعركة حيث وضع خدّه المبارك على تراب كربلاء اللاهبة،تراه يقول:«إلهي رضى بقضائك و تسليما لأمرك لا معبود سواك» (1).

و كذا حين خروجه من مكّة يقول:«من كان باذلا فينا مهجته و موطنا على لقاء اللّه نفسه،فليرحل معنا» (2).

كل قضية كربلاء ترون فيها وجه العرفان و التضرع و الإبتهال.إقترن خروجه ذاك بالتوسل و المناجاة و أمنية لقاء اللّه،و بدأ بذلك الإندفاع المعنوي المشهور في دعاء عرفة،إلى أن انتهى به المطاف في اللحظة الأخيرة،إلى حفرة المنحر حيث قال:

«و رضى بقضائك».

و معنى هذا أنّ واقعة عاشوراء تعد بحدّ ذاتها واقعة عرفانية.و مع أنّها امتزجت بالقتال و القتل و الشهادة و الملحمة-و ملحمة عاشوراء صفحة رائعة بشكل يفوق التصور-و لكن إن نظرتم إلى عمق نسيج هذه الواقعة الملحمية لرأيتم معالم العرفان،و المعنوية،و التضرع،و جوهرية دعاء عرفة.إذن فهذا هو البعد الآخر في شخصية الإمام الحسين عليه السّلام،و هو ما ينبغي أن يكون موضع اهتمام إلى جانب

ص: 81


1- موسوعة الإمام على عليه السّلام للري شهري:248.
2- أعيان الشيعة:593/1.

البعد الأول المتمثل بالجهاد و الشهادة.

القضية التي أروم الإشارة إليها هي أنه يمكن القول قطعا أنّ هذا الاندفاع المعنوي،و العرفان،و الإبتهال إلى اللّه و الفناء فيه،و عدم رؤية الذات أمام إرادته المقدّسة،هو الذي أضفى على واقعة كربلاء هذا الجلال و العظمة و الخلود.

جهاد فعرفان

أو بعبارة أخرى إنّ البعد الأول؛أي بعد الجهاد و الشهادة،جاء كحصيلة و نتاج للبعد الثاني.أي نفس تلك الروح العرفانية و المعنوية التي يفتقد إليها الكثير من المؤمنين ممن يجاهدون و ينالون الشهادة بكل ما لها من كرامة،نفس تلك الروح العرفانية و المعنوية تجدها في شهادة أخرى نابعة من روح الإيمان،و منبثقة من قلب يتحرّق شوقا،و صادرة عن روح متلهفة للقاء اللّه،و مستغرقة في ذات اللّه.هذا اللون الآخر من المجاهدة له طعم و نكهة أخرى،و يضفي أثرا آخر على التكوين (1).

ص: 82


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:34.

سلوك الحسين عليه السلام المعنوي و العبودي

إن سلوك الإمام الحسين عليه السّلام منذ خروجه من المدينة و حتى يوم استشهاده في كربلاء كان منطويا على المعنويات و العزة و الشموخ و في نفس الوقت مغمورا بالعبودية و التسليم المطلق لأمر الله،و هكذا كان دائما و في كل المراحل.ففي ذلك اليوم الذي جاءته مئات و ربما آلاف الرسائل تحمل نداء القائلين بأنهم شيعته و أنصاره و أنهم في الكوفة و العراق بانتظار وصوله،فإنه لم يصب بالغرور.

و عندما قال:«خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة» (1)فإنه كان يتحدث عن الموت و لم يهدد الأعداء و ينذرهم بالويل و الثبور،كما أنه لم يقم بترغيب أصحابه و لم يقم بتقسيم مناصب الكوفة بينهم.

لقد كانت حركته عليه السّلام حركة إسلامية مفعمة بالعلم و المعرفة و العبودية و التواضع في ذلك اليوم الذي مد فيه الجميع إليه أيديهم و أظهروا له الود و الإخلاص.

و حتى في كربلاء عند ما حاصره ثلاثون ألفا من الأراذل و الأوباش مع أصحابه الذين لم يبلغوا المائة و هددوه و من معه من أعزائه بالموت كما هددوا نساءه و حرمه بالأسر،فإن هذا الرجل الإلهي و العبد الرباني العزيز في الإسلام لم تبد عليه ذرة من الإضطراب.

يقول ذلك الراوي الذي ينقل أحداث يوم عاشوراء التي تناقلتها الألسن و الكتب

ص: 83


1- أبصار العين في أنصار الحسين عليه السّلام:27.

«فو الله ما رأيت مكثورا أربط جأشا من الحسين» (1).

فالإنسان يلتقي الكثيرين في ميادين الحرب المختلفة و في الساحات الإجتماعية و العرصات السياسية و سواها من المجالات الأخرى التي تضم ذوي الإبتلاءات المختلفة؛و لكن الراوي يحكي عن عدم مشاهدته لأحد مثل الحسين بن علي عليه السّلام في موقفه هذا،حيث نزلت عليه شتى المصائب غير أنه واجهها بوجه مستبشر قاطع، مما يدل على قوة العزيمة و رسوخ الإرادة و التوكل على الله.فهذه هي العزة الإلهية، و هذا هو الموقف الذي خطّه الإمام الحسين عليه السّلام في سجل التاريخ،فأدرك الناس أنه ينبغي عليهم النضال في سبيل مثل هكذا حكومة و هكذا مجتمع لا تسيطر عليه الدناءة و الجهالة و الخضوع الإنساني و العنصرية.

فعلى البشر كافة أن يجاهدوا من أجل تحقيق مثل هذا المجتمع،و هو أمر ممكن و سيتحقق.

لقد كان الناس قابعين في ضباب اليأس ذات يوم،ثم جاءت الثورة الإسلامية و استقرت دعائم النظام الإسلامي ليتضح أن كل شيء ممكن.

إنّ النظام الإسلامي لم يبلغ الذروة،لكنه تغلّب على الكثير من العقبات الكبرى في سبيل الوصول إلى تلك المرحلة.

إن وجود الحكومة الطاغوتية و النظام الدكتاتوري و حكومة أولئك الذين يستأسدون على الشعب بينما هم نعامة أمام القوى العظمى و الذين يتعالون على شعوبهم كما الفراعنة بينما هم أذلاء و خاضعون للأجانب،يمثل عقبة كؤودا في طريق الشعوب،و لا سيما إذا كانت تلك الحكومة تحظى بدعم كافة القوى الدولية، و لقد أظهرت الشعوب المسلمة و في طليعتها الشعب الإيراني المسلم أن مثل هذا العمل يعدّ ممكنا و بوسعه القيام به،فأزال تلك العقبة و استمرّ في هذا الطريق.4.

ص: 84


1- المجالس الفاخرة:244.

و بلطف من اللّه و فضله فإنه تمّ اتخاذ الكثير من الخطوات في هذا الطريق،و لكننا مازلنا في منتصف الطريق أيها الأخوة و الأعزاء!فلو حافظنا على رسالة الإمام الحسين عليه السّلام حيّة و نابضة،و لو أدركنا العظمة الكامنة في اسم الإمام الحسين عليه السّلام، و لو تطلعنا لهذه النهضة و اعتبرناها حدثا إنسانيا عظيما على مدى التاريخ،لأعاننا كل ذلك على مواصلة الطريق و التقدم إلى الإمام و على ألاّ نحيد عن درب الإمام الحسين عليه السّلام و على تحقيق ما رسمناه من أهداف بلطف من الله.لقد جعل الله تعالى اسم الإمام الحسين عليه السلام مجلّلا بالعظمة و حافظ على واقعة كربلاء حيّة في التاريخ.و إن ما قلته لا يعني أننا نعمل على جعل اسم الإمام الحسين عظيما،كلاّ، فهذا الحدث أعظم من أن تغطي عليه كافة أحداث الزمان أو أن تمحو رسمه من صفحات التاريخ.

وصايا الشهداء العرفانيّة

نحن شهدنا في فترة الحرب نفحات من تلك النسمة المقدسة،و لم يكن ما سمعتموه من تأكيدات سماحة الإمام الخميني على قراءة وصايا الشهداء وصايا صرفة لا يبتغي شيئا وراءها-حسب ظني-فهو نفسه كان قد قرأ تلك الوصايا، و أثرت في قلبه المبارك تلك الجمرات المتلظّية،فرغب في أن لا يحرم الآخرين من هذه الفائدة.

كما إنني و الحمد للّه كنت طوال فترة الحرب و ما بعدها و حتى يومنا هذا أستأنس بقراءة هذه الوصايا؛و لا حظت كيف أنّ بعضها نابعة من أعماق روح العرفان.

ص: 85

سرعة العرفان عند المجاهد

فالمرحلة التي يبلغها العارف و السالك على مدى ثلاثين أو أربعين سنة؛يتعبد و يرتاض،و يواصل الدراسة على يد الأساتذة،و يكثر من البكاء و التضرع و يكابد المشاق لأجلها،يستطيع أن ينالها شاب في مدّة عشرة أيام أو خمسة عشر يوما،أو عشرين يوما في الجبهة.أي منذ اللحظة التي يتوجه فيها ذلك الشاب إلى الجبهة بأي دافع كان مع وجود الدافع الديني الممتزج بحماس الشباب ثم يتحول ذلك الإندفاع لديه بالتدريج إلى عزم على التضحية و الجود بكل وجوده،و يسطر ذكرياته أو وصيّته،و هو من تلك اللحظات و حتى لحظة استشهاده يزداد تحمسا و شوقا، و يصبح سيره أسرع و قربه أدنى،إلى أن تأتي الأيام الأخيرة و تحل الساعات و اللحظات الأخيرة،فإن يكن قد بقي منه شيء حينذاك،فهو كجمرة تتلظّى،تلسع قلوب من يقرأون تلك الوصايا.

يلاحظ المرء بكل وضوح في ذكريات من استشهدوا نفحة فوّاحة من نفس تلك الروح الحسينية.إذن فلحادثة كربلاء سند معنوي متين.

هذا الإعصار الخالد على مدى التاريخ-و كانت قصور الظلم تخشاه على الدوام و تتقهقر أمامه-متى ما أطل عبر مختلف الحقب التاريخية،يأتي بفعل شبيه بفعل ذلك اليوم،كما هو الحال في ثورتنا.

و هذه الواقعة الكبرى التي كان أثرها ملموسا في كل برهة زمنية على مدى التاريخ،قضت على الكثير من سلالات الجور،و أكسبت الكثير من الناس الضعفاء العزّة و المنعة،و نفحت العزم في قلوب الكثير من الشعوب المقهورة،و جهّزت

ص: 86

الكثير من الناس بسلاح الصمود في سبيل اللّه (1).

أثر ثورة الإمام الحسين على الأخلاق

إنّ ما من شأنه تقليل الأضرار في هذا المجال هي تلك القضايا المعنوية و الأخلاقية و الدعاء و الذكر و التوجّه إلى اللّه و تهذيب النفس و بناء الذات و تطهيرها من الرذائل،و هذا السلوك على قدر كبير من الأهمية.نعم ما أكثر الأشخاص الذين يكثرون من الدعاء و الذكر و ما شابه هذه الأعمال،لكنهم لم ينجحوا في استئصال الرذائل و الأنانية و الكبر و البخل و الحرص و الحسد و الحقد و سوء الظن و الكيد لهذا و ذاك من نفوسهم،أو إلغاء تأثيرها على سلوكهم.

و على العكس من ذلك تلك الجنّة الأخلاقية التي أرادها الإسلام للناس؛فالإسلام أراد للناس أن يتراحموا في ما بينهم،و أن يهتم كل منهم بمصير الآخر،و يحرص على مصالحه،و أن يشارك الآخرين في معاناتهم و يسعى في تصحيح أخطائهم، و أن يدعو أحدهم للآخر،و أن يتعاملوا بالمودة و الرأفة ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (2).

المحبّة بين الأخوة،و بين الأصدقاء،و بين الأخوات،و بين أفراد الأمة الإسلامية، و الإرتباط العاطفي،و حب الخير للآخرين،صفات فاضلة و نبيلة،و يجب على المرء أن يعمل للإستزادة منها.

ص: 87


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:37.
2- سورة البلد:15.

إن أقبح ما في الإنسان من صفات هو أن يجعل ذاته و مصالحه المادية محورا، و يكون مستعدا لتدمير و إيذاء أناس كثيرين في سبيل إشباع رغباته الخاصّة.هذه الصفات ينبغي معالجتها و اجتثاث جذورها من قلوبنا.و هذه المعاني موجودة في تلك الأدعية.

على الرغم مما نقل إلينا من أدعية مأثورة عن جميع الأئمة(عليهم السلام)-على ما أتصوّر-إلا أنّ المثير في الأمور هو ان أكثرها و أشهرها هو المنقول عن ثلاثة أئمة كانوا قد قضوا أعمارهم في صراعات كبرى و مريرة.أولهم أمير المؤمنين عليه السّلام الذي نقل عنه دعاء كميل،و أدعية أخرى فيها معان و مفاهيم كبيرة.و من بعده الأدعية المروية عن الإمام الحسين عليه السّلام؛كدعاء عرفة الذي يزخر حقّا بمثل تثير الدهشة.ثم من بعدها الإمام السجاد عليه السّلام،ابن واقعة عاشوراء و حامل رسالتها،و المجاهد في قصر الجور قصر يزيد.

هؤلاءهم الأئمة الثلاثة الذين كان لهم الدور الأبرز في ميادين الصراع،و الأدعية المأثورة عنهم هي الأعمق،و العبر المستقاة من أدعيتهم هي الأكثر.

تأمّلوا هذه السجايا الأخلاقية الواردة في الصحيفة السجادية.

أوصيكم أيّها الأعزاء فردا فردا،أن تأنسوا جهد المستطاع بمضامين الصحيفة السجادية فهو كتاب عظيم.و إذا وصفت بأنها زبور آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله،فهي هكذا حقا، فهي زاخرة بالسجع المعنوي،هي دعاء و دروس؛دروس في الأخلاق،و في علم النفس،و في الشؤون الاجتماعية.تأملوا هذه الجملة الواردة فيها:«اللّهم إني أعوذ بك من هيجان الحرص و سورة الغضب،و إلحاح الشهوة». (1)

إنّه يبيّن لنا-بلسان الدعاء-كل واحدة من السجايا المعنوية و الأخلاقية، و الجذور الفاسدة التي تعتمل في نفوسنا.7.

ص: 88


1- الصحيفة السجادية:57.

يجب أن تسألوا اللّه تعالى حين الدعاء و المناجاة،الخلاص و النجاة من هذه المشاكل الداخلية و النفسية.و المجتمع الذي تنشأ مجموعة كبيرة من أفراده على هذه الخصائص التربوية لا تؤثر فيه أي من تلك الأساليب المعادية.

إنّ مجتمعنا و الحمد للّه مجتمع شاب؛أي أنّ نسبة الشباب أكبر،و ستبقى هذه الظاهرة بارزة فيه حتى سنوات طويلة،ريثما يصل الدور إلى أجيال تقليل النسل، بعد سنوات عديدة.و الحالة التي عليها مجتمعنا الحاضر و حتى سنوات مديدة،هي أنه مجتمع شاب.و الشباب من مظاهر النعم الإلهية على الإنسان.لأن الشاب يتّسم بالنقاء و الاخلاص.

إلا أنّ العدو يركز في خططه على جيل الشباب بسبب بعض نقاط الضعف التي يتصفون بها.و لكن نقاط القوّة لدى الشباب أكثر بكثير من نقاط الضعف.

لو أنّ الدعاء و التوسل المقرون بالمعرفة أتّخذ في هذا المجتمع منهجا و سلوكا- بأن يكون التوسل عن معرفة و ليس بلا معرفة و لا إدراك،أي بالمعنى الصحيح للتوسل الذي أوصانا به القرآن،و الروايات المنقولة عن الأئمة،و نهج البلاغة و يمكن أن تكون الصحيفة السجادية خير معين لنا في هذا الصدد.

توجهوا إلى هذا المعنى و إلى هذا المقام المعنوي،تعارفوا مع الأدعية،و عرّفوا هذا النهج للشبّان الآخرين،و لأبنائكم.و أن يكون ذلك.في قالب كلمات الإمام السجاد عليه السّلام التي وردت في الصحيفة السجادية،و أمثال ذلك،و نهج البلاغة يتضمن طبعا نفس هذه الروح المعنوية،يكون هذا المجتمع حينذاك مجتمعا يخشاه كل عدو مستكبر،و يفقد الأمل بإمكانية احتوائه أو هضمه.

و عليه أن يعلم أنه طالما كانت روح الإسلام،و معنوية الإسلام،و التعبّد بالإسلام،و الإعتقاد بالإسلام موجودا في المجتمع،يستحيل على أي عنصر أن

ص: 89

يزيغ بهذا الشعب و هذا المجتمع عن صراط الثورة الإسلامية المستقيم (1).8.

ص: 90


1- ثورة الحسين شمس الشهادة:38.

وضوح المواقف عند الإمام الحسين عليه السلام

كان الإمام الحسين عليه السّلام و منذ نشأته يتمتع بقدر كبير من الصراحة و الوضوح فعند ما كان عمر بن الخطاب يخطب على المنبر،قام اليه الحسين بن علي فقال:

(انزل عن منبر أبي،فقال عمر:منبر أبيك لا منبر أبي...) (1).

و تميز الإمام الحسين عليه السّلام بالصراحة في القول و السلوك فهو لم يخادع و لم يضلل،و اتسمت حركته بالوضوح و الصدق و كان صريحا مع أصحابه و مع أعدائه،و ابتعد عن سلوك المنعطفات التي يحيطها الغموض و المواربة و كان من نماذج سمو ذاته و عظمة صراحته أن الوليد حاكم يثرب دعاه في غلس الليل و أخبره بهلاك معاوية و طلب منه البيعة ليزيد مكتفيا بها في جنح الظلام فامتنع و صارحه بكل وضوح قائلا:«يا أمير إنا أهل بيت النبوة و معدن الرسالة،بنا فتح الله و بنا ختم،و يزيد فاسق فاجر،شارب الخمر،قاتل النفس المحترمة،معلن بالفسوق و الفجور،و مثلي لا يبايع مثله...» (2).

-من مشاهد الصراحة التي تألقت في سماء كربلاء انه جمع أصحابه و خاطبهم قائلا:«...أما بعد فاني لا أعلم أصحابا أو فى و لا خيرا من أصحابي،و لا أهل بيت أبر و لا أوصل من أهل بيتي،فجزاكم الله جميعا عني خيرا،ألا و إني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا،و إني قد أذنت لكم جميعا فانطلقوا في حل ليس عليكم مني ذمام،

ص: 91


1- تأريخ الخلفاء للسيوطي:172.
2- الفتوح لابن الأعثم 14/5،دار الكتب العلمية،بيروت-لبنان،ط 1،1406 ه-1986 م.

هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا...

ثم تفرّقوا في البلاد في سوادكم و مدائنكم حتى يفرج الله فإن القوم يطلبونني و لو أصابوني للهوا عن طلب غيري...» (1).3.

ص: 92


1- الكامل في التاريخ لابن الأثير 57/4-58،دار صادر،بيروت-لبنان،1385 ه-1995 م،و سير أعلام النبلاء 301/3.

هيبة الإمام الحسين عليه السلام و وقاره

-كانت حلقات درس الإمام عليه السّلام في المسجد النبوي الشريف غاية في الجلالة و المهابة فلقد وصفه معاوية لرجل من قريش ذاهب إلى المدينة قائلا:إذا دخلت مسجد رسول الله صلّى اللّه عليه و آله فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله.

-كان من عظمة هيبة الإمام الحسين و مكانته في نفوس المسلمين ما رواه البلاذري،من أنه ما اجتاز هو و أخوه الإمام الحسن عليه السّلام على ركب في حال سفرهما إلى بيت الله الحرام ماشين،إلا ترجّل ذلك الركب تعظيما و اكبارا لهما (1).

-كان الإمامان الحسن و الحسين إذا طافا بالبيت الحرام يكاد الناس يحطمونهما مما يزدحمون عليهما للسلام عليهما رغم طغيان الأمويين و عقاب كل من يحب آل البيت الطاهرين (2).

ص: 93


1- الإمام الحسين بن علي،د.محمد بيومي مهران 319/8،دار النهضة العربية،بيروت-لبنان، 1990 م.
2- المصدر السابق.

عفو الإمام الحسين عليه السلام عن المسيء

ارتكب غلام له خطأ فأراد تأديبه فقال له الغلام:يا مولاي«و الكاظمين الغيظ».

قال الإمام عليه السّلام:«خلّوا عنه».

قال الغلام:«و العافين عن الناس».

فقال الإمام«قد عفوت عنك».

قال:يا مولاي«و الله يحب المحسنين».

قال عليه السّلام:أنت حر لوجه الله تعالى و أجازه بجائزة سنية (1).

ص: 94


1- الفصول المهمة لابن الصباغ:128.

الجود و السخاء عند الإمام الحسين عليه السلام

من مزايا الإمام أبي الأحرار عليه السّلام الجود و السخاء فقد كان ملاذا للفقراء و المحرومين،و ملجأ لمن جارت عليه الأيام،و كان يثلج قلوب الوافدين إليه بهباته و عطاياه يقول كما الدين بن طلحة:

«و قد اشتهر النقل عنه أنه كان يكرم الضيف،و يمنح الطالب،و يصل الرحم، و يسعف السائل،و يكسو العاري،و يشبع الجائع،و يعطي الغارم و يشد من الضعيف،و يشفق على اليتيم،و يغني ذا الحاجة،و قلّ أن وصله مال إلا فرّقه،و هذه سجية الجواد و شنشنة الكريم،و سمة ذي السماحة،و صفة من قد حوى مكارم الأخلاق،فأفعاله المتلوة شاهدة له بصنعة الكرم،ناطقة بأنه متصف بمحاسن الشيم..».

و يقول المؤرخون إنه كان يحمل في دجى الليل البهيم الجراب يملؤه طعاما و نقودا إلى منازل الأرامل و اليتامى و المساكين حتى أثر ذلك في ظهره و كان يحمل إليه المتاع الكثير فلا يقوم حتى يهب عامته،و قد عرف معاوية فيه هذه الظاهرة فأرسل إليه بهدايا و ألطاف كما أرسل إلى غيره من شخصيات يثرب و أخذ يحدث جلساءه بما يفعله كل واحد منهم بتلك الألطاف فقال في الحسين:

«أما الحسين فيبدأ بأيتام من قتل مع أبيه بصفين فإن بقي شيء نحر به الجزور و سقى به اللبن...».

و بعث رقيبا يرى ما يفعله القوم فكان كما أخبر فقال معاوية:

ص: 95

«أنا ابن هند،أنا أعلم بقريش من قريش».

و على أي حال فقد نقل المؤرخون بوادر كثيرة من جود الإمام و سخائه نلمّح إلى بعضها.

1-مع أسامة بن زيد:

و مرض أسامة بن زيد مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه الإمام عائدا فلما استقر به المجلس قال أسامة:

-و اغماه.

-ما غمك؟.

-ديني و هو ستون ألفا.

-هو علي.

-أخشى أن أموت قبل أن يقضى.

-لن تموت حتى أقضيها عنك.

و بادر الإمام عليه السّلام فقضاها عنه قبل موته و قد غض طرفه عن أسامة فقد كان من المتخلفين عن بيعة أبيه،فلم يجازيه بالمثل و إنما أغدق عليه بالإحسان.

2-مع جارية له:

روى أنس قال:كنت عند الحسين فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان فحيته بها،فقال لها:أنت حرة لوجه الله تعالى،و بهر أنس فانصرف يقول:

جارية تجيئك بطاقة ريحان،فتعتقها؟!!

-كذا أدّبنا الله،قال تبارك و تعالى: إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها، و كان أحسن منها عتقها و بهذا السخاء و الخلق الرفيع ملك قلوب المسلمين و هاموا بحبه و ولائه.

3-مع غارم:

ص: 96

كان الإمام الحسين عليه السّلام جالسا في مسجد جده الرسول صلّى اللّه عليه و آله و ذلك بعد وفاة أخيه الحسن عليه السّلام،و كان عبد الله بن الزبير جالسا في ناحية منه كما كان عتبة بن أبي سفيان جالسا في ناحية أخرى منه،فجاء أعرابي على ناقة فعقلها و دخل المسجد فوقف على عتبة بن أبي سفيان فسلّم عليه فرد عليه السلام،فقال له الأعرابي:

«إني قتلت ابن عم لي،و طولبت بالدية فهل لك أن تعطيني شيئا؟».

فرفع عتبة إليه رأسه و قال لغلامه:ادفع إليه مائة درهم،فقال له الأعرابي:

«ما أريد إلا الدية تامة».

فلم يعن به عتبة،فانصرف الأعرابي آيسا منه،فالتقى بابن الزبير فعرض عليه قصته،فأمر له بمائتي درهم فردها عليه،و أقبل نحو الإمام الحسين عليه السّلام فرفع إليه حاجته،فأمر له بعشرة آلاف درهم،و قال له:هذه لقضاء ديونك،و أمر له بعشرة آلاف درهم أخرى و قال له:هذه تلم بها شعثك و تحسن بها حالك،و تنفق بها على عيالك،فاستولت على الأعرابي موجات من السرور و اندفع يقول:

طربت و ما هاج لي معبق و لا لي مقام و لا معشق

و لكن طربت لآل الرسو ل فلّذ لي الشعر و المنطق

هم الأكرمون الأنجبون نجوم السماء بهم تشرق

سبقت الأنام إلى المكرمات و أنت الجواد فلا تلحق

أبوك الذي ساد بالمكرمات فقصر عن سبقه السبق

به فتح الله باب الرشاد و باب الفساد بكم مغلق

4-مع أعرابي:

و قصده أعرابي فسلّم عليه و سأله حاجته،و قال:سمعت جدك يقول:إذا سألتم حاجة فاسألوها من أربعة إما عربي شريف،أو مولى كريم،أو حامل القرآن،أو

ص: 97

صاحب وجه صبيح،فأما العرب فشرفت بجدك،و أما الكرم فدأبكم و سيرتكم،و أما القرآن ففي بيوتكم نزل،و أما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه و آله يقول:إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن و الحسين.

فقال له الحسين عليه السّلام:ما حاجتك؟

فكتبها الأعرابي على الأرض،فقال له الحسين عليه السّلام:سمعت أبي عليا يقول:

المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أجبت عن واحدة فلك ثلث ما عندي،و إن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي و إن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي،و قد حملت إلي صرة من العراق.

الأعرابي:سل و لا حول و لا قوة إلا بالله.

الإمام الحسين:أي الأعمال أفضل؟

-الإيمان بالله.

-ما نجاة العبد من الهلكة؟

-الثقة بالله.

-ما يزين المرء؟

-علم معه حلم.

-فإن أخطأه ذلك؟

-مال معه كرم.

-فإن أخطأه ذلك.

-فقر معه صبر.

-فإن أخطأه ذلك.

-صاعقة تنزل من السماء فتحرقه.

فضحك الإمام و رمى إليه بالصرة.

ص: 98

5-مع سائل:

و وفد عليه سائل فقرع الباب و أنشأ يقول:

لم يخب اليوم من رجاك و من حرك من خلف بابك الحلقه

أنت ذو الجود أنت معدنه أبوك قد كان قاتل الفسقه

و كان الإمام واقفا يصلي فخفّف من صلاته،و خرج إلى الأعرابي فرأى عليه أثر الفاقة،فرجع و نادى بقنبر فلما مثل عنده قال له:ما تبقى من نفقتنا؟قال:مائتا درهم أمرتني بتفرقتها في أهل بيتك،فقال:هاتها فقد أتى من هو أحق بها منهم،فأخذها و دفعها إلى الأعرابي معتذرا منه و هو ينشد هذه الأبيات:

خذها فإني إليك معتذر و اعلم بأني عليك ذو شفقة

لو كان في سيرنا عصا تمد إذن كانت سمانا عليك مندفقة

لكن ريب المنون ذو نكد و الكف منا قليلة النفقة

فأخذها الأعرابي شاكرا و داعيا له بالخير،و انبرى مادحا له:

مطهرون نقيات جيوبهم تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

و أنتم أنتم الأعلون عندكم علم الكتاب و ما جاءت به السور

من لم يكن علويا حين تنسبه فما له في جميع الناس مفتخر

هذه بعض بوادر كرمه و سخائه و هي تكشف عن مدى تعاطفه و حنوه على الفقراء،و أنه لم يبغ أي مكسب سوى ابتغاء مرضاة الله و التماس الأجر في الدار الآخرة..و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض نزعاته و صفاته التي بلغ بها ذروة الكمال المطلق،و احتل بها قلوب المسلمين فهاموا بحبه و الولاء له (1).1.

ص: 99


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:91/1.

إلتزام الإمام الحسين عليه السلام بتعاليم الإسلام

العدة عن سهل،و علي،عن أبيه،جميعا عن ابن محبوب،عن زياد بن عيسى، عن عامر بن السمط،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أن رجلا من المنافقين مات فخرج الحسين ابن علي عليهما السّلام يمشي معه،فلقيه مولى له،فقال له الحسين:أين تذهب يا فلان؟

قال:فقال له مولاه،أفر من جنازة هذا المنافق أن اصلي عليها،فقال له الحسين عليه السّلام:انظر أن تقوم على يميني فما تسمعني أقول فقل مثله.

فلما أن كبر عليه وليه،قال الحسين عليه السّلام:اللّه أكبر اللهم العن فلانا عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة،اللهم اخز عبدك في عبادك و بلادك،و أصله حر نارك،و أذقه أشد عذابك،فإنه كان يتولى أعداءك،و يعادى أولياءك و يبغض أهل بيت نبيك (1).

العدة،عن سهل،عن ابن أبي نجران،عن مثنى الحناط،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:

كان الحسين بن علي عليه السّلام جالسا فمرت عليه جنازة،فقام الناس حين طلعت الجنازة (2)فقال الحسين عليه السّلام:مرت جنازة يهودي فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله على طريقها جالسا فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي فقام لذلك (3).

علي عن أبيه،و محمد بن إسماعيل،عن الفضل،جميعا عن ابن أبي عمير و صفوان،عن معاوية بن عمار،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:إن الحسين ابن علي

ص: 100


1- بحار الأنوار:197/40-205 ح 20،و الكافي:ج 3 ص 189 باب الصلاة على الناصب الرقم 2،و مثله تحت الرقم 3.
2- يعنى و لم يقم الحسين عليه السلام.
3- بحار الأنوار:197/40-205 ح 22،و الكافي:ج 3 ص 192.

صلوات اللّه عليه خرج معتمرا فمرض في الطريق،فبلغ عليا عليه السّلام ذلك و هو في المدينة،فخرج في طلبه فأدركه بالسقيا (1)و هو مريض بها،فقال:يا بني ما تشتكي؟

فقال:أشتكي رأسي،فدعا علي عليه السّلام ببدنة فنحرها و حلق رأسه ورده إلى المدينة فلما برأ من وجعه اعتمر (2).

أبو العباس،عن محمد بن جعفر،عن محمد بن عبد الحميد،عن سيف ابن عميرة،عن أبي شيبة الأسدي،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:خضب الحسين عليه السّلام بالحناء و الكتم (3).

و الحناء كقثاء نبات يزرع و يكبر حتى يقارب الشجر الكبار،ورقه كورق الرمان و عيدانه كعيدانه،له زهر أبيض كالعناقيد يتخذ من ورقه الخضاب الاحمر،و الكتم بالتحريك نبت قوهى ورقه كورق الاس يخضب به مدقوقا (4).

العدة،عن البرقي،عن عدة من أصحابه،عن ابن أسباط،عن عمه يعقوب بن سالم قال:قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:قتل الحسين عليه السّلام و هو مختضب بالوسمة.

و عنه،عن أبيه،عن يونس،عن الحضرمي عنه عليه السّلام مثله (5).3.

ص: 101


1- بالضم:موضع بين المدينة و وادى الصفراء.
2- الكافي:ج 4 ص 369 باب المحصور و المصدود الرقم 3 و الحديث مختصر.
3- الكافي:كتاب الزى و التجمل باب الخضاب الرقم 9 راجع ج 6 ص 481.
4- بحار الأنوار:197/40-205 ح 23.
5- بحار الأنوار:197/40-205 ح 24،و الكافي:ج 6 ص 483.

لمحات من حياته العملية

قال حبر الأمة عبد الله بن عباس:«الحسين من بيت النبوة و هم ورثة العلم» (1).

قال له نافع بن الأزرق-زعيم الأزارقة من الخوارج-صف لي إلهك الذي تعبده:

فرد عليه الحسين عليه السّلام بقوله:يا نافع من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس،مائلا ناكبا عن المنهاج ظاعنا بالإعوجاج،ضالا عن السبيل،قائلا غير الجميل،يابن الأزرق:أصف الهي بما وصف به نفسه،لا يدرك بالحواس،و لا يقاس بالناس،قريب غير ملتصق،و بعيد غير منتقص،يوحد و لا يبعض،معروف بالآيات، موصوف بالعلامات لا إله إلى هو الكبير المتعال».

فبكى ابن الأزرق و قال:يا حسين ما أحسن كلامك. (2)

يقول ابن حجر في الإصابة:حفظ الحسين عليه السّلام عن جده رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و روى عنه و أخرج له أصحاب السنن،أبو داود و الترمذي و النسائي و روى ابن ماجة و أبو يعلي عنه.

روى الإمام الحسين عليه السّلام عن أبيه و أمه و روى عنه أخوه الحسن عليه السّلام و بنوه علي زين العابدين و فاطمة و سكينة و حفيده الباقر و الشعبي و عكرمة و شيبان الدؤلي و كرز التيمي و آخرون (3).

ص: 102


1- مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 130/7.
2- مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 130/7-131.
3- الإصابة لابن حجر 332/1.

من حكمه و مواعظه

قال عليه السلام عند مسيره إلى كربلاء:إن هذه الدنيا قد تغيّرت و تنكّرت،و أدبر معروفها،فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الأناء و خسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به؟و إلى الباطل لا يتناهى عنه،ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا فإني لا أرى الموت إلا سعادة و الحياة مع الظالمين إلا برما،إن الناس عبيد الدنيا و الدين لعق على ألسنتهم يحوطونه مادرت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قلّ الديانون (1).

قال عليه السلام:إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار و إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد و إن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار و هي أفضل العبادة (2).

-قال لابنه علي بن الحسين عليه السّلام:أي بني إياك و ظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله جل و عز (3).

-قال عليه السّلام لرجل من الأنصار سأله حاجة:«...لا ترفع حاجتك إلا إلى احد ثلاث:

إلى ذي دين أو مرؤة أو حسب فأما ذو الدين فيصون دينه،و أما ذو المروة فإنه يستحيي لمرؤته،و أما ذو الحسب فيعلم انك لم تكرم وجهك أن تبذله له في حاجتك فهو يصون وجهك أن يردك بغير قضاء حاجتك (4).

و من كلامه المرتجل قوله في توديع أبي ذر،و قد أخرجه عثمان بن عفان من المدينة بعد أن أخرجه معاوية من الشام«يا عماه،إن الله قادر على أن يغيّر ما قد

ص: 103


1- تحف العقول،لابن شعبة الحراني:245.
2- تحف العقول 246.
3- المصدر السابق.
4- تحف العقول 247.

ترى،و الله كل يوم هو في شأن،و قد منعك القوم دنياهم و منعتهم دينك،و ما أغناك عما منعوك و أحوجهم إلى ما منعتهم،فأسأل الله الصبر و النصر و استعذ به من الجشع و الجزع،فإن الصبر من الدين و الكرم و أن الجشع لا يقدم رزقا و الجزع لا يؤخر أجلا» (1).5.

ص: 104


1- الإمام الحسين للبيومي 324/8-335.

عصمة الإمام الحسين عليه السلام

من آيات الله البينات الدالة على عصمة أهل البيت عليهم السّلام من الذنوب،و على طهارتهم من الزيغ و الآثام،آية التطهير قال تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1).

-أجمع الرواة أنها نزلت في رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و في أمير المؤمنين عليه السّلام و فاطمة و الحسن و الحسين عليه السّلام (2).

-و يمكن الإستدلال بها على عصمة أهل البيت بأنه تعالى حصر إرادة إذهاب الرجس-أي المعاصي-بكلمة إنما هي من أقوى أدوات الحصر و بدخول اللام في الكلام الخبري و بتكرار لفظ الطهارة،و ذلك يدل-بحسب الصناعة-على الحصر و الإختصاص و من المعلوم أن إرادة الله تعالى يستحيل فيها تخلّف المراد عن الإرادة إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و بذلك يتم الإستدلال بها على عصمة أهل البيت من كل ذنب و معصية (3).

ص: 105


1- سورة الأحزاب 22.
2- الإستيعاب 204/3.
3- حياة الإمام الحسن للقرشي 70/1،دار البلاغة،بيروت-لبنان،ط 1،1413 ه-1993 م.

الإمام الحسين في خلافة أبيه عليهما السلام

حرص الإمام علي عليه السّلام تمام الحرص على غرس الفضائل السامية و الخصال الشريفة في نفوس أبنائه،و خاصة الحسن و الحسين فكان يقوم بتربيتهما على الفروسية و النجدة و الشهامة و الكرم و الجود و البلاغة و الحكمة و مكارم الأخلاق و من ثم كان يستعين بهما عند كل نازلة فعندما اضطر إلى الدخول في معركة الجمل،كان الحسن على ميمنته،و الحسين على ميسرته كما صاحب الحسن و الحسين عليه السّلام أباهما في صفين و قد أحاطا به يقيه كل منهما بنفسه،فيكره الإمام عليه السّلام علي ذلك و يأبى إلا أن يتقدم عليهما ليحول بينهما و بين أهل الشام،و ذلك لأن الإمام عليا عليه السّلام رغم حرصه الشديد على تنشئة أولاده على البطولة و الفداء كان دائما يدفع الخطر عن الحسن و الحسين مخافة أن يصيبهما شر فتنقطع ذرية رسول الله صلّى اللّه عليه و آله فكان يقول عليه السّلام«أملكوا عني هذين الغلامين-يعني الحسن و الحسين-لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله صلّى اللّه عليه و آله (1).

-حينما وقى علي عليه السّلام ولديه الحسن و الحسين بنفسه سئل محمد بن الحنفية:

لم يغرر بك أبوك في الحرب و لا يغرر بأخويك؟فأجاب:«إنهما عيناه،و أنا يمينه، فهو يدفع عن عينيه بيمينه» (2).

الإمام الحسين عليه السّلام في خلافة أخيه الإمام الحسن عليه السّلام:

ص: 106


1- نهج البلاغة 323 تبويب صبحي الصالح،منشورات دار الهجرة،قم.
2- الإمام الحسين بن علي،دكتور محمد بيومي مهران 55.

-ولد الإمامان الحسن و الحسين في بيت النبوة،و عاشا معا منذ عهدهما بالحياة،يحظيان بحب جدهما المصطفى صلّى اللّه عليه و آله و حنان أمهما فاطمة الزهراء عليه السّلام و رعاية أبيهما الإمام علي عليه السّلام و لما كان فارق السن بينهما قليلا لا يكاد يزيد عن العام فقد كانا متقاربين في أحوالهما يخرجان معا و يمكثان في البيت معا و يذهبان إلى مسجد جدهما معا و كانت حياتهما معا كلها تقوى و صلاح و عبودية لله سبحانه و تعالى و جهاد في سبيل الله إعلاء لكلمته (1).

-تجاوب الإمام الحسين عليه السّلام مع أخيه الإمام الحسن عليه السّلام في زمن خلافته في أمر الصلح مع معاوية بن أبي سفيان و لم يخالفه كما يزعم الآخرون في رواياتهم الموضوعة حول هذه المسالة.

بل كان موقفه كموقف أخيه الحسن عليه السّلام فكان يرى ضرورة عقد الصلح و كان يكبر أخاه و يجلّه و لا يخالف له أمرا،فقد روى حفيده الإمام الباقر عليه السّلام عن مدى إجلاله و تعظيمه له قال:«ما تكلم الإمام الحسين بين يدي الإمام الحسن إعظاما له» (2).2.

ص: 107


1- الإمام الحسين بن علي للبيومي 56/8.
2- حياة الإمام الحسن للقرشي 244/2،نقلا عن مناقب ابن شهر آشوب 143/2.

موقفه من الصلح مع معاوية

لما أبرم الصلح جاء عدي بن حاتم و معه عبيدة بن عمر إلى الإمام الحسين عليه السّلام فدعا الإمام إلى إثارة الحرب قائلا:

«يا أبا عبد الله شريتم الذل بالعز،و قبلتم القليل،و تركتم الكثير،أطعنا اليوم، و اعصنا الدهر،دع الحسن،و ما رأى في هذه الصلح و اجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة و غيرها و ولّني و صاحبي هذه المقدمة،فلا يشعر ابن هند إلا و نحن نقارعه بالسيوف.

فقال الحسين عليه السّلام:«إنا قد بايعنا و عاهدنا و لا سبيل لنقض بيعتنا».

-عند وفاة الإمام الحسن عليه السّلام رفعت إلى الحسين طوائف من زعماء العراق عدة رسائل يطلبون منه إعلان الثورة على معاوية فامتنع عليهم و ذكر أن بينه و بين معاوية عهدا و عقدا لا يجوز له نقضه حتى تمضي المدة فان مات معاوية نظر في ذلك (1).

زعم بعض المؤرخين أن الإمام الحسين عليه السّلام كان كارها لما فعله أخوه و أنه قال له:

«أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية و تكذب أحدوثة أبيك»فأجابه الحسن عليه السّلام:«أنا أعلم بهذا الأمر منك» (2).

ص: 108


1- الإرشاد للمفيد 32/2.
2- أسد الغابة لابن الاثير 21/2.

و افتعل آخرون حكايات زائفة مفادها ان الحسين عند ما اعترض على صلح أخيه الحسن عليه السّلام مع معاوية قال له أخوه الحسن:«و الله ما أردت أمرا إلا خالفتني عليه».

و هذا يتنافي و سيرة أهل البيت و الطاعة المفروضة للمعصوم.

ص: 109

موقفه من بيعة يزيد بن معاوية

بعد وفاة معاوية تسلّم يزيد قيادة الدولة الإسلامية،و أصدر أوامره المشددة إلى عامله على يثرب الوليد بن عتبة بإرغام المعارضين له على البيعة و قد كتب إليه:

«إذا أتاك كتابي هذا،فأحضر الحسين بن علي،و عبد الله بن الزبير،فخذهما بالبيعة لي،فإن امتنعا فاضرب أعناقهما و ابعث لي برأسيهما،و خذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم،و في الحسين بن علي و عبد الله بن الزبير و السلام» (1).

فزع الوليد مما عهد إليه يزيد من التنكيل بالمعارضين،فقد كان على يقين من أن أخذ البيعة من هؤلاء النفر ليس بالأمر السهل و إن هؤلاء النفر لم يستطع معاوية مع ما يتمتع به من قابليات و دهاء و مكر أن يخضعهم لبيعة يزيد،فكيف يصنع الوليد أمرا عجز عنه معاوية.

و حار الوليد في أمره،فرأى انه في حاجة إلى مشورة مروان عميد الأسرة الأموية،فبعث خلفه فأقبل مروان فنعى إليه معاوية،فجزع مروان و عرض عليه ما أمره يزيد من إرغام المعارضين على البيعة له و إذا أصرّوا على الإمتناع فيضرب أعناقهم،و طلب من مروان أن يمنحه النصيحة،و يخلص له في الرأي.

أشار مروان على الوليد فقال له:«إبعث إليهم في هذه الساعة فتدعوهم إلى البيعة و الدخول في طاعة يزيد فإن فعلوا قبلت ذلك منهم و إن أبوا قدّمهم و اضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية،فإنهم إن علموا ذلك،وثب كل رجل منهم

ص: 110


1- تاريخ اليعقوبي 241/2.

فأظهر الخلاف و دعا إلى نفسه،فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قبل لك به، إلا عبد الله بن عمر فانه لا ينازع في هذا الأمر أحدا...مع أني أعلم ان الحسين بن علي لا يجيبك إلى بيعة يزيد،و لا يرى له عليه طاعة،و والله لو كنت في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة واحدة حتى أضرب رقبته كائنا في ذلك من كان» (1).

أرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان و هو غلام حدث إلى الحسين و ابن الزبير يدعوهما،فوجدهما في المسجد و هما جالسان فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس فقال:أجيبا الأمير فقالا:

إنصرف،الآن نأتيه و قال ابن الزبير للحسين:ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها؟فقال الحسين:أظن أن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذ بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر،فقال ابن الزبير:و أنا ما اظن غيره فما تريد أن تصنع؟فأجابه الحسين:أجمع فتياني في الساعة ثم أمشي إليه و أجلسهم على الباب.قال فاني أخافه عليك إذا دخلت فقال الحسين عليه السّلام:لا آتيه إلا و أنا قادر على الإمتناع (2).

جمع الإمام الحسين عليه السّلام أهل بيته و أمرهم بلبس السلاح و الخروج معه،فخفّوا محدقين به فأمرهم بالجلوس على الدار و قال لهم:«إني داخل فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا علي بأجمعكم و إلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم»،ثم دخل فسلّم و مروان عنده فقال الحسين لهما:«الصلة خير من القطيعة،و الصلح خير من الفساد و قد آن لكما أن تجتمعا،أصلح اللّه ذات بينكما»...و لم يجيباه بشىء فقد علاهما صمت رهيب و التفت الإمام الحسين عليه السّلام إلى الوليد فقال له:هل اتاك من معاوية خبر؟فإنه كان عليلا و قد طالت علته فكيف حاله الآن؟فأقرأه الوليد الكتاب5.

ص: 111


1- الفتوح،لابن الأعثم 9/5-10.
2- الكامل في التاريخ:14/4-15.

و نعى له معاوية و دعاه إلى البيعة،فاسترجع الحسين و قال:إن مثلي لا يبايع سرا، و لا يجتزئ بها مني سرا فإذا خرجت إلى الناس و دعوتهم إلى البيعة دعوتنا معهم كان الأمر واحدا،فقال له الوليد إنصرف،فقال له مروان:«لئن فارقك الساعة و لم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم و بينه أحبسه فإن بايع،و إلا ضربت عنقه.فوثب عند ذلك الحسين و قال:يابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو؟كذبت و الله و لؤمت» (1).

أقبل الحسين عليه السّلام على الوليد بن عتبة و قال:أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة، و معدن الرسالة و مختلف الملائكة و محل الرحمة بنا فتح اللّه و بنا ختم،و يزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل النفس المحترمة،معلن بالفسق و مثلي لا يبايع مثله و لكن نصبح و تصبحون و ننظر و تنظرون أينا أحق بالخلافة و البيعة» (2).

لما خرج الإمام الحسين عليه السّلام من مجلسه قال مروان للوليد:عصيتني!لا و الله لا يمكنك مثلها من نفسه أبدا،فقال الوليد:ويحك أشرت علي بقتل الحسين بن علي بن فاطمة الزهراء،و الله ما أظن أحدا يلقى الله بقتل الحسين إلا و هو خفيف الميزان عند الله،و لا ينظر إليه و لا يزكّيه و له عذاب أليم.

و قال له مروان ساخرا:«إذا كان هذا رأيك فقد أصبت» (3).5.

ص: 112


1- الكامل في التاريخ 15/4.
2- الفتوح،لابن الأعثم 14/5.
3- الكامل في التاريخ 15/4-16،الفتوح،لابن الأعثم 14/5.

المسؤولية الدينية عند الإمام الحسين عليه السلام

اشارة

-خطب الإمام الحسين عليه السّلام أمام الحر و أصحابه قائلا:

«أيها الناس:إن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله قال:من رأى سلطانا جائرا،مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله،مخالفا لسنة رسول الله صلّى اللّه عليه و آله،يعمل في عباد الله بالإثم و العدوان، فلم يغير عليه بقول و لا فعل كان حقا على الله أن يدخله مدخله» (1).

طلب الإصلاح في الأمة

-يقول الإمام الحسين عليه السّلام لأخيه محمد بن الحنفية في وصية له:

«اني لم أخرج أشرا و لا بطرا و لا مفسدا و لا ظالما،و انما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي،أريد أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر،فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق و من رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني و بين القوم بالحق،و هو خير الحاكمين» (2).

ص: 113


1- الطبري 307/3،الكامل في التاريخ 48/4.
2- مقتل الحسين للخوارزمي 88/1.

إماتة الإمام عليه السلام للبدع

يقول الإمام الحسين عليه السّلام في رسالته التي بعثها لأهل البصرة:

«...فان السنّة قد أميتت و البدعة قد أحييت» (1).

الأمر بالمعروف:

قال الإمام الحسين عليه السّلام أمام أصحابه و أهل بيته يوم الطف:

«...ألا ترون أن الحق لا يعمل به،و أن الباطل لا يتناهى عنه،ليرغب المؤمن في لقاء الله حقا...» (2).

صيانة الخلافة الإسلامية من الطغيان

قال الإمام الحسين عليه السّلام للوالي الأموي الوليد بن عتبة والي المدينة مؤكدا رفضه لبيعة يزيد:«...و يزيد رجل فاسق،شارب للخمر،قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق،و مثلي لا يبايع مثله» (3).

*قال الإمام الحسين عليه السّلام في رسالته لأهل الكوفة محددا مواصفات الحاكم الذي تجب له البيعة و الطاعة:«فلعمري ما الإمام الا العامل بالكتاب و الآخذ بالقسط

ص: 114


1- الطبري 280/3.
2- تاريخ الطبري 307/3،دار الكتب العلمية،بيروت-لبنان،1417 ه-1997 م.
3- الفتوح،لابن الأعثم 14/5.

و الدائن بالحق،و الحابس نفسه على ذات الله» (1).

-أعلن الإمام الحسين ثورته على الدولة الأموية و قال:«على الإسلام السلام إذا ابتليت الأمة براع مثل يزيد و لقد سمعت جدي رسول الله صلّى اللّه عليه و آله يقول:الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان» (2).م.

ص: 115


1- تاريخ الطبري 278/3.
2- اللهوف لابن طاووس 10،المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف،1369 ه-1950 م.

حماية الإم عليه السلام للإسلام من الخطر

حاول يزيد تقويض الإسلام و محو سطوره و قلع جذوره و تكذيب رسالته و تحريف أحكامه فقد أفصح عن ذلك مترنما بابيات من الشعر:

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل

لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل (1)

خطب الحسين عليه السّلام الجيش الذي كان مع الحر قائلا:

«...ألا و ان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان،و تركوا طاعة الرحمن،و أظهروا الفساد،و عطّلوا الحدود،و استأثروا بالفىء،و أحلوا حرام الله،و حرّموا حلاله» (2).

ص: 116


1- مقتل الحسين للخوارزمي 59/2.
2- تاريخ الطبري 307/3،و الكامل في التاريخ 48/4.

الإضطهاد و القمع الأمويان

اسرف الأمويون إلى حد كبير في سفك دماء الشيعة و تفننوا في قتلهم و ظلمهم و نماذج ذلك:

-قتل بسر بن أرطاة-بعد التحكيم-ثلاثين ألفا عدا من أحرقهم بالنار (1).

-قتل سمرة بن جندب ثمانية آلاف من أهل البصرة (2).

-إرتكب زياد بن أبيه أبشع المجازر فقطع الأيدي و الأرجل و سمل العيون (3).

-إبادة الفئة المخلصة من الشيعة كحجر بن عدي و عمرو بن الحمق الخزاعي و رشيد الهجري و غيرهم.

-صلب قادة الثورات العلوية على جذوع النخل (4).

-دفن المعارضين لسلطانهم أحياء و هدم دورهم.

-عدم قبول شهادات العلويين و حرمانهم من العطاء (5).

-قال الإمام الحسين عليه السّلام في رسالته إلى معاوية مستنكرا قتل حجر:

«ألست القاتل حجرا أخا كنده و المصلّين العابدين،الذين كانوا ينكرون الظلم،

ص: 117


1- شرح النهج 6/2.
2- تاريخ الطبري 208/3.
3- شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد المعتزلي 32/11،مؤسسة الاعلمي،بيروت-لبنان،ط 1، 1415 ه-1995 م.
4- راجع المصدر السابق.
5- راجع المصدر السابق.

و يستعظمون البدع و لا يخافون في الله لومة لائم،قتلتهم ظلما و عدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة و المواثيق المؤكدة أن لا تأخذهم بحدث كان بينك و بينهم و لا بإحنة(الأحقاد و الكراهية)تجدها في نفسك عليهم» (1).0.

ص: 118


1- صلح الحسن عليه السّلام للشيخ راضي آل ياسين 338،نقلا عن بحار الأنوار 149/10.

دعوة الناس إليه و مبايعته

لقد بايع أهل الكوفة الإمام الحسين عليه السّلام على الجهاد حيث أخذت رسلهم تترا على الإمام عليه السّلام و معهم من الكتب ما ملأ منه خرجين يدعونه«أن أقدم لعل الله يجمعنا بك على الهدى» (1).

فبعث سفيره إليهم مسلم بن عقيل لكي يتأكد من صحة دعواهم ثم جد المسير نحو العراق لإعلان الثورة هناك.

العزة و الكرامة

رسخ الإمام الحسين عليه السّلام بثورته معاني العزة و الكرامة و قد أعلن عليه السّلام ذلك يوم الطف بقوله:

«ألا و إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة و الذلة،و هيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك و رسوله،و نفوس أبيه و أنوف حمية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام» (2).

خاطب الحسين عليه السّلام أهل بيته في يوم الطف قائلا:

ص: 119


1- الشيعة في التاريخ لمحمد حسين الزين 119،مطبعة العراق،صيدا،لبنان،ط 2،1357 ه- 1938 م.
2- اللهوف،لابن طاووس 42.

«صبرا يا بني عمومتي،و صبرا يأهل بيتي،فو الله لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا» (1).قال الحسين عليه السّلام مخاطبا أهل بيته و أصحابه:

«...فاني لا أرى الموت إلا سعادة و لا الحياة مع الظالمين إلا برما» (2).

التضحية المثلى من أجل المبدأ:

لما عزم الإمام الحسين عليه السّلام على الخروج إلى العراق قام خطيبا فقال:

«....خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة و ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف و خير لي مصرع أنا لاقيه كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس و كربلاء...من كان فينا باذلا مهجته و موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإنني راحل مصبّحا إن شاء الله تعالى» (3).

قال الإمام الحسين عليه السّلام لأخيه محمد بن الحنفية:«أتاني رسول الله صلّى اللّه عليه و آله بعد ما فارقتك فقال:يا حسين أخرج فإن الله قد شاء أن يراك قتيلا فقال له ابن الحنفية إنا لله و إنا إليه راجعون فما معنى حملك هؤلاء النساء معك و أنت تخرج على مثل هذه الحال؟فقال له:قال لي صلّى اللّه عليه و آله إن اللّه قد شاء أن يراهن سبايا...» (4).8.

ص: 120


1- الفتوح،لابن الأعثم 128/5.
2- اللهوف في قتلى الطفوف،لابن طاووس 34.
3- اللهوف،لابن طاووس 26.
4- المصدر السابق 28.

إحياء الضمائر و استعادة الإرادة

أحيا الإمام الحسين عليه السّلام بنهضته الخالدة ضمائر الأمة الميتة و استعاد إرادتها المسلوبة،و يرى المفكر الإسلامي الشهيد السيد محمد باقر الصدر(قده):«أن الأمة كانت مصابة بمرض الشك في زمن معاوية بن أبي سفيان و قد عالجه الإمام الحسن عليه السّلام بالصلح مع معاوية،أما في زمن يزيد فإن الأمة برئت من ذلك المرض، و كانت تعرف الحق و أهله و تعرف الباطل و أهله و لكنها أصيبت بمرض آخر هو مرض«فقدان الارادة»أو«فقدان الضمير»و هذا المرض لم يكن له من علاج لكي تبرأ الأمة منه سوى أن يقدم الإمام الحسين عليه السّلام على التضحية بنفسه و أهل بيته و أصحابه لكي يهز بها الضمائر الميتة و يبعث الشجاعة و الإرادة فيها» (1).

ص: 121


1- الإمامة و قيادة المجتمع للحائري 179،مكتب السيد كاظم الحائري،قم-ايران،ط 1،1416 ه -1995 م.

لمحات من مثل الإمام الحسين عليه السلام

اشارة

قال السيد محمد باقر القرشي:تجسدت في شخصية أبي الأحرار جميع القيم الإنسانية،و المثل العليا و التقت به عناصر النبوة و الإمامة،فكان بحكم مثله و تهذيبه فذا من أفذاذ التكامل الإنساني،و مثلا رائعا من أمثلة الرسالة الإسلامية، فهو-بحق-الأطروحة الخالدة للإسلام بجميع طاقاته و مقوماته.

إن أية صفة من صفات أبي الشهداء أو نزعة من نزعاته الكريمة لترفعه عاليا على جميع عظماء العالم،و تدفع إلى القول-بلا مغالاة-أنه نسخة لا ثاني لها في تاريخ البشرية على الإطلاق ما عدا جده و أبيه،و نعرض-بإيجاز-إلى بعض خصائصه و ذاتياته.

إمامته

الإمام الحسين أحد الكواكب المشرقة من أئمة أهل البيت عليهم السّلام الذين استكملت فيهم الصفات الإنسانية،و بلغوا ذروة الكمال المطلق،و أقاموا منار هذا الدين، و رفعوا شعار الحق و العدل في الأرض،و تبنّوا القضايا المصيرية للإسلام،و عانوا في سبيله جميع ألوان الكوارث و الخطوب،و لاقوا كل جهد و ضيق من جبابرة عصورهم الذين اتخذوا مال الله دولا و عباد الله خولا.

و قد نظر النبي صلّى اللّه عليه و آله-و هو يوحى إليه-من خلال الأحقاب المترامية إلى الأئمة الطاهرين من أهل بيته فعرّفه بأسمائهم و صفاتهم،و دلل بنصوصه العامة

ص: 122

و الخاصة على أنهم خلفاؤه و أوصياؤه،و أنهم سفن النجاة و أمن العباد و قرنهم بكتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه،و قد ألمحنا إلى الكثير من تلكم النصوص في البحوث السابقة فلم تعد هنا ضرورة لذكرها،كما أنا بحثنا بصورة موضوعية و شاملة عن الإمامة و ضرورتها،و واجبات الإمام و صفاته في كتابنا(حياة الإمام الحسن)فلا حاجة لإعادة البحث هنا (1).

مواهبه العلمية

و لم يدان الإمام الحسين عليه السّلام أحد في فضله و علمه فقد فاق غيره بملكاته و مواهبه العلمية،و قد انتهل و هو في سنه المبكر من نمير علوم جده التي أضاءت آفاق هذا الكون،كما تتلمذ على يد أبيه الإمام أمير المؤمنين باب مدينة علم النبي صلّى اللّه عليه و آله و أعلم الأمة،و أفقهها بشؤون الدين،و ورد في الحديث«كان الحسن و الحسين يغران العلم غرا»و قال حبر الأمة عبد الله بن عباس:«الحسين من بيت النبوة و هم ورثة العلم».

و قال بعض من ترجمه:«كان الحسين أفضل أهل زمانه في العلم و المعرفة بالكتاب و السنة»و نعرض-بإيجاز-لبعض شؤونه العلمية (2).

ص: 123


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:79/1.
2- حياة الإمام الحسين للقرشي:110/1.

الرجوع إلى الإمام عليه السلام في الفتيا

كان الإمام الحسين عليه السّلام من مراجع الفتيا في العالم الإسلامي،و قد رجع إليه أكابر الصحابة في مسائل الدين،و كان ممن سأله عبد الله بن الزبير فقد استفتاه قائلا:

«يا أبا عبد الله ما تقول في فكاك الأسير على من هو؟».

فأجابه عليه السّلام:«على القوم الذين أعانهم أو قاتل معهم..».

و سأله ثانيا:«يا أبا عبد الله متى يجب عطاء الصبي؟».

فأجابه عليه السّلام:«إذا استهل وجب له عطاؤه و رزقه».

و سأله ثالثا عن الشرب قائما؟فدعا عليه السّلام بلقحة-أي ناقة-له فحلبت فشرب قائما،و ناوله قال ابن القيم الجوزي:«إن الباقي من الصحابة من رجال الفتيا هم أبو الدرداء و أبو عبيدة الجراح،و الحسن و الحسين»لقد كان المسلمون يرجعون إليه في مسائل الحلال و الحرام و يأخذون منه أحكام الإسلام و آداب الشريعة كما كانوا يرجعون إلى أبيه (1).

ص: 124


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:111/1.

مجلس الإمام عليه السلام

كان مجلسه مجلس علم و وقار قد ازدان بأهل العلم من الصحابة،و هم يأخذون عنه ما يلقيه عليهم من الأدب و الحكمة،و يسجّلون ما يروون عنه من أحاديث جده صلّى اللّه عليه و آله و يقول المؤرخون:إن الناس كانوا يجتمعون إليه و يحتفون به،و كأن على رؤوسهم الطير يسمعون منه العلم الواسع و الحديث الصادق و كان مجلسه في جامع جده رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و له حلقة خاصة به،و سأل رجل من قريش معاوية أين يجد الحسين؟

فقال له:«إذا دخلت مسجد رسول الله صلّى اللّه عليه و آله فرأيت حلقة فيها قوم كأن على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله».

و يقول العلايلي:

«كان مجلسه مهوى الأفئدة،و متراوح الأملاك يشعر الجالس بين يديه أنه ليس في حضرة إنسان من عمل الدنيا،و صنيعة الدنيا،تمتد أسبابها برهبته و جلاله و روعته،بل في حضرة طفاح بالسكينة كأن الملائكة تروح فيها،و تغدو...».

لقد جذبت شخصية الإمام،و سمو مكانته الروحية قلوب المسلمين و مشاعرهم فراحوا يتهافتون على مجلسه،و يستمعون لأحاديثه،و هم في منتهى الإجلال، و الخضوع.

ص: 125

من روى عن الإمام عليه السلام

كان الإمام عليه السّلام من أعلام النهضة الفكرية و العلمية في عصره،و قد ساهم مساهمة إيجابية في نشر العلوم الإسلامية،و إشاعة المعارف و الآداب بين الناس، و قد انتهل من نمير علومه حشد كبير من الصحابة و أبنائهم و هم:ولده الإمام زين العابدين،و بنته فاطمة و سكينة و حفيده الإمام أبو جعفر الباقر عليه السّلام و الشعبي، و عكرمة،و كرز التميمي،و سنان ابن أبي سنان الدوئلي،و عبد الله بن عمر،و ابن عثمان و الفرزدق و ابن أخيه زيد بن الحسن و طلحة العقيلي و عبيد بن حنين و أبو هريرة،و عبيد الله بن أبي يزيد،و المطلب بن عبيد الله بن حنطب،و أبو حازم الأشجعي،و شعيب بن خالد،و يوسف الصباغ،و أبو هشام و غيرهم و قد ألّف أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني كتابا في أسماء من روى عن الحسن و الحسين.

لقد اتخذ الإمام الجامع النبوي مدرسة له فكان به يلقي محاضراته في علم الفقه و التفسير،و رواية الحديث،و قواعد الأخلاق و آداب السلوك و كان المسلمون يفدون عليه من كل فج للإنتهال من نمير علومه المستمد من علوم النبي صلّى اللّه عليه و آله و معارفه (1).

ص: 126


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:112/1.

روايات الإمام عليه السلام عن جده

و روى الإمام الحسين عليه السّلام مجموعة كبيرة من الأحاديث عن جده الرسول صلّى اللّه عليه و آله و قد ذكر الزهري في كتاب(المغازي)أن البخاري روى عن الحسين أحاديث كثيرة، و فيها باب تحريض النبي صلّى اللّه عليه و آله على قيام الليل،كما روى عنه الترمذي في كتاب (الشمائل النبوية)أحاديث كثيرة،و قد نقلها عنه سفيان بن وكيع و نلمح إلى بعض رواياته عن جده:

1-قال عليه السّلام:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه».

2-قال عليه السّلام:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

3-قال عليه السّلام:سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه و آله يقول:«ما من مسلم و لا مسلمة يصاب بمصيبة(أو قال تصيبه مصيبة)و إن قدم عهدها فيحدث لها استرجاعا إلا أحدث الله عنه ذلك،و أعطاه ثواب ما وعده عليها يوم أصيب بها».

4-قال عليه السّلام:سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:«إن الله يحب معالي الأمور و يكره سفاسفها».

5-قال عليه السّلام:سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله يقول:«من يطع الله يرفعه،و من يعص الله يضعه و من يخلص نيته لله يزينه،و من يثق بما عند الله يغنيه،و من يتعزز على الله يذله».

6-قال عليه السّلام:كان رسول الله صلّى اللّه عليه و آله إذا استقى قال:«اللّهم اسقنا سقيا واسعة وادعة عامة نافعة غير ضارة تعم بها حاضرنا و بادينا،و تزيد بها في رزقنا، و شكرنا،اللّهم اجعله رزق إيمان و عطاء إيمان،إن عطاءك لم يكن محظورا،اللّهم

ص: 127

أنزل علينا في أرضنا سكنها و أنبت فيها زينتها و مرعاها».

7-قال عليه السّلام:حدثني أبي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله أنه قال:«المغبون لا محمود و لا مأجور».

8-روى عليه السّلام عن أبيه قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«رأس العقل بعد الإيمان بالله عز و جل التحبب إلى الناس».

9-روى عن أبيه قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع،عن عمره فيما أفناه،و عن شبابه فيما أبلاه،و عن ماله من أين اكتسبه و فيما أنفقه،و عن حبنا أهل البيت» (1).1.

ص: 128


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:113/1.

مسند الإمام الحسين عليه السلام

ألف هذا المسند أبو بشير محمد بن أحمد الدولابي المتوفى سنة(320 ه)و قد أدرجه في غضون كتابه(الذرية الطاهرة)،و هذه بعض بنوده:

1-روى علي بن الحسين عن أبيه أن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله قال:«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه..».

2-قال الحسين عليه السّلام:وجدت في قائم سيف رسول الله صلّى اللّه عليه و آله صحيفة مربوطة و هي:«أشد الناس على الله عذابا القاتل غير قاتله،و الضارب غير ضاربه.و من جحد نعمة مواليه فقد برىء مما أنزل الله تعالى.

3-روى الحسين عليه السّلام قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي».

4-روى الحسين عن أبيه عن جده قال صلّى اللّه عليه و آله:«يكون بعدي ثلاث فرق،مرجئة، و حرورية،و قدرية،فإن مرضوا فلا تعودوهم،و إن ماتوا فلا تشهدوهم،و إن دعوا فلا تجيبوهم».

5-روى عليه السّلام عن جده صلّى اللّه عليه و آله أنه قال:«ما من عبد أو أمة يضن بنفقة ينفقها فيما يرضي الله إلا أنفق أضعافها في سخط الله،و ما من عبد يدع معونة أخيه المسلم، و السعي في حاجته،قضيت تلك الحاجة،أو لم تقض إلا ابتلي بمعونة من يأثم فيه، و لا يؤجر عليه،و ما من عبد و لا أمة يدع الحج و هو يجد السبيل إليه لحاجة من حوائج الدنيا إلا نظر إلى المحلقين قبل أن يقضي الله تلك الحاجة.

6-روى يحيى بن سعيد قال:كنت عند علي بن الحسين فجاءه نفر من الكوفيين

ص: 129

فقال علي بن الحسين:يا أهل العراق،أحبونا حب الإسلام فإني سمعت أبي يقول:

قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:

«يا أيها الناس،لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تعالى قد اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا».

7-روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها و عبد الله بن عباس أن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله كان يقول:

«لا تديموا النظر إلى المجذومين،من كلّمهم منكم فليكن بينه و بينكم قيد رمح..».

8-روت فاطمة بنت الحسين عليه السّلام عن أبيها قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«إن الله يحب معالي الأخلاق و أشرافها،و يكره سفاسفها..».

9-روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها أن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله قال:«لا تديموا النظر إلى المجذومين».

10-روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال:كان رأس رسول الله صلّى اللّه عليه و آله في حجر علي،و كان يوحى إليه،فلما سرى عنه-أي الوحي-قال:يا علي صليت العصر؟

قال:لا،قال:اللّهم إنك تعلم أنه كان في حاجتك و حاجة رسولك فردها عليه فردها عليه،فصلى و غابت الشمس.

11-روت فاطمة عن أبيها أن النبي صلّى اللّه عليه و آله قال:«للسائل حق و إن جاء على فرس».

12-روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«من أصيب بمصيبة فذكرها و إن تقادم عهدها فأحدث لها استرجاعا أحدث الله له ثواب ما وعده حين أصيب بها..».

13-روت فاطمة بنت الحسين عليه السّلام عن أبيها،قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«لما أخذ الله ميثاق العباد جعل في(الحجر)فمن الوفاء بالبيعة استلام الحجر».

14-روى عبد الله بن سليمان بن نافع مولى بني هاشم،عن الحسين بن علي

ص: 130

قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«يا بني هاشم أطيبوا الكلام،و أطعموا الطعام».

15-روى أبو سعيد الميثمي قال:سمعت الحسين بن علي يقول:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«من لبس ثوب شهرة كساه الله ثوب نار».

هذه بعض بنود مسند الإمام الحسين عليه السّلام و هي حافلة بآداب السلوك و تهذيب الأخلاق التي لا غنى للناس عنها.

ص: 131

روايات الإمام الحسين عليه السلام عن أمه فاطمة عليها السّلام

و روى عليه السّلام عن أمه سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليه السّلام من الأحاديث ما يلي:

1-روى محمد بن علي بن الحسين قال:خرجت أمشي مع جدي الحسين بن علي إلى أرضه فأدركنا النعمان بن بشير على بغلة له فنزل عنها و قال للحسين:

إركب أبا عبد الله،فأبى فلم يزل يقسم عليه،حتى قال:أما إنك قد كلّفتني ما أكره، و لكن أحدّثك حديثا حدّثتنيه أمي فاطمة أن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله قال:«الرجل أحق بصدر دابته و فراشه،و الصلاة في بيته إلا إماما لجمع من الناس،فاركب أنت على صدر الدابة، و سارت تدف،فقال النعمان:صدقت فاطمة..».

2-روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن فاطمة بنت رسول الله صلّى اللّه عليه و آله قالت قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«لا يلومن إلا نفسه من بات و في يده غمر..» (1).

ص: 132


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:114/1.

رواياته الإمام عليه السلام عن أبيه

و روى الإمام الحسين عن أبيه الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام الشىء الكثير سواء أكان مما يتعلق بالسيرة النبوية أم في الأحكام الشرعية و هذه بعضها:

1-روى عليه السّلام عن أبيه عليه السّلام أن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله بعث سرية فأسروا رجلا من بني سليم يقال له الأصيد بن سلمة فلما رآه رسول الله صلّى اللّه عليه و آله رق لحاله،و عرض عليه الإسلام فأسلم فبلغ ذلك أباه و كان شيخا فكتب إليه رسالة فيها هذه الأبيات:

من راكب نحو المدينة سالما حتى يبلغ ما أقول الأصيدا

إن البنين شرارهم أمثالهم من عق والده و برّ الأبعدا

أ تركت دين أبيك و الشم العلى أ ودوا و تابعت الغداة محمدا

و عرض الأصيد رسالة أبيه على النبي صلّى اللّه عليه و آله و استأذنه في جوابه فأذن له فكتب إليه:

إن الذي سمك السماء بقدرة حتى علا في ملكه فتوحدا

بعث الذي لا مثله فيما مضى يدعو لرحمته النبي محمدا

فدعا العباد لدينه فتتابعوا طوعا و كرها مقبلين على الهدى

و تخوفوا النار التي من أجلها كان الشقي الخاسر المتلددا

و اعلم بأنك ميت و محاسب فإلى من هذي الضلالة و الردى

و لما قرأ سلمة رسالة ابنه وفد على النبي صلّى اللّه عليه و آله و أسلم.

2-قال عليه السّلام سألت أبي عن سيرة رسول الله صلّى اللّه عليه و آله في جلسائه فقال:كان رسول الله دائم البشر،سهل الخلق،لين الجانب،ليس بفظ،و لا غليظ،و لا صخاب و لا

ص: 133

فحاش و لا عياب و لا مشاح،يتغافل عما لا يشتهي و لا يؤيس منه،و لا يخيب فيه،قد ترك نفسه من ثلاث:المراء،و الإكبار و ما لا يعنيه،و ترك الناس من ثلاث:كان لا يذم أحدا و لا يعيبه،و لا يطلب عورته،و لا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه،و إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير،فإذا سكت تكلموا،لا يتنازعون عنده الحديث و من تكلم عنده أنصتوا إليه،حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أولهم،يضحك مما يضحكون منه،و يتعجب مما يتعجبون،و يصبر للغريب على الجفوة في منطقه و مسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم،و يقول:إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفدوه،و لا يقبل الثناء إلا من مكافى،و لا يقطع على أحد حديثه حتى يجور فيقطعه بنهي أو قيام...».

و قد امتاز النبي صلّى اللّه عليه و آله على عامة النبيين بهذه الأخلاق العالية التي ألّفت ما بين قلوب المسلمين،و وحّدت ما بين مشاعرهم و عواطفهم،و جعلتهم في عصورهم الأولى سادة الأمم و الأدلاء على مرضاة الله و طاعته.

3-روى عليه السّلام عن أبيه قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«من قتل دون ماله فهو شهيد».

4-روى عليه السّلام عن أبيه قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«عجبت لمن يحتمي من الطعام مخافة الداء،كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار».

5-قال عليه السّلام:سمعت أبي يقول:«الإيمان معرفة بالقلب و إقرار باللسان و عمل بالأركان...».

6-روى عليه السّلام عن أبيه أنه قال:«لتأمرن بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم،ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم...».

7-روى عن أبيه أنه قال:«إن الله تبارك و تعالى أخفى أربعة في أربعة:أخفى رضاه في طاعته،فلا تستصغرن شيئا من طاعته فربما وافق رضاه و أنت لا تعلم، و أخفى سخطه فلا تستصغرن شيئا من طاعته فربما وافق سخطه معصيته و أنت لا تعلم،و أخفى إجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئا من دعائه فربما وافق إجابته

ص: 134

و أنت لا تعلم،و أخفى وليه في عباده فلا تستصغرن عبدا من عبيد الله فربما يكون وليه و أنت لا تعلم».

8-روى عليه السّلام عن أبيه أنه قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«خير دور الأنصار بنو النجار، ثم بنو عبد الأشهل،ثم بنو الحارث،ثم بنو ساعدة،و في كل دور الأنصار خير..».

9-روى عليه السّلام عن أبيه أنه قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله:«خير الدعاء الإستغفار،و خير العبادة قول لا إله إلا الله».

و بهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض رواياته عن جده و أبويه (1).1.

ص: 135


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:116/1.

من تراثه الرائع

اشارة

للإمام عليه السّلام تراث رائع خاض في جملة منه مجموعة من البحوث الفلسفية و المسائل الكلامية التي منيت بالغموض و التعقيد،فأوضحها و بيّن وجهة الإسلام فيها،كما خاض في كثير من كلماته أصول الأخلاق و قواعد الآداب،و أسس الإصلاح الاجتماعي و الفردي،و نعرض فيما يلي لبعض ما أثر عنه:

القدر

من أهم المسائل الكلامية و أعمقها مسألة القدر فقد أثير حولها الكلام منذ فجر التاريخ الإسلامي،و قد تصدى أئمة أهل البيت عليهم السّلام لبيانها و دفع الشبهات عنها، و قد سأل الحسن بن الحسن البصري الإمام الحسين عنها،فأجابه عليه السّلام برسالة هذا نصها:

«اتبع ما شرحت لك في القدر مما أفضي إلينا أهل البيت،فإنه من لم يؤمن بالقدر خيره و شره كفر،و من حمل المعاصي على الله تعالى فقد افترى على الله افتراء عظيما،و إن الله لا يطاع بإكراه،و لا يعصى بغلبة،و لا يهمل العباد في الهلكة،لكنه المالك لما ملكهم،و القادر لما عليه أقدرهم،فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن الله صادرا عنها مبطئا،و إن ائتمروا بالمعصية فشاء أن يمن عليهم فيحول بينهم و بين ما ائتمروا به فعل فليس هو حملهم عليها قسرا،و لا كلّفهم جبرا،بل بتمكينه إياهم بعد إعذاره و إنذاره لهم و احتجاجه عليهم طوّقهم و مكّنهم و جعل لهم السبيل إلى ما أخذ

ص: 136

ما إليه دعاهم،و ترك ما عنه نهاهم عنه،جعلهم مستطيعين لأخذ ما أمرهم به من شي غير آخذ به،و لترك ما نهاهم عنه من شي غير تاركيه،و الحمد لله الذي جعل ل عباده أقوياء لما أمرهم به ينالون بتلك القوة،و ما نهاهم عنه،و جعل العذر لمن لم يجعل له السبيل حمدا متقبلا،فأنا على ذلك أذهب،و به أقول أنا و أصحابي أيضا عليه و له الحمد..».

و قد عرض هذا الكلام الشريف إلى بحوث كلامية مهمة.و التعرض لها يستدعي الإطالة و الخروج عن الموضوع.

الصمد

كتب إليه جماعة يسألونه عن معنى الصمد في قوله تعالى: اَللّهُ الصَّمَدُ فكتب عليه السّلام لهم بعد البسملة:

«أما بعد:فلا تخوضوا في القرآن،و لا تجادلوا فيه،و لا تتكلموا فيه بغير علم،فقد سمعت جدي رسول الله صلّى اللّه عليه و آله يقول:من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار،و إن الله سبحانه قد فسّر الصمد فقال اَللّهُ أَحَدٌ اَللّهُ الصَّمَدُ ثم فسّره فقال:

لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ لَمْ يَلِدْ لم يخرج منه شيء كثيف كالولد و سائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين،و لا شيء لطيف كالنفس،و لا يتشعب منه البدوات كالسنة و النوم،و الخطرة و الهم و الحزن و البهجة و الضحك و البكاء و الخوف و الرجاء،و الرغبة و السآمة و الجوع و الشبع،تعالى عن أن يخرج منه شيء،و أن يتولد منه شي كثيف أو لطيف وَ لَمْ يُولَدْ لم يتولد منه شيء،و لم يخرج منه شيء كما تخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها و الدابة من الدابة،و النبات من الأرض،و الماء من الينابيع و الثمار من الأشجار،و لا كما يخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين و السمع من الأذن،و الشم من الأنف،و الذوق من

ص: 137

الفم،و الكلام من اللسان،و المعرفة و التمييز من القلب،و كالنار من الحجر،لا بل هو الله الصمد الذي لا شيء و لا في شيء،و لا على شىء،مبدع الأشياء و خالقها، و منشىء الأشياء بقدرته،يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته،و يبقى ما خلق للبناء بعلمه،فذلكم الله الصمد الذي لم يلد و لم يولد،عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال، و لم يكن له كفوا أحد...».

التوحيد

و عرض الإمام الحسين عليه السّلام في كثير من كلامه إلى توحيد الله فبين حقيقته و جوهره،و فند شبه الملحدين و أوهامهم،و نعرض فيما يلي لبعض ما أثر عنه:

قال عليه السّلام:«أيها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبّهون الله بأنفسهم يضاهون قول الذين كفروا من أهل الكتاب،بل هو الله ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، لا تدركه الأبصار،و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير،استخلص الوحدانية و الجبروت،و أمضى المشيئة و الإرادة و القدرة و العلم بما هو كائن،لا منازع له في شىء من أمره،و لا كفو له يعادله،و لا ضدّ له ينازعه و لا سمي له يشابهه،و لا مثل له يشاركه،و لا تتداوله الأمور و لا تجري عليه الأحوال،و لا تنزل عليه الأحداث،و لا يقدر الواصفون كنه عظمته،و لا يخطر على القلوب مبلغ جبروته،لأنه ليس له في الأشياء عديل،و لا تدركه العلماء بألبابها،و لا أهل التفكير بتفكيرهم إلا بالتحقيق، إيقانا بالغيب لأنه لا يوصف بشي من صفات المخلوقين،و هو الواحد الصمد،ما تصوّر في الأوهام فهو خلافه،ليس برب من طرح تحت البلاغ،و معبود من وجد في هواء أو غير هواء،هو في الأشياء كائن،لا كينونة محظور بها عليه،و من الأشياء بائن لا بينونة غائب عنها،ليس بقادر من قارنه ضد أو ساواه ند،ليس عن الدهر قدمه،و لا بالناحية أممه،احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار،و عمن في

ص: 138

السماء احتجابه كمن في الأرض،قربه كرامته،و بعده إهانته،لا يحله في،و لا توقته إذ،و لا تؤامره إن،علو من غير توقل،و مجيئه من غير تنقل،يوجد المفقود،و يفقد الموجود و لا تجتمع لغيره الصفتان في وقت،يصيب الفكر منه الإيمان به موجودا و وجود الإيمان لا وجود صفة،به توصف الصفات لا بها يوصف،و به تعرف المعارف لا بها يعرف،فذلك الله لا سمي له،سبحانه ليس كمثله شىء،و هو السميع البصير..».

و حذّر الإمام عليه السّلام من تشبيه الخالق العظيم بعباده أو بسائر الممكنات التي يلاحقها العدم،و يطاردها الفناء.

إن الإنسان مهما أوتي من طاقات فهي محدودة كما و كيفا،و يستحيل أن يصل إلى إدراك حقيقة المبدع العظيم الذي خلق هذه الأكوان و خلق هذه المجرات التي تذهل العقول تصورها،و ما بنيت عليه من الأنظمة الدقيقة المذهلة..إن الإنسان قد عجز عن معرفة نفسه التي انطوت على هذه الأجهزة العميقة كجهاز البصر و السمع و الإحساس و غيرها فكيف يصل إلى إدراك خالقه؟!

و على أية حال فقد أوضحت هذه اللوحة الرائعة كثيرا من شؤون التوحيد، و دللت على كيفيته،و هي من أثمن ما أثر من أئمة أهل البيت عليهم السّلام في هذا المجال.

2-يقول المؤرخون أن حبر الأمة عبد الله بن عباس كان يحدث الناس في مسجد رسول الله صلّى اللّه عليه و آله فقام إليه نافع الأزرق فقال له:تفتي الناس في النملة و القملة صف لي إلهك الذي تعبد،فأطرق إعظاما لقوله،و كان الإمام الحسين عليه السّلام جالسا فانبرى قائلا:

-إلي يابن الأزرق؟

-لست إياك.

فثار ابن عباس،و قال له:

«إنه من بيت النبوة،و هم ورثة العلم..».

ص: 139

فأقبل نافع نحو الحسين فقال عليه السّلام له:

«يا نافع من وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس سائلا ناكبا عن المنهاج،ظاعنا بالإعوجاج،ضالا عن السبيل،قائلا غير الجميل أصف لك إلهي،بما وصف به نفسه،و أعرفه بما عرّف به نفسه لا يدرك بالحواس و لا يقاس بالناس قريب غير ملتصق بعيد غير منتقص يوحد و لا يبعّض معروف بالآيات موصوف بالعلامات لا إله إلا هو الكبير المتعال..».

فحار الأزرق،و لم يطق جوابا،فقد ملكت الحيرة أهابه،و سد عليه الإمام كل نافذة ينفذ منها،و بهر جميع من سمعوا مقالة الإمام،و راحوا يرددون كلام ابن عباس إن الحسين من بيت النبوة و هم ورثة العلم (1).1.

ص: 140


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:11/1.

الأمر بالمعروف

وجه الإمام عليه السّلام هذه الكلمة النيرة إلى الأنصار و المهاجرين،و نعى عليهم تسامحهم عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر اللذين بني عليهما المجتمع الإسلامي،كما عرض إلى المظالم الاجتماعية التي منيت بها الأمة،و التي كانت ناجمة عن تقصيرها في إقامة هذا الواجب الخطير،و هذا نصها:

«اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول:

لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (1)

و قال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ (2)و إنما عاب الله ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر و الفساد فلا ينهونهم عن ذلك رغبة فيما كانوا ينالون منهم،و رهبة مما يحذرون،و الله يقول: إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَ اخْشَوْنِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (3)

و قال: وَ حَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَ صَمُّوا ثُمَّ تابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا

ص: 141


1- المائدة:63.
2- المائدة:78.
3- المائدة:44.

كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَ اللّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (1)

فبدأ الله بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بأنها إذا أديت و أقيمت استقامت الفرائض كلها هينها و صعبها،و ذلك أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع رد المظالم و مخالفة الظالم و قسمة الفىء و الغنائم و أخذ الصدقات من مواضعها و وضعها في حقها...ثم أنتم أيتها العصابة عصابة بالعلم مشهورة و بالخير مذكورة و بالنصيحة معروفة و بالله في أنفس الناس مهابة.يهابكم الشريف،و يكرمكم الضعيف،و يؤثركم من لا فضل لكم عليه،و لا يد لكم عنده،تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلابها،و تمشون في الطريق بهيبة الملوك و كرامة الأكابر،أليس كل ذلك إنما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحق الله،و إن كنتم عن أكثر حقه تقصّرون،فاستخففتم بحق الأئمة،فأما حق الضعفاء فضيّعتم،و أما حقكم بزعمكم فطلبتم،فلا مالا بذلتموه و لا نفسا خاطرتم بها للذي خلقها،و لا عشيرة عاديتموها في ذات الله،أنتم تتمنون على الله جنته،و مجاورة رسله،و أمانا من عذابه،لقد خشيت عليكم أيها المتمنون على الله أن تحل بكم نقمة من نقماته لأنكم بلغتم من كرامة الله منزلة فضلتم بها،و من يعرف بالله لا تكرمون،و أنتم بالله في عباده تكرمون و قد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون، و أنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون،و ذمة رسول الله صلّى اللّه عليه و آله محقورة،و العمى و البكم و الزمن في المدائن مهملة لا ترحمون،و لا في منزلتكم تعملون،و لا من عمل فيها تعينون،و بالأدهان و المصانعة عند الظلمة تأمنون كل ذلك مما أمركم الله به من النهي و التناهي و أنتم عنه غافلون،و أنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسمعون ذلك بأن مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله و حرامه فأنتم المسلوبون تلك المنزلة و ما سلبتم1.

ص: 142


1- المائدة:71.

ذلك إلا بتفرقكم عن الحق و اختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة و لو صبرتم على الأذى،و تحملتم المؤونة في ذات الله،كانت أمور الله عليكم ترد،و عنكم تصدر،و إليكم ترجع،و لكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم،و استسلمتم أمور الله في أيديهم يعملون بالشبهات و يسيرون في الشهوات،سلّطهم على ذلك فراركم من الموت و إعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم،فأسلمتم الضعفاء في أيديهم فمن بين مستعبد مقهور،و بين مستضعف على معيشته،مغلوب يتقلبون في الملك بآرائهم، و يستشعرون الخزي بأهوائهم اقتداءا بالأشرار،و جرأة على الجبار،في كل بلد منهم على منبره خطيب يصقع،فالأرض لهم شاغرة و أيديهم فيها مبسوطة، و الناس لهم خول،لا يدفعون يد لامس،فمن بين جبار عنيد،و ذي سطوة على الضعفة شديد،مطاع لا يعرف المبدىء و المعيد،فيا عجبا!و مالي لا أعجب و الأرض من غاش غشوم،و متصدّق ظلوم،و عامل على المؤمنين بهم غير رحيم،فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا،القاضي بحكمه فيما شجر بيننا..».

و حفلت هذه الوثيقة السياسية بذكر الأسباب التي أدت إلى تردي الأخلاق و شيوع المنكر في البلاد الناجمة من عدم قيام المهاجرين و الأنصار بمسؤولياتهم و واجباتهم الدينية و الإجتماعية،فقد كانت لهم المكانة المرموقة في المجتمع الإسلامي لأنهم صحابة النبي صلّى اللّه عليه و آله و حضنة الإسلام و يمكنهم أن يقولوا كلمة الحق،و يناهضوا الباطل إلا أنهم تقاعسوا عن واجباتهم مما أدى إلى أن تتحكم في رقاب المسلمين الطغمة الحاكمة من بني أمية الذين اتخذوا عباد الله خولا،و مال الله دولا (1).1.

ص: 143


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:118/1.

أنواع الجهاد

و سئل الإمام أبو عبد الله عليه السّلام عن الجهاد هل هو سنّة أو فريضة فأجاب عليه السّلام:

«الجهاد على أربعة أوجه:فجهادان فرض،و جهاد سنّة لا يقام إلا مع فرض، و جهاد سنة،فأما أحد الفرضين فجهاد الرجل نفسه عن معاصي اللّه،و هو من أعظم الجهاد،و مجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض،و أما الجهاد الذي هو سنّة لا يقام إلا مع فرض فإن مجاهدة العدو فرض على جميع الأمة لو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب،و هذا هو من عذاب الأمة،و هو سنّة على الإمام وحده أن يأتي العدو مع الأمة فيجاهدهم،و أما الجهاد الذي هو سنّة فكل سنّة أقامها الرجل و جاهد في إقامتها، و بلوغها و إحيائها فالعمل و السعي فيها من أفضل الأعمال لأنها إحياء سنّة،و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«من سنّ سنّة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا..».

تشريع الصوم

سئل الإمام الحسين عليه السّلام عن الحكمة في تشريع الصوم على العباد فقال عليه السّلام:

«ليجد الغني مس الجوع فيعود بالفضل على المساكين».

ص: 144

أنواع العبادة

و تحدث عليه السّلام عن أنواع العبادة فقال:«إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، و إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد،و إن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار،و هي أفضل العبادة».

و تحدث عليه السّلام عمن عبد الله حق عبادته فقال:«من عبد الله حق عبادته أتاه الله فوق أمانيه و كفايته» (1).

مودة أهل البيت عليهم السّلام

و حث الإمام الحسين على مودة أهل البيت عليهم السّلام يقول أبو سعيد:سمعت الحسين يقول:

«من أحبنا نفعه الله بحبنا،و إن كان أسيرا في الديلم،و إن حبنا ليساقط الذنوب كما تساقط الريح الورق..».

قال عليه السّلام:«إلزموا مودتنا أهل البيت فإن من لقي الله و هو يودنا دخل في شفاعتنا».

روى بشير بن غالب أن الإمام الحسين عليه السّلام قال:«من أحبنا لله وردنا نحن و هو على نبينا صلّى اللّه عليه و آله هكذا-و ضم إصبعيه-و من أحبنا للدنيا فإن الدنيا تسع البر و الفاجر».

ص: 145


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:119/1.

و حدّث عليه السّلام عما يكتسبه من أتى إليهم من الفوائد قال:«من أتانا لم يعدم خصلة من أربع:آية محكمة،و قضية عادلة،و أخا مستفادا،و مجالسة العلماء..».

ص: 146

مكارم الأخلاق

و رسم الإمام عليه السّلام لأهل بيته و أصحابه مكارم الأخلاق،و محاسن الصفات و أمرهم بالتحلي بها ليكونوا قدوة لغيرهم،و فيما يلي بعضها:

1-قال عليه السّلام:«الحلم زينة،و الوفاء مروءة،و الصلة نعمة،و الاستكثار صلف،و العجلة سفه،و السفه ضعف،و الغلو ورطة،و مجالسة أهل الدناءة شر،و مجالسة أهل الفسوق ريبة..».

2-قال عليه السّلام:«الصدق عز،و الكذب عجز،و السر أمانة،و الجوار قرابة،و المعونة صدقة،و العمل تجربة،و الخلق الحسن عبادة،و الصمت زين،و الشح فقر،و السخاء غنى،و الرفق لب..».

3-قال عليه السّلام:«أيها الناس،من جاد ساد،و من بخل رذل و إن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه..».

4-قال عليه السّلام:«من جاد ساد،و من بخل رذل،و من تعجّل لأخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا..».

5-قال عليه السّلام:«اعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله تعالى عليكم،فلا تملوا النعم فتعود النقم..».

6-رأى الإمام عليه السّلام رجلا قد دعي إلى طعام فامتنع من الإجابة فقال عليه السّلام له:«قم فليس في الدعوة عفو،و إن كنت مفطرا فكل،و إن كنت صائما فبارك..».

7-قال عليه السّلام:«صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك،فأكرم وجهك عن رده..».

8-كان عليه السّلام دوما ينشد هذه الأبيات الداعية إلى حسن الخلق،و عدم العناء في

ص: 147

طلب الدنيا،و يزعم بعض الرواة أنها من نظمه و هي:

لئن كانت الأفعال يوما لأهلها كمالا فحسن الخلق أبهى و أكمل

و إن كانت الأرزاق رزقا مقدرا فقلة جهد المرء في الكسب أجمل

و إن كانت الدنيا تعد نفيسة فدار ثواب الله أعلى و أنبل

و إن كانت الأبدان للموت أنشأت فقتل امرء بالسيف في الله أفضل

و إن كانت الأموال للترك جمعها فما بال متروك به المرء يبخل

و ألمت هذه الأبيات برغبة الإمام بالشهادة في سبيل الله،كما حكت عن طبيعة كرمه و سخائه.

9-قال عليه السّلام:«لا تتكلف ما لا تطيق،و لا تتعرض لما لا تدرك،و لا تعد بما لا تقدر عليه،و لا تنفق إلا بقدر ما تستفيد،و لا تطلب من الجزاء إلا بقدر ما صنعت،و لا تفرح إلا بما نلت من طاعة الله و لا تتناول إلا ما رأيت نفسك أهلا له..».

10-قال عليه السّلام لا بن عباس:«لا تتكلمن فيما لا يعنيك فإني أخاف عليك الوزر،و لا تتكلمن فيما يعنيك حتى ترى للكلام موضعا فرب متكلم قد تكلم بالحق فعيب،و لا تمارين حليما و لا سفيها،فإن الحليم يقلبك،و السفيه يؤذيك،و لا تقولن في أخيك المؤمن إذا توارى عنك إلا ما تحب أن يقول فيك إذا تواريت عنه،و اعمل عمل رجل يعلم أنه مأخوذ بالإجرام مجزي بالإحسان..».

و هذه الكلمات الذهبية هي بعض ما أثر عنه في مكارم الأخلاق،و محاسن الصفات التي يكسب بها الإنسان المنهج السليم،و حسن السلوك و سلامة الدارين (1).1.

ص: 148


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:120/1.

تشريع الأذان

و زعم بعض المعاصرين للإمام أن الذي شرع الأذان عبد اللّه بن زيد لرؤيا رآها، فأخبر بها النبي صلّى اللّه عليه و آله فأمر صلّى اللّه عليه و آله به،فأنكر الإمام عليه السّلام ذلك و قال:

«الوحي يتنزل على نبيكم،و تزعمون أنه أخذ الأذان عن عبد اللّه بن زيد و الأذان وجه دينكم..».

ص: 149

الإخوان

قال عليه السّلام:«الإخوان أربعة:فأخ لك و له،و أخ عليك،و أخ لا لك و لا له..».

و أوضح عليه السّلام ذلك بقوله:

«الأخ الذي هو لك و له فهو الأخ الذي يطلب بإخائه بقاء الإخاء و لا يطلب بإخائه موت الإخاء فهذا لك و له،لأنه إذا تم الإخاء طابت حياتهما جميعا،و إذا دخل الإخاء في حال التناقض بطلا جميعا،و الأخ الذي لك فهو الأخ الذي قد خرج بنفسه عن حال الطمع إلى حال الرغبة فلم يطمع في الدنيا إذا رغب في الإخاء فهو موفور عليك بكليته،و الأخ الذي هو عليك فهو الأخ الذي يتربص بك الدوائر،و يغشى السرائر، و يكذب عليك بين العشائر،و ينظر في وجهك نظر الحاسد فعليه لعنة الواحد،و الأخ الذي لك و لا له فهو الذي قد ملأه الله حمقا فأبعده سحقا فتراه يؤثر نفسه عليك، و يطلب شح ما لديك..».

ص: 150

العلم و التجارب

قال عليه السّلام:«دراسة العلم لقاح المعرفة،و طول التجارب زيادة في العقل،و الشرف و التقوى و القنوع راحة الأبدان،و من أحبك نهاك،و من أبغضك أغراك..».

حقيقة الصدقة

و تصدّق رجل من بني أمية بأموال كثيرة،و لم تكن تلك الأموال من حلال،و إنما كانت من حرام،فقال الإمام عليه السّلام:

«مثله مثل الذي سرق الحاج،و تصدّق بما سرق،إنما الصدقة صدقة من عرق فيها جبينه،و اغبر فيها وجهه..» (1).

ص: 151


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:121/1.

الوعظ و الإرشاد

و عني الإمام الحسين عليه السّلام بوعظ الناس و إرشادهم كما عني أبوه من قبله، مستهدفين من ذلك تنمية القوى الخيرة في النفوس،و توجيه الناس نحو الحق و الخير و إبعادهم عن نزعات الشر من الإعتداء و الغرور و الطيش و غير ذلك، و نعرض فيما يلي لبعض ما أثر عنه:

1-قال عليه السّلام:«أوصيكم بتقوى الله،و أحذركم أيامه،و أرفع لكم أعلامه،فكأن المخوف قد أفل بمهول و روده،و نكير حلوله،و بشع مذاقه،فاغتلق مهجكم،و حال بين العمل و بينكم،فبادروا بصحة الأجسام و مدة الأعمار،كأنكم نبعات طوارقه فتنقلكم من ظهر الأرض إلى بطنها،و من علوها إلى سفلها،و من أنسها إلى وحشتها،و من روحها وضوئها إلى ظلمتها،و من سعتها إلى ضيقها حيث لا يزار حميم،و لا يعاد سقيم،و لا يجاب صريخ،أعاننا الله و إياكم على أهوال ذلك اليوم، و نجانا و إياكم من عقابه و أوجب لنا و لكم الجزيل من ثوابه.

عباد الله فلو كان ذلك قصر مرماكم،و مدى مضعنكم،كان حسب العامل شغلا يستفرغ عليه أحزانه،و يذهله عن دنياه،و يكثر نصبه لطلب الخلاص منه،فكيف و هو بعد ذلك مرتهن باكتسابه مستوقف على حسابه،لا وزير له يمنعه،و لا ظهير عنه يدفعه و يومئذ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (1).

عباد الله فلو كان ذلك قصر مرماكم،و مدى مضعنكم،كان حسب العامل شغلا يستفرغ عليه أحزانه،و يذهله عن دنياه،و يكثر نصبه لطلب الخلاص منه،فكيف و هو بعد ذلك مرتهن باكتسابه مستوقف على حسابه،لا وزير له يمنعه،و لا ظهير عنه يدفعه و يومئذ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ (1).

أوصيكم بتقوى الله فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب، و يرزقه من حيث لا يحتسب،فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد بذنوبهم، و يأمن العقوبة من ذنبه،فإن الله تبارك و تعالى لا يخدع عن جنته،و لا ينال ما عنده إلا بطاعته إن شاء الله».

و حفل هذا الكلام بما يقرب الناس إلى الله،و بما يبعدهم عن معاصيه و يجنبهم عن دواعي الهوى و نزعات الشرور.

2-كتب إليه رجل يطلب منه أن يعظه بحرفين أي يوجز القول فكتب عليه السّلام له:«من حاول أمرا بمعصية الله تعالى كان أفوت لما يرجو و أسرع لمجي ما يحذر..».

3-قال عليه السّلام:«عباد الله اتقوا الله،و كونوا من الدنيا على حذر فإن الدنيا لو بقيت لأحد أو بقي عليها أحد لكانت للأنبياء أحق بالبقاء،و أولى بالرضاء،و أرضى بالقضاء،غير أن الله خلق الدنيا للبلاء و خلق أهلها للفناء،فجديدها بال،و نعيمها مضمحل،و سرورها مكفهر و المنزل بلغة،و الدار قلعة،فتزودوا فإن خير الزاد التقوى..».

4-كتب إليه رجل يسأله عن خير الدنيا و الآخرة فأجابه عليه السّلام:«أما بعد:فإن من طلب رضى الله بسخط الناس كفاه الله أمور الناس،و من طلب رضى الناس بسخط الله، و كله الله إلى الناس و السلام».

5-قال عليه السّلام:«إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض و مغاربها،بحرها و برها،سهلها و جبلها عند ولي من أولياء الله و أهل المعرفة بحق الله كفي الظلال..».

و أضاف يقول:

«ألا حر يدع هذه اللماظة-يعني الدنيا-لأهلها،ليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا

ص: 152


1- الأنعام:158.

تبيعوها بغيرها،فإنه من رضي الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس..».

6-قال له رجل:كيف أصبحت يابن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله؟فقال عليه السّلام:«أصبحت ولي رب فوقي،و النار أمامي،و الموت يطلبني و الحساب محدق بي،و أنا مرتهن بعملي، لا أجد ما أحب،و لا أدفع ما أكره،و الأمور بيد غيري،فإن شاء عذبني و إن شاء عفا عني،فأي فقير أفقر مني؟».

7-قال عليه السّلام:«يابن آدم تفكر،و قل:أين ملوك الدنيا و أربابها الذين عمّروا خرابها و احتفروا أنهارها،و غرسوا أشجارها،و مدّنوا مدائنها،فارقوها و هم كارهون، و ورثها قوم آخرون،و نحن بهم عما قليل لاحقون.

يابن آدم أذكر مصرعك،و في قبرك مضجعك بين يدي الله،تشهد جوارحك عليك يوم تزول فيه الأقدام،و تبلغ القلوب الحناجر،و تبيض وجوه،و تبدو السرائر، و يوضع الميزان القسط.

يابن آدم أذكر مصارع آبائك،و أبنائك،كيف كانوا،و حيث حلوا،و كأنك عن قليل قد حللت محلهم،و صرت عبرة المعتبر..ثم أنشد هذه الأبيات:

أين الملوك التي عن حفظها غفلت حتى سقاها بكأس الموت ساقيها

تلك المدائن في الآفاق خالية عادت خرابا و ذاق الموت بانيها

أموالنا لذوي الوراث نجمعها و دورنا لخراب الدهر نبنيها

هذه بعض ما أثر عنه من المواعظ الهادفة إلى إصلاح النفوس و تهذيبها و أبعادها عن نزعات الهوى و الشرور (1).1.

ص: 153


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:125/1.

من خطب الإمام الحسين عليه السلام

و للإمام عليه السّلام مجموعة كبيرة من الخطب الرائعة التي تجسدت فيها صلابة الحق،و قوة العزم،و روعة التصميم على الجهاد في سبيل الله،و قد ألقاها الإمام في وقت كان الجو ملبدا بالمشاكل السياسة،و قد شجب فيها سياسة الحكم الأموي و دعا المسلمين إلى الانتفاضة عليه،و سنذكر جملة منها في مواضعها الخاصة، و نذكر هنا خطبة واحدة منها:

صعد عليه السّلام المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم صلى على النبي صلّى اللّه عليه و آله فسمع رجلا يقول:من هذا الذي يخطب؟فأجابه عليه السّلام:

«نحن حزب الله الغالبون،و عترة رسول الله صلّى اللّه عليه و آله الأقربون،و أهل بيته الطيبون و أحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله صلّى اللّه عليه و آله ثاني كتاب الله تبارك و تعالى،الذي فيه تفصيل كل شي لا يأتيه الباطل من بين يديه،و لا من خلفه،و المعول علينا في تفسيره،و لا يبطئنا تأويله،بل نتبع حقائقه،فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله و رسوله مقرونة،قال الله تعالى: أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَ الرَّسُولِ و قال: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً (1).

و أحذركم الإصغاء إلى هتاف الشيطان بكم فإنه لكم عدو مبين،فتكونوا

ص: 154


1- النساء:83.

كأوليائه الذين قال لهم: وَ قالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ (1)و قال: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ فتلقون للسيوف ضربا، و للرماح وردا،و للعمد حطما،و للسهام غرضا،ثم لا يقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا...».

و حفل هذا الخطاب بالدعوة إلى التمسك بعترة رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و لزوم طاعتهم و الإنقياد لهم،و حذرهم من الدعايات المضللة التي تبثها أجهزة الإعلام الأموي الداعية إلى إبعاد الناس عن أهل البيت عليهم السّلام الذين هم مصدر الوعي و النور في الأرض (2).1.

ص: 155


1- الأنفال:48.
2- حياة الإمام الحسين للقرشي:127/1.

جوامع الكلم

و منح الله الإمام الحسين أعنة الحكمة،و فصل الخطاب فكانت تتدفق على لسانه سيول من الموعظة و الآداب،و الأمثال السائرة،و فيما يلي بعض حكمه القصار:

1-قال عليه السّلام:«العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه،و لا يسأل من يخاف منعه،و لا يثق بمن يخاف غدره،و لا يرجو من لا يوثق برجائه...».

2-قال عليه السّلام لابنه علي بن الحسين:«أي بني إياك و ظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا الله تعالى...».

3-قال عليه السّلام:«ما أخذ الله طاقة أحد إلا وضع عنه طاعته،و لا أخذ قدرته إلا وضع عنه كلفته...».

4-قال عليه السّلام:«إياك و ما تعتذر منه،فإن المؤمن لا يسيء،و لا يعتذر،و المنافق كل يوم يسي و يعتذر...».

5-قال عليه السّلام:«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك،فإن الكذب ريبة،و الصدق طمأنينة...».

6-قال عليه السّلام:«اللّهم لا تستدرجني بالإحسان،و لا تؤدبني بالبلاء...».

7-قال عليه السّلام:«خمس من لم تكن فيه،لم يكن فيه كثير مستمتع،العقل،و الدين و الأدب،و الحياء،و حسن الخلق...».

8-قال عليه السّلام:«البخيل من بخل بالسلام».

9-قال عليه السّلام:«من حاول أمرا بمعصية الله كان أفوت لما يرجو و أسرع لما يحذر...».

10-قال عليه السّلام:«من دلائل علامات القبول:الجلوس إلى أهل العقول،و من علامات أسباب الجهل:المماراة لغير أهل الكفر،و من دلائل العالم انتقاده لحديثه،و علمه بحقائق فنون النظر..».

ص: 156

11-قال عليه السّلام:«إن المؤمن اتخذ الله عصمته،و قوله مرآته فمرة ينظر في نعت المؤمنين،و تارة ينظر في وصف المتجبرين،فهو منه في لطائف و من نفسه في تعارف، و من فطنته في يقين،و من قدسه على تمكين...».

12-قال:«إذا سمعت أحدا يتناول أعراض الناس فاجتهد أن لا يعرفك...».

13-قال عليه السّلام لرجل اغتاب عنده رجلا«يا هذا كف عن الغيبة فإنها أدام كلاب النار...».

14-تكلم رجل عنده فقال:إن المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع فقال عليه السّلام:

«ليس كذلك،و لكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر تصيب البر و الفاجر...».

15-سأله رجل عن تفسير قوله تعالى:

وَ أَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (1) !قال عليه السّلام:«أمره أن يحدّث بما أنعم الله به عليه في دينه».

16-قال عليه السّلام:«موت في عز خير من حياة في ذل».

17-قال عليه السّلام:«البكاء من خشية الله نجاة من النار».

18-قال عليه السّلام:«من أحجم عن الرأي،و أعيت له الحيل كان الرفق مفتاحه».

19-قال عليه السّلام:«من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم».

20-قال عليه السّلام:«إذا كان يوم القيامة نادى مناد،أيها الناس من كان له على الله أجر فليقم،فلا يقوم إلا أهل المعروف..».

21-قال عليه السّلام:«ما من أعمال هذه الأمة من صباح إلا و يعرض على الله تعالى».

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما أثر عنه من روائع الحكم،و المواعظ و الآداب،و لم نحلل مضامينها إيثارا للإيجاز،و ابتعادا عن الإطالة.1.

ص: 157


1- الضحى:11.

في حلبات الشعر

و عرضت مصادر التاريخ و الأدب العربي إلى بعض ما نظمه الإمام الحسين عليه السّلام من الشعر و ما استشهد به في بعض المناسبات،و إن كان بعضها- فيما نحسب-لا يخلو من الانتحال،و هذه بعضها:

1-دخل أعرابي مسجد الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله فوقف على الحسن بن علي و حوله حلقة مجتمعة من الناس فسأل عنه،فقيل له إنه الحسن بن علي،فقال:إياه أردت بلغني أنهم يتكلمون فيعربون في كلامهم،و إني قطعت بوادي،و قفارا،و أودية، و جبالا،و جئت لأطارحه الكلام و أسأله عن عويص العربية،فقال له أحد جلساء الإمام:إن كنت جئت لهذا فابدأ بذلك الشاب،و أومأ إلى الحسين،فبادر إليه،و وقف فسلّم عليه فرد الإمام عليه السّلام،فقال له:

-ما حاجتك؟

-جئتك من الهرقل و الجعلل و الأينم،و الهمهم.

فتبسم الإمام الحسين،و قال له:يا أعرابي لقد تكلمت بكلام ما يعقله إلا العالمون، فقال الأعرابي،و أقول:أكثر من هذا،فهل أنت مجيبي على قدر كلامي؟

فقال له الحسين:

-قل ما شئت فإني مجيبك.

-إني بدوي،و أكثر مقالي الشعر،و هو ديوان العرب.

-قل ما شئت فإني مجيبك.

ص: 158

و أنشأ الاعرابي يقول:

هفا قلبي إلى اللهو و قد ودع شرخيه

و قد كان أنيقا عص ر تجراري ذيليه

عيالات و لذات فيا سقيا لعصريه

فلما عمم الشيب من الرأس نطاقيه

و أمسى قد عناني منه تجديد خضابيه

تسليت عن اللهو و ألقيت قناعيه

و في الدهر أعاجيب لمن يلبس حاليه

فلو يعمل ذو رأي أصيل فيه رأييه

لألفى عبرة منه له في كر عصريه

فأجابه الإمام الحسين عليه السّلام ارتجالا:

فما رسم شجاني قد محت آيات رسميه

سفور درجت ذيلين في بوغاء قاعيه

هتوف حرجف تترى على تلبيد ثوبيه

و ولاج من المزن دنا نوء سماكيه

أتى مثغنجر الورق بجود من خلاليه

و قد أحمد برقاه فلا ذم لبرقيه

و قد جلل رعداه فلا ذم لرعديه

ثجيج الرعد ثجاج إذا أرخى نطاقيه

فأضحى دارسا قفرا لبينونة أهليه

فلما سمع الأعرابي ذلك بهر و انطلق يقول:ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلاما و أذرب لسانا،و لا أفصح منه نطقا،فقال له الإمام الحسن عليه السّلام يا أعرابي:

غلام كرم الرحمن بالتطهير جديه

ص: 159

كساه القمر القمقام من نور سنائيه

و قد أرصنت من شعري و قومت عروضيه

فلما سمع الأعرابي قول الإمام الحسن عليه السّلام انبرى يقول:بارك الله عليكما، مثلكما تجلّهما الرجال فجزاكما الله خيرا و انصرف و دلّت هذه البادرة على مدى ما يتمتع به الإمام عليه السّلام من قوة العارضة في الشعر،و مقدرته الفائقة في الارتجال و الإبداع،إلا أن بعض فصول هذه القصة-فيما نحسب-لا يخلو من الانتحال،و هو مجىء الأعرابي من بلد نائي قد تحمّل عناء السفر و شدّته من أجل اختبار الإمام و معرفة مقدراته الأدبية.

2-نسبت له هذه الأبيات الحكمية:

إذا ما عضك الدهر فلا تجنح إلى الخلق

و لا تسأل سوى الله تعالى قاسم الرزق

فلو عشت و طوفت من الغرب إلى الشرق

لما صادفت من يقد رأن يسعد أو يشقى

و حث هذا الشعر على القناعة و إباء النفس،و عدم الخنوع للغير،و أهاب بالإنسان أن لا يسأل أحدا إلا ربه الذي بيده مجريات الأحداث.

3-قال عليه السّلام:

اغن عن المخلوق بالخالق تغن عن الكاذب و الصادق

و استرزق الرحمن من فضله فليس غير الله من رازق

من ظن أن الناس يغنونه فليس بالرحمن بالواثق

أو ظن أن المال من كسبه زلت به النعلان من حالق

و في هذه الأبيات دعوة إلى الإلتجاء إلى الله خالق الكون و واهب الحياة،

ص: 160

و الإستغناء عمن سواه فإن من ركن لغيره فقد خاب سعيه و حاد عن الصواب.

4-زار الإمام الحسين عليه السّلام مقابر الشهداء بالبقيع فانبرى يقول:

ناديت سكان القبور فاسكتوا فأجابني عن صمتهن ترب الحشا

قالت:أتدري ما صنعت بساكني مزقت لحمهم و خرقت الكسا

و حشوت أعينهم ترابا بعد ما كانت تأذى باليسير من القذا

أما العظام فإنني مزقتها حتى تباينت المفاصل و الشوى

قطعت ذا من ذا و من هذا كذا فتركتها مما يطول بها البلى

و حفلت هذه الأبيات بالدعوة إلى الإعتبار و العظة بمصير الإنسان و أنه حينما يودع في بطن الأرض لم يلبث أن يتلاشى و تذهب نضارته و يعود بعد قليل كتلة من التراب المهين.

5-و نسب الأعشى هذه الأبيات للإمام الحسين عليه السّلام:

كلما زيد صاحب المال مالا زيد في همه و في الاشتغال

قد عرفناك يا منغصة العيش و يا دار كل فان و بال

ليس يصفو لزاهد طلب الزهد إذا كان مثقلا بالعيال.

و تحدث الإمام بهذه الأبيات عن ظاهرة خاصة من ظواهر الحياة و هي أن الإنسان كلما اتسع نطاقه المادي ازدادت آلامه و همومه،و ازداد جهدا و عناءا في تصريف شؤون أمواله،و زيادة أرباحها،كما تحدث الإمام عمن يرغب في الزهد في الحياة فإنه لا يجد سبيلا إلى ذلك مادام مثقلا بالعيال فإن شغله بذلك يمنعه عن الزهد في الدنيا.

6-روى الأربلي أن الإمام قال هذه الأبيات في ذم البغي:

ص: 161

ذهب الذين أحبهم و بقيت فيمن لا أحبه

في من أراه يسبني ظهر المغيب و لا أسبه

يبغي فسادي ما استطا ع و أمره مما أر به

حنقا يدب لي الضرا ء و ذاك مما لا أدبه

و يرى ذباب الشر من حولي يطن و لا يذ به

و إذا خبا و غر الصدو ر فلا يزال به يشبه

أفلا يعج بعقله أفلا يثوب إليه لبه

أفلا يرى من فعله ما قد يسور إليه غبه

حسبي بربي كافيا ما أختشي و البغي حسبه

و لقل من يبغى عليه فما كفاه الله ربه

و تحدث الإمام عليه السّلام بهذه الأبيات عن إحدى النزعات الشريرة في الإنسان و هي البغي فإن من يتلوث به يسعى دوما إلى سب أخيه و الإعتداء عليه و إفساد أمره، و إنه إذا سكن و غر الصدور فإنه يسعى لإثارتها انطلاقا منه في البغي و الإعتداء، و قد وجّه عليه السّلام إليه النصح فإنه إذا رجع إلى عقله و فكر في أمره فإن غيه على حيه يرجع إليه،و تلحقه أضراره و آثامه و من الطبيعي أنه إذا أطال التفكير في ذلك فإنه يقلع عن نفسه هذه الصفة الشريرة حسب ما نص عليه علماء الأخلاق.

7-و زعم أبو الفرج الأصبهاني إن الإمام الحسين عليه السّلام قال هذين البيتين في بنته سكينة و أمها الرباب:

لعمرك أنني لأحب دارا تكون بها سكينة و الرباب

أحبهما و أبذل جل مالي و ليس لعاتب عندي عتاب

و زاد غيره هذا البيت:

فلست لهم و إن غابوا مضيعا حياتي أو يغيبني التراب

ص: 162

و هذه الآيات فيما نحسب من المنتحلات و الموضوعات فإن الإمام الحسين عليه السّلام أجل شأنا و أرفع قدرا من أن يذيع حبه لزوجته و ابنته بين الناس،فليس هذا من خلقه،و لا يليق به،إن ذلك-من دون شك-من المفتريات التي تعمّد وضعها للحط من شأن أهل البيت عليهم السّلام.

8-و مما قاله:

الله يعلم أن ما بيدي يزيد لغيره

و بأنه لم يكتسب ه بخيره و بميره

لو أنصف النفس الخؤو ن لقصرت من سيره

و لكان ذلك منه أد نى شره من خيره

و بهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض مثل الإمام الحسين عليه السّلام و نزعاته التي كان بها فذا من أفذاذ العقل الإنساني و مثلا رائعا من أمثلة الرسالة الإسلامية بجميع قيمها و مكوناتها (1).0.

ص: 163


1- حياة الإمام الحسين للقرشي:79/1 الى 130.

الفهرس

أبعاد شخصية الحسين عليه السلام

أهم أبعاد شخصية الإمام الحسين عليه السلام 3

شخصية الحسين مدخرة من قبل اللّه 3

عظمة الحسين عليه السلام على اللّه 15

في أن الحسين وصي رسول اللّه عليهما السلام 22

أن الأئمة من صلب الحسين عليهم السلام 31

في أن الحسين و الأئمة عليهم السلام حجج اللّه على خلقه 40

لولا الحسين و الأئمة عليهم السلام ما خلق اللّه تعالى الخلق 52

عظمة الإمام الحسين عليه السلام و بركاته 57

قيمة تضحية الحسين عليه السلام 60

الإخلاص عند الإمام الحسين عليه السلام 62

الثقة باللّه تعالى عند الإمام الحسين عليه السلام 62

صواب الموقف عند الإمام الحسين عليه السلام 64

عمل و جهاد الإمام الحسين عليه السلام 65

ثقافة الجهاد 66

الجهاد الفكري 67

الثقافة في الرؤية المادية 68

ص: 164

الثقافة في الرؤية الإسلامية 70

الثقافة سند للجهاد 71

العمل الثقافي و السياسي للإمام الحسين عليه السلام 73

الإستقامة عند الإمام الحسين عليه السلام 74

الأعذار الشرعيّة التي واجهت الحسين عليه السلام 74

الحقائق التأريخية في شخصية الحسين عليه السلام 78

البعد المعنوي و العرفاني في شخصية الإمام الحسين عليه السلام 80

واقعة عاشوراء واقعة عرفانية 81

جهاد فعرفان 82

سلوك الحسين عليه السلام المعنوي و العبودي 83

وصايا الشهداء العرفانيّة 85

سرعة العرفان عند المجاهد 86

أثر ثورة الإمام الحسين على الأخلاق 87

وضوح المواقف عند الإمام الحسين عليه السلام 91

هيبة الإمام الحسين عليه السلام و وقاره 93

عفو الإمام الحسين عليه السلام عن المسيء 94

الجود و السخاء عند الإمام الحسين عليه السلام 95

إلتزام الإمام الحسين عليه السلام بتعاليم الإسلام 100

لمحات من حياته العملية 102

من حكمه و مواعظه 103

عصمة الإمام الحسين عليه السلام 105

الإمام الحسين في خلافة أبيه عليهما السلام 106

موقفه من الصلح مع معاوية 108

ص: 165

موقفه من بيعة يزيد بن معاوية 110

المسؤولية الدينية عند الإمام الحسين عليه السلام 113

طلب الإصلاح في الأمة 113

إماتة الإمام عليه السلام للبدع 114

صيانة الخلافة الإسلامية من الطغيان 114

حماية الإم عليه السلام للإسلام من الخطر 116

الإضطهاد و القمع الأمويان 117

دعوة الناس إليه و مبايعته 119

العزة و الكرامة 119

إحياء الضمائر و استعادة الإرادة 121

لمحات من مثل الإمام الحسين عليه السلام 122

إمامته 122

مواهبه العلمية 123

الرجوع إلى الإمام عليه السلام في الفتيا 124

مجلس الإمام عليه السلام 125

من روى عن الإمام عليه السلام 126

روايات الإمام عليه السلام عن جده 127

مسند الإمام الحسين عليه السلام 129

روايات الإمام الحسين عليه السلام عن أمه فاطمة 3 132

رواياته الإمام عليه السلام عن أبيه 133

من تراثه الرائع 136

القدر 136

الصمد 137

ص: 166

التوحيد 138

الأمر بالمعروف 141

أنواع الجهاد 144

تشريع الصوم 144

أنواع العبادة 145

مودة أهل البيت 145

مكارم الأخلاق 146

تشريع الأذان 149

الإخوان 150

العلم و التجارب 151

حقيقة الصدقة 151

الوعظ و الإرشاد 152

من خطب الإمام الحسين عليه السلام 155

جوامع الكلم 157

في حلبات الشعر 159

ص: 167

المجلد 3

اشارة

الصحیح من سیرة الإمام الحسین بن علي علیه السلام

نویسنده: سید هاشم بحرانی - علامه سید مرتضی عسکری و سید محمد باقر شریف قرشی

ناشر: مؤسسة التاريخ العربي

مکان نشر: لبنان - بيروت

سال نشر: 2009م , 1430ق

چاپ:1

موضوع:اسلام، تاریخ

زبان:عربی

تعداد جلد:20

کد کنگره: /ع5ص3 41/4 BP

ص: 1

اشارة

ص: 2

[الجزء الثالث(النصوص على الإمام الحسين عليه السلام)]

النص على الإمام الحسين عليه السلام

النص على الحسين من رسول اللّه عليهما السلام

جاء في خطبة الغدير بعد تنصيب علي إماما:«إنهما لسيدا شباب أهل الجنة و إنهما لإمامان بعد أبيهما علي» (1).

و اشتهر عنه صلّى اللّه عليه و اله:«الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا» (2).

و في لفظ:«بأبي أنتما من إمامين صالحين اختاركما اللّه مني و من أبيكما و أمكما و اختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة» (3).

و عن علي بن موسى الرضا عن آبائه:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«الحسن و الحسين اماما أمتي بعد أبيهما و سيدا شباب أهل الجنة» (4).

و منها قوله صلّى اللّه عليه و اله في حقهما:«...و اما الحسن فإنه ابني و ولدي و بضعة مني و قرة عيني و ضياء قلبي و ثمرة فؤادي و هو سيد شباب أهل الجنة و حجة اللّه على الامة، أمره أمري و قوله قولي من تبعه فإنه مني و من عصاه فليس مني.

و أما الحسين فإنه مني و هو ابني و ولدي و خير الخلق بعد أخيه و هو إمام

ص: 3


1- -روضة الواعظين:98 مجلس في ذكر الامامة.
2- -أهل البيت لتوفيق أبو علم:195 ذكر أولاده-و صرح بأنه متواتر،و الطرائف:196/1، و مناقب آل ابي طالب:368/3،و الارشاد:30/2،و اعلام الورى:208،و كفاية الاثر:38-117 ،و كشف الغمة:159/2،و العوالم:174/15،روضة الواعظين:156 مجلس في ذكر امامتهما، و البحار:325/36-289-319.
3- -اعلام الورى:382.
4- -كمال الدين:260/1 ح 6 من الباب 24.

المسلمين و مولى المؤمنين و خليفة رب العالمين و غياث المستغيثين و كهف المستجيرين،و حجة اللّه على خلقه أجمعين و هو سيد شباب أهل الجنة و باب نجاة الأمة أمره أمري و طاعته طاعتي من تبعه فإنه مني و من عصاه فليس مني..» (1).

و قال صلّى اللّه عليه و اله في حقه عليه السّلام:«انت سيد ابن سيد أخو سيد و أنت إمام ابن إمام أخو إمام و أنت حجة ابن حجة أخو حجة...» (2).

و قال صلّى اللّه عليه و اله:«و الذي بعثني بالحق نبيا إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الارض و أنه مكتوب على يمين عرش اللّه:الحسين مصباح هاد و سفينة نجاة و إمام غير وهن و عز و فخر و علم و ذخر» (3).

و عن ابن بابويه في كتاب النصوص قال:حدّثنا محمد بن عبد اللّه الشيباني، و القاضي أبو الفرج المعافي بن زكريا البغدادي،و الحسين (4)بن محمد بن سعيد، و الحسن بن علي بن الحسين (5)الرازي،جميعا قالوا:حدّثنا أبو علي محمد بن همان بن سهل الكاتب،قال:حدّثنا الحسن بن محمد بن جمهور القميّ (6)عن أبيه محمد بن جمهور قال:حدثني عثمان بن عمر قال:حدّثنا شعبة بن سعيد بن إبراهيم عن عبد الرّحمن الأعرج،عن أبي هريرة قال:كنت عند النبي صلّى اللّه عليه و اله و أبو بكر و عمر و الفضل بن العباس و زيد بن حارثة و عبد اللّه بن مسعود إذ دخل الحسين بن علي عليه السّلام فأخذه النبي صلّى اللّه عليه و اله و قبله ثم قال:«حزقة حزقة،ترق عين بقة»و وضع فمه على فمه ثم قال:ي.

ص: 4


1- -امالي الصدوق:100،و ارشاد القلوب:296/2،و فرائد السمطين:35/2.
2- -كمال الدين:262/1،و كفاية الاثر:45-28،و البحار:372/36-290 نقلا عن كفاية الاثر و المقتضب،و كشف الغمة:349 و قريب منه ما في ينابيع المودة:258/1 ط.استانبول 1301 ه و 308 ط.النجف باب 56 عن مودة القربى.
3- -اعلام الورى:378.
4- في البحار:الحسن.
5- في البحار:الحسن.
6- في البحار:العمي.

«اللهم إني أحبه فأحبه و أحب من يحبه،يا حسين أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمة،تسعة من ولدك أئمة أبرار».

فقال له عبد اللّه بن مسعود:ما هؤلاء الأئمة الذين ذكرتهم في صلب الحسين؟ فأطرق مليا،ثم رفع رأسه فقال:«يا عبد اللّه سألت عظيما و لكني أخبرك أن ابني هذا- و وضع يده على كتف الحسين عليه السّلام-يخرج من صلبه ولد مبارك سمي جده علي عليه السّلام يسمى العابد و نور الزهاد،و يخرج اللّه من صلب عليّ ولدا اسمه اسمي،و أشبه الناس بي،يبقر العلم بقرا و ينطق بالحق و يأمر بالصواب،و يخرج اللّه من صلبه كلمة الحق، و لسان الصدق».

فقال له ابن مسعود:فما اسمه يا نبي اللّه؟

فقال:«يقال له:جعفر صادق في قوله و فعله،الطاعن عليه كالطاعن عليّ،و الراد عليه كالراد عليّ».ثم دخل حسان بن ثابت و أنشد في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله شعرا و انقطع الحديث.

فلما كان من الغد صلى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ثم دخل بيت عائشة و دخلنا معه أنا و علي بن أبي طالب و عبد اللّه بن العباس،و كان من دأبه صلّى اللّه عليه و اله إذا سئل أجاب و إذا لم يسأل ابتدأ فقلت له:بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه ألا تخبرني بباقي الخلفاء من صلب الحسين؟

قال:«نعم يا أبا هريرة.و يخرج اللّه من صلب جعفر مولودا نقيّا طاهرا أسمر ربعة (1)سمي موسى بن عمران؟ثم قال له ابن عباس:ثم من يا رسول اللّه؟

قال:يخرج من صلب موسى علي ابنه يدعي بالرضا،موضع العلم،و معدن الحلم ثم قال عليه السّلام بأبي المقتول في أرض الغربة،و يخرج من صلب علي ابنه محمد المحمود أطهر الناس خلقا و أحسنهم خلقا؛و يخرج من صلب محمد علي إبنه،طاهر الحسب،صادق اللهجة؛و يخرج من صلب علي الحسن،الميمون النقي الطاهر الناطق عن اللّه،و أبو حجةة.

ص: 5


1- الربعة:الوسيط القامة.

اللّه؛و يخرج من صلب الحسن قائمنا أهل البيت،يملؤها قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما،له هيبة موسى،و حكم داود،و بهاء عيسى.ثم تلا: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)».

فقال له علي بن أبي طالب:«بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه من هؤلاء الذين ذكرتهم؟»

قال:«يا علي أسماء الأوصياء من بعدك،و العترة الطاهرة و الذرية المباركة»،ثم قال:

«و الذي نفس محمد بيده لو أن عبدا عبد اللّه ألف عام ثم ألف عام بين الركن و المقام،ثم أتاني جاحدا لولايتهم لأكبه اللّه في النار كائنا من كان».

قال أبو علي بن همام:العجب كل العجب من أبي هريرة يروي هذه الأخبار ثم ينكر فضائل أهل البيت عليهم السّلام (2).

ابن المغازلي قال:أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب إجازة أن أبا أحمد عمر بن عبد اللّه بن شوذب أخبرهم قال:حدّثنا محمد بن الحسن بن زياد،حدّثنا أحمد بن الخليل ببلخ،حدثني محمد بن أبي محمود قال:حدّثنا يحيى بن أبي معروف قال:

حدّثنا محمد بن سهل البغدادي،عن موسى بن القاسم،عن علي بن جعفر قال:

سألت أبا الحسن عليه السّلام عن قول اللّه عز و جل: كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ (3)قال:

«المشكاة فاطمة عليها السّلام،و المصباح الحسن.و الحسين الزجاجة كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ (4)قال:كانت فاطمة كوكبا دريا من نساء العالمين يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ (5)الشجرة المباركة إبراهيم لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ (6)لا يهودية و لا نصرانية يَكادُ زَيْتُها6.

ص: 6


1- آل عمران:34.
2- رواه المجلسي في البحار:312/36-314 عن كفاية الاثر.
3- النور:36.
4- النور:36.
5- النور:36.
6- النور:36.

يُضِيءُ (1) وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ (2) قال:فيها إمام بعد إمام يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (3)قال:يهدي اللّه عز و جل لولايتنا من يشاء» (4).

ابن المغازلي قال:أخبرنا القاضي أبو تمام علي بن محمد بن الحسين قال:

أخبرنا القاضي أبو الفرج أحمد بن علي بن جعفر بن محمد بن المعلى الحنوطي (5)إذنا قال:حدثني أبو الطيب محمد بن حبيش بن عبد اللّه بن هارون النيلي في الطراز بواسط سنة إحدى و ثلاثين و أربع مائة (6)قال:حدّثنا المشرف بن سعيد الذارع، حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي،حدّثنا سفيان بن حمزة الأسلمي،عن كثير بن زيد قال:دخل الأعمش على المنصور و هو جالس للمظالم فلما بصر به قال له:

يا سليمان تصدر قال:أنا صدر حيث جلست،ثم قال:حدثني الصادق قال:حدثني الباقر قال:حدثني السجاد قال:حدثني الشهيد قال:حدثني التقي و هو الوصي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السّلام قال:حدثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«أتاني جبرائيل عليه السّلام آنفا فقال تختّموا بالعقيق فإنه أول حجر شهد للّه بالوحدانية ولي بالنبوة و لعلي بالوصية و لولده بالإمامة،و لشيعته بالجنة».

قال فاستدار الناس بوجوههم نحوه فقيل له:تذكر قوما فتعلم من لا نعلم فقال:

الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب،و الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب،و السجاد علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب،و الشهيد الحسين بن علي و الوصي و هو التقي علي بن أبي طالب عليهم السّلام (7).1.

ص: 7


1- في بعض المصادر:قال:يكاد العلم أن ينطق منها.
2- النور:36.
3- النور:36.
4- المناقب لابن المغازلي:316-317.
5- في بعض المصادر:علي بن جعفر بن المعلى الخيوطي.
6- في بعض المصادر:و ثلاثمائة.
7- المناقب لابن المغازلي:281.

ما رواه صدر الأئمة عند الجمهور أخطب الخطباء أبو المؤيد موفق بن أحمد الخوارزمي في كتابه في فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام قال:أنبأني مهذب الأئمة أبو المظفر عبد الملك بن علي بن محمد الهمداني إجازة،أخبرني محمد بن الحسين بن علي البزاز،أخبرني أبو منصور محمد بن عبد العزيز (1)أخبرني هلال بن محمد بن جعفر،حدثني أبو بكر محمد بن عمر (2)الحافظ،حدثني أبو الحسن علي بن محمد الخزاز من كتابه،حدّثنا الحسن بن علي الهاشمي،حدثني إسماعيل بن أبان، حدثني أبو مريم،عن ثوير بن أبي فاختة،عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى.

قال:قال أبي:دفع النبي صلّى اللّه عليه و اله الراية يوم خيبر الى علي بن أبي طالب ففتح اللّه تعالى عليه،و أوقفه يوم غدير خم فأعلم أنه (3)مولى كل مؤمن و مؤمنة.و قال له:«أنت مني و أنا منك،و قال له:تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل.و قال له:أنت مني بمنزلة هارون من موسى.و قال له:أنا سلم لمن سالمت و حرب لمن حاربت.و قال له:أنت العروة الوثقى (4).و قال له:أنت تبين لهم ما اشتبه (5)عليهم من بعدي.و قال له:أنت إمام كل مؤمن و مؤمنة،و ولي كل مؤمن و مؤمنة بعدي.و قال له:أنت الذي أنزل اللّه فيه (6).

و أذان من اللّه و رسوله الى الناس يوم الحج الأكبر.و قال له:أنت الآخذ بسنتي و الذاب عن ملتي.

و قال له:أنا أول من تنشق الأرض عنه و أنت معي.و قال له:أنا عند الحوض و أنت معي.

و قال له:أنا أول من يدخل الجنة و أنت معي،تدخلها و الحسن و الحسين و فاطمة.ك.

ص: 8


1- في بعض المصادر:محمد بن علي بن عبد العزيز.
2- في بعض المصادر:عمرو.
3- في المصدر:فأعلم الناس أنه.
4- بعض المصادر:أنت العروة الوثقى التي لا انفصام لها.
5- في بعض المصادر:ما يشتبه.
6- في بعض المصادر:أنزل اللّه فيك.

و قال له:إن اللّه أوحى إلي أن أقوم بفضلك فقمت به في الناس و بلّغتهم ما أمرني اللّه تعالى بتبليغه.و قال له:إتق الضغائن التي لك في صدور من لا يظهرها إلا بعدي (1)أولئك يلعنهم اللّه (2)،ثم بكى صلّى اللّه عليه و اله فقيل له:مم بكاؤك يا رسول اللّه؟

قال:أخبرني جبرائيل عليه السّلام أنهم يظلمونه،و يمنعونه حقه،و يقاتلونه و يقتلون ولده، و يظلمونهم بعده.

و أخبرني جبرائيل (3)أن ذلك الظلم يزول إذا قام قائمهم،و علت كلمتهم،و اجتمعت الأمة على محبتهم،و كان الشاني (4)لهم قليلا،و الكاره لهم ذليلا،و كثر المادح لهم و ذلك حين تغير البلاد،و ضعف العباد،و اليأس من الفرج،فعند ذلك يظهر القائم فيهم».

فقال النبي صلّى اللّه عليه و اله:«إسمه كاسمي«و إسم أبيه كاسم أبي»هو من ولد إبنتي (5)يظهر اللّه الحق بهم و يخمد الباطل بأسيافهم،و يتبعهم الناس راغبا إليهم و خائفا منهم قال:و سكن البكاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ثم قال:معاشر المسلمين (6)أبشروا بالفرج فإن وعد اللّه حق لا يخلف،و قضاؤه لا يرد،و هو الحكيم الخبير (7).

اللهم إنهم أهلي فأذهب عنهم الرجس و طهرم تطهيرا.اللهم اكلأهم وارعهم،و كن لهم،و انصرهم،و أعزهم و لا تذلهم و اخلفني فيهم إنك على ما تشاء قدير» (8).ف.

ص: 9


1- في بعض المصادر:إلا بعد موتي.
2- في بعض المصادر:و يلعنهم اللاعنون.
3- في بعض المصادر:و أخبرني جبرائيل عن اللّه عز و جل.
4- شنأ شنأ:أبغضه مع عداوة و سوء خلق.
5- بعض المصادر:ابنتي فاطمة. أقول:و جملة«و اسم أبيه كاسم أبي»لا تطابق مع ما ثبت من أن اسم والد الحجة سلام اللّه عليه هو «الحسن العسكري»و اسم والد النبي صلّى اللّه عليه و اله هو«عبد اللّه»و قد أجاب عن هذا ارباب الحديث و السير باجوبة وافية راجع كتاب الغيبة لشيخ الطائفة الطوسي ص:112 ط النجف،و كشف الغمة:228/3 -235 و 266-267،البحار:103/51،كفاية الطالب للكنجي:483-485.
6- في بعض المصادر:معاشر الناس.
7- في بعض المصادر:و ان فتح اللّه قريب.
8- المناقب للخوارزمي:23-25 ط النجف.

موفق بن أحمد قال:أخبرني شهردار إجازة،أخبرني أبي شيرويه،أخبرنا أبو طالب أحمد بن محمد بن خالد (1)الريحاني الصوفي بقراءتي عليه من أصل سماعه (2)أخبرنا أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرّحمن بن مخلد بن طلحة الصيداوي (3)، حدّثنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الحلبي بمصر،حدّثنا أبو أحمد العباس بن الفضل بن جعفر العكي (4)،حدثني علي بن العباس المقانعي،حدثني سعيد بن مؤيد الكندي (5)حدثني عبد اللّه بن حازم الخزاعي،عن إبراهيم بن موسى الجهني،عن سلمان الفارسي أن النبي صلّى اللّه عليه و اله قال لعلي:«يا علي تختّم باليمين تكن من المقربين،قال:يا رسول اللّه و ما المقربون؟

قال جبرائيل و ميكائيل قال:فبما أتختّم يا رسول اللّه؟

قال:بالعقيق الأحمر فإنه جبل أقر للّه بالوحدانية (6)ولي بالنبوة،و لك بالوصية، و لولدك بالإمامة،و لمحبيك بالجنة،و لشيعة ولدك بالفردوس» (7).

موفق بن أحمد بن أحمد في كتابه قال:حدثني فخر القضاة نجم الدين بن أبي منصور محمد بن الحسين بن محمد البغدادي فيما كتب إلي من همدان قال:أنبأنا الإمام الشريف نور الهدى أبو طالب الحسين بن محمد الزينبي قال:أخبرنا إمام الأئمة محمد بن أحمد بن شاذان قال:حدّثنا أبو محمد الحسن بن علي العلوي الطبري،عن أحمد بن محمد بن عبد اللّه (8)قال:حدثني جدي أحمد بن محمد،عن أبيه،ه.

ص: 10


1- في بعض المصادر:خال.
2- في بعض المصادر:من أصل سماعه في مسجد الشونيزية.
3- في بعض المصادر:عبد الرّحمن بن محمد بن طلحة الصعداني.
4- في بعض المصادر:الملي.
5- في المصدر:سعد بن مزيد الكندي،و في المخطوطة:سعيد بن مزيد.
6- في بعض المصادر:بالعبودية.
7- المناقب للخوارزمي:233-234.
8- في بعض المصادر:أحمد بن عبد اللّه.

عن حماد بن عيسى،عن عمر بن أذينة قال:حدثني أبان ابن أبي عياش،عن سليم بن قيس الهلالي،عن سلمان المحمدي قال:دخلت على النبي و إذا الحسين على فخذه و هو يقبّل عينيه و يلثم فاه و يقول:«أنت سيد ابن سيد أخو سيد أبو سادة،أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة،أنت حجة ابن حجة أخو حجة أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم» (1).

ابن بابويه عن علي بن الحسين بن محمد قال:حدّثنا محمد بن الحسين بن الحكم الكوفي ببغداد قال:حدثني الحسين بن حمدان الحصيبي قال:حدّثنا عثمان ابن سعيد العمري.

قال:حدّثنا أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل الحسني (2)قال:حدثني خلف بن المغلس قال:حدثني نعيم بن جعفر قال:حدثني أبو حمزة الثمالي،عن أبي خالد الكابلي عن علي بن الحسين،عن أبيه الحسين عليهما السّلام قال:«دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و هو متفكر مغموم،فقلت:يا رسول اللّه مالي أراك متفكرا فقال:يا بني إن الروح الأمين قد أتاني فقال:يا رسول اللّه العلي الأعلى يقرئك السلام و يقول لك:إنك قد قضيت نبوتك و استكملت أيامك،فاجعل الاسم الاكبر و ميراث العلم و آثار النبوة عند علي بن أبي طالب فإني لا أترك الأرض إلا و فيها عالم يعرف بطاعتي (3)و تعرف به ولايتي فإني لم أقطع علم النبوة من العقب من ذريتك (4)،كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء الذين كانوا بينك و بين أبيك آدم،فقلت:يا رسول اللّه فمن يملك هذا الأمر بعدك؟

قال:أبوك علي بن أبي طالب أخي و خليفتي و يملك بعد علي الحسن ثم تملكه أنت و تسعة من صلبك،يملكه اثنا عشر إماما،ثم يقوم قائمنا يملأ الأرض قسطا و عدلا كماك.

ص: 11


1- أخرجه الخوارزمي في مقتل الحسين:146/1 بلفظ:إنك سيد ابن سيد أبو سادة،انك إمام ابن إمام أبو أئمة،إنك حجة ابن حجة.
2- في كفاية الاثر و البحار:أبو عبد اللّه محمد بن مهران،عن محمد بن إسماعيل الحسني.
3- في كفاية الاثر و البحار:تعرف به طاعتي.
4- في كفاية الاثر و البحار:من الغيب من ذريتك.

ملئت جورا و ظلما و يشفي صدور قوم مؤمنين من شيعته» (1).

موفق بن أحمد قال:حدثني فخر القضاة نجم الدين بن أبي منصور محمد بن الحسين بن محمد البغدادي فيما كتب إلي من همدان قال:أنبأنا الإمام الشريف نور الهدى أبو طالب الحسين بن محمد الزينبي قال:أخبرنا إمام الأئمة محمد بن أحمد ابن شاذان (2)قال:حدّثنا أحمد بن محمد بن عبد اللّه الحافظ قال:حدّثنا علي بن سنان الموصلي،عن أحمد بن محمد بن صالح،عن سليمان (3)بن محمد عن زياد بن مسلم،عن عبد الرّحمن بن زيد،عن زيد بن جابر (4)،عن سلامة،عن أبي سلمى راعي ابل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول:«ليلة اسري بي إلى السماء قال لي الجليل جل جلاله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ (5)؟فقلت و المؤمنون، قال:صدقت يا محمد من خلفت في امتك؟

قلت:خيرها.

قال:علي بن أبي طالب؟

قلت:نعم يا رب.

قال:يا محمد إني إطلعت إلى الأرض إطلاعة فاخترتك منها،فشققت لك إسما من أسمائي،فلا اذكر في موضع إلا ذكرت معي فأنا المحمود و أنت محمد،ثم اطلعت الثانية فاخترت عليا و شققت له إسما من أسمائي فأنا الأعلى و هو علي؛يا محمد إني خلقتك و خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ولده من نوري و عرضت ولايتكم على أهل السماوات و الأرض فمن قبلها كان عندي من المؤمنين،و من جحدها5.

ص: 12


1- رواه السيد البحراني في الانصاف ص 58-59،عن الغيبة لابن بابويه.و ذكره الخزاز في كفاية الأثر ص 24،و المجلسي في البحار:345/36-346.
2- هذه القطعة رواها عن الخوارزمي السيد ابن طاوس في الطرائف.
3- في بعض المصادر:سلمان.
4- في بعض المصادر:عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر.
5- البقرة:285.

كان عندي من الكافرين.

يا محمد لو أن عبدا من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتكم.

يا محمد أ تحب أن تراهم؟

قلت:نعم يا رب فقال:إلتفت عن يمين العرش فالتفت فإذا بعلي،و فاطمة،و الحسن، و الحسين،و علي بن الحسين،و محمد بن علي و جعفر بن محمد،و موسى بن جعفر، و علي بن موسى،و محمد بن علي،و علي بن محمد و الحسن بن علي و المهدي في ضحضاح (1)من نور قياما يصلّون و هو في وسطهم«يعني المهدي»كأنه كوكب دري.

قال:يا محمد هؤلاء الحجج و هو الثائر من عترتك،و عزتي و جلالي إنه الحجة الواجبة لأوليائي و المنتقم من أعدائي» (2).

موفق بن أحمد أيضا بالاسناد السابق،عن الإمام محمد بن أحمد بن علي بن شاذان قال:حدّثنا محمد بن علي بن الفضل،عن محمد بن القاسم،عن عباد بن يعقوب،عن موسى بن عثمان،عن الاعمش،حدثني أبو إسحاق عن الحرث و سعيد ابن بشير عن علي بن أبي طالب عليه السّلام قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«أنا واردكم على الحوض،و أنت يا علي الساقي،و الحسن الذائد،و الحسين الآمر،و علي بن الحسين الفارط،و محمد بن علي الناشر،و جعفر بن محمد السائق،و موسى بن جعفر محصي المحبين و المبغضين و قامع المنافقين،و علي بن موسى مزين المؤمنين،و محمد بن علي منزل أهل الجنة في درجاتهم،و علي بن محمد خطيب شيعته و مزوجهم الحور العين،و الحسن بن علي سراج أهل الجنة يستضيئون به،و المهدي شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن اللّه إلا لمن يشاء و يرضى» (3).ف.

ص: 13


1- الضحضاح:القريب القعر.
2- مقتل الحسين:95/1-96.ط النجف.
3- مقتل الحسين:94/1-95 ط النجف.

إبراهيم بن محمد الحمويني قال:أخبرني الخطيب نجم الدين عبد اللّه بن (1)أبي السعادات بن منصور بن أبي السعادات الناصري (2)بقراءتي عليه ببغداد بجامع المنصور أنبأنا (3)الشيخ الإمام أحمد بن يعقوب بن عبد اللّه المارستاني سماعا عليه قال:أنبأنا أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد المعروف بابن البطي إجازة إن لم يكن سماعا قال:أنبأنا أبو الفضل حمد بن أحمد الأصبهاني قال:أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه الحافظ قال:حدّثنا محمد بن المظفر قال:حدّثنا محمد بن جعفر بن عبد الرحيم قال:حدّثنا أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم قال:حدّثنا عبد الرّحمن بن عمران بن أبي ليلى أخو محمد بن عمران قال:حدّثنا يعقوب بن موسى الهاشمي، عن ابن أبي رواد،عن إسماعيل بن امية،عن عكرمة،عن ابن عباس قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«من سره أن يحيى حياتي،و يموت مماتي،و يسكن جنة عدن غرسها ربي؛ فليوال عليا من بعدي و ليوال وليه،وليقتد بالأئمة من بعدي فإنهم عترتي خلقوا من طينتي،رزقوا فهما و علما.و ويل للمكذبين بفضلهم من أمتي،القاطعين فيهم صلتي،لا أنالهم اللّه شفاعتي» (4).

قلت:و روى هذا الحديث من العامة أيضا ابن أبي الحديد في شرج نهج البلاغة- و هو من مشايخ المعتزلة-رواه عن أبي نعيم الحافظ أحمد بن عبد اللّه الاصفهاني في كتاب حلية الاولياء (5).

إبراهيم بن محمد الحمويني من أعيان علماء العامة قال:أنبأني السيد الإمام نسابة عهده جلال الدين عبد الحميد بن فخار بن معد بن فخار بن معد (6)بن أحمدر.

ص: 14


1- في بعض المصادر:نجم الدين بن عبد اللّه.
2- في بعض المصادر:البابصري.
3- في بعض المصادر:قال:أخبرنا.
4- فرائد السمطين 1:/53ح 18.
5- حلية الاولياء:86/1.
6- في بعض المصادر:بن فخار.

ابن محمد بن أبي الغنائم محمد بن الحسين بن محمد بن إبراهيم المجاب برد السلام بن محمد الصالح بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن أبي عبد اللّه الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب-رضي اللّه عنهم أجمعين-قال:أخبرنا والدي الإمام شمس الدين شيخ الشرف معد-رحمه اللّه-إجازة قال:أخبرنا شاذان بن جبرائيل القمي،عن جعفر بن محمد الدروستي،عن أبيه قال:أنبأنا أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه رحمه اللّه قال:حدّثنا محمد بن علي بن ماجيلويه-رحمه اللّه-قال:أنبأنا علي بن إبراهيم عن أبيه،عن علي بن معبد،عن الحسن بن خالد،عن علي بن موسى الرضا،عن أبيه عن آبائه عليهم السّلام قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله:«من أحب أن يتمسك بديني و يركب سفينة النجاة بعدي فليقتد بعلي بن أبي طالب و ليعاد عدوه،و ليوال وليه فإنه وصيي و خليفتي على أمتي في حياتي و بعد وفاتي،و هو إمام كل مسلم،و أمير كل مؤمن بعدي،قوله قولي،و أمره أمري،و نهيه نهيي،و تابعه تابعي،و ناصره ناصري،و خاذله خاذلي»،ثم قال عليه السّلام:«من فارق عليا بعدي لم يرني،و لم أره يوم القيامة،و من خالف عليا حرّم اللّه عليه الجنة،و جعل مأواه النار،و من خذل عليا خذله اللّه يوم يعرض عليه،و من نصر عليا نصره اللّه يوم يلقاه و لقنه حجته عند المسألة».

ثم قال عليه السّلام:«و الحسن و الحسين إماما أمتي بعد أبيهما،و سيدا شباب أهل الجنة، أمهما سيدة نساء العالمين و أبوهما سيد الوصيين،و من ولد الحسين تسعة أئمة تاسعهم القائم من ولدي،طاعتهم طاعتي،و معصيتهم معصيتي،إلى اللّه أشكو المنكرين لفضلهم و المضيعين لحرمتهم بعدي و كفى باللّه وليا و ناصرا لعترتي و أئمة أمتي، و منتقما من الجاحدين حقهم؛ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» (1).

أقول:انظر أيها الأخ إلى ما يرويه المخالفون النواصب ما هو عين مذهب الامامية الإثني عشرية و هذا يعطيك أن المخالفين العامة على ضلال مبين،7.

ص: 15


1- فرائد السمطين 1:/54ح 19،و الاية في سورة الشعراء:227.

و خسران عظيم،بعد العلم منهم و المعرفة بصحة معتقد الإمامية الإثني عشرية؛ فتأمل هذا الحديث و أضرابه مما يرويه الخاسرون و يحكم بصحته المخالفون (1).

الحمويني قال:أخبرني المشايخ الجلة من أهل الحلة،السيدان الامامان جمال الدين أحمد بن موسى بن طاووس الحسيني،و جلال الدين عبد الحميد بن فخار بن معد بن فخار الموسوي،و الإمام العلامة نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن الحسين بن يحيى بن سعيد-رحمهم اللّه-بروايتهم،عن السيد الإمام شمس الملة و الدين شيخ الشرف فخار بن محمد الدورستي عن أبيه (2)،عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي-رحمه اللّه-قال:حدّثنا علي بن أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن أبي عبد اللّه البرقي،عن أبيه عن جده أحمد بن عبد اللّه،عن أبيه محمد بن خالد،عن غياث بن إبراهيم (3)،عن ثابت بن دينار،عن سعد بن طريف،عن سعيد بن جبير،عن ابن عباس قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لعلي بن أبي طالب:«يا علي أنا مدينة الحكمة و أنت بابها،و لن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب،و كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك لأنّك مني و أنا منك،لحمك من لحمي،و دمك من دمي،و روحك من روحي، و سريرتك من سريرتي،و علانيتك من علانيتي،و أنت إمام أمتي،و خليفتي عليها بعدي، سعد من أطاعك و شقي من عصاك،و ربح من تولاك،و خسر من عاداك،و فاز من لزمك، و هلك من فارقك،مثلك و مثل الأئمة من ولدك بعدي (4)مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا،و من تخلّف عنها غرق،و مثلكم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة» (5).7.

ص: 16


1- فرائد السمطين 1:/55ح 20.
2- في بعض المصادر:فخار بن معد بن فخار الموسوي،عن شاذان بن جبرائيل القمي عن جعفر بن محمد الدروستي.
3- في بعض المصادر:عتاب بن إبراهيم.
4- في بعض المصادر:و مثل الأئمة من بعدي.
5- أمالي الطوسي:130/2-131.و فرائد السمطين 2:/243ح 517.

الحمويني بإسناده عن أبي جعفر بن بابويه قال:ثنا أبي قال:نبأنا سعد بن عبد اللّه،عن أحمد بن محمد بن عيسى،عن العباس بن معروف،عن عبد اللّه بن عبد الرّحمن البصري،عن أبي المعزا حميد بن المثنى (1)العجلي،عن أبي بصير،عن خيثمة الجعفي،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:سمعته يقول:«نحن جنب اللّه،و نحن صفوته، و نحن خيرته،و نحن مستودع مواريث الأنبياء،و نحن أمناء اللّه عز و جل،و نحن حجة اللّه، و نحن أركان الإيمان،و نحن دعائم الإسلام،و نحن من رحمة اللّه على خلقه،و نحن بنا يفتح و بنا يختم،و نحن أئمة الهدى،و نحن مصابيح الدجى،و نحن منار الهدى،و نحن السابقون،و نحن الآخرون،و نحن العلم المرفوع للحق من تمسك بنا لحق،و من تأخر عنا غرق،و نحن قادة الغر المحجلين،و نحن خيرة اللّه،و نحن الطريق الواضح و الصراط المستقيم إلى اللّه،و نحن من نعمة اللّه عز و جل على خلقه،و نحن المنهاج،و نحن معدن النبوة و نحن موضع الرسالة،و نحن إلينا مختلف الملائكة،و نحن السراج لمن استضاء بنا،و نحن السبيل لمن اقتدى بنا،و نحن الهداة إلى الجنة،و نحن عرى الإسلام،و نحن الجسور و القناطر من مضى عليها لم يسبق،و من تخلف عنها محق،و نحن السنام الاعظم،و نحن بنا ينزل اللّه الرحمة و بنا يسقون الغيث،و نحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب،فمن عرفنا و أبصرنا و عرف حقنا و أخذ بأمرنا فهو منا و إلينا» (2).

الحمويني قال:أخبرني الإمام نجم الدين عيسى بن الحسين الطبري رحمه اللّه إجازة بجميع كتاب مقتل أمير المؤمنين عن الحسين بن علي قال:أخبرني السيد النقيب الحسيب النسيب ركن الدين أبو طالب يحيى بن الحسن الحسيني البطحائي، عن الإمام جمال الدين بن معين،عن مصنفه أخطب خوارزم أبي المؤيد الموفق بن أحمد المكي-رحمه اللّه-قال فيه:و ذكر الإمام محمد بن أحمد بن علي بن شاذان،ب.

ص: 17


1- في بعض المصادر:أحمد بن المثنى.
2- فرائد السمطين 2:/253ح 523 و مر ذكرها في ص 116 من هذا الكتاب.

عن محمد بن زياد (1)عن جميل بن صالح،عن جعفر بن محمد عليه السّلام قال:حدثني أبي، عن أبيه،عن الحسين بن علي عليه السّلام قال:«قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فاطمة بهجة قلبي،و إبناها ثمرة فؤادي،و بعلها نور بصري،و الأئمة من ولدها امناء ربي و حبله الممدود بينه و بين خلقه.من اعتصم بهم نجا،و من تخلّف عنهم هوى» (2).

الحمويني هذا من أعيان علماء العامة قال:أنبأني السيد النسابة جلال الدين عبد الحميد بن فخار بن معد بن فخار الموسوي-رحمه اللّه-قال:أنبأنا والدي السيد شمس الدين شيخ الشرف فخار-رحمه اللّه-إجازة بروايته عن شاذان بن جبرائيل القمي،عن جعفر بن محمد الدورستي،عن أبيه،عن أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي قال:حدّثنا أبي و محمد بن الحسن-رضي اللّه عنه-قالا:أنبأنا سعد بن عبد اللّه قال:حدّثنا يعقوب بن يزيد،عن حماد بن عيسى،عن عمر بن اذينة،عن أبان ابن أبي عيّاش،عن سليم بن قيس الهلالي قال:رأيت عليا عليه السّلام في مسجد النبي صلّى اللّه عليه و اله في خلافة عثمان-رضي اللّه عنه-و جماعة يتحدثون و يتذاكرون العلم و الفقه، فذكروا قريشا و فضلها و سوابقها و هجرتها،و ما قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله من الفضل،مثل قوله«الأئمة من قريش»و قوله:«الناس تبع لقريش و قريش أئمة العرب».

و قوله:«لا تسبّوا قريشا»و قوله:«إنّ للقرشي قوة رجلين من غيرهم»و قوله:«من أبغض قريشا أبغضه اللّه»و قوله:«من أراد هوان قريش أهانه اللّه»و ذكروا الأنصار و فضلها،و سوابقها،و نصرتها،و ما أثنى اللّه عليهم في كتابه،و ما قال فيهم النبي صلّى اللّه عليه و اله من الفضل؛و ذكروا ما قال في سعد بن عبادة،و غسيل الملائكة فلم يدعوا شيئا من فضلهم حتى قال كل حي منا فلان و فلان،و قالت قريش:منّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و منّا حمزة،و منا جعفر،و منا عبيدة بن الحرث،و زيد بن حارثة و أبو بكر،و عمر،0.

ص: 18


1- في بعض المصادر:أحمد بن علي بن شاذان،أخبرني الحسن بن حمزة،عن علي بن محمد بن قتيبة،عن الفضل بن شاذان،عن محمد بن زياد.
2- مقتل الحسين:59/1،فرائد السمطين 2:/66ح 390.

و عثمان،و أبو عبيدة،و سالم و عبد الرّحمن بن عوف،فلم يدعوا من الحيين أحدا من أهل السابقة إلا سمّوه،و في الحلقة أكثر من مائتي رجل،منهم علي بن أبي طالب، و سعد بن أبي وقاص،و عبد الرّحمن بن عوف،و طلحة،و ابن الزبير،و المقداد،و أبو ذر،و هاشم بن عتبة،و ابن عمر،و الحسن،و الحسين عليهما السّلام و ابن عباس،و محمد بن أبي بكر،و عبد اللّه بن جعفر،و من الأنصار أبي بن كعب،و زيد بن ثابت (1)و أبو الهيثم بن التيهان،و محمد بن سلمة،و قيس بن سعد بن عبادة،و جابر بن عبد اللّه، و أنس بن مالك،و زيد بن أرقم،و عبد اللّه بن أبي أوفى،و أبو ليلى و معه ابنه عبد الرّحمن قاعد بجنبه غلام صبيح الوجه أمرد فجاء أبو الحسن البصري و معه ابنه الحسن البصري،و الحسن غلام أمرد صبيح الوجه معتدل القامة فجعلت أنظر إليه و إلى عبد الرّحمن بن أبي ليلى فلا أدري أيهما أجمل غير أن الحسن أعظمهما و أطولهما.

فأكثر القوم و ذلك من بكرة إلى حين الزوال و عثمان في داره لا يعلم بشيء مما هم فيه و علي بن أبي طالب عليه السّلام ساكت لا ينطق بكلمة و لا أحد من أهل بيته.

فأقبل القوم عليه فقالوا:يا أبا الحسن ما يمنعك أن تتكلم؟

فقال:«ما من الحيين إلا و قد ذكر و قال حقا (2)،فأنا أسألكم يا معشر قريش و الأنصار بمن أعطاكم اللّه هذا الفضل؟أ بأنفسكم،و عشائركم،و أهل بيوتاتكم أم بغيركم؟».

قالوا:بل أعطانا اللّه و منّ به علينا بمحمد صلّى اللّه عليه و اله لا بأنفسنا و عشائرنا،و لا بأهل بيوتاتنا.

قال:«صدقتم يا معشر قريش و الأنصار.ألستم تعلمون أن الذي نلتم من خير الدنيا و الآخرة منا أهل البيت خاصة دون غيرهم؟و أن ابن عمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله قال:إني و أهل بيتي كنا نورا يسعى بين يدي اللّه تعالى قبل أن يخلق اللّه عز و جل آدم عليه السّلام بأربعة عشرا.

ص: 19


1- في بعض المصادر:و أبو أيوب الأنصاري.
2- في بعض المصادر:إلا قد ذكر فصلا و قال حقا.

ألف سنة فلما خلق آدم وضع ذلك النور في صلبه و أهبطه إلى الأرض،ثم حمله في السفينة في صلب نوح عليه السّلام،ثم قذف به في النار في صلب إبراهيم عليه السّلام ثم لم يزل اللّه عز و جل ينقلنا من الاصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة،و من الأرحام الطاهرة إلى الأصلاب الكريمة من الآباء و الامهات،لم يكن منهم على (1)سفاح قط».

فقال أهل السابقة و القدمة،و أهل بدر،و أهل أحد:نعم،قد سمعنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله.

ثم قال:«أنشدكم اللّه أ تعلمون أن اللّه عز و جل فضّل في كتابه السابق على المسبوق في غير آية،و إني لم يسبقني إلى اللّه عز و جل و إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله أحد من هذه الأمة؟»

قالوا:اللهم نعم.

قال:«فأنشدكم اللّه أ تعلمون حيث نزلت: وَ السّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ (2)وَ السّابِقُونَ السّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (3)سئل عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فقال أنزلها اللّه تعالى ذكره في الأنبياء و أوصيائهم.فأنا أفضل أنبياء اللّه و رسله،و علي بن أبي طالب وصيي أفضل الأوصياء؟»

قالوا:اللهم نعم.

قال:«فأنشدكم اللّه أ تعلمون حيث نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (4)و حيث نزلت إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (5)و حيث نزلت وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً </