مجالس منبریه : محاضرات و نواعی شهر رمضان

اشارة

سرشناسه:امامی الاهوازی، مصطفی، 1367-

عنوان و نام پديدآور:مجالس منبریه: محاضرات و نواعی شهر رمضان/ مصطفی الامامی الاهوازی.

مشخصات نشر:قم: دارالتهذیب، 1399.

مشخصات ظاهری:314 ص.

شابک:دوره 978-622-96292-9-1 : ؛ 978-622-96292-8-4

وضعیت فهرست نویسی:فیپا

يادداشت:عربی.

يادداشت:چاپ قبلی: حکمت فراز، 1398.

یادداشت:کتابنامه به صورت زیرنویس.

موضوع:رمضان

موضوع:Ramadan

موضوع:روزه (اسلام)

موضوع:Fasting-- Religious aspects-- Islam

موضوع:رمضان -- شعائر و مراسم مذهبی

موضوع:Ramadan -- *Rites and ceremonies

رده بندی کنگره:BP188

رده بندی دیویی:297/354

شماره کتابشناسی ملی:7436625

وضعيت ركورد:فیپا

ص: 1

اشارة

مجالس منبریة محاضرات و نواعي شهر رمضان

المؤلف: مصطفی الإمامي الأهوازي

الناشر: دار التهذیب

شابک (ISBN): 978-622-96292-8-4

شابک الدورة: 978-622-96292-9-1

الطبعة: الأولی، سنة 1399 ه- ش، 1442ه- ق.

جمیع

الحقوق محفوظة للمؤلف

کلیه حقوق انحصاراً متعلق به مؤلف می باشد.

یمکنک التواصل مع المؤلف (شماره تماس مؤلف):

00989169863406

1366h6@gmail.com

ص: 2

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمدا يقتضى رضاه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الأطهار.

اما بعد يقول الفقير الى رحمة ربه الکريم "مصطفى الإمامي الأهوازي" غفر الله له و حشره مع الائمة الطاهرین (علیهم السلام)، هذا الکتاب هو احد مجلدات مجموعة "مجالس منبریة" کتبتها في المجالس الدینیة التی تمر علی طول السنة و یحتاج المبلغ الدیني و الخطيب الحسیني الى تحضیر المحاضرات و النواعي لها.

و هذا المجلد فيه: "محاضرات و نواعي شهر رمضان ".

و اجتهدت و اتعبت نفسی ان تکون اکثر القصائد و النواعي المنقولة، مقروءة بواسطة احد الخطباء المعروفین کالسید محمد الصافي و الشیخ زمان الحسناوي و غیرهم من خیرة خطبائنا، حتی لا یتعب الخطیب المبتدئ نفسه باجراء الاطوار علیها و سیحصل علی طور القصیدة فی هذا الکتاب بمجرد بحث مستهل القصیدة او الابیات الاولی فی الانترنت فیجد احد الخطباء قد قرأها سابقا و یستمع الیها و یحفظها و ثم یجریها، فانی نقلت القصائد المعروفة المقروءة علی لسانهم.

ص: 3

خطبة شهر رمضان

قال الشیخ الصدوق فی کتاب الامالی:(1)حدثنا محمد بن إبراهيم رحمه الله قال حدثنا أحمد بن محمد الهمداني قال حدثنا علي بن الحسن بن فضال عن أبيه عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (علیه السلام) عن أبيه موسى بن جعفر (علیه السلام) عن أبيه الصادق جعفر بن محمد (علیه السلام) عن أبيه الباقر محمد بن علي (علیه السلام) عن أبيه زين العابدين علي بن الحسين (علیه السلام) عن أبيه سيد الشهداء الحسين بن علي (علیه السلام) عن أبيه سيد الوصيين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) قال:

« إن رسول الله (صلی الله علیه و آله) خطبنا ذات يوم فقال أيها الناس إنه قد أقبل إليکم شهر الله بالبرکة و الرحمة و المغفرة شهر هو عند الله أفضل الشهور و أيامه أفضل الأيام و لياليه أفضل الليالي و ساعاته أفضل الساعات هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله و جعلتم فيه من أهل کرامة الله أنفاسکم فيه تسبيح و نومکم فيه عبادة و عملکم فيه مقبول و دعاؤکم فيه مستجاب.

فاسألوا الله ربکم بنيات صادقة و قلوب طاهرة أن يوفقکم لصيامه و تلاوة کتابه فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم و اذکروا بجوعکم و عطشکم فيه جوع يوم القيامة و عطشه و تصدقوا على فقرائکم و مساکينکم و وقروا کبارکم و ارحموا صغارکم و صلوا أرحامکم و احفظوا ألسنتکم و غضوا عما لا يحل النظر إليه أبصارکم و عما لا يحل الاستماع إليه أسماعکم.

و تحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامکم و توبوا إلى الله من ذنوبکم و ارفعوا إليه أيديکم بالدعاء في أوقات صلاتکم فإنها أفضل الساعات ينظر الله عزوجل فيها بالرحمة إلى عباده يجيبهم إذا ناجوه و يلبيهم إذا نادوه و يعطيهم إذا سألوه و يستجيب لهم إذا دعوه أيها الناس

إن أنفسکم مرهونة بأعمالکم فکفوها باستغفارکم.

ص: 4


1- ([1]) الأمالي، للصدوق، ص 93 و فضائل الأشهر الثلاثة، ص 77 و عيون اخبار الرضا (علیه السلام)، ج 1، ص 295 و إقبال الأعمال، ج 1، ص 2 و قال العلامة المجلسی الاول فی صحة سند هذه الخطبة ما نصه: « روي أيضا في الموثق کالصحيح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) قال: إن رسول الله (صلی الله علیه و آله) خطبنا ذات يوم، فقال: أيها الناس إنه قد أقبل إليکم شهر الله بالبرکة...» انظر: روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 277

و ظهورکم ثقيلة من أوزارکم فخففوا عنها بطول سجودکم و اعلموا أن الله تعالى ذکره أقسم بعزته أن لا يعذب المصلين و الساجدين و أن لا يروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين أيها الناس من فطر منکم صائما مؤمنا في هذا الشهر کان له بذلک عند الله عتق نسمة و مغفرة لما مضى من ذنوبه.

فقيل يا رسول الله و ليس کلنا يقدر على ذلک فقال (صلی الله علیه و آله) اتقوا النار و لو بشق تمرة اتقوا النار و لو بشربة من ماء.

أيها الناس من حسن منکم في هذا الشهر خلقه کان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام و من خفف في هذا الشهر عما ملکت يمينه خفف الله عليه حسابه و من کف فيه شره کف الله عنه غضبه يوم يلقاه و من أکرم فيه يتيما أکرمه الله يوم يلقاه.

و من وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه و من قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه و من تطوع فيه بصلاة کتب الله له براءة من النار و من أدى فيه فرضا کان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور.

و من أکثر فيه من الصلوات علي ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين و من تلا فيه آية من القرآن کان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.

أيها الناس إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فاسألوا ربکم أن لا يغلقها عليکم و أبواب النيران مغلقة فاسألوا ربکم أن لا يفتحها عليکم و الشياطين مغلولة فاسألوا ربکم أن لا يسلطها عليکم.

قال أمير المؤمنين (علیه السلام) فقمت فقلت يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر فقال يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزوجل.

ثم بکى فقلت يا رسول الله ما يبکيک فقال يا علي أبکي لما يستحل منک في هذا الشهر کأني بک و أنت تصلي لربک و قد انبعث أشقى الأولين و الآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود فضربک ضربة على قرنک فخضب منها لحيتک.

قال أمير المؤمنين (علیه السلام) قلت: يا رسول الله و ذلک في سلامة من ديني، فقال (صلی الله علیه و آله): في سلامة من دينک ثم قال (صلی الله علیه و آله) يا علي من قتلک فقد قتلني و من أبغضک فقد أبغضني و من سبک فقد سبني

لأنک مني کنفسي روحک من روحي و طينتک من طينتي.

ص: 5

إن الله تبارک و تعالى خلقني و إياک و اصطفاني و إياک و اختارني للنبوة و اختارک للإمامة فمن أنکر إمامتک فقد أنکر نبوتي يا علي أنت وصيي و أبو ولدي و زوج ابنتي و خليفتي على أمتي في حياتي و بعد موتي أمرک أمري و نهيک نهيي أقسم بالذي بعثني بالنبوة و جعلني خير البرية إنک لحجة الله على خلقه و أمينه على سره و خليفته على عباده.

ص: 6

الليلة الأولى: الصيام

اشارة

صلى الله عليک يا سيدي ومولاي يا رسول الله. صلى الله عليک وعلى آلک المظلومين. لعن الله الظالمين لکم من الأولين والاخرين إلى قيام يوم الدين. صلى الله عليک يا سيدي ومولاي وابن مولاي يا أبا عبد الله، يا صريع الدمعة الساکبة ويا عبرة کل مؤمن ومؤمنة، روحي وأرواح شيعتک لک الفدا. يا شهيد کربلاء ويا قتيل العدا ومسلوب العمامة والردا. ما خاب من تمسک بکم وأمن من لجأ إليکم. يا ليتنا کنا معکم سادتي فنفوز والله فوزا عظيما.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا کتِبَ(1)عَلَيْکمُ الصِّيَامُ کمَا کتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِکمْ لَعَلَّکمْ تَتَّقُونَ(2))(3)

الحمدلله الذی بلغنا رمضان واشکروه یا مؤمنین إذ بلغکم شهر رمضان، وسلوه أن يعينکم في هذا الشهر على اغتنام أوقاته بالطاعات والخيرات، فإنه موسم عظيم و وافده وافد علی کريم و هو الله سبحانه فإن من نعم الله العظيمة والائه الجسيمة أن يفسح للمرء في أجله، ويمکنه من أن يستزيد من صالح عمله، و یقبل توبته وتکمل هذه المنة إذ جعله يدرک شهر رمضان، ذلکم الشهر العظيم والموسم الکريم الذي اختاره الله سبحانه ليکون ظرفا لأداء عبادة الصيام، والاجتماع على ذکر اهلبیت (علیهم السلام) و اقامة المجالس الحسینیة.

و لشهر رمضان خصائص أول تلک الخصائص لهذا الشهر الکريم والموسم العظيم، أن الله تبارک وتعالى جعله زمنا لأداء فريضة الصيام، الذي هو أحد أرکان الإسلام(4)،

واختص الله الصوم لنفسه من

ص: 7


1- ([1]) أي فرضه الله عليکم و ألزمکم به کما فرضه على الأمم السابقة في وجودها عليکم
2- ([2]) أي لعلکم تتجنبون به المعاصي، فإن الصوم يقمع الشهوة فقد ورد فی الحدیث: «من لم يستطع الباه فليصم، فإن الصوم له و جاء»
3- ([3]) بقره: 183
4- ([4]) عن زرارة عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال: بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة و الزکاة و الحج و الصوم و الولاية قال زرارة فأي ذلک أفضل فقال (علیه السلام): الولاية أفضلهن لأنها مفتاحهن و الوالي هو الدليل عليهن قلت ثم الذي يلي ذلک في الفضل قال الصلاة إن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال الصلاة عمود الدين قال (ای زرارة) قلت: ثم الذي يليه في الفضل قال الزکاة لأنه قرنها بها و بدأ بالصلاة قبلها و قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) الزکاة تذهب بالذنوب قلت (ای زرارة) فالذي يليه في الفضل قال: الحج لأن الله قال (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ کفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران:97) قال قلت ثم ما ذا يتبعه قال: الصوم، ثم قال: ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشياء و رضى الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته إن الله يقول: (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّی فَمَا أَرْسَلْنَاک عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء:80) أما لو أن رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدق بجميع ماله و حج جميع دهره و لم يعرف ولاية ولي الله فيواليه و يکون جميع أعماله بدلالته (ای بدلالة الإمام) له (ای للمکلف الصائم المصلی) عليه (ای علی الله او علی کیفیة التعبد لله) ما کان له (ای للمکلف) على الله حق في ثواب و لا کان من أهل الإيمان» (المحاسن، ج 1، ص 286) مع اختصار

بين سائر الأعمال. مما يدل على عظم شأنه ورفعة منزلته عند الله تبارک وتعالى، وهو سبحانه وتعالى العليم الحکيم، الذي يضع الأمور في مواضعها اللائقة بها، بحيث لا يصلح غيرها مکانها، فلما اختار الله جل وعلا شهر رمضان زمنا لأداء فريضة الصوم، دل ذلک على شرفه وعظم شأنه.

روایات فی الصوم

سئل احد رسول الله (صلی الله علیه و آله) عن صیام رمضان و فما جزاء من صامه فقراء (صلی الله علیه و آله) هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا کتِبَ عَلَيْکمُ الصِّيَامُ کمَا کتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِکمْ لَعَلَّکمْ تَتَّقُونَ) و قال (صلی الله علیه و آله): «ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا(1)

إلا أوجب الله تبارک و تعالى له سبع خصال أولها يذوب الحرام في جسده و الثانية يقرب من رحمة الله عزوجل و الثالثة يکون قد کفر خطيئة آدم (علیه السلام) أبيه و الرابعة يهون الله عليه سکرات الموت و الخامسة أمان من الجوع و العطش يوم القيامة و السادسة يعطيه الله براءة من النار و السابعة يطعمه الله عزوجل من طيبات الجنة قال صدقت يا محمد.»(2)

قالوا العلماء: ان الصوم ثلاثة، صوم الروح و هو قصر الأمل، و صوم العقل و هو مخالفة الهوى. و صوم الجوارح و هو الإمساک عن الطعام و الشراب و الجماع. يا أخي من صام عن الطعام و الشراب فصومه عادة، و من صام عن الربا و الحرام و أفطر على الحلال من الطعام فصومه عدة للاخرة و عبادة، و من صام عن الذنوب و

ص: 8


1- ([1]) ای یحسب الاجر عند الله و لیس ریاء و تظاهر
2- ([2]) من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 74

العصيان و أفطر على طاعة الرحمن فهو الصائم، و من صام عن القبائح و أفطر على التوبة لعلام الغيوب فهو الصائم، و من صام عن الغيبة و البهتان و أفطر على تلاوة القرآن فهو الصائم، و من صام عن المنکر و الإغيار و أفطر على الفکرة و الاعتبار فهو الصائم، و من صام عن الرياء و الانتقاص و أفطر على التواضع و الإخلاص فهو الصائم، و من صام عن خلاف النفس و الهوى و أفطر على الشکر و الرضا فهو الصائم، و من صام عن قبيح أفعاله و أفطر على تقصير آماله فهو الصائم، و من صام عن طول أمله و أفطر على تقريب أجله (ای حس بقرب موته و اجله) فهو الصائم.»(1)

نعم یا مومنین الصیام لیس فقط صیام البطن عن الاکل بل هو یشمل العین و اللسان و القلب قال الإمام الصادق (علیه السلام):(2)

«إن الصيام ليس من الطعام و الشراب وحده فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتکم و غضوا أبصارکم و لا تنازعوا و لا تحاسدوا.

و قال الصادق (علیه السلام): و سمع رسول الله (صلی الله علیه و آله) امرأة تسب جارية لها و هي صائمة فدعا رسول الله (صلی الله علیه و آله) بطعام فقال لها کلي فقالت إني صائمة فقال کيف تکونين صائمة و قد سببت جاريتک إن الصوم ليس من الطعام و الشراب.» و قال الإمام الصادق (علیه السلام): «إذا صمت فليصم سمعک و بصرک من الحرام و القبيح و دع المراء و أذى الخادم و ليکن عليک وقار الصيام و لا تجعل يوم صومک کيوم فطرک.»

تمثيل الشهور کأخوة يوسف

قيل الشهور الإثني عشر کمثل أولاد يعقوب (علیه السلام) و شهر رمضان بين الشهور کيوسف (علیه السلام) بين إخوته، فکما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، کذلک رمضان أحب الشهور إلى علاّم الغيوب. کان ليعقوب أحد عشرا ولدا ذکورا و بين يديه حاضرين ينظر إليهم و لم يرتد بصره بشيء من ثيابهم، و ارتد بقميص يوسف بصيرا و صار قويا بعد الضعف، بصيرا بعد العمى فکذلک المذنب العاصي إذا شم روائح رمضان، و جلس فيه مع المذکرين و قرأ القرآن و ترک الغيبة و قول البهتان، يصير إن شاء اللّه مغفورا له بعد ما کان عاصيا.(3)

ص: 9


1- ([1]) بستان الواعظین و ریاض السامعین، ص 224 مع التلخیص
2- ([2]) الکافي، ج 4، ص 88
3- ([1]) بستان الواعظین و ریاض السامعین، ص 224

قصة الأعرابي الحکیم

خرج حاکما في يوم شديد الحر فأحضر له الغذاء فقال: اطلبوا من يتغذى معنا، فطلبوا، فلم يجدوا إلا أعرابيا، فأتوا به فدار بين الحاکم والأعرابي هذا الحوار: قال الحاکم: تعال أيها الأعرابي لنتناول طعام الغذاء قال الأعرابي: قد دعاني من هو أکرم منک فأجبته قال الحاکم: من هو؟ قال الأعرابي: الله تبارک وتعالى دعاني إلى الصيام فأنا صائم قال الحاکم: تصوم في مثل هذا اليوم على حره قال الأعرابي: صمت ليوم أشد منه حرا قال الحاکم: أفطر اليوم وصم غدا قال الأعرابي: أو يضمن الأمير أن أعيش إلى الغد قال الحاکم: ليس ذلک إلي، فعلم ذلک عند الله قال الأعرابي: فکيف تسألني تاخیر حاضر لیس إليه من سبيل قال الحاکم: إنه طعام طيب قال الأعرابي: والله ما طيبه خبازک وطباخک ولکن طيبته العافية قال الحاکم: بالله ما رأيت مثل هذا جزاک الله خيرا أيها الأعرابي، وأمر له بجائزة.

قضية الحارث الهمداني

الحارث الهمداني(1) هو الحارث الأعور بن عبد الله بن همدان و هو فقيه من أصحاب الإمام علي (علیه السلام) و الحسن المجتبى (علیه السلام) توفی سنة 65 للهجرة. یقول الراوی: «أن علي بن أبي طالب (علیه السلام) خطب الناس فقال: من يشتري علما بدرهم، فاشترى الحارث الأعور صحفا بدرهم ثم جاء بها عليا فکتب له علما کثيرا. ثم

ان عليا خطب الناس بعد فقال: يا أهل

ص: 10


1- ([2]) الحارث الهمداني هو الحارث بن عبد الله بن کعب الأعور الهمداني الکوفي، أبو زهير. کان من أصحاب الإمام علي (علیه السلام) (راجع: رجال الطوسي، ص 60 الرقم 513. المحبر: 303) و الإمام الحسن (علیه السلام) (رجال الطوسي، ص 94 الرقم 927) و من الشيعة الاول (سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 153 الرقم 54. الجمل: 109) کثير العلم (سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 152 الرقم 54) من أفقه الناس و أفرض الناس، و أحسب الناس، تعلم الفرائض من الإمام علي (علیه السلام) (تهذيب الکمال، ج 5، ص 252 الرقم 1025، تهذيب التهذيب، ج 1، ص 471 الرقم1210، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 153 الرقم 54) کان من وجوه الناس بالکوفة، و من الذين ثاروا على عثمان، و طالبوا بعزل سعيد بن العاص (تاريخ الإسلام للذهبي، ج 3، ص 430). و ممن سيرهم عثمان (وقعة صفين، ص 121) توفي سنة 65 ه بالکوفة (سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 155 الرقم 54، ميزان الاعتدال، ج 1، ص 437 الرقم 1627)

الکوفة غلبکم نصف رجل(1)»(2)

و یقول الراوی: «بلغني أن الحارث أتى علي بن أبي طالب (علیه السلام) ليلا، فقال له: يا حارث ما جاء بک هذه الساعة؟ فقال: حبک يا أمير المؤمنين. قال: و الله ما جاء بک إلا حبي؟ قال: و الله ما جاء بي إلا حبک. قال (علیه السلام): فأبشر يا حارث لن تموت نفس تحبني إلا رأتني حيث تحب، و الله لا تموت نفس تبغضني إلا رأتني حيث تبغضني.»(3)

و ینقل عن أبي ذر الغفاري انه قال:(4)

«دخل مولانا أمير المؤمنين (علیه السلام) على الحارث بن الأعور الهمداني و کان مريضا قد أشرف على الموت فلما أراد أن ينصرف تعلق الحارث بأذيال أمير المؤمنين (علیه السلام) و قال: يا مولاي، أخبرني عن الروح. قال (علیه السلام): نعم، إنها لطيفة من لطائف الباري عزوجل أخرجها من ملکه و أسکنها في ملکه، و جعل له عندک شيئا و جعل لک عنده شيئا، فأما الذي لک عنده فهو الرزق، و أما الذي له عندک فهي الروح، فإذا نفد مالک عنده أخذ ماله عندک. فقال: يا مولاي، إني في أول أيام الآخرة و آخر أيام الدنيا، و إني أخاف من الفزع الأکبر و لا أدري ما يفعل بي. فأنشد (علیه السلام):

يا حار(5)همدان من يمت يرني*من مؤمن أو منافق قبلا(6)

يعرفني طرفه وأعرفه*بنعته واسمه وما فعلا

وأنت عند الصراط تعرفني*فلا تخف عثرة ولا زللا

أسقيک من بارد على ظمأ*تخاله(7)

في الحلاوة العسلا

أقول للنار حين تعرض للعرض*دعيه ولاتقبل الرجلا

ص: 11


1- ([1]) الظاهر انه کان قصیر القامة
2- ([2]) الطبقات الکبرى، ج 6، ص 168، سير أعلام النبلاء، ج 4، ص 153 الرقم 54
3- ([3]) شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار (علیهم السلام)، ج 3، ص 451، ثم قال قال مصنف الکتاب: «يعني إن أولياءه يرونه حيث يقتصون، يبشرهم برحمة الله إياهم، و أعداؤه يرونه حينئذ و قد نزل بهم الموت يبشرهم بعذاب لهم.» و راجع: شرح الأخبار، ج 3، ص 451 الرقم 1320 و الأمالي للمفيد، ص 271
4- ([4]) المناقب، للعلوي، او الکتاب العتيق، ص 59
5- ([5]) منادى مرخم اي يا حارث
6- ([6]) أي قبل الموت أو قبالا ای الإمام علي (علیه السلام) قاعد فی مقابل المیت و هو یراه.
7- ([7]) تخاله اي تظنه و هو من افعال القلوب

دعيه لا تقربيه إن له*حبلا بحبل الوصي متصلا(1)

فبکى الحارث و قال: الحمد لله الذي جعلني من شيعتک يا أمير المؤمنين.

نعم یا موالین یا شیعة علی ابن ابی طالب (علیه السلام) مما یهون علی الانسان الموت انه یرا وجهین محمد (صلی الله علیه و آله) و علی (علیه السلام) عند الاحتضار.

نعي: ام سلمة و رؤیا رسول الله (صلی الله علیه و آله) یوم العاشر

علی (علیه السلام) یحضر عند المؤمن السوال من حضر عند الحسین (علیه السلام) حال احتضاره این علی (علیه السلام) این رسول الله (صلی الله علیه و آله) این فاطمة (علیها السلام) و الحسین (علیه السلام) یحتضر و یأن انینا و یقول "این جدی المصطفی (صلی الله علیه و آله) این ابی علی المرتضی (علیه السلام) این امی فاطمة الزهرا (علیها السلام) " و لکن عندما عرجت روحه و کانی بهم انکبوا علیه رسول الله یضمه و علی یشمه و الزهرا تمسح عنه التراب و تقول: "ولدی حسین قتلوک و من شرب الماء منعوک اما عرفوا من جدک و ابوک".

لما تهيأ الحسين (علیه السلام) للخروج من المدينة، مضى في جوف الليل إلى قبر أمه فاطمة (علیها السلام) فودعها ثم مضى إلى قبر أخيه الحسن (علیه السلام) ففعل کذلک، ثم رجع إلى منزله وقت الصبح، وبعد أن ودع جده وأمه وأخاه، وجاء إلى داره عازما على ترک المدينة، ماضيا إلى حيث المثوى والمنتهى في کربلاء، قال الراوي: جاءت أم سلمة، وقالت له: يا بني لا تحزني بخروجک إلى العراق فإني سمعت جدک يقول: يقتل ولدي الحسين (علیه السلام) في العراق بأرض يقال لها کربلاء، فقال لها: يا أماه، والله إني أعلم ذلک... وإني مقتول لا محالة وليس لي من هذا بد، وإني والله

ص: 12


1- ([1]) راجع: الأمالي للمفيد، ص 7 ح 3، الأمالي للطوسي، ص 627 ح 1292، و العلامة المجلسي في بحار الأنوار، ج 6، ص 178 و في، ج 68، ص 122 و بشارة المصطفى لشيعة المرتضى، ص 5، و زاد في آخره بيتا: هذا لنا شيعة و شيعتنا*أعطانى الله فيهم الاملا و قال ابن أبي الحديد في شرحه (ج 1، ص 299) بعد نقل الاشعار: و ليس هذا بمنکر ان صح انه (علیه السلام) قاله عن نفسه، ففي الکتاب العزيز ما يدل على أن أهل الکتاب لا يموت منهم ميت حتى يصدق بعيسى ابن مريم (علیها السلام) و ذلک قوله: «و إن من أهل الکتاب إلا ليؤمنن به قبل موته و يوم القيامة يکون عليهم شهيدا». قال کثير من المفسرين: معنى ذلک ان کل ميت من اليهود و غيرهم من أهل الکتب السالفة إذا احتضر رأى المسيح عنده فيصدق به من لم يکن في أوقات التکليف مصدقا به.

لأعرف اليوم الذي أقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أدفن فيها، وأعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا أماه أن أريک حفرتي ومضجعي.

فعند ذلک بکت أم سلمة، وسلمت أمرها إلى الله تعالى، فقال لها الحسين (علیه السلام): يا أماه قد شاء الله أن يراني مقتولا مذبوحا ظلما وعدوانا. فقالت أم سلمة: يا أبا عبد الله عندي تربة دفعها إلي جدک رسول الله (صلی الله علیه و آله) في قارورة، فقال: والله إني مقتول کذلک، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلونني ثم أنه أخذ تربة في قارورة وأعطاها إياها وقال لها: اجعليها مع قارورة جدي رسول الله (صلی الله علیه و آله) فإن فاضتا دما عبيطا فاعلمي أني قد قتلت، فأخذتها أم سلمة ووضعتها مع قارورة رسول الله (صلی الله علیه و آله).

وسار الحسين (علیه السلام) إلى العراق... وأم سلمة تنظر في کل يوم إلى القارورتين، فإذا هما على حالهما، ولما کان يوم العاشر من المحرم، نظرت أم سلمة إلى القارورتين تفيضان دما عبيطا فصاحت واولداه... واحسيناه... علا صوتها بالنياحة والبکاء، حتى اجتمعت النسوة من بني هاشم في المدينة، عندها قالت لهن: أسعدنني بالبکاء على ولدي الحسين (علیه السلام).

حتى وصلت الأخبار إلى ابن عباس أن أم سلمة تبکي على ولدها الحسين (علیه السلام) أقبل إليها وقال لها: يا أم المؤمنين من أين لک نبأ قتل الحسين (علیه السلام) وبين العراق والمدينة مسافة بعيدة؟ فقالت: يا بن عباس رؤيا أزعجتني وأسبلت دمعي، رأيت النبي (صلی الله علیه و آله) في هذه الساعة وهو يلتقط الدم الذي سال من الحسين وأصحابه وأهل بيته. فقال: يا أم سلمة هذه رؤيا... والرؤيا لا تغن من الحق شيئا هل عندک دليل اخر، قالت: بلى يا بن عباس تعال وانظر إلى القارورتين (وکان يعلم ابن عباس بحديث القارورتين) فلما نظر إليهما وهما تفيضان دما عبيطا انتحب وبکى، وصاح: واسيداه... واحسيناه... ثم قال: يا أم سلمة، اکتمي هذا الخبر حتى يأتي خبر الحسين (علیه السلام) من العراق، فکتمت الخبر إلى أن جاء اليوم الذي قدم فيه الإمام زين العابدين (علیه السلام) إلى المدينة بعماته

وأخواته، ودخل بشر بن حذلم ينعى الحسين، وهو ينادي في أزقة المدينة وشوارعها: (1)

ص: 13


1- ([1]) اللهوف، ابن طاوس، ص 198

يا اهل يثرب لامقام لکم بها*قتل الحسين فادمعي مدرار

الجسم منه بکربلاء مضرج*والراس منه على القناة يدار

يا أهل يثرب شيخکم وإمامکم*ما منکم أحد عليه يغار

فضجت المدينة ضجة واحدة وکان کيوم مات رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول بشر: بينا أنا أسير، وإذا بامرأة طويلة القامة على کتفها طفل رضيع، قالت: يا بشر عندک علم بالحسين (علیه السلام) ؟ قلت: نعم، ولکن من أنت تسألين عن الحسين؟ فقالت: يا بشر أنا أم البنين، أم أبي الفضل العباس، فقلت لها: يا أم البنين عظم الله لک الأجر بولدک جعفر، قالت: أنا ما سألتک عن جعفر، أخبرني عن الحسين. فقلت: عظم الله لک الأجر بولدک عبد الله، قالت: أنا ما سألتک عن عبد الله، يا بشر أخبرني عن الحسين، قلت: عظم الله لک الأجر بولدک عثمان، قالت: يا بشر أخبرني عن الحسين، قلت: يا أم البنين عظم الله لک الأجر بولدک قمر العشيرة أبي الفضل العباس، فلما سمعت ذلک وضعت يدها على خاصرتها، وقالت: يا بشر لقد قطعت نياط قلبي، أخبرني عن ولدي الحسين، عند ذلک قلت لها: يا أم البنين عظم الله لک الأجر بالحسين فلقد خلفناه بأرض کربلاء جثة بلا رأس. فصاحت أم البنين: واولداه واحسيناه.. (1)

يا سائلي وشظايا القلب في شجنٍ*هل جهزوا لغريب مات ممتحن

أجبته بفؤاد خافق وهنٍ*ما غسلوه ولا لفوه في کفنٍ

يوم الطفوف ولا مدوا عليه ردا

ویلی شفنا الي يموت يجيه دفان* يحفر له قبر ويفصل أکفان

ما سمعنا الي يموت يضل عريان* وتلعب عليه الخيل ميدان.

أقول: إذا کانت أم سلمة قد لطخت وجهها بدمه کما ذکر في الخبر فما حال أمه الزهراء لو حضرت عنده ورأت دمه الشريف يجري من جسده على الأرض؟ لسان حال الزهراء:

أنا الوالده المذبوح ابنها*او طول الدهر ماگل حزنها

مصيبة او يشيب الطفل منها*سبعين جثه ابدور چنها

بالمعرکة محد دفنها*او زينب حده الحادي ابضعنها

وينه اليواسيني ابدمعته*على ابني الذي حزوا رگبته

او تمت ثلث تيام جثته*اويلاه يبني الماحضرته

ص: 14


1- ([2]) مجمع مصائب أهل البيت (علیهم السلام)، ج3، ص 252

ولا غسلت جسمه او دفنته

وابن والده عين الطليعه*أبو فاضل اکفوفه گطيعه

مطروح نايم علشريعه

أفاطم لو خلت الحسين مجدلا*وقد مات عطشانا بشط فرات

إذن للطمت الخد فاطم عنده*وأجريت دمع العين في الوجنات

بالحسین الوجیه و جده و ابیه و امه و اخیه و بالتسعة من بنیه اللهم اغفر ذنوبنا و استر عیوبنا و تقبل اعمالنا اللهم اشفی مرضنا و مرضا المؤمنین و المؤمنات و اقض حوائجنا و حوائجهم اللهم وفقنا و المؤسسین و المؤمنین و المؤمنات لما تحب و ترضی و ارحم امواتنا و امواتنا واللهم اکتب لولیک الفرج و النصر و اجعلنا من انصاره و اعوانه و ارحم امواتنا واموات الموسسین و المؤمنین و المؤمنیات

الی ارواح الجمیع ثواب الفاتحه تسبقها الصلاة علی محمد و ال محمد (صلی الله علیه و آله).

ص: 15

الليلة الثانية: شهر رمضان

اشارة

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنکمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن کانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ(1)

يُرِيدُ اللَّهُ بِکمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِکمُ الْعُسْرَ وَلِتُکمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُکبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاکمْ وَلَعَلَّکمْ تَشْکرُونَ)(2)

یا مؤمنین تزودوا في هذه الحياة فکم في المقابر من أناس صاموا معنا رمضان في أعوام ماضية وهم الان تحت الثرى رهناء الأعمال واحمدوا الله أن أمهلکم لتدرکوا هذا الموسم العظيم فاستعدوا له بالتوبة النصوح والنية الصادقة على استغلاله واغتنامه بالأعمال الصالحة ومن هذه الأعمال الصيام.

قال فیه رسول الله (صلی الله علیه و آله):(3) «قال الله تبارک و تعالى الصوم لي و أنا أجزي به و للصائم فرحتان حين يفطر و حين يلقى ربه عزوجل و الذي نفس محمد بيده لخلوف(4)

فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسک.»

ص: 16


1- ([1]) الصوم هو الإمساک بقصد التخضع لله تعالى من أول الفجر إلى غروب الشمس عن جملة أشياء تسمى ب (المفطرات) وهي: (1) تعمد الأکل والشرب، قليلا کان أو کثيرا. ولا يضر بصحة الصوم الأکل أو الشرب بغير عمد، کما إذا نسي صومه فأکل أو شرب. (2) الجماع (3) الاستمناء أي إخراج المني بأي طريقة ولا يضر بصحة الصوم الاحتلام أثناء النهار، ولو لم يغتسل المحتلم حتى انقضى النهار لم يفسد صومه. (4) تعمد القيء. (5) تعمد الاحتقان بالماء، أو بغيره من السوائل. (6) تعمد الکذب على الله، أو على رسوله، أو على أحد الأئمة المعصومين. (7) تعمد إدخال الغبار أو الدخان الغليظين في الحلق. (8) تعمد الارتماس في الماء (9) و تعمد البقاء على الجنابة حتى يطلع الفجر اما إذا کان ناوياً للغسل و اطمأن بالانتباه - لاعتياد أو ساعة منبه - فاتفق أنه لم يستيقظ إلا بعد الفجر فلا شيء عليه و صح صومه، نعم إذا استيقظ ثم نام و لم يستيقظ حتى طلع الفجر وجب عليه القضاء عقوبة.
2- ([2]) البقرة: 185
3- ([3]) من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 75
4- ([4]) الخلوف (بضم الخاء) رائحة الفم

نعم یا اخوانی اشکرو الله تعالى على بلوغ شهر رمضان بصحة وعافية ومقدرة على صيامه وقيامه، وسلوه عزوجل أن يعينکم فيه على اغتنام أيامه ولياليه بما يرضيه من الطاعات والخيرات، فهذا الشهر هو موسم عظيم وضيف کريم، ذو فضل عظيم، ميزه الله عزوجل حين قال في کتابه العزيز: (شَهْر رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْانُ هُدًى لِلنَّاسِ وبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى والْفرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْکمْ الشَّهْرَ فَلْيَصمْهُ ومَنْ کانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِکمْ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِکمْ الْعُسْرَ ولِتُکمِلوا الْعِدَّةَ ولِتُکبِّروا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاکمْ ولَعَلَّکمْ تشْکرونَ).

فکما ورد في الاية الکريمة فإن هذا الشهر امتاز بنزول القرآن الکريم على محمد المصطفى (صلی الله علیه و آله) لذا فهذا الشهر خير، بکل أيامه ولياليه ساعاته وثوانيه حتى، ولکي نعطي هذا الشهر حقه وقدره، علينا أن نستقبله بالبشر والسرور والفرح، والحماس للطاعة وليس بالتذمر والخوف من صعوبة الصيام. و یجب ان نهتم فی رمضان و نغتنم من لیالیه وأیامه، فلیالیه أفضل اللیالی، و ایامه افضل الایام، کیف نغتنم هذه الایام و اللیالی؟

الاول: قرائت القرآن

قال الإمام الصادق (علیه السلام): «لکل شي ء ربيع و ربيع القرآن شهر رمضان»(1)و

جاء فی خطبة الرسول (صلی الله علیه و آله) فی إستقبال شهررمضان: «و من تلا فيه آية من القرآن کان له أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور»

الثانی: التهجد و الدعاء

و من خطبة للنبي (صلی الله علیه و آله) يذکر فيها شهر رمضان فمنها: «و ارفعوا إلیه أیدیکم بالدعاء فی أوقات صلواتکم فأنها أفضل الساعات ینظر الله عزوجل فیها بالرحمة إلی عباده یجیبهم إذا ناجوه و یلبیهم إذا نادوه و یعطیهم إذا سألوه و یستجیب لهم إذا دعوه» للصائم دعاء مستجاب و هو وقت الافطار دعائه اکرام له لا یرد قال الإمام الکاظم (علیه السلام):(2)««دعوة الصائم يستجاب عند إفطاره و قال إن لکل صائم دعوة و قال نوم الصائم عبادة و صمته تسبيح و دعاؤه مستجاب و عمله مضاعف و قال إن للصائم عند إفطاره دعوة لا ترد.» و شقی من لا

ص: 17


1- ([1]) ثواب الأعمال و عقاب الأعمال، ص 104
2- ([2]) بحار الأنوار، ج 90، ص 360

یقبل الله توبه فی هذا الشهر قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم»

الثالث: السحور

وهو من المستحبات الأکیدة، ولا ینبغی ترک السحور ولو بشرب الماء، لکی لا یفوت فضله وما فیه من صلاة الله تعالى على المتسحر، فعن الإمام الصادق (علیه السلام): «تسحروا ولو بجرع الماء ألا صلوات الله على المتسحرین»(1) و للقیام إلیه أجر کبیر لکن لا ذنب لترکه عن الإمام الصادق (علیه السلام) «لا بأس بأن لا یتسحر إن شاء، وأما فی شهر رمضان فإنه أفضل أن یتسحر، نحب أن لا یترک فی شهر رمضان»(2)

ماذا نتسحر؟

ندبت الروایات الشریفة إلى أصناف معینة یستحب التسحر علیها، وأولها التمر، والسویق فعن الإمام الصادق (علیه السلام): «أفضل سحورکم السویق(3)

والتمر»(4)

و السویق اکله مقوی تعطی الطاقة و القوة علی حفظ الانسان نفسه الی وقت الافطار. و السحور فیه برکة و یکثر الرزق عن النبي (صلی الله علیه و آله) قال: «البرکة في ثلاثة الاجتماع و السحور و الثريد»(5)

الرابع: التقوا و مخافة الله

ذکر في خطبة استقبال رمضان أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: «إن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله» والورع عن محارم الله أفضل حتى من قراءة القرآن في هذا الشهر، خلافا لتصور بعض الناس إن ختم القرآن الکريم افضيل في هذا الشهر الکريم من ای شئ، و نعم ينبغي للإنسان أن يختم القرآن فيه، وهناک من يختمه حتى مرتین و

ص: 18


1- ([1]) مستدرک الوسائل، ج 10، ص 144، الجرع إما جمع جرعة أو مصدر جرع الماء بلعه و الصلاة من الله هی الرحمة و المغفرة منه تعالی للعبد
2- ([2]) مستدرک الوسائل، ج 10، ص 142- 143 قاله فی جواب من سأله عن السحور أواجب هو؟
3- ([3]) طعام معمول من دقيق الحنطة او الشعير بعد تحمیصة ای قلیه على النار.
4- ([4]) مستدرک الوسائل، ج 10، ص 146
5- ([5]) مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، ج 16، ص 233، و الاجتماع هو الاجتماع علی مائدة الطعام و کثرة الاکلین منها فانها تنمی الرزق و تکثره. قال النبی (صلی الله علیه و آله): (کلوا جميعا و لا تتفرقوا فإن البرکة في الجماعة) و الثرید هو التلیت و هو تقطيع الخبز واضافته للمرق.

ثلاث مرات. و هناک فضائل أخرى کافطار الناس أما أفضل الأعمال کما قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) فهو الورع عن محارم الله. و الورع يتطلب أولا: المعرفة و مطالعة الروايات التي عددت المحرمات ويتطلب ثانيا: الابتعاد و العمل بالمعلومات و المحرمات التی عرفتها، أرأيت الذي يسير في أرض شائکة کيف یرفع قدمه و یضعها بدقة لئلا تصيبه شوکة اذا رائها بل حتى ما يشک أنها شوکة یقولون هذا هو الورع.

قصة عن التوبة

روی الشیخ الصدوق:(1)«دخل معاذ بن جبل على رسول الله (صلی الله علیه و آله) باکيا فسلم فرد (صلی الله علیه و آله) ثم قال ما يبکيک يا معاذ فقال يا رسول الله إن بالباب شابا طري الجسد نقي اللون حسن الصورة يبکي على شبابه بکاء الثکلى على ولدها يريد الدخول عليک فقال النبي (صلی الله علیه و آله) أدخل علي الشاب يا معاذ فأدخله عليه فسلم فرد (صلی الله علیه و آله) ثم قال ما يبکيک يا شاب قال کيف لا أبکي و قد رکبت ذنوبا إن أخذني الله عزوجل ببعضها أدخلني نار جهنم و لا أراني إلا سيأخذني بها و لا يغفر لي أبدا فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) هل أشرکت بالله شيئا قال أعوذ بالله أن أشرک بربي شيئا قال أ قتلت النفس التي حرم الله قال لا فقال النبي (صلی الله علیه و آله) يغفر الله لک ذنوبک و إن کانت مثل الجبال الرواسي قال الشاب فإنها أعظم من الجبال الرواسي فقال النبي (صلی الله علیه و آله) يغفر الله لک ذنوبک و إن کانت مثل الأرضين السبع و بحارها و رمالها و أشجارها و ما فيها من الخلق قال فإنها أعظم من الأرضين السبع و بحارها و رمالها و أشجارها و ما فيها من الخلق فقال النبي (صلی الله علیه و آله) يغفر الله لک ذنوبک و إن کانت مثل السماوات و نجومها و مثل العرش و الکرسي قال فإنها أعظم من ذلک قال فنظر النبي (صلی الله علیه و آله) کهيئة الغضبان ثم قال ويحک يا شاب ذنوبک أعظم أم ربک؟

فخر الشاب لوجهه و هو يقول سبحان الله ربي ما شي ء أعظم من ربي ربي أعظم يا نبي الله من کل عظيم فقال النبي (صلی الله علیه و آله) فهل يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم قال الشاب لا و الله يا رسول الله ثم سکت الشاب فقال النبي (صلی الله علیه و آله) ويحک يا شاب أ لا تخبرني بذنب واحد من ذنوبک قال بلى أخبرک أني کنت أنبش القبور سبع سنين أخرج الأموات و أنزع الأکفان فماتت جارية من بعض بنات الأنصار فلما

ص: 19


1- ([1]) الأمالي، للصدوق، ص 42

حملت إلى قبرها و دفنت و انصرف عنها أهلها و جن عليهم الليل أتيت قبرها فنبشتها ثم استخرجتها و نزعت ما کان عليها من أکفانها و ترکتها متجردة على شفير قبرها و مضيت منصرفا فأتاني الشيطان فأقبل يزينها لي و يقول أ ما ترى بطنها و بياضها أ ما ترى ورکيها فلم يزل يقول لي هذا حتى رجعت عليها و لم أملک نفسي حتى جامعتها و ترکتها مکانها.

فإذا أنا بصوت من ورائي يقول يا شاب ويل لک من ديان يوم الدين(1)

يوم يقفني و إياک کما ترکتني عريانة في عساکر الموتى و نزعتني من حفرتي و سلبتني أکفاني و ترکتني أقوم جنبة إلى حسابي فويل لشبابک من النار فما أظن أني أشم ريح الجنة أبدا فما ترى لي يا رسول الله فقال النبي (صلی الله علیه و آله) تنح عني يا فاسق إني أخاف أن أحترق بنارک فما أقربک من النار ثم لم يزل (صلی الله علیه و آله) يقول و يشير إليه حتى أمعن من بين يديه فذهب فأتى المدينة فتزود منها ثم أتى بعض جبالها فتعبد فيها و لبس مسحا و غل يديه جميعا إلى عنقه و نادى يا رب هذا عبدک بهلول بين يديک مغلول يا رب أنت الذي تعرفني و زل مني ما تعلم سيدي يا رب إني أصبحت من النادمين و أتيت بنبيک تائبا فطردني و زادني خوفا فأسألک باسمک و جلالک و عظمة سلطانک أن لا تخيب رجائي سيدي و لا تبطل دعائي و لا تقنطني من رحمتک فلم يزل يقول ذلک أربعين يوما و ليلة تبکي له السباع و الوحوش فلما تمت له أربعون يوما و ليلة رفع يديه إلى السماء و قال اللهم ما فعلت في حاجتي إن کنت استجبت دعائي و غفرت خطيئتي فأوح إلى نبيک و إن لم تستجب لي دعائي و لم تغفر لي خطيئتي و أردت عقوبتي فعجل بنار تحرقني أو عقوبة في الدنيا تهلکني و خلصني من فضيحة يوم القيامة فأنزل الله تبارک و تعالى على نبيه (صلی الله علیه و آله) (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) يعني الزنا (أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ) يعني بارتکاب ذنب أعظم من الزنا و نبش القبور و أخذ الأکفان (ذَکرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) يقول خافوا الله فعجلوا التوبة (وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) يقول عزوجل أتاک عبدي يا محمد تائبا فطردته فأين يذهب و إلى من يقصد و من يسأل أن يغفر له ذنبا غيري ثم قال عزوجل (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) يقول لم يقيموا على الزنا و نبش القبور و أخذ الأکفان (أُولئِک

ص: 20


1- ([1]) ديان يوم الدين أي المجازى لکل مکلف بما عمل من خير أو شر، و يوم الدين أي يوم الجزاء.

جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)(1).

فلما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلی الله علیه و آله) خرج و هو يتلوها و يتبسم فقال لأصحابه من يدلني على ذلک الشاب التائب فقال معاذ يا رسول الله بلغنا أنه في موضع کذا و کذا فمضى رسول الله (صلی الله علیه و آله) بأصحابه حتى انتهوا إلى ذلک الجبل فصعدوا إليه يطلبون الشاب فإذا هم بالشاب قائم بين صخرتين مغلولة يداه إلى عنقه و قد اسود وجهه و تساقطت أشفار عينيه من البکاء و هو يقول سيدي قد أحسنت خلقي و أحسنت صورتي فليت شعري ما ذا تريد بي أ في النار تحرقني أو في جوارک تسکنني اللهم إنک قد أکثرت الإحسان إلي و أنعمت علي فليت شعري ما ذا يکون آخر أمري إلى الجنة تزفني أم إلى النار تسوقني اللهم إن خطيئتي أعظم من السماوات و الأرض و من کرسيک الواسع و عرشک العظيم فليت شعري تغفر خطيئتي أم تفضحني بها يوم القيامة فلم يزل يقول نحو هذا و هو يبکي و يحثو التراب على رأسه و قد أحاطت به السباع و صفت فوقه الطير و هم يبکون لبکائه فدنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) فأطلق يديه من عنقه و نفض التراب عن رأسه و قال يا بهلول أبشر فإنک عتيق الله من النار ثم قال (صلی الله علیه و آله) لأصحابه هکذا تدارکوا الذنوب کما تدارکها بهلول أبشر فإنک عتيق الله من النار ثم تلا عليه ما أنزل الله عزوجل فيه و بشره بالجنة.»

قصة کما تدين تدان

ینقل ان رجلا فقیرا کانت امراته تصنع له زبدا مدورا علی وزن کیلو غرام لکل زبدة و یبیعها هو علی احد البغالة و اذا فی یوم من الایام البغال اکتشف ان وزن الزبدة 900 غرام و لیس کیلو غرام کامل قال للفقیر اما تخاف الله لماذا تغشنی قال له الفقیر مالامر؟ قال له القصة، فرد علیه الفقیر اذا ترید الصدق انا لا نملک فی بیتنا ميزانا لقياس الوزن الدقیق و انما اشترینا منک کیلو من السکر فکنا نقیس علی وزنه الزبد و کان وزن السکر الذی بعته علینا ناقصا فنحن کنا ننقص من حقک بلا علم و قصد، نعم کما تدین تدان

نعي: وداع سکینة و الحرم

بعد شهادة الإمام الحسين (علیه السلام) ارتفعت في ذلک الوقت غبرة شديدة

ص: 21


1- ([1]) آل عمران: 135

سوداء مظلمة، فيها ريح حمراء، لا يرى فيه عين ولا أثر، حتى ظن القوم أن العذاب قد جاءهم. فلبثوا کذلک ساعة، ثم انجلت الغبرة عنهم. وعن أبي عبد الله الصادق (علیه السلام): أنه قال: "لما ضرب الحسين بن علي بالسيف وسقط، وابتدر ليقطع رأسه، نادى مناد من بطنان العرش(1):

ألا أيتها الأمة المتحيرة الضالة بعد نبيها، لا وفقکم الله لأضحى ولا فطر(2)

ثم قال: لا جرم والله ما وفقوا، ولا يوفقون حتى يثور ثائر(3) الحسين بن علي (علیه السلام).(4)

وکيف يوفقون و فعلو ما فعلوا بکربلاء مع الحسین و اصحابه و اهل بیته یقول الراوی لما قتل أصحاب الإمام الحسين (علیه السلام) وأهل بيته ولم يبق معه أحد نظر إلى أهله وصحبه مجزرين کالأضاحي وهو مع ذلک يسمع عويل الأيامى وصراخ الأطفال فنادى: هل من ذاب عن حرم رسول الله (صلی الله علیه و آله) ؟ هل من موحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟ فارتفعت أصوات النساء بالبکاء.. ثم وقف بباب خيمة النساء مودعا ونادى: يا زينب ويا أم کلثوم ويا فاطمة ويا سکينة عليکن مني السلام.. فأقبلن إليه ودرن حوله..(5)

رد واعياله امن العطش يومن*اوصاح ابصوت للتوديع گومن

او مثل سرب القطا گامن يحومن*تطيح عليه وحدتهن او تعثر

ص: 22


1- ([1]) قال ابن الاثیر: «من بطنان العرش»، أي من و سطه. و قيل: من أصله. و قيل: البطنان: جمع بطن، و هو الغامض من الأرض، يريد من دواخل العرش. النهاية، ج 1، ص 137 (بطن).
2- ([2]) لعل المراد بعدم التوفيق لهما عدم الفوز بثوابهما و فوائدهما و ما فيهما من الخيرات و البرکات في الدنيا و الآخرة و ربما أن المراد به اشتباه الهلال عليهم. و کيف کان فالدعوه مختصة بالمتحيرين الضالين من المخالفين کما في هذا الحديث أو الظالمين القاتلين و من رضي بفعالهم. انظر الوافي، ج 9، ص 1340، باختصار.
3- ([3]) الثائر: الطالب بالثأر، و هو طلب الدم، يقال: ثأرت القتيل فأنا ثائر أي قتلت قاتله، و المراد به صاحب الأمر (عجل الله فرجه) الذي ينتقم من قتلته.
4- ([4])روي المجلسي: قال شيخ من أشياخ بني سليم غزونا بلاد الروم فدخلنا کنيسة من کنائسهم فوجدنا مکتوبا: أ ترجو أمة قتلت حسينا*شفاعة جده يوم الحساب فسألناهم منذ کم هذا في کنيستکم فقالوا قبل أن يبعث نبيکم بثلاث مائة عام. انظر: روضة الواعظين و بصيرة المتعظين، ج 1، ص 194
5- ([5]) انظر کتاب: سلسلة مجالس العترة، مجلس شهادة الإمام الحسين (علیه السلام)، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 34

والتفت الحسين (علیه السلام) إلى ابنته سکينة فراها منحازة عن النساء وقد رفعت صوتها بالبکاء فضمها إلى صدره وجعل يمسح دموعها بکمه وکان يحبها حبا شديدا وجعل يقول:

سَيَطُولُ بَعْدِي يَا سُکينَةُ فَاعْلِمِي*مِنْک البُکاءُ إِذَا الحِمَامُ دَهَانِي

لّا تُحْرِقِي قَلْبِي بِدَمْعِک حَسْرَةً*مَا دَامَ مِنِّي الرُّوحُ فِي جُثْمَانِي

فَإِذَا قُتِلْتُ فَأَنْتِ أَوْلَى بِالذِي*تَأْتِينَهُ يَا خِيَرَةَ النِّسْوَانِ (1)

يبويه انروح کل احنه فداياک*دخذنه للحرب يحسين وياک

أهي غيبه يبويه واگعد اتناک*وگولن سافر ويومين يسدر

يبويه گول لا تخفي عليه*ذي روحتک يو بعد جيّه

يبويه ان کان رايح هاي هيه*اخذني اوياک عنّک مکدر اصبر

يا والدي والله هظيمة آه آه*أصير من زغري يتيمه

يبويه نروح کل احنا فداياک آه آه*أخذني يا عزيز الروح وياک

ويتيمة فرت لجسم کفيلها*وکفيلها مرمى على الرمضاء

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا آل بيت محمد (صلی الله علیه و آله) أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.

نسألک اللهم وندعوک باسمک الأعظم الأعز الأجل الأکرم يا محمود بحق محمد (صلی الله علیه و آله)، يا عالي بحق علي (علیه السلام)، يا فاطر السماوات والأرض بحق فاطمة (علیها السلام)، يا محسن بحق الحسن (علیه السلام)، يا قديم الإحسان بحق الحسين (علیه السلام) عجل فرج وليک الحجة المنتظر المهدي(عجل الله فرجه) وانجز له ما وعدته، واجعلنا من جنده وأنصاره والمستشهدين بين يديه، الأخوة الحاضرين تقبل اللهم عملهم بأحسن القبول، اقض حوائجهم بحق محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله)، اجعل قلوبهم وديارهم عامرة بذکر محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله)، ارزقهم شفاعة محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله)، اغفر لهم بحق محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله) واحشرهم مع محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله)

(أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَکشِفُ السُّوءَ) الفاتحة لاستجابة الدعاء قبلها الصلاة على محمد وآل محمد (صلی الله علیه و آله).

ص: 23


1- ([1]) إحقاق الحق، الشوشتري، ج 11، ص 633 و معالى السبطين،، ج 2، ص 14

الليلة الثالثة: ذم العجلة

اشارة

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَکمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ)(1)

التأنی و ترک العجلة هی من اخلاق الانبیاء (علیهم السلام) و الاوصیاء (علیهم السلام) فان اهل البیت (علیهم السلام) یفروح بالرجل المتأنی فمن اتاه خبر انه فلان قال فیک کذا او ولدک او بنتک اشتکت من احد یجب علیک الصبر حتی یذهب غضبک و لا یستعجل باتخاذ القرار.

والعجلة صفة تؤدي دائما في ذاتها واثارها إلى قلق الإنسان وانزعاجه وتورث الأسى والأسف في مشاعره وأحاسيسه والندامة من أعراضها، وقد قال العلماء: «العجول یتکلم قبل أن يعلم، ويجب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يجرب، ويذم بعدما يحمد، ويعزم (ای یصمم علی عمل ما) قبل أن يفکر، ويمضي (ای یبتدی بعمل ما) قبل أن يعزم»

والعجول تصحبه الندامة وتعتزله السلامة، وکانت العرب تکني العجلة: أم الندامات، وإن الزلل مع العجل، والإقدام على العجل بعد التأني فيه أحزم من الإمساک عنه بعد الإقدام عليه.. وهى تورث أمراضا واثارا نفسية منها: القلق الذي ينتاب الإنسان في عجلته وسرعته، والارتباک والنسيان، والخوف من المجهول المترتب بسبب عدم وضوح الرؤية والمتطبع بالعجلة والسرعة في سلوکه الاجتماعي يکون حادا متعصبا متکلفا للأمور.

و قد تدخل العجلة الانسان فی المهلکات و مما روی فی ذلک «أن رجلا من أعظم المسلمين غناء عن المسلمين، في غزوة غزاها مع النبي (صلی الله علیه و آله) فنظر النبي (صلی الله علیه و آله) فقال: من أحب أن ينظر إلى الرجل من أهل النار فلينظر إلى هذا فاتبعه رجل من القوم، وهو على تلک الحال من أشد الناس على المشرکين، حتى جرح، فاستعجل الموت و طلب الشهادة، فجعل ذبابة سيفه (ای مقدم السیف) بين ثدييه حتى خرج من بين کتفيه، فأقبل الرجل إلى النبي (صلی الله علیه و آله) مسرعا، فقال: أشهد أنک رسول الله، فقال: وما ذاک، قال: قلت لفلان من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه وکان من أعظمنا غناء عن المسلمين، فعرفت أنه لا يموت على ذلک، فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه، فقال النبي (صلی الله علیه و آله) عند ذلک: إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من

ص: 24


1- ([1]) سورة الحجرات: 6

أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنما الأعمال بالخواتيم(1)(2)

الحدیث

روی الإمام الصادق (علیه السلام) عن رسول الله (صلی الله علیه و آله):(3)

«الأناة من الله و العجلة من الشيطان» و الأناة و التأنى: هی عدم العجلة عدم المبادرة الى الأمور بلا تفکر في البطش و الضرب و الشتم إلى غير ذلک من أنحاء المؤاخذة و ضده العجلة وهی التسرع إلى الشر و الغضب وهی من فروع التهور و منشؤها الجهل بحسن السياسة.

و التانی غیر الکسل لان المتکاسل من یعرف الطریق و لکن لا یتحرک و المتانی لا یتحرک حتی یعرف الطریق ثم یتحرک. قال الإمام علي (علیه السلام): «من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق بأن لا ينزل به مکروه أبدا قيل و ما هن قال العجلة و اللجاجة و العجب و التواني(4)(5)

مظاهر العجلة

ما ان ینسمع الرجل کلمة او خبر عن احد حتی ینشرها فی مواقع التواصل الاجتماعی او اذا سمع کلام سیئ عن احد یذهب یقول له لماذا فعلت کذا و لم یساله هل فعلت کذا او لم تفعل؟ بدل ان یمسک نفسه و یسیطر علی اعصابه یطلق العنان للشیطان و یتسرع فی الجکم. یقول المثل: في التأني السلامة وفي العجلة الندامة.

قصة الوليد بن عقبة و بني المصطلق

اما الآیة التی تلونها علیک فی اول المجلس فشأن نزولها کما ذکره أغلب المفسرين(6)

أن الاية نزلت في "الوليد

بن عقبة" و ذلک أن النبي (صلی الله علیه و آله) أرسله لجمع الزکاة من قبيلة "بني المصطلق" فلما علم بنو المصطلق أن مبعوث الرسول (صلی الله علیه و آله) قادم إليهم سروا کثيرا و هرعوا لاستقباله و بیدهم سیوفهم، إلا أن الوليد خاف و تصور أنهم يريدون

ص: 25


1- ([1]) والمراد بالأعمال: ما يعمله العبد من عمل صالح أو سيئ. والمراد بالخواتيم: ما يعمله في ختام عمره وآخر حياته، اللهم ارزقنا حسن العاقبة.
2- ([2]) جامع الروايات في تحقق نبوءات النبي (صلی الله علیه و آله)، ص 79
3- ([3]) المحاسن، ج 1، ص 215
4- ([4]) التوانى: التقصير و عدم الاهتمام و الفتور.
5- ([5]) تحف العقول، ص 206
6- ([6]) الأمثل في تفسير کتاب الله المنزل، ج 16، ص 52

قتله.

فرجع إلى النبي (صلی الله علیه و آله) و قال: يا رسول الله إنهم امتنوا عن دفع الزکاة و أنهم مرتدون ثم أمر النبي رجلا اخر ان يعرف الحق فذهب الرجل ليستقصی الخبر فعاد أخبره بأنهم مسلمون و سمع منهم صوت الاذان و الصلاة، فنزلت الاية انفة الذکر، و عقب النبي (صلی الله علیه و آله) عليها «التأني من الله و العجلة من الشيطان»(1)

قصة اخری

أحد الأطفال کان يلعب في داخل المنزل وأثناء اللعب کسر زجاج النافذة جاء أبوه إليه بعد أن سمع صوت تکسر الزجاج وسأل: من کسر النافذة؟ قيل له ولدک. فلم يتمالک الوالد أعصابه فتناول عصا غليظة من الأرض وأقبل على ولده يشبعه ضربا.

أصبح الصباح وجاءت الأم لتوقظ ولدها فرأت يداه مخضرتان فصاحت في الحال فقام الوالد بنقله إلى المستشفى وبعد الفحص قال الطبيب أن اليدين متسممتان وتبين أن العصا التي ضرب بها الطفل کانت فيها مسامير قديمة أصابها الصدأ مما أدى ذلک إلى أن تغرز المسامير في يدي الولد وتسرب السم إلى جسمه فقرر الطبيب أن لا بد من قطع يدي الطفل حتى لا يسري السم إلى سائر جسمه.

قال الطبيب: لا بد من ذلک والأمر لا يحتمل التأخير فاليوم قد تقطع الکف وغدا ربما تقطع الذراع وکلما تأخرنا أکثر تسرب السم إلى

ص: 26


1- ([1]) و ذکر بعض المفسرين قولا اخر في شأن نزول الاية، و هو أن الاية نزلت في مارية القبطية زوج النبي (صلی الله علیه و آله) و أم إبراهيم لأنه قيل للنبي (صلی الله علیه و آله) أن لها عبد يدعى جريحا (لان مارية اهداها احد الملوک للنبي (صلی الله علیه و آله) و کان معها خادم لها) و بينهما علاقة غير مشروعة فأرسل النبي (صلی الله علیه و آله) خلف علي (علیه السلام) فقال له "يا أخي خذ السيف فإن وجدته عندها فاضرب عنقه " فأخذ أمير المؤمنين السيف ثم قال بأبي أنت و أمي يا رسول الله: أکون في أمرک إذا أرسلتني کالسکة المحماة (سکة المحماة هی حديدة المحراث إذا أحميت في النار فهي أسرع غورا في الأرض) أمضي لما أمرتني أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب (أي اذا رايت خلاف ما قالوا لک امتنع عن الامر) فقال (صلی الله علیه و آله): «بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب»، قال علي (علیه السلام): فأقبلت متوشحا بالسيف فوجدته عندها فاخترطت السيف فلما عرف أني أريده أتى نخلة فرقى إليها ثم سقط على قفاه و شغر برجليه فإذا أنه أجب امسح (غلام مخصي) فرجعت فأخبرت النبي (صلی الله علیه و آله) فقال: «الحمد لله الذي يصرف عنا السوء أهل البيت.» انظر: تفسیر الامثل المصدر السابق و تفسير القمي، ج 2، ص 318

جسمه وربما مات. لم يجد الأب حيلة إلا أن يوقع على إجراء العملية فقطعت کفي الطفل وبعد أن أفاق نظر وإذا يداه مقطوعتان فتطلع إلى أبيه وصار يحلف أنه لن يکسر أو يتلف شيئا بعد اليوم شرط أن يعيد إليه يديه لم يتحمل الأب الصدمة وضاقت به السُبُل.

العجلة المحمودة

العجلة مذمومة فی کل شئ الا فی عمل الخیر و فیه العجلة محمودة، قال الصادق (علیه السلام):(1)

«إذا هممت بخير فبادر، فانک لا تدري ما يحدث.»(2) ذکروا الأناة في الأشياء کلها، فقال احد العلماء: أما أنا فإذا حضرت جنازة لم اتأن، وإذا وجدت کفؤا زوجت ولم اتأن، وإذا حضرت الصلاة لم اتأن.

و قال علی (علیه السلام): «لا تؤخر إنالة المحتاج إلى غد فإنک لا تدري ما يعرض لک و له في غد.» و عن صدقة الحلواني قال:(3) «کنت أطوف بالبيت فأتاني رجل من أصحابنا فسألني قرض دينارين و کنت قد طفت خمسة أشواط فقلت له أتم أسبوعي ثم أخرج فلما دخلت في السادس اعتمد علي الإمام الصادق (علیه السلام) و وضع يده على منکبي قال فأتممت سبعي (ای الشوط السابع) و دخلت في الآخر لاعتماد الإمام الصادق (علیه السلام) علي فکنت کلما جئت إلى الرکن أومأ إلي الرجل فقال الإمام الصادق (علیه السلام) من کان هذا يومئ إليک قلت جعلت فداک هذا رجل من مواليک سألني قرض دينارين قلت أتم أسبوعي و أخرج إليک قال فدفعني الإمام الصادق (علیه السلام) و قال اذهب فأعطهما إياه فلما کان من الغد دخلت عليه و عنده عدة من أصحابنا يحدثهم فلما رآني قطع الحديث و قال لأن أمشي مع أخ لي في حاجة حتى أقضي له أحب إلي من أن

ص: 27


1- ([1]) شرح الکافي للمولى صالح المازندراني، ج 8، ص 391، و فيه: هذا کلام جامع لوجوه المبادرة الى الخيرات منها الرجوع الى الحالة المنافية للتکليف کالهرم المستلزم لضعف العقل و البنية و نقصانهما، و منها المرض المانع من الاتيان بها، و منها فجأة الموت، و منها وسوسة الشيطان و ازالة القصد بها، و منها طريان السهو و النسيان، و منها تزلزل النفس بخوف الفقر، و منها فوات المال. و نظير هذا الحديث ما نقل عن أمير المؤمنين (علیه السلام): اذا هبت رياحک فاغتنمها*فان لکل حادثة سکون و لا تغفل عن الاحسان فيها*فلا تدرى السکون متى تکون
2- ([2]) قال تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ) – (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّکمْ)
3- ([3]) المؤمن، ص 48

أعتق ألف نسمة و أحمل على ألف فرس في سبيل الله مسرجة ملجمة(1)»

نعي: راس الحسین (علیه السلام) و وطئ صدره

روي عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قال: (2) وارحم تلک الخدود التي تقلبت على قبر أبي عبد الله الحسين (علیه السلام) وارحم تلک الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلک القلوب التي حزنت لأجلنا واحترقت بالحزن، وارحم تلک الصرخة التي کانت لأجلنا... أي واحسيناه... وامظلوماه... واغريباه...

هذه المجالس التي يحبونها ويأنسون بإقامتها، کما قال إمامنا الصادق (علیه السلام) لأحد أصحابه:(3)

أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا.

لذا أقام فضيل بن يسار مأتما للحسين (علیه السلام) ولم يخبر به إمامنا الصادق (علیه السلام) فلما کان اليوم الثاني أقبل إلى الإمام فقال له: (4) يا فضيل أين کنت البارحة؟ قال: سيدي شغل عاقني (ما أحب فضيل أن يخبر الصادق (علیه السلام) بأنه صنع مجلسا في بيته للحسين (علیه السلام) حتى لا يؤلم قلبه بسماع ذکر الحسين (علیه السلام) لأنه (علیه السلام) ما ذکر اسم جده الحسين إلا وخنقته العبرة). فقال (علیه السلام): يا فضيل لا تخف علي أما صنعت مأتما وأقمت بدارک عزاء في مصاب جدي الحسين (علیه السلام) ؟ فقال: بلى سيدي قال (علیه السلام): وأنا کنت حاضرا قال: سيدي إذا ما رأيتک أين کنت جالسا؟ فقال (علیه السلام): لما أردت الخروج من البيت أما عثرت بثوب أبيض؟ قال: بلى سيدي قال (علیه السلام): أنا کنت جالسا هناک فقال له: سيدي لم جلست بباب البيت ولم لم تتصدر المجلس؟ (أنتم المقدمون في الدنيا والاخرة، ولکم صدور المجالس والمحافل، ولا يجوز لنا أن نتقدم عليکم أهل البيت). فقال الإمام الصادق (علیه السلام): کانت جدتي فاطمة جالسة بصدر المجلس لذا ما تصدرت إجلالا لها.

فالزهراء (علیها السلام) تحضر مجالس ولدها الحسين وتطلب من يسعدها بالبکاء عليه وقد جاء في الرواية عن إمامنا الصادق (علیه السلام): ابک على جدي الحسين وأسعد بذلک فاطمة.

ص: 28


1- ([1]) و أحمل في سبيل الله، أي أرکب ألف إنسان على ألف فرس کل منها شد عليه السرج و ألبس اللجام و أبعثها في الجهاد
2- ([2]) الوسائل، ج 10، ص 320 ح 7. و في حلية الأبرار، ج 2، ص 206، و في بحار الأنوار، ص 101، ج 8 ح 30 عن کامل الزيارات.
3- ([3]) الوسائل، ج 8، ص410
4- ([4]) ثمرات الأعواد للسيد علي الهاشمي، ج 1، ص 32

فالزهراء (علیها السلام) لم تکن غائبة عما جرى على ولدها يوم عاشوراء، ولذلک يروى: (1) أن عمر بن سعد حينما بعث برأس الحسين إلى الکوفة مع خولي بن يزيد إلى ابن زياد، أقبل خولي إلى قصر الأمارة، فوجد باب القصر مغلقا، فأتى به إلى منزله، ووضع الرأس الشريف في أجانة، ثم اوى إلى فراشه، فقالت له زوجته: ما وراءک؟ فقال لها: جئتک بغنى الدهر، هذا رأس الحسين معک في الدار، قالت: ويلک، الناس يأتون بالذهب والفضة، وأنت تأتيني برأس ابن بنت رسول الله، لا والله لا جمعت رأسي ورأسک وسادة أبدا. تقول تلک المرأة: خرجت إلى ساحة الدار، وإذا أنا بنور مثل العامود يسطع من تلک الأجانة إلى عنان السماء، وسمعت هاتفة تقول: (2)

"بني حسين، قتلوک ومن شرب الماء منعوک، وما عرفوا من أمک ومن أبوک".

أنا الوالده والگلب لهفان*وادور عزه ابني وين ما کان

جسمه طريح ولا له اکفان*و لعبت عليه الخيل ميدان

أنا الوالده المذبوح ابنها*او طول الدهر ما فک حزنها

نعم لا زالت فاطمة حزینه علی ابنها و ما حال فاطمة (علیها السلام) حین رایت الخیل تطئ صدر الحسین (علیه السلام) یقول الراوی نادت مولاتنا زينب (علیها السلام) یوم العاشر ياقوم اما فيکم مسلم يواري هذا البدن السليب والجسد التريب فصاح عمر ابن سعد اجيبو نداء زينب قيل يا امير ما نصنع هل نواري جسد الحسين قال لا ولکن ليرکب منکم عشره من الخياله وليرضوا جسد الحسين. انعلت عشر من الخيول الحديد وبدئت الخياله تجول في الميدان ذهابن أيابا وکانت الخيل تطئ صدر و ظهره و کانوا اذا وطئو صدره قلب جسده الشریف و ثم یطئون ظهره و هکذا يقول بعض من حضر لقد سمعنا تکسر اضلاع صدر الحسين کما تتکسر القوارير.

ص: 29


1- ([1]) انظر: حياة الإمام الحسين(علیه السلام)، القرشي، ج 3، ص 319 و انساب الأشراف ق 1، ج 1، و في العقد الفريد، ج 2، ص 242 انها قالت له: و اللّه لا يجمعني و اياک فراش أبدا و في البداية و النهاية ج 8، ص 190 انها قامت من فراشه، و نظرت الى الاجانة فرأت النور ساطعا من تلک الاجانة الى السماء و رأت طيورا بيضا ترفرف حولها.
2- ([2]) مجالس السبايا، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 59

صاحت خويه فوق أصاویبک يرضوک*چنت حرزي وتحت الخيل خلوک

ولا راعو شرف جدک ولا بوک

خويه انعمت عيني ولا شوفک*ذبيح ويجري دم نحرک

واصحابک وأهل بيتک*ضحايا مطرحة بجنبک

عساها تعثرت هالخيل* ولا داست على صدر

وقد تدوس الخيل منه أضلعن*سر النبي بطيها مستورُ

ص: 30

اللیلة الرابعة: الغضب

اشارة

(وَالْکاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(1)

قال علی ابن ابی طالب (علیه السلام):(2)

«إياک و الغضب فأوله جنون و آخره ندم.»

لقد امر الله المؤمنین بجمیع الفضائل و نهاه عن الرذائل و بینوا لنا اهل البیت (علیهم السلام) ان المؤمنین اصحاب اخلاق حسنة و و حذرونا من الاخلاق السیئة الرذائل من هذه الرذائل هو خلق الغضب و کما نقول باللغة الشعبیة العصبیة قالوا فی تعریفه انه حالة تغير يحصل عند فوران دم القلب (ای ارتفاع الضغط) ليحصل عنه التشفي في الصدر لاتغضب ما استطعت، وزيِّن نفسک بزينة الحلم واعلم أن الغضب مفتاح کلِّ سوء، ولعل شدته تؤدي بصاحبها الى موت الفجأة.

الله سبحانه قال من صفات المتقین(3) (وَ الْکاظِمِينَ الْغَيْظَ) يقال: کظم غيظه أي سکت عليه و لم يظهره، قوله: (وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) أي: التارکين عقوبة من أذنب إليهم و استحق المؤاخذ. أن الرسول الله (صلی الله علیه و آله) و اهلبیته (علیهم السلام) أعطي جوامع الکلم من ربهم سبحانه وتعالى لعلمه بخلود الشريعة وبقائها وشمولها، وهذا الأمر لا يحصل إلا بقواعد وأسس.

فمن جوامع الکلم التي حوت لنا کل خير، ونفت عنا کل شر: ما نطق بها الرسول الکريم، الذي لا ينطق عن الهوى في مقالته للرجل الذي طلب الوصية من الرسول (صلی الله علیه و آله) عدة مرات، وفي کل مرة يقول الرسول المعلم (صلی الله علیه و آله): لا تغضب، وفي بعض الألفاظ أن الرجل قال: قلت: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، ولا تکثر علي، قال: لا تغضب.

ومعلوم أن الوصية: طلب الشيء مع تأکيده، فالرسول (صلی الله علیه و آله) أکثر عليه بعدم الغضب، يکون من الله بمعنى: إنکاره على من عصاه، وسخط عليه وأعرض عنه. معاقبة له، ويکون من الناس على ضربين: محمود

ص: 31


1- ([1]) آل عمران: 134
2- ([2]) غرر الحکم و درر الکلم، ص 165
3- ([3]) (وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّکمْ تُرْحَمُونَ (132) وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّکمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ الْکاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِي)

ومذموم. فالمحمود: ما کان في جانب الدين والحق، أما المذموم، فما کان في خلافه، وما نهى عنه الرسول (صلی الله علیه و آله) هذا الرجل من قبيل المذموم. ولهذا قال الرجل: ففکرت حينما قال لي النبي (صلی الله علیه و آله) ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر کله(1).

إن مثل هذا الحديث نتذکره ونحن في حالتنا الطبيعية، فإذا استُغضب أحدنا نسيه، واستجاب دون تروٍّ لضغط الغريزة، وفقد السيطرة على نفسه، واندفع ينفّس عن هذا الغضب بلسانه ويده، فإذا انزاحت سحابة الموقف، ورجع إلى نفسه وجد أنه کسر ما لا يجبر، وخرق ما لا يُرقع، وربما ضرب أولاده و امرأته، وربما استقال من عمله، وربما هدم علاقاته بأصدق أصدقائه:

إن النفوس إذا تنافر ودّها*مثل الزجاجة کسرها لا يجبر

و قال الإمام الصادق (علیه السلام):(2) «من ملک نفسه إذا رغب (ای رغبته فی احد لم تدخله المعصیة) و إذا رهب (ای اذا خاف من شئ) و إذا اشتهى و إذا غضب حرم الله جسده على النار.» و قال الإمام الصادق (علیه السلام):(3)

«ثلاث من کن فيه کان سيدا کظم الغيظ و العفو عن المسي ء و الصلة بالنفس و المال»

قصة الرجل المطلق

قيل لهارون: إن رجلا من العرب طلق خمس نسوة، فقال الرشيد: إنما يجوز النکاح على أربع نسوة فکيف طلق خمسا؟ فقيل له: کان لرجل أربع نسوة، فدخل عليهن يوما فوجدهن متنازعات، فقال: إلى مت هذا التنازع؟ ما إخال هذا الأمر إلا من قبلک يقول لإمرأة منهن أذهبي فأنت طالق. فقالت له صاحبتها: عجلت عليها بالطلاق، ولو أدبتها بغير ذلک لکنت حقيقا. فقال لها: وأنت أيضا طالق فقالت له الثالثة: قبحک الله فوالله لقدکانتا إليک محسنتين، وعليک مفضلتين فقال: وأنت أيتها المعددة أياديهما طالق أيضا.

ص: 32


1- ([1]) أن يکون مراده الأمر بالأسباب التي توجب حسن الخلق. من الکرم والسخاء، والحلم والحياء، والتواضع والاحتمال، وکف الأذى، والصفح والعفو، وکظم الغيط، والطلاقة والبشر، ونحو ذلک من الأخلاق الجميلة، فإن النفس إذا تخلقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة، أوجب لها ذلک دفع الغضب عند حصول أسبابه.
2- ([2]) ثواب الأعمال و عقاب الأعمال، ص 160
3- ([3]) تحف العقول، ص 317

فقالت له الرابعة ضاق صدرک عن أن تؤدب نسائک إلا بالطلاق فقال لها: وأنت طالق أيضا وکان ذلک بمسمع جارة له، فأشرفت عليه وقد سمعت کلامه، فقالت: والله ماشهدت العرب عليک وعلى قومک الا بالضعف الا لما بلوه منکم و وجدوه منکم، أبيت إلا طلاق نسائک في ساعة واحدة، فقال لها: وأنت إن أجاز زوجک طالق. فأجابه الزوج من داخل بيته: قد اجزت قد اجزت وهکذا طلق خمس نساء.

آثار الغضب

من آثار الغضب هو 1) تغییر لون الوجه(1)

2) شدة الرجفة فی الاطراف

3) اضطراب الحرکة و الکلام

4) من آثاره علی اللسان تنطلاقه بالشتم و الفحش و قبح الکلام(2)

بحیث یخجل لو کان الانسان هادئا.

5) و آثاره علی الاعضا انه یضرب الآخرین و الهجوم علیهم و قد یصل للقتل و بعد الفتور یندم. «وقال الإمام علي (علیه السلام): إياک والغضب فأوله جنون وأخره ندم»

6) من آثاره علی القلب اذا کتم غیظه لعدم الاستطاعة تحول الی الحقد علی الاخرین و العزم علی افشاء اسرارهم. قال الإمام الصادق (علیه السلام): «الغضب مفتاح کل شر» اذا نظرت الی المطلقین فان اکثره کان سبب شجار لغضب احد علی الاخر سبب بفراق الزوجین و اذا نظرت الی مخافر الشرطة فجد جلهم احضروا بسسب عراک و شجار کان سببه الغضب و اذا نظرت السجون فتجدها ملیانة بمن قتل شخص لغضب صدر منه او اضر باحد لغضبه(3).

قصة أبو مسعود الأنصاري

«عن أبي مسعود الأنصاري من اصحاب النبی (صلی الله علیه و آله)، قال: " کنت

ص: 33


1- ([1]) روی ابو حمزة الثمالي عن الباقر (علیه السلام) قال: إن هذا الغضب جمرة من الشيطان توقد في قلب ابن آدم و إن أحدکم إذا غضب احمرت عيناه و انتفخت أوداجه (ای کبرت عروقه) و دخل الشيطان فيه فإذا خاف أحدکم ذلک من نفسه فليلزم الأرض فإن رجز الشيطان ليذهب عنه عند ذلک. انظر الکافي، ج 2، ص 305
2- ([2]) وقال الإمام علي (علیه السلام): (الغضب يردي صاحبه، ويبدي معايبه)
3- ([3]) قال الباقر (علیه السلام): من کف غضبه عن الناس کف الله عنه عذاب يوم القيامة. الکافي، ج 2، ص 305

أضرب غلاما لي فسمعت من خلفي صوتا: اعلم أبا مسعود الله أقدر عليک منک عليه، فالتفت فإذا هو رسول الله (علیه السلام)، فقلت: يا رسول الله، هو حر لوجه الله تعالى، فقال: أما إنک لو لم تفعل للفحتک النار، أو قال: لمستک النار»

عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال:(1) مر يهودي بالنبي (صلی الله علیه و آله) فقال السام (ای الموت) عليک فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) عليک فقال أصحابه إنما سلم عليک بالموت قال الموت عليک قال النبي (صلی الله علیه و آله) و کذلک رددت ثم قال النبي (صلی الله علیه و آله) إن هذا اليهودي يعضه أسود (حیة) في قفاه فيقتله قال فذهب اليهودي فاحتطب حطبا کثيرا فاحتمله ثم لم يلبث أن انصرف فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله) ضعه فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاض على عود فقال يا يهودي ما عملت اليوم قال ما عملت عملا إلا حطبي هذا احتملته فجئت به و کان معي کعکتان (نوع خبز) فأکلت واحدة و تصدقت بواحدة على مسکين فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) بها دفع الله عنه و قال إن الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان.»

قال الصادق (علیه السلام) قال:(2) «قال رجل للنبي (صلی الله علیه و آله) يا رسول الله علمني قال اذهب و لا تغضب فقال الرجل قد اکتفيت بذاک فمضى إلى أهله فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفا و لبسوا السلاح فلما رأى ذلک لبس سلاحه ثم قام معهم ثم ذکر قول رسول الله (صلی الله علیه و آله) لا تغضب فرمى السلاح ثم جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدو قومه فقال يا هؤلاء ما کانت لکم من جراحة أو قتل أو ضرب ليس فيه أثر فعلي في مالي أنا أوفيکموه(3)

فقال القوم فما کان فهو لکم نحن أولى بذلک منکم قال فاصطلح القوم و ذهب الغضب.»

دواء الغضب

لا تقل أنا غضوب، ولا أستطيع أن أقلع عن هذا الخلق، فإن الحلم بالتحلم والعلم بالتعلم، ومعنى ذلک أننا يمکن أن نتعلم الحلم ولو لم يکن من طباعنا، ومن الوسائل الناجعة لتغيير طبع الغضب في النفس:

1) التعوذ بالله من الشيطان الرجيم: فهو من الأسباب المهدئة للغضب حين وجود الغضب، فهو علاج ما أحسنه يدل على الاعتصام بالله

ص: 34


1- ([1]) الکافي، ج 4، ص 5
2- ([2]) الکافي، ج 2، ص 304
3- ([3]) «ليس فيه أثر» أي علامة جراحة و الاثر بقية الشي ء و علامته. و الايفاء و التوفية: اعطاء الحق تاما.

والالتجاء إليه(1) من هذا الشيطان الرجيم، الذي يريد أن يوقع الإنسان في الردى والهلاک.

2) السکوت: قال النبي (صلی الله علیه و آله):(2) «إذا غضب أحدکم فليسکت» لأن الغضبان يصدر منه في حالة غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه کثير من السباب وغيره مما يعظم ضرره، فإذا سکت زال عنه هذا الشر کله.

3) تغییر الحالة: مثلا جلوسه(3) إن کان قائما، فإن أجدى ذلک، وإلا فليضطجع(4).

نعم یا اخی تغیر الحالة هی دواء الغضب اذا غضبت و انت واقف فجلس او اذهب من ذلک المکان حتی یهدء غضبک اوما رایت الغضبان اذا غضب قام و اذا کان بعیدا تقرب حتی یشتد العراک بینهم.

4) أن يتوضأ أو يغتسل: لأن الغضب جمرة في قلب کل إنسان. و في رواية عن رسول الله (صلی الله علیه و آله):(5)

«أن الغضب من الشيطان و أن الشيطان خلق من النار و إنما يطفئ النار الماء فإذا غضب أحدکم فليتوضأ.»

5) مس ذی الرحم: العلاج الذی هو خاص بذي الرحم حيث روی عن موسى بن جعفر (علیه السلام) قال:(6)

«لما دخلت على الرشيد سلمت عليه فرد علي السلام ثم قال يا موسى بن جعفر (علیه السلام) خليفتين يجبى إليهما الخراج فقلت يا أمير المؤمنين أعيذک بالله أن تبوء بإثمي و إثمک و تقبل الباطل من أعدائنا علينا فقد علمت أنه قد کذب علينا منذ قبض رسول الله (صلی الله علیه و آله) بما علم ذلک عندک فإن رأيت بقرابتک من رسول الله (صلی الله علیه و آله) أن تأذن لي أحدثک بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن جدي رسول

ص: 35


1- ([1]) قال الله: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَکرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) الأعراف: 201
2- ([2]) بحار الأنوار، ج 68، ص 404
3- ([3]) قال الباقر (علیه السلام): فأيما رجل غضب على قوم و هو قائم فليجلس من فوره ذلک فإنه سيذهب عنه رجز الشيطان. (الکافي، ج 2، ص 302) الرجز العذاب و الخبث و الرجس المنتن و المراد به هنا نزغات الشيطان و وساوسه فان الخبيث ينفخ فى الانسان الکبر و العجب و الغضب.
4- ([4]) وقد قيل: إن المعنى في هذا أن القائم متهيئ للانتقام، والجالس دونه في ذلک، والمضطجع أبعد عنه، فأمره بالتباعد عنه حالة الانتقام
5- ([5]) بحار الأنوار، ج 70، ص 272
6- ([6]) بحار الأنوار، ج 70، ص 273

الله (صلی الله علیه و آله) أنه قال إن الرحم إذا مست الرحم تحرکت و اضطربت فناولني يدک جعلني الله فداک فقال ادن فدنوت منه فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه و عانقني طويلا ثم ترکني و قال اجلس يا موسى فليس عليک بأس فنظرت إليه فإذا أنه قد دمعت عيناه فرجعت إلى نفسي فقال صدقت و صدق جدک لقد تحرک دمي و اضطربت عروقي حتى غلبت علي الرقة و فاضت عيناي إلى آخر الخبر.»

6) الهدیة: و ایضا مما یطفی الغضب الهدیة قالت العرب فی ذلک: (إن الرثيئة تفثأ الغضب(1)) أي تسکنه، زعموا أن رجلا نزل بقوم و کان ساخطا عليهم، و کان مع سخطه جائعا، فسقوه الرثيئة فسکن غضبه، فضرب مثلا في الهدية تذهب الشنآن و إن قَلت.(2)

نعي: الأربعين و رجوع السبايا إلى کربلاء

لما خرج الحسين (علیه السلام) من مکة متوجها إلى الکوفة مر بمنزل يسمى بقصر بني مقاتل وکان رکب الإمام يسير والحر يسير إلى جانبه بألف فارس حيث کان عبيد الله قد أرسله ليضيق على الحسين و يجعجع به(3)..

فبينا القوم يسيرون إذ خفق الحسين (علیه السلام) بخفقة(4)

وهو على ظهر جواده ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين فأقبل عليه ولده علي الأکبر فقال له: أبه مم حمدت الله واسترجعت؟ قال: يا بني إني خفقت خفقة فعن (ای ظهر) لي فارس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير بهم فقال علي بن الحسين: أفلسنا على الحق؟ قال: بلى والذي إليه مرجع العباد قال: أبه إذا لا نبالي أن نموت محقين فقال الحسين (علیه السلام): جزاک الله خير ما جزى ولدا عن والده. وعندما وصل إلى عذيب الهجانات قال لأصحابه: من منکم يعرف الطريق على غير الجادة؟ فقال الطرماح بن عدي: أنا يا بن رسول الله فقال الحسين (علیه السلام): سر على برکات الله فأخذ الطرماح بزمام الناقة.

ولم يزل رکب الحسين (علیه السلام) يسير وإذا بجواد الحسين (علیه السلام) قد وقف عن المسير فنزل عنه و رکب جوادا غيره فلم يسر فبعثه فلم ينبعث وزجره فلم ينزجر حتى بدل سبعة أفراس على بعض الروايات فالتفت إلى

ص: 36


1- ([1]) الرّثيئة: لبن حامض، يصبّ عليه حليب. و تفثأ: تسکن.
2- ([2]) الطراز الأول، ج 1، ص 87
3- ([3]) ای یضیق علیه
4- ([4]) ای نام قلیلا

أصحابه وقال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا: أرض الغاضرية قال: هل لها اسم غير هذا؟ قالوا: تسمى نينوى... العقر... شاطىء الفرات قال: هل لها اسم غير هذا؟ قالوا: تسمى کربلاء فقال (علیه السلام): أرض کرب وبلاء ثم قال: انزلوا هاهنا مناخ رکابنا هاهنا تسفک دماؤنا هاهنا والله تهتک حريمنا هاهنا والله تقتل رجالنا هاهنا والله تذبح أطفالنا هاهنا والله تزار قبورنا وبهذه التربة وعدني جدي رسول الله ولا خلف لقوله.(1)

ولقد مر أبي بهذا المکان عند مسيره إلى صفين وأنا معه فوقف فسأل عنه فأخبر باسمه فقال: هاهنا محط رکابهم وهاهنا مهراق دمائهم.(2)

وکما أخبر سيد الشهداء (علیه السلام) جرت کل المصائب على هذه الأرض ولذلک لما عاد الإمام زين العابدين (علیه السلام) ومعه السبايا من الشام ومروا على کربلاء أول ما التقى بجابر بن عبد الله الأنصاري.

فعن عطية العوفي قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله زائرين قبر الحسين بن علي بن أبي طالب (علیه السلام) فلما دخلنا کربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ثم دنا من القبر و ألمسه ثم قال: يا حسين ثلاثا ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه، ثم قال: وأنى لک بالجواب، وقد شحطت أوداجک وفرق بين بدنک ورأسک.

الله يا جسم الربه إبحضن الزکيه*وابحضن طه المصطفى أوحيدر وصيه

تالي الجسم هذا تگطعه اسيوف أميه*

وابنات

حيدر تنسبي أوتمشي ويالجناب

قال عطية: فبينما نحن کذلک وإذا بسواد قد طلع من ناحية الشام، و لما دنا و اذا به زين العابدين (علیه السلام) زين العابدين قد جاء بعماته وأخواته، فقال الإمام: أنت جابر فقال: نعم يا ابن رسول الله (صلی الله علیه و آله)، فجعل يخبره بما جرى على تلک الأرض قائلا: يا جابر هاهنا قتل أبو عبد الله يا جابر هاهنا ذبحت أطفال أبي يا جابر هاهنا والله قتلت رجالنا وسبيت نساؤنا وأحرقت خيامنا.(3)

يا جابر مات بوي حسين ظامي*بشط العلقمي والماي طامي

ولا واحد لفى من أهلي وعمامي*بس الخيل حول الخيم تفتر

قالوا: بينما الإمام يتحدث مع جابر وإذا بمنادية تنادي: وا حسيناه، وا

ص: 37


1- ([1]) مقتل الحسين (علیه السلام)، لأبي مخنف: 75- 76
2- ([2]) الأخبار الطوال، ص 251، بغية الطلب فى تاريخ حلب، ج 6، ص 2624
3- ([3]) لواعج الأشجان، ص 241

أخاه.. وإذا بها الحوراء زينب (علیها السلام).. أخي حسين هل غسلوک أم کفنوک أم بغير کفن دفنوک.. وجعلت تبثه شکواها:(1)

خويه أخبرک راح الحجاب*وطبينا يخويه ديوان الاجناب

وگعدنا بخرابة على التراب*عفا گلبي يخويه اشلون ما ذاب

أنا ضعت وتحيرت يحسين بعداک*وتمنيت الفنا بعد يا خوي بعداک

والله ما ريد العمر يحسين بعداک*عمت عيني ولا شوفک عالوطيه

أدارت العائلة على قبر الحسين (علیه السلام) يلطمون واحسيناه وامصيبتاه، هذا و زينب (علیها السلام) لسان حالها تگل الدار، أسمع سؤال زينب للدار:

وين اهلچ غدو يا دار*دليني بيا وادي بيا منزل

بيا وادي بيا منزل غدوا عنچ*خنت الضيف ما هذا الرجا منک

عمن تسألين يا زينب؟

صاحت عن احسين عن عباس انشدنچ*يوعن علي وجاسم و العيون تهل

وضعت يديها على القبر الشریف، فنادت: واحسيناه وا حسيناه.. أخي حسين هل غسلوک أم کفنوک أم بغير کفن دفنوک؟(2)

لو ينکشف يحسين گبرک*أشگ اللحد واتمدد بجنبک

ريت عمري گبل عمرک*وانت اللي تچفني يه الحسين

يخويه نروح کلحنه فداياک*خذنا للگبر يحسين وياک

أهي غيبه يخويه واگعد اتناک*وگول سافر ويومين يرجع

واجتمعت النساء على الإمام السجاد (علیه السلام) کل تسأله عن قبر فقيدها. فمنهن الرباب أم عبد الله أقبلت إليه والثکل باد عليها منادية: يا بن الحسين أين قبر ولدي الرضيع؟ دلني عليه، فأقبل بها إلى قبر أبيه الحسين (علیه السلام) وعيناه تمطران دموعا وقال: ها هنا دفنت ولدک وأشار إلى جانب صدر الحسين، فانکبت على القبر الشريف. وکأني بها تقول مخاطبة الحسين (علیه السلام) في قبره:(3)

رد لهفتي يا لتسمع انداي*أو فک الگبر بحسين ليه

ص: 38


1- ([1]) مجالس السبايا، مجلس ملاقاة جابر ويوم الأربعين، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 129
2- ([2]) مجالس السبايا، مجلس ملاقاة جابر ويوم الأربعين، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 130
3- ([3]) مجالس السبايا، مجلس ملاقاة جابر ويوم الأربعين، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 130

خافن أوليدي ابنومته هاي*تحت الترب شايف أذيه

درت عله اوليدي ثداياي*أو هوه تحت هاي الوطية

ثم التفتت زينب (علیها السلام) إلى النساء:

نادت يا الحرم قومن مشنه*لعند لي تکفلنا من أهلنا

نريده يقوم ويردنا لوطنا*ما هو لي جابنا وبينا تکفل

أقبلت الحوراء مع النساء إلى قبر أبي الفضل (علیه السلام) جلست عنده نادت عباس:

والله نادت يا خوي يا عزنا وقمرنا*هاي المحامل قوم ردنا

لعند المدينة وطن جدنا

يا نازِلِينَ بِکرْبَلا هَلْ عِنْدَکمْ*خَبَرٌ بِقَتْلانا وَما أَعْلامُها

مَا حَالُ جُثَّةِ مَيِّتٍ فِي أَرْضِکم*بَقِيَتْ ثَلاثاً لا يُزارُ مَقامُها

بِاللهِ هَلْ وَارَيْتُمُوها فِي الثَّرى*وَهَل اسْتَقَرَّتْ فِي الُّلحودِ رِمامُها

ص: 39

اللیلة الخامسة: الحلم

اشارة

(إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ)(1)

تکلمنا فی اللیالی السابقة عن الاخلاق التی یجب علی المؤمن ان یکون علیها و الانسان یجب ان یتحبب للناس و اذا رأوه یحبون مجالسته و صحبته من اهم الاخلاق التی تمنع محبت الناس و صحبتهم للمومن هو عدم وجود الحلم و هو سبب کثیر من المشکلات بین الطالب و استاذ و زوج مع زوجته او اولاده و مسئول العمل مع العامل عنده. و الحلم(2)

هو ضبط النفس و و عدم انفعاله عن مخالفة الناس لکلامه وأوامره و عدم استفزاز الغضب له عند مشاهدة من یهینه او یغضبه من غير ذل مع وجود قدرته الکاملة له على المسارعة إلى الانتقام من قرنائه.

اما الآیة فتفسیرها هکذا «عن بن عباس في قوله: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ قال: کان من حلمه أنه کان إذا أذاه الرجل من قومه قال له: هداک الله»(3)

عن الباقر (علیه السلام) قال:(4)

«"إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ" قال الأواه هو الدعاء.» و الحلم من الأخلاق الحسنة.

وقيل: الحلم ملح الأخلاق. وکما أن کل طعام لايعرف طعمه إلا بالملح، کذلک لايجمل الخلق إلا بالحلم. وقال أمير المؤمنين، علي (علیه السلام) فيما قال:(5)

«أفضل رداء تردى به الحلم فإن لم تکن حليما فتحلم فإنه من تشبه بقوم أوشک أن يکون منهم.» و قال بعض المفسرین فی قوله تعالى: (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَک وبَيْنَهُ عَدَاوةٌ کأَنَّهُ ولِيٌ حَمِيمٌ). قال: هو الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن کنت کاذباً فغفر الله لک، وإن کنت صادقاً فغفر الله لي. قال الشاعر:

يخاطبني السفيهُ بکل قُبحٍ*فأکره أن أکون له مجيبا

ص: 40


1- ([1]) سوره التوبة: 114
2- ([2]) و الحلم في حق الله سبحانه فعبارة عن عدم انفعاله عن مخالفة عبيده لأوامره و نواهيه و عدم استفزاز الغضب له عند مشاهدة المنکرات. و عدم حمل قدرته الکاملة له على المسارعة إلى الانتقام.
3- ([3]) تفسير ابن أبي حاتم، ج 6، ص 2058
4- ([4]) تفسير نور الثقلين، ج 2، ص 387
5- ([5]) أعلام الدين في صفات المؤمنين، ص 296 و شرح الحديث: أى اذا لم تکن حليما فى اصل الخلقة فاکتسب الحلم لان الحلم کسائر الاخلاق قد يکون خلقيا و قد يکون کسبيا أو المراد فتکلف الحلم و أظهره فان ذلک قد يجر الى اکتساب الحلم و الاتصاف به.

يزيد سفاهة فأزيد حِلْما*کعودٍ زاده الإحراق طِيبا

والحلم خير وسيلة لمراغمة الشيطان، وإبعاد الشحناء بين الناس، فمن يُحرم الحِلم يحرم خيرا کثيرا.

حلم الإمام الصادق (علیه السلام)

«بعث الإمام الصادق (علیه السلام) غلاما له في حاجة فأبطأ فخرج الإمام الصادق (علیه السلام) على أثره فوجده نائما فجلس عند رأسه يروحه حتى انتبه فلما انتبه قال له أبو عبد الله يا فلان و الله ما ذلک لک تنام الليل و النهار لک الليل و لنا منک النهار.» (1)

سئل الإمام الحسن (علیه السلام) عن الحلم فقیل له:(2)

«فما الحلم قال کظم الغيظ و ملک النفس»

حلم نصير الدين الطوسي

و ینقل عن نصير الدين الطوسي رسالة من رجل ملؤها الشتم و السب ومن قبيح ما جاء فيها انه الرجل خاطب الخواجة الطوسي با يا کلب بن کلب. فلما قراء الخواجة الرسالة اجاب بوقار ورزانة وعبارات حسنة متينة دون ان ياتي بکلمة رديئة او ذکر قبيح وجاء في جوابة للرجل: اما ان خاطيتني بکلب فهذا غير صحيح لان الکلب يمشي على اربعة وله اظافر طويلة وانا منتصب القامة ظاهر البشرة بخلاف ما للکلب من شعر طويل ومخالب وکما اني ناطق ضاحک فخواصي تختلف عن خواص الکلب وفصوله.

حلم الشيخ جعفر کاشف الغطاء

و يروي عن الشيخ جعفر کاشف الغطاء، وکان زعيم الحوزة العلمية والمرجع الأعلى، وبعد ان أتم صلاة الظهر جماعة، جاءه رجل من السادة، وقال: له انا محتاج الى مال، اعطني من سهم جدي... فأجابه الشيخ بهدوء: لقد تأخرت، ليس لدي الآن شيء، فغضب ذلک السيّد، وبصق بوجه الشيخ أمام الناس، فما کان من الشيخ کاشف الغطاء، أن التفت الى الناس وحمل عباءته وأخذ يدور على المصلين ويقول: "من کان يحترم شيبة الشيخ جعفر فليعط لهذا السيد"، فامتلأت عباءة الشيخ بالاموال، ثم دفعها الى ذلک السيد.

قال حافظ الشاعر الشهیر الفارسی ما ترجمته لا تکن اقل من الشجر کلمن رماه بحجر اعطاه ثمرة و لا تکن اقل من الصدف البحرى کلمن

ص: 41


1- ([1]) الوافي، ج 4، ص 448
2- ([2]) کشف الغمة في معرفة الأئمة، ج 1، ص 568

یذبحه یعطیه لؤلؤة(1).

حلم السيد أبوالحسن الإصفهاني

نقل صاحب کتاب (بندهائي از رفتار علماء اسلام) هذه الحادثة عن لسان أحد طلبة العلوم الدينية في يوم من الايام کنت جالسا قريبا من باب تل الزينبية أحد ابواب الحرم المطهر للامام الحسين (علیه السلام) في مدينة کربلاء المقدسة وکان يقف إلى جانبي رجل فلما خرج اية الله الاصفهاني من تلک الباب متجها نحو منزله قال هذا الرجل بصوت منخفض: ساذهب واشتم هذا السيد و ذهب باتجاهه واخذ يسبه ويشتمه وبعد مدة من الزمن عاد ودموعه تجري على خديه فقلت له: ماذا جرى؟ لماذا تبکي؟ فقال: ذهبت لأشتم السيد وبقيت على ذلک حتى وصلت باب داره، فقال لي: قف هنا وانتظر فدخل إلى الدار ثم عاد بسرعة وأعطاني مبلغا من المال وقال لي: اي وقت تکون فيه محتاجا إلى شيء تعال إلى هنا وسأعطيک ما يسد حاجتک ولا داعي لمراجعة جهات اخرى غيري لعلهم لا يستطيعون مساعدتک وانا على استعداد لسماع السب والشتم منک ولکن ارجو منک ان لا تشتم عرضى وشرفي. فقال هذا الرجل: لقد تاثرت تاثرا کبيرا بکلام السيد واخذتني الرعشة وسرعان ما أجهشت بالبکاء من شدة حلم هذا الرجل العظيم.

صبره و تحمله: ففي يوم من ايام کان السيد الاصفهاني يؤدي صلاة الجماعة التي کان يحضرها الاف المؤمنين وفي اثناء الصلاة صاح أحد الحاضرين بصوت عال: لقد قتل السيد حسن ابن السيد الاصفهاني فتشتتت صفوف المصلين على اثر هذا الخبر لکن السيد ظل مشغولا بصلاته. وبعد ان انتهى من الصلاة ادار براسه الشريف نحو المصلين واذا به يرى ابنه السید حسن مقتولا شهيدا على يد أحد الاشرار فلم يتکلم بشي سوى انه قال: لا اله الا الله ثلاث مرات. و لم تخرج من عينيه ولا دمعة واحدة.

والاشد من ذلک هوعفوه عن القاتل وبهذا کان مصداقا للاية الشريفة (وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) و یقول احد الطلبة کان السید ابو الحسن قد وعدنی بمساعدة مالیة و قال تعال لی غدا اعطیک و لما فی غده رأنی فی تشییع ابنه نادانی و خرج لی مغلف و اعطانی ایاه و قال لم انسک.

ص: 42


1- ([1]) الشعر هو: کم مباش از درخت سايه فکن*هر که سنگت زند ثمر بخشش از صدف ياد دار نکته حلم*هر که برد سرت گهر بخشش

حلم الإمام السجاد (علیه السلام)

اولا: يروي ان جارية لعلي بن الحسين (علیه السلام)(1)

کانت تسکب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الابريق من يدها فشج رأس الإمام (علیه السلام)، فرفع الإمام رأسه إليها فقالت الجارية ان الله يقول والکاظمين الغيظ، قال: کظمت غيظي قالت والعافين عن الناس قال عفا الله عنک، قالت والله يحب المحسنين قال فاذهبي أنت حرة لوجه الله(2).

ثانيا: الإعراض عن المسيء والسکوت عنه: سبه رجل فسکت عنه، فقال إياک أعني فسکت عنه إلى أن اعادها عليه فقال (علیه السلام) وعنک أغضي(3).

حلم مهدي النراقي

أن العالم الفاضل المولى مهدي النراقي عندما کتب کتابه "جامع السعادات" في الأخلاق، بعث عددا من النسخ إلى علماء النجف وللسيد محمد مهدي بحر العلوم، وبعد مدة ذهب المولى مهدي النراقي إلى النجف الأشرف فجاء علماء النجف لمقابلته، لکن السيد بحر العلوم لم يأت(4) وعدم مجيىء عالم مثله صعب جدا عند المولى مهدي النراقي، وکان من الممکن قول کثير من الأشياء حول ذلک، لکن المولى النراقي قال: السيد لم يأت، نحن نذهب إليه وذهبوا، فستقبله باحترام کبير، فاندهش الجميع، کيف أنه لم يأت لملاقاته؟ قال بحر العلوم للمولى مهدي: في کل هذه المدة لم أذهب لملاقاتک ولم أعتن بک

ص: 43


1- ([1]) نقل في اوصاف زين العابدين (علیه السلام): « سئل جارية له عن زين العابدين کيف کان فقالت: مولاة له ما قدمت له طعام في نهار قط ولا فرشت له فراش في ليل قط، وکان من أحسن الناس صوتا بالقران الکريم حتى کان السقاؤون يمرون على دار الإمام فإذا سمعوا صوته وهو يتلو القران يقفون عن داره لحسن صوته وتأثرهم بقراءته.»
2- ([2]) نلاحظ ان صحبتهم وعيشهم في بيت الإمام تکون ثقافة قرانية والتربية کذلک.
3- ([3]) النفس الکبيرة تأبی أن تنزل إلى مستوى الجهال وهو (علیه السلام) يجسد لنا ويترجم لنا الاية الشريفة التي تعطي مواصفات عباد الرحمن بشکل عملي (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا).
4- ([4]) السيد مهدي بحر العلوم والشيخ مهدي النراقي کانا قبل أکثر من مئتي عام يعيشون في النجف الأشرف. وکانا زميلي دراسة ثم تفرقا وأصبح کل منهما مرجعا للتقليد، إذ بقي السيد بحر العلوم في النجف فيما ذهب الشيخ النراقي إلى کاشان. وکانت بينهما رسائل متبادلة.

عندما جئت، کنت أريد أن أرى إن کنت قد جمعت کتاب "جامع السعادات" أم إنک عملت بما کتبته ودونته وزکيت نفسک وهذبت أخلاقک؟ لکن الان ثبت لي أنک قد هذبت نفسک.

السفه

قال الإمام الصادق (علیه السلام) في حديث جنود العقل و الجهل أن ضد الحلم، السفه: (و الحلم و ضده السفه)(1) «و الحلم له منافع غير معدودة في الدنيا(2)

و الآخرة أما في الآخرة فيکفي في الدلالة ما روي "أن الرجل ليدرک بالحلم درجة الصائم القائم"(3) و أما في الدنيا فيکفي قول أمير المؤمنين (علیه السلام) "الحلم عشيرة" يعني أن الرجل کما يتمتع بالعشيرة يتمتع بالحلم و يتوقر لأجله، و من ثم قيل الحلم اکتساب المدح من الملوک و الثناء من المملوک.

و السفه الذي ضده، و طرف الافراط من الحلم عبارة عن خفة النفس و حرکتها إلى ما لا يليق من الامور مثل الضرب و القتل و الشتم و التسلط و الغلبة و الظلم و مفاسده کثيرة.»(4)

نعي: حرق الخيام و فرار بنات الرسالة

فی واقعة المنصور العباسي أمر عامله على المدينة أن يحرق على أبي عبد الله الصادق (علیه السلام) داره فجاء الوالی وجماعته بالحطب ووضعوه على باب دار الصادق (علیه السلام) وأضرموا فيه النار فلما أخذت النار ما في الدهليز تصايحن العلويات داخل الدار وارتفعت أصواتهن فخرج الإمام الصادق (علیه السلام) وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان وجعل يخمد النار

ص: 44


1- ([1]) کافي، ج 1، ص 46
2- ([2]) منافع الحلم للنفس: حلم الانسان يسبب کبر نفسه و يعرف ذلک بتحمل النفس للأمور الغير الملايمة لها، و منها نجدتها و يعرف ذلک بعدم صدور حرکات غير منظمة منها، و منها علو همتها و يعرف ذلک بعدم جزعها عند الامور الهائلة حتى لا يبالي من أهوال الموت و شدائده، و منها سکونها و يعرف ذلک بعدم طيشها في المؤاخذة، و منها تواضعها و يعرف ذلک بالتخشع و التذلل للغير و عدم إظهار مزيتها عليه، و منها حميتها و يعرف ذلک بعدم تهاونها في محافظة ما يجب حفظه شرعا و عقلا، و منها رقتها و يعرف ذلک بظهور تألمها عند تألم أحد من المؤمنين
3- ([3]) القطب الراوندي في لب اللباب، عن النبي (صلی الله علیه و آله): إن الرجل ليدرک بالحلم درجة الصائم القائم و إن الرجل ليکتب جبارا و ما يملک إلا أهل بيته. نقلا عن: مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، ج 11، ص 291
4- ([4]) شرح الکافي للمولى صالح المازندراني، ج 1، ص 308 باختصار

ويطفئ الحريق و هو یقول: فخرج الإمام الصادق (علیه السلام) وعليه قميص وإزار وفي رجليه نعلان وجعل يخمد النار ويطفئ الحريق حتى قضى عليها وهو يقول "أنا ابن أعراق الثرى(1)

أنا ابن إبراهيم خليل الله". (2)

حتى قضى عليها فلما کان الغد دخل عليه بعض شيعته يسلونه فوجدوه حزينا باکيا فقالوا: مما هذا التأثر والبکاء ليست هذه هي المرة الأولى التي تحرق فيها دورکم فقال الإمام (علیه السلام): لما أخذت النار ما في الدهليز(3)

نظرت إلى النساء وبناتي يتراکضن في الدار من حجرة إلى حجرة ومن مکان إلى مکان هذا وأنا معهن فتذکرت روعة عيال جدي الحسين (علیه السلام) يوم عاشوراء لما هجم القوم عليهن والمنادي ينادي: أحرقوا بيوت الظالمين.(4)

نعم روي أنه لما صرع الحسين (علیه السلام) تسابق القوم على نهب رحاله وسلب نسائه، وابن سعد ينادي بجيشه أحرقوا بيوت الظالمين، فأضرموا النار في الخيام ففرت النساء والأطفال على وجوههم في البيداء وهم يلوذون بعضهم ببعض ويصرخون: واجداه وامحمداه وا أبتاه.

نعم يقول الرواة: أحرق بالنار من أطفال الحسين ما يقرب من عشرين طفل وطفلة يوم عاشوراء، يقول حميد بن مسلم: رأيت طفلة هاربة من

ص: 45


1- ([1]) "أنا ابن أعراق الثرى" ای انا ابن اصل البشر و هو آدم و یسمی آدم عرق الثری او ابن اصل العرب و هو اسماعیل. قال العلامة المجلسي رحمه الله في (بحار الأنوار، ج 47، ص 136) ما نصه: رأيت في بعض الکتب: أن أعراق الثرى کناية عن إسماعيل (علیه السلام) و لعله إنما کنى عنه بذلک لأن أولاده انتشروا في البراري. و يؤيده ما جاء في انساب الاشراف (ج 1، ص 6) بإن عرق الثرى اسم إسماعيل (علیه السلام) و راجع شروح شعر امرئ القيس: «إلى عرق الثرى وشجت عروقي»
2- ([2]) الکافي، ج 1، ص 273 عن بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن سليمان بن سماعة، عن عبد اللّه بن القاسم، عن المفضّل بن عمر .. و عنه في إثبات الهداة، ج 3، ص 78 و مدينة المعاجز، ج 5، ص 259 و حلية الأبرار، ج 4، ص 71 و أورده ابن شهرآشوب في مناقبه، ج 3، ص 363 مرسلا عن المفضّل بن عمر، و عنه في بحار الأنوار، ج 47، ص 136، ذيل الحديث 186. و انظر الثاقب في المناقب: 137 و عنه و عن مناقب ابن شهرآشوب في مدينة المعاجز، ج 5، ص 296.
3- ([3]) الدهليز ما دخل عن باب الدار الممتد بينه وبين صحن الدار
4- ([4]) مأساة الحسين بين السائل والمجيب، للشيخ عبد الوهاب الکاشي، ص 136

الخيمة والنار تستعر بأطراف ثيابها فلحقت بها واخمدت النار عنه، لما رأت مني ذلک الصنع الجميل، قالت: يا شيخ أنت لنا أم علينا؟ فقلت لها: بنية أنا لا لکم ولا عليکم، قالت: يا شيخ هل قرأت القرآن؟ قلت: نعم، قالت:يا شيخ هل قرأت قوله تعالى(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) قلت: نعم قرأته، قالت: يا شيخ والله أنا يتيمة الحسين، قلت لها: بنية لا تخافي إني لا أريد السوء بک، بنية هل من حاجة فأقضيها لک؟ قالت: يا شيخ دلني على جسد والدي الحسين، قال: جئت بها إلى الميدان، أوقفتها على مصرع أبي عبد الله، قلت لها: بنية هذا جسد أبيک الحسين، فلما رأته جثة بلا رأس، وقعت عليه تنادي: أبه يا أبه من الذي قطع وريديک، أبه من الذي أيتمني على صغر سني أبه إذا أظلم الليل فمن الذي يحمي حمانا.(1)

يبويه انروح کل احنه فداياک* أخذنه للحرب يحسين وياک

أهي غيبه يبويه واگعد أنعاک* واگ-ولن سافر او يومين يسدر

اثاري الابو يا ناس خيمة*يفيي على بناته وحريمة

اجاني العيد ريته لا اجاني

بوية المن اعيد لو اجه العيد*وبعد المن اقبل بوية يا ايد

اجاني العيد واهل العيد غياب*وانا بدمعة يتيم مقابل الباب

ويلي ان صحت بويه يشتموني*وان صحت خويه يضربوني

ومن الضرب ورمن امتوني* ومن البکا عمين اعيوني

أنادي هلي وما يسمعوني

وإذا أنا بعمتي عندي تبکي وهي تقول: قومي نمضي تقول سکینة ما کنت أعلم ما جرى على البنات وأخي العليل، فقمت.. فما رجعنا إلى الخيمة إلا وهي قد نهبت وما فيها، وأخي علي بن الحسين (علیه السلام) مکبوب على وجهه، لا يطيق الجلوس من کثرة الجوع والعطش والأسقام، فجعلنا نبکي عليه ويبکي علينا.. یقول حميد بن مسلم: فانتهينا إلى علي بن الحسين (علیه السلام) وهو منبسط على فراش وهو شديد المرض، ومع شمر جماعة من الرجالة فقالوا له: ألا نقتل هذا العليل فقلت: سبحان الله أتقتل الصبيان إنما هذا صبي وإنه لما به (یعنی مرضه یقتله، یکفیه مرضه) فأقبلت إليه العقيلة زينب (علیها السلام) وأهوت عليه، وقالت: والله لا يقتل حتى أقتل دونه، فکفوا عنه..ولکن سحبوا الفراش الذي کان ينام عليه وألقوه

ص: 46


1- ([1]) مجالس السبايا، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 16

على الأرض..(1)

يخويه بقيت محيرة واصفک باليدين*لا عباس يبرالي ولا حسين

يضربوني من ابکي وتدمع العين*وتبقى عبرتي بصدري اتکسر

إجوا وخروا عنه وخلوه*ومن فوق فراش المرض جروه

على وجهه وعلى التربان سحبوه*يا ويلي ولا صديق عليه ينغر

جَرُّوهُ فانتهَبُوا النَّطَعَ المُعدَّ لهُ*وأوطأوا جِسمَهُ السَعدَانَ والحَسَکا

وَالَهفَتَاهُ لِزَينِ العَابِدينَ لُقَىً*مِن طُولِ عِلَّتِه والسُّقمِ قَدْ نُهِکا

ص: 47


1- ([1]) نفس المصدر، ص 17

اللیلة السادسة: الغيرة و الحمية

اشارة

(یا أَیُّهَا النَّبِیُّ قُلْ لأزْواجِکَ وَ بَناتِکَ وَ نِساءِ الْمُوءْمِنِینَ یُدْنِینَ عَلَیْهِنَّ مِنْ جَلاَبِیبِهِنَّ)

قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «الغيرة من الايمان» خلق الله الإنسان وکرمه بأنواع الإکرام، وکان من اثار تکريم الله تبارک وتعالى للإنسان أن کرم المرأة بما غرسه في نفوس المسلمين من غيرة عليها تتمثل في تلک العاطفة التي تدفع الرجل لصيانة المرأة وحمايتها عن کل محرم وشين وعار.

بل يعد الإسلام الدفاع عن العرض والغيرة على النساء جهادا يبذل من أجله الدم، ويضحى في سبيله بالمهجة، ويجازى فاعله بدرجة الشهيد في الجنة سأل الإمام الرضا (علیه السلام):(1) «عن الرجل يکون في السفر و معه جارية له فيجي ء قوم يريدون أخذ جاريته أ يمنع جاريته من أن تؤخذ و إن خاف على نفسه القتل قال نعم قلت و کذلک إن کانت معه امرأة قال نعم قلت و کذلک الأم و البنت و ابنة العم و القرابة يمنعهن و إن خاف على نفسه القتل قال نعم قلت و کذلک المال يريدون أخذه في سفر فيمنعه و إن خاف القتل قال نعم.»

لاتتسامحوا یا مؤمنین ولا تقصروا في المحافظة على ما يحتاج الى حارس من دينکم وعرضکم وأولادکم و اسعی یا مؤمن في ترويج الشرع فی اهل بیتک و حرمک، وامنعهن عما تحتمل منها الفساد. یقول الإمام الصادق (علیه السلام):(2)

" إذا لم يغر الرجل فهو منکوس القلب" توضیح: أي يصير بحيث لا يستقر فيه شي ء من الخير کالاناء المکبوب او المراد بنکس القلب تغير صفاته و أخلاقه التي ينبغي أن يکون عليها. و فی الآیة التی تلونها اول المجلس الله سبحانه و تعالی یامر رسوله بامر الناس و نسائه و بناته بالتزام الحشمة و الجلباب: کل غماش يستر الکل، و «یُدْنِینَ عَلَیْهِنَّ مِنْ جَلاَبِیبِهِنَّ» أي: يغطين أنفسهن بملاحف لأن الجلباب هو الملحفة و العباءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع و الخمار و فوق ثيابها فتجعل بعضه على رأسها و بعضه على صدرها و ظهرها و هی اما ملحفة کبيرة کما تستعمل فی باکستان او

ص: 48


1- ([1]) الکافي، ج 5، ص 52 و فیها ایضا: سألت أبا عبد الله (علیه السلام) عن الرجل يقاتل دون ماله فقال قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) من قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد قلت أ يقاتل أفضل أو لم يقاتل قال أما أنا لو کنت لم أقاتل و ترکته.
2- ([2]) الکافي، ج 5، ص 536

الذي تستعمله الآن المرأة الاهوازیة و العراقیة باسم العبائة العربیة و الایرانیات یلبسن الشادر الفارسی.

إن الغيرة مظهر من مظاهر الرجولة الحقيقية، کيف لا وهي صيانة للأعراض، وحفظ للحرمات، وتعظيم لشعائر الله، وحفظ لحدوده، وهي دليل على قوة الإيمان، ورسوخه في القلب، ولقد رأينا هذا الخلق يستقر في نفوس العرب حتى الجاهليين الذين تذوقوا معاني هذه الفضائل، فربما قامت الحروب غيرة على المرأة وحمية(1)،

وحفاظا على عرضها.

وبعد أن سمعتم هذه النصوص وغيرها.. يحق لنا أن نتساءل عندما نرى بعض المظاهر التي تدل على ضعف الغيرة لدى البعض إلا من رحم الله. أين غيرة الرجل وهو يرى زوجته أو ابنته تخرج بکامل زينتها وحليها، وتفوح منها أنواع الطيب، وقد وضعت على وجهها أنواع المساحيق والمبيضات؟ وأين الغيرة عند الرجل عندما يخرج بمحارمه وهن متبرجات يلبسن الثياب الضيقة والقصيرة، ويوزعن الابتسامات يمنة ويسرة، بلا حياء ولا حشمة؟

وأين الغيرة حينما يترک محارمه يذهبن إلى الأسواق وحدهن أو مع صديقاتهن، يجبن الأسواق ذهابا وإيابا الساعات الطوال من غير حاجة تذکر، وهو يعلم أن الأسواق مليئة بالذئاب البشرية؟ وأين الغيرة عنده وهو يرى محارمه يجلسن على مواقع التواصل الاجتماعي ويتابعن الساقطين والفاسدين؟ و أين الغيرة عندما يسمح لها بالجلوس مع الرجال أو أن تصور نفسها و هي بکامل زينتها و يتم تناقل ذلک عبر مواقع التواصل؟ لذلک ففی الحدیث عن الإمام الصادق کان علي (علیه السلام) يقول للذين فقدوا غيرتهم على محارمهم:(2)«یا

أهل العراق نبئت أن نسائکم یدافعن الرجال فی الطریق ألا تستحون» وفی حدیث آخر: «أما تستحون ولا تغارون نساؤکم یخرجن إلى الأسواق ویزاحمن

ص: 49


1- ([1]) في الجاهلية قبل الإسلام، کان الرجل الذي لا يغار على أهله رجلا منبوذا بين العرب، بل قد کانت الحروب تنشب غيرة وحمية للأعراض ويذکر التاريخ أن إحدى حروب الفجار الأربع التي نشبت بين العرب في الجاهلية کان سببها أن شبابا تسامعوا بجمال فتاة من بني عامر، فأحاطوا بها في سوق عکاظ وطلبوا منها أن تکشف لهم عن وجهها، فرفضت، ولما ألحوا عليها ما کان منها إلا أن نادت بأعلى صوتها: يا ال عامر، فجرد بنو عامر سيوفهم وکشفت الحرب عن ساق.
2- ([2]) الکافي، ج 5، ص 537

العلوج(1)»

لو أدرک الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام) زماننا هذا ما الذي عساه يقول؟

من مظاهر ضعف الغیرة

دخول الرجل الاجنبی الغیر محرم من الاقارب او غیرهم علی الزوجه و یکون بینهم ضحک و تبادل نکات و کلام لطیف و قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(2)

«الغيرة من الايمان و المذاء من النفاق» المذاء هو أن يدخل الرجل الرجال على أهله، ثم يخليهم یمازحون بعضهم بعضا، مأخوذ من المذى. و ایضا عدم الالتزام بمظهر الحجاب تری الزوجة او البنت او الاخت متبرجه و معها زوجها و لا یمنعها من ذلک(3)

و ایضا هی تکاسر صاحب المحل و تقف فی الصف لتشتری شیئا و الرجل واقف فی الباب او جالس فی السیارة هذا کله من مظاهر ضعف الغیرة و ایضا منها ادخال الستلات الغیر مقفلة فی البیت او النت المفتوح الغیر محجوب. يا أولياء الأمور من اباء وأمهات: ليست مسؤوليتکم اليوم هي الکساء والغذاء فحسب.. إنما مسؤوليتکم غرس القيم وبناء الجيل الصالح الذي يصلح نفسه ويخدم دينه ويحفظ وطنه. لذلک أصبحت مسؤوليتکم أعظم، فاتقوا الله في هذه الرعية التي استرعاکم الله إياها من بنين وبنات. يقول جلّ من قائل:(4)

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَکمْ وَأَهْلِيکمْ نَارًا(5)

وَقُودُهَا(6)

النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِکةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون»

الغیرة المذمومة

ومما يؤسف له أن معظم ما يسمونه الغيرة الزوجية التي کثيرا ما تقود أصحابها إلي مواطن التهلکة والتعاسة بل إلى الانتحار وارتکاب جريمة القتل والوقوف أمام حبل المشنقة کثيرا ما تکون هذه الغيرة لا

ص: 50


1- ([1]) نفس المصدر، و العلوج: جمع العلج، و هو الرجل من کفار العجم، و الرجل القوي الضخم. راجع: الصحاح، ج 1، ص 330.
2- ([2]) بحار الأنوار، ج 68، ص 342
3- ([3]) «قال النبى (صلی الله علیه و آله): و المرأة اذا خرجت من باب دارها متزینة متعطرة و الزوج بذلک راض یُنبى لزوجها لکل قدم، بیت فى النار.»
4- ([4]) التحريم: 6
5- ([5]) قال أمير المؤمنين علي (علیه السلام) فی تفسیر هذه الایة: «أدبوهم وعلموهم الخير» انظر: تفسير ابن کثير، ج4، ص 391
6- ([6]) أي: حطبها الذي يلقى فيها جثث بني ادم والحجارة

أساس لها من الصحة. و الغیرة لا یجب ان تتعدی حدودها و یظلم اهل بیته تراه لا یسمح له بخروج البیت ابداء و لا یخرج بها للحدائق و المتنزاهات فان هذه اخلاق مذمومه. روی حمزة بن عمران قال: قدمت المدينة بجوار لي و کنت أدخلهن البيت و أغلق عليهن الباب إذا خرجت في حوائجي فدخلت على أبي عبد الله (الإمام الصادق "علیه السلام") فأخبرته الخبر فقال و يشار الرجل على ما لا يرى(1)

أما إنهن إن يظلمنک في أنفسهن(2)

خير لک من أن تظلمهن.(3)

حرمة الدیاثة

و فی مقابل الرجل الغیراوی هو الرجل الدیوث الفاقد للحمیة علی اهله و عیاله کلمة (ديوث)(4) أى الذى يسکت ويرضى بوقوع إمرأته فى الفاحشة. وقد جاء عن الرسول (صلی الله علیه و آله) أنه قال: " ثلاثة قد حرم الله تبارک وتعالى عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخبث"

الغیرة فی الروایات

قال الرضا (علیه السلام):(5) «في الديک الأبيض خمس خصال من خصال الأنبياء معرفته بأوقات الصلاة و الغيرة و السخاء و الشجاعة و کثرة الطروقة.» عن الصادق (علیه السلام) انه قال:«قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) کان إبراهيم (علیه السلام) غيورا و أنا أغير منه و جدع الله أنف من لا يغار من المؤمنين و المسلمين»(6)

قصة غیرة النبی ابراهیم (علیه السلام)

إن إبراهيم(7) (علیه السلام) کان مولده بکوثى(8)

و إنه تزوج سارة و هي بنت خالته

ص: 51


1- ([1]) یعنی یا حمزه تستشیرنی فی شيء لا ارتضیه و لا اراه صحیحا
2- ([2]) یعنی حتی لو خانتک الجواری و ضلموک بهذا خیرا لک ان تضلمهمن بحبسهن
3- ([3]) مشکاة الأنوار في غرر الأخبار، ص 237
4- ([4]) بالمفهوم الشعبی (الدیوس)
5- ([5]) عيون اخبار الرضا (علیه السلام)، ج 1، ص 277
6- ([6]) الکافي، ج 5، ص 536 - الجدع: قطع الانف و لعله کناية عن الاذلال.
7- ([7]) قصص الأنبياء (علیهم السلام)، للراوندي، ص 107 مع تلخیص و تغییر فی الصیاغة و انظر: کافي، ج 15، ص 816
8- ([8]) کوثى موضع بالعراق به ولد إبراهيم (علیه السلام) و به مقام إبراهيم الخليل (علیه السلام)

و کانت صاحبة ماشية کثيرة و حال حسنة(1)

و إن إبراهيم (علیه السلام) لما کسر أصنام نمرود أمر به ان یحرق و لم تحرقه النار أمر نمرود أن ينفوا إبراهيم فأخرجوا إبراهيم و لوطا إلى الشامات فخرج إبراهيم و معه لوط و سارة و قال (إني ذاهب إلى ربي سيهدين)(2)

يعني إلى بيت المقدس فتحمل إبراهيم بماشيته و ماله و عمل تابوتا(3) و جعل فيه سارة غيرة منه عليها فمضى حتى خرج من سلطان نمرود و صار إلى سلطان رجل من القبط فمر بعاشر(4)

له فاعترضه فقال له افتح هذا التابوت و کان قد وضع سارة زوجته فیه حتى تعطيني عشره و أبى إلا فتحه ففتحه إبراهيم (علیه السلام) فلما بدت سارة و کانت موصوفة بالحسن قال فما هي قال إبراهيم حرمتي و ابنة خالتي قال فما دعاک إلى أن حبستها في هذا التابوت فقال إبراهيم (علیه السلام) الغيرة عليها أن لا يراها أحد.

قال فبعث الرسل إلى الملک فأخبره بخبر إبراهيم فأرسل الملک أن احملوه و التابوت معه فلما دخل عليه قال الملک لإبراهيم افتح التابوت و أرني من فيه قال إن فيه حرمتي و ابنة خالتي و أنا مفتد فتحه بجميع ما معي فأبى الملک إلا فتحه قال ففتحه فلما رأى سارة الملک فلم يملک حلمه سفهه أن مد يده إليها فقال إبراهيم اللهم احبس يده عن حرمتي فیبست ید الملک فقال الملک إن إلهک هو الذي فعل بي هذا قال نعم إن إلهي غيور يکره الحرام و هو الذي حال بينک و بينها فقال الملک ادع ربک يرد علي يدي فإن أجابک لم أعترض لها فقال إبراهيم (علیه السلام) اللهم رد عليه يده ليکف عن حرمتي فرد الله تعالى عليه يده فأقبل الملک نحوها ببصره ثم عاد بيده نحوها فقال إبراهيم (علیه السلام) اللهم احبس يده عنها فيبست يده و لم تصل إليها فقال الملک لإبراهيم إن إلهک لغيور فادع إلهک يرد علي يدي فإنه إن فعل بي لم أعد فقال له إبراهيم (علیه السلام) أسأل ذلک على أنک إن عدت لم تسألني أن أسأله فقال الملک نعم فقال إبراهيم اللهم إن کان صادقا فرد عليه يده فرجعت عليه يده فلما رأى الملک ذلک عظم إبراهيم (علیه السلام) و أکرمه و قال فانطلق حيث شئت و لکن لي إليک حاجة قال إبراهيم (علیه السلام) و ما هي قال أحب

ص: 52


1- ([1]) ای جمیلة
2- ([2]) الصافات: 99
3- ([3]) لعله کان کبیر و یشبه الهودج
4- ([4]) من یاخذ عشر اموال الناس للسلطان او ما یسمی فی زماننا بضرائب و مالیات

أن تأذن لي أن أخدمها قبطية عندي جميلة عاقلة تکون لها خادمة فأذن له إبراهيم (علیه السلام) فدعا بها فوهبها لسارة و هي هاجر أم إسماعيل (علیه السلام).»

قصة غیرت الرجل علی زوجته

في کتابه البداية النهاية إذ قال: ومن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة (أي: سنة 286) أن امرأة تقدمت إلى قاضي الري فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار، فأنکره، فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا. فلما صمموا على ذلک قال الزوج: لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدعيه. فأقر بما ادعت ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها. فقالت المرأة حين عرفت ذلک منه وأنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حل من صداقي عليه في الدنيا والاخرة.(1)

اثار الغیرة فی الحیاة

الغيرة من غير إفراط هي لازمة للحياة الزوجية، فلا تستساغ بدونه، بل يزيدها رونقا وجمالا، فإن کان الإفراط في الغيرة هو برکانا ناسفا للحياة الزوجية، فإن التفريط في الغيرة هو الشئ القاتل لها. فإن انعدام الغيرة عند الزوج غير محمود، فهو مؤشر على مشاعر وأحاسيس سلبية، أدناها اللامبالاة وشح الاهتمام بالنسبة للزوجة قال الصادق (علیه السلام): «إن المرء يحتاج في منزله و عياله إلى ثلاث خلال يتکلفها و إن لم يکن في طبعه ذلک معاشرة جميلة و سعة بتقدير و غيرة بتحصن»(2)

ای غیرته لا تخرجه من الحدود الشرعیة یغیر لکن بتحصن ای تحفظ و خوف من الله عزوجل لا یرتکب حراما.

من عجائب الغيرة عند الإمام علي (علیه السلام)

دخل علي بن أبي طالب (علیه السلام) على زوجته فاطمة الزهراء (علیها السلام) فرأها تستاک بعود السواک و یؤخذ من شجرة اسمها "الآراک" كما تسمى أحياناً شجرة "السواک"، فقال لها متغزلا بها و لا عیب فی تغزل الرجل فی زوجته:(3)

ص: 53


1- ([1]) البداية والنهاية، ج 11، ص 83 و کشکول الشیخ البهایی، ص 341 مع تصرف
2- ([2]) تحف العقول، ص 322 و فیه ایضا: «کل ذي صناعة مضطر إلى ثلاث خلال يجتلب بها المکسب و هو أن يکون حاذقا بعمله مؤديا للأمانة فيه مستميلا لمن استعمله»
3- ([3]) فيض الإله المالک في حل ألفاظ عمدة السالک وعدة الناسک، ج1، ص 30

حظيت يا عود الأراک بثغرها*أما خفت يا عود الأراک أراک

لو کنت من أهل القتال قتلتک*ما فاز مني يا سواک سواک

قصة غیر النساء

ومن غرائب غيرة النساء ما حکاه المبرد عن احد قال: کانت لي جارية وکنت هاویها، وکنت أهاب زوجتی ابنة عمي فيها. فبينما أنا ذات ليلة على السرير إذ عرض لي ذکرها، فنزلت من على السرير أريدها، إذ لدغتني في طريقي عقرب، فرجعت إلى السرير مسرعا وأنا أتأوه. فانتبهت ابنة عمي وسألتني عن حالي، فعرفتها أن عقربا لدغني. فقالت: أعلى السرير لدغتک العقرب؟ فقلت لا، قالت أصدقني الخبر، فأعلمتها فضحکت وأنشدت:

وداري إذا نام سکانها*تقيم الحدود بها العقرب

إذا رام ذو حاجة غفلة*فإن عقاربها ترقب

ثم دعت جواريها وقالت: عزمت عليکن أن لا تقتلن عقربا هذه السنة.

نعي: العباس (علیه السلام)

اهل البیت (علیهم السلام) هم من یعلمنا الغیرة و الحمیة علی النساء و العیال فمثلا نری الحسین (علیه السلام) حینما استوحده القوم و اردوا ان یهجموا علی مخیمه و یسرقوه قال لهم: (ویحکم یا شیعة ال ابى سفیان، ان لم یکن لکم دین و کنتم لا تخافون المعاد فکونوا احرارا فى دنیاکم هذه و ارجعوا الى احسابکم ان کنتم عربا کما تزعمون).

قال فناداه شمر: ما تقول یابن فاطمة؟ قال (علیه السلام): اقول انا الذى اقاتلکم و تقاتلوننى و النساء لیس علیهن جناح، فامنعوا عتاتکم و جهالکم و طغاتکم من التعرض لحرمى ما دمت حیا فقال شمر: لعنة الله لک ذلک یابن فاطمة. این کان الحسین و این العباس کافل زینب حینما دخلت مجلس ابن زیاد فی الکوفة و دخلوا مجلس یزید فی الشام و اللعین یتصفح وجههن، روي عن الإمام علي بن الحسين (علیه السلام) أنه قال: «لما أرادوا الوفود بنا على يزيد بن معاوية أتونا بحبال وربطونا مثل الأغنام وکان الحبل بعنقي وعنق أم کلثوم، وبکتف زينب وسکينة والبنيات، وساقونا وکلما قصرنا عن المشي ضربونا، حتى أوقفونا بين يدي يزيد، فتقدمت إليه وهو على سرير مملکته، وقلت له: ما ظنک

ص: 54

برسول الله لو يرانا على هذه الصفة فأمر بالحبال فقطعت من أعناقنا واکتافنا».(1)

وروي:(2) أيضا أن الحريم لما أدخلن إلى يزيد بن معاوية، کان ينظر إليهن ويسأل عن کل واحدة بعينها وهن مربطات بحبل طويل، وکانت بينهن امرأة تستر وجهها بزندها، لأنها لم تکن عندها ما تستر به وجهها.

فقال يزيد: من هذه؟ قالوا: سکينة بنت الحسين. فقال: أنت سکينة؟ فبکت واختنقت بعبرتها، حتى کادت تطلع روحها فقال لها: وما يبکيک؟ قالت: کيف لا تبکي من ليس لها ستر تستر وجهها ورأسها، عنک وعن جلسائک؟

و هنا فقام إليه رجل من أهل الشام فقال:(3)

يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية وهو يعنی سکینة بنت الحسین، وکنت بنت وضيئة یعنی فی وجهها نور و جمال فأرعدت سکینة، فأخذت بثياب عمتها: زينب، و قالت يا عمتاه: أوتمت و أستخدم؟ (کل من یصیر یتیم یکون خادم عند الناس) فقالت زينب: لا، ولا کرامة لهذا الفاسق (و اشارت الی یزید) وقالت للشامي: کذبت والله ولؤمت، والله ما ذلک لک ولا لیزید. فغضب يزيد و هم بضرب زینب، عادک اهنا زینب تذکرک کافلها و اخوها ابوالفضل العباس (علیه السلام):

يا بو فاضل تدري بالطفل المدلل*يابو فاضل على الماي شگد توسل

يابو فاضل تحيرني شلوون زينب*يابو فاضل اليتامى کلها تسأل

يابو فاضل عمة شو عمنا تعطل*يابو فاضل لو أجيک شلون أندل

لسان حال العباس (علیه السلام): (خویه زینب)

ﻻ تجيني زينب ايگتلج ونيني*ﻻ تجيني مقطع يساري ويميني

ﻻ تجيني زينب ايگتلج ونيني*ﻻ تجيني والسهم نابت بعيني

یقولون اصحاب المقاتل انه فی العشرین من صفر فی اربعینیة الحسین (علیه السلام) لما وصلوا من الشام الی کربلاء عندما عرفت ان هذا قبر الحسین اخذت بالتراب و تهیله علی رأسها و من ثم توجهت صوب العلقمی قال زین العابدین یا عمة الی این انت ذاهبة اتگله:

ص: 55


1- ([1]) موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 2، ص 456 و مثير الأحزان، ص 99
2- ([2]) الموسوعة الکبرى عن فاطمة الزهراء، الأنصاري، ج 7، ص 322، الأنوار النعمانية، ج 3، ص 254
3- ([3]) الإحتجاج، الطبرسي، ج 2، ص 310

انا رايحة العباس اگله* نومک يه خیی مو محله

انا رايحة العباس احاچيه*اسولفله مصايبنه وبچيه

اثاري الاخو ياناس عازته عازه* اریدن شوفتک گلبی توازه

یمه یا یمه الزهرا یا یمه

تعالی یه یمه او جابليني*ندير اللطم ما بينچ او بيني

انه سعدچ یه یمه او ساعديني*عليچ النوح والونه عليه

تبکيک عيني لا لأجل مثوبة*لکنما عيني لأجلک باکيه

تبتل منکم کربلا بدم ولا*تبتل مني بالدموع الجاريه

ص: 56

اللیلة السابعة: الرفق و وفات ابوطالب (علیه السلام)

اشارة

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ کنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِک فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَکلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَکلِينَ)(1)

الرفق هو التلطف في الأمور، والبعد عن العنف والشدة والغلظة. وقد أمر الله بالتحلي بخلق الرفق في سائر الأمور، وقد کان الرسول (علیه السلام) أبعد ما يکون عن الغلظة والشدة أماترى أن الله أرشد نبيه (علیه السلام) فقال له: (وَلَوْ کنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِک) وعکسه الغلظة في القول والفعل، فإنها صفة خبيثة تنفر الرجال منک، وتخل بشؤون حياتک.

اعلم ان الرفق هو لين الجانب بالقول، والفعل، والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف، وقد يجيء الرفق أيضا بمعنى التمهل في الأمور والتأني فيها. ومن الاداب التي دعانا إليها الإسلام: الرفق، ومعاملة الناس بخلق حسن، وعدم الجفاء والغلظة والحمق والعنف والقسوة. ومن حسن إسلام المرء: تأدبه، وتخلقه بالبشر، والرفق، والعطف، (ومن بدا جفا) وکلما تحضر المرء رق طبعه، وذهبت غلظته وفظاظته.

کما أن من الجفاء: أن يکلمک أحد، وأنت تنظر إلى غيره، أو لا تلقي له سمعک، أو تمر ولا تسلم عليه، أو لا تبتسم في وجهه، أو ترفع رأسک للسماء، أو ترفع جسمک عنه وهو يحدثک، أو تلقيه ظهرک، أو تمد رجلک أمامه، أو تبصق على الأرض عنده، وغير ذلک من الأخلاق القبيحة، التي تدل على سوء التربية، وفساد الطبع والتأخر.

روي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قوله:(2) «إن الرفق لم يوضع على شيء إلازانه، ولا نزع من شيء إلا شأنه» و وروي عن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) قوله:(3)

«عليک بالرفق، فإنه مفتاح الصواب وسجية أولي الألباب».

و عن الإمام الصادق (علیه السلام) عن رسول الله (صلی الله علیه و آله):(4)

«أ لا أخبرکم بمن يحرم عليه النار غدا قالوا بلى يا رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال الهين القريب

ص: 57


1- ([1]) آل عمران: 159
2- ([2]) الکافي، ج 2، ص 119، انه من الزينة و شانه من الشين أي العيب.
3- ([3]) غرر الحکم و درر الکلم، ص 444، ای مفتاح لکل شئ صحیح و صواب و طریقة اصحاب العقول و الفهم
4- ([4]) الأمالي، للصدوق، ص 319

اللين السهل» و عن موسى بن جعفر (علیه السلام):(1)«ما

من عمل أحب إلى الله تعالى و إلى رسوله من الإيمان بالله و الرفق بعباده، و ما من عمل أبغض إلى الله تعالى من الإشراک بالله تعالى، و العنف على عباده» و روی عن الإمام الصادق (علیه السلام): «الرفق يمن و الخرق شؤم»(2)

و الخرق: ضعف الرأي و سوء التصرف و الطيش و الخفة عند الغضب و هو یمحق البرکة من الرجل.

مثل: دارهم ما دمت في دارهم

مثل معروف یقول: «دارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم» هذا المثل فدارهم الاولى يعني استر عليهم و اجعلهم راضيين عنک وداریهم ما دمت في بيوتهم، و ارضهم و في بلدهم وعلى ترابهم، والمراد بهذا المثل أن لا تتمرد أو تتنمر على أناس عايش على خيرهم وتأکل من رزقهم ويعتنون بک وذلک من شيمة الشجعان، وهذا المثل شبيه بالمثل القائل «يا غريب کن أديب» يعني کن مؤدبا. و الرفق و المداراة شئ واحد و المداراة هي بذل الدنيا من أجل الدين أما المداهنة فهي بذل الدين من أجل الدنيا. و هذا المثل هو بیت شعر مقتبس من مشاعرة بین شاعرین قال الشاعر الاول:

مما يبغضني في أرض أندلس*سماع مقتدر فيها ومعتضد

ألقاب مملکة في غير موضعها*کالهر يحکي انتفاخاً صورة الأسد

فرد علیه الشاعر الثانی:

إن ترمک الغربة في معشر*قد جبل الطبع على بغضهم

فدارهم ما دمت في دارهم*وأرضهم ما دمت في أرضهم

وتصرف الشاعر الاول في هذا المعنى فقال:

يا خائفاً من معشرٍ*لا يصطلى بنارهم

إن تبل من شرارهم*على يدي شرارهم

أو ترم من أحجارهم*وأنت في أجحارهم

ص: 58


1- ([1]) النوادر، للراوندي، (مع ترجمة صادقى اردستانى)، ص 154
2- ([2]) الکافي، ج 2، ص 119، الرفق اللين و التلطف و الخرق العنف و العجلة و الخشونة و ترک التلطف، لأن هذه الامور من آثار الحمق و الجهل و من الرفق رفق الرجل بصديقه و عدوه لأن ذلک يوجب ازدياد الصداقة و رفع العداوة و منه قوله رفقه لجلسائه بالمساواة بينهم في اللحظة و النظرة و الإشارة و التحية و التکلم کيلا يورث العداوة بينهم. و اليمن هو البرکة، و ضده الشؤم و هو الشر، و شي ء مشوم، أي غير مبارک.

فما بقيت جارهم*ففي هواهم جارهم

وأرضهم في أرضهم*ودارهم في دارهم

قصة مرازم

مرازم احد اصحاب الإمام یقول:(1)«خرجنا مع أبي عبد الله (علیه السلام) حيث خرج من عند أبي جعفر من الحيرة(2) فخرج ساعة أذن له فانتهى إلى السالحين(3)

في أول الليل فعرض له عاشر(4)

کان يکون في السالحين فقال له لا أدعک أن تجوز فألح (الصادق "علیه السلام") عليه و طلب إليه و أنا و مصادف معه فقال له مصادف جعلت فداک إنما هذا کلب و قد آذاک و أخاف أن يردک و ما أدري ما يکون من أبي جعفر(5) و أنا و مرازم ائذن لنا أن نضرب عنقه ثم نطرحه في النهر فقال کف يا مصادف فلم يزل يطلب إليه حتى ذهب من الليل أکثره فأذن له فمضى فقال يا مرازم هذا خير أم الذي قلتما قلت هذا جعلت فداک فقال يا مرازم إن الرجل يجزع من الذل الصغير فيقع في الذل الکبير(6)

أيها الأخوة الأکارم: إن الرجل المسلم الموفق يلتمس للناس الأعذار قدر المستطاع. وإن على الأب الشفيق والأم الرؤم وعلى أصحاب المسؤليات أن يرفقوا بمن تحت أيديهم لا يأخذون إلا بحق ولا يدفعون إلا بالحسنى ولا يأمرون إلا بما يستطاع (لَا يُکلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا)(7) وعلى قدر ما يمسک الإنسان نفسه، ويکظم غيظه، ويملک لسانه، تعظم منزلته عند الله وعند الناس. فإن الإنسان مدني بطبعه ولا بد له أن يخالط الناس والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا

ص: 59


1- ([1]) مجموعة ورام، ج 2، ص 135
2- ([2]) بلدة قرب الکوفة
3- ([3]) اسم مدینة غرب بغداد
4- ([4]) و هو الذی یجبی الزکاة و الخراج للخلیفة
5- ([5]) المقصود بابی جعفر الدوانیقی یعنی الدوانیقی امر بالذهاب الی بغداد و اذا لم تاتی قد یقتلک
6- ([6]) الذل، بالضم: الهوان. والغرض من هذا الکلام أن العاقل لا ينبغي له أن يدفع الفاسد بالأفسد. فإن سوء أدب العاشر بالنسبة إليه (علیه السلام) وإن کان فاسدا، إلاأن قتله لدفع الذل أفسد. إذ المفاسد المترتبة عليه أکثر وأشد، وذلک إشارة إلى الخروج.
7- ([7]) الطلاق: 7

يصبر على أذاهم.

وقد قال بعض الحکماء يوصي بنيه: (يا بني إنکم لن تسعوا الناس بأموالکم فسعوهم بأخلاقکم إن الفظ القاسي، صاحب القلب الغليظ ينفر الناس منه ويتحاشون الجلوس إليه، فلا تقبل منه دعوة ولا يسمع منه توجيه، ولا يرتاح إليه جليس) نعم وإن کان صالحا تقيا بل حتى لو کان نبيا، فقد قال تعالى لخاتم الأنبياء: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ کنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِک فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَکلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَکلِينَ).

وعليکم بالرفق فإن النفس البشرية تميل إلى الرفق ولين الجانب وطيب الکلام وتأنس به، وتنفر من الغلظة والفظاظة والخشونة والعنف. وکان النبي (علیه السلام) رفيقا هينا لينا سهلا في تعامله وفي أقواله وأفعاله، وکان يحب الرفق، ويحث الناس عليه، ويرغبهم فيه يقول أنس خادم النبی (صلی الله علیه و آله):(1)«خدمت رسول الله (علیه السلام) عشر سنين فما قال لي أف قط و ما قال لشي ء صنعته لم صنعته؟ و لا لشي ء ترکته لم ترکته؟ و قال: کان لرسول الله (صلی الله علیه و آله) شربة يفطر عليها و شربة للسحر، و ربما کانت واحدة، و ربما کانت لبنا و ربما کانت الشربة خبزا يماث، فهيئتها له ذات ليلة فاحتبس النبي (صلی الله علیه و آله) فظننت أن بعض أصحابه دعاه فشربتها حين احتبس، فجاء (صلی الله علیه و آله) بعد العشاء بساعة فسألت بعض من کان معه: هل کان النبي (صلی الله علیه و آله) أفطر في مکان أو دعاه أحد؟ فقال: لا، فبت بليلة لا يعلمها الا الله من غم أن يطلبها النبي (صلی الله علیه و آله) و لا يجدها فيبيت جائعا، فأصبح صائما و ما سألني عنها و لا ذکرها حتى الساعة، و کان (صلی الله علیه و آله) يمازح أصحابه و يخالطهم و يحادثهم و يداعب صبيانهم و يجلسهم في حجره» و قال:(2)

«أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) کان يمشي و معه بعض أصحابه فأدرکه أعرابي فجذبه جذبا شديدا و کان عليه برد نجراني (أي: ثوب منسوب إلى بلدة نجران) غليظ الحاشية (أي: الطرف) فأثرت الحاشية في عنقه (صلی الله علیه و آله) من شدة جذبه ثم قال يا محمد (خاطبه باسمه قائلا له على وجه العنف) هب لي من مال الله الذي عندک فالتفت إليه رسول الله (صلی الله علیه و آله) فضحک و أمر بإعطائه و لما أکثرت قريش أذاه و ضربه قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون فلذلک قال

ص: 60


1- ([1]) سفينة بحار الأنوار، ج 2، ص 689
2- ([2]) مجموعة ورام، ج 1، ص 99

الله تعالى و إنک لعلى خلق عظيم»

الرفق بالمدين المعسر

قال سبحانه: (وَإِن کانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّکمْ إِن کنتُمْ تَعْلَمُونَ)(1)

والعسرة: اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال يقال: أعسر الرجل إذا صار إلى حالة العسرة وهي الحالة التي يتعسر فيها وجود المال. والنظرة: اسم من الإنظار بمعنى الإمهال. يقال: نظره وانتظره وتنظره، تأنى عليه وأمهله في الطلب. والميسرة: مأخذة من اليسر الذي هو ضد الإعسار. يقال: أيسر الرجل فهو موسر إذا اغتنى وکثر ماله وحسنت حاله. والمعنى: وإن وجد مدين معسر فأمهلوه في أداء دينه إلى الوقت الذي يتمکن فيه من سداد ما عليه من ديون، ولا تکونوا کأهل الجاهلية الذين کان الواحد منهم إذا کان له دين على شخص وحل موعد الدين طالبه بشدة وقال له: إما أن تقضى وإما أن تربى أى تدفع زيادة على أصل الدين.

الرفق بالحيوان

حتى الحيوان لم يحرم حظه من دعوة الإسلام إلى الرفق به والإحسان إليه. روی أن رجلا أضجع شاة يريد أن يذبحها، وهو يحد شفرته، فقال النبي (صلی الله علیه و آله): «أتريد أن تميتها موتات؟ هلا حددت شفرتک قبل أن تضجعها» و عن النبي (صلی الله علیه و آله) قال: «إياکم أن تتخذوا ظهور دوابکم منابر، فإن الله إنما سخرها لکم لتبلغکم إلى بلد لم تکونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لکم الأرض فعليها فاقضوا حاجتکم» و مر رسول الله (صلی الله علیه و آله) ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: «اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فارکبوها وکلوها صالحة» و عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: «إن الله کتب الإحسان على کل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدکم شفرته فليرح ذبيحته»

و عن الإمام الصادق (علیه السلام):(2)«إن الله يحب الرفق و يعين عليه فإذا رکبتم

ص: 61


1- ([1]) البقرة: 280
2- ([2]) الکافي، ج 2، ص 120، و العجف: الهزال و الاعجف: المهزول و الجدب هو المحل لفظا و معنى و هو انقطاع المطر و يبس الأرض، و نجوت نجاء ممدودا اي اسرعت و سبقت و الناجية و النجاة، الناقة السريعة تنجو بمن رکبها و البعير ناج. و الخصب: نقيض الجدب. و المعنا اذا وردتم ارض خالیة من الاعشاب فسرعوا فیها و اذا نزلتم بارض فیها خضار فیمحوا لدابتکم بالاکل فیها و توقف فی محل الاستراحة التی تسمی المنازل.

الدواب العجف فأنزلوها منازلها فإن کانت الأرض مجدبة فانجوا عنها و إن کانت مخصبة فأنزلوها منازلها.»

أبو طالب (علیه السلام)

یقول البعض ان اللیلة هی لیلة وفات أبو طالب (علیه السلام) عم النبي محمد بن عبد الله (صلی الله علیه و آله) ووالد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام).

اسم أبوطالب: فذکر بعضهم أن کنية ابو طالب هي اسمه قال الحاکم النيشابوري في کتاب المستدرک:(1) «أنه قد تواترت الأخبار بأن أبا طالب کنيته اسمه»(2)

فضائله: هو أحد أشراف وسادات العرب في الجاهلية والإسلام، وکان ورئيس مکة وأحد تجارها، شاعرا(3)، عرف بالحکمة(4)،

وکان وسيما، کان في الجاهلية من الموحدين الله، و بعد الإسلام امن بالنبي محمد (صلی الله علیه و آله) ولد بمکة قبل مولد النبي بخمس وثلاثين سنة.

بعد وفاة والد النبي (صلی الله علیه و آله) عبدالله تولى جده عبدالمطلب رعايته، فلما توفي قام أبو طالب (علیه السلام) بأعباء رعاية النبي (صلی الله علیه و آله) فلما بعث النبي (صلی الله علیه و آله) للرسالة تولى نصرته والذب عنه وحمايته من الکفار والمشرکين، فکان، فلاقى من الکفار صنوف العناء والبلاء حتى حاصروه هو وأسرته في الشعب المنسوب إليه بشعب أبي طالب حتى توفي بمکة المکرمة في أواخر السنة العاشرة من المبعث النبوي الشريف، ودفن بمکة إلى جانب أبيه في الحجون، فکان موته فقدا عظيما للنبي (صلی الله علیه و آله) والمسلمين. وبعد وفاته أوحى الله إلى النبي (صلی الله علیه و آله) بأن أخرج من مکة فقد مات ناصرک. کان له من الأولاد: طالب

ص: 62


1- ([1]) المستدرک على الصحيحين، الحاکم النيسابوري، ج 1، ص 116. باب: ومن مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مما لم يخرجاه.
2- ([2]) قسم من العلماء قالوا ان اسمه عمران و من قال ان اسمه عبد مناف
3- ([3]) کان الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) يعجبه أن يروي شعر أبي طالب (علیه السلام) وأن يدون، وقال (علیه السلام): تعلموه وعلموه أولادکم، فانه کان على دين الله، وفيه علم کثير.
4- ([4]) سئل حکيم العرب أکثم بن صيفي عمن تعلمت الحکمة والرياسة والحلم والسيادة؟ قال: من حليف الحلم والأدب، سيد العجم والعرب، أبي طالب بن عبد المطلب.

وعقيل وجعفر (1) والإمام أمير المؤمنين علی (علیه السلام) ومن البنات أم هاني وجمانة.

بعض أقوال الائمة (علیهم السلام) فيه

قال الإمام الصادق (علیه السلام) في حقه: «مثل أبي طالب (علیه السلام) مثل أصحاب الکهف، أسروا الإيمان وأظهروا الشرک، فأجرهم الله مرتين.» وقال الإمام الصادق (علیه السلام) ردا على الذين يدعون أن أبا طالب (علیه السلام) في ضحضاح من نار(2)،

وفي رجليه نعلان من نار تغلي منها أم رأسه «کذب أعداء الله، إن أبا طالب (علیه السلام) من رفقاء النبيين(3)

والصديقين

ص: 63


1- ([1]) جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم النبي (صلی الله علیه و آله) و شقيق الإمام علي (علیه السلام) من السابقين الى الإسلام، تشير المصادر الى انه صلى مع النبي (صلی الله علیه و آله) بعد اخيه علي (علیه السلام) و قال النبي (صلی الله علیه و آله) له: (عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار، ص 201) «اشبهت خلقي و خلقى» و هاجر الى الحبشة فأسلم النجاشي و من تبعه على يده، و اقام عنده ثم هاجر منها الى المدينة، "و روى عن الشعبى عن عبد الله بن جعفر قال: ما سألت عليا فامتنع، فقلت له: بحق جعفر إلا اعطانى". و خرج بأمر الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) الى وقعة مؤتة بالبلقاء (من ارض الشام) فنزل عن فرسه و قاتل، ثم حمل الراية و تقدم صفوف المسلمين فقطعت يمناه، فحمل الراية باليسرى، فقطعت ايضا، فاحتضن الراية الى صدره، و جاهد حتى وقع شهيدا بمؤتة. و روى الطبراني من طريق سالم بن أبي الجعد قال: «راى النبي (صلی الله علیه و آله) جعفرا ملکا ذا جناحين مضرجين بالدماء، و ذلک لأنه قاتل حتى قطعت يداه» راجع: (الإصابة: 1166 و صفة الصفوة، ج 1، ص 205 و طبقات ابن سعد، ج 4، ص 22 و حلية الأولياء، ج 1، ص 114، و معجم البلدان: مادة مؤتة).
2- ([2]) الضحضاح: بفتح الضاد: هو في الأصل الماء القليل على وجه الأرض ما يبلغ الکعبين، فاستعاره للنار، و حديث الضحضاح، تمسک به القوم دليلا على کفر أبي طالب و العياذ بالله و هو « عن ابي سعيد الخدري: ان رسول الله (صلی الله علیه و آله) ذکر عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ کعبيه يغلي منه دماغه.» و لا تصح هذه الروایة «انظر الحديث فى: صحيح البخاري ج 5، ص 66، ج 8، ص 144، إتحاف السادة المتقين للزبيدى ج10، ص 513، دلائل النبوة للبيهقى ج2، ص 347، کنز العمال للمتقى الهندى: 34092، البداية و النهاية لابن کثير 3ج، ص 125، تفسير القرطبى ج 8، ص 163، فتح البارى لابن حجر ج11، ص 417، السلسلة الصحيحة للألبانى ج 1، ص 54.»
3- ([3]) أشار الي قوله تعالي: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِک مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِک رَفِيقًا) النساء: 69

والشهداء والصالحين وحسن أولئک رفيقا.» وقال الإمام الباقر (علیه السلام): «مات أبوطالب بن عبدالمطلب (علیه السلام) مسلما مؤمنا، وشعره في ديوانه يدل على إيمانه(1)،

ثم محبته وتربيته ونصرته ومعاداة أعداء رسول الله (صلی الله علیه و آله) وموالاة أولياءه، وتصديقه إياه بما جاء به من ربه، وأمره لولديه(2)

علي (علیه السلام) وجعفر بأن يسلما ويؤمنا بما يدعو إليه.»(3) قال الإمام علي بن موسى الرضا (علیه السلام) في حقه:«من شک في إيمان أبي طالب (علیه السلام) کان مصيره إلى النار.»(4)

وقال محمد بن علي الباقر (علیه السلام):(5)

«لو وضع إيمان أبي طالب في کفة ميزان و إيمان هذا الخلق في الکفة الأخرى لرجح إيمانه ثم قال أ لم تعلموا أن أمير المؤمنين عليا (علیه السلام) کان يأمر أن يحج عن عبد الله و أبيه أبي طالب في حياته ثم أوصى في وصيته بالحج عنهم.»

ومع الأسف الشديد يقول بعض أصحاب الأقلام المأجورة وضعاف النفوس والإيمان: إنَّ أبا طالب (علیه السلام) مات کافرا، مع علمهم بأن سيرته تدل على إيمانه الراسخ بالله، ودخوله في الإسلام، وحث الناس على

ص: 64


1- من أشعار ابي طالب (علیه السلام) التي فيها اعتراف برسالة ابن اخيه محمد (صلی الله علیه و آله) کثير ننقل لک بعضها التي نقلها لنا الإمام الصادق حيث قيل له: إنهم (العامة) يزعمون أن أبا طالب کان کافرا فقال کذبوا کيف يکون کافرا و هو يقول: أ لم تعلموا أنا وجدنا محمدا* نبيا کموسى خط في أول الکتب و في حديث آخر کيف يکون أبو طالب کافرا و هو يقول: لقد علموا أن ابننا لا مکذب*لدينا و لا يعبأ بقيل الأباطل و أبيض يستسقى الغمام بوجهه*ثمال اليتامى عصمة للأرامل» (انظر: الکافي، ج 1، ص 449)
2- اخرج الحافظ ابن حجر في (الإصابة، ج 4، ص 116) عن علي (علیه السلام) انه لما اسلم قال له أبو طالب: الزم ابن عمک، و اخرج أيضا عن عمران بن حصين ان أبا طالب قال لجعفر ابنه لما اسلم: «صل جناح ابن عمک» فصلى جعفر مع النبي (صلی الله علیه و آله) ».
3- ([3]) إيمان أب طالب (علیه السلام) (الحجة على الذاهب إلى کفر أبي طالب)، ص 140
4- ([4]) أبان بن محمد قال: کتبت إلى الإمام الرضا علي بن موسى جعلت فداک قد شککت في إيمان أبي طالب (علیه السلام) قال فکتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فمن (يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) إنک إن لم تقر بإيمان أبي طالب کان مصيرک إلى النار.» انظر: کنز الفوائد، ج 1، ص 183
5- ([5]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 14، ص 68

اعتناق الإسلام، ومما يؤيد ذلک أقوال النبي (صلی الله علیه و آله) والأئمة المعصومين (علیهم السلام) في حقه، بالإضافة إلى إشعاره الدالة على إيمانه وإسلامه، ولکن لکونه والد الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) يجب اتهامه بالکفر، ولو کان والدا لغير الإمام (علیه السلام) لما قالوا فيه ما قالوا (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) و توفي (علیه السلام) في 7 شهر رمضان 10 للبعثة النبوية الشريفة في شعب أبي طالب بمکة المکرمة، وقيل: توفي في 26 رجب 10 للبعثة النبوية الشريفة، ودفن فيها. «لما قبض (علیه السلام) اتى أمير المؤمنين (علیه السلام) رسول الله (صلی الله علیه و آله) فاذنه بموته، فتوجع لذلک النبي (صلی الله علیه و آله) وقال: امض يا علي، فتول غسله وتکفينه وتحنيطه، فإذا رفعته على سريره فأعلمني. ففعل ذلک أمير المؤمنين (علیه السلام) فلما رفعه على السرير اعترضه النبي (صلی الله علیه و آله) فرق (النبي) له (أبي طالب) وقال: وصلتک رحم، وجزيت خيرا، فلقد ربيت وکفلت صغيرا، وازرت ونصرت کبيرا.»(1)

نعي وفات ابو طالب (علیه السلام)

و کان موت ابو طالب فقدا عظيما للنبي (صلی الله علیه و آله) والمسلمين و سماه عام الحزن لکن نخاطب رسول الله بلسان الحال:

واریت عمک یا رسول الله بالتراب*لکن سالم ماهو امقطع بالحراب

نتجه الی مولانه الحسین (علیه السلام):

واریت عمک یا رسول الله بالتراب*لکن سالم ماهو امقطع بالحراب

و لا تسمعه اینادی انا یا گوم عطشان*مثل الحسین ایصیح ضامی او مالگه اجواب

أسفي على غريب کربلاء، لا یوم کیومک یا أبا عبد الله الحسين (علیه السلام)، یقول الحسین (علیه السلام) یقول "أنا المظلوم، أنا الغريب، أنا العطشان":

أنا الذي ذبوحوه ظامي*وفي کربلا سلبوا أيتامي

وخيل العدى رضت اعظامي*وراسي عالرمح منصوب

الإمام الحسين (علیه السلام)، طلب من کل شيعته ومحبيه، أن يقيموا عليه مأتما في کل مکان وزمان، وذلک لما ألقت سکينة بنفسها على جسده الشريف، يوم الحادي عشر من المحرم، وجعلت تنادي: "أبه من الذي قطع وريدک" (2)، قالوا: لم تزل تنادي أبه يا أبه، ثم قالت: "سمعت

ص: 65


1- ([1]) إيمان أبي طالب للمفيد: 25
2- ([2]) مجالس السبايا من کربلاء إلى الشام إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 39

الصوت يخرج من منحر والدي الحسين، وهو يقول: بنية سکينة، إقرأي شيعتي عني السلام، وقولي لهم: إن أبي قتل غريبا، فاندبوه، وذبح عطشانا، فاذکروه".

شيعتي مهما شربتم*عذب ماء فاذکروني

أو سمعتم بغريب*أو قتيل فاندبوني (1)

فأنا السبط الذي*من غير جرم قتلوني

وبجرد الخيل بعد القتل*عمدا سحقوني

ليتکم في يوم عاشورا*جميعا تنظروني

کيف أستسقي لطفلي*فأبوا أن يرحموني (2)

شيعتي نصبوا الماتم والعزا لمصيبتي*

واذکروا

تعفير خدي بالتراب وذبحتي

لو شربتوا ماي ذکروا العطش فت کبدتي*

واقصدوا

لکربلا والکل يسکب عبرته

بينا سکينة محتضنة لجسد أبيها الحسين (علیه السلام)، إذ جاء إليها عدة من الأعراب، کلما أرادوا أن يقيموها من على جسد أبيها الحسين (علیه السلام) ما استطاعوا، فأقبل الشمر، وجعل يضرب سکينة بالسياط، وهي تلوذ ببدن أبيها، حتى أقاموها عنه. (3)

يضربوني وادفع بدية*شبيدي اعلى دهري لخان بيه

أنا منين إجتني الغاضرية*راحوا هلي من بين ايديه

برضاک لو رغما عليک*يجرني الشمر من بين ايديک

وأنا أصرخ وادير العين ليک*وادري بحميتک ما تخليک

معذور يالحزوا وريديک

سِبْطُ النَّبِيِّ المُصْطَفَى خَيْرُ المَلاَ*صادِي الحُشاشَةِ قَدْ قَضَى في کرْبَلاَ

ص: 66


1- ([1]) الخصائص الحسينيه (علیه السلام)، للشوشترى، ص 99
2- ([2]) موسوعة شهادة المعصومين (علیهم السلام)، اعداد: لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (علیه السلام)، ج 2، ص 325، نقلا عن: الدمعة الساکبة 4: 374
3- ([3]) مجالس السبايا من کربلاء إلى الشام إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 40

اللیلة الثامنة: العفو

اشارة

(خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (1)

نتکلم الیوم عن عبادة لا یقدر علیها الا الخلص لا یستطیع ان یتعبد بها الا القامات الایمانیة البشریة و هذه العبادة حیات الانبیاء و اهل البیت کلها قائمة علیها و هی العفو و الصفح عند المقدرة وهو ضد الانتقام وهو إسقاط ما يستحقه الغير من قصاص أو غرامة وأيضا هو محو الشيء وإزالته ويقال عفا عن الذنب أي لم يعاقب عليه.

إن العفو شعار الصالحين الأنقياء ذوي الحلم والأناة والنفس الرضية لأن التنازل عن الحق نوع إيثار للاجل على العاجل، وبسط لخلق نقي تقي ينفذ بقوة إلى شغاف قلوب الاخرين، فلا يملکون أمامه إلا إبداء نظرة إجلال وإکبار لمن هذه صفته وهذا ديدنه. ومقام العفو والصفح في رؤية کثير من الناس ذل ومهانة. فتقول له نفسه الأمارة بالسوء: کيف تعفو وکيف تصفح وقد فعل بک ما فعل وأساء إليک بکيت وکيت، أين العز أين القوة أين الشهامة فتحدثه نفسه أن العزة في الانتقام.

لا والله العز إنما هو في العفو والصفح لا کما يظنه کثير من الناس، وفي هذا جاء الحديث في عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال:(2)

«قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعکم الله، و الصدقة لا تزيد المال إلا کثرة، فتصدقوا يرحمکم الله، و العفو لا يزيد العبد إلا عزا، فاعفوا يعزکم الله» أي أن العفو لا يزيد صاحبه إلا عزا ورفعة وسمو قدر في الدنيا والاخرة. أيها المؤمنون يا من تبحثون عن السعادة، يا من تبحثون عن راحة البال وطمأنينة النفس، يا من تشکون من القلق والهم والاضطرابات اسمع إلى هذا الشاعر وهو يقول:

لما عفوت، ولم أحقد على أحد*أرحت قلبي من غم العداوات

إني أحي عدوي عند رؤيته*لأدفع الشر عني بالتحيات

وأظهر البشر للإنسان أبغضه*کأنما قد حشى قلبي محبات

فمن عفا عفا الله عنه، ومن صفح صفح الله عنه، ومن غفر غفر الله له، ومن عامل الله فيما يحب، وعامل عباده کما يحبون وينفعهم، نال محبة الله ومحبة عباده، واستوثق له أمره. وقال تعالى: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ

ص: 67


1- ([1]) الأعراف: 199 و أيضا (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) البقرة: 109
2- ([2]) الأصول الستة عشر، ص 243

يَغْفِرُونَ)(1) أي: سجيتهم وخلقهم وطبعهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس.

إن الايات الکريمة، والأحاديث الشريفة، التي تحض على العفو هذه ملاحظة مهمة جدا لا تعني، ولا تريد أن يکون العفو مرتعا للمجرمين يسرحون ويمرحون في رحابه، ولا تعني ولا تريد أن يکون العفو حصنا لهم يحميهم من حکم العدالة فيهم، ولا تعني ولا تريد أن يکون العفو منطلقا جديدا للعدوان على دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم قال تعالى: (وَلَکمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّکمْ تَتَّقُونَ)(2).

و کان أبو عزة الجمحي الشاعر من أسرى بدر، وکان النبي (صلی الله علیه و آله) قد حدد مبلغ أربعة الاف درهم فداء لکل أسير، فکلم أبو عزة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، فقال: يا رسول الله، لقد عرفت ما لي من مال، وإني فقیر، وذو عيال، فامنن علي، فمن رسول الله (صلی الله علیه و آله) عليه و اطلق سراحه بدون مقابل، وأخذ عليه العهد ألا یدخل علیه فی حرب مع احد و لا یهجوه بشعره فقبل و لکنه نقض العهد، وعاد إلى ما کان عليه من سب النبي (صلی الله علیه و آله)، وهجائه وحض الناس على قتاله.

وفي حرب أحد ظفر به النبي (صلی الله علیه و آله) فقال: يا رسول الله لا تقتلني وامنن علي ودعني لبناتي، وأعاهدک ألا أعود، فقال له النبي (صلی الله علیه و آله): (لا والله لا أدعک تمسح عارضيک بأستار الکعبة وتقول للناس: خدعت محمدا مرتين، إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين)(3)

لهذا ليس من العفو أن نستسلم لعدو غاصب، سلب الأرض، وانتهک الحرمات، وأفسد العقائد، وأفرغ القيم.

تأملوا معي إلى بعض الخلافات وقد تکون بين الأقارب، لا يتحمل بعضهم من بعض، وإذا بدر من أحدهم خطأ أعرض الاخر عنه، وقابل تلک الإساءة بالصدود والإعراض والتقاطع، والتهاجر والتدابر، وديننا يحث على العفو، ولو لم يکن في العفو أن العافي يقع أجره على الله، والعطية على قدر معطيها. و العفو من شيم الکرام قال الشاعر:

أحب من الإخوان کل مواتي*وکل غضيض الطرف عن عثراتي

يوافقني في کل أمر أريده*ويحفظني حيا وبعد مماتي

فمن لي بهذا ليت أني أصبته*لقاسمته مالي من الحسنات

ص: 68


1- ([1]) الشورى: 37
2- ([2]) البقرة: 179
3- ([3]) الفائق في غريب الحديث، ج 3، ص 200

تصفحت إخواني فکان أقلهم*على کثرة الإخوان أهل ثقات

ومن ثمرات العفو: حصول السعادة والسکينة، فالذي يعفو عن الناس، الذي يتسامح مع أخطائهم ينام قرير العين مرتاح البال، اطمأن قلبه وسکنت نفسه. لأنه يتعامل مع الله، ولا يتعامل مع البشر، وانظر إلى تلک الخطيئة أن هذا قدر من الله عليک، سلط الله عليک هذا الإنسان ليسيء إليک، فلا تتعامل مع البشر ولکن تعامل مع رب البشر، وانظر إلى الناس بعين الرحمة والشفقة فقد قال أحد الشعراء:

لما عفوت، ولم أحقد على أحد* أرحت قلبي من غم العداوات

إني أحي عدوي عند رؤيته*لأدفع الشر عني بالتحيات

وأظهر البشر للإنسان أبغضه*کأنما قد حشى قلبي محبات

تفسیر الآیة

(وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) العفو صفة إلهية، ويذکر الله بهذه الصفة في مقام الثناء والحمد و اوعد علیها جنة عرضها السماوات و الارض وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(1)

«ألا أدلکم على خير أخلاق الدنيا والاخرة؟ تصل من قطعک، وتعطى من حرمک، وتعفو عمن ظلمک» یقول الإمام علي (علیه السلام):(2)

«نصف العاقل احتمال و نصفه تغافل.» ای نصف عقله یتحمل اذیت الاخرین و النصف الاخر یتغافل و کانه لم یسمع ما قالوا و لم یری ما فعلوا من قبیح بحقه.

و ینقل أبو حمزة الثمالي عن السجاد (علیه السلام): «إذا کان يوم القيامة جمع الله تبارک و تعالى الأولين و الآخرين في صعيد واحد ثم ينادي مناد أين أهل الفضل قال فيقوم عنق من الناس فتلقاهم الملائکة فيقولون و ما کان فضلکم فيقولون کنا نصل من قطعنا و نعطي من حرمنا و نعفو عمن ظلمنا قال فيقال لهم صدقتم ادخلوا الجنة. و قال الباقر (علیه السلام): الندامة على العفو أفضل و أيسر من الندامة على العقوبة.»(3)

عفو رسول الله (صلی الله علیه و آله) عن أهل مکة

تذکروا قصة يوسف (علیه السلام) وما صنع به إخوته، فانهم باعوا أخاهم وأحزنوا أباهم، و یوسف لقي من کيد النساء ومن الحبس مالقی، ثم فماذا صنع يوسف حين و رفع ذکره، وجعله على خزائن الأرض، وجمع له أهله؟ قال یوسف: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْکمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَکمْ وَهُوَ

ص: 69


1- ([1]) کافي، ج 3، ص 277
2- ([2]) غرر الحکم و درر الکلم، ص 139
3- ([3]) الکافي، ج 2، ص 108

أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)(1) حينما فتح رسول الله(2)

(صلی الله علیه و آله) مکة و هزمهم المشرکين جاء رسول الله (صلی الله علیه و آله) الى جوار الکعبة و أخذ بحلقة بابها و کان المشرکون قد التجأوا إليها هم ينتظرون حکم رسول الله (صلی الله علیه و آله) و قال کلمته المشهورة: "الحمد لله الذي صدق وعده و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده" ثم توجه الى قريش و خاطبهم بقوله: "ماذا تظنون يا معشر قريش؟ قالوا: خيرا، و قد قدرت قال: و انا أقول کما قال اخي يوسف لا تثريب عليکم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء"» يقول علي (علیه السلام): «إذا قدرت على عدوک فاجعل العفو عنه شکرا للقدرة عليه» قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(3)

«إذا عنت لکم غضبة فأدوها بالعفو إنه ينادي مناد يوم القيامة من کان له على الله أجر فليقم فلا يقوم إلا العافون أ لم تسمعوا قوله تعالى فمن عفا و أصلح فأجره على الله»

عفو مالک الاشتر

روي أن مالکا الاشتر رضوان الله عليه مار في سوق الکوفة وعليه قميص وعمامة من خام زهید فراه شخص يغلب عليه الطيش فاحتقره لثيابه العادية هذه ورماه ببندقة طين فلم يلتفت إليه الاشتر ومضى. فقيل له: هل تعرف من رميت؟ قال: لا. قيل: هذا مالک الاشتر صاحب أمير المؤمنين (علیه السلام).

وقد کان حديث مالک بين الناس على کل شفة، فارتعد الرجل وتبع الأشتر ليعتذر إليه، فوجده قد دخل مسجدا وهو قائم يصلي فلما فرغ من صلاته وقع الرجل على قدميه يقبلهما فقال مالک: ما هذا؟ قال أعتذر إليک مما صنعت. قال مالک: لا بأس عليک فوالله ما دخلت المسجد الا لاستغفر لک. و قال أبو ذر لغلامه: لم أرسلت الشاة على علف الفرس أي تأکل من طعام الفرس؟ قال: أردت أن أغيظک قال أبو ذر: لأجمعن مع الغيظ أجرا، أنت حر لوجه الله تعالى.

قصة عن التسامح

من القصص التي تتجلى فيها عظمة التسامح، أن «صديقين کانا يسيران معا في وسط الصحراء، وأثناء سيرهما دار بينهما جدال حاد دفع أحدهما لضرب الاخر على وجهه، وعلى الرغم من أن الصديق الذي تعرض للضرب قد شعر بألم، إلا أن تسامحه دفعه لکظم غيظه

ص: 70


1- ([1]) يوسف: 92 - اي انّ العتاب و العقاب مرفوع عنکم اليوم
2- ([2]) الأمثل في تفسير کتاب الله المنزل، ج 7، ص 293
3- ([3]) بحار الأنوار، ج 74، ص 180

وعدم رد ما فعله صديقه به، ولم ينطق بکلمة، وإنما کتب على رمال الصحراء: "في هذا اليوم، ضربني صديقي على وجهي"، ومشى الصديقان معا و فجأة ثارت رمال الصحراء، وعلقت قدم الصديق المضروب الذي ضربه صديقه في الرمال، فما کان من صديقه إلا أن أسرع وأمسک بيده وأنقذه من موت محتم، وبعد أن نجا الصديق، أمسک بقطعة حجرية ونحت عليها: "في هذا اليوم أنقذني صديقي من الموت"، فاستغرب الصديق الذي ضرب صديقه ومن ثم أنقذه من الموت، وسأل صديقه: لماذا عندما ضربتک کتبت هذا الموقف على الرمال، وعندما أنقذتک کتبت هذا الموقف على حجر؟ فأجابه صديقه: عند الأذى تکتب المواقف على الرمال لتهب عليها رياح التسامح وتمحوها، وعند الخير، تکتب المواقف على الحجر کي تبقى ويبقى أثرها»

الفرق بين العفو و الذل

أن العفو إسقاط حقک جودا، وکرما، وإحسانا، مع قدرتک على الانتقام فتؤثر الترک رغبة في الإحسان، ومکارم الأخلاق بخلاف الذل، فإن صاحبه يترک الانتقام عجزا، وخوفا، ومهانة نفس، و کسلا فی دخول المحاکم فهذا مذموم غير محمود، ولعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه. قال تعالى: (وَالَّذِينَ

إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ)(1)

قال الإمام علي (علیه السلام):(2)

«العدل أنک إذا ظلمت أنصفت و الفضل أنک إذا قدرت عفوت.»

عفو الإمام الحسين (علیه السلام)

یقول الراوی دخلت المدينة فرأيت الحسين بن علي (علیه السلام) فأعجبني سمته ورواؤه، وأثار من الحسد ما کان يخفيه صدري لأبيه من البغض، فقلت له: أنت ابن أبي تراب؟ فقال (علیه السلام): نعم فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إلي نظرة عاطف رؤوف، ثم قال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) ثم قال (علیه السلام): "خفض عليک أستغفر الله لي ولک، إنک لو استعنتنا لأعناک، ولو استرفدتنا لرفدناک، ولو استرشدتنا لأرشدناک" یوقل الراوی: فتوسم مني الندم على ما فرط

ص: 71


1- ([1]) الشورى: 39 و قال الله: (وَکتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ کفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْکم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِک هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة: 45)
2- ([2]) عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 65

مني. فقال (علیه السلام) تثريب عليکم (لا تَثْرِيبَ عَلَيْکمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَکمْ) أمن أهل الشام أنت؟ قلت: نعم. فقال (علیه السلام): "شنشنة أعرفها من أخزم(1)،

حيانا الله وإياک، انبسط إلينا في حوائجک وما يعرض لک تجدني عند أفضل ظنک إن شاء الله تعالى".

یقول الراوی دخلت و هو و ابیه ابغض الناس اللی وخرجت و ما على الأرض أحب إلي منه ومن أبيه احد. و روي عن السجاد (علیه السلام) قال سمعت الحسين (علیه السلام) يقول: (2) "لو شتمني رجل في هذه الأذن وأومئ إلى اليمنى، وأعذر لي في الأخرى، لقبلت ذلک منه، وذلک أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) حدثني أنه سمع جدي رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: لا يرد الحوض من لم يقبل العذر من محق أو مبطل" فلنری ما فعلوا بهذه الشخصیة الکریمة العفوة.

نعي: رأس الحسین (علیه السلام) و الرباب زوجته

نقل المجلسی فی کتاب البحار عن مسلم الجصاص قال:(3)

دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالکوفة فبينما أنا أجصص الأبواب و إذا أنا بالزعقات(4)

قد ارتفعت من جنبات الکوفة فأقبلت على خادم کان معنا فقلت ما لي أرى الکوفة تضج قال الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد فقلت من هذا الخارجي فقال الحسين بن علي (علیه السلام) قال فترکت الخادم حتى خرج و لطمت وجهي حتى خشيت على عيني أن يذهب و غسلت يدي من الجص و خرجت من ظهر القصر و أتيت إلى الکناس فبينما أنا واقف و الناس يتوقعون وصول السبايا و الرؤس إذ قد اقبلت الجمال فيها الحرم و النساء و أولاد فاطمة (علیها السلام).

ص: 72


1- ([1]) والشنشنة في هذا المثل تعني الطبع أو الخصلة. هذا المثل يضرب في العادة عندما يقوم شخص بعمل أو تصرف مشين ورثه من اخرين أو اعتاده عليه حتى أصبح معروفا به بين الناس. حکايته: وأبو أخزم: جد أبي حاتم طيء أو جد جده، وکان له ابن يقال له أخزم رجل کان عاق بوالده فمات أخزم وترک ولدین له فوثبوا يوما على جدهم أبي أخزم فضربوه و أدموه فقال: شنشنة أعرفها من أخزم.
2- ([2]) نظم درر السمطين، الزرندي الحنفي، ص 209
3- ([3]) بحار الأنوار، ج 45، ص 114 مع بعض التصرف. و قال المجلسی: «رأيت في بعض الکتب المعتبرة روي مرسلا عن مسلم الجصاص» و رياض الأبرار، الجزائري، ج 1، ص 242
4- ([4]) صیاح

و إذا بعلي بن الحسين (علیه السلام) على بعير بغير وطاء و أوداجه تشخب دما و هو مع ذلک يبکي و قال صار أهل الکوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر و الخبز و الجوز فصاحت بهم أم کلثوم و قالت يا أهل الکوفة إن الصدقة علينا حرام و صارت تأخذ ذلک من أيدي الأطفال و أفواههم و ترمي به إلى الأرض قال کل ذلک و الناس يبکون على ما أصابهم (ثم خطبت فی الناس من جملة کلامها:(1)

أ تدرون أي کبد لرسول الله (صلی الله علیه و آله) فريتم و أي کريمة له أبرزتم و أي دم له سفکتم) إذا بضجة قد ارتفعت فإذا هم أتوا بالرؤس (و کانت زینب مفارقة للرأس اذ اخذه الخولی لیلة الحادی عشر الی الکوفة) يقدمهم رأس الحسين (علیه السلام) فوق الرمح فالتفتت زينب (علیها السلام) فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها و أومأت إليه بحرقة و قالت:

يا هلالا لما استتم کمالا*غاله خسفه فأبدا غروبا(2)

ما توهمت يا شقيق فؤادي*کان هذا مقدرا مکتوبا

يا أخي فاطم الصغيرة کلمها*فقد کاد قلبها أن يذوبا

و ما حال الرباب وقد رأت تلک المصائب فمن حقها أن تموت کمدا على الحسين (علیه السلام) فقد عاشت الرباب بعد الإمام الحسين (علیه السلام) في حزن وأسى وبکاء ونياحة، ما هدأت من البکاء ليلا ولا نهارا وفي بعض الروايات أنها بقيت تبکي سنة کاملة إلى أن ماتت يقولون لما رجعت الى المدينة مع السبايا أزالت سقف بيتها وما استظلت بعد الحسين (علیه السلام) بسقف أبدا، کانت تجلس في حرارة الشمس وبين يديها ابنتها سکينة تخاطبها: أين مضى عني وعنک الحسين (علیه السلام) .(3)

لگعد على درب الظعون*وناشد اليرحون ويجون

کلمن لها غياب يلفون*وانا غايبي باللحد مدفون

يحسين منته نور العيون

دخل رجل على الإمام زين العابدين (علیه السلام) فوجد امرأة جالسة في حرارة الشمس فظن أنها جارية التفت إليه وقال: سيدي لو أذنت لهذه الجارية أن تقوم عن حرارة الشمس إنها محرقة فلو عفوت عنها يا بن رسول

ص: 73


1- ([1]) بلاغات النساء، ص 38
2- ([2]) نقل الشعر ایضا فی کتاب: أهل البيت في مصر، ص 154
3- ([3]) مجالس السبايا من کربلاء إلى الشام، إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 27

الله فلما سمع الإمام زين العابدين (علیه السلام) کلام هذا الرجل تحادرت دموعه على خديه وقال له: يا هذا ليست هذه جارية هذه الرباب زوجة والدي الحسين (علیه السلام) آلت ألا تستظل بعد الحسين (علیه السلام) تحت سقف أبدا و کانت تأتي إليها العقيلة زينب (علیها السلام) تقف على رأسها تقول لها: رباب قومي عن حرارة الشمس، فإنها محرقة فتقول لها الرباب: سيدتي لا تلوميني إني نظرت إلى جسد العزيز أبي عبد الله تصهره الشمس على رمضاء کربلاء.(1)

يصير النوب دهري بيکم ايعود*وارد اشيل راسي بيکم اردود

وترد اکفوف ابو فاضل للزنود*وتتلايم اردود اجروح الأکبر

يا مفگود هم بيک الزمان ايعود*اوهم يلفي الفرح وانزع اهدومي السود

وهم طيبه الليالي وترد لينه اردود

بقلبي مأتک يحسين ينصاب*وذکرک من يمر الدمع ينصاب

گلبي دون گلبک ريت ينصاب*وجسمي دون جسمک عالوطيّه

بالأمسِ کانوا مَعي واليومَ قَد رَحَلوا*وخَلَّفُوا في سُوَيدَا القَلبِ نِيرَانَا

نَذْرٌ عَليَّ لَئِن عَادوا وَإنْ رَجَعُوا*لَأزرَعَنَّ طَريقَ الطَفِّ رَيحَانَا

ص: 74


1- ([1]) مجالس السبايا من کربلاء إلى الشام، إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 28

اللیلة التاسعة: الحسد

اشارة

(وَ مِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ) (1)

الحسد داء خطير من أدواء القلوب يصيب النفوس، ومرض عضال يصاب به الغني والفقير، والواجد والمحروم، والعالم والجاهل، والوجيه والمطيع، والذکر والأنثى. والحاسد هو: الذي يکره حصول نعمة الله لغيره، ويحب إن وجدت عند المحسود أن تسلب منه، وإن لم توجد أن لا تحصل له. وسواء کانت نعمة علم ومعرفة، أو نعمة مال وتجارة وکثرة مشترين، أو نعمة منزلة وجاه بين الناس، أو نعمة مرکب وملبس، أو نعمة صحة بدن وقوة، أو نعمة مأکل ومشرب، أو نعمة طيب ولد وزوجة، أو نعمة أمن واستقرار، أو نعمة سمعة طيبة وذکر حسن، أو نعمة حسن صورة وجسد، أو نعمة وظيفة جيدة ومنصب.

حتى قيل في شأن الحاسد: (البخيل يبخل بماله، والشحيح يبخل بمال غيره، والحسود أشر منهما حيث يبخل بنعم الله على عباده) و من إنسان اذا أعطي من الخير شيء من النعم، فکان تحت أنظار من يعيش معهم، فناظر بعين الغبطة وناظر بعين الحسد. يقول احد العلماء: (الحسد مرکوز في طباع البشر، وهو أن الإنسان يکره أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل). فالحسد إذا قضية ملازمة للخلق ما تحرک فيهم طرف.

وکما قيل: (لا يخلو جسد من حسد، لکن الکريم يخفيه واللئيم يبديه) ليس هذا فقط، بل القضية الأولى في سلم المعاصي کانت معصية الحسد، فأول معصية عصي بها الله في السماء من قبل أخبث الخلق معصية إبليس. قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِکةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَکبَرَ وَکانَ مِنَ الْکافِرِينَ)(2) فحسد عدو الله إبليس ادم (علیه السلام) على ما أعطاه الله من الکرامة، وقال: أنا ناري، وهذا طيني، کما أن أول معصية أرضية کانت حسد قابيل أخاه هابيل، لقبول الله طاعته، فقتله بغيا وحسدا.

قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّک قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ

ص: 75


1- ([1]) اى من شر من له طبع الحسد او من یعمل علی مقتضی حسده، (الفلق: 5)
2- ([2]) البقرة: 34

الْمُتَّقِينَ)(1) یا مؤمنین ایاکم والحسد، فإن الحسود يبتلى في الدنيا والاخرة بعذاب شديد، ولايخلو من غم أو ألم. ولو لاحظت جيدا لرأيت أن الحسود في مقام العناد مع رب العباد، وهو يرى الله جاهلا و الواجب على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال کلِّها، فإن أهون خصال الحسد هو ترک الرضا بالقضاء، وإرادة ضد ما حکم الله جل وعلا لعباده أو أنه يرى نفسه أعلم بمصالح العباد ومفاسدهم إذن کن محسودا ولاتکن حاسدا، یقول الشاعر:

ألا قل لمن کان لي حاسدا*أتدري على من أسأت الأدب

أسأت على الله في فعله*اذا أنت لم ترض لي ما وهب

جزاؤک منه الزيادات لي*و ان لا تنال الذي تطلب

الحساد اخوانی معترض على القضاء والقسمة والحظ من الله لعباده، وهذا قدح بين في عقيدة المؤمن، ففي الحديثعن الإمام الصادق (علیه السلام):(2)

«إن الصيام ليس من الطعام و الشراب وحده إن مريم (علیها السلام) قالت إني (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي صمتا فاحفظوا ألسنتکم و غضوا أبصارکم و لا تحاسدوا و لا تنازعوا فإن الحسد يأکل الإيمان کما تأکل النار الحطب.» ثم اعلموا أن الله سبحانه قد أمرکم بالاستعاذة به من شر الحاسد إذا حسد، فقال عز من قائل في سورة الفلق: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)»

ومعنى: (إذا حسد) أي: إذا أظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه، وحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود قولا أو فعلا، أو بهما جميعا. و یجب علی الانسان ان یکتم نعمه الله علیه حتی لا یحسده الناس علی ذلک، عن رسول الله: «استعينوا على قضاء حوائجکم بالکتمان، فإن کل ذي نعمة محسود» وعن أمير المؤمنين علي (علیه السلام) أنه قال:(3)

«الحسود لا يسود» لان من لایرتاح لنعمة غیره لا یمکن ان یترأسهم و الناس تبحث عن کریم النفس من یرد لهم الخیر حتی یسوده علیهم و یصیروه رئیسا لهم.

قصص

1) الحسد لا ينفذ على العدو بل على نفس الحاسد بل لو کوشفت حقیقة

ص: 76


1- ([1]) المائدة: 27
2- ([2]) الکافي، ج 4، ص 89
3- ([3]) عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 29

الحسد لوجدته في صورة من يرمى حجرا الى عدوه ليصيب به نفسه و یضرها. ینقل لنا التاریخ «کان رجل یدخل بعض الملوک ویقعد جنب الملک ويقول: (أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء ستکفيه مساوئه)(1)

فحسده رجل على ذلک المقام والکلام فسعى به إلى الملک فقال: إن هذا الذي يقوم بجنبک أن الملک أبخر(2)

فقال له الملک: وکيف يصح ذلک عندي؟ قال: تدعو به إليک فإذا دنا منک وضع يده على أنفه لئلا يشم ريح البخر فخرج من عند الملک فدعا الرجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه ثوم فخرج الرجل من عنده وقام بحذاء الملک فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء ستکفيه مساوئه. فقال له الملک: ادن مني فدنا منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشتم الملک منه ريح الثوم.

فقال الملک في نفسه: ما أرى فلانا إلا وقد صدق وکان الملک لا يکتب بخطه إلا جائزة أو صلة فکتب له کتابا بخطه إلى عامل من عماله: إذا أتاک حامل کتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده تبنا وابعث به إلي. فأخذ الرجل الکتاب وخرج فلقيه الرجل الذي سعى به فقال: ما هذا الکتاب؟ قال: خط الملک لي بصلة فقال: هبه لي. فقال: هو لک فأخذه ومضى إلى العامل فقال العامل: في کتابک: أن أذبحک وأسلخک قال: إن الکتاب ليس هو لي الله الله في أمري حتى أرجع إلى الملک فقال: ليس لکتاب الملک مراجعة. فذبحه وسلخه وحشا جلده تبنا وبعث به ثم عاد الرجل إلى الملک کعادته وقال مثل قوله فعجب الملک وقال: ما فعل الکتاب؟ قال: لقيني فلان فاستوهبني إياه فوهبته له فقال الملک: إنه ذکر لي أنک تزعم أني أبخر. قال: ما فعلت قال: فلم وضعت يدک على فيک؟ قال: کان أطعمني طعاما فيه ثوم فکرهت أن تشمه. قال: صدقت ارجع إلى مکانک فقد کفاک المسيء مساوئه ثم قال قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله.)

ينقل التاريخ أن حاکما أستدعى رجلين أحدهما أناني حسود والاخر بخيل وقال لها: ليطلب کل منکما طلبه فإني أعطيه ما طلبوأعطي صاحبه ضعف طلبته فلو أن أحدکم طلب 1000 دينار أعطي

ص: 77


1- ([1]) يعني: وباله يرجع إليه و هو کقوله: (مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها) فصلت: 46
2- ([2]) ای رائحة فمه کریهة

1) صاحبه 2000 دينار فليبدأ أحدکما بالطلب فدب التردد في نفسيهما الى أن تقدم الأناني وقال: أطلب أن تفقا عيني اليسرى فقال الحجاج لماذا؟ فرد الأناني الحسود لکى تعطي صاحبي ضعفما تعطيني فتفقا عينيه فقال الحجاج: مارأيت طلبة إلا هذه الطلبة لماذا لم تطلب مالا أو منصبا حتى تستفيد منه فقال الأناني: والله ان تفقا عيني أهون على من أن أرى صاحبي يأخذ ضعفين وأنا أخذ نصف ما أخذ.

و قال أمير المؤمنين (علیه السلام): «لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله»(1)

2) حکاية عجيبة في الحسد(2):

اکن رجلا من أهل النعمة ببغداد في أيام احد الخلفا العباسین حسد بعض جيرانه و سعى عليه بکل ما يمکنه فما قدر عليه فاشترى غلاما صغيرا فرباه فلما شب و اشتد أمره أمره بأن يقتله على سطح جاره المحسود ليؤخذ جاره به و يقتل حکى انه عمد الى سکين فشحذها و دفعها إليه و أشهد على نفسه أنه دبره و دفع إليه من صلب ماله ثلاثة آلاف درهم و قال: إذا فعلت ذلک فخذ في أي بلاد الله شئت فعزم الغلام على طاعة المولى بعد التمنع و الالتواء و قوله له: الله الله في نفسک يا مولاي و أن تتلفها للأمر الذي لا يدرى أيکون أم لا يکون فإن کان لم تر منه ما أملت و أنت ميت فلما کان في آخر ليلة من عمره قام في وجه السحر و أيقظ الغلام فقام مذعورا و أعطاه المدية فجاء حتى تسور حائط جاره برفق فاضطجع على سطحه فاستقبل القبلة ببدنه و قال للغلام: ها و عجل فترک السکين على حلقه و فرى أوداجه و رجع الى مضجعه و خلاه يتشحط في دمه فلما أصبح أهله خفي عليهم خبره فلما کان في آخر النهار أصابوه على سطح جاره مقتولا فأخذ جاره فحبس فلما ظهر الحال أمر الخلیفة بإطلاقه.»

الحسد علی الصلب: و تذاکر قوم من البصرة الحسد فقال رجل منهم إن الناس ربما حسدوا على الصلب و القتلة فأنکروا ذلک ثم جاءهم بعد ذلک بأيام فقال إن الخليفة قد أمر بصلب فلان صاحبهم السابق مع اثنین من العلماء الکبار الذی کانوا یخالفون الخلیفة

ص: 78


1- ([1]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 316
2- ([2]) سفينة بحار الأنوار، ج 2، ص 178

1) فقالوا هذا الخبيث يصلب مع هذين الرئيسين فقال أ لم أقل لکم إن الناس يحسدون على الصلب.

علامات الحاسد

عن الصادق (علیه السلام) قال: «قال لقمان لابنه: للحاسد ثلاث علامات: يغتاب إذا غاب، و يتملق إذا شهد، و يشمت بالمصيبة» و قالوا الحکما فی علامات الحاسد: «ومن شأن الحاسد إن کان المحسود غنيا أن يوبخه على المال فيقول: جمعه حراما ومنعه عن الزکاة و الخمس وإن وجد له عدوا أعانه عليه صدیقه ظلما، وإن کان المحسود ممن يعاشر الحاسد فاستشاره غشه، أو تفضل المحسود علي الحاسد بمعروف اخفاها و لا یتکلم بها، أو دعاه إلى نصر خذله، وإن حضر مدحه ذمه وإن سئل عنه همزه، وإن کانت عنده شهادة کتمها، وإن کانت منه إليه زلة عظمها، وقال: إنه يحب أن يعاد ولا يعود.

وإن کان المحسود عالما قال: مبتدع، و لهواه متبع، حاطب ليل(1)

و یبحث عن شهرة، قد ترک العمل، وما أحمق متابعینة وإن کان المحسود ذا دين قال: متصنع لیطمن الناس به، ويحج ليثنى بشيء عليه، ويصوم لتقبل شهادته، ويظهر النسک لیاتمنه الناس، ويقرأ في المسجد ليزوجه جاره ابنته، ويحضر الجنائز لتعرف شهرته. وما لقيت حاسدا قط إلا تبين لک مکنونه بتغير لونه وتخوص عينه وإخفاء سلامه، والإقبال على غيرک والإعراض عنک، والاستثقال لحديثک، والخلاف لرأيک» قيل لأرسطو ما بال الحسود أشد غما من المکروب قال لأنه يأخذ نصيبه من غموم الدنيا و يضاف إلى ذلک غمه بسرور الناس.

الحسد علی اهل البیت (علیهم السلام)

و مما تسبب بغض لأهل البيت و علي و الحسین (علیهم السلام) هو ما ثبت من

ص: 79


1- ([1]) هذا مثل عربي، يضرب للذي لا يميز الغث من السمين، ولا السقيم من السليم یخلط في کلامه وأمره، فلربما أخذ أفعى يظنها عودا فکانت سببا في هلاکه. وإنما شبه بحاطب الليل لأنه ربما نهشته الحية ولدغته العقرب في احتطابه ليلا، فکذلک المکثار ربما يتکلم بما فيه هلاکه. و ایضا يضرب للذي يتکلم بکل ما يهجس في خاطره. قال الشاعر: احفظ لسانک أيها الإنسان*لا يقتلنک إنه ثعبان کم في المقابر من قتيل لسانه*کانت تخاف لقاءه الأقران

حسدهم کانوا يحسدون اهلبیت (علیهم السلام) على کل منقبة و اظهروا عداوتهم و بغضهم لاهل البیت و روی عن علي (علیه السلام) قال:(1)«شکوت إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) حسد الناس، فقال لي: أ ما ترضى أن تکون رابع أربعة أول من يدخل الجنة؟ أنا و أنت و الحسن و الحسين (علیه السلام) .»

نعي: المرور على مصارع الشهداء

وکانت السيدة زينب (علیها السلام) على علم بخروجها مع الإمام الحسين (علیه السلام) إلى کربلاء ولم تفاجئ به وقد علمت من جدها وأمها وأبيها بهذه المصيبة وبهذه المهمة التي اختارها الله لها حتى يقال أن أمير المؤمنين (علیه السلام) لما عقد قرانها على زوجها عبد الله بن جعفر شرط عليه أن يأذن لزينب (علیها السلام) بالخروج مع أخيها فقبل ولم تنفع محاولات الاخرين ثني زينب (علیها السلام) من الخروج مع أخيها ولهذا وقبل أن تغادر العقيلة الحجاز استأذنت من زوجها عبد الله بن جعفر أن يسمح لها بالسفر مع شقيقها سيد الشهداء فأذن لها في ذلک.

ولما عزم الإمام أن يسافر دخل عليه محمد بن الحنفية في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مکة فقال يا أخي إن أهل الکوفة من قد عرفت غدرهم بأبيک وأخيک وقد خفت أن يکون حالک کحال من مضى فإن رأيت أن تقيم فإنک أعز من في الحرم وأمنعه. فقال يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم فأکون الذي يستباح به حرمة هذا البيت فقال له: ابن الحنفية فإن خفت ذلک فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر فإنک أمنع الناس به ولا يقدر عليک أحد فقال: أنظر فيما قلت. فلما کان السحر إرتحل الحسين (علیه السلام) فبلغ ذلک ابن الحنفية فأتاه فأخذ زمام ناقته التي رکبها. فقال له: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتک؟ قال بلى، قال: فما حداک على الخروج عاجلا فقال: أتاني رسول الله (صلی الله علیه و آله) (أي فی المنام) بعد ما فارقتک، فقال: يا حسين أخرج فإن الله قد شاء أن يراک قتيلا، فقال له ابن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فما معنى حملک هؤلاء النساء معک وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟ فقال له: قد قال لي (أي الرسول) إن الله قد شاء أن يراهن سبايا.»(2)

و هکذا وقع کما اخبر رسول الله (صلی الله علیه و آله) الحسین (علیه السلام). لما سير ابن سعد الرؤوس إلى الکوفة أقام مع الجيش إلى الزوال من اليوم الحادي عشر

ص: 80


1- ([1]) طرف من الأنباء و المناقب، ص 284
2- ([2]) بحار الأنوار، المجلسي، ج 45، ص 364

فجمع قتلاه وصلى عليهم ودفنهم وترک سيد شباب أهل الجنة وريحانة الرسول الأکرم (صلی الله علیه و آله) ومن معه من أهل بيته وصحبه بلا غسل ولا کفن ولا دفن تسفي عليهم الصبا ويزورهم وحوش الفلا. (1)

سارت زينب (علیها السلام) ومعها عيالات الأصحاب وسيروهن على أقتاب الجمال بغير وطاء کما يساق سبي الترک والروم وهن ودائع خير الأنبياء:

للهِ صَبرُ زينبِ العقلية*کمْ صابرتْ مصائباً مهُولة

ومعهن السجاد علي ابن الحسين (علیه السلام) وهو على بعير ضالع بغير وطاء وقد أنهکته العلة ومعه ولده الباقر (علیه السلام) وله سنتان وشهور.

ويا لهول ما رأت النساء لما مرت على جثث القتلى، أم تنظر إلى ولدها ملقى على وجه الأرض والدماء تجري من جسده، وأخت ترى أخاها على وجه الثرى هذا ملقى على يمينه وهذا ملقى على شماله وذلک ملقى على ظهره إلا الحسين

فإنه مکبوب على وجهه قد قطع الشمر رأسه فلما رأته أخته زينب (علیها السلام) على تلک الحالة.

يقول ناعي أهل البيت (علیهم السلام) توجهت هنا مولاتي زينب يوم العاشر الی المدینة و صاحت: يا محمداه صلى عليک مليک السما هذا حسينک مرمل بالدما مقطع الاعضاء وبناتک سبايا و الى الله المشتکى يا محمداه بناتک سبايا هذا حسين بالعرا، محزوز الرأس من القفا(2)،

مسلوب العمامة و الردا تسفي عليه ريح الصبا قتيل اولاد البغايا وا حزناه وا کرباه عليک يا أبا عبد الله بأبي من فسطاطه مقطع العرى بأبي من لا غائب فيرتجى ولا جريح فيداوى بأبي من نفسي له الفدا بأبي المهموم حتى قضى بأبي العطشان حتى مضى بأبي من شيبته تقطر بالدما بأبي من جده رسول إله السماء بأبي من هو سبط نبي الهدى (فابکت والله کل عدو وصديق)(3)

وجيبوا قطن للجرح نشفوه*وعلى اکتافکم لحسين شيلوه

وبهداي وسط القبر خلوه

يجدي گوم هذا احسين مذبوح*على الشاطي او على التربان مطروح

يجدي ما بگت له من الطعن روح*يجدي قلب اخويه احسين فطر

يجدي مات محد وقف دونه*ولا نغار غمضله اعيونه

ص: 81


1- ([1]) مجالس السيرة الحسينية، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 32
2- ([2]) بحار الأنوار، المجلسي، ج 45، ص 59
3- ([3]) لواعج الأشجان، محسن الأمين، ص 151

وحيد ايعالج او منخطف لونه*ولا واحد ابحلگه ماي گطر

وأما سکينة فقد توجهت إلى أبيها الحسين (علیه السلام) ولما رأته بتلک الحالة مکبوبا على وجهه، قد قطع الشمر رأسه، وداست الخيل صدره وظهره، صاحت: وا أبتاه وا حسيناه.. رمت بنفسها على جسده تقبله وهي تنادي: أبه من الذي قطع الرأس الشريف؟ أبه من الذي خضب الشيب العفيف؟ أبه من الذي أيتمني؟(1)

يا بوي من قطع راسک*ويا هو السلب ثيابک

يا بوي غطى کل مصاب*مصاب لما جرى مصابک

قبل ما شوفک بهالحال*يا ريت انعمت عيناي

نعمت عيناي ولا شوفک* ذبيح ويجري دم نحرک

واصحابک واهل بيتک*ضحايا مطرحة بصفک

عساها تعثرت هالخيل*ولا داست على صدرک

يروي ان عالما تشرفت في عالم الرؤيا برؤية حضرة بقية الله أرواحنا له الفداء فقال له مولاي يذکر في زيارة الناحيه المقدسه أنکم تقولون في مخاطبة: جدکم الغريب الإمام الحسين (علیه السلام) فلأندبنک صباحاً ومساءً ولأبکين عليک بدل الدموع دما فقال: اي مصيبه هي التي تبکي عليها؟ قال (علیه السلام): ان هذه المصيبه هي سبي کهف المخدرات زينب (علیها السلام).

ما حال السيده زينب بعد مقتل اخيها الحسين بيوم العاشر من محرم، اذا بالمنادی ینادی:

يصيحون زينب طلعوها*وحرقوا قلبها ابراس اخوها

سبوا الزجيه وشتموا ابوها*او لو بچت بالسوط اضربوها

خويه صوتي الي کان ماينسمع سمعوه*طولي الي کان ماينشاف شافوه

ياخويه

خدري اللي کان ماينداس داسوه*

ياخويه ضربوني وابوي الفحل شتموه

مَن لي حِمىً بَعدَ الحسينِ وَمعتَصَمْ*إنْ جَلَّ خَطبٌ فَادِحٌ وبِنَا أَلَمْ

ناديتُ لَمَّا غَابَ بَدْرُ سَمَا الکرَمْ*يَا غَائِبَاً عن أَهلِهِ أتَعودُ أَمْ

تَبقَى إلى يَومِ المَعادِ مُغَيّباً

ص: 82


1- ([1]) مجالس السبايا من کربلاء إلى الشام إعداد: معهد سيد الشهداء (علیه السلام) للمنبر الحسيني، ص 39

اللیلة العاشرة: فضل وکرامة السیدة خديجة (علیها السلام)

اشارة

عظم الله أجورنا وأجورکم بذکرى بوفاة سيدتنا ومولاتنا قاضية الحاجات المجاهدة والمدافعة والمضحية للنبي الاکرم (صلی الله علیه و آله) السيدة الطاهرة المظلومة المهضومة الغريبة المنسية الذکر الفاضلة خديجة الکبرى (علیها السلام) بنت خويلد عليها أفضل الصلاة والسلام بمثل اليوم العاشر من شهر رمضان من السنة العاشرة للبعثة النبوية نذکر للمستمع شيئ وجيز في ذکر هذه السيدة الطاهرة الفاضلة.

اسمها ونسبها (علیها السلام)

أم المؤمنين، السيدة خديجة (علیها السلام) بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي، أبوها "خويلد" کان بطلا مغوارا دافع عن حياض الکعبة المشرفة في يوم لا ينسى في معرکة الفجار. والدتها واسمها "فاطمة" کانت سيدة جليلة مشهود لها بالفضل والبر.

للسيدة خديجة (علیها السلام) ألقاب کثيرة تعکس عظيم نبلها ورفيع شأنها. من هذه الألقاب: الصديقة، المبارکة، أم المؤمنين، الطاهرة، الراضية، المرضية. کانت تعطف على المساکين والمحرومين، وتحنو عليهم کأم عطوف، فکانت "أما لليتامى" و"أما للصعاليک"(الفقير والضعيف) و"أما للمؤمنين"، وسميت أيضا «أم الزهراء» أو ينبوع الکوثر.

لقد کانت خديجة (علیها السلام) من خيرة نساء قريش شرفا، وأکثرهن مالا، وأحسنهن جمالا، وکانت تدعى في الجاهلية ب "الطاهرة" لشدة عفافها ويقال لها "سيدة قريش" و"حکيمة قريش". وکل أحد من رجال قومها کان حريصا على الاقتران بها لو استطاع إلى ذلک سبيلا. وقد خطبها عظماء قريش، وبذلوا لها الأموال. وذکر أهل الاثار ونقلة الأخبار، أنه لم يبق من أشراف قريش، ومن ساداتهم وذوي النجدة منهم، إلا من خطب خديجة، ورام تزوجها.

لا بل وصل الأمر في ذلک إلى ملوک اليمن وأشراف الطائف. وممن خطبها أبو جهل، وأبو سفيان فامتنعت عليهم جميعا. فلما تزوجها رسول الله (صلی الله علیه و آله) غضب عليها نساء قريش وهجرنها، وقلن لها: خطبک أشراف قريش وأمراؤهم فلم تتزوجي أحدا منهم، وتزوجت محمدا يتيم أبي طالب، فقيرا، لا مال له؟ وتشرح السيدة خديجة (علیها السلام) سبب هذا الاختيار مخاطبة رسول الله (صلی الله علیه و آله) بالقول: «يا بن عم إني رغبت فيک لقرابتک مني وشرفک من قومک وأمانتک عندهم

ص: 83

وصدق حديثک وحسن خلقک» ولادتها قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة.

أنها أول امرأة امنت بالدين الإسلامي فقد ورد عن ابن عباس أنه قال:(1)

«أول من امن برسول الله (صلی الله علیه و آله) من الرجال علي (علیه السلام)، ومن النساء خديجة (علیها السلام) » کانت السيدة خديجة (علیها السلام) امرأة حازمة لبيبة شريفة، ومن أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأکثرهم مالا، وقد کانت ازرت زوجها رسول الله (صلی الله علیه و آله) أيام المحنة، فخفف الله تعالى عنه بها. وکان (صلی الله علیه و آله) لا يسمع شيئا يکرهه من مشرکي مکة من الرد والتکذيب إلا خففته عنه وهونته، وبقيت هکذا تسانده حتى اخر لحظة من حياتها.

فضلها (علیها السلام)

للسيدة خديجة (علیها السلام) مکانة ومنزلة عالية يغبطها عليها الملائکة المقربون، حتى إن جبرائيل (علیه السلام) أتى إلى النبي (صلی الله علیه و آله) فقال:(2)«يا

محمد، هذه خديجة قد أتتک فاقرأها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب(3)،

فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله): يا خديجة، هذا جبرائيل يقرئک من ربک السلام، فقالت خديجة: الله السلام ومنه السلام وعلى جبرائيل السلام»

وعن أنس بن مالک قال:(4) «قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): خير نساء العالمين أربع: مريم ابنة عمران، واسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد» وعن النبي (صلی الله علیه و آله) قال:(5) «کمل من الرجال کثير، ولم يکمل من النساء إلا أربع: اسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد» وما فتئ الرسول الأکرم (صلی الله علیه و آله) يقول في رثائهما:(6)

«لم يسيطر علي الحزن والهم طيلة حياة أبي طالب وخديجة».

لقد ظلت ذکرى خديجة (علیها السلام) خالدة وماثلة في ذاکرة النبي (صلی الله علیه و آله) لم

ص: 84


1- ([1]) الأمالي للطوسي: 259
2- ([2]) صحيح البخاري 4ج، ص231 و 8ج، ص197، صحيح مسلم 7ج، ص133
3- ([3]) الصخب: الضجة و اضطراب الأصوات للخصام و النصب: التعب
4- ([4]) تاريخ بغداد 9ج، ص411، سير أعلام النبلاء 2ج، ص117
5- ([5]) تفسير مجمع البيان 10ج، ص65، تفسير الثعلبي 9ج، ص353
6- ([6]) کشف الغمة، للأربلي، ج 1، ص 16، کحل البصر، المحدث القمي، ص 55

يمحها الزمان. لم يکن يخرج من البيت إلا ويذکر خديجة (علیها السلام) بخير. وکان ذلک يثير عاصفة من الغيرة في نفوس زوجاته، وکن يعترضن عليه أحيانا لکنه کان يدافع عن خديجة بحزم فيقول: "نعم، کانت خديجة هکذا، وقد رزقت حبها". وکان کلما يذبح أضحية في بيته يبعث بجزء منها إلى صديقات خديجة.

ذُکر عن عائشة انها قالت:(1) «کان رسول الله (صلی الله علیه و آله) إذا ذکر خديجة (علیها السلام) لم يسأم من ثناء عليها، واستغفار لها، فذکرها ذات يوم فحملتني الغيرة، فقلت: لقد عوضک الله من کبيرة السن. قالت: فرأيت رسول الله (صلی الله علیه و آله) غضب غضبا شديدا، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) کيف قلت؟ والله لقد امنت بي إذ کفر الناس، واوتني إذ رفضني الناس، وصدقتني إذ کذبني الناس، ورزقت مني الولد حيث حرمتموه. قالت: فغدا و راح علي بها شهرا.» و يصف الرسول الکريم (صلی الله علیه و آله) ورود خديجة (علیها السلام) يوم الحشر فيقول: يأتي لاستقبالها سبعون ألف ملک يحملون رايات زينت بعبارة "الله أکبر".

اولادها

رزقت السيدة خديجة (علیها السلام) من الرسول الأکرم (صلی الله علیه و آله) ولدين هما القاسم وعبد الله، وبنت واحدة، فاختطف الموت ولديه وهما صغيران وأبقى على بضعته کوثر الخلق و والدة أئمة النور والهدى الأحد عشر، سيدة النساء الزهراء البتول (علیها السلام) يتفق أهل السير والمؤرخين على أن الرسول الکريم (صلی الله علیه و آله) أنجب من السيدة خديجة (علیها السلام) ومارية القبطية فقط، حيث أنجبت الأخيرة له ابنه «إبراهيم» الذي فارق والده المکرم وهو في الثالثة من عمره.(2)

إنفاقها (علیها السلام)

لسنوات طويلة کانت القوافل التجارية للسيدة خديجة (علیها السلام) من أکبر قوافل قريش، وقد ربحت من تجارتها ثروات طائلة، وضعتها جميعها تحت تصرف الرسول الکريم (صلی الله علیه و آله) لينفقها فيما يراه مناسبا.

يقول العلامة المامقاني:(3) «لقد وصلنا بالتواتر عن الرسول الأکرم (صلی الله علیه و آله) أنه قال: ما قام الدين إلا باثنتين: سيف علي وأموال خديجة.» في

ص: 85


1- ([1]) کشف الغمّة، ج1 ص512
2- ([2]) انظر کتاب: ينبوع الکوثر أم المؤمنين خديجة الکبرى (علیها السلام)، لعلي أکبر مهدي بور
3- ([3]) تنقيح المقال، ج2 ص77

مراحل الشدة والمشقة والحصار الاقتصادي في شعب أبي طالب، کان لأموال السيدة خديجة (علیها السلام) الدور الکبير والحاسم في التخفيف من اثار الحصار الجائر الذي فرض على ال أبي طالب، فکانت هذه السيدة الجليلة تشيع الأمل والفرح في قلوب القوم وترفع الحزن والشقاء عن کاهلهم. وعلى الرغم من أن الله تعالى کان سندا وظهيرا لنبيه الکريم ولم يقطع عنه حبل کرمه ولطفه طيلة تلک الفترة العصيبة، إلا أن وجه السيدة خديجة (علیها السلام) المضيء والمشرق، ونظراتها المتفائلة کانت تجعله أکثر إصرارا وعزما على مواجهة قدره والاستعداد لأيام أصعب وأقسى. حتى إن النبي (صلی الله علیه و آله) قال:(1)«ما

نفعني مال قط مثلما نفعني مال خديجة» وکان (صلی الله علیه و آله) يفک من مالها الغارم والأسير، ويعطي الضعيف، ومن لا والد له ولا ولد، والعيال والثقل. وقال علماء العامة:(2)«بلغنا

أن خديجة أنفقت على رسول الله (صلی الله علیه و آله) أربعين ألفا وأربعين ألفا»

أول مسلمة

لقد کانت السيدة خديجة (علیها السلام) على دين أبيها إبراهيم (علیه السلام)، وذلک قبل أن يبعث الرسول الکريم (صلی الله علیه و آله)، وکانوا يعرفون بالحنفاء، وقد امنت في اليوم الأول من بعثة المصطفى (صلی الله علیه و آله)، کما جاء في الحديث الشريف: "أول من امن بالنبي (صلی الله علیه و آله) من الرجال علي (علیه السلام)، ومن النساء خديجة (علیها السلام) »(3) عندما رجع الرسول الکريم (صلی الله علیه و آله) من غار حراء، وهو ينوء بثقل الرسالة العظيمة، کانت السيدة خديجة (علیها السلام) في استقباله حيث قالت له: أي نور أرى في جبينک؟، فأجابها: إنه نور النبوة، ومن ثم شرح لها أرکان الإسلام، فقالت له: «امنت، وصدقت، ورضيت، وسلمت»(4)

أول مصلية

کانت السيدة خديجة أول سيدة في الإسلام تصلي، إذ أنه لسنوات طويلة انحصر الإيمان بالدين الإسلامي بخديجة (علیها السلام)، والإمام علي (علیه السلام)، وکان الرسول الأعظم يذهب إلى المسجد الحرام، ويستقبل الکعبة وعلي (علیه السلام) إلى يمينه، وخديجة خلفه، وکان هؤلاء الثلاثة هم النواة الأولى لأمة

ص: 86


1- ([1]) الأمالي للطوسي، ص 468
2- ([2]) تذکرة الخواص، ص 314
3- ([3]) الأمالي للطوسي، ص 259
4- ([4]) بحار الأنوار، ج 18، ص 232

الإسلام، وکانوا يعبدون معبودهم الواحد إلى جانب کعبة التوحيد.(1)و

کانت السيدة خديجة (علیها السلام) تفيض بالحنان والعطف على الإمام علي (علیه السلام)، لدرجة أنها قالت فيه: إنه أخي، وأخو النبي، أعز الناس إليه، وقرة عين خديجة الکبرى (علیها السلام).(2)

وفاتها (علیها السلام)

العاشر من شهر رمضان سنة عشر للبعثة النبوية، أي قبل الهجرة بثلاث سنين، وعمرها 65 سنة. و مکان دفنها (علیها السلام) مقبرة الحجون في مکة المکرمة، ونزل رسول الله (صلی الله علیه و آله) في حفرتها، ولم تکن يومئذ سنة صلاة الجنازة حتى يصلي عليها.

المزار الطاهر

يقع المزار الطاهر للسيدة خديجة (علیها السلام) في بطن جبل حجون حيث کان على مدى أربعة عشر قرنا مزارا يحج إليه ملايين المسلمين في موسم الحج والعمرة، لينهلوا من فيض نوره، وقد أفتى العديد من المراجع العظام باستحباب زيارة القبر.(3)

لقرون عديدة کانت تعلو القبر ضريح وقبة شامخة، حتى جاء العام 1344 ه، فسوي الضريح بالأرض من قبل الوهابية.

وصاياها لرسول الله (صلی الله علیه و آله)

«لما اشتد مرض خديجة (علیها السلام)، قالت:(4) يا رسول الله (علیه السلام) اسمع وصاياي أولا، فإني قاصرة في حقک، فاعفني يا رسول الله قال: حاشا وکلا، ما رأيت منک تقصيرا فقد بلغت جهدک و تعبت في ولدي غاية التعب، و لقد بذلت أموالک و صرفت في سبيل الله مالک. قالت: يا رسول الله، الوصية الثانية، أوصيک بهذه أشارت إلى فاطمة (علیها السلام) فإنها يتيمة غريبة من بعدي، فلا يؤذينها أحد من نساء قريش و لا يلطمن خدها و لا يصحن في وجهها و لا يرينها مکروها و أما الوصية الثالثة، فإني

ص: 87


1- ([1]) النسائي، خصائص أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 45
2- ([2]) المسعودي، إثبات الوصية، ص 144
3- ([3]) يقول الشيخ الأنصاري في کتابه مناسک الحج: إذا نزلت مکة المکرمة، يستحبّ للحاج أن يزور بيت خديجة (علیها السلام) . انظر: الأنوار الساطعة، للسيلاوي، ص 299 و مناسک الحج، للشيخ الأنصاري، ص 127.
4- ([4]) الزهراء (علیها السلام) في الکتاب و السنة و الأدب، ج 1، ص 100 و الموسوعة الکبرى عن فاطمة الزهراء، الأنصاري، ج 21، ص 398-396 و شجرة طوبى، ج 2، ص 234

أقولها لابنتى فاطمة (علیها السلام) و هي تقول لک، فإني مستحية منک يا رسول الله. فقام النبي (صلی الله علیه و آله) و خرج من الحجرة، فدعت بفاطمة (علیها السلام) و قالت: يا حبيبتي و قرة عيني، قولي لأبيک: إن أمي تقول: إني خائفة من القبر، أريد منک رداءک الذي تلبسه حين نزول الوحي. تکفنني فيه. فخرجت فاطمة (علیها السلام) و قالت لأبيها ما قالت أمها خديجة. فقام النبي (صلی الله علیه و آله) الرداء إلى فاطمة، و جاءت به إلى أمها، فسرت به سرورا عظيما. فلما توفيت خديجة، أخذ رسول الله (صلی الله علیه و آله) في تجهيزها و غسلها و حنطها.

فلما أراد أن يکفنها، هبط الأمين جبرئيل و قال: يا رسول الله، إن الله يقرؤک السلام و يخصک بالتحية و الإکرام و يقول لک: يا محمد، إن کفن خديجة من عندنا، فإنها بذلت مالها في سبيلنا.

فجاء جبرئيل بکفن و قال: يا رسول الله، هذا کفن خديجة و هو من أکفان الجنة، أهداه الله إليها. فکفنها رسول الله (صلی الله علیه و آله) بردائه الشريف أولا، و بما جاء به جبرئيل ثانيا، فکان لها کفنان، کفن من الله و کفن من رسوله (صلی الله علیه و آله) ثم صلى عليها و نزل في قبرها، و لم يکن يومئذ سنة الجنائز.

و حزن النبي (صلی الله علیه و آله) عليها حزنا شديدا، و حزنت فاطمة (علیها السلام) لفراقها. فجعلت تلوذ بأبيها و تقول: أين أمي؟ و ألحفت عليه بالقول: أين أمي أين أمي؟ فنزل جبرئيل و قال: إن ربک يأمرک أن تقرأ على فاطمة السلام و تقول لها: أمک في بيت من قصب. کعابه من ذهب و عمده من ياقوت أحمر، بين اسية امرأة فرعون و مريم بنت عمران. فقالت فاطمة (علیها السلام): إن الله هو السلام و منه السلام و إليه السلام.»(1)

نعم کانت السيدة الزهراء (علیها السلام) بعد رحيل السيدة خديجة (علیها السلام)، تحيط بالرسول الکريم کفراشة تحوم حول الشمعة، وتسأله: أبتاه، أين أمي؟ فکان الرسول الأعظم يواسيه بأن يذکرها بمنزلة والدتها الرفيعة في الجنة.

و من النساء التی وصت الیها خدیجة (علیها السلام) اسماء بنت عمیس «قالت أسماء بنت عميس هذه حضرت وفاة خديجة (علیها السلام) فبکت فقلت أ تبکين و أنت سيدة نساء العالمين و أنت زوجة النبي (صلی الله علیه و آله) و مبشرة على لسانه بالجنة فقالت ما لهذا بکيت و لکن المرأة ليلة زفافها لا بد لها من امرأة تفضي إليها بسرها و تستعين بها على حوائجها و فاطمة حديثة

ص: 88


1- ([1]) الموسوعة الکبرى عن فاطمة الزهراء، الأنصاري، ج 21، ص 396 و شجرة طوبى، ج 2، ص 234

عهد بصبى و أخاف أن لا يکون لها من يتولى أمورها حينئذ فقلت يا سيدتي لک علي عهد الله أني إن بقيت إلى ذلک الوقت أن أقوم مقامک في هذا الأمر»(1)

و أسماء بنت عميس هی من اشارت علی فاطمة (علیها السلام) بصنع التابوت حین ما قالت لها فاطمة: إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها لمن رأى فقالت أسماء: يا بنت رسول الله أنا أريک شيئا رأيته بأرض الحبشة، قال: فدعت بجريدة رطبة فحسنتها ثم طرحت عليها ثوبا فقالت فاطمة (علیها السلام): ما أحسن هذا وأجمله لا تعرف به المرأة من الرجل. السلام على المحروق بابها السلام على المهضوم حقها السلام على ام ابيها السلام على المظلومة المقتولة السلام على المکروبة المهمومة.

نعي: مجلس الهجوم علی دار فاطمة (علیها السلام)

لما فکروا القوم بالهجوم على دار فاطمة الزهراء و أخراج عليا للبيعة فخرج الثاني مع جماعه کثيرة فساروا إلى الدار فاطمة الزهراء (علیها السلام) ولما وصلوا إلى دارها، وصاح الثاني أفتحوا الباب والله لئن لم تفتحوا لنحرقه بالنار وکان الهجوم على باب دار فاطمة:

قال سليم(2)

قلت يا سليمان*هل دخلوا ولم يک استأذان

ص: 89


1- ([1]) کشف الغمة في معرفة الأئمة، ج 1، ص 366
2- ([2]) هو أبو صادق، سليم بن قيس الهلالي العامري الکوفي. ولد سليم عام 2 قبل الهجرة. دخل سليم المدينة المنورة أيام عمر، وتعرف على صحابة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، وسألهم عن أخباره وسيرته و کتبها کان في أيام الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) من شرطة الخميس، واشترک معه في معرکة الجمل، وصفين، والنهروان، وفي أيام الإمام الحسن (علیه السلام) والإمام الحسين (علیه السلام) کان من أنصارهما، ويرجح أنه کان سجينا في أيام واقعة الطف. وبعد شهادة الإمام الحسين (علیه السلام) کان من أنصار الإمام زين العابدين (علیه السلام) والإمام الباقر (علیه السلام) . قال أبان بن أبي عياش: (لم أر رجلا کان أشد إجلالا لنفسه، ولا أشد اجتهادا، ولا أطول حزنا، ولا أشد خمولا لنفسه، ولا أشد بغضا لشهرة نفسه منه). قال الإمام الصادق (علیه السلام): «من لم يکن عنده من شيعتنا ومحبينا کتاب سليم بن قيس الهلالي، فليس عنده من أمرنا شيء، ولا يعلم من أسبابنا شيئا، وهو أبجد الشيعة، وسر من أسرار ال محمد (صلی الله علیه و آله) » سلیم روى عن: الإمام علي الإمام الحسن (علیهما السلام)، الإمام الحسين (علیه السلام)، الإمام زين العابدين (علیه السلام) أبو ذر الغفاري، سلمان المحمدي، عبد الله بن جعفر الطيار، معاذ بن جبل، المقداد بن الأسود. و الراوون عنه: أبان بن أبي عياش، إبراهيم بن عثمان، إبراهيم بن عمر اليماني. و کان سليم في الکوفة عام 75 ه عندما قدم الحجاج الثقفي واليا عليها، فطلبه ليقتله، فهرب منه إلى البصرة ثم إلى فارس، ولم يلبث کثيرا حتى مرض، ثم توفي (رضي الله عنه) عام 76 ه بها.

فقال إي وعزة الجبار*دخلوا وما على الزهراء من خمار(1)

لا کنها لاذت وراء الباب*رعاية للستر والحجاب

فمن رأوها عصروها عصره*کادت بنفسي أن تموت حسرة

تصيح يا فضه أليی سنيدني*فقد وربي قتلوا جنيني

***

ما قال أبويه بيت أبو الحسنين بيتي*وما قال في الزهراء احفظوني عقب موتي

وخر يا ظالم لا تسمع الناس صوتي*والحطب خلف الباب ليش امجمعينه

ص: 90


1- ([1]) نظم هذه الابیات العلامة الفقيه السيد محمد بن السيد مهدي القزويني المتوفى 1335 ه و هی نظم لکلام سليم بن قيس الهلالي، حيث قال سلیم فی کتابه: (کتاب سليم بن قيس الهلالي، ج 2، ص 587) «قال (ای سليم بن قيس) قلت لسلمان (ای سلمان الفارسی) أ دخلوا على فاطمة (علیها السلام) بغير إذن قال إي و الله و ما عليها من خمار فنادت وا أبتاه وا رسول الله يا أبتاه فلبئس ما خلفک أبو بکر و عمر» و هذه الابیات فی ضمن ارجوزة نظمها العلامة السيد محمد القزويني في حديث الکساء المنظوم، و ذکر في ختامها مصائب الزهراء (علیها السلام) و ظلاماتها و بدء هکذا: روت لنا فاطمة خير النسا*حديث أهل الفضل أصحاب الکسا الی ان قال: قال سليم قلت يا سلمان*هل دخلوا و لم يک استئذان فقال إي و عزة الجبار*ليس على الزهراء من خمار و لمراجعة مصادر الارجوزة انظر: 1. آية التطهير في الخمسة أهل الکساء (علیه السلام) للغريفي، ص 95. 2. وفاة الصديقة (علیها السلام) للمقرّم، ص 47. 3. عوالم العلوم، ج 11، ص 930، شطرا منه. 4. إحقاق الحق، ج 2، ص 558. 5. البابليات، ج 5، ص 252. 6. أعيان النساء للحکيمي، ص 396. 7. قبسات من حياة سيدة نساء العالمين (علیها السلام)، ص 26. 8. فاطمة الزهراء (علیها السلام) من قبل الميلاد إلى بعد الاستشهاد، ص 118. 9. الاکتفاء، ص 90، عن شعراء الحلة. 10. شعراء الحلة، على ما في الاکتفاء . 11. فاطمة الزهراء (علیها السلام) في ديوان الشعر العربي، ص 123 . 12. الموسوعة الکبرى عن فاطمة الزهراء، الأنصاري، ج 19، ص 453 . 13. رياض المدح و الرثاء، ص 6. 14. موسوعة أدب المحنة، ص 204

قالها باشب النار قالت شبها عليک*وأرحل يا ظالم للنار تصليک

قالها باطب الدار گالت ما أخليک*شافته مصر ولزمت الباب الحزينة

ويلي وبانت أناملها وأخذ سوطه وضربها*

وقالها

يا زهراء حجرتچ لازم نطبها

وحط قوته بالباب يا شيعة وعصرها*وفاطم تنادي يارسول الله اهتکونا

یا علی، یا رسول الله

وانفتح باب الدار والزهراء بلا خمار*

ولأجل

الستر لاذات مابينه وبين الجدار

نادی علی أصحابه وهجم بيهم علی الدار*

وبالباب

لاذت استترت بضعة نبينا

أويلي جاء وعصرها وفوق وجنتها لطمها*

وضلعين

کسرها ابطنها ولا رحمها

وزينب تشوفه وقامت تدافع عن أمها*

وطاحت

وطاح الحمل منها مسقطينه

*

*

بويه گمت للباب لکن ماعلية احجاب*

حس بي الرجس من لذت خلف الباب

بویه عصرنی او سگط المحسن او صدری انعاب

اشلون العل خلک واجب ولاها*انکروها اولا اعرفوا حگها ولاها

بين الباب والحايط ولاها*او کسرمنها الظلع نسل الدعيه

ثم قال الثاني إئتوني بالحطب وجمع الحطب في باب دارها وأمرهم بالنار فلما علم الناس إن في الدار فاطمة تراجعوا فقالوا يا فلان إن في الدار فاطمة فقال لهم وإن تکن فاطمة.(1)

فأخذ النار وهو يصيح بأعلى صوته إحرقوا دارها ومن فيها فنادت فاطمة بأعلى صوتها. يا أبتاه يا رسول الله ماذا لقينا بعدک من الاول و

ص: 91


1- ([1]) اعلموا إني فاطمة، ج 9، ص 12. و عوالم العلوم، ج 11، ص 581 ح 39، عنه

الثاني. فلما

سمع القوم صوتها وبکاءها إنصرفوا باکين وبقي الثاني ومعه قوم.(1)

ودعا بالنار وأضرمها في الباب ثم أخذت النار بالخشب ودخل الدخان في البيت(2) فضرب الثاني الباب برجله فکسره(3).

ولاذت فاطمة خلف الباب فلما أحس بها خلف الباب رکل الباب برجله(4)

وعصرها بين الباب والحائط عصرة شديدة قاسية حتى کادت روحها أن تخرج من شدة العصر ونبت المسمار في صدرها(5)

وسال الدم من ثديها(6)

فسقطت على وجهها فصرخت صرخة يا رسول الله أهکذا يصنع بحبيبتک وأبنتک فقالت يا فضة خذيني فقد والله قتل ما في أحشائي.(7)

فأخذ الثاني السوط من قنفذ(8) وضرب به عضدها فإلتوى السوط على يدها حتى صار کالدملج(9) الأسود فسقطت مغشية عليها.

غدت تصرخ يفضه صدري انصاب*او حملي سگط مني ابعتبة الباب

أجت فضة او لگتها فوگ التراب*يسيل امن الصدر واضلوعها الدم

انته وين رحت يه ابوي عني*واتشوف الکسرت أضلوعي أوسگطتني

وامن البچی اعليک امنعتني

ودخل القوم على أمير المؤمنين(علیه السلام) وأخرجوه من المنزل قهرا فلما أفاقت فاطمة بعد لحظات و علمت ان علیا أخرجوه من الدار، فقامت فاطمة مع ما بها من تلک الالام وخرجت خلف أمير المؤمنين وهي تنادي يا قوم خلوا عن أبن عمي علي فو الله لئن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري و لأضعن قميص أبي رسول الله (صلی الله علیه و آله) على رأسي ولأصرخن إلى الله فما صالح بأکرم على الله من أبي ولا ناقته بأکرم على الله مني

ص: 92


1- ([1]) راجع: الإمامة و السياسة، ج 1، ص 13، و الإمام علي لعبد الفتاح عبد المقصود، ج 1، ص 225 و أعلام النساء، ج 3، ص 6 و 21
2- ([2]) الهداية الکبرى: 407، بحار الأنوار، ج 53، ص 19 و الشافي للسيد المرتضى، ج 3، ص 241
3- ([3]) تفسير العياشي، ج 2، ص 67، الاختصاص، ص 186
4- ([4]) دلائل الإمامة، ج 2، عنه بحار الأنوار، ج 30، ص 294
5- ([5]) مؤتمر علماء بغداد، ص 63
6- ([6]) الکوکب الدري، ص 194 - 195
7- ([7]) دلائل الإمامة، ج 2، عنه بحار الأنوار، ج 30، ص 294
8- ([8]) الهداية الکبرى، ص 178 - 179
9- ([9]) الهداية الکبرى، ص 407، بحار الأنوار، ج 53، ص 19

ولا الفصيل بأکرم على الله من ولدي.(1)

ثم إلتفت الثاني إلى غلامه قنفذ وقال له ويحک رد فاطمة إلى البيت فرجع إليها قنفذ وجعل يجلد فاطمة بالسياط.(2)

بويه امر على عبده ضربني*إو من ضربته للگاع ذبني

إولا إنکسر کلبه أو لا رحمني*ومن الناس ما واحد حشمني

بأبي التي ماتت وما*ماتت مکارمُها السنيَهْ

بأبي التي دُفنت وعُفِّي*قبرها السامي تقيَهْ

و في روايه اخري:(3) الجاها قنفذ الي عضاده بيتها و دفعها فکسر ضلعا من جنبها فقتل جنينا من بطنها، فلم تزل صاحبه فراش حتي ماتت من ذلک شهيده.(4)

مصیبة اخری

ولذا يقول ابن عباس: لما حضرت رسول الله (صلی الله علیه و آله) الوفاة بکى حتى بلت دموعه لحيته، فقيل له: يا رسول الله ما يبکيک؟ فقال: «أبکي لذريتي، وما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي کأني بفاطمة بنتي وقد ظلمت بعدي، وهي تنادي: يا أبتاه، فلا يعينها أحد من أمتي» فسمعت ذلک فاطمة (علیها السلام) فبکت، فقال رسول الله (علیه السلام): لا تبکين يا بنية فقالت: لست أبکي لما يصنع بي من بعدک، ولکني أبکي لفراقک يا رسول الله (صلی الله علیه و آله) فقال لها: «ابشري يا بنت محمد، بسرعة اللحاق بي فإنک أول من يلحق بي من أهل بيتي». (5)

وفعلا کانت مولاتنا فاطمة الزهراء أول من ماتت شهيدا من أهل بيت محمد، بعد أن کانت دائمة الحزن والبکاء على فقد خير الأنبياء ولذا روي عن أمير المؤمنين أنه کان عنده قمیص رسول الله «فکانت

ص: 93


1- ([1]) راجع تفسير العياشي، ج 2، ص 67، الاختصاص، ص 186، الکافي، ج 8، ص 237، المسترشد، ص 381، المناقب، ج 3، ص 339 - 340، الاحتجاج، ص 86 - 87.
2- ([2]) علم اليقين، ج 2، ص686- 688
3- ([3]) الإحتجاج على أهل اللجاج، للطبرسي، ج 1، ص 83 و بحار الأنوار، ج 43، ص 198
4- ([4]) للاطلاع الاکثر راجع کتاب: الهجوم على بيت فاطمة (علیها السلام)، لعبد الزهراء مهدي
5- ([5]) الأمالي للطوسي، ص 188

فاطمة (علیها السلام) تقول: أرني القميص، فإذا شمته غشي عليها، فلما رأيت ذلک غيبته» (1)

بعد ان قبض رسول الله ونال فاطمة (علیها السلام) من القوم ما نالها لزمت الفراش ونحل جسمها وذاب لحمها وجف جلدها على عظمها وصارت کالخيال(2)

وروي أيضا إنها ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدة الرکن، باکية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة فکانت (علیها السلام) کما أخبر أبوها عن يومها ذلک محزونة مکروبة باکية.(3)

و بعد شهادتها بقي أمير المؤمنين (علیه السلام) جليس البيت حزين کئيب على شهادة فاطمة الزهراء (علیها السلام) وهو يقول إني فقدت رسول الله (صلی الله علیه و آله) بفقد فاطمة (علیها السلام) أنها کانت لي عزاء وسلوه وکانت إذا أنطقت ملأت سمعي بصوت رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأني ماأحسست تألم الفراق إلا بفراقها وأعظم مصيبة مرت على علي أمير المؤمنين (علیه السلام) لما وجد ضلعا من أضلاعها مکسور وهي کانت تخفيه عنه والإمام (علیه السلام) کان يبکي بکائا شديدا:

نفسي على زفراتها محبوسة*يا ليتها خرخت مع الزفرات

لا خير بعدک في الحياة وإنما*أبکي مخافة أن تطول حياتي (4)

شاف الضلع مظهر الدين*جرت دمعته وزاد الونين

ضلع واحد ياعلي وهد حيلک*چا اضلوع احسين شتسويلک

أقول يا أمير المؤمنين (علیه السلام) رأيت ضلعا من أضلاع الزهراء مکسور فبکيت عليه طول حياتک إذا لا لوم على الإمام زين العابدين إن صار في حالة احتضار لما رأى جسد حجة الله الإمام الحسين (علیه السلام) يوم الحادي عشر من محرم على رمضاء کربلاء قد داست الخيل صدره و

ص: 94


1- ([1]) بحار الأنوار، المجلسي، ج 43، ص 157 ح 6. و رواه الخوارزمي في مقتل الحسين (علیه السلام)، ج 1، ص 77، و في أهل البيت، ص 166، عنه الإحقاق، ج 19، ص 153
2- ([2]) بحار الأنوار، ج 78، ص 282 والخيال: ما تشبه لک في اليقظة والحلم من صورة، وکساء أسود ينصب على عود يخيل به للبهائم.
3- ([3]) تسلية المجالس، الکرکي الحائري، ج 1، ص 567 و بحار الأنوار، المجلسي، ج 43، ص 181
4- ([4]) مناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب، ج 1، ص 240

ظهره ورأسه مرفوع على رمحا طويل والدماء تسيل من نحره الشريف(1)..اه..

يا بويه وداعة الله رحت عنک*بحسرة ولاکضيت وداع منک

مروني يبوه عالجستک ولنک*عاري مسلب مطبر معفر

يبويه أنروح کلنه فداياک*أخذنه للکبر يحسين وياک

فلما علمت عمته زينب فقالت: مالي أراک تجود بنفسک يا بقيه جدي وأبي وأخوتي فقال لها وکيف لا أجزع وأنا أرى أبي وأخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم و ما هو حال زینب (علیها السلام) حین رات الاجساد همت إن ترمي بنفسها من على الناقة هنا ألتفت الإمام زين العابدين إلى عمته قال لها ماذا تفعلين قالت له أريد أن أرمي بنفسي على جسد أبيک الحسين فقال لها الإمام زين العابدين (علیه السلام) عمه زينب أرحمي حالي أرحمي ضعف بدني فإذا أنت رميت بنفسک فمن يرکبک وأنا مقيد؟ عمه زينب ودعي أخاک وأنت على ظهرالناقة جعلت زينب (علیها السلام) تطيل النظر إلى جسد أخيها الحسين (علیه السلام) وهي تقول:

يخويه العذر لله أبولية أعداک*لون بيدي يخويه أبگيت وياک

وارد مگطوع أصبعک لعد يمناک*والمک لا يظل جسمک أمطشر

يخويه لا اتگول ما عندج مروه* ولاتگول ضيعتي الأخوة

أنا ماشيه يحسين گوه*تشوف الشمر بيه أسوه

سوط على أمتوني تلو

ص: 95


1- ([1]) ضلع واحد ياعلي او هد حيلک*چا اضلوع احسين شتسويلک

الليلة الحادية عشرة: الکذب

اشارة

(إِنَّما يَفْتَرِي الْکذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ)(1)

امر الله ان یتخلقوا المؤمنین باخلاق طیبة و اجتناب رذائل الاخلاق و اتصفوا اهل البیت (علیهم السلام) باجمل الصفات و من هذه الصفات الصدق و البعد عن الکذب، و الکذب خصلة رذيلة ذميمة تدل على النفاق ومساوئ الأخلاق ضرره کبير على الأسرة و المجتمع من تحلى به هلک، فهو منافي للإيمان، ومجافي للإسلام و کما جاء فی القرآن: (إِنَّما يَفْتَرِي الْکذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ) هو اتهام للکذابین، بأنهم هم الذين يفترون و یصنعون الکذب و يتعاملون به، و لا يجدون حرجا فى أن يکذبوا، لإنهم لا يؤمنون بايات الله، و لا يخشون عقابه

الکذب فی الروایات

الکذب صفة تجعل صاحبها ذليلا وتذهب بماء وجهه واعتباره، و الکذب أصل اسوداد الوجه في الدنيا و الآخرة(2)و

تخالف طبیعة المؤمن جاء فی الحدیث سئل الصادق (علیه السلام):(3) «يکون المؤمن بخيلا قال نعم قلت فيکون جبانا قال نعم قلت فيکون کذابا قال لا و لا جافيا ثم قال جُبل المؤمن(4)

على کل طبيعة إلا الخيانة و الکذب.»

قال الإمام الزکي العسکري (علیه السلام): «جعلت الخبائث کلها في بيت و جعل مفتاحها الکذب.» و لذا تری فی الحدیث عن امام الرضا قال (علیه السلام): «عليکم بالصدق و إياکم و الکذب فإنه لا يصلح إلا لأهله نروي أن رجلا أتى سيدنا رسول الله (صلی الله علیه و آله) فقال يا رسول الله علمني خلقا يجمع لي خير الدنيا و الاخرة فقال (صلی الله علیه و آله) لا تکذب فقال الرجل فکنت على حالة يکرهها الله فترکتها خوفا من أن يسألني سائل عملت کذا و کذا فأفتضح أو أکذب فأکون قد خالفت رسول الله (صلی الله علیه و آله) فيما حملني عليه.»(5)

ص: 96


1- ([1]) النحل: 104
2- ([2]) وروي عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قوله: «أوصاني رسول الله حين زوجني فاطمة فقال: إياک والکذب، فإنه يسود الوجه، وعليک بالصدق، فإنه مبارک»
3- ([3]) الإختصاص، ص 231
4- ([4]) ای ان طبیعته تخالف الکذب و الخیانة
5- ([5]) جاء هذا الحدیث ببیان اخر عن علی (علیه السلام): أتى رسول الله (صلی الله علیه و آله) رجل فقال إني لا أصلي و أنا أزني و أکذب فمن أي شي ء أتوب قال من الکذب فاستقبله فعهد أن لا يکذب فلما انصرف و أراد الزنا فقال في نفسه إن قال لي رسول الله (صلی الله علیه و آله) هل زنيت بعد ما عاهدت فإن قلت لا کذبت و إن قلت نعم يضربني الحد ثم أراد أن يتوانى في الصلاة فقال إن سألني رسول الله (صلی الله علیه و آله) عنها فإن قلت صليت کذبت و إن قلت لا يعاقبني فتاب من الثلاثة.

وروي عن الباقر (علیه السلام) قوله: «إن الله جعل للشر أقفالا وجعل مفاتيح تلک الأقفال الشراب، والکذب شر من الشراب» و قال الإمام الصادق (علیه السلام):(1)

«کونوا دعاة للناس بالخير بغير ألسنتکم، ليروامنکم الاجتهاد والصدق والورع» وروي عن الباقر (علیه السلام):(2)

«ان الله عزوجل جعل للشر اقفالا وجعل مفاتیح تلک الاقفال الشراب، و الکذب شر من الشراب» و «سئل رسول الله (صلی الله علیه و آله) یکون المؤمن جبانا؟ قال: نعم قیل و یکون بخیلا؟ قال: نعم. قیل یکون کذابا قال: لا»(3)

قال الإمام علي (علیه السلام):(4)

«و ایاک و مصادقة الکذاب فانه کالسراب یقرب علیک البعید و یبعد علیک القریب» و قال الإمام علي (علیه السلام):(5)

«الایمان ان تؤثر الصدق حیث یضرک على الکذب حیث ینفعک» و قال الإمام علي (علیه السلام):(6)

«یکتسب الصادق بصدقه ثلاثا، حسن الثقة و المحبة له والمهابة منه».

و قال رسول الله (علیه السلام):(7) «لاتنظروا الى کثرة صلاتهم و صیامهم و کثرة الحج و الزکاة و کثرة المعروف وطنطنتهم باللیل، انظروا الى صدق الحدیث و اداء الامانة» قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(8) «ان رجلا جاء الى النبى فقال یا رسول الله ما عمل الجنة؟ قال الصدق اذا صدق العبد بر، و اذا بر امن، و اذا امن دخل الجنة قال: یا رسول الله و ما عمل النار؟ قال الکذب، اذا کذب العبد فجر و اذا فجر کفر، و اذا کفر دخل النار»

کیف نبتعد عن الکذب

اول عمل لتفادی الکذب هو ان لا تشیعون الکذب بین الناس قال رسول

ص: 97


1- ([1]) الکافي، ج 2، ص 105
2- ([2]) الکافي، ج 3، ص 339
3- ([3]) جامع السعادات، ج 2، ص 322
4- ([4]) نهج البلاغه، الکلمات القصار، ح 38
5- ([5]) نهج البلاغه، رقم الحدیث 458
6- ([6]) غرر الحکم، ج 2، ص 876
7- ([7]) بحارالانوار، ج 68، ص 9، ح 13
8- ([8]) میزان الحکمة، ج 3، ص 2674

الله (صلی الله علیه و آله): «لا تلفنوا الناس فیکذبون فان بنى یعقوب لم یعلموا ان الذئب یأکل الانسان فلما لقنهم انى اخاف ان یأکله الذئب قالوا اکله الذئب»(1)

و الانسان لابد ان یسعی حتی یترک الکذب کبیره و صغیره حتی یتعود علیه عن السجاد (علیه السلام): «اتقوا الکذب فى صغیر و کبیر فى کل جد و هزل فان الرجل اذا کذب فى الصغیر اجترء على الکبیر»(2)

الکذب الجائز

رسول الله (صلی الله علیه و آله):(3)«ما لي أراکم تتهافتون في الکذب تهافت الفراش(4)في

النار کل الکذب مکتوب کذبا لا محالة إلا أن يکذب الرجل في الحرب فإن الحرب خدعة أو يکون بين رجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته يرضيها(5)»

خبر زينب الکذابة

عن علي بن مهزيار: ظهرت في أيام المتوکل امرأة تدعي أنها زينب بنت فاطمة بنت رسول الله فقال لها المتوکل أنت امرأة شابة و قد مضى من وقت رسول الله (صلی الله علیه و آله) ما مضى من السنين، فقالت: إن رسول الله مسح على رأسي و سأل الله عزوجل أن يرد علي شبابي في کل أربعين سنة، و لم أظهر للناس إلى هذه الغاية، فلحقتني الحاجة فصرت إليهم.

فدعا المتوکل مشايخ ال أبي طالب و ولد العباس فعرفهم حالها فقالوا زینب ماتت. فقالت: کذب و زور فإن أمري کان مستورا عن الناس، فلم يعرف لي موت و لا حياة، فقال لهم المتوکل: هل عندکم حجة على هذه المرأة غير هذه الرواية؟ فقالوا: لا، قالوا: فاحضر علي بن محمد بن الرضا (علیه السلام)، فلعل عنده شيئا من الحجة غير ما عندنا، فبعث إليه فحضر فأخبره بخبر المرأة. فقال: کذبت فإن زينب توفيت في سنة کذا في شهر کذا في يوم کذا، قال: فإن هؤلاء قد رووا مثل هذه الرواية و رفضت.

ص: 98


1- ([1]) کنز العمال، ج 3، ص 624، ح 8228
2- ([2]) بحارالانوار، ج 69، ص 235
3- ([3]) بحار الأنوار، ج 69، ص 254
4- ([4]) الفراش: طائر صغير يعد من الحشرات، و يقال له بالفارسية پروانه و الشحناء: العداوة.
5- ([5]) کان یقول لها اشتری لک کذا و سافعل لک کذا و هو کاذب لیرضیها و یحصل علی ود زوجته

قال: لا عليک عندی دلیل تلزمها. قال لحوم ولد فاطمة محرمة على السباع، فانزلها إلى السباع، فإن کانت من ولد فاطمة فلا تضرها، فقال لها: ما تقولين؟ قالت: انه يريد قتلي، قال: فهاهنا جماعة من ولد الحسن و الحسين (علیه السلام) فأنزل من شئت منهم، قال: فو الله لقد تغيرت وجوه الجميع، فقال بعض المبغضين: هو يحيل على غيره لم لا يکون هو؟ قال: يا أبا الحسن لم لا تکون أنت ذلک؟ فأتى بسلم و فتح عن السباع و کانت ستة من الاسد، فنزل أبو الحسن (علیه السلام) فلما وصل و جلس صارت الأسود إليه، و رمت بأنفسها بين يديه فجعل يمسح على رأسها فقال له الوزير: ما هذا صوابا، فبادر بإخراجه من هناک قبل أن ينتشر خبره.

فقال له: يا أبا الحسن ما أردنا بک سوء و إنما أردنا أن نکون على يقين مما قلت، فاحب أن تصعد، فقام و صعد ثم قال: کل من زعم أنه من ولد فاطمة (علیها السلام) فليجلس في ذلک المجلس. فقال لها المتوکل: انزلي، قالت: الله الله ادعيت الباطل و أنا بنت فلان، حملني الضر على ما قلت. قال المتوکل: القوها إلى السباع فبعثت والدته و استوهبتها منه و احسنت إليها و قال علي بن الجهم: فقمت و قلت يا أمير المؤمنين (علیه السلام)، أنت إمام فافعل کما فعل ابن عمک. فقال: و الله لئن بلغني ذلک من أحد من الناس لأضربن عنقه و عنق هذه العصابة کلهم فو الله ما تحدثنا بذلک حتى قتل.»(1)

أما طريق الخلاص من هذه الصفة الخبيثة فيکون بالرجوع الى الايات والروايات التي تذم الکذب والکذاب، وتأملها والتيقن بأن الکذب يؤدي الى الهلاک الأبدي، والفضيحة، والذل، وسقوط العزة ويکفي في فضيحة الکذاب الحديث التالي:

روي عن أبي عبدالله الصادق (علیه السلام) قوله:(2)

«إن مما أعان الله به على الکذابين النسيان» وهذا الأمر ثبت بالتجربة أيضا حتى شاع به المثل «افة الکذب النسيان» وقيل أيضا الکذب کضربة السيف، فإن التأم جرحها بقيت اثاره، وهذا ما حدث لإخوة يوسف عندما کذبوا لم يعد أبوهم يصدقهم، فقال لهم: (بَلْ سَوَّلَتْ لَکمْ أَنفُسُکمْ أَمْرًا)(3)

واعلم أن

ص: 99


1- ([1]) مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر، ج 7، ص 475
2- ([2]) الکافي، ج 2، ص 341، يعني أن النسيان يصير سببا لفضيحتهم و ذلک لانهم ربما قالوا شيئا فنسوا أنهم قالوه فيقولون خلاف ما قالوه أولا فيفتضحون
3- ([3]) أي زينت و هونت عندکم أنفسکم أمرا فصنعتموه و هوغير ما قلتم

عکس الکذب الصدق، وهو من أشرف الصفات الحسنة وأفضل الأخلاق الحميدة.

قال تعالى (يا أيُّها الذينَ آمنوا اتّقوا اللهَ وکونوا معَ الصادقين)(1)

وروي عن أبي عبدالله الصادق (علیه السلام) قوله: «لاتغتروا بصلاتهم ولابصيامهم فإن الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم حتى لو ترکه استوحش، و لکن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة» (2)

قصة: وکان رجل يکثر الکذب وله غلام يخالفه ويکذبه، فقال له يوما: کنت في ضيعة لي في حصاد زرع، فرميت طيرا فوجدت في حوصلته رطبة، لم ينضج نصفها. فقال الغلام: استدع السوط ولا تکذب متى يجتمع الحصاد والرطب يا أحمق. وقال رجل لاحد حکماء العرب قدیما: إن حدثتني بحديث لم أصدقک عليه، فلک عندي جارية. فقال: ابق لي غلام يوما فاشتريت يوما بطيخة فلما قطعتها وجدته فيها، فقال: قد علمت. فقال: مرض لي فرس فعالجته بقشور الرمان فنبت على ظهره شجرة رمان تثمر کل سنة. فقال: قد علمت. فقال: لما مات أبوک کان لي عليه ألف دينار، فقال: کذبت فأخذ الجارية.

ص: 100


1- ([1]) فدل على لزوم اتباع الصادقین و الاقتداء بهم و الصادقین علی مافی الروایات هم اهل البیت (صلی الله علیه و آله) . قال فی تفسیر الصافي: «في الکافي عن الباقر (علیه السلام) ايانا عني، و في الإکمال عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه قال في مجمع من المهاجرين و الأنصار أيام خلافة عثمان أسألکم بالله أ تعلمون أنه لما نزلت هذه الآية قال سلمان يا رسول الله عامة هذه الآية أم خاصة فقال أما المأمورون فعامة المؤمنين أمروا بذلک و أما الصادقون فخاصة لأخي و أوصيائي من بعده إلى يوم القيامة قالوا اللهم نعم.» انظر تفسير الصافي، ج 2، ص 388
2- ([2]) وروي عن الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام): (لا تنظروا إلى طول رکوع الرجل و سجوده، فإن ذلک شيء اعتاده، فلو ترکه استوحش لذلک ولکن انظروا إلى صدق حديثه و أداء أمانته). وقال الصادق (علیه السلام): (إن الله عزوجل لم يبعث نبيا إلا بصدق الحديث وأداء الامانة إلى البر و الفاجر). فی وصیة السجاد لابنه الباقر (علیه السلام): «يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم و لا تحادثهم و لا ترافقهم في طريق فقلت يا أبت من هم عرفنيهم قال إياک و مصاحبة الکذاب فإنه بمنزلة السراب يقرب لک البعيد و يبعد لک القريب و إياک و مصاحبة الفاسق فإنه بائعک بأکلة أو أقل من ذلک و إياک و مصاحبة البخيل فإنه يخذلک في ماله أحوج ما تکون إليه و إياک و مصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعک فيضرک و إياک و مصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعونا في کتاب الله عز و جل» انظر: الکافي ج 2، ص 641

أنواع الکذب

ويمکن تقسيم الکذب إلى ما يلي:

1. الکذب على الله ورسوله (صلی الله علیه و آله) و اهل البيت(1) (علیه السلام) بان يولف من نفسه احاديث و احکام شرعيه

2. الکذب على الناس فيما يتعلق بأعراضهم وأموالهم وأنفسهم: بان يقول فلان زوجته کذا او فلان لا يصلي و لا يصوم او يکل الحرام کذبا وهذا من أشد الکبائر وأقبح الجرائم التي تضر بالمجتمع

3. شهادة الکذب بالمحاکم، وهي من أکبر الکبائر

4. الحلف الکاذب، وهو أشد جرما وأعظم إثما من السابق

5. الکذب في البيع والشراء، کالذي يکذب في قيمت شرائه ليبع بظاعته اغلي ثمنا

6. الکذب بقصد المزاح والسخرية

7. الکذب لإفساد ذات البين، يقولون الکذب و البهتان ليوقعوا الخلاف و القطيعة بين المرء و زوجته و بين الأخ مع اخوه

8. الکذب في إظهار الفضل وادعاء ما ليس له

نعي: دفن الأجساد الطاهرة

إن مصيبة کربلاء جعلت الإمام زين العابدين (علیه السلام) من البکائين الخمسة، وترکت في قلبه جرحا عميقا، واستمر حزن الإمام زين العابدين (علیه السلام) والبکاء على أبيه ولم يزل باکيا ليله ونهاره، حتى قال له بعض مواليه: إني أخاف عليک أن تکون من الهالکين، فقال (علیه السلام): يا هذا إنما أشکو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون، إن يعقوب کان نبيا فغيب الله عنه واحدا من أولاده وعنده اثنا عشر، وهو يعلم أنه حي فبکى عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن، وإني نظرت إلى أبي وإخوتي وعمومتي وصحبي مقتولين حولي، فکيف ينقضي حزني؟ وإني لا أذکر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة.

خصوصا أن جميع السبايا رأوا مصارع بني فاطمة، ولکن مرة واحدة، أما الإمام زين العابدين (علیه السلام) فقد راهم مرتين، الأولى عندما خرج السبايا من کربلاء، وأما الثانية فعندما رجع الإمام لدفن الجثث الطاهرة. فقد روي أنه لما ارتحل عسکر ابن سعد من کربلاء، وساروا بالسبايا والرؤوس، في الثالث عشر من محرم الحرام دُفنت الاجساد

ص: 101


1- ([1]) وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «من کذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»

الطاهرة بعد ما بقيت ثلاثة أيام على رمضاء کربلاء بلا غسل ولا کفن. نزل بنو أسد إلى جسد الحسين (علیه السلام) وصار لهم بکاء وعويل، ثم إنهم اجتهدوا على أن يحرکوه من مکانه ليشقوا له قبرا، فلم يقدروا، أن يحرکوا عضوا من أعضائه فبينما هم في الکلام إذ طلع عليهم أعرابي ملثم على متن جواده حتى أتى ورمى بنفسه على جسد الحسين (علیه السلام) فجعل يشمه تارة ويقبله أخرى وقد بل لثامه من دموع عينيه..

يگله أو تهمل اعيونه أو يحاچيه*يبويه اعله الترب لليوم بعدک

تَرِيباً سَلِيباً يا عَزيزَ محمّدٍ* وَلمَ يَأتِ مَن يَبکي عَليک وَيَدْفنُ

فأقسموا عليه بحق هذا الجسد الطريح إلا ما عرفتنا عن نفسک، فکشف لثامه وإذا به الإمام زين العابدين (علیه السلام) يقول بنو أسد ثم أقبلنا إليه لنعينه على جسد الحسين (علیه السلام) فبکى بکاءا شديدا، وقال: إن معي من يعينني عليه، ثم إنه بسط کفيه تحت ظهره الشريف وهو يقول: بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله (صلی الله علیه و آله)، هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم أنزله وحده لم يشرک معه أحدا منا فرأيناه قد وضع خده على نحره الشريف وهو يبکي.

حط خده اعله نحره أوظل يشمه*وينادي أو دمع عينه يسجمه

يبويه اخلافک الدنيه مظلمه*يگله أو ينتحب وادموعه اتسيل

وضع خده على نحره الشريف وهو يقول: طوبى لأرض تضمنت جسدک الشريف، أما الدنيا فبعدک مظلمة وأما الاخرة فبنورک مشرقة، أما الحزن فسرمد، وأما الليل فمسهد، حتى يختار الله لأهل بيتک دارک التي أنت فيها مقيم، وعليک مني السلام يا بن رسول الله ورحمة الله وبرکاته، ثم إنه أشرج عليه اللبن وأهال عليه التراب. ثم وضع کفه على القبر وجعل يخط القبر بأنامله.

وذکر أنه کتب: هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشانا غريبا، ثم التفت إلينا وقال: انظروا هل بقي أحد؟ فقالوا: نعم يا سيدنا بقي بطل مطروح حول المسناة. وکلما حملنا جانبا منه سقط الاخر لکثرة ضرب السيوف والسهام. فقال: امضوا بنا إليه، فمضينا فلما راه انکب عليه يقبله وهو يقول: على الدنيا بعدک العفا يا قمر بني هاشم، وعليک مني السلام من شهيد محتسب ورحمة الله وبرکاته.

يعمي اخلاف عينک يسرتنا اعداک*دنهض واشهر سيفک الفتاک

هذا لواک ما تنهض تشيل لواک* نايم يا ذخر زينب وچلثومه

ص: 102

ثم أنزله في ملحودة قبره وأهال عليه التراب وبعد أن دفن الأجساد الطاهرة، وجاء إلى الکوفة، وإذا بعمته زينب (علیها السلام) قالت: يا بن أخي أين کنت هذا اليوم؟ قال: عمه مضيت إلى دفن أبي الغريب.

تگله يعمه من الظهر لساع*دگلي کنت غايب وين(1)

سمعها وزادت أحزانه*دم سالت دموع العين

گال الها غبت عنک*رحت يم جسم أبوي احسين

رحت الوالدي شفته*أنا ثلث تيام فارگته

يعمه وإدفنت جثته*ورضيعه البسهم مفطوم

وسدته على صدره

زينب سمعته وصاحت*انشدک يا علي نشده

يعمه عادة الميت*يصير علترب خده

يعمه اشلون إدفنت*ابوک وراس ما عنده

سمع عمته وهل دمعه*يگلها ومختلف وضعه

يعمه ابدال خد احسين*صار اعلى الترب نحره

التوت وتحيرت زينب*صاحت والدمع يجري

يعمه يا علي السجاد*ضاق من الهظم صدري

انا نشدک عن ابو فاضل*اخوي اللي کفل خدري

شلعت السهم عن عينه*دفنت اوياه کفينه

يعمه الجود چاوينه*إجيت او ما جبت وياک

جوده او رايته الخضره

عن رايت قمر هاشم وجوده لا تنشديني*ياعمه ابعلتی واصواب حامي الظعن خليني

شفت عينه وکفينه بعيني ولاعمت عيني

انا مع ضعفي وعظم قيدي*ادفنت حامي الظعن بيدي

وصحت ياحسرتي زيدي

وزادت حسرتي لکن*ياعمه اشتنفع الحسره

التفتة زینب الی زین العابدین (علیه السلام):

تگله یعمه اشمال اهلنه مالفونه*وبديار غربه ضيعوونه

حیف اللیالی اغدرت بینه*ذبحوا اهلنه و ان سبینه

یا حیف الدهر خوانی بعدهم*و طوفن من بلد لاخر بعدهم

ص: 103


1- ([1]) اسمع نعي دفن الاجساد الطاهره بکربلاء - السيد محمد الصافي

های اهوم و رید اشکی بعدهم*المتن و الصوط ظل مطبوع بیه

يا محلا الاخت لو عدها خوان*او تگعد اب فیهم وین ماچان

صعبه الاخت جدام اخوها*یضربونها و یشتمون ابوها

الخوان شو چنهم نسونه*نامو يعمه وما اجونه

عباسُ تَسمعُ ما تقولُ سُکينةٌ*عَمَّاهُ يَومَ الأَسرِ مَن يَحمِينِي

أَوَلَسْتَ تَسمَعُ زَينَباً تَدعوک*مَن لي يا حِمَايَ إذا العِدَى نَهَروني

ص: 104

الليلة الثانية عشرة: التهاون بالصلاة و الرياء

اشارة

(فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ(1) الَّذِينَ هُمْ يُراؤنَ(2)

وَ يَمْنَعُونَ الْماعُونَ)

الصلاة هی اول ما یسال عنها العبد و الصلاة الفاصل بین المؤمن و الکافر و اذا قبلت قبل ما سواها من اعمال العبد و اذا ردت صلاته رد جمیع اعمال العبد و قال الصادق (علیه السلام):(3) «امتحنوا شيعتنا عند مواقيت الصلاة کيف محافظتهم عليها» و اما تفسیر هذا المقطع من الآیة (و يمنعون الماعون) الماعون لغة هو کل ما فيه منفعة و عون و سئل الإمام الصادق عن تفسیر قوله: «قال هو (الماعون) القرض يقرضه و المعروف يصطنعه و متاع البيت يعيره و منه (الماعون) الزکاة، فقلت له إن لنا جيرانا إذا أعرناهم متاعا کسروه و أفسدوه فعلينا جناح إن نمنعهم فقال لا ليس عليکم جناح إن تمنعوهم إذا کانوا کذلک(4)»

ما عقوبة المتهاون في الصلاة

قال النبی (صلی الله علیه و آله):(5) «من تهاون بصلاته من الرجال و النساء ابتلاه الله (بخصال) في دار الدنيا 1) يرفع الله البرکة من عمره و 2) يرفع الله البرکة من رزقه و 3) يمحو الله عزوجل سيماء الصالحين من وجهه و

ص: 105


1- ([1]) غافلون غير مبالين بها
2- ([2]) فيما يفعلون الهی
3- ([3]) الخصال، ج 1، ص 103
4- ([4]) يعني اذا لم يحافظ علي الماعون و يتلفه فلا تقرضه.
5- ([5]) فلاح السائل و نجاح المسائل، ص 22 - و کامل الحديث هو عن رسول الله (صلی الله علیه و آله): «من تهاون بصلاته من الرجال و النساء ابتلاه الله بخمس عشرة خصلة ست منها في دار الدنيا و ثلاث عند موته و ثلاث في قبره و ثلاث في القيامة إذا خرج من قبره فأما اللواتي تصيبه في دار الدنيا فالأولى يرفع الله البرکة من عمره و يرفع الله البرکة من رزقه و يمحو الله عز و جل سيماء الصالحين من وجهه و کل عمل يعمله لا يؤجر عليه و لا يرتفع دعاؤه إلى السماء و السادسة ليس له حظ في دعاء الصالحين و أما اللواتي تصيبه عند موته فأولهن أنه يموت ذليلا و الثانية يموت جائعا و الثالثة يموت عطشانا فلو سقي من أنهار الدنيا لم يرو عطشه و أما اللواتي تصيبه في قبره فأولهن يوکل الله به ملکا يزعجه في قبره و الثانية يضيق عليه قبره و الثالثة تکون الظلمة في قبره و أما اللواتي تصيبه يوم القيامة إذا خرج من قبره فأولهن أن يوکل الله به ملکا يسحبه على وجهه و الخلائق ينظرون إليه و الثانية يحاسب حسابا شديدا و الثالثة لا ينظر الله إليه و لا يزکيه و له عذاب أليم.»

4) کل عمل يعمله لا يؤجر عليه و 5) لا يرتفع دعاؤه إلى السماء و 6) السادسة ليس له حظ في دعاء الصالحين»

الریاء

و اما الریا التی ذکر فی الآیة فهو من الرؤية: وهي طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم خصال الخير(1) أو ما يدل عليها من الآثار. فهومن اصناف الجاه، إذ هو طلب المنزلة في القلوب بأي عمل اتفق و هو بحث عن السمعة بین الناس. الرياء من الأخلاق الذميمة والمهلکات العظيمة. وتوعد المتصف بها بذهاب اعماله فقد روي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قوله:(2)«لا يقبل الله تعالى عملا فيه مثقال ذرة من رياء» قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(3)«و

أما علامة المرائي فأربعة يحرص في العمل لله إذا کان عنده أحد و يکسل إذا کان وحده و يحرص في کل أمره على المحمدة و يحسن سمته بجهده»

قصص عن الریاء

1) سمعت إبراهيم بن أدهم، يقول: "تعلمت المعرفة من راهب يقال له: أبا سمعان، دخلت عليه في صومعته، فقلت له: يا أبا سمعان منذ کم أنت في صومعتک هذه؟ قال: منذ سبعين سنة، قلت: فما طعامک؟ قال: يا مسلم فما دعاک إلى هذا؟ قلت: أحببت أن أعلم، قال: في کل ليلة حمصة قلت: فما الذي يهيج من قلبک حتى تکفيه هذه الحمصة؟ قال: ترى الدير بحذائک، قلت: نعم، قال: إنهم يأتوني في کل سنة يوما واحدا فيزينون صومعتي، ويطوفون حواليها، ويعظموني بذلک، فکلما تثاقلت نفسي عن العبادة، ذکرتها تلک الساعة وأنا احتمل جهد سنة لعز

ص: 106


1- ([1]) و ضد الرياء الإخلاص قال الإمام الصادق (علیه السلام) في تعريف الإخلاص: « العمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدک عليه أحد إلا الله عز و جل.» انظر: الکافي، ج 2، ص 16
2- مجموعة ورام، ج 1، ص 187 و عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال: (کل رياء شرک، إنه من عمل للناس کان ثوابه على الناس ومن عمل لله کان ثوابه على الله) و قال الإمام الحسين (علیه السلام) في دعاء يوم عرفة: «من کانت محاسنه مساوی فکیف لایکون مساویه مساوی» أي من کانت اعماله الحسنة لم تقبل اما لاجل الرياء و السمعة او غيرها فکيف بمساوئه
3- ([3]) تحف العقول، ص 22 و ترجمتها بالفارسية يکون هکذا: (در تنهايي کسل و بي حال است، و در انظار مردم با نشاط و فعال، و در همه کارهايش به مدح و ثناي ديگران حساس و آزمند است و تمام کوشش او بر اين است که ميان مردم وجهه اي زيبا و نيکو داشته باشد.)

ساعة، فاحتمل يا مسلم جهد ساعة لعز الأبد»

2) عابد کان فی المسجد فی اللیل یصلی و اذا احس بشخص فتح علیه باب المسجد فقال فی نفسه انه حارس المسجد فالاوطیل فی صلاتی حتی ینقلها للناس و لما اصبح الصبح و اتم من الصلاة التفت الیه و اذا به کلب لائذ بالمسجد لیحمی نفسه من المطر، فقال فی نفسه صلیت طول اللیل لاجل کلب.

3) عالم کان مدعو علی مائد عند الحاکم لما رجع الی البیت قال لولده جئنا بغذاء. قال له الولد: لماذا الم تاکل فی بیت الحاکم؟ قال: لانی لم اکل بحد الکفایه عند الحاکم حتی اعلمه بزهدی. فقال له ولده عد صلاتک ایضا لانها کانت ایضا ریاء عند الحاکم.

شعائر الحسین (علیه السلام)

التصنع فی کل شئ قبیح الا لاجل الحسین حتی التصنع و اظهار خلاف ما الانسان علیه للاجل الحسین ثوابه الجنة جاء فی الحدیث عن الإمام الصادق (علیه السلام): قال لي يا با عمارة أنشدني في الحسين (علیه السلام) قال فأنشدته فبکى ثم أنشدته فبکى ثم أنشدته فبکى قال فو الله ما زلت أنشده و يبکي حتى سمعت البکاء من الدار فقال لي يا أبا عمارة من أنشد في الحسين (علیه السلام) شعرا فأبکى خمسين فله الجنة و من أنشد في الحسين شعرا فأبکى أربعين فله الجنة (و ما زال ینقص من هذا العدد حتی قال) و من أنشد في الحسين (علیه السلام) شعرا فأبکى واحدا فله الجنة و من أنشد في الحسين (علیه السلام) شعرا فبکى فله الجنة و من أنشد في الحسين شعرا فتباکى(1) فله الجنة. و فی حدیث اخر:«و من ذکر الحسين عنده فخرج من عينيه من الدمع مقدار جناح ذباب کان ثوابه على الله عزوجل و لم يرض له بدون الجنة»

نعي: القاسم بن الحسن (علیه السلام)

نقلت مشاهدات کثیرة فیها طلبت الزهراء (علیها السلام) القارئین و النائحین علی الحسین الشهید (علیه السلام) بقرائت ابیات معروفة عندهم و مشجعیة لیقرئوها، منها ما روی عن کتاب "المحاضرة وأخبار المذاکرة" للتنوخي انه کان بالحائر من کربلاء رجل يدعى "ابن اصدق" ينوح على الحسين (علیه السلام) فبعث ابو الحسن الکاتب الى هذا المنشد، أبا القاسم التنوخي علي بن محمد بن داود والد مؤلف النشوار لينوح على الحسين قصيدة بطلب

ص: 107


1- ([1]) التباکي تکلف البکاء و المراد به إظهار البکاء و التشبه بالباکين في الهيئة.

من الزهراء (علیها السلام) و هذه القصیدة لبعض الشعراء الکوفيين وأولها:

ايها العينان فيضا*واستهلا لا تغيضا

لم امرضه فاسلو*لا ولا کان مريضا

قال ابو القاسم وکان هذا في النصف من شعبان والناس اذ ذاک يلقون جهدا جهيدا من الحنابلة اذا ارادوا الخروج الى الحائر فلم ازل اتلطف حتى خرجت فکنت في الحائر ليلة النصف من شعبان.

قال:(1) «حدثني أبي(2)،

قال: خرج إلينا يوما، أبو الحسن الکاتب(3)، فقال: أتعرفون ببغداد رجلا يقال له: ابن أصدق؟ قال: فلم يعرفه من أهل المجلس غيري، فقلت: نعم، فکيف سألت عنه؟ فقال: أي شيء يعمل؟ قلت: ينوح على الحسين (علیه السلام). قال: فبکى أبو الحسن، وقال: إن عندي عجوزا ربتني من أهل کرخ جدان(4)

عفطية اللسان(5)،

الأغلب على لسانها النبطية، لا يمکنها أن تقيم کلمة عربية صحيحة، فضلا عن أن تروي شعرا، وهي من صالحات نساء المسلمين، کثيرة الصيام والتهجد.

وإنها انتبهت البارحة في جوف الليل، ومرقدها قريب من موقعي، فصاحت بي: يا أبا الحسن. فقلت: ما لک؟ فقالت: الحقني.

فجئتها، فوجدتها ترعد، فقلت: ما أصابک؟ فقالت: إني کنت قد صليت وردي(6) فنمت، فرأيت الساعة في منامي، کأني في درب من دروب الکرخ، فإذا بحجرة نظيفة بيضاء، مليحة الساج، مفتوحة الباب، ونساء وقوف عليها. فقلت لهم: من مات؟ وما الخبر؟ فأومأوا إلى داخل الدار. فدخلت فإذا بحجرة لطيفة، في نهاية الحسن، وفي صحنها امرأة شابة لم أر قط أحسن منها، ولا أبهى ولا أجمل، وعليها ثياب حسنة بياض مروي(7)

لين، وهي ملتحفة فوقها بإزار أبيض جدا، وفي حجرها رأس رجل يشخب دما. فقلت: من أنت؟ فقالت: لا عليک، أنا فاطمة بنت

ص: 108


1- ([1]) نشوار المحاضرة و أخبار المذاکرة، ج 2، ص 232
2- ([2]) والد المؤلف: أبو القاسم علي بن محمد القاضي التنوخي
3- ([3]) أحمد بن محمد بن عبد اللّه بن الحسين الأهوازي الکاتب
4- ([4]) کرخ جدّان: بليد في آخر ولاية العراق، يناوح خانقين عن بعد، و هو الحد بين ولاية شهرزور و العراق (معجم البلدان ج4، ص255)
5- ([5]) العفطي (بکسر العين): الألکن
6- ([6]) الورد: الجزء من القرآن يقرأه الإنسان کل ليلة.
7- ([7]) مروي: من صنع مرو.

رسول الله (صلی الله علیه و آله)، وهذا رأس ابن الحسين، (علیه السلام)، قولي لابن أصدق عني أن ينوح(1):

لم أمرضه فأسلو*لا ولا کان مريضا(2)

فانتبهت فزعة. قال: وقالت العجوز: لم أمرطه(3)،

بالطاء، لأنها لا تتمکن من إقامة الضاد، فسکنت منها إلى أن نامت. ثم قال لي: يا أبا القاسم مع معرفتک الرجل، قد حملتک الأمانة، ولزمتک، إلى أن تبلغها له. فقلت: سمعا وطاعة، لأمر سيدة نساء العالمين. قال: وکان هذا في شعبان، والناس إذ ذاک يلقون جهدا جهيدا من الحنابلة، إذا أرادوا الخروج إلى الحائر.

فلم أزل أتلطف، حتى خرجت، فکنت في الحائر(4)،

ليلة النصف من شعبان. فسألت عن ابن أصدق(5)، حتى رأيته. فقلت له: إن فاطمة (علیها السلام)، تأمرک بأن تنوح بالقصيدة التي فيها:

لم أمرضه فأسلو*لا ولا کان مريضا

وما کنت أعرف القصيدة قبل ذلک. قال: فانزعج من ذلک، فقصصت عليه، وعلى من حضر، الحديث، فأجهشوا بالبکاء، وما ناح تلک الليلة إلا بهذه القصيدة، وأولها:

أيها العينان فيضا*واستهلا لا تغيضا(6)

وهي لبعض الشعراء الکوفيين وعدت إلى أبي الحسن، فأخبرته بما جرى کان الناس لا يستطيعون النياحة على الحسين (علیه السلام) خوفا من الحنابلة، قال أبي، وابن عياش: کانت ببغداد، نائحة مجيدة حاذقة، تعرف بخلب، تنوح بهذه القصيدة.(7)

فسمعناها في دور بعض الرؤساء،

ص: 109


1- ([1]) يعني هذه الأبيات لفاطمة (علیها السلام)
2- ([2]) الظاهر ان البیت الصحیح هو: لم أمرضه قتيلا*لا ولا کان مريضا هکذا نقل فی کتب المعتمدة و لعله هنا من خطاء النساخ و الله العالم.
3- ([3]) ای قالت العجوز: لم أمرطه، بدل: لم أمرضه، فی الشعر
4- ([4]) الحائر: قبر الإمام الحسين (علیه السلام) بکربلاء
5- ([5]) قارئ التعزية في ذلک الوقت
6- ([6]) الابيات هي: ايها العينان فيضا*واستهلا لا تغيضا وابکيا بالطف ميتا*ترک الصدر رضيضا لم أمرضه قتيلا*لا ولا کان مريضا
7- ([7]) القصیدة السابقة: (ايها العينان فيضا)

لأن الناس إذ ذاک کانوا لا يتمکنون من النياحة إلا بعز سلطان(1)،

أو سرا لأجل الحنابلة.

ولم يکن النوح إلا مراثي الحسين وأهل البيت (علیهم السلام) فقط، من غير تعريض بالسلف. قالا: فبلغنا البربهاري(2)، قال: بلغني أن نائحة يقال لها: خلب، تنوح، اطلبوها فاقتلوها.»

نعم یا مؤمنین ان فاطمة (علیها السلام) طلبت هذه الأبيات:

أيُّهَا العينانِ فِيضَا*واستَهِلَّا لا تَغيضَا

وابکيا بِالطَفِّ مَيتاً*تَرَک الجِسمَ رَضِيضَاً

أنا الوالده والگلب لهفان*وادور عزه ابني وين ما کان

ابني ذبيح او ماله اکفان*او لعبت عليه الخيل ميدان

اقول یا فاطمة (علیها السلام) لیتک حاضرة یوم عاشوراء حین جاء القاسم بن الحسن (علیه السلام) لیودع عمه اباعبدالله (علیه السلام) یقول اصحاب الکتب کان للحسین کالولد العزيز المدلل لان توفي أبوالقاسم الإمام الحسن (علیه السلام) وکان له من العمر أربع سنين فرباه عمه الحسين (علیه السلام) فقد کان يحبه حبا شديدا ولم يذکر: أن الحسين عند وداع أحد من أهل بيته غشي عليه من شدة البکاء حتى عند وداع ولده وفلذة کبده علي الأکبر شبيه رسول الله (صلی الله علیه و آله) قالوا عند وداعه: ان الحسين أرخى عينيه بالدموع ولکنهم قالوا لما خرج القاسم واقبل على عمه يستأذنه في القتال نظر إليه الحسين فلم يملک نفسه دون أن تقدم إيه واعتنقه وجعلا يبکيان حتى

ص: 110


1- ([1]) و السلاطین آنذک هم من بنی بویه فی بغداد و کانوا هم من الشیعة.
2- ([2]) قال عبود الشالجي محقق کتاب "نشوار المحاضرة وأخبار المذاکرة" محشیا هنا ما نصه: «البر بهاري: الحسن بن علي بن خلف، کان رئيس الحنابلة، و کان يدفعهم إلى کثير من أعمال العنف، فأخذوا يکبسون الدور يعترضون البيع و الشراء، و أرهبوا کل من لا يرى رأيهم، حتى إن الإمام الطبري رضي اللّه عنه، صاحب التفسير و التاريخ، ظل حبيس داره مدة، و لما توفي حالوا دون تشييعه و دفنه، و زاد شرهم و فتنتهم، و استظهروا بالعميان الذين کانوا يأوون إلى المساجد، فإذا مر بهم شافعي المذهب، أغروا به العميان فضربوه بعصيهم، حتى يکاد يموت، الأمر الذي اضطر الخليفة الراضي أن يصدر بشأنهم منشورا، قال فيه: إن من نافق بإظهار الدين، و توثب على المسلمين، و أکل به أموال المعاهدين، کان قريبا من سخط رب العالمين، و غضب اللّه، و هو من الضالين. مات البر بهاري سنة 329 و هو ابن 96 سنة (تجارب الأمم 1ج، ص 322 و الکامل ج8، ص 307، و معجم الأدباء، ص 436،6ج) راجع القصة ج2، ص 154 من النشوار.»

غشي عليهما. أقول: هذه ساعة اعتنق فيها الحسين ابن أخيه القاسم ثم ودعه فنزل إلى الميدان، وساعة أخرى اعتنقه وهو مشقوق الهامة مثخن بالجراح.(1)

ساعد الله قلبک أبا عبد الله وأنت ترى وديعة أخيک الحسن مغسلا بدمائه سيدي ما کنت تقول وأنت تحمله إلى الخيمة؟ قال بعضهم: کان الحسين (علیه السلام) يبکي عند رأسه وينادي يا بن أخي أنت الوديعة. فلما سمعت النساء صراخ الحسين أقبلن إليه وهن يبکين لاطمات تتقدمهن أمه رملى وعمته زينب. فلما وصلن إليه ألقين بأنفسهن عليه وأمه تنادي وا ولداه وا قاسماه.(2)

وين الفاقدة الشبان وين الضايگة اللوعه*

هاي ام جاسم العريس عالعريس مفجوعه

وين الفاگدة الشبان خل اوياي تتعنه*

لم

جاسم نريد نروح ونساعدها على الونه

يبني يجاسم جيت أشمک*دگعد يمن لا ظلت أمک

ظل گلبي يبني ايحوم يمک* يالحنتک من فيض دمک

يالفدوه

اروحن لک ولسمک

ردتک

ما ردت دنيه ولا مال*اتحضرني لو وگع حملي ولا مال

يجاسم خابت اظنوني والامال*یبنی وکت الضيج لیش اگطعت بيه

انا ربيت الولد وشکد تعبت عليه*گلت يکبر وليدي وچنت اظنن بيه

يسد عني وحشتي وبيتي يبنيه*واموت وللکبر بيده يوديني

*

*

بني

في لوعة خلفت والدة*ترعى نجوم السما في الليل بالسهر

ص: 111


1- ([1]) مجمع مصائب أهل البيت (علیهم السلام)، ج 1، ص 372
2- ([2]) مجمع مصائب أهل البيت (علیهم السلام)، ج 1، ص 372

الليلة الثالثة عشرة: الصبر

اشارة

(وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَکبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِين)(1)

خلق الله نبیه و ابانا ادم (علیه السلام) ثم انزله الی الارض فصار حاله خلاف الجنة صار فیها یتقلب بین فرقة و اجتماع و هم و حزن و مصائب و بلایا و قد جعل الله للمومن من خلق یحفظهم من الزلل و الانحراف الا و هو الصبر و بسببه یقدر الانسان ان یتخلص من هم الدنیا و مصائبها و هو من اخلاق الانبیاء(2)

فنظر الی صبر ابراهیم علی نار نمرود و یوسف علی غربته و ما فعله معه اخوته و صبر ایوب(3)

و هو یرای اولاده یموتون و امواله تذهب هباء و تمرض و مع هذا کله صبر.

ما هي علاقة الصبر بالایمان؟

نقول الایمان هو الصبر المؤمن یاکل و یشرب و یلبس لکان یصبر علی حرام الله و لا یلهی نفسه الا بالحلال.

العالم لو لم یصبر علی الدراسة و تحمل الفقر حتی اصبح من العلماء و العباقرة، ما هو تعریف الصبر؟ یقول الإمام علي (علیه السلام):(4)«الصبر

أن يحتمل الرجل ما ينوبه و يکظم ما يغضبه.»

و قالوا العلماء فی تعریفه: «الصبر هو حبس النفس من الجزع في وقت وقوع المکروه، وإنما يکون ذلک بمنع باطنه من الأضطراب(5)

ص: 112


1- ([1]) (وَ بَشِّرِ الصّابِرِينَ*اَلَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ*أُولئِک عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِک هُمُ الْمُهْتَدُون) – (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا کانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 96).
2- ([2]) (وَ إِسْماعِيلَ وَ إِدْرِيسَ وَ ذَا الْکفْلِ کلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ) (سورة الأنبياء: 85)
3- ([3]) و من أهم القصص التي يعرفها الجميع و هي من أسمى معاني الصبر، قصة أيوب (علیه السلام) الذي يعد أکبر مثال للصبر، حيث توفى أبنائه، و أصابه الأمراض، و ضاقت به الدنيا حتى أن زوجته باعت ضفائرها لتنفق عليه، حتى أن دعى ربه فقال: (وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) وقد قال المفسرين عن هذا الدعاء أنه مثال للرضى و التأدب مع الله حتى في طلب رفع البلاء، حتى أن الله رفع عنه البلاء و قد کان له جزاء الصبر من الله عز وجل (فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَکشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِکرى لِلْعابِدِينَ) (سورة الأنبياء: 83 الى 84)
4- ([4]) عيون الحکم و المواعظ، لليثي، ص 56
5- ([5]) ولولا الصبر لانهار الإنسان من البلاء الذي ينزل عليه، او قد ینتحر

ولسانه من الشکوى(1) وأعضائه من الحرکات غير المعتادة(2)

و لذا قال بعض العلماء إن أکثر الأخلاق الفاضلة تنطوي تحت لواء الصبر: "الشجاعة هي الصبر على مکاره الجهاد(3)،

والعفاف هو الصبر على الشهوات، والحلم هو الصبر على المثيرات، والکتمان هو الصبر على إذاعة الأسرار" عن الإمام الباقر (علیه السلام) قال: (الجنة محفوفة بالمکاره والصبر، فمن صبر على المکاره في الدنيا دخل الجنة(4)، وجهنم محفوفة باللذات والشهوات فمن أعطى نفسه لذاتها وشهوتها دخل النار). وروى عن الإمام الصادق (علیه السلام) قال:(من ابتلي من المؤمنين ببلاء فصبر عليه، کان له مثل أجر ألف شهيد). روي عن الإمام جعفر الصادق (علیه السلام) قوله: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، کذلک إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان»

طريق تحصيل مرتبة الصبر

فإنه يکون بمراعاة الأمور التالية:

الأول: التأمل والتفکر في الأحاديث التي تتحدث عن فضيلة الابتلاء في الدنيا، وأنه في مقابل أية مصيبة يرتفع الصابر درجة أو تمحى عنه سيئة، وأن يستيقن أنه لا خير في من لايبتلى.

الثاني: أن يتذکر أن زمان المصيبة قصير و قليل، وأنه سيرفع عنه

ص: 113


1- ([1]) مثل حبس اللسان عن التشکي و التسخط و وقل الکفر
2- ([2]) مثل إطلاق العنان للنفس عند حلول البلاء و المصيبة والصراخ وما شابه تمزيق ثياب ولطم وجه، حتى تقطيب الحاجبين والعبوس وأمثالها مما يصدر عن ضعف النفس
3- ([3]) قصة عنترة بن شداد: ذکر عن عنترة بن شداد المقاتل الشجاع أنه سئل عن السر في شجاعته، و قدرته على أن يغلب الرجال، فطلب من الذي سأله أن يضع إصبعه في فم عنترة و يضع عنترة إصبعه في فم الرجل، على أن يعض کلا منهما على إصبع الأخر، بعدها صاح الرجل، فقال له عنترة هکذا أغلب الرجال، فأنا أصبر على الخصوم و أحتمل الألم.
4- ([4]) من أشهر القصص في الصبر أيضا قصة آل ياسر: أخذ المشرکون عمار بن ياسر فلم يترکوه حتى سبَّ النبي (صلی الله علیه و آله) وذکر آلهتهم بخير، ثم ترکوه، فلما أتى رسول الله، قال: ما وراءک؟، قال: شر يا رسول الله (صلی الله علیه و آله)، ما ترکت حتى نلت منک وذکرت الهتهم بخير، قال: کيف تجد قلبک؟، قال: أجد قلبي مطمئنا بالإيمان، قال: فإن عادوا فعد، فأنزل الله تعالى: (مَنْ کفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُکرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَکنْ مَنْ شَرَحَ بِالْکفْرِ صَدْرا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) و فيها دليل علي جواز التقية في الدين

عما قريب.

ويقول الإمام علي بن أبي طالب (علیه السلام):(1)

إِصبِر قَليلاً فَبَعدَ العُسرِ تَيسيرُ*وَکلُّ أَمرٍ لَهُ وَقتٌ وَتَدبير

وَلِلمُهَيمِنِ في حالاتِنا نَظَرٌ*وَفَوقَ تَقديرِنا لِلّهِ تَقدير

الثالث: أن ينظر الى الجزوع الذي لاصبرله، ويرى هل استفاد شيئا من جزعه، أو أنه بلغه ما کان مقدرا له صبر عليه أم جزع؟ وما کان مقدرا له لايتغير.

قال الإمام علي (علیه السلام) للأشعث(2) يعزيه بأخيه عبد الرحمن:(3)«إن

جزعت فحق عبد الرحمن وفيت و إن صبرت فحق الله أديت على أنک إن صبرت جرى عليک القضاء و أنت محمود و إن جزعت جرى عليک القضاء و أنت مذموم فقال الأشعث إنا لله و إنا إليه راجعون فقال أمير المؤمنين (علیه السلام) أ تدري ما تأويلها فقال الأشعث لأنت غاية العلم و منتهاه فقال(علیه السلام) أما قولک إنا لله فإقرار منک بالملک و أما قولک و إنا إليه راجعون فإقرار منک بالهلک»

قصة إسکندر

لما حضرت إسکندر الوفاة کتب إلى أمه أن اصنعي طعاما يحضره الناس ثم تقدمي إليهم أن لا يأکل منه محزون.

ففعلت: فلم يبسط أحد إليه يده فقالت: ما لکم لا تأکلون؟ فقالوا: إنک تقدمت إلينا أن لا يأکل منه محزون، وليس منا إلا من قد أصيب بحميم أو قريب فقالت: مات والله ابني وما أوصى إلي بهذا إلا ليعزيني به.

الرابع:(4)

أن يتأمل حال من ابتلي ببلاء أعظم من بلائه.

ص: 114


1- ([1]) صيد الأفکار في الأدب و الأخلاق و الحکم و الأمثال، ج 2، ص 108
2- ([2]) الظاهر هو اشعث بن قيس المکنى بأبي محمد ذکروه في جملة أصحاب رسول الله و کان أشعث سکن الکوفة و هو عامل عثمان على آذربيجان، و کتب أمير المؤمنين (علیه السلام) إليه بعد فتح البصرة فسار و قدم على علي (علیه السلام) و حضر صفين، ثم صار خارجيا ملعونا. و قال ابن أبى الحديد کل فساد کان في خلافة أمير المؤمنين (علیه السلام) و کل اضطراب فأصله الاشعث، و هو الذي شرک في دمه (علیه السلام) و ابنته جعدة سمت الحسن (علیه السلام) و محمد ابنه شرک في دم الحسين (علیه السلام) . انظر: بحار الأنوار، ج 75، ص 47
3- ([3]) تحف العقول، ص 209
4- ([4]) من طرق تحصيل مرتبة الصبر

الخامس: أن يعلم أن الابتلاء والمصائب هي دليل الفضل(1)

والسعادة، فإنه الإنسان کلما کان مقربا من الله أکثر کان ابتلاؤه الأکثر و عن علي (علیه السلام) أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال:(2)

«ما کرم عبد على الله إلا ازداد عليه البلاء و لا أعطى رجل زکاة ماله فنقصت من ماله و لا حبسها فزادت فيه و لا سرق سارق شيئا إلا حسب من رزقه»(3)

السادس: أن الادمي يتکامل برياضة المصائب.

السابع: أن يتذکر أن هذه المصيبة إنما أتته من الله تعالى الذي لايريد سوى خيره وصلاحه(4). الثامن: أن يتتبع ويتفحص في أحوال المقربين،

ص: 115


1- ([1]) من لم ير مصيبة أبدا فهو بعيد عن لطف الله ولذلک اشتهر على ألسنة أهل السلوک (البلاء للولاء). بمعنى انه کلما زيد في إيمانه زيد في بلائه « قال الصادق (علیه السلام): إن في کتاب علي (علیه السلام) أن أشد الناس بلاء النبيون ثم الوصيون ثم الأمثل فالأمثل» انظر: (الکافي، ج 2، ص 259) و الأمثل فالأمثل، بمعنى الأفضل والأشرف والأخير. نعم فان البلاء للأنبياء درجة، وللمؤمنين اختبار، وللکافرين عقاب.
2- ([2]) دعائم الإسلام، ج 1، ص 241
3- ([3]) و فیه ایضا: «و عن محمد بن علي أنه قال: لما غسل أباه عليا (علیه السلام) نظروا إلى مواضع المساجد منه من رکبتيه و ظاهر قدميه کأنهما مبارک البعير و نظروا عاتقه و فيه شبيه بذلک فقالوا لمحمد يا ابن رسول الله قد علمنا أن هذا من إدمان الصلاة و طول السجود فما هذا الذي نرى على عاتقه قال أما إنه لو کان حيا ما حدثتکم عنه کان لا يمر به يوم من الأيام إلا أشبع فيه مسکينا فصاعدا ما أمکنه فإذا کان الليل نظر إلى ما فضل عن قوت عياله يومهم ذلک فجعله في جراب فإذا هدأ الناس وضعه على عاتقه و تخلل المدينة و قصد قوما لا يسألون الناس إلحافا ففرقه فيهم من حيث لا يعلمون من هو و لا يعلم بذلک أحد من أهله غيري فإني کنت اطلعت على ذلک منه يرجو بذلک فضل إعطاء الصدقة بيده و دفعها سرا و کان يقول إن صدقة السر تطفئ غضب الرب»
4- ذکر في التاريخ انه کان هناک رجلاً کلما أصابته مصيبة او بلاء، يقول دائماً (إن شاء الله خيراً) وفي ليلة من الليالي جاء ذئب فأکل ديکاً له کان يربيه في مزرعته، فقال الرجل جملته المعتاده: (إن شاء الله خير) ثم ضرب في الليلة کذلک کلبه الذي کان يحرس منزله فمات، فقال الرجل من جديد: (إن شاء الله خير) و في ليلة مات حماره فقال الرجل: خيراً إن شاء الله. فتضايق أهله منه، واتهموه بالبرود و البلادة، وفي اليوم التالي نزل أناس اشرار ظالمين من القرية المجاور لهم أغاروا علي بلدته فقتلوا کل من بالمنطقة ولم ينج منها إلا هو وأهل منزله فقط، لماذا؟ قالوا قريتکم فيها صياح الديکة ونباح الکلاب ونهيق الحمير، وهکذا قد مات کل من کان يملکهم، وکانت کل الاشياء التي اصابته هو وأهله في الليالي السابقة خيراً لهم وسبباً في نجاتهم من القتل فسبحان الذي يدبر الأمر وهو بکل شئ عليم.

وبلائهم وصبرهم عليه، الى أن تحصل عنده رغبة الصبر واستعداد النفس. و الروایة تقول ان يونس بن عمار(1) یقول ظهر فی وجهی الجذام فلامتنی الناس و قالوا هذا البلاء لو ارادک الله لما ابتلاک فیه و الحدیث هکذا:(2)

«قال: قلت لأبي عبد الله الصادق إن هذا الذي ظهر بوجهي يزعم الناس أن الله لم يبتل به عبدا له فيه حاجة، قال فقال لي لقد کان مؤمن ال فرعون مکنع الأصابع فکان يقول هکذا و يمد يديه و يقول يا قوم اتبعوا المرسلين(3)

قصة صبر رشید الهجري

رشید الهجري(4)

من کبار اصحاب الإمام علي (علیه السلام) و کان أمير المؤمنين (علیه السلام) يسميه رشيد البلايا کان قد ألقى (علیه السلام) علم البلايا والمنايا ويقول: فلان يموت بموتة کذا وکذا، وفلان يموت بقتلة کذا وکذا فيکون کما قال و خرج أمير المؤمنين (علیه السلام) يوما إلى بستان، ومعه أصحابه، فجلس تحت نخلة ثم أمر بنخلة، فلقطت فأنزل منها رطب فوضع بين أيديهم، قالوا: فقال رشيد الهجري: يا أمير المؤمنين، ما أطيب هذا الرطب فقال: يا رشيد، أما أنک تصلب على جذعها.

فقال رشيد: فکنت أختلف إليها طرفي النهار أسقيها. ومضى أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: فجئتها يوما وقد قطع سعفها، قلت: اقترب أجلي، فوالله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه الدعي عبيد الله بن زياد، فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين (علیه السلام) فأبى أن يتبرأ منه.

ص: 116


1- ([1]) يونس بن عمار هو أخو إسحاق بن عمار الصيرفى من اصحاب الصادق (علیه السلام)
2- الکافي، ج 2، ص 259 - المکنع او المقفع هو الذي وقعت أصابعه و کانه أوکلت نتيجة الجذام
3- ([3]) فی تفسير القمي، ج 2، ص 258: «و قال رجل مؤمن من آل فرعون يکتم إيمانه قال کتم إيمانه ستمائة سنة، و کان مجذوما مقفعا و هو الذي وقعت أصابعه و کان يشير إلى قومه بيده المقفوعة، و يقول يا قوم اتبعون أهدکم سبيل الرشاد»
4- ([4]) رشيد (بالراء المضمومة و الشين المعجمة المفتوحة و سکون المثناة من تحت و الدال) و الهجرى (بفتح الهاء و الجيم) نسبة الى هجر و هي بلدة من بلاد اليمن، مدينة معروفة و قال ابن الأثير في اللباب: ينسب إليها رشيد الهجرى.

فقال له الدعي: فبأي ميتة قال لک تموت؟ قال: أخبرني خليلي أنک تدعوني إلى البراءة منه فلا أتبرء منه، فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني، قال: إذا والله نکذبه اقطعوا يده ورجله وأخرجوه. فلما حمل إلى أهله أقبل يحدث الناس بالعظايم، وهو يقول: أيها الناس سلوني فإن للقوم عندي طلبة لم يقضوها، فدخل رجل على ابن زياد فقال له: ما صنعت قطعت يده ورجله وهو يحدث الناس بالعظايم؟ قال: ردوه. وقد انتهى إلى بابه، فردوه فأمر بقطع يديه ورجليه ولسانه وأمر بصلبه»(1)

صبر الإمام الصادق (علیه السلام) علی شهادة والده (علیه السلام)

قال تعالى في وصف المؤمنين الصابرين على البلاء الراضين بمر القضاء: (وَلَنَبْلُوَنَّکمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ*أُولَئِک عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِک هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(2)

قال أهل التفسير: والصلاة: من الله المغفرة و الرحمة: کشف الکربة وقضاء الحاجة. و عن إسحاق بن عمار(3) قال لما قبض الإمام الباقر (علیه السلام) جعلنا نعزي الصادق (علیه السلام) بابیه فقال بعض من کان معنا في المجلس: رحم الله عبدا و صلى عليه، کان إذا حدثنا قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله)، قال: فسکت الإمام الصادق (علیه السلام) طويلا و نکت في الأرض(4) قال: ثم التفت إلينا فقال قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال الله تبارک و تعالى إني أعطيت الدنيا بين عبادي فيضا فمن أقرضني منها قرضا أعطيته لکل واحدة منهن عشرا إلى سبعمائة ضعف و ما شئت، فمن لم يقرض منها قرضا فأخذتها منه قهرا أعطيته ثلاث خصال لو أعطيت واحدة منهن ملائکتي رضوا بها ثم(5) تلا أبو عبد الله (علیه السلام) قول الله عزوجل الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله و إنا إليه راجعون أولئک عليهم صلوات من ربهم فهذه واحدة من ثلاث خصال و رحمة اثنتان و أولئک هم المهتدون ثلاث ثم قال أبو عبد الله (علیه السلام) هذا لمن أخذ الله منه شيئا قسرا.»

ص: 117


1- ([1]) رجال الکشي 1 ج، ص292 ح132 و الاختصاص، ص 77
2- ([2]) البقرة: 155 - 157
3- ([3]) تفسير العياشي، ج 1، ص 69
4- ([4]) نکت الأرض بقضيب أو بإصبعه: ضربها به حال التفکر فأثر فيها.
5- ([5]) منها نقلناه عن الکافي، ج 2، ص 93

نعي: رأس الحسين (علیه السلام) في طريق الشام

عن سليمان بن مهران الأعمش قال: بينما أنا في الطواف أيام الموسم إذا رجل يقول: اللهم اغفر لي وأنا أعلم أنک لا تغفر. فسألته عن السبب؟ فقال: کنت أحد الأربعين الذين حملوا رأس الحسين (علیه السلام) إلى يزيد على طريق الشام.

فنزلنا أول مرحلة رحلنا من کربلا على دير للنصارى والرأس مرکوز على رمح، فوضعنا الطعام ونحن نأکل، فإذا بکف على حائط الدير يکتب عليه بقلم من حديد سطرا بدم:

أترجو أمّةٌ قَتَلَتْ حُسَيناً*شَفاعةَ جَدِّه يَومَ الحِسابِ

وقَدْ قُتِلَ الحسينُ بحُکمِ جَورٍ*وَخَالَفَ حُکمُهُم حُکمَ الکتابِ

ثم غاب و قال سبط ابن الجوزي: فنزلوا بعض المنازل، وفي ذلک المنزل دير فيه راهب، فأخرجوا الرأس على عادتهم ووضعوه على الرمح وحرسه الحرس على عادته وأسندوا الرمح إلى الدير، فلما کان من نصف الليل رأى الراهب نورا من مکان الرأس إلى عنان السماء، فأشرف على القوم وقال: من أنتم؟ قالوا: نحن أصحاب ابن زياد.

قال: وهذا رأس من؟ قالوا: رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ابن فاطمة بنت رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: نبيکم؟ قالوا: نعم قال: بئس القوم أنتم، لو کان للمسيح ولد لأسکناه أحداقنا. ثم قال: وهل لکم في شيء؟ قالوا: وما هو؟ قال: عندي عشرة الاف دينار تأخذونها وتعطوني الرأس يکون عندي تمام الليلة وإذا رحلتم تأخذونه. قالوا: وما يضرنا، فناولوه الرأس وناولهم الدنانير، فأخذه الراهب فغسله وطيبه وأدخله في صومعته (الراس یوم فی تنور و یوم فی طشت و یوم فی دیر).

وأقبل يبکي الليل کله، فسمع صوتا ولم ير شخصا قال: طوبى لک وطوبى لمن عرف حرمته، فرفع الراهب رأسه وقال: يا رب بحق عيسى (علیه السلام) تأمر هذا الرأس يتکلم معي، فتکلم الرأس وقال: يا راهب أي شيء تريد؟ قال: أقسم عليک من أنت؟ قال: أنا ابن محمد المصطفى (صلی الله علیه و آله)، وأنا ابن علي المرتضى (علیه السلام)، وأنا ابن فاطمة الزهراء (علیها السلام)، وأنا المقتول بکربلا، أنا المظلوم، أنا العطشان، فسکت، لما سمع الراهب ذلک، وضع وجهه على وجه الحسين وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. فلما أصبحوا أخذوا منه الرأس.(1)

ص: 118


1- ([1]) مجالس السبايا، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 64 و انظر: المناقب ج4، ص 60، بحار الأنوارج 45، ص 303، العوالم، ج 17، ص 617 ح 4، مدينة المعاجز ج 4، ص 1120، مقتل الحسين (علیه السلام) ومصرع أهل بيته، ص 189

أقول: شق على الراهب أن يفارق رأس الحسين (علیه السلام) وأصبح مفجوعا لفراق أبي عبد الله ومعرفة الراهب بالحسين (علیه السلام) عمرها ليلة واحدة فقط، مع ذلک عز عليه الفراق. إذا ما حال من قضت ستة وخمسين سنة مع الحسين (علیه السلام) وعينها ما فارقت الحسين (علیه السلام) ومنذ الطفولة زينب (علیها السلام) والحسين (علیه السلام) من حضن فاطمة الزهراء (علیها السلام) إلى حجر أبيها علي (علیه السلام) قضت عمرها إلى جنب الحسين (علیه السلام) ولکن اليوم فارقته على رمضاء کربلاء:

يحسين لو بيدي الأمر کان*بنيت اعله گبرک بيت الأحزان

اويلاه يخويه المات عطشان*ولعبت عليه الخيل ميدان

ویلی شفنا الي يموت يجيه دفان* يحفر له قبر ويفصل أکفان

ما سمعنا الي يموت يضل عريان* وتلعب عليه الخيل ميدان

شگولن لليناشدني من الناس*اخوچ حسين وينه اوين عباس

اگول حسين ظل جثه بلا راس*وعباس البطل گطعوا يمينه

أخي انّ في قلبي أسىً لا أُطيقُهُ*وقد ضاق منّي في تحمله الصّدر

أخي إن سرى جسمي فقلبي بکربلا*مقيمٌ إلى أن ينقضي منيَ العمر

ص: 119

الليلة الرابعة عشرة: الغيبة

اشارة

(وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُکمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُکمْ أَنْ يَأْکلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَکرِهْتُمُوه)(1)

خلق الله الانسان و جعل اللسان اداة تواصل بین البشر و لکن بسبب اللسان دخلوا الکثیر فی السجون و بسببه تشتیت البیوت و کم یتمت به ایتام و کم فصل من الناس بسببه و کم کسدت من التجارت بسببه، احد ذنوب اللسان هی الغيبة و هي عبارة ذکر مساوى الانسان فى غيبته و هى فيه و ان لم تکن فيه فهى بهتان و ان واجهه بها فهو شتم. قال الصادق (علیه السلام):(2) «الغيبة ان تقول في أخيک مما ستره الله عليه، و اما الأمر الظاهر فيه مثل الحدة و العجلة فلا، و البهتان ان يقول فيه ما ليس فيه.»(3)

اعلم أن الغيبة من أعظم المهلکات، وحرمتها أمر صرح به الکتاب و الروایات وأجمعت عليه الأمة الاسلامیة و الأحاديث الواردة في ذم هذه الصفة الخبيثة کثيرة وعلاجها هو الرجوع الى الايات والأخبار التي تذمها، والتفکر فيها وتأملها، و ملک اللسان دوائها فانه کما یقول المثل «لسانک حصانک ان صنته صانک»(4).

و تنظر کیف إذا استغابک أحد تتأذى وتغضب، ومقتضى الشرف أن لاترضى لغيرک ما لا ترضاه لنفسک. قال احد الحکماء ذکر الغير ثلاثة: «الغيبة و البهتان و الإفک فالغيبة أن تقول ما فيه و البهتان أن تقول ما ليس فيه و الإفک أن تقول کل ما بلغک عنه».

ص: 120


1- ([1]) الحجرات: 12
2- ([2]) تفسير نور الثقلين، ج 5، ص 94
3- ([3]) و عن الکاظم (علیه السلام) من ذکر رجلا من خلفه بما هو فيه مما عرفه الناس لم يغتبه و من ذکره من خلفه بما هو فيه مما هو فيه مما لا يعرفه الناس اغتابه و من ذکره بما ليس فيه فقد بهته. انطر: تفسير الصافي، ج 5، ص 53
4- و يوجد مثل ثاني و هو "رب کلمة قالت لصاحبها دعني" يضرب في النهي عن الاکثار في الکلام مخافة المشاکل و القيل و القال و لزوم الصمت وقصة هذا المثل تعود الى ان احد ملوک حِميَر خرج متصيدا ومعه نديم کان يقربه ويکرمه. فسکر في ليلة و خرج مع نديمة فاشرف على صخرة ملساء ووقف عليها، فقال له النديم: لو ان انسانا ذبح على هذه الصخرة الى اين کان يبلغ دمه؟ فقال الملک: اذبحوه عليها ليرى دمه اين يبلغ، فذُبح عليها فلما افاق الملک قال: اين النديم فاخبره فقال رب کلمة تقول لصاحبها دعني.

تفسیر الآیة

تمثيل الاغتياب بأفضح مثال و هو التمثيل بأکل لحم الإنسان و کونه أخا و ميتا بتمزيق لحمه «فَکرِهْتُمُوهُ»(1)

أي عرض عليکم ذلک فکرهتموه بحکم العقل و الطبع فاکرهوا ما هو نظيره. و یقول الشاعر:

نعيب زماننا و العيب فينا*و لو نطق الزمان بنا هجانا

و إن الذئب يترک لحم ذئب*و يأکل بعضنا بعضا عيانا

روی عن النبي (صلی الله علیه و آله) قال:(2)«يؤتى

بأحد يوم القيامة يوقف بين يدي الله و يدفع إليه کتابه فلا يرى حسناته فيقول إلهي ليس هذا کتابي فإني لا أرى فيها طاعتي فقال إن ربک لا يضل و لا ينسى ذهب عملک باغتياب الناس ثم يؤتى بآخر و يدفع إليه کتابه فيرى فيها طاعات کثيرة فيقول إلهي ما هذا کتابي فإني ما عملت هذه الطاعات فيقول إن فلانا اغتابک فدفعت حسناته إليک.»

قصة: ان رجلا قال لعالم ان فلانا اغتابک فبعث اليه طبقة من الرطب وقال: بلغني انک اهديت الي حسناتک فأردت ان اکافئک عليها فاعذرني فإني لااقدر ان اکافئک بها على التمام.

کیف نکفر عن غیبة

کیف نکفر عن غیبة و نمحوها من سجل خطایانا؟ بعض العلماء قالوا بالاستغفار له(3)و البعض قال اخبره اذا لم یکن فیه مفسدة و ینقل فی هذا الموضوع انه کان احد العلماء جالسا مع أصحابه، فذکروا رجلا بشيء، و اغتابوه فقال له بعض أصحابه: أ لا أخبره بما قلنا فيه لئلا تکون غيبة؟ قال: أخبره حتى تکون نميمة. روى الصدوق في علل

ص: 121


1- ([1]) روى المفسرون أن الآية نزلت لما: «أبا بکر و عمر بعثا سلمان الى رسول الله (صلی الله علیه و آله) ليأتي لهما بطعام فبعثه الى اسامة بن زيد و کان خازن رسول الله (صلی الله علیه و آله) على رحله فقال ما عندي شي ء فعاد اليهما فقالا بخل اسامة و لو بعثنا سلمان الى بئر سميحة (هي بئر قديمة غزيرة الماء بالمدينة و هو کما يقال: لو ذهب فلان إلى البحر لم يجد فيه ماء) لغار ماؤها ثم انطلقا الى رسول الله (صلی الله علیه و آله) فقال لهما ما لي ارى خضرة اللحم في أفواهکما قال يا رسول الله (صلی الله علیه و آله) ما تناولنا اليوم لحما قال ظلتم تفکهون لحم سلمان و اسامة فنزلت.» انظر: تفسير الصافي، ج 5، ص 54
2- ([2]) مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، ج 9، ص 121
3- ([3])قال الصادق (علیه السلام):«إن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحل منه فإن لم تبلغه و لم تلحقه فاستغفر الله له و الغيبة تأکل الحسنات کما تأکل النار الحطب» انظر: مصباح الشريعة، ص 205

الشرائع عن النبي (صلی الله علیه و آله):(1) «إن عذاب القبر من النميمة و الغيبة و الکذب»

قصة: ثقل الحسنات

الشیخ البهائی نقل قصة فی الکشکول عن احد العلماء:(2)«قد

جرى ذکري يوما من الأيام في بعض المجالس العالية والمحافل السامية فبلغني: أن بعض الحضار ممن يدعي الوفاق وعادته النفاق ويظهر الوداد ودأبه العناد جرى في مضمار ميدان البغي والعدوان وأطلق لسانه في الغيبة والبهتان ونسب إلي من العيوب ما لم يزل فيه ونسي قوله تعالى: " أيحب أحدکم أن يأکل لحم أخيه ميتا " فلما علم أني علمت ذلک ووقفت على سلوکه في تلک المسالک کتب إلي رقعة طويلة الذيل مشحونة بالندم والويل، يطلب فيها مني الرضا ويلتمس الإغماض عما مضى فکتبت إليه في الجواب جزاک الله خيرا فيما أهديت إلي من الثواب وثقلت به ميزان حسناتي يوم الحساب.

فقد روينا عن سيد البشر والشفيع المشفع في المحشر (صلی الله علیه و آله) أنه قال: يجاء بالعبد يوم القيامة فتوضع حسناته في کفة وسيئاته في کفة فترجح السيئات فتجيء بطاقة فتقع في کفة الحسنات فترجح بها فيقول: يا رب ما هذه البطاقة فما من عمل عملته في ليلي ونهاري إلا استقبلت به فيقول عز وجل: هذا ما قيل فيک وأنت منه بريء.

فهذا الحديث النبوي قد أوجب بمنطوقه على أن أشکر ما أديته من النعم إلي فأکثر الله خيرک وأجزل ميرک، مع أني لو فرضت أنک شافهتني بالسفاهة والبهتان وواجهتني بالوقاحة والعدوان ولم تزل مصرا على إشاعة شناعتک ليلا ونهارا ومقيما على سوء صناعتک سرا وجهارا ما کنت أقابلک إلا بالصفح والصفا ولا أعاملک إلا بالمودة والوفا فإن ذلک من حسن العادات وأتم السعادات وإن بقية مدة الحياة أعز من أن تصرف في غير تدارک ما فات وتتمة هذا العمر القصير لا تسع مؤاخذة أحد على التقصير، ولله در من قال، فلقد أحسن في المقال. على أني لو صرفت العنان إلى مجازاة أهل العدوان ومکافات ذوي الشنئان لوجدت إلى تدميرهم سبيلا رحيبا وإلى أفنائهم طريقا قريبا کما قلت في سالف الزمان.»

ص: 122


1- ([1]) إعتقادات الإمامية، للصدوق، ص 58
2- ([2]) الکشکول، ج1، ص 127

قصة مفضل ابن عمرو الجعفی

أن عدة من أهل الکوفة کتبوا إلى الصادق (علیه السلام) فقالوا: إن المفضل(1)

يجالس الشطار(2)

وأصحاب الحمام وقوما يشربون الشراب، فينبغي أن تکتب إليه وتأمره الا يجالسهم، فکتب إلى المفضل کتابا وختم ودفع إليهم، وأمرهم أن يدفعوا الکتاب من أيديهم إلى يد المفضل. فجاؤوا بالکتاب إلى المفضل، منهم زرارة، وعبد الله بن بکير، ومحمد بن مسلم. وأبو بصير، وحجر بن زائدة، ودفعوا الکتاب، إلى المفضل ففکه وقرأه، فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم اشتر کذا وکذا واشتر کذا، ولم يذکر قليلا ولا کثيرا مما قالوا فيه، فلما قرأ الکتاب دفعه إلى زرارة، ودفع زرارة إلى محمد بن مسلم حتى أر الکتاب إلى الکل.

فقال المفضل: ما تقولون؟ قالوا: هذا مال عظيم حتى ننظر ونجمع ونحمل إليک لم ندرک الا نراک بعد ننظر في ذلک. وأرادوا الانصراف، فقال المفضل: حتى تغدوا عندي، فحبسهم لغدائه، ووجه المفضل إلى أصحابه الذين سعوا بهم، فجائوا فقرأ عليهم کتاب أبي عبد الله (علیه السلام) فرجعوا من عنده وحبس المفضل هؤلاء ليتغدوا عنده.

فرجع الفتيان وحمل کل واحد منهم على قدر قوته ألفا وألفين وأقل وأکثر، فحضروا أو احضروا الفي دينار وعشرة الاف درهم قبل أن يفرغ هؤلاء من الغداء. فقال لهم المفضل: تأمروني أن أطرد هؤلاء من عندي، تظنون ان الله تعالى يحتاج إلى صلاتکم وصومکم.(3)

ص: 123


1- ([1]) أبو عبد الله، المفضل بن عمر الجعفي الکوفي کان من أصحاب الإمام الصادق (علیه السلام) والإمام الکاظم (علیه السلام) و الإمام الرضا (علیه السلام) کتبه: توحيد المفضل: فيه ما أملاه عليه الإمام الصادق (علیه السلام) من بحوث توحيدية، وکانت شهرته بهذا الکتاب. کتاب الأهليلجية: فيه ما أملاه عليه الإمام الصادق (علیه السلام) من الرد على الکفار. و کتاب الهفت الشریف روایة الفرقة العلویة عنه و کتب اخری تنسب الیه.
2- ([2]) جمع شاطر و هو المتصف بالدهاء و الخباثة
3- ([3]) رجال الکشي، ج 2، ص 619 ح 592.

قصة علي بن يقطين

إن هارون الرشيد خلع علي بن يقطين(1) دراعة(2)

خز سوداء من لباس الملوک مثقلة بالذهب فأنفذها علي بن يقطين إلى الإمام موسى بن جعفر (علیه السلام) مع مال کثير فرد الدراعة إلى علي بن يقطين و قال احتفظ بها فإنک تحتاج إليها فبعد أيام صرف علي بن يقطين خاصا له عن خدمته و کان يعرف ميله إلى موسى (علیه السلام) فسعى به إلى الرشيد واغتابه فقال إنه يقول بإمامة موسى بن جعفر (علیه السلام) و قد بعث بتلک الدراعة إليه فغضب الرشيد من ذلک فقال لأکشفن عن ذلک فأحضر علي بن يقطين و قال ما فعلت بالدراعة التي کسوتک بها قال هي عندي في صندوق.

قال أحضرها فقال لغلامه امض إلى داري في البيت الفلاني فجئني بصندوق فمضى الغلام و أحضر الصندوق ففتحه فنظر الرشيد إلى الدراعة فسکن من غضبه و أعطاه جائزة.(3)

ص: 124


1- ([1]) و علي بن يقطين من أصحاب الصادق (علیه السلام) و الکاظم (علیه السلام) و کان ابوه يقطين من وجوه الدعاة الي العباسين فطلبه مروان فهرب و ابنه علي بن يقطين هذا رحمه الله ولد بالکوفة سنة 124 و هربت به أمه و بأخيه عبيد بن يقطين إلى المدينة فلما ظهرت الدولة لعباسية ظهر يقطين و عادت أم على بعلى و عبيد فلم يزل يقطين بخدمة السفاح و ابى جعفر المنصور و توفى علي بن يقطين ببغداد سنة 182 و صلى عليه ولى العهد محمد بن الرشيد و توفى ابوه بعده سنة 185 و لعلي بن يقطين کتب منها کتاب ما سأل عن الصادق (علیه السلام) من الملاحم و کتاب مناظرة الشاک بحضرته- انتهى. و کان وفاة علي بن يقطين في أيام الکاظم (علیه السلام) و له أيضا مسائل عن الکاظم (علیه السلام) و استأذنه في ترک عمل السلطان فلم يأذن له و قال (علیه السلام): « لا تفعل فإن لنا بک انسا و لإخوانک بک عزا و عسى أن يجبر الله بک کسرا و يکسر بک نايرة المخالفين عن أوليائه، (يعني ترد وشاية المخالفين عن الشيعة) يا علي کفارة أعمالکم الإحسان إلى إخوانکم، اضمن لي واحدة و أضمن لک ثلاثا: اضمن لي أن لا تلقى أحدا من أوليائک إلا قضيت حاجته و أکرمته و اضمن لک أن لا يظلک سقف سجن أبدا و لا ينالک حد سيف أبدا و لا يدخل الفقر بيتک أبدا، يا علي من سر مؤمنا فبالله بدأ و بالنبي (صلی الله علیه و آله) ثنا و بنا ثلث». انظر: رياض الأبرار في مناقب الأئمة الأطهار، ج 2، ص 300
2- ([2]) المدرعة: جبة مشقوقة المقدم. و الخز: الحرير. ما نسج من صوف و حرير.
3- ([3]) الخرائج و الجرائح، ج 1، ص 334

و الإمام الکاظم (علیه السلام) مع کل مقامه عند الله عزوجل انظر کیف یمیز الحسین (علیه السلام) یقول فی وصته الذی وصابها قبل شهادته:(1)«و لا تأخذوا من تربتي شيئا لتتبرکوا به فإن کل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي (علیه السلام) فإن الله تعالى جعلها شفاء لشيعتنا و أوليائنا»

نعي: الدخول إلى الشام

أن الإمام زين العابدين (علیه السلام) لما سئل عن أعظم ما مر بال البيت، قال: الشام الشام، وکأنها أصعب مما أصابهم في کربلاء، ثم سئل عن أعظم ما عاناه ال البيت في الشام، فقال: شماتة الأعداء.

نقلوا اصحاب التاریخ عن سهل بن سعد الساعدي قال:(2)بعدما

حججت توجهت الى الشام قاصدا زيارة بيت المقدس فلما دخلت الشام رأيت الستور والحجب والديباج معلقا فيها وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول والناس فرحين مستبشرين، فقلت في نفسي لا نرى لأهل الشام عيدا لا نعرفه نحن، فرأيت قوما في المسجد عليهم هيأة الحزن والعزاء فسألتهم: يا قوم ألکم بالشام عيد لا نعرفه نحن. قالوا: يا شيخ نراک غريبا؟ فقلت: أنا سهل بن سعد قد رأيت محمدا (صلی الله علیه و آله) قالوا: يا سهل ما أعجبک السما لا تمطر دما، والأرض لا تخسف بأهلها.

قلت من انتم قالوا: نحن شيعة أهل البيت (علیهم السلام) وهذا رأس الحسين (علیه السلام) قد أدخل البلد يهدى من أرض العراق. فقلت: واعجباه يهدى رأس الحسين والناس يفرحون، قلت: من أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب يقال له باب الساعات(3).

قال سهل: فخرجت، فسمعت صهيل الخيل

ص: 125


1- ([1]) عيون اخبار الرضا (علیه السلام)، ج 1، ص 104
2- ([2]) انظر: بحار الأنوار، المجلسي، ج 45، ص 127 و تسلية المجالس، الکرکي الحائري، ج 2، ص 381 و مقتل الحسين للخوارزمي، ج 2، ص 60 و مع الرکب الحسيني، ج 6، ص 89
3- ([3]) کانوا يسيرون بأهل البيت منزلاً منزلاً حتى وصلوا الى منطقة تبعد أربعة فراسخ عن دمشق، ثم أوقفوا أهل البيت (علیهم السلام) على باب الشام ثلاثة أيام حتى يزينوا البلدة، فزينوها بکل حلية وزينة ومرآة کانت فيها، حتى لم تر عين مثلها، ثم استقبلهم من أهل الشام زهاء خمسمائة الف من الرجال والنساء مع الدفوف وقد تزين جميع أهل الشام بالوان الثياب والکحل والخضاب وکان خارج البلد من کثرة الخلائق کعرصة المحشر، يموج بعضها في بعض فلما صار الصبح ادخلوا الرؤوس البلد و وصلوا وقت الزوال الى باب دار يزيد بتعب شديد من کثرة الازدحام. انظر: تعريب منتهى الآمال، ج 1، ص 758 و معالي السبطين للمازندراني، ج 2، ص 84 و نفس المهموم، الشيخ عباس القمي، ص 394

وصوت الطبول والدفوف ورأيت کثرة الخلائق کعرصة المحشر يموج بعضها في بعض، ورأيت الرؤوس على الرماح ويتقدمها رأس العباس بن علي (علیه السلام) ورأيت رأس الإمام الحسين (علیه السلام) وله مهابة عظيمة ويشرق منه النور بلحية مدورة قد خالطها الشيب وقد خضبت، ادعج العينين(1)

أزج(2)

الحاجبين واضح الجبين أقنى الانف متبسما الى السماء شاخصا ببصره الى نحو الافق(3)،

والريح تلعب بلحيته يمينا وشمالا لکأنه امير المؤمنين. قال: فبينما أنا کذلک إذ الرايات يتلو بعضها بعضا، و لما رأى سهل النساء المسبيات مقيدات بالحبال. و روي عن الباقر (علیه السلام) ما مضمونه:(4)

انه لما أدخل نساء واطفال سيد الشهداء (علیه السلام) الشام وکانوا على أقتاب الجمال بلا غطاء ولا ستر فقال رجل من أهل الشام: لم نر سبايا أحسن وجوها من هؤلاء فقالت سکينة: أيها الاشقياء نحن سبايا ال محمد (علیه السلام) یقول سهل: فدنوت من أولاهن فقلت: يا بنت من أنت؟ فقالت: أنا سکينة بنت الحسين (علیه السلام)

انه العگب عزي اودلالي*أوجمعت هلي أوذيک الليالي

ما بين گوم أنذال تالي*يسيره أو زجر صاير الوالي

يا ذلتي او يا ظيم حالي

فقلت لها: ألک حاجة إلي، فأنا سهل بن سعد ممن رأى عن جدک وسمع حديثه؟ قالت: يا سهل قل لصاحب هذا الرأس أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ولا ينظروا إلى حرم رسول الله (صلی الله علیه و آله).

اشمال الناس تتفرج علينا*اوعمت عينه اليصد بالعين لينا

او يخس القال لن غايب ولينا*على راس الرمح لينا ایتفکر

تتصدق الوادم علينا*او عطا يا الخلق کلها امن ادينا

ص: 126


1- ([1]) الدعجة السواد في العين و غيرها، يريد أن سواد عينيه کان شديدا، و قيل: هو شدة سواد العين في شدة بياضها
2- ([2]) الازج: الادق وهو تقوس في الحاجب مع طول في طرفه و امتداد و أقنى الانف: أي ذو احديداب و القنا في الانف: طوله ورقة أرنبته مع حدب في وسطه
3- ([3]) الأفق: الناحية من الأرض أو من السمآء، منتهى ما تراه العين من الأرض
4- ([4]) تعريب منتهى الآمال، ج 1، ص 758

ما خاب ظنه اليعتنينا*يظل کل سنه ايروح او يجينا

قال سهل: فدنوت من صاحب الرأس فقلت له: هل لک أن تقضي حاجتي وتأخذ مني هذه الدنانیر؟ قال: ما هي؟ قلت: تقدم الرأس أمام الحرم، ففعل ذلک فدفعت إليه ما وعدته. ثم رجع للامام السجاد (علیه السلام) و قال له: هل من حاجة یا مولای؟ قال: يا سهل هل عندک ثوب عتيق؟ قلت سيدي: ما تصنع به؟(1) قال (علیه السلام): لأضعه تحت الجامعة فإنها أکلت عنقي. قال سهل فناولته الثوب، فلما رفع الجامعة سالت الدماء من تحتها.

وسمع الإمام ينشد هذه الأبيات:(2)

أٌقادُ ذليلاً في دمشقَ کأنَّني*من الزنجِ عبدٌ غابَ عنه نَصيرُ

وجدّي رسولُ اللهِ في کلِّ مشهدٍ*وشَيخي أميرُ المؤمنينَ وزيرُ

فيا ليتَ أُمّي لم تَلدْنِي ولم يکنْ*يزيدُ يَراني في البلادِ أسيرُ

زینب (علیها السلام) تخاطب السجاد (علیه السلام):

تکله عمه شمال اهلنه مالفونه*وبديار غربه ضيعوونه

الخوان شو چنهم نسونه*نامو يعمه وما اجونه

انا مشيت درب المامشيته*وچتال اخوية رافجيته

من قلة الوالي نخيته*شتم والدي وانکر وصيته

هاي الي اهلها دللوها*وبالراية الهواشم حجبوها

شلون وية الشمر تمشي رضوها*معقولة برضاهم فارکوها

معقولة التهوا عنهه ونسوها

"يبو فاضل يبو علي "

زينب بنت علي عداها سبوها*وشافوا طولها من سلبوها

وسمعوا صوتها من لوعوها*وبحبال خشنة چتفوها

وضربوا متنها وشتموها

ص: 127


1- ([1]) أنتم تهدون إلى الناس الثياب الثمينة وتسألني ثوبا باليا
2- ([2]) الموسوعة الکبرى عن فاطمة الزهراء، الأنصاري، ج 6، ص 351 نقلا عن: المنتخب للطريحي، ص 482 و موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 2، ص: 440 نقلا عن: نور العين للإسفراييني، ص 88

الليلة الخامسة عشرة: حديث ولادة الحسن المجتبى (علیه السلام)

مدیح الولادة

(إن الله وملائکته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)

اللهم صل على محمد وال محمد

بال محمد عرف الصواب*وفي أبياتهم نزل الکتاب

وهم حجج الإله على البرايا*بهم وبجدهم لا يستراب

اللهم صل على محمد وال محمد

يا ال بيت رسول الله حبکم*فرض من الله في القرآن أنزله

يکفيکم من عظيم الفخر أنکم* من لم يصل عليکم لا صلاة له

مولای و مولا الکونین یا رسول الله

بلغ العلي بکماله*کشف الدجي بجماله

حسنت جميع خصاله*صلوا عليه و اله

اللهم صل على محمد وال محمد

مولای و مولا الکونین و نور العینین یا علی

لا عذب الله أمي إنها شربت*حب الوصي وغذتنيه باللبن

وکان لي والد يهوى أبا حسن*فصرت من ذا وذي أهوى ابا حسن

اللهم صل على محمد وال محمد

ادم الصلاة على النبي محمد*فقبولها حتما بدون تردد

أعمالنا بين القبول وردها*الا الصلاة على النبي محمد

اللهم صل على محمد وال محمد

افضل السلام و الصلات علیک یا محمد و ال محمد

افضل الصلاة و السلام عليک يا حبيب الله محمد.. محمد و ال محمد.. صلوات.. صلوا على محمد*علی ابن ابی طالب (صلوات ربی علیه) فاطمة الزهراء (صلوات ربی علیه) الحسن و الحسین (صلوات ربی علیه) الائمة المعصومین (صلوات ربی علیه).

ولد الإمام الحسن أبن علي ابن أبي طالب (علیه السلام) وأبن فاطمة الزهراء (علیها السلام) في ليلة الثلاثاء، ليله النصف من شهر رمضان و لما انطوت سبعة أيام على ولادة حفيد الرسول (صلی الله علیه و آله) قام النبي (صلی الله علیه و آله) ببعض التکريم والاحتفاء فجاء بأقصى ما عنده من البر والتوسعة فعق عنه بکبش وحلق رأس حفيده بيده المبارکة، وتصدق بزنته فضة على المساکين. وقد کان الحسن (علیه السلام) شبيها بجده المصطفى (صلی الله علیه و آله) ملامحه

ص: 128

تحاکي ملامحه، کأنه صوره مصغره عنه (صلی الله علیه و آله).

القابه

کريم أهل البيت: تعتبر

صفة الکرم والسخاء من أبرز الصفات التي تميز بها الإمام الحسن (علیه السلام) فکان المال عنده غاية يسعى من خلالها إلى کسوة عريان أو إغاثة ملهوف أو وفاء دين غريم أو إشباع جوع جائع. هذا وعرف الإمام الحسن المجتبى (علیه السلام) بکريم أهل البيت فهو الذي:

1) قاسم الله أمواله ثلاث مرات نصف يدفعه في سبيل الله و نصف يبقيه له

2) وقد روی عنه أنه ما قال لسائل (لا) قط، وقيل له: لأي شيء لا نراک ترد سائلا؟ فأجاب (علیه السلام): (إني لله سائل وفيه راغب، وأنا استحي أن أکون سائلا وأرد سائلا)

3) ومن کرمه وجوده (علیه السلام) ما روی إن الحسن سمع رجلا يسأل ربه تعالى أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف الحسن إلى منزله فبعث بها إليه.

4) وروري عنه: انه اشترى بستانا من الانصار باربعمائة الف درهم فبلغه انهم احتاجوا فرده اليهم.

5) اتاه (علیه السلام) رجلا يطلب حاجة وهو يستحي من الحاضرين ان يفصح عنها فقال له الإمام "اکتب حاجتک في رقعة وارفعه الينا" فکتب الرجل حاجته ورفعها(1)

فضاعفها الإمام (علیه السلام) مرتين واعطاه بتواضع کبير فقال له بعض الشاهدين: ما کان اعظم برکة الرقعة عليها يا ابن رسول الله؟ فقال (علیه السلام): (برکتها الينا اعظم حين جعلنا للمعروف اهلا)

* الف صلاة وسلام عليک يا حبيب الله محمد.. محمد و ال محمد.. صلوات صلوا على محمد *

قصص مزاح رسول الله

قصص مزاح رسول الله(2)

لاباس في هذه اللیلة المبارکة بذکر بعض مزاح النبي المنقولة لنا:

1) أنه (صلی الله علیه و آله) قال لامرأة و ذکرت زوجها أهذا الذي في عينيه بياض فقالت لا ما بعينيه بياض و حکت لزوجها فقال أما ترين بياض عيني أکثر من سوادها.

ص: 129


1- ([1]) المحاسن والمساوئ للبیهقی، ص 48، سفينة بحار الأنوار، ج 4، ص 106
2- ([2]) بحار الأنوار، ج 16، ص 294 نقلا عن مناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب

2) رأى (صلی الله علیه و آله) جملا عليه حنطة فقال تمشي الهريسة

3) و قال (صلی الله علیه و آله) للحسين (علیه السلام) «حزقة حزقة ترق عين بقة» کان یحرک الحسن (علیه السلام) و الحسين (علیه السلام) و الحزقة هو القصير العظيم البطن فذکرها له على سبيل المداعبة و التأنيس له و ترق بمعنى اصعد و عين بقة کناية عن صغر العين و حزقة منصوب على خبر کان المحذوفة، تقديره کن حزقة.

4) و قالت عجوز من الأنصار للنبي (صلی الله علیه و آله) ادع لي بالجنة فقال (صلی الله علیه و آله) إن الجنة لا يدخلها العجز فبکت المرأة فضحک النبي (صلی الله علیه و آله) و قال أ ما سمعت قول الله تعالى (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا) و قال للعجوز الأشجعية يا أشجعية لا تدخل العجوز الجنة فرآها بلال باکية فوصفها للنبي (صلی الله علیه و آله) فقال و الأسود کذلک فجلسا يبکيان فرآهما العباس فذکرهما له فقال و الشيخ کذلک ثم دعاهم و طيب قلوبهم و قال ينشئهم الله کأحسن ما کانوا و ذکر أنهم يدخلون الجنة شبانا منورين.

5) و رأى (صلی الله علیه و آله) صهيبا (صهیب الرومي احد اصحاب رسول الله "ص") يأکل تمرا فقال (صلی الله علیه و آله) أ تأکل التمر و عينک رمدة فقال يا رسول الله إني أمضغه من هذا الجانب و تشتکي عيني من هذا الجانب.

6) أبا هريرة سرق نعل النبي (صلی الله علیه و آله) و رهن بالتمر و جلس بحذائه (صلی الله علیه و آله) يأکل فقال (صلی الله علیه و آله) يا أبا هريرة ما تأکل فقال نعل رسول الله (صلی الله علیه و آله).

7) انه (صلی الله علیه و آله) استدبر رجلا من ورائه و أخذ بعضده و قال من يشتري هذا العبد يعني أنه عبد الله.

ص: 130

الليلة السادسة عشرة: البخل

اشارة

(وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِک هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1)

ولما کانت الاخلاق الفاضلة مکتسبة بنوع من الرياضة والتربية فإن المسلم يعمل على تنمية الخلق الفاضل الذي يريد أن يتخلق به بإيراد خاطره على ما ورد في الشرع الحکيم من ترغيب في ذلک الخلق و منها خلق السخاء في نفسه.

تفسیر الآیة: یوق ای منع و الشح هو بخل مع الحرص والمعنی و من يحفظوا أنفسهم من الحرص على المال فأولئک هم الفائزون بثواب الله، کیف نتخلص من الشح؟ قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(2)

«من أدى زکاة ماله و قرى الضيف و أعطى في النائبة فقد برئ من الشح.»

و عن الإمام الصادق (علیه السلام):(3) «إن إبراهيم (علیه السلام) کان أبا أضياف فکان إذا لم يکونوا عنده خرج يطلبهم و أغلق بابه و أخذ المفاتيح يطلب الأضياف و إنه رجع إلى داره فإذا هو برجل أو شبه رجل في الدار فقال يا عبد الله بإذن من دخلت هذه الدار قال دخلتها بإذن ربها يردد ذلک ثلاث مرات.

فعرف إبراهيم(4) (علیه السلام) أنه جبرئيل (علیه السلام) فحمد الله ثم قال أرسلني ربک إلى عبد من عبيده يتخذه خليلا قال إبراهيم (علیه السلام) فأعلمني من هو أخدمه حتى أموت قال فأنت هو قال و مم ذلک قال لأنک لم تسأل أحدا شيئا قط و لم تسأل شيئا قط فقلت لا.»

و الانسان الکریم الناس کلها تحبه و یدخل الجنه بسبب کرمه، قال

ص: 131


1- ([1]) الحشر: 9
2- ([2]) مستدرک الوسائل و مستنبط المسائل، ج 16، ص 242
3- ([3]) الکافي، ج 4، ص 40
4- ([4]) ذکر في القران کرم إبراهيم في قوله: (وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ*فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَکرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) (سورة هود: 69 الى 70) «العجل» في اللغة ولد البقر و «الحنيذ» معناه المشوي و الرسل هم الملائکة، و هم ثلاثة: جبريل و ميکائيل و إسرافيل. و المومن کل ما یقدمه لضیفه و یکرمه لایعد اصراف جاء عن الصادق (علیه السلام): « لو أن رجلا أنفق على طعام ألف درهم و أکل منه مؤمن واحد لم يعد سرفا». انظر: مکارم الأخلاق، ص 134

الرضا (علیه السلام):(1) «السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس و سمعته يقول السخاء شجرة في الجنة من تعلق بغصن من أغصانها دخل الجنة» و روی أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال لعدي بن حاتم الطائی(2)

رفع عن أبيک العذاب الشديد بسخاوة نفسه و نری البعض قد یقطع برحمه مخافة ان یاتوا الیه قال الرضا (علیه السلام):(3)

«السخي يأکل طعام الناس ليأکلوا من طعامه(4)

و البخيل لا يأکل من طعام الناس لئلا يأکلوا من طعامه.» کیف ربی اهل البیت (علیهم السلام) تلامذتهم علی النفس الطیبة و الکرم روى الشيخ الطوسی و الصدوق رضوان الله عليهما:(5)

«ان محمد بن أبي عمير(6) کان رجلا بزازا (ای یبیع القماش) فذهب

ص: 132


1- نفس المصدر
2- و حاتم بن عبد الله الطائى کان جوادا يضرب به المثل في الجود و ابنه عدى بن حاتم کان من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله) و خواص أصحاب أمير المؤمنين (علیه السلام) . و من قصص جود حاتم انه مره جائه ضيوف و لم يکن عنده الا فرسه و کانت من خيرة الخيل، فذبحها و قدمها للضيوف فلما اکلوا قالوا له لقد جئناک لشتري فرسک قال لهم لقد ذبحتها لکم.
3- ([3]) نفس المصدر
4- ([4]) و قال الصادق (علیه السلام): المروة مروتان مروة الحضر و مروة السفر فأما مروة الحضر فتلاوة القرآن و حضور المساجد و صحبة أهل الخير و النظر في التفقه و أما مروة السفر فبذل الزاد و المزاح في غير ما يسخط الله و قلة الخلاف على من صحبک و ترک الرواية عليهم إذا أنت فارقتهم. انظر: تحف العقول، ص 374
5- ([5]) من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 190
6- ([6]) هو محمد بن زياد بن عيسى أبو أحمد الأزدي بغدادي الأصل و المقام، کان أوثق الناس عند الخاصة و العامة و أنسکهم نسکا و أورعهم و اعبدهم، و کان من أصحاب الإجماع، جليل القدر، عظيم الشأن. قال الفضل بن شاذان: دخلت العراق فرأيت أحدا يعاتب صاحبه و يقول له: أنت رجل عليک عيال و تحتاج ان تکسب عليهم؟ و ما آمن أن تذهب عيناک لطول سجودک، فلما أکثر عليه قال: اکثرت على، ويحک لو ذهبت عين أحد من السجود لذهبت عين ابن أبي عمير، ما ظنک برجل يسجد سجدة الشکر بعد صلاة الفجر فما يرفع رأسه الا عند زوال الشمس. سبب افتقاره: هو مصادرة امواله علی ید هارون العباسی و ابنه مأمومن العباسی، قال الکشي صاحب کتاب الرجال وجدت بخط أبي عبد الله الشاذاني سمعت أبا محمد الفضل بن شاذان يقول سعي بمحمد بن أبي عمير (و اسم ابي عمير زياد) الى السلطان (و هو هارون الرشید) انه يعرف اسامي الشيعة بالعراق فامره السلطان ان يسميهم فامتنع فجرد و علق بين القفازين فضرب مائة و عشرين خشبة امام هارون و قیل مائة سوط و تولى ضربه السندى بن شاهک على التشيع (قال الفضل سمعت ابن أبي عمير انه قال) لما ضربت فبلغ الضرب مائة سوط ابلغ الضرب الالم إلي فکدت ان اسمي فسمعت نداء محمد بن يونس يقول يا محمد بن أبي عمير اذکر موقفک بين يدي الله تعالى فتقويت بقوله و صبرت و لم اخبر و الحمد لله. ثم افدى مائة و واحدا و عشرين الف درهم حتى خلى عنه. و کان متمولا یملک خمسمائة الف درهم. و أيضا اخذه المامون و حبسه، و أصابه من الجهد و الضيق امر عظيم و أخذ المأمون کل شي ء کان له و ذلک بعد موت الرضا (علیه السلام) و قيل انه کان في الحبس أربع سنين. و روى المفيد (ره) في الاختصاص انه حبس سبع عشر سنين، و في حال استتاره و کونه في الحبس دفنت أخته کتبه فهلکت الکتب، و قيل: ترکها في غرفة فسال عليها المطر فحدث من حفظه و مما کان سلف له في ايدى الناس، فلهذا تسکن الاصحاب الى مراسيله، قال المحقق الداماد في الرواشح السماوية (ص: 67) مراسيل محمد بن أبي عمير تعد في حکم المسانيد، إلى أن قال: کان يروى ما يرويه باسانيد صحيحة، فلما ذهبت کتبه ارسل رواياته التي کانت هي من المضبوط المعلوم المسند عنده بسند صحيح، فمراسيله في الحقيقة مسانيد معلومة الاتصال (انتهى) انظر: هامش بحار الأنوار، ج 54، ص 326 و رجال الکشي (إختيار معرفة الرجال)، ص 591

ماله و افتقر و کان له على رجل عشرة آلاف درهم فباع دارا له کان يسکنها بعشرة آلاف درهم و حمل المال الى بابه فخرج إليه محمد بن أبي عمير فقال ما هذا؟ قال هذا مالک الذي علي، قال ورثته؟ قال لا، قال وهب لک؟ قال لا بل هو من ثمن ضيعة بعتها، قال ما هو؟ فقال بعت داري التي اسکنها لاقضي ديني فقال محمد بن أبي عمير (قال لی) الإمام الصادق (علیه السلام) "لا يخرج الرجل من مسقط رأسه بالدين" (ای لا یباع بیته لاجل دینه) ارفعها فلا حاجة لي فيها و انى و الله لمحتاج في وقتي هذا الى درهم و لا يدخل في ملکي من هذا درهم واحد»(1)

بخلاء العرب

«وقيل: بخلاء العرب: الحطيئة وحميد الأرقط وخالد بن صفوان. فأما الحطيئة، فمر به إنسان وهو على باب داره وبيده عصا، فقال: أنا ضيف فأشار إلى العصا، وقال: لکعاب الضيفان أعددتها وأما حميد الأرقط، فکان هجاء للضيفان فحاشا بذيئا عليهم، نزل به مرة أضياف، فأطعمهم تمرا، وهجاهم وذکر أنهم أکلوه التمر بنواه. وأما خالد بن

ص: 133


1- ([1]) من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 190

صفوان، فکان يقول للدرهم إذا دخل عليه: والله لأطيلن حبسک.. ثم يطرحه في الصندوق ويقفل عليه. وقيل له: لم لا تنفق، ومالک عريض(ای کثیر)؟ فقال: الدهر أعرض منه. وقيل

لبخيل: من أشجع الناس؟ قال: من سمع وقع أضراس الناس على طعامه ولم تنفجر مرارته.»

أداب إکرام الضيف

و من المستحب تلقي الضيف بطلاقة وجه، لأن البشاشة خير من تقدیم الطعام، و أن يبالغ في خدمته بنفسه، کما فعل إبراهيم (علیه السلام) لأن زيادة التواضع تخاسس، و العرب تستدين و تکرم ضيفها، إلا أن التکليف للضيف بغير المستطاع مکروه، و يظهر لهم السرور و يأکل معهم، و يطيل الحديث على الأکل، و لا ينظر إلى أکلهم، و يکرم دوابهم و خدمهم إن کان ذلک ليزدادوا سرورا، و من السنة أن يحدث أضيافه بما يسرهم، و أن يقدم الألوان دفعة واحدة، أو يخبرهم بها ليأکل مما يشتهيه، و أن يشيعهم إلى باب الدار إن کانوا من أهل البلد، و إلى آخره إن کانوا غرباء عنه.»

قصة الاصمعي و بخل المنصور

الشعراء لهم قصص فی البخل طریفة ولکن أطرفهم جميعا کان الأصمعي، الذي أراد الانتقام من تلاعب الخليفة العباسي المنصور الدوانیقی(1)

بالشعراء، بعد أن ضيق عليهم ومنع عنهم العطايا بحيلة ذکية. ويروى عن الخليفة المنصور أنه اتسم بملکة الحفظ من أول مرة يلقى عليه الکلام فيها، وکانت له جارية تستطيع الحفظ من المرة الثانية في الإلقاء، ومملوک يحفظ من المرة الثالثة.

استغل "المنصور" ذلک للاحتيال على شعراء عصره، إذ کان من

ص: 134


1- ([1]) کان مفرطاً في البخل وکان المنصور يرقع ثيابه بيده ويُحاسب على الدانق حتى عُرف بالمنصور الدوانيقي (و الدانق هو جزء الدرهم) و ذات مرة مرض المنصور، فاستدعى طبيباً له، فعالجه فتماثل للشفاء وقدم له رغيفاً من الخبز في مقابل إنقاذه من المرض، إلا أن الطبيب علق الرغيف في رقبته، وأخذ يتجول في السوق وانهالت أسئلة الناس عليه دهشة قائلين: ما السبب في تعليقک للرغيف على رقبتک؟ ؟ فأجاب في سخرية: جائزة الأمير على طبابتي له، وعلى إنقاذ حياته. ودق الخبر ردهات قصر المنصور، فاستدعاه وقال له بصلافة: إنک لا تستحق رغيفاً کاملاً مقابل طبابتک لي، فأخذ ثلاثة أرباع القرص وأعطى الطبيب الباقي.

المفترض أن يحصل کل شاعر على ذهب بوزن القصيدة (المکتوبة) مکافأة له، فکان يدعي على الشعراء أن القصيدة الملقاة عليه قديمة، ثم يعيدها عليه، ويأتي بالجارية والمملوک للقيام بالفعلة نفسها، فلا يجد الشاعر ما يدافع عنه موقفه فيمضي.

وصل الأمر إلى الأصمعي، وهو شاعر متمکن معروف عند العرب، أراد أن يحتال على الخليفة انتقاما لزملائه من الشعراء. ذهب الأصمعي إلى الخليفة ملثما مدعيا أنه أعرابي، وألقى على مسامعه قصيدة غريبة المعاني يصعب حفظها من المرة الأولى، فکان له ما أراد، إذ عجز الخليفة وجاريته ومملوکه عن حفظها، واستحق المکافأة بأن يحصل على ذهب بوزن ما کتبت عليه القصيدة.

قال الاصمعی کتبت قصيدتی على عمود رخام، لا يقدر على حمله إلا عشرة رجال، وحينما تم وزن العمود إذ به بقيمة صندوق الذهب کاملا. وحينما ارتاب الخليفة في أمر الأعرابي، وأمره بإماطة اللثام عن وجهه، واکتشاف أنه الأصمعي قال الخليفة: أتفعل ذلک بأمير المؤمنين يا أصمعي؟ فرد: يا خليفة قد قطعت رزق الشعراء بفعلک هذا.

قال الخليفة: أعد المال يا أصمعي قال: لا أعيده قال الخليفة: أعده قال الأصمعي: بشرط فرد الخليفة: فما هو؟ قال: أن تعطي الشعراء على نقلهم و مقولهم. فأقر له الخليفة ما يريد.

و فيما يلي بعض القصيدة التي أربکت الخليفة وهي:

صوت صفير البلبل*هيج قلبي الثمل

الماء والزهر معا*مع زهر لحظ المقل

فقال لا لا لا لا لا*وقد غدا مهرول

والعود دندن دنا لي*والطبل طبطب طب لي

طب طبطب طب طبطب*طب طبطب طبطب طب لي

والسقف سق سق سق لي*والرقص قد طاب لي

أنا الأديب الألمعي من*حي أرض الموصل

نظمت قطعا زخرفت*يعجز عنها الأدبو لي

أقول في مطلعها*صوت صفير البلبل

قصة ثعلبة بن حاطب الأنصاري

قال ثعلبة بن حاطب الأنصاري لرسول الله (صلی الله علیه و آله) ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله (علیه السلام) ويحک يا ثعلبة قليل تؤدى شکره خير من کثير لا تطيقه ثم قال مرة أخرى فقال أما ترضى أن تکون مثل نبي الله

ص: 135

فوالذي نفسي بيده لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة لسارت قال والذي بعثک بالحق لئن دعوت الله فرزقني مالا لأعطين کل ذي حق حقه فقال رسول الله (علیه السلام) اللهم ارزق ثعلبة مالا قال فاتخذ غنما فنمت کما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل واديا من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترک ما سواهما ثم نمت وکثرت فتنحى حتى ترک الصلوات إلا الجمعة وهي تنمو کما ينمو الدود حتى ترک الجمعة فطفق يتلقى الرکبان يوم الجمعة يسألهم عن الأخبار فقال رسول الله (علیه السلام) ما فعل ثعلبة فقالوا يا رسول الله (علیه السلام) اتخذ غنما فضاقت عليه المدينة فأخبروه بأمره فقال يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة.

قال وأنزل الله (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَکيهِمْ بِهَا) ونزلت عليه فرض الزکات فبعث رسول الله (صلی الله علیه و آله) رجلين على الزکات وقال لهما مرا بثعلبة وبفلان رجل من بني سليم فخذا صدقاتهما فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الزکات وأقراه کتاب رسول الله فقال ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية ما أدري ما هذا انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهم بها فلما رأوها قالوا ما يجب عليک هذا وما تريد أن نأخذ هذا منک قال بلى فخذوه فإن نفسي بذلک طيبة وإنما هي لي فأخذوها منه فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة فقال أروني کتابکما فنظر فيه فقال ما هذه إلا أخت الجزية وانطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا حتى أتيا النبي فلما راهما قال يا ويح ثعلبة قبل أن يکلمهما ودعا للسلمي بالبرکة فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي فأنزل الله تبارک وتعالى فيه:

(وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَکونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ *فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ*فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا کانُوا يَکذِبُونَ) وعند رسول الله (صلی الله علیه و آله) رجل من أقارب ثعلبة فسمع ذلک فخرج حتى أتاه فقال ويحک يا ثعلبة قد أنزل الله فيک کذا و کذا فخرج ثعلبة حتى أتى النبي فسأله أن يقبل منه صدقته فقال إن الله منعني أن أقبل منک صدقتک فجعل يحثي على رأسه التراب فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله) هذا عملک قد أمرتک فلم تطعني فلما أبى أن يقبض رسول الله

ص: 136

(صلی الله علیه و آله) رجع إلى منزله وقبض رسول الله ولم يقبل منه شيئا.(1)

بعض لطائف البخلاء

یقول کنت عند شيخ من أهل مرو وصبي له صغير يلعب بين يديه فقلت للصبي إما عابثا أو ممتحنا: أطعمني من خبزکم قال: لا تريده هو مر فقلت: فاسقني من مائکم قال: لا تريده فهو مالح.

قلت: هات لي من کذا وکذا قال: لا تريده هو کذا وکذا. إلى أن عددت أصنافا کثيرة کل ذلک يمنعنيه أو يبغضه إلي فضحک أبوه وقال: ما ذنبنا؟ هذا من علمه ما تسمع؟ يعني أن البخل طبع فيهم وفي أعراقهم وطينتهم.

يروي الجاحظ أن جماعة من أهل خراسان اجتمعوا في منزل ليلا فأحجموا عن إنارة المصباح وصبروا على الظلمة ما أمکنهم الصبر ولما اضطروا إلى الإنارة جمعوا النفقة اللازمة لذلک وأبى واحد منهم أن يشارکهم في النفقة فکانوا إذا جاء المصباح شدوا عينيه بمنديل إلى أن يناموا ويطفئوا المصباح فيفرجون عن عينيه وذلک حتى لا يستفيد من نوره.

کان لجحا جار شدید البخل کلما راى جحا راح يحثه وينصحه بعدم الانفاق على بيته حتى يصبح مثله لديه مال کثير فقال له جحا يوما مستنکرا: أتريد أن أکون مثلک أستعير متطلباتي من الجيران وأمنع عن نفسي الطعام والملبس لکي أکون مثلک صاحب مال قال البخيل: وماذا في ذلک انا عندي مال وانت ليس عندک مثل ما عندي.

قال جحا: وما قيمة المال وهو لا يفيد صاحبه قال البخيل: يکفي أن ترى بريقه وفي يوم جاء البخيل الى جحا وطلب منه أن يعيره حماره فأعطاه له فلما قضى البخيل حاجته عاد بالحمار وطلب من جحا ان يدفع له دينارا.

فقال جحا: ولم أدفع لک دينارا وقد أعرتک حماري؟ قال البخيل: لقد جاع حمارک في الطريق فأشتريت له برسيما قال جحا في غضب: ألا تخجل يارجل؟ انک تستعير حماري دائما ولا أطلب منک أجرا على ذلک فخذ هاهو الدينار ولا تطلب حماري ثانيا..

أخذ البخيل الدينار في سعادة وعاد الى بيته بينما راح جحا يفکر في حيلة يحتال بها على البخيل لتکون درسا له وفي اليوم التالي ذهب

ص: 137


1- ([1]) تفسير القرآن العظيم لابن ابي حاتم، ص 1848 و تفسير الطبري ذیل الایات المذکورة

جحا، واشترى لنفسه عمامة جديدة ثم ذهب الى مطعم البلدة ودفع له مقدما حساب طعام شخصين ثم ذهب جحا الى بائع الحمير ودفع له مقدما ثمن حمار على أن يأخذه فيما بعد ثم ذهب الى بائع الفاکهة ودفع له ثمنا مقدما لبعض الفاکهة.

ثم ذهب جحا الى بائع الطيور ودفع له ثمنا مقدما لبعض الطيور ثم ذهب الى بائع الملابس ودفع له أيضا على أن يحضر فيما بعد ويأخذ طلبه ثم ذهب الى صديق له وأعطاه عشرين دينارا وطلب منه أن يعيدها اليه حين يطلبها وفي اليوم التالي وبينما جحا عائد الى بيته راه البخيل قال البخيل: يا جحا انتظر ما أجمل هذه العمامة الجديدة کم ثمنها؟ قال جحا: انها عمامة الخير عمامة الثراء ولا تقدر بثمن يا جاري العزيز قال البخيل: ماهذا الذي أسمعه يا جحا؟ ماذا تقصد بذلک؟ قال جحا: هيا معي لترى بنفسک ثم ذهب به جحا الى المطعم وقال له: والان سأدعوک لوجبة شهية على حساب العمامة فلما أکل وضع جحا يده على عمامته فقال له صاحب المطعم: الحساب خالص ياجحا ای لا یرید ان تدفع شئ فتعجب البخيل ثم ذهب به جحا الى بائع الحمير وأخذ حمارا ثم وضع يده على عمامته فقال البائع: الحساب خالص يا حجا وهکذا..

واخيرا ذهب به جحا الى بائع الفاکهة فقال له البائع: الحساب خالص ياجحا ثم ذهب به جحا الى بائع الملابس وأخذ عمامة البخيل فقال البائع: الحساب خالص يا جحا فقال البخيل في دهشة: بکم تبيع عمامتک يا جحا؟ انها ثروة کبرى. فقال جحا: أبيعها مقابل منزلک فقال البخيل في سرور: لا مانع عندي فبها أشتري عدة منازل وهکذا تخلص جحا من جاره البخيل.

تصدق الإمام الصادق (علیه السلام)

و «عن معلی بن خنیس قال خرج أبو عبد الله (علیه السلام) في لیلة قد رشت (ای مطرت) السماء و هو یرید ظلة بنی ساعدة(1) فاتبعته فإذا هو قد سقط منه شيء فقال: "بسم الله اللهم رده علينا" قال: فأتیته فسلمت علیه فقال: معلی؟ قلت: نعم جعلت فداک. فقال لي: إلتمس بيدک فما وجدت من شيء فادفعه إلي قال: فإذا أنا بخبز منتشر فجعلت أدفع إلیه ما وجدت فإذا أنا بجراب من خبز فقلت: جعلت فداک أحمله عنک.

ص: 138


1- ([1]) الظلة مکان یستظل فیه و کانوا یتجمعون فیه الفقراء

فقال: لا أنا أولى به منک ولکن امض معي قال: فأتینا ظلة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نیام فجعل یدس الرغیف والرغیفین تحت ثوب کل واحد منهم حتی أتی علی اخرهم ثم انصرفنا فقلت: جعلت فداک یعرف هؤلاء الحق؟ فقال: لو عرفوا لواسیناهم بالدقة و الدقة هي الملح(1)»

نعي: السیدة رقیة

أمر يزيد اللعين بإنزال السبايا في خربة تصهرهم فيها حرارة الشمس وقد ذکر أن الإمام زين العابدين (علیه السلام) کان يخرج منها ليروح عن نفسه فراه المنهال ابن عمرو يوما في حالة يرثى لها فقال له: سيدي ما الذي أخرجک مع ما أرى بک من الضعف؟ فقال: يا منهال إن الخربة التي نحن فيها لا تقينا من الحر حتى لقد تقشرت وجوه عماتي من حرارة الشمس يا منهال أنا أخرج سويعة أروح فيها عن ضعف بدني فقال المنهال وبينما أنا أکلمه ويکلمني وإذا بامرأة تقوم وتقع تنادي إلى أين يا حمانا؟ إلى أين يا رجانا؟ فسألت عنها فقيل لي: هذه عمته زينب فما رجعت إلى الخربة حتى أرجعته معها.(2)

وفي تلک الخربة کانت للحسين (علیه السلام) بنت صغيرة يحبها وتحبه کثيرا تسمى رقية لها ثلاث سنين وکانت مع الأسراء في الشام وهي تبکي لفراق أبيها ليلها ونهارها وکانوا يقولون لها هو في السفر و کانت زینب تخاطب رأس الحسین و تقول:

يا أخي فاطم الصغيرة کلمها*فقد کاد قلبها أن يذوبا

يا أخي ماترى عليا لدى الأسر*مع اليُتم لا يُطيق رکوبا

کلما أو جعوه بالضرب ناداک*بذل يفيضُ دمعاً سکوبا

ما أذل اليتيم حين ينادي* بأبيه ولا يراه مُجيبا

رقیة فی لیلة رأة اباها في النوم فلما انتبهت جزعت جزعا شديدا وقالت: ايتوني بوالدي قرة عيني وکلما أراد أهل البيت (علیهم السلام) إسکاتها ازدادت حزنا وبکاءا ولبکائها:

فزت الطفلة او تهمل العين*وتنادي اريدن والدي احسين

عمه يزينب چان هالحين*يمي او يگلي لا تخافين

هاج حزن أهل البيت فأخذوا في البکاء ولطموا الخدود وارتفع الصياح فسمع يزيد صيحتهم وبکاءهم فقال: ما الخبر؟ قيل له: إن بنت الحسين الصغيرة رأت أباها بنومها فانتبهت وهي تطلبه وتبکي وتصيح. فلما

ص: 139


1- ([1]) المراد لساويناهم حتى بالملح
2- ([2]) مجالس السبايا، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 75

سمع يزيد ذلک قال: ارفعوا إليها رأس أبيها.

وحطوه بين يديها تتسلى فأتوا بالرأس في طبق مغطى بمنديل ووضعوه بين يديها فقالت: ما هذا إني طلبت أبي ولم أطلب الطعام فقالوا: إن هنا أباک فرفعت المنديل ورأت رأسا فقالت: ما هذا الرأس؟ قالوا: رأس أبيک فرفعت الرأس وضمته إلى صدرها وهي تقول: يا أبتاه من الذي خضبک بدمائک؟ يا أبتاه من ذا الذي قطع وريديک؟ يا أبتاه من ذا الذي أيتمني على صغر سني؟ يا أبتاه من لليتيمة حتى تکبر؟ يا أبتاه من للنساء الحاسرات؟ يا أبتاه من للأرامل المسبيات؟ يا أبتاه من للعيون الباکيات؟ من بعدک واغربتاه يا أبتاه.

يا والدي والله هظيمة*أنه أصير من زغري يتيمه

اثاري الابو يا ناس خيمه*يفي على ابناته وحريمه

ولم تزل تعول وتنوح وتبکي على أبيها، حتى وضعت فمها على فم الشهيد المظلوم وبکت حتى غشي عليها، قال الإمام زين العابدين (علیه السلام): عمه زينب ارفعي هذه اليتيمة من على رأس والدي فإنها قد فارقت الحياة فحرکوها فإذا هي قد فارقت روحها الدنيا..فارتفعت أصوات أهل البيت بالبکاء وتجدد الحزن والعزاء ومن سمع من أهل الشام بکاءهم بکى فلم ير في ذلک اليوم إلا باک وباکية.(1)

وعن بعضهم: وأحضر لها مغسلة تغسلها، فلما جردتها من ثيابها قالت: لا أغسلها، فقالت لها زينب (علیها السلام): ولم لا تغسليها؟ قالت: أخشى أن يکون فيها مرض، فإني أرى أضلاعها زرقا، قالت: والله ليس فيها مرض، ولکن هذا من ضرب السياط.

يضربونه ونصفق بدينه*ويشتمون حامينه وولينه

اتمنينه ابو فاضل يجينه*يشاهد اخلافه اشصار بينه

و زينب (علیها السلام) تخاطب الحسین (علیه السلام) اتگله:

تگله يحسين توصيني بالايتام*حرمه وطحت ما بين ظلاّم

ترضه يبو الشيمه يضرغام*خواتک يسارى اتروح للشام

خويه يحسين والله حيرتني*حرمة ابجريره کلّفتني

وما بين عدوانک عفتني

أنعِمْ جَوابَاً يا حسينُ أَمَا ترَى*شمرَ الخنا(2) بالسوطِ کسَّر أضلعي

فأجَابَ زَينبَ وهو يفحص في الثرى*قُضِيَ القضاءُ بِما جَرَى

ص: 140


1- ([1]) مجالس السبايا، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 77
2- ([2]) الخنا ای الفحاش بالکلام

فاسترجِعِي

وتکفَّلي حَالَ اليَتامَى وانظُري*ما کنتُ أصنَعُ في حماهُم فاصنَعِي

**

ص: 141

اللیلة السابعة عشرة: الشماتة

اشارة

(وَ إِنْ تُصِبْک مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَ يَتَوَلَّوْا وَ هُمْ فَرِحُونَ)(1)

اخوانی قد استوعب دین الاسلام في شموله وعلاجه کل أمراض النفوس ومعايبها، أقوالا وأفعالا، ومشاعر وانفعالات وثمة خلق ذميم، وسلوک شائن، يدل على نفس غير سوية، وقلب مدخول يکاد يخلو من الحب والمودة والعطف وحب الخير، ذلکم هو: خلق الشماتة، وغالبا ما يقترن به مظاهر کراهية، من السخرية والهمز والغمز واللمز وألوان الاستهزاء قولا وفعلا وإشارة و الشماتة فرح ببلية من تعاديه، والسرور بما يکره من تجافيه.

و یخبرنا القرآن عن صفة ذمیمة فی الانسان الا و هی التشمت بالمؤمنین و تفسیر الآیة هو یا رسول الله (صلی الله علیه و آله) إن تصبک شدة کانکسار جيش کما حدث يوم أحد يقولوا المنافقین الذین لم یخرجون مع المسلمین للحرب و هم معجبين بآرائهم حامدين ما صنعوا، یقولون قد تلافينا ما يهمنا من الأمر بالحذر و الحزم کما هو دأبنا، إذ تخلفنا عن القتال و لم نلق بأيدينا إلى الهلاک، و ينصرفوا عن الموضع الذي يقولون فيه هذا القول و هم فرحون فرح البطر و الشماتة.

تعریف الشماتة

و هی سرور النفس بما يصيب غيرها من الإضرار، و إنما تحصل من العداوة و الحسد(2)

و هي أن تقول: ما أصاب فلانا من مصيبة أو بلاء إلا لسوء فيه، وأن تفرح و تظهر السرور لما أصابه و شي ء من ذلک،

ص: 142


1- ([1]) التوبة: 50
2- ([2]) بحار الأنوار، ج 1، ص 122، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «و أما علامة الحاسد فأربعة الغيبة و التملق و الشماتة بالمصيبة و أما علامة المسرف فأربعة الفخر بالباطل و يشتري ما ليس له و يلبس ما ليس له و يأکل ما ليس عنده» التملق وهو الود واللطف وأن يعطى في اللسان ما ليس في القلب. وهنا يجب ان نلتفت الى ان الامتناع عن التملق لا يعني الامتناع عن الثناء فللثناء آثار ايجابية کثيرة کالتحفيز وتعزيز الثقة بالنفس لکن الثناء مقرون بالاختصار فاذا زاد عن حدّه بات تملّقا وفي هذا المعنى يقول أمير المؤمنين (علیه السلام): «الثناء بأکثر من الاستحقاق ملق والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد» (نهج البلاغة، شرح الفيض الاصفهاني، ص 1239) ويقول الإمام علي (علیه السلام): « إذا مدحت فاختصر» (غرر الحکم: 3262)

و هذا ينبغى أن لا يکون لان من صفات المؤمنين أن يکونوا متراحمين متعاطفين متواصلين، فإن خلق الشماتة يقوم في النفس حين تخلو من المودة والحب والعطف، وتمتلئ بالکراهية والحقد والبغض، فإن الإنسان يتألم لألم الغير إلا إذا کان يحب هذا الغير، ويود الخير له، أما إذا مقته وأبغضه، فإنه يفرح لحزنه، ويشمت في مصيبته.

و الرحمة يفترض أنها تسود بين المسلمين، وهى خلق المنافقين الذين قال الله فيهم (إنْ تَمْسَسْکمْ حَسَنَةٌ تَسَؤُهُمْ وإِنْ تُصِبْکمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّکمْ کيْدُهُمْ شَيْئًا) ألا فليعلم الشامتون بغيرهم أن الأيّام دُوَل والشاعر الحکيم يقول:

فقل للشامتين بِنَا أَفيقوا*سَيَلْقى الشامتون کما لقينا

و قال أهل الحکمة: "إن الحسد والشماتة متلازمان، فالحاسد إذا رأى نعمة بهت، وإذا رأى عثرة شمت". و الشامت محروم من المحامد الجميلة، والمسالک الراقية، والشعور الإنساني النبيل. الشامت لا يفرح بمصيبة غيره إلا من لؤم طبعه.

بل يقرر أهل العلم أن الشماتة من أخلاق أهل النفاق، قال تعالى وهو يحکي کيف أن هارون طلب من أخيه موسى الکليم ألا يشمت به الأعداء بمعاملته له بنفس ما يعاملهم به، واعتباره معهم سواء في الذنب والمعصية، حيث إن موسى رجع إلى قومه وهو في شدة الغضب لأنهم اتخذوا العجل إلها من دون الله، وکان قد ترک معهم أخاه هارون، فغضب منه وأراد أن يبطش به، لأنه لم يغير هذا المنکر العظيم، لکن هارون خشي إن هو غير المنکر أن يتفرق بنو إسرائيل، فرأى أن يترک ذلک حتى يرجع موسى، قال تعالى:

(وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّکمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَال ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَکادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(1)

الشاهد عندنا في هذه الاية هي قول هارون: فلا تشمت بي الأعداء، بمعنى أن الذي يشمت هو العدو.(2)

ص: 143


1- ([1]) الأعراف: 150
2- ([2]) المؤمن، ص 42 و تکملة الحدیث: «و عن أبي عبد الله (علیه السلام) قال: و الله ما عبد الله بشي ء أفضل من أداء حق المؤمن فقال إن المؤمن أفضل حقا من الکعبة و قال إن المؤمن أخو المؤمن عينه و دليله فلا يخونه و لا يخذله و من حق المسلم على المسلم أن لا يشبع و يجوع أخوه و لا يروى و يعطش أخوه و لا يلبس و يعرى أخوه و ما أعظم حق المسلم على أخيه المسلم و قال أحبب لأخيک المسلم ما تحب لنفسک و إذا احتجت فسله و إذا سألک فأعطه و لا تمله خيرا و لا يمله لک کن له ظهيرا فإنه لک ظهير إذا غاب فاحفظه في غيبته و إن شهد زره و أجلله و أکرمه فإنه منک و أنت منه و إن کان عاتبا فلا تفارقه حتى تسل سخيمته و إن أصابه خير فاحمد الله عز و جل و إن ابتلي فأعطه و تحمل عنه و أعنه»

و الانسان یجب ان یکره للناس ما یکرهه لنفسه فقد قال الإمام الصادق (علیه السلام): «قال أحبب لأخيک المسلم ما تحب لنفسک» ومن لطائف معنى هذا الحديث: ان ظاهره التساوي، وحقيقته التفضيل، لأن الإنسان يحب أن يکون أفضل الناس، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل هو في جملة المفضولين.

اثار الشماتة

اولا: الشامت قد تنعکس المصيبة عليه، روي عن الصادق (علیه السلام): «لاتبد الشماتة لأخيک، فيرحمه الله ويصيرها بک» و «من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن» قال احد العلماء: (عبت شخصا قد ذهب بعض أسنانه، فذهبت أسناني، ونظرت إلى امرأة لا تحل لي، فنظر زوجتي من لا أريد) وقال ابن سيرين: (عيرت رجلا بالإفلاس، فأفلست) يقول إبراهيم النخعي: (إني لأرى الشيء أکرهه، فما يمنعني أن أتکلم فيه إلا مخافة أن أبتلى بمثله).

ثانیا:

الشماتة لها تأثير سلبي على الفرد والمجتمع تربي الحقد والحسد والعداوة وهذا أمر معلوم مشهود. مضافا إلى أن فى الشماتة بالمؤمن کسرا لقلبه و إدخالا للحزن عليه، و هو خلاف غرض الشارع و لذلک قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(1) «إذا رأيتم أهل البلا فاحمدوا الله و لا تسمعوهم فان ذلک يحزنهم». سئل أيوب (علیه السلام): أي شي ء کان أشد عليک مما مر عليک؟ قال: شماتة الأعداء(2). وأوضح العلماء أن التشفي بمصاب الغیر

ص: 144


1- ([1]) الکافي، ج 2، ص 98
2- ([2]) قال الصادق (علیه السلام) (بعد ان انتهت ابتلاء الله لايوب): (تفسير القمي، ج 2، ص 242) «فرد الله عليه أهله الذين ماتوا قبل البلاء و رد عليه أهله الذين ماتوا بعد ما أصابه البلاء کلهم أحياهم الله تعالى، فعاشوا معه، و سئل أيوب بعد ما عافاه الله أي شي ء کان أشد عليک مما مر عليک قال: شماتة الأعداء قال فأمطر الله عليه في داره فراش الذهب (اکراما له علي صبره امطره بالذهب) و کان يجمعه فإذا ذهب الريح منه بشي ء عدا خلفه فرده، فقال له جبرئيل: أما تشبع يا أيوب قال: و من يشبع من رزق ربه.»

ليس خلقا إنسانيا ولا دينيا، فکما نزل مصاب علی غيره سنزل به ایضا، کما أن الشماتة بالمصائب التى تقع للغير تتنافى مع الرحمة.

قصة امام المسجد

شیخ من اهل العلم کان امام جماعة فی مسجد فرأی احد المصلین امامه تربة فیها عداد لعدد الرکعات(1) فقال له یا مومن ما هذا لماذا لایوجد لدیک حضور قلب وقت الصلاة حتی لا تحتاج الی هذه التربة الاکترونیة و اخذ فی بیان حضور القلب و کیف الائمة (علیهم السلام) کانوا فی الصلاة ثم اقبل هو الی الصلاة و کانت صلاة العشاء و اذا به قد اتمها علی الرکعت الثالثة و سلم فیها. و قال الصادق (علیه السلام):(2)

«من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن بها»

نعي: القاسم بن الحسن (علیه السلام)

تحملت کعبة الرزیا زینب (علیها السلام) الکثیر من الشماتة من عبدالله ابن زیاد حین قال لها یا زينب، کيف رأيت صنع الله بأخيک الحسين (علیه السلام) وأهل بيتک؟ فقالت: (ما رأيت إلا جميلا.. هؤلاء قوم کتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينک وبينهم، فتحاج وتخاصم) وهو تعبير عن حالة الرضا والتسليم المطلق لله عز وجل.

يقول الإمام الصادق (علیه السلام): زر الحسين جائعاً عَطشاً شعثاً مغبراً فإنه قتل جائعا عطشانا، ومن هنا فإن الإمام زين العابدين (علیه السلام) کلما نظر إلى طعام أو شراب يبکي ويقول: کيف اکل وقد قتل والدي الحسين جائعا؟ وکيف أشرب وقد قتل أبي عطشانا؟ و کان اصعب وداع فی یوم عاشر من محرم حین ودع ابن اخیه القاسم ابن الحسن.

ذکر المؤرخون (3) أن القاسم بن الحسن (علیه السلام) أبدى شجاعة لا تنسى وبطولة لا تقهر في عاشوراء کربلاء، رغم صغر سنه. وعن بطولاته ذکر صاحب المنتخب: أنه قدم إلى عمر بن سعد وقال: يا عمر أما تخاف الله أما تراقب الله يا أعمى القلب أما ترعى رسول الله؟ فقال عمر بن سعد: أما کفاکم تجبرا يا ال أبي طالب؟ أما تطيعون يزيد؟ فقال القاسم: لا جزاک الله خيرا تدعي الاسلام وال رسول الله (صلی الله علیه و آله) عطاشى ظماء قد اسودت الدنيا بأعينهم.(4)

ص: 145


1- ([1]) یقال لها بالفارسیة: (مهر رکعت شمار)
2- ([2]) روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، ج 12، ص 137
3- ([3]) المنتخب في المراثي و الخطب للطريحي، ص 374
4- ([4]) مناهج البکاء فى فجائع کربلاء، الفرطوسي الحويزي، ج 1، ص: 153

ثم طلب المبارزة فجاء إليه رجل يعد بألف فارس فقتله القاسم، وکان یقاتل الفرسان إلى أن ضعفت قوته و رجع إلى خيمة وسار إلى الحسين (علیه السلام) وقال: يا عماه العطش العطش، أدرکني بشربة من الماء، فصبره الحسين (علیه السلام) وعاد ليودع أمه فلما رأته احتضنته وراحت تشمه وتقبله. ثم دفعته إلى نصرة عمه.(1)

وکأني بالقاسم يخاطب أمه:

يمة ذکريني من تمر زفة شباب*من العرس محروم وحنتي دم المصاب

شمعة شبابي من يطفوها*حنتي دمي والکفن دار التراب

يمة ذکريني يمة ذکريني من تمر زفة شباب

أوصيک يمه وصيه*تسمعين لفظ اجوبي

شبان لو شفتيهم*بالله ذِکري یه یمه اشبابي

محروم من شم الهو*من دون کل صحابي

عطشان أنا يا والده* حين الشرب ذکريني

اتگله امه:

يبني يا جاسم هالوقت*حیلک لعمک ضمه

لها اليوم أنا ذاخرتک*مالک تخيب ظنوني

وانقلب إلى الميدان فأحاطوا به و رشقوه بالنبل و شد عليه الأزدي حتى ضربه بالسيف على رأسه ففلق هامته، وقيل أن رجلا شق بطنه واخر طعنه بالرمح على ظهره فأخرجه من صدره، أي وا قاسماه.

ولا أدري کيف حال الحسين (علیه السلام) عمه، الذي سمعه ينادي السلام عليک مني يا عماه أدرکني، فجاء إليه الحسين کالصقر المنقض على الصفوف حتى وصل إلى القاسم ودموع الحسين جارية وحسراته وارية ثم نزل إليه ووضع صدره على صدره، يقول الخوارزمي جعل الإمام الحسين (علیه السلام) يقول بعد شهادة ابن أخيه القاسم:(2)

غَرِيبُونَ عَنْ أَوْطانِهِمْ وَدِيارِهِمْ*تَنوحُ عَلَيْهِمْ فِي البَرارِي وُحُوشُها

وَکيْفَ لا تَبْکي العُيونُ لِمَعْشَرٍ*سُيوفُ الأَعادِي فِي البَرارِي تَنُوشُها

ص: 146


1- ([1]) سلسلة مجمع مصائب أهل البيت (علیهم السلام)، ج1، ص 366
2- ([2]) من أخلاق الإمام الحسين (علیه السلام)، عبد العظيم المهتدي البحراني، ص 253 نقلا عن: معالي السبطين، ج 1، ص 281

قال حميد بن مسلم فقلت في نفسي ما يصنع الحسين (علیه السلام) فاحتمله على صدره وکأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض(1)، (لم يطق الحسين أن يحمل القاسم مستويا لأن المصائب التي مرت عليه خاصة مصيبة القاسم أحنت ظهره.)

فجاء به حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته وجعل يقول: اللهم إنک تعلم أنهم دعونا لينصرونا فخذلونا وأعانوا علينا أعدائنا اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا ولا تغفر لهم أبدا صبرا يا بني عمومتي صبرا يا أهل بيتي لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا اللهم إن کنت حبست عنا النصر في دار الدنيا فاجعل ذلک ذخرا لنا في الاخرة وانتقم لنا من القوم الظالمين.(2)

ولکن ما کان حال تلک الأم التي فجعت به؟ وما حال تلک الحرائر من بنات الرسالة؟ وقد جئن إليه کأني بهن وقد درن حوله يبکين وينحن عليه... ولما وصلت أمه رملة إليه ألقت بنفسها عليه وتحادرت الدموع وارتفع الصراخ وجعلت تردد: واولداه واقاسماه..(3)

ام القاسم اتگله:(4)

ص: 147


1- ([1]) إعلام الورى، الطبرسي، ج 1، ص 466
2- ([2]) روضة الشهداء، الکاشفي، ص 409 و ينابيع المودة، القندوزي، ج 3، ص 77
3- ([3]) مجالس السيرة الحسينية، إعداد: معهد سيد الشهداء للمنبر الحسيني، ص 239
4- ([4]) ابیات اخری: «صاحت یالذی فی الکون *مثل ما جری فی الناس یالحسین الذی ایعرس* اله حنه و الیه الباس و حنا اتشوفنا کلنا*صوایح فی عزا عباس و کلنا امن العطش بنموت*او ما وحده جلد بیه یحسین الذی ایعرس*هله فی زفته ایحضرون ناس تعمل الزینه* او ناس الچفه ایحنون او هلمعرس یه نور العین*هله فی المعرکه ایونون مثلک ما جری فی الناس* اولها او تالیها یحسین الذی یعرس* لعرسه ینحرون اجمال او کل الناس یلتمون*من حوله نسه و اطفال او هل المعرس یه نور العین*لعرسه ذابحین ارجال ماشفنا احد عرس* و ارجال انذبح لیها نادی بالعجل گومی*او من حزنه کشف للرأس ولیمة هالولد یاختی*فلا صارت ابد فی الناس ولیمة هالولد یاختی*ذبحنا بوالفضل عباس»

وصلت لعدقاسم او منها الگلب مهموم*صاحت ييمه ياشباب المات محروم

مرمي على الرمضة او متخضب بالدموم*لبکي على فرگاک کل صبح ومسيه

ربيتک ييمه واسهرت برباک*اشلون اصبر يروحي من بعد عيناک

عسن سيف اليصيبک صابني وياک*اولا شوفک خضيب الراس بدماک

يبني ما ذکرت أمک وحنيت*عفتني امن انطبگ ظهري وحنيت

يجاسم خضبت شيبي وحنيت*ابدمک يا شباب الغاضريه

*

*

يا کوکباً ما کان أقصَرَ عُمرُهُ*وکذا تکونُ کواکبُ الأسحَارِ

عَجِلَ الخُسوفُ عليهِ قبلَ أوَانُهُ*فَمَحِاهُ قبلَ مظَّنَةِ الإبدَارِ

ص: 148

اللیلة الثامن عشرة: السؤال

اشارة

(لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ

ص: 149

النَّاسَ إِلْحافاً)(1)

الإنسان کائن اجتماعي، وکل فرد في المجتمع يسعى إلى أن يعيش مع أبناء جلدته امنا مطمئنا، يقدم ما يترتب عليه من واجبات تجاه مجتمعه، ولکن تنتاب الإنسان أحيانا ظروف، وتعصف به أحوال فتنقلب حياته رأسا على عقب، فتجعل الإنسان بحاجة إلى غيره إصابته بمصيبة تجعله عاجزا عن تأدية ما يتطلب منه نتيجة لمروره بظرف طارئ کمرض، أو حادث سير، أو في بعض البلاد، في ثوران البراکين والزلازل، وغير ذلک من المصائب، فيصبح الفرد عن تأمين حاجاته، أو علاجه، أو بناء بيته، فيضطر إلى اللجوء إلى غيره وسنتحدث عن مساعدة الفقراء، لکن نری البعض یطلب من الناس او یقترض من احد من دون احتیاج ضروری و انما لاجل الکمالیات و الاشیاء الزائدة و اضافة ممتلکاته و طمعه فی الاموال.

تفسیر الآیة

(لِلْفُقَراءِ) أي

توجهوا للفقراء و ساعدوهم من اموالکم (الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أحصرهم و حبسهم الجهاد عن الضرب في الأرض و هو الکسب و العمل لاجل توفير المعيشة (لا

يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ) اشتغالهم بالجهاد منعهم من الذهاب فيها للکسب. جاء فی الحدیث ان الآیة نزلت في "أصحاب الصفة(2)".

قيل: کانوا نحوا من أربع مائة من فقراء المهاجرين، يسکنون صفة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلم و العبادة و کانوا يخرجون في کل سرية يبعثها رسول الله (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ بحالهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) التعفف هو القناعة و ترک المسألة (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ) و السيماء هو علامة الفقر في وجوههم من صفرة الوجه و رثاثة الحال (لا يَسْئَلُونَ

النَّاسَ إِلْحافاً) الالحاف هو إلالحاح و إدامة للمسألة و الإصرار عليها و فیها دلالة على کراهة الإلحاف في المسألة.

فی هذه الآیة الله سبحانه مدحه من لا یطلب من الناس شیئا والإنسان إذا وفقه الله ومن عليه بالاستغناء عن الخلق، صار عزيز النفس غير ذليل لأن الحاجة إلى الخلق ذل ومهانة، والحاجة إلى الله تعالى عزوجل عبادة، والغنى الحقيقي هو غنى النفس، فإذا جعل الله غناک في نفسک، لم تحتج لأحد ولو کنت أفقر الناس.

أخي.. ارفع يديک ما استطعت الى ربک واطلب منه حاجتاتک، ولا ترق ماء وجهک أجل لقمة العيش. قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(3)«ليس الغنى عن کثرة العرض و لکن الغنى غنى النفس.» وقال (صلی الله علیه و آله) لأعرابي طلب منه موعظة:(4)«إذا

صليت فصل صلاة مودع، ولا تحدثن بحديث تعتذر منه غدا، واجمع اليأس عما في أيدي الناس» وقال الإمام علي (علیه السلام): «شيعتي من لم يهر هرير الکلب(5)، ولم يطمع طمع الغراب، ولم

ص: 150


1- ([1]) البقرة: 273
2- ([2]) کان أهل الصفة ناسا من أصحاب رسول الله (صلی الله علیه و آله) مهاجرين الي المدينة لا منازل لهم، فکانوا ينامون على عهد رسول الله (صلی الله علیه و آله) في المسجد، فإنهم کانوا يحتطبون بالنهار، ويسوقون الماء و يقرؤون القرآن ويصلون، وکان (صلی الله علیه و آله) إذا جاءته هدية أکلها معهم، وإن کانت صدقة خصهم بها، فلما کثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمروا.
3- ([1]) تحف العقول، ص 57 - یعني: ليس الغِنى الحقيقي بسبب کثرة ما عند الإنسان من الثروات من العقارات والمراکب، والشرکات و العرض(محرکة) المتاع، و السلعة.
4- ([2]) مجموعة ورام، ج 1، ص 164
5- ([3]) الهرير: صوت الکلب دون نباحة من قلة صبره على البرد. (أعلام الدين في صفات المؤمنين، ص 137) و تمت الحدیث هو: «و قال أمير المؤمنين (علیه السلام) لمولاه نوف الشامي و هو معه في السطح يا نوف أ رامق أنت أم نبهان قال نبهان أرمقک يا أمير المؤمنين قال هل تدري من شيعتي قال لا و الله قال شيعتي الذبل الشفاه و الخمص البطون الذين تعرف الرهبانية و الربانية في وجوههم رهبان بالليل أسد بالنهار الذين إذا أجنهم الليل اتزروا على أوساطهم (المراد شد الوسط بالازار و هو کناية عن الاهتمام في العبادة) و ارتدوا على أطرافهم (أي يشتملون بالرداءة على أطرافهم) و صفوا أقدامهم و افترشوا جباههم تجري دموعهم على خدودهم يجأرون إلى الله (ای یتضرعون و یرفعون اصوتهم بالبکاء) في فکاک رقابهم و أما النهار فحلماء و علماء کرام نجباء أبرار أتقياء يا نوف شيعتي الذين اتخذوا الأرض بساطا و الماء طيبا و القرآن شعارا إن شهدوا لم يعرفوا و إن غابوا لم يفقدوا شيعتي الذين في قبورهم يتزاورون و في أموالهم يتواسون و في الله يتباذلون يا نوف درهم و درهم و ثوب و ثوب و إلا فلا شيعتي من لم يهر هرير الکلاب و لم يطمع طمع الغراب و لم يسأل الناس و لو مات جوعا إن رأى مؤمنا أکرمه و إن رأى فاسقا هجره هؤلاء و الله يا نوف شيعتي شرورهم مأمونة و قلوبهم محزونة و حوائجهم خفيفة و أنفسهم عفيفة اختلفت بهم الأبدان و لم تختلف قلوبهم قال قلت يا أمير المؤمنين جعلني الله فداک أين أطلب هؤلاء قال فقال لي في أطراف الأرض يا نوف يجي ء النبي، ص يوم القيامة آخذا بحجزة ربه جلت أسماؤه يعني بحبل الدين و حجزة الدين و أنا آخذ بحجزته و أهل بيتي آخذون بحجزتي و شيعتنا آخذون بحجزتنا فإلى أين إلى الجنة و رب الکعبة قالها ثلاثا»

يسأل الناس ولو مات جوعا إن رأى مؤمنا أکرمه و إن رأى فاسقا هجره»

قصة

قال الصادق (علیه السلام) قال:(1)«اشتدت حال رجل من أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله) فقالت له امرأته لو أتيت رسول الله (صلی الله علیه و آله) فسألته فجاء إلى النبي (صلی الله علیه و آله) فلما رآه النبي (صلی الله علیه و آله) قال من سألنا أعطيناه و من استغنى أغناه الله فقال الرجل ما يعني غيري فرجع إلى امرأته فأعلمها فقالت إن رسول الله (صلی الله علیه و آله) بشر فأعلمه فأتاه فلما رآه رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال من سألنا أعطيناه و من استغنى أغناه الله حتى فعل الرجل ذلک ثلاثا ثم ذهب الرجل فاستعار معولا ثم أتى الجبل فصعده فقطع حطبا ثم جاء به فباعه بنصف مد من دقيق فرجع به فأکله ثم ذهب من الغد فجاء بأکثر من ذلک فباعه فلم يزل يعمل و يجمع حتى اشترى معولا (الفأس التي ينقر بها الصخر) ثم جمع حتى اشترى بکرين (ای جملین) و غلاما ثم أثرى (ای صار ثریا) حتى أيسر فجاء إلى النبي (صلی الله علیه و آله) فأعلمه کيف جاء يسأله و کيف سمع النبي (صلی الله علیه و آله) فقال النبي (صلی الله علیه و آله) قلت لک من سألنا أعطيناه و من استغنى أغناه الله.»

وقال الصادق (علیه السلام):(2) «ثلاث هن فخر المؤمن وزينته في الدنيا والاخرة: الصلاة في اخرالليل، ويأسه مما في أيدي الناس، وولايته للإمام من ال محمد» إذن على الله توکل، واقطع طمعک في الخلق، ولاتعتن بما في أيديهم في وصية النبي (صلی الله علیه و آله) لعلي (علیه السلام) قال:(3) «يا علي لأن أدخل يدي في فم التنين إلى المرفق أحب إلي من أن أسأل من لم

ص: 151


1- ([1]) الکافي، ج 2، ص 139
2- ([2]) الکافي، ج 8، ص 234 و تتمة الحدیث: « قال و ثلاثة هم شرار الخلق ابتلي بهم خيار الخلق أبو سفيان أحدهم قاتل رسول الله و عاداه و معاوية قاتل عليا (علیه السلام) و عاداه و يزيد بن معاوية لعنه الله قاتل الحسين بن علي (علیه السلام) و عاداه حتى قتله.»
3- ([3]) وسائل الشيعة، ج 9، ص 441

يکن ثم کان (1)إلى أن قال ثم قال يا أبا ذر إياک و السؤال فإنه ذل حاضر(2)و فقر تتعجله و فيه حساب طويل يوم القيامة إلى أن قال يا أبا ذر لا تسأل بکفک و إن أتاک شي ء فاقبله»

و قال الباقر (علیه السلام):(3)«لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا و لو يعلم المعطي ما في العطية ما رد أحد أحدا. و قال: و جاءت فخذ من الأنصار إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) فسلموا عليه فرد فقالوا يا رسول الله لنا إليک حاجة قال هاتوا حاجتکم قالوا إنها حاجة عظيمة قال هاتوا ما هي قالوا تضمن لنا على ربک الجنة فنکس (صلی الله علیه و آله) رأسه ثم رفع رأسه فقال أفعل ذلک بکم على أن لا تسألوا أحدا شيئا قال فکان الرجل منهم يکون في السفر فيسقط سوطه فيکره أن يقول لإنسان ناولنيه فرارا من المسألة فينزل فيأخذه و يکون على المائدة و يکون بعض الجلساء أقرب منه إلى الماء فلا يقول ناولني حتى يقوم فيشرب. و قال (صلی الله علیه و آله) استغنوا عن الناس و لو بشوص السواک(4)»

و قال رسول الله (صلی الله علیه و آله):(5) «لأن يأتى أحدکم جبلا فيأتى بحزمة حطب على ظهره فيبيعها فيکف الله بها وجهه خير له من إن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» قال عبد الأعلى استقبلت الإمام الصادق (علیه السلام):(6)«في

بعض طرق المدينة في يوم صائف شديد الحر فقلت جعلت فداک حالک عند الله عزوجل و قرابتک من رسول الله (صلی الله علیه و آله) و أنت تجهد نفسک في مثل هذا اليوم فقال يا عبد الأعلى خرجت في طلب الرزق لأستغني به عن مثلک.»

ص: 152


1- ([1]) التنين (کسکين): حية عظيمة، و قوله «من لم يکن ثم کان» أي من لم يکن ذا مال ثم حصل له، فان الغالب في أمثالهم الخسة و البخل و رد السائل.
2- ([2]) و روي عن لقمان أنه قال لابنه يا بني ذقت الصبر و أکلت لحاء الشجر (أي قشره) فلم أجد شيئا هو أمر من الفقر، فإن بليت به يوما فلا تظهر الناس عليه فيستهينونک و لا ينفعونک بشي ء، ارجع إلى الذي ابتلاک به و هو أقدر على فرجک و سله من ذا الذي سأله فلم يعطه أو وثق به فلم ينجه (أي کل من ساله اعطاه و انجاه)
3- ([3]) من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 71
4- ([4]) و لو بشوص السواک أي بغسالته (و قيل) بما يتفتت منه عند التسوک.
5- ([5]) أخرجه البغوى في المصابيح، ج 1، ص 123
6- ([6]) تهذيب الأحکام، ج 6، ص 325

نداء و تحذیر

أيها المسلمون: إنما أدعو إلي الاستغناء عن الخلق، هو خصلة کمال بالنسبة للمحتاج، ولکن التصدق علی الفقیر و المحتاج فهو واجب على المستغني الذي يسأل تکثرا، فالسأل إنما يسأل جمرا من نار جهنم، و المعطی یفک رقبته منها(1)،

أقول هذا لکثرة من يسأل الناس فی زماننا، والغالب على سؤالهم أنه لاجل التکثر من الاموال و لیس لحاجة، وأما من يتصدق عليهم فهو على أجره، سواء کان صادقا أو لا، فله الظاهر والله يتولى السرائر وأما من کان محتاجا متعففا، وجاءته العطية من غير سؤال فله أخذها من غير استشراف نفس، وإنما النهي عن السؤال وتتبع ذلک، وعلى العبد أن يسأل ربه کل حوائجه فإنه القادر الکريم.

قال الصادق (علیه السلام): (2)«من

سأل الناس و عنده قوت ثلاثة أيام لقي الله يوم يلقاه و ليس على وجهه لحم».

فالحديث يبين أن سؤال الناس للصدقات يکون سببا في تساقط لحم وجه الإنسان يوم القيامة فکما السؤال فی الدنیا اسقاط لماء الوجه یکون غدا اسقاط للحم الوجه، و ذلک علامة له على أنه کان يسأل الناس الصدقة في الدنيا ویأتي المسألة مع وجود الکفاف نکتة في وجه السائل يوم القيامة. «وعن مفضل بن قيس بن رمانة قال: دخلت على الصادق (علیه السلام) فشکوت إليه بعض حالي وسألته الدعاء، فقال: يا جارية هاتي الکيس الذي وصلنا به أبو جعفر، فجاءت بکيس، فقال: هذا کيس فيه أربعمائة دينار، فاستعن به، قال: قلت: والله جعلت فداک ما أردت هذا، ولکن أردت الدعاء، فقال، ولکن لا تخبر الناس بکل ما أنت فيه فتهون عليهم(3)»

کرم الإمام الکاظم (علیه السلام)

و فی مقابل السؤال، اکرام الاخرین یذکر اصحاب الکتب ان الإمام الکاظم (علیه السلام) کان شيخا بهيا کريما، أعتق ألف مملوک وکان يصر الصرر ثلاثمائة دينار وأربعمائة دينار ومائتي دينار ثم يقسمها بالمدينة. وکانت صرة موسى إذا جاءت الإنسان استغنى وکان يضرب بها المثل فکان أهله يقولون: عجبا لمن جاءته صرة موسى فشکا القلة.

ص: 153


1- ([1]) یقول الشاعر: لا تهين الفقير علک ان*ترکع يوما و الدهر قد رفعه
2- ([2]) وسائل الشيعة، ج 9، ص 437
3- ([3]) رجال الکشي، 121، بحار الأنوار، 47: 34، حديث 31

وکان أوصل الناس لأهله ورحمه، وکان يفتقد فقراء المدينة في الليل فيحمل إليهم فيه العين(1) والورِق(2)

والأدِقة(3)

والتمور، فيوصل إليهم ذلک، ولا يعلمون من أي جهة هو. وکان (علیه السلام) مع کثرة انفاقه للناس زاهدا في الدنيا فعن إبراهيم بن عبد الحميد قال: دخلت على أبي الحسن الأول (علیه السلام) في بيته الذي کان يصلي فيه، فإذا ليس في البيت شيء إلا خصفة (4)

وسيف معلق، ومصحف.

وکان (علیه السلام) يعمل بکد يمينه وعرق جبينه: وعن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه قال: رأيت أبا الحسن (علیه السلام) يعمل في أرض له قد استنقعت قدماه في العرق، فقلت له: جعلت فداک أين الرجال؟ فقال: "يا علي قد عمل باليد من هو خير مني في أرضه ومن أبي"، فقلت له: ومن هو؟ فقال: "رسول الله (صلی الله علیه و آله) وأمير المؤمنين (علیه السلام) وابائي (علیهم السلام) کلهم کانوا قد عملوا بأيديهم وهو من عمل النبيين والمرسلين والأوصياء والصالحين"

قال الحکماء: «لو کان ماء الحياة يباع بماء الوجه لما اشتراه العالم، فالموت بالمرض خير من الحياة بالذلة» و قال الحسین (علیه السلام): «موت في عز خير من حياة في ذل، و أنشأ في يوم قتله:

الموت خير من رکوب العار*و العار أولى من دخول النار

و الله ما هذا و هذا جاري»

نعي: رجوع السبایا إلى المدينة

روي أن ال الرسول (صلی الله علیه و آله) قد أقاموا الماتم عند قبر الحسين (علیه السلام) ثلاثة أيام، فلما کان اليوم الرابع توجهوا نحو المدينة، یقول بشر بن حذلم: فلما قربنا من المدینة نزل علي بن الحسين (علیه السلام) وضرب رحله وأنزل النساء وقال: يا بشر رحم الله أباک لقد کان شاعرا فهل تقدر على شيء منه؟ فقلت: بلى يا ابن رسول الله إني لشاعر فقال (علیه السلام): ادخل المدينة وانع أبا عبد الله، قال بشر: فرکبت فرسي و دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي رفعت صوتي بالبکاء، فأنشأت أقول:

يا أهل يثرب لا مقام لکم بها*قتل الحسين فأدمعي مدرار

ص: 154


1- ([1]) أي الذهب والدنانير.
2- ([2]) أي الفضة والدراهم.
3- ([3]) جمع دقيق وهو الطحين.
4- ([4]) الخصفة: زنبیل یعمل من الخوص لحمل التمر و الحاجیات الاخر.

الجسم منه بکربلاء مضرج*والرأس منه على القناة يدار(1)

يا أهل يثرب شيخكم وإمامكم*ما منكم أحد عليه يغار

ثم قلت هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه، قال: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن ضاربات خدودهن يدعين بالويل والثبور، فلم أر باكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمر على المسلمين منه، وسمعت جارية تنوح على الحسين (علیه السلام) فتقول:

نعى سيدي ناع نعاه فأوجعا*وأمرضني ناع نعاه فأفجعا

فعيني جودا بالدموع واسكبا*وجودا بدمع بعد دمعكما معا

على من دهى عرش الجليل فزعزعا*فأصبح هذا المجد والدين أجدعا

على ابن نبي الله وابن وصيه*وإن كان عنا شاحط الدار أشسعا

ثم قالت: أيها الناعي جددت حزننا بأبي عبد الله وخدشت منا قروحا لما تندمل فمن أنت رحمك الله ؟ فقلت: أنا بشير بن حذلم وجهني مولاي علي بن الحسين وهو نازل في موضع كذا وكذا مع عيال أبي عبد الله الحسين (علیه السلام).(2)

ومن جملة من خرج من المخدرات زوجة أمير المؤمنين (علیه السلام) أم البنين، خرجت وعلى کتفها طفل العباس حتى دنت من بشر، فأخذت تسأله عن الحسين (علیه السلام)، وهو يجيبها عن أولادها الأربعة، وهو يقول لها: عظم الله لک الأجر بولدک جعفر، قالت أخبرني عن ولدي الحسين (علیه السلام)، قال: عظم الله لک الأجر بولدک عبد الله، قالت: أخبرني عن ولدي الحسين (علیه السلام)، قال: عظم الله لک الأجر بولدک عون، قالت يا بني أخبرني عن ولدي الحسين (علیه السلام)، قال: عظم الله لک الأجر بولدک أبي الفضل العباس (علیه السلام)، فلما سمعت بذکر أبي الفضل العباس وضعت يدها على قلبها ثم قالت: يا ابن حذلم لقد قطعت نياط قلبي.

یگلها للگمر گطعوا يساره و يمينه*بصواب العامود انفضخ راسه وجبينه

ص: 155


1- ([1]) اللهوف، ابن طاوس، ص 198
2- ([2]) أدب الطف للسيد جواد شبر ج 1 ص 61، أعيان الشيعة للسيد الأمين ج 3 ص 582، معالي السبطين للمازندراني ج 2 ص 203، مثير الأحزان لابن نما الحلي ص 112

وزینب صاحت ظهري انکسرمن صوبو عينه *

وسکينه

نادت ياعمي چا وعدک وينه

**

ثم قالت له أخبرتني بقتل أولادي الأربعة ولکن يا ابن حذلم إعلم إن أولادي وجميع من تحت السماء فداء لأبي عبد الله الحسين (علیه السلام)، يا ابن حذلم أخبرني عن الحسين (علیه السلام).

عند ذلک قال: يا أم البنين عظم الله لک الأجر بالحسين (علیه السلام) فلقد خلفناه بأرض کربلاء جثة بلا راس فصاحت وا ولداه وا حسيناه.(1)

وسقطت إلى الأرض مغشيا عليها، فلما أفاقت قالت: يا ابن خذلم لقد قطعت نياط قلبي، أخبرني عن ولدي الحسين (علیه السلام)، ایگله:

لن اجاوبچ دنیاچ صارت مظلمه*عظم اجرچ يا فاطمة بفگد ابو اليمه

يگلها عظم الله اجرچ بالحسين*بگه ابوادي الطفوف ابغير تکفين

او مشی السجاد بظعون النساوين

يم البنين الأربعة الماحد دفنهم*دمهم غسلهم والترب صاير کفنهم

ومن الصبح زينب مشت للشام عنهم*

فوق

الهزل مرت وشافتهم مطاعين

يم البنين الأربعة انذبحوا ظمايا*وظلوا ثلاث تيام عالغبرا عرايا

لو تشوفين على النهر صاحب الراية*

مقطوع

راسه مگطعه شماله ويمينه

ثم انطلقت إلى حيث نزل أهل البيت ووقفت أمام زينب (علیها السلام) تسألها اسمع الحوار بین ام البین و زینب:

صاحت ارد انشدچ يا ضوه العين*عن عباس و ولادي الميامين

اخافن گصروا عن نصرة احسين*او عند امه ابخجل وجهي توسم

لا لا یه يمه تگللها اشتگولين*تلث تنعام من اخوتي الطيبين

بذلوا کل مهجهم دون الحسين*او وگفوا سور ما دون المخيم

قال الراوي:(2) فما کان ساعة إلا وقد أتت نساء أهل المدينة فتلقتهن نساء الحسين (علیه السلام) بلطم يکاد الصخر يتصدع له ثم دخلوا المدینة فلما دخلت مولاتی زینب إلى دار الحسین وجدتها مقفرة خالية من سکانها موحشة

ص: 156


1- ([1]) مجمع مصائب أهل البيت (علیهم السلام)، ج3، ص 252
2- ([2]) سلسلة مجمع مصائب أهل البيت، ج3،، ص 267، معالي السبطين، ج 2، 206

العرصات لفقد الأئمة الهداة، فبکت وزاد حزنها:

المنيه للذي مفگود راحات*او بگيت اصفج عله الطيبين راحات

إعيوني امن البچه والنوح راحات*مدري وين ذيج الأهل راحات

ليالي الچانت ويه إحسين راحات*و اجتنی الماردته اتمر عليه(1)

بالأمسِ کانوا مَعي وَاليومَ قَدْ رَحَلوا*وَخَلَّفوا في سُويدَا القَلبِ نِيرانا

نَذرٌ عَليَّ لإنْ عادوا وإنْ رَجَعوا*لأزرعنَّ طَريقَ الطَفِّ رَيْحَانَاً

ص: 157


1- ([1]) کأني بها ذهبت إلى قبر أمها الزهراء، أماه يا زهراء، أتيت إليک ناعية الحسين ذبحوا أخي الحسين عطشان ظمان سبونا من بلد إلى بلد، الزهراء تجيبها بلسان الحال: يزينب يمه اخبريني اريد اسمع شنو اللي صار*ترا همچ هدم حيلي يابنت المرتضى الکرار خبريني ينور العين ترا گلبي توجر نار*اخوتچ ليش مارجعوا ولا اولادچ الاطهار تجاوبها زينب (علیها السلام): اذا تسألين عن اخواني جثث ظلوا على لرمال*ابوادي کربلا انذبحو کلهم والدما سيال ورکبت اعلى الهزل ويه الأعادي مربطة بأحبال

الليلة التاسعة عشرة: جرح الإمام علي (علیه السلام)

الليلة التاسعة عشرة: جرح الإمام علي (علیه السلام) (المجلس الاول)

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم و الحمدلله رب العالمین و الصلاة و السلام علی اشرف الخلق اجمعین ابالقاسم محمد و علی ال بیته الطیبن الطاهرین المعصومین المظلومین لاسیما بقیة الله فی ارضه صاحب الزمان عجل الله فرجه الشریف و العنة علی اعدائهم اجمعین الی ابد الابدین. آمین یا رب العالمین.

صلی الله علیک یا ابا الحسن یا علی ابن ابی طالب یا امیر المؤمنین، صلی الله علیک یا سید الوصیین، صلی الله علیک یا اول الناس اسلاما و اقدمهم ایمانا یا علی، صلی الله علیک یا اخ الرسول و یا زوج البتول یا ابا السبطین حسن و حسین یا صاحب البیعتین ایها الضارب بالسیفین و الطاعن بالرمحین، صلی الله علیک یا مصلی القبلتین، صلی الله علیک فارس بدر و احد و حنین لعن الله من ظلمک و لعن الله من شارک بظلمک و لعن الله من سمع بظلمک فرضی به، صلی الله علیک یا اسد الله الغالب یا علی ابن ابی طالب صلی الله علیک یا شهید المحراب و یا داحی الباب صلی الله علیک یا ابا تراب صلی الله علیک یا ابا المساکین و الارامل و الایتام. انا سلم لمن سالمک و حرب لمن حاربک، موال لمن والاک و معاد لمن عاداک و ابرء الی الله من اعداک.

لبس الإسلام أبراد السواد*يوم أردى المرتضى سيف المرادي(1)

ليلة ما أصبحت إلا وقد* غلب الغي على أمر الرشاد

والصلاح انخفضت أعلامه *فغدت ترفع أعلام الفساد

ما رعى الغادر شهر الله في* حجة الله على کل العباد

وببيت الله قد جدله*ساجدا ينشج من خوف المعاد

قتلوه وهو في محرابه*طاوي الأحشاء عن ماء وزاد

عاقر الناقة مع شقوته*ليس بالأشقى من الرجس المرادي

فلقد عمم بالسيف فتى*عم خلق الله طرا بالأيادي

فبکته الإنس والجن معا* وطيور الجو مع وحش البوادي

وبکاه الملأ الأعلى دما *وغدا جبريل بالويل ينادي

هدمت والله أرکان الهدى*حيث لا من منذر فينا وهاد

*

*

ص: 158


1- ([1]) للسید جعفر الحلي

إلک مأتم يحامي الجار ينصاب*ودمعي عليک مثل السيل ينصاب

يريت الصابک بالقلب ينصاب*وسالم تظل يا حامي الحمية

نوح يا ناعي اودمعتک سيلها*اوصيح طاح الليث حامي ادخيلها

طاح والدنيا لفقده مظلمه*أهل بيته تهل دمعتهم دمه

والأملاک اتنوح لأجله بالسمه*اتبدل ابنوح او بکه تهليلها

اتبدل التهليل منها بالعويل*لاجل ابو الحسنين حماي الدخيل

ويلي قلبي من وقع دمه يسيل*فيض المحراب واشبه سيلها

فيض المحراب دمه اوهامته* غدت نصين او تحنت شيبته

وضجت الأملاک کلها الوقعته *اوصاح اوعول بالسمه جبريلها

صاح طاح الدين رکنه وانهدم*او راس أبو الحسنين نصين انجسم

من سمع صوته الحسن دمعه انسجم*صرخ وام کلثوم زاد اعويلها

صاحت يبويه اشهل مصيبه*مطبور والهامه خضيبه

راح الأبو وامنين اجيبه

المحاضرة: فضائل علی (علیه السلام)

إن خير ما نبدأ به حديثنا عن أمير المؤمنين (علیه السلام) هو قول الرسول الأعظم (صلی الله علیه و آله) في وصفه له، حيث قال:(1)«من أراد أن ينظر إلى ادم في جلالته وإلى شيث في حکمته وإلى إدريس في نباهته ومهابته وإلى نوح في شکره لربه وعبادته وإلى إبراهيم في وفائه وخلته وإلى موسى في بغض کل عدو لله ومنابذته وإلى عيسى في حب کل مؤمن ومعاشرته فلينظر إلى علي بن أبي طالب»(2)

وقال (صلی الله علیه و آله): «من أراد أن ينظر إلى يوسف في جماله و إلى إبراهيم في سخائه وإلى سليمان في بهجته و إلى داود في حکمته فلينظر إلى علي بن أبي طالب»(3)

وقال (صلی الله علیه و آله) لعلي (علیه السلام):«لولا أن تقول فيک طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم لقلت فيک قولا لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميک يلتمسون بذلک البرکة»(4)

ص: 159


1- ([1]) راجع: شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام) (اصدار شعبة التبليغ الديني، العتبة العلوية المقدسة) و نقلنا منه کثیرا في الابحاث الآتیة
2- ([2]) بحار الأنوار للمجلسي، ج 17، ص 419
3- ([3]) بحار الأنوار للمجلسي، ج 39، ص 35
4- ([4]) الکافي للکليني، ج 8، ص57

إخلاصه لله

الصفة البارزة التي تميز بها الإمام (علیه السلام) أنه کان من أعظم المسلمين إيمانا بالله تعالى، ومن أکثرهم معرفة به، وهو القائل: «لو کشف لي الغطاء ما ازددت يقينا»(1)وقد

ورد في مناجاته لله تعالى قوله (علیه السلام): «إلهي ما عبدتک خوفا من عقابک، ولا طمعا في ثوابک، ولکن وجدتک أهلا للعبادة فعبدتک»(2)

وهذا هو منتهى الإيمان، فقد کانت عبادته لله تعالى عبادة العارفين الأحرار لا عبادة التجار ولا عبادة العبيد، وکانت جميع أعماله خالصة لوجه الله تعالى وحدثنا المؤرخون عنه حينما صرع عمرو بن عبدود العامري فارس العرب، فإنه لم يجهز عليه لأنه قد سبه وأغلظ في شتمه، فغضب من ذلک، ولما سکن غضبه أجهز عليه، وقد سئل عن السبب في تأخيره لقتله، فأجاب: «إني ما أحببت قتله انتقاما لسبه لي فيفوت مني الأجر والثواب، فلما سکن غضبي أجهزت عليه في سبيل الله تعالى»(3)

عصمته

العصمة من کل إثم ورجس، فلم يقترف الإمام بإجماع المؤرخين أي ذنب أو خطيئة، قال (علیه السلام):«والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاکها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت»(4) وقال (علیه السلام): «والله لأن أبيت على حسک السعدان(5)

مسهدا، أو أجر في الأغلال مصفدا، أحب إلي من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشيء من الحطام»(6)

ایثاره

لقد اثر أمير المؤمنين (علیه السلام) الاخرين بالطيبات واللذائذ فتنکر لذاته وقدم غيره على نفسه، وقد وصف الإمام الباقر (علیه السلام) هذه الخصلة عند أمير

ص: 160


1- ([1]) مناقب ال أبي طالب لابن شهر اشوب، ج 1، ص 317
2- ([2]) بحار الأنوار للمجلسي، ج 41، ص 14
3- ([3]) راجع: شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 24 و موسوعة علي بن أبى طالب(علیه السلام)، القرشي، ج 1، ص 96
4- ([4]) نهج البلاغة خطب الإمام علي (علیه السلام) ج2، ص 218
5- ([5]) الحسک: الشوک، السعدان: نبت له شوک ترعاه الإبل
6- ([6]) شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 28 و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 3، ص 80

المؤمنين (علیه السلام) حيث يقول:(1)«کان علي بن أبي طالب (علیه السلام) ليطعم الناس خبز البر واللحم، وينصرف إلى منزله ويأکل خبز الشعير، والزيت والخل» وينقل لنا التاريخ نماذج کثيرة في هذا الشأن منها:

قال (علیه السلام):(2) «وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي امنة يوم الخوف الأکبر، وتثبت على جوانب المزلق، ولو شئت لاهتديت الطريق، إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولکن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأکباد حرى، أو أکون کما قال القائل:

وحسبک داء أن تبيت ببطنة*وحولک أکباد تحن إلى القد

أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا أشارکهم في مکاره الدهر، أو أکون أسوة لهم في جشوبة العيش»(3)

و ینقله انه أتى الإمام (علیه السلام) سوق البزازين ليشتري ثوبا له فوقف على تاجر فعرفه، فأراد مسامحته ليتقرب إليه، فانصرف عنه ولم يشتر منه، ووقف على غلام لم يعرفه فاشترى منه ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم، والاخر بدرهمين، فقال لقنبر: "خذ الذي بثلاثة دراهم" فقال له قنبر: أنت أولى به، إنک تصعد المنبر وتخطب الناس، فرد (علیه السلام) وقال له: "أنت شاب، ولک شرة الشباب، وأنا أستحي من ربي أن أتفضل عليک".(4)

و روی عن الباقر (علیه السلام) أنه قال:(5)

و الله إن کان علي (علیه السلام) ليأکل أکل العبد و يجلس جلسة العبد(6)

و إن کان ليشتري القميصين السنبلانيين(7)

ص: 161


1- ([1]) بحار الأنوار للمجلسي، ج 40، ص 337
2- ([2]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 3، ص73
3- ([3]) شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 30 - 29
4- ([4]) الغارات لابراهيم الثقفي، ج 1، ص106
5- ([5]) الأمالي، للصدوق، ص 281
6- ([6]) المقصود بأکلة العبد الأکل على الارض من غير أن يجلس على کرسی مختص به يضع الطعام عليه و يجلس مثل العبید ويظهر من بعض الأخبار أن جلسة العبد الجثو على الرکبتين. وقال بعض العلماء: «إنها الجلوس متورکا».
7- ([7]) القميص السنبلاني:«إنها أغلظ ما يکون من الثياب» و هذا کما جاء فی بعض الروایات حیث اری الصادق (علیه السلام) قمیص علی (علیه السلام) لاحد اصحابه و کان باقی عنده و قال له: (کافي، ج 13، ص 55) «تريد أريک قميص علي (علیه السلام) الذي ضرب فيه وأريک دمه قال: قلت: نعم، فأخرجه ونشره، فإذا هو قميص کرابيس يشبه السنبلاني» و فی روایة عن الصادق (علیه السلام) قال له رجل: (الوسائل ج3، ص 348) «أصلحک الله ذکرت أن علي بن أبي طالب (علیه السلام) کان يلبس الخشن ويلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلک، ونرى عليک اللباس الجديد فقال له: " إن علي بن أبي طالب (علیه السلام) کان يلبس ذلک في زمان لا ينکر، ولو لبس مثل ذلک اليوم شهر به، فخير لباس کل زمان لباس أهله، غير أن قائمنا (عجل الله فرجه) أهل البيت (علیهم السلام) إذا قام لبس ثياب علي وسار بسيرة علي»

فيخير غلامه خيرهما ثم يلبس الآخر(1)

فإذا جاز أصابعه(2)

قطعه و إذا جاز کعبه حذفه(3) و لقد ولي خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة و لا لبنة على لبنة(4)

و لا أقطع قطيعا(5)

و لا أورث بيضاء و لا حمراء(6) و إن کان ليطعم الناس خبز البر و اللحم و ينصرف إلى منزله و يأکل خبز الشعير و الزيت و الخل(7)

و ما ورد عليه أمران کلاهما لله رضى إلا أخذ بأشدهما على بدنه(8)

و لقد أعتق ألف مملوک من کد يده تربت فيه

ص: 162


1- ([1]) عن الأصبغ بن نباتة قال: خرجنا مع علي (علیه السلام) حتى دخلنا السوق البزازين فساوم رجلا شاب فقال بعني ثوبين فماکسه الشاب حتى اتفقا على سبعة دراهم ثوب بأربعة دراهم و ثوب بثلاثة دراهم فقال لغلامه قنبر اختر أحد الثوبين فاختار الذي بأربعة و لبس هو الذي بثلاثة و قال الحمد لله الذي کساني ما أواري به عورتي و أتجمل به في خلقه ثم أتى المسجد الأکبر فجاء أبو الشاب فقال إن ابني لم يعرفک و هذان درهمان ربحهما عليک فخذهما فقال علي (علیه السلام) ما کنت لأفعل ماکسته و ماکسني و اتفقنا على رضى. (مکارم الأخلاق، ص 112)
2- ([2]) ای اذا تعدی کف الید و وصل اول الاصابع
3- ([3]) فرارا من عادة المتکبرين و مخالفة شعار المخالفین حيث أن قميصهم الى نصف الساق
4- ([4]) الآجرة و اللبنة: هما ما يبنى بهما الجدار. و المقصود أنه (علیه السلام) ما اشتغل بعمارة الدنيا و مابنی لنفسه شیئا
5- ([5]) «لا أقطع قطيعة» أي ما جعل لنفسه أو لأهله أرضا و يقال: أقطعه الإمام الأرض أي جعل غلتها رزقا
6- ([6]) کناية عن الدراهم والدنانير بقرينة الاستثناء
7- ([7]) لا يتوهم أنه (علیه السلام) لم يجد غيره لان من أعتق الف مملوک من صلب ماله لا يتصور فيه ذلک بل لان ذلک أصلح فى تطويع النفس الامارة و تزکيتها و لتسلية نفوس الفقراء الذين لا يجدون الاطعمة اللذيذة
8- ([8]) ترویضا للنفس و منعها من الانحراف عن الکسل و الراحة و فيه تنبيه على أنه لا بد من تذليل النفس المائلة الى الراحة بحمل الاشق من الطاعات عليها لتعتاد فى الخيرات و يسهل لها سلوک سبيل الطاعات و کما جاء فی الروایات: «أفضل الاعمال أحمزها» (راجع: مفتاح الفلاح، ص 45 و النهاية لابن الأثير 1: 440 حمز) و «أفضل الاعمال ما أکرهت عليه نفسک» (بحار الأنوار، ج 75، ص 69، ج 20) احترز بقوله "کلاهما لله رضى" عما اذا لم يکن کذلک فانه لا یصح تعذيب النفس بغير الطاعة.

يداه(1) و عرق فيه وجهه و ما أطاق عمله أحد من الناس و إن کان ليصلي في اليوم و الليلة ألف رکعة و إن کان أقرب الناس شبها به علي بن الحسين (علیه السلام)(2) و ما أطاق عمله أحد من الناس بعده.

مقتل علی ابن ابی طالب (علیه السلام) لیلة الجرح

روی عن احد ازواج النبي انها قالت جاء علي بن أبي طالب (علیه السلام) يستأذن على النبي (صلی الله علیه و آله) فقال النبي (صلی الله علیه و آله) ادخل يا علي فلما دخل قام إليه رسول الله (صلی الله علیه و آله) فاعتنقه و قبل بين عينيه و قال بأبي الشهيد بأبي الوحيد الشهيد.(3)

نعم اخواني اللیلة امیر المؤمنین (علیه السلام) ایطیح فی محرابه، الکون کله یصیح وا علیاه ، اللیلة زینب تنادی وا علیاه .

فی مثل هذه اللیلة تقول ام کلثوم(4) بنت أمير المؤمنين (علیه السلام): لما کانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قدمت إليه عند إفطاره طبقا فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح جريش(5) فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره، فلما نظر إليه وتأمله حرک رأسه وبکى بکاءا شديدا عاليا، وقال: يا بنية أتقدمين إلى أبيک إدامين في فرد طبق واحد؟

أتريدين أن يطول وقوفي غدا بين يدي الله عزوجل يوم القيامة، أنا أريد أن أتبع أخي وابن عمي رسول الله (صلی الله علیه و آله) ما قدم إليه إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله. يا بنية ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلا طال وقوفه بين يدي الله عزوجل يوم القيامة، يا بنية إن

ص: 163


1- ([1]) أي صار التراب في يده، و کأنه إشارة الى عمله (علیه السلام) في البساتين
2- ([2]) ای الإمام السجاد (علیه السلام)
3- ([3]) الأمالي، للمفيد، ص 72
4- ([4]) ینقل عن البعض انه (علیه السلام) کان ضیف عند ابنته زینب
5- ([5]) الجريش: ما طحنته غير ناعم

الدنيا في حلالها حساب وفي حرامها عقاب، يا بنية والله لا اکل شيئا حتى ترفعين أحد الإدامين. (1)

ص: 164


1- ([1]) بحار الأنوار، المجلسي، ج 42، ص 276

خُفی یا بنتی طعامی او خُفی یا بنتی شرابی*لیلتی صعبة او طویلة و الوعد فیها اصوابی

(زینب) ینفتح راسی او علی وجهی الدمه تصبح اخضابی

شیلی یا زینب کثیر الزاد ماتنفع الکثرة*ودی بطنی ایکون طاوی لو تشگ راسی الطبرة

الله و اشگد گلبی یتمن یشوف امچ الزهرا

سمعی یا بنتی کلامی و ستَعدی للصوایح*خلی هاللیلة تمر باچر تری یبدن نوایح

ینکسر گلبچ اذا گالوا علی الکرار طایح

رفعت احد الادامین فلما رفعته تقدم إلى الطعام فأکل قرصا واحدا بالملح الجريش، ثم حمد الله وأثنى عليه.

ثم قام إلى صلاته الثانیة فصلى ولم يزل راکعا وساجدا ومبتهلا ومتضرعا إلى الله سبحانه، ويکثر الدخول والخروج وهو ينظر إلى السماء، وهو قلق يتململ، ثم قرأ سورة "يس" حتى ختمها، ثم نهض قائما على قدميه، وهو يقول: "اللهم بارک لنا في لقائک"، ويکثر من قول: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، ثم صلى حتى ذهب بعض الليل، ثم جلس للتعقيب.(1)

ثم نامت عيناه وهو جالس، ثم انتبه من نومته مرعوبا وعن الحسن (علیه السلام) أنه قال: أتيته سحرا فجلست إليه، فقال: إني بت الليلة أوقظ أهلي، فملکتني عيناي وأنا جالس، فسنح لي رسول الله، و هو یقول علی یا علی انی مشتاق الیک و عما قریب تاتی الینا، رحم الله من نادی وا علیاه.

قالت ام کلثوم (علیها السلام): ولم يزل تلک الليلة قائما وقاعدا وراکعا وساجدا، ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء وينظر في الکواکب، وهو يقول: والله ما کذبت ولا کذبت، وإنها الليلة التي وعدت بها، ثم يعود إلى مصلاه ويقول: اللهم بارک لي في الموت، ويکثر من قول: "إنا لله وإنا إليه راجعون" "ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"

ص: 165


1- ([2]) بحار الأنوار، المجلسي، ج 42، ص 276

ويصلي على النبي واله، ويستغفر الله کثيرا. فقلت: يا أباه مالک تنعى نفسک منذ الليلة؟ قال: يا بنية قد قرب الأجل وانقطع الأمل(1)

قالت ام کلثوم: فبکيت.

فقال لي: يا بنية لا تبکين فإني لم أقل ذلک إلا بما عهد إلي النبي (صلی الله علیه و آله) وقال: يا بنية إذا قرب وقت الأذان فأعلميني، ثم رجع إلى ما کان عليه أول الليل من الصلاة والدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى. (2)

قالت ام کلثوم: فجعلت أرقب وقت الأذان، فلما لاح الوقت أتيته ومعي إناء فيه ماء، فاخبرته، فأسبغ الوضوء وقام ولبس ثيابه وفتح بابه، ثم نزل إلى صحن الدار وکان في الصحن إوز(3) فلما نزل خرجن وراءه ورفرفن وصحن في وجهه ولم يصحن قبل تلک الليلة، و کانها تقول لا تخرج یا امیر المؤمنین فقال (علیه السلام): لا إله إلا الله، صوائح تتبعها نوائح، وفي غداة غد يظهر القضاء.

فلما وصل إلى الباب فعالجه ليفتحه فتعلق الباب بمئزره فانحل مئزره حتى سقط، فأخذه وشده وهو يقول:

اشدد حيازيمک للموت*فإن الموت لاقيکا

ولا تجزع من الموت*إذا حل بناديکا

ولا تغتر بالدهر*وإن کان يواتيکا

کما أضحکک الدهر*کذاک الدهر يبکيکا

الا من مناد واعلیاه... تحضر للمصیبة

انحل میزره او شده او تحزم*و استعد و اعلی الموت عزم

اللیلة علی یرتاح منها*و یروح للمسجد الاعظم

وطیح من سیف ابن ملجم

ثم قال: اللهم بارک لنا في الموت، اللهم بارک لي في لقائک، و اذا بیدین حنونتین تتمسک به و تقول له لا تطلع بویه خل اللیلة الحسن یروح ابدالک. قالت زینب: وکنت أمشي خلفه، فلما سمعته يقول ذلک قلت: وا غوثاه يا أبتاه أراک تنعى نفسک منذ الليلة. (4)

قال: يا بنية، ما هو بنعاء، ولکنها دلالات وعلامات للموت تتبع بعضها

ص: 166


1- ([1]) ابوچ رایح یا ام کلثوم هاللیلة
2- ([2]) بحار الأنوار، المجلسي، ج 42، ص 277
3- ([3]) الاوز: البط
4- ([4]) بحار الأنوار، المجلسي، ج 42، ص 278 و منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة (خوئى)، ج 5، ص 146

بعض، فأمسکي عن الجواب، ثم فتح الباب وخرج.(1)

وسار أمير المؤمنين (علیه السلام) حتى دخل المسجد، والقناديل قد خمد ضوؤها، فصلى في المسجد ثم علا المئذنة ووضع سبابتيه في أذنيه وتنحنح، ثم أذن، الله اکبر الله اکبر الله اکبر الله اکبر و هی تنادی کبرت کبیرا یا علی عساک الله یرجعتک یا ابتاه وکان (علیه السلام) إذا أذن لم يبق في بلدة الکوفة بيت إلا اخترقه صوته.

انتهی علی من الاذان نزل من المئذنة و کان من کرم اخلاقه انه یوقض النیام فی المسجد و مر علی ذلک اللعین ابن ملجم و هو ینادی الصلاة الصلاة یرحمکم الله حتی وصل الیه وهو نائم على وجهه فقال له: يا هذا قم من نومتک هذه فإنها نومة يمقتها الله وهي نومة الشيطان لقد ههمت ان تاتی بشئ تکاد السموات یتفطرن منه و تنشق منه الارض و لو شئت لاخبرت ما تحت ثیابک و کان مخفيا سيفه تحت إزاره. (2)

ثم اتجه نحو المحراب يصلي، رفع یدیه بتکبیرت الاحرام الله اکبر قراء الفاتحه و السورة و رکع وکان يطيل الرکوع والسجود في صلاته ثم هوی الی السجدة الاولی ثم رفع راسه فتقدم اللعين ابن ملجم وأخذ السيف و هزه و استجمع قواه و انزله علی هامة علی حتی کسر جمجمته و وصلت الضربة الی جبینه و سال الدم علی عینیه... الا من مناد واعلیاه.... وا إماماه وا سيداه وا علياه وا مظلوماه...

وقعت الضربة على الضربة التي ضربه عمرو بن عبد ود العامري فوقع الإمام على وجهه يخور بدمه فی محراب صلاته، قائلا: "بسم الله

ص: 167


1- ([1]) جاء فی کتاب الکافی عن الحسن بن الجهم قال: «قلت للرضا (علیه السلام) إن أمير المؤمنين (علیه السلام) قد عرف قاتله و الليلة التي يقتل فيها و الموضع الذي يقتل فيه و قوله لما سمع صياح الإوز في الدار صوائح تتبعها نوائح و قول أم کلثوم- لو صليت الليلة داخل الدار و أمرت غيرک يصلي بالناس فأبى عليها و کثر دخوله و خروجه تلک الليلة بلا سلاح و قد عرف (علیه السلام) أن ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف کان هذا مما لم يجز تعرضه فقال ذلک کان و لکنه خير في تلک الليلة لتمضي مقادير الله عز و جل.» ای عرض علیه امر الله لتمضی مقادیره عزوجل. انظر: (الکافي، ج 1، ص 259) و قال المجلسی الثانی: «و في بعض النسخ" حين" بالحاء المهملة و النون أخيرا (ای: لکنه حین في تلک الليلة) قال الجوهري: حينه: جعل له وقتا، فالمعنى أنه کان بلغ الأجل المحتوم المقدر، و کان لا يمکن الفرار منه، و لعله أظهر الوجوه.» انظر: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ج 3، ص 124
2- ([2]) بحار الأنوار، ج 42، ص 279 - 281

وبالله وعلى ملة رسول الله فزت ورب الکعبة قتلني ابن ملجم، قتلني اللعين ابن اليهودية ورب الکعبة، أيها الناس لا يفوتنکم الرجل. (1)

واصطفقت أبواب الجامع، وضجت الملائکة في السماء بالدعاء، وهبت ريح عاصف سوداء مظلمة، ونادى جبرئيل (علیه السلام) بين السماء والأرض بصوت يسمعه کل مستيقظ: "تهدمت والله أرکان الهدى وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى وانفصمت والله العروة الوثقى (اشعندگ یا جبرائیل روعت گلب زینب قال:) قتل والله علي المرتضى قتل والله سيد الأوصياء، قتل ابن عم محمد المصطفى، قتل الوصي المجتبى، قتله أشقى الأشقياء". (2)

صاحت زینب یا علی...

بالمحراب أويلي طاح أبو حسين*أو دم الراس يتفايض على العين

يوم طاح أبو الحسنين مجروح*ثار اصياح لهل العرش بالنوح

طبره اشلون طبره تشعب الروح*تشوف السم أو دم الراس لونين

إلک ماتم يحامي الجار ينصاب*او دمعي اعليک مثل السيل ينصاب

يريت الصوبک بالگلب ينصاب*او سالم تظل يا حامي الحمية

لطمیة

عظم الله لک الاجر علي

عظم الله اجرک، یا محمد*عظم الله لک الاجر علي

عظم الله اجرچ فاطمة*عظم الله لک الاجر علي

عظم الله لک الاجر حسن*عظم الله لک الاجر علي

عظم الله اجرک یا حسین*عظم الله لک الاجر علي

فصاح جبريل فخذ هذا الندا*تهدمت والله أرکان الهدى

تهدمت والله أرکان الهدى

هايم جبريل بأحزانه*وارتفعت صرخه من لسانه

اتهدم دين الله وبنيانه*والمبدأ طاحت أرکانه

ورجت الأفلاک من هذا الندا

تهدمت والله أرکان الهدى

حيدر مصيوب بمحرابه*واتخضب من دم اصوابه

بسيف الفتنه الظالم صابه*والکون اتغير لمصابه

أين دفنت اليوم يا بحر الندى

ص: 168


1- ([1]) بحار الأنوار، ج 42، ص 281
2- ([2]) بحار الأنوار، ج 42، ص 282

تهدمت والله أرکان الهدى

نعي و لطم آخر

(نعي) الیوم الگلب للدین بالهم ذاب*یوم الطاح داحی الباب بالمحراب

اصواب الصاب ابوالحسنین اشد اصواب*فصاح جبریل فخذ هذا الصدا

تهدمت والله أرکان الهدى (لطم)

(نعي) یخواذ المنایا من وصل یمک*

و انت الموت یرجف لو سمع باسمک

اشلونک السیف خضب شیبک اب دمک*

فصاح

جبریل فخذ هذا الصدا

تهدمت والله أرکان الهدى (لطم)

(نعي) نوح يا ناعي اودمعتک سيلها*اوصيح طاح الليث حامي ادخيلها

طاح والدنيا لفقده مظلمه*أهل بيته تهل دمعتهم دمه

والأملاک اتنوح لأجله بالسمه*اتبدل ابنوح او بکه تهليلها

اتبدل التهليل منها بالعويل*لاجل ابو الحسنين حماي الدخيل

ويلي گلبي من وقع دمه يسيل*فيض المحراب واشبه سيلها

فيض المحراب دمه اوهامته* غدت نصين او تحنت شيبته

او ضجت الأملاک کلها الوگعته *اوصاح اوعول بالسمه جبريلها

صاح طاح الدين رکنه وانهدم*او راس أبو الحسنين نصين انجسم

من سمع صوته الحسن دمعه انسجم*صرخ وام کلثوم زاد اعويلها

(لطم) مجروح مجروح مجروح یا حیدر علی

(لطم) من سمعنه الصوت حی اعلی الفلاح*

اعرفنه

یعنی المرتضی ابمحرابه طاح(1)

جینه یمه ابلوعه او بحسره او نیاح*علیه دمع العین فوگ الوجنه ساح

مطروح مطروح مطروح حیدر یا علی

مجروح مجروح مجروح یا حیدر علی

جینه یمه الیوم نلطم عالصدور*ما یهمنه العدو ضحینه النحور

باچر الباری ترد یمه الامور* بیده حیدر دیحط صک الامور

و الروح و الروح و الروح تعشگ بس علی

مجروح مجروح مجروح یا حیدر علی

ص: 169


1- ([1]) الی اخر القصیدة لطمیة

یا علی ابلیاک مارید العمر* یا من امصابک یهد حتی الصبر

ریت کلنا ابدال راسک ننطبر

لتروح لتروح لتروح عنه یا علی

مجروح مجروح مجروح یا حیدر علی

فلما سمعت ام کلثوم نعي جبرئيل لطمت على وجهها وخدها وصاحت: وا أبتاه وا علياه وا محمداه وا سيداه ثم أقبلت إلى أخويها الحسن (علیه السلام) والحسين (علیه السلام) تخبرهما فخرجا فإذا الناس ينوحون وينادون: وا إماماه وا أمير المؤمنيناه، قتل والله إمام عابد مجاهد لم يسجد لصنم، کان أشبه الناس برسول الله (صلی الله علیه و آله) فلما سمع الحسن (علیه السلام) والحسين (علیه السلام) صرخات الناس ناديا: وا أبتاه وا علياه ليت الموت أعدمنا الحياة هذا ما وعد الله ورسوله وثار جميع من في المسجد في طلب الملعون، وماجوا بالسلاح فما کان يرى إلا صفق الأيدي على الهامات، وعلوا الصرخات، وکان ابن ملجم خائفا مرعوبا، ثم ولى هاربا وخرج من المسجد وأحاط الناس بأمير المؤمنين (علیه السلام) وهو في محرابه يشد الضربة ويأخذ التراب ويضعه عليها، ثم تلا قوله تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاکمْ وَفِيهَا نُعِيدُکمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُکمْ تَارَةً أُخْرَى) ثم قال (علیه السلام): جاء أمر الله وصدق رسول الله (صلی الله علیه و آله) فلما سمع الناس الضجة ثار إليه کل من کان في المسجد، وصاروا يدورون ولا يدرون أين يذهبون من شدة الصدمة والدهشة، ثم أحاطوا بأمير المؤمنين (علیه السلام) وهو يشد رأسه بمئزره، والدم يجري على وجهه ولحيته، وقد خضبت بدمائه، وهو يقول: هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله.(1)

الحسن (علیه السلام) ينادي: وا انقطاع ظهراه يعز والله علي أن أراک هکذا، ففتح عينه وقال: يا بني لا جزع على أبيک بعد اليوم، هذا جدک محمد المصطفى وجدتک خديجة الکبرى وأمک فاطمة الزهراء محدقون منتظرون قدوم أبيک، فطب نفسا وقر عينا وکف عن البکاء، فإن الملائکة قد ارتفعت أصواتهم فی السماء.(2)

ثم حملوا أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى الدار، وکانت زينب وأم کلثوم وباقي العلويات واقفات على باب الدار ينتظرنه فلما رأينه بهذه الحالة بکين وقلن: وا أبتاه، وامصيبتاه و لما نظرت إليه زينب مشقوق الرأس والدماء تسيل على لحيته کأني بها صاحت:

ص: 170


1- ([1]) بحار الأنوار، ج 42، ص 282
2- ([2]) بحار الأنوار، ج 42، ص 283

ونت اوصاحت يالمجبلين*هالشايلينه اوياکم امنين

اسمع لطم وصياح صوبين*خاف انضرب عودي يطيبين

لمن سمعها الحسن واحسين*صاحو يزينب زيدي الونين

ابوک انطبر والراس نصين*صاحت او هملت دمعة العين

عگبک يبويه اوجوهنه وين

يا له حادث أطل فأضحى *فيه حبل الله المتين قطيعا

أورث المصطفى شجونا فأمسى*فوق حجر الأحزان يطوي الضلوعا

إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وسيعلم الذين ظلموا ال محمد أي منقلب ينقلبون والعاقبة للمتقين.

ص: 171

المجلس الثاني (ليلة جرح الإمام علي "ع" 19 رمضان)

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم و الحمدلله رب العالمین و الصلاة و السلام علی اشرف الخلق اجمعین ابالقاسم محمد و علی ال بیته الطیبن الطاهرین المعصومین المظلومین لاسیما بقیة الله فی ارضه صاحب الزمان عجل الله فرجه الشریف و العنة علی اعدائهم اجمعین الی ابد الابدین. آمین یا رب العالمین.

صلی الله علیک یا ابا الحسن یا علی ابن ابی طالب یا امیر المؤمنین، صلی الله علیک یا سید الوصیین، صلی الله علیک یا اول الناس اسلاما و اقدمهم ایمانا یا علی، صلی الله علیک یا اخ الرسول و یا زوج البتول یا ابا السبطین حسن و حسین یا صاحب البیعتین ایها الضارب بالسیفین و الطاعن بالرمحین، صلی الله علیک یا مصلی القبلتین، صلی الله علیک فارس بدر و احد و حنین لعن الله من ظلمک و لعن الله من شارک بظلمک و لعن الله من سمع بظلمک فرضی به، صلی الله علیک یا اسد الله الغالب یا علی ابن ابی طالب صلی الله علیک یا شهید المحراب و یا داحی الباب صلی الله علیک یا ابا تراب صلی الله علیک یا ابا المساکین و الارامل و الایتام. انا سلم لمن سالمک و حرب لمن حاربک، موال لمن والاک و معاد لمن عاداک و ابرء الی الله من اعداک.

يا برق ان جئت الغري فقل له*اتراک تعلم من بارضک مودع

فيک ابن عمران الکليم وبعده*عيسى يقفيه واحمد يتبع

بل فيک جبريل وميکال واس*رافيل والملأ المقدس اجمع

بل فيک نور الله جل جلاله*لذوي البصائر يستشف ويلمع

فيک الإمام المرتضى فيک الوصي*المجتبى فيک البطين الأنزع

*

*

وي طرت الفجر أظلمت دنيانه*و لن مسجد الکوفه ينحب أوذانه(1)

(صیح اویا شنوه صاح الاذان): الله اکبر، الله اکبر

وي طرت الصباح الشمس مکسوفه*حالة خطر ما ظن قبل مشيوفه

و

تتراکض الناس المسجد الکوفه

(شیصیحون): الله اکبر، الله اکبر

ص: 172


1- ([1]) اسمع: السيد محمد الصافي ليلة 19 شهر رمضان 1436 ه- ضربة الإمام علي (علیه السلام)

سمعت بالخبر و أهرعت مرعوبه*و بنکبه چبيره الشيعه منکوبه

(شنو صاحت الشیعة): الله اکبر، الله اکبر

حين اللي تعنه علي المحرابه*و أنوه إعله السجود إبدمعه سچابه

و لن سيف المرادي إبهامته صابه

(صوتک): الله اکبر، الله اکبر

*

*

تقول انا نايمه وبعزة النوم *ولن المنادي يصيح چلثوم

چلثوم ابوج انطبر و ابسيف مسموم

والله فزت ولن جبريل ينعاه*ابوچ انچتل او ما واحد وياه

والله اجت للحسن تصرخ وتنخاه

*

*

قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) لعلي (علیه السلام):(1)(لو أن البحر مداد، والغياض أقلام، والإنس کتاب، والجن حساب، ما أحصوا فضائلک يا أبا الحسن)

فضائل الإمام علي (علیه السلام)

إذا أراد المتکلم الحديث عن فضائل ومناقب الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام) يجد نفسه حائرا من أين يبدأ وإلى أين يسير ومتى ينتهي، والحق إننا عاجزون عن الإلمام والإحصاء لفضائله (علیه السلام) بعد هذا التصريح من النبي الأکرم (صلی الله علیه و آله) في عدم إمکان ذلک. فالنبي الأکرم (صلی الله علیه و آله) کشف عن هذه الحقيقة الراسخة في أمير المؤمنين (علیه السلام) لکونه أعرف الناس به بعد الله سبحانه وتعالى.

والمقصود من الحدیث: «أن هذا بحار متکثرة لو صارت مواد و هو الجوهر، وصارت الأشجار کلها أقلاما و الجن یحسبون و الانسن کلهم یکتبون لا يفي بفضائل علی (علیه السلام) » فنحن وإن عجزنا عن الإحصاء، لکن حدثنا التاريخ والسير عن فضائله التی هی عجيبة متضادة ولذا قال صفي الدين الحلي:

جمعت في صفاتک الأضداد*فلهذا عزت لک الأنداد

زاهد حاکم حليم شجاع*فاتک ناسک فقير جواد

شيم

ما جمعن في بشر قط*ولا حاز مثلهن العباد

خلق يخجل النسيم من اللطف*وبأس يذوب منه الجماد

ص: 173


1- ([1]) الطرائف لابن طاوس، ص 301، بحار الأنوار، ج 40، ص 75

سبقه في الإسلام

وأول تلک الفضائل والمفاخر له (علیه السلام) سبقه في الإسلام وتقدمه، فان علی (علیه السلام) بلغ و هو علی الاسلام، و قال علي مفتخرا بذلک:(1)

سبقتکم إلى الإسلام طرا*غلاما ما بلغت أوان حلمي

و للسبق في الإسلام قيمة عول عليها القرآن الکريم وأشاد بها، وقد أعلن صراحة بأن للسابقين في الإسلام منزلة وقيمة هناک، حيث يقول: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِک الْمُقَرَّبُونَ (11)(2)

قال علی (علیه السلام)

ص: 174


1- ([1]) مناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب، ج 2، ص 170 و الحدیث هو: أبو الحسن المدائني أنه کتب معاوية إليه يا أبا الحسن إن لي فضائل کثيرة کان أبي سيدا في الجاهلية و صرت ملکا في الإسلام و أنا صهر رسول الله (صلی الله علیه و آله) و خال المؤمنين و کاتب الوحي فلما قرأ أمير المؤمنين الکتاب قال أ بالفضائل يفخر علينا ابن اکلة الأکباد يا غلام اکتب إليه و أملى عليه: محمد النبي أخي و صهري*و حمزة سيد الشهداء عمي و جعفر الذي يضحي و يمسي*يطير مع الملائکة ابن أمي و بنت محمد سکني و عرسي*مشوب لحمها بدمي و لحمي و سبطا أحمد ولداي منها*فمن منکم له سهم کسهمي سبقتکم إلى الإسلام طرا*غلاما ما بلغت أوان حلمي أنا البطل الذي لن تنکروه*ليوم کريهة و ليوم سلم و أوجب لي ولايته عليکم*رسول الله يوم غدير خم و أوصى بي لأمته لحکمي*فهل فيکم له قدم کقدمي فويل ثم ويل ثم ويل*لجاحد طاعتي من غير جرمي فلما قرأ معاوية الکتاب قال مزقه يا غلام لا يقرأه أهل الشام فيميلون معه نحو ابن أبي طالب (علیه السلام)
2- ([2]) الواقعة

أيضا:(1)

«أنا عبد الله، وأخو رسوله، وأنا الصديق الأکبر(2)، لا يقولها بعدي إلا کاذب مفتري، صليت مع رسول الله قبل الناس».

قيل لابن عباس: ما تقول لعلي بن أبي طالب (علیه السلام) ؟ فقال:(3)

«ذاک و الله أحد سبق بالشهادتين، و صلى القبلتين، و بايع البيعتين، و أعطى البسطتين، و هو أبو الإمامين الحسن (علیه السلام) و الحسين (علیه السلام)، و ردت عليه الشمس مرتين، و جرد السيف کرتين، فمثله في الامة کمثل ذي القرنين»(4)

زهده

لقد زهد الإمام (علیه السلام) في الدنيا في جميع فترات حياته خصوصا لما تولى السلطة العامة للمسلمين، فقد تجرد تجردا تاما من جميع رغباتها وعاش عيشة البؤساء والفقراء، فلم يبن له دارا، ولم يلبس من أطايب الثياب وإنما کان يلبس لباس الفقراء، ويأکل أکلهم، مواساة لهم وهکذا انصرف

ص: 175


1- ([1]) الخصال، ج 2، ص 402 و قال الحافظ ابن أبي شيبة في مصنفه، ج 12، ص 62 رقم الحديث: 12128: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الحارث بن حصيرة، قال: حدثني أبو سليمان الجهني يعني زيد بن وهب، قال: سمعت عليا (علیه السلام) على المنبر و هو يقول: أنا عبد الله و أخو رسوله (صلی الله علیه و آله) لم يقلها أحد قبلي، و لا يقولها أحد بعدي إلا کذاب مفتر. و في، ص 65، الحديث رقم: 12133: حدثنا عبد الله بن نمير، عن العلاء بن الصالح، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله، قال: سمعت عليا (علیه السلام) يقول: أنا عبد الله و أخو رسوله و أنا الصديق الأکبر، لا يقولها بعدي إلا کذاب مفتر، و لقد صليت قبل الناس بسبع سنين. و في کنز العمال للمتقي الهندي، ج 11، ص 602، الرقم: 32907: علي أخي في الدنيا و الآخرة. و في، ص 608، الرقم: 32939، عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) (قال لعلي): إنما ترکتک لنفسي، أنت أخي و أنا أخوک، فإن حاجک أحد، فقل: أنا عبد الله و أخو رسوله، لا يدعها بعدک إلا کذاب. و في مستدرک الحاکم، ج 3، ص 14، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): يا علي أنت أخي في الدنيا و الآخرة. و في سنن ابن ماجة، ج 1، ص 44 الرقم 120 مثله.
2- ([2]) قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «الصديقون ثلاثة: حبيب بن مري النجار و هو مؤمن آل يس و حزقيل مؤمن آل فرعون، و علي بن أبي طالب و هو أفضلهم» قال فيه النبي و يده في يده: «هذا فاروق امتي يفرق بين الحق و الباطل»
3- ([3]) التعجب من أغلاط العامة في مسألة الإمامة، ص 102
4- ([4]) يعني بقوله: «أعطي البسطتين» أن الله تعالى زاده بسطة في العلم و الجسم، کما فعل بطالوت من قبل، و قوله: «و ردت عليه الشمس مرتين» يعني في حياة رسول الله و بعده، کذلک قوله: «جرد السيف مرتين»، إنما يريد في حياته لقتال المشرکين و بعده لقتل الناکثين و القاسطين و المارقين.

عن الدنيا، وملاذها ومنافعها.(1) فعن الإمام محمد الباقر (علیه السلام) أنه قال: «ولقد ولي علي خمس سنين وما وضع اجرة على اجرة، ولا لبنة على لبنة، ولا أقطع قطيعا، ولا أورث بيضاء، ولا حمراء»(2).

و قال الإمام علي (علیه السلام):(3) «فو الله ما کنزت من دنياکم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا، ولا حزت من أرضها شبرا، ولا أخذت منه إلا کقوت أتان دبرة(4)» ومن أمثلة زهده ما رواه صالح بن الأسود قال: رأيت عليا قد رکب حمارا وأدلى رجليه إلى موضع واحد، وهو يقول: «أنا الذي أهنت الدنيا»(5)

لباس الإمام علي (علیه السلام)

لم يعتن الإمام (علیه السلام) بلباسه، وإنما کان يلبس أخشن الثياب، وليس عنده من الثياب غير الثوب الذي عليه کل ذلک إعراضا منه عن زهرة الحياة الدنيا وزهده بها ومواساة منه للفقراء وهذه بعض البوادر التي نقلت عنه:

منها: «روى أبو إسحاق السبيعي، قال: کنت على عنق أبي وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب يخطب، وهو يتروح بکمه، فقلت: يا أبه، أمير المؤمنين يجد الحر؟ فقال: لا يجد حرا ولا بردا، ولکنه غسل قميصه وهو رطب، ولا له غيره فهو يتروح به.»(6)

و «روى علي بن الأقمر قال: رأيت عليا (علیه السلام) وهو يبيع سيفا له في السوق ويقول: من يشتري مني هذا السيف، فوالذي فلق الحبة لطالما کشفت به الکرب عن وجه رسول الله (صلی الله علیه و آله) ولو کان عندي ثمن إزار ما بعته»(7). هذه بعض البوادر من زهده في لباسه وکم نحن اليوم بحاجة

ص: 176


1- ([1]) شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 31
2- ([2]) بحار الأنوار للمجلسي، ج 40 ص339
3- ([3]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 16، ص 205
4- ([4]) التبر: فتات الذهب و الفضة قبل أن يصاغ. الوفر: المال. الطمر: الثوب البالي، و و لا أعد ثوبا باليا سملا لبالي ثوبيه فضلا عن أن يعد ثوبا قشيبا کما يفعله الناس في إعداد ثوب جديد ليلبسوه عوض الأسمال التي ينزعونها و لا حاز من أرضها شبرا و الضمير في أرضها يرجع إلى دنياکم. أتان دبرة: هي التي عقر ظهرها فقل أکلها.
5- ([5]) تاريخ دمشق لأبن عساکر، ج 3، ص236، جواهر المطالب لابن محمد الدمشقي الشافعي، ص 276
6- ([6]) الغارات لابراهيم الثقفي الکوفي، ج1، ص99
7- ([7]) ذخائر العقبى لأحمد الطبري، ص 18

إلى الاقتداء بسيرته ونبذ مظاهر الإسراف المتفشية في مجتمعاتنا. (1)

طعامه

وامتنع الإمام (علیه السلام) من تناول ألوان الأطعمة، واقتصر على ما يسد الرمق من الأطعمة البسيطة کالخبز والملح، وربما تعداه إلى اللبن أو الخل، وکان في أيام رسول الله (صلی الله علیه و آله) يربط الحجر على بطنه من الجوع(2). وکان قليل التناول للحم، وقد قال:(3)

«لا تجعلوا بطونکم مقابر الحيوان».

ويروي لنا سويد بن غفلة صورة من زهده (علیه السلام) حيث يقول:(4)

« دخلت على علي بن أبي طالب القصر فوجدته جالسا و بين يديه صحيفة فيها لبن حازر(اللبن الحامض جدا) أجد ريحه من شدة حموضته و في يده رغيف أرى قشار الشعير في وجهه و هو يکسر بيده أحيانا فإذا غلبه کسره برکبته و طرحه فيه فقال ادن و أصب من طعامنا هذا فقلت إني صائم فقال سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول من منعه الصوم من طعام يشتهيه کان حقا على الله أن يطعمه من طعام الجنة و يسقيه من شرابها قال فقلت لجاريته و هي قائمة بقريب منه ويحک يا فضة أ لا تتقين الله في هذا الشيخ أ لا تنخلون له طعاما مما أرى فيه من النخالة فقالت لقد تقدم إلينا أن لا ننخل له طعاما قال (علیه السلام) ما قلت لها فأخبرته فقال بأبي و أمي من لم ينخل له طعام و لم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتى قبضه الله عز و جل.» يعني رسول الله "صلی الله علیه و آله".

ومن المؤکد أن الإمام (علیه السلام) لم ينل من أطائب الطعام حتى وافاه الأجل المحتوم، فقد أفطر في اخر يوم من حياته في شهر رمضان على خبز وجريش ملح، وأمر برفع اللبن الذي قدمته له بنته الزکية أم کلثوم(5)، وهو في نفس الوقت کان يدعو اليتامى فيطعمهم العسل حتى قال بعض أصحابه: وددت أني کنت يتيما(6).

ص: 177


1- ([1]) شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 32
2- ([2]) بحار الأنوار للمجلسي، ج16، ص227
3- ([3]) ينابيع المودة للقندوزي، ج1، ص452
4- ([4]) کشف الغمة في معرفة الأئمة، ج 1، ص 163 ومناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب، ص71
5- ([5]) منتهى الامال للقمي، ج1، ص334
6- ([6]) بحار الأنوار للمجلسي، ج41، ص29 و انظر: شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 34

شجاعته

من مظاهر شخصية الإمام (علیه السلام) شجاعته النادرة التي صارت مضرب الأمثال وأنشودة الأبطال في کل زمان ومکان، فهو بطل الإسلام دون منازع، لا يعرف المسلمون سيفا کسيف علي (علیه السلام) في إطاحته لرؤوس المشرکين وأعلام الملحدين، ومواقفه المشرفة في واقعة بدر وأحد والأحزاب وغيرها تدلل بوضوح على أن الإسلام قام بجهوده وجهاده، ولولا جهاده وقوة بأسه وصلابة موقفه لما قام الإسلام ولقضت عليه قريش في أول بزوغ نوره، وقد شاعت في جميع الأوساط شجاعته، وراح الناس يتحدثون عنها بإعجاب، وقد قال النبي (صلی الله علیه و آله): «إن أفرس الناس علي بن أبي طالب (علیه السلام) »(1) فقد وهب الله تعالى للإمام (علیه السلام) قوة جسدية و نفسية، استطاع بهما أن يلحق العار والهزيمة بالذين يريدون إخماد نور الإسلام، ومن قوته أنه إذا أمسک بذراع رجل کأنما أمسک نفسه، ولم يستطع أن يتنفس(2)

وهو الذي قلع باب خيبر.(3)

نعي

یروی ان رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال لعلي (علیه السلام): "أتدري من أشقى الاخرين ؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: قاتلک". و روی بالفظ اخر: "الذي يضربک على هذه" وأشار الى جبينه ورأسه.(4)

و روى أنه لما دخل شهر رمضان کان أمير المؤمنين (علیه السلام) عليه يتعشى ليلة عند الحسن وليلة عند الحسین و عند بناته فکان لا يزيد على ثلاث لقم فقيل له في ليلة من الليالي ما لک لا تأکل؟ فقال: يأتيني أمر ربي وأنا خميص إنما هي ليلة أو ليلتان فأصيب وروي أن الإمام أمير المؤمنين لما أراد الخروج من بيته في الصبيحة التي ضرب فيها خرج إلى صحن الدار استقبلته الإوز فصحن في وجهه فجعلوا يطردوهن، فقال دعوهن فإنهن صوايح تتبعها نوايح، ثم خرج فأصيب صلوات الله وسلامه عليه. وخرج الإمام صلوات الله وسلامه عليه وصلى بالناس فبينما هو ساجد ضربه اللعين ابن ملجم على رأسه بالسيف فصاح

ص: 178


1- ([1]) رسائل الجاحظ لابن بحر البصري، ج2، ص222
2- ([2]) بحار الأنوار للمجلسي، ج41، ص276 وکان في صباه يصارع کبار إخوته وصغارهم وکبار بني عمه وصغارهم فيصرعهم
3- ([3]) شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 34 - 35
4- ([4]) سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي ، ج 10 ، ص 153

الإمام صلوات الله وسلامه عليه: فزت ورب الکعبة و عندما حملوه (علیه السلام) إلى منزله، وکأني به لما قاربوا البيت التفت (علیه السلام) إلى أولاده، وقال: أنزلوني، ودعوني أمشي على قدمي قالوا: لماذا يا أمير المؤمنين؟ قال أخشى أن تراني ابنتي زينب بهذه الحالة فيتصدع قلبها أقول: يا أمير المؤمنين، لقد انصدع قلب زينب بعدک، وذلک عندما رأت جسدابی عبدالله وکأني بها تخاطب أمير المؤمنين تقول له:

على احسين ما خلوا تره اثياب*وساده الرمل واکفانه احراب

واعتب وأکثرلک بالاعتاب*بناتک سبوهن گوم الأجناب

لا خدر ظل أولا بگه احجاب

أقول: يا أمير المؤمنين، لقد انصدع قلب زينب بعدک، وذلک عندما رأت رأس أخيها على رمح طويل، وکأني بها تخاطب حامل الرأس:

يشايل راس حامينه أو ولينه*ريض خلي اتودعه اسکينه

ليش احسين ساکت عن ونينه*گلي تعب يو جرحه تخدر

بعد ماذا تقول زینب (علیها السلام):

يا

شيال راسه لا تلوحه*أو هبط عن بگايا الروس رمحه

أخاف ايفوت ريح الهوه ابجرحه*وأصوابه عليه ايگوم يسعر

یقول الراوی لما قتل أصحاب الإمام الحسين (علیه السلام) وأهل بيته ولم يبق معه أحد نظر إلى أهله وصحبه مجزرين کالأضاحي وهو مع ذلک يسمع عويل الأيامى وصراخ الأطفال فنادى: هل من ذاب عن حرم رسول الله؟ هل من موحد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟ فارتفعت أصوات النساء بالبکاء.. ثم وقف بباب خيمة النساء مودعا ونادى: يا زينب ويا أم کلثوم ويا فاطمة ويا سکينة عليکن مني السلام.. فأقبلن إليه ودرن حوله..

رد واعياله امن العطش يومن*اوصاح ابصوت للتوديع گومن

او مثل سرب القطا گامن يحومن*تطيح عليه وحدتهن او تعثر

والتفت الحسين (علیه السلام) إلى ابنته سکينة فراها منحازة عن النساء وقد رفعت صوتها بالبکاء فضمها إلى صدره وجعل يمسح دموعها بکمه وکان يحبها حبا شديدا وجعل يقول:

سَيَطُولُ بَعْدِي يَا سُکينَةُ فَاعْلِمِي*مِنْک البُکاءُ إِذَا الحِمَامُ دَهَانِي

لّا تُحْرِقِي قَلْبِي بِدَمْعِک حَسْرَةً*مَا دَامَ مِنِّي الرُّوحُ فِي جُثْمَانِي

فَإِذَا قُتِلْتُ فَأَنْتِ أَوْلَى بِالذِي*تَأْتِينَهُ يَا خِيَرَةَ النِّسْوَانِ

يبويه انروح کل احنه فداياک*دخذنه للحرب يحسين وياک

ص: 179

أهي غيبه يبويه واگعد اتناک*وگولن سافر ويومين يسدر

يبويه گول لا تخفي عليه*ذي روحتک يو بعد جيّه

يبويه ان کان رايح هاي هيه*اخذني اوياک عنّک مکدر اصبر

يا والدي والله هظيمة آه آه*أصير من زغري يتيمه

يبويه نروح کل احنا فداياک آه آه*أخذني يا عزيز الروح وياک

ويتيمة فرت لجسم کفيلها*وکفيلها مرمى على الرمضاء

هذه زينب ومن قبل کانت*بحمى دارها تحط الرحال

ص: 180

الليلة العشرون : الوصايا و الوداع

الليلة العشرون: الوصايا و الوداع (المجلس الاول)

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم و الحمدلله رب العالمین و الصلاة و السلام علی اشرف الخلق اجمعین ابالقاسم محمد و علی ال بیته الطیبن الطاهرین المعصومین المظلومین لاسیما بقیة الله فی ارضه صاحب الزمان عجل الله فرجه الشریف و العنة علی اعدائهم اجمعین الی ابد الابدین. آمین یا رب العالمین.

صلی الله علیک یا ابا الحسن یا علی ابن ابی طالب یا امیر المؤمنین، صلی الله علیک یا سید الوصیین، صلی الله علیک یا اول الناس اسلاما و اقدمهم ایمانا یا علی، صلی الله علیک یا اخ الرسول و یا زوج البتول یا ابا السبطین حسن و حسین یا صاحب البیعتین ایها الضارب بالسیفین و الطاعن بالرمحین، صلی الله علیک یا مصلی القبلتین، صلی الله علیک فارس بدر و احد و حنین لعن الله من ظلمک و لعن الله من شارک بظلمک و لعن الله من سمع بظلمک فرضی به، صلی الله علیک یا اسد الله الغالب یا علی ابن ابی طالب صلی الله علیک یا شهید المحراب و یا داحی الباب صلی الله علیک یا ابا تراب صلی الله علیک یا ابا المساکین و الارامل و الایتام. انا سلم لمن سالمک و حرب لمن حاربک، موال لمن والاک و معاد لمن عاداک و ابرء الی الله من اعداک.

ألا يا عينُ جودي فاسعدينا*ألا فابکي أميرَ المؤمنينا(1)

ص: 181


1- ([1]) البیت لأبي الأسود الدؤلي رحمه الله، قال أبي الأسود الدؤلي رحمه الله فی رثاء امیرالمؤمنین حينما کان في البصرة وأتاه نبأ استشهاد الإمام رثاه بقصيدة يشيد بسيرة ومناقب الإمام: ألا يا عين ويحک فاسعدينا*ألا فابک أمير المؤمنينا رزئنا خير من رکب المطايا*و جال بها و من رکب السفينا و من لبس النعال و من حذاها*و من قرأ المثاني والمئينا فکل مناقب الخيرات فيه*وحب رسول رب العالمينا وکنا قبل مقتله بخير*نرى مولى رسول الله فينا يقيم الدين لا يرتاب فيه* و يقضي بالفرائض مستيبنا و يدعو للجماعة من عصاه*وينهک قطيع ايدي السارقينا وليس بکاتم علما لديه*ولم يخلق من المتجبرينا وکنَّا قبلَ مِهلَکهِ بِخَيرٍ*نَرِى فِنِيا وصيَ المُسلميَنا ألا أبلغ معاوية بن حرب*فلا قرت عيون الشامتينا أفي شهر الصيام فجعتمونا*بخير الناس طرا أجمعينا ومن بعد النبي فخير نفس*ابو حسن وخير الصالحينا لقد علمت قريش حيث کانت* بأنک خيرها حسبا و دينا اذا استقبلت وجه أبي حسين*رأيت البدر راع الناظرينا کأن الناس اذ فقدوا علي*نعام جال في بلد سنينا فلا والله لا أنسى علي*وحسن صلاته في الراکعينا تبکى ام کلثوم عليه*بعبرتها وقد رأت اليقينا ولو انا سئلنا المال فيه*بذلنا المال فيه والبنينا فلا تشمت معاوية بن حرب*فان بقية الخلفاء فينا وأجمعنا الامارة عن تراض*ألى ابن نبينا وإلى أخينا و إن سراتنا وذوي حجان*تواصوا أن نجيب إذا دعينا بکل مهند عضبٍ و جردٍ*عليهن الکماة مسومينا الی اخره . انظر: مناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب، ج 3، ص 97، و بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 42، ص 242، و الکنى والألقاب، الشيخ عباس القمي، ج 1، ص 10

إمامٌ صادقٌ بَرٌ تقيٌ*فقيه قد حوى علما ودينا

وبات على الفِراش يقي أخاه*ولم يَعبأْ بکيدِ الکافرينا

مضى بعد النبيِ فدتْه نفسي*أبو حسنٍ وخير الصالحينا

وکنا قبلَ مقتِله بخير*نرى المولى رسولَ اللهِ فينا

أفي شهرِ الصّيام فجعتمونا*بخيرِ النّاس طُراً أجمعينا

فها هي زينبٌ تبکي عليه*وتنعاهُ بنعي الفاقدينا

ويَبکيه الحُسينُ بدَرِّ عينٍ*ويَنْدُبُهُ زکيُّ الطاهرينا

ونادتْهُ اليتامى بافتجاعٍ*سنبقى في عزائِک ما بقِينا

*

*

يجدي لو تجينه او امنه وياک*او تعصِّب کون راس الولي ابيمناک

بلچن من يشوفک صاحب الواک*ترد روحه او تگر بيکم اعيونه

من حرگت گلبها اتصيح يا جد*او گلبها امن الحزن والهم تمرد

اشما نادت تشوف اجواب مارد*صاحت صوت من بعدک ولونه

دارت صوب ابوها والوت الجيد*تحبه او نوب تصفج إيد فوگ إيد

يبويه العيد اجانه لالفه العيد*بعدک يالذي اسمک يهابونه

علي يلما تچهبک زلم تنصاب*او عليک امن البواچي اعبار تنصار

ماتم إلک يوم العيد تنصاب*او منّک صبَحت دارک خليه

***

ابعيد البله ابچتلک ينادون*او محزنين ويلادک يصبحون

ص: 182

او يتاماک لفراگک ينوحون*او عليک السما والکون مرجون

ريت الفجر لا بين ايکون*او لا بيه عدوانک يعيدون

يا حيف بيک استافوا اديون*يوم الطحت يا نور العيون

إنا لله وإنا إليه راجعون عزائنا لإمامنا المهدي والموالين بهذه الفاجعة.

عن النبي (صلی الله علیه و آله) قال:(1) «إذا کان يوم القيامة و نصب الصراط على جهنم لم يجز عليه إلا من معه جواز فيه ولاية علي بن أبي طالب»

تواضعه

من أخلاق الإمام علي (علیه السلام) التواضع، ولکن لا للأغنياء والمتکبرين، وإنما للفقراء والمستضعفين، فکان يخفض لهم جناح البر والمودة.

1) وفد عليه رجل مع ابنه فرحب بهما وأجلسهما في صدر المجلس، ثم أمر لهما بطعام، وبعد الفراغ منه بادر الإمام فأخذ الإبريق ليغسل يد الأب ففزع الرجل، وقال: کيف يراني الله وأنت تصب الماء على يدي؟ فأجابه الإمام (علیه السلام) برفق ولطف: «إن الله يراني أخاک الذي لا يتميز منک، ولا يتفضل عنک، ويزيدني بذلک منزلة في الجنة» وانصاع الرجل إلى کلام الإمام (علیه السلام) فصب الماء على يده، ولما فرغ ناول الإبريق إلى ولده محمد بن الحنفية، وقال له: «يا بني، لو کان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت الماء على يده، ولکن الله يأبى أن يسوي بين إبن وأبيه» وقام محمد فغسل يد الولد.(2)

نقل انه: لقيه عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار(3)

فترجلو له واشتدوا بين يديه، "ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خلق منا نعظم به أمراءنا. فقال: والله ما ينتفع بهذا أمراؤکم. وإنکم لتشقون به

ص: 183


1- ([1]) الأمالي ، للطوسي، ص 290
2- ([2]) مناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب، ج1، ص373 و التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسکري (علیه السلام)، ص 325 و کتاب: شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 38
3- ([3]) جمع دهقان زعيم الفلاحين في العجم . والأنبار من بلاد العراق وترجلوا أي نزلوا عن خيولهم مشاة. واشتدوا: أسرعوا . و المعنا انهم کانوا يرکضون قدام فرس الإمام (علیه السلام) او انهم جعلوا يتطافرون فرحا بمجيئه کما یفعله البعض فی زماننا و تسمی الیزلة او الهوسة او العراضة (و هی ضرب الرِجل علی الارض) ترحیبا بدخول شخص الی بلد ما

1) على أنفسکم في دنياکم وتشقون(1) به في آخرتکم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب، وأربح الدعة معها الأمان من النار"(2)

2) عن أبي عبد الله الصادق (علیه السلام) قال: «خرج أمير المؤمنين (علیه السلام) على أصحابه وهو راکب، فمشوا خلفه فالتفت إليهم فقال: ألکم حاجة؟ فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، ولکنا نحب أن نمشي معک، فقال لهم: انصرفوا فإن مشي الماشي مع الراکب مفسدة للراکب ومذلة للماشي. قال: ورکب مرة أخرى فمشوا خلفه، فقال: انصرفوا فإن خفق النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة»(3).

3) وعن الإمام الصادق (علیه السلام): «کان أمير المؤمنين (علیه السلام) يحطب ويستسقي ويکنس، وکانت فاطمة (علیها السلام) تطحن وتعجن وتخبز» (4)

4) وروي أنه اشترى تمرا بالکوفة، فحمله في طرف ردائه، فتبادر الناس إلى حمله وقالوا: يا أمير المؤمنين نحن نحمله، فقال (علیه السلام): «رب العيال أحق بحمله»(5)

حقا إن هذه الأخلاق أخلاق الأنبياء العظام وأوصيائهم، وقد مثلها بسيرته وسلوکه سيد الأوصياء وإمام المتقين والأخيار.(6)

عيادته للمریض

من معالي أخلاق الإمام علي (علیه السلام) عيادته للمرضى، وکان يحفز أصحابه على ذلک، ويحثهم على هذه الظاهرة.(7)

فقد کان يقول لهم: «إن للمسلم على أخيه المسلم من المعروف ستا: يسلم عليه إذا لقيه، و يعوده إذا مرض، و يسمته إذا عطس، و يشهده إذا مات، و يجيبه إذ دعاه، و يحب له ما يحب لنفسه، و يکره له ما يکره لنفسه»(8)

وکان (علیه السلام) إذا علم أن أحدا من أصحابه مريض بادر

ص: 184


1- ([1]) تشقون بضم الشين وتشديد القاف: من المشقة. وتشقون الثانية بسکون الشين: من الشقاوة. والدعة بفتحات: الراحة
2- ([2]) نهج البلاغة، خطب الإمام علي (علیه السلام)، ج 4، ص 10، مناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب، ج1، ص372
3- ([3]) بحار الأنوار للمجلسي، ج41، ص55
4- ([4]) مناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب، ج 2، ص 104
5- ([5]) مناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب، ج1، ص372
6- ([6]) شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 40
7- ([7]) نفس المصدر
8- ([8]) الأمالي للشيخ الطوسي، ج2، ص248 يقال: سمت العاطس، إذا دعا له بقوله: يرحمک الله أو نحوه

لعيادته، فقد عاد شخصا من أصحابه، ولما استقر به المجلس قال له: «جعل الله ما کان من شکواک حطا لسيئاتک، فإن المرض لا أجر فيه، ولکنه يحط السيئات، ويحتها حت الأوراق. وإنما الأجر في القول باللسان، والعمل بالأيدي والأقدام»(1)

کان الإمام (علیه السلام) يسأم المدح والإطراء(2)،

وکان إذا أطرى عليه رجل قال: «اللهم إنک أعلم بي منه وأنا أعلم منه بنفسي، فاغفر لي ما لا يعلم»(3)

جهاد الإمام علی (علیه السلام)

کان عظيم بلائه في الحروب والغزوات أکثر من جميع المسلمين، ولم يصل أحد إلى درجته ومرتبته، فقد قتل في غزوة بدر الکبرى وهي أول غزوة الکثیر من صناديد العرب، وشجعان المشرکين وفرسانهم حتى قتل نصف المشرکين في تلک المعرکة بيده (علیه السلام) والنصف الاخر بيد المسلمين. (4)

وثبت في غزوة أحد، ولم يفر، وبقي محاميا عن الرسول (صلی الله علیه و آله) يرد عنه الأعداء حتى أثخن بالجراح، وقتل أبطال المشرکين وصناديدهم، فنادى جبرئيل (علیه السلام) بين الأرض والسماء:(5) «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي»(6)

ص: 185


1- ([1]) شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني، ج5، ص264
2- ([2]) و أثنى عليه رجل و کان له متهما فقال: أنا دون ما تقول، و فوق ما فى نفسک. انظر: (أمالي المرتضى، ج 1، ص 275) هذا الرجل المادح منافق على ما يظهر من " متهما " و کذا " فوق ما في نفسک " ثانيا: ان جملة " وفوق ما في نفسک " تدل بوضوح على علم الإمام بما في نفس الرجل المثني، وهذه من کرامات الإمام صلوات الله عليه، والغرض منها تنبيه هذا المنافق على خطئه عله يرتدع عنه. ثالثا: کما ان المقطع الاول " انا دون ما تقول " اما تعبير عن تواضع من الإمام لتعليم او انه کان ياله الإمام.
3- ([3]) الأمالي للسيد المرتضى، ج1، ص198
4- ([4]) شرح الأخبار، ج 1، ص 262 - 266
5- ([5]) شرح الأزهار، ج 4، ص 526، الکافي، ج 8، ص110، علل الشرائع، ج 1، ص 7، نهج الأيمان، ص530، مناقب الخوارزمي، ص 37، ذکره في معرکة بدر، ومثله في البداية والنهاية، ج 7، ص372
6- ([6]) أن رسول الله (صلی الله علیه و آله) لما فر معظم أصحابه عنه يوم احد، کثرت عليه کتائب المشرکين، وقصدته فقال رسول الله: «يا علي، اکفني هذه الکتيبة» فحمل عليها، وإنها لتقارب خمسين فارسا، وهو (علیه السلام) راجل، فما زال يضربها بالسيف، فتفرق عنه، ثم تجتمع عليه، هکذا مرارا حتى قتل منهم الکثير، فقال جبرئيل: يا رسول الله (علیه السلام) إن هذه المواساة، لقد عجبت الملائکة من مواساة هذا الفتى، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله): «وما يمنعه، وهو مني، وأنا منه». فقال جبرئيل: وأنا منکما. قال: وسمع ذلک اليوم صوت من قبل السماء، لا يرى شخص الصارخ به، ينادي مرارا: لا سيف إلاذو الفقار، ولا فتى إلاعلي. فسئل رسول الله (صلی الله علیه و آله) عنه، فقال: «هذا جبرئيل».

وقال رسول الله (صلی الله علیه و آله) في حقه يوم الأحزاب الذي قتل (علیه السلام) فيه عمرو بن عبدود، فوقع الفتح والظفر للمسلمين: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».(1)

وفي غزوة خيبر قتل مرحبا اليهودي، وأخذ باب الحصن فقلعها بيده الشريفة، وقذفها مسافة أربعين ذراعا فلم يقدر على رفعها اکثر من أربعون نفرا، حتى قال ابن أبي الحديد ما دحا إياه (علیه السلام):

يا

قالع الباب الذي عن هزها*عجزت أکف أربعون وأربع

وقس على هذا باقي الغزوات والحروب التي ضبطها أرباب السير والتاريخ، فالمتتبع لها يعلم کثرة جهاده (علیه السلام) وشجاعته وعظيم بلائه في تلک الغزوات.

قال ابن ابي الحديد في شرح النهج:(2)«و أما الشجاعة فإنه (ای علی بن ابی طالب "علیه السلام") أنسى الناس فيها ذکر من کان قبله و محا اسم من يأتي بعده و مقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة و هو الشجاع الذي ما فر قط و لا ارتاع من کتيبة و لا بارز أحدا إلا قتله و لا ضرب ضربة قط فاحتاجت الأولى إلى ثانية و في الحديث کانت ضرباته وترا و لما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما قال له عمرو لقد أنصفک فقال معاوية ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم أ تأمرني بمبارزة أبي الحسن و أنت تعلم أنه الشجاع المطرق أراک طمعت في إمارة الشام بعدي. و کانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه (علیه السلام) قتلهم أظهر و أکثر قالت أخت عمرو بن عبد ود ترثيه:

لو کان قاتل عمرو غير قاتله*بکيته أبدا ما دمت في الأبد

ص: 186


1- ([1]) انظر: مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (علیه السلام)، ص 314، الفردوس، ج 3، ص 455 ح 5406، و المستدرک، ج 3، ص 32
2- ([2]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 20

لکن قاتله من لا نظير له*و کان يدعى أبوه بيضة البلد

و انتبه يوما معاوية فرأى عبد الله بن الزبير جالسا تحت رجليه على سريره فقعد فقال له عبد الله يداعبه يا أمير المؤمنين لو شئت أن أفتک بک لفعلت فقال لقد شجعت بعدنا يا أبا بکر قال و ما الذي تنکره من شجاعتي و قد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب (علیه السلام) قال لا جرم أنه قتلک و أباک بيسرى يديه و بقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها. و جملة الأمر أن کل شجاع في الدنيا إليه ينتهى و باسمه ينادي في مشارق الأرض و مغاربها.

و أما القوة فبه يضرب المثل فيهما قال ابن قتيبة في المعارف:(1)«ما

صارع أحدا قط إلا صرعه(2)

و هو الذي قلع باب خيبر و اجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه و هو الذي اقتلع هبل من أعلى الکعبة و کان عظيما جدا و ألقاه إلى الأرض و هو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته (علیه السلام) بيده بعد عجز الجيش کله عنها و أنبط الماء من تحتها.»

الخطبة الشقشقية

و هی خطبته (علیه السلام) التي رواها عنه عبد الله بن عباس رحمه الله فهي أشهر من أن نبحث فی سندها و رووها الثقات و کبار علمائنا فی کتبهم(3)

و هي التي يقول علي بن أبي طالب (علیه السلام) في أولها بعد ان ذکرت الخلافة عنده: «فقال أما و الله لقد تقمصها (أي لبسها مثل القميص)(4) ابن أبي قحافة (أبو بکر و اسمه عبد الله و في الجاهلية عتيق) و إنه

ص: 187


1- ([1]) المعارف، لابن قتيبة، ص 210
2- ([2]) و بعدها: «شديد الوثب قوى الضرب»
3- راجع: معاني الأخبار، ص 361، و علل الشرائع، ج 1، ص 150- 151، و نهج البلاغة، ص 48 خ 3، و الإرشاد، ص 152- 153، و نثر الدر، ج 1، ص 274- 275، و رسائل الشريف المرتضى، ج 3، ص 107- 114، و تلخيص الشافي، ج 3، ص 53، و مناقب آل أبي طالب، ج 2، ص 204- 205، و تذکرة الخواص، ص 124- 125، و الاحتجاج، ج 1، ص 282- 283، و نهج الحق، ص 326- 327. و في شرح ألفاظ هذه الخطبة راجع معاني الأخبار، ص 362- 364، و علل الشرائع، ج 1، ص 152 - 153، و معارج نهج البلاغة، ص 80- 84، و منهاج البراعة، ج 1، ص 121- 131، و شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 151- 155، و شرح نهج البلاغة لابن ميثم، ج 1، ص 251- 270. هذه بعض الکتب التی نقلت الخطبة
4- ([4]) مابین المعقوفتین شرح توضیحی و لیس من نص الخطبة

ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى (و القطب هو مسمارها الذي عليه تدور الرحى و معناه هو وحده القادر على تدبير شئونها و ادارتها) ينحدر عني السيل و لا يرقى إلي الطير (کأنه في ذروة جبل، ينحدر السيل عنه و لا یصل الی ذروته طیر يعني رفعة منزلته (علیه السلام(و الکشح الجنب و الخاصرة و المعنى أعرضت عن الخلافة و الکاشح الذي يوليک جنبه) و طفقت (أي أقبلت) أرتئي (أي أفکر و أستعمل الرأي) بين أن أصول بيد جذاء (و هي الید المقطوعة و أراد قلة الناصر) أو أصبر على طخية (أى على ظلمة بمعنى أنه لا يهتدى فيه السالک إلى سلوک طريق الحق) عمياء فرأيت أن الصبر على هاتا (هذه) أحجى (أولى و أحرى) فصبرت و في العين قذى (القذى: الرمد أي صبرت و لکن على مضض کما يصبر الأرمد و هو يحس بوجع العين) و في الحلق شجى (الشجا: ما اعترض في الحلق من عظم و نحوه.) أرى تراثي نهبا (يريد الخلافة المسلوبة منه) حتى إذا مضى لسبيله (أي مات و ذلک بعد ما مضى من خلافته سنتان و ثلاثة أشهر) فأدلى بها (القى بها إليه) لأخي عدي بعده فيا عجبا بينا هو يستقيلها(1)

(طلب فک العهد) في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته فصيرها في حوزة (أي ناحية) خشناء يخشن مسها و يغلظ کلمها(2) و يکثر العثار فيها(3)

و

ص: 188


1- ([1]) أشار بقوله (علیه السلام): «يستقيلها» الى قول أبي بکر: « اقيلوني أقيلوني فلست بخيرکم و علي فيکم»
2- ([2]) کنى عن طباع عمر بن الخطاب «بالناحية الخشناء» لأنه کان يوصف بالجفاوة و سرعة الغضب، و غلظ الکلام، حتى روى انه امر أن يؤتى بامرأة لحال اقتضت ذلک- و کانت حاملا- فلما دخلت عليه اجهزت جنينا لما شاهدته من غلظ طبيعة أبي حفص و ظهور القوة الغضبية على قسمات وجهه و شدته في الکلام، و ذلک ما اراده أمير المؤمنين من قوله: «في ناحية خشناء» ثم انه (علیه السلام) وصف تلک الطبيعة بوصفين أحدهما: غلظ المواجهة بالکلام و ثانيهما: جفاوة المس المانعة من ميل الطباع إليه المستلزمة للأذى کما يستلزم من الأجسام الخشنة. و يدل على ذلک ما روي أن ابن عباس لما أظهر بطلان مسألة العول بعد موت عمر قيل له: من أول من أعال الفرائض؟ فقال: عمر بن الخطاب، قيل له: هلا أشرت عليه؟ قال هيبته.
3- ([3]) فيه إشارة إلى ما کان عليه عمر بن الخطاب من التسرع في إصدار الأحکام غير الصائبة منها «أنه أمر برجم امرأة حاملة فقال له أمير المؤمنين (علیه السلام): إن کان لک عليها سبيل فليس لک على ما في بطنها سبيل، فقال: لو لا علي لهلک عمر» و منها «أنه أمر برجم مجنونة فنبهه أمير المؤمنين (علیه السلام) و قال: القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق، فقال: لو لا علي لهلک عمر.»و طلاق الحائض، و غيرها من الأمور التي کانت تدعوه للاعتذار بعد أن يتبين له الخطأ بارشاد أمير المؤمنين و قد تکرر قوله: «لو لا علي لهلک عمر» و منها ما روی من أنه قال مرة لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق نساء النبي (صلی الله علیه و آله) إلا ارتجعت ذلک منها، فقالت امرأة ما جعل الله لک ذلک إنه قال تعالى: (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) فقال: کل الناس أفقه من عمر حتى ربات الحجال.

الاعتذار منها فصبرت على طول المدة و شدة المحنة حتى إذا مضى لسبيله (و ذلک بعد ما مضی من خلافته عشر سنين و ستة أشهر) جعلها في جماعة(1)

زعم أني منهم فيا لله و للشورى(2) فمال رجل لضغنه(3)(ای

حقده الذي کان في صدره ) و أصغى (ای مال بسمعه إليه) آخر لصهره(4)

و قام ثالث القوم (و المراد بالقيام الحرکة في تولي

ص: 189


1- ([1]) و هؤلاء الجماعة هم: أمير المؤمنين (علیه السلام) و عثمان و طلحة و الزبير و سعد بن أبي وقاص و عبد الرحمن ابن عوف
2- ([2]) هي تلک الشورى التي تکونت من ستة أشخاص، وتم تعيينهم من قبل عمر بن الخطاب حين کان على فراش الموت سنة (23 ه،644 م) ليختاروا من بينهم من يکون خليفة من بعده، کما ألزم عمر القبول بما يتمخض من هذه الشورى وأمر بضرب عنق کل من خالف رأي الأکثرية. و أعضاء الشورى الستة هم: علي بن أبي طالب (علیه السلام) وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص و عبد الرحمن بن عوف.
3- ([3]) الذي صغى في الشورى لضغنه و حقده هو سعد بن أبي وقاص. لأن عليا (علیه السلام) قتل الصناديد من أخواله في سبيل الله لأن أمه حمنة بنت سفيان بن أمية، و أما الذي مال إلى صهره فهو عبد الرحمن بن عوف لأنه کان زوج أم کلثوم بنت عقبة بن أبي معيط و هي أخت عثمان لأمه، و اتفاقا عبد الرحمن مع عثمان أن يسلمه الخلافة ليردها عليه من بعده.
4- ([4]) الذي مال لصهره عبد الرحمن بن عوف حيث مال إلى عثمان لمصاهرة بينهما. روى الشيخ المفيد في الإرشاد قال: لما صفق عبد الرحمن على يد عثمان بالبيعة في يوم الدار قال له أمير المؤمنين (علیه السلام): «حرکک الصهر و بعثک على ما صنعت، و الله ما أملت منه الا ما أمل صاحبک من صاحبه (ای عثمان من عمر و هو الخلافة) دق الله بينکما عطر منشم (المراد به هنا الخلاف اذ کانوا اذا ارادوا القتال و تطيبوا بطيبها)» و هکذا کان فقد بلغ الحال في الخلاف بينهما أن أعلن عثمان تحريم مجالسة عبد الرحمن، و وجوب نبذه، و أبرأ الذمة ممن يکلمه أو يعاطيه فمات عبد الرحمن و عثمان متباغضين.

أمر الخلافة، و ثالث القوم هو عثمان بن عفان) نافجا حضنيه (نفج الرفع و التفخ و الحضن الجنب و ما بين الابط شبهه بالبعير المنتفج الجنبين من کثرة الأکل) بين نثيله (الروث) و معتلفه (موضع العلف و هو أکل الدابة العلف يعنى لم يکن همه إلا الأکل و الرجيع کالبهائم من دون أن يکون له قيام بمصالح المسلمين و توجه إلى إصلاح الامور) و قام معه بنو أبيه (ای بني امية) يخضمون(1)(الخضم:

الأکل بجميع الفم) مال الله خضم الإبل نبت الربيع (الابل تاکل نبت الربيع بشهوة و تملاء منه أحناکها و ذلک لمجيئه عقيب طول مدة الشتآء، کان ما أکله أقارب عثمان من بيت المال مشبها بذلک، لاستلذاذهم به و انتفاعهم منه بعد طول فقرهم) حتى أجهز عليه عمله (أى أعماله القبيحة صارت سببا لقتله بعد ما قضی فی الخلافة اثنتى عشرة سنة) إلا و الناس إلي

ص: 190


1- ([1]) قال ابن أبي الحديد المعتزلي شارح نهج البلاغة فی عثمان: «فانه أوطأ بني امية رقاب الناس و ولاهم الولايات و أقطعهم القطايع و افتتحت ارمينية في أيامه فأخذ الخمس کله فوهبه لمروان، و طلب إليه عبد الله بن خلد بن اسيد صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم، و أعاد الحکم بن أبي العاص بعد ان رسول الله (صلی الله علیه و آله) قد سيره ثم لم يرده أبو بکر و لا عمر و أعطاه مأئة ألف درهم، و تصدق رسول الله (صلی الله علیه و آله) بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهروز على المسلمين فأقطعها عثمان الحرث بن الحکم أخا مروان ابن حکم، و أقطع مروان فدک و قد کانت فاطمة (علیها السلام) طلبتها بعد وفات أبيها صلوات الله عليه تارة بالميراث و تارة بالنحلة فدفعت عنها، و حمى المراعي حول المدينة کلها عن مواشي المسلمين کلهم إلا عن بني امية. و أعطى عبد الله بن ابى سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح افريقية بالمغرب و هي من طرابلس الغرب إلى طنجة من غير أن يشرکه فيه أحد من المسلمين و أعطى أبا سفيان بن حرب مأتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحکم بمأة ألف من بيت المال، و قد کان زوجه ابنته ام أبان فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان و بکى، فقال عثمان: أ تبکى ان وصلت رحمي؟ قال: لا، و لکن أبکي لأني أظنک أخذت هذا المال عوضا عما کنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله (صلی الله علیه و آله) و الله لو اعطيت مروان مأئة درهم لکان کثيرا فقال: ألق المفاتيح فانا سنجد غيرک، و أتاه أبو موسى بأموال من العراق جليلة فقسمها کلها في بني امية، و أنکح الحرث بن الحکم ابنته عايشة فأعطاه مأئة ألف من بيت المال أيضا بعد صرفه زيد بن أرقم عن خزنة انتهى کلامه مع اختصار، انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 1، ص 198

(ذلک في ما مضى من الهجرة خمس و ثلاثون سنة) کعرف الضبع (العرف شعر عنق الدابة و عرف الضبع يضرب به المثل في الازدحام) قد انثالوا (ای يتتابعون) علي من کل جانب حتى لقد وطئ الحسنان(1)

(الحسن و الحسين (علیه السلام) من شدة الازدحام) و شق عطفاي (ای الرداء، أي شق قميصه من شدة الازدحام عليه) حتى إذا نهضت بالأمر نکثت طائفة و فسقت أخرى و مرق آخرون (المراد بالناکثين للبيعة هم: طلحة و الزبير و أصحابهم بايعوا ثم نکثوا البيعة و الفاسقين هم أصحاب معاوية و المارقين هم الخوارج) أما و الذي فلق الحبة (أى شقها و أخرج النبات) و برأ النسمة (أى خلق الانسان) لو لا حضور الحاضر (للبيعة من الأنصار و المهاجر) و قيام الحجة بوجود الناصر لألقيت حبلها على غاربها(و هو أعلى کتف الناقة شبه الخلافة بالناقة التي يترکها راعيها لترعى حيث تشاء و لا يبالي من يأخذها) و لألفيتم دنياکم هذه عندي أزهد من عفطة عنز (و هو ما تنثره من أنفها) قال و ناوله رجل من أهل السواد کتابا فقطع کلامه و تناول الکتاب فقلت يا أمير المؤمنين لو أطردت مقالتک إلى حيث بلغت فقال هيهات هيهات يا ابن عباس تلک شقشقة (بالکسر شي ء کالرية يخرجه البعير من فيه إذا هاج)هدرت(هدير الجمل ترديده الصوت في حنجرته) ثم قرت (سکنت) قال ابن عباس فما أسفت على کلام قط کأسفي على کلام أمير المؤمنين (علیه السلام) إذ لم يبلغ به حيث أراد.»

في الخطبة تطويل اختصرناها هاهنا فدل على کراهيته من تقدم عليه و إنکاره ما صنعوه في ذلک.

مقتل علی (علیه السلام)

فی هذه اللیالی تروح و تجی الناس الی علی و منهم یبکی و منهم ینحب و اللعین ابن ملجم یقول اشتریت سیفی بالف و سممته بالف فلا یخذلنی.(2)

و امیر المؤمنین یقول فی ابن ملجم ارید حیاته و یرید قتلی(3)،

و ضرب علی ابن ابی طالب و و هو یقول الحکم لله و لیس لک یا علی.(4)

ایوجد اعبد منه لله عزوجل هل ابی طالب اکل مال یتیم هل ظلم احد؟ و لما صاح جبرائیل کل اولاد علی فزعوا الی المسجد وجدوه فی محرابه مطروح واقع علی وجهه هذا داحی باب خیبر هذا اللی شطر مرحب علی وجهه و یردد فزت و رب الکعبة و الحسن فی جنبه و الحسین یعصد براسه و یبکی، البعض یقولون اراد علی ان یکمل صلاته ما قدر و صلی من جلوس و امر الحسن باکمال الصلاة و قال لوده الحسین الیوم انت تعصب براسی غدا انت جثه بلاراس، اجرکم الله صلوا و اولاده حملوه الی البیت شافتهم زینب:

صدت او نادت يالمجبلين*هالشايلينه اوياکم امنين

اسمع هظل واصياح صوبين*خاف انقتل عُودي يطيبين

لمن سمعها الحسن واحسين*صاحو يزينب زيدي الونين

ابوچ انطبر والراس نصين

صاحت او هملت دمعة العين*عگبک يبويه اوجوهنه وين

شالوه بعد أن ضرب أمير المؤمنين عليه أدخل (علیه السلام) إلى حجرته وأقبلت زينب وأم کلثوم حتى جلستا معه على فراشه، وأقبلتا تندبانه وتقولان: يا أبتاه من للصغير حتى يکبر؟ ومن للکبير بين الملا؟ يا أبتاه حزننا عليک طويل، وعبرتنا لا ترقأ، فضج الناس من وراء الحجرة بالبکاء والنحيب، وفاضت دموع أمير المؤمنين (علیه السلام) عند ذلک. (5)

(دموع زينب أبکت أمير المؤمنين (علیه السلام) أقول: عز عليک سيدي دموع زينب، لما رأتک مشقوق الرأس، إذا ليتک تراها يوم عاشوراء، عندما وقفت على أخيها الحسين (علیه السلام) تودعه، وهو جثة بلا رأس، تگله خويه:

أنا الصار بيه وما جرى ابناس*ترى شاهدتک جسد بالخيل تنداس

يخويه وتالي الوقت ودعتک بلا راس*

الجسد

والراس صارن لي ابمکانين)

ثم دعا الحسن (علیه السلام) والحسين (علیه السلام) وجعل يقلب طرفه وينظر إلى أهل بيته وأولاده فقال: الرفيق الأعلى خير مستقرا وأحسن مقيلا، ضربة

ص: 191


1- ([1]) و قیل أن أمير المؤمنين (علیه السلام) إنما کان يومئذ جالسا محتبيا و هي جلسة رسول الله (صلی الله علیه و آله) المسماة بالقرفصاء و هي جمع الرکبتين و جمع الذيل، فلما اجتمعوا ليبايعوه زاحموه حتى وطئوا ابهاميه و شقوا ذيله بالوطى و لم يعن الحسن و الحسين (علیهما السلام) و هما رجلان کساير الحاضرين.
2- ([2]) بحار الأنوار، ج 42، ص 289
3- ([1]) إثبات الهداة، الحر العاملي، ج 3، ص 506
4- ([2]) أنساب الأشراف، البلاذري، ج 2، ص 49
5- ([3]) بحار الأنوار، ج 42، ص 289

بضربة، أو العفو إن کان ذلک ثم عرق ثم أفاق، فقال: رأيت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يأمرني بالرواح إليه ولما أفاق ناوله الحسن (علیه السلام) ظرفا من لبن، فشرب منه قليلا ثم نحاه عن فيه، وقال: احملوه إلى أسيرکم، ثم قال للحسن (علیه السلام): بحقي عليک يا بني إلا ما طيبتم مطعمه ومشربه، وارفقوا به إلى حين موتي، وتطعمه مما تأکل وتسقيه مما تشرب حتى تکون أکرم منه، فعند ذلک حملوا إليه اللبن وأخبروه بما قال أمير المؤمنين (علیه السلام) في حقه، فأخذه اللعين وشربه و جيء باللعين مکتوفا فقالت له أم کلثوم وهي تبکي: يا ويلک، أما أبي فإنه لا بأس عليه، وإن الله مخزيک في الدنيا والاخرة، وإن مصيرک إلى النار خالدا فيها، فقال لها ابن ملجم لعنه الله: ابکي إن کنت باکية فوالله لقد اشتريت سيفي هذا بألف وسممته بألف، ولو کانت ضربتي هذه لجميع أهل الکوفة ما نجا منهم أحد.(1)

و امیر المؤمنین (علیه السلام) یقول فی ابن ملجم ارید حیاته و یرید قتلی(2)،

و ضرب علی ابن ابی طالب (علیه السلام) و هو یقول الحکم لله و لیس لک یا علی(3) ایوجد اعبد منه (علیه السلام) لله عزوجل و هل ابن ابی طالب اکل مال یتیم هل ظلم احد؟

وجمع له أطباء الکوفة فلم يکن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السکوني، ولما نظر إلى جرح أمير المؤمنين (علیه السلام) دعا برئة شاة حارة واستخرج عرقا منها، فأدخله في الجرح ثم استخرجه فإذا عليه بياض الدماغ، فقال له: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدک فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسک.(4)

قال محمد بن الحنفية: بتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع أبي، وقد نزل السم إلى قدميه، وکان يصلي تلک الليلة من جلوس، ولم يزل يوصينا بوصايا و فی وصیته:"بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريک له، وأن محمدا عبده ورسوله ثم إني أوصيک يا حسن وجميع

ص: 192


1- ([1]) بحار الأنوار، ج 42، ص 289
2- ([2]) إثبات الهداة، الحر العاملي، ج 3، ص 506
3- ([3]) أنساب الأشراف، البلاذري، ج 2، ص 49
4- ([4]) بحار الأنوار، المجلسي، ج 42، ص 234

أهل بيتي وولدي ومن بلغه کتابي بتقوى الله ربکم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، الله الله في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم(1) ولا يضيعوا بحضرتکم.

فقد سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: "من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله عزوجل له بذلک الجنة کما أوجب لاکل مال اليتيم النار" الله الله في القرآن، فلا يسبقکم إلى العمل به أحد غيرکم الله الله في جيرانکم فإن النبي (صلی الله علیه و آله) أوصى بهم، وما زال رسول الله (صلی الله علیه و آله) يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورثهم الله الله في بيت ربکم، فلا يخلو منکم ما بقيتم فإنه إن ترک لم تناظروا(2)، الله الله في الصلاة، فإنها خير العمل، إنها عمود دينکم الله الله في الزکاة، فإنها تطفئ غضب ربکم الله الله في شهر رمضان، فإن صيامه جنة من النار الله الله في الفقراء والمساکين، فشارکوهم في معايشکم الله الله في الجهاد بأموالکم وأنفسکم وألسنتکم، الله الله في ذرية نبيکم، فلا يظلمن بحضرتکم وبين ظهرانيکم عنهم الله الله في النساء وفيما ملکت أيمانکم.

فإن اخر ما تکلم به نبيکم (علیه السلام) أن قال: أوصيکم بالضعيفين: النساء وما ملکت أيمانکم. فلما أصبح استأذن الناس عليه، فأذن لهم بالدخول، فدخلوا عليه وأقبلوا يسلمون عليه، وهو يرد (علیه السلام)، ثم قال: أيها الناس اسألوني قبل أن تفقدوني وخففوا سؤالکم لمصيبة إمامکم، فبکى الناس عند ذلک بکاءا شديدا، وأشفقوا أن يسألوه تخفيفا عنه.

فقام إليه حجر بن عدي الطائي وقال:

فيا أسفي على المولى التقي*أبو الأطهار حيدرة الزکي

قتله کافر حنث زنيم*لعين فاسق نغل شقي

فيلعن ربنا من حاد عنکم*ويبرء منکم لعنا وبي

فلما بصر به وسمع شعره، قال له: کيف لي بک إذا دعيت إلى البراءة مني، فما عساک أن تقول؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين لو قطعت بالسيف إربا إربا وأضرم لي النار وألقيت فيه، لاثرت ذلک على البراءة منک، فقال: وفقت لکل خير يا حجر، جزاک الله خيرا عن أهل بيت نبيک.(3)

ص: 193


1- ([1]) لا تغبوا افواههم: اى لا تقطعوا صلتکم عنهم و صلوا افواههم بالطعام دوما.
2- ([2]) لم تناظروا، مبني للمجهول: اي لا ينظر إليکم بالکرامة و الرحمة من اللّه و غيره إن اهملتم تعاليم الدين و فرائضه.
3- ([3]) بحار الأنوار، ج 42، ص 290 و تعريب منتهى الآمال، ج 1، ص 345

يقول الأصبغ بن نباتة السعدي:(1) لما ضرب ابن ملجم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) غدونا عليه نفر من أصحابنا، أنا والحارث وسويد بن غفلة وجماعة معنا، فقعدنا على الباب فسمعنا البکاء فبکينا، فخرج إلينا الحسن بن علي (علیه السلام) فقال: يقول لکم أمير المؤمنين: انصرفوا إلى منازلکم، فانصرف القوم غيري، فاشتد البکاء من منزله، فبکيت وخرج الحسن (علیه السلام) وقال: ألم أقل لکم انصرفو، فقلت: لا والله يا بن رسول الله، ما تتابعني نفسي، ولا تحملني رجلي أن انصرف حتى أرى أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: وبکيت، فدخل فلم يلبث أن خرج فقال لي: ادخل، فدخلت على أمير المؤمنين (علیه السلام) فإذا هو مستند، معصوب الرأس بعمامة صفراء، قد نزف واصفر وجهه، ما أدري وجهه أصفر أم العمامة، فأکببت عليه فقبلته وبکيت، فقال لي: لا تبک يا أصبغ، فإنها والله الجنة، فقلت له: جعلت فداک، إني أعلم والله أنک تصير إلى الجنة، وإنما أبکي لفقداني إياک، يا أمير المؤمنين.(2)

ثم اقبل على ولديه الحسن (علیه السلام) والحسين (علیه السلام): يا أبا محمد ويا أبا عبد الله کأني بکما وقد خرجت عليکما من بعدي الفتن فاصبرا حتى يحکم الله وهو خير الحاکمين.

ولما رأى کثرة بکاء ولده الحسن (علیه السلام) قال: يا بني أتجزع على أبيک وغدا تقتل بعدي مسموما مظلوما؟ ويقتل أخوک بالسيف، وتلحقان بجدکما وأبيکما وأمکما. وقال مخاطبا الحسين (علیه السلام): يا أبا عبد الله أنت شهيد هذه الأمة فعليک بتقوى الله والصبر على بلائه وکأني بک تستسقي الماء فلا تسقى، وتنادي فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث، وکأني بأهل بيتک قد سبوا، وبثقلک قد نهب وکأني بالسماء قد أمطرت لقتلک دما ورمادا وکأني بالجن قد ناحت عليک، وکأني بموضع تربتک قد صار مختلف زوارک من الملائکة والمؤمنين.(3)

يقولون: ثم فتح الإمام (علیه السلام) عينيه ونادى أين ولدي أبو الفضل قال: نعم قال له تقدم حتى أجلسه عنده ثم نادى أين ابنتي العقيلة زينب قالت: نعم قال تقدمي ثم أخذ يد العقيلة وضعها بيد أبي الفضل وهو يقول: هذه

ص: 194


1- ([1]) بحار الأنوار، ج 42، ص 204 و أمالى المفيد، ص 208 و 209 و أمالى الطوسي، ص 76 و 77
2- ([2]) أمالي المفيد، ص 216- عنه في بحار الأنوار، ج 42، ص 204
3- ([3]) الدر النظيم، الشامي، ص 378

أمانتي عندک.(1) وکأني بأبي الفضل:

وناده عله عباس الکفو وناده العقيله*حط ايدهه بيده وغده المدمع يسيله

گله انت ظعن اوديعتي هاذي کفيله *

دگ صدره بيده ابن الوصي وحامي الحمية

کافل أنه يا والدي ظعن الوديعه*حدي وياهه الطيحتي جنب الشريعه

يعز عليک يا أمير المؤمنين أن ترى بناتک لما أدخلن إلى الکوفة واجتمع أهلها للنظر إليهم فصاحت أم کلثوم: يا أهل الکوفة، غضوا أبصارکم عنا. أما تستحون من الله و رسوله، أن تنظروا إلى حرم رسول الله (صلی الله علیه و آله) و هن حواسر.(2)

شمال الناس تتفرج علينه*عمت عينه اليصد بالعين لينه

یخطی الگال لن غايب ولينه*وهو فوق الرمح لينه ايتنظر

وأشرفت عليهن امرأة من الکوفيات ورأتهن على تلک الحالة، فقالت:

ص: 195


1- ([1]) نقلا عن: موقع معهد الإمامين الحسنين (علیه السلام)، الدرس الحادي عشر 1437و فیه: «حيدر على افراش المرض يوصي ابوصاياه*يودع ابحسره العايلة بدموع عيناه گلهم وصيتي بالحسن وحسين وياه*اثنيهم ولد النبي وروح الزکيه وناده عله عباس الکفو وناده العقيله*حط ايدهه بيده وغده المدمع يسيله گله انت ظعن اوديعتي هاذي کفيله*دگ صدره بيده ابن الوصي وحامي الحمية کافل أنه يا والدي ظعن الوديعه*حدي وياهه الطيحتي جنب الشريعه ينفضخ راسي ابعمد واکفوفي گطيعه*حال الحرم مو حالتي تصعب عليه وحگ جدها النبي الهادي وياه*ابو جودي الضيم مامرهه وياهه حدي الکطعت اچفوفي وياهه*اتعذرني لو طحت فوﮒ الوطيه *** العباس نادى معليا ذاک الندا*أبتاه يا روح المکارم والهدى أنا للعقيلة کافل في کربلا*لخيامها عهدا فلا تدنو العدى عذري إذا وافاني محتوم القضا*بعمود حقد حين يرديني الردى »
2- ([2]) موسوعة کربلاء، لبيب بيضون، ج 2، ص 265 نقلا عن: وسيلة الدارين، ص 355 و فیه: « و نظرت أم کلثوم إلى رأس أخيها، فبکت و شقت جيبها، و أنشأت تقول: ما ذا تقولون إذ قال النبي لکم*ما ذا فعلتم و أنتم اخر الأمم بعترتي و بأهلي بعد مفتقدي*منهم أسارى، و منهم ضرجوا بدم ما کان هذا جزائي إذ نصحت لکم*أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي إني لأخشى عليکم أن يحل بکم*مثل العذاب الذي يأتي على الأمم»

من أي الأسارى أنتن؟ قلن: نحن أسارى ال محمد وأخذ أهل الکوفة يناولون الأطفال التمر والخبز، فصاحت بهم زينب (علیها السلام): إن الصدقة حرام علينا أهل البيت، ثم رمت به إلى الأرض ساعد الله قلب بنات رسول الله لما لاح لهن رأس الحسين (علیه السلام) على رأس الرمح کيف نظرن إليه وبأي کلمات خاطبنه:

رأت الرمح زينب حين مالا*وعليه رأس الحسين تلالا

خاطبته مذ بان يزهو هلالا*يا هلالا لما استتم کمالا

غاله خسفه فأبدى غروبا

ما توهمت يا شقيق فؤادي*کان هذا مقدرا مکتوبا(1)

ص: 196


1- ([1]) فیه اشارة لما نقله المجلسی فی کتاب بحار الأنوار (بحار الأنوار، ج 45، ص 114 و رياض الأبرار، الجزائري، ج 1، ص 242) عن مسلم الجصاص انه قال: « دعاني ابن زياد لإصلاح دار الإمارة بالکوفة فبينما أنا أجصص الأبواب و إذا أنا بالزعقات (صیاح) قد ارتفعت من جنبات الکوفة فأقبلت على خادم کان معنا فقلت ما لي أرى الکوفة تضج قال الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد فقلت من هذا الخارجي فقال الحسين بن علي (علیه السلام) قال فترکت الخادم حتى خرج و لطمت وجهي حتى خشيت على عيني أن يذهب و غسلت يدي من الجص و خرجت من ظهر القصر و أتيت إلى الکناس فبينما أنا واقف و الناس يتوقعون وصول السبايا و الرؤس إذ قد اقبلت الجمال فيها الحرم و النساء و أولاد فاطمة (علیها السلام). و إذا بعلي بن الحسين (علیه السلام) على بعير بغير وطاء و أوداجه تشخب دما و هو مع ذلک يبکي و قال صار أهل الکوفة يناولون الأطفال الذين على المحامل بعض التمر و الخبز و الجوز فصاحت بهم أم کلثوم و قالت "يا أهل الکوفة إن الصدقة علينا حرام" و صارت تأخذ ذلک من أيدي الأطفال و أفواههم و ترمي به إلى الأرض قال کل ذلک و الناس يبکون على ما أصابهم (ثم خطبت فی الناس من جملة کلامها: (انظر: بلاغات النساء، ص 38) أ تدرون أي کبد لرسول الله (صلی الله علیه و آله) فريتم و أي کريمة له أبرزتم و أي دم له سفکتم) إذا بضجة قد ارتفعت فإذا هم أتوا بالرؤس (و کانت زینب مفارقة للرأس اذ اخذه الخولی لیلة الحادی عشر الی الکوفة) يقدمهم رأس الحسين (علیه السلام) فوق الرمح فالتفتت زينب (علیها السلام) فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها و أومأت إليه بحرقة و قالت: يا هلالا لما استتم کمالا*غاله خسفه فأبدا غروبا ما توهمت يا شقيق فؤادي*کان هذا مقدرا مکتوبا يا أخي فاطم الصغيرة کلمها*فقد کاد قلبها أن يذوبا»

لطمیة

طاح حيدر بالصلاه*انضرب بالهامه

طاح حيدر بالصلاه*انضرب بالهامه

واسمعت صوت الندا*من جميع ايتامه

ياهو بعده أيمر علينه ويرعه الايتام *

طلعت

الايتام ترکض وين ابونه المرتضه

وين کافلنه ترکنه بعده ميلمنه الفضاه *

ياهو بعده أيمرعلينه حتى نشعر بالرضه

لن يجيهم صوت يصرخ علي سلم للقضه

بمسجد الکوفه وگع*ينزف من اصوابه

والايتام اتوجهت*رکضت المحرابه

تلطم أعله الراس*شالت سود الاعلام

شافوا الايتام حيدر ناگع بفيض الدمه*

دگوا

اعله الراس صاحوا راح حماي الحمه

راح کافلنه وابونه راح راعي المرحمه*

بعده

ياهو يحير بينه الگوم کلها ظالمه

بعد حيدر من رحل ياهو اللي يمر بينه*

والدموع

اتهل مطر بعينه ومن عينه

الف وسفه شلون تالي تضيع الاحلام

طاح حيدر بالصلاه*انضرب بالهامه

لطمیة اخری

الله و اکبر على الهامة انطبر*الله و اکبر على الهامة انطبر(1)

الله و اکبر ابونه ابسجدته*الله اکبر على الهامة انطبر

سیف المرادی توسط هامته*الله اکبر على الهامة انطبر

او من ابطرت السیف انصبغت شیبته*الله اکبر على الهامة انطبر

محرابه مصبوغ من دمه حمر*الله اکبر على الهامة انطبر

الله و اکبر عزیز المصطفی*الله و اکبر على الهامة انطبر

علی الهامه مطبور و اجوه من الگفه*الله و اکبر على الهامة انطبر

یا طیحة الحید هضم شیوصفه*الله و اکبر على الهامة انطبر

ابن الیهودیه علی الوالی جسر*الله و اکبر على الهامة انطبر

ص: 197


1- ([1]) على الهامة انطبر، استشهاد الإمام علي (علیه السلام)، ملا عباس العقابي

الله و اکبر هضم ما ینحمل*الله و اکبر على الهامة انطبر

معقوله بوحسین یصلی او ینچتل*الله و اکبر على الهامة انطبر

و شحال الحسین و الگلب الصبرة*الله و اکبر على الهامة انطبر

نادی جبریل عرش الله انفطر*الله و اکبر على الهامة انطبر

من طیحة الیوم عسه الکون انعمه*الله و اکبر على الهامة انطبر

هل الیوم، هل الیوم نعزی الفاطمة*الله و اکبر على الهامة انطبر

بدموع العیون نواسی ام الخدر (زینب)*الله و اکبر على الهامة انطبر

الله و اکبر اجه عید الفطر*الله و اکبر على الهامة انطبر

و الیتامه اب بابه کله تنتظر*الله و اکبر على الهامة انطبر

الله و اکبر على الهامة انطبر*الله و اکبر على الهامة انطبر

ص: 198

الليلة العشرون (المجلس الثاني)

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم و الحمدلله رب العالمین و الصلاة و السلام علی اشرف الخلق اجمعین ابالقاسم محمد و علی ال بیته الطیبن الطاهرین المعصومین المظلومین لاسیما بقیة الله فی ارضه صاحب الزمان عجل الله فرجه الشریف و العنة علی اعدائهم اجمعین الی ابد الابدین. آمین یا رب العالمین.

صلی الله علیک یا ابا الحسن یا علی ابن ابی طالب یا امیر المؤمنین، صلی الله علیک یا سید الوصیین، صلی الله علیک یا اول الناس اسلاما و اقدمهم ایمانا یا علی، صلی الله علیک یا اخ الرسول و یا زوج البتول یا ابا السبطین حسن و حسین یا صاحب البیعتین ایها الضارب بالسیفین و الطاعن بالرمحین، صلی الله علیک یا مصلی القبلتین، صلی الله علیک فارس بدر و احد و حنین لعن الله من ظلمک و لعن الله من شارک بظلمک و لعن الله من سمع بظلمک فرضی به، صلی الله علیک یا اسد الله الغالب یا علی ابن ابی طالب صلی الله علیک یا شهید المحراب و یا داحی الباب صلی الله علیک یا ابا تراب صلی الله علیک یا ابا المساکین و الارامل و الایتام. انا سلم لمن سالمک و حرب لمن حاربک، موال لمن والاک و معاد لمن عاداک و ابرء الی الله من اعداک.

لم أنسه اذ قام في محرابه*وسواه في طيف الکرى يتمتع

فانسل يستل ابن ملجم سيفه*متخفيا والليل داج أسفع(1)

وعليه مذ رفع الصفيحة کاد من*جزع يخر له الصفيح الأرفع

والمسلمون تزاحموا في أخذه*وعليه قد سلوا السيوف وأشرعوا

ونعاه جبريل ونادى في السما*وعليه کادت بالندا تتقطع

اليوم أرکان الهدى قد هدمت*اليوم شمل المسلمين موزع

اليوم قد قتل ابن عم المصطفى*اليوم قد قتل الوصي الأنزع

لم أنس زينب مذ رأته وجسمه*من فيض مفرقه الشريف ملفع

فغدت تخضب شعرها بدمائه*وعليه تذرف دمعها وتفجع

هرعت إليه بنوه صارخة وقد*حاطت به ولها عيون تدمع

***

طلعت صارخة شبولک*وللمسجد لفت يمک

ص: 199


1- ([1]) الأسفع: الاسود

لنک يا وصي الهادي*خضيب الشيب من دمک

حاطت بيک ويلادک*تجري الدمع وتشمک

تصب الدمع عل خدين*لمصابک ينور العين*رفع راسک وشاله حسين

وگام يگلب بجرحک*ولف راسک بالعصابة

فتح عينه الوصي حيدر*وشاف ابنه يشد الراس

نادى حسين يوليدي*ويچه واختنگت الأنفاس

وانت من يشد جرحک*ونايم عل ثره العباس

يأبني من يصل يمک*يشوفک سابح بدمک*يحن عليک ويلمک

بس زينب بگت يحسين*ومنها العين سچابه

* *

لم تعرف الدنيا رجلاً جمع الفضائل ومکارم الأخلاق بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله) مثل الإمام علي (علیه السلام) و فضائله أکثر من أن تحصى، ومناقبه أبعد من أن تتناهى وظلت فضائله وأخلاقه ومکارمه حية متألقة علی مدی القرون.

فضائل علی ابن ابی طالب (علیه السلام)

اما علم الإمام علي (علیه السلام) فقد دللنا على أن علم علي کان أکثر من علم سائر الصحابة و مما يقوي ذلک ما روي أن عليا (علیه السلام) قال:(1)«علمني

رسول الله (صلی الله علیه و آله) ألف باب من العلم فانفتح لي من کل باب ألف باب» و أما الفضائل النفسانية فقد کان في الصحابة جمع من الزهاد کأبي ذر و سلمان و أبي الدرداء و کلهم کانوا فيه تلامذة علي (علیه السلام) و منها الشجاعة و قد کان في الصحابة جماعة و کانت شجاعته أکثر نفعا من شجاعة الکل أ لا ترى أن النبي (صلی الله علیه و آله) قال: «يوم الأحزاب لضربة علي خير من عبادة الثقلين.»(2)

ص: 200


1- ([1]) إعلام الورى: 165، و نقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار، ج 40، ص 144
2- ([2]) إثبات الهداة بالنصوص و المعجزات، ج 3، ص 301 نقلا عن: مناقب الخوارزمي: 107 و قال عضد الدين الإيجي في المواقف (3: 627- 628): و قد اجتمع في علي (علیه السلام) من الکمالات ما تفرق في الصحابة: الأول: في العلم، و علي أعلم الصحابة. الثاني: الزهد، الثالث: الکرم، الرابع: الشجاعة، تواتر مکافحته للحروب و لقاء الأبطال، و قتل أکابر الجاهلية، حتى قال (علیه السلام) يوم الأحزاب: «لضربة علي خير من عبادة الثقلين»، و تواتر وقائعه في خيبر و غيره ....

و قال علي (علیه السلام) و الله ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية لکن بقوة إلهية. و منها السخاوة و قد کان في الصحابة جمع من الأسخياء و قد بلغ إخلاصه في سخاوته إلى أن أعطى ثلاثة أقراص فأنزل الله تعالى في حقه (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْکينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)(1) و منها حسن الخلق و قد کان مع غاية شجاعته و بسالته حسن الخلق جدا و قد بلغ فيه إلى حيث نسبه أعداؤه إلى الدعابة و منها البعد عن الدنيا و ظاهر أنه کان مع انفتاح أبواب الدنيا عليه لم يظهر التنعم و التلذذ و کان مع غاية شجاعته إذا شرع في صلاة التهجد و شرح في الدعوات و التضرعات إلى الله تعالى بلغ مبلغا لا يوازيه أحد ممن جاء بعده من الزهاد.

توجهه للفقراء

من الصفات البارزة لأمير المؤمنين (علیه السلام) الرأفة الکاملة بالفقراء، فکان لهم أبا، وعليهم عطوفا، وقد واساهم في مکاره الدهر وجشوبة العيش وخشونة اللباس، وهو القائل أيام خلافته:(2)«أو

أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأکباد حرى، أو أکون کما قال القائل:

وحسبک داء أن تبيت ببطنة*وحولک أکباد تحن إلى القد»

لقد کان أبو الحسن (علیه السلام) ملاذا للفقراء وصديقا حميما للبؤساء، وقد تبنى قضاياهم في جميع مراحل حياته خصوصا في أيام خلافته. إن من أوليات المبادئ التي امن بها واعتنقها هي القضاء على البؤس والحرمان، وتوزيع خيرات الله تعالى على عباده، فلا يختص بها فريق دون فريق، ولا قوم دون اخرين، وکانت مواساته للفقراء ومساواتهم للأغنياء من الأسباب الهامة في بغض البعض له، واندفاعهم إلى مناجزته، ووضعهم العراقيل والسدود أمام مخططاته الهادفة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في الأرض. ومن مظاهر مواساته للفقراء في الامهم ومکارههم.

و روی:(3)« نظر علي (علیه السلام) إلى امرأة على کتفها قربة ماء فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها و سألها عن حالها فقالت بعث علي بن أبي طالب صاحبي إلى بعض الثغور فقتل و ترک علي صبيانا يتامى و ليس عندي شي ء فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس فانصرف و

ص: 201


1- ([1]) الانسان: 8
2- ([2]) نهج البلاغة لصبحي صالح، ص 418
3- ([3]) مناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب، ج 2، ص 115

بات ليلته قلقا فلما أصبح حمل زنبيلا فيه طعام فقال بعضهم أعطني أحمله عنک فقال من يحمل وزري عني يوم القيامة فأتى و قرع الباب فقالت من هذا قال أنا ذلک العبد الذي حمل معک القربة فافتحي فإن معي شيئا للصبيان فقالت رضي الله عنک و حکم بيني و بين علي بن أبي طالب فدخل و قال إني أحببت اکتساب الثواب فاختاري بين أن تعجنين و تخبزين و بين أن تعللين الصبيان لأخبز أنا فقالت أنا بالخبز أبصر و عليه أقدر و لکن شأنک و الصبيان فعللهم حتى أفرغ من الخبز فعمدت إلى الدقيق فعجنته و عمد علي (علیه السلام) إلى اللحم فطبخه و جعل يلقم الصبيان من اللحم و التمر و غيره فکلما ناول الصبيان من ذلک شيئا قال له يا بني اجعل علي بن أبي طالب في حل مما مر في أمرک فلما اختمر العجين قالت يا عبد الله سجر التنور فبادر لسجره فلما أشعله و لفح في وجهه جعل يقول ذق يا علي هذا جزاء من ضيع الأرامل و اليتامى فرأته امرأة تعرفه فقالت ويحک هذا أمير المؤمنين قال فبادرت المرأة و هي تقول وا حياي منک يا أمير المؤمنين فقال بل وا حياي منک يا أمة الله فيما قصرت في أمرک»

عدالته و حفظه للأمانة

من الصفات التي تميز بها أمير المؤمنين (علیه السلام) إقامة العدل، وإيثاره على کل شيء، خصوصا في أيام خلافته، فقد تجرد عن جميع المحسوبيات، واثر رضا الله تعالى ومصلحة الأمة على کل شيء.(1) وکان من ضروب عدله ما يأتي:

"ابن شهراشوب" فی کتابه "المناقب" ینقل لنا بعض الروایات فی ذلک ننقلها هنا کاملة عنه ، قال:(2)«و قدم عليه عقيل فقال للحسن اکس عمک فکساه قميصا من قميصه و رداء من أرديته فلما حضر العشاء فإذا هو خبز و ملح فقال عقيل ليس ما أرى فقال أ و ليس هذا من نعمة الله فله الحمد کثيرا فقال أعطني ما أقضي به ديني و عجل سراحي حتى أرحل عنک قال فکم دينک يا أبا يزيد قال مائة ألف درهم قال و الله ما هي عندي و لا أملکها.

و لکن اصبر حتى يخرج عطاي فأواسيکه و لو لا أنه لا بد للعيال من شي ء لأعطيتک کله فقال عقيل بيت المال في يدک و أنت تسوفني إلى عطائک و کم عطاؤک و ما عسى يکون و لو أعطيتنيه کله فقال ما أنا

ص: 202


1- ([1]) شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 45
2- ([2]) مناقب ال أبي طالب (علیه السلام) لابن شهراشوب، ج 2، ص 109

و أنت فيه إلا بمنزلة رجل من المسلمين و کانا يتکلمان فوق قصر الإمارة مشرفين على صناديق أهل السوق فقال له علي (علیه السلام) إن أبيت يا أبا يزيد ما أقول فانزل إلى بعض هذه الصناديق فاکسر أقفاله و خذ ما فيه فقال و ما في هذه الصناديق قال فيها أموال التجار قال أ تأمرني أن أکسر صناديق قوم قد توکلوا على الله و جعلوا فيها أموالهم فقال أمير المؤمنين أ تأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأعطيک أموالهم و قد توکلوا على الله و أقفلوا عليها و إن شئت أخذت سيفک و أخذت سيفي و خرجنا جميعا إلى الحيرة فإن بها تجارا مياسير فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله فقال أ و سارق جئت قال تسرق من واحد خير من أن تسرق من المسلمين جميعا قال له أ فتأذن لي أن أخرج إلى معاوية فقال له قد أذنت لک قال فأعني على سفري هذا قال يا حسن أعط عمک أربعمائة درهم فخرج عقيل و هو يقول

سيغنيني الذي أغناک عني*و يقضي ديننا رب قريب.»(1)

ص: 203


1- ([1]) جاء فی کتاب (شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار (علیهم السلام)، ج 2، ص 100) ما نصه: جاء من خبر عقيل بن أبي طالب، و ذلک أنه أتى الى علي (علیه السلام) يسأله أن يعطيه، فقال له علي (علیه السلام): تلزم علي حتى يخرج عطائي فاعطيک. فقال: و ما عندک غير هذا؟ قال: لا. فلحق معاوية فلما صار إليه، حفل به و سر بقدومه، و أجزل العطاء له، و أکرم نزله.ثم جمع وجوه الناس ممن معه و جلس و ذکر لهم قدوم عقيل، و قال: ما ظنکم برجل لم يصلح لأخيه حتى فارقه و آثرنا عليه، و دعا به.فلما دخل رحب به و قربه، و أقبل عليه، و مازحه، و قال: يا أبا يزيد من خير لک أنا أو علي؟ فقال له عقيل: أنت خير لنا من علي، و علي خير لنفسه منک لنفسک. فضحک معاوية و أراد أن يستر بضحکه ما قاله عقيل عمن حضر و سکت عنه فجعل عقيل ينظر الى من في مجلس معاوية و يضحک فقال له معاوية: ما يضحک يا أبا يزيد؟ فقال: ضحکت و الله إني کنت عند علي، و التفت الى جلسائه فلم أر غير المهاجرين، و الأنصار، و البدريين، و أهل بيعة الرضوان، و أخاير أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله)، و تصفحت من في مجلسک هذا فلم أر إلا الطلقاء أصحابي و بقايا الأحزاب أصحابک. و کان عقيل ممن أسر يوم بدر، و فيمن اطلق بفکاک فکه به العباس مع نفسه. فقال له معاوية: و أنت من الطلقاء يا أبا يزيد؟ فقال: إي و الله، و لکني أبت الى الحق، و خرج منه هؤلاء معک. قال: فلما ذا جئتنا؟ قال: لطلب الدنيا. فاراد أن يقطع قوله، فالتفت الى أهل الشام، فقال: يا أهل الشام أسمعتم قول الله عز و جل: «تبت يدا أبي لهب» قالوا: نعم. قال: فأبو لهب عم هذا الشيخ المتکلم يعني عقيل و ضحک و ضحکوا. فقال لهم عقيل: فهل سمعتم قول الله عز و جل: «و امرأته حمالة الحطب». هي عمة أميرکم معاوية، هي ابنة حرب بن أمية زوجة عمي أبي لهب و هما جميعا في النار، فانظروا أيهما أفضل الراکب أم المرکوب؟ فلما نظر معاوية الى جوابه قال: إن کنت إنما جئتنا يا أبا يزيد للدنيا فقد أنلناک منها ما قسم لک، و نحن نزيدک، و الحق بأخيک، فحسبنا ما لقينا منک. فقال عقيل: و الله لقد ترکت معه الدين، و اقبلت الى دنياک، فما أصبت من دينه، و لا نلت من دنياک عوضا منه، و ما کثير اعطائک إياي، و قليله عندي إلا سواء، و إن کل ذلک عندي لقليل في جنب ما ترکت من علي، و انصرف على علي (علیه السلام) .

«و ذکر عمرو بن العاص أن عقيلا لما سأل عطاه من بيت المال قال له أمير المؤمنين تقيم إلي يوم الجمعة فأقام فلما صلى أمير المؤمنين الجمعة قال لعقيل ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين قال بئس الرجل ذاک قال فأنت تأمرني أن أخون هؤلاء و أعطيک».

و من خطبة له (علیه السلام): «و لقد رأيت عقيلا و قد أملق(1)

حتى استماحني(2)

من برکم صاعا(3)

و عاودني عشر وسق(4)

من شعيرکم يقضمه جياعه و کاد يطوي ثالث أيامه خامصا(5) ما استطاعه و لقد رأيت أطفاله شعث الألوان من صرهم کأنما اشمأزت(6) وجوههم من قرهم(7)

فلما عاودني في قوله و کرره أصغيت إليه سمعي فغره و ظنني أوتغ ديني(8) و أتبع ما أسره أحميت له حديدة لينزجر إذ لا يستطيع مسها و لا يصبر ثم أدنيتها من جسمه فضج من ألمه ضجيج دنف يئن من سقمه و کاد يسبني سفها من کظمه و لحرقه في لظى أدنى له من عدمه(9)

فقلت له ثکلتک الثواکل يا عقيل أ تئن من أذى و لا أئن من لظى(10)».

و «عن أم عثمان أم ولد علي قالت جئت عليا و بين يديه قرنفل مکتوب

ص: 204


1- ([1]) ای افتقر
2- ([2]) الاستماحة: طلب الجود
3- ([3]) الصاع: مقدار يکال به، وهو ما يوازي ثلاث کيلو تقريبا و الوسق: هو مکيال يعادل ستين صاعا
4- ([4]) ای واحد من العشرة من وزن الوسق شعیرا
5- ([5]) أي يماطل أولاده في ثالث الايام استطاع ما حال کونه خامصا أي جائعا
6- ([6]) ای انقبضت و اقشعرت
7- ([7]) القر "بضم القاف والراء المشددة": البرد
8- ([8]) أوتغ: أهلک، من وتغ يرتغ: هلک يهلک
9- ([9]) العدم "بضم العين المهملة": الفقدان والفقر
10- ([10]) أذى: الوجع و لظى: نار جهنم

في الرحبة فقلت يا أمير المؤمنين هب لابنتي من هذا القرنفل قلادة فقال هاک ذا و نفذ بيده إلي درهما فإنما هذا للمسلمين أولا فاصبري حتى يأتينا حظنا منه فنهب لابنتک قلادة»

و «سأله عبد الله بن زمعة مالا فقال إن هذا المال ليس لي و لا لک و إنما هو للمسلمين و جلب أسيافهم فإن شرکتهم في حربهم کان لک مثل حظهم و إلا فجناة أيديهم لا تکون لغير أفواههم» و «جاء إليه عاصم بن ميثم و هو يقسم مالا فقال يا أمير المؤمنين إني شيخ کبير مثقل قال و الله ما هو بکد يدي و لا بتراثي عن والدي و لکنها أماني أوعيتها ثم قال رحم الله من أعان شيخا کبيرا مثقلا» و «عن ابن مردويه أنه لما أقبل من اليمن تعجل إلى النبي و استخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه فعمد ذلک الرجل فکسا کل رجل من القوم حلة من البز الذي کان مع علي فلما دنا جيشه خرج علي ليتلقاهم فإذا هم عليهم الحلل فقال ويلک ما هذا قال کسوتهم ليجملوا به إذا قدموا في الناس قال ويلک من قبل أن تنتهي إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال فانتزع الحلل من الناس و ردها في البز و أظهر الجيش شکاية لما صنع بهم.» ثم روى عن الخدري أنه قال: «شکا الناس عليا (علیه السلام) فقام رسول الله (صلی الله علیه و آله) خطيبا فقال أيها الناس لا تشکوا عليا فو الله إنه لخشن في ذات الله».

و سمعت(1) مذاکرة أنه دخل عليه عمرو بن العاص ليلة و هو في بيت المال فطفأ السراج و جلس في ضوء القمر و لم يستحل أن يجلس في الضوء من غير استحقاق و من کلام له فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان و الله لو وجدته قد تزوج به النساء و ملک به الإماء لرددته فإن في العدل سعة و من ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق.» انتهی ما نقلناه من کتاب مناقب آل أبي طالب (علیه السلام) لابن شهرآشوب.(2)

هذا هو العدل الذي جعله الإمام (علیه السلام) أساسا لدولته ليسير عليها حکام المسلمين من بعده إلا أنهم شذوا وابتعدوا عن سيرته، وناقضوه، فأنفقوا أموال المسلمين على شهواتهم وملذاتهم، وأسرفوا في ذلک إلى حد بعيد.(3)

ص: 205


1- ([1]) القائل ابن شهرآشوب
2- ([2]) مناقب آل أبي طالب (علیه السلام) لابن شهرآشوب، ج 2، ص 109 - 110
3- ([3]) شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 48

اخبار رسول الله (صلی الله علیه و آله) عن شهادته

و عن أمير المؤمنين (علیه السلام) أنه سأل رسول الله (صلی الله علیه و آله) ما أفضل الأعمال في شهر رمضان؟ قال: «الورع عن محارم الله، ثم بکى، فقلت: ما يبکيک يا رسول الله؟ قال: أبکي لما يحل عليک من بعدي في شهر رمضان، کأني بک وأنت في محرابک إذ انبعث إليک أشقى الخلق من الأولين والاخرين شقيق عاقر ناقة صالح فيضربک ضربة على مفرق رأسک ويشقه نصفين ويخضب لحيتک من دم رأسک، فقلت له: يا سيدي أفي سلامة من ديني؟ فقال: نعم يا علي، من قتلت فقد قتلني، ومن سبک فقد سبني، لأنک مني وأنا منک، وروحک روحي وروحي روحک، إلى أن قال: وإنه لا يقرب الحوض مبغض لک أبدا، ولن يغيب عنه محب لک أبدا».(1)

فلما مضى من شهر رمضان شطره دخل المسجد يوما فصلى رکعتين ثم صعد المنبر وخطب خطبة حسناء، أکثر من الحمد والثناء ثم التفت إلى ولده الحسن فقال له: يا أبا محمد کم بقي من شهرنا هذا؟ فقال الحسن (علیه السلام): ثلاثة عشر يوما يا أمير المؤمنين، ثم التفت إلى ولده الحسين (علیه السلام) وقال: يا أبا عبد الله کم مضى من شهرنا هذا؟ فقال الحسين (علیه السلام): سبع عشرة ليلة يا أمير المؤمنين، فضرب على لحيته وهي يومئذ بيضاء، فقال: الله أکبر، الله أکبر، ليخضبنها بدمها إذا انبعث أشقاها أقول: لقد انبعث أشقاها وهاهي لحية أمير المؤمنين الکريمة مخضبة بدماء رأسه، و هاهو مکبوب على وجهه في محراب العبادة.(2)

نعي

قال أرباب التاريخ: لما ضرب أمير المؤمنين (علیه السلام) في محرابه ونعاه جبرئيل أقبل أولاده إلى المسجد والناس يهرعون فامتلأ المسجد بالناس وجاءه الحسن (علیه السلام) فراه والدم يسيل على کريمته المبارکة هو ينظر في

ص: 206


1- ([1]) الأمالي، للصدوق، ص 93 و فضائل الأشهر الثلاثة، ص 77 و عيون اخبار الرضا (علیه السلام)، ج 1، ص 295 و إقبال الأعمال، ج 1، ص 2 و قال العلامة المجلسی الاول فی صحة سند هذه الخطبة ما نصه: « روي أيضا في الموثق کالصحيح عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) قال: إن رسول الله (صلی الله علیه و آله) خطبنا ذات يوم، فقال: أيها الناس إنه قد أقبل إليکم شهر الله بالبرکة...» انظر: روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 277
2- ([2]) إحقاق الحق، الشوشتري، ج 8، ص 138 نقلا عن: مطالب السؤول، لمحمد بن طلحة الشافعي، ص 47 و الفتوح، لابن أعثم، ج 4، ص 276

الافاق. وأخرج الحسين (علیه السلام) من جيبه منديلا أصفرا وعصب به رأس والده فقال: له الحسن (علیه السلام) يا أبتاه من قتلک؟ قال: (علیه السلام) ان ملجم، فقال الحسن (علیه السلام): من أي طريق مضى؟ قال لا يمضي أحد في طلبه فإنه سيطلع عليکم من هذا الباب وأشار إلى باب کندة.

واشتغل الناس بالنظر إلى باب کندة وإذا بالضجة قد ارتفعت وقد جاءوا باللعين ابن ملجم مکشوف الرأس مکتوفا وقد ألقي عليه القبض في حارة الکوفة وکان يريد الهروب إلى الحيرة فوقع الناس بعضهم على بعض هذا يلطمه وهذا يصفعه وهم يقولون يا عدو الله أهلکت الأمة وقتلت خير الناس وهو ساکت لا يتکلم وسأله الحسن (علیه السلام): يا لعين قتلت أمير المؤمنين وإمام المسلمين؟ هذا جزاؤه منک حين اواک وقربک وأدناک واثرک على غيرک.(1)

ص: 207


1- ([1]) تعريب منتهى الآمال، ج 1، ص 340 و بحار الأنوار، المجلسي، ج 42، ص 285 و فیه: «التفت الحسن ع إلى الذي جاء به حذيفة رضي الله عنه فقال له کيف ظفرت بعدو الله و أين لقيته فقال يا مولاي إن حديثي معه لعجيب و ذلک أني کنت البارحة نائما في داري و زوجتي إلى جانبي و هي من غطفان و أنا راقد و هي مستيقظة إذ سمعت هي الزعقة و ناعيا ينعى أمير المؤمنين ع و هو يقول تهدمت و الله أرکان الهدى و انطمست و الله أعلام التقى قتل ابن عم محمد المصطفى قتل علي المرتضى قتله أشقى الأشقياء فأيقظتني و قالت لي أنت نائم و قد قتل إمامک علي بن أبي طالب فانتبهت من کلامها فزعا مرعوبا و قلت لها يا ويلک ما هذا الکلام رض الله فاک لعل الشيطان قد ألقى في سمعک هذا أو حلم ألقي عليک يا ويلک إن أمير المؤمنين ليس لأحد من خلق الله تعالى قبله تبعة و لا ظلامة و إنه لليتيم کالأب الرحيم و للأرملة کالزوج العطوف و بعد ذلک فمن ذا الذي يقدر على قتل أمير المؤمنين و هو الأسد الضرغام و البطل الهمام و الفارس القمقام فأکثرت علي و قالت إني سمعت ما لم تسمع و علمت ما لم تعلم فقلت لها و ما سمعت فأخبرتني بالصوت فقالت لي سمعت ناعيا ينادي بأعلى صوته تهدمت و الله أرکان الهدى و انطمست و الله أعلام التقى قتل ابن عم محمد المصطفى قتل علي المرتضى قتله أشقى الأشقياء ثم قالت ما أظن بيتا في الکوفة إلا و قد دخله هذا الصوت قال فبينما أنا و هي في مراجعة الکلام و إذا بصيحة عظيمة و جلبة و ضجة عظيمة و قائل يقول قتل أمير المؤمنين فحس قلبي بالشر فمددت يدي إلى سيفي و سللته من غمده و أخذته و نزلت مسرعا و فتحت باب داري و خرجت فلما صرت في وسط الجادة فنظرت يمينا و شمالا و إذا بعدو الله يجول فيها يطلب مهربا فلم يجد و إذا قد انسدت الطرقات في وجهه فلما نظرت إليه و هو کذلک رابني أمره فناديته يا ويلک من أنت و ما تريد لا أم لک في وسط هذا الدرب تمر و تجي ء فتسمى بغير اسمه و انتمى إلى غير کنيته فقلت له من أين أقبلت قال من منزلي قلت و إلى أين تريد تمضي في هذا الوقت قال إلى الحيرة فقلت و لم لا تقعد حتى تصلي مع أمير المؤمنين (علیه السلام) صلاة الغداة و تمضي في حاجتک فقال أخشى أن أقعد للصلاة فتفوتني حاجتي فقلت يا ويلک إني سمعت صيحة و قائلا يقول قتل أمير المؤمنين (علیه السلام) فهل عندک من ذلک خبر قال لا علم لي بذلک فقلت له و لم لا تمضي معي حتى تحقق الخبر و تمضي في حاجتک فقال أنا ماض في حاجتي و هي أهم من ذلک فلما قال لي مثل ذلک القول قلت يا لکع الرجال حاجتک أحب إليک من التجسس لأمير المؤمنين (علیه السلام) و إمام المسلمين و إذا و الله يا لکع ما لک عند الله من خلاق و حملت عليه بسيفي و هممت أن أعلو به فراغ عني فبينما أنا أخاطبه و هو يخاطبني إذ هبت ريح فکشفت إزاره و إذا بسيفه يلمع تحت الإزار کأنه مراة مصقولة فلما رأيت بريقه تحت ثيابه قلت يا ويلک ما هذا السيف المشهور تحت ثيابک لعلک أنت قاتل أمير المؤمنين فأراد أن يقول لا فأنطق الله لسانه بالحق فقال نعم فرفعت سيفي و ضربته فرفع هو سيفه و هم أن يعلوني به فانحرفت عنه فضربته على ساقيه فأوقفته و وقع لحينه و وقعت عليه و صرخت صرخة شديدة و أردت اخذ سيفه فمانعني عنه فخرج أهل الحيرة فأعانوني عليه حتى أوثقته کتافا و جئتک به فها هو بين يديک جعلني الله فداک فاصنع ما شئت. فقال الحسن (علیه السلام) الحمد لله الذي نصر وليه و خذل عدوه ثم انکب الحسن (علیه السلام) على أبيه يقبله و قال له يا أباه هذا عدو الله و عدوک قد أمکن الله منه فلم يجبه و کان نائما فکره أن يوقظه من نومه فرقد ساعة ثم فتح (علیه السلام) عينيه و هو يقول ارفقوا بي يا ملائکة ربي فقال له الحسن (علیه السلام) هذا عدو الله و عدوک ابن ملجم قد أمکن الله منه و قد حضر بين يديک قال ففتح أمير المؤمنين ع عينيه و نظر إليه و هو مکتوف و سيفه معلق في عنقه فقال له بضعف و انکسار صوت و رأفة و رحمة يا هذا لقد جئت عظيما و ارتکبت أمرا عظيما و خطبا جسيما أ بئس الإمام کنت لک حتى جازيتني بهذا الجزاء أ لم أکن شفيقا عليک و اثرتک على غيرک و أحسنت إليک و زدت في إعطائک أ لم يکن يقال لي فيک کذا و کذا فخليت لک السبيل و منحتک عطائي و قد کنت أعلم أنک قاتلي لا محالة و لکن رجوت بذلک الاستظهار من الله تعالى عليک يا لکع و عل أن ترجع عن غيک فغلبت عليک الشقاوة فقتلتني يا شقي الأشقياء قال فدمعت عينا ابن ملجم لعنه الله تعالى و قال يا أمير المؤمنين أ فأنت تنقذ من في النار قال له صدقت ثم التفت (علیه السلام) إلى ولده الحسن (علیه السلام) و قال له ارفق يا ولدي بأسيرک و ارحمه و أحسن إليه و أشفق عليه أ لا ترى إلى عينيه قد طارتا في أم رأسه و قلبه يرجف خوفا و رعبا و فزعا فقال له الحسن ع يا أباه قد قتلک هذا اللعين الفاجر و أفجعنا فيک و أنت تأمرنا بالرفق به فقال له نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلا کرما و عفوا و الرحمة و الشفقة من شيمتنا لا من شيمته بحقي عليک فأطعمه يا بني مما تأکله و اسقه مما تشرب و لا تقيد له قدما و لا تغل له يدا.»

ص: 208

اشسويت بينه يبن ملجم*ابسيف ضربته ناجع ابسم

او من ضربتک راسه تهشم

انطبر حامي الحمه المعروف طيبه*او بعد ما شوف ابونه بيه طيبه

خبروا اهل مکه واهل طيبه*انچتل وايسيل دمه اعله الوطيه

ثم انکب الحسن على أبيه يقبله ويقول له: يا أبه هذا عدو الله ابن ملجم جيء به مکتوفا فقال له: يا بني ارفق بأسيرک فأطعمه مما تأکل واسقه مما تشرب. قال الراوي: وأمر الحسن به أن يسجن فسجن ثم حملوا أمير المؤمنين (علیه السلام) إلى داره فخرجن بناته صارخات معولات وباتوا تلک الليلة في بکاء و حزن.

وکانت أم کلثوم تبکي أباها فقال لها أمير المؤمنين (علیه السلام): بنية ما يبکيک قالت أبه أنت فخر الهاشميين وشمس الطالبيين وعضبها اليماني عزنا إذا شاهت الوجوه ذلا وجمعنا إذا الموکب الکثير قلا. فقال لها: بنية لو رأيت کما رأيت لما بکيت على أبيک قالت: ما رأيت يا أبه؟ قال: رأيت حبيبي رسول الله (صلی الله علیه و آله) هبط إلى الأرض في کتيبة من الأنبياء ورعيل من الملائکة على نجيب من نجب الجنة بأيديهم مجامر من نور أحدقوا برسول الله (صلی الله علیه و آله) قالت: يا أبه وما يريدون؟ قال: يريدون أن يزفوا روح أبيک إلى الجنة فلما سمعت ذلک صاحت وأ أبتاه، وا علياه.

والتفت علي (علیه السلام) إلى ولده الحسين (علیه السلام) فراه يبکي فقال له: ولدي تبکي على أبيک وفيه جرح واحد وکأني بک يوم عاشوراء وبدنک کله جراحات.

يگله والدمع تيار بالعين*لا تبچي يبويه او بطل الاونين

تره گلبي انصدع لجلک يلحسين*او جرح راسي عليه گام يسعر

يبويه مصيبتي ما هي عجيبه*عجيبه اسهامهم جسمک تصيبه

عجيبه من تظل زينب غريبه*او يسلبون العده ذيچه الخدر

عجيبه من تحز الگوم نحرک*عجيبه من تدوس الخيل صدرک

عجيبه من تلوذ النسه ابکترک*او جسمک بالثره اموزع امعفر

لهفي على الشيب المخضب بالدما*والصدر يا سبط الرسول مهشما

والقوم بعد حماته هتکوا الحمى*ويکبرون بأن قتلت وإنما

قتلوا بک التکبير والتهليلا

ص: 209

الليلة الحادية والعشرون: شهادة أمير المؤمنين (علیه السلام)

الليلة الحادية والعشرون (المجلس الاول)

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم و الحمدلله رب العالمین و الصلاة و السلام علی اشرف الخلق اجمعین ابالقاسم محمد و علی ال بیته الطیبن الطاهرین المعصومین المظلومین لاسیما بقیة الله فی ارضه صاحب الزمان عجل الله فرجه الشریف و العنة علی اعدائهم اجمعین الی ابد الابدین. آمین یا رب العالمین.

صلی الله علیک یا ابا الحسن یا علی ابن ابی طالب یا امیر المؤمنین، صلی الله علیک یا سید الوصیین، صلی الله علیک یا اول الناس اسلاما و اقدمهم ایمانا یا علی، صلی الله علیک یا اخ الرسول و یا زوج البتول یا ابا السبطین حسن و حسین یا صاحب البیعتین ایها الضارب بالسیفین و الطاعن بالرمحین، صلی الله علیک یا مصلی القبلتین، صلی الله علیک فارس بدر و احد و حنین لعن الله من ظلمک و لعن الله من شارک بظلمک و لعن الله من سمع بظلمک فرضی به، صلی الله علیک یا اسد الله الغالب یا علی ابن ابی طالب صلی الله علیک یا شهید المحراب و یا داحی الباب صلی الله علیک یا ابا تراب صلی الله علیک یا ابا المساکین و الارامل و الایتام. انا سلم لمن سالمک و حرب لمن حاربک، موال لمن والاک و معاد لمن عاداک و ابرء الی الله من اعداک.

أَلا يا عينُ جودي واسعدِينا*أَلا فابکي أميرَ المؤمنِينا

وابکي خيرَ مَن رَکبَ المَطايا*وحَثَّ بِها وأَقْرَى الظاعِنينا

ومَن صَامَ الهَجِيرَ وقامَ لَيْلاً*وناجَى اللهَ خيرَ الخالقِينا

إمامٌ صادقٌ بَرٌ تَقِيّ*فَقيهٌ قَدْ حَوَى عِلْمَاً وَدِينا

شُجاعٌ أشوَسٌ بَطَلٌ هُمَام*ومِقْدَامُ الأسَاوِدِ في العَرينا

فَعمرُوٌ قَادَهُ في الأسرِ لَمّا*طَغا وَسَقَى ابنَ ودٍّ منهُ حِينا

وَمَرحبُ قَدّهُ بالسيفِ قَدّا *وعَفّرَ ذا الخِمارِ على الجَبِينا

وَبَاتَ على الفِراشِ يَقي أخَاهُ*ولم يَعبَأ بِکيدِ الکافرينا

وکلُّ مَناقِبِ الخيراتِ فيه*وَحُبُّ رسولِ ربِّ العالمِينا

مضى بعدِ النبيِّ فَدَتْهُ نَفْسِي*أَبو حَسَنٍ وَخيرُ الصالحينا

الف وسفه اعله حامي الجار ينصاب*اودم الراس بالمحراب ينصاب

الماتم اله ابيوم العيد ينصاب *الإنس والجان نصبت له عزيه

يحسين خويه شلون ابونه*هالليلة اشوفه انخطف لونه

لونکم ياخوتي تقعدونه*وجرح لبراسه تشدونه

ص: 210

بهداي بس لا تألمونه*وبلکن جراحه تعالجونه

يبويه اگعد وبطل بعد ونک*يبويه نريد نشبع شوف منک

تفارقنه يبويه تريد چنک*وتخلي ديارنه منک خليه

إنا لله وإنا إليه راجعون

سخاؤه

کان الإمام (علیه السلام) من أکثر الناس برا وإحسانا إلى المحتاجين، وکان لا يرى للمال قيمة سوى أن يرد به جوع جائع أو يکسو به عريان، وکان يؤثر الفقراء على نفسه ولو کانت به خصاصة وهذه شذرات:(1)

1) أنه لما قسم بيت مال البصرة على جيشه لحق کل واحد منهم خمسمائة درهم، وأخذ هو مثل ذلک، فجاءه شخص لم يحضر الواقعة فقال له: کنت شاهدا معک بقلبي، وإن غاب عنک جسمي، فأعطني من الفيء شيئا فدفع إليه ما أخذه لنفسه، ورجع ولم يصب من الفيء شيئا.(2)

2) کان الإمام (علیه السلام) يملک أربعة دراهم تصدق بواحد ليلا، وبالثاني نهارا، وبثالث سرا وبالرابع علانية، فنزلت فيه الاية الکريمة: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)(3) هذه بعض البوادر من سخائه وجوده على الضعفاء والفقراء، يقول الشعبي: کان علي أسخى الناس، کان على الخلق الذي يحبه الله وهو السخاء والجود، ما قال "لا" لسائل قط.(4)

3) روی انه نظر رسول الله (صلی الله علیه و آله) ذات يوم إلى علي (علیه السلام) و قد أقبل و حوله جماعة من أصحابه فقال:(5) «من أراد أن ينظر إلى يوسف في جماله و إلى إبراهيم في سخائه و إلى سليمان في بهجته و إلى داود في قوته فلينظر إلى هذا.» وقد أجمع المؤرخون والمترجمون له أنه لم يکن يبغي فيما أنفقه أي غرض من أغراض الدنيا کالجاه والسمعة وذيوع الاسم، فإن ذلک لم يفکر به، وإنما کان يبغي وجه الله تعالى، وما يقربه إليه زلفى.

ص: 211


1- ([1]) شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 42
2- ([2]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج1، ص 205
3- ([3]) کشف الغمة للأربلي، ص 50
4- ([4]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج1، ص 22
5- ([5]) الأمالي، للصدوق، ص 659

عدالته

من الصفات التي تميز بها أمير المؤمنين (علیه السلام) إقامة العدل، وإيثاره على کل شيء، خصوصا في أيام خلافته، فقد تجرد عن جميع المحسوبيات، واثر رضا الله تعالى ومصلحة الأمة على کل شيء، فهو بحق صوت العدالة الإنسانية(1)،

ورائد نهضتها الإصلاحية في جميع

ص: 212


1- ([1]) الكاتب المسيحي اللبنانی "جورج جرداق" کتب کتاب فی الامام علی (علیه السلام) اسماه : "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية"، و هو موسوعة كاملة تناول من خلالها الكاتب محطات ومواقف مهمة من حياة علي بن أبي طالب (علیه السلام) ليبين فيها بأن الإمام علي هو أفضل نموذج تجلت فيه القيم الإنسانية كالعدالة والحكمة والإنصاف والشجاعة والقيادة والعلم على مر التاريخ. مقتطفات من كتاب (علي صوت العدالة الإنسانية) لجورج جرداق: علي بن أبي طالب هو في الحقيقة والتاريخ واحد، سواء عرفته أم لم تعرفه، فالتاريخ والحقيقة يذعنان بأن له ضميرا حيا وقهارا ، وأبو الشهداء والأحرار، وهو صوت العدالة الإنسانية، وشخصية الشرق الخالدة. - يا أيها العالم، ماذا سيحدث لو جمعت كل قواك وقدراتك وأعطيت الناس في كل زمان عليا بعقله وقلبه ولسانه وذو الفقاره؟ - هل سمعت عن حاكم لم يشبع نفسه برغيف خبز؟ لأن في بلاده من ينام وهو غير شبعان، وهل سمعت عن حاكم لم يلبس الملابس الناعمة؟ لأن في شعبه من يلبس الملابس الخشنة، فهو لم يكنز لنفسه حتى درهما واحدا؟ وأوصى أبنائه وأصحابه أن لا يتبعوا سوى هذه الطريقة. فحاسب أخاه لأخذه دينارا واحدا غير حقه من بيت المال، وهدد وأمر بمحاكمة حكامه بسبب رغيف خبز أخذوه من غني وأكلوه رشوة؟ هل عرفت من الخلق أميرا على زمانه ومكانه دانت له كنوز الشرق والغرب يطحن لنفسه فيأكل خبزا يابسا يكسره على ركبتيه، ويرقع خفه بيديه ولا يكتنز من دنياه كثيرا أو قليلا . لأن همه ليس إلا أن يكون للمستضعف والمظلوم والفقير نصيرا، ينصفهم من المستغلين والمحتكرين ويمسك عليهم الحياة وكريم العيش، فما يعنيه أن يشبع ويرتوي وينام هانئا وفي الأرض" من لا طمع له في القرص" وفيها" بطون غرثى وأكباد حرى" هل سألت عن حاكم يحذر أن يأكل خبزا فيشبع في مواطن يكثر فيها من لا عهد لهم بشبع، وأن يلبس ثوبا ناعما وفي أبناء الشعب من يرتدي خشن اللباس ، وأن يقتني درهما وفي الناس فقر وحاجة ، ويوصي أبناءه وأنصاره ألا يسيروا مع نفوسهم غير هذه السيرة، ثم يقاضي أخاه لمكان دينار طلبه من مال الشعب من غير بلاء، ويقاضي أعوانه ومبايعيه وولاته من أجل رغيف يأكلونه في رشوة من غني. هل عرفت إماما لدين يوصي ولاته بمثل هذا القول في الناس:" فإنهم إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق . أعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه." وسواء لدى الحقيقة والتاريخ أعرفت هذا العظيم أم لم تعرفه، فالتاريخ والحقيقة يشهدان أنه الضمير العملاق الشهيد أبو الشهداء علي ابن أبي طالب (علیه السلام) . وفي ابيات رائعة يمدح الشاعر المسيحي جورج جرداق الامام علي (علیه السلام): كلما بي عارض الخطب الم*وصماني من عنا الدهر الم رحت اشكو لعلي علتي*وعلي ملجأ من كل هم وانادي الحق في اعلامه*وعلي علم الحق الاشم فهو للظالم رعد قاصف*هو للمظلوم فينا معتصم وهو للعدل حمى قد صانه *خلق فذ وسيف وقلم من لأوطان بها العسف طغى*ولأرض فوقها الفقر جثم غير نهج عادل في حكمه *يرفع الحيف اذا الحيف حكم نقلا عن: موقع الإمامين الحسنين (علیه السلام).

الأحقاب و لقد تجرد الإمام (علیه السلام) من جميع المحسوبيات فلم يقم لها أي وزن وأخلص للحق والعدل کأعظم ما يکون الإخلاص، فالقريب والبعيد سواء في ميزانه لقد احتاط کأشد ما يکون الاحتياط في أموال الدولة، فلم يؤثر بشيء منها نفسه وأهل بيته، وحمل نفسه رهقا وشدة.(1)

ومن صنوف عدله الباهر أنه نزل ضيف عند احد اولاده، فاستقرض رطلا من العسل من قنبر خازن بيت المال، فلما قام الإمام بتقسيم العسل على المسلمين وجد زقا منها ناقصا، فسأل قنبر عن ذلک، فأخبره بالأمر، فاستدعى ولده وقال له: «ما حملک على أن تأخذ منه قبل القسمة؟» فأجابه ولده وقال: «أليس لنا فيه حق، فإذا أخذناه رددناه إليه» فقال الإمام لولده بلطف: «فداک أبوک، وإن کان لک فيه حق، فليس لک أن تنتفع بحقک قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم» ثم دفع إلى قنبر درهما، وقال له: «اشتر به أجود عسل تقدر عليه، فاشترى قنبر العسل، ووضعه الإمام في الزق وشده»(2).

جيء له بمال من أصفهان فقسمه أسباعا على أهل الکوفة وكان أهل الكوفة مقسمون علی سبع اقسام، ووجد فيها رغيفا فکسره سبعة کسر(3)،

ص: 213


1- ([1]) شذرات من حياة أمير المؤمنين (علیه السلام)، اصدار شعبة التبليغ الديني، ص 47
2- ([2]) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب، ج1، ص375
3- ([3]) وفي هذه الحادثة يقول ابن الأثير المؤرخ المعروف في وصف عدالة الإمام (علیه السلام): "إن زهده وعدله لا يمكن استقصاؤهما، وماذا يقول القائل في عدل خليفة يجد في مال جاءه من أصفهان رغيفا فيقسمه أجزاء كما قسم المال، ويجعل على كل جزء جزء، ويساوي بين الناس في العطاء، ويأخذ كأحدهم" نقلا عن أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين ج 1، ص 348.

وقسمه على زعماء هؤلاء الأسباع.(1)

هذا هو العدل الذي جعله الإمام (علیه السلام) أساسا لدولته ليسير عليها حکام المسلمين من بعده إلا أنهم شذوا وابتعدوا عن سيرته، وناقضوه، فأنفقوا أموال المسلمين على شهواتهم وملذاتهم، وأسرفوا في ذلک إلى حد بعيد.(2)

حلمه

نقلا عن مناقب ابن شهر اشوب:(3) «أن أمير المؤمنين (علیه السلام) مر بأصحاب التمر فإذا هو بجارية تبکي فقال يا جارية ما يبکيک فقال بعثني مولاي بدرهم فابتعت من هذا تمرا فأتيتهم به فلم يرضوه فلما أتيته به أبى أن يقبله قال يا عبد الله إنها خادم و ليس لها أمر فاردد إليها درهمها و خذ التمر فقام إليه الرجل فلکزه(4)

فقال الناس هذا أمير المؤمنين فربا الرجل و اصفر و أخذ التمر و رد إليها درهمها ثم قال يا أمير المؤمنين ارض عني فقال ما أرضاني عنک إن أصل