وجاء الحسین علیه السلام

اشارة

سرشناسه:مدرسی، سیدهادی

عنوان و نام پديدآور:وجاء الحسین علیه السلام/هادی المدرسی.

مشخصات نشر:بیروت: دار اهل البیت علیه السلام 2014م - 1435 ق

مشخصات ظاهری:535 ص

يادداشت:عربی.

موضوع:حسین بن علی (ع)، امام سوم، 4 - 61ق.

ص: 1

اشارة

* الكتاب: وجاء الحسين

* المؤلف: هادي المدرسي

* الناشر: دار أهل البيت للعلوم

* الطبعة: الثانية 2014 م . 1435

Then Came Hussain *

Hadi Al Modarresi *

Second Edition January 2014 *

Copyright © Ahlulbait Scientific Publishers *

Beirut Lebanon *

asp.dar@gmail.com *

Twitter: @AspDar *

* التنضيد والإخراج: فاطمة أبي عباس

* تصميم الغلاف: In Design

* جميع الحقوق محفوظة ©

ص: 2

.. وجاء الحسين عليه السلام

هادي المدرسي

ص: 3

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم

الحمد للّه ربّ العلمين

الرّحمن الرّحیم

مالك يوم الدين

إيّاك نعبد وإيّاك نستعین

اهدنا الصّراط المستقيم

صراط الّذین أنعمت عليهم

غير المغضوب عليهم ولا الضّالين

ص: 4

المحتویات

تصویر

ص: 5

تصویر

ص: 6

-السلام علیک يا أبا عبد اللّه

و على الأرواح الّتي حلّت بفنائک

علیک منّی سلام اللّه

أبداً ما بقيت وبقي اللّيل والنّهار

ولأجعله اللّه آخر العهد منّي لزيارتک

السلام على الحسین

وعلى علیّ بن الحسین

وعلى أصحاب الحسین

ص: 7

ص: 8

هذا الکتاب

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلین محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

وبعد ..

يتناول هذا الكتاب نهضة الإمام الحسين علیه السلام منذ بداياتها الأولى، إلى حين استشهاده في كربلاء.

وفيه دمج بين أمرين:

الأول : بیان ظروف هذه النهضة المقدسة، وأسبابها، وتحليل حوادثها، وتفسير وقائعها، وذلك على لسان شخصين افترضنا وجودهما في تلك الحقبة .

الثاني : سرد الوقائع التاريخية، بالاعتماد على أمهات المصادر الموثوقة في هذا المجال.

أرجو أن أكون بهذا الكتاب قد أديت جزءا بسيطة من ديون أهل البيت عليهم السلام علي.

ص: 9

ومن الله تعالى أطلب حسن التوفيق وحسن العاقبة، وأن يحشرني مع محمد وآله يوم ألقاه ، إنه قريب مجيب.

هادي المدرِّسي

1431ه 2010م

ص: 10

باختصار.. عن موقع الحسين عليه السلام دينياً و سياسياً و اجتماعياً

أ- الإمام الحسين عليه السلام من حيث النسب هو ابن الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام ، رئيس الدولة التي كان يمتد سلطانها من إفريقيا ، حتىنهاية الإمبراطورية الفارسية.

وهو حفيد النبي محمد صلی الله علیه و آله و سلم الذي اعتبر الرقم واحد في المائة الأوائل الذين كان، ولا يزال، لهم التأثير الأكبر في حياة الناس .

ب - بعد اغتيال الإمام علي عليه السلام في محراب العبادة، استطاع عدوه الأول معاوية بن أبي سفيان أن يبسط سيطرته على البلاد، و وقَّع معاهدة صلح مع أخيه الأكبر الحسن بن علي علیهماالسلام ، الذي أصبح بعد أبيه هو الحاكم الشرعي للبلاد، إلا أن انتصار معاوية عسكرية دفعه إلى التوقيع على معاهدة الصلح، والتي بموجبها وافق الطرفان على عودة الحكم إلى الحسن بن علي علیهماالسلام بعد موت معاوية، وعند وفاته ينتقل الأمر إلى أخيه الحسين بن علي علیه السلام .

ثم إن معاوية نقض المعاهدة بعد استتباب السلطان له، وبدل أن يسلم مقاليد الحكم إلى الحسين علیه السلام لدي رحيله، فرض البيعةلابنه يزيد في حياته .

ص: 11

ج . عندما مات معاوية، بعد مضي عشرين عاما من حكومته ، تسلم السلطة ابنه يزيد بخلاف معاهدة الصلح، إلا أن الناس الذين ذاقوا الظلم طويلا في عهد أبيه، توجهوا إلى الحسين عليه السلام ، ليس فقط لأنه كان حفيد نبيهم وابن رئيسهم الشهيد، وصاحب الحق الشرعي في الحكم، وإنما لأنه كان الأكثر إيمانا وتقوى وعلمة والتزام بالقيم والمثل، وبالإضافة إلى ذلك فقد كان في نظر المؤمنين وليا من أولياء الله، وقديس من القديسين، فانهالت عليه الرسائل يطالبونه بالسفر إلى مدينة الكوفة، عاصمة أبيه التي تم اغتياله فيها، وفي كثير من رسائلهم كانوا يلحون عليه بالقدوم إليهم، وإلا فإنهم يشكونه إلى الله إذا لم يلب دعوتهم هذه .

د. شعر الحسين عليه السلام بأن عليه مسؤولية بسط العدل، ومنع الظلم، وإشاعة الخير، وهداية الناس، وأن المهمة التي كانت على عاتق الأنبياء جميعا أصبحت الآن على عاتقه، وأن راية التوحيد أصبحت في يديه، فاستجاب لدعوتهم، ليس طمعا في سلطان ولا التماس شيء من الحطام.. فكل ذلككان بعيدة عن أخلاقيات عائلة النبي صلی الله علیه و آله و سلم الأقربين الذين كانوا يعملون للآخرة وليس للدنيا، ولإشاعة العدل ومنع الظلم لا لبسط السلطة والحكم. فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل يستطلع الأمر، وكتب للذين طالبوه بالمجيء إليهم أنه لو تبين، من خلال تعاملهم مع ابن عمه، أنهم صادقون فيما يطالبون به، ومستعدون لنصرته ، فسوف يرحل إليهم.

ه-. من جهته أرسل یزید بن معاوية رسلا إلى مختلف البلاد يطالب الولاة بالخضوع لسلطانه، وفرض بيعته على الناس، وأمرهم

ص: 12

بقتل كل من يخالف ذلك، وخص بالذكر الحسين بن علي عليه السلام ، بسببين:

الأول : إن يزيد كان يشعر في قرارة نفسه أنه يغتصب مكان الحسين علیه السلام وموقعه، لعدة اعتبارات، أقلها تلك المعاهدة التي وقعها أبوه مع الحسن بن علي علیهماالسلام ، فكانت الأزمة الشرعية تعصف بقوة بحكومته .

الثاني: إن الناس كانوا يعشقون الحسين علیه السلام ، بما كان قد ورثه من أبيه وجده وأمه وأخيه من الفضائل والعلوم والمناقب . فقد كانت عائلته عائلة قديسين، كما أنهم بايعوه وطالبوا بإعلان دولته ، لأنهم كانوا يرون فيه الخلاص من الظلم والطغيان.

ومع رفض الحسين البيعة ليزيد، معتبرة إياه غير لائق حتى المنصب شرطي، لما عرف عنه من الفسوق والانحرافوإراقة الدماء وعدم الالتزام بشرعة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فإن يزيد أمر واليه على المدينة بإجبار الحسين عليه السلام على البيعة، وقطع رقبته إذا رفض ذلك.

فخرج الحسين علیه السلام من معقله في المدينة المنورة، متجها إلى بیت الله الحرام في مكة، وهناك انهالت عليه الرسائل تطالبه بالقيام ضد الطاغية، والدفاع عن الحق، والذهاب إلى الكوفة، فأرسل - كما قلنا - ابن عمه مسلم بن عقيل إليهم حيث بايعه من الناس أكثر من ثمانية عشر ألف شخص. فأرسل مسلم رسالة إلى الحسين عليه السلام يخبره أن الكثيرين مستعدون للدفاع عنه، والوقوف معه، وأخبره أنهم يرفضون رفضا قاطعة سلطة يزيد بن معاوية .

و . خرج الحسين علیه السلام نحو الكوفة ومعه أهل بيته، وعدد من الرجال والنساء، غير أن الأوضاع انقلبت رأسا على عقب بعد قيام

ص: 13

السلطات بالانقلاب على الناس في مدينة الكوفة، وتم اعتقال مبعوث الحسين (مسلم بن عقيل) وضرب عنقه، بينما كان الحسين عليه السلام قد انطلق في طريقه إلى الكوفة .

ز. حشدت السلطة أكثر من ثلاثين ألف مقاتل لمواجهة الحسين، والتقى الطرفان في منطقة بين النواويس وكربلاء. ومع رفض الحسين عليه السلام رفضا قاطعة الخضوع لسلطان الظلم والطغيان، فقد وقعت المواجهة بين الطرفين في يوم العاشر من شهر محرم الحرام سنة 61 للهجرة النبوية، وكانتعدد قوات العدو التي واجهت الحسين عليه السلام أكثر من قوات الإمام بخمسمائة ضعف؛ أي أن كل واحد من أصحاب الحسين علیه السلام كان يواجه خمسمائة مقاتل من الأعداء.

وبعد أن لم يبق مع الحسين علیه السلام إلا ثلاثة وسبعون شخصا، وقعت الحرب بينهما، فاستبسل أصحاب الحسين عليه السلام في المواجهة، وقاتلوا حتى أخر رجل، وآخر قطرة دم، وأبدوا من الشهامة والبسالة، والالتزام بالمثل والقيم، ما يفوق أي وصف .. فقد قتلوا جميعا، وأسرت عوائلهم، وأرسلوا إلى يزيد بن معاوية مع رؤوس الشهداء.

ح- في المواجهة بين الحسين عليه السلام وأصحابه من جهة، وبين أعدائه من جهة أخرى، تمثل كل الإيمان، وكل النبل، وكل البطولة في معسكر الحسين علیه السلام ، بينما تمثل كل الشر، وكل النفاق، وكل الرذائل في معسكر أعدائه .

ومع استشهاد الحسين عليه السلام وأصحابه بتلك الطريقة البطولية المأساوية، فإنهم تحولوا إلى رمز للبطولات، وأصبحت رسالتهم هي

ص: 14

رسالة جميع المؤمنين الصالحين في الحياة، أما أعدائه فقد تحولوا إلى رمز لكل شر وباطل.

هذا باختصار قصة الحسين علیه السلام ، إلا أن تفاصيلها أهم من ذلك بكثير، وهذا ما يتكفل هذا الكتاب ببيانه .

***

ص: 15

البدایات

کانا صديقين، يجتمعان أحيانا، ويتفرقان أحيانا أخرى، ويتفرّقان أحيانا، ويختلفان أحيانا أخرى.

وكان كل واحد منهما يميل إلى أحد الطرفين الأساسيين في الصراع الذي بدأ بعد رحيل النّبي صلی الله علیه و آله و سلم واشتدّ في عهد الإمام عليّ علیه السلام بين أهل البيت من جهة، وبني أميّة من جهة أخرى ..

وكان كل من الرجلين منصفا يريد معرفة الحقيقة، ولم يكن يبحث عن الجدال من أجل الجدال.

ولئن كانا مختلفين في مواقفهما قليلا، إلا أن مصيرهما انتهى إلى أمر واحد..

الأول كان من الكوفة، واسمه عبد اللّه بن مسلم، وكان يميل إلى أهل البيت عليه السلام .

والثاني كان من المدينة المنورة، واسمه عبد الرحمن الصالح، وكان يميل إلى الطرف الآخر.

كانت أوضاع البلاد مضطربة، وذلك بسبب اندلاع عدّة حروب بين أبناء الأمّة، وانقسامها إلى فئات متناحرة، ووقوع عدة اغتيالات طالت حتى الخلفاء.. إلّا أنّ معاوية بن أبي سفيان استطاع أن يبسط

ص: 16

سيطرته على جميع البلاد، فقام بتعيين ولاة مناوئين لأهل البيت علیهم السلام ، مستعينا بقومه من بني أمية، من الذين طالما وقفوا في وجه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وشنّوا عليه الحروب، قبل دخولهم في الإسلام.

في مثل هذه الأجواء من عام 54 للهجرة النبويّة، في يوم صائف زار عبد الرحمن الصالح صديقه، عبد الله بن مسلم في الكوفة، وبعد المجاملات الأولية، سأل عبد الرحمن صاحبه عن أوضاع العراق دينيّا وسياسيّا.

فقال عبد الله بن مسلم : إذا كنا نريد أن نقيس الأمور بحسب الموازين التي جاء بها النبي صلی الله علیه و آله و سلم فنحن في واد، والدين في واد آخر.

قال عبد الرحمن : كيف؟

قال عبد الله بن مسلم : إنّك تعرف أنه قد وقعت عندنا حادثة مقتل عليّ بن أبي طالب علیه السلام ، هذا الرجل الذي كان اليد اليمني لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وكان أول من أسلم، والذي كان النبي صلی الله علیه و آله و سلم يواجه به طغیان قريش. فمنذ أن كان عمره عشر سنوات كان يخرج مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، يدفع عنه الأطفال الذين كانوا يرمونه بالحجارة في الطرقات. وحينما هاجر النبي صلی الله علیه و آله و سلم من مكة إلى المدينة نام في فراش رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لكي يطمئن رجال قريش الذين صمّموا على اغتياله، إلى وجوده في الدار، حتى يستطيع النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم الإفلات منهم. ثمّ فيما بعد خاض جميع المعارك والحروب التي شنّت على رسول اللّه ، وكان النصر معقوداً بناصيته، واستطاع أن يواجه كل سيوف قریش بسيف ذي الفقار، وانتصر سیف ذي الفقار على تلك السيوف، وانتصر النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم وعليّ علیه السلام على الأعداء، حتّى أن عمر بن

ص: 17

الخطاب قال: «كنّا ننظر إلى عليّ في عهد النّبي صلی الله علیه و آله و سلم كما ننظر إلى النجم»(1).

هذا الرجل بايعه الناس جميعهم، لكن تمرّد عليه شخص واحد هو معاوية، طالباً الاستمرار في ولاية الشام، لكن الإمام علیه السلام رفض ذلك، ووقعت بينهما المعارك المعروفة، ثمّ جاء مقتله على أيد الخوارج، فلم يقتل عليّ عليه السلام على أيدي الكفار في معركة بدر، ولا في أحد، ولا في معركة الأحزاب، ولا في خيبر، وإنما قتل بأيدي مسلمين في ظروف تمرّد معاوية .

ثمّ إنّ معاوية بدأ يحكم العالم، ليس وفق شريعة سیّد المرسلين، وإنّما بحسب أهوائه ، وقد عمد إلى كلّ من يروي حديثاً عن علي عليه السلام، فألغاه من الديوان، وأمر ولاته بأن يأخذوا أولياء أهل البيت صلی الله علیه و آله و سلم بالتهمة ويقتلوهم بالظنّة، رغم أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كان يقول: «حبّ عليّ إيمان، وبغضه كفر»(2) .

ويقول: «لا يحبّك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق»(3).

قال عبد الرحمن الصالح: يا أخي؛ إنّ الأنبياء والأولياء لا يتكرّرون، وهذا هو السلطان، وكما تعرف فإنّ السلطة تغري صاحبها باستخدام القوة، والتوسّل بكل ما يدعم سلطانه .

فقال عبد الله بن مسلم: أعرف ذلك، لكن إذا كنّا نريد أن نقيّم أوضاعنا بحسب الموازين التي جاء بها رسول الله، فنحن في

ص: 18


1- (1) عمار بن ياسر حليف مخزوم، صدر الدین شرف الدين، ص 139.
2- (2) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص 150.
3- (3) علل الشرائع، الشيخ الصدوق، ج 1، ص 145.

واد والدين في واد آخر. أمّا أن تقول إنّ ما يفعله معاوية هو لدعم سلطانه، كما هو دأب كلّ سلطان، فهذا صحيح.

فقال عبد الرحمن الصالح: إن معاوية قد كبر الآن، ولقد انتشرت شائعة هنا بأنّه يريد توريث ولده للخلافة.

قال عبد الله : وهذا أيضا من الأمور التي يجعلنا نرى أنهم في واد والدّين في واد آخر، ذلك أن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهماالسلام - بحسب المعاهدة التي وقعها معاوية مع أخيه الحسن علیه السلام - هو من يجب أن يكون الخليفة بعد معاوية، ومع ذلك فإن الرجل يتجه نحو توريث ولده، مع أننا جميعا نعرف من هو يزيد.

قال عبد الرحمن : صدقت، فإذا عرفنا من هو يزيد فلابدّ أن نستشعر الخوف، فعلا. لأنه ستقع كارثة إذا أصبح هذا الرجل خليفة على المسلمين .

قال عبد الله : أعتقد أنّ الكارثة قد وقعت.

قال عبد الرحمن : متى؟

قال عبد الله : منذ فترة طويلة، ألا ترى أن السلطان الذي بيد المسلمين، هو نتاج جهاد أهل البيت بزعامة سيدهم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فهم الذين صنعوه؟

أين كان العرب قبل بعثة النبي صلی الله علیه و آله و سلم وأين أصبحوا اليوم؟ حتى بني أمية كان يتلخص سلطانهم في السيطرة على التجارة في مكة، وهي مجرد قرية كبيرة، وقصارى ما كانوا يفعلون هو رحلة الشتاء والصيف إلى الشام.

ص: 19

أما اليوم فإين معاوية يحكم العالم المعمور كله، ولكن أين هم أهل البيت علیهم السلام؟ وماذا حصلوا عليه؟ وأين أجر النبي صلی الله علیه و آله و سلم الذي شنّت عليه الغارات، وعاش منذ بعثته بين الحياة والموت، متنقّلا من معركة إلى معركة، حتى أنه صلی الله علیه و آله و سلم خلال ثلاثة عشر عاما فقط من عمر بعثته خاض أكثر من سبعين معركة؟

قال عبد الرحمن : النبي صلی الله علیه و آله و سلم كان زاهداً في الحياة.

قال عبد الله : نعم؛ ولكن هذا لا يلغي واجب الناس تجاهه، ثم ماذا عن أهل بيته ؛ فاطمة الزهراء علیهاالسلام العزيزة عليه لم ترى بعد وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم راحة في هذه الحياة، فقد عاشت باكية، وماتت مكظومة، والتحقت بأبيها بعد شهور قليلة من وفاته، ثم منعوا عليا علیه السلام من تبوأ أي مقام خلال أربعة وعشرين عاما ولم تعرض عليه حتى منصب قاض بسيط.

قال عبد الرحمن : هو لم يطلب ذلك .

فقال عبد الله : وهل عرضوا عليه أي موقع ومقام؟

ألم يكن علي بن أبي طالب هو أعلم الصحابة وأفضلهم، وقد قال النبي صلی الله علیه و آله و سلم في حقه ما لم يقل في حق أي أحد، وكانت له مواقف لم تكن لأي شخص آخر، وهو أول من آمن بالنبي وصلی معه؟

ألم يكن يستحق أن يعرض عليه مثلا أن يكون والية في بلد من البلدان؟ ثم ألم يكن من واجب الجميع أن يطيعوه بعد أن بایعه الناس؟ فلماذا نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون، وقتل أصحابه غيلة واحداً بعد آخر، وشنّت عليه الحروب كما شنّت من

ص: 20

قبل على ابن عمه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ثم ضرب على أم رأسه بسيف الظلم في محراب العبادة؟

ثم ماذا جرى لولده الحسن علیه السلام، وهو سبط رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، وابن فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، والذي قال عنه رسول الله : «الحسن منّي»(1)، وقال: «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة» (2) ؟

وها هو الحسين عليه السلام جالس في المدينة ، معزولا عن كل أمر، محاطا بالشرطة، ممنوعة من أن يلتقي به أحد، ثم الكارثة التي تحدثت عنها أن يأتي يزيد ويصبح خليفة رسول الله . أين العمل بقوله تعالى : (قل لا أسئلكم عليه أجراً إلّا المودّة في القربى) (3)؟ وأين الطاعة لسنة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم القائل : «أهل بيتي فيكم كالنجوم، بأيهم اقتدیتم اهتديتم»؟ و«إني تارك فيكم الثقلین، کتاب الله وأهل بيتي»؟

فقال عبد الرحمن : الآن أخبرني على الشائعة، هل صحيح أن معاوية يعزم على توريث ولده، وهل هذا من سنة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ومن سبق من الخلفاء؟ ومن أين جاءته هذه الفكرة؟

قال عبد الله : سوف أعطيك الخبر اليقين، أن المغيرة بن شعبة، والي الكوفة، أحس بأن معاوية يريد أن يعزله من الإمارة، ويستعمل بدلا منه سعيد بن العاص، ولكي يستطلع الأمر قام بكتابة رسالة إلى معاوية يقول له فيها بالنص: «أما بعد فإني كبرت ودقّ

ص: 21


1- (1) الجامع الصغیر، جلال الدين السيوطي، ج 1، ص 59.
2- (2)قرب الإسناد، الحميري القمي، ص 111.
3- (3) سورة الشورى، الآية 23.

عظمي وشنفت - أي تنکّرت - لي قريش، فإن رأيت أن تعزلني فعزلت».

فكتب إليه معاوية : «جاءني كتابك تذكر أنه كبرت، فلعمري ما أكل عمرك غيرك، و تذكر أن قريشا شنفت لك، ولعمري ما أصبت خيرة إلا منهم، وتسألني أن أعزلك فقد فعلت، فإن تك صادقا فقد شفعتك، وإن تك مخادعا فقد خادعتك»(1).

ولما وصلت الرسالة إلى المغيرة قال لمن حوله: الرأي هو أن أشخص إلى معاوية فأستعفيه، ليظهر للناس کراهتي للولاية .

فسار إلى معاوية، وقال لأصحابه حين وصل إليه: إن لم أكسبكم الآن ولاية وإمارة، لا أفعل ذلك أبدا (2).

قال عبد الرحمن : فالرسالة التي أرسلها إلى معاوية لم يكن يقصد بها أن يعتزل، وإنما كان يريد أن يعرف نوايا معاوية؟

قال عبد الله : تماما، كان يريد أن يثبت ولايته على الكوفة ، وليس الاعتزال عنها، ففکر في الأمر كثيرا .. حتى توصل إلى خطة تدفع معاوية إلى أن يثبته في مقامه، وذلك بأن يعرض على معاوية خلافة يزيد، وكان يعرف أن لمعاوية كل الهوى في مثل هذا الأمر، رغم الشك الكثير الذي كان يحوم حول یزید. صحيح أن المسلمين سكتوا على خلافة معاوية بقوة السلاح والخداع والمال، لكن أمر يزيد يختلف تماما ، فهو متجريء على الله ورسوله، ومجاهر بالفسق والفجور.

ص: 22


1- (1) تجارب الأمم، ج 2، ص 35.
2- (2) الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج 3، ص 503.

قال عبد الرحمن : وماذا حدث بين معاوية والمغيرة؟

قال عبد الله : إن المغيرة دخل أولا على يزيد وقال له: «إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي وآله، وكبراء قريش وذوو أسنانهم وإنما بقي أبناؤهم، وأنت من أفضلهم، وأحسنهم رأيا، وأعلمهم بالسنة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة»؟

فقال له يزيد مستغربا : أو ترى ذلك يتم؟

قال المغيرة : نعم.

ثم خرج من عنده، فدخل يزيد على أبيه، وأخبره بما قال المغيرة، فأحضره معاوية وقال له : ما يقول يزيد عنك؟

قال المغيرة : يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان، وفي يزيد منك خلف، فاعقد له، فإن حدث بك حادث کان کھفا للناس، وخلفا منك، ولا تسفك دماء، ولا تكون فتنة .

فقال معاوية: ومن لي بهذا؟

قال المغيرة : أنا أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك «زياد» أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك.

فقال معاوية : فارجع إلى عملك، وتحدث مع من تثق إليه في ذلك، وترى ونری.

فخرج المغيرة من عند معاوية ورجع إلى أصحابه ، فقالوا له : ماذا ورائك؟

ص: 23

فقال المغيرة : لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على أمة محمد صلی الله علیه و آله و سلم ، وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا.

وتمثل يقول الشاعر:

بمثلي شاهد النجوى * وغالي بي الأعداء والخصم الغضابا

ثم رجع مع أصحابه حتى قدم الكوفة، وبدأ يذاكر من يثق إليه، ومن يعلم أنه من شيعة بني أمية، فتحدث معهم حول أمر يزيد، فأجابوا إلى بيعته. فأوفد منهم أربعين رجلا إلى الشام، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم ابنه موسی بن المغيرة، فقدموا على معاوية وزينوا له بيعة يزيد، ودعوه إلى عقدها.

فقال معاوية : لا تعجلوا بإظهار هذا، وكونوا على رأيكم.

ثم قال لموسی بن المغيرة سرا : بکم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم؟

قال موسی : بثلاثين ألف درهم.

فقال معاوية : لقد هان عليهم دينهم.

*

و بعد رجوع هؤلاء النفر إلى الكوفة، قوي عزم معاوية على أخذ البيعة ليزيد، بعد أن اطمأن إلى وضع ثلث المدينة .

ثم أرسل رسالة إلى «زياد ابن أبيه» وكان واليه على البصرة ليستمزج رأيه، ويستشيره في بيعة يزيد. ومع أن زيادا كان له هوی في بني أمية، وعلى الخصوص في معاوية الذي نسبه إلى أبيه، وجعله أخا له، بعد أن كان معروف بزياد ابن أبيه، فأصبح زیاد بن أبي سفيان، مع ذلك فإنه لم يكن مرتاحا إلى خلافة يزيد، ليس

ص: 24

بسبب تقواه، وإنما خوفا من خسارة بني أمية لسلطانهم، لأن الناس لا يرغبون في خلافة شاب فاسق نزق مثله.

ثم إن زیاد ابن أبيه أحضر عبيد بن کعب، وقال له: «إن لكل مستشير ثقة، ولكل سر مستودعا.. وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف، أن أمير المؤمنین معاوية كتب يستشيرني في بيعة يزيد، وهو يتخوف من نفرة الناس، ويرجو طاعتهم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد، فألق أمير المؤمنین معاوية ، واذكر له فعلات يزيد، وقل له: رويدك بالأمر، فأحرى لك أن يتم لك، لا تعجل فإن دركا في تأخير، خير من فوت في عجلة»

فقال له عبيد بن كعب: أشير عليك بغير هذا ؟

قال زیاد: وما هو؟

قال عبيد بن كعب: «لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تبغض إليه إبنه، وألقى أنا يزيد، فأخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في البيعة له، وأن زيادا يتخوف من خلاف الناس عليك لهنات ينقمونها عليك، ولذلك فإنا نرى أن نترك ما ينقم عليه الناس، لتستحكم له الحجة عليهم ويتم ما تريد، فتكون قد نصحت أمير المؤمنين، وسلمت مما تخاف من أمر الأمة» .

فقال زیاد: أشخص على بركة الله - يعني إفعل - فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغش، وتقول بما ترى.

فقدم عبيد بن کعب على يزيد، فذكر ذلك له، فأظهر یزید

ص: 25

تصميمه على الكف عن كثير مما كان يصنعه أمام الناس، وكتب زیاد معه إلى معاوية يشير عليه بأن لا يعجل(1) .

کما کتب معاوية إلى كل من مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وعبد الله بن عامر، وهم من أركان نظامه في المدينة ، يستطلعهم أمر بيعة يزيد. فأشاروا عليه بالتأني في أمره، وأن لا يعجل حتى يطالع أهل المدينة في ذلك.(2)

والغريب أن معاوية لم يواجه رفض البيعة ليزيد من قبل أركان نظامه فحسب، بل واجه ذلك حتى في بيته، حيث إن زوجته فاختة بنت قرضة بن حبيب بن عبد شمس، كانت تكره بيعة يزيد، وتود لو أثر معاوية بالبيعة إبنها عبد الله ، فقالت له: «ما أشار به عليك المغيرة، أراد أن يجعل لك عدوا من نفسك، يتمنى هلاكك كل يوم» .

وممّن عارض معاوية على البيعة ليزيد، سعید بن عثمان، الذي كان يرى نفسه أحق من يزيد بالخلافة، لأنه ابن عثمان بن عفان الذي استولی معاوية على الخلافة باسمه، فقال لمعاوية : «یا أمیر المؤمنین، علام تبايع ليزيد وتتركني، فوالله لتعلم أن أبي خير من أبيه، وأمي خير من أمه، وأنك إنما نلت ما نلت بأبي».

فقال له معاوية ضاحكا: «حاشا یابن أخي، أما قولك أن أباك خير من أبيه، فيوم من عثمان خير من معاوية ، وأما قولك أن أمك خير من أمه ففضل قرشية على كلبیة فضل بين، وأما أن أكون نلت ما أنا فيه

ص: 26


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 504 - 505؛ ونهاية الأرب، للنويري، ج 20، ص 348 - 351.
2- (2) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 225.

بأبيك، فإنما الملك يؤتيه الله من يشاء، قتل أبوك فتواكلته بنو العاص، وقامت فيها بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منّة عليك، وأما أن تكون خيرا من يزيد، فوالله ما أحب أن داري مملوئة مثلك بيزيد، ولكن دعني من هذا القول، وسلني أعطيك، ثم ولاه ولاية خراسان»(1).

وهكذا كان كبار بني أمية يمنون أنفسهم الخلافة بعد معاوية ، ما دامت الموازين قد تبدلت ، بعد أن لم يعد العلم والحكمة والعدالة مطلوبة لتولي الحكم، وإنما المساومات و«أنا أحق به لأنك عن طريقنا وصلت إلى الحكم»، وما شابه ذلك.

وعلى هذا النحو ولدت بيعة يزيد بين التوجس من كبار بني أمية والمساومة مع الولاة، والإكراه للناس، وبهذه الجفوة قوبلت القضية بين أخلص الأعوان وأقرب القرباء، وظاهر من اللحظات الأولى أن المغيرة بن شعبة كان سمسارا يصافق على ما لا يملك، فقبض ولاية الكوفة ثمنا لسمسرته هذه ومنع الخلاف في غيرهما ، بينما الكوفة أول من كره بيعة يزيد، والبصرة تلكأت في الجواب، وواليها زیاد ابن أبیه أرجأ الأمر وأوصى بالتمهل. وأطراف الدولة من ناحية همدان سارت، والحجاز استعصت على بني أمية سنوات، وفي اليمن لم يكن هنالك نصر للأمویّين(2) .

قال عبد الرحمن : ومع أن زیاد لم يكن من رأيه استخلاف يزيد، إلا أن معاوية بقي مصرا على أمره، أليس كذلك؟

قال عبد الله : هذا صحيح، ولكنه أخذ يبحث على الأقل عن

ص: 27


1- (1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج1، ص 213 و214؛ والأغاني، ج 18، ص 188.
2- (2) أبي الشهداء الحسين بن علي، لعباس محمود العقاد، ص 202 و 204.

الإجماع بين قومه على أمر ولده، وأعتقد أنه كان ينتظر شيئا. نعم؛ هو ماض في ذلك، غير أنه يريد ترتيب الأمور أكثر.

*

بعد أن أیّد أهل الشام معاوية لاختيار يزيد خليفة من بعده ، کتب بیعته إلى الآفاق، وكان أكثر ما يهمه أمر الحجاز، فكتب إلى مروان بن الحكم، عامله هناك، أن يجمع رؤساء القوم ويأخذ البيعة منهم، لكن مروان كان يطمع في الخلافة من بعد معاوية ويعتبر نفسه أولى بها من إبنه، فتلكأ في ذلك، بل وأغرى رؤوس قریش بالامتناع عن البيعة. فعزله معاوية، وولی سعید بن العاص مكانه، لكن الرجل أيضا فشل في أن يستطيع أخذ البيعة ليزيد من أهل الحل والعقد، فتدل معاوية شخصية، وأخذ يكتب الرسائل إلى رؤوس القوم، وكان ممن كتب إليهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، والحسين بن علي.. وأمر عامله سعيدا أن يوصل كتبه هذه إليهم، ويبعث إليه بجواباتهم.

وكان فيما قال لسعيد: «فهمت ما ذكرت من إبطاء الناس، وقد كتبت إلى رؤسائهم كتبا فسلمها إليهم، ولتشتد عزيمتك، وتحسب نيتك، وعليك بالرفق، وانظر «حسیناً» خاصة، فلا يناله منك مكروه، فإن له قرابة وحقا عظيما لا ينكره مسلم ولا مسلمة ، وهو ليث عرين، ولست آمنك إن ساورته أن لا تقع عليه . فأما من يرد مع السباع إذا وردت، ویکنس إذا کنست، فذلك عبد الله بن الزبير، فاحذره أشد الحذر»(1).

ص: 28


1- (1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ، ج 1، ص 154.

فأعيت سعید بن العاص كل حيلة في إقناع وجهاء الناس وعامتهم بهذه البيعة البغيضة، فقرر معاوية أن يذهب بنفسه إلى مكة والمدينة ، ومعه الجند وحقائب الأموال. فقطع الطريق كله من الشام إلى الحجاز لتثبيت بيعة ابنه، وهناك دعا بأولئك النفر الذين كتب الرسائل إليهم، فقال لهم: «قد علمتم سیرتي فيكم، وصلتي لأرحامكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم، وأردت أن تقدموا يزيد باسم الخلافة، وتكونوا أنتم تعزلون وتأمرون، وتجلبون المال وتقسّمونه» .

فتصدى له عبد الله بن الزبير، الذي كان هو الآخر يطمع في الخلافة، وخيره بين أن يصنع كما صنع أبو بكر، إذ عهد إلى رجل ليس من بني أبيه، أو كما صنع عمر، إذ جعل الخلافة شورى في ستة نفر، ليس فيهم أحد من ولده، ولا من بني أبيه.

فقال معاوية مغضبا : وهل عندك غير هذا؟

قال ابن الزبير : لا.

فالتفت معاوية إلى الآخرين يسألهم قائلا : فأنتم؟

فكانوا بين من سكت، وبين من وافق ابن الزبير، وبين من خالف، فقال متوعدا : «لقد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب فيكم، فيقوم إلى القائم منكم، فيكذبني على رؤوس الناس، فأحلم عن ذلك وأصفح».

ثم أخبرهم أنه سوف يجمع الناس ويقوم فيهم خطيبا، فلو ردوا عليه فسوف يقتلهم فورا، وقال: «إني قائم بمقالة، ليس أقول قولا، فأقسم بالله لأن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا، لا ترجع

ص: 29

إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلا على نفسه »!

ثم أمر صاحب حرسه أن يقيم على رأس كل واحد منهم رجلين بيدهما السيف، وقال لهما: «إن ذهب رجل منهم يرد علي بكلمة، سواء بتصديق، أو بتكذيب، فاضرباه بسيفكما».

ثم خرج بهم إلى المسجد ورقى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «هؤلاء، سادة المسلمين وخيارهم، لا يبرم أمر دونهم، ولا يقضى إلا على مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوه».

وهكذا كانت البيعة ليزيد في الحجاز (1).

وكان معاوية لا يسمع بأحد يتوقع أن يرفض بيعة يزيد، أو يخالفه في ذلك إلا وأرسل له مبلغا من المال، أو يهدده بالقتل، حتى أن أحدهم وهو عقيبة الأسدي، وكان شاعر أهل البصرة، يكره بيعة يزيد ويبغضه، وأنشأ في ذلك يقول :

معاویُ إنّنا بشر فاسجع * فلسنا بالجبال ولا الحديد

أكلتم أرضنا فجردتموها * فهل من قائم أو من حصيد

أتطمع في الخلود إذا هلكنا * وليس لنا ولا لك من خُلود

فهبها أمّة هلكت ضیاعاً * يزيد يسوسها وأبو يزيد

دعوا حق الخلافة واستقيموا * وتأمير الأراذل والعبيد

وأعطونا السويّة لا تزرکم * جنود مردفات بالجنود

ص: 30


1- (1) تاریخ خليفة، ص 131 - 133؛ والعقد الفريد، ج 5، ص 121؛ وتاريخ الخلفاء، للسيوطي، ص 197.

فأرسل إليه معاوية بعشرة آلاف درهم ليكف لسانه، واشترى بذلك ضميره، فأنشأ له الأبيات التالية :

ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر * ومروان، أم ماذا يقول سعيد

بني خلفاء الله مهلا فإنما * يبوأها الرحمن حيث يريد

إذا المنبر الغربي خلاه ربه * فإن أمير المؤمنین یزید

على الطائر الميون والجد صاعد * لكل أناس طائر وجدود

فلا زلت أعلى الناس كعبا ولم تزل * وفود تساميها إليك وفود

ولا زال بيت الملك فوقك عاليا * تشيّد أطناب له وعمود

ولم يزل معاوية يروض الناس على بيعة يزيد، ويعطي المقارن ويداني المتباعد، حتى مالوا إليه، وأجابوه إلى ذلك(1).

واستمرّ بهذه السياسة بروِّض الناس في كل موسم، فلم يزل على ذلك سبع سنين. وفي سنة خمس وخمسين كتب إلى أهل الأمصار أن يقدموا عليه،فقدم عليه قوم من أهل الكوفة، وأهل البصرة، وأهل مكة والمدينة، وأهل مصر، والجزيرة، ومن جميع البلاد، فاستشارهم في البيعة ليزيد.

ص: 31


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 228.

فقام إليه رجل من أهل المدينة يقال له محمد بن عمرو بن حزم، فقال: «يا معاوية ؛ إن يزيد أهل لما تريد أن ترسمه له، وهو لعمري غني في المال، ووسيط في النسب، غير أن الله سبحانه سائل كل راع عن رعيته، فاتق الله يا معاوية، وانظر من تولي أمر أمة محمد صلی الله علیه و آله و سلم » .

و فتنفس معاوية الصعداء ثم قال: «يابن عمرو، أنت رجل ناصح، وإنما قلت برأيك، ولم يكن عليك إلا ذلك، غير أنه لم يبق من أولاد الصحابة إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحب إلي من أبنائهم» .

فسكت الناس وانصرفوا يومهم(1).

*

واستمر الحوار فيما بين الصديقين عبد الله وعبد الرحمن بخصوص ما تواجه الأمة من مصير خطير ..

وما برحا على هذا الحال حتى أقفل عبد الرحمن راجعا إلى المدينة المنورة بعد أن أنهي زيارته للكوفة. *

ولم تمض فترة طويلة على افتراق هذين الصديقين، حتى حان موسم الحج، فشد عبد الله رحاله، قاصدا مكة المكرمة لأداء المناسك.

وفي سفره هذا قصد المدينة المنورة ليزور رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ويصلي في مسجده .. وهناك توجه إلى صديقه عبد الرحمن ونزل عنده .

ص: 32


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 229.

وما إن استراح قليلا من وعثاء السفر، حتى بادره عبد الرحمن بالسؤال: ما الذي ورائك يا عبد الله؟

قال عبد الله : إنّ الصالحين من عباد الله، خاصة أهل الكوفة ، ضاقوا ذرعا بمعاوية، ورغبوا بعد وفاة الحسن في أن ينهض الحسین بالأمر ويغير ما هم عليه ، فقد اجتمع المؤمنون ومعهم بني جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، في دار سلیمان بن صرد الخزاعي، وكتبوا إلى الحسين علیه السلام يعزونه على مصابه بأخيه. وكان مما جاء في الكتاب :

بسم اللّه الرّحمن الرّحیم

«إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، من شيعته وشيعة أبيه .

أما بعد، فإنا نحمد الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلي على محمد وآل محمد، وقد بلغنا وفاة أخيك الحسن علیه السلام ، فرحمه الله يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حيا ، وغفر الله له وضاعف حسناته، وألحقه بدرجة جده وأبيه ، وضاعف لك الأجر بالمصاب، وجبر مصيبتك من بعده، فعند الله نحتسبه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون مما أصيبت به هذه الأمة عامة، وما رزيت به خاصّة .

«ولقد رزئت بالرزء العظيم، وأصبت بالمصاب الجليل، فاصبر يا أبا عبد الله على ما أصابك ، إن ذلك من عزم الأمور، وإنك والحمد لله خلف لمن كان قبلك، والله تعالى يعطي رشده لمن سلك سبيلك ويهتدي بهدايتك، ونحن شيعتك المصابون بمصيبتك ، المحزونون بحزنك، المسرورون بسرورك، المنتظرون لأمرك. شرح

ص: 33

الله صدرك، وأعلى شأنك، ورفع قدرك، ورد عليك حقك، والسلام عليك ورحمة الله وبرکاته».

فكتب الإمام الحسين علیه السلام في جوابهم: «إني لأرجو أن يكون رأي أخي في الموادعة، ورأيي في جهاد الظلمة رشدا وسدادا ، فألصقوا بالأرض وأكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنة ما دام ابن هند (معاوية)حيا، فإن يحدث به حدث وأنا حي يأتيكم رأيي إن شاء الله»(1)

وهكذا فقد كانت هنالك ضغوط على الحسين عليه السلام لكي ينهض في زمن معاوية، إلا أنه كان يمتنع ويقول لمن يصر عليه: «إن بيني وبين معاوية عهدة وعقدة لا يجوز لي نقضه، حتى تمضي المدة، فإذا مات معاوية نظرنا في ذلك»(2).

كما أن كثيرين كانوا يأتون إلى الحسين علیه السلام وهو في المدينة يطلبون منه النهضة ويبدون استعدادهم لنصرته، ولكنه كان يأمرهم بالتوقف عن القيام بأي عمل، فكان فيما قال لبعضهم: «ليكن كل امریء منكم حلسا من أحلاس بيته ما دام هذا الرجل حيا، فإن يهلك وأنتم أحياء رجونا أن يخير الله لنا، ويأتينا رشدنا، ولا يكلنا إلى أنفسنا، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون».

وقال للمسيّب بن نجبة الذي جاء على رأس وفد من رجال الكوفة يطالبونه بخلع بيعة معاوية قائلين: «لقد علمنا رأيك ورأي أخيك من قبل».

ص: 34


1- (1) مقتل أبي مخنف المشهور، ص 5 و 6.
2- (2) الإرشاد، للمفید، ج 2، ص 30.

فأجابهم الحسين: «إني لأرجو أن يعطي الله أخي على نيته في حبه الكف، وأن يعطيني على نيتي في حبي جهاد الظالمين»(1).

ومع أن رأي الحسين في عهد معاوية لم يكن في النهضة ضده ، كما بين ذلك لكثيرين، سواء في رسائله الجوابية أو في كلماته المباشرة، إلا أن اختلاف الناس إليه، وزيارتهم له وإجلالهم المقامه، وتعظيمهم لفضله، ودعواتهم له بالنهوض أثارت مخاوف بني أمية، ليس فقط لأنهم كانوا يخشون استجابة الحسين لهم، بل لأن مخاوف بعضهم كانت تمتد إلى ما بعد معاوية .

فأشخاص، مثل مروان بن الحكم كان له هوى في الخلافة بعد معاوية، ولم يكن يخفي ذلك، كان يخشى أن يكون إذا مات معاوية أن يعدل الناس بالحسين أحدا.

ولقد حدث أن عمرو بن عثمان بن عفان جاء إلى مروان بن الحكم في أيام ولايته من قبل معاوية على المدينة، وقال له : قد كثر اختلاف الناس إلى الحسين، وإني لأرى أن لكم منه يوما عصيباً .

فكتب مروان ذلك إلى معاوية، وكان ممّا ذكره في كتابه : «إنّي لست آمن أن يكون الحسین مرصدا للفتنة، وأظن يومكم من الحسین طويلاً»(2).

وأمثال هؤلاء في الحقيقة كانوا يرغبون في أن يقدم معاوية على اغتيال الحسين علیه السلام بطريقة أو بأخرى، كما فعل بأخيه

ص: 35


1- (1) سير أعلام النبلاء، للذهبي، ج 3، ص 197؛ البداية والنهاية، لابن کثیر، ج8، ص 162.
2- (2) مختصر ابن منظور، ج 7، ص 137؛ سير أعلام النبلاء، للذهبي، ج 3، ص 198.

الحسن علیه السلام ، حتى لا يكون الحسین غدا عقبة أمام سلطتهم وطغيانهم. لكن معاوية لم يكن يرى خطرا على سلطانه آنذاك، لأنّ الحسين لم يكن فعلا ينوي القيام بشيء، كما ذكرنا . فكتب معاوية إلى مروان: «أترك حسينا ما تركك، ولم يظهر لك عداوة، وما لم يبد لك صفحته ، واکمن عنه كمون الثرى إن شاء الله، والسّلام»(1).

*

قال عبد الرحمن الصالح لعبد الله بن مسلم : أظنُّ إنّ نفوس الناس تغلي في صدورهم مما يجري، فكم من قتل فظيع في صفوف الصالحين، وكم من استئثار لما الناس فيه أسوة، وكم من تهجير لمن هم مع أهل البيت علیهم السلام ، لكن أرى أن معاوية استعمل الحكمة حينما لم يستجب لدعوات بعض المتزلفين في قتل الحسين أو نفيه أو سجنه .

فقال عبد الله بن مسلم : لم تكن تلك حكمة منه، وإنما كان مجبراً على ذلك .

قال عبد الرحمن : ومن الذي أجبره؟

قال عبد الله بن مسلم : مقام الحسين وموقعه في نفوس الناس، خاصة وأنه لم يفعل شيئا، فلم يعطي عذرا لمعاوية في ذلك.

قال عبد الرحمن : أترى أن الحسين علیه السلام يرى لمعاوية حقا في سلطانه ؟

ص: 36


1- (1) أنساب الأشراف، ج 3، ص 152؛ جمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 367.

قال عبد الله بن مسلم : ليس هنالك من المؤمنين حتى شخص واحد يرى حقا لمعاوية في الحكم، فلا هو وصي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، ولا هو ممن بايعه الناس، إنما استعمال السيف، والمال، والخديعة، وتخلي الناس عن الدفاع عن الحق هو الذي جاء به إلى السلطان.

فقال عبد الرحمن: هل تظن أن معاوية يخاف الحسين؟

قال عبد الله بن مسلم : نعم؛ لأن الحسین علیه السلام سیّد بني هاشم، ولا يخفى على أحد فضله ومنزلته.. وهو أولى الناس برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم. ولم يقم بالنهضة ضد معاوية وبطشه، إلا لالتزامه بمعاهدة الصلح التي وقعها مع الحسن علیه السلام ، وإلا فالوضع بالتأكيد سيكون غير الذي نحن عليه اليوم.

فقال عبد الرحمن : ولكن ما هي تفاصيل أخذ البيعة من قبل معاوية لابنه يزيد؟

قال عبد الله بن مسلم: إنّ معاوية بن أبي سفيان بعث إلى الضّحاك بن قيس، فدعاه وقال : «إني قد عزمت على الكلام لبيعة يزيد، فإذا غص المجلس بأهله، ورأيتني ساكتا فكنت أنت الذي تدعوني إلى أمر بیعته، وحضّني على ذلك».

فلما كان من الغد أرسل معاوية إلى وجوه من الناس، فأحضرهم بمجلسه، فلما اجتمعوا بدأ بالكلام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم عظم الإسلام وعظم حرمته، وذكر ما أمر الله به من طاعة ولاة الأمر، ثم ذكر يزيد وفضله في قريش وعلمه بالسياسة.

فقام الضحاك بن قيس وقال: «يا أمير المؤمنين، إنه لابد

ص: 37

للناس من وال بعدك وولي عهدك، فإنا قد بلونا الجماعة والفرقة ، فوجدنا الجماعة والألفة أحقن للدماء، وآمن للسبل، وخيرا في العاجلة والآجلة، والأيام عوج رواجع، وللّه في كل يوم أمر وشأن، ولا تدري ما يختلف به العصران، وينقلب به الحدثان، ويزيد ابن أمير المؤمنين في هديه وقصد سيرته، وهو من أفضلنا حلما وأكرمنا علما ، فوله عهدك، واجعله لنا علما بعدك، يكون مفزعا نلجأ إليه، وخليفة نعول عليه، تسكن به القلوب وتأمن به الفتن».

ولمّا سكت الضحاك ، قام عمرو بن سعيد الأشدق وقال :« أيها الناس، إن يزيد الطويل الباع، وسيع الصدر، رفيع الذكر، إنّ صرتم إلى عدله وسعكم، وإن لجأتم إلى جوده أغناكم، وهو خلف الأمير المؤمنين ولا خلف منه».

فقال له معاوية : اجلس أبا أمنية، فقد أوسعت و أحسنت .

ولمّا جلس الرجل، قام يزيد بن المقنع الكندي وبيده سيف، فقال: «أيها الناس، إن أمير المؤمنين هذا . وأشار بيده إلى معاوية - فإذا مات فهذا - وأشار بيده إلى يزيد - فمن أبي فهذا - وأشار بيده إلى السيف _.

فقال له معاوية : اجلس فأنت سيد الخطباء .

ثم قام الحسين بن نمير السكوني، فقال : يا معاوية ، والله لأن لقيت الله ، ولم تبايع ليزيد فتكوننّ مضيعاً للأمّة!

فالتفت معاوية إلى الأحنف بن قيس وقال : يا أبا بحر، ما يمنعك من الكلام؟

قال الأحنف: «أنت أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره، ومدخله

ص: 38

ومخرجه، وسرّه وعلانيته ، فإن كنت تعلمه الله عزّ وجلّ ولهذه الأمة رضا، فلا تشاورنّ فيه أحدا من الناس، وإن كنت تعلم الله غير ذلك فلا تزوده الدنيا ، وأنت ماض إلى الآخرة، فإن قلنا ما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا .

فقال معاوية : «أحسنت يا أبا بحر، جزاك الله عن السمع والطاعة خيراً».

ثم أمر الناس أن يبايعوا يزيد، فبايعوه، وانصرفوا إلى منازلهم (1).

فلما انفضّ المجلس، وخرج الضحاك، الرجل الذي حث معاوية على أن يولي يزيد أمور المسلمين، لقيه الأحنف بالباب، فقال الرجل وهو يبرر كلامه : «يا أبا بحر، إني لأعلم أن شر من خلق الله هو هذا وابنه - يقصد معاوية ويزيد - ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمع في استخراجها إلا بما سمعت».

فقال له الأحنف : «يا هذا، أمسك، فإن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها»(2).

*

قال عبد الله بن مسلم لصاحبه: ألا ترى يا عبد الرحمن کیف أن معاوية يقلد الأباطرة وملوك الهند والرومان والفرس الذين كانوا يأخذون البيعة لأولادهم في حياتهم من دون أن يكون للدين وقيمه ،

ص: 39


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 230 و232.
2- (2) الكامل، للمبرد، ج 1، ص 30.

وما جاء به رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وما اشترطه رب العالمين، فيمن يتولى أمور الناس أي دخل في ذلك؟

إنه حاكم بيده المال والسلطان، فمن أطاعه أعطاه، ومن امتنع عليه ضرب عنقه، وبهذه الطريقة يأخذ البيعة لابنه يزيد طوعا أو كرها .

ولقد بين هذا المعنى عبد الرحمن بن همام السلولي في أبيات له يخاطب بني أمية، يقول:

فإن تأتوا برملة أو بهند * نبايعها أميرة مؤمنينا

إذا ما مات کسری، قام کسری * نعد ثلاثة متناسقينا

فيا لهفالو أن لنا ألوفاً * ولكن لا نعود كما عنينا

إذن لضربتم حتّی تعودوا * بمكّة تلعقون بها السخينا

حشينا الغيظ حتّى لو شربنا * دماء بني أمية ما روينا

لقد ضاعت رعيتكم وأنتم * تصيدون الأرانب غافلينا(1).

ثم إنّ معاوية لم يكتف لتثبيت ولاية العهد ليزيد بإصدار الأوامر إلى الولاة في البلدان بأخذ البيعة لولده، وإنما أشغل الدولة کلها بهذه القضية، فكان هو شخصيا يعقد بين فترة وأخرى مجالس يتفق سلفا مع بعض المتكلمين حتى يمدحوه، ويمدحوا ولده، ويحثوا الناس على إطاعة يزيد.

فكان أحيانا يجلس جلسة عامة ويأذن للوفود بالدخول عليه ، ويتقدم إلى أصحابه أن يقولوا في يزيد ما ليس فيه. فانعقدت

ص: 40


1- (1) مروج الذهب، للمسعودي، ج 3، ص 37.

المجالس في كلّ مكان، وکلها مسخّرة لمدح الرجل، وكأنّ الأمة عجزت عن أن تلد مثله ..

وممّا قاله بعضهم في إحدى المجالس: «إنّ يزيد أمل تأملونه ، وأجل تأمنونه ، طويل الباع، رحب الذراع، إذا صرتم إلى عدله وسعكم، وإن طلبتم رفده أغناكم، جذع قارح.. سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع فقرع، خلف من أمير المؤمنين، ولا خلف منه»(1)

*

قال عبد الله بن مسلم : غريب، أن القوم استكثروا على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يعين خليفة من بعده، وحرفوا معاني كل الكلمات التي قالها في حق عليّ عليه السلام مثل من قوله: «من کنت مولاه فعليٌّ مولاه»(2). وقوله: «أقضاكم عليّ (3)، وأعلمكم عليّ»(4).. ومئات من أمثالها، وأنكروا أخذ البيعة له في غدير خم، ولكن اعتبروا تعيين معاوية لخليفته أمرا شرعياً.

أليس ذلك هو التلاعب بالدين؟

ألم أقل لك إننا إذا أردنا أن نوزن الأمور بالموازين التي جاء بها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و لكنّا نحن في واد، والدين في وادٍ آخر؟

ص: 41


1- (1) العقد الفريد، لابن عبد ربه، ج 4، ص 369.
2- (2) الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، ص 287.
3- (3) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي، ج 2، ص 163.
4- (4) تهذیب الأحکام، الشيخ الطوسي، ج 6، ص 306.

قال عبد الرحمن : هذا صحيح، ولكنّه الملك والسلطان كما تعرف، ولكلّ متطلّباته .

قال عبد الله بن مسلم : وهذا ما أردت أن أقوله، أنه هو الملك والسلطان لا الدين والبرهان، فلا يجوز لنا أن نعتبر ما يجري دینا، وهذا معنى كلام رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الذي قال لقومه ذات يوم : «ألا وإن السلطان والقرآن لمجتمعان، ألا وإنّهما سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء إن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم».

قالوا : فكيف نصنع یا رسول الله؟

قال: «كما صنع أصحاب عیسی ابن مریم، حملوا على الخشب ونشروا بالمناشير. موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله»(1).

فقال عبد الرحمن : لكن أخبرني هل قبل كل رجال بني أمية بيعة يزيد؟ وماذا عمن كان يطمح في الخلافة؟

قال عبد الله بن مسلم : تقصد مروان بن الحكم؟

قال عبد الرحمن : نعم، وأمثاله .

قال عبد الله بن مسلم : سبق وأن قلت لك إن هذا الرجل كان يريد الخلافة لنفسه، وكان يخطط لها، ولذلك حينما أرسل معاوية الكتب ببيعة يزيد إلى الأمصار كتب إلى مروان وهو واليه على المدينة يعلمه باختياره يزيد خليفة له ومبايعته إياه بولاية العهد،

ص: 42


1- (1) سبيل الهدى والرشاد، الشيخ محمد بن يوسف الصالحي الشامي، ج 10، ص 136.

ويأمره بمبايعته وأخذ البيعة له من الناس، فخرج مروان مغضبا في أهل بيته وأخواله من بني كنانة حتى أتى دمشق فنزلها، ودخل على معاوية يمشي بين السماطين، حتى إذا كان منه بقدر ما يسمعه صوته، سلم، وتكلم بكلام كثير يوبخ به معاوية .

وكان ممّا قال: «أقم الأمور یابن أبي سفيان، وأعدل عن تأمیرك الصبيان، واعلم أن لك من قومك نظراء، وأن لك على منازلهم وزراء».

فغضب معاوية من كلامه غضبا شديدا، لكنّه كظم غيظه، وأخذ بيد مروان وبدأ يمدحه وقال: «أنت نظير أمير المؤمنين بعده ، وعدّته في كل شدّة وعضده، والثاني بعد وليّ عهده، فقد ولّيتك قومك، وأعظمت في الخراج سهمك، وأنا مجيز وفدك، ومحسن رفدك ، وعلى أمير المؤمنين غناك، والنزول عند رضاك».

وبذلك فقد عيّن مروان مستشاره الثاني بعد ولي عهد يزيد، لحمله على قبول البيعة ليزيد، ورده إلى المدينة(1).

وكعادته، فقد أغدق عليه أموالا كثيرة، حتى قيل إن أول ما رُزق ألف دينار في كل هلال، وفرض له في أهل بيته مائة مائة.

ولمّا رجع مروان إلى المدينة أرسل إلى وجوه أهلها، فجمعهم في المسجد الأعظم، ثمّ صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الطاعة وحض عليها، وذكر الفتنة وحذّر منها .

ثم قال: «أيّها الناس؛ إنّ أمير المؤمنين قد كبر سنّه، ورقّ جلده وعظمه، وخشي الفتنة من بعده، وقد أراه الله رأياً حسناً، وقد

ص: 43


1- (1) مروج الذهب، للمسعودي، ج 3، ص 37 و 38.

أراد أن يختار لكم وليّ عهد يكون من بعده لكم مفزعاً، يجمع الله به الألفة، ويحقن به الدماء، وأراد أن يكون ذلك عن مشورة منكم وتراض، فماذا تقولون؟

فقال الناس من كل جانب: إنا لا نكره ذلك، إذا كان لله فيه رضی.

فقال مروان: «إنه قد اختار لكم الرضى الذي يسير فيكم بسيرة الخلفاء الراشدين المهديين، وهو ابنه يزيد».

فسكت الناس وتعجّبوا، ولكن عبد الرحمن بن أبي بكر قام وقال: «كذبت والله يا مروان، وكذب من أمرك بهذا، والله ما يزيد برضى، ولكنكم تريدونها هرقلية».

فقال مروان : أيها الناس؛ إن هذا المتكلم هو الذي أنزل الله فيه : (والذي قال لوالديه أفّ لّكما) (1).

فغضب عبد الرحمن بن أبي بكر، فرفع صوته قائلا : یابن الزرقاء، فينا تتأول القرآن، وأنت الطريد ابن الطريد؟

ثم تكلّم كلّ من الحسين بن علي عليه السلام ، وعبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن عمر،، وأنكروا بيعة يزيد. فضجّ بنو أميّة في المسجد، وتكلّموا ضد عبد الرحمن، وبلغ ذلك عائشة، فخرجت من منزلها ملتفّة بملائة لها ومعها نسوة من قريش، حتّى دخلت المسجد. فلمّا نظر إليها مروان كأنّه فزع منها، فقال : نشدتک الله يا أمّ المؤمنين إن قلت إلا حقّاً.

ص: 44


1- (1) سورة الأحقاف، آية 17.

فقالت عائشة: «لا قلت إلا حقّا، أشهد لقد لعن رسول الله أباك، ولعنك معه، وأنت الطريد ابن الطريد، أنت تكلّم أخي عبد الرحمن بما تكلّمه»؟

فسكت مروان، ولم يرد عليها، ورجعت عائشة إلى منزلها، وتفرق الناس.

فكتب مروان إلى معاوية رسالة يخبره بذلك، وبما كان من عبد الرحمن بن أبي بكر، فلما قرأ معاوية الكتاب أقبل على جلسائه فقال: «عبد الرحمن شيخ قد خرف، وذهب عقله ويجب أن نكف عنه، ونتحمل ما يكون منه، فليس هذا من رأيه، ولكن من رأي غيره»(1).

قال عبد الله بن مسلم: يا عبد الرحمن ؛ إن تثبیت خلافة يزيد لم يكن سهلا، لأن معاوية ساعدته الظروف، بعد أن تخاذل الناس عن حقّ عليّ والحسن، ولكن يزيد خلاصة أبي سفيان، ويمثل في الإسلام دور جدّه في الجاهليّة، ومعنى ذلك عودة الجاهلية وانتصارها على الدين في ظاهر الأمر وباطنه، خاصّة وأنّ الكل يعرف من هو هذا الشاب المغرور الذي لا يحافظ حتّى على ظواهر الدين، فيشرب الخمور علنا، ويلعب القمار، ومشغول دائما بالصّيد، وأمه غير مسلمة، بالإضافة إلى رعونته في التعامل مع الناس، ولذلك فإن الدولة كما قلت انشغلت کلّها، من رأسها إلى آخر موظف فيها، بتثبیت خلافة يزيد وأخذ البيعة له.

فقد بدأ معاوية يكتب رسائل شخصية إلى مختلف الرجال،

ص: 45


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 235.

مستغلا قوّة سلطانه، کحاکم مطلق لم يكن يتقي الله في يوم من الأيام في إراقة دم من يخالفه، غيلة أو علنا أو أي شيء.

ألم يكن هو الذي أرسل بسر بن أرطأة لغزو بلاد المسلمين على الطريقة الجاهلية، في قتل الرجال وسبي الذراري والنساء؟

ألم يكن هو الذي قتل عمار بن یاسر، الذي قال عنه رسول الله : «تقلتك الفئة الباغية»؟(1) .

ألم يكن هو الذي قتل محمد بن أبي بكر، ووضع جثمانه في جلد حمار وأحرقه؟

وبهذه الأعمال زرع الرعب في قلوب الناس وخافوا سلطانه ، ومن جهة أخرى فإن الرجل فتح أبواب بیت المال على مصراعيها الشراء الضمائر.

ومن جملة من كتب إليهم سعيد بن العاص وهو واليه على المدينة، يأمره أن يدعو الناس إلى البيعة، ويكتب إليه بمن سارع ومن أبطأ. فلمّا أتی سعید بن العاص الكتاب دعا الناس إلى مبايعة يزيد وأظهر الغلظة، وأخذهم بالعزم والشّدّة، وسطا بكلّ من أبطأ عن ذلك. فأبطأ الناس عنها إلّا اليسير، ولا سيّما بنو هاشم، فإنّه لم يجبه منهم أحد. وكان من أشدّ الناس إنكاراً لذلك عبد الله بن الزبير وردّاً له.

فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية : «أما بعد، فإنّك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين، وأن أكتب إليك بمن سارع ممّن أبطأ، وإني أخبرك أنّ الناس عن ذلك بطّاء، لا سيّما

ص: 46


1- (1) دعائم الإسلام، القاضي النعمان المغربي، ج 1، ص 392.

أهل البيت من بني هاشم، فإنّه لم يجبني منهم أحد، وبلغني عنهم ما أكره، وأمّا الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الأمر فهو عبد الله بن الزبير، ولست أقوى عليهم إلا بالخيل والرجال، أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك، والسّلام» .

فكتب معاوية رسائل إلى عبد اللّه بن عبّاس، وإلى عبد اللّه بن الزبير، وإلى عبد اللّه بن جعفر، وإلى الحسين بن عليّ، وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم ويبعث بجواباتها .

*

قال عبد الرحمن لعبد الله بن مسلم: وماذا كانت في رسائل معاوية إلى رؤساء القوم وزعماء الأمة، وماذا كانت جواباتهم، هل تعلم شيئا من ذلك؟

قال عبد الله بن مسلم : نعم؛ أمّا رسالة معاوية إلى ابن عباس فكانت كما يلي: «أمّا بعد، فقد بلغني إبطائك عن البيعة ليزيد ابن أمير المؤمنين، وإنّي لو قتلتك بعثمان لكان ذلك إليّ، لأنك ممّن ألب عليه وأجلب، وما معك من أمان فتطمئنّ به، ولا عهد فتسكن إليه، فإذا أتاك كتابي هذا فاخرج إلى المسجد، والعن قتلة عثمان، وبايع عاملي، فقد أعذر من أنذر، وأنت بنفسك أبصر، والسّلام».

فقال عبد الرحمن: رسالة شديدة، وفيها تهدید؟

قال عبد الله : نعم؛ ولكن جواب عبد اللّه بن عبّاس كان أشدّ من الرسالة وفيها تحدّي.

قال عبد الرحمن : وماذا كتب فيها؟

قال عبد الله : كتب ابن عبّاس إلى معاوية يقول: «أمّا بعد،

ص: 47

فقد جاءني كتابك و فهمت ما ذكرت، وأنّ ليس معي منك أمان، وإنّه والله ما منك يطلب الأمان یا معاوية، وإنّما يطلب الأمان من اللّه ربّ العالمين».

«وأمّا قولك في قتلي، فوالله لو فعلت للقيت الله ومحمد خصمك، فما أخاله أفلح ولا أنجح من كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم خصمه» .

«وأمّا ما ذكرت من أنّي من ألّب في عثمان و أجلب فذلك أمر غبت عنه، ولو حضرته ما نسبت إليّ شيئا من التأليب عليه . و أيم الله ما أرى أحداً غضب لعثمان غضبي، ولا أعظم أحد قتله إعظامي، ولو شهدت لنصرته أو أموت دونه، ولقد قلت وتمنّيت يوم قتل عثمان ليت الذي قتل عثمان لقيني فقتلني معه ولا أبقى بعده».

«وأمّا قولك لي: العن قتلة عثمان، فلعثمان ولد وخاصّة وقرابة هم أحقّ باللّعن منّي، فإن شاؤوا أن يلعنوا فليلعنوا، وإن شاؤوا أن يمسكوا فليمسكوا، والسّلام»(1).

*

أما رسالة معاوية إلى عبد الله بن جعفر فكانت تنصّ على ما يلي: «أمّا بعد، فقد عرفت إثرتي إيّاك على من سواك، وحسن رأيي فيك و في أهل بيتك، وقد أتاني عنك ما أكره، فإن بايعت تشکر، وإن تأبی دبر، والسّلام».

فكتب إليه عبد الله بن جعفر : «أمّا بعد، فقد جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من إثرتك إياي على من سواي، فإن تفعل

ص: 48


1- (1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج1، ص 154 و 155.

فبحطك أصبت، وإن تأبى فبنفسك قرت. وأما ما ذكرت من جبرك إياي على البيعة ليزيد، فلعمري لئن أجبرتني عليها، لقد أجبرناك وأباك على الإسلام، حتى أدخلناکما کارهين غير طائعين، والسلام»(1).

*

ثمّ إن عبد الله بن مسلم سكت هنيئة وتنهد قبل أن يقول الصحابه : أنظر، إن أهل البيت هم الذين حملوا راية هذا الدين يوم كان بنو أمية، وعلى رأسهم أبو سفيان وولده معاوية، يحملون راية الكفر والضلال فيمواجهة راية التوحيد، فكان أهل البيت مع رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وتحملوا في سبيل ذلك كل المصائب والمصاعب والموت والشهادة، فقتل منهم من قتل مع النبي، وبعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كانوا هم الأمناء على هذا الدين، يردون عنه كيد المنافقين، كما ردوا عنه من قبل كيد الكافرين، وكان المؤمنون الصالحون يعرفون أنهم هم الملجأ من الضلال، والمنجى من الهلاك بعد بيعة يزيد القسرية القيصرية التي اعتبرها الصالحون بمثابة بداية النهاية الإسلام، وكان هذا هو رأي الحسين بن علي علیهماالسلام ، حيث قال لمروان فيما بعد: «إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذ قد بلیت الأمة براع مثل يزيد»(2).

ولقد اكتشف الناس أنهم خدعوا، وأن بني أمية يريدون إعادة الجاهلية ، وقلع جذور الدين، وإتمام الانقلاب على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فأخذوا يختلفون إلى الحسين، ويلتجأون إليه. فأوجس معاوية خيفة

ص: 49


1- (1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ، ج 1، ص 155.
2- (2) الفتوح، لابن اعثم، ج5، ص17.

من الحسين عليه السلام وهو زعيم أهل البيت وسيدهم، وهو من لا يدانيه أحد، لا في الفضل ولا في العلم ولا في الأخلاق، وقد شبهه معاوية نفسه بالأسد الذي إذا نهض لا يقوم له أحد.

من هنا فقد كتب إلى الحسين قائلا : «أمّا بعد، فقد انتهت إلي منك أمور أرغب بك عنها، فإن كانت حقا لم أقارك عليها، وإن كانت باطلا فأنت أسعد الناس بذلك، وبحظ نفسك تبدأ وبعهد الله توفي. فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك، فإني متى تنكرني أنكرك، ومتى تكدني أكدك ، فاتق شق عصى هذه الأمة، وأن يرجعوا على يدك إلى الفتنة ، فقد جربت الناس وبلوتهم، وأبوك كان أفضل منك، وقد كان اجتمع عليه رأي الذين يلوذون بك، ولا أظنه يصلح لك منهم ما كان فسد عليه، فانظر لنفسك ودينك ولأمّة محمد صلی الله علیه و آله و سلم، ولا يستخفكالسفهاء والذين لا يعلمون». .

فلما وصل الكتاب إلى الحسين عليه السلام كتب إليه : «أما بعد، فقد بلغني كتابك، تذكر أنه قد بلغك عني أمور أنت لي عنها راغب، وأنا بغيرها عندك جدير، فإن الحسنات لا يهدي لها، ولا يستند إليها إلا الله» .

«وأما ما ذكرت أنّه انتهى إليك عني، فإنه إنما رؤاه إليك المقون المشاؤون بالنميمة، وما أريد لك حربا ولا عليك خلافا . «وأيم الله أنّي لخائف من الله في ترك ذلك، وما أظن الله راضية عي بترك محاكمتك إليه، ولا عاذري دون الإعذار إليه فيك، وفي أوليائك القاسطین الملحدين، حزب الظالمين وأولياء الشياطين».

وأضاف علیه السلام في رسالته:

«ألست أنت القاتل لحجر بن عدي، أخا كندة، والمصلين

ص: 50

العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم؟ فقتلتهم ظلما وعدوانا، من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة، أن لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بأحنّة تجدها في نفسك، جرأة منك على الله ، واستخفافا بعهده»؟

«أولست أنت قاتل عمرو بن الحمق، صاحب رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، وصفر لونه، فقتلته بعدما أنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثمّ قتلته جرأة على ربّك، واستخفافاً بذلك العهد»؟

«أولست المدعي زیاد بن سميّة المولود، على فراش عبید ثقيف، فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر». فتركت سنّة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم تعتمداً ، وتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلّطته على أهل الإسلام، يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمّل أعينهم، ويصلّبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الأمّة، وليسوا منك»؟

«أولست صاحب الحضرميين، الذين كتب فيهم ابن سميّة : إنّهم على دين عليّ صلوات الله عليه ، فكتبت إليه أن أقتل كل من كان على دين علي علیه السلام فقتلهم ومثّل بهم بأمرك.

فكتبت إليه : الذي كان يبغض عليه أباك، والذي انتحالك إيّاه هو ما أجلسك مجلسك هذا؟ ولولا ذلك كان أفضل شرفك تجشّم الرحلتين (الشتاء والصيف) في طلب الخمور».

«وقلت فيما قلت في كتابك : «انظر لنفسك ولدينك ولأمّة محمد صلی الله علیه و آله و سلم ، واتق شقّ عصى هذه الأمّة، وأن ترد الناس إلى الفتنة» .

ص: 51

«وإنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها، ولا أعظم نظرة لنفسي ولديني ولأمة محمد صلی الله علیه و آله و سلم أفضل من أن أجاهدك .. فإن فعل فإنه قربة إلى الله، وإن تركته فإني أستغفر الله لديني، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري».

«وقلت فيما قلت لي: «أني إن أنكرتني أنكرك وإن كدتني أكدك»، فكدني مابدا لك، فإني أرجو أن لا يضرني کيدك في، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك، على أنك قد ركبت جهلك وتحرصت على نقض عهدك، ولعمري ما وفيت بشرط».

«ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتليك، ولا نقضوا عهدك، ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا . فابشر يا معاوية بالقصاص واستيقن بالحساب، واعلم أن الله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وليس الله بناس لك أخذك بالظنّة، وقتلك أولياء علي عليه السلام على الشّبهة والتهمة، ونفيك أوليائهم من دورهم إلى دار الغربة، ثم وليت ابنك وهو غلام سفيه، يشرب الشراب ويلعب بالكلاب، فخنت أمانتك، وأخربت رعيّتك، ولم تؤدّ نصيحة ربك». .

«فكيف تُولّى على أمة محمد صلی الله علیه و آله و سلم من يشرب المسكر، وشارب المسكر في الفاسقين، وليس شارب المسكر بأمين على درهم، فكيف على الأمّة، فعن قليل ترد على عملك حين تقرأ صحائف الاستغفار، وتبوّأت مقعدك من النار، فبعدة للقوم الظالمين».

ص: 52

وكتب في آخر الكتاب: والسلام علی من اتبع الهدى»(1).

فقال عبد الرحمن لصاحبه: لا أرى أشد من هذه الرسالة، ففيها اتّهم الحسين عليه السلام معاوية بالإلحاد، وأنّه من حزب الظلمة و أولياء الشياطين، و كشف عن جرائمه بحقّ رجال صالحين كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، والحضرميين، ونقضه للعهود والمواثيق، كما أنه علیه السلام قام بتقريعه لتعيين يزيد خليفة على المسلمين من بعده، فماذا كان جواب معاوية؟

قال عبد الله بن مسلم: لما قرأ معاوية كتاب الحسين عليه السلام قال : لقد كان في نفسه ضب ما أشعر به.

فقال يزيد: «يا أمير المؤمنين، أجبه جواباً تصغر إليه نفسه ، وتذکّره فيه بشيء فعله».

فقال معاوية : «أخطأت، أرأيت لو أتي ذهبت لعيب علي علیه السلام محقّا ما عسيت أن أقول فيه، ومثلي لا يحسن أن يعيب بالباطل وما لا يعرف، ومتى ماعبت به رجلاً بما لا يعرفه الناس لم يحفل به صاحبه وكذّبوه، وما عسيت أن أعيب حسينا علیه السلام، واللّه ما أرى للعيب فيه موضعا، وقد رأيت أن أكتب إليه أتوعّده وأتهدّده، ثم رأيت أن لا أفعل، ولن أفعله»(2).

قال عبد الرحمن : غريب أمر هذه الأمّة، لقد استطاع بنو أميّة أن يزيحوا أهل البيت من سدة الحكم، وأن يثبّتوا سلطانهم، ثمّ ها

ص: 53


1- (1) تاريخ الإمام الحسين علی ، ج 44، ص 214؛ دعائم الإسلام، للقاضي النعمان ، ج 2، ص 131.
2- (2) العوالم، لعبد الله البحراني، ج17، ص 90 - 93؛ دعائم الإسلام، للقاضي النعمان، ج 2، ص 131.

هم ينصبون أحد الصبیان، بحسب تعبير مروان بن الحكم، خليفة على الأمّة.

قال عبد اللّه بن مسلم : لقد صدق علي علیه السلام الذي قال : «ألا وإنه من لا ينفعه الحق، يضره الباطل»(1).

وأضاف: إنّ أمراً كخلافة يزيد لم يكن ليتم إلّا بالعنف والإكراه، وشراء الضمائر وتهديد الناس .. وكما قلنا فقد تدخّلت الدولة کلها بقضّها وقضيضها لأجل ذلك، ومن هنا فإنّ معاوية لم يكتف بإصدار الأوامر وكتابة الرسائل، وإنّما قرّر أن يذهب إلى مكّة والمدينة بنفسه.

فخرج من الشام بكلّ جبروته وسلطانه، ومعه ألف من الرجال، حتّى إذا وصل إلى المدينة لقيه الحسين بن علي علیهماالسلام ، وكان أوّل من يلقاه، فلمّا نظر إليه معاوية، قال: «لا مرحباً ولا أهلاً ، بدنة يترقرق دمها، واللّه مهریقه».

فقال الحسين : مهلا يا معاوية، فإني لست بأهل بهذه المقالة .

قال معاوية : بلى؛ وأشد من هذا، فإنكم تريدون أمرة، واللّه يأبى ما تريدون.

ثمّ مشى عنه ولم ينتظر ليسمع جواب الإمام علیه السلام .

ثمّ لقيه عبد الله بن الزبير، فقال له معاوية : «لا مرحباً ولا أهلاً، خبٌّ ضب، تلعة يدخل رأسه، فيضرب بذنبه، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه، ويدقّ ظهره، نحيّاه عنّي».

ص: 54


1- (1) نهج البلاغه، خطبة رقم 28.

فضرب جلاوزة معاوية وجه حلة ابن الزبير ، وأبعدوه.

ثمّ لقيه عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له معاوية : «لا مرحباً ولا أهلاً، شیخ قد خرف وذهب عقله . ثمّ أمر بضرب وجه راحلته ، وفعل بعبد اللّه بن عمر نحو ذلك» (1) نهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص 355 - 356 - 359..

هكذا فعل معاوية بكبار القوم، لكي ينکّل بهم غيرهم، ويبيّن أنّه ماضٍ في تصميمه بتسليط ولده يزيد على رقاب المسلمين.

ثمّ إنّه أتي لزيارة عائشة، فاستأذن عليها، فأذنت له وحده ، على أن لا يدخل معه أحد آخر، وكان عندها مولاها ذكوان، ولمّا استقرّ به المجلس، قالت له عائشة : يا معاوية، أكنت تأمن أن أقود لك رجلاً فأقتلك، كما قتلت أخي محمّد بن أبي بكر؟

فقال معاوية : ما كنت لتفعلي ذلك.

قالت : ولم؟

قال : لأنّي في بيت آمن، بیت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم(1) .

فسكتت عائشة، فبدأ معاوية يبرّر تعيين يزيد خليفة من بعده ،فنسب ذلك - كما يفعل جميع الملوك والحكّام - إلى قضاء اللّه وقدره.

فقالت له عائشة: «يا معاوية، ما كفاك أنّك قتلت أخي، وأحرقته بالنار، حتّى قدمت المدينة، وأخذت بالوقيعة في أبناء

ص: 55


1- (2) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ، ج 1، ص 158.

الصحابة ، وأنت من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، وكان أبوك من الأحزاب؟

فقال معاوية: «أنت يا أمّ المؤمنين، العالمة باللّه وبرسوله، دللتينا على الحقّ، وحضضتينا على حضّ أنفسنا، وأنت أهل لأن یطاع أمرك، ويسمع قول، وإنّ أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم، وقد أكّد الناس بيعتهم في أعناقهم، وأعطوا عهودهم على ذلك ومواثيقهم. أفترين أن ينقضوا عهودهم ومواثيقهم؟

فقالت عائشة : بلغني عنك أنّك هدّدت أخي عبد الرحمن، وابن عمر، وابن أختي عبد الله بن الزبير، والحسين بن فاطمة، وليس مثلك من يتهدّد مثل هؤلاء. وأمّا ما ذكرت من عهود ومواثيق، فاتق الله في هؤلاء الرهط ولا تعجّل فيهم.

فقام معاوية ليذهب، فقالت له عائشة : يا معاوية؛ إنك قتلت حجراً وأصحابه العابدين المجتهدين.

فقال معاوية : دعي هذا ، كيف أنا في الذي بيني وبينک من حوائج؟(1).

فعرفت عائشة بأنّه ماضٍ لأمره، لكنّه مستعدّ أن يدفع لها ما تريد ثمناً لذلك، فسكتت .

وبالطبع، فإنّ معاوية حينما كان يطلب من كبار القوم أن يبايعوا يزيداً، أو على الأقل أن لا يجاهروا بمخالفتهم له، كان

ص: 56


1- (1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج1، ص 158؛ والفتوح، لابن اعثم، ج4، ص 235.

يشفع ذلك بالتهديد. فقد قال لعبد الرحمن بن أبي بكر بعد أن خلا به: «بأية يد، أو رجل، تقدم على معصيتي؟

فقال عبد الرحمن : أرجو أن يكون ذلك خيراً لي.

فقال معاوية : واللّه لقد هممت أن أقتلك.

فقال عبد الرحمن: لو فعلت لأتبعك اللّه به لعنة في الدّنيا ، وأدخلك به في الآخرة النار»(1).

*

وفي يوم آخر من أيام وجوده في المدينة، أمر معاوية بفراش، فوضع له في مجلسه، وسويت مقاعد خاصّة حوله، ثمّ خرج بعد أن تعطّر وعليه حلّة يمانية، فقعد على سريره وأجلس كتّابه إلى جنبه ، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وإن قرب، ثمّ أرسل رسولاً إلى الحسين بن علي، وعبد الله بن عبّاس. فجاء ابن عباس أوّلاً ، فلمّا دخل وسلّم أقعده في الفراش عن يساره، وقال له: يابن عبّاس، لقد وفّر اللّه حظّكم من مجاورة هذا القبر الشريف، ودار الرّسول عليه الصّلاة والسّلام.

فقال ابن عبّاس : نعم؛ وحظّنا، من القناعة بالبعض، و التجافي عن الكلّ، أوفر.

فجعل معاوية يحدّثه، ويحيد به عن طريق المجاوبة، ويعدل إلى ذكر الأعمار على اختلاف الغرائز والطبائع، حتى أقبل الحسين عليه السلام ، فلمّا رآه معاوية جمع له و سادة كانت عن يمينه ، فدخل الحسين، فأشار إليه، فأجلسه مكان الوسادة .

ص: 57


1- (1) المنتظم، لابن الجوزي، ج 4، ص 105.

ثمّ قال لهما: «إنّ رسول اللّه مضى وقد ترك من الدّنيا ما بذل له، واختار منها الترك لما سخّر له، زهادة واختياراً للّه، وأنفة ، واقتداراً على الصبر، ثمّ خلّفه رجلان محفوظان، وثالث مشکور، وبين ذلك خوض طالما عالجناه ، مشاهدةً ومكافحةً ومعاينة وسماعاً».

. ثمّ بدأ يمدح ابنه يزيد، وقال في ذلك : «قد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه، وقد علم اللّه ما أحاول به في أمر الرعيّة، من سدّ الخلل، ولمّ الصدع بولاية يزيد بما أيقر العين، وأحمد الفعل، هذا معناي في يزيد. و فيكما فضل القرابة، وحظوة العلم، وكمال المروءة. وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة، ما أعياني مثله عندكما، و عند غیرکما، مع علمه بالسنّة ، وقراءة القرآن، والحلم الذي يرجح بالصمّ الصلاب». .

«وقد علمتما أنّ الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدّم على الصدّيق والفاروق، ومن دونهما من أكابر الصحابة و أوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل، من لم يقارب القوم برتبة في قرابة موصولة، ولا سنّة مذكورة، فقادهم الرجل بأمره، وجمع بهم صلاتهم، وحفظ عليهم فيئهم. وفي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أسوة حسنة، فمهلاً بني عبد المطّلب، فأنا وأنتم شعبا نفع وجدّ، وما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما ، فما يقول القائل إلّا بفضل قولكما، فردّا على ذي رحم مستعتب، ما يحمد به البصير في عتابكما» .

فأراد ابن عبّاس أن يجيبه، ونصب يده للمخاطبة، فأشار إليه الحسين عليه السلام قائلا : «على رسلك، فأنا المراد، ونصيبي في التهمة أوفر».

ص: 58

فسكت ابن عبّاس .

فقال الحسين علیه السلام بعد أن حمد الله وصلّى على جدّه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم: «أمّا بعد یا معاوية، فلن يؤدّ القائل، وإن أطنب في صفة الرّسول، من جميع جزءاً، وقد فهمت ما لبّست به الخلف بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم من إيجاز الصفة والتنب عن استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدّجی، وبهرت الشّمس أنوار السراج، ولقد فضّلت حتّى أفرطت، واستأثرت حتّى أجحفت، ومنعت حتّى بخلت، وجرت حتّى جاوزت، ما بذلت لذي حقّ من أتمّ حقّه بنصيب، حتّى أخذ الشيطان حظّه الأوفر ونصيبه الأكمل».

«وفهمت ما ذكرته عن يزيد، من اكتماله وسياسته لأمّة محمّد صلی الله علیه و آله و سلم، تريد أن توهم الناس في يزيد كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاص».

«وقد دلّ يزيد من نفسه على موقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السبق لأترابهن، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده باصراً. ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى اللّه من وزر هذا الخلق بأكثر ممّا أنت لاقيه . فواللّه ما برحت تقدح باطلاً في جور، وحنقاً في ظلم، حتّى ملئت الأسقية، وما بينك و بين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حین مناص».

وأضاف علیه السلام :

«ورأيتك عرّضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثاً ،

ص: 59

ولقد أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة، وجئت لنا بها ما حججتم به، فركبتم الأعاليل و فعلتم الأفاعيل، وقلتم: كان ويكون، حتّى أتاك الأمر یا معاوية عن طريق كان قصدها لغيرك. فاعتبروا یا أولي الأبصار».

«وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم وتأميره له، تقصد عمرو بن العاص، وما صار - لعمرو اللّه - يومئذٍ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدّوا عليه أفعاله، فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلم: «لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري».

«فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول صلى الله عليه و آله وسلم في أوكد الأحكام وأولاها بالمجمع عليه من الصواب، أم كيف صاحبت بصاحب تابعاً، وحولك من لا يؤمن في صحبته ولا يعتمد في دينه وقرابته؟ وتتخطّاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبّس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، وتشقى بها أنت في آخرتك، إنّ هذا لهو الخسران المبين».

فنظر معاوية إلى ابن عباس وقال : ما هذا يابن عباس؟

فقال ابن عباس: لعمرو الله، إنها لذرية الرسول صلى الله عليه و آله وسلم ، وأحد أصحاب الكساء ، ومن البيت المطهّر، فاسأله عمّا تريد، فإنّ لك في الناس مقنعاً، حتّى يحكم الله بأمره وهو خير الحاکمین (1).

*

وهكذا فإنّ معاوية كان يعمل لتثبيت يزيد خلفاً له، ليلاً

ص: 60


1- (1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج1، ص 159 و 161.

ونهاراً، سرّاً وعلانية، ويجتمع لذلك بالزعماء، ويحتج، ويخاطب ، ويهدّد. فلم يكن يكتفي بالاجتماعات التي غالباً ما كانت غير علنيّة ، خوفاً من أن يعرف الناس حجج هؤلاء الرجال ضدّ بيعة ابنه، بل كان يعقد اجتماعات علنية أيضا. ومنها أنّه، حين كان في المدينة ، أمر المنادي أن ينادي في الناس أن يجتمعوا لأمر مهم. فاجتمع الناس بالمسجد، وكان ممّن حضر أيضاً الحسين بن عليّ، وعبد اللّه بن الزبير، وعبد اللّه بن عمر وغيرهم، وقد قعد هؤلاء حول المنبر . فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ ذكر يزيد وفضله وقراءته للقرآن .

ثمّ قال: «يا أهل المدينة ؛ لقد هممت ببيعة يزيد، وما تركت قرية ولا مدرة إلّا بعثت إليها في بيعته ، فبايع الناس جميعاً وسلّموا، وأخّرت المدينة بيعته، وقلت : المدينة بيضته وأصله ومن لا أخافهم عليه . وكان الذين أبوا البيعة منهم من كانوا أجدر أن يوصلوه، فواللّه لو علمت من هو خير من المسلمين من يزيد لبايعت له». .

فقام الحسين عليه السلام وقال : والله لقد تركت من هو خير منه أبا وأما ونفسة.

فقال معاوية : كأنّك تريد نفسك؟

قال الحسين عليه السلام : نعم.

فقال معاوية : «إذن أخبرك، أمّا قولك خير منه أمّاً، فلعمري أمّك خيرمن أمّ يزيد، ولو لم تكن إلّا أنّها امرأة من قريش لكان لنساء قريش فضلهن، فكيف و هي ابنة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، فأمّك - لعمرو اللّه - خير من أمّه.

«وأمّا أبوك، فقد حاكم أباه إلى اللّه، فقضى لأبيه على أبيك .

ص: 61

بأنّ اللّه قضى لمعاوية ضدّ عليّ - يقصد بذلك أنّ عليّا قتل بينما معاوية أصبح الخليفة على المسلمين -.

قال الحسين عليه السلام : حسبك جهلك، وآثرت العاجل على الأجل.

فقال معاوية : أمّا ما ذكرت أنّك خير من يزيد نفساً، فيزيد واللّه خير لأمّة محمّد منك.

قال الحسين عليه السلام : هذا هو الإفك والزور، یزید شارب الخمر، ومشتري اللهو، أهو خير منّي؟

فقال معاوية : مهلاّ عن شتم ابن عمّك، فإنّك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك (1).

فقال الحسين : إنّ علم یزید منّي ما أعلمه منه أنا، فليقل فيّ ما أقول فيه .

وهنا استخدم معاوية من جديد منطق التهدید، فقال : «أبا عبد الله ؛ انصرف إلى أهلك راشداً، واتق اللّه في نفسك، واحذر أهل الشام أن يسمعوا منك ما قد سمعته، فإنّهم أعداؤك وأعداء أبيك (2).

وهكذا نرى أنّ الحسين علیه السلام وأشخاصاً آخرين ردّوا على معاوية بيعة يزيد، وفضحوا محاولات تسويقه للناس، إلّا أنّ الرجل كان قد صمّم على أخذ البيعة، وكان بيده التاج والصولجان، وأموال بیت المال، لذلك فكلّما كان ينقصه المنطق يستخدم التهديد، وإذا

ص: 62


1- (1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج1، ص 162.
2- (2) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 240.

لم ينفع التهدید استخدم الترغيب. وهذا ما فعله أيضاً مع عبد الرحمن بن أبي بكر، فقد قال له عبد الرحمن ذات يوم : «واللّه یا معاوية لعلّ ودّك أنّا قد وکّلناك إلى اللّه في أمر ابنك يزيد - يعني تركناك، لتفعل ما تريد، وتفعل ما تشاء - لا واللّه لا نفعل ذلك أبداً، أو لتردنّ الأمر شوری بین المسلمين».

فقال معاوية : أما واللّه إنّي لأعرف بك وبسفهك، ولقد هممت أن أفعل كذا وكذا .

فقال له عبد الرحمن : إذن واللّه يا معاوية يدركك اللّه به في الدّنيا ، ويدخّر لك العقوبة في الآخرة.

فقال معاوية : اللّهمّ اكفني أمر هذا الشيخ. يا هذا؛ اتق اللّه في نفسك، ولا تقل ما يسمعك أهل الشام.

فقال عبد الرحمن : أمّا نحن فقد اتقينا اللّه ، فذرنا نقعد في منازلنا، ولا تدعونا إلى بيعة يزيد الخمور، ويزيد الفهود، ويزيد القرود(1).

*

ثمّ إنّ معاوية قبيل رحيله عن المدينة المنورة متجهاً إلى مكّة ، أعطى الناس أعطياتهم وأجزل العطاء، وأخرج إلى كلّ قبيلة جوائز كثيرة، لكنّه جفي بني هاشم، فلقيه عبد الله بن عباس وقال له: ما بالك جفوتنا؟

ص: 63


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 242.

فقال معاوية : لأنّ صاحبكم الحسين بن عليّ لم يبايع ليزيد، فلم تنكروا عليه.

فقال ابن عبّاس : يا معاوية؛ إنّي لخليق أن أنحاز إلى بعض السواحل فأقيم به، ثمّ انطلق بما تعلم حتّى أدع الناس كلّهم خوارج عليك(1).

ثمّ تفرّقا .

أمّا في مكّة فإنّ معاوية استخدم أسلوباً جديداً، وهو أنّه أشاع بين الناس بأنّ عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي عليهماالسلام قد بايعوا يزيد سراً، فقد دعی بالفعل هؤلاء النفر، واجتمع بهم، وجلس معهم زمناً معيّناً من دون أن يتبادلوا الحديث في أيّ شيء.

وحينما خرجوا إلى منازلهم، صعد معاوية المنبر وحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس؛ إنّا قد وجدنا أحاديث الناس ذات عوارض، وإنّهم قد زعموا أنّ الحسين بن عليّ، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير لم يبايعوا يزيد، وهؤلاء الأربعة هم عندي سادة المسلمين وخيارهم، وقد دعوتهم إلى البيعة، فوجدتهم سامعین مطيعين، وقد سلّموا وبايعوا، وسمعوا، وأجابوا، وأطاعوا».

وكان قد أمر جلاوزته، الذين جاء بهم من الشام من حملة السيوف، أن يهدّدوا هؤلاء بقطع رقابهم إن لم يبايعوا علناً، وكان

ص: 64


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 252.

ذلك بالاتفاق المسبق معهم، حيث ضرب هؤلاء بأيديهم إلى سيوفهم فسلّوها، ثمّ قالوا: يا أمير المؤمنین؛ ما هذا الذي تعظّمه من أمر هؤلاء الأربعة، إئذن لنا أن نضرب أعناقهم، فإنّا لا نرضى أن يبايعوا سرّا، ولكن يبايعوا جهراً حتّى يسمع الناس أجمعون.

فقال معاوية : «سبحان اللّه ؛ ما أسرع الناس بالشرّ، وما أحلى بقائهم عندهم. اتقوا الله يا أهل الشام، ولا تسرعوا إلى الفتنة، فإن القتل هو مطالبة وقصاص»(1).

وأقبل أهل مكّة إلى هؤلاء الأربعة، فقالوا لهم: «یا هؤلاء، إنّكم قد دعيتم إلى بيعة يزيد في المدينة، فلم تبايعوا وأبيتم ذلك، ثمّ دعيتم إلى ذلك في مكّة فرضیتم و بایعتم؟».

فقال الحسين : «لا واللّه ما بايعناه ، ولكن معاوية خدعنا وكادنا ببعض ما کادكم به»(2).

قال عبد الله بن مسلم لعبد الرحمن الصالح: ترى، كيف ترك معاوية الحسين علیه السلام ولم يمسّه بسوء مع شدّة رفضه في مسألة بيعة یزید؟

قال عبد الرحمن : كما وصلني الخبر، فإنّ معاوية دعا مروان بن الحكم، فقال له: أشر عليّ في الحسين؟

فقال مروان : أرى أن تخرجه معك إلى الشام، فتقطعه عن أهل العراق، وتقطعهم عنه .

ص: 65


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 246۔
2- (2) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 249.

فقال معاوية : «إنّك أردت واللّه أن تستريح منه وتبتليني به، فإن صبر عليه صبرت على ما أكره، وإن أسأت إليه كنت قد قطعت رحمه .

ولم يكن خوف معاوية من قطيعة الرحم، بل من احتمال توجّه الناس إلى الحسين أكثر، ومعرفتهم للحقّ .. تماماً مثلما حدث مع أبي ذرّ الغفاري حينما تفي إلى بلاد الشام، فبدأ هناك ينشر فضائل علي وأهل البيت، فخاف معاوية من أحاديثه، وكتب إلى الخليفة يطلب منه أن يعيده إلى المدينة.

وعلى كلّ حال فإنّ رفض الحسين عليه السلام البيعة كان هاجس معاوية الأوّل، ولذلك فإنّه لم يكتف باستشارة مروان في أمره، وإنما بعث إلى سعيد بن العاص وقال له: يا أبا عثمان، أشرّ عليَّ في الحسين؟

فقال سعيد: «واللّه إنّك لا تخاف الحسين، إلّا على من بعدك يعني أنّك لا تخاف الحسين على نفسك بل على يزيد)، وإنّك لتخلّف له قرناً - يقصد یزید - إن صارعه ليصرعنّه، وإن سابقه ليسبقنّه . فذر الحسين بمنبت النخلة، يشرب من الماء، ويصعد في الهواء، ولا يبلغ إلى السّماء»(1).

قال عبد الله بن مسلم لصاحبه: وماذا فعل معاوية في النهاية؟

قال عبد الرحمن : إنّه أمر الوليد بن عتبة، والي المدينة، أن يمنع أهل العراق من الاجتماع مع الحسين، ولذلك فقد قال له

ص: 66


1- (1) العقد الفريد، لابن عبد ربه، ج 4، ص 22 و 23؛ والبحار، ج 44، ص 210.

الحسين: «يا ظالماً لنفسه، ويا عاصيا لربّه ، علام تحول بيني وبين قوم عرفوا من حقي ما جهلته أنت، وعمّك معاوية؟».

فقال الوليد: «ليت حلمنا عنك لا يدعو جهل غيرنا إليك، فجناية لسانك مغفورة لك، ما سكنت يدك، فلا تخطر بها، فتخطر بك»(1).

وهكذا فإنّ بني أميّة أكملوا الدائرة على أهل البيت علیهم السلام ، فمنعوا الناس ممّن يعرف قدر الحسين وأهل البيت من اللقاء به، بالإضافة إلى منع حقوقهم من بيت المال، وقتل من كان يتظاهر بحبّه لعليّ وأهل بيته، وتهجير عوائل بأكملها من بلادها، حتّى أنّ الفتنة والبلاء لم تزل تعظمان وتشتدّان على كل من له هوى في أهل البيت، فلم يبق ولي للّه إلا خائفاً على دمه، ولم يبق عدوّ اللّه إلا مظهراً الحجّة، غير مستتر ببدعته وضلالته(2) .

قال عبد الرحمن : يبدو بذلك أنّ موقف الحسين وأهل البيت أصبح موقفاً صعباً، أليس كذلك؟

قال عبد الله بن مسلم : لقد عادت الأمور إلى ما حدث في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، حيث تقابل النبيّ مع قريش بقيادة أبي سفيان فمنعوا الناس من التلاقي مع النّبيّ والتعامل معه. فها هو الحسين في مقابل معاوية.

قال عبد الرحمن : لكن الأمر الآن مختلف، لأنّ أبا سفيان في ذلك الوقت كان يرفع راية الكفر، أمّا معاوية فهو يرفع راية الدّين؟

ص: 67


1- (1) أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 157.
2- (2) بحار الأنوار، للمجلسي، ج 13، ص 181.

قال عبد اللّه : صحيح أنّ كلّاً من الحسين ومعاوية يتحدّثان عن الدّين نفسه، إلّا أنّهما قطبان متناقضان، كما كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و وأبو سفيان قطبين متناقضين، وكان عليّ ومعاوية قطبين متناقضين .

وكما أنّ أبا سفيان كان يتحدّث باسم دين الآباء والأجداد، ومن ثمّ فهو كان ينصب نفسه مدافعاً عن دينهم، وكان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يتحدّث عن التوحيد، وهو أيضا كان يتحدّث عن الدّين. التغيير الذي حدث أنّ بني أميّة دخلوا في الإسلام تحت بريق السيوف، ورفعوا شعار لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، وهم يحجّون إلى البيت ويأمّون الصلاة، ليحقنوا دمائهم ويحصلوا على المكاسب والمغانم فالشعار هو الإسلام، لكن الجوهر ليس كذلك .

لقد كان بنو أميّة، وعلى رأسهم أبو سفيان يقولون قبل إعلان إسلامهم: أعل هبل، أمّا الآن فمعاوية لا يقول ذلك، إنّما يقول : اللّه أكبر.

لكن هؤلاء هم المنافقون الذين قال عنهم اللّه عز وجلّ :(هم العدوّ فاحذرهم قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون)(1).

فهم جعلوا الصلاة ضدّ الصلاة، والأذان ضدّ الأذان، والحجّ ضد الحجّ.. بعد أن أفرغوا الدّين من محتواه. ومن ثمّ فإنّ هدف الحسين بن عليّ ليس أن يتبوّأ سدّة الحكم، فما قيمة ذلك عند أهل البيت الذي ضحّوا بكل ما يملكون للّه؟ فلم يمرّ على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وعلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين علیهم السلام يوم لم يضحّوا في سبيل

ص: 68


1- (1) سورة المنافقون، آية 4.

دين الله . فالحسين يتحمّل كل العنت، وكل العذاب، وكل الصعاب ، وكل التهم، وكل التهديد.. ليبيّن للناس جوهر الدّين .

ومخالفة الحسين علیه السلام مع بيعة يزيد ليست من أجل سلطان الدّنيا ، ولا التماس شيء من حطامها، وإنّما هي للدفاع عن جوهر الدّين . فالحسين يريد تصحيح النظام الدّيني والاجتماعي والسياسي حيث أنّ الحاكم لا يرى نفسه مجرّد رئيس دولة، مثل الأكاسرة والأباطرة والقياصرة، وإنما يتحدّث بصفته خليفة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .

إنّ هذه الحكومة أصبحت حكومة زمنيّة لا ارتباط لها بالدّين، ولا يجوز أن يتخذ الناس أعمال هؤلاء ومواقفهم ديناً يتقرّبون به إلى اللّه ، هذا هو الخطر الذي يشعر به الحسين، وكل ما يقوله إنّما هو البيان هذه الحقيقة.

فلا يمكن أن يكون وليّا للعهد من لم يعيّنه اللّه ، ولم ينتخبه الناس، وبالإضافة إلى ذلك فهو يجاهر بالفسق والفجور ومخالفة الدّين في أموره الشخصيّة، فكيف بالأمور العامّة .

فقال عبد الرحمن الصالح: أترى أنّ الحسين سوف يكتفي بما قال في مجلس معاوية، وصرّح به؟

قال عبد الله بن مسلم : لا أعتقد ذلك، لأنّ موقف الحسين وكلامه، وإن كان حجّة كافية لعامّة الناس لمعرفة أنّ القرآن أصبح في واد والسلطان في واد آخر، وإنّهما قد افترقا، ولكن هنالك شريحة من العلماء وكبار القوم، لم يتحرّكوا بعد، ولم يتحمّلوا مسؤولياتهم، ولذلك لا أعتقد أنّ الحسين سيكتفي بذلك.

قال عبد الله : عذراً، حان وقت الرحيل، ولابدّ لي أن أغادر

ص: 69

المدينة المنوّرة وألحق بركب الحجّاج، وقد بقيت أمور لم نتحدّث عنها بعد، وهي لا تقل أهميّة مما تحدّثنا عنها . فكلّي أمل أن ألقاك مرّة أخرى لنتحدّث مليّا.

فتوادع الصديقان، على أمل لقاء آخر.

*

بعد شهور من ذاك اللقاء ذهب عبد الرحمن إلى البصرة للقاء بعض أقاربه، وكان قد سبقه إلى هناك عبد اللّه بن مسلم في تجارة له. وعلى غير موعد التقيا في زقاق من أزقّة البصرة، فدعا عبد اللّه صاحبه إلى بيت أخته على شاطىء النهر، فاستجاب له.

ومن جديد بدءا يتحدّثان، فقال عبد اللّه بن مسلم : ألم أقل لك إن الحسين علیه السلام لا يكتفي بما قاله لمعاوية؟

قال عبد الرحمن : ما الذي حدث؟

قال عبد الله : كان موسم الحج قبل شهرين، وكان الحسين عليه السلام يحجّ إلى بيت اللّه الحرام، فجمع بني هاشم رجالهم ونسائهم ومواليهم، ومن الأنصار ممّن يعرفهم، بالإضافة إلى أهل بيته. ثمّ أرسل رسلاً وقال لهم: «لا تدعوا أحداً ممّن حجّ العام، من أصحاب رسول اللّه المعروفين بالصلاة والنسك، إلّا وجمعتموهم لی.

فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمائة رجل وهم في سرادقه ، عامّتهم كانوا من التابعين، ونحو مائتي رجل من أصحاب النبي صلی الله علیه و آله و سلم .

فقام فيهم الحسين علیه السلام خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد؛ فإنّ هذا الطاغية - ويقصد معاوية - قد فعل بنا

ص: 70

وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنّي أريد أن أسألكم عن شيء، فإن صدّقت فصدّقوني وإن كذبت فكذّبوني، وأسألكم بحقّ اللّه عليكم، وحقّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم ، وقرابتي من نبيّكم لمّا سیّرتم مقامي هذا. (إلّا وذكرتم ما يجري بيني وبينكم، وما أقوله لكم ولجميع الناس) و وصفتم مقالتي، ودعوتم أجمعين في أنصاركم من قبائلكم من أمنتم من الناس، ووثقتم به، فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا، فإنّي أتخوّف أن يدرس هذا الأمر، ويذهب الحق ويغلب، واللّه متمّ نوره ولو كره الكافرون».

ولم يترك الحسين شيئاً ممّا أنزل اللّه في أهل البيت من القرآن إلّا تلاه وفسّره، ولا شيئاً ممّا قاله رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم في أبيه وأخيه وأمّه وفي نفسه وأهل بيته إلّا رواه.

وفي كلّ ذلك كان الحضور يقولون: «اللّهمّ نعم، قد سمعنا وشهدنا». ويقول التابعي: «اللّهمّ قد حدّثني به من أصدّقه وأئتمنه من الصحابة».

وكان ممّا قاله الحسين أيضاً: «أنشدكم اللّه ؛ أتعلمون أنّ علي بن أبي طالب علیه السلام كان أخا رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، حين آخی بین أصحابه، فآخي بينه وبين نفسه ، وقال : أنت أخي وأنا أخوك في الدّنيا والآخرة»؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «أنشدكم اللّه ؛ هل تعلمون أنّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم اشتری موضع مسجده ومنازله، فابتناه ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل، تسعة له، وجعل عاشرها في وسطها لأبي، ثمّ سدّ کلّ باب شارع إلى المسجد غير باب عليّ علیه السلام ، فتكلّم في ذلك من تكلّم. فقال رسول اللّه : «ما

ص: 71

أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه ، ولكن اللّه أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه». ثمّ نهى النبي صلی الله علیه و آله و سلم أن ينام في المسجد غيره، وكان يجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول الله، فولد لرسول الله وله فيه أولاد»؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال الحسين علیه السلام : «أفتعلمون أنّ عمر بن الخطّاب حرص على كوّة بقدر عينه يدعها في منزل المسجد»؟ (لكي ينظر منها إلى داخل المسجد) فأبی رسول الله عليه ، ثمّ خطب فقال صلی الله علیه و آله و سلم : «إنّ الله أمرني أن أبني مسجدة طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وبنيه».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال الحسين علیه السلام: «أنشدكم الله ؛ أتعلمون أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم نصب عليّا يوم غدیر خم، فنادى له بالولاية وقال : ليبلّغ الشاهد الغائب»؟

قالوا: اللهم نعم.

قال الحسین علیه السلام : «أنشدكم اللّه ؛ أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال له في غزوة تبوك: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي»؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال علیه السلام : «أنشدكم اللّه ؛ أتعلمون أنّ رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم حين دعا النصارى من آل نجران إلى المباهلة، لم يأت إلّا بأبي وبصاحبته وابنیه - أي الحسن والحسين -»؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال علیه السلام : «أنشدكم اللّه ؛ أتعلمون أنّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم دفع إلى أبي

ص: 72

اللّواء يوم خيبر ثمّ قال: «لأدفعنّه إلى رجل يحبّه اللّه ورسوله، ويحبّ اللّه ورسوله، كرّار غير فرّار، يفتحها اللّه على يديه»؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال الحسين علیه السلام : «أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بعثه بسورة البراءة وقال: لا يبلغ عنّي إلّا أنا، أو رجل منّي»؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال الحسين علیه السلام: «أتعلمون أنّ رسول الله لم تنزل به شدّة قطّ، إلّا قدّم أبي لها ثقة به، وأنّه لم يدعه باسمه قطّ إلّا يقول : يا أخي عليّ، أو: أدعوا لي أخي»؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال الحسين علیه السلام: «أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قضى بينه وبين جعفر و زید، فقال: «يا عليّ أنت مني وأنا منك، وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي»؟

قالوا: اللّهمّ نعم .

قال الحسين علیه السلام : «أتعلمون أنّه كانت له من رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كلّ يوم خلوة، وكلّ ليلة دخلة ، إذا سأله أعطاه، وإذا سكت ابتداه» ؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال الحسين علیه السلام: «أتعلمون أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فضّله على جعفر وحمزة حين قال لفاطمة علیهاالسلام: «زوّجتک خير أهل بيتي ، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً»؟

ص: 73

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال الحسين علیه السلام : «أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: «أنا سیّد ولد بني آدم، وأخي علي علىه السلام سيّد العرب، وفاطمة علیهاالسلام سيّدة نساء أهل الجنّة، والحسن والحسين علیهماالسلام إبناي، سیّدا شباب أهل الجنّة»؟

قال الحاضرون : اللّهمّ نعم.

قال الحسين عليه السلام: «أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أمر أبي بغسله، وأخبره أنّ جبرائيل يعينه عليه»؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال الحسين علیه السلام : «أتعلمون أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال في آخر خطبة خطبها : «إنّي تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وقد أنبأني اللطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»؟

قال الحاضرون : اللّهمّ نعم.

قال الحسين عليه السلام: «أتعلمون أن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال : «من زعم أنّه يحبني ويبغض عليّا فقد كذب، ليس يحبّني من يبغض عليّاً»؟ فقال له من حضر النبيّ : يا رسول الله، وكيف ذلك؟

قال صلی الله علیه و آله و سلم : «لأنّه منّي وأنا منه، من أحبّه فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ اللّه، ومن أبغضه فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض اللّه»؟

فقال الحاضرون : اللّهمّ نعم، قد سمعنا .

فلم يدع شيئاً أنزله اللّه في عليّ بن أبي طالب علیه السلام خاصّة،

ص: 74

وفي أهل بيته من القرآن، ولا على لسان نبيّه إلا ناشدهم فيه، فيقول الصحابة : اللّهمّ نعم، قد سمعنا، ويقول التابعي : اللّهمّ قد حدّثني من أثق به فلان وفلان(1).

*

قال عبد الرحمن : يا عبد اللّه ؛ هل مخالفة القوم مع عليّ علیه السلام كانت مخالفة شخصيّة ، أو من أجل السلطان، حيث لم يكن هؤلاء يريدون لعليّ عليه السلام أن يتبوّأ مقعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، فكانوا هم يرغبون في السلطة، ولذلك أبعدوا عليّاً عن مقامه؟

قال عبد اللّه : القضيّة أكبر من ذلك، فإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ للدّين جوهراً ومظهراً، وأنّ الجوهر هو الأساس والمقصود، وأنّ المظهر لا قيمة له إلّا إذا كان يؤدّي إلى الجوهر، وأخذنا بعين الاعتبار أنّ أهل البيت كانوا أمناء على رسالة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، أي على جوهر الدين ومحتواه، وأصوله، وفروعه .. وليس على المظاهر وحدها، وأنّ عليّاً كان باب علم رسول اللّه، وأعلم صحابته، وأقضاهم بنصّ حديث النبيّ، وما جاء على لسان رسول اللّه في حقّ عليّ، وهو كثير، لم يقل مثله في حقّ أحد من البشر. فلم يقل في حقّ أحد من صحابته أنّه بمنزلة رأسه من جسده مثلما قال في عليّ : علي منّي بمنزلة رأسي من بدني»(2) .

ولم يقل في حقّ أحد: أنا وفلان من شجرة واحدة، كما قال

ص: 75


1- (1) بحار الأنوار : الشيخ محمد باقر المجلسي، ج 33، ص 181 - 185.
2- (2) الأمالي، الشيخ الطوسي، ص 353.

فی حقّ عليّ: «أنا وعليّ من شجرة واحدة، وسائر الناس من شجر شتّی»(1).

ولم يقل في حقّ أحد أنّ ذكره عبادة، كما قال في حقّ علي : ذكر عليّ عبادة»(2).

ولم يقل في حقّ أحد مثلما قال في حقّ عليّ: «أنا مدينة الجنّة وعليٌّ بابها(3)، أنا مدينة الحكمة وعليٌّ بابها(4)، أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها »(5).

هذه روايات لم ينكرها أحد، وهي تدلّ صراحة أنّه لا يمكن الوصول إلى علم رسول اللّه إلّا عن طريق عليّ، ولا على حكمة رسول اللّه إلّا عن طريق عليّ، ولا الدخول إلى الجنّة إلّا عن طريق عليّ، وقد قالها النّبي صراحة: «لا يجوز أحد الصراط إلّا من كتب له عليّ الجواز»(6). (صكّ من عليّ). وقال: «أنت أخي ووزيري وصاحب لوائي في الدّنيا والآخرة، وأنت صاحب حوضي»(7).

فمعنى ذلك أنّ الذين خالفوا علیّاً علیه السلام كانوا يريدون من الدّين مجرّد مظهره لا جوهره، وهذا هو سبب المخالفة مع عليّ ،

ص: 76


1- (1) إقبال الأعمال، السيد ابن طاوس، ج 1، ص 506.
2- (2) مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج 3، ص 6.
3- (3) الأمالي، الشيخ الطوسي، ص 577.
4- (4) الأمالي، الشيخ الطوسي، ص 483.
5- (5) عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ج 2، ص 21.
6- (6) ذخائر العقبی، الشيخ أحمد بن عبد الله الطبري، ص 71.
7- (7) بحار الأنوار، الشيخ محمد باقر المجلسي، ج39، ص 211.

ثمّ مع الحسن، والآن مع الحسين، وإلّا فلماذا ينصب معاوية العداء لعليّ بعد مقتله، ويصدر أمراً إلى جميع الولاة يقول فيه : «انظروا إلى من روى حديثاً في أبي تراب فألغوه من الديوان». أو يقول: «خذوهم بالتهمة واقتلوهم بالظنّة». ويمنع الحديث عن عليّ، أو في عليّ. لماذا؟ وعليّ علیه السلام لم يكن موجوداً حتّى ينافسه في السلطان؟

فالقضيّة أكبر من مجردّ صراع على السلطة، بين طلّابها والطامعين فيها، ولذلك فإنّ حديث أهل البيت علیهم السلام عن فضائل الإمام عليّ وفاطمة والحسن، وحديث الحسين حتّى عن فضائل نفسه، ليس من باب أنّه يريد المديح الشخصي للحصول على مقام لدى الناس، وإنّما هو لأنّ علم رسول اللّه بالدّين عندهم، وكذلك حكمة رسول اللّه ، وكما أنّ اللّه عز وجلّ لا يقبل من أحد أنّ الإيمان به من دون أن يؤمن برسوله، لأنّه تعالى حين يبعث نبيّاً يريد أن يطاع بإذنه، ويريد اللّه دينه عن طريقه وليس عن طريق آخر. كذلك فيما يرتبط بما بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وقد صرّح النّبي صلی الله علیه و آله و سلم بذلك عندما قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي»(1).

فقال عبد الرحمن : هل اكتفى الحسين في ذلك الاجتماع الهام بأن بيّن فضائل عليّ وفاطمة والحسن، وفضائل نفسه؟

قال عبد الله : لا، وهنا القضيّة الأساسية التي من أجلها جمعهم. فبعد أن بيّن لهم فضائل أهل البيت، وأخذ الاعتراف من

ص: 77


1- (1) دعائم الإسلام، القاضي النعمان المغربي، ج 1، ص 28.

أصحاب النّبي بأنّهم سمعوا منه ذلك، وأيضاً شهد التابعون بأنّهم سمعوا ممّن يثقون به، وضعهم أمام مسؤولياتهم، فقال علیه السلام :

اعتبروا أيّها الناس بما وعظ اللّه به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار، إذ يقول: (ولولا ينهنهم ألربنيون والأحبار عن قولهم الإثم)(1)، وقال : (لعن الّذين كفروا من بنی إسرائيل على لسان داود وعيسى أبن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) (2).

«وإنّما عاب اللّه ذلك عليهم لأنّهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد، فلا ينهونهم عن ذلك، رغبةً فيما كانوا ينالون منهم ورهبة ممّا يحذرون، واللّه يقول : (فلا تخشوا النّاس واخشون) (3)، ويقول : (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنکر) (4). فبدأ اللّه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه، لعلمه بأنّها إذا أدّيت وأقيمت استقامت الفرائض کلّها، هيّنها وصعبها، وذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام، مع ردّ المظالم، ومخالفة الظالم، وقسمة الفيء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها، ووضعها في حقّها».

وأضاف الحسين (سلام الله عليه) قائلاً : «ثمّ أنتم أيتها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة

ص: 78


1- (1) سورة المائدة، آية 63.
2- (2) سورة المائدة، آیتان 78 - 79.
3- (3) سورة المائدة، آية 44.
4- (4) سورة التوبة، آية 71.

معروفة، وباللّه في أنفس الناس مهابة ، يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويؤثرکم من لا فضل لكم عليه، ولا يد لكم عنده ، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلّابها، وتمشون في الطريق بهيئة الملوك، وكرامة الأكابر، أليس كل ذلك بما نلتموه، وما يرجى عندكم من القيام بحقّ اللّه؟ وإن کنتم عن أكثر حقّه تقصّرون، فاستخففتم بحقّ الأئمّة، فأمّا حقّ الضعفاء فضيّعتم، وأمّا حقّكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالا بذلتموه، ولا نفسا خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات اللّه، وأنتم تتمنّون

على اللّه جنّته ، ومجاورة رسله، وأماناً من عذابه»؟!

وأضاف علیه السلام : «لقد خشيت عليكم، أيّها المتمنّون على اللّه ، أن تحلّ بكم نقمة من نقماته، لأنّكم بلغتم من كرامة اللّه منزلة فضّلتم بها، ومن يعرف باللّه لا تكرمون، وأنتم باللّه في عباده تكرمون، وقد ترون عهود اللّه منقوضة فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمّة رسول اللّه صلى الله عليه وآله محقورة، والعمي والبكم والزمني في المدائن مهملة، لا ترحمون، ولا في منزلتكم تعملون، ولا من عمل فيها تعينون، وبالإدّهان والمصانعة عندالظلمة تأمنون، كلّ ذلك ممّا أمركم اللّه به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون».

«وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء، لو كنتم تشعرون، ذلك بأنّ مجار الأمور والأحكام على أيدي العلماء باللّه ، الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلّا بتفرّقكم عن الحق، واختلافكم في السّنّة بعد البيّنة الواضحة».

ص: 79

«ولو صبرتم على الأذى، وتحمّلتم المؤونة في ذات اللّه كانت أمور اللّه عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع».

ولكنّكم مکّنتم الظلمة من منزلتكم، وأسلمتم أمور اللّه في أيديهم، يعملون بالشّبهات، ويسيرون في الشهوات، سلّطهم على ذلك فراركم من الموت، وإعجابكم بالحياة، التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم. فمن بين مستعبد مقهور، وبين مستضعف على معيشته مغلوب».

يتقلّبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم، اقتداء بالأشرار، وجرأة على الجبّار، في كلّ بلد منهم على منبره خطيب يصقع، فالأرض لهم شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول، لا يدفعون ید لامس، فمن بين جبّار عنيد، وذي سطوة على الضعفة شديد، مطاع لا يعرف المبدىء المعيد» .

«فيا عجباً، وما لي لا أعجب، والأرض من غاشم غشوم، ومتصدّق ظلوم، وعامل على المؤمنين بهم غیر رحیم»؟!

فاللّه الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا».

ثمّ رفع الحسين علیه السلام يديه قائلا : «اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن منّا كان ما تنافساً في سلطان، ولا التماسا من فضول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وشنك وأحكامك.

«فإنّكم إن لا تنصرونا ولا تنصفونا قوي الظلمة علیکم،

ص: 80

وعملوا في إطفاء نور نبيّكم، وحسبنا اللّه وعليه توكّلنا وإليه أنبنا وإليه المصير »(1).

*

قال عبد الرحمن : إنّ كلام الحسين هذا كلام خطير، ألا تظنّ أنّ بني أميّة سيعتبرون ذلك تحريضا عليهم، ودعوة للنهضة ضدّهم؟

قال عبد اللّه بن مسلم : باستطاعتهم أن يفسّروا ذلك بأيّ تفسير يريدون، لكن الحسين يريد من العلماء وأصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله وسلم والتابعين، أن يؤدّوا أمانتهم في الدعوة إلى الحقّ، وأن يتحمّلوا مسؤولياتهم في الدفاع عن المظلومين، وذلك بعد أن آیس الحسین علیه السلام من استجابة معاوية وجماعته النصائح الناصحين، وهذا دیدن الأنبياء والأوصياء دائماً، فهم أوّلا يأتون إلى الحاکمین وينصحونهم، ويدافعون عن حقوق المستضعفين، فإذا لم ينفع معهم ذلك توجّهوا إلى الأمّة. وطالبوا في الدرجة الأولى أولئك الذين يستجيب الناس لهم من العلماء الذين يأكلون رزقهم باسم الدفاع عن الدّين، وهذا ما قاله الإمام الحسين عليه السلام لهم.

فباعتبارهم ينطقون باسم الدّين أصبح لهم مقام کریم بین الناس، وآن الأوان أن ينطقوا فعلا باسم الدّين، وأن لا يكتفوا ببيان الأحكام الشخصيّة وما يرتبط بالطهارة والنجاسة وما شابه ذلك. هنا مربض الغنم، وهنا النقطة المركزية في كلام الإمام، ويشبه ما قاله

ص: 81


1- (1) تحف العقول، الشيخ ابن شعبة الحراني، ص 237 - 239.

الإمام کلام أبيه حينما قال : «وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم»(1).

قال عبد الرحمن : يبدو أنّنا في زمن عنود، وظروف صعبة للغاية .

قال عبد اللّه : هذا صحيح، نحن على مفترق طرق، فإذا استطاع بنو أميّة أن يشلّوا إرادة الأمّة ويضلّوا الناس، ومن ثمّ يرفعوا الأشرار ويضعوا الأخيار فإنّهم سيفعلون كما فعلت الأمم السابقة، حيث انحرفوا عن موازين الأنبياء ومبادئهم وقيمهم، ثمّ قاموا بتحريف الدّين نفسه، وفرّغوا جوهره من محتواه وجعلوه مجرّد مظاهر.

فقال عبد الرحمن : ولكن اللّه بالنسبة إلى هذا الدّين وعد بأن يحفظه، حيث يقول تعالى في كتابه الكريم : (إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحفظون)(2)، فلا خشية عليه، أليس كذلك؟

قال عبد اللّه بن مسلم : نعم؛ إلا أنّ اللّه أبى أن يجري الأمور إلّا بأسبابها، فربّنا سيحفظ هذا الدّين بأهل بیت نبيّه، كما أنّ اللّه تعالى قال في معركة الأحزاب: (وكفى اللّه المؤمنين القتال )(3)، لأنّه تعالى لم ينزل ملائكة لكي يقتلوا عمرو بن ودّ، ويحاربوا المشركين ، ويهزموهم وإنّما بعث عليّاً علیه السلام و وفّقه لقتل عمرو بن ودّ، فكفى اللّه المؤمنين القتال بعليّ. فهو حينما يقول : (وإنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له

ص: 82


1- (1) نهج البلاغه، خطبة رقم 3.
2- (2) سورة الحجر، آية 9.
3- (3) سورة الأحزاب، آية 25.

لحفظون) ، يستعمل صيغة الجمع، ويقصد نفسه وملائكته وأوليائه . كما يقول في كتابه الكريم: (إنّا أنذرنكم عذاباً قريباً)(1) ، ويقصد أنّه تعالى أنذر الناس عبر إنزال جبرائیل على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وإنذاره القومه.

قال عبد الرحمن : أحياناً أتساءل مع نفسي: هل هؤلاء الذين يحكمون باسم رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم ، ويتبوّأون مقعده، ويدّعون خلافته ، هم في دواخل نفوسهم مؤمنين باللّه ورسوله، ولكنّهم فسقة يخالفون بعض بنود الشريعة؟، أم أنّهم ألغوا ما يرتبط بآخرتهم، ومن ثمّ فهم مثل جميع الظلمة في التاريخ الذين استخدموا الدّين، وما فيه من المبادىء والقيم، غطاءاً لسلطتهم وأعمالهم؟

قال عبد الله بن مسلم : لا يعرف ما في القلوب إلّا اللّه، ولكن من ظواهر أعمال هؤلاء يتبيّن أنّ الدّنيا عندهم هو كل شيء. أمّا الآخرة فقد تركوها لأهل البيت علیهم السلام ، وما حديثهم عن اللّه تعالی ورسوله صلی الله علیه و آله و سلم إلّا من أجل استغلاله لمآربهم وخداع الناس به، تماما كما أنّ كثيرا من الحكّام في التاريخ كانوا يقولون للناس ما يرضيهم ، ويعملون ما فيه مصلحة أنفسهم. ألا ترى مثلا أن معاوية، وهو يعيش أيامه الأخيرة لمّا زاد مرضه وتحدّث الناس أنّه الموت، قال لأهله : «أحشوا عيني إسمداً، وأوسعوا رأسي دهناً». ففعلوا وبرّقوا وجهه بالدهن، ثمّ مهّدوا له في فراش، فجلس، وقال : أسندوني . حتّى لا يتبيّن ضعفه .

ثمّ قال : «ائذنوا للناس فليسلّموا علىّ قياماً ، ولا يجلس أحد.

ص: 83


1- (1) سورة النبأ، آية 40.

فجعل الرجل يدخل فيسلّم قائماً، فيراه مکتحلاً مدهّناً، فلمّا يخرج من عنده يقول : هذا أصحّ الناس (1).

يريد بذلك أن يبيّن للناس أنّ صحّته كأفضل ما يكون .

ثمّ حينما كان يخرج الناس، يقول لأهل بيته :

وتجلدي للشامتين أريهموا * أنّي لريب الدهر لا أتضعضع

وإذا المنيّة أنشبت أضفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع

وقال لابنتيه، في مرضه الذي ثقل عليه وهما تقلّبانه، قال لهما : تقلّبان حوّلاً قلّبا. (أي رجلاً كثير الحيلة والقدرة)، جمع المال من شبّ إلى دبّ، ثم تمثّل بقول الشاعر:

لقد سعيت لكم من سعي ذي نصب * وقد كفيتکم التطواف والرّحلا(2)

قال عبد الرحمن : ما الذي يقصد بقوله من شبّ إلى دبّ؟

قال: أي جمعت لكم المال من لدن شببت، إلى أن دببت على العصي.

فلو كان هؤلاء يحسبون حساب الآخرة، ولو بمقدار قليل، لفكّروا فيما يقدمون عليه، لا فيما يتركونه خلفهم.

فترى أنّ معاوية حينما يشتدّ عليه المرض ويرى الشائلات صرّه، يقول وكأنّه يرى شيئاً : أسقوني أسقوني، فيشرب الماء كثيرة فلا يروى، ويغشى عليه اليوم واليومين، فإذا أفاق من غشوته ينادي

ص: 84


1- (1) التاريخ، الطبري، ج 5، ص 226.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 327.

بأعلى صوته: «ما لي وما لك يا حجر بن عدي؟ ما لي وما لك يا عمرو بن الحمق؟ ما لي وما لك يابن أبي طالب»؟

فيقول له يزيد: «يا أمير المؤمنین، عجّل لي بالبيعة قبل موتك، فقد أزف الأمر، فإنّك إن لم تذكر البيعة لي خشيت أن ألقى من آل أبي تراب مثل ما لقيت»(1).

فأخذ معاوية يغرغر بالصوت ويقول: يومي منك يا حجر طويل(2).

قال عبد الرحمن : ألم يكن لهؤلاء ضمير يؤنّبهم على ما يفعلون؟

قال عبد اللّه : نعم؛ ولذلك كانت تخرج منهم أحياناً كلمات لمصلحة الحقّ، لكن الشهوات والرغبات وحبّ السلطان تدفعهم مرّة أخرى إلى أحضان الباطل. فمثلا أنشأ معاوية ذات مرّة يقول:

فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة * ولم أك في اللذّات أعشى النواظر

وكنت كذي طمرين عاش ببلغة * من الدهر حتّى زار أهل المقابر (3)

قال عبد الرحمن : ألم يكن معاوية يخشى ما بعد الموت؟

قال عبد اللّه : أحيانا كان يخشى ذلك، ولكنّه كان يظن أنّ بإمكانه أن يكسب الجنّة بالحيلة، كما كسب الدّنيا بها. فمعاوية هو

ص: 85


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 252؛ وشرح النهج، لابن أبي الحديد، ج8، ص 52.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 257.
3- (3) مروج الذهب، للمسعودي، ج 3، ص 58.

الذي قاتل عليّاً ابن عمّ رسول اللّه ، وأخاه، ووصيّه، وتسبّب في مقتل قرابة مائة ألف شخص في معركة صفّين، وظلم أهل البيت (سلام الله عليهم) وقتل الحسن بن علي علیهماالسلام بالسّم، وظلم الحسين علیه السلام ، وفي عروقهما كانت تجري دماء رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .. تراه عند موته يوصي بأن يوضع في عينيه قلامة أظفار رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ويقول لهم: «إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم کساني قميصاً فحفظته ، وقلّم أظفاره يوما فأخذت قلامته، فجعلتها في قارورة، فإذا متّ فألبسوني ذلك القميص، واسحقوا تلك القلامة وذروها في عيني و فمي، فعسى اللّه أن يرحمني ببركتها !

ثمّ يتمثّل بشعر الأشهب :

إذا متّ مات الجود وانقطع النّدى * من الناس إلّا من قليل مصرّد

وردّت أكفّ السائرين وأمسكوا * من الدّين والدّنيا بخلف مجدّد(1)

وأحيانا كان يخاطب ربه قائلا :

إن تناقش یکن نقاشك يا ربّ * عذاباً، ولا طوق لي بالعذاب

أو تجاوز فأنت ربّ * صفوحٌ عن مسيء ذنوبه كالتّراب (2)

فهو يعيش بين عذابات الضمير من جهة، وحب الدّنيا

ص: 86


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 260.
2- (2) نهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص 366.

والسلطان من جهة أخرى، لكن حبّ الدّنيا هو الذي يغلب عليه في نهاية المطاف، ولذلك فكلّما كان يثقل عليه المرض ويفيق ويخاف الرحيل عن الدّنيا، يؤكّد على بيعة يزيد من جديد.

يقول له الضحّاك : «يا أمير المؤمنين؛ إنّ الناس قد اضطربوا وضجّوا واختلفوا بسرعة وأنت حيّ، فكيف إن حدث بك أمر؟ فماذا ترى أن يكون حال الناس؟

ويقول له مسلم بن عقبة: «إنّا نرى الناس ونسمع كلامهم، ونرى أنّ الأمر في يزيد، وهو أهمّ له (أقدر عليه بهمّته، وهو لهم رضی، فبادر إلى بيعته من قبل أن يعتقل لسانك.

فيقول : صدقت یا مسلم، إنّه لم يزل رأيي في يزيد، وهل تستقيم الناس لغير يزيد؟ ليتها في ولدي وذرّيّتي إلى يوم الدّين، وأن لا تعلو ذرّیّة أبي تراب على ذرّيّة آل أبي سفيان(1) .

وهكذا ينظر إلى المسألة نظرة قبليّة بحتة، كعهد الجاهليين من آل أبي سفيان، فهم لا يزالون ينظرون إلى هذا الدّين باعتباره ملكاً ، ومن ثمّ فهو وراثة لأبنائهم في مقابل آل أبي تراب وبني هاشم، ونعرف أنّ بني هاشم هم أحفاد جدّ النبيّ وذرّيّة رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم .

ثم أنظر إلى وصيّته إلى يزيد، يقول فيها: «یا بنيّ؛ إنّي قد وطأت لك الأشياء، وأذللت لك الأعداء، وأخضعت أعناق الناس ببيعتك - أي بالإجبار - فانظر أهل مكّة والمدينة فأكرمهم، فإنّهم أصلك ومنصبك، فمن ورد عليك منهم فأكرمه، ومن لم يأتك فابعث إليه بصلته .

امجموعه

ص: 87


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 4، ص 346.

«وأنظر أهل العراق، فإنّهم أهل طعن على الأمراء، وملالة لهم، فإن يسألوك أن تبدّل لهم كلّ يوم عاملاً فافعل.

«وأنظر أهل الشام، فليكونوا بطانتك وعيبتك وحصنك، فمن رابك أمره فارمه بهم، (أي إذا خالفك قوم فحشد أهل الشام لمواجهتهم). فإذا فرغوا - أي فرغ أهل الشام من أولئك . فأقفلهم إليك فإنّي لا آمن الناس على إفسادهم،(فهو يريد إبقاء أهل الشام في داخل الشام حتّى لا يفهموا شيئاً من الحق، ويستطيع أن يقاتل بهم أهل الصلاح، لأنّه يخاف عليهم من الصلاح ويسمّي ذلك فساداً)، وقد كفاك اللّه عبد الرحمن بن أبي بكر، لأنّه مات، فلست أخاف عليك إلّا حسيناً، وابن عمر، وابن الزبير. فأمّا الحسين فلست أشكّ في وثوبه عليك، فسيكفيك من قتل أباه وجرح أخاه، إنّ آل أبي طالب قد مدّوا أعناقهم إلى غاية أبت العرب أن تعطيهم المقادة فيها. (فحديث معاوية لا يرتبط بدین ولا بقيم الرسالة، وإنما ينطق باسم العرب، وباسم عائلته والملك).

«وأمّا ابن عمر فقد وقذه الإسلام وشغله عن منازعتك. وأمّا ابن الزبير فخبٌّ خدع، فإذا شخص إليك فألبد له، فإنّه ينفسخ عن المطاولة(1).

ويقول له: «یا بنيّ؛ إنّي من أجلك آثرت الدّنيا على الآخرة ، و دفعت حقّ علي بن أبي طالب، وحملت الوزر على ظهري .

ويضيف: «إنّي جعلت هذا مطمعاً لك، ولولدك من بعدك ،

ص: 88


1- (1) جمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 5، ص 108.

وإنّي موصيك بوصيّة فاقبلها فإنّك تحمد عاقبتها، وإنّك بحمد اللّه حازم صارم.

«أنظر، إن تأتيك نائبة فثبّ وثوب الشهم البطل، ولا تجبن جبن ضعيف النكل، فإنّي قد كفيتك الحلّ، والترحال، وجوامع الكلم، والمنطق، ونهاية البلاغة، ودفع المؤونة، وسهولة الحفظ . ولقد وطأت لك يا بنيّ البلاد، وذلّلت لك رقاب العرب الصعاب، وأقمت لك المنار، وسهّلت لك السّبل، وجمّعت لك اللجين والعقيان، ومهّدت لك الملك من بعدي تمهيداً، فعليك يا بنيّ من الأمور ما قرب مأخذه، وسهل مطلبه، وذرعاً كما تعصی عليك»(1).

ألا ترى أنّ الحديث كلّه عن الملك، وتوطيد الأمر، وإذلال الرقاب، وتجميع الذهب والعقيان، لا عن القيم والمثل،، ومن ثمّ لا تجد حديثاً في داخل بيوت بني أميّة عمّا يريده اللّه، وما أمر به النبي صلی الله علیه و آله و سلم . وإنّما هو الحديث الطبيعي الذي يدور بين الملوك وأولادهم، وبين الأمراء والزعماء وورّاثهم. وهذا هو ما كان يريد أهل البيت أن يكشفوه للناس، حتى يعرفوا أنّ أعدائهم لا يمتّون إلى الدّين بصلة، وليس لهم من هم إلّا هم الملك والدّنيا .

*

بعد هذا الحديث ودّع كلّ من عبد الرحمن وعبد اللّه صاحبه وتفرّقا، ولم يلتقيا إلّا بعد موت معاوية. عندما ذهب عبد الله بن

ص: 89


1- (1) التفوح، لابن اعثم، ج 4، ص 256 و 257.

مسلم لأداء العمرة في أواخر شهر رجب، وكان معاوية قد مات في النصف منه سنة ستّين، وهو ابن سبع وسبعين سنة (1).

فقال عبد الرحمن لصاحبه: ها إنّ معاوية قد هلك، فهل ترى أنّه قد يحدث شيء؟

قال عبد الله : ستحدث أشياء.

قال عبد الرحمن مبتسمة : وهل تعرف الغيب؟

قال عبد الله : لا، ولكن هذا هو منطق الأحداث. فالحسين (سلام اللّه عليه) لن يسكت على باطل، وليست بينه وبين يزيد معاهدة ، مثل ما كانت بينه و بين معاوية. وكان من بنود المعاهدة أن يكون الحسين هو من يتسلّم الأمر ويقود الأمّة بعد معاوية، إن لم يكن الحسن بن عليّ حيّاً، لكن معاوية لم يعمل بهذه المعاهدة، بينما بقي الحسين علیه السلام ملتزماً بما عاهده عليه أخوه الحسن .

فقال عبد الرحمن : أترى، كان يجب على الحسين عليه السلام أن يبقى ملتزماً بتلك المعاهدة، في الوقت الذي لم يلتزم بها الطرف الآخر؟

قال عبد الله : هذا هو الفارق بين أهل الحقّ وأهل الباطل، فالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بقي وفيّاً لمعاهدة الحديبيّة، فقد التزم بأنّ من فرّ من المشركين إليه يسلّمه لأهل مكّة، بينما لو فرّ أحد المسلمين إلى أهل مكّة لا يسلّمه المشركون إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم . ومع أنّ أهل مكّة لم يلتزموا بهذا البند من صلح الحديبيّة، لكنّ النبيّ التزم به، وقد

ص: 90


1- (1) التاريخ، لليعقوبي، ج 2، ص 213.

سلّم صلى الله عليه و آله و سلم بالفعل أحد المسلمين الذين فرّوا من جور قریش، سلّمه إليهم بعد أن قال له: إنّ اللّه سيجعل لك من أمرك فرجاً ومخرجاً .

فالآن وقد مات معاوية، فإنّ الحسين بن عليّ لن يبايع يزيد ، ولا تلزمه أية معاهدة بالهدنة معه.

فقال عبد الرحمن : وهل ترى أنّ يزيد سيحاول فرض البيعة عليه؟

فضحك عبد اللّه بن مسلم وقال : يبدو أنّك لا تعرف هذا الرجل، نعم، لا شكّ أنّه سيفعل، بل ولا مانع لديه أن يضرب عنق الحسين إن لم يبايع، فهو صبيّ - كما قال مروان بن الحكم - وأرعن، وحوله رجال يحثّونه على ذلك من أمثال الضحّاك بن قيس، ومسلم بن عقبة .. والأخطر من كلّ ذلك مستشار أبيه السير جون، والذي لا يهمّه أمر الأمّة، لأنّه لا ينتمي إليها أساساً، وربّما يعمل بناء على خطّة من أعداء الدّين والأمّة.

يا هذا، إنّ يزيد رجل طروب، نزق، لا يهمّه من أمر الدّين إلّا الملك واللعب. فمن أغرب ما شوهد منه أنّه في الوقت الذي كان أبوه بين الحياة والموت، وكان يغشي عليه بين فترة وأخرى ويهذي ويقول: كم بيننا وبين الغوطة،فتقول له ابنته : واحزناه . فيقول: إن تنفريه فقد رأيت منفّراً(1).

في نفس الوقت كان يزيد ذاهباً للصيد إلى منطقة حوران،

ص: 91


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 261.

وهو موضع بالشام، ليتصیّد هناك، ويقول للضحّاك ، وكان رئيس شرطة معاوية : انظر لا تخفى علیّ شيئاً من أمر أمير المؤمنين (1).

قال عبد اللّه بن مسلم لصاحبه : أنت أعرف بشؤون الشام، فما الذي حدث بعد موت معاوية؟

قال عبد الرحمن : إنّ الضحّاك بن قیس جاء بعد موت معاوية إلى المسجد الأعظم، فصعد المنبر ومعه أكفان معاوية، فقال: «أيّها الناس؛ إنّ معاوية بن أبي سفيان كان عبداً من عباد اللّه، ملّكه على عباده، فعاش بقدر، ومات بأجل، وهذه أكفانه كما ترون، نحن مدرجوه فيها، ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين ربّه، فمن أحبّ منكم أن يشهد جنازته فليحضر بعد صلاة الظهر .

ثمّ نزل وتفرّق الناس، ولمّا صلّوا الظهر اجتمعوا وأصلحوا جهازه، وحملوه حتى دفنوه (2).

ثمّ كتب الضحّاك رسالة إلى يزيد يقول له فيها: «لعبد اللّه يزيد أمير المؤمنين، من الضحّاك بن القيس، سلام عليك. أمّا بعد فكتابي إلى أمير المؤمنین کتاب تهنئة ومصيبة، فأمّا الخلافة التي جاءتك فهي تهنئة، وأمّا المصيبة فموت أمير المؤمنين معاوية ، إنّا لله وإنا إليه راجعون، فإذا قرأت كتابي هذا فالعجل العجل، لتأخذ الناس بيعة أخرى مجدّدة، والسّلام عليك ورحمة الله وبركاته(3) .

ص: 92


1- (1) راجع مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 177.
2- (2) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 228.
3- (3) الفتوح، لابن اعثم، ج5، ص1 و2.

فقصد يزيد دمشق، ووصلها بعد ثلاثة أيّام من مدفن أبيه ،فذهب إلى قبره، فجلس وانتحب ساعة، ثمّ أنشأ يقول:

جاء البريد بقرطاس يحثّ به * فأوجس القلب من قرطاسه فزعا

قلنا : لك الويل ماذا في كتابكم * قال : الخليفة أمسا مدنفاً وجعا

مادت بنا الأرض أو كادت تميد بنا * كأنّما العزّ من أركانها انقلعا

أودي ابن هند وأودى المجد يتبعه * كذاك كانا جميعاً قاطنين معا

أغرّ أبلج يستسقى الغمام به * لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا

لا يرقع الناس ما أوحى ولو جهدوا * أن يرقعوه، ولا يوهون ما رقعا(1)

فقال عبد اللّه بن مسلم : أتدري أنّ هذين البيتين الأخيرين هي للشاعر الجاهلي المعروف الأعشى، وقد قالهما في مدح رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم؟

ولكن، ليس غريباً ممّن يسرق الخلافة أن يسرق أوصاف رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم بيتين من الشعر في مدح النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم ويمدح به أباه .

ثمّ التفت إلى عبد الرحمن وسأله: ما الذي فعل یزید بعد ذلك؟

قال عبد الرحمن : إنّه قام من قبر أبيه، وسار حتّى جاء إلى قصر الخضراء، حيث وضعت له الفرش، فجلس على الأريكة، وطلب من الناس أن يبايعوه، فبايعوه مجدّداً .

بعد ذلك خطب في الناس، وأخذ يمدح أباه قائلاً: «إنّ أمير المؤمنین معاوية كان لكم كالأب البارّ بالولد، وكان من

ص: 93


1- (1) العقد الفريد، لابن عبد ربه، ج 4، ص 373 و 374؛ والفتوح، لابناعثم، ج 5، ص 2 و6.

العرب أمجدها، و أحمدها، و أعظمها خطراً، و أرفعها ذكراً ، و أنداها أنامل، و أوسعها فواضل، و أسماها إلى الفرع الباسق، لا يعتريها الفهاهة في بلاغته ، ولا تدخله اللكنة في منطقه، حتّى انقطع من الدّنيا أثره، وصار إلى رحمة الله تعالى ورضوانه» .

فقام رجل من أقصى الناس، فصاح قائلاً: «كذبت واللّه ، ما كان معاوية بهذه الصفة، وإنّما كانت هذه صفة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وهذه أخلاقه، لا أخلاق معاوية ولا أنت».

فاضطرب الناس، فطلب الرجل، فلم يقدروا عليه. وأنّ رجلاً يقال له عطاء بن أبي صيفي، من جماعة معاوية، التفت إلى يزيد قائلاً : «يا أمير المؤمنين ؛ لا تلتفت إلى ما يقول الأعداء، وقد أعطيت خلافة الله من بعد أبيك، فأنت خليفتنا، وابنک معاوية ولي العهد بعدك، لا نريد به بدلاً، ولا نبغى عنه حولاً»(1).

***

ص: 94


1- (1) الفتوح، لابن الأعثم، ج 5، ص 6 - 9.

الحاكم الجديد وأزمة الشرعية

تماماً كما يحدث بعد موت كلّ حاكم مستبد برأيه، مطلق اليد، طال به الزمن، وكانت الأمور کلّها تجري بناء على أوامره ونواهيه . فقد اضطربت الأحوال في العالم الإسلامي کلّه، فضحايا الحكم السابق وجدوها فرصة لرفع الرؤوس والمطالبة بالحقوق، وعاد الهاربون من البطش والبغي والطغيان، إلى بيوتهم.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ أزمة الشرعيّة كانت تعصف بحکم معاوية ، نعرف لماذا استمرّت الأوضاع متوتّرة من جميع النواحي، وخاصّة في العراق، حيث كانت عاصمة دولة الإمام علي علیه السلام فيه .

فانتقال الحكم من الإمام إلى خصمه معاوية، إنّما تمّ بسبب اغتيال الإمام، فالشرعيّة كانت لا تزال عند عليّ وبنيه، وأهل العراق خاضوا معركة شرسة مع جيش الشام، فكان خضوعهم لمعاوية قسرياً ولم يكن عن إيمان منهم ورغبة واختيار. أمّا بالنسبة للحاکم الجديد، فإنّ حكمه مرفوض من قبل أغلب أهل الحلّ والعقد وأغلب الناس، ماعدا قلّة من أصحاب النّفوس الوضيعة من بني أميّة ، وجلاوزتهم، ومن لهم هوى في ملكهم.

وكذلك الأمر فيما يرتبط بالحجاز .

ص: 95

ومن هنا فإنّ الحاكم الجديد الذي تمّت له البيعة أكثر من مرّة في زمن أبيه، كان يشعر في قرارة نفسه أنّ خلافته غير شرعيّة، ولذلك بمجرّد موت أبيه أخذ يكتب رسائل إلى جميع الولاة يطالبهم بأخذ البيعة له من جديد، وكان يخصّ بالذّكر أولئك الذين لهم مكانة خاصّة في قلوب الناس .

فكتب رسائل إلى كلّ من نعمان بن البشير الأنصاري والي الكوفة، وإلى عبيد اللّه بن زياد والي البصرة، وإلى الولید بن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة، وإلى عمرو بن سعيد الأشدق والي مكّة، يطالبهم بأخذ البيعة له.

وكانت رسالته إلى الوليد بن عتبة ، والتي أرسلها مع عبد اللّه بن عمر بن أويس، هي من جملة الرسائل الغريبة حقّاً، ذلك أنّها كانت في الظاهر رسالة عادية، فقد جاء فيها: «أمّا بعد، فإنّ معاوية بن أبي سفيان كان عبداً من عبيد اللّه ، أكرمه اللّه واستخلفه وخوّله ومکّن له، فعاش بقدر ومات بأجل، فرحمة اللّه عليه، فقد عاش محموداً، ومات برّاً تقيّاً . فنعم الخليفة كان، ولا أزكّيه على اللّه، وهو أعلم به منّي، وقد كان عهد إليّ عهداً، وجعلني له خليفة من بعده، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة على أهل المدينة، والسّلام»(1).

وكما يبدو فإنّ هذه الرسالة عادية، ربّما لم تكن تؤدّي إلى حدث خاص لولا أنّه أضاف إليها رسالة أخرى كتبها في صحيفة صغيرة، جاء فيها: «أمّا بعد، فخذ حسيناً، وعبد الله بن عمر،

ص: 96


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 10 و11؛ وجمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 5، ص 313.

وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً، ليست فيها رخصة ولا هوادة، حتّى يبايعوا، فمن أبي منهم فاضرب عنقه وابعث إليّ برأسه»(1)

والغريب هنا هو أن يطلب من الوالي قطع رأس من يمتنع عن مجرّد البيعة، وليس بقطع رأس من يعلن المخالفة أو ينهض بثورة أو يرفع راية المعارضة، وإنّما بمجرّد عدم البيعة، فلابدّ من قطع رأسه، مع أنّ ذلك لم يكن لرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وقد قال ربّنا في كتابه الكريم: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)(2) ، وقال : (لا إكراه في الدّين) (3) وأمر اللّه نبيّه بأن يترك اليهود والنصارى على ما هم عليه، إذا لم يمنعوا الناس عن الالتزام بهذا الدّين .

وأساساً ربّ العالمين لا يقطع رأس من لا يؤمن بذاته

المقدّسة، وقد عاقب اللّه نبيّاً عظيماً من أنبيائه وهو يونس بن متّى لأنّه استعجل في الدّعاء على قومه بالعذاب، مع أنّه لم يفعل ذلك إلّا أنّهم امتنعوا عن الإيمان باللّه ، فقال ربّنا : (وذا النون إذ ذهب مغضباً فظنّ أن لّن نقدر عليه فنادى في الظّلمات أن لّا إله إلا أنت سبحنك إنّي كنت من الظلمين (4) .

فكيف يسمح حاکم يدّعي أنّه يمثّل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ولم يمض

ص: 97


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 11؛ وجمل من أنساب الأشراف، للبلاذري ، ج5، ص 313؛ والتاريخ، لليعقوبي، ج 2، ص 215.
2- (2) سورة الكهف، آية 29.
3- (3) سورة البقرة، آية 256.
4- (4) سورة الأنبياء، آية 87.

على وفاة النبيّ إلّا أقلّ من أربعين عاماً، كيف يسمح لنفسه بإجبار الناس على البيعة، وقطع الرؤوس إذا امتنع منهم أحد؟

ثمّ إنّ من ذكرهم بالاسم لم يكونوا من عامّة الناس، وإنّما كان كلّ واحد منهم يمثّل تیّاراً في الأمّة، وعلى الخصوص سیّد شباب أهل الجنّة الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ابن فاطمة ، سبط رسول اللّه ، وهو الذي سمع الصحابة من النبي صلی الله علیه و آله و سلم الكثير من الأحاديث في فضله، منها : «حسين منّي وأنا من حسين»(1)، ومنها : «الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنة»(2)، ومنها: «أحبّ الله من أحبّ حسیناً» (3)، ومنها: «إن الحسين بن عليّ في السّماء أكبر منه في الأرض، وإنّه لمكتوب عن يمين عرش اللّه عزّ وجلّ: الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة» (4).

ولقد رأى الناس كيف أنّ النّبي صلی الله علیه و آله و سلم كان يتعامل مع الحسين ، إذ يضعه هو وأخاه الحسن على كتفيه ويمشي بهما في الأسواق ويقول: «نعم المطيّ مطيّكما، ونعم الراكبان أنتما »(5).

على كلّ حال فإنّ محبّة الناس لرسول اللّه ولأهل بيته كانت في ذلك الوقت تتركّز في الحسين، فكيف يطلب شابّ مغرور البيعة من الحسين، ويأمر بقطع عنقه إذا رفض؟!

حقّاً لقد كان الزمن الذي عاشه الناس في ظلّ معاوية

ص: 98


1- (1) ذخائر العقبی، للطبري، ص 133.
2- (2) الأمالي، للصدوق، ص 112.
3- (3) ذخائر العقبی، للطبري، ص 133.
4- (4) عيون أخبار الرضا، للصدوق، ج 2، ص 62.
5- (5) بحار الأنوار، للمجلسي، ج 43، ص 286.

زمناً کنوداً، فقد تمّ فيه إلغاء الأمّة، بينما أعطيت كلّ القيمة اللحاکم، حتى أنّك عند تقرأ عن ذلك الزمن لا تجد أية أخبار عن الناس، وإنّما فقط عن معاوية، وعمّا فعل، وعمّا أمر، وعمّا نهى، وليس أكثر من ذلك. مع أنّ حكمه امتدّ طويلا ، ولو أنّ الأمّة كانت حاضرة لفعلت الأفاعيل، لكن الرجل كان قد ألغي الأمّة، بينما رفع من شأن عشيرته ، وكان كلّ اهتمامه منصبّاً في تثبيت حكمه، كأيّ واحد من القياصرة والأباطرة والأكاسرة .

فكان الظلام مخيّماً على الناس، وكان الرجال الصالحون مغيّبين عن الساحة تماماً، إلّا أنّ الأمّة أصبحت بعده على وشك أن تدخل في نفق أظلم، وفي ظلّ طغيان لا مثيل له.

*

في مثل هذه الظروف قام عبد الرحمن الصالح بزيارة الكوفة ، فدخل على عبد الله بن مسلم، وكالعادة أخذا يتجاذبان الحديث عمّا يجري.

كان الوقت بعد موت معاوية بأسبوع، وقد شحت بين الناس أخبار ما يجري في مراكز الحكم، خاصّة عند والي المدينة .

فسأل عبد الرحمن، صاحبه عمّا يحدث.

فقال عبد الله بن مسلم : بلغني أنّ يزيد أرسل رسالة إلى الوليد بن عتبة ينعى فيه معاوية، ويأمره بأخذ البيعة من الناس عامّة ، ومن الحسين بن عليّ، وعبد اللّه بن الزبير، وعبد اللّه بن عمر خاصة، ويطالبه بأن يقطع رأس كلّ من يمتنع ولا يبايع .

ص: 99

فقال عبد الرحمن : وماذا فعل الوليد؟

قال عبد اللّه بن مسلم : إنّ الوليد ظع برسالة يزيد(1).

وبما أنّ الرجل لم تكن له خبرة في التعامل مع أوامر كهذه ، فقد دعا مروان بن الحكم، وكان من قبل والياً على المدينة من قبل معاوية، وكان بينهما زعل، ولا يأتي مروان إلى الوليد إلّا متکارهاً . فلمّا جاء كتاب يزيد إلى الولید اضطرّ لاستشارة مروان، فدعاه إلى دار الإمارة وأبلغه خبر موت معاوية، وأعطاه کتاب يزيد، وقال له : ما الرأي؟

فقال مروان: «أرى أن تبعث الساعة إلى هؤلاء النفر، فتدعوهم إلى البيعة، فإنّهم إن بايعوا لم يختلف على يزيد أحد من أهل الإسلام، فعجّل عليهم قبل أن يفشي الخبر فيمتنعوا » (2).

فقال الوليد: وإن أبوا؟

فقال مروان: «قدّمتهم فضربت أعناقهم، قبل أن يعلموا بوفاة معاوية، فإنّهم إن علموا بها وثب كلّ امرىء منهم في ناحية، فأظهر الخلاف والمنابذة، ودعى إلى نفسه»(3).

قال عبد الرحمن الصالح: أبهذه السهولة، يأمره أن يضرب رؤوس هؤلاء إذا امتنعوا عن البيعة؟

قال عبد اللّه بن مسلم : كما ذكرت لك، لقد كانت لمروان هوى في الخلافة، وكان يخطّط بعيداً للوصول إليها، وكانت مصلحته

ص: 100


1- (1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة ، ج 1، ص 175.
2- (2) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج1، ص 175.
3- (3) جمل من أنساب الأشراف،للبلاذري، ج 5، ص 314.

أن يرتكب يزيد عملاً شنيعاً، لتضطرب عليه الأوضاع حتّى يثب هو إلى الحكم. فالرجل لم يكن مخلصا ليزيد، وهو من خالف بیعته في بداية الأمر، ولولا تهدید معاوية له بالعزل وإغرائه بالأموال،لم يأخذ البيعة من الناس ليزيد في زمن أبيه . بالإضافة إلى أنّه كان عدوّاً لبني هاشم، وهو من ألّب الجيوش من قبل لمقاتلة الإمام عليّ.

فقال عبد الرحمن : معنى ذلك أنّ مروان بن الحكم لم يكن يفکّر، في آخرة نفسه، ولا في دنيا يزيد.

قال عبد اللّه بن مسلم : هذا صحيح، ولذلك لم يكتف بأن يطلب من الوليد أن يضرب عنق الحسين، بل أصرّ عليه، وقال فيما قال : «إنّ آل أبي تراب هم الأعداء من قديم الدهر (ويقصد بذلك من زمن رسول اللّه، حيث كان هو ومعاوية وأبو سفيان في جبهة الكفر) ولا يزالون»!

وأضاف: «إنّي لست آمن أيّها الأمير، إن لم تعاجل الحسين بن علي خاصّة، أن تسقط منزلتك عند أمير المؤمنين يزيد».

فقال له الوليد: «مهلاً، ويحك، دعني من كلامك هذا ، وأحسن القول في ابن فاطمة، فإنّه بقيّة ولد النّبيّين»(1).

وأضاف: «سبحان اللّه ، أأقتل الحسين إن لم يبايع»؟ (2).

***

ص: 101


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 181.
2- (2) الأمالي،للشجري، ج 1، ص 170.

في دار الامارة الحسين علي تحت التهديد

بالرغم من أنّ الولید بن عتبة كان يتجنّب مواجهة الحسين ، نظراً لمقامه الكريم عند جميع أبناء الأمّة، خاصّة في الحجاز والعراق، إلّا أنّ الرجل كان والياً لمعاوية ويزيد، ومن رجال بني أميّة، فكان يعيش في حالة برزخيّة بين مصالحه مع السلطة، بالإضافة إلى جذوره التي نبتت على بغض أهل البيت، وبين عقله وضميره اللذان يأمرانه بأن يحترم الحسين، ولا ينفّذ أمر يزيد. وعلى كلّ حال كان عليه أن يفعل شيئاً، فاستجاب لرأي مروان بن الحكم، وأرسل من ساعته في منتصف الليل إلى حفيد عثمان بن عفّان، واسمه عبد اللّه بن عمرو، وقال له: انطلق إلى الحسين، وعبد اللّه بن الزبير وادعوهما إليّ.

فجاء الرجل يبحث عنهما ، فوجدهما في المسجد النبويّ عند قبر النبي صلی الله علیه و آله و سلم، فقال لهما : أجيبا الأمير الوليد، فإنّه يدعوكما إليه.

فقالا له: انصرف، الآن نأتيه .

وحينما خرج من المسجد، قال عبد اللّه بن الزبير للحسين علیه السلام : ما الذي تراه دفعه لكي يبعث إلينا في هذه الساعة ، وهو لا يجلس فيها؟

ص: 102

لقد كان استدعاء الرجلين في ذلك الوقت المتأخر إلى دار الإمارة غريباً حقّاً، ويكشف عن أنّ حدثا كبيرة قد وقع.. .

فقال الحسين : أظنّ أنّ طاغيتهم قد هلك، فبعث إلينا ليأخذ بالبيعة، قبل أن يفشو الخبر في الناس .

فقال ابن الزبير : وأنا ما أظنّ غيره، فما تريد أن تصنع، يا أبا عبد اللّه ؟

قال الحسين : سوف أمشي إليه.

فقال عبد اللّه : إنّي أخاف عليك إذا دخلت عليه .

فقال الحسين : لا آتيه إلّا وأنا اقدر على الامتناع (1) .

ولكي لا يستطيع الوالي قتل الحسين، فإنّه لم يذهب مباشرة إلى الوليد، كما دعاه، وإنّما ذهب إلى داره أوّلاً، وجمع تسعة عشر من الرجال، من أمثال أخيه العبّاس وولده عليّ الأكبر، وأمرهم بأن يحملوا معهم سيوفهم تحت ثيابهم، وقال لهم فيما قال: «إنّي داخل على هذا الرجل، فإن سمعتم صوتي قد علا فاهجموه، وإلّا لا تبرحوا حتّى أخرج إليكم(2).

كان الوقت متأخراً وكانت طرقات المدينة خالية من المارّة، وكان الحسين عليه السلام ومن معه يمشون الهوينا، حتّى وصلوا إلى دار الإمارة، فتقدّم الحسين علیه السلام وحده وأوقف الرجال في مكان يسمعون كلامه إذا علا صوته، ودخل وجلس عند الوليد، فرأي مروان بن

ص: 103


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 264.
2- (2) مقتل ابن مخنف المشهور، ص 11 - 12؛ والفصول المهمة، لابن الصباغ، ص 182.

الحكم عنده، وكان بين مروان والوليد قطيعة، فعرف الحسین علیه السلام أن ما تنبّأ به من موت معاوية هو صحيح، وإلّا فإنّ أركان البيت الأموي - مع القطيعة بينهم - لم يكونوا يجتمعون في مثل تلك الساعة من اللّيل إلّا لحدث عظيم، خوفاً من أن تنفلت الخلافة من أيديهم، خاصّة وأنّ الأكثريّة في حاضرة العالم الإسلامي ذلك الوقت كانوا يتحيّنون الفرصة للخلاص ممّن حوّل الخلافة إلى بستان لبني أميّة ، يحتكر أموال الناس، ويصادر حقوقهم، ويسمّل عيون المخالفين، ويقتل من يعترض عليه .

ولمّا استقرّ المجلس بالحسين نعي إليه الوليد موت معاوية، ثمّ أقرأه كتاب يزيد الذي يأمر بأخذ البيعة من الناس .

فقال الحسن : «إنّ مثلي لا يبايع سرّاً، فإذا دعوت الناس إلى البيعة دعوتنا معهم، فكان أمراً واحداً». .

ويبدو أنّ الوليد اقتنع بهذا الكلام، إلّا أنّ مروان بن الحكم التفت إليه قائلاً: «أيها الأمير! لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع، لم تقدر منه على مثلها حتّى تكثر القتلى بينكم، ولكن احبس الرجل حتّى يبايع، أو تضرب عنقه» .

فبان الغضب في وجه الحسين، وهو سبط رسول الله وابن عليّ وفاطمة، لجرأة رجل مثل مروان بن الحكم الذي وصفه الإمام عليّ من قبل بقوله: الوزغ ابن الوزغ، أن يأمر بحبس الحسین، وإجباره على البيعة، أو ضرب عنقه.

فوثب الحسين قائمة ورفع صوته قائلا :

«أيها الأمير! إنّا أهل بيت النّبوّة، ومعدن الرّسالة، ومختلف

ص: 104

الملائكة، ومهبط الوحي، بنا فتح اللّه ، وبنا يختم، ويزيد راكب الفجور، وشارب الخمور، وقاتل النفس المحترمة، ومعلن بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرو أيّنا أحقّ بالبيعة والخلافة».

وسمع رجال الحسين الذين أقامهم خلف الباب صوته، فاقتحموا المجلس،وأحاطوا بالحسين علیه السلام وبان الذعر في وجه كلّ من الوليد ومروان، وخرج الحسين معهم، ولم يصب بأذى.

فقال مروان للوليد: «عصيتني، فواللّه لا يمكنك على مثلها أبدا، إن الحسين لا يمكّنك من نفسه».

فقال الوليد - وكان لا يزال فيه بعض بقايا ضمير، ويعرف قدر الحسين ومقامه عند الناس -: «ويح غيرك يا مروان، لقد اخترت لي ما فيه هلاك ديني ودنياي، أأقتل حسينا إن قال : لا أبايع؟ واللّه لا أظنّ أمرءاً يحاسب بدم الحسين إلّا خفيف الميزان يوم القيامة، ولا ينظر اللّه إليه ولا يزکّيه، وله عذاب أليم»(1).

وهكذا انتهت تلك الجلسة بعتاب متبادل بين مروان بن الحكم، ووالي المدينة .

أما الحسين فإنه ذهب إلى بيته سالماً، وأمر رجاله بأن يذهبوا إلى بيوتهم.

لقد كانت كلمة الحسين علیه السلام الموجزة القصيرة في حضور

ص: 105


1- (1) مقتل الحسين، للمقرم، ص 144؛ والتاريخ، لابن خلدون، ج 3، ص 20؛ ومقتل أبي مخنف المشهور، ص 13.

اثنين من أركان النظام : الوالي السابق على المدينة المنوّرة، والوالي الفعلي والمعتمد من قبل معاوية ويزيد، كانت الكلمة : «إنّا أهل بيت النبوّة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعدن العلم، وأهل بیت الوحي، بنا فتح الله و بنا يختم، ويزيد شارب الخمور، و راكب الفجور، وقاتل النفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله». كانت هذه الكلمة بمثابة البيان الأوّل لنهضته التي حمل فيها راية الأنبياء والأولياء، و التي بموجب إمامته و نهضته سيكون وارث آدم علیه السلام و هابیل علیه السلام و نوح عليه السلام و إبراهيم عليه السلام و موسی علیه السلام و عیسی علیه السلام و رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم و علي علیه السلام .

كما أنّ رفضه للبيعة، حتّى قسراً، كان أمراً مهمّاً جدّاً، لأنّ أولياء اللّه در جوا على أنّهم إذا بايعوا و لو مجبرين، فإنّهم يلتزمون بمستلزماتها، وكذلك الأمر لو أنّهم صالحوا مكرهين، فهم يلتزمون بالصلح وشروطه. وهذا ما فعله رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في صلح الحديبيّة التي جاءت في ظروف قاهرة اضطرّه إلى القبول ببنود الصلح، فاستمرّ ملتزماً بها رغم أنّ قریش نقضته مراراً و تكراراً .

وكذلك الإمام علي عليه السلام، الذي قبل بالهدنة مع معاوية في معركة صفّين، وظلّ مستمرّاً على الالتزام بها، بالرغم من أنّ قسماً كثيراً من أصحابه طالبوه بأن يجدّد الحرب على معاوية، فرفض ذلك، لأنّه كان في حالة الهدنة معه.

كذلك فعل ابنه الحسن بن علي علیهماالسلام في صلحه مع معاوية بن أبي سفيان، والذي هو الآخر اضطرّ إلى ذلك، وبقي الحسين ملتزماً بما صالح عليه أخوه، حتى بعد وفاته. ولهذا كلّه فقد رفض الحسين عليه السلام البيعة كرهاً أو طاعة، ولو سرّاً.

ص: 106

وهذا ما يميّز الأولياء عن غيرهم، من الذين لا مانع لديهم أن يفعلوا في السرّ ما لا يفعلونه في العلن، بأن يبايعوا مثلاً سرّاً، ثمّ يخالفوا ذلك علناً، أو العكس، وأن يقولوا للناس ما يقبلونه، ثمّ يفعلون بخلاف ذلك.

إنّ أولياء اللّه صادقون مع أنفسهم، لأنّهم صادقون مع ربّهم، ولذلك فهم صادقون مع الناس، لا يملكون شيئاً يخفونه عن أحد. وهذا ما قاله الحسين: «مثلي لا يبايع سرّاً». فإذا كان يبايع في السرّ فلا مانع لديه أن يبايع في العلن، وإذا كان لا يبايع في السرّ فهو لا يبايع في العلن.

بالإضافة إلى أنّ المطلوب من الحسين هو القيام بنهضة تصحيحيّة، يعيد الاعتبار إلى جوهر الدّين، بالإضافة إلى مظاهره التي أخذت تهتزّ في عهد يزيد، الذي كان يتظاهر بالفسوق والفجور إلى جنب إمامته للصلاة والتي أصبحت هي الأخرى جزءاً من جلال السلطان، وليس من مظاهر الخشوع للّه. فهو إذا كان يقيم الصلاة فلتأكيد سلطانه وإبراز أبهّته وجلاله، وهو إذا كان يذهب إلى الحجّ فليس لإظهار العبوديّة للّه والخضوع والخشوع له، وإنّما لكي يظهر جلاله هو، وأبهّته هو، وسلطانه هو.

وكذلك الأمر فيما يرتبط بجوهر الدّين الذي يأمر بالحفاظ على حقوق الناس، والعدل في الرعيّة، ورفع الحيف عن المستضعفين، إلّا أنّ الوضع في عهد يزيد أخذ ينقلب رأسا على عقب، وحتّى السيف الذي كان بأيدي السلطات، وهو سيف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الذي شهره في مواجهة الطغاة والظلمة من المشركين والكفّار، هذا السيف

ص: 107

تحوّل من الدفاع عن المظلومين إلى مواجهة المظلومين، ومظاهر الإيمان أصبحت ضدّ جوهر الإيمان .ولأنّ الإمام الحسين علیه السلام كان ملتزماً بالطهر التزاماً مطلقاً ، ولم يكن طالب سلطان، بل كان طالب حقّ، فإنّه كان مستعدّاً لكي يموت دون هذا الحقّ، وكانت السلطة تعرف ذلك في الحسین، وتعرف أنّه لن يساوم على مبادئه وقيمه، ولا يمكن أن يشتروه بأيّ ثمن، وهو لن يتنازل عمّا يؤمن به.

لقد كان الحسين يشعر في قرارة نفسه، بأنّ الراية التي حملها الأنبياء على مرّ التاريخ أصبحت في يده، وإنّ المهمّة التي أدّاها الأنبياء لأممهم أصبحت مهمّته، وأنّ الفرصة قد حانت لكي يعظ الأمّة بما وعظ به الأنبياء أممهم، وأنّ من واجبه أن يدخل مع قلّة من قرابته و أصحابه في مواجهة إمبراطورية الشرّ التي كان على رأسها یزید بن معاوية ، ذلك الشاب المغرور، الذي لم يكن يرقب للّه إلّا ولا ذمّة، منذ أن كان وليّا للعهد وإلى يوم مات أبيه، حتّى أنّه لم يكن يهتم حتّى بمجرّد التظاهر بالعدل والابتعاد عن قتل الأبرياء في العلن. وكان الحسين عليه السلام يعرف أنّ عليه أن يتحمّل من العنت ما تحمّل الأنبياء، وكان عارفاً أنّ كل أنواع المصائب التي تعرّض لها الأنبياء سوف يتعرّض لها .

فإذا كان هنالك نبي قد هجّر في سبيل اللّه فإنّ على الحسين أن يتحمّل الهجرة في سبيل اللّه ، وإذا كان نبيّ آخر قد تعرّض للاتهام فإنّ الحسين سيتعرّض للاتهام أيضا، وإذا كان هنالك نبيّ آخر قد تعرّض لمحاولة القتل فإنّ الحسين سيتعرّض لمحاولة القتل، وإذا كان هنالك نبيّ قدّم ولده شهيداً في سبيل اللّه فإنّ على الحسين أن

ص: 108

يقدّم ولده شهداء في سبيل اللّه، وإذا كان هنالك نبي تعرّض أهله للأسر في سبيل اللّه، فإنّ أهله سيتعرّضون للأسر أيضاً.

*

في مكّة المكرّمة التقى عبد الرحمن الصالح صاحبه عبد اللّه بن مسلم، حيث كانا يقومان بأداء العمرة، وكان الحديث قد انتشر عمّا حدث بين الحسين و بين اثنين من أركان النظام، وأنّ الحسين قد أعلنها بصراحة لا لبس فيها أنّه لن يبايع يزيد بن معاوية، وأنّ السلطة غاضبة عليه، لأنّ رجالها يعلمون أنّها إنّما تعود إلى أهل الحقّ، وليس أهل الحقّ إلّا أهل بیت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .

فقال عبد الرحمن لصاحبه: أترى أن القضيّة تنتهي إلى المواجهة؟

قال عبد الله : العلم عند الله ، ولكن من المؤكّد أنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد أخبر من قبل أنّ الحسين مقتول، ولا أظنّه يقتل إلّا على يد أبغض الخلق إلى اللّه، ذلك أنّ التقابل بين الحقّ والباطل عادة ما يكون بتناسب الحقّ والباطل، فكلّما كان صاحب الحقّ أعلى درجة، كان الذي يقابله أكثر انحطاطاً . ألا ترى أنّ عليّ بن أبي طالب، وهو من هو، قتله رجل خامل الذّكر، وهو عبد الرحمن بن ملجم، مدفوعا بشهوة امرأة، في مقابل ألف دينار أخذه منها، لتنفيذ جريمته الخطيرة تلك؟

وألم تسمع ما قاله رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و حينما خرج عليّ علیه السلام المواجهة عمر بن ودّ: «برز الإيمان کلّه إلى الشّرك کلّه»(1)؟ فبمقدار

ص: 109


1- (1) بحار الأنوار : للمجلسي، ج 20، ص 215.

ما كان علي علیه السلام يمثّل الإيمان، كان عمرو بن ودّ يمثّل الكفر والشّرك. ولا أشكّ في أنّ يزيد بن معاوية مقدم على قتل الحسين .

قال عبد الرحمن : ألا يحسب الرجل حساباً لمقام الحسين عند الناس؟

فقال عبد اللّه : لو كان يحسب الرجل حسابا لمقام الحسين عند اللّه، لكنّا نتوقّع أن يحسب حسابا لمقامه عند الناس أيضا. ثمّ إنّ يزيد يريد أن يكمّل المهمّة، مهمّة تغيير مسار هذا الدّين إلى الأبد، وتفريغه من محتواه، بالإضافة إلى أنّه مغرور إلى أبعد الحدود.

ألا ترى كيف أنّه يطلب في رسالته الأولى إلى الوليد بن عتبة بأخذ البيعة من الحسين، فإن أبي فإنّ عليه أن يضرب عنقه؟

قال عبد الرحمن : من جهته ألا تظنّ أنّ الحسين سيتجنّب المواجهة، حتى لا يقتل على يد يزيد؟

قال عبد الله : الحسين مشروع شهادة، وقد بشّر الأنبياء أوصيائهم بشهادته ، وبشّر بها النبيّ أهل بيته .

قال عبد الرحمن : ومتى حدث ذلك؟

قال عبد اللّه بن مسلم : عندما بکی رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و عند ولادة الحسين، ولمّا سئل عن ذلك قال: «إنّ ولدي هذا مقتول مخذول».

ثمّ رفع يديه بالدّعاء قائلا: «اللّهمّ بارك له في مقتله، واجعله من سادات الشّهداء، ولا تبارك في قاتله وخاذله»(1).

ص: 110


1- (1) مقتل الحسين، للشيخ جعفر الشوشتري، ص. 51

فقال عبد الرحمن : إذا كان الأمر كذلك، وإنّك ترى أنّ يزيد سيقدم على قتل الحسين لا محالة، فلماذا لم يحدث ذلك منذ البداية، وأقصد لماذا لم تقدم السلطة على قتله حتى الآن؟

قال عبد اللّه بن مسلم : بسببين، الأوّل أنّ الوليد بن عتبة كان متردّدا في تنفيذ أمر يزيد منذ بداية البدايات، خاصّة وأنّ بعض من كان معه لم يكن رأيهم أن يمسّ الحسين بسوء، بما في ذلك زوجته أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فلقد عاتبته على التلاسن الذي وقع بينه وبين الحسين، وقالت له : أسببت حسيناً؟

فقال الوليد: هو بدأ فسبني.

قال عبد الرحمن : وهل أنّ الحسین سبّ الوليد؟

قال عبد الله : لا، ولكن حينما أوصى مروان بن الحكم الوليد بأن يضرب عنق الحسين إن لم يبايع، قال الحسين: «یابن الزرقاء، أأنت تقتلني أم هو؟ كذبت واللّه، وأثمت».

قال عبد الرحمن : وماذا كان جواب زوجة الوليد له؟

قال عبد اللّه : إنّها قالت: وإن سبّك الحسين، أتسبّه؟ وإن سبّ أباك، أتسبّ أباه؟(1).

قال عبد الرحمن : وما هو السبب الثاني؟

قال عبد اللّه بن مسلم : إنّهم انشغلوا بعبد اللّه بن الزبير، فإنّهم كانوا يخشون عبد اللّه بن الزبير أكثر ممّا يخشون الحسين عليه السلام ، من حيث أنّ الرجل كان شبيهاً لهم، فلم يكن لديه أي مانع أن يخادع

ص: 111


1- (1) مختصر ابن منظور، ج7، ص 138.

الجماعة، وحتّى أن يقوم بعمليّات الاغتيال كما يفعلون، وأن يساوم بعض الولاة هنا وهناك، فاهتموا به، وانشغلوا بذلك عن الحسين، حتّى أنّ الوليد وجّه عدّة رسل إلى عبد اللّه بن الزبير يطلبه إلى قصر

الإمارة.

ففي الليلة التي ذهب فيها الحسين إليه، رفض عبد اللّه بن الزبير أن يذهب، وإنّما بقي في داره، وكان كلّما جاء رسول الوليد إليه، يقول: لا تعجّلوا فإنّي آتيكم. حتّى أنّ الوليد وجّه موالي له، فشتموه وقالوا : يابن الكاهليّة، إن أتيت الأمير، وإلّا قتلناك .

فجعل يقول : الآن أجيء، والآن أجيء.

ثمّ أرسل أخاه جعفر بن الزبير إلى الوليد ليقول له: «کفّ رحمك اللّه ، عن عبد اللّه، فقد أفزعته وذعرته بكثرة رسلك، وهو سيأتيك غدا إن شاءاللّه» .

فصرف الوليد رسله عنه، وهكذا خادعهم عبد اللّه بن الزبير، وخرج من المدينة في ليلة السبت الثلاث ليال بقين من رجب، سنة ستّين للهجرة، وأخذ الطرق الفرعيّة ومعه أخوه، وتجنّبا الطريق الأعظم. فلمّا أصبح الوليد طلبه، فلم يجده. فقال له مروان : أظنّ أنّه توجّه إلى مكّة. فوجّه الوليد في طلبه حبیب بن كوين في ثلاثين فارساً من موالي بني أميّة، ولكنّهم لم يجدوه في الطريق، لأنّه لم يكن يسلك الطريق العام، وتشاغلوا عن الحسين بطلب ابن الزبير(1).

قال عبد الرحمن : وماذا عن نهاية أمر الحسين والوليد بن عتبة؟

ص: 112


1- (1) جمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 5، ص314 و 315.

قال عبد اللّه : إنّ الوليد كتب إلى يزيد بن معاوية يخبره بما كان من أمر أهل المدينة، وما حدث مع عبد اللّه بن الزبير . ثمّ ذكر له بعد ذلك أمر الحسين عليه السلام وقال في رسالته : إنّ الحسين ليس یری لنا عليه طاعة ولا بيعة .

فلمّا ورد الكتاب على يزيد غضب لذلك غضباً شديداً، وكان إذا غضب انقلبت عيناه، فعاد أحول. فكتب إلى الوليد رسالة يقول له فيها: «من عبد اللّه يزيد أمير المؤمنين، إلى الوليد بن عتبة، أمّا بعد، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانية على أهل المدينة ، توكيداً منك عليهم، وذر عبد اللّه بن الزبير فإنّه لن يفوتنا، ولن ينجو منّا أبدا ما دمنا أحياء، وليكن مع جواب کتابي هذا رأس الحسين بن عليّ، فإن فعلت ذلك جعلت لك أعنّة الخيل، ولك عندي الحظ الأوفر، والجائزة العظمى، والسّلام»(1).

فقال عبد الرحمن : ولماذا لم ينفذ الوليد أمر يزيد هذا، مع شدّة صرامته وصراحته؟

قال عبد اللّه بن مسلم : إنّ الوليد بن عتبة لم يكن يرى نفسه أقلّ من يزيد مقاماً وشأناً في بني أميّة، كما أنّ الرجل لم يكن يرى أيّ داع لقتل الحسین ما دام أنّه رفض البيعة فقط، ولم يقم بعد بأي عمل آخر، ويبدو أنّ بقايا ضميره منعته من تنفيذ ذلك. فقد علّق على رسالة يزيد قائلاً : «واللّه لا يراني اللّه، وأنا قاتل الحسين ابن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، ولو جعل لي يزيد الدّنيا وما فيها»(2).

ص: 113


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 168؛ والتفوح، لابن اعثم، ج 5، ص 26.
2- (2) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 186.

قال عبد الرحمن الصالح: كيف تقول إنّ السلطة انشغلت بعبد اللّه بن الزبير عن الحسين، ما دام أنّ الرجل قد فلت من أيديهم وذهب إلى مكّة؟

قال عبد اللّه بن مسلم : كان لعبد اللّه بن الزبير الكثير ممّن هواهم معه من أهل المدينة، فانشغل الوليد بتعقّبهم وسجنهم، وكان فيمن حبسهم يومئذٍ ابن عمّ لعمر بن الخطّاب يقال له عبد اللّه بن مطيع العدوي، وحبس أيضا مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وغيرهما كثير، حتّى أنّ رجالا من بني عدي ذهبوا إلى عبد اللّه بن عمر، و وسّطوه لخلاص صاحبهم.

ويقال إنّ بعضهم هدّد بالقتال من أجل خلاص عبد اللّه بن مطيع، وقالوا لعبد اللّه بن عمر: إنّ صاحبنا عبد اللّه بن مطيع قد حبس مظلوماً لا ذنب له، واللّه لتخرجنّه أو لنموتنّ من دونه.

فقال لهم عبد اللّه بن عمر: لا تعجّلوا بالفتنة ولا تسارعوا إليها . ثمّ أرسل إلى مروان بن الحكم، فدعاه إليه، وطالبه بالكفّ عن عبد اللّه بن مطيع وإخلاء سبيله. وكان فيما قاله لمروان: «إنّا لا نعلم أنّ لكم على صاحبنا سبيل، ولا حقّ تحبسونه به، فإن زعمتم أنّكم إنّما حبستموه بالحقّ فافعلوا ذلك، وإن کنتم إنّما حبستموه على الظن، فإنّا لا ندع صاحبنا يحبس مظلوماً».

فقال مروان: إنّما نحن حبسناه بأمر أمير المؤمنین یزید، وعليكم أن تكتبوا في ذلك إليه، و نحن نكتب أيضاً، فإنّه لا يكون إلّا ما تحبّون.

ولم يصبر بنو عدي حتّى يكتبوا إلى يزيد ويأتي الجواب ،

ص: 114

وإنّما اقتحموا السجن وأخرجوا صاحبهم، وأخرجوا كلّ من كان معه(1)

فمثل هذه المواجهات الصغيرة، والتوتّرات شغلت السلطة عن تعقّب الحسين علیه السلام .

قال عبد الرحمن : أخبرني يا عبد اللّه ما الذي فعل الحسين بعد تلك اللّيلة؟

قال عبد اللّه : إنّ الحسين أصبح من غده، فخرج من بيته، فإذا هو بمروان بن الحكم يعترضه في طريقه، فقال مروان : أبا عبد اللّه ؛ إنّي لك ناصح، فأطعني ترشد وتسدّد.

فقال الحسين : ما ذلك، قل حتّى أسمع؟

فقال مروان : أقول إنّي أرشدك ببيعة يزيد، فإنّها خير لك في دينك وفي دنياك .

فاسترجع الحسين قائلاً : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون.. وعلى الإسلام السّلام إذا بليت الأمّة براع مثل يزيد».

ثمّ قال: «يا مروان؛ أترشدني لبيعة يزيد وهو رجل فاسق؟ لقد قلت شططاً من القول وزللاً، ولا ألومك، فإنّ من لعنه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم لا ينكر من أن يدعو لبيعة يزيد»..

وأضاف: «إليك عنّي يا مروان، فإنّا أهل بیت رسول الله ، والحقّ فينا، وينطق على ألستنا، وقد سمعت جدي رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول : الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان، الطلقاء وأبناء

ص: 115


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 21 و 23.

الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه . ولقد رآه أهل المدينة على منبر رسول اللّه ، فلم يفعلوا به ما أمروا به، فابتلاهم اللّه بابنه يزيد».

فغضب مروان من كلام الحسين وقال : لتبايعينّ يزيد بن معاوية صاغراً.

فقال الحسين : إليك عنّي، فإنّا من أهل بيت الطهارة، قد أنزل اللّه فينا: (إنّما یرید اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و یطهّرکم تطهيرا )(1).

فنکّس مروان رأسه ولم ينطق .

فقال الحسين وهو يبتعد عنه : «أبشر يا مروان بكلّ ما تكره من رسول اللّه يوم تقدم على ربّك، فيسألك جدّي عن حقّي وحقّ يزيد».

فمضى الرجل مغضباً إلى الوليد وأخبره بما قاله الحسین(2).

قال عبد الرحمن الصالح: في نظرك يا عبد اللّه ، هل تعرف كيف يرى الحسين نهاية أمره معهم؟

فقال عبد اللّه : لا أشكّ أنّه يعرف أنّه مقتول، وأنّه قربان اللّه في هذه الأرض، وأنّه المعني بقوله تعالى في قصّة إسماعيل : (وفدينه بذبح عظیم) (3). فحاشی للّه أن يسمّي كبشاً بصفة العظيم،

ص: 116


1- (1) سورة الأحزاب، آية 33.
2- (2) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج1، ص 185.
3- (3) سورة الصافات، آية 107.

فإذا كان إبراهيم الخليل، رأى في منامه بأنّه يذبح ولده إسماعيل، ولكن امتنع عليه السکّین فلم يذبح، فإن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وهو سیّد الأنبياء وخاتم الرّسل هو الذي سيقدّم القربان.

قال عبد الرحمن : وهل أنّ الحسين يصرّح لأحد بمثل ذلك؟

قال عبد اللّه : إنّ أهل البيت جميعاً يعرفون ما أقول، أمّا الحسين نفسه فنعم، إنّه يتحدّث عن شهادته، بل أحياناً يبيّن أين يكون مصرعه.

قال عبد الرحمن : لمن تحدّث؟

قال عبد اللّه : لقد تحدّث أخوه من أبيه عمر بن عليّ بن أبي طالب، فقال : إنّ الحسين لمّا امتنع عن البيعة ليزيد بالمدينة دخلت عليه، فوجدته خالياً؛ أي وحده، فقلت له : جعلت فداك يا أبا عبد اللّه ، حدّثني أخوك أبو محمّد الحسن عن أبيه .. ثمّ سبقتني الدّمعة وعلا شهيقي.

فضمّني إليه وقال : أعرف، حدّثك أنّي مقتول .

فقلت : حوشیت یابن رسول اللّه .

فقال : سألتك بحقّ أبيك أبقتلي خبّرك؟

فقلت: نعم، وطلبت منه أن يبايع .

فقال الحسين : حدّثني أبي أنّ رسول اللّه أخبره بقتله وقتلي، وأنّ تربته - أي تربة الإمام عليّ - تكون بقرب تربتي، أتظن أنّك علمت ما لم أعلمه؟

ثمّ قال: وإنّي لا أعطي الدنيّة من نفسي أبداً، ولتلقينّ

ص: 117

فاطمة علیهاالسلام أباها شاكية ممّا لقيت ذرّيتها من أمّته، ولا يدخل الجنّة من آذاها في ذريّتها(1).

هنا تأوّه عبد الرحمن الصالح، وقال : آسی لما آل إليه أمر هذه الأمّة، فمثل الحسين بن عليّ ابن فاطمة سبط رسول اللّه یضيّق عليه ويطالب بالبيعة لمثل يزيد، ولكن ما دامت القضيّة محسومة سلفاً بالنسبة إلى الحسين، فهل هذا يعني أنّه سوف يخوض مواجهة لا هوادة فيها معشرطة بني أميّة في المدينة، أو في أيّ مكان حتّى يتمّ قتله؟

قال عبد اللّه بن مسلم: لا، ليس الأمر كما تظن، فالحسين لن يعين أحداً على نفسه، فهو قربان اللّه الذي سيقتل، ولكن بالطريقة التي يختارها اللّه له، وليس كما يريد بنو أميّة، خاصّة و أنّ المقصود ليس هو أن يعلّق رأس الحسين على الرمح لكي يفتدي ذنوب العباد، كما يعتقد النصارى في المسيح. فما يريده الحسين هو إخراج العباد من حيرة الضلالة، وإنقاذ الدّين من الذين يريدون تحويله من دين اللّه إلى دين الحاکمین، ومن شريعة سيّد المرسلين إلى شريعة الطغاة الفاسدين. وأعتقد أنّ قتل الحسين سيكون هو الزلزال العظيم الذي یهزّ، ليس فقط هذه الأمّة، وإنّما تاريخ البشرية جميعاً.

فالحسين سيكون بما يقدم عليه حجّة اللّه العظمى على الناس جميعا في كلّ زمان ومكان، فيومه سيكون يوماً مشهوداً، وهذا ما قاله أخو الحسن له: «لا يوم كيومك يا أبا عبد الله»(2).

ص: 118


1- (1) اللهوف، لابن طاوس، ص 26 و 27؛ ومقتل الحسين، للمقرم، ص 148.
2- (2) الأمالي، للصدوق، ص 177.

وهذا أمر طبيعي، فاللّه عزّ وجلّ يقف مع عباده الذين يقفون معه، ولما كان الحسين مع اللّه، كان اللّه معه.

وإذا كان ربّنا قد تحدّث عن أصحاب الأخدود، والشّهداء الذين قتلوا حرقا لأنّهم رفضوا الكفر باللّه، وهم مؤمنون مثل بقيّة المؤمنين، فكيف بالنسبة إلى سيّد شباب أهل الجنّة، و سبط رسول اللّه، و ابن عليّ و فاطمة، و أخ الحسن؟

قال عبد الرحمن الصالح: أتقصد أنّ ما أنزله اللّه في سورة البروج، حيث يقول: (والسماء ذات البروج * و اليوم الموعود * و شاهد و مشهود * قتل أصحب الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلّا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد * الذي له ملك السموت والأرض واللّه على کل شیء شهيد)(1). هذا أيضاً ينطبق على الحسين وعلى أعدائه؟

قال عبد اللّه : هو كذلك، فالقوم سيقتلون حسيناً، ولكن اللّه حينئذ سوف يفي بوعده الذي ذكره في هذه السورة، حيث قال : (إنّ بطش ربك لشدید) (2). ففراعنة هذه الأمّة سيجدون ما وجده أسلافهم من قبل. فاللّه هو اللّه، وليست له قرابة مع أحد، وسنّته لا تبديل فيها ولا تحویل، من يعمل سوءاً يجز به ومن يرتكب جريمة يؤخذ بها (إنّ ربّك لبالمرصاد) (3).

ص: 119


1- (1) سورة البروج، الآيات 1. 9.
2- (2) سورة البروج، آية 12.
3- (3) سورة الفجر، آية 14.

قرار الهجرة من المدينة

قرر الحسين عليه السلام أن يخرج من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة، ولكنّه قبل ذلك استخار اللّه في أمره، فأتی مسجد رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم، فصلّى ركعتي صلاة.

فلمّا فرغ منهما رفع يديه بالدّعاء قائلاً : «اللّهمّ إنّ هذا قبر نبيّك محمّد صلی الله علیه و آله و سلم ، وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللّهمّ وإنّي أحبّ المعروف، وأكره المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ هذا القبر ومن فيه، إلّا ما اخترت لي من أمري هذا ما هو لك رضى، و لرسولك رضی».

ثمّ جعل يدعو ويبكي، حتّى إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى، فإذا به يرى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه و شماله و بين يديه، فجاء حتّى ضمّ الحسين إلى صدره وقبّل بين عينيه وقال له: «یا بنيّ، كأنّي أراك عن قريب مرمّلا بدمائك، مذبوحاً بأرض کرب وبلاء، بين عصابة من أمّتي، و أنت في ذلك عطشان لا تسقى، وظمآن لا تروی، وهم في ذلك يبغون شفاعتي، ما لهم، لا أنالهم اللّه شفاعتي يوم القيامة».

ثمّ قال : «حبيبي يا حسين، إنّ أباك وأمّك وأخاك قد قدموا عليّ، وهم إليك مشتاقون» .

ص: 120

فقال الحسين : يا جدّاه ، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدّنيا ، فخذني إليك واجعلني معك في منزلك .

فقال له النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم : «إنّ لك في الجنّة درجات لا تنالها إلّا بالشهادة، وما كتب اللّه لك من الثواب العظيم، فإنّك وأباك وأخاك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنّة»(1).

فانتبه الحسين عليه السلام من نومه، و رجع إلى منزله وجمع أهل بيته، فقصّ عليهم رؤياه، فلم يكن في ذلك اليوم، في مشرق و لا مغرب، قوم أشدّ غمّاً من أهل بیت رسول اللّه، ولا أكثر باک ولا باكية منهم(2) .

وبهذه الرؤيا، اكتملت الصورة. فكما أنّ إبراهيم الخليل رأي في المنام أنّه يذبح ولده إسماعيل، واعتبر ذلك أمراً ربانياً له بالذبح، فإنّ الحسين رأى رسول الله في عالم الغيب، وقد تلقّى منه الأمر بما يجب عليه أن يفعل، كما تلقى البشارة بأنّه ذبيح اللّه في هذه الأرض، ولم يكن إخباره لأهل بيته إلّا ليهيأهم لما هو مقدم عليه، وما سيحدث بالنسبة إليه، وإليهم.

*

كان عبد الرحمن يريد معرفة تفاصيل ما يجري للحسين، ولأنّ عبد اللّه بن مسلم كان من الموالين لأهل البيت، المدافعين عنهم، فإنّ عبد الرحمن كان يسأله عن أخبار الحسين وأهل البيت، كما أنّ

ص: 121


1- (1) الفتوح، لابن الأعثم، ج 5، ص 25 - 29؛ والأمالي، للصدوق، ص 152؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 187.
2- (2) بحار الأنوار، للمجلسي، ج 44، ص 327.

عبد اللّه بن مسلم كان يسأل عبد الرحمن عن أخبار الجبهة الأخرى وهي جماعة يزيد بن معاوية باعتباره مقيماً في المدينة، وله ارتباط برجال الدولة.

فقال عبد الرحمن : ما الذي جرى خلال الفترة الماضية؟

قال عبد اللّه بن مسلم : إنّ أخبار ليلة القطيعة بين الحسين وبين السلطة الأموية انتشرت بسرعة في أوساط الناس، ذلك أنّ موت معاوية كان متوقعاً خلال الفترة الماضية نظراً لكبر سنّه، كما أنّ خلافة يزيد من بعده كانت محسومة سلفاً، وكما ذكرت لك فإنّ الدولة کلّها كانت مشغولة خلال السنوات السبع قبل رحيل معاوية بتثبيت سلطة يزيد. ومن هنا فإنّ الأنظار كانت تتجه نحو موقف أهل البيت، خاصة مع رفض الحسين البيعة، وكلامه الصريح بأنّ يزيد لا يصلح بأية حال للخلافة، وأصبح الأمر في نظر الناس للحسين، ليس فقط لأنّ ذلك كان بندة من بنود الصلح بين معاوية والإمام الحسن، بل لاختلاف شخصيّته عن شخصيّة خصمه، وحرص الحسين على الحفاظ على هذا الدّين، والدفاع عن حقوق الناس.

من جانبها فإنّ السلطة الأمويّة كانت تريد إجبار الحسين على البيعة، أو القضاء عليه إذا امتنع، وبما أنّ الحسين كان يعرف هذا القرار المتخذ من قبلهم فإنّه كان حريصاً على أن لا يتمّ قتله بشكل يضيع به دمه، فهو يعرف قيمة هذا الدم، كما أنّ هدفه لم یکن التنافس على سلطان، بل الحفاظ على الدّين .

وهكذا فإنّ الحسين ويزيد اختلفا، ولكن ليس على أمر واحد؛ فمورد النزاع لم يكن واحداً، بل كان على هدفين مختلفين . فالحسين يريد الآخرة ويزيد يريد الدّنيا، والحسين يريد الحفاظ على الدّين،

ص: 122

ويزيد يريد الحفاظ على السلطة. وهذا ظاهر من طريقة الرجلين في اتخاذ المواقف، ومن كلامهما أيضا.

قال عبد الرحمن : ما دام الاختلاف كان على أمرين مختلفين ، فلماذا يقع الصدام بينهما؟

فقال عبد اللّه : إنّ السلطة التي تتحدّث باسم الدين، وتستمد شرعيتها من خلافة رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم يمكن أن تصبح نموذجا يقتدى به الناس ويتبعونه باعتباره دین اللّه، وليس باعتباره سلطة زمنية، وهذا ما حدث بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم . فالنبيّ كان يشرّع بناءً على ما كان يوحى إليه، وليس باعتباره نجح في تأسيس سلطة وإقامة دولة. أمّا بعد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم فكلّ من أصبح خليفة، صار مقدّساً في نظر كثيرين، وأصبح ما يفعله شرعاً وديناً، وأخذ الناس يتبعونه باعتباره وسيلة للتقّرب إلى اللّه .

قال عبد الرحمن : هل لك أن تضرب مثالا على ذلك؟

قال عبد اللّه : خذ صلاة التراويح التي شرّعها الخليفة الثاني، والتي قال عنها: نعمت البدعة هذه(1). كيف أصبحت شريعة مقدّسة، مع أنّها ليست سنّة نبويّة، والبدعة محرّمة في الدين بنص کلام النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم ، وبنصوص الآيات القرآنية الكريمة، وحينما أراد الإمام علي عليه السلام أن يحذف هذه البدعة، خرجت مظاهرة تقول: وآسنّة عمراه .

وهناك أمور كثيرة اختلفت فيها طريقة رسول اللّه، مع طريقة

ص: 123


1- (1) النهاية، ج1، ص 106.

الخلفاء، لكن طريقة الخلفاء هي التي غلبت على طريقة النبيّ، واعتبره بعض المسلمين دیناً یدان به.

من هنا تجد أنّ كثيرا من القضاة أخذوا يستشهدون بما فعله الحاكمون من الخلفاء؛ أي بصفتهم حاکمين على الأمّة، كأنّ للحكّام الحق في تشريع الأحكام وابتداع واجبات دينية، وتحليل الحرام وتحريم الحلال، وكأنّ كل من جلس على كرسي الحكم فهو وليّ اللّه ، بحيث إنّ غير هؤلاء لو كان هو الذي يحكم لكانت القدسيّة قد انتقلت إليه . وهذا أمر لم ينزل الله به من سلطان.

فإذا كانت تصرّفات الحاكم هي التي تحدّد الشريعة، وليست القيم والمبادىء والمثل والأحكام التي جاء بها الأنبياء، فلابدّ من قراءة الفاتحة على الدّين كله.

ثمّ إنّ يزيد ليس ملتزماً بالدّين لا واقعاً ولا ظاهراً، ويقوم بأعمال مخالفة لصريح الدّين، والخطورة هنا أن تصبح تصرّفاته شريعة مقدّسة، فيضل الناس في هذه الحياة باتباعهم له، واعتقادهم بأنّه يمثّل الدّين .

وهكذا فإنّ هدف الحسين علیه السلام الأساسي هو أن يفصل بين الأمرين، حتى يعرف الناس أنّ الحاكم، مع قطع النظر عن ادعاءاته، ليس فقط لا يمثّل الدّين إذا خالف المبادىء والقيم والمثل التي جاء بها الدّين، وإنّما قد يمثّل الكفر، ويكون الرشد في خلافه .

أليس أوّل ما يصدع به الدّين هو أنّ على الناس أن يتبعوا أولياء اللّه ، وليس الحكّام؟

ص: 124

فلا قيمة عند ربّ العالمين لموقع السلطة باعتباره سلطة، وإلّا كان لابدّ من تقديس فرعون، وهامان، ومن هم على شاكلتهم.

قال عبد الرحمن : تريد أن تقول إنّ علينا أن لا ننظر إلى الحاكم باعتباره شخصاً مقدّساً، بل أن نحاكمه إذا خالف مبادیء العدل والحقّ والإيمان، ومن ثمّ فليست سيرته شريعة مقدّسة حتى يكون على الناس اتباعها؟

قال عبد اللّه : تماماً ؛ وأريد إضافة شيء آخر، وهو أنّ سلوك الرجلين يدلّ على أنّهما سبيلان مختلفان، هدفاً، وطريقةً، وأخلاقاً . إن الحسين علیه السلام يمثّل كلّ الفضائل، بينما يزيد یمثّل كل الرذائل ، وأوّلها الخيانة .

قال عبد الرحمن: خيانة من؟

قال عبد اللّه بن مسلم: خيانة الأمّة، وهي أعظم وأخطر أنواع الخيانات.

قال عبد الرحمن : ماذا عن الوفاء عند الحسين؟ ما هي مظاهره؟

قال عبد الله : الحسين أساساً وليٌّ من أولياء اللّه ، فمواقفه و أعماله عین القيم والمثل، فإذا كنت تريد أن ترى الوفاء يمشي على قدمين فانظر إلى الحسين، وإذا كنت تريد أن تنظر إلى الشجاعة ، والإيمان، والصدق، والصفاء، والإخلاص، والعدل، والإحسان، والعبادة، والخضوع والخشوع للّه ، والتواضع للناس فانظر إلى الحسین .

*

ص: 125

قال عبد الرحمن : أخبرني، ما هي تفاصيل خروج الحسين من المدينة؟

قال عبد اللّه : حينما عزم الحسين على الخروج من المدينة إلى مكّة مضى في جوف اللّيل، إلى قبر أمّه، فصلّی عند قبرها وودّعها . ثمّ قام من قبرها وصار إلى قبر أخيه الحسن، ففعل مثل ذلك، ثمّ رجع إلى منزله وقت الصبح(1).

قال عبد الرحمن : لماذا قرّر الحسين عليه السلام الهجرة إلى مكّة وليس إلى أيّ مكان آخر؟

قال عبد اللّه : الأسباب كثيرة، منها أنّ مكّة هي مدينة الحسين، ففيها ولد كلّ من جده، وأبيه، وأمّه، وفيها بيت اللّه الحرام، الذي من دخله كان آمناً، بالإضافة إلى أنّ مكّة ملتقى القوافل ومجمع الرجال، كما أنّ أقرب الناس إلى الإمام أوصاه بأن يذهب إلى مكّة.

قال عبد الرحمن الصالح : ومن تقصد؟

قال عبد اللّه : محمّد ابن الحنفيّة . فقد جاء إلى الحسين وقال :

«يا أخي، أنت أحبّ الناس إلىّ وأعزّهم عليّ، ولست أدّخر نصيحة لأحد من الخلق أحقّ بها منك، تنحّ بتبعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأنصار ما استطعت، ثمّ ابعث رسلك إلى الناس، فادعوهم إلى نفسك، فإن بايعوا لك حمدت اللّه على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص اللّه بذلك دينك ولا عقلك، ولا

ص: 126


1- (1) العوالم، للبحراني، ج 17، ص 178؛ والنفس المهموم، للقمي، ص73؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 187.

يذهب به مروئتك ولا فضلك. إنّي أخاف أن تدخل مصراً من هذه الأمصار وتأتي جماعة من الناس فيختلفون بينهم، فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون، فتكون أنت الأوّل الأسنّة، فإذا خير هذه الأمّة كلّها ، نفساً وأباً وأمّاً، أضيعها دماً، وأذلّها أهلاً(1).

فقال له الحسين : إلى أين أذهب يا أخي؟

قال محمّد ابن الحنفيّة : «أخرج إلى مكّة، فإن اطمأنت بك الدار فذاك الذي تحبّ، وإن تكن الأخرى خرجت إلى ما تريد، مثل بلاد اليمن، فإنّهم أنصار جدّك وأخيك وأبيك، وهم أوسع الناس بلاداً وأرجحهم عقلاً، وإلّا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وصرت من بلد إلى بلد لتنظر ما يؤول إليه أمر الناس، ويحكم اللّه بينك وبين القوم الفاسقين».

فقال له الحسین علیه السلام : «يا أخي، واللّه لو لم يكن في الدّنيا ملجأ ولا مأوى لما بایعت یزید بن معاوية أبدا، وقد قال النبي صلی الله علیه و آله و سلم: «اللّهمّ لا تبارك في يزيد». فجزاك اللّه عنّي خيراً، ولقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا أرجو أن يكون رأيك موفّقا مسدّداً، وإنّي قد عزمت على الخروج إلى مكّة، وقد تهيّأت لذلك أنا وإخوتي وبنو إخوتي».

. ثم دعا الحسين عليه السلام بدواة وبياض وكتب فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن عليّ بن أبي طالب أخاه محمّد المعروف بابن الحنفيّة، ولد عليّ بن أبي طالب، أنّ الحسين بن عليّ يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ

ص: 127


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 341.

محمّداً عبده و رسوله، جاء بالحقّ من عنده، وأنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّه يبعث من في القبور».

«ألا وإنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا ظالماً، ولا مفسداً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي محمّد، أريد أن آمر بالمعروف و أنهی عن المنكر، و أسير بسيرة جدّي محمد وسيرة أبي عليّ بن أبي طالب. فمن قبلني بقبول الحقّ فاللّه أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي اللّه بيني وبين القوم بالحقّ، وهو خير الحاکمین .

«هذه هي وصيّتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلا باللّه ، عليه توكّلت وإليه أنيب، والسّلام عليك وعلى من اتبع الهدى، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم» .

ثمّ طوى الكتاب وختمه بخاتمه ودفعه إليه، ثم ودّعه(1).

*

قال عبد اللّه بن مسلم : إنّ الحسين - كما قلت - كان مثالاً للوفاء والمروءة والرجولة والشجاعة. فهو لا يخرج من مدينة رسول اللّه إلّا بعد أن يودع قراباته الأحياء والأموات معاً، كما أنّه لا يفعل ما فعله عبد اللّه بن الزبير، حيث سلك الطريق الملتوي من المدينة باتجاه مكّة.

فلقد شوهد الحسين يمشي بين رجلين ويدخل مسجد رسول اللّه وهو يتمثّل بقول الشاعر یزید بن مفزع الحميري:

ص: 128


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 29 و34؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 189.

الا ذعرت السوّام في فلق الصبح * مغيراً ولا دعيت يزيداً

يوم أعطى مخافة الموت ضيماً * والمنايا يرصدنني أن أحيدا(1)

فعرف كلّ من سمع هذا الكلام منه أنّه لن يعط الدنيّة من نفسه، لا تحت التهديد بالموت، ولا تحت ضغط الترغيب بالمال والجاه .

قال عبد الرحمن الصالح: أريد أن أسألك عن شيء سمعته ، وهو أنّ أمّ سلمة قد علمت بمقتل الحسين من رسول اللّه ، فهل هذا صحیح؟

قال عبد اللّه بن مسلم : هو كذلك، فقد قالت أمّ سلمة : «دخلت على النبيّ ذات يوم وعيناه تفيضان، فقلت له: يا نبيّ اللّه ، هل أغضبك أحد»؟

قال : لا.

قلت : ما شأن عينيك تفيضان؟

فقال النبي صلی الله علیه و آله و سلم : «لقد قام من عندي جبرائيل قبل أمد، فحدّثني أنّ الحسين يقتل بشطّ الفرات».

ثمّ قال صلی الله علیه و آله و سلم : «هل لک أن أشمک من تربته»؟

فقلت : نعم.

فمدّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم يده، فقبض قبضة من تراب، فأعطاها لي، فلم تملك عيناي أن فاضتا(2)

ص: 129


1- (1) شرح الأخبار، للقاضي النعمان، ج 3، ص 144
2- (2) مسندأحمد بن حنبل، ص 85.

وأضاف عبد اللّه قائلاً : لمّا عزم الحسين عليه السلام على الخروج من المدينة أتته أمّ سلمة، فقالت: «یا بنيّ؛ لا تحزنّي بخروجك إلى العراق، فإنّي سمعت جدّك يقول: يقتل ولدي الحسين بأرض العراق، في أرض يقال لها كربلاء».

فقال لها الحسين علیه السلام : «يا أمّاه؛ وأنا واللّه أعلم بذلك، وإنّي مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بدّ، وإنّي لأعرف اليوم الذي أقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أدفن فيها، وإني أعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا أمّاه أريتك حفرتي ومضجعي».

ثمّ أشار إلى جهة كربلاء، فانخفضت الأرض حتّى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره وموقفه ومشهده. فبكت أمّ سلمة بكاءً شديداً وسلّمت أمرها إلى اللّه. فقال لها الحسين علیه السلام :«يا أمّاه؛ قد شاء اللّه عزّ وجلّ أن يراني مقتولاً مذبوحاً، ظلماً وعدواناً ، وشاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً».

ثم أخذ تربة فجعلها في قارورة وأعطاها إيّاها وقال : اجعليها مع قارورة جدّي، فإذا فاضتا دماً فاعلمي أنّي قد قتلت» (1).

وهكذا فإنّ الحسين عليه السلام كان يعلم أنّه قربان أهل البيت العظيم في هذه الأرض، وذبيح الله الأعظم في السّماء، ولا محيص عن يوم

ص: 130


1- (1) بحار الأنوار، للمجلسي، ج 44، ص 331 و332؛ العوالم، للبحراني، ج 17، ص181؛ لواعج الأشجان، للأمين، ص 31.

خطّ بالقلم، وكان يعلم أنّ هجرته من المدينة إلى مكّة لا عودة فيها ، ومن هنا فقد أخبر نساء بني عبد المطّلب بخروجه إلى هناك، فاجتمعن عنده و أخذن بالنياحة عليه ، فقال لهنّ : أنشدكنّ اللّه أن لا تبدين في هذا الأمر معصية للّه ولرسوله.

فقالت نساء بني عبد المطّلب : «فلمن نستبقي النياحة والبكاء، فهذا اليوم عندنا كيوم مات فيه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وعليّ وفاطمة والحسن وزينب وأمّ كلثوم، فننشدك اللّه ، جعلنا اللّه فداك، من الموت یاحبيب الأبرار».

فأقبلت إليه أمّ هاني عمّة الحسين - وكانت كبيرة السن - فلمّا رآها قال: يا عمّة؛ ما الذي جاء بك، وأنت على هذه الحالة؟

فقالت: وكيف لا آتي، ولقد بلغني أنّ كفيل الأرامل ذاهب عنّي؟

ثمّ إنّها انتحبت باكية وتمثّلت بأبيات أبيها أبي طالب في حقّ النبي صلی الله علیه و آله و سلم:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامی عصمة للأرامل

تطوف به الأفلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة و فواضل

ثمّ قالت : سيّدي ؛ لقد سمعت البارحة هاتفا يقول:

وإنّ قتيل الظّفّ من آل هاشم * أذلّ رقاباً من قريش فذّلت

حبيب رسول الله لم يك فاحشاً * أبانت رزاياه الأنوف وجلّت

فقال لها الحسين: «یا عمّة؛ لا تقولي من قريش، ولكن قولي : أذلّ رقاب المسلمين فذّلت».

«يا عمّة ؛ كل الذي مقدّر فهو كائن لا محالة» .

ص: 131

وأضاف :

وما هم بقوم يغلبون ابن غالب * ولكن بعلم الغيب قد قدّر الأمر

فخرجت أمّ هاني من عنده باكية وهي تقول :

وما أمّ هاني وحدها ساء حالها * خروج حسين عن مدينة جدّه

ولكنّما القبر الشريف ومن به * ومنبره يبكون من أجل فقده(1)

*

خرج الحسين من المدينة في ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب، سنة ستّين للهجرة النبوية الشريفة .

وهكذا فإنّه بعد نصف قرن من وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم و كان أهل بيته لا يزالون يعيشون ظروفاً صعبة، وهم الذين أسّسوا الدولة ، وأقاموا النظام، وأخرجوا الناس من الظّلمات إلى النّور، وعلى أيديهم اهتدى الناس إلى دين اللّه، إلّا أنّ الأحداث غيّرت الموازين، فأبعدت أهل البيت من سدّة الحكم، واستطاع أحفاد أولئك الذين قاوموا رسول اللّه، ونصبوا له العداء، وحاولواالقضاء عليه وعلى دینه مراراً وتكراراً، أصبحوا حاکمين على بلاد المسلمين، وأصبح سبط رسول اللّه مهدّداً في مدينة جدّه !

*

كان مع الحسين في هجرته من المدينة أختاه أم كلثوم وزينب، وولد أخيه، وإخوته : أبو بكر، وجعفر، والعبّاس، وعامّة من كان

ص: 132


1- (1) مقتل الحسین، للمقرم، ص 153؛ ومعالي السبطين، للمازندراني، ج 1، ص 215؛ وكامل الزيارات، لابن قولویه، ص 97.

في المدينة من أهل البيت، إلّا محمّد ابن الحنفيّة الذي بقي في مکّة(1).

وكان في الطريق يتلو قوله تعالى : (فخرج منها خائفا يترقّب قال ربّ

نجّنى من القوم الظّلمين) (2).

لقد صار التاريخ يعيد نفسه، فوارث الأنبياء في المدينة، أصبح مثل موسی بن عمران علیه السلام الذي اضطرّ للخروج من مصر خوفاً من الفراعنة، وهو أيضا يخرج حتى لا يضطرّ لبيعة فرعون زمانه، وكما أنّ موسی علیه السلام خرج منها خائفاً يترقّب، كذلك الحسين، وكما دعا موسى ربّه أن ينجّيه من القوم الظالمين، فقد دعا الحسين بذلك.

وهذه واحدة من التماثل بين الحسين وبين الأنبياء.

من جانبه فإنّ الوليد بن عتبة حاول بعد ذلك جلب الحسين لإجباره على البيعة، فلمّا لم يجده في منزله، قال: الحمد لله الذي خرج، ولم يبتلني بدمه(3).

ولزم الحسين الطريق الطبيعي الذي كان يسلكه الناس عادة بين المدينة ومكة، فقال له بعض أهله : لو تنکّبت الطريق الأعظم كما فعل ابن الزبير، لكي لا يلحقك الطلب؟

فقال: لا واللّه، لا أفارقه حتّى يقضي اللّه ما هو أحبّ إليه.

ص: 133


1- (1) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 230؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 341.
2- (2) سورة القصص، آية 21.
3- (3) البحار، للمجلسي، ج 44، ص 328. (4) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 351؛ والإرشاد، للمفید، ج 2، ص 33.

وكان في الطريق يقرأ القرآن ويتلوه، وأحياناً يتحدّث مع بنيه حول ماعليهم أن يفعلوه ويعظهم، ويذكر لهم أحاديث رسول اللّه ، وكان أحياناً يقرأ هذه الأبيات من الشعر :

إذا المرؤ لا يحمي بنيه وعرضه * وعترته كان اللئيم المسيّبا

ومن دون ما يبغي يزيد بنا غداً * نخوض حياض الموت شرقاً ومغربا

ونضرب ضرباً كالحريق مقدماً * إذا ما رآه ضیغم فرّ مهربا(1)

*

مرّة أخرى التقى الصديقان عبد الرحمن الصالح، وعبد اللّه بن مسلم وفي لقائهما هذا سأل عبد الرحمن صاحبه : هل حدث شيء غير طبيعي في طريق الحسين من المدينة إلى مكّة؟

قال عبد اللّه : إنّك تعرف أنّ الحسين وليّ من أولياء اللّه، وهو يحمل راية التوحيد التي حملها الأنبياء، وأقل ما يقال في موقفه هو ما قاله النبي صلی الله علیه و آله و سلم في أبيه في معركة الأحزاب: أنّه «برز الإيمان له إلى الشّرك کلّه»(2).

ولا شكّ أنّ لأولياء اللّه مع ربّهم شأنا غير شأن بقيّة الناس، فهم لا يعملون عملاً إلّا في سبيل اللّه . فمن أجل ربهم يأكلون ويشربون، ويتحرّكون، ويتحدّثون، ولذلك فإنّ ربّ العالمين يهديهم سواء السبيل، وهو القائل؛( وجعلنهم أئمّة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرت وإقام الصّلوة وإيتاء الزکوة و كانوا لنا عبدین(3)،

ص: 134


1- (1) مقتل أبي مخنف المشهور، ص 15 و16.
2- (2) بحار الأنوار، للمجلسي، ج 20، ص 215.
3- (3) سورة الأنبياء، آية 73.

والقائل : (ومن يتّق اللّه يجعل لّه مخرجاً)(1). وكما أنّ ربّ العالمين أمرالملائكة بأن يعرضوا على إبراهيم الخليل علیه السلام خدماتهم، عندما ألقوه في داخل النار، فرفض، فقال جبرئیل: فاسأل اللّه . فقال : حسبي من سؤالي، علمه بحالي (2).

وليس بعزيز على اللّه أن يأمر الملائكة والجنّ أن يعرضوا على الحسين علیه السلام خدماتهم ودفاعهم عنه، مع فارق واحد وهو أنّ إبراهيم عليه السلام لم يكن قد تقرّر له في علم اللّه أن يحرق ويموت، أمّا الحسين فهو قربان اللّه في هذه الحياة، وهو مقتول لا محالة.

فقال عبد الرحمن : لم أفهم، فهل حدث أن عرضت الملائكة شيئاً على الحسين علیه السلام؟

قال عبد اللّه بن مسلم : لمّا سار الحسين علیه السلام من المدينة نحو مكّة، لقيته أفواج من الملائكة المسوّمين، في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنّة، فسلّموا عليه وقالوا: «یا حجّة اللّه على خلقه، إنّ اللّه عزّ وجلّ أمدّ جدّك رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم و بنا في مواطن كثيرة، وإنّ اللّه أمدّك بنا».

فقال لهم الحسين : «الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء، فإذا وردتها فأتوني».

فقالوا: «یا حجّة اللّه، إنّ اللّه أمرنا أن نسمع لك ونطيع، فهل تخشى من عدوّ يلقاك فنكون معك»؟

ص: 135


1- (1) سورة الطلاق، آية 2.
2- (2) بحار الأنوار، للمجلسي، ج 68، ص 156.

فقال: «لا سبيل لهم عليّ، ولا يلقوني بكريهة، أو أصل إلى بقعتي».

وأتاه أفواج من مؤمني الجنّ، فقالوا: «یا مولانا، نحن أنصارك، فمرنا بما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كلّ عدوّ لك، وأنت بمكانك لكفيناك ذلك».

فقال لهم الحسين علیه السلام : «جزاكم اللّه خيراً، أما قرأتم كتاب الله المنزل على رسول اللّه في قوله : (لوكنتم في بيوتكم لبرز الّذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) ؟ فإذا قمت في مكان فبم يمتحن هذا الخلق وبماذا يختبرون؟ ومن ذا سيكون ساکن حفرتي، وقد اختاره اللّه تعالى يوم دحى الأرض، وجعلها معقلا لمحبّينا، تقبل أعمالهم وصلواتهم، ويجاب دعاؤهم، فتكون لهم أماناً في الدّنيا وفي الآخرة».

. فقالوا: «لولا أنّ أمرك طاعة، ولا يجوز لنا مخالفتك لخالفناك، وقتلنا أعدائك، قبل أن يصلوا إليك».

فقال لهم الحسين: «نحن واللّه أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيّ عن بيّنة»(1).

لقد كان الحسين ماضياً في طريقه الذي حدّد له ربّه، ولم يكن يتحرّك من دون أن يعرف ماذا يعمل، وهو أمين اللّه في أرضه، وحجّته على عباده، كان ثقل الرسالة النبويّة على كاهله، وكان عليه أن يصحّح المسير والمسار. وكان يعرف أنّ مهمّته تستدعي التضحية بكلّ ما يملك، وأنّ يتقبل حير السيوف وضربات الرماح وغرزات

ص: 136


1- (1) اللهوف، لابن طاوس، ص 66 و 69؛ والبحار، للمجلسي، ج 44، ص 331.

السهام في سبيل اللّه عزّ وجلّ، معتبراً الشهادة من أجل الحفاظ على دین اللّه من مواطن الشكر لا من مواطن الصبر، كما كان شأن أبيه أمير المؤمنين علیه السلام ، وهو يذكر ذلك قائلا : «قلت لرسول اللّه : يا رسول اللّه ؛ أوليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين، وحيزت عنّي الشهادة، فشقّ على ذلك، فقلت لي: أبشر فإنّ الشهادة من ورائك؟

فقال صلی الله علیه و آله و سلم لي: إنّ ذلك لكذلك، فكيف صبرك إذاً؟

فقلت : «يا رسول اللّه ؛ ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشري والشكر»(1).

كانت عين الحسين على الآخرة، وما أعدّه اللّه للمستشهدين في سبيله، أمّا الآخرون فكانت عيونهم على الدّنيا، وكلّ الذين نصحوه بأن لا يخرج ولا ينهض، وأن يذهب إلى جبل من الجبال، كانوا حريصين على حياته الدّنيويّة، بينما الحسين عليه السلام كان يريد دنياه الآخرته، وحياته لرسالته.

قال عبد الرحمن الصالح لصاحبه: هل التقى الحسين علیه السلام بأحد في الطريق، ونصحه بخلاف ما كان عازماً عليه؟

قال عبد الله : نعم، فالحسين مرّ على عبد اللّه بن مطيع القرشي، وهو عند بئرٍ له، فقال له عبد اللّه : أين تريد؟

قال الحسين : أمّا الآن فأريد مكّة، وأمّا بعدها فإنّي أستخير الله .

ص: 137


1- (1) نهج البلاغه، خطبة رقم 156.

فقال عبد اللّه بن مطيع : خار اللّه لك، يابن رسول اللّه ، غير أنّي أحبّ أن أشير عليك برأيي.

قال الحسين : وما هو؟

فقال: إذا أتيت مكّة فأردت الخروج منها إلى بلد من البلدان، فإيّاك والكوفة فإنّها بلدة مشؤومة، فقد قتل فيها أبوك، و خذل أخوك واغتيل بطعنة كادت أن تأتي على نفسه، بل الزم الحرم فإنّك سيّد العرب، لا يعدل بك واللّه أهل الحجاز أحداً، ويتداعى إليك الناس من كلّ جانب، فواللّه تفارق الحرم، فواللّه لئن قتلوك ليتخذنا هؤلاء القوم عبيداً(1).

قال عبد الرحمن الصالح: وهل كان خروج الحسين من المدينة ، وكذلك ابن الزبير من قبل ذلك صدمة للسلطات في الشام، لأنّهم كانا يتوقّعون من الوليد بن عتبة إجبارهما على البيعة؟ أم اعتبر ذلك أمرا طبيعيّاً؟

قال عبد اللّه : لا، لم يكن أمرا طبيعيّاً أبدا، فالأوامر صدرت من يزيد إلى الوليد بأخذ البيعة من أهل المدينة عامّة، ومن الحسین وابن الزبير خاصّة. وبما أنّهما قد خرجا فإنّ يزيد استاء من ذلك، وكان مروان بن الحكم قد أخبره بذلك في رسالة بعثها إليه، وبيّن فيها تسامح الوليد، واستضعافه في أمر الحسين، فعزله يزيد مع قرابته منه، لأنّ التكبّر من عادة الطغاة، فإذا لم تنفّذ أوامرهم فإنّهم يأخذون العاملين تحت أيديهم بأشدّ ما يكون، ولهذا فإنّ يزيد عزل

ص: 138


1- (1) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 230؛ والطبقات، لابن سعد، ج 5، ص 107؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 351.

الوليد من ولاية المدينة، ونصب مكانه عمرو بن سعید بن العاص الأشدق، وكان رجلا على مقاس يزيد، عظيم التكبّر(1).

وفي أوّل فعل قام به هذا الرجل أنّه صعد المنبر في مسجد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فلمّا استوى عليه أصيب بالرعاف، وكان في المجلس أعرابي يتوسّم من الحوادث، فقال: «مه، جاءنا واللّه بالدّم.

فقام رجل وتلقّى دم عمرو بن سعيد بعمامته .

فقال ذلك الأعرابي: «مه، عم الدّم الناس، واللّه .»

ثمّ قام فخطب، فناولوه عصى له شربتان .

فقال الأعرابي : تشعّب الناس واللّه - أي اختلفوا -.

وكان ممّا قاله عمرو بن سعيد في خطبته تلك : إنّ ابن الزبير تعوّذ بمكّة، (يعني عاذ ببيت الله وحرمه)، فواللّه لنغزونّه، ثمّ لأن دخل الكعبة لنحرقنّها عليه، رغم أنف من رغم (2).

***

ص: 139


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 265.
2- (2) تاريخ الإسلام، للذهبي، ج 2، ص 268.

ابن البیت، فی جوار البیت

بعد رحلة دامت خمسة أيّام بلياليها، وصل الحسين عليه السلام مع أهل بيته وعياله إلى مكّة المكرّمة، وكان ذلك ليلة الجمعة لثلاث ليال خلون من شعبان، في عام ستين للهجرة. فنزل في شعب عليّ، في دار العبّاس بن عبد المطّلب(1) .

فأخذ الناس، سواء من أهل مكّة أو من المعتمرين وأهل الآفاق، يختلفون إليه، ويجتمعون عنده حلقاً حلقاً، يستمعون إلى أحاديثه، ويسألونه ما أهمّهم من أمر دينهم ودنياهم.

أمّا عبد اللّه بن الزبير فلم يكن مرتاحا لوصول الحسين إلى مكة، بل ساءه ذلك، لأنّه علم أنّ الناس لا يحفلون به ما دام الحسين مقيماً بالبلد، غير أنّه لم يظهر استيائه، فكان يأتي إليه بين يوم وآخر، وكان الحسين أثقل الناس عليه، لأنّه كان يطمع في أن يبايعه الناس، وهو يعلم أنّ لا أحد يبايعه ما دام الحسين موجودا ، فالحسين أعظم في أنفسهم وأطوع عندهم(2).

ومع دخول الحسين مكّة انقلبت المعادلات على السلطة، فلا

ص: 140


1- (1) مختصر ابن منظور، ج7، ص139؛ والبداية والنهاية، ج8، ص 162.
2- (2) جمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 5، ص 315؛ والأخبار الطوال، للدينوري، ص 230؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 351.

هم قادرون على قتله هناك ، لالتفاف الناس حوله واختلافهم إليه ، والحضور إلى مجلسه، ولوجود البيت هناك، ولا أحد يستطيع أن يمنع الناس من المجيء إلى بيت اللّه والطواف حوله، خاصّة وأنّ ربّنا يقول : (سواء العکف فيه والباد)(1)، ويقول : (ومن أظلم ممّن مّنع مسجد اللّه أن يذكر فيها اسمهه)(2) . وهذا ما صرّح به الحسين عليه السلام حينما سأله والي يزيد على مكّة، قائلاً : ما أقدمك؟

فقال الحسين : عائذ باللّه ، وبهذا البيت (3).

بالإضافة إلى أنّ مكّة هي مدينة الحسين، وهو ابن البيت الذي بناه جدّه إبراهيم الخليل علیه السلام ، وطهّره رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم من الأصنام بيد أبيه عليّ بن أبي طالب علیه السلام في فتح مكّة، وكانت بيوت الهاشميين لا تزال هناك، فكان وصول الحسين عليه السلام إلى مكّة، ورفضه لبيعة يزيد قد أثار نخوة الإيمان في نفوس الناس في مختلف الأمصار.

وكان الحسين يقضي أيّامه في مكّة بين أمور ثلاث: إمّا استقبال الناس والتحدّث معهم وإلقاء المواعظ عليهم، وإمّا القيام بالطواف حول البيت والصّلاة في فناء المسجد، وإمّا زيارة قبور آبائه وأجداده ، خاصّة السيّدة خديجة جدّته ، حيث كان يقوم بزيارة قبرها ، ويصلي هناك ويبتهل إلى اللّه تعالى كثيراً(4) .

*

ص: 141


1- (1) سورة الحج، آية 25.
2- (2) سورة البقرة، آية 114.
3- (3) تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 135.
4- (4) مقتل الحسين، للمقرم، ص 158.

مع وصول الحسين إلى مكّة قرّر كلّ من عبد اللّه بن مسلم وعبد الرحمن الإقامة أيضا في مكّة من دون اتفاق مسبق بينهما على ذلك، فكانا يلتقيان بين فترة وأخرى ويتدارسان الأوضاع، وفي يوم من الأيام قال عبد الرحمن لصاحبه، وهما في فناء الكعبة : إلى أين سيؤول أمر الحسين مع يزيد بن معاوية؟

قال عبد الله بن مسلم : ما أعرفه الآن أنّ المؤمنين في كل مكان بدأوا يتجمّعون حول بعضهم البعض، ويتدارسون أمر الحسين، بالرغم من أنّهم لا زالوا في دوّامة حكم بني أميّة، إذ لم يمض إلّا وقت قصير على موت معاوية، ولا تزال سلطته قائمة، ولا يزال ولاته في كلّ مكان، والدولة مبنيّة بطريقة كسرويّة وقيصريّة، فهو نظام يقوم على الاستبداد، واستخدام العنف والقتل، والنفي والتشريد، وضرب كلّ من يخالف، بالرغم من ذلك فإنّ كثيرا من المؤمنین أثارتهم شجاعة الحسين، ورفضه البيعة، ووصوله إلى مكّة، وكان من أكثر البلدان التي تأثّرت بموقف الحسين عاصمة العراق، الكوفة، وهي المدينة التي حكمها عليّ بن أبي طالب، وكان الحسين ساكناً فيها مع أبيه، إلى أن قتل أبوه في محراب العبادة بيد عبد الرحمن بن ملجم المرادي.

فقال عبد الرحمن : على ذكر الكوفة، ما هي أخبارها؟

قال عبد اللّه : لقد اجتمع المؤمنون، ممّن لهم هوى في أهل البيت ، في دار سلیمان بن صرد الخزاعي، وهو من صحابة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وقد شارك معه في بعض الغزوات كالخندق، وقد امتلأت داره بكبار القوم، فقام سلیمان خطیباً فيهم، فحمد اللّه وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ وعلى أهل بيته، ثمّ ذكر أمير المؤمنین

ص: 142

عليّ بن أبي طالب، فترحّم عليه، وذكر مناقبه الشريفة، وكلّنا نعرف أنّ معاوية كان قد منع الحديث عن عليّ وذكر فضائله، وسنّ سبّه على المنابر، وسمّى عمله هذا «سنّة».. وكان فيما قال سليمان :

«إنّكم قد علمتم بأنّ معاوية قد سار إلى ربّه وقدم على عمله، وسيجزيه اللّه تبارك وتعالى بما قدّم، وقد قعد في موضعه ابنه يزيد، وهذا الحسين بن عليّ قد امتنع من بيعته وقد خرج إلى مكّة، وأنتم شیعته وشيعة أبيه، فإن کنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدوا عدوّه فاکتبوا إليه، وإن خفتم الوهن والفشل، فلا تغرّوا الرجل من نفسه .

فقال القوم: بل ننصره، ونقاتل عدوّه، ونقتل أنفسنا دونه .

فأخذ عليهم سليمان بذلك ميثاقاً وعهداً، ثمّ قال: «اكتبوا إليه الآن كتاباً من جماعتكم أنّكم له كما ذكرتم، وسلوه القدوم علیکم» .

فقالوا : أفلا تكفينا أنت الكتاب إليه؟

قال سليمان: لا، بل يكتب جماعتكم(1).

قال عبد الرحمن : وهل الناس أحرار في أن يجتمعوا فيما بينهم، ويتدارسوا في مثل هذا الأمر علنا وصراحة، ويتحدّثوا عن فضائل عليّ؟

قال عبد اللّه : الآن يمكنهم ذلك، لأنّ معاوية مات، ويزيد لم يسيطر تماما على الأمور بعد، والنعمان بن بشير، بالرغم من أنّه عثماني مجاهر ببغض عليّ وسیّيء القول فيه، إلّا أنّه ليس مثل بسر بن أرطأة، أو مسلم بن عقبة، من الذين يبادرون إلى إراقة الدماء،

ص: 143


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 38 - 45؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 352.

بالإضافة إلى أنّ المؤمنين على كلّ حال يشکّلون قوّة في الكوفة لا يستهان بها .

قال عبد الرحمن : وهل كتب أهل الكوفة الكتاب إلى الحسين بذلك، كما طالبهم بذلك سليمان؟

قال عبد اللّه بن مسلم : إنّ كتب أهل الكوفة ورسلهم بدأت تنهال على الحسين، ففي كلّ يوم نسمع عن مجموعة جديدة جاءت من هناك، وهي رسائل من مختلف طبقات الناس، يطلبون من الحسين الذهاب إليهم.

قال عبد الرحمن : وهل يقتصر الأمر على أهل الكوفة؟

قال عبد اللّه بن مسلم : لا، وإنّما الرسائل تأتي من كلّ مكان، بما في ذلك من البصرة، واليمن، والرّي وغير ذلك، ولكنّها من الكوفة أكثر(1).

قال عبد الرحمن : وما هو مضمون هذه الكتب؟

قال عبد اللّه : سأقرأ عليك الرسالة التي كتبها جماعة سليمان بن صرد، ومن معه، فقد جاء فيها:

«بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن عليّ، من سليمان بن صرد، والمسيّب بن نجبة، ورفاعة بن شدّاد، وحبیب بن مظاهر، وشیعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة.

«أمّا بعد، فالحمد للّه الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد، الذي

ص: 144


1- (1) بغية الطلب، لابن العديم، ج 6، ص 2612؛ وتاريخ الإسلام، للذهبي، ج 2، ص 343.

اعتدى على هذه الأمّة، فانتزعها حقوقها، واغتصبها أمورها، وغلبها على فيئها، وتأمّر عليها على غير رضى منها، ثمّ قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال اللّه دولة بين أغنيائها، فبعداً له كما بعدت ثمود»...

إنّه ليس علينا إمام، فأقدم علينا لعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الهدى، فإنّ النعمان بن بشير في قصر الإمارة، ولسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة، وألحقناه بالشام، والسّلام»(1).

لقد كانت الرسائل التي تأتي إلى الإمام الحسين تتوالى وتزداد يوماً بعد يوم، وأحياناً كان من يأتي من الكوفة يحمل معه نحو خمسين رسالة، وهي موقعة من قبل الاثنين والثلاثة والأربعة، وكلّها تطالبه أن يستعجل الذهاب إليهم.

فمن جملة الكتابات التي وصلت، رسالة تقول: «أمّا بعد، فحيّ أهلاً، فإنّ الناس منتظرون لك، لا إمام لهم غيرك، فالعجل ثمّ العجل ثمّ العجل، والسّلام».

وفي بعضها كتب أهل الكوفة: «إنا معك ومعنا مائة ألف سیف»(2).

كما أنّه وصلت إلى الحسين رسالة موقّعة من قبل التالية أسماؤهم: شبث بن ربعي اليربوعي، وحجّار بن أبجر العجلي،

ص: 145


1- (1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج 2، ص 4؛ وأنساب الأشراف، ج 3، ص.
2- (2) جمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 422.

وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، وعذرة بن قيس الأحمسي، ويزيد بن الحارث الشيباني، ومحمّد بن عمير التميمي، ونصّ الرسالة كالتالي :

«أمّا بعد، فقد اخضرّ الجناب، وأينعت الثمار، وطمّت الجمام، فإذا شئت فأقدم علينا، فإنّما تقدم على جند لك مجنّد، والسّلام»(1).

وفي بعض تلك الرسائل كانت العبارة التالية : إنّا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجمعة مع الوالي، فأقدم علينا(2) .

وفي نصّ آخر قال أصحاب الرسالة: إنّا نموت دونك، ولسنا نحضر جمعة ولا جماعة بسببك (3).

وفي نصّ رسالة أخرى كتب أصحابها : إنّا قد اعتزلنا الناس، فلسنا نصلّي بصلاتهم ولا إمام لنا، فلو أقبلت إلينا رجونا أن يجمعنا اللّه بك على الإيمان(4) .

وفي رسالة أخرى كتب بعضهم يقول : إنّا قد حبسنا أنفسنا عليك، فأقدم علينا فنحن في مائة ألف قد فشي فينا الجور، وعمل فينا بغير كتاب اللّه وسنّة نبيّه ، ونرجوا أن يجمعنا اللّه بك على الحقّ، وينفي عنّا بك الظلم، فأنت أحقّ بهذا الأمر من يزيد وأبيه الذي غصب الأمّة فيئها، وشرب الخمور، ولعب بالقرود والطنابير، وتلاعب بالدّين(5).

ص: 146


1- (1) أنساب الأشراف، ج 3، ص 159؛ والإرشاد، للمفید، ج 2، ص 38.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 347.
3- (3) مروج الذهب، للمسعود ج 3، ص 64.
4- (4) تجارب الأمم، لأبي علي مسکویه، ج 2، ص 41.
5- (5) تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 136.

وكانت الرسائل تأتي تباعا، حتّى ورد عليه في يوم واحد ستمائة رسالة، واجتمع عنده في فترات متفرّقة اثنا عشر ألف کتاب (1).

قال عبد الرحمن الصالح: وهل الحسين يجيب على كلّ رسالة ترد إليه؟

قال عبد اللّه بن مسلم : حتّى الآن يكتفي الحسين بتلقّي الرسائل، ولم يكتب جواباً على أية رسالة من رسائلهم.

قال عبد الرحمن : ألا ترى أنّ مثل هذه الرسائل والكتب، وما فيها من المضامين تحمّل الحسين مسؤولية كبرى في أن يستجيب لهم؟

قال عبد الله : هذا صحيح، فإنّ مضامين هذه الرسائل ليست عادية .

فأوّلاً، أنّهم يصرّحون باعتزالهم الجمعة والجماعة، لأنّهم لا يرون الوالي وأتباع بني أميّة أهلا لكي يجتمعوا إليهم، ويصلّوا خلفهم.

ثانياً، أنّهم يعلنون عن إجماعهم على إمامة الحسين، وأنّه لا إمام لهم غيره.

وثالثاً، أنّهم يطلبون الحسين لكي يدفع عنهم الضيم والظلم والطغيان .

ص: 147


1- (1) مقتل الحسين، البحر العلوم، ص 152.

ورابعاً، أنّهم يطلبون الحسين لكي يهديهم سبيل الهدی ويجمعهم على الحقّ.

وخامساً، أنّهم يعلنون استعدادهم لتحمّل مسؤولياتهم معه ، حتّى لو تطلّب ذلك الموت في سبيل ذلك، وأنت تعرف أنّ الإمام عليّ عليه السلام لم يقم بالأمر إلّا لما ذكره في خطبته الشقشقيّة، قائلاّ :

«أما والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها»(1).

وكلّ هذه أمور اجتمعت الآن، فهنالك حضور في الساحة من الذين يبدون استعدادهم لنصرة الحقّ، وهذه الرسائل، التي تؤكّد أنّ أصحابها مستعدّون للنصرة، مع انتشار الظلم والطغيان، ومخالفة الدّين، وما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم؛ كلّ هذه تحمّل الحسين مسؤولية كبری.

فقال عبد الرحمن : إذن لماذا لا يستجيب الحسين؟

قال عبد اللّه : أعتقد أنّه ينتظر، ليس فقط لإتمام الحجّة أكثر، والتثبّت من الأمر، وإنّما ينتظر أيضا أمرا من الغيب.

قال عبد الرحمن : ألم تقل أنّ الحسين يعرف سلفا أنّه قربان

آل محمّد، وأنّه شهید هذه الأمّة وذبيحها؟

قال عبد اللّه بن مسلم : نعم؛ ولكن الحسين ليس يريد أن يقدم

ص: 148


1- (1) نهج البلاغه، خطبة رقم 3.

على القتل للقتل، الحسين يتحرّك بناءً على مشروع واضح، ومن أجل أهداف ربّانية محدّدة .

قال عبد الرحمن : وما هي تلك الأهداف؟

قال عبد اللّه بن مسلم : هي نفسها، أهداف الأنبياء التي ذكرها القرآن الكريم في قوله : (لقد أرسلنا رسلنا بالبیّنت وأنزلنا معهم الكتب والميزان ليقوم النّاس بالقسط)(1). فبسط العدل، ودفع الظلم، وإنصاف المظلومين، وهداية الضالّين، وإقامة حدود اللّه ، والإصلاح بين الناس، وعمارة الأرض .. هي أهداف الحسين، كما كانت هي أهداف الأنبياء.

قال عبد الرحمن : تريد أن تقول إنّ أهداف الحسين هي خليط من أمور الدنيا والآخرة؟

قال عبد اللّه : نعم، هي كذلك.

قال عبد الرحمن : ألم تقل أنّ الحسين يريد الآخرة، ولا يريد الدّنيا؟

قال عبد اللّه : هذا صحيح؛ ولكن ليس بمعنى أنّه لا يريد الدّنيا للآخرين، أو أنّه لا يريد الإصلاح بين الناس، ولا يريد العدالة لهم في هذه الحياة، لكنّه يريد الدّنيا کمزرعة للآخرة، بأنّ يعمل فيها بما يرضي اللّه عزّ وجلّ، وينفع العباد، ويمنع الظلم والطغيان... ولكن هدفه من ذلك ليس أن يحصل هو على مغانم الدنيا، فإذا خالف علىّ معاوية فإنّ من الواضح أنّ معاوية كان يريد الدّنيا للدّنيا، بينما عليّ علیه السلام كان يحارب معاوية ولكن ليس لكي

ص: 149


1- (1) سورة الحديد، آية 25.

يحصل على أية مصلحة لنفسه، وإنّما لكي يمنع معاوية من أن يجعل الأموال دولة بين الأغنياء، ويمنع من ظلم العباد والفساد في الأرض.

قال عبد الرحمن : يبدو أنّ بني أميّة مصمّمون على الوقوف بوجه بني هاشم في كلّ مراحل التاريخ، فأبو سفيان في مواجهة رسول اللّه، ومعاوية في مواجهة عليّ، ويزيد في مواجهة الحسين؟

قال عبد اللّه بن مسلم : سبحان اللّه ؛ إنّ ربّنا هكذا يمتحن العباد، فيمتحن الأخيار بالأشرار، والأشرار بالأخیار. فقد خلق التقابل بين اللّيل والنّهار، وبين الظلمة والنّور، وبين الخير والشرّ، وإذا لم يكن الأمر كذلك «فبم يمتحن هذا الخلق؟ كما يقول الإمام الحسين علیه السلام»(1).

قال عبد الرحمن : أترى أنّ انجذاب الحسين نحو الخير وانجذاب يزيد نحو الشرّ، ومن قبل انجذاب رسول اللّه وعليّ إلى الخير، وانجذاب أبي سفيان ومعاوية إلى الشرّ، هل ذلك يرجع إلى اختلاف مزاج الطرفين؛ بمعنى أنّ مزاج أبي سفيان ومعاوية يعمل من أجل المنفعة الدنيويّة والغنيمة الآنيّة، بينما مزاج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وعليّ وأهل البيت علیهم السلام يعمل من أجل الخير والنبل والأخلاق؟

قال عبد اللّه : بل يرجع الأمر إلى اختلاف الأهداف، واستجابة كلّ طرف للكوامن المودعة فيه ؛ فأهل البيت يستجيبون للكوامن الخيّرة في نفوسهم، بينما أعدائهم يستجيبون للكوامن الشرّيرة فيهم.

ص: 150


1- (1) اللهوف، لابن طاوس، ص 42.

وكلّ طرف يجمع حوله من يشاكله؛ فالحسين لا يبحث عن النفعيين والأشرار وعبدة الدّنيا ، وأمثال هؤلاء أيضاً لا يميلون إلى الحسين، بينما يزيد لا يجمع حوله إلّا من فيه صفات تماثله مثل الطمع في الدّنيا، والجشع لحطامه، والخسّة، وعدم الالتزام بالمثل والقيم.

وأضاف عبد اللّه : الحسين عليه السلام لا يريد المنافع لنفسه، بل حتى ما يملكه إنّما يريده للناس، والعكس هو في عدوّه. فيزيد، وجميع السلاطين الذين على شاكلته، يريدون مصالح الأمّة لأنفسهم، ولذلك نجد أنّ أمثال الحسين مستعدّون للتضحية بأنفسهم في سبيل إنقاذ العباد، بينما أمثال يزيد مستعدّون للتضحية بالعباد لمصالح أنفسهم. فالحسين بتمسّکه بمبادئه يتناسى نفسه في سبيل تلك المبادىء والقيم، لأنّه يريد الخير للناس، أمّا يزيد فليس مستعدّاً أن يتنازل عن أصغر منفعة ذاتية لمصلحة الناس.

قال عبد الرحمن : وهل كان الأمر كذلك بين عليّ ومعاوية؟

قال عبد اللّه : تماماً؛ فالحسین امتداد لعليّ، ويزيد امتداد لمعاوية، ومنهج الحسين هو منهج عليّ، كما أنّ منهج يزيد هو منهج معاوية. وكان الاختلاف بين عليّ ومعاوية اختلافاً بين مشروع الإمامة ومشروع السلطة.فعليّ علیه السلام كان يريد أن يقود الناس إلى ما فيه خير دنياهم وآخرتهم، ومعاوية كان يريد استغلال الناس والتأمّر عليهم، وقد صرّح بذلك عندما دخل الكوفة، بعد مقتل عليّ علیه السلام وتوقيع معاهدة الصلح مع الحسن، فقد صعد المنبر وقال : إنّي واللّه ما قاتلتكم لتصلّوا ولا تصوموا، ولا تحجّوا ولا تزکّوا، إنّكم تفعلون

ص: 151

ذلك. وإنّما قاتلتكم لأتأمرّ عليكم، وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم کارهون(1).

فصراع عليّ : مع معاوية كان صراعاً بين منهجين، أكثر ممّا كان صراعاً بين شخصين، كما أنّ الاختلاف بينهما واضح فيما ارتبط بسلوك الطرفين وطريقتهما في الأمور الشخصيّة والعامّة . فالحسین بريء من العيب، كما قال معاوية لابنه يزيد: «واللّه ما أرى للعيب فيه موضعاً »(2).

فإذا كان معاوية لا يرى في الحسین عیباً، فإنّ كل العيوب موجودة في يزيد، ولذلك فإنّ الأمويّين الكبار تردّدوا كثيراً في قبول خلافته في زمن معاوية، وبعضهم خالفه جهراً، حتّى أنّ معاوية اضطرّ إلى أن يزيح بعض أقرب المقرّبين إليه، ويقتل أكثر من شخصيّة منهم لكي يثبت خلافة يزيد.

قال عبد الرحمن : ومن هو الذي قتله معاوية لتثبيت خلافة ابنه؟

قال عبد اللّه : إنّ معاوية قتل كثيرين، أمّا من الأخيار فقد قتل بالسّم الحسن بن عليّ، على يد زوجته جعدة بنت الأشعث التي وعدها بأن يزوّجها يزيد، ويعطيها مائة ألف درهم إن فعلت ذلك، فوفي بوعد المال، ولم يف بوعد الزواج(3) .

ص: 152


1- (1) مقاتل الطالبيين، لأبي فرج الأصفهاني، ص 45.
2- (2) أنساب الأشراف، ج 3، ص 155.
3- (3) التاريخ، لليعقوبي، ج 2، ص 225؛ وتذكرة الخواص، ص 211؛ ومروج الذهب، ج 3، ص 5.

أمّا من غيرهم، فقد قتل معاوية عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة، وكان من فرسانه، وكان من أعداء الإمام عليّ وبني هاشم، واستعمله معاوية في غزو الرّوم، وقد اختاره أهل الشام ليكون الخليفة بعده، وذلك عندما خطبهم طالباً منهم تعيين الخليفة بعده ، فأشار الناس إلى عبد الرحمن بن خالد واختاروه، فشقّ ذلك على معاوية وأسرّها في نفسه، فأمر طبيباً عنده يعرف بابن آثال اليهودي أن يسقيه السّم، فسقاه ، فمات في عام ستّ وأربعين(1).

بينما أنت ترى أنّ الحسين تأتيه الرسائل تطالبه بأن يذهب إليهم، ولكنّه يتريّث، فهو لا يريد أن يقتل أحد من الناس من أجل وصوله إلى السلطة، لأنّه أساسا لا يريد السلطة. والفرق بين الرجلين ليس من باب أنّ أحدهما أفضل من الآخر، وإنّما هو كالفرق بين الظلمة والنّور، والخير والشرّ، والصلاح والفساد، والإيمان والنفاق، والجنّة والنّار.

هذا هو التقابل القائم بين الطرفين .

قال عبد الرحمن : إذن النتيجة أيضاً ستكون معروفة في الصراع بين الحسين ويزيد، لأنّ الحسين سيستجيب لكوامنه الخيّرة، ومن ثمّ يضحّي بنفسه في سبيل ما يؤمن به، ويزيد لا يتورّع عن ارتكاب كلّ ما هو حرام لتثبيت سلطانه في سبيل دنياه، واستخدم معاوية كلّ ما يملك من الحيلة و المكر، وشراء النّفوس، والقتل بطريقة الاغتيال .. لتثبيت ملکه .

ص: 153


1- (1) التاريخ الكبير ، ج 5، ص 277؛ وأسد الغابة ، ج 3، ص 289؛ والإصابة، ج5، ص 69.

قال عبد اللّه : مع فارق كبير وهو أن الأمور هنا الآن أوضح، فالحسین یمثّل رسالة النبي صلی الله علیه و آله و سلم بكلّ ما فيها من نبل وخير وإيمان وصدق وصفاء وعدل وحبّ الخير للناس، ويزيد يمثّل السلطة بكلّ ما فيها من جشع ونفاق، وأرذل ما في النفس من الصفات.

و بمقدار ما عند الحسين من العلم والفضيلة، فإنّ عدوه لا هو من أهل الصلاح، ولا من أهل الفضل، ولا من أهل الرأي، ولكنّه فتىً عربيد يقضي ليله ونهاره بين الطنابير والخمور، ولا يفرغ من مجالس النساء، إلّا ليركض إلى مجالس صيد اللّهو، ويقضي فيه الأسبوع بعد الأسبوع، بين الأديرة والبوادي والآجام(1) .

وبمقدار ما أنّ الحسين جبل أشم في الفضائل، فإنّ يزيد مستنقع سحيق مليء بالرذائل .

قال عبد الرحمن : ترى من باب الافتراض فقط، لو أنّ الحسين بايع يزيد لأيّام ما ضيره في ذلك؟

قال عبد اللّه : وهل أنّ موسی بن عمران علیه السلام قبل أن يعبد فرعون لأيّام؟

وهل بايع رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم أبا سفيان لأيّام؟ وهل قبل النبيّ عبادة الأصنام لأيّام؟

قال عبد الرحمن : هل القضيّة بهذه الحدّة بين الطرفين ؟

قال عبد اللّه : وأكثر من ذلك، وهذا ما ستثبته الأيّام .

ص: 154


1- (1) مروج الذب، ج 3، ص 77؛ وتذكرة الخواص، ص 288؛ والبداية والنهاية ، ج8، ص 230.

واتخذ الحسین علیه السلام القرار

بعد أيّام من لقائهما السابق، التقى كلّ من عبد الرحمن الصالح وعبد اللّه بن مسلم في فناء المسجد الحرام مرّة أخرى.

فسأل عبد الرحمن صاحبه : ما هي أخبارك عن الحسين، هل ترى أنّه سيبقى هكذا لا يجيب أهل الكوفة، وقد تجاوزت الرسائل التي أرسلت إليه اثني عشر ألف رسالة ودعوة، وبعضها كان من أكثر من شخص واحد، وهذا عدد لم نسمع بمثله من قبل، فهل يجيبهم إلى شيء؟

قال عبد اللّه : نعم؛ لم نسمع قط أنّ هذا العدد من الرسائل والدعوات تأتي إلى شخص واحد تطالبه بأن ينهض بالأمر، وأن يذهب إليهم ليؤمّهم، ويقيم جماعتهم بعد أن خلا هذا الموقع فيهم، ومن هنا فإنّ الحسين قد استجاب.

قال عبد الرحمن : وما الذي فعل؟

قال عبد اللّه بن مسلم : كان من أواخر من أتي إلى الحسين هما كلّ من «هاني بن هاني السبيعي» و«سعید بن عبد اللّه الحنفي»، وهما من رجال الكوفة . فقد سألهم الإمام عمّا يجري هناك، وعمّن اجتمع على الدعوة إليه، والانقطاع عن والي يزيد في تلك المدينة ، فقالا : اجتمع على هذا الأمر أعيان الكوفة، وذكرا له أسماء مثل

ص: 155

شبث بن ربعي الذي كان يعتبر فقيه أهل الكوفة، وحجّار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن روين، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجّاج، ومحمّد بن عمیر بن عطارد.

وبعد ذلك قام الحسين وتوضّأ وذهب إلى المسجد الحرام، وصلّى ركعتين بين الركن والمقام، ولمّا انفتل من صلاته سأل ربّه الخيرة فيما كتب إليه أهل الكوفة (1).

قال عبد الرحمن : وماذا تعني بأنّه سأل ربّه الخيرة في ذلك؟

قال عبد اللّه : هذه هي الخيرة التي ذكرها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، أنّ من يريد أمراً فليسأل في ذلك الخيرة من ربّه، بأن يصلّي ركعتين، ويطلب منه تعالى أن يختار له ما هو الخير .

قال عبد الرحمن : ثمّ ماذا قرّر الحسين؟

قال عبد اللّه : إنّ آخر من آتي إلى الحسين بقوا ينتظرون جوابه ، وقد جاؤوه بعد أيّام من استخارته، فخرج إليهم، فقال: «إنّي رأيت جدّي رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم في منامي وقد أمرني بأمر، وأنا ماضٍ لأمره، فعزم اللّه لي بالخير إنّه وليّ ذلك، والقادر عليه إن شاء اللّه تعالی»(2).

ثم إنّه دعی بدواة وقلم وكتب رسالة إلى أهل الكوفة هذا نصّها:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ، إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين».

ص: 156


1- (1) اللهوف، لابن طاوس، ص 36؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 195.
2- (2) التفوح، لابن اعثم، ج 5، ص 50 و51.

«أمّا بعد، فإنّ هانياً وسعيداً قدما علىّ بكتبكم، وكانا آخر من قدم علىّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي قصصتم وذكرتم، ومقالة جلّكم: إنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ اللّه يجمعنا بك على الهدی والحقّ.

«وإنّي باعث إليكم أخي، وابن عمّي، وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقیل، ليعلم لي كنه أمركم، ويكتب إليّ بما يتبيّن له من اجتماعكم، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملأكم، وذوي والفضل والحجي منكم، على مثلما قدمت علىّ رسلكم وقرأت في كتبكم، فإنّي أقدم عليكم وشيكاً إن شاء اللّه . فلعمري ما الإمام إلّا العامل بالكتاب، والقائم بالقسط، والدائن بالحقّ، الحابس نفسه على ذات اللّه، والسّلام»(1).

ثمّ دعا مسلم بن عقیل وقال له فيما قال : «إنّي موجهك إلى أهل الكوفة وهذه كتبهم إليّ، وسيقضي اللّه من أمرك ما يحبّ ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشّهداء، فامض على بركة اللّه حتّى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فأنزل عند أوثق أهلها، فإن رأيت الناس مجتمعين فعجّل لي بالخبر، حتّى أعمل حسب ذلك إن شاء اللّه»(2).

ثمّ أوصاه بوصایا، منها أمره بتقوى الله وكتمان أمره، واللّطف (3) .

*

ص: 157


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 353؛ والأخبار الطوال، للدينوري، ص 232.
2- (2) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 53.
3- (3) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 354.

في لقائهما اليومي في فناء الكعبة سأل عبد الرحمن الصالح من صاحبه عمّا يدور في بيت الحسين، وعمّا هو مقدم عليه .

فقال عبد اللّه بن مسلم : تعرف أنّ الحسين أصبح الآن محوراً لحركة الناس وموئلاً لآمالهم، فالمظلومون والمضطهدون من المؤمنين وجدوا فيه راية مرفوعة للحقّ، ودعوة واضحة لاسترداد الحقوق، وهم يعرفون أنّ الحقّ كان مع أهل البيت ولا يزال، و سیّد أهل البيت هو الحسين. وإذا كان الناس في السابق سكتوا وخضعوا فلأنّهم أيسوا من الانتصار على أعدائهم، أمّا اليوم فقد اجتمعت في الحسين الآمال في تحصيل حقوق أبناء الأمّة ورفع الظلم عن کواهلهم، والإيمان باللّه الحسین یمثّل جدّه رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في هذا الزمن . من هنا فإنّك تجد أنّ أهل الحجاز يذهبون فرادى وجماعات إلى بيت الحسين يلتقون به، ليظهروا موقفهم منه، ومودّتهم له و وقوفهم معه. والحسين، وإن كان لا يقول الكثير من الكلام كعادته، إلّا أنّ مجرّد رفضه للبيعة، وانتقاله إلى بيت اللّه الحرام يكفي لبيان سخطه على السلطة، ولذلك فما من مرّة يخرج من بيته إلى المسجد الحرام، من أجل الطواف والصلاة، إلّا وتجد المئات من الناس يمشون معه. وحينما يزيد عدد الطائفين والركّع السجود، فإنّ أيّ شخص يراه هنا في المسجد الحرام سيعرف أنّه السيّد المطلق على قلوب الناس .

أمّا في الكوفة فقد علمت أمرها، إنّما الجديد أنّ الحسين عليه السلام مع رسالته إلى أهل الكوفة، بعث أيضاً رسائل أخرى إلى كلّ من البصرة والرّي.

قال عبد الرحمن : وماذا في رسائله؟

ص: 158

قال عبد اللّه : مضمونها الدّعوة إلى التمسّك بالحقّ، والعودة إلى العمل بكتاب اللّه وسنّة رسوله، والابتعاد عن البدع التي ما أنزل اللّه بها من سلطان، مثل تحويل الخلافة إلى ملك عضوض، والحكم بالأهواء، وإبعاد الأخبار من كل مراكز الدولة، وتقريب الأشرار بدلاً عنهم، الأمر الذي يعني الابتعاد عن الدّين، وما فيه من قيم ومثل وشريعة.

هذا ما حدث خلال الفترة الماضية، حيث كانت الأمور تسير بعيداً عمّا أمر به اللّه ورسوله.

قال عبد الرحمن : وإلى من كتب الحسين رسائله تلك؟

قال عبد اللّه : بالنسبة إلى البصرة أرسل رسالة إلى زعماء القوم، مثل الأحنف بن قيس، ومالك بن مسمع، والمنذر بن الجارود، وقيس بن الهيثم، ومسعود بن عمرو، وعمرو بن عبيد اللّه بن

معمّر.

فقال عبد الرحمن: هل حصلت على نصّ لهذه الرسائل أو بعضها؟

قال عبد اللّه : نعم؛ في رسالته إلى زعماء أهل البصرة كتب الحسين يقول:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ، أمّا بعد، فإن اللّه اصطفى محمّداً على جميع خلقه، وأكرمه بنبوّته، وحباه برسالته ، وقد نصح العباد وبلّغ رسالات ربّه، ثمّ قبضه اللّه إليه مكرمّاً، وكان أهله وأوليائه أحقّ بمقامه من بعده، فاستأثر علينا قوم، فسلّمنا ورضينا كراهة الفتنة وطلب العافية، وقد بعثت إليكم بكتابي هذا وأنا

ص: 159

أدعوكم إلى كتاب الله و سنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أميتت وإنّ البدعة قد أحييت، فإن سمعتم قولي واتبعتم أمري، أهدكم سبيل الرشاد، والسّلام عليكم ورحمة اللّه»(1) .

*

أصبح التململ في العالم الإسلامي مشهوداً في كلّ مكان، والأخبار التي كانت تأتي من مختلف الأماكن تدلّ على أنّ هنالك بداية انتفاضة في داخل الأمّة، ضدّ الانحراف عن منهج رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وضد الظلم، والطغيان، ومحاولات إفراغ الدّين من محتواه، وتجاهل أصوله، مع الحفاظ على بعض مظاهره .

وكان اتخاذ الحسين علیه السلام قراره بنهضته قد أسرع في وتيرة الأحداث، ومن ثمّ بدأت الأخبار تتوارد بما يدلّ على أنّ هنالك حوادث كبرى على وشك الوقوع.

*

كان الزمان منتصف شهر شوّال، وكان كلّ من عبد الرحمن الصالح وعبد اللّه بن مسلم يجتمعان بين فترة و أخرى بعد صلاة العشاء في فناء الكعبة .

قال عبد الرحمن لعبد اللّه : ما هي أخبار مسلم بن عقیل و رحلته إلى الكوفة؟

قال عبد اللّه : نعم؛ إنّ مسلم بن عقیل خرج من مكّة نحو

ص: 160


1- (1) أنساب الأشراف، ج 2، ص 78؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص357؛ ومقتل أبي مخنف، ص 24.

المدينة في النصف من شهر رمضان متخفّياً ، لئلّا يعلم به أحد من بني أميّة (1).

وذهب عن طريق المدينة باتجاه الكوفة، وذلك ليرتّب أموره هناك ويلمّ بأهله، ثمّ استأجر دليلين من قبيلة قيس وسار بهما، ولكنّهما ضيّعا الطريق ذات ليلة، وأصبحا وقد اشتدّ بهم العطش والحرّ، فانقطعا ولم يستطيع المشي، فقالا لمسلم: عليك بهذا السمت (هذا الطريق والاتجاه)، فألزمه لعلّك أن تنجو، وبقيا هما في الصحراء.

فمضى «مسلم» بذاك الاتجاه، ولولا قوّة في بدنه لما نجی من الموت، كما أنّ الدليلان ما لبثا أن ماتا، لكنّ مسلم ومعه قيس بن مسهّر الصيداويّ نجيا بحشاشة الأنفس حتّى وردوا الماء ووجدوا الطريق، فأقام مسلم هناك، وكتب رسالة إلى الحسين علیه السلام وقد تطيّر من الوجه الذي توجّه إليه، وأرسله مع قيس بن مسهّر وكتب فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن عليّ، من مسلم بن عقيل».

أمّا بعد، فإنّي خرجت من المدينة مع دليلين استأجرتهما، فضلّا عن الطريق وماتا عطشاً، ثمّ إنّا صرنا إلى الماء بعد ذلك وكدنا أن نهلك، فنجونا بحشاشة أنفسنا. وأخبرك يابن رسول اللّه إنّا أصبنا الماء بموضع يقال له المضيق، وقد، تطيّرت من وجهي هذا ، فإن رأيت أعفيتني منه، وبعثت غيري، والسّلام(2).

ص: 161


1- (1) مروج الذهب، للمسعودي، ج 3، ص 64؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 196.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 354؛ والفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 54.

فكتب الحسين عليه السلام في الجواب :

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ، إلى مسلم بن عقيل».

«أمّا بعد، فإنّي سمعت رسول اللّه يقول : ما منّا أهل البيت من يتطيّر ولا يتطيّر به، فإذا قرأت كتابي فامض على ما أمرتك به، والسّلام.

ولمّا وصل الجواب إلى مسلم سار من وقته، ولم يتأخّر(1).

فقال عبد الرحمن : وفي الكوفة أين نزل ومتى وصل إليها؟

قال عبد اللّه : وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة لخمس خلون من شوّال، وتنقّل من مكان إلى مكان. ففي البداية نزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، ثمّ انتقل بعد ذلك إلى دار مسلم بن عوسجة، ومع وصول مسلم إلى هناك بدأ المؤمنون ينهالون عليه ، مرحّبين به، وكان كلّما جاءه جمع منهم يقرأ لهم كتاب الحسين عليه السلام إلى أهل الكوفة، فيبادرون إلى بيعته جماعات وأفراداً .

فأحياناً كان يأتيه رئيس القبيلة ويبايعه نيابة عن قبيلته، وفي أكثر الأحيان كان الناس يبايعون عن أنفسهم.

سأل عبد الرحمن : وهل كل ذلك كان يجري في العلن، أم في الخفاء؟

قال عبد اللّه بن مسلم : لم يكن في العلن بشكل مطلق، ولا

ص: 162


1- (1) مقتل أبي مخنف، ص 20.

في الخفاء بشكل كامل، وإنّما كان بين العلن والخفية، حيث كان يأتي إليه من يوثق به .

قال عبد الرحمن : كيف كانت الجموع ترحّب به، وماذا كانوا يقولون؟

قال عبد اللّه بن مسلم : في بداية وصول مسلم إلى الكوفة كان عندما يقرأ على الناس کتاب الحسين يبكون وينتحبون شوقاً .

وكان عابس بن شبيب الشاكري من أوائل من التقى بمسلم، وقال في جمع من الناس، بعد حمد اللّه وثنائه والصّلاة على النبيّ وآله:

«أمّا بعد، فإنّي لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، ولا أغرّك منهم، واللّه لأحدّثنّك عمّا أنا موطّن نفسي عليه ، واللّه لأجيبنّكم إذا دعوتم، ولأقاتلنّ معكم عدوّكم، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتّى ألقى اللّه ، لا أريد بذلك إلّا ما عند اللّه» .

وكان لعابس بن شبيب صديق قديم يجتمعان معاً، ولهما

مواقف متشابهة، وهو حبیب بن مظاهر الأسدي. فلمّا تكلّم عابس بكلامه هذا التفت إليه حبيب وقال: «رحمك اللّه، قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك.

ثمّ التفت إلى مسلم بن عقیل وقال: «وأنا، واللّه الذي لا إله إلّا هو، على مثل ما هذا عليه»(1).

ص: 163


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 355.

فقال عبد الرحمن الصالح: وهل بقي خبر مسلم مستوراً عن رجال الدولة؟

قال عبد اللّه بن مسلم : لا، فلكثرة اختلاف المؤمنين إليه ذاع خبره، وعرفه الجميع، فانتقل إلى دار هاني بن عروة، وهناك بایعه ثمانية عشر ألف رجل(1).

قال عبد الرحمن : وماذا عن موقف السلطة منه، أليس للكوفة والي من قبل يزيد؟

قال عبد اللّه بن مسلم : بلی؛ إنّه نعمان بن بشير الأنصاري، وهو أساساً ممّن يكره عليّاً علیه السلام ، ويبغض أهل الكوفة لأنّهم يوالون عليّاً . وكان ممّن شهد مع معاوية معركة صفّين، وكان مقرّباً إليه، وهو الآن والٍ من قبل يزيد، إلّا أنّ الرجل يبحث عن الجاه والسلطان، وليس من أهل القتل والقتال، ويحاول تهدئة الأوضاع لمصلحة يزيد بالكلام اللطيف والتودّد إلى الناس تارة، وبتهديدهم تارة أخرى، وإغرائهم بالأموال تارة ثالثة وكلّ الموقف الذي اتخذه بعد انتشار خبر وصول مسلم إلى الكوفة وبيعة الناس له، هو أنّه دعي إلى الصلاة جامعة، وخطب في المسجد وقال فيما قال : «أمّا بعد، فاتقوا اللّه .. عباد اللّه ، ولا تسارعوا للفتنة والفرقة، فإنّ فيهما يهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب الأموال، ألا وإنّي لا أقاتل من لا يقاتلني، ولا أثب على من لم يثب عليّ، ولا أشاتمكم، ولا أتحرّش بکم، ولا آخذ بالقرف، ولا الظنّة ولا التهمة، ولكنّكم إن

ص: 164


1- (1) السيرة النبوية، لابن حبان، ج 2، ص 307؛ ومروج الذهب، للمسعودي، ج 3، ص 64.

أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فوالذي لا إله غيره لأضربنّكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر. أما إنّي أرجو أن يكون من يعرف الحقّ منكم أكثر ممّن یرديه الباطل».

. فقام إليه عبد اللّه بن مسلم الحضرمي وهو من حلفاء بني أميّة ، فقال : إنّه لا يصلح ما ترى إلّا الغشم، إنّ هذا الذي أنت عليه ما بينك وبين عدوّك رأي المستضعفين .

فقال النعمان : أن أكون من المستضعفين في طاعة اللّه، أحبّ إليّ من أن أكون من الأعزّين في معصية اللّه ، وما كنت لأهتك ستراً ستره اللّه(1).

*

قال عبد الرحمن الصالح: يبدو ممّا ذكرت أنّ حلفاء بني أميّة في الكوفة منقسمين على أنفسهم فيما يرتبط بمسلم بن عقيل، و أنّ بعضهم يطالب بالشّدّة وسفك الدماء، وبينما البعض الآخر لا يرى ذلك حتّى الآن.

قال عبد اللّه : هو كذلك، وأساساً من هم مع بني أميّة إنّما يطلبون العافية والمغانم والجاه والسلطان، فليس أحد منهم مقتنعاً بأنّ بني أميّة يمثّلون الحقّ، ولكن هنالك أشخاص يدفعهم الحقد على أهل البيت عليهم السلام لكي يتخذوا موقفاً متشدّداً ويقضوا عليهم؛ أي يستخدموا السيف بلا تأخير.

ص: 165


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 348 و 355؛ والأمالي، للشجري، ج 1، ص 190؛ وتهذيب الكمال، للمزي، ج 6، ص 423.

قال عبد الرحمن : وهل ترى أنّ المتشدّدين هم الذين سيغلبون على أمثال نعمان بن بشير؟

قال عبد الله : بالنسبة إلى نعمان هو لا يختلف عن غيره في أنّه ضدّ أهل البيت، إنّما يختلف في أنّه يطلب العافية ، كما ذكرت لك، ويريد السلطان والبهجة والراحة والمغانم.. ولا أعتقد أنّه سيتخذ موقفا متشدداً، خاصّة وأنّه كان قد قال لأحد المتشدّدين : إنّ ابن بنت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أحبّ إليّ من ابن بنت بحدل (1).

فقال عبد الرحمن : وماذا يقصد بقوله ابن بنت بحدل؟

قال عبد اللّه : يقصد یزید بن معاوية، فإنّ أمّه میسون هي بنت بحدل الكلبيّة .

قال عبد الرحمن : وهل يجرأ النعمان على أن يقول مثل هذا الكلام بالنسبة إلى يزيد؟

قال عبد اللّه : أنت تعرف أنّ كبار بني أميّة، من ولاة معاوية ، لم يكونوا راضين عن بيعة يزيد، وكثير منهم يرون أنفسهم أولى بالخلافة منه، وبعضهم لا يرجو خيراً في خلافته، ولذلك فهم في الوقت الذي لا يرغبون في أهل البيت، وقد سلبتهم معصية اللّه ، وظلمهم وطغيانهم، توفيق التمسّك بأهل البيت، فإنّهم مع یزید بن معاوية ليس حبّا له، وإنّما بغضا لعليّ وآل عليّ. وقد يصدر منهم کلام مثل هذا في لحظة من لحظات الغضب.

قال عبد الرحمن : وهل يمكن أن يصل خبر ما قاله النعمان إلى يزيد؟

:تمهيد

ص: 166


1- (1) نهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص 388.

قال عبد الله بن مسلم : قطعاً؛ فإنّ لبني أميّة عيونهم

و جواسيسهم ومرتزقتهم، الذين على أيديهم يظلمون الناس اعتماداً على سلطانهم، بل إنّ هذا الكلام بالذات قد وصل إلى يزيد، ولذلك فإنه قال : قد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيّىء(1).

قال عبد الرحمن : كيف ترى الموقف الآن في الكوفة؟

قال عبد اللّه بن مسلم : لو استمرّ الأمر على ما هو عليه الآن، فإنّ مسلم بن عقيل سوف يحكمها، لأنّ المعادلة هي لمصلحته ، فالناس يريدون التغيير، والمؤمنون حصلوا على قائد لحركتهم، والحاكم هناك لا يرغب في اتخاذ قرار بالقمع، وأنت تعرف أنّه في الصراع بين المنطق والمنطق فإنّ الحقّ يغلب، وأهل البيت هم أهل الحقّ، وكلامهم نور، وأمرهم رشد، ووصيّتهم التقوى، وجبلت النّفوس على حب الخير .

لكن إذا تغيّرت المعادلة واستخدم أولياء بني أميّة السيف، وباشروا القتل والقتال، وعملوا بسياسة معاوية في استخدام الحيلة والمكر والخداع، والاغتيال وسفك الدماء والتنكيل، فلربّما تنقلب الآية، ومن ثمّ فلا تصبح الكوفة قاعدة آمنة لأهل الحقّ.

قال عبد الرحمن : وهل تعني أنّ الناس يمكن أن ينقلبوا على أنفسهم، بعد بيعة هذا العدد الكبير لمسلم بن عقيل؟

قال عبد اللّه : لا يزال هذا العدد قليلاً بالقياس إلى نفوس أهل الكوفة، الذين يتجاوز عددهم هناك أربعة آلاف ألف نسمة، وهو لا يشكّل نسبة كبيرة. نعم؛ لو كان الذين بايعوا مسلماً کلّهم من

ص: 167


1- (1) نفس المهموم، للقمي، ص 86.

السيّافين وعلى شاكلة عابس بن شبيب، وحبیب بن مظاهر، فهذا العدد يكفي، غير أنّ الأمر ليس كذلك.

ثمّ إنّ بعضهم ربّما ينقلب على نفسه، لأنّ الهمج الرعاع هم أتباع كل ناعق، يميلون مع كلّ ريح. ولكن أن يغلب أهل الباطل، لا يعني أنّ أهل الحقّ ينقلبون على أنفسهم، فإذا كان المؤمنون هم الذين نشطوا وتحرّكوا الآن، فإذا استخدم بنو أميّة ما كان يستخدمه معاوية، ومن ثمّ دفعوا المنافقين إلى العمل والنشاط وأغروهم بالمال والسّلاح، ورتّبوا أمورهم، فربّما تنقلب الآية. ولا يعني ذلك أنّ المؤمنين انقلبوا على أنفسهم، بل يعني أنّ المعادلة تغيّرت هناك.

قال عبد الرحمن الصالح: إذن أنت لست متفائلاً حتّى الآن؟

قال عبد اللّه بن مسلم : لا نعرف النتيجة حتى اللحظة، فالأمور مرهونة بتطوّراتها، ولا زال الناس يعيشون في دوّامة بني أميّة وفي ظلّ سلطتهم، وموارد الدولة کلّها بأيديهم، وجيوشهم وشرطتهم لا تزال مسيطرة على الأوضاع، والتغيير في ظلّ الوضع القائم ليس أمراً سهلاً، خاصّة وأنّ الناس افتتنوا بالدّنيا، ولم يعودوا كما كانوا في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .

ألم نجد كيف أنّ بعض صحابة النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم ، الذين عاشوا في شظف من العيش، حينما فتحت عليهم أبواب الدّنيا واستغنوا، تغيّروا، وتكالبوا على الدّنيا وتقاتلوا على المغانم؟

ألم تسمع ما قاله عليّ عليه السلام حينما خطب ذات يوم وشکی مواقف الآخرين منه، فقال: «فلمّا نهضت بالأمر نكثت طائفة ، ومرقت أخرى، وقسط آخرون، كأنّهم لم يسمعوا كلام اللّه حيث يقول : وتلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض ولا فسادًا

ص: 168

والعقبة للمتّقين) . بلى؛ واللّه لقد سمعوها ووعودها، ولكن ليث الدنيا في أعينهم، وراقهم زبر جها»(1)؟

ولا أعتقد أنّ من السهولة أن تتبدّل النّفوس، بحيث يتوب عبدة الدّنيا في ليلة وضحاها، ويبدأوا البحث عن ما يقرّبهم إلى اللّه ، ويقبلوا بالتضحية بالمغانم التي عندهم. فليست الأكثرية من الناس مثل أهل البيت علیهم السلام الذين زهدوا في الدّنيا، ولا يريدون إلّا الخير للآخرين، ولا يطلبون لأنفسهم شيئا.

فالأمور لا تعرف عاقبتها بعد.

***

ص: 169


1- (1) نهج البلاغه، خطبة رقم 3.

انقلاب الکوفة

عندما شعر رجال بني أميّة في الكوفة، أنّ الأرض أخذت تمید من تحت أقدامهم، بعد التفاف رجال كبار، من أمثال المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وهاني بن عروة المذحجي، وعابس بن شبيب الشاكري، وحبیب بن مظاهر الأسدي وغيرهم، حول مسلم بن عقیل، مع احتمال أن يهاجر الحسين علیه السلام إليهم، أخذوا يكاتبون یزید، ويطلبون منه أن يقوم بانقلاب في أعلى هرم السلطة في الكوفة.

فقد كتب كلّ من عبد اللّه بن مسلم الباهلي، وعمر بن سعيد بن أبي وقّاص الزهري، ومحمّد بن الأشعث الكندي، ومسلم بن سعید الحضرمي، وهم من رجال بني أميّة، كتبوا رسالة إلى يزيد بن معاوية هذا نصّها: «لعبد اللّه يزيد أمير المؤمنین، من شيعته من أهل الكوفة ، أمّا بعد، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة و بايعته الشيعة للحسين بن عليّ، وهم خلق كثير، فإن كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا ينفّذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوّك، فإنّ نعمان بن البشير رجل ضعيف، أو هو يتضعّف، والسّلام(1).

ص: 170


1- (1) التاريخ للطبري، ج 5، ص 356؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 198؛ والأخبار الطوال، للدينوري، ص 233.

فلمّا وصلت الرسالة إلى يزيد دعى رجلا كان يعمل مستشاراً عند أبيه، وهو من أهل الروم واسمه السير جون، دعاه وقال له: «إنّ مسلم بن عقیل بالكوفة يبايع للحسين، وقد بلغني عن النعمان بن البشير ضعف وقول سیّىء فما ترى؟ ومن أستعمل على الكوفة؟(1).

ولم يكن مستغرباً أن يستشير يزيد هذا الرجل، فقد كان صاحب نفوذ حقيقي يعمل في دولة المسلمين لصالح الرومان، ويعزل وينصب الولاة بناء على هواه، وهذا دیدن کل حاکم يبتعد عن مصالح المسلمين، فيلتمس العون من الأجانب، وهؤلاء يشيرون عليه بما ليس في مصلحة دين الناس، لأنّهم أساسا أعداء ذلك الدّين.

فقال السيرجون: أشير عليك بما تكره؟

قال يزيد: وإن كرهت!

قال السيرجون: استعمل عبيد اللّه بن زياد على الكوفة .

وكان يزيد يكره عبيد اللّه بن زياد، ويريد أن يعزله عن ولاية البصرة.

فقال يزيد: إنّه لا خير فيه، فأشر عليّ بغيره .

قال سيرجون : تری، لو كان معاوية حيّا أكنت تقبل قوله، و تعمل بما يشير عليك؟

قال يزيد: نعم.

قال سيرجون: فهذا عهد عبيد اللّه على الكوفة، أمرني معاوية أن أكتبه، وخاتمه عليه، فمات وبقي العهد عندي، ولم يمنعني أن أعلمك به إلّا معرفتي ببغضك له .

ص: 171


1- (1) تاريخ الطبري، ج 5، ص 356.

فقال يزيد: إذن أمضه .

وأخذ برأيه وضمّ البصرة والكوفة إلى سلطة عبيد اللّه، وبعث إليه بعهده على الكوفة.

فكتب له: «من عبد اللّه يزيد أمير المؤمنين، إلى عبيد اللّه بن زیاد، سلام عليك، أمّا بعد، فإنّ الممدوح مسبوب يوماً، وإنّ المسبوب يوما ممدوح، ولك ما لك، وعليك ما عليك، ولقد سمّي بك إلى غاية أنت فيها كما قال الأوّل:

رفعت فجاوزت السحاب وفوقه * فما لك إلّا مقعد الشمس مقعد

«وقد ابتلي بالحسین زمانك من بين الأزمان، وابتلي به بلدك من بين البلدان، وابتليت به أنت من بين العمّال، وفي هذه تعتق، أو تعود عبداً كما تعتبد العبيد، وقد أخبرني شيعتي من أهل الكوفة أنّ مسلم بن عقيل فيها يجمع الجموع ويشقّ عصى المسلمين، وقد اجتمع إليه خلق كثير من شيعة أبي تراب، فإذا أتاك كتابي هذا فسر حتّى تقدم الكوفة فتكفيني أمرها، فقد ضممتها إليك، وجعلتها زيادة في عملك، وأنظر أن تطلب مسلم بن عقيل، كطلب الخرزة حتّى تثقفه، فتوثقه أو تقتلهأو تنفيه، واعلم أنّه لا عذر لك عندي وما أمرتك به، فالعجل العجل، والسّلام»(1).

ثمّ دفع بهذه الرسالة إلى مسلم بن عمرو الباهلي، وأمره أن يسرع السير إلى البصرة، ليسلّمها إلى عبيد اللّه (2).

*

ص: 172


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 199؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 357.
2- (2) المصدر نفسه .

من جديد التقى عبد الرحمن الصالح مع عبد اللّه بن مسلم وتذاكرا ما يجري في الكوفة، فقال عبد اللّه : هل سمعت بما جرى في البصرة؟

قال عبد الرحمن : لا.

قال عبد اللّه : إنّ رسائل الحسين عليه السلام وصلت إلى من كتب إليهم، وهم زعماء القوم .

فقال عبد الرحمن : وما كانت ردّة فعلهم؟

قال عبد اللّه : إنّ بعضهم قام بالواجب؛ فمثلاً حينما وصلت رسالة الحسين إلى يزيد بن مسعود النهشلي، قام بجمع كلّ من بني تميم وبني حنظلة وبني سعد في داره ، فلمّا حضروا قال لهم: يا بني تميم، كيف ترون موضعي منكم، وحسبي فيكم؟

فقالوا: بخ بخ، أنت واللّه فقرة الظهر، ورأس الفخر، حللت في الشرف وسطاً، وتقدّمت به فرطاً.

فقال ابن مسعود: فإنّي قد جمعتكم لأمر أريد أن أشاوركم فيه، وأستعين بكم عليه.

فقالوا : إنّا واللّه نمنحك النصيحة، ونجهد لك الرأي، فقل حتّى نسمع.

فقال: «إنّ معاوية هلك، فأهون به هالكاً ومفقوداً، ألا وإنّه قد انكسر باب الجور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمراً، ظنّ أنّه قد أحكمه، اجتهد واللّه ففشل، وشاور فخذل، وقد قام يزيد شارب الخمور، ورأس الفجور يدّعي الخلافة على المسلمين، ويتأمّر عليهم بغير رضىً

ص: 173

منهم، مع قصر حلم، وقلّة علم، لا يعرف من الحقّ موطىء قدميه، فأقسم باللّه قسماً مبروراً لجهاده على الدّين أفضل من جهاد المشركين .

«وهذا الحسين بن عليّ ابن بنت رسول اللّه ، ذو الشرف الأصيل، والرأي الأثيل، له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنّه وقدمه وقرابته، يعطف على الصغير ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعيّة، وإمام قوم، وجبت للّه به الحجّة، وبلّغت به الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحقّ، ولا تسکّعوا في وهدة الباطل، فقد كان صخر بن قیس انخذل بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ونصرته» .

«واللّه لا يقصّر أحد عن نصرته إلّا أورثه الله الذلّ في ولده ، والقلّة في عشيرته، وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها، وأدرعت لها بدرعها .. من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم اللّه ردّ الجواب».

فتكلّم بنو حنظلة وقالوا : «يا أبا خالد؛ نحن نبل کنانتك، وفرسان عشيرتك، إن رمیت بنا أصبت، وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض واللّه غمرةً إلّا خضناها، ولا تلقي واللّه شدّة إلّا لقيناها، ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا، إذا شئت فافعل.

وتكلّم بنو سعد بن يزيد، فقالوا: «يا أبا خالد؛ إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك، والخروج من رأيك، وقد كان صخر بن قیس أمرنا بترك القتال، فحمدنا أمرنا وبقي عزّنا فينا، فأمهلنا نراجع الرأي ونأتيك به .

وتكلّم بنو عامر بن تميم، فقالوا: «يا أبا خالد؛ نحن بنو

ص: 174

أبيك وخلفاؤك ، لا نرضى إن غضبت، ولا نوطن إن طعنت ، والأمر إليك، فادعنا نجبك، ومرنا نطعك، والأمر لك إذا شئت .

ثمّ إنّ يزيد بن مسعود، بعدما سمع منهم مقالتهم، كتب إلى الحسين رسالة يقول فيها:

بسم اللّه الرحمن الرحیم

«أمّا بعد، فقد وصل إلىّ كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه ، ودعوتنی له من الأخذ بحظّي من طاعتك، والفوز بنصيبي من نصرتك، وإنّ اللّه لا يخلي الأرض قطّ من عامل عليها بخير أو دلیل على سبيل نجاة، وأنتم حجّة اللّه على خلقه، ووديعته في أرضه ، تفرّعتم من زیتونة أحمديّة هو أصلها، وأنتم فرعها، فأقدم سعد بأسعد طالع، فقد ذلّلت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشدّ تتابع في طاعتك من الإبل الظمّاء لورود الماء، وقد ذلّلت لك بني سعد وغسلت درن صدورها بماء سحابة مزن حين استهل برقها فلمع».

فلمّا قرأ الحسين رسالته، قال: «ما لك، آمنك اللّه يوم الخوف، وأعزّك، وأرواك يوم العطش الأكبر(1).

*

قال عبد الرحمن : إنّك قلت أنّ ردود أفعال الذين وصلت إليهم الرسائل مختلفة، فهل هنالك من لم يستجب لرسالة الحسين؟

قال عبد اللّه بن مسلم : نعم؛ فالمنذر بن الجارود، وهو من

ص: 175


1- (1) مقتل الحسين، للمقرم، ص 160؛ والعوالم، للبحراني، ج 17، ص189.

الذين كتب له الحسين، قام بإفشاء رسالة الحسين إلى عبيد اللّه بن زیاد، وكان لا يزال في البصرة، والسبب في ذلك أنّ ابنة الرجل كانت زوجة العبيد اللّه بن زیاد، بالإضافة إلى أنّه خشي أن يكون ما وصل إليه من الرسالة دسيسة له من عبيد اللّه ليمتحنه، فجاء بالرسالة إليه، فغضب ابن زیاد وقال : من رسول الحسين إلى أهل البصرة؟

قال المنذر : إنّ رسوله إليهم مولىً يقال له سليمان .

فقال عبيد اللّه : عليّ به .

وكان الرجل مختفياً عند بعض الموالي بالبصرة، فجاء به المنذر إلى عبيد اللّه، فلم يكلّمه في شيء، وإنّما قدّمه وضرب عنقه صبراً، ثمّ أمر بصلبه، وكان أوّل رسول قتل في الإسلام(1).

أمّا الأحنف بن قیس فإنّه لم يفعل شيئاً، إلّا أنّه كتب رسالة إلى الحسين يقول له فيها: أمّا بعد (فاصبر إنّ وعد اللّه حقّ و لا یستخفنّک الّذین لا یوقنون)(2).

وكان هنالك أيضاً جماعة من الموالين في البصرة تحرّكوا باتجاه الحسين، ومنهم امرأة مؤمنة صالحة تسمّى مارية بنت سعد العبدية، كانت توالي أهل البيت، فإنّها حوّلت منزلها إلى محل تجمّع للمؤمنين، وكانوا يتذاكرون فيه أمر الأمّة والإمامة، وما آل إليه أمر الناس، فأجمع رأي البعض على الخروج إلى مكّة للالتحاق

ص: 176


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 199؛ ومقتل أبي مخنف، ص24؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 358.
2- (2) سورة الروم، الآية الأخيرة؛ انظر : سيرة أعلام النبلاء، للذهبي، ج 3، ص 200.

بالحسين علیه السلام . وبالفعل فقد خرج بعضهم، وكتب بعضهم رسائل إلى الحسين يطلبون منه القدوم إليهم(1).

كما أنّ أحد الصالحين في البصرة واسمه يزيد بن نبيط العبدي، جمع أبنائه وكانوا عشرة، فقال لهم: أيّكم يخرج معي، فإنّني خارج إلى الحسين؟

فانتدب معه ابنان له اسمهما عبد اللّه وعبيد اللّه، فقال لأصحابه : إنّي قد أزمعت على الخروج إلى الحسين، و أنا خارج.

فقالوا له: إنّا نخاف عليك أصحاب ابن زیاد.

فقال : إنّي واللّه لو قد استوت أخفافها بالجدد، لهان عليّ طلب من طلبني(2).

وهكذا يتبيّن أنّ عدوى حوادث الكوفة، والتململ الواسع هناك، وتحرّك المؤمنين، قد انتقل إلى البصرة أيضا، فأخذ الصالحون ينشطون فيها، وقرّر بعضهم الخروج إلى الحسين، وبعض آخر طلب منه القدوم إلى البصرة، كما فعل بعض أهل الكوفة.

قال عبد الرحمن الصالح: في مواجهة كلّ ذلك، ألم تتحرّك السلطة هناك؟

قال عبد اللّه بن مسلم : بل إنّها تحرّكت بأوسع ما يكون، فعندما وصلت رسالة يزيد بن معاوية إلى عبيد اللّه بن زیاد يأمره بالتوجّه إلى الكوفة، وجعلها تحت سلطته مع البصرة، والذي كان يعني أنّ العراق وإيران أصبحت تحت سلطة الرجل الذي

ص: 177


1- (1) إبصار العین، للسماوي، ص 4؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 353.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 353.

تأصّلت فيه أحقاد بني أميّة، وهو ابن زیاد ابن أبيه المقرّب من الأمويّين، هذا الطاغوت عندما أراد أن يخرج من البصرة، جمع الناس في المسجد وخطب فيهم، فأرعد وأبرق وتهدّد وتوعّد (1).

ثمّ قال : «أمّا بعد، فواللّه ما تقرن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشنآن، وإنّي لنكل لمن عاداني، وسمّ لمن حاربني، أنصف القارة من رماها .

ثم سكت هنيئة، قال بعدها: «يا أهل البصرة؛ إنّ أمير المؤمنين قد ولّاني مع البصرة الكوفة، وأنا غاد إليها الغداة، وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد بن أبي سفيان، فإيّاكم والخلاف والإرجاف، فوالذي لا إله غيره لئن بلغني أنّ رجلا منكم خالف لأقتلنّه، وأقتل عريفه و وليّه، ولآخذنّ الأدنى بالأقصى حتّى تستقيموا لي، فلا يكون فيكم مخالف ولا مشاقّ . أنا ابن زیاد، أشبهه من بين من وطأ الحصى، فلم ينتزعني شبه خال ولا عمّ»(2).

قال عبد الرحمن الصالح: هل كان ذلك مجرّد تهدید للتخويف، أم أنّ الرجل كان جادّاً فيما يقول؟

قال عبد اللّه بن مسلم : لم يكن الأمر مجرّد تهدید، وإنّما قرن الرجل القول بالفعل، بل سبقه الفعل، فقد زاد من أعطيات الشرطة ، وجمع رجاله وأمرهم بالعودة إلى سياسة معاوية بن أبي سفيان :

ص: 178


1- (1) أنساب الأشراف، ج 2، ص 78.
2- (2) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 268؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 199.

خذوهم بالتهمة واقتلوهم بالظنّة، وبثّ الجواسيس في كلّ مكان ، ووضع الحراسات على مداخل البصرة ومخارجها ، كما أمر أخاه بأن ینکّل بالناس، وأن يقوم بتفتیش عقائدهم ويأخذ البريء منهم بالمتّهم، وبذلك فقد نشر رعباً لا مثيل له على مدينة البصرة.

فقال عبد الرحمن : بعد رسالة يزيد إليه، هل أبطأ عبيد اللّه في الشخوص إلى الكوفة، أم أسرع؟

قال عبد اللّه : ما إن وصلت إليه رسالة يزيد حتى أمر بالتجهيز، ليخرج إلى الكوفة من غد(1) .

قال عبد الرحمن: إنّ سياسة عبيد اللّه في البصرة تشبه سياسة فرعون: (و لأصلّبنّكم في جذوع النخل)(2) ، أليس كذلك؟

قال عبد الله : معلّم جميع الطغاة واحد، وهو إبليس، ولذلك فإنّ سياسة الطغاة واحدة على مرّ التاريخ، إمّا أن تكون معنا أو أنت ضدّنا، فلا حياد في نظرهم، فما يرونه لابدّ أن يراه الناس، كما قال فرعون: (ما أريكم إلّا ما أرى وما أهديكم إلّا سبيل الرّشاد)(3).

قال عبد الرحمن: لكن هؤلاء يتحدّثون عن اللّه وكأنّهم وكلاؤه، والناطقون باسمه وأمنائه في أرضه، فما يقدمون عليه ينسبونه إلى إرادة اللّه، وما من كلمة وأخرى إلّا ويحلفون باللّه عزّ وجلّ، كما أنّهم أحياناً ينطقون باسم الناس، ويعتبرون يزيد الذي

ص: 179


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 268.
2- (2) سورة طه، آية 71.
3- (3) سورة غافر، آية 29.

عیّنه أبوه واستخدم السيف والذهب لتثبيت حكمه أميراً للمؤمنين، والمؤمنون لم يعيّنوه ولا انتخبوه، أليس ذلك ما فعله فرعون؟

قال عبد اللّه : فرعون كان يعتبر نفسه ربهم الأعلى. فالطاغوت إمّا أن يرى نفسه ربّا، أو على الأقل ناطقاً باسم الرّبّ، ولو كان باستطاعة هؤلاء أن يصرّحوا بما صرّح به فرعون لفعلوا، لكنّهم منافقون يضمرون ما أظهره فرعون، ويظهرون ما نطق به الأنبياء، فهم في قلوبهم يقولون للناس نحن ربّكم الأعلى، وبالفعل يتصرّفون كأنّهم كذلك، ولكنّهم في الظاهر يلهجون بذكر اللّه .. إنّهم يقتلون أولياء اللّه ويتحدّثون بكلام الأنبياء .

قال عبد الرحمن : إذن خطر هؤلاء على الدّين أكثر من خطر المشركين والكفّار؟

قال عبد اللّه : لم يكن اعتباطاً أنّ ربّنا أنزل سورة كاملة في القرآن حول المنافقين، وقال عنهم : (هم العدوّ فاحذرهم قتلهم الله) (1) لأنّ خطر المنافقين خطر مزدوج، فأنت ترى أنّ الدولة يديرها رجل أجنبي يعمل كمستشار لدى يزيد، ومن قبله لدى أبيه، وهو السيرجون الرومانيّ الأصل، الذي لا يدين بدين اللّه، ويزيد لا ينصب ولا يعزل إلّا باستشارته وأمره، ألم تر أنّه حينما رفض في البداية أن ينصب عبيد اللّه بن زياد والياً على الكوفة، قال له : أشر علیّ بغيره، يعني إمّا هذا، وإمّا من ترشّحه أنت.

المهم أنّ الخيار على كلّ حال كان بيد هذا المستشار الأجنبي، فإذا لم يكن راضياً عن هذا فله أن يختار شخصاً آخر.

ص: 180


1- (1) سورة المنافقون، آية 4.

والخطورة هنا هو أن هؤلاء يحاولون القضاء على كل ما بناه رسول اللّه، ولذلك فقد ظهرت البدعة وأميتت السنّة .

إنّ البدعة الحقيقيّة هي أن تتحوّل خلافة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم إلى ملك عضوض، وأن يكون أهواء الحاكم في موازين الحقّ والباطل، لا ما جاء به الأنبياء. إذن الخطورة مزدوجة بمعنى أنّهم من جهة يبدّلون الدّين من داخل الدّين، ومن جهة أخرى فهم يحاولون القضاء على كلّ ما تبقّى ممّا بناه رسول اللّه .

قال عبد الرحمن: هل أنّ هؤلاء يريدون الانتهاء بالدّين إلى إنكاره، أم سيستمر وضعهم على التظاهر بالدّين، ثمّ تخريبه من الداخل؟

قال عبد اللّه : لا أشكّ أنّهم يبغون القضاء عليه، وعلى كلّ ما يمتّ إليه بصلة صغيراً كان أم كبيراً، وهذا ما صرّح به معاوية ذات يوم.

قال عبد الرحمن : ومتى؟

قال عبد اللّه : اسمع؛ لقد ذكر مطرف بن المغيرة بن شعبة ، قال: «وفدت مع أبي إلى معاوية، وكان أبي يأتي ويتحدّث معه ثمّ ينصرف، وجاء أبي ذات ليلة من عنده فأمسك عن العشاء، فرأيته مغتمّاً، فظننت أنّه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلت لأبي : ما لي أراك مغتمّاً هذه الليلة؟

فقال يا بنيّ؛ إنّي جئت من عند أخبث الناس .

قلت له: ومن هو؟

قال : معاوية.

ص: 181

قلت : وما ذاك، أي ما الذي حدث؟

قال أبي: «لقد قلت لمعاوية، بعد أن خلوت به، إنّك قد بلغت مناك يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً فإنّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم، فواللّه ما عندهم اليوم شيءتخافه منهم.

فقال لي: «هيهات هيهات، ملك أخو تیم - يقصد أبا بكر - وفعل ما فعل، فواللّه ماعدا أن هلك، فهلك ذكره، إلّا أن يقول قائل : أبوبكر .. ثمّ ملك أخو عدي - يقصد عمر - فاجتهد وشمّر عشر سنين، فواللّه ما عدا أن هلك، فهلك ذكره إلّا أن يقول قائل : عمر.. ثم ملك أخونا عثمان، فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعمل به، فواللّه ما غدا أن هلك، فهلك ذكره وذكر ما فعل به. وإنّ أخا هاشم - يقصد رسول اللّه - يصرّح به في كلّ يوم خمس مرّات : أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه ، فأيّ عمل يبقى مع هذا؟!

ثمّ قال : لا واللّه، إلّا دفناً دفناً، (أي دفناً لذكر رسول اللّه)(1).

قال عبد الرحمن الصالح: الآن أفهم عمق الجراح الذي يحمله الحسين، وشعوره بأنّ عليه مسؤولية إحياء دين الإسلام، وإقامة شرعة اللّه، وبعث الرسالة من جديد، فهل أنّ هدف الحسين من رفض البيعة هو إسقاط حكومة بني أميّة، وإقامة حكومة أهل البيت؟

ص: 182


1- (1) مروج الذهب، للمسعودي، ج 4، ص 49.

قال عبد اللّه بن مسلم : القضيّة أكبر من مسألة إقامة حكومة . من الطبيعي أنّ الحسين يريد إقامة الحقّ، وبسط العدل ، ولكن ذلك لا يعني تحقيق ذلك فقط من خلال الحكومة. فأنبياء اللّه جميعا كانوا يريدون إقامة الحقّ، وبسط العدل ، وتنفيذ حكم اللّه في الأرض، ولكن ليس عبر إقامة سلطة يكونوا هم على رأسها، وإنّما عبر هداية الناس، ودفعهم لتحمّل مسؤولياتهم، وأداء دورهم بأنفسهم، ومنع الظالم من ظلمه، ومواجهة الأشرار ومساعدة الأخيار .. وبالطبع فإنّ هذا لا يتم إلّا من خلال الناس .

قال عبد الرحمن : ولكن في النهاية لابدّ أن تتبلور حركة الناس في سلطة مّا؟

قال عبد اللّه : نعم؛ لابدّ أن تتبلور حركتهم في إقامة نظام عادل، وليس بالضرورة في إقامة سلطة، أو تبديل رئيس بآخر.

فلم يكن أبداً هدف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أن يسلب أبا سفيان سلطته في مكّة، ليعيّن نفسه، أو واحداً ممّن يرضاه، في مكانه، إنّما كان هدف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم هدايةالناس، ومن ثمّ تغيير حياتهم في جميع أبعادها.

إنّ الفرق بين الحسين وبين يزيد هو أنّ يزيد لا يريد إلّا السلطة وليس غير ذلك، أمّا الحسين فإنّه يريد هداية الناس.

قال عبد الرحمن : أتريد أن تقول إنّ يزيد ليس له أيّ مشروع؟

قال عبد اللّه : لا أقصد ذلك، فيزيد عنده مشروع محدّد ومشروعه هو نفسه، ولا يملك رسالة إلّا رسالة النفاق، فهو يريد السلطة فقط.

ص: 183

فقال عبد الرحمن : ألم تقل إنّهم يريدون القضاء على الدّين ، فإذن هذا هو مشروعهم؟

قال عبد اللّه بن مسلم : إنّ يزيد، وكلّ الطغاة في التاريخ يريدون السلطة المطلقة، وهذه السلطة المطلقة تتناقض بالطبع مع الخضوع لسلطة اللّه التي هي جوهر رسالة الأنبياء، كما تتناقض مع حقوق الناس، ولأنّهم يريدون سلطة مطلقة فإنّ مشروعهم هو القضاء على الرأي الآخر، وسحق كلّ من ينادي بشيء مختلف عن آرائهم .

ففرعون كان ضدّ موسی، لماذا؟ لأنّه كان يريد أن تكون سلطته هي سلطة الرّبّ الأعلى، ولأنّ بني إسرائيل لم يقبلوا به کربّ، فقد عذّبهم، ولمّا قال له موسى: (إنّا رسولا ربّك فارسل معنا بني إسرءیل ولا تعذبهم)(1) ، فقد صمّم على قتله.

إنّ فرعون كان يريد بني إسرائيل عبيداً له، وأن لا يروا إلّا ما يراه، وأن يقبلوا منه كلّ ما يدّعي، بما في ذلك أنّه ربّهم الأعلى . هذه هي رسالة جميع الطغاة في التاريخ، وهذا هو مشروعهم.

أما مشروع الأنبياء والأولياء فهو مشروع کامل شامل، وليس الحكومة الصالحة إلّا جزءاً من ذلك المشروع، وليس ذلك هو الهدف النهائي لهم ولا المقصود، كما قال الحسين نفسه في وصيّته إلى محمّد ابن الحنفيّة : «وأنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي صلی الله علیه و آله و سلم»(2). فلا هو «أشر» يريد إثارة الفتن، ولا هو «بطر» يبحث

ص: 184


1- (1) سورة طه، آية 47.
2- (2) بحار الأنوار، للمجلسي، ج 44، ص 329.

عن السلطة والمقام والجاه، إنّما يريد الإصلاح في أمّة جدّه . وهذا الإصلاح له معني شامل، جزء منه يرتبط بإيمانهم وتقواهم وتهذيب نفوسهم، وجزء منه يربتط بمنع الظلم والطغيان وإقامة نظام عادل .

أمّا حصر القضيّة في تغيير الحكومة القائمة واستبدالها بأخرى، فهذا ليس من أهداف الحسين، كما لم يكن ذلك هدفاً لجدّه وأبيه وجميع الأنبياء والأولياء. إنّ هؤلاء لم يكونوا يرغبون في السلطة، ونهضتهم إذا كانت تنتهي إلى سلطتهم، فهم كانوا يقيمون الحقّ بالسلطة، وإذا لم تكن تنتهي إلى الانتصار السياسي والعسكري على العدوّ فكانوا يكتفون بما يحقّقونه من هداية الناس وإصلاحهم.

من هنا فإنّ الأنبياء في الوقت الذي بعثوا: (ليقوم ألنّاس بالقسط )(1)، كما يقول القرآن الكريم فإنّهم كانوا مستعدّين في ذات الوقت أن يقتلوا في سبيل اللّه ، كما يقول القرآن الكريم : (قل هل

تربّصون بنا إلّا إحدى الحسنيبن)(2) ، فبالنسبة إليهم الأمر سيّان: أن ينتصروا، أو يقتلوا.

قال عبد الرحمن : أتريد أن تقول إنّ الأمر الآن بالنسبة إلى الحسين سیّان أيضاً، وأنّ رفضه البيعة حاليا واستجابته لأهل الكوفة ، وإرساله الرسائل إلى زعماء المؤمنين، لا يعني أنّه يبحث بالضرورة عن النصر على بني أميّة وإسقاط سلطتهم؟

قال عبد اللّه : تماما؛ فالحسين يريد ما أراده الأنبياء، وهدفه هو أهدافهم في إحقاق الحقّ، وإماتة الباطل، والعمل بالعدل،

ص: 185


1- (1) سورة الحديد، آية 25.
2- (2) سورة التوبة، آية 52.

وإحياء النّفوس، وهداية الناس، ورفع الأخيار، ودفع الأشرار، وحمل المؤمنين على أداء واجباتهم في الدفاع عن الحقّ، ومساعدة المظلومين والمضطهدين، ومعاقبة الظالمين .

فعلى عكس الطغاة الذين يتصرّفون بدلاً عن الناس، ويقرّرون نيابة عنهم، بل ونيابة عنهم يفكّرون، ونيابة عنهم يأكلون ويشربون ويتمتّعون في الحياة، من دون أن يكون أي خيار للناس، فإنّ أولياء اللّه بالعكس من ذلك لا يريدون أن يكونوا بدائل عن الناس . فحينما يقول لهم البعض بأن تعالوا واستلموا السلطة وقرّروا ما تريدون، وافعلوا ما ترغبون، فإنّهم يطلبون منهم أن يشاركوهم في العمل، ومن ثمّ فإنّهم يحرّمون على أنفسهم متاع الدّنيا لكي يتمتّع به الناس، وشعارهم هو:(قل لا أسئلکم عليه أجراً ، لأنّ اللّه اشترط عليهم الزهد في درجات هذه الدّنيا الدنيّة، فشرطوا له ذلك.

فإذا بويع أحدهم إمامة للأمّة، وأصبحت السلطة کلّها في يده ، فإنّه لا يكتفي بإصدار القرارات، ولا يجبر أحداً على إطاعته، بل يفرض على نفسه أن يتساوى مع ضعفة خلق اللّه ، لكي لا يتبيّغ بالفقير فقره. وهذا يشمل كلّ مناحي الحياة بما في ذلك السلطة ؛ أي أنّهم لن يستغنوا حتّى يبتلوا بالطغيان، حيث : کلّا إنّ الإنسن ليطغی * أن رّءاه استغنی) (1). وفي سلتطهم يبقى القرار هو قرار الجميع، وليس قرار الفرد، والمال مال الجميع وليس الفرد، والسلطة سلطة الجميع وليس الفرد، والحقّ حقّ الجميع وليس حقّ الفرد، ولذلك لا يسمح أحد من أولياء اللّه لنفسه أن يظلم إنساناً واحداً، بل ولا نملة، كما

ص: 186


1- (1) سورة العلق، الآيتان 6. 7.

قال علیّ علیه السلام من قبل : «واللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت»(1).

***

ص: 187


1- (1) نهج البلاغه، خطبة رقم 224.

حاكم العراقين يصل الكوفة متعطشاً للدّم والانتقام

تعيين ابن زیاد حاكماً على الكوفة والبصرة كان يعني أمراً واحداً، وهو عزم السلطة على استخدام العنف وإراقة الدم الحرام.

وكان ابن زیاد يعرف مهمّته تماماً، فالمطلوب منه أن يشنّ حرباً لا هوادة فيها على أهل بیت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، ولعلّ أركان السلطة کلّها كانوا يرونها اللحظة المناسبة للقضاء على أهل بيت النبيّ، جسديّاً واجتماعياً وسياسياً . فرسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كان قد ارتحل عن هذه الحياة قبل نصف قرن، والإمام علي علیه السلام كان قد قتل، وعدوّه معاوية عمل على تغيير النسيج الاجتماعي خلال عشرين عاماً، بما يتلاءم مع مشروع بني أميّة في إفراغ هذا الدّين من محتواه، وجعل الصلاة ضدّ الصلاة، والصوم ضدّ الصوم، والحجّ ضدّ الحجّ، من خلال التظاهر بشعاراته والعمل ضدّ قراراته ، ولم يبق من أهل البيت إلّا الحسين علیه السلام وعدد قليل من إخوته وأولاده و أبناء عمومته، ولذلك فإنّ القضاء عليهم، عبر استغلال رفضه للبيعة، بعد أن خيّروه بين السلّة والذلّة، ذريعة لقتله وقتل من معه، كان ذلك يعني إتمام الفصل الأخير من مشروع بني أميّة، وهو

ص: 188

القضاء على رسالة النّبي صلی الله علیه و آله و سلم من خلال القضاء على أهل بيته المدافعين عنها، ثمّ بعد ذلك القضاء على الدّين كلّه.

وكما نعرف فإنّ قيام أيّة سلطة ظالمة بتصفية خصم من الخصوم جسديّاً لن يقتصر على إراقة دمه وقتله، وإنّما يمتد ليشمل شن حرب إعلاميّة واسعة ضد أهدافه أيضاً، ومن ثمّ القضاء على مشروعه .. وهذا ما كان يفعله معاوية بن أبي سفيان. فبعد مقتل الإمام عليّ سنّ سبّ الإمام على المنابر، ومنع الحديث عنه ومنه ، وكان مجرّد التسمية باسمه يعدّ جريمة كبرى يعاقب عليها صاحبها ، ولذلك فإنّ الإمام الحسين سلام الله عليه سمّى كلّ أولاده عليّا : عليّ الأكبر، وعليّ الأوسط، وعليّ الأصغر، لأنّ الإمام هو وحده الذي كان قادراً على أن يسمّي أولاده باسم عليّ، وإلّا فإنّ الدولة قد منعت هذا الاسم من التداول.

وهكذا فإنّ القضاء على الحسين لم يكن ليقتصر على قتله وإراقة دمه، وإنّما سيشمل القضاء على هذه البصيرة في الدّين والرؤية للرسالة، ومن ثمّ القضاء على امتداد الرسالات السماوية بكلّ ما تعني الكلمة.

*

في لقائهما اليومي تداول عبد الرحمن الصالح وعبد اللّه بن مسلم الأخبار عمّا يجري في الساحة، بعد أن بدأت السلطة تتحرّك على طريقة الطغاة في ردّ الكلمة بالسيف، واستخدام البطش بمن يخالفهم والتنكيل بهم، فجرى الحديث عمّا يجري في البصرة والكوفة.

فقال عبد الرحمن لصاحبه: ما هي أخبارك من هناك ؟

ص: 189

قال عبد اللّه بن مسلم : إنّ ابن زیاد بعد أن عيّن أخاه عثمان بن زیاد نائباً له على البصرة، خرج هو ومعه إثنا عشر من كبار القوم، منهم المنذر بن الجارود العبدي، وشريك بن الأعور الحارثي، ومسلم بن عمر الباهلي، ومعه مئات من الحراس والخدم والحشم والغلمان والحرّاس، حتّى قيل أنّ عددهم تجاوز خمسمائة شخص (1).

وأخذ يجدّ السير حتّى يصل في أقرب وقت ممكن إلى الكوفة، ويصفّي ما فيها من جيوب الموالين لأهل البيت سلام الله عليهم، ومن ثمّ يستعد لمواجهة الحسين عليه السلام من هناك .

وبما أنّ الجبهات لم تكن قد فرزت بعد، فإنّ بعض من خرج مع عبيد اللّه بن زیاد لم يكن في الحقيقة موالياً لبني أميّة، بل العكس من ذلك. فمثلاً كان شريك بن الأعور الحارثي، ممّن يرجو أن يصل الحسين إلى الكوفة قبل ابن زیاد، وأن يستتب الأمر له.

قال عبد الرحمن الصالح: أليس هذا أمراً غريباً، أن يكون حول عبيد اللّه بن زیاد رجال يوالون أهل البيت؟

قال عبد اللّه : ليس هذا بغريب، فقد جبلت النّفوس على حبّ الخير وبغض الشرّ، إلّا أنّ هذا لا يعني أنّ مواقف الرجال تتبع ما جبلت عليه نفوسهم، فربّما يكون حول الطاغوت من يكرهه أشدّ الكره، ويحبّ أعدائه، لكنّه يتصرّف بخلاف ما يحبّ ويكره .

وعلى كلّ حال، فإنّ الذين خرجوا مع عبيد اللّه بن زیاد لم يكونوا مثله يحثّون السير إلى الكوفة، بل إنّ بعضهم كان - كما قلت ۔

ص: 190


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 359.

يتمنّى أن يتأخّر ابن زیاد حتّى يصل الحسين أوّلاً إلى هناك، وتستتب له الأمور.

ولشدّة السعي من قبل ابن زیاد، الذي كان يتمتّع بصحّة جيّدة حينئذ، فإنّ كثيرين من الذين كانوا معه سقطوا في الطريق، وأوّل من سقط هو شريك بن الأعور، وكان هؤلاء يتوقّعون أن يقف ابن زیاد عليهم، وينتظرهم حتّى يصحو صاحبهم ويتحرّكوا معه، رغبة منهم في أن يسبقه الحسين إلى الكوفة، لكن ابن زیاد لم يقف على أحد منهم(1).

ويقال أنّ بعض من كانوا معه من الرجال كان ربّما يتمارض في الطريق، ليحبس ابن زیاد عن الجدّ في المسير، ولكنّه لم يكن يأبه بمن معه. وحتّى الذين كان يعتمد عليهم عندما سقطوا لم يتوقّف، فهذا مولاه «مهران» سقط في منطقة القادسيّة، فقال له ابن زیاد : «إن أمسكت على هذه الحال، وجئت معنا فتنظر في القصر - أي تستريح هناك - فلك مائة ألف.

قال مهران : واللّه لا أستطيع، فتركه عبيد اللّه في مكانه، وتأخّر مهران عنه هناك (2).

*

قال عبد الرحمن : وماذا عن وصول عبید اللّه بن زیاد إلى الكوفة؟

قال عبد اللّه بن مسلم : وصلتنا أخباره، فإنّه تحايل على

ص: 191


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 268.
2- (2) مقتل الحسين، للمقرم، ص 170؛ ونهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص 389.

الناس، فقد دخل الكوفة بطريقة توحي وكأنّه هو الحسين بن علي عليهماالسلام الذي ينتظره المؤمنون، إذ دخلها ممّا يلي البرّ، وهو الطرف الذي يأتي منه أهل الحجاز، وكانت عليه ثياب بيض وعمامة سوداء، وكان متلثّماً على طريقة أهل الحجاز. وكان يركب بغلة شهباء وبيده قضيب من خیزران، وكان أصحابه الخمسمائة من خلفه، واختار أن يكون دخوله الكوفة عند العشيّة، كما دخل إخوة يوسف علیه السلام على أبيهم عشاءاً يبكون، حتّى لا تعرف ملا محمهم إن كانوا يبكون أو يتباكون، فصار ابن زیاد لا يمرّ على ملا من الناس إلّا ويسلّم عليهم بقضيبه وهم يظنّون أنّه الحسین، فيقولون له:قدمت خیر مقدم یابن بنت رسول الله(1) .

وكان بعض الناس يقبّلون يده ورجله(2) .

ولمّا رأى ابن زیاد استبشار الناس بالحسين ساءه ذلك، وقال

لمن حوله : ما أشدّ ما فسد هؤلاء.

فلمّا قرب من قصر الإمارة التفت مسلم بن عمرو الباهلي إلى الناس الذين جاؤوا إليه ظنّاً منهم أنّه الحسين، وقال لهم: تأخّروا، يا ويلكم عن وجه الأمير، فليس هو ظنّكم ولا طلبتكم - أي أنّه ليس هو الحسين الذي تطلبون -.

فتوجّه ابن زیاد إلى قصر الإمارة، وكانت الأخبار قد وصلت

ص: 192


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 348؛ وتهذيب التهذيب، لابن حجر، ج 2، ص 349.
2- (2) سير أعلام النبلاء، للذهبي، ج 3، ص 201.

إلى النعمان بن البشير، والي الكوفة، بأنّ الحسين قد قدم ومعه خلق كثير .

فلمّا انتهى إلى باب القصر ظنّه النعمان أنّه الحسین، فأغلق باب القصر وقال : ما أنّا بمسلّم إليك أمانتي، وما لي في قتالك من حاجة(1).

فأسفر ابن زیاد عن وجهه وقال : يا نعمان؛ حصّنت قصرك، وتركت مصرك. افتح الباب، لا فتحت، فقد طال ليلك (2).

فتأكّد الناس الذين ظنّوه الحسين أنّه ابن زیاد، ونادوا: إنّه ابن مرجانة، والذي لا إله غيره.

فقال بعض الحاضرين: ويحك ؛ إنّما هو الحسين .

قال: لا؛ إنّه ابن مرجانة.

ففتح له النعمان ابن بشير باب القصر، فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس فانفضوا (3).

*

قال عبد الرحمن : وما الذي جرى للناس؟

قال عبد الله بن مسلم : خيبة أمل، فقد دخلهم من ذلك كآبة وحزن شدید(4).

ص: 193


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 269.
2- (2) مقتل أبي مخنف، ص 25.
3- (3) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 360.
4- (4) التاريخ للطبري، ج 5، ص 358.

فقال عبد الرحمن ما عدا إظهار الحزن، هل قام أحد منهم بأي فعل؟

قال عبد اللّه : نعم، فإنّ بعض الذين ظنّوه الحسين في البداية ثمّ اكتشفوا أنّه ابن مرجانة حصبوه بالحصباء(1).

لكنّه لم يصب بأذىً كبير .

أمّا في داخل القصر فقد جرى التبديل والتبادل بهدوء، حيث استلم عبيد اللّه بن زياد الولاية من نعمان بن بشير، بعد أن عاتبه عتاباً شديداً على عدم أخذ الناس بالعنف والشّدّة، كما كان يتوقّع یزید بن معاوية منه.

وفي اليوم التالي نادوا في الناس، حتّى يحضروا في المسجد الأعظم، وحينما امتلأ المكان بهم خرج عبيد اللّه بن زیاد إلى المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد، فإنّ أمير المؤمنين ولّاني مصرکم وثغركم، وأمرني بقسم فيئكم فيكم، وإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشّدّة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متّبع فيكم أمره، ومنفّذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البرّ، وسوطي وسيفي على من ترك أمري، وخالف عهدي، فليبق امریء على نفسه، الصدق ينبأ عنك لا الوعيد»، ثمّ نزل (2).

وبهذه الخطبة كشف للناس أنّ يده مفتوحة لاستخدام السيف والمال، فهو سيقسّم الفيء فيهم، ويحسن إلى مطيعهم، ويأخذ

ص: 194


1- (1) مروج الذهب، للمسعودي، ج 3، ص 67.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 358.

مريبهم بشدّة، وفي كلامه «ليبق امریء على نفسه»، تهدید صریح بالقتل والموت لكلّ من يخالف سلطة بني أميّة .

أمّا النعمان بن البشير فقد ارتحل نحو وطنه بالشام(1) .

*

من جانبه، لم يكتف ابن زیاد بإلقاء الخطاب في المسجد الكبير، وتهديد الناس بالموت، وتطميعهم بالمال، وإنّما قام بمجموعة من الخطوات العمليّة، فأوّلاً أخذ العرفاء أخذاً شديداً واجتمع بهم وقال: «اكتبوا إلىّ الغرباء، ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين، ومن فيكم من الخوارج، وأهل الريب الذين رأيهم الخلاف والشقاق، فمن كتب منهم لنا فبريء، ومن لم يكتب لنا أحداً فيضمن لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغي علينا منهم باغ، فمن لم يفعل برئت منه الذمّة، وحلال لنا ماله، وسفك دمه، وأيّما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنین أحد، لم يرفعه إلينا صلب على باب داره،وألغيت تلك العرافة من العطاء، وسيّر إلى موضع بعمّان الزارة»(2).

وثانياً، زاد من أعطيات الشرطة، وزاد من عدد الجنود والحرس أكثر بكثير ممّا كانوا موجودين في الدولة، وبثّ الكثير منهم التفتيش البيوت، ومن ثمّ بسط الرعب في النّفوس، كما بدأ حرباً نفسيّة من خلال بثّ الدعايات يومياً بأنّ جيش الشام قادم، حيث كان يأمر مناديه أن ينادي في قبائل العرب : أن أثبتوا على بيعة يزيد ،

ص: 195


1- (1) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 234.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 359.

قبل أن يبعث إليكم من الشام رجالاً يقتلون رجالكم، ويسبون حريمكم(1) .

وهكذا فإنّ عبيد اللّه بن زیاد بدأ الهجوم على كلّ من يعارض بيعة يزيد، أو يؤيد مسلم بن عقیل، أو كتب رسالة إلى الحسين ، وأمر بزيادة الأعطيات لرؤساء القبائل وزعماء الجند، وشکّل بالإضافة إلى ذلك مجموعات صغيرة، وأمرهم بأن يذهبوا إلى القبائل ويتظاهروا بأنّهم مع الحسين بن عليّ، ويطلبوا منهم البيعة للحسين، فمن بايع منهم كتبوا إلى ابن زیاد باسمه واسم من معه، ومن رفض البيعة قتلوا منهم واحداً أو اثنين ليزيد حقدهم على أهل البيت عليه السلام .

***

ص: 196


1- (1) مقتل أبي مخنف، ص 25.

بداية المواجهة بين مبعوث الحسين ال ووالي يزيد

اضطرب أمر الناس في الكوفة بعد نشر الرعب فيها بقيام عبيد اللّه بن زياد بإعلان الأحكام العرفيّة ، حيث نصب على مفارق الأزقّة رجالاً يفتشون الناس، ومعهم قوائم بأسماء من تطلبهم السلطة، كما أمر بأخذ الغرباء ووضع حراسات على مداخل المدينة ومخارجها، وكان يجتمع على مدار اليوم بمن له هوى في بني أميّة ، ويصدّر لهم الأوامر بما يجب عليهم أن يفعلوه، كما عمد إلى بيت المال وفرّغه على الزعماء ورؤساء القبائل وكبار القوم، وزاد من عدد السجون.

وكانت أوامره الأوليّة تقضي باعتقال كلّ من يظن فيه الخطر، فأخذت البيوت تمتلاً واحدة بعد أخرى بالمسجونين .

من جانبه سمع مسلم بن عقيل بكلّ ما كان يجري، فخرج من الدار التي كان فيها في جوف اللّيل، حتّى أتی دار هاني بن عروة المذحجي، وكان من أشراف أهل الكوفة، وشيخ قبيلة مراد وزعيمها، فدخل عليه ، فلمّا رآه هاني قام إليه وقال : ما ورائك؟

قال مسلم: ورائي ما علمت، هذا عبيد اللّه بن زياد قد قدم الكوفة، وقد أقبلت إليك لتجيرني، وتأويني حتّى أنظر إلى ما يكون .

ص: 197

فقال هاني بن عروة : «رحمك اللّه ؛ لولا دخولك داري وثقتك لأحببت أن تخرج عنّي، غير أنّه يأخذني من ذلك ذمام، فأنزل على بركة اللّه» .

فدخل مسلم واستقرّ به الدار، لكنّه لم يكتف بانتقاله إلى هناك، فلم يكن قد اختفى في دار هاني بن عروة حفاظاً على نفسه ، بل جاء إلى هناك لكي يستمرّ في عمله، فكان يأتي إليه من يوثّقه أصحابه المقرّبون إليه، فيبايع الحسين من خلاله(1).

وبلغ مجموع من بایع مسلم منذ دخوله الكوفة أكثر من ثمانية عشر ألفا(2).

ومع بيعة هذا العدد الكبير من الناس الذين أتوه فرادی وجماعات، والإعلان عن ولائهم للحسين علیه السلام واستعدادهم للدفاع عن أهل البيت، فإنّ مسلم بن عقیل کتب رسالة أرسلها مع عابس بن شبيب الشاكري إلى الحسين يقول له فيها :

بسم الله الرحمن الرحیم

«أمّا بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإنّ الناس معك، ليس لهم في آل أبي سفيان رأي، والسّلام»(3).

*

ص: 198


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 68؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 200.
2- (2) العوالم، للبحراني، ج17، ص 192؛ والسيرة النبوية، لابن حبان، ج2، ص 307.
3- (3) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 243؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 375.

في فناء الكعبة التقى عبد الرحمن الصالح بعبد اللّه بن مسلم وأخذا يتدارسان الأوضاع، فقال عبد اللّه : هل تعرف ماذا يحدث الآن في الكوفة؟

قال عبد الرحمن : لا.

قال عبد اللّه بن مسلم: لقد أصبحت هنالك حكومتان في الكوفة، واحدة ظاهرة يرأسها عبيد اللّه بن زياد، ويسخّر فيها كلّ موارد الدولة لمواجهة حركة أهل البيت، والأخرى هي المسلم بن عقيل، بعد بيعة عدد كبير له، ففي الخفاء هناك حركة نشطة من المؤمنين في جمع أكبر عدد ممكن من البيعة للإمام الحسين من خلال مسلم بن عقیل .

قال عبد الرحمن: وهل ستقع المواجهة بين هاتين الحكومتين؟

قال عبد اللّه بن مسلم : بحسب ظاهر الأمور، فإنّ مسلم بن عقيل لا يعد العدّة للمواجهة بالسلاح مع عبيد اللّه بن زیاد، إنّما مهمّته أن يستطلع الأوضاع، وأن يكتب إلى الإمام الحسين ما يجري هناك، فلم يكلّف، بحسب رسالة الحسين له ولأهل الكوفة، بالقيام بالمواجهة .

قال عبد الرحمن : ماذا لو أنّ عبيد اللّه بن زیاد هو الذي قرّر الهجوم على مسلم؟

قال عبد اللّه : لكلّ حادثة حديث، وأظن أنّ مسلم سيدافع عن نفسه شخصيّاً ، فهو لم يذهب إلى هناك ليجمع المال والسلاح، ولم يرشح أيّ خبر بأنّه يهیّأ رجاله لمواجهة مسلّحة مع السلطة القائمة، لأنّ أهل البيت سلام اللّه عليهم، مثل الأنبياء لا يجعلون الحرب في

ص: 199

أولويات عملهم، ولا القتال وسيلة لهداية الناس، إنّما السيف عندهم في مواجهة السيف، والقوة لمواجهة القوّة .

قال عبد الرحمن : ولکن رسول اللّه حارب أعدائه، وكذلك فعل الإمام علي؟

قال عبد اللّه : ومن قبلهما فإنّ الأنبياء أيضأ قاتلوا.(و کأیّن مّن نّبیّ قتل معه ربّیّون کثیر)(1)، لكنّهم لم يقاتلوا الناس لكي يؤمنوا باللّه وشرائعه. وحتّى رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم لم يفرض على أهل المدينة حينما هاجر إليها أن يؤمنوا به، ولا فرض على أهل مكّة بعد أن فتحها أن يؤمنوا بدينه ، وحتّى أولئك الذين وقفوا على الحياد وتركوا قتال رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، فإنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم اعتبرهم من المؤلّفة قلوبهم، ووزع عليهم الغنائم لكي يكسب قلوبهم، لعلّهم يميلوا إلى دين اللّه باختيارهم.

غير أنّ هذا لا يعني أنّ الأنبياء والأولياء يخضعون لمنطق القوّة من قبل أعدائهم، بل أنّهم يدفعون الشرّ بمثله، (فمن أعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)(2). فكما يقول الإمام عليّ علیه السلام : «ردّوا الحجر من حيث جاء، فإنّ الشرّ لا يدفعه إلّا الشرّ»(3). فهم يسالمون من يسالمهم، ويقاومون من يريد أن يفرض عليهم الكفر والشّرك والظلم والطغيان والعصيان. وليس مسلم بن عقيل مستثنی منهم، فالأخبار التي تأتي من هناك تقول إنّ مسلم بن عقیل لم يستخدم السلاح في أفضل الحالات التي كان فيها، في الوقت الذي

ص: 200


1- (1) سورة آل عمران، آية 146.
2- (2) سورة البقرة، آية 194.
3- (3) نهج البلاغة، حكمة 314.

كانت السلطة في أضعف حالاتها؛ فلا هو حاول أن يقتحم دار الإمارة، ولا أعلن الحرب على عبيد اللّه بن زياد في بداية دخوله الكوفة، مع أنّه كان يملك الكثير من السلاح والرجال، لأنّ أولياء اللّه يقاتلون في سبيل اللّه، والذين كفروا يقتلون في سبيل الطاغوت . وأولياء اللّه ملتزمون بقيمهم ومبادئهم حتى في أحلك الظروف، ويرفضون مبدأ «أنّ الغاية تبرّر الوسيلة»، بل يرون أنّ الغاية تحدّد الوسائل وتقيدها.

ألم تر كيف أنّ الإمام عليّ عليه السلام فوّت على نفسه فرصاً كثيرة للانتصار، لأنّه رفض أوّلاً البدأ بالقتال، وثانياً التزم بالأخلاقيات في أشد الحالات، وقدم مبادئه وقيمه على إحراز الانتصار، وكان يصرّح

قائلاً:

«أتأمروني أن أطلب النصر بالجور»(1)؟ ويقول: «ما ظفر من ظفر الإثم به»(2) .

ففي معركة صفّين سنحت له فرصة أن يقضي على واحد من أشدّ أعدائه، وأكثرهم حيلة ومكراً، وهو عمرو بن العاص ، لكنّ الرجل كشف عن عورته فالتزم الإمام عليّ علیه السلام بالحياء وترك عمرو بن العاص يهرب من تحت سيف ذي الفقار، بادياً سوأته للريح. ولو أنّ الإمام علیه السلام كان يبادره بضربة من سيفه ، الذي ما ضرب به أحداً إلّا وسقى الأرض من دمه، وشقّه من رأسه إلى عورته، لما كان عند أحد ملوماً، لكن عليّاً يختلف

ص: 201


1- (1) نهج البلاغه، خطبة رقم 126.
2- (2) نهج البلاغة، حكمة رقم 327.

عن غيره في أخلاقيّاته، ومناقبيّاته، والتزاماته، وكرمه ، وشجاعته ، وعطائه .

وعندما كان يقول لأصحابه أنّ ابن ملجم هو الذي سوف يقتله، فيقولون له: فلم لا تقتله؟ يقول : إن اللّه لا يعذّب العبد حتى تقع منه المعصية .

وتارة يقول: فمن يقتلني ؟(1) أو يقول : أقصاص قبل الجناية؟

وحينما قال له بعضهم: يا أمير المؤمنين، أخبرنا بالذي يخضب هذه من هذه (أي قاتلکّ) نبید عشيرته. فقال علیه السلام : إذاً واللّه تقتلون به غير قاتلي (2).

وهكذا هو مسلم بن عقيل، فهو يرفض أن يطلب النصر بالجور، فلا يبادر إلى قتال أحد، ولا يتوسّل بوسائل مثل الغدر والاغتيال.

وهذا بالفعل ما حدث عندما سنحت له الفرصة، لكي يغتال ابن زیاد ولم يفعل.. فقد تعرّض شريك بن الأعور البصري، الذي صحب عبيد اللّه بن زياد في طريقه من البصرة إلى الكوفة، للمرض فنزل عند هاني بن عروة، وكان متوقّعاً أن يقوم عبيد اللّه بن زیاد بزيارته في دار هاني، حيث كان مسلم بن عقیل نازلاً عنده متخفّياً .

وعندما أرسل ابن زیاد من يذكر له أنّه سيأتيه عائداً ، قال شريك بن الأعور لمسلم بن عقیل : «إنّما غايتك هلاك هذا الطاغية ، وقد أمكنك اللّه منه، فهو يأتي إلىّ ليعودني، فقم، فادخل الخزانة

ص: 202


1- (1) مدينة المعاجز، للسيد هاشم البحراني، ج 3، ص 42.
2- (2) بحار الأنوار، للمجلسي، ج 42، ص 196.

حتّى إذا اطمأن عندي فاخرج إليه فاقتله ، ثمّ اذهب إلى قصر الإمارة فاجلس فيه، فإنّه لا ينازعك فيها أحد من الناس، فإن رزقني اللّه العافية ذهبت إلى البصرة فكفيتك أمرها، وبايع لك أهلها».

فقال هاني بن عروة : ما أحبّ أن يقتل ابن زياد في داري .

فقال له شريك بن الأعور: ولماذا؟ فواللّه إنّ قتله لقربان إلى اللّه .

ثمّ التفت إلى مسلم وقال : لا تقصّرنّ في ذلك.

فبينما كانوا هم يتحدّثون في هذا الموضوع، إذ قيل لهم: إنّ الأمير بالباب.

فدخل مسلم بن عقيل الخزانة، وجاء عبيد اللّه بن زياد ودخل على شريك، فسلّم عليه، وبدأ يسأله عمّا يشتكي منه.

فلمّا طال سؤاله إيّاه استبطأ شريك بن الأعور خروج مسلم بن عقيل لقتله، فجعل يقرأ أبياتاً من الشعر يقول فيها :

ما الانتظار بسلمي لا تحيّيها * حیّوا سليمى وحيّوا من يحيّيها

هل شربة عذبة تسقى على ظمأ * ولو تلفت وكانت منیّتي فيها

فإن أحسّت سلیمی منك داهية * فلست تأمن يوما من دواهيها

وجعل يردّد هذه الأبيات، ويخلع عمامته ويضعها على الأرض، ثمّ يضعها على رأسه، ثمّ يضعها على الأرض، ويقول : «إسقنيها وإن كانت فيها نفسي»، وكرّر ذلك مرّتين أو ثلاثة .

فقال عبيد الله لهاني بن عروة : أترونه يهجر؟

فقال له هاني: نعم، أصلحك اللّه ، ما زال هذا ديدنه منذ الصباح.

ص: 203

ثمّ إنّ عبيد اللّه قام وانصرف، فخرج مسلم من الخزانة، فقال له شريك معاتباً : ما منعك من قتله؟

قال مسلم : «منعني من ذلك خلّتان، إحداهما قول رسول الله : «إنّ الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن».. والثانية ، كراهة هاني أن يقتل الرجل في داره .

فقال شريك بن الأعور: «أما واللّه، لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً غادراً، ولاستقام لك أمرك».

وأضاف: «ما رأيت أحداً أمكنته فرصة فتركها إلّا أخذته ندماً

وحسرة، وأنت أعلم»(1).

*

وهكذا فإنّ مسلم بن عقیل رفض أن يقتل عدوّه بطريقة الفتك والاغتيال، مع أنّها كانت ضربة سهلة بالنسبة إليه، وعظيمة التأثير بالنسبة إلى مصيره. فعبيد اللّه بن زیاد، كما قال شريك بن الأعور، كان رجلا غادراً وفاسقاً، لا يرقب في اللّه إلّا ولا ذمّة، غير أنّ الأيمان قيد الفتك عند مسلم بن عقيل، ولا يطلب النصر بالجور.

قال عبد الرحمن الصالح: وما الذي حدث لشريك بن الأعور؟

قال عبد اللّه : إنّ الرجل مات بعد ذلك بثلاثة أيّام، فصلّى عليه عبيد اللّه بن زياد، ودفنه إلى جنب أبيه في المقبرة (2).

ص: 204


1- (1) أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 2، ص 79؛ والأخبار الطوال، للدينوري، ص 236؛ ومقاتل الطالبيين، لأبي الفرج، ص 65.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 364.

قال عبد الرحمن : يوماً بعد يوم يكتشف الناس فعلاً أنّ لهذا الدّين معركتين: معركة ضدّ الكفر والشرك، والتي قادها رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، وأبت إرادة اللّه إلّا أن ينتصر فيها نبيّه الكريم . ومعركة أخرى مع النفاق والكفر المبطّن، والتي يقودها أهل البيت منذ وفاة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم .

. قال عبد اللّه : والمعركة الأولى أيضاً كان أهل البيت هم الذين وقفوا فيها مع النبيّ، فكان علي عليه السلام سيف رسول الله المسلول، وعضده المفتول، وسنده الأوّل، وبه نجّاه اللّه في ليلة الهجرة، وبه دفع اللّه شرّ قريش في معركة بدر، وبه كفى الله المؤمنين القتال في معركة الأحزاب .. فأهل بيت النبي صلی الله علیه و آله و سلم هم الذين يعرفون قدر نبيّهم وقدر هذا الدّين، ويقفون معه، ويضحّون من أجله، لا يريدون أجراً على ما يتحمّلون، فلم يحصلوا في مقابل ما تحمّلوه إلا العنت والعذاب والهجرة والقتل، هم رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه ، صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه ، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلاً .

وبينما كان عبد اللّه بن مسلم وعبد الرحمن الصالح يتحدّثان عن ذلك، وإذا بشخص كان يجلس ورائهم ويسمع كلامهم التفت إليهما، وقال: باللّه عليكما، وبحقّ هذه الكعبة، عمّا تتحدّثان؟

فقال عبد اللّه بن مسلم : لا حاجة إلى الحلف، نتحدّث عن الحسين ويزيد، وعن أهل البيت وبني أميّة، وعن المؤمنين حقّا وعن المنافقين .

قال الرجل: يا هذا، إنّه خلاف في داخل الأمّة ما بين مسلم وآخر، فهذا من مصادیق ما قال عنه ربّنا في كتابه : (وإن طائفتان من

ص: 205

المؤمنين أقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحدهما على الأخرى فقتلوا ألّتي تبغي حتّی تفيء إلى أمر اللّه)(1)(1) سورة الحجرات، آية 9. (2).

قال عبد اللّه بن مسلم : ليس هذا من مصادیق الآية .

قال الرجل : ألا تعتبر أنّ أبا سفيان ومعاوية ويزيد هم من المؤمنين؟

قال عبد اللّه بن مسلم: انظر یا رجل، لو أخذنا تاريخ هؤلاء الثلاثة الذين ذكرتهم، وتاريخ النبيّ وعليّ، ثمّ الحسن، والآن الحسين، فما الذي نرى؟

حينما بعث اللّه نبيّه برسالة هذا الدّين وقف في وجهه أبو سفیان بن حرب، وكان هو شيخ المؤلّبين على رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وزعيم المحاربين لدعوته، ولم تكن هنالك غزوة من الغزوات إلّا وكان لأبي سفيان دور أساسي في تأليب القبائل ضد النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، وجمع الأموال لمحاربته.

وقد استمر في قيادة قريش في حربها للنبيّ، ومنازلة المهاجرين والأنصار، إلى أن فتح اللّه مكّة لنبيّه، وأعلن أبو سفيان إسلامه لكي يحقن دمه ، ومع ذلك حينما نظر إلى جيوش المسلمين قال لعبّاس بن عبد المطّلب : واللّه يا أبا الفضل؛ لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً !

فقال له العبّاس: إنّها النّبوّة .

ص: 206


1-
2-

فهو حتى بعد إعلانه للإسلام يعتبره ملكاً لا نبوّة، ولذلك قال: نعم، إذن(1).

أمّا إسلام ابنه معاوية فكان كإسلام أبيه بعد فتح مكّة، وكان أقصر إسلام عرفه المسلمون بعد فتح مكّة، حتّى أنّ أمّ معاوية هند بنت عتبة كانت تصيح في القوم بعد إسلام أبي سفيان: «أقتلوا الخبيث الدنس الذي لا خير فيه، قبح من طليعة قوم، هلّا قاتلتم ودفعتم عن أنفسكم وبلادكم»(2)؟

وبقي أبو سفيان إلى ما بعد إسلامه زمنا يعتبر غلبة الإسلام على الجاهليّة يعتبرها غلبة على نفسه، فقد نظر إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم مرّة وهو في المسجد، وقال : ليت شعري، بأيّ شيء غلبني؟

فلم يخف على النبي صلی الله علیه و آله و سلم معنى كلامه، فأقبل عليه حتّى ضرب بين كتفيه وقال له : باللّه غلبتك يا أبا سفيان(3).

وحتّى في غزوة حنين حينما انهزم المسلمون في البداية أخذ أبو سفيان يقول: ما أراهم يقفون دون البحر؟ متمنّياً هزيمة المسلمين (4).

وكان في حروب الشام يهتف كلّما تقدّم الرّوم: إيه يا بني الأصفر .. فإذا تراجعوا عاد فقال : ويل لبني الأصفر (5)

ص: 207


1- (1) الكامل في التاريخ، لابن الأثير، ج 2، ص 166؛ والسيرة النبوية، لابن هشام، ج4، ص 53.
2- (2) أعلام الوری، ج 2، ص 223؛ والبداية والنهاية، ج4، ص291.
3- (3) البداية والنهاية، ج 4، ص 304.
4- (4) التاريخ، لليعقوبي، ج 2، ص 62؛ والنصائح الكافية، ص110.
5- (5) الأغاني، لأبي الفرج، ج 6، ص 333.

قال الرجل : ولكن النبيّ في فتح مكّة قال : «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن(1) .

قال عبد الله بن مسلم : هذا فضل لرسول اللّه، وليس فضلا لأبي سفيان. فالنبي صلی الله علیه و آله و سلم لم يكن ينظر إلى خصومته مع أبي سفيان نظرة شخصيّة ولم يكن يدافع فيها عن مصالح قومه، بل كان يدافع عن دين اللّه، ومن ثمّ فاعتبر كلّ من يذهب إلى دار هذا الرجل، أو يغلق على نفسه الدار، أو يذهب إلى بيت اللّه فهو آمن. لم يكن النبيّ يريد أن يقاتل أساساً، وقد أمر عليا عليه السلام أن ينادي : اليوم يوم المرحمة، اليوم تحمي الحرمة.

فأقام النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم أبا سفيان على رأس المؤلّفة قلوبهم، الذين زاد لهم العطاء عسى أن يذهب ما في نفوسهم من كراهية لغلبة الإسلام، ومع هذا كان المسلمون يتوجّسون خيفة من أبي سفيان، فلا ينظرون إليه ولا يقاعدونه، حتّى برم من ذلك وتوسّل إلى النبي صلی الله علیه و آله و سلم أن يجعل معاوية كاتباً بين يديه .

وبعد وفاة النبي صلی الله علیه و آله و سلم ومبايعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، كان أبو سفيان يحاول أن يدفع المسلمين إلى الاقتتال فيما بينهم، فقد جاء إلى عليّ والعبّاس وقال: «يا عليّ وأنت یا عبّاس، ما بال هذا الأمر في أذّل قبيلة من قريش وأقلّها؟ واللّه لو شئت لأملانّها عليه . ويقصد أبا بكر - خيلاً ورجلاً، وآخذنّها عليه من أقطارها.

كان يريد أن تشبّ الحرب حتى ينفتح الباب لزعامة بني أميّة

ص: 208


1- (1) النزاع والتخاصم، ص 54.

من جديد، ولذلك فقد رفض علي علیه السلام هذا الأمر، وقال : لا واللّه ، لا أريد أن تملأها عليه خيلاً ورجلا.

وأضاف علیه السلام : «يا أبا سفيان، إنّ المؤمنین قوم نصحة بعضهم البعض، وإن المنافقين قوم غششة بعضهم لبعض، متخاونون وإن قربت ديارهم وأبدانهم»(1).

وبعد أن قامت خلافة عثمان بن عفّان، وانتصر الأمويّون فيها ، باعتبار أنّ الخليفة كان منهم، وابن عمّ قريب لزعماء بيوتهم، أصبحت الدولة أمويّة لا يطمع فيها خيراتها ولا يأتها إلّا من كان من أميّة أو من حزبهم. فمروان بن الحكم كان وزير الخليفة الأوّل، يغدق العطاء على الأقرباء ويحبسها عن سائر الناس، وأقرّ الخليفة معاوية بن أبي سفيان والياً على بلاد الشام، وأضاف إلى سلتطه مناطق أخرى، فلم يكن يعمل إلّا على اجتذاب الأقرباء والأولياء ، ومن يرجو منهم العون ويخشى منهم الخلاف.

ولمّا قتل عثمان تبيّن أنّ جميع المنتفعين بمناصب الدولة وأموالها هم من الأمويين أو من صنائعهم.

ثمّ حينما بايع الناس عليّ بن أبي طالب كانت الدولة بكلّ إمكانياتها في يد الأمويّين، فأخذ معاوية يستخدم كلّ ما تحت يديه من أموال، ويحشد من كان على قرابة منه هنا وهناك لمواجهة عليّ ، وشنّ الحروب عليه، وانتهت القضيّة إلى مقتله .

ثمّ بايع الناس في العراق وفارس الحسن بن عليّ، لكن معاوية اغتال البعض واشترى ضمائر البعض الآخر، فلم يستقم

ص: 209


1- (1) التاريخ، لليعقوبي، ج 2، ص 126؛ والنصائح الكافية ، ص110.

للحسن أمره، وصالح معاوية على شروط أوّلها - تسليم الأمر إلى معاوية بشرط أن يعمل بالكتاب والسنّة وسيرة الخلفاء الصالحين . وثانيها - أن يكون الأمر للحسن من بعده، ومن بعد الحسن للحسين، وليس لمعاوية العهد به لأحد. ثالثها - أن لا يذكر عليّاً إلّا بخير، وترك سبّه والقنوت عليه بالصّلاة. رابعها - الأمان لأصحاب عليّ وشیعته، وأن لا يبري معاوية لأحد من أهل بيت رسول اللّه

غائلة .

لكن معاوية لم يلتزم بأيّ شيء من شروط هذا الصلح إلّا الشرط الأوّل وهو تسليم الأمر إليه، ثمّ زاد على ذلك أنّه أغرى امرأة الحسن «جعدة بنت الأشعث» بإعطاء السّم لزوجها وقتله، ووعدها بأن يزوّجها من يزيد، ويعطيها مائة ألف درهم، فوفّي بوعد المال، ولم يوفّ بوعد الزواج(1).

وقد وصل بالأمويين الأمر أن منعوا دفن الحسن بن عليّ إلى جنب قبر جدّه ، كما أوصى، حيث قاد مروان بن الحكم لمّة من الغواة، ومنعوا مشيعي الحسن من الاقتراب من قبر رسول اللّه ، ورموا جنازته بالسهام، ممّا اضطرّ الحسين إلى أن يدفن أخاه في البقيع. هكذا ضيّقوا الدّنيا على أهل بیت رسول اللّه أحياءً وأمواتاً .

قال الرجل : إنّ الجميع قد ذهبوا إلى ربهم، فلنترك الحديث عنهم .

فقال عبد اللّه بن مسلم: الجميع ذهبوا إلى ربّهم، ولكن أليس

ص: 210


1- (1) التاريخ، لليعقوبي، ج 2، ص 225؛ وتاريخ مدينة دمشق، لابن عساکر، ج 13، ص 300؛ وتذكرة الخواص، ص 211؛ ودلائل الإمامة ، ص 61.

فرعون وموسى أيضا ذهبا إلى ربّهم؟ فلماذا علينا أن نقرأ في القرآن الكريم حديث الصراع بينهما، وأن نعرف الحقّ لأهله، وأن نلعن الظالمين .. ونمرود وإبراهيم أيضاً ذهبا إلى ربّهم، وهابیل و قابیل من قبل ذهبا إلى ربّهم.. فهل ترك اللّه أمر هؤلاء، لأنّهم ذهبوا إلى ربّهم؟

ثمّ إنّ المشكلة ليست في الذين ذهبوا، وإنّما المشكلة أنّ معاوية مهّد لبيعة ابنه يزيد منذ سبع سنوات، وتوصّل إلى ذلك باستخدام السيف تارة، والاغتيال تارة أخرى، وإغداق الأموال وشراء الضمائر في الأغلب، وهو يعرف ابنه، شابا نزق عربيداً سکّيراً، لا يصلح لكي يكون مجرّد شرطي، فكيف أن يكون خليفة المسلمين، ويتبوّأ مقعد رسول اللّه؟.

فالصراع الذي بدأ برسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، حينما أعلن الدعوة مع أبي سفيان، لا يزال ممتدّاً، وكما يقول الشاعر:

عبد شمس قد أضرمث لبني هاشم * حرباً يشيب منها الوليد

فابن حرب للمصطفى، وابن * هند لعليّ، وللحسين يزيد(1)

قال الرجل: أتريد أن تقول بأنّ الحق مع أهل البيت؟

قال عبد اللّه بن مسلم : وأنت، أتريد أن تقول إنّ الحقّ مع أعدائهم؟ إنّني أسألك سؤالاً واحداً: ألم يوصّ رسول اللّه بأهل بيته خیراً؟ وهل أنّه أوصى بأن يؤخذ من فاطمة الزّهراء علیهاالسلام نحلتها التي نحلها أبوها؟

هل أوصى بأن يقتل علي في محرابه؟

ص: 211


1- (1) النزاع والتخاصم، ص 59.

هل أوصى بأن يسقى الحسن السّمّ؟

هل أوصى بأن يحاصر الحسين؟

ألم يقل : «فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللّه»(1)

ألم يقل لعليّ: «حبّك تقوى وإيمان، وبغضك كفر ونفاق»(2)؟

ألم يقل : «الحسن والحسين ريحانتاي من الدّنيا»(3)؟

ألم يقل : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»(4)

ألم يقل : «حسين منّي وأنا من حسين، أحبّ اللّه من أحبّ حسيناً » (5)

ألم يقل : «الأئمّة من أهل بيتي كالنّجوم، بأیّهم اقتدیتم اهتديتم»(6)؟

ألم يقل: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق»(7)؟

تری، لو كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد أوصى بالوقيعة في أهل بيته ، فهل كان من الممكن أن يفعلوا بهم أكثر مما فعلوا؟ وربّنا يقول في

ص: 212


1- (1) بحار الأنوار، للمجلسي، ج 30، ص 353.
2- (2) الأمالي، للصدوق، ص 77.
3- (3) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب، ج 3، ص 154.
4- (4) الأمالي، للصدوق، ص 187.
5- (5) الإرشاد، للمفيد، ج 2، ص. 28
6- (6) دعائم الإسلام، للقاضي النعمان المغربي، ج 1، ص 87.
7- (7) خاتمة المستدرك، للميرزا النوري، ج 1، ص 356.

كتابه الكريم : (قل لا أسئلكم عليه أجرا إلّا المودّة في القربى) (1)، وجعل رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم الصلاة على أهل بيته جزءا من الصلاة الواجبة؟

قال الرجل: ومن المسؤول عن ذلك؟

قال عبد اللّه بن مسلم : إبحث أنت، عمّن هو المسؤول عن ذلك، فإذا كان رسول اللّه وأهل بيته هم موازين الحقّ والعدل، فمن تخلّف عن ذلك الميزان فهو مسؤول عن كلّ ما جرى ويجري.

سكت الرجل وسکت عبد الله، وقاموا، وانفضّ المجلس .

***

ص: 213


1- (1) سورة الشورى، آية 23.

مسلم بن عقيل وحيدا في مواجهة إمبراطورية الشرّ

بعد أن نجی عبید اللّه بن زیاد من قتل محقّق بسبب التزام مسلم بن عقيل بشروط الإيمان، فلم يقبل أن يقضي عليه بالفتك ، بدأت الحوادث تأخذ منحى آخر. فبعد أن كان مسلم بن عقیل محوراً لحركة المؤمنين الذين نشطوا من عقال، في تنظيم أمورهم وجمع الموالين لهم، وأخذ البيعة منهم للحسين بن عليّ، أصبح الوضع مختلفاً بعد أن أفرغ عبيد اللّه بن زیاد بیت المال في جيوب رؤساء القبائل والعشائر، وأرسل أنصاره إلى كلّ بيت في الكوفة يعدون ويتوعّدون، فانطلقوا يرجفون بقرب وصول المدد الزاخر من جیش الشام، وينذرون الناس بقطع العطاءات وأخذ البريء بالمذنب، والغائب بالشاهد، ويهدّدون بالموت كلّ من لم ينفع معه الرشاء بالمال، ويتوسّلون بكلّ وسيلة تبلغ بهم ما أرادوا من تخذيل الناس عن مسلم بن عقيل، حتّى أنّهم كانوا يرسلون الزوجة وراء زوجها، والأمّ وراء ولدها، والأخ وراء أخيه، فيتعلّقون بهم حتّى يقفلوا راجعين إلى دورهم، أو يدفعوهم للانخراط في زمرة عبيد اللّه ، وعلى أقل التقادير كانوا يقولون لبعض ضعاف النّفوس إنّ هذه معركة بين سلطتين، سلطة قائمة وسلطة تريد أن تقوم، فمن الأفضل أن

ص: 214

تكونوا أحلاس بيوتكم، فإذا انتصر هؤلاء على أولئك فعندكم الفرصة لكي تتقرّبوا إليهم، وإذا كان العكس كنتم في سلامة ودعة ، وكان الشعار الذي رفع : «ما لنا والدخول بين السلاطين».

وهكذا تغيّر وضع مسلم بن عقیل، فأصبح من قائد للألوف، إلى مطلوب للسلطات، وكان عبيد اللّه بن زياد يزيد على مدار الساعة من عدد جنوده وشرطته، ويصدّر لهم الأوامر فيما يجب عليهم أن يفعلوا . بينما كان في الجهة الأخرى يتفتّت أصحاب مسلم وينقسمون على أنفسهم، حتى ذهب أكثرهم إلى بيوتهم، أمّا الذين جاؤوا من أجل حطام الدنيا فقد انقلبوا على أنفسهم، وانضمّوا إلى جبهة عبيد اللّه بن زياد. فاختفى مسلم بن عقيل عن الأنظار، وأصبح الشغل الشاغل لعبيد اللّه أن يعرف أين يختفي، وكان يعرف أنّ اعتقال مسلم أو قتله سوف يجعل الموالين لأهل البيت في وضع ضعيف، وربّما تتلاشى قوّتهم في مدينة الكوفة .

أمّا مسلم بن عقیل فقد اختفى في بيت هاني بن عروة، وكان هاني، بالإضافة إلى كبر سنّه وعظم مقامه، زعيم قبيلة مذحج الذين كان لهم أربعة آلاف مقاتل إذا تمّت تعبئتهم، وبما أنّ مسلم بن عقیل قد غيّر مكانه عدّة مرّات، فقد خفي على عبيد اللّه مكان وجوده ، وقبل أن يقدم الرجل على اقتحام أي بيت من البيوت، كان عليه أن يتأكّد أين يكون مسلم، هل هو في بيت سلیمان بن صرد الخزاعي، أم في بيت مختار بن أبي عبيدة الثقفي، أم في بيت مسلم بن عوسجة، أم في بيت هاني بن عروة أم في مكان آخر.

وهنا توسّل ابن زیاد بالحيلة، كما كان يفعل طغاة بني أميّة ،

ص: 215

فلا هم كانوا في حروبهم يلتزمون بأصول المواجهة والحرب، ولا في حالة السلم والضعف كانوا يتركون الحيلة والمكر.

وكان في رجال ابن زیاد رجل مغمور من أهل الشام يسمى ب«معقل»، لايعرفه أهل الكوفة، فطلبه ابن زیاد وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له: «خذ هذا المال وانطلق، فالتمس لي مسلم بن عقيل، وأوصاه بأن لا يستعجل في أمره، ويتحرّك بغاية التأنّي والحذر.

فجاء الرجل حتّى دخل المسجد الأعظم، ولكنّه لم يكن يعرف من أين يبدأ، فنظر إلى من هو حاضر هناك، فرأى رجلا عليه سيماء الصالحين، يكثر من الصّلاة بوقار وإخلاص، فقال لنفسه: «ربّما يكون هذا من موالي عليّ، فهم يكثرون الصّلاة، ويخلصون فيها، وأحسب أنّ هذا منهم».

فجلس إليه حتّى إذا انفتل من صلاته دنی منه وقال: «جعلت فداك ؛ إنّي رجل من أهل الشام، وأنا مولى لذي الكلاب، وقد أنعم اللّه عليّ بحب أهل بیت رسول اللّه ، ومعي ثلاثة آلاف درهم أحبّ إيصالها إلى رجل منهم، وقد بلغني أنّ رجلاً قدم هذا المصر داعية للحسين بن عليّ، فهل لك أن تدلّني عليه ليوصل هذا المال إليه، ليستعين به على بعض أموره، أويضعه حيث يحبّ»؟

فقال له الرجل : ولماذا قصدتني بالسؤال عن ذلك، دون غيري ممن هو في المسجد؟

قال معقل: لأنّي رأيت عليك سيماء الخير، فرجوت أن تكون ممّن يتولّى أهل بیت رسول اللّه .

فقال له الرجل: «لقد وقعت عليّ بعينك، أنا واحد من

ص: 216

إخوانك، واسمي مسلم بن عوسجة، وقد سررت بك، وساءني ما دخلني من سوء الظنّ بك، فأنا رجل من محبّي أهل هذا البيت ، فأعطني ذمّة اللّه وعهده أن تكتم هذا الأمر من جميع الناس».

فأعطاه معقل من ذلك ما أراد.

فقال له مسلم بن عوسجة : انصرف يومك هذا، فإذا كان غد فاتني في منزلي، حتى أنطلق معك إلى صاحبنا - ويقصد مسلم بن عقيل - فأوصلك إليه.

فمضى معقل ليلته، فلمّا أصبح في غد جاء إلى مسلم بن عوسجة في منزله، فانطلق به حتّى أدخله على مسلم بن عقیل، فأخبره بأمره، ودفع إليه ذلك المال وبايعه.

وبقي يغدو إلى مسلم في كلّ يوم، فلا يحجب عنه أخباره، ويتعرّف على من يأتي إليه، فإذا أمسى وأظلم دخل على عبيد اللّه بن زیاد فأخبره بجميع ما كان يرى ويسمع، وبالطبع فإنّه أخبره بأنّ مسلماً في بيت هاني بن عروةلم يغيّر مكانه(1) .

ومع معرفة ابن زیاد بمكان مسلم بن عقيل، وعلمه بالذين يختلفون إليه ويجتمعون به، قام بعملية مزدوجة، فمن جهة دعا هاني بن عروة إليه، ولكن من دون أن يبيّن قصده من ذلك، ولم يخبر أحداً بأنّه عرف مکان مسلم بن عقيل، ومن جهة ثانية جعل المراصد على بيوت أولئك الذين يجتمعون معه، ليتمّ سجنهم في وقت واحد، بعد معالجته لقضيّة هاني.

أما كيف أتي بهاني بن عروة، فإنّه طلب محمّد بن الأشعث

ص: 217


1- (1) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 237؛ التاريخ، للطبري، ج 5، ص 348.

وأسماء بن خارجة وقال لهما: ما لي أرى أنّ هاني بن عروة لم يأتني فيمن أتی؟

فقالا : أيّها الأمير؛ إنّه عليل منذ أيّام.

فقال ابن زیاد : كيف، وقد بلغني أنّه يجلس على باب داره عامّة نهاره، فما يمنعه من إتياننا، وما يجب عليه من حقّ التسليم؟ فاذهبا إليه وقولا له أن لايدع ما عليه في ذلك من الحقّ، فإنّه لا أحبّ أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.

فأتوه وأخبروه بأنّ ابن زیاد قد ذكره، فقال لهما: إنّ الشكوة تمنعني.

فقالا له: يبلغه أنّك تجلس كلّ عشيّة على باب دارك وقد استبطأك ، والجفاء لا يحتمله السلطان.

ثمّ أقسما عليه أن يركب معهما إليه، فدعا هاني بثيابه فلبسها ، ثمّ دعا ببغلة له فركبها، وكان يومئذ ابن بضع وتسعين سنة، وكان أعرج، فجعل يسير قليلاً ويقف، حتّى ركب بغلته وذهب معهما إلى القصر، ولمّا صارا إلى الباب كأنّ نفسه أحسّت بالشرّ، فالتفت إلى حسّان بن أسماء بن خارجة وقال له: يابن أخي، إنّ نفسي تحدّثني بالشرّ.

فقال له حسّان : سبحان اللّه يا عمّ، لا أتخوّف عليك، فلا تحدّثك نفسك بشيء من هذا، وأنت بريء الساحة (1).

ص: 218


1- (1) الأخبار الطوال، للدينوري، ص238، والإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج2، ص 15، والأمالي، للشجري، ج 1، ص 191؛ والتفوح، لابن اعثم، ج5، ص 80.

وما إن دخل على ابن زیاد، حتى أنشأ ابن زیاد يقول متمثّلا : أريد حياته ويريد موتي * عذیرك من خليلك من مراد

فقال هاني : وما ذاك أيّها الأمير؟

قال ابن زیاد: وما يكون أعظم من مجيئك بمسلم بن عقیل، وإدخالك إيّاه منزلك، وجمعك له الرجال ليبايعوه؟

فقال هاني : ما فعلت، وما أعرف من هذا شيئاً .

فدعا ابن زیاد غلاماً له وقال : يا غلام ادع لي معقلاً، فدخل عليه معقل، فقال ابن زیاد لهاني بن عروة : أتعرف هذا؟

فلمّا رآه هاني، علم أنّه كان عيناً عليهم ويتجسّس لابن زیاد .

فقال هاني: «أصدقك واللّه، إنّي ما دعوت مسلم بن عقيل، ولا علمت بشيء من أمره حتّى رأيته جالسا على باب داري، فسألني النزول عليّ، فاستحييت من ربّه ودخلني من ذلك ذمام، فأدخلته داري وآويته، وقد كان من أمره الذي بلغك، فإن شئت آمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض، فأخرج من ذمامه وجواره».

فخاف ابن زیاد إن ترك هاني بن عروة إن ينفلت مسلم بن عقيل من قبضته .

فقال له : لا واللّه، لا تفارقني أبدا حتّى تأتيني به .

فقال هاني: لا واللّه، لا أجيئك به أبداً، أأنا آتيك بضيفي لكي تقتله؟

فقال ابن زیاد: واللّه لتأتينّي به .

ص: 219

فقال هاني : واللّه لا آتيك به .

وكان في المجلس كلّ من مسلم بن عمرو الباهلي، وشریح القاضي. فقال مسلم بن عمرو لعبيد اللّه : خلّني وإيّاه حتّى أكلّمه، ثمّ التفت إلى هاني وقال : قم إلى ههنا حتّى أكلّمك. فتخلّى به في ناحية من المنزل، وكانا قريبين منه بحيث يراهما ابن زیاد، فإذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان، وإذا خفضا خفي عليه ما يقولان.

فقال الباهلي: يا هاني؛ إنّي أنشدك اللّه أن تقتل نفسك، وتدخل البلاء على قومك وعشيرتك، وأنت تعلم أنّ مسلم بن عقيل ابن عمّ القوم، وهم ليسوا بقاتليه ولا ضائريه ، فادفعه إلى ابن زیاد، فإنّه ليس عليك بذلك مخزاة ولا منقصة، إنّما تدفع طلبة السلطان إلى السلطان.

فقال هاني بن عروة : «بلی؛ واللّه إنّ عليّ في ذلك الخزي والعار، أنا أدفع جاري وضيفي، وأنا حيّ صحيح أسمع وأرى، شدید الساعد، كثير الأعوان. واللّه لو لم أكن إلّا واحداً وليس لي ناصر، لم أدفعه حتّى أموت دونه».

فأخذ الباهلي يناشده وهو يقول: لا واللّه لا أدفعه إليه.

فسمع ابن زیاد کلامه، فقال : أدنوه منّي، فأدنوه منه .

فقال : واللّه لتأتيني به، أو لأضربنّ عنقك.

قال هاني بن عروة : إذن تكثر البارقة حول دارك، (ويقصد أنّ

قبيلته مذحج ستتحرّك بسيوفها التي تبرق لتنتقم له).

فقال ابن زیاد: والهفي عليك، أبالبارقة تخوّفني؟

ثمّ أمر جلاوزته بأن يكتّفوه ويشدوا يديه، فكتّفوه، ثمّ قرّبوه

ص: 220

إليه، فأخذ يضرب وجهه بالقضيب. فلم يزل يضرب أنفه وجبينه وخدّه حتّى كسر أنفه، وسالت الدماء على ثيابه، وانتثر لحم خدّيه وجبينه على لحيته، إلى أن انكسر ذلك القضيب.

ورغم كبر سنّه فإنّ هاني فکّ يده وقفز إلى شرطي كان يقف هناك وبيده قائم سيفه، وحاول أن يأخذ السيف منه، لكن شرطة ابن زیاد انهالوا عليه وأمسكوا به.

فقال ابن زیاد لشرطته: خذوه ، فألقوه في بيت من بيوت الدار، وأغلقوا عليه الباب ، واجعلوا عليه حرساً.

ولمّا أخرجوا هانياً من غرفة ابن زیاد قام أسماء بن خارجة ، وهو الذي جاء به مع محمّد بن الأشعث إلى ابن زیاد، فقال لابن زياد: أرسل غدر كنّا نحن؟ أمرتنا أن نجيئك بالرجل، حتّى إذا جئناك به، وأدخلناه عليك هشّمت وجهه، وسيّلت دمه على لحيته ، وزعمت أنّك تقتله، لأنّه رفض أن يسلّمك ضيفه؟

فقال له عبيد اللّه : وإنّك لهاهنا؟

فأمر به، فضربوه، ثمّ حبسه في ناحية من القصر، وهو يقول : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، إلى نفسي أنعاك يا هاني (1).

أمّا محمّد بن اشعث فقد انحاز إلى ذاته الخبيثة وقال : قد رضينا بما رأى الأمير، لنا كان أم علينا، إنّما الأمير مؤدّب(2) .

وانتشر خبر اعتقال هاني بن عروة، وسرت إشاعة بأنّ عبيد اللّه بن زياد قد قتله. فقام رجال من قبيلة مذحج، فحملوا

ص: 221


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 84؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 367.
2- (2) الإرشاد، للمفید، ج 2، ص 49.

سيوفهم، وأحاطوا بقصر الإمارة. فأمر عبيد اللّه شريح القاضي، وكان وجيها عند أهل الكوفة، أن يذهب ويری هاني بن عروة بنفسه ، ثمّ يخبر القوم بحياته، فدخل شريح عليه ، فقال له هاني: يا شريح، قد ترى ما يصنع بي؟

فقال شريح: أراك حيا.

فقال هاني : أوحيّ أنا، مع ما ترى؟

ثمّ طلب من شريح أن يخبر مذحج بأن لا ينصرفوا من حول القصر، لأنّهم إن انصرفوا فسوف يقتله ابن زیاد.

لكن شريح خرج إلى عبيد اللّه وقال له: قد رأيت هاني حيّاً،

ولكنّي رأيت أثرا سيّئاً عليه .

فقال عبيد اللّه : أو تنكر أن يعاقب الوالي رعيّته؟ أخرج إلى هؤلاء القوم، فأخبرهم بأنّ صاحبهم حيّ ولا تخبرهم بغير ذلك.

وأطاع شريح أمر عبيد اللّه ، وخرج إلى مذحج وقال لهم : إنّ الأمير لمّا بلغه مکانکم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه ، فأتيته، فنظرت إليه . فأمرني هاني أن ألقاكم وأن أعلمكم أنّه حيّ، وأنّ الذي بلغكم من قتله كان باطلاً.

فقال له عمر وابن الحجّاج وأصحابه : أمّا إذا لم يقتل هاني فالحمد للّه، ثمّ انصرفوا(1).

وبعد وقوع هذه الحوادث و رجوع مذحج إلى بيوتهم نادی عبيد اللّه بن زياد الصلاة جامعة، وخرج ومعه الشرطة والحشم

ص: 222


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 361 و 368؛ والإرشاد، للمفید، ج 50،2.

ورجال من حرسه، فصعد المنبر وقال: «أمّا بعد يا أهل الكوفة ، فاعتصموا بطاعة اللّه، وطاعة رسول اللّه، وطاعة أئمّتكم، ولا تختلفوا وتفرّقوا فتهلكوا، وتندموا، وتذلّوا، وتحرموا، ولا يجعلنّ أحد على نفسه سبيلا، وقد أعذر من أنذر».

ولم يكمّل خطبته حتّى سمع هرجاً ومرجاً وصيحة، فقال : ماهذا؟

فقيل له : أيّها الأمير؛ الحذر الحذر، فهذا مسلم بن عقيل قد أقبل في جمع ممّن بايعه. فنزل عبيد اللّه عن المنبر مسرعا وهرب من المسجد، ودخل قصر الإمارة، الواقع إلى جنب المسجد، وأغلق الأبواب (1).

*

مرّة أخرى التقى عبد الرحمن الصالح وعبد اللّه بن مسلم في فناء الكعبة، وكان ذلك في أواخر شهر ذي القعدة ، فسأل عبد الرحمن صاحبه عن آخر الأخبار؟

قال عبد اللّه : إنّ الوضع في الكوفة بين بين.

قال عبد الرحمن : وماذا تقصد بقولك بين بين؟

قال عبد اللّه : قد تنقلب الكوفة لمصلحة ابن زياد في ساعة أو أخرى، وقد تتطوّر الأمور لمصلحة أهل البيت، فلا زال عبيد اللّه بن زیاد يمسك بالسلطة، ومعه من كلّ قبيلة مجموعة من الرجال، يمدّهم بالأموال والعتاد لساعة المواجهة، ولا زال الذين بايعوا

ص: 223


1- (1) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني، ص 66؛ والفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 86؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 206.

مسلم بن عقيل لم يظهروا ما يخالف بیعتهم، إلّا أنّ حبس هاني بن عروة لدى عبيد اللّه بن زياد، وعدم تحرّك مذحج لإنقاذ شيخهم لا يبشّر بخير. فإذا كانت قبيلة كبيرة كقبيلة مذحج ذات رجال مقاتلين لا تتحرّك لإنقاذ شيخها، وتتراجع أمام حيل ابن زیاد وخدعه وأكاذيبه ، فهذا يعني أنّ الآخرين أيضا يمكن أن يفعلوا مثلهم.

قال عبد الرحمن: أترى أنّ من الممكن أن يتخلّف من بايعوا مسلم بن عقيل عن نصرته؟

قال عبد اللّه بن مسلم : نعم؛ هذا ممكن، لأنّ ابن زیاد يتصرف بطريقة معاوية، يستخدم المال والسيف، ولا زالت عنده الشرطة والرجال، وقد وصلتنا أنباء بأنّه قد أودع سجونه أربعة آلاف ممّن يتوقع أن يساعدوا مسلم بن عقيل، ويعينوه في أمره.

قال عبد الرحمن : وماذا عن مسلم بن عقيل؟ لماذا لا يأخذ زمام المبادرة ويتحرك؟

قال عبد اللّه بن مسلم : أتقصد لماذا لا يجرّد السيف ويقاتل؟

قال عبد الرحمن: نعم.

قال عبد الله : إنّك لا تعرف أهل البيت، فهم على شجاعتهم التي لا مثيل لها، إلّا أنّهم لا يبدأون أحداً، حتى من الكافرين، بقتال، فكيف بأن يبدأوا من يتظاهر بالإسلام بذلك، إلّا أنّني أرى أنّ حبس هاني بن عروة هو حجّة شرعيّة لقيام المسلمين من أجل إنقاذه، تماماً كما أنّ إبراهيم الخليل قاتل لإنقاذ لوط النبيّ، ولكن لننتظر ونری.

*

ص: 224

بعد اعتقال هاني وما شاعت من الأخبار حوله، أمر مسلم بن عقيل أن ينادي في أصحابه، فاجتمع إليه أربعة آلاف رجل، وملأوا الدور التي حول بيته، فعبّأهم ثمّ زحف نحو القصر، وكان هدفه إنقاذ هاني بن عروة، فأغلق عبيد اللّه بن زياد أبوابه ، ولم يكن معه في القصر إلّا ثلاثون من الشرطة وعشرون من أهل الكوفة، فخامره اليأس، وظنّ أنّه هالك قبل أن يدركه الغوث من الشام، ولكنّه تحايل بما وسع المستميت من حيلة، فأرسل جماعته إلى كلّ صوب من المدينة يعدون الناس بالأموال والمناصب، ويتوعّدونهم بالخيل والرجال القادمين من الشام.

فوجّه محمّد بن الأشعث بن القيس، وكثير بن شهاب الحارثي، وعدّة من الوجوه ليخذلوا الناس عن مسلم بن عقیل، ويتوعّدونهم بقرب وصول خيولأهل الشام، ويمنع الأعطیات ، وأخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب(1) .

وأمر من كان معه لكي يطلّوا من سور القصر، ويرموا القوم بالنبل والنشاب، ويمنعونهم من الدنوّ إلى باب القصر، فلم يزالوا بذلك حتّى حلّ المساء، فقال لمن كان عنده من الرجال : ليشرف كلّ رجل منكم في ناحية من السور، وليخوّف القوم.

فأشرف القعقاع بن شور، وشبث بن ربعي، وحجّار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن، فأخذوا ينادون: «يا أهل الكوفة، اتقوا اللّه ، ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقّوا عصى هذه الأمّة، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام، فقد ذقتموهم وجرّبتم شوكتهم» .

ص: 225


1- (1) مروج الذهب، ج 3، ص 67؛ وأنساب الأشراف، للبلاذري، ج 2، ص 81.

وقالوا أيضا : «أيّها الناس؛ إلحقوا بأهاليكم ولا تعجّلوا الشرّ، ولا تعرّضوا أنفسكم للقتل، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنین یزید قد أقبلت من الشام، وقد أعطى اللّه للأمير عهداً لئن أنتم أقمتم على حربه، ولم تنصرفوا من عشيّتكم، أن يحرم ذرّیّتكم العطاء، ويفرّق مقاتلتكم في مغازي أهل الشام، وأن يأخذ البريء منكم بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتّى لا يبقى له فيكم بقيّة من أهل المعصية إلّا أذاقها وبال ما جرّت أيديها»(1).

فلمّا سمع أصحاب مسلم مقالتهم فتروا بعض الفتور(2) .

وكان الرجل من أهل الكوفة يأتي ابنه وأخاه وابن عمّه، فيقول: انصرف يا هذا، فإنّ الناس يكفونك.

وتجيء المرأة إلى ابنها وزوجها وأخيها، فتتعلّق به حتّى يرجع .

فلمّا غربت شمس ذلك اليوم نظر مسلم حوله، فإذا هو في خمسمائة، أمّا بقيّة الأربعة آلاف فقد تفرّقوا عنه تحت جنح الظلام. ثمّ صلّي المغرب فلم يكن ورائه في الصّلاة غير ثلاثين، أمّا البقيّة فقد تسلّلوا من حوله، فلمّا رأى ذلك ترك المسجد منصرف ماشياً، ومشوا معه، فأخذ نحو باب کندة، فلمّا مضى قليلا التفت، فلم یری منهم أحداً، ولم يجد شخصا واحداً يدلّه على الطريق (3).

فوقف يلتفت يميناً ويسارا، وقد تخلّف عنه الناس، فقال :

ص: 226


1- (1) مقتل الحسین، لبحر العلوم، ص 232.
2- (2) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 239.
3- (3) الكامل في التاريخ، لابن الأثير، ج 13، ص 272.

یا سبحان اللّه ؛ غرّنا هؤلاء بكتبهم، ثمّ أسلمونا إلى أعدائنا هكذا(1).

كان ذلك في يوم الاثنين، اليوم السابع من ذي الحجّة، سنة ستّين للهجرة النبويّة الشريفة، وكان قبل يوم واحد من خروج الحسين من مكّة المكرّمة باتجاه الكوفة ؛ أي بعد ستّة وعشرين يوماً من كتابة مسلم للرسالة التي قال فيها للحسين : «أمّا بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإنّ الناس کلّهم معك، ليس لهم في آل أبي سفيان رأي ولا هوى(2).

*

لمّا تفرّق الناس عن قصر عبيد اللّه بن زياد وخرج مسلم من المسجد وحيداً، تسمّع أصحاب عبيد اللّه ما يجري هناك، فوجدوا أنّ الجلبة قد سكنت، فأشرفوا ليروا من بقي من تلك الجموع، فلم پروا أحداً ولم يسمعوا صوتاً. وفي البداية ظنّوا أنّها مکيدة حرب، وأنّ القوم متخفّون وراء الجدران والأعمدة، فأدلوا بالقناديل والمشاعل حتّى اطمأنوا إلى خلوّ المسجد من مسلم وأتباعه، فبادر ابن زیاد إلى الدّعاء إلى الصلاة جامعة، وأمر المنادين في أرجاء الكوفة : ألا برئت الذّمة من رجل من الشرطة والعرفاء والمناكب، ورؤوس العرفاء والمقاتلة صلّ العشاء إلّا في المسجد(3).

ص: 227


1- (1) السيرة النبوية، لابن حبان، ج 2، ص 308؛ ومقاتل الطالبيين، لأبي الفرج، ص 67.
2- (2) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 272.
3- (3) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج، ص 68؛ والكامل في التاريخ، لابن الأثير، ج 3، ص 272.

وبالفعل استجاب رجال الشرطة والعرفاء وجماعة بني أميّة الندائه ، وتجمّعوا في المسجد حتّى امتلأ بهم، فأقبل ابن زياد ومعه حرّاسه، وصلّى بهم صلاة العشاء، ثمّ خطبهم بعد الفراغ قائلا : برئت ذمّة اللّه من رجل وجدنا ابن عقيل في داره.

ثمّ صاح في رئيس شرطته، وهو الحصين بن نمير، قائلاً: «یا حصين، ثكلتك أمّك، إن ضاع باب سكّة من سكك الكوفة، وخرج هذا الرجل ولم تأتني به، وقد سلّطتك على دور أهل الكوفة، فابعث مراصدك على أفواه السكك، وأصبح غدا فاستبریء الدور، وجسّ خلالها حتّى تأتيني به»(1).

ومع هذا الوعد والوعيد، وإصدار الأوامر بوضع العيون على الأزقّة،وتفتيش البيوت، وانتشار الشائعات بقرب وصول جیش الشام، التزم الناس دورهم، وأصبحت الشوارع خالية تماما من المارّة.

أما مسلم بن عقيل فأخذ يمشي في ظلمة تلك الليلة هائماً على وجهه، لا يدري إلى أين يذهب، ولم يكن يعرف سكك المدينة، ولا مكان بيت أحد من الرجال المخلصين لأهل البيت، لأنّ الكوفة كانت كبيرة، وقد دخلها متخفّيا منتقلا من بيت إلى بيت . فمضى على وجهه يتلدّد في الأزقّة، وقيل كان مثخناً بالجراحات، حيث حدثت له مواجهة قصيرة مع أتباع عبيد اللّه بن زياد وشرطته، إلّا أنّ ذلك لم يثبت، ولكنّه حتما كان مثقلا بخيبة أمل، فبالأمس كان أميراً في هذه المدينة، واليوم غريب لا يدري إلى أين يذهب؟

ص: 228


1- (1) أبو الشهداء الحسين بن علي، لعباس محمود العقاد، ص 181.

فخرج إلى دور بني جبلة من كندة، فمشى حتّى انتهى إلى باب بیت، فوقف هناك ليستريح، وليفکّر في ما يجب عليه أن يفعل، وكان جائعاً، وعطشاناً، وتعباناً .

كانت صاحبة البيت امرأة تسمّى «طوعة»، وهي أمّ ولد كانت للأشعث بن قیس، فأعتقها، فتزوّجها أسيد الحضرمي، فولدت له ولداً سمّته بلالا، وكان بلال هذا شاباً فاسقاً، يشرب الخمر مع أصحابه(1).

ولأنّ بلال كان في ذلك الوقت خارج البيت، فقد خرجت أمّه تستطلع خبره، فسلّم عليها ابن عقیل، فردّت عليه، فقال لها : يا أمة اللّه ، إسقيني ماء.

فدخلت البيت، وأخرجت له ظرف الماء وسقته، ثمّ دخلت البيت لتضع الإناء، فجلس مسلم عند الباب. ولمّا خرجت مرّة أخرى، رأته لا يزال على باب دارها، فقالت : يا عبد اللّه ؛ ألم تشرب الماء؟

فقال مسلم : بلی.

قالت طوعة : فاذهب إلى أهلك .

فسكت مسلم : ثمّ عادت فقالت مثل ذلك، فسكت، ثمّ قالت له : سبحان اللّه ؛ يا عبد اللّه، قم واذهب إلى أهلك عافاك اللّه، فإنّه لا يصلح لك الجلوس على باب داري، ولا أحلّه لك.

فقام مسلم من مكانه، وقال: يا أمة اللّه، ما لي في هذا

ص: 229


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 371.

المصر منزل ولا عشيرة، فهل لک أن تستضيفني إلى أجل معروف، ولعلّي مكافئک به بعد اليوم؟

فقالت : يا عبد اللّه ، وما ذاك؟

قال: أنا مسلم بن عقيل، كذّبني هؤلاء القوم وغروني.

فأصيبت بالدهشة، فقالت: باللّه عليك أنت مسلم بن عقيل؟

قال : نعم.

قالت : أدخل على الرحب والسّعة.

فأدخلته في غرفة في دارها، غير التي كانت تسكن فيها، وفرشت له وعرضت عليه العشاء، فلم يتعشّ. ولم تمرّ إلّا ساعة حتّى جاء ابنها بلال، فرآها تكثر الدخول في الغرفة التي فيها مسلم وتخرج منه، فقال لها : واللّه إنّه ليريبني كثرة دخول هذا البيت منذ الليلة، إنّ لک لشأناً؟

فقالت له طوعة : يا بنيّ، أعزب عن هذا ، فما عليك .

قال لها : والله لتخبريني.

قالت : إقبال على شأنك، ولا تسألني عن شيء.

فألحّ عليها، فأخذت منه المواثيق وقالت: لا تحدثنّ أحداً من الناس ما أخبرك به.

فحلف لها أن لا يخبر أحداً. فأخبرته بأنّ مسلم بن عقیل نازل في تلك الغرفة (1).

ص: 230


1- (1) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج، ص 67 و68؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 372.

وكان عبيد اللّه بن زياد قد أعلن عن جائزة كبرى لمن يأتي له بخبر مسلم، وكان بلال يبحث عن المال لكي يشرب المزيد من الخمر مع زملائه ورفقته، فأخذ الشيطان يوسوس له في أن يخبر السلطة بأمر مسلم ويحصل على الجائزة، وسرعان ما نام على هذه الفكرة، وانتظر الصبح لكي يذهب إلى قصر الإمارة (1) .

أمّا مسلم بن عقيل فقد بات ليلته في تلك الدار وهو بين قائم وقاعد، وراكع وساجد، يناجي ربّه ويتضرّع إليه حيناً ويتلو القرآن حيناً آخر، ولم يكن يفكّر في نفسه في تلك الحال، بل كان يفكّر في الحسين والرسالة التي كتبها إليه، وانقلاب الوضع في الكوفة، وتفرّق الكثير ممّن بايعوه، وخيانة بعضهم.

في تلك الليلة تذکّر ما آل إليه أمرعمّه علي علیه السلام مع أهل الكوفة، وما آل إليه أمر ابن عمّه الحسن علیه السلام ، سبط النبيّ الأكبر هناك، وكان جلّ تفكيره في الحسين، وكيف يمكنه إيصال رسالة إليه

ليبيّن له انقلاب الأوضاع في الكوفة.

وما أن أشرقت الشمس في اليوم الثامن من ذي الحجّة، أي قبل يوم واحد من يوم عرفة، إلّا وأسرع بلال إلى عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث، وأخبره أنّ مسلم بن عقیل موجود في دار أمّه.

فقام عبد الرحمن ودخل على أبيه محمّد بن الأشعث، وكان جالساً في مجلس ابن زیاد، فأسرّ إليه بالخبر، فرأى ابن زیاد المسرّة في وجه محمّد، فقال : ما الذي أخبرك به ابنك؟

ص: 231


1- (1) تجارب الأمم، لأبي علي مسکویه، ج 2، ص 50.

قال ابن الأشعث: أخبرني أنّ مسلم بن عقیل موجود في دورنا.

فلم يتأخّر ابن زياد في اتخاذ القرار، فقال له: انطلق الآن فأتني به الساعة .

ثمّ أرسل إلى عمرو بن هريس الذي كان ينوب عنه في إقامة الصلاة في المسجد، أرسل إليه يقول: ابعث مع ابن الأشعث ستّین أو سبعين رجلا، کلّهم من قبيلة قيس، حتّى لا يكون أحد منهم من قریش، خوفاً من العصبيّة أن تقع(1).

وكان أمره واضحاً، وهو أن يأتي ابن الأشعث بمسلم بن عقيل، قتيلاً أو أسيراً(2).

وهكذا فإنّ جيشاً من المسلّحين ركبوا خيولهم باتجاه بيت طوعة، وكان مسلم بن عقيل مستيقظاً في تلك الساعة، فلمّا سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال عرف أنّهم على وشك الهجوم عليه، فحمل سيفه ليخرج إليهم، ولكنّهم عاجلوه واقتحموا عليه الدار، فشدّ عليهم يضربهم بالسيف حتّى أخرجهم منها ، ثمّ عادوا إليه ودخلوا الدار، فشدّ عليهم كذلك، وكان في مقدّمة من هجم عليه بكير بن حمران الأحمري، حيث تبادل مع مسلم ضربتين، فضرب بكير فم مسلم، فقطع شفته العليا، وأشرع السيف في شفته السفلى، ونصلت لها ثنيتاه، فضربه مسلم وهو مجروح ضربة

ص: 232


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 373؛ والأخبار الطوال، للدينوري، ص 241؛ ومقاتل الطالبيين، لأبي الفرج، ص 69.
2- (2) مقتل أبي مخنف، ص 33.

منكرة في رأسه، وثنّى بأخرى على حبل عاتقه كادت تطلع على جوفه .

فلمّا رأوا شدّة بأسه وضرباته المنكرات، أشرفوا عليه من فوق ظهر البيوت، وأخذوا يرمونه بالحجارة، ويشعلون النار في حزمات القصب، ثمّ يرمونها عليه من فوق السطوح، فخرج عليهم في السكّة، فقاتلهم كأنّه أسد مغضب، وبحسب شهود عيان فقد استطاع أن يصرع منهم جماعة(1).

فنادى محمّد بن الأشعث: یا مسلم لك الأمان، لا تقتل نفسك.

لكن مسلماً استمرّ يهاجمهم ويقاتلهم، ويتعقّب فلولهم في سكك الكوفة، وكان يرتجز ويقول:

أقسمت لا أقتل إلّا حرّا * وإن رأيت الموت شيئا نكرا

كلّ امرىء يوماً ملاق شرّا * أو يخلط البارد سخناً مرّا

ردّ شعاع الشمس فاستقرّا * أخاف أن أخدع أو أغرّا

فقال محمّد بن الأشعث: إنّك لا تكذب، ولا تغرّ، إنّ القوم ليسوا بقاتليك ولا ضاربيك، فلا تقتل نفسك.

فلم يلتفت إلى كلامه، وجعل يقاتلهم حتّى أثخن بالجراح، وضعف عن القتال، وجعلوا يرمونه بالنبل والحجارة. فقال لهم : «ویلکم، ما لكم ترمونني بالحجارة كما ترمي الكفّار، وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار. ويلكم، أما ترعون حقّ رسول اللّه وذریّته»؟!

ص: 233


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 92.

وحمل عليهم على ضعفه، فكسرهم وفرّقهم في الدروب، ثمّ رجع وأسند ظهره إلى باب إحدى الدور، فصاح بهم محمّد بن الأشعث: ذروه حتّى أكلّمه بما يريد. ثمّ دنا منه حتّى وقف قبالته ، وقال : يابن عقيل؛ لا تقتل نفسك، أنت آمن ودمك في عنقي.

فقال له مسلم : أتظنّ بابن الأشعث أنّي أعطي بيدي، وأنا أقدر على القتال؟ لا واللّه لا كان ذلك أبداً .

ثمّ حمل عليه حتّى ألحقه بأصحابه، ثمّ رجع إلى موضعه ، وقال : الّلهمّ إنّ العطش قد بلغ منّي(1) .

ومع ثبات مسلم، وشدّة بأسه، وقوّته التي ذکّرتهم ببأس عمّه أمير المؤمنین، هرب الكثير من الذين جاء بهم محمّد بن الأشعث، فأرسل هذا الأخير إلى ابن زیاد يطلب منه المدد، فأرسل ابن زیاد إليه يلومه، قائلا له: «إنّما بعثناك لرجل واحد لتأتينا به، فثلم في أصحابك هذه الثلمة العظيمة، فكيف إذا أرسلناك إلى غيره . ويقصد الحسين _؟

فأجابه ابن الأشعث: أيّها الأمير؛ أتظنّ أنّك بعثتني إلى بقّال من بقاقيل الكوفة، أو جرمقاني من جرامقة الحيرة، أولم تعلم أنّك بعثتني إلى سيف من أسیاف محمّد بن عبد اللّه ، أسد ضرغام، وسيف حسام، في كفّ بطل همام(2).

ولمّا جاء المدد إلى محمّد بن الأشعث صرخ بأصحابه قائلا :

ص: 234


1- (1) الفتوح، لابن الأعثم، ج 5، ص 94.
2- (2) المناقب، لابن شهر آشوب، ج 4، ص 93؛ ومقتل الحسين، للمقرم، ص 184.

إنّ هذا لهو العار والشنار، أتجزعون من رجل واحد هذا الجزع، إحملوا عليه بأجمعكم حملة رجل واحد»(1).

فلمّا رأى مسلم ذلك قال متعجّبا : «أكلّ ما أرى من الإجلاب لقتل مسلم بن عقيل؟ يا نفس أخرجي إلى الموت الذي ليس عنه محیص».

فحمل عليهم وهو يقول:

هو الموت فاصنع ويك ما أنت صانع * فأنت لكأس الموت لا شكّ جار

فصبراً لأمر اللّه جلّ جلاله * فحكم قضاء اللّه في الخلق ذائع

ولكنّهم هربوا من بين يديه، فجاء وأسند ظهره إلى الحائط ليستريح، فأرسل عبيد اللّه بن زیاد إلى محمّد بن الأشعث من يقول له: يا ويلكم، أعطوه الأمان، وإلّا أفناكم عن آخركم.

فنادوه بالأمان، لكنّه رفض أمانهم، فاحتالوا عليه وحفروا له حفرة في وسط الطريق، وأخفوا رأسها بالدغل والتراب، ثمّ هربوا من بين يديه، ولما تعقبهم، وقع في تلك الحفرة وأحاطوا به، فضربه ابن الأشعث على محاسن وجهه ومحاجر عينيه(2) .

فأعادوا عليه مسألة الأمان وقالوا له: لك الأمان. فأخذ منهم العهد على ذلك، وقال للذين اجتمعوا حول الحفرة : هل لي الأمان؟

ص: 235


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 208.
2- (2) المنتخب، للطريحي، ج 2، ص 427.

قال القوم: نعم .

فلم يقاوم، فأخذوه وجاؤوا ببغلة وحملوه عليها(1).

وبمجرّد أن أصبح في أيديهم نزعوا منه سيفه ، فقال مسلم: هذا أوّل الغدر، أين أمانكم، إنّا للّه وإنّا إليه راجعون.

ثمّ دمعت عيناه، فقال له أحد جلاوزة ابن زیاد واسمه عبيد اللّه بن العبّاس السلمي: إنّ الذي يطلب ما تطلب، لا يبكي إذا وقع فيما وقعت فيه؟

فقال مسلم: «واللّه إنّي ما لنفسي بكيت، ولا لها من القتل أرثيت، وإن كنت لم أحبّ لها طرفة عين تلفاً، ولكن أبكي لأهلي المقبلين عليكم، أبكي للحسين وآل الحسين».

ثمّ أقبل على محمّد بن الأشعث، فقال: إنّي أراك واللّه ستعجز عن أماني، (أي لن تستطيع الوفاء بأمانك)، فإنّ عبيد اللّه بن زیاد غدّار، فهل عندك من خير؟

قال محمّد بن الأشعث: وما هو؟

قال مسلم: «أن تبعث من عندك رجلا يبلّغ حسينا بما جرى، فإنّي لا أراه إلّا وقد خرج اليوم أو هو خارج غدا ومعه أهل بيته ، ليقول له إنّ ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في يد القوم، لا يرى أنّه يمسي حتّى يقتل، وهو يقول: إرجع، فداك أبي وأمّي مع أهل بيتك، لا يغرّك أهل الكوفة، فإنّهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنّی

ص: 236


1- (1) روضة الواعظين، للفال، ص 150.

وفراقهم بالموت. إنّ أهل الكوفة قد كذبوني، فكتبت إليك، وليس المكذوب رأي»(1).

فقال له محمّد بن الأشعث: واللّه لأفعلنّ، ولأعلمنّ ابن زیاد أنّي قد أمّنتك (2).

كان مسلم بن عقيل في تلك الحالة يعاني من التعب والعطش، خاصّة وأنّ دمائه كانت تسيل من جروحه المتعدّدة والتي كان أشدّها في فکّه وشفتيه، وحينما أوصلوه إلى باب قصر الإمارة وجد هنالك شخصا بيده قلّة ماء باردة، وقد وضعها على الباب، فقال مسلم : إسقوني من هذا الماء.

فقال له أحد جلاوزة ابن زیاد واسمه مسلم بن عمرو، وكأنّه وكيل اللّه على الجنّة والنّار، قال : يابن عقيل؛ أتراها ما أبردها، لا واللّه لا تذوق منها قطرة أبداً، حتّى تذوق الحميم في نار جهنّم!.

فقال له مسلم بن عقیل : ويحك، من أنت؟

قال ابن عمرو : أنا من عرف الحقّ إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيته و خالفت، أنا مسلم بن عمرو الباهلي.

فقال مسلم بن عقيل : لأمّك الثكل، ما أجفاك، وما أفظّك

ص: 237


1- (1) مقتل الحسین، لبحر العلوم، ص 240؛ ومثير الأحزان، للجواهري، ص 426 ونهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص 401.
2- (2) مقتل الحسین، لبحر العلوم: ص 240.

وأقسى قلبك وأغلظك؟ أنت یابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنّم منّي(1)، إذ آثرت طاعة بني سفيان على طاعة آل محمّد(2).

ويبدو أنّ حالة مسلم بن عقيل أثارت بقايا ضمیر كانت عند واحد منهم واسمه عمرو بن حریث، فبعث غلاماً له، فجاء بالماء في «قلّة» ومعه قدح، فصبّ الغلام الماء في القدح وأعطاه لمسلم، فأخذه حتّى يشرب، فامتلا القدح دماً، فصبّه على الأرض ولم يشرب، ثمّ ملأه مرّة أخرى ليشرب، فامتلأ القدح دماً مرّة أخرى، فصبّه على الأرض. وفي المرّة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيتاه فمه، فأبعد القدح من فيه وقال : الحمد للّه، لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته(3).

من جانبه جلس عبيد اللّه بن زیاد متبختراً، متكبراً، مغروراً ، على كرسيّ رفيع له في دار الإمارة، وقد جمع حوله قوّاد جيشه ورجال سلطته وحرسه وقد رفعوا السيوف، فأذن لإدخال مسلم عليه حتّى يبيّن عظمة نفسه أمام ابن عقيل الأسير الجريح. فلمّا دخل مسلم لم يسلّم عليه، فقال له أحد الحرّاس : سلّم على الأمير .

فقال له مسلم: أسكت، لا أمّ لك، ما لك وللكلام؟ واللّه ليس لي أمير غير الحسين، أمّا هذا فيسلّم عليه من يخاف منه(4) .

ص: 238


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 375.
2- (2) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 210.
3- (3) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 367.
4- (4) المنتخب، للطريحي، ج 4، ص 127.

وأضاف : وما ينفعني السّلام عليه وهو يريد قتلي؟

فقال له عبيد اللّه بن زياد : سلّمت أم لم تسلّم، فإنّك مقتول .

فقال مسلم بن عقيل : إن قتلتني، فقد قتل من هو شرّ منك، من كان خيراً منّي.

فقال ابن زیاد: یا شاقّ، خرجت على إمامك، وشققت عصی المسلمين، وألقحت الفتنة؟

فقال مسلم : «كذبت یابن زیاد، واللّه ما كان معاوية خليفة بإجماع الأمّة ، بل تغلب على وصي النبي صلی الله علیه و آله و سلم بالحيلة، وأخذ عنه الخلافة بالغصب، وكذلك ابنه يزيد. و أمّا الفتنة فإنّك ألقحتها أنت وأبوك زیاد بن علاج من بني ثقيف، وأنا أرجو أن يرزقني اللّه الشهادة على يدي شرّ بريته. فواللّه ما خالفت ولا كفرت ولا بدّلت، وإنّما أنا في طاعة أمير المؤمنين الحسين بن عليّ ابن فاطمة بنت رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم، ونحن أولى بالخلافة من معاوية وابنه وال زیاد» .

لقد جاء جواب مسلم صریحاً قاطعاً، قويّاً، كسر شوكة عبيد اللّه بن زياد أمام جماعته ، فتوسّل بالكذب، فقال لمسلم: یا فاسق؛ ألم تكن تشرب الخمر في المدينة؟

فقال مسلم بن عقیل : «إنّ من يقتل النفس التي حرّم اللّه قتلها، ويسفك الدم الحرام على الغضب والعداوة وسوء الظنّ، وهو في ذلك يلهو ويلعب، كأنّه لم يسمع شيئا، أولى بشرب الخمر منّي».

فقال ابن زیاد : لقد منّتك نفسك أمراً (يعني الخلافة) أحالك اللّه دونه، وجعله لأهله.

قال مسلم بن عقیل: ومن أهله يابن مرجانة؟

ص: 239

قال ابن زياد: أهله يزيد ومعاوية .

فقال مسلم بن عقیل : الحمد للّه، كفى باللّه حکما بيننا و بينكم.

فقال ابن زیاد: أنظن أنّ لك من الأمر شيئاً ؟

فقال مسلم بن عقيل : لا واللّه ما هو الظنّ، ولكنّه اليقين .

فقال ابن زیاد: قتلني اللّه إن لم أقتلك شرّ قتلة.

فقال مسلم: «إنّك لا تدع سوء القتلة، وقبح المثلة، وخبث السريرة، ولؤم الغلبة، فاقض ما أنت قاض يا عدوّ اللّه».

وأضاف: «واللّه لو كان معي عشرة ممّن أثق بهم، وقدرت على شربة من ماء لطال عليك أن تراني في هذا القصر، ولكن إن كنت عزمت على قتلي، ولابدّ لك من ذلك، فدعني حتّى أوصي» .

فقال عبيد اللّه بن زياد: أوصي ما بدا لك.

فنظر مسلم في وجوه الناس فرأى عمر بن سعد فقال له: «إنّ بيني وبينك رحم، فليس هاهنا رجل من قريش غيرك، فادنو منّي حتّى أكلّمك».

فنظر عمر بن سعد إلى عبيد اللّه بن زیاد كأنّه يستأذن منه، فقال له ابن زیاد: أنظر في حاجة ابن عمّك.

فدنا منه عمر بن سعد، فقال له مسلم: «إنّ علیّ بالكوفة سبعمائة درهم ديناً، فخذ من هؤلاء سيفي وبعه واقضها عنّي، وانظر جثّتي، فاطلبها من ابن زیاد فوارها التراب، وابعث إلى الحسين بن علىّ من يخبره بما صنعوا بي، فإنّ الحسين ومن معه، وهم تسعون

ص: 240

بين رجل وامرأة في الطريق، فارددهم، واكتب إليهم بما أصابني، حتّى لا يقدم إلى هنا، فينزل به ما نزل بي»(1).

كان الكلام بين مسلم بن عقيل وعمر بن سعد في ناحية من المجلس، لا يسمع أحد ما يدور بينهما، وقد أراد مسلم أن يكون كذلك، ولكن عمر بن سعد قام وجلس إلى عبيد الله بن زیاد وقال له : أتدري ما قال؟ وكأنّه يريد أنيفشي سرّه .

فقال عبيد الله بن زياد: أكتم على ابن عمّك .

قال عمر بن سعد: هو أعظم من ذلك.

فقال ابن زیاد : فأيّ شيء هو؟

قال عمر بن سعد: أخبرني أنّ الحسين ومن معه قد أقبلوا، وهم تسعون إنسان بين رجل وامرأة.

فقال ابن زیاد: قد أسأت في إفشاء ما أسرّه إليك، أما واللّه إذ أنّك دللت عليه، فلا يقاتلهم أحد غيرك(2).

وأضاف : أمّا ماله فلسنا نمنعه أن تدفع فيه ما أحبّ، وأمّا الحسين فإنّه إن لم يردنا لم نرده، وإن أرادنا لم نكفّ عنه، وأمّا جثّته فإنّا لم نشفّعك فيها، إنّه ليس بأهل منّا لذلك، قد جاهدنا وخالفنا وجاهد على هلاكنا!

ثمّ إنّ ابن زیاد التفت مرّة أخرى إلى مسلم بن عقيل وقال : إيهٍ

ص: 241


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 97 و 8چ؛ وجواهر المطالب، للباعوني، ج 2، ص 268.
2- (2) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 241؛ والإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج2، ص 5.

یابن عقيل؛ أخبرني بماذا أتيت إلى هذا البلد، فشتّت أمرهم، وفرّقت كلمتهم، ورمیت بعضهم على بعض؟

فقال مسلم بن عقیل : «ليس لذلك أتيت هذا البلد، ولكنّكم أظهرتم المنكر، ودفنتم المعروف، وتأمّرتم على الناس من غير رضی، وحملتموهم على غير ما أمركم اللّه به، وعملتم فيهم بأعمال کسری وقيصر، فأتيناهم لنأمر فيهم بالمعروف، وننهاهم عن المنكر، وندعوهم إلى حكم الكتاب والسنّة، وكنّا أهل ذلك، ولم تزل الخلافة لنا منذ قتل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ولا تزال الخلافة لنا. فإنّا قهرنا عليها، لأنّكم أوّل من خرج على إمام الهدى، وشقّ عصى المسلمين، وأخذ هذا الأمر غصباً، ونازع أهله بالظلم والعدوان، ولا نعلم لنا ولكم مثلا إلّا قول اللّه تبارك وتعالى :(وسیعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلون) .

فجعل ابن زیاد يشتم عليّا والحسن والحسين .

فقال له مسلم : أنت وأبوك أحقّ بالشتيمة منهم، إنّا أهل بيت موکّل بنا البلاء(1).

فنادی ابن زیاد: أين هذا الذي ضربه ابن عقيل على رأسه بالسيف؟

فجاؤوا ببكير بن حمران الأحمري، وهو الذي تبادل الضربات في بداية المواجهة مع مسلم بن عقيل وتلقّى منه ضربة على رأسه ،

ص: 242


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 103؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 376 والعقد الفريد، لابن عبد ربه، ج 4، ص 379.

فلمّا أتوا به، قال له عبيد اللّه : خذ ابن عقيل واصعد به إلى أعلى القصر، واضرب عنقه بيدك ، ليكون ذلك أشفى لصدرك(1).

ولمّا صرّح ابن زیاد بقتل مسلم، قام محمّد بن الأشعث الذي أعطاه الأمان، وقال : أيّها الأمير، إنّي آمنته .

فقال ابن زیاد : وما أنت والأمان؟ كأنّما أرسلناك لتؤمّنه؟ إنّما أرسلناك لتأتينا به(2).

وفيما كان ابن حمران يجرّ مسلماً إلى أعلى القصر ليقتله، التفت مسلم إلى ابن زیاد وقال: «أما واللّه لو كنت من قريش، أو كان بيني وبينك رحم لما قتلتني، ولكنّك ابن أبيك، فاقض ما أنت قاض

یا عدوّ اللّه»(3)

فلمّا صعدوا به قال مسلم لقاتله : دعني أصلّي ركعتين وافعل ما بدا لك. فلم يسمح له بأن يصلّي، وقال : ليس إلى ذلك سبيل (4).

وكان مسلم في تلك الحالة يكبّر، ويستغفر، ويصلّي على النبي وآله وعلى ملائكة اللّه ورسوله، ويقول: الّلهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذبونا وأذلّونا.

وجاء القاتل به إلى موضع يشرف على مكان الحذّائين،

ص: 243


1- (1) روضة الواعظين، للفال، ص 151؛ والفتوح، لابن الأعثم، ج 5، ص 103.
2- (2) تجارب الأمم، لأبي علي مسکویه، ج 2، ص 52.
3- (3) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 213.
4- (4) معاني السبطين، للمازندراني، ج 1، ص 238.

فضرب عنقه، ورمي بجسده من أعلى القصر، ثمّ أتبع رأسه بجسده ، ثمّ نزل إلى عبيد اللّه بن زياد، فسأله عبيد اللّه : هل قتلته؟

فقال الرجل : نعم.

قال عبيد اللّه : هل كان يقول شيئاً وأنتم تصعدون به؟

قال بكير : نعم؛ كان يكبّر ويسبّح ويستغفر، فلمّا أدنيته لأقتله قال : الّلهمّ أحكم بيننا وبين قوم كذبونا وغرّونا وخذلونا وقتلونا .

فقلت له: أدنو منّي، الحمد للّه الذي أقادني منك. فضربته ضربة لم تغن شيئاً، ولم يمت .

فقال : أما ترى في خدش تخدشينه وفاءً من دمك أيّها العبد، أهي لا تكفي بما فعلت بي وفاءً لدمك؟

فقال ابن زياد: أو فخراً عند الموت؟

قال الرجل : ثمّ ضربته الثانية، فقتلته (1)

وكان في ذلك الوقت أناس كثيرون قد اجتمعوا خارج القصر وهم ينتظرون ما يفعل بمسلم وما يؤول إليه أمره، وكان بعضهم يقول : سوف يبقى هناك حتّى يأتيهم أمر يزيد، وآخرون يقولون : إنّه مقتول لا محالة. وإذا بقاتليه يرمون بجثّته من أعلى القصر إلى الناس، وبعدها أتبعوها بالرأس الشريف (2).

ص: 244


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 378؛ ومروج الذهبي، للمسعودي، ج 3، ص 69 ؛ و مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني، ص 71.
2- (2) مع الحسين في نهضته، ، الأسد حیدر، ص 224.

وكان اليوم الذي قتل فيه هو يوم الأربعاء من أيّام الأسبوع، التاسع من شهر ذي الحجّة، أي يوم عرفة عام 60 للهجرة النبويّة الشريفة(1).

***

ص: 245


1- (1) البحار، للمجلسي، ج 44، ص 363؛ والعوالم، ج 17، ص 213.

إلى جنّة اللّه هاني بن عروة

بعد أن قضى عبيد اللّه بن زیاد على مسلم بن عقيل، قام محمّد بن الأشعث إليه وكلّمه في هاني بن عروة، وقال فيما قال :

«إنّك قد عرفت منزلة هاني بن عروة في هذا المصر، وبيته في العشيرة، وقد علم قومه أنّي وصاحبي أسماء بن خارجة سقناه إليك ، فأنشدك اللّه أيّها الأمير لمّا وهبته لي، فإنّي أكره عداوة قومه، فهم أعزّ أهل المصر، وعدد أهل اليمن»(1).

فسكت عبيد اللّه بن زیاد هنيئة كأنّه قد قبل ذلك، إلّا أنّه عاد وزبر ابن الأشعث وأمر بقتل هاني في السوق، وقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه.

فأخرجوه إلى سوق كان يباع فيها الغنم وهو مكتوف اليدين، فجعل يقول: وآمذحجاه، ولا مذحج لي اليوم.. وآمذحجاه، وأين منّي مذحج؟

فلمّا رأى أنّ أحداً لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتّاف، ثمّ

ص: 246


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 378.

أخذ يبحث عن شيء ما يدافع به عن نفسه، قائلاً : أما من عصی، أو سكّين، أو حجر، أو عظم يدافع به رجل عن نفسه؟

فوثب عليه الشرطة، فشدّوه وثاقاً، ثمّ جاءه القاتل وهو عبد تركي، كان مولى لعبيد اللّه بن زیاد يقال له ژشید، وقال له : أمدد عنقك.

فقال هاني : ما أنا سخي به، وما أنا بمعينك على نفسي.

فضربه رشید، فلم ينفع سيفه شيئا .

فقال هاني: «إلى اللّه المعاد، الّلهمّ إلى رحمتك ورضوانك، الّلهمّ اجعل هذااليوم كفّارة لذنوبي، فإنّي إنّما غضبت لابن بنت نبيّك محمّد(1).

ثم انهال عليه السيّاف وضربه حتى قتله (2).

*

ثمّ إنّ ابن زياد أمر أن يؤتى برأسي مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، وأعطاهما لاثنين من جلاوزته، وهما هاني بن أبي حيّة، والزبير بن أروح، ليحملانهما إلى الشام وكتب رسالة إلى يزيد يقول له فيهما:

«أمّا بعد، فالحمد للّه الذي أخذ لأمير المؤمنين بحقّه ، وكفاه مؤونة عدوّه، أخبر أمير المؤمنين، أكرمه اللّه ، أنّ مسلم بن

ص: 247


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 214؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 379؛ والفتوح، لابن الأعثم، ج 5، ص 105.
2- (2) العبرات، للمحمود، ج 1، ص 338؛ واللهوف، لابن طاوس، ص 58.

عقیل لجأ إلى دار هاني بن عروة المرادي، وإنّي جعلت عليهم العيون، ودسست إليهم الرجال، وكدتهما حتّى استخرجتهما ، وأمكن اللّه منهما فقدّمتهما، فضربت أعناقهما وقد بعثت إليك برؤوسهما مع هاني بن حيّة الهمداني والزبير بن أروح التميمي، وهما من أهل السمع والطاعة، فليسألهما أمير المؤمنين عمّا أحبّ من أمر، فإنّ عندهما علماً وصدقا وفهما وورعا، والسّلام»(1).

وكان رأس مسلم أوّل رأس حمل من رؤوس بني هاشم إلى دمشق (2).

ولمّا وصل الرأسان والكتاب إلى يزيد، قرأ الكتاب مستبشراً، وأمر بالرأسين، فنصبا على باب مدينة دمشق(3) .

أما جثّتا مسلم وهاني فقد تمّ سحبهما في الأسواق من أرجلهما طوال ذلك النهار، إلى أن أمر عبيد اللّه بن زیاد فصلبتا منکّستین بسوق الكوفة في منطقة الكنّاسة، وكانت جثّة مسلم أوّل جثّة صلبت من بني هاشم(4) .

وبقيت الجثّتان مصلوبتين في السوق إلى أن قامت زوجة میثم

ص: 248


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 308.
2- (2) مروج الذهب، للمسعودي، ج 3، ص 470 وأعلام الوری، للطبرسي، ص 229.
3- (3) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 215؛ مثير الأحزان، للجواهري، ص 28؛ والفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 108.
4- (4) تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 139؛ والبداية والنهاية، لابن كثير،ج8، ص 157؛ والإصابة، لابن حجر، ج 1، ص 332؛ ومروج الذهب، للمسعودي، ج 3، ص 70.

التّمار، في منتصف ليلة من الليالي بإنزالهما من هناك، ودفنتهما بدمائهما في جنب المسجد الأعظم، حيث مقامهما الآن، ولم يعلم بذلك إلّا زوجة هاني بن عروة(1).

وقيل أنّ قبيلة مذحج هم الذين ركبوا خيولهم وجاؤوا إلى مکان صلبهما وأنزلوا الجثّتين ودفنوهما(2).

ولم يكتف عبيد اللّه بن زياد بقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، وإنّما عمد بعد ذلك إلى كلّ الرجال الذين ساندوا مسلماً ونصروه، فأمر بسجنهم، وقتل منهم أناساً كثيرين(3) .

فقد كان يجلس كلّ يوم في مجلس عام ويأمر أن يؤتى بكل رجل متّهم بأنّه حاول أن ينصر مسلم بن عقيل فيطلب منه أمرين : الأوّل - أن يحلف بالأيمان المغلّظة بأنّه لم يفعل، والثاني - أن ينخرط مع جيشه الذين كان يعبأهم لمواجهة الحسين، ومن يأبى ذلك كان يضرب عنقه .

وممّن جيء به إليه رجل اسمه عبد الأعلى الكلبي، وشخص آخر اسمه عمارة الأزدي، وكان قد أخذهما صاحب شرطته كثير بن شهاب، فحقّق معهما عبيد اللّه بن زياد، ومن جملة ما سألهما: ما الذي أخرجكما؟

فقالا : خرجنا لننظر ما يسمع الناس، فأخذنا صاحبك كثير بن شهاب.

ص: 249


1- (1) معالي السبطين، للمازندراني، ج 1، ص 245.
2- (2) المقتل، لأبي مخنف، ص 38.
3- (3) البداية والنهاية، لابن کثیر، ج 8، ص 157.

فطلب منهما ابن زیاد أن يحلفا على ذلك بالأيمان المغلّظة ، فلم يحلفا، فأمر بعبد الأعلى الكلبي أن يذهبوا إلى جبّانة السبيع ويضربوا عنقه، فانطلقوا به إليها وقتلوه، ثمّ أمر بعمارة الأزدي أن يذهبوا به إلى قومه، يضربوا عنقه فيهم(1) .

*

ولقد رثى الفرزدق كلّا من مسلم بن عقيل وهاني بن عروة في أبيات من الشعر، فقال:

إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانيء في السوق وابن عقيل

إلى بطل قد هشّم السيف وجهه * وآخر يهوي من طمار قتیل

أصابهما ريب الزمان فأصبحا * أحاديث من يمشي بكلّ قبيل

ترى جسداً قد غيّر الموت لونه * ونضح دم قد سال أيّ مسيل

فتى كان أحيا من فتاة حييّة * وأقطع من ذي شفرتين صقيل

تطوف حواليه مراد وكلّهم * على رفقة من سائل ومسول

ص: 250


1- (1) مقتل الحسين، للمقرم، ص181؛ ولواعج الأشجان، للسيد الأمين، ص 68.

أيركب أسماء الهمالیج آملاً * وقد طالبته مذحج بذحول

فإن أنتم لم تثأروا بأخیکم * فكونوا بغايا أرضيت بقليل(1)

***

ص: 251


1- (1) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني، ص 72.

تتابع فصول المواجهه

مع مصرع مسلم بن عقيل بدأ فصل جديد من فصول نهضة الحسين، وانفتحت الأبواب على جميع الاحتمالات.

فمع أنّ عبيد اللّه بن زیاد استطاع في الظاهر أن يقضي في الكوفة على حركة المؤمنين بقيادة مسلم، إلّا أنّه في الحقيقة لم يستطع إخماد ثورتهم، وإنّما وضع الرماد على النار.

صحيح أنّه ارتكب جرائم، وقتل رجالاً وحبس آخرين، إلّا أنّه ما استطاع أن يخمد النيران المشتعلة في نفوس الناس، خاصّة وأنّ الطريقة التي قتل بها کلّا من مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وغيرهما من سراة القوم، واستخدامه أسلوب الخداع والمكر والاغتيال، في الوقت الذي رفض مسلم بن عقيل أن يغتال ابن زیاد نفسه حينما أتيحت له الفرصة أكثر من مرّة، كلّ ذلك زاد من تنفّر المؤمنين من الحكم الأموي برمّته ، وأصبحت الأمّة منقسمة على نفسها أكثر من أيّ يوم آخر، رغم أنّ المظاهر لم تكن تدلّ كثيراً على ذلك، فالمؤمنون أصبحوا فعلا في جبهة، وأعدائهم في جبهة أخرى.

ولم يعد الحياد ممکناً بعد ارتكاب ابن زیاد جرائم قتل بحقّ المؤمنين ، وقيامه بالتنكيل بالناس، وأخذ البريء بجريرة غيره .

ص: 252

فكم من شباب أمر بإعدامهم أمام بيوت أقربائهم وعشيرتهم، حتى أصبح القتل هو المنطق الوحيد الذي كان يستخدمه مع المخالفين لسلطات بني أميّة .

*

لقد مات معاوية وهو يعلم أنّ بيعة يزيد، التي استخدم فيها السيف بإفراط، والمال بالتفريط، لا تؤمن عواقبها، خاصّة مع وجود شخص کالحسين بن علي بن أبي طالب الذي تجمّعت فيه كلّ الفضائل، وأصبح يمثّل في نظرالناس رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بكلّ ما كان في النبيّ من الفضائل والمناقب.

وفي الطرف الآخر كان يقف یزید بن معاوية ابن الخامسة والثلاثين عاماً، لا يملك من تجارب الزعامة شيئاً، وليس حوله من المرشدين والنصحاء إلّا مجموعة من المجرمين الذين تحرّكهم الأحقاد الأموية من أمثال عبيد اللّه بن زیاد.

وهكذا وصل الصراع بين بني أميّة المنافقين وبين بني هاشم الصادقين إلى مفترق طريق، لا سبيل فيه إلى توفيق. فأصبحت الجبهتان في وضعية التصادم .

ففي جبهة الحق يقف الحسين بن علي بن أبي طالب كوارث آدم، وهابيل، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ورسول اللّه ، وعليّ، ومعه أهل البيت ومجموعة من المؤمنين الصالحين الصادقين المخلصين . وفي جبهة الباطل يقف یزید بن معاوية كوارث قابيل، ونمرود، وفرعون، وبني إسرائيل، وجدّه أبي سفيان، وأبيه معاوية صاحب الدواهي، ورجل الحيلة والمكر والخداع والاغتيال وقتل الأبرياء.

ص: 253

إنّ الصراع بين الحسين ويزيد لم يكن صراعاً بين رجلين ، إلّا بمقدار ما كان كلّ واحد منهما يمثّل طريقة ومنهجاً وسلوكاً متناقضاً مع الآخر، وذلك الصراع هو نفسه الذي كان على مرّ التاريخ بين الأنبياء وبين خصومهم، وبين الشّهداء وبين الجلّادین .

فبمقدار ما كان الحسین غیوراً على دين اللّه وما فيه من المثل والقيم کالعدل، والإحسان، والإيمان، ورعاية حقوق الناس ، وبمقدار ما كان فيه من صفات كنصرة الحقّ والنجدة، والتعاون، بمقدار ما كان يزيد هائماً في عشق السلطة والزعامة، بعيداً عن الأصول الأخلاقيّة، لا يحترم أبسط المثل الإنسانية، ولم تكن عنده من حرمة الدماء الناس وأموالهم وأعراضهم، مستخدماً الرياء والدهاء والعبث بمقدّرات الأمة.

وهكذا فإنّ التقابل بین الحسين بن عليّ، ويزيد بن معاوية كان تقابلاً في الأخلاق، والسلوك، والمنهج، والطريقة، فالمعركة بين الطرفين كانت هي معركة الخير والشرّ، والصلاح والفساد، والإيمان والنفاق.. وهي ذاتها المعركة التي بدأت بين هابيل وقابيل، والتي ستستمر إلى نهاية الخليقة والتي يمثّلها في كلّ زمان ومكان رجال هنا ورجال هناك : مؤمنون في مواجهة منافقین، صالحون في مواجهة فاسقين، علماء في مواجهة جهلة، صادقون في مواجهة كذبة ، شهداء في مواجهة جلّادین.

وبمقدار ما كان الحسين مستعدّا للتضحية بنفسه، وبأقرب الناس إليه وأحبّهم إلى قلبه في سبيل الحقّ والعدل والخير والصلاح، بمقدار ما كان عدوه مستعداً للتضحية بالناس، وإراقة

ص: 254

دمائهم، ومصادرهم حقوقهم، وسبي نسائهم، في مصلحة سلطته ومنافعه وشهواته .

وهذا أقلّ ما يقال في حقّ أعداء الحسين، وإلّا فإنّهم في الحقيقة كانوا مجموعة من المجرمين الأفّاكين .. وكما يحدث أحيانا أنّ رئيس عصابة يصبح رئيس دولة، فيتصرّف مع الناس کرئیس عصابة، مع فارق واحد وهوأنّه يضفي على نفسه هالة من القدسيّة باعتباره سلطاناً وزعيماً ورئيس دولة، كذلك كان الأمر مع يزيد وخلفاء بني أميّة .

إنّ أعداء الحسين لا يمكن أن نسمّيهم زعماء ملك دنيوي بحت، حتّى ولا يمكن وصف سیاستهم بأنّها لتدعيم سلطان في مواجهة أعدائهم، بل أقلّ ما يمكن تسميتهم به أنّهم كانوا جلّادین متنمّرين، يطيعون ما في نفوسهم من غلظة وحقد، ولا تهمّهم ارتکاب مذابح طائشة بحقّ أبرياء، وسفك الدماء كتلهية ، يلتذّون بها أيما التذاذ. فبتلك الطريقة وحدها كانوا يشعرون بسلطانهم، وقوّة دولتهم، وعظمة شوكتهم.. فإنّ كلّ واحد من أعوان يزيد أولغ في دماء المسلمين، فيقتل النفس التي حرّم اللّه قتلها على الغضب والعداوة وسوء الظنّ، وهو يلهو ويلعب كأنّه لم يصنع شيئاً»(1)، كما قال مسلم بن عقيل.

من هنا لا نجد في التاريخ صورة أوضح للصراع بين الحقّ الصراح والباطل الواضح، والخير المطلق والشرّ المطلق، والإيمان الصادق والنفاق العميق مثل الصراع الذي حدث عام 61 هجريّة بين

ص: 255


1- (1) الكامل في التاريخ، لابن الأثير، ج 4، ص 35.

الحسين وبين أعدائه فلقد برزت في مجابهة الحسين مع أعدائه النفس الإنسانية في صورتين متناقضتين؛ صورة النفس المطمئنّة بإيمانها ، الملتزمة بأخلاقها، الصادقة مع اللّه في تصرّفاتها، وبين النفس الأمّارة بالسوء، التي لا تصدق في شيء، لا مع اللّه ولا مع الناس ولا مع النفس، وتنزع إلى الملذّات، وتهوي الزعامات، ولا تتورّع أبدا عن ارتكاب الموبقات.

وهاتان الصورتان المتناقضتان من النفس الإنسانية هم اللّتان تتنازعان حوادث التاريخ بين الأفراد، والأمم، والجماعات في كل عصر وكلّ مصر.

لقد كان الحسين يمثّل كل أصحاب النّفوس المطمئنة في التاريخ، ابتداء من النبيّ آدم صفي اللّه، وانتهاء إلى محمّد حبيب اللّه، كما كان يزيد يمثّل كل أعداء الأنبياء، من قابیل قاتل الإخوان، إلى المتمرّد على الحقّ معاوية بن أبي سفيان.

ولذلك لم يجد أحد في التاريخ ما يعيب به على الحسين حتّى من قبل أعدائه. كما لم يجد أحد في التاريخ ما يمدح به يزيد حتّى من قبل أحبّائه، وكفى ذلك دليلاً على التقابل بین المنهجين والطريقتين، كما كان تقابلاً بين الشخصين، وحتى في أشكالهم وصورهم كانوا متقابلين. فقد كان كل أعداء الحسین خلقاً مشوّهاً في الصورة، كما كانوا شرّاً مطلقاً في السيرة.

فمن يزيد بن معاوية المحفور وجهه بحفر الجدري، إلى عبيد اللّه بن زياد المجهول النسب، الذي كان ألكن اللّسان، لا يجيد نطق العربيّة، إلى شمر بن ذي الجوشن المصاب بالبرص، وقبح المنظر.

ص: 256

بينما على العكس، كان الحسين وأصحابه كأنّهم البدور الطالعة في ليالي تمامها وكمالها، وكانت وجوههم أقرب إلى وجوه الملائكة، كما كانت مواقفهم هي نفسها مواقف الأنبياء، في مواجهة وجوه كأنّها وجوه الأبالسة، ومواقف هي مواقف الشياطين .

***

ص: 257

الطریق إلی کربلا

قبل أن تصل أخبار نجاح الانقلاب الذي قاده عبيد اللّه بن زیاد ضدّ مسلم بن عقيل في الكوفة ، وتثبيت السلطة في يد بني أميّة هناك، كشفت الأحداث عن غليان كبير في حاضرة العالم الإسلامي؛ ففي مكّة المكرّمة كان أهل الحجاز والوافدون لأداء فريضة الحج يتجمّعون يومياً عند الحسين، وما أن يخرج من داره إلّا ويلتفّ الناس حوله أينما ذهب. كما أنّ البصرة بدأت تغلي أيضاً ، حيث قام المؤمنون هناك بعقد اجتماعات لترتيب أمورهم، استعداداً للمشاركة في أيّ تغيير قد يحدث.

كما أنّ كبار المخالفين ليزيد أخذوا يتنقّلون من مكان لمكان، فعبد اللّه بن الزبير استقرّ في مكّة، وأخذ أنصاره يجمعون الأتباع، وكلّ هذه الأمورأصابت السلطة بالاضطراب، فقام یزید بتغيير الولاة في البلدان، بما فيها ولاة المدينة ومكّة، كما أنّه بدأ حركة مضادّة الاستباق الأحداث، تماماً كما يفعل كلّ الطغاة في التاريخ، فإنّهم يبطشون جبّارين ويعاقبون على الفعل الصغير عقابا شديدا . وفي العادة هم الذين يتخذون قرار المواجهة وليس مخالفوهم، كما حصل بین قابيل وهابيل، وبين نمرود وإبراهيم، وبين فرعون وموسی، وبين بني إسرائيل وعيسى، وبين أبي سفيان ورسول اللّه .

ص: 258

فمن هو الذي اتخذ قرار المواجهة بالقتل : قابيل، أم هابیل؟

ومن هو الذي اتخذ قرار حرق الآخر بالنار: نمرود، أم إبراهيم؟

ومن هو الذي اتخذ قرار اعتقال موسى، أو قتله أو نفيه : فرعون، أم موسی؟

وكذلك فيما يرتبط ببني إسرائيل الذين حاولوا قتل عیسی ابن مریم، وقريش الذين أرادوا اغتيال رسول اللّه.

وهكذا فإنّ يزيد هو الذي قرّر مواجهة الحسين، فكتب الرسائل إلى ولاته يطالبهم بإجبار الحسين على البيعة أو مواجهة العقاب ، كما كتب رسائل إلى بعض كبار الشخصيّات من بني هاشم يطالبهم بمنع الحسين من الاستمرار في حركته، وفي كثير منها كان هنالك تهدید واضح للحسين عليه السلام .

وممّن كتب إليهم بمجرّد نزول الحسين في مكّة هو عبد اللّه بن عبّاس، باعتباره من صحابة أمير المؤمنين ومن العائلة ذاتها، وكان يسعى في رسالته إلى تأليب بني هاشم على الحسين، وتأليب من تبقى من الصحابة عليه.

يقول يزيد في رسالته هذه : «أمّا بعد، فإنّ ابن عمك حسيناً ، وعدوّ اللّه ابن الزبير، إلتوياً ببيعتي، ولحقا بمكّة مرصدين للفتنة ، معرّضين أنفسهما للهلكة، فأمّا ابن الزبير فإنّه سريع الفناء وقتیل السيف غدا.

«وأمّا الحسين فقد أحببت الإعذار إليكم أهل البيت ممّا كان منه، وقد بلغني أنّ رجالا من شيعته من أهل العراق يكاتبونه

ص: 259

ویکاتبهم، ويمنّونه الخلافة، ويمنّيهم الأمر، وقد تعلمون ما بيني وبينكم من الوصلة، وعظيم الحرمة، ووشائج الأرحام، وقد قطع ذلك الحسين وبتره، وأنت زعيم أهل بيتك، و سيّد أهل بلادك، فألقه، فأردده عن السعي في الفرقة، وردّ هذه الأمّة عن الفتنة، فإن قبل منك وأناب إليك، فله عندي الأمان والكرامة الواسعة، وأجري عليه ما كان أبي يجريه على أخيه، وإن طلب الزيادة فأضمن له ما أراك اللّه ، أنفذ ضمانك وأقوم له بذلك ، وله علىّ الأيمان المغلّظة ، والمواثيق المؤکّدة بما تطمأن به نفسه، ويعتمد في كلّ الأمور عليه، عجّل بجوابي إليك، وبكلّ جاجة لك إليّ وقبلي، والسّلام.

وذیّل رسالته بأبيات من الشعر، قائلاً :

يا أيّها الراكب الغادي مطيّته * على عذافرة في سيرها قحم

أبلغ قريشا على نأي المزار بها * بيني وبين الحسين: اللّه والرحم

وموقف بفناء البيت أنشده * عهد الإله وما توفي به الذمم

عنيتم قومكم فخراً بأمّكم * أمّ لعمري حصان برّة كرم

هي التي لا يداني فضلها أحد * بنت الرسول وكلّ الناس قد علموا

إنّي لأعلم أو ظنّا كعالمه * والظنّ يصدق أحيانا فينتظم

ص: 260

أن سوف يترككم ما تدّعون به * قتلى تهاداكم العقبان والرّخم

یا قومنا لا تشبّوا الحرب، إذ سكنت * وأمسكوا بحبال السلم، واعتصموا

قد جرّب الحرب من قد كان قبلكم * من القرون وقد بادت بها الأمم

فانصفوا قومكم لا تهلكوا بذخاً * فربّ ذي بذخ زلّت به القدم(1)

وكما هو واضح من الرسالة فإنّ يزيد اعتبر مجرّد انتقال الحسين من المدينة إلى مكّة، وكتابة الرسائل من أهل الكوفة إليه وإجابة الحسين لهم، جريمة لابدّ من أن يتخذ بنو هاشم موقفاً مضادّاً تجاهه، وكذلك اتهم الحسين بأنّه يريد الفتنة، وهدّده بالهلاك والموت. كما اعتبر نفسه محوراً لوحدة الأمّة، ومن ثمّ فقد صنّف حركة الحسين ضمن السعي إلى الفرقة والفتنة، وفي نهاية رسالته عرض على الحسين شراء موقفه بالمال، ظنّا منه أنّ معدن الحسين كمعدنه هو، يخضع للابتزاز والتهديد، ويمكن شراء ذمّته بالأموال والمغريات. وأخيراً أعطى لابن عبّاس الخيار في أن يزيد أو ينقص من المال للحسين، إذا رأى أنّ ذلك سوف يحمله على طاعة يزيد.

أمّا ابن عبّاس فقد ردّ على رسالة يزيد بالجواب التالي:

ص: 261


1- (1) مختصر ابن منظور، ج 7، ص 142؛ والبداية والنهاية، لأبن کثیر، ج 8،ص 164؛ وتذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 136.

«أمّا بعد، فقد ورد كتابك تذكر فيه لحاق الحسين وابن الزبير بمكّة، فأمّا ابن الزبير فرجل منقطع عنّا برأيه وهواه، ومع ذلك يكاتمنا أضغاناً يسرّها في صدره، يوري علينا وري الزناد، فرأيي في أمره ما أنت راء.

وأما الحسين فإنّه لمّا نزل مكّة، وترك حرم جدّه ومنازل آبائه سألت عن مقدمه، فأخبرني أنّ عمّالك بالمدينة أساؤوا إليه وعجّلوا بالكلام الفاحش عليه، فأقبل إلى حرم اللّه مستجيراً به، وسألقاه فيما أشرت إليه، ولن أدع النصيحة فيما يجمع اللّه به الكلمة، ويطفيء به النائرة، ويخمد به الفتنة، ويحقن به دماء الأمة.

وأنا أأمرك بأن تتقي اللّه في السرّ والعلانية، ولا تبيتنّ ليلة وأنت تريد لمسلم غائلة، ولا ترصده بمظلمة، ولا تحفر له مهوات، فكم من حافر لغيره حفراً وقع فيه، وكم من مؤمل أملاً لم يؤت أمله، وخذ بحظك من تلاوة القرآن، وعليك بالصيام والقيام، لا تشغلك عنهما ملاهي الدّنيا وأباطيلها، فإنّ كلّ ما اشتغلت به عن اللّه يضرّ ويفني، وكلّ ما اشتغلت به من أسباب الآخرة ينفع ويبقى، والسّلام»(1).

وواضح أنّ ابن عبّاس ردّ على يزيد موقفه فيما يرتبط بانتقال الحسين من المدينة إلى مكّة، واعتبر ذلك نتيجة موقف السلطة منه ، وعلى رأسها الوالي، وموقف مروان بن الحكم وهم الذين أساؤوا إلى الحسين بالكلام الفاحش، وهدّدوه بالقتل إن لم يبايع.

ص: 262


1- (1) الأمالي، للشجري، ج 1، ص 182؛ ومقتل الحسین، لبحر العلوم، ص 145؛ وموسوعة الإمام الحسین، ج 2، ص 22.

كما اعتبر أنّ انتقال الحسين من مدينة جدّه إلى حرم اللّه أمر طبيعي، وحقّ من حقوق كلّ مسلم في الأرض، بالإضافة إلى ردّ تهديد يزيد بالقتل والهلاك، بأن نصحه بأن يتقي اللّه عزّ وجلّ ولا يتعجّل في أمره.

*

كان الحسين قد اتخذ قراره بالنهضة، بناءً على مجموعة من المعطيات :

أوّلاً : قيام الحجّة بوجود الناصر .

ثانياً : ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم.

ثالثا : وصيّة أمير المؤمنين له وللحسن، قبيل رحيله عن هذه الحياة، حيث قال لهما: «أوصيكما بتقوى اللّه، وأن لا تبغيا الدّنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، قولا بالحق واعملا للأجر، وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عونا»(1).

رابعاً : تمادي بني أميّة في الظلم والعدوان والطغيان، من خلال إجبار معاوية الناس على بيعة يزيد كخليفة للمسلمين، هذا الرجل الذي قال فيه الحسين: «وعلى الإسلام السلام إذ قد بلیت الأمّة براع مثل يزيد»(2).

فمجمل هذه الأمور دفعت الحسين لاتخاذ قرار النهضة، ليس من أجل أن يصبح حاكماً هنا أو هناك، وإنّما لكي يؤدّي مسؤوليته ،

ص: 263


1- (1) نهج البلاغة، رسالة رقم 47.
2- (2) مثير الأحزان، لابن نما الحلي، ص 15.

وهي نفسها التي كانت تدفع الأنبياء والأولياء والصالحين لكي يقوموا بالأمر وينهضوا في أممهم .

*

انتشر خبر عزم الحسين على التوجه نحو العراق بين الناس، و خاصّة حجّاج بيت اللّه الحرام، كانتشار النار في الهشيم، وعلى عجل قام عبد الرحمن الصالح بزيارة صاحبه عبد اللّه بن مسلم، فدخل عليه، فوجده حزيناً باكياً، فقال له: ماذا ترى فيما عزم عليه الحسين؟

قال عبد اللّه : لقد دقّت ساعة الحقيقة، وأظن أنّ الأيّام حبلی بحوادث كبرى في هذه الأمّة.

فقال عبد الرحمن : كلّنا نعلم مكانة الحسين، ولا أحد يخفی عليه أمر يزيد، والسلطة بأكملها في يد هذا الرجل، فكيف يخرج الحسين إلى العراق، هل لكي يحكم هناك؟

قال عبد اللّه : يبدو أنّك لا تعرف الحسین معرفة حقيقية، إنّ هؤلاء رجال لا يبحثون عن الدّنيا ومغانمها، ولو أتتهم على أبواب بيوتهم لأكبّوها على وجهها كما فعل أبوهم. هم أهل بيت النّبوّة ، ومعدن الرسالة،ومختلف الملائكة، ومعدن العلم، وأهل بيت الوحي.

أترى أنّ رسول اللّه حينما صدع بالأمر في مكّة كان يريد أن يكون أميراً على أهلها؟

لقد عرضوا عليه ذلك، ولكنّه رفض .

أترى أنّه كان يبحث عن الأموال؟

ص: 264

وقد عرضت عليه حليّ الكعبة، ولكنّه رفض.

أم أنّه كان يريد أن يتزوج أجمل بنات قریش؟

وقد عرض عليه ذلك ولكنّه رفض أيضا.

وقال لعمّه أبي طالب جدّ الحسين : «يا عمّ، واللّه لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتّى يظهره اللّه، أو أهلك دونه»(1).

قال عبد الرحمن: لكن دين اللّه ظاهر الآن، فلماذا يخرج الحسين؟

قال عبد اللّه : يا هذا ؛ إنّ الناس افتتنوا ببني أميّة، وهم يأخذون دينهم من هؤلاء، وخاتمة الأديان على وشك أن يتحولّ إلى مجرّد مظاهر خالية من الجواهر، والديانات التي بعث اللّه الأنبياء لكي يقوم الناس بالقسط، على وشك أن يجعلها هؤلاء غطاء للظلم والطغيان والنفاق.

ولهذا قال على علیه السلام : «ألا إنّ أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أميّة»(2).

ترى لو أنّ بني أمية أعلنوا إعادة الأصنام إلى الكعبة، وفرضوا على الناس عبادتها، أليس ذلك يوجب على كلّ مؤمن أن ينهض بالأمر، ويردّ عليهم؟

قال عبد الرحمن : قطعاً .

ص: 265


1- (1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج 14، ص 54.
2- (2) نهج البلاغة، خطبة رقم 93.

قال عبد اللّه : أترى أنّ إقامة الظلم باسم هذا الدّين، واتخاذ مال اللّه دولاً، وعباده خولاً باسم شريعة سيّد المرسلين أقلّ خطورة من نصب الأصنام على الكعبة؟

ألم يقل النبيّ للكعبة: «مرحباً بالبيت، ما أعظمك وأعظم حرمتك على اللّه . واللّه للمؤمن أعظم حرمة منك»؟(1).

أليس من الغريب أن النبيّ، وهو مرسل من قبل ربّ العالمين ، لم يكن يفرض على أحد بيعته، وإنّما كانت البيعة اختياريّة، واليوم يفرض بنو أميّة على الناس البيعة ليزيد بصفته خليفة رسول اللّه ، وهو لا يمتّ إلى النبيّ بصلة، لا في دينه، ولا في نسبه، ولا في أخلاقه، ولا في التزامه ، ولا في علمه؟

أترى أنّ رسول اللّه بعث لينتهي أمر الأمّة إلى مثل یزید، فيكون حاكماً على الناس وبیده مقدّراتهم، ومصيرهم، وأعراضهم، وأموالهم، وكلّ صغيرة وكبيرة في دينهم ودنياهم؟

قال عبد الرحمن الصالح: إذن هل الحسين يخرج على السلطة لكي يقضي على شخص يزيد ويجلس في مكانه؟

قال عبد اللّه بن مسلم : أولياء اللّه لا يتخذون مواقفهم بناءً على عداوة شخصيّة مع أحد، ثمّ إنّهم يريدون الاستنهاض بالأمّة، وليس الحصول على السلطان والتاج. فهل كان إبراهيم الخليل يريد أن يجلس مکان نمرود؟

وهل كان النبي موسى عليه السلام يريد أن يحتلّ موقع فرعون؟

ص: 266


1- (1) مستدرك سفينة البحار، للنمازي الشاهرودي، ج 1، ص 204.

وهل كان رسول اللّه يريد أن يحصل على موقع أبي سفيان في مکّة؟

إنّ الأنبياء يبحثون عن شيء آخر، وهو هداية الناس ودفعهم إلى إقامة العدل ومنع الفتنة، حتّى لا تكون الأموال بید قوم طغاة يستخدمونها لإبعاد الناس عن التزامهم بدينهم وقيمهم ومثلهم وأخلاقهم.

قال عبد الرحمن : ولكن الحسين إذا نهض وخرج إلى العراق فلربّما يقتل؟

قال عبد اللّه : إنّ الحسين لا يقوم بمغامرة سياسيّة، ولا ينهض لمساومة تجارية، وإنّما الحسين يؤمن بدينه، فإن نصره الناس وقبلوه، فقد نصروا حقّهم في أن يكونوا أحراراً في دنياهم، وإن تقاعسوا عن ذلك، واستطاعت السلطة أن تقضي على الحسين، التزم هو بالحقّ. وسیّان عنده فوات هذا الأمر عنه بالموت أو فواته بالحياة، بل الموت بالنسبة إليه أشهى من الحياة .

قال عبد الرحمن : إذن أن ترى أنّ الحسين خارج لا محالة؟

قال عبد اللّه : هكذا يبدو.

فقال عبد الرحمن : وهل أنّ أحداً نصحه بخلاف ذلك، أو منعه من التوجّه إلى العراق؟

قال عبد اللّه : كثيرون نصحوه بأن لا يخرج .

قال عبد الرحمن : فهل قبل منهم الحسين؟

قال عبد اللّه : كلا .

قال عبد الرحمن : ولماذا ؟

ص: 267

قال عبد اللّه بن مسلم : لأنّ منطق الحسين يختلف عن منطقهم، الكثيرون حينما أتوا إلى الحسين ظنّوا أنّه يبحث عن التاج والسلطان، ويريد الانتصار على بني أميّة بأيّ ثمن، فهم يقولون له إنّك لا تنتصر، فالسلطة أقوى من أن تسقط على يديك، مع قلّة العدد وخذلان الناصر.

وأنت تعرف أنّ الحسين حفيد رسول اللّه، وابن أمير المؤمنين، وهو من حيث العمر في نهايات الثامنة والخمسين، بينما یزید بن معاوية في الخامسة والثلاثين، فالحسين عليه السلام أكثر حكمة وحنكة وعلماً ومعرفة من عدوّه، وقد عاش أحداثاً كبيرة مرّت عليه منذ ولادته إلى اليوم، فما يقوله له هؤلاء لا يغيب عنه، غير أنّ منطقه مختلف عن منطقهم. إنّ الحسين لا يخرج لكي يحكم كما يظن هؤلاء.

قال عبد الرحمن : فهل يخرج الحسين لكي يقتل؟

قال عبد اللّه : لا؛ فالأمر لا يدور بين أن يبحث الحسين عن السلطة أو أن يبحث عن الموت، الحسين يقوم بواجبه، وهو بين إحدى الحسنيين، إمّا النصر وإما الشهادة، تماماً كما كان يفعل جميع الأنبياء. فلو بعث نبيّ في أمّة من الأمم، فهل يريد أن يكون حاكماً عليها ، أم يريد أن يهديها؟

إنّ المشكلة التي وقعت الأمّة فيها اليوم هي أنّ هنالك جماعة يبحثون عن الحكم والسلطان ليصبحوا ملوكاً باسم هذا الدّين، وخطورة هؤلاء أنّ أعمالهم تصبح موازين دينية لدى الناس، وتصبح مواقفهم مصبوغة بصبغة الشرعية، وهذا هو معنى النفاق الذي لابدّ أن نخشاه دائماً على أنفسنا وعلى غيرنا .

ص: 268

إنّ كلّ الذين جاؤوا إلى الحسين قالوا له إنّ الوضع لا يزال مضطرباً في الكوفة، وأنّ خروجه إلى العراق قد لا ينتهي بحصوله على السلطة، والحسين أساسا لا يبحث عن السلطة، إنّما يريد أن يؤدّي ما عليه من الواجب.

*

عندما بلغ عبد اللّه بن عبّاس خبر أنّ الحسين يريد المسير إلى العراق أقبل حتّى دخل عليه مسلّماً، فقال له: «جعلت فداك يابن بنت رسول اللّه ؛ إنّه قد شاع الخبر في الناس بأنّك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع».

فقال الحسين علیه السلام: «نعم؛ إنّي أزمعت على ذلك في أيّامي هذه إن شاء اللّه ، ولا قوة إلا باللّه» .

فقال ابن عبّاس: «أعيذك باللّه من ذلك، فإن كنت تسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم، وضبطوا بلادهم، ونفوا عدوّهم، فإنّ في مسيرك إليهم لعمري الرشاد والسداد. وإن كانوا إنّما دعوك إليهم وأميرهم قاهر لهم، وعمّالهم يجبون بلادهم، فإنّما دعوك إلى الحرب والقتال. وإنّك تعلم أنّه بلد قد قتل فيه أبوك، واغتيل فيه أخوك، وبویع یزید بن معاوية، وعبيد اللّه بن زياد في البلد يعطي ويفرض، والناس اليوم إنّما هم عبيد الدينار والدرهم، ولا آمن عليك أن تقتل، فاتق اللّه والزم هذا الحرم»(1).

ص: 269


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 112.

قال عبد الرحمن الصالح: ألا ترى أنّ كلام عبد اللّه بن عبّاس هو كلام ناصح؟

قال عبد اللّه بن مسلم : هو كلام ناصح بالنسبة إلى من يريد الحصول على الحكم والسلطة. يقول له لا تذهب إلى الكوفة إلّا بعد أن يقوم الناس بطرد أميرهم ونفيه، والقضاء على سلطانه، حتّى إذا ذهبت إلى هناك أصبحت أميراً عليهم، وإلّا فإنّك ربّما تقتل في هذا الطريق. أمّا الحسين فلا هو يبحث عن السلطان، ولا هو خائف من الموت، كما لم يكن الأنبياء يبحثون عن السلطان، ولا كانوا يخافون من الموت.

*

في الجواب على ابن عبّاس قال الحسين: «واللّه لئن أقتل بالعراق أحبّ إلي من أن أقتل بمكّة، ويستحلّ بي حرم اللّه وحرم رسوله. وما قضى اللّه فهو كائن، وأنا مع ذلك أستخير اللّه وأنظر ما يكون»(1).

وبعد أيّام جاءه عبد اللّه بن عبّاس مرّة أخرى، فدخل إليه وقال: «يا بن بنت رسول اللّه ؛ إنّي قد رأيت رأيي إن تقبل منّي».

فقال الحسين : «وما ذاك»؟

قال ابن عبّاس: تخرج إلى بلاد اليمن، فإنّ فيها حصوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، وإنّ لك بها شيعة، وأنت عن الناس في عزلة ، فإذا استوطنت بها أكتب إلى الناس، وأعلمهم مكانك».

ص: 270


1- (1) المعجم الكبير للطبراني، ج 3، ص 128.

فقال الحسين : «یابن عمّي؛ إنّي لأعلم أنّك ناصح شفوق، ولكنّي أزمعت على المسير إلى العراق ولابدّ من ذلك، فخلّ عنّي یابن عبّاس، فإنّي أستحي من ربّي عزّ وجلّ أن ألقاه ولم آمر في أمّتنا بمعروف، ولم أنهى عن منكر»(1).

فأطرق ابن عبّاس ساعة، ثمّ قال : «یابن بنت رسول اللّه ؛ إن كنت قد أزمعت ولابدّ لك من ذلك، فلا تسر بنسائك وأولادك، فإنّي خائف عليك أن تقتل، وهم ينظرون إليك، ولا يقدرون على حيلة».

فقال الحسين: «إنّهنّ ودائع رسول اللّه ، ولا آمن عليهن أحداً ، وهنّ أيضاً لا يفارقنني».

ويبدو أنّ بعض نسوة الحسين سمعن كلام ابن عبّاس، حيث ارتفع أصواتهنّ بالبكاء، وسمع ابن عبّاس قائلة منهن تقول: «یا بن عبّاس؛ أتشير على شيخنا وسيّدنا أن يخلّفنا هاهنا، ويمضي وحده؟ !

لا واللّه ، بل نحيا معه ونموت معه، وهل أبقى الزمان لنا غيره» (2)

فلمّا أبي الحسین قبول رأي ابن عبّاس قال له هذا الأخير : واللّه لو أعلم أنّي إذا تشبّثت بك، وقبضت على مجامع ثوبك ، وأدخلت يدي في شعرك، حتّى اجتمع الناس عليّ وعليك، لو علمت أنّ ذلك كان نافعاً لي لفعلته، ولكن اعلم أنّ اللّه بالغ أمره».

ص: 271


1- (1) الأمالي، للشجري، ج 1، ص 186.
2- (2) مقتل الحسین، لبحر العلوم، ص 157.

ثمّ أسبل عينيه وبکی وودّع الحسين وانصرف، وهو يقول : «واحسيناه»(1).

*

في لقائهم الليلي بفناء الكعبة جلس عبد الرحمن الصالح إلى جنب صاحبه وهما صامتان فترة من الزمن، ثمّ التفت عبد الرحمن إلى عبد اللّه قائلا : حديث الناس كلّهم حول خروج الحسين.

فقال عبد اللّه : هل هم يؤيّدونه، في ذلك أم يخالفون؟

قال عبد الرحمن: عامّة الناس مع الحسين، فهم يرون أنّ ليل الظلم قد طال، وأنّه لابدّ أن يتغيّر شيء ما في هذه الأمّة.

قال عبد اللّه : هذا صحيح، ولكن أتدري أنّ أوّل شيء لابدّ أن يتغيّر في الأمّة هو بصيرتها، وتحرير إرادتها، حتّى يتحرّكوا ويغيّروا، لا أن يكتفوا بتأييد الشيء بقلوبهم من دون أن يحرّكوا ساكناً بمواقفهم، وهذا هو الذي يميّز الحسين عليه السلام عن بقيّة الناس . فهو لا يقول شيئاً إلّا ويفعل، وإذا فعل فهو يمشي على خطى جدّه رسول اللّه، لا يلوي إلى الوراء.

قال عبد الرحمن : هل أنّ الحسين في النهاية يقوم بنهضته لا محالة؟

قال عبد اللّه : لا يشك الحسين في مواقفه، وليس متردّدا في أمره، ولو كان إبراهيم الخليل عليه السلام قد تردّد في كسر الأصنام لتردّد الحسين، ولو كان رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قد تردّد في رفضه لعبادة الأصنام

ص: 272


1- (1) مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني، ص 73؛ والفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 114.

لتردّد الحسين . وكما أعلن رسول اللّه البراءة من المشركين يوم الحجّ الأكبر، فإنّ الحسين قد أعلن البراءة من المنافقين في حجّه هذا .

قال عبد الرحمن : وماذا عن مواقف عليّة القوم وكبارهم؟

قال عبد اللّه بن مسلم : هنالك من يحاول منع الحسین علیه السلام

من التوجّه إلى العراق كما ذكرت لك، وهم على أربعة أصناف:

الصنف الأوّل : المشفقون على الحسين .

الصنف الثاني :المشفقون على بني أميّة .

الصنف الثالث: الذين لم يفهموا مقاصد الحسين علیه السلام فيما هو مقدم عليه ، فهم يتحدّثون بمنطق يختلف تماماً عن منطق الحسين.

قال عبد الرحمن : أتريد أن تقول إنّ هذا الصنف لا يفهم الحسين ولا يفهمهم الحسين؟

قال عبد اللّه : الحسين يفهمهم، ولكنّهم هم لا يفهمونه.

الصنف الرابع : الذين يحبّذون خروج الحسين، ولكنّهم يتظاهرون بخلاف ذلك، حتّى لا يتّهموا فيما بعد بالشراكة في دمه إذا قتل.

قال عبد الرحمن : ومن تقصد بهذا الصنف؟

فقال عبد اللّه : أقصد أمثال عبد اللّه بن الزبير، فقد جاء مرّة إلى الحسين ليشجّعه على أن ينهض ضدّ يزيد، وقال فيما قال: «ما أدري لماذا تركنا هؤلاء القوم وكففنا عنهم، ونحن أبناء المهاجرين و أولى بالأمر منهم، فخبّرني بماذا تريد أن تصنع»؟

ص: 273

فقال له الحسين : «واللّه لقد حدّثت نفسي بإتيان الكوفة، فإنّ أشراف أهلها قد كتبوا إليّ بالقدوم عليهم، وأستخير اللّه».

فقال ابن الزبير: لو كان لي بها مثل شيعتكم ما عدلت بها .

ثمّ خشي أن يتّهمه، فقال : بلی؛ لو أنّك أقمت بالحجاز، ثمّ أردت الأمر هاهنا ما خلف عليك إن شاء اللّه(1). فإذا قوي أمرك نفیت عمّال يزيد عن هذا البلد، وعلیّ لك المكاتفة والمؤازرة، وإن عملت بمشورتي طلبت هذا الأمر بهذا الحرم، فإنّه مجمع أهل الآفاق ومورد أهل الأقطار، لم يعدمك بإذن اللّه إدراك ما تريد، ورجوت أن تناله(2).

قال عبد الرحمن : وبماذا أجابه الحسين؟

قال عبد اللّه : إنّ الحسين قال له: «إنّ أبي حدّثني أنّ بمكّة كبشاً يستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش. نحن لا نستحلّها ولا تستحلّ بنا، ولئن أقتل على تلّ أعفر أحبّ إليّ من أن أقتل بها»(3).

فخرج عبد اللّه بن الزبير، فقال الحسين لمن معه: «ما من شيء من أمر الدّنيا يؤتاه أحبّ إليه من خروجي عن الحجاز، لأنّه قد علم أنّه ليس له معي من الأمر شيء، و أنّ الناس لن يعدلوه بي، فودّ أنّي خرجت من هنا لتخلوله»(4)

ص: 274


1- (1) جمل الأنساب الأشراف، للبلاذري، ج 5، ص 315.
2- (2) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 244.
3- (3) کامل الزیارات، لابن قولویه، ص 73.
4- (4) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 383.

قال عبد الرحمن الصالح: هذا عن الصنف الرابع ممّن أشاروا على الحسين بعدم المسير إلى العراق، فماذا عن الذين أشاروا عليه بعدم الخروج إشفاقاً منهم عليه ، من هم مثلاً، وماذا قالوا، وماذا قال لهم الحسين؟

قال عبد اللّه بن مسلم : من هؤلاء عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وهو ابن عمّ الحسين وزوج أخته زينب، فقد كان الرجل في المدينة، ولما سمع بأنّ الحسين يريد الخروج إلى العراق كتب إليه يقول :

بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن عليّ، من عبد اللّه بن جعفر، أمّا بعد، أنشدك اللّه أن لا تخرج عن مكّة، فإنّي خائف عليك، من هذا الأمر الذي قد أزمعت، عليه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، فإنّك إن قتلت أخاف أن يطفأ نور اللّه ، فأنت علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجّل بالمسير إلى العراق، فإنّي آخذ لك الأمان من يزيد، ومن جميع بني أميّة، لنفسك ولمالك وأولادك وأهل بيتك، والسّلام(1).

فكما هو واضح فإنّ الرجل مشفق على الحسين، وهو خائف من أن يقدم بنو أميّة على قتله، ومن ثمّ أن ينقطع نسل رسول اللّه ويستأصل أهله.

فكتب إليه الحسين يقول:

بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّ كتابك ورد عليّ، فقرأته وفهمت ما فيه، وأعلمك أنّي قد رأيت جدّي رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم

ص: 275


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 218؛ والفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 115.

في منامي، فأخبرني بأمر أنا ماض له، أكان لي الأمر أو عليّ، فواللّه یابن عم لو كنت في حجر هامّة من هوامّ الأرض فإنّهم يستخرجوني حتّى يقتلوني، وواللّه ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في يوم السبت، والسّلام(1).

قال عبد الرحمن الصالح: هل تكشف رسالة عبد اللّه بن جعفر أنّ بعض أهل البيت يختلفون مع الحسين في أمر خروجه؟

قال عبد اللّه بن مسلم : أهل البيت مجمعون على إمامة الحسين، وهو سيّدهم بلا منازع، وزعيمهم، وهم مشفقون عليه ، ولو أنّه صمّم على الخروج فسوف يستسلمون له، ولذلك فإنّ عبد اللّه بن جعفر مع هذه الرسالة التي تلوتها لك أرسل ولديه عون ومحمّد لكي يلتزما ركاب الحسين، مع قطع النظر عمّا يمكن أن يحدث له، ولهما(2).

وأضاف عبد اللّه بن مسلم: ومن الذين أشاروا على الحسين بعدم الخروج،إشفاقاً منهم عليه، عبد اللّه بن مطيع، فقد قال للحسين : «فداك أبي وأمّي، أنشدك اللّه أن تعتني بنفسك ولا تسر إلى العراق، فإنّ حرمتك من اللّه حرمة، وقرابتك من رسول اللّه قرابة ، وإنّ بني أميّة إن قتلوك لم يرتدعوا عن حرمة اللّه أن ينتهكوها، ولن يهابوا أحداً بعدك أن يقتلوه، فواللّه لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا

خولا وعبيداً »(3).

ص: 276


1- (1) مقتل الحسین، لبحر العلوم، ص 174.
2- (2) الفصول المهمة، لابن الصباغ، ص 187.
3- (3) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 217؛ والتهذیب، لابن بدران، ج 4، ص 328.

ومن المشفقين الذين أشاروا على الحسين عليه السلام بعدم الخروج أيضا عمر بن عبد الرحمن المخزومي، فقد جاء إليه وقال له: «بلغني أنّك تريد العراق، وأنا مشفق عليك من مسيرك، لأنّك تأتي بلداً فيها عمّال يزيد وأمرائه ومعهم بيوت المال، وإنّما الناس عبيد الدينار والدرهم، فلا آمن عليك أن يقاتلك منوعدك نصره، ومن أنت أحبّ إليه ممّن يقاتلك معه».

فقال له الحسين: جزاك اللّه خيراً من ناصح، ولكن مهما قضي من أمر يكون، أخذت برأيك، أو تركته(1).

وممّن أشار على الحسين بعدم الخروج أيضاً عمرة بنت عبد الرحمن الأنصاريّة، فقد كتبت إليه تخبره أنّه إنّما يصار إلى مصرعه .

وقالت: «أشهد لقد حدّثتني عائشة أنّها سمعت رسول اللّه يقول: يقتل حسين بأرض بابل».

فلمّا قرأ الحسين کتابها، قال : فلابدّ لي إذن من مصرعي(2).

قال عبد الرحمن الصالح لعبد اللّه : إنّ جواب الحسين على هذه الرسالة عظيم فعلاً، فإذا كان رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم قد أخبر بمقتله في أرض العراق، فإذن لابدّ أن يذهب إلى هناك، لأنّ إخبار رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم وحي من السّماء.

ص: 277


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 382.
2- (2) تاريخ الإسلام، للذهبي، ج 2، ص 343؛ والعبرات، للمحمودي، ج1، ص 361.

ولكن أخبرني عمّن أشار على الحسين بعدم الخروج وهو مشفق على بني أميّة، وليس على الحسين، من هم مثلاً؟

قال عبد اللّه بن مسلم : من هؤلاء عمرو بن سعید بن العاص، وهو نائب الحرمین، فقد كتب إلى الحسين بمنطق المتكبّرين يقول : إنّي أسأل اللّه أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عمّا يرديك، وأن

يهديك لما يرشدك، فقد بلغني أنّك قد اعتزمت على الشخوص إلى العراق، وإنّي أعيذك باللّه من الشقاق، فإنّي أخاف عليك فيه الهلاك فإن كنت خائفاً فقد بعثت إليك بأخي يحيى بن سعيد، فأقبل إليّ معه، فلك عندنا الأمان، والصلة، والبرّ، والإحسان.

فكتب إليه الحسين يقول: «أمّا بعد، فإنّه لم يشاقق من دعى إلى اللّه وعمل صالحا وقال إننّي من المسلمين، وقد دعوتني إلى الأمان والبرّ والإحسان، وخير الأمان أمان اللّه، ولن يؤمن اللّه يوم القيامة من لم يته في الدّنيا، ونحن نسأل اللّه في الدّنيا توجب أماناً يوم القيامة، فإن کنت بكتابك هذا إلىّ أردت برّي وصلتي، فجزيت بذلك خيراً في الدّنيا والآخرة، والسّلام»(1).

قال عبد الرحمن الصالح: فمن هم الصنف الثالث الذي قلت إنّهم يرون شيئاً، بينما يرى الحسين شيئاً آخر، وأنّهم ربّما لم يفهموا لماذا يريد الحسين الخروج؟

قال عبد اللّه بن مسلم : مثل محمّد ابن الحنفيّة، فقد ظنّ أنّ الحسين إنّما يخرج إلى العراق لأنّه يخاف على نفسه من البقاء في

ص: 278


1- (1) التهذیب، لابن بدران، ج 4، ص 330؛ والبداية والنهاية، لابن کثیر، ج 8، ص 164.

مكّة، وفي العراق له أتباعه ومريدوه، الذين يطلبون منه الذهاب إليهم ليكون إماماً لهم. فقد قال للإمام إنّه يخاف عليه في الكوفة أكثر ممّا يخاف عليه في مكّة، حتّى أنّه قال : «رأيي أن تقيم بمكّة ، وتكون أعزّ من في الحرم، أو إذهب إلى اليمن فإنّك أمنع الناس به ، ولا يقدر عليك بنو أميّة».

وكان جواب الحسين عليه السلام إنّه رأى رسول اللّه في منامه، فأمره بأن يخرج إلى العراق حتّى لو قتل هناك، فقد شاء اللّه أن يراه قتيلا، وحينما سأل عن حمله النساء من أهل بيته ،قال : «شاء اللّه أن يراهنّ سبايا(1).

وكذلك الأمر بالنسبة إلى عبد اللّه بن عبّاس، فقد ظنّ أنّ الحسين إنّما يخرج لكي يصبح حاكماً في الكوفة، ومن ثمّ يبسط سلطته على العراق، وفيما بعد يبايعه الناس كخليفة للمسلمين، كأنّ الحسين يريد إقامة سلطة بديلة عن السلطة القائمة.

بينما الحسين يريد الخروج لأداء مسؤوليته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعادة الأمّة إلى مسارها الصحيح، وبغيته أن يهدي الناس بهدى اللّه ورسوله، ويفصل بين السياسة التي تستغلّ الدّين لمآربها، وبين دين اللّه الذي لابدّ من الالتزام به، والعمل بما جاء به النبي صلی الله علیه و آله و سلم ، ليس من أجل مغانم في الدّنيا، وإنّما لكسب رضي اللّه عزّ وجلّ.

فالحسين إنّما يخرج لقام المعطّلة من حدود اللّه، ويبسط

ص: 279


1- (1) لواعج الأشجان، للسيد الأمين، ص 73؛ والمنتخب، للطريحي، ج 2، ص 435.

العدل بين الناس، ويكون دين اللّه في مأمن من استغلال الأشرار والمنافقين.

قال عبد الرحمن الصالح: هل لك أن تخبرني بما يختلف عليه الحسين عن ابن الزبير، فكلاهما رفض بيعة يزيد؟

قال عبد اللّه بن مسلم : كما أنّ السلطات تختلف من سلطة عادلة تريد بسط العدل للناس والخير لهم، مع قطع النظر عمّا ترفعه من شعارات، سواء كانت دينيّة أو غير دينيّة، وبين سلطة لا تريد بسط العدل، وإنّما تريد كلّ الامتيازات لنفسها، وإذا ذكرت اسم الناس أو اسم اللّه فلمصالحها ؛ كذلك الذين يخرجون على السلطات هم صنفان: صنف يخرجون على السلطة الظالمة، ويرفعون شعار العدل في وجهها، ولكن مقصدهم أن يكونوا هم مكان أولئك وليس أكثر من ذلك، فهم يبحثون عن السلطة والجاه والجلال والتاج والصولجان والمال والامتيازات.

وصنف آخر صادقون في دعواتهم، لا يريدون لأنفسهم شيئاً . فعبد اللّه بن الزبير من الصنف الأوّل، فهو يخالف يزيد لأنّه يريد أن يكون مكانه، ومن ثمّ فهو لا يختلف عن يزيد في أهدافه وتطلّعاته، بينما الحسين يتحرّك على منهج الأنبياء، وشعاره هو: (لا نرید منکم جزاء ولا شكورا)، (قل لا أسئلكم عليه أجرا).

والفرق بينهما أنّ الحسين لو حكم لفعل كما فعل أبوه، الذي ازداد زهداً في حطام الدّنيا بعد أن بويع بالخلافة، فحرّم على نفسه الملذّات، ومنع حتّى من أن يمشي خلفه أحد من الرجال، ولم يتخذ لنفسه حرساً، مع كثرة أعدائه وخوضه ثلاثة حروب داخلية، ولا

ص: 280

اتخذ عبيداً وإماء في داره وبيته، وكان أهله يعيشون بمستوى أقلّ ممّا يعيش عامّة الناس.

أمّا عبد اللّه بن الزبير فإنّه إذا حكم لفعل كما يفعله الظالمون، لأنّه يريد السلطة لنفسه ولجماعته، بينما نرى أنّ الحسين يريد الخروج إلى العراق والموت بين عينيه، ولا يهمّه ذلك لأنّه لا يريد الدّنيا أساساً، وكما قال لعبد اللّه بن عمر حينما جاء إليه وحذّره من مشاقّة أهل العناد، لأنّهم لا يرقبون في اللّه إلّا ولا ذمّة، وربّما يقدمون على قتله .

فقال الحسين: «يا أبا عبد الرحمن؛ أما علمت أنّ من هوان الدّنيا على اللّه، أنّ رأس يحيى بن زكريّا يهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل»؟(1).

فالدّنيا عند الحسين هي أدنى من أن يقصدها، وأهون من أن يطلبها، ومن ثمّ فحتى لو أهدي رأسه الشريف إلى يزيد فسيكون مثل رأس يحيى بن زكريّا الذي أهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل.

*

قال عبد الرحمن : وما هو موقف بعض صحابة النبي صلی الله علیه و آله و سلم من أمثال جابر بن عبد اللّه الأنصاري، وأبو سعيد الخدري؟

قال عبد اللّه بن مسلم: لقد كان كلاهما مشفقين على الحسين، أمّا جابر بن عبد اللّه فقد جاء إليه وقال: «أنت ولد

ص: 281


1- (1) اللهوف، لابن طاوس، ص 31؛ والبحار، ج 44، ص 365؛ والفتوح، لابن أعثم، ج 5، ص 39 و 40؛ والإمام الحسين وأصحابه، للقزويني، ج 1، ص 119.

رسول اللّه وأحد سبطيه، لا أرى إلّا أنّك تصالح كما صالح أخوك الحسن، فإنّه كان موفقاً راشداً».

فقال له الحسين: «يا جابر؛ قد فعل أخي ذلك بأمر اللّه وأمر رسوله، وإنّي أيضا أفعل بأمر اللّه وأمر رسوله(1) .

قال عبد الرحمن الصالح: وهل اقتنع جابر بن عبد اللّه بما قاله الحسين؟

قال عبد اللّه بن مسلم : نعم، فهو يعرف أنّ الحسين لا يتقوّل على اللّه ولا على رسوله، كيف وهو أمين اللّه في أرضه، وحجّته على عباده، وهذا مقام يعرفه جابر بن عبد اللّه للحسين .

قال عبد الرحمن : وماذا عن نساء رسول اللّه؟

قال عبد اللّه : لقد بعثت إليه أمّ سلمة، وهي التي ربّته صغيراً، وكان من أحبّ الناس إليها، وكانت هي أرقّ الناس عليه، وقد دفع إليها النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم تربة الحسين، فوضعتها في قارورة، فقالت له: يا بنيّ، أتريد أن تخرج؟

قال الحسين : يا أمّاه أريد أن أخرج إلى العراق .

فقالت له: إنّي أذكّرك اللّه تعالى أن تخرج إلى العراق .

فقال الحسين : ولم ذلك يا أمّاه؟

قالت : سمعت رسول اللّه يقول: يقتل ابني الحسين بالعراق، وعندي يا بنيّ تربتك في قارورة مختومة دفعها إلىّ رسول اللّه (2).

ص: 282


1- (1) الثاقب في المناقب، لابن حمزة، ص 323.
2- (2) الثاقب في المناقب، لابن حمزة، ص 330.

فقال الحسين: «واللّه إنّي مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلونني أيضاً(1). وإنّي لا أفرّ من القدر والمقدور، والقضاء المحتوم، والأمر الواجب من اللّه تعالى».

فقالت أمّ سلمة : واعجباه، فأنت تذهب وأنت مقتول؟

فقال الحسين: «يا أمّاه؛ إن لم أذهب اليوم ذهبت غداً، وإن لم أذهب غدا لذهبت بعد غد، وما من الموت بدّ، وإنّي لأعرف الموضع الذي أقتل فيه، والسّاعة التي أقتل فيها، والحفرة التي أدفن فيها كما أعرفک، وأنظر إليها كما أنظر إليک، وإن أحببت أن أريک مضجعي ومصرع أصحابي فعلت» .

فقالت : قد شئتها.

فمسع الحسين على وجهها، وما زاد أن تكلّم باسم اللّه ، حتّى فسح اللّه في بصرها وانخفضت لها الأرض، وأراها مضجعه ومضجع أصحابه، وأخذ تربة فأعطاها من تلك التربة أيضاً في قارورة أخرى وقال لها : إذا فاضتا دماً فاعلمي أنّي قد قتلت(2).

*

في اليوم السابع من ذي الحجّة، عام ستّين للهجرة، التقى عبد الرحمن الصالح في أحد أزقّة مكّة بصاحبه عبد اللّه بن مسلم، فقال له : كلّ الأخبار تقول إنّ الحسين على وشك أن يخرج اليوم،

ص: 283


1- (1) الخرائج والجرائح، للراوندي، ج 1، ص 253.
2- (2) الثاقب في المناقب، لابن حمزة، ص 331؛ والبحار، للمجلسي، ج45، ص 89.

وسؤالي هو: ألا يوجد بديل آخر ما دام في هذا الخروج كلّ الخطورة على حياته، وربّما على حياة أهل بيته أيضاً؟

قال عبد اللّه بن مسلم : لو كان هنالك مخرج لاختاره الحسين، ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّ التزامه بالدّین متأصّل في نفس هذا الرجل، وهو يعتقد اعتقاداً جازماً بأنّ تعطیل حدود الدّين أكبر فتنة ابتليت بها هذه الأمّة في حاضرها ومستقبلها، وأيّ مسلم يؤمن بدينه لا يستطيع أن يساوم عليه ، فكيف بالحسين وهو وارث الأنبياء ، وسبط رسول اللّه ؟.

إنّ الحسين يرى في وجود يزيد على رأس السلطة خطراً على الدّين کلّه، فإذا كان من يفترض فيه أن يكون أميناً على دين الناس ودنياهم ومصالحهم المعنويّة والمادّية، ليست له حتّى كفاءة أن يكون مجرّد عضو في شرطة الخميس، أفلا يكون الدّين في خطر الإبادة على يديه؟

ثمّ إنّ يزيد قد وضع الحسين بين أمرين: إمّا أن يبايع، وإمّا أن يقتل. أمّا الحسين فقد اختار أمراً آخر وهو أن ينهض، لأنّه لا يستطيع أن يكون موافقاً على ضلالة السلطات، وكيف يمكن للحسين أن يشهد ليزيد بالصلاح للإمامة، أليس في ذلك تغريراً بالناس، وفي مقابل ماذا ، في مقابل أن يسلم في دنياه؟

إنّ يزيد ليس فيه ولو صفة واحدة يمكن أن يرضى الحسين بها؛ لا في دينه، ولا في شرفه، ولا في علمه، ولا في كفاءته، ولا في اهتمامه بالناس ومصالحهم.. ومن ثمّ فإنّ من يقبل بخلافة يزيد فهو يتنکّر لكلّ أصول الدّين، ويتجاهل كل حقوق الناس، وفي كلّ مجالات الحياة.

ص: 284

إنّ التسليم للباطل ليس من شيم الحسين، ولا ترضاه له مروءته، كما لا يرضاه له إيمانه .

قال عبد الرحمن الصالح: ولكن الحسين عليه السلام نفسه لم يخرج على معاوية؟

قال عبد اللّه بن مسلم : نعم؛ لم يخرج على معاوية ، ولكنّه لم يبايعه أيضاً، ومعاوية لم يجعله بين خيارين: إمّا البيعة وإمّا القتل . أمّا يزيد فقد وضع الحسين بين هذين الأمرين: إمّا أن يبايع يزيد ويعطيه الشرعية في كلّ شيء، وإمّا أن يقتل، وهذا ما كتبه إلى واليه على المدينة، وهو ما أشار به مروان بن الحكم في الليلة التي استحضره الوالي إلى دار الإمارة، وهذا أمر مختلف. الحسین مؤمن صادق في إيمانه، ملتزم بكل المفردات الأخلاقية، وهو معدن الفضائل، ويتمتّع بالوفاء كما يتمتّع بالشجاعة، ومن وفائه أنّه لم يخرج على معاوية بعد وفاة أخيه، لأنّ أخاه عاهد معاوية على المسالمة، فكان بينه وبين الرجل عهد وعقد، لم يرى الحسين له أن ينقضه حتّى تمضي المدّة(1).

أمّا خلافة يزيد فهي مفتتح ملک جديد، والتسليم لها يعني تحويل هذه الحالة إلى سنّة تستقرّ عليها الأمّة جيلا بعد جيل، من دون أن يكون هنالك أمل في التغيير، بالإضافة إلى أنّ عمله سيصبح ديناً يدين به الناس.

ألا ترى كيف أنّ بني أميّة جعلوا من الطغيان أمراً طبيعيّاً ،

ص: 285


1- (1) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة، ج1، ص 187؛ وتاريخ مدينة دمشق،لابن عساکر، ج 14، ص 205.

فمن خلال الذين اشتروا ضمائرهم بالدينار والدرهم أضفوا على الطاغي حالة قدسية باعتباره خليفة لرسول اللّه ، وهذا معناه إعادة الجاهليّة بكلّ ما تعنيه الكلمة ولكن بغطاء ديني .

فإذا كان ربّنا يوجب التبرّي من الطاغوت، ويعتبر نفي الأرباب والآلهة من دون اللّه مقدّمة للتوحيد في كلمة : لا إله إلّا اللّه .. وإذا كان كلّ الأنبياء إنّما بعثوا لمواجهة طاغوت زمانهم، حتّى آدم بعثه اللّه في مقابل طغيان إبليس، وإذا كان ربّنا يقول في كتابه : (اللّه ولیّ الذين امنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحب ألنار هم فيها خلدون)(1) ، فإنّ هؤلاء حوّلوا الطاغوت إلى رجل مقدّس، فما دام أنّه حاکم فهو مقبول ومرضي، وعمله شرع ودين، وإن طغى وإن ظلم بحيث ينسجم الدّين مع الطغيان رغم كلّ الموبقات التي يرتكبها الطاغوت، واليوم يحاولون أن يجعلوا ذلك سنّة يتوارثها جيل بعد جيل، بالإضافة إلى أنّ تعيين يزيد جاء بخلاف سنّة رسول اللّه ، وسنّةالخليفة الأوّل، وسنّة الخليفة الثاني، وسنّة الخليفة الثالث، وسنّة الخليفة الرابع، وكأنّ هذا الدّين لا نظام فيه، ولا موازین له، ولا حدود لأهم قضاياه.

ألم يكن اختيار معاوية لولاية العهد مساومة مكشوفة قبض كلّ مساهم فيها ثمن رضاه ومعونته، جهرةً وعلانية، من المال أو الولاية أو المصانعة .. ولو أنّ معاوية كان يعيّن قرداً من القرود وليّا لعهده ، ويصرف تلك الأموال، ويعطي من أجلها الولايات لهذا وذاك، من أجل تثبيته، لحاول أعوانه أن يفرضوه خليفة على الناس .

ص: 286


1- (1) سورة البقرة، آية 257.

وتكمن خطورة تعيين يزيد خليفة على المسلمين، أنّه لم يأت باعتبار معاوية ملكا يورّث ملکاً لبنيه، وإنّما باعتباره خليفة الرسول اللّه ، وما كان يراه المؤمنون في النبيّ، الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من البيعة له اختياراً أجبر عليه المسلمون، بعد أن عطّل كلّ حدود الدّين، وقوّض كلّ معالم الأخلاق.

وأغرب ما في الأمر أن يطلب من الحسين أن يبايع مثل هذا الرجل، ویزکّیه أمام المسلمين، ويشهد له عندهم بأنّه خليفة رسول اللّه ، وصاحب حقّ ديني في الخلافة، وهم لم يتركوا للحسين خياراً، إمّا أن يستسلم ويبايع، وإمّا أن يقتل .

لكن الحسين اختار طريقاً ثالثاً، وهو أن يعلنها ثورة مقدّسة ضدّ الظلم والطغيان، مع علمه بأنّه سيكون سيّد شهداء هذه الأمّة .

***

ص: 287

إعلان الثورة

في ليلة الثامن من شهر ذي الحجّة، وبينما كان حجّاج بیت اللّه الحرام، والمعتمرون يستعدّون للتروية، والإحرام من جديد للذهاب إلى منى لقضاء ليلة التاسع هناك، ثمّ الانتقال إلى عرفات في يومها ، انتشر بين الناس خبر مهم، وهو أنّ الحسين يريد أن يلقي خطبة عامّة يبيّن فيها ما هو عازم عليه . ولم يكن خلال الفترة السابقة قد تحدّث للناس بشكل عام، وإنّما كانت هنالك أحاديث يتبادلها مع هذا أو ذاك، أو رسائل يرسلها إلى بعض الجماعات هنا وهناك .

ومع أجواء الاحتقان السائدة، والتجاذبات التي كانت قائمة في البلدان، فلقد تسارع أكثر حجّاج بيت اللّه الحرام وأهل الحجاز لسماع كلمة الحسين عليه السلام .

كانت الجموع تتسابق فيما بينها للوصول إلى البيت الذي ينزل فيه الإمام علیه السلام، وحينما امتلأت الأزقّة والساحات بالناس، خرج الحسين بكامل هيبته وجلاله وكماله، لا تختلف مشيته عن مشية رسول اللّه، وفي وجهه ملامح تصميم عظيم، وفي خطواته جلجلة الثبات على المبدأ، وفي عينيه بريق الشهادة .

كان الحسين قبل غيره يعرف على ماذا قدم، وماذا تعني خطوته القادمة بالنسبة إلى شخصه وإلى أهل بيته .

ص: 288

من رأى الحسين في تلك اللحظات، رأى فيه هابيل علیه السلام في صفائه وعطوفته، ورأى نوحا علیه السلام في ثباته وشوكته، وإبراهيم علیه السلام في إيمانه وشجاعته، وموسى علیه السلام في شدّته وسطوته، وعيسی علیه السلام في رأفته ورحمته، ورسول الله صلی الله علیه و آله و سلم في رسالته ودعوته، وعليّاً علیه السلام في كلّ مناقبه وصفاته . فوقف هنالك على مرتفع، بينما خيّم الصمت على الجميع كأنّ على رؤوسهم الطير، وبدأ خطبته قائلاً :

بسم الله الرحمن، الحمد للّه وما شاء اللّه ، ولا قوة إلا باللّه ، وصلّى اللّه على رسوله، وعلى آله وسلّم.

ثمّ سكت لحظات، قال بعدها: «خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن منّي أكراشاً جوفا وأجربة سغبي، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضا اللّه رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفّينا أجور الصّابرين، لن تشذّ عن رسول اللّه لحمته، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس، تقرّ بهم عينه ، وينجز له بهم وعده».

ثمّ قال : «ألا فمن كان باذلاً فينا مهجته، وموطّنا على لقاء اللّه نفسه، فليرحل معنا، فإنّني راحل مصبحاً إن شاء اللّه»(1).

ثمّ أقفل راجعاً إلى بيته.

*

ص: 289


1- (1) نزهة الناظر، للحلواني، ص 41؛ والأمالي، لأبي طالب الزيدي، ص 199؛ وكشف الغمة، للإربلي، ج 2، ص 29؛ ومثير الأحزان، لابن نما، ص 21.

كان كل من عبد الرحمن الصالح، وعبد اللّه بن مسلم من أوائل من حضروا خطاب الحسين، واستمعوا إليه، ومع قصر الخطبة، إلّا أنّها كانت إعلاناً صريحاً ببدء نهضة عظيمة، لم يكن أحد يعرف إلى أين ستنتهي.

إلتفت عبد الرحمن إلى صاحبه قائلاً : أنت تعرف الحسين أكثر منّي، فقد كنت مع أهل البيت منذ البدايات، أمّا أنا فلم أكن كذلك، ولولا رحمة اللّه لكنت في ضلالي القديم، قل لي ماذا أراد الحسين بما قال؟

قال عبد اللّه بن مسلم :

أوّلا : إنّ الحسين اليوم بين موتين: موت يأتي إليه، وقد اتخذ قراره يزيد، وموت يذهب إليه، وقد اتخذ قراره الحسین . فلقد قام یزید بإرسال مجموعة من جلاوزته إلى الحجاز لاغتيال الحسين، وإن كان متعلّقاً بأستار الكعبة. أمّا الحسين فقد اختار الموت الثاني، لأنّه سبق وأن قال في مجالسه الخاصّة أنّه لا يريد أن يستباح به الحرم، فهو أمين على قدسيّة هذا المكان، لأنّ أهل البيت لا يستبيحون الحرم بأحد، ولا يدعون الآخرين يستبيحون الحرم بهم. هذا بالإضافة إلى أنّ الموت الذي يأتي المرء يذلّه، أمّا الموت الذي يذهب إليه فهو مثل القلادة على جيد الفتاة. فكما تزيّن القلادة الفتاة، كذلك يزيّن الموت صاحب الحقّ حينما يذهب إليه .

ثانياً : كشف الحسين علیه السلام عن مداخل نفسه، فهو مشتاق إلى رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم، وإلى أبيه أمير المؤمنين، وإلى أمّه فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، وإلى أخيه الحسن عليه السلام ، وشوقه هذا يشبه شوق يعقوب علیه السلام إلى يوسف علیه السلام بعد أن ابيضّت عيناه من الحزن عليه

ص: 290

ثالثاً : أعلن أنّ له مصرعاً هو لاقيه، ومن ثمّ فهو مشروع قربان ربّاني، وقد اختار اللّه له ذلك، من قبل أن يبرأ الشموات والأرض.

رابعاً : کشف بوضوح عمّا سيجري عليه وما سيفعل به، ومن ثمّ فقد كشف عن وحشيّة عدوّه وطريقته حينما قال : «كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات»، وحدّد المكان، «بين النواويس وكربلاء» . فكما تفعل الذئاب الجائعة بضحاياها حيث تقطّعها، ثمّ تملأ أكراشها الفارغة وتشرب من دمائها، كذلك سيفعل العدوّ به. وبيّن أيضا أنّ هذا قضاء اللّه وقدره، إذ «لا محيص عن يوم خطّ بالقلم».

خامساً: صرّح الحسين علیه السلام بمنطلقاته فيما يفعل، فهو لا ينطلق من أجل المصالح، ولا هو يبحث عن حطام الدّنيا. فأهل البيت راضون بما يرضي اللّه، وهذا أعلى درجات الإيمان. وأعلن بأنّه سيصبر ويتحمّل ولا يتراجع عمّا فيه رضا ربّه : «نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصّابرين».

سادساً : أعلن أنّ العاقبة بالنسبة إليه وإلى أهل بيته، هي الجنّة بلا شك ولا تردید، ل-: (إنّ اللّه اشتري من المؤمنين أنفسهم وأمولهم بأنّ لهم الجنه يقتلون في سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون وعدًا عليه حقّاً في التورة والإنجيل والقرءان) (1)

وإذا كان رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم في حضيرة القدس، فإنّ الحسين في حضيرة القدس معه، إذ «لن تشذّ عن رسول اللّه لحمته، بل هي مجموعة له هناك». وباعتبار أنّ الدار الآخرة هي الحيوان، والفلاح

ص: 291


1- (1) سورة التوبة، آية 111.

والنجاح إنّما هو هناك وليس هنا في الدّنيا، فإنّ عين رسول اللّه تقرّ بأهل بيته، وينجز اللّه له بهم وعده، ويسكن معه ذرّيّته في الفردوس الأعلى.

سابعاً : فتح الحسين الباب لينضمّ إليه من يريد، بشرط واحد، وهو أن يكون مستعداً للموت في سبيله: «فمن كان باذلاً فينا مهجته ، و موطّنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا».

ثامناً : حدّد الساعة التي سينطلق منها، وهو صبيحة اليوم التالي: «فإنّي راحل مصبحاً إن شاء اللّه».

قال عبد الرحمن الصالح: مع علم الحسين بوحشيّة عدوّه،كيف يعلن عن يوم خروجه، وساعته، واتجاهه؟

قال عبد اللّه بن مسلم : إنّ معرفة الحسين بمصيره فيما هو مقدم عليه لأكبر دليل على أنّه يخرج في سبيل اللّه، ولا يخرج أشراً ولا بطراً، ولا ظالماً ولا مفسداً، وإلّا فإنّ باستطاعته أن يساوم على موقفه إذا كان يريد حطام الدّنيا . ثمّ لا تنس أنّ الجهاد في سبيل اللّه من أهم ما جاء به هذا الدّين، فالقتل في سبيل اللّه أعلى درجات الإيمان، فقد ورد في الحديث عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم أنه قال: «فوق كلّ برّ برّ حتّى يقتل الرجل في سبيل اللّه ، فإذا قتل في سبيل اللّه فليس فوقه من برّ»(1).

ألم يكتب الإمام عليّ علیه السلام في نهاية عهده إلى مالك الأشتر قائلاً : «وأنا أسأل اللّه .. أن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة»(2).

ص: 292


1- (1) الكافي، للكليني، ج 2، ص 348.
2- (2) نهج البلاغة، رسالة رقم 53.

ثم أليس أنّ «الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه»(1)، كما يقول الإمام عليّ أيضا؟

قال عبد الرحمن الصالح: ولكن حينما يعرف الحسين أنّه يقتل فالأمر يكون مختلفاً، فهل الجهاد مطلوب حتّى مع العلم بالموت؟

قال عبد اللّه بن مسلم : عندما قال اللّه عزّ وجلّ : (إنّ اللّه أشتری من المؤمنين أنفسهم وأمولهم بأنّ لهم الجنّة)، لم يجعل الحياة شرطاً للجهاد، بل قال: (يق-تلون في سبيل اللّه فيقتلون و یقتلون)(2)، فهو ليس مقيّداً بالانتصار، بل قد ينتهي إلى الشهادة .

ثمّ ألم يكن رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم يخوض الجهاد مع عدد قليل من الناس، وعدّة بسيطة من السلاح، في مواجهة الجيوش الجرّارة؟

كم من مرّة خرج النبي صلی الله علیه و آله و سلم للجهاد، بعدد قليل جدّاً وقتل خيرة أصحابه مثل حمزة سيّد الشّهداء، وجعفر بن أبي طالب، وغيرهما من الصحابة الصالحين الصادقين ؟

ولا تنس أنّ الحسين إمام، فإذا كان الجهاد واجباً على جميع الناس، فإنّه على الإمام أوجب.

قال عبد الرحمن : ولماذا؟

قال عبد اللّه : لأنّ الإمام من واجباته المحافظة على حدود اللّه ، وإذا لم يكن الإمام، وهو المسؤول الأوّل عن الدّين، والمحور الأساسي في الأمّة، يقوم بما يجب عليه ، فهل ينتظر من الآخرين أن يقوموا بما يجب عليهم؟

ص: 293


1- (1) نهج البلاغة، خطبة رقم 27.
2- (2) سورة التوبة، آية 111.

قال عبد الرحمن : أتريد أن تقول أنّ الحسين مقدم على عمل يؤدّي إلى إراقة دمه ودماء أهل بيته، لكي يحفظ شريعة اللّه وحدوده؟

قال عبد اللّه : تماماً؛ إنّ ربّنا وصف المؤمنين بأنّهم تائبون وعابدون، وحافظون لحدود اللّه ، فقد قال تعالى بعد أن حدّد الصفقة التي بينه وبين عباده المؤمنين ب-: (إنّ اللّه اشتري من المؤمنين أنفسهم وأمولهم بأنّ لهم الجنّة يقتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقّا في التّوراة والإنجيل و القرءان ومن أوفی بعهده من اللّه فاستبشروا ببیعکم الذی بایعتم به وذلك هو الفوز العظيم)(1) ، ثمّ قال ربّنا: (الت-ئبون العبدون الحمدون السئحون الركعون السجدون الأمرون بالمعروف والنّاهون عن المنكر والحفظون لحدود اللّه وبشّر المؤمنین)(2).

. قال عبد الرحمن : إذن أنت ترى أنّ الحسين شهيد لا محالة؟

قال عبد اللّه : هو كذلك؛ فلقد اتخذ الحسين قراره بأن ينهض لإنقاذ دین جدّه، كما اتخذ يزيد قراره بأن يقضي على هذا الدّين فالصدام بينهما واقع لا محالة.

فقال عبد الرحمن : ومن يقول إنّ يزيد سوف ينتصر على الحسين، وليس العكس؟

قال عبد اللّه : أمّا أنّ الحسين ينتصر، فهو في علم اللّه منتصر حتماً، ولا شكّ في ذلك ولكن لا بمعنى أنّه سيستلم الحكم والسلطة، وذلك لسبب بسيط، أنّه لا يبحث عن الحكم والسلطة ، كما أنّه لن يتوسّل بما يتوسّل به يزيد من وسائل حرمها اللّه تعالى .

ص: 294


1- (1) سورة التوبة، آية 111.
2- (2) سورة التوبة، آية 112.

فمنذ البداية تراه يعلن بأنّه مقتول، ولو كان الحسين يبحث عن السيطرة على عدوّه، والحصول على السلطة لوعد الناس بالانتصار وليس بالموت. ثمّ إنّ الميزان من حيث العدّة والعدد ليس لمصلحة الحسين. فمع مجموعة بسيطة من الناس لا يمكن الانتصار على السلطة في هذه الإمبراطوريّة الشاسعة، التي ورثها يزيد من أبيه ، إضافة إلى ميل الناس الشديد إلى الدعة والراحة،والإخلاد إلى الأرض، والخوف من الموت.

إنّ بيوت الأموال الممتلئة ذهباً وفضة بيد يزيد، وهو يشتري بالجملة ضمائر ضعاف النّفوس، بينما الحسين يكلّف الأيّام ضدّ طباعها. ففي المدى القريب لن ينتصر الحسين على يزيد، ولكنّه في المدى البعيد هو المنتصر على كلّ حال. وأنت تعرف أنّ الحسین وأصحابه لن يصرفوا موارد الأمّة لشراء الضمائر، فإنّ الحسين لا يريد إلّا من وطّن نفسه على المنيّة، ويرفض أن يصرف درهماً واحداً لشراء ولاء شخص واحد.

فهذا سفير الحسين مسلم بن عقيل يدخل الكوفة صفر اليدين من المال، حتّى أنّه يقترض لأمور البسيطة.

وإذا كانت السلطات الظالمة تمنّي الناس بالنصر لتدفعهم إلى التضحية بأنفسهم من أجل الحاكم، فإنّ الحسين لا يتحدّث لأصحابه إلّا عن الموت والشهادة ؛ أي عن موته هو، وشهادته، وموت من معه وشهادتهم.

وإذا كان سلاطين الجور لا يغادرون قصورهم في الحروب، وإنّما يدفعون الجنود لكي يخوضوا المعارك نيابة عنهم، فإنّ الحسين بنفسه خارج غداً، ومعه أهل بيته وفلذات أكباده. وهذا هو الذي

ص: 295

يريده الحسين، أن يكشف للناس الفرق بين الإيمان الصادق والنفاق، وبين المؤمنين الصادقين وأدعياء الإيمان .

الحسين لا يهدف - كما ذكرت - إلى فتح البلدان والحصول على السلطان، وليست نهضته مغامرة سياسيّة ، ولا مساومة تجاريّة ، وإنّما يقوم بنهضته دفاعا عن الحقّ، فإن نصره الناس وأعانوه فقد نصروا حقّهم وأعانوا أنفسهم، وإن تقاعسوا عن ذلك التزم هو وحده بالحقّ وإن صرع معه.

قال عبد الرحمن الصالح : وهل أنت تخرج معه مصبحاً؟

قال عبد اللّه بن مسلم : ولم لا؟ وهل هنالك فوز أكبر من هذا الفوز؟ إنّه لتوفيق عظيم أن يكون المرء في ركاب ابن بنت رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم، وسيّد شباب أهل الجنّة. فإذا لم نكن في عهد رسول اللّه لكي نقاتل على التنزیل، فنحن اليوم في عهد الحسين نقاتل على التأويل.

***

ص: 296

الخطوات الأولی

اليوم الثامن من ذي الحجّة هو يوم الاستعداد لأعمال الحجّ، والانتقال إلى منى، للمبيت فيها ليلة عرفة، ثمّ الذهاب إلى عرفات في صبيحة اليوم التاسع، أو الانتقال من مكّة المكرمة إلى عرفات في يوم غده .

الحجّاج يتروون، ويهيّأون لأنفسهم زاد يوم عرفة وليلة مزدلفة ، ثمّ الذهاب إلى منى للمبيت هناك، ومن ثمّ فإنّ هنالك حركة وعجيجاً في مكّة. والاستعداد للذهاب إلى عرفات أمر عادي في جميع السنوات، لكن ما جعل ذلك اليوم مختلفاً هو إعلان الحسين ، الذي يعتبره المسلمون أمير الحاج، قيامه بالنهضة، فكلّ الحجّاج ينتظرون حركة الحسين حتى يتعلّموا منه، ويقتدوا به، ويمشوا خلفه ، لكن الذي فعله الحسين هو أنّه جاء وطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة، ثمّ أحلّ من إحرامه، بعد أن حوّله من إحرام الحج إلى عمرة مفردة(1).

كان خبر إحلال الحسين من إحرامه ، للتوجّه إلى العراق، قد

ص: 297


1- (1) روضة الواعظين، للفال، ص 152؛ وأعلام الوری، للطبرسي، ص 230؛ ولواعج الأشجان، للأمين، ص 69.

أثار موجة من التساؤلات : لماذا لا يتأخّر الحسين بضعة أيّام حتّى يكمّل حجّه، ثمّ يذهب إلى العراق؟

ما الذي يراه ابن بنت رسول اللّه ممّا لا يراه غيره حتّی يستعجل في نهضته؟ خاصّة وأنّه منذ فترة لم تصل أخبار إيجابيّة مهمّة من الكوفة التي يتوجّه إليها، بل العكس، فقد وصلت أخبار انتقال عبيد اللّه بن زیاد، هذا الرجل الغليظ القلب ، القاسي، الذي لا يعرف لغة غير لغة الدم، انتقاله من البصرة إلى الكوفة كوالٍ عليها ، بدلاً عن النعمان بن البشير الذي رفض أن يحمل السيف في وجه مسلم بن عقيل؟

لقد سئل بعض المقرّبين من الحسين عن هذا القرار المفاجيء له، فكان جوابهم أنّ هنالك أخباراً مؤكّدة بأنّ السلطة الجديدة في الشام، قد أرسلت عصابة من الرجال لقتل الحسين غيلة حين الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة(1) ، ثمّ اتهام السرّاق وقطّاع الطرق بذلك.

ولمّا سئل : وماذا لو فشل هؤلاء، أليس باستطاعة الحسين أن يتخذ حرّاساً لنفسه، بأن يكون محاطاً بمجموعة من رجال أهل البيت المعروفين بالشجاعة، كأمثال أخيه العبّاس وابنه عليّ الأكبر؟

فكان الجواب : إنّ مهمّة هؤلاء هو قتل الحسين في مكان ما، بحيث لا تتهم السلطة بذلك، فهي مأمورة بأن تقتل الحسین کیف ما كان، فإن لم تستطع بطريقة خفيّة، فبأية طريقة، حتّى ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة .

ص: 298


1- (1) لواعج الأشجان، للسيد الأمين، ص62؛ ومقتل الحسين، للمقرم، ص 193.

ولمّا سئل : إذن هو الخوف من الموت؟

فكان الجواب : أبداً ؛ فالحسين هو الذي بشّر بموت نفسه في ليلة سابقة، واستبشر به معتبراً إيّاه وسيلته للحاق بأسلافه الذين يشتاق إليهم اشتیاق يعقوب علیه السلام إلى يوسف علیه السلام ، وإنّما هو هروب من موت ذليل إلى موت عزیز .

هذا بالإضافة إلى أنّه فرق بين أن يقتل الإنسان غيلة، وبين أن ينهض دفاعاً عن قضية، ثمّ يقتل في سبيلها، فتنتصر قضيّته، ومن ثمّ یکون قد أدّى رسالته التي كلّفه اللّه بها، وهذا معنی کلام الحسين علیه السلام : شاء اللّه أن يراني قتيلاً. فإذا كان مجرّد إحلال الحسين عليه السلام عن إحرام الحج، وتحويله إلى عمرة مفردة، قد أثار العالم الإسلامي کلّه بهذا الشكل، فكيف إذا تعدّى آل أميّة على حياته؟ خاصّة وأنّ المواجهة ليست بين شخصين، بل بین مسلکين ومنهجين وطريقتين. ولا شكّ أنّ الحسين هو من يمثّل رسول اللّه في هذه المواجهة، ولو كان رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم حيّاً لفعل ما فعله الحسين علیه السلام.

*

كان عبد الرحمن الصالح وعبد اللّه بن مسلم في قافلة الحسين، ويرون ما يحدث فيها، ومن أهم ما شاهدوه قبيل حركة الحسين من مكّة أنّه طلب قلماً وقرطاساً، ثمّ كتب رسالة قصيرة جدّاً إلى كلّ بني هاشم، أرسلها إلى محمّد ابن الحنفيّة لكي يبلّغها جميع بني هاشم، ونصّ الرسالة : بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسين بن عليّ إلى محمد بن عليّ ومن قبله من بني هاشم،

ص: 299

أمّا بعد، فإنّ من لحق بي استشهد، ومن تخلّف لم يبلغ الفتح، والسّلام(1) .

وكانت الرسالة بالغة الوضوح في أنّ الحسين يطالب بني هاشم جميعاً أن ينهضوا معه في وجه بني أميّة، وأن يتحمّل كلّ واحد منهم مسؤوليته كاملة غير منقوصة، لمواجهة النفاق والتلاعب بالدّين، ومقارعة الظلم والعدوان.

*

كان الوقت صباحاً عندما تحركت قافلة الحسين علیه السلام من مكّة باتجاه العراق وما إن تحركت القافلة التي ضمّت كوكبة من أهل بيته إلّا وكثر الباكون حولها، إذ لم يبق بمكّة أحد إلّا وحزن لمصيره(2).

ولمّا أكثروا عليه وألحّوا في أن يبقى، أخذ يتمثّل بأبيات أخي الأوس:

سأمضي وما بالموت عار على الفتي * إذا ما نوى خيراً وجاهد مسلما

وواسي الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبوراً وخالف مجرما

فإن عشت لم أندم، وإن متّ لم ألم * كفي بك ذلّا أن تعيش وترغما

ثم قرأ قوله تعالى : (وكان أمر اللّه قدرا مقدورا )(3).

*

ص: 300


1- (1) بحار الأنوار، للمجلسي، ج45، ص 87؛ وبصائر الدرجات، للصفار، ص 502؛ وإثبات الهداة، للحر العاملي، ج 2، ص 577؛ ودلائل الإمامة ، للطبري، ص 77، والخرائج والجرائح، للراوندي، ج 2، ص 772
2- (2) تذکرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 137.
3- (3) نفس المهموم، للقمي، ص 170؛ وتذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي ، ص 137.

خرج مع الحسين عليه السلام من مكّة اثنان وثمانون رجلاً من أولاده وإخوته وأهل بيته وصحابته(1) .

وقد أعطى الحسين لكلّ واحد من أصحابه عشرة دنانير، وجملاً يحمل زاده ورحله، كما حمل بناته وأخواته على المحامل، وكان خروجه يوم الثلاثاء من أيّام الأسبوع، في الثامن من شهر ذي الحجّة الحرام(2) .

فمجموع الأيّام التي بقي فيها في مكّة المكرّمة، بعد هجرته من المدينة إليها، كانت مائة ونيفاً وعشرين يوماً (3) .

*

لقد شکّل خروج الحسين صدمة لوالي يزيد بن معاوية على مكّة: عمرو بن سعید بن العاص، فلم يعلم ماذا يفعل، لأنّه كان متورّطاً مع يزيد في التخطيط لقتل الحسين غيلة، عند انصرافه من عرفات إلى مزدلفة، فأمر صاحب شرطته وهو أخوه یحیی بن سعید أن يعترض الحسين ويمنعه من الذهاب إلى العراق، فجاء مع مجموعة رجال مسلّحين ووقف أمام الحسين قائلاً : انصرف، إنّ الأمير يأمرك بالانصراف، انصرف وإلّا منعتك.

فامتنع عليهم الحسين، وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط، فنادوه: «یا حسین؛ ألا تتقي اللّه، تخرج من الجماعة وتفرّق بين هذه الأمّة؟

ص: 301


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 220.
2- (2) الفتوح، لابن اعثم، ج5، ص 120.
3- (3) الإرشاد، للمفید، ج 2، ص 67.

فقرأ الحسین قوله تعالى: (لي عملي ولكم عملكم أنتم بریئون ممّا أعمل وأنا بريء ممّا تعملون)(1) .

وكادت أن تقع بين الفريقين المواجهة بالسّلاح، فبلغ ذلك عمرو بن سعید، فخاف أن يتفاقم الأمر، فأرسل إلى أخيه صاحب شرطته يأمره بالانصراف (2).

وفيما كان الحسين مع أهله وأصحابه يخرجون من مكّة المكرّمة، التقى عبد اللّه بن عبّاس بعبد اللّه بن الزبير الذي كان يريد الخلافة لنفسه، ويتمنّي في قرارة نفسه أن يخرج الحسين، ويقتل حتّى يتورّط يزيد وبنو أميّة في دمه، فيستغل الفرصة، ويعلن نفسه خليفة على المسلمين، التقى به عبد اللّه بن عبّاس فقال له:

يالک من قبّرة بمعمر * خلا لك الجوّ فبيضي واصفري

ونقّري ما شئت أن تنقّري * قد رفع الفخّ فماذا تحذري

هذا حسين سائر فأبشري(3)

*

فقال له عبد اللّه بن الزبير : واللّه ماترون إلّا أنّكم أحقّ بهذا الأمر من سائر الناس.

فقال ابن عبّاس : إنّ من يرى من كان في شك، فأمّا نحن

ص: 302


1- (1) سورة يونس، آية 41؛ التاريخ، للطبري، ج 5، ص 385؛ والبداية والنهاية، لابن کثیر، ج 8، ص 166.
2- (2) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 244.
3- (3) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 217؛ والمنتظم، لابن الجوزي، ج 5، ص 328.

فمن ذلك على يقين، ولكن أخبرني عن نفسك لم زعمت أنّك أحقّ بهذا الأمر من سائر العرب؟

قال عبد اللّه بن الزبير : لشرفي عليهم.

قال ابن عبّاس : وبماذا شرّفت؟ إن كان لك شرف فإنّما هو بنا، فنحن أشرف منك، لأنّ شرفك منّا.

فارتفعت أصواتهما، فقال ابن أخ لعبد اللّه بن الزبير : یابن عبّاس دعنا من قولك ، فواللّه أنتم بنو هاشم لا تحبّوننا أبداً . فضربه عبد اللّه بن الزبير بالنعل وقال : أتتكلّم وأنا حاضر؟

فقال له ابن عبّاس: لماذا ضربت الغلام؟ وما استحقّ الضرب، وإنّما يستحقّ الضرب من مرق ومذق.

فقال عبد اللّه بن الزبير : ومن تقصد؟

قال ابن عبّاس : أنت.

فقال عبد اللّه بن الزبير، وهو يريد أن يخفّف من حدّة كلامه مع ابن عبّاس : أما تريد أن تعفو عن كلمة واحدة؟

قال ابن عبّاس : إنّما نعفو عمن أقرّ، فأمّا من هرّ فلا .

فقال ابن الزبير وكأنّه يستجدي العفو منه : فأين الفضل؟

قال ابن عبّاس : عندنا أهل البيت، لا نضعه في غير موضعه فنذم، ولا نزويه عن أهله فنظلم.

فقال عبد اللّه بن الزبير : أولست منكم؟

قال : إن نبذت الحسد، ولزمت الحدود .

ص: 303

وهنا تدخّل عدد من رجال قريش، فأسكتوهما(1).

*

انطلقت قافلة الحسين من مكّة بثبات وتصميم لا مثيل لهما، بالرغم من وجود أخطار جمّة، أقلّها أن يجنّد یزید بن معاوية ، من خلال بعض ولاته هنا أو هناك، قوّة لمواجهة الحسين في بدايات الطريق، إلّا أنّ ما كان يزيد هذا الخطر أمران:

الأوّل: الشجاعة التي اتصف بها الحسين وأصحابه، ذلك أنّ آل علي علیه السلام كانوا من أشهر من عرف بالشجاعة النفسيّة، والصبر على الجراح، والاطّلاع بعلم الحرب، والقوّة البدنيّة، وكان الوقت مبكّراً في أن يستطيع أحد من الولاة تعبئة أعداد كبيرة لجيش لجم، وإن كان والي الكوفة عبيد اللّه بن زیاد يستعد لذلك ليل نهار.

الثاني: إنّ قلوب الناس كانت مع الحسين، ولم يكن يمرّ بمنطقة إلّا وينظّم إليه منها بعض الرجال، مع أنّ الحسين لم يكن يمنّي أحداً بالنصر، ولا بمغانم الدّنيا وحطامها، بل العكس فإنّه كان يتحدّث دائما عن القتال والاستشهاد والجنّة والثواب.

وكان من الذين انضمّوا إلى الحسين في منطقة الأبطح - وهو مسيل وادي مكّة فيها بقاق الحصى أوّله عندما ينقطع الشعب بين وادي مني وآخر متّصل بالمقبرة التي تسمّى بالمعلّی - هو يزيد بن نبید الذي قدم من البصرة مع اثنين من أولاده هما عبد اللّه وعبيد اللّه مع أشخاص آخرين، فقد جدّ الرجل السير لكي يلحق بالحسين في

ص: 304


1- (1) مختصر ابن منظور، لابن عساکر، ج12، ص 326؛ وشرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج 20، ص 134.

مكّة، وحينما وصل إليها عرف أنّ الحسين قد خرج، فجعل يطلبه حتّى جاء إلى رحله، فلمّا رأى الحسين قال : (بفضل اللّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا)(1) ، السّلام عليك يابن رسول اللّه .

ثمّ جلس إلى الإمام عليه السلام ، وأخبره بالذي جاء له، فدعي له الحسين بالخير، ثمّ ضمّ رحلة إلى الحسين (2).

***

ص: 305


1- (1) سورة يونس، آية 58.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 354.

الاستعدادات المضادّه

فيما كانت قافلة الحسين في طريقها إلى العراق، كان عبد اللّه بن مسلم وعبد الرحمن الصالح، وهما في ركابه، يلتقطان الأخبار ممّا تقوم به السلطة في الشام أو في العراق، وكان عبد اللّه بن مسلم أكثر قدرة على تصيّد الأخبار، نظراً لعلاقاته الواسعة مع مختلف الأطراف، فكان يلتقي بالقادمين من الشام، أو من العراق ويسألهم عمّا هناك.

وكان ممّا سمعاه أنّ يزيد بن معاوية حينما وصله خبر خروج الحسين من مكّة نحو العراق كتب رسالة إلى عبيد اللّه بن زیاد _ کما ذكرنا ذلك سابقاً -يقول له فيها: «أمّا بعد، فقد بلغني أنّ الحسين بن عليّ قد توجّه نحو العراق، وقد ابتلي به بلدك من بين البلدان، وابتليت به من بين العمّال، وعندها تعتق أو تعود عبداً كما تعتبد العبيد، فضع المناظر والمسالح والأرصاد، وأدق العيون، واحترس كلّ الاحتراس، فاحبس على الظنّة، وخذ بالتّهمة، واكتب إليّ في كلّ يوم بما يحدث لك، من خير أو شرّ»(1).

وهكذا كانت الأوامر مشدّدة بالتهيئة أوّلا، وبضرب الذين

ص: 306


1- (1) تذکرة الخواص، ص 140؛ وأنساب الأشراف، للبلاذري، ج 2، ص 85؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 380.

يخالفون السلطة بكلّ قوّة، وأخذ الناس بالتّهمة، وحبسهم على الظنّة ، ممّا جعل سجون الكوفة - كما ذكرنا - تمتلىء بأربعة آلاف شخص، منهم المختار بن أبي عبيد الثقفي، وسليمان بن صرد الخزاعي، وغيرهم من الأشراف ورجال الكوفة، فمن كان له هوى في أهل البيت كان ذلك كافياً للقضاء عليه، أو إلقائه في الحبس.

أمّا الحسين فكان ذاهباً إلى مبتغاه، وهو يعلم ببصيرته الثاقبة أنّ كلّ كلمة يقولها، وكلّ خطوة يخطوها ستكون مثالا، ونموذجاً ، وقدوة للمؤمنين في التاريخ، كيف لا وهو سبط رسول اللّه ووصيّه ، وإمام المؤمنين وزعيمهم.

*

في منطقة التنعيم التقى الحسين بقافلة من العير كانت تقبل من اليمن، بعث بها بجیر بن ريسان الحميري، والي معاوية على اليمن، لإيصالها إلى الشام، وكانت تحمل الورس والحلل، فأخذها الحسين وانطلق بها، وقال لأصحاب الإبل : «لا أكرهكم، فمن أحبّ أن يمضي معنا إلى العراق وفيناه کراه وأحسنّا صحبته، ومن أحبّ أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض».

وأوفي لمن فارقه حقّه، ومن مضى منهم معه أعطاه کراه وكساه، وكان عدد الذين اختاروا أن يكونوا في قافلة الحسين من اليمن هم ثلاثة نفر منهم، فزادهم عشرة دنانير وأعطاهم جملا(1).

*

ص: 307


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 386؛ والجمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 376.

لمّا رأى عبد الرحمن الصالح ذلك قال لصاحبه عبد اللّه بن مسلم: كما أعرف أنّ الحسين ليس بحاجة إلى الورس والحلل، فلماذا أخذها من هؤلاء؟

قال عبد الله بن مسلم : إنّ هذه أموال المسلمين، ولابدّ من إيصالها إلى المحاويج منهم، أمّا يزيد فهو مغتصب للخلافة، وقد جعل مال اللّه دولاً، وعباده خولاً، وليس من حقّه أن يتصرّف في هذه الأموال، بينما الحسين إمام الأمّة، وهو الأمين على حقوق الناس، وأساسا هو لم يخرج من مكّة إلّا من أجل العدل، فما دام باستطاعته أن يقيم العدل بيديه فإنّه يفعل، ولا يهمّه ما يترتّب على ذلك. ألا ترى وأنت في الطريق كيف أنّ الحسين يفيض على الأعراب بكلّ ما تجود به نفسه؟

وإنّما فعل ذلك لكي يعرف الآخرون أنّ عليهم أن يأمروا بالمعروف قولاً وفعلاً، وينهوا عن المنكر أيضا بالقول والفعل . فإذا كان الحاكم غاصباً للحكم، فهو لا يملك حقّ التصرّف في أموال المسلمين، ومن واجب هؤلاء أن يمنعوه منها . فإذا كنّا لا نرى ليزيد حقّاً في الخلافة وزعامة الأمّة، أفهل نرى له حقّاً في التصرّف في أموال الناس، والغنائم، والزكوات، وما أشبه؟

*

في منطقة الصفاح التقى الحسين بالفرزدق الشاعر، وهو قادم من العراق يريد مكّة، فقال الفرزدق للحسين : أعطاك اللّه سؤلك وأملك فيما تحب يابن رسول اللّه ، ما أعجلك عن الحجّ؟

ص: 308

فقال له الحسين : لو لم أعجل لأخذت(1).

ثمّ قال علیه السلام: يا فرزدق ؛ كيف خلّفت الناس بالعراق؟

فقال الفرزدق : «من الخبير سألت، أنت یابن رسول اللّه أحبّ الناس إلى الناس، فقلوب الناس معك، ولكن سيوفهم مع بني أميّة ، والقضاء ينزل من السّماء، واللّه يفعل ما يشاء».

فقال له الحسین : «صدقت، للّه الأمر، واللّه يفعل ما يشاء ، وكلّ يوم ربّنا في شأن. إنّ الناس عبيد الدّنيا والدّين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معائشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الدیّانون(2).

«یا فرزدق ؛ إنّ هؤلاء قوم لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد في الأرض، وأبطلوا الحدود، وشربوا الخمور، واستأثروا في أموال الفقراء والمساكين ، وأنا أولى من قام بنصرة دين اللّه، وإعزاز شرعه، والجهاد في سبيله لتكون كلمة اللّه هي العليا (3) .

«فإن نزل القضاء بما نحبّ فنحمد اللّه على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلا يعتب من كان الحقّ نيّته، والتقوى سريرته» .

ثمّ حرّك الحسين راحلته وافترق عنه الفرزدق(4) .

ص: 309


1- (1) الإرشاد، للمفید، ص218.
2- (2) نزهة الناظر، للحلواني، ص 42.
3- (3) تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 251.
4- (4) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 276؛ ونهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص 410.

ومشى الحسين بأهله ، من إخوته وأخواته، وعلى رأسهن كانت العقيلة زينب الكبرى بنت فاطمة الزّهراء، لكنّ زوجها : عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، ابن عمّ الحسين، لم يكن معهم، وكان من الحريصين على حياة الحسين، ومشفقاً عليه، وخائفاً من حركته تلك، ولذلك حينما سمع بخروج الإمام من مكّة باتجاه العراق كتب إليه رسالة أرسلها مع ابنيه عون، ومحمّد. وجاء في رسالته - كما ذكرنا -: إنّي مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك(1) .

ولمّا قرأ الحسين الكتاب قال لمن حوله : إنّي رأيت رسول اللّه في المنام وأمرني بأمر أنا ماضٍ له.

وحينما سئل عن تلك الرؤيا قال : ما حدّثت بها أحداً، ولا أحدّث حتّى ألقى ربّي عزّ وجلّ.

أمّا عون ومحمد فقد لزما الحسين بناءً على أمر والدهما، وبقيا معه في قافلته نحو العراق.

*

ولمّا وصل إلى بطن «الرمّة» نزل على ماء من مياه العرب، وهناك لقيه عبد اللّه بن مطيع، وهو منصرف من العراق، فسلّم على الحسين وقال له:بأبي أنت وأمّي يابن رسول اللّه، ما الذي أخرجك من حرم اللّه وحرم جدّك؟

فقال الحسين : إنّ أهل الكوفة كتبوا إليّ يسألوني أن أقدم عليهم، لما رجوا من إحياء معالم الحقّ، وإماتة البدع.

ص: 310


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 277؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 388.

فقال ابن مطيع : أنشدك اللّه أن لا تأتي الكوفة، فواللّه لأن أتيتها لتقتلن، وإن قتلوك لا يهابون أحداً أبدا، واللّه إنّها لحرمة الإسلام تنتهك، وحرمة قريش وحرمة العرب(1) .

فقال له الحسين: «يا عبد اللّه؛ أكلّ ذلك فراراً من الموت؟ قل لن يصيبنا إلّا ما كتب اللّه لنا. واللّه إنّ الموت على الحقّ أولى من الحياة على الباطل، واللّه لجهاد يزيد على الدّين، أحقّ من جهاد المشرکین».

وهكذا كلّما نزل الحسين في منزل والتقى بالمسافرين من هنا وهناك كان يبيّن أهدافه الربانيّة في نهضته، ليس فقط لكي يعتذر إلى اللّه عزّ وجلّ فيما هو مقدم عليه ، ويتمّ الحجّة على أعدائه فحسب، وإنّما لكي یبيّن الأسس التي يجب أن يبنی عليها المؤمنون أمورهم في كل نهضة يقومون بها في المستقبل .

وممّن التقى بهم الحسين علیه السلام رجل من أهل الكوفة يكنّى أبا هرّة الأزدي، فقال للحسين : یابن بنت رسول اللّه ، ما الذي أخرجك من حرم اللّه، وحرم جدّك محمد صلی الله علیه و آله و سلم ؟

فقال الحسين: «يا أبا هرّة؛ إنّ بني أميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فسكتّ، وطلبوا دمي فهربت. واللّه يا أبا هرّة لتقتلنّي الفئة الباغية، وليلبسنّهم اللّه ذلّاً شاملاً وسيفاً قاطعاً، وليسلطنّ اللّه

ص: 311


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 396؛ والأخبار الطوال، للدينوري، ص 246. (2) وسائل المظفري، لليزدي، ص 437.

عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ، إذ ملكتهم امرأة ، وحكمت في أموالهم و في دمائهم»(1).

ولمّا نزل في منطقة شقوق أتاه رجل، فسأله الإمام عن العراق، فأخبره بحاله. فأنشد الحسين قائلاً :

فإن تكن الدّنيا تعدّ نفيسةً * فدار ثواب اللّه أعلى وأنبل

وإن تكن الأموال للترك جمعها * فما بال متروک به المرء يبخل

وإن تكن الأرزاق قسماً مقدّراً * فقلّه حرص المرء في الكسب أجمل

وإن تكن الأبدان للموت أنشأت * فقتل امرىء بالسّيف في اللّه أفضل

علیکم سلام اللّه يا آل أحمد * فإنّي أراني عنکم سوف أرحل (2)

ويبدو أنّ الرجل تحدّث مع الحسين علیه السلام بكلام كأنّه يعلّمه ما لا يعرف، فقال له الحسين : من أيّ البلاد أنت؟

قال : من أهل الكوفة .

قال الحسين: «أمّا واللّه يا أخا أهل الكوفة، لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرائیل من دارنا، ونزوله بالوحي على جدّي. يا أخا أهل الكوفة؛ مستقى العلم من عندنا، أفعلموا وجهلنا؟ هذا ما لا يكون»(3).

*

وفي منطقة الحاجز ببطن الرمّة كتب الحسين كتاباً إلى المؤمنين من أهل الكوفة، بعثه مع قيس بن مسهّر الصيداويّ، ونصّ الرسالة

ص: 312


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 124؛ والعوالم، ج17، ص 163.
2- (2) الكامل، للبهائي، ج 2، ص 277؛ والمناقب، لابن شهر آشوب، ج 4، ص 95.
3- (3) بصائر الدرجات، للصفار، ص 32؛ والأصول من الكافي، للكليني، ج2، ص 250.

كالتالي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين».

«سلام عليكم، أمّا بعد، فإنّ كتاب مسلم بن عقیل جاءني يخبرني فيه حسن رأيكم، واجتماع ملأكم على نصرنا، والطلب بحقّنا، فسألت اللّه أن يحسن لنا الصنع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء، لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانکمشوا في أمركم وجدّوا ، فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه إن شاء اللّه، والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبرکاته»(1).

*

قال عبد الرحمن الصالح لصاحبه عبد اللّه بن مسلم: حقّاً إنّ الدّنيا غدّارة، فرجل ورث من جدّه كلّ صفاته، وآثار جبرائيل في داره، ويستقي علمه من أبيه وهو باب مدينة علم الرّسول، بدل أن يكون مرجعاً للناس جميعاً، يهيم على وجهه بالبراري والصحارى، وينتقل من منزل إلى منزل، لا لكي يصل إلى مرتع من المراتع، وإنّما ليؤدّي ما عليه من الواجب، ويدافع عن المظلومين والمستضعفين، وينتصر للحقّ وأهله.

فقال عبد اللّه بن مسلم : هكذا كان يا أخي أنبياء اللّه وأوصياؤهم، فهم: (رجال صدقوا ما عهدوا اللّه عليه فمنهم مّن قضى نحبه ومنهم مّن ينتظر وما بدّلوا تبديلا)(2) .

*

ص: 313


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 395؛ والإرشاد، للمفید، ج 2، ص 72.
2- (2) سورة الأحزاب، آية 23.

ثمّ إن الحسين وصل إلى بطن العقيق وهو من منازل الحجّاج، ومنه يحرم أهل العراق، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له عمرو بن لوذان، فقال : يا أبا عبد اللّه ، أين تريد؟

قال الحسين : الكوفة.

فقال الشيخ: أنشدك اللّه لمّا انصرفت، فواللّه ماتقدم إلّا على الأسنّة وحدّ السيوف، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال، ووطأوا لك الأشياء، ثمّ قدمت عليهم بعد ذلك كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكر فإنّي لا أرى لك أن تفعل.

فقال له الحسين: «يا عبد اللّه ؛ ليس يخفى علىّ الرأي، ولكنّ اللّه تعالى لا يغلب على أمره. ثمّ قال : واللّه لا يدعوني حتّي يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط اللّه عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الأمم»(1).

*

سمع عبد الرحمن وصاحبه حوار الحسين مع الشيخ، فقال عبد الرحمن : يبدو أنّ المصير عند الحسين محسوم، ولا مجال للتراجع عنه، إذ لا نسمع منه إلّا الحديث عن أمر اللّه وقضاء اللّه ، وأنّ سلطة بني أميّة سوف لن تدعه حتّى تقتله، ويستخرجوا العلقة من جوفه .

قال عبد اللّه : هو كذلك، فظواهر الأمور تدلّ على ما تقول،

ص: 314


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 399؛ والإرشاد، للمفيد، ج 2، ص 78؛ والفصول المهمة، لابن الصباغ، ص 189.

وإن كان ما يجري في الكوفة غير واضح حتّى الآن، فدعنا نرى ماذا سيكون الوضع هناك.

*

كان الحسين في طريقه إلى الكوفة لا يتنکّب الطريق الأعظم، وإنّما يمشي في الطرق المعهودة التي يمشي فيها المسافرون، وكان ينزل في المنازل التي يستريحون فيها، وهو لم يكن مستعجلا للوصول إلى الكوفة، على عكس عبيد اللّه بن زياد الذي ما إن نصبه یزید بن معاوية والياً على الكوفة حتّى جدّ السير حتّى يصل إليها قبل أن يصل الحسين، والسبب في هذا الاختلاف هو أنّ عبيد اللّه بن زیاد كان يبحث عن السلطة، أمّا الحسين فكان يؤدّي مسؤوليته في الاستجابة لمن طلبوا منه أن يكون إماماً لهم.

وعلى كلّ حال فإنّ الحسين كان يلتقي بالأعراب وبالمسافرين، سواء القادمين من الكوفة أو الذاهبين إليها، وكان أغلب القادمين من الكوفة كما ذكرنا يحذّر الحسين من الاستمرار في التوجّه إليها، نظراً لتحكيم السلطة الأمويّة قبضتها هناك، وتعبئة الموارد لتنظيم الجيش لمواجهة أهل البيت.

*

سار موكب الحسين ومن معه حتّى نزلوا في منطقة زرود، وكان معه رجلان من بني أسد قد قضيا حجّهما، ولم تكن لهما همّة إلّا اللحاق بالحسين لينظرا ما يكون من أمره وشأنه، فأقبلا مسرعين

حتّى لحقاه في تلك المنطقة. فلمّا دنوا منه، إذا بهما يرون رجلاً قادماً من الكوفة، ولكنّه بمجرّد أن رأي موكب الحسين علیه السلام عدل عن الطريق، مع أنّ الحسين وقف كأنّه كان يريد خبره .

ص: 315

فقال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا فلنسأله، فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه .

فمضيا حتّى انتهيا إليه، فسألاه عن نسبه ، فقال : أنا أسديّ.

فقالا له: ونحن أسديّان، فمن أنت؟

قال : أنا بكير بن متعبة . فتعرّف بعضهم على بعض، ثمّ قالا له: أخبرنا عن الناس ورائك؟

قال : نعم؛ لم أخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقیل، وهاني بن عروة، ورأيتهما یجرّان بأرجلهما في الأسواق.

ثمّ مضى الرجل في طريقه .

فأقبل هذان الأسديّان حتّى لحقا بالحسين، فسايراه حتّى نزل الثعلبيّة في المساء، فسلّما عليه ورد عليهما، فقالا له: يرحمك اللّه ، إنّ عندنا خبراً، فإن شئت حدّثناك علانية وإن شئت حدّثناك سرّاً .

فنظر الحسين إلى أصحابه وقال : ما دون هؤلاء من سرّ.

فقالا له: أرأيت الراكب الذي استقبلك عشاء أمس؟

قال الحسين : نعم؛ وقد أردت مسألته.

فقالا له: قد استبرأنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو امریء أسديّ منّا، ذو رأي وصدق، وفضل وعقل، وإنّه حدّثنا أنّه لم يخرج من الكوفة حتّى قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، وأنّه رآهما يجرّان في السوق بأرجلهما .

فقال الحسين : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، رحمة اللّه عليهما ..

وردّد ذلك مراراً .

ص: 316

ثمّ قال له الرجلان: ننشدك اللّه في نفسك وأهل بيتك إلّا انصرفت من مكانك هذا، فليس لك بالكوفة ناصر ولا معين، بل نتخوف أن تكون الكوفة عليك.

فنظر الحسين إلى إخوة مسلم من بني عقيل، وقال لهم: ما ترون، فقد قتل مسلم؟

فقالوا : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون، واللّه لا نرجع حتى نصيب ثأرنا، أو نذوق ما ذاق.

فأقبل الحسين على الرجلين وقال : لا خير في العيش بعد هؤلاء.

فعلما أن الحسين قد عزم على المسير .

فقالا له: خار اللّه لك.

فأجابهما الحسين بقوله : رحمكم اللّه .

ثمّ جمع الحسين من كان معه وقال لأصحابه : قد ترون ما يأتينا من الأخبار، وما أرى القوم إلّا سيخذلوننا، فمن أحبّ أن يرجع فليرجع(1).

فانصرف عنه الذين صاروا إليه في طريقه، وبقي أصحابه الذين خرجوا معه من مكّة، وعدد قليل ممّن صحبه بعد خروجه، فكان عدد الخيّالة منهم إثنين وثلاثين فارساً (2).

ص: 317


1- (1) نهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص 414.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 398؛ والحسين في طريقه الشهادة، للهاشمي، ص 72؛ والطبقات، لابن سعد، ص 68.

وبعد وصول خبر مقتل مسلم بن عقيل، وتفرّق أهل الأطماع والارتياب عن الحسين وبقاء أهله وخيار أصحابه، ارتجّ الموضع بالبكاء، وسالت الدموع كلّ مسیل، ولكن ثقل المسؤولية التي كانوا يشعرونها لم تدع لهم خياراً إلّا الجدّ في طريقهم للوصول إلى مبتغاهم(1).

ومع أنّ الصورة أصبحت واضحة لكلّ من كان مع الحسین، إلّا أنّ بعضهم كان لا يزال يرى أنّ من الممكن أن تنقلب المعادلة ومن ثمّ يفشل عبيد اللّه بن زياد في الكوفة، ويقوم الناس بما يجب عليهم إذا وصل إليهم الحسين .

فقد قال له بعض من كان معه : إنّك واللّه ما أنت بمثل مسلم، ولو قدمت الكوفة ونظر الناس إليك لكانوا إليك أسرع، وما عدلوا عنك ولا عدلوا بك أحداً .

لكنّ الحسين لم يعلّق على ذلك، بل سکت وسار في طريقه(2) .

*

بعد استشهاد مسلم بن عقيل، كان الحسين كثيراً ما يردّد قوله تعالى : (إنّا للّه وإنّا إليه راجعون)(3)، وأحياناً يتمثل بقول الشاعر:

سأمضي وما بالموت عار على الفتي * إذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما

وواسي الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مثبوراً وخالف مجرما

ص: 318


1- (1) اللهوف، لابن طاوس، ص 74؛ وأسرار الشهادة، للدربندي، ص 250.
2- (2) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 215 و 229.
3- (3) سورة البقرة، آية 156.

فإن عشت لم أندم وإن متّ لم ألم * كفي بك ذلّاً أن تعيش ترغما

ثمّ أمر فتيانه بأن يكثروا من حمل الماء، فاستقوا وأكثروا منه ، ثمّ ارتحلوا من الثعلبيّة (1).

*

وسار حتّى وصل منطقة يقال لها زبالة، وهناك استقبل شخصاً جاء کرسول من قبل محمّد بن الأشعث وعمر بن سعد لكي يخبر الحسین بخذلان أهل الكوفة إيّاه بعد أن بايعوه. فلمّا سمع الحسين ذلك قال : كلّما حمّ - أي قضي وقدّر - نازل، وعند اللّه نحتسب أنفسنا وفساد أمّتنا(2) .

ولم يفعل الحسين شيئاً برسول عمر بن سعد ومحمّد بن الأشعث، بل أكرمه وتركه يرجع إلى الكوفة.

*

كان عبد الرحمن الصالح وعبد اللّه بن مسلم حاضرين في ذلك المكان، فقال عبد الرحمن لصاحبه: إنّ بني أميّة قتلوا رسول الحسين وهو مسلم بن عقيل، وقتلوا من آواه وهو هاني بن عروة، لكنّ الحسين لا يمسّ رسولهم بسوء، بل ويكرمه، ويتركه يعود سالماً إلى من جاء من قبله؟

قال عبد اللّه بن مسلم: يا أخي؛ إنّ أهل البيت هم خلاصة الفضائل، وبنو أميّة خلاصة الرذائل، وهذا الذي تراه ليس خلافاً بين شخصين - كما قلت لك من قبل - وإنّما هو اختلاف بين طريقتين

ص: 319


1- (1) نهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص 414.
2- (2) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 273؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 375.

وسنّتین، بين أتباع الأنبياء الصادقين، وبين أهل الدّنيا المنافقين . وكما ترى فإنّ هؤلاء لا يرقبون في اللّه إلّا ولا ذمّة، ولا يتركون وسيلة لدعم سلطانهم إلّا ويستخدمونها، فلا يحترمون حدود اللّه ولا يقيمون للأخلاق والفضائل أي وزن. لقد أعماهم حبّ السلطان، وحليت الدّنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها .. ألا ترى كيف أنّهم باسم رسول اللّه يحكمون، و رسول اللّه هو جدّ الحسين، ودماء رسول اللّه تجري في عروق الحسين وأهل بيته، ولولا سيف عليّ - والد الحسين - لما كان هؤلاء مسلمين، وهم لم يدخلوا في الدّين إلا طمعا في الدّنيا ، أو خوفا على أنفسهم.

قال عبد الرحمن : ولكن لماذا لا يرجع الحسين، وقد جاءته الأخبار المؤكّدة بأنّ أوليائه إمّا مقتولون، أو مسجونون، أو مشرّدون، وأنّ الكوفة في قبضة بني أميّة، فليترك الأمور لهم؟

فقال عبد اللّه : أيترك الحسین دین جدّه، ليتلاعب به المرجفون؟

أيترك الحسين هذه الأمّة تحت سياط بني أميّة، ليظلموا الناس باسم الدّين، وباسم شريعة سيّد المرسلين؟

أيسكت سيّد شباب أهل الجنّة، ليرتكب هؤلاء المأثم والجرائم، باسم رسول اللّه؟

إنّ الحسين يعرف سلفاً أنّ هؤلاء الذين قتلوا عمّار بن یاسر، والذي كان الجميع قد سمعوا من النبي صلی الله علیه و آله و سلم قوله: «تقتلك الفئة الباغية»(1)، ولم يرعوا إلّا ولا ذمّة في إراقة دماء عشرات الألوف

ص: 320


1- (1) دعائم الإسلام، للقاضي النعمان المغربي، ج 1، ص 392.

من المسلمين لن يتركوه، وإنّهم قاتلوه على كلّ حال، وهذا ما قاله أكثر من مرّة، فهل يتركهم يفعلوا ذلك من دون أن يحرّك ساكناً؟

*

في أثناء الطريق رأي رجل كان يعود من الحجّ خياماً مضروبة في الطريق إلى الكوفة، فسأل: لمن هذه؟

فقالوا: للحسين بن عليّ.

فدخل على الحسين، فرآه يقرأ القرآن، والدموع تسيل على خدّيه . فقال له: بأبي أنت وأمي يابن بنت رسول اللّه، ما أنزلك هذه البلاد والفلات التي ليس بها أحد؟

فقال له الحسين : هذه كتب أهل الكوفة إليّ . ثمّ سكت هنيئة ، ثمّ قال : ولا أراهم - ويقصد بني أميّة - إلّا قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا للّه حرمة إلّا انتهكوها(1).

*

بعد مقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة دعا الحسين علیه السلام بدواة وبياض، وكتب إلى أشراف الكوفة رسالة جاء فيها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ إلى جماعة المؤمنین .

«أمّا بعد، فقد علمت من رسول اللّه صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قد قال في حياته : من رأى سلطاناً جائراً، مستحلّاً لحرم اللّه، ناکثاً لعهد اللّه ، مخالفة لسنّة رسول اللّه، يعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان، ثمّ لم يغيّر عليه بقول ولا فعل كان حقّا على اللّه أن يدخله مدخله» .

ص: 321


1- (1) تاريخ الإسلام، للذهبي، ج 2، ص 345.

وقد علمت أنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا في الأرض الفساد، وعطّلوا الحدود والأحكام، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام اللّه، وحرّموا حلاله، وإنّي أحقّ بهذا الأمر، لقرابتي من رسول اللّه، وقد أتتني كتبكم وقدمت علىّ رسلكم ببيعتكم أنكم لا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظّکم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم، وأهلي وولدي مع أهليكم و أولادكم، فلكم بي أسوة».

«وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم، ونكثتم بيعتكم ومواثيقكم، فلعمري ما هي منكم بالنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي، والمغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومن ينكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيغني اللّه عنكم، والسّلام». .

وأرسل هذا الكتاب مع أخ له من الرضاعة، اسمه عبد اللّه بن يقطر، إلى أهل الكوفة(1).

***

ص: 322


1- (1) مقتل الحسین، لبحر العلوم، ص 186؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 228.

تعبئة الكوفة ضدّ الحسين

بعد الانتهاء من قتل مسلم بن عقیل قام عبيد اللّه بن زياد بتعبئة الناس لمواجهة الحسين وأصحابه ، وأمر مناديه في الكوفة أن ينادي : ألا قد برئت الذمّة ممّا لا يخرج لقتال الحسين .

وزاد في أعطيات من كانوا يأخذون الأموال من الدولة مائة في المائة، بالإضافة إلى أنّه اعتقل كثيراً من الأشراف الذين لم يكن باستطاعته أن يجبرهم على قتال الحسين، ولا أن يقتلهم، خوفاً من أن تنهض ضدّه العشائر التي كانوا ينتمون إليها .

ثمّ أمر صاحب شرطته الحصين بن نمير، أن يتوجّه في أربعة آلاف فارس من المقاتلين من أهل الكوفة إلى المناطق المحيطة بتلك المدينة لينتشروا ما بين القادسيّة إلى خفّان، وما بين القادسيّة إلى القطقطانة وإلى لعلع، وأن يضع المصالح والحواجز فينظّم الدخول والخروج إلى مدينة الكوفة، ويمنع الناس من الالتحاق بالحسین، ويمنع أصحاب الحسين من الدخول إلى الكوفة، فلا يدعون أحداً يلج، ولا أحداً يخرج(1).

ص: 323


1- (1) البداية والنهاية ، لابن کثیر، ج 8، ص 170؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 392؛ والأخبار الطوال، للدينوري، ص 243.

وفي ذات الوقت وجّه الحرّ بن یزید الرياحي اليربوعي، في ألف فارس للبحث عن الحسين في الطريق، لمنعه من التحرّك أو جلبه إلى الكوفة(1).

وقال له: إذا لقيت الحسین فسایره، ولا تدعه يرجع حتّى يدخل الكوفة، وجعجع به(2) .

وهكذا فإنّ ابن زیاد سيطر على المنطقة الواقعة ما بين منطقة «واقصة» إلى مفرق طريق الشام، وإلى مفرق طريق البصرة.

وقبل أن تصل هذه القوات إلى الحسين، التقى الإمام ببعض الأعراب، فسألهم عن الأوضاع، فقالوا : واللّه لا ندري، غير أنّا لا نستطيع أن نلج ولا أن نخرج(3).

وبما أنّ المنطقة كلّها قد أصبحت تحت سيطرة ابن زیاد، فإنّ جميع الطرق أصبحت غير آمنة، ولذلك فإنّ عبد اللّه بن يقطر، الذي كان يحمل رسالة الحسين إلى أهل الكوفة، وقع في قبضة الحصين بن نمير في منطقة القادسيّة، فمزّق عبد اللّه رسالة الحسين، حتّى لا تقع في يد الأعداء. فاعتقله الحصين، وأرسله إلى عبيد اللّه بن زیاد، وهناك في الكوفة سأله عبيد اللّه عن نسبه؟

فقال : أنا مولىً لبني هاشم .

قال ابن زیاد: فما اسمك؟

قال : اسمي عبد اللّه بن يقطر .

ص: 324


1- (1) أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 166.
2- (2) الطبقات، لابن سعد، ص 68.
3- (3) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 392؛ والبحار، ج 44، ص 371.

فسأله عن الرسالة التي كانت معه، ومن أعطاها له، فامتنع من أن يذكر شيئاً عن ذلك.

فقال له ابن زیاد : إمّا أن تخبرني من دفع إليك هذا الكتاب فتنجو من يدي، وإمّا أن تصعد المنبر فتلعن الحسين بن عليّ وأباه، ثمّ تنزل حتّى أرى فيك رأيي.

فقال عبد اللّه بن يقطر : أمّا أن أخبرك لمن كانت الرسالة، فلن أفعل، وأمّا الصعود على المنبر فنعم.

فجمع ابن زیاد الناس في المسجد، وأمر عبد اللّه بن يقطر أن يصعد، فلمّا أشرف على الناس قال: «أيّها الناس؛ إنّي رسول الحسين ابن فاطمة بنت رسول اللّه إليكم، لتنصروه وتوازروه على ابن مرجانة الدعيّ وابن الدعيّ، لعنه اللّه .

وقبل أن يكمّل كلامه أمر عبيد اللّه بن زیاد جلاوزته، فأنزلوه

من المنبر، ثمّ أمر به، فألقوه من فوق القصر إلى الأرض، فتكسّرت عظامه وبقي به رمق وهو يضطرب، فهجم عليه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي، فذبحه وهو في تلك الحالة(1).

*

وأمّا قيس بن مسهّر الصيداوي فهو أيضاً وقع في قبضة جنود الحصين بن نمير، وفعل قيس مثل ما فعل عبد اللّه بن يقطر، حيث أخرج کتاب الحسين فمزّقه عن آخره، فأخذوه حتّى أتوا به إلى عبيد اللّه بن زياد، فقال له: من أنت؟

ص: 325


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 398؛ وجمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 379؛ ومقتل الحسین، لبحر العلوم، ص 187.

قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين الحسين بن عليّ .

قال : فلم خرقت الكتاب الذي كان معك؟

قال : حتّى لا تعلم أنت ما فيه.

قال ابن زیاد: وممّن كان هذا الكتاب، وإلى من كان؟

قال: من الحسين إلى جماعة من أهل الكوفة، لا أعرف أسمائهم.

فغضب ابن زیاد وقال : واللّه لا تفارقني أبداً، أو تدلّني على هؤلاء القوم الذي كتب إليهم هذا الكتاب، أو تصعد المنبر فتسبّ الحسين وأباه وأخاه، أو لأقطعنّك.

فقال قيس: أمّا هؤلاء القوم فلا أعرفهم، وأمّا الأخرى فإنّي أفعل.

فأمر به ابن زیاد، فأدخل المسجد الأعظم، ثمّ صعد المنبر ونادوا بالناس : الصلاة جامعة. فلمّا اجتمعوا، قام قيس فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ صلّى على محمّد وآله، وأكثر الترحّم على عليّ وولده، ثمّ لعن عبيد اللّه بن زیاد وأباه . ثمّ قال : أيّها الناس؛ هذا حسین بن عليّ خير خلق اللّه ابن فاطمة بنت رسول اللّه ، وأنا رسوله إليكم، وفارقته بالحاجز، فأجيبوه(1).

ولمّا أخبر ابن زیاد بما قاله أمر أن يصعد به القصر، ویرمی به من أعلاه، فأصعدوه أعلى القصر ورموا به على أمّ رأسه، فاندقّ عنقه وخرج دمه من أذنيه ومات(2).

ص: 326


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 146؛ وتجارب الأمم، لأبي علي مسکویه، ج2، ص 57.
2- (2) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 236.

أنباء مقلقة، وحوادث مؤسفة

منذ خروج الحسين من المدينة، وخلال بقائه في مكّة، كانت الأنباء التي تصل إليه کلّها تدلّ على التفاف المؤمنین حوله.

فكانت الأنباء كلّها سارّة حيث أنّ الناس بدأوا ينشطون في سبيل اللّه، ويرفضون الباطل المتمثّل في السلطة الأمويّة القائمة على الظلم والعدوان، والاحتيال والاغتيال.

ولكن منذ خروجه من مكّة المكرّمة انقلبت الأمور تماماً ، فكانت الأنباء التي تصله تباعاً کلّها مقلقة وغير سارّة، كما أنّ الحوادث التي مرّ بهاكلّها كانت تصبّ بالاتجاه المعاكس لنهضته .

ففي منطقة زبالة، التي سمّيت بهذا الاسم باعتبار ضبطها للماء وأخذها منه ، وكانت قرية عامرة بها أسواق، وتقع بين منطقة الواقصة والثعلبيّة، وصل إلى الحسين خبر مقتل أخيه من الرّضاعة عبد اللّه بن يقطر، وكان قد وصله من قبل خبر مقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، فجلس الحسين وكتب كتابا، ثمّ قرأ على من كان معه، وهذا نصه.

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد، فقد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد اللّه بن يقطر، وقد خذلنا شیعتنا، فمن كان منكم يصبر على حدّ السيوف، وطعن الأسنّة فليقم

ص: 327

معنا، ومن أحبّ منكم الانصراف، فلينصرف من غير حرج، ليس عليه منّا ذمام.

ووقع هذا الخبر على الحاضرين مثل الصاعقة، ليس بسبب مقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة، فهذا الخبر كانوا قد سمعوه ، ولكن مقتل عبد اللّه بن يقطر، أخو الحسين من الرّضاعة، الذي لم يكن إلّا مجرّد رسول منه إلى بعض أهل الكوفة، شکّل مفاجأة كبيرة، فقد دلّ على أنّ السلطات مستعدّة أن تذهب إلى نهاية المطاف، وترتكب كلّ إجرام ضدّ الحسين، ذلك أنّ الرّسل في جميع الأعراف والأمم لا تقتل، وحتّى في الجاهليّة، لم يكن المتخاصمون يقتلون الرّسل، وإذا حدث وأنّ رسولاً قتل فإنّه كان بمثابة إعلان للحرب، وكانوا يعطون للطرف الذي ينتمي إليه الرسول الحق في أن يشنّ الهجوم على من قتلوه.

والسبب الذي جعل الحسين يعلن مقتل عبد اللّه بن يقطر أنّه علم أنّ الذين اتبعوه من الأعراب إنّما اتبعوه لأنّهم ظنّوا أنّه سيأتي إلى بلد قد استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسير معه إلّا من يعلم أنّه يقدم على قتال وحرب، فلم يكن يريد إلّا من وطّن نفسه على الموت معه .

وبعد تكرار مثل هذا الكلام من الحسين، لم يبق معه إلّا أهل بيته ومواليه الذين قالوا: «واللّه ما نرجع حتّى نأخذ بثأرنا ونذوق الموت غصّة بعد غصّة. وكان عددهم أقل من ثمانين رجلاً، ومعظمهم من الذين خرجوا معه من مكّة (1)وقليل ممّن انضمّ إليه في الطريق.

ص: 328


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 399؛ وينابيع المودة، للقندوزي، ج 3، ص62؛ ومقتل أبي مخنف، ص 43.

ومن هؤلاء زهير بن القيس البجلي، وهو من أشراف الناس ، وكان عثماني الهوى، لا يرغب في عليّ وأولاد عليّ، وكان الرجل قد أتمّ حجّه، فأقبل يتّجه نحو الكوفة، وكان أبغض شيء إليه أن يلتقي بالحسين، ويسير معه في طريق واحد، أو أن ينزل معه في منزل واحد، فإذا سار الحسین تخلّف زهير بن القين، وإذا نزل الحسين تقدّم زهیر، لكن الظروف اضطرّته للنزول مع الحسين في منطقة «زرود»، وكان ذلك في اليوم الواحد والعشرين من ذي الحجّة سنة ستّين، فنزل الحسين في جانب، ونزل زهير بن القين ومن معه في جانب آخر.

وبينما كان زهير وأصحابه جلوساً يتغدّون من طعام لهم، إذ دخل عليهم رسول الحسين وسلّم، وقال : يا زهير، إن أبا عبد اللّه الحسين بن عليّ بعثني إليك لتأتيه.

فطرح كلّ واحد من الحضور ما في يده من الطعام، وجلسوا ساكتين كأنّ على رؤوسهم الطير، وكان واضحاً أنّ الرجل لا يريد أن يستجيب للحسين وأن يكلّمه.

فقامت زوجته واسمها «دلهم بنت عمرو» وقالت له: سبحان اللّه ؛ أيبعث إليك ابن رسول اللّه ثمّ لا تأتيه، فلو أتيته فسمعت كلامه ثمّ انصرفت؟

فقام زهير على كره منه، وذهب مع الرّسول متثاقلاً ، فما كانت إلّا ساعة إلّا ورجع بوجه مشرق مستبشر، فأمر بفسطاطه ومتاعه ورحله أن تنقل إلى جانب الحسين، ثمّ قال لزوجته : الحقي بأهلک ، فإنّي لا أحبّ أن يصيبك بسببي إلّا خیر.

كان واضحاً أنّ الرجل اتخذ قراره بالالتحاق بقافلة الحسين، فقامت إليه زوجته وبكت وودّعته وقالت له: كان اللّه لك عوناً

ص: 329

ومعيناً، خار اللّه لك، أسألك أن تذكرني عند جدّ الحسين يوم القيامة(1).

ثمّ قال زهير لأصحابه : من أحبّ منكم أن يتّبعني، وإلّا فإنّه آخر العهد.

وأضاف: إنّي سأحدّثكم حديثاً : غزونا بلنجر، ففتح اللّه علينا ، فأصبنا غنائم، فقال لنا سلمان الفارسي: أفرحتم بما فتح اللّه عليكم، وأصبتم من الغنائم؟

فقلنا : نعم.

فقال لنا: إذا أدركتم سيّد شباب أهل الجنّة، فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معهم، منکم بما أصبتم من غنائم.

ثم قال : أما أنا فإنّي أستودعكم اللّه، والتحق بالحسين (2).

وسارت قافلة الحسين حتّى نزلت في الخزيميّة، فأقام فيها يوماً وليلة، فلمّا أصبح أقبلت إليه أخته زينب وقالت : أبا عبد اللّه ، إنّي سمعت البارحة هاتفاً يقول:

ألا يا عين فاحتفلي بجهدي * فمن يبكي على الشّهداء بعدي

على قوم تسوقهم المنايا * بمقدار إلى إنجاز وعدي

فقال لها الحسين : يا أختاه، كلّ الذي قضى اللّه فهو كائن(3).

ص: 330


1- (1) مقتل الحسين، للمقرم، ص 184.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 397.
3- (3) الإمام الحسين وأصحابه، للقزويني، ج1، ص164؛ ومقتل الحسین، اللخوارزمي، ج 1، ص 226.

كانت تلك واحدة من عشرات الشواهد التي تدلّ على أنّ قافلة الحسين مكتوب عليها الموت في سبيل اللّه ، وأنّ جميع من فيها سوف يقتلون، حتّى أنّ الحسين حينما نزل في بطن العقبة قال لأصحابه : ما أراني إلّا مقتولا، فإنّي رأيت في المنام کلاباً تنهشني، وأشدّها عليّ كلب أبقع(1).

*

في منطقة الشراف أمر الحسين فتيانه أن يحملوا الكثير من الماء.

قال عبد الرحمن الصالح لصاحبه: ترى، لماذا يأمر الحسین الفتية بحمل أكبر قدر ممكن من الماء، أليست هنالك منازل في الطريق فيها الماء؟ ألسنا نمشي مع شطّ الفرات؟

قال عبد اللّه بن مسلم: ما دامت القافلة محكومة بالموت فلابدّ من الاستعداد لكلّ شيء.

قال عبد الرحمن : وهل الواثق من موته يفكّر في مثل هذه الأمور؟

قال عبد اللّه : إنّ الحسين لن يستسلم، وفرق كبير بين من يثق بموته وهو ذليل، وبين من يقدم على الموت وهو عزيز. فلا شكّ أنّ الحسين سيدافع عن نفسه وحقّه وأهل بيته، ولابدّ من الاهتمام بعناصر البقاء. ألا ترى أنّ الحسين مع أنّه لم يقصد القتال، بدلیل أنّه يحمل معه أهل بيته وأطفاله ونسائه والصغار والكبار منهم، فإنّه

ص: 331


1- (1) مقتل الحسين، للمقرم، ص 213؛ وکامل الزیارات، ص 75؛ والحسين في طريق الشهادة، للهاشمي، ص 89.

يحمل معه السيف والرّمح والسهم. فالحسين لا يريد القتال، ولكن إذا فرض عليه ذلك فسوف يقاوم، ويعمل بوصيّة أبيه لأخيه الحسن، حينما قال له: «لا تدعونّ إلى مبارزة، وإن دعيت إليها فأجب، فإنّ الداعي باغ والباغي مصر وع»(1). هذا بالإضافة إلى أنّ الحسين يفکّر في أهله وعياله، فحتى لو قتل الرجال فإنّ العيال بحاجة إلى الماء.

قال عبد الرحمن: إذا لم يكن الحسين يريد قتالا، فلربّما يسلم من الموت، لأنّ القوم ربّما لا يحبذون قتله؟

قال عبد اللّه : لا أظنّ ذلك، إنّ أولياء اللّه لا يعتدون على أحد، ويأتي العدوان دائماً من أعدائهم، وكما قلت لك فإنّ هابیل ما أراد سوءً بأخيه قابیل، بل وصرّح له بذلك، قائلاً :(لئن بسطت إلىّ يدک لتقتلني ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك (2)، ومع ذلك اعتدى عليه قابيل وقتله. وإبراهيم الخليل علیه السلام ما حاول أن يحرق نمرود بالنّار، ومع ذلك فإنّ نمرود ألقى به في النار، والنبيّ موسى علیه السلام ما أراد أن يغرق فرعون، وإنّما فرعون هو الذي تعقّبه حتّى يقضي عليه. ورسول الله صلی الله علیه و آله و سلم دعا قومه في مكّة إلى الهدى عشر سنوات، ولم يحمل حتى مجرّد خنجر في مواجهة قريش، لكنّهم آذوه واعتدوا عليه، وعذّبوا أصحابه، وقتلوا بعضاً منهم، وهجّروه من مكّة.

إنّ أهل الباطل هم أهل العدوان، أمّا أهل الحق - والحسين اليوم سيّدهم - لا يعتدون على أحد.

قال عبد الرحمن : إذن لماذا يحمل الحسين معه السلاح؟

ص: 332

قال عبد اللّه : عملاً بقوله تعالى : ( وأعدّوا لهم مّا استطعتم من قوّة)(1) إنّ المؤمن لن يقبل بالذلّة مهما كانت الظروف، ألم يقل الحديث الشريف: «إنّ اللّه عزّ وجلّ فوّض إلى المؤمن أموره کلّها ولم يفوّض إليه أن يذلّ نفسه»(2)؟

قال عبد الرحمن : وماذا عن الماء، هل يتوقّع الحسين أن يمنعوه منه؟

قال عبد اللّه : كلّ شيء ممكن، فالعدوّ الذي نعرفه لا يتقي اللّه في أي أمر، ولابدّ أن نتوقّع منه ارتکاب کلّ جريمة. ألم يمنع معاوية بن أبي سفيان عليّا وأصحابه، وفيهم صحابة كبار من أمثال عمّار بن ياسر الشهيد ابن الشهيد، ألم يمنعوهم من شريعة الماء في صفّين، وحينما استردّ الإمام علي علیه السلام منهم الماء لم يمنعهم منه؟

إنّ القوم أبناء القوم. فالحسين هو ابن عليّ، ويزيد هو ابن معاوية، فكلّ شيء وارد.

*

واستمرّت قافلة الحسين في مسيرها، حتّى إذا كانوا في منتصف النهار رفع أحد أصحاب الحسين صوته قائلاً : اللّه أكبر .

فالتفت إليه الحسين قائلاً : اللّه أكبر، ممّ كبّرت؟

قال الرجل : رأيت النخل .

ص: 333


1- (1) سورة الأنفال، آية 60.
2- (2) الكافي، للكليني، ج 5، ص 63.

فقال له رجلان من بني أسد يعرفان المنطقة تماماً : إنّ هذا مكان ما رأينا به نخلاً قطّ .

فقال لهما الحسين : فما تظنون أنّه قد رأى الرجل؟

قالا : إنّه رأى هوادي الخيل.

فقال الحسين : وأنا واللّه أرى ذلك .

ثمّ التفت الحسين إليهما وقال : أما لنا ملجأ نلجأ إليه، نجعله في ظهورنا، ونستقبل القوم من وجه واحد؟

فقالا له: بلی؛ هذا ذو حصن إلى جنبك، تميل إليه عن يسارك، فإن سبقت القوم إليه فهو كما تريد.

فسار الحسين حتّى سبق إلى ذلك المكان، وجعل الجبل وراء ظهره، ولم تمرّ إلا فترة قصيرة حتّى تبيّنت هوادي الخيل، وجنود كثيرون، وكان عددهم ألف فارس، كأنّ أسنّتهم اليعاسيب، وكأنّ رایاتهم أجنحة الطير، وكان يقودهم الحرّ بن يزيد التميمي، فمال هو وجيشه حتّى وقف مقابل الحسين في حرّ الظهيرة وكان الحسين وأصحابه يعتمّون بالعمائم، وتلتمع سيوفهم .

فقال له الحسين : لنا، أم علينا؟

قال الحرّ: لسنا معك. ولمّا رأى الحسين علیه السلام أنّ القوم يتضوّرون عطشاً أمر فتيانه بأن يسقوهم، قائلاً : أسقوا القوم، وأرووهم من الماء، ورشّفوا الخيل ترشیفاً .

فقام أصحاب الحسين وسقوا القوم من الماء، حتّى أرووهم ورشفوا خيولهم، وكانوا يملأون القصاع والطساس من الماء، ثمّ يدنونها من الفرس، فإذا عبّ منها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلوها

ص: 334

عنه ، وسقوا فرسا آخر حتّى سقوا الخيل کلّها، كما سقوا الجیش کلّه، حتى أنّ رجلاً اسمه : عليّ بن الطعان المحاربي كان آخر من جاء من أصحاب الحرّ، فلمّا رأى الحسين ما به وبفرسه من العطش قال له : أنخ الراوية .. وكلمة الراوية تعني السقاء بلغة أهل الحجاز، فلم يفهم معناها، فقال له الحسين عليه السلام : يابن أخ، أنخ الجمل، فأناخه .

فقال له الحسين : إشرب، ولكن الرجل كلّما أراد أن يشرب سال الماء من السقاء، فقال له الحسين : أخمث السقاء، أي أعطفه .

فلم يكن يعرف ماذا يفعل، فقام الحسين بنفسه فأعطف له السقاء، فشرب وسقى فرسه.

ولمّا أتمّ أصحاب الحسين عمليّة السقي لجيش الحرّ حضر وقت الصلاة، فأمر الحسين مؤذّنه، وهو الحجّاج بن مسروق الجعفي أن يؤذّن، فأذّن للصلاة.

فلما حضرت الإقامة خرج الحسين، وهويلبس إزاراً ورداءاً وفي رجليه نعلان، فقال للحرّ: أتريد أن تصلّي بأصحابك؟

قال الحرّ: لا، بل تصلّي أنت، ونصلّي نحن بصلاتك .

فأمر الحسين مؤذنه أن يقيم، فأقام، فصلّی بهم جميعاً .

فلمّا فرغوا من الصلاة عاد أصحاب الحرّ إلى مكانهم الذي كانوا فيه، وأخذ كلّ رجل منهم بعنان دابّته وجلس في ظلّها .

فقام الحسين عليه السلام واتکی على قائمة سيفه ، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال :

«أيّها الناس؛ إنّها معذرة إلى اللّه عزّ وجلّ وإليكم، إنّي لم

ص: 335

أقدم إلى هذا البلد حتّى أتتني كتبكم، وقدمت علىّ رسلكم: أن أقدم إلينا فإنّه ليس لنا إمام، فلعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الهدی .

«فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تعطوني ما اطمأن إليه من عهودكم ومواثيقكم، دخلت معكم إلى مصركم، وإن لم تفعلوا ، وكنتم كارهين لقدومي علیکم، انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه».

فسكت القوم عنه ولم يجيبوا بشيء(1).

ثمّ إنّ الحرّ بن یزید دخل خيمته التي ضربت له، وجلس فيها يفكّر في أمره، وإذا برسالة وردت إليه من عبيد اللّه بن زياد، وفيها : «أمّا بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فجعجع بالحسين، ولا تفارقه حتّى تأتيني به، فإنّي أمرت رسولي أن لا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذ أمري إليك، والسّلام.

فلمّا قرأ الحرّ الكتاب بعث إلى ثقات أصحابه ، فدعاهم، ثمّ قال لهم: إنّه قد ورد إليّ كتاب عبيد اللّه بن زیاد، يأمرني أن أقدم إلى الحسين بما يسوؤه، و واللّه ما تطاوعني نفسي، ولا تجيبني إلى ذلك.

وكان في أصحاب الحرّ رجل يكنّى بأبي الشعثاء الكندي، فالتفت إلى رسول عبيد اللّه بن زياد، وقال له مستنكراً: بماذا جئت، ثكلتك أمّك؟

قال الرجل : أطعت إمامي، ووفيت ببيعتي، وجئت برسالة أميري .

ص: 336


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 401.

فقال له أبو الشعثاء: لقد عصيت ربّك ، وأطعت إمامك، وأهلكت نفسك،واكتسبت عاراً، فبئس الإمام إمامك، قال اللّه عزّ وجلّ : (وجعلنهم أئمة يدعون إلى النّار يوم القيامة لا ينصرون)(1).

وفيما هم كذلك، وإذا بصلاة العصر قد دنت، فأمر الحسين مؤذّنه من جديد أن يؤذّن للصّلاة، فأذّن وأقام للصلاة، فتقدّم الحسين فصلى بالعسکرين أيضاً.

فلمّا أكمل صلاته وقف على قدميه ، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال :

«أيّها الناس؛ إنّكم إن تتقوا وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى اللّه، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والظلم والعدوان».

«وإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقّنا، وكان رأيكم على خلاف ما جاءت به كتبكم، وقدمت به علىّ رسلكم انصرفت عنکم».

فقام الحرّ وقال : أبا عبد اللّه ؛ إنّا واللّه ما ندري ما هذه الكتب التي تذكرها؟

فقال الحسين لعقبة بن سمعان : أخرج الخرجين الذين فيهما كتبهم إلي .

فأخرج عقبة بكتب أهل البصرة والكوفة، فنثرها بين يدي الحسين.

فقال الحرّ: يا أبا عبد اللّه ؛ لسنا من القوم الذين كتبوا إليك

ص: 337


1- (1) سورة القصص، آية 41.

هذه الكتب، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتّى نقدمك على عبيد اللّه بن زیاد.

فتبسّم الحسين، وقال : الموت أدني إليك من ذلك .

ثمّ التفت إلى أصحابه وقال : قوموا فاركبوا ..

فركبوا، وانتظروا حتّى ركبت نساؤهم. فقال الحسين لهم : انصرفوا بنا، فلمّا أرادوا أن ينصرفوا، حال جيش الحرّ بينهم وبين الانصراف .

فقال الحسين للحرّ: ثكلتك أمّك، ما تريد أن تصنع؟

فغضب الحرّ من ذكر أمّه، ولكنّه كظم غيظه وقال: «أما واللّه ، لو غيرك من العرب يقولها لي، وهو على مثل الحال التي أنت عليها، ما تركت ذكر أمّه بالثكل أن أقوله كائناً من كان، ولكن واللّه مالي إلى ذكر أمّك من سبيل إلّا بأحسن ما يقدر عليه .

فقال الحسين : فما تريد؟

قال الحرّ: أريد واللّه أن أنطلق بك إلى عبيد اللّه بن زياد .

فقال الحسين : إذن واللّه لا أتبعك.

فقال الحرّ: إذن واللّه لا أدعك .

وبقيا يردّدان مثل هذا الكلام ثلاث مرّات، ثمّ قال الحرّ: «یا أبا عبد اللّه : إنّي لم أؤمر بقتالك، وإنّما أمرت أن لا أفارقك حتّى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت ذلك فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردّك إلى المدينة، تكون بيني وبينك نصفاً، حتى أكتب إلى عبيد اللّه بن زیاد، فلعلّ اللّه إلى ذلك الوقت أن يأتيني بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك».

ص: 338

ثمّ أشار إلى طريق هناك، وقال : خذ هاهنا فتیاسر عن طريق العذيب والقادسيّة، وكان بينه وبين العذيب ثمانية وثلاثون میلاً (1).

وأضاف : یا حسین؛ إنّي أذكّرك اللّه في نفسك، فإنّي أشهد لأن قاتلت لتقتلن، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى.

فقال له الحسين: «أفبالموت تخوّفني، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟ ما أدري ما أقول لك، ولكن أقول كما قال أخو الأوس الابن عمّه حينما لقيه وهو يريد نصرة رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم ، فقال له: أين تذهب فإنّك مقتول.

فقال :

سأمضي فما بالموت عار على الفتى * إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما

وواسي الرجال الصالحين بنفسه * وفارق مذموماً وخالف مجرما

أقدّم نفسي لا أريد بقائها * لتلقي خميساً في النزال عرمرما

فإن عشت لم أندم، وإن متّ لم ألم * كفى بك ذلّا أن تعيش وترغما(2)

وهكذا فقد أخذ الحسين يسير ليس باتجاه الكوفة ولا باتجاه المدينة، وكان الحرّ وأصحابه يراقبونه في الطريق (3).

ص: 339


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 403؛ والفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 140؛ ومقاتل الطالبيين، لأبي الفرج، ص 74.
2- (2) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 233.
3- (3) أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 170.

ولمّا أقبل اللّيل التفت الحسين إلى أصحابه وقال: هل فيكم أحد يعرف الطريق على غير الجادّة؟

فقال الطرمّاح بن عدي الطائي: يابن بنت رسول اللّه ؛ أنا أعرف الطريق .

فقال له الحسين : إذن سر بين أيدينا .

فتقدّم الطرمّاح وجعل يحدو الإبل ويقول :

یا ناقتي لا تذعري من زجري * وامضي بنا قبل طلوع الفجر

بخير فتيان وخیر سفر * آل رسول اللّه أهل الفخر

السادة البيض الوجوه الغرّ * الطاعنين بالرّماح السّمر

الضاربين بالصفاح البتر * حتّی تحلّی بکریم نجر

الماجد الحرّ رحيب الصدر * أتي به اللّه لخير أمر

أمّره اللّه بقاء الدّهر * وزاده من طيّبات الذّكر

يامالك النفع معاً والضّرّ * أيّد حسيناً سيّدي بالنصر

على الطغاة من بقايا الكفر * على اللعينين سليلي صخر

یزید، لا زال حليف الخمر * والعود والصنج معاً والزمر

وابن زياد العهر وابن العهر(1)

*

ونزل الحسين في منطقة البيضة، وأصحاب الحرّ يسايرونه ، فقام خاطباً في أصحابه وأصحاب الحرّ، فقال لهم بدايةً ما ذكره في رسالته إلى أهل الكوفة بعد معرفته بمقتل مسلم بن عقیل، حيث حمد

ص: 340


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 141؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 233.

اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس؛ إنّ رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم قال : «من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحرام اللّه، ناکثاً لعهد اللّه، مخالفاً لسنّة رسول اللّه، يعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّا على اللّه أن يدخله مدخله».

ثمّ قال : «ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرّحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام اللّه، وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر».

«أيّها الناس؛ قد أتتني كتبكم، وقدمت علىّ رسلكم ببيعتكم أنّكم لا تسلّموني ولا تخذلوني، فإن أتممتم عليّ بيعتكم فقد أصبتم حظّکم ورشدكم، فأنا الحسين بن عليّ ابن فاطمة بنت رسول اللّه ، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، وولدي مع أولادكم، فلكم فيّ أسوة» .

«وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بنکر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي مسلم، والمغرور من اغترّ بكم، فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومن نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيغني اللّه عنكم والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبرکاته»(1).

كان عدد أصحاب الحسين حينئذٍ أقلّ من مائة، بينما كان يتجاوز أصحاب الحرّ الألف رجل، وكان عبيد اللّه بن زیاد لا يفتأ يرسل جنوداً إضافيين، وكان الحسين كلّما جاء منهم رجال جدد، يذکّرهم بما آل إليه أمر الأمّة، ويتحدّث معهم عن مسؤولياتهم،

ص: 341


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 403؛ والعبرات، للمحمودي، ج 1، ص 397.

ويبيّن لهم أيضاً تصميمه على المضي على الطريق. فكان يخطب فيهم بين الفينة والأخرى، فيحمد اللّه ويثني عليه ويصلّي على النبيّ ويذكر فضل أهل البيت، وقرابتهم من رسول اللّه، ويبيّن مكانته من النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم .

وقال ذات مرّة : «ألا وإنّه قد نزل بنا ما ترون، ألا وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنکّرت، وأدبر معروفها، واستمرت حذّاء وولّت، فلم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهي عنه؟

«ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّا، فإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلّا برما»(1).

فقام زهير بن القين، الذي كان لتوّه قد التحق بركب الحسين علیه السلام، فقال بعد أن أثنى على اللّه وحمده: «یا أبا عبد اللّه ؛ قد سمعنا هداك اللّه مقالتك ، واللّه لو كانت الدّنيا باقية وكنّا فيها مخلّدين لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها»(2).

وقام هلال بن نافع البجلي فقال: «واللّه ما كرهنا لقاء ربّنا ، وإنّا على نيّاتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك».

وقام بریر بن خضير، فقال: «واللّه يابن رسول اللّه، لقد منّ اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك وتقطّع فيها أعضاؤنا، ثمّ يكون جدّك شفيعنا يوم القيامة».

ص: 342


1- (1) المعجم الكبير، للطبراني، ج 3، ص 122؛ وحلية الأولياء، لأبي نعيم، ج 2، ص 39.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 404؛ ووسيلة الدارین، للزنجاني، ص 69.

وتكلّم بقيّة أصحاب الحسين بهذا ونحوه من الكلام، فجزّاهم الحسين خيراً(1).

*

ومضى الحسين حتّي وصل إلى منطقة تسمّى عذيب الهجانات، فإذا هو بأربعة أشخاص مقبلين من الكوفة على رواحلهم، وهم: نافع بن هلال المرادي، وعمرو بن خالد الصيداوي، وسعد مولاه، ومجمع بن عبد اللّه العائدي، من قبيلة مذحج. فأراد الحرّ أن يمنعهم من الالتحاق بالحسين، فقال للإمام عليه السلام : إنّ هؤلاء ليسوا ممّن أقبل معك، فأنا حابسهم أو رادّهم إلى الكوفة.

فقال الحسين علیه السلام : إذن سأمنعهم ممّا أمنع منه نفسي (أي أدافع عنهمّ)،إنّما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد أعطيتني أن لا تعرضني بشيء حتّى يأتيك كتاب من ابن زیاد.

فقال الحرّ: أجل؛ لكن هؤلاء لم يأتوا معك.

فقال الحسين : هم أصحابي، وهم بمنزلة من جاء معي، فإن أتممت ما كان بيني وبينك، وإلّا ناجزتك.

فكفّ عنهم الحرّ، فالتحقوا بالحسين، فسألهم عن خبر الناس من ورائهم، فقال له مجمع بن عبد اللّه العائدي، وهو أحد الأربعة :

«سيّدي ؛ أمّا أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم، وملئت غرائزهم، واستميل ودّهم، واستخلصت نصيحتهم، فهم إلبٌ واحد

ص: 343


1- (1) اللهوف، لابن طاوس، ص 80؛ والدمعة الساكبة، للبهبهاني، ج4، ص 255.

عليك، وأمّا سائر الناس فإنّ أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورة عليك.

فقال لهم الحسين : أخبروني، فهل لكم خبر برسولي إليكم؟

قالوا : ومن هو؟

قال الحسين : قيس بن مسهّر الصيداويّ.

فقالوا: نعم؛ لقد أخذه الحصين بن نمير، فبعث به إلى ابن زیاد، فأمره ابن زیاد أن يلعنك ويلعن أباك، فصعد المنبر وصلّی عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زیاد وأباه، ودعى إلى نصرتك، وأخبرهم بقدومك، فأمر به ابن زیاد، فألقي من طمار القصر، فقتل .

فترقرقت عينا الحسين ولم يملك دمعه، ثمّ قال : (من المؤمنين رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه فمنهم مّن قضى نحبه ومنهم مّن ينتظر وما بدّلوا تبديلا)(1) . الّلهمّ اجعل لنا ولهم الجنّة نزلاً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ رحمتك، ورغائب مذخور ثوابك. أما واللّه إنّي لأرجو أن يكون خيراً ما أراد اللّه بنا، قتلنا أم ظفرنا(2) .

ثمّ رفع يديه بالدّعاء قائلا : «الّلهمّ اجعل لنا ولشیعتنا عندك منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ رحمتك، إنّك على كلّ شيء قدير»(3).

وهنا التفت الطرمّاح إلى الحسين وقال : واللّه إنّي لأنظر، فما أرى معك كثير أحد، ولو لم يقاتلك إلّا هؤلاء الذين أراهم ملازمین

ص: 344


1- (1) سورة الأحزاب، آية 23.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 405؛ ونهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص421.
3- (3) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 236.

لك مع الحرّ لكان ذلك بلاء، وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة إليك بيوم واحد ظهر الكوفة مملوءاً رجالاً، لم تر عيناي في صعيد واحد جمعاً أكثر منه، فسألت عنهم، فقيل : اجتمعوا ليعرضوا، ثمّ يسرّحوا إلى الحسين. فأنشدك اللّه إن قدرت على أن لا تقدم شبراً إلّا فعلت.

وأضاف: «أردت أن تنزل بلداً يمنعك اللّه به حتّى ترى من رأيك، ويستبين لك ما أنت صانع، فسر حتى أنزلك أجاء، وهو جبلنا الذي امتنعنا واللّه به من ملوك غسّان وحمير، ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر، واللّه ما دخل علينا ذلّ قطّ، فأسير معك حتّى أنزلك القرية، ثمّ نبعث إلى الرجال ممّن بأجى وسلمى من طي، فواللّه لا يأتي عليك عشرة أيّام حتى تأتيك طيّ رجالاً وركباناً، ثمّ أقم فينا ما بدا لك، فإن هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائيّ يضربون بين يديك بأسيافهم، واللّه لا يوصل إليك شرّ أبداً، ومنهم عين تطرف».

فقال له الحسين: «جزاك اللّه وقومك خيراً، إنّ بيننا وبين هؤلاء القوم قولاً لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري على ما تنصرف بنا وبهم الأمور في عاقبة، فإن يدفع اللّه عنّا فقديماً ما أنعم علينا وكفى، وإن يكن ما لابدّ منه ففوز وشهادة إن شاء اللّه»(1).

فتقدّم الطرمّاح باقتراح آخر أصرّ على الإمام بأن يقبله، حيث قال : أرى أن تركب معي جمّازة - أي فرساً من أكرم خيول العرب -

ص: 345


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 406؛ ومثير الأحزان، لابن نما، ص 20؛ والعوالم، للبحراني، ج17، ص 219.

فإنّي أبلغ بك الليلة قبل الصباح أحياء طيّ، وأسوّي لك الأمور، وأقيم بين يديك خمسة آلاف مقاتل، يقاتلون عنك.

فقال له الحسين: «أمن مروءة الإنسان أن ينجي نفسه، ويهلك أهله وإخوته وأصحابه؟

فقال بعض أصحابه: إنّ هؤلاء القوم - يقصدون جيش بني أمیّة - إذا لم يجدوك لم يفعلوا شيئا .

لكن الحسين لم يلتفت إلى قولهم، وجزّ الطرمّاح خيراً(1).

فقال الطرمّاح : إنّي قد امترت لأهلي من الكوفة ميرة، ومعي نفقة لهم، فآتيهم فأضع ذلك فيهم، ثمّ آتيك إن شاء اللّه، فإن ألحقك فواللّه لأكوننّ من أنصارك .

فقال له الحسين : فإن كنت فاعلا فعجّل رحمك اللّه، ثمّ ودّعه وذهب إلى أهله(2).

*

ثمّ إنّ الحسين رحل عن عذيب الهجانات حتّى نزل في الأوّل من شهر محرّم في قصر بني مقاتل، فإذا به يرى فسطاطاً مضروباً ، فسأل عن صاحبه ، فقيل له: إنّه لعبيد اللّه بن الحرّ الجعفي.

فأرسل الإمام أحد أصحابه، وهو الحجّاج بن مسروق إليه ليدعوه للقاء الحسين، فجاء ابن مسروق إلى عبيد اللّه بن الحرّ في فسطاطه، فسلّم عليه، فردّ عليه السّلام، وقال له : ما ورائك؟

ص: 346


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 239.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 407.

فقال الحجّاج: إنّ اللّه قد أهدى إليك كرامة، إن قبلتها .

فقال : وما ذلك؟

قال الحجّاج: «هذا الحسين بن عليّ يدعوك إلى نصرته، فإن قاتلت بين يديه أجرت، وإن متّ فإنّك استشهدت.

فقال له عبيد اللّه : إنّي واللّه ما خرجت من الكوفة إلّا كراهة أن يدخلها الحسين وأكون أنا فيها، فإن قاتلته كان ذلك عند اللّه عظيماً، وإن وقفت معه كنت أوّل قتيل في غير غناء عنه، وواللّه لا أراه ولا يراني، فارجع إليه وخبّره بذلك.

فأقبل الحجّاج إلى الحسين وأخبره بما قاله عبيد اللّه الجعفي ، فقام الحسين بنفسه، وجاء إليه في جماعة من إخوته ، فلمّا دخل عليه ، حمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: «يابن الحرّ؛ إنّ أهل مصرکم هذا كتبوا إليّ، وخبّروني أنّهم مجتمعون على نصرتي، وسألوني القدوم إليهم فقدمت» .

فقال له عبيد اللّه بكلّ صراحة : «واللّه إنّي ما خرجت من الكوفة إلّا مخافة أن تدخلها أنت وأنا فيها فلا أنصرك، لأنّه ليس لك في الكوفة أنصار».

فقال له الحسین : «یابن الحرّ؛ إعلم أنّ اللّه عزّ وجلّ يؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذّنوب في الأيّام الخالية، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى توبة تغسل بها ما عليك من الذّنوب، أدعوك إلى نصرتنا أهل البيت، فإن أعطيتنا حقّنا حمدنا اللّه على ذلك وقبلناه ، وإن منعنا حقّنا كنت من أعواني على طلب الحقّ».

فقال عبيد اللّه بن الحرّ: «واللّه ، يابن بنت رسول اللّه ، لو كان

ص: 347

لك بالكوفة أعوان يقاتلون معك لكنت أنا من أشدّهم على عدوّك ، ولكنّي رأيت أنّ شيعتك بالكوفة قد لزموا منازلهم خوفاً من بني أميّة ومن سيوفهم، فأنشدك باللّه أن لا تطلب منّي هذه المنزلة، وأنا أواسيك بكلّ ما أقدر عليه ، فهذا فرسي ملجمة، واللّه ما طلبت عليها شيئاً إلّا أذقته حياض الموت، وخذ هذا سيفي، فواللّه ما ضربت به أحداً إلّا قطعته».

فقال له الحسین : یابن الحرّ؛ ما جئناك لفرسك وسيفك، إنّما أتيناك لنسألك النصرة، فإن كنت قد بخلت علينا بنفسك، فلا حاجة لنا في شيء من مالك، ولم أكن بالذي يتخذ المضلّین عضداً، وإذ قد امتنعت من نصرتي فلا تظاهر عليّ، وإن استطعت أن لا تسمع واعيتنا فافعل، لأنّي سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم يقول:«من سمع واعية أهل بيتي، ولم ينصرهم على حقّهم، أكبّه اللّه على وجهه في النار»(1).

وكان في مجلس ابن الحرّ آنذاك رجل اسمه أنس بن الحارث الكاهلي، وكان قد ترك الكوفة بنفس السبب الذي تركها عبيد اللّه بن الحر. فلمّا سمع مقالة الحسين تأثّر بها، فخرج من خيمة عبيد اللّه ، ولحق بالحسين، وقال له : «واللّه ما أخرجني من الكوفة إلّا ما أخرج هذا، من كراهة قتالك أو القتال معك، ولكنّ اللّه قد قذف في قلبي نصرتك، وشجّعني على المسير معك».

فقال له الحسين : فاخرج معنا راشداً محفوظاً(2).

ص: 348


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 133؛ وجمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 384.
2- (2) جمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 384.

وكان هذا الرجل شیخاً صحابيّاً، ممّن رأى النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم وسمع حديثه، وكان ممّا قاله لأصحاب الحسين حينما التحق بهم : لقد سمعت رسول اللّه يقول : والحسين في حجره: «إنّ ابني هذا يقتل بأرض من العراق، ألا فمن شهده فلينصره»(1).

*

لمّا سمع عبد الرحمن الصالح حوار الحسين مع عبيد اللّه بن الحرّ، التفت إلى صاحبه عبد اللّه بن مسلم وقال : ترى لماذا قال الحسين للرجل: «إنّ اللّه يؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذّنوب في الأيّام الخالية»، صحيح أنّ الناس ليسوا معصومين من الخطأ، ولكن لماذا التأكيد من الحسين لعبيد اللّه ، دون غيره، بأنّه قد كسب الذّنوب، وأسلف المعاصي في الأيّام الخالية ، من دون أن يردّ عليه عبيد اللّه، أو ينكر ذلك؟

فقال عبد اللّه : إنّ عبيد اللّه بن الحرّ هذا، كان من قادة جيش عليّ أمير المؤمنين في صفّين، ولكنّه كان ضعيف الإيمان، فبعث إليه معاوية بمبالغ من المال ووعده بالمزيد، فترك الجند الذي كان تحته ، وهرب إلى معاوية متخفّیاً من دون أن يخبر أحداً، وبقي في الشام إلى أن ضاعت أخباره، وسرت شائعة تقول: إنّ الرجل قد قتل، فاتخذت زوجته العدّة بالوفاة، وتزوّجت بعد انتهائها ، من رجلٍ اسمه عكرمة، ولمّا وصل الخبر إليه ترك الشام وعاد إلى الكوفة، وذهب إلى دار عکرمة ليسترجع زوجته منه، فطرده الرجل شرّ طردة، فجاء مضطرّاً إلى الإمام عليّ علیه السلام في جامع الكوفة وكان الإمام يصلّي،

ص: 349


1- (1) مقتل الحسین، لبحر العلوم، ص 411؛ وأسد الغابة، ج 1، ص 349.

فلمّا أنهى صلاته جلس إليه، فعرفه الإمام فأخذ يعاتبه على ما فعل من الخيانة.

ولمّا أكمل الإمام عتابه قال الرجل : أو يمنعني ذلك من عدلك يا أمير المؤمنين؟

فقال له الإمام : لا؛ فقصّ عليه قصّته، وكيف أنّ زوجته أصبحت تحت عكرمة. فبعث الإمام من يستبریء المرأة، فتبيّن أنّها حامل، فأودعها فيبيت، ومنع الاقتراب إليها، سواء من قبل زوجها الأوّل أو الثاني، وأمر بأنّها إذا وضعت مولودها، أن يلتحق الولد بعكرمة، وتعود زوجة عبيد اللّه بن الحرّ إليه. وما قاله الحسین من مؤاخذة اللّه له إشارة إلى خيانته هذه.

وعلى كلّ حال فإنّ التوفيق لم يحالف الرجل، ليغسل ذنوبه ويكفّر عنها بنصرة الحسين، وهو الذي خان أباه من قبل.

*

وفي قصر بني مقاتل هذا، دخل على الحسين عمرو بن قیس المشرقي، وابن عمّ له، فسلّما عليه. وكان بينهما وبين الحسين معرفة سابقة، فقال عمرو: يا أبا عبد اللّه ؛ هذا الذي أرى لون خضاب، أو لون شعرك؟

فقال الإمام: خضاب، والشيب يسرع إلينا بني هاشم .

ثمّ التفت إليهما وقال : جئتما لنصرتي؟

فقال له عمرو بن قيس : أنا رجل كثير العيال وفي يدي بضائع للناس، ولا أدري ما يكون، وأكره أن تضيع أمانتي.

وقال ابن عمّه مثل قوله، فقال لهما الإمام : فانطلقا، فلا

ص: 350

تسمعا لي واعية، ولا تريا لي سواداً ، فإنّه من سمع واعيتنا، أو رأى سوادنا، فلم يجبنا ولم يعنّا كان حقّاً على اللّه عزّ وجلّ أن يكبّه على منخريه في النّار(1).

ويبدو أنّ هذين الرجلين أيضاً لم يحالفهم التوفيق ليكونا في رکاب الحسين، مثلما لم يحالفه عبيد اللّه بن الحرّ الجعفي .

*

ربّما كان قصر بني مقاتل آخر منزل نزل فيه الحسين قبل وصوله إلى كربلاء، ولذلك فلمّا كان في آخر اللّيل أمر فتيانه بأن يكثروا من حمل الماء، فاستقوا ثمّ أمر بالرحيل من هناك، وبعد ساعة من المسير خفق الحسين، وهو على ظهر فرسه، خفقة ثمّ انتبه وهو يقول: إنّا للّه وإنّه إليه راجعون، والحمد للّه ربّ العالمين .

وكرّر ذلك مرّتين أو ثلاثاً، فأقبل ابنه عليّ بن الحسين الأكبر، فقال له: يا أبتاه ؛ جعلت فداك، ممّ حمدت اللّه ، واسترجعت؟

فقال الحسين: «یا بنيّ؛ إنّي خفقت خفقة، فظهر لي راكب على فرس وهويقول : القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم. فعلمت أنّها أنفسنا نعيت إلينا .

فقال له عليّ الأكبر : يا أبتاه ؛ لا أراك اللّه سوءاً، أولسنا على الحقّ؟

قال الحسين : بلى؛ والذي إليه مرجع العباد .

ص: 351


1- (1) العبرات، للمحمودي، ج 1، ص 408؛ والرجال، للكشي، ج 1، ص 331؛ والبحار، ج45، ص 84.

فقال عليّ الأكبر: إذن لا نبالي أن نموت محقّين.

فقال له الحسین : جزاك اللّه من ولي خير ما جزى ولداً عن والده (1).

وكان الحسين، بعد لقائه بالحرّ بن یزید الرياحي، مقيّداً في مسيره بحركة الحرّ، حيث كان الرجل وجيشه يراقبونه، وكلّما أراد أن يميل نحو البادية منعوه، بل حينما أراد الحسين أن يفرّق أصحابه، كان الحرّ يردّهم عن ذلك. وأحياناً كان يحاول أن يدفع الحسين باتجاه الكوفة، لكن الحسين كان يمتنع عليه، فلم يزالوا يتسايرون في الطريق(2).

وفيما هم كذلك، وإذا براكب يأتي على نجيب له وعليه السلاح، وهو متنکّر قوسا، وكان مقبلاً من الكوفة، فوقف الطرفان جميعاً ينتظرون، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحرّ وأصحابه ، ولم يسلّم على الحسين، ثمّ دفع إلى الحرّ كتاباً من عبيد اللّه بن زیاد، وكان فيه :

«أمّا بعد، فاحبس الحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي، فلا تنزله إلّا بالعراء، في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري».

فلمّا قرأ الحرّ رسالة عبيد اللّه، قال للحسين: «هذا كتاب الأمير عبيد اللّه بن زياد، يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي

ص: 352


1- (1) أعلام الوری، للطبرسي، ص 233؛ ومقاتل الطالبيين، لأبي الفرج الأصفهاني، ص 74؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 408؛ والإرشاد، للمفيد، ج 2، ص 84.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 408؛ وبغية الطلب، لابن العديم، ج 6، ص 2624.

يأتيني فيه كتابه، وهذا رسوله، وقد أمره أن لا يفارقني حتّى أنفذ رأيه وأمره».

ثمّ طالب الحسين وأصحابه بالنزول في ذلك المكان في غير ماء ولا بيوت، فقال له الحسين وأصحابه : دعنا ننزل في هذه القرية، وأشاروا إلى نينوى، أو تلك، وأشاروا إلى الغاضريّة، أو هذه الأخرى، وأشاروا إلى شفيّة.

فقال الحرّ: لا واللّه ما أستطيع ذلك.

ثمّ أشار إلى الرجل الذي جاء بالكتاب وقال : إنّ هذا رجل قد

بعث إليّ عيناً(1).

ومع وقوع تلك المشادة بين الحسين والحرّ، اقترح زهير بن القين مقاتلة القوم، وقال للحسين : «بأبي وأمّي يابن رسول اللّه ؛ واللّه لو لم يأتنا غير هؤلاء لكان لنا فيهم كفاية، فكيف بمن سيأتينا من غيرهم؟ فهلمّ بنا نناجز هؤلاء، فإنّ قتالهم أيسر علينا من قتال من يأتينا غيرهم».

فقال له الحسين : إنّي أكره أن أبدأهم بقتال حتّى يبدأوا .

فقال زهير : فهاهنا قرية بالقرب منّا على شطّ الفرات، وهي في عاقول حصينة، (العاقول يعني النهر المعوج)، فإن منعونا قاتلناهم، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم.

فقال الحسين : ما اسم تلك القرية؟

قال زهير : العقر.

ص: 353


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 409؛ ونهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص 424.

فقال الحسين : الّلهمّ إنّي أعوذ بك من العقر(1). ورفض الذهاب إليها ..

لقد كان الوضع متوتّراً جدّاً بين الحسين وبين الحرّ، إلّا أنّ الحرّ لم يكن قد أمر بالقتال، ولعلّه لو كان قد أمر لفعل، والحسين كان يرفض أن يبدأهم بقتال. فلم تقع بينهما المواجهة.

هنا التفت الحسين إلى الحرّ قائلاً : سر بنا قليلاً ثمّ ننزل.

فسار معه حتّى أتوا في يوم الخميس الواقع في الثاني من شهر محرّم، سنة إحدى وستّين للهجرة إلى أرض قريب من نهر صغير، فوقف الحرّ وأصحابه أمام الحسين ومنعوه من المسير، وقالوا : أنزل بهذا المكان، فالفرات منك قريب.

فقال الحسين : وما اسم هذا المكان؟

قالوا له : إنّ هذه الأرض تسمى الطّف .

قال الحسين : فهل لها اسم غيره؟

قالوا : تعرف بكربلاء.

فدمعت عينا الحسين، وقال : الّلهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء (2).

ثمّ قبض من ترابها قبضة فشمّها(3)، ثمّ استخرج طينة من جيبه

ص: 354


1- (1) الكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 282؛ ونهاية الإرب، للنويري، ج 20، ص 425.
2- (2) مقتل الحسين، للمقرم، ص 229.
3- (3) تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 142.

وقال لهم : هذه طينة جاء بها جبرائیل من عند اللّه لجدّي رسول اللّه وقال : هذا موضع تربة الحسين، ثمّ قال : إنّهما رائحة واحدة(1).

ثمّ قال : صدق اللّه ورسوله، ذات کرب وبلاء، ولقد مرّ أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفّين وأنا معه، فوقف، فسأل عن اسمه، فقيل له : كربلاء.

فقال أبي : هاهنا محطّ ركابهم، وهاهنا مهراق دمائهم، فسألوه عن ذلك، فقال أبي : ثقل لآل محمّد ينزلون هاهنا .

ثمّ التفت الحسين إلى أصحابه وقال : انزلوا، فهاهنا مناخ رکابنا، ومحطّ رجالنا، ومسفك دمائنا.

فنزل القوم وحطّوا الأثقال ناحية من الفرات، وضربت في خيم الحسين لأهله وبنيه وبناته في ناحية، وضربت خيم أخرى لإخوته و بني عمّه حول خيمته، وخيم الأصحاب في جانب آخر، كما أنّ الحرّ وأصحابه أيضاً نزلوا وخيّموا في مواجهة مخيّم الحسين (2).

وهكذا تعيّنت أرض المعركة، وتبيّن أنّ قافلة الحسين لن ترحل من تلك الأرض.

*

التفت عبد الرحمن الصالح إلى صاحبه عبد اللّه بن مسلم

ص: 355


1- (1) موسوعة الإمام الحسين، ج 2، ص 611.
2- (2) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 237؛ واللهوف، لابن طاوس، ص 81؛ وذخائر العقبي، للطبري، ص 149.

وقال : إنّ الحسين قال صدق اللّه ورسوله، ترى إلى م أشار بكلامه هذا؟

قال عبد اللّه : أظنّ أنّه أشار إلى الحديث الذي ذكرته لك عن أمّ سلمة التي قالت : كان رسول اللّه جالسا ذات يوم في بيتي، فقال : لا يدخلن علىّ أحد، فانتظرت، فدخل الحسين، فسمعت نشيج رسول اللّه يبكي، فاطّلعت، فإذا الحسين في حجره، والنبيّ يمسح رأسه وهو يبكي، فقلت: واللّه ما علمت أنّه دخل.

فقال رسول اللّه : «إنّ جبرائيل كان في البيت، فقال لي والحسين في حجري: أتحبّه؟

قلت: أمّا في الدّنيا فنعم.

فقال جبرائيل : إنّ أمّتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء.. وناولني جبرائيل من تربتها »(1).

ويبدو أنّ الحسين يعرف هذا الحديث، ولذلك قال : صدق اللّه ورسوله.

*

لقد استغرقت رحلة قافلة الحسين من مكّة المكرّمة إلى كربلاء أربعة وعشرين يوماً، قطع بها ستّة عشر منزلاً، وأقام في بعضها يوماً أو يومين أو ثلاثة أيّام.

*

ص: 356


1- (1) المعجم الكبير، للطبراني، ج 23، ص 289، رقم 637؛ والصواعق المحرقة، لابن حجر الهيثمي، ص117.

قال عبد الرحمن لصاحبه : ترى لماذا تسمّی کربلاء، هل هي من الكرب والبلاء؟

قال عبد اللّه : إنّ الكلمة قد تعني ذلك، ولكنّها من كلمتين : الكرب بمعنی حرم، وأبلی بمعنى إله، أي حرم الإله في لغة الكلدانيين في عهد البابليين(1).

*

كان عدد أصحاب الحسين حين نزل کربلاء خمسة وأربعين فارس، منهم تسعة عشر من أهل بيته ومائة راجل(2) .

ومنذ نزوله هناك كان الحسين يتصرّف وكأنّه شهيد، بالرغم من أنّه كان مصمّماً على أن لا يتنازل للعدوّ عن شيء، فهو صاحب حقّ وصاحب رسالة، والأعداء هم المعتدون عليه، فهم الذين يمنعونه من الدخول إلى الكوفة أو العودة إلى المدينة. وممّا فعله أنّه سأل عن الأعراب الموجودين هناك، فدلّوه على بعضهم، فطلب منهم شراء تلك الأراضي من أصحابها، فقبلوا ذلك، فاشتراها بستّين ألف درهم وتصدّق بها عليهم.

لكنّه اشترط عليهم أن يرشدوا المارّة إلى قبره بعد مقتله، ويقوموا بضيافة زوّاره ثلاثة أيّام، وكان المقدار الذي اشتراه أربعة أميال في أربعة أميال (3).

*

ص: 357


1- (1) الإمام الحسين وأصحابه، للقزويني، ج 1، ص 199 و207.
2- (2) البداية والنهاية، لابن کثیر، ج 8، ص 197؛ وتهذيب التهذيب، لابن حجر، ج 2، ص 352.
3- (3) مقتل الحسين، للمقرم، ص 235.

حطّ أهل البيت رحالهم في تلك الأرض الجرداء، وكانت أرضاً مسطّحة، لا تلال فيها ولا بيوت، بحيث كانوا مکشوفين أمام أعدائهم.

وفي صباح اليوم التالي أخذ الحسين قرطاساً وقلماً وكتب الرسالة التالية إلى أخيه :

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، من الحسين بن عليّ إلى أخيه محمّد ابن الحنفيّة بن عليّ بن أبي طالب، ومن قبله من بني هاشم، أمّا بعد، فكأنّ الدّنيا لم تكن، وكأنّ الآخرة لم تزل، والسّلام(1).

ثمّ دعا أحد أصحابه وأعطاه الرّسالة، وبعثه إلى أخيه في المدينة المنورة .

أمّا الحرّ بن يزيد الرّياحي فقد أرسل رسالة إلى ابن زیاد يخبره بنزول الحسين بأرض كربلاء، ويطلب منه تعليماته بما عليه أن يفعل (2).

ولمّا وصلت رسالة الحرّ إلى ابن زیاد کتب رسالة تهدید واضحة إلى الحسين، جاء فيها: «أمّا بعد يا حسين، فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إلىّ أمير المؤمنین یزید بن معاوية أن لا أتوسّد الوثير، ولا أشبع من الخمير، حتّى ألحقك باللطيف الخبير ، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد»(3).

ص: 358


1- (1) بحار الأنوار، للمجلسي، ج45، ص 87؛ ومقتل الحسين، للمقرم، ص 235.
2- (2) الفصول المهمة، لابن الصباغ، ص 190؛ ومقتل الحسین، للخوارزمي، ج 1، ص 239.
3- (3) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 11؛ ومطالب السؤول، لابن طلحة، ص 475 والمناقب، لابن شهر آشوب، ج 4، ص 98.

فلمّا ورد هذا الكتاب إليه وقرأه الحسين رمی به على الأرض وقال : لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق.

فقال له الذي جاء بالرّسالة : يا أبا عبد اللّه ، ما هو جواب کتاب الأمير؟

فقال له الحسين : لا جواب له عندي، لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب .

فرجع الرّسول إلى ابن زیاد وأخبره بذلك، فغضب أشدّ الغضب (1).

*

سمیت

كان عبيد اللّه بن زیاد يرسل الألوف المؤلّفة من الجيوش تباعاً إلى كربلاء، وفي بحثه عن قائد عام لهم وقع اختياره على عمر بن سعد بن أبي وقّاص، الذي كان قد ابتعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة ليسير بهم إلى دستبي، وكانت الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، وكان عبيد اللّه قد كتب عهداً بولاية الرّي له إن استطاع أن يخمد تمرّد الديلم، وذلك قبل أن تصله رسالة الحرّ بإجبار الحسین على النزول في أرض كربلاء.

كان عمر بن سعد في ذلك الوقت قد جمع رجاله في منطقة حمام أعين، استعداداً للرحيل إلى دستبي، إلّا أن عبيد اللّه بن زیاد استدعاه، فلمّا جاءه ، قال له: سر إلى الحسين أوّلا، فإذا فرغنا ممّا بيننا وبينه، سرت إلى عملك.

ص: 359


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 239؛ وبحار الأنوار، للمجلسي، ج 44، ص 383.

فقال له عمر بن سعد: إن رأيت أن تعفيني، فافعل .

فقال له عبيد اللّه : نعم؛ على أن تردّ لنا عهدنا بالرّي.

فقال عمر بن سعد: إذن أمهلني اليوم حتّى أنظر في أمري.

فأمهله، فانصرف يستشير نصحائه، فلم يكن يستشير أحداً إلّا نهاه عن قتال الحسين، حتّى أنّ حمزة بن المغيرة بن شعبة ، وهو ابن أخته، قال له: أنشدك اللّه يا خال أن لا تسير إلى الحسين فتأثم بربّك وتقطع رحمك، فواللّه لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلّها، خير لك من أن تلقى اللّه بدم الحسين .

فقال له عمر بن سعد: إنّي أفعل إن شاء اللّه .

وفي اليوم التالي أقبل إلى ابن زیاد وقال: «أصلحك اللّه ؛ إنّك ولّيتني هذا العمل - أي الذهاب إلى دستبي - وكتبت لي العهد بالرّي، وسمع به الناس، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل، وابعث إلى الحسين في هذا الجيش من أشراف الكوفة من لست بأغني، ولا أجزأ عنك في الحرب منه».

ثمّ بدأ يسمّي لابن زياد أسماء بعض الرجال لقيادة الجند إلى حرب الحسين علیه السلام، فقال له ابن زیاد: «لا تعلّمني بأشراف أهل الكوفة، ولست أستأمرك (أستشيرك) فيمن أريد أن أبعث، فإن سرت بجندنا، وإلّا فابعث إلينا بعهدنا».

فلمّا رأى ابن سعد أنّ ابن زیاد مصرّ على أمره، خضع له وقال : إنّي سائر إلى الحسين(1) .

ص: 360


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 410؛ ومختصر ابن منظور، ج 19، ص 64.

وبات ليلته قلقا ممّا هو مقدم عليه ، وكان يتململ بين نداء ضميره، وبين رغبته في أمور دنياه، وفي ذلك أنشد يقول :

دعاني عبيد اللّه من دون قومه * إلى خطّة فيها خرج لحيني

فواللّه ما أدري وإنّي لحائر * أفکّر في أمري على خطرين

أأترك ملك الرّي، والرّيّ منيتي * أم أرجع مأثوماً بقتل حسین

حسین ابن عمّي والحوادث جمّه * ولكنّ لي في الرّي قرّة عين

يقولون: إنّ اللّه خالق جنّة * ونار وتعذيب وغلّ يدين

فإن صدقوا فيما يقولون * إنّني أتوب إلى الرّحمن من سنتين

وإنّ إله العرش يغفر زلّتي * وإن كنت فيها أعظم الثقلين

وإن كذبوا فزنا بدنيا عظيمة * وملك عظيم دائم الحجلين

ألا إنّما الدّنيا لخير معجّل * وما عاقل باع الوجود بدين (1)

وهكذا حسم عمر بن سعد أمره، وبدل أن يذهب إلى الديلم، تحرّك مع أربعة آلاف فارس باتجاه کربلاء، وكان قد جعل خالد بن عرفطة على مقدّمة جيشه، كما أعطى رايته لحبيب بن جمّاز، ونزل کربلاء في اليوم الثالث من شهر محرّم الحرام، سنة واحد وستّين للهجرة ؛ أي بعد يوم واحد من نزول الحسين بتلك الأرض.

ولمّا رأى أصحاب الحسین جیش عمر بن سعد يتقدّمهم خالد بن عرفطة، ويحمل الراية حبيب بن جمّاز، قال عبد اللّه بن مسلم لصاحبه: سبحان اللّه ؛ لقد سمعت من سويدة بن غفلة أنّه قال :

ص: 361


1- (1) الإمام الحسين وأصحابه، للقزويني، ج 1، ص 221؛ والكامل، لابن الأثير، ج 3، ص 283.

«كنت أنا عند أمير المؤمنين عليّ، إذ أتاه رجل وقال : يا أمير المؤمنين، جئتك من واد القرى، وقد مات خالد بن عرفطة .

فقال عليّ : إنّه لم يمت.

فأكّد الرّجل موت خالد بن عرفطة .

فقال عليّ : إنّه لم يمت، ثمّ أعرض عنه بوجهه، فأعاد الرجل عليه الثالثة، وقال : سبحان اللّه ؛ أخبرك أنّه قد مات، فتقول إنّه لم يمت؟

فقال علي:«والذي نفسي بيده، لا يموت خالد بن عرفطة حتّى يقود جيش ضلال، يحمل رايته حبيب بن جمّاز .

ولمّا انتشر ذلك الخبر وسمع حبيب بن جمّاز ذلك جاء إلى أمير المؤمنين وقال له : أنشدك اللّه فيّ، فإنّي لك شيعة، وقد ذكرتني بأمر، لا واللّه لا أعرفه من نفسي.

فقال له عليّ : ومن أنت؟

قال : أنا حبیب بن جمّاز .

فقال له عليّ: «إن كنت حبيب بن جمّاز، فلا يحملها غيرك .

فولّى عنه حبيب، وأقبل أمير المؤمنين يقول : إن كنت حبيب لتحملنّها(1) وقد حملها بالفعل في جيش الضلال في كربلاء.

*

ولما استقرّ بعمر بن سعد المكان، دعا عروة بن قیس

ص: 362


1- (1) الاختصاص، للمفید، ص 280؛ وأعلام الوری، للطبرسي، ص 175.

الأحمسي وقال له: اذهب إلى الحسين، واسأله ماذا يريد أن يصنع؟ وماذا أخرجه عن مكّة وقد كان مستوطناً بها؟

فاعتذر عروة بن قيس وقال : أيّها الأمير؛ إنّي كنت ممّن قد كاتب الحسين،وأنا أستحي أن أسير إليه ، فإن رأيت أن تبعث غيري فافعل.

فنادى عمر بن سعد رجلاً من أصحابه اسمه كثير بن عبد اللّه الشعبي، وكان رجلاً فاتكاً فاسقاً، وقال له: إمضي إلى الحسين، وسله ما الذي أخرجه عن مكّة، وماذا يريد؟

فقال له الرجل: أذهب إليه، وواللّه لأن شئت لأفتكنّ به .

فقال له عمر: ما أريد أن تفتك به، ولكن اذهب إليه، واسأله ما الذي جاء به؟

فأقبل هذا الرجل نحو مخيّم الحسين، فلمّا رأه أبو ثمامة الصائدي، قال للحسين: أصلحك اللّه يا أبا عبد اللّه، قد جاءك شرّ أهل الأرض، وأفتكهم، وأجرأهم على دم.

فقام إليه أبو ثمامة وقال له : ضع سيفك.

قال الرجل: لا واللّه، لا أضع سيفي ولا كرامة، إنّما أنا رسول عمر بن سعد، فإن سمعتم منّي بلّغتكم ما أرسلت به إليكم، وإن أبيتم انصرفت عنكم.

فقال له أبو ثمامة : فإنّي آخذ بقائم سيفك ثمّ تكلّم بحاجتك.

فقال الرجل : لا واللّه، لا يمسّ سيفي أحد.

فقال أبو ثمامة : فتكلّم بما تريد ولا تدنو من الحسين، فإنّك رجل فاسق.

ص: 363

فغضب الرجل ورجع إلى عمر بن سعد وقال له: إنّهم لم يتركوني أصل إلى الحسين فأبلّغه الرّسالة .

فانتدب عمر بن سعد رجلاً آخر من أصحابه اسمه قرّة بن قیس الحنظلي، وسأله أن يأتي إلى الحسين ويسأله عن سبب قدومه، وما الذي يريد أن يصنع؟

ولمّا قرب الرجل ورآه الحسين، قال لأصحابه: هل تعرفون هذا ؟

فقال حبیب بن مظاهر : نعم؛ هذا من بني تميم، وقد كنت أعرفه بحسن الرأي، وما ظننت أنّه يشهد هذا المشهد.

وحينما وقف الرجل بين يدي الحسين، سلّم عليه، وأبلغه رسالة عمر بن سعد.

فقال الحسين : يا هذا، أعلم صاحبك عنّي أنّي لم أرد إلى هاهنا حتّى كتب إلىّ أهل مصركم أن أقدم، فإن كرهوني أنصرف عنهم من حيث جئت.

فسمع الرجل ذلك، ولمّا همّ بالانصراف التفت إليه حبيب بن مظاهر الأسديّ وقال : ويحك يا قرّة، عهدي بك أنّك حسن الرأي في أهل البيت، فما الذي غيّرك حتّى أتيتنا في هذه الرّسالة، فأقم عندنا وانصر هذا الرجل - وأشار إلى الحسين -.

فقال الحنظلي : لقد قلت الحقّ، ولكنّي أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته، ثمّ أنظر في ذلك وأرى رأيي(1).

ص: 364


1- (1) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 156؛ والإرشاد، للمفید، ج 2، ص 87؛ ونفس المهموم، للقمي، ص 212.

وحينما أخبر الحنظلي عمر بن سعد بما قاله الحسين، قال عمر بن سعد: أرجو أن يعافيني اللّه من حربه وقتاله(1).

ثمّ كتب رسالة إلى ابن زیاد يقول له فيها: «أمّا بعد، فإنّي حيث نزلت بالحسين، بعثت إليه رسولي، فسألته عمّا أقدمه، وماذا يطلب ويسأل، فقال: كتب إليّ أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم، ففعلت، فأمّا إذ كرهوني، وبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم، فأنا منصرف عنهم» .

فلمّا قرأ ابن زیاد رسالة عمر بن سعد استشهد بقول الشاعر :

الآن إذا علقت مخالبنا به * یرجو النجاة، ولات حين مناص

ثمّ كتب رسالة إلى عمر بن سعد يقول له فيه: «أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فأعرض على الحسين أن يبايع یزید بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا»(2).

ولمّا وصلت الرّسالة إلى عمر بن سعد، قال: «ما أحسب أنّ ابن زیاد يريد العافية».

ثمّ أرسل الرّسالة بنصّها إلى الحسين .

فقال الحسين للرّسول: «لا أجيب ابن زیاد إلى ذلك أبداً فهل هو إلّا الموت، فمرحباً به(3).

ص: 365


1- (1) الإرشاد، للمفید، ص 687.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 412.
3- (3) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 252؛ وبغية الطلب، لابن العديم، ج 6، ص 2626.

ولمّا عرف ابن زیاد بجواب الحسين غضب، وخرج بجميع أصحابه إلى منطقة النخيلة، وأعلن التعبئة العامّة في الكوفة(1) .

ثمّ كتب رسالة إلى عمر بن سعد يقول له فيها: «أمّا بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا تدعهم يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقي المظلوم عثمان بن عفّان».

فقام عمر بن سعد بما أمره ابن زیاد، فبعث عمرو بن الحجّاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ومنعوهم من أن يسقوا منه، وكان ذلك في اليوم السابع من محرّم الحرام سنة واحد وستّين للهجرة(2).

ولمّا جاء أصحاب الحسين ليستقوا من الماء صرخ عبد اللّه بن حصين: يا حسين؛ ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السّماء، واللّه لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشاً.

وسمع الحسين مقالته، فقال : الّلهمّ أقتله عطشاً، ولا تغفر له أبداً (3).

ونادی عمرو بن الحجّاج : يا حسين؛ هذا الماء تلغ فيه الكلاب، وتشرب منه خنازير أهل السواد والحمر والذئاب، ولن تذوق منه واللّه قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنّم.

وكان سماع هذا الكلام على الحسين أشدّ من منعهم إيّاه الماء (4) .

ص: 366


1- (1) العبرات، للمحمودي، ج 1، ص 424؛ وأعلام الوری، للطبرسي، ص 235.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 412.
3- (3) جمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 390.
4- (4) تذکرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 141.

ولمّا رأى عبد اللّه بن مسلم ما فعلوا بالحسين من منع الماء، التفت إلى صاحبه عبد الرحمن الصالح وقال له : سبحان اللّه ؛ إنّ الحسين هو الذي حمل الماء إلى عثمان بن عفّان حينما حاصروه، وكان هو وأخوه الحسن يوصلان الماء إلى أهله. ثمّ لو كان عثمان مات وهو عطشان، فما ذنب صبية الحسين الصغار والنساء، وهنّ حرائر رسول الله؟

قال عبد الرحمن الصالح: يبدو أنّنا أمام جرائم لم يسبق لها مثيل حتى في الجاهلية .

*

أمّا في الكوفة فبعد إعلان التعبئة العامّة، جمع ابن زیاد الناس وخطب فيهم قائلاً: «أيّها الناس، إنّكم بلوتم آل بي سفيان، فوجدتموهم كما تحبّون، وهذا أمير المؤمنین یزید بن معاوية قد عرفتموه حسن السيرة، محمود الطريقة، محسناً إلى الرعيّة، يعطي من العطاء في حقّه، قد أمّنت السبل على عهده، وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده، يكرم العبا،. ويغنيهم بالأموال ويكرمهم، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن أوفّرها عليكم، وأخرجكم على حرب عدوّه الحسین، فاسمعوا له وأطيعوا »(1).

وبهذا أعلن بأنّ الحرب على الحسين أمر مباشر من يزيد، ثمّ

ص: 367


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 242؛ والعوالم، للبحراني، ج 17، ص 236.

عيّن على الكوفة عمرو بن الحريث، وأمر بأخذ الناس جميعاً بالخروج إلى النخيلة وضبط الجسر، من دون أن يترك أحداً يجوزه(1).

وبعد ذلك دعا شهاب الحارثي، ومحمّد بن الأشعث بن قيس، والقعقاع بن سوید، وأسماء بن خارجة، وقال لهم : طوفوا في الناس، وأمروهم بالطاعة والاستقامة، وخوّفوهم عواقب الأمور والفتنة، وحثّوهم على العسكرة.

فخرجوا، فعزّروا وداروا بالكوفة، ثمّ ألحق بهم كثير بن شهاب، الذي كان مبالغاً يدور بالكوفة ويأمر الناس بالجماعة ويحذّرهم من الفرقة، ويخذّلهم عن الحسین .

ثمّ جعل ابن زیاد يرسل من النخيلة لمقاتلة الحسين من الجنود العشرين، والثلاثين، والخمسين، والمائة، غدوة، وضحوة، ونصف النهار، وعشيّة يمدّ بهم عسكر عمر بن سعد، كما وضع المناظر على الكوفة لئلّا يهرب أحد من الناس، مخافة أن يلحق بالحسين مغيثاً له، ورتّب المسالح حولها، وجعل على حرس الكوفة والعسكر زحر بن قیس الجعفي. ورتّب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلاً مضمرة مقدّحة، فكان يأتيه الخبر في كلّ وقت (2).

وكان من يستطيع الإفلات من عبيد اللّه بن زیاد يهرب منه، لأنّهم كانوا يكرهون قتال الحسين، ويحاولون أن يتخلّفوا عن مقاتلة الحسین .

ص: 368


1- (1) طبقات ابن سعد، موضوعة الحسين، ص 70.
2- (2) جمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 388.

فبعث ابن زیاد سويد بن عبد الرحمن المنقري في خيل إلى الكوفة، وأمره أن يطوف بها ، فمن وجده قد تخلّف أتاه به(1).

أمّا من بعثهم من المجاميع الكبيرة إلى كربلاء، فكان كثيراً، وكان من أوائل هؤلاء: يزيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، وعروة بن قيس في أربعة آلاف، وسنان بن أنس في أربعة آلاف(2) .

ولمّا تخلّف عن ابن زیاد شبث بن ربعي الرّياحي، وهو مّن كاتب الحسين وقال له : أقدم إلينا فإنّه ليس لنا إمام، وكان يعتبر فقیه أهل الكوفة، أرسل إليه عبيد اللّه يطلب منه اللحاق به في النخيلة ، لكن الرجل تظاهر بالمرض، فأرسل إليه من يقول له: أتتمارض؟ إن كنت في طاعتنا فاخرج إلى قتال عدوّنا .

فخرج إليه، فعقد له ابن زیاد راية في ألف فارس، بعد أن زاد في عطائه وحباه(3).

وهكذا جاءت الخيل والرجال إلى كربلاء حتّى تكامل عند عمر بن سعد ثلاثون ألفاً، بين فارس وراجل(4).

وكانت أوامر ابن زیاد مشدّدة في وجوب أن يلتحق كلّ من يستطيع حمل السيف أو الرمح أو حتّى العصي والحجارة بالجيوش

ص: 369


1- (1) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 252.
2- (2) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 242؛ ومقتل أبي مخنف، ص 52.
3- (3) الفتوح، لابن اعثم، ج 5، ص 159.
4- (4) بحار الأنوار، للمجلسي، ج 44، ص 386؛ والإمام الحسين وأصحابه، للقزويني، ج 1، ص 229.

المتجهة إلى كربلاء المقاتلة الحسين، حتّى لا يبقى أحد إلّا وتورّط في مقتل سيّد شباب أهل الجنّة.

حتّى أنّ القعقاع بن سويد وجد رجلاً غريباً من أهل الشام، قد جاء إلى الكوفة يطلب میراثاً له في تلك المدينة، فأتي به إلى ابن زیاد، فسأله عبيد اللّه : لماذا لم تخرج لقتال الحسين؟

فقال الرجل : إنّي رجل غريب من أهل الشام، جئت لدين لي في ذمّة رجل من أهل العراق.

فقال ابن زياد: أقتلوه، ففي قتله تأديب لمن لم يخرج إلى حرب الحسین. فلمّا رأى الناس ذلك خرجوا بأجمعهم، إلّا من استطاع الهروب أو كان في السجن(1).

*

وفي كربلاء وفيما كان الحسين عليه السلام جالساً مع أصحابه ، في الخيمة، إذ دخل عليهم رجل اسمه هرثمة بن سلیم، فسلّم على الحسين وقال له: «يا أبا عبد اللّه ؛ غزونا مع أبيك عليّ بن أبي طالب غزوة صفّين، فلمّا نزلنا بكربلاء صلّی بنا الصلاة في طريقه ، فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها ، ثمّ قال : وآهٍ لك أيّتها التربة ، ليقتلنّ فيک قوم يدخلون الجنّة بغير حساب» .

«فلمّا رجعت من الغزوة إلى امرأتي، وهي جرداء بنت سمير، وكانت شيعة لعليّ، قلت لها : ألا أعجبك من صديقک أبي الحسن؟ لمّا نزلنا كربلاء رفع إليه من تربتها فشمّها وقال : «وآهٍ لک أيّتها

ص: 370


1- (1) الأخبار الطوال، للدينوري، ص 252؛ ومقتل الحسين، للمقرم، ص 241؛ ومعالي السبطين، للمازندراني، ج 1، ص 313.

التربة، ليقتلنّ فيك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب، وما علمه بالغيب»؟

فقالت زوجتي: دعنا منك أيّها الرجل، فإنّ أمير المؤمنين لا يقول إلّا حقّا».

«ثمّ إنّ أباك علي علیه السلام قد قتل ونسيت الحديث، فلمّا جئت أنت إلى هنا بعثني عبيد اللّه بن زیاد لمقاتلتك، لكنّني عرفت المنزل الذي نزل بنا عليّ علیه السلام فيه، والبقعة التي رفع إليه من ترابها، والقول الذي قاله، فكرهت مسیري، فأقبلت إليك لأخبرك بما سمعته من أبيك».

. وأضاف الرجل: «وإنّك يا أبا عبد اللّه لمقتول السّاعة .

فقال له الحسين : أنت معنا، أم علينا؟

قال هرثمة : يابن رسول اللّه ، لا معك ولا عليك، تركت أهلي وولدي، وأخاف عليهم من ابن زیاد.

فقال له الحسين : «فولّ هرباً، حتى لا ترى لنا مقتلاً، فوالذي نفسي بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا، إلّا أدخله اللّه النار» .

فولّی الرجل هارباً، حتّى لا يسمع صوتاً، ولا يشهد مقتلاً(1) .

*

ثمّ إنّه بالرغم من أنّ السواد الأعظم من الناس تعبّئوا للحرب

ص: 371


1- (1) المناقب، لمحمد بن سليمان، ج 2، ص 201؛ ووقعة الصفين، لنصر بن مزاحم، ص 141؛ وشرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج 3، ص 169.

ضدّ الحسين، فإنّ بعض المؤمنين هنا وهناك كانوا يتسلّلون إليه ليدافعوا عنه .

فقد التحق بالحسين رجل يدعى عبد اللّه بن عمير، من قبيلة بني عليم، كان قد نزل الكوفة، واتخذ عند بئر الجعد من همدان داراً، وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط، فرأى القوم بالنخيلة يهيئون ليسرّحوا إلى الحسين، فقال: «واللّه لقد كنت على جهاد أهل الشّرك حريصاً، وإنّي لأرجو أن لا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أكثر ثواباً عند اللّه من ثوابه إيّاي في جهاد المشركين .

فدخل إلى زوجته ، فأخبرها بما يريد أن يفعل.

فقالت له: «أصبت، أصاب اللّه بك أرشد أمورك، إفعل وأخرجني معك».

فخرج ليلاً حتّى أتى الحسين وأقام معه.

كما أنّ رجلاً آخر اسمه عمرو بن أبي سلامة الدالّاتي خرج متسلّلاً ليلتحق بالحسين، ووقعت بينه وبين زجر بن قیس الجعفي، الذي عيّنه عبيد اللّه بن زیاد على رأس خمسمائة فارس، ليمنع من يخرج من أهل الكوفة إلى الحسين، وقعت بينهما مواجهة، واستطاع أن ينفلت من قبضة ابن قيس، ويلتحق بالحسين في كربلاء.

ومن الذين استطاعوا الانفلات من عسكر ابن سعد والالتحاق بالحسين في كربلاء حبيب بن مظاهر الأسدي، الذي فرح أهل البيت بالتحاقه إليهم، وكان شيخاً صحابيّاً، شجاعاً، يهابه الأعداء.

وكان له دور كبير في نصرة الحسين، ومن ذلك أنّه لما رأى كثرة من جاؤوا لقتال أهل البيت التفت إلى الحسين وقال: «يابن

ص: 372

رسول اللّه، إنّ هاهنا حيّاً من بني أسد قريباً منّا، أفتأذن لي بالمسير إليهم في اللّيل لأدعوهم إلى نصرتك، فعسى اللّه أن يدفع بهم عنك ما تكره؟

فأذن له الحسين بذلك، فخرج في جوف اللّيل متنکّراً حتّى صار إلى حيّ أولئك، وعرّف نفسه فعرفوه، فقالوا له: ما حاجتك یابن عمّ؟

قال : «حاجتي إليكم إنّي قد أتيتكم بخير ما أتی به وافد إلى قومه قطّ، أتيتكم أدعوكم إلى نصرة ابن بنت نبيّكم، فإنّه في عصابة من المؤمنين، الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه ولن يسلّموه ما دامت فيهم عين تطرف، وهذا عمر بن سعد قد أحاط به في أكثر من إثنين وعشرين ألفاً وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة، فأطیعوني اليوم تنالوا شرف الدّنيا وحسن ثواب الآخرة، فإنّي أقسم باللّه لا يقتل منکم رجل مع ابن بنت رسول اللّه صابراً محتسباً، إلّا كان رفيق محمّد صلی اللّه عليه وآله في أعلى عليّين».

فقام رجل من بني أسد يقال له عبد اللّه بن بشر وقال : أنا أوّل من يجيب إلى هذه الدعوة، ثمّ أنشد يقول:

قد علم القوم إذا تناكلوا * وأحجم الفرسان إذ تناضلوا

أنّي الشجاع البطل المقاتل * كأنّني ليث عرين باسل

ثمّ بادر رجال الحيّ إلى حبيب وأجابوه، فالتأم منهم تسعون رجلاً، وجاؤوا معه يريدون الحسين، إلّا أنّ أحدهم، وكان ضعيفاً في إيمانه، يقال له «جبلة بن عمر» أسرع إلى عمر بن سعد في جوف

ص: 373

اللّيل وأخبره بقدوم قومه لنصرة الحسين، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له الأزرق بن الحارث الصيداوي، فضمّ إليه أربعمائة فارس ووجّه به إلى حيّ بني أسد، يرافقهم الذي جاء إليه بالخبر.

فبينما كان أولئك القوم يقبلون مع حبيب يريدون عسکر الحسين، إذ استقبلتهم خيل ابن سعد على شاطىء الفرات، ولم يكن بينهم وبين معسكر الحسين إلّا اليسير من الطريق، ووقع بينهما التناوش واقتتلوا، فصاح حبيب بالأزرق بن الحارث : ما لك ولنا ، انصرف عنّا، ودعنا يشقی بنا غيرك، فأبي الأزرق وخاف بنو أسد، حيث قال منهم قائلاً : انصرفوا، لا طاقة لنا بخيل ابن سعد، فانهزموا راجعين إلى حيّهم، ورجع حبيب إلى الحسين وأخبره بما جري، فقال الحسين : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم .

ولمّا كملت الأعداد الغفيرة في كربلاء، وامتلأت الصحراء بالرجال والجنود الرجّالة، كتب عبيد اللّه بن زیاد رسالة إلى عمر بن سعد يقول له فيها: «إنّي لم أجعل لك عذراً في قتال الحسين من كثرة الخيل والرجال، فانظر أن لا تبدأ أمراً حتّى تشاورني غدواً وعشياً مع كلّ غاد ورائح» وكان ابن سعد يمتثل لأوامر ابن زياد في كل ما يأمر به.

*

في اليوم السابع من شهر محرّم الحرام اشتدّ الحصار على أهل البيت، وسدّ رجال بني أميّة عنهم باب الورود إلى الماء تماماً، ونفد ما عندهم منه. فعاد كلّ واحد يعاني من لهب الشمس، وأخذ الرجال والأطفال والنساء يتضوّرون من العطش، بينما لم يكن بينهم وبين الماء إلّا الرماح المشرعة والسيوف المرهفة. فطلب الحسين

ص: 374

من أخيه أبي الفضل العبّاس أن يستقي لهم بالقوّة، وضمّ إليه عشرين راجلاً يحملون القرب، وثلاثين فارساً . فتقدّموا إلى الشريعة، وكان نافع بن هلال البجلي يحمل اللّواء، فصاح عمرو بن الحجّاج، المكلّف بالشريعة من قبل ابن سعد: من الرجل؟

قال نافع : جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلّئتمونا عنه.

فقال له عمرو بن الحجّاج : اشرب هنيئاً، ولكن لاتحمل إلى الحسين منه .

فقال نافع: لا واللّه لا أشرب منه قطرة، والحسين ومن معه من آله وصحبه عطاشی.

ثمّ صاح بأصحابه : املأوا قربكم وأسقيتكم.

فشدّ عليهم أصحاب عمرو بن الحجّاج، ووقعت بينهم المواجهة، فكان بعض القوم يملأون القرب وبعضهم يقاتل، وكان العبّاس يقود ذلك الجمع، واستطاعوا أن يحملوا بعض الماء، فجاؤوا به إلى خيام أبي عبد اللّه الحسین (1).

إلّا أنّ تلك الكمّية القليلة من الماء لم تكن لتجدي نفعاً أولئك الجمع الذين كان يتجاوز عددهم المائة والخمسين من الرجال والنساء والأطفال.

*

ولمّا نال منهم العطش، وأخذ منهم كل مأخذ، قام الحسين

ص: 375


1- (1) تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 141؛ ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج1، ص 245؛ ومقتل الحسين، للمقرم، ص 246.

واتكأ على قائم سيفه ونادي في أصحاب عمر بن سعد بأعلى صوته :

«أنشدكم اللّه، أتعرفوني؟

قالوا: نعم، أنت ابن بنت رسول اللّه وسبطه.

قال : أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ جدّي رسول اللّه؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم اللّه ، هل تعلمون أنّ أبي عليّ بن أبي طالب؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم اللّه ، هل تعلمون أنّ أمي فاطمة الزهراء بنت محمّد المصطفى صلی الله علیه و آله وسلم؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة بنت خویلد، أوّل نساء هذه الأمّة إسلاماً؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ حمزة سيد الشهداء عمّ أبی؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ جعفر الطيّار في الجنّة عمّي؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم اللّه ، هل تعلمون أنّ هذا سيف رسول اللّه، أنا مقلّده؟

ص: 376

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال : أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ هذه عمامة رسول الله، أنا لابسها؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: أنشدكم اللّه، هل تعلمون أنّ عليّاً كان أوّل القوم إسلاماً، وأعلمهم علماً، وأعظمهم حلماً، وأنّه وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة؟

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: فبم تستحلّون دمي، وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء، ولواء الحمد في يد أبي يوم القيامة»؟

قالوا : قد علمنا ذلك كلّه، ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشاً.

فلمّا سمعت نسوة الحسين وبناته هذه الخطبة ارتفعت أصواتهن بالبكاء، فوجّه الحسين إليهن أخاه العبّاس وعليّاً ابنه وقال لهما : «سکّتاهن، فلعمري ليكثرنّ بكائهن(1).

*

ثمّ إنّ الحسين أرسل إلى ابن سعد: إنّي أريد أن أكلّمك فألقني اللّيلة بين عسكري وعسكرك .

فاستجاب له عمر بن سعد على كره، وخرج إليه في عشرين

ص: 377


1- (1) اللهوف، لابن طاوس، ص 87.

فارساً، والحسين في مثل ذلك. ولمّا التقيا أمر الحسين أصحابه فتنحّوا عنه، وبقي معه أخوه العبّاس وابنه عليّ الأكبر، وأمر ابن سعد أصحابه فتنحّوا عنه، وبقي معه ابنه «حفص» وغلام له، فقال الحسين لعمر بن سعد: ويحك، أما تتقي اللّه الذي إليه معادك ؟ أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟

وأضاف: يا هذا، ذر هؤلاء القوم وكن معي، فإنّه أقرب لك من اللّه .

فقال له عمر بن سعد : أخاف أن تهدم داري.

فقال الحسين : أنا أبنيها لك.

فقال عمر بن سعد: أخاف أن تؤخذ ضيعتي.

فقال الحسين: أنا أخلّف عليك خيراً منها، من مالي بالحجاز .

فقال عمر بن سعد: لي عيال أخاف عليهم .

فقال الحسين : أنا أضمن سلامتهم.

فلم يقبل ابن سعد دعوة الحسين ولم يجبه إلى ذلك، فانصرف عنه الحسين وهو يقول : «ما لك، ذبحك اللّه على فراشك سريعاً عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك ونشرك، فواللّه إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلّا يسيراً».

فقال عمر بن سعد مستهزئا : يا أبا عبد اللّه، في الشعير كفاية ! ثمّ رجع كلّ واحد منهما إلى معسكره(1).

ص: 378


1- (1) مقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 245.

ومع أنّ عمر بن سعد رفض دعوة الحسين للانضمام إليه، إلّا أنّه كتب رسالة إلى عبيد اللّه بن زیاد يقول له فيها : «أمّا بعد، فإنّ اللّه قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمّة. هذا حسین قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن نسيّره إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلاً من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده ، فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضي وللأمّة صلاح»(1).

وقد خلط ابن سعد في رسالته هذا بين الصدق والكذب ، فالحسين كان قد عرض عليهم أن يعود إلى المكان الذي جاء منه ، أو أن يذهب إلى أيّ مكان آخر. ولكن عمر بن سعد زاد على ذلك بأنّ الحسين قبل أن يذهب إلى يزيد وأن يضع يده في يده، وهذا كذب صریح وتقوّل فاضح من الرجل على الحسين، لأنّ أساس الصراع كان حول خلافة يزيد، وكان الحسين قد قال من قبل : «وعلى الإسلام السلام إذا بليت الأمّة براع مثل يزيد». فكيف يقبل أن يذهب إلى يزيد ويضع يده في يده؟

وعلى كلّ حال، فعندما وصلت الرسالة إلى عبيد اللّه بن زیاد قرأها على جمع من أصحابه ، فيهم شمر بن ذي الجوشن الكلابي الضبابي، الذي قال لابن زیاد: «لا تقبلنّ إلّا أن يضع يده في يدك ، فإنّه إن لم يفعل ذلك كان أولى بالقوّة والعزّ، وكنت أولى بالضعف والعجز، فلا ترضى إلّا بنزوله على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت كان ذلك لك، وإن غفرت کنت أولى بما تفعله» .

ص: 379


1- (1) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 414.

وأضاف الشمر: «لقد بلغني أنّ حسيناً وعمر بن سعد يجلسان ناحية من العسكر، يتناجيان ويتحادثان في اللّيل».

فقال ابن زیاد: «نعم ما رأيت، فاخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد، فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا أبعث بهم إليّ سلماً، وإن هم أبوا فقاتلهم».

وكان كتابه إلى عمر بن سعد كالتالي: «أمّا بعد، فإنّي لم أبعثك إلى حسين لتطاوله وتمنّيه السّلامة، وتكون له عندي شافعاً ، فانظر إن نزل الحسين وأصحابه على حكمي فابعث بهم إليّ سلماً ، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم، فإنّهم لذلك مستحقّون. وإن قتلت حسيناً فأوطیء الخيل صدره وظهره، فإنّه عاقّ مشاقّ قاطع، فإن فعلت ذلك جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر وأمر الناس، فإنّا قد أمّرناه فيك بأمرنا، والسّلام»(1).

***

ص: 380


1- (1) جمل من أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 3، ص 391؛ والأخبار الطوال، للدينوري، ص 253؛ والتاريخ، للطبري، ج 5، ص 415؛ والعقد الفريد، لابن عبد ربه، ج 4، ص 379؛ وجواهر المطالب، للباعوني، ج 2، ص 269.

کربلاء..مقدّمات المواجهه

كان واضحاً للجميع أنّ الأرض التي خيّم فيها كلّ من الحسین وأصحابه من جهة، والجيش الأموي بقيادة عمر بن سعد من جهة أخرى، هي أرض المعركة القادمة.

فالحسين من جهته كان قد حسم الموقف منذ بداية البدايات، إيماناً منه بمسؤوليته الربّانية بإقامة الحقّ ورفض للباطل، واستجابة منه لدعوة من دعاه لكي يكون لهم إماماً وقدوة.

والعدوّ من جهته كان قد حسم الموقف أيضاً، استجابة منه لحبّ السلطان، ورغبة منه في الانتقام، وكان مصمّماً على قتل الحسين وأصحابه بأبشع صوره .. وما جاء في رسالة عبيد اللّه بن زیاد إلى عمر بن سعد، كان صريحاً في ذلك.

وكانت بداية المعركة وصول شمر بن ذي الجوشن الضبابي إلى كربلاء عشيّة الخميس، في اليوم التاسع من شهر محرّم، سنة إحدى وستّين بعد العصر(1).

وكان شمر بن ذي الجوشن - كما ذكرنا - يحمل الأمر

ص: 381


1- (1) الطبقات، لابن سعد، موضوعة الحسين، ص 70؛ والعبرات، للمحمود، ي ج 1، ص 441.

بالزحف على الحسين، ويحدّد له ساعة الصفر، بعد إتمام الاستعدادات اللازمة لتلك المواجهة.

لقد كان عمر بن سعد في آخر رسائله إلى عبيد اللّه بن زیاد يحاول أن يمنع وقوع الحرب، وقد عرض ما ذكره الحسين من أنّه مستعدّ للرجوع إلى المدينة ، أو الذهاب إلى أيّ مكان آخر، وكان ذلك صحيحاً . فالحسين أساساً لم يكن طالب حرب، بل كان طالب حقّ، ولم يكن أشراً ولا بطراً، يطلب الملك والسلطان، كما أنّه كأيّ إمام ربّاني كان يريد إتمام الحجّة على أعدائه، ومن ثمّ فإنّه عرض عليهم العودة من حيث جاء، وكان في موقفه ذلك يشبه موقف رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم في صلح الحديبيّة. فقد خرج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم بأصحابه يريد مكّة لكي يحجّ إلى بيته، ويتعبّد اللّه فيه، ولم يكن راغباً في قتال المشركين مع حملهم للسيوف، كما كانت العادة في السابق .

وحينما واجهه رجال قريش، ومنعوه من الذهاب إلى بيت اللّه ، لم يصرّ على ذلك، بل رضي بالعودة إلى المدينة، مع فارق واحد أنّ طغاة قريش لم يحاولوا أن يفرضوا على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم أن يأخذوه إلى أبي سفيان قسراً حتّى يبايعه، أمّا في كربلاء فلم يمنحوا الحسين الخيار بين أن يواصل الطريق إلى الكوفة، بحسب طلب الناس له ذلك، أو العودة إلى المدينة، وإنّما ركزوا بين اثنتين، بين السلّة والذلّة.

هذا، وقد جاء شمر بن ذي الجوشن برسالتين معه إلى کربلاء، الأولى إلى عمر بن سعد برفض ترك الحسين علیه السلام ، ورسالة أخرى إلى العبّاس وإخوته، بإعطائهم الأمان حتّى ينفصلوا عن الحسین.

ص: 382

وحينما أوصل کتاب عبيد اللّه إلى عمر بن سعد، قال له عمر: «ويلك يا أبرص، لا قرّب اللّه دارك، ولا أدني مزارك، وقبّح اللّه ماقدمت به علیّ ، وإنّي واللّه لأظنّك أنت الذي ثنيته أن يقبل ما كتبت به إليه، لقد أفسدت علينا أمراً کنّا رجونا معه الصلاح، ولكنّك شیطان، فعلت ما فعلت»(1).

وأضاف: «لا يستسلم واللّه حسين أبداً، إنّ نفساً أبيّة لبين جنبيه » .

فقال له شمر، وقد تجاهل عتابه بإفساد أمره: «أخبرني یا عمر، ما أنت صانع، أتمضي الأمر أميرك وتقاتل عدوّه، وإلّا فخلّ بيني وبين الجند والعسكر».

فقال له عمر بن سعد، وقد هاجت به الرغبة في ملك الرّي : «لا، ولا كرامة لك، ولكن أنا أتولّى ذلك، فدونك أنت، کن على الرجّالة»(2).

ثمّ إنّ عمر بن سعد بعث إلى الحسين يخبره بوصول أمر عبيد اللّه بن زیاد بالمناجزة ورفضه القبول بالعودة إلى مكّة أو المدينة ، أو الذهاب إلى مكان غير الكوفة.

فقال الحسين : «واللّه لا وضعت يدي في يد ابن مرجانة أبداً» . ثمّ تمثّل بقول الشاعر:

لا ذعرت السوّام في غسق اللّيل * مغيراً ولا دعوت یزیدا

ص: 383


1- (1) تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 142.
2- (2) التاريخ، للطبري، ج 5، ص 416؛ والإرشاد، للمفید، ج 2، ص 91؛ ومختصر ابن عساکر، لابن منظور، ج 19، ص 65.

يوم أعطى من المهانة ضيماً * والمنايا ترصدنّي أن أحيدا(1)

أمّا الرسالة الثانية التي حملها الشمر فكانت إلى العبّاس وإخوته من أمّه، وهم عبد اللّه بن عليّ، وجعفر بن عليّ، وعثمان بن عليّ، بالإضافة إلى العبّاس نفسه ، فقد كانت لها قصّة وهي أنّ شمر بن ذي الجوشن، وهو من أكثر المشجّعين لعبيد اللّه بن زیاد بالتعجيل في قتال الحسين وإراقة دمه، كان من نفس العشيرة التي تنتمي إليها أمّ البنين والدة العبّاس وإخوته، فقد كان كلابيّا، وكان الرجل يعرف نتائج المواجهة بين الحسين وبين الجيش اللجب الذي كان يعدّ لقتاله ، فكلّ من هو مع الحسين سيقتل.

فقام الشمر قبل مغادرته الكوفة، واصطحب معه عبد اللّه بن أبي المحل، وهو ابن أخ أمّ البنين، ودخلا على عبيد اللّه بن زیاد، فقال عبد اللّه بن أبي المحل: «أصلح اللّه الأمير، إنّ علي بن أبي طالب كان عندنا هاهنا بالكوفة ، فخطب إلينا، فزوّجناه بنتاً لنا يقال لها أمّ البنين بنت حزام، فولدت له عبد اللّه وجعفر والعبّاس وعثمان، فهم بنو أختنا، وهم مع الحسين أخيهم، فإن رأيت أن تكتب إليهم كتابة بأمان منك عليهم فعلت متفضّلا».

فقال عبيد اللّه بن زیاد: نعم، وكرامة لكم، ثمّ أمر كاتبه أن يكتب إليهم بالأمان .

وكتاب الأمان هذا حمله الشمر إلى العبّاس وإخوته، فجاء

ص: 384


1- (1) تذکرة الخواص، لسبط ابن الجوزي، ص 142؛ والإمام الحسين وأصحابه ، للقزويني، ج 1، ص 250.

حتّى وقف بقرب معسكر الحسين ونادى بأعلى صوته: أين بنو أختنا؟ أين العبّاس وإخوته؟

فأعرض هؤلاء عنه وما أجابوه، فقال لهم الحسين : أجيبوه، ولو كان فاسقاً .

فجاؤوا إليه وقالوا : ما شأنك وما تريد؟

قال الشمر: يا بني أختي، أنتم آمنون، لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين، وألزموا طاعة أمير المؤمنين يزيد.

فغضب العبّاس من كلامه ، وصرخ في وجهه قائلاً : «لعنك اللّه ولعن أمانك، أتؤمّننا وابن رسول اللّه لا أمان له؟ وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللّعناء وأولاد اللّعناء، ونترك طاعة ابن فاطمة الزّهراء»(1).

ومع هذا الجواب القاسي رجع الشمر إلى معسكره خائباً، بعد أن اكتشف أنّ كلّ أولاد عليّ بن أبي طالب يحملون أنفساً أبيّة في جنباتهم، كما اكتشف عمر بن سعد من قبل، النفس الأبیّة التي كانت بين جنبي الحسین علیه السلام .

*

بعدما رأى عبد اللّه الصالح ما جرى، التفت إلى صاحبه عبد اللّه بن مسلم وقال له: ترى ما الذي ينتظر هؤلاء حتى يشنّوا حربهم؟

قال عبد اللّه بن مسلم : إنّ ما يميّز أصحاب الحسين هو

ص: 385